التفسير المحرر

التفسير المحرر

قَالَ فَمَا خَطْبُكُمْ أَيُّهَا الْمُرْسَلُونَ

اللغة: العربية
إعداد:
الإصدار: 1.0
ترجمات 0
المرفقات 7
PDF
Audio
Video
+3

قَالَ فَمَا خَطْبُكُمْ أَيُّهَا الْمُرْسَلُونَ

قال إبراهيمُ للمَلائكةِ: فما الشَّأنُ الخَطيرُ الَّذي أرسَلَكم اللهُ مِن أجْلِه؟

قَالُوا إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمٍ مُجْرِمِينَ

قالوا له: إنَّا أرسَلَنا اللهُ إلى قَومٍ كافِرينَ فاسِدينَ، وهم قَومُ لُوطٍ عليه السَّلامُ

لِنُرْسِلَ عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِنْ طِينٍ

لنُمطِرَ عليهم مِنَ السَّماءِ حِجارةً أصلُها مِن طينٍ، فنَرجُمَهم بها

مُسَوَّمَةً عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُسْرِفِينَ

حِجارةً مُعلَّمةً عندَ اللهِ تعالى، قد أُعِدَّت لأولئك القَومِ الَّذين تعَدَّوا حُدودَ اللهِ

فَأَخْرَجْنَا مَنْ كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ

فلَمَّا أرَدْنا إهلاكَ قَومِ لُوطٍ أخرَجْنا مَن كان في بَلَدِهم مِنَ المُؤمِنينَ باللهِ تعالى

فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ

فما وَجَدْنا في تلك القَريةِ غَيرَ أهلِ بَيتٍ واحِدٍ مِن أهلِ الإسلامِ

وَتَرَكْنَا فِيهَا آَيَةً لِلَّذِينَ يَخَافُونَ الْعَذَابَ الْأَلِيمَ

وأبقَيْنا في تلك القَريةِ عَلامةً دالَّةً على سُوءِ عاقِبةِ أهلِها، للَّذين يخافونَ عَذابَ اللهِ المُؤلِمَ المُوجِعَ، فيَستَدِلُّونَ بذلك على قُدرةِ اللهِ تعالى وانتِقامِه مِن المُجرِمينَ، ويَعتَبِرونَ ويتَّعِظونَ

وَفِي مُوسَى إِذْ أَرْسَلْنَاهُ إِلَى فِرْعَوْنَ بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ

وفي قِصَّةِ مُوسى آيةٌ وعِبرةٌ حينَ أرسَلْناه إلى فِرعَونَ بحُجَّةٍ واضِحةٍ ظاهِرةٍ دالَّةٍ على صِدقِه

فَتَوَلَّى بِرُكْنِهِ وَقَالَ سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ

فأعرَضَ فِرعَونُ عن الحقِّ واتِّباعِه، مُستَقْوِيًا بجُنْدِه الَّذين يَعتمِدُ عليهم، ويَركَنُ إليهم في شَدائِدِه، وقال فِرعَونُ: إمَّا أنَّ موسى ساحِرٌ يَسحَرُ النَّاسَ، أو هو مَجنونٌ لا عَقْلَ له!

فَأَخَذْنَاهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ وَهُوَ مُلِيمٌ

فأخَذْنا فِرعَونَ وجُنودَه، فطَرَحْناهم في البَحرِ، فغَرِقوا والحالُ أنَّ فِرعَونَ قد أتَى بما يُلامُ عليه مِنَ الكُفرِ والظُّلمِ، فاستحقَّ عذابَ اللهِ تعالى

وَفِي عَادٍ إِذْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الرِّيحَ الْعَقِيمَ

وفي قِصَّةِ عادٍ آيةٌ وعِبرةٌ حينَ أرسَلْنا عليهم الرِّيحَ الشَّديدةَ الَّتي لا خَيرَ ولا بَرَكةَ فيها؛ فلا تُلقِحُ شَجَرًا، ولا تَسوقُ مَطَرًا

مَا تَذَرُ مِنْ شَيْءٍ أَتَتْ عَلَيْهِ إِلَّا جَعَلَتْهُ كَالرَّمِيمِ

ما تَترُكُ تلك الرِّيحُ العَقيمُ شَيئًا ممَّا تمُرُّ عليه إلَّا صَيَّرَتْه كالشَّيءِ البالي اليابِسِ المُفتَّتِ!

وَفِي ثَمُودَ إِذْ قِيلَ لَهُمْ تَمَتَّعُوا حَتَّى حِينٍ

وفي قِصَّةِ ثَمودَ آيةٌ وعِبرةٌ حينَ قال لهم نَبيُّهم صالحٌ: تَمتَّعوا في الدُّنيا إلى وَقتِ انتِهاءِ آجالِكم!

فَعَتَوْا عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ وَهُمْ يَنْظُرُونَ

فتَرَك كُفَّارُ ثَمودَ أمْرَ اللهِ، وأعرَضوا عن امتِثالِه؛ تكَبُّرًا منهم، فأخَذَتْهم صاعِقةُ العَذابِ والحالُ أنَّهم يَنظُرونَ إلى عُقوبةِ اللهِ النَّازِلةِ بهم!

فَمَا اسْتَطَاعُوا مِنْ قِيَامٍ وَمَا كَانُوا مُنْتَصِرِينَ

فما استَطاعوا أن يَفِرُّوا مِن عَذابِ اللهِ، ولا أن يَدفَعوه عن أنفُسِهم!وما كان كُفَّارُ ثَمودَ قادِرينَ على الانتِصارِ بأيِّ وَسيلةٍ كانت!

وَقَوْمَ نُوحٍ مِنْ قَبْلُ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ

وأهلَكْنا قَومَ نُوحٍ مِن قَبلِ تلك الأُمَمِ؛ فهم أوَّلُ مَن كذَّبوا بالحَقِّ، إنَّهم كانوا قومًا كافِرينَ عُصاةً، خارِجينَ عن طاعةِ اللهِ تعالى

وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ

وبَنَيْنا السَّماءَ بقوَّةٍ وقُدرةٍ عَظيمةٍ، وإنَّا لَموسِعونَ لأرجاءِ السَّماءِ، موسِعونَ على خَلقِنا بالرِّزقِ، قادِرونَ على خَلقِ ما نشاءُ خَلْقَه

وَالْأَرْضَ فَرَشْنَاهَا فَنِعْمَ الْمَاهِدُونَ

وبَسَطْنا الأرضَ وجعَلْناها كالفِراشِ؛ لِيَسهُلَ على الخَلْقِ الانتِفاعُ بها، فنِعْمَ الماهِدونَ نحنُ؛ حيث جعَلْنا الأرضَ مَهْدًا لأهْلِها، بتَسويتِها وإصلاحِها!

وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ

وخَلَقْنا مِن كُلِّ شَيءٍ صِنفَينِ؛ لعَلَّكم تَتذَكَّرونَ بذلك وَحدانيَّةَ اللهِ تعالى، وكَمالَ قُدرتِه، وحكمتِه إلى غيرِ ذلك

فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ

قُلْ -يا محمَّدُ- لِقَومِك: فاهرُبوا إلى اللهِ تعالى؛ بالإيمانِ به، والعَمَلِ بطاعتِه، والتَّوبةِ إليه، والتَّوكُّلِ عليه، إنِّي لكم مِنَ اللهِ نَذيرٌ واضِحُ النِّذارةِ، فأُحَذِّرُكم وأخَوِّفُكم عِقابَه على الكُفرِ به ومَعصيتِه!

وَلَا تَجْعَلُوا مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آَخَرَ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ

ولا تَجعَلوا مع اللهِ مَعبودًا آخَرَ، بل أخْلِصوا له العِبادةَ، إنِّي لكم مِنَ اللهِ نَذيرٌ واضِحُ النِّذارةِ، فأُحَذِّرُكم وأُخَوِّفُكم مِن عِبادتِكم غَيرَه

كَذَلِكَ مَا أَتَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا قَالُوا سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ

مِثْلَ ما كذَّبَتْ قُرَيشٌ نَبِيَّها ووصَفَتْه بأوصافٍ باطِلةٍ كَذَّبَ كُفَّارُ الأُمَمِ الماضيةِ مِن قبْلِ قُرَيشٍ رُسُلَهم، فقالت كُلُّ أُمَّةٍ منهم لِرَسولِهم: هو ساحِرٌ أو مَجنونٌ!

أَتَوَاصَوْا بِهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ

هل أوصَى الكُفَّارُ بَعضُهم بَعضًا بذلك القَولِ، فاتَّفَقت كَلِمتُهم على تَكذيبِ رُسُلِهم، ووَصْفِهم بالسِّحرِ أو الجُنونِ؟ !لم يُوصِ الكُفَّارُ بَعضُهم بَعضًا بذلك، وإنَّما اتَّفَقَت أقوالُهم في هذا الشَّأنِ؛ لاشتِراكِهم في صِفةِ الطُّغيانِ، فجَميعُهم مُتعَدُّونَ أمْرَ اللهِ، مُتجاوِزونَ لحُدودِه

فَتَوَلَّ عَنْهُمْ فَمَا أَنْتَ بِمَلُومٍ

فأعرِضْ -يا محمَّدُ- عن هؤلاء المكَذِّبينَ المُعانِدينَ للحَقِّ رَغْمَ ظُهورِه، وقيامِ الحُجَّةِ عليهم، فلَسْتَ بمَلُومٍ مِنَ اللهِ؛ فقد بلَّغْتَهم رِسالةَ رَبِّهم، ونصَحْتَ لهم، ولم يقَعْ مِنك تَفريطٌ في دَعوتِهم

وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ

وذكِّرْ -يا محمَّدُ- فإنَّ التَّذكيرَ يَنفَعُ حَقًّا أهلَ الإيمانِ

وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ

وما خَلَقْتُ الجِنَّ والإنسَ إلَّا مِن أجْلِ عِبادتي وَحْدي؛ لِيَتذلَّلوا ويَخضَعوا لي بطاعتي

مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ

ما أُريدُ مِن الجِنِّ والإنسِ أيَّ رِزقٍ؛ لا لي، ولا لأنفُسِهم، ولا لغيرِهم، ولا أريدُ منهم أن يُطعِموني؛ لأنِّي مُنزَّهٌ عن الأكلِ، ولا أن يُطعِموا أنفُسَهم ولا غيرَهم، فلْيَشتَغِلوا بعبادتي

إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ

إنَّ اللهَ وَحْدَه هو الرَّزَّاقُ لجَميعِ خَلْقِه؛ فهم المُحتاجُونَ إليه في جميعِ أحوالِهم

فَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذَنُوبًا مِثْلَ ذَنُوبِ أَصْحَابِهِمْ فَلَا يَسْتَعْجِلُونِ

فإنَّ للَّذينَ ظَلَموا فأشرَكوا باللهِ مِن قُرَيشٍ أو غَيرِهم نَصيبًا وافِرًا مِن عذابِ اللهِ تعالى مِثلَ نَصيبِ أمثالِهم مِن كُفَّارِ الأُمَمِ الماضيةِ؛ فلا يَستعجِلوني بالعَذابِ؛ فإنَّه نازِلٌ بهم في وَقتِه المُقَدَّرِ له لا مَحالةَ

فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ يَوْمِهِمُ الَّذِي يُوعَدُونَ

فعَذابٌ وهَلاكٌ للَّذينَ كَفَروا بالحَقِّ مِنَ اليَومِ الَّذي وعَدَهم اللهُ بنُزولِ العَذابِ فيه!

الطور

وَالطُّورِ

أُقسِمُ بجَبَلِ طُورِ سَيناءَ الَّذي كلَّم اللهُ عليه موسى عليه السَّلامُ

وَكِتَابٍ مَسْطُورٍ

وأُقسِمُ بكِتابٍ مُسطَّرٍ مَكتوبٍ

فِي رَقٍّ مَنْشُورٍ

والكِتابِ المَسطورِ في وَرَقٍ مَبسوطٍ غيرِ مَطْويٍّ، وهو القرآنُ

وَالْبَيْتِ الْمَعْمُورِ

وأُقسِمُ بالبيتِ المعمورِ بالملائِكةِ في السَّماءِ

وَالسَّقْفِ الْمَرْفُوعِ

وأُقسِمُ بالسَّماءِ الَّتي رفَع اللهُ بُنْيانَها، وجعَلَها سَقفًا للأرضِ مِن جميعِ جَوانِبِها

وَالْبَحْرِ الْمَسْجُورِ

وأُقسِمُ بالبَحرِ المملوءِ ماءً، الممنوعِ مِن أن يفيضَ على وجهِ الأرضِ فيُغرِقَ أهلَها

إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ لَوَاقِعٌ

أُقسِمُ بتلك الأشياءِ على أنَّ عذابَ ربِّك -يا محمَّدُ- لَواقِعٌ ونازِلٌ حَتمًا بمَن يَستحِقُّه

مَا لَهُ مِنْ دَافِعٍ

ما لِذلك العَذابِ مِن دافعٍ يَدفَعُه عن أهلِه، فيُنقِذُهم منه!

يَوْمَ تَمُورُ السَّمَاءُ مَوْرًا

يومَ تتحَرَّكُ السَّماءُ وتَضطَرِبُ، وتَذهَبُ وتَجيءُ، وذلك كائِنٌ يومَ القِيامةِ!

وَتَسِيرُ الْجِبَالُ سَيْرًا

وتَذهَبُ الجِبالُ وتَزولُ عن أماكِنِها، فتَصيرُ هَباءً!

فَوَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ

فعَذابٌ وهَلاكٌ شَديدٌ في ذلك اليَومِ للمُكَذِّبينَ بالحَقِّ!

الَّذِينَ هُمْ فِي خَوْضٍ يَلْعَبُونَ

الَّذين هم في الدُّنيا مُنغَمِسونَ في الباطِلِ، فيَتخَبَّطونَ فيه بأقوالِهم وأفعالِهم، غافِلونَ عن الآخِرةِ

يَوْمَ يُدَعُّونَ إِلَى نَارِ جَهَنَّمَ دَعًّا

يَومَ يُدفَعُونَ إلى نارِ جَهنَّم دَفعًا شَديدًا عَنيفًا!

هَذِهِ النَّارُ الَّتِي كُنْتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ

ويُقالُ لهم: هذه هي النَّارُ الَّتي كُنتُم في الدُّنيا تُكذِّبونَ بها

أَفَسِحْرٌ هَذَا أَمْ أَنْتُمْ لَا تُبْصِرُونَ

أهذا الَّذي تَرَونَه الآنَ سِحرٌ لا حقيقةَ له، أم أنتم لا تُبصِرونَه بأعيُنِكم؟!

اصْلَوْهَا فَاصْبِرُوا أَوْ لَا تَصْبِرُوا سَوَاءٌ عَلَيْكُمْ إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ

ادخُلوا النَّارَ وذُوقُوا حَرَّها، فسَواءٌ عليكم الصَّبرُ والجَزَعُ؛ فإنَّكم لن تَنتَفِعوا في جميعِ الأحوالِ بالصَّبرِ ولا بالجَزَعِ! إنَّما تُعذَّبونَ في النَّارِ بسَبَبِ ما كنتُم تَعمَلونَه في الدُّنيا مِنَ الكُفرِ والتَّكذيبِ؛ فالأمرُ جارٍ عليكم بالعَدلِ، ولم يَظلِمْكم اللهُ شَيئًا!

إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَعِيمٍ

إنَّ الَّذين اتَّقوا سَخَطَ اللهِ وعَذابَه، بامتِثالِ ما أمَرَ به، واجتِنابِ ما نهى عنه: في جناتٍ ونَعيمٍ عَظيمٍ في الآخِرةِ

فَاكِهِينَ بِمَا آَتَاهُمْ رَبُّهُمْ وَوَقَاهُمْ رَبُّهُمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ

مُعجَبينَ بما أعطاهم رَبُّهم في الجنَّةِ مِنَ النَّعيمِ، ومُتَمتِّعينَ به، فَرِحينَ مَسرورينَ بذلك، وقد نجَّاهم اللهُ مِن عذابِ النَّارِ

كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ

يُقالُ للمُتَّقينَ: كُلُوا مِن طَعامِ الجنَّةِ، واشرَبوا مِن شَرابِها، مُتهَنِّئينَ بذلك بلا أذًى ولا تنغيصٍ، ولا نَكَدٍ ولا كَدَرٍ؛ بسَبَبِ ما كنتُم تَعمَلونَه في الدُّنيا مِنَ الصَّالحاتِ

مُتَّكِئِينَ عَلَى سُرُرٍ مَصْفُوفَةٍ وَزَوَّجْنَاهُمْ بِحُورٍ عِينٍ

مُتَّكِئينَ على سُرُرٍ قد جُعِلَت صُفوفًا، وزوَّجْنا المتَّقينَ بنِساءٍ بِيضٍ، شَديدٍ سوادُ أعيُنهِنَّ وبَياضُها، عظيماتِ الأعيُنِ معَ حُسنِها واتِّساعِها

وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ

والَّذين آمَنوا ألحَقْنا بِهم أولادَهم الَّذين اتَّبَعوهم على الإيمانِ، فجعَلْناهم معهم في دَرَجاتِهم في الجنَّةِ، وإنْ لم يَعمَلوا كعَمَلِ آبائِهم، وما نَقَصْنا الآباءَ مِن أُجورِ أعمالِهم الصَّالِحةِ شَيئًا حينَ جعَلْنا ذُرِّيَّتَهم معهم في الجنَّةِ!كُلُّ نفْسٍ تَنالُ جَزاءَها وَفْقَ ما عَمِلَت في الدُّنيا، وكُلُّ إنسانٍ يُعاقَبُ بذُنوبِه، ولا يُؤاخَذُ بذَنْبِ غَيرِه ولو كان مِن أقارِبِه

وَأَمْدَدْنَاهُمْ بِفَاكِهَةٍ وَلَحْمٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ

وزِدْنا المؤمِنينَ في الجنَّةِ مِن فَضْلِنا، فأعطَيْناهم فاكِهةً ولَحمًا مِمَّا يَشتَهونَه ويَستَلِذُّونَه

يَتَنَازَعُونَ فِيهَا كَأْسًا لَا لَغْوٌ فِيهَا وَلَا تَأْثِيمٌ

يَتعاطَونَ فيها كأسَ الشَّرابِ المملوءةَ بالخَمرِ،لا يَقَعُ منهم بسَبَبِ الشُّربِ هَذَيانٌ وكَلامٌ لا فائِدةَ منه، ولا يأثَمُ شارِبُها بِشُرْبِها، ولا يُؤثِّمُه أحدٌ، ولا يحْمِلُه شُرْبُها على أنْ يَفعلَ إثْمًا، بخِلافِ خَمْرِ الدُّنيا

وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ غِلْمَانٌ لَهُمْ كَأَنَّهُمْ لُؤْلُؤٌ مَكْنُونٌ

ويَطوفُ على المُؤمِنينَ في الجنَّةِ غِلمانٌ لخِدمتِهم، وهم في حُسْنِهم وبياضِهم، وصَفائِهم وبهائِهم ونظافتِهم: مِثلُ اللُّؤلؤِ المَصُونِ في صَدَفِه

وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ

وأقبَلَ بَعضُ أهلِ الجنَّةِ على بَعضٍ يتحادَثونَ فيما بَيْنَهم، ويَتساءَلونَ عن أحوالِهم الَّتي كانوا عليها في الدُّنيا

قَالُوا إِنَّا كُنَّا قَبْلُ فِي أَهْلِنَا مُشْفِقِينَ

قال بَعضُهم لِبَعضٍ: إنَّا كُنَّا في الدُّنيا بيْنَ أهلِنا خائِفينَ وحَذِرينَ مِن عَذابِ اللهِ يومَ القيامةِ!

فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا وَوَقَانَا عَذَابَ السَّمُومِ

فمَنَّ اللهُ علينا بفَضلِه فهَدانا، ونجَّانا مِن عَذابِ النَّارِ

إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلُ نَدْعُوهُ إِنَّهُ هُوَ الْبَرُّ الرَّحِيمُ

إنَّا كُنَّا في الدُّنيا نَدعو اللهَ تعالى وَحْدَه دعاءَ عبادةٍ ودعاءَ مسألةٍ، ونتضَرَّعُ إليه؛ فأجاب دُعاءَنا فوَقانا عذابَ السَّمومِ، وأدخَلَنا دارَ النَّعيمِ، إنَّ اللهَ تعالى هو اللَّطيفُ بعبادِه، الواسِعُ الإحسانِ إليهم، البالِغُ الرَّحمةِ بهم

فَذَكِّرْ فَمَا أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِكَاهِنٍ وَلَا مَجْنُونٍ

فذكِّرِ النَّاسَ -يا محمَّدُ- بالقُرآنِ؛ فلَسْتَ -بإنعامِ اللهِ عليك- بكاهِنٍ تدَّعي عِلمَ الغَيبِ، ولستَ بمَجنونٍ فاقدٍ للعَقلِ كما يَزعُمونَ، بلْ ما تَقولُه وَحْيٌ مِنَ اللهِ تعالى

أَمْ يَقُولُونَ شَاعِرٌ نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ الْمَنُونِ

أم يَقولُ مُشرِكو قُرَيشٍ: مُحمَّدٌ شاعِرٌ ننتَظِرُ به حوادِثَ الدَّهرِ وقوارِعَه، فيَموتُ ويَهلِكُ كما هَلكَ مَن قَبْلَه مِنَ الشُّعراءِ، ونَستريحُ منه ومِن شَأنِه؟!

قُلْ تَرَبَّصُوا فَإِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُتَرَبِّصِينَ

قُلْ -يا محمَّدُ- لأولئك المُشرِكينَ: انتَظِروا ما يُصيبُني مِنَ الهَلاكِ؛ فإنِّي أيضًا مِنَ المُنتَظِرينَ ما يُصيبُكم مِن عذابِ اللهِ، وسنَعلَمُ لِمَن تكونُ العاقِبةُ الحَسَنةُ!

أَمْ تَأْمُرُهُمْ أَحْلَامُهُمْ بِهَذَا أَمْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ

هل أمَرَتْهم عُقولُهم بهذا التَّكذيبِ للرَّسولِ، ووَصْفِه بالباطِلِ؟!أمْ هم قَومٌ تجاوَزوا حُدودَ اللهِ، فحَمَلَهم طُغيانُهم هذا على تَكذيبِ الرَّسولِ، ورَمْيِه بالباطِلِ؟!

أَمْ يَقُولُونَ تَقَوَّلَهُ بَلْ لَا يُؤْمِنُونَ

أم يَقولُونَ: اختَلَق محمَّدٌ القُرآنَ مِن تِلْقاءِ نَفْسِه، ونَسَبَه إلى اللهِ تعالى كَذِبًا؟! ليس الأمرُ كما يَقولُونَ، بل هم غَيرُ مُؤمِنينَ بالحَقِّ الَّذي جاءَهم مِنَ اللهِ تعالى، ولو آمَنوا لَمَا قالوا ما قالوا

فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ إِنْ كَانُوا صَادِقِينَ

فلْيَأْتِ المُشرِكونَ بمِثْلِ هذا القُرآنِ إن كانوا صادِقينَ في دَعواهم أنَّ مُحمَّدًا افتَراه وتقَوَّلَه مِن عندِ نَفْسِه، فإنْ عَجَزوا عن ذلك فإنَّهم كاذِبونَ

أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ

أم خُلِق أولئك المُشرِكونَ مِن غَيرِ خالِقٍ يَخلُقُهم؟!أم هم الخالِقونَ لأنفُسِهم أو لِغَيرِهم مِنَ المخلوقاتِ؟!

أَمْ خَلَقُوا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بَل لَا يُوقِنُونَ

أمْ هم الَّذين خَلَقوا السَّمَواتِ والأرضَ؟! لم يَخلُقِ المُشرِكونَ ذلك، ولكِنْ عَدَمُ يَقينِهم بالحَقِّ هو الَّذي حمَلَهم على تَرْكِه، والوُقوعِ في الباطِلِ

أَمْ عِنْدَهُمْ خَزَائِنُ رَبِّكَ أَمْ هُمُ الْمُسَيْطِرُونَ

أم عندَ أولئك المُشرِكينَ خزائنُ الله -يا محمَّدُ- مِن الرَّحمةِ والأرزاقِ وغيرِ ذلك؟! أم هم المُتسَلِّطونَ في الدُّنيا بتدبيرِ الأُمورِ، وقَهرِ النَّاسِ، والتَّصَرُّفِ في إعطائِهم ومَنْعِهم؟!

أَمْ لَهُمْ سُلَّمٌ يَسْتَمِعُونَ فِيهِ فَلْيَأْتِ مُسْتَمِعُهُمْ بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ

أم لهم سُلَّمٌ يَصعَدونَ به إلى السَّماءِ؛ لِيَستَمِعوا فيه إلى الوَحيِ أو الغَيبِ؟! فلْيَأْتِ مَن استَمَعَ منهم إذَنْ بحُجَّةٍ ظاهِرَةٍ تُبَيِّنُ أنَّهم على الحَقِّ فيما يَدَّعُونَ

أَمْ لَهُ الْبَنَاتُ وَلَكُمُ الْبَنُونَ

أمْ للهِ -سُبحانَه- البَناتُ، كما ادَّعيتُم وزَعمتُم أنَّ الملائِكةَ بَناتُ اللهِ، ولكم البَنونَ الَّذين تُفَضِّلونَهم على البَناتِ، فنَسَبتُم إلى اللهِ تعالى الأنقَصَ لَدَيكم؟!

أَمْ تَسْأَلُهُمْ أَجْرًا فَهُمْ مِنْ مَغْرَمٍ مُثْقَلُونَ

أم تَسألُهم -يا محمَّدُ- مالًا مُقابِلَ دَعوتِك لهم إلى الحَقِّ، أو انقيادِهم إليه؛ فهم بسَبَبِ مَشقَّةِ ما كلَّفْتَهم مِن أموالٍ لا يَستَجيبونَ لك؟!

أَمْ عِنْدَهُمُ الْغَيْبُ فَهُمْ يَكْتُبُونَ

أم عِندَ المُشرِكينَ عِلمُ ما غاب عنِ النَّاسِ، فهم يَكتُبونَه؟!

أَمْ يُرِيدُونَ كَيْدًا فَالَّذِينَ كَفَرُوا هُمُ الْمَكِيدُونَ

أم يُريدُ أولئك أن يَكيدوا كَيدًا يُبطِلونَ به الحَقَّ؟! فالَّذين كَفَروا هم الَّذين يُكادُ بهم في الحَقيقةِ، ووَبالُ كَيدِهم عائِدٌ على أنفُسِهم

أَمْ لَهُمْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ

أم لهم مَعبودٌ آخَرُ غَيرُ اللهِ يَستَحِقُّ العِبادةَ، فهم يَعبُدونَه؟! تنزَّه اللهُ عن أن يكونَ له شَريكٌ في العِبادةِ

وَإِنْ يَرَوْا كِسْفًا مِنَ السَّمَاءِ سَاقِطًا يَقُولُوا سَحَابٌ مَرْكُومٌ

وإنْ يَرَ المُشرِكونَ قِطَعًا من السَّماءِ ساقِطةً عليهم، يقولوا: هذا سَحابٌ تراكَم بعضُه على بَعضٍ، ولا يُؤمِنوا بأنَّه عذابٌ مِنَ اللهِ تعالى!

فَذَرْهُمْ حَتَّى يُلَاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي فِيهِ يُصْعَقُونَ

فاترُكْ -يا محمَّدُ- هؤلاء المُشرِكينَ المُعانِدينَ حتَّى يُلاقُوا اليَومَ الَّذي فيه يموتونَ ويهلكونَ

يَوْمَ لَا يُغْنِي عَنْهُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ

يومَ لا يَنفَعُهم كَيدُهم الَّذي كادوا به الحَقَّ شَيئًا! ولا أحدَ ينصرُهم؛ فيُنجِيهم وينقذهم مِن العَذابِ!

وَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا عَذَابًا دُونَ ذَلِكَ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ

وإنَّ للَّذين ظَلَموا أنفُسَهم بالكُفرِ باللهِ تعالى عَذابًا قبْل ذلك اليَومِ، ولكِنَّ أكثَرَ الكافِرينَ لا يَعلَمونَ ما سيَصيرونَ إليه مِنَ العَذابِ الواقِعِ بهم لا مَحالةَ!

وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ

واصبِرْ -يا محمَّدُ- لِحُكمِ ربِّك القَدَريِّ -ممَّا قدَّره عليك مِن ظُلمٍ يُصيبُك، وأذًى يَنالُك- ولحُكمِه الشَّرعيِّ؛ بلُزومِه، والاستقامةِ عليه، وتبليغِ رسالةِ الله؛ فإنَّك بمَرأًى مِنَّا، نَحوطُك ونَحفَظُك مِن كُلِّ سُوءٍ وكَيدٍ، ونزِّهْ ربَّك -يا محمَّدُ- عن النَّقائِصِ تَنزيهًا مُقتَرِنًا بوَصفِه بصِفاتِ الكَمالِ مَحبَّةً وتَعظيمًا له؛ حينَ تَقومُ

وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَإِدْبَارَ النُّجُومِ

وسَبِّحْ رَبَّك -يا محمَّدُ- في بَعضِ أوقاتِ اللَّيلِ، وسبِّحْه أيضًا حينَ تَميلُ النُّجومُ للمَغِيبِ

النجم

وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى

أُقسِمُ بالنَّجْمِ إذا سَقَط

مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى

ما حادَ صاحِبُكم محمَّدٌ -يا قُرَيشُ- عن الحَقِّ، وما زالَ عن اعتِقادِه والإيمانِ به، وما صار غاوِيًا مُتَّبِعًا لِهَواه، بل هو مُهْتَدٍ في عِلْمِه، راشِدٌ في عَمَلِه

وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى

وما يَصدُرُ كَلامُ مُحمَّدٍ -صلَّى اللهُ عليه وسلَّم- عن هَوًى في نَفْسِه

إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى

ما نُطقُ مُحمَّدٍ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم في الدِّينِ إلَّا وَحْيٌ يُوحِيه اللهُ إليه، فيَتَّبِعُه في نَفْسِه، ويُبَلِّغُه لِغَيرِه دونَ زيادةٍ أو نَقصٍ

عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى

علَّم مُحمَّدًا صلَّى اللهُ عليه وسلَّم هذا القُرآنَ جِبريلُ -عليه السَّلامُ- الشَّديدُ القُوى

ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوَى

وجِبريلُ ذو جِسمٍ قَويٍّ صَحيحٍ، سالمٍ مِنَ النَّقصِ، حَسَنُ الخَلْقِ، جَميلٌ ظاهِرًا وباطِنًا، فارتَفَع وعلا في السَّماءِ على صُورتِه الحَقيقيَّةِ

وَهُوَ بِالْأُفُقِ الْأَعْلَى

وجِبريلُ في ناحيةِ السَّماءِ العُليا

ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى

ثمَّ اقتَرَب جِبريلُ مِن مُحمَّدٍ -صلَّى اللهُ عليه وسلَّم- وتدَلَّى إليه، فاقتَرَب منه أكثَرَ حِينَ هَبَط إليه مِنَ السَّماءِ إلى الأرضِ؛ لِيُوحِيَ إليه ما شاء اللهُ

فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى

فكان مِقدارُ مَسافةِ قُربِ جِبريلَ مِن مُحمَّدٍ -صلَّى اللهُ عليه وسلَّم- قَدْرَ قَوسَينِ، أو هو أقرَبُ إليه مِن ذلك!

فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى

فأوحى جِبريلُ إلى عبدِ اللهِ مُحمَّدٍ -صلَّى اللهُ عليه وسلَّم- ما أوحاه إليه مِنَ اللهِ تعالى

مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى

ما كَذَب قَلبُ مُحمَّدٍ -صلَّى اللهُ عليه وسلَّم- ما رآه ببَصَرِه، بل صَدَقَه، وتحَقَّقَه وعَلِمَه يَقينًا

أَفَتُمَارُونَهُ عَلَى مَا يَرَى

أفتُجادِلونَ مُحمَّدًا -يا كُفَّارَ قُرَيشٍ- على ما أخبَرَكم أنَّه رآه لَيلةَ الإسراءِ؟!

وَلَقَدْ رَآَهُ نَزْلَةً أُخْرَى

ولقد رأى محمَّدٌ جِبريلَ مرَّةً أُخرى على صُورتِه الحَقيقيَّةِ الَّتي خلَقَه اللهُ عليها

عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى

رأى محمَّدٌ جِبريلَ عندَ شَجَرةِ نَبْقٍ عَظيمةٍ في السَّماءِ تُسمَّى سِدرةَ المنتهَى

عِنْدَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى

عِندَ شَجَرةِ سِدْرةِ المُنتَهى الجنَّةُ الَّتي يَأوي ويَصيرُ إليها المُؤمِنونَ يومَ القيامةِ

إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى

رأى محمَّدٌ جِبريلَ حينَ غَشِيَ سِدْرةَ المُنتَهى ما غَشِيَها مِن أمْرِ اللهِ تعالى!

مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى

ما مالَ بَصَرُ مُحمَّدٍ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يَمينًا ولا شِمالًا، ولا تجاوَزَ الحدَّ الَّذي رآه

لَقَدْ رَأَى مِنْ آَيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى

لقد رأى محمَّدٌ -صلَّى اللهُ عليه وسلَّم- لَيلةَ الإسراءِ والمعراجِ مِن آياتِ رَبِّه وعجائِبِ مُلكِه الآياتِ الكُبرى

أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى

أفرأيتُم -أيُّها المُشرِكونَ- اللَّاتَ والعُزَّى

وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى

ومَناةَ الثَّالِثةَ الأُخرى، الَّتي تَعبُدونَها مِن دونِ اللهِ، وتَزعُمونَ أنَّها بَناتٌ للهِ تعالى؟

أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنْثَى

أتختارونَ لأنفُسِكم -أيُّها المُشرِكونَ- صِنفَ الذُّكورِ مِنَ الأولادِ، فتُفَضِّلونَهم على الإناثِ، وتَنسُبونَ للهِ تعالى الإناثَ اللَّاتي تَكرهونَهنَّ ولا تَرضَونَ بهنَّ بناتٍ لكم؟!

تِلْكَ إِذًا قِسْمَةٌ ضِيزَى

قِسْمتُكم تلك -أيُّها المُشرِكونَ- قِسْمةٌ جائِرةٌ ظالِمةٌ مائِلةٌ عن الحَقِّ والصَّوابِ!

إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآَبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الْأَنْفُسُ وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمُ الْهُدَى

ما هذه الأسماءُ الَّتي سَمَّيتُم بها أصنامَكم -اللَّاتَ والعُزَّى ومَناةَ- إلَّا أسماءٌ لا معانيَ تَحتَها، ولا حَقيقةَ لها، وإنَّما اختَرَعْتُموها أنتم وآباؤُكم، وزَعمتُم أنَّها آلِهةٌ، وادَّعيتُم أنَّها بناتُ اللهِ !وما أنزل اللهُ بذلك مِن حُجَّةٍ ولا بُرهانٍ يدُلُّ على ما زَعمتُم وادَّعيتُم بشَأنِها! ما يتَّبِعُ المُشرِكونَ إلَّا الوَهمَ وما تَميلُ إليه أنفُسُهم مِنَ الباطِلِ، بلا عِلمٍ ويقينٍ، ولا حُجَّةٍ وبُرهانٍ، ولقد جاء أولئك المُشرِكينَ الهُدى مِن رَبِّهم؛ إذ أنزَلَ عليهم القُرآنَ وفيه الأمرُ بعِبادةِ اللهِ وَحْدَه، وبيانُ الحَقِّ مِنَ الباطِلِ

أَمْ لِلْإِنْسَانِ مَا تَمَنَّى

أم للإنسانِ ما يَتمنَّاه ويَشتَهيه مِنَ الخَيرِ؟!

فَلِلَّهِ الْآَخِرَةُ وَالْأُولَى

فلِلَّهِ وَحْدَه مُلكُ الآخِرةِ والدُّنيا، وله وَحْدَه مُطلَقُ التَّصَرُّفِ فيهما؛ فيُعطي مَن يَشاءُ ما شاء، ويَمنَعُ مَن يشاءُ ما شاء؛ فالأمرُ كما يُريدُ الرَّحمنُ، لا كما يَتمنَّى الإنسانُ

وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لَا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى

وما أكثَرَ الملائِكةَ الَّذين في السَّمَواتِ، ولا تَنفَعُ شَفاعتُهم شَيئًا إلَّا مِن بَعدِ أن يأذَنَ اللهُ في الشَّفاعةِ لِمَن يَشاءُ منهم، وبَعْدَ رِضاه عن المَشفوعِ لهم الَّذين هم مِن أهلِ التَّوحيدِ!

إِنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآَخِرَةِ لَيُسَمُّونَ الْمَلَائِكَةَ تَسْمِيَةَ الْأُنْثَى

إنَّ الَّذين لا يُؤمِنونَ بالآخِرةِ لَيُسَمُّونَ مَلائكةَ اللهِ إناثًا، ويَزعُمونَ أنَّهم بَناتُ اللهِ سُبحانَه!

وَمَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا

وما للمُشرِكينَ بادِّعائِهم أنَّ الملائِكةَ بَناتُ اللهِ مِن عِلمٍ صَحيحٍ يَعتَمِدونَ عليه في إثباتِ صِحَّةِ دَعواهم؛ كمُشاهَدةٍ لخَلْقِهم، أو قِراءةِ ذلك في كِتابٍ مِن كُتُبِ اللهِ، أو سَماعِ رَسولٍ يُخبِرُهم بصِدقِ ما يَزعُمونَ، ما يَتَّبِعونَ في زَعْمِهم هذا إلَّا الوَهمَ الكاذِبَ بغَيرِ عِلمٍ ولا يَقينٍ! وإنَّ الظنَّ المَبنيَّ على الوَهمِ لا يُفيدُ شَيئًا مِنَ الحَقِّ، أو يقومُ مَقامَه

فَأَعْرِضْ عَنْ مَنْ تَوَلَّى عَنْ ذِكْرِنَا وَلَمْ يُرِدْ إِلَّا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا

فأعْرِضْ -يا محمَّدُ- عمَّنْ أعرَضَ عن القُرآنِ ولم يَطلُبْ إلَّا الحَياةَ الدُّنيا ولَذَّاتِها

ذَلِكَ مَبْلَغُهُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اهْتَدَى

طَلَبُ الدُّنيا والسَّعيُ لها: هو مُنتهى عِلْمِهم وغايتُه؛ فليس لهم عِلمٌ فَوقَ ذلك، إنَّ رَبَّك -يا محمَّدُ- هو أعلَمُ بمَن حادَ عن طَريقِه فلم يتَّبِعِ الحَقَّ، وهو أعلَمُ بالَّذين اهتَدَوا إلى الحَقِّ

وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَسَاءُوا بِمَا عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى

ولله وَحْدَه مُلْكُ جَميعِ ما في السَّمَواتِ وما في الأرضِ؛ لِيَجزيَ اللهُ الَّذين أساؤُوا العَمَلَ جَزاءَ ما عَمِلوه مِن كُفرٍ أو عِصيانٍ، ولِيُثيبَ اللهُ الَّذين أحسَنوا العَمَلَ فآمَنوا به وأطاعوه المَثوبةَ الحُسنى، وهي الجنَّةُ

الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلَّا اللَّمَمَ إِنَّ رَبَّكَ وَاسِعُ الْمَغْفِرَةِ هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَإِذْ أَنْتُمْ أَجِنَّةٌ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ فَلَا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى

الَّذين يَبتَعِدونَ عن كبائِرِ الذُّنوبِ، وعن الفواحِشِ، كالزِّنا، إلَّا صَغائِرَ الذُّنوبِ دونَ إصرارٍ عليها، فهي مَعفوٌّ عنها، وليس ذلك بمُخرِجٍ لصاحِبِها مِن جُملةِ المُحسِنينَ، إنَّ رَبَّك -يا محمَّدُ- واسِعُ المَغفِرةِ لذُنوبِ عِبادِه، فيَستُرُها عليهم، ويَتجاوَزُ عن مُؤاخَذتِهم بها، وربُّكم أعلَمُ بكم حينَ خَلَق أباكم آدَمَ مِن الأرضِ قبْلَ أن تُوجَدوا، وحينَ كُنتُم حَمْلًا مَستورينَ في بُطونِ أمَّهاتِكم قبْلَ أن تُولَدوا، فلا تَشهَدوا لأنفُسِكم بالبَراءةِ مِنَ الذُّنوبِ والآثامِ، أو تَمدَحوها بحُسنِ الأعمالِ، فاللهُ أعلَمُ بمَن اتَّقى سَخَطَه وعَذابَه مِنْكم، فامتثَلَ أوامِرَه، واجتنَبَ نواهيَه

أَفَرَأَيْتَ الَّذِي تَوَلَّى

أفرأيتَ -يا محمَّدُ- الَّذي أعرَضَ عن الحَقِّ!

وَأَعْطَى قَلِيلًا وَأَكْدَى

وأعطَى قليلًا مِنَ الخَيرِ ثمَّ انقَطَع عنه، ولم يَستَمِرَّ على ذلك!

أَعِنْدَهُ عِلْمُ الْغَيْبِ فَهُوَ يَرَى

أعِندَه عِلمُ ما غاب عن النَّاسِ، فهو يراه؟!

أَمْ لَمْ يُنَبَّأْ بِمَا فِي صُحُفِ مُوسَى

أم لمْ يُخبَرْ هذا الكافِرُ بما في التَّوراةِ الَّتي أنزَلَها اللهُ على موسى؟

وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى

أم لمْ يُخبَرْ أيضًا بما في صُحُفِ إبراهيمَ الَّذي أطاع اللهَ تعالى في جميعِ أوامِرِه ونواهيه، وأكمَلَ شَرائِعَ الإسلامِ الَّتي فرَضَها اللهُ عليه، فلم يَنقُصْ منها شَيئًا؟

أَلَّا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى

وذلك الَّذي في صُحُفِ إبراهيمَ وموسى هو أنَّه لا تَحمِلُ نَفْسٌ آثِمةٌ ذَنْبَ نفْسٍ أُخرى؛ فكُلُّ إنسانٍ يُجازَى بعَمَلِه، ولا يَحمِلُ ذنْبَ غَيرِه

وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى

وأنَّه ليس للمَرءِ في الآخِرةِ إلَّا ما عَمِلَه في الدُّنيا

وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَى

وأنَّ عَمَلَ كُلِّ عاملٍ سوف يُرى ويُشاهَدُ يومَ القيامةِ

ثُمَّ يُجْزَاهُ الْجَزَاءَ الْأَوْفَى

ثمَّ يَجزيه اللهُ على سَعْيِه الجزاءَ الأوفَرَ التَّامَّ

وَأَنَّ إِلَى رَبِّكَ الْمُنْتَهَى

وأنَّ إلى ربِّك -يا محمَّدُ- مَرجِعَ ومَصيرَ جَميعِ العِبادِ، لا إلى غَيرِه

وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكَى

وأنَّ اللهَ تعالى هو الَّذي أضحَكَ وأبكَى مَنْ شاء أن يُضحِكَهم أو يُبكِيَهم

وَأَنَّهُ هُوَ أَمَاتَ وَأَحْيَا

وأنَّ اللهَ تعالى هو الَّذي أمات مَن شاءَ مِن خَلْقِه، وأحيا مَن شاءَ مِنهم

وَأَنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى

وأنَّ اللهَ تعالى هو الَّذي خَلَق الصِّنفَينِ: الذَّكَرَ، والأُنثى

مِنْ نُطْفَةٍ إِذَا تُمْنَى

خلَق اللهُ الصِّنفينِ -الذَّكَرَ والأُنثى- مِن نُطفةِ مَنِيٍّ حينَ تُصَبُّ وتُراقُ في الأرحامِ

وَأَنَّ عَلَيْهِ النَّشْأَةَ الْأُخْرَى

وأنَّ على اللهِ تعالى أن يَخلُقَ النَّاسَ بعدَ مَوتِهم، فيُعيدَهم أحياءً يومَ القيامةِ

وَأَنَّهُ هُوَ أَغْنَى وَأَقْنَى

وأنَّ اللهَ تعالى هو الَّذي أغنى مَن شاءَ مِن عِبادِه، وجَعَل لِمَن شاءَ منهم ما يَقتَنيه ويَدَّخِرُه بَعْدَ كِفايتِه

وَأَنَّهُ هُوَ رَبُّ الشِّعْرَى

وأنَّ اللهَ تعالى هو خالِقُ نَجمِ الشِّعْرَى المُضيءِ، ومالِكُه ومُدَبِّرُ شَأنِه

وَأَنَّهُ أَهْلَكَ عَادًا الْأُولَى

وأنَّ اللهَ تعالى أهلَكَ قَبيلةَ عادٍ؛ قَومِ هُودٍ!

وَثَمُودَ فَمَا أَبْقَى

وأنَّ اللهَ تعالى أهلَكَ قَبيلةَ ثَمودَ؛ قَومِ صالحٍ، فما أبقَى منهم أحَدًا!

وَقَوْمَ نُوحٍ مِنْ قَبْلُ إِنَّهُمْ كَانُوا هُمْ أَظْلَمَ وَأَطْغَى

وأنَّ اللهَ تعالى أهلَكَ بالغَرَقِ قَومَ نُوحٍ مِن قَبْلِ عادٍ وثَمودَ! إنَّ قَومَ نُوحٍ كانوا هم أشَدَّ ظُلمًا، وأعظَمَ كُفرًا وطُغيانًا مِن غَيرِهم

وَالْمُؤْتَفِكَةَ أَهْوَى

وقَريةَ قَومِ لُوطٍ أسقَطَها جبريلُ، وجَعَل عالِيَها سافِلَها

فَغَشَّاهَا مَا غَشَّى

فغطَّى تلك القَريةَ ما غَطَّاها مِنَ الحِجارةِ الَّتي أُمطِرَت عليهم

فَبِأَيِّ آَلَاءِ رَبِّكَ تَتَمَارَى

فبأيِّ نِعَمِ رَبِّك -أيُّها الإنسانُ- تَرتابُ وتُشَكِّكُ، وتُكذِّبُ وتُجادِلُ؟!

هَذَا نَذِيرٌ مِنَ النُّذُرِ الْأُولَى

هذا الرَّسولُ محمَّدٌ -صلَّى اللهُ عليه وسلَّم- نَذيرٌ للنَّاسِ مِن جِنْسِ مَن سَبَق مِن الرُّسُلِ

أَزِفَتِ الْآَزِفَةُ

قَرُبَت ودَنَت القيامةُ القَريبةُ مِنكم، أيُّها النَّاسُ!

لَيْسَ لَهَا مِنْ دُونِ اللَّهِ كَاشِفَةٌ

لا يَدفَعُها مِن دونِ اللهِ أحَدٌ، ولا يَطَّلِعُ على عِلْمِها سِواه

أَفَمِنْ هَذَا الْحَدِيثِ تَعْجَبُونَ

أفمِن هذا القُرآنِ تَعجَبونَ، أيُّها المُشرِكونَ؟!

وَتَضْحَكُونَ وَلَا تَبْكُونَ

وتَضحَكونَ مِنَ القُرآنِ استِهزاءً، ولا تَبكُونَ انزِجارًا وخَوفًا؟!

وَأَنْتُمْ سَامِدُونَ

وأنتم غافِلونَ لاهُون

فَاسْجُدُوا لِلَّهِ وَاعْبُدُوا

فاسجُدوا للهِ وَحْدَه خاضِعينَ له، واعبُدوه وَحْدَه مُخلِصينَ له

القمر

اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ

دَنَت القيامةُ الَّتي يَبعَثُ اللهُ فيها عِبادَه للحِسابِ والجَزاءِ! وقد انفَلَق القَمَرُ، فصار فِلقَتَينِ بإذنِ اللهِ؛ تأييدًا لنبيِّه محمَّدٍ عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ

وَإِنْ يَرَوْا آَيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ

وإنْ يَرَ مُشرِكو قُرَيشٍ عَلامةً باهِرةً تَدُلُّهم على صِدقِ نُبُوَّةِ مُحمَّدٍ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، يُعرِضوا عن الإيمانِ بها، ويَقولوا مُنكِرينَ لها: هذا الَّذي يُرينا محمَّدٌ مِنَ المُعجِزاتِ -كانشِقاقِ القَمَرِ- سِحرٌ ذاهِبٌ باطِلٌ لا قَرارَ له، وخيالٌ لا حقيقةَ له!

وَكَذَّبُوا وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ وَكُلُّ أَمْرٍ مُسْتَقِرٌّ

وكَذَّبوا بالحَقِّ، واتَّبَعوا ما يَشتَهونَه ويَختارونَه مِنَ الباطِلِ بلا دَليلٍ ولا بُرهانٍ، وكُلُّ أمرٍ لا بُدَّ أن يَستَقِرَّ في نهايتِه إلى غايةٍ في الدُّنيا أو في الآخِرةِ؛ فالحَقُّ ثابِتٌ، والباطِلُ زائِلٌ، وأهلُ الخَيرِ يَستَقِرُّونَ في الجنَّةِ، وأهلُ الشَّرِّ يَستَقِرُّونَ في النَّارِ

وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنَ الْأَنْبَاءِ مَا فِيهِ مُزْدَجَرٌ

ولقد جاء مُشرِكي قُرَيشٍ مِنَ أخبارِ الأُمَمِ المُكَذِّبةِ لرُسُلِها، وما أصابهم مِنَ الهلاكِ ما فيه زَجرٌ لهم وانتِهاءٌ يَردَعُهم عن الكُفرِ باللهِ، والتَّكذيبِ بآياتِه ورُسُلِه

حِكْمَةٌ بَالِغَةٌ فَمَا تُغْنِ النُّذُرُ

حِكمةٌ تامَّةٌ كامِلةٌ -قد بَلَغَت الغايةَ، فلا نَقْصَ فيها ولا خَلَلَ-، واصِلةٌ إلى المقصودِ منها، فما تَنفَعُهم النُّذُرُ وهم مُعرِضونَ عن الآياتِ

فَتَوَلَّ عَنْهُمْ يَوْمَ يَدْعُ الدَّاعِ إِلَى شَيْءٍ نُكُرٍ

فأعرِضْ -يا محمَّدُ- عن هؤلاء المكذِّبينَ المُعانِدينَ يومَ يَدعو داعي اللهِ النَّاسَ إلى مَوقِفٍ فَظيعٍ، شَديدِ البَلاءِ، كَثيرِ الأهوالِ، لم يُشاهِدِ النَّاسُ له نظيرًا

خُشَّعًا أَبْصَارُهُمْ يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْدَاثِ كَأَنَّهُمْ جَرَادٌ مُنْتَشِرٌ

يَخرُجونَ مِن قُبورِهم والحالُ أنَّ أبصارَهم ذَليلةٌ خاضِعةٌ؛ مِن شِدَّةِ خَوفِهم وفَزَعِهم !يَخرُجونَ مِنَ القُبورِ، فيَتوَجَّهونَ إلى مَوقِفِ الحِسابِ، وكأنَّهم في انتِشارِهم وكَثرتِهم جَرادٌ مُنتَشِرٌ

مُهْطِعِينَ إِلَى الدَّاعِ يَقُولُ الْكَافِرُونَ هَذَا يَوْمٌ عَسِرٌ

يَخرُجونَ مِن قُبورِهم مُقبِلينَ مُسرِعينَ إلى الدَّاعي؛ تلبيةً لنِدائِه،يقولُ الكافِرونَ باللهِ يومَ القيامةِ: هذا يومٌ في غايةِ العُسْرِ والصُّعوبةِ والشِّدَّةِ

كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ فَكَذَّبُوا عَبْدَنَا وَقَالُوا مَجْنُونٌ وَازْدُجِرَ

كذَّبَت قبْلَ كُفَّارِ قُرَيشٍ قَومُ نوحٍ، فكذَّبوا عَبْدَنا نُوحًا حينَ أرسَلْناه إليهم، وقالوا عنه: هو مجنونٌ. وزجَروه بشدَّةٍ وعُنفٍ

فَدَعَا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ

فدعا نوحٌ ربَّه قائِلًا: إنَّ قَومي غَلَبوني بتمَرُّدِهم وكُفرِهم، وتَكذيبِهم وتخويفِهم؛ فانتَصِرْ لي منهم!

فَفَتَحْنَا أَبْوَابَ السَّمَاءِ بِمَاءٍ مُنْهَمِرٍ

فاستَجَبْنا لنُوحٍ دُعاءَه على قَومِه، ففَتَحْنا أبوابَ السَّماء بماءٍ مُتدَفِّقٍ مُنصَبٍّ بكَثرةٍ وشِدَّةٍ

وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُونًا فَالْتَقَى الْمَاءُ عَلَى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ

وأنبَعْنا الماءَ بقُوَّةٍ وكَثرةٍ مِنَ الأرضِ، فالتَقى ماءُ السَّماءِ وماءُ الأرضِ على أمرٍ قد كَتَبه اللهُ تعالى وقَضاه!

وَحَمَلْنَاهُ عَلَى ذَاتِ أَلْوَاحٍ وَدُسُرٍ

وحَمَلْنا نُوحًا على سَفينةٍ ذاتِ ألواحٍ مِن خَشَبٍ، وذاتِ مَساميرَ قد رُبِطَت بها تلك الألواحُ

تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا جَزَاءً لِمَنْ كَانَ كُفِرَ

تجري سَفينةُ نُوحٍ على الماءِ بمَرأًى مِنَّا، وحِفظٍ ورعايةٍ مِنَّا. فأغرَقْنا قومَ نُوحٍ وأنجَيْناه ومَن معه؛ ثوابًا لنُوحٍ على صَبْرِه على أذى قَومِه، وتَكذيبِهم وكُفْرِهم به

وَلَقَدْ تَرَكْنَاهَا آَيَةً فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ

ولقد تَرَكْنا فَعلَتَنا بقومِ نوحٍ وإهلاكَنا لهم عِبرةً وعِظةً لِمَن بعدَهم ليَنتَهوا عن الكُفرِ باللهِ والتَّكذيبِ برُسُلِه؛ كيلا تكونَ عاقِبتُهم مِثلَ عاقِبةِ قَومِ نُوحٍ، وأبقَيْنا جنسَ السُّفنِ علامةً على رحمةِ الله وعنايتِه بخَلقِه، وكَمالِ قُدرتِه، وبَديعِ صَنعتِه، وعِبرةً على ما جرَى لنوحٍ معَ قومِه، فهل مِن مُتذَكِّرٍ لِما قد فُعِل بتلك الأُمَّةِ الَّتي كفَرَت برَبِّها، وعَصَت رَسولَه نُوحًا؛ فيتَّعِظَ بذلك ويَعتَبِرَ؟

فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ

فكيف كان عذابي لأولئك الكُفَّارِ مِن قَومِ نُوحٍ؟ وكيف كان إنذاري؟

وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآَنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ

ولقد سَهَّلْنا القُرآنَ للتَّذَكُّرِ به، وحُصولِ الفَهمِ والاتِّعاظِ به، فهل مِن مُتذَكِّرٍ؛ فيَتَّعِظَ ويَعتَبِرَ بما في القُرآنِ الكريمِ؟

كَذَّبَتْ عَادٌ فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ

كذَّبت قَبيلةُ عادٍ رَسولَهم هُودًا، فكيف كان عذابي لهم جزاءَ تَكذيبِهم؟ وكيف كان إنذاري؟

إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا فِي يَوْمِ نَحْسٍ مُسْتَمِرٍّ

إنَّا بَعَثْنا عليهم حينَ أصَرُّوا على كُفرِهم رِيحًا بارِدةً شَديدةَ الهُبوبِ، لِصَوتِها صَريرٌ، في يَومِ شُؤمٍ وشَرٍّ دائمٍ على عادٍ، استمرَّ عليهم بنُحوسِه

تَنْزِعُ النَّاسَ كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ

تَقتَلِعُ الرِّيحُ كُفَّارَ عادٍ بعُنفٍ وشِدَّةٍ، فتَرْفعُهم ثمَّ تَرْمي بهم وتَطرَحُهم إلى الأرضِ فتَصرَعُهم، وتكونُ جُثَثُهم بعدَ هَلاكِهم مِثلَ أُصولِ نَخلٍ مُنقَلِعٍ مِن مَنْبِتِه!

فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ

فكيف كان عَذابي لعادٍ على كُفرِهم؟ وكيف كان إنذاري؟!

وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآَنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ

ولقد سهَّلْنا القُرآنَ للتَّذَكُّرِ به، وحُصولِ الفَهمِ والاتِّعاظِ به، فهل مِن مُتذَكِّرٍ؛ فيَتَّعِظَ ويَعتَبِرَ بما في القُرآنِ الكريمِ؟

كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِالنُّذُرِ

كذَّبت قَبيلةُ ثَمُودَ -قَومِ صالحٍ- بما جاءَهم مِنَ اللهِ مِن النُّذرِ الَّتي تُنذِرُهم عَذابَه!

فَقَالُوا أَبَشَرًا مِنَّا وَاحِدًا نَتَّبِعُهُ إِنَّا إِذًا لَفِي ضَلَالٍ وَسُعُرٍ

فقال كُفَّارُ ثَمُودَ تكذيبًا منهم لنبيِّ الله صالحٍ عليه السلامُ: هو آدَميٌّ مِثلُنا، ورَجُلٌ واحِدٌ فحَسْبُ، فكيف نتَّبِعُه؟!إنَّا إنِ اتَّبَعْناه لَفي ذَهابٍ عن الحقِّ والصَّوابِ، وفي شَقاءٍ وعَذابٍ!

أَؤُلْقِيَ الذِّكْرُ عَلَيْهِ مِنْ بَيْنِنَا بَلْ هُوَ كَذَّابٌ أَشِرٌ

وقالوا: أأُنزِلَ الوَحيُ على هذا الرَّجُلِ فاختُصَّ بالنُّبُوَّةِ مِن بَيْنِنا؟! كيف يكونُ ذلك؟ وأيُّ مَزيَّةٍ له علينا حتَّى يَستَحِقَّ ذلك؟! إنَّما هو امرُؤٌ كَذَّابٌ، كَثيرُ المَرَحِ والتَّجَبُّرِ والتَّكبُّرِ، فهو مُعجَبٌ بنَفْسِه، مُدَّعٍ ما ليس له!

سَيَعْلَمُونَ غَدًا مَنِ الْكَذَّابُ الْأَشِرُ

قال اللهُ تعالى: سيَعلَمونَ قَريبًا حينَ يأتيهم العَذابُ: مَنِ الكَذَّابُ، الكَثيرُ المَرَحِ والتَّجَبُّرِ والتكَبُّرِ: أصالِحٌ أم قَومُه؟!

إِنَّا مُرْسِلُو النَّاقَةِ فِتْنَةً لَهُمْ فَارْتَقِبْهُمْ وَاصْطَبِرْ

إنَّا باعِثُو النَّاقةِ؛ اختِبارًا وامتِحانًا لِثَمودَ؛ فإمَّا أن يُؤمِنوا باللهِ ويتَّبِعوا نَبيَّه صالِحًا، أو يُكَذِّبوه ويَكفُروا باللهِ تعالى، فتَرقَّبْ -يا صالِحُ- وانظُرْ ما يَحصُلُ لهم مِنَ الفِتنةِ عندَ ظُهورِ النَّاقةِ، وما هم صانِعوه فيها، واصبِرْ عليهم صَبرًا قَويًّا بالِغًا

وَنَبِّئْهُمْ أَنَّ الْمَاءَ قِسْمَةٌ بَيْنَهُمْ كُلُّ شِرْبٍ مُحْتَضَرٌ

وأخبِرْهم أنَّ ماءَ القَريةِ مَقسومٌ بَيْنَهم وبيْنَ النَّاقةِ؛ فلَها يَومٌ تَشرَبُ فيه مِن ذلك الماءِ، ولهم يومٌ يَشرَبونَ فيه مِنه، فإذا كان يومُ النَّاقةِ حَضَرت نصيبَها مِن الماءِ، وإذا كان يومُ ثَمودَ حَضَروا نصيبَهم مِن الماءِ

فَنَادَوْا صَاحِبَهُمْ فَتَعَاطَى فَعَقَرَ

فنادى كُفَّارُ ثَمودَ صاحِبَهم وأشقاهم لِعَقرِ النَّاقةِ، فباشَرَ قَتْلَها بنَفْسِه

فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ

فكيف كان عَذابي لِثَمودَ على كُفرِهم؟ وكيف كان إنذاري الذي لا يُبْقي لأحدٍ حجةٌ؟

إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ صَيْحَةً وَاحِدَةً فَكَانُوا كَهَشِيمِ الْمُحْتَظِرِ

إنَّا أرسَلْنا على ثمودَ صيَحةً واحِدةً عَظيمةً، فأهلَكَتْهم! فصاروا كحُطامِ النَّباتِ وما تكَسَّرَ مِنَ الشَّجَرِ اليابِسِ الَّذي يجمعُه مَن يصنعُ الحظيرةَ

وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآَنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ

ولقد سهَّلْنا القُرآنَ للتَّذَكُّرِ به، وحُصولِ الفَهمِ والاتِّعاظِ به، فهل مِن مُتذَكِّرٍ؛ فيَتَّعِظَ ويَعتَبِرَ بما في القُرآنِ؟

كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ بِالنُّذُرِ

كذَّبتْ قَومُ لُوطٍ بما جاءَهم مِنَ اللهِ مِن النُّذرِ الَّتي تُنذِرُهم عَذابَه

إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ حَاصِبًا إِلَّا آَلَ لُوطٍ نَجَّيْنَاهُمْ بِسَحَرٍ

إنَّا أرسَلْنا على قَومِ لُوطٍ حِجارةً أُمطِرَتْ عليهم؛ لإهلاكِهم، إلَّا لوطًا ومَن تبِعه على دينِه وآمَن به؛ فإنَّا نَجَّيْناهم مِنَ العَذابِ وَقتَ السَّحَرِ في آخِرِ اللَّيلِ

نِعْمَةً مِنْ عِنْدِنَا كَذَلِكَ نَجْزِي مَنْ شَكَرَ

إنعامًا مِنَّا عليهم، وكَرامةً لهم مِن عِندِنا! كما أنجَيْنا لُوطًا وآلَه مِنَ العَذابِ؛ بسَبَبِ طاعتِهم للهِ تعالى- نُنْجِي أيضًا كُلَّ مَن شَكَرَنا على ما أنعَمْنا عليه مِنَ النِّعَمِ، فآمَنَ باللهِ وأطاعَه

وَلَقَدْ أَنْذَرَهُمْ بَطْشَتَنَا فَتَمَارَوْا بِالنُّذُرِ

ولقد خوَّف لُوطٌ قَومَه، وحَذَّرهم مِن أخْذَتِنا الشَّديدةِ قبْلَ حُصولِها، فشَكُّوا في إنذاراتِه، وكذَّبوا بها

وَلَقَدْ رَاوَدُوهُ عَنْ ضَيْفِهِ فَطَمَسْنَا أَعْيُنَهُمْ فَذُوقُوا عَذَابِي وَنُذُرِ

ولقد طَلَب قَومُ لُوطٍ منه تمكينَهم مِن فِعلِ الفاحِشةِ بضُيوفِه، وألَحُّوا في طَلَبِهم مِرارًا، فطَمَسْنا أعيُنَهم، فصارت كسائِرِ الوَجهِ بلا شَقٍّ، فلم يُبصِروا !فذُوقوا -يا مَعشَرَ قَومِ لُوطٍ- عَذابي الَّذي حلَّ بكم، وعاقِبةَ إنذاراتي الَّتي أُنذِرْتُم بها!

وَلَقَدْ صَبَّحَهُمْ بُكْرَةً عَذَابٌ مُسْتَقِرٌّ

ولقد صبَّحَ قَومَ لوطٍ أوَّلَ النَّهارِ عَذابٌ ثابِتٌ لا يَنقَطِعُ عنهم

فَذُوقُوا عَذَابِي وَنُذُرِ

فذُوقوا -يا مَعشَرَ قَومِ لُوطٍ- عَذابي الَّذي حَلَّ بكم، وعاقِبةَ إنذاراتي الَّتي أُنذِرْتُم بها

وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآَنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ

ولقد سهَّلْنا القُرآنَ للتَّذَكُّرِ به، وحُصولِ الفَهمِ والاتِّعاظِ به، فهل مِن مُتذَكِّرٍ؛ فيتَّعِظَ ويَعتَبِرَ بما في القُرآنِ الكريمِ؟

وَلَقَدْ جَاءَ آَلَ فِرْعَوْنَ النُّذُرُ

ولقد جاء فِرعَونَ وآلَه النُّذرُ الَّتي تُنذِرُهم عذابَ اللهِ تعالى

كَذَّبُوا بِآَيَاتِنَا كُلِّهَا فَأَخَذْنَاهُمْ أَخْذَ عَزِيزٍ مُقْتَدِرٍ

كذَّبَ فِرعَونُ وآلُه بجَميعِ آياتِ اللهِ تعالى، الدَّالَّةِ على الحَقِّ، فأخَذْناهم أخْذَ مَنْ هو شديدٌ قَويٌّ؛ فلا يُغلَبُ، بالِغُ القُدرةِ؛ فلا يَعجِزُ عمَّا يُريدُ!

أَكُفَّارُكُمْ خَيْرٌ مِنْ أُولَئِكُمْ أَمْ لَكُمْ بَرَاءَةٌ فِي الزُّبُرِ

أكُفَّارُكم -يا مَعشَرَ قُرَيشٍ- خَيرٌ مِن أولئك الَّذين أهلَكْتُهم لكُفرِهم وتَكذيبِهم، مِثلُ: قَومِ نُوحٍ، وعادٍ، وثَمودَ، وقَومِ لُوطٍ، وآلِ فِرعَونَ؟ كلَّا! ليسوا خَيرًا منهم؛ فلْتَحذَروا مِن عِقابِ اللهِ إنْ أصرَرْتُم على كُفرِكم وتَكذيبِكم، أم لكم -يا كُفَّارَ قُرَيشٍ- بَراءةٌ مَكتوبةٌ في صَحائِفِ الكُتُبِ الإلهيَّةِ السَّابِقةِ؛ فأنتم بَريئُونَ مِن عاقبةِ كُفرِكم وتكذيبِكم، وآمِنونَ مِن عذابِ رَبِّكم؟!

أَمْ يَقُولُونَ نَحْنُ جَمِيعٌ مُنْتَصِرٌ

أم يَقولُ كُفَّارُ قُرَيشٍ: نحنُ جماعةٌ كثيرةٌ مُنتَصِرونَ، فسنَغلِبُ مُحمَّدًا ومَن معه؟!

سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ

سيُهزَمُ جَمعُ كُفَّارِ قُرَيشٍ، ويتفرَّقونَ، ويَفِرُّونَ عن المُسلِمينَ مُدبِرينَ!

بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَالسَّاعَةُ أَدْهَى وَأَمَرُّ

ليس الأمرُ كما يَزعُمُ المُشرِكونَ، فهم حَتمًا سيُبعَثونَ بعدَ مَوتِهم، ويُجازَونَ بعُقوبةٍ تامَّةٍ على كُفرِهم؛ فالسَّاعةُ مَوعِدُ عَذابِهم الأصليِّ، وما يَحيقُ بهم في الدُّنيا فمِن طَلائِعِه، والسَّاعةُ أشدُّ فَظاعةً وفَتْكًا، وأكثَرُ ألَمًا ومَرارةً مِنَ القَتلِ أو غَيرِه مِمَّا يُصيبُهم مِن عَذابِ الدُّنيا!

إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي ضَلَالٍ وَسُعُرٍ

إنَّ المُشرِكينَ في ضَلالٍ، وفي عَناءٍ وشَقاءٍ وعَذابٍ

يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ

يومَ يُجَرُّ أولئك المُجرِمونَ في النَّارِ على وُجوهِهم الَّتي هي أشرَفُ أعضائِهم الظَّاهِرةِ، فيُهانونَ بذلك ويُخْزَونَ! ويُقالُ لهم: ذُوقوا ألَمَ النَّارِ وعَذابَها

إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ

إنَّا خَلَقْنا كُلَّ شَيءٍ بقَضاءٍ سابِقٍ مَضبوطٍ مُحكَمٍ

وَمَا أَمْرُنَا إِلَّا وَاحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ

وما أمْرُنا إذا أرَدْنا شَيئًا إلَّا أن نَقولَ له مَرَّةً واحِدةً: كُنْ، فيُوجَدُ ما أرَدْناه كسُرعةِ اللَّمْحِ بالبَصَرِ بلا تأخيرٍ!

وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا أَشْيَاعَكُمْ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ

ولقد أهلَكْنا أشباهَكم وأمثالَكم في الكُفرِ -يا مَعشَرَ قُرَيشٍ- مِنَ الأُمَمِ الماضيةِ الَّتي كفَرَت باللهِ، وكَذَّبت رُسُلَها فهل مِن مُتذَكِّرٍ يَعلَمُ أنَّ سُنَّةَ اللهِ في الأوَّلينَ والآخِرينَ واحِدةٌ، ويتَّعِظُ ويَعتَبِرُ بإهلاكِ اللهِ للكُفَّارِ السَّابِقينَ، فيَحذَرَ أن يكونَ مِثْلَهم؟!

وَكُلُّ شَيْءٍ فَعَلُوهُ فِي الزُّبُرِ

وكُلُّ شَيءٍ فَعَلوه موجودٌ في الصَّحائِفِ والدَّواوينِ الَّتي تُحصِي الحَفَظةُ مِنَ الملائكةِ أعمالَهم فيها

وَكُلُّ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ مُسْتَطَرٌ

وكُلُّ صَغيرٍ وكَبيرٍ مِنَ الأشياءِ مَكتوبٌ مَسطورٌ

إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ

إنَّ الَّذين اتَّقَوا سَخَطَ اللهِ وعَذابَه بامتِثالِ أوامِرِه، واجتِنابِ نَواهيه- في جَنَّاتٍ وأنهارٍ جاريةٍ فيها

فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ

في مَجلِسِ حَقٍّ، ثابتٍ لا يَزولُ، كامِلٍ في نَعيمِه، لا باطِلَ فيه ولا لَغْوَ ولا آثامَ عِندَ مَلِكٍ عَظيمٍ تامِّ المُلْكِ، بالِغِ القُدرةِ على كلِّ شَيءٍ، وهو اللهُ سُبحانَه وتعالى!

الرحمن

الرَّحْمَنُ

اللهُ: الواسِعُ الرَّحمةِ، المُنعِمُ على عبادِه بالنِّعَمِ الكَثيرةِ في دِينِهم ودُنياهم وأُخراهم

عَلَّمَ الْقُرْآَنَ

علَّم الرَّحمنُ -سُبحانَه- عِبادَه ألفاظَ القُرآنِ ومَعانيَه، ويَسَّرَها لهم

خَلَقَ الْإِنْسَانَ

خَلَق الرَّحمنُ آدَمَ وذُرِّيَّتَه

عَلَّمَهُ الْبَيَانَ

علَّم الرَّحمنُ الإنسانَ النُّطقَ والفَهمَ، والإبانةَ عَمَّا في نَفْسِه بالكَلامِ

الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ

الشَّمسُ والقَمَرُ يَجريانِ بحِسابٍ دَقيقٍ مُتقَنٍ لا يَختَلِفُ ولا يَضطَرِبُ، ولا يُجاوِزانِ مَنازِلَهما، ولا يتأخَّرانِ في جَرَيانِهما، فيَحسِبُ النَّاسُ بهما السِّنينَ والشُّهورَ والأيَّامَ والأوقاتَ

وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدَانِ

وجَميعُ النُّجومِ والأشجارِ تَسجُدُ للرَّحمنِ

وَالسَّمَاءَ رَفَعَهَا وَوَضَعَ الْمِيزَانَ

ورَفَع الرَّحمنُ السَّماءَ فَوقَ الأرضِ، ووَضَع العَدْلَ بيْنَ خَلْقِه في الأرضِ، والآلةَ الَّتي يُعرَفُ بها العَدلُ

أَلَّا تَطْغَوْا فِي الْمِيزَانِ

لِئَلَّا تَتجاوزوا الحَدَّ فتَجوروا

وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ وَلَا تُخْسِرُوا الْمِيزَانَ

وأقيموا وَزْنَ الأشياءِ بالعَدلِ التَّامِّ، ولا تَنقُصوا الوَزنَ، بل أعطُوا الحُقوقَ كامِلةً وافِيةً

وَالْأَرْضَ وَضَعَهَا لِلْأَنَامِ

والأرضَ خفَضَها الرَّحمنُ، ووطَّأها لِخَلْقِه

فِيهَا فَاكِهَةٌ وَالنَّخْلُ ذَاتُ الْأَكْمَامِ

في الأرضِ أنواعُ الفواكِهِ المُختَلِفةِ الألوانِ والطُّعومِ والرَّوائِحِ، وفي الأرضِ شَجَرُ النَّخلِ المُغَطَّى ثَمَرُه بالأوعيةِ التي تَنْشَقُّ، فتَخرُجُ منها عُذوقُ التَّمْرِ

وَالْحَبُّ ذُو الْعَصْفِ وَالرَّيْحَانُ

وفي الأرضِ الحُبوبُ المأكولةُ -كالبُرِّ والشَّعيرِ ونحوِهما- ذواتُ الورقِ اليابسِ، والتِّبنِ، وفي الأرضِ الرَّيحانُ، وهو النَّبتُ ذو الرَّائِحةِ الجَميلةِ، الَّذي يُشَمُّ لطِيبِ رائِحتِه

فَبِأَيِّ آَلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ

فبأيِّ نِعَمِ رَبِّكما تُكَذِّبانِ، يا مَعشَرَ الإنسِ والجِنِّ؟!

خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ صَلْصَالٍ كَالْفَخَّارِ

خلَق اللهُ آدَمَ أبا البَشَرِ مِن طِينٍ يابسٍ في غايةِ الصَّلابةِ، له صَوتٌ وصَلْصَلةٌ إذا نُقِرَ، كالخَزَفِ، وهو الطِّينُ المطبوخُ بالنَّارِ

وَخَلَقَ الْجَانَّ مِنْ مَارِجٍ مِنْ نَارٍ

وخَلَق اللهُ الجانَّ مِن لَهبِ النَّارِ الَّذي لا دُخَانَ له

فَبِأَيِّ آَلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ

فبأيِّ نِعَمِ ربِّكما تُكَذِّبانِ، يا مَعشَرَ الإنسِ والجِنِّ؟!

رَبُّ الْمَشْرِقَيْنِ وَرَبُّ الْمَغْرِبَيْنِ

اللهُ خالِقُ ومالِكُ ومُدَبِّرُ مَشرِقِ الشَّمسِ في الشِّتاءِ والصَّيفِ، ومَغرِبِ الشَّمسِ في الشِّتاءِ والصَّيفِ

فَبِأَيِّ آَلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ

فبأيِّ نِعَمِ ربِّكما تُكَذِّبانِ، يا مَعشَرَ الإنسِ والجِنِّ؟!

مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ

أرسَل اللهُ البَحرَ المِلْحَ والبَحرَ العَذْبَ وتَرَكَهما يتَّصِلانِ مِن غَيرِ أن يختَلِطا

بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ لَا يَبْغِيَانِ

بيْنَ البَحرِ المِلْحِ والبَحرِ العَذْبِ حاجِزٌ يَمنَعُ اختِلاطَ أحَدِهما بالآخَرِ، وتَغييرَ طَعْمِه وصِفاتِه

فَبِأَيِّ آَلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ

فبأيِّ نِعَمِ ربِّكما تُكَذِّبانِ، يا مَعْشَرَ الإنْسِ والجِنِّ؟!

يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجَانُ

يَخرُجُ مِنَ البَحرينِ -المِلْحِ والعَذْبِ- اللُّؤلُؤُ والمَرْجانُ اللَّذانِ يتَّخِذُهما النَّاسُ حِلْيةً وزِينةً

فَبِأَيِّ آَلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ

فبأيِّ نِعَمِ ربِّكما تُكَذِّبانِ، يا مَعْشَرَ الإنْسِ والجِنِّ؟!

وَلَهُ الْجَوَارِ الْمُنْشَآَتُ فِي الْبَحْرِ كَالْأَعْلَامِ

وللهِ -ملْكًا وتَدبيرًا وتَسخيرًا- السُّفُنُ الجارياتُ، التي أنْشَأها النَّاسُ، فتَبدو في البِحارِ كالجِبالِ

فَبِأَيِّ آَلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ

فبأيِّ نِعَمِ ربِّكما تُكَذِّبانِ، يا مَعْشَرَ الإنْسِ والجِنِّ؟!

كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ

كلُّ مَنْ على الأرضِ مِن إنسٍ أو جِنٍّ أو غَيرِهما: هالِكٌ لا يَبقى

وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ

ويَبقَى وَجهُ ربِّك -يا محمَّدُ- الموصوفُ وَجهُه بالعَظَمةِ والإكرامِ، واستِحقاقِ التَّعظيمِ والمحبَّةِ، وإثباتِ صِفاتِ الكَمالِ والجَمالِ، فالله عزَّ وجلَّ هو الحيُّ الَّذي لا يموتُ أبدًا

فَبِأَيِّ آَلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ

فبأيِّ نِعَمِ ربِّكما تُكَذِّبانِ، يا مَعْشَرَ الإنْسِ والجِنِّ؟!

يَسْأَلُهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ

إلى اللهِ يَفزَعُ جَميعُ مَن في السَّمَواتِ ومَن في الأرضِ بسُؤالِ حاجاتِهم، كُلَّ يَومٍ يُحدِثُ اللهُ تعالى شأنًا عَظيمًا؛ كأنْ يُحييَ خَلْقًا ويُميتَ آخَرِينَ، أو يُفَرِّجَ كَربًا، أو يَغفِرَ ذنْبًا، أو يُجيبَ دُعاءً، أو يَشفِيَ مَريضًا، أو يُغنيَ فَقيرًا، أو يُعلِّمَ جاهِلًا، أو يَهدِيَ ضالًّا، أو يُعِزَّ قَومًا، ويُذِلَّ آخَرِينَ!

فَبِأَيِّ آَلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ

فبأيِّ نِعَمِ ربِّكما تُكَذِّبانِ، يا مَعْشَرَ الإنْسِ والجِنِّ؟!

سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَا الثَّقَلَانِ

سنَقصِدُ لمُحاسَبتِكم يومَ القيامةِ -يا مَعشَرَ الإنسِ والجِنِّ- ونُجازيكم ثوابًا أو عِقابًا بحَسَبِ أعمالِكم

فَبِأَيِّ آَلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ

فبأيِّ نِعَمِ ربِّكما تُكَذِّبانِ، يا مَعْشَرَ الإنْسِ والجِنِّ؟!

يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ فَانْفُذُوا لَا تَنْفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطَانٍ

يا مَعشَرَ الجِنِّ والإنسِ إنِ استَطَعْتُم أن تَنفُذوا مِن جَوانِبِ السَّمَواتِ والأرضِ ونواحيها الواسِعةِ، فتَخرُجوا منها فِرارًا مِن رَبِّكم حتَّى لا يَقدِرَ عليكم- فافعَلوا! ليسَت لكم -يا مَعشَرَ الجِنِّ والإنسِ- استِطاعةٌ على النُّفوذِ مِن أقطارِ السَّمَواتِ والأرضِ إلَّا بقُوَّةٍ وقَهرٍ وغَلَبةٍ، وليس لكم ذلك!

فَبِأَيِّ آَلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ

فبأيِّ نِعَمِ ربِّكما تُكَذِّبانِ، يا مَعْشَرَ الإنْسِ والجِنِّ؟!

يُرْسَلُ عَلَيْكُمَا شُوَاظٌ مِنْ نَارٍ وَنُحَاسٌ فَلَا تَنْتَصِرَانِ

يُرسَلُ عليكما -يا مَعشَرَ الجِنِّ والإنسِ- لَهَبٌ عَظيمٌ مُنتَشِرٌ مِن نارٍ لا دُخانَ معها، ويُرسَلُ عليكما دُخانٌ فيه شَرَرٌ مُتطايِرٌ، ونحاسٌ مُذابٌ فلا يُمكِنُكما الانتِصارُ -يا مَعشَرَ الجِنِّ والإنسِ-، فلا تمتَنِعانِ مِن عَذابِه بأنفُسِكم، ولا بناصِرٍ مِن غَيرِكم!

فَبِأَيِّ آَلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ

فبأيِّ نِعَمِ ربِّكما تُكَذِّبانِ، يا مَعْشَرَ الإنْسِ والجِنِّ؟!

فَإِذَا انْشَقَّتِ السَّمَاءُ فَكَانَتْ وَرْدَةً كَالدِّهَانِ

فإذا انشَقَّت السَّماءُ يومَ القيامةِ، فصارت مِثلَ الوَردةِ حَمراءَ، كالدُّهْنِ

فَبِأَيِّ آَلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ

فبأيِّ نِعَمِ ربِّكما تُكَذِّبانِ، يا مَعْشَرَ الإنْسِ والجِنِّ؟!

فَيَوْمَئِذٍ لَا يُسْأَلُ عَنْ ذَنْبِهِ إِنْسٌ وَلَا جَانٌّ

ففي ذلك اليَومِ لا يُسْألُ إنسِيٌّ ولا جِنِّيٌّ عمَّا اقتَرَف مِن ذنْبٍ!

فَبِأَيِّ آَلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ

فبأيِّ نِعَمِ ربِّكما تُكَذِّبانِ، يا مَعْشَرَ الإنْسِ والجِنِّ؟!

يُعْرَفُ الْمُجْرِمُونَ بِسِيمَاهُمْ فَيُؤْخَذُ بِالنَّوَاصِي وَالْأَقْدَامِ

يُعرَفُ المُجرِمونَ يومَ القيامةِ بعَلاماتٍ تُمَيِّزُهم عن غَيرِهم، فيُؤخَذُ بمُقَدَّمِ رُؤوسِ المُجرِمينَ وبأقدامِهم، ويُلقَوْن في جَهنَّمَ

فَبِأَيِّ آَلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ

فبأيِّ نِعَمِ ربِّكما تُكَذِّبانِ، يا مَعْشَرَ الإنْسِ والجِنِّ؟!

هَذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي يُكَذِّبُ بِهَا الْمُجْرِمُونَ

يُقالُ لهم: هذه هي جَهنَّمُ الَّتي يُكذِّبُ بوُجودِها المُجرِمونَ في الدُّنيا، هاهي حاضِرةٌ يُشاهِدونَها في الآخِرةِ عِيانًا!

يَطُوفُونَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ حَمِيمٍ آَنٍ

يَتردَّدُ المُجرِمونَ بيْنَ نارِ جَهنَّمَ وبيْنَ الحَميمِ الَّذي قد بَلَغ ماؤُه الغايةَ في حَرِّه!

فَبِأَيِّ آَلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ

فبأيِّ نِعَمِ ربِّكما تُكَذِّبانِ، يا مَعْشَرَ الإنْسِ والجِنِّ؟!

وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ

ولكلِّ مَن خاف -مِنَ الإنسِ والجِنِّ- مَقامَه بيْنَ يَدَيِ اللهِ للحِسابِ يومَ القيامةِ، فاتَّقاه في الدُّنيا بامتِثالِ أوامِرِه، واجتِنابِ نواهِيه: جَنَّتانِ في الآخِرةِ

فَبِأَيِّ آَلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ

فبأيِّ نِعَمِ رَبِّكما تُكَذِّبانِ، يا مَعشَرَ الإنسِ والجِنِّ؟!

ذَوَاتَا أَفْنَانٍ

وهاتانِ الجَنَّتانِ صاحِبَتا أغصانٍ كَثيرةٍ

فَبِأَيِّ آَلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ

فبأيِّ نِعَمِ رَبِّكما تُكَذِّبانِ، يا مَعشَرَ الإنسِ والجِنِّ؟!

فِيهِمَا عَيْنَانِ تَجْرِيَانِ

في هاتَينِ الجنَّتينِ عَينانِ تَجريانِ

فَبِأَيِّ آَلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ

فبأيِّ نِعَمِ رَبِّكما تُكَذِّبانِ، يا مَعشَرَ الإنسِ والجِنِّ؟!

فِيهِمَا مِنْ كُلِّ فَاكِهَةٍ زَوْجَانِ

في الجنَّتينِ مِن كُلِّ أنواعِ الفاكِهةِ صِنفانِ مُختَلِفانِ

فَبِأَيِّ آَلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ

فبأيِّ نِعَمِ رَبِّكما تُكَذِّبانِ، يا مَعشَرَ الإنسِ والجِنِّ؟!

مُتَّكِئِينَ عَلَى فُرُشٍ بَطَائِنُهَا مِنْ إِسْتَبْرَقٍ وَجَنَى الْجَنَّتَيْنِ دَانٍ

مُتنَعِّمينَ بالاتِّكاءِ على فُرُشٍ بطائنُها الَّتي تلي جِهةَ الأرضِ: مِنَ الحَريرِ الغَليظِ اللَّامِعِ، فكيفَ بظَواهِرِها الَّتي تَلِي بَشَرَتَهم؟!وثَمَرُ هاتَينِ الجنَّتينِ قَريبٌ مِن أهلِهما، فيَتناوَلونَه بيُسرٍ وسُهولةٍ

فَبِأَيِّ آَلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ

فبأيِّ نِعَمِ رَبِّكما تُكَذِّبانِ، يا مَعشَرَ الإنسِ والجِنِّ؟!

فِيهِنَّ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلَا جَانٌّ

فيهنَّ نِساءٌ قد قَصَرْنَ نَظَرَهنَّ على أزواجِهنَّ، فلا يُبصِرْنَ سِواهم، ولا يَرغَبْنَ في غَيرِهم، لم يُجامِعْهنَّ فيَفتَضَّ بَكارتَهنَّ قبْلَ أزواجِهنَّ أحَدٌ مِنَ الإنسِ أو الجِنِّ

فَبِأَيِّ آَلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ

فبأيِّ نِعَمِ رَبِّكما تُكَذِّبانِ، يا مَعشَرَ الإنسِ والجِنِّ؟!

كَأَنَّهُنَّ الْيَاقُوتُ وَالْمَرْجَانُ

أولئك الحُورُ العِينُ مِثلُ الياقوتِ والمَرْجانِ صَفاءً ولَونًا

فَبِأَيِّ آَلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ

فبأيِّ نِعَمِ رَبِّكما تُكَذِّبانِ، يا مَعشَرَ الإنسِ والجِنِّ؟!

هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ

ما جَزاءُ مَن أحسَنَ العَمَلَ في الدُّنيا إلَّا أن يُحسِنَ الله إليه بالتَّنعيمِ في الآخِرةِ؟!

فَبِأَيِّ آَلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ

فبأيِّ نِعَمِ رَبِّكما تُكَذِّبانِ، يا مَعشَرَ الإنسِ والجِنِّ؟!

وَمِنْ دُونِهِمَا جَنَّتَانِ

ومِن دُونِ الجَنَّتَينِ -اللَّتَينِ تقَدَّمَ ذِكرُهما- جَنَّتانِ أقَلُّ مِنهما رُتبةً وفَضلًا

فَبِأَيِّ آَلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ

فبأيِّ نِعَمِ رَبِّكما تُكَذِّبانِ، يا مَعشَرَ الإنسِ والجِنِّ؟!

مُدْهَامَّتَانِ

هاتانِ الجَنَّتانِ مُسْوَدَّتانِ؛ مِن شِدَّةِ خُضرتِهما

فَبِأَيِّ آَلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ

فبأيِّ نِعَمِ رَبِّكما تُكَذِّبانِ، يا مَعشَرَ الإنسِ والجِنِّ؟!

فِيهِمَا عَيْنَانِ نَضَّاخَتَانِ

في هاتَينِ الجنَّتَينِ عَينانِ فوَّارتانِ بالماءِ بقُوَّةٍ

فَبِأَيِّ آَلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ

فبأيِّ نِعَمِ رَبِّكما تُكَذِّبانِ، يا مَعشَرَ الإنسِ والجِنِّ؟!

فِيهِمَا فَاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ

في هاتَينِ الجَنَّتَينِ فَواكِهُ ونَخيلٌ ورُمَّانٌ

فَبِأَيِّ آَلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ

فبأيِّ نِعَمِ رَبِّكما تُكَذِّبانِ، يا مَعشَرَ الإنسِ والجِنِّ؟!

فِيهِنَّ خَيْرَاتٌ حِسَانٌ

فِيهنَّ خَيْراتُ الصِّفاتِ والأخلاقِ والشِّيَمِ، وحِسانُ الوُجوهِ والأبدانِ؛ فهنَّ في غايةِ الجَمالِ خَلْقًا وخُلُقًا!

فَبِأَيِّ آَلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ

فبأيِّ نِعَمِ رَبِّكما تُكَذِّبانِ، يا مَعشَرَ الإنسِ والجِنِّ؟!

حُورٌ مَقْصُورَاتٌ فِي الْخِيَامِ

مِن وَصفِهنَّ أنَّهنَّ بِيضٌ شَديدٌ سوادُ أعيُنِهنَّ وبَياضُها، مَحجوباتٌ ومَحبوساتٌ في بُيوتِ اللُّؤلؤِ المُجَوَّفِ

فَبِأَيِّ آَلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ

فبأيِّ نِعَمِ رَبِّكما تُكَذِّبانِ، يا مَعشَرَ الإنسِ والجِنِّ؟!

لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلَا جَانٌّ

لم يُجامِعْهنَّ فيَفتَضَّ بَكارتَهُنَّ قبْلَ أزواجِهنَّ أحَدٌ مِنَ الإنسِ أو الجِنِّ

فَبِأَيِّ آَلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ

فبأيِّ نِعَمِ رَبِّكما تُكَذِّبانِ، يا مَعشَرَ الإنسِ والجِنِّ؟!

مُتَّكِئِينَ عَلَى رَفْرَفٍ خُضْرٍ وَعَبْقَرِيٍّ حِسَانٍ

يَتنَعَّمونَ بالاتِّكاءِ على ثيابٍ خَضراءَ فاخِرةٍ رَقيقةٍ مُتدَلِّيةٍ مِن فُرُشِهم، ومُتَّكِئينَ على بُسُطٍ فائِقةِ الجَمالِ، بديعةِ الصُّنعِ، حَسَنةِ المَنظَرِ!

فَبِأَيِّ آَلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ

فبأيِّ نِعَمِ رَبِّكما تُكَذِّبانِ، يا مَعشَرَ الإنسِ والجِنِّ؟!

تَبَارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ

تَبارَكَ اسمُ رَبِّك -يا محمَّدُ- فالبَرَكةُ كلُّها منه، فكلُّ ما ذُكِر عليه بُورِك فيه، صاحِبِ العَظَمةِ الباهِرةِ، المُستَحِقِّ لتَعظيمِه وعِبادتِه، والمُكرِمِ عِبادَه بنِعَمِه، المُستَحِقِّ للإكرامِ والحُبِّ مِن جَميعِ خَلْقِه

الواقعة

إِذَا وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ

إذا قامت القيامةُ، وتحقَّقَ وُقوعُها

لَيْسَ لِوَقْعَتِهَا كَاذِبَةٌ

ليس وُقوعُها بكَذِبٍ؛ فهو أمرٌ حَقٌّ واقِعٌ يَقينًا لا محالةَ!

خَافِضَةٌ رَافِعَةٌ

تَخفِضُ أقوامًا إلى النَّارِ فيَدخُلونَ الجَحيمَ، وإن كانوا في الدُّنيا أعِزَّاءَ، وتَرفَعُ أقوامًا إلى الجنَّةِ فيَنالونَ النَّعيمَ، وإن كانوا في الدُّنيا أذِلَّاءَ!

إِذَا رُجَّتِ الْأَرْضُ رَجًّا

إذا زُلْزِلَت الأرضُ على سَعَتِها وثِقْلِها، فحُرِّكت تَحريكًا شَديدًا، فاهتَزَّت واضطَرَبتْ!

وَبُسَّتِ الْجِبَالُ بَسًّا

وفُتِّتَت الجِبالُ على عَظَمتِها وصَلابتِها تَفتيتًا!

فَكَانَتْ هَبَاءً مُنْبَثًّا

فصارت الجبالُ ذَرَّاتِ غُبارٍ صَغيرةً مُتطايرةً مُتفَرِّقةً، كالَّتي تُرَى لدى انعِكاسِ أشِعَّةِ الشَّمسِ في مَوضِعٍ مُظلِمٍ!

وَكُنْتُمْ أَزْوَاجًا ثَلَاثَةً

وصِرْتُم -أيُّها النَّاسُ- أصنافًا ثلاثةً بحَسَبِ أعمالِكم في الدُّنيا

فَأَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ

فالصِّنفُ الأوَّلُ: أصحابُ اليَمينِ الَّذين يَدخُلونَ الجنَّةَ، وما أعظَمَ شَأنَ أصحابِ اليَمينِ!

وَأَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ

والصِّنفُ الثَّاني: أصحابُ الشِّمالِ الَّذين يَدخُلونَ النَّارَ، وما أفظَعَ شأنَ أصحابِ الشِّمالِ!

وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ

ثمَّ ذكَر الله الصِّنفَ الثالثَ فقال: والَّذين يَسبِقونَ إلى الإيمانِ والأعمالِ الصَّالِحاتِ، ويُبادِرونَ إلى فِعلِ الخَيراتِ هم السَّابقونَ إلى دخولِ الجنَّاتِ ونَيلِ الكراماتِ.

أُولَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ

أولئك الَّذين يُقرِّبُهم اللهُ تعالى منه

فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ

في جَنَّاتٍ يتنعَّمونَ فيها نعيمًا دائمًا لا ينقطِعُ أبدًا، نعيمًا بَدَنيًّا وقَلبيًّا

ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ

هم جَماعةٌ كثيرةٌ مِنَ الأوَّلينَ

وَقَلِيلٌ مِنَ الْآَخِرِينَ

وعَدَدٌ قَليلٌ مِنَ الآخِرينَ

عَلَى سُرُرٍ مَوْضُونَةٍ

مَجالِسُهم على سُرُرٍ مَنسوجةٍ بالذَّهَبِ وغَيرِه مِنَ الجواهِرِ واللَّآلئِ!

مُتَّكِئِينَ عَلَيْهَا مُتَقَابِلِينَ

متَّكئِينَ على تلك السُّرُرِ مُتقابِلينَ بوُجوهِهم، لا يَنظُرُ بَعضُهم إلى قَفا بَعضٍ؛ فليس أحَدٌ منهم وراءَ أحَدٍ!

يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُخَلَّدُونَ

يَدورُ عليهم لخِدمتِهم وِلدانٌ صِغارٌ، لا يَهرَمونَ ولا يموتونَ!

بِأَكْوَابٍ وَأَبَارِيقَ وَكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ

يَطوفُ الوِلْدانُ عليهم بأكوابٍ مُستديرةٍ لا خراطيمَ لها ولا آذانَ، وأباريقَ يَبرُقُ لَونُها مِن صَفائِها، لها خراطيمُ وآذان، ويَطوفُ الوِلْدانُ عليهم بكُؤوسٍ مِن خَمرٍ ظاهِرةٍ جاريةٍ تَنبُعُ كما يَنبُعُ الماءُ، بلا انقِطاعٍ!

لَا يُصَدَّعُونَ عَنْهَا وَلَا يُنْزِفُونَ

لا يَنشَأُ عن شُربِهم مِن تلك الخَمرِ صُداعٌ في رُؤوسِهم، ولا يَسْكَرُ بها شارِبُوها، فتَزولَ عُقولُهم، ولا ينفَدُ شرابُهم

وَفَاكِهَةٍ مِمَّا يَتَخَيَّرُونَ

ويَطوفُ عليهم الوِلْدانُ بفاكِهةٍ مِمَّا يَختارونَه مِن أصنافِ الفَواكِهِ الكَثيرةِ في الجَنَّةِ

وَلَحْمِ طَيْرٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ

ويَطوفُ الوِلْدانُ عليهم بلَحْمِ طَيرٍ مِمَّا تَرغَبُ أنفُسُهم في أكْلِه

وَحُورٌ عِينٌ

ولهم نِساءٌ بِيضٌ، شَديدٌ سوادُ أعيُنِهِنَّ وبَياضُها، واسِعاتُ الأعيُنِ معَ حُسنِها

كَأَمْثَالِ اللُّؤْلُؤِ الْمَكْنُونِ

وهُنَّ في بَياضِهنَّ وجَمالِهنَّ وصَفائِهنَّ يُشبِهْنَ الدُّرَّ الأبيَضَ الصَّافيَ المُتَلألِئَ المَستورَ عن لَمسِ الأيدي، وإصابةِ الغُبارِ والشَّمسِ والرِّياحِ!

جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ

إنَّما كانت جَنَّاتُ النَّعيمِ ثوابًا لأولئك السَّابِقينَ المُقَرَّبينَ؛ بسَبَبِ أعمالِهم الصَّالِحةِ الَّتي كانوا يَعمَلونَها في الدُّنيا

لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا وَلَا تَأْثِيمًا

لا يَسمَعونَ في تلك الجَنَّاتِ كَلامًا باطِلًا لا يَنفَعُهم، ولا يَسمَعونَ فيها كَلامًا يَجلِبُ عليهم الإثمَ، فيَضُرُّهم

إِلَّا قِيلًا سَلَامًا سَلَامًا

إنَّما يَسمَعُ أهلُ الجَنَّةِ فيها التَّسليمَ، والقَولَ السَّالِمَ مِنَ اللَّغْوِ والتَّأثيمِ

وَأَصْحَابُ الْيَمِينِ مَا أَصْحَابُ الْيَمِينِ

وأصحابُ اليَمينِ ما أعظَمَ شَأنَهم! وما أحسَنَ حالَهم!

فِي سِدْرٍ مَخْضُودٍ

هم في شَجَرِ نَبْقٍ لا شَوكَ فيه، مُثقَلةٍ أغصانُه بالثَّمَرِ الكثيرِ

وَطَلْحٍ مَنْضُودٍ

وفي شَجَرِ طَلحٍ بلا شَوكٍ، ذي ثَمَرٍ مَنظومٍ مُتراكِمٍ ومُتراصٍّ بَعضُه مع بَعضٍ، على تَرتيبٍ في غايةِ الحُسنِ

وَظِلٍّ مَمْدُودٍ

وهُم في ظِلٍّ دائِمٍ باقٍ لا يتقَلَّصُ أو يَزولُ

وَمَاءٍ مَسْكُوبٍ

وفي ماءٍ مَصبوبٍ جارٍ مِن غيرِ أُخدودٍ، لا ينقطعُ

وَفَاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ

وفي فَواكِهَ كَثيرةٍ مُتنَوِّعةٍ

لَا مَقْطُوعَةٍ وَلَا مَمْنُوعَةٍ

لا تَنقَطِعُ عنهم تلك الفَواكِهُ في وَقتٍ مِنَ الأوقاتِ، ولا يَمنَعُهم مِن تَناوُلِها مانِعٌ أبَدًا

وَفُرُشٍ مَرْفُوعَةٍ

وهم في فُرُشٍ عاليةٍ مُرتَفِعةٍ

إِنَّا أَنْشَأْنَاهُنَّ إِنْشَاءً

إنَّا خَلَقْنا نِساءَ أهلِ الجَنَّةِ خَلْقًا فأوجَدْناهنَّ

فَجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكَارًا

فجَعَلْناهنَّ أبكارًا عَذارى

عُرُبًا أَتْرَابًا

جَعَلْناهُنَّ مُظهِراتٍ شِدَّةَ مَحبَّتِهنَّ لأزواجِهنَّ، وجعَلْناهُنَّ على سِنٍّ واحِدةٍ في غايةِ الشَّبابِ

لِأَصْحَابِ الْيَمِينِ

أنشَأْنا تلك النِّسوةَ على تلك الصِّفاتِ لأصحابِ اليَمينِ

ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ

وأصحابُ اليَمينِ جَماعةٌ كَثيرةٌ مِنَ الأوَّلِينَ

وَثُلَّةٌ مِنَ الْآَخِرِينَ

وجَماعةٌ كَثيرةٌ مِنَ الآخِرِينَ

وَأَصْحَابُ الشِّمَالِ مَا أَصْحَابُ الشِّمَالِ

وأصحابُ الشِّمالِ ما أفظَعَ شَأنَهم! وما أسوَأَ حالَهم!

فِي سَمُومٍ وَحَمِيمٍ

هم في رِيحٍ شَديدةِ الحَرارةِ، وشَرابٍ بَالِغِ الغايةِ في الحَرارةِ!

وَظِلٍّ مِنْ يَحْمُومٍ

وفي ظِلٍّ مِن دُخَانِ شَديدِ السَّوادِ!

لَا بَارِدٍ وَلَا كَرِيمٍ

وهو ظِلٌّ غيرُ باردٍ، وليس بحَسَنِ المَنظَرِ!

إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُتْرَفِينَ

إنَّ أصحابَ الشِّمالِ كانوا في الدُّنيا قبْلَ أن يُصيبَهم هذا العَذابُ في تنَعُّمٍ وإسرافٍ وإقبالٍ على الشَّهَواتِ؛ فاستحَقُّوا تلك العُقوباتِ

وَكَانُوا يُصِرُّونَ عَلَى الْحِنْثِ الْعَظِيمِ

وكانوا في الدُّنيا مُستَمِرِّينَ على الإقامةِ على الذَّنْبِ العَظيمِ، وهو الشِّركُ باللهِ تعالى

وَكَانُوا يَقُولُونَ أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَئِنَّا لَمَبْعُوثُونَ

وكانوا يَقولونَ إنكارًا للبَعثِ يومَ القيامةِ: أَئِذا مِتْنا وصِرْنا في قُبورِنا تُرابًا وعِظامًا أَئِنَّا لَمَبعوثونَ أحياءً مِن بَعدِ ذلك؟!

أَوَآَبَاؤُنَا الْأَوَّلُونَ

وهل يُبعَثُ أيضًا آباؤُنا الأوَّلونَ؟!

قُلْ إِنَّ الْأَوَّلِينَ وَالْآَخِرِينَ

قُلْ -يا محمَّدُ- لأولئك المُنكِرينَ للبَعثِ: إنَّ الأوَّلِينَ والآخِرينَ مِنكم أو مِن غَيرِكم

لَمَجْمُوعُونَ إِلَى مِيقَاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ

لَمَجموعونَ بالبَعثِ والحَشرِ إلى وَقتٍ مُحَدَّدٍ عِندَ اللهِ تعالى، وهو يومُ القيامةِ

ثُمَّ إِنَّكُمْ أَيُّهَا الضَّالُّونَ الْمُكَذِّبُونَ

ثمَّ إنَّكم بعْدَ بَعثِكم أيُّها الضَّالُّونَ عن طَريقِ الهُدى، المكذِّبونَ بالحَقِّ

لَآَكِلُونَ مِنْ شَجَرٍ مِنْ زَقُّومٍ

لَآكِلونَ مِن شَجَرٍ كَريهِ المَنظَرِ والطَّعْمِ والرَّائِحةِ!

فَمَالِئُونَ مِنْهَا الْبُطُونَ

فمَالِئونَ مِن شَّجَرِ الزقُّومِ بُطونَكم؛ لشِدَّةِ جُوعِكم، واضطِرارِكم للأكْلِ

فَشَارِبُونَ عَلَيْهِ مِنَ الْحَمِيمِ

فشارِبونَ على هذا الزَّقُّومِ الَّذي مَلأْتُم به بُطونَكم شَرابًا مُغْلًى قد بَلَغ النِّهايةَ في الحَرارةِ!

فَشَارِبُونَ شُرْبَ الْهِيمِ

فشارِبونَ مِن هذا الحَميمِ شُربَ الإبِلِ العِطاشِ الَّتي أصابَها مَرَضٌ لا تَرْوَى معه مِن الماءِ!

هَذَا نُزُلُهُمْ يَوْمَ الدِّينِ

هذا الطَّعامُ والشَّرابُ مِن الزَّقُّومِ والحَميمِ هو ضيافةُ أولئك الضَّالِّينَ المُكَذِّبينَ، المُعَدَّةُ لهم عندَ مَقْدَمِهم، وذلك في يَومِ القيامةِ الَّذي يُحاسِبُ اللهُ فيه عِبادَه، ويُجازيهم على أعمالِهم

نَحْنُ خَلَقْنَاكُمْ فَلَوْلَا تُصَدِّقُونَ

نحن خَلَقْناكم -أيُّها الكفرةُ المكذِّبونَ بالبعثِ-أوَّلَ مرَّةٍ مِنَ العَدَمِ، فهَلَّا تُصَدِّقونَ خالِقَكم في إخبارِه ببَعْثِكم أحياءً يومَ القيامةِ بعْدَ مَوتِكم؟! فالَّذي قَدَر على ابتِداءِ خَلْقِكم قادِرٌ على إعادتِكم بطَريقِ الأَولى

أَفَرَأَيْتُمْ مَا تُمْنُونَ

أفرأيتُم ما تَقْذِفونَ مِنَ المَنيِّ في أرحامِ نِسائِكم؟

أَأَنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ أَمْ نَحْنُ الْخَالِقُونَ

أأنتُم تَخلُقونَ ذلك المَنِيَّ أم نحن الخالِقونَ له؟

نَحْنُ قَدَّرْنَا بَيْنَكُمُ الْمَوْتَ وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ

نحن قَضَيْنا بَيْنَكم الموتَ، فما مِن إنسانٍ يُفلِتُ مِنَ الموتِ في الوَقتِ الَّذي قدَّرَه اللهُ تعالى لذلك وما نحن بمَغلوبِينَ ولا عاجِزينَ

عَلَى أَنْ نُبَدِّلَ أَمْثَالَكُمْ وَنُنْشِئَكُمْ فِي مَا لَا تَعْلَمُونَ

وما نحن بمَغلوبِينَ ولا عاجِزينَ على تَبديلِ صُوَرِكم وأشخاصِكم، وأن نُنشِئَكم نَشأةً أُخرى في خِلْقةٍ لا تَعلَمونَها مِنَ الصُّوَرِ والهَيئاتِ، والأحوالِ والصِّفاتِ!

وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ النَّشْأَةَ الْأُولَى فَلَوْلَا تَذَكَّرُونَ

ولقد عَلِمتُم خَلْقَنا لكم أوَّلَ مَرَّةٍ، ولم تَكونوا شَيئًا قبْلَ ذلك! فهَلَّا تَتذكَّرونَ ذلك؛ فتَعلَموا أنَّ الَّذي أنشَأَكم النَّشْأةَ الأُولى ولم تَكونوا شَيئًا: لا يَتعَذَّرُ عليه إعادتُكم أحياءً بعْدَ مَوتِكم؟!

أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَحْرُثُونَ

أفرأيتُمُ البَذْرَ الَّذي تَشُقُّون له الأرضَ وتُثيرونَها، فتُلْقونَه فيها لِيَنبُتَ؟

أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ

أأنتُم تُصَيِّرونَ ذلك البَذْرَ زَرْعًا، أم نحن الَّذين أنبَتْناه بقُدرَتِنا؟

لَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَاهُ حُطَامًا فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ

لو نَشاءُ لَصَيَّرْنا ذلك الزَّرْعَ -الَّذي أنبَتْناه- هَشيمًا يابِسًا، فلا تَنتَفِعونَ به! فبَقِيتُم نادِمينَ مُتعَجِّبينَ مِن هَلاكِ زَرْعِكم، قد زال عنكم السُّرورُ والمَرَحُ!

إِنَّا لَمُغْرَمُونَ

فتَقولونَ: إنَّا لَمُعَذَّبونَ!

بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ

إنَّما نحن مَحرومونَ مِن مَنفَعةِ زَرْعِنا، وحُصولِ خَيْرِه، فلا حَظَّ لنا فيه!

أَفَرَأَيْتُمُ الْمَاءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ

أفرأيتُمُ الماءَ العَذْبَ الَّذي تَشرَبونَ منه؟

أَأَنْتُمْ أَنْزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ الْمُنْزِلُونَ

أأنتُم الَّذين أنزَلْتُم هذا الماءَ مِنَ السَّحابِ إلى الأرضِ، أم نحن المُنزِلونَ له بقُدْرتِنا؟

لَوْ نَشَاءُ جَعَلْنَاهُ أُجَاجًا فَلَوْلَا تَشْكُرُونَ

لو نَشاءُ جَعَلْنا ذلك الماءَ العَذْبَ مِلْحًا شَديدَ المَرارةِ؛ فلا يُمكِنُكم شُربُه، والانتِفاعُ به !فهلَّا تَشكُرونَ اللهَ الَّذي رزَقَكم الماءَ العَذْبَ الزُّلالَ!

أَفَرَأَيْتُمُ النَّارَ الَّتِي تُورُونَ

أفرأيتُم النَّارَ الَّتي تَستَخرِجونَها مِنَ الشَّجَرِ بالاقتِداحِ، وتُوقِدونَها؟

أَأَنْتُمْ أَنْشَأْتُمْ شَجَرَتَهَا أَمْ نَحْنُ الْمُنْشِئُونَ

أأنتُم أنشَأْتُم الشَّجَرةَ الَّتي تَخرُجُ منها النَّارُ، أم نحن الَّذين أنشَأْناها بقُدْرتِنا؟

نَحْنُ جَعَلْنَاهَا تَذْكِرَةً وَمَتَاعًا لِلْمُقْوِينَ

نحن جعَلْنا تلك النَّارَ تَذكيرًا للنَّاسِ بنارِ جَهنَّمَ، فيَعتَبِرونَ ويَنزَجِرونَ خَوفًا منها، وجعَلْنا نارَ الدُّنيا مَنفَعةً للمُسافِرينَ؛ في الطَّبخِ، والتَّدفِئةِ، والاستِضاءةِ، وغيرِ ذلك

فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ

فنَزِّهْ ربَّك المتَّصِفَ بكَمالِ العَظَمةِ -يا مُحمَّدُ- عن كُلِّ نَقصٍ وعَيبٍ، قائِلًا: سُبحانَ رَبِّيَ العَظيمِ

فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ

أُقسِمُ بمواقِعِ النُّجومِ في السَّماءِ

وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ

وإنَّ هذا القَسَمَ لَقَسَمٌ عَظيمٌ، لو تَعلَمونَ قَدْرَه وعَظَمتَه!

إِنَّهُ لَقُرْآَنٌ كَرِيمٌ

أُقسِمُ على أنَّ هذا القُرآنَ المُنزَّلَ على مُحمَّدٍ: قرآنٌ عَظيمُ الحُسْنِ والنَّفعِ، والخَيرِ والإنعامِ؛ مُتَّصِفٌ بصِفاتِ الكَمالِ والجَمالِ، مُنزَّهٌ عن كُلِّ شائِبةِ نَقصٍ وعَيبٍ وقُبحٍ!

فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ

إنَّ القُرآنَ مَحفوظٌ عِندَ اللهِ -تعالى- في كِتابٍ مَصونٍ مِن كُلِّ سُوءٍ

لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ

لا يَمَسُّ هذا الكِتابَ المكنونَ إلَّا الملائكةُ الَّذين طَهَّرهمُ اللهُ تعالى مِنَ الذُّنوبِ والعُيوبِ

تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ

هذا القُرآنُ الكريمُ مُنزَّلٌ مِن رَبِّ العالَمينَ؛ فهو الحَقُّ الَّذي لا مِرْيةَ فيه

أَفَبِهَذَا الْحَدِيثِ أَنْتُمْ مُدْهِنُونَ

أفبِهذا القُرآنِ أنتم كافِرونَ مُكذِّبونَ؟!

وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ

وتَجعَلونَ شُكْرَ رزقِكم التَّكذيبَ؛ فتَضَعونَ التَّكذيبَ مَوضِعَ الشُّكرِ، وتُقابِلونَ مِنَّةَ الله عليكم بالكُفرِ بها؟!

فَلَوْلَا إِذَا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ

فهلَّا إذا بَلَغَت رُوحُ المَيِّتِ حَلْقَه حينَ خُروجِها مِن جَسَدِه

وَأَنْتُمْ حِينَئِذٍ تَنْظُرُونَ

وأنتم -أيُّها الحاضِرونَ عندَ المُحتَضَرِ- تَنظُرونَ إليه وهو في سَكَراتِ المَوتِ، ولا تَستَطيعونَ رَدَّ رُوحِه إلى مَوضِعِها

وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ وَلَكِنْ لَا تُبْصِرُونَ

ومَلائِكتُنا -الَّذين نُرسِلُهم إلى المُحتَضَرِ لِقَبضِ رُوحِه- أقرَبُ إليه منكم -أيُّها الحاضِرونَ عِندَه- ولكِن لا تَرَونَهم

فَلَوْلَا إِنْ كُنْتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ

فهلَّا إنْ كُنتُم -أيُّها المُكَذِّبونَ بالبَعثِ- غَيرَ مقهورينَ مملوكينَ، ولا مُحاسَبينَ مَجْزيِّينَ بأعمالِكم

تَرْجِعُونَهَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ

هلَّا تَرجِعونَ رُوحَ المُحتَضَرِ إلى جَسَدِه إنْ كُنتُم صادِقينَ في دَعوى إنكارِ البَعثِ والحِسابِ والجَزاءِ؟

فَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ

فأمَّا إنْ كان المَيِّتُ مِن المُقَرَّبينَ عِندَ اللهِ سُبحانَه تعالى

فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ وَجَنَّةُ نَعِيمٍ

فله راحةٌ وسُرورٌ ورَحمةٌ، ورِزقٌ طَيِّبٌ وطِيبُ رائِحةٍ، وله جَنَّةٌ يَتنَعَّمُ فيها

وَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ

وأمَّا إنْ كان المَيِّتُ مِن أصحابِ اليَمينِ

فَسَلَامٌ لَكَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ

فيُقالُ له: سَلامٌ لك لأنَّك مِن أصحابِ اليمينِ

وَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُكَذِّبِينَ الضَّالِّينَ

وأمَّا إن كان المَيِّتُ مِنَ المُكَذِّبينَ بآياتِ اللهِ، الضَّالِّينَ عن سَبيلِه

فَنُزُلٌ مِنْ حَمِيمٍ

فله ضِيافةٌ مِن شَرابٍ قد بَلَغ الغايةَ في الحَرارةِ!

وَتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ

وله نارٌ شَديدةُ التَّوَقُّدِ يُقاسِي حَرَّها

إِنَّ هَذَا لَهُوَ حَقُّ الْيَقِينِ

إنَّ هذا المذكورَ عن المُقَرَّبينَ وأصحابِ اليَمينِ وعن المُكَذِّبينَ الضَّالِّينَ، وما يَصيرونَ إليه: لَهُو خَبَرٌ أكيدٌ لا شَكَّ فيه، وأمرٌ ثابِتٌ لا بُدَّ مِن وُقوعِه

فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ

فنَزِّهْ ربَّك المُتَّصِفَ بكَمالِ العَظَمةِ -يا مُحمَّدُ- عن كُلِّ نَقصٍ وعَيبٍ، قائِلًا: سُبحانَ رَبِّيَ العَظيمِ

الحديد

سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ

نَزَّهَ اللهَ تعالى عن النَّقائِصِ والعُيوبِ كُلُّ مَن في السَّمَواتِ ومَن في الأرضِ، واللهُ هو الغالِبُ الَّذي لا يُغلَبُ، ولا يَمتَنِعُ عليه شَيءٌ، الحَكيمُ الَّذي يَضَعُ كُلَّ شَيءٍ في مَوضِعِه الصَّحيحِ اللَّائِقِ به

لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ

لله وَحْدَه سُلطانُ السَّمَواتِ والأرضِ؛ فلا شَريكَ له في خَلْقِهما، ولا في تَدبيرِهما والتَّصَرُّفِ فيهما، يُحيي ما يَشاءُ، ويُميتُ ما يَشاءُ مِن خَلْقِه، وهو ذو قُدرةٍ بالِغةٍ، فلا يُعجِزُه شَيءٌ، سُبحانَه

هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآَخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ

هو وَحْدَه الموَجودُ أزَلًا قبْلَ كُلِّ شَيءٍ، بلا بِدايةٍ، والباقي دائِمًا بعْدَ كُلِّ شَيءٍ بلا نِهايةٍ، وهو وَحْدَه العالي بذاتِه على كُلِّ شَيءٍ مِن خَلْقِه؛ فلا شَيءَ فَوقَه، وهو وَحْدَه الباطِنُ الَّذي لا شَيءَ دُونَه، قد أحاط بكُلِّ شَيءٍ، بحيثُ يكونُ أقرَبَ إليه مِن نَفْسِه، وهو ذو عِلمٍ بالِغٍ تامٍّ بكُلِّ شَيءٍ، فلا يَخفَى عليه شَيءٌ

هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ

هو وَحْدَه الَّذي أوجَدَ السَّمَواتِ والأرضَ في ستَّةِ أيَّامٍ، ثمَّ علا على عَرشِه بعْدَ خَلقِ السَّمَواتِ والأرضِ عُلُوًّا يَليقُ بجَلالِه، يَعلَمُ اللهُ ما يَدخُلُ في الأرضِ فيَغيبُ فيها مِن ماءٍ وبُذورٍ وحَيَواناتٍ، وأَمواتٍ وكُنوزٍ وغَيرِها، ويَعلَمُ ما يَخرُجُ مِن الأرضِ مِن نَباتٍ وحَيوانٍ، ومَعادِنَ وغَيرِها، ويَعلَمُ اللهُ تعالى ما يَنزِلُ مِنَ السَّماءِ مِن الملائِكةِ، والأمطارِ والبَرَدِ والثُّلوجِ والصَّواعِقِ، والأرزاقِ والوَحيِ وغَيرِ ذلك، ويَعلَمُ ما يَصعَدُ في السَّماءِ مِنَ الملائِكةِ والأرواحِ والأعمالِ، والأبخِرةِ وغَيرِها، واللهُ معَكم بعِلمِه وإحاطتِه، رَقِيبٌ عليكم، شَهيدٌ على أعمالِكم في أيِّ مَوضِعٍ كُنتُم فيه مِن بَرٍّ أو بحرٍ، في لَيلٍ أو نهارٍ، ولا يَخفى عليه شَيءٌ مِن أعمالِكم، وسيُجازيكم عليها

لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ

لله وَحْدَه سُلطانُ السَّمَواتِ والأرضِ، فلا شَريكَ له في خَلْقِهما، ولا في تَدبيرِهما والتَّصَرُّفِ فيهما، وإلى اللهِ وَحْدَه لا إلى غَيرِه مَرجِعُ جَميعِ الأُمورِ

يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَهُوَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ

يُدخِلُ اللهُ ظُلْمةَ اللَّيلِ في ضَوءِ النَّهارِ، فيَغيبُ فيه، ويُدخِلُ اللهُ ضَوءَ النَّهارِ في ظُلمةِ اللَّيلِ، فيَغيبُ فيه، وهو وَحْدَه البالِغُ العِلمِ بضَمائِرِ عِبادِه وسَرائِرِهم، لا يخفَى عليه شَيءٌ منها

آَمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ فَالَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ وَأَنْفَقُوا لَهُمْ أَجْرٌ كَبِيرٌ

آمِنوا باللهِ تعالى فوَحِّدوه، وآمِنوا برَسولِه مُحمَّدٍ فصَدِّقوه وأقِرُّوا برسالتِه وما جاء به واتَّبِعوه، وداوِموا على ذلك الإيمانِ واثبُتوا عليه، وأنفِقوا مِن مالِ اللهِ الَّذي استَخلَفَكم فيه وجعَلَه عِندَكم عارِيَّةً، فتصَدَّقوا منه في سَبيلِه، فالَّذين آمَنوا باللهِ ورَسولِه مِنكم، وأنفَقوا في سَبيلِه مِن أموالِهم الَّتي استَخلَفَهم فيها: لهم ثوابٌ عَظيمٌ

وَمَا لَكُمْ لَا تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ لِتُؤْمِنُوا بِرَبِّكُمْ وَقَدْ أَخَذَ مِيثَاقَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ

وما الَّذي يَحمِلُكم على عَدَمِ الإيمانِ باللهِ، والحالُ أنَّ رَسولَه مُحَمَّدًا صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يَدْعوكم إلى الإيمانِ برَبِّكم المُحسِنِ إليكم؟!والحالُ أنَّ اللهَ قد أخَذَ منكم العَهدَ بالإيمانِ، إنْ كُنتُم مُؤمِنينَ

هُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ عَلَى عَبْدِهِ آَيَاتٍ بَيِّنَاتٍ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَإِنَّ اللَّهَ بِكُمْ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ

اللهُ تعالى هو الَّذي يُنَزِّلُ على عَبدِه مُحمَّدٍ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم آياتِ القُرآنِ الواضِحةَ الدَّلالةِ على الحَقِّ؛ لِيُخرِجَكم بها مِن ظُلُماتِ الكُفرِ والشِّركِ والضَّلالِ والجَهلِ إلى نورِ الإيمانِ والتَّوحيدِ والهُدى واليَقينِ، وإنَّ اللهَ لَبالِغُ الرَّأفةِ والرَّحمةِ بكم؛ حيثُ أنزَلَ كُتُبَه، وأرسَلَ رُسُلَه لهِدايتِكم

وَمَا لَكُمْ أَلَّا تُنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ

وما الَّذي يَمنَعُكم مِنَ الإنفاقِ في سَبيلِ اللهِ مِمَّا رَزَقكم، والحالُ أنَّ كلَّ أملاكِ الخَلقِ صائِرةٌ بعدَ مَوتِهم إلى اللهِ تعالى وَحْدَه؟! فلا معنى للبُخلِ بشَيءٍ لا تَملِكونَه حَقيقةً، وأنتم عنه زائِلونَ !لا يَتَساوى في الفَضلِ والأجْرِ مَن أنفَقَ منكم -أيُّها المُؤمِنونَ- في سَبيلِ اللهِ قبْلَ الفَتحِ -وهو صلحُ الحديبيةِ- وقاتَلَ أعداءَ الدِّينِ، مع مَنْ أنفَقَ بعْدَ الفَتحِ وقاتَلَ! أولئك -الَّذين أنفَقوا قبْلَ الفَتحِ وقاتَلوا- أفضَلُ دَرَجةً عندَ اللهِ مِن الَّذين أنفَقوا مِن بَعدِ الفَتحِ وقاتَلوا، وكُلٌّ مِنَ القِسمَينِ قد وعَدَه اللهُ الفَوزَ بالجَنَّةِ، وإن كان السَّابِقونَ أفضَلَ مِن اللَّاحِقينَ، واللهُ مُطَّلِعٌ على أعمالِكم ظاهرِها وباطنِها، وسيُجازيكم عليها

مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ وَلَهُ أَجْرٌ كَرِيمٌ

مَن هذا الَّذي يُنفِقُ في سَبيلِ اللهِ مِن طَيِّبِ مالِه مُحتَسِبًا في نَفَقتِه، مُبتَغِيًا ما عِندَ رَبِّه بلا مَنٍّ ولا أذًى، فيُثيبَه اللهُ على ذلك الإنفاقِ أُجورًا كَثيرةً، قد تَبلُغُ سَبْعَمِئةِ ضِعْفٍ أو أكثَرَ، وله ثَوابٌ حَسَنٌ، وجزاءٌ جَميلٌ؟!

يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ يَسْعَى نُورُهُمْ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ بُشْرَاكُمُ الْيَوْمَ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ

يومَ ترَى المُؤمِنينَ والمُؤمِناتِ يَومَ القيامةِ يَمضي نُورُهم معهم مِن أمامِهم، وبأيْمانِهم، ويُقالُ للمُؤمِنينَ والمُؤمِناتِ: بِشارتُكم العَظيمةُ هذا اليَومَ -أي: يومَ القيامةِ- جَنَّاتٌ لكم تَدخُلونَها، تَجري مِن تَحتِها الأنهارُ؛ مِن الماءِ أو اللَّبَنِ، أو الخَمرِ أو العَسَلِ، ماكِثينَ في تلك الجَنَّاتِ، لا تَخرُجونَ منها أبَدًا، ودُخولُ تلك الجَنَّاتِ في الآخِرةِ والخُلودُ فيها: هو الرِّبحُ والنَّجاحُ العَظيمُ

يَوْمَ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ لِلَّذِينَ آَمَنُوا انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ قِيلَ ارْجِعُوا وَرَاءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُورًا فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذَابُ

يَومَ يَقولُ المُنافِقونَ والمُنافِقاتُ لأولئك المُؤمِنينَ والمُؤمِناتِ: انتَظِرونا وأمْهِلونا؛ حتَّى نَلحَقَ بكم، ونَنالَ شُعْلةً مِن نُورِكم !يُقالُ لأولئك المُنافِقينَ والمُنافِقاتِ؛ تَهكُّمًا بهم: ارجِعوا خَلْفَكم، فاطلُبوا مِن هُنالِك نُورًا لأنفُسِكم! فضَرَب اللهُ بيْنَ المُؤمِنينَ والمُنافِقينَ سورًا حاجِزًا يَفصِلُ بيْنَهم، لذلك السُّورِ الحاجِزِ بينَ المُؤمِنينَ والمنافِقينَ بابٌ يَدخُلُ منه المؤمِنونَ، داخلُ ذلك السُّورِ مِن جِهةِ المُؤمِنينَ: فيه الجنَّةُ، وخارِجُ السُّورِ مِن الجِهةِ الَّتي تَلي المُنافِقينَ وتَبدو لهم: يأتِيهم مِن قِبَلِه عَذابُ جهنَّمَ

يُنَادُونَهُمْ أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ قَالُوا بَلَى وَلَكِنَّكُمْ فَتَنْتُمْ أَنْفُسَكُمْ وَتَرَبَّصْتُمْ وَارْتَبْتُمْ وَغَرَّتْكُمُ الْأَمَانِيُّ حَتَّى جَاءَ أَمْرُ اللَّهِ وَغَرَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ

يُنادي المُنافِقونَ المُؤمِنينَ مِن وَراءِ السُّورِ الحاجِزِ بَيْنَهم، وهم في الظُّلْمةِ والعَذابِ: ألمْ نَكُنْ مَعَكم في الدُّنيا نُصَلِّي ونَصومُ ونَذكُرُ اللهَ، ونَدِينُ بالإسلامِ، ونَفعَلُ مِثلَ ما تَفعَلونَ؟! قال المؤمِنونَ لهم: قد كُنتُم معنا في الدُّنيا في الظَّاهِرِ، ولكِنْ بلا نِيَّةٍ صَحيحةٍ، ولا إيمانٍ صادِقٍ؛ فأهلَكْتُم أنفُسَكم بالنِّفاقِ الَّذي هو كُفرٌ باطِنٌ! وانتَظَرْتُم بالمُؤمِنينَ حوادثَ الدَّهرِ ونوائبَه أن تُهلِكَهم! وشَكَكْتُم في الحَقِّ الَّذي جاءَ مِن عِندِ اللهِ تعالى، وخَدَعَتْكم أمانيُّ نُفوسِكم الباطِلةُ، فصَرَفَتْكم عن اتِّباعِ الحَقِّ، حتَّى جاءَكم الموتُ! وخدَعكم باللهِ -تعالى- الشَّيطانُ

فَالْيَوْمَ لَا يُؤْخَذُ مِنْكُمْ فِدْيَةٌ وَلَا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مَأْوَاكُمُ النَّارُ هِيَ مَوْلَاكُمْ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ

يقولُ المُؤمِنونَ للمُنافِقينَ الَّذين سَتَروا كُفْرَهم: ففي هذا اليَومِ -يومِ القيامةِ- لا يُؤخَذُ مِنكم عِوَضٌ مِنَ المالِ بَدَلًا مِن عَذابِ اللهِ؛ فيُخَلِّصَكم منه، ولا يُؤخَذُ أيضًا عِوَضٌ مِنَ الَّذين أظهَروا كُفْرَهم؛ فلا خَلاصَ لكم مِنَ النَّارِ، فأنتم جميعًا مُشتَرِكونَ في الكُفرِ!مَنزِلُكم ومُقامُكم الَّذي تَصيرونَ إليه وتَسكُنونَ فيه: النَّارُ، هي قَرينتُكم الَّتي تُلازِمُكم وتَضُمُّكم إليها، ومَوضِعُ قُربِكم، ومَصيرُكم؛ فلا مَصيرَ إلى سِواها! وبِئسَ المَرجِعُ النَّارُ!

أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آَمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ

أمَا حانَ للمُؤمِنينَ أن تَلِينَ قُلوبُهم وتَرِقَّ وتَخضَعَ وتَذِلَّ لذِكرِ اللهِ وما نَزَل مِن القُرآن، وألَّا يَكونوا كاليَهودِ والنَّصارى الَّذين أنزَلَ اللهُ عليهم الكِتابَ -التَّوراةَ والإنجيلَ- المُوجِبَ لخُشوعِ القَلبِ والانقيادِ التَّامِّ، مِن قَبلِ نُزولِ القُرآنِ الكريمِ عليكم، فطالَ على أهلِ الكِتابِ الزَّمانُ، فقَسَت بسَبَبِ طُولِ الزَّمانِ قُلوبُهم، فصارت غَليظةً لا تَلِينُ لِذِكرٍ، ولا تَرِقُّ لِمَوعِظةٍ، وكَثيرٌ منهم خارِجونَ عن طاعةِ اللهِ، ضالُّونَ عن الحَقِّ والهُدى

اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يُحْيِي الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآَيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ

اعلَموا أنَّ اللهَ تعالى يُحْيي الأرضَ بعْدَ يُبسِها وجَدْبِها، بالماءِ المُنزَّلِ مِنَ السَّماءِ، فكذلك يُحْيي اللهُ القَلْبَ بعْدَ قَسْوتِه وصَلابتِه، بالوَحيِ المُنَزَّلِ مِنَ السَّماءِ، قد أوضَحْنا وأظهَرْنا لكم الآياتِ الدَّالَّةَ على الحَقِّ؛ لِتَعقِلوا وتتَّعِظوا وتَعمَلوا بمُوجَبِ ذلك

إِنَّ الْمُصَّدِّقِينَ وَالْمُصَّدِّقَاتِ وَأَقْرَضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا يُضَاعَفُ لَهُمْ وَلَهُمْ أَجْرٌ كَرِيمٌ

إنَّ المُتصَدِّقينَ والمُتصَدِّقاتِ في سَبيلِ اللهِ مِن طَيِّبِ أموالِهم مُحتَسِبينَ في إنفاقِها، مُبتَغِينَ ما عِندَ رَبِّهم بلا مَنٍّ ولا أذًى- يُثيبُهم اللهُ على ذلك الإنفاقِ أُجورًا كَثيرةً، قد تَبلُغُ سَبْعَمِئةِ ضِعفٍ أو أكثَر! ولهم ثَوابٌ حَسَنٌ، وجَزاءٌ جَميلٌ

وَالَّذِينَ آَمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ أُولَئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ وَالشُّهَدَاءُ عِنْدَ رَبِّهِمْ لَهُمْ أَجْرُهُمْ وَنُورُهُمْ وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآَيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ

والَّذين آمَنوا باللهِ وبرُسُلِه هم الصِّدِّيقونَ الَّذين هم في غايةِ الصِّدقِ وكَثرةِ التَّصديقِ لِما وَجَب التَّصديقُ به، فليس في قُلوبِهم أدنَى شَكٍّ، والشُّهَداءُ: لهم ثَوابُ اللهِ في الآخِرةِ، ولهم نُورُهم، والَّذين كَفَروا باللهِ ورُسُلِه، وكَذَّبوا بآياتِ القُرآنِ الدَّالَّةِ على الحَقِّ: أولئك مُلازِمونَ للنَّارِ الشَّديدةِ التَّوَقُّدِ

اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا وَفِي الْآَخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ

اعلَموا أنَّ حَقيقةَ الحياةِ الدُّنيا أنَّها لَعِبٌ وهَزْلٌ باطِلٌ مُنقَطِعٌ لا دوامَ له، ولهوٌ يُلْهِي ويَفرَحُ النَّاسُ ويَتلَذَّذونَ به، ثمَّ يَنقَضي! والحياةُ الدُّنيا زِينةٌ تَتزَيَّنونَ بها، وتَستَطِيبونَ شَهَواتِها، وتَستَحسِنونَ مَنظَرَها وزُخْرُفَها، وهي تفاخُرٌ بَيْنَكم؛ فيَفخَرُ بَعضُكم على بَعضٍ بما حَصَّله منها! وهي تكاثُرٌ؛ تَتكَثَّرونَ فيها مِنَ الأموالِ والأولادِ، وتَتباهَونَ فيها بكَثرةِ ذلك بَيْنَكم! كمَثَلِ مَطَرٍ جاءَ بعْدَ قُنوطِ النَّاسِ، فأنبَتَت به الأرضُ المُجدِبةُ زُروعًا استَحسَنَها الكُفَّارُ، ثمَّ يَبتَدِئُ ذلك الزَّرعُ بالجَفافِ واليُبْسِ، فيُرَى بعْدَ تَمامِ خُضرتِه ونَضْرتِه ذابِلًا مُصْفَرَّ اللَّونِ! ثمَّ يَصيرُ بعدَ تَناهي جَفافِه ويُبْسِه فُتاتًا مُتَكَسِّرًا! وفي الآخِرةِ يَقَعُ عذابٌ شَديدٌ على الكافِرينَ باللهِ -تعالى- وبرُسُلِه، وفي الآخِرةِ تَكونُ مَغفِرةٌ مِنَ اللهِ لذُنوبِ عِبادِه الَّذين سَعَوا للآخِرةِ سَعْيَها، ورِضوانٌ مِن اللهِ تعالى يُحِلُّه على أهلِ جَنَّتِه، وما الحَياةُ الدُّنيا إلَّا مَتاعٌ يَتمَتَّعُ به النَّاسُ زَمَنًا قَليلًا!

سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آَمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ

سابِقُوا غَيرَكم وبادِروا إلى عَمَلِ ما يُوجِبُ لكم تحقيقَ المَغفِرةِ مِن رَبِّكم لذُنوبِكم، فيَستُرُها عليكم، ويَتجاوَزُ عن مُؤاخَذتِكم، وسابِقوا إلى جَنَّةٍ عَرْضُها كعَرْضِ السَّمواتِ والأرضِ، لو بُسِطَت ووُصِلَ بَعضُها ببَعضٍ !أُعِدَّت تلك الجَنَّةُ وهُيِّئَتْ للَّذين آمَنوا باللهِ تعالى، ورُسُلِه عليهم السَّلامُ. دُخولُ تلك الجَنَّةِ فَضلٌ مِنَ اللهِ تعالى تَفَضَّلَ به عليهم، واللهُ يُعطي فَضْلَه مَن يَشاءُ مِن عِبادِه بحَسَبِ ما تَقتَضيه حِكْمتُه، واللهُ صاحِبُ الفَضلِ العَظيمِ والثَّوابِ الكَبيرِ

مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ

ما وَقَع في الأرضِ مِن مُصيبةٍ، كقَحْطِها وهَلاكِ زَرْعِها وثَمَرِها، أو في أنفُسِكم، كالأمراضِ والأوجاعِ، والفَقرِ والمَوتِ- إلَّا وهي مكتوبةٌ في اللَّوحِ المحفوظِ مِن قَبلِ أن نَخلُقَ ذلك، إنَّ ذلك أمرٌ سَهلٌ وهَيِّنٌ على اللهِ تعالى، لا يَتعَذَّرُ عليه سُبحانَه؛ لإحاطَةِ عِلمِه، وكمالِ قُدْرَتِه

لِكَيْ لَا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آَتَاكُمْ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ

أخبَرْناكم بأنَّ كلَّ مصيبةٍ تقعُ فهي في كتابٍ؛ لِكَيْلا يَشتَدَّ حُزنُكم على شَيءٍ فاتَكم مِن مَتاعِ الدُّنيا، ولِكَيلا تَفرَحوا فَرَحَ بَطَرٍ وفَخْرٍ على غَيرِكم بما أعطاكم اللهُ مِن مَتاعِ الدُّنيا، واللهُ لا يُحِبُّ كلَّ مُتكَبِّرٍ في نَفْسِه بما أُوتِيَ مِنَ الدُّنيا، فَخورٍ به على النَّاسِ

الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ وَمَنْ يَتَوَلَّ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ

وهم مع اختيالِهم وفَخْرِهم هذا يَبخَلونَ بما أُوتُوه مِن نِعَمٍ، فيَمتَنِعونَ عن إخراجِ ما وَجَب عليهم بَذْلُه منها، ويأمُرونَ غَيْرَهم بذلك، ومَن يُعْرِضْ فإنَّ اللهَ هو الغَنيُّ عن خَلْقِه غِنًى تامًّا مُطلَقًا؛ المحمودُ في ذاتِه وأسمائِه وصِفاتِه، وأفعالِه وأقوالِه، كثيرُ الحَمدِ لِمَن يَستحِقُّ الحَمدَ منه

لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ

لقد أرسَلْنا رُسُلَنا بالحُجَجِ والبَراهينِ الواضِحةِ الدَّالَّةِ على صِدْقِهم، وأنزَلْنا مع رُسُلِنا الكِتابَ بالحَقِّ، وأنزَلْنا معهم العَدْلَ؛ لِيَتعامَلَ النَّاسُ به بَيْنَهم، وخَلَقْنا الحديدَ، فيه قُوَّةٌ وصَلابةٌ شَديدةٌ، ومنه تُصنَعُ آلاتُ الحربِ، وفي الحَديدِ مَنافِعُ كَثيرةٌ للنَّاسِ في مَعايِشِهم وحاجاتِهم المُتنَوِّعةِ، ولِيَعلَمَ اللهُ -عِلمَ رُؤيةٍ وظُهورٍ للوُجودِ يَترَتَّبُ عليه الثَّوابُ والعِقابُ- مَن يَنصرُ دينَ الله، ويَنصرُ رُسُلَه، بالغَيبِ، إنَّ اللهَ ذو القُوَّةِ البالغةِ فلا يُعجِزُه شَيءٌ، وذو العِزَّةِ التَّامَّةِ فيَمتَنِعُ عليه كُلُّ عَيبٍ وسُوءٍ ونَقصٍ؛ فهو الغالِبُ القاهِرُ الَّذي لا يُغلَبُ ولا يُقهَرُ!

وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا وَإِبْرَاهِيمَ وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِمَا النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ فَمِنْهُمْ مُهْتَدٍ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ

ولقد أرسَلْنا نُوحًا وإبراهيمَ إلى قَومِهما، وجعَلْنا في نَسْلِ نُوحٍ وإبراهيمَ جَميعَ الأنبياءِ والكُتُبِ الإلهيَّةِ مِن بَعْدِهما؛ كالتَّوراةِ، والزَّبُورِ، والإنجيلِ، والقُرآنِ، فمِن ذُرِّيَّةِ نُوحٍ وإبراهيمَ مَن هو مُهْتَدٍ إلى الحَقِّ، وكثيرٌ مِن ذُرِّيَّتِهما خارِجونَ عن طاعةِ اللهِ، ضالُّونَ عن طَريقِ الحَقِّ والهُدى

ثُمَّ قَفَّيْنَا عَلَى آَثَارِهِمْ بِرُسُلِنَا وَقَفَّيْنَا بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَآَتَيْنَاهُ الْإِنْجِيلَ وَجَعَلْنَا فِي قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ رَأْفَةً وَرَحْمَةً وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلَّا ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا فَآَتَيْنَا الَّذِينَ آَمَنُوا مِنْهُمْ أَجْرَهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ

ثمَّ أتْبَعْنا على آثارِهم رُسُلَنا إلى أقوامِهم، فأرسَلْناهم واحِدًا تِلْوَ آخَرَ، وأرسَلْنا مِن بَعْدِهم عيسى ابنَ مَريَمَ، وآتَيْناه الكِتابَ المُسَمَّى بالإنجيلِ، وجعَلْنا في قُلوبِ الَّذين اتَّبَعوا عِيسى على دِينِه رِقَّةً ولِينًا ورَحمةً ورَهبانيَّةً ابتَدَعوها مِن عِندِ أنفُسِهم، ولم نَفرِضْها عليهم؛ فاعتَزَلوا النَّاسَ، ورَفَضوا الزَّواجَ، وتَرَكوا الدُّنيا، وآثَروا العُكوفَ والتَّفَرُّغَ للعبادةِ في الصَّوامِعِ أو الجِبالِ أو غَيرِها !ما ابتَدَعوها إلَّا طَلَبًا لِرِضا اللهِ تعالى، فما رَعَوا تلك الرَّهبانيَّةَ الَّتي ابتَدَعوها الرِّعايةَ الواجِبةَ، وما قاموا بها حَقَّ القيامِ، فآتَيْنا المؤمِنينَ مِنهم ثوابَ إيمانِهم، وكثيرٌ مِن أولئك خارِجونَ عن طاعةِ اللهِ، ضالُّونَ عن طَريقِ الحَقِّ والهُدى

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآَمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ

يا أيُّها الَّذين آمَنوا اتَّقُوا اللهَ بامتِثالِ أمْرِه واجتِنابِ نَهْيِه، وحَقِّقوا الإيمانَ برَسولِه مُحمَّدٍ عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ، واثبُتوا عليه -يُؤتِكم اللهُ نَصيبَينِ كَبيرَينِ مِن رحمتِه، ويَجْعَلِ اللهُ لكم نُورًا بالقُرآنِ واتِّباعِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم تَهتَدونَ به في الحياةِ الدُّنيا، ويَستُرِ اللهُ لكم ذُنوبَكم، ويَتجاوَزْ عن مُؤاخَذتِكم، واللهُ هو البالِغُ المَغفِرةِ والرَّحمةِ لعِبادِه

لِئَلَّا يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَلَّا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَأَنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ

يُؤتِكم اللهُ تعالى هذا الثَّوابَ إنِ اتَّقَيتُموه وآمَنتُم برَسولِه؛ لِكَي يَعلَمَ اليَهودُ والنَّصارى أنَّهم لا يَقدِرونَ على شَيءٍ مِن فَضلِ اللهِ الَّذي يُريدُه للمُسلِمينَ؛ مِن تَضعيفِ الأجْرِ، والنُّورِ، والمَغفِرةِ، فلا يَملِكونَ مَنْعَه أو إعطاءَه، ولِكَي يَعلَمَ أهلُ الكِتابِ أنَّ كُلَّ الفَضلِ بيَدِ اللهِ وَحْدَه، فيُعطي فَضلَه مَن يَشاءُ مِن عِبادِه وَفْقَ حِكمتِه سُبحانَه، واللهُ صاحِبُ الفَضلِ العَظيمِ، فيَتفَضَّلُ على مَن يَشاءُ بما يَشاءُ مِن نِعَمِه الكثيرةِ العَظيمةِ