التفسير المحرر

التفسير المحرر

إِلَيْهِ يُرَدُّ عِلْمُ السَّاعَةِ وَمَا تَخْرُجُ مِنْ ثَمَرَاتٍ مِنْ أَكْمَامِهَا وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنْثَى وَلَا تَضَعُ إِلَّا بِعِلْمِهِ وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ أَيْنَ شُرَكَائِي قَالُوا آَذَنَّاكَ مَا مِنَّا مِنْ شَهِيدٍ

اللغة: العربية
إعداد:
الإصدار: 1.0
ترجمات 0
المرفقات 7
PDF
Audio
Video
+3

إِلَيْهِ يُرَدُّ عِلْمُ السَّاعَةِ وَمَا تَخْرُجُ مِنْ ثَمَرَاتٍ مِنْ أَكْمَامِهَا وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنْثَى وَلَا تَضَعُ إِلَّا بِعِلْمِهِ وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ أَيْنَ شُرَكَائِي قَالُوا آَذَنَّاكَ مَا مِنَّا مِنْ شَهِيدٍ

إلى اللهِ وَحْدَه يُرجَعُ عِلمُ وَقتِ مَجيءِ القِيامةِ؛ فلا يَعلَمُ وَقتَها إلَّا اللهُ وَحْدَه، وما تَبرُزُ في وَقتٍ مِن الأوقاتِ أيُّ ثَمَرةٍ مِنَ الثَّمَراتِ مِن أوعِيَتِها وظُروفِها إلَّا يَعلَمُها اللهُ تعالى، وما تَحمِلُ أيُّ أُنثى مِن حَمْلٍ ولا تَضَعُ حَمْلَها إلَّا بعِلمِ اللهِ تعالى، واذكُرْ يومَ يُنادي اللهُ المُشرِكينَ يومَ القيامةِ، فيَقولُ لهم: أين شُرَكائيَ الَّذين كُنتُم في الدُّنيا تَزعُمونَ أنَّهم شُرَكاءُ لي في العبادةِ، وأنَّهم يَشفَعونَ لكم؟! فأجاب المُشرِكونَ رَبَّهم قائِلينَ: أعلَمْناك -رَبَّنا- اليومَ بأنَّه ليس مِنَّا أحَدٌ يَشهَدُ أنَّ لك شَريكًا!

وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَدْعُونَ مِنْ قَبْلُ وَظَنُّوا مَا لَهُمْ مِنْ مَحِيصٍ

وغاب عن المُشرِكينَ يومَ القيامةِ آلهِتُهم الَّتي كانوا يَدْعُونَها مِن قبْلُ في الدُّنيا، فلم يَنفَعوهم، ولم يَنتَفِعوا بدُعائِهم لهم، وظنُّوا أنَّهم ليس لهم فِرارٌ ولا مَهرَبٌ مِن عَذابِ اللهِ يَحيدُونَ إليه

لَا يَسْأَمُ الْإِنْسَانُ مِنْ دُعَاءِ الْخَيْرِ وَإِنْ مَسَّهُ الشَّرُّ فَيَئُوسٌ قَنُوطٌ

لا يَمَلُّ الإنسانُ مِن سُؤالِ رَبِّه المالَ والصِّحَّةَ وغَيرَ ذلك مِن مَطالِبِ الدُّنيا، ولا يَزالُ يَطلُبُ الزِّيادةَ مِنها، وإن نالَ الإنسانَ شِدَّةٌ وكَربٌ، مِن مَرَضٍ أو فَقرٍ أو غَيرِ ذلك؛ فهو ذو يأسٍ شَديدٍ مِن تفريجِ اللهِ عنه، قَنوطٌ مِن أن يَرحَمَه اللهُ

وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ رَحْمَةً مِنَّا مِنْ بَعْدِ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ هَذَا لِي وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً وَلَئِنْ رُجِعْتُ إِلَى رَبِّي إِنَّ لِي عِنْدَهُ لَلْحُسْنَى فَلَنُنَبِّئَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِمَا عَمِلُوا وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنْ عَذَابٍ غَلِيظٍ

ولئن مَنَحْنا الإنسانَ نِعمةً وَخيرًا مِنَّا بعدَ الشِّدَّةِ والمحنةِ الَّتي أصابَتْه، لَيَقولَنَّ بغُرورٍ: أنا أهلٌ لهذا الخَيرِ ومُستَحِقٌّ له، وما أظُنُّ القيامةَ كائِنةً؛ فلَستُ على يقينٍ مِن وُقوعِ البَعثِ وحُصولِ الجَزاءِ، وعلى فَرْضِ أنِّي رُدِدْتُ إلى ربِّي، وبُعِثتُ بعدَ مَوتي، فستَكونُ لي الجنَّةُ! فلَنُخبِرَنَّ يومَ القيامةِ هؤلاء الكافِرينَ بالَّذي عَمِلوه في الدُّنيا مِنَ السَّيِّئاتِ، ولَنُذِيقَنَّهم مِن عذابِ النَّارِ الشَّديدِ الإيلامِ

وَإِذَا أَنْعَمْنَا عَلَى الْإِنْسَانِ أَعْرَضَ وَنَأَى بِجَانِبِهِ وَإِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ فَذُو دُعَاءٍ عَرِيضٍ

وإذا أنعَمْنا على الإنسانِ بنِعمةٍ مِن رِزقٍ أو صِحَّةٍ، أعرَض عن عبادةِ اللهِ وشُكْرِه وَحْدَه، وترفَّعَ عن الانقيادِ إلى الحَقِّ وتكَبَّرَ !وإذا نال الإنسانَ شَرٌّ مِن مَرَضٍ أو فَقرٍ، تضَرَّعَ إلى اللهِ واستغاثَ به؛ لِيَكشِفَ عنه ضُرَّه، وأطال الدُّعاءَ واستَكثَرَ مِنه

قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كَانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ ثُمَّ كَفَرْتُمْ بِهِ مَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ هُوَ فِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ

قُلْ -يا مُحمَّدُ- لكُفَّارِ قَومِك: أخبِروني إن كان هذا القُرآنُ حَقًّا مِن عندِ اللهِ، ثُمَّ كَفَرتُم به، فلا أحَدَ أضَلُّ مِنكم لِفَرطِ شِقاقِكم وعِنادِكم وعداوَتِكم؛ لأنَّه تَبيَّنَ لكم الحقُّ والصَّوابُ، ثمَّ عَدلْتُم عنه، فأهْلَكتُم أنفُسَكم

سَنُرِيهِمْ آَيَاتِنَا فِي الْآَفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ

سنُري أولئك الكافِرينَ بالقُرآنِ آياتِنا الدَّالَّةَ على أنَّ القُرآنَ حَقٌّ مِن عندِ اللهِ لا شَكَّ فيه ولا رَيبَ، وذلك بدَلائِلَ خارجيَّةٍ في الآفاقِ والنَّواحي، ودَلائِلَ في أنفُسِهم؛ حتَّى يَتبيَّنَ لهم أنَّ القُرآنَ حَقٌّ، فلا يَجِدوا إلى إنكارِ ذلك سَبيلًا، أوَلَم يَكْفِ برَبِّك -يا مُحمَّدُ- أنَّه شاهِدٌ على كُلِّ شَيءٍ، ومِن ذلك شَهادتُه أنَّ القُرآنَ حَقٌّ نَزَل مِن عِندِه تعالى على رَسولِه مُحمَّدٍ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم؟

أَلَا إِنَّهُمْ فِي مِرْيَةٍ مِنْ لِقَاءِ رَبِّهِمْ أَلَا إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطٌ

ألَا إنَّ الكافِرينَ بالقُرآنِ في شَكٍّ مِن وُقوعِ البَعثِ بعدَ الموتِ؛ ولذلك لا يَرجُونَ في الآخِرةِ ثَوابًا، ولا يَخافونَ فيها عِقابًا، ألَا إنَّ اللهَ مُحيطٌ بكُلِّ شَيءٍ عِلمًا وقُدرةً وغَيرَ ذلك

الشورى

حم (1)

هذانِ الحرفانِ مِن الحروفِ المُقطَّعةِ الَّتي افتُتِحَتْ بها بعضُ سُوَرِ القرآنِ الكريمِ؛ لبيانِ إعجازِ هذا القرآنِ؛ حيثُ تُظهِرُ عجْزَ الخَلْقِ عن مُعارَضَتِه بمِثلِه، مع أنَّه مركَّبٌ مِن هذه الحروفِ العربيَّةِ الَّتي يَتحدَّثونَ بها.

عسق (2)

تقدَّم بيانُ الحكمةِ مِن هذه الحروفِ المقطَّعةِ في الآيةِ السَّابقةِ.

كَذَلِكَ يُوحِي إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ

مِثلَ ذلك الإيحاءِ يُوحِي إليك -يا مُحمَّدُ- وإلى الَّذين مِن قَبلِك مِنَ الأنبياءِ: اللهُ العَزيزُ ذو القَدْرِ العَظيمِ، الغالبُ القاهرُ لِمَن سِواه، المُمتَنِعُ عليه كُلُّ عَيبٍ ونَقصٍ، الحَكيمُ الَّذي يَضَعُ كُلَّ شَيءٍ في مَوضِعِه اللَّائِقِ به.

لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ

لله مُلكُ ما في السَّمَواتِ وما في الأرضِ؛ فكُلُّ شَيءٍ تحتَ قَهرِه وتَدبيرِه، وهو العَلِيُّ على كُلِّ شَيءٍ بذاتِه وصِفاتِه وقَدْرِه وقَهْرِه؛ فلا شَيءَ أعلَى منه، ذو العَظَمةِ في ذاتِه وصِفاتِه؛ فلا شَيءَ أعظَمُ منه.

تَكَادُ السَّمَوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْ فَوْقِهِنَّ وَالْمَلَائِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَنْ فِي الْأَرْضِ أَلَا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ

تُوشِكُ السَّمَواتُ أن يَتشَقَّقْنَ مِن فَوقِ الأَرَضينَ، خوفًا مِن الله، وهَيْبةً وإجلالًا، ولادعاءِ الولدِ له. والمَلائِكةُ يُنَزِّهونَ اللهَ تعالى عمَّا لا يَليقُ به مِنَ النَّقائِصِ، ويَصِفونَه بصِفاتِ الكَمالِ؛ مَحبَّةً له وتَعظيمًا، ويَسألونَ اللهَ المَغفِرةَ لذُنوبِ مَن في الأرضِ مِن المُؤمِنينَ، ألَا إنَّ اللهَ وَحْدَه هو البالِغُ المَغفرةِ لِذُنوبِ عِبادِه، العَظيمُ الرَّحمةِ بهم.

وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَولِيَاءَ اللَّهُ حَفِيظٌ عَلَيْهِمْ وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ

وأمَّا الَّذين اتَّخَذوا مِن دُونِ اللهِ أولياءَ يَتوَلَّونَهم بالعِبادةِ والطَّاعةِ، فاللهُ شَهيدٌ ورَقيبٌ على أعمالِهم يُحْصيها عليهم؛ ليُجازيَهم بها يومَ القيامةِ، وما أنت -يا مُحمَّدُ- بمُوكَّلٍ بحِفظِ أعمالِهم، أو بقَسْرِهم على الهِدايةِ، وإنَّما عليك إنذارُهم وتَبليغُهم، وعلى الله حِسابُهم.

وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ قُرْآَنًا عَرَبِيًّا لِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا وَتُنْذِرَ يَوْمَ الْجَمْعِ لَا رَيْبَ فِيهِ فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ

ومِثْلَ ذلك الإيحاءِ أوحَيْنا إليك -يا مُحمَّدُ- قُرآنًا بلِسانٍ عَرَبيٍّ؛ ليَفْهَموا ما فيه، فالَّذين أرسلْتُكَ إليهم قومٌ عَرَبٌ، أوحَيْنا إليك قُرآنًا عَربيًّا؛ لِتُنذِرَ به أهلَ مَكَّةَ ومَن حَوْلَها مِن سائِرِ النَّاسِ في جَميعِ الأرضِ عذابًا شَديدًا إنْ لم يُؤمِنوا، ولِتُنذِرَ النَّاسَ بالقُرآنِ فتُخَوِّفَهم وتُحذِّرَهم مِن يومِ القيامةِ الآتي لا مَحالةَ، فمِنهم جماعةٌ في الجنَّةِ، وهم المؤمِنونَ باللهِ المتَّبِعونَ لِرَسولِه، ومنهم جماعةٌ في النَّارِ المُلتَهِبةِ المُوقَدةِ، وهم الكافِرونَ باللهِ المُخالِفونَ لِرَسولِه.

وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَهُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ يُدْخِلُ مَنْ يَشَاءُ فِي رَحْمَتِهِ وَالظَّالِمُونَ مَا لَهُمْ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ

ولو شاء اللهُ أن يَجمَعَ كُلَّ النَّاسِ على دينٍ واحِدٍ لَفَعلَ، ولكِنَّ اللهَ شاء مَشيئةً أُخرى تَجري على وَفْقِ حِكمتِه، فيُدخِلُ بَعضَ عِبادِه في دينِه، ويَتوَلَّاهم ويَنصُرُهم، ويُدخِلُهم في الآخرةِ في جَنَّتِه، وأمَّا الظَّالِمونَ فليس لهم -بسَبَبِ ظُلمِهم- أيُّ وَليٍّ يَتولَّاهم، وليس لهم أيُّ نَصيرٍ يَنصُرُهم، فهم مَحرومونَ مِن الدُّخولِ في رَحمةِ الله تعالى.

أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ فَاللَّهُ هُوَ الْوَلِيُّ وَهُوَ يُحْيِي الْمَوْتَى وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ

أمِ اتَّخَذ الظَّالِمونَ أولياءَ يَتولَّونَهم بطاعتِهم مِن دونِ اللهِ؟! فاللهُ هو الوَليُّ الحَقُّ، يَتولَّى شؤونَ جميعِ عبادِه عامَّةً، ويَتولَّى عبادَه المؤمنينَ خاصَّةً بتربيتِهم، وإعانتِهم في جميعِ أمورِهم، ونصرِهم وتأييدِهم، فلْيَتَّخِذوه وَلِيًّا بعبادتِه وطاعتِه، لا ما لا يملِكُ لهم ضَرًّا ولا نفعًا، واللهُ يُحيي الموتى بقُدرتِه سُبحانَه، وهو وحْدَه البالِغُ القُدرةِ على فِعلِ كُلِّ شَيءٍ، كإحياءِ المَوتى وغَيرِه، لا يَقدِرُ على ذلك سِواه.

وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبِّي عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ

وما تَنازَعتُم فيه -أيُّها النَّاسُ- مِن أيِّ شَيءٍ كان، فحُكمُه إلى اللهِ وَحْدَه؛ فهو مَن يَقضي بيْنَكم فيما فيه تَختلِفونَ، ذلِكم اللهُ العَظيمُ هو رَبِّي، عليه وَحْدَه اعتمَدْتُ، وإليه فوَّضْتُ جميعَ أُموري، وإليه وَحْدَه أرجِعُ في جميعِ شُؤوني، وأُقبِلُ عليه وأتوبُ إليه مِن ذُنوبي.

فَاطِرُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا وَمِنَ الْأَنْعَامِ أَزْوَاجًا يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ

هو خالِقُ السَّمَواتِ السَّبْعِ والأرضِ على غيرِ مثالٍ سبَق، جعَل اللهُ لكم مِن جنسِكم إناثًا، وجعَل اللهُ لكم مِنَ الضَّأنِ والمَعْزِ والإبِلِ والبَقَرِ ذُكورًا وإناثًا، يَخلُقُكم اللهُ ويُكثِّرُكم -أيُّها النَّاسُ- أنتم وأنعامُكم في هذا الجَعْلِ المذكورِ، ليس مِثلَ اللهِ سُبحانَه شَيءٌ مِن خَلْقِه؛ لا في ذاتِه ولا في أسمائِه، ولا في صِفاتِه ولا في أفعالِه؛ فهو الواحِدُ الأحَدُ الَّذي لا نَظيرَ له، واللهُ هو السَّميعُ لكُلِّ صَوتٍ، البَصيرُ بكُلِّ ما في الوُجودِ؛ فلا يَغيبُ عن عِلْمِه شَيءٌ.

لَهُ مَقَالِيدُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ

لله وَحْدَه مَفاتيحُ خزائِنِ السَّمَواتِ والأرضِ؛ فجَميعُ الأشياءِ مِلكُه وبِيَدِه وَحْدَه لا شَريكَ له، يُوسِّعُ الرِّزقَ لِمَن يَشاءُ مِن خَلْقِه، ويُضَيِّقُه على مَن يَشاءُ منهم، إنَّ اللهَ مُحيطٌ عِلمًا بكُلِّ شَيءٍ، ومِن ذلك علمُه بأحوالِ عِبادِه ومصالِحِهم، ويُعطي كُلًّا مِنهم ما يُناسِبُ حالَه بما يَليقُ بحِكمتِه سبحانَه وتَقتَضيه مَشيئتُه.

شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ يُنِيبُ

سَنَّ اللهُ لكم وبيَّن -أيُّها المُسلِمونَ- ما وصَّى به نوحًا أن يَعمَلَه، وما أوحاه إلى مُحمَّدٍ، وما وصَّى به إبراهيمَ وموسى وعيسى عليهم الصَّلاةُ والسَّلامُ، وذلك هو إقامةُ دينِ الإسلامِ الَّذي شَرَعه اللهُ، بلا تَحريفٍ ولا غُلُوٍّ ولا تَقصيرٍ في العَمَلِ به، مع الاجتِماعِ على ذلك، ونَبْذِ التَّفَرُّقِ والاختِلافِ فيه، عَظُمَ وشَقَّ على المُشرِكينَ ما تَدعُوهم إليه -يا مُحمَّدُ- مِن تَوحيدِ اللهِ وطاعتِه، وتَرْكِ عبادةِ ما سِواه، فاللهُ يَصطفي ويَختارُ لِنَفْسِه وولايتِه مَن أحَبَّ مِن عبادِه، ويَهدي اللهُ إليه مَن يَتوبُ مِن ذُنوبِه، ويُقبِلُ على طاعتِه.

وَمَا تَفَرَّقُوا إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ أُورِثُوا الْكِتَابَ مِنْ بَعْدِهِمْ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مُرِيبٍ

وما تفرَّقَ أهلُ الأديانِ فصاروا أحزابًا، وحصلَتْ منهم المُخالَفةُ إلَّا مِن بَعدِ ما جاءَهم العِلمُ مِن اللهِ بإقامةِ دِينِه، وعدَمِ التَّفَرُّقِ فيه، وإنَّما حَمَلهم على ذلك بَغْيُ بعضِهم على بعضٍ، وتحاسُدُهم، وطلبُهم للرِّئاسةِ، واشتِغالُهم بالدُّنيا، ولم يكُنْ تَفَرُّقُهم لقُصورٍ في البيانِ والحُجَجِ؛ فقد بلَغهم الحقُّ، وقامَتْ عليهم الحُجَّةُ، ولولا قَولٌ سَبَق مِن رَبِّك -يا محمَّدُ- بتأخيرِ العذابِ وإمهالِهم إلى وَقتٍ مُحَدَّدٍ، لَعجَّلَ العُقوبةَ لأولئك المتفَرِّقينَ في دينِهم بَغيًا بغَيرِ حَقٍّ، وإنَّ اليهودَ والنَّصارَى الَّذين أُوتُوا التَّوراةَ والإنجيلَ مِن بَعدِ أسلافِهم المُختَلِفينَ في الحَقِّ لَفي شَكٍّ مُوجِبٍ للارتيابِ والاضطِرابِ مِن كتابِهم.

فَلِذَلِكَ فَادْعُ وَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَقُلْ آَمَنْتُ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنْ كِتَابٍ وَأُمِرْتُ لِأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ اللَّهُ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ لَا حُجَّةَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ اللَّهُ يَجْمَعُ بَيْنَنَا وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ

فلِلدِّينِ الحَقِّ الَّذي شَرَعه اللهُ لكم، وأمَرَكم بإقامتِه وعَدَمِ التَّفَرُّقِ فيه- فادْعُ النَّاسَ، يا مُحمَّدُ، واثبُتْ على هذا الدِّينِ، واستَمِرَّ على العَمَلِ به بلا إفراطٍ ولا تفريطٍ، ولا تَتَّبِعْ -يا مُحمَّدُ- أهواءَ أولئك المُنحَرِفينَ عن الحَقِّ، وقُلْ: آمَنتُ بما أنزَلَ اللهُ مِنَ الكُتُبِ كُلِّها، فلا أُكذِّبُ بالتَّوراةِ ولا بالإنجيلِ ولا بالقُرآنِ، ولا بغَيرِ ذلك مِن كُتُبِ اللهِ، وأمَرَني ربِّي بأن أعدِلَ بيْنَكم، اللهُ رَبُّنا ورَبُّكم، خالِقُ الجَميعِ ومالِكُهم ومُدَبِّرُ أمورِهم؛ فوجَبَت طاعتُه، وإقامةُ دينِه، لنا جَزاءُ أعمالِنا، ولكم جَزاءُ أعمالِكم، وسيُجازي اللهُ كُلًّا بحَسَبِ أعمالِه، ولن يُؤاخَذَ أحَدٌ مِنَّا بذَنْبِ الآخَرِ، لا جِدالَ ولا مُنازَعةَ بيْنَنا وبيْنَكم؛ فقد تَبيَّنَ الحَقُّ وظهَرَ، وصِرتُم مَحجوجينَ به، ولم يَبقَ إلَّا الإقرارُ به أو العِنادُ، اللهُ يَجمَعُ بيْنَنا وبيْنَكم يومَ القيامةِ، فيَقضي بيْنَنا بالحَقِّ فيما نختَلِفُ فيه، ويَتبَيَّنُ حينَئذٍ المُحِقُّ مِنَ المُبطِلِ، وإلى اللهِ وَحْدَه مَرجِعُنا بعدَ مَوتِنا، فيُجازي كُلًّا مِنَّا بعَمَلِه.

وَالَّذِينَ يُحَاجُّونَ فِي اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا اسْتُجِيبَ لَهُ حُجَّتُهُمْ دَاحِضَةٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ

والَّذين يُجادِلونَ ويُنازِعونَ المُؤمِنينَ في شأنِ اللهِ بشُبُهاتِهم وحُجَجِهم -كالمُجادَلةِ في تَوحيدِه أو أسمائِه وصِفاتِه- مِن بَعدِ دُخولِ النَّاسِ في دينِه والإيمانِ به سُبحانَه؛ فإنَّ مُجادَلتَهم باطِلةٌ عندَ اللهِ، ولا ثباتَ لها ولا بَقاءَ، وعليهم مِنَ اللهِ غَضَبٌ، ولهم مع ذلك عَذابٌ شَديدٌ.

اللَّهُ الَّذِي أَنْزَلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ وَالْمِيزَانَ وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ قَرِيبٌ

اللهُ الَّذي أنزَلَ القُرآنَ على رَسولِه مُشتَمِلًا على الحَقِّ، وأنزَلَ العَدلَ؛ ليُقضَى بيْنَ النَّاسِ بالإنصافِ، ويُحكَمَ فيهم بحُكمِ اللهِ تعالى، وأيُّ شَيءٍ يُعلِمُك -يا مُحمَّدُ- لَعَلَّ وَقتَ مَجيءِ القيامةِ قد دنا واقتَرَبَ؟

يَسْتَعْجِلُ بِهَا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِهَا وَالَّذِينَ آَمَنُوا مُشْفِقُونَ مِنْهَا وَيَعْلَمُونَ أَنَّهَا الْحَقُّ أَلَا إِنَّ الَّذِينَ يُمَارُونَ فِي السَّاعَةِ لَفِي ضَلَالٍ بَعِيدٍ

يَطلُبُ التَّعجيلَ بمَجيءِ السَّاعةِ الَّذين لا يُؤمِنونَ بقِيامِها؛ استِهزاءً مِنهم، أو إنكارًا وتَكذيبًا لِوُقوعِها، والَّذين آمَنوا بيَومِ القيامةِ خائِفونَ مِن مَجيءِ السَّاعةِ خَوفًا عَظيمًا، ويُوقِنونَ أنَّ مَجيئَها حَقٌّ لا شَكَّ فيه، ألَا إنَّ الَّذين يُجادِلونَ ويَشُكُّونَ في قيامِ السَّاعةِ لَفي ذَهابٍ بَعيدٍ عن طَريقِ الحَقِّ والصَّوابِ.

اللَّهُ لَطِيفٌ بِعِبَادِهِ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْقَوِيُّ الْعَزِيزُ

اللهُ بالِغُ اللُّطفِ بعِبادِه، فيُيَسِّرُ لهم الخَيرَ، ويَسوقُ لهم الأرزاقَ بطُرُقٍ خَفيَّةٍ مِن حَيثُ لا يَشعُرونَ، يَرزُقُ مَن يَشاءُ مِن عبادِه بحَسَبِ ما تَقتَضيه حِكمتُه، وهو المتَّصِفُ بكَمالِ القُوَّةِ؛ فلا يَلحَقُه سُبحانَه ضَعفٌ، وهو المتَّصِفُ بكَمالِ العِزَّةِ؛ فهو ذو القَدْرِ العَظيمِ، الغالِبُ القاهِرُ، المُمتَنِعُ عليه كُلُّ سُوءٍ ونَقصٍ.

مَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآَخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ وَمَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَا لَهُ فِي الْآَخِرَةِ مِنْ نَصِيبٍ

مَن كان يُريدُ عَمَلَ الآخِرةِ والسَّعيَ والإعدادَ لها، فإنَّ اللهَ يُقَوِّيه ويُعينُه، ويُيسِّرُ له ذلك، فيَزدادُ مِن الصَّالحاتِ، ويُضاعِفُ الله له الثَّوابَ، ويَجْزيه بالحسنةِ عَشْرَ أمثالِها إلى سَبعِمئةِ ضِعفٍ، ومَن كان يُريدُ عَمَلَ الدُّنيا والسَّعيَ لها دونَ الآخِرةِ، فإنَّ اللهَ يُعطيه مِن مَتاعِها نَصيبَه الَّذي قَسَمَه له، ولا يَحرِمُه مِمَّا شاء له مِن رِزقٍ، وليس له في الآخِرةِ نَصيبٌ مِن ثَوابِ اللهِ.

أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ وَلَوْلَا كَلِمَةُ الْفَصْلِ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ

أم للمُشرِكينَ شُرَكاءُ وَضَعوا لهم مِنَ الدِّينِ أمورًا لم يأذَنِ اللهُ بوَضعِها، ولم يأمُرْ بها؟ ولولا قَضاءُ اللهِ السَّابِقُ بتأخيرِ العَذابِ عنهم لَعَجَّل لهم العُقوبةَ، وإنَّ الظَّالِمينَ لهم -بسَبَب ظُلمِهم- عَذابٌ مُؤلِمٌ.

تَرَى الظَّالِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا كَسَبُوا وَهُوَ وَاقِعٌ بِهِمْ وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فِي رَوْضَاتِ الْجَنَّاتِ لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ

ترى الظَّالِمينَ يَومَ القيامةِ -يا مُحمَّدُ- خائِفينَ خَوفًا عَظيمًا مِن عذابِ اللهِ لهم على ما كَسَبوه في الدُّنيا، وذلك العَذابُ الَّذي يُشفِقونَ مِنه نازِلٌ بهم لا مَحالةَ، والَّذين آمَنوا في الدُّنيا بما وَجَب عليهم الإيمانُ به، وعَمِلوا الأعمالَ الصَّالِحاتِ بإخلاصٍ لله تعالى ومُتابَعةٍ لِشَرعِه: في رَوْضاتِ الجنَّاتِ مَسرُورون مُنَعَّمونَ، فللمُؤمِنينَ في الجنَّةِ عندَ رَبِّهم ما يَشاؤُونَه مِمَّا تَشتَهيه أنفُسُهم، ذلك هو الفَضلُ الكبيرُ الَّذي لا تَبلُغُ العُقولُ عَظيمَ قَدْرِه، ولا حَقيقةَ صِفَتِه.

ذَلِكَ الَّذِي يُبَشِّرُ اللَّهُ عِبَادَهُ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى وَمَنْ يَقْتَرِفْ حَسَنَةً نَزِدْ لَهُ فِيهَا حُسْنًا إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ شَكُورٌ

ذلك النَّعيمُ العَظيمُ هو الَّذي يُبَشِّرُ اللهُ به عِبادَه الَّذين آمَنوا به، وعَمِلوا بطاعتِه في الدُّنيا، قُلْ -يا مُحمَّدُ- لِقَومِك مِن قُرَيشٍ: لا أطلُبُ منكم جَزاءً وعِوَضًا تُعطونَني إيَّاه على تبليغي إيَّاكم القُرآنَ ورِسالةَ اللهِ، لَكِنِّي أطلُبُ منكم أنْ تَوَدُّوني في قَرابَتي مِنكم، وتَصِلوا الرَّحِمَ الَّتي بيْني وبيْنَكم، فتَكُفُّوا عنِّي أذاكم، وتَمْنَعوني مِن أذَى النَّاسِ، ومَن يَعمَلْ مِنَ المؤمِنينَ حسَنةً مِن الحسناتِ ويَكْتَسِبْها، فإنَّ اللهَ تعالى يَزيدُ له ثوابَ عمَلِه ويُضاعِفُه له، إنَّ اللهَ بالِغُ المَغفِرةِ لِذُنوبِ عِبادِه وإنْ كَثُرتْ؛ شَكورٌ لحَسَناتِهم، فيَقبَلُها منهم، ويُضاعِفُها لهم وإن قَلَّتْ.

أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا فَإِنْ يَشَأِ اللَّهُ يَخْتِمْ عَلَى قَلْبِكَ وَيَمْحُ اللَّهُ الْبَاطِلَ وَيُحِقُّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ

أم يَقولُ المُشرِكونَ: اختَلَق مُحمَّدٌ مِن تِلْقاءِ نَفْسِه دَعوى الوَحيِ والنُّبُوَّةِ؛ كَذِبًا منه على الله تعالى؟! إنِ افتَرَيتَ عليه كَذِبًا كما يَزعُمُ هؤلاء الجاهِلونَ فإنَّ اللهَ قادِرٌ على أنْ يَطبَعَ على قَلْبِك، فيَسلُبَك ما آتاك مِنَ القُرآنِ؛ فإنَّ الله تعالى لا يُقِرُّه على افتِرائِه ولا يُمكِّنُه منه، ويُذهِبُ اللهُ الباطِلَ ويُزيلُه، ويُثبِّتُ اللهُ بكَلِماتِه الكَونيَّةِ والدِّينيَّةِ الحقَّ على وَجهٍ لا يُمكِنُ معه زَوالُه، إنَّ اللهَ عَليمٌ بما تُكِنُّه الضَّمائِرُ، وتَنطوي عليه السَّرائِرُ مِن خَيرٍ وشَرٍّ.

وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَعْفُو عَنِ السَّيِّئَاتِ وَيَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ

واللهُ وَحْدَه هو الَّذي يَقبَلُ تَوبةَ عِبادِه إذا تابوا ورَجَعوا إليه، ويَعفو عن سَيِّئاتِ أعمالِ عِبادِه، فيَتجاوَزُ عن مُؤاخَذتِهم بها، ويَعلَمُ اللهُ ما تَفعَلونَ مِن خَيرٍ أو شَرٍّ، لا يَخفَى عليه سُبحانَه شَيءٌ مِن ذلك.

وَيَسْتَجِيبُ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَالْكَافِرُونَ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ

ويُجيبُ اللهُ الَّذين آمَنوا، وعَمِلوا الأعمالَ الصَّالِحةَ؛ إذا دَعَوْه، ويُعْطيهم ما طلَبوه منه، ويَزيدُ اللهُ المُؤمِنينَ مِن فَضْلِه في الدُّنيا، فيُعطيهم ما لم يَسألُوه، أو يَزيدُهم ثَوابًا على ما عَمِلوه، وأمَّا الكافِرونَ باللهِ فلهم عَذابٌ قَوِيٌّ؛ جَزاءَ كُفرِهم باللهِ.

وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْا فِي الْأَرْضِ وَلَكِنْ يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ بِعِبَادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ

ولو وسَّع اللهُ الرِّزقَ لعِبادِه فَوقَ حاجتِهم، لَأفضَى ذلك إلى أنْ يُفسِدوا في الأرضِ، ويُقدِموا على المعاصي ويَبْطَروا النِّعمةَ، ويَعتديَ بعْضُهم على بَعضٍ، ولكِنَّ اللهَ تعالَى يُنَزِّلُ ما يَشاءُ تَنزيلَه مِن أرزاقِ العِبادِ بمِقدارٍ مُعَيَّنٍ، بحَسَبِ ما تَقتَضيهِ حِكمتُه سُبحانَه، إنَّ اللهَ تعالَى خَبيرٌ بأحوالِ عِبادِه الظَّاهِرةِ والباطِنةِ، وعَواقبِ أُمورِهم، وهو بَصيرٌ بهم؛ يَراهم ويَعلَمُ ما يُصلِحُهم.

وَهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الْغَيْثَ مِنْ بَعْدِ مَا قَنَطُوا وَيَنْشُرُ رَحْمَتَهُ وَهُوَ الْوَلِيُّ الْحَمِيدُ

واللهُ هو الَّذي يُنَزِّلُ المطرَ الَّذي يُغيثُ به النَّاسَ مِن بعدِ ما يَئسوا مِن نُزولِه، ويَنشُرُ رَحمتَه ويَبسُطُها؛ فتَحيا البِلادُ، ويَنتَفِعُ العِبادُ، واللهُ وَحْدَه هو الوَليُّ الَّذي يَتولَّى عِبادَه بإحسانِه وفَضلِه، ويَتصَرَّفُ لهم بما يَنفَعُهم؛ الحَميدُ على هذه الوَلايةِ، والمُستَحِقُّ للثَّناءِ والشُّكرِ مِن جَميعِ خَلقِه على ما له مِنَ الكَمالِ، وعلى ما أنعَم به على خَلقِه، المحمودُ العاقِبةِ في جَميعِ ما يُقَدِّرُه ويَفعَلُه.

وَمِنْ آَيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَثَّ فِيهِمَا مِنْ دَابَّةٍ وَهُوَ عَلَى جَمْعِهِمْ إِذَا يَشَاءُ قَدِيرٌ

ومِن العَلاماتِ الباهِرةِ الدَّالَّةِ على عَظَمةِ اللهِ تعالى، وعَظيمِ مُلكِه وقُدرتِه، وغيرِ ذلك مِن صِفاتِ كمالِه: أنَّه خَلَق السَّمَواتِ والأرضَ، وفرَّقَ ونَشَرَ فيهما مَخلوقاتٍ مُتَنوِّعةً، واللهُ على جَمعِ هذه المَخلوقاتِ -إذا شاء أن يَجمَعَها- ذو قُدرةٍ بالغةٍ عَظيمةٍ؛ فلا يُعجِزُه إحياؤُهم بعدَ مَوتِهم، وجَمعُهم يومَ القِيامةِ.

وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ

وما أصابَكُم -أيُّها النَّاسُ- مِن مَصائِبَ ومِحَنٍ، فهو بسَبَبِ ما عَمِلتُموه مِن سَيِّئاتٍ، ويَعفو اللهُ عن كثيرٍ مِن ذُنوبِكم؛ فلا يُعاقِبُكم عليها بالمَصائِبِ والشَّدائِدِ في الدُّنيا.

وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ

ولَستُم تُعجِزونَ اللهَ في الأرضِ؛ فلا يُمكِنُكم الفِرارُ فيها مِن المصائِبِ والعُقوباتِ إنْ أرادَ إنزالَها بكم، وليْس لكم مِمَّا سِوى اللهِ أيُّ وَليٍّ يَتولَّاكم، ولا أيُّ نَصيرٍ يَنصُرُكم مِن دُونِ اللهِ؛ فاتَّقُوا مَعصيتَه، واحذَروا عِقابَه.

وَمِنْ آَيَاتِهِ الْجَوَارِ فِي الْبَحْرِ كَالْأَعْلَامِ

ومِن العَلاماتِ الباهِرةِ الدَّالَّةِ على عَظيمِ سُلطانِ اللهِ ومُلكِه، وكَمالِ قُدرتِه وغَيرِ ذلك مِن صِفاتِ كَمالِه: السُّفُنُ الجاريةُ في البَحرِ، الَّتي هي كالجِبالِ.

إِنْ يَشَأْ يُسْكِنِ الرِّيحَ فَيَظْلَلْنَ رَوَاكِدَ عَلَى ظَهْرِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ

إنْ يَشَأِ اللهُ تعالَى ألَّا تَجريَ تلك السُّفُنُ في البَحرِ يَمنَعْ هُبوبَ الرِّيحِ الَّتي تُسَيِّرُها، فَيثبُتْنَ في مَواضِعِهنَّ على سَطحِ الماءِ، فلا يَتقَدَّمْنَ ولا يَتأخَّرْنَ، إنَّ في ذلك لَدَلالاتٍ وعَلاماتٍ يَستَدِلُّ بها ويَعتَبِرُ كُلُّ مَن كان كَثيرَ الصَّبرِ، كثيرَ الشُّكرِ للهِ تعالَى.

أَوْ يُوبِقْهُنَّ بِمَا كَسَبُوا وَيَعْفُ عَنْ كَثِيرٍ

أو إنْ يَشَأِ اللهُ يُغرِقْ تِلك السُّفُنَ بسَببِ ذُنوبِ أهلِها، ويَتجاوَزْ عن كَثيرٍ مِن الذُّنوبِ، فلا يُعاقِبْ عليها.

وَيَعْلَمَ الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آَيَاتِنَا مَا لَهُمْ مِنْ مَحِيصٍ

ويَعلَمَ الَّذين يُجادِلونَ في آياتِ اللهِ تعالَى لِدَفعِها وإبطالِها أنَّه لا مَفَرَّ لهم ولا مَهرَبَ يَحيدونَ إليه مِن عِقابِ اللهِ تعالَى.

فَمَا أُوتِيتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَمَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى لِلَّذِينَ آَمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ

فالَّذي أُوتيتُموه مِن نِعَمٍ دُنيويَّةٍ، فإنَّما هي أُمورٌ زائِلةٌ فانيةٌ تتمَتَّعونَ بها في حياتِكم الدُّنيا، وما عِندَ اللهِ مِن الثَّوابِ والجَزاءِ في الآخِرةِ خَيرٌ مِن مَتاعِ الدُّنيا وأدوَمُ -فهو باقٍ لا يَنفَدُ- للَّذين آمَنوا بما وَجَب عليهم الإيمانُ به، وعلى رَبِّهم وَحْدَه يَعتَمِدونَ، ويُفَوِّضونَ إليه جَميعَ أُمورِهم.

وَالَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ وَإِذَا مَا غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ

والَّذين يَجتَنِبونَ كَبائِرَ الذُّنوبِ، ويَجتَنِبونَ الفَواحِشَ كالقتْلِ والزِّنا، وإذا غَضِبوا على مَن أساءَ إليهم يَصفَحونَ عنه، ويَتغاضَونَ عن إساءتِه، ولا يَنتَقِمونَ لأنفُسِهم.

وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ

والَّذين أجابوا رَبَّهم إلى كُلِّ ما دَعاهم إليه، فلَبَّوا دَعوتَه، وانقادُوا لطاعتِه، وأدَّوُا الصَّلَواتِ على الوَجهِ التَّامِّ المُستقيمِ الَّذي أُمِروا به، وشَأنُهم العامُّ شُورى بيْنَهم؛ فهمْ يَتداوَلونَ الرَّأيَ فيما نَزَل بهم، ولا يَستَبِدُّ أحَدٌ منهم برَأيِه دونَ الآخَرينَ في الأُمورِ المُشتَرَكةِ بيْنهم، ومِمَّا رزَقَهم ربُّهم يَتصَدَّقونَ ويَبذُلونَ في سَبيلِه.

وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ

والَّذين إذا بَغَى عليهم باغٍ، واعتدَى عليهم مُعْتدٍ؛ فإنَّهم يَنتَصِرونَ.

وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ

وجَزاءُ سَيِّئةِ المُسيءِ هو عُقوبتُه بمِثلِ جِنايتِه، بلا زِيادةٍ، فمَن عَفا عمَّن أساءَ إليه وأصلَحَ، فثَوابُه على اللهِ لا مَحالةَ، ولنْ يُضِيعَ اللهُ ثَوابَه، إنَّ اللهَ لا يُحِبُّ الَّذين يَعتَدونَ على النَّاسِ فيَظلِمونَهم ابتِداءً، أو يُجاوِزونَ الحَدَّ في الاقتِصاصِ مِمَّن ظَلَمَهم.

وَلَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولَئِكَ مَا عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ

ومَن انتصَرَ مِن ظالمٍ له بعْدَ تَحقُّقِ وُقوعِ ظُلمِه، فأولئك المُنتَصِرونَ لا عُقوبةَ عليهم، ولا لَومَ ولا حَرَجَ إذا أخَذوا حَقَّهم دونَ زيادةٍ.

إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ وَيَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ

إنَّما العُقوبةُ والإثمُ على الَّذين يَعتَدونَ على النَّاسِ في دِمائِهم أو أموالِهم، أو أعراضِهم أو غيرِ ذلك مِن حُقوقِهم، ويَتجاوَزونَ الحَدَّ بالفَسادِ في الأرضِ بالكُفرِ أو المعاصي، أو التَّكبُّرِ على النَّاسِ، وطَلَبِ الاستِعلاءِ عليهم بغيرِ حَقٍّ، أولئك لهم مِنَ اللهِ عَذابٌ مُوجِعٌ مُؤلِمٌ.

وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ

ومَن صبَرَ على ما يَنالُه مِن أذى النَّاسِ، وتَغاضَى عن إساءتِهم وتسامَحَ، فلم يَنتَصِرْ لِنَفسِه مع قُدرتِه على ذلك: فإنَّ صَبْرَه وغُفرانَه هذا مِنَ الأُمورِ المَشكورةِ الحَميدةِ الَّتي حَثَّ اللهُ عليها وأكَّدَها وعَزَم على عِبادِه العمَلَ بها، وجَعَل عليها ثوابًا جَزيلًا وثَناءً جميلًا.

وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ وَلِيٍّ مِنْ بَعْدِهِ وَتَرَى الظَّالِمِينَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذَابَ يَقُولُونَ هَلْ إِلَى مَرَدٍّ مِنْ سَبِيلٍ

ومَن يُضلِلْه اللهُ عن طَريقِ الحَقِّ بسَبَبِ ظُلمِه، فليس له أيُّ وليٍّ يَتوَلَّاه فيَهدِيَه أو يَنصُرَه بعدَ إضلالِ اللهِ إيَّاه، وترى الَّذين ظَلَموا أنفُسَهم -يا مُحمَّدُ- يقولونَ حينَ رُؤيةِ العَذابِ يومَ القيامةِ: هل لنا طريقٌ أو وسيلةٌ للرُّجوعِ إلى الدُّنيا؛ لِنَعمَلَ بطاعةِ اللهِ؟

وَتَرَاهُمْ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا خَاشِعِينَ مِنَ الذُّلِّ يَنْظُرُونَ مِنْ طَرْفٍ خَفِيٍّ وَقَالَ الَّذِينَ آَمَنُوا إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلَا إِنَّ الظَّالِمِينَ فِي عَذَابٍ مُقِيمٍ

وترَى الظَّالِمينَ يومَ القيامةِ يُعرَضونَ على النَّارِ قبْلَ دُخولِهم فيها ساكِنينَ خاضِعينَ؛ لِما اعتراهم مِنَ الذُّلِّ والهوانِ، يُسارِقونَ النَّظَرَ إلى النَّارِ حينَ يُعرَضونَ عليها؛ مِن شِدَّةِ ذُلِّهم وخَوفِهم، وقال المُؤمِنونَ: إنَّ الخاسِرينَ في الحقيقةِ هم الَّذين خَسِروا أنفُسَهم يومَ القيامةِ بحِرْمانِها مِن دُخولِ الجنَّةِ، واستِحقاقِها دُخولَ النَّارِ، وخَسِروا أهليهم بفِقْدانِهم في الآخِرةِ، ألَا إنَّ الظَّالِمينَ في عَذابٍ مُستَمِرٍّ في النَّارِ، فلا يَنقَطِعُ ولا يُخفَّفُ عنهم أبَدًا.

وَمَا كَانَ لَهُمْ مِنْ أَوْلِيَاءَ يَنْصُرُونَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ سَبِيلٍ

وما كان لهم يومَ القيامةِ أيُّ أولياءَ يَنصُرونَهم مِن عَذابِ اللهِ تعالى، ومَن يُضْلِلْه اللهُ عن طَريقِ الحَقِّ فما لَه مِن طَريقٍ للوُصولِ إلى الحقِّ في الدُّنيا، ولا الجنَّةِ في الآخرةِ.

اسْتَجِيبُوا لِرَبِّكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا مَرَدَّ لَهُ مِنَ اللَّهِ مَا لَكُمْ مِنْ مَلْجَأٍ يَوْمَئِذٍ وَمَا لَكُمْ مِنْ نَكِيرٍ

أَجيبوا -أيُّها النَّاسُ- ربَّكم، فآمِنوا به وأطيعوه مِن قبْلِ أن يأتيَ يومُ القيامةِ الَّذي لا شَيءَ يَرُدُّه ويَمنَعُ مَجيئَه بعدَ أن حكَم اللهُ به، ليس لكم أيُّ مَكانٍ تَلجؤونَ إليه هَرَبًا مِن عَذابِ اللهِ تعالى يومَ القيامةِ، وما لَكم مِن إنكارٍ لِما جُوزيتُم به، بل تَعترِفونَ بذُنوبِكم، ولا أحدَ يُنكِرُ ما نزَل بكم، ويَدفَعُه عنكم.

فَإِنْ أَعْرَضُوا فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا إِنْ عَلَيْكَ إِلَّا الْبَلَاغُ وَإِنَّا إِذَا أَذَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنَّا رَحْمَةً فَرِحَ بِهَا وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فَإِنَّ الْإِنْسَانَ كَفُورٌ

فإنْ أعرَضَ المُشرِكونَ عن الاستِجابةِ لرَبِّهم فما أرسَلْناك -يا مُحمَّدُ- رَقيبًا عليهم تَحفَظُ أعمالَهم، وتُحاسِبُهم عليها، ما عليك إلَّا أن تُبلِّغَ النَّاسَ ما أمَرَك اللهُ بتَبليغِه مِن الرِّسالةِ، وليس عليك هدايتُهم ولا حِسابُهم، وإنَّا إذا أعطَيْنا الإنسانَ نِعمةً مِنَّا فَرِح بها واطمأَنَّ، وأعرَض عن اللهِ المُنعِمِ بها، فلم يَشكُرْه عليها! وإنْ تُصِبِ النَّاسَ شِدَّةٌ وبَلاءٌ بسَبَبِ ذُنوبِهم، فإنَّ الإنسانَ جَحودٌ لِما تقدَّمَ مِن نِعَمِ الله عليه.

لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ يَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ إِنَاثًا وَيَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ الذُّكُورَ

لله وَحْدَه مُلْكُ السَّمَواتِ ومُلكُ الأرضِ، وله وَحْدَه التَّصَرُّفُ في سُلطانِه الواسِعِ بما يَشاءُ، يَخلُقُ ما يَشاءُ خَلْقَه، يُعطي لِمَن يَشاءُ مِن خَلْقِه إناثًا فقط، ويُعطي لِمَن يَشاءُ مِن خَلْقِه ذُكورًا فقط.

أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَانًا وَإِنَاثًا وَيَجْعَلُ مَنْ يَشَاءُ عَقِيمًا إِنَّهُ عَلِيمٌ قَدِيرٌ

أو يَقرِنُ اللهُ لِمَن يشاءُ مِن خَلقِه بيْنَ الذُّكورِ والإناثِ، ويَجعَلُ مَن يَشاءُ مِن الأزواجِ عَقيمًا لا يُولَدُ له، إنَّ اللهَ بالِغُ العِلمِ بكُلِّ شَيءٍ، ومِن ذلك عِلمُه تعالى بما يَخلُقُه، وهو بالِغُ القُدرةِ على كُلِّ شَيءٍ، ومِن ذلك قُدرتُه على خَلْقِ ما يَشاءُ.

وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ

وما يَنبغي لبَشَرٍ أن يُكَلِّمَه اللهُ في الدُّنيا إلَّا وَحْيًا، أو يُكَلِّمَه اللهُ جَهرًا مِن وَراءِ حِجابٍ، بحيثُ يَسمَعُ كَلامَ اللهِ ولا يَراه، كما كلَّمَ اللهُ تعالى موسى عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ، أو يُكَلِّمَه اللهُ تعالى بواسِطةِ مَلَكٍ يُرسِلُه اللهُ، فيُوحِيَ إلى المُرسَلِ إليه ما يَشاءُ اللهُ أن يُوحيَه، كجِبريلَ عليه السَّلامُ، إنَّ اللهَ سُبحانَه عَليٌّ بذاتِه فوقَ خَلْقِه، وعَليٌّ بصِفاتِه عن كُلِّ عَيبٍ ونَقصٍ، قد قهَر كلَّ شيءٍ، حَكيمٌ في شَرعِه وصُنعِه، وفي تَدبيرِ خَلْقِه؛ فيَضَعُ كُلَّ شَيءٍ في مَوضِعِه اللَّائِقِ به.

وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ

ومِثلَ ذلك الإيحاءِ أوحَيْنا إليك القُرآنَ مِن أمْرِنا -يا مُحمَّدُ، ما كُنتَ تَعلَمُ مِن قبْلِ نُزولِ الوَحيِ عليك أيَّ شَيءٍ القُرآنُ، وأيَّ شَيءٍ الإيمانُ وشَرائِعُه على وَجهِ التَّفصيلِ، ولكِنْ جعَلْنا هذا القُرآنَ نُورًا للنَّاسِ تَزولُ به ظُلُماتُ الكُفرِ والشِّركِ، والشَّكِّ والجَهلِ؛ فنَهدي به إلى الحَقِّ مَن نَشاءُ هِدايتَه مِن عِبادِنا، وإنَّك -يا مُحمَّدُ- لَتُرشِدُ النَّاسَ وتَدْعوهم إلى طَريقٍ مُستَقيمٍ لا اعوِجاجَ فيه.

صِرَاطِ اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ أَلَا إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الْأُمُورُ

تَدْعوهم إلى طَريقِ اللهِ الموصِلِ إليه وإلى جنَّتِه، الَّذي له مُلكُ ما في السَّمَواتِ وما في الأرضِ، المتصَرِّفِ فيهما وَحْدَه لا شَريكَ له، ألا إلى اللهِ وَحْدَه تَرجِعُ جَميعُ الأُمورِ.

الزخرف

حم

هذانِ الحَرفانِ اللَّذانِ افتُتِحَت بهما هذه السُّورةُ وغيرُها مِن الحروف المقطَّعةِ الَّتي تأتي لبيانِ إعجازِ القرآنِ؛ حيثُ تُظهِرُ عجْزَ الخَلْقِ عن مُعارَضتِه بمِثلِه، معَ أنَّه مركَّبٌ مِن هذه الحروفِ العربيَّةِ الَّتي يَتحدَّثونَ بها.

وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ

أُقسِمُ بالكِتابِ المُوَضِّحِ لكُلِّ ما يَحتاجُ إليه العِبادُ.

إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآَنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ

إنَّا جعَلْنا القُرآنَ بلِسانٍ عَربيٍّ؛ لعلَّكم تَفهَمونَ مَعانيَه وتَتدَبَّرونَه.

وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتَابِ لَدَيْنَا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ

وإنَّ القُرآنَ في اللَّوحِ المَحفوظِ عِندَنا ذو عُلُوٍّ في محَلِّه وقَدْرِه وشَرَفِه، وذو حِكمةٍ وإحكامٍ؛ فلا يَعتَريه اختِلافٌ ولا اضطِرابٌ، وليس فيه نَقْصٌ، ولا لَبْسَ فيه ولا زَيْغَ.

أَفَنَضْرِبُ عَنْكُمُ الذِّكْرَ صَفْحًا أَنْ كُنْتُمْ قَوْمًا مُسْرِفِينَ

أفنَترُكُ إنزالَ القُرآنِ إعراضًا عنكم، ونُهمِلُكم فلا نأمُرَكم ولا نَنهاكم؛ مِن أجْلِ أنَّكم -أيُّها المُشرِكونَ- قَومٌ مُعرِضونَ عن أمرِ اللهِ تعالى، مُجاوِزونَ له؟!

وَكَمْ أَرْسَلْنَا مِنْ نَبِيٍّ فِي الْأَوَّلِينَ

وما أكثَرَ الأنبياءَ الَّذين أرسَلَهم اللهُ تعالى في الأُمَمِ الماضيةِ لِدَعوةِ أقوامِهم إلى الحَقِّ!

وَمَا يَأْتِيهِمْ مِنْ نَبِيٍّ إِلَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ

وما يأتي نَبيٌّ إلى قَومٍ إلَّا كانوا يَسخَرونَ منه!

فَأَهْلَكْنَا أَشَدَّ مِنْهُمْ بَطْشًا وَمَضَى مَثَلُ الْأَوَّلِينَ

فأهلَكْنا أولئك المُستَهزِئينَ بالرُّسُلِ، وقد كانوا أشَدَّ قُوَّةً مِن كُفَّارِ مَكَّةَ المُكَذِّبينَ بمُحَمَّدٍ صلَّى الله عليه وسلَّم؛ فلن نَعجِزَ كذلك عن إهلاكِهم إنِ استَمَرُّوا على باطِلِهم، ووقَعَ إهلاكُ اللهِ للأُمَمِ الماضيةِ؛ بسَبَبِ تَكذيبِهم رُسُلَهم، واستِهزائِهم بهم؛ فصاروا عِبرةً ونَكالًا لِمَن بَعدَهم، ومِثالًا يَرتَدِعُ به غَيرُهم؛ فلْيَحذَرْ كُفَّارُ هذه الأمَّةِ أن يَسيروا سِيرتَهم؛ فيُصيبَهم مِثلُ ما أصابَهم.

وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ

ولَئِنْ قُلتَ للمُشرِكينَ -يا محَمَّدُ: مَنِ الَّذي خَلَق السَّمَواتِ السَّبْعَ وخَلَق الأرَضِينَ؟ لَيَقولُنَّ مِن فَورِهم: خلَقَهنَّ اللهُ وَحْدَه، العزيزُ ذو القَدْرِ العَظيمِ، القاهِرُ الغالِبُ لِكُلِّ شَيءٍ، المُمتَنِعُ عليه كُلُّ عَيبٍ ونَقصٍ، العليمُ الَّذي لا يخفى عليه شَيءٌ.

الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْدًا وَجَعَلَ لَكُمْ فِيهَا سُبُلًا لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ

الَّذي جَعَل لكم الأرضَ ثابِتةً مُمهَّدةً، تتمَكَّنونَ فيها ممَّا تُريدونَ، وجعَلَ لكم فيها طُرُقًا يسَّرَ لكم المَشيَ فيها؛ لعَلَّكم تهتَدونَ بها.

وَالَّذِي نَزَّلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً بِقَدَرٍ فَأَنْشَرْنَا بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا كَذَلِكَ تُخْرَجُونَ

والَّذي نزَّل مِن السَّماءِ مَطَرًا بمِقدارِ حاجةِ النَّاسِ والنَّباتِ والأنعامِ؛ لِيَحصُلَ الانتِفاعُ به دونَ زيادةٍ مُهلِكةٍ، أو نُقصانٍ مُضِرٍّ، فأحيَيْنا بذلك المطرِ بَلدةً مُجدِبةً لا نباتَ بها ولا زَرعَ، كما أحيَيْنا بالمطرِ الأرضَ المَيْتةَ، وأخرَجْنا منها نَباتَها، كذلك يُحييكم اللهُ -أيُّها النَّاسُ- بعدَ مَوتِكم، فيُخرِجُكم يومَ القيامةِ مِن قُبورِكم.

وَالَّذِي خَلَقَ الْأَزْوَاجَ كُلَّهَا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْفُلْكِ وَالْأَنْعَامِ مَا تَرْكَبُونَ

واللهُ تعالى هو الَّذي خَلَق الأصنافَ جميعَها، وجَعَل لكم سُفُنًا تَركَبونَها في البَحرِ، وأنعامًا تَركَبونَها في البَرِّ؛ تَنقُلُكم إلى حيثُ أردتُم.

لِتَسْتَوُوا عَلَى ظُهُورِهِ ثُمَّ تَذْكُرُوا نِعْمَةَ رَبِّكُمْ إِذَا اسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ وَتَقُولُوا سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ

لِتَستقِرُّوا مُتمَكِّنينَ مُرتَفِعينَ على ظُهورِ الفُلْكِ والأنعامِ، ثمَّ تَذكُروا بقُلوبِكم -أيُّها النَّاسُ- نِعمةَ رَبِّكم بتَيسيرِه لكم ما تَركبونَه في البَرِّ والبَحرِ، إذا استَقررْتُم عليه، وتَقولوا بألسِنَتِكم: تَنزَّهَ اللهُ عن كُلِّ ما لا يَليقُ بكَمالِه؛ الَّذي ذَلَّل لنا هذا الَّذي نَركَبُه مِن الفُلْكِ والأنعامِ، وما كُنَّا لتلك المراكِبِ بمُطيقينَ ولا قادِرينَ على تَذليلِها ورُكوبِها وقِيادِها لولا أنَّ الله سُبحانَه سَخَّرها لنا.

وَإِنَّا إِلَى رَبِّنَا لَمُنْقَلِبُونَ

وإنَّا إلى رَبِّنا لَراجِعونَ بعدَ مَوتِنا للحِسابِ والجَزاءِ.

وَجَعَلُوا لَهُ مِنْ عِبَادِهِ جُزْءًا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَكَفُورٌ مُبِينٌ

وجَعَل المُشرِكونَ لله بَعضًا مِن خَلْقِه، فقالوا: الملائِكةُ بَناتُ اللهِ! إنَّ الإنسانَ لَشَديدُ الجُحودِ لِنِعَمِ اللهِ تعالى، ظاهِرُ الكُفرانِ لها.

أَمِ اتَّخَذَ مِمَّا يَخْلُقُ بَنَاتٍ وَأَصْفَاكُمْ بِالْبَنِينَ

أمِ اتَّخَذَ اللهُ تعالى لِنَفْسِه بناتٍ مِن خَلقِه كما زَعمتُم -أيُّها المُشرِكونَ- وأنتم لا تَرضَونَهنَّ لأنفُسِكم، واختَصَّكم أنتم بالبَنينَ فجعَلَهم لكم؟!

وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِمَا ضَرَبَ لِلرَّحْمَنِ مَثَلًا ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ

وإذا أُخبِرَ أحَدُ أولئك -الَّذين قالوا: الملائِكةُ بَناتُ اللهِ- بوِلادةِ امرأتِه لِما نَسَبوه لله تعالى مِن البَناتِ، ظَلَّ وَجهُه أسوَدَ اللَّونِ، وهو مُمتَلِئٌ غَيظًا؛ فهم يأنَفونَ مِن البَناتِ ويَكرهونَهنَّ، ومع ذلك يَنسُبونَهنَّ لله تعالى!

أَوَمَنْ يُنَشَّأُ فِي الْحِلْيَةِ وَهُوَ فِي الْخِصَامِ غَيْرُ مُبِينٍ

أوَجَعَلوا ولدًا لله مَن شأنُه أنْ يُرَبَّى في الزِّينةِ، وإذا خُوصِم لا يَقدِرُ على إقامةِ حُجَّتِه، ودفْعِ ما يُجادِلُه به خَصْمُه لِنُقصانِ عقلِه، وضَعفِ رَأْيِه!

وَجَعَلُوا الْمَلَائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ إِنَاثًا أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ سَتُكْتَبُ شَهَادَتُهُمْ وَيُسْأَلُونَ

واعتقد كُفَّارُ العَرَبِ الملائِكةَ -الَّذين هم عِبادٌ لله- إناثًا، فهل حَضَر أولئك المُشرِكونَ خَلْقَ اللهِ للمَلائِكةِ وشاهَدوه فعرَفوا أنَّهم إناثٌ؟! ستُكتَبُ شَهادةُ أولئك الزَّاعِمينَ أنَّ الملائِكةَ بَناتُ اللهِ في الدُّنيا، ويُسألونَ في الآخِرةِ عن شَهادتِهم تلك الَّتي ليس لهم عليها بُرهانٌ، ويُعاقَبونَ على افتِرائِهم هذا.

وَقَالُوا لَوْ شَاءَ الرَّحْمَنُ مَا عَبَدْنَاهُمْ مَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ

وقال المُشرِكونَ: لو شاء الرَّحمنُ ما عبَدْناهم، ولَصَرَفَنا عن ذلك، فتَرْكُه إيَّانا دَليلٌ على رِضاه مِنَّا بعِبادتِهم، وليس للمُشرِكينَ عِلمٌ بصِحَّةِ ما قالوه واحتَجُّوا به، إنَّما يَقولونَ ذلك كَذِبًا وظَنًّا منهم بلا دَليلٍ ولا بُرهانٍ.

أَمْ آَتَيْنَاهُمْ كِتَابًا مِنْ قَبْلِهِ فَهُمْ بِهِ مُسْتَمْسِكُونَ

فهل أعطَيْنا أولئك المُتخرِّصينَ كِتابًا يُثبِتُ صِحَّةَ دَعواهم مِن قَبلِ نُزولِ هذا القُرآنِ، فهم بذلك الكِتابِ مُتمَسِّكونَ، وعلى العَمَلِ به ثابِتونَ؟!

بَلْ قَالُوا إِنَّا وَجَدْنَا آَبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آَثَارِهِمْ مُهْتَدُونَ

ليس الأمرُ كذلك، فليس لهم مُستَنَدٌ على صِحَّةِ دَعواهم، وإنَّما حُجَّتُهم الباطِلةُ هي تقليدُ آبائِهم، فيقولونَ: إنَّا وجَدْنا آباءَنا على ذلك الدِّينِ والمُعتقَدِ، ونحن لهم مُتَّبِعونَ.

وَكَذَلِكَ مَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا وَجَدْنَا آَبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آَثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ

وكما فَعَل مُشرِكو قُرَيشٍ فَعَل كُفَّارُ الأُمَمِ الماضيةِ، وقالوا مِثلَ قَولِهم؛ فما أرسَلْنا قَبْلَك -يا مُحمَّدُ- رَسولًا إلى أهلِ قَريةٍ لِيُنذِرَهم عذابَ اللهِ على كُفرِهم وشِرْكِهم إلَّا قال رُؤساؤُهم وكُبَراؤُهم المُنعَّمونَ الَّذين أطْغَتْهم الدُّنيا: إنَّا وَجَدْنا آباءَنا على دينٍ غيرِ الَّذي تَدْعونا إليه، وإنَّا مُتَّبِعونَ لِطَريقتِهم، فلا ننحَرِفُ عنها.

قَالَ أَوَلَوْ جِئْتُكُمْ بِأَهْدَى مِمَّا وَجَدْتُمْ عَلَيْهِ آَبَاءَكُمْ قَالُوا إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ

قال الرَّسولُ لِقَومِه المُشرِكينَ المُتمَسِّكينَ بتقليدِ آبائِهم: أتَتَّبِعونَ آباءَكم على الضَّلالِ ولو جِئتُكم بدِينٍ أهدى إلى الحَقِّ مِن الدِّينِ الَّذي وجَدْتُم عليه آباءَكم؟! قال المُشرِكونَ: إنَّا بالَّذي أُرسِلتُم به جاحِدونَ مُنكِرونَ، ولدِينِ آبائِنا مُتَّبِعونَ.

فَانْتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ

فعاقَبْناهم، فانظُرْ -يا مُحمَّدُ- كيف صار آخِرُ أمرِ المكذِّبينَ إلى هَلاكٍ وبَوارٍ!

وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ

واذكُرْ -يا مُحمَّدُ- حينَ قال إبراهيمُ لأبيه وقَومِه المُشرِكينَ: إنَّني بَريءٌ مِنَ الآلِهةِ الَّتي تَعبُدونَها مِن دُونِ اللهِ، فأُبغِضُها ولا أعبُدُها.

إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ

أنا بَريءٌ مِنَ الَّذين تَعبُدونَهم إلَّا الَّذي خلَقَني، فهو المُستَحِقُّ وَحْدَه للعِبادةِ، فأنا أعبُدُه ولا أتبَرَّأُ منه؛ فإنَّه سيُرشِدُني ويُوَفِّقُني للحَقِّ.

وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ

وجَعَل إبراهيمُ كَلِمةَ التَّوحيدِ كَلِمةً باقيةً في ذُرِّيَّتِه؛ رجاءَ أن يَرجِعوا إلى الحَقِّ.

بَلْ مَتَّعْتُ هَؤُلَاءِ وَآَبَاءَهُمْ حَتَّى جَاءَهُمُ الْحَقُّ وَرَسُولٌ مُبِينٌ

لم يَحصُلْ ما رجاه إبراهيمُ مِن رُجوعِ جَميعِ عَقِبِه إلى كَلِمةِ التَّوحيدِ الَّتي جعَلَها فيهم -ومنهم كُفَّارُ قُريشٍ وآباؤُهم مِن قَبلِهم-؛ فقد مَتَّعهم اللهُ، فأسبَغَ عليهم مِنَ النِّعَمِ، وعافاهم مِن العُقوباتِ والنِّقَمِ؛ فأبطَرَهم ذلك وزهَّدَهم في اتِّباعِ الحَقِّ، وتمادَوا في باطِلِهم حتَّى جاءَهم القُرآنُ المُشتَمِلُ على الحَقِّ، وجاءهم مِنَ الله تعالى رَسولٌ ظاهرٌ أمرُه، ومُبَيِّنٌ لرسالتِه وأحكامِ دينِه، مُظهِرٌ للحَقِّ وحُجَجِه، وهو محمَّدٌ عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ.

وَلَمَّا جَاءَهُمُ الْحَقُّ قَالُوا هَذَا سِحْرٌ وَإِنَّا بِهِ كَافِرُونَ

ولَمَّا جاء القُرآنُ إلى المُشرِكينَ قالوا: هذا سِحرٌ يَسحَرُ محمَّدٌ به النَّاسَ، ولن نُؤمِنَ به!

وَقَالُوا لَوْلَا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْءانُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ

وقال مُشرِكو قُرَيشٍ أيضًا اعتِراضًا منهم على إنزالِ القُرآنِ على مُحمَّدٍ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: إنْ كان هذا القُرآنُ حَقًّا فلِمَ لمْ يُنزَّلْ على رَجُلٍ مِن وُجَهاءِ وأغنياءِ مَكَّةَ أو الطَّائِفِ؟

أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَةَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا سُخْرِيًّا وَرَحْمَةُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ

هل هؤلاء المُشرِكونَ المُقتَرِحونَ إنزالَ القُرآنِ على رَجُلٍ عَظيمٍ مِن القَريتَينِ هم مَن يَضَعونَ النُّبُوَّةَ حيث شاؤُوا، أمِ اللهُ وَحْدَه هو الَّذي يختَصُّ بذلك؟! نحن توَلَّيْنا قِسمةَ الأرزاقِ بيْنَهم في الحياةِ الدُّنيا؛ فوسَّعْنا على بعضٍ، وضيَّقْنا على بعضٍ، بحَسَبِ حِكمتِنا، ورفَعْنا في الدُّنيا بَعضَهم فَوقَ بَعضٍ دَرَجاتٍ؛ فمِنهم الغَنيُّ والفَقيرُ، إلى غَيرِ ذلك، لِيَستخدِمَ النَّاسُ بَعضُهم بَعضًا، فيكونَ بعضُهم سببًا لمعاشِ بعضٍ، فكما توَلَّى الله قَسْمَ مَعايشِهم، وفضَّل بَعضَهم على بَعضٍ؛ فكذلك لم يُفَوِّضِ إليهم أمرَ النُّبُوَّةِ؛ فهو وَحْدَه مَن يَصطفي مَن يَشاءُ لرِسالتِه؛ فلا وَجهَ لاعتراضِهم، ورَحمةُ رَبِّك -يا مُحمَّدُ- خَيرٌ مِمَّا يَجمَعُه المُشرِكونَ في الدُّنيا مِن أموالِها الفانيةِ ومَتاعِها الزَّائِلِ!

وَلَوْلَا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً لَجَعَلْنَا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا مِنْ فَضَّةٍ وَمَعَارِجَ عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ

ولولا كراهَتُنا أن يَرغَبَ النَّاسُ في الكُفرِ إذا رأَوْا ما أُوتِيَه الكُفَّارُ مِن سَعةٍ وقُدرةٍ، فيَصيروا كُلُّهم كُفَّارًا؛ لَجَعَل اللهُ للَّذين يَكفُرونَ به بُيُوتًا ذاتَ سُقُفٍ مِن فِضَّةٍ، ومَصاعِدَ ومَراقيَ يَرتَفِعونَ بها.

وَلِبُيُوتِهِمْ أَبْوَابًا وَسُرُرًا عَلَيْهَا يَتَّكِئُونَ

ولَجَعَل لِبُيوتِهم أبوابًا، ولَجَعَل لهم أسِرَّةً يتَّكِئُونَ عليها.

وَزُخْرُفًا وَإِنْ كُلُّ ذَلِكَ لَمَّا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةُ عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ

ولجعل لهم ذَهَبًا؛ فلولا يَعتَقِدُ النَّاسُ أنَّهم يَنالُونَ ذلك بالكُفرِ، فيَكفُرونَ جَميعًا؛ رغبةً منهم في الدُّنيا، لَجعَلَه اللهُ تعالى للكافِرينَ به، وما كُلُّ تلك الأشياءِ المذكورةِ إلَّا عَرَضٌ دُنيويٌّ زائِلٌ لا يَبقَى، وأمَّا نَعيمُ الآخِرةِ عندَ رَبِّك -يا محمَّدُ- فهو خاصٌّ بالَّذين امتَثَلوا ما أمرَ اللهُ به مِن التَّوحيدِ والطَّاعاتِ، واجتَنَبوا ما نهَى عنه مِنَ الشِّركِ والسَّيِّئاتِ.

وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ

ومَن يُعرِضْ عن القُرآنِ الَّذي أنزَلَه الرَّحمنُ يُسلِّطِ اللهُ تعالى عليه شَيطانًا؛ جزاءَ إعراضِه عنه، فيَصيرُ الشَّيطانُ قَرينًا له لا يُفارِقُه.

وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ

وإنَّ الشَّياطينَ لَيَمنَعونَهم مِن طَريقِ الحَقِّ الموصِلِ إلى اللهِ تعالى وإلى جنَّتِه، ويَصرِفونَهم عنه، ومع ذلك يَحسَبُ قُرَناءُ الشَّيطانِ هؤلاء أنَّهم على الحَقِّ والصَّوابِ!

حَتَّى إِذَا جَاءَنَا قَالَ يَا لَيْتَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ فَبِئْسَ الْقَرِينُ

حتَّى إذا جاءَنا يومَ القيامةِ هذا المُعرِضُ عن ذِكرِ الرَّحمنِ، قال لِقَرينِه الشَّيطانِ: وَدِدتُ أنَّ بيْني وبيْنَك بُعدَ ما بيْنَ المَشرِقِ والمَغرِبِ، فبِئسَ الصَّاحِبُ لي أنت -أيُّها الشَّيطانُ!

وَلَنْ يَنْفَعَكُمُ الْيَوْمَ إِذْ ظَلَمْتُمْ أَنَّكُمْ فِي الْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ

يُقالُ لهم: ولن يُخَفِّفَ عنكم العذابَ في هذا اليَومِ -بسببِ ظُلمِكم- اشتِراكُكُم في هذا العذابِ.

أَفَأَنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ أَوْ تَهْدِي الْعُمْيَ وَمَنْ كَانَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ

لا تَستطيعُ -يا مُحمَّدُ- أن تجعَلَ الكُفَّارَ يَنتَفِعونَ بالسَّماعِ منك؛ فليس ذلك إليك، ولا تَستطيعُ أن تُرشِدَ إلى طَريقِ الحَقِّ مَن أعمَى اللهُ قَلْبَه عن رُؤيةِ هذا الحَقِّ، ولا تَستطيعُ أن تَهديَ مَن هو في ضَلالٍ ظاهرٍ عن طَريقِ الهُدى.

فَإِمَّا نَذْهَبَنَّ بِكَ فَإِنَّا مِنْهُمْ مُنْتَقِمُونَ

فإنْ نُخرِجْك -يا مُحمَّدُ- مِن بَينِ أظهُرِ مُشرِكي قَومِك -بمَوتٍ أو غَيرِه- دونَ أن ترَى عذابَهم، فنحن مُنتَقِمونَ منهم بعدَ فِراقِك لا مَحالةَ.

أَوْ نُرِيَنَّكَ الَّذِي وَعَدْنَاهُمْ فَإِنَّا عَلَيْهِمْ مُقْتَدِرُونَ

وإنْ أرَيْناك ما وعَدْناهم مِنَ العَذابِ فإنَّا قادِرونَ عليهم، فلن يُعجِزونا، أو يُفلِتوا مِنَّا.

فَاسْتَمْسِكْ بِالَّذِي أُوحِيَ إِلَيْكَ إِنَّكَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ

فتَمَسَّكْ -يا مُحمَّدُ- بقُوَّةٍ بالقُرآنِ الَّذي أوحَيْناه إليك، واثبُتْ على العَمَلِ به، إنَّك على طريقٍ مُستقيمٍ لا اعوِجاجَ فيه، مُوصلٍ إلى اللهِ تعالى ورِضوانِه وجَنَّتِه.

وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ وَسَوْفَ تُسْأَلُونَ

وإنَّ القُرآنَ لَشَرفٌ لك -يا مُحمَّدُ- ولِقَومِك مِن قُرَيشٍ، وهو مَوعِظةٌ وتَذكيرٌ لكم، وسوفَ يَسألُكم اللهُ عن هذا القُرآنِ.

وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنَا أَجَعَلْنَا مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ آَلِهَةً يُعْبَدُونَ

واسألْ -يا مُحمَّدُ- الرُّسُلَ الَّذين أرسَلْناهم إلى أقوامِهم مِن قَبْلِك: هل شرَعْنا وأمَرْنا بعبادةِ آلِهةٍ مِن دُونِ الرَّحمنِ؟!

وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآَيَاتِنَا إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ فَقَالَ إِنِّي رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ

ولقد أرسَلْنا موسى بمُعجِزاتِنا الدَّالَّةِ على صِدقِه إلى فِرعَونَ وأشرافِ قَومِه، فقال لهم موسى: إنِّي رَسولٌ إليكم مِنَ الخالِقِ المالِكِ، الرَّازِقِ المدَبِّرِ لجَميعِ العالَمينَ.

فَلَمَّا جَاءَهُمْ بِآَيَاتِنَا إِذَا هُمْ مِنْهَا يَضْحَكُونَ

فلمَّا جاءهم موسى بمُعجِزاتِنا إذا فِرعَونُ وقَومُه يَضحَكونَ منها؛ سُخْريةً واستِهزاءً!

وَمَا نُرِيهِمْ مِنْ آَيَةٍ إِلَّا هِيَ أَكْبَرُ مِنْ أُخْتِهَا وَأَخَذْنَاهُمْ بِالْعَذَابِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ

وما نُرِي فِرعَونَ وقَومَه مُعجِزةً إلَّا هي أعظَمُ مِن الَّتي قَبْلَها، ومع ذلك كذَّبوا بجَميعِ الآياتِ واستَخَفُّوا بها؛ استِكبارًا وعِنادًا! وابتَلَيْناهم بنِقَمٍ ومِحَنٍ -كالقَحطِ ونَقصِ الثَّمَراتِ-؛ لعَلَّهم يَتوبونَ إلى الله، فيَرجِعونَ مِن كُفرِهم باللهِ ومَعصيتِه، إلى تَوحيدِه وطاعتِه.

وَقَالُوا يَا أَيُّهَا السَّاحِرُ ادْعُ لَنَا رَبَّكَ بِمَا عَهِدَ عِنْدَكَ إِنَّنَا لَمُهْتَدُونَ

وقال فِرعَونُ ومَلَؤُه لموسى حينَ نَزَل بهم العَذابُ: يا أيُّها السَّاحِرُ ادعُ لنا رَبَّك بما عَهِدَ عندَك؛ لِيَكشِفَ عنَّا العَذابَ، إنَّنا لَمُتَّبِعوك -يا موسى- إنْ كَشَف رَبُّك عنَّا العذابَ، فنُؤمِنُ به ونُوَحِّدُه!

فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُمُ الْعَذَابَ إِذَا هُمْ يَنْكُثُونَ

فلمَّا رفَعْنا العذابَ عن فِرعَونَ وقَومِه؛ لِيَهتَدوا إلى الحَقِّ كما وَعَدوا موسى، نَكَثوا فنَقَضوا عَهْدَهم، وأصَرُّوا على كُفرِهم وضَلالِهم!

وَنَادَى فِرْعَوْنُ فِي قَوْمِهِ قَالَ يَا قَوْمِ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي أَفَلَا تُبْصِرُونَ

ونادى فِرعَونُ في قَومِه القِبطِ مُفتَخِرًا مُتبَجِّحًا، فقال: يا قَومِ أليس لي وَحْدي مُلكُ مِصرَ كُلِّها، لا يُنازِعُني أحَدٌ في التَّصَرُّفِ فيها؟! وهذه الأنهارُ المتفَرِّعةُ مِن نَهرِ النِّيلِ تَجري بيْنَ يَدَيَّ في البَساتينِ والقُصورِ وغَيرِها؟! أفلا تُبصِرونَ -يا قَومِ- ما أنا فيه مِنَ المُلْكِ والعَظَمةِ، والقُوَّةِ والنَّعيمِ؟!

أَمْ أَنَا خَيْرٌ مِنْ هَذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ وَلَا يَكَادُ يُبِينُ

بل أنا خَيرٌ مِن هذا الَّذي هو ضَعيفٌ ذَليلٌ، ولا يَكادُ يُعرِبُ عمَّا يُريدُ بوُضوحٍ؛ لِعِيِّ مَنطِقِه، وقِلَّةِ فَصاحتِه!

فَلَوْلَا أُلْقِيَ عَلَيْهِ أَسْوِرَةٌ مِنْ ذَهَبٍ أَوْ جَاءَ مَعَهُ الْمَلَائِكَةُ مُقْتَرِنِينَ

فهَلَّا أُلقِيَت على موسى -إن كان رَسولًا مِن رَبِّ العالَمينَ كما يَزعُمُ- أساوِرُ مِن ذَهَبٍ يَتحَلَّى بلُبسِها في يَدَيه! أو هلَّا جاء الملائِكةُ مُتتابِعينَ قد اقتَرن بعضُهم ببعضٍ، يَشهَدون لموسَى بصِدقِه، ويُعِينونَه على أمرِه!

فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ

فاستَخَفَّ فِرعَونُ عُقولَ قَومِه، فصدَّقوا باطِلَه وشُبَهَه، واستَجابوا له! لأنَّهم كانوا قَومًا كافِرينَ باللهِ تعالى، خارِجينَ عن طاعتِه، خَذَلهم اللهُ فأطاعوا فِرعَونَ حيثُ زَيَّن لهم الشَّرَّ.

فَلَمَّا آَسَفُونَا انْتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَاهُمْ أَجْمَعِينَ

فلمَّا أغضَبَنا فِرعَونُ وقومُه أوقَعْنا بهم عُقوبَتَنا العاجِلةَ في الدُّنيا، فأغرَقْناهم جميعًا في البَحرِ، فلم نُنْجِ منهم أحَدًا.

فَجَعَلْنَاهُمْ سَلَفًا وَمَثَلًا لِلْآَخِرِينَ

فجعَلْناهم متقدِّمينَ في الهلاكِ، قُدوةً لِمَن عَمِل بعمَلِهم مِن الكفَّارِ في استِحقاقِ العذابِ، وعِبرةً وعِظَةً لِمَن يأتي بعدَهم، فمَن عَمِل بمِثلِ عمَلِهم جُوزِيَ بجزائِهم.

وَلَمَّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلًا إِذَا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ

ولَمَّا ضَرَبَ المُشرِكونَ عيسى ابنَ مَريمَ مَثَلًا للآلهةِ الَّتي تُعبَدُ مِن دُونِ اللهِ تعالى -حيثُ عَبَده النَّصارى-؛ لِيُحاجُّوا به محمَّدًا -صلَّى اللهُ عليه وسلَّم- الَّذي أخبَرَهم بأنَّ كُلَّ ما عُبِدَ مِن دُونِ اللهِ فمآلُه النَّارُ: إذا قَومُك -يا محمَّدُ- قد أحدَثوا جَلَبةً وضَجيجًا وضَحِكًا؛ فَرَحًا وسُرورًا؛ لِظَنِّهم بأنَّهم قد أفحَموك بتلك الشُّبهةِ الباطِلةِ، وأنَّهم ألزَموك بحُجَّتِهم الواهيةِ!

وَقَالُوا أَآَلِهَتُنَا خَيْرٌ أَمْ هُوَ مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلَّا جَدَلًا بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ

وقال أولئك المُشرِكونَ: أآلهتُنا خيرٌ أمْ عيسَى، فإن كان عيسَى يَدخُلُ النَّارَ فقد رَضِينا أن نكونَ نحن وآلهتُنا معه؛ لأنَّه خيرٌ مِن آلهتِنا، ما ذَكَر لك كُفَّارُ قُرَيشٍ -يا مُحمَّدُ- هذا المَثَلَ بعِيسى وتَشبيهَه بآلهتِهم إلَّا مِن بابِ المُغالَطةِ بالباطِلِ؛ لِقَصدِ مُغالَبتِك، فهم لا يُريدونَ بجِدالِهم مَعرِفةَ الحَقِّ واتِّباعَه، وإنَّما هم قَومٌ شَديدو الخُصومةِ والجِدالِ بالباطِلِ، فيَرُدُّونَ الحَقَّ مع ظُهورِه لهم!

إِنْ هُوَ إِلَّا عَبْدٌ أَنْعَمْنَا عَلَيْهِ وَجَعَلْنَاهُ مَثَلًا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ

ما عيسى إلَّا عَبدٌ مِن عِبادِنا أنعَمْنا عليه بالإيمانِ، والنُّبُوَّةِ والرِّسالةِ، وتأييدِه بالمُعجِزاتِ، وجعَلْناه آيةً ودَلالةً وحُجَّةً لِبَني إسرائيلَ، يَستَدِلُّونَ بخَلْقِه مِن غَيرِ أبٍ على قُدرةِ اللهِ تعالى على خَلْقِ ما يَشاءُ، وليس هو ابنًا للهِ كما تَزعُمُ النَّصارى!

وَلَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَا مِنْكُمْ مَلَائِكَةً فِي الْأَرْضِ يَخْلُفُونَ

ولو نَشاءُ لجَعَلْنا بدَلًا مِنكم ملائِكةً يَسكُنونَ في الأرضِ، فيَخلُفونَ فيها.

وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ فَلَا تَمْتَرُنَّ بِهَا وَاتَّبِعُونِ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ

وإنَّ نُزولَ عيسى ابنِ مَريمَ في آخِرِ الزَّمانِ لَعَلامةٌ على قُربِ مَجيءِ السَّاعةِ، فلا تَشُكُّوا -أيُّها النَّاسُ- في مجيءِ القيامةِ؛ فإنَّها آتيةٌ لا مَحالةَ، وأطيعُوني فيما آمُرُكم به، وأنهاكم عنه؛ فهذا الَّذي أدعوكم إليه طَريقٌ مُستقيمٌ لا اعوِجاجَ فيه، مُوصِلٌ إلى الحَقِّ في الدُّنيا، والجنَّةِ في الآخِرةِ.

وَلَا يَصُدَّنَّكُمُ الشَّيْطَانُ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ

ولا يَصرِفَنَّكم الشَّيطانُ بوَساوِسِه عن هذا الصِّراطِ المُستَقيمِ؛ فتَضِلُّوا عن الحَقِّ، إنَّ الشَّيطانَ لكم عَدُوٌّ ظاهِرُ العَداوةِ، حَريصٌ على إضلالِكم، وباذِلٌ جُهدَه في إهلاكِكم.

وَلَمَّا جَاءَ عِيسَى بِالْبَيِّنَاتِ قَالَ قَدْ جِئْتُكُمْ بِالْحِكْمَةِ وَلِأُبَيِّنَ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي تَخْتَلِفُونَ فِيهِ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ

ولَمَّا جاء عيسى بالدَّلائِلِ الواضِحاتِ على صِدقِه، قال: قد جِئتُكم بالحِكمةِ، وجِئتُكم لِأُبَيِّنَ لكم بَعضَ الَّذي تَختَلِفونَ فيه مِن أُمورِكم، فأُوَضِّحَ لكم الصَّوابَ، فاتَّقوا اللهَ بامتِثالِ ما يأمُرُكم به، واجتِنابِ ما يَنهاكم عنه.

إِنَّ اللَّهَ هُوَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ

قال عيسى: إنَّ اللهَ الَّذي ينبغي إفرادُه بالعِبادةِ والطَّاعةِ هو رَبِّي ورَبُّكم؛ فاعبُدوه وَحْدَه، ولا تَعبُدوا غَيرَه، وأنا وأنتم مُشتَرِكونَ في وُجوبِ ذلك علينا، وعِبادةُ اللهِ وَحْدَه وطاعتُه طَريقٌ مُستقيمٌ لا اعوِجاجَ فيه، مُوصِلٌ إلى اللهِ، وإلى رِضوانِه وجَنَّتِه.

فَاخْتَلَفَ الْأَحْزَابُ مِنْ بَيْنِهِمْ فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْ عَذَابِ يَوْمٍ أَلِيمٍ

فاختَلَفَت فِرَقُ اليَهودِ والنَّصارى في عيسى؛ فكَفَر به اليَهودُ، وغلا فيه النَّصارى، فزَعَم بَعضُهم أنَّه ابنُ اللهِ تعالى، وزَعَم بَعضُهم أنَّه اللهُ تعالى، وزَعَم آخَرونَ منهم أنَّه ثالِثُ ثلاثةٍ -تعالى اللهُ عمَّا يَقولونَ عُلُوًّا كَبيرًا-، فوَيلٌ لأولئك الكُفَّارِ المُختَلِفينَ في شأنِ عيسى مِن عَذابِ يومِ القيامةِ!

هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا السَّاعَةَ أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ

ما يَنتَظِرونَ إلَّا يومَ القيامةِ الَّذي يأتيهم فَجأةً وهم غافِلونَ.

الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ

الأصدِقاءُ المتصاحِبونَ على الكُفرِ والمعاصي في الدُّنيا يكونُ بَعضُهم أعداءً لِبَعضٍ يومَ القيامةِ، ويَتبَرَّأُ بَعضُهم مِن بَعضٍ إلَّا الَّذين اتَّقَوُا اللهَ، فتآخَوا في الدُّنيا، وتَصاحَبوا على تَوحيدِ الله وطاعتِه ومَحبَّتِه.

يَا عِبَادِ لَا خَوْفٌ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ وَلَا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ

يَقولُ اللهُ تعالى يومَ القيامةِ لأولئك المتَّقينَ: يا عِبادي لا خَوفٌ عليكم في هذا اليَومِ مِن أمرٍ مُستَقبَلٍ؛ فإنِّي أُؤَمِّنُكم مِن الأهوالِ والعَذابِ، ولا أنتم تَحزَنونَ على ما مضى؛ فأنتم مُقدِمونَ على ما يَسُرُّكم.

الَّذِينَ آَمَنُوا بِآَيَاتِنَا وَكَانُوا مُسْلِمِينَ

الَّذين آمَنوا بآياتِ اللهِ، وعَمِلوا بما جاءَتْهم به رسلُهم، وكانوا دَومًا خاضِعينَ لله، مُنقادينَ لِشَرعِه.

ادْخُلُوا الْجَنَّةَ أَنْتُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ تُحْبَرُونَ

ادخُلوا الجنَّةَ أنتم وأزواجُكم، فتُكرَمونَ فيها، وتُسَرُّونَ سُرورًا بالِغًا.

يُطَافُ عَلَيْهِمْ بِصِحَافٍ مِنْ ذَهَبٍ وَأَكْوَابٍ وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الْأَنْفُسُ وَتَلَذُّ الْأَعْيُنُ وَأَنْتُمْ فِيهَا خَالِدُونَ

يُطافُ عليهم في الجنَّةِ بقِصاعٍ مِن ذَهَبٍ فيها أنواعٌ مِن الطَّعامِ، وبأوعيةٍ للشُّربِ فيها أنواعٌ مِنَ الشَّرابِ، وفي الجنَّةِ ما تَشتَهيه أنفُسُهم مِن المأكولاتِ والمَشروباتِ والمَلبوساتِ، والمَسموعاتِ والمَرئيَّاتِ، والمساكِنِ والمناكِحِ، وغيرِ ذلك مِن أنواعِ المَلَذَّاتِ والمَسرَّاتِ، وفي الجنَّةِ ما تَلْتَذُّ برُؤيتِه أعينُهم؛ لحُسنِه وجمالِه، وأنتم في الجنَّةِ ماكِثونَ، لا يَنقَطِعُ نَعيمُها عنكم، ولا أنتم منها تُخرَجونَ.

وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ

يُقالُ لهم: وتلك هي الجنَّةُ العاليةُ المقامِ الَّتي أعطاكم اللهُ إيَّاها؛ بسَبَبِ ما كنتُم تَعمَلونَه في الدُّنيا مِنَ الأعمالِ الصَّالحةِ.

لَكُمْ فِيهَا فَاكِهَةٌ كَثِيرَةٌ مِنْهَا تَأْكُلُونَ

لكم فيها فَواكِهُ كَثيرةٌ مُتنَوِّعةٌ تَأكُلونَ منها ما اشتَهيتُم واختَرتُم.

إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي عَذَابِ جَهَنَّمَ خَالِدُونَ

إنَّ الَّذين أجْرَموا في الدُّنيا بالكُفرِ باللهِ، وتَكذيبِ رُسُلِه، وعِصيانِ أمرِه: في عَذابِ جَهنَّمَ ماكِثونَ أبدًا.

لَا يُفَتَّرُ عَنْهُمْ وَهُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ

لا يُخفَّفُ عنهم العَذابُ ولو ساعةً واحِدةً، وهم في عَذابِ جَهنَّمَ آيِسونَ مِن النَّجاةِ، غيرُ راجِينَ للفَرَجِ.

وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا هُمُ الظَّالِمِينَ

وما ظَلَمْناهم ولكِنْ هم ظَلَموا أنفُسَهم في الدُّنيا بالشِّركِ باللهِ، وجُحودِهم آياتِه، وتَكذيبِهم رُسُلَه، وعِصيانِهم لأمْرِه.

وَنَادَوْا يَا مَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ قَالَ إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ

ونادَى المُجرِمونَ -وهُمْ في النَّارِ- مالِكًا خازِنَ النَّارِ، فقالوا: يا مالِكُ، لِيُمِتْنا رَبُّك فيَقبِضْ أرواحَنا؛ لِنَستريحَ مِمَّا نحن فيه مِنَ العَذابِ! قال مالِكٌ خازنُ النَّارِ: إنَّكم باقُونَ في عَذابِ جَهنَّمَ، ولا خُروجَ لكم منها أبدًا.

لَقَدْ جِئْنَاكُمْ بِالْحَقِّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَكُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ

لقدْ أرسَلْنا إليكم رَسولَنا بالحقِّ، ولكِنَّ أكثَرَكم -أيُّها المُشرِكونَ- كارِهونَ لِما جاءَكم به رسولُنا مِن الحقِّ، فلم تَقْبلوه، ولم تَخضَعوا له وتَنقادوا إليه!

أَمْ أَبْرَمُوا أَمْرًا فَإِنَّا مُبْرِمُونَ

أمْ أحْكَمَ أولئك المُشرِكونَ أمْرًا يَكيدونَ به الحَقَّ وأهْلَه، ولم يَقتَصِروا على كَراهتِه؟! فإنَّ اللهَ تعالَى مُحكِمٌ أمرًا لِكَيدِهم به!

أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لَا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ بَلَى وَرُسُلُنَا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ

أمْ يظُنُّ أولئك المُشرِكونَ أنَّا لا نَسمَعُ ما يُسِرُّونَه في أنفُسِهم، وما يَتناجَونَ به فيما بيْنَهم من الكَلامِ الخَفيِّ، فلا نُؤاخِذُهم بذلك؟! بلَى! نحن نَسمَعُ ما يُسِرُّونَ، وما به يَتناجَونَ، ومَلائِكتُنا الحَفَظةُ عِندَهم يَكتُبونَ جَميعَ أحاديثِهم، وسيُجازَونَ عليها!

قُلْ إِنْ كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ

قُلْ -يا مُحمَّدُ- لِمُشرِكي قَومِك جَدَلًا: إنْ ثَبَت أنَّ للرَّحمنِ وَلَدًا ببُرهانٍ صحيحٍ، فأنا أوَّلُ العابِدينَ لذلك الولدِ.

سُبْحَانَ رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ

تَنزَّهَ اللهُ ربُّ السَّمَواتِ والأرضِ ورَبُّ العَرشِ عمَّا يَصِفُه المُشرِكونَ مِن صِفاتِ النَّقصِ الَّتي لا تَليقُ بكَمالِه تعالَى، ومِن ذلك دَعْواهم أنَّ له وَلَدًا سُبحانَه.

فَذَرْهُمْ يَخُوضُوا وَيَلْعَبُوا حَتَّى يُلَاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي يُوعَدُونَ

فاترُكْ -يا مُحمَّدُ- هؤلاء المُشرِكينَ المُفتَرينَ على اللهِ الكَذِبَ يَخوضُوا في باطِلِهم وجَهْلِهم، ويَلعَبوا في دُنياهم إلى أنْ يُلاقوا اليومَ الَّذي يَحِلُّ فيه عَذابُهُم وهَلاكُهُم!

وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلَهٌ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْعَلِيمُ

واللهُ تعالَى هو المَعبودُ الحَقُّ في السَّماءِ، وهو المعبودُ الحَقُّ في الأرضِ، واللهُ هو البالِغُ الحِكمةِ، فيَضَعُ كُلَّ شَيءٍ في مَوضِعِه الصَّحيحِ اللَّائِقِ به، البالِغُ العِلمِ، فيَعلَمُ كُلَّ شَيءٍ، ولا يَخفَى عليه شَيءٌ.

وَتَبَارَكَ الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَعِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ

تعالَى وتَقَدَّس وكَثُر خيرُه وإحسانُه؛ اللهُ الَّذي له مُلكُ جميعِ السَّمَواتِ والأرضِ، وما بيْنَهما مِنَ الخَلقِ، وهو وَحْدَه المتصَرِّفُ فيها، وهو وَحْدَه مَن يَعلَمُ وَقتَ مَجيءِ السَّاعةِ، وإلى اللهِ وَحْدَه تَصيرونَ -أيُّها النَّاسُ- يومَ القِيامةِ، فيَبعَثُكم للحِسابِ، ويُجازي كُلًّا منكم بعَمَلِه.

وَلَا يَمْلِكُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الشَّفَاعَةَ إِلَّا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ

ولا يَملِكُ الَّذين يَعبُدُهم المُشرِكونَ مِن دُونِ اللهِ الشَّفاعةَ لأحَدٍ عندَ اللهِ، إلَّا مَن أقرَّ منهم بالتَّوحيدِ للهِ -كعِيسى والملائِكةِ-، وهم يَشهَدونَ بذلك عن عِلمٍ ويَقينٍ وبَصيرةٍ، فاللهُ يَأذَنُ لهم بالشَّفاعةِ للمُؤمِنينَ المُوحِّدينَ، فتَنفَعُ حِينها شَفاعتُهم.

وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ

ولَئِنْ قُلْتَ -يا مُحمَّدُ- للمُشرِكينَ: مَن الذي خَلَقَكم؟ لَيَقولُنَّ: خَلَقَنا اللهُ وَحْدَه، فكيفَ ومِن أيِّ جِهةٍ يُصرَفُ المُشرِكونَ -مع اعتِرافِهم هذا- عن عِبادةِ اللهِ الَّذي خلَقَهم، إلى عِبادةِ غَيرِه؟!

وَقِيلِهِ يَا رَبِّ إِنَّ هَؤُلَاءِ قَوْمٌ لَا يُؤْمِنُونَ

وعِندَ اللهِ تعالَى عِلمُ قولِ رَسولِه -شاكيًا إليه تَكذيبَ قَومِه-: يا رَبِّ، إنَّ هؤلاء المُشرِكينَ قَومٌ لا يُؤمِنونَ بالحَقِّ الَّذي جِئتُهم به!

فَاصْفَحْ عَنْهُمْ وَقُلْ سَلَامٌ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ

فاصفَحْ -يا محمَّدُ- عن أولئك المُشرِكينَ، وأعرِضْ عن مُؤاخَذتِهم وعِتابِهم، وقُلْ لهم: سَلِمْتُم منَّا، فلا نُجيبُكم بسُوءٍ، فسَوفَ يَعلَمُ المُشرِكونَ حَقيقةَ ما سيَلقَونَه؛ جَزاءَ كُفرِهم بالحَقِّ، وشِرْكِهم باللهِ تعالَى.

الدخان

حم

افتُتِحَت هذه السُّورةُ بهَذينِ الحرْفينِ مِن الحُروفِ المقطَّعةِ الَّتي تُستفتَحُ بها كَثيرٌ مِن سُوَرِ القرآنِ؛ لبَيانِ إعجازِه، حيث تُظهِرُ عجْزَ الخَلْقِ عن مُعارَضتِه بمِثلِه، مع أنَّه مركَّبٌ مِن هذه الحُروفِ العربيَّةِ التي يَتحدَّثونَ بها.

وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ

أُقسمُ بالقُرآنِ الواضِحِ الموضِّحِ لكُلِّ ما يُحتاجُ إلى بَيانِه.

إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ

إنَّا أنزَلْنا القُرآنَ في ليْلةٍ كَثيرةِ البرَكاتِ والخيْراتِ، وهي ليْلةُ القَدْرِ مِن شَهرِ رَمَضانَ، إنَّا كُنَّا مُخَوِّفينَ ومُحَذِّرينَ النَّاسَ بالقُرآنِ مِن أنْ تحُلَّ بهم عُقوبتُنا إنْ لم يَتوبوا مِن شِرْكِهم وكُفرِهم وعِصيانِهم.

فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ

يُقضَى ويُبيَّنُ ويُكتَبُ في ليْلةِ القَدرِ المبارَكةِ كُلُّ أمْرٍ مُحكَمٍ مُشتَمِلٍ على الحِكمةِ البالِغةِ.

أَمْرًا مِنْ عِنْدِنَا إِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ

حالَ كَونِ ذلك الأمْرِ أمْرًا مِن عِندِنا، إنَّا كنَّا مُرسِلينَ رَسولًا يَتْلو آياتِ اللهِ، ويُبَلِّغُ رِسالتَه.

رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ

رَحمةً مِن رَبِّك -يا محمَّدُ- بعِبادِه، إنَّ اللهَ هو السَّميعُ لأقوالِ عِبادِه، العَليمُ بأعمالِهم وأحوالِهم.

رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ

خالِقِ السَّمَواتِ والأرضِ وما بيْنَهما مِن المخلوقاتِ، والمالِكِ والمُدبِّرِ لجميعِ ذلك، إنْ كُنتُم مُتحَقِّقينَ بذلك.

لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ رَبُّكُمْ وَرَبُّ آَبَائِكُمُ الْأَوَّلِينَ

لا مَعبودَ حَقٌّ إلَّا اللهُ المُستَحِقُّ للعِبادةِ وَحْدَه دُونَ ما سِواه، وهو المتصَرِّفُ وَحْدَه بالإحياءِ والإماتةِ؛ فيُحيي ما يَشاءُ، ويُميتُ ما يَشاءُ مِن الأحياءِ، فهو خالِقُكم ومالِكُكم ورازِقُكم أنتُم وآبائِكم الَّذين مِن قَبْلِكم.

بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ يَلْعَبُونَ

ليْس المُشرِكونَ مُوقِنينَ بحَقيقةِ ما أخبَرْناهم به مِنَ الحَقِّ، وإنَّما هم مُنغمِرونَ في شَكِّهم، ومُشتَغِلونَ باللَّعِبِ بالباطِلِ عن اتِّباعِ الحَقِّ.

فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ

فانتَظِرِ -يا محمَّدُ- اليَومَ الَّذي تأتي فيه السَّماءُ بدُخَانٍ ظاهِرٍ.

يَغْشَى النَّاسَ هَذَا عَذَابٌ أَلِيمٌ

يُغَطِّي ذلك الدُّخَانُ النَّاسَ ويَعُمُّهم، فيَقولون: هذا عَذابٌ مُوجِعٌ شَديدُ الإيلامِ.

رَبَّنَا اكْشِفْ عَنَّا الْعَذَابَ إِنَّا مُؤْمِنُونَ

يقولُ الكافِرونَ حينَ يُصيبُهم ذلك: يا رَبَّنا، ارفَعْ عنَّا عَذابَك؛ فإنَّا مُؤمِنونَ بك إنْ كشَفْتَ عنَّا هذا العَذابَ!

أَنَّى لَهُمُ الذِّكْرَى وَقَدْ جَاءَهُمْ رَسُولٌ مُبِينٌ

كيْفَ يَتسَنَّى للكُفَّارِ التَّذكُّرُ والاتِّعاظُ عندَ حُلولِ ذلك العَذابِ بهم، والحالُ أنَّه قدْ جاءهم رَسولٌ ظاهِرٌ غايةَ الظُّهورِ أنَّه رَسولٌ مِن اللهِ، مُظهِرٌ لهم الحَقَّ مِن عِندِه تعالَى؟!

ثُمَّ تَوَلَّوْا عَنْهُ وَقَالُوا مُعَلَّمٌ مَجْنُونٌ

ثمَّ أعرَضَ الكُفَّارُ عن الرَّسولِ، وقالوا: هو مُعلَّمٌ علَّمه أحدٌ هذا القُرآنَ، ثمَّ هو مجنونٌ وليْس رَسولًا كما يَدَّعي!

إِنَّا كَاشِفُوا الْعَذَابِ قَلِيلًا إِنَّكُمْ عَائِدُونَ

إنَّا كاشِفو العذابِ عنكم وَقتًا قليلًا، ولكِنَّ عَودتَكم -أيُّها المُشرِكونَ- إلى ما كنتُم عليه مِن الضَّلالِ بعْدَ كَشْفِ العَذابِ عنكم: أمرٌ ثابِتٌ مُؤَكَّدٌ!

يَوْمَ نَبْطِشُ الْبَطْشَةَ الْكُبْرَى إِنَّا مُنْتَقِمُونَ

يومَ نَأخُذُ المُشرِكينَ بقُوَّةٍ وأخذٍ عَنيفٍ شَديدٍ؛ إنَّا مُنتَقِمونَ منهم.

وَلَقَدْ فَتَنَّا قَبْلَهُمْ قَوْمَ فِرْعَوْنَ وَجَاءَهُمْ رَسُولٌ كَرِيمٌ

ولقد اختبَرْنا وابتَلَيْنا قبْلَ كُفَّارِ قَومِك -يا محمَّدُ- قَومَ فِرعَونَ مِن القِبطِ، وجاءهم رسولٌ كريمٌ أرسلَنْاه إليهم، وهو موسى عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ.

أَنْ أَدُّوا إِلَيَّ عِبَادَ اللَّهِ إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ

فقال موسى لِفِرعَونَ ومَلَئِه: أطلِقوا بني إسرائيلَ مِن العذابِ، وادفَعوهم إلَيَّ، إنِّي مُرسَلٌ مِنَ اللهِ تعالى إليكم، بالِغُ الأمانةِ على الرِّسالةِ الَّتي أمَرَني اللهُ أن أبَلِّغَكم إيَّاها بلا زيادةٍ ولا نُقصانٍ ولا كِتمانٍ.

وَأَنْ لَا تَعْلُوا عَلَى اللَّهِ إِنِّي آَتِيكُمْ بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ

ولا تَتَكبروا على الله، فتَكفُروا به، وتُخالِفوا أمْرَه، إنِّي آتيكم بحُجَّةٍ ظاهِرٍة تُثبِتُ صِحَّةَ ما أدعوكم إليه وتُظهِرُه.

وَإِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ أَنْ تَرْجُمُونِ

وإنِّي اعتصَمْتُ برَبِّي ورَبِّكم مِن أنْ تَصِلوا إلَيَّ بسُوءٍ مِن قولٍ أو فِعلٍ.

وَإِنْ لَمْ تُؤْمِنُوا لِي فَاعْتَزِلُونِ

وإنْ لم تُؤمِنوا بما أمَرْتُكم وجِئْتُكم به مِن عندِ اللهِ فلا تَرْجموني، واترُكوني وشَأْني، ولا تَتعرَّضوا لي.

فَدَعَا رَبَّهُ أَنَّ هَؤُلَاءِ قَوْمٌ مُجْرِمُونَ

فدعا موسى رَبَّه بأنَّ هؤلاء قَومٌ مُتَّصِفونَ بالإجرامِ وعَريقونَ فيه وأنتَ أعلمُ بهم، فافْعَلْ بهم ما يَسْتحِقُّونَه.

فَأَسْرِ بِعِبَادِي لَيْلًا إِنَّكُمْ مُتَّبَعُونَ

فأجاب اللهُ دُعاءَ موسى، فقال له: سِرْ بعبادي مِن بني إسرائيلَ لَيلًا، إنَّ فِرعَونَ وجُندَه سيَتَّبِعونَكم ويَطلُبونَكم.

وَاتْرُكِ الْبَحْرَ رَهْوًا إِنَّهُمْ جُنْدٌ مُغْرَقُونَ

قال اللهُ لِموسى: واترُكِ البَحرِ باقيًا على هيئتِه الَّتي هو عليها ساكِنًا مُنفَرِجًا مَفتوحًا ذا فَجوةٍ واسعةٍ، إنَّ فِرعَونَ وقَومَه غارِقونَ في البَحرِ لا مَحالةَ.

كَمْ تَرَكُوا مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ

ما أكثَرَ ما ترَكَه فِرعَونُ وقَومُه مِن بَساتينَ وعُيونِ ماءٍ، مِن بَعدِ إغراقِهم!

وَزُرُوعٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ

وما أكثَرَ ما ترَكَوه مِن زُروعٍ قائمةٍ، ومَواضِعَ أنيقةٍ، وأماكِنَ حَسَنةٍ شَريفةٍ!

وَنَعْمَةٍ كَانُوا فِيهَا فَاكِهِينَ

ورَغَدِ حياةٍ وهَناءِ عَيشٍ ورَفاهيةٍ كانوا يَتنعَّمونَ فيها، ويَتلذَّذونَ بها!

كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا قَوْمًا آَخَرِينَ

كذلك وأورَثْنا بني إسرائيلَ تلك الجنَّاتِ والعُيونَ، والزُّروعَ، والمَقامَ الكريمَ الَّذي كان لِفِرعَونَ وقَومِه.

فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ وَمَا كَانُوا مُنْظَرِينَ

فما بَكَت السَّماءُ والأرضُ على فِرعَونَ وقَومِه الَّذين أغرَقَهم اللهُ تعالى في البَحرِ! وما كانوا مُؤَخَّرينَ بالعُقوبةِ حينَ جاء وَقتُ هلاكِهم.

وَلَقَدْ نَجَّيْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنَ الْعَذَابِ الْمُهِينِ

ولقد نجَّيْنا بني إسرائيلَ مِن عذابِ فِرعَونَ وقَومِه المُذِلِّ لهم؛ كذَبحِ أبنائِهم، واستِحياءِ نِسائِهم، واستِعبادِهم وتَكليفِهم الأعمالَ الشَّاقَّةَ.

مِنْ فِرْعَوْنَ إِنَّهُ كَانَ عَالِيًا مِنَ الْمُسْرِفِينَ

نَجَّيناهم مِن فِرعَونَ، إنَّ فِرعَونَ كان مُتَّصِفًا بالاستِعلاءِ والاستِكبارِ والإسرافِ وتجاوُزِ الحَدِّ.

وَلَقَدِ اخْتَرْنَاهُمْ عَلَى عِلْمٍ عَلَى الْعَالَمِينَ

ولقد اختَرْنا بني إسرائيلَ -على عِلمٍ مِنَّا بهم وبأهليَّتِهم لهذا الاختيارِ- على عالَمِي زمانِهم.

وَآَتَيْنَاهُمْ مِنَ الْآَيَاتِ مَا فِيهِ بَلَاءٌ مُبِينٌ

وآتَيْنا بني إسرائيلَ مِن الآياتِ ما فيه اختِبارٌ لهم ظاهِرٌ.

إِنَّ هَؤُلَاءِ لَيَقُولُونَ

إنَّ كُفَّارَ قُرَيشٍ لَيَقولونَ مُنكِرينَ للبَعثِ:

إِنْ هِيَ إِلَّا مَوْتَتُنَا الْأُولَى وَمَا نَحْنُ بِمُنْشَرِينَ

ما هي إلَّا مَوتَتُنا الَّتي نَموتُها في الدُّنيا، ولا حياةَ بعدَها، وما نحن بمَبعوثينَ.

فَأْتُوا بِآَبَائِنَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ

فأْتُوا بآبائِنا الَّذين ماتوا مِن قَبْلُ، فلْيَرجِعوا إلى الدُّنيا أحياءً بعدَ مَوتِهم إنْ كُنتُم حَقًّا صادِقينَ في أنَّ اللهَ يَبعَثُنا بعدَ مَوتِنا!

أَهُمْ خَيْرٌ أَمْ قَوْمُ تُبَّعٍ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ أَهْلَكْنَاهُمْ إِنَّهُمْ كَانُوا مُجْرِمِينَ

أمُشرِكو قُرَيشٍ خَيرٌ أمْ قَومُ تُبَّعٍ مَلِكِ اليَمَنِ والَّذين مِن قَبْلِهم مِن الأُمَمِ الكافِرةِ كعادٍ وثَمودَ؟! مع أنَّهم خَيرٌ منهم أهلَكْناهم؛ لأنَّهم كانوا مُتَّصِفينَ بالإجرامِ، فلا يمتَنِعُ أن نُهلِكَ كُفَّارَ قُرَيشٍ وهم دُونَهم، كما أُهلِكَ مَنْ قَبْلَهم!

وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ

وما خلَقْنا السَّمَواتِ والأرضَ وما بيْنَهما مِن المخلوقاتِ لَعِبًا بلا مَعنًى ولا فائِدةٍ!

مَا خَلَقْنَاهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ

ما خلَقْنا السَّمَواتِ والأرضَ وما بيْنَهما إلَّا بالعَدلِ والِحكمةِ، ومِن أجْلِ إقامةِ الحَقِّ بعِبادتِي وَحْدَي، ولكنَّ أكثَرَ المُشرِكينَ لا يَعلَمونَ أنَّ اللهَ خَلَق السَّمَواتِ والأرضَ بالحَقِّ، وأنَّه لا بُدَّ مِن بَعثِ العِبادِ ومُجازاتِهم على أعمالِهم يومَ القيامةِ؛ فهم لا يَخافونَ عُقوبةً، ولا يَرجُونَ ثَوابًا.

إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ مِيقَاتُهُمْ أَجْمَعِينَ

إنَّ يومَ القيامةِ هو الوَقتُ المحدَّدُ للخَلقِ أجمعينَ أوَّلِهم وآخِرِهم، فيُفصَلُ فيه بيْنَ الحَقِّ والباطِلِ، ويُفصَلُ فيه بيْنَ الخَلائِقِ؛ فيُعاقَبُ المُسيئونَ، ويُثابُ المحسِنونَ.

يَوْمَ لَا يُغْنِي مَوْلًى عَنْ مَوْلًى شَيْئًا وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ

يومَ لا يَنفَعُ قريبٌ قريبَه، ولا صاحِبٌ صاحبَه، ولا يَدفَعُ عنه شيئًا مِن عقوبةِ اللهِ الَّتي حَلَّتْ به، ولا هم يُمنَعونَ مِن عذابِ اللهِ.

إِلَّا مَنْ رَحِمَ اللَّهُ إِنَّهُ هُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ

إلَّا مَن رَحِمَه اللهُ مِن عِبادِه المُؤمِنينَ؛ فإنَّه يَشفَعُ بَعضُهم لبَعضٍ بإذنِ اللهِ تعالى، إنَّ اللهَ هو المتَّصِفُ بالعِزَّةِ البالِغةِ، ومِن ذلك قَهرُه وانتِقامُه مِن الكافِرينَ؛ المتَّصِفُ بالرَّحمةِ البالِغةِ، ومِن ذلك رَحمتُه بالمُؤمِنينَ.

إِنَّ شَجَرَةَ الزَّقُّومِ (43)

إنَّ شجرةَ الزَّقُّومِ، وهي شجرةٌ تنبتُ في الجحيمِ

طَعَامُ الْأَثِيمِ (44)

ثمرُ شَجَرةِ الزَّقُّومِ هو طَعامُ المُبالِغِ في اكتِسابِ الآثامِ مِن الكُفَّارِ والفُجَّارِ.

كَالْمُهْلِ يَغْلِي فِي الْبُطُونِ

ذلك الطَّعامُ يكونُ كالسَّائلِ المُنتِنِ الغَليظِ الأسوَدِ الَّذي بلَغ الغايةَ في الحَرارةِ، يَغلي في بُطونِ آكِلِيه.

كَغَلْيِ الْحَمِيمِ

كغَلَيانِ الماءِ الَّذي تناهَت حَرارتُه!

خُذُوهُ فَاعْتِلُوهُ إِلَى سَوَاءِ الْجَحِيمِ

يُقالُ يومَ القيامةِ لملائِكةِ العَذابِ: خُذوا هذا الكافِرَ فسُوقوه واسحَبوه بعُنفٍ وغِلظةٍ ومَهانةٍ إلى وَسَطِ النَّارِ.

ثُمَّ صُبُّوا فَوْقَ رَأْسِهِ مِنْ عَذَابِ الْحَمِيمِ

ثمَّ صُبُّوا على رأسِه مِن الماءِ البالِغِ الغايةَ في شِدَّةِ حَرارتِه، فيَعُمُّ العَذابُ جَميعَ بَدَنِه!

ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ

يُقالُ له تهكُّمًا به: ذُقْ هذا العَذابَ؛ إنَّك كُنتَ في الدُّنيا العزيزَ في قَومِك، الكريمَ عليهم في زَعمِك، فإنَّك اليَومَ لَدَيْنا ذَليلٌ مَهينٌ!

إِنَّ هَذَا مَا كُنْتُمْ بِهِ تَمْتَرُونَ

إنَّ هذا هو العَذابُ الَّذي كنتُم في الدُّنيا تَشُكُّونَ فيه، وتُجادِلونَ في وُقوعِه؛ فذُوقوه فقد عَلِمتُم الآنَ حقيقتَه يَقينًا!

إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي مَقَامٍ أَمِينٍ

إنَّ الَّذين اتَّقَوا سَخَطَ اللهِ وعَذابَه، بامتِثالِ ما أمَرَ به، واجتِنابِ ما نهَى عنه: مُستَقَرُّهم في الجنَّةِ في مَوضِعٍ يأمَنُ فيه ساكِنُه مِنَ الموتِ والخُروجِ منها، ومِن كُلِّ هَمٍّ وحَزَنٍ ونَكَدٍ، ومِن سائِرِ الآفاتِ والمصائِبِ.

فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ

مَقامُهم في بَساتينَ وعُيونِ ماءٍ.

يَلْبَسُونَ مِنْ سُنْدُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ مُتَقَابِلِينَ

يَلبَسونَ في الجنةِ الحَريرَ الرَّقيقَ النَّاعِمَ، والغَليظَ اللَّامِعَ البَرَّاقَ، مُتواجِهينَ يُقابِلُ بَعضُهم بعضًا بالوُجوهِ، فلا يَجلِسُ أحَدٌ منهم وظَهرُه إلى غيرِه.

كَذَلِكَ وَزَوَّجْنَاهُمْ بِحُورٍ عِينٍ

كذلك، وزَوَّجْناهم بنِساءٍ نَقِيَّاتِ البَياضِ، شديداتِ بياضِ العَينِ مع قوَّةِ سَوادِها، واسِعاتِ الأعيُنِ حِسانِها.

يَدْعُونَ فِيهَا بِكُلِّ فَاكِهَةٍ آَمِنِينَ

يَطلُبُ المتَّقونَ في الجنَّةِ كُلَّ ما يَشتَهونَه مِن أنواعِ الفَواكِهِ، فتَأتيهم في كُلِّ حينٍ، آمِنينَ مِن نَفادِها أو انقِطاعِها، وآمِنينَ مِن أن يَنالَهم مِن أكْلِها ضَرَرٌ، أو يَلحَقَهم أذًى.

لَا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إِلَّا الْمَوْتَةَ الْأُولَى وَوَقَاهُمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ

لا يَذوقُ المتَّقونَ في الجنَّةِ الموتَ أبدًا إلَّا المَوتةَ الأُولى الَّتي ماتوها مِن قَبْلُ في الدُّنيا، ونجَّى اللهُ المُتَّقينَ مِن عَذابِ النَّارِ، فصَرَفَه عنهم.

فَضْلًا مِنْ رَبِّكَ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ

وإن وقايتَهم من عذابِ الجَحيمِ تَفَضُّلٌ مِن رَبِّك -يا محمَّدُ- عليهم، وإحسانٌ منه إليهم، والنَّجاةُ مِن النَّارِ ودُخولُ الجنَّةِ: هو الرِّبحُ والظَّفَرُ العَظيمُ الَّذي لا فَوزَ غَيرُه.

فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ بِلِسَانِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ

فإنَّما سَهَّلْنا على النَّاسِ -يا محمَّدُ- هذا القُرآنَ ويَسَّرْنا لهم بيانَه بِلُغَتِك العَربيَّةِ الَّتي هي أفصَحُ اللُّغاتِ؛ لعَلَّهم يَفهَمونَ مَعانيَه، ويَتَّعِظونَ بعِظاتِه، ويَعمَلونَ به.

فَارْتَقِبْ إِنَّهُمْ مُرْتَقِبُونَ

فتَرَقَّبْ -يا محمَّدُ- ما يحُلُّ بهم مِنَ العذابِ والهلاكِ وانتَظِرْه؛ إنَّهم مُنتَظِرونَ.

الجاثية

حم

افتُتِحَت هذه السُّورةُ بهذَينِ الحَرفَينِ مِن الحروفِ المقطَّعةِ الَّتي تُستفتَحُ بها كثيرٌ مِن سوَرِ القرآنِ لبيانِ إعجازِه؛ حيثُ تُظهِرُ عجْزَ الخَلْقِ عن مُعارَضَتِه بمِثلِه، مع أنَّه مرَكَّبٌ مِن هذه الحروفِ العربيَّةِ الَّتي يَتحدَّثونَ بها.

تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ

تَنزيلُ القُرآنِ مِن عندِ اللهِ المتَّصِفِ بكَمالِ العِزَّةِ؛ فهو الغالِبُ القاهِرُ، العَظيمُ القَدْرِ، المُمتَنِعُ عليه كُلُّ نَقصٍ وعَيبٍ؛ والمُتَّصِفِ أيضًا بالحِكمةِ التَّامَّةِ في شَرْعِه وخَلْقِه وقَدَرِه؛ فيضَعُ كُلَّ شَيءٍ في مَوضِعِه الصَّحيحِ اللَّائِقِ به.

إِنَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَآَيَاتٍ لِلْمُؤْمِنِينَ

إنَّ في خَلقِ السَّمَواتِ والأرضِ لَعَلاماتٍ باهِرةً، ودلائِلَ واضِحةً على الحَقِّ للمُؤمِنينَ دُونَ غَيرِهم.

وَفِي خَلْقِكُمْ وَمَا يَبُثُّ مِنْ دَابَّةٍ آَيَاتٌ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ

وفي خَلقِ اللهِ إيَّاكم -أيُّها النَّاسُ-، وخَلْقِه ما يَنشُرُه ويُفَرِّقُه مِن الدَّوابِّ بأنواعِها: دَلالاتٌ واضِحةٌ، وعَلاماتٌ باهِرةٌ لِقَومٍ يُوقِنونَ بالحَقِّ، فيُقِرُّونَ به، ويَعلَمونَ صِحَّتَه.

وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ رِزْقٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ آَيَاتٌ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ

وفي تَعاقُبِ اللَّيلِ والنَّهارِ دائِبَينِ لا يَفتُرانِ، واختِلافِهما في الطُّولِ والقِصَرِ، والنُّورِ والظُّلْمةِ، إلى غيرِ ذلك، وفيما أنزَلَ اللهُ مِنَ السَّماءِ مِن ماءٍ، فأنبَتَ به الأرضَ بعدَ جَدْبِها، فأخرَجَ منها أرزاقَ العِبادِ وأقواتَهم، وفي تنويعِ الرياحِ بإرسالِها مِن جهاتٍ مُختَلِفةٍ، وبصِفاتٍ مُختلِفةٍ؛ فتارَةً تكونُ حارَّةً، وتارةً باردةً، وتارةً تكونُ نافعةً، وتارةً ضارَّةً، وتارةً تكونُ رحمةً، وتارةً عذابًا... إلى غيرِ ذلك- دَلالاتٌ واضِحاتٌ وعلاماتٌ باهِراتٌ على الحَقِّ لِقَومٍ يَعقِلونَ عن اللهِ تعالى حُجَجَه، ويَفهَمونَ ما وعَظَهم به مِنَ الآياتِ والعِبَرِ.

تِلْكَ آَيَاتُ اللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَ اللَّهِ وَآَيَاتِهِ يُؤْمِنُونَ

تلك آياتُ اللهِ نُخبِرُك بها -يا مُحمَّدُ- ونَقرَؤُها عليك بواسِطةِ جِبريلَ، مُشتَمِلةً على الحَقِّ والصِّدقِ الخالِصِ، الَّذي لا باطِلَ معه ولا كَذِبَ، فإنْ لم يُؤمِنِ المُشرِكونَ بهذا القُرآنِ فبَأيِّ حَديثٍ بَعدَه يُؤمِنونَ ويَنتَفِعونَ ويَعتَبِرون؟! إذ لا أحسَنَ مِن القُرآنِ حَديثًا.

وَيْلٌ لِكُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ

عَذابٌ وهَلاكٌ لكُلِّ كافرٍ كذَّابٍ مُفتَرٍ، مُبالِغٍ في اقتِرافِ الآثامِ.

يَسْمَعُ آَيَاتِ اللَّهِ تُتْلَى عَلَيْهِ ثُمَّ يُصِرُّ مُسْتَكْبِرًا كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْهَا فَبَشِّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ

يَسمَعُ آياتِ القُرآنِ تُقرَأُ عليه، ثمَّ يُصِرُّ على كُفرِه وإثمِه مُستَكبِرًا عن الإيمانِ بها وقَبولِها واتِّباعِها، كأنَّه لم يَسمَعْها أصلًا! فبَشِّرْه -يا محمَّدُ- بعَذابٍ مُوجِعٍ شَديدِ الإيلامِ.

وَإِذَا عَلِمَ مِنْ آَيَاتِنَا شَيْئًا اتَّخَذَهَا هُزُوًا أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ

وإذا عَرَف شَيئًا -ولو قليلًا- مِن آياتِ القُرآنِ، استَهزأَ بها، وسَخِرَ منها، أولئك لهم عَذابٌ يُخزيهم ويُذِلُّهم ويُهينُهم.

مِنْ وَرَائِهِمْ جَهَنَّمُ وَلَا يُغْنِي عَنْهُمْ مَا كَسَبُوا شَيْئًا وَلَا مَا اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ

لهم نارُ جَهنَّمَ يَصيرونَ إليها في الآخِرةِ، ولا يَدفَعُ عذابَها عنهم أيُّ شَيءٍ -ولو قليلًا- ممَّا كَسَبوه في الدُّنيا مِن الأموالِ أو الأولادِ! ولا يَدفَعُ عنهم آلهتُهم الَّتي عَبَدوها في الدُّنيا مِن دونِ اللهِ، أو رُؤساؤُهم الَّذين أطاعوهم في الكُفرِ باللهِ! ولهم عَذابٌ شَديدٌ مؤلمٌ.

هَذَا هُدًى وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآَيَاتِ رَبِّهِمْ لَهُمْ عَذَابٌ مِنْ رِجْزٍ أَلِيمٌ

هذا القُرآنُ هُدًى يُبَيِّنُ الحَقَّ مِن الباطِلِ، ويَدُلُّ مَنِ اتَّبَعه إلى الصِّراطِ المُستَقيمِ، والَّذين كَفَروا بآياتِ القُرآنِ الدَّالَّةِ على الحَقِّ، فلم يُؤمِنوا ويَعمَلوا بها: لهم عَذابٌ مِن جنسِ العذابِ المُوجِعِ شَديدِ الإيلامِ!

اللَّهُ الَّذِي سَخَّرَ لَكُمُ الْبَحْرَ لِتَجْرِيَ الْفُلْكُ فِيهِ بِأَمْرِهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ

اللهُ هو الَّذي ذَلَّل لكم البَحرَ -أيُّها النَّاسُ-؛ لِتَسيرَ فيه السُّفُنُ بأمْرِه وإذْنِه وتَيسيرِه، ولِتَطلُبوا مَعايشَكم وأرزاقَكم؛ كنَقلِ البَضائِعِ، وصَيدِ الأسماكِ، وغيرِ ذلك، ولعَلَّكم تَشكُرونَ اللهَ على نِعَمِه العَظيمةِ الَّتي تَحصُلُ بتَسخيرِه لكم البَحرَ، فتُوَحِّدونَه، وتُطيعونَه فيما أمرَكَم به ونهاكم عنه.

وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ

وذلَّل اللهُ لكم -أيُّها النَّاسُ- ما في السَّمَواتِ مِن شَمسٍ وقَمَرٍ، ونُجومٍ وسَحابٍ، ومَطَرٍ وهواءٍ، وغيرِ ذلك، وما في الأرضِ مِن شَجَرٍ وجِبالٍ، ومِياهٍ ودوابَّ ومَعادِنَ... وغَيرِ ذلك؛ لِمَنافِعِكم، وجميعُ ذلك مِنَ اللهِ وَحْدَه. إنَّ في ذلك لَدَلالاتٍ واضِحاتٍ، وعلاماتٍ باهِراتٍ على الحَقِّ لِقَومٍ يَتفَكَّرونَ في آياتِ الله ويَعتبرونَ بها.

قُلْ لِلَّذِينَ آَمَنُوا يَغْفِرُوا لِلَّذِينَ لَا يَرْجُونَ أَيَّامَ اللَّهِ لِيَجْزِيَ قَوْمًا بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ

قُلْ -يا محمَّدُ- آمِرًا الَّذين آمَنوا باللهِ واتَّبَعوك أن يَعفُوا ويَتجاوَزوا عمَّن أساءَ إليهم وآذاهم مِن الكُفَّارِ الَّذين لا يَرجُونَ ثوابَ الله، ولا يَخافونَ وقائِعَه في العاصِينَ، وأنْ يَصبِروا على أذاهم، ولا يُعاقِبوهم، إنَّما أُمِرَ المُؤمِنونَ بالمَغفِرةِ لِلَّذِين يُؤذونَهم؛ لِيَجزيَ اللهُ أعداءَهم هؤلاء بما كَسَبوه مِن آثامٍ، فيُعَذِّبَهم.

مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ

مَن عَمِلَ في الدُّنيا بطاعةِ اللهِ، فامتَثَل أوامِرَه، واجتَنَب نواهيَه؛ فنَفْعُ ذلك له، ومَن عَمِلَ بالكُفرِ والمعاصي فضَرَرُ ذلك ووَبالُه على نَفْسِه، لا على غَيرِه، ثمَّ إلى رَبِّكم تَصيرونَ -أيُّها النَّاسُ- بعدَ مَوتِكم أحياءً يومَ القيامةِ، فيُجازيكم على أعمالِكم؛ خَيرِها وشَرِّها.

وَلَقَدْ آَتَيْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ

ولقد أعْطَيْنا بني إسرائيلَ الكِتابَ، والحُكْمَ، وجعَلْنا فيهم كثيرًا مِن الأنبياءِ، ورَزَقْناهم مِن الرِّزقِ الحَلالِ الطَّيِّبِ، وفضَّلْناهم على عالَمِي زمانِهم.

وَآَتَيْنَاهُمْ بَيِّنَاتٍ مِنَ الْأَمْرِ فَمَا اخْتَلَفُوا إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ

وآتَيْنا بَني إسرائيلَ آياتٍ واضِحاتِ الحُجَجِ، فما تفرَّقَوا واختَلَفوا فيما بيْنَهم إلَّا مِن بَعدِ ما جاءهم العِلمُ الَّذي يُبَيِّنُ لهم ما يَتَّقُونَ، ويوجبُ عدَمَ الاختِلافِ، وإنَّما حمَلهم على ذلك الظُّلْمُ واعتداءُ بعضِهم على بعضٍ، والحسدُ وطلبُ الرِّياسةِ، إنَّ ربَّك -يا محمَّدُ- يَحكُمُ بالعَدلِ بيْنَ أولئك المُختَلِفينَ مِن بني إسرائيلَ يومَ القيامةِ فيما كانوا في الدُّنيا يختَلِفونَ فيه، فيُمَيِّزُ المحِقَّ مِن المُبطِلِ، ويُجازي كُلًّا منهم بما يَستحِقُّ.

ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ

ثمَّ جعَلْناك -يا محمَّدُ- مِن بَعدِ أن آتَيْنا بني إسرائيلَ الكِتابَ والحُكمَ والنُّبُوَّةَ: على طَريقةٍ مُستقيمةٍ ومِنهاجٍ واضِحٍ مِن الدِّينِ؛ فاتَّبِعْ شَريعةَ اللهِ الَّتي أوحاها إليك، ولا تتَّبِعْ -يا محمَّدُ- ما يَدعوك إليه المُشرِكونَ الجاهِلونَ باللهِ ودِينِه مِن مُخالَفةٍ لِشَرعِ اللهِ.

إِنَّهُمْ لَنْ يُغْنُوا عَنْكَ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَإِنَّ الظَّالِمِينَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُتَّقِينَ

إنَّ الجاهِلينَ الَّذين يَدْعونَك -يا محمَّدُ- لاتِّباعِ أهوائِهم: لن يَنفَعوك عندَ اللهِ بشَيءٍ، ولن يَدفَعوا عنك شَيئًا مِن عذابِ اللهِ إنِ اتَّبعْتَ أهواءَهم، وخالَفْتَ ما شرَعَ اللهُ لك، وإنَّ الظَّالِمينَ يَتولَّى بَعضُهم بعضًا؛ فهم أنصارٌ وأحبابٌ فيما بيْنَهم، وأعوانٌ على المؤمِنينَ، واللهُ ناصِرٌ ومُعِينٌ لِلمُتَّقينَ الَّذين يَتَّقونَ سَخَطَ اللهِ وعَذابَه، بامتِثالِ ما أمَرَ، واجتِنابِ ما نهَى.

هَذَا بَصَائِرُ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ

هذا القُرآنُ دلائِلُ ساطِعةٌ يُبصِرُ بها النَّاسُ الحَقَّ مِن الباطِلِ، ويَعرِفونَ بها الصَّوابَ في جميعِ أُمورِهم، وهذا القُرآنُ يَهدي إلى الحَقِّ في الدُّنيا، وإلى الجنَّةِ في الآخِرةِ، ورَحمةٌ في الدُّنيا والآخِرةِ للمُوقِنينَ.

أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ

أمْ ظَنَّ الَّذين عَمِلوا السَّيِّئاتِ في الدُّنيا واكتَسَبوها أن نُساوِيَهم في حياتِهم ومَوتِهم بالَّذين آمَنوا وعَمِلوا الأعمالَ الصَّالحةَ؟! كلَّا؛ فليس المُؤمِنونَ سَواءً مع الكفَّارِ، لا في المحْيا ولا في المماتِ، بِئسَ هذا الحُكمُ الَّذي حَسِبَه المُشرِكونَ؛ أنَّ اللهَ يُساوِي بيْنَ الَّذين عَمِلوا السَّيِّئاتِ والَّذين آمَنوا وعَمِلوا الصَّالحاتِ في مَحياهم ومماتِهم!

وَخَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ وَلِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ

وخَلَق اللهُ السَّمَواتِ والأرضَ بالعَدلِ والحِكمةِ، ولِيُثيبَ اللهُ كُلَّ عامِلٍ بما عَمِلَه مِن خَيرٍ أو شَرٍّ، وبما يَستَحِقُّه مِن ثوابٍ أو عِقابٍ، ولا يَظلِمُ اللهُ النَّاسَ شَيئًا مِن جزاءِ أعمالِهم؛ بنَقصِ ثَوابِهم، أو زيادةِ عِقابِهم.

أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ

أفرأَيتَ -يا محمَّدُ- الَّذي جَعَل مَعبودَه ما يَهواه، فيَعبُدُ ويُطيعُ ما هَوِيَه دونَ اللهِ المُستَحِقِّ للعِبادةِ وَحْدَه؟! وأضلَّ اللهُ ذلك المُتَّبِعَ هواه عن طَريقِ الحَقِّ، على عِلمٍ مِن الله سبَق أنَّه يَضِلُّ ولا يَهتَدي، وطَبَع اللهُ على سَمْعِه، فلا يَنتَفِعُ بسَماعِ الحَقِّ، وطَبَع على قَلبِه فلا يَعقِلُ به الحَقَّ، وجَعَل على بَصَرِه غِطاءً يَمنَعُه مِن رُؤيةِ الحَقِّ، فهو لا يَنتَفِعُ ببَصَرِه لِمَعرفةِ الحَقِّ واتِّباعِه، فلا أحَدَ يَهديه إلى طريقِ الحَقِّ واتِّباعِه بعدَ أن أضَلَّه اللهُ! أفلا تَتذَكَّرونَ -أيُّها النَّاسُ- فتَعلَموا أنَّ مَن كان هذا حالَه فلنْ يَهتديَ أبدًا، ولا سبيلَ لأحدٍ إلى هِدايتِه؟!

وَقَالُوا مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ وَمَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ

وقال الكُفَّارُ تَكذيبًا للبَعثِ بعدَ المَوتِ: ما ثَمَّ حياةٌ غَيرُ حياتِنا هذه الَّتي نَحياها الآنَ! يموتُ أناسٌ، ويَحيا آخَرونَ في هذه الحياةِ، وليس ثَمَّةَ حياةٌ أُخرَى، وما يُفنِينا إلَّا الزَّمانُ، فنَبلُغُ فيه بمُرورِ أيَّامِه ولياليه سِنَّ الهَرَمِ والشَّيخوخةِ، فنَموتُ، أو تُصيبُنا فيه أسبابٌ تُفضي بنا إلى الهَلاكِ والموتِ! وما للمُشرِكينَ أيُّ قَدْرٍ مِنَ العِلمِ بصِحَّةِ ما يقولونَ، ولا بُرهانَ لديهم! ما يَقولونَ ذلك إلَّا بمُجَرَّدِ الظَّنِّ، وليسوا على يَقينٍ مِمَّا يَدَّعُونَ.

وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آَيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ مَا كَانَ حُجَّتَهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا ائْتُوا بِآَبَائِنَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ

وإذا تُتْلى عليهم آياتُ القُرآنِ الواضِحاتُ الدَّلالةِ على وُقوعِ البَعثِ بعدَ الموتِ، لم يكُنْ لهم ما يَحتَجُّونَ به على المؤمنِينَ سِوى قَولهِم: أحيُوا آباءَنا الموتَى إنْ كُنتُم صادِقينَ في دَعواكم أنَّ اللهَ يَبعَثُنا بعدَ مَوتِنا؛ حتَّى نُصَدِّقَ بحَقيقةِ ما تَزعُمونَ!

قُلِ اللَّهُ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يَجْمَعُكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَا رَيْبَ فِيهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ

قُلْ -يا محمَّدُ- لهؤلاء المُكَذِّبينَ بالبَعثِ: اللهُ هو الَّذي يُحييكم في الدُّنيا ما شاءَ، ثُمَّ يُميتُكم متى شاء عندَ انقِضاءِ آجالِكم، ثمَّ يَجمَعُكم اللهُ جميعًا ليومِ القيامةِ أحياءً، لا شَكَّ في وُقوعِ ذلك، ولكِنَّ أكثرَ النَّاسِ لا يَعلَمونَ الحقَّ، فمِنْ جَهلِهم يُنكِرونَ المَعادَ، وبَعْثَ العِبادِ!

وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَخْسَرُ الْمُبْطِلُونَ

وللهِ وَحْدَه مُلكُ جَميعِ السَّمَواتِ والأرضِ؛ فهو خالِقُهما والمتصَرِّفُ فيهما دونَ الدَّهرِ وغيرِه مِمَّا يَزعُمُ المُشِركونَ أنَّ له تصَرُّفًا في الكَونِ! ويَومَ تَجيءُ القِيامةُ يَخسَرُ الكافِرونَ أصحابُ الأباطيلِ، فيَصيرونَ إلى النَّارِ.

وَتَرَى كُلَّ أُمَّةٍ جَاثِيَةً كُلُّ أُمَّةٍ تُدْعَى إِلَى كِتَابِهَا الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ

وتَرى في ذلك اليَومِ -يا محمَّدُ- أهلَ كُلِّ مِلَّةٍ جالِسينَ على رُكَبِهم، مُنتَظِرينَ قَضاءَ اللهِ تعالَى وحُكمَه عليهم، كلُّ أهلِ مِلَّةٍ تُدعَى يومَ القِيامةِ إلى صَحائِفِ أعمالِها الَّتي كتبَتْها الملائِكةُ، يُقالُ للأُمَمِ يومَ القِيامةِ: اليومَ تَنالُونَ جَزاءَ ما كنتُم تَعمَلونَه في الدُّنيا مِن خَيرٍ أو شَرٍّ.

هَذَا كِتَابُنَا يَنْطِقُ عَلَيْكُمْ بِالْحَقِّ إِنَّا كُنَّا نَسْتَنْسِخُ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ

يُقالُ للأُمَمِ يومَ القِيامةِ: هذا كِتابُنا يَشهَدُ عليكم بجَميعِ أعمالِكم الَّتي كتَبَتْها الملائِكةُ، فيُبَيِّنُها بما هو مُوافِقٌ للحَقيقةِ والواقِعِ دونَ زِيادةٍ أو نُقصانٍ، إنَّا كُنَّا نَأمُرُ الملائِكةَ أنْ تَكتُبَ ما كنتُم تَعمَلونَه في الدُّنيا مِن خَيرٍ أو شَرٍّ.

فَأَمَّا الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَيُدْخِلُهُمْ رَبُّهُمْ فِي رَحْمَتِهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْمُبِينُ

فأمَّا الَّذين آمَنوا باللهِ تعالى وبكلِّ بما يجِبُ عليهم الإيمانُ به، وعَمِلوا الأعمالَ الصَّالحةَ الخالِصةَ الموافِقةَ لِشَرعِه: فيُدخِلُهم رَبُّهم في جَنَّتِه، وذلك هو الفَوزُ البَيِّنُ الظَّاهِرُ.

وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا أَفَلَمْ تَكُنْ آَيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ فَاسْتَكْبَرْتُمْ وَكُنْتُمْ قَوْمًا مُجْرِمِينَ

وأمَّا الذين كَفَروا باللهِ فيَقولُ اللهُ تعالَى لهم تَقْريعًا وتَوبيخًا: ألمْ تكُنْ آياتُ القرآنِ تُتلَى عليكم في الدُّنيا، فاستكبَرْتُم عن الإيمانِ بها واتِّباعِها، وأعرَضتُم عن سَماعِها وقَبولِها، وكنتُم قَومًا مُتَّصِفينَ بالإجرامِ في أفعالِكم، فتَكتَسِبونَ الآثامَ، معَ ما اشتَمَلت عليه قلوبُكم مِن التَّكذيبِ؟!

وَإِذَا قِيلَ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَالسَّاعَةُ لَا رَيْبَ فِيهَا قُلْتُمْ مَا نَدْرِي مَا السَّاعَةُ إِنْ نَظُنُّ إِلَّا ظَنًّا وَمَا نَحْنُ بِمُسْتَيْقِنِينَ

وإذا قيلَ لكم: إنَّ ما وَعَد اللهُ به عِبادَه مِن البَعثِ أو غيرِه أمرٌ كائِنٌ لا مَحالةَ، وإنَّ القِيامةَ الَّتي يَجمَعُ اللهُ فيها النَّاسَ للحِسابِ والجَزاءِ لا شكَّ في مجيئِها؛ قُلتُم تَكذيبًا وإنكارًا: لا نَعرِفُ ما القِيامةُ! وقُلتُم: ما نَعلَمُ وُقوعَ السَّاعةِ إلَّا على وَجهِ الظَّنِّ والتَّوَهُّمِ! وما نحن بمُتَحقِّقينَ أنَّ القِيامةَ كائِنةٌ!