التفسير المحرر

التفسير المحرر

فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَذَبَ عَلَى اللَّهِ وَكَذَّبَ بِالصِّدْقِ إِذْ جَاءَهُ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْكَافِرِينَ

اللغة: العربية
إعداد:
الإصدار: 1.0
ترجمات 0
المرفقات 7
PDF
Audio
Video
+3

فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَذَبَ عَلَى اللَّهِ وَكَذَّبَ بِالصِّدْقِ إِذْ جَاءَهُ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْكَافِرِينَ

لا أحَدَ أظلَمُ مِمَّن كذَبَ على اللهِ، فنَسَب إليه باطِلًا -كمَن زعَمَ أنَّ لله شُرَكاءَ في عبادتِه- وكذَّب بالحَقِّ المُشتَمِلِ على الصِّدقِ حينَ بلَغَه، أليس في جَهنَّمَ مَأوًى ومُستَقَرٌّ لأولئك الَّذين كَفَروا؛ بكَذِبِهم على اللهِ، وتَكذيبِهم بالصِّدقِ لَمَّا جاءهم، وكذلك لِكُلِّ كافِرٍ باللهِ تعالى؟

وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ

والَّذين دَعَوا إلى القُرآنِ وما اشتمَلَ عليه مِنَ الحَقِّ، وصدَّقوا به: هم الَّذين تَتحَقَّقُ فيهم صِفةُ التَّقْوى لله تعالى

لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ ذَلِكَ جَزَاءُ الْمُحْسِنِينَ

لأولئك المتَّقينَ عندَ رَبِّهم يومَ القيامةِ ما تَشتَهيه أنفُسُهم في الجنَّةِ، ذلك النَّعيمُ ثَوابُ الَّذين أحسَنوا في الدُّنيا

لِيُكَفِّرَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَسْوَأَ الَّذِي عَمِلُوا وَيَجْزِيَهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ

لِيُكفِّرَ اللهُ عن المُحسِنينَ أسْوَأَ الَّذي عَمِلوه مِنَ السَّيِّئاتِ، ويَجزيَهم اللهُ ثَوابَهم بأحسَنِ الَّذي كانوا يَعمَلونَه مِنَ الطَّاعاتِ

أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِنْ دُونِهِ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ

أليس اللهُ كافيًا مَن قام بعُبوديَّتِه كلَّ سُوءٍ، وعاصِمًا له مِن كُلِّ كَيدٍ؟ ويُخَوِّفُك مُشرِكو قَومِك -يا مُحمَّدُ- بمَنْ دونَ اللهِ أنَّهم يَنالونَك بسُوءٍ! ومَن يُضِلَّه اللهُ عن طريقِ الحَقِّ فلا أحدَ يَهديه إليه

وَمَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُضِلٍّ أَلَيْسَ اللَّهُ بِعَزِيزٍ ذِي انْتِقَامٍ

ومَن يَهْدِه اللهُ إلى الحَقِّ فلا أحَدَ يُضِلُّه عنه، أليس اللهُ عَزيزًا في انتِقامِه مِن الكُفَّارِ، مَنيعَ الجَنابِ، قاهِرًا للعبادِ، وبعِزَّتِه يَكفي عَبْدَه ويَدفَعُ عنه مَكْرَ أعدائِه؛ ذا انتِقامٍ مِن الجاحِدينَ وحدانيَّتَه، المكَذِّبينَ رُسُلَه، العاصِينَ أمْرَه؟

وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلْ أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ أَرَادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ أَوْ أَرَادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ قُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ

ولَئِنْ سألْتَ المُشرِكينَ -يا مُحمَّدُ-: مَنِ الَّذي خَلَق السَّمَواتِ والأرضَ؟ لَيَقولُنَّ: اللهُ وَحْدَه هو خالِقُهما، قُلْ: أرأَيْتُم الآلِهةَ الَّتي تَدْعونَها مِن دُونِ اللهِ: هل تَقدِرُ على كَشْفِ ما يُصيبُني مِن ضُرٍّ إن أراد اللهُ أن يُصيبَني به؟ أو هل تَقدِرُ آلهتُكم أن تَمنَعَ عنِّي رَحمةَ رَبِّي إن أراد اللهُ أن يُصيبَني بها؟ قُلْ -يا مُحمَّدُ-: يَكفيني اللهُ وَحْدَه مِن كُلِّ شَيءٍ، فأنا أفَوِّضُ إليه جميعَ أُموري، وأعتَمِدُ عليه وَحْدَه دونَ غَيرِه؛ على اللهِ وَحْدَه يَعتَمِدُ المتوكِّلونَ في جَلْبِ مَصالِحِهم، ودَفْعِ مَضارِّهم

قُلْ يَا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ إِنِّي عَامِلٌ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ

قُلْ -يا مُحمَّدُ- لِمُشرِكي قَومِك: يا قَومِ، اعمَلوا على طَريقتِكم ومَنهَجِكم وحالَتِكم الَّتي رَضِيتُموها لأنفُسِكم، وجمَدْتُم عليها، أمَّا أنا فعامِلٌ بمَنهجي الَّذي أمَرَني اللهُ به، فسوفَ تَعلَمونَ

مَنْ يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذَابٌ مُقِيمٌ

فسوفَ تَعلَمونَ مَن يأتيه في الدُّنيا عذابٌ مِنَ اللهِ يُذِلُّه ويُهينُه، ومَن يَنزِلُ عليه في وَقتِه المحدَّدِ له عَذابٌ مُستَمِرٌّ لا يُفارِقُه

إِنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ لِلنَّاسِ بِالْحَقِّ فَمَنِ اهْتَدَى فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ

إنَّا أنزَلْنا عليك -يا مُحمَّدُ- القُرآنَ للنَّاسِ بالحَقِّ، فتُنذِرُهم به، وتُبَيِّنُ لهم الهُدى، فمَن عَمِلَ بالقُرآنِ واتَّبَعَه، فإنَّما يعودُ نَفْعُ ذلك على نَفْسِه، ومَن ضَلَّ عن الحَقِّ، فلم يُؤمِنْ بالقُرآنِ ويَتَّبِعْه؛ فإنَّما يعودُ وَبالُ ذلك وضَرَرُه على نَفْسِه، لا على غَيرِه، وما أنتَ -يا مُحمَّدُ- بمُوكَّلٍ باهتِداءِ النَّاسِ؛ فتَقهَرَهم على اتِّباعِ الحَقِّ، ولا بمُراقِبٍ لأعمالِهم، ولا حَفيظٍ عليها، ولا مُحاسِبٍ لهم، وإنَّما عليك البَلاغُ

اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ

اللهُ يَتوفَّى الأرواحَ حينَ انقِضاءِ أجَلِ أصحابِها، ويَتوفَّى اللهُ في المنامِ الأرواحَ الَّتي لم يَنقَضِ بَعْدُ أجَلُ أصحابِها، فيَحبِسُ اللهُ الأرواحَ الَّتي حَكَم على أصحابِها بالموتِ، فلا يَرُدُّ أرواحَهم إلى أجسادِهم في الدُّنيا، ويُرسِلُ اللهُ أرواحَ الأحياءِ حينَ استيقاظِهم مِن مَنامِهم، فتَعودُ إلى أجسادِهم، فلا يَتوفَّاها اللهُ الوَفاةَ الكُبرى إلَّا حينَ انقِضاءِ أجَلِهم في الحياةِ الدُّنيا، إنَّ في هذا التَّوَفِّي للأرواحِ وإمساكِها وإرسالِها: لَعَلاماتٍ ودَلائِلَ، وعِبَرًا وعِظاتٍ للَّذينَ يَتفَكَّرونَ في شأنِها، فيَستَدِلُّونَ بها على كَمالِ قُدرةِ اللهِ تعالى، واستِحقاقِه العِبادةَ وَحْدَه دونَ غَيرِه، وعلى تَحقُّقِ وُقوعِ البَعثِ... وغَيرِ ذلك

أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ شُفَعَاءَ قُلْ أَوَلَوْ كَانُوا لَا يَمْلِكُونَ شَيْئًا وَلَا يَعْقِلُونَ

أمِ اتَّخَذ المُشرِكونَ مِن دُونِ اللهِ آلِهةً يَعبُدونَها؛ لِتَشفَعَ لهم عندَ اللهِ في قَضاءِ حاجاتِهم؟ قُلْ لهم -يا مُحمَّدُ-: أيَتَّخِذونَ تلك الأصنامَ شُفَعاءَ لهم، ولو كانت لا تَملِكُ شَيئًا، ولا تَعقِلُ؟!

قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ

قُلْ لهم -يا مُحمَّدُ-: لله وَحْدَه الشَّفاعةُ، ومَرجِعُها كُلِّها إليه؛ فلا يَملِكُ أحَدٌ سِواه شَيئًا منها، وهو وَحْدَه مَن يأذَنُ بها إنْ شاء، لِمَن يَشاءُ مِن عِبادِه، وله وَحْدَه مُلكُ السَّمَواتِ ومُلكُ الأرضِ، وله وَحْدَه التَّصَرُّفُ فيهما كما يُريدُ؛ فاعبُدوه وحدَه، ولا تَعبُدوا غَيْرَه مِمَّا لا يَملِكُ شَيئًا، ثُمَّ إلى اللهِ مَصيرُكم يومَ القيامةِ لا إلى غَيرِه، فيَحكُمُ بيْنَكم، ويُجازي كُلًّا منكم

وَإِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَحْدَهُ اشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآَخِرَةِ وَإِذَا ذُكِرَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ

وإذا أُفرِدَ اللهُ تعالى وَحْدَه بالذِّكرِ دُونَ غَيرِه مِنَ المعبوداتِ الباطِلةِ انقَبَضَت قُلوبُ المُشرِكينَ الَّذين لا يُؤمِنونَ بالآخِرةِ، وتمعَّرَت وُجوهُهم ونَفَروا؛ كراهيةً لِتَوحيدِ اللهِ سُبحانَه، وإذا ذُكِرَت آلِهتُهم بالخَيرِ اشتَدَّ فَرَحُهم، وظَهَر السُّرورُ على وُجوهِهم

قُلِ اللَّهُمَّ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ عَالِمَ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ أَنْتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبَادِكَ فِي مَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ

قُلْ -يا مُحمَّدُ- داعيًا ربَّك وَحْدَه: يا اللهُ يا خالِقَ السَّمَواتِ والأرضِ على غَيرِ مثالٍ سابِقٍ، يا عالِمَ ما غاب عن الخَلقِ، وما ظهَرَ لهم، فلا يخفَى عليك شَيءٌ مِن ذلك، أنتَ وَحْدَك تَقضي بيْنَ عِبادِك يومَ القيامةِ بالعَدلِ فيما كانوا يَختلِفونَ فيه في الدُّنيا

وَلَوْ أَنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ لَافْتَدَوْا بِهِ مِنْ سُوءِ الْعَذَابِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَبَدَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ

ولو أنَّ للَّذين ظَلَموا أنفُسَهم بالشِّركِ جَميعَ ما في الأرضِ وضِعْفَ ذلك معه، لَقَدَّموه فِداءً يَفدُونَ به أنفُسَهم للنَّجاةِ مِن العَذابِ السَّيِّئِ يومَ القيامةِ، وظَهَر للظَّالِمينَ مِن أمرِ اللهِ وعَذابِه الَّذي أعدَّه لهم: ما لم يكُنْ يَخطُرُ ببالِهم، ولم يَقَعْ لهم في ظُنونِهم، وقد كانوا يَحكُمونَ لأنفُسِهم بغَيرِ ذلك.

وَبَدَا لَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا كَسَبُوا وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ

وظهَرَ للمُشرِكينَ يومَ القيامةِ السَّيِّئاتُ الَّتي عَمِلوها في الدُّنيا مِنَ الكُفرِ والمعاصي، وأحاط بهم ولَزِمَهم عذابُ اللهِ الَّذي كانوا يَسخَرونَ منه في الدُّنيا

فَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ ضُرٌّ دَعَانَا ثُمَّ إِذَا خَوَّلْنَاهُ نِعْمَةً مِنَّا قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ بَلْ هِيَ فِتْنَةٌ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ

فإذا أصاب الإنسانَ ضَرَرٌ وشِدَّةٌ وكَربٌ دعانا؛ لِنَكشِفَ عنه ذلك، ثمَّ إذا أعطَيْناه نِعمةً مِن غِنًى أو عافيةٍ أو غَيرِ ذلك، قال: إنَّما أُعطِيتُ ذلك على عِلمٍ !ليس الأمرُ كما يَزعُمُ، إنَّما هذه النِّعمةُ الَّتي أنعَمْنا بها عليه اختبارٌ، ولكِنَّ أكثَرَ النَّاسِ لجَهلِهم لا يَعلَمونَ ذلك، فيغترُّونَ بما أنعَم الله به عليهم

قَدْ قَالَهَا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ

قد قال هذه المقالةَ -إنَّما أُوتِيتُه على عِلمٍ- وادَّعى هذه الدَّعوَى: مَنْ سلَف مِنَ الأُمَمِ الماضيةِ، فما دفَع عنهم ما كَسَبوه شَيئًا مِن العَذابِ لَمَّا جاءَهم

فَأَصَابَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا كَسَبُوا وَالَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْ هَؤُلَاءِ سَيُصِيبُهُمْ سَيِّئَاتُ مَا كَسَبُوا وَمَا هُمْ بِمُعْجِزِينَ

فأصابَهم جزاءُ سَيِّئاتِ أعمالِهم، وحلَّ عليهم وَبالُ ما كَسَبوه، والَّذين ظَلَموا مِن كُفَّارِ قُرَيشٍ سيُصيبُهم أيضًا وَبالُ ما كَسَبوه، ولن يُعجِزوا اللهَ فيَغلِبوه أو يَفُوتُوه ويَسبِقُوه بالهَربِ في الأرضِ؛ فلا يَقدِرَ على عِقابِهم !

أَوَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ

أوَلَم يَعلَمْ أولئك الَّذين يَزعُمونَ أنَّهم أُوتُوا النِّعَمَ على عِلمٍ: أنَّ اللهَ يُوَسِّعُ الرِّزقَ لِمَن يَشاءُ مِن عِبادِه، ويُضَيِّقُه على مَن يَشاءُ منهم؟ إنَّ في ذلك لَدَلالاتٍ وعَلاماتٍ للمُؤمِنينَ، فيَستَدِلُّونَ بها على وَحدانيَّةِ اللهِ تعالى، وعلى حِكمتِه ورَحمتِه، وتفَرُّدِه بالتَّصَرُّفِ في أرزاقِ عِبادِه، وغيرِ ذلك

قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ

قُلْ -يا مُحمَّدُ- مُبلِّغًا عن الله أنَّه يقولُ: يا عباديَ الَّذين أكثَروا مِنَ السَّيِّئاتِ بالكُفرِ أو المعاصي، فأثقَلوا أنفُسَهم بالآثامِ: لا يَنقَطِعْ رَجاؤُكم وتَيأسُوا مِن رحمةِ اللهِ، مُعتَقدينَ أنَّ اللهَ لن يَغفِرَ لكم ذُنوبَكم، إنَّ اللهَ يَستُرُ الذُّنوبَ كُلَّها، ويَتجاوَزُ عن المؤاخَذةِ بها، إنَّ اللهَ وَحْدَه البالِغُ المَغفِرةِ لِذُنوبِ عِبادِه، العَظيمُ الرَّحمةِ بهم

وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ

وارجِعوا -أيُّها النَّاسُ- إلى رَبِّكم، بالتَّوبةِ إليه وطاعتِه وَحْدَه، واستَسلِموا واخضَعوا له، وانقادُوا إليه، مِن قَبلِ أن يأتيَكم عَذابُ اللهِ على كُفرِكم به، ومَعصيتِكم إيَّاه، ثمَّ لا يَنصُرُكم ناصِرٌ

وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ بَغْتَةً وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ

واتَّبِعوا القُرآنَ فصَدِّقوا أخبارَه، واتَّعِظوا واعتَبِروا بقَصَصِه وأمثالِه، وامتَثِلوا أوامِرَه، واجتَنِبوا نواهيَه، وكِلُوا مُتشابِهَه إلى عالِمِه، مِن قَبلِ أن يأتيَكم عذابُ اللهِ فَجأةً وأنتم غافِلونَ لا تَشعُرونَ بمَجيئِه

أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يَا حَسْرَتَا عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ وَإِنْ كُنْتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ

لِئَلَّا تقولَ نَفْسٌ يومَ القيامةِ تَحسُّرًا على عدَمِ التَّوبةِ: يا ندامَتي على ما قصَّرتُ في حَقِّ اللهِ، وضَيَّعتُ مِن العملِ بما أمَرني به، والحالُ أنَّني كُنتُ مِن السَّاخِرينَ مِن أمْرِ اللهِ وكِتابِه، ورَسولِه والمُؤمِنينَ

أَوْ تَقُولَ لَوْ أَنَّ اللَّهَ هَدَانِي لَكُنْتُ مِنَ الْمُتَّقِينَ

ولِئَلَّا تَقولَ نَفْسٌ: لو أنَّ اللهَ هداني إلى الحَقِّ لَكُنتُ مِن الَّذين اتَّقَوه فأطاعوه، واجتَنَبوا الشِّركَ به، ومَعصيتَه

أَوْ تَقُولَ حِينَ تَرَى الْعَذَابَ لَوْ أَنَّ لِي كَرَّةً فَأَكُونَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ

أو لِئَلَّا تَقولَ نَفْسٌ حينَ ترَى عذابَ اللهِ في الآخِرةِ: لَيْتَ لي رَجعةً إلى الدُّنيا فأكونَ مِن الَّذين أحسَنوا العَمَلَ

بَلَى قَدْ جَاءَتْكَ آَيَاتِي فَكَذَّبْتَ بِهَا وَاسْتَكْبَرْتَ وَكُنْتَ مِنَ الْكَافِرِينَ

يَقولُ اللهُ مُكَذِّبًا له: ليس الأمرُ كما تَقولُ؛ فقد جاءتك آياتُ القُرآنِ الدَّالَّةُ على الحَقِّ، فكَذَّبْتَ بها واستكبَرْتَ عن قَبولِها واتِّباعِها، وكنتَ في الدُّنيا مِن الكافِرينَ بها؛ فلا عُذرَ لك

وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ تَرَى الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى اللَّهِ وُجُوهُهُمْ مُسْوَدَّةٌ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْمُتَكَبِّرِينَ

وتَرى يومَ القيامةِ المُشرِكينَ الَّذين كَذَبوا على اللهِ -بادِّعاءِ أنَّ له شَريكًا أو وَلَدًا، أو زعْمِ أنَّه شَرَع شَيئًا وهو لم يَشرَعْه، إلى غيرِ ذلك- وُجوهُهم قد اسودَّتْ، أليس في جَهنَّمَ مَقامٌ ومُستَقَرٌّ للَّذين تَكَبَّروا عن الحَقِّ، فأعرَضوا عن توحيدِ اللهِ، وقَبولِ شَرعِه، وامتَنَعوا عن طاعتِه في أمْرِه ونَهْيِه؟

وَيُنَجِّي اللَّهُ الَّذِينَ اتَّقَوْا بِمَفَازَتِهِمْ لَا يَمَسُّهُمُ السُّوءُ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ

ويُنَجِّي اللهُ الَّذين اتَّقَوُا اللهَ بامتِثالِ ما أمَرَ، واجتِنابِ ما نهَى، بفوزِهم: بنَجاتِهم مِن النَّارِ، ودُخولِهم الجنَّةَ، لا يُصيبُ المتَّقينَ في الآخِرةِ سُوءٌ، ولا يُصيبُهم حُزنٌ أبَدًا

اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ

اللهُ وَحْدَه خالِقُ الأشياءِ كُلِّها، فهو ربُّها ومالِكُها، والمتفَرِّدُ بالتَّصَرُّفِ فيها، واللهُ على كُلِّ شَيءٍ قائِمٌ وحافِظٌ، ومُدَبِّرٌ له

لَهُ مَقَالِيدُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآَيَاتِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ

أزِمَّةُ الأمورِ بيَدِ اللهِ تعالى وَحْدَه، فعِندَه وَحْدَه خَزائِنُ السَّمَواتِ والأرضِ ومفاتيحُها، وهو المُنفَرِدُ بتَدبيرِها والتَّصَرُّفِ فيها، والَّذين كَفَروا بآياتِ اللهِ وحُجَجِه الدَّالَّةِ عليه وعلى وَحدانيَّتِه: أولئك هم الَّذين خَسِروا الدُّنيا والآخرةَ؛ فهم مَخذولونَ في الدُّنيا عن الإيمانِ والعمَلِ الصَّالحِ، مُخَلَّدونَ يومَ القيامةِ في النَّارِ، مَحرومونَ مِن دُخولِ الجنَّةِ

قُلْ أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ أَيُّهَا الْجَاهِلُونَ

قُلْ -يا مُحمَّدُ- لِمُشرِكي قُرَيشٍ: أتأمُرونَني بعِبادةِ غَيرِ اللهِ تعالى، أيُّها الجاهِلونَ بعَظَمتِه وباستِحقاقِه العِبادةَ وَحْدَه دونَ ما سِواه؟!

وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ

ولقد أُوحِيَ إليك -يا مُحمَّدُ- وأُوحِيَ إلى الَّذين مِن قَبْلِك مِنَ الأنبياءِ: لَئِنْ أشرَكْتَ باللهِ لَيَبطُلَنَّ عَمَلُك الصَّالِحُ، فلا يُثيبُك اللهُ عليه، ولَتَكونَنَّ -إنْ أشرَكْتَ باللهِ- مِن جُملةِ الَّذين خَسِروا ثوابَ أعمالِهم، واستحقُّوا عذابَ اللهِ

بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ

بَلِ اعبُدِ اللهَ وَحْدَه -يا مُحمَّدُ- دونَ ما سِواه مِن الآلهةِ، مُخلِصًا له في عِبادتِك، وكُنْ مِنَ الشَّاكِرينَ لله على نِعَمِه بالأعمالِ الصَّالِحةِ

وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّماوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ

وما عظَّم المُشرِكونَ اللهَ كما يَنْبغي له؛ حيثُ عَبَدوا معه غَيرَه، ولم يَصِفُوه بصِفَتِه الَّتي تَنْبَغي له تعالَى، وما قَدَروا اللهَ حَقَّ قَدْرِه، والحالُ أنَّ الأرضَ كُلَّها في قَبضتِه، يَقبِضُها بيَدِه يومَ القِيامةِ، والسَّمَواتُ السَّبعُ كُلُّها يَطويها اللهُ بيَدِه اليُمنى، تَنزَّه اللهُ وعَلا عن شِركِ المُشرِكينَ عُلُوًّا عَظيمًا

وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ

ويُنفَخُ في البُوقِ العَظيمِ يومَ القِيامةِ نَفخةٌ يَموتُ بها أهلُ السَّمَواتِ وأهلُ الأرضِ إلَّا مَن استَثناه اللهُ منهم، ثمَّ يُنفَخُ في البُوقِ نَفخةٌ ثانيةٌ، فإذا جميعُ الخلائقِ الذين ماتوا قدْ قاموا يَنظُرونَ

وَأَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا وَوُضِعَ الْكِتَابُ وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ وَالشُّهَدَاءِ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ

وأضاءت أرضُ المحشَرِ بنُورِ رَبِّها إذا تجلَّى لِفَصلِ القَضاءِ بيْنَ عِبادِه، وأُحضِرَت كُتُبُ أعْمالِ العِبادِ، ووُضِعَتْ لِمُحاسبتِهم ومُجازاتِهم بما فيها مِن خَيرٍ أو شَرٍّ، وجِيءَ بالنَّبِيِّينَ لِيَسألَهم رَبُّهم عمَّا أجابَتْهم به أُمَمُهم، وجِيءَ بالَّذين يَشهَدونَ على النَّاسِ بأعْمالِهم، ويَحكُمُ اللهُ بيْنَ العِبادِ يومَ القِيامةِ بالعَدلِ التَّامِّ، ولا يَظلِمُهم شَيئًا؛ فلا يُعاقِبُ أحَدًا بما لم يَعمَلْه، أو يُحَمِّلُه ذَنْبَ غَيرِه، أو يَنقُصُه مِن أجْرِه، أو يَزيدُ في سَيِّئاتِه

وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَا يَفْعَلُونَ

ويُوَفِّي اللهُ كُلَّ نَفْسٍ جَزاءَ عَمَلِها مِن خَيرٍ أو شَرٍّ، واللهُ أعلَمُ مِنَ النَّبيِّينَ والشُّهَداءِ بما يَفعَلُ عِبادُه في الدُّنيا، وسيُجازيهم يومَ القِيامةِ بحَسَبِ أفعالِهم

وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ زُمَرًا حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا فُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آَيَاتِ رَبِّكُمْ وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا قَالُوا بَلَى وَلَكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذَابِ عَلَى الْكَافِرِينَ

ويُساقُ الكُفَّارُ يوْمَ القِيامةِ إلى جَهنَّمَ جَماعاتٍ مُتفَرِّقةً، حتَّى إذا بلَغَ الكُفَّارُ جَهنَّمَ فُتِحَت لهمْ أبْوابُها السَّبعةُ فَجأةً فَوْرَ وُصولِهم، وقال لهم خَزَنةُ جَهنَّمَ الموكَّلونَ بها: ألمْ يَأتِكم رسُلٌ مِنكم يقرؤُونَ عليكم آياتِ رَبِّكم، ويُخَوِّفونَكم ويُحَذِّرونَكم شَرَّ يَومِ القِيامةِ، ومَصيرَكم إليه؟ قال الَّذين كَفَروا: بلَى! قدْ أتَتْنا رسُلٌ مِنَّا يقرؤُونَ علينا وَحْيَ رَبِّنا، ويُنذِرونَنا يوْمَ القِيامةِ، ولكِنْ كذَّبْناهم، ووَجَبتْ كَلِمةُ العذابِ -في عِلمِ اللهِ السَّابقِ- على الكافِرينَ به وبآياتِه ورُسُلِه

قِيلَ ادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا فَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ

فيُقالُ لهم: ادْخُلوا أبوابَ جَهنَّمَ السَّبعةَ ماكِثينَ فيها أبدًا، لا يَنقَطِعُ عنكم عَذابُها، ولا أنتمْ تُخرَجونَ منها، فبِئْسَ المَقامُ والمُستقَرُّ للمُتكَبِّرينَ عن الحَقِّ، نارُ جَهنَّمَ

وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَرًا حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا سَلَامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ

ويُساقُ يوْمَ القِيامةِ الَّذين اتَّقَوا رَبَّهم بامتِثالِ ما أمَرَ واجتِنابِ ما نهَى: إلى الجنَّةِ أفواجًا وجَماعاتٍ، حتَّى إذا بلَغَ المتَّقونَ الجنَّةَ، وفُتِحت لهمْ أبوابُها، وقال خَزَنةُ الجَنَّةِ المُوكَّلونَ بها للمُتَّقينَ: تَحيَّةٌ وأمَنةٌ مِنَ اللهِ لكم، فلا يَنالُكم شَرٌّ ولا مَكروهٌ، طابَت أعْمالُكم وأقْوالُكم، فصَلَحْتُم لِسُكنى الجنَّةِ، فادخُلوها ماكِثينَ فيها أبدًا

وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ وَأَوْرَثَنَا الْأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشَاءُ فَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ

وقال المُتَّقونَ: الحَمدُ للهِ وَحْدَه الَّذي حَقَّق لنا ما وعَدَنا مِنَ الثَّوابِ على طاعتِه في الدُّنيا، فأنجَزَه لنا في الآخِرةِ، وملَّكَنا أرضَ الجنَّةِ نَسكُنُ منها حيثُ نُحِبُّ ونَشْتَهي، ونَنزِلُ في أيِّ مَكانٍ شِئْناه منها، فأينَ شِئْنا حَلَلْنا، فنِعْمَ ثَوابُ العامِلينَ بطاعةِ اللهِ في الدُّنيا: نَعيمُ الجنَّةِ في الآخِرةِ

وَتَرَى الْمَلَائِكَةَ حَافِّينَ مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَقِيلَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ

وتَرى يا مُحمَّدُ الملائِكةَ مُحيطينَ بعَرشِ الرَّحمنِ، يُنَزِّهون ربَّهم عِن كُلِّ العُيوبِ والنَّقائِصِ تَنزيهًا مُقتَرِنًا بوَصفِه بصِفاتِ الكَمالِ؛ مَحبَّةً له وتَعظيمًا، وحَكَم اللهُ بيْنَ عِبادِه بالعَدلِ التَّامِّ، ويُقالُ: الحَمدُ للهِ تعالى وَحْدَه الخالِقِ المالِكِ، الرَّازِقِ المُدَبِّرِ لجَميعِ الخلائِقِ

غافر

حم

هذانِ الحرفانِ مِن الحروفِ المُقطَّعةِ الَّتي افتُتِحَتْ بها بعضُ سُوَرِ القرآنِ الكريمِ؛ لبيانِ إعجازِ هذا القرآنِ؛ حيثُ تُظهِرُ عجْزَ الخَلْقِ عن مُعارَضَتِه بمِثلِه، مع أنَّه مركَّبٌ مِن هذه الحروفِ العربيَّةِ الَّتي يَتحدَّثونَ بها

تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ

تَنزيلُ القُرآنِ مِن عندِ اللهِ القاهِرِ الغالِبِ، المَنيعِ الجَنابِ، الممتنعِ عن كلِّ نقصٍ وعيبٍ، ذي القدرِ والسِّيادةِ؛ العِليمِ الَّذي أحاط عِلمُه بكُلِّ شَيءٍ

غَافِرِ الذَّنْبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ الْعِقَابِ ذِي الطَّوْلِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ إِلَيْهِ الْمَصِيرُ

غافرِ ذُنوبِ عبادِه، وقابِلِ تَوبةِ التَّائِبينَ مِن الشِّركِ وجَميعِ المعاصي، شديدِ العِقابِ لِمَن يَستحِقُّ مِن عِبادِه، صاحبِ الغنَى الواسِعِ، والفَضلِ والإنعامِ على خَلْقِه، لا مَعبودَ حَقٌّ إلَّا اللهُ وَحْدَه، إليهِ وَحْدَه مَرجِعُ العِبادِ، فيُجازيهم بأعمالِهم

مَا يُجَادِلُ فِي آَيَاتِ اللَّهِ إِلَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَا يَغْرُرْكَ تَقَلُّبُهُمْ فِي الْبِلَادِ

ما يُجادِلُ بالباطِلِ في آياتِ اللهِ الدَّالَّةِ على الحَقِّ إلَّا الكافِرونَ الَّذين يَرُدُّونَها، ويَطعُنونَ فيها، يَقصِدونَ إدحاضَ الحَقِّ، وإطفاءَ نُورِ اللهِ تعالى، فلا يَخدَعْك -يا مُحمَّدُ- تصَرُّفُ الكُفَّارِ في الأرضِ، وتَردُّدُهم فيها بالأسفارِ وأنواعِ المكاسِبِ وغَيرِها، وتمتُّعُهم في الدُّنيا سالِمينَ مع كُفرِهم بالله؛ فتَظُنَّ بهم ظَنًّا حَسَنًا، وأنَّهم على الحَقِّ، أو أنَّ اللهَ لا يُؤاخِذُهم بذُنوبِهم؛ فاللهُ عالمٌ بحالِهم، فيُمهِلُهم ويَستَدرِجُهم بالنِّعَمِ حتَّى يُهلِكَهم

كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَالْأَحْزَابُ مِنْ بَعْدِهِمْ وَهَمَّتْ كُلُّ أُمَّةٍ بِرَسُولِهِمْ لِيَأْخُذُوهُ وَجَادَلُوا بِالْبَاطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ فَأَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كَانَ عِقَابِ

كذَّبَت الأُمَمُ الماضيةُ رُسُلَها مِن قَبْلِ كُفَّارِ قُرَيشٍ، وهم قَومُ نُوحٍ، ومَنْ بَعْدَهم مِنَ الأُمَمِ المكَذِّبةِ مِمَّن تحَزَّبوا واتَّفَقوا على إبطالِ الحَقِّ، ونَصرِ الباطِلِ؛ كعادٍ، وثمودَ، وقَومِ لُوطٍ، وأصحابِ مَدْينَ، وقَومِ فِرعَونَ، وهَمَّ كُلُّ قَومٍ مِن أولئك الكُفَّارِ المتحَزِّبينَ بقَتلِ رَسولِهم الَّذي كَذَّبوه، وجادَلوا رَسولَهم بالباطِلِ؛ لِيُزيلوا به الحَقَّ ويُبطِلوه، فأخَذْتُهم بعَذابٍ أهلَكَهم، فكيف كان عِقابي الَّذي أصابَهم؟

وَكَذَلِكَ حَقَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّهُمْ أَصْحَابُ النَّارِ

وكما وَجَب العَذابُ على كُفَّارِ الأُمَمِ الماضيةِ، كذلك وَجَب على الذين كفروا مِن قومِك وعلى جَميعِ الكُفَّارِ؛ أنَّهم الملازِمونَ في الآخِرةِ عَذابَ النَّارِ

الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آَمَنُوا رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ

الملائِكةُ الَّذين يَحمِلونَ العَرشَ والملائِكةُ المُقَرَّبونَ الَّذين يَحُفُّونَ به يُنَزِّهونَ رَبَّهم عن النَّقائِصِ تَنزيهًا مُقتَرِنًا بوَصفِه بصِفاتِ الكَمالِ؛ مَحَبَّةً وتعظيمًا، ويُؤمِنونَ برَبِّهم، وأنَّه المُستَحِقُّ للعبادةِ وَحْدَه، ويَطلُبونَ مِن الله المَغفرةَ للمؤمنينَ، قائلينَ: يا رَبَّنا وَسِعَتْ رَحمتُك كُلَّ شَيءٍ، فما مِن شَيءٍ إلَّا شَمِلَتْه رحمتُك، ووَسِعَ عِلمُك كُلَّ شَيءٍ، فما مِن شَيءٍ إلا وقد أحاطَ به عِلمُك، فاغفِرْ للَّذين تابوا مِنَ الشِّركِ والمعاصي، والتَزَموا بما شرَعْتَه مِن دينِ الإسلامِ، فوَحَّدوك وأطاعوكَ، واصرِفْ عنهم عذابَ النَّارِ يومَ القيامةِ

رَبَّنَا وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدْتَهُمْ وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آَبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ

يا رَبَّنا وأدخِلِ الَّذين تابُوا واتَّبَعوا سَبيلَك جنَّاتِ عَدْنٍ الَّتي وعَدْتَهم بإدخالِهم إيَّاها، ومَنْ صَلَح في الدُّنيا مِن آبائِهم وأزواجِهم وذُرِّيَّاتِهم، فآمَنَ وعَمِلَ الصَّالحاتِ، إنَّك أنت العزيزُ ذو القَدْرِ والسِّيادةِ، الغالِبُ القاهِرُ لكُلِّ شَيءٍ، المُمتَنِعُ عليه كُلُّ عَيبٍ ونَقصٍ؛ الحَكيمُ في شَرْعِك وقَدَرِك وتدبيرِ خَلْقِك

وَقِهِمُ السَّيِّئَاتِ وَمَنْ تَقِ السَّيِّئَاتِ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمْتَهُ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ

واحفَظِ المؤمِنينَ الَّذين تابوا واتَّبَعوا سَبيلَك مِمَّا يَسوؤُهم، مِنِ ارتِكابِ الأعمالِ السَّيِّئةِ، وعُقوباتِها الَّتي تَسوءُ أصحابَها، ومَن تَصْرِفْ عنه سوءَ عاقِبةِ سَيِّئاتِه يومَ القيامةِ فقد رَحِمْتَه بالنَّجاةِ مِن عَذابِك، ودُخولِ جنَّتِك، وذلك هو الفَوزُ الكبيرُ الَّذي لا فَوْزَ مِثلُه

إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنَادَوْنَ لَمَقْتُ اللَّهِ أَكْبَرُ مِنْ مَقْتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ إِذْ تُدْعَوْنَ إِلَى الْإِيمَانِ فَتَكْفُرُونَ

إنَّ الكافِرين يُنادَونَ وهم في النَّارِ يُعذَّبونَ: لَبُغْضُ اللهِ الشَّديدُ لكم في الدُّنيا حينَ كُنتُم تُدْعَونَ فيها إلى الإيمانِ، فتَكفُرونَ- أعظَمُ مِن بُغضِكم الشَّديدِ اليَومَ لأنفُسِكم

قَالُوا رَبَّنَا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ فَاعْتَرَفْنَا بِذُنُوبِنَا فَهَلْ إِلَى خُرُوجٍ مِنْ سَبِيلٍ

قال أولئك الكافِرونَ مِن أهلِ النَّارِ: يا رَبَّنا أمَتَّنا مَوتَتَينِ اثنتَينِ -حينَ كانوا نُطَفًا قبْلَ نَفخِ الرُّوحِ فيهم، ثمَّ عندَ انتهاءِ آجالِهم في الدُّنيا-، وأحيَيْتَنا إحيائتَينِ اثنتَينِ -بنَفخِ الرُّوحِ فيهم في الدُّنيا، وحينَ بَعثِهم يومَ القيامةِ-، فأقرَرْنا بما اقتَرَفْناه مِنَ الذُّنوبِ، فهل مِن طَريقٍ أو وَسيلةٍ للخُروجِ مِن النَّارِ؟

ذَلِكُمْ بِأَنَّهُ إِذَا دُعِيَ اللَّهُ وَحْدَهُ كَفَرْتُمْ وَإِنْ يُشْرَكْ بِهِ تُؤْمِنُوا فَالْحُكْمُ لِلَّهِ الْعَلِيِّ الْكَبِيرِ

فأُجيبوا بأنَّه لا سَبيلَ لكم للخُروجِ مِن النَّارِ؛ لأنَّكم كنتُم في الدُّنيا إذا دُعِيَ اللهُ وَحْدَه كفَرْتُم بوَحدانيَّتِه، وإن يُجعَلْ له شَريكٌ في عبادتِه تُؤمِنوا بالشِّركِ !فالقَضاءُ العادِلُ بيْنَ العِبادِ للهِ وَحْدَه العَليِّ الذَّاتِ والقَدْرِ والصِّفاتِ؛ القاهِرِ لكُلِّ شَيءٍ، العَليِّ عن أن يكونَ له شَريكٌ؛ الكبيرِ، ذي الكِبرياءِ والعَظَمةِ في ذاتِه وأسمائِه وصِفاتِه وأفعالِه

هُوَ الَّذِي يُرِيكُمْ آَيَاتِهِ وَيُنَزِّلُ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ رِزْقًا وَمَا يَتَذَكَّرُ إِلَّا مَنْ يُنِيبُ

اللهُ وَحْدَه الَّذي يُريكم -أيُّها النَّاسُ- آياتِه الدَّالَّةَ على وحدانيَّتِه وقُدرتِه، وكَمالِ صِفاتِه وأفعالِه، ويُنَزِّلُ مِن أجْلِكم رِزقًا مِنَ السَّماءِ، وما يَتذكَّرُ بالآياتِ فيَعتَبِرُ ويَتَّعِظُ حينَ يُذكَّرُ بها إلَّا مَن يُنيبُ إلى اللهِ تعالى بالرُّجوعِ عن الكُفرِ والشِّركِ والمعاصي، إلى الإيمانِ والتَّوحيدِ والطَّاعةِ، والإقبالِ على مَحبَّتِه وخَشيتِه

فَادْعُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ

فادعُوا اللهَ وَحْدَه مُخلِصينَ له، غيرَ مُشرِكينَ به شَيئًا في كُلِّ حالٍ، حتَّى في حالِ كَراهةِ الكافِرينَ لذلك

رَفِيعُ الدَّرَجَاتِ ذُو الْعَرْشِ يُلْقِي الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ لِيُنْذِرَ يَوْمَ التَّلَاقِ

هو العَلِيُّ الأعلى فَوقَ السَّمَواتِ، صاحِبُ العَرشِ العَظيمِ، العالي على جَميعِ المخلوقاتِ، وقد استَوى عليه استواءً يَليقُ بعَظَمتِه وجَلالِه، يُنزِّلُ اللهُ الوَحيَ مِنْ أمْرِه على مَن يَشاءُ مِن عبادِه، وهم الرُّسُلُ، لِيُخَوِّفَ النَّاسَ ويُحَذِّرَهم يومَ القيامةِ

يَوْمَ هُمْ بَارِزُونَ لَا يَخْفَى عَلَى اللَّهِ مِنْهُمْ شَيْءٌ لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ

يومَ يكونُ النَّاسُ بعدَ خُروجِهم مِن قُبورِهم ظاهِرينَ في صَعيدٍ واحِدٍ، لا يَخفَى على اللهِ مِنهم شَيءٌ مِن ذَواتِهم وأحوالِهم، وظواهِرِهم وبواطِنِهم، يَقولُ اللهُ تعالى يومَ القيامةِ: لِمَنِ المُلكُ اليومَ؟ فيُجيبُ نَفْسَه فيَقولُ: للهِ الواحِدِ الَّذي لا شَريكَ له في مُلكِه، ولا مِثْلَ له في ذاتِه وأسمائِه وصِفاتِه وأفعالِه، القَهَّارِ الَّذي قَهَر وغَلَب كُلَّ شَيءٍ؛ فكُلُّ ما سِواه خاضِعٌ له

الْيَوْمَ تُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ لَا ظُلْمَ الْيَوْمَ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ

اليَومَ يُثابُ كُلُّ عاملٍ بما عَمِلَه في الدُّنيا جزاءً مُناسِبًا لعَمَلِه مِن خيرٍ أو شَرٍّ، لا ظُلْمَ يومَ القيامةِ على أحَدٍ بوَجهٍ مِن الوُجوهِ؛ فلا يُعاقَبُ أحَدٌ بذَنْبِ غَيرِه، ولا يُعاقَبُ بأكثَرَ مِمَّا يَستَحِقُّ، ولا يُزادُ في سَيِّئاتِه شَيءٌ، ولا يُنقَصُ مِن حَسَناتِه شَيءٌ، إنَّ اللهَ ذو سُرعةٍ بالِغةٍ في مُحاسَبةِ عِبادِه يومَ القيامةِ على ما عَمِلوا في الدُّنيا

وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْآَزِفَةِ إِذِ الْقُلُوبُ لَدَى الْحَنَاجِرِ كَاظِمِينَ مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلَا شَفِيعٍ يُطَاعُ

وخَوِّفِ النَّاسَ -يا مُحمَّدُ- وحَذِّرْهم مِن يَومِ القيامةِ وما فيه مِن أهوالٍ، حينَ تَبلُغُ قُلوبُ العِبادِ حَناجِرَهم؛ مِن شِدَّةِ خَوفِهم، فعَلِقَت فيها، فلا تَخرُجُ مِن أبدانِهم فيَموتوا، ولا تَرجِعُ إلى مَواضِعِها، قد امتلأَتْ خَوفًا وغَمًّا ورُعبًا، فلا يَقدِرونَ على الكَلامِ، ليس للَّذين ظَلَموا أنفُسَهم بالشِّركِ يومَ القيامةِ قَريبٌ أو صاحِبٌ مُحِبٌّ مُشفِقٌ يَدفَعُ عنهم عذابَ اللهِ، وليس لهم شَفيعٌ يَشفَعُ لهم عندَ اللهِ؛ فيُجابَ فيما سألَ، وتُقبَلَ شَفاعتُه فيهم

يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ

يَعلَمُ اللهُ خيانةَ الأعيُنِ، وما تَنطوي عليه صُدورُهم مِنَ الضَّمائِرِ

وَاللَّهُ يَقْضِي بِالْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لَا يَقْضُونَ بِشَيْءٍ إِنَّ اللَّهَ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ

واللهُ يَحكُمُ بيْنَ عِبادِه بالعَدلِ التَّامِّ، والَّذين يَدْعوهم المُشرِكونَ مِن دُونِ اللهِ لا يَحكُمونَ بشَيءٍ؛ فهم لا يَملِكونَ شَيئًا، ولا يَقدِرونَ على شَيءٍ، إنَّ اللهَ هو السَّميعُ لكُلِّ صَوتٍ، البَصيرُ بكُلِّ شَيءٍ

أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ كَانُوا مِنْ قَبْلِهِمْ كَانُوا هُمْ أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَآَثَارًا فِي الْأَرْضِ فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ وَمَا كَانَ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَاقٍ

أوَلَم يَسِرْ أولئكَ المُشرِكونَ مِن كُفَّارِ قُرَيشٍ في الأرضِ، فيَنظُروا مُعتَبِرينَ نهايةَ أمْرِ مَن كان قَبلَهم مِنَ الأُمَمِ الماضيةِ؟ كانوا أشَدَّ قوَّةً مِن كُفَّارِ قُرَيشٍ، وأعظَمَ آثارًا في الأرضِ منهم، فلمْ تَنفَعْهم شِدَّةُ قُوَّتِهم ولا آثارُهم في الأرضِ؛ حيثُ عاقَبَهمُ اللهُ فأهلَكَهم بسَببِ ذُنوبِهم، ولم يَكُنْ لهم حِينَ جاءَهم عذابُ اللهِ أحدٌ يَقيهم منه، ويدفعُه عنهم

ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانَتْ تَأْتِيهِمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَكَفَرُوا فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ إِنَّهُ قَوِيٌّ شَدِيدُ الْعِقَابِ

إنَّما نَزَل ذلك العَذابُ بهم؛ لأنَّهم كانت تأتيهم رسُلُهم بالدَّلالاتِ الواضِحاتِ على تَوحيدِ اللهِ وصِدقِ رُسُلِه، فكفَروا، وجَحَدوا توحيدَ اللهِ، وكَذَّبوا رسُلَه؛ فعاقَبَهم اللهُ بعَذابِه فأهلَكَهم، إنَّ اللهَ ذو قُوَّةٍ عَظيمةٍ؛ فلا يُعجِزُه شَيءٌ، ولا يَقهَرُه شَيءٌ سُبحانَه، وعِقابُه شَديدٌ على مَن يَستَحِقُّه

وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآَيَاتِنَا وَسُلْطَانٍ مُبِينٍ

ولقدْ أرسَلْنا موسى بمُعجِزاتِنا، وبحُجَّةٍ ظاهِرةٍ مُظهِرةٍ للحَقِّ

إِلَى فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَقَارُونَ فَقَالُوا سَاحِرٌ كَذَّابٌ

إلى فِرعَونَ مَلِكِ مِصرَ، ووَزيرِه هامانَ، وقارونَ الَّذي كان مِن قَومِ مُوسَى فبغَى عليهم؛ فقالوا عن مُوسَى: هو ساحِرٌ فيما يُرينا مِن آياتٍ، كذَّابٌ في زَعْمِه أنَّ اللهَ أرسَلَه إلينا

فَلَمَّا جَاءَهُمْ بِالْحَقِّ مِنْ عِنْدِنَا قَالُوا اقْتُلُوا أَبْنَاءَ الَّذِينَ آَمَنُوا مَعَهُ وَاسْتَحْيُوا نِسَاءَهُمْ وَمَا كَيْدُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلَالٍ

فلمَّا جاءَهم مُوسى بالحَقِّ مِن عِندِ اللهِ، لم يُذِعنوا له، وقالوا: اقتُلوا أبناءَ الَّذين آمَنوا مع مُوسى، واستَبْقُوا نِساءَهم أحياءً! وما كيْدُهم هذا إلَّا كَيدٌ باطِلٌ مُضمَحِلٌّ؛ فلا يَتمُّ لهم ما قَصَدوه به

وَقَالَ فِرْعَوْنُ ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسَى وَلْيَدْعُ رَبَّهُ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَنْ يُظْهِرَ فِي الْأَرْضِ الْفَسَادَ

وقال فِرعَونُ: دَعوني أقتُلْ مُوسى، ولْيَدْعُ رَبَّه الذي يَزعُمُ أنَّه أرسَلَه إلينا؛ فيَمنَعَه منِّي؛ إنِّي أخافُ -لو ترَكْتُ مُوسى- أن يُغَيِّرَ دِينَكم الذي أنتُم عليه بسِحْرِه، أو أنْ يُظهِرَ في أرضِ مِصرَ الفَسادَ!

وَقَالَ مُوسَى إِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ مِنْ كُلِّ مُتَكَبِّرٍ لَا يُؤْمِنُ بِيَوْمِ الْحِسَابِ

وقال موسى: إنِّي أستَجيرُ وأعتَصِمُ برَبِّي ورَبِّكم مِن كُلِّ مُتكَبِّرٍ مُتعاظِمٍ عن الحَقِّ، لا يُؤمِنُ بيَومِ القِيامةِ الَّذي يحاسِبُ اللهُ فيه عِبادَه، ويُجازيهم على أعمالِهم

وَقَالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِنْ آَلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمَانَهُ أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ وَقَدْ جَاءَكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ مِنْ رَبِّكُمْ وَإِنْ يَكُ كَاذِبًا فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ وَإِنْ يَكُ صَادِقًا يُصِبْكُمْ بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ

وقال رجُلٌ مُؤمِنٌ مِن قَومِ فِرعَونَ يُخفي عنهم إيمانَه باللهِ وبنُبُوَّةِ موسى: كيفَ تستَحِلُّون قتْلَ موسَى مِن أجْلِ قَولِه: رَبِّيَ اللهُ؟! فإنَّه لا ذنْبَ له يَستحِقُّ به القتلَ، ولم يكُنْ قولُه أيضًا مجرَّدًا عن البيِّناتِ؛ فقد جاءَكم بالدَّلائِلِ الواضِحاتِ، وإنْ كان موسى كاذِبًا في دعواه فإنَّما يَعودُ ضَرَرُ كَذِبِه عليه، وليسَ عليكم في ذلِك ضَرَرٌ، وإنْ كان موسى صادِقًا في دعواه فكذَّبتُموه، فلا بُدَّ أن يُصيبَكم بَعضُ ما يَعِدُكم ويَتهدَّدُكم به مِن العُقوباتِ؛ فلا حاجةَ لكم -إذَنْ- إلى قَتْلِه !إنَّ اللهَ لا يَهدي للحَقِّ مَن هو مُظهِرٌ للفَسادِ، مُتجاوِزٌ للحَدِّ، مُفتَرٍ للكَذِبِ

يَا قَوْمِ لَكُمُ الْمُلْكُ الْيَوْمَ ظَاهِرِينَ فِي الْأَرْضِ فَمَنْ يَنْصُرُنَا مِنْ بَأْسِ اللَّهِ إِنْ جَاءَنَا قَالَ فِرْعَوْنُ مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَى وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشَادِ

يا قَومِ لكم الغَلَبةُ والسُّلطانُ اليومَ في أرضِ مِصرَ، والعُلُوُّ على أهلِها، فمَن يَدفَعُ عنَّا عذابَ اللهِ إنْ حَلَّ بنا؟! فقُوَّتُنا لنْ تنفَعَنا شَيئًا إنْ جاءَتْنا عُقوبةُ اللهِ، قال فِرعَونُ: ما أُشيرُ عليكم ولا أقولُ لكم إلَّا ما أعتقدُه، وأرَى أنَّه هو الحَقُّ والصَّوابُ، فلا أُظهرُ لكم شيئًا خِلافَ ما أُبطنُه، وما أدْعوكم إلَّا إلى طَريقِ الحَقِّ والسَّدادِ !

وَقَالَ الَّذِي آَمَنَ يَا قَوْمِ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ مِثْلَ يَوْمِ الْأَحْزَابِ

وقال مُؤمِنُ آلِ فِرعَونَ لِقَومِه: يا قَومِ إنِّي أخافُ عليكم -إنْ قتَلْتُم موسى- يومًا يَحُلُّ فيه هلاكُكم مِثلَ أيَّامِ الأُمَمِ الَّتي تحَزَّبتْ على رُسُلِها، واجتَمَعَتْ على تَكذيبِهم؛ فأهلَكَهم اللهُ تعالَى

مِثْلَ دَأْبِ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعِبَادِ

مِثْلَ عادةِ قَومِ نُوحٍ وعادٍ وثَمودَ، والأُمَمِ الَّذين جاؤُوا بَعْدَهم، كقَومِ لُوطٍ وشُعَيبٍ؛ الَّذين لَزِموا تَكذيبَ رُسُلِهم، فأهلَكَهم اللهُ بعَذابِه، ولا يُريدُ اللهُ أيَّ ظُلمٍ لعِبادِه، وإنَّما أهلَكَ أحزابَ الكُفرِ مِن الأُمَمِ الماضيةِ؛ بسَبَبِ كُفرِهم به، ومُخالفتِهم أمْرَه، وتَكذيبِهم رُسُلَه

وَيَا قَوْمِ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ يَوْمَ التَّنَادِ

ويا قَومِ إنِّي أخافُ عليكم يومَ القِيامةِ الذي يكثر فيه التَّنادي

يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ مَا لَكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ عَاصِمٍ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ

يومَ تَفِرُّونَ هارِبينَ مِن عَذابِ اللهِ، ما لَكم مِنَ اللهِ أيُّ مانعٍ يَمنَعُكم مِن عَذابِه، ومَن يَخذُلْه اللهُ عن الحَقِّ فلا أحَدَ يَهديه إليه

وَلَقَدْ جَاءَكُمْ يُوسُفُ مِنْ قَبْلُ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا زِلْتُمْ فِي شَكٍّ مِمَّا جَاءَكُمْ بِهِ حَتَّى إِذَا هَلَكَ قُلْتُمْ لَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ مِنْ بَعْدِهِ رَسُولًا كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ مُرْتَابٌ

قال مُؤمِنُ آلِ فِرعَونَ لِقَومِه: ولقدْ جاء يُوسُفُ إلى أسلافِكم مِن قَبلِ موسى بالحُجَجِ الواضِحةِ الدَّالَّةِ على تَوحيدِ اللهِ، وصِدقِ نبُوَّتِه، فما زِلتُم -تَبَعًا لأسلافِكم- تَشُكُّونَ فيما جاء به يوسُفُ مِن البَيِّناتِ، فلم تُؤمِنوا الإيمانَ الواجِبَ الخاليَ مِن الشَّكِّ حتَّى إذا مات يُوسُفُ قال أسلافُكم بالظَّنِّ الباطِلِ: لن يُرسِلَ اللهُ مِن بَعدِ يُوسُفَ رَسولًا غَيرَه! وكما أضَلَّكم اللهُ حِينَ لم تَقبَلوا ما جاءَكم به يُوسُفُ؛ لإسرافِكم وارتيابِكم، يُضِلُّ اللهُ كُلَّ مَن هو مُسرِفٌ على نَفسِه بالكُفرِ أو الظُّلمِ أو العِصيانِ، ذو شَكٍّ ورِيبةٍ واضطِرابٍ في شأنِ الحَقِّ

الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آَيَاتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ وَعِنْدَ الَّذِينَ آَمَنُوا كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ

الذَّين يُجادِلون بالباطِلِ في آياتِ اللهِ وحُجَجِه الَّتي جاءَتْ بها الرُّسُلُ بغيرِ دَليلٍ عِندَهم مِنَ اللهِ: عَظُمَ بُغضُ اللهِ والمؤمِنينَ لهم ولجِدالِهم، كما طبَع اللهُ على قُلوبِ هؤلاءِ المجادلينَ يَختِمُ اللهُ على قَلبِ كُلِّ مُتكَبِّرٍ عن الحَقِّ، مُتعاظِمٍ على الخَلقِ، مُبالِغٍ في الظُّلمِ والعُدوانِ

وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا هَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ

وقال فِرعَونُ لهامانَ: يا هامانُ ابْنِ لي بِناءً عَظيمًا شاهِقًا، رجاءَ الوُصولِ للطُرُقِ والأبوابِ !

أَسْبَابَ السَّمَاوَاتِ فَأَطَّلِعَ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ كَاذِبًا وَكَذَلِكَ زُيِّنَ لِفِرْعَوْنَ سُوءُ عَمَلِهِ وَصُدَّ عَنِ السَّبِيلِ وَمَا كَيْدُ فِرْعَوْنَ إِلَّا فِي تَبَابٍ

رجاءَ الوُصولِ لطُرُقِ السَّمواتِ وأبوابِها الَّتي تُوصِلُني إلى إلهِ موسى فأنظُرَ إليه !وإنِّي لَأظُنُّ موسى كاذبًا في دَعْواه أنَّ في السَّماء إلهًا !وهكذا زُيِّنَ لِفِرعَونَ عَمَلُه السَّيِّئُ، فرأَى الباطِلَ حَسَنًا !ومُنِعَ وصُرِفَ عن طَريقِ الحَقِّ، وما احتيالُ فِرعَونَ الَّذي احتاله للاطِّلاعِ إلى إلهِ موسى -بزَعْمِه- إلَّا في خَسارٍ وهَلاكٍ لا يَنالُ به شَيئًا مِمَّا أرادَه

وَقَالَ الَّذِي آَمَنَ يَا قَوْمِ اتَّبِعُونِ أَهْدِكُمْ سَبِيلَ الرَّشَادِ

وقال الَّذي آمَنَ ناصِحًا لِقَومِه: يا قَومِ إنِ اتَّبَعتُموني أُبَيِّنْ لكم الطَّريقَ الصَّحيحَ الَّذي تَصِلونَ به إلى الجنَّةِ

يَا قَوْمِ إِنَّمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا مَتَاعٌ وَإِنَّ الْآَخِرَةَ هِيَ دَارُ الْقَرَارِ

يا قَومِ ما هذه الحياةُ الدُّنيا إلَّا مَتاعٌ قَليلٌ فانٍ لا يَبقَى، وإنَّ الدَّارَ الآخِرةَ هي دارُ الاستِقرارِ والخُلودِ؛ إمَّا في نعيمِ الجنَّةِ، أو عذابِ النَّارِ؛ فاعمَلوا لآخِرتِكم الَّتي لا زَوالَ لها، ولا انتِقالَ منها

مَنْ عَمِلَ سَيِّئَةً فَلَا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا وَمَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ يُرْزَقُونَ فِيهَا بِغَيْرِ حِسَابٍ

مَن عَمِلَ في الدُّنيا معصيةً مِن المعاصي كائِنَةً ما كانَتْ، فلا يَجزيه اللهُ في الآخِرةِ إلَّا مِثلَها بلا زيادةٍ، فيُعاقِبُه بما يَسوؤُه؛ جَزاءً بما عَمِلَ، ومَن عَمِلَ مِن العبادِ -سواءٌ كان ذكرًا أو أنثى- عمَلًا صالِحًا، بامتِثالِ أمْرِ اللهِ واجتِنابِ نَهْيِه، وهو مُؤمِنٌ باللهِ ورُسُلِه: فأولئك يَدخُلونَ الجنَّةَ في الآخِرةِ، يُرزَقونَ فيها ثوابًا كَثيرًا لا نَفادَ له، بلا حَدٍّ ولا عَدٍّ

وَيَا قَوْمِ مَا لِي أَدْعُوكُمْ إِلَى النَّجَاةِ وَتَدْعُونَنِي إِلَى النَّارِ

قال مُؤمِنُ آلِ فِرعَونَ لِقَومِه: ويا قَومي ما لي أدعُوكم إلى سَبيلِ النَّجاةِ مِن العَذابِ، وتَدعُونَني أنتم إلى طَريقِ النَّارِ؟!

تَدْعُونَنِي لِأَكْفُرَ بِاللَّهِ وَأُشْرِكَ بِهِ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَأَنَا أَدْعُوكُمْ إِلَى الْعَزِيزِ الْغَفَّارِ

تَدْعُونَني لِأكفُرَ باللهِ وأُشرِكَ بهِ ما لا أعلَمُ دَليلًا على صِحَّتِه، وأنا أدعوكم إلى عبادةِ العَزيزِ ذي القَهرِ والانتِقامِ مِمَّن استكبَرَ عن الحَقِّ وكَفَر به، البالِغِ المَغفرةَ لِمَن تابَ إليه

لَا جَرَمَ أَنَّمَا تَدْعُونَنِي إِلَيْهِ لَيْسَ لَهُ دَعْوَةٌ فِي الدُّنْيَا وَلَا فِي الْآَخِرَةِ وَأَنَّ مَرَدَّنَا إِلَى اللَّهِ وَأَنَّ الْمُسْرِفِينَ هُمْ أَصْحَابُ النَّارِ

حَقًّا يَقينًا لا شَكَّ فيه أنَّ الَّذي تَدْعُونَني إلى عبادتِه مِن الأوثانِ: عاجِزٌ لا يجيبُ داعيه في الدُّنيا ولا في الآخِرةِ، ولا شَكَّ أيضًا أنَّ مَرجِعَنا جميعًا بعدَ مماتِنا إلى الله، فيُجازي كلَّ عامِلٍ بحَسَبِ عَمَلِه، ولا شَكَّ أنَّ الكافرينَ الَّذين تَعَدَّوا حُدودَ اللهِ: هم أصحابُ النَّارِ المُلازِمونَ لها

فَسَتَذْكُرُونَ مَا أَقُولُ لَكُمْ وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ

فسوفَ تَتذَكَّرونَ ما نَصحتُكم به، وتَعلَمونَ صِدقي، وتَندَمونَ حينَ يأتيكم عَذابُ اللهِ، وأُسَلِّمُ أمْري إلى الله، وأتَوَكَّلُ عليه، وأعتَصِمُ به، إنَّ اللهَ مُطَّلِعٌ على عِبادِه، عالِمٌ بأعمالِهم وأحوالِهم وأُمورِهم كُلِّها، لا يَخفى عليه منهم شَيءٌ

فَوَقَاهُ اللَّهُ سَيِّئَاتِ مَا مَكَرُوا وَحَاقَ بِآَلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذَابِ

فحَفِظَ اللهُ مُؤمِنَ آلِ فِرعَونَ، ودَفَع عنه كَيْدَهم، ونَزَل وأحاطَ بفِرعَونَ وأتْباعِه ما ساءَهم مِن عذابِ اللهِ، الَّذي وَجَبَ عليهم

النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آَلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ

يُعرَضونَ على النَّارِ في قبورِهم كلَّ صَباحٍ ومَساءٍ؛ ليُعذَّبوا بها، ويومَ القيامةِ يُقولُ اللهُ للملائكةِ: أدخِلوا فِرعَونَ وأتْباعَه أشَدَّ عذابِ النَّارِ

وَإِذْ يَتَحَاجُّونَ فِي النَّارِ فَيَقُولُ الضُّعَفَاءُ لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعًا فَهَلْ أَنْتُمْ مُغْنُونَ عَنَّا نَصِيبًا مِنَ النَّارِ

واذكُرْ -يا مُحمَّدُ- حينَ يَتجادَلُ الكُفَّارُ ويَتخاصَمونَ في النَّارِ، فيَقولُ الضُّعَفاءُ -وهم الأتْباعُ- لِرُؤسائِهم المَتبوعينَ الَّذين تَكبَّروا وتَعاظَموا عن قَبولِ الحَقِّ واتِّباعِه: إنَّا كُنَّا في الدُّنيا نَتَّبِعُكم ونُطيعُكم فيما دَعَوْتُمونا إليه مِنَ الضَّلالِ، فهل أنتم مُتحَمِّلونَ عنَّا قِسطًا وجُزءًا مِنَ النَّارِ؟!

قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُلٌّ فِيهَا إِنَّ اللَّهَ قَدْ حَكَمَ بَيْنَ الْعِبَادِ

قال المُستَكبِرونَ: نحن وأنتم جميعًا مُعَذَّبونَ في النَّارِ، إنَّ اللهَ قد حَكَم بيْنَ عِبادِه بالعَدلِ، فلا يُؤاخِذُ أحَدًا بذَنْبِ غَيرِه، وقَسَم بيْنَنا العَذابَ بقَدرِ ما يَستَحِقُّه كُلُّ واحدٍ مِنَّا

وَقَالَ الَّذِينَ فِي النَّارِ لِخَزَنَةِ جَهَنَّمَ ادْعُوا رَبَّكُمْ يُخَفِّفْ عَنَّا يَوْمًا مِنَ الْعَذَابِ

وقال أهلُ النَّارِ لخَزَنةِ جَهنَّمَ الموكَّلِينَ بها: ادعُوا رَبَّكم يُخَفِّفْ عنَّا يَومًا واحِدًا مِن عذابِ النَّارِ؛ فتَحصُلَ لنا بعضُ الرَّاحةِ !

قَالُوا أَوَلَمْ تَكُ تَأْتِيكُمْ رُسُلُكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا بَلَى قَالُوا فَادْعُوا وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلَالٍ

قال لهم خَزَنةُ جَهنَّمَ: أوَلَم تَكُ تأتيكم رُسُلُكم في الدُّنيا بالحُجَجِ الواضِحةِ الدَّالَّةِ على الحَقِّ؟ قال الَّذين في النَّارِ: بلى، قد جاءَنا الرُّسُلُ بالبَيِّناتِ، فكذَّبْناهم ولم نُؤمِنْ بالحَقِّ بعد أن قامَت علينا حُجَّةُ اللهِ البالِغةُ !قال خَزَنةُ جَهَنَّمَ: فادعُوا الله إذَنْ أن يُخَفِّفَ عنكم العَذابَ، وما دُعاءُ الكافِرينَ لله وهم في نارِ جَهنَّمَ إلَّا في ضَياعٍ؛ فهو غيرُ مُوصِلٍ للمَقصودِ، ولا مُحَقِّقٍ للمَطلوبِ؛ فاللهُ لا يَستجيبُ دُعاءَهم، ولا يَتقَبَّلُه منهم !

إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آَمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ

إنَّا لنَنصُرُ رُسُلَنا والمؤمِنينَ على أعدائِهم في الحياةِ الدُّنيا، وفي يومِ القيامةِ الَّذي يَقومُ فيه الأشهادُ

يَوْمَ لَا يَنْفَعُ الظَّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ وَلَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ

وهو اليَومُ الَّذي لا يَنفَعُ الظَّالِمينَ فيه اعتِذارُهم عن ظُلمِهم، فقد أعذَرَ اللهُ إليهم في الدُّنيا؛ فلا عُذرَ مَقبولٌ مِنهم في الآخِرةِ، وللظَّالِمينَ البُعدُ والطَّردُ مِن رَحمةِ الله تعالى، فهم مُستَحِقُّونَ لذلك، ولهم معَ ذلك النَّارُ التي تسوءُ مَن يسكنُها، فبِئسَ المَنزِلُ هيَ

وَلَقَدْ آَتَيْنَا مُوسَى الْهُدَى وَأَوْرَثْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ الْكِتَابَ

ولقد آتَيْنا موسَى ما يُهتَدَى به، وأنزلْنا على بني إسرائيلَ التَّوراةَ وجعَلْناها كتابًا متوارَثًا بينَهم

هُدًى وَذِكْرَى لِأُولِي الْأَلْبَابِ

بيانًا للحَقِّ وتَذكيرًا مِنَّا به لأهلِ العُقولِ منهم

فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكَارِ

فاصبِرْ -يا مُحمَّدُ- على أذَى الكُفَّارِ وتعَنُّتِهم، وعلى دَعوتِهم؛ فإنَّ ما وَعَد اللهُ به مِن النَّصرِ في الدُّنيا والآخِرة: آتٍ لا مَحالةَ، كما نصَرَ اللهُ تعالى موسى وبني إسرائيلَ على فِرعَونَ وقَومِه، واطلُبْ مِن رَبِّك مغفرةَ ذَنْبِك، ونَزِّه رَبَّك عن كُلِّ نَقصٍ وعَيبٍ تَنزيهًا مُقتَرِنًا بوَصفِه بصِفاتِ الكَمالِ؛ محبَّةً وتَعظيمًا له سُبحانَه، وذلك في آخِرِ النَّهارِ وأوَّلِه

إِنَّ الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آَيَاتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ إِنْ فِي صُدُورِهِمْ إِلَّا كِبْرٌ مَا هُمْ بِبَالِغِيهِ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ

إنَّ الَّذين يُجادِلونَ ويُخاصِمونَ بالباطِلِ في آياتِ اللهِ وحُجَجِه؛ بغيرِ دَليلٍ عِندَهم مِن اللهِ: في صُدورِهم كِبْرٌ وتَعاظُمٌ عن قَبولِ الحَقِّ واتِّباعِه، واحتِقارٌ لِمَن جاء به واتَّبَعه، ولن يَنالوا الاستِعلاءَ والرِّفعةَ والعَظَمةَ الَّتي أمَّلوها في الدُّنيا؛ فاللهُ ناصِرٌ دينَه، ومُعْلٍ كَلِمَتَه، فاعتَصِمْ واستَجِرْ باللهِ -يا مُحمَّدُ-، إنَّ اللهَ هو السَّميعُ لِقَولِ المُجادِلينَ في آياتِ اللهِ، وغَيرِهم مِنَ الخَلقِ؛ البَصيرُ بما يَعمَلونَه وبكُلِّ شَيءٍ؛ فلا يَخفَى عليه شَيءٌ مِن أصواتِ الخَلقِ وذواتِهم وأعمالِهم

لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ

لَخَلْقُ اللهِ السَّمَواتِ والأرضَ أعظَمُ مِن خَلْقِه النَّاسَ، فكَيفَ يَعجِزُ عن خَلقِهم خَلقًا جديدًا بعدَما أماتَهم؟! فمَنْ قَدَر على خَلقِ الأجرامِ العَظيمةِ وأتْقَنَها: قادِرٌ على إعادةِ النَّاسِ بعدَ مَوتِهم بطَريقِ الأَولى، ولكِنَّ أكثَرَ النَّاسِ لا يَعلَمونَ، فلا يَتدَبَّرونَ ولا يَتأمَّلونَ لِيَعلَموا أنَّ ذلك يَسيرٌ على الله !

وَمَا يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَلَا الْمُسِيءُ قَلِيلًا مَا تَتَذَكَّرُونَ

ولا يَستوي الأعمَى الَّذي لا يُبصِرُ، والمُبصِرُ الَّذي يرَى؛ فبَيْنَهما فَرقٌ عَظيمٌ، كذلك لا يَسْتوي الكفَرةُ الفُجَّارُ، والمؤمِنونَ الأبرارُ، ولا يَستوي المؤمِنونَ المُطيعونَ لله، معَ الَّذين يَعمَلونَ السَّيِّئاتِ، ما أقَلَّ ما تَتذَكَّرونَ حُجَجَ الله، فتَتَّعِظونَ وتَعتبِرون! فلو تذكَّرْتُم واعتبَرْتُم لَآثرْتُم الهدَى على الضَّلالِ

إِنَّ السَّاعَةَ لَآَتِيَةٌ لَا رَيْبَ فِيهَا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يُؤْمِنُونَ

إنَّ القيامةَ لَآتِيةٌ لا شَكَّ في وُقوعِها، ولكِنَّ أكثَرَ النَّاسِ لا يُؤمِنونَ بمَجيءِ يومِ القيامةِ؛ فهم يُكذِّبونَ به

وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ

وقال ربُّكم -أيُّها النَّاسُ-: ادعُوني دعاءَ مَسألةٍ ودعاءَ عِبادةٍ؛ أُعْطِكم سُؤْلَكم، وأتَقبَّلْ مِنكم عبادتَكم، وأُثِبْكم، إنَّ الَّذين يَتكَبَّرونَ ويَتعاظَمونَ عن عِبادتي ودُعائي سيَدخُلونَ جَهنَّمَ وهم أذِلَّاءُ صاغِرونَ

اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهَارَ مُبْصِرًا إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ

اللهُ المُستَحِقُّ للعِبادةِ وَحْدَه هو الَّذي خَلَق لكم اللَّيلَ -أيُّها النَّاسُ-؛ مِن أجْلِ أن تَستَريحوا فيه مِن حَركةِ وعَناءِ أشغالِكم في النَّهارِ، وجَعَل لكم النَّهارَ مُضيئًا تُبصِرونَ فيه؛ لِتَطلُبوا فيه حوائِجَكم وتَقضُوها، إنَّ اللهَ لَمُتفَضِّلٌ على النَّاسِ كافَّةً، وفضْلُه عليهم عظيمٌ لا يُدانيه فضلٌ، وهذا يُوجِبُ عليهم شكرَه، ولكِنَّ أكثَرَ النَّاسِ لا يَشكُرونَ اللهَ على نِعَمِه

ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ

ذَلِكم المتفَرِّدُ بإجابةِ دُعائِكم، الَّذي جَعَل لكم اللَّيلَ سَكَنًا والنَّهارَ مُبصِرًا: هو وَحْدَه اللهُ المُرَبِّي لكم، والمُحسِنُ إليكم، الَّذي خَلَق كُلَّ شَيءٍ، لا مَعبودَ بحقٍّ إلَّا اللهُ، ولا تَنبغي العِبادةُ إلَّا له سُبحانَه دونَ ما سِواه، فكيف تُصرَفونَ عن الإيمانِ باللهِ وعِبادتِه وَحْدَه إلى عبادةِ غَيرِه، مع قيامِ الأدِلَّةِ على تَوحيدِه؟!

كَذَلِكَ يُؤْفَكُ الَّذِينَ كَانُوا بِآَيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ

مِثلَ هذا الصَّرفِ العَجيبِ عن التَّوحيدِ والإخلاصِ يُصرَفُ أيضًا كُلُّ مَنِ استَمَرَّ على جُحودِ آياتِ اللهِ عِنادًا ومُكابَرةً، دونَ تأمُّلٍ وتدَبُّرٍ في معانيها ودلائِلِها !

اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ قَرَارًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ فَتَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ

اللهُ الَّذي جَعَل لكم الأرضَ مُهَيَّأةً للاستِقرارِ عليها دونَ اضطِرابٍ، فتَتمَكَّنونَ مِن السُّكنى فيها، وحَرْثِها وغَرْسِها والبناءِ عليها، وجَعَل لكم السَّماءَ بِناءً مَرفوعًا وسَقفًا للأرضِ، وخَلَقَكم فجعَلَكم في أشكالٍ حَسَنةٍ، ورزَقَكم مِنَ الأرزاقِ الشَّهيَّةِ اللَّذيذةِ النَّافِعةِ، ذَلِكم الَّذي فعَل هذه الأفعالَ وأنعَمَ عليكم بهذه النِّعَمِ هو اللهُ المُستَحِقُّ للعبادةِ وَحْدَه دونَ غَيرِه، رَبُّكم الخالِقُ الرَّازِقُ، المالِكُ المدَبِّرُ لجَميعِ شُؤونِكم، فتَعالَى وتَقَدَّس، وكَثُر خَيرُه وإحسانُه: اللهُ خالقُ ومالكُ ورازقُ ومُدَبِّرُ جميعِ الخَلقِ

هُوَ الْحَيُّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ

اللهُ هو الَّذي له الحَياةُ الكامِلةُ؛ فلم يَسبِقْ حياتَه عَدَمٌ، ولا يَلحَقُها زَوالٌ؛ فهو أزَلًا وأبَدًا حَيٌّ لا يموتُ، لا مَعبودَ بحَقٍّ إلَّا هو وَحْدَه سُبحانَه، فادعُوه وَحْدَه مُخلِصينَ له الطاعةَ بلا رِياءٍ، غيرَ مُشرِكينَ به شَيئًا مِن خَلْقِه، الحمدُ للهِ، خالقِ جميعِ الخَلْقِ ومالكِهم ومُدَبِّرِهم

قُلْ إِنِّي نُهِيتُ أَنْ أَعْبُدَ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَمَّا جَاءَنِيَ الْبَيِّنَاتُ مِنْ رَبِّي وَأُمِرْتُ أَنْ أُسْلِمَ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ

قُلْ -يا مُحمَّدُ- لِمُشرِكي قَومِك: إنِّي نُهيتُ أن أعبُدَ الآلِهةَ الَّتي تَدْعُونَها مِن دُونِ اللهِ لَمَّا جاءَتْني الآياتُ الواضِحاتُ مِن عندِ رَبِّي دالَّةً على تَوحيدِه وصِفاتِ كَمالِه، وأُمِرْتُ أن أنقادَ وأستَسلِمَ وأذِلَّ وأخضَعَ بالطَّاعةِ لخالِقِ كُلِّ شَيءٍ ومالِكِه ومُدَبِّرِه

هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ يُخْرِجُكُمْ طِفْلًا ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ ثُمَّ لِتَكُونُوا شُيُوخًا وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى مِنْ قَبْلُ وَلِتَبْلُغُوا أَجَلًا مُسَمًّى وَلَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ

اللهُ وَحْدَه الَّذي خَلَق أباكم آدَمَ -أيُّها النَّاسُ- مِن تُرابٍ، ثمَّ خَلَقَكم مِن مَنِيٍّ، ثمَّ مِن قِطعةِ دَمٍ جامِدةٍ تَعلَقُ برَحِمِ المرأةِ، ثُمَّ يُخرِجُكم اللهُ مِن بُطونِ أُمَّهاتِكم أطفالًا صِغارًا، ثمَّ لِتَبلُغوا بالتَّدريجِ تَمامَ قُوَّتِكم وعُقولِكم، ثمَّ لِتَكونوا كِبارًا في السِّنِّ ضُعَفاءَ، ومِنكم مَن يموتُ قَبْلَ ذلك، ولِتَبلُغوا زَمَنًا مُحَدَّدًا تَموتونَ فيه، لا تتَجاوَزونَه، ولا تَتقَدَّمونَ عليه، ولِتَعقِلوا حُجَجَ اللهِ وآياتِه، فتُوَحِّدوه وتَعلَموا كَمالَ قُدرتِه وحِكمتِه، وغيرَ ذلك مِن صِفاتِ كَمالِه

هُوَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ فَإِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ

اللهُ هو المُنفَرِدُ بالإحياءِ والإماتةِ؛ فلا يَقدِرُ على ذلك أحَدٌ سِواه، فإذا أراد شَيئًا فإنَّما يقولُ له مَرَّةً واحِدةً: كُنْ، فيَكونُ ما أرادَه

أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آَيَاتِ اللَّهِ أَنَّى يُصْرَفُونَ

ألَمْ تَرَ -يا محمَّدُ- إلى مُشرِكي قَومِك الَّذين يُجادِلونَ ويُخاصِمونَ في آياتِ اللهِ؛ فتَعْجَبَ كيف تُصرَفُ عُقولُهم عن الحَقِّ إلى الباطِلِ؟!

الَّذِينَ كَذَّبُوا بِالْكِتَابِ وَبِمَا أَرْسَلْنَا بِهِ رُسُلَنَا فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ

وهم الَّذين كذَّبوا بالقُرآنِ، وكَذَّبوا بالَّذي أرسَلْنا به رُسُلَنا مِنَ الهدَى والحقِّ، فسوفَ يَعلَمُون عاقِبةَ أمْرِهم

إِذِ الْأَغْلَالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ وَالسَّلَاسِلُ يُسْحَبُونَ

فسوفَ يَعلَمونَ ذلك حينَ تُجعَلُ الأغلالُ في أعناقِهم والسَّلاسِلُ، فيُجَرُّونَ إهانةً وتَعذيبًا لهم !

فِي الْحَمِيمِ ثُمَّ فِي النَّارِ يُسْجَرُونَ

يُسحَبونَ في الماءِ الحَميمِ الَّذي اشتَدَّ غَلَيانُه، وانتَهى حَرُّه، ثُمَّ يُطرَحونَ في النَّارِ فيَكونونَ وَقودًا لها، فتُحمَى بهم

ثُمَّ قِيلَ لَهُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ تُشْرِكُونَ

ثمَّ يُقالُ لهم: أين آلهتُكم الَّتي كُنتُم تَجعلونَها شُرَكاءَ للهِ في عِبادتِه؛ لِتُنقِذَكم اليَومَ مِن العَذابِ؟!

مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالُوا ضَلُّوا عَنَّا بَلْ لَمْ نَكُنْ نَدْعُو مِنْ قَبْلُ شَيْئًا كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ الْكَافِرِينَ

قالوا: غابُوا عنَّا، فتَرَكونا في العَذابِ، ولم يَنفَعونا بشَيءٍ، بل لم نَكُنْ أصلًا نَعبُدُ في الدُّنيا أيَّ شَيءٍ مِن دونِ اللهِ !كهذا الضَّلالِ يُضِلُّ اللهُ الكافِرينَ؛ بسَبَبِ كُفرِهم

ذَلِكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَفْرَحُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَبِمَا كُنْتُمْ تَمْرَحُونَ

يُقالُ لهم: ذَلِكم بسَبَبِ أنَّكم كُنتُم في الدُّنيا تَفرَحونَ بالباطِلِ، وكنتم في أشَرٍ وبَطَرٍ واختيالٍ وزَهْوٍ بالباطِلِ

ادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا فَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ

يُقالُ لهم يومَ القيامةِ: ادخُلوا أبوابَ جَهنَّمَ السَّبعةَ ماكِثينَ فيها أبدًا، فبِئْسَ مَنزِلُ الَّذين تَكبَّروا عن الحَقِّ: جَهنَّمُ يُقيمونَ فيها إقامةً دائِمةً !

فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ

فاصبِرْ -يا مُحمَّدُ- على أذى الكُفَّارِ؛ فإنَّ اللهَ مُنجِزٌ -لا مَحالةَ- ما وعَدَك به مِن عُقوبةِ الكافِرينَ، ونَصْرِ المؤمِنينَ في الدُّنيا والآخِرةِ، فإنْ نُرِكَ بَعضَ العَذابِ الَّذي نَعِدُ به الكُفَّارَ في الدُّنيا، ونُعجِّلْ به في حياتِك؛ أو نُمِتْك قَبْلَ أنْ يَحُلَّ بهم ذلك: فإلينا مَصيرُهم وعَلَيْنا حِسابُهم، فيَنالونَ حِينَها نَصيبَهم مِن عذابِ الآخِرةِ

وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ مِنْهُمْ مَنْ قَصَصْنَا عَلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ أَنْ يَأْتِيَ بِآَيَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ فَإِذَا جَاءَ أَمْرُ اللَّهِ قُضِيَ بِالْحَقِّ وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْمُبْطِلُونَ

ولقدْ أرسَلْنا -يا مُحمَّدُ- إلى الأُمَمِ الماضيةِ رُسُلًا مِن قَبْلِك يَدْعونَهم إلى اللهِ تعالَى، مِن أُولئك الرُّسُلِ مَن أَنْبأناكَ بقَصَصِهم وأخْبارِهم، ومِنهم مَن لم نُنَبِّئْك بقَصَصِهم ولا أخْبارِهم، وليس لأيِّ رَسولٍ مِن رُسُلِ اللهِ أنْ يَأتيَ النَّاسَ بآيةٍ تَدُلُّ على صِدقِه وصِحَّةِ ما جاء به مِن الحَقِّ إلَّا بأمرِ اللهِ تعالَى ومَشيئتِه، فإذا جاء الوَقتُ المحَدَّدُ للفَصلِ بيْنَ الرُّسُلِ وأقوامِهم، قَضى اللهُ بيْنَهم بالعَدلِ، وهَلَك عندَ ذلك المُشرِكونَ المُتَّبِعونَ للباطِلِ؛ فما رَبِحَت تجارتُهم

اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَنْعَامَ لِتَرْكَبُوا مِنْهَا وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ

اللهُ المُستَحِقُّ وَحْدَه للعِبادةِ هو الَّذي خَلَق لكم الأنعامَ؛ فمِنها تَركَبونَ، ومنها تَأكُلونَ

وَلَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ وَلِتَبْلُغُوا عَلَيْهَا حَاجَةً فِي صُدُورِكُمْ وَعَلَيْهَا وَعَلَى الْفُلْكِ تُحْمَلُونَ

ولكمْ في الأنعامِ مَنافِعُ؛ فتَتَّخِذونَ منها لِباسًا وأثاثًا، وتَنتَفِعونَ بنَسْلِها والحِراثةِ بها... وغَيرِ ذلك مِنَ المنافِعِ، ولِتُسافِروا عليها إلى أماكِنَ بَعيدةٍ مِمَّا في صُدورِكم حاجةٌ للوُصولِ إليها، وعلَى الأنعامِ في البَرِّ، وعلى السُّفُنِ في البَحرِ تَركَبونَ، وتَحمِلونَ مَتاعَكم

وَيُرِيكُمْ آَيَاتِهِ فَأَيَّ آَيَاتِ اللَّهِ تُنْكِرُونَ

ويُريكم اللهُ آياتِه الدَّالَّةَ على وَحدانيَّتِه وقُدرتِه وغيرِ ذلك مِن صِفاتِه، فيُظهِرُها ويُجَلِّيها لكم، فأيَّ آياتِ اللهِ تَقدِرونَ على إنكارِها وعَدَمِ الاعترافِ بها، حتَّى يحِقَّ لكم اتِّباعُ الباطِلِ أو المجادَلةُ في الحَقِّ؟! فقدْ تقَرَّر عِندَكم أنَّ جَميعَ الآياتِ مِنَ اللهِ تعالى؛ فلمْ يَبْقَ مَجالٌ لإنكارِها أو الإعراضِ عنها !

أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْهُمْ وَأَشَدَّ قُوَّةً وَآَثَارًا فِي الْأَرْضِ فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ

أفَلَم يَسِرْ أولئك المُشرِكونَ مِن قَومِك -يا مُحمَّدُ- في الأرضِ، فيَنظُروا بأعيُنِهم، ويَتفَكَّروا بقُلوبِهم: كيف كانتْ خاتِمةُ أمرِ الكُفَّارِ الَّذين مِن قَبْلِهم، فيَعتَبِروا بها؟! كان كُفَّارُ الأُمَمِ السَّابِقةِ أكثَرَ عَددًا مِن كُفَّارِ قُرَيشٍ، وأشَدَّ قُوَّةً مِنهم، وأعظَمَ آثارًا في الأرضِ، فما دَفَع عنهم العَذابَ كَثرةُ عَدَدِهم، ولا شِدَّةُ قُوَّتِهم، ولا عِظَمُ آثارِهم

فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَرِحُوا بِمَا عِنْدَهُمْ مِنَ الْعِلْمِ وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ

فلَمَّا جاءتْ أولئك الأُمَمَ الماضيةَ رُسُلُهم بآياتِ اللهِ الواضِحاتِ، والبراهينِ القاطِعاتِ، لم يُؤمِنوا بها، وفَرِح هؤلاء الكافِرونَ بما عِندَهم مِنَ العِلمِ، ورضُوا به، ونَزَل وأحاطَ بالكافِرينَ عَذابُ اللهِ الذي كانوا يَسخَرونَ منه ويُكَذِّبونَ بوُقوعِه

فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا قَالُوا آَمَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ وَكَفَرْنَا بِمَا كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ

فلَمَّا رأَوا عَذابَ اللهِ نازِلًا بهم قالوا: آمَنَّا بوَحدانيَّةِ اللهِ، فلا مَعبودَ بحَقٍّ سِواه، وكفَرْنا بالآلِهةِ الَّتي كُنَّا نَعبُدُها، وتبَرَّأْنا منها

فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا سُنَّةَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ فِي عِبَادِهِ وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْكَافِرُونَ

فلمْ يَنفَعْهم إيمانُهم بتَوحيدِ اللهِ حِينَ رأَوْا عذابَه نازِلًا بهم !سَنَّ اللهُ تعالى أنَّه لا يَقبَلُ تَوبةَ الكافِرينَ حينَ نُزولِ العَذابِ، ولا يَنفَعُهم إيمانُهم في تِلك الحالِ، وقدْ مَضَت هذه السُّنةُ والطريقةُ في عِبادِه، وهلَكَ عِندَ مَجيءِ عَذابِ اللهِ الكافِرونَ برَبِّهم، المُشرِكونَ في عِبادتِه، فما رَبِحَت تجارتُهم

فصلت

حم

هذانِ الحرفانِ مِن الحروفِ المُقطَّعةِ الَّتي افتُتِحَتْ بها بعضُ سُوَرِ القرآنِ الكريمِ؛ لبيانِ إعجازِ هذا القرآنِ؛ حيثُ تُظهِرُ عجْزَ الخَلْقِ عن مُعارَضَتِه بمِثلِه، مع أنَّه مركَّبٌ مِن هذه الحروفِ العربيَّةِ الَّتي يَتحدَّثونَ بها

تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

هذا القُرآنُ مُنزَّلٌ على مُحمَّدٍ -صلَّى اللهُ عليه وسلَّم- مِن عندِ اللهِ الرَّحمنِ الرَّحيمِ، الَّذي وَسِعَتْ رَحمتُه كُلَّ شَيءٍ؛ ومِن رَحمتِه بعِبادِه إنزالُ القُرآنِ

كِتَابٌ فُصِّلَتْ آَيَاتُهُ قُرْآَنًا عَرَبِيًّا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ

هذا كِتابٌ بيَّن اللهُ آياتِه بَيانًا تامًّا واضِحًا حالَ كونِه قرآنًا عربيًّا، لِقَومٍ يَعلَمونَ اللِّسانَ العَرَبيَّ، فيَتمَكَّنونَ مِن فَهمِه وتدَبُّرِه والانتِفاعِ ببَيانِه

بَشِيرًا وَنَذِيرًا فَأَعْرَضَ أَكْثَرُهُمْ فَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ

يُبَشِّرُ القُرآنُ مَنْ آمَنَ وعَمِلَ الصَّالحاتِ بحُصولِ الخَيرِ والرَّحمةِ، ويُنذِرُ مَنْ كَفَر وعَمِلَ السَّيِّئاتِ بالشَّرِّ والنِّقمةِ، فأعرَضَ أكثَرُ كفَّارِ قُرَيشٍ عن سَماعِ القُرآنِ وتدَبُّرِه واتِّباعِه، فهم لا يَسمَعونَه سَماعَ قَبولٍ وانتِفاعٍ

وَقَالُوا قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ وَفِي آَذَانِنَا وَقْرٌ وَمِنْ بَيْنِنَا وَبَيْنِكَ حِجَابٌ فَاعْمَلْ إِنَّنَا عَامِلُونَ

وقال المُعرِضونَ عن القُرآنِ: قُلوبُنا الَّتي نَعقِلُ بها في أَغطِيةٍ مُحيطةٍ بها، تَمنَعُ عنَّا فَهْمَ ما تَدْعونا إليه، يا مُحمَّدُ !وفي آذانِنا ثِقْلٌ قد أصَمَّها عن السَّماعِ؛ فنَحن لا نَسمَعُ ما تَدْعونا إليه !ومِن بَيْنِنا وبَينِك حاجِزٌ يَحجُبُنا عنك؛ فنحن لا نراك !فاعمَلْ -يا مُحمَّدُ- بدينِك، إنَّنا عامِلونَ بدِينِنا الَّذي رَضِيناه لأنفُسِنا، فلن نتَّبِعَك

قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَاسْتَقِيمُوا إِلَيْهِ وَاسْتَغْفِرُوهُ وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ

قُلْ -يا مُحمَّدُ- للمُشرِكينَ: إنَّما أنا مِثلُكم في الجِنسِ والهَيئةِ، والصُّورةِ والصِّفاتِ البَشَريَّةِ، يُوحَى إلَيَّ أنَّ مَعبودَكم مَعبودٌ واحِدٌ لا تَصلُحُ العبادةُ إلَّا له وَحْدَه، فاسلُكوا الصِّراطَ المُستقيمَ المُوصِلَ إلى الله، مُتوَجِّهينَ إليه بإخلاصِ العبادةِ له، واطْلُبوا منه المغفرةَ لذُنوبِكم، وهَلاكٌ وعَذابٌ شديدٌ للَّذين يَجعَلونَ لله شَريكًا في عِبادتِه

الَّذِينَ لَا يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ بِالْآَخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ

الَّذين لا يُزَكُّونَ أنفُسَهم ولا يُطَهِّرونَها بالإيمانِ باللهِ، وطاعتِه وَحْدَه، والعملِ الصَّالحِ، والبُعدِ عن الإشراكِ بالله ومَعصيتِه،وهم مُنكِرونَ للآخرةِ، جاحِدونَ بها، فلا يُؤمِنونَ بالحياةِ الأُخرى بعدَ المَوتِ

إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ

إنَّ الَّذين آمَنوا بما وجَبَ عليهم الإيمانُ به، وعَمِلوا الأعمالَ الصَّالِحةَ بإخلاصٍ لله تعالى ومُتابَعةٍ لِشَرعِه؛ لهم أجرٌ دائِمٌ، وثَوابٌ غيرُ مُنقَطِعٍ

قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْدَادًا ذَلِكَ رَبُّ الْعَالَمِينَ

قُلْ -يا مُحمَّدُ- للمُشرِكينَ: أإِنَّكم لتَكفُرونَ بالله الَّذي خَلَق الأرضَ على سَعَتِها وعظَمَتِها مِنَ العَدَمِ في يَومَينِ، وتَجعَلونَ له نُظَراءَ وأمثالًا تتَّخِذونَهم آلهةً معه؟! ذلك العَظيمُ الَّذي فَعَل ذلك: هو الخالِقُ الرَّازِقُ، المالِكُ المدَبِّرُ لجَميعِ المخلوقاتِ

وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِنْ فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاءً لِلسَّائِلِينَ

وجَعَل اللهُ سبحانَه في الأرضِ جِبالًا ثوابِتَ مِن فَوقِ ظَهْرِها، وبارَك في الأرضِ بما خَلَق فيها مِن المنافِعِ والخَيراتِ الكثيرةِ الدَّائِمةِ لأهْلِها، وخَلَق فيها أرزاقَها للنَّاسِ والدَّوابِّ، وذلك في يومَينِ آخَرَينِ، فهما معَ اليَومَينِ السَّابِقَينِ أربَعةُ أيَّامٍ استَوت استواءً، فلا زيادةَ على ذلك ولا نُقصانَ، بيَّنَّا ذلك لِمَن سألَ في كمْ خُلِقت الأرضُ بما فيها

ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ اِئْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ

ثمَّ ارتفَع الله وعَلا قاصدًا إلى خَلْقِ السَّماءِ وهي دُخَانٌ، فقال للسَّماءِ والأرضِ بعدَ أنْ خَلَقَهما: استَجيبا لأَمْري، وانقادا لِطاعَتي اختيارًا أو جَبرًا، قالت السَّماءُ والأرضُ: استَجَبْنا لأمْرِك، وانقَدْنا لطاعتِك، فلا نخالِفُ إرادتَك رَبَّنا

فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ وَأَوْحَى فِي كُلِّ سَمَاءٍ أَمْرَهَا وَزَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَحِفْظًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ

ففرَغ الله مِن خَلْقِهنَّ سَبْعَ سَمَواتٍ، وأكْمَلهنَّ وأتمَّهنَّ في يَومَينِ، وأمَر اللهُ في كُلِّ سمَاءٍ مِن السَّمَواتِ السَّبْعِ بما أرادَه مِنَ الخَلقِ والتَّدبيرِ، وزَيَّنَ اللهُ السَّماءَ الدُّنيا بالنُّجومِ المُنيرةِ، وحَفِظَها بهذه النُّجومِ مِن الشَّياطينِ المُستَرِقةِ للسَّمْعِ مِن المَلَأِ الأعلى، ذلك الَّذي تقَدَّمَ ذِكرُه: هو تَقديرُ العَزيزِ ذي القَدْرِ العَظيمِ، القاهِرِ الغالِبِ لكُلِّ شَيءٍ، المُمتَنِعِ عليه كُلُّ عَيبٍ ونَقصٍ؛ العَليمِ بكُلِّ شَيءٍ

فَإِنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ أَنْذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً مِثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ

فإنْ أعرَضَ مُشرِكو قَومِك -يا مُحمَّدُ- عن الحَقِّ فلم يُؤمِنوا، وأصَرُّوا على باطِلِهم بعدَ هذا البَيانِ التَّامِّ؛ فقُلْ لهم: حَذَّرْتُكم وخَوَّفْتُكم عَذابًا شَديدًا وَقعُه، فيُهلِكُكم ويَستأصِلُكم كالعَذابِ الَّذي أهلَكَ اللهُ به عادًا وثَمودَ

إِذْ جَاءَتْهُمُ الرُّسُلُ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ قَالُوا لَوْ شَاءَ رَبُّنَا لَأَنْزَلَ مَلَائِكَةً فَإِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ

وذلك حينَ جاءتْ عادًا وثمودَ رُسُلُ اللهِ مِن كلِّ جانبٍ، واجتَهدوا في دَعوتِهم مِن كلِّ جِهةٍ بألَّا تَعبُدوا إلَّا اللهَ وَحْدَه، قال كُفَّارُ عادٍ وثَمودَ لِرُسُلِهم: لو شاء رَبُّنا أنْ يأمُرَنا بعِبادتِه وَحْدَه لأرسَلَ إلينا مَلائِكةً مِن السَّماءِ يأمُرونَنا بذلك، ولم يُرسِلْ إلينا بَشَرًا مِثْلَنا !فإنَّا -إذَنْ- كافِرونَ بتَوحيدِ اللهِ الَّذي زعَمْتُم أنَّه أرسَلَكم به !

فَأَمَّا عَادٌ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَقَالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَكَانُوا بِآَيَاتِنَا يَجْحَدُونَ

فأمَّا عادٌ فتكَبَّروا وتجَبَّروا وعَتَوْا في الأرضِ ظُلمًا دونَ أن يكونَ لهم الحَقُّ في ذلك، وقالوا: لا أحَدَ أشَدُّ مِنَّا قُوَّةً !أوَلَم يرَ كُفَّارُ عادٍ أنَّ اللهَ الَّذي خَلَقَهم مِنَ العَدَمِ -حيثُ لم يكونوا شَيئًا-، وأعطاهم ما أعطاهم مِنَ القُوَّةِ: هو أشَدُّ مِنهم قُوَّةً؟! وكانوا مُصِرِّينَ على الجُحودِ بآياتِ اللهِ الدَّالَّةِ على صِدقِ رُسُلِه فيما دَعَوْهم إليه مِنَ الحَقِّ

فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا فِي أَيَّامٍ نَحِسَاتٍ لِنُذِيقَهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَعَذَابُ الْآَخِرَةِ أَخْزَى وَهُمْ لَا يُنْصَرُونَ

فأرسَلْنا عليهم رِيحًا عَظيمةً بارِدةً، شَديدةَ الصَّوتِ والهُبوبِ، في أيَّامٍ مَشؤوماتٍ عليهم، أصابَهم فيها سُوءٌ وعَذابٌ شَديدٌ؛ لكي نُذيقَهم العذابَ الَّذي يُهينُهم ويُذِلُّهم ويَفضَحُهم في الحياةِ الدُّنيا، ولَعذابُ الآخِرةِ أشَدُّ خِزْيًا، وأعظَمُ إهانةً وإذلالًا لهم، ولا يَنصُرُهم مِنَ اللهِ ناصِرٌ؛ فيدفَعَ عنهم عذابَه، أو يُنقِذَهم منه !

وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى فَأَخَذَتْهُمْ صَاعِقَةُ الْعَذَابِ الْهُونِ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ

وأمَّا ثَمودُ فأرشَدْناهم ودَلَلْناهم على طَريقِ الحَقِّ، فاختاروا وآثَرُوا الكُفرَ على الإيمانِ، والضَّلالَ على الهُدَى، مع تَبَيُّنِ الحَقِّ لهم !فأهَلَكهم اللهُ بصَيحةِ عَذابٍ أذَلَّهم وأهانَهم بسَبَبِ ما كانوا يَكسِبونَه مِنَ الآثامِ؛ بكُفرِهم باللهِ، ومَعصيتِهم له، وتَكذيبِهم رَسولَه، وعَقْرِهم النَّاقةَ

وَنَجَّيْنَا الَّذِينَ آَمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ

ونَجَّينا مِن العَذابِ صالِحًا والمؤمِنينَ به مِن قَومِه الَّذين كانوا يَعبُدونَ اللهَ وَحْدَه، ويَمتَثِلونَ أمْرَه، ويجتَنِبونَ الشِّركَ به ومَعصيتَه

وَيَوْمَ يُحْشَرُ أَعْدَاءُ اللَّهِ إِلَى النَّارِ فَهُمْ يُوزَعُونَ

واذكُرْ يومَ يَجمَعُ اللهُ أعداءَه الكافِرينَ به، فيُحبَسُ أوَّلُهم على آخِرِهم حتَّى يجتَمِعوا ويُساقوا إلى النَّارِ سَوقًا عَنيفًا !

حَتَّى إِذَا مَا جَاءُوهَا شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصَارُهُمْ وَجُلُودُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ

حتَّى إذا جاء الكُفَّارُ النَّارَ شَهِدَ عليهم سَمعُهم وأبصارُهم وجُلودُهم بما كانوا يَعمَلونَ بها في الدُّنيا مِن آثامٍ

وَقَالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنَا قَالُوا أَنْطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ

وقال الكُفَّارُ عِتابًا لجُلودِهم، وإنكارًا عليهم: لِمَ شَهِدْتُم علينا بما كُنَّا نَعمَلُه مِنَ السَّيِّئاتِ في الدُّنيا؟! فأجابتِ الجُلودُ أصحابَها: أنطَقَنا اللهُ الَّذي أنطَقَ كُلَّ شَيءٍ بقُدرتِه ومَشيئتِه !واللهُ خلَقَكم أوَّلَ مَرَّةٍ ولم تكونوا شيئًا؛ فالَّذي قَدَر على ذلك قادِرٌ على إنطاقِ الجُلودِ، وإلى اللهِ تُردُّونَ بعدَ مَوتِكم، فيُجازيكم على أعمالِكم

وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلَا أَبْصَارُكُمْ وَلَا جُلُودُكُمْ وَلَكِنْ ظَنَنْتُمْ أَنَّ اللَّهَ لَا يَعْلَمُ كَثِيرًا مِمَّا تَعْمَلُونَ

وما كُنتُم في الدُّنيا تَستَخْفُونَ بتَرْكِ الكفرِ والمعاصي؛ لِئَلَّا يَشهَدَ عليكم سَمعُكم ولا أبصاركُم ولا جُلودُكم يومَ القِيامةِ !ولكِنْ ظَننْتُم في الدُّنيا أنَّ اللهَ لا يَعلَمُ كَثيرًا مِنَ السَّيِّئاتِ الَّتي كُنتُم تَعمَلونَها

وَذَلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ أَرْدَاكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ مِنَ الْخَاسِرِينَ

وظَنُّكم السَّيِّئُ هذا قد أهلَكَكم، فأصبَحتُم يومَ القِيامةِ مِنَ الهالِكينَ

فَإِنْ يَصْبِرُوا فَالنَّارُ مَثْوًى لَهُمْ وَإِنْ يَسْتَعْتِبُوا فَمَا هُمْ مِنَ الْمُعْتَبِينَ

فإنْ يَصبِرْ أولئك الكُفَّارُ على النَّارِ، فالنَّارُ مَسكَنٌ لهم ومُستَقَرٌّ، ولا مَخرَجَ لهم مِنها أبدًا، وإنْ طَلَبوا مِنَ اللهِ الرِّضا عنهم، وقَبولَ تَوبتِهم ورفعَ العذابِ عنهم؛ فلنْ يَرضَى عنهم، ولن يَقبَلَ تَوبتَهم واعتِذارَهم، ولن يُخرِجَهم مِنَ النَّارِ

وَقَيَّضْنَا لَهُمْ قُرَنَاءَ فَزَيَّنُوا لَهُمْ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنَّهُمْ كَانُوا خَاسِرِينَ

وهيَّأْنا للكُفَّارِ قُرَناءَ سُوءٍ، قدَّرْنا عليهم مُلازَمتَهم لهم لِيُضِلُّوهم؛ بسَبَبِ جُحودِهم، وإعراضِهم، فحَسَّنوا لهم الدُّنيا وشَهَواتِها المُحَرَّمةَ، حتَّى آثَروها على الآخِرةِ، وحَسَّنوا لهم التَّكذيبَ بالبَعثِ والجَزاءِ، ووَجَب عليهم عذابُ اللهِ الَّذي قدَّره على الكافِرينَ، في جُملةِ أُمَمٍ قد مَضَت قَبْلَهم مِن كُفَّارِ الجِنِّ والإنْسِ، إنَّ الأُمَمَ الَّتي وَجَب عليها عَذابُ اللهِ مِنَ الجِنِّ والإنسِ مِن السَّابِقينَ واللَّاحِقينَ: كانوا مَغبونينَ ببَيعِهم رِضا اللهِ ورَحمتَه بسَخَطِه وعَذابِه، وخَسِروا أعمالَهم الَّتي عَمِلوها في الدُّنيا، وخَسِروا أنفُسَهم وأهلِيهم في الآخِرةِ

وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآَنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ

وقال كُفَّارُ قُرَيشٍ: لا تُنصِتوا لهذا القُرآنِ فتَنقادُوا له، ائْتُوا باللَّغوِ عندَ قراءتِه، وتكلَّموا بالباطِلِ مِنَ القَولِ إذا سَمِعتُم قارِئَه يَقرَؤُه؛ رجاءَ أن تَغلِبوا بذلك مُحمَّدًا وأتْباعَه

فَلَنُذِيقَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا عَذَابًا شَدِيدًا وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَسْوَأَ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ

فلَنُذيقَنَّ هؤلاءِ الَّذين كَفَروا بالحَقِّ عَذابًا شَديدًا، ولَنُثيبَنَّهم جزاءَ أسوَأِ ما كانوا يُواظِبونَ على عَمَلِه مِنَ السَّيِّئاتِ

ذَلِكَ جَزَاءُ أَعْدَاءِ اللَّهِ النَّارُ لَهُمْ فِيهَا دَارُ الْخُلْدِ جَزَاءً بِمَا كَانُوا بِآَيَاتِنَا يَجْحَدُونَ

ذلك العَذابُ الَّذي نَجزي به الكُفَّارَ: هو النَّارُ، لهم في النَّارِ دارُ الخُلودِ والمُكْثِ الدَّائِمِ إلى غَيرِ نِهايةٍ، جازَيْناهم بذلك؛ بسَبَبِ أنَّهم كانوا في الدُّنيا يَكفُرونَ ويُكَذِّبونَ بآياتِنا

وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا رَبَّنَا أَرِنَا الَّذَيْنِ أَضَلَّانَا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ نَجْعَلْهُمَا تَحْتَ أَقْدَامِنَا لِيَكُونَا مِنَ الْأَسْفَلِينَ

وقال الَّذين كَفَروا: يا رَبَّنا أرِنَا مَن أضَلَّنا عن الحَقِّ مِن شَياطينِ الجِنِّ والإنسِ نَجعَلْ هَذَينِ اللَّذَينِ أضَلَّانا تحتَ أقدامِنا؛ لِيَكونَا دونَنا، وأسفلَ مِنَّا في النَّارِ، وأشَدَّ مِنَّا في العذابِ، فنَشتَفِيَ منهما!

إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ

إنَّ الَّذين قالوا نُطقًا بألسِنَتِهم، واعتِقادًا بقُلوبِهم: ربُّنا اللهُ وَحْدَه، ثمَّ استَقاموا على تَوحيدِ اللهِ، وامتِثالِ أوامِرِه، واجتِنابِ نَواهيه، وداوَموا على طاعتِه بإخلاصٍ له، ومُوافَقةٍ لِشَرعِه، أولئك المُؤمِنونَ المُستَقيمونَ تَتنَزَّلُ عليهم الملائِكةُ بأنْ لا تخافُوا ممَّا يُستَقبَلُ، ولا تَحزَنوا على ما مَضى، وأبشِروا بالجَنَّةِ الَّتي كُنتُم تُوعَدونَ بدُخولِها في كُتُبِ اللهِ وعلى ألسِنةِ رُسُلِه؛ جَزاءَ إيمانِكم باللهِ، واستِقامتِكم على دِينِه

نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآَخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ

نحن نَتَوَلَّاكم في الحياةِ الدُّنيا، ونتَولَّاكم في الآخِرةِ أيضًا، ولكم في الحياةِ الآخِرةِ ما تَشتَهيه أنفُسُكم، ولكم فيها ما تَطلُبونَه وتتَمَنَّونَه

نُزُلًا مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ

هذا الثَّوابُ العَظيمُ في الآخِرةِ تُعطَونَه ضِيافةً وإكرامًا مِنَ اللهِ الغَفورِ السَّاتِرِ لذُنوبِكم، المُتجاوِزِ عن عُقوبتِكم؛ الرَّحيمِ بكم

وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ

ولا أحَدَ أحسَنُ قَولًا مِمَّن دعا النَّاسَ إلى توحيدِ اللهِ وطاعتِه، وعَمِلَ عَمَلًا صالِحًا بإخلاصٍ لله، ومُتابَعةٍ لِشَرعِه، وقال: إنَّني مِنَ المُستَسلِمينَ للهِ، المُقِرِّينَ بوَحدانيَّتِه، الخاضِعينَ له، المُنقادينَ إليه بطاعتِه

وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ

ولا تَستوي الخَصلةُ الحَسَنةُ معَ الخَصلةِ السَّيِّئةِ في الجزاءِ وحُسنِ العاقِبةِ، فادفَعْ -يا مُحمَّدُ- سَيِّئةَ النَّاسِ بالخَصلةِ الَّتي هي أحسَنُ الخِصالِ؛ فأحسِنْ إلى مَن أساء إليك، وادعُهم بالحِكمةِ والرِّفقِ، واللِّينِ وحُسنِ الخِطابِ، واحلُمْ عليهم، واصفَحْ عنهم، واصبِرْ على أذاهم، فإنَّك إنْ فعَلْتَ ذلك صار مَن هو عدُوٌّ لك كأنَّه صَديقٌ شَديدُ الوَلاءِ لك، يُحِبُّك ويُشفِقُ عليك، ويُحسِنُ إليك ويُناصِرُك

وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ

وما يُعطَى هذه الخَصلةَ الشَّريفةَ -وهي مُقابَلةُ الإساءةِ بالإحسانِ- ويُوفَّقُ للعَمَلِ بها إلَّا الَّذين صَبَروا على ذلك، وما يُعطاها إلَّا ذو نَصيبٍ وافرٍ مِنَ الخَيرِ

وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ

وإنْ وَجَدْتَ مِنَ الشَّيطانِ وَسوَسةً في نَفْسِك -يا مُحمَّدُ-؛ لِيُفسِدَ بيْنَك وبيْنَ غَيرِك، فيُغريَك بعَداوتِه، والإساءةِ إليه؛ فالتَجِئْ إلى الله، واطلُبْ منه أن يَعصِمَك منه، ويَحفَظَك مِن كَيدِه وشَرِّه، إنَّ اللهَ الَّذي تَستعيذُ به مِن نَزْغِ الشَّيطانِ: هو السَّميعُ لكُلِّ قَولٍ، ومِن ذلك استِعاذتُك به؛ العَليمُ بكُلِّ شَيءٍ، ومِن ذلك عِلمُه بما يُلقِيه الشَّيطانُ في نَفْسِك، فلا يَخفَى عليه كَيدُه، وهو يَتولَّى أمْرَه وجَزاءَه

وَمِنْ آَيَاتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ لَا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلَا لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ

ومِن آياتِ اللهِ الدَّالَّةِ على وُجودِه ووَحدانيَّتِه، وقُدرتِه ورَحمتِه بعِبادِه، وغيرِ ذلك مِن صفاتِ كَمالِه: اللَّيلُ والنَّهارُ في تَعاقُبِهما، واختِلافِهما في الظَّلامِ والضِّياءِ، وغيرِ ذلك؛ ومِن آياتِه الشَّمسُ والقَمَرُ في دَوَرانِهما المُستَمِرِّ بانتِظامٍ، وتَقديرِ مَنازِلِهما لِمَصالِحِ الأنامِ، وغيرِ ذلك مِن مَنافِعِهما وعَجائبِهما، لا تَسجُدوا -أيُّها النَّاسُ- للشَّمسِ، ولا تَسجُدوا للقَمَرِ؛ فهما مُدَبَّرانِ مُسَخَّرانِ، واسجُدوا للهِ وَحْدَه الَّذي خلَقَهنَّ، إنْ كنتُم تَعبُدونَه وتَذِلُّونَ له بالطَّاعةِ حَقًّا

فَإِنِ اسْتَكْبَرُوا فَالَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ يُسَبِّحُونَ لَهُ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَهُمْ لَا يَسْأَمُونَ

فإنْ تكبَّرَ المُشرِكونَ وتعاظَموا عن إفرادِ اللهِ بالعِبادةِ والسُّجودِ له وَحْدَه، فله عِبادٌ آخَرُونَ هم الملائِكةُ الَّذين عِندَ رَبِّك -يا مُحمَّدُ-، فهم يُنَزِّهونَه لَيلًا ونَهارًا، وهم لا يَمَلُّونَ مِن ذلك

وَمِنْ آَيَاتِهِ أَنَّكَ تَرَى الْأَرْضَ خَاشِعَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ إِنَّ الَّذِي أَحْيَاهَا لَمُحْيِي الْمَوْتَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ

ومِن آياتِ اللهِ الدَّالَّةِ على وَحدانيَّتِه وقُدرتِه تعالى على إحياءِ الموتى وغَيرِ ذلك: أنَّك ترَى الأرضَ يابِسةً مُجدِبةً لا نَباتَ فيها ولا زَرْعَ، فإذا أنزَلْنا الماءَ على تلك الأرضِ اليابِسةِ تحَرَّكَت وارتَفَعت، إنَّ الَّذي أحيا تلك الأرضَ الخاشِعةَ، فأخَرَج منها النَّباتَ والزَّرعَ بالمطَرِ: لَقادِرٌ على إحياءِ الأمواتِ يومَ القيامةِ، إنَّ اللهَ ذو قدرةٍ على كلِّ شيءٍ، فلا يُعجِزُه شَيءٌ كائِنًا ما كان

إِنَّ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي آَيَاتِنَا لَا يَخْفَوْنَ عَلَيْنَا أَفَمَنْ يُلْقَى فِي النَّارِ خَيْرٌ أَمْ مَنْ يَأْتِي آَمِنًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ

إنَّ الَّذين يَميلُونَ في آياتِ اللهِ عن الحَقِّ -كأن يُكَذِّبوا بها ويُنكِروها، أو يُحَرِّفوا مَعانيَها عن الصَّوابِ- لا يَخفَونَ على اللهِ تعالى؛ فهو مُطَّلِعٌ عليهم، وسَوفَ يُجازيهم على إلحادِهم، فيُلقِيهم في النَّارِ يَومَ القيامةِ، أفمَن يُلقَى في النَّارِ فيُعَذَّبُ فيها خَيرٌ أمْ مَن يأتي يومَ القيامةِ آمِنًا مِن عَذابِ اللهِ؛ لِكَونِه آمَنَ بآياتِه ولم يُلحِدْ فيها؟! أيَسْتوي هذا وهذا؟! لا يَستَويانِ، اعمَلوا -أيُّها المُشرِكونَ- ما شِئتُم، إنَّ اللهَ بما تَعمَلونَ بَصيرٌ، لا يَخفَى عليه -سُبحانَه- شَيءٌ مِن أعمالِكم، وسيُجازيكم عليها

إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالذِّكْرِ لَمَّا جَاءَهُمْ وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ

إنَّ الَّذين كَفَروا بالقُرآنِ حينَ جاءَهم: هم الخاسِرونَ الأذَلُّونَ الأسفَلونَ، وإنَّ هذا القُرآنَ لَكِتابٌ عزيزٌ أعزَّه اللهُ وحَفِظَه مِن الباطِلِ، ومِن كُلِّ تَبديلٍ وتَحريفٍ، ومُمتَنِعٌ عن الخَلقِ أن يَقولوا مِثْلَه، أو يَغلِبوا حُجَجَه

لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ

ليس للبُطلانِ مِن سَبيلٍ إلى القُرآنِ، تَنزيلٌ مِن حَكيمٍ يَضَعُ كُلَّ شَيءٍ في مَوضِعِه الصَّحيحِ اللَّائقِ به، ومِن حَميدٍ بالِغِ الإحاطةِ بأوصافِ الكَمالِ، مُنَزَّهٍ عن كُلِّ نَقصٍ وعَيبٍ، مَحمودٍ على ذلك

مَا يُقَالُ لَكَ إِلَّا مَا قَدْ قِيلَ لِلرُّسُلِ مِنْ قَبْلِكَ إِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ وَذُو عِقَابٍ أَلِيمٍ

ما يُقالُ لك -يا مُحمَّدُ- إلَّا ما قد قِيلَ للرُّسُلِ الَّذين بُعِثوا مِن قَبْلِك، إنَّ ربَّك -يا مُحمَّدُ- لَذُو مغفرةٍ لذُنوبِ عِبادِه التَّائِبينَ، وهو ذو عِقابٍ مُؤلمٍ لِمَن أصَرَّ على كُفرِه ومَعاصيه، ولم يَتُبْ مِن ذُنوبِه قبْلَ مَوتِه

وَلَوْ جَعَلْنَاهُ قُرْآَنًا أَعْجَمِيًّا لَقَالُوا لَوْلَا فُصِّلَتْ آَيَاتُهُ أَأَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آَمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ وَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ فِي آَذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى أُولَئِكَ يُنَادَوْنَ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ

ولو جعَلْنا القرآنَ بلُغةٍ أُخرى غيرِ العَرَبيَّةِ لَقالَ كُفَّارُ قُرَيشٍ: هلَّا بيَّنَ اللهُ لنا آياتِ كِتابِه بلُغتِنا العَرَبيَّةِ؛ حتى نَعقِلَ ما فيه؟ أقُرآنٌ أَعجَميٌّ ورَسولٌ عَرَبيٌّ؟! قُلْ -يا مُحمَّدُ- للمُشرِكينَ: القُرآنُ للمُؤمِنينَ هُدًى يُرشِدُهم إلى الحَقِّ، ويُعَلِّمُهم ما يَنفَعُهم، وهو شِفاءٌ لهم مِنَ الجَهلِ والشَّكِّ والشُّبُهاتِ، وأمراضِ القُلوبِ والأبدانِ، والَّذين لا يُؤمِنونَ في آذانِهم ثِقَلٌ؛ فلا يَنتَفِعونَ بسَماعِ الحَقِّ، والقُرآنُ على قُلوبِهم عَمًى؛ فلا يُبصِرونَ حُجَجَه عليهم، ولا يَهْتَدونَ إلى ما فيه مِن البيانِ، أولئك كأنَّهم لِعَمَى قلوبِهم عن فَهمِ ما أُنْزِل في القرآنِ مِن حُجَجِه ومَواعِظِه، وعدمِ انتِفاعِهم به- يُنادَونَ مِن مَوضِعٍ بعيدٍ منهم، فهم لا يَسمَعونَ النِّداءَ، ولا يَفهَمونَه

وَلَقَدْ آَتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ فَاخْتُلِفَ فِيهِ وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّهُمْ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مُرِيبٍ

ولقد آتَيْنا مُوسى التَّوراةَ فاختَلَف قَومُه فيها؛ فآمَنَ بها بَعضُهم واتَّبَعوها، وآخَرونَ مِنهم لم يُؤمنِوا بها وأعرَضوا عنها، فلا تَحزَنْ مِن تكذيبِ المُشرِكينَ بما آتَيْناك مِنَ القُرآنِ، ولولا كَلِمةٌ سَبَقَت مِن رَبِّك -يا مُحمَّدُ- بتأخيرِ العَذابِ إلى أجَلٍ مُسَمًّى، لأهلَكَهم اللهُ في الحالِ، وإنَّهم لَفي شَكٍّ شَديدٍ منه، مُوقعٍ في القَلَقِ، ومُوجِبٍ للاضطِرابِ

مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ

مَن عَمِل في الدُّنيا عَمَلًا صالِحًا بإخلاصٍ لله تعالى، ومُتابَعةٍ لِشَرعِه؛ فثَوابُ ذلك العَمَلِ الصَّالحِ لِنَفْسِه، ونَفعُه له، ومَن عَمِل سُوءًا فعِقابُ إساءتِه على نَفْسِه، لا على غَيرِه، وما ربُّك -يا مُحمَّدُ- بظلَّامٍ لعِبادِه؛ فلا يُعاقِبُ أحَدًا بغَيرِ ذَنْبِه، أو يَزيدُ في سيِّئاتِه أو عِقابِه، أو يَنقُصُ مِن حَسَناتِه