التفسير المحرر

التفسير المحرر

وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ وَتَعْمَلْ صَالِحًا نُؤْتِهَا أَجْرَهَا مَرَّتَيْنِ وَأَعْتَدْنَا لَهَا رِزْقًا كَرِيمًا (31)

اللغة: العربية
إعداد:
الإصدار: 1.0
ترجمات 1
إنجليزي
المرفقات 7
PDF
Audio
Video
+3

وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ وَتَعْمَلْ صَالِحًا نُؤْتِهَا أَجْرَهَا مَرَّتَيْنِ وَأَعْتَدْنَا لَهَا رِزْقًا كَرِيمًا (31)

ومَن تُداوِمْ مِنكُنَّ على طاعةِ اللهِ وطاعةِ رَسولِه، وتَعمَلِ الأعمالَ الصَّالحةَ الَّتي شَرَعها اللهُ بإخلاصٍ له سُبحانَه- نُؤتِها ثَوابَها في الآخِرةِ مِثْلَيْ ما نُعطي غَيرَها، وأعدَدْنا لها رِزقًا حَسَنًا جَميلًا، وعَيشًا في الجَنَّةِ هَنيئًا.

يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفًا (32)

يا أزواجَ النَّبيِّ لَستُنَّ مُساوياتٍ أو مُشابِهاتٍ لأيِّ امرأةٍ أُخرى مِنَ النِّساءِ في الفَضلِ والشَّرفِ، إنِ اتَّقيتُنَّ اللهَ بفِعلِ أوامِرِه، واجتِنابِ نَواهيه، فلا تُلِنَّ كَلامَكنَّ للرِّجالِ على وَجهٍ فيه خُضوعٌ وانكِسارٌ لهم، فيَطمَعَ فِيكُنَّ مَن في قَلبِه مَرَضُ الشَّهوةِ المحَرَّمةِ، وإرادةُ الفُجورِ، وتَكلَّمْنَ بكَلامٍ مُباحٍ حَسَنٍ، بلا خُشونةٍ وغِلظةٍ، ولا بَذاءةٍ.

وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلَاةَ وَآَتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا (33)

والْزَمْنَ -يا نِساءَ النَّبيِّ- بُيوتَكنَّ، فلا تَخرُجْنَ منها لِغَيرِ حاجةٍ، ولا تُظْهِرْنَ زِينَتَكنَّ وتُبْرِزْنَ مَحاسِنَكُنَّ للرِّجالِ، كعادةِ النِّساءِ في الجاهليَّةِ قبْلَ الإسلامِ، وأدِّينَ الصَّلاةَ للهِ على الوَجهِ المُستقيمِ، وآتِينَ الزَّكاةَ أهْلَها المُستحِقِّينَ لها، كما أمَر اللهُ تعالى، وأطِعْنَ اللهَ ورَسولَه في أمْرِهما ونَهيِهما، إنَّما يُريدُ اللهُ أن يُذهِبَ عنكم مَساوِئَ الأخلاقِ والأعمالِ -يا أهلَ بَيتِ مُحمَّدٍ- بما يأمُرُكم ويَنهاكم، ويُحِبُّ أن يُطَهِّرَكم تَطهيرًا مِن دنَسِ السَّيِّئاتِ.

وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آَيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ لَطِيفًا خَبِيرًا (34)

واذكُرْنَ -يا أزواجَ النَّبيِّ- ما يُتلَى في بُيوتِكنَّ مِن آياتِ القُرآنِ، والسُّنَّةِ، إنَّ اللهَ هو المتَّصِفُ أزَلًا وأبدًا باللُّطفِ، المتضمَّنِ عِلمَه بالأشياءِ الدَّقيقةِ، وإيصالَه الرَّحمةَ بالطُّرقِ الخفيَّةِ، ومِن لُطفِه سَوقُ الخَيرِ والنَّفعِ إلى نِساءِ النَّبيِّ، وحِفظُهنَّ، وإكرامُهنَّ وبُلوغُهنَّ مَنزِلةً عاليةً؛ وهو المتَّصِفُ أزَلًا وأبدًا بالخِبرةِ، فهو العالِمُ بالأسرارِ والخفايا، ومِن خِبرتِه عِلمُه بما يَنفَعُ نِساءَ النَّبيِّ، وعِلمُه بهِنَّ وبحالِهنَّ، فاختارَهنَّ أزواجًا لِرَسولِه.

إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِرَاتِ وَالْخَاشِعِينَ وَالْخَاشِعَاتِ وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقَاتِ وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا (35)

إنِّ الرِّجالَ والنِّساءَ المُستَسلِمينَ للهِ، المُنقادينَ له بطاعتِه، والمؤمِنينَ والمؤمِناتِ بما يجبُ الإيمانُ به، والمُطيعينَ والمُطيعاتِ لله فيما يأمُرُهم ويَنْهاهم، معَ المداومةِ على طاعتِه بذُلٍّ وخُضوعٍ وسُكونٍ، والصَّادقين والصَّادقاتِ في عقائِدِهم وأقوالِهم وأفعالِهم، والصَّابِرينَ والصَّابراتِ على فِعلِ الطَّاعاتِ، وتَركِ المعاصي، وتحمُّلِ المصائِبِ، والخائِفينَ والخائِفاتِ مِن اللهِ، المتواضِعينَ الخاضِعينَ له في صَلاتِهم وفي جميعِ أحوالِهم، والمؤدِّينَ والمؤدِّياتِ الصَّدَقاتِ، والمتعَبِّدينَ والمتعَبِّداتِ للهِ تعالى بالصِّيامِ، والحافِظينَ فُروجَهم عمَّا لا يَحِلُّ، والحافِظاتِ فُروجَهنَّ، والذَّاكِرينَ والذَّاكراتِ اللهَ ذِكرًا كَثيرًا، أعدَّ اللهُ لأولئك الرِّجالِ والنِّساءِ المتَّصِفينَ بتلك الصِّفاتِ مَغفِرةً، فيَستُرُ ذُنوبَهم ولا يؤاخِذُهم بها، وأعدَّ لهم أجرًا عَظيمًا.

وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا (36)

لا يَصِحُّ ولا ينبغي شرعًا لمؤمنٍ ولا مُؤمنةٍ إذا حكَمَ اللهُ ورَسولُه حُكمًا: أن يَختاروا غيرَ ما اختاره اللهُ ورَسولُه، فيَعصوهما، ومَن يَعصِ اللهَ ورَسولَه في أيِّ أمرٍ أو نَهيٍ، فقد ضَلَّ عن طريقِ الحَقِّ ضَلالًا واضِحًا لا خفاءَ فيه.

وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا لِكَيْ لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَرًا وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا (37)

واذكُرْ -يا محمَّدُ- حينَ تقولُ لِزَيدِ بنِ حارِثةَ الَّذي أنعَمَ اللهُ عليه بالهِدايةِ إلى الإسلامِ، وأنعَمْتَ عليه -يا محمَّدُ- بالعِتقِ مِن رِقِّ العُبوديَّةِ، لا تُطَلِّقِ امرأتَك، واصبِرْ على عِشْرتِها، واتَّقِ اللهَ فيها، وتُخفي -يا محمَّدُ- في قَلبِك ما أطلَعَك اللهُ عليه مِن أنَّ زينبَ ستَكونُ مِن أزواجِك بعدَ مُفارَقةِ زيدٍ لها، وتَخشَى أن يقولَ النَّاسُ: إنَّك تَنهَى عن التَّزَوُّجِ بنِساءِ الأبناءِ، ثمَّ تتزوَّجُ امرأةَ زَيدٍ الَّذي تبنَّيْتَه مِن قَبْلُ! واللهُ أَولى بأن تخشاه، فلا تُبالِ بالنَّاسِ فيما أحَلَّ اللهُ لك. فلمَّا أتمَّ زَيدُ بنُ حارِثةَ حاجَتَه مِنِ امرأتِه زَينبَ بنتِ جَحشٍ، وفرَغ منها وطَلَّقها؛ زوَّجناك -يا محمَّدُ- زَيْنبَ؛ لِئَلَّا يبقَى ضِيقٌ ومَشقَّةٌ على المؤمِنينَ في تزَوُّجِهم بمُطلَّقاتِ مَن تَبنَّوهم إذا قَضَوا مِنهنَّ حاجاتِهم، فلم تبقَ لديهم رغبةٌ فيهنَّ وفارَقوهنَّ، وكان ما قَضاه اللهُ كائِنًا لا محالةَ، ومِمَّا قضى اللهُ: أن يتزوَّجَ الرَّسولُ عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ بزَينبَ رَضِيَ اللهُ عنها.

مَا كَانَ عَلَى النَّبِيِّ مِنْ حَرَجٍ فِيمَا فَرَضَ اللَّهُ لَهُ سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَرًا مَقْدُورًا (38)

ما يَنبغي أن يكونَ على النَّبيِّ إثمٌ أو ضِيقٌ ممَّا قَسَم اللهُ له مِنَ المُباحاتِ، سَنَّ الله تعالى لنبيِّه محمَّدٍ صلَّى الله عليه وسلَّم في التَّوسعةِ عليه في النِّكاحِ كسُنَّتِه في الأنبياءِ الماضينَ؛ فهذه عادةُ الله فيهم أن يَنالوا ما أحَلَّ الله لهم، وكان ما قدَّره اللهُ وقَضاه كائِنًا لا محالةَ.

الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالَاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلَّا اللَّهَ وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا (39)

سُنَّةَ اللهِ في إباحةِ ما أباحه للَّذينَ مَضَوا مِنَ الرُّسَلِ الَّذين يُبَلِّغونَ رِسالاتِ اللهِ إلى أمَمِهم، ويؤَدُّونَها إليهم بأمانةٍ، فيُخبِرونَهم بكُلِّ ما أُمِروا به، ويَخشَونَ اللهَ، ويَخافونَ عِقابَه إن تَرَكوا تبليغَ الحَقِّ، ولا يَخشَونَ أحدًا إلَّا اللهَ وَحْدَه، فلا يَمنَعُهم أحَدٌ أو شَيءٌ عن تبليغِ الحَقِّ، وكفى باللهِ حافِظًا لأعمالِ خَلْقِه ومحاسِبًا لهم، وكافِيًا لعبادِه، وناصِرًا ومُعِينًا وحافِظًا.

مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا (40)

ليس محمَّدٌ أبا أحَدٍ مِن رِجالِكم، لا زَيدِ بنِ حارِثةَ ولا غيرِه، ولكِنَّ مُحمَّدًا هو رَسولُ اللهِ، وهو آخِرُ النَّبيِّينَ، فلا نَبيَّ بعْدَه، إنَّ اللهَ مُتَّصِفٌ أزَلًا وأبَدًا بالعِلمِ بكُلِّ شَيءٍ، فلا يخفَى عليه شَيءٌ مِن خَلْقِه، ومِن ذلك عِلمُه بمَن يَصلُحُ منهم لرِسالتِه، وبما يَصلُحُ لهم مِنَ الأحكامِ.

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا (41)

يا أيُّها الَّذين آمَنوا اذكُروا اللهَ ذِكرًا كَثيرًا في جميعِ أوقاتِكم.

وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا (42)

ونَزِّهوا اللهَ عن النَّقائِصِ والعُيوبِ، بالتَّسبيحِ أوَّلَ النَّهارِ بينَ الصُّبحِ وطُلوعِ الشَّمسِ، وآخِرَ النَّهارِ بينَ العَصرِ وغُروبِ الشَّمسِ.

هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلَائِكَتُهُ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا (43)

هو الَّذي يُثني عليكم، ومَلائِكتُه يَدْعُونَ ويَستَغفِرونَ لكم؛ فيُخرِجُكم اللهُ -بسَبَبِ صَلاتِه وصلاةِ ملائكتِه- مِن ظُلُماتِ الجَهلِ والضَّلالِ والكُفرِ والعِصيانِ، إلى نورِ العِلمِ والطَّاعةِ والإيمانِ، إنَّ اللهَ بعِبادِه المُؤمِنينَ رَحيمٌ؛ يهديهم في الدُّنيا، ويَلطُفُ بهم، ولا يُعَذِّبُهم في الآخِرةِ، ويُثيبُهم.

تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلَامٌ وَأَعَدَّ لَهُمْ أَجْرًا كَرِيمًا (44)

تحيَّةُ المؤمِنينَ يومَ القيامةِ حينَ يَلقَونَ رَبَّهم: سلامٌ، فيُسلِّمُ اللهُ عليهم، ويُسلِّمُهم مِن الآفاتِ، وأعدَّ اللهُ للمُؤمِنينَ أجرًا حَسَنًا نَفيسًا.

يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا (45)

يا أيُّها النَّبيُّ إنَّا أرسَلْناك شاهِدًا -ومِن ذلك شهادتُه على أمَّتِه- ومُبَشِّرًا بالخَيرِ في الدُّنيا والآخِرةِ لِمَنْ آمَنَ بك وأطاعَك، ومُنذِرًا بالعَذابِ في الدُّنيا والآخِرةِ لِمَن خالَفك وعصَى أمرَك.

وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُنِيرًا (46)

وأرسَلْناك -يا مُحمَّدُ- داعيًا إلى اللهِ وَحْدَه بإذْنِ الله تعالى لك في الدَّعوةِ وأمرِه وإرادتِه وقَدَرِه وتيسيرِه، وسِراجًا مُنيرًا يُستَضاءُ ويُهتدَى به.

وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ بِأَنَّ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ فَضْلًا كَبِيرًا (47)

وبَشِّرِ المُؤمِنينَ بأنَّ لهم مِنَ الله ثوابًا عَظيمًا جَليلًا.

وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ وَدَعْ أَذَاهُمْ وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا (48)

ولا تُطِعِ الكافِرينَ والمُنافِقينَ -يا مُحمَّدُ- فيما يَدْعونَك ويُشيرونَ عليك؛ مِنَ المُداهَنةِ في الدِّينِ، أو التَّقصيرِ في تَبليغِ رِسالةِ رَبِّ العالَمينَ، وأعرِضْ عن إيذاءِ الكافِرينَ والمُنافِقينَ لك، ولا تُبالِ بهم، واصبِرْ عليهم، واعتَمِدْ على اللهِ وَحْدَه، في إتمامِ أمرِك، وخذلانِ عدوِّك، وتبليغِ الرِّسالةِ، وفوِّضْ إليه أمورَك كُلَّها فإنَّه يَكْفيكَ، وحسْبُك اللهُ قائِمًا بأمورِك، وحافِظًا لك.

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا فَمَتِّعُوهُنَّ وَسَرِّحُوهُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا (49)

يا أيُّها الَّذين آمَنوا إذا عقَدْتُم عَقدَ الزَّواجِ على المُؤمِناتِ، ثمَّ طَلَّقتُموهنَّ قبْلَ أن تُجامِعوهنَّ، فما لكم عِدَّةٌ تُحصونَها عليهنَّ، فأعطوهنَّ ما يَستَمتِعنَ به مِن مَتاعِ الدُّنيا، وأخلُوا سَبيلَهنَّ تَخليةً حَسَنةً.

يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ اللَّاتِي آَتَيْتَ أُجُورَهُنَّ وَمَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ مِمَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَيْكَ وَبَنَاتِ عَمِّكَ وَبَنَاتِ عَمَّاتِكَ وَبَنَاتِ خَالِكَ وَبَنَاتِ خَالَاتِكَ اللَّاتِي هَاجَرْنَ مَعَكَ وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ إِنْ أَرَادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنْكِحَهَا خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ قَدْ عَلِمْنَا مَا فَرَضْنَا عَلَيْهِمْ فِي أَزْوَاجِهِمْ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ لِكَيْلَا يَكُونَ عَلَيْكَ حَرَجٌ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (50)

يا أيُّها النَّبيُّ إنَّا أحلَلْنا لك أزواجَك اللَّاتي آتيتَهنَّ مُهورَهنَّ، وأحلَلْنا لك النِّساءَ اللَّاتي مَلَكْتَهنَّ ممَّا نِلْتَه مِنَ الكُفَّارِ، وأحلَلْنا لك بناتِ عَمِّك وبناتِ عمَّاتِك، وبناتِ خالِك وبناتِ خالاتِك؛ اللَّاتي هاجَرْنَ مِن مكَّةَ إلى المدينةِ كما فعَلْتَ، وأحلَّ اللهُ لك -يا مُحمَّدُ- الزَّواجَ مِن أيِّ امرأةٍ مُؤمِنةٍ إذا وهَبَت نَفسَها لكَ لِتتزوَّجَها بغيرِ مَهرٍ، فقَبِلْتَ الزَّواجَ بها، وذلك خاصَّةً لك -يا محمَّدُ-، ولا يحِلُّ ذلك لأحَدٍ مِن أمَّتِك، قد عَلِمْنا ما أوجَبْنا على المؤمِنينَ في الزَّواجِ، وعَلِمْنا أنَّ المصلحةَ تَقتَضي ما شرَعْناه؛ فلا يكونُ إلَّا بمَهرٍ ووَليٍّ وشُهودٍ عُدولٍ، ولا يحِلُّ لهم أكثَرُ مِن أربَعِ زَوجاتٍ، ولهم مِلكُ ما شاؤوا مِنَ النِّساءِ بالسَّبْيِ، أو التَّسَرِّي، أو غيرِ ذلك مِن أسبابِ المِلْكِ، وسَّعْنا عليك في أمرِ الزَّواجِ بالنِّساءِ -يا مُحمَّدُ-؛ لكيلا يكونَ عليك إثمٌ وضِيقٌ في نِكاحِهنَّ، إنَّ اللهَ تعالى مُتَّصِفٌ أزَلًا وأبدًا بالمَغفِرةِ لذُنوبِ عِبادِه، ومُتَّصِفٌ أزَلًا وأبدًا بالرَّحمةِ بعبادِه، فيُحسِنُ إليهم ويُنعِمُ عليهم مِن فَضلِه.

تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشَاءُ وَمَنِ ابْتَغَيْتَ مِمَّنْ عَزَلْتَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكَ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ تَقَرَّ أَعْيُنُهُنَّ وَلَا يَحْزَنَّ وَيَرْضَيْنَ بِمَا آَتَيْتَهُنَّ كُلُّهُنَّ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا فِي قُلُوبِكُمْ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَلِيمًا (51)

تُؤخِّرُ -يا مُحمَّدُ- مَن أُحِلَّ لك مِنَ النِّساءِ، وتَضُمُّ إليك مَن تَشاءُ مِنهُنَّ، فإنْ عَزَلْتَ بالإرجاءِ إحداهنَّ -كما لو كان بطَلاقٍ أو رَدِّ هِبةٍ مَثلًا- ثمَّ رَغِبْتَ فيها؛ فلا بأسَ ولا إثمَ عليك في إيوائِها بعدَ ذلك، سواءٌ كان ذلك بقَبولِ هِبتِها نَفْسَها له، أو برَدِّها إلى ما كانت عليه مِنَ النِّكاحِ أو القَسْمِ إن كانت مِن زَوجاتِه؛ فاختيارُك السَّابِقُ غَيرُ مُلزِمٍ لك، بل الأمرُ راجِعٌ إلى اختيارِك ورَغبتِك في ذلك، ذلك هو أقرَبُ لِأنْ يَفرَحْنَ ولا يَحزَنَّ، وأقرَبُ لِأنْ يَرضَينَ كُلُّهنَّ بما أعطَيتَهنَّ -يا مُحمَّدُ، واللهُ يَعلَمُ كلَّ ما تُضمِرونَه في قُلوبِكم، ومِن ذلك أمورُ النساءِ، والمَيلُ إلى بَعضِهنَّ دونَ بَعضٍ، إنَّ اللهَ واسِعُ العِلمِ؛ فلا يخفَى عليه شَيءٌ سُبحانَه، وهو كثيرُ الحِلمِ على عِبادِه؛ فلا يُعاجِلُهم بمُؤاخَذتِهم على ذُنوبِهم.

لَا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ مِنْ بَعْدُ وَلَا أَنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْوَاجٍ وَلَوْ أَعْجَبَكَ حُسْنُهُنَّ إِلَّا مَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ رَقِيبًا (52)

لا يَحِلُّ لك الزَّواجُ بالنِّساءِ -يا مُحمَّدُ- مِن بَعدِ النِّساءِ اللّاتِي في عِصْمَتِكَ اليومَ، ولا يحِلُّ لك أن تُطَلِّقَ واحِدةً مِن أزواجِك؛ لِتَتزوَّجَ بأُخرى، ولو أعجبَك جمالُها، لا يحِلُّ لك إلَّا نِكاحُ مَن شِئتَ مِن النِّساءِ اللَّاتي تَملِكُهنَّ، وكان اللهُ على كُلِّ شَيءٍ حافِظًا ومُراقِبًا؛ لا يخفَى عليه شَيءٌ سُبحانَه، وقائِمًا بتَدبيرِ كُلِّ شَيءٍ على أكمَلِ نِظامٍ، وأحسَنِ إحكامٍ.

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلَى طَعَامٍ غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ وَلَكِنْ إِذَا دُعِيتُمْ فَادْخُلُوا فَإِذَا طَعِمْتُمْ فَانْتَشِرُوا وَلَا مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ فَيَسْتَحْيِي مِنْكُمْ وَاللَّهُ لَا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ وَمَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ وَلَا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْوَاجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَدًا إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمًا (53)

يا أيُّها الَّذين آمَنوا باللهِ ورَسولِه، لا تَدخُلوا بُيوتَ النَّبيِّ بغيرِ إذنٍ إلَّا أن تُدعَوا إلى دُخولِها؛ مِن أجْلِ طَعامٍ تأكلونَه فيها، فيُؤذنَ لكم، والحالُ أنَّكم غيرُ مُنتَظِرينَ وَقتَ نُضجِ الطَّعامِ واستِوائِه، ولكِنْ إذا دُعيتُم للدُّخولِ إلى بَيتٍ مِن بُيوتِ النَّبيِّ، فادخُلوه، فإذا فَرغتُم مِنَ الطَّعامِ فاخرُجوا مِن بَيتِ النَّبيِّ، وتفَرَّقوا، ولا تَمكُثوا في بَيتِه بعدَ فَراغِكم مِنَ الطَّعامِ مُستأنِسينَ بالحَديثِ، إنَّ ذَلِكم كان يُؤذي النَّبيَّ ويَشُقُّ عليه، فيُصيبُه الحياءُ مِن إعلامِكم بذلك، فيَسكُتُ! واللهُ لا يَستَحْيي أن يُبيِّنَ لكم الحَقَّ، وإذا سألْتُم أزواجَ رَسولِ اللهِ حاجةً تُريدونَها مِنهنَّ، فكَلِّموهُنَّ مِن وراءِ سِترٍ بينَكم وبَينَهنَّ، ذلك أنقَى لقُلوبِكم وقُلوبِهنَّ مِن عوارِضِ النَّظَرِ، أو الخواطِرِ الَّتي تَعرِضُ للرِّجالِ في أمرِ النِّساءِ، وللنِّساءِ في أمرِ الرِّجالِ؛ وأَحرَى في السَّلامةِ مِن الرِّيبةِ ووَساوِسِ الشَّيطانِ، وما ينبغي لكم -أيُّها المُسلِمونَ- أن تُؤذُوا رَسولَ اللهِ بأيِّ شَيءٍ مِن الأشياءِ، ولا يَنبغي ولا يَحِلُّ لكم -أيُّها المُسلِمونَ- أن تَنكِحوا أزواجَ رَسولِ اللهِ مِن بَعدِه أبدًا، إنَّ أذيَّةَ رَسولِ اللهِ ونِكاحَ أزواجِه مِن بَعدِه: ذَنْبٌ عَظيمٌ عندَ اللهِ تعالى.

إِنْ تُبْدُوا شَيْئًا أَوْ تُخْفُوهُ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا (54)

إن تُظهِروا أيَّ شَيءٍ أو تُخفُوه في قُلوبِكم، فإنَّ اللهَ عَليمٌ بذلك وبِغَيرِه، فلا يخفَى عليه شَيءٌ سُبحانَه، وسيُجازيكم على أعمالِكم الظَّاهِرةِ والخَفيَّةِ.

لَا جُنَاحَ عَلَيْهِنَّ فِي آَبَائِهِنَّ وَلَا أَبْنَائِهِنَّ وَلَا إِخْوَانِهِنَّ وَلَا أَبْنَاءِ إِخْوَانِهِنَّ وَلَا أَبْنَاءِ أَخَوَاتِهِنَّ وَلَا نِسَائِهِنَّ وَلَا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ وَاتَّقِينَ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدًا (55)

لا إثمَ على أزواجِ النَّبيِّ في تَركِ الاحتِجابِ مِن آبائِهنَّ، وأبنائِهنَّ، وإخوانِهنَّ، وأبناءِ إخوانِهنَّ، وأبناءِ أَخواتِهنَّ، ومِن نِسائِهنَّ، ومنِ أرِقَّائِهنَّ الذُّكورِ والإناثِ المملوكينَ لهُنَّ، واتَّقِينَ -يا أزواجَ النَّبيِّ- سَخَطَ اللهِ وغَضَبَه وعَذابَه؛ وذلك بامتِثالِ ما أمَرَكنَّ اللهُ به مِن الحِجابِ وغَيرِه، والانتِهاءِ عمَّا نهاكُنَّ عنه، إنَّ اللهَ شاهِدٌ على كُلِّ شَيءٍ، لا تخفَى عليه خافيةٌ.

إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا (56)

إنَّ الله تعالى يُثني على نَبيِّه في الملأِ الأعلى، ومَلائِكتَه يُثنُونَ عليه ويَدْعُونَ له، يا أيُّها الَّذين آمَنوا ادْعُوا اللهَ بأن يُصَلِّيَ على نبيِّه محمَّدٍ صلَّى الله عليه وسلَّم، وحيُّوه تحيَّةَ الإسلامِ، فقولوا: السَّلامُ عليك أيُّها النَّبيُّ ورحمةُ الله وبركاتُه.

إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا مُهِينًا (57)

إنَّ الَّذين يُؤذُونَ اللهَ بالكُفرِ به، أو بنِسبةِ الصَّاحِبةِ والوَلَدِ والشَّريكِ إليه، أو وَصْفِه بما لا يَليقُ به، أو بالإصرارِ على مَعصيتِه أو بغيرِ ذلك؛ ويُؤْذونَ رَسولَه مُحمَّدًا بالقَولِ أو الفِعلِ، كضَربِه، أو شَتمِه، أو وَصفِه بما لا يليقُ به: أبعَدَهم اللهُ وطرَدَهم مِن رحمتِه في الدُّنيا وفي الآخِرةِ، وأعدَّ لهم في الآخِرةِ عَذابًا يُهينُهم؛ جزاءً لهم على إيذائِهم اللهَ ورَسولَه.

وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا (58)

والَّذين يُؤذونَ المُؤمِنينَ والمُؤمِناتِ مِن غَيرِ جِنايةٍ منهم: فقد تحمَّلوا كَذِبًا فاحِشًا؛ لافترائِهم عليهم بما هم منه بُرَآءُ، ويَتحَمَّلونَ إثمًا ظاهِرًا.

يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (59)

يا أيُّها النَّبيُّ قُلْ لِزَوجاتِك وبناتِك وجميعِ نساءِ المؤمِنينَ يُرخِينَ جَلابيبَهنَّ على أجسامِهنَّ إذا خرَجْنَ مِن بُيوتِهنَّ لحاجتِهنَّ؛ فهذا أقرَبُ لِئَلَّا يَتعَرَّضَ لهنَّ المنافِقونَ والفُسَّاقُ بأذًى؛ فحينَ يَرَونَهنَّ مُتَسَتِّراتٍ يَعرِفونَ أنَّهنَّ حرائرُ، وأنَّهنَّ عفيفاتٌ فلا يَطمَعونَ فيهنَّ، إنَّ اللهَ تعالى مُتَّصِفٌ بالمَغفرةِ؛ فيَستُرُ ذُنوبَ عبادِه، ويَتجاوَزُ عن مُؤاخَذتِهم بها؛ ومتَّصِفٌ بالرَّحمةِ؛ فهو رَحيمٌ بعبادِه.

لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ ثُمَّ لَا يُجَاوِرُونَكَ فِيهَا إِلَّا قَلِيلًا (60)

لَئِنْ لم يَنتَهِ الَّذين يُخْفُونَ الكُفرَ، ويُظهِرونَ الإيمانَ، والَّذين في قُلوبِهم مَرَضٌ، والمُشِيعُونَ في المدينةِ الأخبارَ الكاذِبةَ الباطِلةَ لتَخويفِ المُؤمِنينَ؛ لَنُسَلِّطَنَّك -يا رَسولَ اللهِ- عليهم، ولنحْمِلَنَّك على مُؤاخذتِهم إن استَمَرُّوا على ذلك، ثمَّ لا يَسكُنونَ المدينةَ معك إلَّا مُدَّةً قَليلةً.

مَلْعُونِينَ أَيْنَمَا ثُقِفُوا أُخِذُوا وَقُتِّلُوا تَقْتِيلًا (61)

مَطرودينَ مُبعَدينَ، في أيِّ مكانٍ وُجِدوا، أُسِروا وقُتِلوا.

سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا (62)

سَنَّ اللهُ بهم سُنَّتَه المعلومةَ في الَّذين مَضَوْا مِن قبلُ: أن يُعاقِبَهم بتَسليطِ المؤمِنينَ عليهم، وأخذِهم وتَقْتيلِهم تَقتيلًا، ولن تَجِدَ -يا مُحمَّدُ- لعادةِ اللهِ الَّتي سَنَّها في خَلقِه تَغييرًا.

يَسْأَلُكَ النَّاسُ عَنِ السَّاعَةِ قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ اللَّهِ وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ تَكُونُ قَرِيبًا (63)

يَسألُك النَّاسُ -يا مُحمَّدُ- عن يومِ القيامةِ متى يكونُ؟ قُلْ لهم: لا يَعلَمُ متى تكونُ القيامةُ إلَّا اللهُ وَحْدَه، وما يُدريك -يا مُحمَّدُ- لعلَّ وَقتَ مَجيءِ القيامةِ قد دنا واقتَرَب.

إِنَّ اللَّهَ لَعَنَ الْكَافِرِينَ وَأَعَدَّ لَهُمْ سَعِيرًا (64)

إنَّ اللهَ طَرَد الكافِرينَ وأبعَدَهم عن رَحمتِه، وأعدَّ لهم نارًا شَديدةَ الإيقادِ؛ لِتَعذيبِهم بها.

خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا لَا يَجِدُونَ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا (65)

ماكِثينَ في النَّارِ إلى غيرِ نهايةٍ، فلا يَخرُجونَ منها، ولا يَجِدونَ وَليًّا يَتولَّاهم ويَنفَعُهم ويحفَظُهم، ولا نصيرًا يَنصُرُهم مِن عذابِ اللهِ.

يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ يَقُولُونَ يَا لَيْتَنَا أَطَعْنَا اللَّهَ وَأَطَعْنَا الرَّسُولَا (66)

يومَ تُقلَّبُ وُجوهُ الكافِرينَ في النَّارِ مِن جِهةٍ إلى أُخرى، يَقولُ الكافِرونَ وهم نادِمونَ: يا لَيْتَنا أطَعْنا اللهَ وأطَعْنا رَسولَه في الدُّنيا، فسَلِمْنا مِن عذابِ الآخرةِ.

وَقَالُوا رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَا (67)

وقال الكافِرونَ: رَبَّنا إنَّا أطَعْنا في الدُّنيا أئِمَّتَنا في الضَّلالِ؛ مِن الكُفرِ بك، ومَعصيتِك، ومُخالَفةِ رَسولِك؛ فصَرَفونا عن طريقِ الحَقِّ.

رَبَّنَا آَتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ الْعَذَابِ وَالْعَنْهُمْ لَعْنًا كَبِيرًا (68)

رَبَّنا عذِّبْهم مِثْلَيْ عَذابِنا، واطرُدْهم وأبعِدْهم مِن رَحمتِك طَردًا وإبعادًا عَظيمًا.

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آَذَوْا مُوسَى فَبَرَّأَهُ اللَّهُ مِمَّا قَالُوا وَكَانَ عِنْدَ اللَّهِ وَجِيهًا (69)

يا أيُّها الَّذين آمَنوا باللهِ ورَسولِه، لا تكونوا كالَّذين آذَوا موسى، فاتَّهَموه أو رَمَوه بالعَيبِ كَذِبًا، فتُؤذوا محمَّدًا صلَّى الله عليه وسلَّم بقَولٍ أو فِعلٍ يَكرَهُه، فأظهَرَ اللهُ براءةَ موسى ممَّا اتَّهَمه ورماه به بنو إسرائيلَ كَذِبًا وباطِلًا، وكان موسى عندَ الله عظيمًا ذا قَدْرٍ ومَنزلةٍ عاليةٍ وجاهٍ، وقَبولٍ واستِجابةٍ لِدُعائِه.

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (70)

يا أيُّها الَّذين آمَنوا باللهِ ورَسولِه، اتَّقوا سَخَطَ اللهِ وغَضَبَه وعَذابَه؛ بفِعلِ أوامِرِه، واجتِنابِ نواهيه، وقولوا في الرَّسولِ والمؤمِنينَ وفي جميعِ كلامِكم قَولًا حقًّا صوابًا، مُستقيمًا لا انحِرافَ فيه.

يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا (71)

يُوفِّقْكم اللهُ في أعمالِكم، فيَجعَلْها صالِحةً، ويَتقَبَّلْها منكم، ويَغفِرِ اللهُ لكم ذُنوبَكم، فيَستُرْها عليكم، ويَتجاوَزْ عن مُؤاخَذتِكم بها، ومَن يُطِعِ اللهَ ورَسولَه فقد فاز فوزًا عَظيمًا؛ بالنَّجاةِ مِن النَّارِ، ودُخولِ الجنَّةِ.

إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا (72)

إنَّا عرَضْنا الأوامِرَ والنَّواهيَ والفرائِضَ والطَّاعاتِ على السَّمَواتِ والأرضِ والجِبالِ، فتُثابُ على حَملِها والقيامِ بها، وتُعاقَبُ على تَرْكِ ذلك، فلمْ تَقبَلِ السَّمَواتُ والأرضُ والجِبالُ اختيارَ ذلك، وخِفْنَ مِن عذابِ اللهِ على عدَمِ القيامِ بذلك، وحمَلَ الإنسانُ الأمانةَ! إنَّ الإنسانَ واقِعٌ في ظُلمِ نَفْسِه، والجَهلِ برَبِّه وشَرْعِه وقَدْرِ الأمانةِ.

لِيُعَذِّبَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ وَيَتُوبَ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (73)

لِيُعذِّبَ اللهُ الَّذين خانوا الأمانةَ مِن المُنافِقينَ والمُنافِقاتِ؛ الَّذين يُظهِرونَ الإسلامَ، ويُبطِنونَ الكُفرَ، ويُعَذِّبَ المُشرِكينَ والمُشرِكاتِ، ولِيَتوبَ اللهُ على المؤمِنينَ والمؤمِناتِ؛ الَّذين قاموا بما أمَرَهم اللهُ، ولم يَخونوا الأمانةَ، فيَغفِرَ اللهُ لهم ذُنوبَهم، ويَرحَمَهم، ويُوفِّقَهم لطاعتِه، إنَّ اللهَ غفورٌ، يَستُرُ ذُنوبَ عبادِه ويَتجاوَزُ عن مُؤاخَذتِهم بها؛ وهو الرَّحيمُ بهم.

سبأ

الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَلَهُ الْحَمْدُ فِي الْآَخِرَةِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ (1).

الحمدُ لله وَحْدَه، الَّذي يَملِكُ جَميعَ ما في السَّمواتِ وجميعَ ما في الأرضِ، وله وَحْدَه الحَمدُ في الآخِرةِ، فهو المحمودُ أبدًا، وهو الحَكيمُ في أقوالِه وأفعالِه، وشَرْعِه وقَدَرِه، وفي مُلكِه وتدبيرِ خَلْقِه؛ فيَضَعُ كُلَّ شَيءٍ في مَوضِعِه اللَّائِقِ به؛ وهو الخبيرُ الَّذي لا تخفَى عليه خافيةٌ

يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ الرَّحِيمُ الْغَفُورُ (2).

يَعلَمُ اللهُ كُلَّ ما يَدخُلُ في الأرضِ ويَغيبُ فيها؛ كالمطَرِ، والبُذورِ، والأمواتِ، والكُنوزِ، وغيرِ ذلك؛ ويَعلَمُ كُلَّ ما يَخرُجُ مِن الأرضِ؛ كأنواعِ النَّباتاتِ، والمعادِنِ، والكنوزِ، وغيرِ ذلك، ويَعلَمُ كُلَّ ما يَنزِلُ مِن السَّماءِ؛ كالأمطارِ، والبرَدِ، والصَّواعِقِ، والأرزاقِ، والملائِكةِ؛ ويَعلَمُ كُلَّ ما يَصعَدُ ويَدخُلُ في السَّماءِ؛ كالملائكةِ، والأرواحِ، وأعمالِ العِبادِ، واللهُ هو الرَّحيمُ بعِبادِه، الغفورُ لذُنوبِهم

وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَأْتِينَا السَّاعَةُ قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ عَالِمِ الْغَيْبِ لَا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَلَا أَصْغَرُ مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْبَرُ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ (3).

وقال الكُفَّارُ تَكذيبًا وإنكارًا للبَعثِ: لا تأتينا القيامةُ أبدًا، قُلْ لهم -يا مُحمَّدُ-: بلى ستأتيكم، وأُقسِمُ برَبِّي لَتأتينَّكم، العالمِ بكُلِّ ما يَغيبُ عن خَلْقِه، لا يَغيبُ عن اللهِ تعالى وَزنُ ذَرَّةٍ سواءٌ كانت في السَّمواتِ أو في الأرضِ؛ فلا يخفَى عليه شَيءٌ مِن خَلقِه، وإن تفَرَّقَت أجزاؤُهم وتمزَّقَت وتلاشَت بعدَ مَوتِهم، ولا يَغيبُ عن الله تعالى أصغَرُ مِن ذلك ولا أكبَرُ منه؛ فكلٌّ مَكتوبٌ مُثبَتٌ في لَوحٍ مَحفوظٍ في غايةِ الإبانةِ والوُضوحِ

لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (4).

لِيُثيبَ الَّذين آمَنوا بما وَجَب عليهم الإيمانُ به، وعَمِلوا الأعمالَ الخالِصةَ له تعالى، الموافِقةَ لِشَرعِه، أولئك لهم مِنَ اللهِ مَغفِرةٌ لِذُنوبِهم، فيَستُرُها عليهم، ويَتجاوَزُ عن مُؤاخَذتِهم بها، ولهم رِزقٌ حَسَنٌ في كَمِّيَّتِه وكيفيَّتِه

وَالَّذِينَ سَعَوْا فِي آَيَاتِنَا مُعَاجِزِينَ أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مِنْ رِجْزٍ أَلِيمٌ (5).

والَّذين اجتَهَدوا في إبطالِ آياتِ اللهِ تعالى، وصَدِّ النَّاسِ عنها، وظَنُّوا أنَّهم يَفوتونَ اللهَ، فلا يَقدِرُ على بَعثِهم ومُعاقَبتِهم: أولئك لهم عذابٌ شديدٌ مُوجِعٌ

وَيَرَى الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ الَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ هُوَ الْحَقَّ وَيَهْدِي إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ (6).

ويرى أهلُ العِلمِ أنَّ ما أنزَلَ اللهُ إليك -يا مُحمَّدُ- مِنَ القُرآنِ: هو الحَقُّ وحْدَه دونَ ما سِواه، ويَرَونَ أنَّ القُرآنَ يَهدي مَن اتَّبَعه إلى طريقِ اللهِ المَنيعِ الجَنابِ، المنتَقِمِ مِن أعدائِه، والقاهِرِ لكُلِّ شَيءٍ فلا يُغالَبُ؛ الحامِدِ لعبادِه، والمحمودِ مِن خَلقِه

وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا هَلْ نَدُلُّكُمْ عَلَى رَجُلٍ يُنَبِّئُكُمْ إِذَا مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّكُمْ لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ (7).

وقال كُفَّارُ قُرَيشٍ: هل نَدُلُّكم -أيُّها النَّاسُ- على رجُلٍ يُنَبِّئُكم بأنَّكم إذا مِتُّم وتقَطَّعَت أجسادُكم وتفَرَّقَت في قُبورِكم كُلَّ تقطيعٍ وتَفريقٍ: أنَّكم بعدَ تلك الحالِ ستُبعَثونَ أحياءً مِن جَديدٍ؟!

أَفْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَمْ بِهِ جِنَّةٌ بَلِ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآَخِرَةِ فِي الْعَذَابِ وَالضَّلَالِ الْبَعِيدِ (8).

هل اختلَق محمَّدٌ ذلك الأمرَ فكَذَب على اللهِ في إخبارِه بأنَّه سيَبعثُنا بعدَ مَوتِنا، أم هو امرؤٌ مَجنونٌ يَهْذي بكَلامٍ لا معنى له؟! ليس الأمرُ كما زعَموا؛ فليس هو بمُفتَرٍ على اللهِ في ذلك، وليس بمَجنونٍ، ولكِنَّ هؤلاء الَّذين لا يُؤمِنونَ بالآخِرةِ في العذابِ والذَّهابِ البَعيدِ عن الحَقِّ

أَفَلَمْ يَرَوْا إِلَى مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنْ نَشَأْ نَخْسِفْ بِهِمُ الْأَرْضَ أَوْ نُسْقِطْ عَلَيْهِمْ كِسَفًا مِنَ السَّمَاءِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَةً لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ (9).

أفلمْ يَرَ أولئك الكُفَّارُ إلى ما بينَ أيديهم وما خَلْفَهم مِنَ السَّماءِ والأرضِ المحيطتَينِ بهما، وأنَّهم حيثما توجَّهوا فلن يَخرُجوا مِن ملَكوتِ اللهِ، إنْ نشَأْ نُغَيِّبْهم في باطِنِ الأرضِ، أو نُسقِطْ عليهم قِطَعًا مِن السَّماءِ فنُهلِكْهم بسَبَبِ ظُلمِهم؛ فلْيرتَدِعوا عن التَّكذيبِ بالبَعثِ، إنَّ في ذلك لَدَلالةً وعَلامةً ظاهِرةً لكُلِّ عبدٍ تائبٍ إلى اللهِ سُبحانَه، راجعٍ إلى مَعرفتِه وتوحيدِه والإقبالِ على طاعتِه

وَلَقَدْ آَتَيْنَا دَاوُودَ مِنَّا فَضْلًا يَا جِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْرَ وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ (10).

ولقد آتَينا داودَ مِن عِندِنا ما فضَّلْناه به على غَيرِه، وخَصَصْناه به مِن بينِ النَّاسِ، وقُلْنا: يا جِبالُ سَبِّحي مع داودَ، والطَّيرَ أيضًا إذا سَبَّح داودُ رَبَّه؛ فكان يُسَبِّحُ والجبالُ والطَّيرُ تُردِّدُ تَسبيحَه، وألَنَّا لداودَ مَعدِنَ الحديدِ الصُّلْبِ، فهو يتصَرَّفُ فيه بسُهولةٍ

أَنِ اعْمَلْ سَابِغَاتٍ وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (11).

وأمَرْنا داودَ فقُلْنا له: اصنَعْ مِن الحديدِ دُروعًا تامَّةً كاملةً، طويلةً وافيةً، واجعَلْ نَسْجَ الدُّروعِ على مِقدارٍ مَحدودٍ، ونَسَقٍ مُتناسِبٍ مُحكَمٍ، واعمَل يا داودُ أنتَ وأهلُك عَمَلًا خالِصًا لله، مُوافِقًا لِشَرعِه، إنِّي بصيرٌ بما تَعمَلونَه مِن أعمالٍ، لا يخفَى علَيَّ شَيءٌ منها

وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ غُدُوُّهَا شَهْرٌ وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ وَأَسَلْنَا لَهُ عَيْنَ الْقِطْرِ وَمِنَ الْجِنِّ مَنْ يَعْمَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَمَنْ يَزِغْ مِنْهُمْ عَنْ أَمْرِنَا نُذِقْهُ مِنْ عَذَابِ السَّعِيرِ (12).

وسَخَّرنا لسُلَيمانَ الرِّيحَ تجري مِن أوَّلِ النَّهارِ إلى الزَّوالِ مَسافةً تَعدِلُ مَسيرةَ شَهرٍ، وتجري مِنَ الزَّوالِ إلى اللَّيلِ مَسافةً تَعدِلُ مَسيرةَ شَهرٍ، وأذَبْنا لسُلَيمانَ عَينَ النُّحاسِ وأجرَيناها له، ومِن الجِنِّ مَن يَعمَلُ بيْنَ يَدَيْ سُلَيمانَ فيما يأمُرُه به، وذلك بأمرِ اللهِ وتَسخيرِهم له، ومَن يَخرُجْ مِن الجِنِّ عن أمْرِنا لهم بطاعةِ سُلَيمانَ، نُعَذِّبْه بالنَّارِ

يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَاءُ مِنْ مَحَارِيبَ وَتَمَاثِيلَ وَجِفَانٍ كَالْجَوَابِ وَقُدُورٍ رَاسِيَاتٍ اعْمَلُوا آَلَ دَاوُودَ شُكْرًا وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ (13).

يَعمَلُ الجِنُّ لسُلَيمانَ ما يشاءُ أن يَعمَلوه له مِن محاريبَ، وتماثيلَ، وصِحافٍ عَظيمةٍ كالأحواضِ الكبيرةِ والبِرَكِ الواسِعةِ الَّتي يُجمَعُ فيها الماءُ، وقُدورٍ ثوابِتَ في مواضِعِها، وقُلْنا لداودَ ووَلَدِه وأهلِه: اعمَلوا -يا آلَ داودَ- بطاعةِ اللهِ؛ شُكرًا له على نِعَمِه عليكم، والمُكثِرونَ مِن شُكرِ الله على نِعَمِه قَليلٌ

فَلَمَّا قَضَيْنَا عَلَيْهِ الْمَوْتَ مَا دَلَّهُمْ عَلَى مَوْتِهِ إِلَّا دَابَّةُ الْأَرْضِ تَأْكُلُ مِنْسَأَتَهُ فَلَمَّا خَرَّ تَبَيَّنَتِ الْجِنُّ أَنْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ مَا لَبِثُوا فِي الْعَذَابِ الْمُهِينِ (14).

فلمَّا جاء سُلَيمانَ أجَلُه الَّذي قضاه اللهُ عليه، ما دَلَّ الجِنَّ على مَوتِه إلَّا الأَرَضةُ حينَ أكلتْ عَصاه الَّتي كان مُتوكِّئًا عليها وقْتَ مَوتِه، فلمَّا سَقَط سُلَيمانُ مَيِّتًا حينَ ضَعُفَت عصاه فسَقَطَت بفِعلِ الأرَضةِ، ظهَر أمرُ الجِنِّ وانكشَف للنَّاسِ أنَّهم لا يَعلَمونَ الغَيبَ كما كانوا يَتوهَّمونَ أو يُوهِمونَ النَّاسَ بذلك؛ فلو كانوا يَعلَمونَ الغَيبَ لعَلِموا مَوتَ سُلَيمانَ، ولم يَلبَثوا في عَمَلِهم الشَّاقِّ المُؤلِمِ المُذِلِّ الَّذي كانوا مُسَخَّرينَ فيه لسُلَيمانَ وهم يَحسَبونَه حَيًّا

لَقَدْ كَانَ لِسَبَإٍ فِي مَسْكَنِهِمْ آَيَةٌ جَنَّتَانِ عَنْ يَمِينٍ وَشِمَالٍ كُلُوا مِنْ رِزْقِ رَبِّكُمْ وَاشْكُرُوا لَهُ بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ (15).

لقد كان لأهلِ سَبَأٍ في مَسكَنِهم علامةٌ بَيِّنةٌ، هي جنَّتانِ عَظيمتانِ عن أيمانِهم وشمائِلِهم، وقُلْنا لهم: كُلوا مِمَّا رزَقَكم ربُّكم، واعمَلوا لله تعالى وَحْدَه وأطيعوه؛ شُكرًا له على ما أنعَمَ به عليكم، هذه بَلدةٌ طَيِّبةٌ، والمُنعِمُ بها رَبٌّ غَفورٌ يَستُرُ الذُّنوبَ، ويَتجاوَزُ عن المؤاخَذةِ بها

فَأَعْرَضُوا فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ وَبَدَّلْنَاهُمْ بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَوَاتَيْ أُكُلٍ خَمْطٍ وَأَثْلٍ وَشَيْءٍ مِنْ سِدْرٍ قَلِيلٍ (16).

فأعرَضَ أهلُ سَبَأٍ عن توحيدِ اللهِ وطاعتِه وشُكرِه، فعَبَدوا غيرَه، وعَصَوا أمْرَه، وخالَفوا رسُلَه، فأرسَلْنا عليهم سَيْلَ العَرِمِ، فدمَّرَ جَنَّتَيهم وجعَلْنا لهم مكانَ الجنَّتينِ وما فيهما من الثِّمارِ النَّضيجةِ، والمناظِرِ الحَسَنةِ البَهيجةِ: جنَّتينِ فيهما ثَمَرٌ مرٌّ وأثْلٌ -وهو مِن شجرِ البادية-، وشَيءٌ قَليلٌ مِن السِّدْرِ

ذَلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِمَا كَفَرُوا وَهَلْ نُجَازِي إِلَّا الْكَفُورَ (17).

ذلك الَّذي فعَلْناه بأولئك القَومِ هو جزاءٌ مِنَّا لهم؛ بسَبَبِ كُفرِهم، وما نُجازي ذلك الجَزاءَ -جزاءَ العقوبةِ- إلَّا شَديدَ الكُفرِ لنِعَمِ اللهِ

وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْقُرَى الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا قُرًى ظَاهِرَةً وَقَدَّرْنَا فِيهَا السَّيْرَ سِيرُوا فِيهَا لَيَالِيَ وَأَيَّامًا آَمِنِينَ (18).

وكُنَّا قد أنعَمْنا أيضًا على أهلِ سَبَأٍ مِن قَبْلُ بأنْ جعَلْنا بيْنَهم وبيْن قُرى الشَّامِ المُبارَكةِ قُرًى مُتَّصِلةً مُتقارِبةً، وهي بيِّنةٌ لا تخفَى؛ لِظُهورِها، فلا يحتاجونَ في طريقِهم لحَملِ زادٍ، وجعَلْنا السَّيرَ في تلك القُرى سَيْرًا مُقَدَّرًا، وقُلْنا لأهلِ سَبَأٍ: سِيروا في هذه القُرى الظَّاهِرةِ الَّتي بيْنَكم وبيْنَ الشَّامِ لَياليَ وأيَّامًا آمِنينَ فيها مِن جَميعِ آفاتِ السَّفَرِ

فَقَالُوا رَبَّنَا بَاعِدْ بَيْنَ أَسْفَارِنَا وَظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ وَمَزَّقْنَاهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ (19).

فقالوا: يا رَبَّنا اجعَلْ أسفارَنا بَعيدةً، فيَكونَ بيْنَنا وبيْنَ الشَّامِ فَلَواتٌ، وظَلَموا أنفُسَهم بكُفرِهم باللهِ وبنِعمتِه، فجعَلْناهم أحاديثَ يتحدَّثُ النَّاسُ بأخبارِهم وشأنِ ما جرى لهم مِنَ العُقوبةِ والهلاكِ، ويَضرِبونَ بهم المَثَلَ في التَّشَتُّتِ والتَّفَرُّقِ، وقَطَّعْناهم في الأرضِ، فتفَرَّقوا في نواحٍ كثيرةٍ، إنَّ في ذلك لَدَلالاتٍ وعَلاماتٍ بَيِّنةً لكُلِّ عَظيمِ الصَّبرِ، عَظيمِ الشُّكرِ لله تعالى

وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ فَاتَّبَعُوهُ إِلَّا فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (20).

ولقد تحقَّقَ عليهم ما ظنَّه إبليسُ فيهم، باتِّباعِهم إيَّاه، إلَّا فريقًا مِن المُخلصينَ لله تعالى، الثَّابِتينَ على توحيدِه وطاعتِه

وَمَا كَانَ لَهُ عَلَيْهِمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يُؤْمِنُ بِالْآَخِرَةِ مِمَّنْ هُوَ مِنْهَا فِي شَكٍّ وَرَبُّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ (21).

وما كان لإبليسَ على أتْباعِه تسَلُّطٌ واستيلاءٌ إلَّا لِنَعلَمَ المؤمِنينَ بالآخرةِ مِنَ الشَّاكِّينَ فيها؛ عِلمًا وُجوديًّا ظاهريًّا يَترتَّبُ عليه الجزاءُ، وربُّك -يا محمَّدُ- على كُلِّ شَيءٍ مِن خَلْقِه رَقيبٌ ومُطَّلِعٌ؛ فلا يخفَى عليه شَيءٌ مِن أمورِهم وأعمالِهم وأحوالِهم، وسيُجازيهم بما عَمِلوه مِن خيرٍ وشَرٍّ

قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ (22).

قُلْ -يا محمَّدُ- للمُشرِكينَ مِن قَومِك: ادعُوا الَّذين تَزعُمونَ أنَّهم شُرَكاءُ لله؛ لِيَنفَعوكم أو يَضُرُّوكم بشَيءٍ؛ فإنَّهم لن يَقدِروا على ذلك، فهم لا يَملِكونَ وَزنَ ذَرَّةٍ في السَّمواتِ ولا في الأرضِ، فكيف يَصِحُّ أن يكونوا آلِهةً؟! وليس لهم أيُّ شراكةٍ مع اللهِ في أيِّ شَيءٍ مِنَ السَّمواتِ أو الأرضِ، وليس لله مِن تلك الآلهةِ المَزعومةِ أيُّ مُعاوِنٍ يُساعِدُه على شَيءٍ ممَّا يُريدُه سُبحانَه

وَلَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُوا الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ (23).

ولا تَنفَعُ الشَّفاعةُ عِندَ الله يومَ القيامةِ إلَّا لِمَن أَذِنَ له أن يَشفَعَ، حتَّى إذا كُشِفَ الفزَعُ عن قُلوبِهم وذهَبَ عنها، تساءَلوا عمَّا قاله الرَّبُّ سُبحانَه، فقالوا: ماذا قال ربُّكم؟ قالت الملائِكةُ: قال اللهُ القولَ الحَقَّ، وهو العَليُّ بذاتِه وصفاتِه، وقَهرِه لكُلِّ شَيءٍ مِن خَلْقِه؛ فلا شَيءَ أعلَى منه، وهو الكبيرُ الَّذي لا شَيءَ أكبَرُ منه، ولا يُعارِضُه أحدٌ في شَيءٍ مِن حُكمِه

قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ قُلِ اللَّهُ وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (24).

قُلْ -يا مُحمَّدُ- للمُشرِكينَ: مَن يَرزُقُكم مِنَ السَّمَواتِ بإنزالِه المطَرَ، وتسخيرِه الشَّمسَ والقَمَرَ والنُّجومَ وغيرَها؛ لِمَنافِعِكم، ويَرزُقُكم مِنَ الأرضِ بإخراجِه منها أنواعَ النَّباتِ والثِّمارِ، والمياهِ والمعادِنِ، وغَيرِها ممَّا فيه مَصالِحُكم، قُلِ: اللهُ وحْدَه مَن يَرزُقُكم مِنَ السَّمواتِ والأرضِ، فهو إذَنْ مَن يجبُ أن يُعبَدَ وحْدَه؛ فلِمَ تَعبُدونَ معه مَن لا يَرزُقُكم شَيئًا؟! ما نحن وأنتم على أمرٍ واحدٍ؛ فأحدُ الفريقَينِ مِنَّا مُهتَدٍ، والآخَرُ ضالٌّ ضلالًا مُبينًا

قُلْ لَا تُسْأَلُونَ عَمَّا أَجْرَمْنَا وَلَا نُسْأَلُ عَمَّا تَعْمَلُونَ (25).

قُلْ -يا مُحمَّدُ- للمُشرِكينَ: لا تُسأَلونَ عن ذُنوبِنا، ولا نُسأَلُ نحن عن أعمالِكم

قُلْ يَجْمَعُ بَيْنَنَا رَبُّنَا ثُمَّ يَفْتَحُ بَيْنَنَا بِالْحَقِّ وَهُوَ الْفَتَّاحُ الْعَلِيمُ (26).

قُلْ لهم -يا مُحمَّدُ-: يَجمَعُ بيْنَنا ربُّنا ثمَّ يَقضي بيْنَنا وبيْنَكم بالعَدلِ، فيَتبيَّنُ المُهتدي مِنَّا والضَّالُّ، ويُثيبُ اللهُ المُستَحِقَّ للثَّوابِ، ويُعاقِبُ المُستَحِقَّ للعِقابِ، واللهُ هو الحاكِمُ بيْنَ عبادِه بالعَدلِ والحَقِّ، العليمُ بأعمالِهم وأحوالِهم؛ فلا تخفَى عليه منهم خافيةٌ

قُلْ أَرُونِيَ الَّذِينَ أَلْحَقْتُمْ بِهِ شُرَكَاءَ كَلَّا بَلْ هُوَ اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (27).

قُلْ -يا مُحمَّدُ- للمُشرِكينَ: أرونيَ الَّذين صيَّرتُموهم لله شُرَكاءَ في العبادةِ بزَعمِكم! فارتَدِعوا وانزَجِروا؛ فليس الأمرُ كما زَعمتُم مِن أنَّ لله شُرَكاءَ، بل هو المُستَحِقُّ للعبادةِ وَحْدَه لا شَريكَ له، العزيزُ في انتِقامِه ممَّن أشرك به، الغالِبُ القاهِرُ لكُلِّ شَيءٍ، الممتنعُ عليه كلُّ عيبٍ ونقصٍ، وهو الحَكيمُ في شَرعِه وأفعالِه وأقوالِه وتدبيرِ خَلقِه؛ فيَضَعُ كُلَّ شَيءٍ في مَوضِعِه اللَّائِقِ به

وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (28).

أرسَلْناك -يا مُحمَّدُ- للنَّاسِ أجمَعينَ مِنَ العَرَبِ وغَيرِهم، مُبَشِّرًا مَن أطاعك، ومُنذِرًا مَن عصاك وخالَفَك، ولكنَّ أكثَرَ النَّاسِ لا يَعلَمونَ

وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (29).

ويَقولُ المُشرِكونَ مِن جَهلِهم: متى يجيءُ هذا الوَعدُ بالعذابِ إنْ كنتم صادِقينَ في دَعواكم

قُلْ لَكُمْ مِيعَادُ يَوْمٍ لَا تَسْتَأْخِرُونَ عَنْهُ سَاعَةً وَلَا تَسْتَقْدِمُونَ (30).

قُلْ لهم -يا مُحمَّدُ-: لكم ميعادُ يَومٍ يَجيئُكم في وَقتِه المحدَّدِ بلا زيادةٍ ولا نَقصٍ، فإذا جاء لا يُؤخَّرُ ساعةً ولا يُقدَّمُ

وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ نُؤْمِنَ بِهَذَا الْقُرْآَنِ وَلَا بِالَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ مَوْقُوفُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ يَرْجِعُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ الْقَوْلَ يَقُولُ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لَوْلَا أَنْتُمْ لَكُنَّا مُؤْمِنِينَ (31).

وقال الَّذين كَفَروا: لن نُؤمِنَ بهذا القرآنِ الَّذي جاء به محمَّدٌ، ولا بالكتبِ المتقدمةِ كالتوراةِ والإنجيلِ، ولو ترى المُشرِكينَ يومَ القيامةِ وهم محبوسونَ في مَوقِفِ الحِسابِ، يحاوِرُ بَعضُهم بَعضًا باللَّومِ والخِصامِ والعِتابِ، بعدَ أن كانوا في الدُّنيا أخِلَّاءَ مُتحابِّينَ مُتناصِرينَ؛ لَرأيتَ أمرًا عَظيمًا، وشأنًا عجيبًا، يَقولُ الأتْباعُ المُشرِكونَ -الَّذين كانوا في الدُّنيا مُستَضعَفينَ- لِرُؤسائِهم وكُبَرائِهم المتبوعينَ: لولا أنَّكم أضلَلْتُمونا في الدُّنيا لَكُنَّا مِنَ المؤمِنينَ

قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا أَنَحْنُ صَدَدْنَاكُمْ عَنِ الْهُدَى بَعْدَ إِذْ جَاءَكُمْ بَلْ كُنْتُمْ مُجْرِمِينَ (32).

قال القادةُ المُشرِكونَ لأتْباعِهم المُستَضعَفينَ: أنحن مَنَعْناكم وصرَفْناكم عن قَبولِ الحَقِّ بعدَما جاءَكم مِن عندِ اللهِ؟ ليس الأمرُ كذلك، فنحنُ لم نُكرِهْكم على الكُفرِ، وإنَّما كُنتُم في الدُّنيا عريقينَ في الإجرامِ، باختيارِكم الكُفرَ وإيثارِه على الإيمانِ

وَقَالَ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ إِذْ تَأْمُرُونَنَا أَنْ نَكْفُرَ بِاللَّهِ وَنَجْعَلَ لَهُ أَنْدَادًا وَأَسَرُّوا النَّدَامَةَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذَابَ وَجَعَلْنَا الْأَغْلَالَ فِي أَعْنَاقِ الَّذِينَ كَفَرُوا هَلْ يُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (33).

وقال الأتْباعُ المُستَضعَفونَ لِرُؤسائِهم: ليس الأمرُ كما ذكَرتُم، وإنَّما احتيالُكم وخِداعُكم لنا، وتزيينُ الباطِلِ وتقبيحُ الحَقِّ ليلًا ونهارًا: هو ما صَدَّنا عن الحَقِّ، حينَ تأمُرونَنا أن نَكفُرَ باللهِ، ونجعَلَ له أمثالًا وأشباهًا ونُظَراءَ وشُرَكاءَ، وأسَرَّ جميعُ المُشرِكينَ -مِن الأتْباعِ والمتبوعينَ- في أنفُسِهم شِدَّةَ النَّدَمِ حينَ رأوْا عذابَ النَّارِ، وعَلِموا أنَّهم مُستَحِقُّونَ له، وتمنَّوا أنْ لو كانوا على الحَقِّ، وأنَّهم ترَكوا الباطِلَ الَّذي أوصَلَهم إلى عذابِ اللهِ تعالى، وجعَلْنا القُيودَ في أعناقِ الكافِرينَ جميعًا مِن الأتْباعِ والمتبوعينَ، فلا يُجزَى الكافِرونَ إلَّا بحَسَبِ ما كانوا يَعمَلونَه في الدُّنيا مِن أعمالٍ خَبيثةٍ

وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ (34).

وما أرسَلْنا في قَريةٍ مِن رَسولٍ يُنذِرُ أهلَها عذابَ اللهِ إلَّا قال الأغنياءُ المترَفونَ منهم: إنَّا كافِرونَ بما أرسَلَكم اللهُ به

وَقَالُوا نَحْنُ أَكْثَرُ أَمْوَالًا وَأَوْلَادًا وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ (35).

وقالوا أيضًا: نحن أكثَرُ منكم أموالًا وأولادًا، ولن يُعَذِّبَنا اللهُ؛ فلو لم يكُنْ راضيًا عنَّا وعن دينِنا وأعمالِنا، لَما أحسَنَ إلينا وبسَطَ لنا الرِّزقَ

قُلْ إِنَّ رَبِّي يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (36).

قُلْ -يا مُحمَّدُ- لأولئك الكافِرينَ: إنَّ رَبِّي يُوَسِّعُ الرِّزقَ لِمَن يَشاءُ مِن خَلْقِه، ويُضَيِّقُه على مَن يَشاءُ منهم؛ فهو المتصَرِّفُ في تدبيرِ خَلقِه بحَسَبِ مَشيئتِه وحِكمتِه، ولكِنَّ أكثَرَ النَّاسِ لا يَعلَمونَ.

وَمَا أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ بِالَّتِي تُقَرِّبُكُمْ عِنْدَنَا زُلْفَى إِلَّا مَنْ آَمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَأُولَئِكَ لَهُمْ جَزَاءُ الضِّعْفِ بِمَا عَمِلُوا وَهُمْ فِي الْغُرُفَاتِ آَمِنُونَ (37).

وليستْ أموالُكم ولا أولادُكم بالَّتي تُقرِّبُ إلى الله قُرْبَى، ولا تَزيدُكم عِندَنا رِفعةً ودَرَجةً؛ فليست بدَليلٍ على محبَّتِنا لكم، لكنِ المؤمِنونَ الَّذين عَمِلوا الصَّالحاتِ يُقَرِّبُهم عِندَنا إيمانُهم وعمَلُهم الصَّالحُ؛ فيُضاعِفُ اللهُ لهم جزاءَهم، وهم مُقيمونَ في غُرُفاتِ الجنَّةِ، آمِنونَ مِن كُلِّ شَرٍّ وأذًى

وَالَّذِينَ يَسْعَوْنَ فِي آَيَاتِنَا مُعَاجِزِينَ أُولَئِكَ فِي الْعَذَابِ مُحْضَرُونَ (38).

والَّذين يَجتَهِدونَ في إبطالِ آياتِ اللهِ تعالى وصَدِّ النَّاسِ عنها يَحسَبونَ أنَّهم يَفوتونَنا بأنفُسِهم ويُعجِزونَنا: أولئك سيُحضَرونَ العذابَ في جهنَّمَ، ويُعذَّبونَ فيها

قُلْ إِنَّ رَبِّي يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ (39).

قُلْ -يا مُحمَّدُ-: إنَّ رَبِّي يُوسِّعُ الرِّزقَ لِمَن يَشاءُ مِن عِبادِه، ويُضَيِّقُه على مَن يشاءُ مِنهم؛ بحَسَبِ مَشيئتِه وحِكمتِه، وما أنفَقْتُم مِن نَفَقةٍ في الخَيرِ والبِرِّ فإنَّ اللهَ يُخلِفُ عليكم ما أنفَقْتُم، فيُعَوِّضُكم بدَلَه، واللهُ هو خيرُ مَن يَرزُقُ عبادَه

وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلَائِكَةِ أَهَؤُلَاءِ إِيَّاكُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ (40).

ويومَ يَحشُرُ اللهُ المُشرِكينَ فيَجمَعُهم يومَ القيامةِ جميعًا، ثمَّ يَقولُ للمَلائِكةِ: أهؤلاء المُشرِكونَ كانوا يَعبُدونَكم مِن دوني؟

قَالُوا سُبْحَانَكَ أَنْتَ وَلِيُّنَا مِنْ دُونِهِمْ بَلْ كَانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ أَكْثَرُهُمْ بِهِمْ مُؤْمِنُونَ (41).

قال الملائِكةُ: نُنَزِّهُك -يا رَبَّنا- تنزيهًا عن أن يَستَحِقَّ العبادةَ أحَدٌ سِواك، ونحن بُرآءُ مِن المُشرِكينَ ومِن عبادتِهم، وأنت وليُّنا الَّذي نَتَولَّاه ونُطيعُه ونَعبُدُه وَحْدَه، بل كان هؤلاء المُشرِكونَ يَعبُدونَ الجِنَّ، وأكثَرُهم مُؤمِنونَ بالجِنِّ؛ فيُصَدِّقونَهم ويُطيعونَهم، ويَنقادونَ إليهم

فَالْيَوْمَ لَا يَمْلِكُ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ نَفْعًا وَلَا ضَرًّا وَنَقُولُ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذُوقُوا عَذَابَ النَّارِ الَّتِي كُنْتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ (42).

فاليومَ لا يَقدِرُ بَعضُكم على نفعِ بَعضٍ أو ضرِّه؛ فالأمرُ كلُّه لله، ونَقولُ لِمَنْ وَضَعوا العبادةَ في غَيرِ مَوضِعِها، وجَعَلوها لغيرِ مَن تنبغي أن تكونَ له وَحْدَه: ذُوقوا عذابَ النَّارِ الَّتي كنتُم تُكَذِّبونَ بها في الدُّنيا

وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آَيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالُوا مَا هَذَا إِلَّا رَجُلٌ يُرِيدُ أَنْ يَصُدَّكُمْ عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ آَبَاؤُكُمْ وَقَالُوا مَا هَذَا إِلَّا إِفْكٌ مُفْتَرًى وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ (43).

وإذا تُتلى على مُشرِكي قُرَيشٍ آياتُ القُرآنِ، والحالُ أنَّها واضِحةُ الدَّلالةِ في ألفاظِها ومَعانيها، وأنَّها حَقٌّ مِن عندِ اللهِ؛ قالوا عندَ سَماعِهم لها: ما مُحمَّدٌ إلَّا رَجُلٌ يريدُ بدَعوتِكم أن يَصرِفَكم عن عبادةِ الأصنامِ الَّتي كان يَعبُدُها آباؤُكم، وقال كُفَّارُ قُرَيشٍ: ما هذا الَّذي يُتْلى علينا إلَّا كَذِبٌ مُختلَقٌ، وقال الكُفَّارُ لَمَّا جاءَهم القُرآنُ: ما هذا إلَّا سِحرٌ واضِحٌ

وَمَا آَتَيْنَاهُمْ مِنْ كُتُبٍ يَدْرُسُونَهَا وَمَا أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمْ قَبْلَكَ مِنْ نَذِيرٍ (44).

وما أنزَلْنا على كُفَّارِ قُرَيشٍ كُتُبًا قَبلَ القُرآنِ يَقرَؤونَها، وما أرسَلْنا إليهم قَبلَك -يا مُحمَّدُ- رَسولًا يُنذِرُهم عذابَ اللهِ

وَكَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَمَا بَلَغُوا مِعْشَارَ مَا آَتَيْنَاهُمْ فَكَذَّبُوا رُسُلِي فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ (45).

وكذَّب الَّذين مِن قَبلِ كُفَّارِ قُرَيشٍ مِن الأُمَمِ السَّابِقةِ، كعادٍ وثمودَ، وما بلَغَ كُفَّارُ مَكَّةَ عُشْرَ الَّذي آتَيْناه لتلك الأُمَمِ الماضيةِ؛ مِن العَدَدِ، والأموالِ، والأولادِ، والقُوَّةِ، وغَيرِ ذلك مِنَ النِّعَمِ، فكذَّب كُفَّارُ الأُمَمِ الماضيةِ رُسُلي فيما جاؤوهم به مِنَ الحَقِّ، فأهلَكْناهم، فكيف كان إنكاري عليهم وعِقابي لهم؟

قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَادَى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا مَا بِصَاحِبِكُمْ مِنْ جِنَّةٍ إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ لَكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ (46).

قُلْ -يا محمَّدُ- لكُفَّارِ قَومِك: إنَّما أُشيرُ عليكم وأنصَحُكم بالقيامِ بخَصلةٍ واحِدةٍ فحَسْبُ، أن تَقوموا بهِمَّةٍ واجتِهادٍ على وَجهِ الإخلاصِ للهِ، دونَ اتِّباعٍ لهوًى، أو تعصُّبٍ لِعَشيرةٍ، فتَقوموا مجتَمِعينَ اثنَينِ اثنَينِ، وفَرْدًا فَردًا، ثمَّ تَتفكَّروا مع غَيرِكم ومع أنفُسِكم في شأنِ محمَّدٍ، فتَعلَموا أنَّه ليس بمحمدٍ صاحِبِكم -الَّذي خالطْتُموه وعرَفْتُم أحوالَه ورَجاحةَ عَقلِه- مِن جُنونٍ، ما هو إلَّا نَذيرٌ لكم يُنذِرُكم عذابًا شَديدًا وقَريبًا قبْلَ حُلولِه بكم؛ لِكُفرِكم

قُلْ مَا سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ فَهُوَ لَكُمْ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (47).

قُلْ -يا محمَّدُ- لِمُشركي قَومِك: إنْ سألْتُكم أجرًا فهو لكم؛ فلا أُريدُ منكم أجرًا على تَبليغي رِسالةَ اللهِ إليكم، ولا تَظُنُّوا أنِّي أدعوكم إلى الإيمانِ باللهِ وطاعتِه وأُنذِرُكم عذابَه لآخُذَ شَيئًا مِن أموالِكم، ما أَجْري على تَبليغِكم رِسالةَ اللهِ إلَّا على اللهِ وَحْدَه، واللهُ على كُلِّ شَيءٍ رَقيبٌ حاضِرٌ؛ فهو يَشهَدُ على حقيقةِ ما أقولُه لكم وأدعوكم إليه، وشَهيدٌ على أنَّني بلَّغتُكم وأنذَرْتُكم

قُلْ إِنَّ رَبِّي يَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَّامُ الْغُيُوبِ (48).

قُلْ لهم -يا مُحمَّدُ-: إنَّ رَبِّي يُلقي الوَحيَ على رَسولِه، العلَّامُ بكُلِّ ما يَغيبُ عن خَلقِه، لا يخفَى عليه شَيءٌ

قُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَمَا يُبْدِئُ الْبَاطِلُ وَمَا يُعِيدُ (49).

قُلْ لهم -يا محمَّدُ-: جاء الحقُّ الَّذي لا يَقدِرُ أحدٌ على إزالتِه وإبطالِه، بنُزولِ القُرآنِ المُشتَمِلِ على البَيِّناتِ والحُجَجِ، وبدِينِ الإسلامِ، واضمَحَلَّ الباطِلُ، وذهَبَ ذَهابًا لم يَبقَ معه إقبالٌ له ولا إدبارٌ؛ فلا أثَرَ له ولا وُجودَ

قُلْ إِنْ ضَلَلْتُ فَإِنَّمَا أَضِلُّ عَلَى نَفْسِي وَإِنِ اهْتَدَيْتُ فَبِمَا يُوحِي إِلَيَّ رَبِّي إِنَّهُ سَمِيعٌ قَرِيبٌ (50).

قُلْ -يا محمَّدُ- لِمُشرِكي قَومِك: إن ضلَلْتُ عن الهُدى، واتَّبَعْتُ غيرَ الحَقِّ؛ فإنَّما إثمُ ضلالي وضرَرُه على نَفْسي لا عليكم، وإنِ اتَّبعْتُ الحَقَّ واستقَمْتُ عليه، فذلك بتوفيقِ رَبِّي لي إلى اتِّباعِ القُرآنِ الَّذي يُوحيه إلَيَّ، إنَّ ربِّي سَميعٌ لجَميعِ الأصواتِ والأقوالِ، قَريبٌ مِن عبادِه سُبحانَه

وَلَوْ تَرَى إِذْ فَزِعُوا فَلَا فَوْتَ وَأُخِذُوا مِنْ مَكَانٍ قَرِيبٍ (51).

ولو تَرى الَّذين كَفَروا -يا محمَّدُ- حينَ فزَعِهم عندَ رُؤيتِهم عذابَ اللهِ، فلا يَستطيعون منه بُعدًا، وأُخِذوا مِن موضِعٍ قَريبٍ، فلم يَتمَكَّنوا مِنَ الفِرارِ بَعيدًا

وَقَالُوا آَمَنَّا بِهِ وَأَنَّى لَهُمُ التَّنَاوُشُ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ (52).

وقالوا: آمَنَّا بالحَقِّ، وكيف لهم تناوُلُ الإيمانِ النَّافعِ في الآخرةِ، وقد ضيَّعوا وقتَ إمكانِه في دارِ الدُّنيا بكفرِهم فيها، وبَعُدوا عن محلِّ قَبولِه منهم، وصاروا إلى الدَّارِ الآخرةِ، فحِيلَ بيْنَهم وبيْنَه

وَقَدْ كَفَرُوا بِهِ مِنْ قَبْلُ وَيَقْذِفُونَ بِالْغَيْبِ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ (53).

وهم قد كفَروا بالحَقِّ قبْلَ ذلك، ويَرمُونَ بالظنونِ الباطلةِ البعيدةِ عن الحقِّ والصوابِ

وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَا يَشْتَهُونَ كَمَا فُعِلَ بِأَشْيَاعِهِمْ مِنْ قَبْلُ إِنَّهُمْ كَانُوا فِي شَكٍّ مُرِيبٍ (54).

ومُنِعوا عمَّا يَشتَهونَ كما فَعَل اللهُ بنُظَرائِهم وأشباهِهم مِن الكافِرينَ مِن قَبْلِهم، إنَّهم كانوا في شَكٍّ يُوجِبُ لهم الارتيابَ والتُّهمةَ والاضطِرابَ في شأنِ الحَقِّ

فاطر

الْحَمْدُ لِلَّهِ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ جَاعِلِ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا أُولِي أَجْنِحَةٍ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ مَا يَشَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (1).

الحمدُ الكاملُ ثابِتٌ ومختَصٌّ باللهِ وَحْدَه الَّذي خَلَق السَّمَواتِ والأرضَ على غيرِ مِثالٍ سابِقٍ، جاعِلِ الملائِكةِ رُسُلًا بيْنَه وبيْنَ مَن يَشاءُ مِن خَلقِه -لِتَبليغِ أوامِرِه الدِّينيَّةِ، وتدبيرِ أوامِرِه القَدَريَّةِ- أصحابَ أجنِحةٍ، فيَنزِلونَ مِن السَّماءِ إلى الأرضِ، ويَصعَدونَ مِن الأرضِ إلى السَّماءِ؛ فمِنهم مَن له جَناحانِ، ومنهم مَن له ثلاثةُ أجنِحةٍ، ومنهم مَن له أربعةٌ، يَزيدُ اللهُ في الخَلْقِ ما يَشاءُ بحَسَبِ ما تقتَضيه حِكمتُه، إنَّ اللهَ على كُلِّ شَيءٍ قَديرٌ، لا يَستعصي عليه شَيءٌ

مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلَا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (2).

ما يَفتَحْه اللهُ للنَّاسِ مِن رَحمةٍ، سواءٌ مِن الأرزاقِ الحِسِّيَّةِ أو المعنويَّةِ، فلا يَستطيعُ أحدٌ كائنًا مَن كان أن يَحبِسَها ويُغلِقَ أبوابَها، فيَمنَعَ عَطاءَ اللهِ عن عبادِه، وما يُغلِقِ اللهُ مِن رَحمةٍ عن النَّاسِ ويَحبِسْها عندَه، فلا يَستطيعُ أحدٌ كائِنًا مَن كان أن يُطلِقَها لهم، واللهُ هو العزيزُ القَدْرِ، الغالِبُ القاهِرُ لكُلِّ شَيءٍ، المُمتَنِعُ عليه كلُّ عَيبٍ ونَقصٍ؛ وهو الحَكيمُ الَّذي يضَعُ كُلَّ شَيءٍ في موضِعِه اللَّائِقِ به

يَا أَيُّهَا النَّاسُ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ (3).

يا أيُّها النَّاسُ اذكُروا ما أنعَمَ اللهُ به عليكم، فانظُروا هل تَجِدونَ خالِقًا غيرَ اللهِ يَرزُقُكم مِنَ السَّماءِ ومِنَ الأرضِ -بالمطرِ والنَّباتِ وغيرِهما-؛ فيَستَحِقَّ العبادةَ؟! لا مَعبودَ بحَقٍّ إلَّا اللهُ وحْدَه، فكيف تُصرَفونَ عن عبادةِ الخالِقِ الرَّازِقِ إلى عبادةِ مَن لا يَخلُقُ شَيئًا، ولا يَرزُقُكم شيئًا؟!

وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ (4).

وإن يُكَذِّبْك -يا محمَّدُ- كفَّارُ قَومِك، فتلك سُنَّةُ أمثالِهم مِن كُفَّارِ الأُمَمِ الماضيةِ الَّذين كَذَّبوا رُسُلَهم؛ فلا تَحزَنْ لذلك، وإلى اللهِ وَحْدَه مَرجِعُ جَميعِ الأُمورِ

يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ (5).

يا أيُّها النَّاسُ إنَّ ما وعَدَكم اللهُ به صِدقٌ لا شكَّ فيه، كائنٌ لا مَحالةَ، فلا تَخدَعَنَّكم حياتُكم الدُّنيا، والتَّمَتُّعُ بمَلَذَّاتِها، والانشِغالُ بها، ولا يَخدَعَنَّكم الشَّيطانُ بوَساوِسِه، وأمانيِّه الباطِلةِ، ووُعودِه الكاذِبةِ

إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ (6).

إنَّ الشَّيطانَ لكم عَدُوٌّ حريصٌ على إضلالِكم؛ فعادُوه أشدَّ العَداوةِ، وخالِفوه فيما يأمُرُكم، واحذَروا طاعتَه، إنَّما يَدْعو الشَّيطانُ أشياعَه وأتْباعَه إلى طاعتِه والقَبولِ منه، والكفرِ بالله، وغرَضُه أنْ يُضِلَّهم حتَّى يَكونوا مِن أهلِ النَّارِ

الَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ (7).

الَّذين كَفَروا بالحَقِّ لهم عذابٌ شديدٌ، والَّذين آمَنوا بما وجَبَ عليهم الإيمانُ به، وعَمِلوا -تصديقًا لإيمانِهم- الأعمالَ الصَّالحةَ الخالِصةَ للهِ تعالى، والموافِقةَ لِشَرعِه: لهم مَغفِرةٌ مِن الله لذُنوبِهم، فيَستُرُها عليهم، ويَتجاوَزُ عن مؤاخَذتِهم بها؛ ولهم أجرٌ كَبيرٌ

أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآَهُ حَسَنًا فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَصْنَعُونَ (8).

أفمَنْ حُسِّنَ له عَمَلُه السَّيِّئُ، فرآه حسَنًا، كمَنْ ليس كذلك؟! فإنَّ اللهَ يُضِلُّ مَن يَشاءُ إضلالَه، فيَصرِفُه عن الإيمانِ واتِّباعِ الحَقِّ؛ ويَهدي مَن يَشاءُ هدايتَه، فيَدُلُّه ويُوفِّقُه للإيمانِ واتِّباعِ الحَقِّ، فلا تُهلِكْ نَفْسَك -يا محمَّدُ- حَزَنًا على الكافِرينَ، إنَّ اللهَ عليمٌ بما يَصنَعُه الكافِرونَ، فلا يخفَى عليه شَيءٌ مِن ذلك، وسيُجازيهم عليه

وَاللَّهُ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَابًا فَسُقْنَاهُ إِلَى بَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَحْيَيْنَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا كَذَلِكَ النُّشُورُ (9).

واللهُ الَّذي أرسَل الرِّياحَ بقُدرتِه، فتُثيرُ سَحابًا، فسُقْناه إلى بلدٍ لا نباتَ فيه، فأخصَبْنا تلك الأرضَ المُجْدِبةَ، وأنبَتْنا فيها الزَّرعَ بعدَ يَبَسِها، كما أحيا اللهُ الأرضَ المَيْتةَ يُحيي الأمواتَ بعدَ فَنائِهم، فيُخرِجُهم مِن قُبورِهم أحياءً

مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ وَالَّذِينَ يَمْكُرُونَ السَّيِّئَاتِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَكْرُ أُولَئِكَ هُوَ يَبُورُ (10).

مَن كان يريدُ العِزَّةَ فلْيَطلُبْها مِن الله، ولْيَتسَبَّبْ لِنَيْلِها بطاعتِه؛ فإنَّ لله وَحْدَه جميعَ العِزَّةِ دونَ مَن سِواه، إلى اللهِ وَحْدَه يَصعَدُ الكَلامُ الطَّيِّبُ، والعمَلُ الصَّالحُ الَّذي يَعمَلُه العبدُ خالِصًا للهِ تعالى ومُوافِقًا لِشَرعِه يَرفَعُه الله إليه، والَّذين يَعمَلونَ الأعمالَ السَّيِّئةَ لهم عذابٌ شديدٌ يُهانونَ فيه غايةَ الإهانةِ؛ جزاءَ مَكرِهم، وعمَلُ أولئكَ وخِداعُهم يَبْطُلُ ويَذهَبُ، فلا يَروجُ، ولا يَنفعُهم بشَيءٍ في الدُّنيا ولا في الآخرةِ

وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ جَعَلَكُمْ أَزْوَاجًا وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنْثَى وَلَا تَضَعُ إِلَّا بِعِلْمِهِ وَمَا يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ وَلَا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلَّا فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ (11).

واللهُ خلَقَ أباكم آدَمَ مِن ترابٍ، ثمَّ خلَقَكم مِن مَنيٍّ، ثمَّ جعَلَكم ذُكرانًا وإناثًا، وما مِن أنثى تَحمِلُ حَمْلًا أو تضَعُه إلَّا واللهُ عالمٌ به، لا يخفَى عليه شَيءٌ منه، فيَعلَمُ وَقْتَ حَمْلِه ووَضْعِه، ونَوْعَه وشَكْلَه، وغيرَ ذلك مِن شُؤونِه، وما مِن زيادةٍ في عُمُرِ إنسانٍ أو نُقصانٍ منه إلَّا وذلك مكتوبٌ في اللَّوحِ المحفوظِ، إنَّ ذلك الأمرَ العظيمَ مِن كتابةِ أعمارِ جميعِ الخَلقِ، وتقديرِها، وإحصائها، والإحاطةِ بها على وَجهِ التَّفصيلِ: أمرٌ سهلٌ يسيرٌ على اللهِ سُبحانَه

وَمَا يَسْتَوِي الْبَحْرَانِ هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ سَائِغٌ شَرَابُهُ وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ وَمِنْ كُلٍّ تَأْكُلُونَ لَحْمًا طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُونَ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا وَتَرَى الْفُلْكَ فِيهِ مَوَاخِرَ لِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (12).

وما يَتماثَلُ البَحرانِ؛ فماءُ أحَدِهما ذُو طَعمٍ طَيِّبٍ، بالغِ العُذوبةِ، يُستساغُ شُربُه، بلا صُعوبةٍ ولا كَراهةٍ، ومِياهُ الآخَرِ بخِلافِ ذلك؛ فهي شَديدةُ الملوحةِ والمرارةِ، ومِن كُلِّ بحرٍ منهما -عذْبًا كان أو مالِحًا- تأكُلونَ لَحمًا طَرِيًّا مِن أنواعِ السَّمَكِ وغَيرِه، وتَستَخرِجونَ زينةً كاللُّؤلؤِ والمَرجانِ تتحلَّونَ بلُبسِها، وترَى السُّفُنَ تَجري في البَحرِ، وهي تَشُقُّ الماءَ وتَدفَعُه بصُدورِها دونَ أن تَغرَقَ فيه، لِتَطلُبوا بركوبِكم لها مَعايشَكم، وتتنقَّلوا بها لتِجاراتِكم، إلى غيرِ ذلِك، ولَعلَّكم تَشكُرونَ اللهَ على تَسخيرِه لكم ذلك.

يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ (13).

يُدخِلُ اللهُ اللَّيلَ في النَّهارِ، ويُدخِلُ النَّهارَ في اللَّيلِ، وذلَّل لكم الشَّمسَ والقَمَرَ، فيَجريانِ في فَلَكِهما لمصالحِكم إلى وَقتٍ محدَّدٍ مَضروبٍ، ذلِكم العَظيمُ، الَّذي خلَقَ تلك المذكوراتِ وقام بتَسخيرِها: اللهُ خالِقُكم ورازِقُكم، ومدبِّرُ أُمورِكم، المستَحِقُّ للعِبادةِ وَحْدَه، له المُلكُ التَّامُّ كُلُّه وَحْدَه لا شَريكَ له، وأمَّا الذين تَعبُدونَهم -أيُّها المُشرِكونَ- مِن دُونِ اللهِ؛ فإنَّهم لا يَملِكونَ حتى القِشرةَ البَيضاءَ الرَّقيقةَ الَّتي تكونُ على نواةِ التَّمرةِ

إِنْ تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ (14).

إنْ تدْعوا هؤلاء الآلهةَ المزعومةَ الَّتي تَعبُدونَها مِن دونِ اللهِ؛ لا يَسمَعوا دُعاءَكم، وحتَّى لو سَمِعوا دُعاءَكم، فإنَّهم لا يَستَجيبونَ لكم، ويَومَ القِيامةِ يَكفُرونَ بما وَقعتُم فيه مِن اتِّخاذِهم شُرَكاءَ للهِ تدعونَهم مِن دُونِه، ولا أحدَ يُنبِّئُك -يا محمَّدُ- مِثلَ ما يُنَبِّئُك اللهُ الَّذي يَعلَمُ بواطِنَ الأمورِ وحقائِقَها، فلا يخفَى عليه شَيءٌ سُبحانَه

يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ (15).

يا أيُّها النَّاسُ أنتُم المُحتاجُونَ إلى اللهِ في كُلِّ شَيءٍ، واللهُ وَحدَه هو الغَنيُّ غِنًى مُطلَقًا مِن جَميعِ الوُجوهِ عن جَميعِ خَلقِه، وعن عِبادتِهم؛ فلا يفتَقِرُ إلى شَيءٍ سُبحانَه، وهو المحمودُ في ذاتِه وأسمائِه، وصِفاتِه وأفعالِه، وأقوالِه وشَرعِه وقَدَرِه، المحمودُ على نِعَمِه، وإحسانِه

إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ (16).

لو شاءَ اللهُ لَأفْنَاكم وأهْلَكَكُم -أيُّها النَّاسُ- إنْ عَصيْتُموه، وأتَى بخَلقٍ غَيرِكم يُطِيعونَه

وَمَا ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ (17).

وليس ذلك على اللهِ بمُتعَذِّرٍ ولا مُمتَنِعٍ؛ لكَمالِ قُدرتِه سُبحانَه

وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى وَإِنْ تَدْعُ مُثْقَلَةٌ إِلَى حِمْلِهَا لَا يُحْمَلْ مِنْهُ شَيْءٌ وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى إِنَّمَا تُنْذِرُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَمَنْ تَزَكَّى فَإِنَّمَا يَتَزَكَّى لِنَفْسِهِ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ (18).

ولا تَحمِلُ نَفْسٌ آثِمةٌ إثمَ نَفْسٍ أُخرى؛ فكُلُّ إنسانٍ يُجازَى بعَمَلِه، وإنْ تَطلُبْ يومَ القِيامةِ نفْسٌ مُثقَلةٌ بالذُّنوبِ، مَن يَحمِلُ عنها ذُنوبَها، أو يُساعِدُها في حَملِ بَعضِها: فلنْ يَحمِلَ أحَدٌ ذلك ولو شيئًا منه، ولو كان المَسؤولُ قريبًا للسَّائِلِ، إنَّما تُنذِرُ -يا محمَّدُ- إنذارًا نافِعًا مُؤثِّرًا الَّذين يَخافونَ رَبَّهم مع كَونِهم لا يَرَونَه في الدُّنيا، ويَخافونَه في خَلَواتِهم غيرَ مُرائينَ أحَدًا، وأدَّوُا الصَّلواتِ على وَجهٍ تامٍّ مُستقيمٍ، كما أمَرَ اللهُ تعالى؛ فهؤلاء هم الَّذين يَنتَفِعونَ بالإنذارِ دوَنَ غَيرِهم، ومَن تَطَهَّرَ مِن دَنسِ الكُفرِ والذُّنوبِ، بالإيمانِ باللهِ والتَّوبةِ إليه، واستَكثرَ مِن العَملِ الصَّالحِ؛ فإنَّما يَعودُ نَفعُ ذلك على نَفْسِه، وإلى اللهِ وَحْدَه المَرجِعُ

وَمَا يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ (19).

ولا يَستوي الأعمَى والبصيرُ في إدراكِ المُبصَراتِ، وكذا لا يَستوي الكافِرُ والمؤمِنُ، والجاهلُ والعالمُ

وَلَا الظُّلُمَاتُ وَلَا النُّورُ (20).

ولا تَستوي الظُّلُماتُ معَ النُّورِ، وكذا لا تَستوي ظُلماتُ الكُفرِ ونُورُ الإيمانِ

وَلَا الظِّلُّ وَلَا الْحَرُورُ (21).

ولا يَستوي الظِّلُّ ولا شِدةُ الحَرِّ، وكذا لا تَستوي الجَنَّةُ والنارُ

وَمَا يَسْتَوِي الْأَحْيَاءُ وَلَا الْأَمْوَاتُ إِنَّ اللَّهَ يُسْمِعُ مَنْ يَشَاءُ وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ (22).

ولا يَستوي الأحياءُ مع الأمواتِ، وكذا لا يَستوي المؤمِنونَ مع الكُفَّارِ، إنَّ اللهَ يُسمِعُ مَن يَشاءُ إسماعَه، وليس في مَقدورِك -يا محمَّدُ- أن تُسمِعَ الأمواتَ في قُبورِهم، وكذا ليس في مَقدورِك هِدايةُ مَن لم يَشأِ اللهُ هِدايتَه

إِنْ أَنْتَ إِلَّا نَذِيرٌ (23).

ما أنت -يا محمَّدُ- إلَّا نذيرٌ تُبلِّغُ رِسالةَ اللهِ سُبحانَه، سواءٌ أَستجابَ لك النَّاسُ أم لم يَستَجيبوا؛ فإنَّما جعَلَ اللهُ لك الاستِطاعةَ على الإنذارِ الَّذي كلَّفَك به، لا على إسماعِ مَن لم يَشَأِ اللهُ إسماعَه، أو على هِدايةِ مَن لم يَشأِ اللهُ هدايتَه

إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلَا فِيهَا نَذِيرٌ (24).

إنَّا أرسَلْناك -يا محمَّدُ- بالحَقِّ بشيرًا لِمَن أطاعَك، ونَذيرًا لِمَن عَصاك، وما مِن أُمَّةٍ من الأُمَمِ الماضيةِ إلَّا بعَثْنا فيهم رَسولًا يُنذِرُهم عذابَ اللهِ تعالَى

وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ وَبِالزُّبُرِ وَبِالْكِتَابِ الْمُنِيرِ (25).

وإنْ يُكَذِّبْك -يا مُحمَّدُ- كُفَّارُ قَومِك، فقد كَذَّب الَّذين مِن قَبلِهم مِنَ الأُمَمِ الماضِيةِ رُسُلَهم؛ فلَسْتَ بأوَّلِ رَسولٍ كذَّبَه قَومُه؛ فلا تحزَنْ، وقد جاءتْ تلك الأُمَمَ الماضيةَ رُسُلُهم بالأدِلَّةِ الظَّاهِرةِ، وبالكُتُبِ الإلهيَّةِ، وبالكِتابِ المُنيرِ

ثُمَّ أَخَذْتُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ (26).

ثمَّ أهلَكْتُ أولئك الَّذين كَفَروا بي وبما جاءَتْهم به رسُلُهم، فكيفَ كان إنكاري على تِلك الأُمَمِ المكَذِّبةِ وعِقابي؟!

أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ ثَمَرَاتٍ مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهَا وَمِنَ الْجِبَالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهَا وَغَرَابِيبُ سُودٌ (27).

ألمْ تَرَ -يا محمَّدُ- أنَّ اللهَ أنزلَ مِن السَّماءِ ماءً، فأخرَجْنا بهذا الماءِ الواحدِ ثَمراتٍ مُختَلِفةَ الألوانِ، وجَعَل سُبحانَه مِن الجِبالِ خُطوطًا وطَرائِقَ بيضاءَ وحَمراءَ، مُختَلِفةَ الألوانِ، وخُطوطًا وطَرائِقَ شَديدةَ السَّوادِ

وَمِنَ النَّاسِ وَالدَّوَابِّ وَالْأَنْعَامِ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ كَذَلِكَ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ (28).

وكما جعَلَ اللهُ ألوانَ الثَّمَراتِ والجِبالِ مُختَلِفةً، كذلك جعَلَ النَّاسَ والدَّوابَّ والأنعامَ من الإبِلِ والبَقَرِ والغَنَمِ مُختَلِفةَ الألوانِ، كالحُمرةِ، والبَياضِ، والسَّوادِ، والصُّفرةِ، وغيرِها مِن الألوانِ، إنَّما يَخافُ اللهَ تعالَى ويُعظِّمُه، فيتَّقي عِقابَه بطاعتِه وتَرْكِ مَعصيتِه مِن خِلقِه: العُلَماءُ العالِمونَ باللهِ تعالَى وصِفاتِه وقُدْرتِه على كُلِّ شيءٍ، والعالِمونَ بشَرائعِه، إنَّ اللهَ قاهِرٌ غالِبٌ مُنتقِمٌ ممَّن كفَرَ به وعَصاه، مُمتنِعٌ عليه كُلُّ عَيبٍ ونَقصٍ؛ غفورٌ لذُنوبِ عِبادِه

إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً يَرْجُونَ تِجَارَةً لَنْ تَبُورَ (29).

إنَّ المؤمِنينَ الَّذين يُداوِمونَ على تِلاوةِ القُرآنِ، فيَتتبَّعونَ ألفاظَه بدراستِها، ومعانيَه باستخراجِها، ويتَّبِعونَه بالعَمَلِ بأحكامِه، والتَّصديقِ بأخبارِه، وداوَموا على أداءِ الصَّلواتِ على وَجهٍ تامٍّ مُستقيمٍ كما أمَرَ اللهُ تعالى، وأنفَقوا ممَّا رزَقْناهم مِن الأموالِ -طَلبًا لِمَرضاةِ الله تعالى- في الخَفاءِ حيثُ لا يَراهم أحدٌ، وفي العَلَنِ بمَرْأًى مِنَ النَّاسِ، هؤلاء يَرجُونَ بتلكَ الأعمالِ تجارةً رائجةً رابحةً باقيةً، لن تَخسَرَ، ولن تَكسُدَ وتَهلِكَ

لِيُوَفِّيَهُمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّهُ غَفُورٌ شَكُورٌ (30).

لِيُؤتيَهم اللهُ أجورَ أعمالِهم الَّتي عَمِلوها في الدُّنيا؛ مِن تلاوةِ القُرآنِ، والصَّلاةِ، والنَّفَقةِ: على وجْهٍ تامٍّ لا نَقْصَ فيه، ويَزيدَهم مِن كَرمِه فوقَ ما يَستحِقُّونَ، إنَّ اللهَ غَفورٌ لِذُنوبِهم فيَستُرُها عليهم، ويَتجاوَزُ عن مؤاخَذتِهم بها، وهو شَكورٌ فيَتقبَّلُ منهم أعمالَهم وإن قَلَّت، ويُثيبُهم عليها الثَّوابَ الكثيرَ

وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ هُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ إِنَّ اللَّهَ بِعِبَادِهِ لَخَبِيرٌ بَصِيرٌ (31).

والَّذي أوحَيْناه إليك -يا محمَّدُ- مِن كتابِ اللهِ تعالى هو الحَقُّ الكامِلُ، التَّامُّ الثَّابتُ الَّذي يجِبُ اتِّباعُه؛ مُصَدِّقًا لِما بيْنَ يديه مِن كُتُبِ الرُّسُلِ المتقَدِّمةِ، إنَّ اللهَ خَبيرٌ بعبادِه؛ فهو عالمٌ بدقائقِ أُمورِهم وأحوالِهم وخفاياها، بصيرٌ بهم وبأعمالِهم

ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ (32).

ثمَّ أورَثْنا القُرآنَ أُمَّةَ مُحمَّدٍ صلَّى الله عليه وسلَّم الَّتي اختَرْناها مِنْ عِبادِنا، فمِنهم مَن هو ظالمٌ لنَفْسِه بالتَّقصيرِ والتَّفريطِ؛ يُفرِّطُ في بعضِ الواجباتِ، ويَفعلُ بعضَ المحرَّماتِ، ويُصِرُّ عليها، ومنهم مَن عمَلُه قَصْدٌ؛ يُؤدِّي الواجباتِ، ويَترُكُ المحرَّماتِ، ومِنهم المؤدِّي للفرائضِ والنَّوافلِ، التَّارِكُ للمُحرَّماتِ والمكروهاتِ، فسَبَق غَيْرَه بإذنِ اللهِ تعالى، ذلك العَطاءُ الَّذي فضَّلَهم اللهُ به على غَيرِهم: هو الفَضلُ الكَبيرُ

جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤًا وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ (33).

جناتُ إقامةٍ يَدخُلونَها في الآخِرةِ، فلا يَخرُجونَ منها أبدًا، يُلبَسونَ فيها -رِجالًا ونِساءً- أساوِرَ مِن ذَهَبٍ، ويُحَلَّونَ فيها لؤلؤًا؛ زينةً لهم، ولِباسُهم فيها ثيابٌ مِن حريرٍ

وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ (34).

وقالوا: الحَمدُ لله الَّذي أزال عنَّا جميعَ أنواعِ الأحزانِ، وكلَّ ما يُوجِبُها، إنَّ ربَّنا لَغَفورٌ للذُّنوبِ، فيَستُرُها ويَتجاوَزُ عن المؤاخَذةِ بها؛ شَكورٌ يُثيبُ على الأعمالِ الصَّالحةِ -وإن قَلَّتْ- بالكثيرِ مِن الثَّوابِ مِن فَضلِه

الَّذِي أَحَلَّنَا دَارَ الْمُقَامَةِ مِنْ فَضْلِهِ لَا يَمَسُّنَا فِيهَا نَصَبٌ وَلَا يَمَسُّنَا فِيهَا لُغُوبٌ (35).

الَّذي أنزَلَنا الجنَّةَ وأسكَنَنا فيها، فلا نَنتَقِلُ منها أبدًا، وذلك مِن فَضلِه علينا، لا بأعمالِنا، لا يُصيبُنا في الجنَّةِ أيُّ تَعَبٍ أو مَشَقَّةٍ، ولا يُصيبُنا فيها أيُّ ضَعفٍ أو فُتورٍ

وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ نَارُ جَهَنَّمَ لَا يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا وَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِنْ عَذَابِهَا كَذَلِكَ نَجْزِي كُلَّ كَفُورٍ (36).

والَّذين كَفَروا لهم نارُ جَهنَّمَ، لا يُقضَى عليهم فيَموتوا ويَستريحوا مِن عذابِها، ولا يُخفِّفُ اللهُ عنهم مِن عَذابِ جَهنَّمَ شَيئًا؛ فهو مُستمِرٌّ عليهم في جميعِ الأوقاتِ. مِثلَ هذا الجزاءِ العَظيمِ يُجازي اللهُ كُلَّ مُتَّصِفٍ بالكُفرِ، فلَهم في الآخِرةِ نارُ جهنَّمَ؛ جَزاءً على كُفرِهم

وَهُمْ يَصْطَرِخُونَ فِيهَا رَبَّنَا أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ فَذُوقُوا فَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ (37).

والَّذين كفَروا يَصرُخونَ بشِدَّةٍ وهم في نارِ جَهنَّمَ، ويَصيحونَ مُستَغيثينَ مِن شِدَّةِ العذابِ: ربَّنا أخرِجْنا مِن نارِ جَهنَّمَ؛ فنَعمَلَ بطاعتِك غيرَ الَّذي كنَّا نَعمَلُه في الدُّنيا مِن الشِّركِ والكُفرِ والمعاصي، فيقولُ الله لهم: أوَلم نُطِلْ أعمارَكم في الدُّنيا إلى زَمَنٍ يَتذكَّرُ فيه مَن تذكَّرَ مِن ذوي الألبابِ؟ فلو كُنتُم ممَّن يَنتفِعُ بالحَقِّ لَانتفعتُم به في مُدَّةِ عُمُرِكم الَّذي اتَّسَع للتَّذكُّرِ، وجاءَكم رَسولٌ مِنَ اللهِ يُنذِرُكم عذابَه، وقامَتْ عليكم الحُجَّةُ؛ فلا عُذرَ لكم، فذوقوا عذابَ جَهنَّمَ، فما للكافِرينَ -الَّذين ظَلَموا أنفُسَهم في الدُّنيا بالكُفرِ باللهِ، ومَعصيتِه- مِن نَصيرٍ يَنصُرُهم فيُنقِذُهم ممَّا هم فيه مِنَ العذابِ

إِنَّ اللَّهَ عَالِمُ غَيْبِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (38).

إنَّ اللهَ عالمٌ بما غاب في السَّمَواتِ والأرضِ عن الخَلقِ، إنَّه عليمٌ بالضَّمائِرِ والنِّيَّاتِ والأسرارِ؛ خَيرِها وشَرِّها

هُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلَائِفَ فِي الْأَرْضِ فَمَنْ كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ وَلَا يَزِيدُ الْكَافِرِينَ كُفْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ إِلَّا مَقْتًا وَلَا يَزِيدُ الْكَافِرِينَ كُفْرُهُمْ إِلَّا خَسَارًا (39).

اللهُ هو الَّذي جعَلَكم -أيُّها النَّاسُ- خَلَفًا للأُمَمِ مِن قَبلِكم، فمَن كفَرَ فعلى نَفْسِه ضَرَرُ كُفرِه، وهو المعاقَبُ عليه دونَ غَيرِه، ولا يَزيدُ الكافِرينَ استِمرارُهم على كُفرِهم إلَّا بُغضًا شديدًا لهم مِن رَبِّهم، ولا يَزيدُ الكافِرينَ استِمرارُهم على كُفرِهم إلَّا خَسارةً وهَلاكًا في الدُّنيا والآخِرةِ

قُلْ أَرَأَيْتُمْ شُرَكَاءَكُمُ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّمَاوَاتِ أَمْ آَتَيْنَاهُمْ كِتَابًا فَهُمْ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْهُ بَلْ إِنْ يَعِدُ الظَّالِمُونَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا إِلَّا غُرُورًا (40).

قُلْ -يا محمَّدُ- للمُشرِكينَ مِن قَومِك: أرأيتُم مَنْ تُشرِكونَهم مع اللهِ تعالى فتَدْعونَهم مِن دونِه، أَرُوني ما الَّذي خلَقُوه مِن الأرضِ حتَّى استحَقُّوا عبادتَكم لهم؟! أم لِشُركائِكم شِركٌ مع اللهِ في السَّمَواتِ؛ في خَلقِها، أو مُلكِها، أو تَدبيرِها؟! أم آتَيْناهم كتابًا فيه ثُبوتُ الشَّرِكةِ مع اللهِ؛ فالمُشرِكونَ على بُرهانٍ وحُجَّةٍ مِن صِحَّةِ ذلك؟! كُلُّ ذلك مُنتَفٍ؛ فلا باعِثَ لهم على مَزاعِمِهم الباطِلةِ إلَّا خِداعُ بَعضِهم بعضًا بالأمانيِّ الكاذِبةِ والآراءِ الباطِلةِ

إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولَا وَلَئِنْ زَالَتَا إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا (41).

إنَّ اللهَ يُمسِكُ السَّمَواتِ والأرضَ بقُدرتِه إمساكًا مانِعًا مِن زَوالِهما، ولو زالَت السَّمَواتُ والأرضُ ما أمسَكَهما أحدٌ مِن الخَلقِ كائنًا مَن كان؛ فلا يَقدِرُ على إبقائِهما إلَّا اللهُ وَحْدَه، إنَّ اللهَ كان حَليمًا لا يُعاجِلُ عِبادَه بالعُقوبةِ والعذابِ مع قُدرتِه التَّامَّةِ عليهم، بل يُؤخِّرُهم ويُمهِلُهم؛ غفورًا ساتِرًا لذُنوبِ عبادِه، مُتجاوِزًا عن مُؤاخَذتِهم بها

وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِنْ جَاءَهُمْ نَذِيرٌ لَيَكُونُنَّ أَهْدَى مِنْ إِحْدَى الْأُمَمِ فَلَمَّا جَاءَهُمْ نَذِيرٌ مَا زَادَهُمْ إِلَّا نُفُورًا (42).

وأقسَم مُشرِكو العَرَبِ باللهِ بأبلَغِ الأيْمانَ وأغلَظِها -مِن قَبْلِ بَعثةِ محمَّدٍ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم- أنَّه لو جاءهم رسولٌ مِن عندِ اللهِ يُنذِرُهم عذابَ اللهِ، لَيَكونُنَّ أعظَمَ هدًى مِن إحدى الأُمَمِ السَّابِقةِ، فلمَّا جاءهم محمَّدٌ عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ؛ لِيُنذِرَهم عذابَ اللهِ على شِركِهم وكُفرِهم، ما زادهم مجيئُه إلَّا نُفورًا مِن الحَقِّ، وضَلالًا إلى ضلالِهم!

اسْتِكْبَارًا فِي الْأَرْضِ وَمَكْرَ السَّيِّئِ وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا سُنَّةَ الْأَوَّلِينَ فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَحْوِيلًا (43).

عُتوًّا على الله، وتَكبُّرًا في الأرضِ عن الإيمانِ به، ومَكرًا سَيِّئًا بالنَّاسِ، فقد خَدعوهم، وزيَّنوا لهم الباطِلَ؛ لِيَصُدُّوهم عن الحَقِّ، ولا يَنزِلُ سُوءُ المَكرِ السَّيِّئِ إلَّا بأهلِه الَّذين يَمكُرونَه، فيَحُلُّ عليهم، ويُحيطُ بهم، فهل يَنتَظِرُ هؤلاء المُشرِكونَ إلَّا عادةَ اللهِ الجاريةَ في الأُمَمِ السَّابِقةِ في إهلاكِهم في الدُّنيا على كُفرِهم بالحَقِّ؟ فلن تَجِدَ -يا محمَّدُ- لطريقةِ اللهِ الَّتي قضاها وحَكَم بها تبديلًا لها، بل هي سُنَّةٌ ماضيةٌ، وعادةٌ جاريةٌ، فلا بُدَّ أن يُعذَّبَ هؤلاء المُشرِكونَ إن استمَرُّوا على باطِلِهم؛ ولن تجِدَ لهذه العادةِ تحويلًا

أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَكَانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعْجِزَهُ مِنْ شَيْءٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ عَلِيمًا قَدِيرًا (44).

أوَلمْ يَسِرْ هؤلاء المُشرِكونَ في الأرضِ، فيَنظُروا كيف كان عاقِبةُ كُفَّارِ الأُمَمِ الَّذين مِن قَبْلِهم، فيَتَّعِظوا بما حَلَّ بهم مِن العذابِ؛ بسَبَبِ ذُنوبِهم، فيَخافوا ويَحذَروا أن يُصيبَهم مِثلُ ما أصابَهم؟ وكان كُفَّارُ الأُمَمِ السَّابِقةِ أشَدَّ مِن كُفَّارِ قُرَيشٍ قُوَّةً، فعذَّبَهم اللهُ بسَبَبِ ذُنوبِهم؛ فلن يَتعذَّرَ على اللهِ إهلاكُ كُفَّارِ قُرَيشٍ كما عذَّب أولئك، وإذا أراد اللهُ إهلاكَ المُشرِكينَ أو فِعلَ أيِّ شَيءٍ في السَّمَواتِ أو في الأرضِ، فلن يُعجِزَه ذلك؛ لكَمالِ عِلمِه وقُدرتِه سُبحانَه؛ فلا يخفَى عليه شَيءٌ، ولا يَتعذَّرُ عليه أمرٌ

وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِمَا كَسَبُوا مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِنْ دَابَّةٍ وَلَكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِعِبَادِهِ بَصِيرًا (45).

ولو يُعاقِبُ اللهُ النَّاسَ على جَميعِ ما عَمِلوه مِن الذُّنوبِ ولم يُمهِلْهم، لَأهلَكَ جميعَ النَّاسِ والدَّوابِّ على ظَهرِ الأرضِ، ولكِنَّ اللهَ يُمهِلُ الكافِرينَ والعُصاةَ إلى وَقتٍ مَعلومٍ عِندَه، ثمَّ يُحِلُّ بهم عِقابَه، فإذا جاء وَقتُ أخْذِهم فإنَّ اللهَ بعِبادِه بَصيرٌ، لا يَخفَونَ عليه سُبحانَه

يس

يس (1).

هذه الحروفُ المقطَّعةُ الَّتي افتُتِحَتْ بها هذه السُّورةُ وغيرُها، تأتي لبيانِ إعجازِ القرآنِ؛ حيثُ تُظهِرُ عجْزَ الخَلْقِ عن مُعارَضَتِه بمثلِه، مع أنَّه مركَّبٌ مِن هذه الحروفِ العربيَّةِ الَّتي يَتحدَّثونَ بها

وَالْقُرْآَنِ الْحَكِيمِ (2).

أُقسِمُ بالقُرآنِ ذي الحكمةِ، المُحكَمِ المتقَنِ، فلا اختِلافَ فيه ولا خَللَ، ولا يَأتيه الباطلُ مِن بينِ يَدَيْه ولا مِن خَلفِه، الحاكمِ الَّذي يجبُ الرُّجوعُ إليه

إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (3).

إنَّك -يا محمَّدُ- لَمِن جُملةِ المُرسَلينَ إلى عبادِ اللهِ بوَحْيِه

عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (4).

على طَريقِ الهُدى المُستقيمِ الَّذي لا اعوِجاجَ فيه، الموصِلِ إلى اللهِ وإلى جنَّتِه

تَنْزِيلَ الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ (5).

نَزَّل اللهُ تعالى هذا القُرآنَ تَنزيلًا مِن ذي القَدْرِ العظيمِ، الغالبِ الَّذي لا يُغلَبُ، المُمتنِعِ مِن أنْ يَنالَه سوءٌ، الرَّحيمِ بمَنْ آمَنَ به واتَّبَعه

لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أُنْذِرَ آَبَاؤُهُمْ فَهُمْ غَافِلُونَ (6).

أُنزِلَ القُرآنُ لِتُنذِرَ -يا محمَّدُ- القَومَ الَّذينَ لم يُنذَرْ آباؤُهم برَسولٍ مِن قَبْلِك؛ فهم لذلك غافِلونَ عن الحَقِّ

لَقَدْ حَقَّ الْقَوْلُ عَلَى أَكْثَرِهِمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (7).

لقد وَجَب عذابُ اللهِ على أكثَرِ مُشرِكي العَرَبِ الَّذين سبَقَ في عِلمِ اللهِ أنَّهم لا يَهتَدونَ، فأكثَرُهم مُستَمِرُّونَ على الإصرارِ على كُفرِهم حتَّى يأتيَهم الموتُ وهم على ذلك

إِنَّا جَعَلْنَا فِي أَعْنَاقِهِمْ أَغْلَالًا فَهِيَ إِلَى الْأَذْقَانِ فَهُمْ مُقْمَحُونَ (8).

إنَّا جعَلْنا في أعناقِهم قُيودًا تَبلُغُ أذقانَهم، فهم رافعو رُؤوسِهم لا يَقْدِرونَ أنْ يُطَأْطِئُوها

وَجَعَلْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ (9).

وجعَلْنا مِن بيْنِ أيديهم حاجِزًا، ومِن خَلفِهم حاجِزًا، فغَطَّينا أبصارَهم فلا يَرَوْنَ شَيئًا

وَسَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (10).

مُستَوٍ في حَقِّ هؤلاء الكافِرينَ الَّذين حَقَّ عليهم القَولُ: الإنذارُ وعَدَمُه؛ فسواءٌ أنذَرْتَهم العذابَ -يا محمَّدُ- أو تركْتَ إنذارَهم، فإنَّهم في كِلا الحالَينِ لا يُؤمِنونَ بك وبما جِئتَهم مِن الحَقِّ

إِنَّمَا تُنْذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ وَخَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ فَبَشِّرْهُ بِمَغْفِرَةٍ وَأَجْرٍ كَرِيمٍ (11).

إنَّما تُنذِرُ -يا محمَّدُ- إنذارًا نافِعًا مَنِ اتَّبَع القُرآنَ، فآمَنَ بأخبارِه، وعَمِل بأحكامِه، وخَشِيَ اللهَ الرَّحمنَ بالغَيبِ، فبَشِّرْه بمَغفرةٍ لِذُنوبِه، وثوابٍ حَسَنٍ جَميلٍ

إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي الْمَوْتَى وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآَثَارَهُمْ وَكُلَّ شَيْءٍ أحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ (12).

إنَّا نحن نَبعَثُ الموتى يومَ القيامةِ؛ لِنُجازيَهم على أعمالِهم، ونحن نَكتُبُ ما قدَّموه في الدُّنيا مِن خَيرٍ وشَرٍّ، ونكتُبُ ما تولَّدَ عن ذلك مِن آثارٍ، وما تسبَّبوا في إيجادِه مِن ذلك في حالِ حياتِهم وبعدَ وفاتِهم، ونكتُبُ آثارَ خُطاهم إلى الطَّاعةِ أو المعصيةِ، فنَجْزيهم على ذلك؛ إنْ خيرًا فخيرٌ، وإنَّ شَرًّا فشَرٌّ ، وكُلُّ شَيءٍ ممَّا كان أو سيَكونُ مَحفوظٌ ومُثبَتٌ في كِتابٍ موضِّحٍ لكلِّ شَيءٍ، وهو اللَّوحُ المحفوظُ

وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا أَصْحَابَ الْقَرْيَةِ إِذْ جَاءَهَا الْمُرْسَلُونَ (13).

واذكُرْ لِقَومِك -يا محمَّدُ- خبَرَ أصحابِ القَريةِ الَّتي جاءها رُسُلٌ مِن اللهِ لِدَعوةِ أهلِها إلى الحَقِّ؛ فلْيَعتبِروا ويَتَّعِظوا بقِصَّتِهم

إِذْ أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمُ اثْنَيْنِ فَكَذَّبُوهُمَا فَعَزَّزْنَا بِثَالِثٍ فَقَالُوا إِنَّا إِلَيْكُمْ مُرْسَلُونَ (14).

حينَ أرسَلْنا إلى أصحابِ القَريةِ رَسولَينِ فكَذَّبوهما، فقَوَّيْناهما برَسولٍ ثالثٍ، فقال ثلاثتُهم: إنَّا رُسُلُ اللهِ إليكم

قَالُوا مَا أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا وَمَا أَنْزَلَ الرَّحْمَنُ مِنْ شَيْءٍ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَكْذِبُونَ (15).

قال أصحابُ القَريةِ لهم: ما أنتم إلَّا أُناسٌ مِثلُنا، فكيف أُوحِيَ إليكم؟! وما أنزَل الرَّحمنُ إليكم أيَّ شَيءٍ مِمَّا تَدَّعونَ، ما أنتم إلَّا تَكذِبونَ في دَعْواكم أنَّكم رُسُلٌ مِنَ اللهِ إلينا

قَالُوا رَبُّنَا يَعْلَمُ إِنَّا إِلَيْكُمْ لَمُرْسَلُونَ (16).

قالت رُسُلُهم لهم: اللهُ ربُّنا يَعلَمُ أنَّا رُسُلُه إليكم، وأنَّنا صادِقونَ

وَمَا عَلَيْنَا إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ (17).

وما يجِبُ علينا إلَّا أن نُبَلِّغَكم ما أرسَلَنا اللهُ به إليكم بلاغًا مُبِينًا للحَقِّ، فإنْ لم تَقْبَلوا دَعوتَنا فقد أدَّيْنا ما علينا

قَالُوا إِنَّا تَطَيَّرْنَا بِكُمْ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهُوا لَنَرْجُمَنَّكُمْ وَلَيَمَسَّنَّكُمْ مِنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ (18).

قال أصحابُ القَريةِ لِرُسُلِهم: إنَّا تشاءَمْنا بكم، لئِنْ لم تَترُكوا دَعْواكم لَنَرْجُمَنَّكم، ولَيُصيبَنَّكم مِنَّا عذابٌ مُوجِعٌ

قَالُوا طَائِرُكُمْ مَعَكُمْ أَئِنْ ذُكِّرْتُمْ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ (19).

قالت رُسُلُهم لهم: شُؤمُكم الَّذي جَلَب لكم البلاءَ إنَّما هو معكم؛ بسبَبِ ضَلالِكم، وليس بسَبَبِنا كما زعمتُم، أئِنْ وعَظْناكم وأمَرْناكم باتِّباعِ الحَقِّ تُقابِلونَنا بهذا الرَّدِّ؟! ليس الأمرُ كما تقولون، بل أنتم قومٌ عادتُكم مُجاوَزةُ الحُدودِ، والطُّغيانُ

وَجَاءَ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَى قَالَ يَا قَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ (20).

وجاء رَجُلٌ مُؤمِنٌ مِن طَرَفِ المدينةِ؛ مِن أبعَدِ مَوضِعٍ فيها، مُسرِعًا إلى القَومِ الَّذين كَذَّبوا الرُّسُلَ الثَّلاثةَ، قال: يا قَومِ، اتَّبِعوا هؤلاءِ الرُّسُلَ الَّذين أرسَلَهم اللهُ إليكم

اتَّبِعُوا مَنْ لَا يَسْأَلُكُمْ أَجْرًا وَهُمْ مُهْتَدُونَ (21).

اتَّبِعوا مَن لا يَسألُكم على تبليغِ رِسالةِ اللهِ أيَّ أجرٍ دُنيويٍّ، وهم مُتَّصِفونَ بأنَّهم ثابِتونَ ومُستَقيمونَ على الحَقِّ الَّذي يَدْعونَكم إليه؛ فاتَّبِعوهم تهتَدوا

وَمَا لِيَ لَا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (22).

وما الَّذي يَمنَعُني مِن عبادةِ اللهِ الَّذي خلَقَني مِن العَدَمِ، والَّذي إليه وَحْدَه تُرجَعونَ، فيُجازيكم على أعمالِكم؟!

أَأَتَّخِذُ مِنْ دُونِهِ آَلِهَةً إِنْ يُرِدْنِ الرَّحْمَنُ بِضُرٍّ لَا تُغْنِ عَنِّي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا وَلَا يُنْقِذُونِ (23).

أأتَّخِذُ مِن دونِ اللهِ مَعبودًا سِواه؟! كلَّا؛ فإنَّ الرَّحمنَ إنْ أراد إصابَتي بضُرٍّ، فلا تمنَعُ هذه الآلِهةُ عنِّي أيَّ ضَرَرٍ، ولا تَقدِرُ أن تخلِّصَني مِن الضَّرَرِ إن وقَعَ علَيَّ

إِنِّي إِذًا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (24).

إنِّي إنِ اتَّخذتُ آلهةً هذه صِفتُها فإنِّي إذَنْ لَفي ضلالٍ مُبينٍ

إِنِّي آَمَنْتُ بِرَبِّكُمْ فَاسْمَعُونِ (25).

إنِّي آمَنتُ برَبِّكم فاسمَعوا قَولي

قِيلَ ادْخُلِ الْجَنَّةَ قَالَ يَا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ (26).

قيل لهذا الرَّجُلِ المؤمِنِ حينَ قتَلَه قَومُه: ادخُلِ الجنَّةَ، قال: يا لَيْتَ قَومي يَعلَمونَ

بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ (27).

يا لَيْتَ قَومي يَعلَمونَ بمَغفِرةِ رَبِّي لِذُنوبي وجَعْلِه لي مِنَ الَّذين أكرَمَهم بدُخولِ جنَّتِه؛ وذلك بسَبَبِ إيماني باللهِ ورُسُلِه