التفسير المحرر
وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ وَقُولُوا آَمَنَّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَأُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلَهُنَا وَإِلَهُكُمْ وَاحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ (46).
وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ وَقُولُوا آَمَنَّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَأُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلَهُنَا وَإِلَهُكُمْ وَاحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ (46).
ولا تُجادِلوا -أيُّها المُسلِمونَ- اليَهودَ والنَّصارى إلَّا بأحسَنِ طَريقةٍ، وذلك بالرِّفقِ، والقَولِ الحَسَنِ، وبأقوى الحُجَجِ، إلَّا المُعانِدينَ للحَقِّ منهم، المُعتَدينَ الَّذين لم يَقبَلوا النُّصحَ، ولم يَنفَعْ فيهم الرِّفقُ، وقولوا لهم: آمَنَّا بالقُرآنِ، وبالتَّوراةِ والإنجيلِ، ممَّا لم يُحَرَّفْ ويُبَدَّلْ، ومَعبودُنا ومَعبودُكم واحِدٌ، وهو اللهُ سُبحانَه، ونحن له مُنقادونَ.
وَكَذَلِكَ أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ فَالَّذِينَ آَتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَمِنْ هَؤُلَاءِ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ وَمَا يَجْحَدُ بِآَيَاتِنَا إِلَّا الْكَافِرُونَ (47).
وكذلكَ أنزلنا إليكَ القُرآنَ -يا محمد-، فالذين أُوتوا التوراةَ والإنجيلَ يُؤمِنونَ به -قيل هم: مَنْ كانوا قبل البعثة على علمٍ بشأن محمد صلى الله عليه وسلم، وقيل المراد: من أسلَم منهم بعد البعثة كعبداللهِ بن سلام-، ومِن أهلِ مكةَ مَن يؤمِنُ بالقرآن، وما يَجحَدُ بأدِلَّة الحقِّ مع ظُهورِها إلَّا الكافرون، فينكرونَ الحقَّ بعدَ مَعرِفتِه.
وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذًا لَارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ (48).
وما كنتَ -يا محمَّدُ- تقرأُ كتابًا مِن قبْلِ القرآنِ، وما كنتَ تُحسِنُ الكتابةَ، ولو كنتَ كذلك قبْلَ نبُوَّتِك، لَشَكَّ في صِدقِك الكافِرونَ.
بَلْ هُوَ آَيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَمَا يَجْحَدُ بِآَيَاتِنَا إِلَّا الظَّالِمُونَ (49).
إنما القُرآنُ آياتٌ واضِحاتُ الدَّلالةِ على الحَقِّ، وهو محفوظٌ في صَدرِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم والمُؤمِنينَ، وما يَجحَدُ بآياتِنا، إلَّا من ظلم نفسه بالكفر والكِبر.
وَقَالُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آَيَاتٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّمَا الْآَيَاتُ عِنْدَ اللَّهِ وَإِنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ (50).
وقال مُشرِكو قُرَيشٍ: لولا أُنزِلَ على محمَّدٍ مُعجِزاتٌ مِن رَبِّه -كمُعجِزاتِ موسى-؛ فنُصَدِّقَه؟ فقُلْ لهم: لا يأتي بالمُعجِزاتِ إلَّا اللهُ، وليس مِن شأني إلَّا إنذارُكم.
أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرَى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (51).
أوَلم يَكْفِ هؤلاء المُقتَرِحينَ نُزولَ الآياتِ عليك -يا محمَّدُ- أنَّا أنزَلْنا عليك القُرآنَ الَّذي تتتابَعُ قراءتُه عليهم؟! إنَّ في ذلك القُرآنِ لَرَحمةً في الدُّنيا والآخرةِ للمُؤمِنينَ، وذِكرى لهم؛ يَتذكَّرونَ به الحقَّ.
قُلْ كَفَى بِاللَّهِ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ شَهِيدًا يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالَّذِينَ آَمَنُوا بِالْبَاطِلِ وَكَفَرُوا بِاللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ (52).
قُلْ -يا مُحمَّدُ- للمُشرِكينَ: حَسْبيَ اللهُ شاهِدًا بيني وبينكم، وهو يَعلَمُ ما في السَّمواتِ والأرضِ، فلا يخفَى عليه المحِقُّ منَّا مِن المُبطِلِ، وسيُجازي كلًّا بما يَستَحِقُّ، والَّذين آمَنوا بما يُعبَدُ مِن دونِ اللهِ، وكَفَروا باللهِ: أولئك متَّصِفونَ بالخَسارةِ في الدُّنيا والآخِرةِ.
وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ وَلَوْلَا أَجَلٌ مُسَمًّى لَجَاءَهُمُ الْعَذَابُ وَلَيَأْتِيَنَّهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (53).
ويَطلُبُ منك مُشرِكو قَومِك -يا مُحمَّدُ- أن تُعجِّلَ وُقوعَ عَذابِ اللهِ عليهم، ولولا تَقديرُ اللهِ للعذابِ بأن يَنزِلَ عليهم في وَقتٍ محدَّدٍ، لَجاءهم في وَقتِ استِعجالِهم إيَّاه، ولَيأتيَنَّهم فجأةً دونَ أن يَشعُروا بوَقتِ مَجيئِه.
يَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَافِرِينَ (54).
ويَستعجِلُك كُفَّارُ قَومِك -يا مُحمَّدُ- بوُقوعِ عذابِ اللهِ عليهم في الدُّنيا، وهو آتيهم في الآخرة،ِ حيثُ تكونُ جهنَّمَ مُحيطةٌ بهم وبكُلِّ كافرٍ.
يَوْمَ يَغْشَاهُمُ الْعَذَابُ مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ وَيَقُولُ ذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (55).
إنَّ جَهنَّمَ مُحيطةٌ بالكافِرينَ يومَ يَغشاهم عَذابُها مِن فَوقِهم، ومِن تحتِ أرجُلِهم، ويَقولُ اللهُ لهم: ذُوقوا جزاءَ ما عملتُموه في الدُّنيا.
يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ آَمَنُوا إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ فَإِيَّايَ فَاعْبُدُونِ (56).
يا عباديَ المؤمنين، إن لم تَتمَكَّنوا مِن عِبادتي في بلدٍ، فهاجِروا إلى مَوضِعٍ تتمَكَّنونَ فيه مِن ذلك، فأخلِصوا العبادةَ لي، وأَظهِروا طاعتي حيثُما يُمكِنُكم مِنَ الأرضِ.
كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ ثُمَّ إِلَيْنَا تُرْجَعُونَ (57).
كُلُّ نفْسٍ مخلوقةٍ ستجدُ مَرارةَ الموتِ لا مَحالةَ، ولا بدَّ من نزولِهِ بكلِّ النَّاسِ، ثمَّ يُرَدُّون إلى اللهِ، فيُجازيهم.
وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَنُبَوِّئَنَّهُمْ مِنَ الْجَنَّةِ غُرَفًا تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا نِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ (58).
والَّذين آمَنوا بالحقِّ، وعَمِلوا الأعمالَ الصَّالحةَ؛ لَنُسكِنَنَّهم في الجنَّةِ مَنازِلَ عاليةً، تجري مِن تحتِها الأنهارُ، يقيمُون فيها أبدًا، ونِعْمَ الجزاءُ هي للعامِلينَ في الدُّنيا بطاعةِ اللهِ.
الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (59).
وهم الَّذين صَبَروا على طاعةِ اللهِ، وأذَى المُشرِكينَ، ومُفارَقةِ أوطانِهم؛ فِرارًا مِنَ الفِتَنِ، وعلى رَبِّهم وَحْدَه يَعتَمِدونَ في جميعِ أمورِهم.
وَكَأَيِّنْ مِنْ دَابَّةٍ لَا تَحْمِلُ رِزْقَهَا اللَّهُ يَرْزُقُهَا وَإِيَّاكُمْ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (60).
هاجِروا وجاهِدوا في اللهِ -أيُّها المُؤمِنونَ- ولا تَخافوا الفقرَ وقلَّةَ ذاتِ اليدِ؛ فكثيرٌ مِن الدَّوابِّ بحاجةٍ إلى طعامٍ وشرابٍ، ولا تُطيقُ جَمْعَه، ولا تؤخِّرُ شَيئًا منه لغَدٍ، فيُقَيِّضُ لها اللهُ رِزْقَها؛ فكذلك يُيَسِّرُ اللهُ أرزاقَكم أيُّها النَّاسُ، واللهُ سميعٌ لخلقِه، عليمٌ بهم، لا يخفى عليه شيءٌ.
وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ (61).
ولَئِنْ سألْتَهم -يا محمَّدُ-: مَنْ خلَقَ السَّمَواتِ والأرضَ، وذلَّل لكم الشَّمسَ والقَمَرَ يَجْريانِ لِمَنافِعِكم؟ لَيَقولُنَّ: اللهُ وَحْدَه، فكيف يُصرَفونَ عنه إذَن، فيَعدِلونَ عن التَّوكُّلِ عليه، أو يَترُكونَ إخلاصَ العبادةِ له؟
اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (62).
اللهُ وَحْدَه الذي يُوسِّعُ الرِّزقَ لِمَن يَشاءُ مِن عِبادِه، ويُضَيِّقُه على مَن يشاءُ منهم وَفْقًا لِما فيه مَصلحةٌ لهم، بحَسَبِ ما تقتَضيه حِكمتُه سُبحانَه؛ فلا يَصُدَّنَّكم -أيُّها المُؤمِنونَ- عن الهِجرةِ وجِهادِ عَدوِّكم خَوفٌ مِنَ الافتِقارِ.
وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ نَزَّلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِ مَوْتِهَا لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ (63).
ولَئِنْ سألْتَهم -يا مُحمَّدُ-: مَنِ الَّذي نزَّل مِن السَّحابِ مَطَرًا، فأحيا الأرضَ بالنَّباتِ بعدَ جُدوبِها؟ لَيَقولُنَّ: اللهُ وَحْدَه، فقُلْ: الحَمدُ لله على بيانِ الحقِّ، وتيسيرِ النِّعَمَ، لكنَّ أكثَرُ المُشرِكينَ بالله لا يَعقِلونَ، فلا يتَّبِعونَ الحَقَّ.
وَمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَهْوٌ وَلَعِبٌ وَإِنَّ الدَّارَ الْآَخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ (64).
وما هذه الدُّنيا إلَّا شَيءٌ يُتلَهَّى به ويُلعَبُ، لا حَقيقةَ لها ولا ثباتَ، وإنَّ الَّدارَ الآخرةَ هي دارُ الحياةِ الحقيقيةِ الدَّائِمةِ، فلو علمَ المُشرِكونَ ذلك لآمَنوا باللهِ وَحْدَه، ولم يُؤْثِروا الفانيةَ على الباقيةِ.
فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ (65).
فإذا رَكِبَ المُشِركونَ في السَّفينةِ، وخافوا الغَرَقَ، أخلَصوا لله الدُّعاءَ، والطَّاعةَ؛ لِيُخَلِّصَهم مِن الشِّدَّةِ، وتَرَكوا آلهتَهم وقد عَلِموا أنَّها لا تَنفَعُهم، فلمَّا نجَّاهم اللهُ، وأوصَلَهم إلى البَرِّ آمِنينَ؛ انقَلَبوا باللهِ مُشرِكينَ.
لِيَكْفُرُوا بِمَا آَتَيْنَاهُمْ وَلِيَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ (66).
يُشرِكُ أولئك الكُفَّارُ بعدَ إنجائِهم من الشِّدَّةِ؛ فِيَجحَدوا نِعمةَ اللهِ، وِيَتَمتَّعوا بدُنياهم الفانيةِ بقيَّةَ عمرِهم، وسوف يَعلَمُون عاقِبةَ ذلكَ.
أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آَمِنًا وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ أَفَبِالْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَكْفُرُونَ (67).
أوَلمْ يَرَ مشركو قُرَيشٍ أنَّا جعَلْنا مكَّةَ حَرَمًا مَصونًا، سالِمًا أهلُه، والحالُ أنَّ العَرَبَ حوْلَهم بعكسِ ذلك؟ أفبِالشِّركِ يُؤمِنُون، وبالنِّعمةِ يَجحَدونَ، فيَجعَلونَ بدل شُكرِهم له شِرْكَهم بغَيرِه؟
وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْكَافِرِينَ (68).
ولا أحدَ أظلَمُ مِمَّن اختلَقَ على اللهِ كَذِبًا، فادَّعى ما لم يَقُلْه وما لا يَرضاه؛ كمَن زعَم أنَّ له شريكًا، أو كذَّب بمُحَمَّدٍ وبالقرآنِ حينَ جاءَه، مِن غيرِ أن يُمهِلَ نَفْسَه للنَّظَرِ، أليس في جهنَّمَ مقامٌ دائِمٌ للكافِرينَ؟!
وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ (69).
والَّذين بَذَلوا جُهْدَهم للعَمَلِ بما يُرضي اللهَ، وتَرْكِ ما يُسخِطُه لَنَدُلَّنَّهم ونُوَفِّقَنَّهم إلى الطُّرُقِ المُوصِلةِ إلينا وإلى رِضْوانِنا في الدُّنيا والآخرةِ، وإنَّ الله لَمَعَ المُحسِنينَ بالحِفظِ والنَّصرِ، والإعانةِ والهدايةِ.
الروم
الم
هذه الحروفُ المقطَّعةُ الَّتي افتُتِحَت بها هذه السُّورةُ وغيرُها، تأتي لبيانِ إعجازِ القرآنِ؛ حيث تُظهِرُ عجْزَ الخَلْقِ عن مُعارَضتِه بمِثلِه، مع أنَّه مرَكَّبٌ مِن هذه الحروفِ العربيَّةِ الَّتي يَتحدَّثونَ بها
غُلِبَتِ الرُّومُ
غَلَب أهلُ فارسَ المُشرِكونَ، الرُّومَ أهلَ الكِتابِ، وقَهَروهم
فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ
انتصَر أهلُ فارسَ على الرُّومِ في أدنَى الأرضِ، والرُّومُ مِن بعدِ أن غلَبَهم أهلُ فارسَ سيَغلِبونهم
فِي بِضْعِ سِنِينَ لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ
سيقَعُ انتِصارُ الرُّومِ على الفُرسِ فيما بيْنَ ثلاثِ سِنينَ إلى تِسعٍ، لله وَحْدَه الحُكمُ والتَّدبيرُ والتَّقديرُ والتَّصَرُّفُ في خَلقِه بما يَشاءُ مِن قَبلِ أن تَغلِبَ الرُّومُ فارِسَ، ومِن بعدِ غَلَبَتِهم لهم؛ فغَلَبةُ أحَدِهما الآخَرَ واقِعةٌ بأمرِ اللهِ وقَضائِه وقَدَرِه، ويَومَ يَنتَصِرُ الرُّومُ على الفُرسِ يَفرَحُ المؤمِنونَ
بِنَصْرِ اللَّهِ يَنْصُرُ مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ
يَفرَحُ المؤمِنونَ بنَصرِ اللهِ للرُّومِ أهلِ الكِتابِ على الفُرسِ المُشرِكينَ، يَنصُرُ اللهُ مَن يَشاءُ مِن عبادِه، وَفْقَ ما تَقتَضيه حِكمَتُه سُبحانَه، كما نَصَرَ فارِسَ على الرُّومِ، ثمَّ الرُّومَ على فارِسَ، ثمَّ نَصَر المؤمِنينَ على فارِسَ والرُّومِ الكافِرين، واللهُ هو الغالِبُ القاهِرُ القَويُّ المُنتَقِمُ مِن أعدائِه بلا مانِعٍ يمنَعُه مِن ذلك، وهو الرَّحيمُ بعِبادِه المُؤمِنينَ
وَعْدَ اللَّهِ لَا يُخْلِفُ اللَّهُ وَعْدَهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ
وَعَدَ اللهُ المؤمِنينَ بانتِصارِ الرُّومِ على الفُرسِ وَعدًا لا مَحالةَ مِن وُقوعِه، لا يُخلِفُ اللهُ ما وَعَد به عِبادَه، فما أخبَرَ بوُقوعِه لا بدَّ مِن تحقُّقِه؛ لِكَمالِ قُدرتِه، وكَمالِ صِدقِه سُبحانَه، ولكنَّ أكثَرَ النَّاسِ لا يَعلَمونَ ما لله مِن صِفاتِ الكَمالِ؛ فهم يَجهَلونَ حِكمَتَه وقُدرَتَه، وصِدقَ خَبَرِه، ويُكَذِّبونَ بآياتِه
يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآَخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ
أكثَرُ النَّاسِ يَعلَمونَ ما يَتعلَّقُ بشُؤونِ دُنياهم فحَسْبُ؛ كعُمرانِهم، وتدبيرِ مَعايشِهم، وهم عن أمرِ آخِرتِهم غافِلونَ؛ فلا يُفَكِّرونَ في شَأنِها، ولا يَعمَلونَ مِن أجْلِها
أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ مَا خَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ وَأَجَلٍ مُسَمًّى وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ لَكَافِرُونَ
أوَلم يتفكَّرْ أولئك المكذِّبونَ بالبعثِ في أنفُسِهم، فيَعلَموا أنَّ اللهَ وحْدَه خالِقُ السَّمواتِ والأرضِ وما بيْنَهما بالحَقِّ؛ لِيَعبُدَه النَّاسُ ويُطيعوه، ثمَّ هو يَبعَثُهم لِمُجازاتِهم؟! فما خَلقَ الكَونَ باطِلًا وعَبَثًا بلا حِكمةٍ، ويَعلَموا أنَّ للسَّمواتِ والأرضِ وما بينَهما وَقتًا محدَّدًا عندَ اللهِ، تَنتهي إليه، وتَفْنى فيه، وهو يومُ القيامةِ الَّذي يَبعَثُ اللهُ فيه العِبادَ للحِسابِ والجزاءِ؟ وإنَّ كثيرًا مِنَ النَّاسِ كافِرونَ بوُقوعِ البَعثِ بعدَ الموتِ، جاحِدونَ لحُصولِ الجزاءِ يومَ القيامةِ
أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَأَثَارُوا الْأَرْضَ وَعَمَرُوهَا أَكْثَرَ مِمَّا عَمَرُوهَا وَجَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ
أوَلم يَسِرْ في الأرضِ هؤلاءِ المكَذِّبونَ بالبَعثِ؛ فيَنظُروا كيف كان آخِرُ أمرِ الَّذين مِن قَبلِهم، فيَعتَبِروا ويتَّعِظوا حينَ يَرَوْنَ آثارَ إهلاكِ اللهِ لهم؛ بسَبَبِ كُفرِهم وشِرْكهم، وتَكذيبِهم رُسُلَهم؟! قد أُعطِيَ أولئك مِنَ القُوَّةِ ما لم يُعطَوها هم، وقَلَّبوا الأرضَ لزراعتِها، وجَعَلوها أكثَرَ عُمرانًا مِمَّا فَعَلوا هم، وجاءتْهم رُسلُهم بالبَيِّناتِ الدَّالَّاتِ على الحقِّ، وعلى صِدقِهم، فكذَّبوهم، فلمْ يَقدِروا على الامتِناعِ مِن عذابِ اللهِ، وما نفَعَتْهم قوَّتُهم، ولا أغنَتْ عنهم إثارتُهم الأرضَ وعِمارتُهم لها !فلمْ يكُنِ اللهُ ليُعَذِّبَهم بلا ذنْبٍ أتَوه، ولا قَبلَ إرسالِ الرُّسلِ إليهم، وإقامةِ الحُجَّةِ عليهم، ولكنْ كانوا يَظلِمونَ أنفُسَهم؛ بالكُفرِ باللهِ، والإشراكِ به، وتكذيبِ رُسُلِه، ومَعصيتِه
ثُمَّ كَانَ عَاقِبَةَ الَّذِينَ أَسَاءُوا السُّوأَى أَنْ كَذَّبُوا بِآَيَاتِ اللَّهِ وَكَانُوا بِهَا يَسْتَهْزِئُونَ
ثمَّ كان آخِرَ أمرِ أهلِ السُّوءِ أنْ حلَّ بهم عذابُ اللهِ؛ بسبَبِ تَكذيبِهم بآياتِ اللهِ سُبحانَه، واستِهزائِهم المستَمِرِّ بها
اللَّهُ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ
اللهُ وحْدَه الَّذي يَبدأُ إنشاءَ جميعِ المَخلوقاتِ مِن العَدَمِ، ثمَّ يُعيدُها فيُحييها مرَّةً ثانيةً بعدَ فَنائِها، ثمَّ تُردُّونَ يومَ القيامةِ إلى الله وحْدَه، فيُجازيكم بأعمالِكم
وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُبْلِسُ الْمُجْرِمُونَ
ويومَ القيامةِ يَيئَسُ المُشرِكونَ مِن رَحمةِ اللهِ، وتَنقَطِعُ حُجَّتُهم ويَندَمونَ
وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ مِنْ شُرَكَائِهِمْ شُفَعَاءُ وَكَانُوا بِشُرَكَائِهِمْ كَافِرِينَ
ولم يكُنْ للمُشرِكينَ مِن معبوداتِهم الباطِلةِ -الَّتي جعَلوها شُرَكاءَ للهِ- شُفَعاءُ يَشفَعونَ لهم في الآخِرةِ، فيَجلِبونَ لهم نَفعًا، أو يَدفَعونَ عنهم ضُرًّا، ويَكفُرُ أولئك المُشرِكونَ بمَنِ اتَّخَذوهم شُرَكاءَ للهِ تعالى
وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَتَفَرَّقُونَ
ويَومَ القيامةِ يتفرَّقُ الخَلقُ بيْنَ مُؤمِنينَ وكافِرينَ
فَأَمَّا الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَهُمْ فِي رَوْضَةٍ يُحْبَرُونَ
فأمَّا الَّذين آمَنوا بما وجَبَ عليهم الإيمانُ به، وعَمِلوا الأعمالَ الصَّالحاتِ بإخلاصٍ لله تعالى ومُتابَعةٍ لِشَرعِه؛ فهُم في الجنةِ في بساتينَ مُشتَمِلةٍ على المياهِ والأزهارِ، والأشجارِ والنَّباتاتِ البَهيجةِ، والرَّوائحِ الطَّيِّبةِ والمَناظِرِ الجميلةِ: يُسَرُّون فيها سُرورًا شديدًا، يَظهَرُ أثرُه وحُسْنُه عليهم
وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآَيَاتِنَا وَلِقَاءِ الْآَخِرَةِ فَأُولَئِكَ فِي الْعَذَابِ مُحْضَرُونَ
وأمَّا الَّذين كَفَروا وكذَّبوا بآياتِ اللهِ، وأنكَروا البَعثَ بعدَ الموتِ للحِسابِ والجزاءِ: فأولئك يُؤتَى بهم إلى النَّارِ، فيَبقَونَ فيها، لا يَغيبُ عنهم عذابُها
فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ
تَنزَّهَ اللهُ تعالى عن كُلِّ عَيبٍ ونَقصٍ، فنَزِّهوه -أيُّها النَّاسُ- حينَ حُلولِ المساءِ، وحينَ حُلولِ الصَّباحِ
وَلَهُ الْحَمْدُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَعَشِيًّا وَحِينَ تُظْهِرُونَ
وهو وَحْدَه المُستَحِقُّ وَصْفَه بصِفاتِ الكَمالِ مع محبَّتِه وتَعظيمِه، في السَّمواتِ والأرضِ، ونزِّهوا اللهَ -أيُّها النَّاسُ- وَقْتَ العَشِيِّ، ونزِّهوا اللهَ وَقْتَ الظَّهيرةِ
يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَيُحْيِي الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَكَذَلِكَ تُخْرَجُونَ
يُخرِجُ اللهُ بقُدرتِه الحَيَّ مِن الميِّتِ؛ كالإنسانِ مِن النُّطفةِ، والنَّباتِ مِن الحَبِّ، والدَّجاجِ مِن البَيضِ، والمؤمِنِ مِن الكافِرِ، ويُخرِجُ اللهُ بقُدرتِه الميِّتَ مِن الحَيِّ؛ كالنُّطفةِ مِن الرَّجُلِ، والحَبِّ مِن النَّباتِ، والبَيضِ مِن الدَّجاجِ، والكافِرِ مِن المؤمِنِ، ويُنزِلُ اللهُ الماءَ على الأرضِ اليابِسةِ القاحِلةِ، فتَنبُتُ بعدَ جُدوبِها، وكما يُحيي اللهُ الأرضَ بعدَ مَوتِها، فيُخرِجُ نباتَها وزَرْعَها بقُدرتِه، يُحييكم -أيُّها النَّاسُ- بعدَ مَوتِكم، ويُخرِجُكم أحياءً مِن قُبورِكم يومَ القيامةِ
وَمِنْ آَيَاتِهِ أَنْ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ إِذَا أَنْتُمْ بَشَرٌ تَنْتَشِرُونَ
ومِن العَلاماتِ الدَّالَّةِ على صِفاتِ اللهِ تعالى، كوحدانيَّتِه وكَمالِ قُدرتِه: أنَّه ابتدَأ خَلْقَكم مِن تُرابٍ، فخَلَق أباكم آدَمَ منه، ثمَّ تَصيرونَ مِن هذا التُّرابِ الجامِدِ بَشَرًا أحياءً تَنتَشِرونَ في الأرضِ، وتَسعَونَ فيها
وَمِنْ آَيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ
ومِن العَلاماتِ الدَّالَّةِ على صِفاتِ الله تعالى: أنَّه خَلَق لكم مِن جنسِكم أزواجًا؛ لِتَحصُلَ المناسَبةُ والأُلْفةُ والاطمِئنانُ بيْنَكم، وجعَلَ اللهُ بيْنَكم -أيُّها الأزواجُ- مَحبَّةً عَظيمةً، ورَحمةً يَعطِفُ بها بَعضُكم على بعضٍ، إنَّ في ذلك المذكورِ لَعَلاماتٍ ودَلالاتٍ على قُدرةِ اللهِ، وحِكمتِه ورَحمتِه، وغيرِها، لِقَومٍ يُعمِلونَ فِكرَهم في ذلك
وَمِنْ آَيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِلْعَالِمِينَ
ومِنَ العَلاماتِ الدَّالَّةِ على توحيدِ اللهِ، وكَمالِ قُدرتِه العظيمةِ، وغيرِ ذلك: إيجادُه السَّمَواتِ والأرضَ مِنَ العَدَمِ، وعلى تَقديرٍ ونظامٍ بديعٍ، مع ما فيهما مِن المخلوقاتِ العَظيمةِ المُتنَوِّعةِ، ومِن العَلاماتِ أيضًا: اختِلافُ لُغاتِكم وألوانِ أجسادِكم، مع أنَّ أصلَكم واحدٌ؛ مِن أبيكم آدَمَ، إنَّ في ذلك المذكورِ: لَعَلاماتٍ وأدِلَّةً لأُولي العِلمِ، ومِن ذلك الاستِدلالُ بها على وحدانيَّةِ الله تعالى وقُدرتِه على إعادةِ الخَلقِ بعدَ مَوتِهم
وَمِنْ آَيَاتِهِ مَنَامُكُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَابْتِغَاؤُكُمْ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ
ومِنَ العلاماتِ أيضًا مَنامُكم في اللَّيلِ والنَّهارِ؛ لِراحةِ أبدانِكم، وطَلَبُكم رِزقَ اللهِ فيهما، إنَّ في ذلك: لَعَلاماتٍ ودَلالاتٍ لِقَومٍ يَسمَعونَ سَماعَ تدَبُّرٍ وتفَهُّمٍ، ومِن ذلك الاستِدلالُ بهما على رحمةِ اللهِ، وتَوحيدِه، وقُدرتِه على بَعثِ الخَلقِ بعدَ مَوتِهم
وَمِنْ آَيَاتِهِ يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفًا وَطَمَعًا وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَيُحْيِي بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ
ومِن العَلاماتِ الدَّالَّةِ على عظَمةِ اللهِ تعالى وغَيرِها: أنْ يُبدِيَ لكم البَرْقَ، فتَخافوا وتَطمَعوا، ويُنزِّلُ اللهُ مِن السَّماءِ مَطَرًا، فيُحيي به الأرضَ اليابِسةَ، فتُخرِجُ نباتَها بعدَ جُدوبِها، إنَّ في إظهارِ الله لكم البَرْقَ، وإنزالِه المطَرَ، وإحياءِ الأرضِ به: لَعَلاماتٍ يَستَدِلُّ بها القَومُ الَّذين يَعقِلونَ حُجَجَ اللهِ، ومِن ذلك الاستِدلالُ بها على قُدرةِ الله على البَعثِ
وَمِنْ آَيَاتِهِ أَنْ تَقُومَ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ بِأَمْرِهِ ثُمَّ إِذَا دَعَاكُمْ دَعْوَةً مِنَ الْأَرْضِ إِذَا أَنْتُمْ تَخْرُجُونَ
ومِن العلاماتِ الدَّالَّةِ على قُدرةِ اللهِ وغيرِها: قيامُ السَّماءِ والأرضِ بقُدرتِه وتدبيرِه؛ خُضوعًا وطاعةً لأمرِه لها، ثمَّ إذا دعاكم اللهُ دَعوةً واحِدةً وأنتم مَوتى في بَطنِ الأرضِ، إذا أنتم سَريعًا تَخرُجونَ أحياءً مِن قُبورِكم يومَ القيامةِ
وَلَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ
ولله وَحْدَه ملْكُ مَنْ في السَّمَواتِ والأرضِ مِن الملائِكةِ والإنسِ والجِنِّ وجَميعِ المخلوقاتِ؛ فكُلُّهم عَبيدُه ومماليكُه، وكُلُّ مَن في السَّمَواتِ والأرضِ مِن خَلْقِ اللهِ خاضِعونَ للهِ وَحْدَه؛ فَهُم له أذِلَّاءُ مَقهورونَ لإرادتِه الكَونيَّةِ، فيَتصَرَّفُ فيهم بما يَشاءُ
وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ
واللهُ هو الَّذي يَبدأُ إنشاءَ الخَلقِ مِن العَدَمِ، ثمَّ يُعيدُهم بعدَ مَوتِهم فيُحييهم ثانيةً، وإعادةُ الخَلقِ بعدَ مَوتِهم أيسَرُ على اللهِ مِنِ ابتِداءِ خَلْقِهم، واللهُ وَحْدَه هو المُستَحِقُّ للوَصفِ الأكمَلِ في السَّمَواتِ والأرضِ؛ فلا إلهَ إلَّا هو، وليس كمِثْلِه شَيءٌ، وكُلُّ صِفةِ كَمالٍ في المخلوقاتِ فالخالِقُ أحَقُّ بالاتِّصافِ بها على وَجهٍ لا يُشارِكُه فيها أحَدٌ، وكلُّ صِفةِ نَقصٍ في المخلوقِ فتَنزيهُ الخالِقِ عنها أَولى وأحرى، واللهُ ذو العِزَّةِ الكامِلةِ؛ فهو القاهِرُ لخَلقِه فلا يُغالَبُ، المنتَقِمُ مِن أعدائِه فلا يُمانَعُ، وهو الحَكيمُ في أفعالِه وأقوالِه؛ شَرعًا وقَدَرًا
ضَرَبَ لَكُمْ مَثَلًا مِنْ أَنْفُسِكُمْ هَلْ لَكُمْ مِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ شُرَكَاءَ فِي مَا رَزَقْنَاكُمْ فَأَنْتُمْ فِيهِ سَوَاءٌ تَخَافُونَهُمْ كَخِيفَتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآَيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ
مثَّل اللهُ لكم قُبحَ الشِّركِ وبُطلانَه مِن أجْلِ إفهامِكم -أيُّها المُشرِكونَ- بمَثَلٍ تَعرِفونَه؛ لِكَونِه مأخوذًا مِن أحوالِكم، هل مِن رَقيقِكم الَّذين تَملِكونَهم -مَعْشَرَ المُشرِكينَ الأحرارِ- مَن يُشارِكُكم فيما أعطَيْناكم مِنَ الرِّزقِ، فتَكونوا أنتم وهم فيه مُتساوِينَ، تَخافونَهم مِنَ التَّصَرُّفِ فيه كما يَخافُ الرَّجُلُ الحُرُّ منكم شَريكَه الحُرَّ أن يَتصَرَّفَ في مالِهما بشَيءٍ دونَ رِضاه أو إذنِه، أو بما فيه ضَرَرٌ عليه؟! هذا لا يكونُ، فكما لا يَرضى أحَدٌ منكم أن يكونَ عَبيدُه شُرَكاءَ له في رِزقهِ، فاللهُ لا يَرضى أن يكونَ له شَريكٌ مِن عَبيدِه في عبادتِه، مِثْلَ ذلك التَّفصيلِ والتَّبيينِ نُفَصِّلُ آياتِ القُرآنِ؛ لِيَتبَيَّنَ الحَقُّ لِقَومٍ ذَوي عَقلٍ وفَهمٍ
بَلِ اتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَهْوَاءَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ فَمَنْ يَهْدِي مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ
لم يَعقِلْ أولئك الَّذين ظَلَموا أنفُسَهم بالشِّركِ آياتِ القُرآنِ المُفصَّلةَ، فيتَّبِعوها، وإنَّما اتَّبَعوا أهواءَهم؛ جَهلًا منهم بالحَقِّ، ودونَ برهانٍ لديهم على صِحَّةِ شِركِهم، فلا أحَدَ يَهدي لاتِّباعِ الحَقِّ مَن قدَّرَ اللهُ إضلالَه بسَبَبِ ظُلمِه، وليس لِلَّذينَ أضَلَّهم اللهُ مِن ناصِرينَ يُنقِذونَهم مِن عَذابِ اللهِ
فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ
فانصِبْ -يا محمَّدُ- قَلْبَك واجعلْ قَصْدَك كُلَّه إلى جِهةِ الإسلامِ الَّذي شَرَعه اللهُ لك، واستَمِرَّ عليه، واجتَهِدْ في طَلَبِه واتِّباعِه، مُقبِلًا على عبادةِ اللهِ وَحْدَه، مائِلًا عن الشِّركِ وعن جميعِ الأديانِ الباطِلةِ، واتَّبِعْ دينَ اللهِ: الإسلامَ الَّذي خلَق جميعَ النَّاسِ مُهَيَّئِينَ لِمَعرفتِه وقَبولِه، والإقرارِ بعَقائدِه، والانقيادِ لأحكامِه، وقد جعَل الله تعاليمَه مُناسِبةً لخِلقتِهم، لا يُخلَقُ الخَلْقُ على غيرِ الفِطرةِ، ولا يُولَدُ أحدٌ إلَّا على ذلك، إقامةُ الوَجهِ للإسلامِ الَّذي شَرَعَه اللهُ بلا تَغييرٍ، وطاعةُ اللهِ بلا شِركٍ: هو الدِّينُ الكامِلُ الَّذي لا عِوَجَ فيه ولا نَقْصَ؛ فهو الطَّريقُ المُستَقيمُ السَّالِمُ مِن الانحِرافاتِ، الموصِلُ إلى اللهِ ورِضوانِه وجَنَّتِه، ولكِنَّ أكثَرَ النَّاسِ لا يَعلَمونَ الدِّينَ الحَقَّ، فهم يُشرِكونَ باللهِ، ويتَّبِعونَ غيرَ ما شَرَعه اللهُ
مُنِيبِينَ إِلَيْهِ وَاتَّقُوهُ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ
راجِعينَ إلى اللهِ وَحْدَه؛ مِنَ الشِّركِ إلى التَّوحيدِ، ومِنَ المَعصيةِ إلى الطَّاعةِ، ومِنَ البِدَعِ والضَّلالاتِ إلى التَّمَسُّكِ بالشَّرعِ، واجعَلوا بيْنَكم وبينَ سَخَطِ اللهِ وعَذابِه حاجِزًا؛ بامتِثالِ أوامِرِه، واجتِنابِ نواهيه، وأدُّوا الصَّلَواتِ على وَجْهِها التَّامِّ، ولا تَكونوا ممَّن يَدخُلُ في عِدادِ المُشرِكينَ بأن تَعمَلوا بمِثلِ ما يَعمَلونَ
مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ
لا تَكونوا مِنَ المُشرِكينَ الَّذين بدَّلوا دينَ اللهِ، فلم يَلتَزِموا به مِثْلَما أمَرَهم رَبُّهم، وكانوا فِرَقًا وأحزابًا، كُلُّ فِرقةٍ مِنهم تألَّفَت وتحالَفَت وتعَصَّبَت على نَصرِ ما معها مِن الباطِلِ، ومُنابَذةِ ومُحاربةِ مَن خالَفَها، أتْباعُ كُلِّ طائفةٍ وفِرقةٍ منهم مُبتَهِجونَ ومُعجَبونَ بما تحالَفوا وتآلَفوا عليه مِنَ الضَّلالاتِ، يَحسَبونَ أنَّهم على الحَقِّ دونَ غَيرِهم !
وَإِذَا مَسَّ النَّاسَ ضُرٌّ دَعَوْا رَبَّهُمْ مُنِيبِينَ إِلَيْهِ ثُمَّ إِذَا أَذَاقَهُمْ مِنْهُ رَحْمَةً إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ
وإذا أصاب النَّاسَ ضَرَرٌ، كمَرَضٍ في أبدانِهم، أو قِلَّةٍ في أموالِهم، إلى غيرِ ذلك؛ أخلَصوا الدُّعاءَ للهِ مُقبِلينَ عليه وَحْدَه، تائِبينَ مِنَ الشِّركِ؛ لِعِلْمِهم أنَّه لا يَكشِفُ الضُّرَّ إلَّا اللهُ، ثمَّ إذا رَحِمَهم اللهُ فكَشَفَ ما أصابَهم مِنَ الضُّرِّ، وأصابَهم بنِعمةٍ منه، كعافيةٍ أو سَعةِ رزقٍ وغيرِ ذلك؛ إذا جماعةٌ منهم يُشرِكونَ معه غَيرَه في عبادتِه، ولا يَشكُرونَه على نعمِه !
لِيَكْفُرُوا بِمَا آَتَيْنَاهُمْ فَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ
يُشرِكونَ لِتكونَ عاقبتُهم أنْ يَكفُروا بما أعطَيْناهم مِنَ النِّعَمِ، وصَرَفْنا عنهم مِنَ النِّقَمِ !فتمَتَّعوا -أيُّها المُشرِكونَ- مُدَّةَ حياتِكم بما أعطاكم اللهُ مِنَ النِّعَمِ، فسوفَ تَعلَمونَ ما ستَلقَونَه مِنَ العذابِ يومَ القيامةِ
أَمْ أَنْزَلْنَا عَلَيْهِمْ سُلْطَانًا فَهُوَ يَتَكَلَّمُ بِمَا كَانُوا بِهِ يُشْرِكُونَ
فهل أنزَلْنا على المُشرِكينَ حُجَّةً ظاهِرةً تَشهَدُ بصِحَّةِ شِركِهم، حتَّى يُوجِبَ لهم ذلك شِدَّةَ التَّشَبُّثِ بالشِّركِ؟!
وَإِذَا أَذَقْنَا النَّاسَ رَحْمَةً فَرِحُوا بِهَا وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ إِذَا هُمْ يَقْنَطُونَ
وإذا أصَبْنا النَّاسَ برَحمةٍ، كحُصولِ الخِصْبِ والعافيةِ، فَرِحوا بذلك، وإنْ تُصِبْهم حالٌ تَسوؤُهم -كقِلَّةٍ في أموالِهم، أو شِدَّةٍ في مَعيشَتِهم- بسَبَبِ ذُنوبِهم، أصابَهم يأسٌ شديدٌ مِن حُصولِ الرَّحمةِ والفَرَجِ، وزَوالِ تلك الحالِ
أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ
أوَلم يَرَ هؤلاءِ الَّذين يَفرَحونَ عندَ الرَّخاءِ، ويَيئَسونَ عندَ الشِّدَّةِ أنَّ اللهَ يُوَسِّعُ الرِّزقَ لِمَن يَشاءُ، ويُضَيِّقُه على مَن يَشاءُ؟ فهو وَحْدَه المتصَرِّفُ في عبادِه بحِكمتِه؛ فيُغْني مَن يَشاءُ، ويُفقِرُ مَن يَشاءُ. إنَّ في تَوسيعِ اللهِ الرِّزقَ لِمَن يَشاءُ، وتَضييقِه على مَن يَشاءُ لَدَلائِلَ وعَلاماتٍ للمُؤمِنينَ، يَستَدِلُّونَ بها على رَحمةِ اللهِ وحِكمتِه، وكَمالِ قُدرتِه، وغَيرِ ذلك
فَآَتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ ذَلِكَ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ
فأعْطِ قريبَك حقَّه مِنَ البِرِّ والصِّلةِ، والمِسكينَ حَقَّه مِنَ الصَّدَقةِ، والمسافِرَ المُنقَطِعَ حَقَّه مِنَ الإعانةِ على سَفَرِه، إعطاءُ هؤلاءِ حُقوقَهم الشَّرعيَّةَ خَيرٌ للمُخلِصينَ الذين يُريدونَ بذلك وجهَ اللهِ، وأولئك هم الفائِزونَ في الدُّنيا والآخِرةِ
وَمَا آَتَيْتُمْ مِنْ رِبًا لِيَرْبُوَ فِي أَمْوَالِ النَّاسِ فَلَا يَرْبُو عِنْدَ اللَّهِ وَمَا آَتَيْتُمْ مِنْ زَكَاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ
وما أعطيْتُم -أيُّها النَّاسُ- مِن عَطاءٍ تُريدونَ به زيادةً وأرباحًا تَحصُلُ لكم مِن أموالِ النَّاسِ، بأن يَرُدُّوه إليكم بأكثَرَ مِمَّا أعطيْتُموه؛ فلا يَزْكو ويَنمو عندَ اللهِ؛ فهو مالٌ مَمْحوقُ البَرَكةِ، ولا ثوابَ فيه، وما آتيتُم مِن زكاةٍ عن إخلاصٍ لله تعالى، تريدونَ بها وجهَه؛ فأولئك هم الَّذين يُضاعِفُ اللهُ لهم ثوابَ صَدَقاتِهم
اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ ثُمَّ رَزَقَكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَفْعَلُ مِنْ ذَلِكُمْ مِنْ شَيْءٍ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ
اللهُ وَحْدَه هو الَّذي خَلَقكم مِنَ العَدَمِ، ثمَّ رَزَقكم وأنتم لا تَملِكونَ شَيئًا، ثمَّ يميتُكم مِن بعدِ حَياتِكم، ثمَّ يُحييكم للبَعثِ يومَ القيامةِ، هل مِن آلهتِكم -أيُّها المُشرِكونَ- مَن يَقدِرُ على فِعلِ شَيءٍ مِن ذلك؟ تنزَّه اللهُ وتقدَّسَ وتعالى عن شِركِ هؤلاءِ المُشرِكينَ !
ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ
ظَهَر نَقصُ الخَيراتِ، وفِقدانُ المنافِعِ ومَحقُ البَرَكاتِ، وكَثرةُ الشُّرورِ وحُدوثُ المضارِّ والآفاتِ: في بَرِّ الأرضِ وبَحرِها؛ بسَبَبِ وُقوعِ النَّاسِ في الشِّركِ والكُفرِ والظُّلمِ، وارتكابِهم الذُّنوبَ والمعاصِيَ، لعلَّهم يتوبونَ إليه، ويَترُكونَ الكُفرَ والفُسوقَ والعِصيانَ
قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلُ كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُشْرِكِينَ
قُلْ -يا مُحمَّدُ- للمُشرِكينَ مِن قَومِك: سافِروا في الأرضِ، فانظُروا كيف كانت نهايةُ الأُمَمِ مِن قَبلِكم، كان أكثَرُ الأُمَمِ الماضيةِ مُشرِكينَ، فعاقِبَتُهم كانت شَرَّ العواقِبِ؛ إذ أهلَكَهم اللهُ؛ فاحذَروا أن تَفعَلوا كأفعالِهم، فيُصيبَكم مِثلُ ما أصابَهم
فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ الْقَيِّمِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا مَرَدَّ لَهُ مِنَ اللَّهِ يَوْمَئِذٍ يَصَّدَّعُونَ
فانصِبْ قَصْدَك، وأقبِلْ بقَلبِك على دينِ الإسلامِ الَّذي جعَلَه اللهُ مُعتَدِلًا مُستقيمًا لا اعوِجاجَ فيه، وبادِرْ إلى العَمَلِ بأوامِرِه واجتِنابِ نواهيه مِن قَبلِ أن يأتيَ يومُ القيامةِ الَّذي لا يُمكِنُ ردُّ مَجيئِه، يومَ القيامةِ يتفَرَّقُ النَّاسُ فريقَينِ: فريقٌ في الجنَّةِ، وفريقٌ في النَّارِ
مَنْ كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ وَمَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِأَنْفُسِهِمْ يَمْهَدُونَ
مَن كفَرَ باللهِ فإنَّما وَبالُ كُفرِه واقِعٌ عليه، ولا يَضُرُّ بكُفرِه إلَّا نَفْسَه، ومَن عَمِلَ عَمَلًا صالحًا بإخلاصٍ لله تعالى ومُتابعةٍ لِشَرعِه، فإنَّما يُهَيِّئونَ لأنفُسِهم النَّجاةَ مِنَ النَّارِ، والفَوزَ بالجنَّةِ
لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ
لِيَجزيَ اللهُ الَّذين آمَنوا وعَمِلوا الأعمالَ الصَّالحةَ ثوابًا حَسَنًا كريمًا مِن فَضْلِه، إنَّ اللهَ لا يُحِبُّ الكافِرينَ به؛ بسَبَبِ كُفرِهم، وهو مُعاقِبُهم سُبحانَه بعَدلِه
وَمِنْ آَيَاتِهِ أَنْ يُرْسِلَ الرِّيَاحَ مُبَشِّرَاتٍ وَلِيُذِيقَكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ وَلِتَجْرِيَ الْفُلْكُ بِأَمْرِهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ
ومِن العَلاماتِ الدَّالَّةِ على وحدانيَّةِ اللهِ تعالى، وعِلمِه ورَحمتِه، وحِكمتِه وكَمالِ قُدرتِه، وغَيرِ ذلك: أنْ يُرسِلَ الرِّياحَ مُبَشِّراتٍ لكم بحُصولِ ما فيه نَفعُكم، مِن نُزولِ المطَرِ أو غَيرِه، ولِيُصيبَكم ببَعضِ نِعَمِه، ولِتَسيرَ السُّفُنُ في البِحارِ عندَ هُبوبِها بأمرِ اللهِ لها، وتقديرِه وتَسخيرِه ذلك، ولِتَلتَمِسوا بالسَّيرِ في البَحرِ مِن رِزقِ اللهِ، ولعلَّكم تَشكُرونَ رَبَّكم على تلك النِّعَمِ الإلهيَّةِ، فتَقومونَ بتَوحيدِه وطاعتِه سُبحانَه
وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ رُسُلًا إِلَى قَوْمِهِمْ فَجَاءُوهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَانْتَقَمْنَا مِنَ الَّذِينَ أَجْرَمُوا وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ
ولقدْ أرسَلْنا مِن قَبْلِك -يا محمَّدُ- رُسُلًا إلى قَومِهم الكافِرينَ، فجاؤوهم بالدَّلائِلِ الواضِحاتِ على صِدقِهم، فأهلَكْنا الَّذين كَفَروا وكَذَّبوا بآياتي ورُسُلي، ونجَّيْنا المؤمِنينَ باللهِ ورُسُلِه، وكان واجِبًا علينا أن ننصُرَ المؤمِنينَ
اللَّهُ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَابًا فَيَبْسُطُهُ فِي السَّمَاءِ كَيْفَ يَشَاءُ وَيَجْعَلُهُ كِسَفًا فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلَالِهِ فَإِذَا أَصَابَ بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ
اللهُ وَحْدَه الَّذي يُرسِلُ الرِّياحَ مَرَّةً بعدَ أخرى، فتُحرِّكُ سَحابًا مِن سُكونِه وتُسَيِّرُه، فيَمُدُّه اللهُ ويَنشُرُه في السَّماءِ على الهيئةِ والصِّفةِ الَّتي يَشاؤُها سُبحانَه بحِكمتِه، ويجعَلُ السَّحابَ قِطَعًا، فترى المطَرَ يَقطُرُ مِن بينِ السَّحابِ، فإذا أنزل اللهُ المطَرَ على مَن يَشاءُ مِن عِبادِه، تراهم يَفرَحونَ بنُزولِه
وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمُبْلِسِينَ
والحالُ أنَّهم قَبلَ نُزولِ المطَرِ عليهم كانوا حزينينَ يائِسينَ باحتِباسِه عنهم
فَانْظُرْ إِلَى آَثَارِ رَحْمَةِ اللَّهِ كَيْفَ يُحْيِي الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ ذَلِكَ لَمُحْيِي الْمَوْتَى وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ
فانظُرْ إلى آثارِ المطَرِ الَّذي رَحِمَ اللهُ به عِبادَه: كيف يُحيي به اللهُ الأرضَ اليابِسةَ، فيُنبِتُها بعدَ قُحوطِها وجُدوبِها؟ إنَّ اللهَ الَّذي أحيا الأرضَ المَيتةَ بالمطَرِ، لَمُحْيي الموتى في الآخِرةِ بقُدرتِه، واللهُ على كلِّ شَيءٍ قَديرٌ، لا يُعجِزُه شَيءٌ سُبحانَه
وَلَئِنْ أَرْسَلْنَا رِيحًا فَرَأَوْهُ مُصْفَرًّا لَظَلُّوا مِنْ بَعْدِهِ يَكْفُرُونَ
ولَئِنْ أرسَلْنا ريحًا مُفسِدةً للزَّرعِ، فرأى أصحابُ الزَّرعِ زَرعَهم قد فَسَد بالرِّيحِ فاصفَرَّ ويَبِسَ؛ لَظَلُّوا مِن بعدِ هذه الحالِ يَكفُرونَ برَبِّهم، فيَيئَسونَ مِن رَحمتِه، ويَجحَدونَ نِعَمَه سُبحانَه !
فَإِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى وَلَا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ إِذَا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ
فإنَّك -يا محمَّدُ- لا تَستطيعُ أن تُسمِعَ هؤلاء الكُفَّارَ الَّذين ماتت قُلوبُهم سَماعًا ينتَفِعونَ به، إنْ لم يُرِدِ اللهُ أن يَهديَهم، ولا تَقدِرُ -يا مُحمَّدُ- أن تُسمِعَ الكُفَّارَ الَّذين أصَمَّ اللهُ آذانَهم سَماعًا ينتَفِعونَ به حينَ تَدْعوهم إلى الحقِّ، وبالأولى إذا أعرَضوا عن سَماعِ الحَقِّ وتدَبُّرِه
وَمَا أَنْتَ بِهَادِي الْعُمْيِ عَنْ ضَلَالَتِهِمْ إِنْ تُسْمِعُ إِلَّا مَنْ يُؤْمِنُ بِآَيَاتِنَا فَهُمْ مُسْلِمُونَ
وما أنت -يا مُحمَّدُ- بهادِي الكُفَّارِ الَّذين أعمى اللهُ بصائِرَهم وقُلوبَهم عن الحَقِّ؛ فتَصرِفَهم عن ضَلالِهم وكُفرِهم، وتَرُدَّهم إلى الإيمانِ، ما تُسمِعُ -يا مُحمَّدُ- الحَقَّ سَماعَ انتِفاعٍ به إلَّا الَّذين يُؤمِنونَ بآياتِنا، فهم مُتذَلِّلونَ وخاضِعونَ لله، مُنقادونَ لطاعتِه سُبحانَه
اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفًا وَشَيْبَةً يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْقَدِيرُ
اللهُ الَّذي خلَقَكم -أيُّها النَّاسُ- وابتدأَ إنشاءَكم مِن ضَعفٍ، ثمَّ جَعَل اللهُ لكم قُوَّةً مِن بَعدِ ضَعفِكم، ثمَّ جَعَل اللهُ فيكم ضَعفًا مِن بَعدِ قُوَّتِكم، فتَهرَمونَ وتَشيبونَ، يَخلُقُ اللهُ ما يَشاءُ في عِبادِه مِن ضَعفٍ وقُوَّةٍ، ويتصَرَّفُ في خَلقِه بما يريدُ بحَسَبِ حِكمتِه سُبحانَه، واللهُ هو العَليمُ بكُلِّ شَيءٍ، وهو القادِرُ على كُلِّ شَيءٍ
وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُقْسِمُ الْمُجْرِمُونَ مَا لَبِثُوا غَيْرَ سَاعَةٍ كَذَلِكَ كَانُوا يُؤْفَكُونَ
ويومَ تأتي القيامةُ يُقسِمُ الكُفَّارُ بأنَّهم ما مَكَثوا مِن قَبْلُ في الدنيا والقبرِ غيرَ ساعةٍ واحِدةٍ، كما كذَّبَ الكُفَّارُ وصُرِفوا عن الحَقِّ في قَسَمِهم بأنَّهم ما لَبِثوا غيرَ ساعةٍ، كذلك كانوا يُكَذِّبونَ ويُصرَفونَ عن الحَقِّ والصَّوابِ في الدُّنيا أيضًا، فذاك خُلُقٌ قَبيحٌ تخَلَّقوا به، فصار لهم سَجِيَّةً وطَبعًا
وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَالْإِيمَانَ لَقَدْ لَبِثْتُمْ فِي كِتَابِ اللَّهِ إِلَى يَوْمِ الْبَعْثِ فَهَذَا يَوْمُ الْبَعْثِ وَلَكِنَّكُمْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ
وقال أهلُ العِلمِ المُؤمِنونَ باللهِ لأولئك الكُفَّارِ الكاذِبينَ: واللهِ لقد مكَثْتُم الوَقتَ الَّذي قدَّرَه اللهُ لكم وكَتَبه في اللَّوحِ المحفوظِ إلى يومِ بَعثِكم، ولم تَلبَثوا ساعةً كما زعَمْتُم، فهذا هو يومُ القيامةِ الَّذي يَبعَثُ اللهُ فيه النَّاسَ مِن قُبورِهم، ولكِنَّكم كنتُم في الدُّنيا -أيُّها الكُفَّارُ- لا تَعلَمونَ أنَّكم تُبعَثونَ بعدَ مَوتِكم، بل كان دَأْبُكم الإنكارَ والتَّكذيبَ بذلك
فَيَوْمَئِذٍ لَا يَنْفَعُ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَعْذِرَتُهُمْ وَلَا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ
فيومَ القيامةِ لا يَنفَعُ المكَذِّبينَ بالبَعثِ اعتِذارُهم، ولا يُطلَبُ يومَ القيامةِ مِن الظَّالِمينَ أن يَرجِعوا إلى ما يُرضي اللهَ -عزَّ وجَلَّ- بالتَّوبةِ والإيمانِ والطَّاعةِ، حتَّى تُزالَ عنهم المُعاتَبةُ والمُؤاخَذةُ
وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآَنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ وَلَئِنْ جِئْتَهُمْ بِآَيَةٍ لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا مُبْطِلُونَ
ولقَدْ ذكَرْنا للنَّاسِ في هذا القُرآنِ كُلَّ مَثَلٍ تتبيَّنُ به الحقائِقُ، وتنقَطِعُ به الحُجَّةُ، ولَئِنْ جِئتَ الكُفَّارَ -يا محمَّدُ- بأيِّ علامةٍ ودَلالةٍ تُثبِتُ صِدقَك، لَيقولُنَّ: ما أنتُم -أيُّها الرَّسولُ والمُؤمِنونَ بك- إلَّا مُتَّبِعونَ للباطِلِ !
كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ
مِثْلَما خَتَمَ اللهُ على قُلوبِ أولئك الكُفَّارِ فلا يَفقَهونَ آياتِ اللهِ، يَختِمُ أيضًا على قُلوبِ غَيرِهم مِنَ الكُفَّارِ الذين انتفَى العلمُ عنهم، فلا يُؤمِنونَ بالحَقِّ أبدًا
فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلَا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لَا يُوقِنُونَ
فاصبِرْ -يا مُحمَّدُ- على دَعوةِ الكُفَّارِ وتَعَنُّتِهم وعِنادِهم؛ فإنَّ ما وعَدَ اللهُ به مِن نَصرِ المؤمِنينَ، وإهلاكِ الكافِرينَ في الدُّنيا والآخرةِ: آتٍ لا مَحالةَ، ولا يحملنَّك الَّذين لا يُوقِنونَ بوَعدِ اللهِ، على الطَّيشِ وعدَمِ الصَّبرِ على اتِّباعِ الحقِّ وتَبليغِه
لقمان
الم
هذه الحروفُ المقطَّعةُ الَّتي افتُتِحَت بها هذه السُّورةُ وغيرُها، تأتي لبيانِ إعجازِ القرآنِ؛ حيث تُظهِرُ عجْزَ الخَلْقِ عن مُعارَضتِه بمِثلِه، مع أنَّه مرَكَّبٌ مِن هذه الحروفِ العربيَّةِ الَّتي يَتحدَّثونَ بها
تِلْكَ آَيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ
تلك الآياتُ العاليةُ الرُّتبةِ، العَظيمةُ الشَّأنِ: آياتُ الكتابِ المُشتَمِلِ على الحِكمةِ، المحكَمِ في ألفاظِه ومعانيه، فلا نَقصَ فيه، ولا تناقُضَ، ولا خلَلَ
هُدًى وَرَحْمَةً لِلْمُحْسِنِينَ
تلك آياتُ الكتابِ حالَ كَونِها هُدًى مِن كُلِّ ضَلالةٍ، ورَحمةً في الدُّنيا والآخرةِ للمُحسِنينَ في عبادةِ اللهِ، المُحسِنينَ إلى عبادِ اللهِ
الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ بِالْآَخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ
أولئك المُحسِنونَ هم الَّذين يُؤَدُّونَ الصَّلَواتِ تامَّةً مُستقيمةً على الوجهِ الَّذي شرَعَه اللهُ تعالى، ويؤدُّونَ زكاةَ أموالِهم لأهلِها المُستَحِقِّينَ لها، كما فرَضَ اللهُ تعالى، وهم يُؤمِنونَ إيمانًا جازِمًا لا شكَّ فيه بالآخِرةِ، وما يكونُ فيها
أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ
أولئك المتَّصِفونَ بتلك الصِّفاتِ: على هُدًى حاصِلٍ لهم مِن رَبِّهم، وأولئك هم الفائِزونَ في الدُّنيا والآخِرةِ
وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّخِذَهَا هُزُوًا أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ
ومِنَ النَّاسِ مَن يَشتري الحديثَ الباطِلَ المُلْهيَ للقُلوِب؛ لِيَصُدَّ عن اتِّباعِ الهُدى والحَقِّ بلا عِلمٍ، ولِيَستهزِئَ بسَبيلِ اللهِ، ويَسخَرَ منها، أولئك لهم عذابٌ يُخزيهم، ويُهينُهم، ويُذِلُّهم
وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آَيَاتُنَا وَلَّى مُسْتَكْبِرًا كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْهَا كَأَنَّ فِي أُذُنَيْهِ وَقْرًا فَبَشِّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ
وإذا تُتلَى عليه آياتُ القُرآنِ؛ لِيُؤمِنَ بها، ويَنقادَ إليها، أعرَضَ عنها وهو شَديدُ التَّكَبُّرِ عن قَبولِها، فلم تَدخُلْ قَلْبَه ولا انتفَعَ بها، بل أدبَرَ عنها، كأنَّه لا يَسمَعُها !كأنَّ في أُذُنَيه صَمَمًا وثِقلًا يمنَعُه مِن سَماعِها !فبَشِّرْه بعَذابٍ مُؤلِمٍ مُوجِعٍ
إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ جَنَّاتُ النَّعِيمِ
إنَّ الَّذين آمَنوا بكُلِّ ما وجَبَ عليهم الإيمانُ به، وعَمِلوا الأعمالَ الصَّالحةَ بإخلاصٍ لله تعالى، ومُتابَعةٍ لِشَرعِه: لهم في الآخرةِ جَنَّاتٌ يتنعَّمونَ فيها بأنواعِ النَّعيمِ
خَالِدِينَ فِيهَا وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ
ماكِثينَ فيها أبدًا، وَعَدهم اللهُ هذا وعْدًا حَقًّا، لا يُمكِنُ أن يَتخَلَّفَ وُقوعُه، واللهُ هو الَّذي له كَمالُ العِزَّةِ؛ فقَهَر وغلَبَ كُلَّ شَيءٍ، ودانَ له كُلُّ شَيءٍ، ومِن عِزَّتِه أنَّه لا يمنَعُه شَيءٌ مِن تنفيذِ وَعدِه ووعيدِه، وله كَمالُ الحِكمةِ والإحكامِ في أقوالِه وأفعالِه، ومِن عِزَّتِه وحِكمتِه أنَّه وَفَّق مَن وَفَّق مِن عبادِه، وخَذَل مَن خَذَل منهم
خَلَقَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا وَأَلْقَى فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ
خلَقَ اللهُ السَّمَواتِ السَّبْعَ مَرفوعةً بلا أعمِدةٍ، كما تَرَونَها، وجعَلَ في الأرضِ جِبالًا ثابتةً؛ لِئَلَّا تَتمايَلَ الأرضُ، وتَضطَرِبَ بكم، وفرَّق اللهُ في الأرضِ ونشَرَ مِن كُلِّ أنواعِ الدَّوابِّ، وأنزَلْنا مِنَ السَّماءِ مَطرًا، فأنبَتْنا بسَبَبِه مِن كُلِّ أصنافِ النَّباتاتِ الحَسَنةِ المنظَرِ، الكثيرةِ المنافِعِ
هَذَا خَلْقُ اللَّهِ فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ بَلِ الظَّالِمُونَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ
هذا الَّذي تقَدَّمَ ذِكرُه مِن خَلقِ السَّمواتِ والأرضِ وما بيْنَهما هو خَلْقُ اللهِ وَحْدَه؛ فأرُوني -أيُّها المُشرِكونَ- أيَّ شَيءٍ خَلَق الَّذين تَعبُدونَهم مِن دونِ اللهِ حتَّى استحَقُّوا تلك العبادةَ منكم؟! بل المُشرِكونَ في ذَهابٍ عن الحَقِّ واضِحٍ ظاهِرٍ !
وَلَقَدْ آَتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ أَنِ اشْكُرْ لِلَّهِ وَمَنْ يَشْكُرْ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ
ولقدْ آتَيْنا لُقمانَ الفَهمَ والعِلمَ والفِقهَ في الدِّينِ، والإصابةَ في القَولِ والعَمَلِ؛ وأمَرْناه أنْ يشكُرَ للهِ، ومَن يَشكُرِ اللهَ على نِعَمِه، فإنَّما يَعودُ نَفْعُ ذلك وثَوابُه إليه لا إلى اللهِ سُبحانَه، ومَن كَفَر نِعَمَ اللهِ عليه، فإنَّما يَرجِعُ ضَرَرُ كُفرِه ووَبالُه عليه؛ فاللهُ غَنيٌّ عن شُكرِ العبادِ، وهو مَحمودٌ في ذاتِه وأسمائِه وصِفاتِه وأفعالِه على كُلِّ حالٍ، وهو حامِدٌ لِمَن يَشكُرُه سُبحانَه
وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يَا بُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ
واذكُرْ إذ أوصَى لُقمانُ ابنَه فقال: يا بُنَيَّ لا تُشرِكْ باللهِ شَيئًا، إنَّ الشِّركَ باللهِ خَطأٌ وذَنْبٌ عَظيمٌ؛ فالمُشرِكُ يَظلِمُ نفْسَه بصَرفِ العِبادةِ إلى مَن لا يَستَحِقُّها!
وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ
وعَهِدْنا إلى الإنسانِ وأمَرْناه ببِرِّ والِدَيه، والإحسانِ إليهما، حمَلَت الأمُّ ولَدَها في بَطنِها، وهي تَزدادُ ضَعفًا على ضَعفٍ، وِثقلًا وشِدَّةٍ، إلى أن تضَعَه بمشَقَّةٍ وألمٍ، وفِطامُ الولَدِ في عامَينِ مِن ولادتِه، تُعاني فيهما الأمُّ مَشقَّةَ رَضاعِه، والقيامِ على شُؤونِه، ووصَّيْنا الإنسانَ أنِ اشكُرِ اللهَ على إنعامِه عليك، وذلك بالقيامِ بعُبوديَّتِه وطاعتِه وَحْدَه، واشكُرْ والِدَيك على ما تحمَّلاه وبَذَلاه مِن أجْلِك؛ فأطِعْهما، وأحسِنْ إليهما، إلَيَّ لا إلى غَيري مَرجِعُك -أيُّها الإنسانُ- فأسألُك عن شُكري، وشُكرِ والِدَيك، وأُجازيك على عَمَلِك
وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ
وإن اجتَهَد والِداك المُشرِكانِ -أيُّها المسلِمُ- وحَرَصا كُلَّ الحِرصِ على أن تجعَلَ لي شَريكًا، لا بُرهانَ على صِحَّةِ ألوهيَّتِه؛ فلا تُطِعْهما فيما يأمُرانِك به مِنَ الشِّركِ، وصاحِبْهما في الدُّنيا مُصاحَبةً حَسَنةً؛ بالإحسانِ إليهما، والطَّاعةِ لهما فيما لا إثمَ فيه عليك، واسلُكْ طَريقَ الَّذين أقبَلوا علَيَّ، ورَجَعوا وتابوا إلَيَّ، واقتَدِ بهم، ثمَّ إلَيَّ مَصيرُكم جميعًا -أيُّها النَّاسُ- فأُنَبِّئُكم بجَميعِ أعمالِكم: خَيرِها وشَرِّها
يَا بُنَيَّ إِنَّهَا إِنْ تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّمَاوَاتِ أَوْ فِي الْأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ
قال لُقمانُ لابنِه: يا بُنَيَّ، لو كان العملُ مِن خيرٍ أو شرٍّ زِنةَ حبَّةٍ مِن خَردلٍ، فكان في صَخرةٍ أو في جِهةٍ ما في السَّمواتِ أو في الأرضِ؛ فإنَّ اللهَ يأتي به يومَ القيامةِ، ويحاسِبُ عليه، ويُوَفِّي جَزاءَه، إنَّ اللهَ يَعلَمُ دقائِقَ الأشياءِ، ويَسلُكُ في إيصالِها لبُلوغِ أمرٍ يُريدُه مَسلَكَ الرِّفقِ، بالوُجوهِ الخَفيَّةِ الغامِضةِ، وهو بالِغُ العِلمِ بخَفايا الأمورِ وبواطِنِها؛ فلا يخفى عليه شَيءٌ سُبحانَه
يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلَاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ
يا بُنَيَّ، أدِّ الصَّلاةَ تامَّةً مُستقيمةً، كما أمَرَ الله تعالى، وأْمُرِ النَّاسَ بتَوحيدِ اللهِ وطاعتِه، واتِّباعِ شَرْعِه، وانْهَ النَّاسَ عن الشِّركِ باللهِ ومَعصِيَتِه، وتحمَّلْ ما أصابَك مِن بلاءٍ وأذًى، إنَّ ذلك مِن الأمورِ الَّتي أوجبَها اللهُ تعالى على عِبادِه، وتحتاجُ إلى حَزمٍ وعَزمٍ للقيامِ بها
وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ
ولا تُمِلْ خَدَّك، وتُعرِضْ بوَجهِك عن النَّاسِ؛ تكَبُّرًا عليهم، وتهاوُنًا واستِحقارًا لشَأنِهم، ولا تَمشِ في الأرضِ فَرِحًا مُتبَختِرًا، إنَّ اللهَ لا يُحِبُّ كُلَّ مُتكَبِّرٍ، مَزهُوٍّ، مُعجَبٍ بنَفْسِه، شديدِ الفَخرِ على النَّاسِ بما أُعطِيَ مِن النِّعَمِ
وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ
وتوسَّطْ، واعتَدِلْ في مِشيَتِك بلا تكَبُّرٍ ولا استِعجالٍ، بل امشِ بسَكينةٍ ووَقارٍ وتواضُعٍ، بلا سُرعةٍ ولا تباطُؤٍ، واخفِضْ مِن صَوتِك، فلا ترفَعْه مِن غيرِ حاجةٍ، إنَّ أقبَحَ الأصواتِ وأشنَعَها لَصَوتُ الحَميرِ إذا رفَعَت صَوتَها بالنَّهيقِ !
أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلَا هُدًى وَلَا كِتَابٍ مُنِيرٍ
ألم تَرَوا -أيُّها النَّاسُ- أنَّ اللهَ وَحْدَه هو مَنْ ذلَّل مِن أجْلِكم ما في السَّمواتِ مِن شَمسٍ وقَمَرٍ ونُجومٍ وسَحابٍ ورياحٍ وغَيرِها، وما في الأرضِ مِن حَيواناتٍ وبناتاتٍ وأنهارٍ وبحارٍ ومعادِنَ، وغيرِ ذلك، وأتَمَّ عليكم نِعَمَه الكثيرةَ الوافيةَ، وأوسعَكم وغَمَرَكم بها، ظاهِرةً كانت أو باطِنةً، ولكِنْ مع ذلك، فثَمَّةَ مَن يُخاصِمُ في اللهِ من الناسِ؛ كأن يخاصِمَ في وُجودهِ، أو توحيدِه، أو أسمائِه وصِفاتِه، أو دِينِه وأحكامِه وشَرْعِه، بلا عِلمٍ عِندَه، وبغَيرِ هُدًى، وبلا كِتابٍ مُبِينٍ للحَقِّ يُبَيِّنُ صِحَّةَ دَعواه
وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آَبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ الشَّيْطَانُ يَدْعُوهُمْ إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ
وإذا قيل لأولئك المجادِلينَ في اللهِ: اتَّبِعوا ما أنزَلَ اللهُ على رَسولِه، قالوا مُعارِضينَ: لن نتَّبِعَ ذلك، وإنَّما نتَّبِعُ ما وجَدْنا عليه آباءَنا مِنَ الدِّينِ، ونقَلِّدُهم فيه؛ فإنَّهم كانوا على الحَقِّ !أيتَّبِعونَ آباءَهم الضَّالِّينَ حتَّى لو كان الشَّيطانُ: يَدعوهم بتَزيينِه الباطِلَ لهم إلى أن يُعذَّبوا في النَّارِ الَّتي تَستَعِرُ وتلتَهِبُ؟! فهل هذا مُوجِبٌ لاتِّباعِهم، أم أنَّ ذلك مُحَذِّرٌ مِن سُلوكِ سَبيلِهم؟!
وَمَنْ يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى وَإِلَى اللَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ
ومَن يُخلِصْ عَمَلَه وقَصْدَه لله وحْدَه، وهو مع إخلاصِه مُطيعٌ لله في أمْرِه ونَهْيِه كأنَّه يَراه، ومُتَّبِعٌ لشَريعةِ نبيِّه، ومُحسِنٌ إلى خَلْقِه: فقد تَمسَّك بأَوثَقِ رِباطٍ يَتمسَّكُ به مَن يريدُ الفَوزَ والنَّجاةَ مِنَ الضَّلالِ والعَذابِ، وإلى الله وَحْدَه تَرجِعُ نهايةُ كُلِّ أمرٍ
وَمَنْ كَفَرَ فَلَا يَحْزُنْكَ كُفْرُهُ إِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ فَنُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ
ومَن كَفَر باللهِ وبما جاءَه مِنَ الحَقِّ، فلا يَحزُنْك -يا محمَّدُ- كُفرُه، إلينا وَحْدَنا مرجعُهم، فنُخبِرُهم يومَ القيامةِ بما عَمِلوه في الدُّنيا مِنَ الكُفرِ والمعاصي، ونُجازيهم عليه، إنَّ اللهَ عَليمٌ بما تُخفي صُدورُهم مِنَ العَقائدِ الباطِلةِ، والإراداتِ السَّيِّئةِ
نُمَتِّعُهُمْ قَلِيلًا ثُمَّ نَضْطَرُّهُمْ إِلَى عَذَابٍ غَلِيظٍ
نمتِّعُ هؤلاء الكافِرينَ في الدُّنيا تمتيعًا قَليلًا، ثمَّ نُورِدُهم على كُرهٍ منهم إلى عذابٍ شَديدٍ ثَقيلٍ، ونُلجِئُهم إليه
وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ
ولَئِنْ سألْتَ -يا محمَّدُ- هؤلاء الكافِرينَ: مَنِ الَّذي خلَقَ السَّمَواتِ والأرضَ؟ لَيَقولُنَّ: اللهُ، قُلْ لهم: الحَمدُ لله الَّذي أظهَرَ الحُجَّةَ، وأقامها عليكم باعتِرافِكم، بل أكثَرُهم لا يَعلَمونَ استِحقاقَ اللهِ تعالى للحَمدِ، وأنَّ الخالِقَ هو المُستَحِقُّ للعبادةِ وَحْدَه
لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ
لله وَحْدَه جَميعُ ما في السَّمَواتِ والأرضِ، فهو خالِقُ كُلِّ شَيءٍ ومالِكُه ومُدَبِّرُه، إنَّ الله هو الغنيُّ عمَّا سِواه، المحمودُ في ذاتِه وصفاتِه وأفعالِه، وعلى نِعَمِه، وتدبيرِ خَلْقِه
وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ
ولو فُرِضَ أنَّ كُلَّ أشجارِ الأرضِ بُرِيتْ أقلامًا، وصار البَحرُ لها مِدادًا، ويَمُدُّ البَحرَ إذا نَشِفَ سَبعةُ أبحُرٍ؛ لِيُكتَبَ كلامُ اللهِ بتلك الأقلامِ والمِدادِ؛ لانتَهَت تلك الأقلامُ، وفَنيَ ذلك المِدادُ، ولم تَنفَدْ كَلِماتُ اللهِ سُبحانَه وتعالى! إنَّ اللهَ غالِبٌ وقاهِرٌ لكُلِّ شَيءٍ، فلا مانِعَ لِما أراد، ولا رادَّ لحُكمِه، حَكيمٌ في أفعالِه وأقوالِه وشَرْعِه، وفي تدبيرِ عِبادِه
مَا خَلْقُكُمْ وَلَا بَعْثُكُمْ إِلَّا كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ
ما خَلْقُكم أوَّلَ مَرَّةٍ ولا بَعثُكم يومَ القيامةِ إلَّا كخَلْقِ نَفْسٍ واحِدةٍ، وبَعثِ نفْسٍ واحدةٍ؛ لكَمالِ قُدرةِ اللهِ تعالى، إنَّ اللهَ يَسمَعُ جَميعَ المَسموعاتِ، ومِن ذلك سَمعُه لِما يقولُ المُشرِكونَ ويَفتَرونَه على رَبِّهم، وهو مُبصِرٌ لجَميعِ المبصَراتِ، ومِن ذلك إبصارُه ما يَعمَلُه المُشرِكونَ وغَيرُهم، وهو مُجازيهم على ذلك
أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى وَأَنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ
ألمْ تَرَ -يا مُحمَّدُ - أنَّ اللهَ يُدخِلُ اللَّيلَ في النَّهارِ، ويُدخِلُ النَّهارَ في اللَّيلِ؟ وذلَّل الشَّمسَ والقَمَرَ يَجريانِ؛ تَحقيقًا لمصالحِ العِبادِ ومَنافِعِهم في دينِهم ودُنياهم، كُلٌّ مِنَ الشَّمسِ والقَمَرِ يَجريانِ في السَّماءِ إلى وقتٍ محدَّدٍ مَعلومٍ، وأنَّ اللهَ بما تَعمَلونَ مِن خَيرٍ أو شَرٍّ: ذو خِبرةٍ، فلا يخفَى عليه شَيءٌ مِن أعمالِكم، وهو مُجازيكم عليها
ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الْبَاطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ
ذلك الَّذي بيَّن الله لكم ممَّا تقدَّم ذِكرُه: إنَّما فَعَله بسَبَبِ أنَّه الإلهُ الحَقُّ القادِرُ على ذلك، الَّذي يَستَحِقُّ العبادةَ وحْدَه دونَ ما سِواه، وأنَّ ما يَدعوه المُشرِكونَ مِن دونِ اللهِ مِنَ الأصنامِ وغَيرِها: هو الباطِلُ الَّذي يَضمَحِلُّ فلا يبقَى، ولا تنفَعُ عِبادتُه، وأنَّ اللهَ هو العَلِيُّ على كُلِّ شَيءٍ بذاتِه وصِفاتِه، الكبيرُ في ذاتِه وصفاتِه
أَلَمْ تَرَ أَنَّ الْفُلْكَ تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِنِعْمَةِ اللَّهِ لِيُرِيَكُمْ مِنْ آَيَاتِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ
ألم تَرَ -يا محمَّدُ- أنَّ السُّفُنَ تَجري في البَحرِ بلُطفِ اللهِ وتَسخيِرهِ؛ نعمةً منه على عِبادِه، لِيُريَكم بعضَ آياتِه، فتَستَدِلُّوا بها على وُجودِه ووَحدانيَّتِه، وعِلمِه وقُدرتِه، وغيرِ ذلك، إنَّ فيما ذُكِر لَعَلاماتٍ ودَلالاتٍ واضِحاتٍ على ما لَه سُبحانَه مِن صِفاتِ الكَمالِ، يَستَدِلُّ بها كُلُّ كثيرِ الصَّبرِ على طاعةِ اللهِ، وعلى أقدارِه المؤلِمةِ، وعن معاصيه؛ وكُلُّ كثيرِ الشُّكرِ للهِ على نِعَمِه
وَإِذَا غَشِيَهُمْ مَوْجٌ كَالظُّلَلِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ فَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمَا يَجْحَدُ بِآَيَاتِنَا إِلَّا كُلُّ خَتَّارٍ كَفُورٍ
وإذا علا المُشرِكينَ عندَ رُكوبِهم البَحرَ مَوجٌ يُغَطِّيهم، كالجِبالِ أو الغَمامِ الَّذي يُظِلُّ مَن تحتَه، فخافوُا الغَرَقَ والهلاكَ: دَعَوُا اللهَ وَحْدَه أن يُنَجِّيَهم، ولم يَستَغيثوا بغَيرِه، فلمَّا نجَّاهم اللهُ مِنَ الغَرَقِ، وأوصَلَهم إلى البَرِّ، فمنهم عَدْلٌ مُوفٍ في البَرِّ بما عاهَدَ الله عليه في البحرِ مِنَ التَّوحيدِ والإخلاصِ، ومنهم كافرٌ، وما يَكفُرُ بأدِلَّتِنا وحُجَجِنا، ويُكَذِّبُ بها ويُنكِرُها إلَّا كلُّ غدَّارٍ شَديدِ الغَدرِ بعَهدِه، جَحودٍ عَظيمِ الجَحدِ لنِعَمِ رَبِّه
يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ وَاخْشَوْا يَوْمًا لَا يَجْزِي وَالِدٌ عَنْ وَلَدِهِ وَلَا مَوْلُودٌ هُوَ جَازٍ عَنْ وَالِدِهِ شَيْئًا إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ
يا أيُّها النَّاسُ اجعَلوا بيْنَكم وبينَ سَخَطِ اللهِ وعَذابِه وِقايةً؛ بفِعلِ أوامِرِه، واجتِنابِ نواهيه، واخشَوا يَومَ القيامةِ الَّذي لا يُغْني فيه والِدٌ عن وَلَدِه، ولا مولودٌ يُغْني فيه عن والِدِه شَيئًا، إنَّ ما وعَدَ اللهُ عِبادَه مِن البَعثِ يومَ القيامةِ واقِعٌ لا محالةَ، فلا تَخدَعنَّكم الحياةُ الدُّنيا بزينتِها ولَذَّاتِها عن التَّزَوُّدِ والاستِعدادِ للآخِرةِ، ولا يَخدَعَنَّكم الشَّيطانُ فيَصرِفَكم عن طاعةِ اللهِ، ويَغُرَّكم بحِلمِ اللهِ وإمهالِه، ويُمَنِّيَكم بالأمانيِّ الباطِلةِ
إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ
إنَّ اللهَ وَحْدَه عِندَه عِلمُ وَقتِ القيامةِ، الَّذي تقومُ فيه، ويُنَزِّلُ وَحْدَه المطَرَ بقُدرتِه، في الوقتِ الذي قدَّره، ويَعلَمُ وَحْدَه ما في أرحامِ الأمَّهاتِ مِمَّا يُريدُ أن يَخلُقَه فيها، ولا تدري نفْسٌ ما الَّذي ستَكسِبُه في يومِ غَدٍ مِن كسْبِ دينِها ودُنياها؛ فاللهُ وَحْدَه يَعلَمُ ذلك، ولا تَدري نَفْسٌ في أيِّ أرضٍ يكونُ مَوتُها؛ فاللهُ وَحْدَه مَن يختَصُّ بعِلمِ ذلك، إنَّ اللهَ ذو علمٍ بكلِّ شيءٍ، مُحيطٌ بالظَّواهِرِ والبواطِنِ، والخفايا والسَّرائِرِ، لا يخفَى عليه شَيءٌ سُبحانَه
السجدة
الم
هذه الحروفُ المقطَّعةُ الَّتي افتُتِحَت بها هذه السُّورةُ وغيرُها، تأتي لبيانِ إعجازِ القرآنِ؛ حيث تُظهِرُ عجْزَ الخَلْقِ عن مُعارَضتِه بمِثلِه، مع أنَّه مرَكَّبٌ مِن هذه الحروفِ العربيَّةِ الَّتي يَتحدَّثونَ بها
تَنْزِيلُ الْكِتَابِ لَا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ
هذا القُرآنُ لا شكَّ أنَّه نَزَل مِن عندِ اللهِ الخالِقِ المالِكِ المدَبِّرِ لجَميعِ العالَمينَ
أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ بَلْ هُوَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أَتَاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ
بل أيَقولُ المُشرِكونَ: اختلَقَ مُحمَّدٌ القُرآنَ مِن تِلْقاءِ نَفْسِه، ونَسَبَه إلى اللهِ كَذِبًا؟! ليس الأمرُ كما يَقولونَ؛ فالقُرآنُ هو الصِّدقُ الثَّابِتُ المنَزَّلُ إليك مِن عندِ رَبِّك يا مُحمَّدُ لِتُنذِرَ بالقُرآنِ وتُحَذِّرَ به قَومًا لم يأتِهم رَسولٌ يُنذِرُهم مِن قَبْلِك لعلَّهم يَعرِفونَ الحَقَّ ويُؤمِنونَ به ويتَّبِعونَه
اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ مَا لَكُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا شَفِيعٍ أَفَلَا تَتَذَكَّرُونَ
الله هو الَّذي أوجَدَ السَّمواتِ السَّبْعَ والأرَضِينَ وما بيْنَهما مِنَ الخَلقِ في سِتَّةِ أيَّامٍ، ثمَّ علا وارتفَع على عَرشِه كما يَليقُ بجَلالِه سُبحانَه، ليس لكم ممَّن سِوَى اللهِ وَلِيٌّ يتوَلَّى أمْرَكم، ولا شَفيعٌ يَشفَعُ لكم عندَ رَبِّكم، أفلا تَتذَكَّرونَ ما تَعلَمونَه مِن أنَّه الخالِقُ وحْدَه، الَّذي استوى على عَرشِه، ومِن أنَّه لا حُجَّةَ لِشَيءٍ ممَّا أشرَكتُموه به؟! فهو الَّذي انفردَ بتَدبيرِكم وتَولِّيكم، وله الشَّفاعةُ كُلُّها، وهو المُستَحِقُّ للعبادةِ وَحْدَه
يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ
يُدَبِّرُ اللهُ أمرَ خَلْقِه بما يَشاءُ، فيَنزِلُ تَقديرُه وقَضاؤُه مِنَ السَّماءِ إلى الأرضِ، ثمَّ يَصعَدُ إليه مِنَ الأرضِ إلى السَّماءِ في يومٍ كان مِقدارُه ألْفَ سَنَةٍ مِمَّا تَحسُبونَ مِن أيَّامِكم في الدُّنيا
ذَلِكَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ
ذلك الإلهُ العَظيمُ الشَّأنِ، العالي القَدْرِ، الَّذي فَعَل ما وُصِفَ في الآياتِ السَّابقةِ: هو العالِمُ بكُلِّ ما غاب عن خَلْقِه، وبكُلِّ ما هو مُشاهَدٌ أو مُدرَكٌ مِن خَلْقِه، العَظيمُ القَدْرِ، الممتَنِعُ عليه كُلُّ عَيبٍ ونَقصٍ، الغالِبُ القاهِرُ، الشَّديدُ المنتَقِمُ مِن أعدائِه، الرَّحيمُ بعبادِه
الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنْسَانِ مِنْ طِينٍ
الَّذي أتقَنَ خَلْقَ كلِّ شَيءٍ، وأحكَمَه وَفْقَ ما يَليقُ به، ويُناسِبُ المقصودَ مِن خَلْقِه، وخلَق آدَمَ أبا البَشَرِ مِن طينٍ
ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ
ثمَّ جعَلَ اللهُ تعالى ذُرِّيَّةَ آدَمَ مُستَخلَصةً مِن مَنِيٍّ ضَعيفٍ رَقيقٍ
ثُمَّ سَوَّاهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ
ثمَّ جعَلَه اللهُ خَلْقًا مُستَوِيًا مُستَقيمًا مُعتَدِلًا، وجعَلَ فيه الرُّوحَ؛ فصار حَيًّا، وأنعَمَ اللهُ عليكم -أيُّها النَّاسُ- بالسَّمعِ؛ لِتَسمَعوا الأصواتَ، وبالأبصارِ لِتُبصِروا المرئيَّاتِ، وبالأفئِدةِ لِتُدرِكوا بها المعقولاتِ، ثمَّ أنتم -معَ ما أنعَمَ اللهُ به عليكم- قليلًا ما تَشكُرونَ !
وَقَالُوا أَئِذَا ضَلَلْنَا فِي الْأَرْضِ أَئِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ بَلْ هُمْ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ كَافِرُونَ
وقال المُشرِكونَ استِبعادًا للبَعثِ: أإذا ذَهَبَت في الأرضِ أجسادُنا، وتفَرَّقَت فيها لحومُنا وعِظامُنا، وغابت في التُّرابِ وصارت مِثلَه: أنَعودُ أحياءً مِن بَعدِ تلك الحالِ؟! ليس الأمرُ كما ذَكَروا؛ فهؤلاء المُشرِكونَ لا يَجحَدونَ قُدرةَ اللهِ على كلِّ شيءٍ، ولكِنَّهم يَجحَدونَ لِقاءَ رَبِّهم للحِسابِ والجَزاءِ !
قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ
قُلْ -يا مُحمَّدُ- لهؤلاءِ المُشرِكينَ: يقَبضُ أرواحَكم ملَكُ الموتِ الَّذي وكَّلَه اللهُ بقَبضِها عند حضورِ آجالِكم، ثمَّ أنتم بعدَ مَوتِكم تُرَدُّونَ أحياءً يومَ القيامةِ إلى ربِّكم، فيُجازيكم على أعمالِكم
وَلَوْ تَرَى إِذِ الْمُجْرِمُونَ نَاكِسُو رُءُوسِهِمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ رَبَّنَا أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا فَارْجِعْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا إِنَّا مُوقِنُونَ
ولو ترى -يا مُحمَّدُ- حينَ يُطأطِئُ المُجرِمونَ رُؤوسَهم يومَ القيامةِ عندَ اللهِ تعالى؛ بسَبَبِ تَكذيبِهم وعِصيانِهم !يَقولونَ: يا رَبَّنا أبصَرْنا وسَمِعْنا ما كُنَّا نُنكِرُه أو نَشُكُّ فيه مِنَ الحَقِّ، فارجِعْنا إلى الدُّنيا؛ لِنَعمَلَ فيها عَمَلًا صالِحًا، إنَّا الآنَ مُوقِنونَ بالحَقِّ !
وَلَوْ شِئْنَا لَآَتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ
ولو شِئْنا لهَدَينا كُلَّ إنسانٍ في الدُّنيا إلى الحَقِّ، فوفَّقْناه للإيمانِ والعَمَلِ الصَّالحِ؛ فمَشيئةُ اللهِ تعالى صالحةٌ لذلك، ولكِنْ وجَبَ القَولُ منِّي، وثَبَت ثُبوتًا لا تغيُّرَ فيه: أنْ أمْلأَ جهنَّمَ مِن كُفَّارِ الجِنِّ والنَّاسِ، فأُعَذِّبَهم فيها جميعًا
فَذُوقُوا بِمَا نَسِيتُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا إِنَّا نَسِينَاكُمْ وَذُوقُوا عَذَابَ الْخُلْدِ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ
فذُوقوا العذابَ -أيُّها الكافِرونَ- بسَبَبِ نِسيانِكم يومَ القيامةِ وتَكذيبِكم به، وتَرْكِكم العمَلَ استِعدادًا لِلِقاءِ اللهِ تعالى فيه، إنَّا نَترُكُكم في العذابِ، وذوقوا عَذابًا تُخلَّدونَ فيه إلى الأبدِ؛ بسَبَبِ ما كُنتُم تَعملونَه في الدُّنيا مِنَ الكُفرِ والتَّكذيبِ والعِصيانِ
إِنَّمَا يُؤْمِنُ بِآَيَاتِنَا الَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِهَا خَرُّوا سُجَّدًا وَسَبَّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ
إنَّما يُؤمِنُ بآياتِ اللهِ الَّذين إذا ذُكِّروا بها هَوَوا إلى الأرضِ ساقِطينَ على وُجوهِهم سُجَّدًا؛ تَعظيمًا وخُضوعًا لرَبِّهم، وإقرارًا بعُبوديَّتِه سُبحانَه، ونزَّهوا اللهَ تعالى في سُجودِهم عن جَميعِ النَّقائِصِ والعُيوبِ، تنزيهًا مُتلبِّسًا بحَمدِه، وإثباتِ صِفاتِ كَمالِه، والحالُ أنَّهم لا يَستَكبِرونَ
تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ
تَرتَفِعُ وتَتباعَدُ جُنوبُ هؤلاءِ المؤمِنينَ مُتنَحِّيةً عن فُرُشِهم، فيَهجُرونَ النَّومَ لِمُناجاةِ اللهِ تعالى في اللَّيلِ؛ خَوفًا مِن غَضَبِه وسَخَطِه وعَذابِه، وطَمَعًا في رِضاهُ ورَحمتِه ومَغفِرتِه وثَوابِه، ومِمَّا رزَقَهم ربُّهم يُنفِقونَ في وجوهِ البرِّ
فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ
فلا يَعلَمُ أيُّ أحَدٍ ما أخفَى اللهُ لأولئكَ المؤمِنينَ مِنَ النَّعيمِ العَظيمِ في الجنَّةِ، مِمَّا تَقَرُّ به أعينُهم؛ ثَوابًا لهم على أعمالِهم الصَّالحةِ الَّتي كانوا يَعمَلونَها في الدُّنيا
أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِنًا كَمَنْ كَانَ فَاسِقًا لَا يَسْتَوُونَ
أفمَن كان مُؤمِنًا بآياتِ اللهِ متَّبِعًا لرُسُلِه، فهو مُؤمِنٌ بوَعدِه ووَعيدِه، طائعٌ له في أمْرِه ونَهْيِه: أيَكونُ في حُكمِ اللهِ كمَن كان كافِرًا مُكَذِّبًا، خارِجًا عن دائرةِ الإيمانِ وطاعةِ الرَّحمنِ؟! لا يَستوون عندَ اللهِ يومَ القيامةِ؛ فلِكُلٍّ جزاءٌ مُختَلِفٌ بحَسَبِ ما قدَّموه
أَمَّا الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ جَنَّاتُ الْمَأْوَى نُزُلًا بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ
أمَّا الَّذين آمَنوا بما وجَبَ عليهم الإيمانُ به، وعَمِلوا الأعمالَ الصَّالِحةَ بإخلاصٍ للهِ تعالى ومُتابَعةٍ لِشَرعِه: فلَهُم في الآخِرةِ جَنَّاتٌ يَأوُونَ إليها، فهم فيها مُقيمونَ، ومنها لا يَخرُجونَ، ضِيافةً كريمةً مُهَيَّأةً لهم؛ بسَبَبِ ما كانوا يَعمَلونَ في الدُّنيا
وَأَمَّا الَّذِينَ فَسَقُوا فَمَأْوَاهُمُ النَّارُ كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا أُعِيدُوا فِيهَا وَقِيلَ لَهُمْ ذُوقُوا عَذَابَ النَّارِ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ
وأمَّا الَّذين خَرَجوا عن الإيمانِ باللهِ وطاعتِه، فكَفَروا به وعَصَوه؛ فمَسْكَنُهم ومَقَرُّهم الَّذي يأوُونَ إليه، ويُقيمونَ في الآخرةِ فيه: هو النَّارُ، كلَّما أرادوا أن يَخرُجوا مِنَ النَّارِ أُعيدوا فيها مُكرَهينَ، ويُقال لهم: ذُوقوا عذابَ النَّارِ الَّذي كُنتُم في الدُّنيا تُكَذِّبونَ بوُقوعِه
وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذَابِ الْأَدْنَى دُونَ الْعَذَابِ الْأَكْبَرِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ
ولَنُصِيبَنَّ هؤلاء الفاسِقينَ المكَذِّبينَ مِن العذابِ الَّذي يكونُ قبلَ يومِ القيامةِ، دونَ العذابِ الأكبَرِ في الآخِرةِ لَعلَّهم يَتوبونَ إلى اللهِ مِن كُفرِهم وعِصيانِهم
وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآَيَاتِ رَبِّهِ ثُمَّ أَعْرَضَ عَنْهَا إِنَّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ مُنْتَقِمُونَ
ولا أحَدَ أظلَمُ مِمَّن ذُكِّرَ بآياتِ رَبِّه، ثمَّ أعرَضَ عنها مُستكبِرًا عن قَبولِها، والانقيادِ إليها، إنَّا سنَنتَقِمُ مِنَ الَّذين أعرَضوا، وكَفَروا، وكَذَّبوا، واكتَسَبوا السَّيِّئاتِ
وَلَقَدْ آَتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ فَلَا تَكُنْ فِي مِرْيَةٍ مِنْ لِقَائِهِ وَجَعَلْنَاهُ هُدًى لِبَنِي إِسْرَائِيلَ
ولقد آتَيْنا موسى التَّوراةَ، فلا تَكُنْ -يا محمَّدُ- في شَكٍّ وتردُّدٍ مِن لِقائِه، وجعَلْنا كِتابَ مُوسى مُرشِدًا ودَليلًا لبني إسرائيلَ إلى الحَقِّ
وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآَيَاتِنَا يُوقِنُونَ
وجعَلْنا مِن بني إسرائيلَ قادةً في الخيرِ، يَدُلُّونَ النَّاسَ، ويُرشِدونَهم إلى الحَقِّ بأمرِ اللهِ تعالى حينَ صَبَروا على طاعتِنا، وصَبَروا عن المعاصي وشَهَواتِ الدُّنيا، وتحمَّلوا مَصائِبَها، وكانوا يُوقِنونَ بآياتِ اللهِ بعِلمٍ ثابتٍ مُستَقِرٍّ
إِنَّ رَبَّكَ هُوَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ
إنَّ ربَّك -يا مُحمَّدُ- هو وَحْدَه مَنْ يحكُمُ يومَ القيامةِ بينَ جَميعِ خَلْقِه -ومنهم بنو إسرائيلَ- فيما كانوا في الدُّنيا يختَلِفونَ فيه مِن شَأنِ الدِّينِ، فيَجزي كلَّ مُحِقٍّ ومُبطِلٍ بما يَستَحِقُّه
أَوَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنَ الْقُرُونِ يَمْشُونَ فِي مَسَاكِنِهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ أَفَلَا يَسْمَعُونَ
أوَلَمْ يَتبيَّنْ للمُشرِكينَ إهلاكُنا كثيرًا مِنَ الأُمَمِ الماضيةِ قَبْلَهم، كعادٍ وثَمودَ وقَومِ لُوطٍ، وهم يَمشونَ في منازِلِهم فلا يَرَونَ فيها أحدًا منهم؟! إنَّ فيما حلَّ بأولئك بسَبَبِ ظُلمِهم وتَكذيبِهم: لَدَلالاتٍ وعِبَرًا وعِظاتٍ لِمُشرِكي قُرَيشٍ وغَيرِهم، أفلا يَسمَعونَ آياتِ اللهِ وأخبارَ الماضِينَ سَماعَ تدَبُّرٍ واتِّعاظٍ؛ فيَتوبوا ويَترُكوا الشِّركَ؛ كيلا يُصيبَهم مِثلُ ما أصاب مَنْ قَبْلَهم مِنَ الهَلاكِ؟!
أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَسُوقُ الْمَاءَ إِلَى الْأَرْضِ الْجُرُزِ فَنُخْرِجُ بِهِ زَرْعًا تَأْكُلُ مِنْهُ أَنْعَامُهُمْ وَأَنْفُسُهُمْ أَفَلَا يُبْصِرُونَ
أوَلَمْ يَرَ المُشرِكونَ المكَذِّبونَ بالبَعثِ أنَّا نَسوقُ بقُدرتِنا الماءَ -كماءِ المطَرِ والسَّيلِ- إلى الأرضِ اليابِسةِ الَّتي لا نَباتَ فيها؟! فنُخرِجُ بذلك الماءِ زَرعًا تأكُلُ منه مَواشيهم، وتتغَذَّى به أبدانُهم، أفلَا يَرَونَ كيفَ أحيا اللهُ الأرضَ بعدَ مَوتِها؛ فيَعلَموا بذلك قُدرةَ اللهِ تعالى على إحياءِ النَّاسِ بعدَ مَوتِهم؟!
وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْفَتْحُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ
ويَقولُ أولئك المُشرِكونَ: متى يَجيءُ هذا الحُكْمُ الَّذي يَفصِلُ اللهُ به بيْنَنا وبيْنَكم، فيُعَذِّبُنا ويَنصُرُكم علينا إنْ كُنتُم صادِقينَ -أيُّها الرَّسولُ والمؤمِنونَ- في أنَّنا مُعاقَبونَ على شِرْكِنا وتَكذيبِنا؟!
قُلْ يَوْمَ الْفَتْحِ لَا يَنْفَعُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِيمَانُهُمْ وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ
قُلْ -يا مُحمَّدُ-: يومَ الحُكمِ ومَجيءِ العَذابِ الَّذي تَسألونَ عنه لا تَستفيدون شَيئًا؛ فإنَّه إذا جاء انقَضَى الأمرُ، وحِينَها لا يَنفَعُ الكُفَّارَ إيمانُهم! ولا يُمهَلونَ فيُؤخَّرَ عنهم العذابُ؛ ليتُوبوا
فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَانْتَظِرْ إِنَّهُمْ مُنْتَظِرُونَ
فأعرِضْ -يا مُحمَّدُ- عن هؤلاء المُشرِكينَ الَّذين يَستَعجِلونَك بالعَذابِ، وانتَظِرْ حتَّى يُنزِلَ اللهُ عَذابَه بالكافِرين، ويَنصُرَك عليهم؛ إنَّهم مُنتَظِرونَ هلاكَك ليستريحوا منك
الأحزاب
يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا (1)
يا أيُّها النَّبيُّ اتَّقِ اللهَ بامتِثالِ أوامِرِه، واجتِنابِ نواهيه، ودُمْ على تَقْواه، ولا تُطِعْ -أيُّها النَّبيُّ- الكافِرينَ المُظهِرينَ للكُفرِ، والمُنافِقينَ المُبطِنينَ له، إنَّ اللهَ كان ولم يَزَلْ عَليمًا بعواقِبِ الأمورِ، وبما تُضمِرُه نفوسُ الكافِرينَ والمنافِقينَ، حكيمًا في تدبيرِ جميعِ أمورِ خَلقِه، وفيما شرَعَ لهم مِن دينِه.
وَاتَّبِعْ مَا يُوحَى إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا (2)
واعمَلْ -يا مُحمَّدُ- بما أوحاه إليك ربُّك، وشَرَع لك مِن دينِه، واستَمِرَّ على ذلك، إنَّ اللهَ كان ولم يَزَلْ بما تَعمَلونَ خَبيرًا لا يخفى عليه شَيءٌ مِن أعمالِكم، وسيُجازيكم عليها.
وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا (3)
واعتَمِدْ -يا مُحمَّدُ- في أمورِك كُلِّها على اللهِ وَحْدَه، وثِقْ به سُبحانَه. وحَسْبُك اللهُ تعالى وَحْدَه؛ فهو الحافِظُ لكُلِّ شَيءٍ، القادِرُ على كُلِّ شَيءٍ، والمدبِّرُ لجَميعِ الخَلقِ؛ فلا تَلتَفِتْ في شَيءٍ مِن أمْرِك إلى غيرِه سُبحانَه.
مَا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ وَمَا جَعَلَ أَزْوَاجَكُمُ اللَّائِي تُظَاهِرُونَ مِنْهُنَّ أُمَّهَاتِكُمْ وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَاءَكُمْ أَبْنَاءَكُمْ ذَلِكُمْ قَوْلُكُمْ بِأَفْوَاهِكُمْ وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ (4)
ما خَلَق اللهُ لأيِّ رَجُلٍ قَلبَينِ في صَدرِه؛ فيَعقِلَ بهما، وما جَعل اللهُ زوجاتِكم -أيُّها الرِّجالُ- اللَّاتي تقولونَ لهُنَّ: أنتُنَّ علينا كظُهورِ أمَّهاتِنا، فتُحَرِّمونَهنَّ بذلك على أنفُسِكم، ما جَعَلهنَّ أمَّهاتٍ لكم في الحقيقةِ! وما جَعَل اللهُ مَن تَتبنَّونَهم أبناءً لكم في الحقيقةِ؛ فهم أبناءُ غَيرِكم وإنِ ادَّعيتُم نِسْبتَهم إليكم، ذلِكم قَولٌ باطِلٌ تَقولونَه فحَسْبُ، ولا حقيقةَ له في الوُجودِ، واللهُ يَقولُ الصِّدقَ والعَدلَ والقَولَ الثَّابِتَ الَّذي يُوافِقُ ظاهِرُه باطِنَه، ولا يقولُ اللهُ الكَذِبَ والباطِلَ؛ فصَدِّقوا قَولَه، واتَّبِعوا شَرْعَه، واللهُ يُبيِّنُ لعبادِه طَريقَ الحَقِّ، ويَدُلُّهم عليه.
ادْعُوهُمْ لِآَبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ فَإِنْ لَمْ تَعْلَمُوا آَبَاءَهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَمَوَالِيكُمْ وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (5)
انْسُبوا الأدعِياءَ المُتَبنَّينَ لآبائِهم الَّذين ولَدوهم، هذا أعدَلُ عندَ اللهِ، وأصدَقُ وأصوَبُ قَولًا وحُكمًا مِن نِسبَتِكم لهم إلى الَّذين تَبنَّوهم، فإنْ لم تَعلَموا -أيُّها المُسلِمونَ- آباءَ الأدعياءِ لِتَنسُبوهم إليهم، فهم إخوانُكم في الإسلامِ إن كانوا مُسلِمينَ، ومحرَّروكم من الرقِّ؛ فقُولوا عِوَضًا عمَّا فاتَهم مِنَ النَّسَبِ: أخي ومَوْلاي، ولا تقولوا: ابنُ فُلانٍ، وليس عليكم إثمٌ في شَيءٍ أخطَأتُم فيه بلا قَصدٍ منكم للخَطَأِ، كأن تَنسُبوا إنسانًا لغَيرِ أبيه؛ جَهلًا، أو على سَبيلِ النِّسيانِ، أو سَبقِ اللِّسانِ، ولكِنْ يؤاخِذُكم اللهُ بما تتعَمَّدونَه بقُلوبِكم، واللهُ هو المتَّصِفُ بالمَغفرةِ؛ فيَستُرُ ذُنوبَ عِبادِه، ويَتجاوَزُ عن مُؤاخَذتِهم بها، وهو المتَّصِفُ بالرَّحمةِ؛ ومِن رَحمتِه بعبادِه أنْ بيَّنَ لهم أحكامَ دينِه، وشرَعَ لهم ما يُصلِحُهم، ومِن ذلك رَفْعُ المؤاخَذةِ عن فِعلِ الخَطَأِ.
النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ إِلَّا أَنْ تَفْعَلُوا إِلَى أَوْلِيَائِكُمْ مَعْرُوفًا كَانَ ذَلِكَ فِي الْكِتَابِ مَسْطُورًا (6)
النَّبيُّ محمَّدٌ أحَقُّ بالمؤمِنينَ مِن أنفُسِهم؛ فيَجِبُ عليهم تقديمُ طاعتِه، وقَبولُ حُكمِه، واتِّباعُ هَدْيِه، وتقديمُ محَبَّتِه على محبَّةِ أنفُسِهم، وأزواجُ مُحمَّدٍ صلَّى اللهُ عليه وسلم هُنَّ أمَّهاتُ المُؤمِنينَ في حُرمةِ نِكاحِهنَّ، ووُجوبِ تعظيمِهنَّ وإكرامِهنَّ، وذَوُو القَراباتِ أولَى بالتَّوارُثِ فيما بيْنَهم في كتابِ اللهِ مِنَ الأنصارِ والمهاجِرينَ الَّذين كانوا في أوَّلِ الإسلامِ يَتوارَثونَ فيما بيْنَهم؛ بسَبَبِ حَقِّ الأُخوَّةِ الإيمانيَّةِ والهِجرةِ، وإنْ لم يكُنْ بيْنَهم رَحِمٌ، لكِنْ لكم -أيُّها المهاجِرونَ والأنصارُ- أن تُحسِنوا إلى أوليائِكم ممَّن سِوَى أقارِبِكم، بالوصِيَّةِ والنُّصرةِ والصِّلةِ، وغيرِ ذلك مِن المعروفِ، قليلًا كان أو كثيرًا، إنَّ توارُثَ أُولي الأرحامِ بَعضِهم مِن بَعضٍ: مكتوبٌ في اللَّوحِ المَحفوظِ.
وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا (7)
واذكُرْ -يا محمَّدُ- إذْ أخَذْنا مِنَ النَّبِيِّينَ عَهدًا مُؤكَّدًا على تَصديقِ بَعضِهم بَعضًا، وتبليغِ الدِّينِ وإقامتِه، واتِّباعِ ما أَوحَى اللهُ به، وأخَذْنا هذا الميثاقَ مِنك -يا محمَّدُ- ومِن نُوحٍ، وإبراهيمَ، وموسى، وعيسى ابنِ مَريمَ -عليهم الصَّلاةُ والسَّلامُ، وأخَذْنا مِن جميعِ هؤلاءِ الأنبياءِ عَهدًا عَظيمًا مُؤكَّدًا على القيامِ بما حُمِّلوا، والوفاءِ بما أخَذ الله عليهم.
لِيَسْأَلَ الصَّادِقِينَ عَنْ صِدْقِهِمْ وَأَعَدَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا أَلِيمًا (8)
أخَذ اللهُ الميثاقَ مِن أولئك الأنبياءِ؛ لكيْ يَسألَ الصَّادِقينَ عن قيامِهم بهذا العَهدِ المؤكَّدِ، فيُثيبَهم الجنَّةَ، وأعدَّ اللهُ للكافِرينَ باللهِ ورُسُلِه مِن جميعِ الأُمَمِ عَذابًا مُؤلِمًا موجِعًا في النَّارِ.
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا (9)
يا أيُّها الَّذين آمَنوا اذكُروا نِعمةَ اللهِ عليكم في صَرفِه الكفَّارَ عنكم حينَ حاصَروكم، حينَ جاءَتكم جُنودُ الكُفَّارِ، فأرسَلْنا عليهم ريحًا شَديدةَ الهُبوبِ، وأرسَلْنا عليهم جُنودًا مِنَ الملائِكةِ لم تَرَوها، وكان اللهُ بما تَعمَلونَ -أيُّها المؤمِنونَ- بَصيرًا، لا يخفَى عليه شيءٌ، وسيُجازيكم عليها.
إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا (10)
إذْ جاءَتْكم جنودُ الأحزابِ -أيُّها المؤمِنونَ- مِن فَوقِكم مِن جِهةِ المَشرِقِ، وجاؤوكم مِن أسفَلَ منكم مِن جِهةِ المغرِبِ، وإذ مالَتْ أبصارُ المُسلِمينَ عَن مقَرِّها؛ مِن شِدَّةِ الخَوفِ والفَزَعِ، وزالت القُلوبُ عن أماكنِها في الصُّدورِ؛ مِن شِدَّةِ الخَوفِ والرُّعبِ، فبلَغَت الحناجِرَ، وتَظنُّونَ باللهِ ظُنونًا شَتَّى.
هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالًا شَدِيدًا (11)
فعندَ تلك الشِّدَّةِ العَظيمةِ اختبَرَ اللهُ إيمانَ القَومِ ومحَّصَهم؛ لِيَتمَيَّزَ المؤمِنُ مِنَ المنافِقِ، وحُرِّكوا وأُزعِجوا إزعاجًا شَديدًا.
وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُورًا (12)
واذكُرْ إذْ يقولُ المنافِقونَ وضِعافُ الإيمانِ الَّذين في قُلوبِهم شَكٌّ وشُبهةٌ: ما وعَدَنا اللهُ ورَسولُه مِنَ النَّصرِ والتَّمكينِ إلَّا وُعودًا كاذِبةً باطِلةً لا وَفاءَ لها!
وَإِذْ قَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ يَا أَهْلَ يَثْرِبَ لَا مُقَامَ لَكُمْ فَارْجِعُوا وَيَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِنْهُمُ النَّبِيَّ يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ إِنْ يُرِيدُونَ إِلَّا فِرَارًا (13)
وإذ قالت طائفةٌ مِنَ المنافِقينَ: يا أهلَ يَثرِبَ لا إقامةَ لكم هنا للرِّباطِ والقِتالِ؛ فارجِعوا إلى بُيوتِكم هارِبينَ، واترُكوا الرَّسولَ وأصحابَه، ويَطلُبُ فَريقٌ مِنَ المنافِقينَ الإذْنَ مِن النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم بالانصرافِ إلى منازِلِهم، يَقولونَ مُعتَذِرينَ: إنَّ بُيوتَنا ليست بحَصينةٍ، فنَخشَى أن يَهجُمَ عليها العدُوُّ، فنُريدُ الانصِرافَ لحِراستِها، وليست بُيوتُهم مَكشوفةً للعَدُوِّ كما يدَّعونَ، ولكِنَّهم يُريدونَ بهذا الفِرارَ مِنَ الجِهادِ.
وَلَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِمْ مِنْ أَقْطَارِهَا ثُمَّ سُئِلُوا الْفِتْنَةَ لَآَتَوْهَا وَمَا تَلَبَّثُوا بِهَا إِلَّا يَسِيرًا (14)
ولو دخَلَ الكُفَّارُ المتحَزِّبونَ المدينةَ مِن نواحيها على هؤلاء الَّذين يَقولونَ: إنَّ بُيوتَنا عَورةٌ، ثمَّ سألوهم الرُّجوعَ مِن الإيمانِ إلى الكفرِ، لَفَعَلوا ما طُلِبَ منهم! ولَأَسرعَ المُنافِقونَ إلى إعطائِهم ما سألوهم مِنَ الرِّدةِ، ولم يَترَدَّدوا عن إجابتِهم إلَّا زمَنًا قَليلًا!
وَلَقَدْ كَانُوا عَاهَدُوا اللَّهَ مِنْ قَبْلُ لَا يُوَلُّونَ الْأَدْبَارَ وَكَانَ عَهْدُ اللَّهِ مَسْئُولًا (15)
ولقد كان هؤلاءِ المُنافِقونَ المُنصَرِفونَ عن الجِهادِ مع رَسولِ اللهِ، القائلونَ: {إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ} عاهَدوا اللهَ مِن قَبلِ هذه الغَزوةِ وحالةِ الخَوفِ الَّتي أصابَتْهم: ألَّا يَفِرُّوا، فأخلَفوا اللهَ ما وَعَدوه، وكان عَهدُ اللهِ مَسؤولًا عنه؛ فسيَسألُهم اللهُ يومَ القيامةِ، ويُحاسِبُهم عن العَهدِ الَّذي نَقَضوه.
قُلْ لَنْ يَنْفَعَكُمُ الْفِرَارُ إِنْ فَرَرْتُمْ مِنَ الْمَوْتِ أَوِ الْقَتْلِ وَإِذًا لَا تُمَتَّعُونَ إِلَّا قَلِيلًا (16)
قُلْ -يا مُحمَّدُ- لأولئك المنافقين: لن يَنفَعَكم الهرَبُ -الَّذي ما كان استِئذانُكم إلَّا بسَبَبِه- إنْ هرَبتُم مِنَ الموتِ أو القَتلِ؛ فهو لا يُؤخِّرُ آجالَكم، فلا بُدَّ مِن وُقوعِ ما كتَبَه اللهُ، وإذا فَرَرتُم مِنَ الموتِ أو القَتلِ فلن يَزيدَ ذلك في أعمارِكم شَيئًا، وإنَّما ستُمَتَّعونَ في الدُّنيا قليلًا إلى الوَقتِ الَّذي تنقَضي فيه أعمارُكم المكتوبةُ عندَ اللهِ تعالى.
قُلْ مَنْ ذَا الَّذِي يَعْصِمُكُمْ مِنَ اللَّهِ إِنْ أَرَادَ بِكُمْ سُوءًا أَوْ أَرَادَ بِكُمْ رَحْمَةً وَلَا يَجِدُونَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا (17)
قُلْ -يا مُحمَّدُ- لهؤلاء المنافقين: مَنِ الَّذي يمنَعُكم مِن اللهِ إن أراد بكم سُوءًا في أنفُسِكم، كقَتلٍ أو بلاءٍ؛ أو أراد بكم رَحمةً، كعافيةٍ وسَلامةٍ ونَصرٍ؟ فاللهُ تعالى وَحْدَه هو المعطي المانِعُ، الَّذي لا يأتي بالخَيرِ إلَّا هو، ولا يدفَعُ الشَّرَّ إلَّا هو؛ فلا الفِرارُ مانعٌ مِنَ السُّوءِ إن أراد اللهُ تعالى وُقوعَه بكم، ولا البَقاءُ جالبٌ للرَّحمةِ، ولا يجِدُ أولئك المنافِقونَ وَليًّا يَتولَّى أمورَهم وينفَعُهم، ولا يجِدونَ نَصيرًا يَدفَعُ عنهم عذابَ اللهِ حينَ يَنزِلُ بهم.
قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الْمُعَوِّقِينَ مِنْكُمْ وَالْقَائِلِينَ لِإِخْوَانِهِمْ هَلُمَّ إِلَيْنَا وَلَا يَأْتُونَ الْبَأْسَ إِلَّا قَلِيلًا (18)
قد يَعلَمُ اللهُ المثَبِّطينَ منكم الَّذين يَصُدُّونَ عن رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، وعن الخُروجِ معه للجِهادِ في سَبيلِ اللهِ، ويَعلَمُ القائِلينَ لإخوانِهم: أقبِلوا إلينا، وتَعالَوا إلى ما نحنُ فيه مِنَ الرَّاحةِ والنَّعيمِ، ودَعُوا محمَّدًا، واترُكوا الجِهادَ معه؛ فإنَّا نخافُ عليكم الهَلاكَ، ولا يَشهَدونَ الحَربَ أو مَكانَها إلَّا زَمنًا قليلًا؛ رياءً وسُمعةً.
أَشِحَّةً عَلَيْكُمْ فَإِذَا جَاءَ الْخَوْفُ رَأَيْتَهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ كَالَّذِي يُغْشَى عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ فَإِذَا ذَهَبَ الْخَوْفُ سَلَقُوكُمْ بِأَلْسِنَةٍ حِدَادٍ أَشِحَّةً عَلَى الْخَيْرِ أُولَئِكَ لَمْ يُؤْمِنُوا فَأَحْبَطَ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا (19)
أشِحَّةً على المؤمِنينَ بكُلِّ ما فيه مَنفَعةٌ لهم، حريصينَ على مَنعِ كُلِّ خَيرٍ مِنَ الوُصولِ إليهم، فإذا جاء القِتالُ فحضَرَ الخَوفُ، رأيتَ المنافِقينَ -يا محمَّدُ- يَنظُرونَ إليك وأعينُهم تَدورُ سَريعًا مُحَملِقةً في الجِهاتِ المحيطةِ؛ مِن شِدَّةِ جُبنِهم وخَوفِهم مِنَ القَتلِ، كدَوَرانِ عَينِ مَن يُغمَى عليه بسَبَبِ النَّزعِ عندَ مَوتِه! فإذا انقطَعَت الحَربُ فذهَبَ الخَوفُ، واطمأنَّ المنافِقونَ وأمِنوا؛ تكَلَّموا بكلامٍ شَديدٍ قَوِيٍّ، بُخلاءَ بكلِّ ما فيه للمؤمنينَ مَنفعةٌ، فليس فيهم خيرٌ، أولئك المنافِقونَ لم يُؤمِنوا بقُلوبِهم وإن أقرَّت ألسِنَتُهم، ولم يُخلِصوا في أعمالِهم فلا يُثيبُهم اللهُ عليها في الآخِرةِ، وكان إحباطُ اللهِ لأعمالِ المُنافِقينَ سَهلًا عليه، ولا يَعبَأُ بهم.
يَحْسَبُونَ الْأَحْزَابَ لَمْ يَذْهَبُوا وَإِنْ يَأْتِ الْأَحْزَابُ يَوَدُّوا لَوْ أَنَّهُمْ بَادُونَ فِي الْأَعْرَابِ يَسْأَلُونَ عَنْ أَنْبَائِكُمْ وَلَوْ كَانُوا فِيكُمْ مَا قَاتَلُوا إِلَّا قَلِيلًا (20)
يَظُنُّ المنافِقونَ -بسَبَبِ جُبنِهم وشِدَّةِ خَوفِهم- أنَّ الكُفَّارَ المتحَزِّبينَ ما زالوا حوْلَ المدينةِ لم يَنصَرِفوا عنها، وإنْ يَرجِعِ الكُفَّارُ مَرَّةً أخرى للقِتالِ أو حِصارِ المدينةِ يَتمَنَّ المنافِقونَ -مِن شِدَّةِ جُبنِهم وخَوفِهم- أنَّهم غائِبونَ في الباديةِ مع البَدْوِ يَسألونَ النَّاسَ عن أخبارِكم أيُّها المُسلِمونَ، ولو كان المنافِقونَ حاضِرينَ معكم حينَ يأتي الكُفَّارُ مَرَّةً أُخرى، فلن يُقاتِلوهم إلَّا قِتالًا قَليلًا؛ رياءً وسُمْعةً.
لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآَخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا (21)
لقد كان لكم -أيُّها المؤمنونَ- قُدوةٌ حَسَنةٌ في رَسولِ اللهِ وجِهادِه، وبَذْلِه نَفْسَه لنُصرةِ دينِ اللهِ، وصَبرِه ومُصابَرتِه ومُرابطتِه في غَزوةِ الخَندقِ؛ فتأَسَّوا به في ذلك وغيرِه، وهو قُدوةٌ حَسَنةٌ لِمَن كان يرجو اللهَ ولقاءَه، وثوابَه ورحمتَه، ويرجو يومَ القيامةِ والجَزاءَ فيه، وذَكَر اللهَ ذِكرًا كثيرًا.
وَلَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزَابَ قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا (22)
ولَمَّا رأى المؤمِنونَ جُنودَ الكُفَّارِ الَّذين تحَزَّبوا وتألَّبوا عليهم في غَزوةِ الخَندَقِ؛ قالوا: هذا ما وعَدَنا اللهُ ورَسولُه مِنَ الابتِلاءِ وما يَعقُبُه مِن النَّصرِ وحُسنِ الجَزاءِ، وصَدَق اللهُ ورَسولُه في وَعْدِنا بذلك، ولم يَزِدِ الصَّحابةَ ما رأَوا مِنِ اجتِماعِ الكُفَّارِ عليهم وما أصابَهم مِنَ البلاءِ في غَزوةِ الخَندَقِ إلَّا إيمانًا باللهِ ورَسولِه، وتَصديقًا بوَعدِ الله بالنَّصرِ، وانقيادًا لقَضائِه، وطاعةً لأمرِه وأمرِ رَسولِه.
مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا (23)
مِنَ المُؤمِنينَ باللهِ ورَسولِه رِجالٌ صادِقونَ وَفَوْا بعَهدِهم مع اللهِ، فبَذَلوا نُفوسَهم في مَرْضاتِه، فمِنَهم مَن بَذَلَ جُهدَه حتَّى فرَغَ مِنَ العَمَلِ الَّذي عاهَدَ اللهَ عليه، فقاتَلَ حتَّى قُتِلَ، أو عاشَ على الاستِقامةِ والطَّاعةِ، والجِهادِ والثَّباتِ عندَ لقاءِ العَدُوِّ حتَّى مات، ومِنهم مَن ينتَظِرُ قَضاءَ عَهدِه وإتمامَه، كما وَفَى مَن مضَى منهم بعَهدِه لله، ولم يُغيِّرِ المؤمِنونَ الصَّادِقونَ عَهْدَهم ونَذْرَهم كما فعَل المنافِقونَ، ولا استَبدَلوا به غيرَه، بل وفَوْا به وأتَمُّوه.
لِيَجْزِيَ اللَّهُ الصَّادِقِينَ بِصِدْقِهِمْ وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ إِنْ شَاءَ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا (24)
يَبتلي اللهُ عِبادَه بالخَوفِ والشَّدائِدِ، ويأمُرُ المؤمِنينَ بجِهادِ الكافِرينَ؛ لِيُثيبَ المؤمِنينَ الصَّادِقينَ؛ بسَبَبِ صِدقِهم فيما عاهَدوا اللهَ عليه، وقيامِهم بالوَفاءِ به، ولِيُعَذِّبَ اللهُ المنافِقينَ الَّذين نَقَضوا عَهْدَهم ولم يَثبُتوا على دينِهم -إذا لم يَشَأْ هِدايتَهم في الدُّنيا-؛ أو يُوَفِّقَهم للتَّوبةِ إن شاء فلا يُعَذِّبَهم، إنَّ اللهَ هو المتَّصِفُ أزَلًا وأبَدًا بالمَغفرةِ والرَّحمةِ.
وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالُوا خَيْرًا وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ وَكَانَ اللَّهُ قَوِيًّا عَزِيزًا (25)
وردَّ اللهُ جُنودَ الأحزابِ إلى بِلادِهم بغَيْظِهم خائِبينَ، لم يَنالوا أيَّ خيرٍ كان في حِسْبانِهم؛ كالنَّصرِ، أو الغنيمةِ، بل رجَعوا خاسِرينَ! وأراح اللهُ المؤمِنينَ مِن قِتالِ الكُفَّارِ يَومَئذٍ، إنَّ اللهَ تعالى هو المتَّصِفُ أزَلًا وأبدًا بالقُوَّةِ على فِعلِ ما يَشاءُ؛ فيَنصُرُ مَن يشاءُ مِن عبادِه، ويَخذُلُ مَن يَشاءُ منهم، وهو المتَّصِفُ بالعِزَّةِ؛ فقَدْرُه عَظيمٌ، يمتَنِعُ عليه سُبحانَه كُلُّ عَيبٍ ونَقصٍ، وهو يَغلِبُ ولا يُغلَبُ، ولا يُعجِزُه شَيءٌ أرادَه.
وَأَنْزَلَ الَّذِينَ ظَاهَرُوهُمْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ صَيَاصِيهِمْ وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ فَرِيقًا تَقْتُلُونَ وَتَأْسِرُونَ فَرِيقًا (26)
وأنزل اللهُ يَهودَ بَني قُرَيظةَ الَّذين ناصَروا وأعانوا الأحزابَ على حَربِ رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم والمُسلِمينَ معه؛ أنزَلَهم مِن حُصونِهم العاليةِ، وألقَى اللهُ في قُلوبِهم الخَوفَ الشَّديدَ مِنَ المُسلِمينَ؛ فلم يَقْوَوْا على قِتالِهم، واستَسْلَموا لهم، ونَزَلوا على حُكمِهم، تَقتُلونَ -أيُّها المُسلِمونَ- جماعةً منهم، وهم الرِّجالُ البالِغونَ، وتأسِرونَ جَماعةً منهم، وهم النِّساءُ والذُّرِّيَّةُ.
وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيَارَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ وَأَرْضًا لَمْ تَطَئُوهَا وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرًا (27)
وملَّككم اللهُ -أيُّها المُسلِمونَ- أرضَهم ومَساكِنَهم وجميعَ أموالِهم ممَّا غَنِمتُموه منهم، وأورَثَكم اللهُ أرضًا أخرى غيرَ أرضِ بني قُرَيظةَ ما وَطِئتُموها حتَّى الآنَ، ولكِنَّكم ستَملِكونَها، إنَّ اللهَ متَّصِفٌ أزَلًا وأبَدًا بكَمالِ القُدرةِ؛ فلا يُعجِزُه شَيءٌ، ومِن ذلك قُدرتُه على توريثِ المؤمِنينَ أرضَ الكافِرينَ، ونَصْرِهم عليهم.
يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا (28)
يا أيُّها النَّبيُّ قُلْ لِزَوجاتِك: إنْ كُنتُنَّ تُرِدْنَ التَّنعُّمَ بالحياةِ الدُّنيا وزَخارِفِها، وتَطلُبْنَ نَفَقةً لا أستطيعُها، فأقبِلْنَ أُعْطِكُنَّ ما أوجَبَه اللهُ على الرِّجالِ إذا طَلَّقوا نِساءَهم، وأُطَلِّقْكنَّ طَلاقًا جَميلًا كما أذِنَ اللهُ وأَمَر، بلا غَضَبٍ ولا سَبٍّ وشَتمٍ، ولا منْعِ حَقٍّ.
وَإِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الْآَخِرَةَ فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنْكُنَّ أَجْرًا عَظِيمًا (29)
وإنْ كُنتُنَّ تُرِدْنَ اللهَ ورَسولَه ونَعيمَ الآخرةِ، بحيثُ تَطيبُ أنفُسُكنَّ بما يُعطيكنَّ الرَّسولُ مِن نَفَقةٍ، ولا تُطالِبْنَه بزيادةٍ، فإنَّ اللهَ هيَّأ للمُحسِناتِ مِنكُنَّ ثَوابًا عَظيمًا، تُحتَقرُ له الدُّنيا وزِينتُها.
يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا (30)
يا أزواجَ النَّبيِّ مَن تأْتِ مِنكنَّ بفاحِشةٍ ظاهرةٍ، يُضاعَفْ لها العَذابُ مِثْلَيْ عَذابِ مَن وقَعَ في تلك الفاحِشةِ، وإنَّ مُضاعَفةَ اللهِ لِعَذابِ مَن تَفعَلُ ذلك هَيِّنٌ عليه، فلا يتعاظمُه ولا يَصعُبُ عليه.