التفسير المحرر

التفسير المحرر

فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قَالُوا أَخْرِجُوا آَلَ لُوطٍ مِنْ قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ (56).

اللغة: العربية
إعداد:
الإصدار: 1.0
ترجمات 1
إنجليزي
المرفقات 7
PDF
Audio
Video
+3

فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قَالُوا أَخْرِجُوا آَلَ لُوطٍ مِنْ قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ (56).

فلمْ يكُنْ لِقَومِ لُوطٍ جَوابٌ ولا حُجَّةٌ حينَ أنكَرَ عليهم فِعلَ الفاحِشةِ إلَّا أن قال بعضُهم لبعضٍ: أخرِجوا لوطًا وأهلَ بَيتِه مِن قَريتِكم؛ لأنَّهم أُناسٌ يَتنزَّهون عمَّا نفعلُه مِن إتيانِ الرِّجالِ في أدبارهم؛ فلا ينبغي أن يُقيموا في بلادِكم.

فَأَنْجَيْنَاهُ وَأَهْلَهُ إِلَّا امْرَأَتَهُ قَدَّرْنَاهَا مِنَ الْغَابِرِينَ (57).

فأنجَينا لوطًا وأهلَ بيتِه مِن أنْ يَصِلوا إليهم بأذًى، أو يَلحَقَهم شَيءٌ مِن عذابِنا، إلَّا امرأتَه الكافِرةَ، قَضَيْنا أنَّها مِنَ الباقينَ في العذابِ؛ لتَهلِكَ مع قَومِها.

وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ مَطَرًا فَسَاءَ مَطَرُ الْمُنْذَرِينَ (58).

وأمطَرْنا على قَومِ لوطٍ مَطَرًا مِن حِجارةٍ، فبِئسَ المطَرُ هذا الَّذي أمطَرْناه على قَومِ لُوطٍ الَّذين أنذَرَهم نبيُّهم عذابَ اللهِ، فعَصَوه وكذَّبوه!

قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلَامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى آَللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ (59).

قُلْ -يا محمَّدُ-: جميعُ المحامِدِ يَستحِقُّها اللهُ تعالى وَحْدَه؛ لكَمالِ أفعالِه وصِفاتِه، وعظيمِ نِعَمِه. وسَلامٌ مِن اللهِ على عِبادِه الَّذينَ اصْطَفاهم ونجَّاهم مِن العَذابِ، وسلَّمَهم مِن العُيوبِ، والإصرارِ على الذُّنوبِ. قُلْ -يا محمَّدُ: هلِ اللهُ المتَّصِفُ بصِفاتِ الكَمالِ والجَلالِ والإكرامِ خيرٌ، أمْ تلك الأصنامُ وغيرُها مِن المعبوداتِ الَّتي لا تنفَعُ ولا تضُرُّ، ومع ذلك يعبُدُها المُشرِكون مع اللهِ؟!

أَمَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنْبَتْنَا بِهِ حَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ مَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَهَا أَإلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ (60).

أمن تفرَّد بخَلقِ السَّمواتِ والأرضِ وأنزَل لأجْلِكم مِن السَّحابِ مطَرًا فأنبَتْ بسَبَبِه بساتينَ ذاتَ مَنظرٍ حَسَنٍ يُسَرُّ بها مَنْ يراها، ويمتَنِعُ عليكم غايةَ الامتناعِ إنباتُ شَجَرِ تلك الحدائِقِ؟ أمَع اللهِ معبودٌ آخَرُ فعَلَ تلك الأشياءَ فاستحقَّ أن يُعبَدَ؟ والجوابُ لا؛ لأنَّه لا إلهَ إلَّا اللهُ وحْدَه، بل المُشرِكون قومٌ يَعدِلُون عن الحقِّ مع عِلمِهم بأنَّ اللهَ هو المتفرِّدُ بالخَلقِ، فيَجعَلونَ للهِ عِدْلًا ونَظيرًا مع عِلمِهم بالفَرقِ.

أَمَّنْ جَعَلَ الْأَرْضَ قَرَارًا وَجَعَلَ خِلَالَهَا أَنْهَارًا وَجَعَلَ لَهَا رَوَاسِيَ وَجَعَلَ بَيْنَ الْبَحْرَيْنِ حَاجِزًا أَئِلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (61).

أمن جعَلَ الأرضَ مُستَقِرَّةً ساكِنةً لا تَضطرِبُ، وأجرى في خِلالِ الأرضِ أنهارًا جاريةً بالماءِ، وجعلَ للأرضِ جِبالًا تُثبِّتُها، وجعَلَ بيْنَ البِحارِ المِلْحةِ والأنهارِ العَذْبةِ مانِعًا بقُدرتِه؛ لئَلَّا يختَلِطَ الماءُ العذبُ بالماءِ المِلْحِ، فيُفسِدَ أحدُهما الآخَرَ، فتَفُوتَ المنفعةُ المقصودةُ منهما، أمَعَ اللهِ معبودٌ آخَرُ فعَلَ تلك الأشياءَ، فاستحقَّ أن يُعبَدَ؟! بل أكثَرُهم لا يَعلَمونَ ما يجِبُ لله، ولا يَعلَمونَ ضَرَرَ الإشراكِ به، ولا نَفْعَ توحيدِه.

أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ أَئِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ (62).

أمن يُعطي المحتاجَ ما يَسألُه مِن الأشياءِ العَسِرةِ الحُصُولِ، ويُزيلُ الضُّرَّ والكَربَ إنْ شاء، ويَستخلِفُكم في الأرضِ؟! أمَعَ اللهِ معبودٌ آخَرُ فعَلَ تلك الأشياءَ، فاستحقَّ أن يُعبَدَ؟! قليلًا ما تَتذكَّرون عَظَمةَ اللهِ ونِعَمَه وحُجَجَه؛ لإعراضِكم وغَفلتِكم؛ فلِذا أشرَكْتُم باللهِ!

أَمَّنْ يَهْدِيكُمْ فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَنْ يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ أَئِلَهٌ مَعَ اللَّهِ تَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ (63).

أمن يُرشِدُكم الطَّريقَ إذا ضَلَلْتُم في ظُلُماتِ الأرضِ والبَحرِ في أسفارِكم -بتَيسيرِه وبما خَلَق لكم مِن العَلاماتِ- والَّذي يُرسِلُ الرِّياحَ مُبشِّرةً بالمطرِ قبْلَ نزولِه؟! أمَع اللهِ معبودٌ آخَرُ فعَلَ تلك الأشياءَ؛ فاستحَقَّ العبادةَ مع اللهِ، أمْ هو اللهُ وحْدَه الَّذي فعَل ذلك، ثمَّ عبَدْتُم غيرَه؟! تعاظَمَ اللهُ وتنزَّه عن الشِّركِ، وعن مُساواتِه بالمعبوداتِ الباطِلةِ العاجِزةِ النَّاقِصةِ.

أَمَّنْ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَمَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَئِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (64).

أمن ابتَدأ كلَّ مخلوقٍ فأوجَدَه مِنَ العدَمِ، ثمَّ بعْدَ فنائِه يُعيدُه كهَيْئَتِه قبْلَ أن يُفنِيَه، وذلك يومَ البعثِ والنُّشورِ، ومَن يُعطيكم مِنَ السَّماءِ المطَرَ، ومِنَ الأرضِ النَّباتِ؟! أمَع اللهِ مَعبودٌ آخَرُ يَقدِرُ على فعَلِ تلك الأشياءَ؛ فاستحَقَّ العبادةَ مع اللهِ؟! قُلْ -يا محمَّدُ- للمُشرِكين: هاتوا دليلَكم وحُجَّتَكم على صِحَّةِ عبادتِكم غيرَ اللهِ، إن كنتُم صادقينَ في دعواكم أنَّ مع اللهِ إلهًا آخَرَ يَستحِقُّ العبادةَ!

قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ (65).

قُلْ -يا محمَّدُ: لا يَعلَمُ أحدٌ في السَّمواتِ وفي الأرضِ الغيبَ الَّذي استأثرَ اللهُ بعِلمِه، إلَّا اللهُ وحْدَه، وما يدري أحدٌ متى يَبعثُ اللهُ الخلْقَ مِن قبورِهم يومَ القيامةِ.

بَلِ ادَّارَكَ عِلْمُهُمْ فِي الْآَخِرَةِ بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْهَا بَلْ هُمْ مِنْهَا عَمُونَ (66).

بل تكامَلَ عِلمُهم يومَ القيامةِ بأنَّ كُلَّ ما وُعِدوا به في الدُّنيا حَقٌّ واقِعٌ، بل المُشرِكون في الدُّنيا في شكٍّ مِن وُجودِ الآخرةِ ووُقوعِ القيامةِ، فهُم لا يُوقنِونَ بالبَعثِ بعدَ الموتِ، بل هم في الدُّنيا جاهِلون جَهلًا تامًّا بأمرِ الآخرةِ ووقوعِها، وما يكونُ فيها مِنَ الحِسابِ والجَزاءِ.

وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَئِذَا كُنَّا تُرَابًا وَآَبَاؤُنَا أَئِنَّا لَمُخْرَجُونَ (67).

وقال الكُفَّارُ: أئِذا صِرْنا وآباؤنا ترابًا في القُبورِ أئِنَّا لَمُخرَجونَ يومَ القيامةِ أحياءً بعدَ مَوتِنا؟! هذا شَيءٌ لا يكونُ أبدًا.

لَقَدْ وُعِدْنَا هَذَا نَحْنُ وَآَبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ (68).

قال المُشرِكون: لقد جاءَنا مِنْ قبْلِ محمَّدٍ مَن وَعَدنا وأسلافَنا بالبَعثِ كما وعَدَنا محمَّدٌ، ولم نَرَ لذلك حقيقةً! ما هذا الوَعدُ بالبَعثِ بعدَ الموتِ إلَّا أحاديثُ باطِلةٌ، وحِكاياتٌ مُختلَقةٌ سطَّرها الأقدَمون في كتُبِهم، وتلقَّفها مَن بعْدَهم، ولا صحَّة لذلك.

قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ (69).

قُلْ -يا محمَّدُ- للمُشرِكين: سافِروا في الأرضِ فانظُروا آثارَ الكُفَّارِ الَّذين كذَّبوا رُسلَ اللهِ، فأهلَكَهم اللهُ في آخِرِ أمرِهم؛ لِتَعتَبِروا وتَحذَروا أن يصيبَكم ما أصابَهم.

وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلَا تَكُنْ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ (70).

ولا تحزَنْ -يا محمَّدُ- على هؤلاء المُشرِكين، وإعراضِهم عنك، وتكذيبِهم بما جِئتَهم به مِن الحَقِّ، ولا يَضِقْ صدرُك -يا محمَّدُ- بسبَبِ مَكرِ الكافِرين بك؛ فإنَّ مكرَهم يعودُ وَبالًا عليهم، واللهُ حافِظُك، وناصِرُك عليهم، ومُظهِرٌ دينَك.

وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (71).

ويقولُ المُشرِكون: متى سيأتينا عَذابُ اللهِ -يا محمَّدُ- إنْ كنتُم صادِقينَ فيما تَعِدونَنا به مِن العذابِ؟!

قُلْ عَسَى أَنْ يَكُونَ رَدِفَ لَكُمْ بَعْضُ الَّذِي تَسْتَعْجِلُونَ (72).

قُلْ -يا محمَّدُ- لهؤلاء المُشرِكينَ: قد دنا لكم بعضُ العذابِ الَّذي تَستعجِلونَ وُقوعَه.

وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَشْكُرُونَ (73).

وإنَّ ربَّك -يا محمَّدُ- لَذو فَضلٍ كبيرٍ على النَّاسِ، بإمهالِهم والإحسانِ إليهم مع ظُلمِهم أنفُسَهم، ولكنَّ أكثَرَ النَّاسِ لا يَشكُرونَ اللهَ على نِعَمِه، ويُشرِكون معه غيرَه في العبادةِ، ويَستعجِلونَ عَذابَه.

وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَعْلَمُ مَا تُكِنُّ صُدُورُهُمْ وَمَا يُعْلِنُونَ (74).

وإنَّ ربَّك -يا محمَّدُ- لَيعلَمُ ما يُخفونَه في قُلوبِهم، وما يُظهِرونَه مِن أقوالِهم وأفعالِهم، لا يخفَى عليه منها شَيءٌ.

وَمَا مِنْ غَائِبَةٍ فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ (75).

وما مِن شَيءٍ مَخفيٍّ عن العبادِ في السَّماءِ والأرضِ إلَّا يَعلَمُه اللهُ، وهو مثبَتٌ في كتابٍ واضحٍ بيِّنٍ، وهو اللَّوحُ المحفوظُ.

إِنَّ هَذَا الْقُرْآَنَ يَقُصُّ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَكْثَرَ الَّذِي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (76).

إنَّ هذا القُرآنَ يُبيِّنُ لبني إسرائيلَ الحَقَّ في أكثَرِ ما يختَلِفونَ فيه، فلو اتَّبَعوه لاهتَدَوا.

وَإِنَّهُ لَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ (77).

وإنَّ القرآنَ لهُدًى مِن كلِّ ضلالةٍ، ومُوصِلٌ إلى المقصودِ، ورحمةٌ للمُؤمِنينَ العامِلينَ به، في دينِهم ودُنياهم وأُخْراهم.

إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ بِحُكْمِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ (78).

إنَّ ربَّك -يا محمَّدُ- سيَحكُمُ يومَ القيامةِ بيْنَ عِبادِه المُختَلِفينَ بحُكمِه العادِلِ، ويُجازيهم بما يَستحِقُّون، واللهُ هو العزيزُ في انتِقامِه، الغالِبُ القاهِرُ لعبادِه، المُمتَنِعُ عن كُلِّ نَقصٍ وعَيبٍ، العليمُ بكلِّ شَيءٍ، فلا يخفَى عليه شَيءٌ مِن أعمالِ العبادِ ونيَّاتِهم وغيرِ ذلك، ويُجازيهم بما يَستَحِقُّونَ.

فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّكَ عَلَى الْحَقِّ الْمُبِينِ (79).

فاعتَمِدْ -يا محمَّدُ- على اللهِ وَحْدَه، وثِقْ به، وفوِّضْ جميعَ أمورِك إليه، إنَّك -يا محمَّدُ- على الحقِّ الظَّاهِرِ الواضِحِ غايةَ الوُضوحِ، فلا خَفاءَ فيه ولا اشتِباهَ، وإنْ خالَفَك مَنْ خالَفَك.

إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى وَلَا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ إِذَا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ (80).

إنَّك -يا محمَّدُ- لا تَهدي الكُفَّارَ الَّذين ماتت قلوبُهم بعْدَ أن خَتَم اللهُ عليها، فلا تَقدِرُ على إسماعِهم سَماعَ هُدًى ونَفعٍ وقَبولٍ يَستَجيبون معه للحَقِّ ويَنقادونَ إليه، إلَّا أن يَشاءَ اللهُ هِدايتَهم، ولا تَقدِرُ أن تُسمِعَ الحَقَّ الكفَّارَ الَّذين أصَمَّ اللهُ آذانَهم، إذا أعرَضوا عن سَماعِ الحَقِّ وتدَبُّرِه.

وَمَا أَنْتَ بِهَادِي الْعُمْيِ عَنْ ضَلَالَتِهِمْ إِنْ تُسْمِعُ إِلَّا مَنْ يُؤْمِنُ بِآَيَاتِنَا فَهُمْ مُسْلِمُونَ (81).

وما أنتَ -يا محمَّدُ- بهادي الكُفَّارِ الَّذين عَمُوا عن الحَقِّ، فتُخرِجَهم مِنَ الكُفرِ إلى الإيمانِ، لا تَقدِرُ على أن تُفهِمَ الحَقَّ أحَدًا إلَّا الَّذين يُؤمِنونَ بآياتِنا فيَسمَعونَها ويتفَكَّرونَ فيها، ويَنقادونَ للعَمَلِ بها بإخلاصٍ وخُضوعٍ.

وَإِذَا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ أَخْرَجْنَا لَهُمْ دَابَّةً مِنَ الْأَرْضِ تُكَلِّمُهُمْ أَنَّ النَّاسَ كَانُوا بِآَيَاتِنَا لَا يُوقِنُونَ (82).

وإذا حلَّ الوَعدُ بالعذابِ والسَّخَطِ على الكافِرينَ، أخرَجْنا لهم دابَّةً مِنَ الأرضِ، تخاطِبُ الكافرينَ بأنَّ النَّاسَ لا يُؤمِنونَ بآياتِ اللهِ تعالى إيمانًا تامًّا لا شكَّ فيه ولا شُبهةَ.

وَيَوْمَ نَحْشُرُ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ فَوْجًا مِمَّنْ يُكَذِّبُ بِآَيَاتِنَا فَهُمْ يُوزَعُونَ (83).

واذكُرْ يومَ نَجمَعُ مِن كُلِّ أمَّةٍ مِن الأُمَمِ جماعةً كثيرةً مِمَّن يُكذِّبُ بآياتِ القُرآنِ وحُجَجِنا الدَّالَّةِ على الحَقِّ، فيُحبَسُ أوَّلُهم على آخِرِهم، فيَجتَمِعونَ جميعًا.

حَتَّى إِذَا جَاءُوا قَالَ أَكَذَّبْتُمْ بِآَيَاتِي وَلَمْ تُحِيطُوا بِهَا عِلْمًا أَمْ مَاذَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (84).

فلمَّا جاؤوا إلى الموضِعِ الَّذي أراده اللهُ لِتَبكيتِهم، قال لهم مُوبِّخًا: أكذَّبتُم بآياتِ كِتابي وحُجَجي، والحالُ أنَّكم جاهِلونَ بها لم تَعرِفوها حقَّ مَعرِفتِها؟! أم ما الَّذي كنتُم تَعمَلونَه؟!

وَوَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ بِمَا ظَلَمُوا فَهُمْ لَا يَنْطِقُونَ (85).

ووجَبَ عذابُ اللهِ وغَضَبُه يومَ القيامةِ على أولئك المكَذِّبينَ؛ بسَبَبِ ظُلمِهم أنفُسَهم في الدُّنيا بتكذيبِهم آياتِ اللهِ سُبحانَه، لا يَستطيعُ أولئك المكَذِّبونَ أن يَنطِقوا بحُجَّةٍ أو عُذرٍ يَدفَعُ عنهم العَذابَ.

أَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا اللَّيْلَ لِيَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهَارَ مُبْصِرًا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (86).

ألم يَرَوا أنَّا جعَلْنا اللَّيلَ مُظلِمًا لِتَسكُنَ فيه أبدانُهم عن الحَركةِ، ويَستريحوا فيه مِن النَّصَبِ والتَّعَبِ؛ وجعَلْنا النَّهارَ ضياءً لِيَنتشِروا فيه؛ طلبًا لمعايشِهم وغيرِها، فجعَلْناهما مختَلِفَينِ ومُتعاقِبَينِ لمصالحِهم؟! إنَّ في خَلقِ اللَّيلِ والنَّهارِ واختِلافِهما على تلك الصِّفةِ لَدَلالاتٍ لِقَومٍ يُؤمِنونَ بالله، ومِن ذلك الدَّلالةُ على توحيدِه وقُدرتِه على إحياءِ الموتى.

وَيَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ وَكُلٌّ أَتَوْهُ دَاخِرِينَ (87).

واذكُرْ يومَ يَنفُخُ المَلَكُ بأمرِ اللهِ في البُوقِ فيفزعُ كُلُّ مَن في السَّمواتِ ومَن في الأرضِ، إلَّا مَن شاء اللهُ ألَّا يَفزَعَ. وكُلُّ مَن في السَّمواتِ ومَن في الأرضِ جاؤوا إلى اللهِ بذُلٍّ وخُضوعٍ.

وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ إِنَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَفْعَلُونَ (88).

وترَى الجِبالَ تظُنُّها ثابتةً ساكِنةً، ولكِنَّها في الحقيقةِ تتحرَّكُ كالسَّحابِ، ذلك مِن فِعْلِ وخَلْقِ اللهِ الَّذي أجاد وأوثَقَ وأحكَمَ كُلَّ شَيءٍ، إنَّ اللهَ يعلَمُ ما تَفعلونَه مِن خيرٍ وشرٍّ، وسيُجازيكم على جَميعِ أعمالِكم؛ فلْتَحذَروا مُخالَفةَ أمرِه.

مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْهَا وَهُمْ مِنْ فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آَمِنُونَ (89).

مَن جاء يومَ القيامةِ بالحَسَنةِ فله ثَوابٌ عظيمٌ عندَ اللهِ، وهم آمِنونَ يومَ القيامةِ مِن الفَزَعِ الحاصِلِ للخَلقِ.

وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَكُبَّتْ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ هَلْ تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (90).

ومَن جاء يومَ القيامةِ بالسَّيِّئةِ فيُلْقَوْنَ في النَّارِ على وُجوهِهم؛ يُقالُ لهم: لا تُجازَونَ إلَّا بحَسَبِ أعمالِكم الَّتي كنتُم تَعمَلونَها في الدُّنيا.

إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هَذِهِ الْبَلْدَةِ الَّذِي حَرَّمَهَا وَلَهُ كُلُّ شَيْءٍ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ (91).

قُلْ -يا محمَّدُ- لِقَومِك مِن قُرَيشٍ: إنَّما أمرَني اللهُ أن أعبُدَ رَبَّ هذه البلدةِ -مكَّةَ- الَّذي جعَلَها حَرَمًا آمِنًا؛ حرَّم فيها على خَلقِه أن يَسفِكوا دمًا حرامًا، أو يَظلِموا أحدًا، أو يَصيدوا فيها، أو يَقطَعوا شَجَرَها، وللهِ -رَبِّ مَكَّةَ- الأشياءُ كُلُّها خَلقًا ومِلكًا وتصرُّفًا، وأمَرَني اللهُ أن أكونَ مِن المُستسلِمينَ له بالتَّوحيدِ، المنقادينَ له بامتِثالِ أوامِرِه واجتِنابِ نواهيه.

وَأَنْ أَتْلُوَ الْقُرْآَنَ فَمَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَقُلْ إِنَّمَا أَنَا مِنَ الْمُنْذِرِينَ (92).

وأمَرَني اللهُ أن أقرأَ القرآنَ وأتَّبِعَ ما فيه، فمَنْ آمَنَ بالقُرآنِ وعَمِلَ به واتَّبَع الحَقَّ الَّذي فيه، فإنَّما ثَوابُ ذلك ونَفْعُه يعودُ إليه، ومَن كفَرَ بالقُرآنِ وأعرَضَ عن العمَلِ بما فيه، فقُلْ له: إنَّما أنا مِن الرُّسُلِ المخَوِّفِينَ عذابَ اللهِ وسَخَطَه وعواقِبَ ضَلالِكم؛ فليس علَيَّ إلَّا البلاغُ المُبينُ.

وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ سَيُرِيكُمْ آَيَاتِهِ فَتَعْرِفُونَهَا وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (93).

وقُلْ -يا محمَّدُ-: المتَّصِفُ بالكَمالِ هو اللهُ تعالى الَّذي أنعَمَ علينا وهدانا، وبيَّن آياتِه وأقام الحُجَّةَ على عبادِه، سيُريكم في الدُّنيا آياتِ عذابِه ودلائِلَ وحدانيَّتِه وقُدرتِه، فيتبيَّنُ لكم صِدقُ ما أخبَرَكم اللهُ به، وصِدقُ ما دَعوتُكم إليه وتوعَّدتُكم به، وما ربُّك بغافلٍ عمَّا تعملونَه، بل هو شَهيدٌ على كلِّ أعمالِكم، وسيُجازيكم عليها.

القصص

طسم (1).

تُبيِّنُ هذه الحروفُ المقطَّعةُ، إعجازَ القرآنِ؛ حيثُ تُظهِرُ عجْزَ الخَلقِ عن مُعارَضَتِه بمثلِه، مع أنَّه مركَّبٌ مِن هذه الحروفِ الَّتي يَتحدَّثون بها!

تِلْكَ آَيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ (2).

تلك الآياتُ العَظيمةُ العاليةُ آياتُ القُرآنِ الواضحِ، الكاشفِ عن حقائقِ الأمورِ.

نَتْلُوا عَلَيْكَ مِنْ نَبَإِ مُوسَى وَفِرْعَوْنَ بِالْحَقِّ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (3).

نقرأُ عليك -يا محمَّدُ- في هذا القُرآنِ مِن خبَرِ موسى وفِرعَونَ بالصِّدقِ، لِقَومٍ يُؤمِنونَ بهذا القُرآنِ، فيعتَبِرونَ.

إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ (4).

إنَّ فِرعَونَ طغَى وتجبَّر في الأرضِ، وجعَلَ أهلَ مملكتِه أقسامًا متفَرِّقةً، يستعبِدُ منهم بني إسرائيلَ، ويُذِلُّهم، يأمُرُ بذَبحِ أبنائهم الذُّكورِ، ويَترُكُ إناثَهم أحياءً، إنَّ فِرعَونَ كان مِن المفسِدينَ في الأرضِ.

وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ (5).

ونريدُ أن نُنعِمَ على بني إسرائيلَ، فنُهلِكَ أعداءَهم، ونجعَلَهم أئمَّةً، يُقتدَى بهم، ووارِثينَ لملكِ فِرعَونَ وأرضِه.

وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُمْ مَا كَانُوا يَحْذَرُونَ (6).

ونُوطِّئَ لبني إسرائيلَ في الأرضِ، ونريدُ أن نُريَ فِرعَونَ وهامانَ وجُنودَهما ما كانوا يخافونَه مِن زَوالِ مُلكِهم على أيدي بني إسرائيلَ.

وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلَا تَخَافِي وَلَا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ (7).

وأوحى اللهُ إلى أمِّ موسى أن أرضِعيه ما دُمتِ آمِنةً عليه، فإذا خِفْتِ عليه مِن فِرعَونَ وجُندِه، فاطرَحيه في نهرِ النِّيلِ بعدَ وَضعِه في التَّابوتِ، ولا تخافي عليه الهَلاكَ، ولا تحزني على فِراقِه، إنَّا رادُّوه إليكِ، وجاعِلوه مِن رُسلِ اللهِ.

فَالْتَقَطَهُ آَلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا إِنَّ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا كَانُوا خَاطِئِينَ (8).

فأخَذ آلُ فِرعَونَ موسى؛ لِيَكونَ عدوًّا لهم في دينِهم، يَحزُنُهم بزَوالِ مُلكِهم، ووقوعِ هَلاكِهم، إنَّ فِرعَونَ وهامانَ وجُنودَهما كانوا عُصاةً آثِمينَ.

وَقَالَتِ امْرَأَةُ فِرْعَوْنَ قُرَّةُ عَيْنٍ لِي وَلَكَ لَا تَقْتُلُوهُ عَسَى أَنْ يَنْفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (9).

وقالت امرأةُ فِرعَونَ: هذا الطِّفلُ سُرورٌ لي ولك يا فِرعَونُ، لا تَقتُلوه؛ لعلَّه ينفَعُنا، أو نجعَلُه ولدًا نتبَنَّاه، وفِرعَونُ وآلُه لا يَعلَمونَ أنَّ هلاكَهم على يَدَيْ هذا الطِّفلِ.

وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَى فَارِغًا إِنْ كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ لَوْلَا أَنْ رَبَطْنَا عَلَى قَلْبِهَا لِتَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (10).

وأصبحَ قلبُ أمِّ موسى فارغًا مِن كلِّ شيءٍ إلَّا مُوسى، وأوشكَتْ أن تُظهر أنَّه ابنُها، لولا أن ثبَّتْنا قَلْبَها؛ لِتَكونَ مِنَ المُؤمِنينَ بوَعدِ اللهِ.

وَقَالَتْ لِأُخْتِهِ قُصِّيهِ فَبَصُرَتْ بِهِ عَنْ جُنُبٍ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (11).

وقالت أمُّ موسى لأختِه: اذهَبي فتَتبَّعي أثَرَه؛ لِتَعلَمي خبَرَه، فذهَبَت، فرَأَتْه مِن بعيدٍ، وقَومُ فِرعَونَ لا يعلَمونَ أنَّها أختُه، وأنَّها تُراقِبُه.

وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ الْمَرَاضِعَ مِنْ قَبْلُ فَقَالَتْ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ وَهُمْ لَهُ نَاصِحُونَ (12).

ومَنَعْنا موسى مِن قَبْلُ مَنْعًا قَدَريًّا أن يَقبَلَ الرَّضاعَ مِن أيِّ مُرضِعٍ غيرِ أمِّه، فقالت أختُه لآلِ فِرعَونَ: هل أدُلُّكم على أهلِ بَيتٍ يَضْمَنونَ القيامَ بحَضانتِه وإرضاعِه، وهم مُخلِصون في ذلك؟

فَرَدَدْنَاهُ إِلَى أُمِّهِ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا وَلَا تَحْزَنَ وَلِتَعْلَمَ أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (13).

فردَدْنا موسى إلى أمِّه؛ لكيْ تُسَرَّ به وتفرَحَ، ولا تحزَنَ على فِراقِه، ولِتَعلَمَ يقينًا أنَّ ما وعَدَها اللهُ مِن ردِّ موسى إليها، وجَعْلِه رَسولًا: صِدقٌ لا بدَّ مِن وُقوعِه، ولكنَّ أكثَرَهم لا يَعلَمونَ أنَّ وَعْدَ اللهِ حقٌّ، ولا يَعلَمونَ حِكَمَه العَظيمةَ.

وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوَى آَتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (14).

ولَمَّا بلغَ موسى عليه السَّلامُ مُنتهى شِدَّتِه وقوَّتِه؛ آتَيْناه حكمَةً وعِلمًا قبْلَ النُّبوَّةِ، وكما جازَيْناه بذلك لإحسانِه، نُثِيبُ أيضًا كُلَّ مَن أحسَنَ في عبادةِ اللهِ، أو للخَلقِ.

وَدَخَلَ الْمَدِينَةَ عَلَى حِينِ غَفْلَةٍ مِنْ أَهْلِهَا فَوَجَدَ فِيهَا رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلَانِ هَذَا مِنْ شِيعَتِهِ وَهَذَا مِنْ عَدُوِّهِ فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ فَوَكَزَهُ مُوسَى فَقَضَى عَلَيْهِ قَالَ هَذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ عَدُوٌّ مُضِلٌّ مُبِينٌ (15).

ودخَل موسى مدينةً في مِصرَ في وقتٍ لا يَشعُرُ فيه أهلُها بدُخولِه، فوجَدَ فيها رجُلينِ يتنازَعانِ؛ أحدُهما مِن بني إسرائيلَ، والآخَرُ مِن قَومِ فِرعَونَ، فطلَبَ الإسرائيليُّ مِن موسى أن يَنصُرَه، فضرَبَ القِبطيَّ بقبضةِ يدِه، فقتَلَه، وقال: هذا القَتلُ وقَع من إغواءِ الشَّيطانِ لي، إنَّه عدُوٌّ مُضِلٌّ عن الحقِّ، ظاهِرُ العداوةِ.

قَالَ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (16).

قال موسى: ربِّ إنِّي ظَلمتُ نفْسي بهذا القتل، فاغفر لي ذلك، فغَفَر اللهُ له؛ لأنَّه غفورٌ لِذُنوبِ عبادِه، رحيمٌ بهم.

قَالَ رَبِّ بِمَا أَنْعَمْتَ عَلَيَّ فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيرًا لِلْمُجْرِمِينَ (17).

قال موسى: ربِّ أُعاهِدُك ألَّا أكونَ مُعينًا للمجرمين بسبَبِ إنعامِك علَيَّ.

فَأَصْبَحَ فِي الْمَدِينَةِ خَائِفًا يَتَرَقَّبُ فَإِذَا الَّذِي اسْتَنْصَرَهُ بِالْأَمْسِ يَسْتَصْرِخُهُ قَالَ لَهُ مُوسَى إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ (18).

فأصبَحَ موسى في المدينةِ التي قُتِلَ فيها القِبطيُّ خائِفًا، يُراقِبُ، وينتَظِرُ ما يتحدَّثُ به النَّاسُ في شأنِه، فتفاجَأ بالإسرائيليِّ الَّذي طلَبَ النُّصرةَ بالأمسِ يَصيحُ به اليَومَ، طالِبًا أن يَنصُرَه على فِرعَونيٍّ آخَرَ، فقال موسى له: إنَّك ظاهِرُ الغَوايةِ، كَثيرُ المُنازَعةِ.

فَلَمَّا أَنْ أَرَادَ أَنْ يَبْطِشَ بِالَّذِي هُوَ عَدُوٌّ لَهُمَا قَالَ يَا مُوسَى أَتُرِيدُ أَنْ تَقْتُلَنِي كَمَا قَتَلْتَ نَفْسًا بِالْأَمْسِ إِنْ تُرِيدُ إِلَّا أَنْ تَكُونَ جَبَّارًا فِي الْأَرْضِ وَمَا تُرِيدُ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْمُصْلِحِينَ (19).

فلمَّا أراد موسى أن يأخُذَ القِبطيَّ الَّذي هو عدوٌّ له وللإسرائيليِّ بعُنفٍ، ويَضرِبَه، قال: يا موسى، أتُريدُ أن تقتُلَني اليومَ كما قتَلْتَ القِبطيَّ بالأمسِ؟ ما تُريدُ بقَتلِك النَّاسَ ظُلمًا إلَّا أن تكونَ قاهِرًا غالِبًا، وما تريدُ أن تفعلَ ما فيه صلاحٌ للناسِ.

وَجَاءَ رَجُلٌ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ يَسْعَى قَالَ يَا مُوسَى إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ فَاخْرُجْ إِنِّي لَكَ مِنَ النَّاصِحِينَ (20).

وجاء رجُلٌ مِن آخِرِ المدينةِ وأبعَدِها يمشي مُسرِعًا إلى موسى، فقال له: إنَّ الأشرافَ مِن قَومِ فِرعَونَ يَتشاوَرونَ في قَتلِك، ويأمُرُ بَعضُهم بَعضًا بذلك، فاخرُجْ مِن هذه المدينةِ، إنِّي مِن النَّاصِحينَ لك في ذلك.

فَخَرَجَ مِنْهَا خَائِفًا يَتَرَقَّبُ قَالَ رَبِّ نَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (21).

فخرَج موسى وهو خائِفٌ، يتلفَّتُ ويَنظُرُ: هل يَلحَقونَ به، وقال: رَبِّ خَلِّصْني مِن قَومِ فِرعَونَ الظَّالِمينَ لأنفُسِهم بالكُفرِ، وإرادةِ قَتلي على ما وقَع منِّي مِن قتلٍ بالخَطأِ.

وَلَمَّا تَوَجَّهَ تِلْقَاءَ مَدْيَنَ قَالَ عَسَى رَبِّي أَنْ يَهْدِيَنِي سَوَاءَ السَّبِيلِ (22).

ولَمَّا خرَج موسى مِن مِصرَ، وقَصَد بلدةَ مَدْينَ، وخَشِيَ أن يَضِلَّ الطَّريقَ؛ قال: عسى أن يُبَيِّنَ لي ربِّي الطَّريقَ المُوصِلَ بسُهولةٍ إلى مَدْينَ.

وَلَمَّا وَرَدَ مَاءَ مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِنَ النَّاسِ يَسْقُونَ وَوَجَدَ مِنْ دُونِهِمُ امْرَأتَيْنِ تَذُودَانِ قَالَ مَا خَطْبُكُمَا قَالَتَا لَا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَاءُ وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ (23).

ولَمَّا بلَغَ موسى ماءَ مَدْينَ وجَدَ جماعةً كثيرةً يَسقُونَ مَواشِيَهم، ووجَدَ مِن دونِهم امرأتَينِ تَحبِسانِ غَنَمَهما عن النَّاسِ، فقال لهما: ما شأنُكما تكُفَّانِ غنَمَكما، ولا تَسقيانِ؟ قالَتَا: عادَتُنا أنَّنا لا نَسْقي أغنامَنا إلَّا بعدَ أن يَصرِفَ الرُّعاةُ مواشِيَهم، وأبونا كبيرٌ في السِّنِّ، يَضعُفُ عن سَقيِ الغَنَمِ بنَفْسِه.

فَسَقَى لَهُمَا ثُمَّ تَوَلَّى إِلَى الظِّلِّ فَقَالَ رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ (24).

فسقَى موسى للمَرأتَينِ غَنَمَهما بلا أُجرةٍ؛ رحمةً بهما، ثمَّ انصرَفَ إلى ظِلٍّ هناك، فقال: ربِّ، إنِّي مُحتاجٌ إلى أيِّ شَيءٍ أنزَلْتَه إلَيَّ مِن أيِّ خيرٍ كان.

فَجَاءَتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاءٍ قَالَتْ إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا فَلَمَّا جَاءَهُ وَقَصَّ عَلَيْهِ الْقَصَصَ قَالَ لَا تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (25).

فجاءت إحدى المرأتَينِ إلى موسى، وهي تَمشي مُسْتحِيةً مُستَتِرةً فقالت: إنَّ أبي يَدْعوك لِيُكافِئَك على سَقْيِك أغنامَنا، فلمَّا جاء إلى أبيها وحدَّثَه بأخبارِه مع فِرعَونَ وقَومِه؛ قال الأبُ: لا تخَفْ؛ فقد نجَوْتَ مِن فِرعَونَ وقَومِه؛ إذْ لا سُلطانَ لهم بأرضِنا.

قَالَتْ إِحْدَاهُمَا يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ (26).

قالت إحدَى الفتاتين: يا أبتِ استأجِرْ هذا الرَّجُلَ؛ لِرَعيِ غَنَمِنا وسَقْيِها، إنَّ خيرَ مَن تَستأجِرُه القَويُّ على عَمَلِه، الأمينُ الَّذي لا يَخونُ.

قَالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْرًا فَمِنْ عِنْدِكَ وَمَا أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ (27).

قال الأبُ لِموسى: إنِّي أُريدُ تزويجك بإحدى ابنتَيَّ على أن ترعى لي الغَنَمَ ثمانيَ سِنينَ، فإنْ أتممْتَ رعْيَها في عَشْرِ سِنينَ، فهذا تفَضُّلٌ منك، وما أُريدُ تكليفكَ بما يَشُقُّ عليك، ستَجِدُني إن شاء اللهُ مِنَ الصَّالحينَ في حُسنِ المعاملةِ والصُّحبةِ، بالوفاءِ وغيرهِ.

قَالَ ذَلِكَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ أَيَّمَا الْأَجَلَيْنِ قَضَيْتُ فَلَا عُدْوَانَ عَلَيَّ وَاللَّهُ عَلَى مَا نَقُولُ وَكِيلٌ (28).

قال موسى للأبِ: قد رَضِيتُ بما قُلْتَه، وتمَّ فيما بيْني وبيْنَك، وعلى كلِّ واحدٍ مِنَّا الوفاءُ، وأيَّ أجَلٍ قَضَيتُ -سواء العَشرُ، أو الثَّمانِي- فليس لك مطالبتي بأكثَرَ مِنه، واللهُ على ما تعاقَدْنا عليه حَفيظٌ وشاهدٌ.

فَلَمَّا قَضَى مُوسَى الْأَجَلَ وَسَارَ بِأَهْلِهِ آَنَسَ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ نَارًا قَالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آَنَسْتُ نَارًا لَعَلِّي آَتِيكُمْ مِنْهَا بِخَبَرٍ أَوْ جَذْوَةٍ مِنَ النَّارِ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ (29).

فلمَّا أنهى موسى سَنَواتِ رَعْيِه للغَنَمِ، وسافر بأهلِه؛ أبصَرَ مِن جِهةِ الجَبَلِ نارًا، فقال لأهلِه: أقيموا مَكانَكم؛ فإنِّي أبصَرْتُ نارًا، سأذهَبُ إليها راجيًا أن أرجِعَ مِن عندِ أهلها بخبَرٍ عن الطَّريقِ، أو آتيكم مِنها بقِطعةِ حَطَبٍ مُشتَعلةٍ، رجاءَ أن تَستدفِئوا بها.

فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ مِنْ شَاطِئِ الْوَادِ الْأَيْمَنِ فِي الْبُقْعَةِ الْمُبَارَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ أَنْ يَا مُوسَى إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ (30).

فلمَّا أتَى موسَى إلى النَّارِ، ناداه اللهُ تعالى مِن جانِبِ الوادي الواقِعِ على يمينِ موسى في الأرضِ الَّتي أحَلَّ اللهُ فيها البَرَكةَ مِن ناحيةِ الشَّجَرةِ، فقال له: يا موسَى، إنَّ الَّذي يُكَلِّمُك هو أنا اللهُ ربُّ جميعِ الخلائِقِ.

وَأَنْ أَلْقِ عَصَاكَ فَلَمَّا رَآَهَا تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جَانٌّ وَلَّى مُدْبِرًا وَلَمْ يُعَقِّبْ يَا مُوسَى أَقْبِلْ وَلَا تَخَفْ إِنَّكَ مِنَ الْآَمِنِينَ (31).

واطرَحْ عصاك، فطرحَها، فلمَّا رآها تتحرَّكُ كأنَّها حيَّةٌ في سُرعتها، وشِدَّةِ اهتِزازِها؛ هرَبَ مُسرِعًا ولم يَرجِعْ أو يلتَفِتْ، فقال اللهُ: يا موسى، عُدْ إلى مكانِك ولا تخَفْ؛ إنَّك في أمْنٍ مِن أن ينالَك مَكروهٌ.

اسْلُكْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ وَاضْمُمْ إِلَيْكَ جَنَاحَكَ مِنَ الرَّهْبِ فَذَانِكَ بُرْهَانَانِ مِنْ رَبِّكَ إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ (32).

أدخِلْ يَدَك في فَتحةِ قَميصِك -وهي الفتحةُ العُلويَّةُ موضعَ دُخولِ الرَّأسِ- فإذا أخرَجْتَها تكونُ بيضاءَ مِن غيرِ مَرَضٍ، واضمُمْ يَدَك إلى صَدرِك؛ فيذهَبَ ما أصابَك مِن الخَوفِ، فهاتانِ آيَتانِ مِن رَبِّك -العصا واليد-، أُرسِلُك بهما إلى فِرعَونَ وأشرافِ قَومِه؛ لأنَّهم مَطبوعونَ على الكُفرِ، مُتَّصِفونَ بالخُروجِ عن طاعةِ اللهِ.

قَالَ رَبِّ إِنِّي قَتَلْتُ مِنْهُمْ نَفْسًا فَأَخَافُ أَنْ يَقْتُلُونِ (33).

قال موسى: ربِّ إنِّي قَتلْتُ مِن قَومِ فِرعَونَ نفْسًا، فأخافُ إنْ رأَوْني وحيدًا بلا مُعِينٍ يُبَيِّنُ لهم ما أُريدُ قولَه- أن يَقتُلوني قبلَ أن أتمكَّنَ مِن دَعوتِهم إلى الحَقِّ.

وَأَخِي هَارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِسَانًا فَأَرْسِلْهُ مَعِيَ رِدْءًا يُصَدِّقُنِي إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ (34).

وأخي هارونُ هو أحسَنُ مِنِّي بيانًا؛ فاجعَلْه رَسولًا معي، ووزيرًا يُعينني لي على دَعوتِهم، يُبَيِّنُ ما أقولُ لهم؛ لأنِّي أخافُ ألَّا يُصَدِّقَني فِرعَونُ وقَومُه.

قَالَ سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ وَنَجْعَلُ لَكُمَا سُلْطَانًا فَلَا يَصِلُونَ إِلَيْكُمَا بِآَيَاتِنَا أَنْتُمَا وَمَنِ اتَّبَعَكُمَا الْغَالِبُونَ (35).

قال اللهُ: سنُقوِّيك بإرسالِ أخيك معك، ونجعَلُ لكما حُجَّةً على فِرعَونَ وقَومِه، ومَهابةً منكما، فتغلبانهم، وتَمتَنِعانِ منهم؛ بسَبَبِ آياتِنا، فلا يؤذونَكما، أنتما وأتْباعُكما المنصورونَ على فِرعَونَ ومَلَئِه، القاهِرونَ لهم.

فَلَمَّا جَاءَهُمْ مُوسَى بِآَيَاتِنَا بَيِّنَاتٍ قَالُوا مَا هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُفْتَرًى وَمَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي آَبَائِنَا الْأَوَّلِينَ (36).

فلمَّا جاءهم موسى بالمعجزاتِ والحُجَجِ الواضحةِ على الحَقِّ، قال فِرعَونُ وقَومُه: الَّذي جاء به موسى سِحرٌ افتراه؛ فهو تخييلٌ لا حقيقةَ له، وليس مُعجِزةً إلهيَّةً كما يزعُمُ، وما سَمِعْنا مَن يدعو آباءَنا إلى مِثلِ ما تَدعو إليه.

وَقَالَ مُوسَى رَبِّي أَعْلَمُ بِمَنْ جَاءَ بِالْهُدَى مِنْ عِنْدِهِ وَمَنْ تَكُونُ لَهُ عَاقِبَةُ الدَّارِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ (37).

وقال موسى مُجيبًا لهم: ربِّي أعلَمُ بالَّذي جاء بالحقِّ مِن عندِه: نحنُ أو أنتم، وربِّي أعلَمُ بمَن تكونُ له العاقِبةُ المحمودةُ في الدُّنيا والآخرةِ: نحنُ أو أنتم، إنَّ الظَّالِمين لا يفوزُون بالعاقِبةِ الحَميدةِ والبَقاءِ في النَّعيمِ.

وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي فَأَوْقِدْ لِي يَا هَامَانُ عَلَى الطِّينِ فَاجْعَلْ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَطَّلِعُ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ مِنَ الْكَاذِبِينَ (38).

وقال فِرعَونُ: يا أيُّها الأشرافُ، لا أعلَمُ أنَّ لكم معبودًا غيري كما يزعُمُ موسى، فأوقِدِ النَّارَ يا هامانُ على الطِّينِ؛ لِتَجفيفِه، فيكونَ آجُرًّا تبني لي به بناءً مُرتَفِعًا، لعلِّي أنظُرُ إلى معبودِ موسى الَّذي يَدْعونا إلى عبادتِه، وإنِّي لأظُنُّ موسى كاذِبًا في زَعمِه.

وَاسْتَكْبَرَ هُوَ وَجُنُودُهُ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ إِلَيْنَا لَا يُرْجَعُونَ (39).

واستعظَمَ فِرعَونُ وجُنودُه وتعالَوا في الأرضِ عن اتِّباعِ الهُدى؛ ظُلمًا مِن غيرِ بُرهانٍ، وظنُّوا أنَّهم لا يُبعَثونَ للحِسابِ والجَزاءِ.

فَأَخَذْنَاهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ (40).

فأخَذْنا فِرعَونَ وجُنودَه أخْذَ نِقمةٍ، فأغرَقْناهم أجمَعينَ، فانظُرْ كيف كان آخِرُ أمرِ أولئكَ الظَّالِمينَ.

وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ لَا يُنْصَرُونَ (41).

وجعَلْنا فِرعَونَ وقَومَه في الدُّنيا زُعماءَ مَتبوعينَ على الكُفرِ، يَدْعُونَ النَّاسَ إلى أعمالِ أهلِ النَّارِ، ويَومَ القيامةِ لا يَنصُرُهم أحَدٌ، ولا يدفَعُ عنهم عذابَ اللهِ تعالى.

وَأَتْبَعْنَاهُمْ فِي هَذِهِ الدُّنْيَا لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ هُمْ مِنَ الْمَقْبُوحِينَ (42).

وجعَلْنا اللَّعنةَ من اللهِ وعبادِهِ تَتبَعُهم بعْدَ هَلاكِهم، ويومَ القيامةِ هم مِنَ المُهلَكِينَ المَمقوتينَ، الشَّنيعةِ أفعالهُم وأقوالُهم، القبيحةِ أشكالُهم.

وَلَقَدْ آَتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ مِنْ بَعْدِ مَا أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ الْأُولَى بَصَائِرَ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَرَحْمَةً لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (43).

ولقد آتَيْنا موسى التَّوراةَ مِن بَعدِ ما أهلَكْنا الأُمَمَ الماضيةَ، ضِياءً لبني إسرائيلَ يُبصِرون به ما ينفَعُهم، وهُدًى إلى الحَقِّ، ورَحمةً لهم؛ لِيَتذكَّروا فيَتَّعِظوا.

وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ الْغَرْبِيِّ إِذْ قَضَيْنَا إِلَى مُوسَى الْأَمْرَ وَمَا كُنْتَ مِنَ الشَّاهِدِينَ (44).

وما كنتَ -يا محمَّدُ- في جهة الطور الغربية بالنسبة لموسى إذ كلَّمْناه وأوحَيْنا إليه، وما كُنتَ مُشاهِدًا بعينيك تفاصيلَ ما جرَى هنالِك.

وَلَكِنَّا أَنْشَأْنَا قُرُونًا فَتَطَاوَلَ عَلَيْهِمُ الْعُمُرُ وَمَا كُنْتَ ثَاوِيًا فِي أَهْلِ مَدْيَنَ تَتْلُو عَلَيْهِمْ آَيَاتِنَا وَلَكِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ (45).

ولكنَّا خلَقْنا أُمَمًا بَعدَ موسى، وطالت مدَّةُ انقِطاعِ الوَحيِ، فنُسيَ عَهدُ الله؛ فأرسَلْنا محمَّدًا صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، وما كُنتَ -يا محمَّدُ- مقيمًا زمنًا طويلًا في أهلِ مَدْيَنَ؛ فتقرأَ على أهلِ مكَّةَ ما وقعَ مِن شأنِ موسى في مَدْيَنَ، ولكِنَّا أوحَيْنا إليك في القُرآنِ بتلك الأخبارِ الماضيةِ.

وَمَا كُنتَ بِجَانِبِ الطُّورِ إِذْ نَادَيْنَا وَلَٰكِن رَّحْمَةً مِّن رَّبِّكَ لِتُنذِرَ قَوْمًا مَّا أَتَاهُم مِّن نَّذِيرٍ مِّن قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (46)

وما كُنتَ -يا محمَّدُ- حاضِرًا بجانِبِ الجَبَلِ حينَ كلَّمْنا موسى، ولكِنَّا أوحَيْنا إليك ما جرى؛ رحمةً منَّا بك وبالعِبادِ، لتُحذِّرَ العَرَبَ الَّذينَ لم يأتِهم رَسولٌ مِن قَبْلِك، ولِيَتذكَّروا خطَأَ ما هم عليه مِن ضلالٍ، فيتَّعِظوا.

وَلَوْلَا أَنْ تُصِيبَهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فَيَقُولُوا رَبَّنَا لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آَيَاتِكَ وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (47).

ولولا أن يُعذِّبَ اللهُ مُشرِكي قُرَيشٍ بسببِ كُفرِهم ومعاصيهم قبْلَ إرسالِك -يا محمَّدُ-، فيقولوا محتَجِّينَ: يا رَبَّنا، هلَّا أرسَلْتَ إلينا رَسولًا قبْلَ أن تعَذِّبَنا؛ فنتَّبِعَ آياتِك، ونَكونَ مِنَ المُؤمِنينَ بالحق؟ لَعاجَلْناهم بالعذابِ، ولَكِنَّا أقَمْنا الحُجَّةَ عليهم بإرسالِك إليهم.

فَلَمَّا جَاءَهُمُ الْحَقُّ مِنْ عِنْدِنَا قَالُوا لَوْلَا أُوتِيَ مِثْلَ مَا أُوتِيَ مُوسَى أَوَلَمْ يَكْفُرُوا بِمَا أُوتِيَ مُوسَى مِنْ قَبْلُ قَالُوا سِحْرَانِ تَظَاهَرَا وَقَالُوا إِنَّا بِكُلٍّ كَافِرُونَ (48).

فلمَّا جاء القُرآنُ كُفَّارَ قُرَيشٍ، قالوا: هلَّا أُوتيَه مُحمَّدٌ جُملةً واحِدةً، كما أُوتيَ موسى التَّوراةَ؟ وهلَّا أُوتيَ مُعجِزاتٍ كالَّتي أُوتِيَها موسى؟ أوَلَمْ يَكفُرْ كُفَّارُ قُرَيشٍ بالتَّوراةِ ومعجِزاتِ موسى مِن قَبْلِ بَعثةِ مُحمَّدٍ؟ فكيف يَطلُبونَ ذلك؟ وقالوا: التَّوراةُ والقُرآنُ سِحْرانِ تَعاوَنَا على إضلالِ النَّاسِ، وصدَّق كُلٌّ منهما الآخَرَ، وإنَّا بهما كافِرونَ.

قُلْ فَأْتُوا بِكِتَابٍ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ هُوَ أَهْدَى مِنْهُمَا أَتَّبِعْهُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (49).

قُلْ لهم -يا مُحمَّدُ-: فهاتُوا إذَن كِتابًا مُنزَّلًا مِن عندِ اللهِ أكثَرَ هِدايةً للحَقِّ منهما؛ فأعمَلَ به، إنْ كُنتُم صادقينَ في دَعْواكم أنَّ التَّوراةَ والقُرآنَ سِحرانِ، وأنَّ الحقَّ في غَيرِهما.

فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنَ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (50).

فإنْ لم يأتِ الزَّاعِمونَ أنَّ التَّوراةَ والقُرآنَ سِحرانِ بكتابٍ أهدَى منهما، ويتَّبِعوا الحَقَّ؛ فاعلَمْ -يا مُحمَّدُ- أنَّهم يُؤْثِرونَ أهواءَهم، ولا حُجَّةَ لهم على ما يَزعُمونَ، ولا أحَدَ أضَلُّ عن الحَقِّ ممَّن اتَّبَع هوى نفْسِه، وتَرَك الهُدى بغيرِ حُجَّةٍ مِن عندِ اللهِ، إنَّ اللهَ لا يُوَفِّقُ لاتِّباعِ الحَقِّ الَّذين ظَلَموا أنفُسَهم وغَيرَهم.

وَلَقَدْ وَصَّلْنَا لَهُمُ الْقَوْلَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (51).

ولقد أنزَلَنا القُرآنَ مُتَواصِلًا بَعضُهُ إثرَ بَعضٍ لكُفَّارِ العَربِ وأهلِ الكِتابِ، أو مُتَتابِعًا وعدًا ووَعِيدًا، وقَصَصًا ومَواعِظَ ونَصائِحَ؛ لعلَّهم يتذكَّرون فينتفعُون.

الَّذِينَ آَتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِهِ هُمْ بِهِ يُؤْمِنُونَ (52).

الَّذين آتَيْناهم التَّوراةَ والإنجيلَ مِن قبْلِ القُرآنِ ولم يحرِّفوهما يُؤمِنونَ بالقُرآنِ.

وَإِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ قَالُوا آَمَنَّا بِهِ إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّنَا إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ (53).

وإذا سَمِعوا القُرآنَ يُتلَى عليهم قالوا: آمَنَّا به؛ لأنَّه حَقٌّ نزَل مِن عندِ رَبِّنا، إنَّا كنَّا مِن قبْلِ نُزولِه مُوحِّدينَ للهِ، مُنقادينَ لطاعتِه، مُؤمِنينَ بنُبوَّةِ محمَّدٍ؛ فلهذا آمَنَّا بالقُرآنِ.

أُولَئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ بِمَا صَبَرُوا وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (54).

أولئك الَّذين يُؤمِنونَ بكِتابِهم وبالقُرآنِ، يؤتيهم اللهُ ثوابَهم مُضاعَفًا؛ لصَبرِهم على العَمَلِ بهما، وعلى ما يَلْقَونَه مِنَ الأذَى، ومِن صِفاتِهم أنَّهم يَدفَعونَ السَّيِّئةَ بالحَسَنةِ، وممَّا رَزَقْناهم مِنَ الأموالِ يُنفِقونَ في أوجُهِ البِرِّ.

وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ وَقَالُوا لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ لَا نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ (55).

وإذا سَمِعوا الكَلامَ الباطِلَ أعرَضوا عن الاستِماعِ له، ولم يَرُدُّوا على مَن آذاهم بالكَلامِ القَبيحِ، وقالوا: لنا دِينُنا، ولكم دِينُكمُ، وسيُجازي اللهُ كُلًّا مِنَّا على عَمَلِه ثَوابًا أو عِقابًا، وأنتم سالِمونَ مِن أن نُؤذِيَكم، ولا نُريدُ مُجادَلةَ السُّفَهاءِ المُخالِفينَ للحَقِّ، المُعتَدِينَ على الخَلقِ؛ ولا نُصاحِبُهم، ولا نُحِبُّ طَريقَتَهم.

إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ (56).

إنَّك -يا مُحمَّدُ- لا تُوفِّقُ لاتِّباعِ الحَقِّ مَن أحبَبْتَه، ولكِنَّ اللهَ وحْدَه هو مَن يفعلُ ذلكَ، واللهُ أعلَمُ بمَنْ يَستَحِقُّ الهِدايةَ؛ فيُوَفِّقُه للحَقِّ.

وَقَالُوا إِنْ نَتَّبِعِ الْهُدَى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَا أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَمًا آَمِنًا يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ رِزْقًا مِنْ لَدُنَّا وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (57).

وقال كُفَّارُ قُرَيشٍ: إنْ نَعبُدِ اللهَ وَحْدَه -يا مُحمَّدُ-، يَنتَزِعْنا مُشرِكو العَرَبِ مِن مكَّةَ، فيُخرِجونا أو يَأْسِرونا أو يَقتُلونا، أوَلَمْ نجعَلْ لأهلِ مكَّةَ بلَدًا آمِنًا، تُجلَبُ إليه الثَّمَراتُ المُتنَوِّعةُ مِن شتَّى البُلدانِ، عَطاءً خاصًّا مِن عِندِنا؟ ولكِنَّ أكثَرَ كُفَّارِ مكَّةَ لا يَعلَمونَ أنَّ مَن رزَقَهم وأمَّنَهم في حالِ كُفرِهم يَرزُقُهم لو أسلَموا، ويمنَعُ الكُفَّارَ عنهم.

وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ بَطِرَتْ مَعِيشَتَهَا فَتِلْكَ مَسَاكِنُهُمْ لَمْ تُسْكَنْ مِنْ بَعْدِهِمْ إِلَّا قَلِيلًا وَكُنَّا نَحْنُ الْوَارِثِينَ (58).

وما أكثَرَ القُرَى الَّتي طغَى أهلُها بالنِّعَمِ، وألْهَتْهم عن شُكرِ رَبِّهم؛ فكَفَروا به، فأهلَكَهم! وتلك بُيوتُ القَومِ لم يَسكُنْها أحَدٌ بعْدَ هلاكِهم إلَّا قَليلًا مِن السُّكْنى حينَ يَنزِلُ بعضُ المارَّةِ فيما بَقِيَ منها، وكُنَّا نحنُ الوارِثينَ لِمَساكِنِهم، ولم يَملِكْها أحدٌ بَعْدَهم.

وَمَا كَانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى حَتَّى يَبْعَثَ فِي أُمِّهَا رَسُولًا يَتْلُو عَلَيْهِمْ آَيَاتِنَا وَمَا كُنَّا مُهْلِكِي الْقُرَى إِلَّا وَأَهْلُهَا ظَالِمُونَ (59).

ولم يكُنْ ربُّك -يا محمَّدُ- لِيُهلِكَ القُرى حتَّى يَبعَثَ في أصْلِها الَّذي تَتْبَعُه القُرى رَسولًا يَتْلو على أهلِها آياتِ اللهِ، وما كان اللهُ لِيُهلِكَ القُرى إلَّا وأهلُها مُستَحِقُّون لذلك؛ لاتِّصافِهم بالظُّلمِ بَعْدِ إقامةِ الحُجَّةِ عليهم.

وَمَا أُوتِيتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَمَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَزِينَتُهَا وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى أَفَلَا تَعْقِلُونَ (60).

وما أعطاكُم اللهُ مِنَ النِّعَمِ، فإنَّما هو مَتاعٌ تنتفعون وتَتزَيَّنونَ به في الدُّنيا، ثمَّ يَزولُ سريعًا، وما عندَ اللهِ في الجنَّةِ أفضَلُ مِن ذلك، وأدوَمُ، أفلا تَتدَبَّرونَ -أيُّها النَّاسُ-، فتَعرِفونَ أنَّ ثوابَ الآخِرةِ خَيرٌ مِن نَعيمِ الدُّنيا؟

أَفَمَنْ وَعَدْنَاهُ وَعْدًا حَسَنًا فَهُوَ لَاقِيهِ كَمَنْ مَتَّعْنَاهُ مَتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ هُوَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنَ الْمُحْضَرِينَ (61).

أفمَنْ وعَدْناه على طاعتِه إيَّانا الجنَّةَ، فآمَنَ بوعْدنا وأطاعَنا، فهو لاقٍ ما وُعِدَ، كمَن هو مُكَذِّبٌ بلِقاءِ اللهِ ووَعْدِه ووَعيدِه، مُمَتَّعٌ في الحياةِ الدُّنيا، ثمَّ هو يومَ القيامةِ مِنَ المُحضَرينَ للعذابِ.

وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ (62).

واذكُرْ يومَ يُنادي اللهُ المُشرِكينَ فيَقولُ لهم: أين الَّذين كُنتُم في الدُّنيا تَزعُمونَ أنَّهم شُرَكاءُ لي في العبادةِ، وأنَّهم يَنفَعونَكم؟

قَالَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ رَبَّنَا هَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَغْوَيْنَا أَغْوَيْنَاهُمْ كَمَا غَوَيْنَا تَبَرَّأْنَا إِلَيْكَ مَا كَانُوا إِيَّانَا يَعْبُدُونَ (63).

قال الَّذين وجَبَ عليهم عذابُ اللهِ وغَضَبُه مِنَ دُعاةِ الضَّلالِ: ربَّنا، هؤلاءِ الَّذينَ دعَوْناهم فأطاعونا، أضْلَلْناهم مِثلَما كنَّا ضالِّينَ، تبَرَّأْنا إليك مِنهم وممَّا اختارُوه مِنَ الباطِلِ، فما كانوا يَعبُدونَنا، إنَّما كانوا يَتَّبِعونَ أهواءَهم.

وَقِيلَ ادْعُوا شُرَكَاءَكُمْ فَدَعَوْهُمْ فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُمْ وَرَأَوُا الْعَذَابَ لَوْ أَنَّهُمْ كَانُوا يَهْتَدُونَ (64).

وقيلَ للمُشرِكينَ: ادعُوا الَّذينَ كُنتُم تَعبدونَهم، فدعوهم فلمْ يُجيبوهم، ولم يَنفَعوهم، ورأى التَّابِعُ والمَتبوعُ بأعيُنِهم العذابَ الَّذي سيَحُلُّ بهم، ولو أنَّ المُشرِكينَ كانوا مُهتَدينَ للحَقِّ؛ لمَا اتَّبَعوا شُرَكاءَ مع اللهِ، ولَمَا رأَوُا العَذابَ في الآخرةِ.

وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ مَاذَا أَجَبْتُمُ الْمُرْسَلِينَ (65).

واذكُرْ يومَ يُنادي اللهُ المُشرِكينَ، فيَقولُ لهم: ماذا أجَبْتُمُ المُرسَلينَ الَّذين أرسَلْتُهم إليكم؟ هل آمَنْتُم بهم واتَّبَعْتُموهم، أو كفَرْتُم بهم ولم تُطيعوهم؟

فَعَمِيَتْ عَلَيْهِمُ الْأَنْبَاءُ يَوْمَئِذٍ فَهُمْ لَا يَتَسَاءَلُونَ (66).

فخَفِيَت الحُجَجُ على المُشرِكينَ يومَ القيامةِ، ولم يَهتَدوا إلى جوابٍ صَحيحٍ، فيَسكُتون حَيارَى، ولا يَسألونَ أحدًا عمَّا يُجيبونَ به اللهَ.

فَأَمَّا مَنْ تَابَ وَآَمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَعَسَى أَنْ يَكُونَ مِنَ الْمُفْلِحِينَ (67).

فأمَّا مَن تاب مِنَ الشِّركِ، وآمَنَ بالحقِّ، وعَمِلَ صالِحًا؛ فهو في الآخرةِ مِنَ الفائِزينَ، وفي الجنة من الخالدينَ.

وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ سُبْحَانَ اللَّهِ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ (68).

وربُّك -يا مُحمَّدُ- يخلُقُ ويختارُ ما يَشاءُ، ما كان للنَّاسِ أن يَختاروا على اللهِ أن يَفعَلَ ما يَشاؤونَ، تَنزَّهَ اللهُ وتقدَّسَ وارتفَعَ عن شِركِ المُشرِكينَ؛ فهو وَحْدَه المتفَرِّدُ بالخَلقِ والاختيارِ دونَ آلهتِهم.

وَرَبُّكَ يَعْلَمُ مَا تُكِنُّ صُدُورُهُمْ وَمَا يُعْلِنُونَ (69).

وربُّك -يا مُحمَّدُ- يَعلَمُ ما تُضمِرُ نُفوسُ عبادِه، وما يُظهِرونَه مِن الأقوالِ والأفعالِ.

وَهُوَ اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الْحَمْدُ فِي الْأُولَى وَالْآَخِرَةِ وَلَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (70).

وهو اللهُ المُستَحِقُّ للعبادةِ وَحْدَه، وهو وَحْدَه المُستَحِقُّ للحَمدِ في الدُّنيا والآخِرةِ، وللهِ وَحْدَه الحُكمُ فيهما؛ ففي الدُّنيا يَحكُمُ بينَ عِبادِه بِشَرْعِه وقَدَرِه، وفي الآخرةِ يَقضي بيْنَهم بعَدْلِه، وإلى اللهِ وَحْدَه تُرَدُّونَ بعدَ مَوتِكم.

قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِضِيَاءٍ أَفَلَا تَسْمَعُونَ (71).

قُلْ -يا مُحمَّدُ- لِمُشرِكي قَومِك: أخْبِروني إنْ جعَلَ اللهُ عليكم اللَّيلَ مُستَمِرًّا بلا نهارٍ يأتي بعْدَه إلى يومِ القيامةِ، مَن مَعبودٌ غيرُ اللهِ يَقدِرُ على أن يأتيَكم بنَهارٍ تُبصِرونَ فيه؟ أفلا تَسْمَعونَ ذلك سَماعَ فَهمٍ وقَبولٍ وانقيادٍ، وتتفَكَّرونَ فيه فتَتَّعِظونَ، وتَستَدِلُّونَ به على الحق؟

قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ النَّهَارَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ أَفَلَا تُبْصِرُونَ (72).

قُلْ -يا مُحمَّدُ-: أخبِروني إنْ جعَلَ اللهُ عليكم النَّهارَ مُستَمِرًّا بلا لَيلٍ يأتي بعْدَه إلى يومِ القيامةِ، مَن مَعبودٌ غيرُ اللهِ يَقدِرُ على أنْ يأتيَكم بلَيلٍ تَستَقِرُّونَ فيه وتَستريحونَ؟ أفلا تَرَونَ ذلك بأبصارِكم، فتَعلَمونَ الحقَّ؟!

وَمِنْ رَحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (73).

ومِن رَحمةِ اللهِ بكم -أيُّها النَّاسُ- أنْ جعَلَ اللَّيلَ مُظلِمًا؛ لِتَسكُنوا فيه، وتَستريحوا، وجعَلَ النَّهارَ مُضيئًا؛ لِطَلَبِ الأرزاقِ، وجعَلَ لكم اللَّيلَ والنَّهارَ؛ لِتَشكُروه عليهما.

وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ (74).

واذكُرْ -يا مُحمَّدُ- يومَ يُنادي اللهُ المُشرِكينَ، فيقولُ لهم: أين الَّذين كُنتُم تدَّعُونَ أنَّهم شُرَكائي في العبادةِ، وأنَّهم يَنفَعونَكم؟

وَنَزَعْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا فَقُلْنَا هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ فَعَلِمُوا أَنَّ الْحَقَّ لِلَّهِ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ (75).

وأخرَجْنا مِن كلِّ قَومٍ نبيَّهم؛ لِيَشهَدَ عليهم بالتَّبليغِ وبما أجابَتْه في دَعوتِه، فقُلْنا لكلِّ أمَّةٍ كذَّبَت نبيَّها: هاتُوا حُجَّتَكم على صِحَّةِ إشراكِكم باللهِ، فعَلِموا حينَئذٍ أنَّ اللهَ هو المُستَحِقُّ وَحْدَه للعبادةِ، وغاب عنهم ما كانوا يَختَلِقونَه مِن الشُرَكاءِ، فلَمْ يَنفَعوهم.

إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِنْ قَوْمِ مُوسَى فَبَغَى عَلَيْهِمْ وَآَتَيْنَاهُ مِنَ الْكُنُوزِ مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ إِذْ قَالَ لَهُ قَوْمُهُ لَا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ (76).

إنَّ قارونَ كان مِن عَشيرةِ موسى، فتَجاوَزَ الحدَّ في احتِقارِ قومِه؛ لأنه أُوتي أموالًا يُثقِلُ حَمْلُ مَفاتيحِها الجَماعةَ الأشِدَّاءَ مِن الرِّجالِ؛ لِكَثرتِها، فبغى على قومه لما قالوا له: لا تَفرَحْ بما أُوتيتَ، إنَّ اللهَ لا يُحِبُّ الفَرِحينَ البَطِرينَ بزينةِ الدُّنيا.

وَابْتَغِ فِيمَا آَتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآَخِرَةَ وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ (77).

واطلُبْ -يا قارونُ- نعيمَ الآخرةِ بما آتاك اللهُ مِنَ الدُّنيا، فاستَعْمِلْه في طاعةِ اللهِ، ولا تَترُكْ حظَّك مِن الدُّنيا، وأحسِنْ في عبادةِ اللهِ وإلى خَلْقِ اللهِ، كما أحسَنَ اللهُ إليك بالرِّزقِ الواسِعِ، ولا تَطلُبْ الفسادَ في الأرضِ بالمعاصي والبَغيِ، إنَّ اللهَ لا يُحِبُّ المُفسِدينَ.

قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي أَوَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَهْلَكَ مِنْ قَبْلِهِ مِنَ الْقُرُونِ مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً وَأَكْثَرُ جَمْعًا وَلَا يُسْأَلُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ (78).

قال قارونُ: إنَّما أُوتيتُ هذه الكُنوزَ؛ لأنِّي أهلٌ لها! أوَلَمْ يعلَمْ أنَّ اللهَ قد أهلَكَ مِن الأُمَمِ الماضيةِ مَن كان أقوى منه وأكثَرَ جَمعًا للأموالِ؟ فلا مانِعَ إذَنْ مِن إهلاكِه، وقد فَعَل ما يُوجِبُ ذلك، ولا يُسألُ المُجرِمونَ عن ذُنوبِهم، بل يُعاقِبُهم اللهُ تعالى عليها.

فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ قَالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا يَا لَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ (79).

فخرَج قارونُ على بني إسرائيلَ مُتجَمِّلًا في زينةٍ عَظيمةٍ، فقال ضِعافُ الإيمانِ الَّذين يُريدونَ الدُّنيا: يا لَيْتَ لنا مِثلَ الَّذي أُوتِيَه قارونُ، إنَّه لَصاحِبُ نَصيب وافرٍ مِن الدُّنيا!

وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَيْلَكُمْ ثَوَابُ اللَّهِ خَيْرٌ لِمَنْ آَمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا وَلَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الصَّابِرُونَ (80).

وقال أهلُ العِلمِ العارِفونَ بحَقيقةِ الدُّنيا: وَيْلَكم! نَعيمُ الجنَّةِ لِمَن آمَنَ بالحقِّ، وعَمِلَ الصَّالحاتِ: خَيرٌ ممَّا أُوتيَه قارونُ، ولا يُوفَّقُ للإيمانِ والعَمَلِ الصَّالحِ والزُّهدِ في الدُّنيا إلَّا الصَّابِرونَ على الطَّاعاتِ، وعن المعاصي، وعلى أقدارِ الله المؤلِمةِ؛ كالفَقرِ.

فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الْأَرْضَ فَمَا كَانَ لَهُ مِنْ فِئَةٍ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مِنَ الْمُنْتَصِرِينَ (81).

فغيَّبْنا قارونَ ودارَه في باطِنِ الأرضِ، فلمْ يكُنْ لهُ جَماعةٌ يمنَعونَ عنه عذابَ اللهِ حينَ نَزَل به، ولم ينتَصِرْ لِنَفْسِه فيَمنَعَ العذابَ بقُوَّتِه.

وَأَصْبَحَ الَّذِينَ تَمَنَّوْا مَكَانَهُ بِالْأَمْسِ يَقُولُونَ وَيْكَأَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَوْلَا أَنْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا لَخَسَفَ بِنَا وَيْكَأَنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ (82).

وأصبحَ الَّذين تمنوَّا ما لِقارونَ بعدما عَلِموا وُجوبَ الرِّضا بما قُدِّر للنَّاسِ مِن الرِّزقِ، يذكرون أن اللهَ يُوسِّعُ الرِّزقَ لِمَن يَشاءُ مِن عبادِه بحِكمتِه، لا لكَرامتِه عليه، ويُضيِّقُه على مَن يشاءُ منهم بحِكمتِه لا لِهَوانِه عندَه، وقالوا: لولا أنَّ اللهَ تفضَّل علينا بأنْ صرَف عنَّا ما تمنَّيْناه، لَكُنَّا قد طغَيْنا مِثلَه؛ فخَسَف اللهُ بنا، فلا يَنجَحُ ولا يَفوزُ الكافِرونَ في الدُّنيا والآخِرةِ.

تِلْكَ الدَّارُ الْآَخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ (83).

نجعلُ نعيمَ الجنَّةِ للَّذين لا يُريدونَ أيَّ تكبُّرٍ في الأرضِ عن الحَقِّ برَدِّه، أو على الخَلقِ بظُلمِهم، ولا يُريدونَ أيَّ عَمَلٍ بمعاصي اللهِ سُبحانَه، والعاقِبةُ المحمودةُ في الدُّنيا والآخرةِ لِلَّذينَ يَتَّقونَ سَخَطَ اللهِ وعَذابَه.

مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْهَا وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلَا يُجْزَى الَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئَاتِ إِلَّا مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (84).

مَن جاء يومَ القيامةِ بالحَسَنةِ، فله عندَ اللهِ خيرٌ منها فالحسنةُ بعشرِ أمثالِها وقد تُضاعَفُ أضعافًا كثيرةً، ومَن جاء بالسَّيِّئةِ فلا يُثابُ أصحابُها إلَّا جَزاءَ ما عَمِلوه بلا زيادةٍ، ولا يُجازَونَ على ما لم يَعمَلوا.

إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآَنَ لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ مَنْ جَاءَ بِالْهُدَى وَمَنْ هُوَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (85).

إنَّ اللهَ الَّذي أنزل عليك القُرآنَ -يا محمَّدُ- وأوجَبَ عليك تِلاوتَه وتَبليغَه والعملَ به: لَرادُّك إلى مكَّةَ مِن بَعدِ خُروجِك منها، فقُلْ لِمُشرِكي مكة: ربِّي أعلَمُ بمَنْ جاء بالحَقِّ مِن عِندِه أنا أو أنتم، وأعلَمُ بمَن هو منَّا ومِنكم في ضَلالٍ واضِحٍ.

وَمَا كُنْتَ تَرْجُو أَنْ يُلْقَى إِلَيْكَ الْكِتَابُ إِلَّا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُونَنَّ ظَهِيرًا لِلْكَافِرِينَ (86).

وما كُنتَ -يا مُحمَّدُ- تَظُنُّ أن يُنزِلَ اللهُ عليك القُرآنَ، لكِنَّ اللهَ أنزله رحمةً منه بك وبِعبادِه، فلا تَكونَنَّ مُعينًا للكافِرينَ.

وَلَا يَصُدُّنَّكَ عَنْ آَيَاتِ اللَّهِ بَعْدَ إِذْ أُنْزِلَتْ إِلَيْكَ وَادْعُ إِلَى رَبِّكَ وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (87).

ولا يَصرِفَنَّك الكُفَّارُ -يا مُحمَّدُ- بكَذِبِهم وأذاهم ومَكرِهم عن آياتِ القُرآنِ بعدَ إنزالها إليك، وادْعُ النَّاسَ إلى رَبِّك، ولا تَكونَنَّ مِنَ المُشرِكينَ به.

وَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آَخَرَ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (88).

ولا تَدْعُ -يا مُحمَّدُ- مع اللهِ مَعبودًا غَيْرَه، لا مَعبودَ بحَقٍّ إلَّا اللهُ وَحْدَه، وكُلُّ مَعبودٍ سِواه باطِلٌ، وكلُّ شَيءٍ فانٍ إلَّا ذاتَ اللهِ تعالى، وكُلُّ عَمَلٍ باطلٌ إلَّا ما أُريدَ به وَجْهُه، ولله وَحْدَه الحُكمُ بينَ عِبادِه، وإلى اللهِ وَحْدَه تُرَدُّونَ بعدَ مَوتِكم.

العنكبوت

الم (1).

تُبيِّنُ هذه الحروفُ المقطَّعةُ، إعجازَ القرآنِ؛ حيثُ تُظهِرُ عجْزَ الخَلقِ عن مُعارَضَتِه بمثلِه، مع أنَّه مركَّبٌ مِن هذه الحروفِ الَّتي يَتحدَّثون بها!

أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آَمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ (2).

أظَنَّ النَّاسُ أنَّهم يَسْلَمونَ مِن الفِتنةِ إذا آمَنوا فيُتركُونَ مِن غَيرِ أن يُمتحَنوا؟!

وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ (3).

ولقد امتُحنَ الماضِينَ مِن قَبلِ هذه الأُمَّةِ، فيعلم اللهُ بالامتحان الصَّادِقينَ في إيمانِهم، ويعلم الكاذِبينَ في دَعْوى الإيمانِ، عِلمَ مُشاهَدةٍ يَترتَّبُ عليه الجزاءُ.

أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ أَنْ يَسْبِقُونَا سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ (4).

هل ظَنَّ الَّذين يَرتَكِبونَ السَّيِّئاتِ أنَّهم يُفلِتونَ مِنَّا، فلا نُعَذِّبُهم؟! فما أسْوَأَه مِن ظَنٍّ!

مَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ اللَّهِ فَإِنَّ أَجَلَ اللَّهِ لَآَتٍ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (5).

مَن كان يَطمَعُ في لِقاءِ اللهِ يَومَ القيامةِ، فإنَّ القيامةَ واقِعةٌ قَريبًا لا مَحالةَ، واللهُ وَحْدَه هو السَّميعُ لجَميعِ الأصواتِ، العَليمُ بكُلِّ الكائناتِ.

وَمَنْ جَاهَدَ فَإِنَّمَا يُجَاهِدُ لِنَفْسِهِ إِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ (6).

ومَن بَذَلَ جُهدَه على فِعْلِ ما أمَرَه اللهُ، وتَرْكِ ما نهاه؛ فإنَّما نَفْعُ ذلك لِنَفْسِه في الدُّنيا والآخِرةِ، إنَّ اللهَ غَنيٌّ عن جَميعِ خَلْقِه، فلا تَنفَعُه طاعتُهم، ولا تَضُرُّه مَعصيتُهم.

وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَنُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَحْسَنَ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ (7).

والَّذين آمَنوا بالحقِّ، وثَبَتوا عليه عندَ البَلاءِ، وعَمِلوا الأعمالَ الصَّالِحةَ؛ لَنُبطِلَنَّ سَيِّئاتِهم، ولا نؤاخذهم بها، ولَنُثيبَنَّهم بأحسَنِ ما كانوا يَعمَلونَه مِن الطَّاعاتِ.

وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا وَإِنْ جَاهَدَاكَ لِتُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (8).

وأمَرْنا الإنسانَ أن يُحسِنَ إلى والِدَيه قَولًا وفِعلًا، وإنْ بذَلَ والِداك جُهدَهما -أيُّها المُسلِمُ- لِتَجعَلَ لي شَريكًا لا تَعلَمُ حُجَّةً على ألوهيَّتِه، فلا تُطِعْهما في ذلك، إلَيَّ مَصيرُكم يومَ القيامةِ، فأُخبِرُكم بأعمالِكم؛ وأُجازيكم عليها.

وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَنُدْخِلَنَّهُمْ فِي الصَّالِحِينَ (9).

والَّذين آمَنوا بالحقِّ، وعَمِلوا الأعمالَ الصَّالِحةَ: لَنُدخِلَنَّهم في جُملةِ الصَّالحينَ.

وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آَمَنَّا بِاللَّهِ فَإِذَا أُوذِيَ فِي اللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ اللَّهِ وَلَئِنْ جَاءَ نَصْرٌ مِنْ رَبِّكَ لَيَقُولُنَّ إِنَّا كُنَّا مَعَكُمْ أَوَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِمَا فِي صُدُورِ الْعَالَمِينَ (10).

ومِنَ النَّاسِ مَن يقولُ بلِسانِه: آمَنَّا باللهِ، فإذا آذاه الناسُ لِيَرجِعَ عن الحقِّ، جعَل أذاهم كعَذابِ اللهِ، فيَترك الحَقَّ، ولَئِنْ جاء نَصرٌ مِن ربِّك -يا مُحمَّدُ- لحِزبِ اللهِ الثَّابِتي الإيمانِ، وفَتْحٌ ومَغانِمُ، لَيَقولَنَّ لهم أولئك المُرتَدُّونَ عن إيمانِهم: إنَّا كنَّا معكم مُؤمِنينَ؛ لِيَأخُذوا مِن الغنائِمِ، أوَليس اللهُ بأعلَمَ مِن كُلِّ أحدٍ بما في قُلوبِ خَلقِه، إخلاصًا كان أو نِفاقًا؟ فكيف يُخادِعونَه؟!

وَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْمُنَافِقِينَ (11).

ولَيَعْلَمَنَّ اللهُ المؤمِنينَ الصَّادِقينَ الثَّابتينَ، ولَيَعْلَمَنَّ المُنافِقينَ الكاذِبينَ في دَعْوى الإيمانِ، عِلمَ مُشاهَدةٍ يترتَّبُ عليه جزاؤُهم.

وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آَمَنُوا اتَّبِعُوا سَبِيلَنَا وَلْنَحْمِلْ خَطَايَاكُمْ وَمَا هُمْ بِحَامِلِينَ مِنْ خَطَايَاهُمْ مِنْ شَيْءٍ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ (12).

وقال كُفَّارُ قُرَيشٍ للمُؤمِنينَ: اتَّبِعوا طريقَتَنا في الدِّينِ، وسنتحَمَّلُ آثامَكم فيكونُ العذابُ علينا دونكم! ولن يَتحمَّلوا شَيئًا مِن ذلك، إنَّهم كاذِبونَ في زَعمِهم.

وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالًا مَعَ أَثْقَالِهِمْ وَلَيُسْأَلُنَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَمَّا كَانُوا يَفْتَرُونَ (13).

ولَيَحمِلَنَّ أولئك الدَّاعونَ إلى الضَّلالِ ذُنوبَ أنفُسِهم، وذُنوبَ أتْباعِهم، مِن غيرِ أن يَنقُصَ مِن ذُنوبِ الأتْباعِ شَيءٌ، ولَيُسْألَنَّ يومَ القيامةِ عَمَّا كانوا يختَلِقونَه مِن الضَّلالِ، وتزيينِه للنَّاسِ.

وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عَامًا فَأَخَذَهُمُ الطُّوفَانُ وَهُمْ ظَالِمُونَ (14).

ولقد أرسَلْنا نوحًا إلى قَومِه المُشرِكينَ، فأقام فيهم داعيًا إلى عبادةِ اللهِ وَحْدَه تِسعَمئةٍ وخَمسينَ سَنةً، فأغْرَقَهم الطُّوفانُ، وهم ظالِمونَ لأنفُسِهم بالشِّركِ والتَّكذيبِ.

فَأَنْجَيْنَاهُ وَأَصْحَابَ السَّفِينَةِ وَجَعَلْنَاهَا آَيَةً لِلْعَالَمِينَ (15).

فأنجَيْنا مِنَ الغَرَقِ نوحًا ومَن حمَلَهم في السَّفينةِ، وجعَلْنا تلك السَّفينةَ حُجَّةً وعِبرةً للعالَمينَ، وعلامةً على قُدرةِ اللهِ وعِلمِه، وإنجائِه للطَّائِعِ، وإهلاكِه للعاصي.

وَإِبْرَاهِيمَ إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (16).

واذكُرْ إبراهيمَ حين قال لِقَومِه: اعبُدوا اللهَ وَحْدَه، واتَّقوا سَخَطَه وعذابَه، ذلك خيرٌ لكم في الدُّنيا والآخرةِ، إن كنتُم تَعلَمونَ؛ فلا يَعقِلُ خَيريَّةَ ذلك إلَّا ذو عِلمٍ.

إِنَّمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثَانًا وَتَخْلُقُونَ إِفْكًا إِنَّ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ لَكُمْ رِزْقًا فَابْتَغُوا عِنْدَ اللَّهِ الرِّزْقَ وَاعْبُدُوهُ وَاشْكُرُوا لَهُ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (17).

قال إبراهيمُ لِقَومِه: إنَّما تَعبُدونَ مِن دونِ اللهِ أوثانًا لا تَستَحِقُّ شَيئًا مِن الألوهيَّةِ، وتَصنَعونَها بأيديكم، وتُسَمُّونَها آلِهةً، وتَختَلِقون الكذِبَ بالأمرِ بعِبادتِها، وهي لا تَستطيعُ أن تَرزُقَكم أيَّ شَيءٍ، فاطلُبوا الرِّزقَ مِنَ اللهِ واعبُدوه وَحْدَه، واشكُروه على رِزقِه وسائِرِ نِعَمِه، إلى الله تُرجَعونَ يومَ القيامةِ، فيُحاسِبُكم ويُجازيكم.

وَإِنْ تُكَذِّبُوا فَقَدْ كَذَّبَ أُمَمٌ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ (18).

وإن تُكذِّبوا بالحَقِّ فقد كذَّبَ به مَن قَبْلَكم، وما على الرسول إلَّا أن يُبَلِّغَ قَومَه رسالة الله على نحوِ واضِحٍ مُوضِّحٍ للحَقِّ.

أَوَلَمْ يَرَوْا كَيْفَ يُبْدِئُ اللَّهُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ (19).

أوَلَمْ يَرَ المُنكِرونَ للبَعثِ كيف يَبتَدِئُ اللهُ الخَلْقَ بعدَ العدَمِ، ثمَّ يُعيدُه مِن بَعدِ فَنائِه؟ إنَّ ذلك سَهلٌ على اللهِ تعالى.

قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ ثُمَّ اللَّهُ يُنْشِئُ النَّشْأَةَ الْآَخِرَةَ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (20).

قُلْ -يا محمَّدُ- للمُنكِرينَ للبَعثِ: سافِروا في الأرضِ؛ لِتَنظُروا كيف بدأ اللهُ الخَلْقَ مِنَ العَدَمِ، ثمَّ يُنْشِئُه نَشْأةً ثانيةً بعدَ فَنائِه، إنَّ اللهَ لا يُعجِزُه فِعلُ شَيءٍ.

يُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَيَرْحَمُ مَنْ يَشَاءُ وَإِلَيْهِ تُقْلَبُونَ (21).

يُعذِّبُ اللهُ مَن يَشاءُ تَعذيبَه على ذُنوبِه بعَدلِه، ويَرحَمُ مَن يشاءُ رَحمتَه مِنَ المؤمِنينَ بفَضلِه، وإلى اللهِ تُرَدُّونَ يومَ القيامةِ فيَبعثُكم بعدَ مَوتِكم للحِسابِ والجَزاءِ.

وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ (22).

وما أنتم بمُفلِتينَ مِن عذابِ اللهِ، سواءٌ كنتُم في الأرضِ أمْ في السَّماءِ، وليس لكم مِن دونِ اللهِ من يَتَولَّاكم، ويَنصُرُكم، ويدفَعُ عَذابَ اللهِ عنكم.

وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآَيَاتِ اللَّهِ وَلِقَائِهِ أُولَئِكَ يَئِسُوا مِنْ رَحْمَتِي وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (23).

والَّذين كَفَروا بآياتِ اللهِ وأنكَروا البَعثَ بعدَ الموتِ: أولئك يَئِسوا مِن رحمةِ اللهِ، ولن يُدخِلَهم جنَّتَه، ولهم عَذابٌ مُؤلِمٌ.

فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قَالُوا اقْتُلُوهُ أَوْ حَرِّقُوهُ فَأَنْجَاهُ اللَّهُ مِنَ النَّارِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (24).

فما كان جوابَ قَومِ إبراهيمَ حينَ دعاهم إلى عبادةِ اللهِ وَحْدَه إلَّا أنْ قالوا: اقتُلوا إبراهيمَ أو حرِّقوه بالنَّارِ، فأَلْقَوه في النَّارِ، فسلَّمه اللهُ مِن أذاها، إنَّ في إنجاء إبراهيمَ لَدَلالاتٍ على قُدرةِ اللهِ، وغيرِ ذلك، للمُؤمِنينَ.

وَقَالَ إِنَّمَا اتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثَانًا مَوَدَّةَ بَيْنِكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضًا وَمَأْوَاكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ نَاصِرِينَ (25).

وقال إبراهيمُ لِقَومِه: إنَّما اتَّخَذْتُم أوثانًا تَعبُدونَها مِن دونِ اللهِ؛ اتِّباعًا مِن بَعضِكم لِبَعضٍ، وحِفاظًا على مَوَدَّتِكم الدُّنيويَّةِ، ثمَّ يَتبرَّأُ كلٌّ منكم مِن الآخَرِ يومَ القيامةِ، ويَلعَنُه، ومنزلُكم جميعًا النَّارُ، وليس لكم أحدٌ يخلِّصُكم منها.

فَآَمَنَ لَهُ لُوطٌ وَقَالَ إِنِّي مُهَاجِرٌ إِلَى رَبِّي إِنَّهُ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (26).

فآمن لُوطٌ بما جاء به إبراهيمُ مِن الحَقِّ، وقال إبراهيمُ: إنِّي مُنتَقِلٌ مِن أرضِ قَومي؛ لأعبُدَ اللهَ في أرضٍ غَيرِها، إنَّ رَبِّي هو الغالِبُ، الَّذي لا يَذِلُّ مَن نَصَره، بل يَمنَعُه ممَّن أرادَه بسوءٍ، الحَكيمُ في أقوالِه وأفعالِه وشَرعِه وتَدبيرِ خَلْقِه

وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِ النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ وَآَتَيْنَاهُ أَجْرَهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الْآَخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ (27).

ورَزَقْنا إبراهيمَ بعدَ هِجرتِه وَلَدَه إسحاقَ، وولدَ ولَدِه يعقوبَ بنَ إسحاقَ، وجعَلْنا الأنبياءَ مِن نَسْلِ إبراهيمَ، وعليهم تُنَزَّلُ الكُتُبُ الإلهيَّةُ، وآتَيْناه جَزاءَ عَمَلِه في الدُّنيا، وإنَّه في الآخرةِ في عِدادِ الصَّالحينَ، فلَهُ فيها ثوابُه.

وَلُوطًا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعَالَمِينَ (28).

واذكُرْ -يا مُحمَّدُ- لُوطًا حينَ قال لِقَومِه: إنَّكم لَتَفعَلونَ ما تَجاوَزَ الحَدَّ في القُبحِ والشَّناعةِ، وما سَبَقكم إلى فِعلِ ذلك أحَدٌ مِن الأُمَمِ قَبْلَكم.

أَئِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ وَتَقْطَعُونَ السَّبِيلَ وَتَأْتُونَ فِي نَادِيكُمُ الْمُنْكَرَ فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قَالُوا ائْتِنَا بِعَذَابِ اللَّهِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (29).

أئنَّكم لَتُجامِعونَ الرِّجالَ في أدبارِهم، وتَقطَعونَ الطَّريقَ على المارَّةِ والمُسافِرينَ، وتَفعَلونَ في مَجالِسِكم ما قَبُحَ مِن الأقوالِ والأعمالِ؟ فما كان جوابَ قَومِ لُوطٍ على كلامِه إلَّا أنْ قالوا: ائْتِنا بعذابِ اللهِ إن كُنتَ مِن الصَّادِقينَ في زَعمِك أنَّك رَسولٌ مِن اللهِ، وفيما تَتَوعَّدُنا مِنَ العذابِ.

قَالَ رَبِّ انْصُرْنِي عَلَى الْقَوْمِ الْمُفْسِدِينَ (30).

قال لوطٌ: رَبِّ انصُرْني بإهلاكِ هؤلاء القَومِ، الَّذين يُفسِدونَ أنفُسَهم وغَيرَهم مِنَ النَّاسِ.

وَلَمَّا جَاءَتْ رُسُلُنَا إِبْرَاهِيمَ بِالْبُشْرَى قَالُوا إِنَّا مُهْلِكُو أَهْلِ هَذِهِ الْقَرْيَةِ إِنَّ أَهْلَهَا كَانُوا ظَالِمِينَ (31).

ولَمَّا جاءَتْ رُسلُنا مِنَ الملائِكةِ إلى إبراهيمَ بالبِشارةِ بإسحاقَ، ويَعقوبَ، قالوا له: أرسَلَنا اللهُ؛ لِنُهلِكَ أهلَ قَريةِ لُوطٍ؛ لأنَّ أهلَها كانوا ظالِمينَ بالكُفرِ والمعاصي.

قَالَ إِنَّ فِيهَا لُوطًا قَالُوا نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَنْ فِيهَا لَنُنَجِّيَنَّهُ وَأَهْلَهُ إِلَّا امْرَأَتَهُ كَانَتْ مِنَ الْغَابِرِينَ (32).

قال إبراهيمُ للمَلائكةِ: إنَّ في تلك القَريةِ لُوطًا، وليس مِنَ الظَّالِمينَ، فقالوا: نحن أعلَمُ بمَن في تلك القَريةِ مِن المُؤمِنينَ والظَّالِمينَ، لَنُنَجِّينَّ لوطًا وأهلَه إلَّا امرأتَه؛ فهي مِنَ الباقينَ في العَذابِ.

وَلَمَّا أَنْ جَاءَتْ رُسُلُنَا لُوطًا سِيءَ بِهِمْ وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعًا وَقَالُوا لَا تَخَفْ وَلَا تَحْزَنْ إِنَّا مُنَجُّوكَ وَأَهْلَكَ إِلَّا امْرَأَتَكَ كَانَتْ مِنَ الْغَابِرِينَ (33) .

ولَمَّا جاء الملائكةُ إلى لُوطٍ، ساءَه ذلك، واغتمَّ؛ لخَوفِه عليهم مِن قَومِه، وعَجزِه عن حمايتِهم، وقال الملائِكةُ: لا تخَفْ ولا تحزَنْ، إنَّا سنُنَجِّيك وأهلَك مِنَ العذابِ النَّازِلِ بقَومِك إلَّا امرأتَك؛ فهي مِنَ الباقينَ معهم في العَذابِ.

إِنَّا مُنْزِلُونَ عَلَى أَهْلِ هَذِهِ الْقَرْيَةِ رِجْزًا مِنَ السَّمَاءِ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ (34).

قال الملائِكةُ لِلُوطٍ: إنَّا مُنزِلونَ على أهلِ هذه القَريةِ عَذابًا، وهو حِجارةٌ تَنزِلُ عليهم مِن السَّماءِ؛ لما كانوا عليه مِنَ الكُفرِ، وفِعْلِ الفاحِشةِ والمُنكَرِ.

وَلَقَدْ تَرَكْنَا مِنْهَا آَيَةً بَيِّنَةً لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (35).

ولقد أبقَيْنا مِن قَريةِ قومِ لُوطٍ آثارًا واضِحةً لِقَومٍ يَعقِلونَ عن اللهِ حُجَجَه فينتفعُون بها.

وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا فَقَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَارْجُوا الْيَوْمَ الْآَخِرَ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ (36).

وأرسَلْنا إلى مَدْيَنَ أخاهم في النَّسَبِ شُعَيبًا، فقال لهم: يا قَومِ، اعبُدوا اللهَ وَحْدَه، وارجُوا جزاءَ اليومِ الآخِرِ، ولا تقومُوا ببَخْسِ المَكاييلِ والمَوازينِ، وقَطعِ الطُّرُقِ، مع كُفرِكم بالله

فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ (37).

فكذَّب قَومُ شُعَيبٍ نبيَّهم، فأهلكَتْهم رَجْفةُ العذابِ، فأصبَحوا في بَلَدِهم صَرْعَى، لاصقينَ بالأرضِ.

وَعَادًا وَثَمُودَ وَقَدْ تَبَيَّنَ لَكُمْ مِنْ مَسَاكِنِهِمْ وَزَيَّنَ لَهُمَ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَكَانُوا مُسْتَبْصِرِينَ (38).

وأهلَكْنا عادًا، وثمودَ، وقد ظهَرَ لكم هلاكُهم مِن آثارِ مَساكِنِهم الخاويةِ منهم، وقد حسَّن الشَّيطانُ لهم أعمالَهم مِن الكُفرِ والتَّكذيبِ والمعاصي، فصرَفَهم عن الحَقِّ، والحالُ أنَّهم كانوا بُصَراءَ، مُتمَكِّنينَ مِنَ النَّظَرِ والفِكرِ، وقد عَرَفوا الحَقَّ مِنَ الباطِلِ؛ فلا عُذرَ لهم.

وَقَارُونَ وَفِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مُوسَى بِالْبَيِّنَاتِ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ وَمَا كَانُوا سَابِقِينَ (39).

وأهلَكْنا قارونَ، وفِرعَونَ، وهامانَ، ولقد جاءهم موسى بالمُعجِزاتِ الواضِحةِ، فاستَكبَروا عن الحَقِّ، وما كانوا فائِتينَ اللهَ، ولا مُفلِتينَ مِن عَذابِه.

فَكُلًّا أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنَا بِهِ الْأَرْضَ وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنَا وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (40).

فأهلَكْنا عادًا وثمودَ وقارونَ وفِرعَونَ وهامانَ؛ كُلًّا بسَبَبِ ذَنْبِه، وعلى قَدْرِه، وبِعُقوبةٍ تُناسِبُه، فمِنهم مَن أرسَلْنا عليه ريحًا شَديدةً تَرميهم بالحَصى حتَّى هَلَكوا، وهم عادٌ، ومِنهم مَن أهلَكَهم اللهُ بالصَّيحةِ الشَّديدةِ، وهم ثمودُ، ومِنهم مَن أهلَكَه اللهُ بأنْ غيَّبَه في الأرضِ، وهو قارونُ، ومِنهم مَن أهلَكَه اللهُ بالغَرَقِ، وهما فِرعَونُ وهامانُ، وما يَنبغي لله سُبحانَه أن يُهلِكَهم ظُلمًا مِن غيرِ ذَنبٍ منهم، أو بذُنوبِ غيرِهم، أو مِن غيرِ إنذارِهم وإمهالِهم، وإقامةِ الحُجَّةِ عليهم، ولكِنْ كانوا يَظلِمونَ أنفُسَهم؛ إذ تَسَبَّبوا في عذابِها بوُقوعِهم في أسبابِه.

مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتًا وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ (41).

مَثَلُ الَّذين اتَّخَذوا مِن دونِ اللهِ أولياءَ مِن مَعبوداتٍ وغَيرِها، فيَطلُبونَ نَفعَها، ويَرجُونَ نَصْرَها؛ كمَثَلِ العَنكَبوتِ اتَّخَذَت لنفْسِها بَيتًا، لا يَدفَعُ عنها حَرًّا ولا بردًا، ولا مطرًا ولا ضَرًّا، وكذلك ما اتَّخَذُوهُ وَلِيًّا مِن دُونِ اللهِ لا يَملِكُ لهم نفعًا ولا ضرًّا، وإنَّ أضْعَفَ البُيوتِ هو بَيتُ العَنكَبوتِ، لو كانوا يَعلَمونَ أنَّ ذلك مَثَلُهم؛ لَمَا اتَّخَذوا مِن دونِ اللهِ أولياءَ، لكنَّهم يجهَلون، فيَحسَبونَ أنَّهم يَنفعونَهم ويُقَرِّبونَهم إلى اللهِ.

إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (42).

إنَّ اللهَ يَعلَمُ ما يَدْعُونَ مِن دُونِه مِن أيِّ مَعبودٍ كان، ويَعلَمُ بطلان ذلك وانعدامَ فائدتِه، واللهُ غالبٌ لا يمتَنِعُ عليه شَيءٌ أرادَه، حَكيمٌ في شَرعِه وقَدَرِه، وتدبيرِ خَلْقِه.

وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ (43).

وتلك الأمثالُ المذكورةُ في القُرآنِ نَجعَلُها للنَّاسِ؛ لنُبيِّنَ لهم المعانيَ، ونُقَرِّبَها إلى أفهامِهم؛ لِيَنتَفِعوا بها، وما يَفهَمُ أمثالَ القُرآنِ إلَّا ذَوو العِلمِ.

خَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ (44).

خلَقَ اللهُ السَّمَواتِ والأرضَ بالحَقِّ، لا لعبًا وعبثًا، بل خلَقهما لأمرٍ كائنٍ، ولِيَكونا دلائلَ على الحقِّ، ولِيَقومَ أمرُه وشرعُه، وتَتِمَّ نعمتُه على عبادِه، وغيرِ ذلك، إنَّ في خَلقِ اللهِ لها لَعَلامةً للمُؤمِنينَ على الحقِّ.

اتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ وَأَقِمِ الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ (45).

اقرَأْ -يا مُحمَّدُ- ما أُنزِلَ إليك مِن هذا القُرآنِ، واتَّبِعْه، وأبلِغْه للنَّاسِ، وأَدِّ الصَّلَواتِ كما ينبغي، فهي تَدعُوَ صاحِبَها إلى اجتِنابِ الفَحشاءِ والمُنكَرِ، وما في الصَّلاةِ مِن ذِكرِ اللهِ أكبَرُ مِن كَونِها ناهيةً عن الفَحشاءِ والمُنكَرِ، واللهُ يَعلَمُ ما تَصنَعونَه -أيُّها النَّاسُ- وسيُجازيكم عليه.