التفسير المحرر
وَقَالَ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْمَلَائِكَةُ أَوْ نَرَى رَبَّنَا لَقَدِ اسْتَكْبَرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ وَعَتَوْا عُتُوًّا كَبِيرًا (21)
وَقَالَ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْمَلَائِكَةُ أَوْ نَرَى رَبَّنَا لَقَدِ اسْتَكْبَرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ وَعَتَوْا عُتُوًّا كَبِيرًا (21)
وقال الكفَّارُ الَّذين لا يَطمَعونَ في لقائِنا، فلا يرجونَ ثوابَنا ولا يخافونَ عِقابَنا؛ لإنكارِهم البَعثَ: هلَّا أنزَل اللهُ علينا الملائِكةَ، أو نرى اللهَ بأعيُنِنا فنُؤمِنَ؟! لقد تكبَّرَ الكُفَّارُ الَّذين تجرَّؤوا على اقتراحِ ذلك، وتعظَّموا في أنفُسِهم، وتجاوَزَ أولئك الكُفَّارُ الحَدَّ في الكِبْرِ والظُّلمِ والطُّغيانِ، باقتِراحِهم ذلك .
يَوْمَ يَرَوْنَ الْمَلَائِكَةَ لَا بُشْرَى يَوْمَئِذٍ لِلْمُجْرِمِينَ وَيَقُولُونَ حِجْرًا مَحْجُورًا (22)
يومَ يرى الكُفَّارُ مَلائكةَ الموتِ حينَ تَنزِلُ لقَبضِ أرواحِهم، ويَرَون ملائِكةَ العذابِ في البَرزخِ ويومَ القيامةِ؛ فلا تُبَشِّرُ الملائكةُ المُجرِمين يومَ يَرَونَها بالخَيرِ، بل بالخَيبةِ والخُسرانِ، ويقولُ الملائِكةُ للكُفَّارِ: حَرامٌ محَرَّمٌ عليكم الفَلاحُ اليومَ.
وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا (23)
وعَمَدْنا يومَ القيامةِ إلى ما عَمِل هؤلاء المُجرِمونَ في الدُّنيا مِن العباداتِ وأعمالِ البِرِّ والخَيرِ، فأحبَطْناها وأبْطَلْناها، حتَّى صارَتْ كالهباءِ المتفرِّقِ المتبدِّدِ، فلا ينتفِعُ منها صاحبُها بشَيءٍ أصلًا.
أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلًا (24)
أهلُ الجنَّةِ بسَبَبِ ما عَمِلوه من الأعمالِ المتقَبَّلةِ أفضَلُ منزِلًا في الجنَّةِ، وأحسَنُ مَوضِعَ قائِلَةٍ.
وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّمَاءُ بِالْغَمَامِ وَنُزِّلَ الْمَلَائِكَةُ تَنْزِيلًا (25)
واذكُرْ أيُّها الرَّسولُ يومَ القيامةِ حين تتشَقَّقُ السَّماءُ عن سَحابٍ أبيَضَ رَقيقٍ، وتُنَزَّلُ الملائِكةُ يومَ القيامةِ مِن السَّمواتِ إلى أرضِ المحشَرِ تنزيلًا.
الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ لِلرَّحْمَنِ وَكَانَ يَوْمًا عَلَى الْكَافِرِينَ عَسِيرًا (26)
السُّلطانُ -يَومَ القيامةِ- المؤكَّدُ الثَّابِتُ الَّذي لا يَزولُ: للرَّحمنِ وَحْدَه دُونَ غَيرِه مِن مُلوكِ الأرضِ، وكان يومُ القيامةِ يَومًا صَعبًا شَديدًا على الكافرينَ.
وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا (27)
واذكُرْ يَومَ القيامةِ حينَ يَعَضُّ الظَّالِمُ المخالِفُ لطَريقِ الرَّسولِ على يَدَيه؛ نَدَمًا وحَسرةً وأسَفًا، يَقولُ هذا الظَّالِمُ: يا لَيتني اتَّبَعتُ في الدُّنيا طريقَ رَسولِ اللهِ، فآمنتُ به ولم أخالِفْه؛ لأنجوَ مِن عذابِ اللهِ، وأصِلَ إلى جنَّاتِه.
يَا وَيْلَتَى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلَانًا خَلِيلًا (28)
يقولُ هذا الظَّالِمُ: يا هلاكي! ليتَني لم أجعَلْ مَن أغواني في الدُّنيا صديقًا وحبيبًا لي.
لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءَنِي وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلْإِنْسَانِ خَذُولًا (29)
لقد صَرَفني مَنِ اتَّخَذْتُه في الدُّنيا خليلًا عن القُرآنِ بعد بُلوغِه إلَيَّ، وصَدَّني عنه، قال الله: وإنَّ مِن عادةِ الشَّيطانِ وصِفَتِه المجبولِ عليها: أن يَخذُلَ الإنسانَ الَّذي يتَّبِعُه، وَيترُكَ إعانَتَه ونَصْرَه.
وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآَنَ مَهْجُورًا (30)
وقال الرَّسولُ مُشتَكيًا في الدُّنيا إلى رَبِّه: يا رَبِّ، إنَّ كُفَّارَ قَومي تَرَكوا القُرآنَ العظيمَ وهجَروه؛ لا يَسمَعونه ولا يتدَبَّرونَه، ولا يُؤمِنونَ به، ولا يَعمَلون بأحكامِه!
وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ وَكَفَى بِرَبِّكَ هَادِيًا وَنَصِيرًا (31)
وكما جعَلْنا لك -يا محمَّدُ- أعداءً مِن مُشرِكي قَومِك، كذلك جعَلْنا لكُلِّ الأنبياءِ أعداءً مِن الكُفَّارِ المُشرِكين مِن أقوامِهم يُعارِضونَهم ويُؤذونَهم؛ فاصبِرْ كما صبَر أولئك الرسُلُ مِن قَبْلِك، وكفى برَبِّك هاديًا يَهديك إلى الحَقِّ وإلى مصالحِ الدِّينِ والدُّنيا، وناصِرًا لك على أعدائِك، فلا تُبالِ بمَن عاداك، واصبِرْ وامضِ لتبليغِ رِسالةِ الله، متوكِّلًا عليه سُبحانَه.
وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآَنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلًا (32)
وقال كُفَّارُ قُرَيشٍ: هلَّا نزَّل اللهُ على محمَّدٍ القُرآنَ دَفعةً واحِدةً، ولم يُنَزَّلْ مُفَرَّقًا؟ كذلك نزَّلنا عليك القُرآنَ -يا محمَّدُ- مُفَرَّقًا؛ لنقوِّيَ قَلبَك فتَعِيَه وتحفَظَه، وتَزدادَ يقينًا وطُمأنينةً وثَباتًا، أنزَلْناه مفرَّقًا على تُؤَدةٍ وتَمَهُّلٍ، شَيئًا بعْدَ شَيءٍ، آياتٍ ثمَّ آياتٍ، وبيَّنَّاه تبيينًا.
وَلَا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا (33)
ولا يَذكُرُ مُشرِكو قُرَيشٍ شُبهةً أو اقتِراحًا يُعارِضون به الحَقَّ ويَطعنونَ به فيه، إلَّا أنزَلْنا مِن القُرآنِ ما يُبطِلُ شُبهَتَهم، ويَرُدُّ حُجَّتَهم بأحسَنَ مِمَّا جاؤوا به؛ بيانًا ووضوحًا، وفصاحةً وتَفصيلًا.
الَّذِينَ يُحْشَرُونَ عَلَى وُجُوهِهِمْ إِلَى جَهَنَّمَ أُولَئِكَ شَرٌّ مَكَانًا وَأَضَلُّ سَبِيلًا (34)
الَّذين يُجمَعونَ يومَ القيامةِ قَهرًا يُساقونَ مَقلوبينَ على وُجوهِهم إلى جهنَّمَ: أولئك شَرٌّ مُستقَرًّا ومُقامًا في جهنَّمَ، وأضَلُّ طَريقًا عن الحَقِّ.
وَلَقَدْ آَتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَجَعَلْنَا مَعَهُ أَخَاهُ هَارُونَ وَزِيرًا (35)
ولقد آتَيْنا موسى التَّوراةَ، وجعَلْنا معه أخاه هارونَ مُعينًا له يُقَوِّيه ويؤَيِّدُه.
فَقُلْنَا اذْهَبَا إِلَى الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآَيَاتِنَا فَدَمَّرْنَاهُمْ تَدْمِيرًا (36)
فقُلْنا لموسى وهارونَ: اذهَبا إلى فِرعَونَ وقَومِه القِبطِ الَّذين كذَّبوا بأدِلَّتِنا وبَراهينِنا، فذهَب موسى وهارونُ إليهم فدَعَواهم فكذَّبوهما، فأهلَكْناهم بالغَرقِ إهلاكًا.
وَقَوْمَ نُوحٍ لَمَّا كَذَّبُوا الرُّسُلَ أَغْرَقْنَاهُمْ وَجَعَلْنَاهُمْ لِلنَّاسِ آَيَةً وَأَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ عَذَابًا أَلِيمًا (37)
وأغرَقْنا قَومَ نوحٍ لَمَّا كذَّبوا نوحًا، وجعَلْنا إغراقَهم بالطُّوفانِ عِبرةً للنَّاسِ وعِظةً، وأعدَدْنا في الآخرةِ للظَّالِمينَ مِن قَومِ نُوحٍ وغَيرِهم عذابًا مُؤلِمًا مُوجِعًا؛ جزاءً على ظُلمِهم.
وَعَادًا وَثَمُودَ وَأَصْحَابَ الرَّسِّ وَقُرُونًا بَيْنَ ذَلِكَ كَثِيرًا (38)
وأهلَكْنا أيضًا عادًا قَومَ هُودٍ، وثمودَ قَومَ صالحٍ، وأصحابَ البئرِ، ودمَّرْناهم لكُفرِهم وتَكذيبِهم، ودمَّرْنا بيْن تلك الأُمَمِ الكافرةِ -الَّتي سمَّيْناها- أُمَمًا أُخرى كثيرةً لا يعلَمُها إلَّا اللهُ.
وَكُلًّا ضَرَبْنَا لَهُ الْأَمْثَالَ وَكُلًّا تَبَّرْنَا تَتْبِيرًا (39)
وكلُّ الأُمَمِ الكافرةِ الَّتي أهلَكْناها أقَمْنا عليها الحُجَّةَ، ووَضَّحْنا لها الأدِلَّةَ بذِكرِ الأمثالِ؛ لِيَعتبِروا بها ويتَّعِظوا، وكُلُّ الأُمَمِ الكافرةِ الماضيةِ دمَّرْناها تدميرًا كامِلًا، واستأصَلْناها بالعذابِ.
وَلَقَدْ أَتَوْا عَلَى الْقَرْيَةِ الَّتِي أُمْطِرَتْ مَطَرَ السَّوْءِ أَفَلَمْ يَكُونُوا يَرَوْنَهَا بَلْ كَانُوا لَا يَرْجُونَ نُشُورًا (40)
ولقد مرَّ كُفَّارُ قُرَيشٍ على قَريةِ قَومِ لُوطٍ الَّذين أهلَكَهم اللهُ بالحِجارةِ الَّتي أمطَرَها عليهم، أفلمْ يكُنْ كُفَّارُ قُرَيشٍ يَرَونَ في أسفارِهم آثارَ عَذابِ اللهِ على قريةِ قَومِ لوطٍ، فيَعتَبِروا ويتَّعِظوا بما حلَّ بأهلِها؛ بسبَبِ تكذيبِهم؟ ما كذَّب كفَّارُ قُرَيشٍ بمحمَّدٍ لكونِهم لم يَرَوا ما حلَّ بقومِ لوطٍ، وإنَّما كذَّبوا؛ لأنَّهم لا يُؤمِّلون وُقوعَ البَعثِ، فلا يَرجونَ ثوابًا، ولا يخافونَ عذابًا في الآخرةِ.
وَإِذَا رَأَوْكَ إِنْ يَتَّخِذُونَكَ إِلَّا هُزُوًا أَهَذَا الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ رَسُولًا (41)
وإذا رآك -يا محمَّدُ- كُفَّارُ قُرَيشٍ، لا يتَّخِذونَك إلَّا سُخريةً، فهم دائِبونَ على الاستِهزاءِ والسُّخريةِ بك، يقولون احتقارًا للرَّسولِ عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ: أهذا الَّذي يزعُمُ أنَّ اللهَ أرسَلَه إلينا رسولًا مِن بينِ خَلقِه؟!
إِنْ كَادَ لَيُضِلُّنَا عَنْ آَلِهَتِنَا لَوْلَا أَنْ صَبَرْنَا عَلَيْهَا وَسَوْفَ يَعْلَمُونَ حِينَ يَرَوْنَ الْعَذَابَ مَنْ أَضَلُّ سَبِيلًا (42)
يقولُ كُفَّارُ قُرَيشٍ: لقد أوشَكَ هذا الرَّسولُ أن يَصرِفَنا ويَصُدَّنا عن عبادةِ أصنامِنا بحُجَجِه وأدِلَّتِه، لولا أن ثبَتْنا على عبادةِ آلهتِنا فتمسَّكْنا بها ولم نَقبَلْ دَعْوتَه! وسوف يعلَمُ الكُفَّارُ حينَ يرَونَ عذابَ اللهِ النَّازِلَ بهم مَن أخطأَ طريقَ الهُدى: هم أم محمَّدٌ الَّذي دعاهم إلى توحيدِ اللهِ؟!
أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ أَفَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلًا (43)
أرأيتَ -يا مُحمَّدُ- مَنِ اتَّبعَ هواه، وانقاد إليه وأطاعَه؟! أفأنت -يا مُحمَّدُ- تكونُ على مَنِ اتَّبع هواه حَفيظًا تمنَعُه مِن الضَّلالِ، وتَهديه إلى الحَقِّ؟! كلَّا؛ فلَيست الهدايةُ والضَّلالةُ موكولتَينِ إليك، وإنَّما عليك البلاغُ.
أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا (44)
بل أتظُنُّ -يا مُحمَّدُ- أنَّ أكثَرَ هؤلاء المُشرِكين يَسمَعون الحَقَّ أو يَعقِلونَه، حتى تطمَعَ في إيمانِهم؟! فليسوا كذلك، ما المُشرِكون إلَّا كالبهائِمِ، بل هم أسوأُ حالًا منهم!
أَلَمْ تَرَ إِلَى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ وَلَوْ شَاءَ لَجَعَلَهُ سَاكِنًا ثُمَّ جَعَلْنَا الشَّمْسَ عَلَيْهِ دَلِيلًا (45)
ألم تَرَ -يا محمَّدُ- إلى هيئةِ بسْطِ رَبِّك الظِّلَّ على الأرضِ مِن بعْدِ طُلوعِ الفَجرِ إلى طُلوعِ الشَّمسِ، ولو شاء اللهُ لجعَلَ الظِّلَّ مَمدودًا دائِمًا لا يتحَرَّكُ بزيادةٍ ولا نُقصانٍ؟! ثمَّ جعَلْنا الشَّمسَ عندَ طلوعِها دالَّةً على الظِّلِّ؛ فهو يَتبَعُها، ويتفاوَتُ بحَركتِها.
ثُمَّ قَبَضْنَاهُ إِلَيْنَا قَبْضًا يَسِيرًا (46)
ثمَّ نَقَصْنا ذلك الظِّلَّ الممدودَ بسُهولةٍ وتدريجٍ.
وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِبَاسًا وَالنَّوْمَ سُبَاتًا وَجَعَلَ النَّهَارَ نُشُورًا (47)
واللهُ هو الَّذي جعَلَ لكم اللَّيلَ -أيُّها النَّاسُ- غِطاءً وسِترًا يَستُرُكم ويُغشِّيكم بظَلامِه، وجعَل اللهُ لكم النَّومَ قاطِعًا لحركتِكم وأشغالِكم، فتستريحُ به أبدانُكم، وجعَل اللهُ لكم النَّهارَ حَياةً بعْدَ نَومِكم الَّذي يُشبِهُ الموتَ، ويَقَظةً تَنتَشِرون في ضيائِه لطَلَبِ الأرزاقِ.
وَهُوَ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا (48)
واللهُ وحْدَه الَّذي أرسَلَ الرِّياحَ فتبَشِّرُ النَّاسَ بمَجيءِ السَّحابِ ونُزولِ المطَرِ قبْلَ أن يفجَأَهم بنُزولِه، وأنزَلْنا مِن السَّحابِ ماءَ المطَرِ، الطَّاهِرَ في نفْسِه، المطَهِّرَ لِغَيرِه.
لِنُحْيِيَ بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا وَنُسْقِيَهُ مِمَّا خَلَقْنَا أَنْعَامًا وَأَنَاسِيَّ كَثِيرًا (49)
لِنُحييَ بالمطَرِ أرضًا مُجدِبةً لا نباتَ فيها، ونُسقِيَ به كَثيرًا مِمَّا خلَقْنا مِن الأنعامِ والنَّاسِ، فيَشرَبون منه، ويَسقُونَ به زُروعَهم.
وَلَقَدْ صَرَّفْنَاهُ بَيْنَهُمْ لِيَذَّكَّرُوا فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلَّا كُفُورًا (50)
ولقد قسَّمْنا ماءَ المطَرِ بيْن النَّاسِ؛ مِن أجْلِ أن يتذكَّروا ويعتَبِروا، فلمْ يتذكَّرْ أكثَرُ النَّاسِ بتَصريفِ اللهِ للمطَرِ، وأصَرُّوا على الكُفرِ باللهِ، وجُحودِ نِعَمِه، وإنكارِ قُدرتِه وحِكمتِه.
وَلَوْ شِئْنَا لَبَعَثْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ نَذِيرًا (51)
ولو شِئْنا لجعَلْنا في كُلِّ مدينةٍ رَسولًا يُنذِرُ النَّاسَ عَذابَ اللهِ ويَدْعوهم إليه، ولكِنَّنا خَصَصْناك -يا محمَّدُ- بالرِّسالةِ إلى جميعِ النَّاسِ.
فَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَجَاهِدْهُمْ بِهِ جِهَادًا كَبِيرًا (52)
فلا تُطِعِ الكافرينَ -يا محمَّدُ- فيما يَدْعونَك إليه مِن عبادةِ آلهتِهم، أو في تَركِ شَيءٍ مِمَّا أُرسِلْتَ به، وجاهِدِهم بالقُرآنِ جِهادًا شَديدًا بكُلِّ طاقتِك بلا فُتورٍ؛ نُصرةً للحَقِّ، وقمعًا للباطِلِ.
وَهُوَ الَّذِي مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ وَجَعَلَ بَيْنَهُمَا بَرْزَخًا وَحِجْرًا مَحْجُورًا (53)
واللهُ وحْدَه هو الَّذي أرسَل البَحرينِ وخلَّاهما، لا يَختلِطُ أحدُهما بالآخَرِ، أحدُهما شَديدُ العُذوبةِ، والآخَرُ شَديدُ الملوحةِ والمرارةِ، وجعَلَ اللهُ بقُدرتِه بيْنَهما حاجِزًا، ومانِعًا حصينًا يمنَعُهما منعًا شديدًا مِن الامتِزاجِ والاختِلاطِ ببَعضِهما.
وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الْمَاءِ بَشَرًا فَجَعَلَهُ نَسَبًا وَصِهْرًا وَكَانَ رَبُّكَ قَدِيرًا (54)
واللهُ وحْدَه هو الَّذي خلَقَ مِن المَنيِّ إنسانًا ذكَرًا أو أُنثى، فجعَلَ اللهُ الإنسانَ ذا نَسَبٍ، وذا صِهرٍ، ولم يَزَلْ رَبُّك -يا محمَّدُ- مُتَّصِفًا بكَمالِ القُدرةِ، ومِن ذلك قُدرتُه البالِغةُ على خَلقِ ما يشاءُ.
وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُهُمْ وَلَا يَضُرُّهُمْ وَكَانَ الْكَافِرُ عَلَى رَبِّهِ ظَهِيرًا (55)
ويَعبُدُ المُشرِكون مِن دونِ اللهِ آلهةً لا تَنفَعُهم بشَيءٍ، ولا تضُرُّهم أبدًا، ويَترُكونَ عِبادةَ اللهِ الَّذي خلَقَهم، وأنعَمَ عليهم، ويَملِكُ نَفعَهم وضُرَّهم، وكان الكافِرُ مُعينًا للشَّيطانِ وحِزبِه على عداوةِ اللهِ؛ يُشرِكُ به ويعصيه، ويُوالي أعداءَه، ويُحارِبُ أولياءَه!
وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا مُبَشِّرًا وَنَذِيرًا (56)
وما أرسَلْناك -يا محمَّدُ- إلى النَّاسِ إلَّا لتبشِّرَ مَنْ آمَنَ بك واتَّبعَك بالخَيرِ والثَّوابِ في الدُّنيا والآخرةِ، وتُنذِرَ مَن كفَرَ بك وكذَّبَك وعصاك بالشَّقاءِ والعذابِ في الدُّنيا والآخرةِ.
قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِلَّا مَنْ شَاءَ أَنْ يَتَّخِذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلًا (57)
قُلْ -يا محمَّدُ- لِمَن أرسلْتُك إليهم: أنا لا أسألُكم على تبليغِ رسالةِ اللهِ إليكم مالًا، لكنْ مَن شاء مِنكم أن يتَّخِذَ طَريقًا يقَرِّبُه إلى اللهِ، فليفعَلْ، ومِن ذلك أن يُنفِقَ مِن مالِه في سبيلِ اللهِ.
وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ وَسَبِّحْ بِحَمْدِهِ وَكَفَى بِهِ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيرًا (58)
واعتَمِدْ -يا محمَّدُ- على اللهِ الَّذي له الحياةُ الكامِلةُ الدَّائِمةُ الَّتي لا موتَ معها أبدًا، وفوِّضْ أمورَك كُلَّها إليه وحْدَه لا إلى غيرِه، ونزِّهْ ربَّك عن النَّقائِصِ والأندادِ والشُّرَكاءِ، مُثنيًا عليه بصِفاتِ كَمالِه، شاكرًا له على نِعَمِه، وحَسْبُك ربُّك الخَبيرُ بذُنوبِ عبادِه، فلا يخفى عليه شَيءٌ منها، وسيُجازيهم عليها يومَ القيامةِ.
الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ الرَّحْمَنُ فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيرًا (59)
توكَّلْ على الحيِّ الَّذي خلَقَ السَّمواتِ السَّبْعَ والأرضَ وما بيْنَهما مِن المخلوقاتِ في سِتَّةِ أيامٍ، ثمَّ علا اللهُ الرَّحمنُ على عرشِه عُلُوًّا يليقُ بجلالِه، فاسألْ عن الرَّحمنِ عالِمًا يُخبِرْك عنه وعن عَظَمتِه، وعن خَلقِه وسُلطانِه، وأفعالِه وصفاتِ كَمالِه.
وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اسْجُدُوا لِلرَّحْمَنِ قَالُوا وَمَا الرَّحْمَنُ أَنَسْجُدُ لِمَا تَأْمُرُنَا وَزَادَهُمْ نُفُورًا (60)
وإذا قيلَ لأولئك المُشرِكين: اسجُدوا للرَّحمنِ الَّذي أنعَمَ عليكم بالنِّعَمِ، ودفَعَ عنكم النِّقَمَ دونَ غيرِه؛ قالوا متعَجِّبين مُنكِرينَ لاسمِه الرَّحمنِ: لا نعرِفُ الرَّحمنَ! أنطيعُك -يا محمَّدُ- فنَسجُدُ لله وحْدَه لمجرَّدِ قَولِك وأمْرِك بذلك؟! وزاد المُشرِكينَ أمْرُهم بالسُّجودِ للرَّحمنِ كراهيةً وفِرارًا مِن الحَقِّ.
تَبَارَكَ الَّذِي جَعَلَ فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا وَجَعَلَ فِيهَا سِرَاجًا وَقَمَرًا مُنِيرًا (61)
تعاظَمَ اللهُ، وكَمَلَت أوصافُه، وكثُرتْ خَيراتُه، ودامتْ بَرَكاتُه، فهو الَّذي جعَلَ في السَّماءِ مَنازِلَ للشَّمسِ والقَمَرِ في مَسيرِهما، وخلَقَ اللهُ في السَّماءِ شَمسًا مُشرِقةً تَبعَثُ النُّورَ والحرارةَ، وقمرًا مُضيئًا في اللَّيلِ.
وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُورًا (62)
واللهُ هو الَّذي جعَل اللَّيلَ والنَّهارَ بحيثُ يَخلُفُ أحدُهما الآخَرَ، فهُما يَتعاقبانِ أبدًا، ولا يجتَمِعانِ، جعَل اللهُ اللَّيلَ والنَّهارَ خِلفةً لِمَن أراد أن يتَّعِظَ ويعتبِرَ ويتفَكَّرَ في اختِلافِهما، أو أراد شُكرَ اللهِ على نِعَمِه، فيَعبُدُه فيهما، ويَستَدرِكُ ما فاته في أحَدِهما فيَعمَلُه في وقتِ الآخَرِ.
وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا (63)
وعِبادُ الرَّحمنِ هم الَّذين يَمشون بحِلْمٍ وسَكينةٍ، ووَقارٍ وتواضُعٍ، ورِفقٍ ولينٍ، مِن غَيرِ مَرَحٍ وتكبُّرٍ وتجبُّرٍ، وسَعيٍ للإفسادِ وارتكابِ المعاصي، وإذا خاطَبَهم السُّفَهاءُ بما يَكرَهونَه، أجابوهم بقَولٍ سَدادٍ وصَوابٍ، ويَعفُون عنهم ويَصفَحون، فيَسْلَمون مِن الإثمِ، ومِن مُقابَلةِ جَهلِهم بالإساءةِ إليهم، ومِن تطاوُلِهم في أذيَّتِهم.
وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا (64)
وعِبادُ الرَّحمنِ هُمُ الَّذين يُصَلُّونَ في اللَّيلِ مُخلِصينَ لرَبِّهم، وهم في ذلك بيْنَ سُجودٍ وقِيامٍ.
وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا (65)
والَّذين يقولونَ خَوفًا وحَذَرًا مِن عَذابِ اللهِ: ربَّنا ادفَعْ عنَّا عذابَ جَهنَّمَ، بتَوفيقِنا للطَّاعاتِ، واجتِنابِ المعاصي، وبتَكفيرِ سيِّئاتِنا، إنَّ عذابَ جهنَّمَ مُلازِمٌ لأهلِ النَّارِ لا يُفارِقُهم، مُهلِكٌ لهم.
إِنَّهَا سَاءَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا (66)
إنَّ جَهنَّمَ قَبُحَت مَنزِلًا يَستقِرُّ فيه أهلُها، وبِئسَت موضِعَ إقامةٍ يَمكُثونَ فيها.
وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا (67)
والَّذين إذا أنفَقوا أموالَهم على أنفُسِهم وأهليهم وغَيرِهم، لم يُجاوِزوا الحَدَّ في إنفاقِها فيُبَذِّروا، ولم يُقصِّروا في النَّفَقةِ عن قَدرِ الحاجةِ فيَبخَلوا، وكان إنفاقُهم مُعتَدِلًا وسَطًا بيْنَ الإسرافِ والتَّقتيرِ.
وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آَخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا (68)
والَّذين لا يَدْعون مع اللهِ مَعبودًا آخَرَ، بل يُخلِصون العبادةَ للهِ وحْدَه، ولا يَقتُلون مَن حرَّم اللهُ قَتْلَهم إلَّا بسبَبٍ شَرعيٍّ يخوِّلُ قَتْلَهم، ولا يقَعونَ في الزِّنا، ومَن يفعَلْ تلك الأفعالَ يجِدْ جزاءَه وعِقابَه في الآخرةِ.
يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا (69)
يُغلِّظِ اللهُ له عذابَه يومَ القيامةِ ويُكَرِّرْه، ويَبْقَ المُشرِكُ العاصي في العذابِ المُضاعَفِ إلى الأبَدِ ذَليلًا حَقيرًا.
إِلَّا مَنْ تَابَ وَآَمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (70)
إلَّا مَن تاب فنَدِمَ على ذلك وأقلَعَ عنه، وآمَنَ بما وجَبَ عليه الإيمانُ به، وعَمِلَ أعمالًا صالِحةً بإخلاصٍ لله ومُتابَعةٍ لِرَسولِه- فأولئك يجعَلُ اللهُ مكانَ سَيِّئاتِهم حَسَناتٍ بفَضلِه ورَحمتِه، ولم يَزَلِ اللهُ يستُرُ ذُنوبَ التَّائبينَ مِن عِبادِه، ويتجاوَزُ عن مُؤاخَذتِهم بها ويَرحَمُهم، فهو الغفورُ الرحيمُ.
وَمَنْ تَابَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى اللَّهِ مَتَابًا (71)
ومَن تاب إلى اللهِ وعَمِلَ بعْدَ تَوبتِه الأعمالَ الصَّالحةَ، فإنَّه يَرجِعُ إلى اللهِ رُجوعًا صَحيحًا حَسَنًا، مَقبولًا مَرضِيًّا.
وَالَّذِينَ لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا (72)
والَّذين لا يَحضُرونَ شَيئًا مِن الباطِلِ، ويجتنبونَ جميعَ المجالِسِ المشتمِلةِ على أقوالٍ أو أفعالٍ محرَّمةٍ، وإذا صادَف أنْ مَرُّوا بما لا فائدةَ فيه؛ سواءٌ كان قولًا أو فعلًا، فسَمِعوه أو رَأَوْهُ -مِن غَيرِ قَصدٍ منهم-، أعرَضوا عنه، وأكرَموا أنفُسَهم عن الخَوضِ والمشاركةِ فيه.
وَالَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِآَيَاتِ رَبِّهِمْ لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْهَا صُمًّا وَعُمْيَانًا (73)
والَّذين إذا ذكَّرَهم مُذَكِّرٌ بآياتِ رَبِّهم، لم يُقابِلوها بالإعراضِ عنها، والصَّمَمِ عن سَماعِها، وصَرفِ النَّظَرِ والقلوبِ عنها، كالكُفَّارِ الَّذين إن ذُكِّروا بها أنكَروا وكَذَّبوا، وأقاموا على كُفرِهم، كأنَّهم لا يَسمَعونَ ولا يُبصِرونَ.
وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا (74)
والَّذين يَدْعُونَ اللهَ قائلينَ: ربَّنا أصلِحْ أزواجَنا وأولادَنا وأحفادَنا، فنُسَرَّ في الدُّنيا برُؤيتِهم على طاعتِك، وفي الآخرةِ بدُخولِ جَنَّتِك، واجعَلْنا قُدوةً للَّذين يمتَثِلونَ أوامِرَك، ويجتَنِبونَ نواهيَك، فيَقتَدون بنا في الخَيرِ.
أُولَئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ بِمَا صَبَرُوا وَيُلَقَّوْنَ فِيهَا تَحِيَّةً وَسَلَامًا (75)
عِبادُ الرَّحمنِ المتَّصِفونَ بتلك الصِّفاتِ يُثيبُهم اللهُ الغُرَفَ العاليةَ في الجنَّةِ؛ بسبَبِ صَبرِهم في الدُّنيا، ويُستقبَلُ عِبادُ الرَّحمنِ في الغُرَفِ بالتَّحيَّةِ والسَّلامِ عليهم.
خَالِدِينَ فِيهَا حَسُنَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا (76)
ماكِثينَ في الغُرَفِ، لا يموتونَ، حَسُنَت تلك الغُرَفُ قرارًا لأهلِها، ومكانَ إقامةٍ لهم.
قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي لَوْلَا دُعَاؤُكُمْ فَقَدْ كَذَّبْتُمْ فَسَوْفَ يَكُونُ لِزَامًا (77)
قُلْ -يا محمَّدُ- لِمَن أُرسِلتَ إليهم: لولا دُعاؤُكم إيَّاه لَمَا بالى، ولا اكتَرَث بكم، فقد كذَّبتُم -أيُّها المُشرِكونَ- بالحَقِّ، فسوف يكونُ العذابُ مُلازِمًا لكم في الدُّنيا والآخرةِ؛ جزاءَ تكذيبِكم.
الشعراء
طسم (1) .
هذه الحروفُ المقطَّعةُ الَّتي افتُتِحَت بها هذه السُّورةُ وغيرُها، تأتي لبيانِ إعجازِ القرآنِ؛ حيثُ تُظهِرُ عجْزَ الخَلْقِ عن مُعارَضتِه بمثلِه، مع أنَّه مركَّبٌ مِن هذه الحروفِ العربيَّةِ الَّتي يتحدَّثونَ بها.
تِلْكَ آَيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ (2).
تلك آياتُ القرآنِ البَيِّنِ، الواضِحِ صِدقُه، المُظهِرِ ببَيانِه ما فيه مِن الهُدى والحَقِّ.
لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ (3).
لعلَّك -يا محمَّدُ- مُهلِكٌ نفْسَك غمًّا وأسَفًا؛ لعَدَمِ إيمانِ قَومِك بما جِئتَهم به مِن الحَقِّ، فلا تُهلِكْ نفْسَك بحُزنِك عليهم؛ فما عليك إلَّا البلاغُ، واللهُ يَهدي مَن يشاءُ.
إِنْ نَشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّمَاءِ آَيَةً فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ لَهَا خَاضِعِينَ (4).
لو شِئْنا لأنزَلْنا على هؤلاءِ الكُفَّارِ مُعجِزةً ظاهِرةً مِن السَّماءِ تَضطرُّهم إلى الإيمانِ، فيَنقادوا للحَقِّ قَهرًا، ولكِنْ أراد اللهُ بحكمتِه أن يكونَ إيمانُ كُلِّ أحدٍ اختياريًّا.
وَمَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنَ الرَّحْمَنِ مُحْدَثٍ إِلَّا كَانُوا عَنْهُ مُعْرِضِينَ (5).
وإذا أتى الكُفَّارَ قُرآنٌ حَديثُ النُّزولِ مِن الرَّحمنِ؛ لِيَتذكَّروا ويتَّعِظوا ويتَّبِعوه، أعرَضوا عنه، فلم يُؤمِنوا به ولم يتدَبَّروه!
فَقَدْ كَذَّبُوا فَسَيَأْتِيهِمْ أَنْبَاءُ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (6).
فقد كذَّب الكُفَّارُ بالقُرآنِ الَّذي جاءهم مِن عندِ اللهِ، فسيأتيهم في المُستقبَلِ صِدقُ أخبارِ القُرآنِ الَّذي استَهزؤوا به؛ مِن هَلاكِهم، ونَصرِ اللهِ نَبيَّه، والبَعثِ في الآخرةِ، ودُخولِهم النَّارَ.
أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الْأَرْضِ كَمْ أَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ (7).
أولم يَرَ أولئك المُشرِكون إلى الأرضِ، فيتفَكَّروا في كثرةِ ما أنبَتْنا فيها مِن الأصنافِ الطيِّبةِ الحَسَنةِ النَّافعةِ؟!
إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (8) .
إنَّ في إحياءِ الأرضِ وإنباتِها بعدَ مَوتِها لَدَلالةً على قُدرةِ اللهِ على إحياءِ الموتى، وما أكثَرُ هؤلاء المُشرِكين بمؤمِنينَ باللهِ تعالى وآياتِه.
وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (9).
وإنَّ ربَّك -يا محمَّدُ- لهُو القويُّ الغالِبُ، القاهِرُ المنتَقِمُ مِن أعدائِه، الرَّحيمُ بعبادِه، فلا يعاجِلُهم بعِقابِه، ويقبَلُ تَوبةَ مَنْ آمَنَ به.
وَإِذْ نَادَى رَبُّكَ مُوسَى أَنِ ائْتِ الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (10).
واذكُرْ -يا محمَّدُ- حينَ كلَّم اللهُ موسى وأمَرَه أن يذهَبَ إلى الظَّالِمينَ لأنفُسِهم بالكُفرِ والمعاصي، والظَّالِمين لبني إسرائيلَ باستعبادِهم واضْطِهادِهم وسَومِهم سوءَ العَذابِ.
قَوْمَ فِرْعَوْنَ أَلَا يَتَّقُونَ (11).
والقومُ الظَّالِمونَ هم قَومُ فِرعونَ القِبطُ، فقُلْ لهم يا موسى: ألَا تتَّقونَ اللهَ وتخافونَ عِقابَه، فتُؤمِنوا به وتَتركوا ظُلْمَ عِبادِه؟
قَالَ رَبِّ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ (12).
قال موسى: ربِّ إنِّي أخافُ أن يكَذِّبَني فِرعَونُ وقَومُه، ولا يصَدِّقوا أنِّي رَسولُك إليهم.
وَيَضِيقُ صَدْرِي وَلَا يَنْطَلِقُ لِسَانِي فَأَرْسِلْ إِلَى هَارُونَ (13).
ويَضيقُ صَدري بسَبَبِ تَكذيبِهم إيَّاي، فلا ينشَرِحُ، ويَنحَبِسُ لساني عندَ مُخاطَبةِ فِرعَونَ، فلا أستطيعُ أن أُبِينَ له ما أرسَلْتَني به، فأوحِ -يا رَبِّ- إلى أخي هارونَ؛ لِيَكونَ رَسولًا معي فيُعينَني.
وَلَهُمْ عَلَيَّ ذَنْبٌ فَأَخَافُ أَنْ يَقْتُلُونِ (14).
ولِقَومِ فِرعَونَ دَعوى ذنْبٍ يَطلُبونَني بها؛ لِقَتلي منهم رجُلًا، فأخشَى أن يقتُلوني به.
قَالَ كَلَّا فَاذْهَبَا بِآَيَاتِنَا إِنَّا مَعَكُمْ مُسْتَمِعُونَ (15).
قال اللهُ لموسى: لن يَقتُلَك قَومُ فِرعَونَ، فاذهَبْ أنت وأخوك هارونُ إليهم بمُعجِزاتِنا الدَّالَّةِ على صِدْقِكما، إنِّي معكما بالتَّأييدِ والحِفظِ، أسمَعُ ما ستَقولانِ لفِرعَونَ وقَومِه، وما سيَرُدُّون به عليكما.
فَأْتِيَا فِرْعَوْنَ فَقُولَا إِنَّا رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ (16).
فَأْتِيا -أنت وهارونُ- إلى فِرعَونَ فقُولَا له: إنَّا مُرسَلانِ إليك مِن خالِقِ ومالِكِ ومُدَبِّرِ العالَمينَ.
أَنْ أَرْسِلْ مَعَنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ (17).
أنْ أطلِقْ -يا فِرعَونُ- بني إسرائيلَ مِن قَهرِك وعَذابِك، واترُكْهم يسيرونَ معنا إلى الأرضِ المقَدَّسةِ؛ لِيَعبُدوا اللهَ ويُقيموا دينَه.
قَالَ أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينَا وَلِيدًا وَلَبِثْتَ فِينَا مِنْ عُمُرِكَ سِنِينَ (18).
قال فِرعَونُ لموسى: ألم نَقُمْ بتربيتِك منذُ كنتَ صَغيرًا في المَهدِ؟ ومَكثْتَ عندَنا سِنينَ كثيرةً مِن عُمُرِك تتنعَّمُ بخَيراتِنا!
وَفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ الَّتِي فَعَلْتَ وَأَنْتَ مِنَ الْكَافِرِينَ (19).
وقتلْتَ رجُلًا مِنَّا مِن القِبطِ كما تَعلَمُ، والحالُ أنَّك مِن الجاحِدينَ لنِعمَتِنا عليك؛ حيث جازَيْتَنا على تَربيتِنا لك بقَتلِ رجُلٍ مِنَّا!
قَالَ فَعَلْتُهَا إِذًا وَأَنَا مِنَ الضَّالِّينَ (20).
قال موسى مُجيبًا لفِرعَونَ: قتلتُ القِبطيَّ خَطأً وأنا مِن الجاهِلينَ، قبْلَ أن يُوحيَ اللهُ إلَيَّ بالرِّسالةِ.
فَفَرَرْتُ مِنْكُمْ لَمَّا خِفْتُكُمْ فَوَهَبَ لِي رَبِّي حُكْمًا وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُرْسَلِينَ (21).
فخرجتُ مِن بَينِكم هاربًا منكم؛ خَوفًا مِن أن تقتُلوني بذلك القِبطيِّ، فأعطاني ربِّي عِلمًا، وجعَلَني ربِّي مِن جُملةِ رُسُلِه؛ لأُبلِّغَكم رسالتَه.
وَتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّهَا عَلَيَّ أَنْ عَبَّدْتَ بَنِي إِسْرَائِيلَ (22).
وتَمُنُّ علَيَّ -يا فِرعَونُ- بتربيتِك لي وإنعامِك علَيَّ، وقد اتَّخَذْتَ قَومي بني إسرائيلَ عَبيدًا لك، فكيف تَمُنُّ علَيَّ بهذه النِّعمةِ أنِ استَعبدْتَ بني إسرائيلَ ولم تَستعبِدْني، فهذه ليست نِعمةً؟!
قَالَ فِرْعَوْنُ وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ (23) .
قال فِرعَونُ مُنكِرًا مَعرِفتَه باللهِ: وما ربُّ العالَمينَ الَّذي تَزعُمُ -يا موسى- أنَّه أرسَلَك، وأنَّه يَستَحِقُّ العبادةَ؟!
قَالَ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ (24).
قال موسى: هو خالِقُ السَّمواتِ والأرضِ، ومالِكُهنَّ ومُدبِّرُهن وما بيْنَهنَّ، فإن كنتُم تُوقِنون حقًّا فأيقِنوا بأنَّ اللهَ هو الخالِقُ؛ لظُهورِ ذلك بلا خَفاءٍ.
قَالَ لِمَنْ حَوْلَهُ أَلَا تَسْتَمِعُونَ (25).
قال فِرعَونُ للَّذين حوْلَه مِن أشرافِ قَومِه: ألَا تَستَمِعون إلى ما يقولُه موسى، وتَعجَبون مِن قَولِه؟!
قَالَ رَبُّكُمْ وَرَبُّ آَبَائِكُمُ الْأَوَّلِينَ (26).
قال موسى: اللهُ الَّذي أدعوكم إلى عبادتِه هو ربُّكم الَّذي خلَقَكم وخلَقَ آباءَكم الَّذين مِن قَبْلِكم، ومالِكُكم ومدبِّرُ شؤونِكم، فكيف يمكِنُ أن يكونَ مَن سِوى اللهِ ربًّا؟!
قَالَ إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ (27).
قال فِرعَونُ مُتهَكِّمًا: إنَّ موسى الَّذي يزعُمُ أنَّه رسولٌ إليكم لا عَقلَ له، ويقولُ ما لا نعلَمُ حَقيقتَه!
قَالَ رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ (28).
قال موسى لفِرعَونَ وقَومِه: الَّذي أدعوكم إلى عبادتِه هو رَبُّ المشرِقِ والمَغرِبِ وما بيْنَهما وما يَحدُثُ فيهما، وليس مُلكُه ناقِصًا كمُلكِكم، فإن كانت لكم عُقولٌ تَعرِفونَ بها صِحَّةَ كلامي، فآمِنوا باللهِ وحْدَه.
قَالَ لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلَهًا غَيْرِي لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ (29).
قال فِرعَونُ متهدِّدًا موسى عليه السَّلامُ: لئِنْ أصرَرْتَ -يا موسى- على عبادةِ مَعبودٍ غيري، لأُصَيِّرَنَّك مِن جُملةِ المحبوسينَ المعذَّبينَ في سُجوني.
قَالَ أَوَلَوْ جِئْتُكَ بِشَيْءٍ مُبِينٍ (30).
قال موسى عليه السَّلامُ لفِرعَونَ: أتسجُنُني حتَّى وإنْ أتيتُك بمُعجزةٍ ظاهرةٍ وبُرهانٍ قاطعٍ يُبِينُ لك صِدقي وصِحَّةَ ما جِئتُ به؟!
قَالَ فَأْتِ بِهِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (31).
قال فِرعَونُ لموسى عليه السَّلامُ: فأْتِ بهذا الشَّيءِ المُبينِ إن كنتَ صادقًا في دعْواك.
فَأَلْقَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُبِينٌ (32).
فرمَى موسى عَصاهُ إلى الأرضِ، فانقلَبَت حَيَّةً ضَخمةً في غايةِ الوُضوحِ لِمَن يَراها.
وَنَزَعَ يَدَهُ فَإِذَا هِيَ بَيْضَاءُ لِلنَّاظِرِينَ (33).
وأخرَج موسى يَدَه -مِن فَتحةِ قَميصِه العُلويَّةِ مِن جِهةِ العُنُقِ- بيضاءَ تلمَعُ لجَميعِ النَّاظِرينَ إليها في مجلِسِ فِرعَونَ.
قَالَ لِلْمَلَإِ حَوْلَهُ إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ (34).
قال فِرعَونُ للأشرافِ الَّذين مِن حَولِه: إنَّ هذا لساحِرٌ بارعٌ، ذو عِلمٍ ودِرايةٍ فائِقةٍ بالسِّحرِ، يُخيِّلُ إلى النَّاسِ أنَّ عصاهُ تنقَلِبُ حَيَّةً، وأنَّ يَدَه تَصيرُ بَيضاءَ!
يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِ فَمَاذَا تَأْمُرُونَ (35).
يريدُ أن يُخرِجَكم مِن أرضِكم مِصرَ بسِحرِه، قال فِرعَونُ لِمَن حَولَه: فماذا تُشيرونَ علَيَّ مِن الرأيِ في شَأنِه، وما نفعَلُه به؟!
قَالُوا أَرْجِهْ وَأَخَاهُ وَابْعَثْ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ (36).
قال الأشرافُ لفِرعَونَ مُشيرينَ عليه: أخِّرْ موسى وأخاه هارونَ وأمهِلْهما، وابعَثْ -يا فِرعَونُ- في مُدُنِ مملكتِك مَن يجمَعونَ منها السَّحَرةَ إليك.
يَأْتُوكَ بِكُلِّ سَحَّارٍ عَلِيمٍ (37).
يأتوك بجَميعِ السَّحَرةِ المَهَرةِ؛ ليُعارِضوا ما جاء به موسى.
فَجُمِعَ السَّحَرَةُ لِمِيقَاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ (38).
فجَمَع الحاشِرون السَّحَرةَ مِن المُدُنِ للوَقتِ المحَدَّدِ لاجتِماعِهم.
وَقِيلَ لِلنَّاسِ هَلْ أَنْتُمْ مُجْتَمِعُونَ (39).
وقيلَ لأهلِ مِصرَ: هل أنتم مُجتَمِعون لِتَنظُروا إلى ما يَفعَلُ الفريقانِ، ولِمَن تكونُ الغَلَبةُ؟
لَعَلَّنَا نَتَّبِعُ السَّحَرَةَ إِنْ كَانُوا هُمُ الْغَالِبِينَ (40).
لعَلَّنا نتَّبِعُ السَّحَرةَ إن كانوا سيَغلِبون موسى.
فَلَمَّا جَاءَ السَّحَرَةُ قَالُوا لِفِرْعَوْنَ أَئِنَّ لَنَا لَأَجْرًا إِنْ كُنَّا نَحْنُ الْغَالِبِينَ (41).
فلمَّا حضَرَ السَّحَرةُ قالوا لفِرعَونَ: هل ستُعطينا أجرًا إن غلَبْنا موسى؟
قَالَ نَعَمْ وَإِنَّكُمْ إِذًا لَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ (42).
قال فِرعَونُ لهم: نعمْ، سأُعطيكم أُجرًا إنْ غلبْتُم موسى، وأَزيدُكم على ذلك أنْ أجعَلَكم مِن المقَرَّبينَ لدَيَّ.
قَالَ لَهُمْ مُوسَى أَلْقُوا مَا أَنْتُمْ مُلْقُونَ (43).
قال موسى للسَّحَرةِ: اطرَحوا في الأرضِ ما تُريدونَ طَرحَه كائنًا ما كان.
فَأَلْقَوْا حِبَالَهُمْ وَعِصِيَّهُمْ وَقَالُوا بِعِزَّةِ فِرْعَوْنَ إِنَّا لَنَحْنُ الْغَالِبُونَ (44).
فطرَح السَّحَرةُ الحِبالَ والعِصِيَّ الَّتي أعَدُّوها للسِّحرِ، وخيَّلوا للنَّاسِ أنَّها حَيَّاتٌ تَسعَى، وقال السَّحَرةُ: بعَظَمةِ فِرعَونَ وقُوَّتِه وقُدرتِه وقَهرِه وشِدَّةِ سُلطانِه، إنَّا لنحنُ الغالِبونَ موسى.
فَأَلْقَى مُوسَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ (45).
فألقَى موسَى عصاهُ فأخَذَتْ تبتَلِعُ بسُرعةٍ جميعَ ما ألقاه السَّحَرةُ مِن الحِبالِ والعِصيِّ الَّتي أوهَموا النَّاسَ أنَّها حيَّاتٌ وخَدَعوهم بذلك.
فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سَاجِدِينَ (46).
فلمْ يَتمالَكِ السَّحَرةُ أنفُسَهم لَمَّا شاهدوا ذلك، وعرَفوا صدقَ موسَى عليه السَّلامُ، وأنَّ ما جاءهم به حقٌّ، فسَجَدوا لله تعالى مُسرِعينَ بلا ترَدُّدٍ.
قَالُوا آَمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ (47).
قال السَّحَرةُ عندَما سَجَدوا لله: آمَنَّا بخالقِ ومالكِ ومدَبِّرِ السَّمواتِ والأرضِ وما بيْنَهما، الَّذي دعَانا موسَى إلى عبادتِه.
رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ (48).
ربِّ موسى وهارونَ، الَّذي أيَّدَهما بهذه المُعجزةِ العظيمةِ، الدَّالَّةِ على صِدقِهما.
قَالَ آَمَنْتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آَذَنَ لَكُمْ إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ فَلَسَوْفَ تَعْلَمُونَ لَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلَافٍ وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ (49).
قال فِرعَونُ للسَّحرةِ الذينَ آمَنوا: أصدَّقْتُم بأنَّ ما جاء به موسى حقٌّ وانقَدْتُم له قبلَ أنْ آذَنَ لكم بذلك؟! إنَّ موسى لَرئيسُكم الَّذي علَّمَكم صناعةَ السِّحرِ، ولذلك آمنْتُم به، وتَواطأْتُم على ما فعَلْتُم! فلَسَوفَ تعلَمونَ ما أفعلُه بكم مِن العِقابِ، لأُقطِّعنَّ مِن كُلِّ ساحرٍ منكم يدَه ورِجلَه مِن جِهَتينِ مختَلِفتَينِ، ولأُصَلِّبَنَّكم جميعًا على جُذوعِ النَّخلِ.
قَالُوا لَا ضَيْرَ إِنَّا إِلَى رَبِّنَا مُنْقَلِبُونَ (50).
قال السَّحَرةُ المؤمِنونَ لفِرعَونَ: لا ضرَرَ علينا فيما يُصيبُنا مِن عذابِك المنقَطِعِ، ولا نُبالي به؛ لأنَّنا إلى اللهِ راجِعون، فيُجازينا أحسَنَ الجَزاءِ على إيمانِنا، وصَبرِنا على عذابِك.
إِنَّا نَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لَنَا رَبُّنَا خَطَايَانَا أَنْ كُنَّا أَوَّلَ الْمُؤْمِنِينَ (51).
إنَّنا نرجو أن يَستُرَ رَبُّنا ذُنوبَنا، ويتجاوَزَ عن مؤاخَذتِنا بها؛ بسبَبِ كَونِنا أوَّلَ مَن آمَنَ بموسى عندَ ظُهورِ آيتِه.
وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِي إِنَّكُمْ مُتَّبَعُونَ (52).
وأوحَيْنا إلى موسى أنْ سِرْ بعِبادي بني إسرائيلَ ليلًا، وسيتَّبِعُكم فِرعَونُ وجُنودُه؛ لِيَحُولوا بيْنَكم وبيْنَ الخُروجِ مِن أرضِ مِصرَ.
فَأَرْسَلَ فِرْعَوْنُ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ (53).
فأرسَلَ فِرعَونُ مَن يجمَعُ له مِن مدُنٍ كَثيرةٍ جُنودًا؛ ليَلحَقوا بني إسرائيلَ فيَرُدُّوهم.
إِنَّ هَؤُلَاءِ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ (54).
قال فرعونُ: إنَّ بني إسرائيلَ لَطائِفةٌ ضَعيفةٌ وقَليلةٌ.
وَإِنَّهُمْ لَنَا لَغَائِظُونَ (55).
وإنَّ بني إسرائيلَ مُغضِبون لنا أشدَّ الغضَبِ.
وَإِنَّا لَجَمِيعٌ حَاذِرُونَ (56).
وإنَّنا كُلَّنا مستعِدُّون بالقوَّةِ والسِّلاحِ لحَربِ بني إسرائيلَ، وقد أخَذْنا حِذْرَنا منهم.
فَأَخْرَجْنَاهُمْ مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (57).
فأخرَج الله فِرعَونَ وقَومَه مِن بساتينَ كَثيرةِ الأشجارِ والزُّروعِ، وعُيونِ الماءِ.
وَكُنُوزٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ (58).
وأخرَجهم من أموالِهم ومساكِنِهم الحسَنةِ الَّتي كانوا يتنعَّمون فيها.
كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا بَنِي إِسْرَائِيلَ (59) .
كذلك وأورَث الله بني إسرائيلَ الجنَّاتِ والعُيونَ والكُنوزَ والمساكِنَ التي كانت لفِرعَونَ وقَومِه.
فَأَتْبَعُوهُمْ مُشْرِقِينَ (60).
فلَحِقَ فِرعَونُ وجُنودُه بني إسرائيلَ وقْتَ شُروقِ الشَّمسِ.
فَلَمَّا تَرَاءَى الْجَمْعَانِ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ (61).
فلمَّا رأى كلٌّ مِن جمعِ موسى وجَمعِ فِرعَونَ الآخَرَ، قال أصحابُ موسى: سيُدرِكُنا فِرعَونُ وجنودُه، ولا نَستطيعُ الفِرارَ؛ فالبَحرُ أمامَنا، وهم خَلْفَنا.
قَالَ كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ (62).
قال موسى مُطَمْئِنًا قومَه: ليس الأمرُ كما ذكَرتُم مِن أنَّنا مُدرَكون؛ لأنَّ ربِّي معي بنَصرِه وتأييدِه، وسيَهديني لطَريقِ النَّجاةِ.
فَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْبَحْرَ فَانْفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ (63).
فأوحى اللهُ إلى موسى، فقال له: اضرِبْ بعَصاك البَحرَ الَّذي أمامَك، فضرَبَ موسَى بعَصاهُ البحرَ، فانشَقَّ، فكانت كلُّ قِطعةٍ مِن الماءِ كالجبَلِ الكبيرِ!
وَأَزْلَفْنَا ثَمَّ الْآَخَرِينَ (64) .
وقرَّبْنا فِرعَونَ وجُنودَه مِن البَحرِ، وأدخَلْناهم في ذلك الطَّريقِ المنشَقِّ لِنُغرِقَهم.
وَأَنْجَيْنَا مُوسَى وَمَنْ مَعَهُ أَجْمَعِينَ (65).
وأنجَيْنا مِن الغرَقِ موسى والَّذين معه كُلَّهم، وسلَّمْناهم مِن عدُوِّهم.
ثُمَّ أَغْرَقْنَا الْآَخَرِينَ (66).
ثمَّ أغرَقْنا فِرعَونَ وقَومَه كُلَّهم في البَحرِ، فلمْ يُفلِتْ منهم أحَدٌ.
إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (67).
إنَّ في قِصَّةِ موسى وفِرعَونَ لَعِظةً وعِبرةً عَظيمةً، ودَلالةً واضِحةً للنَّاسِ على صِدقِ الرَّسولِ، وحِكمةِ اللهِ وتَوحيدِه، وقُدرتِه العظيمةِ على إهلاكِ الكافِرين وإنجاءِ المؤمِنينَ، ولم يكُنْ أكثَرُ قَومِ فِرعَونَ مؤمنينَ بالله، فلم يُؤمِنْ منهم إلَّا قِلَّةٌ قَليلةٌ.
وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (68).
وإنَّ رَبَّك -يا محمَّدُ- لَهُو العزيزُ القاهِرُ الغالِبُ المنتَقِمُ مِن أعدائِه، الرَّحيمُ بعبادِه.
وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ إِبْرَاهِيمَ (69).
واقرأْ -يا مُحمَّدُ- على قَومِك خبَرَ إبراهيمَ العَظيمَ.
إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا تَعْبُدُونَ (70).
حينَ قال إبراهيمُ لأبيه وقَومِه المُشرِكين: أيُّ شَيءٍ تعبدونَ، وتُواظِبونَ على عبادتِه؟
قَالُوا نَعْبُدُ أَصْنَامًا فَنَظَلُّ لَهَا عَاكِفِينَ (71).
قال المُشرِكون لإبراهيمَ: نعبُدُ أصنامًا، فنُقيمُ على عبادتِها وَقتًا طَويلًا.
قَالَ هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ تَدْعُونَ (72) .
قال إبراهيمُ لِقَومِه: هل تَسمَعُ أصنامُكم دُعاءَكم حينَ تَدْعونَها؟
أَوْ يَنْفَعُونَكُمْ أَوْ يَضُرُّونَ (73).
أو هل تنفَعُكم أو تُوقِعُ الضَّرَرَ عليكم أو على أعدائِكم؟!
قَالُوا بَلْ وَجَدْنَا آَبَاءَنَا كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ (74).
قال قَومُ إبراهيمَ: لا تَسمَعُنا الأصنامُ، ولا تنفَعُنا ولا تضُرُّنا، ولكِنَّنا وجَدْنا آباءَنا يَعبُدونَها ويَعكُفونَ عليها، فنحنُ نقتَدي بهم!
قَالَ أَفَرَأَيْتُمْ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ (75)
قال إبراهيمُ: أفرأيتُم -أيُّها القَومُ- هذه الأصنامَ الَّتي كنتُم تَعبدونَها.
أَنْتُمْ وَآَبَاؤُكُمُ الْأَقْدَمُونَ (76)
تَعبدونَها أنتم وأجدادُكم الماضُونَ الأوَّلونَ.
فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلَّا رَبَّ الْعَالَمِينَ (77).
فإنَّها كُلَّها عدوٌّ لي لا أعبُدُها، وأتبرَّأُ منها، إلَّا رَبَّ العالَمينَ؛ فإنِّي أعبُدُه وحْدَه.
الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ (78).
الَّذي أوجَدني وحْدَه مِنَ العَدَمِ، ويُرشِدُني لِمَصالحي في دِيني ودُنياي.
وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ (79).
والَّذي يُغَذِّيني وحْدَه بالطَّعامِ والشَّرابِ.
وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ (80).
وإذا سَقِمَ بَدَني واعتَلَّتَ صِحَّتي فهو وحْدَه الَّذي يُعافيني.
وَالَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ (81).
وهو وحْدَه الَّذي يَقبِضُ رُوحي عندَ انقضاءِ أجلي، ثمَّ يبعَثُني يومَ القيامةِ ليُجازيَني.
وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ (82).
وهو وحْدَه الَّذي أرجو أن يغفِرَ لي ذُنوبي يومَ القيامةِ.
رَبِّ هَبْ لِي حُكْمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ (83).
ربِّ أعطِني فَهمًا، وعِلمًا كثيرًا، واجعَلْني معَ الصَّالحينَ في الدُّنيا والآخرةِ.
وَاجْعَلْ لِي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الْآَخِرِينَ (84).
واجعَلْ لي ثناءً حَسَنًا دائمًا، فأُذكَرَ مِن بَعدي، ويَقتديَ النَّاسُ بي.
وَاجْعَلْنِي مِنْ وَرَثَةِ جَنَّةِ النَّعِيمِ (85).
واجعَلْني ممَّن تُورِثُهم الجنَّةَ في الآخِرةِ.
وَاغْفِرْ لِأَبِي إِنَّهُ كَانَ مِنَ الضَّالِّينَ (86).
واغفِرْ لأبي؛ لأنَّه مِنَ الضَّالِّينَ عن طَريقِ الحَقِّ، فلا تُعاقِبْه.
وَلَا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ (87).
ولا تَفْضَحْني يومَ القيامةِ حينَ تَبعَثُ عِبادَك لفصلِ القضاءِ.
يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ (88).
يومَ لا ينفَعُ العَبدَ فيه مالُه ولا أبناؤُه.
إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ (89).
إلَّا مَن لَقِيَ اللهَ يومَ القيامةِ وقَلبُه خالِصٌ مِنَ الشِّركِ والشَّكِّ، والعقائِدِ الباطِلةِ، والأوصافِ الذَّميمةِ، والإراداتِ الفاسدةِ.
وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ (90).
وقُرِّبتِ الجنَّةُ يومَ القيامةِ للَّذين اتَّقَوا عذابَ اللهِ في الدُّنيا؛ بفِعلِ أوامِرِه، واجتِنابِ نواهيه.
وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِلْغَاوِينَ (91).
وأُظهِرَت النَّارُ يومَ القيامةِ للَّذين ضَلُّوا في الدُّنيا عن الحَقِّ.
وَقِيلَ لَهُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ (92)
وقيل للغاوينَ توبيخًا لهم: أين مَعبوداتُكم الَّتي كنتُم تعبُدونَها في الدُّنيا.
مِنْ دُونِ اللَّهِ هَلْ يَنْصُرُونَكُمْ أَوْ يَنْتَصِرُونَ (93).
كنتُم تعبُدونَها مِن دونِ اللهِ، وتزعُمونَ أنَّها تنفَعُكم وتشفَعُ لكم، هل تُنقِذُكم مِن عذابِ اللهِ، أو تُنقِذُ أنفُسَها منه؟!
فَكُبْكِبُوا فِيهَا هُمْ وَالْغَاوُونَ (94).
فطُرِح في جهنَّمَ المعبودونَ وعابِدوهم بعضُهم على بعضٍ.
وَجُنُودُ إِبْلِيسَ أَجْمَعُونَ (95).
وطُرِحَ في جهنَّمَ جَميعُ مَن كانوا أعوانًا وأتباعًا لإبليسَ في الدُّنيا مِن الإنسِ والجِنِّ.
قَالُوا وَهُمْ فِيهَا يَخْتَصِمُونَ (96).
قال أهلُ النَّارِ لِمَعبوداتِهم وهم في النَّارِ يتخاصَمونَ، ويجادِلُ بعضُهم بعضًا.
تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (97).
واللهِ إنَّنا كُنَّا في الدُّنيا في ذَهابٍ واضحٍ عن الحَقِّ.
إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ (98).
حينَ سوَّيْناكم برَبِّ العالَمينَ، فعَبدْناكم وأطَعْناكم كما يُعبَدُ اللهُ ويُطاعُ.
وَمَا أَضَلَّنَا إِلَّا الْمُجْرِمُونَ (99).
وما صرَفَنا وأغْوانَا عن الحَقِّ إلَّا الضالُّونَ.
فَمَا لَنَا مِنْ شَافِعِينَ (100).
فما لنا مِن شُفَعاءَ يَشفَعونَ لنا عندَ اللهِ؛ لِيَعفوَ عنَّا، ويُخرِجَنا مِنَ النَّارِ!
وَلَا صَدِيقٍ حَمِيمٍ (101).
ولا صديقٍ، مُشفِقٍ، صادِقٍ في وُدِّه.
فَلَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (102).
فلو أنَّ لنا رَجعةً إلى الدُّنيا فنُؤمِنَ بالله ونعمَلَ بطاعتِه، فنَسلَمَ مِن عِقابِ الآخرةِ، ونَستحِقَّ ثوابَها!
إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (103).
إنَّ في ذلك المذكورِ مِن قِصَّةِ إبراهيمَ وقَومِه لَعِظةً وعِبرةً ودَلالةً واضِحةً على توحيدِ اللهِ وبُطلانِ الشِّركِ، وأنَّ اللهَ يعَذِّبُ يومَ القيامةِ مَن أشرَكَ به، ولم يكُنْ أكثَرُهم مؤمنينَ بتوحيدِ اللهِ، مع وُضوحِ المُعجِزاتِ، ونُزولِ الآياتِ.
وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (104).
وإنَّ رَبَّك -يا مُحمَّدُ- لهو العزيزُ القاهِرُ الغالِبُ، المنتَقِمُ مِن أعدائِه، الرَّحيمُ بعبادِه.
كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ (105) .
كَذَّبت قَومُ نُوحٍ بجَميعِ رُسُلِ الله.
إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ نُوحٌ أَلَا تَتَّقُونَ (106).
حينَ قال لهم نوحٌ -وهو أخوهم في النَّسَبِ-: ألَا تتَّقون اللهَ وتَحذَرونَ عِقابَه، فتُوحِّدوا اللهَ، وتَترُكوا عبادةَ الأصنامِ؟!
إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ (107).
إنِّي لكم رَسولٌ مِن اللهِ، أمينٌ على وَحيِه الَّذي بعَثَني به إليكم، فأُبلِّغُكم رسالةَ الله بلا زيادةٍ أو نُقصانٍ.
فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (108).
فاتَّقوا سَخَطَ اللهِ وعِقابَه، وأطيعوني فيما آمُرُكم به، وأنهاكم عنه.
وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ (109).
وما أطلُبُ منكم على نُصحي لكم أيَّ ثوابٍ وجَزاءٍ، ما أرجو ثَوابي إلَّا مِنَ اللهِ الخالِقِ الرَّازِقِ، المالِكِ المدَبِّرِ لجميعِ العالَمينَ.
فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (110).
فاتَّقوا سَخَطَ اللهِ وعِقابَه، وأطيعوني فيما آمُرُكم به وأنهاكم عنه؛ فقد بانَ لكم صِدقي.
قَالُوا أَنُؤْمِنُ لَكَ وَاتَّبَعَكَ الْأَرْذَلُونَ (111).
قال قَومُ نُوحٍ: أنؤمِنُ لك -يا نوحُ- ونتَّبِعُك، والحالُ أنَّه قد اتَّبَعك الضُّعفاءُ والفقراءُ وأسافلُ النَّاسِ دُونَ ذَوي الشَّرفِ، فكيفَ نتساوى معهم في اتِّباعِك؟!
قَالَ وَمَا عِلْمِي بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (112).
قال نوحٌ لِقَومِه: وما عِلمي بما كان يعمَلُ أتْباعي؟ فأنا لم أُكلَّفِ العِلمَ بأعمالِهم وأحوالِهم الدِّينيَّةِ والدُّنيويَّةِ، وإنَّما أمَرني اللهُ أنْ أدعُوَهم إلى الإيمانِ، وأقبَلَ منهم إقرارَهم وتَصديقَهم وانقيادَهم.
إِنْ حِسَابُهُمْ إِلَّا عَلَى رَبِّي لَوْ تَشْعُرُونَ (113).
ما حِسابُ أتْباعي إلَّا على ربِّي؛ فهو الَّذي يعلَمُ السِّرَّ والعلانيةَ، وليس علَيَّ مَعرفةُ أعمالِهم وبواطِنِهم، وإنَّما علَيَّ التَّبليغُ، ولو كنتُم تَعلَمون أنَّ حِسابَهم على اللهِ وحْدَه، وتَشعُرونَ بالأمرِ على حقيقتِه، لَما عِبتُموهم، ولمْ تَسْألوني عنهم.
وَمَا أَنَا بِطَارِدِ الْمُؤْمِنِينَ (114).
ولن أطرُدَ مَنْ آمَنَ بالله واتَّبَعني.
إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ مُبِينٌ (115).
ما بعَثَني اللهُ إلَّا نذيرًا أُوضِّحُ إنذارَه لكم جميعًا؛ غنيِّكم وفَقيرِكم، شريفِكم ووضيعِكم.
قَالُوا لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يَا نُوحُ لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمَرْجُومِينَ (116).
قال المُشرِكون مِن قَومِ نُوحٍ: لئِنْ لم تترُكْ -يا نوحُ- دَعوتَك لنا، لَنَرجُمَنَّكَ.
قَالَ رَبِّ إِنَّ قَوْمِي كَذَّبُونِ (117).
قال نوحٌ: رَبِّ إنَّ قَومي كذَّبوني فيما جئتُهم به مِن الحَقِّ، فلا نيَّةَ لهم في اتِّباعِه!
فَافْتَحْ بَيْنِي وَبَيْنَهُمْ فَتْحًا وَنَجِّنِي وَمَنْ مَعِيَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (118).
فاحكُمْ بيْني وبيْنَ قَومي حُكمًا مِن عندِك، تستأصِلُ وتُهلِكُ به المُبطِلَ، ونجِّني وأتْباعي المؤمِنينَ مِن عذابِك الَّذي تُنزِلُه على المُبطِلينَ.
فَأَنْجَيْنَاهُ وَمَنْ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ (119).
فأنجَيْنا نوحًا ومَن حُمِلَ معه في السَّفينةِ المملوءةِ بالنَّاسِ والحيواناتِ والطُّيورِ وغَيرِها.
ثُمَّ أَغْرَقْنَا بَعْدُ الْبَاقِينَ (120).
ثمَّ أغرَقْنا جميعَ الكافِرين الَّذين بَقُوا، فلمْ يَركَبوا السَّفينةَ.
إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (121).
إنَّ في إنجاءِ نوحٍ وأتْباعِه المؤمنينَ، وإهلاكِ المكَذِّبين به، لَعِظةً وعِبرةً ودَلالةً واضِحةً على توحيدِ اللهِ، وصِدقِ رُسُلِه، وبُطلانِ الشِّركِ، ولم يكُنْ أكثَرُ قَومِ نوحٍ مُؤمِنينَ.
وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (122).
وإنَّ رَبَّك -يا مُحمَّدُ- لهو العزيزُ القاهِرُ الغالِبُ المنتَقِمُ مِن أعدائِه، الرَّحيمُ بعبادِه.
كَذَّبَتْ عَادٌ الْمُرْسَلِينَ (123) .
كذَّبَتْ قبيلةُ عادٍ بجَميعِ رُسُلِ الله.
إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ هُودٌ أَلَا تَتَّقُونَ (124).
كذَّبوا هودًا -وهو أخوهم في النَّسَبِ- حينَ قال لهم: ألَا تتَّقون اللهَ، وتحذَرون عِقابَه، فتُوحِّدوه، وتَتركوا عبادةَ الأصنامِ؟
إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ (125).
إنِّي لكم رَسولٌ مِن اللهِ، أمينٌ على وَحيِه الَّذي بعثَني به إليكم، فأبَلِّغُكم رسالتَه بلا زيادةٍ ولا نَقصٍ.
فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (126).
فاتَّقوا سَخَطَ اللهِ وعِقابَه، وأطيعوني فيما آمُرُكم به، وأنهاكم عنه.
وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ (127).
وما أطلُبُ منكم على نُصحي لكم أيَّ ثوابٍ وجَزاءٍ، ما أرجو ثَوابي إلَّا مِن الله الخالِقِ الرَّازِقِ، المالِكِ المدَبِّرِ لجميعِ العالَمينَ دونَ غَيرِه.
أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آَيَةً تَعْبَثُونَ (128).
قال هودٌ لِقَومِه: أتَبْنونَ بكُلِّ مَكانٍ مُرتَفِعٍ بناءً عاليًا مُرتَفِعًا؛ دَلالةً على قوَّتِكم وشِدَّتِكم، وتتَّخِذونَ ذلك فَخرًا وإظهارًا للقُدرةِ والعَظَمةِ، مِن غيرِ حاجةٍ ونفعٍ حقيقيٍّ يعودُ عليكم؟!
وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ (129).
وتَصنَعونَ بِناياتٍ مُحكَمةً، كأنَّكم تَخلُدونَ في الدُّنيا!
وَإِذَا بَطَشْتُمْ بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ (130).
وإذا أخَذْتُم النَّاسَ وقَهَرْتُموهم، فإنَّكم تُفرِطون في أذيَّتِهم عُدوانًا وظُلمًا، كأنْ يَقتُلوهم، أو يَضرِبوهم بقَسوةٍ بغيرِ حَقٍّ.
فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (131).
فاتَّقوا سَخَطَ اللهِ وعِقابَه، وأطيعوني فيما آمُرُكم به وأنهاكم عنه؛ فقد بانَ لكم صِدقي.
وَاتَّقُوا الَّذِي أَمَدَّكُمْ بِمَا تَعْلَمُونَ (132).
واتَّقوا الله الَّذي أعطاكم ما تعلَمونَ مِن النِّعَمِ والخَيراتِ المُتتابِعةِ.
أَمَدَّكُمْ بِأَنْعَامٍ وَبَنِينَ (133).
أعطاكم اللهُ ما تَعلمونَ مِن المواشي، والأبناءِ الذُّكورِ.
وَجَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (134).
وأعطاكم ما تعلمون مِنَ البساتينِ، وعُيونِ الماءِ.
إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (135).
إنِّي أخافُ أن يُصيبَكم مِنَ الله عذابُ يومٍ عظيمِ الأهوالِ، إنْ أصرَرْتُم على الكُفرِ والتَّكذيبِ.
قَالُوا سَوَاءٌ عَلَيْنَا أَوَعَظْتَ أَمْ لَمْ تَكُنْ مِنَ الْوَاعِظِينَ (136).
قال قَومُ هودٍ لِنبيِّهم: يَستوي عندَنا وَعْظُك لنا وتَركُك له، فلن نؤمِنَ بك، ولن نترُكَ دينَنا.
إِنْ هَذَا إِلَّا خُلُقُ الْأَوَّلِينَ (137).
ما هذا الَّذي نحن عليه إلَّا عادةُ آبائِنا الأوَّلين، ونحنُ تابعونَ لهم، ومقتدونَ بهم.
وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ (138).
ولن يُعَذِّبَنا اللهُ في الدُّنيا، ولن يبعَثَنا بعدَ مَوتِنا لِيُعذِّبَنا في الآخرةِ.
فَكَذَّبُوهُ فَأَهْلَكْنَاهُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (139).
فكذَّب المُشرِكون مِن قَومِ عادٍ رَسولَهم هودًا، فأهلَكْناهم في الدُّنيا، إنَّ في إهلاكِ قَومِ هُودٍ لَعِظةً وعِبرةً ودَلالةً واضِحةً على صِدقِ رسولِه، ولم يكُنْ أكثَرُ قَومِ هُودٍ مُؤمِنينَ حقًّا، معَ وجودِ الآياتِ المُقتَضيةِ لإيمانِهم.
وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (140).
وإنَّ رَبَّك -يا مُحمَّدُ- لهو العزيزُ القاهِرُ الغالِبُ، المنتَقِمُ مِن أعدائِه، الرَّحيمُ بعبادِه.
كَذَّبَتْ ثَمُودُ الْمُرْسَلِينَ (141).
كذَّبتْ قبيلةُ ثَمودَ بجَميعِ رُسُلِ اللهِ.
إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ صَالِحٌ أَلَا تَتَّقُونَ (142).
حينَ قال لهم صالِحٌ -وهو أخوهم في النَّسَبِ، فهم يَعرِفون صِدقَه وأمانَتَه وشَفَقتَه عليهم-: ألَا تتَّقون اللهَ، وتَحذَرونَ عِقابَه؟
إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ (143).
إنِّي لكم رَسولٌ مِن اللهِ، أمينٌ على وَحيِه الَّذي بعَثَني به إليكم، فأُبلِّغُكم ما أُرسِلتُ به بلا زيادةٍ ولا نَقصٍ.
فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (144).
فاتَّقوا سَخَطَ اللهِ وعِقابَه، وأطيعوني فيما آمُرُكم به وأنهاكم عنه.
وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ (145).
وما أطلُبُ منكم على نُصحي لكم أيَّ ثوابٍ وجَزاءٍ، ما أرجو ثوابي إلَّا مِن اللهِ الخالِقِ الرازِقِ، المالِكِ المدبِّرِ لجميعِ العالَمينَ دونَ خَلقِه.
أَتُتْرَكُونَ فِي مَا هَاهُنَا آَمِنِينَ (146).
أتظُنُّون أنَّ اللهَ يَترُكُكم تتنعَّمون في هذه الخَيراتِ آمنينَ مِن الموتِ والعذابِ؟!
فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (147).
في بَساتينَ وعُيونِ ماءٍ.
وَزُرُوعٍ وَنَخْلٍ طَلْعُهَا هَضِيمٌ (148) .
وفي زُروعٍ ونَخلٍ ثمرُها ليِّنٌ رَطْبٌ.
وَتَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا فَارِهِينَ (149).
وتَنحِتون مِنَ الجِبالِ بُيوتًا لكم حاذِقينَ بنَحتِها.
فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (150).
فاتَّقوا سَخَطَ اللهِ وعِقابَه، وأطيعوني فيما آمُرُكم به وأنهاكم عنه؛ فقد بانَ لكم صِدقي.
وَلَا تُطِيعُوا أَمْرَ الْمُسْرِفِينَ (151).
ولا تَنقادوا لأمرِ المُسرِفين، الَّذين تمادَوا وتجاوَزوا الحَدَّ في الكُفرِ باللهِ ومَعصيتِه.
الَّذِينَ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَلَا يُصْلِحُونَ (152).
الَّذين يُفسِدون في الأرضِ بالكُفرِ والظُّلمِ والمعاصي والدَّعوةِ إلى ذلك، ولا يُصلِحونَ أنفُسَهم بالعَمَلِ الصَّالحِ، ولا يأمُرونَ غَيرَهم بالصَّلاحِ.
قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ (153).
قال قومُ صالحٍ: إنَّما أنت مِن المسحورينَ الَّذين بُولِغَ في سِحرِهم مرَّةً بعْدَ مرَّةٍ، فلا عقْلَ لك، وإنَّما تَهذِي بما لا مَعنى له.
مَا أَنْتَ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا فَأْتِ بِآَيَةٍ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (154).
ما أنت إلَّا آدَميٌّ مِثلُنا، فكيف خَصَّك اللهُ بالرِّسالةِ مِن بيْنِنا حتَّى نتَّبِعَك؟! فأْتِ بحُجَّةٍ تدُلُّ بوُضوحٍ على صحَّةِ ما تقولُ إن كنتَ مِن الصَّادقينَ في أنَّك رَسولٌ مِن اللهِ إلينا حَقًّا.
قَالَ هَذِهِ نَاقَةٌ لَهَا شِرْبٌ وَلَكُمْ شِرْبُ يَوْمٍ مَعْلُومٍ (155).
قال صالحٌ لِقَومِه: هذه ناقةٌ جعَلَها الله لكم آيةً تدُلُّ على صِدقي، لها حَظٌّ ونَصيبٌ مِن الماءِ في يومٍ لا تُشارِكونَها فيه، ولكم حظٌّ ونَصيبٌ مِن الماء في يومٍ لا تُشارِكُكم فيه.
وَلَا تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابُ يَوْمٍ عَظِيمٍ (156).
ولا تمَسُّوا النَّاقةَ بأيِّ أذًى كائِنًا ما كان؛ فإنَّكم إن فعلتُم يُصيبُكم مِنَ اللهِ عذابُ يومٍ عظيمِ الأهوالِ.
فَعَقَرُوهَا فَأَصْبَحُوا نَادِمِينَ (157).
فقتَلَ قَومُ صالحٍ النَّاقةَ، فأصبَحوا نادِمينَ على ذلك حينَ أيقَنوا بالعَذابِ.
فَأَخَذَهُمُ الْعَذَابُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (158).
فأهلَكَهم اللهُ بالعذابِ الَّذي توعَّدَهم به نبيُّهم، إنَّ في إهلاكِ قَومِ صالحٍ لَعِظةً، وعِبرةً، ودَلالةً على صِدقِ نبيِّهم، ولم يكُنْ أكثَرُ قَومِ صالحٍ مُؤمِنينَ.
وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (159).
وإنَّ رَبَّك -يا مُحمَّدُ- لهو العزيزُ القاهِرُ الغالِبُ، المنتَقِمُ مِن أعدائِه، الرَّحيمُ بعبادِه.
كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ الْمُرْسَلِينَ (160).
كذَّبت جماعةُ قَومِ لُوطٍ بجَميعِ رُسُلِ اللهِ.
إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ لُوطٌ أَلَا تَتَّقُونَ (161).
حينَ قال لهم أخوهم لوطٌ: ألَا تتَّقون اللهَ، وتَحذَرونَ عِقابَه؟
إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ (162).
إنِّي لكم رَسولٌ مِن اللهِ، أمينٌ على وَحْيِه الَّذي بعَثَني به إليكم، فأبلِّغُكم ما أُرسِلتُ به إليكم بلا زيادةٍ ولا نَقصٍ.
فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (163).
فاتَّقوا سَخَطَ اللهِ وعِقابَه، وأطيعوني فيما آمُرُكم به، وأنهاكم عنه.
وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ (164).
وما أطلُبُ منكم على نُصحي لكم أيَّ ثوابٍ وجَزاءٍ، ما أرجو ثَوابي إلَّا مِن اللهِ الخالِقِ الرَّازِقِ، المالكِ المدَبِّرِ لجميعِ العالَمينَ دونَ خَلقِه.
أَتَأْتُونَ الذُّكْرَانَ مِنَ الْعَالَمِينَ (165).
أتَنكِحونَ الذُّكورَ مِن النَّاسِ؟! لم يَسبِقْكم إلى ابتِداعِ هذه الفاحشةِ أحدٌ!
وَتَذَرُونَ مَا خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ عَادُونَ (166).
وتَترُكونَ ما خلَقَه لكم ربُّكم مِن نسائِكم، وقد أَحَلَّ لكم الاستِمتاعَ بهنَّ! بل أنتم قَومٌ مُجاوِزونَ الحَدَّ في معصيةِ اللهِ، وتَتجاوَزونَ ما أحَلَّه لكم ربُّكم إلى ما حَرَّمه عليكم.
قَالُوا لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يَا لُوطُ لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمُخْرَجِينَ (167).
قال قَومُ لوطٍ: لئِنْ لم تترُكْ -يا لوطُ- نَهْيَك وإنكارَك علينا إتيانَ الذُّكورِ، لَتَكونَنَّ مِن المطرودينَ مِن قَريتِنا.
قَالَ إِنِّي لِعَمَلِكُمْ مِنَ الْقَالِينَ (168).
قال لوطٌ لِقَومِه: إنِّي لِما تَعمَلونَه مِن الفاحِشةِ مِن المُبغِضينَ له أشَدَّ البُغضِ، التَّاركينَ فِعْلَه، المنكِرينَ له.
رَبِّ نَجِّنِي وَأَهْلِي مِمَّا يَعْمَلُونَ (169).
قال لوطٌ داعيًا رَبَّه: ربِّ نجِّني وأهلي مِن عذابِ قَومي حينَ تُنزِلُه عليهم.
فَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ أَجْمَعِينَ (170) .
فنجَّيْنا مِنَ العذابِ لوطًا وأهلَه كُلَّهم.
إِلَّا عَجُوزًا فِي الْغَابِرِينَ (171).
إلَّا زَوجتَه العَجوزَ فلم نُنْجِها، وهَلَكَت مع قَومِها الباقينَ في العَذابِ.
ثُمَّ دَمَّرْنَا الْآَخَرِينَ (172).
ثمَّ أهلَكْنا قومَ لوطٍ.
وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ مَطَرًا فَسَاءَ مَطَرُ الْمُنْذَرِينَ (173).
وأنزَلْنا عليهم حِجارةً مِن السَّماءِ، فبئسَ المطَرُ الَّذي أمطَرْناه على قَومِ لوطٍ الَّذين أنذَرَهم نبيُّهم عذابَ اللهِ فكَذَّبوه.
إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (174).
إنَّ في إهلاكِ قَومِ لوطٍ لَدَلالةً واضِحةً على صِدقِ نبيِّهم لوطٍ، وعِبرةً وعِظةً لِمُرتكِبِ الفواحِشِ، ولم يكُنْ أكثَرُ قَومِ لوطٍ مُؤمِنينَ.
وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (175).
وإنَّ رَبَّك -يا مُحمَّدُ- لهو العزيزُ القاهِرُ الغالِبُ المنتَقِمُ مِن أعدائِه، الرَّحيمُ بعبادِه.
كَذَّبَ أَصْحَابُ الْأَيْكَةِ الْمُرْسَلِينَ (176).
كذَّب أصحابُ الشَّجَرِ المُلتَفِّ بجَميعِ رُسُلِ اللهِ.
إِذْ قَالَ لَهُمْ شُعَيْبٌ أَلَا تَتَّقُونَ (177).
حينَ قال لهم شُعَيبٌ: ألَا تتَّقونَ اللهَ، وتَحذَرونَ عِقابَه؟
إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ (178) .
إنِّي لكم رَسولٌ مِن اللهِ، أمينٌ على وَحيِه الَّذي بعَثَني به إليكم، فأبلِّغُكم ما أُرسِلتُ به إليكم بلا زيادةٍ ولا نَقصٍ.
فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (179).
فاتَّقوا سَخَطَ اللهِ وعِقابَه، وأطيعوني فيما آمُرُكم به، وأنهاكم عنه.
وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ (180).
وما أطلُبُ منكم على نُصحي لكم أيَّ ثوابٍ وجَزاءٍ، ما أرجو ثوابي إلَّا مِن اللهِ الخالِقِ الرَّازِقِ، المالِكِ المدَبِّرِ لجميعِ العالَمينَ دونَ خَلقِه.
أَوْفُوا الْكَيْلَ وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُخْسِرِينَ (181).
قال شُعَيبٌ لِقَومِه: أتِمُّوا للنَّاسِ حقَّهم كامِلًا عندَ الكَيلِ، ولا تَكونوا ممَّن يَنقُصُ النَّاسَ حُقوقَهم.
وَزِنُوا بِالْقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيمِ (182).
وَزِنوا للنَّاسِ -إذا وزَنْتُم لهم- بالميزانِ العادِلِ، الَّذي لا مَيْلَ ولا انحرافَ فيه.
وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ (183).
ولا تَنقُصوا النَّاسَ شَيئًا مِن حُقوقِهم، ولا تَسْعَوْا في الأرضِ بمعصيةِ اللهِ، وتُكثِروا فيها الفَسادَ.
وَاتَّقُوا الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالْجِبِلَّةَ الْأَوَّلِينَ (184).
واتَّقوا اللهَ الَّذي خلَقَكم، وخَلَق الخَلْقَ الأوَّلينَ مِن قَبْلِكم.
قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ (185).
قال قَومُ شُعَيبٍ له: إنَّما أنت مِنَ المسحورينَ الَّذين بُولِغَ في سِحرِهم مرَّةً بعْدَ مرَّةٍ، فلا عَقلَ لك، وإنَّما تَهذي بما لا مَعنى له.
وَمَا أَنْتَ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا وَإِنْ نَظُنُّكَ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ (186).
وما أنت إلَّا آدميٌّ مِثلُنا، فكيف خَصَّك اللهُ بالرِّسالةِ مِن بيْنِنا حتَّى نتَّبِعَك؟! ونحن نظُنُّك مِنَ الكاذِبينَ في زَعمِك أنَّك رَسولٌ مِن عندِ اللهِ.
فَأَسْقِطْ عَلَيْنَا كِسَفًا مِنَ السَّمَاءِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (187).
فأنزِلْ علينا قِطَعًا مِن السَّماءِ تُهلِكُنا، إنْ كُنتَ صادِقًا في أنَّك رَسولٌ مِن عندِ اللهِ.
قَالَ رَبِّي أَعْلَمُ بِمَا تَعْمَلُونَ (188).
قال شُعَيبٌ لِقَومِه: ربِّي أعلَمُ بما تَعمَلونَه مِنَ الشِّركِ والمعاصي، ونَقصِ الكَيلِ والميزانِ، وهو مُجازيكم بأعمالِكم، ومُعذِّبُكم بها إنْ شاء، وما علَيَّ إلَّا تبليغُكم.
فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَهُمْ عَذَابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ إِنَّهُ كَانَ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (189).
فكذَّب قَومُ شُعَيبٍ نبيَّهم، فأهلَكَهم اللهُ بعذابٍ أظلَّهم، فهلَكوا مِن تحتِه، إنَّ عذابَ يومِ الظُّلَّةِ الَّذي أصاب قَومَ شُعَيبٍ كان عذابَ يومٍ عَظيمِ الأهوالِ.
إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (190).
إنَّ في إهلاكِ قَومِ شُعَيبٍ لَدَلالةً واضِحةً على صِدقِ نبيِّهم شعيبٍ، وعِبرةً وعِظةً لِمَن يَنقُصُ في الكَيلِ والوَزنِ، ولم يكُنْ أكثَرُ قَومِ شُعَيبٍ مُؤمِنينَ.
وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (191).
وإنَّ ربَّك -يا مُحمَّدُ- لهو العزيزُ القاهِرُ الغالِبُ، المُنتقِمُ مِن أعدائِه، الرَّحيمُ بعبادِه.
وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ (192).
وإنَّ القرآنَ وحْيٌ مِن اللهِ الَّذي ربَّى جميعَ العالَمينَ بنِعَمِه، وهداهم لمصالِحِهم برَحمتِه.
نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (193).
نزَل بالقُرآنِ جِبريلُ المؤتمَنُ على وَحيِ اللهِ إلى أنبيائِه؛ فهو لا يَزيدُ فيه ولا يَنقُصُ منه شيئًا.
عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ (194) .
نزَل جبريلُ بالقُرآنِ على قَلبِك -يا محمَّدُ- لِتَعِيَه وتحفَظَه، فتكونَ ممَّن يُنذِرُ النَّاسَ به.
بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ (195).
بلُغةٍ عَربيَّةٍ واضحةِ المعاني.
وَإِنَّهُ لَفِي زُبُرِ الْأَوَّلِينَ (196).
وإنَّ هذا القُرآنَ مَذكورٌ خبَرُه في كتُبِ الأنبياءِ السَّابقةِ المبشِّرةِ به، ممَّا يدُلُّ على صِحَّتِه.
أَوَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ آَيَةً أَنْ يَعْلَمَهُ عُلَمَاءُ بَنِي إِسْرَائِيلَ (197).
أوَلَمْ يكُنْ للمُشرِكينَ المكَذِّبينَ دَلالةً على صِحَّةِ ما جاء به الرَّسولُ مِن الوَحيِ؛ أنَّ العُلَماءَ مِن بني إسرائيلَ يَعلَمونَ صِدقَ ذلك، ويَجِدونَ ذِكرَه في كُتُبِهم الَّتي يَدرُسونَها؟!
وَلَوْ نَزَّلْنَاهُ عَلَى بَعْضِ الْأَعْجَمِينَ (198).
ولو نزَّلْنا القُرآنَ على رجُلٍ مِن الأعاجِمِ لا يُحسِنُ التَّحَدُّثَ بالعربيَّةِ.
فَقَرَأَهُ عَلَيْهِمْ مَا كَانُوا بِهِ مُؤْمِنِينَ (199).
فقرَأ القُرآنَ على كُفَّارِ العَرَبِ بغيرِ لُغةِ العربِ، لَما آمَنوا بأنَّه مِن عندِ اللهِ، ولَقالوا: لا نَفْقَهُ قولَك!
كَذَلِكَ سَلَكْنَاهُ فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ (200).
كذلك أدخَلْنا القُرآنَ في قُلوبِ المُشرِكين فكَذَّبوا به!
لَا يُؤْمِنُونَ بِهِ حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ (201).
لا يُؤمِنونَ بالقُرآنِ حتَّى يَرَوا عذابَ اللهِ فيُؤمِنوا به حينَ لا ينفَعُهم الإيمانُ.
فَيَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (202).
فيأتيَ المكَذِّبينَ بالقُرآنِ عَذابُ الله فَجأةً بلا مُقَدِّماتٍ، وهم لا يَشعُرونَ بمَجيئِه.
فَيَقُولُوا هَلْ نَحْنُ مُنْظَرُونَ (203).
فيقولَ المُجرِمونَ حينَ يأتيهم العَذابُ فَجأةً: هل نحن مؤخَّرون ومُمهَلُون لِنَتوبَ إلى اللهِ، فنُؤمِنَ ونعمَلَ صالِحًا؟!
أَفَبِعَذَابِنَا يَسْتَعْجِلُونَ (204).
أيَستعجِلُ هؤلاء المُجرِمونَ بعَذابِنا الَّذي لا يَنْبغي أن يُستهانَ به؟!
أَفَرَأَيْتَ إِنْ مَتَّعْنَاهُمْ سِنِينَ (205).
هَبْ أنَّ الأمرَ كما يعتَقِدونَ مِن طُولِ عَيشِهم، فأخبِرْني إنْ أمهَلْناهم وأبقَيناهم يتمتَّعونَ في الدُّنيا سِنينَ كَثيرةً.
ثُمَّ جَاءَهُمْ مَا كَانُوا يُوعَدُونَ (206).
ثمَّ جاءهم بعْدَ تلك السِّنينَ الكثيرةِ عذابُ الله الَّذي كانوا يوعَدُون به على كُفرِهم وتَكذيبِهم.
مَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يُمَتَّعُونَ (207).
فماذا ينفَعُهم حينَها تمتُّعُهم في الدُّنيا، وتأخيرُنا عذابَهم سِنينَ كَثيرةً؟!
وَمَا أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا لَهَا مُنْذِرُونَ (208) .
وما أهلَكْنا قريةً مِن القُرى الماضيةِ إلَّا بعْدَ قيامِ الحُجَّةِ على أهلِها بإرسالِ رسُلٍ يُنذِرونَهم سَخَطَ اللهِ وعَذابَه إنِ استمَرُّوا على كُفرِهم.
ذِكْرَى وَمَا كُنَّا ظَالِمِينَ (209) .
بعَثْنا الرُّسُلَ المُنذِرينَ تذكرةً لأهلِ القُرى، وتنبيهًا لهم قبْلَ إهلاكِهم، وما كنَّا ظالِمين لهم بعدَ قيامِ الحُجَّةِ عليهم، وإنذارِهم، والإعذارِ إليهم.
وَمَا تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّيَاطِينُ (210) .
وما نزَلَت الشَّياطينُ بالقُرآنِ على محمَّدٍ، بل نزَل به عليه جبريلُ الأمينُ.
وَمَا يَنْبَغِي لَهُمْ وَمَا يَسْتَطِيعُونَ (211).
ولا يَنبغي ولا يَصِحُّ للشَّياطينِ أن ينزِلوا بالقُرآنِ؛ لأنَّه لا يناسبُهم؛ لِمُخالفتِه أحوالَهم ومقاصِدَهم، وحتَّى لو أرادوا إنزالَه فإنَّهم لا يستطيعونَ.
إِنَّهُمْ عَنِ السَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ (212).
لأنَّهم محجوبون مِن سَماعِ القُرآنِ في السَّماءِ.
فَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آَخَرَ فَتَكُونَ مِنَ الْمُعَذَّبِينَ (213).
فلا تدْعُ مع اللهِ مَعبودًا آخَرَ تَعبُدُه وتسألُه، فتكونَ مُعَذَّبًا مِن المعَذَّبينَ.
وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ (214).
وحذِّرْ قَومَك الأقرَبينَ إليك نَسَبًا مِن عذابِ اللهِ إنْ لم يؤمِنوا، وقدِّمْ إنذارَهم على إنذارِ غيرِهم، ولا تُحابِهم لِقُربِهم.
وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (215).
وألِنْ جانِبَك لأتْباعِك المؤمِنينَ، وتواضَعْ لهم، وارفُقْ بهم، وتودَّدْ إليهم.
فَإِنْ عَصَوْكَ فَقُلْ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ (216).
فإنْ خالَفَ أمرَك قَومُك الأقرَبون ولم يتَّبِعوك، فقُلْ لهم: إنِّي بَريءٌ مِمَّا تَعمَلونَ مِن شِرْكِكم وعِصيانِكم.
وَتَوَكَّلْ عَلَى الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ (217).
واعتَمِدْ في جميعِ أمورِك على اللهِ العزيزِ في نِقمتِه مِن أعدائِه، فلا يُقهَرُ ولا يُغالَبُ؛ الرَّحيمِ الَّذي يَقبَلُ التَّوبةَ مِن عبادِه، ولا يَعجَلُ بالعُقوبةِ، وفوِّضْ أمورَك إليه؛ لِيَحفَظَك ويَنصُرَك.
الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ (218).
توكَّلْ على اللهِ الَّذي يَراك حينَ تقومُ إلى صَلاتِك.
وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ (219).
ويَراك وأنت معَ المصَلِّينَ تتقَلَّبُ في الصَّلاةِ قائِمًا وراكِعًا وساجِدًا.
إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (220).
إنَّ اللهَ هو السَّميعُ لجَميعِ الأصواتِ، العليمُ بجميعِ الأعمالِ والأحوالِ والنِّيَّاتِ، ومِن ذلك سَماعُه لتلاوةِ محمَّدٍ، وذِكرِه في صلاتِه، العليمُ بما يعمَلُ فيها وبما في قَلبِه مِن الإيمانِ.
هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلَى مَنْ تَنَزَّلُ الشَّيَاطِينُ (221).
هل أُخبِرُكم بصِفةِ الَّذينَ تتنزَّلُ عليهم الشَّياطينُ ؟
تَنَزَّلُ عَلَى كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ (222).
تتنَزَّلُ بكَثرةٍ على كُلِّ كثيرِ الكَذِبِ في أقوالِه، كثيرِ الآثامِ في أفعالِه.
يُلْقُونَ السَّمْعَ وَأَكْثَرُهُمْ كَاذِبُونَ (223) .
يَستَرِقُ الشَّياطينُ بعضَ ما يَسمَعونَه مِن الملائكةِ في السَّماءِ، فيُلقونَه إلى أوليائِهم مِن الكَهَنةِ الأفَّاكينَ الآثِمينَ قبْلَ أن يُرجَمُوا بالشُّهُبِ، وأكثَرُهم كاذِبونَ فيما يُخبِرونَ به مِن الغُيوبِ.
وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ (224) .
والشُّعَراءُ يتَّبِعُهم غُواةُ الإنسِ والجِنِّ، الضَّالُّونَ المتَّبِعون أهواءَهم وشَهَواتِهم، وليس القرآنُ شِعرًا، ولا محمَّدٌ بشاعرٍ. وأتْباعُه هم المُهتَدون.
أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ (225).
ألم تَرَ أنَّ الشُّعَراءَ يتكَلَّمونَ بالباطِلِ في كُلِّ لَغوٍ ووَجهٍ مِن أوجُهِ القَولِ؛ كالمَدحِ والهِجاءِ، والرِّثاءِ والفَخرِ والغَزَلِ، يَمضُون فيه خائِضينَ حائرينَ، لا يَثبُتونَ على حالٍ؟!
وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لَا يَفْعَلُونَ (226) .
وأنَّ الشُّعَراءَ يقولون الكَذِبَ، فيتكَلَّمونَ بما لا يَفعَلونَه في الواقِعِ.
إِلَّا الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيرًا وَانْتَصَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ (227).
إلَّا الشُّعَراءَ المؤمِنينَ الَّذين عَمِلوا الأعمالَ الصَّالِحةَ، وذكَروا اللهَ ذِكرًا كَثيرًا، وهَجَوا شُعَراءَ المُشرِكينَ الذين هَجَوْهم ظُلمًا، فرَدُّوا عليهم بالحَقِّ؛ انتِصارًا للمُسلمينَ، فهؤلاء المُستَثنَونَ ليسوا مِن الشُّعَراءِ المَذمومينَ، وسيَعلَمُ الَّذين ظَلَموا أنفُسَهم بالشِّركِ والمعاصي، والاعتِداءِ على حُقوقِ العبادِ؛ المآلَ السَّيِّئَ الَّذي سيَصيرون إليه بعْدَ مَوتِهم؛ فإنَّ مصيرَهم إلى النَّارِ.
النمل
طس تِلْكَ آَيَاتُ الْقُرْآَنِ وَكِتَابٍ مُبِينٍ (1).
{طس} هذه الحروفُ المقطَّعةُ الَّتي افتُتِحَت بها هذه السُّورةُ وغيرُها، تأتي لبيانِ إعجازِ القرآنِ؛ حيثُ تُظهِرُ عجْزَ الخَلْقِ عن مُعارَضتِه بمِثلِه، مع أنَّه مركَّبٌ مِن هذه الحروفِ العربيَّةِ الَّتي يَتحدَّثونَ بها. تلك الآياتُ العَظيمةُ: آياتُ القُرآنِ وكِتابٍ واضحٍ صِدقُه، وأنَّه مِن عندِ اللهِ، ومُظهِرٍ الحقَّ ببَيانِه.
هُدًى وَبُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ (2).
هُدًى للمُؤمِنينَ يَهديهم إلى الطَّريقِ المُستَقيمِ، وهو بِشارةٌ لهم بالخَيرِ والثَّوابِ في الدُّنيا والآخرةِ.
الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ بِالْآَخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ (3).
إنَّ القرآنَ هُدًى وبُشرَى للمُؤمِنينَ الَّذين يُحافِظونَ على أداءِ الصَّلَواتِ بأركانِها وشُروطِها وحُدودِها، ويُعطُونَ الزَّكاةَ المفروضةَ عليهم مُستحقِّيها، وهم يُؤمِنونَ إيمانًا يقينيًّا بالدَّارِ الآخرةِ.
إِنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآَخِرَةِ زَيَّنَّا لَهُمْ أَعْمَالَهُمْ فَهُمْ يَعْمَهُونَ (4).
إنَّ الَّذين لا يُؤمِنونَ بالدَّارِ الآخرةِ، ووُقوعِ البَعثِ بعْدَ الموتِ، والجزاءِ على الأعمالِ يَومَ القيامةِ: حسَّنَّا لهم أعمالَهم السَّيِّئةَ القبيحةَ، وحَبَّبْناها إليهم، وسَهَّلْنا عليهم فِعلَها؛ جزاءً لهم على كُفرِهم، فهُم في ضَلالِهم وأعمالِهم الخَبيثةِ القَبيحةِ يَتردَّدُون حائِرينَ، لا يَهتَدونَ للحَقِّ.
أُولَئِكَ الَّذِينَ لَهُمْ سُوءُ الْعَذَابِ وَهُمْ فِي الْآَخِرَةِ هُمُ الْأَخْسَرُونَ (5).
أولئك لهم أشدُّ العذابِ وأسوَؤُه وأعظمُه، وهم يومَ القيامةِ أشدُّ النَّاسِ خَسارةً؛ لفَواتِ المَثوبةِ، واستِحقاقِ العُقوبةِ.
وَإِنَّكَ لَتُلَقَّى الْقُرْآَنَ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ عَلِيمٍ (6).
وإنَّك لَتَتلقَّى القُرآنَ -يا محمَّدُ- فتأخُذُه وتتلقَّنُه وتَعلَمُه بواسطةِ جِبريلَ مِن عندِ مَن له كَمالُ الحِكمةِ في خَلقِه وشَرعِه، ومَن له كَمالُ العِلمِ، وإذا كان القرآنُ مِن عندِ الحكيمِ العليمِ عُلِم أنَّه كُلَّه حِكمةٌ وعِلمٌ، وصَلاحٌ للعبادِ في دُنياهم وأُخراهم.
إِذْ قَالَ مُوسَى لِأَهْلِهِ إِنِّي آَنَسْتُ نَارًا سَآَتِيكُمْ مِنْهَا بِخَبَرٍ أَوْ آَتِيكُمْ بِشِهَابٍ قَبَسٍ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ (7).
اذكُرْ -يا محمَّدُ- حينَ قال موسَى لأهلِه -وهو مسافِرٌ مِن مَدْيَنَ إلى مِصرَ في لَيلةٍ مُظلِمةٍ باردةٍ: إنِّي أبصَرْتُ نارًا، سآتيكم مِنَ النَّارِ بخبَرٍ، أو أجيئُكم بشُعلةٍ أقتَبِسُها مِن تلك النَّارِ؛ كي تستَدفِئوا بها مِن البَردِ.
فَلَمَّا جَاءَهَا نُودِيَ أَنْ بُورِكَ مَنْ فِي النَّارِ وَمَنْ حَوْلَهَا وَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (8).
فلمَّا جاء مُوسى إلى النَّارِ -قيل: كانت نورًا- ناداه الله تعالى بأنْ بُورِكَ مَنْ في تلكَ النَّارِ، وبُورِكَ مَنْ حَوْلَها، وتنزيهًا لله رَبِّ العالَمينَ مِن كُلِّ نَقصٍ وسُوءٍ وعَيبٍ.
يَا مُوسَى إِنَّهُ أَنَا اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (9) .
يا موسى، إنَّه أنا اللهُ المستَحِقُّ للعبادةِ وَحْدي، القويُّ الغالِبُ الَّذي لا يُقهَرُ، الحكيمُ في أمرِه وقَولِه وفِعلِه.
وَأَلْقِ عَصَاكَ فَلَمَّا رَآَهَا تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جَانٌّ وَلَّى مُدْبِرًا وَلَمْ يُعَقِّبْ يَا مُوسَى لَا تَخَفْ إِنِّي لَا يَخَافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ (10).
وارْمِ عصاك، فرماها فانقلَبَت ثُعبانًا عظيمًا، فلمَّا رآها موسَى تتحَرَّكُ وتَضطرِبُ بخِفَّةٍ وسُرعةٍ، وكأنَّها حيَّةٌ صَغيرةٌ؛ هرَب منها مُسرِعًا ولم يرجِعْ ولم يلتَفِتْ، فقُلْنا: يا موسى، لا تخَفْ مِمَّا ترى؛ لأنِّي لا يَخافُ عندي الرُّسلُ.
إِلَّا مَنْ ظَلَمَ ثُمَّ بَدَّلَ حُسْنًا بَعْدَ سُوءٍ فَإِنِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ (11).
لَكِنْ مَن ظلَمَ نفْسَه بارتكابِ السُّوءِ، والوُقوعِ في الذَّنبِ، ثمَّ تاب وعَمِلَ صالِحًا بعْدَ عَمَلِه السَّيِّئِ؛ فإنِّي غفورٌ لِذَنْبِه -أستُرُه عليه، وأتجاوَزُ عن مؤاخَذتِه به-، ورحيمٌ به.
وَأَدْخِلْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ فِي تِسْعِ آَيَاتٍ إِلَى فِرْعَوْنَ وَقَوْمِهِ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ (12).
وأدخِلْ يدَك في جَيبِ قَميصِك ثمَّ أخرِجْها، تخرُجْ بَيضاءَ اللَّونِ مِن غَيِر بَرَصٍ أو غيرِه مِنَ الآفاتِ، وهي آيةٌ مِن جُملةِ تِسعِ آياتٍ نُرسِلُك بها إلى فِرعَونَ وقَومِه، لأنَّهم كانوا قَومًا كافِرينَ باللهِ، خارِجينَ عن طاعتِه.
فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ آَيَاتُنَا مُبْصِرَةً قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ (13).
فلمَّا جاءت فِرعَونَ وقَومَه آياتُنا التِّسعُ مضيئةً ظاهِرةً واضِحةَ الدَّلالةِ على صِدقِ موسى ورسالتِه، واحدةً بعْدَ أُخرَى؛ قالوا: هذا الَّذي أَرانا موسى سِحرٌ واضِحٌ لا يخفَى على أحَدٍ!
وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ (14).
وكذَّب فِرعَونُ وقَومُه بالآياتِ، وأنكروا بألسِنتِهم أن تكونَ مِن عندِ اللهِ، مع تيقُّنِ قُلوبِهم أنَّها مِن عندِ اللهِ تيقُّنًا تامًّا لا شَكَّ فيه، ولكِنَّهم كذَّبوا وأنكروا؛ اعتِداءً وتكبُّرًا عن اتِّباعِ الحَقِّ، فانظُرْ -يا محمَّدُ- إلى نهايةِ أمرِ الَّذين يُفسِدونَ في الأرضِ بالشِّركِ والمعاصي، كيف أهلَكَهم اللهُ ودمَّرَهم.
وَلَقَدْ آَتَيْنَا دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ عِلْمًا وَقَالَا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي فَضَّلَنَا عَلَى كَثِيرٍ مِنْ عِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ (15).
ولقد أعطَيْنا داودَ وابنَه سُلَيمانَ عِلمًا، وقال داودُ وسُلَيمانُ: الحَمدُ لله الَّذي فضَّلَنا على كثيرٍ مِن عِبادِه المُؤمِنينَ، بما اختَصَّنا به.
وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُودَ وَقَالَ يَا أَيُّهَا النَّاسُ عُلِّمْنَا مَنْطِقَ الطَّيْرِ وَأُوتِينَا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْفَضْلُ الْمُبِينُ (16).
ووَرِثَ سُلَيمانُ أباه داودَ في النُّبوَّةِ والعِلمِ ومُلكِ بني إسرائيلَ، وقال سُلَيمانُ لِبَني إسرائيلَ مُتحَدِّثًا بنِعمةِ الله عليه: يا أيُّها النَّاسُ، علَّمَنا اللهُ كلامَ الطُّيورِ، وفهَّمَنا معانيَ أصواتِها، وأعطانا اللهُ مِن كُلِّ النِّعَمِ والخَيراتِ، إنَّ هذا الَّذي أُوتِيناهُ لهو الفَضلُ الظَّاهِرُ الواضِحُ.
وَحُشِرَ لِسُلَيْمَانَ جُنُودُهُ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ وَالطَّيْرِ فَهُمْ يُوزَعُونَ (17).
وجُمِعَ لسُلَيمانَ عَساكِرُه الكثيرةُ المتنَوِّعةُ مِن الجِنِّ والإنسِ والطُّيورِ، فهم يُنظَّمونَ في مَسيرِهم، فيُرَدُّ أوَّلُهم على آخِرِهم؛ لِيَبقَوا مُجتَمِعينَ مُرتَّبينَ.
حَتَّى إِذَا أَتَوْا عَلَى وَادِ النَّمْلِ قَالَتْ نَمْلَةٌ يَا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لَا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (18).
فساروا حتَّى إذا مرَّ سُلَيمانُ وجنودُه بوادي النَّملِ قالتْ نملةٌ منهم محذِّرةً لهم بعْدَ أن رأتِ الجَيشَ: يا أيُّها النَّملُ ادخُلوا بيوتَكم مُسرِعينَ مُحتَرِزينَ، لا يَكسِرَنَّكم ويَهشِمَنَّكم سُلَيمانُ وجَيشُه حينَ يمُرُّونَ بِواديكم، وهم لا يَشعُرونَ بذلك التَّحطيمِ ولا يَقصِدونَه.
فَتَبَسَّمَ ضَاحِكًا مِنْ قَوْلِهَا وَقَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ (19).
فتبسَّم سُلَيمانُ ضاحِكًا؛ تعجُّبًا وسُرورًا مِن كَلامِ النَّملةِ، وقال سُلَيمانُ: ربِّ ألهِمْني ووفِّقْني إلى شُكرِ نِعمتِك علَيَّ وعلى والدَيَّ، بحيثُ أكونُ مُلازِمًا لشُكرِ نِعَمِك الدِّينيَّةِ والدُّنيويَّةِ علينا، وأن أعمَلَ في بقيَّةِ عُمري عَمَلًا خالِصًا لك، مُتَّبِعًا فيه شَرْعَك، مُوافِقًا لِمَرضاتِك، وأدخِلْني في الآخرةِ برَحمتِك -لا بعَمَلي- في جملةِ عِبادِك الصَّالحينَ في جَنَّتِك.
وَتَفَقَّدَ الطَّيْرَ فَقَالَ مَا لِيَ لَا أَرَى الْهُدْهُدَ أَمْ كَانَ مِنَ الْغَائِبِينَ (20).
وتعاهَدَ سُلَيمانُ الطَّيرَ، فقال حينَ لم يَرَ الهدهُدَ: ما لي لا أرَى الهُدهُدَ؟ أهو حاضِرٌ فأخطأَه بَصَري، أمْ أنَّه غاب بلا إذْني فلم يَحضُرْ؟!
لَأُعَذِّبَنَّهُ عَذَابًا شَدِيدًا أَوْ لَأَذْبَحَنَّهُ أَوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ (21).
قال سُلَيمانُ متغيِّظًا: واللهِ لأُعَذِّبَنَّ الهُدهُدَ عذابًا شديدًا؛ لغيابِه بلا إذْنٍ، أو لأقتُلَنَّه، أو ليأتينِّي بحُجَّةٍ واضحةٍ تبيِّنُ عُذرَه في غيابِه.
فَمَكَثَ غَيْرَ بَعِيدٍ فَقَالَ أَحَطتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ (22).
فبَقِيَ الهدهُدُ غائبًا زمنًا يَسيرًا، ثمَّ جاء إلى سُلَيمانَ فقال له: عَلِمْتُ بشَيءٍ لا تعلَمُه أنتَ! وأتيتُك مِن بلادِ سَبَأٍ باليمَنِ بخَبَرٍ حقٍّ، وصِدقٍ لا شكَّ فيه.
إِنِّي وَجَدْتُ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ (23).
قال الهدهدُ: إنِّي وجدتُ امرأةً تملِكُ أهلَ سَبأٍ، وأُعطيَتْ هذه الملِكةُ مِن كلِّ شَيءٍ، وسريرُ مُلكِها الَّذي تجلِسُ عليه ضَخمٌ، عَظيمُ القَدرِ، بديعٌ، حَسَنُ المنظَرِ.
وَجَدْتُهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ فَهُمْ لَا يَهْتَدُونَ (24).
وجَدْتُ هذه الملِكةَ وقَومَها يَسجُدونَ للشَّمسِ فيَعبُدونَها مِن دونِ الله المستَحِقِّ وَحْدَه للعبادةِ! وحسَّن الشَّيطانُ لهؤلاء القَومِ المُشرِكينَ عبادةَ الشَّمسِ وغَيرَها مِن قبائِحِ الأعمالِ، فصاروا يظنُّونَها حَسَنةً، فصرَفَهم بذلك التَّزيينِ عن اتِّباعِ الطَّريقِ المستقيمِ، فهم لا يَهتَدونَ لطَريقِ الحَقِّ.
أَلَّا يَسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَيَعْلَمُ مَا تُخْفُونَ وَمَا تُعْلِنُونَ (25).
ألَّا يَسجُدوا لله الَّذي يُخرِجُ المخبوءَ في السَّمواتِ، كالمطَرِ، والمخبوءَ في الأرضِ، كالنَّباتِ والثِّمارِ والكنوزِ والمعادنِ، وكالأمواتِ الَّذين يُخرِجُهم مِن قُبورِهم، ويعلَمُ ما تُضمِرونَه في صُدورِكم، وما تُظهِرونَه مِن أقوالِكم وأفعالِكم.
اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ (26).
اللهُ لا مَعبودَ بحَقٍّ إلَّا هو وَحْدَه، مالِكُ العَرشِ العَظيمِ الَّذي لا يُشبِهُه عَرشُ مَلِكةِ سَبأٍ ولا غَيرُه مِن العُروشِ؛ فهذا المَلِكُ العَظيمُ السُّلطانِ هو مَن تَنبغي عبادتُه وطاعتُه وَحْدَه.
قَالَ سَنَنْظُرُ أَصَدَقْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْكَاذِبِينَ (27).
قال سُلَيمانُ للهُدهُدِ: سنَنظُرُ فيما أخبَرْتنا به لنعلَمَ هل صدقْتَ فيه فنَعذِرَك، أم أنَّك كاذِبٌ مِنَ الكاذبينَ؟
اذْهَبْ بِكِتَابِي هَذَا فَأَلْقِهِ إِلَيْهِمْ ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ فَانْظُرْ مَاذَا يَرْجِعُونَ (28).
قال سُليمانُ للهُدهُدِ: اذهَبْ إلى أهلِ سبَأٍ بهذه الرِّسالةِ المكتوبةِ، فارْمِها إليهم، ثمَّ انصَرِفْ وتَنَحَّ عنهم إلى موضِعٍ قَريبٍ مِن ملِكةِ سَبأٍ وقَومِها، وانظُرْ جوابَهم وما يتراجَعون به بيْنَهم مِن الكَلامِ.
قَالَتْ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتَابٌ كَرِيمٌ (29).
قالت مَلِكةُ سَبأٍ لأشرافِ قَومِها بعد أن قرأتْ كِتابَ سُلَيمانَ: يا أيُّها الأشرافُ والسَّادةُ، لقد رُميَ إلَيَّ كتابٌ حَسَنٌ منظرُه، جليلٌ قدْرُه، شريفٌ كاتِبُه.
إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (30).
قَرَأت ملِكةُ سَبأٍ الكِتابَ على قَومِها فقالت: إنَّ الكِتابَ مِن سُلَيمانَ، وإنَّه بسمِ اللهِ الرَّحمنِ الرَّحيمِ.
أَلَّا تَعْلُوا عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ (31).
ألَّا تتكبَّرُوا وتمتَنِعوا علَيَّ، بل اخضَعوا لي، وانقادُوا لِما آمُرُكم به، وأقْبِلوا إلَيَّ مُنقادين مُذعِنينَ لله بالوحدانيَّةِ والطَّاعةِ.
قَالَتْ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَفْتُونِي فِي أَمْرِي مَا كُنْتُ قَاطِعَةً أَمْرًا حَتَّى تَشْهَدُونِ (32).
قالت مَلِكةُ سَبَأٍ لأشرافِ قَومِها: يا أيُّها الأشرافُ، أشيروا علَيَّ، وبيِّنُوا لي: ماذا أفعَلُ في هذا الأمرِ؟ ما كنتُ لأستبدَّ برأيي في أمرٍ عامٍّ ومُهمٍّ، حتَّى تحضُروا عندي وتُشيروا علَيَّ فيه.
قَالُوا نَحْنُ أُولُو قُوَّةٍ وَأُولُو بَأْسٍ شَدِيدٍ وَالْأَمْرُ إِلَيْكِ فَانْظُرِي مَاذَا تَأْمُرِينَ (33).
قال الأشرافُ الَّذين استشارَتْهم مَلِكةُ سَبأٍ: نحن أصحابُ قوَّةٍ بالمالِ والرِّجالِ والعَتادِ، وأصحابُ شدَّةٍ وعزمٍ في الحَربِ، فإن شئتِ أن نحارِبَ سُلَيمانَ فلا مانعَ لدينا، وقد فوَّضْنا الرَّأيَ إليكِ في قتالِ سُلَيمانَ أو مُسالَمتِه، ففكِّري فيما تأمُرينَنا به، ونحن على استعدادٍ لطاعتِك، وتنفيذِ أوامِرِك.
قَالَتْ إِنَّ الْمُلُوكَ إِذَا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِهَا أَذِلَّةً وَكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ (34).
قالت مَلِكةُ سَبأٍ: إنَّ الملوكَ إذا دخَلوا مدينةً بالقَهرِ والغَلَبةِ، نَهَبوها وخرَّبوها، وأهانوا كُبَراءَها وأشرافَها، باستِعبادِهم، أو إذلالِهم بالقَتلِ والأسرِ والنَّفيِ، وغيرِ ذلك، وتلك عادةُ الملوكِ إذا دخَلوا مدينةً بالقَهرِ والغَلَبةِ: أن يُفسِدوها، ويُذِلُّوا أعزَّةَ أهلِها.
وَإِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِمْ بِهَدِيَّةٍ فَنَاظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ (35).
قالت مَلِكةُ سَبأٍ: وإنِّي باعثةٌ رسُلًا إلى سُلَيمانَ وقَومِه بهديَّةٍ عظيمةٍ، فناظِرةٌ ما ستَرجِعُ به رسُلي مِن خبرِ وحالِ سُلَيمانَ وقَومِه، وهل يقبَلُ هديَّتَنا ومهادنَتَنا، أو يُصِرُّ على أمرِه بالإتيانِ إليه مُسلِمينَ.
فَلَمَّا جَاءَ سُلَيْمَانَ قَالَ أَتُمِدُّونَنِ بِمَالٍ فَمَا آَتَانِيَ اللَّهُ خَيْرٌ مِمَّا آَتَاكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بِهَدِيَّتِكُمْ تَفْرَحُونَ (36).
فلمَّا وصَلَ وَفدُ مَلِكةِ سَبأٍ إلى سُلَيمانَ بالهَدايا، أنكرَ عليهم عدَمَ مجيئِهم إليه مُسلِمينَ كما أمَرَهم، وقال لهم مُتغيِّظًا: أتُعطونني مالًا لأتركَكم على شِركِكم؟! فما أعطاني اللهُ مِن النُّبُوَّةِ والمُلكِ والأموالِ ونعيمِ الدُّنيا: أفضَلُ مِمَّا أعطاكم، أنا لا أفرَحُ بهديَّتِكم هذه، ولا أقبَلُ منكم إلَّا الإسلامَ، ولكِنْ أنتم الَّذين تفْرَحونَ بما يُهْدَى إليكم.
ارْجِعْ إِلَيْهِمْ فَلَنَأْتِيَنَّهُمْ بِجُنُودٍ لَا قِبَلَ لَهُمْ بِهَا وَلَنُخْرِجَنَّهُمْ مِنْهَا أَذِلَّةً وَهُمْ صَاغِرُونَ (37).
قال سُلَيمانُ لأميرِ الوفدِ: ارجِعْ إلى مَن أرسَلَك بهذه الهَديَّةِ، فإنْ لم يأتُوا إلَيَّ مُسلِمينَ فسأُرسِلُ إليهم جُنودًا لا طاقةَ لهم بقِتالِهم، ولَنُخرِجنَّهم مِن أرضِهم أذلَّاءَ مُهانينَ إنْ لم يأتوني مُسلِمينَ.
قَالَ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا قَبْلَ أَنْ يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ (38).
قال سُلَيمانُ لجُلَسائِه الحاضِرينَ عِندَه من الجِنِّ والإنسِ: يا أيُّها الأشرافُ، أيُّكم يُحضِرُ لي كُرسيَّ المـُـلْكِ لملِكةِ سبأٍ قبْلَ أن تحضُرَ إلينا هي وقَومُها مسلِمينَ؟
قَالَ عِفْريتٌ مِنَ الْجِنِّ أَنَا آَتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقَامِكَ وَإِنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أَمِينٌ (39).
قال مارِدٌ قَوِيٌّ وشديدٌ مِن الجِنِّ: أنا أُحضِرُ لك عَرْشَها قبل أن تنهَضَ مِن مجلِسِك، وإنِّي قَوِيٌّ على حَملِ العَرشِ، أمينٌ على ما فيه.
قَالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتَابِ أَنَا آَتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ فَلَمَّا رَآَهُ مُسْتَقِرًّا عِنْدَهُ قَالَ هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ وَمَنْ شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ (40).
قال الَّذي عنده علمٌ بكتابِ اللهِ: أنا أُحضِرُ لك العَرشَ قبلَ أن يَرجِعَ إليك بَصَرُك إذا نظَرْتَ إلى شيءٍ مدَّ بصرِك، فأتى العرشُ بقُدرةِ اللهِ، فلمَّا رآه سُلَيمانُ ثابتًا ثُبوتًا حقيقيًّا بينَ يدَيه، قال: هذا التَّمَكُّنُ والمُلكُ والسُّلطانُ الَّذي أنا فيه حتَّى حُمِلَ إلَيَّ العَرشُ في قَدْرِ ارتدادِ الطَّرفِ- مِن عَطاءِ رَبِّي علَيَّ؛ لِيَختبرَني أأشكُرُ نِعمَتَه، أم أكفُرُها فلا أشكُرُه، ومَن شَكَرَ نعمةَ اللهِ عليه فإنَّما ينفَعُ نفْسَه في دُنياه وآخِرتِه، ومَن كَفَرَ نِعمةَ اللهِ عليه ولم يَشكُرْ، فإنَّ ربِّي غَنيٌّ عن شُكرِه، ولا حاجةَ به إليه، كريمٌ في نفْسِه وإن لم يُعبَدْ، فعظَمتُه لا تفتَقِرُ إلى أحدٍ؛ ومُتفَضِّلٌ بإنعامِه على جميعِ خَلقِه حتَّى على مَن يكفُرُ به.
قَالَ نَكِّرُوا لَهَا عَرْشَهَا نَنْظُرْ أَتَهْتَدِي أَمْ تَكُونُ مِنَ الَّذِينَ لَا يَهْتَدُونَ.
قال سُلَيمانُ: غيِّروا مَعالِمَ وهيئةَ عَرْشِ ملِكةِ سَبَأٍ؛ لِنَنظُرَ: أتعرِفُ أنَّه عَرشُها أم تكونُ مِن الَّذين لا يَعرِفون أنَّه هو؟
فَلَمَّا جَاءَتْ قِيلَ أَهَكَذَا عَرْشُكِ قَالَتْ كَأَنَّهُ هُوَ وَأُوتِينَا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهَا وَكُنَّا مُسْلِمِينَ (42).
فلمَّا جاءت مَلِكةُ سَبَأٍ إلى سُلَيمانَ، ورأت عَرْشَها بعدَ تغييرِه، قيلَ لها: هل عرشُكِ الَّذي تركتِهِ في بلادِك مِثلُ هذا العَرشِ الَّذي رأيتِهِ؟! قالت مَلِكةُ سَبَأٍ: هذا العَرشُ يُشبِهُ جِدًّا عرشي الَّذي تركتُه في بلادي! قال سُلَيمانُ: وآتانا اللهُ العِلمَ مِن قَبلِ ملِكةِ سَبَأٍ، وكنَّا طائِعينَ ومُنقادِينَ له سُبحانَه.
وَصَدَّهَا مَا كَانَتْ تَعْبُدُ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنَّهَا كَانَتْ مِنْ قَوْمٍ كَافِرِينَ (43).
ومنَع ملِكةَ سَبَأٍ عن الإسلامِ عبادتُها الشَّمسَ مِن دونِ اللهِ! لأنَّها كانت مِن قَومٍ راسِخينَ في الكُفرِ باللهِ، فنشَأتْ بيْنَهم على الشِّركِ بالله سُبحانَه، وقلَّدَتْهم في دينِهم.
قِيلَ لَهَا ادْخُلِي الصَّرْحَ فَلَمَّا رَأَتْهُ حَسِبَتْهُ لُجَّةً وَكَشَفَتْ عَنْ سَاقَيْهَا قَالَ إِنَّهُ صَرْحٌ مُمَرَّدٌ مِنْ قَوَارِيرَ قَالَتْ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (44).
قيل لِملِكةِ سَبَأٍ: ادخُلي هذا البِناءَ المُرتَفِعَ، فلمَّا رأَتْه الملِكةُ -وهو مبنيٌّ بالزُّجاجِ وتحتَه ماءٌ- حَسِبَتْه ماءً، وأظهَرَت ساقَيها حتَّى تخوضَ في الماءِ مِن غيرِ أن تبتلَّ ثيابُها، قال سُلَيمانُ لها: هذا الَّذي حَسِبْتِه لجَّةً إنَّما هو بناءٌ مملَّسٌ مبنيٌّ من زُجاجٍ، قالت ملِكةُ سبأٍ: ربِّ إنِّي ظَلَمتُ نفسي بعبادةِ غَيرِك، والسُّجودِ للشَّمسِ مِن دونِك، وأذعنتُ وانقدْتُ واستسلمْتُ مع سُلَيمانَ، طائعةً لله تعالى، متابِعةً لسُلَيمانَ ومُقتَدِيةً به في عبادةِ اللهِ وحْدَه لا شريكَ له، خالِقِ كُلِّ شَيءٍ ومالِكِه ومدبِّرِه.
وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ فَإِذَا هُمْ فَرِيقَانِ يَخْتَصِمُونَ (45).
ولقد أرسَلْنا إلى قبيلةِ ثمودَ أخاهم في النَّسَبِ صالِحًا، فأمَرَهم بعبادةِ اللهِ وحْدَه لا شَريكَ له، فإذا قومُ صالحٍ فَريقانِ: مُؤمِنون وكافِرون، يختَصِمون في الدِّينِ، وكلٌّ يقولُ بأنَّ الحقَّ معه.
قَالَ يَا قَوْمِ لِمَ تَسْتَعْجِلُونَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الْحَسَنَةِ لَوْلَا تَسْتَغْفِرُونَ اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (46).
قال صالحٌ: يا قومِ، لأيِّ شَيءٍ تَطلُبونَ عذابَ اللهِ، ولا تَطلُبونَ رحمتَه؟! هلَّا تَطلُبونَ مِن اللهِ أن يغفِرَ لكم كُفرَكم ومعاصيَكم؛ كي يرحَمَكم؟
قَالُوا اطَّيَّرْنَا بِكَ وَبِمَنْ مَعَكَ قَالَ طَائِرُكُمْ عِنْدَ اللَّهِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تُفْتَنُونَ (47).
قال مُشرِكو ثمودَ لنبيِّهم صالحٍ: تشاءَمْنا بك وبمَن معك مِنَ المؤمِنينَ؛ فنحن تُصيبُنا المصائِبُ والمكارِهُ بسَبَبِكم! فقال صالحٌ لِقَومِه: ما يُصيبُكم مِن مكروهٍ فإنَّما جاءَكم مِن عندِ اللهِ وحْدَه، ووقَعَ عليكم بإذْنِه؛ بسَبَبِ ذُنوبِكم، بل أنتم قَومٌ يَختبِرُكم ربُّكم بالسَّرَّاءِ والضَّرَّاءِ، والخيرِ والشَّرِّ.
وَكَانَ فِي الْمَدِينَةِ تِسْعَةُ رَهْطٍ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَلَا يُصْلِحُونَ (48).
وكان في مدينةِ ثمودَ تِسعةُ أنفُسٍ يُفسِدونَ في الأرضِ بالكُفرِ والمعاصي، ولا يُصلِحونَ فيها بوجهٍ مِن الوُجوهِ.
قَالُوا تَقَاسَمُوا بِاللَّهِ لَنُبَيِّتَنَّهُ وَأَهْلَهُ ثُمَّ لَنَقُولَنَّ لِوَلِيِّهِ مَا شَهِدْنَا مَهْلِكَ أَهْلِهِ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ (49).
قال التِّسعةُ المُفسِدون في الأرضِ بعضُهم لبعضٍ: تحالَفوا باللهِ وتعاهَدوا على اغتيالِ صالحٍ وأهلِه ليلًا، ثمَّ بعدَ أن نقتُلَ صالحًا وأهلَه خُفيةً نقولُ لِقَريبِ صالحٍ الَّذي له حَقُّ المطالَبةِ بدَمِه: ما حضَرْنا هلاكَ صالحٍ وأهلِ بيتِه، وإنَّا لَصادِقون في ذلك!
وَمَكَرُوا مَكْرًا وَمَكَرْنَا مَكْرًا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (50).
ودبَّر التِّسعةُ المفسِدونَ تدبيرًا لِقَتلِ صالحٍ وأهلِه، ومَكَرْنا بهم مكرًا أعظَمَ مِن مَكْرِهم، وهم لا يَعلَمونَ كيفيَّةَ تدبيرِنا إهلاكَهم.
فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ مَكْرِهِمْ أَنَّا دَمَّرْنَاهُمْ وَقَوْمَهُمْ أَجْمَعِينَ (51).
فانظُرْ -يا محمَّدُ- كيف كان آخِرُ أمرِ مَكرِ المُفسِدينَ مِن قَومِ صالحٍ حينَ أرادوا قَتْلَه وأهلِه، أنَّا أهلَكْناهم وأهلَكْنا جميعَ قَومِهم المُشرِكينَ.
فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خَاوِيَةً بِمَا ظَلَمُوا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَةً لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (52).
فتلك مَساكِنُ ثمودَ قد صارت خَرابًا خاليةً مِن أهلِها؛ بسَبَبِ ظُلمِهم أنفُسَهم بشِركِهم وتكذيبِ رَسولِهم، وقَتْلِهم ناقةَ اللهِ، إنَّ في ذلك لَعِبرةً وعِظةً ودَلالةً على الحَقِّ لِمَن يَعلَمونَ قُدرةَ اللهِ وحِكمَتَه وغيرَ ذلك مِنَ الحقائِقِ.
وَأَنْجَيْنَا الَّذِينَ آَمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ (53).
وأنجَيْنا مِن سَخَطِنا وعَذابِنا صالِحًا والمؤمِنينَ به مِن قَومِه، الَّذين كانوا يَتَّقون سَخَطَ اللهِ وعذابَه، فيَتجنَّبونَ الشِّركَ والمعاصيَ، ويَعمَلونَ بطاعةِ اللهِ تعالى ويخافونَه.
وَلُوطًا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ (54).
واذكُرْ لُوطًا حينَ قال لِقَومِه: أتَفعَلونَ الفَعلةَ المتناهِيةَ في القُبحِ، والخطيئةَ الفَظيعةَ الشَّنيعةَ -وهي إتيانُ الذُّكورِ في أدبارِهم- والحالُ أنَّكم تُبصِرونَ أنها فاحشةٌ؟!
أَئِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ شَهْوَةً مِنْ دُونِ النِّسَاءِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ (55).
قال لُوطٌ لِقَومِه: أئِنَّكم لَتَأتونَ الذُّكورَ في أدبارِهم؛ مِن أجْلِ الشَّهوةِ، وتَتركُونَ إتيانَ فُروجِ النِّساءِ الَّتي أحَلَّها اللهُ لكم؟! بل أنتم قومٌ سُفَهاءُ جَهَلةٌ، مُتجاوِزونَ لحُدودِ الله، مُتجرِّئُون على محارِمِه.