التفسير المحرر
المؤمنون
المؤمنون
قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (1).
قد فاز وظفِر بخَيرِ الدُّنيا والآخرةِ المُؤمِنونَ الَّذين آمَنوا بكُلِّ ما وجبَ عليهم الإيمانُ به.
الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ (2).
الَّذينَ مِن صِفاتِهم أنَّهم في صَلاتِهم خاضِعونَ، مُتَذلِّلونَ لله ساكِنونَ، مُتدَبِّرونَ لِما يقولونَ فيها.
وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ (3).
ومِن صِفاتِهم أنَّهم مُعرِضونَ عن الباطلِ وجميعِ ما يَكرَهُه الله؛ كالمعاصي وما لا فائِدةَ ولا خَيرَ فيه.
وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ (4).
ومِن صِفاتِهم أنَّهم لزَكاةِ أموالِهم مُؤَدُّونَ.
وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (5).
ومِن صِفاتِهم أنَّهم صائِنونَ لفُروجِهم مِن الحَرامِ، فلا يَقَعونَ فيما نهاهم اللهُ عنه مِنَ الفواحِشِ.
إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ (6).
هُم يَحفَظونَ فُروجَهم إلَّا مِن زَوجاتِهم أو مِن إمائِهم اللَّاتي يَملِكونَهنَّ؛ فإنَّهم لا يُلامُونَ على وَطْئِهنَّ على الوَجهِ المَشروعِ.
فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ (7).
فمَنِ التَمَس التَّمَتُّعَ بفَرجِه فيما سِوى زَوجتِه وأمَتِه، فأولئك هم المُعتَدونَ، المتعَدُّونَ حُدودَ اللهِ، المُجاوِزونَ ما أحَلَّه لهم إلى ما حرَّمَه عليهم.
وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ (8).
ومِن صِفاتِهم أنَّهم لِمَا ائتَمَنَهم اللهُ والنَّاسُ عليه، ولِعُهودِهم مع اللهِ وعبادِه مُراعونَ، قائِمونَ بحِفظِها، والوَفاءِ بها، فلا يَخونونَ الأماناتِ، ولا يَنقُضونَ العُهودَ.
وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ (9).
ومِن صِفاتِهم أنَّهم مُواظِبونَ على أداءِ صَلَواتِهم في أوقاتِها، بأركانِها وشُروطِها وواجِباتِها.
أُولَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ (10).
أولئك المُؤمِنونَ المَوصوفونَ بتلك الصِّفاتِ هم الوارِثونَ يَومَ القيامةِ مَنازِلَ أهلِ النَّارِ مِن الجَنَّةِ.
الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (11).
أولئك المُؤمِنونَ يَرِثونَ يومَ القيامةِ جَنَّاتِ الفِردَوسِ، هم في تلك الجنَّاتِ ماكِثونَ لا يَخرُجونَ منها أبَدًا.
وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ طِينٍ (12).
ولقد خلَق اللهُ تعالَى آدَمَ عليه السَّلامُ مِن طينٍ أُخِذ مِن جميعِ الأرضِ.
ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ (13).
ثمَّ جعَلْنا ابنَ آدمَ نُطفةً مُستَقِرَّةً محفوظةً في رَحِمِ المرأةِ.
ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آَخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ (14).
ثمَّ صيَّرْنا النُّطْفةَ قِطعةَ دَمٍ تعْلَقُ في الرَّحمِ، فجعَلْنا قِطعةَ الدَّمِ قِطعةَ لَحمٍ صَغيرةً، لا شَكلَ فيها ولا تَخطيطَ، فجعَلْنا قِطعةَ اللَّحمِ عِظامًا مُختَلِفةً، شَكَّلْناها ذاتَ رأسٍ ويدينِ ورِجلَينِ، فألبَسْنا تلك العِظامَ لَحمًا، ثمَّ نفَخْنا فيه الرُّوحَ، فتحَوَّلَ إنسانًا حَيًّا، وبشَرًا سَوِيًّا، فتعاظَمَ وكثُرَ خَيرُ اللهِ أتقنِ الصَّانِعينَ، الَّذي أتْقَنَ كلَّ شَيءٍ خلَقَه!
ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذَلِكَ لَمَيِّتُونَ (15).
ثمَّ إنَّكم -أيُّها النَّاسُ- بعدَ أنْ خلَقْناكم وأحيَيْناكم ستَموتونَ، فتَعودونَ تُرابًا كما كُنتُم.
ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ تُبْعَثُونَ (16).
ثمَّ إنَّكم -أيُّها النَّاسُ- ستُبعَثونَ يومَ القيامةِ مِنَ التُّرابِ؛ للحِسابِ والجَزاءِ.
وَلَقَدْ خَلَقْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعَ طَرَائِقَ وَمَا كُنَّا عَنِ الْخَلْقِ غَافِلِينَ (17).
ولقدْ خلَقْنا فَوقَكم -أيُّها النَّاسُ- سَبْعَ سَمَواتٍ بَعضُها فَوقَ بَعٍض، وأحاط عِلمُنا بكلِّ مخلوقٍ، فلا نَخلُقُ مخلوقًا ونغفُلُ عنه أو ننساه، بل نَحفَظُه وندبِّرُ أمرَه، ونقومُ بمصالحِه.
وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً بِقَدَرٍ فَأَسْكَنَّاهُ فِي الْأَرْضِ وَإِنَّا عَلَى ذَهَابٍ بِهِ لَقَادِرُونَ (18).
وأنزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً بحَسَبِ حاجةِ الخَلقِ وما يَكفيهم، على المِقدارِ الَّذي يُصلِحُ ولا يُفسِدُ، فجعَلْناه مَحفوظًا في الأرضِ، وإنَّا على إذهابِ الماءِ الَّذي أسكَنَّاه في الأرضِ لَقادِرونَ، ولو وقَعَ ذلك لهَلَك النَّاسُ وهلَكَت أراضيهم وزُروعُهم وماشيَتُهم.
فَأَنْشَأْنَا لَكُمْ بِهِ جَنَّاتٍ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ لَكُمْ فِيهَا فَوَاكِهُ كَثِيرَةٌ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ (19).
فأوجَدْنا لكم بسَبَبِ الماءِ بَساتينَ مِن نَخيلٍ وأعنابٍ، لكم -أيُّها النَّاسُ- في البَساتينِ فَواكِهُ كَثيرةٌ سِوى النَّخيلِ والأعنابِ، ولكم مِنَ البَساتينِ غذاءٌ تأكُلونَه.
وَشَجَرَةً تَخْرُجُ مِنْ طُورِ سَيْنَاءَ تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ وَصِبْغٍ لِلْآَكِلِينَ (20).
وأنشَأْنا لكم -أيُّها النَّاسُ- شَجرةَ الزَّيتونِ الَّتي تَنبُتُ في جَبَلِ سَيناءَ الَّذي كَلَّمَ اللهُ عليه موسى عليه السَّلامُ، تُخرِجُ شَجرةُ الزَّيتونِ ثَمَرًا يُعصَرُ منه زَيتٌ يُدَّهَنُ به، ويجعَلُه الآكِلونَ إدامًا يغْمِسونَ فيه خُبزَهم.
وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعَامِ لَعِبْرَةً نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهَا وَلَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ كَثِيرَةٌ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ (21).
وإنَّ لكم -أيُّها النَّاسُ- في الإبِلِ والبَقَرِ والغَنَمِ ما تَعتَبِرونَ به، فتَعرِفونَ أياديَ اللهِ عندَكم، وسابِغَ رَحمتِه، وانفرادَه بالخَلقِ، وسَعةَ عِلمِه، وعظيمَ قُدرتِه عَزَّ وجَلَّ؛ فتَشكُرونَه ولا تَكفُرونَه، نُسقيكم -أيُّها النَّاسُ- لبنًا مِمَّا في بُطونِها، ولكم في الأنعامِ مَنافِعُ كَثيرةٌ، ومِن لُحومِ الأنعامِ وشُحومِها تأكُلونَ بعدَ ذَبحِها.
وَعَلَيْهَا وَعَلَى الْفُلْكِ تُحْمَلُونَ (22).
وعلى الإبِلِ في البَرِّ، وعلى السُّفُنِ في البَحرِ تَركَبونَ -أيُّها النَّاسُ- فتَحمِلُكم وتَحمِلُ مَتاعَكم.
وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَقَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ أَفَلَا تَتَّقُونَ (23).
ولقدْ أَرسَلْنا نُوحًا إلى قَومِه، فقال لهم نُوحٌ: يا قَومِ، اعبُدُوا اللهَ وَحْدَه، وذِلُّوا بطاعتِه مُخلِصينَ له، ما لكم مِن مَعبودٍ غيرُه يَستَحِقُّ أنْ تَعبُدوه، أفلا تخشونَ اللهَ، وتَخافونَ عقوبتَه أن تحِلَّ بكم بسببِ عبادتِكم غيرَه، وإشراكِكم به؟!
فَقَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ مَا هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُرِيدُ أَنْ يَتَفَضَّلَ عَلَيْكُمْ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَأَنْزَلَ مَلَائِكَةً مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي آَبَائِنَا الْأَوَّلِينَ (24).
فقال الكفَّارُ مِن قومِ نوحٍ مِن الأشرافِ والسَّادةِ: ما نُوحٌ إلَّا إنسانٌ مِثلُكم، وليس رَسولًا كما يَزعُمُ، وإنَّما يُريدُ أنْ يكونَ أفضَلَ منكم، فادَّعى النُّبُوَّةَ لتَتَّبِعوه! ولو شاءَ اللهُ ألَّا نَعبُدَ شَيئًا سِواه، لَأَنزلَ علينا ملائِكةً رُسُلًا يُبَلِّغونَنا ألَّا نَعبُدَ غَيرَه، ما سَمِعْنا في أسلافِنا مِنَ القُرونِ الماضيةِ بمِثلِ هذا الَّذي يَدْعونا إليه نُوحٌ، مِن أنَّه لا مَعبودَ لنا غيرُ اللهِ!
إِنْ هُوَ إِلَّا رَجُلٌ بِهِ جِنَّةٌ فَتَرَبَّصُوا بِهِ حَتَّى حِينٍ (25).
ما نُوحٌ إلَّا رجُلٌ فيه شَيءٌ مِنَ الجُنونِ؛ دفَعه لادِّعاءِ الرِّسالةِ، فلا يَدري ما يقولُ، وهو ليس رَسولًا مِن عِندِ اللهِ كما يَزعُمُ! فانتَظِروا بنُوحٍ وَقْتًا ما حتَّى يُفيقَ مِنْ جُنونِه فيَترُكَ دَعواه هذه، أو يَموتَ؛ فتَستَريحوا منه.
قَالَ رَبِّ انْصُرْنِي بِمَا كَذَّبُونِ (26).
قال نُوحٌ: رَبِّ، انصُرْني على قَومي، فأهلِكْهم بسَبَبِ تَكذيبِهم برِسالَتي.
فَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ أَنِ اصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا فَإِذَا جَاءَ أَمْرُنَا وَفَارَ التَّنُّورُ فَاسْلُكْ فِيهَا مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلَّا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ مِنْهُمْ وَلَا تُخَاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ (27).
فقُلْنا لنُوحٍ: اصنَعِ السَّفينةَ بمرأًى مِنَّا، وفي حِفظِنا، وبتَعليمِنا إيَّاك كيفيَّةَ صُنْعِها، فإذا أتَى وَقتُ إهلاكِنا لِقَومِك -يا نوحُ- بالطُّوفانِ، ونَبَع الماءُ بشِدَّةٍ مِنَ المَوضِعِ الَّذي يُخبَزُ فيه؛ فأَدْخِلْ في السَّفينةِ مِن كلِّ صِنفٍ مِن أصنافِ المخلوقاتِ ذَكَرًا وأُنثى، وأَدخِلْ في السَّفينةِ أهْلَ بَيتِك، إلَّا مَن سبَقَ حُكمُ اللهِ عليه بإهلاكِه؛ لكُفرِه، ولا تَسألْني -يا نُوحُ- أنْ أُنَجِّيَ الكافِرينَ؛ فإنِّي قدْ حَكمْتُ بإغراقِهم جَميعًا.
فَإِذَا اسْتَوَيْتَ أَنْتَ وَمَنْ مَعَكَ عَلَى الْفُلْكِ فَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي نَجَّانَا مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (28).
فإذا استقرَرْتَ -يا نوحُ- أنتَ والمُؤمِنونَ الَّذين معك على السَّفينةِ، وعَلَوتُم فَوقَها راكِبينَ، فقُلِ: الحَمدُ للهِ الَّذي خلَّصَنا مِنَ القَومِ المُشرِكينَ.
وَقُلْ رَبِّ أَنْزِلْنِي مُنْزَلًا مُبَارَكًا وَأَنْتَ خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ (29).
وقُلْ -يا نُوحُ-: رَبِّ أنْزِلْني إنْزالًا مُبارَكًا، وأنتَ -يا رَبَّنا- خَيرُ مَن تُنزِلُ عِبادَك.
إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ وَإِنْ كُنَّا لَمُبْتَلِينَ (30).
إنَّ في إهْلاكِنا قَومَ نُوحٍ الكافِرينَ وإنجائِنا المُؤمِنينَ: لَدَلالاتٍ واضحاتٍ على وَحدانيَّةِ اللهِ، وعِلْمِه وحِكمَتِه، وصِدْقِ أنبيائِه، وقُدْرتِه على نَصْرِ المؤمنينَ، وإهلاكِ أعدائِه، وقدْ كُنَّا مُختَبِرينَ بإرسالِ الرُّسُلِ، والتَّذكيرِ بآياتِنا قبْلَ نُزولِ عُقوبتِنا؛ لِنَنظُرَ كيف يَعمَلونَ.
ثُمَّ أَنْشَأْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ قَرْنًا آَخَرِينَ (31).
ثُمَّ أوجَدْنا مِن بَعدِ قَومِ نُوحٍ قَومًا آخَرينَ.
فَأَرْسَلْنَا فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ أَفَلَا تَتَّقُونَ (32).
فأرسَلْنا في أولئك القَومِ رَسولًا منهم، فقال لهم: اعْبُدوا اللهَ وَحْدَه وأطِيعُوه؛ ما لَكمْ مِن مَعبودٍ يَستَحِقُّ العِبادةَ غَيرُه، أفَلا تخافونَ عقابَ الله على شِرْكِكم؛ فتَجْتَنِبوا عبادةَ هذه الأصنامِ؟!
وَقَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِلِقَاءِ الْآَخِرَةِ وَأَتْرَفْنَاهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا مَا هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يَأْكُلُ مِمَّا تَأْكُلُونَ مِنْهُ وَيَشْرَبُ مِمَّا تَشْرَبُونَ (33).
وقال الرُّؤساءُ والأشرافُ والسَّادةُ مِن قَومِ هذا الرَّسولِ، الَّذين كَفَروا باللهِ، وكذَّبوا بالبَعثِ والحِسابِ، ونعَّمْناهم ووَسَّعْنا عليهم الرِّزقَ في الحَياةِ الدُّنيا حتَّى بَطِروا وطَغَوا: ما هذا الرَّسولُ إلَّا إنسانٌ مِثلُكم، يأكُلُ مِمَّا تأكُلونَ مِنَ الطَّعامِ، ويَشرَبُ مِمَّا تَشرَبونَ مِنَ الشَّرابِ، وليس رسولًا كما يَزعُمُ!
وَلَئِنْ أَطَعْتُمْ بَشَرًا مِثْلَكُمْ إِنَّكُمْ إِذًا لَخَاسِرُونَ (34) .
ولئِنْ أطعْتُم إنسانًا مِثلَكم، فصَدَّقتُم أنَّه رَسولٌ واتَّبعتُموه، إنَّكم إذَن لَمَغْبونونَ.
أَيَعِدُكُمْ أَنَّكُمْ إِذَا مِتُّمْ وَكُنْتُمْ تُرَابًا وَعِظَامًا أَنَّكُمْ مُخْرَجُونَ (35).
أيَعِدُكم أنَّكم إذا مِتُّم وصِرتُم تُرابًا وعِظامًا في قُبورِكم أنَّكم ستُخرَجون منها أحياءً، كما كُنتُم قبْلَ مَماتِكم؟!
هَيْهَاتَ هَيْهَاتَ لِمَا تُوعَدُونَ (36).
بَعيدٌ بَعيدٌ جِدًّا ما يَعِدُكم به مِنَ البَعثِ بَعدَ المَوتِ؛ فلا يكونُ ذلك أبدًا!
إِنْ هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ (37).
ليس هناك حَياةٌ أُخرَى سِوى حياتِنا الدُّنيا، يَموتُ فيها الأحياءُ مِنَّا فلا يَحيَونَ ثانيةً، ويُولَدُ آخَرونَ فيَحيَونَ فيها! وما نحن بمَبعوثينَ أحياءً بَعْدَ المَوتِ.
إِنْ هُوَ إِلَّا رَجُلٌ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا وَمَا نَحْنُ لَهُ بِمُؤْمِنِينَ (38).
ما هذا الَّذي يَزعُمُ أنَّه رَسولٌ سِوى رَجُلٍ يَختَلِقُ على اللهِ كَذِبًا بأنَّه أرسَلَه بالتَّوحيدِ، وأنَّه يَبعَثُ عِبادَه أحياءً بَعْدَ المَوتِ! وما نحنُ له بمُصَدِّقينَ فيما يقولُه مِن تَوحيدِ اللهِ والبَعثِ بَعدَ المَوتِ!
قَالَ رَبِّ انْصُرْنِي بِمَا كَذَّبُونِ (39).
قال الرَّسولُ: ربِّ انصُرْني على قَومِي، فأَهلِكْهم بسَبَبِ تَكذيبِهم برِسالتي.
قَالَ عَمَّا قَلِيلٍ لَيُصْبِحُنَّ نَادِمِينَ (40).
قال اللهُ للرَّسولِ: سنُعَذِّبُهم قَريبًا، فيُصبِحونَ نادِمينَ على كُفرِهم وتَكذيبِهم.
فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ بِالْحَقِّ فَجَعَلْنَاهُمْ غُثَاءً فَبُعْدًا لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (41).
فانتقَمْنا منهم بصَيحةٍ أخذَتْهم، وهم يَستَحِقُّونَ هذا العِقابَ؛ لِكُفرِهم باللهِ وتَكذيبِهم رَسولَه، فلم يَظلِمْهمُ اللهُ، ولكِنْ ظَلَموا أنفُسَهم، فجعَلْناهم هَلْكى هامِدينَ، حتَّى صاروا كغُثاءِ السَّيلِ الَّذي لا مَنْفعةَ فيه، فبُعدًا مِن رَحمةِ اللهِ لِلقَومِ الكافِرينَ الَّذين ظَلَموا أنفُسَهم بالكُفرِ برَبِّهم، ومَعصيةِ رَسولِه.
ثُمَّ أَنْشَأْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ قُرُونًا آَخَرِينَ (42).
ثُمَّ أوجَدْنا مِن بَعدِ أولئك القَومِ الظَّالِمينَ أقوامًا آخَرينَ.
مَا تَسْبِقُ مِنْ أُمَّةٍ أَجَلَهَا وَمَا يَسْتَأْخِرُونَ (43).
ما تَسبِقُ أُمَّةٌ مِنَ الأُمَمِ الكافِرةِ الوقتَ الَّذي قدَّرَه اللهُ لإهْلاكِها، وما تتأخَّرُ عن ذلك الوَقتِ المكتوبِ في اللَّوحِ المَحفوظِ.
ثُمَّ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا تَتْرَى كُلَّ مَا جَاءَ أُمَّةً رَسُولُهَا كَذَّبُوهُ فَأَتْبَعْنَا بَعْضَهُمْ بَعْضًا وَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ فَبُعْدًا لِقَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ (44).
ثمَّ أرسَلْنا رُسُلَنا مُتواتِرينَ يَتبَعُ بَعضُهم بَعضًا، واحدًا بعدَ واحدٍ؛ إلى أُمَمٍ أُخرى بعدَ أولئك القَومِ المُهلَكينَ، كلَّما جاء رَسولٌ إلى أُمَّةٍ مِن تلك الأُمَمِ كَذَّبوه، فلم يَقبَلوا ما جاء به مِنَ الحَقِّ، فأهلَكْنا تِلك الأُمَمَ بعَذابِ الاستِئصالِ؛ بَعضَهم في إثْرِ بَعضٍ، وصَيَّرْناهم أخبارًا للنَّاسِ يتحَدَّثونَ بها عنهم، فبُعدًا مِن رَحمةِ اللهِ وهَلاكًا لقَومٍ لا يُؤمِنونَ بوَحدانيَّةِ اللهِ، ويُكَذِّبونَ رُسُلَه.
ثُمَّ أَرْسَلْنَا مُوسَى وَأَخَاهُ هَارُونَ بِآَيَاتِنَا وَسُلْطَانٍ مُبِينٍ (45).
ثمَّ أرسَلْنا بَعدَ أولئك الرُّسُلِ مُوسى وأخاهُ هارونَ بمُعجِزاتِنا وحُجَّةٍ بَيِّنةٍ واضِحةٍ.
إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ فَاسْتَكْبَرُوا وَكَانُوا قَوْمًا عَالِينَ (46).
إلى فِرعَونَ وأشرافِ قَومِه، فاستَكبَروا عنِ الإيمانِ واتِّباعِ الحَقِّ الَّذي جاءَهم مِن عندِ اللهِ، وكانوا قَومًا قاهِرينَ لبني إسرائيلَ ظالِمينَ لهم، خُلُقُهم وسَجِيَّتُهم الكِبْرُ.
فَقَالُوا أَنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنَا وَقَوْمُهُمَا لَنَا عَابِدُونَ (47).
فقال فِرعَونُ ومَلَؤُه: أنُصدِّقُ مُوسى وهارونَ ونُقِرُّ لهما، وهما بَشَرانِ مِثلُنا، وقَومُهما لنا مُطيعونَ ذَليلونَ خاضِعونَ؟! فكيف نَتَّبِعُهما؟!
فَكَذَّبُوهُمَا فَكَانُوا مِنَ الْمُهْلَكِينَ (48).
فكذَّب فِرعَونُ ومَلَؤُه موسى وهارونَ، فأغرَقَهم اللهُ، فكانوا ممَّنْ أهلكهم الله؛ لِتَكذيبِهم رُسُلَ اللهِ.
وَلَقَدْ آَتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ (49).
ولقدْ آتَيْنا موسى التَّوراةَ؛ كي يَهتَديَ بنو إسرائيلَ باتِّباعِها.
وَجَعَلْنَا ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ آَيَةً وَآَوَيْنَاهُمَا إِلَى رَبْوَةٍ ذَاتِ قَرَارٍ وَمَعِينٍ (50).
وجعَلْنا عِيسى ابنَ مَريمَ وأُمَّه مَريمَ حُجَّةً عَجيبةً واضِحةً للنَّاسِ، تدُلُّهم على قُدرةِ اللهِ على خَلقِ ما يَشاءُ؛ حيثُ خَلَقَ عِيسى مِن أُمٍّ بلا أبٍ! وصَيَّرْنا عِيسى وأُمَّه مَريمَ إلى مَكانٍ مُرتَفِعٍ مِنَ الأرضِ، مُستَوٍ مُستَقِرٍّ، وفيه نَهرٌ جارٍ ظاهِرٌ للعِيَانِ.
يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ (51).
يا أيُّها الرُّسُلُ، كُلُوا مِنَ الرِّزقِ الحَلالِ المُستلَذِّ النَّافِعِ، واعْمَلوا الأعمالَ الصَّالِحةَ، إنِّي لا يَخْفَى علَيَّ شَيءٌ مِن أعمالِكم، وسأُجازيكم عليها جَميعًا؛ فاجتَهِدوا في صالحِ الأعمالِ.
وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ (52).
وإنَّ دِينَكم جَميعًا -أيُّها الرُّسُلُ- دِينٌ واحِدٌ، وهو الإسلامُ، وأنا رَبُّكم فاتَّقوني بفِعلِ أوامِري، واجتِنابِ نَواهيَّ، ولا تُشرِكوا بي شَيئًا.
فَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ زُبُرًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ (53).
فتَفرَّقَ النَّاسُ مِن أُمَمِ الرُّسُلِ في هذا الدِّينِ الواحِدِ الَّذي شرَعَه اللهُ لهم؛ وجعلوه كُتبًا وضَعوها، دانَ كلُّ فريقٍ منهم بكتابٍ غيرِ كُتبِ الفِرَقِ الأخرَى، وجعَل كلُّ فريقٍ منهم لنفْسِه دِينًا، كلُّ فَريقٍ منهم مَسْرورونَ بما اختارُوه لأنفُسِهم، فَرِحونَ بباطِلِهم، يَعتَقِدونَ أنَّهم على الحَقِّ دونَ مَن سِواهم.
فَذَرْهُمْ فِي غَمْرَتِهِمْ حَتَّى حِينٍ (54).
فاتْرُكْ -يا محمَّدُ- هؤلاء المُشرِكينَ المُختَلِفينَ في دِينِهم، الَّذين هم بمَنزلةِ مَن تقدَّمَ؛ اترُكْهم في حَيْرَتِهم وضَلالتِهم وغَفلَتِهم الَّتي غَرِقوا فيها، إلى أنْ يأتيَهم العَذابُ أو الموتُ.
أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مَالٍ وَبَنِينَ (55)
أيَظُنُّ أولئك الَّذين فَرَّقوا دِينَهم أنَّ ما نَبسُطُه عليهم في الدُّنيا مِنَ الأموالِ والأبناءِ.
نُسَارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْرَاتِ بَل لَا يَشْعُرُونَ (56)
أيظنُّون أنَّ ذلك هو تَعجيلٌ لِثَوابِهم؛ لِمَعزَّتِهم وكَرامتِهم عندَنا؟! كلَّا! ليس الأمرُ كما يَزعُمونَ، بلْ هم يُسارِعونَ في أسبابِ الشُّرورِ، ولكِنْ لا يَشعُرونَ أنِّي أُعْطِيهم ذلك فِتْنةً واستِدراجًا لهم.
إِنَّ الَّذِينَ هُمْ مِنْ خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ (57).
إنَّ الَّذينَ همْ -لِخَشيَتِهم مِن رَبِّهم- حَذِرونَ خائِفونَ مِن عِقابِه، يُداوِمونَ على طاعتِه، وطَلَبِ مَرضاتِه.
وَالَّذِينَ هُمْ بِآَيَاتِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ (58).
والَّذين همْ بآياتِ القُرآنِ وغَيرِها مِنَ الدَّلائِلِ والبَراهينِ والحُجَجِ يُؤمِنونَ.
وَالَّذِينَ هُمْ بِرَبِّهِمْ لَا يُشْرِكُونَ (59).
والَّذين يُخلِصونَ لِرَبِّهم في عِباداتِهم كلِّها؛ فلا يُشرِكونَ به شَيئًا.
وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آَتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ (60).
والَّذين يُعطُونَ ما أعْطَوا مِن زَكَواتٍ وصَدَقاتٍ وغيرِ ذلك، والحالُ أنَّ قُلوبَهم خائِفةٌ مِن رُجوعِهم إلى ربِّهم، وبَعْثِهم يومَ القِيامةِ للحِسابِ والجَزاءِ، فيَخافونَ ألَّا يُتقبَّلَ منهم.
أُولَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ (61).
أولئك يُبادِرونَ ويُسابِقونَ في عمَلِ الطَّاعاتِ؛ تَقرُّبًا إلى اللهِ تعالى، ونَيلِ الدَّرَجاتِ، وهم إلى الخَيراتِ سابِقونَ.
وَلَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا وَلَدَيْنَا كِتَابٌ يَنْطِقُ بِالْحَقِّ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (62).
ولا نُكَلِّفُ نَفْسًا إلَّا ما تُطِيقُ حَمْلَه والقِيامَ به، مِن عِبادةِ اللهِ والعَمَلِ بشَرعِه، وعِندَنا كِتابٌ كتَبَتِ الملائِكةُ فيه جَميعَ أعْمالِ العِبادِ؛ فهو يُبَيِّنُ بالصِّدقِ الثَّابِتِ المُطابِقِ للواقِعِ ما عَمِلوه في الدُّنيا مِن خَيرٍ وشَرٍّ، فنُجازِيهم بأعمالِهم، ولا نَظلِمُهم بعُقوبتِهم بما لم يَعمَلوا، أو بالزِّيادةِ في سَيِّئاتِهم، أو بالنَّقصِ مِن حَسَناتِهم.
بَلْ قُلُوبُهُمْ فِي غَمْرَةٍ مِنْ هَذَا وَلَهُمْ أَعْمَالٌ مِنْ دُونِ ذَلِكَ هُمْ لَهَا عَامِلُونَ (63).
بلْ قُلوبُ المُشرِكينَ في عَمايةٍ وغَفلةٍ عنِ القُرآنِ؛ فهُم لا يُؤمِنونَ به، ولا يَتدبَّرونَه، وللمُشرِكينَ أعمالٌ سَيِّئةٌ رَديئةٌ دونَ أعمالِ المُؤمِنينَ الصَّالحةِ الَّتي ذكرها الله، يُمهِلُهم اللهُ سبحانَه حتَّى يَعمَلوها قبْلَ مَوتِهم؛ فيَحِقَّ عليهمُ العَذابُ.
حَتَّى إِذَا أَخَذْنَا مُتْرَفِيهِمْ بِالْعَذَابِ إِذَا هُمْ يَجْأَرُونَ (64).
فإذا عذَّب اللهُ عُظَماءَ المُشرِكينَ المُنعَّمينَ، أخَذوا يَصرُخونَ ويَستَغيثونَ مِن شِدَّةِ عَذابِهم، طالِبينَ الخَلاصَ ممَّا أصابَهم.
لَا تَجْأَرُوا الْيَوْمَ إِنَّكُمْ مِنَّا لَا تُنْصَرُونَ (65).
لا تَضِجُّوا وتَستَغيثوا -أيُّها الكافِرونَ-؛ فلا شَيءَ يُخلِّصُكم مِن عذابي، ولا يَنفَعُكم صُراخُكم.
قَدْ كَانَتْ آَيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ فَكُنْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ تَنْكِصُونَ (66).
قد كانت آياتُ القُرآنِ تُقرَأُ عليكم؛ لِتُؤمِنوا بها قبْلَ أنْ يَحُلَّ بكمُ العَذابُ، فكنتُم تُكذِّبونَ بها، وتَرجِعونَ مُعرِضينَ عنها.
مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ سَامِرًا تَهْجُرُونَ (67).
والحالُ أنَّكم مُستَكبِرونَ بسببِ البيتِ الحرامِ، تقولونَ: لا يَظهَرُ علينا أحدٌ؛ لأنَّا أهلُ الحرمِ، حالَ كَونِكم متحدِّثينَ لَيلًا، تَهْذونَ في شأنِ القرآنِ، وتَقولونَ فيه ما لا معنَى له مِن القولِ؛ مِن الباطلِ الَّذي لا يضرُّه.
أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ أَمْ جَاءَهُمْ مَا لَمْ يَأْتِ آَبَاءَهُمُ الْأَوَّلِينَ (68).
أفلمْ يَتدبَّرْ أولئك المُشرِكونَ القُرآنَ؛ فيَعقِلوا مَعانِيَه، ويَعلَموا ما فيه، ويَعمَلوا به ويتَّبِعوه، أمْ جاءَهم فيه ما لم يأْتِ آباءَهم الَّذين مِن قَبْلِهم، فأنكَروه وأعرَضوا عنه؟!
أَمْ لَمْ يَعْرِفُوا رَسُولَهُمْ فَهُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ (69).
أمْ لم يَعرِفِ المُشرِكونَ رَسولَهم مُحمَّدًا، وأنَّه مِن أهلِ الصِّدقِ والأمانةِ، فيُنكِروا قَولَه؟!
أَمْ يَقُولُونَ بِهِ جِنَّةٌ بَلْ جَاءَهُمْ بِالْحَقِّ وَأَكْثَرُهُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ (70).
أمْ يَحتجُّونَ في تَركِ الإيمانِ بدَعوى أنَّ بمُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّم جُنونًا؟! ليس سَبَبُ رَفْضِهمُ الإيمانَ وتَوحيدَ الرَّحمنِ شيئًا مِمَّا تقَدَّمَ ذِكْرُه، بلِ السَّبَبُ الَّذي دعاهم للتَّمسُّكِ بشِرْكِهم وكُفرِهم هو أنَّ مُحمَّدًا قد جاءَهم بالحَقِّ، وأكثَرُهم يَكرَهونَ القَبولَ والإذعانَ لهذا الحَقِّ المُخالِفِ لأهوائِهم!
وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ بَلْ أَتَيْنَاهُمْ بِذِكْرِهِمْ فَهُمْ عَنْ ذِكْرِهِمْ مُعْرِضُونَ (71).
ولو جاء الحَقُّ بما يُوافِقُ أهواءَهم الفاسِدةَ المُختَلِفةَ، لفَسَدتِ السَّمواتُ والأرضُ ومَن فيهنَّ مِنَ المَخلوقاتِ، واختَلَّ نِظامُ العالَمِ، بلْ أتَينا أولئك المُشرِكينَ بالقُرآنِ المُبَيِّنِ للحَقِّ، وفيه شَرَفُهم وعِزُّهم في دُنياهم وأُخراهم؛ فهُمْ عن القُرآنِ -الَّذي فيه شَرَفُهم وعِزُّهم- مُعرِضونَ لا يَتَّبِعونَه!
أَمْ تَسْأَلُهُمْ خَرْجًا فَخَرَاجُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ (72).
أمْ تَسأَلُ -يا مُحمَّدُ- مُشرِكي قَومِك أجْرًا على ما جِئتَهم به مِنَ الحَقِّ، فيَمنَعُهم ذلك مِن اتِّباعِه؟! كلَّا! ليس الأمرُ كذلك؛ فثَوابُ اللهِ الَّذي يُعْطيك على تَبليغِ رِسالتِه خَيرٌ لك مِن ذلك؛ فما الَّذي يَمنَعُهم -إذنْ- مِن اتِّباعِ الحقِّ؟! واللهُ خيرُ مَن يُعطي عِبادَه ويَرزُقُهم مِن فَضلِه.
وَإِنَّكَ لَتَدْعُوهُمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (73).
وإنَّك -يا محمَّدُ- لَتَدْعُو مُشركي قَومِك إلى طَريقٍ مُستقيمٍ لا اعوِجاجَ فيه، وهو دِينُ الإسلامِ.
وَإِنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآَخِرَةِ عَنِ الصِّرَاطِ لَنَاكِبُونَ (74).
وإنَّ المُكذِّبينَ بالبَعثِ بَعدَ المَوتِ والحسابِ لَمُنحَرِفونَ عن طَريقِ الحَقِّ المُستقيمِ، المُوصِلِ إلى اللهِ وإلى جنَّتِه، فصائِرونَ إلى النَّارِ.
وَلَوْ رَحِمْنَاهُمْ وَكَشَفْنَا مَا بِهِمْ مِنْ ضُرٍّ لَلَجُّوا فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ (75).
ولو رَحِمْنا هؤلاء الَّذين لا يُؤمِنونَ بالآخِرةِ، ورفَعْنا ما أصابَهم مِن عذابِ الدُّنيا مِن قَحْطٍ وجَدْبٍ وفَقرٍ؛ لَتَمادَوْا واستَمرُّوا في كُفرِهم وضَلالِهم الَّذي تَجاوَزوا فيه الحَدَّ، وهم يَتردَّدونَ حيَارى لا يُميِّزونَ الحقَّ مِنَ الباطِلِ.
وَلَقَدْ أَخَذْنَاهُمْ بِالْعَذَابِ فَمَا اسْتَكَانُوا لِرَبِّهِمْ وَمَا يَتَضَرَّعُونَ (76).
ولقدْ أصَبْناهم بعَذابِ الدُّنيا -كإصابتِهم بالجُوعِ وغَيرِه- فما خَضَعوا لربِّهم بالانقيادِ لأوامِرِه، واجتِنابِ نواهِيهِ، وما دَعَوْه بخُشوعٍ وتذَلُّلٍ وافتِقارٍ؛ لِيَرفَعَ عنهم البلاءَ الَّذي أصابَهم!
حَتَّى إِذَا فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَابًا ذَا عَذَابٍ شَدِيدٍ إِذَا هُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ (77).
حتَّى إذا فتَحْنا عليهم عَذابًا شديدًا، إذا هم في ذلك العَذابِ الشَّديدِ نادِمونَ على ما صدَرَ منهم مِن كُفْرٍ وتَكذيبٍ بالحَقِّ، آيِسُونَ مِن حُصولِ الخَيرِ والفَرَجِ والنَّجاةِ!
وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ (78).
واللهُ وَحْدَه هو الَّذي أوجَدَ لكم السَّمعَ الَّذي تَسمَعونَ به، والأبصارَ الَّتي تُبصِرونَ بها، والقُلوبَ الَّتي تَعقِلونَ بها، فتَنتَفِعونَ بها في مَصالحِ دِينِكم ودُنياكم، ومع ذلك لا تَشْكُرونَ اللهَ إلَّا شُكرًا قَليلًا على ما أنْعَمَ به عليكم.
وَهُوَ الَّذِي ذَرَأَكُمْ فِي الْأَرْضِ وَإِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (79).
واللهُ هو الَّذي خلَقَكم وبثَّكُم -أيُّها النَّاسُ- بالتَّناسُلِ في سائِرِ جِهاتِ الأرضِ، على اخْتِلافِ أجناسِكم وصِفاتِكم ولُغاتِكم، وإلى اللهِ وَحْدَه تُجمَعونَ يومَ القِيامةِ، فيُحْييكم بَعْدَ مَوتِكم لِيُحاسِبَكم ويُجازِيَكم بما عَمِلتُم مِن خَيرٍ وشَرٍّ.
وَهُوَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ وَلَهُ اخْتِلَافُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (80).
واللهُ وَحْدَه الَّذي يُحْيي خَلْقَه بنَفخِ الرُّوحِ فيهم، وهو يُمِيتُهم بَعدَ أنْ أحْياهم، وللهِ وَحْدَه اختِلافُ اللَّيلِ والنَّهارِ، فهو الَّذي جعَلَهما يَتناوَبانِ ويَتعاقَبانِ بقُدرتِه سُبحانَه، فيَذهبُ باللَّيلِ، ويأْتي بالنَّهارِ، ثُمَّ يَذهبُ بالنَّهارِ، ويَأْتي باللَّيلِ، أفلَيسَتْ لكم عُقولٌ تُدرِكونَ بها أنَّ الذي فعَل هذه الأفعالَ هو المُستحِقُّ للعِبادةِ وَحْدَه لا شَرِيكَ له، وأنَّه القادِرُ على بَعْثِكم بَعدَ مَوتِكم؟!
بَلْ قَالُوا مِثْلَ مَا قَالَ الْأَوَّلُونَ (81).
هم لا يَعقِلونَ تلك الأدِلَّةَ والحُجَجَ، ولا يَعتَبِرونَ بها، ولكنَّهم يقولونَ بإنكارِ البَعثِ بَعدَ الموتِ، كما قال أسلافُهم المُكذِّبون به!
قَالُوا أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَئِنَّا لَمَبْعُوثُونَ (82).
قالوا: أإذا مِتْنا وصِرْنا تُرابًا وعِظامًا في قُبورِنا، أإنَّا لَمُعادونَ بعدَ ذلك أحياءً؟! ذلك أمْرٌ لا يُعقَلُ، ولا يكونُ أبدًا!
لَقَدْ وُعِدْنَا نَحْنُ وَآَبَاؤُنَا هَذَا مِنْ قَبْلُ إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ (83) .
لقد سبَقَ أنْ وُعِدَ آباؤُنا مِن قَبْلِنا بالبَعثِ، كما وُعِدْنا نحنُ به، ولم نَرَ له حَقيقةً، ما هذا البَعثُ الَّذي وُعِدْنا به إلَّا أخبارٌ باطِلةٌ، وقَصَصٌ وأحاديثُ خُرافيَّةٌ، ورِواياتٌ مُخْتَلَقةٌ لا صِحَّةَ لها، سطَّرَها الأوَّلونَ في كُتُبِهم؛ بقَصدِ المُسامَرةِ والتَّلهِّي بها.
قُلْ لِمَنِ الْأَرْضُ وَمَنْ فِيهَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (84).
قُلْ -يا محمَّدُ- لِقَومِك المُشرِكينَ المُكذِّبينَ بالبَعثِ: لِمَن مُلْكُ الأرضِ ومَن فيها مِن الخلْقِ، إنْ كنتُم تَعلَمونَ مَن هو مالِكُ ذلك وخالِقُه؟
سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ (85).
سيقولُ المُشرِكونَ: الأرضُ ومَن فيها للهِ، فقُلْ لهم حينَ يُجِيبونَك بذلك: أفلَا تتأمَّلونَ وتتفَكَّرونَ، فتَتذَكَّرونَ ما هو مَعلومٌ عندَكم، ومُستَقِرٌّ في فِطَرِكم؛ مِن أنَّ الَّذي قدَرَ على خلْقِ ذلك كُلِّه هو المُستحِقُّ للعِبادةِ وَحْدَه، فتُخلِصونَ له، وتَعلَمونَ قُدْرتَه على بَعثِ خَلقِه أحياءً يومَ القيامةِ؟!
قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ (86).
قُلْ -يا محمَّدُ- لقَومِك: مَن خالِقُ السَّمواتِ السَّبْعِ ومالِكُها ومدَبِّرُها، ومَن خالِقُ العرشِ الكبيرِ الواسِعِ المُحيطِ بجَميعِ المخلوقاتِ ومالِكُه ومدَبِّرُه؟
سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ (87).
سيَقولُ المُشرِكونَ: السَّمواتُ السَّبْعُ والعَرشُ العظيمُ مِلكٌ للهِ وَحْدَه، فقُلْ لهم حينَ يُجِيبونك بذلك: أفلَا تتَّقونَ سَخَطَ اللهِ وغضَبَه وعذابَه على شِرْكِكم به، ووَصْفِكم له بما لا يَلِيقُ به سُبحانَه، وتَكذيبِكم رسولَه، والحالُ أنَّه كامِلُ القُدرةِ، عظيمُ السُّلطانِ؟!
قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلَا يُجَارُ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (88).
قُلْ -يا مُحمَّدُ- لِقَومِك المُشرِكينَ: مَنِ الَّذي بيَدِه مُلكُ كلِّ شَيءٍ في السَّمواتِ والأرضِ، المُتصرِّفُ فيه بقُدرتِه ومَشيئتِه؟ وهو الَّذي يَمنَعُ مَن يَشاءُ مِن عِبادِه ممَّن يُرِيدُ به السُّوءَ والضُرَّ، ولا يَقدِرُ أحدٌ أنْ يَمنَعَ السُّوءَ والضُّرَّ عن أحدٍ إذا شاء اللهُ به ذلك، إنْ كنتُم تَعلمونَ عظَمةَ اللهِ، وأنَّه قادِرٌ على كلِّ شَيءٍ، وبِيَدِه مَلكوتُ كُلِّ شَيءٍ؟
سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ فَأَنَّى تُسْحَرُونَ (89).
سيقولُ المُشرِكون: ذلك كُلُّه للهِ؛ فالمالِكُ لكُلِّ شَيءٍ الَّذي يُجِيرُ ولا يُجارُ عليه هو اللهُ وَحْدَه، فقُلْ لهم حينَ يُجيبونَك بذلك: فكيف يُخَيَّلُ إليكم الباطِلُ حقًّا، فتُخْدَعونَ وتُصْرَفونَ عن اتِّباعِ الحَقِّ، وتَذهَبُ عُقولُكم مع ظُهورِه؛ فلا تُوحِّدونَه سُبحانَه في عِبادتِه، ولا تُؤمِنونَ بقُدرتِه على بَعثِكم أحياءً بَعدَ مَوتِكم؟!
بَلْ أَتَيْنَاهُمْ بِالْحَقِّ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ (90).
بلْ أتَيْناهم بالحقِّ، وإنَّ المُشرِكينَ لَكاذِبونَ في دَعْواهم الشَّريكَ والولَدَ للهِ سُبحانَه، ونَفْيِهم البَعثَ.
مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلَا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ (91).
ما اتَّخَذ اللهُ لنَفْسِه ولدًا كما يَزْعُمُ النَّصارى ومُشرِكو العَرَبِ وغَيرُهم، ولم يكُنْ مع اللهِ شَريكٌ يَستَحِقُّ أنْ يُعبَدَ معه، لو كان مع اللهِ آلهةٌ أُخرى، لَاعتزَلَ كلُّ إلهٍ بما يَخْلُقُ وانفرَدَ بتَدبيرِه؛ فلا تَنتَظِمُ شُؤونُ الكَونِ، ولَطلَبَ كلُّ إلهٍ أنْ يعلُوَ على غَيرِه مِن الآلهةِ ويَقهَرَه، فيَغلِبُ القوِيُّ منهم الضَّعيفَ، فلا يُمكِنُ مع ذلك انتظامُ العالَمِ هذا الانتِظامَ العَجيبَ المُتَّسِقَ، تنزَّهَ اللهُ عمَّا يَصِفُه المُشرِكونَ.
عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ (92).
عالِمِ ما غابَ عن خَلقِه مِمَّا لم يُشاهِدوه، وعالِمِ ما يَرَونَه ويُشاهِدونَه؛ فلا يَخْفَى عليه السِّرُّ ولا العَلانيةُ، فارتفَعَ اللهُ وتَنزَّهَ عن شِركِ المُشرِكينَ، وما يَصِفونَه به مِن العُيوبِ والنَّقائِصِ.
قُلْ رَبِّ إِمَّا تُرِيَنِّي مَا يُوعَدُونَ (93).
قُلْ -يا محمَّدُ-: يا ربِّ، إنْ أَرَيتَني ما وعَدْتَ هؤلاء المُشرِكينَ المُكذِّبينَ مِن نُزولِ العذابِ بهم.
رَبِّ فَلَا تَجْعَلْنِي فِي الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (94).
ربِّ، فنَجِّني حِينَذاكَ، ولا تَجْعَلْني فيهم.
وَإِنَّا عَلَى أَنْ نُرِيَكَ مَا نَعِدُهُمْ لَقَادِرُونَ (95).
وإنَّا -يا محمَّدُ- على أنْ نُرِيَك ما نَعِدُ المُشرِكينَ المُكذِّبينَ مِن العذابِ لَقادِرونَ، وإنَّما نُؤخِّرُه لحِكمةٍ؛ فلا يَحزُنْك تَكذيبُهم.
ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ السَّيِّئَةَ نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَصِفُونَ (96).
ادفَعْ -يا محمَّدُ- أذَى أولئك القومِ بالخَصلةِ الَّتي هي أحسَنُ الخِصالِ؛ بأنْ تُحسِنَ إليهم، وتَصفَحَ عنهم، وتَصبِرَ على أذاهُم، نحنُ أعلَمُ بما يَصِفُ أولئك المُشرِكونَ به ربَّهم مِنَ الأكاذيبِ والأباطيلِ المُختَلَقةِ، وبما يقولونَ فيك مِن السُّوءِ.
وَقُلْ رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ (97).
وقُلْ -يا محمَّدُ-: يا ربِّ، أعتصِمُ بك مِن وَساوسِ الشَّياطينِ، ونزَغاتِهم.
وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَنْ يَحْضُرُونِ (98).
وأعتصِمُ بك -يا ربِّ- أنْ يَحضُرَ الشَّياطينُ شيئًا مِن أُموري، فيُصِيبوني بشَرٍّ وأذًى.
حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ (99).
حتَّى إذا حضَرَتِ الوَفاةُ أحدَ المُفرِّطينَ الظَّالِمينَ، فانكشَفَ له الغِطاءُ، وظهَرَ له الحَقُّ، ولاحَتْ له أماراتُ العذابِ؛ قال نادمًا: يا ربِّ، ارجِعُوني إلى الدُّنيا.
لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (100).
لِأعمَلَ عمَلًا صالِحًا أستَدْرِكُ به ما ضيَّعتُه وفرَّطْتُ فيه مِنَ الإيمانِ وما يتبعُه مِن الطَّاعاتِ. وليس الأمرُ كما قال هذا الظَّالمُ لنَفْسِه؛ فلنْ يَستجيبَ اللهُ طلَبَ إمهالِه وإرجاعِه إلى الدُّنيا لِيعمَلَ صالِحًا، فطلَبُه الرُّجوعَ إلى الدُّنيا مُجرَّدُ كلامٍ يقولُه حينَ تَحضُرُه الوَفاةُ، ومِن أمامِ هؤلاء المَوتى حاجِزٌ بيْنَ الدُّنيا والآخرةِ يَحجُزُهم عن الرُّجوعِ إلى الدُّنيا، مِن وقْتِ مَوتِهم إلى يومِ القِيامةِ الَّذي يَبعَثُ اللهُ فيه النَّاسَ أحياءً مِن قُبورِهم.
فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلَا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلَا يَتَسَاءَلُونَ (101).
فإذا نُفِخَ في الصُّورِ نَفْخةُ البَعثِ، وقام النَّاسُ مِن قُبورِهم، فلا تَنفَعُهم حينَئذٍ أنسابُهم، ولا يَفتَخِرونَ بها، ولا يَسألُ أحدٌ منهم أحدًا؛ لاشتغالِ كلِّ واحدٍ بنفسِه.
فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (102).
فمَن ثقُلَت مَوازينُ حَسَناتِه، ورجَحَت على سَيِّئاتِه؛ فأولئك هم الفائِزونَ بالنَّجاةِ مِنَ النَّارِ، والخُلودِ في الجنَّةِ.
وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ خَالِدُونَ (103).
ومَن خفَّت موازينُ حسناتِه، ورجَحَتْ موازينُ سيئاتِه؛ فأولئك الَّذين غَبَنوا أنفُسَهم حُظوظَها مِن رَحمةِ اللهِ، وفاتَهم النَّعيمُ المقيمُ، فخابُوا وهَلَكوا! هم في جَهنَّمَ ماكِثونَ لا يَخرُجونَ منها.
تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ النَّارُ وَهُمْ فِيهَا كَالِحُونَ (104).
تُصيبُ نارُ جهنَّمَ وُجوهَهم فتُحرِقُها إحراقًا شديدًا، وهم في جَهنَّمَ عابِسونَ قد تقلَّصتْ شِفاهُهم، وظهَرَتْ أسنانُهم؛ مِن أثرِ العذابِ.
أَلَمْ تَكُنْ آَيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ فَكُنْتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ (105).
يقولُ اللهُ تَعالَى لأهْلِ النَّارِ يومَ القِيامةِ: ألمْ تكُنْ آياتُ كِتابي تَتتابَعُ عليكم قِراءتُها في الدُّنيا شيئًا فشيئًا، فكنتُمْ تُكذِّبون بها؟
قَالُوا رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا وَكُنَّا قَوْمًا ضَالِّينَ (106).
قال أهْلُ النَّارِ: ربَّنا غلَبَ علينا ما سبَقَ لنا في سابِقِ عِلْمِك، وكَتبْتَه في اللَّوحِ المَحفوظِ، وما قدَّرْتَه علينا مِن شَقاوةٍ، فكذَّبْنا الرُّسلَ، ولم نَهْتدِ بعدَ قِيامِ الحُجَّةِ علينا؛ لنَصيرَ إلى ما سَبَق في عِلمِك، وكُنَّا في الدُّنيا قَومًا ضالِّينَ عن طَريقِ الحقِّ، تائهينَ عن سَبيلِ الرَّشادِ.
رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ (107).
قالوا: ربَّنا أخْرِجْنا مِنَ النَّارِ إلى الدُّنيا، فإنْ عُدْنا إلى ما كنَّا عليه مِنَ الكُفْرِ والعِصيانِ، فنَحنُ ظالِمونَ لأنفُسِنا، ومُستحِقُّونَ للعِقابِ.
قَالَ اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ (108).
قال اللهُ لأهْلِ النَّارِ: اقْعُدوا في النَّارِ ذَلِيلينَ مُبعَدينَ حَقيرينَ، ولا تُكلِّموني في إخراجِكم منها.
إِنَّهُ كَانَ فَرِيقٌ مِنْ عِبَادِي يَقُولُونَ رَبَّنَا آَمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ (109).
إنَّه كان في الدُّنيا جَماعةٌ مِن عِبادي المُؤمنينَ المُستضعَفينَ يَقولون في دُعائِهم: ربَّنا آمَنَّا بكَ وبجَميعِ ما جاءتْ به رُسلُكَ؛ فاسْتُرْ ذُنوبَنا، وتَجاوَزْ عن مُؤاخَذَتِنا بها، وارحَمْنا وأنتَ أَفضَلُ مَن رحِمَ.
فَاتَّخَذْتُمُوهُمْ سِخْرِيًّا حَتَّى أَنْسَوْكُمْ ذِكْرِي وَكُنْتُمْ مِنْهُمْ تَضْحَكُونَ (110).
فاسْتهزأْتُم بهؤلاءِ المؤمنينَ إلى أنْ أَنساكُمْ اشتِغالُكم بالسُّخريةِ منهم ذِكْري، وكنتُمْ تَضْحَكون منهم في الدُّنيا.
إِنِّي جَزَيْتُهُمُ الْيَوْمَ بِمَا صَبَرُوا أَنَّهُمْ هُمُ الْفَائِزُونَ (111).
إنِّي جَزَيتُ هؤلاء المُؤمنينَ الَّذين اتَّخذْتُموهم سِخْرِيًّا وكنتُمْ تَضْحَكون منهم؛ بسبَبِ صَبْرِهم على ما نالَهم في الدُّنيا منكم مِن أذًى واستِهزاءٍ، وصبرِهم على الطَّاعةِ، وعن المعصيةِ، أنَّهم الفائِزونَ بالنَّعيمِ المُقيمِ في الجنَّةِ، النَّاجونَ مِن عَذابِ النَّارِ.
قَالَ كَمْ لَبِثْتُمْ فِي الْأَرْضِ عَدَدَ سِنِينَ (112).
قال اللهُ في الآخِرةِ لأُولئكَ الأشقياءِ: كمْ كانتْ مُدَّةُ مُكْثِكم في الأرضِ مِنَ السِّنينَ؟
قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ فَاسْأَلِ الْعَادِّينَ (113).
قالوا: مَكَثْنا في الأرضِ يومًا أو بعضَ يومٍ، فاسأَلِ الحاسِبينَ الضَّابطينَ لِمِقدارِ ذلك.
قَالَ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا لَوْ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (114).
قال اللهُ لهم: ما لَبِثْتُم في الأرضِ إلَّا وقْتًا يَسيرًا، لو أنَّكم كنتُمْ تَعلَمون قِلَّةَ لُبْثِكم في الدُّنيا لَمَا آثرْتُم الدُّنيا الفانيةَ على الآخِرَةِ الباقيةِ، فترَكْتُم طاعةَ اللهِ في تلك المُدَّةِ القَصيرةِ، واستَحْقَقْتُم سَخَطَه، وخَسِرْتُم النَّعيمَ الأبديَّ.
أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ (115).
أفظَنَنْتُم أنَّني خلَقْتُكم لَعِبًا وباطلًا، بلا قصْدٍ ولا فائدةٍ ولا حِكْمةٍ، مُهمَلينَ؛ لا تُؤْمَرونَ ولا تُنهَون، ولا تُثابُون ولا تُعاقَبون؟! وتَحْسَبون أنَّكم بَعدَ مَوتِكم لا تُبعَثون يومَ القِيامةِ أحياءً للحِسابِ والجَزاءِ على أعْمالِكم خَيرِها وشَرِّها؟!
فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ (116).
فتَعاظَمَ وتقدَّسَ اللهُ عن كُلِّ ما لا يَلِيقُ به سُبحانَه؛ فإنَّه التَّامُّ المُلْكِ؛ فلا زَوالَ له ولا لِمُلْكِه، قد قهَرَ كُلَّ شَيءٍ، الَّذي لا يَتطرَّقُ الباطِلُ إليه في شَيءٍ مِن ذاتِه ولا صِفاتِه، لا مَعبودَ بحَقٍّ إلَّا اللهُ، وكلُّ ما سِواهُ عَبيدُه؛ فهو المُستحِقُّ للعِبادةِ وَحْدَه لا شَريكَ له، رَبُّ العَرْشِ الشَّريفِ الحسَنِ البَهِيِّ المَنْظَرِ، الَّذي هو سَقْفُ المَخلوقاتِ وأعظَمُها.
وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آَخَرَ لَا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ (117).
ومَن يَعبُدْ مع اللهِ مَعبودًا آخَرَ لا حُجَّةَ له على عِبادتِه؛ فرَبُّه وَحْدَه سيُحاسِبُه يومَ القيامةِ، ويُعذِّبُه على شِرْكِه به، إنَّه لا يَنجَحُ الكافِرونَ، ولا يَسْعدون، ولا يَفوزونَ، ولا يَنالونَ الخُلودَ في نَعيمِ الجنَّةِ، بلْ هم أهْلُ النَّارِ الهالِكونَ.
وَقُلْ رَبِّ اغْفِرْ وَارْحَمْ وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ (118).
وقُلْ -يا محمَّدُ-: يا رَبِّ، استُرْ ذُنوبَنا، وتجاوَزْ عن مُؤاخَذَتِنا بها، وارْحَمْنا في دُنيانا وآخِرَتِنا، وأنتَ أفضَلُ مَن رحِمَ.
النور
سُورَةٌ أَنْزَلْنَاهَا وَفَرَضْنَاهَا وَأَنْزَلْنَا فِيهَا آَيَاتٍ بَيِّنَاتٍ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (1)
هذه سُورةٌ أَنزَلْناها وبَيَّنَّا ما فيها مِن الواجباتِ والنَّواهي، وقدَّرْنا ما فيها مِن الحُدودِ والحُقوقِ، وأَوجَبْنا الإيمانَ بها وبما تضمَّنَتْه، والعملَ بما فيها، وأنزَلْنا في هذِه السُّورةِ علاماتٍ ودَلالاتٍ واضحاتٍ تُبيِّنُ الحَقَّ لِمَن تَدَبَّرها؛ وذلك لكي تَتذكَّروا وتَتَّعِظوا، وتَعملُوا بها.
الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِئَةَ جَلْدَةٍ وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (2)
مَن زَنَى مِن النِّساءِ أو الرِّجالِ -إذا كانا حُرَّينِ، مكلَّفينِ، بِكرَينِ غيرَ مُحصَنَينِ- فاجْلِدوا -أيُّها المُؤمِنونَ- كلَّ واحدٍ مِنهما مِئةَ جَلدةٍ؛ عُقوبةً لهما، ولا تَأخُذْكم بالزَّانيةِ والزَّاني رِقَّةٌ في حُكمِ الله، تَمنعُكم مِن إقامةِ الحَدِّ عليهما على الوجهِ الَّذي أمَرَ به اللهُ تعالى، إنْ كُنتُم تُؤمِنونَ حقًّا باللهِ وبالبَعثِ يومَ القِيامةِ للجَزاءِ على الأعمالِ، ولْيَحضُرْ جَلْدَ الزَّانِيَينِ جماعةٌ مِن المُؤمنِينَ.
الزَّانِي لَا يَنْكِحُ إلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لَا يَنْكِحُهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ (3)
الزَّاني لا يَنْكِحُ إلَّا زَانيةً مِثلَه أو مُشرِكةً باللهِ، والزَّانيةُ لا يَنْكِحُهَا إلا زانٍ مِثلُها أو مُشرِكٌ بالله، وحَرَّمَ اللهُ ذلك على المُؤمنِينَ.
وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (4)
والَّذين يَقْذِفون المسلماتِ الحرائرَ المكلَّفاتِ العَفيفاتِ بالزِّنا، ولم يُحضِروا أربعةً مِنَ الرِّجالِ العُدولِ؛ لِيَشْهدوا علَيهِنَّ أنَّهم رأَوْهُنَّ يَفعلْنَ الزِّنا؛ فاجلِدوا كلَّ واحدٍ منهم ثمانينَ جَلدةً؛ عُقوبةً لهم على القذفِ بلا بيِّنةٍ، ولا تَقْبَلوا للقاذِفِينَ بعدَ جَلدِهم شَهادةً في بَقيَّةِ حياتِهم؛ عُقوبةً أُخرى لهم على مَعصيَتِهم، وأُولئِكَ القاذِفونَ هم الخارِجونَ عن طاعةِ اللهِ.
إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (5)
إلَّا الَّذين نَدِموا على قَذْفِهم، وأقلَعوا عن مَعصيةِ القذفِ بعدَ وُقوعِهم فيها، وعَزَموا على عدَمِ العودةِ إليها، وأصلَحوا أحوالَهم وأعمالَهم، فإنَّ اللهَ غفورٌ يَستُرُ ذُنوبَهم ويَتجاوَزُ عن مُؤاخذَتِهم بها، رَحيمٌ بهم، فاقْبَلوا شَهادتَهم، ولا تُسَمُّوهم فاسِقينَ.
وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلَّا أَنْفُسُهُمْ فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ (6)
والَّذين يَقذِفون زَوجاتِهم بالزِّنا، وليس لدَيْهم أربعةُ شُهودٍ يَشْهَدون على صِحَّةَ ما رَمَوهنَّ به غيرُ أنفُسِهم، ففي تلك الحالِ يَشهَدُ الزَّوجُ أربَعَ شَهاداتٍ، يَحلِفُ فيها باللهِ فيقولُ: إنَّه لَمِنَ الصَّادِقينَ فيما رَمَى به زَوجتَه مِن الزِّنا.
وَالْخَامِسَةُ أَنَّ لَعْنَةَ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كَانَ مِنَ الْكَاذِبِينَ (7)
والشَّهادةُ الخامِسةُ يقولُ فيها: إنَّ لَعنةَ اللهِ عليه واجِبةٌ وحالَّةٌ إنْ كان مِنَ الكاذبينَ فيما رَمَى به زوجتَه مِنَ الزِّنا.
وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ أَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ (8)
ويَدفَعُ حَدَّ الزِّنا عن الزَّوجةِ أنْ تَشهَدَ أربَعَ شَهاداتٍ، تَحلِفُ فيها باللهِ فتقولُ: إنَّ زوجَها لَمِنَ الكاذبينَ فيما رَمَاها به مِنَ الزِّنا.
وَالْخَامِسَةَ أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْهَا إِنْ كَانَ مِنَ الصَّادِقِينَ (9)
وتَشهَدُ المرأةُ الشَّهادةَ الخامِسةَ، فتقولُ فيها: إنَّ غضَبَ اللهِ عليها إنْ كان زَوجُها مِنَ الصَّادقينَ فيما رمَاها به مِنَ الزِّنا.
وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ حَكِيمٌ (10)
ولولا فَضْلُ اللهِ عليكم -أيُّها النَّاسُ- ورَحمَتُه بكم، وأنَّ اللهَ يجودُ على خَلْقِه بنِعَمِه، وأنَّه توابٌ يتوبُ على التائبينَ، حَكيمٌ في قدَرِه وشَرْعِه وتَدبيرِ خلْقِه، ومِن ذلك ما شرَعَ لعِبادِه مِن حُكْمِ اللِّعانِ- لَعاجَلَكم بالعُقوبةِ على مَعاصيكم، ولفَضَحَ المُذْنِبينَ منكم، فاشْكُروا اللهَ واتَّقوهُ.
إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ لَا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ مَا اكْتَسَبَ مِنَ الْإِثْمِ وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ (11)
إنَّ الَّذين جاؤوا بالبُهتانِ والكَذِبِ الشَّنيعِ بقَذفِهم عائشةَ، جماعةٌ في عدادِكم، أيُّها المُسلِمونَ، لا تَظُنُّوا قَذْفَهم لها شَرًّا لكم، بل هو خيرٌ لكم في الدُّنيا والآخرةِ، لكلِّ واحدٍ ممَّن تكلَّم بالإفكِ نَصيبُه مِن العذابِ؛ جزاءً له بقَدرِ ذَنبِه، والَّذي تحمَّل مُعظَمَ ذلك الإثمِ والإفكِ -وهو عبدُ الله بنُ أُبَيٍّ ابنُ سَلولَ- له عذابٌ عظيمٌ في الآخرةِ.
لَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْرًا وَقَالُوا هَذَا إِفْكٌ مُبِينٌ (12)
هلَّا حينَ سَمِعتُم قولَ أهلِ الإفكِ ظَنَّ المؤمنونَ والمؤمناتُ بعضُهم ببعضٍ السَّلامةَ ممَّا رُمُوا به مِن الإفكِ! وقال المؤمِنونَ والمؤمِناتُ: هذا الَّذي يقولُه أهلُ الإفكِ كَذِبٌ واضِحٌ على أُمِّ المؤمنينَ.
لَوْلَا جَاءُوا عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَدَاءِ فَأُولَئِكَ عِنْدَ اللَّهِ هُمُ الْكَاذِبُونَ (13)
هلَّا جاء أهلُ الإفكِ بأربعةِ رِجالٍ عُدولٍ يَشهَدونَ على صِحَّةِ ما رَمَوا به عائشةَ رَضِي اللهُ عنها! فإذ لم يأتِ القاذِفونَ بأربعةِ شُهَداءَ يَشهَدونَ على صِحَّةِ ما قالوا، فإنَّهم في حُكمِ اللهِ كاذِبونَ.
وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ لَمَسَّكُمْ فِي مَا أَفَضْتُمْ فِيهِ عَذَابٌ عَظِيمٌ (14)
ولولا فضلُ الله عليكم -أيُّها الخائضون في الإفكِ- ورحمتُه بكم في الدُّنيا والآخرةِ، بإمهالِه لكم لتتوبوا، وقَبولِ توبتِكم، وعَفوِه عنكم، وعدَمِ معُاجلتِكم بالعقوبةِ- لأصابَكم بسبَبِ خوضِكم في عِرضِ عائشةَ عذابٌ عظيمٌ.
إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ وَتَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُمْ مَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ (15)
لَمَسَّكم عذابٌ عظيمٌ حينَ تتلقَّونَ الإفكَ، ويأخُذُه ويَرويه بعضُكم عن بعضٍ، وتقولونَ في عائشةَ كلامًا ليس لكم أيُّ دليلٍ على صحَّتِه! وتَظُنُّونَ أنَّ تلقِّيَكم الإفكَ، وروايةَ بَعضِكم له عن بعضٍ، والخوضَ فيه بلا علمٍ- أمرٌ سهلٌ يسيرٌ، وهو عندَ اللهِ ذنْبٌ عظيمٌ مِن كبائِرِ الذُّنوبِ!
وَلَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُمْ مَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَتَكَلَّمَ بِهَذَا سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ (16)
وهلَّا حين سَمِعتُم الإفكَ قلتُم: ما يَنبغي لنا أن نتكلَّمَ بهذا الباطِلِ أو نذكُرَه لأحدٍ، ننزِّهُك -يا ربَّنا- ونبرأُ إليك من هذا الكَذِبِ العظيمِ!
يَعِظُكُمَ اللَّهُ أَنْ تَعُودُوا لِمِثْلِهِ أَبَدًا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (17)
يُذَكِّرُكم اللهُ ويَنهاكم؛ لئلَّا تَعودُوا لِقَذفِ المُحصَناتِ، والخَوضِ في أعراضِهنَّ بلا عِلمٍ، إن كنتُم مؤمنينَ باللهِ وشَرعِه، وتتَّعظونَ بِعِظاتِه، فتنتهُون عمَّا نهاكم عنه، وتأتمِرون بأمرِه.
وَيُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآَيَاتِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (18)
ويوضِّحُ اللهُ لكم آياتِ كتابِه، فيَجعَلُها لكم واضِحةَ الدَّلالةِ على المقصودِ؛ لتَعمَلوا بها وتتَّعِظوا، واللهُ عليمٌ بكلِّ شيءٍ، ومِن ذلك عِلمُه بعِبادِه وما يُصلِحُهم، وعِلمُه بأعمالِهم، فيُجازي كلًّا بما قدَّم مِن خيرٍ أو شرٍّ، وهو ذو الحكمةِ التامَّةِ العامَّةِ، ومِن ذلك حكمتُه في شرعِه، وتكليفِ عِبادِه، وتدبيرِ خَلقِه، فيضَعُ كُلَّ شَيءٍ في موضِعِه اللَّائِقِ به.
إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آَمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (19)
إنَّ الَّذين يُحِبُّون أنْ يظهرَ الزِّنا، ويَشيعَ خبرُه، والقذفُ به في أوساطِ المُؤمِنينَ والمؤمِناتِ؛ لهم عذابٌ مُؤْلِمٌ في الدُّنيا وفي الآخرةِ، واللهُ يَعلمُ جميعَ المعلوماتِ، ومِن جملةِ ذلك عِلمُه ما في القلوب، ومَن يُحِبُّ إشاعةَ الفاحشةِ، وهو معاقِبُه عليها، ويَعلمُ كَذِبَ الَّذين جاؤوا بالإفكِ، ويعلَمُ ما في ذلك من المفاسِدِ فيَعِظُكم لتَجتَنِبوا، وأنتم لا تعلمونَ إلَّا ما علَّمكم، وبيَّن لكم، فرُدُّوا الأمورَ إليه تَرْشُدوا.
وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ اللَّهَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (20)
ولولا فَضلُ اللهِ عليكم ورحمتُه وأنَّه رؤوفٌ بكم؛ لَعجَّل لكم العُقوبةَ على خَوضِكم في الإفكِ، لكِنَّه لم يعاقِبْكم، وتاب عليكم.
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ وَمَنْ يَتَّبِعْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَدًا وَلَكِنَّ اللَّهَ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (21)
يا أيُّها الَّذين آمَنوا لا تَسلُكوا طُرُقَ الشَّيطانِ الَّتي يَدْعوكم إليها بوَساوسِه، كإشاعةِ الفاحشةِ في الَّذين آمَنوا، ومَن يَسلُكْ طرُقَ الشَّيطانِ يقَعْ في الفَحشاءِ والمنكَرِ؛ لأنَّه يأمُرُ بفِعلِ الذُّنوبِ العظيمةِ القبيحةِ، كالزِّنا، ويأمُرُ بمُنكَراتِ الأقوالِ والأفعالِ، ولولا فَضلُ الله عليكم ورحمتُه بكم، ما تطهَّر أحَدٌ منكم أبدًا مِن الشِّركِ والمعاصي، ولكنَّ اللهَ يُطهِّرُ مَن يشاءُ مِن عبادِه، ممَّن يستحِقُّ ذلك، واللهُ سميعٌ لأقوالِكم كُلِّها؛ خَيرِها وشَرِّها، عليمٌ بأقوالِكم وأعمالِكم وما في قلوبِكم، وهو محيطٌ بكلِّ ذلك، ومُحصيه عليكم؛ لِيُجازيَكم به.
وَلَا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (22)
ولا يَحلِفْ باللهِ أصحابُ الفَضلِ والغِنى وذَوو السَّعةِ في الرِّزقِ، على ألَّا يُنفِقوا على أقارِبِهم والمساكينِ والمُهاجرينَ في سَبيلِ اللهِ، ولْيَعْفُوا عن أولئك المحتاجينَ الَّذين خاضُوا في الإفكِ، ويَتجاوَزوا عنهم، ويُعرِضوا عن ذَنبِهم، ويَترُكوا عُقوبتَهم؛ فلا يَمْنعوهم ما كانوا يُقدِّمونَه إليهم مِن قبْلُ، ألا تُحِبُّونَ أن يَستُرَ اللهُ ذُنوبَكم، ويَتجاوَزَ عن مؤاخَذتِكم بها؟ إذَنْ فاعفُوا واصفَحوا عمَّن أساؤوا إليكم؛ لِيَغفِرَ اللهُ لكم، واللهُ ساترٌ لذُنوبِ التَّائبينَ الطَّائعينَ، ومُتجاوِزٌ عن مؤاخَذتِهم بها، رحيمٌ بعبادِه المؤمِنينَ الصَّالحينَ.
إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (23)
إنَّ الَّذين يَقذِفونَ بالزِّنا العَفيفاتِ الغافلاتِ عن الفاحِشةِ المؤمِناتِ، ولم يَتوبوا مِنْ قذْفِهنَّ؛ أبعَدَهم اللهُ مِن رحمتِه في الدُّنيا والآخِرةِ، ولهم عذابٌ عظيمٌ في جهنَّمَ، إنْ لم يتوبوا قبْلَ وفاتِهم مِن قَذفِ المُحصَناتِ الغافلاتِ المُؤمِناتِ.
يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (24)
لهم عذابٌ عظيمٌ يومَ القيامةِ حينَ تَشهَدُ عليهم ألسِنتُهم وأيديهم وأرجُلُهم، فتَنطِقُ بغيرِ اختيارِهم بما كانوا يكتَسِبونَه في الدُّنيا مِن الذُّنوبِ، بأقوالِهم وأفعالِهم، كالقَذفِ وغَيرِه.
يَوْمَئِذٍ يُوَفِّيهِمُ اللَّهُ دِينَهُمُ الْحَقَّ وَيَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ الْمُبِينُ (25)
يومَئذٍ يوفِّيهم اللهُ حِسابَهم بالعَدلِ، ويُجازيهم على أعمالِهم بلا ظُلمٍ، وينكَشِفُ لهم حينَها أنَّ اللهَ هو الحَقُّ الموجودُ الثَّابتُ في ذاتِه وصفاتِه وأفعالِه، الظَّاهِرُ الَّذي لا شَكَّ فيه، والهادي مَن يشاءُ، المُظهِرُ للحقائِقِ في الآخرةِ.
الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ وَالْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثَاتِ وَالطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَاتِ أُولَئِكَ مُبَرَّءُونَ مِمَّا يَقُولُونَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (26)
الخَبيثاتُ مِنَ الأقوالِ والأعمالِ والنِّساءِ وغيرِ ذلك لائقةٌ ومُناسِبةٌ للخَبيثينَ، وكذلك الخَبيثونَ أهلٌ للخَبيثاتِ مِنَ الأقوالِ والأعمالِ والنِّساءِ وغيرِ ذلك، والطَّيِّباتُ مِنَ الأقوالِ والأعمالِ والنِّساءِ وغيرِ ذلك لائقةٌ ومُناسِبةٌ للطَّيِّبينَ، وكذلك الطيِّبون أهلٌ للطَّيِّباتِ مِنَ الأقوالِ والأعمالِ والنِّساءِ وغيرِ ذلك، أولئك الطَّيِّبون والطَّيِّباتُ مِنَ الرِّجالِ والنِّساءِ بُعَداءُ ومنزَّهونَ مِن الخُبْثِ الَّذي يَنسُبُه إليهم أهلُ الإفكِ، لهؤلاءِ الطَّيِّبينَ مِنَ الرِّجالِ والنِّساءِ، في الآخرةِ، مَغفِرةٌ مِن اللهِ لذُنوبِهم، ورِزقٌ حسَنٌ في جنَّاتِ النَّعيمِ.
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (27)
يا أيُّها الَّذين آمَنوا، لا تدخُلوا بيوتَ غيرِكم حتَّى تَستأذِنُوا منهم في دُخولِها، وتُسلِّموا على ساكِنيها، ذلكم الاستِئذانُ والسَّلامُ أفضَلُ للمُستأذِنِ ولأهلِ البَيتِ، أمَرَكم اللهُ بذلك لتُطيعوه بفِعلِ هذه الآدابِ، وتَعلَموا أنَّها خيرٌ لكم مِن الدُّخولِ بلا إذنٍ ولا سلامٍ، فتَّتعِظوا وتأخُذوا بها.
فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فِيهَا أَحَدًا فَلَا تَدْخُلُوهَا حَتَّى يُؤْذَنَ لَكُمْ وَإِنْ قِيلَ لَكُمُ ارْجِعُوا فَارْجِعُوا هُوَ أَزْكَى لَكُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ (28)
فإنْ لم تَجِدوا في بُيوتِ غَيرِكم أحَدًا مِن أهلِها، فاصبِروا ولا تَدخُلوها إلى أن يؤْذَنَ لكم بالدُّخولِ، فإن أُذِن لكم فادخُلوا، وإنِ استأذَنْتُم مِن أهلِ البُيوتِ في دُخولِ بُيوتِهم، فلمْ يأذَنوا لكم، وقالوا لكم: انصَرِفوا؛ فانصَرِفوا بلا غَضَبٍ، ولا تُلِحُّوا عليهم في طلَبِ الإذْنِ، ولا تَبقَوا عندَ بُيوتِهم مُنتَظِرينَ. فانصرافُكم أطهَرُ لكم، واللهُ عليمٌ بجميعِ أعمالِكم، وسيُجازيكم عليها؛ خَيرِها وشَرِّها.
لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ مَسْكُونَةٍ فِيهَا مَتَاعٌ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا تَكْتُمُونَ (29)
لا إثمَ ولا حرَجَ عليكم أن تدخُلوا -مِن غيرِ استِئذانٍ- بُيوتًا لا يَسكُنُها أحدٌ؛ لتنتَفِعوا بها؛ كالبُيوتِ المبنيَّةِ على الطُّرُقِ للمُسافِرينَ، والبُيوتِ الخَرِبةِ، وحَوانيتِ التجَّارِ، والمكتباتِ، إلى غيرِ ذلك، واللهُ يعلَمُ ما تُظهِرونَه، وما تُخفونَه في قُلوبِكم.
قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ (30)
قُلْ -يا محمَّدُ- للمُؤمِنينَ يَكُفُّوا نظَرَهم عمَّا حرَّم اللهُ عليهم، ويَحفَظوا فُروجَهم عمَّا حرَّم اللهُ؛ كالزِّنا، وكأنْ يَراها أو يَمَسَّها أحدٌ لا يحِلُّ له ذلك، فذلك أطهَرُ وأطيَبُ لقُلوبِهم، وأفضَلُ لهم في دينِهم ودُنياهم، وأنْمَى لأعمالِهم، وأبعَدُ لهم مِن الخَطايا والآثامِ، إنَّ اللهَ خبيرٌ بما يصنَع النَّاسُ، لا يَخفى عليه شَيءٌ مِن ذلك، فلْيَجتَهِدوا في طاعتِه، ولْيَحذروا مِن مَعصيتِه.
وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آَبَائِهِنَّ أَوْ آَبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَائِهِنَّ أَوْ أَبْنَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَوَاتِهِنَّ أَوْ نِسَائِهِنَّ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاءِ وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (31)
وقُلْ -يا محمَّدُ- للمُؤمِناتِ يَكفُفْنَ النظَرَ عمَّا حرَّمَ اللهُ، ويحفَظْنَ فُروجَهنَّ عمَّا حرَّم اللهُ؛ كالزِّنا، وكأنْ يراها أو يمسَّها أحدٌ لا يَحِلُّ له ذلك، ولا يُظهِرْنَ شَيئًا مِنَ الزِّينةِ للأجانِبِ، إِلَّا ما لا يُمْكِنُ إخفاؤُه؛ كظاهرِ الثِّيابِ الَّتي جرَت العادةُ بلُبسِها، ولْيُلقِينَ الخُمُرَ -وهي ما تُغطِّي به المرأةُ رأسَها- على فتَحاتِ القُمُصِ المحيطةِ بالأعناقِ، ويَشدُدْنَها؛ لِيَستُرْنَ شُعورَهنَّ، وآذانَهنَّ، وأعناقَهنَّ، ونحورَهنَّ، وصُدورَهنَّ، ولا يُظهِرْنَ زينتَهنَّ الخفيَّةَ إلَّا لأزواجِهنَّ، أو لآبائهنَّ، وأجدادِهنَّ من جهةِ آبائهنَّ وأمهاتهنَّ، أو لآباءِ أزواجِهنَّ، وأجدادِهم مِن جهةِ آبائِهم وأمهاتِهم، أو لأبنائِهنَّ وأحفادِهنَّ مِن جهةِ أبنائهنَّ وبناتِهنَّ، أو لأبناءِ أزواجِهنَّ مِن غيرِهنَّ وأحفادِهم، أو لإخوانِهنَّ الأشقَّاءِ أو لأبٍ أو لأمٍّ، أو لبني إخوانِهنَّ وأبنائِهم ذُكورًا وإناثًا، أو لبني أخواتِهنَّ وأبنائِهم ذكورًا وإناثًا، أو لنِسائِهنَّ، أو لِمماليكِهنَّ مِن الرِّجالِ والنِّساءِ، أو الَّذين يَتْبَعونَكم مِن الرجال ممَّن لا شَهوةَ لهم في النِّساءِ، أو الأطفالِ الَّذين لم يطَّلِعوا على عَوْراتِ النِّساءِ، ولم يَعرِفوا أحوالَهنَّ، ولا يشتهونَهنَّ؛ لصِغَرِهم، ولا تَضرِبِ النِّساءُ بأرجُلِهنَّ الأرضَ، أو بإحدى الرِّجلَينِ على الأخرى؛ ليَظهَرَ صَوتُ ما خَفِيَ مِن حُلِيهنَّ، وتُوبوا -أيُّها المؤمِنونَ والمؤمِناتُ- جميعًا بإخلاصٍ للهِ، وارْجِعوا إلى طاعتِه سُبحانَه فيما أمرَكم به، ونهاكم عنه؛ لِتَفوزوا في دُنياكم وآخِرتِكم.
وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (32)
وزوِّجُوا -أيُّها المُسلِمونَ- كُلَّ مَن لا زوجَ له منكم مِن الرِّجالِ والنِّساءِ الأحرارِ، وزوِّجُوا -أيُّها المالِكونَ للعبيدِ- كُلَّ مَن لا زوجَ له مِن مَماليكِكم مِن الرِّجالِ والنِّساءِ الصَّالحينَ، إنْ يكُنْ هؤلاء الَّذين تُنكِحونَهم -مِن أيامى رجالِكم ونسائِكم، وعبيدِكم وإمائِكم- أهلَ فاقةٍ وفَقرٍ، فإنَّ اللهَ سيُغنيهم مِن فَضلِه؛ فلا تمتَنِعوا عن تزويجِهم بسبَبِ فَقرِهم، واللهُ واسِعُ الفَضلِ والغِنى، عليمٌ بعبادِه وأحوالِهم ونيَّاتِهم، عليمٌ بمن يستَحِقُّ منهم الإغناءَ مِن فَضلِه.
وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ نِكَاحًا حَتَّى يُغْنِيَهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا وَآَتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آَتَاكُمْ وَلَا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا لِتَبْتَغُوا عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَنْ يُكْرِهْهُنَّ فَإِنَّ اللَّهَ مِنْ بَعْدِ إِكْرَاهِهِنَّ غَفُورٌ رَحِيمٌ (33)
ولْيَلزَمِ الكفَّ والامتِناعَ عن الوُقوعِ فيما حرَّمَ اللهُ مِنَ الفواحِشِ، الَّذين لا يَجِدونَ قُدرةً على النِّكاحِ مِن الرِّجالِ والنِّساءِ الأحرارِ والعبيدِ، ولْيصبِروا على مشقَّةِ العُزوبةِ حتَّى يُيَسِّرَ اللهُ لهم مِن فَضلِه ما يتزوَّجونَ به. والَّذين يَلتَمِسونَ المُكاتَبةَ منكم -أيُّها المالِكونَ للعَبيدِ- مِن مماليكِكم مِن الرِّجالِ والنِّساءِ، فأجيبوهم إلى ما طَلَبوا ليتحَرَّروا مِن الرِّقِّ، إنْ عَلِمتُم فيهم قُدرةً على كَسبِ المالِ، وأمانةً للوفاءِ بما التَزَموا لكم، وأعطُوا المكاتَبينَ مِن مالِ اللهِ الَّذي رزَقَكم. ولا تُكرِهوا إماءَكم على الزِّنا إنْ أرَدْنَ التَّعفُّفَ عنه، وذلك لِتَطلبوا بإكراهِ إمائِكم على الزِّنا مالًا مِن كَسبِهنَّ به، ومَن يُكرِهْ إماءَه على الزِّنا، فإنَّ اللهَ مِن بعدِ إكراهِهنَّ غفورٌ لهنَّ، رحيمٌ بهنَّ، وإثمُهنَّ على مَن أَكرهَهنَّ.
وَلَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ آَيَاتٍ مُبَيِّنَاتٍ وَمَثَلًا مِنَ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ (34)
ولقد أنزَلْنا إليكم آياتٍ واضحاتٍ مُفَصَّلَاتٍ، توضِّحُ الحقَّ، وتميِّزُه مِن الباطلِ، وتُبَيِّنُ الأحكامَ، وأنزَلْنا إليكم قِصَّةً عجيبةً في هذه السُّورةِ مِن جنسِ قَصَصِ الأُمَمِ الماضينَ مِن قَبْلِكم، وأنزَلْنا إليكم من الوَعدِ والوعيدِ، والتَّرغيبِ والتَّرهيبِ ما يَعتبِرُ به الَّذين يتَّقون اللهَ، ويخافونَ عقابَه، فيَمتثِلون أوامِرَه، ويجتَنِبون نواهيَه.
اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لَا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ نُورٌ عَلَى نُورٍ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (35)
اللهُ مُنَوِّرُ السَّمواتِ والأرضِ، وهادي مَن فيهما، وهو بذاتِه نورٌ جلَّ وعلا، مَثَلُ نورِ الله في قَلبِ المؤمنِ الَّذي هداه الله مثلُ كَوَّةٍ غيرِ نافذةٍ، وُضِع فيها مِصباحٌ، وهذا المِصباحُ داخلَ زجاجةٍ تُحيطُ به، الزُّجاجةُ صافيةٌ وبهيَّةٌ كأنَّها كوكَبٌ صافٍ حَسَنٍ مُضيءٍ، وهكذا قَلبُ المؤمِنِ الخالِصِ مِن الكُفرِ والشَّكِّ، المتطهِّرِ من دَنَسِ المعاصي، يَستَمِدُّ المصباحُ نورَه مِن زيتِ شَجرةِ زيتونٍ، مُبارَكةٍ كَثيرةِ المنافِعِ، لا شرقيَّةٍ تصيبُها الشَّمسُ عندَ الشُّروقِ فقط، ولا غربيَّةٍ تصيبُها الشَّمسُ عندَ الغروبِ فقط، بل الشَّمسُ تصيبُها طوالَ النَّهارِ؛ فيكونُ زيتُها أصفى وأجوَدَ وأشدَّ إضاءةً، يُقارِبُ زَيتُ هذه الشَّجَرةِ المباركةِ أن يضيءَ بنَفسِه ولو لم تمسَسْه نارٌ؛ مِن شدَّةِ صَفائِه وتلألُئِه، فإذا مسَّتْه النارُ أضاء إضاءةً عظيمةً، اجتمعُ نورُ النَّارِ مع نور الزَّيتِ، وهكذا المؤمِنُ قَلبُه مضيءٌ، يكادُ يعرِفُ الحَقَّ بفِطرتِه وعَقلِه، فإذا نزلت آياتُ الوحيِ فباشرَت قلبَه، ازداد نورًا بالوَحيِ على نورِ الإيمانِ الَّذي فطَرَه اللهُ تعالى عليه، يوفِّقُ الله لنورِه مَن يختارُه ممَّن يعلمُ زكاءَه وطهارتَه، ويُبيِّن اللهُ الأمثالَ للنَّاسِ؛ ليفهَموا معانيَها، ويُدرِكوا مراميَها، كما مثَّل لهم نورَ القرآنِ في قلبِ المؤمِنِ، واللهُ محيطٌ عِلمًا بجميعِ الأشياءِ، لا يخفَى عليه شَيءٌ.
فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآَصَالِ (36)
في مَساجِدَ أمرَ اللهُ أن تُرفَعَ حِسًّا في البناءِ، وتُرفَعَ معنًى بتَعظيمِها وتَطهيرِها وتَنزيهِها عن كلِّ ما لا يَليقُ بها؛ مِن الرَّوائِحِ الكريهةِ، والأقوالِ السَّيِّئةِ، وغيرِ ذلك، وأذِنَ اللهُ لعِبادِه أن يَذْكُروا في المساجِدِ اسمَه وحْدَه لا شريكَ له، يُسبِّحُ للهِ بإخلاصٍ في المساجِدِ بالصلاةِ وغيرِها في أوَّلِ النَّهارِ وفي آخِرِه.
رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ (27)
رِجالٌ لا تَشغَلُهم أيُّ تجارةٍ ولا أيُّ بيعٍ عن ذِكرِ اللهِ تعالى، ولا عن حُضورِ المساجِدِ لأداءِ الصَّلواتِ بحُدودِها في أوقاتِها، ولا عن أداءِ الزَّكاةِ لِمُستحِقِّيها في وقتِها، يخافونَ يومَ القيامةِ الَّذي تتحَرَّكُ وتَضْطَرِبُ فيه قلوبُ النَّاسِ وأبصارُهم؛ مِن شِدَّةِ الأهوالِ والفَزَعِ.
لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ (38)
وقد فَعَلوا ما فَعَلوا؛ كي يُثيبَهمُ اللهُ يومَ القيامةِ بأحسَنِ ما عَمِلوه في الدُّنيا، ويَزيدَهمُ اللهُ على ثوابِ أعمالِهم الصَّالحةِ فَوقَ ما يستَحِقُّونَه بأعمالِهم، واللهُ يتفضَّلُ على مَن يشاءُ، فيَرزُقُه أرزاقًا كثيرةً لا حدَّ لها ولا عَدَّ.
وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآَنُ مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ (39)
ومَثَلُ أعمالِ الَّذين كفَروا مَثَلُ سَرابٍ في أرضٍ مُنبَسِطةٍ خاليةٍ مِن البناءِ والشَّجَرِ والنَّباتِ وغيرِها مِن المعالِمِ، يظُنُّ العَطشانُ ذلك السَّرابَ ماءً، حتَّى إذا جاء إلى مَوضِعِه يلتَمِسُ الماءَ، لم يجِدِ السَّرابَ شَيئًا مِمَّا كان يظُنُّه؛ فيَهلِكُ، وكذلك الكافِرونَ: يظُنُّونَ اعتقاداتِهم وأعمالَهم تنفَعُهم، فإذا جاؤوا يومَ القيامةِ وجَدوها غيرَ مَقبولةٍ عندَ اللهِ؛ فلا ينتَفِعونَ بها، ووجَدَ الكافِرُ ربَّه عندَه بالمرصادِ، فيُجازيه يومَ القيامةِ على جميعِ أعمالِه الَّتي عَمِلَها في الدُّنيا بما يَستَحِقُّه مِن العذابِ جزاءً وافيًا، واللهُ سريعُ المحاسَبةِ لعِبادِه، لا يخفَى عليه شَيءٌ مِن أعمالِهم، ولا يَشغَلُه حِسابٌ عن حِسابٍ.
أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ يَغْشَاهُ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ سَحَابٌ ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ (40)
أو مَثَلُ أعمالِ الكافرينَ في ضَلالِهم وجَهلِهم الَّذي لا يتبيَّنونَ فيه الهُدى والحَقَّ، مَثَلُ ظُلُماتٍ في بحرٍ عَميقٍ، يَعلو ذلك البَحرَ مَوجٌ، ومِن فوقِ الموجِ مَوجٌ آخَرُ يَعلوه، ومِن فَوقِ الموجِ الثَّاني سَحابٌ مُظلِمٌ، ظُلمةُ البَحرِ، وظُلمةُ المَوجِ، وظُلمةُ السَّحابِ؛ هي ظُلُماتٌ مُتراكِمةٌ، بَعضُها فوقَ بعضٍ، إذا أخرجَ مَن كان في هذه الظُّلُماتِ يَدَه لِيَنظُرَ إليها، لم يقارِبْ رُؤيتَها؛ مِن شِدَّةِ الظَّلامِ، فلا يراها مُطلقًا، ومَنْ لم يَهدِه اللهُ في الدُّنيا لنورِ القُرآنِ ويُوفِّقْه للإيمانِ، فلا هِدايةَ له مِن أيِّ أحَدٍ كائنًا مَن كان.
أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُسَبِّحُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالطَّيْرُ صَافَّاتٍ كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلَاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ (41)
ألم تعلَمْ أنَّ اللهَ يُسَبِّحُ له ويُنزِّهُه عن النَّقائِصِ كُلُّ مَن في السَّمَواتِ وكُلُّ مَن في الأرضِ؛ مِن الملائكةِ والنَّاسِ والجِنِّ، والحيواناتِ والنَّباتاتِ والجَماداتِ؟ والطَّيرُ حالَ كَونِها مُصطَفَّاتِ الأجنحةِ في الهواءِ، تُسَبِّحُ لله أيضًا في حالِ طَيَرانِها، كلُّ مخلوقٍ قد عَلِمَ صلاتَه وتَسبيحَه لله، واللهُ ذو عِلمٍ بما يفعَلُ كُلُّ مُصَلٍّ ومُسَبِّحٍ منهم، لا يخفَى عليه شَيءٌ مِن أعمالِهم.
وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ (42)
ولله سُلطانُ السَّمَواتِ والأرضِ ومُلكُهما وتدبيرُهما، فلا تنبغي الرَّهبةُ والرَّغبةُ والعبادةُ إلَّا له وحْدَه، وإلى اللهِ وحْدَه مَرجِعُ عِبادِه، فيَبعَثُهم بعدَ مَوتِهم، ويُجازيهم على أعمالِهم؛ فلْيُحسِنوا عبادَتَه، ويجتَهِدوا في طاعتِه.
أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُزْجِي سَحَابًا ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ ثُمَّ يَجْعَلُهُ رُكَامًا فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلَالِهِ وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ جِبَالٍ فِيهَا مِنْ بَرَدٍ فَيُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَصْرِفُهُ عَنْ مَنْ يَشَاءُ يَكَادُ سَنَا بَرْقِهِ يَذْهَبُ بِالْأَبْصَارِ (43)
ألم تعلَمْ أنَّ اللهَ يَسوقُ بقُدرتِه قِطَعَ السَّحابِ المتفَرِّقةَ، إلى حيثُ يريدُ؟ ثمَّ يجمَعُ اللهُ بينَها، ثمَّ يجعَلُ اللهُ قِطَعَ السَّحابِ المجموعةَ مُتراكِمةً؛ بَعضُها على بعضٍ، فتكونُ قويَّةً متَّصِلةً وكثيفةً، فتنظُرُ إلى المطَرِ يَخرُجُ مِن فُتُوقِ السَّحابِ نُقَطًا متفَرِّقةً، ويُنَزِّلُ اللهُ البَرَدَ مِن جِهةِ السَّماءِ إلى الأرضِ، مِن قِطَعِ سَحابٍ عظيمةٍ كالجِبالِ، فيُصيبُ اللهُ بالبَرَدِ مَن يَشاءُ مِن عبادِه؛ عقوبةً لهم، فيَضُرُّهم في أنفُسِهم وأموالِهم، ويُتلِفُ ثمارَهم وزُروعَهم، ويَصرِفُ البَرَدَ عَمَّن يشاءُ مِن عبادِه؛ رَحمةً بهم، فلا يُصيبُهم ضَرَرُه، يُقارِبُ ضَوءُ بَرقِ السَّحابِ أن يُعمِيَ عُيونَ النَّاظِرينَ إليه؛ مِن شِدَّةِ ضَوئِه ولَمعانِه.
يُقَلِّبُ اللَّهُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصَارِ (44)
يُعقِّبُ اللهُ اللَّيلَ والنَّهارَ؛ فيأتي بأحَدِهما بعْدَ الآخَرِ، ويتصَرَّفُ فيهما بالزِّيادةِ والنُّقصانِ، ويغَيِّرُ حالَهما بالحَرِّ والبَردِ، والظُّلمةِ والنُّورِ إلى غيرِ ذلك، ويُديلُ الأيامَ بينَ عبادِه، ويَرفعُ أقوامًا ويضعُ آخرينَ إلى غيرِ ذلك، إنَّ في ذلك لَعِظةً لأصحابِ العُقولِ النَّافذةِ، الَّذين يعتَبِرونَ بالنَّظَرِ إليه، فيَستَدِلُّونَ بذلك على وُجودِ اللهِ، وكَمالِ قُدرتِه وعظَمتِه وتوحيدِه.
وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ مَاءٍ فَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى بَطْنِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى رِجْلَيْنِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى أَرْبَعٍ يَخْلُقُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (45)
واللهُ خلَقَ كلَّ كائنٍ حَيٍّ يمشي على الأرضِ، مِن ماءٍ، فمِنَ الحَيواناتِ المَخلوقةِ مِنْ ماءٍ مَنْ يَمشي زَحفًا على بَطنِه؛ كالحيَّةِ، ومِنهم مَن يمشي قائِمًا على رِجلَينِ؛ كالإنسانِ والطَّيرِ، ومنهم مَن يمشي على أربَعِ قوائِمَ؛ كالبهائِمِ، يُحدِثُ اللهُ بقُدرتِه في كُلِّ وَقتٍ ما يشاءُ مِن المَخلوقاتِ المتنَوِّعةِ، ويجعَلُها على ما يَشاءُ مِن الصِّفاتِ المُختَلِفةِ، إنَّ اللهَ على كُلِّ شَيءٍ قادِرٌ، فهو سبحانه لا يُعجِزُه شَيءٌ.
لَقَدْ أَنْزَلْنَا آَيَاتٍ مُبَيِّنَاتٍ وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (46)
لقد أنزَلْنا آياتِ القُرآنِ عَلاماتٍ واضِحاتٍ مُوضِحاتٍ للحَقِّ ولِما يحتاجُ النَّاسُ إلى بيانِه مِن مَعارِفَ وعُلومٍ، وآدابٍ وأحكامٍ، واللهُ يُرشِدُ ويُوفِّقُ مَن يشاءُ مِن عبادِه مِمَّن هو أهلٌ للهِدايةِ، إلى طريقِ الإسلامِ المُستَقيمِ الواضِحِ، المُوصِلِ إلى رِضاه وجَنَّتِه.
وَيَقُولُونَ آَمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالرَّسُولِ وَأَطَعْنَا ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَمَا أُولَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ (47)
ويَقولُ المُنافِقونَ بألسِنتِهم كَذِبًا: آمَنَّا باللهِ وبرَسولِه محمَّدٍ، وأطَعْنا اللهَ وأطَعْنا رَسولَه، ثمَّ يُعرِضُ طائِفةٌ مِن المُنافِقين عن طاعةِ اللهِ ورَسولِه مِن بَعدِ قَولِهم: آمنَّا وأطَعْنا! وليس أولئك بالمُؤمِنينَ المُخلِصينَ الثَّابِتينَ.
وَإِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ مُعْرِضُونَ (48)
وإذا دُعِيَ هؤلاء المُنافِقونَ إلى كتابِ اللهِ وإلى رَسولِه؛ لِيَحكُمَ بيْنَهم الرَّسولُ بحُكمِ اللهِ فيما يَختَلِفونَ فيه، إذا طائِفةٌ مِن المُنافِقينَ يُعرِضونَ عن التَّحاكُمِ إلى اللهِ ورَسولِه!
وَإِنْ يَكُنْ لَهُمُ الْحَقُّ يَأْتُوا إِلَيْهِ مُذْعِنِينَ (49)
وإنْ يكُنِ الحَقُّ للمُنافِقينَ على مَن يُخاصِمونَه، يَقبَلوا التَّحاكُمَ إلى اللهِ ورَسولِه، ويأتوا إلى الرَّسولِ طائِعينَ مُنقادينَ لحُكمِه؛ لِمُوافقتِه لأهوائِهم!
أَفِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَمِ ارْتَابُوا أَمْ يَخَافُونَ أَنْ يَحِيفَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَرَسُولُهُ بَلْ أُولَئِكَ هُمَ الظَّالِمُونَ (50)
أفي قُلوبِ هؤلاء المُنافِقينَ -المُعرِضينَ عن التَّحاكُمِ إلى اللهِ ورَسولِه- مَرَضٌ مُلازِمٌ لهم، أخْرجَ القلبَ عن صِحَّتِه، فصاروا كالمريضِ الَّذي يُعرِضُ عمَّا يَنفَعُه، ويُقبِلُ على ما يضُرُّه؟! أمْ حدَثَ لهم شَكٌّ واضطرابٌ وتردُّدٌ وقلقٌ؟ أمْ يخافون أن يَجورَ اللهُ ورَسولُه عليهم في الحُكمِ؟! بل هؤلاء هُمُ الظَّالِمون لأنفُسِهم بعَدَمِ الرِّضا والتَّسليمِ بحُكمِ الشَّرعِ.
إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (51)
إنَّما يَنبغي على المؤمِنينَ الصَّادقينَ المُخلِصينَ إذا طُلِب منهم عندَ اختلافِهم التَّحاكُمُ إلى اللهِ ورَسولِه- أن يقولوا برَغبةٍ ومُبادَرةٍ، وإقبالٍ دونَ مَطلٍ وتَسويفٍ وترَدُّدٍ: سَمِعْنا الدَّعوةَ، وأجَبْنا إلى كتابِ اللهِ وسُنَّةِ رَسولِه، ورَضِينا بحُكمِهما لنا أو علينا، وأولئك هم المُدرِكونَ لِما يَطلُبونَ، وفي الجنَّةِ هم خالِدون.
وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقْهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ (52)
ومَن يُطِعِ اللهَ ورَسولَه، ويَخَفِ اللهَ العظيمَ خَوفًا مُقتَرِنًا بعِلمٍ وتَعظيمٍ، ويتَّقِ سَخَطَه وعذابَه، بامتثالِ أوامِرِه، واجتنابِ نواهيه- فأولئك هم الظَّافِرونَ بكُلِّ خَيرٍ، النَّاجونَ مِن كُلِّ شَرٍّ في الدُّنيا والآخرةِ.
وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِنْ أَمَرْتَهُمْ لَيَخْرُجُنَّ قُلْ لَا تُقْسِمُوا طَاعَةٌ مَعْرُوفَةٌ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ (53)
وحلَفَ باللهِ أولئك المُنافِقونَ أغلَظَ أيْمانِهم وأشَدَّها، مُبالِغينَ في تأكيدِها: لَئِنْ أمَرْتَهم -أيُّها النَّبيُّ- بالخروجِ إلى الجهادِ لَيَخْرُجُنَّ معك، قُلْ -يا أيُّها النبيُّ- لأولئك المُنافِقين: لا تَحلِفوا؛ فقد عرَفْتُ أنَّ طاعتَكم مجرَّدُ قَولٍ بلا فِعلٍ، ومعروفٌ عنكم الكَذِبُ دونَ الإخلاصِ، وقد عرَفتُ كَذِبَكم في دَعْواكم طاعتي إن أمَرْتُكم بالخُروجِ للجِهادِ، إنَّ اللهَ خبيرٌ بجَميعِ ما تَعمَلونَ مِن طاعةٍ أو مَعصيةٍ، ويعلَمُ ما في بواطِنِكم، وهو مُجازيكم بكُلِّ ذلك.
قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْهِ مَا حُمِّلَ وَعَلَيْكُمْ مَا حُمِّلْتُمْ وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ (54)
قُلْ -أيُّها النبيُّ- لهؤلاء المُنافِقين: أطيعوا اللهَ باتِّباعِ كِتابِه، وأطيعوا الرَّسولَ باتِّباعِ سُنَّتِه طاعةً ظاهِرةً وباطِنةً بصِدقٍ وإخلاصٍ، فإنْ تُعرِضوا عمَّا جاءكم به الرَّسولُ، فإنَّما عليه مسؤوليَّةُ تبليغِكم الرِّسالةَ، وأداءُ الأمانةِ، وعليكم مسؤوليةُ طاعتِه، واتِّباعُ شَريعتِه، وإنْ تُطيعوا الرَّسولَ في أمرِه ونَهيِه تَرشُدوا إلى الخَيرِ، وتُصيبوا الحَقَّ في جميعِ أمورِكم، ولا يَجِبُ على الرَّسولِ إلَّا التَّبليغُ الظَّاهِرُ الواضِحُ في نفْسِه، الموضِّحُ لكم رسالةَ اللهِ، بحيثُ لا يبقَى لدى أحَدٍ شَكٌّ ولا شُبهةٌ، وقد أدَّى ذلك.
وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (55)
وَعَدَ اللهُ الَّذين آمَنوا مِن هذه الأمَّةِ وعَمِلوا الأعمالَ الصَّالِحةَ وَعدًا جازِمًا مؤكَّدًا أنَّه سيُورِثُهم الأرضَ، فيَجعَلُهم خُلَفاءَ فيها، مُسيطرينَ عليها، متصرِّفينَ في أمورِها، والقيامِ بتَدبيرِها، كما ملَّك اللهُ الأرضَ لآخَرِينَ مِن قَبْلِ هذه الأُمَّةِ، ولَيُثبِّتَنَّ اللهُ للمُؤمِنينَ دينَ الإسلامِ الَّذي اختارَه لهم، فيَظهَرُ على غيرِه مِن الأديانِ، وينتَشِرُ ويتمَكَّنُ أتْباعُه مِن إقامةِ شَرائِعِه، وليُغَيِّرَنَّ اللهُ حالَ المؤمِنينَ مِن الخَوفِ مِن أعدائِهم إلى الأمنِ التَّامِّ، يَعبُدُونني بإخلاصٍ آمِنينَ، لا يُشرِكونَ بي شيئًا في عِبادتي، ومَن كفَرَ بعدَ نعمةِ الاستِخلافِ والأمنِ وتمكينِ الدِّينِ، فأولئك هم الخارِجون عن طاعةِ رَبِّهم.
وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآَتُوا الزَّكَاةَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (56)
وأقيموا -أيُّها المُؤمِنونَ- الصَّلاةَ بحُدودِها، وآتُوا الزَّكاةَ مُستَحقِّيها، وأطيعوا رَسولَ رَبِّكم فيما يأمُرُكم به ويَنهاكم عنه؛ لِتَنالوا رحمةَ اللهِ في الدُّنيا والآخرةِ.
لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ وَمَأْوَاهُمُ النَّارُ وَلَبِئْسَ الْمَصِيرُ (57)
لا تظُنَّ الكافرينَ -أيُّها النَّبيُّ- فائتينَ في الأرضِ فلا يُدرَكونَ، ومِن الهلاكِ يُفلِتُون، فإذا أراد اللهُ هلاكَهم فهو قادرٌ عليهم، وهم مأخوذونَ لا محالةَ، ومَسكَنُهم في الآخرةِ النَّارُ، ولبِئسَ المآلُ الَّذي يَرجِعونَ إليه النَّارُ.
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنْكُمْ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ مِنْ قَبْلِ صَلَاةِ الْفَجْرِ وَحِينَ تَضَعُونَ ثِيَابَكُمْ مِنَ الظَّهِيرَةِ وَمِنْ بَعْدِ صَلَاةِ الْعِشَاءِ ثَلَاثُ عَوْرَاتٍ لَكُمْ لَيْسَ عَلَيْكُمْ وَلَا عَلَيْهِمْ جُنَاحٌ بَعْدَهُنَّ طَوَّافُونَ عَلَيْكُمْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَعْضٍ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآَيَاتِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (58)
يا أيُّها الَّذين آمنوا، مُرُوا مَماليكَكم مِن الذُّكورِ والإناثِ، والكِبارِ والصِّغارِ، ومُرُوا صِبيانَكم الأحرارَ غيرَ البالغينَ أن يستأذِنوا إذا أرادوا الدُّخولَ عليكم في ثلاثةِ أوقاتٍ مِن ساعاتِ اللَّيلِ والنَّهارِ: قبْلَ صَلاةِ الفَجرِ، ووقتَ القَيلولةِ نِصفَ النَّهارِ، وبعْدَ صَلاةِ العِشاءِ، هذه ثلاثةُ أوقاتٍ يَحصُلُ فيها ظُهورٌ للعَوْراتِ؛ فلا يدخُلْ عليكم مماليكُكم وأطفالُكم إلَّا بإذنِكم، ليس عليكم ولا على مماليكِكم وأطفالِكم إثمٌ في تَركِ الاستِئذانِ للدُّخولِ عليكم في غيرِ هذه الأوقاتِ الثَّلاثةِ، بعضُكم يَطوفُ على بعضٍ؛ فمَماليكُكم وأطفالُكم يدخُلونَ ويَخرُجونَ عليكم في منازِلِكم لقضاءِ أشغالِكم وحوائِجِكم، وأنتم تتردَّدونَ عليهم لاستخدامِهم وغيرِ ذلك، كما بيَّن اللهُ لكم -أيُّها المؤمِنونَ- أحكامَ الاستئذانِ بيانًا تامًّا واضِحًا، كذلك يبَيِّنُ اللهُ لكم جميعَ آياتِ القُرآنِ وشرائِعِ الإسلامِ، واللهُ عليمٌ بما يُصلِحُ عبادَه، حكيمٌ فيما يُدبِّرُه لهم، وفيما يَشرَعُه لهم مِن الأحكامِ؛ فهو يضَعُ كُلَّ شَيءٍ في موضِعِه اللَّائِقِ به.
وَإِذَا بَلَغَ الْأَطْفَالُ مِنْكُمُ الْحُلُمَ فَلْيَسْتَأْذِنُوا كَمَا اسْتَأْذَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آَيَاتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (59)
وإذا صار أطفالُكم بالغينَ، فلْيستأذِنوا في الدُّخولِ عليكم في كُلِّ وَقتٍ بلا استِثناءٍ، كما استأذن الكِبارُ الأحرارُ، كما بيَّن اللهُ لكم -أيُّها المؤمِنونَ- حُكمَ الأطفالِ في الاستِئذانِ إذا بلَغوا الحُلُمَ، كذلك يوضِّحُ اللهُ ويفَصِّلُ لكم جميعَ آياتِ القُرآنِ وأحكامِ الإسلامِ، واللهُ عليمٌ بما يُصلِحُ عِبادَه، حكيمٌ في تدبيرِهم بما شرَعَه لهم مِن الأحكامِ.
وَالْقَوَاعِدُ مِنَ النِّسَاءِ اللَّاتِي لَا يَرْجُونَ نِكَاحًا فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنَاحٌ أَنْ يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ غَيْرَ مُتَبَرِّجَاتٍ بِزِينَةٍ وَأَنْ يَسْتَعْفِفْنَ خَيْرٌ لَهُنَّ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (60)
والنِّساءُ العجائزُ اللَّاتي لا يَحِضْنَ ولا يَلِدْنَ، ولا يَطمَعْنَ في الزَّواجِ لكبرِ سنِّهنَّ، لا إثمَ عليهنَّ أن يترُكْنَ لُبسَ الثِّيابِ الظَّاهرةِ، كالجِلبابِ، حالَ كَونِهنَّ غيرَ مُظهِراتٍ للزِّينةِ الَّتي يجِبُ على المرأةِ إخفاؤُها، وتَركُ وَضْعِهنَّ لثيابِهنَّ -وإن كان جائِزًا- خيرٌ وأفضَلُ لهنَّ مِن خَلعِها، واللهُ سَميعٌ لجَميعِ الأصواتِ، عليمٌ بجميعِ الأعمالِ والمقاصِدِ والنيَّاتِ؛ فلْيَحذَرْنَ مِن كُلِّ قولٍ وفِعلٍ وقَصدٍ فاسدٍ، ولْيَعلَمْنَ أنَّ اللهَ يجازي على ذلك.
لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَنْ تَأْكُلُوا مِنْ بُيُوتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ آَبَائِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أُمَّهَاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ إِخْوَانِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَخَوَاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَعْمَامِكُمْ أَوْ بُيُوتِ عَمَّاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَخْوَالِكُمْ أَوْ بُيُوتِ خَالَاتِكُمْ أَوْ مَا مَلَكْتُمْ مَفَاتِحَهُ أَوْ صَدِيقِكُمْ لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَأْكُلُوا جَمِيعًا أَوْ أَشْتَاتًا فَإِذَا دَخَلْتُمْ بُيُوتًا فَسَلِّمُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ تَحِيَّةً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُبَارَكَةً طَيِّبَةً كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآَيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (61)
ليس على الأعمى ولا على الأعرجِ ولا على المريضِ، وليس عليكم -أيُّها المُسلِمونَ- إثمٌ في الأكلِ مِن بُيوتِكم وبُيوتِ أولادِكم وعَبيدِكم، أو في تناوُلِكم الطَّعامَ بمُفرَدِكم دونَ بقيَّةِ أهلِ بَيتِكم، وليس عليكم -أيُّها المُسلِمونَ- إثمٌ في أكلِكم مِن بُيوتِ آبائِكم أو بُيوتِ أمَّهاتِكم، أو بُيوتِ إخوانِكم أو بُيوتِ أخواتِكم، أو بُيوتِ أعمامِكم أو بُيوتِ عَمَّاتِكم، أو بُيوتِ أخوالِكم أو بُيوتِ خالاتِكم، وليس عليكم إثمٌ في أكلِكم مِن البُيوتِ الَّتي مفاتيحُها بأيديكم، فوُكِّلتُم بحِفظِها، وأُذِنَ لكم بالتَّصَرُّفِ فيها، وليس عليكم إثمٌ في أكلِكم مِن بُيوتِ أصدقائِكم، ليس عليكم إثمٌ في الأكلِ في تلك البُيوتِ المذكورةِ سواءٌ كنتُم مُجتَمِعينَ على الطَّعامِ أم متفَرِّقينَ يأكُلُ كلٌّ منكم بمُفرَدِه، فإذا دَخلتُم بُيوتَكم أو بُيوتَ غَيرِكم، فلِيُحَيِّ بَعضُكم بَعضًا بالسَّلامِ تحيةً شرَعَها اللهُ لكم كثيرةَ الخيراتِ والبَرَكاتِ، عظيمةَ الثَّوابِ والحَسَناتِ، جميلةً في ألفاظِها، حَسَنةً في معانيها، تجلِبُ المحبَّةَ، وتَطِيبُ بها نفْسُ سامِعيها، كما بيَّن اللهُ لكم الأحكامَ بهذا الوُضوحِ والتَّمامِ، كذلك يبَيِّنُ لكم جميعَ آياتِ القُرآنِ وشرائِعِ الإسلامِ، بيانًا تامًّا واضِحًا شافيًا؛ لِتَفهموها وتتدبَّروها، وتَعمَلوا بها.
إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آَمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِذَا كَانُوا مَعَهُ عَلَى أَمْرٍ جَامِعٍ لَمْ يَذْهَبُوا حَتَّى يَسْتَأْذِنُوهُ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ أُولَئِكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ فَإِذَا اسْتَأْذَنُوكَ لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ فَأْذَنْ لِمَنْ شِئْتَ مِنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمُ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (62)
إنَّما المُؤمِنونَ حَقَّ الإيمانِ، الكامِلونَ في إيمانِهم: هم الَّذين آمَنوا باللهِ ورَسولِه ظاهِرًا وباطِنًا، إيمانًا يتضَمَّنُ القَبولَ والإذعانَ، وإذا كانوا مع الرَّسولِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم على أمرٍ مُهِمٍّ يجمَعُهم؛ كالجِهادِ، أو التَّشاوُرِ في أمرٍ ما- لم يُفارِقوا الرَّسولَ وينصَرِفوا لحاجتِهم حتى يَطلُبوا منه الإذنَ، إنَّ الَّذين يَطلُبونَ منك -أيُّها النبيُّ- أن تأذَنَ لهم بالانصرافِ لِعُذرٍ: أولئك الَّذين يُؤمِنون باللهِ ورَسولِه حقًّا، وليسوا بمُنافِقين، فإذا طلَبَ المؤمِنونَ منك أن تأذنَ لهم بالانصِرافِ لحاجتِهم إلى قَضاءِ بَعضِ أمورِهم؛ فأْذَنْ لِمَن تشاءُ منهم، وامنَعْ مَن تشاءُ إن كانت المصلحةُ تَقضي بعدَمِ ذَهابِه، وادْعُ اللهَ أن يغفِرَ لهؤلاء المُستأذِنينَ، إنَّ اللهَ كثيرُ المَغفِرةِ والرَّحمةِ.
لَا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنْكُمْ لِوَاذًا فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (63)
لا تَعتَقِدوا -أيُّها المُؤمِنونَ- أنَّ دَعوةَ الرَّسولِ لكم للاجتِماعِ غَيرُ واجِبةٍ، كما يدعو بعضُكم بعضًا؛ ولا تنادُوا الرَّسولَ بقِلَّةِ احترامٍ وتوقيرٍ، كمناداتِه باسمِه مُجَرَّدًا، أو برَفعِ الصَّوتِ مِثلَما يُنادي بعضُكم بعضًا؛ فإجابةُ الرَّسولِ لازِمةٌ، والتأدُّبُ معه واجِبٌ، إنَّ اللهَ يعلَمُ المُنافِقينَ الَّذين ينصَرِفونَ خُفيةً عن اجتِماعِ المُسلِمينَ، فيَخرُجونَ بلا استِئذانٍ، مُستَتِرينَ؛ مخافةَ أن يَراهم أحدٌ، وسيُجازيهم اللهُ على ذلك، فلْيحذَرِ الَّذين يُعرِضونَ عن أمرِ الرَّسولِ أن تُصيبَهم فِتنةٌ في الدُّنيا، أو يُصيبَهم عذابٌ مُوجِعٌ؛ لِمُخالفتِهم أمرَ الرَّسولِ.
أَلَا إِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ قَدْ يَعْلَمُ مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ وَيَوْمَ يُرْجَعُونَ إِلَيْهِ فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (64)
ألا إنَّ للهِ مُلكَ جَميعِ ما في السَّمواتِ وما في الأرضِ، وكلُّهم خَلْقُه وعبيدُه وتحتَ تدبيرِه؛ فلا تنبغي لكم مَعصيتُه، إنَّ اللهَ يعلَمُ ما أنتم عليه -أيُّها النَّاسُ- في سِرِّكم وعَلانيتِكم؛ مِن خَيرٍ وشَرٍّ، وطاعةٍ ومَعصيةٍ، ويَعلَمُ يومَ يُرجَعُ النَّاسُ إلى اللهِ فيُخبِرُهم بجَميعِ ما عَمِلوه في الدُّنيا مِن خَيرٍ وشَرٍّ، ويُجازيهم عليه، واللهُ عليمٌ بجَميعِ الأعمالِ والأحوالِ والنيَّاتِ، لا يخفَى عليه شَيءٌ.
الفرقان
تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا (1)
تعاظَمَ الله، وكَمَلَت أوصافُه، وكثُرتْ خَيراتُه، ودامتْ وثبتتْ بَرَكاتُه، فهو الَّذي نزَّل القرآنَ المفرِّقَ ببَيانِه بيْن الحَقِّ والباطِلِ، آياتٍ بعْدَ آياتٍ، وسورةً بعدَ سورةٍ على عَبدِه مُحمَّدٍ، لِيَكونَ محمَّدٌ مُنذِرًا لجَميعِ الإنسِ والجِنِّ، يحَذِّرُهم عذابَ اللهِ إن لم يُخلِصوا له العبادةَ.
الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا (2)
وهو اللهُ الَّذي له وحْدَه سُلطانُ السَّمواتِ والأرضِ، يصَرِّفُ شُؤونَهما ويدبِّرُهما وجميعَ ما فيهما، ولم يتَّخِذْ لِنَفْسِه وَلدًا؛ لا عيسى، ولا عُزَيرًا، ولا الملائكةَ، ولا غيرَهم مِن خَلقِه، ولم يكُنْ لله شريكٌ في مُلكِه وسُلطانِه كما يزعُمُ المُشرِكون، وأوجَد اللهُ كلَّ شيءٍ مِن المخلوقاتِ، فأتقَنَه وهيَّأه لِما يَصلُحُ له، وجعَلَه مُحْكَمًا، لا تفاوُتَ فيه ولا خَللَ، على ما أراد سُبحانَه بحِكمتِه.
وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آَلِهَةً لَا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ وَلَا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا وَلَا يَمْلِكُونَ مَوْتًا وَلَا حَيَاةً وَلَا نُشُورًا (3)
واتَّخَذ المُشرِكون مِن دونِ اللهِ مَعبوداتٍ مِن الأصنامِ وغَيرِها لا تَستطيعُ أن تخلُقَ شيئًا، وهذه الآلهةُ مخلوقةٌ، بل منها ما هو مَصنوعٌ ومنحوتٌ بأيدي المُشرِكين! ولا تَستطيعُ المعبوداتُ مِن دونِ اللهِ أن تدفَعَ عن نفْسِها ضَرًّا، ولا أن تجلِبَ لنَفسِها نفعًا، ولا تَستطيعُ إماتةَ حَيٍّ، ولا إحياءَ مَيِّتٍ، ولا بَعْثَه بعدَ مَوتِه.
وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا إِفْكٌ افْتَرَاهُ وَأَعَانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آَخَرُونَ فَقَدْ جَاءُوا ظُلْمًا وَزُورًا (4)
وقال الكافِرونَ: ما هذا القرآنُ إلَّا كَذِبٌ اختلَقَه محمَّدٌ، وليس هو مِن عندِ اللهِ، وأعان محمَّدًا على اختِلاقِه أُناسٌ ذَوو قُدرةٍ وكفايةٍ مِن غَيرِ قَومِه! فقد أتى الكُفَّارُ بظُلمٍ وكَذِبٍ ومَيْلٍ عن الحَقِّ، حينَ وصَفوا القُرآنَ بغيرِ صِفتِه، ورَمَوُا النَّبيَّ بالكَذِبِ على اللهِ.
وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا (5)
وقال الكُفَّارُ: هذا القُرآنُ عِبارةٌ عن أكاذيبِ الأُمَمِ الأوَّلينَ وقَصَصِهم المسطَّرةِ في كُتُبِهم، استنسَخها منهم محمَّدٌ، فهذه الأساطيرُ الَّتي اكتَتَبها محمَّدٌ تُقرأُ عليه في أوَّلِ النَّهارِ وآخِرَه؛ ليَحفَظَها.
قُلْ أَنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا (6)
قُلْ -يا محمَّدُ- لهؤلاء الكُفَّارِ: الَّذي أنزَل القُرآنَ المشتَمِلَ على الأسرارِ -كالإخبارِ بالأمورِ الماضيةِ والمُستَقبَلةِ- هو اللهُ الَّذي يعلَمُ غَيبَ السَّمواتِ والأرضِ، وسِرَّ مَن فيهما، ولا يخفَى عليه شَيءٌ، إنَّ اللهَ لم يَزَلْ يستُرُ ذُنوبَ عبادِه، ويَتجاوَزُ عن مؤاخَذتِهم بها ويرحَمُهم، ومِن رحمتِه بهم أنَّه لم يُعاجِلْهم بالعُقوبةِ، وأنَّه يَقبَلُ منهم التَّوبةَ.
وَقَالُوا مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْوَاقِ لَوْلَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيرًا (7)
وقال كُفَّارُ قُرَيشٍ: ما لمحمَّدٍ -الَّذي يزعُمُ أنَّه رَسولٌ مِن اللهِ- يأكُلُ الطَّعامَ كما نأكُلُ، ويمشي في الأسواقِ للتَّكسُّبِ والتِّجارةِ كما نمشي؟! هلَّا أنزَلَ اللهُ إلى محمَّدٍ مَلَكًا مِن الملائكةِ، يَشهَدُ له بالصِّدقِ، ويُعينُه على إنذارِ النَّاسِ وتبليغِ رسالتِه، إن كان صادِقًا في دَعواه أنَّه رَسولٌ مِن عندِ اللهِ!
أَوْ يُلْقَى إِلَيْهِ كَنْزٌ أَوْ تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ يَأْكُلُ مِنْهَا وَقَالَ الظَّالِمُونَ إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَسْحُورًا (8)
أوْ يُلقَى إلى محمَّدٍ كَنزٌ مِن المالِ يُنفِقُ منه فيُغنيه عن طَلَبِ المعاشِ، أو يكونُ لمحمَّدٍ بُستانٌ يأكُلُ مِن ثمارِه، فيستغني بذلك عن طَلبِ الرِّزقِ، وقال المُشرِكون: ما تتَّبِعون إلَّا رجُلًا مِن البَشَرِ به سِحرٌ، وليس رسولًا مِن عندِ اللهِ كما يزعُمُ، فهو رجُلٌ مَخدوعٌ مَغلوبٌ على أمرِه، ومختَلُّ العَقلِ بالسِّحرِ.
انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثَالَ فَضَلُّوا فَلَا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا (9)
انظُرْ -يا محمَّدُ- إلى هؤلاء المُشرِكين كيف يجعَلونَ لك هذه الأوصافَ، ويقولون فيك هذه الأقوالَ الباطِلةَ المُتناقِضةَ، فأخطَؤوا بذلك الحَقَّ والصوابَ، فلا يَستطيعون إليه طَريقًا!
تَبَارَكَ الَّذِي إِنْ شَاءَ جَعَلَ لَكَ خَيْرًا مِنْ ذَلِكَ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَيَجْعَلْ لَكَ قُصُورًا (10)
تعاظَمَ اللهُ وكَمَلَت أوصافُه وكثُرتْ خيراتُه ودامتْ بَرَكاتُه؛ فهو الَّذي إن شاء جعَلَ لك -يا محمَّدُ- خيرًا مِمَّا اقتَرَحه المشركونَ؛ بساتينَ عديدةً في الدُّنيا تجري مِن تحتِ أشجارِها الأنهارُ، وإن شاء اللهُ جعَلَ لك بيوتًا مُشَيَّدةً عَظيمةً واسِعةً في الدُّنيا.
بَلْ كَذَّبُوا بِالسَّاعَةِ وَأَعْتَدْنَا لِمَنْ كَذَّبَ بِالسَّاعَةِ سَعِيرًا (11)
لا تظُنَّ أنَّهم كذَّبوا بما جئتَ به مِن الحَقِّ -يا محمَّدُ- لأنَّهم يعتَقِدونَ فيك كَذِبًا وافتراءً للقُرآنِ، أو نُقصانًا؛ لأكلِك الطَّعامَ ومَشيِكَ في الأسواقِ، وإنَّما سبَبُ كُفرِهم وتكذيبِهم واقتراحِهم ما اقترَحوه هو عَدَمُ إيمانِهم بالبَعثِ يومَ القيامةِ، وهيَّأنا وأرصَدْنا لِمَن أنكَرَ البَعثَ نارًا مُوقَدةً شَديدةَ الحرارةِ، نعَذِّبُهم فيها في الآخرةِ.
إِذَا رَأَتْهُمْ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ سَمِعُوا لَهَا تَغَيُّظًا وَزَفِيرًا (12)
إذا رأتْ تلك النَّارُ أهلَها الكُفَّارَ يومَ القيامةِ مِن مكانٍ بَعيدٍ، سَمِعوا صَوتَ غَلَيانِها وتلهُّبِها؛ مِن شِدَّةِ غَيظِها منهم، وسَمِعوا لها صوتَ زَفيرٍ؛ مِن غَضَبِها وحَنَقِها عليهم.
وَإِذَا أُلْقُوا مِنْهَا مَكَانًا ضَيِّقًا مُقَرَّنِينَ دَعَوْا هُنَالِكَ ثُبُورًا (13)
وإذا طُرِح الكُفَّارُ في مكانٍ ضَيِّقٍ في النَّارِ، وقد قُرِنوا في الأغلالِ والسَّلاسِلِ- رفعوا أصواتَهم بطَلَبِ الهلاكِ؛ ندَمًا على تَركِهم الإيمانَ، وطاعةَ الرَّحمنِ، وتمنِّيًا للمَوتِ لِيَستريحوا مِن العذابِ.
لَا تَدْعُوا الْيَوْمَ ثُبُورًا وَاحِدًا وَادْعُوا ثُبُورًا كَثِيرًا (14)
يقولُ خَزَنةُ النَّارِ للكُفَّارِ: لا تَطلُبوا هلاكًا واحِدًا في النَّارِ، بل اطلُبوا كثيرًا مِن ذلك، فعَذابُكم مستَمِرٌّ ومتجَدِّدٌ، ولن ينفَعَكم الدُّعاءُ أبدًا.
قُلْ أَذَلِكَ خَيْرٌ أَمْ جَنَّةُ الْخُلْدِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ كَانَتْ لَهُمْ جَزَاءً وَمَصِيرًا (15)
قُلْ -يا مُحمَّدُ- للكُفَّارِ: أذلك العذابُ المستَمِرُّ في النَّارِ خَيرٌ، أم جنَّةُ الخُلدِ الدَّائمُ نعيمُها، الَّتي وعَد اللهُ بها الَّذين يتَّقونَ سَخَطَه وعذابَه؛ بامتِثالِ ما يأمُرُهم، واجتِنابِ ما يَنهاهم؟! كانت الجنَّةُ ثَوابًا للمتَّقينَ على تَقواهم وأعمالِهم الصَّالحةِ، ومَرجِعًا يَصيرون إليها في الآخرةِ.
لَهُمْ فِيهَا مَا يَشَاءُونَ خَالِدِينَ كَانَ عَلَى رَبِّكَ وَعْدًا مَسْئُولًا (16)
للمتَّقينَ في الجنَّةِ ما يَشاؤون ممَّا تَشتهيه أنفُسُهم، لابثينَ فيها أبدًا بلا زَوالٍ عنها، ولا انقِطاعٍ لنَعيمِها، كان دُخولُ المتَّقينَ الجنَّةَ وَعدًا واجِبًا لا بدَّ أن يقَعَ في الآخرةِ؛ جزاءً لهم على طاعتِهم ربَّهم، وسؤالِهم ذلك في الدُّنيا.
وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَقُولُ أَأَنْتُمْ أَضْلَلْتُمْ عِبَادِي هَؤُلَاءِ أَمْ هُمْ ضَلُّوا السَّبِيلَ (17)
واذكُرْ -أيُّها الرَّسولُ- يومَ القيامةِ حينَ يَحشُرُ اللهُ المُشرِكين ومَعبوداتِهم الَّتي عَبَدوها مِن دونِ اللهِ، فيقولُ اللهُ لمَعبوداتِ المُشرِكين: أأنتم أضلَلْتُم عبادي هؤلاء عن طَريقِ الهُدى، ودعَوْتُموهم إلى عبادتِكم مِن دوني حتَّى فَعَلوا ذلك، أمُ هم الَّذين ضَلُّوا عن طَريقِ الحَقِّ مِن تِلْقاءِ أنفُسِهم مِن غيرِ دَعوةٍ وتَضليلٍ منكم؟
قَالُوا سُبْحَانَكَ مَا كَانَ يَنْبَغِي لَنَا أَنْ نَتَّخِذَ مِنْ دُونِكَ مِنْ أَوْلِيَاءَ وَلَكِنْ مَتَّعْتَهُمْ وَآَبَاءَهُمْ حَتَّى نَسُوا الذِّكْرَ وَكَانُوا قَوْمًا بُورًا (18)
قال المعبودون مِن دونِ اللهِ: ننزِّهُك -يا اللهُ- عن مُشارَكتِك في الألوهيَّةِ، فما يليقُ ولا يحِقُّ لنا أن نَعبُدَ غَيرَك، ونواليَ سِواك، ولا أن نطلُبَ مِن النَّاسِ أن يكونوا عابدينَ لنا؛ فنحن ما دعَوْناهم إلى ذلك، ولكِنْ متَّعْتَ -يا ربَّنا- هؤلاء المُشرِكين وآباءَهم في الدُّنيا بالنِّعَمِ، فانشَغَلوا بالشَّهواتِ حتَّى تَرَكوا وَحْيَك المنزَّلَ، وفيه الأمرُ بتوحيدِك وعبادتِك وحْدَك، وكان المُشرِكون قومًا هَلْكى، قد غلَب عليهم الخِذلانُ والشَّقاءُ.
فَقَدْ كَذَّبُوكُمْ بِمَا تَقُولُونَ فَمَا تَسْتَطِيعُونَ صَرْفًا وَلَا نَصْرًا وَمَنْ يَظْلِمْ مِنْكُمْ نُذِقْهُ عَذَابًا كَبِيرًا (19)
فقد كذَّبَكم -أيُّها المُشرِكون- مَن عبَدْتُموهم مِن دُونِ اللهِ، وأنكروا قَولَكم أنَّهم أمَروكم بعبادتِهم، وأنَّهم شُفَعاءُ لكم عندَ رَبِّكم، وكذَّبوكم في زَعمِكم أنَّهم آلهةٌ! فما تَستطيعون -أيُّها المُشرِكونَ- صَرْفَ عذابِ اللهِ عنكم بفِداءٍ أو غيرِه، ولا تستطيعونَ نَصرَ أنفُسِكم؛ لِعَجزِكم، ومَن يَظلِمْ نفْسَه منكم بالشِّركِ، نُعَذِّبْه في النَّارِ عذابًا كبيرًا.
وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَيَمْشُونَ فِي الْأَسْوَاقِ وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَ وَكَانَ رَبُّكَ بَصِيرًا (20)
وما أرسَلْنا قبْلَك -يا محمَّدُ- أحدًا مِن المرسَلينَ إلَّا والحالُ أنَّهم بَشَرٌ يأكُلون الطَّعامَ ويَمشونَ في الأسواقِ؛ فليس للمُشرِكين حُجَّةٌ في تكذيبِك؛ لكَونِك تفعلُ ذلك، وامتحَنَّا -أيُّها النَّاسُ- بعضَكم ببَعضٍ؛ لِيَظهَرَ ما نعلَمُه منكم في عالَمِ الغَيبِ مِن الطَّاعةِ والمعصيةِ في عالَمِ الشَّهادةِ، فهلْ تَصبِرونَ على البَلاءِ أو لا تَصبِرونَ؟ وكان ربُّك -يا محمَّدُ- بَصيرًا، يعلَمُ أحوالَكم وأعمالَكم، وسيُجازي كُلًّا بعَمَلِه، ويعلَمُ مَن يصلُحُ لرَسالتِه فيَصْطَفيه، ويختَصُّه بتفضيلِه.