التفسير المحرر
الأنبياء
الأنبياء
اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ (1)
قَرُبَ وقتُ حِسابِ النَّاسِ يومَ القيامةِ على أعمالِهم، والحالُ أنَّهم في غفلةٍ في الدُّنيا عن ذلك، وعمَّا يَفعَلُ اللهُ بهم يومَ القيامةِ، قد أعرَضوا عن التَّفكُّرِ في الآخرةِ، وما ينتظرُهم فيها مِن الحسابِ، ولم يَستعِدُّوا لها بالأعمالِ الصَّالحةِ!
مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ إِلَّا اسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ (2)
ما يأتي الكفارَ مِن وَحيٍ مِن اللهِ حَديثِ النُّزولِ -لِتَذكيرِهم ومَوعِظتِهم- إلَّا استَمَعوه سَماعَ لَعِبٍ واستِهزاءٍ به، فلا يَعتَبِرونَ، ولا يتَّعِظُونَ به.
لَاهِيَةً قُلُوبُهُمْ وَأَسَرُّوا النَّجْوَى الَّذِينَ ظَلَمُوا هَلْ هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ أَفَتَأْتُونَ السِّحْرَ وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ (3)
غارِقةً قُلوبُهم في اللَّهوِ والغَفلةِ عن القرآنِ، والتَّأمُّلِ والتَّفَهُّمِ لِمَعانيه، والتفكرِ فيما أودَعَ اللهُ فيه مِن الحُجَجِ والبراهينِ، وبالَغَ مُشرِكو قُرَيشٍ في إخفاءِ المناجاةِ فيما بيْنَهم، فقال بعضُهم لِبَعضٍ: هل هذا الَّذي يَزعُمُ أنَّه رَسولٌ مِن اللهِ إليكم إلَّا إنسانٌ مِثلُكم؟! أفتَقبَلونَ مِن محمَّدٍ القُرآنَ، وتصَدِّقونَ به وتتَّبِعونَه، وأنتم تَعلَمونَ وتُدرِكونَ أنَّه سِحرٌ؟!
قَالَ رَبِّي يَعْلَمُ الْقَوْلَ فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (4)
قال محمَّدٌ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم للكفَّارِ الَّذين يكذِّبونَه: ربِّي يعلَمُ كلَّ قولٍ في السَّماءِ والأرضِ سِرًّا كان أو جَهرًا، لا يخفَى عليه شَيءٌ ممَّا يُقالُ فيهما، واللهُ هو السَّميعُ لكلِّ قولٍ في السَّماءِ والأرضِ، العليمُ بكُلِّ شَيءٍ، ومِن ذلك عِلمُه بأحوالِنا وما في قُلوبنا، وبالصَّادِقِ والكاذِبِ مِنَّا.
بَلْ قَالُوا أَضْغَاثُ أَحْلَامٍ بَلِ افْتَرَاهُ بَلْ هُوَ شَاعِرٌ فَلْيَأْتِنَا بِآَيَةٍ كَمَا أُرْسِلَ الْأَوَّلُونَ (5)
بل قال الكافِرونَ: القرآنُ أشياءُ مُختَلِطةٌ رآها محمَّدٌ في منامِه ولا حقيقةَ لها، بل هو كذِبٌ افتراه مِن قِبَلِ نفْسِه، بل هو شاعِرٌ جاءكم بشِعرٍ، وزعم أنَّه مِن عندِ ربِّه! فَلْيَأْتِنَا بمُعجِزةٍ حِسِّيَّةٍ تدُلُّ على صِدقِه، كما أيَدَّ اللهُ رُسُلَه السَّابِقينَ بالمُعجِزاتِ؛ الَّتي لا يَقدِرُ عليها إلَّا اللهُ، ولا يأتي بها إلَّا الأنبياءُ والرُّسُلُ.
مَا آَمَنَتْ قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا أَفَهُمْ يُؤْمِنُونَ (6)
ما آمَنَ قبْلَ كفَّارِ قُرَيشٍ أهلُ القُرى مِن الأُمَمِ الماضيةِ الَّذين اقتَرَحوا على رسُلِهم الآياتِ، بل كذَّبوا بها لَمَّا جاءتْهم، فأهلَكْنا تلك القُرى وجميعَ أهلِها، أفيُؤمِنُ كفَّارُ قُرَيشٍ إذا أتَتْهم مُعجِزةٌ ممَّا يَقتَرِحونَ؟!
وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (7)
وما أرسَلْنا قَبْلَك -يا محمَّدُ- مِن الأنبياءِ لأُمَّةٍ مِن الأُمَمِ إلَّا رِجالًا مِن البَشَرِ مِثلَهم، فلماذا أنكَروا إرسالَنا لك إليهم، وأنت رجُلٌ كسائِرِ الرُّسُلِ الَّذين أُرسِلوا قَبْلَك إلى أُمَمِهم؟! فاسألوا أهلَ العِلمِ بالكُتُبِ المنزَّلةِ مِن قبْلُ إنْ كنتُم لا تعلمونَ أنَّ كلَّ الأنبياءِ مِنَ البَشَرِ؛ لِيُخبِروكم بذلك.
وَمَا جَعَلْنَاهُمْ جَسَدًا لَا يَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَمَا كَانُوا خَالِدِينَ (8)
وما جعَلْنا الأنبياءَ أجسادًا لا يأكُلونَ الطَّعامَ، بل كانوا بشَرًا مِثلَك يأكلونَ الطَّعامَ، وما كان الأنبياءُ السَّابقونَ خالدينَ في الدُّنيا لا يموتونَ، بل كانوا بشرًا عاشُوا ثمَّ ماتوا، وإنَّما تميَّزوا عن النَّاس بما يأتيهم عن الله سُبحانَه مِن الوحيِ.
ثُمَّ صَدَقْنَاهُمُ الْوَعْدَ فَأَنْجَيْنَاهُمْ وَمَنْ نَشَاءُ وَأَهْلَكْنَا الْمُسْرِفِينَ (9)
ثمَّ صدَقْنا رسُلَنا ما وعَدْناهم مِن إهلاكِ أعدائِهم الكافِرينَ المكَذِّبينَ، ونَصْرِهم عليهم، فأنجَيْنا أولئك الرُّسُلَ وأتْباعَهم الَّذين آمَنوا بهم مِن أُمَمِهم، وأهلَكْنا جميعَ الَّذين أسرَفوا على أنفُسِهم بالكُفرِ باللهِ، والإصرارِ على تكذيبِ رُسُلِ الله.
لَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ كِتَابًا فِيهِ ذِكْرُكُمْ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (10)
لقد أنزَلْنا إليكم قرآنًا فيه تذكيرٌ لكم بما فيه صلاحُكم، وفيه شَرَفُكم وعِزُّكم، أفلا تَعقِلونَ أنَّ في القُرآنِ شَرَفَكم، وهِدايتَكم إلى ما فيه صلاحُكم، فتُؤمِنوا به، وتتدبَّروه وتَعمَلوا بما فيه؟
وَكَمْ قَصَمْنَا مِنْ قَرْيَةٍ كَانَتْ ظَالِمَةً وَأَنْشَأْنَا بَعْدَهَا قَوْمًا آَخَرِينَ (11)
وكثيرٌ مِن القُرى الماضيةِ أهلَكْنا أهلَها المُشرِكينَ؛ لكُفرِهم باللهِ، وتَكذيبِهم رُسُلَه، وأوجَدْنا بعدَ إهلاكِهم أُمَّةً أُخرَى سِواهم.
فَلَمَّا أَحَسُّوا بَأْسَنَا إِذَا هُمْ مِنْهَا يَرْكُضُونَ (12)
فلمَّا رأَى هؤلاءِ الظَّالِمونَ عَذابَنا نازلًا بهم ووجَدوا مَسَّه، إذا هم يَهرُبونَ مِن قَريتِهم مُسرعينَ.
لَا تَرْكُضُوا وَارْجِعُوا إِلَى مَا أُتْرِفْتُمْ فِيهِ وَمَسَاكِنِكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْأَلُونَ (13)
لا تَرْكُضوا هارِبينَ مِن العذابِ، وارجِعوا إلى النِّعَمِ الَّتي كُنتم فيها، وبُيوتِكم التي سَكَنْتُم فيها؛ لعلَّكم تُسألُونَ شيئًا مِن دنياكم. وذلك على وجهِ التهكمِ بهم.
قَالُوا يَاوَيْلَنَا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ (14)
قال أولئك الكفَّارُ حينَ نزَل بهم العَذابُ مُعتَرِفينَ بذُنوبِهم نادِمينَ: يا وَيْلَنا! إنَّا كنَّا ظالِمينَ لأنفُسِنا بكُفرِنا بالله، وتكذيبِنا رُسُلَه.
فَمَا زَالَتْ تِلْكَ دَعْوَاهُمْ حَتَّى جَعَلْنَاهُمْ حَصِيدًا خَامِدِينَ (15)
فما زال الكفَّارُ حينَ نزَل بهم العذابُ يُكَرِّرونَ قَولَهم: يا وَيلَنا إنَّا كُنَّا ظالِمينَ، حتَّى أهلَكْناهم واستَأْصَلْناهم، فجَعَلْناهم موتَى كالزَّرعِ الَّذي استُؤصِلَ، قد خَمَدت منهم الحَرَكاتُ، وسَكَنَت منهم الأصواتُ.
وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ (16)
وما خلَقْنا السَّماءَ والأرضَ وما بيْنَهما مِن المخلوقاتِ عَبَثًا وباطِلًا، بل خلَقْناها بالحقِّ ليتفَكَّرَ النَّاسُ فيها، فيَستَدِلُّوا بها على عَظيمِ صِفاتِ خالِقِها، واستِحقاقِه للعبادةِ، وأنَّ القادِرَ على خَلقِها مع سَعَتِها وعِظَمِها قادِرٌ على إعادةِ الأجسادِ بعدَ مَوتِها.
لَوْ أَرَدْنَا أَنْ نَتَّخِذَ لَهْوًا لَاتَّخَذْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا إِنْ كُنَّا فَاعِلِينَ (17)
لو أرَدْنا -على سَبيلِ الفَرضِ والتَّقديرِ المُحالِ- أن نتَّخِذَ زوجةً وولدًا، لاتَّخَذْنا ذلك مِن عِندِنا، إنْ كُنَّا فاعلينَ ذلك، ولكِنْ لا يليقُ بنا فِعلُه ولا ينبغي.
بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ وَلَكُمُ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ (18)
ولكِنَّنا نُلقي بحُجَجِ القرآنِ على الباطِلِ، فيَذهَبُ ويَضمَحِلُّ، ولكم العَذابُ والهَلاكُ -أيُّها المُشرِكونَ- بسَبَبِ ما تَكذِبونَ وتَفتَرونَ.
وَلَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَنْ عِنْدَهُ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَلَا يَسْتَحْسِرُونَ (19)
ولله وَحْدَه مُلكُ مَن في السَّمواتِ والأرضِ مِن الخَلقِ، وكُلُّهم عَبيدٌ له، ومَن عِندَه مِنَ الملائِكةِ لا يتكَبَّرونَ عن عبادتِه وطاعتِه والتَّذَلُّلِ له، ولا يَتعَبونَ مِن عبادتِه، ولا يَنقَطِعونَ عنها.
يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ (20)
يُسبِّحونَ اللهَ لَيلًا ونهارًا، لا يَضعُفُ نَشاطُهم عن تَسبيحِه في كلِّ وَقتٍ.
أَمِ اتَّخَذُوا آَلِهَةً مِنَ الْأَرْضِ هُمْ يُنْشِرُونَ (21)
هل اتَّخَذ أولئك المُشرِكونَ مَعبوداتٍ مِن الأرضِ يُحْيونَ الأمواتَ؟ كلَّا، لا يَقدِرونَ على ذلك، فكيف جَعَلوهم لله أندادًا، وعَبَدوهم معه؟!
لَوْ كَانَ فِيهِمَا آَلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا فَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ (22)
لو كان في السَّمَواتِ والأرضِ مَعبوداتٌ تَستَحِقُّ العبادةَ غَيرُ اللهِ، لَخَرِبَتِ السَّمَواتُ والأرضُ، واختلَّ نظامُهما، وبطَل الانتفاعُ بما فيهما، وهلَك ما فيهما مِن الخَلقِ، فتنزَّه اللهُ ربُّ العَرشِ وتعالى عمَّا يَصِفُه به الواصِفونَ مِن صِفاتِ النَّقصِ، ويَكذِبونَ عليه، كادِّعائِهم أنَّ له ولدًا وشَريكًا!
لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ (23)
لا سائلَ يَسألُ اللهَ تعالى عمَّا يفعلُ، فيقولُ له: لِمَ فعَلْتَ؟ ولِمَ لَمْ تفعَلْ؟ ولا أحدَ يَقدِرُ أن يُمانِعَه أو يُعارِضَه سُبحانَه بقَولٍ أو بفِعلٍ فيما يشاءُ فِعلَه بخَلقِه، وأمَّا خَلقُه فيَسأَلُهم عن أفعالِهم وأقوالِهم.
أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آَلِهَةً قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ هَذَا ذِكْرُ مَنْ مَعِيَ وَذِكْرُ مَنْ قَبْلِي بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ الْحَقَّ فَهُمْ مُعْرِضُونَ (24)
أم اتَّخَذ هؤلاء المُشرِكونَ مِن دونِ اللهِ مَعبوداتٍ؟ قُلْ -يا مُحمَّدُ- لهم: هاتوا دليلَكم على أنَّ مع اللهِ آلِهةً أُخرى، هذا القُرآنُ الَّذي أُنزِلَ علَيَّ، وهذه كتُبُ الأنبياءِ المتقَدِّمةُ -كالتَّوراةِ، والإنجيلِ- على خِلافِ ما تَزعُمونَ، فهل وجدْتُم في شَيءٍ منها اتِّخاذَ آلهةٍ مع اللهِ؟! أم كُلُّها ناطِقةٌ بالتَّوحيدِ آمِرةٌ به؟ بل أكثَرُ هؤلاء المُشرِكينَ لا يَعلَمونَ الحَقَّ الَّذي أنزَلَه الله؛ فهم مُعرِضونَ عنه، فلا يتفَكَّرونَ فيه، ولا يُؤمِنونَ به ويتَّبِعونَه.
وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ (25)
وما أرسَلْنا مِن قَبْلِك -يا مُحمَّدُ- مِن رَسولٍ إلى أمَّةٍ مِن الأُمَمِ إلَّا نُوحي إليه أنَّه لا مَعبودَ بحَقٍّ إلَّا أنا، فوحِّدوني، وأخْلِصُوا العِبادةَ لي.
وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ (26)
وقال المُشرِكونَ: اتَّخَذَ الرَّحمنُ الملائِكةَ بناتٍ له! تنزيهًا لله أن تكونَ الملائِكةُ بَناتٍ له؛ فليس الأمرُ كما وَصَفوا، بل الملائِكةُ عِبادٌ لله، خاضِعونَ له، مُشَرَّفونَ مُقرَّبونَ عندَه.
لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ (27)
لا يتكَلَّمونَ إلَّا بما يأمُرُهم اللهُ بقَولِه، ولا يقولونَ شيئًا لم يأذَنْ لهم به، والملائِكةُ يَعمَلونَ بما يأمُرُهم اللهُ به، ويُطيعونَه ولا يُخالِفونَه.
يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ (28)
قد أحاط الله تعالى بالملائكةِ علمًا، فلا يخفَى عليه مِن أمورِهم شيءٌ؛ ولا خُروجَ لهم عن عِلمِه، كما لا خُروجَ لهم عن أمْرِه وتَدبيرِه، ولا يَشفَعونَ إلَّا لِمَن ارتَضى اللهُ الشَّفاعةَ له، وهم مِن أجْلِ خَوفِهم مِن اللهِ حَذِرونَ مِن أن يَعصُوه، فيَحِلَّ بهم غَضَبُه وعِقابُه.
وَمَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّي إِلَهٌ مِنْ دُونِهِ فَذَلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ كَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ (29)
ومَن يَقُلْ مِن الملائِكةِ -على سَبيلِ الفَرضِ: إنِّي إلهٌ معبودٌ من دونِ اللهِ؛ فسنُعاقِبُه بإدخالِه جهنَّمَ، وكما نجزي مَن قال ذلك نَجزي أيضًا كلَّ مَن ظلَمَ نفسَه بوَضْعِه العبادةَ في غيرِ مَوضِعها، فأشرَك باللهِ وعبَدَ غَيرَه.
أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلَا يُؤْمِنُونَ (30)
أولَمْ يَنظُرِ الكُفَّارُ فيَعلَموا أنَّ السَّماءَ كانت مُصْمَتةً لا تُمطِرُ، والأرضَ كانت مُصمَتةً لا تُنبِتُ، فصَدَعْنا السَّماءَ فأمطَرَت، وشقَقْنا الأرضَ فأنبَتَتْ؟! وخَلَقْنا مِن الماءِ كُلَّ شَيءٍ فيه حياةٌ، أفلا يُؤمِنُ الَّذين كفَروا بما يُشاهِدونَه، فيَستَدِلُّوا به على وُجودِ الصَّانِعِ الفاعِلِ، المختارِ القادِرِ، ويُقِرُّوا باستحقاقِه وَحْدَه للعبادةِ، ولا يُشرِكوا به شَيئًا؟
وَجَعَلْنَا فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِهِمْ وَجَعَلْنَا فِيهَا فِجَاجًا سُبُلًا لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ (31)
وجعَلْنا في الأرضِ جِبالًا ثابِتةً؛ لئلَّا تضطَرِبَ الأرضُ بهم، وجعَلْنا فيها طُرُقًا واسِعةً سَهلةً؛ لِيَهتَدوا إلى السَّيرِ في الأرضِ، والوُصولِ إلى مطالبِهم مِن البُلدانِ، ولِيَهتَدوا إلى ما فيها مِن دَلائِلِ وحدانيَّةِ خالِقِها وقُدرَتِه، وتفرُّدِه بأوصافِ الكَمالِ.
وَجَعَلْنَا السَّمَاءَ سَقْفًا مَحْفُوظًا وَهُمْ عَنْ آَيَاتِهَا مُعْرِضُونَ (32)
وجعَلْنا السَّماءَ سَقفًا للأرضِ مَحفوظًا مِن السُّقوطِ، ومحفوظًا مِن الشَّياطينِ، وهم عن آياتِ السَّماءِ الدَّالَّةِ على وحدانيَّةِ اللهِ وكَمالِ قُدرَتِه وحِكمَتِه وصِفاتِه، واستِحقاقِه للعبادةِ وَحْدَه- مُعرِضُون عن التَّفكُّرِ والتَّدبُّرِ فيها.
وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ (33)
واللهُ وَحْدَه هو الَّذي خلَقَ اللَّيلَ والنَّهارَ، والشَّمسَ والقَمَرَ، وكلٌّ مِنَ الشَّمسِ والقَمَرِ والنُّجُومِ في فلَكٍ دائرٍ، يجْرونَ بسُرعةٍ كالسَّابِحِ في الماءِ.
وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ أَفَإِنْ مِتَّ فَهُمُ الْخَالِدُونَ (34)
وما خلَّدْنا -يا محمَّدُ- أحدًا مِن البَشَرِ قَبْلَك في الدُّنيا؛ فنُخَلِّدَك فيها، ولا بُدَّ لك مِن أن تموتَ فيها كما مات مَن قَبْلَك، فهل إذا متَّ سيُخَلَّدُ المُشرِكونَ في الدُّنيا مِن بَعدِك؟! كلَّا، بل سيَموتونَ.
كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ (35)
كلُّ نَفسٍ مخلوقةٍ لا بدَّ أن تذوقَ ألمَ مُفارَقةِ جَسَدِها، ونختَبِرُكم -أيُّها النَّاسُ- بالمصائِبِ والشِّدَّةِ تارةً، وبالرَّخاءِ والنِّعَمِ تارةً أخرى اختبارًا؛ لِنَنظرَ صَبْرَكم وشُكرَكم، وإلينا تُرَدُّونَ لا إلى غَيرِنا، فنُجازيكم بحَسَبِ أعمالِكم.
وَإِذَا رَآَكَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَتَّخِذُونَكَ إِلَّا هُزُوًا أَهَذَا الَّذِي يَذْكُرُ آَلِهَتَكُمْ وَهُمْ بِذِكْرِ الرَّحْمَنِ هُمْ كَافِرُونَ (36)
وإذا رآك -يا محمَّدُ- كفَّارُ قُرَيشٍ، يَستَهزِئونَ ويَستَخِفُّونَ بك، يقولونَ -استِنكارًا-: أهذا هو الَّذي يَعيبُ أصنامَكم الَّتي تَعبُدونَها؟ وهؤلاء المُستَهزِئونَ بالرَّسولِ يَكفُرونَ بالرَّحمنِ الَّذي يُنعِمُ عليهم وبما يجبُ أنْ يُذكَرَ به مِن الوحدانيةِ!
خُلِقَ الْإِنْسَانُ مِنْ عَجَلٍ سَأُرِيكُمْ آَيَاتِي فَلَا تَسْتَعْجِلُونِ (37)
طُبِع الإنسانُ ورُكِّبَ على العَجَلةِ، سأُريكم -أيُّها المُستَعجِلونَ بالعَذابِ- آياتِ عَذابي وانتِقامي، وحُكمي وقُدرَتي على مَن كَفَرَ بي وعصاني؛ فلا تَستَعجِلوا بالعذابِ!
وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (38)
ويقولُ هؤلاء المُستَعجِلونَ رَبَّهم بالآياتِ والعَذابِ لمحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّم وللمُؤمِنينَ به: متى يأتينا عَذابُ اللهِ إنْ كُنتُم صادقينَ فيما تَعِدونَنا به مِنَ العذابِ؟
لَوْ يَعْلَمُ الَّذِينَ كَفَرُوا حِينَ لَا يَكُفُّونَ عَنْ وُجُوهِهِمُ النَّارَ وَلَا عَنْ ظُهُورِهِمْ وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ (39)
لو يتيقَّنُ الكُفَّارُ المُستَعجِلونَ العَذابَ ماذا لهم من البَلاءِ حينَ تَلفحُ وجوهَهم النَّارُ، فلا يَستَطيعونَ في ذلك الوَقتِ أن يَكُفُّوا بأنفُسِهم النَّارَ عن وُجوهِهم ولا عن ظُهورِهم، ولا يَجِدونَ لهم ناصِرًا ينصُرُهم، ويُنجِيهم مِن عَذابِ اللهِ؛ لَما استعجَلوا العذابَ، ولَتابوا وآمَنوا باللهِ.
بَلْ تَأْتِيهِمْ بَغْتَةً فَتَبْهَتُهُمْ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ رَدَّهَا وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ (40)
بل تأتيهم النَّارُ فجأةً، فتُصيبُهم بالذُّعْرِ والخوفِ والحيرةِ فلا يَدرونَ ما يصنعونَ! فلا يَستَطيعونَ دَفْعَ النَّارِ عن أنفُسِهم حينَ تبغَتُهم، ولا هم يُمهَلونَ فيُؤخَّرُ عنهم العَذابُ لِيَتوبُوا.
وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ فَحَاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (41)
ولقد استهزأَ كُفَّارُ الأُمَمِ الماضيةِ برُسُلِهم الَّذين أرسَلْناهم مِن قَبلِك -يا مُحمَّدُ- فاصبِرْ على استِهزاءِ الكافرينَ كما صبَرَ عليه غَيرُك مِن الرُّسُلِ، فنزلَ وأحاط بالكافِرينَ الَّذين سَخِروا مِنَ الرُّسُلِ العذابُ الَّذي كانوا يَستَهزِئونَ به في الدُّنيا، ويُكَذِّبونَ بوُقوعِه.
قُلْ مَنْ يَكْلَؤُكُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ مِنَ الرَّحْمَنِ بَلْ هُمْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِمْ مُعْرِضُونَ (42)
قُلْ -يا محمَّدُ- لكُفَّارِ قَومِك: مَن يَحرُسُكم ويَحفَظُكم باللَّيلِ والنَّهارِ مِن الرَّحمنِ؟ بل الكُفَّارُ مُعرِضونَ عن ذكرِ ربِّهم؛ جهلًا منهم، وسفهًا.
أَمْ لَهُمْ آَلِهَةٌ تَمْنَعُهُمْ مِنْ دُونِنَا لَا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَ أَنْفُسِهِمْ وَلَا هُمْ مِنَّا يُصْحَبُونَ (43)
ألهؤلاءِ الكُفَّارِ آلِهةٌ غَيرُنا تَحفَظُهم مِن عَذابِنا إن أنزَلْناه بهم؟ لا تَقدِرُ آلهتُهم المزعومةُ أن تَنصُرَ أنفُسَها لِضَعفِها، فكيف تنصُرُ عابِديها، وتمنَعُهم مِن عذابِنا؟! وليس لتلكَ الآلهةِ مُجيرٌ يُجيرُهم مِنَّا.
بَلْ مَتَّعْنَا هَؤُلَاءِ وَآَبَاءَهُمْ حَتَّى طَالَ عَلَيْهِمُ الْعُمُرُ أَفَلَا يَرَوْنَ أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنْقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا أَفَهُمُ الْغَالِبُونَ (44)
ولكنَّ الَّذي أوجبَ استِمرارَهم على كُفرِهم هو أنَّنا متَّعْنا مُشرِكي قُرَيشٍ وآباءَهم بالنِّعَمِ، وأطَلْنا أعمارَهم، فاغتَرُّوا بإمهالِ اللهِ لهم، وأعرَضوا عن تدبُّرِ حُجَجِ اللهِ عَزَّ وجَلَّ، فحمَلَهم ذلك على الطُّغيانِ، والاستِمرارِ على باطِلِهم، أوَلم يرَ الكُفَّارُ أنَّا ننصُرُ المُسلِمينَ، ونفتَحُ لهم ديارَ المُشرِكينَ أرضًا بعدَ أرضٍ، فنَنقُصُ دارَ الكُفَّارِ، ونَزيدُ في دارِ الإسلامِ؟ أفلا يعتَبِرونَ بذلك فيخافونَ ظُهورَهم على أرضِهم، وقَهْرَهم إيَّاهم؟! أفكُفَّارُ مكَّةَ هم المُنتَصِرونَ على النَّبيِّ عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ وأتْباعِه المُؤمِنينَ؟! بل المُشرِكونَ هم المغلوبونَ.
قُلْ إِنَّمَا أُنْذِرُكُمْ بِالْوَحْيِ وَلَا يَسْمَعُ الصُّمُّ الدُّعَاءَ إِذَا مَا يُنْذَرُونَ (45)
قُلْ -يا مُحمَّدُ- للمُشرِكينَ: إنَّما أُخَوِّفُكم عذابَ اللهِ بالقُرآنِ الَّذي يُنزِلُه اللهُ علَيَّ، ولا أُحَذِّرُكم مِن قِبَلِ نَفسي. ولا يُصغي الكُفَّارُ إلى القُرآنِ، كأنَّهم صُمٌّ لا ينتَفِعونَ به حينَ يُخوَّفونَ بآياتِه.
وَلَئِنْ مَسَّتْهُمْ نَفْحَةٌ مِنْ عَذَابِ رَبِّكَ لَيَقُولُنَّ يَاوَيْلَنَا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ (46)
ولَئِنْ أصاب الكافرينَ المُستَعجِلينَ بالعذابِ أقَلُّ شَيءٍ مِن عذابِ رَبِّك -يا مُحمَّدُ- ليقولُنَّ نادمينَ مُتحَسِّرينَ: يا ويلَنا، إنَّا كُنَّا ظالِمينَ لأنفُسِنا بعِبادتِنا غيرَ اللهِ!
وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ (47)
ونُقيمُ الموازينَ العادِلةَ في يومِ القيامةِ؛ لِوَزنِ أعمالِ العِبادِ عند حِسابِهم، فلا يَظلِمُ اللهُ نفْسًا بالنَّقصِ مِن حَسَناتِها، أو بمُعاقَبتِها بغيرِ ذَنبِها، أو بالزِّيادةِ في سَيِّئاتِها، وإن كان الَّذي للعبدِ مِن عملِ الحسناتِ أو عليه مِن السَّيِّئاتِ وَزنَ حَبَّةٍ مِن خَردلٍ، جِئْنا بها لِتُوزنَ في الميزانِ، وكفَى بنا عالِمينَ بأعمالِ العِبادِ، حافِظينَ لها، مُثبِتينَ لها في الكِتابِ، عالِمينَ بمَقاديرِها ومقاديرِ ثوابِها وعِقابِها واستِحقاقِها، مُوصِلينَ للعامِلينَ جَزاءَها.
وَلَقَدْ آَتَيْنَا مُوسَى وَهَارُونَ الْفُرْقَانَ وَضِيَاءً وَذِكْرًا لِلْمُتَّقِينَ (48)
ولقد آتَيْنا موسى وهارونَ ما يُفرَقُ به بيْنَ الحَقِّ والباطِلِ، وآتَيْناهما التَّوراةَ نورًا في القَلبِ، مُضيئةً طَريقَ الحَقِّ، مُبَصِّرةً لِمن اتَّبَعَها أحكامَ دينِهم، وهي تذكيرٌ ومَوعِظةٌ للمُتَّقينَ
الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ وَهُمْ مِنَ السَّاعَةِ مُشْفِقُونَ (49)
الَّذين يَخافونَ رَبَّهم في غَيبِهم وخَلَواتِهم حيثُ لا يَطَّلِعُ عليهم أحدٌ مِن النَّاسِ، فيَترُكونَ المُحَرَّماتِ، ويقومونَ بالواجِباتِ، مُخلِصينَ لله، خائِفينَ مِن عذابِه، وهم مِن يومِ القيامةِ وأهوالِه خائِفونَ حَذِرونَ.
وَهَذَا ذِكْرٌ مُبَارَكٌ أَنْزَلْنَاهُ أَفَأَنْتُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ (50)
وهذا القرآنُ ذِكرٌ يتذَكَّرُ ويتَّعِظُ به المُؤمِنونَ، كثيرُ الخيراتِ في الدُّنيا والآخِرةِ، أنزَلْناه إلى النبيِّ محمدٍ صلَّى الله عليه وسلَّم، أفأنتم للقُرآنِ مُنكِرونَ نُزولَه مِن عندِ اللهِ وهو في غايةِ الظُّهورِ؟ وكيف تُنكِرونَ كَونَه مُنَزَّلًا مِن عِندِه سُبحانَه مع اعتِرافِكم بأنَّ التَّوراةَ مُنَزَّلةٌ مِن عندِه؟!
وَلَقَدْ آَتَيْنَا إِبْرَاهِيمَ رُشْدَهُ مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا بِهِ عَالِمِينَ (51)
ولقد آتَيْنا إبراهيمَ هُداه مِن قَبل موسَى وهارونَ، ووفَّقْناه للحَقِّ، وأنقَذْناه مِن بينِ قَومِه وأهلِ بَيتِه، مِن عِبادةِ الأوثانِ، وآتَيْناه رُشدًا عَظيمًا على عِلمٍ مِنَّا بأنَّه أهلٌ لذلك الرُّشدِ.
إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا هَذِهِ التَّمَاثِيلُ الَّتِي أَنْتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ (52)
إذ قال إبراهيمُ لأبيه آزَرَ وقَومِه المُشرِكينَ: ما هذه الأصنامُ الَّتي أنتم مُقيمونَ على عِبادتِها، والحالُ أنَّكم مثَّلْتُموها ونحتُّمُوها بأيديكم، فكيف تعبُدونَ ما تَنحِتونَ؟!
قَالُوا وَجَدْنَا آَبَاءَنَا لَهَا عَابِدِينَ (53)
قال المُشرِكونَ لإبراهيمَ: وجَدْنا آباءَنا يَعبُدونَ هذه الأوثانَ؛ فنحن نعبُدُها مِثلَهم!
قَالَ لَقَدْ كُنْتُمْ أَنْتُمْ وَآَبَاؤُكُمْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (54)
قال إبراهيمُ: لقد كنتُم أنتم وآباؤُكم جميعًا في ذهابٍ عن سبيلِ الحَقِّ واضحٍ بيِّنٍ؛ بعِبادتِكم جماداتٍ لا تنفَعُ ولا تضُرُّ!
قَالُوا أَجِئْتَنَا بِالْحَقِّ أَمْ أَنْتَ مِنَ اللَّاعِبِينَ (55)
قال قَومُ إبراهيمَ: أجِئْتَنا -يا إبراهيمُ- بالحَقِّ المُطابِقِ للواقِعِ فيما تقولُ، أمْ أنَّ كلامَك كلامُ مازِحٍ هازلٍ مُستَهزِئٍ؟
قَالَ بَل رَبُّكُمْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الَّذِي فَطَرَهُنَّ وَأَنَا عَلَى ذَلِكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ (56)
قال إبراهيمُ لِقَومِه: بل جِئتُكم بالحَقِّ لا باللَّعِبِ؛ فرَبُّكم رَبُّ السَّمواتِ والأرضِ الَّذي أوجَدَهنَّ وأبدَعَهنَّ وما فيهنَّ مِن جَميعِ المخلوقاتِ، وأنا على ذلك الأمرِ البيِّنِ مِن الشَّاهِدينَ بعِلمٍ وحُجَّةٍ.
وَتَاللَّهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْنَامَكُمْ بَعْدَ أَنْ تُوَلُّوا مُدْبِرِينَ (57)
قال إبراهيمُ: وواللهِ لأحتالَنَّ على أصنامِكم فأُلحِقُ بها الضَّرَرَ بعدَ أن تَنصَرِفوا عنها.
فَجَعَلَهُمْ جُذَاذًا إِلَّا كَبِيرًا لَهُمْ لَعَلَّهُمْ إِلَيْهِ يَرْجِعُونَ (58)
فكسَّر إبراهيمُ الأصنامَ، وجعَلَها قِطَعًا مُهَشَّمةً إلَّا صَنَمًا كَبيرًا عِندَهم لم يُكَسِّرْه؛ لعَلَّ عابِديه يسألونَه عمَّن كَسَّرَ أصنامَهم، فيتبيَّنَ لهم عجْزُه!
قَالُوا مَنْ فَعَلَ هَذَا بِآَلِهَتِنَا إِنَّهُ لَمِنَ الظَّالِمِينَ (59)
فلمَّا رأى المُشرِكونَ حُطامَ أصنامِهم قالوا: مَن فعَلَ هذا بآلهتِنا؟ إنَّه لَمِنَ الظَّالمينَ بصَنيعِه هذا؛ حيثُ فعَل بها ما لا يَنبغي له فِعلُه؛ فإنَّ الآلهةَ حَقُّها الإكرامُ، لا الإهانةُ والانتِقامُ!
قَالُوا سَمِعْنَا فَتًى يَذْكُرُهُمْ يُقَالُ لَهُ إِبْرَاهِيمُ (60)
قال بعضُهم لبعضٍ: سَمِعْنا شابًّا يذكُرُ أصنامَنا بالعَيبِ والنَّقصِ والذَّمِّ يُسَمَّى إبراهيمَ، ومَنْ هذا شأنُه لا بدَّ أن يكونَ هو الَّذي كَسَّرَها.
قَالُوا فَأْتُوا بِهِ عَلَى أَعْيُنِ النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَشْهَدُونَ (61)
قالوا فأحضِروا إبراهيمَ على مرأًى مِن النَّاسِ؛ لعلَّهم يَشهَدونَ عُقوبَتَنا له.
قَالُوا أَأَنْتَ فَعَلْتَ هَذَا بِآَلِهَتِنَا يَا إِبْرَاهِيمُ (62)
فلمَّا أُحضِرَ إبراهيمُ قال له قَومُه: أأنت الَّذي حطَّمتَ أصنامَنا الَّتي نَعبُدُها يا إبراهيمُ؟
قَالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا فَاسْأَلُوهُمْ إِنْ كَانُوا يَنْطِقُونَ (63)
قال: بل الَّذي فعَل ذلك هذا الصَّنمُ الكبيرُ، فاسألوا الأصنامَ المكَسَّرةَ والصَّنمَ الكبيرَ الَّذي لم يُكَسَّرْ؛ لِيُخبِروكم بمن حطَّمَها إن كانوا يَستطيعونَ الكلامَ!
فَرَجَعُوا إِلَى أَنْفُسِهِمْ فَقَالُوا إِنَّكُمْ أَنْتُمُ الظَّالِمُونَ (64)
فرَجَعوا إلى أنفُسِهم، فقال بعضُهم لِبَعضٍ: إنَّكم أنتم الظَّالِمونَ.
ثُمَّ نُكِسُوا عَلَى رُءُوسِهِمْ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا هَؤُلَاءِ يَنْطِقُونَ (65)
ثم عادُوا إِلَى جهلِهم وعِنادِهم، ورَجَعوا عن الاعترافِ بالحقِّ إلى الباطلِ، وإلى المكابرةِ والانتصارِ للأصنامِ، فقالوا: أنت تعلمُ أَنَّ هؤلاءِ الأصنامَ لا تنطِقُ، فكيف تأمُرُنا بسؤالِهم، ما تريدُ إلَّا التَّنَصُّلَ مِن جَريمَتِك!
قَالَ أَفَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكُمْ شَيْئًا وَلَا يَضُرُّكُمْ (66)
قال إبراهيمُ مُوَبِّخًا قَومَه ومُنكِرًا عليهم: أفتَعبُدونَ أصنامًا لا تنفَعُكم شيئًا فتَرجونَها، ولا تَضُرُّكم شيئًا فتَخشَونَها؟ فلمَ تَعبُدونَ ما كان هكذا؟!
أُفٍّ لَكُمْ وَلِمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (67)
قُبْحًا لكم ولأصنامِكم، وما أخسَّكم أنتم وما تَعبُدونَ مِن دونِ اللهِ! أفليست لكم عُقولٌ تُدرِكونَ بها قُبحَ ما تفعَلونَ مِن عبادتِكم أصنامًا لا تنفَعُ ولا تضُرُّ؛ فتَتركوا عبادتَها، وتَعبُدوا اللهَ الذي بِيَدِه النَّفعُ والضُّرُّ؟!
قَالُوا حَرِّقُوهُ وَانْصُرُوا آَلِهَتَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ (68)
قال المُشرِكونَ: حَرِّقوا إبراهيمَ بالنَّارِ؛ انتِقامًا لأصنامِكم المحطَّمةِ إنْ كنتُم لها ناصرينَ.
قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ (69)
فأوقَدوا له نارًا لِيَحرِقوه، فلمَّا ألقَوا إبراهيمَ فيها قُلْنا لها: يا نارُ، كوني بردًا وسلامًا على إبراهيمَ. فأنجاه اللهُ منها، لم يَنَلْه فيها أذًى، ولا أحسَّ بمكروهٍ.
وَأَرَادُوا بِهِ كَيْدًا فَجَعَلْنَاهُمُ الْأَخْسَرِينَ (70)
وأراد المُشرِكونَ أن يَكيدوا بإبراهيمَ فخاب سَعيُهم، ولم يحصُلْ لهم مُرادُهم، وجعَلَهم اللهُ هم المغلوبينَ الهالكينَ.
وَنَجَّيْنَاهُ وَلُوطًا إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا لِلْعَالَمِينَ (71)
ونجَّينا إبراهيمَ ولوطًا مِن أعدائِهما الكافِرينَ، فأخرَجْناهما إلى الأرضِ الَّتي بارَكْنا فيها للنَّاسِ بكثرةِ خيراتِها. وهي الشَّامُ.
وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ نَافِلَةً وَكُلًّا جَعَلْنَا صَالِحِينَ (72)
وأعْطَينا إبراهيمَ ابنَه إسحاقَ، وأعْطَيناه حَفيدَه يَعقوبَ بنَ إسحاقَ زيادةً، وفَضلًا منَّا، وكُلًّا من إبراهيمَ وإسحاقَ ويَعقوبَ جعَلْنا طائِعينَ لله، مُجتَنِبينَ محارِمَ اللهِ.
وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ وَإِقَامَ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءَ الزَّكَاةِ وَكَانُوا لَنَا عَابِدِينَ (73)
وجعَلْنا إبراهيمَ وإسحاقَ ويَعقوبَ أئمَّةً يَقتَدي بهم النَّاسُ في طاعةِ اللهِ، ويَدْعونَ بأمْرِنا إلى عبادةِ اللهِ، واتِّباعِ أمْرِه، واجتنابِ نَهْيِه، وأوحَينا إليهم أن يفعَلوا هم وقَومُهم الطَّاعاتِ، ويُقيموا الصَّلاةَ، ويُؤتُوا الزَّكاةَ، وكانوا لنا طائِعينَ بإخلاصٍ وذُلٍّ وخُضوعٍ وخُشوعٍ، يَفعَلونَ ما يأمُرونَ النَّاسَ به، ويجتَنِبونَ ما يَنهونَهم عنه.
وَلُوطًا آَتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ تَعْمَلُ الْخَبَائِثَ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمَ سَوْءٍ فَاسِقِينَ (74)
وآتَينا لوطًا النبُوَّةَ، وآتَيْناه عِلمًا عَظيمًا في شريعتِه، وفَهمًا ومعرفةً بأمرِ دينِه، وما يقَعُ به الحُكمُ بيْن الخُصومِ، ونجَّينا لوطًا مِن أهلِ القَريةِ الَّذين كانوا يفعَلونَ الأفعالَ الشَّنيعةَ القبيحةَ؛ كالكُفرِ، وإتيانِ الذُّكورِ، وغيرِ ذلك، إنَّهم كانوا أصحابَ عملٍ سَيِّئٍ، خارجينَ عن طاعةِ الله.
وَأَدْخَلْنَاهُ فِي رَحْمَتِنَا إِنَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ (75)
وأدخَلْنا لوطًا في رَحمَتِنا بإنجائِنا له مِن عذابِ قَومِه في الدُّنيا، وبإدخالِه الجنَّةَ في الآخِرةِ؛ لأنَّه من الأنبياءِ الطَّائعينَ لله، العامِلينَ بوَحيِ اللهِ، المُستَقيمينَ على أمرِ اللهِ ونَهْيِه.
وَنُوحًا إِذْ نَادَى مِنْ قَبْلُ فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ (76)
واذكُرْ -يا مُحمَّدُ- نوحًا حينَ دعا رَبَّه -مِن قَبلِ إبراهيمَ ولوطٍ- أن يَنصُرَه على قَومِه الكافرينَ، وأن يُهلِكَهم، فاستجَبْنا دُعاءَه، فأغرَقْنا قَومَه الكافرينَ، ونجَّيناه معَ أهلِه المؤمِنينَ مِن الغَمِّ الشَّديدِ.
وَنَصَرْنَاهُ مِنَ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآَيَاتِنَا إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمَ سَوْءٍ فَأَغْرَقْنَاهُمْ أَجْمَعِينَ (77)
وحمَيناه مِن قَومِه الَّذين كذَّبوا بحُجَجِنا الدَّالَّةِ على رِسالتِه، فلا ينالونَه بسوءٍ، إنَّهم كانوا قومًا يُسيئُونَ أعمالَهم بالشِّركِ والكُفرِ، وتَكذيبِ الرَّسولِ، ومَعصيةِ اللهِ، فأغرَقْناهم كُلَّهم؛ كبيرَهم وصَغيَرهم.
وَدَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ (78)
واذكُرْ -يا محمَّدُ- خبَرَ داودَ وسُلَيمانَ حينَ يَحكُمانِ في شأنِ الزَّرعِ أو الغَرسِ الَّذي انتَشَرَت فيه غَنَمُ قَومٍ آخرينَ في اللَّيلِ، فَرَعَت في البُستانِ وأكَلَت ما في أشجارِه، وكنَّا لحُكمِ داودَ وسُلَيمانَ والمُتحاكِمين إليهما عالِمينَ لا يخفَى علينا شيءٌ.
فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ وَكُلًّا آَتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُودَ الْجِبَالَ يُسَبِّحْنَ وَالطَّيْرَ وَكُنَّا فَاعِلِينَ (79)
ففهَّمْنا تلك القضيَّةَ سُلَيمانَ، وكلًّا مِن داودَ وسُلَيمانَ آتَيْنا نُبُوَّةً، وعِلمًا بدينِ اللهِ وأحكامِه، وذلَّلْنا مع داودَ الجِبالَ والطَّيرَ يُسَبِّحْنَ بمِثلِ تَسبييحِه إذا سَبَّحَ؛ مُعجِزةً له، وكنَّا فاعلينَ ذلك.
وَعَلَّمْنَاهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَكُمْ لِتُحْصِنَكُمْ مِنْ بَأْسِكُمْ فَهَلْ أَنْتُمْ شَاكِرُونَ (80)
وعلَّمْنا داودَ كيفيَّةَ صِناعةِ الدُّروعِ لكم؛ لِتَقيَكم في القتالِ مِن سلاحِ أعدائِكم، فهل أنتم -أيُّها النَّاسُ- شاكِرو اللهِ على تيسيرِه لكم هذه النعمةَ؟
وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ عَاصِفَةً تَجْرِي بِأَمْرِهِ إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا وَكُنَّا بِكُلِّ شَيْءٍ عَالِمِينَ (81)
وسَخَّرْنا لسُلَيمانَ الرِّيحَ، والحالُ أنَّها شديدةُ الهُبوبِ، تجري بأمرِ سُلَيمانَ طائِعةً له، فتعودُ إلى الأرضِ الَّتي بارك اللهُ فيها -وهي الشَّامُ-، وكُنَّا بجَميعِ الأشياءِ مِن أمرِ سُلَيمانَ وغَيرِه عالِمينَ، لا يخفَى علينا شَيءٌ، عالِمينَ بتَدبيرِه.
وَمِنَ الشَّيَاطِينِ مَنْ يَغُوصُونَ لَهُ وَيَعْمَلُونَ عَمَلًا دُونَ ذَلِكَ وَكُنَّا لَهُمْ حَافِظِينَ (82)
وسَخَّرْنا لسُلَيمانَ مِن الشَّياطينِ مَن يغوصونَ له في البَحرِ؛ لِيَستخرِجوا اللَّآلئَ والجواهِرَ وغيرَ ذلك، ويعمَلُ الشَّياطينُ لِسُلَيمانَ أعمالًا أخرى غيرَ الغَوصِ، كالبناءِ وغيرِه، وكُنَّا للشَّياطينِ الَّذين يَعمَلونَ لسُلَيمانَ حافِظينَ، فلا يتمَرَّدونَ على طاعتِه، أو يُبَدِّلونَ أو يُغَيِّرونَ، أو يُوجَدُ منهم فَسادٌ فيما هم مُسَخَّرونَ فيه، ولا يتعَرَّضونَ له بسُوءٍ ولا لأحدٍ مِنَ النَّاسِ.
وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ (83)
واذكُرْ -يا محمَّدُ- أيُّوبَ حينَ نادى ربَّه بأنِّي أصابني الضَّرَرُ والبلاءُ، وأنت أرحَمُ من يَرحَمُ، فارحَمْني بكَشفِ ضُرِّي.
فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِنْ ضُرٍّ وَآَتَيْنَاهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَذِكْرَى لِلْعَابِدِينَ (84)
فاستجَبْنا دُعاءَ أيُّوبَ، فأزَلْنا ما حلَّ به مِن ضَرَرٍ وبَلاءٍ، وآتَيْنا أيُّوبَ أهلَه الَّذين فقَدَهم، ورَزَقْناه معهم آخَرينَ مِثلَ عَدَدِهم زيادةً على ذلك؛ رحمةً مِنَّا به، وتذكيرًا للَّذين يَعبُدونَ اللهَ؛ لِيَعتبِروا بقصَّةِ أيُّوبَ، ويَصبِروا كما صبَرَ.
وَإِسْمَاعِيلَ وَإِدْرِيسَ وَذَا الْكِفْلِ كُلٌّ مِنَ الصَّابِرِينَ (85)
واذكُرْ -يا محمَّدُ- إسماعيلَ بنَ إبراهيمَ، وإدريسَ، وذا الكِفْلِ، كلٌّ منهم مِن الصَّابرينَ على الابتلاءاتِ، وعلى فِعلِ الطَّاعاتِ، واجتنابِ السَّيِّئاتِ.
وَأَدْخَلْنَاهُمْ فِي رَحْمَتِنَا إِنَّهُمْ مِنَ الصَّالِحِينَ (86)
وأدخَلْنا إسماعيلَ وإدريسَ وذا الكفلِ في رَحمتِنا؛ لأنَّهم مِنَ الكامِلينَ في الصَّلاحِ، الجامِعينَ لخِصالِ الخَيرِ، المُطِيعينَ لله.
وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ (87)
واذكُرْ -يا مُحمَّدُ- يُونُسَ صاحِبَ الحُوتِ حينَ ذَهَب غاضِبًا على قَومِه مِن أجْلِ رَبِّه؛ لِكُفرِهم به، وعِصيانِهم له، بعدَما دعاهم إليه، فظَنَّ أنَّنا لن نُضَيِّقَ عليه، فكانَ ما كانَ مِنَ المُساهَمَةِ والتِقامِ الحُوتِ، فنادَى وهو في الظُّلُماتِ - ظُلمةِ البحرِ، وظُلمةِ اللَّيلِ، وظلمةِ بطنِ الحوتِ- فقال: لا إلهَ إلَّا أنتَ، أُنَزِّهُك عن جَميعِ النَّقائِصِ والعُيوبِ، إنِّي كُنتُ ظالِمًا لِنَفسي بمَعصِيتِك حينَ خَرَجْتُ مِن قَومي.
فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ (88)
فأجَبْنا دُعاءَ يُونُسَ، ونَجَّيْناه مِن الغَمِّ والشِّدَّةِ الَّتي وقَعَ فيها، فأخرَجْناه مِن بَطنِ الحُوتِ، وكما نجَّيْنا يونُسَ مِن غَمِّه حينَ دَعانا، كذلك نُنْجِي المؤمِنينَ مِن غُمومِهم وكُرَبِهم إذا دَعَونا بإخلاصٍ.
وَزَكَرِيَّا إِذْ نَادَى رَبَّهُ رَبِّ لَا تَذَرْنِي فَرْدًا وَأَنْتَ خَيْرُ الْوَارِثِينَ (89)
واذكُرْ -يا محمَّدُ- زكريَّا حينَ نادَى رَبَّه، فقال: رَبِّ، لا تترُكْني وَحيدًا بلا وَلَدٍ، فارزُقْني وارِثًا مِن نَسلي يَقومُ بالدِّينِ مِن بَعدي، وأنت خيرُ الباقينَ بعدَ مَوتِ العبادِ، وخَيرُ مَن يَخلُفُني بخَيرٍ.
فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَوَهَبْنَا لَهُ يَحْيَى وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ (90)
فاستَجَبْنا لزكريَّا دُعاءَه، ورَزَقْناه ولَدًا اسمُه يحيى، وأصلَحْنا لزكريَّا امرأتَه العقيمَ، فجعَلْناها وَلودًا صالِحةً للحَملِ، إنَّ زكريَّا وزَوجَه ويحيَى كانوا يُبادِرونَ إلى فِعلِ الطَّاعاتِ، وما يُقرِّبُهم إلينا، وكانوا يَدْعُوننا؛ رَغبةً منهم في ثوابِنا ورَحمتِنا، ورَهبةً مِن عذابِنا، وكانوا لنا مُتواضِعينَ خاضِعينَ، مُتذَلِّلينَ.
وَالَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهَا مِنْ رُوحِنَا وَجَعَلْنَاهَا وَابْنَهَا آَيَةً لِلْعَالَمِينَ (91)
واذكُرْ -يا مُحمَّدُ- مَريمَ الَّتي حَفِظَت فَرْجَها مِن الحَرامِ، فأمَرْنا جبريلَ أن يَنفُخَ الرُّوحَ في جَيبِ درعِها، فبَلَغَت النَّفخةُ فَرْجَها، فحَمَلت بعِيسى، وجعَلْنا مَريمَ وابنَها عَلامةً عَظيمةً للنَّاسِ تدُلُّهم على اللهِ، وعلى قُدرتِه وعَظيمِ سُلْطانِه.
إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ (92)
إنَّ مِلَّةَ الإسلامِ أيُّها النَّاسُ هي مِلَّتُكم الَّتي يَجِبُ أن تُحافِظوا على حدودِها، وتُراعوا حقوقَها، وأنْ تكونوا عليها، لا تنحرِفونَ عنها، مِلَّةً واحِدَةً، غيرَ مختلفةٍ، وأنا -لا غيري- مَنْ خلَقْتُكم وربَّيتُكم بنِعَمي، فما دام أنَّ الرَّبَّ واحِدٌ والدِّينَ واحِدٌ، فأفرِدُوني بالعِبادةِ، ولا تُشرِكوا بي، ولا تختَلِفوا في ذلك.
وَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ كُلٌّ إِلَيْنَا رَاجِعُونَ (93)
وتفرَّق النَّاسُ في دينِهم الَّذي شرَعَه اللهُ لهم، فصاروا فيه فِرَقًا وأحزابًا شَتَّى، كُلُّ أولئك المتفَرِّقينَ المُختَلِفينَ في دينِ اللهِ صائِرونَ إلينا يَومَ القيامةِ، فنَحكُمُ بيْنَهم ونُجازيهم على أعمالِهم؛ إنْ خَيرًا فخَيرٌ، وإنْ شَرًّا فشَرٌّ.
فَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَا كُفْرَانَ لِسَعْيِهِ وَإِنَّا لَهُ كَاتِبُونَ (94)
فمَن يعمَلْ مِن الأعمالِ الصَّالحةِ وهو مُؤمِنٌ باللهِ ورُسُلِه، والحالُ أنَّه مُوَحِّدٌ لله تعالى مُخلِصٌ له في عَمَلِه؛ فلن يجحَدَ اللهُ عَمَلَه ولن يُضيعَه، بل يُثيبُه عليه يومَ القيامةِ، ونحن نكتُبُ أعمالَه الصَّالِحةَ كُلَّها، صَغيرَها وكَبيرَها؛ لِنُطلِعَه عليها يومَ الجَزاءِ، ونجازيَه على ما قدَّمَ.
وَحَرَامٌ عَلَى قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا أَنَّهُمْ لَا يَرْجِعُونَ (95)
ومُمتَنِعٌ على قَريةٍ أهلَكْناها أن يَرجِعَ أهلُها.
حَتَّى إِذَا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ (96)
حتَّى إذا فُتِحَ السَّدُّ الَّذي حُبِسَ وراءَه قَبيلَتا يأجوجَ ومأجوجَ، فيخَرَجون مِن كُلِّ مَكانٍ مُرتَفِعٍ، يَمشُونَ مُسرِعينَ للإفسادِ في الأرضِ.
وَاقْتَرَبَ الْوَعْدُ الْحَقُّ فَإِذَا هِيَ شَاخِصَةٌ أَبْصَارُ الَّذِينَ كَفَرُوا يَا وَيْلَنَا قَدْ كُنَّا فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا بَلْ كُنَّا ظَالِمِينَ (97)
واقتَرَبَ مَجيءُ يومِ القيامةِ الَّذي وعَدَ اللهُ بإتيانِه وأن يَبعَثَ فيه عِبادَه مِن قُبورِهم للحِسابِ والجَزاءِ؛ فإنَّه إذا وُجِدَت تلك الأهوالُ والفِتَنُ والمِحَنُ الواقِعةُ في آخِرِ الزَّمانِ، فقد اقتَرَبت السَّاعةُ، فإذا أبصارُ الكُفَّارِ مَفتوحةٌ لا تَطرِفُ؛ مِن شِدَّةِ ما يَرَونَه مِن أهوالٍ وأمورٍ عِظامٍ، يَقولونَ: يا وَيلنَا قد كُنَّا في غَفلةٍ مِن هذا اليَومِ، بلْ كُنَّا ظالِمينَ لأنفُسِنا بكُفرِنا برَبِّنا، ومَعصِيَتِنا له، وإعراضِنا عن آياتِه، وعبادَتِنا غَيرَه.
إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ (98)
يُقالُ لهم: إنَّكم -أيُّها المُشرِكونَ- وما تَعبُدونَ مِن دُونِ اللهِ وَقودُ جَهنَّمَ، أنتم -أيُّها المُشرِكونَ- داخِلونَ جَهنَّمَ مع آلهَتِكم التي كُنتُم تَعبُدونَها مِن دُونِ اللهِ.
لَوْ كَانَ هَؤُلَاءِ آَلِهَةً مَا وَرَدُوهَا وَكُلٌّ فِيهَا خَالِدُونَ (99)
لو كانت تلك الآلِهةُ المَعبودةُ مِن دُونِ اللهِ آلِهةً حَقًّا كما يَزعُمُ عابِدوها، لَمَا دخَلَ العابِدونَ والمَعبودونَ جَهنَّمَ، ولَمَنَعت تلك الآلهةُ عابِديها مِن دُخولِها، وكلٌّ مِنَ الآلهةِ الباطِلةِ وعابِديها في جهَنَّمَ ماكِثونَ.
لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَهُمْ فِيهَا لَا يَسْمَعُونَ (100)
للمُشرِكينَ وآلهَتِهم في جَهنَّمَ زَفيرٌ مِن شِدَّةِ العَذابِ، وهم في جَهنَّمَ صُمٌّ لا يَسمَعونَ شَيئًا.
إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ (101)
إنَّ المُؤمِنينَ الَّذين سَبَق في عِلْمِنا منذُ الأزَلِ أنَّهم مِن أهلُ السَّعادةِ بدُخولِ الجَنَّةِ، مُبعَدونَ عن جَهَنَّمَ يومَ القيامةِ، فلا يَدخُلونَها، ولا يَقربونَ منها، وإنْ عَبَدَهم بَعضُ المُشرِكينَ بغَيرِ رِضاهم واختيارِهم.
لَا يَسْمَعُونَ حَسِيسَهَا وَهُمْ فِي مَا اشْتَهَتْ أَنْفُسُهُمْ خَالِدُونَ (102)
لا يَسمَعُ المُؤمِنونَ وهم في الجَنَّةِ صَوتَ جَهنَّمَ وإحراقِها الأجسادَ؛ لِبُعدِهم الشَّديدِ عنها، والمُؤمِنونَ فيما تَشتَهيه أنفُسُهم مِن نَعيمِ الجَنَّةِ ماكِثونَ، لا يخافونَ زَوالًا عنه، ولا انتِقالًا منه.
لَا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الْأَكْبَرُ وَتَتَلَقَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ هَذَا يَوْمُكُمُ الَّذِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ (103)
لا يَحزُنُ المؤمنينَ الفزعُ الأكبَرُ يَومَ القيامةِ عِندَ النَّفخِ في الصُّورِ للحَشرِ، ويَستَقبِلُ الملائِكةُ المُؤمِنينَ يَومَ القيامةِ، فيُهَنِّئونَهم ويُبَشِّرونَهم برَحمةِ اللهِ، ونَيْلِ كرامتِه؛ يقولونَ لهم: هذا اليومُ الحاضِرُ هو اليَومُ الَّذي كُنتُم في الدُّنيا تُوعَدونَ أن يُثيبَكم اللهُ فيه على قيامِكم بطاعتِه.
يَوْمَ نَطْوِي السَّمَاءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْدًا عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ (104)
لا يَحزُنُهم الفَزَعُ الأكبَرُ في ذلك اليَومِ الَّذي نَطْوي فيه السَّمواتِ كما تُطوى الصَّحيفةُ على الكَلامِ المكتوبِ فيها، كما قدَرْنا على إيجادِ الخلقِ أوَّلَ مرةٍ، كذلك نقدرُ على إعادتِهم، فنبعثُهم أحياءً مِن قبورِهم، ونحشرُهم على مِثلِ هَيئَتِهم حينَ خَرَجوا مِن بُطونِ أُمَّهاتِهم؛ حُفاةً، عُراةً، غَيرَ مَختونينَ، وَعَدْناكم ذلك وَعدًا حَقًّا علينا أنْ نَفِيَ به، فمِن شأنِنا أنَّنا نفعلُ ما نريدُ، وسنفعلُ ما وعَدْنا به لا محالةَ.
وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ (105)
ولقَدْ كَتَبْنا في جميعِ الكُتُبِ المنَزَّلةِ مِن السَّماءِ بعدَ اللَّوحِ المحفوظِ الَّذي كتَب اللهُ فيه كلَّ ما هو كائنٌ أنَّ الأرضَ يَرِثُها عبادِيَ العامِلونَ بطاعَتي، الَّذين قاموا بالمأموراتِ، واجتَنَبوا المَنهيَّاتِ.
إِنَّ فِي هَذَا لَبَلَاغًا لِقَوْمٍ عَابِدِينَ (106)
إنَّ في هذا القرآنِ الَّذي أنزَلْناه على نبيِّنا لَكفايةً -يَتبلَّغونَ به في الوُصولِ إلى بُغْيتِهم مِن خيرِ الدُّنيا والآخرةِ- لِقَومٍ دَيدَنُهم وشَأنُهم القيامُ بعِبادةِ اللهِ بما شَرَعَ.
وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ (107)
وما أرسَلْناك -يا مُحمَّدُ- إلَّا رَحمةً لِجَميعِ الخَلقِ.
قُلْ إِنَّمَا يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (108)
قُلْ -يا مُحمَّدُ- للمُشرِكينَ: إنَّما يُوحي اللهُ إلَيَّ أنَّما مَعبودُكم مَعبودٌ واحِدٌ لا شَريكَ له في العِبادةِ، فهل أنتم مُستَسلِمونَ لِتَوحيدِ اللهِ، مُنقادونَ لِطاعتِه وعِبادتِه وَحْدَه بعدَ هذا البَيانِ؟
فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ آَذَنْتُكُمْ عَلَى سَوَاءٍ وَإِنْ أَدْرِي أَقَرِيبٌ أَمْ بَعِيدٌ مَا تُوعَدُونَ (109)
فإنْ أعرَضَ النَّاسُ عن الإسلامِ، فقُلْ لهم -يا مُحمَّدُ: أعلَمْتُكم ببَراءتي منكم وبراءتِكم مِنِّي، وأنَّه لا صُلحَ بيْنَنا، ولا سِلْمَ، فاستَوَيْنا جميعُنا في العِلمِ بذلك، وما أدري أقريبٌ زَمَنُ وُقوعِ ما وعَدَكم اللهُ به من العَذابِ، أم هو بَعيدٌ.
إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ مِنَ الْقَوْلِ وَيَعْلَمُ مَا تَكْتُمُونَ (110)
لكنَّ عَذابَكم واقعٌ لا مَحالةَ؛ لأنَّ اللهَ يَعلَمُ ما يَجهَرُ به عِبادُه مِن أقوالِهم، ويَعلَمُ ما تُخفونَه -أيُّها المُشرِكونَ- وسيُجازيكم على ذلك عاجِلًا أو آجِلًا.
وَإِنْ أَدْرِي لَعَلَّهُ فِتْنَةٌ لَكُمْ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ (111)
قُلْ -يا مُحمَّدُ- لهم: فإنْ تأخَّرَ عذابُكم، فما أدري سَبَبَ ذلك وحِكمَتَه، لكنْ لعَلَّه امتحانٌ وابتلاءٌ لكم، فتَزدادُ سَيِّئاتُكم، وتتمَتَّعونَ قَليلًا في حياتِكم إلى وَقتٍ مُعَيَّنٍ، ثمَّ يأتيكم العَذابُ.
قَالَ رَبِّ احْكُمْ بِالْحَقِّ وَرَبُّنَا الرَّحْمَنُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ (112)
قال مُحمَّدٌ عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ داعيًا رَبَّه: يا رَبِّ، افعَلْ ما تَنصُرُ به عبادَك، وتَخذُلُ به أعداءَك، وربُّنا المتَّصِفُ بالرَّحمةِ الواسِعةِ هو وَحْدَه الَّذي نَطلُبُ منه العَونَ عليكم -أيُّها المُشرِكونَ- على ما تَفتَرونَه عليه وعلى رَسولِه مِن الوَصفِ الباطِلِ.
الحج
يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ (1).
يا أيُّها النَّاسُ، اتَّقُوا رَبَّكم الَّذي خلَقَكم، والَّذي يَرزُقُكم ويدَبِّرُ أمورَكم -بامتِثالِ أوامِرِه، واجتنابِ نَواهيه-؛ لأنَّ أمامَكم أهوالًا عَظيمةً، يَحصُلُ منها رُعبٌ هائِلٌ، وفَزَعٌ كَبيرٌ يومَ القيامةِ، ولا نجاةَ مِن ذلك إلَّا بتَقواهُ سُبحانَه.
يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ (2).
يومَ تَرَونَ زلزلةَ السَّاعةِ -أيُّها النَّاسُ- تَشْتغِلُ كُلُّ مُرضِعةٍ حِينَها عمَّن تُرضِعُه، وتَغفُلُ عنه حائِرةً مَدهوشةً، وتُسقِطُ كُلُّ امرأةٍ حاملٍ جَنينَها الَّذي في بَطنِها قبْلَ تمامِه، وترى النَّاسَ تَحسَبُهم سُكارى قد دَهِشَت عُقولُهم، وغابت أذهانُهم، ولَيسُوا بسُكارى حقيقةً مِن شُربِ الخَمرِ! ولكِنَّ الَّذي أوجَبَ لهم هذه الحالةَ خَوفُهم مِن شِدَّةِ عذابِ اللهِ الَّذي رأوْهُ، فأذهَبَ هَولُه عُقولَهم، وأفرَغَ قُلوبَهم، ومَلَأها فَزَعًا ورُعبًا!
وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّبِعُ كُلَّ شَيْطَانٍ مَرِيدٍ (3).
ومِنَ النَّاسِ صِنفٌ يجادِلُ في شأنِ اللهِ وفي دينِه بجَهلٍ، مِن غيرِ علمٍ صحيحٍ؛ لإحقاقِ الباطلِ وإبطالِ الحقِّ، فيُنكِرُ وحدانيَّةَ اللهِ وقدرتَه على إحياءِ الموتَى، ويُكذِّبُ ما جاءَتْ به رسلُه، ويتَّبِعُ في جِدالِه في اللهِ بلا عِلمٍ كُلَّ شَيطانٍ عاتٍ طاغٍ مِن شياطينِ الإنسِ والجِنِّ، مُتجَرِّدٍ مِنَ الخيرِ، مُتمَرِّدٍ على اللهِ.
كُتِبَ عَلَيْهِ أَنَّهُ مَنْ تَوَلَّاهُ فَأَنَّهُ يُضِلُّهُ وَيَهْدِيهِ إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ (4).
قضَى اللهُ على الشَّيطانِ المتَمَرِّدِ وقدَّر أنَّ مَنِ اتَّخَذه وليًّا فأقبَلَ عليه واتَّبَعَه؛ فإنَّ الشَّيطانَ يُضِلُّه في الدُّنيا عن الحَقِّ، ويَدُلُّه إلى طريقِ النَّارِ المُوقَدةِ ويَدْعوه إليها، فيَسوقُه إلى عَذابِها بما يُزَيِّنُه له مِنَ الباطِلِ.
يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِنُبَيِّنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحَامِ مَا نَشَاءُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلًا ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْلَا يَعْلَمَ مِنْ بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئًا وَتَرَى الْأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ (5).
يا أيُّها النَّاسُ، إنْ كُنتُم في شَكٍّ مِن قُدرَتي على بَعْثِكم بعدَ مَوتِكم، فتَذَكَّروا أنَّني خلَقْتُ أباكم آدَمَ مِن ترابٍ؛ فالَّذي قدَرَ على خَلْقِكم أوَّلًا قادِرٌ على خَلْقِكم ثانيًا، ثمَّ خَلَقْناكم -يا بَني آدَمَ- مِن مَنِيٍّ، ثمَّ مِن قِطعةِ دَمٍ حَمراءَ جامِدةٍ تَعلَقُ برَحِمِ المرأةِ، ثمَّ مِن قِطعةِ لَحمٍ صَغيرةٍ بمِقدارِ ما يُمضَغُ، مخلَّقةٍ وغيرِ مخلَّقةٍ، لنُعَرِّفَكم بابتداءِ خَلْقِكم، ونُظهِرَ لكم قُدرَتَنا، ونُثبِتُ في أرحامِ الأمَّهاتِ ما نشاءُ إبقاءَه مِن الأجِنَّةِ إلى الوَقتِ الَّذي قدَّرْناه للوِلادةِ، ثمَّ نُخرِجُكم مِن بُطونِ أمَّهاتِكم -إذا بلَغْتُمُ الأجَلَ الَّذي قدَّرْناه لخُروجِكم منها- أطفالًا، ثمَّ لِتَبلُغوا بالتَّدريجِ كَمالَ قُوَّتِكم وعُقولِكم، ومِنكم -أيُّها النَّاسُ- مَن يموتُ قَبلَ أن يبلُغَ أشُدَّه، ومنكم مَن يُؤخَّرُ مَوتُه إلى أن يَبلُغَ أخَسَّ العُمُرِ وأدْوَنَه، فيَصيرُ ضَعيفًا في بَدَنِه وعَقْلِه، لا علمَ له ولا فَهْمَ، بعدَ أن كان قَوِيًّا ذا فَهمٍ وعِلمٍ بالأشياءِ! وتَرى الأرضَ يابِسةً قاحِلةً ساكِنةً سُكونَ الأمواتِ، لا نباتَ فيها ولا زَرْعَ، فإذا أنزَلْنا عليها الماءَ تحَرَّكَتْ بالنَّباتِ، وارتفَعَت وانتفَخَت، وأخرَجَت بذلك الماءِ مِن كُلِّ صِنفٍ حَسَنٍ يَسُرُّ النَّاظرينَ مِن أصنافِ النَّباتاتِ والزُّروعِ والثِّمارِ.
ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّهُ يُحْيِي الْمَوْتَى وَأَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (6).
ذلك الَّذي ذكَرْنا لكم -أيُّها النَّاسُ- مِن أطوارِ خَلْقِكم، وإحياءِ الأرضِ بالماءِ بعدَ مَوتِها؛ لِتَعلَموا بأنَّ الَّذي قدَرَ على فِعلِ ذلك هو الحَقُّ الَّذي لا شَكَّ فيه -الَّذي يَستَحِقُّ العِبادةَ وَحْدَه-، ولِتَعلَموا أنَّه قادِرٌ على إحياءِ الموتَى، وأنَّه على كُلِّ شيءٍ قادِرٌ لا يُعجِزُه شَيءٌ مِنَ البَعثِ وغَيرِه.
وَأَنَّ السَّاعَةَ آَتِيَةٌ لَا رَيْبَ فِيهَا وَأَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَنْ فِي الْقُبُورِ (7).
ولِتُوقنوا بأنَّ القيامةَ قادِمةٌ، لا شَكَّ ولا اشتِباهَ في وُقوعِها، وأنَّ اللهَ يُحيي الموتى مِن قُبورِهم، فيُخرِجُهم إلى مَوقِفِ الحِسابِ؛ لِيُجازِيَهم بأعمالِهم؛ خَيرِها، وشَرِّها.
وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلَا هُدًى وَلَا كِتَابٍ مُنِيرٍ (8).
ومِنَ النَّاسِ مَن يُجادِلُ رُسُلَ اللهِ وأتْباعَهم في شأنِ اللهِ وتوحيدِه وقدرتِه بجَهلٍ، مِن غَيرِ عِلمٍ صَحيحٍ، ويُجادِلُ في اللهِ بمُجَرَّدِ رأيِه وهواهُ، بغيرِ دَلالةٍ صَحيحةٍ يَهتَدي بها للصَّوابِ، ولا كِتابٍ إلهيٍّ نيِّرٍ بيِّنِ الحُجَّةِ يُنيرُ عن حُجَّتِه ورأيِه، وإنَّما يقولُ ما يقولُ مِنَ الجَهلِ بمجرَّدِ ظُنونِه.
ثَانِيَ عِطْفِهِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَنُذِيقُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَذَابَ الْحَرِيقِ (9).
يجادِلُ بالباطِلِ لاوِيًا جانِبَه وعُنُقَه؛ إعراضًا وتكبُّرًا عن قَبولِ الحَقِّ، واحتِقارًا لِداعيه؛ لِيَصُدَّ عن دينِ اللهِ وشرعِه، لذلك المُجادِلِ في اللهِ بالباطِلِ ذُلٌّ ومَهانةٌ في الدُّنيا، ونُذيقُه يومَ القِيامةِ ألَمَ عَذابِ النَّارِ المُحرِقةِ.
ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ يَدَاكَ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ (10).
يُقالُ له حينَ يذوقُ عَذابَ النَّارِ يَومَ القيامةِ: هذا العَذابُ الواقِعُ بك بسَبَبِ ما قَدَّمَتْه يداك في الدُّنيا مِنَ الكُفرِ والمعاصي، وفعَلْنا ذلك؛ لأنَّ اللهَ ليس بِذِي ظُلمٍ للعِبادِ، فلم يكُنْ لِيُعَذِّبَهم بغيرِ ذَنبٍ اقتَرَفوه.
وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةَ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ (11).
ومِنَ النَّاسِ مَن يَعبُدُ اللهَ على شكٍّ؛ فلم يَدخُلِ الإيمانُ قَلْبَه على نحوٍ يَقينيٍّ، بل هو في شَكٍّ وقَلَقٍ وترَدُّدٍ في دينِ اللهِ، فإنْ أصابَه خَيرٌ -كصِحَّةٍ، ورَخاءِ مَعيشةٍ، ورِزقٍ هَنيءٍ- ولم يقَعْ له مِنَ المكارِهِ شَيءٌ؛ رَضِيَ عن الإسلامِ، واستقَرَّ وثَبَتَ على عبادةِ اللهِ، وإن أصابَتْه مِحنةٌ وإنْ قَلَّتْ -كبَلاءٍ في بَدَنِه أو أهلِه، أو ضيقٍ في مَعيشَتِه- ارتدَّ فرَجَع إلى الوجهِ الَّذي كان عليه مِن الكفرِ، خَسِرَ هذا المُنقَلِبُ على وَجهِه خيرَ دُنياه، فلم يَظفَرْ بحاجَتِه منها، وحُرِمَ الطُّمَأنينةَ وثَناءَ المُسلِمينَ ومُوالاتَهم، وخَسِرَ خَيرَ آخِرتِه بدُخولِ النَّارِ، والحِرمانِ مِن الجَنَّةِ! وتلك الخَسارَةُ لِدُنياه وأُخراه هي الخَسارةُ العَظيمةُ البَيِّنةُ الَّتي لا تَخفَى.
يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُ وَمَا لَا يَنْفَعُهُ ذَلِكَ هُوَ الضَّلَالُ الْبَعِيدُ (12).
يدعو ذلك المرتَدُّ عن دينِ اللهِ آلِهةً سِوى الله لا تضُرُّه ولا تَنفَعُه بذاتِها مُطلَقًا بأيِّ وَجهٍ مِن وُجوهِ الضُّرِّ أو النَّفعِ، ذلك هو الذَّهابُ البَعيدُ عن الحَقِّ.
يَدْعُو لَمَنْ ضَرُّهُ أَقْرَبُ مِنْ نَفْعِهِ لَبِئْسَ الْمَوْلَى وَلَبِئْسَ الْعَشِيرُ (13).
يَدعو المُشرِكُ مَخلوقًا ضَرَرُ عبادتِه أقرَبُ إليه مِن نَفعِها، لَبِئسَ النَّاصِرُ هذا المعبودُ مِن دُونِ اللهِ! ولَبِئسَ المُعاشِرُ والمصاحِبُ هو؛ فإنَّه لا يَنصُرُ عابِدَه، ولا يجلِبُ له خيرًا ولا نَفعًا!
إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ (14).
إنَّ اللهَ يُدخِلُ يومَ القيامةِ الَّذين آمَنوا بكُلِّ ما وجَبَ عليهم الإيمانُ به، وعَمِلوا الأعمالَ الصَّالِحةَ- جَناتٍ تَجري الأنهارُ مِن تَحتِ أشجارِها وقُصورِها، إنَّ اللهَ يَفعَلُ كُلَّ ما يُريدُ فِعلَه دونَ مُمانِعٍ، ويَحكُمُ في خَلقِه في الدُّنيا والآخرةِ بما يَشاءُ، ومِن ذلك إيصالُ أهلِ الجَنَّةِ إليها.
مَنْ كَانَ يَظُنُّ أَنْ لَنْ يَنْصُرَهُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى السَّمَاءِ ثُمَّ لِيَقْطَعْ فَلْيَنْظُرْ هَلْ يُذْهِبَنَّ كَيْدُهُ مَا يَغِيظُ (15).
مَن كان يَظُنُّ أنَّ اللهَ ليس بناصرٍ رَسولَه مُحَمَّدًا في الدُّنيا والآخرةِ، فلْيُعَلِّقْ حَبلًا في سقفِ بيتِه، ويَشُدَّه في عُنُقِه، ثُمَّ لْيَختَنِقْ بالحَبلِ، فلْيَنظُرْ حينَها: هل يُذهِبَنَّ صَنيعُه هذا ما يَغيظُه؟! كلَّا، لا يُغْني ذلك عنه شيئًا، وإنَّما يقَعُ ضَرَرُ كَيدِه على نفْسِه، واللهُ مُتِمُّ نُورِه، وناصرٌ نبيَّه.
وَكَذَلِكَ أَنْزَلْنَاهُ آَيَاتٍ بَيِّنَاتٍ وَأَنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يُرِيدُ (16).
وكما بَيَّنَّا لكم الآياتِ السَّابِقةَ وأوضَحْناها، كذلك أنزَلْنا القُرآنَ كُلَّه آياتٍ واضِحاتِ الدَّلالةِ، ولأنَّ اللهَ يَهدي بهذا القُرآنِ إلى الحَقِّ مَن يريدُ هِدايَتَه، أنزَلَه آياتٍ بَيِّناتٍ.
إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئِينَ وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوسَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا إِنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (17).
إنَّ المُؤمِنينَ باللهِ ورُسُلِه، واليَهودَ، والصَّابِئينَ، والنَّصارى، والمجوسَ، والمُشرِكينَ باللهِ- إنَّ اللهَ يَحكُمُ بيْنَهم يومَ القيامةِ، ويُجازي كُلًّا بعَمَلِه؛ فيُدخِلُ المُؤمِنينَ منهم الجنَّةَ، ويُدخِلُ الكافِرينَ النَّارَ، إنَّ اللهَ على كُلِّ شَيءٍ شَهيدٌ، فلا يخفى عليه شَيءٌ.
أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ وَمَنْ يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ (18).
ألم تعلَمْ أنَّ اللهَ يَسجُدُ له مَن في السَّمَواتِ مِن الملائكةِ، ومَن في الأرضِ مِن الخلقِ مِن الجنِّ وغيرِهم، والشَّمسُ والقَمَرُ والنُّجومُ في السَّماءِ، والجِبالُ والشَّجَرُ والدَّوابُّ في الأرضِ؟ وكثيرٌ مِن النَّاسِ -وهم المُؤمِنونَ- يَسجُدونَ لله طَوعًا مُختارينَ عابدِينَ، وكثيرٌ مِن النَّاسِ -وهم الكافِرونَ- وَجَب عليهم عذابُ اللهِ؛ لامتِناعِهم عن السُّجودِ للهِ عن طواعِيَةٍ واختيارٍ، ومَن يُهِنْهُ اللهُ فلا يَقدِرُ أحَدٌ أن يُكرِمَه، وذلك لأنَّ اللهَ يَفعَلُ في خَلْقِه ما يَشاءُ.
هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ فَالَّذِينَ كَفَرُوا قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيَابٌ مِنْ نَارٍ يُصَبُّ مِنْ فَوْقِ رُءُوسِهِمُ الْحَمِيمُ (19).
هذان فَريقانِ اختَلَفوا في شأنِ رَبِّهم وتوحيدِه ودينِه، وتعادَوْا وتحارَبوا: المُؤمِنونَ والكافِرونَ؛ فالمُؤمِنونَ يُريدونَ نُصرةَ دينِ اللهِ، وإعلاءَ كَلِمتِه، والكافِرونَ يُريدونَ إطفاءَ نُورِ الإيمانِ، وقَمْعَ الحَقِّ، وإظهارَ الباطِلِ، فالَّذين كَفَروا بالله فُصِّلَت لهم ثِيابٌ مِن نارٍ، فيَعُمُّ العذابُ أجسادَهم، ويُصَبُّ على رُؤوسِهم الماءُ المُغْلَى الشَّديدُ الحَرارةِ.
يُصْهَرُ بِهِ مَا فِي بُطُونِهِمْ وَالْجُلُودُ (20).
يُذابُ بالحَميمِ المصبوبِ فَوقَ رُؤوسِ الكُفَّارِ ما في بُطونِهم -مِنَ اللَّحمِ والشَّحمِ، والأمعاءِ والأحشاءِ-، والجلودُ .
وَلَهُمْ مَقَامِعُ مِنْ حَدِيدٍ (21).
وللكُفَّارِ في جهَنَّمَ مَرازِبُ ومَطارِقُ مِن حَديدِ، تَضرِبُهم وتَدفَعُهم بها خَزَنةُ النَّارِ مِن الملائِكةِ.
كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا مِنْ غَمٍّ أُعِيدُوا فِيهَا وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ (22).
كُلَّما أراد هؤلاءِ الكُفَّارُ أن يَخرُجوا مِنَ النَّارِ بسَبَبِ ما نالَهم فيها مِنْ غَمٍّ، أُعيدُوا في النَّارِ مرَّةً أُخرى، ويُقالُ لهم: ذوقوا عَذابَ النَّارِ المُحرِقَ للقُلوبِ والأبدانِ.
إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤًا وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ (23).
إنَّ اللهَ يُدخِلُ الَّذين آمَنوا بكُلِّ ما وجَبَ عليهم الإيمانُ به، وعَمِلوا الأعمالَ الصَّالِحةَ- جناتٍ تَجري الأنهارُ مِن تَحتِ أشجارِها وقُصورِها، يُحَلِّي اللهُ المُؤمِنينَ في الجنَّةِ -رِجالًا ونساءً- أساوِرَ مِن ذَهَبٍ، ويُحلَّونَ فيها لُؤلؤًا، ولِباسُهم في الجنَّةِ ثِيابٌ مِن حَريرٍ.
وَهُدُوا إِلَى الطَّيِّبِ مِنَ الْقَوْلِ وَهُدُوا إِلَى صِرَاطِ الْحَمِيدِ (24).
وهدى اللهُ المُؤمِنينَ إلى الأقوالِ الطَّيِّبةِ، وهَداهم إلى طريقِ اللهِ المحمودِ في أسمائِه وصِفاتِه.
إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ الَّذِي جَعَلْنَاهُ لِلنَّاسِ سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ (25).
إنَّ الَّذين كَفَروا باللهِ، ويَمنَعونَ النَّاسَ مِن الدُّخولِ في دينِه، ومِنَ المَسجِدِ الحرامِ -الَّذي جعَلْناه للمُؤمِنينَ كافَّةً سَواءً المُقيمُ منهم فيه والقادِمُ إليه، فهم يسْتَوون في تعظيمِه وأحقِّيَّةِ أداءِ العباداتِ وإقامةِ الشَّعائِرِ فيه- نُذيقُهم مِن عذابٍ مُؤلمٍ مُوجِعٍ، ومَنْ يَهُمَّ أن يَميلَ ويَحيدَ في المَسجِدِ الحَرامِ عن الحَقِّ، ويَنحَرِفَ عن الاستِقامةِ بارتِكابِ ظُلمٍ -وهو قاصِدٌ لذلك- نُذِقْه مِن عذابٍ مُؤلِمٍ مُوجِعٍ.
وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ أَنْ لَا تُشْرِكْ بِي شَيْئًا وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ (26).
واذكُرْ -يا مُحمَّدُ- حينَ هَيَّأْنا لإبراهيمَ مَكانَ الكَعبةِ، وأنزَلْناه فيه، وعرَّفْناه بالموضِعِ الَّذي يَبني فيه الكَعبةَ، وقُلْنا له: لا تُشرِكْ بالله شَيئًا في عبادَتِه، وطَهِّرْ بَيتيَ للطَّائِفينَ حَوْلَه، وللقائِمينَ في صلاتِهم، والرَّاكِعينَ السَّاجِدينَ في صَلاتِهم عِندَه، بتَنزيهِه مِن كُلِّ ما لا يَليقُ به مِنَ الشِّركِ والكُفرِ، والبِدَعِ والمعاصي، والقبائِحِ وجَميعِ النَّجاساتِ الحسِّيَّةِ والمَعنَويَّةِ.
وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ (27).
وأَعْلِمْ -يا إبراهيمُ- النَّاسَ بوُجوبِ الحَجِّ عليهم، ونادِ فيهم أنْ حُجُّوا أيُّها النَّاسُ بيتَ اللهِ؛ يأتُوا إليك مُشاةً على أرجُلِهم، مُلَبِّينَ نداءَك، حاجِّينَ بَيتَ اللهِ الحرامَ، وراكِبينَ على الرَّواحِلِ الَّتي هُزِلَت أبدانُها مِن طُولِ السَّفَرِ ومَشقَّتِه، الَّتي تأتي مِن كُلِّ طَريقٍ ومَكانٍ واسِعٍ بَعيدٍ.
لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ (28).
ليَحضُرَ الحُجَّاجُ، فيُحَصِّلوا مَصالِحَ كَثيرةً لهم مِن أمورِ دينِهم ودُنياهم وآخِرَتِهم، ولِيذكُرَوا اسمَ اللهِ في أيَّامِ عَشرِ ذي الحجَّةِ على ما رزَقَهم مِنَ الإبِلِ والبَقَرِ والغَنَمِ، فكُلوا مِنَ الأنعامِ الَّتي ذكَرْتُم اسمَ اللهِ عليها، وأطعِموا منها مَن ساءت حالُه فاشتَدَّ به الفَقرُ.
ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ (29).
ثُمَّ لْيُكمِلِ الحُجَّاجُ ما بَقِيَ عليهم مِن مناسِكِ حَجِّهم؛ كرَمْيِ الجِمارِ، وحَلْقِ الرُّؤوسِ، ويزيلوا وَسخَ الأبدانِ، ولْيُوفِوا بما أوجَبوه على أنفُسِهم في الحَجِّ، ولْيَطُفوا طَوافَ الإفاضةِ ببَيتِ الله العتيقِ؛ الكعبةِ.
ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَأُحِلَّتْ لَكُمُ الْأَنْعَامُ إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ (30).
ذلك ومَن يُعَظِّمْ حُرُماتِ اللهِ، فيَجتَنِبْ ما أمَرَه اللهُ باجتِنابِه؛ تَعظيمًا منه لحُدودِ اللهِ أن يُواقِعَها أو يَستَحِلَّها- فهو خَيرٌ له عِندَ رَبِّه في دِينِه ودُنياهُ وآخِرَتِه، وأَحَلَّ اللهُ لكم -أيُّها النَّاسُ- الإبِلَ والبَقَرَ والغَنَمَ أن تأكُلوها إذا ذكَّيتُموها، إلَّا ما يُتلى عليكم تحريمُه في القُرآنِ -كالمَيْتةِ، والدَّمِ، ولَحمِ الخِنزيرِ، وما أُهِلَّ لِغَيرِ اللهِ به-، فاجتَنِبوا عِبادةَ الأصنامِ؛ فإنَّها قَذَرٌ، واجتَنِبوا كُلَّ قَولٍ باطِلٍ مائلٍ عن سَبيلِ الحَقِّ والاستِقامةِ.
حُنَفَاءَ لِلَّهِ غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ (31).
مُستقيمينَ لِلَّهِ على إخلاصِ التَّوحيدِ له، وإفرادِ الطَّاعةِ والعبادةِ له، مائِلينَ عن الباطِلِ إلى الحَقِّ، مُقبِلينَ على اللهِ، مُعرِضينَ عن عبادةِ ما سِواه، ومَن يُشرِكْ باللهِ، فمَثَلُه في هلاكِه وضَلالِه عن الهُدى والحَقِّ، وبُعدِه مِن ربِّه؛ كمَن سَقَط مِن السَّماءِ إلى الأرضِ، فتمَزَّقَ جَسَدُه، فتُقَطِّعُه النُّسورُ سَريعًا، وتَستَلِبُ لَحمَه، فتأكُلُه ويتفَرَّقُ في حواصِلِها، أو تُلقِي الرِّيحُ أوصالَه المُمَزَّقةَ في مَوضِعٍ بَعيدِ العُمقِ؛ لِشِدَّةِ هُبوبِها.
ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ (32).
ذلك، ومَن يُعَظِّمْ أعلامَ الدِّينِ الظَّاهرةَ، ومنها الهدايا، بإجلالِها والقيامِ بها، واستِسمانِها وتَكميلِها مِن كُلِّ وَجهٍ؛ فإنَّه يُبَرهِنُ بذلك على تَقواهُ وصِحَّةِ إيمانِه؛ فتَعظيمُها تابِعٌ لِتَعظيمِ اللهِ وإجلالِه، وتَعظيمُها مِن فِعلِ المتَّقينَ أصحابِ القُلوبِ المُخلِصةِ الوَجِلةِ مِن خَشيةِ اللهِ.
لَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى ثُمَّ مَحِلُّهَا إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ (33).
لكم -أيُّها الحُجَّاجُ- في البُدْنِ والهَدايا مَنافِعُ؛ مِن لَبَنِها وصُوفِها وأوبارِها وأشعارِها، ورُكوبِها وغيرِ ذلك، إلى وَقتِ نَحْرِها، ثمَّ يَحِلُّ نَحرُ تلك البُدْنِ عندَ بُلوغِها البَيتَ العَتيقَ.
وَلِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنْسَكًا لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ فَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَلَهُ أَسْلِمُوا وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ (34).
وكلُّ جَماعةٍ مُؤمِنةٍ ممَّن قَبْلَكم شرَعْنَا لهم التَّقرُّبَ إلى اللهِ بالذَّبحِ وإراقةِ الدِّماءِ؛ لِيَذكُروا اسمَ اللهِ وَحْدَه عندَ نَحرِ ما رزَقَهم مِنَ الإبِلِ أو البَقَرِ أو الغَنَمِ، ويجعَلوا نَسيكَتَهم لِوَجهِه، فمَعبودُكم الَّذي يَستَحِقُّ العِبادةَ مَعبودٌ واحِدٌ لا شَريكَ له؛ فله وَحْدَه أخلِصوا عِباداتِكم، وانقادُوا له بالطَّاعةِ، واخضَعوا لحُكمِه، وبَشِّرْ -يا مُحمَّدُ- بخَيرَيِ الدُّنيا والآخرةِ الخاضِعينَ الخاشِعينَ المُتواضِعينَ المُطمَئِنِّينَ لله، المُنيبينَ إليه.
الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَالصَّابِرِينَ عَلَى مَا أَصَابَهُمْ وَالْمُقِيمِي الصَّلَاةِ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (35).
الَّذين خَشَعَت قُلوبُهم لذِكْرِ اللهِ، وخضَعَت مِن خَشيَتِه؛ خَوفًا مِن عِقابِه وسَخَطِه، والصَّابِرينَ على ما يقَعُ عليهم مِن أصنافِ البَلاءِ وأنواعِ الأذى والمصائِبِ، والمُؤَدِّينَ الصَّلاةَ كامِلةً مُستقيمةً ظاهِرًا وباطِنًا، فيُحافِظونَ على أوقاتِها وواجباتِها، ويؤَدُّونَها على الوَجهِ الَّذي أمَرَ اللهُ به، ويُنفِقونَ مِمَّا آتَيْناهم مِن رِزقٍ.
وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُمْ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ كَذَلِكَ سَخَّرْنَاهَا لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (36).
والإبِلَ الضِّخامَ العِظامَ الأجسامِ -وفي حُكمِها البقرُ- جعَلْناها لكم -أيُّها النَّاسُ- مِن أعلامِ دِينِ اللهِ الظَّاهِرةِ الَّتي يُتعبَّدُ ويُتقرَّبُ بها إلى اللهِ عَزَّ وجَلَّ، فشُرِعَ سَوقُها إلى البَيتِ، وتَقليدُها وإشعارُها، وتعظيمُها، ونَحْرُها والإطعامُ منها، لكم في الإبِلِ مَنافِعُ في الدُّنيا، وأجرٌ في الآخِرةِ، فاذكُروا اسمَ اللهِ عِندَ نَحْرِكم الإبِلَ، وهي قائِمةٌ قد صُفَّت قَوائِمُها، فإذا سَقَطت الإبِلُ بعدَ نَحْرِها، ووقَعَت جُنوبُها على الأرضِ، فكُلوا مِن لَحمِها، وأطعِموا الفَقيرَ السَّائِلَ بتذَلُّلٍ، وأطعِموا منها مَن يأتي مُتَعَرِّضًا للنَّوالِ مِن غَيرِ طَلَبٍ ولا سُؤالٍ، مِثلَ ذلك التَّسخيرِ العَجيبِ الَّذي تُشاهِدونَه ذَلَّلْنا لكم الإبِلَ -أيُّها النَّاسُ- ومكَّنَّاكم مِن التَّصَرُّفِ فيها، فتَنتَفِعونَ برُكوبِها والشُّربِ والأكلِ منها؛ لِتَشكُروا اللهَ على نِعمةِ تَسخيرِها لكم.
لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ كَذَلِكَ سَخَّرَهَا لَكُمْ لِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَبَشِّرِ الْمُحْسِنِينَ (37).
لن يَصِلَ إلى اللهِ شَيءٌ مِن لحومِ بُدْنِكم، ولا دِمائِها المُهراقةِ، ولم يَشرَعْ ذَبحَها لذلك؛ فهو غنيٌّ عنكم وعنها، ولكِنَّ الَّذي يَصِلُ إلى اللهِ ويَبلُغُه: تَقواكم وإخلاصُكم العمَلَ له وَحْدَه، فيتقَبَّلُه منكم، ويُثيبُكم عليه إنِ اتَّقَيتُموه فيما تَذبَحونَه مِنَ البُدْنِ، وأرَدْتُم بذلك وَجْهَه وَحْدَه، وعَظَّمتُم بها حُرُماتِه، وعَمِلتُم فيها بما أمَرَكم به، هكذا سخَّرَ اللهُ لكم البُدْنَ؛ كي تَعرِفوا عظَمَتَه باقتِدارِه على ما لا يَقدِرُ عليه سِواه، فتُوَحِّدُوه بالكِبرياءِ؛ شُكرًا له في مقابِلِ تَوفيقِه إيَّاكم لِدينِكم، وللنُّسُكِ في حَجِّكم، وبَشِّرْ -يا مُحمَّدُ- المُحسِنينَ في عبادةِ اللهِ، وفي مُعامَلتِهم لعبادِ اللهِ، بالسَّعادةِ في الدُّنيا والآخرةِ.
إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آَمَنُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ كَفُورٍ (38).
إنَّ اللهَ يدْفَعُ شرَّ الكُفَّارِ وكَيدَ المُشرِكينَ عن عبادِه المُؤمِنينَ، فيُنَجِّيهم، ويَحفَظُهم، ويَنصُرُهم، إنَّ اللهَ لا يُحِبُّ كُلَّ مَن يَخونُ أمانَتَه فيَبخَسُ حُقوقَه، ويُخالِفُ أمْرَه ونَهْيَه، ويَخونُ عِبادَه فيَنقُضُ العَهدَ الَّذي بيْنَه وبيْنَهم، ويَجحَدُ نِعَمَ اللهِ عليه، ولا يَشكُرُه عليها.
أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ (39).
أَذِنَ اللهُ للمُؤمِنينَ في قِتالِ الكُفَّارِ الَّذين يُقاتِلونَهم؛ وذلك بسَبَبِ ظُلمِهم لهم، بمُحارَبتِهم في دِينِهم وأذِيَّتِهم، وإخراجِهم مِن ديارِهم، وإنَّ اللهَ على نَصرِ المُؤمِنينَ على أعدائِهم لَقدِيرٌ.
الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ (40).
الَّذين أخرَجَهم الكُفَّارُ ظُلمًا مِن دِيارِهم بغيرِ حَقٍّ يُوجِبُ ذلك، وما كان لهم ذَنبٌ يَنقِمُ عليهم أعداؤُهم بسَبَبِه إلَّا أنَّهم قالوا ربُّنا اللهُ وَحْدَه لا شَريكَ له! ولولا كَفُّ اللهِ المُشرِكينَ بالمُجاهِدينَ المُوحِّدينَ، وشَرْعُه جِهادَهم، لهدَّمَ المُشرِكونَ المعابِدَ الصَّغيرةَ الَّتي للرُّهبانِ، ولهَدَّمَوا معابِدَ كَبيرةً للنَّصارى، وكنائِسَ لليَهودِ، ومساجِدَ للمُسلِمينَ، يُذكَرُ فيها اسمُ اللهِ كَثيرًا، ولَيَنصُرَنَّ اللهُ مَن يجاهِدُ في سَبيلِه؛ لِتَكونَ كَلِمتُه هي العُليا، إنَّ اللهَ لقَوِيٌّ كاملُ القوَّةِ، عزيزٌ منيعٌ، غالبٌ لا يُغلَبُ ولا يُقهَرُ.
الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآَتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ (41).
الَّذين إنْ وَطَّنَّا لهم في البلادِ فقَهَروا المُشرِكينَ، وصارت لهم السُّلطةُ والغَلَبةُ والمُلْكُ، أقاموا الصَّلاةَ بحُدودِها وأركانِها وشُروطِها وواجباتِها، وأعطَوا زكاةَ الأموالِ لِمُستَحقِّيها، وأمَروا النَّاسَ بالمعروفِ، ونَهَوهم عن المنكرِ، وإلى الله وَحْدَه تَرجِعُ أمورُ الخَلقِ، وتَصيرُ إليه سُبحانَه.
وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَعَادٌ وَثَمُودُ (42).
وإن يُكذِّبْك -يا مُحَمَّدُ- قَومُك المُشرِكونَ على ما جِئْتَهم به مِنَ الحَقِّ، فذلك سنَّةُ إخوانِهم مِن الأُمَمِ الخاليةِ المكذِّبةِ لرُسُلِ اللهِ، ولستَ بأوَّلِ رَسولٍ كُذِّبَ؛ فقد كذَّبَت قبْلَ قَومِك قومُ نوحٍ، وعادٌ: قومُ هودٍ، وثمودُ: قومُ صالحٍ.
وَقَوْمُ إِبْرَاهِيمَ وَقَوْمُ لُوطٍ (43).
وكذَّب قبْلَ قَومِك -يا مُحَمَّدُ- قومُ إبراهيمَ، وقومُ لوطٍ.
وَأَصْحَابُ مَدْيَنَ وَكُذِّبَ مُوسَى فَأَمْلَيْتُ لِلْكَافِرِينَ ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ (44).
وكذَّب قومُ شُعَيبٍ، وكذَّب فِرعَونُ وقَومُه رسولَهم مُوسى، فأمهَلْتُ الكافِرينَ فلمْ أُعاجِلْهم بالعُقوبةِ لَمَّا كَذَّبوا رسُلَهم، ثمَّ أخَذْتُهم بالعذابِ في الوقتِ المحدَّدِ لإهلاكِهم، فانظُرْ -يا مُحَمَّدُ- كيف كانت مُعاقَبتي لهم؟ فلْيَعتَبِرْ بذلك هؤلاء المكَذِّبونَ مِن قَومِك أن يُصيبَهم ما أصاب أولئكَ!
فَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا وَهِيَ ظَالِمَةٌ فَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا وَبِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ وَقَصْرٍ مَشِيدٍ (45).
فكثيرٌ مِنَ القُرى أهلَكْنا أهلَها بالعَذابِ الشَّديدِ؛ بسَبَبِ ظُلمِهم، فصارت بُيوتُهم مُهَدَّمةً قد سقَطَت جُدرانُها فَوقَ سُقوفِها، وكثيرٌ مِن الآبارِ الصَّالِحةِ للانتِفاعِ عَطَّلْناها بإهلاكِ أهلِها ووارِدِيها، فلا يُستقَى منها مع بقاءِ بِنائِها وفَوَرانِ مائِها! وكثيرٌ مِن القُصورِ العاليةِ المجصَّصةِ المَنيعةِ المُحكَمةِ خَلت مِن سُكَّانِها بعدَ هَلاكِهم، فغَدَت مُوحِشةً، بعدَ أن كانت بأهلِها عامِرةً ومُؤنسةً!
أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آَذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ (46).
أفلمْ يَسِرْ كُفَّارُ قُرَيشٍ في الأرضِ؛ لِيَنظُروا آثارَ الأُمَمِ المُكَذِّبةِ مِن قَبلِهم، فيتسَبَّبَ عن ذلك أن تكونَ لهم قلوبٌ واعِيةٌ يَعقِلونَ بها ما رأَوه في الآياتِ المَرئِيَّاتِ مِنَ الدَّلالةِ على وَحدانيَّةِ اللهِ تعالى، وقُدرَتِه وغيرِ ذلك، فيتَفَكَّروا ويتَّعِظوا قبْلَ أن يَحُلَّ بهم ما أصاب أولئكَ القَومَ؟! أو تكونَ لهم آذانٌ واعِيةٌ يَسمعَونَ بها سَماعَ تَدَبُّرٍ وعِظَةٍ، فيُمَيِّزوا بيْن الحَقِّ والباطِلِ، ويَعرِفوا أخبارَ الأُمَمِ الماضيةِ، وسَبَبَ هلاكِهم، فيَحذَروا أن يُصيبَهم مِثلُ ما أصابَهم؟! فإنَّها لا تَعمى أبصارُ الكُفَّارِ؛ فأَعيُنُهم مُبصِرةٌ يَرَونَ بها المَرئيَّاتِ، ولكِنَّ قُلوبَهم هي الَّتي تَعمَى عن رُؤيةِ الحَقائِقِ وإدراكِها، والانتِفاعِ بها، فهذا هو العمَى المُهلِكُ لصاحِبِه.
وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ وَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ وَعْدَهُ وَإِنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ (47).
ويَستَعجِلُك الكُفَّارُ -يا مُحَمَّدُ- بنُزولِ عَذابِ اللهِ عليهم جَزاءَ شِرْكِهم به، واللهُ لن يُخلِفَ ما وعَدَ به مِن ذلك، لكنَّه حليمٌ لا يَعجَلُ به؛ فإنَّ مِقدارَ ألْفِ سَنةٍ عِندَ خَلْقِه كيَومٍ واحدٍ عِندَه، فالطَّويلُ عِندَهم مِنَ الزَّمنِ قَصيرٌ عِندَه، وليس عذابُهم عِندَه ببعيدٍ، فلا بدَّ مِن وُقوعِه لا مَحالةَ، فإنَّ اللهَ يُمهِلُ المُدَدَ الطَّويلةَ ولا يُهمِلُ.
وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَمْلَيْتُ لَهَا وَهِيَ ظَالِمَةٌ ثُمَّ أَخَذْتُهَا وَإِلَيَّ الْمَصِيرُ (48).
وكَثيرٌ مِن القُرى أمهَلْتُ أهلَها، ولم أُعاجِلْهم بالعُقوبةِ، مع ظُلمِهم بالشِّركِ والعِصيانِ، ثُمَّ عاقَبْتُهم في الدُّنيا، ومَرجِعُهم في الآخرةِ إلَيَّ، فأُعَذِّبُهم فيها أيضًا؛ فلْيَحذَرْ هؤلاء الظَّالِمونَ مِن ذلك، ولا يَغتَرُّوا بإمهالِ اللهِ لهم.
قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا أَنَا لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ (49).
قُلْ -يا مُحَمَّدُ-: يا أيُّها النَّاسُ إنَّما أنا لكم نَذيرٌ واضِحُ النِّذارةِ، أُخَوِّفُكم عذابَ اللهِ، ولا أملِكُ تَعجيلَ العَذابِ عن وَقتِه ولا تأخيرَه، وليس علَيَّ حِسابُكم.
فَالَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (50).
فالَّذين آمَنوا بكُلِّ ما وجَب عليهم الإيمانُ به، وعَمِلوا الأعمالَ الصَّالِحةَ؛ لهم مِنَ اللهِ سَترٌ لذُنوبِهم، وتَجاوُزٌ عن مُؤاخَذتِهم بها، ولهم رِزْقٌ حَسَنٌ.
وَالَّذِينَ سَعَوْا فِي آَيَاتِنَا مُعَاجِزِينَ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ (51).
والَّذينَ سَعَوْا فِي إبطالِ آياتِ القُرآنِ ورَدِّها، مُعانِدينَ ومُشاقِّينَ لله، وظانِّينَ أنَّهم يُعجِزونَ اللهَ فلا يَقدِرُ عليهم، أو يَغلِبونَ أولياءَه فلا يَنصُرُهم؛ أولئك في الآخرةِ سُكَّانُ النَّارِ.
وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آَيَاتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (52).
وما أرسَلْنا مِن قَبْلِك -يا مُحمَّدُ- مِن رَسولٍ ولا نبيٍّ إلَّا إذا تلا وقرَأ ألقَى الشَّيطانُ في قراءتِه الشُّبَهَ والوَساوِسَ؛ لِيَصُدَّ النَّاسَ عن اتِّباعِ ما يَقرَؤُه ويَتْلوه، فيُذهِبُ اللهُ ويُزيلُ ما يُلقيه الشَّيطانُ مِن الباطِلِ في قراءةِ نَبيِّه، ولا يتأثَّرُ بباطِلِه المُؤمِنونَ، ثمَّ يُخَلِّصُ اللهُ آياتِ كِتابِه مِنَ الباطلِ الَّذي ألقاه الشَّيطانُ، ويَحفَظُها ويُبَيِّنُها، ويُظهِرُ أنَّها وحيٌ مُنَزَّلٌ منه بحَقٍّ، واللهُ عَليمٌ بكُلِّ شَيءٍ، ولا يخفَى عليه شيءٌ، ومِن جملةِ ذلك عِلمُه بما يُوحيه إلى نبيِّه، وبقَصدِ الشَّيطانِ؛ حَكيمٌ في كُلِّ ما يفعَلُه، يضَعُ كُلَّ شَيءٍ في مَوضِعِه الصَّحيحِ اللَّائِقِ به.
لِيَجْعَلَ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ فِتْنَةً لِلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ (53).
مِن كَمالِ حِكمَتِه سُبحانَه أنْ مكَّن الشَّيطانَ مِن الإلقاءِ المَذكورِ؛ ليَجعَلَ إلقاءَه فِتنةً للَّذينَ في قُلوبِهم شَكٌّ ونفاقٌ، ولأصحابِ القُلوبِ القاسيةِ الَّتي لا تَلينُ للحقِّ، ولا تَرجِعُ إلى الصَّوابِ، وهم المشرِكونَ، وإنَّ هذَينِ الفريقَينِ لَفي خِلافٍ ومُعانَدةٍ لأمرِ اللهِ، وضَلالٍ بَعيدٍ عن الحقِّ والصَّوابِ؛ بسَبَبِ ظُلمِهم.
وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَيُؤْمِنُوا بِهِ فَتُخْبِتَ لَهُ قُلُوبُهُمْ وَإِنَّ اللَّهَ لَهَادِ الَّذِينَ آَمَنُوا إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (54).
ولِيَعلَمَ الَّذين آتاهم اللهُ العِلمَ النَّافِعَ الَّذي يُفَرِّقونَ به بيْنَ الحَقِّ والباطِلِ أنَّ ما أنزَلَه اللهُ هو الحَقُّ لا غيرُه مِمَّا ألقاه الشَّيطانُ، فيُؤمِنوا بالقُرآنِ، ويَعمَلوا به، ويَزدادوا هُدًى، فتَخضَعَ وتَلينَ قلوبُهم له، وتَطمَئِنَّ به، وتُذعِنَ إليه وتُقِرَّ، وإنَّ اللهَ لَمُرشِدُ المؤمِنينَ إلى طريقِ الحَقِّ، ومُوَفِّقُهم لاتِّباعِه واجتِنابِ الباطِلِ.
وَلَا يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي مِرْيَةٍ مِنْهُ حَتَّى تَأْتِيَهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً أَوْ يَأْتِيَهُمْ عَذَابُ يَوْمٍ عَقِيمٍ (55).
ولا يَزالُ الَّذين كَفَروا في شَكٍّ ورَيبٍ مِنَ القُرآنِ؛ لإعراضِهم وعنادِهم، وهم مُستَمِرُّونَ على تلك الحالِ إلى أن يأتيَهم يومُ القيامةِ فَجأةً، أو يأتيَهم عذابُ يَومٍ لا خيرَ فيه لهم وهو يومُ القيامةِ.
الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فَالَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ (56).
السُّلطانُ يومَ القيامةِ لله وَحْدَه، لا مُنازِعَ له فيه، يَحكُمُ فيه بالعَدلِ بينَ عِبادِه المُؤمِنينَ والكافِرينَ، فالَّذين آمَنوا باللهِ ورَسولِه وما جاء به مِن عندِ اللهِ تعالى، وعَمِلوا الأعمالَ الصَّالِحةَ؛ يكونونَ يَومَ القيامةِ في جنَّاتِ النَّعيمِ، يَتنَعَّمونَ فيها بأرواحِهم وأبدانِهم.
وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآَيَاتِنَا فَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ (57).
والَّذينَ كَفَروا باللهِ ورَسولِه وكذَّبوا بآياتِ القُرآنِ، فأولئك لهم يَومَ القيامةِ عَذابٌ مُخْزٍ ومُذِلٌّ في النَّارِ.
وَالَّذِينَ هَاجَرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ قُتِلُوا أَوْ مَاتُوا لَيَرْزُقَنَّهُمُ اللَّهُ رِزْقًا حَسَنًا وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ (58).
والَّذين فارَقوا دِيارَهم وأهلِيهم؛ طلبًا لرِضا اللهِ وطاعَتِه، ثُمَّ قُتِلوا أو ماتوا دُونَ قَتلٍ؛ فإنَّ اللهَ سيُثيبُهم رِزقًا كَريمًا، وإنَّ اللهَ لَهُو أفضَلُ مَن يَرزُقُ عِبادَه، ويُعطيهم مِن فَضْلِه.
لَيُدْخِلَنَّهُمْ مُدْخَلًا يَرْضَوْنَهُ وَإِنَّ اللَّهَ لَعَلِيمٌ حَلِيمٌ (59).
لَيُدخِلَنَّ اللهُ المُهاجِرينَ -الَّذين قُتِلوا أو ماتوا في سَبيلِه- الجنَّةَ، فيَرضَونَ بذلك، ولا يَبغُونَ بها بَدَلًا، وإنَّ اللهَ لَعليمٌ بكُلِّ شَيءٍ، ومِن ذلك عِلمُه بنِيَّةِ مَن يُهاجِرُ ويُجاهِدُ، حَليمٌ لا يُعاجِلُ بالعُقوبةِ مَن عصاه مِن خَلْقِه، بل يُواصِلُ لهم مِن رِزْقِه، ويَمنَحُهم مِن فَضْلِه.
ذَلِكَ وَمَنْ عَاقَبَ بِمِثْلِ مَا عُوقِبَ بِهِ ثُمَّ بُغِيَ عَلَيْهِ لَيَنْصُرَنَّهُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ (60).
الأمرُ ذلك الَّذي قَصَصْنا عليكم، ومَن عاقَبَ مِن العِبادِ مَن اعتَدَى عليه بمِثلِ اعتِدائِه بالعَدلِ دُونَ زِيادةٍ، ثمَّ ظُلِمَ بالمُعاوَدةِ إلى عُقوبتِه؛ فإنَّ اللهَ يَنصُرُه على مَن ظَلَمَه، إنَّ اللهَ كَثيرُ العَفوِ والغُفرانِ لعِبادِه المُؤمِنينَ.
ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَأَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ (61).
ذلك النَّصرُ المَذكورُ كائِنٌ بسَبَبِ أنَّه سُبحانَه قادِرٌ لا يَعجِزُ عن نُصرةِ مَن شاء نُصرَتَه، ومِن علاماتِ قُدرتِه الباهِرةِ أنَّه يُدخِلُ اللَّيلَ في النَّهارِ، ويُدخِلُ النَّهارَ في اللَّيلِ، فيَزيدُ في أحَدِهما ما يَنقُصُه مِنَ الآخَرِ، وبالعَكسِ؛ فتارةً يَطولُ النَّهارُ ويَقصُرُ اللَّيلُ، وتارةً يكونُ بعَكسِ ذلك، وذلك أيضًا بسَبَبِ أنَّه سَميعٌ لِما يقولُ عِبادُه، بَصيرٌ بأحوالِهم وأعمالِهم، حافِظٌ لكُلِّ ذلك، ثمَّ يجازيهم جَميعًا على ما قالوا وما عَمِلوا.
ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ (62).
ذلك الفِعلُ الَّذي فعَل -مِن إيلاجِ اللَّيلِ في النَّهارِ، وإيلاجِ النَّهارِ في اللَّيلِ-، واتِّصافُه سبحانَه بكمالِ القدرةِ وتمامِ العلمِ؛ بسَبَبِ أنَّ اللهَ هو الإلهُ الحَقُّ الثَّابِتُ الإلهيَّةِ، الَّذي يَستحِقُّ العِبادةَ وَحْدَه دونَ ما سِواه، وأنَّ ما يَدْعوه المُشرِكونَ مِن دُونِ اللهِ مِن الأصنامِ وغَيرِها: هو الباطلُ الَّذي لا يَنفَعُ ولا يَستَحِقُّ العِبادةَ، وأنَّ اللهَ هو العالي على كُلِّ شَيءٍ بذاتِه وقَهرِه وقَدْرِه، الكبيرُ في ذاتِه وأسمائِه وصفاتِه، وكلُّ شَيءٍ دُونَه.
أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَتُصْبِحُ الْأَرْضُ مُخْضَرَّةً إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ (63).
ألمْ تَرَ أنَّ اللهَ أنزَلَ المطَرَ مِنَ السَّماءِ، فتَصيرُ به الأرضُ اليابِسةُ خَضراءَ بالنَّباتِ، إنَّ اللهَ لَطيفٌ بأرزاقِ عبادِه واستخراجِ النَّباتِ مِن الأرضِ، خَبيرٌ يَعلَمُ خَفايا كُلِّ شَيءٍ، ومِن ذلك أنَّه لا تخفَى عليه الحَبَّةُ الَّتي في باطِنِ الأرضِ، فيَسوقُ إليها الماءَ بلُطفِه لِيُنبِتَها به.
لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ (64).
لله وَحْدَه مُلكُ جَميعِ ما في السَّمَوات ومُلكُ جَميعِ ما في الأرضِ مِنَ الخَلقِ؛ فكُلُّهم عَبيدُه، وتحتَ تَدبيرِه، لا شَريكَ له في ذلك، وإنَّ اللهَ لَهُو الغنيُّ عن كُلِّ ما سِواه، المحمودُ في أسمائِه وصِفاتِه وأفعالِه.
أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ وَالْفُلْكَ تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَيُمْسِكُ السَّمَاءَ أَنْ تَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ إِلَّا بِإِذْنِهِ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ (65).
ألم تَرَ أنَّ اللهَ ذلَّل لكم جميعَ ما في الأرضِ، وسهَّل لكم أنواعَ الانتِفاعِ بها، وذلَّل لكم السُّفُنَ تجري في البِحارِ بقُدرتِه وتَيسيرِه، ويُمسِكُ اللهُ السَّماءَ بقُدرتِه؛ كيْ لا تَسقُطَ على الأرضِ فيَهلِكَ مَن فيها، إلَّا إذا أذِنَ اللهُ لها بالوُقوعِ، فتَقَعُ بإذنِه، إنَّ اللهَ بالنَّاسِ لَذُو رأفةٍ ورَحمةٍ، ومِن رأفتِه ورَحمتِه بهم سَخَّر لهم جميعَ تلك الأشياءِ.
وَهُوَ الَّذِي أَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ إِنَّ الْإِنْسَانَ لَكَفُورٌ (66).
واللهُ هو الَّذي أحياكم وأوجَدَكم مِنَ العَدَمِ، ثُمَّ يُميتُكم عندَ انقضاءِ آجالِكم، ثمَّ يُحييكم يومَ القيامةِ للحِسابِ والجَزاءِ، إنَّ الإنسانَ لَجَحودٌ لآياتِ اللهِ فلا يُؤمِنُ بها، جَحودٌ لنِعَمِ اللهِ فلا يَشكُرُ اللهَ عليها، ولا يُخلِصُ عِبادَتَه له وَحْدَه!
لِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنْسَكًا هُمْ نَاسِكُوهُ فَلَا يُنَازِعُنَّكَ فِي الْأَمْرِ وَادْعُ إِلَى رَبِّكَ إِنَّكَ لَعَلَى هُدًى مُسْتَقِيمٍ (67).
لكلِّ جماعةٍ مُؤمِنةٍ ممَّن قَبْلَكم وضَعْنا شريعةً، هم عاملونَ بها، فلا يُجادِلُنَّك -يا مُحمَّدُ- فيما شرَعَ اللهُ لك، وادْعُ إلى عبادةِ رَبِّك وَحْدَه، والإيمانِ به، واتِّباعِ شَريعَتِه، داوِمْ على هذه الدَّعوةِ ولا يَثنِينَّك عنها شَيءٌ؛ فإنَّك على طريقٍ مُستقيمٍ لا عِوَجَ فيه، مُوصلٍ إلى المَقصودِ.
وَإِنْ جَادَلُوكَ فَقُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا تَعْمَلُونَ (68).
وإنْ جادَلَك كُفَّارُ قَومِك -يا مُحمَّدُ- فقُلْ لهم: اللهُ أعلَمُ بما تَعمَلونَه مِنَ الكُفرِ والتَّكذيبِ، وهو مُجازيكم على ذلك، ففَوِّضْ أمْرَهم إلى اللهِ، وأعرِضْ عنهم، ولا تُجادِلْهم.
اللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ (69).
اللهُ يَقضي ويَفصِلُ بيْنَكم يومَ القيامةِ فيما كُنتُم فيه تَختَلِفونَ مِن أمرِ دينِكم، ويتبَيَّنُ حِينَئذٍ المُحِقُّ مِن المُبطِلِ.
أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّ ذَلِكَ فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ (70).
ألم تعلَمْ -يا مُحمَّدُ- أنَّ اللهَ يَعلَمُ كُلَّ ما في السَّمَواتِ وما في الأرضِ، ويَعلَمُ أعمالَ عِبادِه واختلافَهم، فمُجازيهم على ذلك؟ إنَّ عِلمَ اللهِ ذلك قد أثبَتَه اللهُ في اللَّوحِ المَحفوظِ، إنَّ إحاطةَ عِلمِ الله بجميعِ ذلك وكتابتَه في كتابٍ هَيِّنٌ سَهلٌ على اللهِ.
وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَمَا لَيْسَ لَهُمْ بِهِ عِلْمٌ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ (71).
ويَعبُدُ المُشرِكونَ مِن دونِ اللهِ أصنامًا لم يُنَزِّلِ اللهُ على رُسُلِه حُجَّةً على صِحَّةِ عبادتِها! وليس للمُشرِكينَ عِلمٌ يَقينيٌّ بجَوازِ فعلِهم هذا، وإنَّما يَعبُدونَها تقليدًا لآبائِهم! وما للمُشرِكينَ بسَبَبِ ظُلمِهم مِن ناصرٍ يَنصُرُهم ويُنقِذُهم مِن عذابِ اللهِ، ويَدفَعُ عنهم عِقابَه.
وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آَيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ تَعْرِفُ فِي وُجُوهِ الَّذِينَ كَفَرُوا الْمُنْكَرَ يَكَادُونَ يَسْطُونَ بِالَّذِينَ يَتْلُونَ عَلَيْهِمْ آَيَاتِنَا قُلْ أَفَأُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكُمُ النَّارُ وَعَدَهَا اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (72).
وإذا تُتلى على المُشرِكينَ آياتُ القُرآنِ -والحالُ أنَّها واضِحاتُ الحُجَجِ والدَّلالةِ على توحيدِ اللهِ، وصِدقِ رَسولِه- تتبَيَّنُ في وُجوهِهم الغَمَّ والكراهيَةَ، والعُبوسَ والغَضَبَ! يَكادُ المُشرِكونَ يَبطِشونَ بالَّذينَ يَتلونَ عليهم القُرآنَ، ويَبْسُطونَ إليهم أيدِيَهم وألسِنَتَهم بالسُّوءِ، قُلْ -يا مُحمَّدُ- للمُشرِكينَ: أفأُخبِرُكم بما هو أشَدُّ عليكم وأكرَهُ إليكم مِمَّا سَمِعتُموه مِنَ القُرآنِ؟ هو النَّارُ الَّتي وعَدَها اللهُ الكُفَّارَ يومَ القيامةِ! وبِئسَ المكانُ الَّذي يصيرُ إليه هؤلاء المُشرِكونَ يومَ القيامةِ: النَّارُ!
يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لَا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ (73).
يا أيُّها النَّاسُ ضَرَبَ اللهُ مَثَلًا للآلِهةِ الَّتي يَعبُدُها المُشرِكونَ، فأنصِتُوا لهذا المَثَلِ، وتفهَّموا ما احتَوى عليه. إنَّ الَّذين تَعبُدونَ مِن دُونِ اللهِ مِنَ الأصنامِ وغَيرِها، لن يَقدِروا على خَلقِ ذُبابةٍ واحِدةٍ، ولو تَعاونوا جميعًا على ذلك، وإنْ يَختَطِفِ الذُّبابُ ويَختَلِسْ مِنَ الأصنامِ شَيئًا ممَّا عليها مِن طِيبٍ أو مما يُجعَلُ لها مِن طَعامٍ ونحوِه، لا تَستطِعِ الأصنامُ أن تَرُدَّ ما استَلَبَه الذُّبابُ، مع ضَعفِه وحَقارتِه! ضعُفَت الآلِهةُ المعبودةُ مِن دُونِ اللهِ -كالأصنامِ- وعَجَزت عن استِنقاذِ ما يَسلُبُه الذُّبابُ منها، وضعُفَ الذُّبابُ، وضَعُفَ العابِدُ لغير الله، وضعُف معبودُه، فكيف يَعبُدُ المُشرِكونَ ما لا قُدرةَ له على خَلقِ ذُبابٍ، ولا على رَدِّ ما استَلَبَه منه؟!
مَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ (74).
ما عظَّمَ المُشرِكونَ اللهَ حَقَّ تَعظيمِه، ولا عَرَفوا صفاتِ كَمالِه حينَ جَعَلوا الأصنامَ الضَّعيفةَ شُرَكاءَ له، فلم يُخلِصوا له العِبادةَ! إنَّ اللهَ لَقَويٌّ قادِرٌ على خَلْقِ ما يَشاءُ، مَنيعٌ في مُلكِه، غالِبٌ وقاهِرٌ لكُلِّ شَيءٍ، لا يَقدِرُ شَيءٌ دُونَه أن يَسلُبَه مِن مُلكِه شَيئًا
اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ (75).
اللهُ يَختارُ مِنَ المَلائِكةِ رُسُلًا، كالَّذينَ يُرسِلُهم إلى أنبيائِه ومَن شاء مِن عِبادِه، ويَختارُ مِن النَّاسِ أيضًا رُسُلًا يُبَلِّغونهم وَحْيَه، إنَّ اللهَ سَميعٌ لكُلِّ شَيءٍ، بصيرٌ بكلِّ شَيءٍ، فهو يَعلَمُ مَن يَستَحِقُّ مِن خَلْقِه اصطِفاءَه لرِسالتِه.
يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ (76).
قد أحاط الله تعالى برسُلِه مِنَ الملائكةِ والنَّاسِ علمًا، فلا يخفَى عليه مِن أمورِهم شيءٌ، وإلى اللهِ وَحْدَه لا إلى غَيرِه تُرجَعُ جَميعُ أمورِ عِبادِه، فيَحكُمُ بيْنَهم يومَ القيامةِ، ويُجازيهم على ذلك.
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (77).
يا أيُّها الَّذينَ آمَنوا، اركَعوا واسجُدوا لله في صَلاتِكم، وذِلُّوا واخضَعوا لرَبِّكم بطاعتِه، مُخلِصينَ له في عبادتِه، وافعَلوا -أيُّها المُؤمِنونَ- أنواعَ الخَيراتِ مِمَّا أمَرَكم اللهُ به؛ لعَلَّكم تَفوزونَ بما تَرغَبونَ فيه في الدُّنيا والآخِرةِ، وتنجَوْنَ ممَّا تَرهبونَه.
وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ وَفِي هَذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآَتُوا الزَّكَاةَ وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ هُوَ مَوْلَاكُمْ فَنِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ (78).
جاهِدوا -للهِ ومِن أجْلِه- أنفُسَكم، والشَّيطانَ والكفَّارَ وأهلَ الظُّلمِ والهوَى جهادًا؛ بأموالِكم وأنفُسِكم وألسِنَتِكم، مُستَفرغينَ فيه طاقتَكم، اللهُ هو الَّذي اختاركم -أيُّها المُؤمِنونَ- لاتِّباعِ دينِه، ونَصْرِه، والجِهادِ في سَبيلِه، وما جعل اللهُ عليكم مِن ضِيقٍ وعُسرٍ ومشَقَّةٍ في دِينِ الإسلامِ، بل يسَّرَ لكم هذا الدِّينَ غايةَ التَّيسيرِ، ووسَّعه كمِلَّةِ أبيكم إبراهيمَ، اللهُ سمَّاكم المُسلِمينَ مِن قَبلِ نُزولِ القُرآنِ في كُتُبِ الأنبياءِ السَّابقةِ، وسمَّاكم المُسلِمينَ أيضًا في هذا القُرآنِ، اجتَباكم اللهُ وفضَّلَكم، ونَوَّهَ باسمِكم؛ لِيَكونَ الرَّسولُ -الَّذي هو خَيرُكم- شَهيدًا عليكم يومَ القيامةِ أنَّه قد بلَّغكم رسالةَ ربِّه، وتكونوا شُهَداءَ على جَميعِ الأُمَمِ أنَّ رُسُلَهم قد بلَّغُوهم ما أرسَلَهم اللهُ به، فقابِلُوا تلك النِّعمةَ العَظيمةَ بالقيامِ بشُكرِها، فأقيمُوا -أيُّها المُسلِمونَ- الصَّلاةَ للهِ بحُدودِها وأركانِها، وأعطُوا زَكاةَ أموالِكم لِمُستحقِّيها، وثِقُوا باللهِ وتوَكَّلوا عليه في جَميعِ أمورِكم، واعمَلوا بوَحْيِه وتمَسَّكوا به؛ لأنَّه وليُّكم وحافِظُكم، ومُدَبِّرُ أمورِكم، وناصِرُكم على أعدائِكم، فنِعْم المَولى هو سُبْحانَه، ونِعْمَ النَّاصِرُ.