التفسير المحرر

التفسير المحرر

قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا

اللغة: العربية
إعداد:
الإصدار: 1.0
ترجمات 1
إنجليزي
المرفقات 7
PDF
Audio
Video
+3

قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا

قال الخَضِرُ لموسى: ألم أقُلْ لك مِن قَبلِ أن تَصحَبَني: إنَّك لن تُطيقَ الصَّبرَ على اتِّباعي؛ لِما تراه من أفعالي الَّتي ظاهِرُها مُنكَرٌ، وإنَّك لن تَصبِرَ عن سُؤالي عن أفعالي؛ لأنَّك لم تُحِطْ بها خُبْرًا؟!

قَالَ إِنْ سَأَلْتُكَ عَنْ شَيْءٍ بَعْدَهَا فَلَا تُصَاحِبْنِي قَدْ بَلَغْتَ مِنْ لَدُنِّي عُذْرًا

قال موسى للخَضِرِ: إنْ سألتُك عن أيِّ شَيءٍ بعدَ هذه المرَّة، ففارِقْني، واترُك صُحبَتي، قد وصلتَ إلى حالٍ تُعْذَرُ فيها في مُفارَقتي، وتَرْكِ مُصاحَبتي؛ وذلك باعتراضي مَرَّتَينِ، واحتِمالِك لي فيهما

فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا أَتَيَا أَهْلَ قَرْيَةٍ اسْتَطْعَمَا أَهْلَهَا فَأَبَوْا أَنْ يُضَيِّفُوهُمَا فَوَجَدَا فِيهَا جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ فَأَقَامَهُ قَالَ لَوْ شِئْتَ لَاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا

فانطلَق موسى والخَضِرُ يَسيرانِ إلى أن بَلَغا قريةً فطَلَبا مِن أهلِها إطعامَهما، فامتَنَعوا عن أن يُنزِلوهما ويُطعِموهما؛ لُؤمًا منهم! فوجَدَا في تلك القريةِ حائِطًا مائِلًا يُوشِكُ أن يَسقُطَ ويَنهَدِمَ، فأصلَحَه الخَضِرُ، وعدَّل مَيلَه فاستقامَ. قال موسى: لو شِئتَ لم تُصلِحْ جِدارَ أهلِ هذه القريةِ اللِّئامِ، حتَّى يعطوك أُجرةً على ذلك، ولم تُقِمْه لهم مجَّانًا

قَالَ هَذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ مَا لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا

قال الخَضِرُ لموسى: سُؤالُك لي واعتراضُك على فِعلي للمَرَّةِ الثَّالثةِ سَبَبُ حُصولِ الفِراقِ بيني وبيْنَك، فلن تَصحَبَني بعدَ الآن، سأُخبرُك قبْلَ مُفارَقتِك بتفسيرِ أفعالي الَّتي أنكَرْتَها علَيَّ، ولم تستَطِعْ أن تصبِرَ عن سؤالي عنها حتَّى أُخبِرَك بحَقيقتِها

أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَهَا وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا

قال الخَضِرُ لموسى: أمَّا السَّفينةُ الَّتي خَرَقْتُها فكانت لمساكينَ يَطلُبونَ فيها الرِّزقَ في البَحرِ، فأردتُ أن أخرِقَ السَّفينةَ، فأجعَلَها مَعِيبةً، وكان أمامَ أصحابِ السَّفينةِ مَلِكٌ ظالِمٌ يَستولي على كُلِّ سَفينةٍ صالحةٍ قَهرًا

وَأَمَّا الْغُلَامُ فَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ فَخَشِينَا أَنْ يُرْهِقَهُمَا طُغْيَانًا وَكُفْرًا

وأمَّا الغلامُ الَّذي قتَلْتُه، فكان أبوه وأمُّه مُؤمِنَينِ باللهِ، وكان الغُلامُ كافِرًا، فخَشِينا إنْ بَقِيَ الغلامُ حيًّا أن يغْشَى أبوَيه بالعُقوقِ، ويَحمِلَهما على الكُفرِ باللهِ

فَأَرَدْنَا أَنْ يُبْدِلَهُمَا رَبُّهُمَا خَيْرًا مِنْهُ زَكَاةً وَأَقْرَبَ رُحْمًا

قال الخَضِرُ: فأرَدْنا بقَتلِ الغُلامِ الكافِرِ أن يُبدِلَ اللهُ أبوَيه المُؤمِنَينِ ولَدًا صالِحًا خَيرًا مِن الأوَّلِ: دينًا، وصَلاحًا، وطهارةً مِن الذُّنوبِ، وأرحمَ بوالِدَيه، وأبَرَّ بهما منه

وَأَمَّا الْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلَامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ وَكَانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُمَا وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنْزَهُمَا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي ذَلِكَ تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا

وأمَّا الحائِطُ الَّذي أقَمْتُه فكان لغُلامَينِ يتيمَينِ في المدينةِ الَّتي أبَى أهلُها أن يُضَيِّفونا، فحالُهما تقتضي رحمَتَهما والرَّأفةَ بهما، وكان تحت الجِدارِ مالٌ عَظيمٌ مَدفونٌ لليتيمَينِ، فلو وقع الجِدارُ لكان أقرَبَ إلى ضَياعِ مالِهما، وكان والِدُ اليتيمَينِ صالِحًا، فيَنبغي مُراعاتُه، والعنايةُ بذُرِّيَّتِه، فأراد ربُّك -يا موسى- أن يَكبَرَ اليتيمانِ حتَّى يَصِلا إلى سِنِّ الرُّشدِ، وتَمامِ القُوَّةِ، ويَستَخرِجا حينَئذٍ مالَهما المدفونَ تحت الجِدارِ، هذا الَّذي كان -يا موسى- إنَّما فَعَلْتُه رَحمةً مِنْ رَبِّك، وما فعلتُ جميعَ تلك الأمورِ الَّتي رأيتَني فعَلْتُها عن رأيي، ومِن تِلْقاءِ نَفسي، وإنَّما فعَلْتُها بأمرِ اللهِ، وذلك الَّذي بيَّنْتُه لك -يا مُوسى- هو تَفسيرُ أفعالي الَّتي استنكَرْتَها علَيَّ، ولم تستَطِعْ أن تَصبِرَ عن سؤالي عنها

وَيَسْأَلُونَكَ عَنْ ذِي الْقَرْنَيْنِ قُلْ سَأَتْلُو عَلَيْكُمْ مِنْهُ ذِكْرًا

ويَسألُك الكُفَّارُ- يا محمَّدُ- عن شَأنِ ذي القَرنَينِ وخَبَرِه، فقُلْ لِمَن سألَك عنه: سأقُصُّ عليكم بعضَ أخبارِه مِمَّا يكونُ فيها ذِكرى وعِبرةٌ وعِظةٌ

إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الْأَرْضِ وَآَتَيْنَاهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ سَبَبًا

إنَّا وطَّأْنا ومهَّدْنا لذي القَرنَينِ المُلكَ في الأرضِ، فأقدَرْناه على ذلك، وقوَّيْناه بكَثرةِ الجُنودِ وآلاتِ الحَربِ، وحُسنِ التَّدبيرِ، وبسْطِ الهَيبةِ، وغيرِ ذلك، وآتَيْناه مِن كُلِّ شَيءٍ يحتاجُ إليه مِثلُه مِن علمٍ أو قدرةٍ أو آلةٍ؛ حتَّى يصلَ به إلى مقصودِه مِن فَتحِ الأقاليمِ، وكَسرِ الأعداءِ، والتَّمكينِ في الأرضِ إلى غيرِ ذلك

فَأَتْبَعَ سَبَبًا

فسار ذو القرنينِ في طَريقٍ آخِذًا بالأسبابِ والوسائِلِ الَّتي تُوصِلُه إلى مَقصودِه

حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَغْرِبَ الشَّمْسِ وَجَدَهَا تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ وَوَجَدَ عِنْدَهَا قَوْمًا قُلْنَا يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِمَّا أَنْ تُعَذِّبَ وَإِمَّا أَنْ تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْنًا

سار ذو القرنَينِ إلى أن بلغَ أقصى موضِعٍ يُمكِنُ سُلوكُه مِن اليابِسةِ مِن الجِهةِ الغَربيَّةِ للأرضِ، فوجد الشَّمسَ تَغرُبُ -في ناظِرَيه- في بحرٍ ذي طينٍ أسودَ مُنتِنٍ، فرآها وكأنَّها تَغرُبُ في ذلك البحرِ، ووجد عندَ تلك العَينِ على ساحِلِ البَحرِ أُمَّةً مِن الأُمَمِ، فقُلْنا: يا ذا القَرنَينِ، إمَّا أن تُعَذِّبَ مَن أصَرَّ منهم على الكُفرِ، وإمَّا أن تُحسِنَ إليهم

قَالَ أَمَّا مَنْ ظَلَمَ فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ ثُمَّ يُرَدُّ إِلَى رَبِّهِ فَيُعَذِّبُهُ عَذَابًا نُكْرًا

قال ذو القرنَينِ: أمَّا مَن ظلَمَ نفْسَه بالإصرارِ على الكُفرِ بعدَ دَعوتِه للحقِّ، فسوف نُعَذِّبُه، ثُمَّ يَرجِعُ الكافِرُ بعدَ تعذيبِنا له في الدُّنيا إلى رَبِّه، فيُعَذِّبُه عذابًا فَظيعًا شَديدًا

وَأَمَّا مَنْ آَمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُ جَزَاءً الْحُسْنَى وَسَنَقُولُ لَهُ مِنْ أَمْرِنَا يُسْرًا

وأمَّا مَنْ آمَنَ بعدَ كُفرِه، وعَمِلَ بطاعةِ اللهِ مُخلِصًا له وَحْدَه لا شَريكَ له؛ فله في الآخرةِ الجَنَّةُ ثوابًا على إيمانِه وعَمَلِه الصَّالحِ، وسنُلطِفُ له القَولَ ونُلينُه في الدُّنيا، ونُعَلِّمُه ما تيسَّرَ تعليمُه مِن الخيرِ، ونُعامِلُه باليُسرِ، ونُحسِنُ إليه

ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَبًا

ثمَّ سار ذو القرنَينِ في طريقٍ آخَرَ آخِذًا بالأسبابِ والوسائِلِ؛ كي يصِلَ إلى جهةِ المَشرِقِ

حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَطْلِعَ الشَّمْسِ وَجَدَهَا تَطْلُعُ عَلَى قَوْمٍ لَمْ نَجْعَلْ لَهُمْ مِنْ دُونِهَا سِتْرًا

سار ذو القَرنَينِ إلى أن بلغ أقصى مَوضِعٍ يُمكِنُ سُلوكُه مِن الجِهةِ الشَّرقيَّةِ للأرضِ، حيث تَطلُعُ الشَّمسُ، فوجَد الشَّمسَ تَطلُعُ على قَومٍ ليس لهم شيءٌ يُظِلُّهم منها؛ من جَبَلٍ أو شَجَرٍ أو بِناءٍ

كَذَلِكَ وَقَدْ أَحَطْنَا بِمَا لَدَيْهِ خُبْرًا

كذلك أمرُ ذي القرنينِ، هو كما وصَفْناه لكم، وقد عَلِمْنا ما لدى ذي القرنَينِ مِن الجُندِ والأموالِ، والآلاتِ وأسبابِ المُلكِ والقُوَّة، فلم يَخْفَ علينا شيءٌ مِن ذلك

ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَبًا

ثمَّ سار ذو القَرنَينِ في طريقٍ ثالثٍ آخِذًا بالأسبابِ والوسائِلِ؛ لِيَبلُغَ الجِهةَ الَّتي يُريدُها

حَتَّى إِذَا بَلَغَ بَيْنَ السَّدَّيْنِ وَجَدَ مِنْ دُونِهِمَا قَوْمًا لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلًا

سار ذو القرنين إلى أن بلَغَ مَوضِعًا بيْن جبَلَينِ، وجد مِن دُونِ الجبَلَينِ قومًا لا يَكادونَ يَفهمونَ ما يُقالُ لهم بغيرِ لُغتِهم

قَالُوا يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجًا عَلَى أَنْ تَجْعَلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ سَدًّا

قال أولئك القَومُ: يا ذا القَرنَينِ، إنَّ يأجوجَ ومأجوجَ يَخرُجونَ مِن بيْنِ السَّدَّينِ، فيُفسِدونَ في أرضِنا بالقَتلِ والنَّهبِ والتَّخريبِ، وغيرِ ذلك مِن وُجوهِ الإفسادِ، فهل نجعَلُ لك أُجرةً أو جُعلًا مِن أموالِنا على أن تبنيَ لنا حاجِزًا بيْنَنا وبيْنَهم، فلا يُمكِنهم الوُصولُ إلينا؟

قَالَ مَا مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْمًا

قال ذو القَرنَينِ: الَّذي بَسَطَه لي ربِّي مِن المُلكِ والعِلمِ، والقُوَّةِ والقُدرةِ والأموالِ؛ خَيرٌ مِن المالِ الَّذي تَعرِضونَه علَيَّ، فأعينُوني برِجالٍ أقوياءَ يُحسِنونَ العَمَلَ، وبآلاتٍ للبناءِ؛ أجعَلْ بيْنَكم وبيْنَ يأجوجَ ومأجوجَ حاجِزًا مَنيعًا وقَويًّا

آَتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ حَتَّى إِذَا سَاوَى بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ قَالَ انْفُخُوا حَتَّى إِذَا جَعَلَهُ نَارًا قَالَ آَتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْرًا

قال ذو القَرنَينِ: أعطوني قِطَعَ الحَديدِ الضَّخمةَ وناوِلونيها، فلمَّا جاؤوه بقِطَعِ الحَديدِ الكَبيرةِ، وغطَّى بها ذو القَرنَينِ المَنفَذَ بينَ الجبَلَينِ حتَّى حاذَى بذلك البناءِ رُؤوسَهما؛ قال للعُمَّالِ: انفُخوا النَّارَ بالآلاتِ على قِطَعِ الحديدِ، فنَفَخوا حتَّى جعَل ذو القَرنَينِ الحديدَ نارًا، فقال: أعطوني نُحاسًا ذائِبًا أَصُبَّه على الحديدِ المُحْمَى

فَمَا اسْطَاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ وَمَا اسْتَطَاعُوا لَهُ نَقْبًا

ففَعَلوا ذلك، فاختَلَط والتصَقَ بعضُه ببعضٍ، وصار حاجِزًا صَلْدًا مَنيعًا، واستحكَمَ استحكامًا هائلًا، فلم يَقدِرْ يأجوجُ ومأجوجُ على صعودِ ذلك الرَّدمِ؛ لارتفاعِه ومَلاستِه، فهو مُستَوٍ مع الجَبَلِ، والجبَلُ عالٍ لا يُرامُ، ولم يَقْدِروا على خَرقِ ذلك الرَّدمِ مِن أسفَلِه خَرقًا يَنفُذُ بهم إلى الجِهةِ الأُخرى؛ وذلك لإحكامِ بنائِه، وصَلابتِه وشِدَّتِه

قَالَ هَذَا رَحْمَةٌ مِنْ رَبِّي فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ رَبِّي جَعَلَهُ دَكَّاءَ وَكَانَ وَعْدُ رَبِّي حَقًّا

قال ذو القَرنَينِ: هذا الرَّدمُ الَّذي مكَّنَني اللهُ مِن جَعْلِه حاجزًا بيْنَ يأجوجَ ومأجوجَ وبينَ الإفسادِ في الأرضِ؛ رَحمةٌ مِن رَبِّي بالنَّاسِ، فإذا جاء وعدُ رَبِّي الَّذي وقَّتَه لخُروجِ يأجوجَ ومأجوجَ مِن وَراءِ هذا الرَّدْمِ، جعَلَ اللهُ هذا الرَّدمَ مُنهَدِمًا مُستَويًا بالأرضِ، وكان وَعدُ اللهِ عِبادَه بخُروجِهم في آخرِ الزَّمانِ كائنًا لا محالةَ، وكلُّ ما وعَد الله به فلا بدَّ أنْ يقعَ

وَتَرَكْنَا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِي بَعْضٍ وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَجَمَعْنَاهُمْ جَمْعًا

وتَرَكْنا يأجوجَ ومأجوجَ يومَ يأتي وعدُ اللهِ بدَكِّ الرَّدمِ، يَخرُجونَ مُزدَحِمينَ مُختَلِطينَ بالنَّاسِ، وينتَشِرونَ بيْنَهم للإفسادِ في الأرضِ، ونُفِخَ في البُوقِ؛ لتَعودَ الأرواحُ إلى أجسادِها، فإذا هم قيامٌ لرَبِّ العالَمينَ، فجَمَعْنا جميعَ الخَلقِ إلى مَوقِفِ القيامةِ؛ لحِسابِهم ومُجازاتِهم على أعمالِهم

وَعَرَضْنَا جَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ لِلْكَافِرِينَ عَرْضًا

وأبرَزْنا جهنَّمَ يومَ القيامةِ، وأظهَرْناها للكافرينَ؛ حتى يُشاهِدوها عِيانًا قبْلَ دُخولِها

الَّذِينَ كَانَتْ أَعْيُنُهُمْ فِي غِطَاءٍ عَنْ ذِكْرِي وَكَانُوا لَا يَسْتَطِيعُونَ سَمْعًا

أظهَرْنا جهنَّمَ للكافرينَ الَّذين كانت أعيُنُهم مُغَطَّاةً عن النَّظَرِ في آياتِ القُرآنِ وتدَبُّرِها، وتَعامَوا عن قَبولِ الحَقِّ واتِّباعِه، وكان الكافِرونَ لا يُطيقونَ سَماعَ كَلامِ اللهِ

أَفَحَسِبَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ يَتَّخِذُوا عِبَادِي مِنْ دُونِي أَوْلِيَاءَ إِنَّا أَعْتَدْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ نُزُلًا

أفَظَنَّ الَّذين كَفَروا باللهِ أن يتَّخِذوا عباديَ الَّذينَ عَبَدوهم مِن دوني -كالمسيحِ عيسى ابنِ مريمَ، والملائكةِ والأنبياءِ، وغيرِهم مِن الصَّالحينَ- أولياءَ لهم؟ إنَّا هيَّأْنا جهنَّم مَنزِلًا للكافرينَ

قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا

قُلْ -يا مُحمَّدُ-: هل نُخبِرُكم بأخسَرِ النَّاسِ أعمالًا وأضيَعِها، فلا ينتَفِعون بها؟

الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا

هم الَّذين بَطَلت أعمالُهم الَّتي عَمِلوها في الدُّنيا واضمحلَّتْ؛ لفَسادِ اعتقادِهم، ومخالفتِهم شَريعةَ ربِّهم، والحالُ أنَّهم يظُنُّونَ أنَّهم يُحسِنونَ في أعمالِهم، وسيَنتَفِعونَ بآثارِها، ولا يَدرونَ أنَّها باطِلةٌ

أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآَيَاتِ رَبِّهِمْ وَلِقَائِهِ فَحَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا

أولئك هم الَّذين كَفَروا بحُجَجِ رَبِّهم وأدِلَّتِه، وكذَّبوا بالبَعثِ بعد الموتِ، فأبطلَ اللهُ أعمالَ الخيرِ الَّتي عَمِلوها، فلا يُثابونَ عليها في الآخرةِ؛ لعَدَمِ بِنائِها على أساسٍ مِن الإيمانِ، فلا نُثقِّلُ مَوازينَهم يومَ القيامةِ؛ لأنَّه ليس لهم حَسَناتٌ

ذَلِكَ جَزَاؤُهُمْ جَهَنَّمُ بِمَا كَفَرُوا وَاتَّخَذُوا آَيَاتِي وَرُسُلِي هُزُوًا

إنَّما جازَيْنا أولئك الكافِرين بجهنَّمَ بسَبَبِ كُفرِهم، واستِهزائِهم واستِخفافِهم بالحُجَجِ والدَّلائِلِ ورُسُلِ اللهِ، وسُخريتِهم منهم

إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلًا

إنَّ الَّذينَ آمَنوا باللهِ وبما جاءت به رُسُلُه، وعَمِلوا الأعمالَ الصَّالحاتِ الخالِصةَ لله، الموافِقةَ لشريعتِه؛ كانت لهم جناتُ الفِردوسِ مَنازِلَ يَسكُنونَها

خَالِدِينَ فِيهَا لَا يَبْغُونَ عَنْهَا حِوَلًا

لابِثينَ في جنَّاتِ الفِردَوسِ أبدًا، لا يَطلُبونَ عنها تَحوُّلًا إلى غَيرِها، ولا يَختارونَ سِواها

قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا

قُلْ -يا مُحمَّدُ-: لو كان البَحرُ مِدادًا للأقلامِ الَّتي تُكتَبُ بها كَلِماتُ رَبِّي، لفَرَغ ماءُ البحرِ قبْلَ أن يُفرَغَ مِن كِتابةِ كَلِماتِ رَبِّي؛ لعدَمِ تناهي مَعلوماتِه سُبحانَه وبِحَمدِه، ولو زِدْنا البحرَ بمِثلِ ما فيه مِن الماءِ مَرَّةً بعدَ أُخرى، لَنَفِدَ ماءُ البحرِ وما زِيدَ فيه مِن بحارٍ، ولم تَنفَدْ كَلِماتُ اللهِ

قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا

قُلْ -يا مُحمَّدُ- للمُشرِكينَ المكَذِّبينَ برِسالتِك: إنَّما أنا بشَرٌ مِثلُكم مِن بني آدَمَ، لا عِلمَ لي بالغَيبِ إلَّا ما عَلَّمَني ربِّي، وقد أوحى إلَيَّ بأنْ أُبلِّغَكم أنَّ مَعبودَكم الَّذي يستَحِقُّ العبادةَ واحدٌ لا شريكَ له، فمَن كان يرجو رُؤيةَ اللهِ في الآخرةِ، وثوابَه، ويخشَى عِقابَه؛ فلْيَعمَلْ في الدُّنيا عمَلًا صالِحًا خالِصًا لله، مُوافِقًا لِشَرعِه، لا يَعبُدْ معَ اللهِ غيرَه، ولا يُراءِ في عبادةِ اللهِ أحدًا مِن الخَلقِ، بل يَجعَل عبادتَه خالِصةً لله وَحْدَه لا شَريكَ له

مريم

كهيعص (1)

تُبيِّنُ هذه الحروفُ المقطَّعةُ، إعجازَ القرآنِ؛ حيثُ تُظهِرُ عجْزَ الخَلقِ عن مُعارَضَتِه بمثلِه، مع أنَّه مركَّبٌ مِن هذه الحروفِ الَّتي يَتحدَّثون بها!

ذِكْرُ رَحْمَةِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّا (2)

هذا الَّذي نَتلوه في هذه الآياتِ، قِصَّةُ رَحمةِ رَبِّك -يا مُحمَّدُ- عَبْدَه زكريَّا عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ.

إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَاءً خَفِيًّا (3)

حين دعا زكريَّا رَبَّه، وسأَله بنِداءٍ خَفيٍّ عن النَّاسِ.

قَالَ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا وَلَمْ أَكُنْ بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِيًّا (4)

قال زكريَّا: يا رَبِّ، قد رقَّ عَظمي، وضعُفَت قُوَّتي، وانتشَرَ الشَّيبِ في رأسي، وقد عوَّدْتَني إجابةَ دَعوتي.

وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوَالِيَ مِنْ وَرَائِي وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا (5)

خِفتُ أن يُضَيِّعَ أقاربي الدِّينَ مِن بَعدِ موتي، وامرأتي عَقيمٌ لا تَلِدُ، فارْزُقْني ولدًا يقومُ بالدِّينِ مِن بعدي.

يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آَلِ يَعْقُوبَ وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا (6)

يَرِثُ عِلمي ونبُوَّتي، ويَرِثُ ذلك مِن أجدادِه آلِ يَعقوبَ، واجعَلْه -يا رَبِّ- مَرْضيًّا عِندَك وعندَ عِبادِك

يَا زَكَرِيَّا إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلَامٍ اسْمُهُ يَحْيَى لَمْ نَجْعَلْ لَهُ مِنْ قَبْلُ سَمِيًّا (7)

نُودِيَ: يا زكريَّا، إنَّا نُبَشِّرُك بإجابةِ دُعائِك، فستُوهَبُ غُلامًا اسمُه يحيى، لم نُسَمِّ أحدًا قبلَه بهذا الاسمِ.

قَالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ عِتِيًّا (8)

قال زكريَّا مُتعَجِّبًا: يا ربِّ، كيف يُولَدُ لي غُلامٌ، وزوجتي عقيمٌ لا تَحمِلُ، وقد بلغتُ غايةً في كِبَر السِّنِّ؟

قَالَ كَذَلِكَ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئًا (9)

قال الملَكُ لزكريَّا: هكذا الأمرُ كما ذكرتَ، ولكِنْ قال ربُّك: هذا الأمرُ سَهلٌ علَيَّ، وقد أوجَدْتُك مِن قَبلِ يحيى، ولم تكنْ موجودًا؛ فكذلك أنا قادِرٌ على إيجاد ولدٍ لك، فلا تعجَبْ؛ فكلاهما إيجادٌ بعدَ عَدَمٍ.

قَالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آَيَةً قَالَ آَيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَ لَيَالٍ سَوِيًّا (10)

قال زكريَّا: يا رَبِّ، اجعَلْ لي علامةً أستَدِلُّ بها على حَملِ زوجتي؛ ليطمَئِنَّ قلبي، قال: علامتك ألَّا تَقدِرَ على الكَلامِ مع النَّاسِ لثَلاثِ ليالٍ، وأنت صحيحٌ ليس بك مَرَضٌ يمنَعُك مِن الكلامِ!

فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ مِنَ الْمِحْرَابِ فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ أَنْ سَبِّحُوا بُكْرَةً وَعَشِيًّا (11)

فخرج زكريَّا على بني إسرائيلَ مِن مُصَلَّاه الَّذي بُشِّرَ فيه، فأشار إليهم أن سبِّحوا في أوَّلِ النَّهارِ وآخِرِه

يَا يَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ وَآَتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا (12)

فوُلِد لزكريَّا يحيى، وقال اللهُ له: يا يحيى، خُذِ التَّوراةَ بجِدٍّ وعَزمٍ، وأعطَيْناه الفَهمَ لها، والعِلمَ بأحكامِها، والعَمَلَ بها، والحُكمَ بها في صِغَرِه وقبلَ بُلوغِه.

وَحَنَانًا مِنْ لَدُنَّا وَزَكَاةً وَكَانَ تَقِيًّا (13)

وآتينا يحيى حنانًا خاصًّا مِن عِندِنا، وطهارةً مِن الذُّنوبِ، ونقاءً مِن الخبائِثِ، وكان مُمتَثِلًا لأوامِرِ رَبِّه، مُجتَنِبًا لنَواهيه.

وَبَرًّا بِوَالِدَيْهِ وَلَمْ يَكُنْ جَبَّارًا عَصِيًّا (14)

وكان مُسارِعًا في البر بوالِدَيه، قَولًا وفِعلًا، ولم يكُنْ مُتكَبِّرًا عن عبادةِ اللهِ، ولا مُترفِّعًا على أبويه وغيرِهما، ولا مُستَخِفًّا بحقوقِ العبادِ.

وَسَلَامٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ وَيَوْمَ يَمُوتُ وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيًّا (15)

سلامٌ مِن اللهِ ليحيى يومَ وُلِد، وأمانٌ له مِن الشَّيطانِ، ومِن كُلِّ ما يكرَهُ، وسلامٌ له يومَ يموتُ، وأمانٌ له مِن كُرَبِ الموتِ، وعذابِ القَبرِ وفِتنَتِه، وسلامٌ له يومَ يُبعث حيًّا، فيأمَنُ مِن الأهوالِ وعذابِ النَّارِ.

وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ إِذِ انْتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا مَكَانًا شَرْقِيًّا (16)

واتْلُ -يا مُحمَّدُ- في القُرآنِ خبَرَ مَريمَ عليها السَّلامُ، حينَ تنحَّتْ عن أهلِها في موضعٍ جِهةَ المَشرِقِ.

فَاتَّخَذَتْ مِنْ دُونِهِمْ حِجَابًا فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا (17)

فجعَلَت بيْنَها وبيْنَ أهلِها حاجِزًا يَستُرُها عنهم؛ لتتفَرَّغَ لعبادةِ اللهِ، فأرسَلْنا إليها جِبريلَ فجاءَها على هيئةِ رَجُلٍ مُعتَدِلِ الخِلْقةِ، جَميلِ الصُّورةِ.

قَالَتْ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنْكَ إِنْ كُنْتَ تَقِيًّا (18)

قالت مَريمُ: إنِّي أعتَصِمُ بالرَّحمنِ منك أن تَنالَني بسُوءٍ، فإنْ كُنتَ ذا تقوى تجتَنِبُ ما حرَّم اللهُ، ولا تُقدِمُ على الفُجورِ، فستَنتهي بتَعَوُّذي منك.

قَالَ إِنَّمَا أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ غُلَامًا زَكِيًّا (19)

قال جِبريلُ لِمَريمَ: لستُ كما تظُنِّينَ، فلا تخافي، إنَّما أنا مَلَكٌ مُرسَلٌ مِن الله إليك؛ لأكونَ سَبَبًا في هبةِ غلامٍ لك طاهِرٍ مِن الذُّنوبِ والخِصالِ الذَّميمةِ.

قَالَتْ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ وَلَمْ أَكُ بَغِيًّا (20)

قالت مَريمُ: كيف يكونُ لي غُلامٌ ألِدُه، ولم يَقرَبْني أحدٌ بنِكاحٍ، ولم يكُنْ مِن دَأبي الفُجورُ؟!

قَالَ كَذَلِكِ قَالَ رَبُّكِ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَلِنَجْعَلَهُ آَيَةً لِلنَّاسِ وَرَحْمَةً مِنَّا وَكَانَ أَمْرًا مَقْضِيًّا (21)

قال جبريلُ لِمَريمَ: هكذا الأمرُ كما ذكرتِ، ولكِنْ قال ربُّكِ: خلْقُ الغُلامِ منك مِن غيرِ أبٍ سَهلٌ علَيَّ! ونريد أن نجعلَ ذلك عَلامةً للنَّاسِ على الحقِّ، ورَحمةً مِنَّا، وهو أمرٌ قضاه اللهُ؛ فهو واقعٌ لا محالةَ.

فَحَمَلَتْهُ فَانْتَبَذَتْ بِهِ مَكَانًا قَصِيًّا (22)

فحَمَلَت مريمُ بعيسى عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ، فتنحَّت بحَمْلِها إلى مكانٍ بعيدٍ عن النَّاسِ.

فَأَجَاءَهَا الْمَخَاضُ إِلَى جِذْعِ النَّخْلَةِ قَالَتْ يَا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا وَكُنْتُ نَسْيًا مَنْسِيًّا (23)

فألجأَها ألمُ الطَّلْقِ إلى جِذعِ نَخلةٍ، وقالت: يا لَيتني مِتُّ قبْلَ أن أحمِلَ هذا الغلامَ مِن غيرِ زَوجٍ، وليتني كنتُ شَيئًا حقيرًا يُترَكُ ويُنسَى فلا يَخطُرُ على بالٍ!

فَنَادَاهَا مِنْ تَحْتِهَا أَلَّا تَحْزَنِي قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا (24)

فناداها عيسَى مِن تَحتِها عندَما وضَعَتْه فقال: لا تَحزَني، قد أجرى ربُّك تحت قَدَميك نهرًا صغيرًا؛ لتَشربي منه.

وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّا (25)

وحَرِّكي جِذعَ النَّخلةِ، تُسْقِطْ عليكِ رُطَبًا طَرِيًّا طيِّبًا نافعًا.

فَكُلِي وَاشْرَبِي وَقَرِّي عَيْنًا فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَدًا فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا (26)

فكُلي مِن الرُّطَبِ، واشرَبي مِن النَّهرِ، وطِيبي نفْسًا، وافرَحي، فإنْ رأيْتِ أحدًا يُريدُ أن يُكلِّمَكِ فقُولي: إنِّي أوجبتُ على نفسي للرَّحمنِ الإمساكَ عن الكلامِ، فلن أكلِّمَ اليومَ أحدًا مِن النَّاسِ.

فَأَتَتْ بِهِ قَوْمَهَا تَحْمِلُهُ قَالُوا يَا مَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئًا فَرِيًّا (27)

فجاءت إلى قَومِها وهي تَحمِلُ عيسى، فلمَّا رأوها، قالوا: يا مريمُ، لقد فَعلتِ مُنكَرًا عَظيمًا!

يَا أُخْتَ هَارُونَ مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا (28)

يا أُختَ الرَّجُلِ الصَّالحِ هارونَ، لم يكُنْ أبوك رجُلًا يقارِفُ الفاحِشةَ! ولم تكُنْ أمُّك زانيةً فتَتأسَّيْ بها، فكيف قارفتِ ذلك وأنتِ مِن أولئك الصَّالحينَ؟!

فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ قَالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا (29)

فلمْ تُكَلِّمْ مَريمُ قَومَها، وأشارت إلى عيسى أنْ كَلِّموه؛ لِيُجيبَهم، فقالوا مُنكِرينَ: كيف نكَلِّمُ رَضيعًا لا يزالُ في فِراشِه، وليس في استطاعتِه الكَلامُ؟!

قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آَتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا (30)

فنطَقَ عيسَى وهو طفلٌ في المَهدِ، قال: إنِّي عبدُ اللهِ؛ فهو مَنْ يستَحِقُّ العبادةَ وَحْدَه، قضى اللهُ أنَّه سيُؤتيني الإنجيلَ، ويَجعَلُني نَبيًّا.

وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنْتُ ‎وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا (31)

وجعَلَني ذا برَكاتٍ، كثيرَ الخَيراتِ، ومِن ذلك أن أكونَ نافعًا للخَلقِ، مُعَلِّمًا للخيرِ في أيِّ مكانٍ أكونُ فيه، وأوصاني اللهُ بالمحافظة على الصَّلاةِ والزَّكاةِ في حياتي.

وَبَرًّا بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا (32)

وجعَلَني اللهُ بارًّا بوالِدتي، محسنًا إليها، ولم يجعَلْني اللهُ مُستَكبرًا عن عبادتِه وبِرِّ أمِّي، ولا غليظًا في مُعاملةِ النَّاسِ مُترَفِّعًا عليهم.

وَالسَّلَامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا (33)

والسلام مِنَ اللهِ علَيَّ، والأمانُ لي يومَ وُلِدتُ، ومِن ذلك طَعنُ الشَّيطانِ عندَ الولادةِ، وسلامٌ يومَ أموتُ وأمانٌ لي مِن كُلِّ سُوءٍ؛ ككُرَبِ الموتِ، وسُوءِ الخاتمةِ، وعذابِ القَبرِ وفِتنَتِه، وسَلامٌ وأمانٌ لي يومَ القيامةِ حينَ يَبعَثُني حيًّا فيُؤَمِّنُني مِن الأهوالِ، وعذابِ النَّارِ.

ذَلِكَ عيسَى ابْنُ مَرْيَمَ قَوْلَ الْحَقِّ الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ (34)

ذلك العَظيمُ القَدرِ، الَّذي أخبَرْتُكم بشأنِه هو عيسى ابنُ مَريمَ، فهذه صِفتُه حقًّا، وتلك حقيقةُ نَشأتِه، وهو الأمر الذي يختلِفُ النَّاسُ فيه ويَشُكُّون.

مَا كَانَ لِلَّهِ أَنْ يَتَّخِذَ مِنْ وَلَدٍ سُبْحَانَهُ إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (35)

ما يَنبغي لله أن يَجعلَ له ولَدًا، تنزَّه عن ذلك وعن كلِّ نقص، إذا أراد اللهُ إحداثَ شَيءٍ فإنَّما يقولُ له: كُنْ، فيُوجَدُ كما يشاءُ بلا مَشقَّةٍ.

وَإِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ (36)

قال عيسى لِقَومِه وهو في مَهدِه: ولأنَّ اللهَ رَبِّي ورَبُّكم فاعبُدوه وَحْدَه، هذا الَّذي جئتُكم به طريقٌ لا اعوِجاجَ فيه، فمَن سلَكَه اهتَدَى.

فَاخْتَلَفَ الْأَحْزَابُ مِنْ بَيْنِهِمْ فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ مَشْهَدِ يَوْمٍ عَظِيمٍ (37)

فاختلف اليهودُ والنَّصارى في أمرِ عيسى؛ فزعَم اليَهودُ أنَّه ابنُ زِنا، وزعم النَّصارى أنَّه ابنُ اللهِ، أو أنَّه ثالِثُ ثلاثةٍ، أو أنَّه اللهُ -تعالى اللهُ عمَّا يَقولونَ عُلُوًّا كبيرًا- وقال آخَرونَ الحَقَّ في شأنِه: أنَّه عبدُ اللهِ ورَسولُه، فوَيلٌ للَّذين اعتَقَدوا في عيسى الباطل، ولِغَيرِهم مِن الكُفَّارِ، مِن حُضورِهم يومَ القيامةِ.

أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ يَوْمَ يَأْتُونَنَا لَكِنِ الظَّالِمُونَ الْيَوْمَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (38)

ما أسمَعَ الكافِرينَ، وما أبصَرَهم للحَقِّ، يومَ القيامةِ! لكِنِ الَّذين ظَلَموا أنفُسَهم بالكَذِبِ على اللهِ، في الدُّنيا، في ضَلالٍ واضحٍ عن الحَقِّ.

وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الْأَمْرُ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ وَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (39)

وخوِّفِ النَّاسَ -يا مُحمَّدُ- باليومِ الَّذي يَندَمُ الظَّالِمونَ فيه على تَفريطِهم في الحق، وعلى ما فاتهم مِن الثَّوابِ، وما يُصيبُهم مِن العذابِ، حينَ يُفرَغُ مِن الحسابِ بينَ العبادِ، والحالُ أنَّ الكافِرينَ في الدُّنيا في غَفلةٍ عَمَّا أُنذِروا به، وهم لا يُؤمِنونَ باللهِ واليوم الآخِرِ.

إِنَّا نَحْنُ نَرِثُ الْأَرْضَ وَمَنْ عَلَيْهَا وَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ (40)

قال اللهُ تعالى: إنِّي أرِثُ وَحدي الأرضَ وكُلَّ ما عليها بعدَ مَوتِ الخلائِقِ، وإليَّ يُرَدُّ العِبادُ فيُبعَثونَ.

وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا (41)

واتْلُ -يا محمَّدُ- في القرآنِ خبَرَ إبراهيمَ، إنَّه كان كثيرَ الصِّدقِ في أقوالِه وأعمالِه ومواعيدِه، بليغَ التَّصديقِ بما هو أهلٌ لأن يُصَدَّقَ به، وكان نبيًّا رفيعَ القَدرِ.

إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ وَلَا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا (42)

حينَ قال لأبيه: يا أبَتِ، لِماذا تعبُدُ أصنامًا لا تَسمَعُ ولا تُبصِرُ؟! ولا تدفَعُ عنك ضَررًا، ولا تنفَعُك بشَيءٍ؟

يَا أَبَتِ إِنِّي قَدْ جَاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِرَاطًا سَوِيًّا (43)

يا أبتِ، إنِّي أُعطيتُ مِن العِلمِ ما لم تُعْطَه، فاقبَلْ نَصيحتي؛ أُرشِدْك طريقًا مستقيمًا، مُوصِلًا إلى الحقِّ.

يَا أَبَتِ لَا تَعْبُدِ الشَّيْطَانَ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلرَّحْمَنِ عَصِيًّا (44)

يا أبتِ، لا تُطِعِ الشَّيطانَ فيما يُزَيِّنُ لك مِن الشِّركِ، فتكونَ عابدًا له؛ لأنَّ الشَّيطانَ عاصٍ للرَّحمنِ، مُستكبِرٌ عن طاعتِه.

يَا أَبَتِ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِنَ الرَّحْمَنِ فَتَكُونَ لِلشَّيْطَانِ وَلِيًّا (45)

يا أبَتِ إنِّي أخافُ -إن بقيتَ على الشِّركِ- أن يُصيبَك عذابٌ مِن الرَّحمنِ، فتكونَ مِن أولياءِ الشَّيطانِ.

قَالَ أَرَاغِبٌ أَنْتَ عَنْ آَلِهَتِي يَا إِبْرَاهِيمُ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ لَأَرْجُمَنَّكَ وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا (46)

قال أبوه: أتُعرِضُ -يا إبراهيمُ- عن عبادةِ آلهَتي؟! لئِنْ لم تَترُكْ نُصحي، وذِكرَ آلهتي بسُوءٍ لَأرجُمَنَّك، وابتَعِدْ عنِّي زَمنًا طويلًا.

قَالَ سَلَامٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيًّا (47)

قال إبراهيمُ لأبيه: أنتَ في سَلامةٍ، فلا يَنالُك منِّي سوءٌ، سأطلُبُ لك مِن ربِّي مغفرةَ ذُنوبِك، إنِّي عَهِدتُه لطيفًا، مُعتَنيًا بي، وقد عوَّدَني إجابةَ دُعائي.

وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَأَدْعُو رَبِّي عَسَى أَلَّا أَكُونَ بِدُعَاءِ رَبِّي شَقِيًّا (48)

وأجتَنِبُكم وآلهَتَكم الَّتي تدْعونها مِن دونِ اللهِ، وأدعوه مُخلِصًا له وحده، وأرجو أن يَستجيبَ دُعائي.

فَلَمَّا اعْتَزَلَهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَكُلًّا جَعَلْنَا نَبِيًّا (49)

فلمَّا اجتنَبَ إبراهيمُ قَومَه، وعبادةَ أصنامِهم وهاجَر؛ رزَقْناه إسحاقَ ويعقوبَ، وكلًّا مِنهما جعَلْناه نبيًّا.

وَوَهَبْنَا لَهُمْ مِنْ رَحْمَتِنَا وَجَعَلْنَا لَهُمْ لِسَانَ صِدْقٍ عَلِيًّا (50)

وأعطَينا إبراهيمَ وإسحاقَ ويَعقوبَ، من رحمتنا شيئا عظيمًا، وجعَلْنا لهم ثناءً حَسَنًا، عاليًا صادقًا، مُستَمِرًّا بيْنَ النَّاسِ إلى يومِ القيامةِ.

وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مُوسَى إِنَّهُ كَانَ مُخْلَصًا وَكَانَ رَسُولًا نَبِيًّا (51)

واتْلُ -يا محمَّدُ- في القُرآنِ خبَرَ موسى، وقد اختاره اللهُ لرسالتِه وتَكليمِه، وجعَله خالصًا مِن الدَّنَسِ، وكان رسولًا، ونبيًّا رفيعَ القَدرِ.

وَنَادَيْنَاهُ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ الْأَيْمَنِ وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيًّا (52)

وكلَّمْنا موسَى مِن ناحيةِ جَبَلِ الطُورِ الواقِعِ على يمينِ موسى، حينَ أقبَلَ مِن مَدْيَنَ، وَقَرَّبْنَاهُ فسمع كلامَ اللهِ، وخاطَبه، بلا واسِطةٍ.

وَوَهَبْنَا لَهُ مِنْ رَحْمَتِنَا أَخَاهُ هَارُونَ نَبِيًّا (53)

ومِن رَحمتِنا بموسى، أن جعَلْنا أخاه هارونَ نبيًّا؛ لِيُعينَه.

وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِسْمَاعِيلَ إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ وَكَانَ رَسُولًا نَبِيًّا (54)

واتْلُ -يا مُحمَّدُ- في القرآنِ خبَرَ إسماعيلَ، إنَّه كان وفيًّا بوُعودِه لرَبِّه وللنَّاسِ، وكان رَسولًا، ونبيًّا رفيعَ القَدرِ.

وَكَانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ وَكَانَ عِنْدَ رَبِّهِ مَرْضِيًّا (55)

وكان يأمُرُ أهلَه بإقامةِ الصَّلاةِ، وإيتاءِ الزَّكاةِ، وكان محمودًا عندَ اللهِ في أعمالِه، ارتضاه اللهُ؛ لاجتهادِه فيما يُرضيه، فرَضِيَ ربُّه عنه، ورضِيَ هو عن رَبِّه.

وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِدْرِيسَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا (56)

واتْلُ -يا محمَّدُ- في القُرآنِ خبَرَ إدريسَ، إنَّه كان كثيرَ الصِّدقِ في أفعالِه وأقوالِه، صادِقًا فيما يخبِرُ به عن اللهِ، ومُصَدِّقًا بما أتاه مِن الحَقِّ، ونبيًّا رفيعَ القَدرِ.

وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا (57)

ورفَعْنا إدريسَ إلى السَّماءِ الرَّابعةِ.

أُولَئِكَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ مِنْ ذُرِّيَّةِ آَدَمَ وَمِمَّنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ وَمِنْ ذُرِّيَّةِ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْرَائِيلَ وَمِمَّنْ هَدَيْنَا وَاجْتَبَيْنَا إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آَيَاتُ الرَّحْمَنِ خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكِيًّا (58)

أولئك الأنبياءُ المذكورونَ في هذه السُّورةِ، الَّذين أنعَمَ اللهُ عليهم بالهدايةِ والنُّبـُوَّةِ، والعِلمِ، والعَمَلِ به؛ مِنَ النبيِّينَ مِن ذُرِّيةِ آدَمَ، وهو إدريسُ عليه السلامُ، ومِن ذُرِّيَّةِ مَن حُملَ معَ نوحٍ في السَّفينةِ، وهو إبراهيمُ عليه السَّلامُ، ومِن ذُرِّيَّةِ إبراهيمَ، وهم: إسماعيلُ، وإسحاقُ، ويعقوبُ عليهم السَّلامُ، ومِن ذُرِّيةِ يعقوبَ، وهم موسَى، وهارونُ، وزكريَّا، ويحيى، وعيسَى ابنُ مريمَ عليهم السَّلامُ، وممَّن هدَى اللهُ، واجتباهم، إذا تُتلى عليهم آياتُ الرَّحمنِ؛ بادَروا إلى السُّجودِ له باكينَ.

فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا (59)

فجاء مِن بَعدِ النَّبيِّينَ عَقِبُ سَوءٍ أضاعُوا الصَّلاةَ؛ إمَّا بتَركِها بالكُلِّيَّةِ، أو بتَرْكِ بَعضِ أركانِها وشُروطِها، وغير ذلك، وأقبَلوا على شَهَواتِهم، فسوف يَلْقَونَ عذابًا شَديدًا يومَ القيامةِ.

إِلَّا مَنْ تَابَ وَآَمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ شَيْئًا (60)

إلَّا الَّذين تابوا عن إضاعةِ الصَّلَواتِ، واتِّباعِ الشَّهَواتِ، وآمَنوا بالحق، وعَمِلوا ما شُرع لهم بإخلاصٍ لله؛ فأولئك يَدخُلونَ الجنَّةَ، دون أن تَنْقُصَ حَسَناتُهم.

جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدَ الرَّحْمَنُ عِبَادَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّهُ كَانَ وَعْدُهُ مَأْتِيًّا (61)

يَدخُلُ أولئك التَّائبونَ الجنات فيقيمون فيها أبدًا، وقد وعَد الرَّحمنُ المؤمنين أن يدخلوها، فآمَنوا بذلك، وهي غائبةٌ عنهم، وسيَنالونَ ما وُعِدوا به حقًّا.

لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا إِلَّا سَلَامًا وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيًّا (62)

لا يَسمَعُ أهلُ الجنَّةِ فيها فُحشًا وكَلامًا لا ينفَعُهم، ولكِنْ يَسمَعونَ القول السالم من ذلك، مثل تحيَّةِ اللهِ وملائكتِه لهم، ولأهلِ الجنَّةِ رِزقُهم في الجنَّةِ مِن الطَّعامِ والشَّرابِ وما يَشتَهونَ في كُلِّ يَومٍ في قَدرِ وَقتِ البُكرةِ ووَقتِ العَشيِّ في أيَّامِ الدُّنيا.

تِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي نُورِثُ مِنْ عِبَادِنَا مَنْ كَانَ تَقِيًّا (63)

هذه الجنَّةُ العاليةُ القَدرِ نُعْطيها مَن كان مُتَّقِيًا لعذابِ اللهِ وسخطه، بامتثالِ أوامِرِه، واجتنابِ نَواهيه.

وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ لَهُ مَا بَيْنَ أَيْدِينَا وَمَا خَلْفَنَا وَمَا بَيْنَ ذَلِكَ وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا (64)

قُلْ -يا جبريلُ- لمحمَّدٍ: نحن -الملائِكةَ- لا ننزلُ مِن السَّماءِ إلَّا بأمرِ رَبِّك لنا بالنُّزولِ، فلا تَستبطئْ نُزولَنا، ولله وحْدَه جميعُ الجهاتِ والأماكنِ، وجميعُ الأزمانِ: الحاضرةِ والماضيةِ والمستقبلةِ، فلا نَقدِرُ على الانتقالِ مِن مكان إلى آخر، أو في زمانٍ دونَ زمانٍ إلَّا بأمرِ الله، ولم يكُنْ رَبُّك ذا نسيانٍ لشَيءٍ، فإنْ تأخَّرَ نُزولُنا إليك فليس عن نِسيانٍ منه، وإنَّما اقتضت حِكمتُه ذلك.

رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا فَاعْبُدْهُ وَاصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا (65)

هو ربُّ السَّمواتِ والأرضِ وما بينهما، فلو كان نَسِيًّا لم يَستَقِمِ الوُجودُ، وهلكَت المخلوقاتُ، فاعبُدْه وحده، واصبِرْ صَبرًا عظيمًا بغايةِ جُهدِك؛ فإن اللهَ لا مثيلَ له في ذاته وصِفاتِه وأسمائِه، فهو المستحقُّ للعبادةِ وحده.

وَيَقُولُ الْإِنْسَانُ أَئِذَا مَا مِتُّ لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيًّا (66)

ويقولُ الكافِرُ مُنكِرًا للبَعثِ: هل سأُخرَجُ بعدَ موتي حيًّا مِن قبري؟!

أَوَلَا يَذْكُرُ الْإِنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ يَكُ شَيْئًا (67)

أوَلا يتنبَّهُ هذا الكافِرُ أنَّ اللهَ خلقَه مِن قَبلُ ولم يكُنْ شَيئًا؟! فالقادِرُ على إيجادِه مِن العَدَمِ قادِرٌ على إحيائِه بعدَ مَوتِه.

فَوَرَبِّكَ لَنَحْشُرَنَّهُمْ وَالشَّيَاطِينَ ثُمَّ لَنُحْضِرَنَّهُمْ حَوْلَ جَهَنَّمَ جِثِيًّا (68)

فأُقسِمُ برَبِّك -يا محمَّدُ- لَنَجمَعَنَّ المُنكِرينَ للبَعثِ يومَ القيامةِ معَ شياطينِهم الَّذين أضَلُّوهم، ثمَّ لَنُحضِرَنَّهم حوْلَ جهنَّمَ أذِلَّاءَ، بارِكينَ على رُكَبِهم؛ لشِدَّةِ الأهوالِ.

ثُمَّ لَنَنْزِعَنَّ مِنْ كُلِّ شِيعَةٍ أَيُّهُمْ أَشَدُّ عَلَى الرَّحْمَنِ عِتِيًّا (69)

ثمَّ لَنأخُذَنَّ بشدةٍ مِن كُلِّ جماعةٍ مِن فِرقِ الكُفرِ أشَدَّهم تمَرُّدًا على طاعة الرَّحمنِ، فنبدأُ بإدخالِهم النَّارَ.

ثُمَّ لَنَحْنُ أَعْلَمُ بِالَّذِينَ هُمْ أَوْلَى بِهَا صِلِيًّا (70)

ثمَّ لَنحنُ أعلَمُ بمَن هم أحَقُّ بشِدَّةِ العذابِ في النَّارِ.

وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا (71)

وما منكم أحدٌ -أيُّها النَّاسُ- إلَّا سيَرِدُ النَّارَ، وهو أمرٌ قضَى اللهُ تعالى أنَّه لا بُدَّ مِن وُقوعِه.

ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا (72)

ثمَّ نُخَلِّصُ المتقين مِن النَّارِ، ونترُكُ فيها الَّذين ظَلَموا أنفُسَهم بالكُفرِ والشِّركِ والمعاصي بُروكًا على رُكَبِهم.

وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آَيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آَمَنُوا أَيُّ الْفَرِيقَيْنِ خَيْرٌ مَقَامًا وَأَحْسَنُ نَدِيًّا (73)

وإذا تُتْلى على النَّاسِ آياتُ القُرآنِ الواضِحاتُ، قال الكافِرونَ للمُؤمِنينَ محتَجِّينَ على بُطلانِها: أيُّ الفريقَينِ أفضَلُ مَسكنًا ومتاعًا، وأحسَنُ مجلِسًا، وأكثَرُ غِشيانًا؟ نحن، أم أنتم؟! فكيف نَكونُ على الباطِلِ وأنتم على الحَقِّ، ونحن أفضَلُ منكم في ذلك؟!

وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ هُمْ أَحْسَنُ أَثَاثًا وَرِئْيًا (74)

وأهلَكْنا قبْلَ كفَّارِ قُرَيشٍ كثيرًا مِن كفَّارِ الأُمَمِ الماضيةِ، وكانوا أحسَنَ منهم في أمتعةِ مساكِنِهم، وأجمَلَ في مَنظَرِهم، ومع ذلك أهلَكَهم اللهُ لكُفرِهم؛ فلْيَخَفْ هؤلاء المُشرِكونَ نِقمةَ اللهِ بالإهلاكِ.

قُلْ مَنْ كَانَ فِي الضَّلَالَةِ فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمَنُ مَدًّا حَتَّى إِذَا رَأَوْا مَا يُوعَدُونَ إِمَّا الْعَذَابَ وَإِمَّا السَّاعَةَ فَسَيَعْلَمُونَ مَنْ هُوَ شَرٌّ مَكَانًا وَأَضْعَفُ جُنْدًا (75)

قُلْ -يا محمَّدُ- لهؤلاء المُشرِكينَ: مَن كان مُنغَمِسًا في الضَّلالِ مِنَّا ومنكم، فلْيُمهِلْه اللهُ في ضلالِه، ويَزِدْه مِن النِّعَمِ والعُمُرِ -ليَزدادَ ضلالا، فتشتدُّ عقوبته- إلى أن يرى الضَّالُّونَ ما وعَدَ اللهُ أن يأتيَهم به: إمَّا بالعذابِ العاجِلِ، وإمَّا بقيامِ السَّاعةِ، فيَصيرونَ إلى النَّارِ، فسيَعلَمُ الكُفَّارُ مَن هو شَرٌّ مَسكَنًا، وأضعَفُ ناصِرًا.

وَيَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدًى وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ مَرَدًّا (76)

ويَزيدُ الله المهتدينَ هدًى، وثباتًا، والأعمالُ الصَّالحةُ أفضَلُ جزاءً عندَ اللهِ، وخيرٌ عاقِبةً في الآخرةِ، مِن زينةِ الدُّنيا.

أَفَرَأَيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآَيَاتِنَا وَقَالَ لَأُوتَيَنَّ مَالًا وَوَلَدًا (77)

انظُرْ مُتعَجِّبًا -يا محمَّدُ- إلى مَنْ كفَرَ بآياتِ القُرآنِ، وقال: أُقسمُ لَيُعطينِّي اللهُ في الآخرةِ على فرضِ قيامِها، مالًا وأولادًا.

أَطَّلَعَ الْغَيْبَ أَمِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا (78)

هل عَلِمَ هذا الكافِرُ الغَيبَ، فعَلِمَ أنَّ له في الآخرة مالًا وولدًا؟ أم له عهدٌ عند اللهِ بأنَّه سيُعطيه ذلك؟!

كَلَّا سَنَكْتُبُ مَا يَقُولُ وَنَمُدُّ لَهُ مِنَ الْعَذَابِ مَدًّا (79)

ليس الأمرُ على ما قالَ؛ فهو مخطِئٌ فيما يتَمَنَّاه، ستَكتُبُ الملائكةُ الحَفَظةُ ما يقولُ، ونُجازيه في الآخرةِ على كُفرِه، ونَزيدُه عذابًا؛ لكذبِه على رَبِّه.

وَنَرِثُهُ مَا يَقُولُ وَيَأْتِينَا فَرْدًا (80)

ونَسلُبُ مالَه وولَدَه في الدُّنيا بمَوتِه عن جميعِ ذلك، فيَصيرُ ذلك إلينا، ويأتينا يومَ القيامةِ بلا مالَ ولا ولَدَ.

وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آَلِهَةً لِيَكُونُوا لَهُمْ عِزًّا (81)

واتَّخَذَ المُشرِكونَ أوثانًا يَعبُدونَها؛ لينالوا بها العِزَّ، وتمنَعَهم مِن عذابِ اللهِ، وتُقرِّبَهم إليه، وتَنصُرَهم، وتشفَعَ لهم.

كَلَّا سَيَكْفُرُونَ بِعِبَادَتِهِمْ وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا (82)

ليس الأمرُ كما ظنُّوا في آلهتَهم، بل ستَكفُرُ يومَ القيامةِ بعبادةِ المُشرِكينَ لها، وتَتبرَّأُ منهم، فيصيبهم الذُّلُّ والهَوانُ

أَلَمْ تَرَ أَنَّا أَرْسَلْنَا الشَّيَاطِينَ عَلَى الْكَافِرِينَ تَؤُزُّهُمْ أَزًّا (83)

ألم تَرَ -يا محمَّدُ- أنَّا سلَّطْنا الشَّياطينَ على الكافرينَ باللهِ، فتُهَيِّجُهم إلى الباطل، وتُزعِجُهم إليه إزعاجًا؟

فَلَا تَعْجَلْ عَلَيْهِمْ إِنَّمَا نَعُدُّ لَهُمْ عَدًّا (84)

فلا تَستعجِلْ -يا محمَّدُ- وُقوعَ الهلاكِ بهم، إنَّما نَعُدُّ الأعوامَ والشُّهورَ والأيَّامَ، فنؤخِّرُ تَعذيبَهم إلى أجَلٍ معدودٍ، فإذا جاءَ الوقتُ المحدَّدُ لذلك أهلَكْناهم.

يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ وَفْدًا (85)

اذكُرْ -يا محمَّدُ- يوم نجمعُ المتقين، فنَقودُهم إلى الرَّحمنِ راكِبينَ في رِفعةٍ وعلوٍّ، فيَقدَمونَ إلى جَنَّتِه.

وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ إِلَى جَهَنَّمَ وِرْدًا (86)

ونَسوقُ الكُفَّارَ والعُصاةَ إلى جَهنَّمَ عِطاشًا مُشاةً؛ إذلالًا لهم.

لَا يَمْلِكُونَ الشَّفَاعَةَ إِلَّا مَنِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا (87)

ليس للكافِرينَ مِن الشَّفاعةِ شَيءٌ يومَ القيامةِ، فلا يَشفَعونَ، ولا يَستَحِقُّونَ أن يُشفَعَ لهم، أما مَن كان مؤمِنًا بالله موحِّدًا ومطيعًا له؛ فإنَّه يَشفعُ، ويُشفَعَ له.

وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا (88)

وقال هؤلاء الكافِرونَ كذبًا: اتَّخَذَ الرَّحمنُ ولدًا له!

لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا (89)

لقد قلتُم قولًا عَظيمًا مُنكَرًا، بافترائِكم على اللهِ أنَّ له ولدًا.

تَكَادُ السَّمَوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا (90)

تَكادُ السَّمواتُ على عَظَمتِها وإحكامِها تتشَقَّقُ قِطَعًا عندَ سماعِها ذلك القَولَ المنكَرَ؛ إعظامًا للرَّبِّ عزَّ وجلَّ، وتَكادُ الأرضُ تتصَدَّعُ، وتكادُ الجِبالُ على صلابتِها تسقُطُ، فتندَكُّ وتتفَتَّتُ.

أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا (91)

يكادُ ذلكَ أنْ يقعَ؛ مِن أجْلِ أنَّ المُشرِكينَ نَسَبوا للرَّحمنِ ولَدًا.

وَمَا يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا (92)

وما يصِحُّ ولا يليقُ بالرَّحمنِ أن يتَّخِذَ ولَدًا؛ فلا مِثلَ له مِن خَلقِه، ولا احتياجَ له إليهم.

إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آَتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا (93)

ما مِن أحدٍ مِن أهلِ السَّمواتِ والأرضِ إلَّا سيأتي إلى الرَّحمنِ يومَ القيامةِ مقِرًّا له بعُبوديَّتِه، فكيف يكونُ أحدٌ مِن خَلقِه ولدًا له؟!

لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا (94)

لقد أحصى الرَّحمنُ عَدَدَ خَلْقِه كُلِّهم، فلا يخفَى عليه أحَدٌ منهم.

وَكُلُّهُمْ آَتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا (95)

وكُلُّ واحدٍ مِن الخلائِقِ سيأتي إلى اللهِ بعدَ بَعثِه وَحيدًا؛ بلا أولاد، ولا مال، ولا أنصار، ليس معه إلا عَمَلُه، فيَقضي اللهُ فيه بحُكمِه، ويُجازيه، فكيف يُتصوَّرُ أن يكونَ شَيءٌ مِن خَلْقِه ولدًا له، أو شريكًا معه؟!

إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا (96)

إنَّ الَّذين آمَنوا بالحق، وعَمِلوا الأعمالَ الصَّالحةَ، يُحِبُّهم اللهُ، ويجعلُ لهم في الدُّنيا محبَّةً في قلوبِ عِبادِه.

فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ بِلِسَانِكَ لِتُبَشِّرَ بِهِ الْمُتَّقِينَ وَتُنْذِرَ بِهِ قَوْمًا لُدًّا (97)

فإنَّما يسَّرْنا القرآنَ بلُغتِك العربيَّةِ -يا محمَّدُ- وسهَّلْنا قراءةَ ألفاظِه، وفَهْمَ معانيه؛ لتُبشِّرَ المتقين بالثواب، وتُنذِرَ قَومَك الشَّدِيدي المجادلةِ بالباطِلِ، من العذابِ.

وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ هَلْ تُحِسُّ مِنْهُمْ مِنْ أَحَدٍ أَوْ تَسْمَعُ لَهُمْ رِكْزًا (98)

وأهلَكْنا كثيرًا مِن الأُمَمِ الماضيةِ قبلَ كُفَّارِ قُرَيشٍ، فهل ترَى -يا محمَّدُ- أو تشعُرُ بأحدٍ مِن أولئك المهلَكين؟ أو هل تَسمَعُ لهم صَوتًا خَفِيًّا؟

طه

طه (1)

تُبيِّنُ هذه الحروفُ المقطَّعةُ، إعجازَ القرآنِ؛ حيثُ تُظهِرُ عجْزَ الخَلقِ عن مُعارَضَتِه بمثلِه، مع أنَّه مركَّبٌ مِن هذه الحروفِ الَّتي يَتحدَّثون بها!

مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآَنَ لِتَشْقَى (2)

ما أنزَلْنا عليك القُرآنَ -يا محمَّدُ- ليجْلِبَ لك الشَّقاءَ

إِلَّا تَذْكِرَةً لِمَنْ يَخْشَى (3)

إنَّما أنزَلْنا عليك القُرآنَ تذكيرًا لِمن يخشَى اللهَ، وعذابَه.

تَنْزِيلًا مِمَّنْ خَلَقَ الْأَرْضَ وَالسَّمَاوَاتِ الْعُلَا (4)

نزل هذا القرآنُ ممَّن خلَقَ الأرضَ والسَّمواتِ العاليةَ.

الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى (5)

علا الرَّحمنُ وارتفَعَ على عَرشِه، كما يليقُ بجَلالِه.

لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَمَا تَحْتَ الثَّرَى (6)

لله وَحْدَه مُلكُ ما في السَّمواتِ، والأرضِ، وما بيْنَهما وما تحتَ التُّرابِ ممَّا في باطِنِ الأرضِ مِن مخلوقاتٍ.

وَإِنْ تَجْهَرْ بِالْقَوْلِ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى (7)

وإنْ تجهَرْ بقَولِك أو تُسِرَّه، فكُلٌّ سَواءٌ في عِلمِ اللهِ؛ فإنَّه يعلَمُ السرَّ، وما هو أخفى مِنه ممَّا لم يخطُرْ على قلوبِ العبادِ، فيعلَمُ ما سيَخطرُ ببالِهم في المستقبَلِ.

اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى (8)

اللهُ لا معبودَ بحَقٍّ إلَّا هو، وله وَحْدَه الأسماءُ الكامِلةُ في حُسنِها، الدَّالَّةُ على صِفاتِ كَمالِه سُبحانَه.

وَهَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ مُوسَى (9)

وهل أتاك -يا مُحمَّدُ- خبَرُ موسى؟

إِذْ رَأَى نَارًا فَقَالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آَنَسْتُ نَارًا لَعَلِّي آَتِيكُمْ مِنْهَا بِقَبَسٍ أَوْ أَجِدُ عَلَى النَّارِ هُدًى (10)

حينَ رأى نارًا -عقبَ خروجِه مِن مَدْيَنَ- فقال لأهلِه: أقيموا في مَكانِكم، فقد أبصرتُ نارًا، وأنا ذاهبٌ إليها رجاءَ أنْ أجلِبَ شعلةً تَستَدفِئونَ بها، أو ألقَى عندَ النَّارِ ما يَهديني الطَّريقَ الذي ضَلَلْناهُ.

فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ يَا مُوسَى (11)

فلما أتَى موسى إلى النَّارِ ناداه اللهُ، فقال: يا موسى.

إِنِّي أَنَا رَبُّكَ فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى (12)

إنِّي أنا ربُّك الَّذي يُكَلِّمُك، فاخلَعْ نَعلَيك؛ لأنَّك بالوادي المُطَهَّرِ المبارَك المُسمَّى طُوًى.

وَأَنَا اخْتَرْتُكَ فَاسْتَمِعْ لِمَا يُوحَى (13)

وأنا اخترتُك للنُّبُوَّةِ والرِّسالةِ، وسَماعِ كلامي مُباشَرةً، فأنصِتْ بانتباهٍ ووعْيٍ لما أُوحِيه إليك الآنَ.

إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي (14)

إنَّني أنا اللهُ الَّذي لا معبودَ بحقٍّ غيري، فأخلِصْ لي العبادةَ وَحْدي، وأقِمِ الصَّلاةَ لتَذكُرَني فيها.

إِنَّ السَّاعَةَ آَتِيَةٌ أَكَادُ أُخْفِيهَا لِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا تَسْعَى (15)

إنَّ السَّاعةَ الَّتي يُبعَثُ فيها الخلائِقُ آتيةٌ لا محالةَ، وأكاد أُخفيها فلا يطَّلِعَ عليها أحدٌ، وهيَ آتيةٌ؛ لِتَنالَ كلُّ نفسٍ جزاءَ ما عَمِلَتْهُ من خيرٍ أو شرٍّ.

فَلَا يَصُدَّنَّكَ عَنْهَا مَنْ لَا يُؤْمِنُ بِهَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَتَرْدَى (16)

فلا يَصرِفنَّكَ -يا موسى- عن الإيمانِ بالسَّاعةِ، والاستعدادِ لها مَنْ لا يؤمنُ بقيامِها، فلا يرجو ثوابًا، ولا يخافُ عقابًا، واتَّبَعَ شَهَواتِه؛ فتَهلِكَ.

وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَا مُوسَى (17)

قال الله: وما تلك الَّتي تمسِكُها بيَدِك اليُمنى يا موسى؟

قَالَ هِيَ عَصَايَ أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا وَأَهُشُّ بِهَا عَلَى غَنَمِي وَلِيَ فِيهَا مَآَرِبُ أُخْرَى (18)

قال موسى: هي عصايَ، أعتَمِدُ عليها في قيامي، وحينَ أمشي، وأضرِبُ بها الشَّجرَ؛ لِيَسقُطَ ورَقُه، فتَرْعاه غَنَمي، ولي فيها حوائِجُ أخرى.

قَالَ أَلْقِهَا يَا مُوسَى (19)

قال الله: ألْقِ عَصاك يا موسى.

فَأَلْقَاهَا فَإِذَا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعَى (20)

فألقَى موسى عَصاه دونَ تردُّدٍ، فتحوَّلَتْ بأمرِ اللهِ إلى حيَّةٍ حَقيقيَّةٍ، تتحرَّكُ بسُرعةٍ وخِفَّةٍ!

قَالَ خُذْهَا وَلَا تَخَفْ سَنُعِيدُهَا سِيرَتَهَا الْأُولَى (21)

قال اللهُ لموسى: خُذِ الحيَّةَ، ولا تخَفْ منها، سنَرُدُّها إلى هيئتِها وطبيعتِها الأُولَى، فتعودُ عصًا كما كانت.

وَاضْمُمْ يَدَكَ إِلَى جَنَاحِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ آَيَةً أُخْرَى (22)

وأدخِلْ يَدَك في جَيبِك -وهو فَتحةُ القَميصِ الَّتي يَبرُزُ منها العُنُقُ - وألصِقْها بجَنبِك تحتَ عضُدِك.

لِنُرِيَكَ مِنْ آَيَاتِنَا الْكُبْرَى (23)

فعَلْنا ذلك؛ لنُريَك مِن أدِلَّتِنا الكُبرى الدَّالَّةِ على الحقِّ، فيَطمَئِنَّ قَلبُك، وتَثِقَ بوَعدِ اللهِ بنَصرِك، وتكونَ حُجَّةً على من أُرسِلتَ إليهم.

اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى (24)

اذهبْ -يا موسى- إلى فِرعونَ، فادعُه إلى الحقِّ، وإرسالِ بني إسرائيلَ معك؛ لأنَّه تجاوَزَ حدَّه، فادَّعى الرُّبوبيَّةَ، وتمرَّدَ على ربِّه، وعلا في الأرضِ، وأفسَد فيها.

قَالَ رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي (25)

قال موسى: يا ربِّ وسِّعْ لي صدري؛ لأعِيَ ما تُوحيه إلَيَّ، وأتجرَّأَ على مخاطبةِ فِرعَونَ، وأتحمَّلَ أذاه ووعيدَه.

وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي (26)

وسَهِّلْ عليَّ القيامَ بشأنِ الرِّسالةِ، واجعَلْ ما تُكَلِّفُني به مِن الطَّاعاتِ، وما يعتَريني مِن الشَّدائدِ في سبيلِك هيِّنًا علَيَّ.

وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسَانِي (27)

وأطلِق الانحِباسَ الشَّديدَ الَّذي في لِساني؛ كي ينطَلِقَ، ويسْهُلَ عليَّ الكلامُ.

يَفْقَهُوا قَوْلِي (28)

فيفهَمَ النَّاسُ قولي حينَ أُخاطِبُهم.

وَاجْعَلْ لِي وَزِيرًا مِنْ أَهْلِي (29)

واجعَلْ لي مُعينًا مِن أهلِي أعتَمِدُ عليه، فيَحمِلُ عنِّي بعضَ ثِقَلِ شأنِ الدَّعوةِ، ويُساعِدُني على ما كلَّفتَني به

هَارُونَ أَخِي (30)

اجعَلْ هارونَ أخي وزيري.

اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي (31)

قَوِّ بهارونَ ظَهري، وأعِنِّي به.

وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي (32)

واجمَعْ بيْني وبيْنه في النُّبُوَّةِ، وتبليغِ الرِّسالةِ إلى فِرعَونَ.

كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيرًا (33)

لنتعاوَنَ معًا على عبادتِك، فنصلِّيَ لك، ونعظِّمَك بالتَّسبيحِ لك كثيرًا.

وَنَذْكُرَكَ كَثِيرًا (34)

ونذكُرَك ذِكرًا كثيرًا.

إِنَّكَ كُنْتَ بِنَا بَصِيرًا (35)

إنَّك كنتَ بنا مُبصِرًا، لا يخفَى عليك شَيءٌ مِن أمْرِنا.

قَالَ قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يَا مُوسَى (36)

قال الله: قد أُعطيتَ كلَّ ما طَلَبْتَه -يا موسى-.

وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلَيْكَ مَرَّةً أُخْرَى (37)

ولقد أنْعَمْنا عليك قبلَ نِعمةِ الوحيِ والرِّسالةِ وإجابةِ الدُّعاءِ مرَّةً أخرى، وأنت طفلٌ صغيرٌ.

إِذْ أَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّكَ مَا يُوحَى (38)

حينَ ألهَمْنا أمَّك في شأنِك.

أَنِ اقْذِفِيهِ فِي التَّابُوتِ فَاقْذِفِيهِ فِي الْيَمِّ فَلْيُلْقِهِ الْيَمُّ بِالسَّاحِلِ يَأْخُذْهُ عَدُوٌّ لِي وَعَدُوٌّ لَهُ وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي (39)

فأوحَيْنا إليها أنْ ألْقِ موسى في الصُّندوقِ، ثم اطرَحيه وهو في الصُّندوقِ في نهرِ النِّيلِ، وسيُلقيه النيلُ بالشَّاطئِ، وحينَئذٍ يأخُذُه فِرعَونُ، وقد أحبَبْتُكَ -يا موسى- وجعلتُك محبوبًا لكلِّ مَن يراك، وتُربَّى في قصر فِرعَونَ على ما أُريدُ بمرأًى مِنِّي، وتحتَ رعايتي.

إِذْ تَمْشِي أُخْتُكَ فَتَقُولُ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى مَنْ يَكْفُلُهُ فَرَجَعْنَاكَ إِلَى أُمِّكَ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا وَلَا تَحْزَنَ وَقَتَلْتَ نَفْسًا فَنَجَّيْنَاكَ مِنَ الْغَمِّ وَفَتَنَّاكَ فُتُونًا فَلَبِثْتَ سِنِينَ فِي أَهْلِ مَدْيَنَ ثُمَّ جِئْتَ عَلَى قَدَرٍ يَا مُوسَى (40)

وقد كانت أختُك تتْبعُك فوجدَتْك لدى آلِ فِرعَونَ يَطلُبونَ لك مُرضِعًا فقالت: هل أدُلُّكم على مَن يضُمُّ هذا الطِّفلَ، فيُرضِعُه ويُرَبِّيه؟ فرَدَدْناك إلى أمِّك؛ لتفرَحَ بلُقياك وسَلامتِك، ولا تحزَنَ على فِراقِك، وقتلتَ الرَّجُلَ القبطيَّ، فنجَّيناك لَمَّا أراد آلُ فِرعَون قَتْلَك اقتصاصًا لقتيلهم، ففَرَرتَ خائفًا إلى مَدْينَ، واختَبَرْناك بإيقاعِك في المِحَنِ، وتخليصِك منها، وأقمتَ في مدين سنينَ كثيرةً عندَ أهلِها، ثمَّ حَضَرتَ الآنَ إلى الوادِ المقَدَّسِ في الوقتِ الَّذي قدَّرتُه.

وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي (41)

واصطفيتُك وأنعمتُ عليك بالنِّعَم الكثيرةِ؛ لتكونَ لي حبيبًا مختَصًّا، ورسولًا لتبليغ رسالتي.

اذْهَبْ أَنْتَ وَأَخُوكَ بِآَيَاتِي وَلَا تَنِيَا فِي ذِكْرِي (42)

اذهَبْ أنت وأخوك هارونُ إلى فِرعَونَ بأدلَّتي ومُعجِزاتي الدَّالَّةِ على صِدقِكما، ولا تَضعُفا، أو تَفتُرا عن ذِكري

اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى (43)

اذهَبا إلى فِرعَونَ؛ لأنَّه تمرَّدَ وتجاوَز الحَدَّ في الكفرِ، والتَّكَبُّرِ والعُدوانِ.

فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى (44)

فقُولا له قولًا رقيقًا لطيفًا؛ لعله يتذكَّرَ الحقَّ الموافِقِ لفطرتِه فيتَّبعه؛ أو يخشى العَذابَ فيَترُكَ طغيانَه، ويُطيعَ ربَّه.

قَالَا رَبَّنَا إِنَّنَا نَخَافُ أَنْ يَفْرُطَ عَلَيْنَا أَوْ أَنْ يَطْغَى (45)

قال موسى وهارونُ: ربَّنا إنَّنا نخافُ مِن فِرعونَ أن يعجِّلَ بعُقوبتِنا قبلَ دعوتِه إلى ما أمَرْتَنا، أو يتمرَّدَ على اتباع الحقِّ.

قَالَ لَا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى (46)

قال اللهُ لهما: لا تَخافَا مِن فِرعَونَ، إنَّني معكما بالنَّصرِ والحِفظِ، أسمَعُ كلامَكما وكلامَ فِرعَونَ، وأراكم وأرى أفعالَكم وأحوالَكم جميعًا؛ فاطمَئِنَّا.

فَأْتِيَاهُ فَقُولَا إِنَّا رَسُولَا رَبِّكَ فَأَرْسِلْ مَعَنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَا تُعَذِّبْهُمْ قَدْ جِئْنَاكَ بِآَيَةٍ مِنْ رَبِّكَ وَالسَّلَامُ عَلَى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدَى (47)

فاذهَبا إلى فِرعَونَ فقولا له: إنَّا رَسولانِ إليك مِن رَبِّك، فأطلِقْ بني إسرائيلَ لِيذهَبوا معنا، ولا تُعَذِّبْهم، قد جئناك بمعجزةٍ تدُلُّ على صِدقِنا، والسَّلامةُ مِن سَخَطِ الله وعذابِه لِمن اتَّبَعَ هدى اللهِ.

إِنَّا قَدْ أُوحِيَ إِلَيْنَا أَنَّ الْعَذَابَ عَلَى مَنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى (48)

إنَّا قد أوحَى اللهُ إلينا أنَّ عذابَه على مَن كذَّب بالحَقِّ، وأعرَض عن اتِّباعِه.

قَالَ فَمَنْ رَبُّكُمَا يَا مُوسَى (49)

فلمَّا أتَى موسَى وهارونُ إلى فِرعَونَ، وكلَّماه بما أمَرَهما الله، قال فِرعَونُ: فمَنْ ربُّكما الَّذي تعبُدانِه وتَزعُمانِ أنَّه أرسَلَكما إلَيَّ؟

قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى (50)

قال موسى: ربُّنا الَّذي أعطى كلَّ مخلوقٍ ما يناسبُهُ في كلِّ شيءٍ، وأعطاهم كلَّ ما يحتاجونَه، ثمَّ هدى كلَّ مخلوقٍ إلى تحصيلِ مَنافِعِه، والحَذَرِ مِن مَضارِّه.

قَالَ فَمَا بَالُ الْقُرُونِ الْأُولَى (51)

قال فِرعَونُ: فما شأنُ القُرونِ الماضيةِ، ممَّن لم يؤمِنْ أهلُها؟ فلو كان ما تقولُه حَقًّا، لم يخْفَ على القُرونِ الأُولى ولم يُهمِلوه.

قَالَ عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي فِي كِتَابٍ لَا يَضِلُّ رَبِّي وَلَا يَنْسَى (52)

قال له موسى: عِلمُ القُرونِ الماضيةِ وأعمالُ أهلِها مكتوبةٌ في اللَّوحِ المحفوظِ، فهم إنْ لم يُؤمِنوا، فسيُجازيهم على ذلك ولا عِلمَ لي بهم، لا يَشِذُّ عن عِلمِ رَبِّي شَيءٌ، ولا ينسَى شيئًا.

الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْدًا وَسَلَكَ لَكُمْ فِيهَا سُبُلًا وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْ نَبَاتٍ شَتَّى (53)

اللهُ الَّذي جعَل لكم الأرضَ مُمهَّدةً، وجعل بينَ أوديَتِها وجِبالِها طُرُقًا تَمشونَ فيها، وأنزل مَطرًا، فأخرَجَ بسَبَبِه أصنافًا مِن النَّباتاتِ المختلفةِ.

كُلُوا وَارْعَوْا أَنْعَامَكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِأُولِي النُّهَى (54)

كلُوا -أيُّها النَّاسُ- مِن طَيِّبِ ما أنبَتْنا في الأرضِ مِن الحُبوبِ والثِّمارِ، وارعَوا فيها إبِلَكم وبَقَرَكم وغنَمَكم، إنَّ في ذلك لعَلاماتٍ لأُولي العُقولِ تدُلُّهم على الحقِّ.

مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى (55)

مِن تُرابِ الأرضِ خَلَقْنا أباكم آدَمَ، وفي الأرضِ نُعيدُكم بعدَ مَوتِكم، فتَصيرونَ تُرابًا في قُبورِكم، ومِنها نَبعَثُكم أحياءً مرَّةً أُخرَى.

وَلَقَدْ أَرَيْنَاهُ آَيَاتِنَا كُلَّهَا فَكَذَّبَ وَأَبَى (56)

أرَيْنا فِرعَونَ جميعَ مُعجِزاتِنا الدَّالَّةِ على الحقِّ، فكذَّب بها، ولم يَقبَلْها.

قَالَ أَجِئْتَنَا لِتُخْرِجَنَا مِنْ أَرْضِنَا بِسِحْرِكَ يَا مُوسَى (57)

قال فِرعَونُ: هل جِئتَنا لِتُخرِجَنا مِن دُورِنا في مِصرَ، وتستوليَ عليها بسِحرِك يا موسى؟

فَلَنَأْتِيَنَّكَ بِسِحْرٍ مِثْلِهِ فَاجْعَلْ بَيْنَنَا وَبَيْنَكَ مَوْعِدًا لَا نُخْلِفُهُ نَحْنُ وَلَا أَنْتَ مَكَانًا سُوًى (58)

فلَنُعارِضَنَّك بسِحرٍ كسِحرِك، فحدِّدْ موعدًا لا نتخلف عن الحضور فيه، في موضعٍ مستوٍ.

قَالَ مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزِّينَةِ وَأَنْ يُحْشَرَ النَّاسُ ضُحًى (59)

قال موسى: مَوعِدُكم في يوم العيدِ، وفي المكانِ المعتادِ لاجتماعِ النَّاسِ فيه، ويُساقَ جَميعُ النَّاسِ لِحُضورِ اجتِماعِنا في وقتِ الضُّحَى.

فَتَوَلَّى فِرْعَوْنُ فَجَمَعَ كَيْدَهُ ثُمَّ أَتَى (60)

فانصرفَ فِرعَونُ، وجمَعَ السَّحَرةَ، ثمَّ أتى للموعِدِ المضروبِ.

قَالَ لَهُمْ مُوسَى وَيْلَكُمْ لَا تَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا فَيُسْحِتَكُمْ بِعَذَابٍ وَقَدْ خَابَ مَنِ افْتَرَى (61)

قال موسى للسَّحَرةِ: ويلَكم! لا تختَلِقوا كَذبًا على اللهِ؛ فيَستأصِلَكم بعذابٍ، ومن فعَلَ ذلكَ فقد فاتَهُ مطلوبَه

فَتَنَازَعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ وَأَسَرُّوا النَّجْوَى (62)

فلمَّا سَمِعَ السَّحَرةُ كلامَ موسى اختَلَفوا، وتجاذَبوا الحديثَ سِرًّا فيما بينَهم، وبالَغوا في إخفائِه مِن فِرعَونَ.

قَالُوا إِنْ هَذَانِ لَسَاحِرَانِ يُرِيدَانِ أَنْ يُخْرِجَاكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِمَا وَيَذْهَبَا بِطَرِيقَتِكُمُ الْمُثْلَى (63)

قال السَّحرةُ: ما موسى وهارونُ إلَّا ساحرانِ، يريدان أن يُخرِجاكم مِن مِصرَ، بالاستيلاءِ عليها بسِحرِهما، ويَذْهبا بدينِكم الَّذي هو أفضلُ من غيره.

فَأَجْمِعُوا كَيْدَكُمْ ثُمَّ ائْتُوا صَفًّا وَقَدْ أَفْلَحَ الْيَوْمَ مَنِ اسْتَعْلَى (64)

قال السَّحَرةُ بعضُهم لبعضٍ: فاجتَهِدوا في إحكامِ سحرِكم، واعزِموا كُلُّكم على كيدِ موسى، ثمَّ احضُروا مُجتَمِعينَ في صَفٍّ.

قَالُوا يَا مُوسَى إِمَّا أَنْ تُلْقِيَ وَإِمَّا أَنْ نَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَلْقَى (65)

قالوا: يا موسى إمَّا أن ترميَ عَصاك قَبْلَنا، وإمَّا أن نرميَ ما لدينا قَبلَك.

قَالَ بَلْ أَلْقُوا فَإِذَا حِبَالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى (66)

قال موسى: ألقُوا أنتم أوَّلًا، ففَعَلُوا فخُيِّلَ لموسى أنَّ حبالَهم وعِصِيَّهم تتحرَّكُ بسَبَبِ سِحرِهم.

فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُوسَى (67)

فوجَدَ موسى في نفسِه خوفًا.

قُلْنَا لَا تَخَفْ إِنَّكَ أَنْتَ الْأَعْلَى (68)

قُلْنا لموسى: لا تخفْ؛ إنَّك أنت الغالِبُ القاهِرُ، المنتَصِرُ على فِرعَونَ وسَحَرتِه وجُندِه.

وَأَلْقِ مَا فِي يَمِينِكَ تَلْقَفْ مَا صَنَعُوا إِنَّمَا صَنَعُوا كَيْدُ سَاحِرٍ وَلَا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَى (69)

وألقِ عصاك فتبتَلِعْ بقُوَّةٍ وسُرعةٍ حِبالَهم وعِصِيَّهم الَّتي خَيَّلوا إلى النَّاسِ أنَّها حيَّاتٌ تتحَرَّكُ، إنَّ الَّذي صَنَعه هؤلاء حِيلةٌ مِن ساحِرٍ، ولا يظفَرُ السَّاحِرُ بمَطلوبِه أينما تَوجَّه، لا في الدُّنيا ولا في الآخرةِ.

فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سُجَّدًا قَالُوا آَمَنَّا بِرَبِّ هَارُونَ وَمُوسَى (70)

فلمَّا أَلقَى موسى عصاه، وابتلَعَت عِصِيَّ السَّحَرةِ وحِبالَهم، وعَلِموا يقينًا أنَّ هذا الأمرَ ليس مِن قَبيلِ السِّحرِ والشَّعوذةِ، بل هو حَقٌّ، ومُعجزةٌ مِن الله، سجد السَّحَرةُ لله وأعلنوا إيمانَهم.

قَالَ آَمَنْتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آَذَنَ لَكُمْ إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ فَلَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلَافٍ وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ وَلَتَعْلَمُنَّ أَيُّنَا أَشَدُّ عَذَابًا وَأَبْقَى (71)

قال فِرعَونُ للسَّحَرةِ: هل آمنتم بموسى قبلَ أن أسمَحَ لكم بذلك؟! إنَّ موسى لرئيسُكم الَّذي علَّمَكم السِّحرَ، واتَّفقتُم معه على أن يَغلِبَكم؛ مكيدةً لي ولِقَومي! وأقسمُ أنْ أُقطِّعَ مِن كلٍّ منكم يَدَه ورِجلَه مِن جِهَتينِ مُختَلِفَتينِ -أي: يقطَعُ يُمنى اليدينِ ويُسرى الرِّجلَينِ، أو العكس-، وأنْ أُصلِّبكم على جُذوعِ النَّخلِ، ولتَعلَمُنَّ مَن هو أشَدُّ عذابًا، وأدوَمُ عِقابًا!

قَالُوا لَنْ نُؤْثِرَكَ عَلَى مَا جَاءَنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالَّذِي فَطَرَنَا فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ إِنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا (72)

قال السَّحَرةُ: لن نُقَدِّمَك -يا فِرعَونُ- على الحَقِّ، ولن نُؤثِرَك على اللهِ الَّذي خلَقَنا، مِن العَدَمِ، وابتدأَ خَلْقَنا مِن طينٍ؛ فهو المستَحِقُّ للعبادةِ والخُضوعِ لا أنت، فاصنَعْ ما شِئتَ أن تَصنَعَه بنا، إنَّما ينفُذُ أمرُك، وتَقدِرُ على تعذيبِنا في هذه الدُّنيا فقط.

إِنَّا آَمَنَّا بِرَبِّنَا لِيَغْفِرَ لَنَا خَطَايَانَا وَمَا أَكْرَهْتَنَا عَلَيْهِ مِنَ السِّحْرِ وَاللَّهُ خَيْرٌ وَأَبْقَى (73)

إنَّا آمَنَّا بربِّنا؛ لِيَغفِرَ لنا ذُنوبَنا، ويَغفِرَ لنا ما أكرَهْتَنا عليه مِن عَمَلِ السِّحرِ، واللهُ خَيرٌ لنا منك، وأجرُه خَيرٌ مِن أجرِك، وهو أدوَمُ ثوابًا للطَّائعينَ، وأدوَمُ عَذابًا للكافرينَ، وهو الحيُّ الَّذي لا يموتُ، أمَّا أنت فهالكٌ.

إِنَّهُ مَنْ يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِمًا فَإِنَّ لَهُ جَهَنَّمَ لَا يَمُوتُ فِيهَا وَلَا يَحْيَا (74)

إنَّه مَن يَمُتْ ويُلاقِ رَبَّه يومَ القيامةِ لِيُجازِيَه بعَمَلِه، والحالُ أنَّه كافِرٌ باللهِ؛ فإنَّ جزاءَه جهنَّمُ، لا يموتُ في جهنَّمَ فيَستريحَ، ولا يحيا حياةً يتلَذَّذُ بها وينتَفِعُ.

وَمَنْ يَأْتِهِ مُؤْمِنًا قَدْ عَمِلَ الصَّالِحَاتِ فَأُولَئِكَ لَهُمُ الدَّرَجَاتُ الْعُلَا (75)

ومَن يَمُت ويُلاقِ رَبَّه يومَ القيامةِ، والحالُ أنَّه مُؤمِنٌ باللهِ وَحْدَه، وقد عَمِلَ الأعمالَ الصَّالحةَ؛ فأولئك لهم عندَ اللهِ الدَّرَجاتُ العاليةُ.

جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاءُ مَنْ تَزَكَّى (76)

وتلك الدَّرَجاتُ العُلا هي بساتينُ إقامةٍ تجري مِن تحتِ أشجارِها وغُرَفِها الأنهارُ، ماكِثينَ فيها أبدًا، وذلك الثَّوابُ لمَن طهَّر نَفْسَه مِن الكُفرِ، والشِّركِ، والمعاصي، ونمَّاها بالإيمانِ، والعَمَلِ الصَّالحِ.

وَلَقَدْ أَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِي فَاضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقًا فِي الْبَحْرِ يَبَسًا لَا تَخَافُ دَرَكًا وَلَا تَخْشَى (77)

ولقد أوحَيْنا إلى موسى أنْ سِرْ مِن مِصرَ ليلًا مع بني إسرائيلَ؛ لِتُخرِجَهم مِن قَبضةِ فِرعَونَ، فاتَّخِذْ لهم طَريقًا في البَحرِ يابسًا، فلا تخافُ أن يُدرِكَكم فِرعَونُ وجُندُه، ولا تخشى الغرَقَ في البَحرِ.

فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ بِجُنُودِهِ فَغَشِيَهُمْ مِنَ الْيَمِّ مَا غَشِيَهُمْ (78)

فلَحِقَ فِرعَونُ ومعه جنودُه، موسى ومَن معه حينَ قَطَعوا البَحرَ، فأصاب فِرعَونَ وجُندَه مِن البَحرِ شَيءٌ عظيمٌ يفوقُ الوَصفَ، فغَرِقوا جميعًا.

وَأَضَلَّ فِرْعَوْنُ قَوْمَهُ وَمَا هَدَى (79)

وصَرَف فِرعَونُ قَومَه القِبطَ عن طَريقِ الحقِّ، ولم يهْدِهم إليه، فلم يُحصِّلوا الخيرَ والنَّجاةَ.

يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ قَدْ أَنْجَيْنَاكُمْ مِنْ عَدُوِّكُمْ وَوَاعَدْنَاكُمْ جَانِبَ الطُّورِ الْأَيْمَنَ وَنَزَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى (80)

قال اللهُ: يا بني إسرائيلَ قد أنَجْيناكم مِن فِرعَونَ، فأغرَقْناه وجُنودَه، وواعَدْناكم جانِبَ جَبَلِ الطُّورِ الأيمنَ لإنزالِ التَّوراةِ، ونزَّلْنا عليكم رِزقًا طيِّبًا، تحصُلونَ عليه بلا مَشقَّةٍ.

كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَلَا تَطْغَوْا فِيهِ فَيَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبِي وَمَنْ يَحْلِلْ عَلَيْهِ غَضَبِي فَقَدْ هَوَى (81)

وقُلْنا لبني إسرائيلَ: كُلُوا من الطَّعامِ الحَلالِ اللَّذيذِ الَّذي رزَقْناكم، ولا تَتجاوَزوا الحدَّ فيه -ومن ذلك: الاستعانة به على معصية الله- فيَجِبَ عليكم غَضَبُ الله، ومَن يجِبْ عليه ذلك فقد هلَك وشَقِيَ.

وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآَمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى (82)

وإنِّي لَكثيرُ المغفرةِ لِمَن تاب ممَّا كان فيه مِن ضلالٍ، وآمَنَ بالحقِّ، وعَمِلَ عملًا صالحًا، ثمَّ لَزِمَ ذلك، واستمرَّ عليه.

وَمَا أَعْجَلَكَ عَنْ قَوْمِكَ يَا مُوسَى (83)

وأيُّ شَيءٍ حَمَلَك -يا موسى- على أن تَسبِقَ قَومَك إلى الطُّورِ؟!

قَالَ هُمْ أُولَاءِ عَلَى أَثَرِي وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَى (84)

قال موسى: هم آتُون مِن ورائي، وسيلحَقونَ بي، وسبقتُهم -يا ربِّ- مُسارَعةً في طَلَبِ رِضاك.

قَالَ فَإِنَّا قَدْ فَتَنَّا قَوْمَكَ مِنْ بَعْدِكَ وَأَضَلَّهُمُ السَّامِرِيُّ (85)

قال اللهُ لموسى: فإنَّا قد ابتَلَينا قَومَك بَعدَ خروجِك منهم بعبادةِ العِجلِ، وقد أضلَّهم السَّامريُّ الَّذي أخرجَ لهم العِجلَ، ودعاهم إلى عبادتِه فأطاعوه.

فَرَجَعَ مُوسَى إِلَى قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفًا قَالَ يَا قَوْمِ أَلَمْ يَعِدْكُمْ رَبُّكُمْ وَعْدًا حَسَنًا أَفَطَالَ عَلَيْكُمُ الْعَهْدُ أَمْ أَرَدْتُمْ أَنْ يَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبٌ مِنْ رَبِّكُمْ فَأَخْلَفْتُمْ مَوْعِدِي (86)

فانصرفَ موسى مِن الطُّورِ إلى بني إسرائيلَ في حالِ غَضَبٍ شَديدٍ منهم، وحُزنٍ على ما أحدَثوه مِن ضَلالٍ، وقال: يا قومِ، ألم يَعِدْكم رَبُّكم وَعدًا حَسَنًا بحُصولِ الخَيرِ لكم في الدُّنيا والآخرةِ إن أطعتُموه؟ فهل طال عليكم انتِظارُ ما وعَدَكم اللهُ، ونَسِيتُم نِعَمَه؟! فإنَّ زَمَنَ ذلك لم يَبعُدْ حتَّى تيأسوا مِن الوفاءِ، وتَعبُدوا غيرَه، أم أردتُم أن يجِبَ عليكم غضَبٌ مِنَ اللهِ؟

قَالُوا مَا أَخْلَفْنَا مَوْعِدَكَ بِمَلْكِنَا وَلَكِنَّا حُمِّلْنَا أَوْزَارًا مِنْ زِينَةِ الْقَوْمِ فَقَذَفْنَاهَا فَكَذَلِكَ أَلْقَى السَّامِرِيُّ (87)

قال بنو إسرائيلَ لِموسى: ما أخلَفْنا ما عَهِدتَ إلينا باختيارِنا، ولكِنَّا حُمِّلْنا أثقالًا مِن حُلِيِّ آلِ فِرعَون، فألقَيْناها في النَّارِ، وألقَى السَّامِريُّ أيضًا ما كان في يَدِه.

فَأَخْرَجَ لَهُمْ عِجْلًا جَسَدًا لَهُ خُوَارٌ فَقَالُوا هَذَا إِلَهُكُمْ وَإِلَهُ مُوسَى فَنَسِيَ (88)

فأخرَجَ السَّامِريُّ لبني إسرائيلَ مِن الحُلِيِّ الَّتي قَذَفوها في النَّارِ جسدَ عِجلٍ، له صوتُ البَقَرِ، فقالوا: هذا هو معبودُكم ومعبودُ موسى الَّذي غَفَل عنه هاهنا، وذهبَ إلى الجبلِ لِيَطلُبَه!

أَفَلَا يَرَوْنَ أَلَّا يَرْجِعُ إِلَيْهِمْ قَوْلًا وَلَا يَمْلِكُ لَهُمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا (89)

أفلا يرى الَّذين عبَدوا العِجلَ أنَّه لا يكَلِّمُهم، ولا يرُدُّ عليهم إنْ كَلَّموه؟! وأنَّه لا يَقدِرُ على ضَرِّهم ولا نَفعِهم؟ فكيف يكونُ إلهًا؟!

وَلَقَدْ قَالَ لَهُمْ هَارُونُ مِنْ قَبْلُ يَا قَوْمِ إِنَّمَا فُتِنْتُمْ بِهِ وَإِنَّ رَبَّكُمُ الرَّحْمَنُ فَاتَّبِعُونِي وَأَطِيعُوا أَمْرِي (90)

ولقد قال هارونُ لِعَبَدةِ العِجلِ، قَبل رُجوعِ موسى: يا قومِ، إنَّما ابتلاكم اللهُ بالعِجلِ؛ ليَظهرَ مَن يَثبُتُ على الحقِّ، ومَن يَضِلُّ، وإنَّ رَبَّكم هو الرَّحمنُ، لا العِجلُ الَّذي تَعبُدونَه؛ فاتَّبِعوني على الحقِّ، وأطيعوني فيما أمَرتُكم به مِن طاعةِ الله، وإخلاصِ العبادةِ له.

قَالُوا لَنْ نَبْرَحَ عَلَيْهِ عَاكِفِينَ حَتَّى يَرْجِعَ إِلَيْنَا مُوسَى (91)

قال عَبَدةُ العِجلِ: سنظَلُّ مُقيمينَ على عبادةِ العِجلِ، حتَّى يأتيَ إلينا موسى، فنسمَعَ كلامَه في شأنِ العِجلِ، أو ننظُرَ صنيعَه فيه.

قَالَ يَا هَارُونُ مَا مَنَعَكَ إِذْ رَأَيْتَهُمْ ضَلُّوا (92)

قال موسى لأخيه لَمَّا رجَعَ إلى قَومِه: يا هارونُ، أيُّ شَيءٍ مَنَعَك حينَ رأيتَ بني إسرائيلَ قد أخطؤوا طريقَ الحَقِّ بعبادتِهم العِجلَ وكَفَروا باللهِ؟

أَلَّا تَتَّبِعَنِ أَفَعَصَيْتَ أَمْرِي (93)

أيُّ شَيءٍ مَنَعَك أن تلحَقَ بي؟ أفخالفتَ أمري؟

قَالَ يَا ابْنَ أُمَّ لَا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلَا بِرَأْسِي إِنِّي خَشِيتُ أَنْ تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي (94)

ثمَّ أخَذ موسى بلِحيةِ هارونَ ورأسِه يجُرُّه إليه، فقال هارونُ: يا ابنَ أُمَّ، لا تأخُذْ بلِحيتي، ولا بشَعرِ رأسي، إنِّي خَشِيتُ إن تبعتُك وتركتُهم أن تقولَ لي: فَرَّقْتَ بينَ جماعةِ بني إسرائيلَ، ولم تحفَظْ وصِيَّتي، وتراعِ ما أمَرْتُك به حينَ استخلَفْتُك عليهم.

قَالَ فَمَا خَطْبُكَ يَا سَامِرِيُّ (95)

قال موسى: فما شأنُكَ -يا سامِريُّ-، وما الَّذي حَمَلك على ما صَنعْتَ؟!

قَالَ بَصُرْتُ بِمَا لَمْ يَبْصُرُوا بِهِ فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِنْ أَثَرِ الرَّسُولِ فَنَبَذْتُهَا وَكَذَلِكَ سَوَّلَتْ لِي نَفْسِي (96)

قال السَّامريُّ: رأيتُ ما لم يرَ بنو إسرائيلَ، وعلمْتُ ما لم يَعْلَموا! فأخذتُ بكَفِّي ترابًا من أثَرِ الرَّسولِ، فألقيتُ الترابَ، فكان ما تَراه، كذلك زيَّنَتْ لي نفسي

قَالَ فَاذْهَبْ فَإِنَّ لَكَ فِي الْحَيَاةِ أَنْ تَقُولَ لَا مِسَاسَ وَإِنَّ لَكَ مَوْعِدًا لَنْ تُخْلَفَهُ وَانْظُرْ إِلَى إِلَهِكَ الَّذِي ظَلْتَ عَلَيْهِ عَاكِفًا لَنُحَرِّقَنَّهُ ثُمَّ لَنَنْسِفَنَّهُ فِي الْيَمِّ نَسْفًا (97)

قال موسى للسَّامريِّ: فلأنَّك أخذْتَ ما لم يَنبغِ لك أخْذُه ومَسُّه مِن أثَرِ الرَّسولِ، فاخرجْ مِن بَيْنِنا؛ فإنَّ لك مدَّةَ حياتِك أن تقولَ: لا أَمَسُّ ولا أُمَسُّ، فلا يمسُّك ولا يخالِطُك أحدٌ من النَّاسِ، ولا تمسُّ ولا تخالطُ أحدًا منهم، وإنَّ لك وعدًا قاطعًا بعَذابِك، وانظُرْ إلى العِجلِ الَّذي لازمتَ عبادتَه، واللهِ لَنُحَرِّقَنَّه في النَّارِ، ثمَّ لَنُفرِّقَنَّ أجزاءَه في البَحرِ تفريقًا.

إِنَّمَا إِلَهُكُمُ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَسِعَ كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا (98)

إنَّما معبودُكم اللهُ، الَّذي لا معبودَ بحَقٍّ إلَّا هو، أحاط بكُلِّ شَيءٍ عِلمًا، فلا يخفَى عليه شَيءٌ.

كَذَلِكَ نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ مَا قَدْ سَبَقَ وَقَدْ آَتَيْنَاكَ مِنْ لَدُنَّا ذِكْرًا (99)

كما قَصَصْنا عليك -يا مُحمَّدُ- قصَّةَ موسى وفِرعَونَ وقَومِه، وأخبارَ بني إسرائيلَ مع موسى؛ كذلك نقصُّ عليك مِن الأخبارِ الماضيةِ، وقد أعْطَيْناك مِن عِندِنا عطيَّةً نَفيسةً خاصَّة، وهي القرآنُ الكريمُ.

مَنْ أَعْرَضَ عَنْهُ فَإِنَّهُ يَحْمِلُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وِزْرًا (100)

مَن أعرَضَ عن القُرآنِ، فلم يؤمِنْ به، ويَعمَلْ بما فيه؛ فإنَّه يأتي يومَ القيامةِ وهو يحمِلُ إثمًا عظيمًا.

خَالِدِينَ فِيهِ وَسَاءَ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حِمْلًا (101)

ماكِثينَ في جزاءِ هذا الوزرِ؛ في النَّارِ، وبِئسَ للمُعرِضينَ عن القُرآنِ حِملُهم الثَّقيلُ مِن الآثامِ يومَ القيامةِ.

يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ وَنَحْشُرُ الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ زُرْقًا (102)

وذلك يومَ يُنفَخُ في القَرْنِ بأمرِ الله، ويُحشَر الكافِرونَ والمُشرِكونَ يومَ القيامةِ زُرقًا.

يَتَخَافَتُونَ بَيْنَهُمْ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا عَشْرًا (103)

يتهامَسُ المُجرِمونَ بيْنَهم، فيقولُ بَعضُهم لبعضٍ سِرًّا: ما لَبِثتُم في الدُّنيا إلَّا عَشَرةَ أيَّامٍ فحَسْبُ!

نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَقُولُونَ إِذْ يَقُولُ أَمْثَلُهُمْ طَرِيقَةً إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا يَوْمًا (104)

نحنُ أعلَمُ منهم بما يقولُون، ونَسمَعُ تناجيَهم، حينَ يَقولُ أعلَمُهم، وأعدَلُهم قَولًا، وأقرَبُهم إلى التَّقديرِ: ما لَبِثتُم في الدُّنيا إلَّا يَومًا واحِدًا.

وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْجِبَالِ فَقُلْ يَنْسِفُهَا رَبِّي نَسْفًا (105)

ويَسألُك قَومُك -يا محمَّدُ- عن الجِبالِ: ما حالُها يومَ القيامةِ؟! فقُلْ لهم: يُزيلُها اللهُ مِن أماكِنِها، ويَدُكُّها، ويُفَتِّتُها ثمَّ يُطَيِّرُها في الهواءِ.

فَيَذَرُهَا قَاعًا صَفْصَفًا (106)

فيَترُكُ اللهُ مواضِعَ الجبالِ أرضًا سهلةً مُستويةً، لا نباتَ فيها ولا بناءَ.

لَا تَرَى فِيهَا عِوَجًا وَلَا أَمْتًا (107)

لا ترى -أيُّها النَّاظِرُ- في الأرضِ يوم القيامةِ مَيلًا عن الاستواءِ؛ لا ارتفاعًا ولا انخفاضًا.

يَوْمَئِذٍ يَتَّبِعُونَ الدَّاعِيَ لَا عِوَجَ لَهُ وَخَشَعَتِ الْأَصْوَاتُ لِلرَّحْمَنِ فَلَا تَسْمَعُ إِلَّا هَمْسًا (108)

في ذلك اليومِ يتَّبِعُ النَّاسُ حينَ يَخرُجونَ مِن قُبورِهم صوتَ المَلَكِ الَّذي يدعوهم إلى مَوقِفِ القيامةِ، فيتوجَّهونَ نحوه لا يَحِيدُونَ عَنْهُ، فلا يَمِيلُونَ يَمِينًا، ولا شِمالًا، وسكَنَت أصواتُ الخلائِقِ يومَ القيامةِ للرَّحمنِ خُضوعًا له وهَيبةً منه، فلا تَسمَعُ -أيُّها السَّامِعُ- إلَّا صَوتًا خَفيضًا.

يَوْمَئِذٍ لَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلًا (109)

في يَومِ القيامةِ لا تَنفَعُ الشَّفاعةُ أحدًا مِن النَّاسِ، إلَّا شفاعةَ مَن أذِنَ له الرَّحمنُ أن يَشفَعَ أو يُشفَعَ له، ورَضِيَ قَولَه.

يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا (110)

يعلَمُ اللهُ ما يَستَقبِلُه الخلائِقُ ممَّا يكونُ في الآخرةِ، ويعلَمُ ما مضَى وراءَهم مِن أمورِ الدُّنيا وأعمالِهم فيها، أما هم فلا يحيطُون علمًا بذات اللهِ تعالى.

وَعَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ وَقَدْ خَابَ مَنْ حَمَلَ ظُلْمًا (111)

وعَنَتِ وُجوهُ الخلائِقِ يومَ القيامةِ للهِ ذي الحياةِ الكامِلةِ، القائِمِ بنفْسِه، المقيمِ لغيرِه، وقد خَسِر مَن أتَاه حاملًا شِركًا أو كُفرًا بالله، أو عمَلًا بمَعصيتِه.

وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَا يَخَافُ ظُلْمًا وَلَا هَضْمًا (112)

ومَن يعمَلْ مِن صالحاتِ الأعمالِ وهو مُؤمِنٌ باللهِ وحده وبِوَعدِه ووَعيدِه؛ فلا يخافُ أن يُزادَ في سيئاتِه، ولا أن يُنقَصَ من حَسَناتِه.

وَكَذَلِكَ أَنْزَلْنَاهُ قُرْآَنًا عَرَبِيًّا وَصَرَّفْنَا فِيهِ مِنَ الْوَعِيدِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ أَوْ يُحْدِثُ لَهُمْ ذِكْرًا (113)

وكذلك أنزَلْنا القرآنَ بلُغةِ العَرَبِ واضِحًا؛ لتُفهَمَ معانيه، وكرَّرنا فيه آياتِ التَّخويفِ والتَّهديدِ بأساليبَ مُتَنوِّعةٍ؛ لعلهم يتَّقون اللهَ أو يتَذكَّرون فتنفَعهم الذِّكْرَى

فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ وَلَا تَعْجَلْ بِالْقُرْآَنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضَى إِلَيْكَ وَحْيُهُ وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا (114)

فتعالى اللهُ، المَلِكُ، وهو الحَقُّ المطلقُ. ولا تُبادِرْ -يا محمَّدُ- بتلاوةِ وحفظِ ما يُوحى إليكَ قَبل الفَراغِ منهُ، وقُلْ: يا رَبِّ، زِدْني عِلمًا إلى ما عَلَّمْتَني.

وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَى آَدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا (115)

ولقَدْ وصَّيْنا آدَمَ بألَّا يقربَ مِن الشَّجَرةِ، وحَذَّرْناه مِن طاعةِ الشَّيطانِ، فنَسِيَ ذلك، فلمَّا وسْوَس له الشَّيطانُ أطاعه، وأكَلَ مِن الشَّجرةِ.

وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآَدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى (116)

واذكُرْ -يا محمَّدُ- حينَ قُلْنا للمَلائِكةِ: اسجُدوا لآدَمَ؛ طاعةً لي، وتكريمًا له، فسَجَدوا إلَّا إبليسَ امتنَعَ عن السُّجودِ.

فَقُلْنَا يَا آَدَمُ إِنَّ هَذَا عَدُوٌّ لَكَ وَلِزَوْجِكَ فَلَا يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقَى (117)

فقُلنا: يا آدَمُ، إنَّ هذا الَّذي عصاني ولم يسجُدْ لك، عدُوٌّ لك ولِزَوجِك حوَّاءَ، فاحذَرَا أن يتسَبَّبَ في إخراجِكما من الجنَّةِ، فتتعَبَ -يا آدَمُ- في طَلَبِ الرِّزقِ والكِسوةِ والمأْوَى.

إِنَّ لَكَ أَلَّا تَجُوعَ فِيهَا وَلَا تَعْرَى (118)

إنَّ لك -يا آدَمُ- ألَّا تَجوعَ في الجنَّةِ، ولا تعرَى عن اللِّباسِ.

وَأَنَّكَ لَا تَظْمَأُ فِيهَا وَلَا تَضْحَى (119)

وأنَّك لا تَعطَشُ في الجنَّةِ، ولا تَبرُزُ للشَّمسِ فيُؤذيَك حَرُّها.

فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطَانُ قَالَ يَا آَدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لَا يَبْلَى (120)

فألقى إبليسُ وسوستَه إلى آدَمَ، فقال: يا آدَمُ، هل أدلُّك على شَجَرةٍ إن أكَلْتَ منها تُخلَّدْ في الجنَّةِ، ويكُنْ لك مُلكٌ لا يَفنى ولا ينقَطِعُ؟!

فَأَكَلَا مِنْهَا فَبَدَتْ لَهُمَا سَوْآَتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ وَعَصَى آَدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى (121)

فأكَلَ آدَمُ وحَوَّاءُ مِن الشَّجرةِ؛ فظَهَرت لهما عوراتُهما بعدَما كانت مستورةً عنهما، وأخَذَا يُلصِقانِ مِن وَرَقِ أشجارِ الجنَّةِ؛ لِيَستُرا به عَوْراتِهما، وخالَف آدَمُ وصِيَّةَ رَبِّه، فأخطأَ الصَّوابِ، ولم يظفرْ بما وعَدَه الشَّيطانُ.

ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَى (122)

ثمَّ اختارَ الله تعالى آدَمَ بعدَ مَعصيتِه، ووفَّقه للتوبةِ وقبِلها منه، وهداه إلى الثباتِ عليها.

قَالَ اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعًا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى (123)

قال اللهُ لآدَمَ -ومعه زوجُه- وإبليسَ: اهبِطا مِن الجنَّةِ إلى الأرضِ، بعضُكم أعداءٌ لبعضٍ؛ فآدمُ وذُرِّيَّتُه أعداء لإبليسَ وذُرِّيتِه، فإنْ يأتِكم مِن عندي رسولٌ، وكِتابٌ؛ فمَنِ اتَّبَعَ رُسُلي وعَمِلَ بكُتُبي، اهتَدى، وسعِد.

وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى (124)

ومَن أعرَضَ عن كتابي فلم يتدَبَّرْه ولم يعمَلْ به؛ فله معيشةٌ ضَيِّقةٌ في الدُّنيا، وفي البَرزَخِ، وفي الآخرةِ، ويُحشَرُ يومَ القيامةِ أعمى لا يُبصِرُ.

قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا (125)

قال: يا رَبِّ، لمَ حَشَرتَني أعمى البصرِ، وقد كنتُ في الدُّنيا مُبصِرًا؟

قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آَيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى (126)

قال اللهُ له: ذلك لأنك تركتَ آياتي في الدُّنيا ولم تعمَلْ بها، ويومَ القيامة تُترَكُ في العذابِ.

وَكَذَلِكَ نَجْزِي مَنْ أَسْرَفَ وَلَمْ يُؤْمِنْ بِآَيَاتِ رَبِّهِ وَلَعَذَابُ الْآَخِرَةِ أَشَدُّ وَأَبْقَى (127)

وهكذا نجزي مَن تجاوزَ الحَدَّ، فعصى رَبَّه ولم يؤمِنْ بآياتِه، وعَذابُ الآخرةِ أشدُّ ألَمًا، وأدوَمُ.

أَفَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ كَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنَ الْقُرُونِ يَمْشُونَ فِي مَسَاكِنِهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِأُولِي النُّهَى (128)

أفلَمْ يتبَيَّنْ لِمُشرِكي العَرَبِ كثرةُ مَن أهلَكْنا مِن الأُمَمِ الماضيةِ لكفرهم، وهم يَسيرونَ في مَساكِنِهم إذا سافروا، أفلا يخافونَ أنْ نُهلِكَهم مِثْلَهم إن لم يؤمِنوا بالحقِّ؟! إنَّ في إهلاك الأمَمِ المكذِّبةِ لَدَلالاتٍ لِذَوي العُقولِ الصَّحيحةِ.

وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَكَانَ لِزَامًا وَأَجَلٌ مُسَمًّى (129)

ولولا تَقديرُ الله تأخيرَ العذابِ إلى وَقتٍ محدَّدٍ؛ لَلَزِمَهم الهلاكُ عاجِلًا.

فَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا وَمِنْ آَنَاءِ اللَّيْلِ فَسَبِّحْ وَأَطْرَافَ النَّهَارِ لَعَلَّكَ تَرْضَى (130)

فاصبِرْ -يا محمَّدُ- على ما يقولُ كُفَّارُ قَومِك فيك، ولا تستعجِلْ عذابَهم، وسبِّح بحمدِ ربَّك، قبْلَ طُلوعِ الشَّمسِ، وقبْلَ غُروبِها، وسبِّح في ساعاتِ اللَّيلِ وأطرافِ النَّهارِ؛ لعلك ترضى بما يُعطيك ربُّك مِن الثَّوابِ، ويَهونَ عليك الصَّبرُ في سبيل الله تعالى.

وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَى (131)

ولا تُطِلِ النَّظَرَ بإعجابٍ ورَغبةٍ إلى ما أعطَيْناه للأغنياءِ المُعرِضينَ عن آياتِ رَبِّهم مِن نِعَمٍ زائلةٍ؛ فإنَّما نختَبِرَهم بها، وثوابُ الله لك في الآخرةِ خَيرٌ مِن زينةِ الدُّنيا وأدوَمُ.

وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لَا نَسْأَلُكَ رِزْقًا نَحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى (132)

وأْمُرْ أهلَك بإقامةِ الصَّلاةِ، وحُثَّهم على المحافظةِ عليها، واصبِرْ على القيامِ بها، وأدائِها كما ينبغي، لا نُكَلِّفُك -يا محمَّدُ- رِزقًا، بل نكَلِّفُك بإقامةِ الصَّلاةِ وقد تكَفَّلْنا برِزْقِك؛ فلا تَنشَغِلْ به عن الصَّلاةِ، والعاقَبةُ المحمودةُ في الدُّنيا والآخرةِ لأهلِ التَّقوى.

وَقَالُوا لَوْلَا يَأْتِينَا بِآَيَةٍ مِنْ رَبِّهِ أَوَلَمْ تَأْتِهِمْ بَيِّنَةُ مَا فِي الصُّحُفِ الْأُولَى (133)

وقال المُشرِكونَ: هلَّا يأتينا محمَّدٌ بمُعجِزةٍ مِن رَبِّه، كمعجزاتِ الأنبياءِ السَّابِقينَ؟ أولَمْ يأتِ هؤلاء المشرِكينَ، القرآنُ الَّذي يخبِرُهم بما في كتُبِ الأنبياءِ، كالبِشارةِ بمحَمَّدٍ صلَّى الله عليه وسلَّم، وكأخبارِ الأُمَمِ الَّذين سألوا أنبياءَهم الآياتِ، فلم يؤمِنوا؛ فأهلَكْناهم؟

وَلَوْ أَنَّا أَهْلَكْنَاهُمْ بِعَذَابٍ مِنْ قَبْلِهِ لَقَالُوا رَبَّنَا لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آَيَاتِكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَذِلَّ وَنَخْزَى (134)

ولو أهلَكْنا هؤلاء المُكَذِّبينَ قَبل نُزولِ القُرآنِ عليهم، وإرسالِ محمَّدٍ صلَّى الله عليه وسلَّم إليهم؛ لقالوا يومَ القيامةِ محتَجِّينَ: رَبَّنا، هلَّا أرسَلْتَ إلينا رسولًا فنتبع الحقَّ مِن قَبلِ أن نَذِلَّ، ونَخزَى بالعذاب؟

قُلْ كُلٌّ مُتَرَبِّصٌ فَتَرَبَّصُوا فَسَتَعْلَمُونَ مَنْ أَصْحَابُ الصِّرَاطِ السَّوِيِّ وَمَنِ اهْتَدَى (135)

قُلْ لهم -يا محمَّدُ-: كلٌّ مِنَّا ومنكم مُنتَظِرٌ دوائِرَ الزَّمانِ بالآخَرِ، ولِمَن يكون النَّصرُ، فانتظروا، وستَعلَمونَ مَن هم أهلُ الطَّريقِ المُستَقيمِ أنحن أم أنتم، وستَعلَمونَ مَن كان مُهتَديًا إلى الحَقِّ، ومَن ضَلَّ عنهُ.