التفسير المحرر

التفسير المحرر

الإسراء

اللغة: العربية
إعداد:
الإصدار: 1.0
ترجمات 1
إنجليزي
المرفقات 7
PDF
Audio
Video
+3

الإسراء

سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آَيَاتِنَا إِنَّه هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ

تَنزيهًا لله عن كُلِّ ما لا يَليقُ به، الَّذي سيَّرَ عَبدَه مُحَمَّدًا في جُزءٍ مِنَ اللَّيلِ، مِن المَسجِدِ الحرامِ بمكَّةَ إلى المسجِدِ الأقصى ببيتِ المَقدِسِ، الَّذي بارَكْنا حَولَه بالأنهارِ والأشجارِ والثِّمارِ، وجعَلْناه مَوضِعًا لكثيرٍ مِن الأنبياءِ والأصْفياءِ، أَسْرَينا بعَبْدِنا مُحَمَّدٍ؛ كي نُرِيَه بعضًا مِن عجائِبِ قُدرتِنا الكُبرى، وأدِلَّتِنا العُظمَى، إنَّ اللهَ هو السَّميعُ لجَميعِ المَسموعاتِ، البَصيرُ بكُلِّ المَرئيَّاتِ، ومِن ذلك سَمْعُه لأقوالِ عبادِه، وهو البَصيرُ بهم، فيُجازي كُلًّا بما يستَحِقُّه في الدُّنيا والآخرةِ

وَآَتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَجَعَلْنَاهُ هُدًى لِبَنِي إِسْرَائِيلَ أَلَّا تَتَّخِذُوا مِنْ دُونِي ‎وَكِيلًا

وآتَينا موسى التَّوراةَ، وجَعَلْنا كِتابَ موسى هاديًا لبني إسرائيلَ إلى الحَقِّ، ألَّا تتَّخِذوا -يا بني إسرائيلَ- مِن دوني مَعبودًا تعتَمِدونَ عليه، وتَكِلونَ أمورَكم إليه

ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ إِنَّهُ كَانَ عَبْدًا شَكُورًا

يا سُلالةَ مَن حملْنا مع نوحٍ في السَّفينةِ، فنجَّيناهم مِن الغَرَقِ، إنَّ نوحًا كان عبدًا للهِ شكورًا لنِعَمِه؛ فتشبَّهوا بأبيكم، واشكُروني على نِعَمي عليكم، ولا تُشرِكوا بي شيئًا

وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إسْرائِيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا

وأعلَمْنا بني إسرائيلَ في التَّوراةِ -بما سبَقَ في عِلْمِنا- أنَّهم سيُفسِدونَ في الأرضِ مَرَّتَينِ؛ بالكُفرِ والمعاصي، ومُخالَفةِ أحكامِ التَّوراةِ، وأعلَمْناهم أيضًا أنَّهم سَيَستَكبِرونَ على اللهِ بمُخالفةِ أمرِه، والتَّجَبُّرِ على عبادِه، استكبارًا وطُغيانًا شَديدًا

فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ أُولَاهُمَا بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَنَا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجَاسُوا خِلَالَ الدِّيَارِ وَكَانَ وَعْدًا مَفْعُولًا

فإذا حان وَقتُ عُقوبتِكم -يا بَني إسرائيلَ- على أُولى المَرَّتَينِ اللَّتَينِ تُفسِدونَ فيهما في الأرضِ؛ سَلَّطنا عليكم جُنْدًا مِن خَلْقِنا، أصحابَ بَطشٍ وقُوَّةٍ شَديدةٍ، فطاف الجُنودُ الَّذين سَلَّطَهم اللهُ على بني إسرائيلَ بيْنَ دُورِهم يتَرَدَّدونَ بيْنَها جَيْئةً وذَهابًا لِقَتلِهم، وكان تَسليطُ اللهِ أولئك الجُنودَ على بني إسرائيلَ قَضاءً كائِنًا لا بُدَّ مِن وُقوعِه

ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ وَأَمْدَدْنَاكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَجَعَلْنَاكُمْ أَكْثَرَ نَفِيرًا

ثمَّ أرْجَعْنا لكم -يا بني إسرائيلَ- الغَلَبةَ والنَّصرَ على أعدائِكم الَّذينَ غَلَبوكم وقَهَروكم، لَمَّا تُبْتُم مِن الفسادِ والطُّغيانِ والاستِكْبارِ، وأطعتُم، وأعْطَيناكم الأموالَ والبَنينَ بزِيادةٍ وكَثرةٍ، وصيَّرناكم أكثَرَ جُندًا مِن عَدُوِّكم

إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآَخِرَةِ لِيَسُوءُوا وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُوا مَا عَلَوْا تَتْبِيرًا

إنْ أطَعْتُم اللهَ -يا بني إسرائيلَ- فإحسانُكم هذا عائِدٌ إليكم، وبه تَنفَعونَ أنفُسَكم، فيَزيدُكم اللهُ مِن الرِّزقِ والقُوَّةِ، ويُدافِعُ عنكم، ويُدخِلُكم الجَنَّةَ، وإنْ عَصَيتُم اللهَ فعلى أنفُسِكم ضَرَرُ إساءتِكم، فيُسَلِّطُ اللهُ عليكم في الدُّنيا أعداءَكم، ويُعَذِّبُكم في الآخرةِ، فإذا حانَ وَقتُ عُقوبتِكم جرَّاءَ إفسادِكم في المَرَّةِ الثَّانيةِ، سَلَّطْنا عليكم عبادًا لنا؛ ليَجعَلُوا آثارَ الحُزنِ والكآبةِ بادِيةً في وُجوهِكم، وذلك بقَتلِكم وسَبْيِكم وقَهْرِكم وإذلالِكم، ولِيَدخُلوا بَيتَ المَقدِسِ فيُخَرِّبوه قَهرًا وغَلَبةً وإذلالًا لكم، كما دخَلوه في المَرَّةِ الأولى حينَ عاقَبْناكم على إفسادِكم الأوَّلِ، فدَخَلوه بالغَلَبةِ وخرَّبوه، وجاسُوا خِلالَ الدِّيارِ يَقتُلونَكم، ولِيُدَمِّرُوا كُلَّ ما غَلَبوا وظَهَروا عليه مِن بِلادِكم تَدميرًا، فيُخَرِّبوا بَيتَ المَقدِسِ وبُيوتَكم ومَزارِعَكم

عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يَرْحَمَكُمْ وَإِنْ عُدْتُمْ عُدْنَا وَجَعَلْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ حَصِيرًا

لعلَّ اللهَ -يا بني إسرائيلَ- يَرحَمُكم بعدَ انتقامِه منكم، فيُنقِذُكم، ويُعِزُّكم بعدَ ذُلِّكم، ويَجعَلُ لكم قُوَّةً، ويرُدُّ الدَّولةَ إليكم، وإن رجَعْتُم إلى الإفسادِ في الأرضِ بمَعصيتي بعدَ رَحمتي لكم، رجَعْتُ إلى انتِقامي منكم، فسلَّطتُ عليكم مرَّةً أخرَى مَن يقتُلُكم ويُذِلُّكم، وجَعَلْنا جَهنَّمَ للكافرينَ سِجنًا ومحبِسًا، لا يَستَطيعونَ الخُروجَ منها أبدًا

إِنَّ هَذَا الْقُرْآَنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا

إنَّ هذا القُرآنَ يُرشِدُ المتَّبِعينَ له إلى الطَّريقةِ الَّتي هي أعدَلُ وأفضَلُ وأصوَبُ في كلِّ شأنٍ؛ مِن العقائِدِ والأعمالِ والأخلاقِ، وهي ملَّةُ الإسلامِ، ويُبَشِّرُ هذا القرآنُ المُؤمِنينَ الَّذين يُصَدِّقونَ إيمانَهم بالأعمالَ الصَّالحةَ- بأنَّ لهم ثوابًا عظيمًا في الآخِرةِ

وَأَنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآَخِرَةِ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا

ويُبَشِّرُ القُرآنُ المُؤمِنينَ أيضًا بأنَّ الله أعَدَّ وهيَّأَ لأعدائِهم الكافِرينَ الَّذين لا يُؤمنونَ بالبَعثِ يومَ القيامةِ، عَذابًا مُوجِعًا في الآخِرةِ

وَيَدْعُ الْإِنْسَانُ بِالشَّرِّ دُعَاءَهُ بِالْخَيْرِ وَكَانَ الْإِنْسَانُ عَجُولًا

ويدعُو الإنسانُ في حالِ غَضَبِه على نفْسِه وأهْلِه ووَلَدِه بالموتِ أو بغَيرِه مِمَّا يَسوءُ، كما يدعو ربَّه بالخَيرِ، فلو استُجِيبَ له في دُعائِه بالشَّرِّ كما يُستَجابُ له في الخَيرِ، لهلَك، إنَّما يَفعَلُ الإنسانُ ذلك؛ لأنَّ مِن طَبْعِه العَجَلةَ، فيتعَجَّلُ طَلَبَ كُلِّ ما يقَعُ في قَلبِه ويَخطُرُ ببالِه، مِن غيرِ أن يتأنَّى فيه ويتفَكَّرَ، ويتدبَّرَ عواقِبَه

وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ آَيَتَيْنِ فَمَحَوْنَا آَيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنَا آَيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً لِتَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ وَلِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ وَكُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْنَاهُ تَفْصِيلًا

وجعَلْنا اللَّيلَ والنَّهارَ علامَتَينِ دالَّتَينِ على وُجودِ اللهِ ووحدانيَّتِه، وكمالِ قُدرتِه ورَحمتِه، وأنَّه المُستَحِقُّ للعبادةِ وَحْدَه، فطَمَسْنا القَمَرَ؛ لِيَكونَ اللَّيلُ مُظلِمًا، وجعَلْنا الشَّمسَ مُضيئةً لكم في النَّهارِ؛ لتتَوصَّلوا بضِياءِ النَّهارِ إلى طَلَبِ الرِّزقِ الَّذي يُيَسِّرُه لكم رَبُّكم مِنْ فَضلِه الواسِعِ، ومَحَوْنا آيةَ اللَّيلِ؛ لِتَعلَموا عدَدَ السَّنَواتِ، وتَعلَموا حِسابَ اللَّيالي والشُّهورِ، فتَنتَفِعوا بذلك في أمورِ دِينِكم ودُنياكم، وكلَّ شَيءٍ تَحتاجونَ -أيُّها النَّاسُ- إلى بيانِه مِن مَصالحِ دِينِكم ودُنياكم بيَّنَّاه لكم في القُرآنِ بَيانًا واضِحًا شافيًا لا لَبْسَ فيه ولا نَقْصَ بوجهٍ مِنَ الوُجوهِ

وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنْشُورًا

وكلَّ إنسانٍ منكم ألزَمْناه عمَلَه الَّذي قدَّرْناه عليه؛ وسبَق به قضاؤُنا مِن خَيرٍ أو شَرٍّ، الصَّادرَ منه باختيارِه، فيُجازَى عليه وَحْدَه، فلا يُحاسَبُ بعَمَلِ غَيرِه، ولا يُحاسَبُ غَيرُه بعَمَلِه، ونُظهِرُ لكُلِّ إنسانٍ يومَ القيامةِ كِتابَ أعمالِه، يَجِدُه مَفتوحًا، حاويًا لكلِّ ما عَمِلَه في الدُّنيا مِن خَيرٍ أو شَرٍّ

اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا

يُقالُ لكلِّ إنسانٍ يومَ القيامةِ: اقرأْ كِتابَ أعمالِك الَّتي كَتَبَها الحَفَظةُ فيه، ويَكفي لإحصاءِ أعمالِك نَفْسُك؛ كفَى بها حاسبًا يحسبُها عليك، ولا نبتغي عليك شاهدًا غيرَها

مَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا

مَن اهتَدى فاتَّبَعَ الحقَّ فإنَّما ينفَعُ نَفْسَه بالجزاءِ الحَسَنِ، والعاقِبةِ الحَميدةِ في الدُّنيا والآخرةِ، ومَن ضلَّ عن الحَقِّ فإنَّما يجني على نفْسِه، فيَقَعُ ضَرَرُ ذلك عليه في الدُّنيا والآخرةِ، ولا تَحمِلُ نفْسٌ آثِمةٌ إثمَ نفْسٍ أُخرى، وما كُنَّا مُعَذِّبينَ قَومًا إلَّا بعدَ إقامةِ الحُجَّةِ عليهم بإرسالِ رَسولٍ إليهم، فإذا رَدُّوا الحَقَّ عذَّبْناهم بما يَستَحِقُّونَ

وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا

وإذا أرَدْنا أن نُهلِكَ أهلَ قَريةٍ بعَذابٍ في الدُّنيا، أمَرْنا مُتنَعِّميها وجَبابِرَتَها بطاعتي، على لسانِ الرَّسولِ المبعوثِ إليهم، فخَرَجوا عن أوامِري وعَصَوني، فوَجَبَ على أهلِ القَريةِ العَذابُ الَّذي حُذِّروا منه، فخرَّبْنا القَريةَ تخريبًا، وأهلَكْنا أهلَها فاستأصَلْناهم

وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنَ الْقُرُونِ مِنْ بَعْدِ نُوحٍ وَكَفَى بِرَبِّكَ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا

وكثيرٌ مِن أهلِ القُرونِ الماضيةِ عذَّبْناهم في الدُّنيا؛ لكُفرِهم وتَكذيبِهم رُسُلَهم، وذلك مِن بعدِ أوَّلِ الرُّسُلِ نُوحٍ، فأنتم -يا كُفَّارَ قُرَيشٍ- لَستُم أكرَمَ على اللهِ منهم، وقد كذَّبتُم أشرَفَ الرُّسُلِ؛ فعُقوبتُكم أَولى وأحْرَى إن لم تَنتَهوا عن كُفرِكم وتَكذيبِكم، وحَسْبُك ربُّك -يا محمَّدُ- خَبيرًا بَصيرًا بذُنوبِ عِبادِه، يَعلَمُ بَواطِنَها وظَواهِرَها، ويبصرُها فلا يخفَى عليه شَيءٌ منها، وسيُجازيهم عليها

مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلَاهَا مَذْمُومًا مَدْحُورًا

مَن كانت نيَّتُه الدَّارَ العاجِلةَ وهي الدُّنيا، ولها وحْدَها يَعملُ؛ عَجَّلْنا له في الدُّنيا ما نَشاءُ مِن مَتاعِها وأرزاقِها، لِمَن نريدُ إعطاءَه مِن ذلك، ثمَّ جعَلْنا له في الآخِرةِ عَذابَ جَهنَّمَ، فيَدخُلُها ويَحتَرِقُ بنارِها مذمومًا مِنَ اللهِ ومِن عِبادِه، مُبعَدًا مِن رَحمةِ رَبِّه، مُقْصًى ذَليلًا

وَمَنْ أَرَادَ الْآَخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُورًا

ومَن نوى ثَوابَ الدَّارِ الآخرةِ، وعَمِلَ للجَنَّةِ الأعمالَ الصَّالِحةَ، بإخلاصٍ لله ومُتابَعةٍ لرَسولِه عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ، وهو مُؤمِنٌ باللهِ وبما يجبُ الإيمانُ به، ومُصَدِّقٌ بالثَّوابِ والجَزاءِ؛ فأولئك الَّذين فعَلوا ذلك كان عمَلُهم بطاعةِ اللَّه مَقبولًا غيرَ مردودٍ، يُضاعِفُ اللهُ لهم ثوابَه، ويُحسِنُ لهم جزاءَه

كُلًّا نُمِدُّ هَؤُلَاءِ وَهَؤُلَاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا

كلَّ واحدٍ مِن الفَريقينِ: الكافِرينَ الَّذين يُريدُونَ الدُّنيا، والمُؤمِنينَ الَّذين يُريدونَ الآخرةَ، نَزيدُ -يا مُحمَّدُ- مِن فَضلِ رَبِّك ورزقِه، وما كان فَضلُ رَبِّك مَمنوعًا عن أحدٍ مِن خَلْقِه؛ فلكُلِّ أحدٍ نَصيبٌ منه

انْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَلَلْآَخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلًا

انظُرْ -يا مُحمَّدُ- كيف فضَّلْنا بعضَ النَّاسِ على بَعضٍ في عطاءِ الدُّنيا، كالرِّزقِ، والعِلمِ، والعَقلِ، والجَمالِ، والصِّحَّةِ إلى غيرِ ذلك، ولَتفاوُتُهم في الدَّارِ الآخرةِ أكبرُ مِن الدُّنيا، فتفاضُلُ درجاتِ العامِلينَ في الآخرةِ أكبرُ، وأهلُ الآخرةِ يتفاضَلون فيها أكثرَ ممَّا يتفاضَلُ النَّاسُ في الدُّنيا

لَا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آَخَرَ فَتَقْعُدَ مَذْمُومًا مَخْذُولًا

لا تجعَلْ مع اللهِ مَعبودًا غيرَه، فتبقَى -إن أشرَكْتَ باللهِ- مَذمومًا لا حامِدَ لك، مخذولًا لا ناصِرَ لك

وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا

وأمَرَ ربُّك -يا مُحمَّدُ-، وأوجَبَ ألَّا تَعبُدوا -أنت وجميعُ الخَلقِ- إلَّا اللهَ وَحْدَه، وأمَرَكم أنْ تُحسِنوا إلى الوالِدَينِ بجَميعِ أوجُهِ الإحسانِ مِن الأقوالِ والأفعالِ، إنْ عاشَ والِداك عِندَك، وقد كَبِرَت سِنُّهما وضَعُفَت قُواهما؛ أحدُهما أو كِلاهما، فلا تتأفَّفْ؛ إظهارًا لضَجَرِك مِمَّا يُؤذيك منهما، ولا تؤْذِهما بأيِّ نَوعٍ مِن الأذى، ولا تَزجُرْ والدَيك، وتُغلِظْ لهما القَولَ، وقُلْ لهما قَولًا حَسَنًا لَيِّنًا رَقيقًا جَميلًا، فيه تأدُّبٌ معهما، وتلَطُّفٌ لهما

وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا

وكنْ لوالِدَيك ذليلًا مُتواضِعًا؛ رَحمةً منك بهما، ولا تُخالِفْهما فيما يأمُرانِك به ويَنهيانِك عنه مِمَّا ليس فيه مَعصيةٌ لله تعالى، وقُلْ: رَبِّ ارحَمْ والِديَّ في حَياتِهما وبعدَ مَوتِهما؛ جزاءً لهما على تَربيتِهما لي في صِغَري، وحالِ ضَعفي وعَجزي وافتِقاري

رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا فِي نُفُوسِكُمْ إِنْ تَكُونُوا صَالِحِينَ فَإِنَّهُ كَانَ لِلْأَوَّابِينَ غَفُورًا

ربُّكم -أيُّها النَّاسُ- أعلَمُ بما في قُلوبِكم مِن تَعظيمِ حَقِّ الوالِدَينِ والرَّحمةِ بهما، أو الاستخفافِ به، ومِن إرادةِ البِرِّ بهما، أو الإساءةِ إليهما وعُقوقِهما، لا يخفى عليه شَيءٌ مِن ذلك، وهو مُجازيكم عليه، فاحذَروا أن تُضمِروا لهما سُوءًا، فإنْ أنتم أصلَحْتُم نِيَّاتِكم فكُنتُم صادِقينَ في نيَّةِ البِرِّ بالوالِدَينِ، مُمتَثِلينَ أمْرَ اللهِ بذلك؛ فإنَّ اللهَ للتَّائبينَ إليه مِنَ الزَّلَّاتِ والهَفَواتِ في حَقِّ الوالِدَينِ، الرَّجَّاعِينَ إلى اللهِ وإلى مَرضاتِه مَرَّةً بعدَ مَرَّةٍ- غَفورٌ، يَستُرُ زلاتِهم، ويتجاوَزُ عن مُؤاخَذتِهم بها

وَآَتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَلَا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا

وأعْطِ القَريبَ -يا مُحمَّدُ -حقَّه مِن الصِّلةِ والعَطفِ والمُواساةِ، والمِسكينَ حَقَّه مِن الصَّدَقةِ، والمُسافِرَ المُنقَطِعَ المُجتازَ بك حَقَّه مِنَ الضِّيافةِ، والإعانةِ على وُصولِه إلى مَقصدِه، ولا تُفَرِّقْ أموالَك بإنفاقِها في غَيرِ حَقِّها أو بوضعِها في غير مَواضِعِها التي شرَعها الله، وذلك كالإنفاقِ في مَعصيةِ اللهِ تعالى

إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُورًا

إنَّ المُفَرِّقينَ أموالَهم في غَيرِ حَقِّها ووجْهِها المَشروعِ كانوا إخوانَ الشَّياطينِ؛ لاتِّباعِهم إيَّاهم في التَّبذيرِ والسَّفَهِ ومَعصيةِ اللهِ، وكان الشَّيطانُ لرَبِّه جَحودًا لنِعَمِه لا يَشكُرُها

وَإِمَّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ ابْتِغَاءَ رَحْمَةٍ مِنْ رَبِّكَ تَرْجُوهَا فَقُلْ لَهُمْ قَوْلًا مَيْسُورًا

وإنْ تُعرِضْ -يا محمَّدُ- عن إعطاءِ الأقارِبِ والمَساكينِ وأبناءِ السَّبيلِ حُقوقَهم؛ لقِلَّةِ مالِك، وأنتَ تنتَظِرُ رِزقًا مِن عندِ ربِّك؛ تَرْجو أن يُيسِّرَه لك، فلا تُؤيِّسْهم مِن عَطائِك، ولا تُغلِظْ لهم القَولَ، وإنَّما قلْ لهم قولًا ليِّنًا لَطيفًا طيِّبًا تقبَلُه نُفوسُهم، كالاعتِذارِ الحَسَنِ، والوعْدِ الجَميلِ بإعطائِهم، والدُّعاءِ لهم بالرِّزقِ

وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَحْسُورًا

ولا تُمسِكْ يَدَك بُخلًا عن النَّفَقةِ في الخَيرِ كُلَّ الإمساكِ وكأنَّها مُقَيَّدةٌ إلى عُنُقِك، فلا تستطيعُ أن تَمُدَّها لتُعطيَ أحدًا شيئًا من الخَيرِ، ولا تَبسُطْ يدَك بالعَطاءِ والإنفاقِ كُلَّ البَسطِ، فتُنفِقَ فَوقَ طاقتِك، وتبقَى بلا مالٍ لَدَيك، فتَبقى ملومًا عندَ الله تعالى، وعندَ النَّاسِ، وعندَ نَفسِك، مُنقَطِعًا، لا شيءَ لديك لتُنفِقَه، عاجزًا عن إقامةِ شُؤونِك

إِنَّ رَبَّكَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّهُ كَانَ بِعِبَادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا

إنَّ ربَّك -يا محمَّدُ- يُوسِّعُ رِزقَه على مَن يَشاءُ مِن عِبادِه، ويُضَيِّقُه على مَن يشاءُ منهم، بحَسَبِ حِكمَتِه سُبحانَه، لأنَّه خَبيرٌ ببواطِنِ عِبادِه وأحوالِهم وأخبارِهم، بَصيرٌ بظَواهِرِهم وكيفيَّةِ تَدبيرِهم في أرزاقِهم وغَيرِها؛ فهو أعلَمُ بمصالِحِهم وما يَليقُ بكُلٍّ منهم، فيَعلَمُ مَن يَصلُحُ له الغِنى، ومَن يَصلُحُ له الفَقرُ

وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ إِنَّ قَتْلَهُمْ كَانَ خِطْئًا كَبِيرًا

ولا تَقتُلوا -أيُّها الآباءُ- أولادَكم؛ خَوفًا مِن أن يُصيبَكم الفَقرُ بالإنفاقِ عليهم، نحن نُعطي أولادَكم رِزقَهم، ولَستُم الرَّازِقينَ لهم، ونُعطيكم رِزقَكم أيضًا؛ فلا تَخشَوُا الفَقرَ بسَبَبِهم، إنَّ قتلَ الآباءِ لأولادِهم ذَنبٌ عَظيمٌ

وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا

ولا تَدنُوا -أيُّها النَّاسُ- مِن فِعلِ الزِّنا، وابتَعِدوا عن مُقَدِّماتِه ودواعيه، إنَّه كان ذنبًا عَظيمًا غايةً في القُبحِ؛ في الشَّرعِ، والعَقلِ، والفِطرةِ، وبِئسَ طريقًا طَريقُ الزِّنا؛ لأنَّه يُؤدِّي إلى أنواعٍ مِن المفاسدِ في الدُّنيا، وإلى العذابِ والخِزيِ في الآخرةِ

وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا فَلَا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ إِنَّهُ كَانَ مَنْصُورًا

ولا تَقتُلوا النَّفسَ الَّتي حرَّم اللهُ قتلَها إلَّا إذا استَحقَّتِ القَتلَ شَرعًا، ومَن قُتِل ظُلمًا بغيرِ حَقٍّ، فقد جعَلْنا لوليِّ المَقتولِ سُلطةً وتسَلُّطًا على القاتِلِ؛ فهو بالخِيارِ: إن شاء قتَلَه قِصاصًا، وإن شاء أخَذَ الدِّيةَ، وإن شاء عَفا عنه، ولا يَتَجاوَزْ وَلِيُّ المَقتولِ ما حُدَّ له، فيتعدَّى بقَتلِ غَيرِ القاتِلِ، أو يَقتُل بالواحِدِ اثنَينِ أو أكثَرَ، أو يُمَثِّل بالقاتِلِ؛ إنَّ وَلِيَّ المَقتولِ كان مُعانًا على القاتِلِ

وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا

ولا تَقْربوا مالَ اليتيمِ إلَّا بالطَّريقةِ الَّتي هي أحسَنُ وأفضَلُ؛ وذلك بإصلاحِه والمُحافظةِ عليه، وتَثميرِه وتَنميتِه، حتَّى يبلُغَ الحُلُمَ والرُّشدَ، بحيث يَكمُلُ عَقلُه ويتمَكَّنُ مِن تَدبيرِ مالِه، فإذا بلغَ ذلك زالتْ عنه الوِلايةُ، وصار وليَّ نَفسِه، ودُفِعَ إليه مالُه، وأوفُوا -أيُّها النَّاسُ- بالعُهودِ الَّتي عاهَدْتُم اللهَ عليها، وبالعُقودِ الَّتي بيْنَكم، لأنَّ اللهَ سيَسألُكم عنها يومَ القيامةِ، ويُجازيكم على الوَفاءِ بها وعَدَمِه

وَأَوْفُوا الْكَيْلَ إِذَا كِلْتُمْ وَزِنُوا بِالْقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيمِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا

وأوفُوا الكَيلَ للنَّاسِ إذا كِلْتُم لهم، وأوفُوهم حُقوقَهم -بالعَدلِ- تامَّةً مِن غَيرِ نَقصٍ، وزِنوا بالمِيزانِ السَّويِّ الَّذي لا انحِرافَ فيه ولا اعوِجاجَ، ولا غِشَّ ولا خديعةَ، ذلك خَيرٌ لكم مِن التَّطفيفِ، وأحسَنُ عاقِبةً لكم في دُنياكم: بالبَرَكة وانشِراحِ النَّفْسِ وغيرِ ذلك، وفي أُخراكم: بالثَّوابِ مِنَ اللهِ تعالى

وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا

ولا تَقُلْ أو تفعَلْ شيئًا بمُجَرَّدِ الظَّنِّ، فتَتْبَعْ ما لا عِلمَ لك به، ولا دليلَ على صِحَّته، ومِن ذلك: رَميُ النَّاسِ وقَذفُهم بالباطِلِ، والشَّهادةُ عليهم بغَيرِ الحَقِّ، إنَّ سَمْعَ الإنسانِ وبَصَرَه وقَلْبَه، كُلُّ هذه الأعضاءِ سيَسألُ اللهُ الإنسانَ عنها يومَ القيامةِ فيما استعمَلَها، وتُسأَلُ هي عمَّا عَمِلَ فيها صاحِبُها، فتَشهَدُ عليه بما قال وفَعَل مِن خَيرٍ وشَرٍّ

وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا إِنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الْأَرْضَ وَلَنْ تَبْلُغَ الْجِبَالَ طُولًا

ولا تَمْشِ في الأرضِ مُختالًا مُتبَختِرًا مُتمايلًا مُتَكبِّرًا، كمِشيةِ الجبَّارينَ، إنَّك -أيُّها المُتكَبِّرُ المُتعاظِمُ في مَشْيِه- لن تَثقُبَ الأرضَ بشِدَّة وطْءِ قَدَميك عند اختيالِك في مَشْيِك، ولن يَبلُغَ طُولُك -بتطاوُلِ بَدَنِك للأعلى في مِشيَتِك- طُولَ الجِبالِ؛ فما الَّذي يُغريك بهذه المِشيةِ، وقُدرتُك لا تَبلُغُ بك هذا المَبلغَ؟! فتواضَعْ ولا تتكَبَّرْ، واعرِفْ قَدْرَ ضَعْفِك وعَجْزِك

كُلُّ ذَلِكَ كَانَ سَيِّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهًا

جميعُ ما ذُكِرَ في الآياتِ السَّابقةِ مِن الأوامِرِ والنَّواهي، كان سَيِّئُه -وهو ما نهَى اللهُ عنه- قَبيحًا مُبغَضًا عندَ رَبِّك الَّذي أحسَنَ إليك إحسانًا لا ينبغي أن يُقابَل عليه إلَّا بالشُّكرِ -يا مُحَمَّدُ

ذَلِكَ مِمَّا أَوْحَى إِلَيْكَ رَبُّكَ مِنَ الْحِكْمَةِ وَلَا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آَخَرَ فَتُلْقَى فِي جَهَنَّمَ مَلُومًا مَدْحُورًا

هذه الأحكامُ والأوامِرُ والنَّواهي الَّتي تَضَمَّنَتْها الآياتُ السَّابقةُ، مِمَّا أوحَى إليك ربُّك -يا مُحَمَّدُ- مِنَ الحِكمةِ؛ لِتَعمَلَ بها، وتدعُوَ النَّاسَ إليها، ولا تجعَلْ مع اللهِ مَعبودًا غَيرَه، فتُرمَى في جهنَّمَ مَلومًا؛ تلومُك نَفسُك، ويَلومُك الخَلقُ، مُبعَدًا مَطرودًا مِن رَحمتِه سُبحانَه

أَفَأَصْفَاكُمْ رَبُّكُمْ بِالْبَنِينَ وَاتَّخَذَ مِنَ الْمَلَائِكَةِ إِنَاثًا إِنَّكُمْ لَتَقُولُونَ قَوْلًا عَظِيمًا

أفخَصَّكم ربُّكم -أيُّها المُشرِكونَ- بالذُّكورِ مِن الأولادِ، وجعَلَ الملائِكةَ بَناتٍ له كما تَزعُمونَ، والحالُ أنَّكم لا تَرضَونَ البناتِ لأنفُسِكم؟! فهذا خِلافُ المَعقولِ والمَعهودِ المُتعارَفِ عليه؛ فإنَّ السَّادةَ لا يُؤثِرونَ عَبيدَهم بأفضَلِ الأشياءِ، ويتَّخِذونَ لأنفُسِهم أدْوَنَها !إنَّكم -أيُّها المُشرِكونَ- لَتَقولونَ على اللهِ قَولًا عَظيمًا، بافتِرائِكم أنَّ المَلائِكةَ بَناتُه

وَلَقَدْ صَرَّفْنَا فِي هَذَا الْقُرْآَنِ لِيَذَّكَّرُوا وَمَا يَزِيدُهُمْ إِلَّا نُفُورًا

ولقد بَيَّنَّا ونوَّعْنا وأكثَرْنا في هذا القُرآنِ العِبَرَ والمواعِظَ، والحِكَمَ والأمثالَ، والحُجَجَ والأدِلَّةَ؛ ليتَذَكَّروا ويتَّعِظوا، وما يَزيدُ الظَّالِمينَ هذا التَّصريفُ والتَّذكيرُ بآياتِ القُرآنِ إلَّا ذَهابًا وهربًا من الحَقِّ، وتَباعُدًا عن الإيمانِ، وغفلةً عنِ النَّظَرِ والاعتبارِ

قُلْ لَوْ كَانَ مَعَهُ آَلِهَةٌ كَمَا يَقُولُونَ إِذًا لَابْتَغَوْا إِلَى ذِي الْعَرْشِ سَبِيلًا

قل -يا مُحمَّدُ- لو كان مع اللهِ مَعبوداتٌ سِواه -كما يَزعُمُ المُشرِكونَ-، إذَنْ لَطَلبَتْ تلك المَعبوداتُ المَزعومةُ التَّقرُّبَ إلى اللهِ، ونَيْلَ رِضاه بعبادتِه؛ لاعتِرافِهم بفَضلِه، وعِلْمِهم بقُدرتِه وعَجزِهم، فكيف تَعبُدونَهم مِن دُونِه والحالةُ هذه؟!

سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَقُولُونَ عُلُوًّا كَبِيرًا

تَنزيهًا للهِ عمَّا لا يَليقُ بعَظَمتِه، وتعالى عُلُوًّا كبيرًا عمَّا يقولُ المُشرِكونَ مِن الكَذِبِ عليه، كنِسبةِ الوَلَدِ والشَّريكِ إليه

تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا

تُسَبِّحُ لله السَّمَواتُ السَّبعُ والأرضُ، ومَن فيهنَّ مِنَ المَلائِكةِ والإنسِ والجِنِّ وجميعِ المَخلوقاتِ، فتُنزِّهُه عمَّا لا يليقُ به، وما مِن شَيءٍ من المَخلوقاتِ إلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِ الله تعالى، فيُنَزِّهُه تنزيهًا مَقرونًا بوَصفِه بصِفاتِ الكَمالِ مع محَبَّتِه وتَعظيمِه عزَّ وجَلَّ، ولكن لا تَعلَمونَ -أيُّها النَّاسُ- تَسبيحَ المَخلوقاتِ؛ لأنَّها على غيرِ لُغَتِكم، إنَّ اللهَ كان حَليمًا، فلا يُعاجِلُ بالعُقوبةِ مَن يكفُرُ به ويَعصِيه، غفورًا لِمَن تابَ مِن عِبادِه، فيَستُرُ ذُنوبَهم، ويتَجاوَزُ عن مُؤاخَذتِهم بها

وَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآَنَ جَعَلْنَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآَخِرَةِ حِجَابًا مَسْتُورًا

وإذا شَرَعْتَ -يا محمَّدُ- في قراءةِ القُرآنِ، فسَمِعَه مُشرِكو قَومِك، الَّذين لا يُصَدِّقونَ بالبَعثِ، ولا يُقِرُّون بالثَّوابِ والعِقابِ؛ جَعَلْنا بيْنَك وبينَهم حجابًا مَستورًا عن الأعينِ، لا يُرَى، يَمنَعُهم مِن فَهمِ القُرآنِ وتدَبُّرِه والانتفاعِ به، ويَحولُ بينَهم وبينَ الإيمانِ به

وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آَذَانِهِمْ وَقْرًا وَإِذَا ذَكَرْتَ رَبَّكَ فِي الْقُرْآَنِ وَحْدَهُ وَلَّوْا عَلَى أَدْبَارِهِمْ نُفُورًا

وجَعَلْنا على قُلوبِ هؤلاءِ الَّذينَ لا يُؤمِنونَ بالآخرةِ أغشِيةً وأغطِيةً تَحجُبُها؛ كراهةَ أنْ يَفهَموا معانيَ القُرآنِ فَهمًا ينتَفِعونَ به، وجَعَلْنا في آذانِ المُشرِكينَ صَمَمًا وثِقَلًا يَمنَعُهم مِن سَماعِ القُرآنِ سَماعَ قَبولٍ له، وانتِفاعٍ به، وإذا وحَّدْتَ ربَّك -يا مُحمَّدُ- في تِلاوَتِك للقُرآنِ، فقُلتَ: لا إلهَ إلَّا اللهُ، وأنت تَتلوه؛ أعرَضَ المُشرِكونَ عنك، نافِرينَ مُستَكبرينَ عن توحيدِ اللهِ؛ مِن شِدَّةِ كَراهِيَتِهم لهذا الحَقِّ، ومَحَبَّتِهم لِما هم عليه مِنَ الباطِلِ

نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَسْتَمِعُونَ بِهِ إِذْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ وَإِذْ هُمْ نَجْوَى إِذْ يَقُولُ الظَّالِمُونَ إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَسْحُورًا

نحن أعلَمُ -يا مُحمَّدُ- باستِهزاءِ المُشرِكينَ واستِخفافِهم بالقُرآنِ، وتَكذيبِهم به وَقتَ استِماعِهم إليك وأنت تَتلُوه، ونحنُ أعلَمُ بما يتناجَى به مُشرِكو قَومِك في أمْرِك، ويُسَارُّ بَعضُهم بَعضًا بشأنِك، حينَ يقولُ المُشرِكونَ وهم يَتناجَونَ فيما بيْنَهم: ما تتَّبِعونَ -إنِ اتَّبَعتُم مُحَمَّدًا- إلَّا رَجُلًا مَغلوبًا على عَقلِه بالسِّحرِ، يَهذِي بكَلامٍ، ولا يَدري ما يَقولُ !

انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثَالَ فَضَلُّوا فَلَا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا

انظُرْ -يا مُحَمَّدُ- مُتعَجِّبًا كيف مثَّلَ لك المُشرِكونَ الأمثالَ الباطِلةَ، وشبَّهوا لك الأشباهَ، فشَبَّهوك بالمسحورِ، وقالوا عنك: شاعِرٌ، مَجنونٌ، ساحِرٌ، كذَّابٌ !فَضَلَّ المُشرِكونَ عن طريقِ الحقِّ بضَربِ الأمثالِ الباطِلةِ المُتناقِضةِ لك، وتَحيَّروا فلم يَقدِروا أن يَسلُكوا طَريقًا يُخرِجُهم مِن هذا الضَّلالِ، ويُوصِلُهم إلى الحَقِّ

وَقَالُوا أَئِذَا كُنَّا عِظَامًا وَرُفَاتًا أَئِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقًا جَدِيدًا

وقال هؤلاءِ المُشرِكونَ الَّذين لا يُؤمِنونَ بالآخرةِ إنكارًا للبَعثِ يومَ القيامةِ: أئِذا صِرْنا عِظامًا وتُرابًا، وقد بَلِيَت أجسادُنا في قُبورِنا، فهل يَبعَثُنا اللهُ أحياءً مِن جديدٍ كما كنَّا قبل مَوتِنا؟! هذا أمرٌ مُحالٌ لا يُمكِنُ وُقوعُه

قُلْ كُونُوا حِجَارَةً أَوْ حَدِيدًا

قلْ -يا مُحمَّدُ- لهؤلاء المُنكِرينَ للبَعثِ: إنْ كُنتُم تَعجَبونَ مِن قُدرةِ اللهِ على إحيائِكم، فكُونوا -إن استطعتُم- حِجارةً أو حديدًا؛ فسيَبعَثُكم أيضًا

أَوْ خَلْقًا مِمَّا يَكْبُرُ فِي صُدُورِكُمْ فَسَيَقُولُونَ مَنْ يُعِيدُنَا قُلِ الَّذِي فَطَرَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ فَسَيُنْغِضُونَ إِلَيْكَ رُءُوسَهُمْ وَيَقُولُونَ مَتَى هُوَ قُلْ عَسَى أَنْ يَكُونَ قَرِيبًا

أو كُونوا -أيُّها المُنكِرونَ للبَعثِ- خَلْقًا مِمَّا يَعظُمُ في نُفوسِكم -إنِ استَطعتُم- مِمَّا تَستبعِدونَ معه قُدرةَ اللهِ على إحيائِكم؛ فاعلَمُوا أنَّه لا بُدَّ مِن بَعثِكم على أيِّ خِلقةٍ كنتُم، مهما بلَغَت مِنَ القوَّةِ والشِّدَّةِ، فسيَقولُ المُنكِرونَ للبَعثِ: مَن يَبعَثُنا بعدَ مَوتِنا إنْ كُنَّا حِجارةً أو حديدًا أو خَلقًا مِمَّا يَعظُمُ في نُفوسِنا؟! قُلْ لهم -يا مُحمَّدُ: سيُعيدُكم اللهُ الَّذي ابتدأَ خَلقَكم أوَّلَ مرَّةٍ مِن العَدَمِ على غيرِ مِثالٍ سبَقَ؛ فالَّذي قدَرَ على البُداءةِ قادِرٌ على الإعادةِ، فإذا أجبتَهم بذلك فسيُحَرِّكونَ إليك رُؤوسَهم برَفعٍ وخَفضٍ؛ استهزاءً منهم، ويقولُون تعنُّتًا واستِبعادًا منهم لوُقوعِه: متى يقَعُ هذا البَعثُ الَّذي تَزعُمُه؟ قل لهم: هو قريبٌ، سيأتيكم لا مَحالةَ؛ فاحذَروا ذلك

يَوْمَ يَدْعُوكُمْ فَتَسْتَجِيبُونَ بِحَمْدِهِ وَتَظُنُّونَ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا

وذلك البَعثُ الَّذي تُنكِرونَه -أيُّها المُشرِكونَ- واقِعٌ يومَ يَدعوكم ربُّكم للحِسابِ والجَزاءِ يومَ القيامةِ، فتَستَجيبونَ كُلُّكم لله بالخُروجِ فَورًا مِن قُبورِكم أحياءً، وتَنقادونَ لِدَعوتِه بحَمدِه، وتَظُنُّونَ -أيُّها النَّاسُ- حينَ تُبعَثونَ يومَ القيامةِ أنَّكم لم تَمكُثوا في الدنيا إلَّا وَقتًا يَسيرًا

وَقُلْ لِعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنْزَغُ بَيْنَهُمْ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلْإِنْسَانِ عَدُوًّا مُبِينًا

وقُلْ -يا مُحمَّدُ- آمِرًا عبادي المُؤمِنينَ بأن يَقولَ بَعضُهم لِبَعضٍ في مُحاوَراتِهم ومُخاطَباتِهم الكَلامَ الأحسَنَ؛ مِن الكَلِماتِ الطَّيِّبةِ اللَّيِّنةِ اللَّطيفةِ، الَّتي هي أحسَنُ مِمَّا سِواها؛ لأنَّ الشَّيطانَ البَعيدَ مِن الرَّحمةِ وكُلِّ خَيرٍ يقومُ بالإفسادِ بيْنَهم، وتَهييجِ العَداواتِ والشُّرورِ، مِن المُخاصَمةِ والمُقاتَلةِ وغَيرِ ذلك؛ لأنَّه كان لآدَمَ وذُرِّيَّتِه عَدُوًّا مُظهِرًا لشدَّةِ عَداوتِه

رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِكُمْ إِنْ يَشَأْ يَرْحَمْكُمْ أَوْ إِنْ يَشَأْ يُعَذِّبْكُمْ وَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ وَكِيلًا

ربُّكم أعلَمُ بمَن يَستَحِقُّ منكم الرَّحمةَ والهِدايةَ، ومَن لا يَستَحِقُّها، إنْ يَشَأْ رَحْمَتَكم بأنْ يُوَفِّقَكم لأسبابِها، تَهْتَدوا، أو إنْ يَشَأْ تَعذيبَكم بأنْ يَخذُلَكم عن أسبابِ الرَّحمةِ، تَضِلُّوا، وما أرسلناك -يا محمدُ- على مَن أرسلناك إليه؛ حافظًا وكفيلًا، فما وُكِل إليك إيمانُهم ولا مجازاتُهم، إنَّما أرْسَلناك إليهم؛ لتُبلِّغَهم رسالاتِنا

وَرَبُّكَ أَعْلَمُ بِمَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَقَدْ فَضَّلْنَا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلَى بَعْضٍ وَآَتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا

وربُّك -يا مُحَمَّدُ- أعلَمُ بمَن في السَّمَواتِ ومَن في الأرضِ مِن خَلْقِه، فيَعلَمُ جميعَ شؤونِهم، ويَعلَمُ مَن يَستَحِقُّ الرَّحمةَ منهم فيَهديه، ومَن يَستَحِقُّ منهم العَذابَ فيُضِلُّه، وذلك بحسَبِ ما تَقتَضيه حِكمَتُه سُبحانَه، ولقد فضَّلْنا بعضَ الأنبياءِ على بَعضٍ، كتَفضيلِهم بالعِلمِ والكُتُبِ، والشَّرائِعِ والمُعجِزاتِ والخَصائِصِ، وأعطَيْنا نَبِيَّنا داوُدَ كِتابَ الزَّبورِ وفضَّلْناه به؛ فليس للمُكَذِّبينَ بمُحَمَّدٍ أن يُنكِروا تَفضِيلَنا له بالنُّبُوَّةِ والقُرآنِ

قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلَا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ وَلَا تَحْوِيلًا

قُلْ -يا مُحَمَّدُ- للمُشرِكينَ: ادعُوا الَّذين زَعَمتُم أنَّهم آلهةٌ مِن دُونِ اللهِ عندَ حُلولِ الشَّدائِدِ بكم، فانظُروا هل يَقدِرونَ على أن يُزيلُوا الضُّرَّ عنكم بالكُلِّيَّةِ، أو يُحَوِّلوه مِن حالٍ إلى حالٍ، فيُغيِّروا صفتَه أو قدرَه، أو يُحَوِّلوه إلى غَيرِكم؟! فإنَّهم لا يَقدِرونَ على ذلك، وإنَّما يَقدِرُ عليه اللهُ وَحْدَه، فإذا كانوا بهذه الصِّفةِ فلأيِّ شَيءٍ تَدْعونَهم مِن دُونِ اللهِ؟!

أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا

أولئك الَّذين يَزعُمُ المُشرِكونَ أنَّهم آلِهةٌ مِن دُونِ اللهِ، مِن المَلائِكةِ والأنبياءِ، والصَّالحينَ مِن الإنسِ والجِنِّ، هم أنفُسُهم يَطلُبُونَ التَّقَرُّبَ إلى اللهِ بطاعَتِه مِن الواجِباتِ والمُستَحَبَّاتِ، ويَدْعونَه ويَستَعيذونَ به وَحْدَه، ويَتنافَسونَ في عبادتِه والاجتهادِ في طاعتِه مُنافَسةَ مَن يَطلُبُ أن يكونَ إليه أقرَبَ مِن الآخَرينَ، ويَرجُونَ رحمةَ الله، ويخافونَ عَذابَه، فكيف يَعبُدُهم المُشرِكونَ، وتلك هي حالُهم؟! إنَّ عذابَ ربِّك -يا مُحمَّدُ- كان مُتَّقًى مَخُوفًا، ينبغي مُلازَمةُ الحَذَرِ مِن الوُقوعِ في أسبابِه

وَإِنْ مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا نَحْنُ مُهْلِكُوهَا قَبْلَ يَوْمِ الْقِيَامَةِ أَوْ مُعَذِّبُوهَا عَذَابًا شَدِيدًا كَانَ ذَلِكَ فِي الْكِتَابِ مَسْطُورًا

وما مِن قَريةٍ مِن القُرَى إلَّا سنُهلِكُ أهلَها بعذابِ الاستِئصالِ قبلَ وُقوعِ يومِ القيامةِ، أو نعَذِّبُهم عذابًا شَديدًا بتَسليطِ عَدُوٍّ عليهم، أو بإصابتِهم بالجُوعِ أو بالخَوفِ أو بالأمراضِ وغَيرِها؛ وذلك بسَببِ كُفرِهم أو عِصيانِهم، إنَّ هذا الهَلاكَ أو التعذيبَ أمرٌ مَكتوبٌ في اللَّوحِ المحفوظِ، لا بُدَّ مِن وُقوعِه لا محالةَ

وَمَا مَنَعَنَا أَنْ نُرْسِلَ بِالْآَيَاتِ إِلَّا أَنْ كَذَّبَ بِهَا الْأَوَّلُونَ وَآَتَيْنَا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً فَظَلَمُوا بِهَا وَمَا نُرْسِلُ بِالْآَيَاتِ إِلَّا تَخْوِيفًا

وما منَعَنا أن نأتيَ بالآياتِ الَّتي يقتَرِحُها كُفَّارُ قَومِك -يا مُحمَّدُ- إلَّا تكذيبُ الأوَّلينَ بها بعدَ أنْ سألوها، فعَجَّلْنا بهلاكِهم، فإذا كذَّبَ بها قَومُك استحَقُّوا ما استحَقَّه أولئك مِن الهلاكِ والعذابِ، وآتَينا ثمودَ النَّاقةَ آيةً وحُجَّةً واضِحةً مُوجِبةً للتَّبصُّرِ واليقينِ، ودالَّةً على وحدانيَّةِ الله تعالى وقُدرتِه، وصِدقِ رَسولِه صالحٍ عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ، فكَفَروا باللهِ، ووقَعوا في الظُّلمِ بقَتلِها، فأهلكناهم !وما نُرسِلُ بالآياتِ الموجبةِ للعِبَرِ والعِظاتِ إلَّا تَخويفًا للعبادِ؛ ليُؤمِنوا، ويرتَدِعوا عمَّا هم عليه

وَإِذْ قُلْنَا لَكَ إِنَّ رَبَّكَ أَحَاطَ بِالنَّاسِ وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْآَنِ وَنُخَوِّفُهُمْ فَمَا يَزِيدُهُمْ إِلَّا طُغْيَانًا كَبِيرًا

وإذْ قُلْنا لك -يا محمَّدُ-: إنَّ رَبَّك مُحيطٌ بالنَّاسِ بقُدرتِه وعِلمِه؛ فهم في قَبضتِه، وتحتَ مَشيئتِه، واللهُ يعصِمُك منهم حتَّى تبَلِّغَ رِسالتَه؛ فلا تَخشَ منهم أحدًا، وامضِ لِما أمَرْناك به مِن تبليغِ رِسالتِنا، وما جعَلْنا رُؤيا عَينيك الَّتي أريناكَ ليلةَ الإسراءِ والمعراجِ مِن العَجائِبِ إلَّا اختِبارًا للنَّاسِ؛ ليتبيَّنَ مَن يُصَدِّقُك ومَن يُكَذِّبُك، وما جعَلْنا الشَّجَرةَ الملعونةَ في القُرآنِ -وهي شَجرةُ الزَّقُّومِ النَّابتةُ في الجَحيمِ- إلَّا اختِبارًا للنَّاسِ أيضًا؛ ليتبيَّنَ مَن يُصَدِّقُ بها، ومَن يكَذِّبُ ويَستهزِئُ بها، ونُخوِّفُ المُشرِكين بما نتوعَّدُهم به مِن العَذابِ، فما يَزيدُهم تخويفُنا لهم إلَّا تماديًا في الكُفرِ والضَّلالِ !

وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآَدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ قَالَ أَأَسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ طِينًا

واذكُرْ -يا مُحمَّدُ- حين قُلْنا للمَلائِكةِ: اسجُدوا لآدَمَ، فسجَدَ الملائِكةُ كُلُّهم له إلَّا إبليسَ، عصَى أمْرَ اللهِ فلم يَسجُدْ؛ حَسَدًا له وكِبْرًا، وقال مُخاطِبًا ربَّه باستِنكارٍ: أتأمُرُني أن أسجُدَ لِمَن خَلقْتَه مِن طِينٍ؟!

قَالَ أَرَأَيْتَكَ هَذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ لَئِنْ أَخَّرْتَنِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلَّا قَلِيلًا

قال إبليسُ مُخاطِبًا ربَّه بكُلِّ جُرأةٍ: أخبِرْني أهذا هو الَّذي فضَّلْتَه علَيَّ؟ فلِمَ تأمُرُني بالسُّجودِ له وأنا خَيرٌ منه؟! أُقسِمُ بك لَئِنْ أخَّرْتَ إهلاكي إلى يومِ القيامةِ لأَستولِينَّ على ذرِّيَّةِ آدَمَ، فأُضِلَّنَّهم عن طريقِ الحَقِّ، وأقودَنَّهم إلى حيثُ أشاءُ مِن طُرُقِ الباطلِ، إلَّا قليلًا منهم

قَالَ اذْهَبْ فَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ فَإِنَّ جَهَنَّمَ جَزَاؤُكُمْ جَزَاءً مَوْفُورًا

قال اللهُ لإبليسَ: اذهَبْ فقد أخَّرتُ إهلاكَك، فمَن أطاعَك مِنْ ذُرِّيةِ آدَمَ فإنَّ جهنَّمَ جزاؤُكم على أعمالِكم جزاءً مُتمَّمًا، مُكمَّلًا، لا نَقْصَ فيه

وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ وَأَجْلِبْ عَلَيْهِمْ بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ وَشَارِكْهُمْ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَولَادِ وَعِدْهُمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا

قال اللهُ تعالى لإبليسَ: واستَخِفَّ وأزعِجْ -يا إبليسُ- مَن استطَعْتَ أن تَستخِفَّه مِن بني آدَمَ بدُعائِك لهم إلى مَعصيةِ اللهِ، واجمَعْ على بني آدَمَ جُنودَك -الرُّكْبانَ منهم والمُشاةَ- الَّذين يَدْعُونَهم إلى مَعصيةِ اللهِ، فيَحمِلوا عليهم بكُلِّ ما يَقدِرونَ عليه مِن وَسائِلِ الفِتنةِ والكَيدِ لإضلالِهم، ولْيكُنْ لك نَصيبٌ معهم في كُلِّ مالٍ أو ولَدٍ تعَلَّقَت به مَعصيةُ اللهِ عزَّ وجلَّ، وعِدْهم بالوُعودِ الكاذِبةِ، وما يَعِدُهم الشَّيطانُ إلَّا أمانيَّ باطلةً في الحَقيقةِ

إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ وَكَفَى بِرَبِّكَ وَكِيلًا

إنَّ عبادي الصَّالحينَ الَّذين يَعبُدونَني وَحْدي مُخلِصينَ لي الدِّينَ، ليس لك عليهم -يا إبليسُ- تَسَلُّطٌ ولا حُجَّةٌ، ولا تَستطيعُ إغواءَهم أو إضلالَهم؛ فاللهُ يَحفَظُهم ويَحرُسُهم ويُؤَيِّدُهم، وكفى برَبِّك -يا مُحمَّدُ- حافِظًا مِن كَيدِ الشَّياطينِ ومَكْرِهم، وناصِرًا ومُؤَيِّدًا للمُتوَكِّلينَ

رَبُّكُمُ الَّذِي يُزْجِي لَكُمُ الْفُلْكَ فِي الْبَحْرِ لِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ إِنَّهُ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا

ربُّكم هو وَحْدَه الَّذي يَسوقُ لكم السُّفُنَ في البَحرِ؛ لِتَطلُبوا برُكوبِها الرِّزقَ مِن اللهِ بالتِّجارةِ، وطَلَبِ المَعاشِ؛ لأنَّه رَحيمٌ بكم

وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ فَلَمَّا نَجَّاكُمْ إِلَى الْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ وَكَانَ الْإِنْسَانُ كَفُورًا

وإذا أصابَتْكم الشِّدَّةُ في البَحرِ -كما لو اشتَدَّت عليكم الرِّيحُ، وهاجَت بكم الأمواجُ واضطَرَبت، وخَشِيتُم الغَرَقَ- غاب عن قُلوبِكم كلُّ مَن تَدْعونَهم مِن دُونِ اللهِ، ولم تَستغيثوا إلَّا باللهِ وَحْدَه؛ لعِلْمِكم بأنَّه لا يُنَجِّيكم أحدٌ سِواه، فلمَّا نجَّاكم، وأوصَلَكم إلى البَرِّ؛ أعرَضْتُم عن شُكرِه وتَوحيدِه، والإخلاصِ له سُبحانَه !وكان الإنسانُ مَطبوعًا على الجُحودِ لنِعَمِ اللهِ عليه؛ فهذه سَجِيَّتُه إلَّا مَن عَصَمَه اللهُ تعالى

أَفَأَمِنْتُمْ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمْ جَانِبَ الْبَرِّ أَوْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا ثُمَّ لَا تَجِدُوا لَكُمْ وَكِيلًا

أفأمِنْتُم أن يجعَلَ اللهُ الأرضَ تَنهارُ بكم في جانِبِ البَرِّ إنْ خَرَجتُم مِن البَحرِ سالِمينَ؟ فهو قادِرٌ على إهلاكِكم سواءٌ في البَحرِ أو في البَرِّ، أوْ أمِنْتُم أن يُرسِلَ اللهُ عليكم حِجارةً مِن السَّماءِ فيُمطِرَكم بها، فيُهلِكَكم؟ ثمَّ لا تَجِدوا لكم ناصِرًا يَدفَعُ عنكم العَذابَ، ويُنقِذُكم منه

أَمْ أَمِنْتُمْ أَنْ يُعِيدَكُمْ فِيهِ تَارَةً أُخْرَى فَيُرْسِلَ عَلَيْكُمْ قَاصِفًا مِنَ الرِّيحِ فَيُغْرِقَكُمْ بِمَا كَفَرْتُمْ ثُمَّ لَا تَجِدُوا لَكُمْ عَلَيْنَا بِهِ تَبِيعًا

أم أمِنْتُم -يا مَن أعرَضْتُم عن توحيدِ اللهِ، وإخلاصِ الدِّينِ له، بَعدَما اعترَفْتُم بذلك في البَحرِ فأنقَذَكم- أن يَرجِعَكم اللهُ في البَحرِ مرَّةً أخرى؟ فيُرسِلَ اللهُ عليكم في البَحرِ رِيحًا شَديدةً تَكسِرُ سُفُنَكم، فيُغرِقَكم بسبَبِ كُفرِكم باللهِ، وإعراضِكم عنه؟ ثمَّ لا تَجِدوا لكم تابِعًا يثأرُ لكم، ويُطالِبُنا بما فعَلْنا بكم

وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آَدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا

ولقد شَرَّفْنا بني آدَمَ قاطِبةً بَرَّهم وفاجِرَهم بأنواعِ الشَّرَفِ والمحاسِنِ الكَثيرةِ، والنِّعَمِ الظَّاهرةِ والباطِنةِ الَّتي لا يُمكِنُ لهم حَصرُها، وحَمَلْناهم في البَرِّ على ظُهورِ الدَّوابِّ وغَيرِها مِن المَراكِبِ، وفي البَحرِ على ظُهورِ السُّفُنِ والقَوارِبِ، ورَزَقْنا بني آدَمَ مِن سَائِرِ مَا يستلِذُّونَه وينتَفِعونَ به، كأنواعِ المآكلِ والمشارِبِ، وفضَّلْنا بني آدَمَ على كثيرٍ مِن المخلوقاتِ تَفضيلًا عَظيمًا

يَوْمَ نَدْعُوا كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ فَمَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَأُولَئِكَ يَقْرَءُونَ كِتَابَهُمْ وَلَا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا

اذكُرْ يومَ القيامةِ حينَ نُنادي كُلَّ قَومٍ بإمامِهم في الدُّنيا، فمَن أُعطِيَ كتابَ أعمالِه بيَدِه اليمنى، فأولئك يَقرؤونَ كِتابَهم هذا بفَرَحٍ وسُرورٍ؛ لِما يَرَونَ فيه مِن أعمالِهم الصَّالحةِ الَّتي عَمِلوها في الدُّنيا، ولا يَنقُصُهم اللهُ مِن جَزاءِ أعمالِهم الصَّالحةِ شَيئًا، ولو كان يَسيرًا في غايةِ القِلَّةِ والحَقارةِ، كالخَيطِ الَّذي في شَقِّ نَواةِ التَّمرةِ

وَمَنْ كَانَ فِي هَذِهِ أَعْمَى فَهُوَ فِي الْآَخِرَةِ أَعْمَى وَأَضَلُّ سَبِيلًا

ومَن كان في هذه الدُّنيا أعمى القَلبِ لا يُبصِرُ الحَقَّ ؛ فهو في الدَّارِ الآخرةِ أعمى وأضَلُّ طريقًا

وَإِنْ كَادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ لِتَفْتَرِيَ عَلَيْنَا غَيْرَهُ وَإِذًا لَاتَّخَذُوكَ خَلِيلًا

وقد قارَبَ كُفَّارُ قَومِك -يا مُحمَّدُ- أن يُزيغُوك بحِيَلِهم عن القُرآنِ الَّذي أوحَيناه إليك؛ كي تختَلِقَ علينا غَيرَه، فتَجيءَ بما يُوافِقُ أهواءَهم، ولو فعَلْتَ ما دعاك إليه قَومُك من مخالفةِ القُرآنِ، واتِّباعِ أهوائِهم؛ لجَعَلوك حَبيبًا ووَلِيًّا وصَفِيًّا لهم

وَلَوْلَا أَنْ ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا

ولولا أن ثبَّتْناك -يا مُحَمَّدُ- على الحَقِّ، وعَصَمْناك مِنَ الانخداعِ بحِيَلِ قَومِك الكُفَّارِ؛ لَقارَبْتَ أن تَميلَ إليهم شَيئًا قَليلًا، فتفعَلَ بعضَ الَّذي سألوك فِعْلَه

إِذًا لَأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ ثُمَّ لَا تَجِدُ لَكَ عَلَيْنَا نَصِيرًا

لو رَكَنْتَ قليلًا إلى المُشرِكينَ -يا مُحَمَّدُ- ففَعَلْتَ بعضَ ما سألوك، لَأذقْناك عَذابًا مُضاعَفًا في الحياةِ الدُّنيا وفي الآخِرةِ، ثمَّ لا تَجِدُ لك ناصِرًا يَنصُرُك ويَمنَعُك مِن عذابِنا

وَإِنْ كَادُوا لَيَسْتَفِزُّونَكَ مِنَ الْأَرْضِ لِيُخْرِجُوكَ مِنْهَا وَإِذًا لَا يَلْبَثُونَ خِلَافَكَ إِلَّا قَلِيلًا

ولقد قارَبَ هؤلاء المُشرِكونَ أن يُزعِجوك ويَستَخِفُّوك مِن مَكَّةَ -يا مُحَمَّدُ- بكَثرةِ إيقاعِ الأذَى بك؛ لِيُخرِجوك منها، ولو أخرَجَك قَومُك مِن مَكَّةَ، فلن يَبْقوا فيها بَعدَك إلَّا قَليلًا حتَّى يُهلِكَهم اللهُ بعَذابٍ عاجِلٍ

سُنَّةَ مَنْ قَدْ أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنْ رُسُلِنَا وَلَا تَجِدُ لِسُنَّتِنَا تَحْوِيلًا

لن يَبقوا بعدَك إلَّا قليلًا حتَّى نُهلِكَهم بعذابِنا، كما هي عادَتُنا في إهلاكِ الأُمَمِ الكافرةِ الَّتي أرسَلْنا إليهم رُسُلًا مِن قَبلِك، فآذَوْهم، وأخرَجوهم مِن بلادِهم، ولا تَجِدُ -يا مُحَمَّدُ- تغييرًا عمَّا جَرَت به عادتُنا، ولا يَقدِرُ أحَدٌ على تَغييرِها

أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآَنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآَنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا

أدِّ -يا مُحَمَّدُ- الصَّلَواتِ المَكتوباتِ على وَجهِ التَّمامِ بجَميعِ أركانِها وشُروطِها، في أوقاتِها؛ مِن مَيلِ الشَّمسِ للزَّوالِ -فيَدخُلُ في ذلك صَلاتا الظُّهرِ والعَصرِ- إلى إقبالِ الظَّلامِ واجتِماعِه، ويدخُلُ في ذلك صلاتا المَغرِبِ والعِشاءِ، وأقِمْ صَلاةَ الفَجرِ، إنَّ صَلاةَ الفَجرِ مَحضورةٌ؛ تَشهَدُها مَلائِكةُ اللَّيلِ، ومَلائِكةُ النَّهارِ

وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا

ومِن بَعضِ اللَّيلِ قُمْ -يا مُحَمَّدُ- مِن نَومِك فصَلِّ بالقُرآنِ؛ زيادةً لك، افعَلْ هذا الذي أمَرْتُك به فيَبعَثَك ربُّك يومَ القيامةِ شَفيعًا في أهلِ المَوقِفِ، فيَحمَدَك الأوَّلونَ والآخِرونَ

وَقُلْ رَبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ وَاجْعَلْ لِي مِنْ لَدُنْكَ سُلْطَانًا نَصِيرًا

وقُلْ -يا مُحَمَّدُ- رَبِّ اجعَلْ دُخولي المدينةَ وكُلَّ ما أدخُلُ فيه، مُدخَلًا حَسَنًا، وفِّقْني فيه لِمَرْضاتِك، واجعَلْ خُروجي مِن مَكَّةَ وكُلِّ ما أخرُجُ منه، مُخرَجًا حَسَنًا مَرضِيًّا تُوَفِّقُني فيه لطاعَتِك، واجعَلْ لي -يا رَبِّ- مِن عِندِك حُجَّةً بَيِّنةً، ومُلكًا وسُلطةً وغلبةً تُظهِرُ بها ديني، وتَنصُرُني بها على مَن عاداني

وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا

وقُلْ -يا مُحَمَّدُ: جاء الحَقُّ مِن عندِ اللهِ وثَبَت، وذهَبَ الباطِلُ المُخالِفُ لِشَرعِ اللهِ واضمَحَلَّ، إنَّ الباطِلَ ذاهبٌ، لا بقاءَ له عند مجيءِ الحَقِّ

وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآَنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلَا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَارًا

ونُنَزِّلُ مِن القُرآنِ ما هو شِفاءٌ لِما في قُلوبِ المُؤمِنينَ مِن الشُّبُهاتِ والشَّهَواتِ، وشِفاءٌ لِما في أبدانِهم مِن الأمراضِ، ورحمةٌ للمؤمنينَ العامِلينَ بما فيه، يكونُ سببَ نجاتِهم مِن العذابِ، ودُخولِهم الجنَّةَ، ولا يَزيدُ القُرآنُ الظَّالِمينَ أنفُسَهم بالكُفرِ إلَّا هَلاكًا؛ فلا يَزيدُهم سَماعُ القُرآنِ إلَّا بُعدًا عن الحَقِّ، وكُفرًا؛ وذلك بسَبَبِ تَكذيبِهم به؛ وإعراضِهم عنه

وَإِذَا أَنْعَمْنَا عَلَى الْإِنْسَانِ أَعْرَضَ وَنَأَى بِجَانِبِهِ وَإِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ كَانَ يَئُوسًا

وإذا أنعَمْنا على الإنسانِ بنِعمةٍ -كرِزقٍ أو نَصرٍ، أو صِحَّةٍ أو فَرَجٍ- أعرَضَ عن عبادةِ اللهِ وشُكرِه، وذِكرِه، وابتعَدَ عن طاعةِ رَبِّه، فلم يمتَثِلْ أمْرَه، ولم يجتَنِبْ نَهْيَه !وإذا أصاب الإنسانَ الضُّرُّ -كفَقرٍ أو مرضٍ أو بُؤسٍ- كان قانِطًا مِن الفَرَجِ بعدَ الشِّدَّةِ، يائِسًا مِن رَحمةِ رَبِّه سُبحانَه

قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلَى شَاكِلَتِهِ فَرَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَنْ هُوَ أَهْدَى سَبِيلًا

قُلْ -يا مُحَمَّدُ- للنَّاسِ: كُلُّ إنسانٍ يعمَلُ على وَفقِ نِيَّتِه، وبحَسَب طريقَتِه التي تَليقُ به، وتُناسِبُ أخلاقَه وطَبيعَتَه، ومَذهَبَه وعادَتَه الَّتي ألِفَها، فرَبُّكم -أيُّها النَّاسُ- أعلَمُ بالمُؤمِنِ والكافِرِ منكم، ومَن هو أهدى طريقًا إلى الحَقِّ مِن غَيرِه، وسيُجازي كلَّ عامِلٍ بعَمَلِه

وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا

ويسألُك الكُفَّارُ -يا مُحمَّدُ- عن ماهِيَّةِ الرُّوحِ الَّتي بها الحياةُ؛ ما حَقيقتُها؟ قُلْ لهم: الرُّوحُ مِن شَأنِ رَبِّي، استأثَرَ بعِلمِها؛ فهو الَّذي خَلَقها، ولا يعلَمُ حَقيقَتَها أحدٌ غيرُ الله، وما آتاكم اللهُ -أيُّها النَّاسُ- مِن العِلمِ إلَّا شَيئًا قَليلًا ممَّا يَعلَمُه سُبحانَه

وَلَئِنْ شِئْنَا لَنَذْهَبَنَّ بِالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ ثُمَّ لَا تَجِدُ لَكَ بِهِ عَلَيْنَا وَكِيلًا

وأُقسِمُ -يا مُحمَّدُ- لَئِنْ أرَدْنا لنُزيلَنَّ القُرآنَ الَّذي أوحَيناه إليك مِن قَلْبِك، فلا يبقَى منه شَيءٌ مَحفوظٌ في الصُّدورِ ولا مَكتوبٌ في السُّطورِ؛ فكما قَدَرْنا على إنزالِه نَقدِرُ على إذهابِه، ثمَّ لا تَجِدُ لك ناصِرًا يَنصُرُك فيَمنَعُنا مِن إزالةِ القُرآنِ مِن صَدرِك، أو يَقومُ برَدِّه إليك بعدَ ذَهابِه عنك

إِلَّا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ إِنَّ فَضْلَهُ كَانَ عَلَيْكَ كَبِيرًا

لكِنَّ رَبَّك -يا مُحمَّدُ- لا يشاءُ أن يُذهِبَ القُرآنَ مِن صَدرِك رَحمةً منه بك وبِعبادِه؛ لأنَّ فَضلَ اللهِ عليك كان فَضلًا عَظيمًا في الدُّنيا والآخرةِ، فلا يَحرِمُك الفَضلَ الَّذي أوحاه إليك

قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآَنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا

قُلْ -يا مُحمَّدُ: لو اتَّفَق جميعُ الإنسِ والجِنِّ على أن يأتُوا بمِثلِ هذا القُرآنِ في بلاغَتِه، وحُسنِ نَظْمِه، وكَمالِ مَعانيه؛ لَما أطاقوا ذلك وما استَطاعوه، ولو تعاوَنَوا وتناصَروا على ذلك

وَلَقَدْ صَرَّفْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآَنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلَّا كُفُورًا

ولقد بيَّنَّا ونوَّعْنا للنَّاسِ في هذا القُرآنِ الحُجَجَ والبَراهينَ، والمواعِظَ والأمثالَ، والقَصَص والعِبَرَ؛ ليتذَكَّروا ويَتَّقوا، فلم يَرْضَ أكثَرُ النَّاسِ إلَّا الكُفرَ بالحَقِّ، والجُحودَ لهذه النِّعمةِ العُظمَى، فجحَدوا بما في القُرآنِ، ورَدُّوا الهُدى، واقتَرَحوا مِن الآياتِ ما ليس لهم!

وَقَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعًا

وقال مُشرِكو قُرَيشٍ: لن نُصَدِّقَك -يا مُحمَّدُ- فيما تقولُ حتَّى تَفجُرَ لنا مِن أرضِ مَكَّةَ المُجدِبةِ عَينًا تَنبُعُ بمِياهٍ جاريةٍ غَزيرةٍ

أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَعِنَبٍ فَتُفَجِّرَ الْأَنْهَارَ خِلَالَهَا تَفْجِيرًا

أو يكونَ لك في مَكَّةَ -يا مُحمَّدُ- بُستانٌ مِن أشجارِ النَّخيلِ والعِنَبِ، فتُجري الأنهارَ وسْطَ ذلك البستانِ بقوَّةٍ

أَوْ تُسْقِطَ السَّمَاءَ كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفًا أَوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ قَبِيلًا

أو تُسقِطَ السَّماءَ علينا قِطَعًا كما وعَدْتَنا، فعَجِّلْ لنا هذا العذابَ حتَّى نُصدِّقَك !أو تأتيَ -يا مُحمَّدُ- باللهِ والمَلائكةِ، فنُقابِلَهم ونَراهم عِيانًا !

أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِنْ زُخْرُفٍ أَوْ تَرْقَى فِي السَّمَاءِ وَلَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنَا كِتَابًا نَقْرَؤُهُ قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنْتُ إِلَّا بَشَرًا رَسُولًا

أو يَكونَ لك بَيتٌ مِن ذهَبٍ، كاملُ الحُسنِ والزِّينةِ، أو تَصعَدَ في السَّماءِ درجةً درجةً، ونحن ننظرُ إليك، ولن نُؤمِنَ -يا مُحمَّدُ- بأنَّك رَسولُ الله؛ بمجَرَّدِ صُعودِك في السَّماءِ حتَّى تُنَزِّلَ علينا كِتابًا مِن عندِ اللهِ نَقرأُ فيه أمْرَنا باتِّباعِك والإيمانِ بك! قُلْ -يا مُحمَّدُ- لهؤلاءِ المُشرِكينَ: أُنزِّهُ ربِّي عن كُلِّ ما لا يَليقُ به مِن النَّقصِ والعَجزِ، ومِن ذلك تَنزيهُه عن العَجزِ عن فِعلِ ما اقتَرَحتُم؛ فهو قادِرٌ على كُلِّ شَيءٍ، إن شاء أجابَكم إلى ما سألتُم، وإن شاءَ لم يُجبْكم، فما أنا إلَّا بَشَرٌ مِثلُكم، ليس في قُدرتِي الإتيانُ بتلك الآياتِ الَّتي تَطلُبونَها، فلا يأتي بها إلَّا اللهُ وحْدَه، وما أنا إلَّا رَسولٌ منه إليكم، وقد بلَّغتُكم رسالتَه

وَمَا مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا إِذْ جَاءَهُمُ الْهُدَى إِلَّا أَنْ قَالُوا أَبَعَثَ اللَّهُ بَشَرًا رَسُولًا

وما مَنعَ الكُفَّارَ أن يُؤمِنوا بالحَقِّ حينَ جاءَهم الهُدى مِن عِندِ اللهِ إلَّا قَولُهم -جَهْلًا منهم على وجهِ التَّعَجُّبِ والاستِغرابِ-: أأَرسَلَ اللهُ إلينا بما لَه مِن العَظَمةِ والجَلالِ بَشَرًا مِثْلَنا؟! فهلَّا بعَث إلينا ملَكًا رَسولًا!

قُلْ لَوْ كَانَ فِي الْأَرْضِ مَلَائِكَةٌ يَمْشُونَ مُطْمَئِنِّينَ لَنَزَّلْنَا عَلَيْهِمْ مِنَ السَّمَاءِ مَلَكًا رَسُولًا

قُلْ -يا مُحمَّدُ- لهؤلاء الكافِرينَ الَّذين امتَنَعوا عن الإيمانِ بك؛ استِنكارًا منهم لِأَنْ يَبعَثَ اللهُ بَشرًا رَسولًا: لو كان في الأرضِ مَلائِكةٌ يَمشُونَ عليها كالآدَميِّينَ، ويَسكُنونَها وادِعينَ فيها ومُستَقِرِّينَ؛ لَأرسَلْنا إليهم مِنَ السَّماءِ مَلَكًا مِن جِنسِهم ليُمكِنَهم مُخالطتُه ورُؤيتُه، ويتيسَّرَ لهم مُعاشَرتُه والتَّلقِّي عنه، وفَهْمُ حَديثِه، كما تَقتَضيه الحِكمةُ

قُلْ كَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ إِنَّهُ كَانَ بِعِبَادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا

قُلْ لهم- يا مُحمَّدُ: يكفيني اللهُ شاهِدًا علَيَّ وعليكم، وهو يعلَمُ صِدقي، ويُؤَيِّدُني بالمُعجِزاتِ، ويُنَزِّلُ علَيَّ الآياتِ، ويَنصُرُني على مَن عاداني، ولو كُنتُ كاذِبًا عليه لَانتَقَمَ مني، ويكفي اللهُ شاهِدًا على ذلك؛ لأنَّه خَبيرٌ بأحوالِ عِبادِه وأعمالِهم ونيَّاتِهم، بصيرٌ بهم، وسيُجازيهم جميعًا على أعمالِهم خَيرِها وشَرِّها

وَمَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِهِ وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى وُجُوهِهِمْ عُمْيًا وَبُكْمًا وَصُمًّا مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ كُلَّمَا خَبَتْ زِدْنَاهُمْ سَعِيرًا

ومَن يَهْدِه اللهُ فيُوفِّقْه للإيمانِ به وبِرَسولِه وبما جاء به، فهو المُهتَدي حَقًّا، ومَن يُضلِلْه اللهُ عن الحَقِّ، فيَخذُلْه عن الإيمانِ باللهِ ورَسولِه، فلن تَجِدَ لهم -يا مُحمَّدُ- ناصِرينَ مِن دونِ اللهِ يُنقِذونَهم مِن عذابِه، ويَهدونَهم إلى الحَقِّ، ونجمَعُ الضَّالِّينَ يومَ القيامةِ وهم يَمشُونَ على وُجوهِهم عُمْيًا لا يُبصِرونَ، وبُكْمًا لا يتكَلَّمونَ، وصُمًّا لا يَسمَعونَ، مَقَرُّ الضَّالِّينَ ومَنزِلُهم جَهنَّمُ، كُلَّما سكَنَ لَهيبُ نارِ جَهنَّمَ في أجسامِ الكافِرينَ، وتهَيَّأَت للانطِفاءِ، زِدْناهم نارًا تتلَهَّبُ وتتأجَّجُ في أجسامِهم

ذَلِكَ جَزَاؤُهُمْ بِأَنَّهُمْ كَفَرُوا بِآَيَاتِنَا وَقَالُوا أَئِذَا كُنَّا عِظَامًا وَرُفَاتًا أَئِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقًا جَدِيدًا

ذلك العذابُ جزاؤُهم بسَبَبِ كُفرِهم في الدُّنيا بحُجَجِنا وأدِلَّتِنا، ولم يَظلِمْهم اللهُ سُبحانَه، بل جازاهم بما يستَحِقُّونَ، وبسَبَبِ قَولِهم إنكارًا لوُقوعِ بَعْثِهم يومَ القيامةِ: أئِذا صِرْنا في قُبورِنا عِظامًا باليةً وتُرابًا، هل سيَبعَثُنا اللهُ بعدَ مَوتِنا خَلقًا جديدًا؟!

أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ قَادِرٌ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ وَجَعَلَ لَهُمْ أَجَلًا لَا رَيْبَ فِيهِ فَأَبَى الظَّالِمُونَ إِلَّا كُفُورًا

أولَمْ يَنظُرْ هؤلاء المُنكِرونَ للبَعثِ فيَعلَموا أنَّ اللهَ الَّذي خلقَ السَّمَواتِ والأرضَ، وابتَدَعَها من العَدَمِ بقُدرتِه، على غيرِ مِثالٍ سابقٍ -وهي أعظَمُ منهم- قادِرٌ أيضًا على إعادةِ خَلقِهم بعدَ فَناءِ أجسادِهم؟! فالقادِرُ على خَلْقِ ما هو أكبَرُ وأعظَمُ منكم أقدَرُ على خَلْقِكم بلا شَكٍّ، وجعَلَ اللهُ لِمَوتِ المُشرِكينَ وبَعْثِهم يومَ القيامةِ وَقتًا مُحَدَّدًا لا شَكَّ في مَجيئِه، فأبى المُشرِكونَ إلَّا جُحودًا وتَكذيبًا بوُقوعِ البعثِ، وجُحودًا لنِعمَتِه عليهم، وتَمادِيًا في عبادةِ غَيرِه

قُلْ لَوْ أَنْتُمْ تَمْلِكُونَ خَزَائِنَ رَحْمَةِ رَبِّي إِذًا لَأَمْسَكْتُمْ خَشْيَةَ الْإِنْفَاقِ وَكَانَ الْإِنْسَانُ قَتُورًا

قُلْ -يا مُحَمَّدُ- لهؤلاء المُشرِكينَ: لو أنَّكم تَملِكونَ ما يَملِكُه اللهُ مِن خزائِنِ الرِّزقِ، إذَنْ لأمسَكْتُم عن أن تُعطُوا منها لأحَدٍ شَيئًا؛ خَشيةً مِن الإنفاقِ لشِدَّةِ بُخلِكم، وخَوفِكم مِن الفَقرِ لنَفادِ الخَزائِنِ، مع أنَّها لا تَنفَدُ أبدًا !وكان الإنسانُ بخيلًا مُمسِكًا مُضيِّقًا، قد طُبِع على البخلِ والشُّحِّ

وَلَقَدْ آَتَيْنَا مُوسَى تِسْعَ آَيَاتٍ بَيِّنَاتٍ فَاسْأَلْ بَنِي إِسْرَائِيلَ إِذْ جَاءَهُمْ فَقَالَ لَهُ فِرْعَوْنُ إِنِّي لَأَظُنُّكَ يَا مُوسَى مَسْحُورًا

ولقد آتَينا موسَى تِسعَ مُعجِزاتٍ واضِحاتٍ، ودَلائِلَ قاطِعاتٍ، تُبَيِّنُ صِدْقَه، وصِحَّةَ نُبُوَّتِه؛ فلم يُؤمِنْ فِرعونُ ولا قَومُه برِسالةِ موسى، معَ كثرةِ هذه المعجزاتِ الَّتي أُوتِيَها، فكذلك لو أجَبْنا هؤلاء الَّذين سألوك -يا مُحَمَّدُ- تلك الآياتِ المقترحةَ لَما استجابوا ولا آمَنوا إلَّا أن يشاءَ اللهُ، فلَسْتَ بأوَّلِ رَسولٍ كذَّبَه النَّاسُ !فاسألْ -يا مُحمَّدُ- اليَهودَ المُعاصِرينَ لك حينَ جاء آباءَهم الأقدمينَ مُوسَى بالهُدى والآياتِ البَيِّناتِ، فقال فرعَونُ لِمُوسى عِنادًا ومُكابَرةً: إنِّي لأظُنُّك -يا موسى- قد سُحِرتَ فتأثَّرَ عقلُك وفَسَد، وصِرْتَ تَهذِي، وتأتي بكَلامٍ مُختَلٍّ!

قَالَ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنْزَلَ هَؤُلَاءِ إِلَّا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ بَصَائِرَ وَإِنِّي لَأَظُنُّكَ يَا فِرْعَوْنُ مَثْبُورًا

قال موسى لفِرعَونَ: لقد استيقنْتَ -يا فِرعَونُ- أنَّ هذه الآياتِ التِّسْعَ ما أنزَلَها إلَّا اللهُ ربُّ السَّمَواتِ والأرضِ، الَّذي لا يَقدِرُ على الإتيانِ بها أحَدٌ سِواه؛ أنزَلَها حُجَجًا واضِحةً تدُلُّ النَّاسَ على قُدرةِ اللهِ ووحدانيَّتِه، وصِدْقِ رِسالتي، وإنِّي لأظُنُّك -يا فِرعَونُ- هالِكًا

فَأَرَادَ أَنْ يَسْتَفِزَّهُمْ مِنَ الْأَرْضِ فَأَغْرَقْنَاهُ وَمَنْ مَعَهُ جَمِيعًا

فأراد فِرعَونُ أن يُخرِجَ بني إسرائيلَ مِن الأرضِ بالقَتلِ، أو بالطَّردِ والإبعادِ منها، فأغرَقْناه في البَحرِ ومَن مَعَه مِن الجُنودِ أجمَعينَ

وَقُلْنَا مِنْ بَعْدِهِ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ اسْكُنُوا الْأَرْضَ فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآَخِرَةِ جِئْنَا بِكُمْ لَفِيفًا

وقُلْنا -لبني إسرائيلَ- مِن بَعدِ هَلاكِ فِرعَونَ: اسكُنوا الأرضَ، فإذا جاء وَقتُ قِيامِ السَّاعةِ، جِئْنا بكم وبِعَدُوِّكم مِن قُبورِكم إلى مَوقِفِ القيامةِ جَماعاتٍ مُختَلِطةً مِن جِهاتٍ وأصنافٍ شتَّى، فنُمَيِّزُ سُعَداءَكم مِن أشقيائِكم، ونُجازي كُلًّا بعَمَلِه

وَبِالْحَقِّ أَنْزَلْنَاهُ وَبِالْحَقِّ نَزَلَ وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا مُبَشِّرًا وَنَذِيرًا

أنزَلْنا القُرآنَ وَحْيًا مِن عِندِ اللهِ تعالى لِمَصلحةِ الخَلقِ، مُتَضَمِّنًا للحَقِّ، مُشتَمِلًا على الأخبارِ الصَّادِقةِ، والأحكامِ العادلةِ، ونَزَل بالحقِّ مَحروسًا مِنَ الشَّيطانِ، مَحفوظًا مِن الزِّيادةِ والنُّقصانِ، لم يَقَعْ في طريقِ إنزالِه تَبديلٌ ولا تغييرٌ، وما أرسَلْناك -يا مُحَمَّدُ- إلَّا لِتُبَشِّرَ الطَّائِعينَ بالخَيرِ والثَّوابِ في الدُّنيا، والجَنَّةِ في الآخرةِ، وتُنذِرَ العاصِينَ بالعِقابِ في الدُّنيا والآخِرةِ

وَقُرْآَنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنْزِيلًا

وقُرآنًا فَصَّلْناه وبَيَّنَّاه وأحْكَمْناه، وفرَّقْنا فيه بينَ الحَقِّ والباطِلِ، والهُدى والضَّلالِ ؛ لِتَتلُوَه -يا مُحَمَّدُ- على النَّاسِ بتَمَهُّلٍ وتُؤَدةٍ وتَرتيلٍ، ولا تَعجَلْ في تِلاوتِه؛ فإنَّ ذلك أيسَرُ للحِفظِ، وأعْوَنُ على الفَهمِ؛ ليَتَدَبَّرَه النَّاسُ ويتَفَكَّروا في معانيه، ويَستَخرِجوا مِن عُلومِه، ونزَّلْنا عليك القُرآنَ -يا مُحَمَّدُ- مُفَرَّقًا شيئًا بعد شَيءٍ

قُلْ آَمِنُوا بِهِ أَوْ لَا تُؤْمِنُوا إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ سُجَّدًا

قُلْ -يا مُحَمَّدُ- للمُكَذِّبينَ المُعرِضينَ عن القُرآنِ: آمِنوا بالقُرآنِ أو لا تُؤمِنوا به؛ فسَواءٌ آمَنتُم به أم كَفَرتُم، فهو حقٌّ في نَفسِه، ولن تَنفَعوا اللهَ إن آمَنْتُم، ولن تَضُرُّوه إن كَفَرْتُم، وإنَّما ضَرَرُ ذلك واقِعٌ عليكم، وإنْ تَكفُروا بالقُرآنِ، فإنَّ الَّذينَ أُوتُوا العِلمَ مِن قَبلِ نُزولهِ، مِن مُؤمِني أهلِ الكِتابِ إذا يُتلَى عليهم هذا القُرآنُ يَسقُطونَ سَريعًا على أذقانِهم ساجِدينَ لله تعالى

وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنْ كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولًا

ويقولونَ: تَنزيهًا لربِّنا مِمَّا يُضيفُه إليه المُشرِكونَ، وعَمَّا يَقولُه الجاهِلونَ مِمَّا لا يَليقُ بجَلالِه، فإنَّه لا يُخلِفُ ما وعَدَ وبَشَّرَ به في الكُتُبِ السَّابقةِ مِن بَعثةِ مُحمَّدٍ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، وإنزالِ القُرآنِ عليه، إنَّ وعْدَ ربِّنا بإرسالِ نبيِّه محمَّدٍ وغيرِ ذلك مما وعَد به كائِنٌ وواقِعٌ

وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا

ويَسقُطونَ على أذقانِهم يَبكُونَ خاضِعينَ لِلَّهِ عندَ سَماعِهم القُرآنَ، ويَزيدُهم القُرآنُ خُضوعًا لله، واستِكانةً له، ورِقَّةً ولِينًا في قُلوبِهم

قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا

قُلْ -يا مُحَمَّدُ: إنْ شِئْتُم فقُولوا في دُعائِكم: يا اللهُ، وإنْ شِئْتُم فقُولوا: يا رَحمنُ؛ فكِلاهما اسمٌ لله الواحِدِ الَّذي لا شَريكَ له، بأيِّ اسمٍ مِن أسماءِ اللَّهِ دَعَوتُم، فإنَّما تَدْعُونَ اللهَ الواحِدَ سُبحانَه؛ فله أحسَنُ الأسماءِ المُتضَمِّنةِ أفضَلَ الأوصافِ، ولا تَرفَعْ صَوتَك -يا مُحَمَّدُ- بقِراءةِ القُرآنِ في صَلاتِك، ودُعائِك وذِكْرِك لله فيها، ولا تُسِرَّ بذلك، واسلُكْ طَريقًا وَسَطًا بينَ الجَهرِ والمُخافَتةِ

وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِّ وَكَبِّرْهُ تَكْبِيرًا

وقُلْ -يا مُحَمَّدُ: الثَّناءُ الجَميلُ لله المتَّصِفِ بالكَمالِ، المُنَزَّهِ عن النَّقائِصِ، الَّذي لم يَجعَلْ له ولدًا، ولا يُوجَدُ أحدٌ يُشارِكُه في مُلكِه وسُلطانِه، ولا يُوجَدُ لله وليٌّ يُناصِرُه ويُدافِعُ عنه، ويتعزَّزُ به، ويُعاوِنُه مِن أجْلِ ذلٍّ فيه أو عَجزٍ أو افتقارٍ -سُبحانَه وتعالى- بل هو الغَنيُّ ذو العِزَّةِ والكِبرياءِ، وكُلُّ شَيءٍ خاضِعٌ له، وتَحتَ قَهرِه وقُدرتِه، وعَظِّمْ -يا مُحَمَّدُ- ربَّك تَعظيمًا تامًّا شَديدًا، فلا تَعبُدْ غَيرَه، وأطِعْ أمْرَه، واجتَنِبْ نَهْيَه، وأخبِرْ عنه بأوصافِه الحُسنى، وأفعالِه العَظيمةِ، ونزِّهْه عن كلِّ آفَةٍ ونَقصٍ

الكهف

الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا

الحَمدُ لله الَّذي أنزَلَ على عَبدِه مُحَمَّدٍ القُرآنَ، والحالُ أنَّه لم يَجعَلْ فيه أيَّ نَوعٍ مِن المَيلِ والزَّيغِ عن الحَقِّ، والتَّناقُضِ والاختِلافِ، والخللِ في ألفاظِه ومَعانيه؛ فأخبارُه صادِقةٌ، وأحكامُه عادِلةٌ

قَيِّمًا لِيُنْذِرَ بَأْسًا شَدِيدًا مِنْ لَدُنْهُ وَيُبَشِّرَ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا حَسَنًا

أنزله مُستَقيمًا قائِمًا على مَصالِحِ العِبادِ في دِينِهم ودُنياهم، مُهيمِنًا على سائِرِ الكُتُبِ الإلهيَّةِ، مُصَدِّقًا لها، وشاهِدًا بصِحَّتِها؛ لِيُنذِرَ الكافِرينَ عَذابًا شَديدًا في الدُّنيا والآخِرةِ، ويُبَشِّرَ المُؤمِنينَ الذين صَدَّقوا إيمانَهم بقِيامِهم بالأعمالِ الصَّالِحةِ بأنَّ لهم ثَوابًا عَظيمًا جَميلًا، وهو الجنةُ

مَاكِثِينَ فِيهِ أَبَدًا

والحالُ أنَّهم باقُونَ في الأجرِ الحَسَنِ الَّذي أعَدَّه اللهُ لهم، بلا زَوالٍ ولا انقِطاعٍ

وَيُنْذِرَ الَّذِينَ قَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا

ويُنذِرَ الكافِرينَ -الَّذينَ قالوا: اتَّخَذ اللهُ لِنَفسِه ولَدًا- عَذابَه الشَّديدَ في العاجِلِ والآجِلِ

مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ وَلَا لِآَبَائِهِمْ كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ إِنْ يَقُولُونَ إِلَّا كَذِبًا

ما للقائِلينَ بأنَّ اللَّهَ اتَّخَذَ لنَفسِه ولَدًا أيُّ شَيءٍ مِن العِلمِ، ولا لآبائِهم الَّذين قالوا بمِثلِ قَولِهم، عَظُمَت كَلِمتُهم هذه كَلِمةً تخرُجُ مِن أفواهِهم، فما أشنَعَها مِن مَقالةٍ، وما أفظَعَ اجتِراءَهم على التَّلَفُّظِ بها !ما يَقولُ القائِلونَ بنِسبةِ الوَلَدِ إلى اللهِ إلَّا كَذِبًا على اللهِ تعالى؛ فهو قَولٌ مُنافٍ للصِّدقِ، مُخالِفٌ للواقِعِ، لا حَقيقةَ له بوَجهٍ مِنَ الوُجوهِ

فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ عَلَى آَثَارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا

فلعلَّك -يا مُحَمَّدُ- قاتِلٌ نَفْسَك ومُهلِكُها؛ لشِدَّةِ الحزنِ بعدَ تَولِّيهم وإعراضِهم عنك، إن لم يُؤمِنوا بهذا القُرآنِ الَّذي أنزلتُه عليكَ

إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا

إنَّا جَعَلْنا ما على وَجهِ الأرضِ مِن الحيواناتِ والنَّباتِ والجمادِ زِينةً لها؛ لِنَختَبِرَ النَّاسَ: أيُّهم أصلَحُ عَمَلًا وأخلَصُه لله، وأصوَبُه مِن جِهةِ مُوافَقتِه للشَّرعِ

وَإِنَّا لَجَاعِلُونَ مَا عَلَيْهَا صَعِيدًا جُرُزًا

وإنَّا لِمُصَيِّرونَ ما على وَجهِ الأرضِ مِن زِينتِها تُرابًا مُستَويًا خاليًا، يابسًا لا نباتَ فيه، ولا ماءَ ولا بِناءَ

أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحَابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ كَانُوا مِنْ آَيَاتِنَا عَجَبًا

أظنَنْتَ -يا مُحمَّدُ- أنَّ أصحابَ الكَهفِ والكِتابِ كانوا مِن آياتِنا العَجيبةِ؟ بل في آياتِنا ما هو أعجَبُ مِن ذلك

إِذْ أَوَى الْفِتْيَةُ إِلَى الْكَهْفِ فَقَالُوا رَبَّنَا آَتِنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً وَهَيِّئْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَدًا

واذكُرْ حينَ لجأ أولئك الشَّبابُ إلى كَهفِ جَبَلٍ؛ خَوفًا مِن أن يَفتِنَهم قَومُهم الكُفَّارُ عن دِينِهم، فقالوا: ربَّنا أعطِنا مِن عِندِك رحمةً عَظيمةً تَرحَمُنا بها، وأعِدَّ لنا أسبابًا وأحوالًا تكونُ عاقِبَتُها حُصولَ ما خَوَّلْتَنا مِن الثَّباتِ على الحَقِّ، والنَّجاةِ من المُشرِكينَ، وحُصُولَ العِلمِ النَّافِعِ، والعَمَلِ به، فيكونُ أمرُ دِينِنا ودُنيانا صالِحًا مُوافِقًا للصَّوابِ

فَضَرَبْنَا عَلَى آَذَانِهِمْ فِي الْكَهْفِ سِنِينَ عَدَدًا

فألقَيْنا عليهم نَوْمًا ثَقيلًا عَميقًا لسِنينَ ذواتِ عَدَدٍ كثيرٍ

ثُمَّ بَعَثْنَاهُمْ لِنَعْلَمَ أَيُّ الْحِزْبَيْنِ أَحْصَى لِمَا لَبِثُوا أَمَدًا

ثمَّ أيقَظْناهم مِن نَوْمِهم -بعدَ مُضِيِّ تلك السِّنينَ الكَثيرةِ- لِنَعْلَمَ علمًا يَظهرُ في الوجودِ: أيُّ الفَريقَينِ المُختَلِفَينِ في مِقدارِ نَومِهم في الكَهفِ أضبَطُ وأتقَنُ في حِسابِ تلك المُدَّةِ

نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ نَبَأَهُمْ بِالْحَقِّ إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى

نحن -يا مُحَمَّدُ- لا غَيرُنا نَروي لك خبَرَ أصحابِ الكَهفِ بالصِّدقِ المُطابِقِ للواقِعِ، واليَقينِ الَّذي لا شَكَّ فيه، إنَّ أصحابَ الكَهفِ شَبابٌ آمنُوا باللهِ حقًّا، فوحَّدُوه ولم يُشرِكُوا به شَيئًا، وزِدْنَاهم إيمانًا، وعِلمًا بالحقِّ، وعملًا صالحًا

وَرَبَطْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ إِذْ قَامُوا فَقَالُوا رَبُّنَا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَنْ نَدْعُوَ مِنْ دُونِهِ إِلَهًا لَقَدْ قُلْنَا إِذًا شَطَطًا

وشَدَدْنا على قُلوبِهم، وثَبَّتْناها بالإيمانِ والصَّبرِ، فاشتَدَّ عَزمُهم، وقَوِيَ صَبْرُهم، حِينَ قاموا لله، فقالوا مُعلِنينَ الحَقَّ :رَبُّنا الَّذي خَلَقَنا ويَملِكُنا ويَرزُقُنا ويُدَبِّرُ أمورَنا، هو الرَّبُّ المتفَرِّدُ بخَلقِ السَّمواتِ والأرضِ ومِلْكِها وتَدبيرِها، لن نَعبُدَ غَيرَه أبدًا؛ فهو الإلهُ المُستَحِقُّ للعبادةِ وَحْدَه لا شريكَ له، ولو دَعَوْنا غيرَ اللهِ لَكُنَّا قد أفرَطْنا وغَلَوْنا في قَولِ الكَذِبِ، والتحَدُّثِ بالباطِلِ والبهتانِ

هَؤُلَاءِ قَوْمُنَا اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آَلِهَةً لَوْلَا يَأْتُونَ عَلَيْهِمْ بِسُلْطَانٍ بَيِّنٍ فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا

قال الفِتيةُ المُؤمِنونَ: هؤلاءِ قومُنا اتَّخَذوا مِن دُونِ اللهِ آلِهةً يَعبُدونَها، فهلَّا يأتونَ بحُجَّةٍ واضِحةٍ تدُلُّ على صَوابِ عِبادةِ تلك الآلهةِ التي يَتَّخِذونَها؟! فلا أحدَ أشَدُّ ظُلمًا ممَّن اختَلَقَ الكَذِبَ على اللهِ، فادَّعى أنَّ له شَريكًا يُعبَدُ

وَإِذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ يَنْشُرْ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيُهَيِّئْ لَكُمْ مِنْ أَمْرِكُمْ مِرفَقًا

وقال بعضُ الفِتيةِ لِبَعضٍ: ومِن أجْلِ أنَّكم انفرَدْتُم وتباعَدْتُم عن مُخالَطةِ قَومِكم الكافِرينَ، وتَرَكتُم ما يَعبُدونَ مِن الآلهةِ سوى اللهِ؛ فاتَّخِذوا الكَهفَ مأوًى لكم؛ لِتَختَفوا فيه مِن قَومِكم، وتَعبُدوا اللهَ وَحْدَه، فإنِ اعتَزَلْتُم قَومَكم وما يَعبُدونَ مِن دُونِ اللهِ، وصِرتُم إلى الكَهفِ؛ يَبسُطْ لكم رَبُّكم مِن رَحمتِه، فيَحفَظْ لكم دينَكم، ويُنجِكم مِن قَومِكم، ويُسَهِّلْ لكم ربُّكم مِن أمْرِكم الَّذي أنتم فيه ما تَنتَفِعونَ به في أمرِ مَعيشَتِكم، فيأتِكم باليُسرِ والرِّفقِ واللُّطفِ

وَتَرَى الشَّمْسَ إِذَا طَلَعَتْ تَزَاوَرُ عَنْ كَهْفِهِمْ ذَاتَ الْيَمِينِ وَإِذَا غَرَبَتْ تَقْرِضُهُمْ ذَاتَ الشِّمَالِ وَهُمْ فِي فَجْوَةٍ مِنْهُ ذَلِكَ مِنْ آَيَاتِ اللَّهِ مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِدًا

وترى الشَّمسَ إذا أشرَقَتْ تَميلُ عن الكَهفِ الَّذي أوَى إليه الفِتيةُ، إلى جِهةِ يمينِه؛ لئلَّا تُصيبَهم أشعَّتُها، وإذا غَرَبَت تَعدِلُ عن الفتيةِ وتَترُكُهم جِهةَ شِمالِ الكَهفِ، فلا يُصيبُهم شُعاعُها، والفتيةُ في مكانٍ متَّسِعٍ داخِلَ الكَهفِ، ذلك الَّذي فعَلْنا بهؤلاء الفِتيةِ مِن عجائبِ صُنعِ اللهِ الدَّالَّةِ على عَظيمِ قُدرَتِه وسُلطانِه، ولُطفِه بعِبادِه. مَنْ يُرشِدْه اللهُ ويوفِّقْه للاهتداءِ إلى الحَقِّ فهو المهتدي حقًّا، ومَن يَخذُلْه اللهُ فلن تجِدَ له -يا مُحَمَّدُ- خليلًا ومُعِينًا يتولَّى إرشادَه إلى الحَقِّ

وَتَحْسَبُهُمْ أَيْقَاظًا وَهُمْ رُقُودٌ وَنُقَلِّبُهُمْ ذَاتَ الْيَمِينِ وَذَاتَ الشِّمَالِ وَكَلْبُهُمْ بَاسِطٌ ذِرَاعَيْهِ بِالْوَصِيدِ لَوِ اطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ لَوَلَّيْتَ مِنْهُمْ فِرَارًا وَلَمُلِئْتَ مِنْهُمْ رُعْبًا

وتَظُنُّ- أيُّها المخاطَبُ- هؤلاء الفِتيةَ -لو رأيتَهم- أيقاظًا، والحالُ أنَّهم نائِمونَ !ونُقَلِّبُهم على جُنوبِهم؛ مرَّةً للجَنبِ الأيمَنِ، ومرَّةً للأيسَرِ، وكَلبُ هؤلاء الفِتيةِ جالسٌ على بَطنِه مادٌّ يَدَيه عندَ مَدخَلِ الكَهفِ بفِنائِه؛ لحِراستِهم، لو أشرَفْتَ على أصحابِ الكَهفِ فرأيتَهم وهم رُقودٌ، لفَرَرْتَ منهم هارِبًا، ولامتَلأَتْ نفسُك خَوفًا وفَزَعًا منهم

وَكَذَلِكَ بَعَثْنَاهُمْ لِيَتَسَاءَلُوا بَيْنَهُمْ قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ كَمْ لَبِثْتُمْ قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالُوا رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثْتُمْ فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هَذِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ فَلْيَنْظُرْ أَيُّهَا أَزْكَى طَعَامًا فَلْيَأْتِكُمْ بِرِزْقٍ مِنْهُ وَلْيَتَلَطَّفْ وَلَا يُشْعِرَنَّ بِكُمْ أَحَدًا

وكما أنَمْنا هؤلاء الفِتيةَ فحَفِظناهم في الكَهفِ، كذلك أيقَظْناهم مِن نَومِهم الطَّويلِ بذاتِ الحالةِ الَّتي كانوا عليها، دونَ أن يتغيَّرَ مِن أحوالِهم وهَيئاتِهم شَيءٌ؛ ليَسألَ بَعضُهم بعضًا عن مُدَّةِ نَومِهم. قال قائِلٌ مِن الفِتيةِ لأصحابِه: كم كانت مُدَّةُ نَومِكم؟! فأجابه الآخَرونَ بما يَظُنُّونَ: لَبِثْنا في نَومِنا يومًا كاملًا أو بعضًا منه، فقالوا مُفَوِّضينَ العِلمَ لله: ربُّكم أعلَمُ منكم بمدَّةِ نَومِكم، وقال الفِتيةُ: فأرسلوا واحِدًا مِنَّا بهذه الدَّراهِمِ الفِضِّيَّةِ الَّتي بحَوزَتِنا، إلى مَدينَتِنا الَّتي فرَرْنا منها، فلْيَنظُرْ: أيُّ أهلِ المدينةِ أطيَبُ وأحَلُّ وأطهَرُ طعامًا مِن غَيرِه، فلْيَشتَرِ لكم قُوتًا منه، ولْيُحضِرْه إليكم لِتَأكلوه، ولْيَترفَّقِ فيتخَفَّ ويتحَيَّلْ في دخولِه المدينةَ، وشِرائِه، وخُروجِه منها، ومجيئِه إلى الكَهفِ، ولا يُعلِمَنَّ أحدًا مِن النَّاسِ بمَكانِكم الَّذي تختَبِئونَ فيه، فلا يَقولَنَّ أو يفعَلَنَّ ما يُؤدِّي مِن غيرِ قَصدٍ منه إلى الشُّعورِ بكم

إِنَّهُمْ إِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ يَرْجُمُوكُمْ أَوْ يُعِيدُوكُمْ فِي مِلَّتِهِمْ وَلَنْ تُفْلِحُوا إِذًا أَبَدًا

وذلك لأنَّ قَومَكم الكُفَّارَ إن يَعلَموا بمكانِكم في الكَهفِ ويَظفَروا بكم، يَقتُلوكم رَجمًا بالحِجارةِ إن ثَبَتُّم على ما أنتم عليه مِن الحَقِّ، أو يَرجِعوكم لِتَدخُلوا قَهرًا في دِينِهم، فتُصبِحوا كُفَّارًا مِثلَهم، ولن تَفوزوا بالخَيرِ أبدًا في الدُّنيا ولا في الآخِرةِ إن عُدتُم في ملَّتِهم

وَكَذَلِكَ أَعْثَرْنَا عَلَيْهِمْ لِيَعْلَمُوا أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَأَنَّ السَّاعَةَ لَا رَيْبَ فِيهَا إِذْ يَتَنَازَعُونَ بَيْنَهُمْ أَمْرَهُمْ فَقَالُوا ابْنُوا عَلَيْهِمْ بُنْيَانًا رَبُّهُمْ أَعْلَمُ بِهِمْ قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَى أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِدًا

وكما أنَمْنا الفِتيةَ وبَعَثْناهم مِن نَومِهم على هَيئتِهم، أطلَعْنا عليهم أهلَ المدينةِ في ذلك الزَّمانِ؛ ليَعلَموا أنَّ وعْدَ اللهِ بإحياءِ الموتى حقٌّ، فلا يَشُكُّونَ في قُدرةِ الله على البَعثِ، وأنَّ القيامةَ حَقٌّ، لا شَكَّ في مجيئِها، ووُقُوعِ الثَّوابِ والعِقابِ فيها، أعْثَرْنا على أصحابِ الكهفِ حينَ اختَلف أهلُ ذلك الزَّمانِ في البعثِ بعدَ الموتِ، فمِنهم مَن يؤمنُ به، ومِنهم مَن ينكرُه، فقال الَّذين أعثَرَهم اللهُ على أصحابِ الكَهفِ حين ماتُوا: ابنُوا عليهم بنيانًا يَستُرُهم؛ ربُّهم أعلَمُ بهم وبِشَأنِهم وحالِهم، قال رُؤساءُ المدينةِ الَّذين غَلَبوا على أهلِها: لَنَبنيَنَّ عليهم مَسجِدًا يُعبَدُ اللهُ فيه

سَيَقُولُونَ ثَلَاثَةٌ رَابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ وَيَقُولُونَ خَمْسَةٌ سَادِسُهُمْ كَلْبُهُمْ رَجْمًا بِالْغَيْبِ وَيَقُولُونَ سَبْعَةٌ وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِمْ مَا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا قَلِيلٌ فَلَا تُمَارِ فِيهِمْ إِلَّا مِرَاءً ظَاهِرًا وَلَا تَسْتَفْتِ فِيهِمْ مِنْهُمْ أَحَدًا

سيقولُ بَعضُ الخائِضينَ في عَدَدِ أصحابِ الكَهفِ: هم ثلاثةُ أشخاصٍ، والرَّابِعُ هو كَلبُهم، وسيقولُ بَعضُهم: هم خمسةُ أشخاصٍ، والسَّادِسُ هو كَلبُهم، بمُجَرَّدِ الظَّنِّ والتَّخمينِ، مِن غيرِ عِلمٍ ولا يقينٍ، ويقولُ بَعضُهم: عدَدُ أصحابِ الكَهفِ سَبعةٌ، والثَّامِنُ هو كَلبُهم، قل -يا مُحَمَّدُ- للخائِضينَ في عَدَدِ أصحابِ الكَهفِ بلا عِلمٍ: ربِّي أعلَمُ مِن غَيرِه بعَدَدِ الفِتيةِ عِلمًا تامًّا، وما يعلَمُ عَدَدَ أصحابِ الكَهفِ على الصَّوابِ إلَّا قليلٌ مِن خَلقِه، فلا تُحاجِجْ -يا مُحمَّدُ- في أصحابِ الكَهفِ إلَّا مُحاجَّةً ظاهِرةً، ولا تُجهِدْ نَفسَك فيما لا طائِلَ مِن ورائِه، ولا تَسألْ -يا مُحمَّدُ- في أصحابِ الكَهفِ أحدًا مِن أهلِ الكِتابِ

وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا

ولا تَقولَنَّ -يا محمَّدُ- لأيِّ شيءٍ تعزِمُ على فِعْلِه: إنِّي فاعلٌ ذلك الأمرَ في المُستَقبلِ

إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ وَقُلْ عَسَى أَنْ يَهْدِيَنِ رَبِّي لِأَقْرَبَ مِنْ هَذَا رَشَدًا

إلَّا أن تقولَ: إن شاء اللهُ، فإن قُلتَ -يا محمَّدُ-: سأفعَلُ شيئًا غدًا، ونَسِيتَ أن تقولَ: إن شاءَ اللهُ، فاذكُرْ رَبَّك بعد نِسيانِك بقَولِك: إن شاء اللهُ، وقُلْ -يا محمَّدُ- داعيًا ربَّك: أرجو أن يوفِّقَني ربِّي، ويَدُلَّني إلى طريقٍ هو أقرَبُ الطُّرُقِ المُوصِلةِ إلى الرَّشادِ، ويُثبِّتَني عليه

وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ ثَلَاثَ مِئَةٍ سِنِينَ وَازْدَادُوا تِسْعًا

وبَقِيَ الفِتيةُ في الكَهفِ نِيامًا مُدَّةَ ثَلاثِمئةِ سَنةٍ وزيادة تِسعِ سنينَ

قُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثُوا لَهُ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَبْصِرْ بِهِ وَأَسْمِعْ مَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَدًا

قُلْ -يا مُحمَّدُ-: اللهُ أعلَمُ بمُدَّةِ لُبثِ الفِتيةِ في الكَهفِ نائِمينَ، وقد أخبَرَنا بمقْدارِ تلك المُدَّةِ بالحَقِّ، والصِّدقِ المطابِقِ للواقِعِ، فلا نقبَلُ قَولَ غَيرِه، فلله وَحْدَه عِلمُ ما غاب وخَفِيَ في السَّمواتِ والأرضِ، ما أبصَرَ اللهَ لكُلِّ مَوجودٍ، وما أسمَعَه لكُلِّ صَوتٍ، فلا يخفى عليه شَيءٌ من ذلك !ما لجَميعِ الخَلقِ في السَّمَواتِ والأرضِ مِن دونِ اللهِ مِن وَليٍّ يلي أمرَهم، ويُدَبِّرُ شُؤونَهم، ولا يُشركُ اللهُ في قَضائِه بيْن خَلقِه وفي تدبيرِهم أحدًا سِواه؛ فهو المتفرِّدُ وَحْدَه بالحُكمِ في خَلقِه قَضاءً وقَدَرًا، وخلْقًا وتدبيرًا، وبالحُكمِ فيهم أمرًا ونهيًا، وثوابًا وعقابًا

وَاتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ كِتَابِ رَبِّكَ لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَلَنْ تَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَدًا

واقرأْ -يا محمَّدُ- ما أوحَى اللهُ إليك مِن القرآنِ، وأبلِغْه إلى النَّاسِ، واتَّبِعْه بتصديقِ أخبارِه والعَمَلِ بما فيه، بامتثالِ أوامِرِه واجتنابِ نواهيه، لا أحدَ يَستطيعُ أن يغيِّرَ كَلِماتِ الله الشَّرعيَّةَ، فيُحَرِّفَ القرآنَ بتغييرِ أخبارِه، وتبديلِ أحكامِه، أو صرفِها عن معانيها الصَّحيحةِ، ولا أن يُغيِّرَ كَلِماتِه الكَونيَّةَ، ولن تَجِدَ -يا مُحمَّدُ- مِن دونِ اللهِ مَلجأً تَهرُبُ إليه، وتحتمي به مِن العذابِ، إن أنتَ لم تتلُ القُرآنَ فتَتَّبِعْه وتُبَلِّغْه

وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا

واحبِسْ نفْسَك -يا مُحمَّدُ- مع أصحابِك الَّذين يَعبُدونَ رَبَّهم أوَّلَ النَّهارِ وآخِرَه، ويَدْعونَه ويَذكُرونَه مُخلِصينَ له في ذلك، ولا تَصرِفْ عينَيك عنهم لرثاثةِ هيئتِهم وزِيِّهم، مُحتَقِرًا لهم، فتَتجاوزَهم إلى أهلِ الشَّرَفِ والجاهِ، والغنَى والثروةِ، طامحًا إلى مُجالَستِهم بدلًا مِن أولئك، ولا تُطِعْ مَن جعَلْنا قلبَه غافلًا عن ذِكرِنا وعبادتِنا وعن القرآنِ، وانشغَلَ عن ذلك بالدُّنيا، وآثَرَ اتِّباعَ شَهواتِ نَفسِه على الإيمانِ والتَّوحيدِ والطَّاعةِ، وكانت شُؤونُه وأعمالُه سَفَهًا وتفريطًا وضَياعًا

وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرَابُ وَسَاءَتْ مُرْتَفَقًا

وقُلْ -يا مُحمَّدُ- مُعلِنًا: هذا الذي جِئتُكم به مِن عندِ رَبِّكم هو الحَقُّ بلا شَكٍّ، فإنْ شِئتُم فآمِنوا، وإن شِئتُم فاكفُروا، إنَّا أعدَدْنا وأرصَدْنا وهيَّأْنا للكافرينَ نارًا يُحيطُ بهم سُورُها مِن كُلِّ جانبٍ، فلا سبيلَ لهم إلى الخُروجِ منها، وإنْ يَطلُبِ الكافِرونَ المعذَّبونَ في النَّارِ الماءَ؛ مِن شِدَّةِ عَطَشِهم، يُؤتَوا بماءٍ مُنتِنٍ غَليظٍ أسودَ، غايةٍ في الحرارةِ، يشوي وُجوهَهم؛ مِن شِدَّةِ حَرِّه، بئسَ شَرابُ الكافرينَ هذا الماءُ الذي يُؤتَونَ به، فيكونُ زيادةً في عقابِهم، وقبُحَت جهنَّمُ مُقامًا يَستَقِرُّ فيه الكافِرونَ

إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا

إنَّ الَّذين آمَنوا بكُلِّ ما يجِبُ عليهم الإيمانُ به، وعَمِلوا الأعمالَ الصَّالحاتِ، إنَّا لا نُضيعُ جَزاءَهم؛ لأنَّهم أحسَنوا عَمَلَهم، ولا نُضيعُ جَزاءَ كُلِّ مَن أحسَنَ عمَلَه كذلك، فجعَلَه خالِصًا لله، واتَّبَع فيه شَرْعَه على هَدْيِ رَسولِه

أُولَئِكَ لَهُمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهَارُ يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَيَلْبَسُونَ ثِيَابًا خُضْرًا مِنْ سُنْدُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ مُتَّكِئِينَ فِيهَا عَلَى الْأَرَائِكِ نِعْمَ الثَّوَابُ وَحَسُنَتْ مُرْتَفَقًا

أولئك -الَّذين آمَنوا وعَمِلوا الصَّالِحاتِ- لهم جناتُ إقامةٍ دائِمةٍ، تجري الأنهارُ الكَثيرةُ بيْنَ أيديهم مِن تَحتِ غُرَفِهم ومَنازِلِهم وأشجارِهم، يُزيَّنُ المُؤمِنونَ في الجنَّةِ بأساورَ مِن ذَهَبٍ في أيديهم، ويَلبَسونَ ثيابًا خَضراءَ مِن الحريرِ الرَّقيقِ، ومِنَ الحَريرِ الغليظِ، والحالُ أنَّهم متَّكِئونَ في الجنَّةِ على السُّررِ المزيَّنةِ المغطَّاةِ بقُبَّةٍ مِن الثِّيابِ الفاخِرةِ، نِعمَ ثَوابُ المؤمنينِ تلك الجنَّاتُ الَّتي وصَفَ اللهُ بعضَ نَعيمِها؛ جزاءً لهم على أعمالِهم الصَّالحةِ، وحسُنَت تلك الجنَّاتُ مُقامًا ومَنزِلًا يَستَقِرُّ فيه الَّذين آمَنوا وعَمِلوا الصَّالِحاتِ

وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا رَجُلَيْنِ جَعَلْنَا لِأَحَدِهِمَا جَنَّتَيْنِ مِنْ أَعْنَابٍ وَحَفَفْنَاهُمَا بِنَخْلٍ وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمَا زَرْعًا

واذكُرْ -يا مُحمَّدُ- لهؤلاء المُشرِكينَ المُستَكبرينَ، الَّذين سألوك أن تَطرُدَ الضُّعَفاءَ والمَساكينَ مِن المسلمينَ؛ اذكُرْ لهم مَثَلًا قِصَّةَ رَجُلَينِ أحَدُهما مؤمِنٌ، والآخَرُ كافِرٌ؛ لِيَعتَبِروا بحالِهما، ويتَّعِظوا بما جرَى لهما، جعَلْنا لأحدِ هذينِ الرَّجُلينِ -وهو الكافرُ- بُستانَينِ مِن أعنابٍ، وأحَطْنا هذين البُستانَينِ بنَخلٍ يُحدِقُ بهما، وجعَلْنا وَسْطَ بُستانَيِ العِنَبِ زَرعًا

كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آَتَتْ أُكُلَهَا وَلَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ شَيْئًا وَفَجَّرْنَا خِلَالَهُمَا نَهَرًا

كِلا البُستانَينِ أخرجَ ثِمارَه دونَ أن يَنقُصا منها شيئًا، وأجرَيْنا وشَقَقْنا خِلالَ هذينِ البُستانَينِ نَهرًا بيْن أشجارِهما

وَكَانَ لَهُ ثَمَرٌ فَقَالَ لِصَاحِبِهِ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَنَا أَكْثَرُ مِنْكَ مَالًا وَأَعَزُّ نَفَرًا

وكان لصاحِبِ الجَنَّتَينِ ثمارٌ عظيمةٌ منهما، فقال مالِكُ الجَنَّتَينِ الكافِرُ لصاحِبِه المؤمِنِ -المجعولِ مَثَلًا لفُقَراءِ المؤمِنينَ- وهو يُراجِعُه في الكلامِ ويُخاطِبُه، ويجادِلُه تكبُّرًا وافتخارًا عليه: لي من المالِ أكثَرُ مِمَّا تَملِكُ، وأنا أعزُّ عشيرةً ورهطًا منك، وأكثَرُ ولدًا وخدمًا، يقومونَ معي في المُهِمَّات، ويَنفِرونَ عندَ الضَّروراتِ

وَدَخَلَ جَنَّتَهُ وَهُوَ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ قَالَ مَا أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ هَذِهِ أَبَدًا

ودخَل الرَّجُلُ بُستانَه والحالُ أنَّه ظالمٌ لِنَفسِه بالكُفرِ باللهِ وتَكبُّرِه وتجَبُّرِه، وإنكارِه البَعثَ يومَ القيامةِ، قال: ما أظُنُّ أن تفنى وتضمَحِلَّ جنَّتي هذه أبدًا !

وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً وَلَئِنْ رُدِدْتُ إِلَى رَبِّي لَأَجِدَنَّ خَيْرًا مِنْهَا مُنْقَلَبًا

وما أظُنُّ القِيامةَ كائِنةً، ولو قُدِّرَ وافتُرِضَ أنَّني رُجِعْتُ إلى ربِّي فبعَثَني بعدَ موتي، لَأُعطَيَنَّ في الآخرةِ جَنَّةً خَيرًا مِن هذه الجنَّةِ الَّتي أعطانيها في الدُّنيا؛ لأنَّه لم يُعطِني هذه إلَّا لأنِّي أستَحِقُّها ولي عندَه حُظوةٌ ومكانةٌ، فكذلك يكون حالي في الآخرةِ على تقديرِ وُجودِها !

قَالَ لَهُ صَاحِبُهُ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلًا

قال له صاحِبُه المؤمِنُ وهو يخاطِبُه ويكَلِّمُه: أكفَرْتَ باللهِ الَّذي خلَقَ أصْلَك آدَمَ مِن تُرابٍ، ثمَّ أنشأك مِن مَنِيٍّ، ثمَّ عَدَلَك وكَمَّلَك، فصَيَّرك رجُلًا سَوِيًّا مُعتَدِلَ القامةِ والخِلْقةِ، صحيحَ الأعضاءِ؟! فالَّذي خلَقَك كذلك قادِرٌ على البَعثِ الَّذي أنت تُنكِرُه !

لَكِنَّا هُوَ اللَّهُ رَبِّي وَلَا أُشْرِكُ بِرَبِّي أَحَدًا

لكِنْ أنا لا أكفُرُ ولا أقولُ مِثلَ قَولِك، بل أقولُ: الَّذي يستَحِقُّ العبادةَ وَحْدَه، هو اللَّهُ ربِّي، ولا أعبُدُ أحدًا غَيرَه

وَلَوْلَا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ مَا شَاءَ اللَّهُ لَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ إِنْ تَرَنِ أَنَا أَقَلَّ مِنْكَ مَالًا وَوَلَدًا

وهلَّا إذ دخلتَ بُستانَك قلتَ حين أعجَبَك: ما شاءَ اللهُ، لا قُوَّةَ لي على شَيءٍ إلَّا بإعانةِ اللهِ لي، ومِن ذلك إنشاءُ الجنَّتَينِ وعِمارتُهما، وتدبيرُ أمرِهما، إنْ رأيتَني أقَلَّ منك مالًا وأولادًا، فتكبَّرْتَ وافتخَرْتَ بذلك علَيَّ واحتقَرْتَني

فَعَسَى رَبِّي أَنْ يُؤْتِيَنِ خَيْرًا مِنْ جَنَّتِكَ وَيُرْسِلَ عَلَيْهَا حُسْبَانًا مِنَ السَّمَاءِ فَتُصْبِحَ صَعِيدًا زَلَقًا

فلعَلَّ ربِّي أن يَرزُقَني لإيماني خَيرًا مِن بُستانِك الَّذي تفتَخِرُ به علَيَّ، ويُرسِلَ على بُستانِك الَّذي ظَنَنْتَ أنَّه لا يَبيدُ ولا يَفنى عَذابًا من السَّماءِ لِيُهلِكَه، فيُصبِحَ بُستانُك بسَبَبِ العذابِ أرضًا مُسْتويةً، جَرداءَ لا نباتَ فيها، ملساءَ لا تَثبُتُ عليها قَدَمٌ

أَوْ يُصْبِحَ مَاؤُهَا غَوْرًا فَلَنْ تَسْتَطِيعَ لَهُ طَلَبًا

أو يُصبِحَ ماءُ النَّهرِ الَّذي يَسْقي بستانَك غائرًا ذاهبًا في الأرضِ، فلن تَقدِرَ على طَلَبِ الماءِ واستِخراجِه

وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ فَأَصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ عَلَى مَا أَنْفَقَ فِيهَا وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا وَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أَحَدًا

وأحاط الهلاكُ بثِمارِ بستانِ الكافِرِ مِن كُلِّ جانبٍ، فتَلِفَت أشجارُه، وزُروعُه، وثِمارُه، فأصبح يُقَلِّبُ كَفَّيه؛ تحَسُّرًا ونَدَمًا على ذَهابِ أموالِه الكثيرةِ الَّتي أنفَقَها في جنَّتِه، فلم يَبقَ لها عِوَضٌ، وهي خاليةٌ مِن الأشجارِ والزُّروعِ والثِّمارِ، قد سقَطَت سقوفُها ثمَّ سقَطَت جُدرانُها عليها، ويقولُ الكافِرُ: يا ليتَني كنتُ مُوَحِّدًا لم أُشرِكْ برَبِّي أحدًا

وَلَمْ تَكُنْ لَهُ فِئَةٌ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مُنْتَصِرًا

ولم تكُنْ له جماعةٌ يَمنَعونَ عنه عذابَ اللهِ، وما كان مُمتَنِعًا بنَفسِه مِن عذابِ اللهِ

هُنَالِكَ الْوَلَايَةُ لِلَّهِ الْحَقِّ هُوَ خَيْرٌ ثَوَابًا وَخَيْرٌ عُقْبًا

في ذلك المقامِ، وتلك الحالِ، النُّصرةُ لله المعبودِ الحَقِّ وَحْدَه، لا يملكُها غيرُه، ولا يَقدِرُ عليها سِواه، واللهُ هو أفضَلُ جَزاءً لأهلِ طاعتِه في الدُّنيا وفي الآخرةِ، وعاقِبةُ طاعتِه خيرٌ مِن عاقبةِ طاعةِ غيرِه

وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيمًا تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقْتَدِرًا

واذكُرْ -يا مُحمَّدُ- لهم ما يُشبِهُ الحياةَ الدُّنيا في زَهرتِها وسُرعةِ تقَلُّبِها، وزوالِها وانقِضائِها؛ لِيَعرِفوا حقيقتَها، فصِفتُها كمَطَرٍ أنزَلْناه مِن السَّماءِ على الأرضِ، فشبَّ نباتُ الأرضِ، وحَسُنَ استِواؤُه، وكثُرَ والتفَّ، واجتمَعَ بعضُه ببَعضٍ؛ بسبَبِ المطر، فأصبح هذا النَّباتُ يابسًا متفَتِّتًا، تحمِلُه الرِّياحُ وتُفَرِّقُه، وكان اللهُ على فِعلِ كُلِّ شَيءٍ؛ من الإنشاءِ والإفناءِ، والإعادةِ وغير ذلك، قويًّا قادِرًا، لا يُعجِزُه شَيءٌ

الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ أَمَلًا

الأموالُ والأبناءُ يتجَمَّلُ بهما النَّاسُ في حياتِهم الدُّنيا ويتزيَّنونَ، وليسا ممَّا ينفعُ في الآخرةِ؛ فهُما ممَّا يفنَى عن قريبٍ، وأعمالُ الخيرِ الصَّالحةُ الَّتي تبقَى لصاحِبِها في الآخرةِ الباقيةِ، ويبقَى نَفعُها وثوابُها؛ أفضَلُ جزاءً عندَ رَبِّكَ -يا مُحمَّدُ- مِن زينةِ الحياةِ الدُّنيا الفانيةِ، وهي أفضَلُ ما يُؤَمِّلُه الإنسانُ، ويرجو نَفعَه وعواقِبَه الحميدةَ

وَيَوْمَ نُسَيِّرُ الْجِبَالَ وَتَرَى الْأَرْضَ بَارِزَةً وَحَشَرْنَاهُمْ فَلَمْ نُغَادِرْ مِنْهُمْ أَحَدًا

واذكُرْ يومَ نُزيلُ الجِبالَ عن أماكِنِها ونَنسِفُها، فتضمَحِلُّ وتتلاشَى، وترَى الأرضَ يومَ القيامةِ باديةً ظاهِرةً لأعيُنِ النَّاظِرينَ، ليس عليها شيءٌ يَستُرُها مِن جبَلٍ أو شجَرٍ أو بُنيانٍ، ولا مكانٌ يُواري أحدًا، وجمَعْنا العِبادَ أوَّلَهم وآخِرَهم على تلك الأرضِ؛ للحِسابِ والجزاءِ، فلم نَترُكْ منهم أحَدًا بلا بَعثٍ

وَعُرِضُوا عَلَى رَبِّكَ صَفًّا لَقَدْ جِئْتُمُونَا كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ بَلْ زَعَمْتُمْ أَلَّنْ نَجْعَلَ لَكُمْ مَوْعِدًا

وعُرِضَ العِبادُ على ربِّك -يا مُحمَّدُ- مُصطَفِّينَ ظاهِرينَ، لا يخفَى منهم أحَدٌ، فيُقالُ لهم: لقد جِئتُمونا -أيُّها النَّاسُ- بعدَ مَوتِكم أحياءً، كهَيئتِكم حينَ خَلَقْناكم أوَّلَ مَرَّةٍ: فُرادَى، حُفاةً، عُراةً، غيرَ مختونينَ، لا شيءَ معكم ممَّا كنتُم تتباهَوْن به في الدُّنيا من الأهلِ والأموالِ، ويُقالُ لِمُنكري البَعثِ: بل اعتَقَدتُم خَطأً في الدُّنيا أنَّ اللهَ لن يبعَثَكم بعدَ مَوتِكم للحِسابِ والجزاءِ يومَ القيامةِ

وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا

ووُضِعَت كُتُبُ أعمالِ العبادِ -الَّتي كتَبَتْها الملائِكةُ- في أيديهم؛ فمِنهم آخِذٌ كتابَه بيَمينِه، ومنهم آخِذٌ كِتابَه بشِمالِه، فتَرى المُجرمِينَ خائِفينَ مِمَّا في كُتُبِ أعمالِهم مِن السَّيِّئاتِ الَّتي عَمِلوها في الدُّنيا، ويقولُ المُجرِمونَ إذا اطَّلَعوا على كُتُبِ أعمالِهم، فرَأَوْا ما فيها مِن السَّيِّئاتِ: يا حَسرَتَنا وهلاكَنا! ما شأنُ هذا الكتابِ لا يَترُكُ صَغيرةً مِن ذُنوبِنا ولا كبيرةً منها إلَّا حَفِظَها وعَدَّها؟! ووجَدوا كُلَّ ما عَمِلوه في الدُّنيا مِن خَيرٍ وشَرٍّ مَكتوبًا مُثبَتًا في صُحُفِ أعمالِهم، فجُوزُوا به، ولا يَظلِمُ رَبُّك -يا مُحمَّدُ- أحدًا مِن عبادِه، فلا يَنقُصُ أحدًا مِن حَسَناتِه، أو يزيدُ في سَيِّئاتِه، أو يُعاقِبُه بذنبٍ لم يفعَلْه

وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآَدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلًا

واذكُرْ -يا مُحمَّدُ- حينَ قُلْنا للمَلائِكةِ: اسجُدوا لآدَمَ، فسجدَ الملائِكةُ كُلُّهم لآدمَ؛ امتثالًا لأمرِ اللهِ، سُجودَ تشريفٍ وتكريمٍ، إلَّا إبليسَ لم يَسجُدْ معهم؛ كان مِن صِنفِ الجِنِّ، فخرج عن طاعةِ رَبِّه، فلم يسجُدْ، أَفتَتَّخِذونَه وذُرِّيَّتَه مِن الشَّياطينِ أولياءَ تُطيعونَهم وتُوالونَهم في خِلافِ مَرضاتي، والحالُ أنَّهم لكم أعداءٌ يُضِلُّونَكم، بدلًا مِن طاعتي، وأنا ربُّكم الَّذي أنعَمَ عليكم وأكرَمَكم؟! بِئسَ البدَلُ للظَّالِمينَ اتِّخاذُ إبليسَ وذُرِّيَتِه أولياءَ مِن دونِ اللهِ، وهم لهم أعداءٌ

مَا أَشْهَدْتُهُمْ خَلْقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَا خَلْقَ أَنْفُسِهِمْ وَمَا كُنْتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ عَضُدًا

ما أحضَرْتُ الشَّياطينَ خَلْقَ السَّمَواتِ والأرضِ؛ لأستعينَ بهم على خَلقِها أو أشاوِرَهم في ذلك، بل أنا المستَقِلُّ بخَلقِ السَّمواتِ والأرضِ وَحدي، ولا أشهَدْتُ بَعضَهم خَلْقَ بَعضٍ، بل تفَرَّدتُ بخَلقِهم بغيرِ مُعينٍ ولا ظهيرٍ، فكيف تَصرِفونَ لهم حَقِّي، وتتَّخِذونَهم أولياءَ مِن دوني، وأنا خالِقُ كُلِّ شَيءٍ؟! وما ينبغي ولا يليقُ أن أتَّخِذَ الَّذين يُضِلُّونَ الخَلْقَ عن طريقِ الحَقِّ أعوانًا لي في أيِّ شأنٍ مِن الشُّؤونِ

وَيَوْمَ يَقُولُ نَادُوا شُرَكَائِيَ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ فَدَعَوْهُمْ فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُمْ وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ مَوْبِقًا

واذكُرْ يومَ يقولُ اللهُ للمُشرِكينَ يومَ القيامةِ تَوبيخًا وتقريعًا لهم: نادُوا آلهَتَكم الَّتي ادَّعيتُم في الدُّنيا كَذِبًا أنَّهم شُرَكائي في العِبادةِ؛ نادُوهم لِيَنصُروكم ويَمنَعوكم مِن عَذابي، فاستغاثَ المُشرِكونَ بآلهَتِهم فلم يُجيبوهم ولم يَنصُروهم، وجعَلْنا بيْن المُشرِكينَ وآلهَتِهم حائِلًا مُهلِكًا يَفصِلُ بيْنَهم؛ فليس لأحدِ الفريقَينِ مِن سَبيلٍ للوُصولِ إلى الآخَرِ

وَرَأَى الْمُجْرِمُونَ النَّارَ فَظَنُّوا أَنَّهُمْ مُوَاقِعُوهَا وَلَمْ يَجِدُوا عَنْهَا مَصْرِفًا

وعاينَ المُشرِكونَ النَّارَ فتيَقَّنوا أنَّهم داخِلُوها، وواقِعونَ فيها، ولم يجِدِوا عن النَّارِ الَّتي رأَوها مَكانًا يَنصَرِفونَ إليه، فيَصرِفُهم عن الوُقوعِ فيها، أو طَريقًا يَعدِلون عنها إليه

وَلَقَدْ صَرَّفْنَا فِي هَذَا الْقُرْآَنِ لِلنَّاسِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ وَكَانَ الْإِنْسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا

ولقد نَوَّعْنا وكرَّرْنا وبَيَّنَّا في هذا القُرآنِ للنَّاسِ الأمثالَ بعِباراتٍ مُختَلفةٍ، وأساليبَ مُتَنوِّعةٍ، ومِن كُلِّ جِنسٍ وصِنفٍ؛ لِيَعقِلوا ويتذَكَّروا، ويتَّعِظوا ويَهتَدوا إلى الحَقِّ، ومع هذا البَيانِ لم يتقَبَّلوا القُرآنَ، وجادلوا فيه؛ لأنَّ الإنسانَ بطَبعِه هو أكثَرُ الأشياءِ مُجادَلةً ومُخاصَمةً ومعارضةً للحقِّ بالباطلِ

وَمَا مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا إِذْ جَاءَهُمُ الْهُدَى وَيَسْتَغْفِرُوا رَبَّهُمْ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمْ سُنَّةُ الْأَوَّلِينَ أَوْ يَأْتِيَهُمُ الْعَذَابُ قُبُلًا

وما منَع النَّاسَ مِن الإيمانِ بالحَقِّ حينَ جاءَهم، وأن يَطلُبوا مِن رَبِّهم مَغفِرةَ ذُنوبِهم، إلَّا ما قدَّره الله وسبَق في علمِه أنَّهم لا يؤمنون، بل يَستَمِرُّون على كفرِهم حتَّى تأتيَهم سُنَّةُ الأممِ الكافرةِ قبْلَهم، وهي عذابُ الاستئصالِ، والإهلاكُ في الدُّنيا، أو يأتيَ العذابُ الكُفَّارَ عِيانًا يَرَونَه أمامَ وُجوهِهم

وَمَا نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَيُجَادِلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالْبَاطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ وَاتَّخَذُوا آَيَاتِي وَمَا أُنْذِرُوا هُزُوًا

وما نُرسِلُ الرُّسُلَ إلَّا لِيُبَشِّروا المُؤمِنينَ بالثَّوابِ العاجِلِ والآجِلِ، ويُنذِروا الكافِرينَ بالعِقابِ العاجِلِ والآجِلِ، ولم نُرسِلْهم للجِدالِ والخُصُوماتِ، ولكِنَّ الكُفَّارَ يُخاصِمونَ رُسُلَهم بالباطِلِ؛ لِيُزيلوا ويُبطِلوا بجِدالِهم الحقَّ الَّذي جاءَت به الرُّسُلُ، وجعَل الكُفَّارُ حُجَجي وبَراهيني، وما أيَّدتُ به رُسُلي من المُعجِزاتِ، وما خُوِّفوا به مِن العذابِ، موضعَ سخريةٍ واستخفافٍ واستهزاءٍ

وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآَيَاتِ رَبِّهِ فَأَعْرَضَ عَنْهَا وَنَسِيَ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ إِنَّا جَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آَذَانِهِمْ وَقْرًا وَإِنْ تَدْعُهُمْ إِلَى الْهُدَى فَلَنْ يَهْتَدُوا إِذًا أَبَدًا

ولا أحدَ أظلمُ لِنَفسِه ممَّن ذُكِّرَ بآياتِ رَبِّه الَّتي تَدُلُّه على طريقِ الحَقِّ، فأعرَضَ عنها، فلم يتدبَّرْها، ولم يتَّعِظْ ويتذكَّرْ بها، ونَسِيَ ما عَمِلَ مِن السيِّئاتِ مِن الكُفرِ والمعاصي، فلم يتفكَّرْ في عاقِبتِها، ولم يَتُبْ إلى اللهِ منها، إنَّا جعَلْنا على قُلوبِ هؤلاء المُعرِضينَ عن آياتِ اللهِ إذا ذُكِّروا بها أغطيةً؛ لئَلَّا يَفهَموا ما ذُكِّروا به منها، ولا يُدرِكوا معانيَها إدراكًا ينتَفِعونَ به، وجعَلْنا في آذانِهم ثِقلًا؛ لئلَّا يَسمَعوا آياتِه سَماعَ فَهمٍ وانتِفاعٍ بها، وإن تَدعُهم -يا مُحمَّدُ- إلى طريقِ الحَقِّ، فلن يَسلُكوه أبدًا

وَرَبُّكَ الْغَفُورُ ذُو الرَّحْمَةِ لَوْ يُؤَاخِذُهُمْ بِمَا كَسَبُوا لَعَجَّلَ لَهُمُ الْعَذَابَ بَلْ لَهُمْ مَوْعِدٌ لَنْ يَجِدُوا مِنْ دُونِهِ مَوْئِلًا

وربُّك -يا مُحمَّدُ- كثيرُ السَّترِ على ذُنوبِ عِبادِه، والتَّجاوُزِ عن مؤاخَذتِهم بها، وهو الرَّحيمُ بهم، لو أراد أن يُعاقِبَ هؤلاء الكفارَ، المُعرِضينَ عن آياتِه، بما عَمِلوا مِن الذُّنوبِ والآثامِ، لعجَّلَ لهم العذابَ في الدُّنيا، ولكِنَّه تعالى لاتِّصافِه بالمغفرةِ والرَّحمةِ، ترَكَ معاجَلَتَهم، ولكنْ لهم مَوعِدٌ مَضروبٌ، وأجلٌ مقدَّرٌ لعذابِهم، يُؤَخِّرُهم اللهُ إليه، ولن يَجِدوا مَلجَأً يَلجَؤون إليه مِنَ العذابِ

وَتِلْكَ الْقُرَى أَهْلَكْنَاهُمْ لَمَّا ظَلَمُوا وَجَعَلْنَا لِمَهْلِكِهِمْ مَوْعِدًا

وتلك قُرى قَومِ نُوحٍ، وهُودٍ، وصالحٍ، وشُعَيبٍ، ولوطٍ، وغيرِهم من الأُمَمِ الماضيةِ؛ أهلَكْنا أهلَها لَمَّا ظَلَموا أنفُسَهم بالكُفرِ والمعاصي، وجعَلْنا لوَقتِ إهلاكِهم مِيقاتًا مَعلومًا ومَوعِدًا مُقَدَّرًا لا يُتقَدَّمُ عنه ولا يُتأخَّرُ

وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِفَتَاهُ لَا أَبْرَحُ حَتَّى أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ أَوْ أَمْضِيَ حُقُبًا

واذكُرْ -يا مُحمَّدُ- حينَ قال موسَى لفتاه يُوشَعَ بنِ نون: لا أزالُ أسيرُ في طَلَبِ العَبدِ الَّذي أخبَرَني اللهُ بعِلمِه وفَضلِه، حتَّى أصِلَ إلى مَوضِعِ مُلتقَى البَحرينِ الَّذي أعرِفُه فألقاه هناك، أو أسيرَ زمانًا طَويلًا -إن لم أظفَرْ به هناك- حتَّى أجِدَه؛ لأتعَلَّمَ منه ما لا أعلَمُ

فَلَمَّا بَلَغَا مَجْمَعَ بَيْنِهِمَا نَسِيَا حُوتَهُمَا فَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ سَرَبًا

فلمَّا وصَلَ موسى وفتاه إلى مكانِ اجتِماعِ البَحرينِ نَسِيَا حوتَهما الَّذي جعَلَه اللهُ علامةً على وجودِ الخَضِرِ في المكانِ الَّذي يَفقِدانِه فيه، فشقَّ الحوتُ طريقَه الَّذي سلَكَه في البَحرِ نفقًا ظاهرًا في الماءِ، لا يَلتَئِمُ بعدَه!

فَلَمَّا جَاوَزَا قَالَ لِفَتَاهُ آَتِنَا غَدَاءَنَا لَقَدْ لَقِينَا مِنْ سَفَرِنَا هَذَا نَصَبًا

فلمَّا جاوز موسى وفتاه مجْمَعَ البَحرينِ الَّذي نسِيا فيه الحوتَ، قال موسى لفتاه: أحضِرْ طعامَنا لنأكُلَ منه فنتقَوَّى به، لقد وجَدْنا في سَفَرِنا هذا تعبًا ومَشقَّةً

قَالَ أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنَا إِلَى الصَّخْرَةِ فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ وَمَا أَنْسَانِيهُ إِلَّا الشَّيْطَانُ أَنْ أَذْكُرَهُ وَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ عَجَبًا

قال يُوشَعُ لموسى: أرأيتَ حينَ أقَمْنا عندَ الصَّخرةِ الَّتي في مَجمَعِ البَحرينِ، فإنِّي نَسِيتُ الحوتَ في ذلك المكانِ !وما أنساني أن أذكُرَ الحُوتَ إلَّا الشَّيطانُ، واتَّخَذ الحوتُ طريقَه الَّذي سلَكه في البحرِ عجبًا

قَالَ ذَلِكَ مَا كُنَّا نَبْغِ فَارْتَدَّا عَلَى آَثَارِهِمَا قَصَصًا

قال موسى لفتاه: فَقْدُ الحوتِ هو ما نَطلُبُه في سَفَرِنا؛ حيث نَجِدُ الرَّجُلَ الَّذي نبحَثُ عنه في المكانِ الَّذي فقَدْنا فيه الحوتَ، فرجَعَ موسى وفتاه مِن الطَّريقِ الَّذي أتَيَا منه يتتَبَّعانِ آثارَ سَيرِهما؛ لِيَصِلا إلى الصَّخرةِ الَّتي فقَدَا الحوتَ عندَها

فَوَجَدَا عَبْدًا مِنْ عِبَادِنَا آَتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْمًا

فوجد موسى وفتاه عندَ الصَّخرةِ عَبدًا مِن عبادِ اللهِ -وهو الخَضِرُ- وهَبْنا له مِن عِندِنا رَحمةً واسعةً عَظيمةً، وعَلَّمْناه مِن عِندِنا عِلمًا نافِعًا خَصَصْناه به، ومِن ذلك ما أطلَعَه اللهُ عليه مِن عِلمِ الغَيبِ

قَالَ لَهُ مُوسَى هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا

قال موسى للخَضِرِ: هل أصحَبُك لتعَلِّمَني مِمَّا عَلَّمَك اللهُ عِلمًا أهتدي به إلى الصَّوابِ؟

قَالَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا

قال الخَضِرُ لموسى: إنَّك لن تُطيقَ الصَّبرَ على اتِّباعي؛ لِما تراه مِن أفعالي الَّتي ظاهِرُها مُنكَرٌ، وباطِنُها بخلافِ ذلك

وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلَى مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْرًا

وكيف تَصبِرُ -يا موسى- على إقراري على فِعلِ ما تظنُّه مُنكَرًا، وأنت لا تعلَمُ وَجهَ صَوابِه، ولا الحِكمةَ مِن فِعلي له، ولا مَصلحَتَه الباطِنةَ التي أُطلِعْتُ عليها دونَك؟!

قَالَ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ صَابِرًا وَلَا أَعْصِي لَكَ أَمْرًا

قال موسى للخَضِر: ستَجِدُني -إن شاء اللهُ- صابِرًا على ما أرى منك، وإن كان على خِلافِ ما أراه صَوابًا، ولا أخالِفُك في أيِّ شَيءٍ تأمُرُني به

قَالَ فَإِنِ اتَّبَعْتَنِي فَلَا تَسْأَلْنِي عَنْ شَيْءٍ حَتَّى أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْرًا

قال الخَضِرُ لموسى: فإنْ صَحِبْتَني فلا تبتَدِئْني بالسُّؤالِ عن أيِّ شَيءٍ أفعَلُه مِمَّا تَستَنكِرُه، لا تَسأَلْني أبدًا إلى أن أُخبِرَك عن سَبَبِ فِعلي الَّذي تَستَنكِرُه، وأبَيِّنَ لك حقيقَتَه، ووجْهَ صَوابِه

فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا رَكِبَا فِي السَّفِينَةِ خَرَقَهَا قَالَ أَخَرَقْتَهَا لِتُغْرِقَ أَهْلَهَا لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا إِمْرًا

فانطلَق موسى والخَضِرُ يَسيرانِ إلى أنْ رَكِبا سَفينةً في البَحرِ، فقام الخَضِرُ بخَرقِها، قال موسى للخَضِر: أخرَقْتَ السَّفينةَ لتُغرقَ ركَّابَها؛ فإنَّ خرقَها سببٌ لدُخولِ الماءِ فيها وغَرقِهم؟! لقد أتيتَ شيئًا عظيمًا، وفعَلْتَ فِعلًا منكرًا

قَالَ أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا

قال الخَضِرُ لِموسى: ألم أُخبِرْك بأنَّك لن تُطيقَ الصَّبرَ على اتِّباعي؛ لِما تراه مِن أفعالي الَّتي ظاهِرُها مُنكَرٌ قَبيحٌ؟! وأنَّك لن تَصبِرَ عن سؤالي عن أفعالي؛ لأنَّك لم تُحِطْ بها خُبْرًا؟!

قَالَ لَا تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ وَلَا تُرْهِقْنِي مِنْ أَمْرِي عُسْرًا

قال موسى للخَضِرِ مُعتَذِرًا: لا تُؤاخِذْني بالَّذي نَسيتُه مِن عَهدِك إلَيَّ، واشتِراطِك ألَّا أسألَك عن شَيءٍ حتَّى تُخبِرَني، ولا تُضَيِّقْ علَيَّ أمري معك، وتُشَدِّدْ علَيَّ في صُحبتي لك

فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا لَقِيَا غُلَامًا فَقَتَلَهُ قَالَ أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا نُكْرًا

فانطلقَ موسى والخَضِرُ بعدَ ذلك يَسيرانِ إلى أن لَقِيَا غُلامًا صَغيرًا، فقتَلَه الخَضِرُ، قال موسى مُنكِرًا على الخَضِرِ قَتْلَ الغُلامِ: أقتَلْتَ نفسًا طاهرةً من الذُّنوبِ بغيرِ حَقٍّ ومُستَنَدٍ يُخَوِّلُ لك قَتْلَه؟! لقد فعلتَ -بقَتلِك الغُلامَ بغيرِ ذَنبٍ- فِعلًا مُنكَرًا ظاهِرَ النَّكارةِ !