التفسير المحرر
الحجر
الحجر
الر تِلْكَ آَيَاتُ الْكِتَابِ وَقُرْآَنٍ مُبِينٍ (1).
هذه الحروفُ المقطَّعةُ الَّتي افتُتِحَت بها هذه السُّورةُ وغيرُها، تأتي لبيانِ إعجازِ القُرآنِ؛ حيث تُظهِرُ عجْزَ الخَلقِ عن مُعارَضتِه بمِثْلِه، مع أنَّه مركَّبٌ مِن هذه الحروفِ العربيَّةِ الَّتي يَتحدَّثون بها! هذه الآياتُ العاليةُ المَقامِ، الرَّفيعةُ الشَّأنِ، آياتُ الكِتابِ الجامِعِ لأنواعِ الكَمالِ، وآياتُ قرآنٍ عظيمٍ واضحٍ إعجازُه للخَلقِ، مُظهِرٍ للحقائِقِ بأحسَنِ بَيانٍ، وأوضَحِه.
رُبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كَانُوا مُسْلِمِينَ (2).
سيَندمُ الَّذين كَفَروا باللَّهِ على ما كانوا فيه مِنَ الكفرِ، ويتمَنَّونَ لو كانوا مُسلِمينَ في الدُّنيا، مُوَحِّدينَ، مُنقادِينَ لأمرِ اللهِ تعالى، وخاضِعينَ لأحكامِه.
ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا وَيُلْهِهِمُ الْأَمَلُ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ (3).
اترُكِ الكُفَّارَ -يا محمَّدُ- يأكُلوا في هذه الدُّنيا ما هم آكِلوه، ويتمَتَّعوا بشَهَواتِها ولذَّاتِها، ويَشغَلْهم الأملُ عن الإيمانِ باللهِ تعالى وطاعتِه، والاستعدادِ للآخرةِ، فسوفَ يعلَمُ الكُفَّارُ أنَّهم خاسِرونَ، وأنَّ عاقِبةَ كُفرِهم عذابٌ أليمٌ مُهينٌ.
وَمَا أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا وَلَهَا كِتَابٌ مَعْلُومٌ (4).
وما أهلَكْنا أهلَ قريةٍ يستَحِقُّونَ العذابَ إلَّا وكان لهلاكِهم زمنٌ محدَّدٌ مكتوبٌ في اللَّوحِ المحفوظِ، فلا نُهلِكُهم حتَّى يَبلُغوه.
مَا تَسْبِقُ مِنْ أُمَّةٍ أَجَلَهَا وَمَا يَسْتَأْخِرُونَ (5).
لا يتقدَّمُ هلاكُ أمَّةٍ قبلَ الوَقتِ الَّذي قدَّرَهُ اللهُ لهلاكِها، ولا يستأخِرُ فيتجاوَز الوقتَ المحدَّدَ له.
وَقَالُوا يَا أَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ (6).
وقال مُشرِكو قُريشٍ لمحمَّدٍ -عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ- تهكُّمًا به: يا مَن يزعُمُ أنَّ اللهَ نزَّل عليه القرآنَ، إنَّك لَمجنونٌ في دَعوتِك لنا إلى اتِّباعِك، وتَرْكِ عبادةِ الأصنامِ الَّتي وجَدْنا عليها آباءَنا!
لَوْ مَا تَأْتِينَا بِالْمَلَائِكَةِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (7).
وقالوا له: هلَّا تُحضِرُ إلينا الملائِكةَ؛ ليَشهَدوا لك على ما تَقولُ، إن كنتَ مِن الصَّادِقينَ في أنَّك رَسولٌ مِن عندِ اللهِ حقًّا، فإنْ لم تأتِنا بالملائكةِ، فلسْتَ بصادقٍ في دَعواك!
مَا نُنَزِّلُ الْمَلَائِكَةَ إِلَّا بِالْحَقِّ وَمَا كَانُوا إِذًا مُنْظَرِينَ (8).
ما نُنَزِّلُ الملائِكةَ إلَّا بما يحِقُّ ويجِبُ -كالوحيِ أو العذابِ، وغيرِ ذلك- تَنزيلًا مُلتَبِسًا بالحِكمةِ والمصلحةِ، لا على حسَبِ اقتراحِ الكُفَّارِ، ولو نزَّلنا الملائِكةَ على الكُفَّارِ -كما اقتَرَحوا- فرَأَوُا الملائِكةَ عِيانًا ولم يُؤمِنوا؛ فلن يُمهِلَهم اللهُ، وسيُعَذِّبُهم في الحالِ.
إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ (9).
إنَّا نحنُ نزَّلْنا القرآنَ الَّذي فيه الذِّكرَى والموعِظةُ والشَّرَفُ، وإنَّا له لَحافِظونَ في حالِ إنزالِه مِن استِراقِ كلِّ شَيطانٍ رَجيمٍ، وبعدَ إنزالِه بحِفظِ ألفاظِه ومَعانيه مِن الزِّيادةِ والنَّقصِ والتَّحريفِ.
وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ فِي شِيَعِ الْأَوَّلِينَ (10).
ولقد أرسَلْنا مِن قَبلِك -يا مُحمَّدُ- رسُلًا في الأُمَمِ الماضيةِ.
وَمَا يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (11).
وما أتَى تلك الأُمَمَ الماضيةَ مِن رَسولٍ أرسَله اللهُ إليهم؛ لدَعوتِهم إلى الحَقِّ، إلَّا سخِروا به وكَذَّبوه.
كَذَلِكَ نَسْلُكُهُ فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ (12).
كذلك نُدخِلُ القرآنَ قلوبَ المجرمينَ، فهم يَسمعونَه ويفهمونَه ويعلمونَ أنَّه حقٌّ، وأنَّه يفوقُ كلَّ كلامٍ، وأنَّهم عاجزونَ عن معارضتِه، مع أنَّه بلسانِهم، ومع ذلك يُكذِّبونَ به.
لَا يُؤْمِنُونَ بِهِ وَقَدْ خَلَتْ سُنَّةُ الْأَوَّلِينَ (13).
لا يُؤمِنونَ بالقُرآنِ الَّذي أنزَلْناه على محمَّدٍ عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ، وقد مضتْ عادةُ اللهِ بإهلاكِ الكفَّارِ مِن الأُممِ الماضيةِ ممَّن كذَّبَ الرُّسلَ.
وَلَوْ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَابًا مِنَ السَّمَاءِ فَظَلُّوا فِيهِ يَعْرُجُونَ (14).
ولو فَتَحْنا على هؤلاءِ الكُفَّارِ بابًا مِن السَّماءِ، فجعلوا يصعَدُونَ في وضَحِ النَّهارِ في ذلك البابِ، ويُشاهِدونَ ما في السَّماءِ بأعيُنِهم مِن مَلَكوتِ اللهِ تعالى وقُدرتِه وسُلطانِه ومَلائكَتِه.
لَقَالُوا إِنَّمَا سُكِّرَتْ أَبْصَارُنَا بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَسْحُورُونَ (15).
لجَحَدوا أن يكونوا رأَوا شَيئًا، فقالوا: إنَّما سُدَّتْ أبصارُنا بالسِّحرِ، ومُنِعَت من النَّظَرِ! بل نحن قومٌ سَحَرَنا محمَّدٌ، فما عُدْنا نعقِلُ الأشياءَ ونراها كما يجِبُ!
وَلَقَدْ جَعَلْنَا فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا وَزَيَّنَّاهَا لِلنَّاظِرِينَ (16).
ولقد جعَلْنا في السَّماءِ الدُّنيا مَنازِلَ للشَّمسِ والقَمَرِ في مَسيرِهما، وزيَّنَّا السَّماءَ الدُّنيا بالنُّجومِ لِمَن يُبصِرُها، ولِمَن ينظُرُ إليها فيتأمَّلُها ويعتبِرُ، ويستدِلُّ بها على قُدرةِ خالِقِها ووحدانيَّتِه سُبحانَه.
وَحَفِظْنَاهَا مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ رَجِيمٍ (17).
وحَرَسْنا السَّماءَ الدُّنيا مِن كُلِّ شَيطانٍ مَطرودٍ مِن رَحمةِ الله، لئلَّا يَسْتَمعوا إلى الملأِ الأعلَى.
إِلَّا مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ مُبِينٌ (18).
لكن قد يتقدَّم بعضُ مَرَدَتِهم فيَختطِفُ بخُفْيةٍ خَطفةً يسيرةً ممَّا يَسمعُه مِن الملائكةِ مِن الأخبارِ والحوادثِ ممَّا سوَى الوحيِ، فيلحقُه شهابٌ مِن النَّارِ مضيءٌ ظاهرٌ، فيقتلُه أو يُخبلُه أو يُحرِقُه.
وَالْأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْزُونٍ (19).
والأرضَ بَسَطناها، ووسَّعْناها، وجعَلْنا فيها جِبالًا ثابتةً تُمسِكُها؛ لِئلَّا تَضطَرِبَ بأهلها، وأوْجَدْنا فِي الأرضِ مِن كلِّ شيءٍ مُقَدَّرٍ بقَدْرٍ مَعلومٍ، بقَصدٍ وإرادةٍ.
وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ وَمَنْ لَسْتُمْ لَهُ بِرَازِقِينَ (20).
وهيَّأْنا لكم في الأرضِ -أيُّها النَّاسُ- ما تعيشونَ به مِن المطاعِمِ والمَشارِبِ، ويسَّرْنا لكم الحِرَفَ، وأنواعَ المكاسِبِ، وجَعَلْنا لكم الأولادَ والعَبيدَ والدَّوابَّ والأنعامَ الَّتي نَرزُقُها نحن لا أنتم.
وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ (21).
وما مِن شَيءٍ -مِن جميعِ الأرزاقِ، وأصنافِ الأقدارِ، مِن الأمطارِ وغيرِها- إلَّا عندَ الله وَحْدَه خَزائِنُه، ومفاتيحُه بِيَدِه؛ فهو مالِكُ كُلِّ شَيءٍ، وهو القادِرُ على إيجادِه وتكوينِه متى يشاءُ، وما نُنَزِّلُ الأمطارَ والأرزاقَ وغيرَ ذلك إلَّا بمِقدارٍ مُحَدَّدٍ، لا يَزيدُ ولا يَنقُصُ، بحسَبِ مَشيئةِ الله، وما تَقتَضيه حِكمتُه.
وَأَرْسَلْنَا الرِّيَاحَ لَوَاقِحَ فَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَسْقَيْنَاكُمُوهُ وَمَا أَنْتُمْ لَهُ بِخَازِنِينَ (22).
وأرسَلْنا رياحَ الرَّحمةِ لِتُلقِّحَ السَّحابَ، فينشأَ عن ذلك الماءُ الَّذي يحمِلُه السَّحابُ، فأنزَلْنا مِن السَّحابِ مَطَرًا، فمكنَّاكم مِن هذا الماءِ العذْبِ؛ لِشُربِكم، وشُربِ أنعامِكم، وسَقْيِ أراضيكم، ليست خزائِنُ المطَرِ عِندَكم، بل نحن الخازِنونَ له، نُنَزِّلُه متى نشاءُ.
وَإِنَّا لَنَحْنُ نُحْيِي وَنُمِيتُ وَنَحْنُ الْوَارِثُونَ (23).
وإنَّا لَنحنُ نُحيي الخَلقَ مِن العدَمِ، ونُحييهم بعدَ مَوتِهم يومَ البَعثِ، ونُميتُ الأحياءَ متى شِئْنا، ونحن الوارِثونَ للأرضِ ومَن عليها مِن الخَلقِ بعدَ مَوتِهم، فلا يبقَى إلَّا اللهُ وَحْدَه سُبحانَه.
وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَقْدِمِينَ مِنْكُمْ وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَأْخِرِينَ (24).
ولقدْ أحاطَ عِلمُنا بمَن تقدَّم منكم -أيُّها النَّاسُ- وبمَن تأخَّر، وبأحوالِكم، وأعمالِكم جميعًا، فلا يخفَى علينا شيءٌ.
وَإِنَّ رَبَّكَ هُوَ يَحْشُرُهُمْ إِنَّهُ حَكِيمٌ عَلِيمٌ (25).
وإنَّ ربَّك -يا مُحمَّدُ- هو وَحْدَه الَّذي يجمَعُ الأوَّلينَ والآخِرينَ يومَ القيامةِ للحِسابِ والجزاءِ، لا شَكَّ في قُدرتِه على ذلك، وصِدقِ وَعدِه، إنَّه -سُبحانه- حَكيمٌ يضَعُ الأشياءَ في مواضِعِها اللَّائقةِ بها، ومِن ذلك حِكمتُه في تدبيرِ خَلقِه، وهو عليمٌ بكُلِّ شَيءٍ، ومِن ذلك عِلمُه بأعدادِ خَلقِه وأحوالِهم وأعمالِهم، فيُجازيهم عليها؛ إنْ خيرًا فخيرٌ، وإنْ شَرًّا فشَرٌّ.
وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ (26).
ولقد خَلَقْنا آدَمَ مِن طينٍ قد اشتَدَّ يُبْسُه بعدَما خُمِّرَ، حتَّى صار له صوتُ صَلصلةٍ إذا نُقِرَ، وهذا الصَّلصالُ مِن طينٍ أسودَ متغَيِّرٍ؛ مِن طُولِ مُكثِه.
وَالْجَانَّ خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ مِنْ نَارِ السَّمُومِ (27).
وإبليسَ -أبا الجِنِّ، المتواريَ عن الأعيُنِ- خَلَقْناه من قبلِ آدمَ مِن النَّارِ الشَّديدةِ الحرارةِ.
وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ (28).
واذكُرْ -يا محمَّدُ- إذ قال ربُّك للملائكةِ: إنِّي خالِقٌ إنسانًا مِن طينٍ يابسٍ أسوَدَ متغَيِّرٍ.
فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ (29).
فإذا أكمَلتُ خَلْقَ آدمَ، وصَوَّرْتُه، وصار جسدًا تامًّا في غايةِ الإتقانِ، ونفخْتُ فيه الرُّوحَ الَّتي هي مِن خَلْقي، فصار بشرًا حَيًّا؛ فخِرُّوا له ساجِدينَ تحيَّةً له وتكريمًا.
فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ (30).
فلمَّا خلَقَ اللهُ آدَمَ، ونفَخَ فيه الرُّوحَ، سجدَ له كلُّ الملائكةِ فَورًا، كما أمَرَهم اللهُ.
إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى أَنْ يَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ (31).
إلَّا إبليسَ امتنَعَ أن يكونَ مع الملائكةِ السَّاجِدينَ لآدَمَ؛ تكبُّرًا منه وحسَدًا لآدمَ.
قَالَ يَا إِبْلِيسُ مَا لَكَ أَلَّا تَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ (32).
قال الله: يا إبليسُ، ما السَّبَبُ الَّذي حمَلَك على ألَّا تكونَ مع الملائكةِ السَّاجِدينَ لآدمَ، وقد أمرتُك بالسُّجودِ معهم؟!
قَالَ لَمْ أَكُنْ لِأَسْجُدَ لِبَشَرٍ خَلَقْتَهُ مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ (33).
قال إبليسُ: لا ينبغي لي أنا -المخلوقَ مِن نارٍ- أن أسجُدَ لهذا الجسَدِ الَّذي خلقْتَه من طينٍ يابسٍ لا مَنعةَ فيه، إذا نُقِرَ أجاب بالتَّصويتِ، أسودَ متغَيِّرٍ، فأنا خيرٌ منه؛ لأنَّك خلقتَني مِن نارٍ
قَالَ فَاخْرُجْ مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ (34).
قال الله لإبليسَ: فاخرُجْ منها فإنَّك مَشتومٌ مُحقَّرٌ مذمومٌ.
وَإِنَّ عَلَيْكَ اللَّعْنَةَ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ (35).
وإنَّ طَرْدَك التَّامَّ مِن رَحمتي سيبقَى في الدُّنيا مُتَّصِلًا بك، لاحِقًا لَك، إلى يومِ القيامةِ الَّذي تُلاقي فيه جزاءَ ما عَمِلتَ.
قَالَ رَبِّ فَأَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (36).
قال إبليسُ: ربِّ فإذ أخرَجْتَني ولعَنْتَني، فأمهِلْني وأخِّرْني، ولا تُهلِكْني إلى أن تبعَثَ خلْقَك يومَ القيامةِ.
قَالَ فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ (37).
قال اللهُ لإبليسَ: فإنَّك من المؤخَّرينَ المُمهَلينَ.
إِلَى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ (38).
إلى الوقتِ الَّذي يموتُ فيه الخلائقُ، وهو وقتُ النَّفخةِ الأُولَى.
قَالَ رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (39).
قال إبليسُ: ربِّ بسبَبِ إغوائِك لي لأُحَسِّنَنَّ للنَّاسِ مَعصيتَك، ولأُرغِّبنَّهم فيها، ولأَشغَلنَّهم بزينةِ الدُّنيا عن طاعتِك، ولأُضِلَّنَّ جميعَ النَّاسِ عن طريقِ الحَقِّ.
إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ (40).
إلَّا عبادَك الَّذين اختَرتَهم لهدايتِك، وطَهَّرتَهم من الشِّركِ والرِّياءِ فصاروا مُخلَصينَ، فلا أستطيعُ إغواءَهم.
قَالَ هَذَا صِرَاطٌ عَلَيَّ مُسْتَقِيمٌ (41).
قال الله: طريقُ الحَقِّ والهُدى والإخلاصِ طريقٌ مُعتَدِلٌ، لا اعوِجاجَ فيه، يدُلُّ علَيَّ، ويُوصِلُ إلَيَّ، وإلى جنَّتي.
إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ (42).
قال اللهُ لإبليسَ: إنَّ عبادي المؤمنينَ الموحِّدينَ الَّذين هديتُهم، ليس لك عليهم حُجَّةٌ وتسَلُّطٌ على قلوبِهم، لكنْ مَن اتَّبَعَك مِن النَّاسِ فرَضِيَ بولايتِك وطاعتِك، ومالَ إلى ما تدعو إليه مِن الضَّلالاتِ؛ فلك عليه تسَلُّطٌ.
وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمَوْعِدُهُمْ أَجْمَعِينَ (43).
وإنَّ جهنَّمَ لَموعِدُ إبليسَ وكُلِّ مَن اتَّبَعه مِن الإنسِ والجِنِّ أجمعينَ، فيَصيرونَ إليها في الآخرةِ.
لَهَا سَبْعَةُ أَبْوَابٍ لِكُلِّ بَابٍ مِنْهُمْ جُزْءٌ مَقْسُومٌ (44).
لِجَهنَّمَ سَبعةُ أبوابٍ، يدخُلُ أهلُ النَّارِ منها، لكلِّ بابٍ من أتْباعِ إبليسَ نصيبٌ مَعلومٌ، يَدخُلونَ منه إلى النَّارِ، كلٌّ يدخُلُ مِن بابٍ بحسَبِ عمَلِه، ويستقِرُّ في دَرْكٍ بقَدْرِ فِعْلِه.
إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (45).
إنَّ الَّذين اتَّقَوُا اللهَ تعالى بامتثالِ ما أمَرَ، واجتنابِ ما نهَى، في جنَّاتٍ -قد احتَوَت على جميعِ الأشجارِ، وأينَعَت فيها جميعُ الثِّمارِ- وعُيونٍ مِثْل عُيونِ الماءِ والخَمرِ، والسَّلسبيلِ والتَّسنيمِ، وغير ذلك.
ادْخُلُوهَا بِسَلَامٍ آَمِنِينَ (46).
يُقالُ للمُتَّقينَ يومَ القيامةِ: ادخُلوا الجنَّةَ مُسَلَّمًا عليكم، سالِمينَ مِن كلِّ داءٍ وآفةٍ، آمِنينَ مِنَ الموتِ والعذابِ، والهُمومِ والغُمومِ والأمراضِ، وانقطاعِ النَّعيمِ أو نُقصانِه، ومِن سائِرِ المُكَدِّراتِ.
وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْوَانًا عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ (47).
واقتَلَعْنا وأخرَجْنا ما في صُدورِ هؤلاء المتَّقينَ مِن الحِقدِ والبُغضِ والحَسَدِ، الَّذي كان بيْنَهم في الدُّنيا، حالَ كَونِهم إخوانًا، يكونونَ على الأسِرَّةِ بعضُهم في مقابِلِ بَعضٍ، ينظُرونَ إلى وُجوهِ جُلَسائِهم، ولا يَنظُرُ بعضُهم إلى قَفا بعضٍ.
لَا يَمَسُّهُمْ فِيهَا نَصَبٌ وَمَا هُمْ مِنْهَا بِمُخْرَجِينَ (48).
لا ينالُ المتَّقينَ في الجنَّةِ أيُّ تَعَبٍ أو مَشَقَّةٍ، وليس المتَّقونَ مِن الجنَّةِ بمُخرَجينَ، بل هم فيها دائِمونَ.
نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (49).
أخبِرْ -يا مُحمَّدُ- عبادي خبَرًا جازِمًا مُؤكَّدًا أنِّي أنا كثيرُ المَغفِرةِ لذُنوبِهم إذا تابُوا، فأستُرُ ذُنوبَهم وأتجاوَزُ عن مُؤاخَذتِهم، كثيرُ الرَّحمةِ بهم إذا استقاموا، ومِن رحمتي أنِّي لا أعذِّبُهم على الذُّنوبِ بعدَ تَوبتِهم منها.
وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الْأَلِيمُ (50).
وأخبِرْ -يا مُحمَّدُ- عبادي أيضًا أنَّ عذابي لِمَن أصرَّ على الكُفرِ والمعاصي، فلم يتُبْ منها، هو العذابُ المُوجِعُ الكثيرُ الإيلامِ؛ فلْيَحذَروا أسبابَ عَذابي، ولْيُقبِلوا على التَّوبةِ والإنابةِ إلَيَّ.
وَنَبِّئْهُمْ عَنْ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ (51).
وأخبِرْ عبادي -يا مُحمَّدُ- عن قِصَّةِ الملائكةِ؛ ضُيوفِ إبراهيمَ عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ؛ فإنَّ في قَصِّك عليهم ذلك ما يُوجِبُ لهم العِبرةَ.
إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقَالُوا سَلَامًا قَالَ إِنَّا مِنْكُمْ وَجِلُونَ (52).
حينَ دخَلَ الملائِكةُ على إبراهيمَ، فقالوا له عَقِبَ دُخولِهم: نُسلِّمُ عليك سَلامًا، قال لهم إبراهيمُ بعدَ أن ردَّ عليهم السَّلامَ: إنَّا منكم خائِفونَ.
قَالُوا لَا تَوْجَلْ إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلَامٍ عَلِيمٍ (53).
قالت الملائكةُ لإبراهيمَ: لا تخَفْ منَّا، إنَّا نُبشِّرُك بمولودٍ لك ذي علمٍ كثيرٍ بالشَّريعةِ الإلهيَّةِ وهو إسحاقُ.
قَالَ أَبَشَّرْتُمُونِي عَلَى أَنْ مَسَّنِيَ الْكِبَرُ فَبِمَ تُبَشِّرُونَ (54).
قال إبراهيمُ للملائكةِ مُتعَجِّبًا: أبشَّرتُموني بولدٍ مع كِبَرِ سِنِّي؟! فبأيِّ شَيءٍ عَجيبٍ تُبشِّرونَني؟! فإنَّ البِشارةَ بما لا يُتصوَّرُ وُقوعُه عادةً لا تصِحُّ.
قَالُوا بَشَّرْنَاكَ بِالْحَقِّ فَلَا تَكُنْ مِنَ الْقَانِطِينَ (55).
قالت الملائكةُ لإبراهيمَ: بشَّرْناك بولَدٍ قد قضى اللهُ أنَّه كائِنٌ بلا شَكٍّ، فلا تكُنْ من اليائسينَ مِن فَضلِ اللهِ، الَّذين يَستبعِدونَ وُجودَ الخيرِ، ولكِنْ أبشِرْ بالولَدِ مع الكِبَر، واقبَلِ البُشرى بذلك.
قَالَ وَمَنْ يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ إِلَّا الضَّالُّونَ (56).
قال إبراهيمُ: ومَن ييئَسُ مِن رَحمةِ اللهِ إلَّا الذَّاهِبونَ عن طريقِ الصَّوابِ، الجاهِلونَ بكَمالِ قُدرةِ ورَحمةِ اللهِ الوهَّابِ.
قَالَ فَمَا خَطْبُكُمْ أَيُّهَا الْمُرْسَلُونَ (57).
قال إبراهيمُ للملائكةِ: فما شأنُكم الخطيرُ الَّذي أرسَلَكم اللهُ به سِوى البِشارةِ؟!
قَالُوا إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمٍ مُجْرِمِينَ (58).
قالت الملائكةُ لإبراهيمَ: إنَّا أرسَلَنا اللهُ إلى قومٍ كافِرينَ كَثُرَ فسادُهم، وعظُمَ خَبَثُهم؛ لنُهلِكَهم.
إِلَّا آَلَ لُوطٍ إِنَّا لَمُنَجُّوهُمْ أَجْمَعِينَ (59).
لكنَّ لوطًا وأهلَه، لن نُهلِكَهم، وسنُخَلِّصُهم جميعًا مِن العذابِ.
إِلَّا امْرَأَتَهُ قَدَّرْنَا إِنَّهَا لَمِنَ الْغَابِرِينَ (60).
إلَّا امرأةَ لُوطٍ، قَضَينا أنَّها مِن المُهلَكينَ الباقينَ في العذابِ؛ لكُفرِها.
فَلَمَّا جَاءَ آَلَ لُوطٍ الْمُرْسَلُونَ (61).
فلمَّا أتَتِ الملائكةُ لوطًا وأهلَه.
قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ مُنْكَرُونَ (62).
قال لُوطٍ للملائكةِ: إنَّكم قومٌ غيرُ مَعروفينَ لدَيَّ، فلا أدري مَن أنتم!
قَالُوا بَلْ جِئْنَاكَ بِمَا كَانُوا فِيهِ يَمْتَرُونَ (63).
قالت الملائِكةُ لِلُوطٍ: بل نحنُ مَلائِكةُ الله، جِئناك بعذابِ قَومِك، الَّذي كانوا يَشُكُّونَ في وُقوعِه بهم.
وَأَتَيْنَاكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ (64).
وأتَيناك باليَقينِ مِن عندِ اللهِ -وهو عذابُ قَومِك- وإنَّا لَصادِقونَ فيما أخبَرْناك به مِن هلاكِهم.
فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ وَاتَّبِعْ أَدْبَارَهُمْ وَلَا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ وَامْضُوا حَيْثُ تُؤْمَرُونَ (65).
فاخرُجْ -يا لوطُ- أنت وأهلُك مِن أرضِ قَومِك بعدَ مُضيِّ وقتٍ مِن اللَّيلِ؛ حيثُ تكونُ العُيونُ قد نامَت، ولا يعلَمُ أحدٌ بمَسراك، وكنْ مِن وراءِ أهلِك، وامشِ خَلْفَهم حينَ تَسري بهم، ولا ينظُرْ أحدٌ منكم وراءَه، ولْتَجِدُّوا في السَّيرِ فتتباعَدوا عن القريةِ، وتنجوا مِن العذابِ النَّازلِ بأهلِها، واذهَبوا إلى المكانِ الَّذي تُؤمَرونَ بالمضيِّ إليه.
وَقَضَيْنَا إِلَيْهِ ذَلِكَ الْأَمْرَ أَنَّ دَابِرَ هَؤُلَاءِ مَقْطُوعٌ مُصْبِحِينَ (66).
وأوحَينا إلى لوطٍ ما قدَّرْناه مِن الأمرِ العظيمِ؛ أنَّ جميعَ قَومِه مُهلَكونَ عن آخِرِهم هَلاكَ استِئصالٍ مَطْلَعَ صَباحِ لَيلتِهم.
وَجَاءَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ يَسْتَبْشِرُونَ (67).
وجاء أهلُ مدينةِ قَومِ لُوطٍ إلى بيتِ لُوطٍ فَرِحينَ مَسرورينَ، يُبَشِّرُ بَعضُهم بعضًا بقُدومِ أضيافِ لُوطٍ؛ طَمعًا في فِعلِ الفاحشةِ بهم!
قَالَ إِنَّ هَؤُلَاءِ ضَيْفِي فَلَا تَفْضَحُونِ (68).
قال لُوطٌ لِقَومِه: إنَّ هؤلاء الَّذين تُريدونَ فِعلَ الفاحِشةِ بهم ضُيوفي، وحَقٌّ على الرَّجُلِ إكرامُ ضُيوفِه، فلا تَفضَحوني في ضُيوفي بتعاطي ذلك الفِعلِ القَبيحِ، فيَلحَقَني العارُ.
وَاتَّقُوا اللَّهَ وَلَا تُخْزُونِ (69).
وخافُوا اللهَ أن يُحِلَّ بكم عَذابَه، ولا تُذِلُّوني وتُهينوني بالتَّعَرُّضِ لضيوفي بمَكروهٍ.
قَالُوا أَوَلَمْ نَنْهَكَ عَنِ الْعَالَمِينَ (70).
قال قَومُ لُوطٍ له: أوَما نَهيْناك -يا لُوطُ- عن ضيافةِ أحدٍ من النَّاسِ؟ فنحن قد أنذَرْناك، ومَن أنذَرَ فقد أعذَرَ.
قَالَ هَؤُلَاءِ بَنَاتِي إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ (71).
قال لُوطٌ لِقَومِه: تزوَّجوا مِن نسائِكم، ولا تَفعَلوا ما حرَّمَ اللهُ عليكم مِن إتيانِ الذُّكورِ، إن كنتُم فاعِلينَ.
لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ (72).
أُقسِمُ بحَياتِك -يا محمَّدُ- إنَّ قومَ لوطٍ لَفي ضَلالتِهم وجَهلِهم وغَفلتِهم يتحيَّرونَ، ولا يهتدونَ؛ بسبَبِ سَكرةِ الهَوى والعِشقِ.
فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ مُشْرِقِينَ (73).
فأخَذَتْهم صيحةٌ عَظيمةٌ هائِلةٌ مُهلِكةٌ، وقتَ شُروقِ الشَّمسِ.
فَجَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ (74).
قَلَبْنا عَليهم مدينَتَهم، فجَعَلْنا أعلاها أسفَلَها، وأنزَلْنا عليهم حِجارةً مِن طينٍ مُتحَجِّرٍ.
إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ (75).
إنَّ في قصَّةِ قَومِ لوطٍ وما فَعَلْناه بهم مِن العذابِ، وبقاءِ آثارِ هَلاكِهم، لَعلاماتٍ للمُتفَرِّسينَ المتأمِّلينَ المتفَكِّرينَ، الَّذين لهم فِكرٌ وفِراسةٌ يفهمونَ بها ما أُريدَ بذلك، فيَعتَبِرونَ.
وَإِنَّهَا لَبِسَبِيلٍ مُقِيمٍ (76).
وإنَّ مدينةَ قَومِ لُوطٍ لَفي طريقٍ باقٍ واضحٍ ثابتٍ يَسلُكُه النَّاسُ، فيَرى كُلُّ مَن يمُرُّ بها آثارَ تَدميرِها.
إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ (77).
إنَّ في إهلاكِنا قَومَ لُوطٍ، وإنجائِنا لوطًا وأهلَه المؤمنينَ، لَعلامةً ودَلالةً واضِحةً للمُؤمِنينَ على انتقامِ اللهِ مِن الكافِرينَ، وإنجائِهم مِن بيْنِ أيديهم سالِمينَ آمِنينَ.
وَإِنْ كَانَ أَصْحَابُ الْأَيْكَةِ لَظَالِمِينَ (78).
وقد كان أصحابُ الغَيضةِ -وهي جماعةُ الشَّجرِ الملتَفِّ المُجتَمِع- ظالِمينَ بِشِركِهم باللهِ، وتَكذيبِهم برَسولِه شُعَيبٍ عليه السَّلامُ، وقَطْعِهم الطَّريقَ، وتَطفيفِهم في الكَيلِ، وبَخسِهم النَّاسَ أشياءَهم.
فَانْتَقَمْنَا مِنْهُمْ وَإِنَّهُمَا لَبِإِمَامٍ مُبِينٍ (79).
فانتقَمْنا مِن أصحابِ الأيكَةِ الظَّالِمينَ، فأهلَكْناهم. وإنَّ كُلًّا مِن دِيارِ قَومِ لُوطٍ ودِيارِ أصحابِ الأيكةِ لَعلى طريقٍ واضِحٍ تُشاهَدُ فيه آثارُ هَلاكِهم، فيَعتَبِرُ بها مَن يمرُّ عليها.
وَلَقَدْ كَذَّبَ أَصْحَابُ الْحِجْرِ الْمُرْسَلِينَ (80).
ولقد كذَّبَ سُكَّانُ الحِجْرِ -وهم ثَمودُ- رَسولَهم صالحًا عليه السَّلامُ، فكذَّبوا بذلك جميعَ المرسَلينَ؛ لأنَّ دَعوتَهم واحِدةٌ.
وَآَتَيْنَاهُمْ آَيَاتِنَا فَكَانُوا عَنْهَا مُعْرِضِينَ (81).
وآتَيْنا ثمودَ حُجَجَنا وبراهينَنا الدَّالَّةَ على صِدقِ رَسولِنا صالحٍ -ومنها النَّاقةُ- فكانوا لا يتَّعِظونَ بها ولا يعتَبِرونَ.
وَكَانُوا يَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا آَمِنِينَ (82).
وكان قَومُ صالحٍ يَنحِتونَ مِن الجبالِ مَساكِنَ آمِنينَ فيها مِن المخاوِفِ.
فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ مُصْبِحِينَ (83).
فأخَذَت قومَ صالحٍ صَيحةُ الهلاكِ في الصَّباحِ.
فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (84).
فما دفَعَ العذابَ عنهم، ولا أجزأَ عنهم ما كانوا يَعمَلونَه ولا نحتُ الجبالِ وجمعُ الأموالِ.
وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ وَإِنَّ السَّاعَةَ لَآَتِيَةٌ فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ (85).
وما خَلَقْنا السَّمواتِ والأرضَ وما فيهما وما بيْنَهما إلَّا لحِكَمٍ ومَصالِحَ عَظيمةٍ، لا عبثًا وباطِلًا، وإنَّ يومَ القيامةِ لآتٍ وواقِعٌ لا ريبَ فيه؛ وفيه يُجازَى النَّاسُ بأعمالِهم، ومِنهم مُشرِكو قَومِك الَّذين كذَّبوك وآذَوك؛ فأعرِضْ -يا محمَّدُ- عن مؤاخَذتِهم في الدُّنيا، واعفُ عنهم عَفوًا حَسَنًا مِن غَيرِ عِتابٍ.
إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ (86).
إنَّ ربَّك -يا محمَّدُ- هو الَّذي خلقَ كُلَّ شَيءٍ، فلا يُعجِزُه شَيءٌ، وسيُعيدُ خَلقَ عِبادِه يومَ البَعثِ، وهو العالِمُ بكُلِّ شَيءٍ، ومِن ذلك عِلمُه بما تفَرَّق مِن أجسادِ العبادِ، وعِلمُه بجميعِ أعمالِهم.
وَلَقَدْ آَتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآَنَ الْعَظِيمَ (87).
ولقد أعطَيناك -يا محمَّدُ- سبعَ آياتٍ؛ هي سُورةُ الفاتحةِ الَّتي تتَّصِفُ بأنَّها مَثانٍ؛ لأنَّها تُثنَّى -أي: تُكرَّرُ- في كلِّ صلاةٍ، وهي القرآنُ العَظيمُ القَدْرِ.
لَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ (88).
لا تَنظُرَنَّ -يا محمَّدُ- وتتطلَّعَنَّ إلى نعيمِ الدُّنيا الَّذي متَّعْنا به أصنافًا مِن الأغنياءِ مِن قَومِك، الَّذين لا يُؤمِنونَ باللهِ واليومِ الآخرِ، ولا تتمَنَّاه، واستغنِ بما آتاك اللهُ مِن القرآنِ عمَّا هم فيه مِن المَتاعِ الفاني، ولا تَحزَنْ على الكُفَّارِ أنَّهم لم يُؤمِنوا، فقَدْ بَلَّغْتَ رسالةَ ربِّك، وألِنْ جانِبَك للمُؤمنينَ، وارفُقْ بهم، وتواضَعْ لهم.
وَقُلْ إِنِّي أَنَا النَّذِيرُ الْمُبِينُ (89).
وقُلْ -يا محمَّدُ- للمُشرِكينَ: إنِّي أنا النَّذيرُ الَّذي قد أبان إنذارَه، وأظهَرَ الحَقَّ لكم، أُنذِرُكم عذابَ اللهِ إن لم تُؤمِنوا به.
كَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى الْمُقْتَسِمِينَ (90).
وأنذِرْ قومَك عذابًا مِثلَ العذابِ الَّذي نزلَ على الَّذين اقْتَسَموا القرآنَ.
الَّذِينَ جَعَلُوا الْقُرْآَنَ عِضِينَ (91).
الَّذين فرَّقوا القرآنَ أجزاءً، وافتروا عليه الباطلَ؛ فقال بعضُهم: هو شِعرٌ، وقال بعضُهم: هو سِحرٌ، وقال بعضُهم: هو كهانةٌ، وقال بعضُهم: هو أساطيرُ الأوَّلينَ!
فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (92).
فأُقسِمُ برَبِّك -يا مُحمَّدُ- لَنسألَنَّهم يومَ القيامةِ أجمعينَ.
عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ (93) .
عمَّا كانوا يَعمَلونَه في الدُّنيا.
فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ (94).
فاجهَرْ بدينِ اللهِ -الَّذي أمَرْناك بتبليغِه- وأظْهِرْه علانيةً، وفرِّقْ بيْنَ الحَقِّ والباطلِ حتَّى تقومَ على النَّاسِ الحُجَّةُ، بلِّغْ ما أُنزِلَ إليك مِن ربِّك، ولا تلتَفِتْ إلى المُشرِكينَ الَّذين يَصُدُّونَك عن تبليغِ دينِ اللهِ، ولا تُبالِ باستِهزائِهم، واكفُفْ عن قِتالِهم.
إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ (95).
إنَّا كَفَيناك الَّذين يَستهزِئونَ بك وبما جئتَ به، وسنَحفَظُك منهم ونعاقِبُهم؛ فبلِّغْ ما أمَرَك اللهُ ولا تَخشَهم.
الَّذِينَ يَجْعَلُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آَخَرَ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ (96).
نكفيك هؤلاء المُستَهزِئينَ الَّذين يتَّخِذونَ مع الله -المستحِقِّ للعبادةِ وَحْدَه- شريكًا في عبادتِه يَعبُدونَه معه، فسوف يعلمونَ -يومَ القيامةِ- ما يَلقَونَ مِن العذابِ.
وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ (97).
وإنَّا لنعلَمُ -يا محمَّدُ- أنَّك يضيقُ صَدرُك؛ بسبَبِ ما تسمَعُه مِن مُشرِكي قَومِك، مِن تكذيبٍ واستهزاءٍ، وطعنٍ في دينِ الله سُبحانَه.
فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ (98).
فافزَعْ -فيما نابك مِن أمرٍ تَكرهُه منهم- إلى تنزيهِ رَبِّك عن كُلِّ ما لا يليقُ به تنزيهًا مُتَلَبِّسًا بحَمدِه سُبحانَه، وافزَعْ إلى الصَّلاةِ لِرَبِّك.
وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ (99).
وتقَرَّبْ إلى رَبِّك على وجهِ الذُّلِّ والخضوعِ والمحبَّةِ له، وداوِمْ على عبادتِه، حتَّى يأتيَك الموتُ وأنت على ذلك.
النحل
أَتَى أَمْرُ اللَّهِ فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ (1).
قَرُبَ مجيءُ القيامةِ بأهوالِها، وقَضاءُ اللهِ بعَذابِكم -أيُّها الكُفَّارُ- فلا تَستعجِلوا ذلك، وتنزَّهَ اللهُ عن أن يكونَ له شريكٌ، وعمَّا يَصِفُه به المُشرِكونَ ممَّا لا يليقُ به.
يُنَزِّلُ الْمَلَائِكَةَ بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ أَنْ أَنْذِرُوا أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاتَّقُونِ (2).
يُنزِّلُ اللهُ الملائكةَ بالوَحيِ مِنْ أمْرِه، على مَن يَشاءُ مِن عِبادِه الَّذين اختارهم للنُّبُوَّةِ، بأن أنذِروا النَّاسَ عذاب اللهِ إن أشرَكوا به؛ فإنَّه لا يستحِقُّ العبادةَ غَيره، فاحذَروا سخطَه وعذابه.
خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ تَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ (3).
خلَقَ اللهُ السَّمواتِ والأرضَ بالحقِّ ليُعبَدَ وَحْدَه، ولِيَعلمَ النَّاسُ عَظَمةَ خالِقها، ويَعلَموا قُدرتَه على إعادةِ خَلقِه يومَ القيامةِ، تعاظَمَ اللهُ عن شِركِ المُشرِكينَ، وترفَّعَ أن يكونَ له شَريكٌ.
خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ (4).
خلَقَ اللهُ الإنسانَ مِن منيِّ الرَّجُلِ ومَنيِّ المرأةِ، فإذا به يكونُ مُخاصِمًا خُصومةً شديدةً في قُدرةِ اللهِ على البعثِ وغَيرِه، ويُكَذِّبُ بالحقِّ، ولا يشكُرُ رَبَّه!
وَالْأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ (5).
وخلَقَ اللهُ الإبِلَ والبقَرَ والغنَمَ، وجَعَلَ لكم في أصوافِها وأوبارِها وأشعارِها مَلابِسُ وفُرُشٌ، وأغطيةٌ وأبنيةٌ تُدَفِّئُكم مِن البَردِ، ولكم فيها فوائِدُ كثيرةٌ مِن نَسلِها وألبانِها ودُهونِها، وغيرِ ذلك، ومِن لُحومِها تأكُلونَ.
وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ (6).
ولكم -أيُّها النَّاسُ- في الأنعامِ جَمالٌ يَجلِبُ لكم السُّرورَ، حينَ تَرجِعونَها مَساءً مِن المَرعَى إلى مَنازِلِها، وحينَ تَذهَبونَ بها صَباحًا إلى مَراعيها.
وَتَحْمِلُ أَثْقَالَكُمْ إِلَى بَلَدٍ لَمْ تَكُونُوا بَالِغِيهِ إِلَّا بِشِقِّ الْأَنْفُسِ إِنَّ رَبَّكُمْ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ (7).
وتَحمِلُ الأنعامُ أبدانَكم وأمتِعتَكم مِن بلدٍ إلى آخَرَ لم تكونوا واصِلينَ إليه مِن دُونِ الأنعامِ إلَّا بمَشقَّةٍ كبيرةٍ، إنَّ ربَّكم الَّذي خلَقَ الأنعامَ، لَذو رأفةٍ ورَحمةٍ بكم.
وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ (8).
وخلَقَ اللهُ لكم الخَيلَ والبِغالَ والحَميرَ؛ لِتَركبوا على ظُهورِها، وجعَلَها اللهُ زينةً لكم، ويَخلُقُ ما لا تعلمُونه مِن المخلوقاتِ.
وَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ وَمِنْهَا جَائِرٌ وَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ (9).
وإلى اللهِ ينتهي طريقُ الحَقِّ المُستَقيمُ، فيُوصِلُ مَن سلَكه إلى اللهِ، ونَيلِ رِضاه وجَنَّتِه، ومِن الطُّرُقِ المَسلوكةِ طُرُقٌ مُعوَجَّةٌ، لا تُوصِلُ سالِكَها إلى اللهِ، ونَيلِ رِضاه وجَنَّتِه، ولو شاء اللهُ لَهَداكم جميعًا -أيُّها النَّاسُ- إلى سُلوكِ الطَّريقِ المُستَقيمةِ.
هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لَكُمْ مِنْهُ شَرَابٌ وَمِنْهُ شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ (10).
اللهُ الَّذي أنعَمَ بكُلِّ تلك النِّعَمِ، هو الَّذي أنزلَ مِن السَّحابِ مطَرًا، فمِنه ماءٌ عَذْبٌ تَشرَبونَه، ومنه ما يُخرجُ اللهُ به شجرًا تَرعَونَ فيه أنعامَكم.
يُنْبِتُ لَكُمْ بِهِ الزَّرْعَ وَالزَّيْتُونَ وَالنَّخِيلَ وَالْأَعْنَابَ وَمِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (11).
يُخرِجُ اللهُ لكم بالمطَرِ أنواعَ الزُّروعِ، والزَّيتونَ، والنَّخيلَ، والأعنابَ، وأنواعًا أُخرى من الفواكِه، إنَّ في ذلك لدَلالةً واضِحةً لِمَن شأنُهم التفكُّرُ في مَخلوقاتِ الله، وما أقامه مِن الحُجَجِ، فيَستَدِلُّوا بها على صفات اللهِ.
وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومُ مُسَخَّرَاتٌ بِأَمْرِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (12).
وذلَّل اللهُ لكم اللَّيلَ والنَّهارَ يتعاقبانِ عليكم؛ فاللَّيلُ لراحتِكم، والنَّهارُ لمَعايشِكم ومنافعِكم، وذلَّلَ لكم الشَّمسَ والقمَرَ يَجريانِ باستمرارٍ؛ لتحقيقِ مصالِحكم؛ كمعرفةِ الأوقاتِ، ونُضجِ الثِّمارِ، وغيرِ ذلك، والنُّجومُ مُذَلَّلاتٌ لكم في السَّماءِ؛ لتَهتَدوا بها في ظُلُماتِ البَرِّ والبَحرِ، إنَّ في تَسخيرِ اللهِ اللَّيلَ والنهارَ، والشَّمسَ والقمرَ والنُّجومَ، لَدَلالاتٍ واضحاتٍ لِمَن شأنُهم أن يفهَموا عن اللهِ ما أخبَرَ به.
وَمَا ذَرَأَ لَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَةً لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ (13).
وسخَّر اللهُ لكم ما بثَّ في الأرضِ، كالدَّوابِّ والثِّمارِ والنَّباتِ، والمعادنِ والجماداتِ، مُختلِفًا ألوانُها، إنَّ في ذلك لَدَلالةً وعِبرةً لِمَن شأنُهم أن يتذكَّروا فيعتَبِرُوا.
وَهُوَ الَّذِي سَخَّرَ الْبَحْرَ لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْمًا طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُوا مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا وَتَرَى الْفُلْكَ مَوَاخِرَ فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (14).
وهو الَّذي ذلَّلَ لكم البَحرَ لتأكُلوا منه سَمكًا طَرِيًّا، ولِتَستخرِجوا منه اللَّآلئَ وغيرَها، فتتزَيَّنوا بلُبسِها، وترَى السُّفُنَ جاريةً، وهي تشقُّ المياهَ والرِّياحَ بصَدرِها، فيُسمَعُ لِجَريِها صوتٌ، فتَستَدِلُّونَ بعدَمِ رُسوبِها وغَرَقِها في الماءِ -مع ثِقَلِها ومُيوعةِ الماءِ ورِقَّتِه- على اللهِ سُبحانَه، وسخَّر اللهُ لكم البحرَ لحملِ السُّفنِ؛ لتركبوها في طلبِ معايشِكم، وتنقلوا عليها البضائعَ مِن بلدٍ إلى بلدٍ؛ طلبًا للرِّزقِ مِن فضلِ الله، وسخَّر الله لكم هذه المَخلوقاتِ؛ لعلَّكم تَشكُرونَ نِعَم الله.
وَأَلْقَى فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ وَأَنْهَارًا وَسُبُلًا لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (15).
وجعلَ اللهُ في الأرضِ جِبالًا تُثَبِّتُها؛ لئلَّا تضطَرِبَ بكم، وجعَل اللهُ في الأرضِ أنهارًا تجري مِن مَوضعٍ إلى آخَرَ؛ لِسَقيِ النَّاسِ، والأنعامِ، والحَرثِ، وطُرُقًا مُيسَّرةً وممتَدَّةً، تَسلُكونَها بسُهولةٍ؛ لِتهتَدوا بها إلى كلِّ موضعٍ تُريدونَ الوُصولَ إليه.
وَعَلَامَاتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ (16).
وجعلَ لكم -أيُّها النَّاسُ- معالِمَ، كالجِبالِ وغَيرِها، تَستدِلُّونَ بها نهارًا، ونجومًا تستدِلُّونَ بها ليلًا على طُرُقِكم في أسفارِكم.
أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لَا يَخْلُقُ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ (17).
أفمَن يخلُقُ مِثلَ تلك المخلوقاتِ العَجيبةِ كمَن لا يَخلقُ شَيئًا، ولا يُنعِمُ عليكم بشَيءٍ، فتُشرِكونَ معه في العبادةِ غيرَه؟! أفلا تتذكَّرونَ نِعَمَ اللهِ عليكم، وعظيمَ سُلطانِه وقُدرتِه، وعجْزَ مَعبوداتِكم، فتَعرِفوا خطأَ ما أنتم عليه مِن الشِّركِ باللهِ، وتُخلِصوا العبادةَ له؟!
وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (18).
وإن تعُدُّوا -أيُّها النَّاسُ- نِعَمَ اللهِ عليكم، لا تُطيقوا إحصاءَ عَدَدِها، فضلًا عن شُكرِها، إنَّ اللهَ يغفرُ لعبادِه تقصيرَهم في شُكرِ نِعَمِه، رحيمٌ بهم، لا يقطَعُ عنهم إحسانَه، ولا يُعذِّبُهم لتَقصيرِهم.
وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُسِرُّونَ وَمَا تُعْلِنُونَ (19).
واللهُ يعلَمُ -أيُّها النَّاسُ- ما تُخفُونَه في أنفُسِكم، ويعلَمُ ما تُظهِرونَه لغيرِكم، فيُحصِي ذلك عليكم ويُجازيكم به
وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ (20).
والأصنامُ الَّتي يَعبُدُها المُشرِكونَ لا تستطيعُ أن تخلُقَ شَيئًا، بل هي مخلوقةٌ.
أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحْيَاءٍ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ (21).
والأصنامُ الَّتي يَعبُدُها المُشرِكونَ جَماداتٌ لا أرواحَ فيها، فلا تسمَعُ ولا تُبصِرُ ولا تَعقِلُ شيئًا، فكيف تُتَّخَذُ آلِهةً؟ وما تدري متى يَبعَثُها اللهُ، فكيف يُرتجَى منها نفعٌ أو ثوابٌ وجزاءٌ؟
إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآَخِرَةِ قُلُوبُهُمْ مُنْكِرَةٌ وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ (22).
مَعبودُكم الَّذي يستحِقُّ عبادتَكم، مَعبودٌ واحِدٌ، والَّذين لا يُؤمِنونَ بالقيامةِ والجنَّةِ والنَّارِ، قُلوبُهم تُنكِرُ الحقَّ، وهم مُمتَنِعونَ كِبْرًا عن قَبولِه، والانقيادِ إليه.
لَا جَرَمَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْتَكْبِرِينَ (23).
حقًّا أنَّ اللهَ يَعلَمُ ما يُسِرُّه المُشرِكونَ في قُلوبِهم مِن إنكارِ الحَقِّ، ويعلَمُ حَقًّا ما يُعلِنونَه مِن الباطلِ، وسيُجازيهم على أعمالِهم الظَّاهِرةِ والباطنةِ، إنَّ اللهَ لا يُحِبُّ المُستكبِرينَ عن قَبولِ الحقِّ، والانقيادِ إليه.
وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ مَاذَا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ قَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ (24).
وإذا قيلَ لهَؤلاء المُشرِكينَ: ما الَّذي أنزَلَه ربُّكم على مُحمَّدٍ؟ قالوا: لم يَنزِلْ عليه شيءٌ، وهذا القُرآنُ الَّذي يزعُمُ محمَّدٌ أنَّ الله أنزَلَه عليه، هو ما سَطَّره الأقدَمونَ في كُتُبِهم مِن الأكاذيبِ والقِصَص الَّتي يتناقَلُها النَّاسُ.
لِيَحْمِلُوا أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ أَلَا سَاءَ مَا يَزِرُونَ (25).
قالوا تلك المقالةَ لِيَحمِلوا ذُنوبَهم كامِلةً يومَ القيامةِ، ولِيحملَ المُشرِكونَ المَتبوعونَ أيضًا بعضَ ذُنوبِ أتْباعِهم الَّذين يُضِلُّونَهم فيقلِّدونهم بغيرِ عِلمٍ، ألا بِئسَ ما يحمِلُه المُشرِكونَ على ظُهورِهم مِن الذُّنوبِ الثَّقيلةِ!
قَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَأَتَى اللَّهُ بُنْيَانَهُمْ مِنَ الْقَوَاعِدِ فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ مِنْ فَوْقِهِمْ وَأَتَاهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُونَ (26).
قد مكرَ الكُفَّارُ -مِن قَبلِ مُشرِكي قُرَيشٍ- بالرُّسُلِ وأتْباعِهم، وصَدُّوا النَّاسَ عن دِينِ اللهِ، فأتاهم عذابُ اللهِ الَّذي اجتَثَّ بُنيانَهم مِن أصلِه، فسقَطَ السَّقفُ عليهم مِن فَوقِ رُؤوسِهم، وأتاهم عذابُ اللهِ بَغتةً مِن حيثُ لا يتوقَّعونَ.
ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يُخْزِيهِمْ وَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تُشَاقُّونَ فِيهِمْ قَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ إِنَّ الْخِزْيَ الْيَوْمَ وَالسُّوءَ عَلَى الْكَافِرِينَ (27).
ثُمَّ يومَ القيامةِ يُذِلُّ اللهُ الكافِرينَ بالعذابِ، ويُظهِرُ فَضائِحَهم، ويَقولُ لهم: أين الَّذين كُنتُم تَزعُمونَ أنَّهم شُركائي، وتتَّخِذونَهم أولياءَ، وتُعادُونَ اللهَ وحِزبَه بسَبَبِهم؟! فلْيَدفَعوا عنكم هذا العَذابَ، قال الَّذينَ آتاهم اللهُ العِلمَ: إنَّ الذِّلَّةَ يومَ القيامةِ والعذابَ كائِنٌ على الكافِرينَ.
الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ فَأَلْقَوُا السَّلَمَ مَا كُنَّا نَعْمَلُ مِنْ سُوءٍ بَلَى إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (28).
إنَّ الخِزيَ والسُّوءَ على الكافِرينَ الَّذين تَقبِضُ الملائِكةُ أرواحَهم، والحالُ أنَّهم ظالِمونَ لأنفُسِهم بالكُفرِ والشِّركِ والمعاصي، فاستسلَمُوا لله عندَ المَوتِ، وانقادُوا لطاعتِه، وقالوا للمَلائِكةِ الَّذين يَقبِضونَ أرواحَهم: ما كُنَّا نَكفُرُ باللهِ، ولا نُشرِكُ به ولا نَعصِيه! فيُقالُ لهم: ليس الأمرُ كما تَزعُمونَ، إنَّ اللهَ عَليمٌ بسوءِ أعمالكم، وسيُجازيكم عليها.
فَادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا فَلَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ (29).
يُقالُ لهم: ادخُلوا أبوابَ جَهنَّمَ، ماكثينَ فيها أبدًا، فبِئسَ المَنزِلُ هي للمتكبِّرينَ عن الحقِّ.
وَقِيلَ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا مَاذَا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ قَالُوا خَيْرًا لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ وَلَدَارُ الْآَخِرَةِ خَيْرٌ وَلَنِعْمَ دَارُ الْمُتَّقِينَ (30).
وقيلَ للمُتَّقينَ: ماذا أنزَلَ ربُّكم مِن الوَحيِ على مُحمَّدٍ؟ قالوا: أنزَلَ اللهُ خَيرًا عَظيمًا -وهو القُرآنُ-، وللمُؤمِنينَ الَّذين أحسَنوا في عِبادةِ اللهِ، وأحسَنوا إلى عِبادِ اللهِ، ثوابٌ حَسَنٌ في الدُّنيا، وَجزاؤُهم في الجنَّةِ خَيرٌ لهم جزاءِ الدُّنيا، ونِعْمَ الدارُ هي للمُتَّقينَ.
جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ لَهُمْ فِيهَا مَا يَشَاءُونَ كَذَلِكَ يَجْزِي اللَّهُ الْمُتَّقِينَ (31).
بَساتينُ إقامةٍ يَدخُلُها المُتَّقونَ، ولا يَرحَلونَ عنها، تَجري مِن تَحتِ أشجارِها وقُصورِها الأنهارُ، ولهم فيها كُلُّ ما تَشتَهيه أنفُسُهم، كذلكَ يَجزي اللهُ كُلَّ مَن اتَّقاه.
الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ طَيِّبِينَ يَقُولُونَ سَلَامٌ عَلَيْكُمُ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (32).
يَجزي اللهُ بذلك المتَّقينَ الَّذين تَقبِضُ ملائِكةُ المَوتِ أرواحَهم، وهم طَيِّبونَ بطَهارتِهم مِن الشِّركِ والمعاصي، وتقولُ ملائِكةُ الموتِ لهم عندَ قَبضِ أرواحِهم: سَلامٌ عليكم، ادخُلوا الجنَّةَ بسبَبِ ما كُنتُم تَعمَلونَه في الدُّنيا مِن الأعمالِ الصَّالحةِ؛ طلبًا لِمَرضاةِ اللهِ تعالى.
هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلَائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ أَمْرُ رَبِّكَ كَذَلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَمَا ظَلَمَهُمُ اللَّهُ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (33).
هل يَنتَظِرُ هؤلاء المُشرِكونَ إلَّا أن تأتيَهم الملائِكةُ لِقَبضِ أرواحِهم وهم ظالِمونَ لأنفُسِهم؟ أو يأتيَ أمرُ اللهِ بحَشرِهم يومَ القيامةِ؟ كذلك فعلَ الَّذين من قبلِهم، فأصَرُّوا على كفرِهم، وتَمادَوا في شِركِهم إلى أن هلكوا، وما ظلَمَهم اللهُ بعدَ أن أقامَ عليهم الحُجَّةَ، ولكِنْ كانوا يَظلِمونَ أنفُسَهم باختيارِهم الضَّلالةَ على الهُدى، فاستحَقُّوا عذابَ اللهِ.
فَأَصَابَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا عَمِلُوا وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (34).
فأصاب أولئك الكافِرينَ مِن الأُمَمِ الماضيةِ عُقوباتُ كُفرِهم، وأعمالِهم السَّيِّئةِ، ونزَل وأحاطَ بهم عذابُ اللهِ الَّذي كانوا يَسخَرونَ منه، ومِن الرُّسُلِ إذا توعَّدوهم به
وَقَالَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا عَبَدْنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ نَحْنُ وَلَا آَبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ كَذَلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَهَلْ عَلَى الرُّسُلِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ (35).
وقال المُشرِكونَ مُحتَجِّينَ -كَذِبًا- بالقَدَرِ على شِركِهم، وتَحريمِهم ما لم يُحَرِّمْه اللهُ: لو شاءَ اللهُ ما عَبَدْنا شَيئًا مِن دُونِه، ولا حَرَّمْنا شيئًا مِن الأنعامِ الَّتي ابتَدَعْنا تحريمَها، وهذا دليلٌ على رِضاه عن أعمالِنا، وإلَّا لقدَّرَ غيرَ ذلك! كذلك فعَلَ مَن قَبلَهم مِن المُشرِكينَ، وليس الأمرُ كما يقولونَ، بل أنكَرَ اللهُ سوء أعمالهم، ونهاهم عنها على ألسِنَةِ رُسُلِه، وقد بلَّغُوهم، وأوضَحُوا لهم.
وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلَالَةُ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ (36).
ولقد بعَثْنا في كلِّ طائفةٍ مِن النَّاسِ رَسولًا يأمُرُهم بعبادةِ اللهِ وَحْدَه، وتَرْكِ عبادةِ مَن دونَه، فحُجَّتُه سُبحانَه قد قامَتْ على جميعِ الأُمَمِ، فمِنَ الأُمَمِ مَن أرشَدَهم اللهُ ووفَّقَهم للحقِّ، ومِن الأُمَمِ مَن وجَبَت عليهم الضَّلالةُ، ولَزِمَهم الكُفرُ، فأهلَكَهم اللهُ، فسِيروا في الأرضِ للاعتبارِ، فانظُروا إلى نهايةِ أمرِ الأُمَمِ المكذِّبةِ بالحقِّ؛ أهلكهم اللهُ.
إِنْ تَحْرِصْ عَلَى هُدَاهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ يُضِلُّ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ (37).
إنْ تَحرِصْ -يا مُحمَّدُ- على هدايةِ المُشرِكينَ لاتِّباعِ الحَقِّ، فإنَّ اللهَ لا يَهدي إليه مَن قدَّر بحِكمتِه وعَدلِه دوامَ ضَلالِه، فلا تُجهِدْ نَفسَك في أمْرِه، وبلِّغْه ما أُرسِلْتَ به؛ لِتقومَ عليه الحُجَّةُ، وما للضَّالِّينَ مِن ناصِرينَ يَمنَعونَ عنهم عُقوبةَ اللهِ، ويُنقِذونَهم مِن عَذابِه.
وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَا يَبْعَثُ اللَّهُ مَنْ يَمُوتُ بَلَى وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (38).
وحلَفَ مُشرِكو قُرَيشٍ باللهِ، وغَلَّظوا الأيْمانَ وأكَّدُوها، على أنَّ اللهَ لا يَبعَثُ الموتَى بعدَ أنْ صاروا تُرابًا! بلى سيبعَثُ اللهُ الموتى، وهذا وعْدٌ من اللهِ لا يُخلَفُ، ولكنَّ أكثَرَ النَّاسِ يُنكُرون ذلك لجَهلِهم باللهِ تعالى.
لِيُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي يَخْتَلِفُونَ فِيهِ وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّهُمْ كَانُوا كَاذِبِينَ (39).
سيَبعَثُ اللهُ الموتى؛ لِيُظهرَ لهم في الآخرةِ الحقَّ الَّذي كانوا يَختَلِفونَ فيه -ومِن ذلك اختِلافُهم في ثُبوتِ البَعثِ- ويَحكُمَ بيْنَهم، ويَجزيَ كلًّا بما عَمِلَه، ولِيَعلَمَ الَّذين كَفَروا باللهِ تعالى، وأنكَروا البَعثَ أنَّهم كانوا كاذِبينَ في حَلِفِهم على إنكارِه.
إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (40).
إنَّما قَولُنا لشَيءٍ نُريدُ إيجادَه أن نقولَ له مَرَّةً واحِدةً: كُنْ، فيكونُ كما أرَدْنا بلا تأخيرٍ، ولا تعَبٍ، ولا مشَقَّةٍ، ومِن ذلك إحياءُ الموتى.
وَالَّذِينَ هَاجَرُوا فِي اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا لَنُبَوِّئَنَّهُمْ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَلَأَجْرُ الْآَخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ (41).
والَّذين تَرَكوا أوطانَهم وقَومَهم؛ ابتغاءَ مَرضاةِ اللهِ مِن بَعدِ ما ظَلَمَهم الكُفَّارُ وعَذَّبوهم لَنُسكِنَنَّهم في الدُّنيا بلدًا يَرضَونَها، ولَنَرزُقَنَّهم رِزقًا واسعًا، وعيشًا هنيئًا، ونؤتيهم جزاءً حَسَنًا، وثوابُ اللهِ للمُهاجِرينَ في الجنَّةِ أعظَمُ مِن ذلك. ولو كان المتخَلِّفونَ عن الهِجرةِ يَعلَمونَ ثوابَ اللهِ للمُهاجرينَ في الدُّنيا والآخرةِ، لَمَا تخلَّفَ أحدٌ منهم.
الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (42).
المُهاجِرونَ الَّذين وصَفَهم اللهُ هم الَّذين صَبَروا في اللهِ، وعلى ربِّهم يَعتَمِدونَ، ويُفوِّضونَ إليه أمورَهم.
وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (43).
وما أرسَلْنا الأنبياءَ مِن قَبلِك -يا مُحمَّدُ- إلَّا رِجالًا مِن بني آدمَ نُوحي إليهم لا ملائِكةً، فاسألوا -أيُّها المُشرِكونَ- أهلَ الكِتابِ عن ذلك، إنْ كُنتُم لا تَعلَمونَ أنَّ رُسُلَ اللهِ كانوا بشرًا لا مَلائِكةً.
بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ (44).
أرسَلْنا الأنبياءَ السَّابِقينَ بالحُجَجِ والكُتُبِ، وأنزَلْنا إليك -يا مُحمَّدُ- القُرآنَ؛ لتوضِّحَ للنَّاسِ ما نزَّلَ اللهُ إليهم، ولعلَّهم يتفكَّرون في آياتِه، ويَعتَبِروا بها.
أَفَأَمِنَ الَّذِينَ مَكَرُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ يَخْسِفَ اللَّهُ بِهِمُ الْأَرْضَ أَوْ يَأْتِيَهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُونَ (45).
أفأمِنَ الَّذين كَفَروا باللهِ وعَصَوه -ومِن ذلك سَعيُهم في إبطالِ الإسلامِ، وكَيدُهم بالمُسلِمينَ- أن تبتَلِعَهم الأرضُ؟ أو يأتيَهم عذابُ اللهِ مِن حيثُ لا يَشعُرونَ بمَجيئِه إليهم، ولا مِن أين يأتيهم.
أَوْ يَأْخُذَهُمْ فِي تَقَلُّبِهِمْ فَمَا هُمْ بِمُعْجِزِينَ (46).
أو يُهلِكَ اللهُ الكافِرينَ بالعذابِ في حالِ سَفَرِهم وتصَرُّفِهم في مَعايشِهم وأشغالِهم، فلا مَهرَبَ لهم.
أَوْ يَأْخُذَهُمْ عَلَى تَخَوُّفٍ فَإِنَّ رَبَّكُمْ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ (47).
أو يُهلِكَهم حالَ تخوُّفٍ، فإنَّ ربَّكم رؤوفٌ رَحيمٌ بعبادِه.
أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى مَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ يَتَفَيَّأُ ظِلَالُهُ عَنِ الْيَمِينِ وَالشَّمَائِلِ سُجَّدًا لِلَّهِ وَهُمْ دَاخِرُونَ (48).
أولَمْ يَنظُرْ هؤلاء -الَّذين مَكَروا السَّيِّئاتِ- إلى مخلوقاتِ اللهِ الَّتي لها ظِلٌّ، كالأشجارِ والجِبالِ وغَيرِها، تَرجِعُ ظِلالُها مِن مَوضِعٍ إلى آخَرَ، فتَميلُ ذاتَ اليَمينِ أوَّلَ النَّهارِ، وذاتَ الشِّمالِ في آخِرِه، ساجدةً لربِّها، خاضِعةً لعَظَمتِه، وهم صاغِرونَ تحتَ تَسخيرِه؟
وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ دَابَّةٍ وَالْمَلَائِكَةُ وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ (49).
ولله وحْدَه يسجُدُ جميعُ ما في السَّمواتِ، والأرضِ مِن كلِّ ما يَدِبُّ ويتحَرَّكُ سجودَ ذلٍّ وخُضوعٍ، والملائِكةُ يَسجُدونَ لله، وهم لا يَستَكبِرونَ عن التَّذَلُّلِ له.
يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ (50).
يخافُ الملائِكةُ مِن اللهِ الَّذي هو فَوقَهم بذاتِه وقَهرِه وكَمالِ صِفاتِه، ويَفعَلُ الملائِكةُ ما يأمُرُهم اللهُ بفِعلِه.
وَقَالَ اللَّهُ لَا تَتَّخِذُوا إِلَهَيْنِ اثْنَيْنِ إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ (51).
وقال اللهُ لعِبادِه: لا تَعبُدوا مَعبُودَينِ اثنَينِ، فتَجعَلوا لي شَريكًا في العبادةِ، إنَّما المُستحِقُّ للعبادةِ واحِدٌ، وهو اللهُ، فخافُوني وَحْدِي، وامتَثِلوا أمْري، واجتَنِبوا نَهْيِي.
وَلَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَهُ الدِّينُ وَاصِبًا أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَتَّقُونَ (52).
ولله وَحْدَه مُلكُ ما في السَّمَواتِ والأرضِ مِن خَلقِه، ولله وَحْدَه الطَّاعةُ والإخلاصُ والخُضوعُ دائِمًا؛ فطاعتُه واجِبةٌ على عبادِه، لا تنقَطِعُ، أفغَيرَ اللهِ تتَّقُون -أيُّها النَّاسُ- وهو المَعبودُ الحَقُّ، المتفَرِّدُ بالخَلقِ والملْكِ؟!
وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ (53).
جميعُ ما لديكم -أيُّها النَّاسُ- مِن نِعَمٍ، فمِن الله وَحْدَه، ثمَّ إذا أصابَكم بلاءٌ، فإلى اللهِ تَصرُخونَ بالدُّعاءِ، وبه تَستَغيثونَ وحدَه.
ثُمَّ إِذَا كَشَفَ الضُّرَّ عَنْكُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِنْكُمْ بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ (54).
ثمَّ إذا أزال اللهُ عنكم الشِّدَّةَ، ورفَع البلاءَ، إذا جماعةٌ منكم -أيُّها النَّاسُ- يَجعَلونَ لربِّهم شَريكًا في عبادتِه!
لِيَكْفُرُوا بِمَا آَتَيْنَاهُمْ فَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ (55).
لِيَكْفُرَوا بما آتَيْناهم مِن نِعمةِ كَشْفِ الضُّرِّ عنهم، فتَمَتَّعوا في الدُّنيا قليلًا -أيُّها المُشرِكونَ- فسوف تَعلَمونَ عاقِبةَ كُفرِكم.
وَيَجْعَلُونَ لِمَا لَا يَعْلَمُونَ نَصِيبًا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ تَاللَّهِ لَتُسْأَلُنَّ عَمَّا كُنْتُمْ تَفْتَرُونَ (56).
ويجعَلُ المُشرِكونَ للأصنامِ -الَّتي لا يَعلَمونَ لها حَقًّا، ولا ضَرًّا ولا نَفعًا، ولا حُجَّةَ لهم في عِبادتِها- حظًّا مِمَّا رزَقْناهم مِن الأموالِ؛ يتقَرَّبونَ بها إليها! واللهِ -أيُّها المُشرِكونَ- لَتُسأَلُنَّ يومَ القيامةِ عَمَّا كُنتُم تَختَلِقونَه مِن الكَذِب على اللهِ تعالى.
وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ الْبَنَاتِ سُبْحَانَهُ وَلَهُمْ مَا يَشْتَهُونَ (57).
ويَنسُبُ المُشرِكونَ لله البناتِ -إذ زَعَموا أنَّ الملائِكةَ بَناتُه- تنزَّه الله عن أن يكونَ له ذلك، ولهم ما يُحِبُّونَ، وهم الذُّكورُ!
وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالْأُنْثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ (58).
وإذا أُخبِرَ أحدُ أولئك المُشرِكينَ بوِلادةِ بنتٍ له، يظَلُّ وَجهُه متغَيِّرًا؛ من كراهِيَتِه الشَّديدةِ لذلك، وقد امتلأ غمًّا وغَضَبًا وغَيظًا!
يَتَوَارَى مِنَ الْقَوْمِ مِنْ سُوءِ مَا بُشِّرَ بِهِ أَيُمْسِكُهُ عَلَى هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرَابِ أَلَا سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ (59).
يَختَفي عن أنظارِ قَومِه؛ مِن كَراهِيَتِه للبِنتِ، ومِمَّا يَلحَقُه مِن العارِ بزعمِه! يتحَيَّرُ ويترَدَّدُ بيْن أمْرَينِ: هل يُمسِكُها على هَوانٍ وذِلَّةٍ، أم يُخفِيها في التُّرابِ بدَفنِها حَيَّةً؟! ألا بِئسَ ما يَحكُمُ به هؤلاء المُشرِكونَ، في نِسبتِهم البناتِ -اللَّاتي لا يَرضَونَهنَّ لأنفُسِهم- إلى اللهِ!
لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآَخِرَةِ مَثَلُ السَّوْءِ وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلَى وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (60).
لهؤلاءِ المُشرِكينَ -الَّذين لا يُصَدِّقونَ بالبَعثِ والثَّوابِ والعِقابِ- المثَلُ القَبيحُ، والعَيبُ والنَّقصُ، ولله الوَصفُ الأفضَلُ والأطيَبُ والأحسَنُ، مِن تَوحيدِه، وتنَزُّهِه عن الولَدِ، وأنَّ له جميعَ صِفاتِ الكَمالِ المُطلَقِ. واللهُ ذو العِزَّةِ، الغالبُ لكُلِّ شَيءٍ، الحَكيمُ فلا خَلل في تدبيرِه.
وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِظُلْمِهِمْ مَا تَرَكَ عَلَيْهَا مِنْ دَابَّةٍ وَلَكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ (61).
ولو يُعاجِلُ اللهُ النَّاسَ بالعُقوبةِ؛ بسَبَبِ شِرْكِهم وكُفرِهم، وافتِرائِهم على اللهِ، وعِصيانِهم له- لَأهلَكَ جميعَ النَّاسِ وغيرِهم مِن الدَّوابِّ، ولكِنْ يُمهِلُ اللهُ بحِلْمِه هؤلاء الظَّالِمينَ، فإذا جاء الوَقتُ المُقَدَّرُ لهَلاكِهم، لا يُؤخَّرونَ ساعةً، ولا يتقدَّمون عنه فيُهلَكونَ قَبْلَه.
وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ مَا يَكْرَهُونَ وَتَصِفُ أَلْسِنَتُهُمُ الْكَذِبَ أَنَّ لَهُمُ الْحُسْنَى لَا جَرَمَ أَنَّ لَهُمُ النَّارَ وَأَنَّهُمْ مُفْرَطُونَ (62).
ويَنسبُ المُشرِكونَ لله البَناتِ اللَّاتي يَكرَهونَهنَّ، ويَعُدُّونَ نِسبَتَهنَّ إلى أحَدِهم نقصًا وعيبًا، ويَجعَلونَ له شُرَكاءَ مِن عَبيدِه في عبادتِه، وهم يَكرهونَ أن يكونَ عبيدُهم شُرَكاءَ لهم في أموالِهم، ويَكذِبُ المُشِركونَ، فيَزعُمونَ أنَّ لهم الجَزاءَ الحسَنَ في الدُّنيا والآخِرةِ! فحَقًّا أنَّ لهم النَّارَ يومَ القيامةِ، وحَقًّا أنَّهم مُعجَّلونَ إليها، مَنْسِيُّونَ ومَترُوكونَ فيها أبدًا.
تَاللَّهِ لَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ فَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَهُوَ وَلِيُّهُمُ الْيَوْمَ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (63).
واللهِ -يا مُحمَّدُ- لقد أرسَلْنا رُسُلًا إلى أُمَمٍ ماضيةٍ بمِثْلِ ما أرسَلْناك به، فحسَّنَ الشَّيطانُ لهم ما كانوا يَعمَلونَه من باطلٍ، فسيكونُ يومَ القيامةِ وليَّهم، ولا قدرةَ له على نصرِهم، ولهم عَذابٌ مُؤلِمٌ.
وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ إِلَّا لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (64).
وما أنزَلْنا عليك القُرآنَ -يا مُحمَّدُ- إلَّا لتُبَيِّنَ للنَّاسِ ما اختَلَفوا فيه مِن الحقِّ، فتُرشِدَهم إلى الصَّوابِ، وأنزَلْنا القُرآنَ هاديًا للقُلوبِ، ورَحمةً في الدُّنيا والآخِرةِ لِقَومٍ يُصَدِّقونَ بما فيه، ويتَّبعُونَه.
وَاللَّهُ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَةً لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ (65).
واللهُ وَحْدَه أنزَلَ مِن السَّحابِ مَطرًا، فأخرَجَ به نَباتَ الأرضِ بعدَ أن كانت يابِسةً لا زَرْعَ فيها، إنَّ في ذلك لدَلالةً واضِحةً على وَحدانيَّةِ اللهِ تعالى، وقُدرتِه على البَعثِ، لِقَومٍ يَسمَعونَ هذه الحُجَّةَ، فيَفهمونَها.
وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعَامِ لَعِبْرَةً نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهِ مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَبَنًا خَالِصًا سَائِغًا لِلشَّارِبِينَ (66).
وإنَّ لكم -أيُّها النَّاسُ- في الإبِلِ والبَقَرِ والغَنَمِ لَدَلالةً تَستَدِلُّونَ بها على قُدرةِ اللهِ ورَحمتِه، وحِكمَتِه ولُطفِه وعَظَمتِه، وأنَّه وَحْدَه المُستَحِقُّ للعِبادةِ، نُسْقِيكم لبنًا يخرُجُ مِنْ بُطونِ الأنعامِ مِن بَينِ فَرْثِها ودَمِها صافِيًا، غيرَ مُختَلِطٍ برائِحةِ الفَرْثِ، ولا لَونِ الدَّمِ، سَهْلَ المُرورِ في الحَلقِ، لذيذًا هنيئًا لا يَغَصُّ به شارِبُه.
وَمِنْ ثَمَرَاتِ النَّخِيلِ وَالْأَعْنَابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا وَرِزْقًا حَسَنًا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَةً لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (67).
ولكم -أيُّها النَّاسُ- عِبرةٌ مما نَرزُقُكم مِن ثَمَراتِ النَّخيلِ والأعنابِ، فتَتَّخِذونَ منه شَرابًا مُسْكِرًا، ورِزْقًا حَسَنًا لا ينشَأُ عنه ضَرَرٌ في بَدَنٍ ولا عَقلٍ، كالتَّمرِ، والعِنَب، والعَصيرِ، إنَّ في الإنعامِ على النَّاسِ بلَبنِ الأنعامِ وثَمَراتِ النَّخيلِ والأعنابِ لَدَلالةً واضِحةً لِقَومٍ يعقلُون حُجَجَ اللهِ، ويعتبرُون بها.
وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ (68).
وألْهَم ربُّك -يا مُحمَّدُ- النَّحلَ بأن يتَّخذُوا مِن الجِبالِ بُيوتًا، ومِن الأشجارِ، ومِمَّا يبني النَّاسُ.
ثُمَّ كُلِي مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلًا يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِهَا شَرَابٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (69).
ثمَّ ألْهَمَ اللهُ النَّحلَ أنْ كُلِي مِن كُلِّ أنواعِ الثِّمارِ، فادخُلي طُرُقَ رَبِّكِ مُذَلَّلةً لكِ؛ لتَطلُبي الرِّزقَ حيثما توجَّهْتِ، يَخرُجُ مِن بُطونِ النَّحلِ عَسَلٌ مُختَلِفُ الألوانِ، وفي العسَلِ شِفاءٌ للنَّاسِ مِن الأمراضِ، إنَّ في إلهامِ الله للنَّحلِ باتِّخاذِ البيوتِ مِن الجبالِ والشَّجر والعُروشِ، والسُّلوكِ في المراعي للاجتناءِ مِن الثِّمار؛ لتُخرجَ العسلَ لَدلالةً واضحةً لقومٍ يتفكَّرون في عَظَمةِ مسخِّرِها، فيَستدِلُّون على أنَّه القادرُ، الحكيمُ، العليمُ، الكريمُ، الرحيمُ، اللَّطيفُ المستحِقُّ للعبادةِ وَحْدَه.
وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ ثُمَّ يَتَوَفَّاكُمْ وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْ لَا يَعْلَمَ بَعْدَ عِلْمٍ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ قَدِيرٌ (70).
واللهُ وَحْدَه أوجَدَكم -أيُّها النَّاسُ- مِن العَدَمِ، ثمَّ يُميتُكم، ومِنكم مَن يُؤخِّرُ اللهُ مَوتَه، ويُترَكُ إلى أخَسِّ العُمُرِ وأردَئِه، فتضعُفُ قُوَّتُه وعَقلُه، فِيَصيرَ جاهِلًا بعدَ عِلمِه، إنَّ اللهَ عليمٌ بكُلِّ شيءٍ، فلا يَنسى ولا يَجهَلُ شَيئًا، قديرٌ على كلِّ شيءٍ سُبحانَه.
وَاللَّهُ فَضَّلَ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ فِي الرِّزْقِ فَمَا الَّذِينَ فُضِّلُوا بِرَادِّي رِزْقِهِمْ عَلَى مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَهُمْ فِيهِ سَوَاءٌ أَفَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ (71).
واللهُ فضَّل بَعضَكم -أيُّها النَّاسُ- على بَعضٍ فيما رزَقَكم مِن الأموالِ، فجعَلَ بَعضَكم غنيًّا، وبَعضَكم فَقيرًا، وبَعضَكم حُرًّا له مالٌ، وبَعضَكم مملوكًا لا مالَ له، فليس الَّذين فضَّلهم الله على غَيرِهم بالرِّزقِ بجاعِلي رِزْقِهم لعَبيدِهم، فيَكونوا هم وعبيدُهم شُرَكاءَ فيه بالسَّوِيَّة؛ فإذا لم يكُنْ عَبيدُكم معكم سواءً في أموالِكم، ولا تَرضَونَ هذه الحالَ لأنفُسِكم، فكيف تجعَلونَ مع اللهِ شُرَكاءَ له في العبادةِ وهم عبيدٌ له؟! أفبِنعمَةِ اللهِ يَجحَدُ هؤلاء الكافِرونَ، بإشراكِهم غَيرَه في عبادتِه، أو استعمالِ نِعَمِه في مَعصِيَتِه؟!
وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ بَنِينَ وَحَفَدَةً وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ أَفَبِالْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَةِ اللَّهِ هُمْ يَكْفُرُونَ (72).
واللهُ خلَقَ لكم -أيُّها النَّاسُ- مِن جِنسِكم البَشَريِّ وعلى هَيئتِكم أزواجًا، وخلَقَ لكم مِنهنَّ أبناءً، وأبناءً لأبنائِكم، يُسرِعونَ في خِدمتِكم، ويَقضُونَ حَوائِجَكم، ورزَقَكم اللهُ مِن حلالِ الأموالِ والأطعِمةِ والأشرِبةِ اللَّذيذةِ، أفَبِالباطِلِ يُؤمنُ هؤلاء المُشرِكونَ، وبِنِعَمِ اللهِ الَّتي أنعَمَ بها عليهم يَكفُرونَ؟!
وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَمْلِكُ لَهُمْ رِزْقًا مِنَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ شَيْئًا وَلَا يَسْتَطِيعُونَ (73).
ويَعبُدُ المُشرِكونَ مِن دُونِ اللهِ مَعبوداتٍ لا تَملِكُ ولا تَقدِرُ أن تَرزُقَهم شَيئًا.
فَلَا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الْأَمْثَالَ إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (74).
فلا تَجعَلوا لله أندادًا وأمثالًا مِن مَخلوقاتِه؛ فإنَّه سُبحانَه لا مِثْلَ له، ولا نَظيرَ، إنَّ اللهَ يَعلَمُ حقائِقَ الأشياءِ، وأنَّه لا شريكَ له، ولا مثيلَ له، ولا يخفَى عليه شيءٌ مِن أعمالِكم، وأنتم -أيُّها المُشرِكونَ- لا تَعلَمونَ ذلك، فتَقَعونَ بجَهلِكم في الشِّركِ به سُبحانَه.
ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا عَبْدًا مَمْلُوكًا لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ وَمَنْ رَزَقْنَاهُ مِنَّا رِزْقًا حَسَنًا فَهُوَ يُنْفِقُ مِنْهُ سِرًّا وَجَهْرًا هَلْ يَسْتَوُونَ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (75).
بيَّن اللهُ مثلًا لنَفسِه وللأصنامِ؛ كعَبدٍ مَملوكٍ عاجزٍ، لا يَملِكُ شَيئًا، فلا يَقدِرُ على شيءٍ مِنَ المالِ، ولا مِن أمْرِ نَفْسِه، ورجُلٍ حُرٍّ غَنيٍّ آتاه اللهُ رِزقًا واسِعًا، يَملِكُ التَّصرُّفَ فيه، فيُنفِقُ منه في السِّرِّ والعَلانِيَةِ؛ إحسانًا منه إلى الآخَرينَ، فهل يستوي هذا العَبدُ والحُرُّ؟! فكذلك اللهُ الَّذي له المُلْكُ، وبِيَدِه الرِّزقُ؛ لا يستوي مع المَعبوداتِ العاجزةِ الَّتي لا تَملِكُ شيئًا، ولا تقدرُ على شَيءٍ، وأنتم تتَّخِذونَها شُرَكاءَ لله تعالى في عبادتِه، فكيف تُسَوُّونَ بيْنَهما؟ إن الحَمدَ الكامِلَ الخالِصَ لله المُستَحِقِّ للعبادةِ والشُّكرِ، ولكنَّ أكثَرَ المُشرِكينَ لا يَعلَمونَ ذلك؛ فَيعبُدونَ ويَحمَدونَ غَيرَه لجَهلِهم.
وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلَيْنِ أَحَدُهُمَا أَبْكَمُ لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ وَهُوَ كَلٌّ عَلَى مَوْلَاهُ أَيْنَمَا يُوَجِّهْهُ لَا يَأْتِ بِخَيْرٍ هَلْ يَسْتَوِي هُوَ وَمَنْ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَهُوَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (76).
وضرَبَ اللهُ لكم مثلًا لنَفسِه وللأصنامِ؛ كرَجُلَينِ أحَدُهما لا يَنطِقُ، ولا يَسمَعُ، ولا يَعقِلُ، عاجِزٌ لا يَقدِرُ على فِعلِ شَيءٍ، وهو مع ذلك ثَقيلٌ على مَن يلي أمْرَه، أينما يُرسِلْه مَولاه في عمَلٍ لا ينجَحْ فيه، فهو لا يأتي بخَيرٍ، ولا يَقضي حاجةً؛ لعَجزِه وعدَمِ فَهمِه لِما يُقالُ له، وعدَمِ قُدرتِه على التَّعبيرِ عمَّا يُريدُ، فهل يستوي ذلك الرجلُ، ومَن هو ناطقٌ متكلِّمٌ قادِرٌ يأمُرُ بالحقِّ والقِسطِ، ويدعو إليه، وهو في نفْسِه -مع ما ذُكِرَ مِن نَفعِه العامِّ- على طريقِ الحقِّ لا يَنحَرِفُ عنه، عامِلٌ بما يأمُرُ به، ويدعو إليه، ولا يتوجَّهُ إلى مطلَبٍ إلَّا ويبلُغُه بأقرَبِ سَعيٍ وأسهَلِه، فهو عادِلٌ في أقوالِه، مُستقيمٌ في أفعالِه؟ فإذا امتنَعَ التَّساوي بيْن هذين الصِّنفَينِ، فكذلك يمتنِعُ التَّساوي بينَ الله سُبحانَه العادِلِ الَّذي يأمُرُ بالعَدلِ، وهو قائِمٌ بالقِسطِ على صراطٍ مُستقيمٍ، وبينَ ما يَجعَلونَه شُرَكاءَ له.
وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا أَمْرُ السَّاعَةِ إِلَّا كَلَمْحِ الْبَصَرِ أَوْ هُوَ أَقْرَبُ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (77).
ولله وَحْدَه مُلْكُ ما غاب عن عِبادِه في السَّمَواتِ والأرضِ، وهو العالِمُ بكُلِّ الغُيوبِ، دونَ كُلِّ مَن سِواه، وما أمرُ قيامِ السَّاعةِ في سُرعةِ وُجودِها، وبَعثِ الخَلقِ وسُهولتِه إلَّا كنَظرةٍ سَريعةٍ مِن البَصَرِ أو هي أسرَعُ مِن ذلك، إنَّ اللهَ قادِرٌ على كلِّ شَيءٍ، ولا يُعجِزُه شَيءٌ.
وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (78).
واللهُ أخرَجَكم -أيُّها النَّاسُ- بقُدرتِه وعِلمِه مِن بُطونِ أمَّهاتِكم أطفالًا جاهِلينَ، وخلَقَ لكم السَّمعَ، والأبصارَ، والأفئِدةَ؛ كي تَشكُروا اللهَ على ما رزَقَكم، وتَستَعمِلوها في طاعتِه، وعبادتِه وَحْدَه.
أَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ مُسَخَّرَاتٍ فِي جَوِّ السَّمَاءِ مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلَّا اللَّهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (79).
ألم يَنظُرُوا إلى الطُّيورِ الَّتي ذلَّلَ اللهُ لها الطَّيرانَ بأجنِحَتِها في الهواءِ، ما يُمسِكُ الطُّيورَ في الجوِّ إلَّا اللهُ بقُدرتِه، إنَّ في ذلك لدَلالاتٍ على وحدانيَّةِ اللهِ تعالى، وكَمالِ قُدرتِه، وغيرِ ذلك، لِقَومٍ يُؤمِنونَ بالحقِّ.
وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ بُيُوتِكُمْ سَكَنًا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ جُلُودِ الْأَنْعَامِ بُيُوتًا تَسْتَخِفُّونَهَا يَوْمَ ظَعْنِكُمْ وَيَوْمَ إِقَامَتِكُمْ وَمِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَا أَثَاثًا وَمَتَاعًا إِلَى حِينٍ (80) .
واللهُ جعَل لكم -أيُّها النَّاسُ- مِن بُيوتِكم- كالَّتي مِن الحَجَرِ والمَدَرِ والخَشَبِ- مساكِنَ تأوُونَ إليها، وجعَلَ لكم خِيامًا مِن جُلودِ الأنعامِ، أو مِمَّا يَنبُتُ عليها مِن صُوفٍ وشَعَرٍ ووَبَرٍ، تَجِدونَ الخِيامَ خَفيفةَ الحَملِ والنَّقلِ في تَرْحالِكم، وحِلِّكم، واللهُ جعَلَ لكم مِن أصوافِ الغَنَمِ وأوبارِ الإبِلِ وأشعارِ الماعِزِ أثاثًا تتَّخِذونَه لبُيوتِكم، ومتاعًا تنتفعُون به إلى أجَلٍ.
وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِمَّا خَلَقَ ظِلَالًا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْجِبَالِ أَكْنَانًا وَجَعَلَ لَكُمْ سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ وَسَرَابِيلَ تَقِيكُمْ بَأْسَكُمْ كَذَلِكَ يُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْلِمُونَ (81).
واللهُ جعَلَ لكم ممَّا خلَقَ مِن الأشجارِ والسَّحابِ والجِبالِ والبُيوتِ وغَيرِها ظِلالًا تستظلُّون بها مِن حرارة الشَّمس، وجعل لكم مِن الجِبالِ مَغاراتٍ وحُصونًا تَحمِيكم مِن الحَرِّ والبَردِ، والأمطارِ والأعداءِ، وجعَلَ لكم ثِيابًا تَدفَعُ عنكم ضَرَرَ الحَرِّ، وثِيابًا -كالدُّروعِ وغَيرِها- تدفَعُ عنكم ضَرَرَ السِّلاحِ، كذلك يُتِمُّ نِعمَتَه عليكم بما تحتاجونَ إليه في دينِكم ودُنياكم؛ لعلَّكم تُخلِصون له العِبادةَ، وتَخضَعون له، وتَنقادون لأمْرِه.
فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ الْمُبِينُ (82).
فإنْ أعرَضَ المُشرِكونَ -يا مُحمَّدُ- عن الحقِّ بعدَ هذا البَيانِ، والتَّذكيرِ بالنِّعَم والإحسانِ؛ فما عليك مِن لَومٍ ولا عِتابٍ؛ إذ ليس عليك إلَّا تَبليغُهم رسالةَ اللهِ.
يَعْرِفُونَ نِعْمَةَ اللَّهِ ثُمَّ يُنْكِرُونَهَا وَأَكْثَرُهُمُ الْكَافِرُونَ (83).
يَعرِفُ المُشرِكونَ نِعَمَ اللهِ عليهم، ثمَّ يَجحَدونَها، فلا يَشكُرونَ اللهَ عليها، ويَنسُبونَها إلى غَيرِه، ويُشرِكونَ به في عبادتِه، وأكثرُهم الكافِرون.
وَيَوْمَ نَبْعَثُ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا ثُمَّ لَا يُؤْذَنُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا وَلَا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ (84).
ويومَ نَبعَثُ مِن كُلِّ أمَّةٍ رَسولهم لِيَشهَدَ بما أجابَتْه به أُمَّتُه فيما بلَّغَها عن اللهِ تعالى، ثمَّ لا يُعطَى الكفارُ الإذْنَ للاعتذارِ إلى اللهِ مِن كُفرِهم، ولا يُطلَبُ مِنهم إرضاؤُه، ولا يُرَدُّون إلى الدُّنيا ليَتوبوا، ويَعمَلوا صالحًا.
وَإِذَا رَأَى الَّذِينَ ظَلَمُوا الْعَذَابَ فَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ (85).
وإذا رأى المُشرِكونَ النَّارَ، فلا يُخفَّفُ عنهم عَذابُها، ولا يُؤخَّرونَ عن دُخولِها.
وَإِذَا رَأَى الَّذِينَ أَشْرَكُوا شُرَكَاءَهُمْ قَالُوا رَبَّنَا هَؤُلَاءِ شُرَكَاؤُنَا الَّذِينَ كُنَّا نَدْعُوا مِنْ دُونِكَ فَأَلْقَوْا إِلَيْهِمُ الْقَوْلَ إِنَّكُمْ لَكَاذِبُونَ (86).
وإذا رأى المُشرِكونَ يومَ القيامةِ مَعبوداتِهم، قالوا: ربَّنا هؤلاءِ الَّذين كنَّا نَعبُدُهم مِن دُونِك، فقال شُرَكاؤُهم الَّذين كانوا يَعبُدونَهم: إنَّكم لَكاذِبونَ في ادِّعائِكم أنَّنا آلِهةٌ، وما أمَرْناكم بعِبادتِنا.
وَأَلْقَوْا إِلَى اللَّهِ يَوْمَئِذٍ السَّلَمَ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ (87).
واستسْلَم المُشرِكونَ يومَ القيامةِ لله، خاضِعينَ لحُكمِه فيهم، وغاب عنهم ما كانوا يَعبُدونَه، واضْمَحلَّ ما كانوا يَفتَرونَه مِن أنَّ آلهتَهم ستشفَعُ لهم عند اللهِ.
الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ زِدْنَاهُمْ عَذَابًا فَوْقَ الْعَذَابِ بِمَا كَانُوا يُفْسِدُونَ (88) .
الَّذين كَفَروا بالحَقِّ، وصَدُّوا النَّاسَ عن اتِّباعِه؛ زِدْناهم في النَّارِ عذابًا على ما بهم مِن العذابِ؛ لأنَّهم كانوا يصدُّون النَّاسَ عن الحَقِّ
وَيَوْمَ نَبْعَثُ فِي كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا عَلَيْهِمْ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَجِئْنَا بِكَ شَهِيدًا عَلَى هَؤُلَاءِ وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ (89).
واذكُرْ -يا مُحمَّدُ- يومَ نَبعَثُ في كُلِّ أمَّةٍ نَبيًّا شاهِدًا عليهم، وهو منهم، ويتحدَّثُ بلِسانِهم، وجِئْنا بك يومَ القيامةِ شاهِدًا على أمَّتِك، وقد نزَّلْنا عليك القُرآنَ مُبَيِّنًا لكُلِّ شَيءٍ يَحتاجُ النَّاسُ إلى بيانِه، ونَزَّلْناه عليك هاديًا مِن الضَّلالةِ، ورَحمةً في الدُّنيا والآخرةِ، ومُبَشِّرًا بالخَيرِ للمُسلمينَ المُنقادينَ للحقِّ.
إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (90) .
إنَّ اللهَ يأمُرُ عِبادَه بالإنصافِ، وأداءِ حُقوقِ الله تعالى، وحُقوقِ عبادِه، ويأمُرُ بالإحسانِ في عبادتِه، والإحسانِ إلى خَلْقِه، ويأمُرُ بإعطاءِ الأرحامِ حُقوقَهم، وإسداءِ الخَيرِ إليهم؛ صِلةً لهم، وينهَى اللهُ عن كُلِّ مَعصيةٍ مُتناهيةٍ في القُبحِ، كالزِّنا، وينهَى عمَّا تَستنكِرُه النُّفوسُ السويَّةُ، وتأباه الشَّريعةُ، وينهَى عن ظُلمِ النَّاسِ، والتَّعدِّي عليهم، يعظُكم اللهُ -أيُّها النَّاسُ- بما يأمُرُكم به، وما يَنهاكم عنه؛ لعلَّكم تتَذَكَّرون فتعتبرُون.
وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ وَلَا تَنْقُضُوا الْأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلًا إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ (91).
وأوفُوا -أيُّها النَّاسُ- بجَميعِ العُهودِ، ولا تُخالِفوا الَّتي أكَّدْتُموها وغلَّظْتُموها بالحَلِفِ بالله، وقد جعَلْتُم اللهَ عليكم حَفيظًا وشَهيدًا ومتكَفِّلًا بوفائِكم، فيَكونَ ذلك منكم تَرْكًا لتعظيمِ اللهِ. إنَّ اللهَ يَعلَمُ كُلَّ ما تَفعَلونَه، ومِن ذلك وفاؤُكم بالعُهودِ ونَقضُها.
وَلَا تَكُونُوا كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ أَنْكَاثًا تَتَّخِذُونَ أَيْمَانَكُمْ دَخَلًا بَيْنَكُمْ أَنْ تَكُونَ أُمَّةٌ هِيَ أَرْبَى مِنْ أُمَّةٍ إِنَّمَا يَبْلُوكُمُ اللَّهُ بِهِ وَلَيُبَيِّنَنَّ لَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ (92).
ولا تَكونوا -أيُّها النَّاسُ- في نَقضِ العُهودِ الَّتي أكَّدْتُموها كالمرأةِ الَّتي تَحُلُّ ما نسَجَت بعدَ إحكامِه! تَجعَلونَ أيْمانَكم وسيلةً للغَدرِ بمَن عاهَدْتُموهم، فتحلفونَ لهم؛ ليَطمئنُّوا إلى عُهودكم، وأنتم مُضمِرونَ نَقْضَها إن وجَدْتُم آخَرينَ أكثرَ منهم عددًا أو قُوَّةً أو غِنًى، إنَّما يَختَبِرُكم اللهُ بما يأمُرُكم به مِن الوَفاءِ بالعُهودِ؛ ليتبَيَّنَ المُطيعُ منكم، والمُخالِفُ لأمرِه، ولَيُبيِّنَنَّ اللهُ لكم -أيُّها النَّاسُ- يومَ القيامةِ ما كُنتُم فيه تَختَلِفونَ، فيَحكُمُ بيْنَكم، ويُجازي كُلًّا بعَمَلِه.
وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَلَتُسْأَلُنَّ عَمَّا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (93) .
ولو شاء اللهُ لجعَلَكم جميعًا -أيُّها النَّاسُ- على مِلَّةِ الإسلامِ، ولكِنَّ اللهَ بحِكمَتِه يَخذُلُ مَن يشاءُ عن اتِّباعِ الحَقِّ، فيَحرِمُ تَوفيقَه مَن لا يستَحِقُّ؛ عدلًا منه سُبحانه، ويوفِّقُ مَن يشاءُ، فيَهدي للحَقِّ مَن يستَحِقُّ؛ فضلًا منه سُبحانه، وليَسألَنَّكم اللهُ جميعًا يومَ القيامةِ عَمَّا كُنتُم تَعمَلونَه في الدُّنيا، فيُجازيكم عليه.
وَلَا تَتَّخِذُوا أَيْمَانَكُمْ دَخَلًا بَيْنَكُمْ فَتَزِلَّ قَدَمٌ بَعْدَ ثُبُوتِهَا وَتَذُوقُوا السُّوءَ بِمَا صَدَدْتُمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَلَكُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (94) .
ولا تَجعَلوا أيْمانَكم خَديعةً لِمَن تَحلِفونَ لهم؛ لِيُصدِّقوكم، وأنتم تَنوُونَ الغَدرَ بهم إن سَنَحَت فُرصةٌ، فتَنْحَرِفَ أقدامُكم بعدَ أن كانت ثابتةً على الحقِّ، فتَهلِكوا؛ بسبَبِ إعراضِكم، وصَدِّكم النَّاسَ عن الحقِّ، حينَ تَغدِرونَ بعَهْدهم، فلا يبقَى لهم وُثوقٌ في دينِ اللهِ سُبحانَه، ولكم عذابٌ عظيمٌ إن فعلتُم ذلك.
وَلَا تَشْتَرُوا بِعَهْدِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا إِنَّمَا عِنْدَ اللَّهِ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (95) .
ولا تَنقُضوا عُهودَكم التي أكَّدْتُموها بالأيمانِ؛ لنَيلِ مَتاعٍ قليلٍ، إنَّ ثَوابَ اللهِ لكم في الجَنَّة -إذا أطَعْتُموه بالوَفاءِ بعُهودِكم- أفضَلُ لكم مِن مَتاعِ الدُّنيا، إنْ كُنتُم تَعلَمونَ الفَرقَ بيْنَ الدُّنيا الفانيةِ، والآخرةِ الباقيةِ.
مَا عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ بَاقٍ وَلَنَجْزِيَنَّ الَّذِينَ صَبَرُوا أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (96).
ما عِندَكم مِن مَتاعِ الدُّنيا يَفنى، وإن كان كثيرًا، وما عِندَ اللهِ مِن الثَّوابِ في الجَنَّةِ لا يفنَى؛ فاحرِصوا عليه، ولَنُثيبَنَّ يومَ القيامةِ الصَّابرينَ على أحسَنِ ما كانوا يَعمَلونَه مِن الصالحاتِ، ونتَجاوَزُ عن سَيِّئاتهم.
مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (97).
مَن عَمِلَ عمَلًا صالِحًا -ومن ذلك الوَفاءُ بالعُهودِ- مِن ذكَرٍ أو أُنثَى، وهو مؤمِنٌ بالحقِّ؛ فلَنُحييَنَّه في الدُّنيا حياةً سَعيدةً، ولنَجزينَّ الَّذين آمَنوا وعَمِلوا الصَّالِحاتِ في الآخرةِ ثوابًا على أحسَنِ ما كانوا يَعمَلونَه مِن الطَّاعاتِ، ونَتَجاوزُ عن سَيِّئاتِهم.
فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآَنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ (98).
فإذا أردْتَ قِراءةَ القُرآنِ -يا مُحمَّدُ- فالْتَجِئْ إلى اللهِ سُبحانَه، واستَجِرْ به مِن كُلِّ جانٍّ مُتمَرِّدٍ، مَطرودٍ عن كلِّ خَيرٍ؛ لئلا يَصرِفَك عن تدبُّرِ القُرآنِ، والانتفاعِ به.
إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (99).
إنَّ الشَّيطانَ ليس له طَريقٌ يتسَلَّطُ بها على المُؤمِنينَ المُعتَمِدينَ على رَبِّهم، الَّذينَ استعاذُوا به مِن الشَّيطانِ الرَّجيمِ، فلا قُدرةَ له عليهم، ولا حُجَّةَ له فيما يَدعوهم
إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ (100).
إنَّما تَسَلُّطُ الشَّيطانِ واقِعٌ على الَّذينَ يتَّخِذونَه وَلِيًّا لهم مِن دُونِ الله تعالى، فيَتَّبِعونَه فيما يأمُرُهم به، وعلى الَّذين يُشرِكونَ باللهِ سبحانه.
وَإِذَا بَدَّلْنَا آَيَةً مَكَانَ آَيَةٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مُفْتَرٍ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (101).
وإذا نَسَخْنا آيةً مِن القُرآنِ بأُخرَى، خيرٍ منها أو مِثْلِها -واللهُ أعلَمُ بما يُنَزِّلُ في كتابِه، ويَنسَخُه بما يَصلُحُ لِعباده- قال المُشرِكونَ: إنَّما أنت -يا مُحمَّدُ- تختَلِقُ على اللهِ الباطِلَ! وليس الأمرُ كما قالوا، ولكِنَّ أكثَرَهم لا يَعلَمونَ حَقيقةَ القُرآنِ وصِحَّتَه، وأنَّه حَقٌّ: ناسِخُه ومَنسوخُه، وأنَّ ما فيه مِن نَسخٍ هو لحِكَمٍ إلهيَّةٍ.
قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ لِيُثَبِّتَ الَّذِينَ آَمَنُوا وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ (102) .
قُل -يا مُحمَّدُ- لهؤلاءِ المُشرِكينَ: ليس هذا القُرآنُ مُفتَرًى مِن عندي، وإنَّما نزَّله عليَّ -ناسِخَه ومَنسوخَه- جبريلُ المُطهَّرُ مِن كُلِّ خيانةٍ وهَوًى، وعَيبٍ وآفةٍ، نزَّله مِن عندِ رَبِّي سُبحانَه مُشتَمِلًا على الحَقِّ؛ لِيُثبِّتَ المُؤمِنينَ، ويُقَوِّيَ إيمانَهم، وهُدًى مِن الضَّلالةِ، وبُشرى بالخَيرِ للَّذينَ استَسْلَموا للهِ تعالى، وخَضَعوا له وانقادوا.
وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ (103).
ونحنُ نَعلَمُ أنَّ مُشرِكي مكَّةَ يَقولونَ: إنَّما يُعَلِّمُ مُحمَّدًا القُرآنَ بشرٌ، وليس هو مِن عندِ الله كما يقولُ! قال الله تعالى تكذيبًا لهم: لغةُ الرَّجُلِ الَّذي يُشيرُ مُشرِكو قُرَيشٍ -مَيلًا وانحِرافًا عن الحَقِّ- أنَّه يُعلِّمُ مُحمَّدًا القُرآنَ؛ لُغةٌ أعجميَّةٌ، ولَيسَت بالَّتي تُبيِّنُ المعانيَ، وتُفصِحُ عن المرادِ، وهذا القُرآنُ قد نزَلَ بلُغةٍ عَربيَّةٍ ذاتِ فَصاحةٍ وبَيانٍ واضحٍ عظيمٍ، فكيف يَزعُمونَ أنَّ مُحمَّدًا تلقَّى القرآنَ مِن أعجَميٍّ؟!
إِنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِآَيَاتِ اللَّهِ لَا يَهْدِيهِمُ اللَّهُ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (104).
إنَّ الَّذينَ لا يُؤمِنونَ بحُجَجِ اللهِ وأدِلَّتِه، لا يُوَفِّقُهم اللهُ للإيمانِ واتِّباعِ الحَقِّ؛ عُقوبةً لهم على رَدِّهم الهُدى، ولهم عَذابٌ مؤلمٌ.
إِنَّمَا يَفْتَرِي الْكَذِبَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِآَيَاتِ اللَّهِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْكَاذِبُونَ (105).
إنَّما يَختَلِقُ الكَذِبَ على اللهِ الَّذينَ لا يُؤمِنونَ بِآيَاتِ اللَّهِ، وأولئك مُعتادونَ على الكَذِبِ، وهو مُنحَصِرٌ فيهم.
مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (106).
مَن كفَرَ باللهِ بعدَ أنْ كان مُؤمِنًا مُهتَديًا، فعَلَيه غَضَبٌ مِن اللهِ، إلَّا مَن أُكرِهَ على الكُفرِ، والحالُ أنَّ قَلْبَه مُوقِنٌ بالإيمانِ، ولم يتغيَّرِ اعتقادُه، وأمَّا مَنِ اتَّسَعَ صَدرُه لِقَبولِ الكُفرِ واعتَقَده، وطابَت به نَفسُه؛ فعَلَيهم غَضَبٌ مِن الله، ولهم عذابٌ عظيمٌ.
ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اسْتَحَبُّوا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا عَلَى الْآَخِرَةِ وَأَنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ (107).
ذلك الغَضَبُ مِن اللهِ والعذابُ العَظيمُ بسَبَبِ أنَّ الَّذين كَفَروا بعدَ إيمانِهم اختارُوا نعيمَ الدُّنيا على نَعيمِ الآخرةِ، ولأنَّ اللهَ لا يُوفِّقُ الكافرينَ بآياتِه، المُصرِّينَ على كُفرِهم، لاتِّباعِ الحَقِّ.
أُولَئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ (108).
أولئك الَّذين كَفَروا بعدَ إيمانِهم، هم الَّذينَ ختَمَ اللهُ على قُلوبِهم، فلا يَعقِلونَ بها الحَقَّ، وأصمَّ أسماعَهم، فلا يَسمَعونَ الهُدى، وأعمَى أبصارَهم، فلا يَنظُرونَ آياتِ اللهِ، ولا يَعتَبِرونَ بها، وأولئك هم السَّاهونَ عمَّا خَلَقَهم اللهُ له، وعمَّا أعدَّ لهم في الآخرةِ مِن العَذابِ.
لَا جَرَمَ أَنَّهُمْ فِي الْآَخِرَةِ هُمُ الْخَاسِرُونَ (109) .
حقًّا أنَّ الَّذينَ كَفَروا بعدَ إيمانِهم هم الهالِكونَ الَّذين خَسِروا أنفُسَهم وأهليهم يومَ القيامةِ، وفاتَهم نَعيمُ الجَنَّةِ، ولم يَسْلموا من عذابِ النَّارِ.
ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هَاجَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا فُتِنُوا ثُمَّ جَاهَدُوا وَصَبَرُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (110) .
ثمَّ إنَّ ربَّك -يا مُحمَّدُ- للَّذين هاجَروا مِن أصحابِك مِن ديارِ الكُفرِ إلى دِيارِ الإسلامِ، مِن بَعدِ ما فتَنَهم كُفَّارُ مكَّةَ عن دينِهم بإكراهِهم على الكُفرِ، فأظهَرُوه لهم مع إخْفاءِ إيمانِهم، ثمَّ جاهَدوا الكُفَّارَ؛ كي لا يَرُدُّوهم إلى الكُفرِ، وصَبَروا على المَشاقِّ، إنَّ ربَّك لَغفورٌ لهم، رَحيمٌ بهم.
يَوْمَ تَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ تُجَادِلُ عَنْ نَفْسِهَا وَتُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (111) .
يومَ تأتي كُلُّ نفْسٍ تُخاصِمُ عن نفْسِها، فتُدافِعُ بقَولِها عمَّا عَمِلَت مِن خَيرٍ أو شَرٍّ، وتُوفَّى جَزاءَ ذلك، وهم لا يُظلَمونَ بزيادةٍ في سَيِّئاتِهم، ولا بنَقصٍ مِن حَسَناتِهم
وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آَمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ (112).
وجعَلَ اللهُ قَريةً يعيشُ أهلُها في أمنٍ واطمِئنانٍ واستقرارٍ مَثَلًا لمَن أنعَمَ اللهُ عليهم، فأبطَرَتْهم النِّعمةُ وكَفَروا، فأحلَّ اللهُ بهم نِقَمَه، يأتي أهلَ تلك القَريةِ أقواتُهم ومَعايشُهم بوَفرةٍ وسُهولةٍ، مِن كُلِّ ناحيةٍ، فجحَدوا نعمةَ اللهِ عليهم، فأذاقهم اللهُ الجُوعَ والخَوفَ؛ بسبَبِ ما كانوا يَصنَعونَ مِن الكُفرِ والجُحودِ، والتَّكذيبِ بالحَقِّ، وارتِكابِ المعاصي.
وَلَقَدْ جَاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْهُمْ فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَهُمُ الْعَذَابُ وَهُمْ ظَالِمُونَ (113).
ولقد جاءَ أهلَ تلك القَريةِ رَسولٌ مِن أنفُسِهم، يَعرِفونَه ويَعرِفونَ نَسَبَه؛ لِيَدعُوَهم إلى الحقِّ، فكذَّبوه، فأخَذَهم عذابُ الدُّنيا بالجُوعِ والخَوفِ والقَتلِ، والحالُ أنَّهم مُشرِكونَ باللهِ.
فَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلَالًا طَيِّبًا وَاشْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ (114).
فكُلوا -أيُّها النَّاسُ- مِمَّا رزَقَكم اللهُ مِن الحَيواناتِ والحُبوبِ والثِّمارِ وغَيرِها، في حالِ كَونِها حلالًا، مِن كَسْبٍ طَيِّبٍ، مُستلَذَّةً يَطيبُ طَعمُها، واشكُروا اللهَ على نِعَمِه، واصرِفوها في طاعتِه، إن كنتُم تَعبُدونَ اللهَ وتُطيعونَه، ومِن ذلك استِحلالُ ما أحَلَّ اللهُ مِن الرِّزقِ.
إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (115).
إنَّما حرَّم اللهُ تعالى عليكم المَيْتةَ مِن الحيواناتِ الَّتي ماتَت حَتْفَ أنفِها -دونَ ذَكاةٍ شرعيَّةٍ ولا اصطِيادٍ- والدَّمَ المَسفوحَ، ولَحمَ الخِنزيرِ، وما ذُبِحَ على غَيرِ اسمِ الله عزَّ وجلَّ، كالَّذي يُذبَحُ للأصنامِ، ويُسمَّى عليه بغيرِ اسمِه سُبحانَه، فمَن ألجأَتْه الضَّرورةُ إلى الأكْلِ مِن تلك المُحرَّماتِ الأربعةِ، وهو غيرُ مُبتَغٍ لِتَناوُلِها مِن غَيرِ ضَرورةٍ، ولا مُريدٍ التَّلذُّذَ بأكْلِها، وغيرُ مُتَجاوزٍ قدْرَ الضَّرورةِ، فلا حرَجَ عليه ولا إثمَ؛ فإنَّ اللهَ سُبحانَه وتعالى يَغفِرُ ذُنوبَ عِبادِه، وهو الرَّحيمُ بهم.
وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلَالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ (116).
ولا تحرِّموا وتُحلِّلوا مِن تِلْقاءِ أنفُسِكم، كذبًا على اللهِ، بغَيرِ دليلٍ، إنَّ الَّذين يَتَقوَّلونَ على اللهِ الكَذِبَ لا يَفوزونَ في الدُّنيا والآخِرةِ.
مَتَاعٌ قَلِيلٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (117).
للمُفتَرينَ على اللهِ الكَذِبَ مَتاعٌ قليلٌ في الدُّنيا، ولهم بعدَ ذلك عَذابٌ مُؤلِمٌ في الآخِرةِ.
وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا مَا قَصَصْنَا عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (118).
وعلى اليَهودِ حَرَّمْنا ما أوحَيناه إليك -يا محمَّدُ- مِن قبلُ -في سُورةِ الأنعامِ، آية 146-، وما ظَلَمْناهم بتَحريمِ ما حرَّمْنا مِن الطَّيِّباتِ، ولكِنْ كانوا يَظلِمونَ أنفُسَهم بمَعصيةِ اللهِ سُبحانَه، فاستَحَقُّوا تلك العقوبةَ.
ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ عَمِلُوا السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (119).
ثمَّ إنَّ رَبَّك -يا مُحَمَّدُ- للَّذين اقتَرَفوا ما لا ينبغي فِعلُه مِن الكُفرِ أو المعاصي، عن سَفَهٍ منهم، وإيثارٍ للدُّنيا، وعَمايةٍ عن العَواقِبِ، ثمَّ تابوا، وأصلَحوا أعمالَهم، فأقبلوا على الطَّاعاتِ؛ إنَّ ربَّك مِن بَعدِها لَغَفورٌ لذُنوبِهم، رحيمٌ بهم، ولا يُعاقِبُهم.
إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (120).
إنَّ إبراهيمَ كان مُعَلِّمًا جامِعًا لخِصالِ الخَيرِ، يُقتدَى به، مُطيعًا لله، مُلازِمًا لعِبادتِه، مُقبِلًا على اللهِ، مُعْرِضًا عمَّا سِواه، مُستَقيمًا على الإسلامِ، مائلًا عن الشِّركِ إلى التَّوحيدِ، ولم يكُنْ مِمَّن يُشرِكونَ باللهِ شيئًا.
شَاكِرًا لِأَنْعُمِهِ اجْتَبَاهُ وَهَدَاهُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (121).
قائِمًا بشُكرِ اللهِ على نعمِه، اختارَه اللهُ لخُلَّتِه، وجَعَلَه مِن صَفوةِ خَلْقِه، وأرْشَدَه ووَفَّقَه إلى طريقِ الحَقِّ المُستَقيمِ.
وَآَتَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَإِنَّهُ فِي الْآَخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ (122).
وآتَيْنا إبراهيمَ في الدُّنيا كُلَّ ما فيه راحةُ العَيشِ، فجَمَعْنا له خيرَ الدُّنيا، وهو في الآخرةِ مِنَ الصَّالحينَ الَّذين أنعَمَ اللهُ عليهم، فصَلَحَت أمورُهم وأحوالُهم عندَ اللهِ، وحَسُنَت مَنزِلتُهم لديه سبحانَه.
ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (123).
ثمَّ أمرناك -يا مُحمَّدُ- باتباعِ مِلَّةِ إبراهيمَ مُسْتقيمًا على التَّوحيدِ، وما كان إبراهيمُ على دِينِ المُشرِكينَ باللهِ عزَّ وجَلَّ.
إِنَّمَا جُعِلَ السَّبْتُ عَلَى الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (124).
إنَّما فُرِضَ تَعظيمُ يومِ السَّبتِ على اليَهودِ، والتفَرُّغُ فيه للعبادةِ؛ عُقوبةً لهم حينَ اختَلَفوا في استِحلالِه وتَحريمِه، واعتبارِه أفضَلَ الأيَّامِ، فَضَلُّوا عن الجُمُعةِ، ولم يكُنْ في شَريعةِ إبراهيمَ تَعظيمُ يومِ السَّبتِ، وإنَّ رَبَّك -يا مُحمَّدُ- لَيَحكُمُ يومَ القيامةِ بيْنَ أولئك المُختَلِفينَ في شأنِ السَّبتِ، فيُبَيِّنُ المُحِقَّ مِن المُبطِلِ.
ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ (125).
ادعُ -يا محمَّدُ- جميعَ النَّاسِ إلى دينِ ربِّك بما أوحاه اللهُ إليك مِن الكتابِ والسُّنَّةِ، وانصحْهم بما في وحْيِ اللهِ إليك مِن العِبَرِ الجميلةِ، وذكِّرْهم بنِعَمِ الله تعالى ونِقَمِه وثَوابِه وعِقابِه بما يستحسنُه السَّامِعونَ فتَرِقُّ قُلوبُهم، ويَلينونَ للحقِّ، فيَقبلونَه، ويتبعونه، وجادِلِ المُعانِدينَ بالطَّريقةِ الَّتي هي أحسَنُ؛ مِن الرِّفقِ واللِّينِ، والعَفوِ والصَّفحِ، وغيرِ ذلك مِمَّا يكون أدعى للاستجابةِ والقَبولِ، إنَّ ربَّك أعلَمُ بمَن زاغَ عن الحقِّ، وهو أعلَمُ بالَّذينَ اتَّبَعوا الحَقَّ، وسيُجازي كلًّا منهم.
وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ (126).
وإنْ عاقَبْتُم -أيُّها المُؤمِنونَ- مَن اعتَدى عليكم؛ فعاقِبوه بمِثلِ ما ظلَمَكم به، دون زِيادةٍ، ولَئِنْ صَبَرْتُم عن العُقوبةِ، فعَفَوتُم؛ فذلك خَيرٌ عندَ اللهِ مِن الانتِقامِ.
وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلَا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ (127).
واصبِرْ -يا مُحَمَّدُ- على دَعوةِ قَومِك إلى اللهِ، وتحَمَّلْ أذاهم، وما يَحصُلُ صَبْرُك إلَّا بإعانةِ اللهِ وتَوفيقِه لك، ولا تَحزَنْ على قَومِك إذا لم يُؤمِنوا بالحقِّ، ولا يَضِقْ صَدْرُك فتَغْتَمَّ لمَكرِ قَومِك بك، واحْتيالِهم للصَّدِّ عمَّا جِئْتَهم به من الحَقِّ؛ فإنَّ اللهَ ناصِرُك، ومُظهِرٌ دِينَه.
إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ (128).
إنَّ اللهَ بنَصْرِه وتأييدِه ومَعونَتِه مع الَّذين اتَّقَوه، ومع المُحسِنينَ في عبادةِ اللهِ، المُحسِنينَ إلى عِبادِ اللهِ، يُعينُهم ويُؤَيِّدُهم ويَنصُرُهم.