التفسير المحرر
وَمَا أُبَرِّىءُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلاَّ مَا رَحِمَ رَبِّيَ إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَّحِيمٌ (53).
وَمَا أُبَرِّىءُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلاَّ مَا رَحِمَ رَبِّيَ إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَّحِيمٌ (53).
ولسْتُ أُبرِّئُ نفْسي مِن الخطأِ والهَمِّ بذلك الإثمِ، والقيامِ بالمكايدِ والحِيَلِ مِن أجْلِ ذلك؛ لأنَّ نُفوسَ العبادِ كثيرًا ما تأمُرُهم بما تَهواه من المعاصي، إلَّا مَن رَحِمَ الله فعصَمَهم، إنَّ اللهَ كثيرُ الصَّفحِ عن ذنوبِ عبادِه التَّائبينَ، فيَستُرُها عليهم، ويتجاوَزُ عن مؤاخَذتِهم بها، رحيمٌ بهم فلا يعذِّبُهم، ويقبَلُ توبتَهم، ويوفِّقُهم للخيرِ.
وَقَالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي فَلَمَّا كَلَّمَهُ قَالَ إِنَّكَ الْيَوْمَ لَدَيْنَا مِكِينٌ أَمِينٌ (54).
وقال ملِكُ مصرَ لَمَّا عَلِمَ بَراءةَ يوسُفَ، وعرَفَ فضْلَه وعِلْمَه، وحِكمتَه وحُسْنَ خُلُقِه، وصَبْرَه وعِفَّتَه: ائْتوني بيوسُفَ مِن السِّجنِ أجعَلْه مِن خاصَّتي وأهلِ مَشورَتي، خالِصًا لنَفْسي لا يُشاركُني فيه أحدٌ، فلَمَّا كلَّمَه الملِكُ زادت مكانتُه لديه، فقال له: إنَّك قد صِرْتَ عندَنا ذا مَكانةٍ وأمانةٍ، مُتمكِّنًا ممَّا أردْتَ، أمينًا على ما نأْتَمِنُك عليه.
قَالَ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَآئِنِ الأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ (55).
قال له يوسُفُ طلبًا للمصلحَةِ العامَّةِ: وكِّلْني على خَزائنِ الأموالِ والطَّعامِ في أرضِ مِصرَ؛ لحفْظِها وتدْبيرِها، إنِّي حافظٌ وخازنٌ، أمينٌ للخَزائنِ الَّتي استودعْتَني، ذو عِلْمٍ وبصَرٍ بما أتولَّاه منها، فأعْلَمُ كيفيَّةَ تدْبيرِها والتَّصرُّفِ فيها، دون أنْ يضيعَ شيءٌ منها في غيرِ مَحَلِّه.
وَكَذَلِكَ مَكَّنِّا لِيُوسُفَ فِي الأَرْضِ يَتَبَوَّأُ مِنْهَا حَيْثُ يَشَاء نُصِيبُ بِرَحْمَتِنَا مَن نَّشَاء وَلاَ نُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ (56).
ومِثْلَ ما أنعَمْنا على يوسُفَ بإنْجائِه مِن السِّجنِ، وتقْريبِه إلى قلْبِ الملِكِ، أقْدَرْناه في أرضِ مصرَ، يَنزِلُ منها حيثُ يشاءُ، نُصيبُ برحْمتِنا في الدُّنيا والآخِرةِ مَن نشاءُ مِن عِبادِنا، كما رَحِمْنا يوسُفَ، ولا نُبْطِلُ جَزاءَ الَّذينَ أحْسَنوا أعمالَهم بالطَّاعةِ، وترْكِ المَعصيةِ، فنُثيبُهم في الدُّنيا والآخِرةِ كما أثَبْنا يوسُفَ عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ.
وَلأَجْرُ الآخِرَةِ خَيْرٌ لِّلَّذِينَ آمَنُواْ وَكَانُواْ يَتَّقُونَ (57).
ولَثوابُ اللَّهِ في الآخِرةِ خيرٌ مِن ثَوابِ الدُّنيا، للمُؤمنينَ المتَّقينَ، الَّذينَ يُؤمنونَ بِما وجَبَ عليهم الإيمانُ به، ويمتثِلونَ ما أمَرَ اللَّهُ تعالى به، ويجْتنِبونَ ما نهَى عنه.
وَجَاء إِخْوَةُ يُوسُفَ فَدَخَلُواْ عَلَيْهِ فَعَرَفَهُمْ وَهُمْ لَهُ مُنكِرُونَ (58).
وجاء إخوةُ يوسُفَ إلى مِصرَ لَمَّا أصابَهم القحْطُ؛ ليأْتوا بالطَّعامِ لأهليهم، فدخَلوا على يُوسفَ، فعرَفَهم حينَ رآهم، وهم لا يعرِفونَه.
وَلَمَّا جَهَّزَهُم بِجَهَازِهِمْ قَالَ ائْتُونِي بِأَخٍ لَّكُم مِّنْ أَبِيكُمْ أَلاَ تَرَوْنَ أَنِّي أُوفِي الْكَيْلَ وَأَنَاْ خَيْرُ الْمُنزِلِينَ (59).
ولَمَّا أوفى يوسُفُ إخوتَه الطَّعامَ، وحمَّلَ لكلِّ واحدٍ منهم بعيرَه، قال لهم: ائْتوني بأخيكم هذا الَّذي ذكَرتُموه لِي مِن أبيكم؛ لِتَزْدادوا حِملَ بعيرٍ آخَرَ، ألَا ترَونَ أنَّ عادتي هي إتمامُ الكَيلِ دائمًا، وأنِّي لا أبْخَسُ النَّاسَ شيئًا، وأنا خيرُ المُضْيفينَ في مصرَ لِمَن نزَلَ بي، وسأُحسِنُ إليكم، وأُكرِمُكم إذا أتيتُم بأخيكم.
فَإِن لَّمْ تَأْتُونِي بِهِ فَلاَ كَيْلَ لَكُمْ عِندِي وَلاَ تَقْرَبُونِ (60).
فإنْ لم تُحْضِروا إلَيَّ أخاكم حينَ تأْتونَ في المرَّةِ التَّاليةِ، فليس لكم عندي طعامٌ أكيلُه لكم، ولا تقْرُبوا أرضَ مصرَ.
قَالُواْ سَنُرَاوِدُ عَنْهُ أَبَاهُ وَإِنَّا لَفَاعِلُونَ (61).
قال إخوةُ يوسُفَ لِيوسُفَ حينَ أمَرَهم أن يأتوا إليه بأخيهم: سنَسأَلُ أباه يعقوبَ أن يترُكَه يسافِرُ معنا، وسنَجتهِدُ في إقناعِه حتَّى نأْتِيَ به معنا، وإنَّا لَفاعِلونَ ما أمرْتَنا به.
وَقَالَ لِفِتْيَانِهِ اجْعَلُواْ بِضَاعَتَهُمْ فِي رِحَالِهِمْ لَعَلَّهُمْ يَعْرِفُونَهَا إِذَا انقَلَبُواْ إِلَى أَهْلِهِمْ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (62).
وقال يوسُفُ لغِلمانِه: اجْعَلوا أثمانَ ما اشتَرَوه مِن الطَّعامِ في أمتِعَتِهم، مِن حيثُ لا يشعُرونَ، لكي يعْرِفوها إذا انصْرَفوا إلى أهلِهم وفتَحوا أمتِعَتَهم فوجَدوها؛ لكي يرْجِعوا إلينا مرَّةً أُخرى.
فَلَمَّا رَجِعُوا إِلَى أَبِيهِمْ قَالُواْ يَا أَبَانَا مُنِعَ مِنَّا الْكَيْلُ فَأَرْسِلْ مَعَنَا أَخَانَا نَكْتَلْ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ (63).
فلَمَّا رجَعَ إخوةُ يوسُفَ إلى أبيهم يعقوبَ قالوا له: يا أبانا مُنِعَ منَّا الكيلُ في المستقبَلِ إنْ لم تُرسِلْ معنا أخانا إلى مصرَ، فأرْسِلْه معنا؛ حتَّى يُمْكِنَنا العودةُ إلى مصرَ وأخْذُ الطَّعامِ، وإنَّا لأخينا لحافِظونَ مِن أنْ يَنالَه في سَفَرِه سوءٌ، فلا تخَفْ عليه.
قَالَ هَلْ آمَنُكُمْ عَلَيْهِ إِلاَّ كَمَا أَمِنتُكُمْ عَلَى أَخِيهِ مِن قَبْلُ فَاللّهُ خَيْرٌ حَافِظًا وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ (64).
قال يعقوبُ لأبنائِه: ماذا أفادَ ائتِمانُكم على أخيه يوسُفَ مِن قبلُ، حتَّى آمنَكم على أخيكم هذا الَّذي تسأَلونَني أنْ أُرسِلَه معكم؟! لقد فرَّطْتُم في يوسُفَ وحُلْتُم بيني وبيْنَه، فكيف آمنُكم على أخيه؟! فلا أثِقُ بالتِزامِكم وحفْظِكم، فاللَّهُ خيرٌ حافظًا لأخيكم منكم ومِن كلِّ أحدٍ، واللَّهُ أرحمُ الرَّاحمينَ بخَلْقِه، وسيرحَمُ ضعْفي وكِبَري، ووَجْدي بفقْدِ وَلَدي، وأرجو منه أنْ يحفَظَه ويرُدَّه علَيَّ.
وَلَمَّا فَتَحُواْ مَتَاعَهُمْ وَجَدُواْ بِضَاعَتَهُمْ رُدَّتْ إِلَيْهِمْ قَالُواْ يَا أَبَانَا مَا نَبْغِي هَـذِهِ بِضَاعَتُنَا رُدَّتْ إِلَيْنَا وَنَمِيرُ أَهْلَنَا وَنَحْفَظُ أَخَانَا وَنَزْدَادُ كَيْلَ بَعِيرٍ ذَلِكَ كَيْلٌ يَسِيرٌ (65).
ولَمَّا فتَحَ إخوةُ يوسُفَ مَتاعَهم الَّذي حمَلوه مِن مِصرَ، وجَدوا ثمَنَ الطَّعامِ الَّذي دفَعوه إلى يوسُفَ قد رجَعَ إليهم في رِحالِهم، قالوا لأبيهم ترغيبًا في إرسالِ أخيهم معهم، وتطييبًا لنفْسِه: يا أبانا ماذا نُريدُ بعدَ هذا الإكرامِ؟! هذا ثمَنُ الطَّعامِ رُدَّ إلينا بعدَ أنْ أُوفِيَ لنا كيلُنا! ونشْتَري لأهلِنا طعامًا مِن مِصرَ إذا أرسَلْتَ معنا أخانا، ونحفَظُه ممَّا تخافُ عليه، ونزدادُ حِمْلَ بعيرٍ لأخينا، ذلك حِمْلٌ يسيرٌ.
قَالَ لَنْ أُرْسِلَهُ مَعَكُمْ حَتَّى تُؤْتُونِ مَوْثِقًا مِّنَ اللّهِ لَتَأْتُنَّنِي بِهِ إِلاَّ أَن يُحَاطَ بِكُمْ فَلَمَّا آتَوْهُ مَوْثِقَهُمْ قَالَ اللّهُ عَلَى مَا نَقُولُ وَكِيلٌ (66).
قال يعقوبُ: لن أُرْسِلَ معكم أخاكم إلى مِصرَ حتَّى تُعْطوني يمينًا وعهدًا مُؤكَّدًا أنْ تردُّوه إلَيَّ، إلَّا أنْ تُغْلَبوا جميعُكم بأمرٍ لا قِبَلَ لكم به، فلا تقْدِروا على تخليصِ أخيكم ورَدِّه معكم، فلَمَّا أعْطى أولادُ يعقوبَ أباهم عُهودَهم على أنْ يردُّوا إليه أخاهم، قال يعقوبُ: اللَّهُ شهيدٌ علينا بالوفاءِ بما نقولُ جميعًا، أنا وأنتم تَكْفِينا شَهادتُه وحفْظُه.
وَقَالَ يَا بَنِيَّ لاَ تَدْخُلُواْ مِن بَابٍ وَاحِدٍ وَادْخُلُواْ مِنْ أَبْوَابٍ مُّتَفَرِّقَةٍ وَمَا أُغْنِي عَنكُم مِّنَ اللّهِ مِن شَيْءٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلاَّ لِلّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَعَلَيْهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ (67).
وقال يعقوبُ لأبنائِه لَمَّا أرادوا الخروجَ إلى مِصرَ: يا بَنيَّ لا تدخُلوا مِصرَ مِن بابٍ واحدٍ، وادخُلوا مِن أبوابٍ مُتعدِّدةٍ، هذا الاحترازُ سبَبٌ لا يَرُدُّ قدَرَ اللَّهِ، فما أقْدِرُ أنْ أدفَعَ عنكم بِوَصيَّتي هذه مِن قضاءِ اللَّهِ مِن شيءٍ؛ لأنَّ اللَّهَ إذا قدَّرَ شيئًا فلا بُدَّ مِن وُقوعِه، ما الحُكمُ والقضاءُ إلَّا للَّهِ وحْدَه؛ يحكُمُ في خَلْقِه، ويَقضي فيهم بما يشاءُ، على اللَّهِ وحْدَه اعتمدتُ ووَثِقتُ، وعليه فلْيُفوِّضْ المُفَوِّضونَ أمورَهم.
وَلَمَّا دَخَلُواْ مِنْ حَيْثُ أَمَرَهُمْ أَبُوهُم مَّا كَانَ يُغْنِي عَنْهُم مِّنَ اللّهِ مِن شَيْءٍ إِلاَّ حَاجَةً فِي نَفْسِ يَعْقُوبَ قَضَاهَا وَإِنَّهُ لَذُو عِلْمٍ لِّمَا عَلَّمْنَاهُ وَلَـكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ (68).
ولَمَّا دخَلَ أولادُ يعقوبَ مِصرَ مِن أبوابٍ مُتفرِّقَةٍ، كما أمَرَهم أبوهم، ما كان ينفَعُهم دُخولُهم بتلك الصِّفةِ شيئًا ممَّا قضاهُ اللَّهُ عليهم، لكِنْ لِحاجةٍ في نفْسِ يعقوبَ أنفَذَها حينَ أمَرَهم بذلك، فلم يدَّخِرْ تلك النَّصيحةَ عنهم؛ لِيطمئنَّ قلْبُه بأنَّه لم يترُكْ شيئًا يظُنُّه نافعًا لهم إلَّا أبلَغَه إليهم؛ وليُعلِّمَهم الأخذَ بالأسبابِ مع التَّوكُّلِ على اللَّهِ، وإنَّ يعقوبَ لصاحِبُ عِلْمٍ عظيمٍ؛ لِتعْليمِنا إيَّاه، ولكنَّ أكثَرَ النَّاسِ لا يعلمونَ ما يعلَمُه نَبِيُّنا يعقوبُ مِن أمْرِ الدِّينِ، وعواقِبِ الأُمورِ.
وَلَمَّا دَخَلُواْ عَلَى يُوسُفَ آوَى إِلَيْهِ أَخَاهُ قَالَ إِنِّي أَنَاْ أَخُوكَ فَلاَ تَبْتَئِسْ بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ (69).
ولَمَّا دخَلَ أولادُ يعقوبَ على يوسُفَ، ضمَّ يوسُفُ إليه أخاه الشَّقيقَ، وقال له مُخبِرًا بحقيقتِه: إنِّي أنا أخوك، فلا تحزَنْ بما كان إخوتُك يفعَلون بي وبك مِن قبْلُ.
فَلَمَّا جَهَّزَهُم بِجَهَازِهِمْ جَعَلَ السِّقَايَةَ فِي رَحْلِ أَخِيهِ ثُمَّ أَذَّنَ مُؤَذِّنٌ أَيَّتُهَا الْعِيرُ إِنَّكُمْ لَسَارِقُونَ (70).
فلَمَّا أوفى يوسُفُ إخوتَه الطَّعامَ، وحمَّلَ لكلِّ واحدٍ منهم بعيرَه؛ جعَلَ الإناءَ -الَّذي يشرَبُ فيه الملِكُ ويُكالُ به الطَّعامُ- في مَتاعِ أخيه الشَّقيقِ، ثمَّ نادى منادٍ: يا أصحابَ القافِلَةِ المُحمَّلةِ بالطَّعامِ، إنَّكم لَسارِقونَ.
قَالُواْ وَأَقْبَلُواْ عَلَيْهِم مَّاذَا تَفْقِدُونَ (71).
قال إخوةُ يوسفَ وقد أقبلوا على المُنادي ومَن معه: ما الَّذي ضاعَ منكم؟
قَالُواْ نَفْقِدُ صُوَاعَ الْمَلِكِ وَلِمَن جَاء بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وَأَنَاْ بِهِ زَعِيمٌ (72).
قال المُنادي ومَن معه: نفقِدُ الإناءَ الَّذي يشرَبُ فيه الملِكُ، ويكيلُ به الطَّعامَ، ولِمَن جاء بصُواعِ الملِكِ حِمْلُ بعيرٍ مِن الطَّعامِ، قال المُنادي: وأنا بأنْ أُوفيَ مَن قامَ بذلك حِمْلَ بعيرٍ مِن الطَّعامِ، ضامِنٌ وكفيلٌ.
قَالُواْ تَاللّهِ لَقَدْ عَلِمْتُم مَّا جِئْنَا لِنُفْسِدَ فِي الأَرْضِ وَمَا كُنَّا سَارِقِينَ (73).
قال إخوةُ يوسُفَ: واللَّهِ لقد علِمْتم أنَّنا ما جئْنا لنعصِيَ اللَّهَ في أرضِكم، ولم نكُنْ سارِقينَ مِن قبْلُ قَطُّ، فليستِ السَّرِقةُ مِن خِصالِنا.
قَالُواْ فَمَا جَزَآؤُهُ إِن كُنتُمْ كَاذِبِينَ (74).
قال المُنادي ومَن معه: فما عُقوبةُ سارِقِ الصُّواعِ إنْ كنتم كاذِبينَ في تَبْرئةِ أنفُسِكم، ووجَدْنا الصُّواعَ في رِحالِكم؟
قَالُواْ جَزَآؤُهُ مَن وُجِدَ فِي رَحْلِهِ فَهُوَ جَزَاؤُهُ كَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ (75).
قال إخوةُ يوسُفَ: عُقوبةُ مَن وُجِدَ الصُّواعُ في مَتاعِه أنْ يكونَ هو نفْسُه رقيقًا لِصاحِبِ الصُّواعِ، كذلك نُعاقِبُ الظَّالمينَ للنَّاسِ بسَرِقةِ أمْتعتِهم؛ أنْ يكونَ السَّارِقُ مِلْكًا لصاحِبِ المالِ المَسروقِ.
فَبَدَأَ بِأَوْعِيَتِهِمْ قَبْلَ وِعَاء أَخِيهِ ثُمَّ اسْتَخْرَجَهَا مِن وِعَاء أَخِيهِ كَذَلِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَ مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ إِلاَّ أَن يَشَاء اللّهُ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مِّن نَّشَاء وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ (76).
فبدَأَ يوسُفُ بتفتيشِ أمتِعةِ إخوتِه قبلَ تفتيشِ مَتاعِ أخيه الشَّقيقِ، ثمَّ استخرَجَ الصُّواعَ مِن مَتاعِ شقيقِه؛ ليصِحَّ له بذلك إمساكُه عندَه. مِثْلَ ذلك الكيدِ العجيبِ دبَّرنا ليوسفَ؛ ليتوصَّلَ إلى مقصودِه بألطفِ حيلةٍ، ما كان يوسُفُ ليقْدِرَ على أنْ يأخُذَ أخاه وَفقًا لشريعةِ ملِكِ مصرَ -فليس في حُكْمِه أنَّ مَن سَرَقَ يُسْتَرَقُّ- إلَّا بمشيئةِ الله؛ فقد كادَ لِيوسُفَ حتَّى تمكَّنَ مِن أخْذِ شقيقِه مِن إخوتِه، بناءً على شريعتِهم، وإقرارِهم بأنفُسِهم، فجعَلَ الحُكمَ منهم؛ ليتِمَّ له ما أرادَ، نرفَعُ مَن نشاءُ درجاتٍ بالعلْمِ النَّافِعِ ومعرفةِ الطُّرقِ الموصلةِ إلى المقاصِدِ الحَسَنةِ، كما رفَعْنا يوسُفَ، وفوقَ كلِّ عالِمٍ مَن هو أعلَمُ منه، حتَّى ينتهِيَ العلْمُ إلى اللَّهِ عزَّ وجلَّ عالِمِ الغَيبِ والشَّهادةِ.
قَالُواْ إِن يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَّهُ مِن قَبْلُ فَأَسَرَّهَا يُوسُفُ فِي نَفْسِهِ وَلَمْ يُبْدِهَا لَهُمْ قَالَ أَنتُمْ شَرٌّ مَّكَانًا وَاللّهُ أَعْلَمْ بِمَا تَصِفُونَ (77).
قال إخوةُ يوسُفَ تبْرئةً لأنفُسِهم مِن هذه التُّهمةِ الَّتي تُحرِجُهم: إنْ يسرِقْ هذا فليس بغريبٍ منه؛ فقد سرَقَ شقيقُه يوسُفُ مِن قبلُ، فأضمَرَ يوسُفُ في نفْسِه كَلِمةً، ولم يُظهرها لهم، وهي قولُه: أنتم شرٌّ منزِلةً عندَ اللَّهِ ممَّن نسبْتُموه إلى السَّرقةِ؛ لِصنيعِكم الظَّالِمِ بي، وعُقوقِ أبيكم، ثمَّ بعدَ تلك المُدَّةِ الطَّويلةِ لم يَزُلِ الحِقْدُ عن قُلوبِكم، فرميتُموني بالسَّرقةِ، واللَّهُ أعلَمُ بما تذكرونَ مِن الكَذِبِ.
قَالُواْ يَا أَيُّهَا الْعَزِيزُ إِنَّ لَهُ أَبًا شَيْخًا كَبِيرًا فَخُذْ أَحَدَنَا مَكَانَهُ إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ (78).
قال إخوةُ يوسُفَ لِيوسُفَ: يا أيُّها العزيزُ إنَّ لأخينا الَّذي تُريدُ أخْذَه أبًا شيخًا كبيرًا، يحِبُّه حُبًّا شديدًا، ولا يصبِرُ على فِراقِه، فخُذْ واحدًا منَّا بدلًا مِن أخينا الَّذي تُريدُ أخْذَه؛ إنَّا نَراكَ مِنَ المحسِنينَ في أفعالِك، فأحْسِنْ إلينا وإلى أبينا بأخْذِ أحدِنا، وترْكِ أخينا يرجِعُ إلى أبيه.
قَالَ مَعَاذَ اللّهِ أَن نَّأْخُذَ إِلاَّ مَن وَجَدْنَا مَتَاعَنَا عِندَهُ إِنَّـآ إِذًا لَّظَالِمُونَ (79).
قال يوسُفُ لإخوتِه: نعوذُ باللَّهِ أنْ نأخُذَ بريئًا بدلًا ممَّن وجَدْنا الصُّواعَ لديه؛ إنَّا إذَا أخَذْنا غيرَه لَظالِمونَ بوضْعِنا العُقوبةَ على مَن لا يستحِقُّها.
فَلَمَّا اسْتَيْأَسُواْ مِنْهُ خَلَصُواْ نَجِيًّا قَالَ كَبِيرُهُمْ أَلَمْ تَعْلَمُواْ أَنَّ أَبَاكُمْ قَدْ أَخَذَ عَلَيْكُم مَّوْثِقًا مِّنَ اللّهِ وَمِن قَبْلُ مَا فَرَّطتُمْ فِي يُوسُفَ فَلَنْ أَبْرَحَ الأَرْضَ حَتَّىَ يَأْذَنَ لِي أَبِي أَوْ يَحْكُمَ اللّهُ لِي وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ (80).
فلَمَّا يئِسَ إخوةُ يوسُفَ مِن أنْ يُخَلِّيَ يوسُفُ سَراحَ أخيهم، ويأْخُذَ واحدًا منهم مكانَه، انفَرَدوا عن النَّاسِ، واجتمَعوا يتسارُّونَ فيما بيْنَهم، ويتَشاوَرونَ في شأْنِ ما وقَعوا فيه، قال أكبَرُ أولادِ يعقوبَ سِنًّا لإخوتِه: ألمْ تعلَموا أنَّ أباكم يعقوبَ قد أخَذَ عليكم عُهودَ اللَّهِ المُؤكَّدةَ بأنْ ترُدُّوا إليه ولَدَه؟! ألمْ تعلَموا أيضًا تَفريطَكم في يوسُفَ وإضاعتَه مِن قَبْلِ هذا؟! فاجتمَعَ عليكمُ الأمْرانِ؛ تفريطُكم في يوسُفَ، وعدَمُ إتيانِكم بأخيه، فلنْ أُفارِقَ أرضَ مِصرَ حتَّى يأْذَنَ لي أبي بالخُروجِ منها؛ فإنِّي أسْتَحيي منه، أو يقْضِيَ اللَّهُ لي بأمْرٍ، واللَّهُ أفضَلُ وأعدَلُ مَن حكَمَ بيْن النَّاسِ بالحقِّ.
ارْجِعُواْ إِلَى أَبِيكُمْ فَقُولُواْ يَا أَبَانَا إِنَّ ابْنَكَ سَرَقَ وَمَا شَهِدْنَا إِلاَّ بِمَا عَلِمْنَا وَمَا كُنَّا لِلْغَيْبِ حَافِظِينَ (81).
قال أكبرُ أولادِ يَعقوبَ لإخوتِه: ارجِعوا إلى أبيكم يَعقوبَ، فقولوا له: يا أبانا، إنَّ ابنَك الَّذي أرسلْتَه معنا سرَقَ صُواعَ الملِكِ، وأُخِذَ بجِنايتِه، وما شَهِدْنا عِندَكَ -يا أبانا- بأنَّ ابنَك سرَقَ إلَّا بما رأيْنا؛ مِنِ استخراجِ الصُّواعِ مِن رَحْلِه، وما كنَّا لِمَا غاب عنَّا عالِمينَ؛ فلم نَدْرِ أنَّ ابنَك سيَسرِقُ الصُّواعَ، ويُسْتَرَقُّ عندَ الملِكِ.
وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيهَا وَالْعِيْرَ الَّتِي أَقْبَلْنَا فِيهَا وَإِنَّا لَصَادِقُونَ (82).
وقولوا لأبيكم: وإنْ كنْتَ لا تُصَدِّقُنا فيما أخبرْناك به مِن سَرِقةِ ابنِك للصُّواعِ، فاسألْ أهلَ مِصرَ الَّتي كنَّا فيها؛ ليَتبيَّنَ لك صِدْقُنا، واسألْ أصحابَ القافِلةِ الَّتي جِئْنا معها ورافَقْناها؛ فسيُصَدِّقونَنا فيما أخبرْناكَ، وإنَّا لَصادِقونَ فيما أخْبَرناكَ به مِن سَرِقةِ ابنِك صُواعَ الملِكِ، واسترقاقِه بسَببِ سرِقَتِه، ولم نَكذِبْ عليك.
قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنفُسُكُمْ أَمْرًا فَصَبْرٌ جَمِيلٌ عَسَى اللّهُ أَن يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ (83).
قال يَعقوبُ لأبنائِه: ليس الأمرُ كما ادَّعيْتُم، بل زَيَّنَتْ لكم أنفُسُكم أمْرًا أردْتُموه بأخيكم غيرَ ما تقولون! فصَبْري على فَقْدِ أبنائي صَبرٌ جميلٌ، لا جَزَعَ فيه، ولا شَكوَى إلى الخلْقِ؛ عسى اللَّهُ أنْ يَرُدَّ عليَّ أبنائي الغائبينَ جميعًا: يوسُفَ وأخويه، إنَّ اللَّهَ هو العَليمُ بحالي، الحَكيمُ في أفعالِه وقَضائِه وتَدبيرِ خَلْقِه.
وَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَا أَسَفَى عَلَى يُوسُفَ وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ (84).
وأعرَضَ يَعقوبُ عن أبنائِه بعدَ أنْ أخبَرَوه بما جدَّدَ حُزنَه القديمَ، وقال: يا شِدَّةَ حُزْني على وَلدِي يوسُفَ! وابيضَّتْ عَيْنَا يَعقوبَ مِن شدَّةِ الحُزنِ الَّذي أوْجَبَ له كثرةَ البُكاءِ؛ فقلبُه مملوءٌ مِن الحُزنِ، وهو كاتمٌ له لا يُظهِرُه.
قَالُواْ تَالله تَفْتَأُ تَذْكُرُ يُوسُفَ حَتَّى تَكُونَ حَرَضًا أَوْ تَكُونَ مِنَ الْهَالِكِينَ (85).
قال أبناءُ يَعقوبَ لأبيهم مُتعجِّبينَ مِن حالِه: واللَّهِ، لا تَزالُ تَذكُرُ يوسُفَ ولا تنساه حتَّى يَضْعُفَ جِسمُك وعقلُك، وتقارِبَ الهلاكَ مِن شدَّةِ الحُزنِ عليه! أو تكونَ ممَّن هلَكَ بالموتِ!
قَالَ إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللّهِ وَأَعْلَمُ مِنَ اللّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ (86).
قال يعقوبُ رادًّا على أبنائِه: إنَّما أشْكو همِّي وحُزْني إلى اللَّهِ وحْدَه، لا إلى خَلْقِه، وأعلَمُ مِن عِندِ اللَّهِ عِلْمًا عَلَّمَنِيهِ لا تَعلمونَه أنتم.
يَا بَنِيَّ اذْهَبُواْ فَتَحَسَّسُواْ مِن يُوسُفَ وَأَخِيهِ وَلاَ تَيْأَسُواْ مِن رَّوْحِ اللّهِ إِنَّهُ لاَ يَيْأَسُ مِن رَّوْحِ اللّهِ إِلاَّ الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ (87).
يا أبنائي، اذْهَبوا إلى مِصرَ، فاجتَهِدوا في الْتِماسِ يوسُفَ وأخيه، وتَعرَّفوا خبرَهما، ولا تَقنَطُوا مِن فرَجِ اللَّهِ ورَحمتِه؛ وأنَّه سيروِّحُ عنَّا ما نحن فيه مِن الكَرْبِ والشِّدَّةِ، إنَّه لا يَقنَطُ مِن فَرَجِ اللَّهِ، ويقطَعُ رَجاءَه مِن رَحمتِه إلَّا القومُ الَّذين يَجْحَدون قُدرتَه، ويَستبعِدُون رَحمتَه.
فَلَمَّا دَخَلُواْ عَلَيْهِ قَالُواْ يَا أَيُّهَا الْعَزِيزُ مَسَّنَا وَأَهْلَنَا الضُّرُّ وَجِئْنَا بِبِضَاعَةٍ مُّزْجَاةٍ فَأَوْفِ لَنَا الْكَيْلَ وَتَصَدَّقْ عَلَيْنَآ إِنَّ اللّهَ يَجْزِي الْمُتَصَدِّقِينَ (88).
فرجَعَ إخوةُ يوسُفَ إلى مِصرَ، فلَمَّا دخلوا على يوسُفَ قالوا له: يا أيُّها العزيزُ، أصابَنا وأهْلَنا الجوعُ والحاجةُ والشِّدَّةُ؛ بسببِ القحْطِ، وقِلَّةِ الطَّعامِ، وأَتَيْنا بثَمنٍ رَديءٍ قليلٍ لِشِراءِ الطَّعامِ، فأَوْفِنا كَيْلَ الطَّعامِ ولا تَنْقُصْه، وتَفَضَّلْ عليْنا، وتَسامَحْ بما بيْنَ الثَّمَنِ الجَيِّدِ للطَّعامِ والثَّمنِ الرَّديءِ الَّذي قدَّمْناه لشِرائِه، ولا تَنْقُصْنا مِنَ الطَّعامِ بسَببِ ذلك، إنَّ اللَّهَ يُثيبُ في الدُّنيا والآخِرَةِ المُتفضِّلينَ بأموالِهم على المُحتاجِينَ.
قَالَ هَلْ عَلِمْتُم مَّا فَعَلْتُم بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ إِذْ أَنتُمْ جَاهِلُونَ (89).
قال يوسُفُ لإخوتِه: هل تَذكُرونَ ما فعلْتُم بيوسُفَ وأخيه مِنَ الأذَى، حالَ جَهْلِكم بمِقدارِ ما ارتَكبتُموه، وعاقبةِ ما فعلْتُموه؟
قَالُواْ أَإِنَّكَ لأَنتَ يُوسُفُ قَالَ أَنَاْ يُوسُفُ وَهَـذَا أَخِي قَدْ مَنَّ اللّهُ عَلَيْنَا إِنَّهُ مَن يَتَّقِ وَيِصْبِرْ فَإِنَّ اللّهَ لاَ يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ (90).
قال إخوةُ يوسفَ له: أإنَّك لَأَنْتَ أخونا يوسُفُ؟ قال: نَعَمْ أنا يوسُفُ، وهذا أخي الشَّقِيقُ، قد مَنَّ اللَّهُ عليْنا بالاجتِماعِ بعدَ الفُرْقةِ، والعِزَّةِ بعدَ الذِّلَّةِ، والتَّمكينِ في الدُّنيا، إنَّه مَنْ يَتَّقِ اللَّهَ، فيَمتَثِلْ ما أمَر به، ويَجتنِبْ ما نَهى عنه، ويَصبِرْ على الطَّاعاتِ وعن المعاصي وعلى المصائِبِ؛ فإنَّ اللَّهَ لا يُبطِلُ ثوابَ إحسانِه، ولا ثَوابَ كُلِّ مَن أحسَنَ بذلك.
قَالُواْ تَاللّهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللّهُ عَلَيْنَا وَإِن كُنَّا لَخَاطِئِينَ (91).
قال إخوةُ يوسُفَ مُقْسِمينَ له: تاللَّهِ، لقد فضَّلَك اللَّهُ علينا بالعِلْمِ والحِلْمِ، وحُسْنِ الخِلْقةِ والخُلُقِ، والمُلكِ، وما كُنَّا فيما فعَلْنا بك إلَّا مُذْنِبينَ مُخْطئينَ في حقِّك.
قَالَ لاَ تَثْرَيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ (92).
قال يوسفُ لإخوتِه: لا تَعْييرَ عليكم، ولا تَوْبيخَ بما صَنَعْتُم، ولا إفسادَ لِمَا بَيْنَنا مِنَ الأُخوَّةِ بعدَ اليومِ، يَسْتُرُ اللَّهُ لكم ذُنوبَكم، ويتجاوَزُ عن مُؤاخَذَتِكم بها، وهو أرحمُ الرَّاحِمين لِمَنْ تاب إليه، وأنابَ إلى طاعتِه.
اذْهَبُواْ بِقَمِيصِي هَـذَا فَأَلْقُوهُ عَلَى وَجْهِ أَبِي يَأْتِ بَصِيرًا وَأْتُونِي بِأَهْلِكُمْ أَجْمَعِينَ (93).
قال يوسُفُ لإخوتِه: اذْهَبوا بقَميصي هذا فأَلْقُوهُ على وجْهِ أبي يعقوبَ، يَصِرْ مُبْصِرًا بعدَ العَمى، وجِيئُوني بجَميعِ أهْلِكم بَنِي يعقوبَ.
وَلَمَّا فَصَلَتِ الْعِيرُ قَالَ أَبُوهُمْ إِنِّي لأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ لَوْلاَ أَن تُفَنِّدُونِ (94).
ولَمَّا خرجَتْ قافلةُ بَنِي يعقوبَ مِن مِصرَ إلى الشَّامِ، قال يعقوبُ لِمَنْ حضَرَ عِندَه: إنِّي لَأَشَمُّ رائحةَ ابْني يوسُفَ! لولا أنْ تَنْسُبوني إلى الهَرَمِ وضَعْفِ العَقلِ والخَرَفِ، لَتَحَقَّقْتُم ذلك وصَدَّقْتُموني.
قَالُواْ تَاللّهِ إِنَّكَ لَفِي ضَلاَلِكَ الْقَدِيمِ (95).
قال الحاضِرونَ ليعقوبَ: واللَّهِ، إنَّك لَفي خَطئِك الَّذي كنتَ عليه قديمًا، قد ذهبتَ عن العلمِ بحقيقةِ أمرِ يوسفَ، ومِن أجْلِ ذلك تطمعُ في رجوعِه إليك!
فَلَمَّا أَن جَاء الْبَشِيرُ أَلْقَاهُ عَلَى وَجْهِهِ فَارْتَدَّ بَصِيرًا قَالَ أَلَمْ أَقُل لَّكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ مِنَ اللّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ (96).
فلَمَّا أنْ جاءَ يَعقوبَ ولَدُه المبَشِّرُ برِسالةِ يوسُفَ، ألْقَى قَميصَ يوسُفَ على وجهِ يعقوبَ، فعاد مُبْصِرًا بعَينيهِ كما كان! قال يعقوبُ لأولادِه: ألم أقُلْ لكم: إنِّي أعلَمُ مِنْ اللَّهِ أنَّه سيَرُدُّ علَيَّ يوسُفَ، ويَجمَعُ بيني وبيْنَه؟!
قَالُواْ يَا أَبَانَا اسْتَغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا إِنَّا كُنَّا خَاطِئِينَ (97).
قال إخوةُ يوسُفَ لأبيهم: يا أبانا، اسأَلِ اللَّهَ أنْ يَسْتُرَ علينا ذُنوبَنا الَّتي أذْنَبْناها في حقِّك وحقِّ يوسُفَ، ويَتجاوزَ عن مُؤاخَذَتِنا بها؛ إنَّا كُنَّا مُذْنِبينَ مُتَعَمِّدين للإثمِ بما فعَلْنا.
قَالَ سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّيَ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (98).
قال يَعقوبُ لهم: سوفَ أسأَلُ ربِّي أنْ يَغفِرَ ذُنوبَكم؛ إنَّ ربِّي هو السَّاتِرُ لِذُنوبِ التَّائِبين، المُتجاوِزُ عن المُؤاخَذةِ بها، الرَّحيمُ بهم؛ فلا يُعَذِّبُهم بعدَ تَوْبَتِهم.
فَلَمَّا دَخَلُواْ عَلَى يُوسُفَ آوَى إِلَيْهِ أَبَوَيْهِ وَقَالَ ادْخُلُواْ مِصْرَ إِن شَاء اللّهُ آمِنِينَ (99).
فرحَلَ يعقوبُ بأهلِه جميعًا إلى مِصرَ، فلَمَّا دخَلوا على يوسُفَ ضمَّ يوسُفُ إليه أبويْه، واختصَّهما بقُربِه، وقال لجميعِ أهلِه: ادخُلوا مِصرَ آمنينَ -إنْ شاءَ اللَّهُ- مِن المَكارِه والمَخاوِفِ.
وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ وَخَرُّواْ لَهُ سُجَّدًا وَقَالَ يَا أَبَتِ هَـذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِن قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقًّا وَقَدْ أَحْسَنَ بَي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ وَجَاء بِكُم مِّنَ الْبَدْوِ مِن بَعْدِ أَن نَّزغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِّمَا يَشَاء إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ (100).
وأجلَسَ يوسُفُ أباه وأمَّه على السَّريرِ الَّذي يجلِسُ عليه، وخرَّ أبو يوسُفَ وأمُّه وإخوتُه الأَحدَ عشَرَ ساجِدينَ لِيوسُفَ؛ تَحيةً له وتعظيمًا، وقال يوسُفُ لأبيه يعقوبَ: يا أبتِ هذا السُّجودُ منكم هو ما آلَتْ إليه رُؤْيايَ الَّتي رأيْتُها في مَنامي مِن قبلُ -وذلك حينَ رأى أنَّ الشَّمسَ والقمَرَ وأحدَ عشَرَ كوكبًا له ساجِدينَ- قد حقَّقَ ربِّي وُقوعَها، وجعَلَها صادِقةً، وقد أحسَنَ ربِّي إليَّ حينَ أخرَجَني مِن السِّجنِ، وجاءَ بكم مِن بادِيةِ الشَّامِ إلى حاضِرةِ مِصرَ، مِن بعدِ أنْ دخَلَ الشَّيطانُ بيني وبين إخوتي، فأفسَدَ ما بيْنَنا بالحسَدِ، وأغْرى بعضَنا ببعضٍ، إنَّ ربِّي لطيفٌ لِما يُريدُه بعِبادِه مِن البِرِّ والرَّحمةِ؛ فيُيسِّرُ لهم الخيرَ بطُرُقٍ خفيَّةٍ دقيقةٍ، مِن حيثُ لا يَعلمونَ، ولا يَحتسِبونَ، إنَّ اللَّهَ هو العَليمُ بمصالِحِ خَلْقِه وغيرِ ذلك، لا يَخْفَى عليه ظواهِرُ الأمورِ وبواطنُها، ولا مَبادئُها وعَواقبُها، الحكيمُ في أفعالِه وأقوالِه وتَدبيرِه؛ فيضَعُ كلَّ شيءٍ في موضِعِه اللَّائقِ به، ويَسوقُ الأمورَ إلى أوقاتِها المُقدَّرةِ لها.
رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِن تَأْوِيلِ الأَحَادِيثِ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ أَنتَ وَلِيِّي فِي الدُّنُيَا وَالآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ (101).
قال يوسُفُ: يا ربِّ، قد آتيتَني مِن مُلكِ مِصرَ بالتَّصرُّفِ في شُؤونِ خَزائنِها، وعلَّمتَني مِن تَعبيرِ الرُّؤى، ومِن عُلومِ الكُتُبِ المُنزَّلةِ، وسُنَنِ الأنبياءِ، يا خالِقَ السَّمواتِ والأرضِ، أنت ناصِري ومُتولِّي أُموري في الدُّنيا وفي الآخرةِ، اقبِضْني إليك إذا جاء أَجَلي وأنا ثابِتٌ على الإسلامِ، وألْحِقْني في الثَّوابِ والدَّرجاتِ بالصَّالِحين مِن آبائي؛ إبراهيمَ وإسحاقَ وغيرِهما مِن الأنبياءِ والمُرسَلينَ.
ذَلِكَ مِنْ أَنبَاء الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ إِذْ أَجْمَعُواْ أَمْرَهُمْ وَهُمْ يَمْكُرُونَ (102).
ذلك الَّذي قَصَصْنا في هذه السُّورةِ -مِن خبَرِ يوسُفَ وغيرِه ممَّا غاب عنك عِلْمُه- نُوحيه إليك -يا مُحمَّدُ- ونُعلِمُك به؛ لنُثبِّتَ به فؤادَك، ولتَصبِرَ على ما أصابَك، وما كنتَ حاضرًا -يا محمَّدُ- عندَ إخوةِ يوسُفَ حينَ اتَّفقَتْ آراؤُهم، وصحَّتْ عَزائمُهم على إلْقاءِ يوسُفَ في الجُبِّ، والحالُ أنَّهم يَمكُرون به في هذا الفعلِ، ويَبْغونَ له الغَوائلَ.
وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ (103).
وما أكثَرُ النَّاسِ -يا محمَّدُ- ولو حرصْتَ على هِدايتِهم بمُؤمنِينَ باللَّهِ، وبما جئْتَهم به مِن عِندِه سُبحانَه.
وَمَا تَسْأَلُهُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ هُوَ إِلاَّ ذِكْرٌ لِّلْعَالَمِينَ (104).
وما تطلُبُ منهم -يا محمَّدُ- على تَذكيرِهم بالقُرآنِ، ونُصْحِهم، ودَعوتِهم إلى الإيمانِ أُجْرةً، ما القُرآنُ إلَّا عِظَةٌ وتذْكِرةٌ للعالَمينَ، يَتذكَّرون به، ويهتَدون.
وَكَأَيِّن مِّن آيَةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ (105).
وكمْ مِن علاماتٍ كثيرةٍ في السَّمواتِ والأرضِ دالَّةٍ على أنَّ اللَّه هو المستحِقُّ للعِبادةِ وحْدَه، يمُرُّ عليها النَّاسُ ويرَونَها، وهم عن التَّفكُّرِ فيها والاعتِبارِ بها مُعرِضون.
وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللّهِ إِلاَّ وَهُم مُّشْرِكُونَ (106).
وما يُقِرُّ أكثَرُ النَّاسِ بأنَّ اللَّهَ ربُّهم إلَّا وهم مُشرِكون به غيرَه في عِبادتِه!
أَفَأَمِنُواْ أَن تَأْتِيَهُمْ غَاشِيَةٌ مِّنْ عَذَابِ اللّهِ أَوْ تَأْتِيَهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ (107).
أفأمِنَ أولئك الَّذين لا يُؤمِنونَ باللَّهِ إلَّا وهم مُشرِكون أنْ تأتِيَهم عُقوبةٌ مِن اللَّهِ تغْشاهم وتُحيطُ بهم؛ بسبَبِ شِرْكِهم باللَّهِ؟! أوْ أنْ تأتِيَهم القِيامةُ فجأَةً وهم لا يَدْرونَ بمَجيئِها؟! فلْيَتوبوا إلى اللَّهِ إذًا.
قُلْ هَـذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَاْ وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللّهِ وَمَا أَنَاْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (108).
قلْ -يا مُحمَّدُ- للنَّاسِ: هذه طريقَتي؛ أدْعو إلى تَوحيدِ اللَّهِ على بيِّنةٍ وعِلْمٍ، ويَقينٍ منِّي بصحَّةِ ذلك مِن غيرِ شكٍّ، أنا وكلُّ مَن اتَّبعَني كذلك ندْعو إلى عِبادةِ اللَّهِ وحْدَه على بيِّنةٍ وعلْمٍ، وأُنَزِّه اللَّهَ عن جَميعِ النَّقائصِ؛ كأنْ يكونَ له شريكٌ في المُلكِ أو العِبادةِ، أو يكونَ له مثيلٌ أو ولَدٌ أو صاحبةٌ أو مُعِينٌ، وأتبرَّأُ مِن الَّذين يَعبُدون غيرَه، ولا أعبُدُ إلَّا اللَّهَ وحْدَه.
وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ إِلاَّ رِجَالاً نُّوحِي إِلَيْهِم مِّنْ أَهْلِ الْقُرَى أَفَلَمْ يَسِيرُواْ فِي الأَرْضِ فَيَنظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَدَارُ الآخِرَةِ خَيْرٌ لِّلَّذِينَ اتَّقَواْ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ (109).
وما أرسَلْنا الأنبياءَ مِن قبْلِك -يا مُحمَّدُ- إلَّا رجالًا -لا مَلائكةً ولا نِساءً- نُوحي إليهم أنْ يأْمُروا النَّاسَ بإفرادِ العِبادةِ لي، ويَدْعُوهم إلى طاعتي، وهم مِن أهلِ المُدُنِ لا مِن أهلِ البَوادي، أفلمْ يَسِرْ هؤلاء المُشرِكون المُكذِّبون لك -يا محمَّدُ- في الأرضِ، فيَنْظروا كيف أهلَكَ اللَّهُ الأُمَمَ الَّذين كذَّبوا رُسلَهم مِن قبلِهم، فيَعتَبِروا؟! وكما أنجَيْنا المُتَّقينَ في الدُّنيا عندَ نزولِ العُقوبةِ بالمُشرِكين والعُصاةِ، كذلك كتَبْنا لهم النَّجاةَ في الدَّارِ الآخِرةِ أيضًا، والجنَّةُ خَيرٌ لهم مِن الدُّنيا وأحسَنُ، أفلا تعقِلون حَقيقةَ ما أخبَرْناكم به في القُرآنِ مِن سُوءِ عاقِبةِ الكُفْرِ، وخيريَّةِ الدَّارِ الآخرةِ، فتُؤمِنوا باللَّهِ، وتتَّقوا الإشراكَ به؟!
حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّواْ أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُواْ جَاءهُمْ نَصْرُنَا فَنُجِّيَ مَن نَّشَاء وَلاَ يُرَدُّ بَأْسُنَا عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ (110).
حتَّى إذا يئِس رُسلُ اللَّهِ، وخطَر بقلوبِهم، وحدَّثتْهم أنفسُهم أنَّهم قد أُخلِفوا فيما وعَدَهم اللَّهُ به مِن النَّصرِ؛ لطولِ البلاءِ عليهم، وإبطاءِ النَّصرِ -أتاهم نصْرُنا فجأَةً، فنَجَّيْناهم وأتْباعَهم المُؤمنينَ، ولا يقدِرُ أحدٌ أنْ يرُدَّ عذابَنا عن القومِ المُشرِكينَ المُكذِّبينَ للرُّسلِ.
لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِّأُوْلِي الأَلْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَى وَلَـكِن تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (111).
لقد كان في قَصَصِ يوسُفَ وإخوتِه وقَصَصِ المُرسَلينَ مع أُمَمِهم عِظَةٌ لأهلِ العُقولِ السَّليمةِ يعتَبِرون بها، ما كان القُرآنُ وما فيه مِن الأخبارِ والقَصصِ حديثًا يُكذَبُ ويُختلَقُ، ولكنِ يُصدِّقُ الكُتُبَ الَّتي أنزَلَها اللَّهُ مِن قَبْلُ على الأنبياءِ، ويَشهَدُ لِما فيها مِن الصَّحيحِ الَّذي لم يُحَرَّفْ أنَّه حَقٌّ مِن عندِ اللَّهِ، والقُرآنُ يُبيِّنُ كلَّ ما يَحتاجُ العِبادُ إلى بَيانِه مِن العَقائدِ، والشَّرائعِ والأحكامِ، والأخبارِ، وهو هُدًى مِن كلِّ ضلالةٍ لِمَنِ اتَّبعَه، ورحمةٌ في الدُّنيا والآخِرةِ للمُصدِّقينَ به، العامِلينَ بما فيه.
الرعد
المر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ وَالَّذِيَ أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ الْحَقُّ وَلَـكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يُؤْمِنُونَ
تُبيِّنُ هذه الحروفُ المقطَّعةُ، إعجازَ القرآنِ؛ حيثُ تُظهِرُ عجْزَ الخَلقِ عن مُعارَضَتِه بمثلِه، مع أنَّه مركَّبٌ مِن هذه الحروفِ الَّتي يَتحدَّثون بها! تلك آياتُ القُرآنِ، الرَّفيعةُ الشَّأنِ، وهذا القرآنُ الَّذي أُنزِل إليك -يا مُحمَّدُ- مِن رَبِّك، هو الحَقُّ؛ فاعتَصِمْ به، ووجَب لثُبوتِ حَقِّيَّتِه أن يؤمِنَ به جميعُ النَّاسِ، ولكنَّ أكثَرَهم لا يُؤمِنونَ به، مع وُضوحِ ذلك؛ جهلًا، أو عِنادًا منهم.
اللّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لأَجَلٍ مُّسَمًّى يُدَبِّرُ الأَمْرَ يُفَصِّلُ الآيَاتِ لَعَلَّكُم بِلِقَاء رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ
اللهُ هو الَّذي رفَع بقُدرتِه العظيمةِ السَّمواتِ السَّبْعَ بلا أعمدةٍ، كما ترَونَها، ثمَّ علا اللهُ على عَرشِه العظيمِ عُلوًّا يليقُ به، وذلَّلَ الشَّمسَ والقمَرَ لمصالحِ خَلْقِه، كلٌّ منهما يجري في السَّماءِ إلى انتهاءُ الدُّنيا، يُصرِّفُ أمورَ مَخلوقاتِه كما يريدُ، ويوضِّحُ آياتِه الدَّالَّةَ على وحدانيَّتِه وقُدرتِه على البعثِ وغيرِه؛ لتُوقِنوا بالبعثِ والجزاء.
وَهُوَ الَّذِي مَدَّ الأَرْضَ وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْهَارًا وَمِن كُلِّ الثَّمَرَاتِ جَعَلَ فِيهَا زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ
واللهُ هو الَّذي بسَطَ الأرضَ، فجعلها متَّسِعةَ الأرجاءِ، وجعَل فيها جِبالًا ثابتةً، وأنهارًا جاريةً، وجعَل فيها مِن جميعِ الثَّمَراتِ صنفينِ اثنينِ، ويغطِّي اللهُ باللَّيلِ النَّهارَ، إنَّ فيما ذُكرَ مِن عجائبِ المخلوقات لَدَلالاتٍ لِقَومٍ يتفَكَّرونَ فيها.
وَفِي الأَرْضِ قِطَعٌ مُّتَجَاوِرَاتٌ وَجَنَّاتٌ مِّنْ أَعْنَابٍ وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ صِنْوَانٌ وَغَيْرُ صِنْوَانٍ يُسْقَى بِمَاء وَاحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ فِي الأُكُلِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ
وجعَلَ اللهُ في الأرضِ بِقاعًا مُختلِفةً في ألوانِها وأحجامِها، وغير ذلك، مع كَونِها مُتجاوِرةً! وفي الأرضِ بَساتينُ مِن أعنابٍ مُتنَوِّعة، وزروعٌ ونَخيلٌ مُختلِفةٌ؛ فهناك نَخَلاتٌ يجمَعُهنَّ أصلٌ واحِدٌ في مَنبتٍ واحدٍ، وبعضها مُتفَرِّقة، كلُّ نخلةٍ منها نابتةٌ مِن أصلٍ مُستقِلٍّ، وجميعُ ما ذُكر في الآية، يُسقى بماءٍ واحدٍ عذبٍ، ومع ذلك فثمارُ بعضها أفضل من بعضٍ؛ طَعمًا وشَكلًا، ولونًا وغير ذلك، إنَّ في اختلافِ قطعِ الأرضِ المتجاوراتِ، واختلافِ ثمارِها لَعلاماتٍ لمن كان له قلبٌ يعقلُ به عن اللهِ ما أخبَر به.
وَإِن تَعْجَبْ فَعَجَبٌ قَوْلُهُمْ أَئِذَا كُنَّا تُرَابًا أَئِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ أُوْلَـئِكَ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِرَبِّهِمْ وَأُوْلَئِكَ الأَغْلاَلُ فِي أَعْنَاقِهِمْ وَأُوْلَـئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدونَ
وإنْ تَعجَبْ -يا مُحمَّدُ- مِن عبادةِ المُشرِكينَ آلهةً لا تضُرُّ ولا تنفَعُ، بعد رؤيتهم آثارِ قُدرةِ اللهِ العظيمةِ؛ كخَلْقِه ما تقدَّمَ ذِكرُه؛ فالعجَبُ مِن قَولِهم: أئِذا صِرْنا تُرابًا بعدَ مَوتِنا، أئِنَّا لَمبعوثونَ خَلقًا جديدًا كما كنَّا في الدُّنيا؟! أولئك وقَعوا في الكُفرِ بربهم، وفي أعناقِهم أطواقٌ مِن حديدٍ يومَ القيامةِ، وهم ملازمون للنَّارِ أبدًا
وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الْحَسَنَةِ وَقَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِمُ الْمَثُلاَتُ وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِّلنَّاسِ عَلَى ظُلْمِهِمْ وَإِنَّ رَبَّكَ لَشَدِيدُ الْعِقَابِ
ويَطلُبُ كفَّارُ قَومِك -يا محمَّدُ- استخفافًا واستهزاءً؛ أن تُعَجِّلَ لهم العذابَ قبلَ أن يَطلُبوا العافيةَ والإمهالَ؛ لشِدَّةِ كُفرِهم وعِنادِهم، والحالُ أنَّهم يعلمونَ ما حلَّ بالكفار قبلهم مِن العُقوباتِ، فلم يتَّعِظوا! وإنَّ ربَّك -يا محمَّدُ- لذُو مغفرةٍ للناسِ رغْم ظلمِهم، وذلك إذا تابوا، وإنَّ ربَّك لَشديدُ العِقابِ لمن أصرَّ على ظُلمِه.
وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُواْ لَوْلآ أُنزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِّن رَّبِّهِ إِنَّمَا أَنتَ مُنذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ
ويقولُ كفارُ قومِك -يا مُحمَّدُ- عنادًا: هلَّا أُنزِلَ على محمَّدٍ مُعجِزةٌ مِن رَبِّه تَدُلُّ على نبُوَّتِه؟ إنَّما عليك -يا محمَّدُ- إنذار قَومِك مِن عِقابِ اللهِ إن أصَرُّوا على كُفرِهم، وليس عليك هدايتُهم، ولا إنزال ما يقتَرِحونَه، ولكُلِّ أمَّةٍ رَسولٌ يدعوهم إلى الحق؛ ليهتدوا
اللّهُ يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنثَى وَمَا تَغِيضُ الأَرْحَامُ وَمَا تَزْدَادُ وَكُلُّ شَيْءٍ عِندَهُ بِمِقْدَارٍ
اللهُ يعلَمُ ما تحمِلُه كلُّ أنثى مِن بني آدمَ وغيرِهم، على أيِّ حالٍ هو؛ مِن ذُكورةٍ وأنُوثةٍ، وحُسْنٍ وقُبحٍ، وغيرِ ذلك، وهو تعالى عالمٌ بما تَنقُصُه الأرحامُ وما تَزيدُه؛ في بدنِ الجنينِ، أو مدَّةِ الحملِ، أو غيرِ ذلك، وكلُّ شَيءٍ عندَ الله له حَدٌّ، لا يتجاوَزُه ولا يَقصُرُ عنه.
عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْكَبِيرُ الْمُتَعَالِ
اللهُ عالِمٌ بكُلِّ ما غاب عنكم، وكُلِّ ما تُشاهِدونَه، وهو الكبيرُ في ذاتِه وأسمائِه وصِفاتِه، وهو المُستَعلي على جميعِ خَلْقِه، بذاتِه وقَدْرِه وقَهرِه.
سَوَاء مِّنكُم مَّنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ وَمَن جَهَرَ بِهِ وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ وَسَارِبٌ بِالنَّهَارِ
يستوي في عِلمِ اللهِ تعالى وسَمعِه مَن أسرَّ مِنكم بقَولٍ، ومَن جهَرَ به، ويستوي في عِلمِ اللهِ وبَصَرِه مَن هو مُختَفٍ في ظُلمةِ اللَّيلِ، ومَن هو ظاهِرٌ يمشي في ضَوءِ النَّهارِ.
لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِّن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللّهِ إِنَّ اللّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ وَإِذَا أَرَادَ اللّهُ بِقَوْمٍ سُوءًا فَلاَ مَرَدَّ لَهُ وَمَا لَهُم مِّن دُونِهِ مِن وَالٍ
للعَبدِ ملائِكةٌ يَتعاقَبونَ عليه، فيأتيه بعضُهم عَقِبَ بَعضٍ، مِن أمامِه وخلفِه فيَحفظُونَه من أمرِ الله، إنَّ اللهَ لا يُغَيِّرُ ما بقَومٍ مِن نِعمةٍ فيُزيلُها عنهم، حتَّى يغَيِّروا ما كانوا عليه مِن طاعةِ اللهِ بمَعصيتِه، وشُكرِه بكُفرِه، وإذا شاء اللهُ أن يُصيبَ قَومًا بسوءٍ، فإرادتُه لا بُدَّ أن تنفُذَ فيهم؛ وليس لهم أحدٌ سِواه يتولَّى أمرَهم، وينصُرُهم.
هُوَ الَّذِي يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفًا وَطَمَعًا وَيُنْشِىءُ السَّحَابَ الثِّقَالَ
اللهُ هو الَّذي يُريكم البَرقَ خوفًا مِن الصَّواعِقِ، وطَمعًا في الانتفاعِ بالمطَرِ، ويَخلُقُ اللهُ السَّحابَ الثِّقالَ بما يَحمِلُه مِن مياهٍ كثيرةٍ.
وَيُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ وَالْمَلاَئِكَةُ مِنْ خِيفَتِهِ وَيُرْسِلُ الصَّوَاعِقَ فَيُصِيبُ بِهَا مَن يَشَاء وَهُمْ يُجَادِلُونَ فِي اللّهِ وَهُوَ شَدِيدُ الْمِحَالِ
ويُنزِّهُ الرَّعدُ اللهَ عن النَّقائصِ تنزيهًا مُتلبِّسًا بحَمدِه تعالى، وتنزِّهُ الملائكةُ اللهَ؛ خوفًا منه سُبحانه، ويُرسِلُ اللهُ الصَّواعِقَ مِن السَّماءِ، فيُهلِكُ بها مَن يشاءُ، وهؤلاء الكفَّارُ -رغم تلك الآياتِ- يجادلونَ في قدرةِ الله على البعثِ، وفي وحدانيَّتِه! واللهُ قويٌّ، شديدُ الأخذِ، عظيمُ الكَيدِ بمن تمادَى في الكُفرِ به.
لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ لاَ يَسْتَجِيبُونَ لَهُم بِشَيْءٍ إِلاَّ كَبَاسِطِ كَفَّيْهِ إِلَى الْمَاء لِيَبْلُغَ فَاهُ وَمَا هُوَ بِبَالِغِهِ وَمَا دُعَاء الْكَافِرِينَ إِلاَّ فِي ضَلاَلٍ
للَّهِ وحْدَه الدَّعوةُ الحَقُّ -وهي كلمةُ التَّوحيدِ: لا إلهَ إلَّا اللهُ- فهو المُستحِقُّ وَحْدَه للعبادةِ والدُّعاءِ، والَّذين يدعوهم المُشرِكونَ مِن دونِ اللهِ لا يُجيبونَ دُعاءَهم، ولا يَنفعونهم إلَّا كما ينتَفِعُ مَن يَبسُطُ كفَّيه إلى الماءِ، ويدعوه ليرتفِعَ إلى فَمِه، وهذا غيرُ ممكنٍ، وما دُعاءُ الكافرينَ لآلهتِهم إلَّا في ضياعٍ.
وَلِلّهِ يَسْجُدُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَظِلالُهُم بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ
ولله يَسجُدُ مَن في السَّمَواتِ ومَن في الأرضِ طائعينَ ومُكرَهينَ، ولِلَّهِ تَسجُدُ ظِلالُ المَخلوقاتِ في أوَّلِ النَّهارِ، وآخِرِه.
قُلْ مَن رَّبُّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ قُلِ اللّهُ قُلْ أَفَاتَّخَذْتُم مِّن دُونِهِ أَوْلِيَاء لاَ يَمْلِكُونَ لأَنفُسِهِمْ نَفْعًا وَلاَ ضَرًّا قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الأَعْمَى وَالْبَصِيرُ أَمْ هَلْ تَسْتَوِي الظُّلُمَاتُ وَالنُّورُ أَمْ جَعَلُواْ لِلّهِ شُرَكَاء خَلَقُواْ كَخَلْقِهِ فَتَشَابَهَ الْخَلْقُ عَلَيْهِمْ قُلِ اللّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ
قُلْ -يا مُحمَّدُ- لِمُشركي قَومِك: مَن خالِقُ السَّمواتِ والأرضِ ومالِكُهما ومُدَبِّرُهما؟ قُل: هو اللهُ وَحْدَه، وقُل لهم: أفاتَّخَذتُم مِن دونِ اللهِ آلهةً لا تملِكُ جلبَ نفعٍ لنفسِها، ولا دفَعَ ضَرٍّ عنها، فضلًا عن غَيرِها؟! قُلْ: هل يَستوي الأعمى الَّذي لا يُبصِرُ شَيئًا، والبَصيرُ؟! فكذلك لا يستوي الموَحِّدُ لله، والمُشرِكُ به، وهل تستوي الظُّلُماتُ الَّتي لا يُرى فيها شيءٌ، والنُّورُ الَّذي تُرى فيه الأشياءُ بوُضوحٍ؟! فكذلك لا يستوي الشِّركُ والإيمانُ، وهل خلَقَ الشركاءُ الذين يَعبُدونَهم مع اللهِ؛ مثلَ خَلقِ اللهِ، فتَشابهَ خَلقُهم بخَلقِ اللهِ، فجَعَلوها شُرَكاءَ له لذلك؟ قُل -يا محمَّدُ-: اللهُ خالِقُ كُلِّ شَيءٍ؛ فهو المستحِقُّ للعبادةِ، هو الواحِدُ الَّذي لا ثانيَ له، القاهرُ لجميعِ خَلقِه.
أَنزَلَ مِنَ السَّمَاء مَاء فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَدًا رَّابِيًا وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النَّارِ ابْتِغَاء حِلْيَةٍ أَوْ مَتَاعٍ زَبَدٌ مِّثْلُهُ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللّهُ الْحَقَّ وَالْبَاطِلَ فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاء وَأَمَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الأَرْضِ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللّهُ الأَمْثَالَ
أنزلَ اللهُ مِن السَّحابِ مطَرًا، فأخذ كلُّ وادٍ بحسَبِ سَعَتِه، واحتمَلَ ماءُ الأوديةِ زبَدًا فوقَه، وثمَّ زبدٌ مثلُه يخرج حين يُوقِدُ النَّاسُ في النَّارِ؛ الذَّهَبَ والفِضَّةَ؛ لإذابتها؛ طلبًا لحِليةٍ يتزيَّنونَ بها، أو حين يوقدون الحديدَ، والنُّحاسَ، وغيرَهما؛ طلَبًا لِمَتاعٍ ينتفِعونَ به، كالأواني، فثمَّةَ خبثٌ يعلو فوقَ ما أُذِيب مِن تلك المعادنِ، كما يعلُو الزَّبَدُ على الماءِ، فلا يُنتفعُ به، وهكذا يُبيِّنُ اللهُ مثَلَ الحَقِّ والباطِلِ، فأمَّا الزَّبَدُ فلا يبقى ولا ينتفع به، وأمَّا مَا ينفَعُ النَّاسَ -مِن الماءِ الصَّافي والمعادِنِ الخالِصةِ- فيبقى في الأرضِ ويَستقِرُّ، وكما مثَّل اللهُ هذا المثَلَ، كذلك يضرِبُ لكم الأمثالَ الأخرى؛ ليتَّضِحَ الحَقُّ مِن الباطِلِ.
لِلَّذِينَ اسْتَجَابُواْ لِرَبِّهِمُ الْحُسْنَى وَالَّذِينَ لَمْ يَسْتَجِيبُواْ لَهُ لَوْ أَنَّ لَهُم مَّا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ لاَفْتَدَوْاْ بِهِ أُوْلَـئِكَ لَهُمْ سُوءُ الْحِسَابِ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَادُ
للَّذينَ أجابوا ربَّهم فآمَنوا به وأطاعوه؛ الجزاءُ الحسَنُ في الدُّنيا، والجنَّةُ في الآخرةِ، وأما الَّذين لم يُؤمِنوا برَبِّهم ولم يُطيعوه؛ فلو أنَّهم يَملِكونَ كُلَّ ما في الأرضِ، ومِثلَه معه، لقدَّموه فداءً؛ لتخليصِ أنفُسِهم مِن العذابِ، أولئك يُؤخَذون يومَ القيامةِ بجميعِ ذُنوبِهم، ومسكَنُهم نارُ جهنَّمَ، وبئسَ الفِراشُ هي.
أَفَمَن يَعْلَمُ أَنَّمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَى إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُواْ الأَلْبَابِ
أهذا الَّذي يعلَمُ أنَّ القُرآنَ الَّذي أنزَلَه اللهُ عليك -يا محمَّدُ- حَقٌّ لا شَكَّ فيه، فيؤمِنُ به ويتَّبِعُه- كمَنْ هو أعمَى عن الحق؟! لا يستويانِ، إنَّما يتذكر بآياتِ اللهِ فينتفع بها أصحابُ العُقولِ السَّليمةِ.
الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللّهِ وَلاَ يِنقُضُونَ الْمِيثَاقَ
وِن صفاتِ أُولي الألبابِ أنهم يُوفُونَ بالعهدِ الَّذي بيْنَهم وبينَ الله تعالى مِن الأوامرِ والنَّواهي، ولا يقعُ منهم نقضٌ لهذا العهدِ المؤكَّدِ.
وَالَّذِينَ يَصِلُونَ مَا أَمَرَ اللّهُ بِهِ أَن يُوصَلَ وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ وَيَخَافُونَ سُوءَ الحِسَابِ
ومِن صفاتِ أُولي الألبابِ أنَّهم يَصِلونَ كُلَّ ما أمَرَ اللهُ بوَصلِه؛ من حقوق الله وحقوق العباد، ويخشونَ رَبَّهم، إن خالفوا أوامِرَه فقَطَعوا ما أمَرَهم بوَصلِه، ويخافونَ مُناقَشةَ اللهِ لهم عن جميعِ أعمالِهم وعدمِ مَغفرةِ ذُنوبِهم.
وَالَّذِينَ صَبَرُواْ ابْتِغَاء وَجْهِ رَبِّهِمْ وَأَقَامُواْ الصَّلاَةَ وَأَنفَقُواْ مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلاَنِيَةً وَيَدْرَؤُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ أُوْلَئِكَ لَهُمْ عُقْبَى الدَّارِ
والَّذين صبَروا، طَلبًا لوجه الله تعالى، وأدَّوُا الصَّلواتِ كما ينبغي، وأنفقوا مما رزقهم اللهُ في الخفاءِ وفي العَلَنِ، ويَدفعونَ بالعملِ الصَّالحِ السَّيِّئَ مِن الأعمالِ، أولئك -المؤمِنونَ الَّذين ذكَرْنا أوصافَهم- لهم الجنَّةُ في الآخِرةِ.
جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَالمَلاَئِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِم مِّن كُلِّ بَابٍ
لهم جَنَّاتُ إقامةٍ دائِمةٍ، يَدخُلونَها هم والصَّالِحونَ مِن آبائِهم وأمَّهاتِهم وأزواجِهم وأولادِهم، والملائِكةُ يَدخُلونَ عليهم مِن كُلِّ بابٍ؛ للسَّلامِ عليهم، وتهنِئتِهم
سَلاَمٌ عَلَيْكُم بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ
تقولُ الملائكةُ لهم: سَلَّمَكم اللهُ مِن الشُّرورِ في الآخرةِ؛ لصَبرِكم في الدُّنيا، فنِعمَ عاقبةُ الدَّارِ الجنَّةُ.
وَالَّذِينَ يَنقُضُونَ عَهْدَ اللّهِ مِن بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَآ أَمَرَ اللّهُ بِهِ أَن يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الأَرْضِ أُوْلَئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ
والَّذين لا يُوفونَ بعهدِ الله، مِن بعدِ تأكيدِه عليهم، ويَقطعونَ ما أمَرَ اللهُ بوَصلِه كالأرحام، ويُفسِدونَ في الأرضِ بالكُفرِ والمعاصي والصَّدِّ عن سبيلِ اللهِ، أولئك مطرودون مِن رَحمةِ اللهِ، ولهم ما يَسوؤُهم في جهنَّمَ.
اللّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاء وَيَقَدِرُ وَفَرِحُواْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا فِي الآخِرَةِ إِلاَّ مَتَاعٌ
اللهُ هو الَّذي يُوَسِّعُ الرِّزقَ لِمَن يَشاءُ، ويُضَيِّقُه على مَن يَشاءُ، بحسَبِ حِكمتِه، وفَرِحَ الكُفَّارُ الَّذين وسَّعَ اللهُ أرزاقَهم بنَعيمِ الدُّنيا فَرَحَ بَطَرٍ وطُغيانٍ، وما نعيمُ الدُّنيا في جَنبِ نَعيمِ الآخرةِ إلَّا شَيءٌ حَقيرٌ، زائلٌ.
وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُواْ لَوْلاَ أُنزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِّن رَّبِّهِ قُلْ إِنَّ اللّهَ يُضِلُّ مَن يَشَاء وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ أَنَابَ
ويقولُ كفارُ قَومِك -يا محمَّدُ-: هلَّا أُنزِلَ على مُحمَّدٍ مُعجِزةٌ مِن رَبِّه؛ لنؤمِنَ بأنَّه رَسولُ اللهِ! فقُلْ لهم: إنَّ اللهَ يُضِلُّ مَن يشاءُ، فيَخذُلُه عن الإيمانِ بي، ويَهدي مَن رجعَ إليهِ فيُوَفِّقُه لاتِّباعي، فليست الهداية بأيديكم حتى تعلِّقوها بحصولِ المعجزاتِ التي تقتَرحُونها.
الَّذِينَ آمَنُواْ وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُم بِذِكْرِ اللّهِ أَلاَ بِذِكْرِ اللّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ
ويَهدي اللهُ المنيبين الَّذين آمَنوا وتسكُنُ قُلوبُهم ويزولُ قَلقُها بذِكرِ اللهِ تعالى، ومِن ذِكرِه: القُرآنُ، وذِكرُ اللهِ يحقِّقُ ذلك، وحَريٌّ أن تَطمئِنَّ القلوب لذِكرِ الله.
الَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ طُوبَى لَهُمْ وَحُسْنُ مَآبٍ
الَّذين آمَنوا بالحقِّ، وقامُوا بالأعمالِ الصَّالِحةِ، لهم حالٌ طَيِّبةٌ، وحُسنُ مَرجِعٍ؛ بما ينالون من كرامةِ اللهِ في الدنيا والآخرةِ، ومِن جملةِ نعيمِهم في الجنَّةِ شَجرةُ طُوبَى.
كَذَلِكَ أَرْسَلْنَاكَ فِي أُمَّةٍ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهَا أُمَمٌ لِّتَتْلُوَ عَلَيْهِمُ الَّذِيَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَـنِ قُلْ هُوَ رَبِّي لا إِلَـهَ إِلاَّ هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ مَتَابِ
كما أرسَلْنا الأنبياءَ بوَحيِنا مِن قَبلِك -يا محمَّدُ- أرسَلْناك بهذا القُرآنِ إلى قومٍ سبقتهم أممٌ أرسَلْنا لهم رسُلًا؛ لِتقرَأَه عليهم، والحالُ أنَّ قَومَك يكفرون بوَحدانيَّةِ اللهِ، ويُنكِرونَ اسمَ اللهِ (الرَّحمن)، فقُلْ لهم: إنَّ الَّذي كفَرْتُم به أنا مُؤمِنٌ به؛ فهو ربِّي، وهو اللهُ الَّذي لا معبودَ بحَقٍّ سِواه، على اللهِ وَحْدَه اعتمَدْتُ في جميعِ أموري، وإليه وحْدَه مرجِعي في جميع شُؤوني.
وَلَوْ أَنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتَى بَل لِّلّهِ الأَمْرُ جَمِيعًا أَفَلَمْ يَيْأَسِ الَّذِينَ آمَنُواْ أَن لَّوْ يَشَاء اللّهُ لَهَدَى النَّاسَ جَمِيعًا وَلاَ يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُواْ تُصِيبُهُم بِمَا صَنَعُواْ قَارِعَةٌ أَوْ تَحُلُّ قَرِيبًا مِّن دَارِهِمْ حَتَّى يَأْتِيَ وَعْدُ اللّهِ إِنَّ اللّهَ لاَ يُخْلِفُ الْمِيعَادَ
ولو أنَّ كِتابًا مِن الكُتُبِ الإلهية، يكونُ مصدرًا لإيجادِ العَجائِبِ، بحيث يُقرأُ على الجِبالِ فتَتَزحزَحُ، أو على الأرضِ فتتصَدَّعُ، أو على الموتَى فيَسمعونَ ويُجيبونَ- لَكان هذا القُرآنُ هو المتَّصِفَ بذلك، فكيفَ يقتَرِحونَ آيةً غَيرَه؟! إنَّ مَرجِعَ الأمورِ كلِّها إليه وحده، فيفعل ما تقتضيه حكمتُه ومن ذلك إضلالُ من يستحقُّ الضلالَ، أفلَم يعلَمِ المؤمنونَ أنْ لو يشاءُ اللهُ لهدَى النَّاسَ كُلَّهم إلى الإيمانِ مِن غيرِ إيجادِ معجزة؟ ولا يزالُ الكفارُ يصيبُهم بسبَبِ كُفرِهم؛ بلاءٌ، أو يقَعُ ذلك قريبًا مِن ديارِهم، وهم مُصِرُّون على كفرِهم، حتَّى يأتيَ وعدُ اللهِ وهو موتُهم، أوْ قيامُ السَّاعةِ عليهم، فإذا جاءَ حَلَّ بهم عذابُه الشديد، إنَّ اللهَ لا يُخلفُ وعدَه.
وَلَقَدِ اسْتُهْزِىءَ بِرُسُلٍ مِّن قَبْلِكَ فَأَمْلَيْتُ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كَانَ عِقَابِ
لئن استهزأ بك كفارُ قومِك -يا مُحمَّدُ-، فاعلم أنه استهزأَ غيرهم من الكُفَّارُ بالرسلِ مِن قَبلِك فأمهلتُهم مُدَّةً، ثمَّ أهلكتهم حينَ أصَرُّوا على كُفرِهم، فانظُرْ كيف كان عقابي الشَّديدُ لهم.
أَفَمَنْ هُوَ قَآئِمٌ عَلَى كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ وَجَعَلُواْ لِلّهِ شُرَكَاء قُلْ سَمُّوهُمْ أَمْ تُنَبِّئُونَهُ بِمَا لاَ يَعْلَمُ فِي الأَرْضِ أَم بِظَاهِرٍ مِّنَ الْقَوْلِ بَلْ زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ مَكْرُهُمْ وَصُدُّواْ عَنِ السَّبِيلِ وَمَن يُضْلِلِ اللّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ
أيستوي القائِمُ على شُؤونِ عِبادِه، العالِمُ بهم، الرَّقيبُ على أعمالهم، الحافِظُ لها، والمُجازي عليها، مع مَن ليس بهذه الصِّفةِ؟! كلا، ومع ذلك جعلوا لله شُرَكاءَ مِن خَلقِه يَعبدونَهم معه! فقُلْ لهم -يا محمَّدُ-: سَمُّوا هؤلاء الشركاء بالأسماءِ الَّتي يستحِقُّونَها: فهل هي خالقةٌ رازقةٌ، محييةٌ مميتةٌ، أم هي مخلوقةٌ، لا تملكُ ضرًّا ولا نفعًا؟ أم أنَّكم تُخبِرونَ اللهَ بأنَّ معه شُركاءَ في الأرضِ، وهو لا يعلَمُ بذلك؟ أم أنَّكم ادَّعيتُم لله شُرَكاءَ بظواهِرِ أقوالِكم الَّتي لا حقيقةَ لها، وإنَّما هي مجرَّدُ ظَنٍّ؟ إنما زُيِّنَ لهم باطلهم، وصُرِفوا لكُفرِهم بالله عن الحق، ومَن يُضِلُّه اللهُ، فلا أحدَ يُوفِّقُه إلى الخيرِ.
لَّهُمْ عَذَابٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَعَذَابُ الآخِرَةِ أَشَقُّ وَمَا لَهُم مِّنَ اللّهِ مِن وَاقٍ
لهؤلاءِ الكُفَّارِ عَذابٌ في الدُّنيا، وأما عذابُهم في الآخرةِ فأشَدُّ وأغلَظُ، وما لهم أحدٌ يَقيهم مِن عذابِ اللهِ.
مَّثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ أُكُلُهَا دَآئِمٌ وِظِلُّهَا تِلْكَ عُقْبَى الَّذِينَ اتَّقَواْ وَّعُقْبَى الْكَافِرِينَ النَّارُ
صِفةُ الجنَّةِ الَّتي وعدَ اللهُ بها المتَّقينَ أنَّ الأنهارَ تجري مِن تحتِ قُصورِها وأشجارِها، وما يُؤكَلُ فيها مِن ثمارِها، لا ينفَدُ ولا ينقَطِعُ، وظِلُّها دائِمٌ لا يزولُ، تلك الجنَّةُ هي عاقِبةُ المُتَّقينَ، وعاقِبةُ الكافِرينَ بالله النَّارُ.
وَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَفْرَحُونَ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمِنَ الأَحْزَابِ مَن يُنكِرُ بَعْضَهُ قُلْ إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللّهَ وَلا أُشْرِكَ بِهِ إِلَيْهِ أَدْعُو وَإِلَيْهِ مَآبِ
والذين آمَنَوا بك -يا محمَّدُ- من اليهود والنصارى، يَفرحونَ بالقُرآنِ، ومِن أهلِ المِلَلِ المتحَزِّبينَ مَن يكَذِّبُ ببعضِ ما في القُرآنِ، فقل: إنَّما أمَرَني اللهُ بعِبادتِه وَحْدَه، أدعو إلى طاعتِه، وإليه مَرجِعي في أُموري، وإليه مَصيري.
وَكَذَلِكَ أَنْزَلْنَاهُ حُكْمًا عَرَبِيًّا وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا وَاقٍ
وكما أنزَلْنا الكتُبَ على الرُّسُلِ السَّابِقينَ بلُغاتِهم، كذلك أنزَلْنا عليك -يا مُحمَّدُ- القُرآنَ مُحكَمًا؛ لِتَحكُمَ به، بلسانِ العَرَبِ، ولَئن اتَّبَعتَ أهواءَ تلك الأحزابِ الكافرةِ بعدَ الَّذي جاءك من العلم، ما لَك مِن اللهِ أحدٌ يَنصُرُك ويتولَّاك، ولا يَقيك عذابَ اللهِ.
وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلاً مِّن قَبْلِكَ وَجَعَلْنَا لَهُمْ أَزْوَاجًا وَذُرِّيَّةً وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ أَن يَأْتِيَ بِآيَةٍ إِلاَّ بِإِذْنِ اللّهِ لِكُلِّ أَجَلٍ كِتَابٌ
ولَقد بَعَثْنا إلى الأمَمِ الماضيةِ رُسُلًا مِن قَبلِك -يا محمَّدُ-، فكانوا بشَرًا مِثلَهم، جَعَلْنا لهم أزواجًا، وأولادًا؛ فلَسْتَ أوَّلَ رَسولٍ بشَريٍّ، حتَّى يستغرِبَ قَومُك إرسالَك، ولا يَقدِرُ أيُّ رَسولٍ على الإتيانِ بمُعجِزةٍ إلَّا بإذنِ اللهِ. لكلِّ أجَلٍ قدَّره اللهُ، كتابٌ أُثبِت فيه وقتُ وقوعه.
يَمْحُو اللّهُ مَا يَشَاء وَيُثْبِتُ وَعِندَهُ أُمُّ الْكِتَابِ
يمحو اللهُ ما يشاءُ مِن الأقدارِ المكتوبةِ، ويُبقي منها ما يشاءُ، وذلك فيما يكونُ في أيدي الملائكةِ مِن صُحفٍ، وعندَ اللهِ أصلُ الكتابِ، وهو اللَّوحُ المَحفوظُ
وَإِن مَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلاَغُ وَعَلَيْنَا الْحِسَابُ
وإنْ أرَيْناك في حياتِك -يا محمَّدُ- بعضَ العذابِ الَّذي نَعِدُ به المُشرِكينَ، أو توفَّيناك قبلَ ذلك؛ فليس عليك سِوى تبليغِهم الحقَّ، وعلينا نحنُ محاسَبةُ العبادِ.
أَوَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّا نَأْتِي الأَرْضَ نَنقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا وَاللّهُ يَحْكُمُ لاَ مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ وَهُوَ سَرِيعُ الْحِسَابِ
أوَلم يرَ الكُفَّارُ أنَّا ننصُرُ المُسلِمينَ، ونفتَحُ لهم ديارَ المُشرِكينَ أرضًا بعدَ أرضٍ، فنَنقُصُ دارَ الكُفَّارِ؟ أفلا يعتَبِرونَ بذلك؟ واللهُ يقضي في خَلقِه، ولا يُبطِلُ أحدٌ حُكمَه، فما حكَمَ اللهُ به مِن العِقابِ لا يُبطِلُه أحدٌ، والله سريعُ الحساب.
وَقَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَلِلّهِ الْمَكْرُ جَمِيعًا يَعْلَمُ مَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ وَسَيَعْلَمُ الْكُفَّارُ لِمَنْ عُقْبَى الدَّارِ
وقد مكرَ الَّذين مِن قَبلِ مُشرِكي العرَبِ برُسُلِهم، فمكَرَ اللهُ بهم، فله المكرُ كُلُّه؛ لأنَّ أسبابَ المَكرِ بِيَدِه، يعلَمُ اللهُ ما تعمَلُ كُلُّ نَفسٍ، ومِن ذلك ما يسعى فيه مشركو قَومِك -يا محمَّدُ- مِن المَكرِ بك، وسيَعلمُ الكُفَّارُ يومَ القيامةِ لِمَن تكونُ عاقبةُ الدَّارِ الآخرةِ.
وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُواْ لَسْتَ مُرْسَلاً قُلْ كَفَى بِاللّهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَمَنْ عِندَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ
ويقولُ الكُفَّارُ: لستَ رَسولًا مِن عندِ اللهِ -يا مُحمَّدُ: فقلْ لهم: يكفيني اللهُ شاهِدًا علَيَّ وعليكم بصِدقي وكَذِبِكم، ومَنْ عنده علمُ الكتابِ؛ يَشهدُ بالحقِّ.
إبراهيم
الَر كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ (1)
هذه الحروفُ المقطَّعةُ الَّتي افتُتِحَت بها هذه السُّورةُ وغيرُها، تأتي لبيانِ إعجازِ القُرآنِ؛ حيثُ تُظهِر عجْزَ الخَلقِ عن مُعارَضتِه بمِثْلِه، مع أنَّه مركَّبٌ مِن هذه الحروفِ العربيَّةِ الَّتي يتحدَّثون بها! هذا القُرآنُ كتابٌ عظيمٌ أنزَلْناه إليك -يا مُحمَّدُ- لتُخرِجَ به النَّاسَ -عرَبَهم وعَجَمَهم- مِن ظُلماتِ الكُفرِ والجَهلِ والمعاصي إلى نورِ الإيمانِ والعِلمِ والطَّاعةِ -وذلك بإرادةِ اللهِ تعالى وتوفيقِه لهم- إلى طريقِ الحَقِّ الواضحِ المُستقيمِ طريقِ العزيزِ الَّذي لا يُمانَعُ ولا يُغالَبُ، المحمودِ في جميعِ أقوالِه وأفعالِه، وشَرعِه وقَدَرِه.
اللّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَوَيْلٌ لِّلْكَافِرِينَ مِنْ عَذَابٍ شَدِيدٍ (2)
اللهِ المُستحِقِّ للعبادةِ وَحْدَه، الَّذي مِن صِفتِه أنَّه يَملِكُ جميعَ ما في السَّمواتِ وما في الأرضِ، والخَلقُ كُلُّهم مِلكُه وعَبيدُه، وهَلاكٌ وشِدَّةٌ لِمَن كَفَروا باللهِ وبِرَسولِه، مِن عذابٍ شديدٍ ينالُهم في الآخرةِ.
الَّذِينَ يَسْتَحِبُّونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا عَلَى الآخِرَةِ وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللّهِ وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا أُوْلَـئِكَ فِي ضَلاَلٍ بَعِيدٍ (3)
مِن صفاتِ هؤلاءِ الكافِرينَ أنَّهم يحِبُّونَ الحياةَ الدُّنيا، ويَختارونَها ويُؤْثِرونَها على الآخرةِ، ويَصْرِفونَ النَّاسَ عن دينِ اللهِ، ويُريدونَ أن يكونَ مائِلًا عن الحَقِّ المُستقيمِ، بتَحريفِه وتبديلِه وغيرِ ذلك؛ لموافقةِ أهوائِهم وقَضاءِ أغراضِهم، أولئك الكُفَّارُ -الموصوفونَ بهذه الصِّفاتِ- في ذَهابٍ بعيدٍ عن الحَقِّ.
وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلاَّ بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ فَيُضِلُّ اللّهُ مَن يَشَاء وَيَهْدِي مَن يَشَاء وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (4)
وما أرسَلْنا رسُولًا إلى أمَّةٍ مِن الأُمَمِ إلَّا بلُغةِ قَومِه الَّذين أرسَلْناه إليهم؛ ليُفهِمَهم ويُوضِّحَ لهم أمرَ دينِهم، فبعدَ البَيانِ وإقامةِ الحُجَّةِ عليهم يضِلُّ اللهُ مَن يشاءُ إضلالَه، فيَخذُلُه عن اتِّباعِ الحَقِّ، ويُوَفِّقُ مَن يشاءُ هدايتَه إلى الحَقِّ، وهو العزيزُ الَّذي لا يُغْلَبُ على مشيئتِه، وهو الحكيمُ الَّذي يضَعُ كُلَّ شَيءٍ في مَوضِعِه اللَّائقِ به
وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآَيَاتِنَا أَنْ أَخْرِجْ قَوْمَكَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللَّهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ (5)
ولقد أرسَلْنا موسى بآياتِنا العظيمةِ الدَّالَّةِ على صِدقِه، وصِحَّةِ ما جاء به، وقُلْنا له: ادْعُ قومَك بني إسرائيلَ إلى طريقِ الحَقِّ؛ لِيَخرُجوا مِن ظُلماتِ الكُفرِ والجَهلِ والمعاصي إلى نورِ الإيمانِ والعِلمِ والطَّاعةِ، وذَكِّرْ قومَك بني إسرائيلَ بأيَّامِ نِعَمِ اللهِ وإحسانِه، وبأيَّامِ نِقَمِه وبَطشِه وانتقامِه؛ وذلك ليشكُروا اللهَ، ويَحذَرُوا عذابَه، إنَّ في التَّذكيرِ بنِعَمِ اللهِ وأيَّامِه لَدَلالاتٍ وعِبَرًا ومَواعِظَ لكُلِّ مَن كان عظيمَ الصَّبرِ على الطَّاعةِ، وعن المعصيةِ، وعلى البلاءِ، عظيمَ الشُّكرِ لله على نعمِه.
وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ أَنْجَاكُمْ مِنْ آَلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ وَيُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ وَفِي ذَلِكُمْ بَلَاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ (6)
واذكُرْ -يا مُحمَّدُ- قولَ موسى لِقَومِه بني إسرائيلَ: اذكُروا بقُلوبِكم وألسِنتِكم إنعامَ اللهِ عليكم، حينَ أنجاكم مِن فِرعونَ وقَومِه، يُذيقُكم آلُ فِرعونَ عذابًا سيِّئًا شَديدًا، ويُذَبِّحونَ أبناءَكم الذُّكورَ المَولودينَ، ويَترُكونَ إناثَكم دونَ قَتلٍ؛ مِن أجْلِ جعلِهنَّ خدمًا وأرِقَّاءَ، وفي عذابِ آلِ فِرعونَ لكم اختبارٌ مِن اللهِ لكم عظيمٌ، وفي إنجائِنا لكم مِنهم نِعمةٌ مِن اللهِ عَظيمةٌ.
وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ (7)
واذكُروا حينَ أعلَمَكم ربُّكم: لَئِن شَكَرْتُم اللهَ على نِعَمِه بطاعتِه في أمرِه ونَهيِه، لَيَزيدَنَّـكم مِن النِّعَمِ، ولئنْ كَفَرتُم نعمةَ اللهِ عليكم فلم تَشكُروه عليها بطاعتِه في أمرِه ونهيِه؛ فإنَّ عِقابَه لِمَن كفَرَ به شديدٌ، فيُصيبُكم منه ما يَسلُبُ تلك النِّعَمَ، ويُحِلُّ بكم النِّقمَ.
وَقَالَ مُوسَى إِنْ تَكْفُرُوا أَنْتُمْ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا فَإِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ حَمِيدٌ (8)
وقال موسى لقَومِه: إن تكفُروا بنِعَمِ اللهِ أنتم وجميعُ مَن في الأرضِ، فإنَّ اللهَ غنيٌّ عن جميعِ خَلقِه، وعن شُكرِهم له، محمودٌ قد اسْتَوْجَب الحمدَ لِذَاتِه لكثرةِ إنعامِه، وإنْ لم تَشْكُروه، وهو حميدٌ في ذاتِه وأسمائِه وصفاتِه وأفعالِه.
أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ لَا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا اللَّهُ جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَرَدُّوا أَيْدِيَهُمْ فِي أَفْوَاهِهِمْ وَقَالُوا إِنَّا كَفَرْنَا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ وَإِنَّا لَفِي شَكٍّ مِمَّا تَدْعُونَنَا إِلَيْهِ مُرِيبٍ (9)
ألم يأتِكم خَبَرُ الأُمَمِ الَّذين مَضَوا مِن قَبلِكم؛ قَومِ نُوحٍ وعادٍ وثَمودَ؟ وأمَمٌ كثيرةٌ مِن بعدِهم، لا يعلَمُ عدَدَهم وأخبارَهم إلَّا اللهُ وَحْدَه، جاء كُلَّ أمَّةٍ مِن الأمَمِ السَّابقةِ رَسولُهم الَّذي أرسَلَه اللهُ إليهم، بالحُجَجِ الواضِحةِ الدَّامغةِ، والمُعجِزاتِ الظَّاهِرةِ، فرَدَّ المكَذِّبونَ مِن الأُمَمِ السَّابقةِ أيديَهم إلى أفواهِهم؛ ليَعَضُّوها غيظًا ممَّا جاءت به الرُّسُلُ مِن توحيدِ اللهِ، الَّذي فيه تسفيهُ أحلامِهم، وإبطالُ آلهتِهم، وقالوا لرُسُلِهم: إنَّا كَفَرْنا بالَّذي تزعُمونَ أنَّكم أُرسِلتُم به، وإنَّا لفي شَكٍّ يوجِبُ لنا التُّهمةَ والرِّيبةَ مِن حقيقةِ ما جِئتُمونا به؛ فلَسْنا نصَدِّقُكم فيه.
قَالَتْ رُسُلُهُمْ أَفِي اللَّهِ شَكٌّ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَدْعُوكُمْ لِيَغْفِرَ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُؤَخِّرَكُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى قَالُوا إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا تُرِيدُونَ أَنْ تَصُدُّونَا عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ آَبَاؤُنَا فَأْتُونَا بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ (10)
قالت الرُّسُلُ لأُمَمِهم: أفي وُجودِ اللهِ وإفرادِه بالعبادةِ دُونَ غَيرِه شَكٌّ؟! خالقِ السَّمواتِ والأرضِ، ومُوجِدِهما مِن العدَمِ على غيرِ مِثالٍ سابقٍ، يَدعوكم على ألسنةِ رُسُلِه وفي كُتُبِه إلى عبادتِه وَحْدَه وطاعتِه؛ لِيستُرَ عليكم بعضَ ذُنوبِكم، ويتجاوَزَ عن مؤاخَذتِكم بها، فلا يعاقِبَكم عليها، ويؤخِّرَكم في الدُّنيا إلى مُنتهَى أعمارِكم، فلا يُعاجِلكم بالعذابِ، قال الكُفَّارُ لرُسُلِهم: ما أنتم إلَّا بشَرٌ مِثلُنا في الصُّورةِ والهيئةِ، فكيف نُطيعُكم؟! وكيف تَفضُلُونَنا بالنُّبوَّةِ والرِّسالةِ؟! إنَّما تريدونَ بدَعوتِكم هذه أن تَصرِفونا عن عبادةِ ما كان يعبُدُ آباؤُنا مِن الأوثانِ والأصنامِ، فأْتُونا بمُعجزةٍ ظاهرةٍ، وحُجَّةٍ دامغةٍ تُبَيِّنُ لنا صِحَّةَ ما تَدْعونَنا إليه، فنعلَمَ أنَّكم على الحَقِّ.
قَالَتْ لَهُمْ رُسُلُهُمْ إِنْ نَحْنُ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَمُنُّ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَمَا كَانَ لَنَا أَنْ نَأْتِيَكُمْ بِسُلْطَانٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (11)
قالت الرُّسُلُ لأولئك الكفَّارِ مِن أقوامِهم: صدَقْتُم، ما نحنُ إلَّا بشَرٌ مِن بني آدَمَ، مِثلُكم في البشَريَّةِ، ولكنَّ اللهَ يتفَضَّلُ على مَن يشاءُ مِن عبادِه بالرِّسالةِ والنُّبُوَّةِ، ولا نقدِرُ أن نأتيَكم بحُجَّةٍ وآيةٍ كما تقتَرِحونَ، إلَّا بمشيئةِ اللهِ وأمرِه، وعلى اللهِ وَحْدَه فلْيَعتمِدِ المؤمنونَ في جَلبِ مَصالِحِهم، ودفْعِ مَضارِّهم، ولْيَثِقوا به في تيسيرِ جميعِ أمورِهم.
وَمَا لَنَا أَلَّا نَتَوَكَّلَ عَلَى اللَّهِ وَقَدْ هَدَانَا سُبُلَنَا وَلَنَصْبِرَنَّ عَلَى مَا آَذَيْتُمُونَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ (12)
قالت الرُّسُلُ لأُمَمِهم: وأيُّ عذرٍ لنا في ألَّا نعتَمِدَ على اللهِ ونَثِقَ به، والحالُ أنَّه قد أرشَدَنا ووفَّقَنا لسُلوكِ الطَّريقِ المُوصِل إلى رَحمتِه، المُنَجِّي مِن سَخَطِه ونِقمَتِه؟! واللهِ، لنَصبِرَنَّ على ما نَلقَى منكم مِن الأذَى بسبَبِ استمرارِنا في الدَّعوةِ إلى عبادةِ اللهِ وَحْدَه لا شريكَ له، وعلى اللهِ وَحْدَه فلْيَعتمِدِ المتوَكِّلونَ الواثِقونَ باللهِ، ولْيَثبُتوا على توكُّلِهم على اللهِ عزَّ وجلَّ.
وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِرُسُلِهِمْ لَنُخْرِجَنَّكُمْ مِنْ أَرْضِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ لَنُهْلِكَنَّ الظَّالِمِينَ (13)
وقال الَّذين كَفَروا باللهِ لرُسلِ الله الَّذين يَدْعونهم للتَّوحيدِ: واللهِ، لنَطرُدَنَّكم مِن بلادِنا إلَّا أن تَعودوا إلى دينِنا، فأوحَى اللهُ إلى رسُلِه قائلًا لهم: لنُهلِكَنَّ المُشرِكينَ الَّذين ظَلَموا أنفُسَهم بوَضعِهم العبادةَ في غَيرِ مَوضِعِها، وصَرفِها لِمَن لا يستحِقُّها.
وَلَنُسْكِنَنَّكُمُ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِهِمْ ذَلِكَ لِمَنْ خَافَ مَقَامِي وَخَافَ وَعِيدِ (14)
ولننصُرَنَّكم وأتْباعَكم المؤمنينَ على الكفَّارِ، ونجعَلُكم تَسكُنونَ أرضَهم مِن بَعدِ إهلاكِنا لهم، ذلك النَّصرُ في الدُّنيا على الكُفَّارِ، والتَّمكينُ في الأرضِ، يتحَقَّقُ لِمَن خاف مَقامَه بينَ يدَيَّ يومَ القيامةِ، وخاف مِن وعيدي وعذابي، فاتَّقاني بطاعتي، وتجنُّبِ مَعصِيتي.
وَاسْتَفْتَحُوا وَخَابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ (15)
وطلبَت الرُّسُلُ مِن اللهِ النَّصرَ على أقوامِهم وإهلاكَهم، وخَسِرَ وهلَك كُلُّ متكبِّرٍ على الحَقِّ، مُعاندٍ له.
مِنْ وَرَائِهِ جَهَنَّمُ وَيُسْقَى مِنْ مَاءٍ صَدِيدٍ (16)
مِن أمامِ كُلِّ جبَّارٍ عَنيدٍ نارُ جَهنَّمَ تنتَظِرُه، فهو صائِرٌ إليها في الآخرةِ، ويُسقَى في جهنَّمَ مِن القَيحِ والدَّمِ الَّذي يسيلُ مِن أبدانِ أهلِ النَّارِ.
يَتَجَرَّعُهُ وَلَا يَكَادُ يُسِيغُهُ وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَمَا هُوَ بِمَيِّتٍ وَمِنْ وَرَائِهِ عَذَابٌ غَلِيظٌ (17)
يتحسَّى ذلك الجبَّارُ العنيدُ الصَّديدَ، ويشرَبُه قَهرًا -مِن شِدَّةِ عَطَشِه- على جَرعاتٍ، ولا يَكادُ يَبتَلِعُه؛ مِن شِدَّةِ خُبثِه وكراهتِه، ويأتيه الموتُ وآلامُه وشِدَّتُه مِن كُلِّ مَوضِعٍ في جسَدِه، ومِن كُلِّ الجِهاتِ، وهو مع ذلك لا يموتُ فيستريحَ مِن العذابِ، ومِن أمامِه عذابٌ آخَرُ قَويٌّ شديدٌ ينتظرُه غيرُ ما هو فيه مِن العَذابِ.
مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ أَعْمَالُهُمْ كَرَمَادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ فِي يَوْمٍ عَاصِفٍ لَا يَقْدِرُونَ مِمَّا كَسَبُوا عَلَى شَيْءٍ ذَلِكَ هُوَ الضَّلَالُ الْبَعِيدُ (18)
مثَلُ أعمالِ الَّذين كفَروا برَبِّهم كرَمادٍ طيَّرَتْه وفرَّقَتْه الرِّيحُ القَويَّةُ في يومٍ يشتَدُّ فيه هُبوبُها، فلم يبقَ مِن الرَّمادِ شَيءٌ، فكذلك أعمالُ البِرِّ والخيرِ الَّتي يعمَلُها الكافِرونَ؛ يُبطِلُها الكُفرُ، ويُذهِبُ ثَوابَها، ولا يَرَونَ لها أيَّ منفعةٍ، مثلما لا يُقدَرُ على جَمعِ الرَّمادِ في اليومِ العاصِفِ، أعمالُهم الَّتي بطَلَت وفَقَدوا ثوابَها لم تكُنْ على هُدًى واستقامةٍ، فكانوا في خطأٍ وانحرافٍ بعيدٍ عن طريقِ الصَّوابِ، لا يُمكِنُ معه تدارُكُ تلك الخَسارةِ الكبيرةِ.
أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ (19)
ألم تَرَ أنَّ اللهَ خلقَ السَّمواتِ والأرضَ وَحْدَه بغَيرِ ظَهيرٍ ولا مُعينٍ، لأمرٍ عظيمٍ؛ ليعبدَه الخَلقُ، ويَعرِفوا ما له مِن صِفاتِ الكَمالِ، إن شاء أن يُفنِيَكم -أيُّها النَّاسُ- إن عَصَيتُموه، أفناكم، ويأتِ بقَومٍ غَيرِكم أفضَلَ وأطوَعَ لله منكم.
وَمَا ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ (20)
وما إذهابُكم -أيُّها النَّاسُ- والإتيانُ بخَلقٍ آخَرَ مَكانَكم، بمُمتَنِعٍ على اللهِ ولا مُتعَذِّرٍ، بل هو سَهلٌ يَسيرٌ عليه سُبحانَه.
وَبَرَزُوا لِلَّهِ جَمِيعًا فَقَالَ الضُّعَفَاءُ لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعًا فَهَلْ أَنْتُمْ مُغْنُونَ عَنَّا مِنْ عَذَابِ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ قَالُوا لَوْ هَدَانَا اللَّهُ لَهَدَيْنَاكُمْ سَوَاءٌ عَلَيْنَا أَجَزِعْنَا أَمْ صَبَرْنَا مَا لَنَا مِنْ مَحِيصٍ (21)
وظهَروا جميعًا مِن قُبورِهم لله وَحْدَه يومَ القيامةِ، مجتمِعينَ في أرضٍ مُستَوِيةٍ لا يخفَى فيها أحدٌ منهم، فقال الأتْباعُ لقادتِهم وسادتِهم الَّذين كانوا يَستَكبِرونَ في الدُّنيا عن اتِّباعِ الحَقِّ: إنَّا كنَّا لكم في الدُّنيا أتباعًا نُطيعُكم ونقَلِّدُكم، فأضلَلْتُمونا، فهل أنتم دافِعونَ عنَّا اليومَ شَيئًا -ولو قليلًا- مِن عذابِ اللهِ؟ قال القادةُ المَتبوعونَ لأتْباعِهم: لو هَدانا اللهُ إلى الحَقِّ، لهدَيناكم إليه، فضَلَلْنا وأضلَلْناكم، فحقَّ علينا وعليكم عذابُ اللهِ، سواءٌ علينا أجَزِعْنا مِن العذابِ أم صَبَرْنا عليه، ما لَنا في كِلا الحالَينِ مِن مَهرَبٍ ولا ملجأٍ!
وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِي عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلَا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ مَا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِ مِنْ قَبْلُ إِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (22)
وقال إبليسُ لأتْباعِه لَمَّا أدخَلَ اللهُ أهلَ الجنَّةِ الجنَّةَ، وأهلَ النَّارِ النَّارَ: إنَّ اللهَ وعَدَكم على ألسِنةِ رُسُلِه وعدًا صادِقًا متحَقِّقًا لا يُخلَفُ بوُقوعِ البَعثِ، وإثابةِ المُطيعِ بالجنَّةِ، والعاصي بالنَّارِ، فوفَى بوَعدِه، ووَعَدتُكم أنْ لا بعثَ، ولا جَنَّةَ ولا نارَ، ووعدتُكم النُّصرةَ، فأخلفْتُ وعدي لكم، وكذَبْتُ عليكم، وما أظهرتُ لكم أيَّ حجَّةٍ تدُلُّ على صِدقي فيما وعدتُكم به، ولكِنْ دعوتُكم إلى الكُفرِ باللهِ ومَعصيتِه، فأطعتُموني واتَّبعتُموني بلا بُرهانٍ، فلا تَلوموني اليومَ على طاعتِكم واتِّباعِكم لي بلا حُجَّةٍ، ولوموا أنفُسَكم على ذلك؛ فأنتم السَّبَبُ في دُخولِكم النَّارَ، ما أنا بمُغيثِكم ومُنقِذِكم مِن النَّارِ، وما أنتم بُمغيثينَ ومُنقذينَ لي مِن النَّارِ؛ فكلٌّ مِنَّا له قِسْطُه مِن العذابِ، إنِّي جَحَدْتُ وتبرَّأتُ مِن جَعْلِكم لي شَريكًا لله في العبادةِ والطَّاعةِ مِن قَبلُ في الدُّنيا، إنَّ الكافرينَ -الَّذين ظلَموا أنفُسَهم بوَضعِهم العِبادةَ والطَّاعةَ في غيرِ مَوضِعِها- لهم عَذابٌ مُوجِعٌ.
وَأُدْخِلَ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ تَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلَامٌ (23)
وأُدخِلَ الَّذين آمَنوا وعَمِلوا الأعمالَ الصَّالحاتِ، فأطاعوا اللهَ تعالى واجتَنَبوا مَعصِيتَه؛ جناتٍ تجري الأنهارُ مِن تحتِ ما علا منها، كالغُرَفِ والمباني والأشجارِ وغيرِها، ماكثينَ في الجنَّةِ بأمرِ رَبِّهم، تحيةُ بعضِهم لبعضٍ، وتحيةُ اللهِ والملائكةِ لهم: سلامٌ.
أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ (24)
ألم تعلَمْ -يا محمَّدُ- كيف مثَّلَ اللهُ مَثَلًا، وشبَّه شَبَهًا كلمةً طَيِّبةً -وهي كلمةُ التَّوحيدِ، وشهادة أنْ لا إلهَ إلَّا اللهُ- كشَجَرةٍ طَيِّبةِ الثَّمرةِ، كالنَّخلةِ؟ جُذورُ هذه الشَّجرةِ الطَّيِّبةِ ثابِتةٌ في الأرضِ، وأغصانُها مرتفعةٌ نحوَ السَّماءِ، فكذلك كلمةُ التَّوحيدِ؛ أصلُها ثابِتٌ وراسِخٌ في قلبِ المؤمِنِ، وفرُوعُها مِن الأعمالِ الصَّالحةِ صاعِدةٌ إلى السَّماءِ، مَرفوعةٌ إلى الرَّبِّ سُبحانَه.
تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (25)
تُخرِجُ هذه الشَّجرةُ الطَّيِّبةُ ثَمَرَها كامِلًا كثيرًا طَيِّبًا في كلِّ وقتٍ وساعةٍ مِن لَيلٍ ونهارٍ، وصيفٍ وشِتاءٍ، بمَشيئةِ خالِقِها وأمْرِه وتيسيرِه، وكذلك كَلِمةُ التَّوحيدِ؛ لا تزالُ تُثمِرُ الأعمالَ الصَّالحةَ للمُؤمِنِ في كُلِّ وَقتٍ، ولا يزالُ يُرفَعُ له عمَلٌ صالِحٌ في كلِّ حينٍ، ويمثِّلُ اللهُ الأمثالَ للنَّاسِ، ويُشبِّهُ لهم الأشْباهَ، ويُبيِّنُها لهم؛ ليتذَكَّروا حُجَّةَ الله عليهم، ويَفهَموا ما أراد اللهُ منهم، فيتَّعِظوا، ويفعَلوا ما أمَرَهم به، ويجتَنِبوا ما نهاهم عنه.
وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ اجْتُثَّتْ مِنْ فَوْقِ الْأَرْضِ مَا لَهَا مِنْ قَرَارٍ (26)
ومَثَلُ كَلِمةٍ خَبيثةٍ -وهي كَلِمةُ الكُفرِ- كشَجَرةٍ كريهةِ الطَّعمِ، مِثْل الحَنظلِ، لا أصلَ لها ثابِتٌ في الأرضِ، ولا ارتفاعَ لفُروعِها في السَّماءِ، وليس لها ثمرةٌ ولا مَنفعةٌ، استُؤصِلَت هذه الشَّجرةُ الخبيثةُ، واقتُلِعَت مِن أصلِها؛ فليس لها عُروقٌ وجُذورٌ ثابِتةٌ في الأرضِ تُمسِكُها، وكذلك كلمةُ الكُفرِ لا أصلَ لها ولا فَرعَ، ولا مَنفعةَ فيها؛ ولا يعمَلُ صاحبُها خيرًا ولا يَقولُه، ولا يصعَدُ عَمَلُه ولا قَولُه إلى السَّماءِ، ولا يُتقبَّلُ منه شَيءٌ!
يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآَخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ (27)
يثبِّتُ اللهُ المُؤمِنينَ بالقَولِ الصَّادقِ الحَقِّ، الَّذي ثبَتَ في قُلوبِهم، وتمكَّنَ فيها، واطمأنَّتْ إليه نفوسُهم -وهو شَهادةُ أنْ لا إلهَ إلَّا اللهُ، وأنَّ مُحمَّدًا رَسولُ اللهِ- فيُثَبِّتُهم اللهُ في حياتِهم الدُّنيا على إيمانِهم، ويُسلِّمُهم مِن الشَّهَواتِ والشُّبُهاتِ، ويُثَبِّتُهم أيضًا في قُبورِهم عندَ سؤالِ الملَكَينِ، ويَخذُلُ اللهُ الكافِرينَ والمُنافِقينَ -بسبَبِ ظُلمِهم أنفُسَهم- فيَجعَلُهم في حَيرةٍ وعَمايةٍ، فلا يُوَفِّقُهم إلى الحَقِّ في الحياةِ الدُّنيا، ولا يوَفِّقُهم في قُبورِهم إلى القَولِ الصَّائِبِ عندَ السؤالِ، ويفعَلُ اللهُ ما يشاءُ مِن هدايةِ المؤمنينَ وتَثبيتِهم، وإضلالِ الظَّالمينَ وخِذلانِهم.
أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَةَ اللَّهِ كُفْرًا وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ (28)
ألم تنظُرْ -يا محمَّدُ- إلى كفَّارِ قُرَيشٍ، الَّذين غَيَّروا نِعمةَ اللهِ عليهم ببَعثتِك رسولًا إليهم مِن اللهِ، فكَفَروا باللهِ وكَذَّبوك، فلم يُؤمِنوا برِسالتِك، ولم يَشكُروا اللهَ عليها؟! وأنزَلوا قَومَهم -الَّذين اتَّبَعوهم مِن قُرَيشٍ- دارَ الهَلاكِ.
جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا وَبِئْسَ الْقَرَارُ (29)
ودارُ الهَلاكِ هي جهنَّمُ يَدخُلونَها، ويُحيطُ بهم حَرُّها مِن جميعِ جَوانبِهم، وبِئسَ المُستقَرُّ جهنَّمُ!
وَجَعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِهِ قُلْ تَمَتَّعُوا فَإِنَّ مَصِيرَكُمْ إِلَى النَّارِ (30)
وجعَل أولئك الكُفَّارُ لله نُظراءَ وشُرَكاءَ، يعبُدونَهم معه؛ كي يُضِلُّوا النَّاسَ عن دينِ اللهِ الحَقِّ، وإخلاصِ العِبادةِ له وَحْدَه، قُلْ لهم -يا محمَّدُ: استَمتِعوا في حياتِكم الدُّنيا الفانيةِ؛ فإنَّ مَرجِعَكم في الآخرةِ إلى النَّارِ.
قُلْ لِعِبَادِيَ الَّذِينَ آَمَنُوا يُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خِلَالٌ (31)
قُلْ -يا مُحمَّدُ- لعبادي المُؤمِنينَ يُقيموا الصَّلَواتِ الخَمسَ المَفروضةَ عليهم، بحُدودِها في أوقاتِها، ويُنفِقوا ممَّا رَزَقناهم مِن فَضلِنا، فيُؤدُّوا ما أوجبْتُ عليهم مِن الحقوقِ سرًّا وإعلانًا، مِن قَبلِ أن يأتيَ يومُ القيامةِ الَّذي لا يَقدِرونَ فيه على ذلك، ولا سبيلَ إلى استدراكِ ما فات، لا بمُعاوَضةِ بَيعٍ وشراءٍ، ولا بهِبَةِ خَليلٍ وصَديقٍ؛ فكُلُّ امرئٍ له شأنٌ يُغْنِيه.
اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْفُلْكَ لِتَجْرِيَ فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْأَنْهَارَ (32)
اللهُ المُستحِقُّ للعبادةِ وَحْدَه هو الَّذي أنشَأ السَّمواتِ والأرضَ مِن العدَمِ، وأبدعَهما على غيرِ مثالٍ سابقٍ، وأنزَل مِن السَّحابِ مَطَرًا، فأخرجَ به مِن الثَّمَراتِ المُتَنوِّعةِ رِزقًا لكم تعيشونَ به، وذلَّلَ لكم السُّفُنَ لتجريَ بكم في البحرِ بإذْنِه، فيسَّرَ لكم صُنعَها، وجعَلَها طافيةً، وحَفِظَها لتحمِلَكم، وذلَّلَ لكم الأنهارَ لتشربُوا مِن مياهِها، وتَسقُوا بها زُروعَكم وأنعامَكم.
وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دَائِبَيْنِ وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ (33)
وذلَّلَ الله لكم الشَّمسَ والقمَرَ يَدأَبانِ في سَيرِهما، فيَتعاقَبانِ عليكم بلا انقطاعٍ؛ لتَحقيقِ مَصالِحِكم، كحِسابِ أزمِنَتِكم، وضَبطِ أوقاتِكم، ونفعِ أبدانِكم، وحيواناتِكم، وزُروعِكم، وثمارِكم، وغيرِ ذلك، وذلَّل لكم اللَّيلَ والنَّهارَ يتعاقبانِ عليكم؛ فجعل اللَّيلَ لِتَسكُنوا فيه؛ راحةً لأبدانِكم، وجعل النَّهارَ لِتَبتَغوا فيه مِن فَضلِه.
وَآَتَاكُمْ مِنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ (34)
وأعطاكم اللهُ -أيُّها النَّاسُ- وهيَّأَ لكم مِن كُلِّ ما تحتاجونَ إليه، ممَّا تَسْألونَه إيَّاه، سواءً بلِسانِ حالِكم أو مقالِكم، وإن تعُدُّوا نِعَمَ اللهِ عليكم، لا تُطيقوا إحصاءَ عَدَدِها، والقيامَ بحَصرِها؛ لكَثرتِها، فضلًا عن القيامِ بشُكرِها، فلِمَ تُبَدِّلونَ نِعمةَ اللهِ كُفرًا؟! وهلَّا استعَنتُم بها على طاعتِه؟ إنَّ الإنسانَ لعَظيمُ الظُّلمِ لنَفسِه، بوضعِه العبادةَ في غيرِ مَوضِعِها، وتجَرُّئِه على عصيانِ ربِّه، شديدُ الجُحودِ لنِعَم اللهِ عليه.
وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آَمِنًا وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ (35)
واذكُرْ -يا محمَّدُ- إذ قال إبراهيمُ: رَبِّ، اجعَلْ مكَّةَ حَرَمًا آمِنًا لأهلِه وسُكَّانِه، وأبْعِدْني وأبنائي عن عبادةِ الأصنامِ.
رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (36)
قال إبراهيم: ربِّ، إنَّ الأصنامَ قد حَرَفَت كثيرًا مِن النَّاسِ عن طريقِ الحَقِّ؛ بسبَبِ افتِتانِهم بها، وعِبادتِها، فمَن تَبِعَني على الإيمانِ بك وتوحيدِك؛ فإنَّه مِن أهلِ دِيني، يَستَنُّ بسُنَّتي، ويعمَلُ بمِثلِ عَمَلي، ومَن عصاني فكفَر، وخالَفَ أمْري، فإنَّك غفورٌ رحيمٌ؛ بتوبتِكَ عليهم حتَّى يُؤْمنوا، وهدايتِهم إلى التَّوحيدِ، وتوفيقِهم للرُّجوعِ مِن المعصيةِ إلى الطاعةِ.
رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلَاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ (37)
ربَّنا، إنِّي أسكَنتُ بعضَ ولَدِي -وهو إسماعيلُ عليه السَّلامُ- في وادٍ لا زَرْعَ فيه ولا ماءَ، عندَ بَيتِك الَّذي يَحرُمُ استِحلالُ حُرُماتِه، والاستخفافُ بحَقِّه، والتَّعرُّضُ له أو لأهلِه بسُوءٍ، رَبَّنا، إنِّي أسكنتُ بعضَ ذُرِّيَّتي في هذا الوادي المقْفِرِ؛ كي يُقيمُوا الصَّلاةَ عندَ بيتِك المحَرَّمِ، ويَعْمُروه بذِكرِك وعبادتِك وَحْدَك، فاجعَلْ قُلوبَ بعضِ النَّاسِ تُسرِعُ إليهم شوقًا إلى حجِّ بَيتِك الحَرامِ، وارزُقْهم مِن الثِّمارِ بأنواعِها المُختَلِفةِ، بجَلْبِها إليهم؛ ليَشكُروك على ما رزَقْتَهم، ويكونَ عَونًا لهم على طاعتِك.
رَبَّنَا إِنَّكَ تَعْلَمُ مَا نُخْفِي وَمَا نُعْلِنُ وَمَا يَخْفَى عَلَى اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ (38)
ربَّنا، إنَّك تعلَمُ ما نُخفي في قُلوبِنا عندَ مسألتِنا ودُعائِك، وفي غيرِ ذلك مِن أحوالِنا، وتعلَمُ ما نجهَرُ به مِن دُعائِنا، وغيرِ ذلك مِن أقوالِنا وأعمالِنا، ولا يخفى على اللهِ أيُّ شَيءٍ في الأرضِ ولا في السَّماءِ
الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعَاءِ (39)
الحَمدُ لله الَّذي رزَقَني -رَغْمَ كِبَرِ سِنِّي- إسماعيلَ وإسحاقَ؛ لأنَّ ربِّي يسمَعُ دُعاءَ مَن يدعوه، ويُجيبُ طلَبَ مَن يسألُه.
رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلَاةِ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي رَبَّنَا وَتَقَبَّلْ دُعَاءِ (40)
ربِّ، وفِّقْني لإقامةِ الصَّلَواتِ، بالمحافظةِ على أدائِها بحُدودِها، واجعَلْ مِن ذُرِّيَّتي مَن يقيمُها كذلك، رَبَّنا، واستجِبْ لي دُعائي فيما سألتُك فيه.
رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ (41)
ربَّنا اغفِرْ لي ولوالِدَيَّ ولجميعِ المؤمنينَ يومَ تُحاسِبُ عِبادَك يومَ القيامةِ.
وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ (42)
ولا تظُنَّ -يا محمَّدُ- اللهَ ساهيًا عن أعمالِ هَؤلاءِ الظَّالِمينَ لأنفُسِهم، كمُشرِكي قَومِك وغَيرِهم، بل هو عالِمٌ بأعمالِهم، وسيُعاقِبُهم على ظُلمِهم؛ فإنَّه سُبحانَه يُمهِلُ ولا يُهمِلُ، إنَّما يُمهِلُ اللهُ الظَّالِمينَ ويُؤخِّرُ عِقابَهم إلى يومِ القيامةِ الَّذي ترتفِعُ فيه أبصارُ الخَلقِ، وهم يُحَدِّقونَ بها مَبهُوتينَ خائفينَ، دونَ أن تَطرِفَ أجفانُهم، أو تَغتَمِضَ أعيُنُهم؛ لما يَرَونه من عظيمِ الأهوالِ.
مُهْطِعِينَ مُقْنِعِي رُءُوسِهِمْ لَا يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ وَأَفْئِدَتُهُمْ هَوَاءٌ (43)
يمشُونَ مُسرِعينَ عندَ خُروجِهم مِن قُبورِهم، ومَجيئِهم لمحشَرِهم، وحضورِ حِسابِهم، رافِعي رُؤوسِهم يَنظُرونَ إلى ما بيْنَ أيديهم، دونَ أن يلتَفِتوا يمينًا أو شِمالًا، لا تعودُ إليهم أبصارُهم على ما اعتادُوه؛ وذلك لإدامةِ نَظَرِهم إلى ما يُشاهِدونَه مِن أهوالٍ، فأجفانُهم إليها شاخِصةٌ، وأعيُنُهم نحوَها مُصَوَّبةٌ لا تَطرِفُ لَحظةً، وقلوبُهم خاليةٌ، ليس فيها شيءٌ، ولا تعقِلُ شيئًا من شدَّةِ الخَوفِ.
وَأَنْذِرِ النَّاسَ يَوْمَ يَأْتِيهِمُ الْعَذَابُ فَيَقُولُ الَّذِينَ ظَلَمُوا رَبَّنَا أَخِّرْنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ نُجِبْ دَعْوَتَكَ وَنَتَّبِعِ الرُّسُلَ أَوَلَمْ تَكُونُوا أَقْسَمْتُمْ مِنْ قَبْلُ مَا لَكُمْ مِنْ زَوَالٍ (44)
وخَوِّفِ النَّاسَ -يا محمَّدُ- ما هو نازِلٌ بهم يومَ يأتيهم العذابُ يومَ القيامةِ، وحذِّرْهم مِن الأعمالِ المُوجِبةِ لذلك العذابِ، الذي حينَ يأتي يقولُ الَّذين ظَلَموا أنفُسَهم بالكُفرِ والتَّكذيبِ، وأنواعِ المعاصي: ربَّنا أمهِلْنا، وأرجِعْنا إلى الدُّنيا زمنًا قليلًا، نُؤمِنْ بك ونوَحِّدْك، ونتَّبِعْ رُسُلَك، فيقولُ الله للظَّالِمينَ الَّذين سألوه الرَّجعةَ إلى الدُّنيا، مُوبِّخًا لهم: أوَلمْ تكونوا تحلِفونَ في الدُّنيا أنَّه لا انتقالَ لكم مِن الدُّنيا إلى الآخرةِ، ولا بعْثَ بعدَ الموتِ؟
وَسَكَنْتُمْ فِي مَسَاكِنِ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ وَتَبَيَّنَ لَكُمْ كَيْفَ فَعَلْنَا بِهِمْ وَضَرَبْنَا لَكُمُ الْأَمْثَالَ (45)
وحلَلْتُم في الدُّنيا في مساكنِ الأُمَمِ السَّابقةِ، الَّذين ظَلَموا أنفُسَهم بكُفرِهم باللهِ تعالى، وعَلِمتُم بالنَّظَرِ في آثارِهم، والسَّماعِ لأخبارِهم كيف أهلَكْناهم، حينَ أصَرُّوا على كُفرِهم وطُغيانِهم، ومَثَّلْنا لكم في القُرآنِ الأمثالَ الواضِحةَ، وبيَّنَّا الأشباهَ؛ لتعتَبِروا بها، لكِنَّكم لم تفعَلوا.
وَقَدْ مَكَرُوا مَكْرَهُمْ وَعِنْدَ اللَّهِ مَكْرُهُمْ وَإِنْ كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ (46)
وقد مَكَروا مَكرَهم العظيمَ، وعندَ اللهِ عِلمُ مَكرِهم، وجَزاءُ مَكرِهم، فسيُعاقِبُهم بما يستَحِقُّونَ، وما كان مَكرُ الكُفَّارِ بالَّذي تزولُ منه الجبالُ؛ لضَعفِه ووَهنِه، ولو كان مكرُهم تزولُ منه الجبالُ فلن يستطيعوا أيضًا إبطالَ دينِ الإسلامِ؛ فإنَّ الله ينصُرُ دينَه.
فَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ مُخْلِفَ وَعْدِهِ رُسُلَهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ (47)
فلا تظُنَّ اللهَ -يا مُحمَّدُ- مُخلِفَ رُسُلِه ما وعَدَهم مِن النُّصرةِ لهم ولأتْباعِهم، وإهلاكِ أعدائِهم، وخِذلانِهم في الدُّنيا والآخرةِ، إنَّ اللهَ قَويٌّ قاهِرٌ لا يُغالَبُ، ولا يمتَنِعُ عليه شيءٌ أراده، مُنتقِمٌ مِن أعدائِه الكافِرينَ.
يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّمَوَاتُ وَبَرَزُوا لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ (48)
إنَّه تعالى ذو انتقامٍ مِن الكافِرينَ حينَ تتبدَّلُ صِفاتُ هذه الأرضِ إلى صفاتٍ أُخرَى، ومِن ذلك نَسْفُ جِبالِها، وتفجيرُ بحارِها، وذَهابُ جميعِ ما عليها، فلا يبقَى على وَجهِها شيءٌ، وتتبدَّلُ صِفاتُ هذه السَّمواتِ كذلك إلى صفاتٍ أُخرَى، ومِن ذلك انتِثارُ كواكِبِها، وكسوفُ شَمسِها، وخُسوفُ قَمَرِها، وانشقاقُها، وخرجَ النَّاسُ مِن قُبورِهم أحياءً ظاهِرينَ -لا يُوارِيهم شَيءٌ مِن بِناءٍ أو غيرِه- لِلَّهِ المتفَرِّدِ بالمُلْك والخَلقِ والتَّدبيرِ، والعَظَمةِ والكمالِ، الَّذي قهَرَ كُلَّ خَلْقِه، فهم تحتَ تصَرُّفِه وتَدبيرِه وحُكمِه.
وَتَرَى الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفَادِ (49)
وترى -يا محمَّدُ- الكافِرينَ يومَ القيامةِ مُقَيَّدينَ بالأغلالِ والقُيودِ.
سَرَابِيلُهُمْ مِنْ قَطِرَانٍ وَتَغْشَى وُجُوهَهُمُ النَّارُ (50)
ثيابُهم الَّتي يَلبَسونَها مِن القَطِرانِ، وتلفَحُ وُجوهَ المُجرِمينَ النَّارُ، فتُحيطُ بها مِن كُلِّ جانبٍ، وتَحرِقُها.
لِيَجْزِيَ اللَّهُ كُلَّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ (51)
يفعَلُ اللهُ بالمُجرِمينَ ما يفعَلُ؛ ليكونَ في ذلك جزاءٌ للمُسيءِ على إساءتِه، لا ظُلمًا منه سُبحانه، وكما يعاقِبُ مَن أساء يُثيبُ مَن أحسَنَ وأطاع، إنَّ اللهَ سَريعُ المُحاسَبةِ لعبادِه يومَ القيامةِ، لا يخفَى عليه شيءٌ مِن أعمالِهم.
هَذَا بَلَاغٌ لِلنَّاسِ وَلِيُنْذَرُوا بِهِ وَلِيَعْلَمُوا أَنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَلِيَذَّكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ (52)
هذا القُرآنُ تَبليغٌ مِن اللهِ تعالى إلى جميعِ النَّاسِ؛ لإقامةِ الحُجَّةِ عليهم، والإعذارِ إليهم، وهو كفايةٌ لهم في الموعظةِ والتَّذكيرِ، وبه يتبلَّغونَ، ويتزَوَّدونَ للوُصولِ إلى أعلى المَقاماتِ والدَّرَجاتِ، وقد أنزَلْناه ليُخَوَّفَ النَّاسُ به عِقابَ اللهِ، ويُحَذَّروا من نِقمتِه، وليعلمَ النَّاسُ بحُجَجِه وبَراهينِه أنَّ اللهَ المعبودَ بحَقٍّ إلهٌ واحِدٌ، لا يستحِقُّ غيرُه العبادةَ، وليتذَكَّرَ ويتَّعِظَ به أصحابُ العُقولِ السَّليمةِ، فيَهتَدوا إلى العمَلِ بما ينفَعُهم، وتَرْكِ ما يضُرُّهم.