التفسير المحرر

التفسير المحرر

وَمَا مِن دَآبَّةٍ فِي الأَرْضِ إِلاَّ عَلَى اللّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ (6)

اللغة: العربية
إعداد:
الإصدار: 1.0
ترجمات 1
إنجليزي
المرفقات 7
PDF
Audio
Video
+3

وَمَا مِن دَآبَّةٍ فِي الأَرْضِ إِلاَّ عَلَى اللّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ (6)

وما مِن دابةٍ تدبُّ على الأرضِ إلَّا وقد تكفَّل اللهُ برزقِها، ويَعلَمُ اللهُ مَأواها، والمَوضِعَ الَّذي تموتُ فيه أو تُدفَنُ، وتفاصيلُ ذلكَ مثبتَةٌ في اللَّوحِ المَحفوظِ.

وَهُوَ الَّذِي خَلَق السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاء لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً وَلَئِن قُلْتَ إِنَّكُم مَّبْعُوثُونَ مِن بَعْدِ الْمَوْتِ لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ إِنْ هَـذَا إِلاَّ سِحْرٌ مُّبِينٌ (7)

واللهُ هو الَّذي خلَق السَّمواتِ والأرضَ في ستَّةِ أيامٍ، وكان عَرشُ اللهِ على الماءِ من قبلُ، فخلق الكونَ ليَختبِرَكم، فينظُرَ أيُّكم أحسَنُ طاعةً له. ولَئنْ تلوتَ القرآنَ -يا مُحمَّدُ- على المُشرِكينَ لإخبارهم يأنَّ اللهَ سَيبعَثُهم أحياءً بعدَ مَوتِهم؛ لَيقولُنَّ: ما هذا القرآنُ إلَّا سِحرٌ واضِحٌ!

وَلَئِنْ أَخَّرْنَا عَنْهُمُ الْعَذَابَ إِلَى أُمَّةٍ مَّعْدُودَةٍ لَّيَقُولُنَّ مَا يَحْبِسُهُ أَلاَ يَوْمَ يَأْتِيهِمْ لَيْسَ مَصْرُوفًا عَنْهُمْ وَحَاقَ بِهِم مَّا كَانُواْ بِهِ يَسْتَهْزِؤُونَ (8)

ولَئِنْ أخَّرْنا عن هؤلاءِ المُشرِكينَ العذابَ إلى مُدَّةٍ معلومةٍ؛ لَيقولُنَّ تكذيبًا واستهزاءً: ما الَّذي يحبِسُ عنَّا العذابَ إن كان حقًّا؟! إنه يومَ يأتيهم لا يَرُدُّه شَيءٌ، وسينزلُ بهم هذا العذابُ الَّذي استعجلُوه لا محالة.

وَلَئِنْ أَذَقْنَا الإِنْسَانَ مِنَّا رَحْمَةً ثُمَّ نَزَعْنَاهَا مِنْهُ إِنَّهُ لَيَئُوسٌ كَفُورٌ (9)

ولَئِن أعطَينا الإنسانَ منَّا نِعمةً فوجدَ لذَّتَها، ثمَّ سَلَبْناها منه؛ يظَلُّ شديدَ اليأسِ مِن عودةِ الخَيرِ له، جَحُودًا لنِعَمَ اللهِ، قَلِيلَ الشُّكرِ له.

وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ نَعْمَاء بَعْدَ ضَرَّاء مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ ذَهَبَ السَّيِّئَاتُ عَنِّي إِنَّهُ لَفَرِحٌ فَخُورٌ (10)

وإنْ أذَقْنا الإنسانَ نِعمةً بعدَ ضيقٍ، ليقولَنَّ: ذهبَ الضِّيقُ عنِّي، ولن يُصيبَني مجدَّدًا! إنَّه لَشديدُ الفرحِ بنِعَمِ اللهِ، فخورٌ على غيرِه بها، ولا يشكُرُ اللهَ عليها، وينسى تقلُّباتِ الدُّنيا، وينسى طلَبَ نعيمِ الآخرة.

إِلاَّ الَّذِينَ صَبَرُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ أُوْلَـئِكَ لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ (11)

إلَّا الَّذين صَبَروا عندَ الضَّرَّاءِ، وعَمِلوا الصَّالحاتِ فِي السَّرَّاءِ، أولئك لهم مَغفِرةٌ لِذُنوبِهم، ولهم جزاءٌ كبيرٌ.

فَلَعَلَّكَ تَارِكٌ بَعْضَ مَا يُوحَى إِلَيْكَ وَضَآئِقٌ بِهِ صَدْرُكَ أَن يَقُولُواْ لَوْلاَ أُنزِلَ عَلَيْهِ كَنزٌ أَوْ جَاء مَعَهُ مَلَكٌ إِنَّمَا أَنتَ نَذِيرٌ وَاللّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (12)

فلعلَّك -يا مُحمَّدُ- تاركٌ تبليغَ قَومِك بعضَ ما أوحَى اللهُ إليك مِن القُرآنِ، وضائِقٌ صَدرُك بتبليغهم؛ كراهةَ أن يقولُوا: هلَّا أُنزَلَ عليه كَنزٌ، أو جاء معه ملَكٌ؛ لنؤمِنَ به! فاصبِرْ، واستمِرَّ في دَعوتِهم، إنَّما أنت نذيرٌ لقَومِك من عِقابي، وليس عليك إتيانهم بما يقتَرِحونَ مِن المعجزات، واللهُ على كُلِّ شَيءٍ قيِّمٌ، وحافِظٌ فتوكَّلْ عليه.

أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُواْ بِعَشْرِ سُوَرٍ مِّثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ وَادْعُواْ مَنِ اسْتَطَعْتُم مِّن دُونِ اللّهِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ (13)

أم يقولُ المُشرِكونَ: افترى محمَّدٌ القُرآنَ، وليس هو مِن عندِ اللهِ؟! فقل لهم -يا مُحمَّدُ-: إن كنتُ افتريتُه، فأْتُوا أنتم بعَشرِ سُوَرٍ مِثلِه مُختَلَقاتٍ، وادعُوا مَنْ تستَطيعونَ دَعوتَه، مِن الإنسِ والجِنِّ، وآلهتِكم المزعومةِ؛ لإعانتِكم على ذلك، إن كنتُم صادقينَ في أنِّي افتريتُ القُرآنَ.

فَإِن لَّمْ يَسْتَجِيبُواْ لَكُمْ فَاعْلَمُواْ أَنَّمَا أُنزِلِ بِعِلْمِ اللّهِ وَأَن لاَّ إِلَـهَ إِلاَّ هُوَ فَهَلْ أَنتُم مُّسْلِمُونَ (14)

فإن لم يختلقُوا عشرَ سورٍ مثل القرآنِ فاعْلَموا -أيها المشركون- أنَّ القرآن أُنْزِلَ على محمَّدٍ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّم مِن عندِ الله، مشتملًا على عِلْمه، ومُتَضَمِّنًا أمرَه وَنَهْيَه، واعلَموا أنَّه لا معبودَ بحقٍّ إلَّا اللهُ وَحْدَه، فهل أنتم مُستَسلِمونَ ومُنقادونَ لله؟

مَن كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لاَ يُبْخَسُونَ (15)

مَن كان يَقصِدُ بسَعيِه وأعمالِه الصَّالحةِ الدُّنيا وزِينَتَها، نُعطِه ثوابَ أعمالِه فيها كامِلًا، كسَعةِ الرِّزقِ، وغيرِ ذلك، ولا يَنقُصُهم اللهُ ثوابَهم في الدُّنيا.

أُوْلَـئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الآخِرَةِ إِلاَّ النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُواْ فِيهَا وَبَاطِلٌ مَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ (16)

أولئك لا يكونُ لهم في الآخرةِ إلَّا النَّارُ، ويبطُلُ ما عَمِلوه مِن الصَّالحاتِ، فلا يُثابون عليها في الآخرةِ، ويبطُلُ ما عملوه مِن الخيرِ لغَيرِ اللهِ، فلا ينفَعُهم عنده.

أَفَمَن كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّهِ وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌ مِّنْهُ وَمِن قَبْلِهِ كِتَابُ مُوسَى إَمَامًا وَرَحْمَةً أُوْلَـئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَمَن يَكْفُرْ بِهِ مِنَ الأَحْزَابِ فَالنَّارُ مَوْعِدُهُ فَلاَ تَكُ فِي مِرْيَةٍ مِّنْهُ إِنَّهُ الْحَقُّ مِن رَّبِّكَ وَلَـكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يُؤْمِنُونَ (17)

أفمَن كان على بيِّنةٍ مِن رَبِّه، ويَتبَعُه شاهِدٌ آخَرُ مِن اللهِ يوافِقُ هذه البَيِّنةَ، وهو القرآنُ، وشاهدٌ آخَرُ مِن قَبلِه، وهو التَّوراةُ الَّتي أنزَلَها اللهُ على موسى لبني إسرائيلَ؛ يَأْتمُّونَ بها ويَتَّبِعونها، وتكون رحمةً مِن الله بهم، كمن ليس كذلك؟ أولئك الذين على بيِّنةٍ من ربِّهم يُؤمِنونَ بالقُرآنِ حقًّا، ومَن يكفُرْ به مِن أهلِ المِلَلِ، فهو مِن أهلِ النارِ، فلا تشُكَّ -يا محمَّدُ- في أنَّ القرآنَ مُنزَّلٌ مِن عندِ اللهِ، وأنَّ مَن كذَّب به فالنَّارُ مَوعِدُه، إنَّ القرآنَ حقٌّ من رَبِّك، ولكنَّ أكثَرَ النَّاسِ لا يُؤمِنونَ بذلك.

وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللّهِ كَذِبًا أُوْلَـئِكَ يُعْرَضُونَ عَلَى رَبِّهِمْ وَيَقُولُ الأَشْهَادُ هَـؤُلاء الَّذِينَ كَذَبُواْ عَلَى رَبِّهِمْ أَلاَ لَعْنَةُ اللّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ (18)

لا أحدَ أظلَمُ ممَّن اختلقَ على اللهِ الكَذِبَ، أولئك يُعرَضونَ يومَ القيامةِ على اللهِ، فيُحاسِبُهم، ويُجازيهم، ويقولُ الملائكةُ والأنبياءُ والمُؤمنونَ يومَ القيامةِ: هؤلاء الَّذين كَذَبوا على ربِّهم، ألا سخَطُ اللهِ الدَّائمُ وإبعادُه مِن رَحمتِه، على الظالمين.

الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللّهِ وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا وَهُم بِالآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ (19)

أولئكَ الظَّالمون يَردُّونَ النَّاسَ عن دينِ اللهِ، ويُريدونَ أن يكونَ دينُ اللهِ زائغًا عن الحَقِّ، ويُنفِّرونَ النَّاسَ عنه، ويُزيِّنون لهم الباطِلَ، والحالُ أنَّهم مكذِّبونَ بيَومِ القِيامةِ.

أُولَـئِكَ لَمْ يَكُونُواْ مُعْجِزِينَ فِي الأَرْضِ وَمَا كَانَ لَهُم مِّن دُونِ اللّهِ مِنْ أَوْلِيَاء يُضَاعَفُ لَهُمُ الْعَذَابُ مَا كَانُواْ يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ وَمَا كَانُواْ يُبْصِرُونَ (20)

أولئك لا يُعجِزونَ اللهَ في الأرضِ بالهَرَبِ إن أراد عذابَهم، وليس لهم أنصارٌ مِن دونِ اللهِ ينصُرونَهم، ويَدفَعونَ عنهم عذابَه، بل يُزادُ في عذابِهم، إنهم ما كانوا يستطيعونَ سَماعَ الحَقِّ سماعًا ينفعُهم، ولا يُبصِرونَه إبصارًا يفيدُهم.

أُوْلَـئِكَ الَّذِينَ خَسِرُواْ أَنفُسَهُمْ وَضَلَّ عَنْهُم مَّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ (21)

أولئكَ أضاعوا حظَّ أنفُسِهم مِن الثَّوابِ، وأهلَكوها بالعَذابِ، واضمحلَّ ما كانوا يَدْعونَ إليه، وبطَل كَذِبُهم على الله، وذَهَبتْ عنهم آلهتُهم فلم تنفعْهم.

لاَ جَرَمَ أَنَّهُمْ فِي الآخِرَةِ هُمُ الأَخْسَرُونَ (22)

حقًّا وصِدقًا أنَّهم يومَ القيامةِ هم أخسَرُ النَّاسِ؛ لاستبدالِهم دَرَكاتِ النَّارِ بمَنازِلِ الجنَّةِ.

إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ وَأَخْبَتُواْ إِلَى رَبِّهِمْ أُوْلَـئِكَ أَصْحَابُ الجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (23)

إنَّ الَّذين آمَنوا بالحقِّ، وعَمِلوا الأعمالَ الصَّالِحةِ، وتواضَعوا لله وخَشَعوا واطمأنُّوا إليه، أولئك أهلُ الجنَّةِ، يُقيمُون فيها أبدًا.

مَثَلُ الْفَرِيقَيْنِ كَالأَعْمَى وَالأَصَمِّ وَالْبَصِيرِ وَالسَّمِيعِ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلاً أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ (24)

مثَلُ الكافرينَ كمَن لا يرى ولا يسمَعُ، ومثَلُ المؤمنينَ كمَن يرَى ويسمَعُ؛ فالكافِرُ لا يرى الحقَّ رؤيةً يهتدي بها، ولا يسمَعُ الحقَّ سماعًا ينتَفِعُ به، والمؤمِنُ بعكسِ ذلكَ، فهل يستوي الفَريقانِ؟! أفلا تتذكَّرون ذلكَ، فتترُكوا الكُفرَ والعِصيانَ؟

وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُّبِينٌ (25)

ولقد أرسلْنا نوحًا إلى قَومِه المُشرِكينَ، فقال لهم: إنِّي نذيرٌ ظاهرُ النذارة لكم من عذابَ اللهِ إن بقيتُم على شركِكُم.

أَن لاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ اللّهَ إِنِّيَ أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ أَلِيمٍ (26)

أرسَلْناه إلى قَومِه بأنْ لا تعبُدوا إلَّا اللهَ وَحْدَه، فقال لهم: إنِّي أخافُ عليكم عذابَ يوٍم مؤلمٍ.

فَقَالَ الْمَلأُ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن قِوْمِهِ مَا نَرَاكَ إِلاَّ بَشَرًا مِّثْلَنَا وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلاَّ الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِيَ الرَّأْيِ وَمَا نَرَى لَكُمْ عَلَيْنَا مِن فَضْلٍ بَلْ نَظُنُّكُمْ كَاذِبِينَ (27)

فقال الأشرافُ الكفَّارُ مِن قَومِ نُوحٍ: ما نراك إلَّا آدميًّا مِثلَنا، ولستَ مِن الملائكةِ، فكيف يُرسِلُك اللهُ مِن دُوننا؟! وما اتَّبَعَك على دينِك إلَّا ضُعَفاؤُنا وسَفِلَتُنا فيما يظهَرُ لنا ولِغَيرِنا، وما نرى أنَّ لكم مزيَّةً علينا، فتَستحقُّوا اتِّباعَنا لكم، بل نظُنُّكم كاذبينَ فيما تدَّعونَ

قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِن كُنتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّيَ وَآتَانِي رَحْمَةً مِّنْ عِندِهِ فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ أَنُلْزِمُكُمُوهَا وَأَنتُمْ لَهَا كَارِهُونَ (28)

قال نوحٌ: يا قومِ أخبِروني إن كنتُ على علمٍ مِن اللهِ، وبُرهانٍ على صِدْقِي، ورَزَقني اللهُ النُّبوَّةَ، فمُنعتُم معرفةَ الحَقِّ عقوبةً لكم، أنغصِبُكم على التَّصديقِ بها واتِّباعِها، والحالُ أنَّكم تَكرهونَها، وتنَفِرونَ منها؟!

وَيَا قَوْمِ لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مَالاً إِنْ أَجْرِيَ إِلاَّ عَلَى اللّهِ وَمَآ أَنَاْ بِطَارِدِ الَّذِينَ آمَنُواْ إِنَّهُم مُّلاَقُو رَبِّهِمْ وَلَـكِنِّيَ أَرَاكُمْ قَوْمًا تَجْهَلُونَ (29)

ويا قَومِ لا أطلُبُ منكم أجرةً لي على تبليغ رسالةَ اللهِ، إنَّما أَجْري على اللهِ الَّذي أرسَلَني، وما أنا بمُقْصٍ الضُّعَفاءَ المُؤمنينَ؛ لاحتقارِكم لهم، إنَّهم صائِرونَ إلى اللهِ، فيَسألُهم عن أعمالِهم، لا عن شَرَفِهم وحسَبِهم، ويُثيبُهم عليها، ويُجازي مَن ظَلَمَهم، ولكِنِّي أراكم قومًا تجهلونَ ما تنبغي مَعرِفتُه، فمِن جَهْلِكم سألتُموني طَردَهم، وهم خيرٌ منكم.

وَيَا قَوْمِ مَن يَنصُرُنِي مِنَ اللّهِ إِن طَرَدتُّهُمْ أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ (30)

قال نوح: ويا قَومِ مَن يمنَعُني مِن عذابِ اللهِ إن طَردتُ المؤمنينَ فعاقَبَني؟ أفلا تتذكَّرون، فتَنتَهوا عن ضَلالِكم؟

وَلاَ أَقُولُ لَكُمْ عِندِي خَزَآئِنُ اللّهِ وَلاَ أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلاَ أَقُولُ إِنِّي مَلَكٌ وَلاَ أَقُولُ لِلَّذِينَ تَزْدَرِي أَعْيُنُكُمْ لَن يُؤْتِيَهُمُ اللّهُ خَيْرًا اللّهُ أَعْلَمُ بِمَا فِي أَنفُسِهِمْ إِنِّي إِذًا لَّمِنَ الظَّالِمِينَ (31)

ولا أقولُ لكم: عندي خزائِنُ رِزقِ اللهِ، فأتصرَّفُ فيها، ولا أدَّعي أنِّي أعلَمُ ما غاب مِن السَّرائِرِ، وغير ذلك ممَّا لا يعلَمُه إلَّا اللهُ، ولا أقولُ: إنِّي مَلَكٌ، بل أنا بشَرٌ أبلِّغُكم ما أرسَلَني اللهُ به، ولا أقولُ عن المؤمنينَ الَّذين تحتَقِرُهم أعيُنُكم: لن يُعطِيَهم اللهُ ثوابَهم على إيمانِهم، اللهُ أعلَمُ بما في قلوبِهم مِن اعتقاداتٍ ونيَّاتٍ، إنِّي إنِ ادَّعيتُ أنَّ اللهَ لن يؤتيَهم خَيرًا، وأنَّهم يُظهِرونَ غيرَ ما يُبطنِونَ، وطَرَدتُهم- لَمِنَ المُعتَدينَ على أمر الله تعالى.

قَالُواْ يَا نُوحُ قَدْ جَادَلْتَنَا فَأَكْثَرْتَ جِدَالَنَا فَأْتَنِا بِمَا تَعِدُنَا إِن كُنتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (32)

قال المُشرِكونَ مِن قَومِ نوحٍ: قد حاجَجْتَنا، فأكثَرْتَ محاجَّتَنا، وبالغْتَ فيها، فعجِّلْ لنا العَذابِ، إن كنتَ مِن الصَّادقينَ في دعواك.

قَالَ إِنَّمَا يَأْتِيكُم بِهِ اللّهُ إِن شَاء وَمَا أَنتُم بِمُعْجِزِينَ (33)

قال نوحٌ لِقَومِه: إنَّما يأتيكم بالعَذابِ اللهُ وَحْدَه، إنْ شاءَ إهلاككُم، ولستُم بفائتينَ اللهَ بالهَرَبِ مِن عِقابِه، ولا قدرةَ لكم على دَفعِ عَذابِه.

وَلاَ يَنفَعُكُمْ نُصْحِي إِنْ أَرَدتُّ أَنْ أَنصَحَ لَكُمْ إِن كَانَ اللّهُ يُرِيدُ أَن يُغْوِيَكُمْ هُوَ رَبُّكُمْ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (34)

ولا ينفَعُكم ما أبذُلُه لكم مِن نُصحٍ إن كان اللهُ يريدُ أن يُضِلَّكم، ويُوقِعَ الغَوايةَ في قلوبِكم بسببِ عنادِكم، هو ربُّكم المتصَرِّفُ في أمورِكم، وإليه وَحْدَه تصيرونَ بعدَ موتِكم، فيُجازيكم.

أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ إِنِ افْتَرَيْتُهُ فَعَلَيَّ إِجْرَامِي وَأَنَاْ بَرِيءٌ مِّمَّا تُجْرَمُونَ (35)

أم يقولُ مُشرِكو قَومِك -يا مُحمَّدُ-: اختلقَ محمَّدٌ هذا القُرآنَ، واختلق قِصَّةَ نوحٍ؟! فقلْ لهم: إن فعلتُ ذلك فذنبُه علَيَّ وحدي، وأنا بريءٌ ممَّا تُذنِبونَ مِن الكُفرِ والكَذِب على اللهِ، والتَّكذيبِ بالحَقِّ.

وَأُوحِيَ إِلَى نُوحٍ أَنَّهُ لَن يُؤْمِنَ مِن قَوْمِكَ إِلاَّ مَن قَدْ آمَنَ فَلاَ تَبْتَئِسْ بِمَا كَانُواْ يَفْعَلُونَ (36)

وأوحَى اللهُ إلى نوحٍ أنَّه لن يؤمِنَ بالحقِّ ويتَّبِعَه مِن قومِك إلَّا مَن آمَن مِن قَبلُ، فلا تَحزَنْ بما كان يفعَلُه قَومُك مِن ضلالٍ، ولا يُهمَّنَّك أمرُهم؛ فإنِّي مُهلِكُهم.

وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا وَلاَ تُخَاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُواْ إِنَّهُم مُّغْرَقُونَ (37)

واصنَعِ السَّفينةَ بمرأًى منَّا، وتحت حِفْظنا، وبتعليمِنا لك صِناعتَها، ولا تسألْني العفوَ عن المُشرِكينَ؛ إنَّهم محكومٌ عليهم بالغَرَقِ.

وَيَصْنَعُ الْفُلْكَ وَكُلَّمَا مَرَّ عَلَيْهِ مَلأٌ مِّن قَوْمِهِ سَخِرُواْ مِنْهُ قَالَ إِن تَسْخَرُواْ مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنكُمْ كَمَا تَسْخَرُونَ (38)

وطَفِقَ نوحٌ يصنَعُ السَّفينةَ، وكلَّما مرَّ عليه جماعةٌ مِن كُبَراءِ قَومِه ورأَوْا ما يصنَعُ هَزِئوا منه، فقال لهم: إن تستَهزِئوا بنا، فإنَّا نستهزِئُ بكم كما تستَهزِئونَ بنا.

فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَن يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذَابٌ مُّقِيمٌ (39)

قال نوحٌ: فسوف تعلمونَ مَن يأتيه عذابٌ يُهينُه في الدُّنيا، ومَن يَنزِلُ به في الآخرةِ عذابٌ دائِمٌ.

حَتَّى إِذَا جَاء أَمْرُنَا وَفَارَ التَّنُّورُ قُلْنَا احْمِلْ فِيهَا مِن كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلاَّ مَن سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ وَمَنْ آمَنَ وَمَا آمَنَ مَعَهُ إِلاَّ قَلِيلٌ (40)

حتَّى إذا جاء أمرُ الله بهلاكِ قَومِ نوحٍ، ونبَعَ الماءُ بشِدَّةٍ مِن الموضعِ الَّذي يُخبزُ فيه؛ علامةً على مجيءِ العذابِ، قيل لنوحٍ: احمِلْ في السَّفينةِ مِن كُلِّ صنفٍ مِن المخلوقاتِ ذكَرًا وأنثى، واحمِلْ أهلَ بَيتِك إلَّا مَن قدَّر اللهُ هلاكَه لكُفرِه، واحملْ المؤمنينَ، وكانوا قلةً.

وَقَالَ ارْكَبُواْ فِيهَا بِسْمِ اللّهِ مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا إِنَّ رَبِّي لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ (41)

وقال نوحٌ لِمَن معه: اركَبوا في السفينة،ِ باسمِ الله يكونُ مسِيرُها السَّريعُ فوقَ الماءِ، وباسمِ اللهِ يكونُ رسوُّها على الشَّاطئِ، إنَّ ربِّي غفورٌ لذنوبِ مَن تاب إليه، رحيمٌ بهم حيث نجَّاهم مِن عذابِه، ومِن الظَّالمينَ.

وَهِيَ تَجْرِي بِهِمْ فِي مَوْجٍ كَالْجِبَالِ وَنَادَى نُوحٌ ابْنَهُ وَكَانَ فِي مَعْزِلٍ يَا بُنَيَّ ارْكَب مَّعَنَا وَلاَ تَكُن مَّعَ الْكَافِرِينَ (42)

كانت السفينةُ تجري بنوحٍ ومَن معه في أمواجٍ مُرتَفعةٍ كالجبالِ، ونادى نوحٌ ابنَه الكافِرَ وكان في ناحيةٍ بعيدةٍ عن السَّفينةِ فقال له: يا بُنيَّ اركَبْ معنا، ولا تكنْ مع الكافِرينَ فتَغرَقَ مِثلَهم.

قَالَ سَآوِي إِلَى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الْمَاء قَالَ لاَ عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللّهِ إِلاَّ مَن رَّحِمَ وَحَالَ بَيْنَهُمَا الْمَوْجُ فَكَانَ مِنَ الْمُغْرَقِينَ (43)

قال ابنُ نوحٍ: سألجأُ إلى جبلٍ، يمنَعُني مِن الماءِ! فقال نوحٌ: لا مانِعَ اليومَ مِن عذابِ اللهِ إلَّا اللهُ الَّذي يرحَمُ مَن يشاءُ فيُنَجِّيه، وحال بيْن نوحٍ وابنِه موجُ الماءِ، فكان ممَّن أهلَكَهم الله بالغَرَقِ.

وَقِيلَ يَا أَرْضُ ابْلَعِي مَاءكِ وَيَا سَمَاء أَقْلِعِي وَغِيضَ الْمَاء وَقُضِيَ الأَمْرُ وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ وَقِيلَ بُعْداً لِّلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (44)

وأمَرَ اللهُ الأرضَ بعدَ غَرَقِ قَومِ نُوحٍ بأن تتشرَّبَ الماءَ الَّذي فوقها، وأن تُمسكَ السماءُ عن الإمطارِ، فنقصَ الماءُ على الأرضِ حتَّى نضبَ، وفُرِغ مِن هلاكِ الكافِرينَ، وإنجاءِ المؤمنينَ، واستقرَّت السَّفينةُ بمن فيها على جبلِ الجُوديِّ، وقيل: بُعدًا مِن رحمةِ اللهِ للظالمين.

وَنَادَى نُوحٌ رَّبَّهُ فَقَالَ رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ وَأَنتَ أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ (45)

ونادى نوحٌ ربَّه فقال: يا ربِّ، إنَّ ابني من أهلي الَّذين وعدْتَني بإنجائهم مِن الغَرَقِ، وإنَّ وَعْدَك الصِّدقُ الَّذي لا يُخلَفُ، ولا ظُلمَ في حُكمِك، ولا خطأَ.

قَالَ يَا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ فَلاَ تَسْأَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنِّي أَعِظُكَ أَن تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ (46)

قال الله: يا نوحُ، إنَّ ابنَك ليس مِن أهلِك الَّذين وعَدتُك بإنجائهم؛ لأنَّه كافرٌ باللهِ تعالى، وقد أجبتُك عن سؤالك، فلا تسألْني عن أسبابِ أفعالي، ولا تطلُبْ منِّي ما لا تعلمُ جوازَ مسألتِه، ولا تعلمُ أنَّ حصولَه موافِقٌ للحِكمةِ، إنِّي أحذِّرُك؛ لئلَّا تكونَ من الجاهلينَ.

قَالَ رَبِّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْأَلَكَ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَإِلاَّ تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِي أَكُن مِّنَ الْخَاسِرِينَ (47)

قال نوحٌ: ربِّ، إنِّي أستجيرُ بك أن أسألَك بعدَ الآنَ ما لا عِلمَ لي بصحَّتِه، وإنْ لم تغفِرْ لي ما وقع منِّي مِن ذلك، وترحمْني؛ أكنْ مِن الخاسرينَ أنفُسَهم وأعمالَهم.

قِيلَ يَا نُوحُ اهْبِطْ بِسَلاَمٍ مِّنَّا وَبَركَاتٍ عَلَيْكَ وَعَلَى أُمَمٍ مِّمَّن مَّعَكَ وَأُمَمٌ سَنُمَتِّعُهُمْ ثُمَّ يَمَسُّهُم مِّنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ (48)

وقيل عندَ استقرارِ السَّفينةِ على جبلِ الجُوديِّ: يا نوحُ، انزِلْ إلى الأرضِ بسلامةٍ منَّا، وبرَكاتٍ ثابتةٍ عليك، وعلى أُمَمٍ مِن أتباعِك، وثمَّ أُمَمٌ كافرةٌ سنُمَتِّعُهم في الدُّنيا، ثمَّ نُذيقُهم في الآخرةِ عذابًا مُؤلِمًا.

تِلْكَ مِنْ أَنبَاء الْغَيْبِ نُوحِيهَا إِلَيْكَ مَا كُنتَ تَعْلَمُهَا أَنتَ وَلاَ قَوْمُكَ مِن قَبْلِ هَـذَا فَاصْبِرْ إِنَّ الْعَاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ (49)

إنَّ قصَّة نوحٍ مِن أخبارِ الغُيوبِ السَّابقةِ، نوحيها إليك -يا محمَّدُ-، وما كنتَ تعلمُها أنت ولا قومُك قبل هذا القرآنِ، فاصبرْ على دعوةِ قَومِك، وتحمَّلْ تكذيبَهم وأذاهم؛ إنَّ العاقِبةَ في الدُّنيا والآخرةِ للمتقين

وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُواْ اللّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَـهٍ غَيْرُهُ إِنْ أَنتُمْ إِلاَّ مُفْتَرُونَ (50)

وأرسَلْنا إلى قبيلةِ عادٍ أخاهم في النَّسَبِ هودًا، فقال: يا قومِ اعبُدوا اللهَ وَحدَه، ولا يستحِقُّ العبادةَ غيرُه، وما أنتم في عبادتِكم غيرَ اللهِ إلَّا كاذِبونَ عليه.

يَا قَوْمِ لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِنْ أَجْرِيَ إِلاَّ عَلَى الَّذِي فَطَرَنِي أَفَلاَ تَعْقِلُونَ (51)

يا قَومِ لا أطلبُ منكم أُجرةً على تبليغي رسالةَ اللهِ، إنما ثوابي على اللهِ الَّذي خلقَني، أفلا تعقِلونَ أنِّي أدعوكم لأجلِ مصلَحتِكم ومِن غيرِ أُجرةٍ؟!

وَيَا قَوْمِ اسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُواْ إِلَيْهِ يُرْسِلِ السَّمَاء عَلَيْكُم مِّدْرَارًا وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَى قُوَّتِكُمْ وَلاَ تَتَوَلَّوْاْ مُجْرِمِينَ (52)

ويا قومِ اطلُبوا المغفرةَ مِن رَبِّكم، ثمَّ توبوا إليه؛ فإنْ فعلتُم ذلك يُرسِلِ اللهُ المطرَ عليكم كثيرًا مُتتابِعًا، ويَزِدْكم شِدَّةً إضافيةً إلى شِدَّتِكم، وأموالًا وأولادًا، ولا تُعرِضوا عن الحقِّ، وتُصِرُّوا على الباطلِ.

قَالُواْ يَا هُودُ مَا جِئْتَنَا بِبَيِّنَةٍ وَمَا نَحْنُ بِتَارِكِي آلِهَتِنَا عَن قَوْلِكَ وَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ (53)

قال قومُ هودٍ: يا هودُ، ما جِئتنا بحُجَّةٍ واضحةٍ تشهَدُ على صدقِك! وما نحنُ بتارِكي عبادةِ آلهَتِنا بمُجَرَّدِ نَهيِك عنها، وما نحنُ لك بما تدَّعيه مِن النُّبوَّةِ والرِّسالةِ مُؤمنين.

إِن نَّقُولُ إِلاَّ اعْتَرَاكَ بَعْضُ آلِهَتِنَا بِسُوَءٍ قَالَ إِنِّي أُشْهِدُ اللّهِ وَاشْهَدُواْ أَنِّي بَرِيءٌ مِّمَّا تُشْرِكُونَ (54)

ما نقولُ إلَّا أنَّ بعضَ أصنامِنا أصابتكَ بجُنونٍ؛ لنهيِك عن عبادتِها، وذمِّك لها، فقال هودٌ: أُشهِدُ اللهَ على نفْسي، وأُشهِدُكم أنِّي بَريءٌ مِن عبادتِكم للأصنامِ.

فَكِيدُونِي جَمِيعًا ثُمَّ لاَ تُنظِرُونِ (55)

فاحْتالوا أنتم وجميعُ آلهتِكم لتضرُّوني، ثمَّ لا تُمهِلوني، ولا تؤخِّروا ذلك.

إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللّهِ رَبِّي وَرَبِّكُم مَّا مِن دَآبَّةٍ إِلاَّ هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ (56)

إنِّي اعتمدتُ على اللهِ ربِّي وربِّكم؛ ليمنَعَني منكم، وما من شيءٍ يدِبُّ على الأرضِ إلَّا وهو في قبضةِ اللهِ، وتحتَ قَهرِه وسُلطانِه، إنَّ ربِّي على طريقِ الحَقِّ والعَدلِ لا يظلِمُ أحدًا، ولا تخرجُ أقوالُه وأفعالُه عن الحِكمةِ.

فَإِن تَوَلَّوْاْ فَقَدْ أَبْلَغْتُكُم مَّا أُرْسِلْتُ بِهِ إِلَيْكُمْ وَيَسْتَخْلِفُ رَبِّي قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلاَ تَضُرُّونَهُ شَيْئًا إِنَّ رَبِّي عَلَىَ كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ (57)

فإن تُعرِضوا عمَّا أدعوكم إليه مِن عبادةِ اللهِ وَحْدَه، فقد قامت عليكم الحُجَّةُ بإبلاغكم رسالةَ اللهِ، ويَستبدِلُ ربِّي قومًا غيرَكم بعدَ إهلاككم فيتَّبعون الحقَّ، ولا تضُرُّونَ اللهَ شيئًا بكُفرِكم، إنَّ ربِّي ذو حِفظٍ لكُلِّ شَيءٍ، حافِظٌ لأقوالِ عبادِه وأفعالِهم، ويحفَظُني مِنكُم.

وَلَمَّا جَاء أَمْرُنَا نَجَّيْنَا هُودًا وَالَّذِينَ آمَنُواْ مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِّنَّا وَنَجَّيْنَاهُم مِّنْ عَذَابٍ غَلِيظٍ (58)

ولَمَّا أتَى عذابُنا، وأهلكْنا الكافرينَ، نجَّيْنا هودًا والمؤمنينَ معه برَحمتِنا، ونجَّيْناهم مِن عذابٍ شديد.

وَتِلْكَ عَادٌ جَحَدُواْ بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَعَصَوْاْ رُسُلَهُ وَاتَّبَعُواْ أَمْرَ كُلِّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ (59)

وتلك عادٌ كذَّبوا بالمُعجزاتِ، وأنكَروا حُجَجَ اللهِ، وعَصَوا رُسُلَه بعصيانِهم لهودٍ، واتَّبَعوا كلَّ متكَبِّرٍ مِن رؤسائِهم، متسَلِّطٍ على الخلقِ، معاندٍ، لا يقبَلُ الحَقَّ.

وَأُتْبِعُواْ فِي هَـذِهِ الدُّنْيَا لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلا إِنَّ عَادًا كَفَرُواْ رَبَّهُمْ أَلاَ بُعْدًا لِّعَادٍ قَوْمِ هُودٍ (60)

وألحقَ اللهُ بقومِ هودٍ في الدُّنيا لعنةً مِنه ومِن المؤمنينَ، وتلحَقُهم لعنةٌ أُخرَى يومَ القيامةِ، إنَّ عادًا كفروا بربِّهم، ألا فأبعَدَهم اللهُ عن كلِّ خَيرٍ.

وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُواْ اللّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَـهٍ غَيْرُهُ هُوَ أَنشَأَكُم مِّنَ الأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا فَاسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُواْ إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُّجِيبٌ (61)

وأرسَلْنا إلى قبيلةِ ثَمودَ أخاهم في النَّسَبِ صالِحًا، فقال: يا قومِ اعبُدوا اللهَ وَحْدَه، ولا يستَحِقُّ العبادةَ غيرُه، هو الَّذي ابتدأَ خَلْقَكم مِن الأرضِ بخَلقِ أبيكم آدَمَ منها، وجعَلَكم تَسكُنونَها وتَعمُرونَها وتستغِلُّون خيراتِها، فاطلُبوا مِن اللهِ مغفرةَ ذُنوبِكم، ثمَّ توبوا إليه، إنَّ رَبِّي قريبٌ، يُجيبُ مَنْ دَعَاهُ.

قَالُواْ يَا صَالِحُ قَدْ كُنتَ فِينَا مَرْجُوًّا قَبْلَ هَـذَا أَتَنْهَانَا أَن نَّعْبُدَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا وَإِنَّنَا لَفِي شَكٍّ مِّمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ مُرِيبٍ (62)

قال قومُ صالحٍ: يا صالِحُ قد كنَّا نرجو فيك الخيرَ، وكَمالَ العقلِ، وأن تكونَ فينا سيِّدًا قبلَ ادِّعائك النُّبُوَّةَ، ونهيِك عن عِبادةِ آلهتنا! أتَنْهانا أن نعبُدَ ما كان يَعبُدُه أسلافُنا؟! وإنَّنا لفي شكٍّ مِن كلامِك، شَكًّا يُوجِبُ تُهمَتَك.

قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِن كُنتُ عَلَى بَيِّنَةً مِّن رَّبِّي وَآتَانِي مِنْهُ رَحْمَةً فَمَن يَنصُرُنِي مِنَ اللّهِ إِنْ عَصَيْتُهُ فَمَا تَزِيدُونَنِي غَيْرَ تَخْسِيرٍ (63)

قال صالحٌ: يا قومِ أخبِروني إن كنتُ على بُرهانٍ من اللهِ، ورَزَقني مِن عندِه النُّبوَّةَ والرِّسالةَ رَحمةً للخَلقِ، فمَن يمنَعُني مِن عذابِ اللهِ إنْ تَرَكتُ دَعْوتَكم للحقِّ؟! لو فعلتُ ذلك، فلن تَزيدوني غيرَ الخَسارةِ والضَّرَرِ.

وَيَا قَوْمِ هَـذِهِ نَاقَةُ اللّهِ لَكُمْ آيَةً فَذَرُوهَا تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللّهِ وَلاَ تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابٌ قَرِيبٌ (64)

ويا قَومِ هذه ناقةُ اللهِ حُجَّة وعلامَة لكم على صِدقِي، فاترُكوها تأكُلْ ما شاءت في أرضِ اللهِ؛ ولا تَنالوها بأذًى فيُصيبَكم عذابٌ عَاجِلٌ.

فَعَقَرُوهَا فَقَالَ تَمَتَّعُواْ فِي دَارِكُمْ ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ ذَلِكَ وَعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ (65)

فقتَل الكُفَّارُ النَّاقةَ، فقال نبيُّهم صالحٌ: تمتَّعُوا بالعَيشِ في دارِكم ثلاثةَ أيَّامٍ قبلَ نزولِ العذابِ، وهذا وعدٌ صادِقٌ، لا بدَّ مِن وُقوعِه.

فَلَمَّا جَاء أَمْرُنَا نَجَّيْنَا صَالِحًا وَالَّذِينَ آمَنُواْ مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِّنَّا وَمِنْ خِزْيِ يَوْمِئِذٍ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْقَوِيُّ الْعَزِيزُ (66)

فلمَّا جاء عذابُنا نجَّينا صالحًا والمؤمنينَ معه برحمةٍ منَّا عليهم، ونجَّيناهم مِن هَوانِ ذلك اليومِ وذُلِّ عذابِه، إنَّ رَبَّك -يا مُحمَّدُ- هو القويُّ في بَطشِه، القادِرُ على إنجاءِ المُؤمِنينَ، وإهلاكِ الكافرينَ، الَّذي لا يَغلِبُه شَيءٌ

وَأَخَذَ الَّذِينَ ظَلَمُواْ الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُواْ فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ (67)

وأصاب الَّذين ظَلموا أنفُسَهم بالكُفرِ، وعَقرِ النَّاقةِ، الصَّيحةُ العَظيمةُ، فصاروا في ديارِهم صَرْعَى، لاصِقينَ بالأرضِ.

كَأَن لَّمْ يَغْنَوْا فِيهَا أَلاَ إِنَّ ثَمُودَ كَفرُواْ رَبَّهُمْ أَلاَ بُعْدًا لِّثَمُودَ (68)

وكأنَّ الكفَّارَ لَمَّا جاءهم العذابُ لم يعيشوا في ديارِهم، ولم يتمتَّعوا فيها، ألَا إنَّ ثمودَ كفروا بربِّهم، ألا أبعدَ اللهُ ثمودَ عن كلِّ خَيرٍ.

وَلَقَدْ جَاءتْ رُسُلُنَا إِبْرَاهِيمَ بِالْبُـشْرَى قَالُواْ سَلاَمًا قَالَ سَلاَمٌ فَمَا لَبِثَ أَن جَاء بِعِجْلٍ حَنِيذٍ (69)

جاءت الملائكةُ بالبِشارةِ بالولَدِ لإبراهيمَ، فسلَّمَ الملائكةُ عليه، فقال: سلامٌ عليكم، وما أسرعَ أنْ جاءَ بعِجلٍ مَشويٍّ لضُيوفِه -ولم يعلَمْ أنَّهم ملائِكةٌ-.

فَلَمَّا رَأَى أَيْدِيَهُمْ لاَ تَصِلُ إِلَيْهِ نَكِرَهُمْ وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً قَالُواْ لاَ تَخَفْ إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمِ لُوطٍ (70)

فلمَّا رأى إبراهيمُ أيديَ ضُيوفِه لا تصِلُ إلى الطعامِ، استنكر ذلكَ، وأضمرَ في نفْسِه خوفًا منهم، فقالوا له: لا تخَفْ؛ فإنَّا ملائِكةٌ أُرسلنا إلى قومِ لوطٍ لإهلاكِهم.

وَامْرَأَتُهُ قَآئِمَةٌ فَضَحِكَتْ فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَقَ وَمِن وَرَاء إِسْحَقَ يَعْقُوبَ (71)

وكانت امرأةُ إبراهيمَ قائمةً فضَحِكَت، فبُشِّرَت بإسحاقَ ابنًا لها، وبيعقوبَ ابنًا لابنِها.

قَالَتْ يَا وَيْلَتَى أَأَلِدُ وَأَنَاْ عَجُوزٌ وَهَـذَا بَعْلِي شَيْخًا إِنَّ هَـذَا لَشَيْءٌ عَجِيبٌ (72)

قالت متَعَجِّبةً: يا ويلتَى أيكونُ لي ولدٌ، وأنا عجوزٌ لا يلِدُ مثلي، وهذا زوجي إبراهيمُ شَيخًا كبيرًا، لا يُولَدُ لِمِثلِه؟! إنَّ ذلك لَشيءٌ عجيبٌ، لم تَجرِ به العادةُ!

قَالُواْ أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللّهِ رَحْمَتُ اللّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَّجِيدٌ (73)

قالت الملائكةُ لها: أتعجَبينَ مِن شَيءٍ قضاه اللهُ؟! رَحمةُ اللهِ وخَيراتُه المُتكاثِرةُ عليكم يا أهلَ بيتِ إبراهيمَ، إنَّ اللهَ محمودٌ في جميعِ صِفاتِه وأفعالِه وأقوالِه، ذو عَظَمةٍ وسَعةٍ في صفاتِ كمالِه.

فَلَمَّا ذَهَبَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ الرَّوْعُ وَجَاءتْهُ الْبُشْرَى يُجَادِلُنَا فِي قَوْمِ لُوطٍ (74)

فلمَّا زال عن إبراهيمَ الخَوفُ، وجاءَتْه البُشرى فطابت نفْسُه، وأعلَمته الملائكةَ بهلاكِ قَومِ لوطٍ أخذ يحاجِجُ في إهلاكِهم.

إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّاهٌ مُّنِيبٌ (75)

إنَّ إبراهيمَ لحليمٌ لا يعاجل بالعقوبة، متذلِّلٌ إلى ربِّه، كثيرُ التَّضَرُّعِ إليه، رجَّاعٌ إلى اللهِ بطاعتِه ومَعرفتِه ومحبَّتِه، ورجَّاعٌ إليه في جميعِ أمورِه.

يَا إِبْرَاهِيمُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا إِنَّهُ قَدْ جَاء أَمْرُ رَبِّكَ وَإِنَّهُمْ آتِيهِمْ عَذَابٌ غَيْرُ مَرْدُودٍ (76)

قالت الملائِكةُ: يا إبراهيمُ، اترُكِ الجِدالَ في شأنِهم؛ فقد جاء أمرُ رَبِّك بهلاكِهم، فالعذاب نازِلٌ بهم حتمًا.

وَلَمَّا جَاءتْ رُسُلُنَا لُوطًا سِيءَ بِهِمْ وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعًا وَقَالَ هَـذَا يَوْمٌ عَصِيبٌ (77)

ولَمَّا جاءت الملائكةُ لوطًا -ولم يعلَمْ أنَّهم ملائِكةٌ- ساءه مجيئُهم، وضاقتْ نفْسُه غَمًّا؛ خَوفًا عليهم مِن قَومِه، وقال: هذا يومٌ عظيمٌ بلاؤُه!

وَجَاءهُ قَوْمُهُ يُهْرَعُونَ إِلَيْهِ وَمِن قَبْلُ كَانُواْ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ قَالَ يَا قَوْمِ هَـؤُلاء بَنَاتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ فَاتَّقُواْ اللّهَ وَلاَ تُخْزُونِ فِي ضَيْفِي أَلَيْسَ مِنكُمْ رَجُلٌ رَّشِيدٌ (78)

وجاء قومُ لوطٍ مُسْرعين إليه! وكانت عادتُهم المستمرَّةُ مِن قبلِ مجيءِ الرُّسُلِ إلى لوطٍ إتيانُ الرِّجالِ في أدبارِهم، فجاؤوا إلى أضيافِه لذلك، فقال لهم: يا قومِ هؤلاء نِساءُ أُمَّتي فانكِحوهنَّ؛ فهذا أطهَرُ لكم مِن إتيانِ الذُّكورِ، فاتقوا سخطَ الله وعقابه، ولا تُهينوني بانتهاكِ حُرمةِ ضُيوفي، أليسَ منكُم رجلٌ ذو عقلٍ وحُسنِ نظرٍ وتقديرٍ، فيَنْهاكم عن ذلك؟!

قَالُواْ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا لَنَا فِي بَنَاتِكَ مِنْ حَقٍّ وَإِنَّكَ لَتَعْلَمُ مَا نُرِيدُ (79)

قال قوم لوطٍ له: لقد علمتَ أنَّه ليس لَنا في النِّساءِ رغبةٌ، وإنَّك لتعلَمُ يقينًا أنَّنا نريدُ الرِّجالَ!

قَالَ لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ (80)

قال لوطٌ: ليتَ لي أنصارًا يُعينونَني على رَدِّكم، أو ألجأُ إلى عشيرةٍ تعصِمُني منكم؛ لأَحول بيْنَكم وبيْن ضيوفي

قَالُواْ يَا لُوطُ إِنَّا رُسُلُ رَبِّكَ لَن يَصِلُواْ إِلَيْكَ فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِّنَ اللَّيْلِ وَلاَ يَلْتَفِتْ مِنكُمْ أَحَدٌ إِلاَّ امْرَأَتَكَ إِنَّهُ مُصِيبُهَا مَا أَصَابَهُمْ إِنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ أَلَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ (81)

قالت الملائِكةُ للوطٍ: إنَّا ملائِكةُ رَبِّك، أَرسَلَنا لإهلاكِ قَومِك؛ فلن يَصِلوا إليك بمكروهٍ، واخرُجْ أنت وأهلُك مِن هذه الأرضِ بعدَ مُضيِّ وقتٍ مِن اللَّيلِ، ولا ينظُرْ أحدٌ منكم وراءَه، واستَمِرُّوا في طريقِكم، إلَّا امرأتَك، فلا تُخرِجْها معكم، وسيصيبها من العذابِ ما يصيب قومَك، إنَّ مَوعِدَ إهلاكِهم الصُّبحُ الآتي، أليس هو بقريبٍ لنُزولِ العذابِ بهم؟!

فَلَمَّا جَاء أَمْرُنَا جَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا حِجَارَةً مِّن سِجِّيلٍ مَّنضُودٍ (82)

فلمَّا جاء أمرُنا بهلاكِ قومِ لُوطٍ، جَعَلْنا عاليَ قُراهم أسفَلَها، وأرسَلْنا عليها حِجارةً مِن طينٍ، شديدِ القوَّةِ، قد ضُمَّ بعضُه إلى بعضٍ، فصار حجارةً.

مُّسَوَّمَةً عِندَ رَبِّكَ وَمَا هِيَ مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ (83)

حجارةً مُعلَّمةً عندَ اللهِ بعلاماتٍ، وما هي ببعيدةٍ مِن الظَّالِمينَ الفاعِلينَ مِثلَهم؛ فلْيَحذروا.

وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُواْ اللّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَـهٍ غَيْرُهُ وَلاَ تَنقُصُواْ الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ إِنِّيَ أَرَاكُم بِخَيْرٍ وَإِنِّيَ أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ مُّحِيطٍ (84)

وأرسَلْنا إلى أهلِ مَدينَ أخاهم في النَّسَبِ شُعَيبًا، فقال: يا قومِ اعبُدوا اللهَ وَحْدَه، فلا يستحِقُّ العبادةَ غيرُه، ولا تنقُصوا النَّاسَ حُقوقَهم في الكَيلِ والوَزنِ لهم، إنِّي أراكم في سَعةٍ مِن الرِّزقِ، وكثرةِ نِعَمٍ، وإنِّي أخافُ عليكم بسبَبِ شِركِكم، وبَخسِكم حقوقَ النَّاسِ أن يَنزِلَ بكم عذابُ يومٍ يحيطُ بكم، فلا يُفلِتُ منه أحدٌ.

وَيَا قَوْمِ أَوْفُواْ الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ وَلاَ تَبْخَسُواْ النَّاسَ أَشْيَاءهُمْ وَلاَ تَعْثَوْاْ فِي الأَرْضِ مُفْسِدِينَ (85)

ويا قومِ أتِمُّوا للنَّاسِ حُقوقَهم في الكَيلِ والوَزنِ لهم بالعَدلِ، ولا تَنقُصوا النَّاسَ مِن حُقوقِهم شَيئًا، ولا تَسيروا في الأرض ِبمَعصيةِ اللهِ، والإضرارِ بالخَلقِ.

بَقِيَّةُ اللّهِ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ وَمَا أَنَاْ عَلَيْكُم بِحَفِيظٍ (86)

وما يُبقيه اللهُ لكم بعدَ أن تُوَفُّوا النَّاسَ حُقوقَهم خيرٌ لكم مِن الحرامِ الَّذي تَجمَعونَه بظُلمِ النَّاسِ، إن كنتم مؤمنينَ بما جئتُكم به، وما أنا برقيبٍ عليكم، وليس علَيَّ حِفظُ أعمالِكم.

قَالُواْ يَا شُعَيْبُ أَصَلاَتُكَ تَأْمُرُكَ أَن نَّتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا أَوْ أَن نَّفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا مَا نَشَاء إِنَّكَ لأَنتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ (87)

قال قومُ شُعَيبٍ مُستهزئينَ به: يا شُعيبُ، أصَلاتُك تأمُرُك أن نترُكَ ما يعبُدُ آباؤُنا مِن الأوثانِ والأصنامِ؟! أو نترُكَ فِعلَ ما نريدُ في أموالِنا مِن التَّطفيفِ في الكَيلِ والميزانِ؟! إنَّك لَأنت الحليمُ الرَّشيدُ في أمرِك لنا بتَركِ ذلك -يعنونَ وصفَه بالسَّفَهِ والجَهلِ-.

قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِن كُنتُ عَلَىَ بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّي وَرَزَقَنِي مِنْهُ رِزْقًا حَسَنًا وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ إِنْ أُرِيدُ إِلاَّ الإِصْلاَحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلاَّ بِاللّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ (88)

قال شُعَيبٌ: يا قومِ أخبِروني إن كنتُ على يقينٍ مِن ربي فيما أمَرَني أن أدعوَكم إليه من توحيدِه، وفيما أنهاكم عنه مِن ظُلمِ النَّاسِ، وأعطاني اللهُ مالًا حلالًا طيِّبًا، أفأتَّبِعُ الضَّلالَ؟ وما أريدُ أن أنهاكم عن شيءٍ ثمَّ أفعلَ خِلافَه، ما أُريدُ بنصيحتي إلَّا إصلاحَ أمورِكم، ونَفْعَكم بقَدرِ جُهدِي، وما إصابتي الحَقَّ فيما أريدُه، وتيسُّرُ الخيرِ لي، إلَّا بإعانةِ اللهِ وَحْدَه، على اللهِ اعتمَدتُ، وإليه وَحْدَه أرجِعُ بالتَّوبةِ والطَّاعةِ والدُّعاءِ.

وَيَا قَوْمِ لاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شِقَاقِي أَن يُصِيبَكُم مِّثْلُ مَا أَصَابَ قَوْمَ نُوحٍ أَوْ قَوْمَ هُودٍ أَوْ قَوْمَ صَالِحٍ وَمَا قَوْمُ لُوطٍ مِّنكُم بِبَعِيدٍ (89)

ويا قومِ لا تحمِلَنَّكم مُخالفتي في ديني، وبُغضُكم لي، على الإصرارِ على الكُفرِ، وظُلمِ النَّاسِ، فيُصيبَكم مِن عذابِ اللهِ مِثلُ ما أصاب مَنْ قبلَكم بالغرَقِ، أو الرِّيحِ، أو الرَّجفةِ، وما قومُ لوطٍ منكم ببعيدٍ مكانُهم أو زمانُهم.

وَاسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُواْ إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي رَحِيمٌ وَدُودٌ (90)

واطلبوا مغفرةَ ذنوبِكم من ربِّكم، ثمَّ توبُوا إليه، إنَّ ربِّي رحيمٌ بمن تاب إليه، محِبٌّ لعبادِه التَّائبينَ.

قَالُواْ يَا شُعَيْبُ مَا نَفْقَهُ كَثِيرًا مِّمَّا تَقُولُ وَإِنَّا لَنَرَاكَ فِينَا ضَعِيفًا وَلَوْلاَ رَهْطُكَ لَرَجَمْنَاكَ وَمَا أَنتَ عَلَيْنَا بِعَزِيزٍ (91)

قال قومُ شُعَيبٍ: يا شُعَيبُ لا نفهَمُ كثيرًا ممَّا تَعِظُنا به، ولا نرى لك قُوَّةً تقدِرُ بها على منعِ نفْسِك مِنَّا، ولولا معَزَّتُنا لِعَشيرتِك لَرجمناك، ولا مَعَزَّةَ لك عندَنا ولا قدْرَ

قَالَ يَا قَوْمِ أَرَهْطِي أَعَزُّ عَلَيْكُم مِّنَ اللّهِ وَاتَّخَذْتُمُوهُ وَرَاءكُمْ ظِهْرِيًّا إِنَّ رَبِّي بِمَا تَعْمَلُونَ مُحِيطٌ (92)

قال شعيبٌ: يا قومِ أعشيرتي أعَزُّ عليكم من الله، فتركتُم رجمي لأجلِهم وليس لله عزَّ وجلَّ؟! وجعلتُمُوه خلْفَ ظُهورِكم، لا تخافونَ منه، ولا تعَظِّمونَه! إنَّ ربِّي مُحيطٌ عِلمًا بأعمالِكم، وسيُجازيكم عليها.

وَيَا قَوْمِ اعْمَلُواْ عَلَى مَكَانَتِكُمْ إِنِّي عَامِلٌ سَوْفَ تَعْلَمُونَ مَن يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ وَمَنْ هُوَ كَاذِبٌ وَارْتَقِبُواْ إِنِّي مَعَكُمْ رَقِيبٌ (93)

ويا قومِ، اعمَلوا على طريقتِكم الَّتي أنتم عليها، إنِّي عامِلٌ على طريقتي، وسوفَ تعلمونَ مَن يأتيه عذابٌ مِن اللهِ يُذِلُّه، ومَن هو كاذِبٌ منَّا؟ وانتَظِروا نزولَ العذابِ، إنِّي معكم مُنتَظِرٌ.

وَلَمَّا جَاء أَمْرُنَا نَجَّيْنَا شُعَيْبًا وَالَّذِينَ آمَنُواْ مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مَّنَّا وَأَخَذَتِ الَّذِينَ ظَلَمُواْ الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُواْ فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ (94)

ولَمَّا أتى عذابُنا نجَّينا شُعَيبًا والمؤمنينَ معه برحمةٍ منَّا لهم، وأصابت الصَّيحةُ الَّذين ظَلَموا أنفُسَهم بالكُفرِ، فصاروا في بَلدَتِهم صَرْعَى، لاصِقينَ بالأرضِ.

كَأَن لَّمْ يَغْنَوْاْ فِيهَا أَلاَ بُعْدًا لِّمَدْيَنَ كَمَا بَعِدَتْ ثَمُودُ (95)

كأنَّ قومَ شُعَيبٍ لَمَّا جاءهم العذابُ لم يعيشُوا ويتمتَّعوا في ديارِهم، ألا أبعدَ اللهُ مَدْيَنَ مِن رحمتِه، كما بَعِدَت ثمودُ مِن قَبلِهم.

وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا وَسُلْطَانٍ مُّبِينٍ (96)

ولقد أرسَلْنا موسى بمُعجِزاتِنا، وبحُجَّةٍ ظاهرةٍ.

إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ فَاتَّبَعُواْ أَمْرَ فِرْعَوْنَ وَمَا أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ (97)

أرسَلْناه إلى فِرعونَ وأشرافِ قَومِه، فاتَّبعوا مَنهجَ فِرعونَ في الضَّلالِ، وما مَنهَجُه بصَوابٍ يَهدي إلى الحقِّ.

يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ وَبِئْسَ الْوِرْدُ الْمَوْرُودُ (98)

يتقدَّمُ فِرعونُ قَومَه يومَ القيامةِ، فيَمضي بهم إلى النَّارِ فيَدخُلونَها معه، وبئسَ المَدخَلُ الَّذي يدخُلونَه!

وَأُتْبِعُواْ فِي هَـذِهِ لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ بِئْسَ الرِّفْدُ الْمَرْفُودُ (99)

وأتْبَعَهم اللهُ في هذه الدُّنيا -مع غَرقِهم في البحرِ- لعنةً، ويُلعَنونَ يومَ القيامةِ لَعنةً أخرى، فبئسَ ما اجتمع عليهم؛ من اللَّعنِ!

ذَلِكَ مِنْ أَنبَاء الْقُرَى نَقُصُّهُ عَلَيْكَ مِنْهَا قَآئِمٌ وَحَصِيدٌ (100)

ذلك الَّذي ذكرناه في هذه السُّورةِ مِن أخبارِ القُرى الَّتي أهلَكْنا أهلَها نَقُصُّهُ عَلَيكَ -يا محمَّدُ-، ومِنها قُرًى عامِرٌ بُنيانُها، ومنها خَرابٌ تهدَّمَ بُنيانُها.

وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَـكِن ظَلَمُواْ أَنفُسَهُمْ فَمَا أَغْنَتْ عَنْهُمْ آلِهَتُهُمُ الَّتِي يَدْعُونَ مِن دُونِ اللّهِ مِن شَيْءٍ لِّمَّا جَاء أَمْرُ رَبِّكَ وَمَا زَادُوهُمْ غَيْرَ تَتْبِيبٍ (101)

وما ظَلَمْنا أهلَ تلك القُرى حينَ أهلَكْناهم، ولكنْ ظَلَموا أنفُسَهم بالكُفرِ والمعاصي فاستحَقُّوا العِقابَ، فما نفعَتْهم آلهتُهم، ولم تدفَعْ عنهم عذابَ اللهِ، وما زادتهم غيرَ تخسيرٍ وإهلاكٍ وتدميرٍ.

وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ (102)

وكذلك يُهلك اللهُ الظَّالِمينَ لأنفُسِهم بالكُفرِ والمعاصي، إنَّ عِقابَ اللهِ لهم مُوجِعٌ، شديدُ الإيلامِ.

إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِّمَنْ خَافَ عَذَابَ الآخِرَةِ ذَلِكَ يَوْمٌ مَّجْمُوعٌ لَّهُ النَّاسُ وَذَلِكَ يَوْمٌ مَّشْهُودٌ (103)

إنَّ في إهلاكِ اللهِ للظَّالِمينَ لدلالةً لِمَن يخافُ عذابَ اللهِ في اليومِ الآخِرِ، إنَّ ذلك يومٌ يَجمَعُ اللهُ فيه النَّاسِ؛ ليُجازيَهم بأعمالِهم، وهو يومٌ يشهَدُه جميعُ الخلائقِ.

وَمَا نُؤَخِّرُهُ إِلاَّ لأَجَلٍ مَّعْدُودٍ (104)

وما نؤخِّرُ مجيءَ يومِ القيامةِ إلَّا لوقتٍ مُحدَّدٍ معدودٍ عندَ الله.

يَوْمَ يَأْتِ لاَ تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلاَّ بِإِذْنِهِ فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ (105)

حينَ يأتي يومُ القيامةِ لا تتكلَّمُ أيُّ نفْسٍ إلَّا من أذِنَ اللهُ لها، والنَّاسُ فيه على صِنفين: أشقياءُ، وسُعَداءُ.

فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُواْ فَفِي النَّارِ لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ (106)

فأمَّا الأشقياءُ، فمُنغَمِسونَ في النَّارِ، لهم فيها زفيرٌ قبيحٌ يخرجُ مِن حُلوقِهم، وشَهيقٌ شديدٌ في صُدورِهم؛ مِن شِدَّةِ عذابِهم!

خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ إِلاَّ مَا شَاء رَبُّكَ إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِّمَا يُرِيدُ (107)

لابِثينَ في النَّارِ أبدًا، إلَّا مَا شاء ربُّك -يا محمَّدُ-، إنَّ ربَّك لا يمنَعُه مانِعٌ مِن فِعلِ ما يُريدُه، بما تقتَضيه حِكمتُه سُبحانَه.

وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُواْ فَفِي الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ إِلاَّ مَا شَاء رَبُّكَ عَطَاء غَيْرَ مَجْذُوذٍ (108)

وأمَّا الَّذين رُزِقُوا السَّعادةَ، فهم في الجنَّةِ لابِثينَ فيها أبدًا، إلَّا مَا شاء ربُّك -يا مُحمَّدُ-، عطاءً مِن اللهِ غيرَ مَقطوعٍ عنهم.

فَلاَ تَكُ فِي مِرْيَةٍ مِّمَّا يَعْبُدُ هَـؤُلاء مَا يَعْبُدُونَ إِلاَّ كَمَا يَعْبُدُ آبَاؤُهُم مِّن قَبْلُ وَإِنَّا لَمُوَفُّوهُمْ نَصِيبَهُمْ غَيْرَ مَنقُوصٍ (109)

فلا تشُكَّ -يا مُحمَّدُ- في أنَّ ما يعبُدُه مُشرِكو قومِك مِن الأصنامِ باطلٌ، وهم يقلِّدونَ آباءَهم في ذلك بلا حُجَّةٍ، وإنَّا سنُوفِّيهم حظَّهم ممَّا كُتِبَ لهم مِن الخيرِ في الدُّنيا، وحَظَّهم مِن العذابِ في الآخرةِ كاملًا بلا نقصٍ

وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ فَاخْتُلِفَ فِيهِ وَلَوْلاَ كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَّبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّهُمْ لَفِي شَكٍّ مِّنْهُ مُرِيبٍ (110)

ولقد آتَيْنا موسَى التَّوراةَ، فآمَنَ بها بعضُ قومِه، وكفرَ بها آخَرون، ولولا كَلِمةٌ سبَقَت مِن ربِّك بتأخيرِ عذابِهم، لَأهلَكَهم في الحالِ، وميَّز أهل الحَقِّ عنهم بنَجاتِهم، وإنَّ المختلفين بالباطلِ في التوراةِ لَفي شكٍّ مثيرٍ للرِّيبةِ، فلا يَدرونَ أحقٌّ هي أمْ باطِلٌ!

وَإِنَّ كُـلاًّ لَّمَّا لَيُوَفِّيَنَّهُمْ رَبُّكَ أَعْمَالَهُمْ إِنَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (111)

وإنَّ كلَّ المُختَلِفينَ سيُوفِّيهم ربُّك -يا محمَّدُ- جزاءَ أعمالِهم يومَ القيامةِ، إنَّ اللهَ عليمٌ بها كُلِّها.

فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَن تَابَ مَعَكَ وَلاَ تَطْغَوْاْ إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (112)

فاثبُتْ -يا محمَّدُ- على الدِّينِ الَّذي أمَرَك اللهُ به أنت والمؤمنينَ معك، ولا تتَجاوَزوا ما حدَّه اللهُ لكم من الاستقامةِ إلى ما نهاكم عنه، إنَّ اللهَ بما تَعملونَ بصيرٌ، لا يخفَى عليه شيءٌ مِن أعمالِكم، وسيُجازيكم عليها.

وَلاَ تَرْكَنُواْ إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُواْ فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُم مِّن دُونِ اللّهِ مِنْ أَوْلِيَاء ثُمَّ لاَ تُنصَرُونَ (113)

ولا تَميلوا -أيُّها النَّاسُ- إلى الظَّلَمةِ؛ فإن فعلتُم، ووافقتُموهم على أفعالِهم ورضيتُم بها، وداهنتُموهم؛ تُصِبْكم النَّارُ، ولا تَجِدونَ أعوانًا مِن دونِ اللهِ يَنفعونَكم، ولا مَن يُخلِّصُكم مِن عذابِه.

وَأَقِمِ الصَّلاَةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِّنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّـيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ (114)

وأقمِ الصَّلاةَ المفروضةَ، في أوَّلِ النهارِ وآخِرِه، وهي صلاةُ الفَجرِ والظُّهرِ والعصرِ، وأقمِ الصَّلاةَ في ساعاتٍ مِن اللَّيلِ، وهي صلاةُ المغربِ والعِشاءِ، إنَّ الأعمالَ الصَّالحةَ مِن الصَّلاةِ وغَيرِها تُكفِّرُ صغائِرَ الذُّنوبِ، ذلك -الَّذي تقدَّمَ ممَّا أمَرَكم اللهُ به ونهاكم عنه- تذكِرةٌ للَّذين يَذكُرونَ اللهَ، ويذكُرونَ وَعْدَه ووعيدَه.

وَاصْبِرْ فَإِنَّ اللّهَ لاَ يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ (115)

واحبِسْ نفْسَك على طاعةِ اللهِ، وتَرْكِ مَعصيتِه، وتحمُّلِ أذى الكفَّارِ؛ فإنَّ اللهَ يُعطي المحسنين ثوابَهم كاملًا.

فَلَوْلاَ كَانَ مِنَ الْقُرُونِ مِن قَبْلِكُمْ أُوْلُواْ بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسَادِ فِي الأَرْضِ إِلاَّ قَلِيلاً مِّمَّنْ أَنجَيْنَا مِنْهُمْ وَاتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُواْ مَا أُتْرِفُواْ فِيهِ وَكَانُواْ مُجْرِمِينَ (116)

فهلَّا وُجِدَ مِن أهلِ القُرونِ الَّذين أهلَكْناهم بقايا مِن أصحابِ العُقولِ والإيمانِ، يَنهَونَ النَّاسَ عن الكُفرِ والمعاصي؟ لكنَّ من كانوا يَنهَونَ عن ذلك قليلٌ، وهم أتْباعُ الرُّسُلِ الَّذين أنجاهم اللهُ تعالى، وأما الَّذين ظَلَموا أنفُسَهم فإنهم انقادوا للذَّاتِ الدُّنيا، وكانوا مُجرمينَ باكتسابِ الكُفرِ والمعاصي، فاستحَقُّوا عِقابَ اللهِ.

وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ (117)

وما كان ربُّك -يا محمَّدُ- ليُهلكَ أهلَ القُرى ظلمًا منه لهم، والحالُ أنَّهم مُصلِحونَ؛ فاللهُ تعالى لم يُهلِكْ قَريةً إلَّا وهي ظالِمةٌ لنَفْسِها.

وَلَوْ شَاء رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلاَ يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ (118)

ولو شاء ربُّك -يا محمَّدُ- لجعل النَّاسِ على مِلَّةٍ واحدةٍ، ولا يزالُون مُختَلِفينَ في أديانِهم ومذاهِبِهم.

إِلاَّ مَن رَّحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لأَمْلأنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ (119)

إلَّا مَن رَحِمَهم اللهُ، فهداهم إلى الحقِّ؛ فإنَّهم لا يختَلِفونَ فيما جاءهم مِن عندِ ربِّهم، وللاختلافِ خلَقهم حيثُ اقتضت حِكمةُ اللهِ عزَّ وجلَّ اختلافَ الناسِ بين منكرٍ للحقِّ باختياره فيَشقَى بذلك، ومتبعٍ له باختياره فيَسعدُ بذلك- وقد تمَّ أمرُ اللهِ ونفَذَ قضاؤُه بما سبقَ في عِلمِه لَيَمْلأنَّ جهنَّمَ ممَّن يَستَحِقُّها مِن الجِنِّ والإنسِ أجمَعينَ.

وَكُـلاًّ نَّقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنبَاء الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ وَجَاءكَ فِي هَـذِهِ الْحَقُّ وَمَوْعِظَةٌ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ (120)

ونَقُصُّ عليك -يا مُحمَّدُ- مِن أخبارِ الرُّسُلِ؛ ما نُثَبِّتُ به قَلبَك، فتَزدادُ إيمانًا ويقينًا وصبرًا على تكذيبِ قَومِك، وجاءك في هذه السُّورةِ الحَقُّ الَّذي لا شَكَّ فيه، ومَوعِظةٌ مِن اللهِ للاحتراس من أسباب العقوباتِ الإلهيةِ، وتذكيرٌ لهم.

وَقُل لِّلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ اعْمَلُواْ عَلَى مَكَانَتِكُمْ إِنَّا عَامِلُونَ (121)

وقُلْ -يا محمَّدُ- للَّذين لا يُقِرُّونَ بتوحيدِ اللهِ، ولا يُصدِّقونَك: اعمَلوا على طَريقتِكم وحالتِكم الَّتي أنتم عليها، متمَكِّنينَ مِن العمَلِ الَّذي تعملونَه، إنَّا مُستَمِرُّونَ على العمَلِ بمَنهجِنا الَّذي أمَرَنا اللهُ به.

وَانتَظِرُوا إِنَّا مُنتَظِرُونَ (122)

وانتَظِروا ما يحُلُّ بنا مِن رحمةِ اللهِ، إنَّا مُنتَظِرونَ ما وعدَنا اللهُ مِن عُقوبتِكم.

وَلِلّهِ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الأَمْرُ كُلُّهُ فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (123)

ولله مُلكُ ما غاب عن عبادِه في السَّمواتِ والأرضِ، وهو العالمُ بكُلِّ ما فيهما مِن الخَفايا، وإلى الله وَحْدَه مَرجِعُ كُلِّ عاملٍ وعَمَلِه، فيُجازيهم عليها، فاعبُدِ اللهَ وَحْدَه -يا محمَّدُ- وفوِّضْ إليه أمورك، وما ربُّك بغافلٍ عمَّا تَعملونَ، وسيُجازي كلَّ واحدٍ بعَمَلِه.

يوسف

الر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ (1).

هذه الحروفُ المقطَّعةُ الَّتي افتُتِحَت بها هذه السُّورةُ وغيرُها، تأتي لبيانِ إعجازِ القُرآنِ؛ حيثُ تُظهِرُ عجْزَ الخَلقِ عن مُعارَضتِه بمثلِه، مع أنَّه مركَّبٌ مِن هذه الحروفِ العربيَّةِ الَّتي يتحدَّثون بها. هذه آياتُ القُرآنِ الواضِحِ مِن جهةِ أحكامِه، وألفاظِه، وسائِرِ ما حَواهُ مِنْ صُنوفِ مَعانيه، البَيِّنِ صِدْقُه، الَّذي يُفصِحُ عمَّا أُبْهِم ويُبَيِّنُه.

إِنَّا أَنزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (2).

إنَّا أنزَلْناه كِتابًا يُقرَأُ بلُغَتِكم -أيُّها العربُ- كي تعلَموا وتفهَموا مَعانيَه

نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَـذَا الْقُرْآنَ وَإِن كُنتَ مِن قَبْلِهِ لَمِنَ الْغَافِلِينَ (3).

نحن نقُصُّ عليك -يا محمَّدُ- أحسَنَ أخبارِ الأُمَمِ الماضيةِ؛ بإيحائِنا إليك هذا القرآنَ، والشَّأنُ أنَّك كنتَ مِن قبلِ أن نوحيَ إليك هذا القُرآنَ، مِن جملةِ قَومِك الَّذين لا عِلْمَ لهم بما في القُرآنِ؛ من الإيمانِ والهُدَى، وأخبارِ الأنبياءِ والأُمَمِ الماضيةِ.

إِذْ قَالَ يُوسُفُ لأَبِيهِ يَا أَبتِ إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ (4).

اذكُرْ -يا محمَّدُ- لقَومِك حينَ قال يوسُفُ لأبيه يعقوبَ: يا أبتِ، إنِّي رأيتُ في المنامِ أحَدَ عشَرَ نَجمًا، والشَّمسَ والقمَرَ، رأيتُهم ساجدينَ لي.

قَالَ يَا بُنَيَّ لاَ تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَى إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُواْ لَكَ كَيْدًا إِنَّ الشَّيْطَانَ لِلإِنسَانِ عَدُوٌّ مُّبِينٌ (5).

قال يعقوبُ لابنه يوسُفَ: يا بُنيَّ لا تَقصُصْ هذه الرُّؤيا على إخوتِك، فيَحسُدوك، ويَحتالوا لك حيلةً ليَضُرُّوك، إنَّ الشَّيطانَ لآدَمَ وذُرِّيَّتِه عدوٌّ ظاهِرُ العَداوةِ، يَحمِلُهم على الحسَدِ والكَيدِ.

وَكَذَلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ وَيُعَلِّمُكَ مِن تَأْوِيلِ الأَحَادِيثِ وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَعَلَى آلِ يَعْقُوبَ كَمَا أَتَمَّهَا عَلَى أَبَوَيْكَ مِن قَبْلُ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَقَ إِنَّ رَبَّكَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (6).

قال يعقوبُ لابنِه يوسُفَ: وكما أراك ربُّك في منامِك هذه الرُّؤيا، فكذلك يَختارُك ربُّك، ويَصطفيك للنُّبُوَّةِ، ويُعلِّمُك مِن تعبيرِ الرُّؤى الَّتي يراها النَّاسُ في مَنامِهم، وما يؤولُ أمرُها إليه، ومِن معاني كتُبِ الله وسُنَنِ الأنبياءِ، ويُتِمُّ نِعمَتَه عليك في الدُّنيا والآخرةِ، وعلى أهلِ مِلَّةِ يعقوبَ مِن ذرِّيَّتِه وغيرِهم، كما أتمَّ نِعمَتَه مِن قبلِ ذلك على أبوَيك إبراهيمَ وإسحاقَ بالنِّعَم العظيمةِ في دِينِهم ودُنياهم، إنَّ ربَّك عليمٌ بكُلِّ شَيءٍ، ومِن ذلك عِلمُه بمَنْ هو أهلٌ للاجتباءِ والنِّعمةِ، حَكيمٌ يضَعُ كلَّ شَيءٍ في مَوضِعِه اللَّائِقِ به، ومِن ذلك حِكمتُه في تدبيرِ خَلْقِه.

لَّقَدْ كَانَ فِي يُوسُفَ وَإِخْوَتِهِ آيَاتٌ لِّلسَّائِلِينَ (7).

لقد كان في قِصَّةِ يوسُفَ وإخوتِه الأحدَ عشَرَ عِبَرٌ ومواعِظُ ودَلالاتٌ للسَّائلينَ عن خَبَرِهم وقِصَّتِهم.

إِذْ قَالُواْ لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحَبُّ إِلَى أَبِينَا مِنَّا وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّ أَبَانَا لَفِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ (8).

اذكُرْ -يا مُحمَّدُ- حينَ قال إخوةُ يوسُفَ فيما بيْنَهم: واللهِ لَيوسُفُ وشَقيقُه أحَبُّ إلى أبينا يعقوبَ مِنَّا، والحالُ أنَّنا جماعةٌ ذَوو عَددٍ، فكيف أحبَّ هذينِ الاثنينِ أكثرَ مِن الجماعةِ؟! إنَّ أبانا لَفي خطأٍ واضحٍ، وذَهابٍ عن العِلمِ بالحقيقةِ والصَّوابِ في إيثارِه يوسُفَ وشقيقِه علينا بالمحبَّةِ، ونحن العَشرةُ أنفَعُ له منهما!

اقْتُلُواْ يُوسُفَ أَوِ اطْرَحُوهُ أَرْضًا يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ وَتَكُونُواْ مِن بَعْدِهِ قَوْمًا صَالِحِينَ (9).

قال إخوةُ يوسُفَ بعضُهم لبعضٍ: اقتُلوا يوسُفَ أو ألقُوه في أرضٍ بعيدةٍ مِن العُمرانِ، يتفَرَّغْ لكم أبوكم مِن شُغْلِه بيوسُفَ، ويُقبِلْ عليكم بكُلِّيَّتِه، وتكونوا مِن بعدِ ما تفعلونَه بيوسُفَ قومًا صالحينَ، تتوبونَ إلى اللهِ مِن ذلك الصَّنيعِ.

قَالَ قَآئِلٌ مَّنْهُمْ لاَ تَقْتُلُواْ يُوسُفَ وَأَلْقُوهُ فِي غَيَابَةِ الْجُبِّ يَلْتَقِطْهُ بَعْضُ السَّيَّارَةِ إِن كُنتُمْ فَاعِلِينَ (10).

قال قائلٌ مِن إخوةِ يوسُفَ: لا تقتُلوا يوسُفَ؛ فإنَّ قَتلَه أعظَمُ إثمًا، واطرَحوه وغيِّبوه في قَعرِ البِئرِ، يأخُذْه بعضُ المارَّةِ في الطَّريقِ مِن المُسافرينَ، إن كُنتُم فاعلينَ ما أردتُم مِن التَّفريقِ بيْنَه وبيْن أبيه.

قَالُواْ يَا أَبَانَا مَا لَكَ لاَ تَأْمَنَّا عَلَى يُوسُفَ وَإِنَّا لَهُ لَنَاصِحُونَ (11).

قال إخوةُ يوسُفَ لأبيهم يعقوبَ عليه السَّلامُ، وقد عزموا على إلقاءِ يوسُفَ في قَعرِ البِئرِ: يا أبانا، لِمَ تخافُ منَّا على يوسُفَ، فلا تأمَنُنا عليه؟! وإنَّا لناصِحونَ له بالحِفظِ والرِّعايةِ والنَّفعِ له.

أَرْسِلْهُ مَعَنَا غَدًا يَرْتَعْ وَيَلْعَبْ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ (12).

ابعَثْه معَنا غدًا يأكُلْ ويَلْهُ، ويتنَزَّهْ في البرِّيَّةِ، وينشَطْ ويلعَبْ، وإنَّا لحافِظونَ ليوسُفَ، وسنَحميه مِن أن ينالَه مَكروهٌ أو أذًى.

قَالَ إِنِّي لَيَحْزُنُنِي أَن تَذْهَبُواْ بِهِ وَأَخَافُ أَن يَأْكُلَهُ الذِّئْبُ وَأَنتُمْ عَنْهُ غَافِلُونَ (13).

قال يعقوبُ لأولادِه: إنِّي ليَحزُنُني ذَهابُكم بيوسُفَ إلى البَرِّيَّةِ، ويشُقُّ علَيَّ غيابُه عنِّي، وأخافُ أن يأكُلَه الذِّئبُ، وأنتم مَشغولونَ عنه، لا تَشعرونَ بذلك.

قَالُواْ لَئِنْ أَكَلَهُ الذِّئْبُ وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّا إِذًا لَّخَاسِرُونَ (14).

قالوا لأبيهم: لَئِن أكلَ الذِّئبُ يوسُفَ، والحالُ أنَّنا جماعةٌ معه، ولم نستَطِعْ حِفظَه من الذِّئبِ- إنَّا إذًا لعَجَزةٌ هالِكونَ، لا خيرَ فينا، ولا نفعَ منَّا!

فَلَمَّا ذَهَبُواْ بِهِ وَأَجْمَعُواْ أَن يَجْعَلُوهُ فِي غَيَابَةِ الْجُبِّ وَأَوْحَيْنَآ إِلَيْهِ لَتُنَبِّئَنَّهُم بِأَمْرِهِمْ هَـذَا وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ (15).

فلما ذهب إخوةُ يوسُفَ به مِن عندِ أبيه، وأجمعوا رأيَهم وعزَموا على أن يُلقوه في قَعرِ البئرِ، قاموا بفعلِ ذلك، وأوحَينا إلى يوسُفَ لتُخبِرَنَّهم بفِعلِهم هذا الَّذي فعَلوه بك، وهم في حالٍ لا يعلمونَ فيها أنَّك أخوهم يوسُفُ.

وَجَاؤُواْ أَبَاهُمْ عِشَاء يَبْكُونَ (16).

وجاء إخوةُ يوسُفَ -بعدَما ألقَوه في غيابةِ الجُبِّ- أباهم يعقوبَ في ظُلمةِ اللَّيلِ يتباكَونَ على يوسُفَ.

قَالُواْ يَا أَبَانَا إِنَّا ذَهَبْنَا نَسْتَبِقُ وَتَرَكْنَا يُوسُفَ عِندَ مَتَاعِنَا فَأَكَلَهُ الذِّئْبُ وَمَا أَنتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ (17).

قالوا مُعتَذرينَ كَذِبًا لأبيهم: يا أبانا إنَّا ذَهَبْنا نتسابَقُ، وترَكْنا يوسُفَ عندَ أمتِعَتِنا، فأكَلَه الذِّئبُ، ونحن غائبونَ عنه، وما أنت بمُقِرٍّ ومُصَدِّقٍ لقَولِنا هذا، ولو كنَّا عندَك مِن أهلِ الصِّدقِ؛ لسوءِ ظَنِّكَ بنا، وتُهمتِكَ لنا.

وَجَآؤُوا عَلَى قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنفُسُكُمْ أَمْرًا فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ (18).

وأتَوا بقَميصِ يوسُفَ مُتلَطِّخًا بدَمٍ مكذوبٍ، يزعُمونَ أنَّه دمُ يوسُفَ حينَ أكَلَه الذِّئبُ، قال يعقوبُ: ليس الأمرُ كما ادَّعيتُم، بل زيَّنَت لكم أنفُسُكم أمرًا في شأنِ يوسُفَ غيرَ ما تَصِفونَ، فصَبري على ما فعَلْتُم بيوسُفَ صبرٌ جَميلٌ، لا جزعَ فيه، ولا شكوَى إلى الخَلقِ، وباللهِ أستعينُ على ما تذكُرونَ مِن الكَذِبِ.

وَجَاءتْ سَيَّارَةٌ فَأَرْسَلُواْ وَارِدَهُمْ فَأَدْلَى دَلْوَهُ قَالَ يَا بُشْرَى هَـذَا غُلاَمٌ وَأَسَرُّوهُ بِضَاعَةً وَاللّهُ عَلِيمٌ بِمَا يَعْمَلُونَ (19).

وجاءت جَماعةٌ مارَّةٌ في الطَّريقِ مِن المُسافرينَ، فأرسلوا مُقدَّمَهم الَّذي يَرِدُ الماءَ ليَسْتَقيَ لهم، فأرسلَ دَلوَه في البئرِ ليَملأَها، فتعلَّقَ يوسُفُ بالدَّلوِ وخرَج، قال واردُهم حينَ رأى يوسُفَ: أبْشِروا، هذا غُلامٌ، وأخْفَى السَّيَّارةُ أمْرَ يوسُفَ، وجعَلوه بِضاعةً مِن جُملةِ تجارتِهم، وعزَمُوا على بيعِه، واللهُ عليمٌ بما يعمَلُون بيوسُفَ، لا يخفَى عليه شيءٌ من ذلك.

وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ دَرَاهِمَ مَعْدُودَةٍ وَكَانُواْ فِيهِ مِنَ الزَّاهِدِينَ (20).

وباع السَّيَّارةُ يوسُفَ بثَمَنٍ منقوصٍ؛ دراهِمَ قليلةٍ مَعدودةٍ غيرِ وافيةٍ، وكان السَّيَّارةُ في يوسُفَ مِن الرَّاغبينَ عنه.

وَقَالَ الَّذِي اشْتَرَاهُ مِن مِّصْرَ لاِمْرَأَتِهِ أَكْرِمِي مَثْوَاهُ عَسَى أَن يَنفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا وَكَذَلِكَ مَكَّنِّا لِيُوسُفَ فِي الأَرْضِ وَلِنُعَلِّمَهُ مِن تَأْوِيلِ الأَحَادِيثِ وَاللّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَـكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ (21).

وقال الَّذي اشترى يوسُفَ مِن بائِعِه بمِصرَ لامرأتِه: أكرمي مَنزِلَه ومُقامَه عِندَك، عسى أن يَكفيَنا بعضَ أمورِنا، أو نجعَلَه ولدًا لنا بالتَّبَنِّي. وكما أنقَذْنا يوسُفَ مِن إخوتِه، وأخرَجْناه مِن الجُبِّ، وصيَّرناه إلى الكَرامةِ والمَنزِلةِ الرَّفيعةِ عندَ عزيزِ مِصرَ، كذلك مكَّنَّا له في أرضِ مِصرَ، حتَّى بلغ فيها ما بلغَ، ولنُعَلِّمَ يوسُفَ مِن تعبيرِ الرُّؤى -الَّتي يراها النَّاسُ في منامِهم- ومعاني كتُبِ الله، وسُنَنِ الأنبياءِ، واللهُ غالِبٌ على أمرِه، يفعَلُ ما يشاءُ، فلا يُرَدُّ أمرُه ولا يُمانَعُ، ولا يُنازَعُ فيما أرادَه، ولكنَّ أكثَرَ النَّاسِ لا يَعلمونَ أنَّ اللهَ غالِبٌ على أمرِه، وأنَّ تدبيرَ الأمورِ بيَدِه، ولا يَدرُونَ حِكمَتَه في خَلقِه، وتلَطُّفَه لِما أراد سُبحانَه.

وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (22).

ولَمَّا بلغ يوسُفُ مُنتهى شِدَّتِه وقوَّتِه وشَبابِه، واكتمل خَلْقُه وعَقلُه؛ أعطَيناه النُّبوَّةَ والعِلمَ، ومِثلَ ذلك الجزاءِ نَجْزي كلَّ مَن أحْسَن.

وَرَاوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا عَن نَّفْسِهِ وَغَلَّقَتِ الأَبْوَابَ وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ قَالَ مَعَاذَ اللّهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ (23).

ودعتْ امرأةُ العزيزِ يوسفَ -الَّتي هو مقيمٌ في بيتِها، وتحتَ تدبيرِها- إلى نفْسِها، وطلبتْ منه أن يواقعَها، وغلَّقَت جميعَ أبوابِ البَيتِ عليها وعلى يوسُفَ، وقالت له: تعالَ وأقبِلْ إلَيَّ، قال: أعتَصِمُ باللهِ مِن فِعلِ الفاحشةِ الَّتي تَدعينَني إليها؛ إنَّ زوجَكِ سيِّدي، أكرَمَني وأحسنَ إلَيَّ، فلا أقابِلُ مَعروفَه بخيانتِه في أهلِه، إنَّه لا يفوزُ ولا ينجَحُ الظَّالِمونَ الَّذين يفعلونَ ما ليس لهم فِعلُه، وهذا الَّذي تَدعينَني إليه ظُلمٌ وخِيانةٌ لسَيِّدي.

وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا لَوْلا أَن رَّأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاء إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ (24).

ولقد همَّت امرأةُ العزيزِ -هَمَّ عزمٍ- بمُواقَعةِ الفاحِشةِ مع يوسُفَ، وهمَّ يوسُفُ بامرأةِ العزيزِ، وكان همُّه خطرةً عارضةً، وحديثَ نفْسٍ، مِن غيرِ اختيارٍ ولا عزمٍ، لولا أنْ رأى يوسُفُ آيةً مِن اللهِ قَوِيَ بها إيمانُه، وامتنَعَ بسَبَبِها مِن عِصيانِه، لكان ما كان. وقد أرَينا يوسُفَ كتلك الإراءةِ؛ كي نَقِيَه السُّوءَ والفَحشاءَ في جميعِ أمورِه، إنَّ يوسُفَ مِن عبادِنا المُطَهَّرينَ المختارينَ المصطفَيْنَ، الَّذين أخلَصوا لله التَّوحيدَ والعبادةَ.

وَاسُتَبَقَا الْبَابَ وَقَدَّتْ قَمِيصَهُ مِن دُبُرٍ وَأَلْفَيَا سَيِّدَهَا لَدَى الْبَابِ قَالَتْ مَا جَزَاء مَنْ أَرَادَ بِأَهْلِكَ سُوَءًا إِلاَّ أَن يُسْجَنَ أَوْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (25).

واستبقَ يوسُفُ وامرأةُ العزيزِ إلى بابِ البيتِ؛ يوسُفُ يريدُ أنْ يفِرَّ منها، وهي تريدُ منعَه مِن الخروجِ، وأدرَكَت امرأةُ العزيزِ يوسُفَ، فأمسَكَت بقميصِه، وجَذبَته لتَمنَعَه مِن الخروجِ، فشَقَّت قميصَه مِن الخَلفِ؛ مِن شِدَّةِ الجَذبِ، وصادفَ يوسُفُ وامرأةُ العزيزِ زوجَها عندَ البابِ، قالت المرأةُ لِزَوجِها مُتَّهِمةً يوسُفَ بمُراودتِها: ما جزاءُ مَن أراد فِعلَ الفاحِشةِ بزَوجتِك إلَّا أن يُحبَسَ في السِّجنِ، أو يُضرَبَ ضَربًا مُوجِعًا!

قَالَ هِيَ رَاوَدَتْنِي عَن نَّفْسِي وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِّنْ أَهْلِهَا إِن كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِن قُبُلٍ فَصَدَقَتْ وَهُوَ مِنَ الكَاذِبِينَ (26).

قال يوسُفُ للعزيزِ مُدافِعًا عن نفْسِه: لم أُراوِدْ زوجَتَك عن نفْسِها، بل هي مَن طلَبَت منِّي فِعلَ الفاحشةِ، فأبيتُ، وحكَمَ بيْنَ امرأةِ العزيزِ وبين يوسُفَ حاكِمٌ مِن أهلِها لَمَّا اختلفَ قولاهما، قال الشَّاهِدُ: إن كان قميصُ يوسُفَ شُقَّ مِن الأمامِ فصدَقَت في دعواها أنَّ يوسُفَ راودها، وهو مِن الكاذبينَ في دَعواه أنَّها الَّتي راوَدَته، بدليلِ أنَّها دافعتْه عن نفْسِها حتَّى شقَّت قميصَه مِن الأمامِ.

وَإِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِن دُبُرٍ فَكَذَبَتْ وَهُوَ مِن الصَّادِقِينَ (27).

وإن كان قميصُ يوسُفَ شُقَّ مِن الخَلفِ فكَذَبت في دَعواها أنَّ يوسُفَ راودَها، وهو مِن الصَّادقينَ في دعواه أنَّها الَّتي راوَدَته، بدليلِ أنَّه فرَّ منها حينَ راودتْه، فاتَّبعتْه، وجذَبتْ قميصَه حتَّى شقَّته مِن ورائِه.

فَلَمَّا رَأَى قَمِيصَهُ قُدَّ مِن دُبُرٍ قَالَ إِنَّهُ مِن كَيْدِكُنَّ إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ (28).

فلمَّا رأى زوجُ المرأةِ قميصَ يوسُفَ شُقَّ مِن خلفٍ، وتبيَّن له صِدقُه؛ قال لزوجتِه: إنَّ هذا الكَذِبَ الَّذي ادَّعَيتِه على يوسُفَ مِن جملةِ مَكرِكُنَّ وحِيَلِكُنَّ- أيَّتُها النِّساءُ، إنَّ مَكرَكنَّ واحتيالَكنَّ عظيمٌ، شديدُ التَّأثيرِ في النُّفوسِ.

يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هَـذَا وَاسْتَغْفِرِي لِذَنبِكِ إِنَّكِ كُنتِ مِنَ الْخَاطِئِينَ (29).

وقال العزيزُ ليوسُف عليه السَّلامُ: يا يوسُفُ، أعرِضْ عن ذِكرِ ما جرَى منها، ولا تُخبِرْ به أحدًا، وقال لامرأتِه: اطلُبي المَغفِرةَ لذَنبِك الَّذي وقعَ منكِ، مِن مُراودةِ يوسُفَ عن نفْسِه، وخيانةِ زَوجِك، ثمَّ قَذْفِ يوسُفَ بما هو بريءٌ منه؛ إنَّكِ كُنتِ من جملةِ المتعمِّدينَ الوُقوعَ في الخَطايا.

وَقَالَ نِسْوَةٌ فِي الْمَدِينَةِ امْرَأَةُ الْعَزِيزِ تُرَاوِدُ فَتَاهَا عَن نَّفْسِهِ قَدْ شَغَفَهَا حُبًّا إِنَّا لَنَرَاهَا فِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ (30).

وقال نساءٌ في مدينة مِصرَ: امرأةُ العزيزِ ذاتُ القَدرِ الكبيرِ تُراوِدُ غُلامَها عن نفْسِه، وتدعوه إلى مواقَعتِها! قد تمكَّن حُبُّ فتاها مِن قَلبِها، وبلَغ مبلغًا عظيمًا! إنَّا لنرى امرأةَ العزيزِ في خطأٍ واضحٍ في مُراودتِها فتاها، وحُبِّها له.

فَلَمَّا سَمِعَتْ بِمَكْرِهِنَّ أَرْسَلَتْ إِلَيْهِنَّ وَأَعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَأً وَآتَتْ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِّنْهُنَّ سِكِّينًا وَقَالَتِ اخْرُجْ عَلَيْهِنَّ فَلَمَّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ وَقُلْنَ حَاشَ لِلّهِ مَا هَـذَا بَشَرًا إِنْ هَـذَا إِلاَّ مَلَكٌ كَرِيمٌ (31).

فلمَّا سَمِعَت امرأةُ العزيزِ مقالةَ النِّساءِ اللَّاتي تكلَّمْنَ عن مراوَدتِها يوسُفَ، وشِدَّةِ حُبِّها له، أرسلَتْ إليهنَّ تدعوهنَّ إلى بَيتِها؛ لتُضيفَهُنَّ، وهيَّأت لهنَّ مجلِسًا يتَّكِئنَ عليه، مِن الوسائدِ والفُرُشِ، وأعطَتْ كلَّ واحدةٍ مِن النِّساءِ اللَّاتي حَضَرنَ مَجلِسَها سِكِّينًا؛ لتُقَطِّعَ به ما يحتاجُ إلى تقطيعٍ مِن الطَّعامِ، وقالت ليوسُفَ: اخرُجْ على هؤلاءِ النِّسوةِ، فخرَج يوسفُ عليهنَّ، فلمَّا رأى النِّسوةُ يوسُفَ أعظَمْنَ جمالَه، وأجلَلْنَ قَدْرَه، وجَرَحنَ أيديَهنَّ بالسَّكاكينِ، وهُنَّ يَحسَبنَ أنَّهنَّ يُقَطِّعنَ الطَّعامَ؛ لدَهشتِهنَّ بما رأينَ مِن جمالِ يوسُفَ، وقالت النِّسوةُ: مَعاذَ اللهِ، وتنزيهًا له، ما هذا مِن البشَرِ، ما هو إلَّا ملَكٌ مِن الملائكةِ، كريمٌ على اللهِ!

قَالَتْ فَذَلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ وَلَقَدْ رَاوَدتُّهُ عَن نَّفْسِهِ فَاسَتَعْصَمَ وَلَئِنْ لَّمْ يَفْعَلْ مَا آمُرُهُ لَيُسْجَنَنَّ وَلَيَكُونًا مِّنَ الصَّاغِرِينَ (32).

قالت امرأةُ العزيزِ للنِّسوةِ: فهذا الَّذي أصابَكنَّ حينَ نظرتنَّ إليه ما أصابكُنَّ؛ مِن الذُّهولِ وغيابِ العقل، حتَّى قطَّعْتنَّ أيديَكنَّ- هو الفتَى الَّذي لُمتُنَّني في الافتتانِ به، وعيَّرتُموني في مُراودتي له، وحُبِّي إيَّاه! ولقد راوَدْتُ يوسُفَ عن نَفسِه فدَعوتُه إلى الفاحشةِ، فامتنَعَ، ولَئِن لم يفعَلْ يوسُفُ ما آمُرُه به ليُلقَيَنَّ في السِّجنِ، ولَيكونَنْ مِن الأذلَّاءِ المُهانِينَ.

قَالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ وَإِلاَّ تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُن مِّنَ الْجَاهِلِينَ (33).

قال يوسُفُ مُتضَرِّعًا إلى الله: يا ربِّ، دُخولي السِّجنَ، وتحمُّلُ مَشاقِّه أفضَلُ لدَيَّ وأهوَنُ ممَّا يَدعونَني إليه أولئك النِّسوةِ مِن ارتكابِ الفاحِشةِ، وإنْ لم تدفَعْ عنِّي كيدَهنَّ أمِلْ إليهنَّ لضَعفي، وأُتابِعْهنَّ على ما يُرِدْنَ منِّي، وأكُنْ مِن الجاهلينَ بحقِّك، المُخالِفينَ لأمرِك ونَهيِك، فاعصِمْني، ولا تَكِلْني إلى نَفْسي.

فَاسْتَجَابَ لَهُ رَبُّهُ فَصَرَفَ عَنْهُ كَيْدَهُنَّ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (34).

فاستجاب اللهُ ليوسُفَ دُعاءَه، فدفع عنه ما أرادَت منه امرأةُ العزيزِ وصواحِباتُها مِن معصيةِ الله، إنَّ اللهَ هو السَّميعُ لدُعاءِ يوسُفَ حينَ دعاه، ويسمَعُ كُلَّ داعٍ مِن خَلقِه، العليمُ بمَكرِ النِّسوةِ، وبنِيَّةِ يوسُفَ وحاجتِه وبما يُصلِحُه، ويعلمُ جميعَ أحوالِ عبادِه.

ثُمَّ بَدَا لَهُم مِّن بَعْدِ مَا رَأَوُاْ الآيَاتِ لَيَسْجُنُنَّهُ حَتَّى حِينٍ (35).

ثمَّ ظهَر للعزيزِ وأصحابِه مِن بعدِ ما رأَوُا الأدلَّةَ المُبَرِّئةَ ليوسُفَ أنَّ المصلَحةَ في إيداعِه السِّجنَ مدَّةً مِن الزَّمَنِ.

وَدَخَلَ مَعَهُ السِّجْنَ فَتَيَانَ قَالَ أَحَدُهُمَآ إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْرًا وَقَالَ الآخَرُ إِنِّي أَرَانِي أَحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِي خُبْزًا تَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْهُ نَبِّئْنَا بِتَأْوِيلِهِ إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ (36).

فسَجَنوا يوسُفَ، ودخل معه السِّجنَ شابَّانِ، قال أحدُ الشَّابَّينِ ليوسُفَ: إنِّي رأيتُ في المنامِ أنِّي أعصِرُ عِنبًا، وقال الشَّابُّ الآخَرُ: إنِّي رأيتُ في المنامِ أنِّي أحمِلُ على رأسي خُبزًا تنهَشُ الطَّيرُ منه، أخبِرْنا بتفسيرِ ما رَأينا في منامِنا، إنَّا نراك مِن المُحسِنينَ، فأحسِنْ إلينا بتعبيرِ رُؤيانا.

قَالَ لاَ يَأْتِيكُمَا طَعَامٌ تُرْزَقَانِهِ إِلاَّ نَبَّأْتُكُمَا بِتَأْوِيلِهِ قَبْلَ أَن يَأْتِيكُمَا ذَلِكُمَا مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّي إِنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لاَّ يُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَهُم بِالآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ (37).

قال يوسُفُ للشَّابَّينِ: لا تريانِ في مَنامِكما طعامًا يأتيكما إلَّا أخبرتُكما بتعبيرِه في اليَقَظةِ قبلَ أن يقعَ، هذا العِلمُ بتعبيرِ الرُّؤى ممَّا علَّمَني ربِّي، إنِّي تبرَّأتُ مِن مِلَّةِ الكُفَّارِ الَّذين لا يؤمِنونَ بالله وبوَحدانيَّتِه، ولا يُقِرُّونَ بالبعثِ ولا بالثَّوابِ والعِقابِ يومَ الحِسابِ.

وَاتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبَآئِـي إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَقَ وَيَعْقُوبَ مَا كَانَ لَنَا أَن نُّشْرِكَ بِاللّهِ مِن شَيْءٍ ذَلِكَ مِن فَضْلِ اللّهِ عَلَيْنَا وَعَلَى النَّاسِ وَلَـكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَشْكُرُونَ (38).

واتَّبعتُ دينَ آبائي الأنبياءِ؛ إبراهيمَ وإسحاقَ ويعقوبَ الَّذين دعَوا إلى توحيدِ اللهِ، ما ينبغي لنا أن نجعلَ لله شريكًا في عبادتِه وطاعتِه، ذلك التَّوحيدُ -الَّذي أكرَمَنا اللهُ تعالى به- ممَّا تفضَّلَ به علينا، وعلى النَّاسِ الَّذين جعَلَنا دُعاةً لهم إلى توحيدِه وطاعتِه، ولكنَّ أكثَرَ النَّاسِ لا يَشكُرونَ نِعَمَ اللهِ عليهم، بتوحيدِه والإِيمانِ برُسلِه، بل يُشركونَ!

يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَأَرْبَابٌ مُّتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ (39).

قال يوسُفُ للشَّابَّينِ: يا ساكِنَيِ السِّجنِ، أآلهةٌ شتَّى لا تنفَعُ ولا تضُرُّ خيرٌ، أم المعبودُ الواحِدُ الَّذي لا ثانيَ له في ذاته وصفاتِه وكمالِه، الَّذي قهرَ كلَّ شَيءٍ مِن خَلْقِه، المستحِقُّ للعبادةِ وَحْدَه؟!

مَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِهِ إِلاَّ أَسْمَاء سَمَّيْتُمُوهَا أَنتُمْ وَآبَآؤُكُم مَّا أَنزَلَ اللّهُ بِهَا مِن سُلْطَانٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلاَّ لِلّهِ أَمَرَ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَـكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ (40).

ما تعبُدونَ مِن دونِ اللهِ إلَّا أسماءً سمَّيتُموها آلهةً أنتم وآباؤُكم، واعتقَدتُم ألوهيَّتَها، لم يُنزِل اللهُ أيَّ حُجَّةٍ تدُلُّ على تسميتِها بذلك، ولا على استحقاقِها للعبادةِ، ما الحُكمُ إلَّا للهِ؛ فهو وحْدَه الحاكِمُ بيْن عبادِه، المشَرِّعُ لهم، أمَرَكم الله -أيُّها النَّاسُ جميعًا- ألَّا تعبُدُوا إلَّا اللهَ وحدَه، ولا تُشرِكوا به شيئًا، ذلك التَّوحيدُ وإخلاصُ العبادةِ لله وحْدَه، هو الدِّينُ المُستقيمُ، ولكنَّ أكثَرَ النَّاسِ لا يعلمونَ ذلك؛ فهم لجهلِهم يُشرِكونَ بالله.

يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَمَّا أَحَدُكُمَا فَيَسْقِي رَبَّهُ خَمْرًا وَأَمَّا الآخَرُ فَيُصْلَبُ فَتَأْكُلُ الطَّيْرُ مِن رَّأْسِهِ قُضِيَ الأَمْرُ الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيَانِ (41).

قال يوسفُ عليه السَّلامُ للشَّابَّينِ: يا ساكِنَيِ السِّجنِ، أمَّا أحَدُكما فإنَّه يخرجُ مِن السِّجنِ، ويَسقي سيِّدَه المَلِكَ خَمرًا، وأمَّا الآخَرُ فإنَّه يُقتَلُ، ويُعلَّقُ على خشَبةٍ، فتأكلُ الطَّيرُ مِن لحمِ رأسِه وشَحمِه، فُرِغَ من الأمرِ الَّذي تَسألانِ عن تَعبيرِه، وهو واقعٌ لا محالةَ.

وَقَالَ لِلَّذِي ظَنَّ أَنَّهُ نَاجٍ مِّنْهُمَا اذْكُرْنِي عِندَ رَبِّكَ فَأَنسَاهُ الشَّيْطَانُ ذِكْرَ رَبِّهِ فَلَبِثَ فِي السِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ (42).

وقال يوسُفُ لصاحِبِه الَّذي تيقَّنَ أنَّه سيَنجو مِن القتلِ، ويخرُجُ مِن السِّجنِ: اذكُرني عندَ سيِّدِك الملِك، وأخبِرْه بأنِّي مسجونٌ بلا ذنبٍ، فأنسَى الشَّيطانُ الفَتى الَّذي خرجَ مِن السِّجنِ أن يَذكُرَ يوسُفَ عند المَلِك، كما أوصاه بذلك، فمكث يوسُفُ في الحبسِ مَظلومًا مَنسيًّا بضعَ سنينَ.

وَقَالَ الْمَلِكُ إِنِّي أَرَى سَبْعَ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعَ سُنبُلاَتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ يَا أَيُّهَا الْمَلأُ أَفْتُونِي فِي رُؤْيَايَ إِن كُنتُمْ لِلرُّؤْيَا تَعْبُرُونَ (43).

وقال مَلِكُ مِصرَ لجُلَسائِه: إنِّي رأيتُ في المنامِ سَبْعَ بقَراتٍ سِمانٍ يأكُلُهنَّ سبعُ بقراتٍ هَزْلى! ورأيتُ في منامي سبعَ سُنبُلاتٍ خُضرٍ، وسبعَ سُنبُلاتٍ أُخرَى يابسة! يا أيُّها الأشرافُ، أخبِروني بتفسيرِ رُؤياي إن كنتُم على عِلمٍ ودرايةٍ بذلك.

قَالُواْ أَضْغَاثُ أَحْلاَمٍ وَمَا نَحْنُ بِتَأْوِيلِ الأَحْلاَمِ بِعَالِمِينَ (44).

قال الأشرافُ للمَلِك: رُؤياك هذه ليسَت بشيءٍ، إنَّما هي أخلاطُ أحلامٍ، لا حقيقةَ لها، ولَسْنا على علمٍ بتفسيرِ الأحلامِ المُختلِطةِ.

وَقَالَ الَّذِي نَجَا مِنْهُمَا وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ أَنَاْ أُنَبِّئُكُم بِتَأْوِيلِهِ فَأَرْسِلُونِ (45).

وقال الَّذي نجا مِن الفَتيَينِ اللَّذينِ كانا في السِّجنِ معَ يُوسفَ، وتذكَّرَ بعدَ مُدَّةٍ مِن الزَّمنِ ما كان مِن شأنِ يوسُفَ مِن عِلمِه بتعبيرِ الرُّؤى، وما أوصاه به مِن ذِكرِ أمْرِه عندَ سَيِّدِه المَلِك: أنا أُخبِرُكم بتأويلِ رُؤيا المَلِك، فابعَثوني أذهَبْ إلى يوسُفَ المَسجونِ؛ لأسألَه تَعبيرَها.

يُوسُفُ أَيُّهَا الصِّدِّيقُ أَفْتِنَا فِي سَبْعِ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعِ سُنبُلاَتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ لَّعَلِّي أَرْجِعُ إِلَى النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَعْلَمُونَ (46).

فأرسَلوه إليه، فقال له: يا يوسُفَ، يا كثيرَ الصِّدقِ في أقوالِك وأفعالِك، أخبِرْنا بتعبيرِ رُؤيا سبعِ بَقَراتٍ سِمانٍ يأكُلُهنَّ سبعُ بقراتٍ هَزْلى، وسَبعِ سُنبُلاتٍ خُضرٍ، وسَبعِ سُنبُلاتٍ أخرى يابسةٍ، فسِّرْ هذه الرُّؤيا؛ لَعلِّي أرجِعُ إلى المَلِك وجُلَسائِه لِيَعلَموا تعبيرَها، ويَعلَموا عِلمَك وفَضلَك، فتخرُجَ مِن السِّجنِ.

قَالَ تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأَبًا فَمَا حَصَدتُّمْ فَذَرُوهُ فِي سُنبُلِهِ إِلاَّ قَلِيلاً مِّمَّا تَأْكُلُونَ (47).

قال يوسُفُ مُفَسِّرًا رُؤيا المَلِك: تَزرعونَ سَبعَ سَنواتٍ خِصبةٍ مُتَتابَعةٍ، على عادتِكم في الزِّراعةِ، اترُكوا محصولَ زَرعِكم في سُنبُلِه؛ لئلَّا يَفْسُدَ، وكُلوا منه قليلًا بقَدرِ حاجتِكم، وادَّخِروا أكثَرَ مَحصولِكم.

ثُمَّ يَأْتِي مِن بَعْدِ ذَلِكَ سَبْعٌ شِدَادٌ يَأْكُلْنَ مَا قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ إِلاَّ قَلِيلاً مِّمَّا تُحْصِنُونَ (48).

ثمَّ يجيءُ مِن بعدِ السِّنينَ السَّبعِ الخِصبةِ سَبعُ سَنواتٍ شَديدةِ الجَدبِ، يُؤكَلُ فيهنَّ جميعُ ما ادَّخَرتُم مِن أجلِهنَّ مِن مَحصولِ زَرعِكم في السِّنينَ السَّبعِ الخِصبةِ، إلَّا قليلًا ممَّا تَحفَظونَه وتدَّخِرونَه.

ثُمَّ يَأْتِي مِن بَعْدِ ذَلِكَ عَامٌ فِيهِ يُغَاثُ النَّاسُ وَفِيهِ يَعْصِرُونَ (49).

ثمَّ يجيءُ مِن بعدِ سَبعِ السَّنواتِ المُجدِبةِ عامٌ يُمطِرُ اللهُ فيه النَّاسَ الأمطارَ الكثيرةَ، وفي ذلك العامِ يَعصِرُ النَّاسُ الأعنابَ والدُّهنَ وغيرَ ذلك.

وَقَالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ فَلَمَّا جَاءهُ الرَّسُولُ قَالَ ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَاسْأَلْهُ مَا بَالُ النِّسْوَةِ اللاَّتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ إِنَّ رَبِّي بِكَيْدِهِنَّ عَلِيمٌ (50).

ولَمَّا عَلِمَ المَلِكُ بتأويلِ رُؤياه قال: أخرِجوا الَّذي عبَّرَ رُؤيايَ هذه مِن السِّجنِ، وأحضِروه إلَيَّ، فلمَّا جاء يوسفَ رسولُ المَلِكِ؛ ليُخرِجَه مِن السِّجنِ، قال له يوسُفُ: ارجِعْ إلى سيِّدِك المَلِكِ فاسأَلْه ما شأنُ النِّساءِ اللَّاتي قطَّعْنَ أيديَهنَّ؛ ليعلَمَ صِحَّةَ براءتي، إنَّ اللهَ بمَكرِ النِّساءِ بي وبغيري مِن النَّاسِ عليمٌ، لا يخفى عليه ذلك.

قَالَ مَا خَطْبُكُنَّ إِذْ رَاوَدتُّنَّ يُوسُفَ عَن نَّفْسِهِ قُلْنَ حَاشَ لِلّهِ مَا عَلِمْنَا عَلَيْهِ مِن سُوءٍ قَالَتِ امْرَأَةُ الْعَزِيزِ الآنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ أَنَاْ رَاوَدتُّهُ عَن نَّفْسِهِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ (51).

فرجَع رسولُ الملكِ إليه، وأخبَره برسالةِ يوسفَ، فدعا الملكُ النِّسوةَ اللَّاتي قطَّعن أيديَهنَّ وامرأةَ العزيزِ، فقال لهنَّ: ما شأنُكنَّ وخبَرُكنَّ حينَ راودتُنَّ يوسُفَ عن نفسِه؟! قال النِّسوةُ للمَلِكِ: معاذَ اللهِ أن يكونَ يوسُفُ متَّهمًا بسوءٍ، ما عَلِمْنا على يوسُفَ مِن ذنبٍ صغيرٍ ولا كبيرٍ! قالت امرأةُ العزيزِ: الآنَ تبيَّنَ الحَقُّ وظهر، أنا راودتُ يوسُفَ عن نفْسِه، وإنَّه لَمِنَ الصَّادقينَ في قولِه: هي راودَتْني عن نفْسي.

ذَلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ وَأَنَّ اللّهَ لاَ يَهْدِي كَيْدَ الْخَائِنِينَ (52).

قالت امرأةُ العزيزِ: ذلك الإقرارُ والاعترافُ بالحَقِّ؛ ليعلمَ يوسُفُ أنِّي لم أكذِبْ عليه، ولم أرْمِه بالذِّنبِ في حالِ غَيبتِه عنِّي، وصدْعتُ بالحَقِّ؛ لأنَّ الله لا يسَدِّدُ حِيَلَ مَن خان الأماناتِ، بل يُبطِلُ كَيدَهم، ويَحرِمُهم الهِدايةَ.