التفسير المحرر

التفسير المحرر

رَضُواْ بِأَن يَكُونُواْ مَعَ الْخَوَالِفِ وَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لاَ يَفْقَهُونَ (87).

اللغة: العربية
إعداد:
الإصدار: 1.0
ترجمات 1
إنجليزي
المرفقات 7
PDF
Audio
Video
+3

رَضُواْ بِأَن يَكُونُواْ مَعَ الْخَوَالِفِ وَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لاَ يَفْقَهُونَ (87).

رَضِيَ المُنافقونَ المُستأذِنونَ في التَّخَلُّفِ عن الجهادِ أن يَكونوا في مَنازِلِهم مع النِّساءِ! وختَمَ اللهُ على قلوبِهم بسبَبِ تَخلُّفِهم عن الجهادِ بلا عُذرٍ، فهم لا يَفهَمونَ مواعِظَ اللهِ، وأنَّ الجِهادَ خَيرٌ لهم في الدُّنيا والآخرةِ.

لَـكِنِ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ مَعَهُ جَاهَدُواْ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ وَأُوْلَـئِكَ لَهُمُ الْخَيْرَاتُ وَأُوْلَـئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (88).

لكنِ الرَّسولُ محمَّدٌ وأصحابُه الَّذين آمَنوا معه، قد جاهَدوا الكُفَّارَ ببَذلِ أموالِهم وقاتَلوهم بأنفُسِهم، فهم ليسُوا كالمُنافِقينَ المتخَلِّفينَ. والرَّسولُ والَّذين آمَنوا معه، وجاهَدوا بأموالِهم وأنفُسِهم؛ لهم النِّعَمُ الكثيرةُ الحَسَنةُ في الدُّنيا والآخرةِ، وأولئكَ هم الَّذينَ ظَفِروا بما طَلَبوا منَ النَّعيمِ.

أَعَدَّ اللّهُ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (89).

هيَّأَ اللهُ لِرَسولِه وللمُؤمِنينَ معه جناتٍ تجري مِن تَحتِ أشجارِها ومَبانيها الأنهارُ، لابِثينَ فيها، لا يَموتونَ، ولا يُخرَجونَ منها أبدًا. وذلك هو النَّجاةُ العظيمةُ، والظَّفَرُ الكبيرُ.

وَجَاء الْمُعَذِّرُونَ مِنَ الأَعْرَابِ لِيُؤْذَنَ لَهُمْ وَقَعَدَ الَّذِينَ كَذَبُواْ اللّهَ وَرَسُولَهُ سَيُصِيبُ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (90).

وأتى المُعتَذِرونَ مِن سكَّانِ البوادي الَّتي حولَ المدينةِ إلى رسولِ اللهِ؛ ليأذَنَ لهم في التَّخلُّفِ عن الجِهادِ، وقعَدَ عن المجيءِ إلى النَّبيِّ للاعتذارِ إليه عن الجهادِ معه الأعرابُ المُنافِقونَ الَّذين كَذَبوا اللهَ ورَسولَه في دَعواهم الإيمانَ المُقتضيَ للخُروجِ للجِهادِ، سيُصيبُ الكافرينَ مِن الأعرابِ عذابٌ مُؤلِمٌ.

لَّيْسَ عَلَى الضُّعَفَاء وَلاَ عَلَى الْمَرْضَى وَلاَ عَلَى الَّذِينَ لاَ يَجِدُونَ مَا يُنفِقُونَ حَرَجٌ إِذَا نَصَحُواْ لِلّهِ وَرَسُولِهِ مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِن سَبِيلٍ وَاللّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ (91).

ليس على ضُعَفاءِ الأبدانِ، العاجِزينَ عن الخُروجِ للقِتالِ، ولا على المرضى الَّذين لا يَقدِرونَ على الجهادِ، ولا على الفُقَراءِ الَّذين لا يجِدونَ مالًا يتجهَّزونَ به- إثمٌ في تخلُّفِهم عن الجِهادِ، إذا أخلَصوا إيمانَهم وأعمالَهم وقَصدَهم في حالِ قُعودِهم، وبَذَلوا جُهدَهم في نُصرةِ الإسلامِ، ونَفْعِ المُسلِمينَ، ليس على المُحسِنينَ من طريقٍ إلى مؤاخَذتِهم وعُقوبتِهم، واللهُ ساتِرٌ ذُنوبَ المُحسِنينَ، ومُتجاوِزٌ عن مؤاخَذتِهم بها، رحيمٌ بهم فلا يعاقِبُهم عليها، بل يُثيبُهم ثوابَ القادِرينَ العامِلينَ.

وَلاَ عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لاَ أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّواْ وَّأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَنًا أَلاَّ يَجِدُواْ مَا يُنفِقُونَ (92).

ولا عقوبةَ على الَّذين إذا أتَوْك -يا مُحمَّدُ- يَسألونَك ما يَركَبونَ عليه في غزوةِ تَبوكَ، قلتَ لهم مُعتذرًا: لا أجِدُ ما تركبونَ عليه، فانصرَفوا مِن عِندِك وهم يبكونَ مِن الحَزَنِ على عدَمِ توفُّرِ ما يتجهَّزونَ به للجِهادِ.

إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ وَهُمْ أَغْنِيَاء رَضُواْ بِأَن يَكُونُواْ مَعَ الْخَوَالِفِ وَطَبَعَ اللّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ (93).

إنَّما العُقوبةُ -يا مُحمَّدُ- على المُنافِقينَ الَّذين يَستأذِنونَك في التَّخَلُّفِ عن الجهادِ وهم أغنياءُ قادِرونَ على الخُروجِ معك للقِتالِ، رَضِيَ هؤلاءِ المُنافِقونَ بالقُعودِ في بيوتِهم مع النِّساءِ اللَّاتي لا يجِبُ عليهنَّ الجِهادُ، وختَمَ اللهُ على قلوبِ المُنافِقينَ عُقوبةً لهم، فهم لا يَعلمونَ سُوءَ عاقِبةِ تخلُّفِهم عن الجهادِ عاجلًا وآجِلًا، ولا ما يَفوتُهم بذلك مِن مَصالحِ الدُّنيا والآخرةِ.

يَعْتَذِرُونَ إِلَيْكُمْ إِذَا رَجَعْتُمْ إِلَيْهِمْ قُل لاَّ تَعْتَذِرُواْ لَن نُّؤْمِنَ لَكُمْ قَدْ نَبَّأَنَا اللّهُ مِنْ أَخْبَارِكُمْ وَسَيَرَى اللّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ (94).

يَعتَذِرُ إليكم المُنافِقونَ المتخَلِّفونَ عن الجِهادِ بلا عُذرٍ إذا رَجَعْتُم -أيُّها المؤمِنونَ- إليهم مِن سَفَرِكم وجِهادِكم، قلُ لهم -يا مُحمَّدُ-: لا تعتَذِروا إلينا؛ إذ لن نصَدِّقَكم في اعتِذارِكم الكاذِبِ، قد أخبَرَنا اللهُ بأسرارِكم، وعَلِمْنا كذِبَكم في اعتذارِكم، وسيرى اللهُ ورَسولُه أعمالَكم في الدُّنيا، ويَظهَرُ صِدقُكم أو كذِبُكم في التَّوبةِ مِن النَّفاقِ، ثمَّ تُرجَعونَ بعدَ مَوتِكم إلى اللهِ الَّذي يعلَمُ كُلَّ سِرٍّ وعلانيةٍ، وظاهرٍ وباطنٍ، فيُخبِرُكم بما كنتُم تَعمَلونَه في الدُّنيا مِن خَيرٍ أو شَرٍّ، ويُجازيكم عليه.

سَيَحْلِفُونَ بِاللّهِ لَكُمْ إِذَا انقَلَبْتُمْ إِلَيْهِمْ لِتُعْرِضُواْ عَنْهُمْ فَأَعْرِضُواْ عَنْهُمْ إِنَّهُمْ رِجْسٌ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ جَزَاء بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ (95).

سيَحلِفُ المُنافِقونَ المتخَلِّفونَ، باللَّهِ لكم -أيُّها المؤمنونَ- إذا رجَعْتُم إليهم مِن غزوةِ تبوكَ: إنَّهم ما استطاعُوا الخروجَ مَعَكم للجهادِ؛ لِتَترُكوا تأنيبَهم ومعاتَبتَهم! فاترُكوا تأنيبَهم ولَومَهم؛ احتقارًا وإهانةً لهم، لا مُسامحةً وعفوًا؛ لأنَّهم نجَسٌ وقذَرٌ، خَبيثةٌ بَواطِنُهم، وقبيحةٌ أعمالُهم، ومصيرُهم في الآخرةِ نارُ جهنَّمَ؛ مجازاةً لهم بسببِ ذُنوبِهم الَّتي كانوا يَعمَلونَها في الدُّنيا.

يَحْلِفُونَ لَكُمْ لِتَرْضَوْاْ عَنْهُمْ فَإِن تَرْضَوْاْ عَنْهُمْ فَإِنَّ اللّهَ لاَ يَرْضَى عَنِ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ (96).

يحلِفُ هؤلاءِ المُنافِقونَ لكم -أيُّها المؤمِنونَ- بالكَذِبِ؛ مِن أجْلِ أن ترضَوا عنهم، فتَستَديموا مُعاملَتَهم السَّابقةَ، كأنَّهم لم يُذنِبوا! فإنْ تَرضَوا -أيُّها المؤمِنونَ- عن المُنافِقينَ، فَرِضاكم عنهم لا ينفَعُهم، ولا ينبغي لكم أن ترضَوا عنهم؛ فإنَّ اللهَ لا يرضَى عن القومِ الخارجينَ عن طاعَتِه.

الأَعْرَابُ أَشَدُّ كُفْرًا وَنِفَاقًا وَأَجْدَرُ أَلاَّ يَعْلَمُواْ حُدُودَ مَا أَنزَلَ اللّهُ عَلَى رَسُولِهِ وَاللّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (97).

سُكَّانُ البوادي أشَدُّ كُفرًا باللهِ، وأشَدُّ نِفاقًا مِن كفَّارِ ومُنافِقي أهلِ الحضَرِ في المُدنِ والقُرى، والأعرابُ أَوْلى وأحرَى بألَّا يَعلَموا الحلالَ والحرامَ، والشَّرائِعَ الَّتي أنزَلَها اللهُ على رَسولِه محمَّدٍ عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ، واللهُ عليمٌ بخَلقِه، لا يخفى عليه شيءٌ مِن أحوالِهم، حكيمٌ في تدبيرِ خَلْقِه ومُجازاتِهم، فيضَعُ كُلَّ شَيءٍ في موضِعِه اللَّائِقِ به.

وَمِنَ الْأَعْرَابِ مَنْ يَتَّخِذُ مَا يُنْفِقُ مَغْرَمًا وَيَتَرَبَّصُ بِكُمُ الدَّوَائِرَ عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (98)

ومِن سُكَّانِ البوادي مَن يَعُدُّ ما يُنفِقُه في الخيرِ غُرمًا ونَقصًا وخَسارةً، فيُنفِقُ ما يُنفِقُ مُكرَهًا لا يرجو ثوابَه عندَ اللهِ تعالى، ومِن الأعرابِ مَن ينتَظِرُ أن تحُلَّ بكم -أيُّها المُسلِمونَ- المصائبُ، وغَلَبةُ الأعداءِ عليكم! جعَلَ اللهُ على الأعرابِ المُنافِقينَ -وَحْدَهم- المصائِبَ الَّتي تَسوؤُهم، ونزولَ المكروهِ بهم لا عليكم أيُّها المؤمِنونَ، واللهُ سَميعٌ لأقوالِ عِبادِه من الأعرابِ المُنافِقينَ وغَيرِهم، عليمٌ ببواطِنِهم، عليمٌ بتَدبيرِهم.

وَمِنَ الأَعْرَابِ مَن يُؤْمِنُ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَيَتَّخِذُ مَا يُنفِقُ قُرُبَاتٍ عِندَ اللّهِ وَصَلَوَاتِ الرَّسُولِ أَلا إِنَّهَا قُرْبَةٌ لَّهُمْ سَيُدْخِلُهُمُ اللّهُ فِي رَحْمَتِهِ إِنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ (99).

ومِن سُكَّانِ البوادي مَن يُؤمِنُ باللهِ تعالى، وبيَومِ القيامةِ وما فيه مِن الثَّوابِ والعِقابِ، ويحتَسِبُ ما يُنفِقُه في الخيرِ عندَ اللهِ، يرجو به القُرْبَ منه سُبحانَه وتعالى، ويبتغون أيضًا دعاءَ الرَّسولِ لهم عندَ أخْذِه صَدَقاتِهم، ألا إنَّ صَلَواتِ الرَّسولِ قُربةٌ عظيمةٌ لهم، تقرِّبُهم إلى الله تعالى، سيُدخِلُ اللهُ هؤلاء الأعرابَ المؤمنينَ في جملةِ عِبادِه المرحومينَ أصحابِ الجنَّةِ، إنَّ اللهَ غفورٌ لذُنوبِهم، رحيمٌ بهم في الدُّنيا والآخرةِ، فلا يعذِّبُهم، بل يُفيضُ عليهم نِعَمَه، ويوفِّقُهم للخيرِ، ويُثيبُهم عليه.

وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُم بِإِحْسَانٍ رَّضِيَ اللّهُ عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (100).

وأصحابُ محمَّدٍ الَّذين سَبَقوا المُسلِمينَ أوَّلًا إلى الإيمانِ، مِن المهاجرينَ، ومِن الأنصارِ، والتَّابِعونَ للسَّابِقينَ مِن المهاجِرينَ والأنصارِ، الَّذين سَلَكوا طريقَهم المستقيمَ في الإيمانِ، والعمَلِ الصَّالحِ، رَضِيَ اللهُ عن الصَّحابةِ السَّابقينَ، والتَّابعينَ لهم بإحسانٍ، لِمَا أطاعُوه، ورَضُوا هم عن اللهِ؛ لما أنعَمَ عليهم في الدُّنيا، وأثابَهم في الآخرةِ، وهيَّأَ لهم جَنَّاتٍ في الدَّارِ الآخرةِ تجري تحتَ أشجارِها وغُرَفِها وقصورِها الأنهارُ، لابِثينَ فيها على الدَّوامِ بلا انتهاءٍ، وذلك أعظَمُ فَوزٍ يحصُلُ به كلُّ مرغوبٍ، وينَدفِعُ به كلُّ مَحذورٍ.

وَمِمَّنْ حَوْلَكُم مِّنَ الأَعْرَابِ مُنَافِقُونَ وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُواْ عَلَى النِّفَاقِ لاَ تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ سَنُعَذِّبُهُم مَّرَّتَيْنِ ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلَى عَذَابٍ عَظِيمٍ (101).

ومِن سكَّانِ البوادي الَّذين حولَ مَدينَتِكم -أيُّها المسلمونَ- مُنافِقونَ، ومِن أهلِ المدينةِ النَّبويَّةِ مُنافِقونَ تمرَّنوا على النِّفاقِ، حتَّى أصبح سجيَّةً لهم، ومَهَروا في إتقانِه، فلا يَشعُرُ به الآخَرونَ، واستمرُّوا عليه، ولم يَتوبوا، لا تعلَمُهم -يا مُحمَّدُ-، ولكِنْ نحن نعلَمُهم، سنعذِّبُهم في الدُّنيا وفي القَبرِ، ثمَّ يُرَدُّ هؤلاء المُنافِقونَ بعدَ تعذيبِهم مرَّتينِ إلى عذابٍ عظيمٍ في نارِ جَهنَّمَ.

وَآخَرُونَ اعْتَرَفُواْ بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُواْ عَمَلاً صَالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا عَسَى اللّهُ أَن يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ (102).

وقومٌ آخَرونَ أقَرُّوا بذُنوبِهم بتخَلُّفِهم عن الجهادِ مع رَسولِ اللهِ في غزوةِ تَبوكَ، جَمَعوا عمَلًا صالحًا بالتَّوبةِ وغَيرِها مِن الطَّاعاتِ، وعمَلًا سَيِّئًا بالتَّخَلُّفِ عن الجهادِ وغيرِ ذلك مِن المعاصي والسَّيِّئاتِ، سيَقْبَلُ اللهُ توبةَ أولئك الَّذين اعتَرَفوا بذُنوبِهم، إنَّ اللهَ غَفورٌ يَستُرُ ذُنوبَ مَن تابَ إليه، ويَتجاوَزُ عن مُؤاخَذتِهم بها، رحيمٌ بهم، فلا يُعَذِّبُهم بها.

خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِم بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلاَتَكَ سَكَنٌ لَّهُمْ وَاللّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (103).

خُذْ -يا محمَّدُ- مِن أموالِ المُسلِمينَ صَدقةً تُطَهِّرُهم مِن دَنَسِ ذُنوبِهم، وتُنَمِّي أموالَهم، وتَزيدُ في أخلاقِهم الحسَنةِ، وأعمالِهم الصَّالحةِ، وفي ثوابِهم الدُّنيويِّ والأُخرويِّ، وادْعُ للمُسلِمينَ عندَ أخْذِك صَدَقاتِهم؛ لأنَّ دُعاءَك لهم طُمأنينةٌ، وراحةٌ لقُلوبِهم، واللهُ سَميعٌ لأقوالِ عبادِه، مُجيبٌ لِدُعائِهم، عليمٌ بنِيَّاتِهم وأحوالِهم، ويُجازيهم بحسَبِ أعمالِهم.

أَلَمْ يَعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَأْخُذُ الصَّدَقَاتِ وَأَنَّ اللّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (104).

ألَم يَعلَمُوا أنَّ اللهَ وَحْدَه هو الَّذي يقبَلُ التَّوبةَ مِن التَّائبينَ، ويقبَلُ الصَّدَقاتِ مِن عبادِه إذا كانت طيِّبةً خالصةً للهِ ربِّ العالَمينَ؟ وأنَّ الله كثيرُ التَّوبةِ عن عبادِه، ويَعفو عمَّن تاب إليه، ولو تكرَّرَ منه الذَّنبُ مِرارًا، واسِعُ الرَّحمةِ بالتَّائبينَ، فلا يُعاقِبُهم بل يُثيبُهم؟

وَقُلِ اعْمَلُواْ فَسَيَرَى اللّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ وَسَتُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ (105).

وقُل -يا مُحمَّدُ-: اعمَلوا؛ فسيَرَى اللهُ أعمالَكم كُلَّها؛ ظاهِرَها وخَفِيَّها، فيُجازيكم عليها، ويرى رسولُ اللهِ والمؤمِنونَ ما يُطلِعُهم اللهُ عليه منها، فيَشهَدونَ عليكم بالخَيرِ أو الشَّرِّ، وسَتُرجَعون يوم القيامةِ إلى الله الَّذي يعلَمُ ما غاب وما يُشاهَدُ، فيَعلمُ سرائِرَكم وعلانِيتَكم، لا يخفَى عليه شيءٌ مِن أمورِكم، فيُخبِرُكم يَومَئذٍ بما كُنتم تعملونَه في الدُّنيا مِن خيرٍ أو شرٍّ، ويُجازيكم عليه.

وَآخَرُونَ مُرْجَوْنَ لأَمْرِ اللّهِ إِمَّا يُعَذِّبُهُمْ وَإِمَّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَاللّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (106).

ومِنَ المتخَلِّفينَ عن غزوةِ تَبوكَ قومٌ آخَرونَ مُؤخَّرٌ حُكمُهم إلى أن يَقضِيَ اللهُ فيهم بما شاء؛ إمَّا أن يُعَذِّبَهم بذُنوبِهم، وإمَّا أن يوفِّقَهم للتَّوبةِ فيَتوبَ عليهم، واللهُ عليمٌ بكلِّ شَيءٍ، ومِن ذلك عِلمُه بأحوالِ هذا الفَريقِ ونيَّاتِه، وبما يَستَحِقُّونَه مِن عُقوبةٍ أو عفْوٍ، حكيمٌ في حُكمِه فيهم، وفي جميعِ أقوالِه وأفعالِه، فيَضَعُ كلَّ شَيءٍ في مَوضعِه اللَّائقِ به.

وَالَّذِينَ اتَّخَذُواْ مَسْجِدًا ضِرَارًا وَكُفْرًا وَتَفْرِيقًا بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَإِرْصَادًا لِّمَنْ حَارَبَ اللّهَ وَرَسُولَهُ مِن قَبْلُ وَلَيَحْلِفَنَّ إِنْ أَرَدْنَا إِلاَّ الْحُسْنَى وَاللّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ (107).

ومِنهم -أي: المُنافِقينَ- الَّذين بَنَوا مَسجِدًا في المدينةِ؛ مُضارَّةً للمُؤمِنينَ ولِمَسجِدِهم الَّذي يجتَمِعونَ فيه، وكُفرًا باللهِ عزَّ وجلَّ، ومِن أجْلِ التَّفريقِ بيْن جماعةِ المُؤمِنينَ، فيصلِّي بعضُهم في مسجِدٍ، وبَعضُهم في مسجِدٍ آخَرَ، فيتفَرَّقوا ويختَلِفوا بسببِ ذلك، وبَنَوه كذلك إعدادًا وانتظارًا وترقُّبًا لمَجيءِ مَن حاربَ اللهَ ورسولَه مِن قَبلِ بِناءِ هذا المسجِدِ، وسيَحلِفُ لكم المُنافقونَ الَّذين بَنَوا مسجِدَ الضِّرارِ أنَّهم ما أرادوا ببِنائِه إلَّا الخَيرَ للمُسلمينَ والرِّفقَ بهم؛ إحسانًا إلى الضُّعَفاءِ والعاجِزينَ منهم، بجَعْلِهم مسجِدَ الضِّرارِ أقرَبَ إليهم مِن غَيرِه! واللهُ يَشهَدُ إنَّ المُنافِقينَ لَكاذِبونَ في حَلِفِهم ذلك.

لاَ تَقُمْ فِيهِ أَبَدًا لَّمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَن تَقُومَ فِيهِ فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَن يَتَطَهَّرُواْ وَاللّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ (108).

لا تُصَلِّ -يا مُحمَّدُ- في مسجِدِ المُنافِقينَ ما عِشْتَ أبدًا، لَمَسجِدٌ أُسِّسَ بُنْيانُه على تقوَى اللهِ مِن أوَّلِ يَومٍ ابتدَأَ بانُوه في تأسيسِه -وهو مسجِدُ قُباءٍ، ومِثلُه بل أولَى منه في الحُكمِ المَسجِدُ النَّبويُّ- أَولى بأن تقومَ فيه -يا مُحمَّدُ- للصَّلاةِ والعبادةِ، في مسجدِ قُباءٍ رِجالٌ مِن أصحابِ مُحمَّدٍ يُحبُّونَ أن يتطهَّروا مِن النَّجاساتِ ومِنَ الذُّنوبِ، واللهُ يُحبُّ المتطَهِّرينَ المُبالِغينَ في الطَّهارةِ مِن النَّجاساتِ، ومِنَ السَّيِّئاتِ.

أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى تَقْوَى مِنَ اللّهِ وَرِضْوَانٍ خَيْرٌ أَم مَّنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَىَ شَفَا جُرُفٍ هَارٍ فَانْهَارَ بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ وَاللّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (109).

أيُّ البانِينَ خَيرٌ؛ مَن أسَّسَ بناءَ مَسجِدٍ مُتَّقيًا لله، مُخلِصًا له، طالبًا رِضاه، أم مَن أسَّسَ بناءَ مَسجِدٍ بنِفاقٍ وكُفرٍ وضلالٍ، فهو كمَن يبني بناءً على طَرَفِ حُفرةٍ يُوشِكُ أن تَنهارَ بما بُنيَ عليها، فانهار الجُرُفُ بالبُنيانِ والباني جميعًا في نارِ جهنَّمَ؟! واللهُ لا يوفِّقُ هؤلاءِ الَّذين بَنَوا مسجِدَ الضِّرارِ، ولا يُوفِّقُ غَيرَهم ممَّن يظلِمُ نفْسَه بالكُفرِ والنِّفاقِ، لا يوفِّقُهم لِما فيه مصالِحُ دِينِهم ودُنياهم وآخِرتِهم، ما داموا مُقيمينَ على ظُلمِهم.

لاَ يَزَالُ بُنْيَانُهُمُ الَّذِي بَنَوْاْ رِيبَةً فِي قُلُوبِهِمْ إِلاَّ أَن تَقَطَّعَ قُلُوبُهُمْ وَاللّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (110).

لا يزالُ مَسجِدُ الضِّرارِ الَّذي بناه المُنافِقونَ يُورِثُهم نِفاقًا في قلوبِهم، وشَكًّا في الإسلامِ، حتَّى تتصَدَّعَ قُلوبُهم فيَموتوا على شَكِّهم ونِفاقِهم، واللهُ عليمٌ بكلِّ شيءٍ، ومِن ذلك عِلمُه بأحوالِ المُنافِقينَ، فيعلَمُ ما في قُلوبِهم، وما تصيرُ إليه أمورُهم في الدُّنيا والآخرةِ، حكيمٌ يضَعُ كلَّ شَيءٍ في موضِعِه اللَّائقِ به.

إِنَّ اللّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُم بِأَنَّ لَهُمُ الجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللّهِ فَاسْتَبْشِرُواْ بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُم بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (111).

إنَّ اللهَ اشتَرَى مِن المؤمنينَ أنفُسَهم لِيُقاتِلوا بها الكُفَّارَ، واشتَرَى أموالَهم لِيَبذُلوها في جهادِهم، وجعَلَ ثَمنَ تَقديمِهم أنفُسَهم وأموالَهم في سبيلِ اللهِ أن تكونَ لهم الجنَّةُ، يُقاتِلُ المؤمنونَ لإعلاءِ كَلِمةِ اللهِ، ونُصرةِ دينِه، فإمَّا أن يَقتُلوا الكُفَّارَ، أو يَقتُلَهم الكُفَّارُ، فسواءٌ قَتَلوا أو قُتِلَوا فقد وجَبَت لهم الجنَّةُ، وعدًا على اللهِ ثابتًا مَكتوبًا في التَّوراةِ، والإنجيلِ، والقُرآنِ أنَّه سيُوفِّي المُجاهدينَ في سبيلِه ما وعَدَهم به، فيُدخِلُهم جنَّتَه، ولا أحدَ أحسَنُ وفاءً بما عاهَدَ عليه مِن اللهِ؛ فإنَّه صادِقٌ لا يُخلِفُ الميعادَ، فأظهِرُوا السُّرورَ -أيُّها المُؤمِنونَ المُجاهِدونَ- وافرَحوا بهذا البَيعِ الَّذي بايَعتُم به اللهَ، وهذا البَيعُ هو النَّجاةُ العظيمةُ، والظَّفَرُ الكبيرُ الَّذي لا أعظَمَ منه.

التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ الْحَامِدُونَ السَّائِحُونَ الرَّاكِعُونَ السَّاجِدونَ الآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنكَرِ وَالْحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللّهِ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ (112).

الَّذين اشتَرَى اللهُ منهم أنفُسَهم وأموالَهم، هم الرَّاجِعونَ مِن مَعصيةِ اللهِ إلى طاعَتِه، الَّذين ذَلُّوا لِلَّه وأطاعوه؛ محبةً له، واجتَهَدوا في عبادَتِه وَحْدَه، الَّذينَ يَحمَدونَ اللهَ في جميعِ أحوالِهم، الصَّائِمونَ، المُصَلُّونَ الرَّاكِعونَ والسَّاجِدونَ في صَلَواتِهم المكتوبةِ والمَندوبةِ، الَّذينَ يأمُرونَ النَّاسَ بكُلِّ ما أمَرَ اللهُ ورسولُه به، ، ويَنهَونَهم عن كلِّ ما نهى اللهُ ورسولُه عنه، والعامِلونَ بأمرِ اللهِ ونَهيِه، الَّذينَ لا يُضَيِّعونَ شَيئًا مِن أحكامِ شَريعتِه، وبَشِّرْ -يا مُحمَّدُ- جميعَ المُؤمِنينَ، بكُلِّ خَيرٍ في الدُّنيا والآخرةِ.

مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُواْ أَن يَسْتَغْفِرُواْ لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُواْ أُوْلِي قُرْبَى مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ (113).

ما ينبغي للنَّبيِّ مُحمَّدٍ والمُؤمِنينَ أن يَسألوا اللهَ المَغفِرةَ للَّذينَ يَعبُدونَ معه غيرَه، ولو كانوا مِن أقاربِهم، مِن بعدِ ما تبيَّن للنَّبيِّ وللمُؤمنينَ أنَّ المُشرِكينَ هم أهلُ النَّارِ الخالِدونَ فيها؛ بمَوتِهم على الكُفرِ.

وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لأَبِيهِ إِلاَّ عَن مَّوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لأوَّاهٌ حَلِيمٌ (114).

وما وقعَ استغفارُ إبراهيمَ لأبيه، إلَّا بِسبَبِ وَعدِه له بأنَّه سيَستغفِرُ له، فلمَّا عَلِمَ إبراهيمُ أنَّ أباه عدوٌّ لله، تبرَّأَ منه، وترَكَ الاستغفارَ له، إنَّ إبراهيمَ لَكثيرُ التَّضرُّعِ والدُّعاءِ لله؛ خَوفًا وحزنًا، صابرٌ على أذى النَّاسِ له، ذو رحمةٍ بهم، وصفحٍ عمَّا يَصدُرُ منهم إليه.

وَمَا كَانَ اللّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُم مَّا يَتَّقُونَ إِنَّ اللّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (115).

وليس مِن سُنَّةِ اللهِ في خَلْقِه، ولا مِن حِكمَتِه وعَدْلِه أن يُضِلَّ قَومًا بعدَ هِدايَتِه لهم إلى الإيمانِ، حتَّى يبيِّنَ لهم ما يجِبُ عليهم تَركُه، فإذا بيَّنَ لهم ولم يتَّقوا استحَقُّوا إضلالَه لهم، وعقابَه عليهم، إنَّ الله عليمٌ بجميعِ الأشياءِ، لا يخفى عليه شيءٌ في الأرضِ ولا في السَّماءِ.

إِنَّ اللّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ يُحْيِـي وَيُمِيتُ وَمَا لَكُم مِّن دُونِ اللّهِ مِن وَلِيٍّ وَلاَ نَصِيرٍ (116).

إنَّ اللهَ وَحْدَه له سُلطانُ السَّمواتِ والأرضِ، لا شَريكَ له في خَلْقِه ولا تَدبِيرِه ولا تشريعِه، يُحيي مَن يَشاءُ، ويُميتُ مَن يشاءُ، وما لَكم -أيُّها النَّاسُ- مِن أحدٍ غيرِ اللهِ ينفَعُكم، وما لَكم مِن أحدٍ سِواه يَنصُرُكم، ويدفَعُ عنكم ما يضُرُّكم.

لَقَد تَّابَ الله عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ مِن بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِّنْهُمْ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ إِنَّهُ بِهِمْ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ (117).

لقد رزَق الله الإنابةَ إلى أمرِه وطاعتِه، نبيَّه محمَّدًا، والمهاجرينَ والأنصارَ الَّذين أطاعوا نبيَّه بالخُروجِ معه في غزوةِ تَبُوكَ في وقتِ العُسرةِ؛ بسَبَبِ شِدَّةِ الحَرِّ، وطُولِ السَّفَرِ، وقِلَّةِ الرَّاحلةِ والماءِ، والطَّعامِ والنَّفَقةِ، تاب اللهُ على النبيِّ وأصحابِه الَّذين اتَّبَعوه مِن بَعدِ ما أوشَكَت قلوبُ بعضِ الصَّحابةِ أن تميلَ عن الحَقِّ، فيَشُكُّوا ويَرتابوا؛ بسبَبِ المشَقَّةِ الشَّديدةِ الَّتي نالَتْهم في تلك الغَزوةِ، ثمَّ رزق اللهُ الصَّحابةَ -الَّذين كادَتْ قُلوبُهم أن تَزيغَ- الإنابةَ إلى ربِّهم، والرُّجوعَ إلى الثَّباتِ على دينِه؛ لأنَّ اللهَ بأصَحابِ نَبيِّه رؤوفٌ رحيمٌ.

وَعَلَى الثَّلاَثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُواْ حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنفُسُهُمْ وَظَنُّواْ أَن لاَّ مَلْجَأَ مِنَ اللّهِ إِلاَّ إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُواْ إِنَّ اللّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (118).

وتاب اللهُ على أصحابِ النَّبيِّ الثَّلاثةِ -وهم كعب بن مالك، وهلال بن أمية، ومرارة بن الربيع-، الَّذين أخَّرَ -عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ- الحُكمَ في أمْرِهم إلى أن يَحكُمَ اللهُ تعالى فيهم، ويبُتَّ في شأنِهم، حتَّى إذا ضاقَتِ الأرضُ عليهم مع سَعَتِها، وذلك أنَّهم أُمِروا باعتزالِ أزواجِهم، ومُنِع المسلمون مِن معاملتِهم وكلامِهم، مع إعراضِ النَّبيِّ عنهم، وضاقَتْ عليهم أنفُسُهم؛ بسبَبِ الهَمِّ والكَربِ والحُزنِ الَّذي أصابَهم، وأيقَنوا أنَّه لا شَيءَ لهم يَرجِعونَ إليه؛ لِيَسلَموا مِن عَذابِ اللهِ وسَخَطِه، ويرتَفِع عنهم الكَربُ والبَلاءُ، إلَّا اللهُ وَحْدَه دُونَ مَن سِواه، ثمَّ وفَّقَ اللهُ هؤلاء الثَّلاثةَ للتَّوبةِ؛ لِتَقَعَ منهم فيَرجِعُوا إلى اللهِ، ويَستَقيموا على طاعَتِه، إنَّ اللهُ هو كثيرُ قَبولِ التَّوبةِ، فيُوفِّقُ مَن يَشاءُ مِن عِباده للتَّوبةِ، ويَقبَلُها منهم، واسِعُ الرَّحمةِ.

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ وَكُونُواْ مَعَ الصَّادِقِينَ (119).

يا أيُّها المُؤمِنونَ اتَّقُوا اللهَ، بامتثالِ أوامِرِه، واجتنابِ نواهِيه، وكونوا مع الصَّادقينَ في إيمانِهم وأقوالِهم وأفعالِهم، لا تتخَلَّفوا عن صُحبَتِهم، واتَّبِعوا سبيلَهم، والزَموا الصِّدقَ؛ لِتَكونوا معهم في الآخرةِ.

مَا كَانَ لأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُم مِّنَ الأَعْرَابِ أَن يَتَخَلَّفُواْ عَن رَّسُولِ اللّهِ وَلاَ يَرْغَبُواْ بِأَنفُسِهِمْ عَن نَّفْسِهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ لاَ يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ وَلاَ نَصَبٌ وَلاَ مَخْمَصَةٌ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَلاَ يَطَؤُونَ مَوْطِئًا يَغِيظُ الْكُفَّارَ وَلاَ يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَّيْلاً إِلاَّ كُتِبَ لَهُم بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ إِنَّ اللّهَ لاَ يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ (120).

ما كان ينبغي للمُسلِمينَ مِن سُكَّانِ مَدينةِ النَّبيِّ ومَن حولَهم مِن سُكَّانِ البوادي أنْ يتخَلَّفوا عن الخُروجِ مع رسولِ الله في غَزوةِ تَبوكَ، وما كان ينبغي لهم أن يتَرَفَّعوا بأنفُسِهم عن نَفْسِ النَّبيِّ في صُحبَتِه في الجِهادِ، ويَرضَوا لأنفُسِهم بالرَّاحةِ، والنَّبيُّ في تعَبٍ ومَشقَّةٍ! ما كان ينبغي لهم ذلك؛ لأنَّه لا يصيبُهم في الجهادِ مِن عَطَشٍ ولا تَعَبٍ، ولا يُصيبُهم مِن مجاعةٍ شَديدةٍ في جهادِهم لإعلاءِ كَلِمةِ الله، ولا تَصِلُ أقدامُهم إلى أرضٍ يغضَبُ الكفَّارُ مِن وُصولِهم إليها، ولا يُصيبونَ مِن الكفَّارِ مِن شَيءٍ قليلٍ أو كثيرٍ؛ مِن قتلٍ أو جراحٍ أو أسْرٍ، أو غنيمةٍ أو هزيمةٍ، إلَّا كتَبَ اللهُ لهم بهذه الأعمالِ أعمالًا صالحةً وثوابًا جزيلًا؛ لأنَّهم مُحسِنونَ، واللهُ لا يترُكُ إثابةَ مُحسِنٍ في عبادةِ اللهِ، مُحسِنٍ إلى عبادِ اللهِ.

وَلاَ يُنفِقُونَ نَفَقَةً صَغِيرَةً وَلاَ كَبِيرَةً وَلاَ يَقْطَعُونَ وَادِيًا إِلاَّ كُتِبَ لَهُمْ لِيَجْزِيَهُمُ اللّهُ أَحْسَنَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ (121).

ولا يُنفِقُ الغازونَ في سبيلِ اللهِ نَفقةً صَغيرةً ولا كَبيرةً، ولا يُجاوِزونَ في غَزْوِهم واديًا ذاهِبينَ أو راجِعينَ، إلَّا كُتِبَ لهم ثوابُ ذلك؛ ليَجْزيَهم الله عليه كأحسَنِ ما يَجزيهم على أحسَنِ أعمالِهم الَّتي كانوا يَعمَلونها.

وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنفِرُواْ كَآفَّةً فَلَوْلاَ نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَآئِفَةٌ لِّيَتَفَقَّهُواْ فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُواْ قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُواْ إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ (122).

وما ينبغي للمُؤمِنينَ أن ينفِروا كلُّهم في وقتٍ واحدٍ للجهادِ في سَبيلِ اللهِ، فهلَّا نفَرَ مِن كُلِّ قَبيلةٍ أو أهلِ مَدينةٍ جمَاعةٌ مِن المُسلِمينَ للقِتالِ، تحصُلُ بهم الكفايةُ؛ ليتأتَّى لجُملةِ المُؤمِنينَ القاعِدينَ تعلُّمُ دِينِ اللهِ، والتَّفَقُّهُ فيه، ولِيُعلِّمَ القاعِدون قومَهم الَّذين نفَروا إلى الغزوِ، إذا رجَعوا إليهم، ويُخوِّفوهم ويَعِظوهم؛ رجاءَ أنْ يحذَروا عاقبةَ عصيانِ الله، وألَّا يعملوا بخِلافِ ما تعلَّموه.

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ قَاتِلُواْ الَّذِينَ يَلُونَكُم مِّنَ الْكُفَّارِ وَلِيَجِدُواْ فِيكُمْ غِلْظَةً وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ (123).

يا أيُّها المؤمنونَ، ابدَؤوا في الغَزوِ بقِتالِ الكُفَّارِ القَريبينَ مِن ديارِكم، ولْيَجِدِ الكُفَّارُ المُحارِبونَ لكم شِدَّةً وخُشونةً منكم عندَ قِتالِهم، وأيقِنُوا أنَّ اللهَ معكم بالنَّصرِ على أعدائِكم إنِ اتَّقَيتُموه، بامتثالِ أوامِرِه واجتنابِ نواهيه، ومِن ذلك تَقواه في جِهادِكم.

وَإِذَا مَا أُنزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُم مَّن يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَـذِهِ إِيمَانًا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُواْ فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ (124).

وإذا أنزَلَ اللهُ سُورةً مِن القُرآنِ على نبيِّه مُحَمَّدٍ، فمِنَ المُنافِقينَ مَن يقولُ لِغَيرِه؛ احتقارًا لِمَا أنزَلَ اللهُ: أيُّكم زادَتْه هذه السُّورةُ إيمانًا باللهِ وبآياتِه؟! فأمَّا المُؤمِنونَ فزادَتْهم السُّورةُ -الَّتي أنزَلَها اللهُ- إيمانًا إلى إيمانِهم وهم فَرِحونَ بفَضْلِ اللهِ، وما أنزَلَ عليهم في القُرآنِ مِن الهُدى والرَّحمةِ، والوَعدِ بالخَيرِ في الدُّنيا والآخرةِ.

وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ وَمَاتُواْ وَهُمْ كَافِرُونَ (125).

وأمَّا الَّذينَ في قُلوبِهم شكٌّ ونِفاقٌ، فزادَتْهم السُّورةُ -الَّتي أنزَلَها اللهُ- كُفرًا إلى كُفرِهم، وشَكًّا إلى شَكِّهم، ومات هولاء المُنافِقون وهم مُصِرُّونَ على كُفرِهم، لم يَتوبوا إلى اللهِ.

أَوَلاَ يَرَوْنَ أَنَّهُمْ يُفْتَنُونَ فِي كُلِّ عَامٍ مَّرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ لاَ يَتُوبُونَ وَلاَ هُمْ يَذَّكَّرُونَ (126).

أوَلا يرى المُنافِقونَ أنَّ اللهَ يَختَبِرُهم في بعضِ الأعوامِ مرَّةً، وفي بعض الأعوامِ مرَّتينِ؟! ثمَّ لا يتوبونَ عن ذُنوبِهم رغمَ البلاءِ الَّذي يُصيبُهم اللهُ به في كلِّ عامٍ، ولا هم يتَّعِظونَ فيَرجِعونَ إلى الله!

وَإِذَا مَا أُنزِلَتْ سُورَةٌ نَّظَرَ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ هَلْ يَرَاكُم مِّنْ أَحَدٍ ثُمَّ انصَرَفُواْ صَرَفَ اللّهُ قُلُوبَهُم بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَّ يَفْقَهُون (127).

وإذا أنزَلَ اللهُ سُورةً مِن القُرآنِ فيها فضحُ أسرارِ المُنافِقينَ، نظَرَ بَعضُهم إلى بعضٍ وقالوا خُفيةً أو بالإشارةِ المُفِهمةِ: هل يَراكم أحَدٌ إذا خلوتُم، ودبَّرتُم أُمورَكم، فيَنقُل كَلامَكم إلى محمَّدٍ، ويُطلِعه على أسرارِنا؟! صرَفَ اللهُ قُلوبَ المُنافِقين عن الانتفاعِ بتلك السُّورةِ، وصَرَفَهم عن الإيمانِ والعَمَلِ الصَّالحِ، وخَذَلَهم وأضلَّهم؛ بسبَبِ أنَّهم قومٌ لا يَفهَمونَ كِتابَ اللهِ، ويتكبَّرونَ عن سَماعِ آياتِه والعمَلِ بها.

لَقَدْ جَاءكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ (128).

لقد أرسَلَ اللهُ إليكم -أيُّها العرَبُ- مُحمَّدًا رَسولَ اللهِ، عربيًّا منكم، تَعرِفونَ لُغَتَه ونَسَبَه فيكم، وحالَه ونُصحَه لكم، يَشُقُّ عليه دُخولُ المشَقَّةِ عليكم، ولحوقُ الضَّررِ والأذَى بكم، وهو حريصٌ على هِدايتِكم، وإيصالِ الخَيرِ لكم في دُنياكم وآخِرَتِكم، شَديدُ الرِّقَّةِ والرِّفقِ والشَّفَقةِ بالمؤمنينَ، شديدُ الرَّحمةِ بهم.

فَإِن تَوَلَّوْاْ فَقُلْ حَسْبِيَ اللّهُ لا إِلَـهَ إِلاَّ هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ (129).

فإنْ أعرَضَ الكفَّارُ والمُشرِكونَ عن الإيمانِ بك وطاعَتِك -يا مُحمَّدُ- فقُلْ: يكفيني اللهُ جميعَ ما أهَمَّني، وهو ناصِري على عدُوِّي، لا معبودَ بحقٍّ إلَّا هو، وَحْدَه لا شريكَ له، على اللهِ وَحْدَه اعتمَدْتُ، وإليه استنَدْتُ، وفوَّضتُ جميعَ أموري، وهو مالِكُ العَرشِ العظيمِ وخالقُه، ومالكُ وخالقُ جميعِ ما دونَه مِن المخلوقاتِ.

يونس

الر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ

تُبيِّنُ هذه الحروفُ المقطَّعةُ، إعجازَ القرآنِ؛ حيثُ تُظهِرُ عجْزَ الخَلقِ عن مُعارَضَتِه بمثلِه، مع أنَّه مركَّبٌ مِن هذه الحروفِ الَّتي يَتحدَّثون بها ! وتلك الآياتُ الرَّفيعةُ الشَّأنِ هي آياتُ القرآنِ المحكَمِ الألفاظِ والمعاني، المُشتَمِلِ على الحكمةِ والأحكامِ.

أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَبًا أَنْ أَوْحَيْنَا إِلَى رَجُلٍ مِّنْهُمْ أَنْ أَنذِرِ النَّاسَ وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُواْ أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِندَ رَبِّهِمْ قَالَ الْكَافِرُونَ إِنَّ هَـذَا لَسَاحِرٌ مُّبِينٌ

كيف يتعَجَّبُ كفَّارُ قُريشٍ وكُفَّارُ العَرَبِ مِن إيحائِنا القُرآنَ إلى رجُلٍ من البَشَرِ، يُنذِرُ جَميعَ النَّاسِ عِقابَ اللهِ، على الكُفرِ به ومَعصِيَتِه، ويُبَشِّرُ المُؤمِنينَ بأنَّه سبَقَت لهم مِن الله السَّعادةُ في اللَّوحِ المحفوظِ بما قَدَّموا مِن إيمانٍ وأعمالٍ صالحةٍ؟! وقال الكافِرونَ: إنَّ هذا الرَّجُلَ لَساحِرٌ بالقرآنِ ظاهِرُ السِّحرِ.

إِنَّ رَبَّكُمُ اللّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُدَبِّرُ الأَمْرَ مَا مِن شَفِيعٍ إِلاَّ مِن بَعْدِ إِذْنِهِ ذَلِكُمُ اللّهُ رَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ

إنَّ ربَّكم -أيُّها النَّاسُ- هو الَّذي خلَقَ السَّمواتِ، والأَرَضَ في ستَّة أيَّامٍ، ثمَّ علا وارتفَعَ على عَرشِه، يُدبِّر أمورَ خَلْقِه، ولا يَشفَعُ عندَه يومَ القِيامةِ إلَّا مِن أذِنَ له، ذلكم هو المستَحِقُّ لإفرادِ العبادةِ له دونَ مَن سِواه، وهو ربُّكم فاعبُدوه وَحْدَه، أفلا تتذكرون ذلك بتلك الآياتِ والبَراهينِ؟!

إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا وَعْدَ اللّهِ حَقًّا إِنَّهُ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ بِالْقِسْطِ وَالَّذِينَ كَفَرُواْ لَهُمْ شَرَابٌ مِّنْ حَمِيمٍ وَعَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُواْ يَكْفُرُونَ

إلى اللهِ وَحْدَه مَرجِعُكم جميعًا -أيُّها النَّاسُ- يومَ القِيامةِ، وهذا وعدٌ صادقٌ لا يُخلَفُ، إنَّ اللهَ يبدأُ إنشاءَ الخَلْقِ، مِن العَدَمِ، ثمَّ يُعيدُه بعدَ مَوتِه، يومَ القيامةِ؛ لِيُثيبَ المُؤمِنينَ الَّذين قدَّموا الأعمال الصالحة، بالعَدلِ التام، وأما الكفَّارُ فلهم في الآخرةِ ماءٌ شديدُ الحرارةِ، ولهم عذابٌ مؤلمٌ؛ بسبَبِ كُفرِهم.

هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاء وَالْقَمَرَ نُورًا وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُواْ عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ مَا خَلَقَ اللّهُ ذَلِكَ إِلاَّ بِالْحَقِّ يُفَصِّلُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ

اللهُ هو الَّذي صيَّرَ الشَّمسَ مُضيئةً، وصيَّرَ القمَرَ مُنيرًا، وقدَّر اللهُ مَسيرَ القَمَرِ في منازِلَ، فيَنزِلُ في كلِّ يومٍ وليلةٍ مَنزِلًا منها، وهيَّأ ذلك في كلِّ شَهرٍ، لتعلمُوا -أيُّها النَّاسُ- عدَدَ السَّنواتِ، وحسابَ اللَّيالي والشُّهورِ، لم يخلُقِ اللهُ ذلك عَبَثًا وباطِلًا، ويُبيِّنُ اللهُ الأدلَّةَ لقومٍ يَعلَمونَ -إذا تدبَّروها- وَحدانيَّةَ اللهِ تعالى وقُدرَتَه، وآثارَ إحسانِه، ويستدِلُّونَ بها على صِفاتِه سُبحانه.

إِنَّ فِي اخْتِلاَفِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَمَا خَلَقَ اللّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَّقُونَ

إنَّ في تعاقُبِ اللَّيلِ والنَّهارِ، وخَلْفِ أحدِهما الآخَرَ، وفي كلِّ ما خلَقَ اللهُ في السَّمواتِ والأرضِ، لَأدلَّةً على الحقِّ، لقومٍ يتَّقونَ غضَبَ اللهِ وعِقابَه.

إَنَّ الَّذِينَ لاَ يَرْجُونَ لِقَاءنَا وَرَضُواْ بِالْحَياةِ الدُّنْيَا وَاطْمَأَنُّواْ بِهَا وَالَّذِينَ هُمْ عَنْ آيَاتِنَا غَافِلُونَ

إنَّ الَّذين لا يتوقَّعونَ لِقاءَ اللهِ يومَ القيامةِ، فلا يَخافونَ مِن لقائِه وعقابه، ولا يَطمَعونَ في لقائِه وثوابه، ورضُوا بالدُّنيا، وسَكَنوا إليها، والَّذين هم عن آياتِ الله الكَونيَّةِ والتَّنزيليَّةِ مُعرِضونَ، فلا يتفَكَّرونَ، ولا يَعتَبِرونَ.

أُوْلَـئِكَ مَأْوَاهُمُ النُّارُ بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ

أولئك الَّذين تلك صِفاتُهم، مَقَرُّهم في الآخرةِ: النَّارُ؛ لما كسَبُوه في الدُّنيا مِنَ الكُفرِ والشِّركِ والمعاصي.

إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمَانِهِمْ تَجْرِي مِن تَحْتِهِمُ الأَنْهَارُ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ

إنَّ الَّذين آمَنوا بالحقِّ، وعَمِلوا الأعمالَ الصَّالِحاتِ؛ يَزيدُهم ربُّهم هدًى إلى هُداهم، ويُرشِدُهم في الآخرةِ إلى جنَّاتِه؛ بِسَببِ إيمانِهم، وتَجري الأنهارُ مِن تحتِ غُرَفِهم ومقاعِدِهم وسُرُرِهم في بساتينِ النَّعيم.

دَعْوَاهُمْ فِيهَا سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَتَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلاَمٌ وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ

دُعاءُ المُؤمِنينَ في الجنَّةِ قولُهم: سُبحانَك اللَّهُمَّ، أي: ننزِّهُك يا اللهُ تنزيهًا مِن كلِّ نَقصٍ، وتحيَّةُ المؤمنينَ في الجنَّةِ: دعاءُ بَعضِهم لِبَعضٍ بالسَّلامةِ مِن كُلِّ سوءٍ، وخاتِمةُ دُعائِهم قولُهم: الحمدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمينَ، أي: جميعُ المحامِدِ مُستحَقَّةٌ لله تعالى ربِّ العالَمينَ.

وَلَوْ يُعَجِّلُ اللّهُ لِلنَّاسِ الشَّرَّ اسْتِعْجَالَهُم بِالْخَيْرِ لَقُضِيَ إِلَيْهِمْ أَجَلُهُمْ فَنَذَرُ الَّذِينَ لاَ يَرْجُونَ لِقَاءنَا فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ

ولو يُعجِّلُ اللهُ للنَّاسِ الشَّرَّ إذا دَعَوْا به، كاستعجالِهم بالخيرِ، لَهَلَكوا، فنَترُكُ الَّذين لا يرجُون لِقاءنا في تَمَرُّدِهم مُترَدِّدينَ مُتحَيِّرينَ، لا يَهتَدونَ.

وَإِذَا مَسَّ الإِنسَانَ الضُّرُّ دَعَانَا لِجَنبِهِ أَوْ قَاعِدًا أَوْ قَآئِمًا فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُ ضُرَّهُ مَرَّ كَأَن لَّمْ يَدْعُنَا إِلَى ضُرٍّ مَّسَّهُ كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْمُسْرِفِينَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ

وإذا أصابَ الإنسانَ ضررٌ اجتهَدَ في دعاء اللهِ في جميعِ أحوالِه؛ سواء مُضطَجِعًا على جَنْبِه، أو قاعدًا، أو قائمًا، فإذا فُرِّج عنه، عادَ إلى ما كان عليه مِن الكُفرِ أو المعاصي، ونَسِيَ أو تناسى ضُرَّه، ولم يتَّعِظْ، ولم يَشكُر، كأنَّه لم يَدْعُ اللهَ لرَفعِ ما أصابَه. كذلك زُيِّنَ للكافِرين المُجاوِزينَ الحَدَّ ما كانوا يَعملونَه مِن ذلك.

وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ مِن قَبْلِكُمْ لَمَّا ظَلَمُواْ وَجَاءتْهُمْ رُسُلُهُم بِالْبَيِّنَاتِ وَمَا كَانُواْ لِيُؤْمِنُواْ كَذَلِكَ نَجْزِي الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ

ولقد أهلَكْنا الأممَ الَّتي كانت قَبْلَكم -أيُّها المُشرِكونَ- لَمَّا أشرَك أهلُها باللهِ، وكَذَّبوا بالحقِّ، وقد جاءتهم الرُسُلُ بالمُعجِزاتِ والبَراهينِ الواضِحةِ، فلم يكُونوا ليؤمنوا؛ لأنَّ اللهَ طبَعَ على قُلوبِهم لشِدَّةِ كُفرِهم، ومُعانَدتِهم، فكذلك نُهلِكُ كُلَّ مُشرِكٍ وكافرٍ

ثُمَّ جَعَلْنَاكُمْ خَلاَئِفَ فِي الأَرْضِ مِن بَعْدِهِم لِنَنظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ

ثمَّ جَعَلْناكم سُكَّانًا في الأرضِ، مِن بَعدِ الأمَمِ الَّتي أهلَكْناها؛ لِنَنظُرَ ما تَعملونَ من الخَيرِ أو الشَّرِّ.

وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالَ الَّذِينَ لاَ يَرْجُونَ لِقَاءنَا ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَـذَا أَوْ بَدِّلْهُ قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِن تِلْقَاء نَفْسِي إِنْ أَتَّبِعُ إِلاَّ مَا يُوحَى إِلَيَّ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ

وإذا قُرئَ على مُشرِكي قُريشٍ آياتُ القُرآنِ الواضحاتُ، قال هؤلاء المكذِّبين بالبعثِ: ائتِ -يا محمَّدُ- بقرآنٍ آخَرَ ليس فيه ما نَكْرَهُ، أو غيِّرْ هذا القُرآنَ بنَفسِك على ما نُحِبُّ، فقُلْ لهم: لا يحقُّ أن أُغيِّرَه بمَحضِ رأيي، واجتهادِي، فليس لي إلَّا اتِّباعُ ما يُوحيه اللَّهُ إلَيَّ، إنِّي أخشى إن خالَفْتُ أمْرَ اللهِ، وبدَّلْتُ شَيئًا مِن كِتابِه، عذابَ يومٍ عظيمِ الأهوالِ.

قُل لَّوْ شَاء اللّهُ مَا تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ وَلاَ أَدْرَاكُم بِهِ فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُرًا مِّن قَبْلِهِ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ

قُلْ -يا محمَّدُ- لهؤلاءِ الكُفَّارِ: لو شاء اللَّهُ ما تَلَوتُ عليكم القُرآن، ولَمَا أعلَمَكم به، فقد أقمْتُ فيكم حينًا طويلًا مِن عُمُري قبْلَ أن يُوحَى القرآنُ إلَيَّ، وما جرَّبتُم علَيَّ كذبًا، وتعلمون أنِّي لستُ قارئًا أو كاتبًا، ثمَّ جِئتُكم بالقُرآنِ، أفلا تَعقِلونَ بذلك أنَّه وحيٌ مِن الله تعالى؟

فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ الْمُجْرِمُونَ

فلا أحَدَ أشَدُّ كَذِبًا، ممَّن كَذَبَ على اللهِ سُبحانه أو كذَّبَ بآياتِ كِتابِه، إنَّه لا يفوزُ الكافرونَ.

وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللّهِ مَا لاَ يَضُرُّهُمْ وَلاَ يَنفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَـؤُلاء شُفَعَاؤُنَا عِندَ اللّهِ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللّهَ بِمَا لاَ يَعْلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلاَ فِي الأَرْضِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ

ويَعبُدُ المُشرِكونَ مِن دُونِ الله آلهةً، لا تَضُرُّهم، ولا تنفَعُهم، ويقولُون: إنهم يَشفَعونَ لنا عندَ الله! فقُل لهم -يا مُحمَّدُ-: أهذا أمرٌ خفِي على اللهِ، وعلِمْتوه أنتم؟ تنزَّه اللهُ وتعالى عن أن يكونَ له شريكٌ.

وَمَا كَانَ النَّاسُ إِلاَّ أُمَّةً وَاحِدَةً فَاخْتَلَفُواْ وَلَوْلاَ كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَّبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ فِيمَا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ

كان النَّاسُ مُجتَمِعينَ على توحيدِ اللهِ، فاختَلَفوا، وأشرَك بعضهم، ولولا أنَّه سبَقَ مِن اللهِ إمهالُه المُشرِكينَ والعُصاةَ، وتأخيرُ جزائهم إلى يومِ القيامةِ؛ لحَكَم في الدُّنيا بين المُختَلِفينَ.

وَيَقُولُونَ لَوْلاَ أُنزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِّن رَّبِّهِ فَقُلْ إِنَّمَا الْغَيْبُ لِلّهِ فَانْتَظِرُواْ إِنِّي مَعَكُم مِّنَ الْمُنتَظِرِينَ

ويقولُ مُشرِكو قُرَيشٍ: هلَّا أَنزلَ اللهُ على محمَّدٍ مُعجِزةً مِمَّا نقتَرِحُ عليه؟ فقُل لهم: إنزالُ ذلك مِن الغَيبِ الَّذي لا يَعلَمُه ولا يَقدِرُ عليه إلَّا اللهُ، فانتَظِروا حُكمَ اللهِ، بعقوبةِ المُبطِلِ مِنَّا، ونَصرِ المُحِقِّ، إنِّي معكم ممَّن ينتَظِرُ ذلك.

وَإِذَا أَذَقْنَا النَّاسَ رَحْمَةً مِّن بَعْدِ ضَرَّاء مَسَّتْهُمْ إِذَا لَهُم مَّكْرٌ فِي آيَاتِنَا قُلِ اللّهُ أَسْرَعُ مَكْرًا إِنَّ رُسُلَنَا يَكْتُبُونَ مَا تَمْكُرُونَ

وإذا فرَّجنا عن المُشرِكينَ ما أصابَهم، سَعَوا بكلِّ حيلةٍ؛ لإبطالِ آياتِنا. فقُل لهم -يا مُحمَّدُ-: اللهُ أعجَلُ مَكرًا -باستدراجِكم وتعجيلِ عُقوبتِكم-، إنَّ المَلائكةَ يَكتُبونَ مَكْرَكم ويُحصُون أعمالَكم.

هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ حَتَّى إِذَا كُنتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِم بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُواْ بِهَا جَاءتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ وَجَاءهُمُ الْمَوْجُ مِن كُلِّ مَكَانٍ وَظَنُّواْ أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ دَعَوُاْ اللّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ لَئِنْ أَنجَيْتَنَا مِنْ هَـذِهِ لَنَكُونَنِّ مِنَ الشَّاكِرِينَ

اللهُ هو الَّذي يُسَيِّرُكم في البَرِّ؛ بإقدارِكم على المَشيِ على أقدامِكم، وبما سَخَّرَه مِن الدَّوابِّ لكم، ويُسَيِّرُكم في البَحرِ في السُّفُنِ الَّتي يَسَّرَ صُنعَها، حتَّى إذا ركبتُم فيها وجَرَت بكم؛ بسَبَبِ ريحٍ لَيِّنةِ الهُبوِبِ، وفَرِحَ بها رُكَّابُ السَّفينةِ، فبيْنَما هم كذلك إذ جاءت السَّفينةَ ريحٌ شديدةُ الهُبوبِ، وجاء ركابها مَوجُ البَحرِ مِن كُلِّ جانبٍ، وأيقَنُوا أنَّ الهَلاكَ قد أحاط بهم، وأنَّهم سيَغرَقونَ، فدَعَوُا اللهَ وَحْدَه أن يُنجِيَهم، قائلين: واللهِ لَئِنْ أنجيتَنا مِن هذه الشِّدَّةِ، لَنَكونَنَّ مِن الشَّاكرينَ لنِعَمِك، ولا نُشرِكُ بك.

فَلَمَّا أَنجَاهُمْ إِذَا هُمْ يَبْغُونَ فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا بَغْيُكُمْ عَلَى أَنفُسِكُم مَّتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ إِلَينَا مَرْجِعُكُمْ فَنُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ

فلمَّا أنقَذَ اللهُ رُكَّابَ السَّفينةِ، أفسَدوا في الأرضِ بالكُفرِ والظُّلمِ والمعاصي !فيا أيُّها النَّاسُ إنَّما وَبالُ بَغيِكم هذا عائدٌ على أنفُسِكم، تتمَتَّعونَ به مُدَّةَ حَياتِكم الفانيةِ، ثمَّ إلينا مَصيرُكم بعدَ مَوتِكم، فنُخبِرُكم بما كُنتُم تعملونَه في الدُّنيا، ونُجازيكم عليه.

إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاء أَنزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاء فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الأَرْضِ مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ وَالأَنْعَامُ حَتَّىَ إِذَا أَخَذَتِ الأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَآ أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلاً أَوْ نَهَارًا فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدًا كَأَن لَّمْ تَغْنَ بِالأَمْسِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ

إنَّما مَثَلُ زِينةِ الدُّنيا في سُرعةِ زَوالِها، كمَطرٍ أنزلناه مِن السَّماءِ، فنَبَتَتْ به أنواعٌ مِن نَباتاتِ الأرضِ مُتداخِلٌ بعضُها في بعضٍ ممَّا يأكُلُه النَّاسُ، وممَّا تأكُلُه الأنعامُ، حتَّى إذا ظهَرَ حُسنُ الأرضِ بألوانِ النَّباتِ، وتزيَّنَت بأنواعِ الحُبوبِ والثِّمارِ والأزهارِ المتعدِّدةِ الأشكالِ والألوانِ، وأيقَنَ الَّذين زَرَعوها وغَرَسوها أنَّهم قادِرونَ على حَصدِ زَرعِها، وقَطْفِ ثِمارِها، جاء الأرضَ قضاؤُنا بإهلاكِ نَباتِها فجأةً؛ إمَّا ليلًا أو نهارًا، فصيَّرْنا النَّباتَ مَقلوعًا هالِكًا، كأنْ لم يكُنْ قائمًا على الأرضِ يُزَيِّنُها بجمالِه! وبمِثلِ ذلك التَّفصيلِ البديعِ نبينُ الآياتِ لقومٍ يتفكَّرونَ فيعتبرونَ

وَاللّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلاَمِ وَيَهْدِي مَن يَشَاء إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ

واللهُ يدعو عِبادَه إلى دُخولِ جَنَّتِه السَّالِمةِ مِن الآفاتِ، فاطلُبوها بِطاعَتِه، ولا تطلُبوا الدُّنيا؛ فإنَّها مليئةٌ بالآفاتِ والنَّكَباتِ، ومصيرُها إلى فَناءٍ، واللهُ يُرشِدُ ويوفِّقُ مَن يَشاءُ مِن عِبادِه إلى الإسلامِ.

لِّلَّذِينَ أَحْسَنُواْ الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ وَلاَ يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ قَتَرٌ وَلاَ ذِلَّةٌ أُوْلَـئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ

للَّذين أحسَنوا في الدُّنيا بالإيمانِ، وأحسَنوا في طاعةِ الرَّحمنِ، على وَجهِ المُراقَبةِ له سُبحانه، وأحسَنوا إلى عبادِ اللهِ تعالى؛ هؤلاء لهم الجنَّةُ، ولهم زيادةٌ على ذلك، وأعظمُ أنواعِها النَّظَرُ إلى وجهِ الله عزَّ وجلَّ، ولا يَغشى وجوهَ أهلِ الجنَّة غُبارٌ ولا كآبةٌ، ولا هوانٌ، أولئك أصحابُ الجنَّةِ، ماكِثونَ فيها أبدًا.

وَالَّذِينَ كَسَبُواْ السَّيِّئَاتِ جَزَاء سَيِّئَةٍ بِمِثْلِهَا وَتَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ مَّا لَهُم مِّنَ اللّهِ مِنْ عَاصِمٍ كَأَنَّمَا أُغْشِيَتْ وُجُوهُهُمْ قِطَعًا مِّنَ اللَّيْلِ مُظْلِمًا أُوْلَـئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ

والَّذين عمِلوا السيِّئاتِ، فعَصَوا وكفَروا بالحقِّ، فلَهم جزاءٌ يَسوؤُهم، دونَ زيادةٍ، ويَغشاهم ذُلٌّ، وما لَهم مِن اللهِ مانعٌ من سَخَطِه وعذابِه، كأنَّما أُلبِسَت وجوهُهُم مِن شِدَّةِ سَوادِها أَجزاءً مِن اللَّيلِ المظلمِ! أولئك أصحابُ النَّارِ، ماكِثونَ فيها أبدًا.

وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُواْ مَكَانَكُمْ أَنتُمْ وَشُرَكَآؤُكُمْ فَزَيَّلْنَا بَيْنَهُمْ وَقَالَ شُرَكَآؤُهُم مَّا كُنتُمْ إِيَّانَا تَعْبُدُونَ

واذكُرْ -يا مُحَمَّدُ- يومَ نَجمَعُ كلَّ الخَلقِ يومَ القيامةِ، ثمَّ نقولُ للمُشرِكينَ: الزَموا مكانَكم، أنتُم ومَنِ اتَّخذتُمُوهم شُرَكاءَ لله، ففَرَّقْنا بيْنهم وبين مَعبُوديهم، وقال المعبودونَ للمُشرِكينَ: ما كُنتُم تعبُدونَنا في الحقيقةِ، إنما عبدتُّم أهواءَكم وشَياطينَكم الَّذين أمَروكم بعبادَتِنا.

فَكَفَى بِاللّهِ شَهِيدًا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ إِن كُنَّا عَنْ عِبَادَتِكُمْ لَغَافِلِينَ

قال المَعبودونَ لمَنْ عَبَدوهم: فحَسْبُنا اللهُ شاهدًا بيْنَنا وبيْنَكم؛ فإنَّه قد عَلِمَ أنَّكم عَبَدتُمونا مِن غيرِ أن نأمُرَكم، ومِن دونِ أن نَشعُرَ بعِبادتِكم لنا.

هُنَالِكَ تَبْلُو كُلُّ نَفْسٍ مَّا أَسْلَفَتْ وَرُدُّواْ إِلَى اللّهِ مَوْلاَهُمُ الْحَقِّ وَضَلَّ عَنْهُم مَّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ

في ذلك المَقامِ من أرضِ المَحشَرِ يومَ القيامةِ تَعلَمُ كلُّ نفسٍ ما قدَّمَت مِن خَيرٍ أو شَرٍّ، وتَجِدُه مكتوبًا، ورُدَّ هؤلاء المُشرِكونَ إلى اللهِ المتولِّي أمرَهم، الحَقِّ الذي لا شكَّ فيه، دُونَ مَا اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ مِن آلهةٍ، وبطَلَ ما كانوا يختَلِقونَه من الشُرَكاءِ وأنهم يَنفَعونَهم، ويَدفَعونَ عنهم الضُّرَّ، ويُقَرِّبونَهم إلى اللهِ.

قُلْ مَن يَرْزُقُكُم مِّنَ السَّمَاء وَالأَرْضِ أَمَّن يَمْلِكُ السَّمْعَ والأَبْصَارَ وَمَن يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيَّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَن يُدَبِّرُ الأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللّهُ فَقُلْ أَفَلاَ تَتَّقُونَ

قُل -يا مُحمَّدُ- للمُشرِكينَ: مَن الَّذي يرزُقُكم الماءَ مِن السَّماءِ، ويَرزُقُكم مِن الأرضِ الحبوب والثِّمارَ والبُقولَ والمعادِنَ؟ أم مَن الَّذي يملِكُ سَمعَكم وأبصارَكم؟ ومَنْ يُخرِجُ الشَّيءَ الحَيَّ مِن الشَّيءِ الميِّتِ، كما يُخرِجُ الزَّرعَ مِن الحَبَّةِ؟ ومَنْ يُخرِجُ الشَّيءَ الميِّتَ مِن الشَّيءِ الحَيِّ، كما يُخرجُ الحَبَّةَ مِن الزَّرع؟ ومَنْ يُقدِّر أمرَ الخلائِقِ، ويتصَرَّفُ في السَّماءِ والأرضِ بما يَشاءُ؟ فسيقولُ المُشرِكونَ: اللهُ وَحْدَه هو الَّذي يفعلُ ذلك، فقُل لهم: أفلا تتَّقونَ سخطَ الله وعذابَه؛ فتُخلصُوا له العبادةَ وحدَه؟

فَذَلِكُمُ اللّهُ رَبُّكُمُ الْحَقُّ فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلاَّ الضَّلاَلُ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ

فهذا الَّذي يفعَلُ تلك الأفعالَ العظيمة؛ هو المستَحِقُّ للعبادةِ وَحْدَه، وهو ربُّكم الحَقُّ الَّذي لا شَكَّ فيه، فأيُّ شَيءٍ غيرِ الحقِّ إلَّا الضَّلالُ؟ فكيف تُصرفون عن عبادةِ الله إلى عبادةِ غيره؟

كَذَلِكَ حَقَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ عَلَى الَّذِينَ فَسَقُواْ أَنَّهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ

كذلك وجَب قضاءُ الله وحُكمُه السَّابِقُ الصَّادرُ عن عِلمِه، على الَّذين خَرَجوا عن الحقِّ إلى الباطِلِ، بأنَّهم لا يُؤمنونَ، وأنَّهم مُعَذَّبونَ.

قُلْ هَلْ مِن شُرَكَآئِكُم مَّن يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ قُلِ اللّهُ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ

قُلْ -يا مُحمَّدُ- للمُشرِكينَ: هل ممَّن زَعَمتُم أنَّهم شُرَكاءُ لله في العبادةِ مَن يبتدِئُ خَلقَ شَيءٍ مِن العَدَمِ، ثمَّ إذا مات يُعيدُه إلى الحياةِ مَرَّةً أخرى؟ قُل لهم: اللهُ وَحْدَه هو الَّذي يفعلُ ذلك، فكيف تُصرَفونَ عن اتِّباعِ الحَقِّ إلى الباطِلِ؟!

قُلْ هَلْ مِن شُرَكَآئِكُم مَّن يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ قُلِ اللّهُ يَهْدِي لِلْحَقِّ أَفَمَن يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَن يُتَّبَعَ أَمَّن لاَّ يَهِدِّيَ إِلاَّ أَن يُهْدَى فَمَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ

قُلْ -يا مُحمَّدُ- للمُشرِكينَ: هل مِنْ آلهتِكم مَنْ يُرشِدُ ويُوفِّقُ إلى مَعرفةِ الحَقِّ واتِّباعِه؟ قُلْ لهم: اللهُ وَحْدَه مَنْ يفعلُ ذلك، فهل للهُ الَّذي يَهدي إلى الحَقِّ أحَقُّ أن يُعبَدَ وحدَه، أم شُركاؤُهم الَّذين لا يَهتَدونَ بأنفُسِهم، ولا يَهدُونَ مَن يَعبُدُهم، إلَّا أن يَهدِيَهم غيرُهم؟ فما بالُكم -أيُّها المُشرِكونَ- تَعبُدونَ المخلوقَ العاجِزَ، وتترُكونَ عبادةَ اللهِ الَّذي يَهدِيكم؟! كيف تُساوونَ بيْن اللهِ وخَلْقِه في العبادةِ؟

وَمَا يَتَّبِعُ أَكْثَرُهُمْ إِلاَّ ظَنًّا إَنَّ الظَّنَّ لاَ يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا إِنَّ اللّهَ عَلَيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ

وما يتَّبِعُ أكثَرُ هؤلاء المُشرِكينَ في إشراكِهم باللهِ إلَّا مُجَرَّدَ ظَنٍّ، دون دليلٍ على صِحَّته، إنَّ الظَّنَّ لا يُوصِلُ إلى الحَقِّ، ولا يُنتفَعُ به في شيءٍ يَحتاجُ إلى اليقينِ، إنَّ اللهَ عليمٌ بما يفعَلُ المُشرِكونَ، وسيُجازيهم

وَمَا كَانَ هَـذَا الْقُرْآنُ أَن يُفْتَرَى مِن دُونِ اللّهِ وَلَـكِن تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ الْكِتَابِ لاَ رَيْبَ فِيهِ مِن رَّبِّ الْعَالَمِينَ

ما يَنْبغي لهذا القرآنِ أن يختلِقَه أحدٌ على الله، ولكن أنزَلَه اللهُ مُصَدِّقًا للكتُبِ السابقةِ، وتفصيلًا لِلْعَقائِدِ، والحَلالِ، والحَرامِ، ونَحْوِ ذَلِكَ، فلا شَكَّ أنَّهُ غَيرُ مُفتَرًى، وأنَّهُ لا رَيبَ في كَونِهِ مِن رَبِّ العالَمِينَ.

أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُواْ بِسُورَةٍ مِّثْلِهِ وَادْعُواْ مَنِ اسْتَطَعْتُم مِّن دُونِ اللّهِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ

أم يقولُ المُشرِكونَ: اختلَقَ مُحمَّدٌ القُرآنَ مِن نَفسِه؟ فقُلْ لهم -يا مُحمَّدُ-: إنْ كنتُ قد افتَرَيتُه فأنتم عرَبٌ مِثلي، فأْتُوا بسُورةٍ واحدةٍ مِن جِنسِ القُرآنِ، وادْعُوا مَن قَدَرتُم على دعوتهِم؛ لِيُعينوكم على ذلك، إن كُنتُم صادِقينَ في زَعمِكم أنِّي افتريتُ القُرآنَ!

بَلْ كَذَّبُواْ بِمَا لَمْ يُحِيطُواْ بِعِلْمِهِ وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ

بل كذَّبوا بالقُرآنِ الَّذي لم يُحيطوا بعِلمِ ما فيه، ولَمْ يأتِهم بعدُ حَقيقةُ ما وُعِدوا فيه، من نُزولِ العذابِ. كذلك كذَّبَ مشركُو الأُمَمِ الماضيةِ بالحَقِّ، فانظُرْ -يا مُحمَّدُ- كيف كانت نهايتُهم؛ أهلَكْناهم، وسنُهلِكُ أمثَالَهم من المكَذِّبينَ

وَمِنهُم مَّن يُؤْمِنُ بِهِ وَمِنْهُم مَّن لاَّ يُؤْمِنُ بِهِ وَرَبُّكَ أَعْلَمُ بِالْمُفْسِدِينَ

ومِنَ المُشرِكينَ مَن سَيُؤمِنُ بالقُرآنِ، ويتوبُ مِن الكُفرِ، ومِنهم مَن لا يُؤمِنُ بالقُرآنِ، ويستمِرُّ على كُفرِه حتَّى يموتَ، وربُّك -يا مُحمَّدُ- أعلَمُ بالمكذِّبينَ، ومَن يبقَى منهم مُصِرًّا على كُفرِه.

وَإِن كَذَّبُوكَ فَقُل لِّي عَمَلِي وَلَكُمْ عَمَلُكُمْ أَنتُمْ بَرِيئُونَ مِمَّا أَعْمَلُ وَأَنَاْ بَرِيءٌ مِّمَّا تَعْمَلُونَ

وإنْ كذَّبَك المُشرِكونَ -يا مُحمَّدُ-، فقُلْ لهم: لي عمَلي الَّذي سيُجازيني اللهُ به، ولكم عَمَلُكم الَّذي سيُجازيكم اللهُ عليه، لا تُؤاخَذونَ بِجَريرةِ أعمالي، ولا أُؤاخَذُ بجَريرةِ أعمالِكم.

وَمِنْهُم مَّن يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ أَفَأَنتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ وَلَوْ كَانُواْ لاَ يَعْقِلُونَ

ومِن الكُفَّارِ مَن يستَمِعُ إلى تلاوتِك للقرآنِ وحديثِك -يا مُحمَّدُ- وقلوبُهم غافلةٌ، فلا ينتَفِعونَ بسَماعِهم هذا، أفأنت تستطيعُ أن تُسمِعَ الصُّمَّ، خصوصًا إذا كانوا بلا عَقلٍ؟! فكذلك لا تقدِرُ على جَعلِ الكُفَّارِ ينتَفِعونَ بالسَّماعِ منك.

وَمِنهُم مَّن يَنظُرُ إِلَيْكَ أَفَأَنتَ تَهْدِي الْعُمْيَ وَلَوْ كَانُواْ لاَ يُبْصِرُونَ

ومِن الكُفَّارِ مَن ينظُرُ إليك -يا مُحمَّدُ- ولا ينتَفِعونَ بذلك النَّظَرِ، أفأنتَ تستطيعُ أن تُرشِدَ العُمْيَ الَّذين لا بَصرَ لهم، وخصوصًا إذا انضَمَّ إلى ذلك فَقْدُ البَصيرةِ؟! فكذلك لا تَقدِرُ على هدايةِ الكُفَّارِ الَّذين عَمِيَت قلوبُهم عن رؤيةِ الحَقِّ.

إِنَّ اللّهَ لاَ يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئًا وَلَـكِنَّ النَّاسَ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ

إنَّ اللهَ لا يفعلُ بخَلقِه ما لا يَستَحِقُّون؛ فلا يَسلُبُ أحدًا الإيمانَ أو يَصرِفُه عن الهدَى إلَّا إذا استحقَّ ذلك، ولا يعُاقِبُ مَن لم يستوجِبِ العقابَ، ولا يزيدُ في سَيِّئاتِ أحدٍ، ولا يَنقُصُ مِن حَسَناتِ أحدٍ، ولكنَّ النَّاسَ هم الَّذينَ يَظلِمونَ أنفُسَهم، بكُفرِهم باللهِ ومَعصيتِه، فيستَحِقُّونَ عقابَه.

وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ كَأَن لَّمْ يَلْبَثُواْ إِلاَّ سَاعَةً مِّنَ النَّهَارِ يَتَعَارَفُونَ بَيْنَهُمْ قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُواْ بِلِقَاء اللّهِ وَمَا كَانُواْ مُهْتَدِينَ

ويومَ يَجمَعُ اللهُ الكافِرينَ يومَ القيامةِ، فيَستَقِلُّون مُدَّةَ مُكثِهم في الدُّنيا، كأنَّهم لم يَعيشوا إلَّا ساعةً مِن نَهارٍ !ويَعرِفُ النَّاسُ بَعضُهم بعضًا، كما كانوا في الدُّنيا يَعرِفونَ بَعضَهم، وقد خَسِرَ ثوابَ اللهِ وجَنَّتَه الجاحِدونَ لِلِقاءِ اللهِ، فاستحَقُّوا دخولَ النَّارِ، وما كانوا موفَّقينَ بتكذيبِهم بالبَعثِ.

وَإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ ثُمَّ اللّهُ شَهِيدٌ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ

وسواءٌ عجَّلنا عُقوبةَ الكُفَّارِ في حياتِك -يا مُحمَّدُ- فتَراها، أو نُمِتْك قبلَ أن نُرِيَك ذلك؛ فمَصيرُهم إلينا بكلِّ حالٍ، ثمَّ اللهُ شاهدٌ على ما كانوا يفعَلونَه في الدُّنيا، وسيُجازيهم به.

وَلِكُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولٌ فَإِذَا جَاء رَسُولُهُمْ قُضِيَ بَيْنَهُم بِالْقِسْطِ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ

ولكلِّ أمَّةٍ من الأُمَمِ الماضيةِ رَسولٌ أرسَلَه اللهُ إليهم؛ ليدعوهم إلى الحقِّ، فإذا أتَاهم يومَ القيامةِ؛ لِيَشهَدَ عليهم، حَكَم اللهُ بيْنَهم بالعَدلِ، وهو غيرُ ظالمٍ لهم.

وَيَقُولُونَ مَتَى هَـذَا الْوَعْدُ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ

ويقولُ المُشرِكونَ: متى سيأتينا عذابُ اللهِ إن كُنتُم -أيُّها الرَّسولُ ومَن اتَّبَعَك- صادقينَ فيما تَعِدونَنا به مِن العَذابِ؟

قُل لاَّ أَمْلِكُ لِنَفْسِي ضَرًّا وَلاَ نَفْعًا إِلاَّ مَا شَاء اللّهُ لِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ إِذَا جَاء أَجَلُهُمْ فَلاَ يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلاَ يَسْتَقْدِمُونَ

قُلْ لهم -يا مُحمَّدُ-: لا أقدِرُ على ضَرِّ نَفسي ولا نَفْعِها، إلَّا ما شاء اللهُ أن أقدِرَ عليه، ولستُ قادرًا على الإتيانِ بما تسألونَني مِن العذابِ، ولكلِّ قومٍ وقتٌ محددٌ قدَّره اللهُ لانقضاءِ حياتِهم، فإذا جاء هذا الوقتُ، فلا يُؤخَّرونَ ولا يتقدَّمون عنه ساعةً.

قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُهُ بَيَاتًا أَوْ نَهَارًا مَّاذَا يَسْتَعْجِلُ مِنْهُ الْمُجْرِمُونَ

قُلْ -يا محمَّدُ- للمُشرِكينَ: أخبِروني إن أتاكم عذابُ اللهِ لَيلًا، وقتَ نَومِكم، أو نهارًا، وقتَ اشتغالِكم بمَعاشِكم، أيَّ شيءٍ يَستعجِلُه المُشرِكونَ مِن العذابِ سِوى الشَّرِّ الَّذي لا يستطيعونَ دَفْعَه؟

أَثُمَّ إِذَا مَا وَقَعَ آمَنْتُم بِهِ آلآنَ وَقَدْ كُنتُم بِهِ تَسْتَعْجِلُونَ

أإذا نزَلَ عذابُ اللهِ بكم -أيُّها المُشرِكونَ- آمَنتُم به حين لا ينفَعُكم الإيمانُ؟! آلآنَ تُؤمِنونَ وقد كنتُم قبْلَ مَجيءِ العذابِ تَستعجِلونَه تكذيبًا به؟

ثُمَّ قِيلَ لِلَّذِينَ ظَلَمُواْ ذُوقُواْ عَذَابَ الْخُلْدِ هَلْ تُجْزَوْنَ إِلاَّ بِمَا كُنتُمْ تَكْسِبُونَ

ثمَّ يُقالُ يومَ القيامةِ للَّذين ظَلَموا أنفُسَهم: تجرَّعوا العَذابَ الدَّائمَ، وهل يُجازيكم اللهُ إلَّا بما كُنتُم تعملونَ مِن الكُفرِ والتَّكذيبِ والمعاصي؟

وَيَسْتَنبِئُونَكَ أَحَقٌّ هُوَ قُلْ إِي وَرَبِّي إِنَّهُ لَحَقٌّ وَمَا أَنتُمْ بِمُعْجِزِينَ

ويَستخبِرُك المُشرِكونَ -يا محمَّدُ- فيقولونَ: أحقٌّ ما تَعِدُنا به؟ فقُلْ لهم: نعَمْ، وأُقسِمُ بربِّي إنَّ ما وعَدْتُكم به لَحَقٌّ واقعٌ، وما أنتم بفائِتي اللهِ؛ فهو قادرٌ عليكم.

وَلَوْ أَنَّ لِكُلِّ نَفْسٍ ظَلَمَتْ مَا فِي الأَرْضِ لاَفْتَدَتْ بِهِ وَأَسَرُّواْ النَّدَامَةَ لَمَّا رَأَوُاْ الْعَذَابَ وَقُضِيَ بَيْنَهُم بِالْقِسْطِ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ

ولو أنَّ لكُلِّ نَفسٍ كفَرَت باللهِ، جميعَ ما في الأرضِ، لبَذَلَته يومَ القيامةِ -لو كان يُقبَلُ منها- لتفتَدِيَ به مِن عذابِ اللهِ، وأخفَى الكُفَّارُ الندمَ على كُفرِهم حينَ رأَوْا عذابَ اللهِ يومَ القيامةِ، وقضَى اللهُ بينَهم بالعَدلِ، وهو غيرُ ظالمٍ لهم.

أَلا إِنَّ لِلّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ أَلاَ إِنَّ وَعْدَ اللّهِ حَقٌّ وَلَـكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ

ألَا إنَّ لِلَّهِ وَحْدَه جميعَ ما في السَّمواتِ والأرضِ، فلا مانِعَ له مِن إنفاذِ حُكمِه، ألا إنَّ وعدَ اللهِ حقٌّ لا محالةَ، ولكنَّ أكثَرَ أولئك المُشرِكينَ لا يعلمونَ، فهم به يُكذِّبونَ.

هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ

اللهُ وَحْدَه هو المتصَرِّفُ بالإحياءِ والإماتةِ، فلا يتعذَّرُ عليه إحياءُ المُشرِكينَ وغَيرِهم، ولا إماتَتُهم إذا أراد ذلك، وإلى اللهِ وَحْدَه مَصيرُهم بعدَ مَوتِهم، فيُجازيهم

يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءتْكُم مَّوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَشِفَاء لِّمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ

يا أيُّها النَّاسُ، قد أتاكم قرآنٌ مِن رَبِّكم يأمُرُكم ويزجُرُكم، ويرقِّقُ قُلوبَكم، ودواءٌ للقُلوبِ مِن الشَّهَواتِ والشُّبُهاتِ، وهدًى للحقِّ، ورحمةٌ للمُؤمِنينَ فهم المنتفعُون بِه.

قُلْ بِفَضْلِ اللّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُواْ هُوَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ

قُلْ -يا مُحمَّدُ-: بالإسلامِ الذي تفضَّل عليكم وهداكم إليه، وبالقرآنِ الذي أنزله إليكم رحمةً منه فاستنقَذكم به مِن الضلالةِ فليفرحوا، لا بزينةِ الدُّنيا، فهو خَيرٌ ممَّا يجمَعُ النَّاسُ مِن مَتاعٍ وأموالٍ.

قُلْ أَرَأَيْتُم مَّا أَنزَلَ اللّهُ لَكُم مِّن رِّزْقٍ فَجَعَلْتُم مِّنْهُ حَرَامًا وَحَلاَلاً قُلْ آللّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللّهِ تَفْتَرُونَ

قُلْ -يا مُحمَّدُ- للمُشرِكينَ: أخبِروني عن الرِّزقِ الَّذي أنزله اللهُ لكم، فجعَلْتُم بعضَه حرامًا، وبَعضَه حلالًا، آللَّهُ أذِنَ لكم بهذا، أم أنَّكم تَكذِبونَ على اللهِ؟

وَمَا ظَنُّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللّهِ الْكَذِبَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَـكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَشْكُرُونَ

وما ظنُّ الَّذين يتقوَّلونَ على اللهِ الكَذِبَ أن يَحُلَّ بهم يومَ القيامةِ؟ أيحسَبونَ أنَّ اللهَ لا يُعاقِبُهم؟ إنَّ اللهَ لَصاحِبُ تفَضُّلٍ على النَّاسِ بنِعَمِه الكثيرةِ، ولكِنَّ أكثَرَ النَّاسِ لا يَشكُرونَ اللهَ تعالى.

وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَمَا تَتْلُو مِنْهُ مِن قُرْآنٍ وَلاَ تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلاَّ كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ وَمَا يَعْزُبُ عَن رَّبِّكَ مِن مِّثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي الأَرْضِ وَلاَ فِي السَّمَاء وَلاَ أَصْغَرَ مِن ذَلِكَ وَلا أَكْبَرَ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ

وما تكونُ -يا محمَّدُ- في عملٍ مِن الأعمالِ، وما تتلو مِن سورةٍ مِن القرآنِ، ولا تعملونَ -أيُّها النَّاسُ- مِن عَمَلٍ، إلَّا واللهُ مطَّلِعٌ عليكم حينَ تأخُذونَ فيه، وما يغيبُ عن رَبِّك وزنُ نَملةٍ صَغيرةٍ في الأرضِ أو السَّماءِ، ولا أصغَرَ مِن ذلك أو أكبَرَ، وكلُّ ذلك في لَوحٍ مَحفوظٍ، مكتوبٍ فيه كلُّ شَيءٍ.

أَلا إِنَّ أَوْلِيَاء اللّهِ لاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ

ألَا إنَّ مَن تولَّاهم اللهُ تعالى بنَصرِه ومحبَّتِه، لا خوفٌ عليهم ممَّا يستَقبِلونَه، ولا هم يَحزَنونَ على ما مَضَى.

الَّذِينَ آمَنُواْ وَكَانُواْ يَتَّقُونَ

وأولياءُ اللهِ هم الَّذين آمَنوا بالحقِّ، وصدَّقوا إيمانَهم بلُزومِ تقوى اللهِ تعالى.

لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَياةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ لاَ تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ

لأولياءِ الله البُشرى في الدُّنيا كالرُّؤيا الصَّالحةِ، ولهم البُشرى في الآخرةِ بدُخولِ الجنَّةِ، وما وعَد اللهُ به فحقٌّ واقعٌ، لا يمكنُ تبديلُه. وما يُبشَّرُ به أولياءُ اللهِ هو الظَّفَرُ العَظيمُ، والنَّجاةُ الكبيرةُ.

وَلاَ يَحْزُنكَ قَوْلُهُمْ إِنَّ الْعِزَّةَ لِلّهِ جَمِيعًا هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ

ولا يُحْزِنْك -يا مُحمَّدُ- قَولُ المُشركينَ، كافترائِهم على اللهِ، وتكذيبِهم لك، واستهزائِهم بالحَقِّ؛ فإنَّ اللهَ هو المُنفَرِدُ بجميعِ العِزَّةِ في الدُّنيا والآخرةِ، فله الغَلَبةُ الشَّاملةُ، وهو ناصِرُك، ومانِعُك مِن أذَى المُشرِكينَ، وهو القادِرُ على الانتقامِ منهم، هو السَّميعُ لأقوالِ عِبادِه، العليمُ بأحوالِهم.

أَلا إِنَّ لِلّهِ مَن فِي السَّمَاوَات وَمَن فِي الأَرْضِ وَمَا يَتَّبِعُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللّهِ شُرَكَاء إِن يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلاَّ يَخْرُصُونَ

ألا إنَّ للهِ كلَّ مَنْ في السَّمواتِ والأرضِ، والَّذي يتَّبِعُه هؤلاء المشركون في دَعواهم الشُّرَكاءَ للهِ إنما هو مُجَرَّدُ ظنٍّ بلا دليلٍ، وهم يتقوَّلونَ الكَذِبَ على اللهِ.

هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُواْ فِيهِ وَالنَّهَارَ مُبْصِرًا إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَسْمَعُونَ

اللهُ وَحْدَه هو الَّذي جعل لكم -أيُّها النَّاسُ- اللَّيلَ؛ لتستريحوا فيه، وجعل لكم النَّهارَ مُضيئًا تُبصِرونَ فيه لِمَعاشِكم، وقضاءِ حوائِجِكم، إنَّ في ذلك لدَلالاتٍ للَّذينَ يَسمَعونَ آياتِ الله ويَعُونَها، ويعتَبِرونَ بها.

قَالُواْ اتَّخَذَ اللّهُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ هُوَ الْغَنِيُّ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَات وَمَا فِي الأَرْضِ إِنْ عِندَكُم مِّن سُلْطَانٍ بِهَـذَا أَتقُولُونَ عَلَى اللّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ

ادَّعى المشركون أنَّ للهِ ولدًا كما قال مُشرِكو العَرَبِ: الملائكةُ بناتُ اللهِ! وقد تنزَّه اللهُ عن ذلك، فهو الغنيُّ عن الزَّوجةِ والوَلَدِ، وعن جميعِ خَلْقِه، له جميعُ ما في السَّمواتِ والأرضِ، فكيف يَحتاجُ إلى شيءٍ مِن خَلْقِه، أو يتَّخِذُ منهم ولدًا؟! وكيف تقولونَ على اللهِ ما لا تَعلَمونَ صِحَّتَه-أيُّها المشركون-؟!

قُلْ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللّهِ الْكَذِبَ لاَ يُفْلِحُونَ

قُلْ -يا مُحمَّدُ-: إنَّ الَّذين يَكذِبونَ على اللهِ فيَنسُبونَ إليه الولدَ، لا يفوزونَ، ولا يَنجُونَ.

مَتَاعٌ فِي الدُّنْيَا ثُمَّ إِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ ثُمَّ نُذِيقُهُمُ الْعَذَابَ الشَّدِيدَ بِمَا كَانُواْ يَكْفُرُونَ

إنما يتمَتَّعونَ في الدُّنيا إلى انقضاءِ آجالِهم، ثمَّ إلى اللهِ مَصيرُهم بعدَ مَوتِهم، ثمَّ يُذيقُهم العذابَ الشَّديدَ؛ بسبَبِ كُفرهِم بالحقِّ.

وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ نُوحٍ إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ إِن كَانَ كَبُرَ عَلَيْكُم مَّقَامِي وَتَذْكِيرِي بِآيَاتِ اللّهِ فَعَلَى اللّهِ تَوَكَّلْتُ فَأَجْمِعُواْ أَمْرَكُمْ وَشُرَكَاءكُمْ ثُمَّ لاَ يَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةً ثُمَّ اقْضُواْ إِلَيَّ وَلاَ تُنظِرُونِ

واقرأْ -يا مُحمَّدُ- على المُشرِكينَ خَبَرَ نوحٍ مع قَومِه، حينَ قال: يا قومي، إنْ شقَّ عليكم لُبثِي بيْنكم، ووَعظي إيَّاكم بآيات اللهِ، فعَزَمتُم على إيذائي- فَعَلى اللهِ اعتمَدْتُ؛ فهو ينصُرُني، ويمنَعُ أذاكم عنِّي، فأعِدُّوا أمْرَكم، واعزِموا جميعًا على إيذائي، وادعُوا شركاءَكم مِن دونِ اللهِ لإعانتِكم، ثمَّ ليكُنْ أمرُكم ظاهرًا غير ملتبسٍ، ثمَّ أنفِذوا قضاءَكم، وافرُغُوا مِن أمري، ولا تُمهِلوني.

فَإِن تَوَلَّيْتُمْ فَمَا سَأَلْتُكُم مِّنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلاَّ عَلَى اللّهِ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ

قال نوحٌ لِقَومِه: فإن أعرَضْتُم عن الحقِّ، فأنا لم أطلبْ على تبليغه مالًا منكم، وما ثَوابي إلَّا على اللهِ سواء قبلتُم الحقَّ أم توليتُم عنْه، وقد أمَرَني أن أكونَ مِن المُستَسلمينَ له، المُنقادينَ له، وأنا مُمتَثِلٌ ذلك.

فَكَذَّبُوهُ فَنَجَّيْنَاهُ وَمَن مَّعَهُ فِي الْفُلْكِ وَجَعَلْنَاهُمْ خَلاَئِفَ وَأَغْرَقْنَا الَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُنذَرِينَ

فكذَّب نوحًا قومُه، فنجَّيناه والمؤمنين معه في السَّفينةِ مِن الغَرَق، وجَعَلْناهم خلائِفَ في الأرضِ، وأغرَقْنا قَومَ نوحٍ؛ لتكذيبهم بالحقِّ، فانظُرْ -يا محمَّدُ- كيف كان آخِرُ أمرِ القَومِ الَّذين أنذَرَهم نوحٌ عِقابَنا؛ أهلَكْناهم.

ثُمَّ بَعَثْنَا مِن بَعْدِهِ رُسُلاً إِلَى قَوْمِهِمْ فَجَآؤُوهُم بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا كَانُواْ لِيُؤْمِنُواْ بِمَا كَذَّبُواْ بِهِ مِن قَبْلُ كَذَلِكَ نَطْبَعُ عَلَى قُلوبِ الْمُعْتَدِينَ

ثمَّ أرسَلْنا مِن بعدِ نوحٍ رُسُلًا إلى قَومِهم، فجاؤوهم بالدلائل الواضحةِ على صِدقِهم، فما كان المُشرِكونَ لِيُؤمِنوا بالحقِّ؛ بسبَبِ تكذيبِهم به حينَ جاءَهم أوَّلَ مرَّةٍ، كذلك نطبعُ على قلوبِ المُجاوِزينَ الحَدَّ بالشِّركِ، وتكذيبِ الرُّسُلِ، فلا يؤمِنون؛ عقوبةً لهم.

ثُمَّ بَعَثْنَا مِن بَعْدِهِم مُّوسَى وَهَارُونَ إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ بِآيَاتِنَا فَاسْتَكْبَرُواْ وَكَانُواْ قَوْمًا مُّجْرِمِينَ

ثمَّ أرسَلْنا بعدَ الرسُلِ الَّذين جاؤوا عقب نوحٍ، موسى وهارونَ إلى فِرعونَ والأشرافِ مِن قَومِه بمُعجِزاتِنا الواضحةِ، فاستكبَروا عن اتِّباعِ الحَقِّ؛ وكانوا أصحابَ ذُنوبٍ كبيرةٍ وآثامٍ عظيمةٍ.

فَلَمَّا جَاءهُمُ الْحَقُّ مِنْ عِندِنَا قَالُواْ إِنَّ هَـذَا لَسِحْرٌ مُّبِينٌ

فلمَّا جاءَتْهم المُعجزاتُ الَّتي أيَّدْنا بها موسى، قالوا: إنَّ هذا الَّذي جاء به موسى لَسِحْرٌ ظاهِرٌ!

قَالَ مُوسَى أَتقُولُونَ لِلْحَقِّ لَمَّا جَاءكُمْ أَسِحْرٌ هَـذَا وَلاَ يُفْلِحُ السَّاحِرُونَ

قال موسى: أتقولونَ عن المُعجزاتِ الَّتي جِئتُكم بها: إنَّها سِحرٌ مُبينٌ؟! ولا ينجو السَّاحِرونَ، ولا يفوزونَ.

قَالُواْ أَجِئْتَنَا لِتَلْفِتَنَا عَمَّا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءنَا وَتَكُونَ لَكُمَا الْكِبْرِيَاء فِي الأَرْضِ وَمَا نَحْنُ لَكُمَا بِمُؤْمِنِينَ

قالوا: أجِئتَنا -يا موسى- لِتصرِفَنا بسِحرِك عن دينِنا الَّذي وَجَدْنا عليه آباءَنا، ولتكونَ لكما عَظمةُ المُلكِ، وعِزُّ السُّلطانِ في الأرضِ؟! وما نحنُ لكما -يا موسى وهارونُ- بمؤمنين.

وَقَالَ فِرْعَوْنُ ائْتُونِي بِكُلِّ سَاحِرٍ عَلِيمٍ

وقال فِرعونُ: أحضِروا إلَيَّ مِن المدائِنِ كلَّ ساحرٍ ماهرٍ بالسِّحرِ.

فَلَمَّا جَاء السَّحَرَةُ قَالَ لَهُم مُّوسَى أَلْقُواْ مَا أَنتُم مُّلْقُونَ

فلمَّا جاء السَّحرةُ قال لهم موسى: اطرَحوا ما تريدون طرحَه، ممَّا مَعَكم من حِبالٍ وعِصِيٍّ.

فَلَمَّا أَلْقَواْ قَالَ مُوسَى مَا جِئْتُم بِهِ السِّحْرُ إِنَّ اللّهَ سَيُبْطِلُهُ إِنَّ اللّهَ لاَ يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ

فلمَّا ألقَى السَّحرةُ حِبالَهم وعِصيَّهم، قال لهم موسى: الَّذي جِئتُم به من السِّحر، إنَّ اللهَ سيُذهِبُه، ويُظهِرُ بُطلانَه للنَّاسِ، إنَّ اللهَ لا يُصلِحُ أعمالَ الَّذين يَسعَونَ في أرضِ اللهِ بما يَكرَهُه كالسَّحَرةِ.

وَيُحِقُّ اللّهُ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ

ويُثبِّتُ اللهُ الحَقَّ، ويُوضِّحُه ويُظهِرُه على مَن خالَفَه، بكَلِماتِه الكَونيَّةِ، وكَلِماتِه التَّنزيليَّةِ الَّتي يُوحيها إلى رسلِه، وإن كَرِه العُصاةُ الآثِمونَ ذلك.

فَمَا آمَنَ لِمُوسَى إِلاَّ ذُرِّيَّةٌ مِّن قَوْمِهِ عَلَى خَوْفٍ مِّن فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِمْ أَن يَفْتِنَهُمْ وَإِنَّ فِرْعَوْنَ لَعَالٍ فِي الأَرْضِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الْمُسْرِفِينَ

فلم يُصدِّقْ بموسى، ويُقِرَّ بنبوَّتِه إلَّا قَليلٌ مِن أولادِ قَومِه، وهم خائفونَ مِن فِرعونَ وأشرافِ قَومِهم -الَّذين كانوا على مِثلِ ما كان عليه فرعونُ- أن يَصرِفَهم فِرعونُ عن الحَقِّ، بمِحنةٍ يُوقِعُها عليهم، وإنَّه لجبَّارٌ، متكبِّرٌ على الحَقِّ والخَلْقِ، ومِنَ المسرفين.

وَقَالَ مُوسَى يَا قَوْمِ إِن كُنتُمْ آمَنتُم بِاللّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُواْ إِن كُنتُم مُّسْلِمِينَ

وقال موسى لِبني إسرائيلَ: يا قومِ، إن كُنتم آمَنتُم باللهِ حقًّا فاعتَمِدوا عليه وَحْدَه في نَصْرِكم، ودَفْعِ الضُّرِّ عنكم، إن كنتم مُذعِنينَ له بالطَّاعةِ.

فَقَالُواْ عَلَى اللّهِ تَوَكَّلْنَا رَبَّنَا لاَ تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِّلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ

فقال بنو إسرائيلَ: على اللهِ وَحْدَه اعتَمَدْنا، ربَّنا؛ لا تنصر الكافِرينَ علينا، فيَفْتنونا عن دينِنا أو يَعتَقِدوا أنَّهم على الحَقِّ، فيكون ذلك فتنةً لهم.

وَنَجِّنَا بِرَحْمَتِكَ مِنَ الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ

وخلِّصْنا برَحمتِك مِن بَطشِ وسُلطانِ قَومِ فِرعونَ.

وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى وَأَخِيهِ أَن تَبَوَّءا لِقَوْمِكُمَا بِمِصْرَ بُيُوتًا وَاجْعَلُواْ بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً وَأَقِيمُواْ الصَّلاَةَ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ

وأوحَينا إلى موسى وأخيه هارونَ أنِ اتَّخِذا لبني إسرائيلَ في أرضِ مِصرَ مساكِنَ، واجعَلوها مساجِدَ تُصلُّونَ فيها، وأدُّوا ما أمَرَكم اللهُ مِن الصَّلَواتِ كما ينبغي، وبَشِّر -يا موسى- المؤمنينَ بالنَّصرِ والثَّوابِ.

وَقَالَ مُوسَى رَبَّنَا إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلأهُ زِينَةً وَأَمْوَالاً فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا رَبَّنَا لِيُضِلُّواْ عَن سَبِيلِكَ رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَلاَ يُؤْمِنُواْ حَتَّى يَرَوُاْ الْعَذَابَ الأَلِيمَ

وقال موسى: رَبَّنا إنَّك أعطيتَ فِرعونَ وأشرافَ قَومِه زينةً، وأموالًا في الدُّنيا؛ استدراجًا منك لهم؛ فيَضِلُّوا ويُضِلُّوا غيرَهم؛ عقوبةً منك لهم، يا ربَّنا أتْلِفْ أموالَ فِرعونَ ومَلَئِه، واطبعْ على قلوبِهم بالكُفرِ، فلا يُؤمِنوا حتَّى يُعايِنوا العذابَ المؤلم، فلا ينفعُهم إيمانُهم حينَئذٍ.

قَالَ قَدْ أُجِيبَت دَّعْوَتُكُمَا فَاسْتَقِيمَا وَلاَ تَتَّبِعَآنِّ سَبِيلَ الَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ

قال الله: قد أجبتُ دَعوتَكما -يا موسى وهارونُ- فاستَقِيما واثْبُتا على دينِكما، واستمِرَّا على دعوةِ فِرعونَ وقومِه إلى الحَقِّ إلى أن يأتيَهم العذابُ، ولا تَسلُكا طريقَ الَّذين يَجهَلونَ أنَّ اللهَ لا يُخلِفُ الميعادَ، فيَستعجِلونَ وعيدَه وقضاءَه.

وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ وَجُنُودُهُ بَغْيًا وَعَدْوًا حَتَّى إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قَالَ آمَنتُ أَنَّهُ لا إِلِـهَ إِلاَّ الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَاْ مِنَ الْمُسْلِمِينَ

وقَطَعْنا ببني إسرائيلَ البَحرَ عندَما خرَجوا من مِصرَ مع موسى، فتَبِعَهم فرعونُ وجنودُه؛ استعلاءً عليهم واعتداءً، حتَّى إذا أحاط الغَرَقُ بفِرعونَ قال: أقررتُ بأنَّه لا إلهَ إلَّا اللهُ الَّذي آمَنَ به قومُ موسى، وأنا من المُنقادينَ له بالطَّاعةِ.

آلآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ

قال اللهُ لِفَرعونَ: آلآنَ تتوبُ، وتؤمِنُ باللهِ، وتستسلِمُ له بعدَ فواتِ الأوانِ، وقد عصيتَه قبلَ نزولِ عذابِه، وكنتَ مِن المُفسِدينَ في الأرضِ الَّذين ظَلَموا العبادَ، وأضَلُّوهم عن سبيلِ الله؟!

فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً وَإِنَّ كَثِيرًا مِّنَ النَّاسِ عَنْ آيَاتِنَا لَغَافِلُونَ

فاليومَ نُنَجِّي بدنَك، فيَتبَيَّن للنَّاسِ هلاكُك؛ لِتَكونَ لِمَن بَعدَك مِن النَّاسِ عِبرةً، فيَنزَجِروا عن الكُفرِ باللهِ ومَعصيتِه، وإنَّ كثيرًا مِن النَّاسِ مُعرِضونَ عن التَّفكُّرِ في آياتِ الله تعالى، والاعتبارِ بها.

وَلَقَدْ بَوَّأْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ مُبَوَّأَ صِدْقٍ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ فَمَا اخْتَلَفُواْ حَتَّى جَاءهُمُ الْعِلْمُ إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُواْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ

ولقد أنزَلْنا وأسكنَّا بني إسرائيلَ مَنازِلَ حَسَنةً محمودةً، ورَزَقْناهم مِن الحلالِ الطَّيِّبِ، فما اختلَفُوا في الإقرار بنُبوَّةِ محمَّدٍ صلى اللهُ عليه وسلَّم، إلى أن بُعِثَ، وجاءَهم القُرآنُ، فاختَلفوا حينَئذٍ؛ فآمَنَ بعضُهم، وكفر بعضُهم، إنَّ ربَّك -يا مُحمَّدُ- سيحكُمُ بيْنهم يومَ القيامةِ، فيُدخِلُ المؤمنينَ بك الجنَّةَ، ويُدخِلُ المكذِّبينَ بك النَّارَ.

فَإِن كُنتَ فِي شَكٍّ مِّمَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ فَاسْأَلِ الَّذِينَ يَقْرَؤُونَ الْكِتَابَ مِن قَبْلِكَ لَقَدْ جَاءكَ الْحَقُّ مِن رَّبِّكَ فَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ

فإنْ كنتَ -يا محمَّدُ- في شكٍّ ممَّا أخبَرْناك مِن أنَّ بني إسرائيلَ لم يختَلِفوا في أمرِك إلَّا بعدَ مَجيئِك فاسألْ أهلَ الكِتابِ الَّذين يقَرؤونَ التَّوراةَ والإنجيلَ مِن قبلِك؛ فإنَّهم يَعلَمونَ صحَّةَ ذلك، أُقسِمُ إنَّه قد جاءك -يا محمَّدُ- الحَقُّ مِن ربِّك بأنَّك رسولُ اللهِ، وأنَّ الَّذين أُوتوا الكتابَ مِن قَبلِك يَعلَمونَ ذلك، فلا تَكوننَّ مِن الشَّاكِّينَ.

وَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ الَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِ اللّهِ فَتَكُونَ مِنَ الْخَاسِرِينَ

ولا تكوننَّ -يا محمَّدُ- مِن المكذِّبينَ بآياتِ القُرآنِ، فتكونَ مِن الخاسِرينَ أنفُسَهم بدُخولِ النَّارِ، المُضَيِّعينَ سعادةَ الدُّنيا والآخرةِ.

إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ

إنَّ الَّذين وجبَت عليهم كَلِمةُ رَبِّك -يا مُحمَّدُ- بأنَّهم مستمرُّون على الكُفرِ والموتِ عليه؛ لا يُؤمِنونَ إيمانًا ينفَعُهم قبلَ مَوتِهم.

وَلَوْ جَاءتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ حَتَّى يَرَوُاْ الْعَذَابَ الأَلِيمَ

ولو جاءتْهم كلُّ آيةٍ كونيَّةٍ مُعجِزةٍ، أو آيةٍ شَّرعيَّةٍ مُنزَّلةٍ، فإنَّهم لا يُؤمِنونَ حتَّى يُعايِنوا العذابَ المؤلمَ فيُؤمِنوا، ولا ينفَعُهم ذلك.

فَلَوْلاَ كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَهَا إِيمَانُهَا إِلاَّ قَوْمَ يُونُسَ لَمَّآ آمَنُواْ كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ الخِزْيِ فِي الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ

ما آمَنَ أهلُ قريةٍ مِن القُرى الهالكةِ في وقتٍ ينفَعُهم إيمانُهم فيه، إلَّا قَومَ يُونُسَ، آمَنوا كُلُّهم في وقتٍ يَنفَعُهم فيه الإيمانُ، حينَ رأَوْا آيةً تدُلُّ على العذابِ قبلَ نُزولِه بهم، فلَمَّا آمَنَوا رُفع عنهم عذابَ الذُّلِّ الَّذي وعدَهم به نبيُّهم، ومُتِّعُوا في الدُّنيا إلى نهايةِ أعمارِهم المكتوبةِ.

وَلَوْ شَاء رَبُّكَ لآمَنَ مَن فِي الأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا أَفَأَنتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُواْ مُؤْمِنِينَ

ولو شاء ربُّك -يا محمَّدُ- لآمن كلُّ مَن في الأرضِ، لكنَّه لم يشَأْ ذلك؛ لِمُخالفتِه مقتضَى حِكمتِه سُبحانَه، أفأنت -يا مُحمَّدُ- تُلزِمُ النَّاسَ بأن يكونوا مُؤمِنينَ؟ ليس ذلك إليك، ولا قُدرةَ لك عليه.

وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَن تُؤْمِنَ إِلاَّ بِإِذْنِ اللّهِ وَيَجْعَلُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لاَ يَعْقِلُونَ

وما ينبغي لنفْسٍ أن تؤمِنَ بالحقِّ إلَّا إذا أذن اللهُ بذلك، ويجعَلُ اللهُ غضَبَه وعذابَه على الَّذينَ لا يَعقِلونَ آياتِه، وحُجَجَه، ومواعِظَه.

قُلِ انظُرُواْ مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا تُغْنِي الآيَاتُ وَالنُّذُرُ عَن قَوْمٍ لاَّ يُؤْمِنُونَ

قُلْ -يا مُحَمَّدُ- للمُشرِكينَ الَّذين يقترحُون إنزالَ بعضِ المعجزاتِ: انظُروا ماذا في السَّمواتِ، وفي الأرضِ، فتفَكَّروا في ذلك واعتَبِروا، فهو يُغنيكم عن طلَبِ المعجزاتِ، وما تنفَعُ الآياتُ، والإنذاراتُ قومًا سبَقَ في علمِ اللهِ أنَّهم لا يُؤمِنونَ.

فَهَلْ يَنتَظِرُونَ إِلاَّ مِثْلَ أَيَّامِ الَّذِينَ خَلَوْاْ مِن قَبْلِهِمْ قُلْ فَانتَظِرُواْ إِنِّي مَعَكُم مِّنَ الْمُنتَظِرِينَ

فهل ينتَظِرُ هؤلاء المُشرِكونَ مِن العذابِ، إلَّا مِثلَ ما وقَعَ للأممِ الماضيةِ، المكَذِّبةِ لِرُسُلِها؟ قُل لهم -يا مُحمَّدُ-: فانتَظِروا عذابَ اللهِ، إنِّي معكم مِن المُنتَظرينَ ما يحُلُّ بكم.

ثُمَّ نُنَجِّي رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُواْ كَذَلِكَ حَقًّا عَلَيْنَا نُنجِ الْمُؤْمِنِينَ

ثمَّ نُنجِّي رُسُلَنا والمُؤمِنينَ بهم مِن العذابِ الواقِعِ على قَومِهم، وكذلك نُنْجي المُؤمِنينَ جميعًا، حقًّا ووعدًا أوجَبَهُ اللهُ على نفسِه فلا يُخلَف.

قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِن كُنتُمْ فِي شَكٍّ مِّن دِينِي فَلاَ أَعْبُدُ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللّهِ وَلَـكِنْ أَعْبُدُ اللّهَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ

قُلْ -يا مُحمَّدُ-: يا أيُّها النَّاسُ، إن كُنتُم في شَكٍّ مِن صِحَّةِ الإسلامِ الَّذي أدعوكم إليه، فلا أعبدُ الَّذين تَعبُدونَ مِن دونِ اللهِ، مِن الأصنامِ وغَيرِها، ولكنْ أعبدُ اللهَ الَّذي يُميتُكم، ثمَّ يَبعَثُكم؛ لِيُجازيَكم، وأمَرَني اللهُ أن أكونَ مِن جملةِ المُؤمِنينَ.

وَأَنْ أَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا وَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ

وأمَرَني اللهُ بِقَولِه: أقمْ نفْسَك على الإسلامِ، واستَقِمْ عليه مُخلِصًا لله، مائلًا عن كلِّ دينٍ سِواه، ولا تكوننَّ مِن المُشرِكينَ في عبادةِ اللهِ.

وَلاَ تَدْعُ مِن دُونِ اللّهِ مَا لاَ يَنفَعُكَ وَلاَ يَضُرُّكَ فَإِن فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًا مِّنَ الظَّالِمِينَ

ولا تَعبُدْ -يا مُحمَّدُ- مِن دونِ اللهِ ما لا ينفَعُك إن عبَدْتَه، ولا يضُرُّك إن عصَيتَه، فإنْ عَبَدتَ غَيرَ اللهِ فإنَّك مِن الظَّالِمينَ لأنفُسِهم بالشِّركِ.

وَإِن يَمْسَسْكَ اللّهُ بِضُرٍّ فَلاَ كَاشِفَ لَهُ إِلاَّ هُوَ وَإِن يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلاَ رَآدَّ لِفَضْلِهِ يُصَيبُ بِهِ مَن يَشَاء مِنْ عِبَادِهِ وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ

وإن يُصِبْك اللهُ -يا مُحمَّدُ- ببلاءٍ فلا يَكشِفُه عنك إلَّا اللهُ وَحْدَه، وإنْ يُرِدِ اللهُ لك الخيرَ فلا أحدَ يَقدِرُ على ردِّ فَضلِه، يُصيبُ اللهُ بالضُّرِّ والخيرِ مَن يَشاءُ، وهو الغَفورُ لذُنوبِ عبادِه، الرَّحيمُ بهم.

قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءكُمُ الْحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ فَمَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَن ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَمَا أَنَاْ عَلَيْكُم بِوَكِيلٍ

قُل -يا محمَّدُ-: يا أيُّها النَّاسُ، قد جاءكم القُرآنُ مِن عندِ رَبِّكم، فمَن اتَّبَعه، فإنَّما ينفَعُ نفْسَه، ومَن ضلَّ عنه، فإنَّما يضرُّ نفْسَه وما أنا بحفيظٍ عليكم حتى أحفظَ أعمالَكم وأحاسِبَكم عليها.

وَاتَّبِعْ مَا يُوحَى إِلَيْكَ وَاصْبِرْ حَتَّىَ يَحْكُمَ اللّهُ وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ

واتَّبعْ القُرآنَ -يا محمَّدُ-، واصبِرْ على التَّمسُّكِ به، وعلى أذى المُشرِكينَ، حتَّى يَقضيَ اللهُ بيْنَك وبيْنَهم، واللهُ خيرُ الحاكِمينَ بالعدْلِ.

هود

الَر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِن لَّدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ (1)

تُبيِّنُ هذه الحروفُ المقطَّعةُ، إعجازَ القرآنِ؛ حيثُ تُظهِرُ عجْزَ الخَلقِ عن مُعارَضَتِه بمثلِه، مع أنَّه مركَّبٌ مِن هذه الحروفِ الَّتي يَتحدَّثون بها! وقد أتقَنَ اللهُ آياتِ القُرآنِ فلا خللَ فيها ولا باطِلَ، ثمَّ بُيِّنَتْ بالأخبارِ الصَّادقةِ، والأحكامِ العادلةِ، وذلك مِن حكيمٍ في تدبيرِ الأشياءِ وتقديرِها، خبيرٍ مُطَّلِعٍ على البواطِنِ، وعواقبِ الأمورِ.

أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ اللّهَ إِنَّنِي لَكُم مِّنْهُ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ (2)

أُحكِمَت آياتُ القُرآنِ ثم فُصِّلَت؛ بأن تَعبُدوا اللهَ وَحْدَه -أيُّها النَّاسُ-، وقُلْ لهم -يا مُحمَّدُ-: إنَّني أُخَوِّفُكم عِقابَ اللهِ، إن كَفَرتُم به وعَصَيْتُموه، وأُبَشِّرُكم بثوابِ اللهِ، إن آمَنتُم به وأطعتُموه.

وَأَنِ اسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُواْ إِلَيْهِ يُمَتِّعْكُم مَّتَاعًا حَسَنًا إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ وَإِن تَوَلَّوْاْ فَإِنِّيَ أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ كَبِيرٍ (3)

وبأن تطلبُوا المغفرةَ من ربِّكم، ثمَّ تتوبوا إليه، فإنِ قمتُم بذلك، يُمتِّعْكم في الدُّنيا إلى حُضورِ أجَلِكم، ويُعطِ كلَّ ذي إحسانٍ أجْرَه وثوابَه، وإن تُعرِضوا عن ذلك؛ فإنِّي أخافُ عليكم عذابَ يومٍ كَبِيرٍ شأنُه، عظيمٍ هولُه

إِلَى اللّهِ مَرْجِعُكُمْ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (4)

إلى اللهِ وَحْدَه مَصيرُكم بعدَ مَوتِكم، فيُجازيكم بأعمالِكم، واللهُ على كلِّ شَيءٍ قادِرٌ، فلا يُعجِزُه بعثُ عبادِه، ومُجازاتُهم.

أَلا إِنَّهُمْ يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ لِيَسْتَخْفُواْ مِنْهُ أَلا حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيَابَهُمْ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (5)

إنَّ المُشرِكينَ كانُوا يَظنُّونَ -جَهلًا منهم باللهِ- أنَّ ثَنيَ صُدورِهم يَحجُبُ عن علمِ اللهِ ما يُخفونَه فيها! إنَّ اللهَ -حين يتغطَّى المُشرِكونَ بثِيابِهم- يَعلَمُ ما يُسرُّونَه وما يُعلِنونَه، إنَّ اللهَ عليمٌ بما تُخفي صدورُ عِبادِه.