التفسير المحرر

التفسير المحرر

وَاعْلَمُواْ أَنَّمَا غَنِمْتُم مِّن شَيْءٍ فَأَنَّ لِلّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ إِن كُنتُمْ آمَنتُمْ بِاللّهِ وَمَا أَنزَلْنَا عَلَى عَبْدِنَا يَوْمَ الْفُرْقَانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ وَاللّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (41).

اللغة: العربية
إعداد:
الإصدار: 1.0
ترجمات 1
إنجليزي
المرفقات 7
PDF
Audio
Video
+3

وَاعْلَمُواْ أَنَّمَا غَنِمْتُم مِّن شَيْءٍ فَأَنَّ لِلّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ إِن كُنتُمْ آمَنتُمْ بِاللّهِ وَمَا أَنزَلْنَا عَلَى عَبْدِنَا يَوْمَ الْفُرْقَانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ وَاللّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (41).

واعلَمُوا -أيُّها المؤمنونَ- أنَّ أيَّ مالٍ تأخُذونَه مِن الكفَّارِ قَهرًا، إذا انتصَرتُم عليهم، فللَّهِ خُمُسَه، يُصرَفُ فيما أمَرَ به، ولِمُحمَّدٍ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم؛ يتصَرَّفُ فيما جعَلَه اللهُ له مِن الخُمُسِ بما شاء في مصالِحِه ومصالِحِ المُسلمينَ، ولقَرابةِ النَّبيِّ مِن بني هاشمٍ وبني المطَّلِبِ، ولِيَتامى المُسلمينَ، وللمُحتاجينَ مِنهم، وللمُسافِرِ المُحتاجِ للمالِ في سَفَرِه، فامتَثِلوا ما شَرَعْناه لكم في قِسمةِ الغَنائِمِ، إن كُنتُم آمَنتُم باللهِ تعالى، وبما أنزَلْنا على محمَّدٍ مِن آياتِ كِتابِنا يومَ فرَقَ اللهُ بيْنَ الحَقِّ والباطِلِ، يومَ الْتَقى جمعُ المُسلمينَ والكُفَّارِ بِبَدرٍ، واللهُ لا يُعجِزُه شَيءٌ، ومِن ذلك نَصرُ المُؤمنينَ.

إِذْ أَنتُم بِالْعُدْوَةِ الدُّنْيَا وَهُم بِالْعُدْوَةِ الْقُصْوَى وَالرَّكْبُ أَسْفَلَ مِنكُمْ وَلَوْ تَوَاعَدتَّمْ لاَخْتَلَفْتُمْ فِي الْمِيعَادِ وَلَـكِن لِّيَقْضِيَ اللّهُ أَمْراً كَانَ مَفْعُولاً لِّيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَن بَيِّنَةٍ وَيَحْيَى مَنْ حَيَّ عَن بَيِّنَةٍ وَإِنَّ اللّهَ لَسَمِيعٌ عَلِيمٌ (42).

فرَقَ اللهُ بينَ الحَقِّ والباطِلِ حينَ كُنتم بِضَفَّةِ وادي بَدرٍ، الَّتي هي أقرَبُ إلى المدينةِ، ومُشرِكو قُريشٍ نازِلونَ بِضَفَّةِ وادي بَدرٍ، الَّتي هي أبعَدُ مِن المدينةِ، وأصحابُ الإبِلِ الَّذين معهم تجارةُ المُشركينَ؛ في موضعٍ أسفَلَ منكم ممَّا يلي ساحِلَ البَحرِ، ولو اتَّفَقتُم -أيُّها المؤمنونَ- مع المُشركينَ على القتالِ في مكانٍ وزمانٍ مُحَدَّدينِ؛ لَمَا اجتمَعْتُم، ولكِن جَمَعَكم اللهُ ببَدرٍ على غيرِ ميعادٍ؛ لِيَنصُرَ اللهُ المؤمنينَ، ويُهلِكَ الكافِرينَ، وكان ذلك قضاءً لا بدَّ مِن وُقوعِه؛ ليستمِرَّ في الكُفرِ مَن استمَرَّ فيه بعدَ قيامِ الحُجَّةِ عليه، ويؤمِنَ مَنْ آمَنَ بعدَ ظُهورِ الحجَّةِ له، وإنَّ اللهَ لَسَميعٌ لِجَميعِ الأصواتِ، ومِن ذلك دُعاؤكم، عليمٌ بكُلِّ شَيءٍ، ومِن ذلك علمُه باستحقاقكمُ النَّصْرَ على أعدائِكم.

إِذْ يُرِيكَهُمُ اللّهُ فِي مَنَامِكَ قَلِيلاً وَلَوْ أَرَاكَهُمْ كَثِيرًا لَّفَشِلْتُمْ وَلَتَنَازَعْتُمْ فِي الأَمْرِ وَلَـكِنَّ اللّهَ سَلَّمَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (43)

اذكُرْ -يا مُحمَّدُ- حينَ أراك اللهُ في نَومِك جَيشَ الكافِرينَ في بدرٍ وهم قليلٌ، فأخبَرتَ المُسلمينَ بذلك، فَقَوِيَت قُلوبُهم على قتالِهم، ولو أراكَ اللهُ عَددَ الكافِرينَ في مَنامِك كثيرًا، وأخبرتَ المُسلمينَ بذلك؛ لخافوا، واختَلَفوا في قتالِهم، ولكنَّ اللهَ سلَّمهم مِن الفَشَلِ والتَّنازُعِ، فتجرَّؤوا على القتالِ، إنَّ اللهَ عليمٌ بما تُخفيه الصُّدورُ؛ مِن الإيمانِ والكُفرِ، والوَساوِسِ وغيرِها.

وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ الْتَقَيْتُمْ فِي أَعْيُنِكُمْ قَلِيلاً وَيُقَلِّلُكُمْ فِي أَعْيُنِهِمْ لِيَقْضِيَ اللّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولاً وَإِلَى اللّهِ تُرْجَعُ الاُمُورُ (44).

واذكروا -أيُّها المؤمنونَ- حينَ أراكُم اللهُ في اليقظةِ جيشَ الكافِرينَ قليلًا عندَ اللِّقاءِ؛ لِتَتشجَّعوا على قتالِهم، وقَلَّلَكم في أعيُنِ الكافِرينَ؛ ليَستَهينوا بقتالِكم، فخيَّل اللهُ لكُلِّ فَريقٍ قِلَّةَ الفَريقِ الآخَرِ؛ ليقَعَ ما قدَّره مِن القتالِ، وانتصارِ المُسلمينَ، وإهلاكِ الكافِرينَ، وإلى اللهِ تعالى تَصيرُ أمورِ الخَلائقِ، فيَحكُمُ فيهم بالعَدلِ.

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُواْ وَاذْكُرُواْ اللّهَ كَثِيرًا لَّعَلَّكُمْ تُفْلَحُونَ (45).

يا أيُّها المؤمنونَ، إذا لَقِيتُم جماعةً مُحارِبينَ لكم، فاثبُتُوا لقتالِهم، ولا تتَزَعزعوا ولا تَفِرُّوا، واذكُروا اللهَ تعالى عندَ لقاءِ العَدُوِّ ذِكرًا كثيرًا؛ لعلَّكم تنالون النَّصرَ.

وَأَطِيعُواْ اللّهَ وَرَسُولَهُ وَلاَ تَنَازَعُواْ فَتَفْشَلُواْ وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُواْ إِنَّ اللّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ (46).

وأطيعُوا اللهَ ورَسولَه -أيُّها المؤمنونَ- ولا تَختَلفوا فيما بيْنَكم، فتجبُنوا عن قتالِ عَدُوِّكم، وتَخورَ قُواكم، فلا تَنتَصِروا، واصبِروا عندَ لقاءِ عَدُوِّكم؛ إنَّ اللهَ مع الصَّابِرينَ، بالنَّصرِ والتَّأييدِ.

وَلاَ تَكُونُواْ كَالَّذِينَ خَرَجُواْ مِن دِيَارِهِم بَطَرًا وَرِئَاء النَّاسِ وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللّهِ وَاللّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ (47).

ولا تكونوا -أيُّها المؤمنونَ- مِثلَ كُفَّارِ قُريشٍ الَّذين خرَجُوا مِن مَنازِلهم ردًّا للحَقِّ، غيرَ شاكِرينَ لنِعَمِ الله تعالى، ولِيَفتَخِروا على النَّاسِ بجَمعِهم، ولِيَمنَعُوهم مِن اتباع الحقِّ، واللهُ عالِمٌ بما يعمَلُون.

وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ وَقَالَ لاَ غَالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ وَإِنِّي جَارٌ لَّكُمْ فَلَمَّا تَرَاءتِ الْفِئَتَانِ نَكَصَ عَلَى عَقِبَيْهِ وَقَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِّنكُمْ إِنِّي أَرَى مَا لاَ تَرَوْنَ إِنِّيَ أَخَافُ اللّهَ وَاللّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ (48).

واذكُرْ -يا مُحمَّدُ- حينَ حسَّن إبليسُ لكفَّارِ قُريشٍ أعمالَهم القبيحةَ، وقال: لا يغلبكم أحدٌ مِن النَّاسِ اليومَ، وإنِّي مُجيرٌ وحافظٌ لكم، فلمَّا نظر كلُّ فريقٍ إلى الآخَرِ يومَ بَدرٍ؛ رجعَ إبليسُ القَهقرَى هاربًا، وقال: إنِّي أتبرَّأُ منكم، إنِّي أرى الملائكةَ الَّتي نزَلَت لتأييدِ المُسلمينَ، وأنتم لا تَرَونَهم، إنِّي أخافُ أن يعاقِبَني اللهُ، فأهلِكَ معكم، واللهُ شديدُ التَّنكيلِ بمن خالَفَه.

إِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ غَرَّ هَـؤُلاء دِينُهُمْ وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللّهِ فَإِنَّ اللّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (49).

اذكُرْ -يا مُحمَّدُ- حينَ قال المُنافِقونَ، والَّذين في قُلوبِهم شَكٌّ: غرَّ الإسلامُ هؤلاءِ المُسلمينَ وخدَعهم، فتكلَّفوا قتالَ قُريشٍ، وهم أكثَرُ وأقوى. ومَن يُفَوِّضْ أمْرَه إلى اللهِ تعالى، ويعتَمِدْ عليه؛ فاللهُ يُعِزُّه وينصُرُه؛ فهو عزيزٌ، لا يَغلبُه شيءٌ، حكيمٌ في تدبيره، فلا يَدخُلُه خلَلٌ، يَنصُرُ مَن يستحِقُّ، ويعذِّبُ مَن يستحِقُّ

وَلَوْ تَرَى إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُواْ الْمَلآئِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ وَذُوقُواْ عَذَابَ الْحَرِيقِ (50).

ولو عايَنْتَ -يا مُحمَّدُ- حينَ تَنزِعُ الملائكةُ أرواحَ الكُفَّارِ، وهُم يَضرِبونَ وُجوهَهم وأستاهَهم؛ لَرَأيتَ أمرًا فَظيعًا! ويقولُ الملائكةُ للكفَّارِ: ذُوقوا عذابَ النَّارِ الَّتي تَحرِقُكم.

ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ وَأَنَّ اللّهَ لَيْسَ بِظَلاَّمٍ لِّلْعَبِيدِ (51).

ويقولُ الملائكةُ للكفَّارِ وهم يَضرِبونَهم: وقع ذلك الجزاء لما عَمِلتُموه مِن الكُفرِ والمعاصي، واللهُ لا يَظلِمُ أحدًا مِن خَلقِه؛ فأرسَلَ إليهم رُسُلَه، وأنزَلَ كُتُبَه، وأقام الحجَّةَ.

كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ كَفَرُواْ بِآيَاتِ اللّهِ فَأَخَذَهُمُ اللّهُ بِذُنُوبِهِمْ إِنَّ اللّهَ قَوِيٌّ شَدِيدُ الْعِقَابِ (52).

عادةُ مشركي قُريشٍ في كُفرِهم، كعادةِ قَومِ فِرعونَ والأُمَمِ المُكذِّبةِ قَبلِهم؛ جحَدوا آياتِ اللهِ، ومعجزاتِ رسلِه، فأهلكهم اللهُ تعالى؛ لكُفرِهم ومعاصيهم، إنَّ اللهَ لا يُعجِزُه شيءٌ، شديدُ العقابِ لِمَن يستحقُّه.

ذَلِكَ بِأَنَّ اللّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِّعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنفُسِهِمْ وَأَنَّ اللّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (53).

وقع العذابُ الَّذي أهلك اللهُ به كُفَّارَ قُريشٍ ومُشركي الأُمَم الماضيةِ؛ لأنَّهم بدَّلُوا نعمةَ اللهِ كُفرًا، واللهُ تعالى لا يسلُب نعمةً أنعَمَ بها على قومٍ، ويُحِلُّ مَحَلَّها العُقوباتِ إلَّا لتَغييرِهم ما بأنفُسِهم؛ بالوُقوعِ في الكُفرِ، أو السَّيِّئاتِ، وقد وقع العذابُ عليهم؛ لأنَّ اللهَ سَميعٌ لكلامِ خَلْقِه، عليمٌ بهم، فهو يُجازيهم بما يستحقُّونَه.

كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ كَذَّبُواْ بآيَاتِ رَبِّهِمْ فَأَهْلَكْنَاهُم بِذُنُوبِهِمْ وَأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَونَ وَكُلٌّ كَانُواْ ظَالِمِينَ (54).

عادةُ مشركي قُريشٍ في كُفرِهم، كعادةِ قَومِ فِرعونَ والأُمَمِ المُكذِّبةِ قَبلهم، كذَّبوا بآياتِ اللهِ، فسُلِبوا النِّعمَ، وأهلَكهم اللهُ لذُنوبِهم، وأغرَقَ قومَ فِرعونَ في البَحرِ، وكلُّ الذين أُهلِكوا، ظلموا أنفسهم بكُفرِهم وتَكذيبِهم

إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِندَ اللّهِ الَّذِينَ كَفَرُواْ فَهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ (55).

إنَّ أكثَرَ الدَّوابِّ الَّتي تدبُّ على وجهِ الأرضِ شَرًّا عندَ اللهِ، هم الَّذين كَفَروا بربِّهم، واستمرُّوا على ذلك، وقد سبَقَ في علمِ الله تعالى أنَّهم لا يُؤمنونَ.

الَّذِينَ عَاهَدتَّ مِنْهُمْ ثُمَّ يَنقُضُونَ عَهْدَهُمْ فِي كُلِّ مَرَّةٍ وَهُمْ لاَ يَتَّقُونَ (56).

وهم الَّذين أخذتَ عليهم العَهدَ -يا مُحمَّدُ-؛ بأن يصالحوك، ثمَّ يَنقُضونَ ذلك كُلَّما عاهَدوك! فليست لهم تَقوى مِن الله تعالى تَحمِلُهم على الالتزامِ بالعهود، ولا يخافونَ عندَ نَقضِهم لها، أن يَحُلَّ بهم عذابُ اللهِ.

فَإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ فِي الْحَرْبِ فَشَرِّدْ بِهِم مَّنْ خَلْفَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ (57).

فإنْ لقيتَ -يا مُحمَّدُ- أولئك الكُفَّارَ، الَّذينَ ينقُضونَ العَهدَ مَرَّةً بعدَ مَرَّةٍ، وظفرتَ بهم في حالِ مُحارَبتِهم، فعاقِبْهم عقوبةً، تكونُ عِبرةً وتشريدًا لمَن خَلْفَهم مِن الكُفَّارِ؛ فيَحذَروا مِن نَقضِ ما بيْنَك وبيْنَهم مِن عهدٍ.

وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِن قَوْمٍ خِيَانَةً فَانبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاء إِنَّ اللّهَ لاَ يُحِبُّ الخَائِنِينَ (58).

وإنْ خِفتَ -يا مُحمَّدُ- مِن قَومٍ بيْنَك وبيْنَهم عَهدٌ، أن يَغدِروا فيَنقُضُوا عَهدَهم، بما يظهَرُ لك مِن قرائِنَ، فاطرَحْ عَهدَهم عَلَنًا؛ لتستويَ أنت وهم في العِلمِ بأَنَّه لا عهدَ بيْنَك وبيْنَهم، فتبرَأَ بهذا مِن الغَدرِ بهم، إنَّ الله لا يُحبُّ الَّذين يَغدِرونَ، ويَخونونَ في عُهودِهم وغيرِها.

وَلاَ يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ سَبَقُواْ إِنَّهُمْ لاَ يُعْجِزُونَ (59).

ولا يَظُنَّ الكفارُ أنهم أفلَتُوا مِن الظفَرِ بهم، وأنَّهم فاتُونا فلا نقدِرُ عليهم! إنَّه لا يُمكِنُهم الإفلاتُ مِن اللهِ تعالى في الدُّنيا ولا في الآخرةِ، ولا يَقدِرونَ على الهَرَبِ منه.

وَأَعِدُّواْ لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدْوَّ اللّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِن دُونِهِمْ لاَ تَعْلَمُونَهُمُ اللّهُ يَعْلَمُهُمْ وَمَا تُنفِقُواْ مِن شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنتُمْ لاَ تُظْلَمُونَ (60).

وأعِدُّوا -أيُّها المُسلِمونَ- للكُفَّارِ الَّذين يَسعَونَ في هلاكِكم، كُلَّ ما أمكَنَكم أنْ تُعِدُّوه لِقتالِهم، مِن جميعِ أنواعِ الأسلحةِ، والرَّأيِ والتَّدبيرِ، والخَيلِ المربوطةِ، المُعَدَّةِ للقتالِ عليها في سبيلِ الله تعالى، تُخيفونَ باستعدادِكم هذا مَنْ تَعلمونَهم مِن أعداءِ اللهِ تعالى، وأعدائِكم، وتُخيفونَ أعداءً آخَرينَ، لا تَعلمونَهم، لكِنَّ اللهَ يَعلَمُهم، وما تقدموه مِن نفَقاتٍ قليلةً أو كثيرةً للجهادِ، يُعطِكم اللهُ ثوابَه وافيًا يومَ القيامةِ.

وَإِن جَنَحُواْ لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (61).

وإنْ مالَ الكفَّارُ المُحارِبونَ إلى المُصالحةِ فأجِبْهم -يا مُحمَّدُ- إليها، وفَوِّضْ أمْرَك إلى اللهِ، ولا تَخَفْ ممَّا قد يُدَبِّرونَه مِن غَدرٍ في مُدَّةِ السِّلمِ، إنَّ اللهَ الَّذي تتوكَّلُ عليه هو السَّميعُ لأقوالِك، وأقواِل أعدائِك، العليمُ بما في قُلوبِكم، لا يَخفَى عليه شيء؛ فهو كافيك.

وَإِن يُرِيدُواْ أَن يَخْدَعُوكَ فَإِنَّ حَسْبَكَ اللّهُ هُوَ الَّذِيَ أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ (62).

وإنْ يُرِدِ الكُفَّارُ خِداعَك بطَلَبِ الصُّلحِ -يا مُحمَّدُ-؛ ليتمَكَّنوا مِن تَدبيرِ المكايِدِ لك؛ فإنَّ اللهَ كافيك، وناصِرُك عليهم، هو الَّذي قوَّاك بنَصرِه، وبأصحابِك.

وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنفَقْتَ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً مَّا أَلَّفَتْ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَـكِنَّ اللّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (63).

واللهُ تعالى هو الَّذي جمَعَ بيْنَ قُلوبِ أصحابِك على الحَقِّ، فأصبَحوا بنِعمَتِه إخوانًا مُؤتَلِفينَ، ولو بَذَلْتَ جميعَ ما في الأرضِ؛ مِن ذهبٍ وفِضَّةٍ وغَيرِها؛ لِتَجمَعَ بيْنَ قلوبِهم- لَما استطَعْتَ؛ لشِدَّةِ العَداواتِ الَّتي كانت بيْنَهم، ولكِنَّ اللهَ وَحْدَه جمَعَ بيْنَهم على الهُدى، إنَّ اللهَ عزيزٌ لا يَغلِبُه شيءٌ، ولا يَرُدُّ قَضاءَه أحدٌ، حكيمٌ في أفعالِه وشَرعِه وتدبيرِ خَلقِه.

يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (64).

إنَّ اللهُ وَحْدَه كافيك أيُّها النَّبيُّ، وكافي مَنِ اتَّبَعَك مِن المؤمنينَ، ما يُهِمُّكم مِن أمورِ الدُّنيا والآخرةِ، ومِن ذلك نَصرُكم على أعدائِكم، وإن كَثُروا.

يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ إِن يَكُن مِّنكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُواْ مِئَتَيْنِ وَإِن يَكُن مِّنكُم مِّئَةٌ يَغْلِبُواْ أَلْفًا مِّنَ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَّ يَفْقَهُونَ (65).

يا أيُّها النَّبيُّ، حُثَّ المؤمنينَ بشدَّةٍ على قتالِ الأعداءِ، إن يكُنْ منكم عِشرونَ رَجُلًا، صابِرونَ عندَ لِقاءِ الكفار؛ يَغْلِبُوا مِئَتَيْنِ مِنهم، وإن يكُن منكم مِئةٌ صابرةٌ يغلبوا ألْفًا مِن الكفار؛ لأنَّهم لا يفهمونَ عن الله شيئًا، ولا يَرجونَ ثوابَه في قتالِهم، فلا عِلمَ عندَهم بما أعدَّ الله للمُجاهِدينَ؛ لذا لا يَثبُتون في القتالِ.

الآنَ خَفَّفَ اللّهُ عَنكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا فَإِن يَكُن مِّنكُم مِّئَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُواْ مِئَتَيْنِ وَإِن يَكُن مِّنكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُواْ أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللّهِ وَاللّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ (66).

الآنَ خفَّفَ اللهُ عنكم -أيُّها المؤمنونَ- ما أوجَبَه عليكم مِن مُصابَرةِ العِشرينَ المِئَتينِ، ومُصابرةِ المِئةِ الألْفَ، وقد عَلِمَ اللهُ أنَّ فيكم مَن يَضعُفُ عن قتالِ عَشَرةٍ مِن الكافِرينَ، فإنْ يكُن منكم مِئةٌ صابرةٌ، يغلبوا مِئَتين مِن الكافِرينَ، وإن يكُنْ منكم ألْفٌ صابرونَ، يغلِبوا ألْفَينِ منهم بإذن الله تعالى، واللهُ يُؤيِّدُ الصَّابرينَ.

مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَن يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الأَرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللّهُ يُرِيدُ الآخِرَةَ وَاللّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (67).

ما يَنبغي لنبيٍّ أن يـأسِرَ أحدًا مِن الكُفَّارِ المُحارِبينَ، فيَحبِسَهم لأخْذِ فداءٍ منهم، في مُقابِلِ إطلاقِ سَراحِهم، قبل أن يُبالِغَ في قَتلِهم ويَغلِبَهم، ويتمَكَّنَ في الأرضِ، تُريدونَ -أيُّها المؤمنونَ- مَتاعَ الدُّنيا بأسْرِ الكُفَّارِ يَومَ بَدرٍ؛ لأخْذِ الفِديةِ منهم، واللهُ يُريدُ لكم ثوابَ الآخرةِ بإثخانِهم؛ إعزازًا لِدينِه، ونُصرةً لِعبادِه، واللهُ عزيزٌ لا يُغلَب، حكيمٌ في تدبيرِ شَؤونِ خَلْقِه.

لَّوْلاَ كِتَابٌ مِّنَ اللّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (68).

لولا قضاءٌ مِن الله سبَقَ لكم -يا أهلَ بَدرٍ- في اللَّوحِ المَحفوظِ بأنَّ اللهَ مُحِلٌّ لكم الغَنائِمَ، وأخْذَ الفِداءِ مِن الكُفَّارِ، وبأنَّه لا يُعذِّبُ أحدًا إلَّا بعدَ قيامِ الحُجَّةِ، ولا يعذِّبُ من شَهِدَ بدرًا مع رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم- لَنالَكم بسبَبِ أخْذِكم الفِداءَ عذابٌ عَظيمٌ.

فَكُلُواْ مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلاَلاً طَيِّبًا وَاتَّقُواْ اللّهَ إِنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ (69).

فكُلوا ممَّا غَنِمتُم مِن أموالِهم حلالًا أحلَّه اللهُ لكم، لا خُبثَ فيه، واتَّقوا اللهَ، فلا تَفعَلوا ما لم يأذَنِ لكم به، إنَّ الله غفورٌ لذُنوبِ المُؤمنينَ؛ لذا لم يُعاقِبْهم، رحيمٌ بهم، لذا أحَلَّ لهم الغنائِمَ، وأخْذَ الفِداءِ.

يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لِّمَن فِي أَيْدِيكُم مِّنَ الأَسْرَى إِن يَعْلَمِ اللّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْرًا يُؤْتِكُمْ خَيْرًا مِّمَّا أُخِذَ مِنكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ (70).

يا أيُّها النبيُّ، قلْ لِمَن أسَرْتُموهم في غَزوةِ بَدرٍ، وأخَذْتُم منهم الفِديةَ لِإطلاقِهم: إنْ يَعلَمِ اللهُ في قُلوبِكم إسلامًا وإيمانًا صحيحًا، يُعطِكم في الدُّنيا مالًا، وفي الآخرةِ ثَوابًا أفضَلَ ممَّا أُخِذَ مِنكم، ويَغفِرْ ذُنوبَكم، واللهُ غَفورٌ لذُنوبِ التَّائبينَ، رحيمٌ بهم، فلا يُعاقِبَهم بعدَ تَوبتِهم.

وَإِن يُرِيدُواْ خِيَانَتَكَ فَقَدْ خَانُواْ اللّهَ مِن قَبْلُ فَأَمْكَنَ مِنْهُمْ وَاللّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (71).

وإن يُرِدْ هؤلاءِ الأسرَى الغَدرَ بك -يا مُحمَّدُ- بإظهارِهم خِلافَ ما يُبطِنونَ، فيَرجِعوا إلى إظهارِ الكُفرِ، وقِتالِ المُسلمينَ، والإعانةِ عليه؛ فقد كَفَروا باللهِ وعَصَوه مِن قَبلِ يَومِ بَدرٍ، فأقدَرَ اللهُ المؤمنينَ عليهم، واللهُ عليمٌ بكُلِّ شَيءٍ، حكيمٌ في جَميعِ أقوالِه وأفعالِه.

إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ وَهَاجَرُواْ وَجَاهَدُواْ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَالَّذِينَ آوَواْ وَّنَصَرُواْ أُوْلَـئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ وَالَّذِينَ آمَنُواْ وَلَمْ يُهَاجِرُواْ مَا لَكُم مِّن وَلاَيَتِهِم مِّن شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُواْ وَإِنِ اسْتَنصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ إِلاَّ عَلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُم مِّيثَاقٌ وَاللّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (72).

إنَّ المُهاجرينَ الَّذينَ آمَنوا بالحق، وخَرَجوا مِن أوطانِهم، وأنفَقوا أموالَهم؛ لِنُصرة الحق، وبالَغُوا في إتعابِ أنفُسِهم في حَربِ الكافرينِ؛ لإعلاءِ كَلِمةِ الله تعالى، والأنصارَ أهلَ المدينةِ، الَّذينَ ضمُّوا إليهم النَّبيَّ والمهاجِرينَ، فأسكَنُوهم، ونَصَرُوهم، أولئك يتولى بعضهم بعضا. والمُؤمنونَ الَّذين لم يُفارِقُوا بلادَ الكُفرِ إلى بلادِ الإسلامِ؛ فَلَستُم مكلَّفينَ بِحِمايتِهم ونُصرَتِهم، ولا إرْثَ بيْنَكم، وليس لهم في المغانِمِ نَصيبٌ، حتَّى يُهاجِروا مِن دارِ الكُفرِ إلى دارِ الإسلامِ، وإن طلَبَوا معونتكم على الكُفَّارِ؛ لأنَّكم إخوانُهم في الدِّينِ- فانصروهم، إلَّا إن كان بينكم وبين أولئك الكُفَّارِ عهدٌ على تَركِ الحَربِ، فلا تَغدِروا، واللهُ مُطَّلِعٌ على ما تَعملونَ.

وَالَّذينَ كَفَرُواْ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ إِلاَّ تَفْعَلُوهُ تَكُن فِتْنَةٌ فِي الأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ (73).

وأما الكُفَّارُ فبَعضُهم أعوانُ بَعضٍ؛ يَرِثُ بَعضُهم بعضًا، ويتَناصَرونَ بَيْنَهم، وإن لم يتولَّى بعضُكم بعضًا-أيُّها المؤمِنونَ، وتتركوا مُوالاةِ الكافرينَ؛ تقَعْ في الأرضِ فتنةٌ عظيمةٌ، وفَسادٌ عَريضٌ.

وَالَّذِينَ آمَنُواْ وَهَاجَرُواْ وَجَاهَدُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَالَّذِينَ آوَواْ وَّنَصَرُواْ أُولَـئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَّهُم مَّغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (74).

والمؤمِنونَ المُهاجِرونَ الَّذين قاتَلوا الكُفَّارَ؛ لإعلاءِ كَلِمةِ اللهِ، والأنصارُ الَّذين ضمُّوا مَن هاجَرَ إليهم، ونَصَرُوهم- أولئك هم الكامِلونَ في الإيمانِ، لهم مَغفرةٌ مِن اللهِ تعالى، ولهم رزقٌ حسنٌ كثيرٌ، هَنيءٌ طَيِّبٌ.

وَالَّذِينَ آمَنُواْ مِن بَعْدُ وَهَاجَرُواْ وَجَاهَدُواْ مَعَكُمْ فَأُوْلَـئِكَ مِنكُمْ وَأُوْلُواْ الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللّهِ إِنَّ اللّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (75).

والَّذِينَ آمَنوا -مِن بَعدِ بَيانِ أمْرِ تَوَلِّي المُهاجِرينَ والأنصارِ بعضِهم بعضًا، وانقِطاعِ وَلايَتِهم مِمَّنْ آمَنَ ولم يُهاجِرْ حتَّى يُهاجِرَ-، وهاجَروا مِن دارِ الكُفرِ إلى دارِ الإسلامِ، وجاهَدوا معكم -أيُّها المهاجرونَ والأنصارُ- فأولئك منكم في الوَلايةِ؛ فلهم حَقُّ النُّصرةِ وغَيرِها، وهم معكم في الآخرةِ، وذَوُو القَراباتِ أَوْلى بالتَّوارُثِ بيْنَهم في حُكمِ اللَّه وشَرْعِه، إنَّ اللَّهَ عالِمٌ بكُلِّ شَيءٍ، ومِن ذلك عِلمُه بما يَصلُحُ لِعِبادِه.

التوبة

بَرَاءةٌ مِّنَ اللّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عَاهَدتُّم مِّنَ الْمُشْرِكِينَ (1) .

هذه بَراءةٌ مِن اللهِ ورَسولِه إلى جميعِ المُشركينَ الَّذين عاهَدتُموهم، أيُّها المُسلِمونَ.

فَسِيحُواْ فِي الأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَاعْلَمُواْ أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللّهِ وَأَنَّ اللّهَ مُخْزِي الْكَافِرِينَ (2) .

فَسِيروا واذهَبوا -أيُّها المُشرِكونَ- في أرضِ اللهِ أيْنَما شِئتُم، آمِنينَ مُدَّةَ أربعةِ أشهُرٍ، لا يَنالُكم فيها مِن المُسلِمينَ سُوءٌ، واعلَمُوا أنَّكم إن اختَرْتُم الاستمرارَ على الكُفرِ في مُدَّةِ عَهْدِكم -وأنتم آمِنونَ فيها مِن المُسلِمينَ- غيرُ فائِتينَ مِن عِقابِ اللهِ إن أرادَه بكم؛ فأنتُم على أرضِه وفي سُلطانِه، وتَحتَ قُدرَتِه، فبادِرُوا بالتَّوبةِ، واعلَمُوا أنَّ اللهَ مُذِلُّ الكافِرينَ في الدُّنيا والآخِرةِ.

وَأَذَانٌ مِّنَ اللّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الأَكْبَرِ أَنَّ اللّهَ بَرِيءٌ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ فَإِن تُبْتُمْ فَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَإِن تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُواْ أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللّهِ وَبَشِّرِ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (3) .

وهذا إعلامٌ مِنَ اللهِ ورَسولِه إلى جميعِ النَّاسِ مُسلِمِهم وكافِرِهم، يومَ النَّحرِ بأنَّ اللهَ بريءٌ مِن عهودِ المُشرِكين، ورسولُه بريءٌ منها كذلك، فإن تُبتُم مِن كُفرِكم -أيُّها المُشرِكونَ- فهو خيرٌ لكم في الدُّنيا والآخرةِ، وإن أعرَضْتُم عن الإيمانِ؛ فأيقِنُوا أنَّكم غيرُ فائِتينَ مِن عِقابِ اللهِ؛ فأنتم تحتَ قَهرِه وقُدرَتِه، وبَشِّرْ -يا مُحمَّدُ- الكافِرينَ بعذابٍ مُؤلمٍ مُوجِعٍ، يُصيبُهم في الدُّنيا والآخرةِ.

إِلاَّ الَّذِينَ عَاهَدتُّم مِّنَ الْمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنقُصُوكُمْ شَيْئًا وَلَمْ يُظَاهِرُواْ عَلَيْكُمْ أَحَدًا فَأَتِمُّواْ إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَى مُدَّتِهِمْ إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ (4) .

هذه البراءةُ التَّامَّةُ المُطلَقةُ مِن جَميعِ المُشرِكينَ إلَّا مَن عاهَدْتُموهم -أيُّها المُؤمِنونَ- ثمَّ لم يَنقُصوكم شيئًا ممَّا عاهَدْتُموهم عليه، ولم يُعِينوا عليكم أحدًا مِن أعدائِكم، فأَوفُوا إلى هؤلاء المُشرِكينَ العَهدَ الَّذي بيْنَكم وبَيْنَهم ولا تَنقُضُوه، إلى انتهاءِ المُدَّةِ الَّتي اتَّفَقتُم عليها، إنَّ اللهَ يُحِبُّ الَّذين يتَّقونَه، فيَمتَثِلونَ أوامِرَه ويجتَنِبونَ مَعاصِيَه، ومِن ذلك أنَّهم يُوفُونَ بِعُهودِهم ولا يَنقُضونَها.

فَإِذَا انسَلَخَ الأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُواْ الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُواْ لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِن تَابُواْ وَأَقَامُواْ الصَّلاَةَ وَآتَوُاْ الزَّكَاةَ فَخَلُّواْ سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ (5).

فإذا انقَضَتِ الأشهُرُ الحُرُمُ فاقتُلوا المُشرِكينَ أيْنَما لَقِيتُموهم مِن الأرضِ-أيُّها المُؤمِنونَ- ، وخُذوا الكُفَّارَ أسرَى، وضيِّقوا عليهم، وامنعوهم مِن الانتشارِ في الأرضِ، والدُّخولِ إليكم، وحاصِروهم إن تحَصَّنوا، واقعُدوا لِقَتلِهم أو أسْرِهم على كلِّ طَريقٍ يَمُرُّونَ منه، فإن رجَعَ المُشرِكونَ عن الكُفرِ إلى الإيمانِ، وأدَّوا ما فرَضَ اللهُ عليهم مِن الصَّلَواتِ على وجهِها الأكمَلِ، وأعطَوُا الزَّكاةَ مُستحقِّيها؛ فاترُكوا -أيُّها المُسلِمونَ- طَريقَهم، لا تقعُدُوا عليها، ودَعُوهم يَذهبونَ حيثُما يَشاؤونَ، دونَ أن تتعَرَّضوا لهم، إنَّ اللهَ غَفورٌ لِمَن تاب مِن عِبادِه، فيَستُرُ ذُنوبَهم، ويتجاوَزُ عن مؤاخَذتِهم بها، رحيمٌ بهم.

وَإِنْ أَحَدٌ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلاَمَ اللّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَّ يَعْلَمُونَ (6).

وإنِ استأمَنَك -يا محمَّدُ- أحدٌ مِن المُشرِكينَ الَّذين أمرتُك بقِتالِهم، فأمِّنْه حتَّى تتلوَ عليه القرآنَ، ويسمعَه، ويفهمَ ما أُنزِل عليك؛ لتقومَ عليه حُجَّةُ اللَّهِ، ثم إنْ لم يُسلِمْ، فاترُكْه يرجِعْ إلى بلَدِه ودِيارِه الَّتي يأمَنُ فيها. ذلك مِن أجْلِ أنَّهم قومٌ جَهَلةٌ لا يَعلمونَ دِينَ اللهِ.

كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ عِندَ اللّهِ وَعِندَ رَسُولِهِ إِلاَّ الَّذِينَ عَاهَدتُّمْ عِندَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ فَمَا اسْتَقَامُواْ لَكُمْ فَاسْتَقِيمُواْ لَهُمْ إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ (7).

كيف يكونُ للمُشرِكينَ بِرَبِّهم عهدُ أمانٍ عندَ اللهِ وعندَ رَسولِه مُحمَّدٍ؟! هذا أمرٌ مُستبعَدٌ؛ فهؤلاءِ قَومٌ يُضمِرونَ الغَدرَ، فلا ينبغي أن يكونَ للمُشرِكينَ عَهدٌ يأمَنونَ به عَدا الَّذينَ عاهَدْتُموهم -أيُّها المُؤمِنونَ- يومَ الحُدَيبيَةِ عندَ المسجِدِ الحرامِ، وهم مُوفُونَ بعَهدِهم، فما دامَ المُشرِكونَ مُستَقيمينَ لكم -أيُّها المُؤمِنونَ- على ما تعاهَدْتُم عليه، فاستَقِيموا لهم كذلك إلى انتهاءِ مُدَّةِ العَهدِ، وأوْفُوا لهم بعهدِهم، ولا تَبدَؤُوهم بنَقضِه، إنَّ اللهَ يُحِبُّ الَّذين يتَّقونَ اللهَ، فيَمتَثِلونَ أوامِرَه، ويجتَنِبونَ نَواهِيَه، ومِن ذلك أنَّهم يُوفُونَ بالعُهودِ، ولا يَغدِرونَ.

كَيْفَ وَإِن يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ لاَ يَرْقُبُواْ فِيكُمْ إِلاًّ وَلاَ ذِمَّةً يُرْضُونَكُم بِأَفْوَاهِهِمْ وَتَأْبَى قُلُوبُهُمْ وَأَكْثَرُهُمْ فَاسِقُونَ (8).

كيفَ يكونُ للمُشرِكينَ عَهدُ أمانٍ، والحالُ أنَّهم إن يغلِبُوكم -أيُّها المُؤمِنونَ- لا يَرحَموكم، ولا يُراعُوا فيكم اللهَ، ولا قَرابةً، ولا عَهدًا؟! يَقولُ لكم المُشرِكونَ بألسِنَتِهم كلامًا طَيِّبًا يُرضيكم -أيُّها المُؤمِنونَ-، لكِنَّ قُلوبَهم تمتَنِعُ أن تُوافِقَ ما يَنطِقونَ به؛ فهي مُنطَوِيةٌ على بُغضِكم وعَداوَتِكم، والامتناعِ عَن محبَّتِكم، والدُّخولِ في دِينِكم، وأكثَرُ أولئك القَومِ خارِجونَ عن طاعةِ اللهِ، ناقِضونَ للعُهودِ، لا ديانةَ لهم، ولا مُروءةَ.

اشْتَرَوْاْ بِآيَاتِ اللّهِ ثَمَنًا قَلِيلاً فَصَدُّواْ عَن سَبِيلِهِ إِنَّهُمْ سَاء مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ (9).

استبدَلَ أولئك المُشرِكونَ، بآياتِ القُرآنِ شَيئًا قليلًا مِن عَرَضِ الدُّنيا، ومَتاعِها الفاني، فتَرَكوا اتِّباعَها لذلك، واتَّبَعوا أهواءَهم، فمَنَعوا أنفُسَهم مِن قَبولِ الحقِّ واتِّباعِه، ومنَعوا غيرَهم مِن الدُّخولِ في الإسلامِ، وحاوَلوا رَدَّ المُسلِمينَ عن اتِّباعِ الحَقِّ، بِئسَ ما كان يعمَلُه أولئك المُشرِكونَ؛ مِن استبدالِهم الكُفرَ بالإيمانِ، وصَدِّهم النَّاسَ عن سبيلِ الرَّحمنِ!

لاَ يَرْقُبُونَ فِي مُؤْمِنٍ إِلاًّ وَلاَ ذِمَّةً وَأُوْلَـئِكَ هُمُ الْمُعْتَدُونَ (10).

لا يُراعي أولئك المُشرِكونَ في أيِّ مُؤمنٍ قَدَروا عليه اللهَ ولا قَرابةً ولا عَهدًا، وأولئك المُشرِكونَ هم المُجاوِزونَ حُدودَ اللهِ، الظَّالِمونَ لِعبادِ اللَّهِ.

فَإِن تَابُواْ وَأَقَامُواْ الصَّلاَةَ وَآتَوُاْ الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَنُفَصِّلُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (11).

فإن رجَعَ المُشرِكونَ عن كُفرِهم إلى الإيمانِ باللهِ، وأدَّوُا الصَّلواتِ المفروضةَ، وأعطَوُا الزَّكاةَ الواجبةَ مُستحِقِّيها؛ فهُم إخوانُكم -أيُّها المُسلِمونَ- في الإسلامِ، ونُبَيِّنُ آياتِ القُرآنِ لِقَومٍ يَعقِلونَ عن اللهِ بَيانَه وآياتِه، فيَفهمُونَها، ويتفَكَّرونَ فيها، وينتَفِعونَ بها.

وَإِن نَّكَثُواْ أَيْمَانَهُم مِّن بَعْدِ عَهْدِهِمْ وَطَعَنُواْ فِي دِينِكُمْ فَقَاتِلُواْ أَئِمَّةَ الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لاَ أَيْمَانَ لَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَنتَهُونَ (12).

وإن نقَضَ أولئك المُشرِكونَ عُهودَهم مِن بَعدِ ما عاهَدُوكم على ألَّا يُقاتِلوكم، ولا يُظاهِروا عليكم أحدًا مِن أعدائِكم، وقدحوا في دينِكم الإسلامِ، وعابُوه وانتقَصُوه، فقاتِلوا -أيُّها المُؤمِنونَ- رؤساءَ الكُفرِ؛ إنَّهم لا عُهودَ لهم صادقةً يُوفُونَ بها، قاتِلُوهم؛ كي ينتَهُوا عن الكُفرِ والضَّلالِ.

أَلاَ تُقَاتِلُونَ قَوْمًا نَّكَثُواْ أَيْمَانَهُمْ وَهَمُّواْ بِإِخْرَاجِ الرَّسُولِ وَهُم بَدَؤُوكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ أَتَخْشَوْنَهُمْ فَاللّهُ أَحَقُّ أَن تَخْشَوْهُ إِن كُنتُم مُّؤُمِنِينَ (13).

ألَا تُقاتِلونَ -أيُّها المؤمنونَ- المُشرِكينَ الَّذين نقَضُوا العهدَ الَّذي بيْنَكم وبيْنَهم، وعَزَموا بقُلوبِهم على إخراجِ رَسولِ اللهِ مُحمَّدٍ مِن مكَّةَ، وهَؤلاءِ المُشرِكونَ بَدَؤُوكم بنَقضِ العَهدِ الَّذي بيْنَكم، بقِتالِ حُلَفائِكم خُزاعةَ؟! أتَخافُونَ -أيُّها المُؤمِنونَ- على أنفُسِكم مِن هؤلاءِ المُشرِكينَ، فتَترُكوا قتالَهم؛ لِئلَّا ينالَكم منهم مَكروهٌ؟! فاللهُ أَوْلى أن تخافُوا مِن عُقوبَتِه بتَركِكم جهادَهم، إن كُنتُم مُؤمِنينَ حقًّا.

قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُّؤْمِنِينَ (14).

قاتِلوا -أيُّها المُؤمِنونَ- هؤلاءِ المُشرِكينَ الَّذين نقَضُوا عُهودَهم؛ يَقتُلْهم اللهُ بأيديكم، ويُذِلَّهم اللهُ ويُهِنْهُم بالأَسْرِ، ويَمنَحْكم النَّصرَ عليهم، ويُداوِ اللهُ صُدورَ قَومٍ مُؤمنينَ ظَلَمَهم المُشرِكون وقَهَروهم، فتنشَرِحْ صُدورُهم بالانتصارِ عليهم وقَتْلِهم، وأَسْرِهم، ويَزُلْ ما حصَلَ في قُلوبِهم من الألَمِ.

وَيُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ وَيَتُوبُ اللّهُ عَلَى مَن يَشَاء وَاللّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (15).

ويُزِلِ اللهُ الغَيظَ الكامِنَ في قُلوبِ المُؤمِنينَ بِسبَبِ ظُلمِ الكُفَّارِ وقَهْرِهم لهم، ويتوبُ اللهُ على مَن يَشاءُ أن يتوبَ عليهم مِن أولئك المُشركِينَ، بأن يُوفِّقَهم للدُّخولِ في الإسلامِ، واللهُ عليمٌ بكُلِّ شَيءٍ، حكيمٌ في أفعالِه وأقوالِه وشَرْعِه، يضَعُ كُلَّ شَيءٍ في موضِعِه اللَّائِقِ به.

أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تُتْرَكُواْ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللّهُ الَّذِينَ جَاهَدُواْ مِنكُمْ وَلَمْ يَتَّخِذُواْ مِن دُونِ اللّهِ وَلاَ رَسُولِهِ وَلاَ الْمُؤْمِنِينَ وَلِيجَةً وَاللّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ (16).

أظَنَنْتُم -أيُّها المُسلِمونَ- أن يترُكَكم اللهُ دونَ أن يَخْتَبِرَكم بالجِهادِ، فيعلَمَ -عِلم ظهور- الصَّادِقينَ منكم الَّذين يُجاهِدونَ في سبيلِه، ولم يتَّخِذوا مِن دُونِ اللهِ ولا رَسولِه ولا المُؤمِنينَ بِطانةَ سُوءٍ مِن الكُفَّارِ، يُوالُونَهم ويُفشُونَ إليهم أسرارَ المُؤمِنينَ، فيعلمَ هؤلاء الصادقينَ المخلصينَ مِن غيرِهم؟! واللهُ عَليمٌ بِجَميعِ أعمالِكم الخَفِيَّةِ -أيُّها المُسلِمونَ- فيُجازيكم عليها؛ إنْ خَيرًا فخَيرٌ، وإنْ شَرًّا فشَرٌّ.

مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَن يَعْمُرُواْ مَسَاجِدَ الله شَاهِدِينَ عَلَى أَنفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ أُوْلَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ وَفِي النَّارِ هُمْ خَالِدُونَ (17).

ما ينبغي للمُشركينَ أن يَعمُروا مساجِدَ اللهِ ببِنائِها وتزيينِها، والعبادةِ فيها، والحالُ أنَّهم شاهِدونَ على أنفُسِهم بالكُفرِ؛ بما يأتُونَه من أقوالٍ وأفعالٍ كُفريَّةٍ، يُقِرُّونَ بها، ولا يُمكِنُهم إنكارُها، أولئك المُشرِكونَ قد بَطَلَت أعمالُهم، فلا يُؤجَرونَ عليها في الآخرةِ؛ بِسَبَبِ شِرْكِهم، وأولئك المُشرِكونَ في نارِ جهنَّمَ، ماكِثونَ فيها على الدَّوامِ.

إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللّهِ مَنْ آمَنَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلاَةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلاَّ اللّهَ فَعَسَى أُوْلَـئِكَ أَن يَكُونُواْ مِنَ الْمُهْتَدِينَ.

ما يَعمُرُ مَساجِدَ اللهِ حقًّا -بقَصْدِها وعبادةِ اللهِ تعالى وذِكْرِه فيها، وببنائِها وتَرميمِها والعنايةِ بها- إلَّا المُؤمِنُ باللهِ عزَّ وجلَّ، وبالبَعْثِ والقيامةِ، وأقام الصَّلاةَ المَكتوبةَ بِحُدودِها، وأدَّى الزَّكاةَ الواجبةَ عليه في مالِه إلى مُستحِقِّيها، ولم يَخَفْ إلَّا اللهَ تعالى وَحْدَه، فلم يترُكْ أمرَ اللهِ ونَهْيَه؛ لِخَشيةِ غَيرِه، فهؤلاء مِن الَّذينَ هداهم اللهُ للتَّمَسُّك بالحَقِّ الـمُوصِلِ إلى الجنَّةِ.

أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَجَاهَدَ فِي سَبِيلِ اللّهِ لاَ يَسْتَوُونَ عِندَ اللّهِ وَاللّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (19).

أجَعَلْتُم -أيُّها النَّاسُ- أصحابَ سَقْيِ الحَجيجِ وعمارةِ المَسجِدِ الحرامِ المُشركينَ، كالمؤمنينَ باللهِ واليَومِ الآخِرِ، والمجاهدينَ في سبيلِ اللهِ؟! لا يجعَلُ اللهُ سُقاةَ الحاجِّ وعُمَّارَ المسجِدِ الحرامِ مِن الكُفَّارِ، في منزلةِ المُؤمِنينَ باللهِ واليَومِ الآخِرِ، والمُجاهِدينَ في سبيلِ الله، واللهُ لا يوفِّقُ للتَّوبةِ ولِفِعلِ الأعمالِ الصَّالحةِ الكُفَّارَ والمُشرِكينَ.

الَّذِينَ آمَنُواْ وَهَاجَرُواْ وَجَاهَدُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً عِندَ اللّهِ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ (20).

أصحابُ مُحمَّدٍ الَّذين آمَنوا باللهِ تعالى، وبِكُلِّ ما يجِبُ عليهم الإيمانُ به، وهاجَرُوا مِن أوطانِهم ودِيارِهم إلى مَدينةِ رَسولِ اللهِ، وجاهَدوا لإعلاءِ كَلِمةِ اللهِ تعالى بأموالِهم وأنفُسِهم، أولئك أرفَعُ مَنزلةً، وأعلى مكانةً عِندَ اللهِ مِن سُقاةِ الحاجِّ، وعُمَّارِ المَسجِدِ الحَرامِ مِن المُشركينَ، وأولئك هم الَّذينَ يَظفَرونَ بِمَطلوبِهم بِدُخولِ الجنَّةِ، والنَّجاةِ مِن النَّارِ.

يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُم بِرَحْمَةٍ مِّنْهُ وَرِضْوَانٍ وَجَنَّاتٍ لَّهُمْ فِيهَا نَعِيمٌ مُّقِيمٌ (21).

يُبشِّرُ اللهُ الَّذين آمَنوا وهاجَروا وجاهَدوا في سبيلِ اللهِ، بأنَّ لهم رحمةً عظيمةً مِنه، تزولُ بها عنهم الشُّرورُ، ويصلُ إليهم بها كلُّ خيرٍ، وأنَّه رَضِيَ عنهم رضًا كامِلًا، فلا يسخطُ عليهم أبدًا، ويُبَشِّرُهم اللهُ أيضًا بجنَّاتٍ لهم فيها نعيمٌ دائِمٌ لا يَزولُ.

خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا إِنَّ اللّهَ عِندَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ (22).

ماكِثينَ في تلك الجَنَّاتِ بلا نهايةٍ، إنَّ اللهَ عندَه جزاءٌ وثوابٌ كَبيرٌ على الأعمالِ الصَّالحةِ، يمنَحُه للمُؤمِنينَ في الآخرةِ.

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ آبَاءكُمْ وَإِخْوَانَكُمْ أَوْلِيَاء إَنِ اسْتَحَبُّواْ الْكُفْرَ عَلَى الإِيمَانِ وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَأُوْلَـئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (23).

يا أيُّها الَّذين آمَنوا، لا تتَّخِذوا آباءَكم وإخوانَكم في النَّسَبِ بِطانةً وأصدقاءَ، تُناصِرونَهم، وتُفشُونَ إليهم أسرارَ المُسلِمينَ، وتُؤثِرونَ المُكْثَ بيْنَهم على الهِجرةِ إلى دارِ الإسلامِ، إن اختارُوا الكُفرَ باللهِ، وآثَرُوه على الإيمانِ به سبُحانَه، ومَن يتَّخِذْ منكم -أيُّها المُؤمِنونَ- أقارِبَه الكُفَّارَ بِطانةً، يُحِبُّهم ويُناصِرُهم، ويُؤثِرُ المُقامَ بيْنَهم على الهِجرةِ إلى دارِ الإسلامِ، فأولئك هم الَّذينَ عَصَوُا اللهَ، وخالَفوا أمْرَه، فوَضَعوا الوَلايةَ في غَيرِ مَوضِعِها، وتَرَكوا ما ينفَعُهم مِن الهجرةِ والجِهادِ في سَبيلِ الله تعالى.

قُلْ إِن كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَآؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُم مِّنَ اللّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُواْ حَتَّى يَأْتِيَ اللّهُ بِأَمْرِهِ وَاللّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ (24).

قلْ -يا محمَّدُ- للمُتخَلِّفينَ عن الهِجرةِ إلى دارِ الإسلامِ: إن كان آباؤُكم وأبناؤُكم، وإخوانُكم في النَّسَبِ وزوجاتُكم، وعمومُ أقارِبِكم، وأموالٌ اكتسَبْتُموها، وتَعِبتُم في تَحصيلِها، وتجارةٌ تَخافونَ -إن هاجَرْتُم- عدَمَ بَيعِها ورواجِها، أو رُخْصَ سِعرِها ونَقصَ أرباحِها، وبيوتٌ تُحِبُّونَ سُكْناها، فلا تُريدونَ تَرْكَها، إن كانت تلك الأشياءُ أحبَّ إليكم مِن اللهِ ورَسولِه، وجهادٍ لإعلاءِ كَلِمتِه تعالى، فانتَظِرُوا -أيُّها المُتخَلِّفونَ عن الهِجرةِ والجِهادِ- حتَّى يأتيَكم اللهُ بعُقوبةٍ عاجِلةٍ أو آجِلةٍ، واللهُ لا يوفِّقُ للخَيرِ الخارِجينَ عن طاعَتِه إلى مَعصِيَتِه، المُؤْثِرينَ على محبَّةِ الله تعالى شيئًا مِن تلك المذكوراتِ.

لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُم مُّدْبِرِينَ (25).

لقد نصَرَكم اللهُ -أيُّها المُؤمِنونَ أصحابَ رَسولِ الله- على أعدائِكم الكُفَّارِ في غَزَواتٍ كثيرةٍ، ونَصَرَكم أيضًا في غَزوةِ حُنَينٍ، حينَ أعجَبَتْكم كَثْرَتُكم، فلم تُفِدْكم تلك الكَثرةُ شَيْئًا، وضاقَت عليكم الأرضُ مع سَعَتِها؛ لِشِدَّةِ ما أصابَكم، ثمَّ فَرَرتُم مِن الكُفَّارِ مُنهَزِمينَ.

ثُمَّ أَنَزلَ اللّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَنزَلَ جُنُودًا لَّمْ تَرَوْهَا وَعذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُواْ وَذَلِكَ جَزَاء الْكَافِرِينَ (26).

ثمَّ بعدَ أن ولَّى المُسلِمونَ مُدبِرينَ يومَ حُنَينٍ، أنزَلَ اللهُ طُمأنينَتَه على رسولِه محمَّدٍ، وعلى أصحابِه المُؤمِنينَ، فأذهَبَ خَوفَهم، وأنزَلَ جُنودًا مِن الملائِكةِ لم تَرَوْها -أيُّها المُسلِمونَ-، أنزَلَها اللهُ تعالى لتَقويةِ قُلوبِ المُؤمنينَ، وتَثبيتِهم، وتَبشيرِهم بالنَّصرِ، وعذَّب اللهُ يومَ حُنَينٍ الكافِرينَ، بأيدي المُؤمِنينَ؛ بقَتلِهم وأسْرِهم، وأخْذِ أمْوالِهم، وسَبْيِ أهالِيهم وذَراريِّهم، وذلك جَزاءُ أهلِ الكُفرِ في الدُّنيا؛ بسبَبِ كُفرِهم.

ثُمَّ يَتُوبُ اللّهُ مِن بَعْدِ ذَلِكَ عَلَى مَن يَشَاء وَاللّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ (27).

ثمَّ يُوفِّقُ اللهُ للتَّوبةِ -مِن بَعدِ تَعذيبِ الكافِرينَ في الدُّنيا- مَن يشاءُ أن يتوبَ عليه مِنهم، فيَهديه إلى الإسلامِ، واللهُ غَفورٌ لِذُنوبِ التَّائِبينَ إليه، رَحيمٌ بهم.

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلاَ يَقْرَبُواْ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَـذَا وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللّهُ مِن فَضْلِهِ إِن شَاء إِنَّ اللّهَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (28).

يا أيُّها المؤمنونَ، ما المُشرِكونَ بِجَميعِ مِلَلِهم إلَّا نَجِسةٌ وخَبيثةٌ بواطِنُهم؛ بالشِّركِ والكُفرِ بالرَّحمنِ، فلا تُمَكِّنُوهم مِن دُخُولِ جميعِ الحَرَمِ، بعد هذا العامِ التَّاسِعِ للهِجرةِ، الَّذي نبَذْتُم فيه لِجَميعِ المُشرِكينَ عُهودَهم، وإنْ خِفْتُم فَقرًا بسبَبِ مَنْعِكم المُشرِكينَ مِن دُخولِ الحَرَمِ، وانقطاعِ التِّجارةِ الَّتي بيْنَكم وبيْنَهم؛ فسَوف يُغنِيكم اللهُ مِن رِزقِه إن شاءَ، إنَّ الله عليمٌ بكلِّ شَيءٍ، حكيمٌ في شَرْعِه وفي تَدبيرِ شُؤونِ خَلْقِه، يضَعُ كُلَّ شَيءٍ في مَوضِعِه اللَّائِقِ به.

قَاتِلُواْ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَلاَ بِالْيَوْمِ الآخِرِ وَلاَ يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللّهُ وَرَسُولُهُ وَلاَ يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُواْ الْجِزْيَةَ عَن يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ (29).

قاتِلُوا -أيُّها المُؤمِنونَ- الكُفَّارَ الَّذين لا يُؤمِنونَ بالله إيمانًا صحيحًا، ولا يُؤمِنونَ بالبَعثِ يومَ القيامةِ، والجَنَّةِ والنَّارِ، ولا يحرِّمون ما حرَّم اللهُ، وما حرَّم رسولُه، فلا يتَّبِعونَ شَريعَتَه، ولا يَدينونَ بالإسلامِ، قاتِلوهم إلى أن يَقْبَلوا دفْعَ أموالِ الجِزْيةِ -الَّتي تُؤخَذُ جزاءَ تركِ المسلمينَ قتالَهم، وإقامتِهم آمِنينَ بينَ أظهُرِ المسلمينَ، وذلك في حالِ كونِهم لم يُسلِموا- فيَبْذُلوها لكم بأيديهم، وهُم أذلَّاءُ مَقهورونَ.

وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللّهِ وَقَالَتْ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللّهِ ذَلِكَ قَوْلُهُم بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِؤُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن قَبْلُ قَاتَلَهُمُ اللّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ (30).

وقالت اليهودُ: عُزَيرٌ هو ابنُ اللهِ! وقالت النَّصارى: المسيحُ عيسى ابنُ مَريمَ، هو ابنُ اللهِ! ذلك قولُهم بألسنتِهم، فلا مُستنَدَ لهم فيما ادَّعَوه، يُشابِهُ قَولُهم في نِسبَتِهم الوَلَدَ إلى الله تعالى قَولَ الكُفَّارِ مِن الأُمَمِ قَبلَهم في ذلك، لعَنَ اللهُ اليهودَ والنَّصارى، كيف يُصرَفونَ عَنِ الحَقِّ، فيَضِلُّونَ عنه، ويَعْدِلونَ إلى الباطِلِ ؟!

اتَّخَذُواْ أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُواْ إِلاَّ لِيَعْبُدُواْ إِلَـهًا وَاحِدًا لاَّ إِلَـهَ إِلاَّ هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ (31).

اتَّخذَ اليَهودُ عُلَماءَهم، واتَّخَذ النَّصارى عُبَّادَهم، سادةً يُطيعونَهم مِن دُونِ اللهِ، في تحليلِ الحرامِ، وتَحريمِ الحَلالِ، واتَّخَذَ النَّصارى المسيحَ عيسى ابنَ مَريمَ إلهًا مِن دُونِ الله سُبحانَه! وما أُمِرَ اليَهودُ والنَّصارى في كُتُبِهم إلَّا أن يَعبُدوا ويُطيعُوا مَعبودًا واحدًا، وهو اللهُ المُستَحِقُّ للعبادةِ وَحْدَه، المُتَفَرِّدُ بالتَّشريعِ والتَّحليلِ والتَّحريمِ دونَ ما سِواه، لا مُستَحِقَّ للعبادةِ إلَّا اللهُ وَحْدَه، تنَزَّه اللهُ وتقَدَّسَ أتمَّ تنزيهٍ، عن شِرْكِ المُشرِكينَ، وافتراءاتِ الكافِرينَ.

يُرِيدُونَ أَن يُطْفِؤُواْ نُورَ اللّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللّهُ إِلاَّ أَن يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ (32).

يريدُ اليَهودُ والنَّصارى أن يُبْطِلوا دينَ اللهِ الإسلامَ، بما يقولونَه بألسِنَتِهم مِن تكذيبٍ للحَقِّ، وافتراءاتٍ عليه، ولا يَرضى اللهُ إلَّا أن يُتِمَّ دينَه، ويُظهِرَه للنَّاس، ولو كَرِهَ الكُفَّارُ ذلك، فإنَّ الله سيُتِمُّه لا محالةَ.

هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ (33).

اللهُ وَحْدَه هو الَّذي بعَثَ رَسولَه محمَّدًا بالعِلمِ النَّافِعِ المُشتَمِل على الإيمانِ الصَّحيحِ، ومعرفةِ الشَّرائِعِ والأحكامِ، وبَعَثَه بدِينِ الإسلامِ المُشتَمِلِ على الأعمالِ الصَّالحةِ النَّافعةِ في الدُّنيا والآخرةِ؛ ليُعلِيَ اللهُ الإسلامَ بالغَلَبةِ والانتصارِ على أهلِ الأديانِ، ويُعلِيَه بالحُجَّةِ والبُرهانِ على سائرِ الأديانِ، ولو كَرِهَ المشركونَ ظُهورَ الإسلامِ على جميعِ الأديانِ، فإنَّ اللهَ سيُظهِرُه.

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِنَّ كَثِيرًا مِّنَ الأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللّهِ وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلاَ يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللّهِ فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (34).

يا أيُّها المُؤمِنونَ، إنَّ كثيرًا مِن عُلَماءِ اليهودِ وعُبَّادِ النَّصارى، يتملَّكونَ أموالَ النَّاسِ بِغَيرِ حَقٍّ؛ ويُعرِضُون عن اتِّباعِ الحَقِّ، ويَمنعونَ النَّاسَ عن الدُّخولِ في الإسلامِ، والَّذين يَجمَعونَ الذَّهَبَ والفِضَّةَ بعضَها إلى بعضٍ، ويُمسِكُونَها، ولا يُخرِجونَ حقوقَ الله منها -مِن الزَّكاةِ والنَّفَقاتِ الواجِبةِ، وبَذْلِها في الجهادِ- فبَشِّرْهم يا مُحمَّدُ بعذابٍ مُوجِعٍ.

يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هَـذَا مَا كَنَزْتُمْ لأَنفُسِكُمْ فَذُوقُواْ مَا كُنتُمْ تَكْنِزُونَ (35).

يومَ القيامةِ يُوقَدُ على كُنوزِهم في نارِ جَهنَّمَ، فتُحرَقُ بالذَّهَبِ والفِضَّةِ المَكنُوزةِ جِباهُهم وجُنوبُهم وظُهورُهم، ويُقالُ لهم تَوبيخًا وتَهكُّمًا: هذا الَّذي تُكْوَونَ به في النَّارِ هو ما جَمَعْتُم في الدُّنيا لأنفُسِكم، دونَ أن تُؤَدُّوا حُقوقَ الله فيه، فاطعَمُوا عذابَ هذا الَّذي كُنتُم تَكْنِزونَه

إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِندَ اللّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَات وَالأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلاَ تَظْلِمُواْ فِيهِنَّ أَنفُسَكُمْ وَقَاتِلُواْ الْمُشْرِكِينَ كَآفَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَآفَّةً وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ (36).

إنَّ عدَدَ الشُّهورِ في حُكمِ الله وتَقديرِه، اثنا عشَرَ شَهرًا قَمَرِيًّا، مكتوبةٌ في اللَّوحِ المحفوظِ مُنذُ خَلَقَ اللهُ السَّمواتِ والأرضَ، مِن هذه الشُّهورِ الاثنَيْ عشَرَ أربعةُ أشهُرٍ يَحرُمُ انتهاكُ المحارِمِ فيها أشَدَّ ممَّا يَحرُمُ في غيرِها، وهي: ذو القَعدةِ، وذو الحِجَّةِ، ومُحرَّمٌ، ورجَبٌ، هذا الَّذي أخبَرْتُكم به -مِن كَونِ الشُّهورِ اثنَيْ عَشَرَ شَهرًا، منها أربعةٌ حُرُمٌ- هو الدِّينُ المُستَقيمُ، والحِسابُ الصَّحيحُ، فلا تَظلِموا -أيُّها النَّاسُ- أنفُسَكم في هذه الأشهُرِ الأربعةِ الحُرُمِ، بارتكابِ السَّيِّئاتِ، وقاتِلوا -أيُّها المُسلِمونَ- المُشرِكينَ كلَّهم، وأنتم مجتَمِعونَ مُؤتَلِفونَ مُتَوافِقونَ جميعًا على قتالهم، بلا تفَرُّقٍ ولا تخاذُلٍ ولا تقاطُعٍ، كما يقاتِلُكم المُشرِكونَ مُجتَمِعينَ غيرَ مُتَفَرِّقينَ، واعلَمُوا أنَّكم إن قاتَلْتُم المُشرِكينَ كافَّةً، واتَّقَيتُم اللهَ بفِعلِ أوامِرِه واجتنابِ نواهيه؛ فإنَّ اللهَ معكم بِعَونِه وتَأييدِه، وينصُرُكم على أعدائِكم المُشرِكينَ.

إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُواْ يُحِلِّونَهُ عَامًا وَيُحَرِّمُونَهُ عَامًا لِّيُوَاطِؤُواْ عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللّهُ فَيُحِلُّواْ مَا حَرَّمَ اللّهُ زُيِّنَ لَهُمْ سُوءُ أَعْمَالِهِمْ وَاللّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ (37).

إنَّما تأخيرُ تَحريمِ الأشهُرِ الأربعةِ الحُرُمِ، وتغييرُها عمَّا شَرَعَه اللهُ زيادةٌ في كُفرِ مُشرِكي العَرَبِ، الَّذين ابتَدَعوا هذا التَّأخيرَ، يُضَلُّ بهذا التأخيرِ الَّذينَ كفَروا، يُحِلُّون ذلك النَّسيءَ عامًا دونَ عامٍ، فيُحِلُّونَ شَهرَ مُحَرَّمٍ عامًا، ويُحَرِّمونَه في عامٍ آخَرَ، فإذا قاتلوا في المحرَّمِ أحَلُّوه، وحرَّموا مكانَه صَفرًا، وإذا لم يُقاتِلوا فيه حرَّمُوه؛ لِيُوافِقوا بتَحلِيلِهم شَهرَ مُحَرَّمٍ، وتَحريمِهم شَهرَ صَفَرٍ، عدَدَ الأشهُرِ الأربعةِ الَّتي حَرَّمَها اللهُ كُلَّ عامٍ بلا زيادةٍ ولا نُقصانٍ في العَدَدِ، فيُحِلُّوا بتأخيرِ حُرمةِ شَهرِ مُحَرَّمٍ ما حرَّمَه الله تعالى، حُسِّنَ للمُشرِكينَ سيِّئُ أعمالِهم وقَبيحُها، واللهُ لا يوفِّقُ للحَقِّ المصرِّين على كفرهم، ويخذُلُهم عن الهُدى.

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انفِرُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الأَرْضِ أَرَضِيتُم بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الآخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الآخِرَةِ إِلاَّ قَلِيلٌ (38).

ما الَّذي يَدْعُوكم -أيُّها المُؤمِنونَ- إذا أُمِرْتُم بجهادِ الكُفَّارِ لإعلاءِ كَلِمةِ الله، إلى أن تَتَثاقلوا وتتَباطَؤوا وتتقاعَسُوا، وتَميلوا إلى لُزومِ أرضِكم ومَساكِنِكم؟! أَرِضًا منكم بنَعيمِ الحياةِ الدُّنيا وراحَتِها، بدَلًا مِن نعيمِ الجنَّةِ في الآخرةِ؟! فما الَّذي يتمَتَّعُ به المتمَتِّعونَ في الحياةِ الدُّنيا -الَّتي مالتْ بكم- مقابلةً بما سيتمَتَّعُ به المُؤمِنونَ في الجنَّةِ؛ إلَّا يسيرٌ مَحدودٌ، ووقتُه قصيرٌ معدودٌ، فكيف تُقَدِّمونَ القَليلَ الزَّائِلَ على الكثيرِ الباقي؟!

إِلاَّ تَنفِرُواْ يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلاَ تَضُرُّوهُ شَيْئًا وَاللّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (39).

إنْ لم تُبادِروا -أيُّها المُؤمِنونَ- بالخُروجِ إلى الجهادِ بعدَ أن دُعِيتُم إليه، يُعَذِّبْكم اللهُ عَذابًا مُوجِعًا في الدُّنيا والآخرةِ، ويَستَبدِلْ بكم قومًا آخَرينَ، أطوَعَ لله منكم، إذا استُنْفِروا إلى الجِهادِ أجابُوا، ونَصَروا دينَ الله عزَّ وجلَّ، ولا تَضُرُّوا اللهَ سُبحانَه شَيئًا؛ فهو غَنيٌّ عنكم، وناصِرٌ دينَه، وإنَّما تَضرُّونَ أنفُسَكم، بتَرْكِكم الجهادَ في سَبيلِه عزَّ وجلَّ، واللهُ قادِرٌ على فِعلِ كلِّ شيءٍ.

إِلاَّ تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُواْ ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لاَ تَحْزَنْ إِنَّ اللّهَ مَعَنَا فَأَنزَلَ اللّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَّمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُواْ السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللّهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (40).

إن تَترُكوا -أيُّها المُؤمِنونَ- نُصرةَ مُحمَّدٍ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم على الكُفَّارِ، فسَينصُرُه اللهُ تعالى كما نَصَرَه مِن قَبلُ، حينَ اضطَرَّه كفَّارُ قُريشٍ إلى الخُروجِ مِن مكَّةَ، والحالُ أنَّه أحدُ اثنَينِ فحَسْبُ، ليس معه إلَّا أبو بكرٍ حينَ كانا مُختَفِيَينِ مِن كفَّارِ قُريشٍ في غارٍ في جبَلِ ثَورٍ، إذ يقولُ الرَّسولُ لِصاحِبِه أبي بكرٍ: لا تحزَنْ -يا أبا بكرٍ- لأنَّ اللهَ مَعَنا بنَصْرِه وحِفْظِه، ولن يَصِلَ المشركونَ إلينا، فأنزَلَ اللهُ الطُّمأنينةَ والثَّباتَ على رسولِه محمَّدٍ وقَوَّاهُ، وأعانَه بجُنودٍ مِن الملائكةِ، لم تَرَوْها أنتم، وجعَلَ اللهُ كَلِمةَ الكُفَّارِ -وهي الشِّركُ والكُفرُ- حقيرةً مَقهورةً، فأذَلَّ اللهُ الشِّركَ وأهْلَه، وخَذَلهم، وكَلِمةُ الله -وهي كَلِمةُ التَّوحيدِ: لا إلهَ إلَّا اللهُ، ودينُه الَّذي شَرَعه لعبادِه- هي الغالِبةُ المنصورةُ، واللهُ عَزيزٌ في انتقامِه، لا يَغلِبُه شَيءٌ، ولا يفوتُه أحَدٌ، قاهرٌ غالِبٌ، مَنيعُ الجَنابِ، حكيمٌ في أقوالِه وأفعالِه، وفي تدبيرِه خَلْقَه، يضَعُ سُبحانَه الأشياءَ موَاضِعَها اللَّائِقةَ بها.

انْفِرُواْ خِفَافًا وَثِقَالاً وَجَاهِدُواْ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ (41).

اخرُجوا -أيُّها المُؤمِنونَ- إلى جهادِ الكُفَّارِ مُسرِعينَ، سواءٌ أخَفَّ عليكم الجِهادُ وسَهُلَ، أم ثقُلَ وصَعُبَ، وسواءٌ أكُنتُم شبابًا أم شُيوخًا، أغنياءَ أم فُقَراءَ، أقوياءَ أم ضُعَفاءَ، نَشيطينَ أم كُسالى، فارغينَ مِن الشُّغُلِ أم مَشغولينَ، وابذُلوا جُهدَكم في إنفاقِ أموالِكم في تجهيزِ الغُزاةِ، والإعدادِ للجِهادِ، وقتالِ الكُفَّارِ بأنفُسِكم؛ لإعلاءِ كَلِمةِ الله. أمْرُكم بالنَّفيرِ، وبالجِهادِ بالأموالِ والأنفُسِ، فيه خيرٌ عظيمٌ لكم -أيُّها المُؤمِنونَ- في دُنياكم وآخِرَتِكم، وهو خيرٌ لكم مِن مَتاعِ الدُّنيا، إن كُنتُم تَعلَمونَ حقًّا شَرَفَ الجِهادِ، وفَضلَ المُجاهدينَ.

لَوْ كَانَ عَرَضًا قَرِيبًا وَسَفَرًا قَاصِدًا لاَّتَّبَعُوكَ وَلَـكِن بَعُدَتْ عَلَيْهِمُ الشُّقَّةُ وَسَيَحْلِفُونَ بِاللّهِ لَوِ اسْتَطَعْنَا لَخَرَجْنَا مَعَكُمْ يُهْلِكُونَ أَنفُسَهُمْ وَاللّهُ يَعْلَمُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ (42).

لو كان -يا مُحمَّدُ- ما تدعُو إليه المُنافِقينَ المُتَخلِّفينَ عن غَزْوِ الرُّومِ، غنيمةً حاضِرةً سَهلةَ التَّناوُلِ، وسفَرًا سَهلًا لِمَوضعٍ قَريبٍ- لَخَرجوا معك؛ طمَعًا في متاعِ الحياةِ الدُّنيا، ولكنْ طالَتْ عليهم مَسافةُ السَّفرِ لِغَزوِ الرُّومِ، فتَرَكوا المَسِيرَ معك؛ لشِدَّةِ المشَقَّةِ، وسيَحلِفُ لك -يا مُحمَّدُ- هؤلاءِ المُنافِقونَ، فيقولونَ كاذِبينَ: واللهِ لو أطَقْنا الخُروجَ معكم في الغَزْوِ -بوجودِ المالِ والمراكِبِ، وقُوَّةِ البَدَنِ- لخَرَجْنا معكم لِقتالِ الرُّومِ! يُوجِبُ المنافِقونَ لأنفُسِهم غضَبَ الله وعِقابَه؛ بسبَبِ نِفاقِهم، وحَلِفِهم بالله تعالى كاذِبينَ، وتخَلُّفِهم عن الجِهادِ، واللهُ يعلَمُ أنَّ المُنافِقينَ -في اعتذارِهم عن القُعودِ، وحَلِفِهم- كاذِبونَ.

عَفَا اللّهُ عَنكَ لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُواْ وَتَعْلَمَ الْكَاذِبِينَ (43).

سامَحَك اللهُ وغَفَرَ لك -يا مُحمَّدُ- على إذْنِك لِهؤلاءِ المُنافِقينَ، الَّذين استَأذَنوك في التَّخَلُّفِ عن الخُروجِ معك، لأيِّ شَيءٍ أذِنْتَ للمُنافِقينَ أن يتخَلَّفوا عن المَسِيرِ معك لِغَزوِ الرُّومِ؟! كان ينبغي لك عندَما استأذَنَك المتخَلِّفونَ عن المَسيرِ معك لجِهادِ الرُّومِ، ألَّا تأذَنَ لأحدٍ منهم حتَّى تعلَمَ الصَّادِقينَ الَّذينَ لهم عُذرٌ في تخلُّفِهم، فتعذِرَهم، وتعلَمَ الكاذِبينَ الَّذين لا عُذرَ لهم، وإنَّما تخَلَّفوا نِفاقًا وشَكًّا في دينِ الله.

لاَ يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ أَن يُجَاهِدُواْ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ وَاللّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ (44).

لا يَستأذِنُك -يا محمَّدُ- أصحابُك المؤمنونَ بالله، وبالبَعثِ، والجزاءِ في الآخرةِ، في تَركِ جهادِ الكُفَّارِ بأموالِهم وأنفُسِهم، ولا يَطلُبونَ منك أن تأذَنَ لهم في الجِهادِ، بل يُبادِرونَ إليه؛ لشِدَّةِ رَغبَتِهم في الخَيرِ، واللهُ ذو علمٍ بهؤلاءِ المتَّقينَ، وبكُلِّ مَن يتَّقيه بامتثالِ أوامرِه، واجتنابِ نَواهيه، وسيُجازيهم على تَقواهم له أعظَمَ الثَّوابِ.

إِنَّمَا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَارْتَابَتْ قُلُوبُهُمْ فَهُمْ فِي رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ (45).

إنَّما يستأذِنُك -يا مُحمَّدُ- في القُعودِ والتَّخَلُّفِ عن جهادِ الكُفَّارِ بأعذارٍ كاذبةٍ، المُنافِقونَ الَّذين لا يُؤمِنونَ بالله تعالى، ولا بالبَعثِ والجَزاءِ في الآخرةِ، وقد شكَّت قلوبُهم في صِحَّةِ الدِّينِ، وظُهورِ أمْرِه، فهم في شَكِّهم يتحَيَّرونَ، ويتَذَبذبونَ بين الإيمانِ والكُفرِ.

وَلَوْ أَرَادُواْ الْخُرُوجَ لأَعَدُّواْ لَهُ عُدَّةً وَلَـكِن كَرِهَ اللّهُ انبِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ وَقِيلَ اقْعُدُواْ مَعَ الْقَاعِدِينَ (46).

ولو أراد المُنافِقونَ الخُروجَ معك -يا مُحمَّدُ- في غزوةِ تَبُوكَ، لتأهَّبُوا للخُروجِ، بإعدادِ ما يَحتاجُونَه مِن لوازِمِ السَّفَرِ والقِتالِ، ولكِنْ لم يُحِبَّ اللهُ تعالى انطلاقَ المُنافِقينَ معك -يا محمَّدُ- في تلك الغَزوةِ؛ لعِلْمِه أنَّ في خُروجِهم شرًّا وضررًا على المُؤمِنينَ، فثقَّله عليهم، وكسَّلهم عنه، وقيل: اقعُدُوا عن الجِهادِ مع الَّذينَ ليس من شَأنِهم النُّهوضُ والخُروجُ للقِتالِ، كالضُّعَفاءِ والمَرضى، والصِّبيانِ وغَيرِهم.

لَوْ خَرَجُواْ فِيكُم مَّا زَادُوكُمْ إِلاَّ خَبَالاً ولأَوْضَعُواْ خِلاَلَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ وَاللّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ (47).

لو خرَجَ هؤلاءِ المُنافِقونَ في جُملَتِكم -أيُّها المُؤمِنونَ- لِغَزوِ الرُّومِ، فلن يَزيدُوكم بخُروجِهم شيئًا سِوى الشَّرِّ والفَسادِ، وإيقاعِ الاضطرابِ بَيْنَكم، ولأَسْرَعوا سَيْرَهم في الدُّخولِ والمَشيِ بيْنَكم بالنَّميمةِ، وإفسادِ ذاتِ بَينِكم؛ لِتَفريقِ كَلِمتِكم، وبَثِّ الإشاعاتِ لِتَثبيطِكم، وفيكم مَن يَسمَعُ كَلامَ المُنافِقينَ، فيقبَلُه، ويُطيعُهم، واللهُ عزَّ وجلَّ ذو علمٍ بأولئك المُنافِقينَ الظَّالِمينَ، وبمَن يقبَلُ كَلامَهم ويُطيعُهم، وبكُلِّ ظالم لنفْسِه أو لغَيرِه، لا يخفى عليه سُبحانَه شَيءٌ مِن ظواهرِهم وبواطِنِهم، وسيُجازيهم على أعمالِهم.

لَقَدِ ابْتَغَوُاْ الْفِتْنَةَ مِن قَبْلُ وَقَلَّبُواْ لَكَ الأُمُورَ حَتَّى جَاء الْحَقُّ وَظَهَرَ أَمْرُ اللّهِ وَهُمْ كَارِهُونَ (48).

لقد طلَبَ المُنافِقونَ فِتنةَ المُسلِمينَ، بصَدِّهم عن الدِّينِ، وإفسادِ ما بيْنَهم مِن قَبلِ غَزوةِ تَبوكَ، كما فعَلُوا في غزوةِ أُحُدٍ وغَيرِها، وطلَبَ المُنافِقونَ الشَّرَّ لك -يا مُحمَّدُ- فصرَّفوا آراءَهم، وأجالُوا أفكارَهم، وأعمَلُوا الحِيَل والمكايِدَ، ساعِينَ بذلك لإنكارِ دِينِك، وصَدِّ النَّاسِ عن اتِّباعِك، وتخذيلِ أصحابِك عنك، إلى أن جاء نَصرُ الله تعالى، وغلَبَ دينُ الله -الإسلامُ- وعلا وظهَرَ وانتصَرَ، والحالُ أنَّ المُنافِقينَ كارِهونَ لِظُهورِه، ويَسوؤُهم انتصارُه وعُلُوُّه.

وَمِنْهُم مَّن يَقُولُ ائْذَن لِّي وَلاَ تَفْتِنِّي أَلاَ فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُواْ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَافِرِينَ (49).

ومِنَ المُنافِقينَ مَن يَقولُ لمُحمَّدٍ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم حينَ دَعاهم إلى غَزوِ الرُّومِ: ائذَنْ لي في القُعودِ عن الخُروجِ معك، ولا تَبتَلِني برؤيةِ نِساءِ الرُّومِ؛ فإنِّي إن رأيتُهنَّ لا أصبِرُ عَنهنَّ، فأقَعُ في الإثمِ بسبَبِ الخُروجِ معكم! ألَا إنَّ هؤلاء المُنافِقينَ قد وقَعُوا في الفِتنةِ العَظيمةِ ببَقائِهم في الكُفرِ، وإثْمِهم بالتَّخَلُّفِ عن الجهادِ، ومَعصيةِ الرَّسولِ، وإنَّ نارَ جَهنَّمَ ستُحيطُ بالكافِرينَ يَومَ القيامةِ، وتُحدِقُ بهم مِن كُلِّ جانِبٍ، فليس لهم عنها مفَرٌّ.

إِن تُصِبْكَ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِن تُصِبْكَ مُصِيبَةٌ يَقُولُواْ قَدْ أَخَذْنَا أَمْرَنَا مِن قَبْلُ وَيَتَوَلَّواْ وَّهُمْ فَرِحُونَ (50).

إن غزَوْتُ ونصَرَك اللَّهُ على أعدائِك، وظهَرْت عليهم وغَنِمْت، وتتابَعَ النَّاسُ في دُخولِ دينِك؛ ساء ذلك المُنافِقينَ، وحَزِنوا من أجْلِه، وإن تُصِبْك مُصيبةٌ بهزيمةٍ في جيشِ المؤمنينَ أو قتلٍ أو جِراحٍ، يَقُلِ المُنافِقونَ: قد احتَطْنا لأنفُسِنا، وأخَذْنا حِذْرَنا مِن قَبلِ أن يُصيبَكم هذا المَكروهُ، فسَلِمْنا لأنَّا لم نَخرُجْ معكم، وينصَرِفِ المُنافقونَ- إن أصابَتْك مصيبةٌ- وهم مَسرُورونَ بما أصابَك، ومَسرُورونَ بسَلامَتِهم بتخلُّفِهم عنك.

قُل لَّن يُصِيبَنَا إِلاَّ مَا كَتَبَ اللّهُ لَنَا هُوَ مَوْلاَنَا وَعَلَى اللّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (51).

قُلْ -يا محمَّدُ- للمُنافِقينَ الَّذين يَفرَحونَ بما يُصيبُكم مِن مَكروهٍ: لن يُصيبَنا إلَّا ما قدَّرَه اللهُ وكتَبَه لنا في اللَّوحِ المَحفوظِ، اللهُ هو سَيِّدُنا وناصِرُنا، وعلى الله وَحْدَه فلْيعتَمِدِ المؤمنونَ، ويُفَوِّضوا أمورَهم إليه.

قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَا إِلاَّ إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ وَنَحْنُ نَتَرَبَّصُ بِكُمْ أَن يُصِيبَكُمُ اللّهُ بِعَذَابٍ مِّنْ عِندِهِ أَوْ بِأَيْدِينَا فَتَرَبَّصُواْ إِنَّا مَعَكُم مُّتَرَبِّصُونَ (52).

قلْ -يا مُحمَّدُ- للمُنافِقينَ الَّذين يَفرَحونَ بما يُصيبُكم مِن مكروهٍ: ما تنتَظِرونَ بنا إلَّا أن تُصيبَنا إحدى الخَلَّتينِ اللَّتين هما أحسَنُ مِن غَيرِهما: النَّصرُ أو الشَّهادةُ، ونحن ننتَظِرُ بكم أن يُصيبَكم اللهُ في الدُّنيا بعُقوبةٍ مِن عِندِه أو بعذابٍ بأيدينا، فيُسَلِّطَنا عليكم، فنَقتُلَكم، إن أظهَرْتم نِفاقَكم، وإذا كان الأمرُ كذلك إذَنْ فانتَظِروا، ونحن مَعكم مُنتَظِرونَ ما اللهُ فاعِلٌ بنا وبكم.

قُلْ أَنفِقُواْ طَوْعًا أَوْ كَرْهًا لَّن يُتَقَبَّلَ مِنكُمْ إِنَّكُمْ كُنتُمْ قَوْمًا فَاسِقِينَ (53).

قُلْ -يا مُحمَّدُ- للمُنافِقينَ: سواءٌ عليكم أنفَقْتُم أموالَكم باختيارِكم أم بِغَيرِ رِضًا منكم، فإنَّ الله تعالى لن يتقَبَّلَ منكم نفَقاتِكم؛ لأنَّكم كُنتم قومًا كافرينَ، خارِجينَ عن طاعةِ ربِّ العالَمينَ.

وَمَا مَنَعَهُمْ أَن تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ إِلاَّ أَنَّهُمْ كَفَرُواْ بِاللّهِ وَبِرَسُولِهِ وَلاَ يَأْتُونَ الصَّلاَةَ إِلاَّ وَهُمْ كُسَالَى وَلاَ يُنفِقُونَ إِلاَّ وَهُمْ كَارِهُونَ (54).

وما منَعَ قَبولَ نَفَقاتِ المُنافِقينَ إلَّا كُفْرُهم باللهِ، وبِرَسولِه محمَّدٍ، ولا يأتون الصَّلواتِ المفروضةَ إلَّا وهم مُتَثاقِلونَ عنها، يُراؤونَ النَّاسَ بها، ولا يُنفِقُون شَيئًا مِن أموالِهم في أوجُهِ الخَيرِ -رعايةً لِمَصالِحِهم الخاصَّةِ- إلَّا وهم كارِهونَ لهذا الإنفاقِ، ويَعُدُّونَه مَغْرمًا لا مَغْنمًا.

فَلاَ تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَلاَ أَوْلاَدُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ اللّهُ لِيُعَذِّبَهُم بِهَا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَتَزْهَقَ أَنفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ (55).

فلا تَستحسِنْ -يا مُحمَّدُ- أموالَ المُنافِقينَ ولا أولادَهم، ممَّا أنعَمْنا عليهم؛ استدراجًا لهم، إنَّما يريدُ اللهُ أن يعذِّبَهم بأموالِهم وأولادِهم في حياتِهم الدُّنيا، ويريدُ أن تَخرُجَ أرواحُهم وهم مُستمِرُّونَ على كُفرِهم باللهِ ورَسولِه، فيتَّصِلَ لهم عذابُ الآخرةِ الدَّائِمُ، بعذابِهم في الدُّنيا.

وَيَحْلِفُونَ بِاللّهِ إِنَّهُمْ لَمِنكُمْ وَمَا هُم مِّنكُمْ وَلَـكِنَّهُمْ قَوْمٌ يَفْرَقُونَ (56).

ويَحلِفُ المنافِقونَ باللهِ يمينًا مُؤكَّدةً لكم -أيُّها المؤمنونَ- كَذِبًا: إنَّهم مُؤمِنونَ مِثلُكم، وليسوا -في الحقيقةِ- مِن أهلِ دِينِكم، بل هم كفَّارٌ، وأعداءٌ لكم، ولكنَّ المنافِقينَ يخافونَ منكم فيَحلِفونَ لكم إنَّهم مُؤمِنونَ؛ لِيَأمَنوكم.

لَوْ يَجِدُونَ مَلْجَأً أَوْ مَغَارَاتٍ أَوْ مُدَّخَلاً لَّوَلَّوْاْ إِلَيْهِ وَهُمْ يَجْمَحُونَ (57).

لو يجِدُ المُنافِقونَ مَكانًا يتحصَّنونَ فيه، أو كُهوفًا في الجبالِ، أو نَفقًا في الأرضِ، يُتكَلَّفُ الدُّخولُ إليه بمشقَّةٍ- لذَهَبوا إليه وهم يُسرِعونَ في مَشْيِهم؛ لِشِدَّةِ كراهَتِهم لكم، ونُفورِهم منكم، وخوفًا من الخُروجِ للجِهادِ معكم.

وَمِنْهُم مَّن يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقَاتِ فَإِنْ أُعْطُواْ مِنْهَا رَضُواْ وَإِن لَّمْ يُعْطَوْاْ مِنهَا إِذَا هُمْ يَسْخَطُونَ (58).

ومِن المُنافِقينَ مَن يَعيبُك ويتَّهِمُك وينتقِدُكَ -يا محمَّدُ- طاعِنًا على قِسمَتِك، وتَوزيعِك أموالَ الزَّكاةِ على مُستحِقِّيها، فإنْ أعْطَيتَ المُنافِقينَ مِن الصَّدَقاتِ قَدْرَ ما يرُيدونَ، رَضُوا وسَكَتوا عنك، وإنْ لم تُعطِهم ما يُرضيهم مِن الصَّدَقاتِ، غَضِبوا عليك، وعابُوك!

وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوْاْ مَا آتَاهُمُ اللّهُ وَرَسُولُهُ وَقَالُواْ حَسْبُنَا اللّهُ سَيُؤْتِينَا اللّهُ مِن فَضْلِهِ وَرَسُولُهُ إِنَّا إِلَى اللّهِ رَاغِبُونَ (59).

ولو أنَّ أولئك المُنافِقينَ قَنِعوا بما أعْطاهم اللهُ، وقَسَمَه لهم رَسولُه، وقالوا: كافِينا اللهُ وَحْدَه، سيُعطينا اللهُ مِن فَضلِه العَظيمِ، وسيَقسِمُ لنا رسولُه الكريمُ، وقالوا: إنَّا نرغَبُ إلى اللهِ تعالى وَحْدَه، ونتضَرَّعُ إليه دونَ مَن سِواه، أن يُغنِيَنا مِن فَضْلِه، ويَرزُقَنا في الدُّنيا والآخرةِ؛ لو أنَّهم فعلوا ذلك لَكان خيرًا لهم في دينِهم ودُنياهم.

إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاء وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِّنَ اللّهِ وَاللّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (60).

إنَّما أموالُ الزَّكاةِ مُستحَقَّةٌ للفُقَراءِ وللمَساكينِ، ولِلعامِلينَ على الزَّكاةِ، الَّذين يَجمَعونَها، ويُوزِّعونَها، ولِمَن يُرادُ تأليفُ قُلوبِهم على الإسلامِ، وفي عِتقِ الرَّقيقِ بشرائهم وتحريرِهم، وإعانةِ المُكاتَبينَ على أداءِ مالِ المُكاتَبةِ، وفداءِ الأَسرى، وللمَدِينينَ الَّذين استَدانُوا في غيرِ مَعصيةٍ، وليس لديهم ما يُوَفُّونَ به دَيْنَهم، أو تحمَّلوا مالًا للإصلاحِ بيْن النَّاسِ، وفي النَّفَقةِ لنُصرةِ دِينِ اللهِ، فيُعطَى المُجاهِدونَ مِن الزَّكاةِ ما يُعينُهم على قِتالِ الكُفَّارِ، وللمُسافِرِ، المجتازِ مِن بلدٍ إلى بلدٍ، ليس معه ما يستعينُ به على سفرِه؛ فرَضَ اللهُ هذه الصَّدَقاتِ فريضةً على الأغنياءِ في أموالِهم، وقَسَمَها بنَفْسِه لأهلِ تلك الأصنافِ دونَ غَيرِهم، واللهُ عليمٌ بمصالِحِ خَلْقِه، لا يخفى عليه شَيءٌ مِن ظواهِرِ الأمورِ وبواطِنِها، حكيمٌ في قَولِه وفِعْلِه، وفي خَلْقِه وشَرْعِه، يضَعُ كُلَّ شَيءٍ في مَوضِعِه اللَّائِقِ به.

وَمِنْهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ وَيِقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَّكُمْ يُؤْمِنُ بِاللّهِ وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ وَرَحْمَةٌ لِّلَّذِينَ آمَنُواْ مِنكُمْ وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ رَسُولَ اللّهِ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (61).

ومِن المُنافِقينَ جماعةٌ يؤذونَ محمَّدًا ويَعيبونَه، ويقولونَ عنه: هو أُذُنٌ سامِعةٌ؛ فمَن قال له شيئًا صَدَّقَه، ومَن حدَّثَه فينا صدَّقَه، فإذا جِئْنا وحَلَفْنا له بالكَذِبِ مُعتَذِرينَ عمَّا بلَغَه منا، صَدَّقَنا! قُل -يا مُحمَّدُ- لهؤلاءِ المُنافِقينَ: النَّبيُّ مُصغٍ للخَيرِ، لا مستمِعٌ للشَّرِّ، وإن سَمِعَ ما يبلُغُه عنكم لم يؤاخِذْكم به؛ لِسَعةِ صَدرِه، ويسمَعُ مَعاذيرَكم، ويقبَلُها منكم؛ لِحُسنِ خُلُقِه، والنَّبيُّ يؤمِنُ بالله تعالى وَحْدَه وبما أوحى إليه، وهو يُصدِّقُ المؤمنينَ فيما يُخبِرونَه به، لا أهْلَ النِّفاقِ والكُفرِ بالله تعالى، والنَّبيُّ رحمةٌ للمُؤمِنينَ منكم، الصَّادِقينَ في إيمانِهم، والَّذين يُؤذونَ رَسولَ اللهِ مُحمَّدًا بأقوالِهم أو أفعالِهم؛ لهم عذابٌ مُوجعٌ في الدُّنيا والآخرةِ.

يَحْلِفُونَ بِاللّهِ لَكُمْ لِيُرْضُوكُمْ وَاللّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَن يُرْضُوهُ إِن كَانُواْ مُؤْمِنِينَ (62).

يحلِفُ المُنافِقونَ باللهِ لكم كَذِبًا -أيُّها المؤمِنونَ- فيتبَرَّؤونَ مِن أذاهم لِرَسولِ اللهِ، ويؤكِّدونَ لكم أنَّهم على دِينِكم؛ يبتغونَ بذلك رِضاكم، واللهُ ورسولُه أحقُّ بالإرضاءِ منكم إن كان هؤلاءِ المُنافِقونَ مُؤمِنينَ باللهِ ورَسولِه حقًّا كما يدَّعونَ.

أَلَمْ يَعْلَمُواْ أَنَّهُ مَن يُحَادِدِ اللّهَ وَرَسُولَهُ فَأَنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدًا فِيهَا ذَلِكَ الْخِزْيُ الْعَظِيمُ (63).

ألم يعلَمِ المُنافقونَ أنَّه مَن يُخالِفِ اللهَ ورَسولَه، ويُعادِهما ويُحارِبْهما؛ فأنَّ له نارَ جهنَّمَ في الآخرةِ، ماكِثًا فيها أبدًا إلى غيرِ نِهايةٍ؟! وذلك هو الهوانُ والذُّلُّ الكَبيرُ.

يَحْذَرُ الْمُنَافِقُونَ أَن تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ سُورَةٌ تُنَبِّئُهُمْ بِمَا فِي قُلُوبِهِم قُلِ اسْتَهْزِؤُواْ إِنَّ اللّهَ مُخْرِجٌ مَّا تَحْذَرُونَ (64).

يَخشى المُنافِقونَ أن يُنزِّلَ الله عزَّ وجلَّ في شأنِهم سُورةً تُخبِرُهم بما يُخفونَه في قُلوبِهم، مِن الكُفرِ والنِّفاقِ، فيَعلَم المؤمنونَ أسرارَهم، قُل -يا مُحمَّدُ- للمُنافِقينَ: استمِرُّوا على ما أنتم عليه مِن الاستهزاءِ؛ إنَّ اللهَ مُظهِرٌ للمُؤمِنينَ -بما يُنَزِّلُ مِن القُرآنِ- ما تَخشَونَ ظُهورَه.

وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِؤُونَ (65).

ولَئِن سألتَ المُنافقينَ -يا مُحمَّدُ- عمَّا قالوه في خَلَواتِهم مِن الطَّعنِ في أصحابِك ودينِك، لَيَقولُنَّ لك: إنَّما كنَّا ندخُلُ في الباطِلِ، ونلعَبُ بذلك الحديثِ، ولم نقصِدْ به الطَّعنَ في المسلمينَ والإسلامِ، قُل -يا مُحمَّدُ- للمُنافقين: أباللهِ سُبحانَه وآياتِ كِتابِه ورَسولِه كنتُم تستخِفُّونَ وتَسخَرونَ؟!

لاَ تَعْتَذِرُواْ قَدْ كَفَرْتُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ إِن نَّعْفُ عَن طَآئِفَةٍ مِّنكُمْ نُعَذِّبْ طَآئِفَةً بِأَنَّهُمْ كَانُواْ مُجْرِمِينَ (66).

قُل -يا مُحمَّدُ- للمُنافِقينَ: لا تَذْكُروا أعذارًا؛ فإنَّها لن تنفَعَكم، قد أظهرتُم الكفرَ باستهزائِكم بدينِ الله بعدَ أن كنتُم تُظهرونَ الإيمانَ. إن نعفُ عن جماعةٍ منكم لِتَوبتِهم الصَّادقةِ، نُعذِّبْ جماعةً أخرى منهم؛ بسببِ أنَّهم كانوا مُقيمين على كفرِهم، مُصِرِّينَ على نفاقِهم، وطَعْنِهم في رَسولِ اللَّه مِن غيرِ توبةٍ.

الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُم مِّن بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمُنكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ نَسُواْ اللّهَ فَنَسِيَهُمْ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (67).

المُنافِقونَ والمُنافِقاتُ هم صِنفٌ واحدٌ مُتشابِهونَ في كُفرِهم ونِفاقِهم، وأخلاقِهم وأغراضِهم، وبعضُهم أولياءُ بعضٍ، يأمرونَ بما يُبغِضُه اللهُ ويُنكِرُه؛ مِن الكُفرِ والمعاصي، ويَنهونَ عن المعروفِ الَّذي يحِبُّه الله ويأمُرُ به؛ مِن الإيمانِ والعَمَلِ الصَّالِحِ، ويُمسِكُون أيديَهم عن إخراجِ زكاةِ أموالِهم، وعن كلِّ ما وجَبَ عليهم مِن النَّفَقاتِ، نَسِيَ المُنافِقونَ ذِكرَ اللهِ وتَرَكوا طاعَتَه، فتَرَك اللهُ هدايتَهم ورَحمَتَهم، ويترُكُهم مخلَّدِينَ في عذابِ جهنَّمَ في الآخرةِ، إنَّ المُنافِقين هم الخارِجونَ عن طاعةِ اللهِ، والإيمانِ به سُبحانَه.

وَعَدَ الله الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْكُفَّارَ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا هِيَ حَسْبُهُمْ وَلَعَنَهُمُ اللّهُ وَلَهُمْ عَذَابٌ مُّقِيمٌ (68).

وعَدَ اللهُ المُنافِقينَ والمُنافِقاتِ وجميعَ الكُفَّارِ أنْ يُدخِلَهم نارَ جَهنَّمَ، ماكِثينَ فيها أبدًا، وهي كافيةٌ لعِقابِهم؛ جزاءً على نِفاقِهم وكُفرِهم، وأبعَدَ اللهُ المُنافِقينَ والكُفَّارَ وطَرَدَهم مِن رَحمتِه، ولهم عذابٌ دائِمٌ لا ينقطِعُ.

كَالَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ كَانُواْ أَشَدَّ مِنكُمْ قُوَّةً وَأَكْثَرَ أَمْوَالاً وَأَوْلاَدًا فَاسْتَمْتَعُواْ بِخَلاقِهِمْ فَاسْتَمْتَعْتُم بِخَلاَقِكُمْ كَمَا اسْتَمْتَعَ الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ بِخَلاَقِهِمْ وَخُضْتُمْ كَالَّذِي خَاضُواْ أُوْلَـئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الُّدنْيَا وَالآخِرَةِ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ (69).

فعَلْتُم -أيُّها المُنافِقونَ والكفَّارُ- كفِعلِ الَّذين مِن قَبلِكم، فسَينزِلُ بكم مِن العُقوباتِ مثلُ ما نَزَلَ بهم، وقد كانُوا أقوى منكم، وأكثرَ منكم أموالًا وأولادًا، فتمتَّع كُفَّارُ الأمَمِ الماضيةِ بنَصيبِهم المقدَّرِ لهم مِن الدُّنيا وشَهَواتِها، مُؤْثِرينَ له على نَعيمِ الآخرةِ، فتمتَّعتُم -أيُّها المُنافِقونَ والكفَّارُ- بنَصيبِكم مِن شَهَواتِ الدُّنيا، وأعرَضْتُم عن الآخِرةِ كذلك، كما تمتَّعَ الكُفَّارُ الَّذين مِن قَبلِكم بنَصِيبِهم، وخضتُم -أيُّها المُنافِقونَ والكُفَّارُ- في الكُفرِ والكَذِبِ، والباطِلِ والشُّبُهاتِ، والاستهزاءِ باللهِ وآياتِه ورَسولِه؛ مثلَ الخَوضِ الَّذي خاضَتْه الأمَمُ قَبلَكم، أولئك بطَلَت أعمالُهم في الدُّنيا والآخرةِ، فلا يَقبَلُها اللهُ تعالى منهم، ولا يُثيبُهم عليها، وأولئك هم خسِروا بحِرمانِ الخَيرِ العاجِلِ والآجِلِ في الدُّنيا والآخرةِ.

أَلَمْ يَأْتِهِمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَقَوْمِ إِبْرَاهِيمَ وِأَصْحَابِ مَدْيَنَ وَالْمُؤْتَفِكَاتِ أَتَتْهُمْ رُسُلُهُم بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا كَانَ اللّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَـكِن كَانُواْ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (70).

ألَمْ يَسمَعِ المُنافِقونَ والكُفَّارُ خَبَرَ إهلاكِنا الأمَمَ الكافِرةَ الماضيةَ؛ قَومِ نُوحٍ، وعادٍ قَومِ هُودٍ، وثمودَ قَومِ صالحٍ، وقَومِ إبراهيمَ، وأهلِ مَدْينَ قَومِ شُعيبٍ، وأهلِ قُرى قَومِ لوطٍ، الَّتي انقلَبَت بهم فصار أعلاها أسفَلَها؟! جاءَتهم رسُلُ اللهِ بالمُعجِزاتِ الواضِحاتِ، فكذَّبوهم، فأهلكَهم اللهُ، فما كان اللهُ ليظلِمَ تلك الأممَ المكَذِّبةَ بإهلاكِهم قبلَ إقامةِ الحُجَّةِ عليهم، ولكِن كانوا يظلِمونَ أنفُسَهم، بالكُفرِ باللهِ وعِصيانِه، وتكذيبِ رُسُلِه، فاستحَقُّوا عِقابَه.

وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَـئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللّهُ إِنَّ اللّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (71).

وأمَّا المؤمِنونَ والمؤمناتُ فبَعضُهم أنصارُ بعضٍ، متحابُّونَ في اللهِ، يأمُرونَ النَّاسَ بكُلِّ خَيرٍ يُحبُّه اللهُ، ويَنهونَهم عن كلِّ شَرٍّ يُبغِضُه اللهُ، ويؤدُّونَ الصَّلَواتِ المفروضةَ بِشُروطِها وأركانِها وواجباتِها، ويُعطونَ زكاةَ أموالِهم لِمُستحِقِّيها، ويُلازِمونَ طاعةَ اللهِ ورَسولِه؛ هؤلاءِ الَّذينَ هذه صفتُهم سيرحَمُهم اللهُ في الدُّنيا والآخرةِ، إنَّ الله تعالى ذو عزَّةٍ، فمَن أطاعه أعَزَّه، ومَن عَصاه وكفَرَ به فإنَّه ينتقِمُ منه، لا يمنَعُه منه مانِعٌ، فهو قَوِيٌّ قاهِرٌ؛ حكيمٌ في انتقامِه منهم، وفي جميعِ ما يفعَلُه، فيضَعُ كُلَّ شَيءٍ في موضِعِه اللَّائقِ به.

وَعَدَ اللّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ وَرِضْوَانٌ مِّنَ اللّهِ أَكْبَرُ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (72).

وعَدَ اللهُ المُؤمِنينَ والمؤمِناتِ جناتٍ تجري مِن تحتِ أشجارِها وقصورِها أنهارُ الجنَّةِ، ماكِثينَ فيها أبدًا، ووعَدهم أن يُسْكِنَهم منازِلَ حَسَنةً، مبنيَّةً في جناتِ إقامةٍ دائمةٍ، لا يُخرَجونَ منها، ورضا الله تعالى عن المؤمِنينَ والمؤمناتِ أعظمُ وأفضَلُ ممَّا هم فيه مِن نَعيمِ الجنَّةِ، ذلك هو النَّجاةُ العظيمةُ، والظَّفَرُ الكبيرُ الَّذي لا أكبَرَ ولا أعظَمَ منه.

يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (73).

يا أيُّها النَّبيُّ جاهِدِ الكُفَّارَ المُحاربينَ بالسِّلاحِ، وجاهِدْ غيرَ المحاربينَ مِنهم بالحُجَّةِ، وجاهِدِ المنافِقينَ بالسِّلاحِ إنْ أظهَروا نفاقَهم، وبالحُجَّةِ لِرَدِّ شُبُهاتِهم، وبإقامةِ الحُدودِ على مَن يقَعُ فيها منهم، واشدُدْ -يا محمَّدُ- بالقَولِ والفِعلِ على الكفَّارِ والمُنافِقينَ، ومَقَرُّ الكفَّارِ والمُنافِقينَ في الآخرةِ نارُ جهنَّمَ لا يَخرُجونَ منها، وبِئسَ المكانُ الَّذي صاروا إليه!

يَحْلِفُونَ بِاللّهِ مَا قَالُواْ وَلَقَدْ قَالُواْ كَلِمَةَ الْكُفْرِ وَكَفَرُواْ بَعْدَ إِسْلاَمِهِمْ وَهَمُّواْ بِمَا لَمْ يَنَالُواْ وَمَا نَقَمُواْ إِلاَّ أَنْ أَغْنَاهُمُ اللّهُ وَرَسُولُهُ مِن فَضْلِهِ فَإِن يَتُوبُواْ يَكُ خَيْرًا لَّهُمْ وَإِن يَتَوَلَّوْا يُعَذِّبْهُمُ اللّهُ عَذَابًا أَلِيمًا فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَمَا لَهُمْ فِي الأَرْضِ مِن وَلِيٍّ وَلاَ نَصِيرٍ (74).

يحلِفُ المنافِقونَ بالله كَذِبًا على أنَّهم لم يتفوَّهوا بكَلِمةِ الكُفرِ، ولقَدْ نطَقوا بكلمةِ الكُفرِ الَّتي يُنكِرونَ قَولَها، وأظهَرَ المُنافِقونَ كُفرَهم بما قالوه مِن الكُفرِ بعدَ أن كانوا يُظهِرونَ الإسلامَ، وهَمَّ المُنافِقونَ أن يَفعلوا مِن الشَّرِّ والفَتْكِ برَسولِ الله حينَ رجَعَ مِن غزوةِ تَبوكَ، ما لم يستطيعوا الوُصولَ إليه؛ إذ عصَمَه اللهُ تعالى منهم، والحالُ أنَّ المُنافِقينَ ما عابُوا وما أنكَرُوا إلَّا ما هو جديرٌ حقًّا بالمَدحِ والشُّكرِ والثَّناءِ، وهو إغناءُ اللهِ لهم مِن فَضلِه بسبَبِ رَسولِه، وبَرَكةِ رسالَتِه عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ بعدَ أن كانوا فُقَراءَ! فإن يَتُبِ المُنافِقونَ مِن نِفاقِهم وكُفرِهم، يكُنْ رُجوعُهم إلى الحَقِّ خَيرًا لهم في دينِهم ودُنياهم وآخِرتِهم، وإن يُعرِضِوا عن الإيمانِ والتَّوبةِ، ويستَمِرُّوا على النِّفاقِ؛ يعذِّبْهم اللهُ عذابًا مُؤلِمًا في الدُّنيا، ويُعَذِّبْهم في الآخرةِ بعذابِ النَّارِ، وما للمُنافِقينَ في الأرضِ كُلِّها أيُّ ولِيٍّ يتولَّاهم، ولا أيُّ نَصيرٍ ينصُرُهم ويدفَعُ عنهم الشَّرَّ.

وَمِنْهُم مَّنْ عَاهَدَ اللّهَ لَئِنْ آتَانَا مِن فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ (75).

ومِن المُنافِقينَ مَن أعطى اللهَ عَهدًا بقَولِه: واللهِ لَئِن رَزَقَنا اللهُ مِن فَضلِه، لنُخرِجَنَّ الصَّدَقةَ ممَّا أعطانا، ولَنكونَنَّ مِن جملةِ الصَّالحينَ الَّذين يؤدُّونَ حَقَّ اللهِ وحَقَّ عبادِه.

فَلَمَّا آتَاهُم مِّن فَضْلِهِ بَخِلُواْ بِهِ وَتَوَلَّواْ وَّهُم مُّعْرِضُونَ (76).

فلمَّا رزَقَهم اللهُ وأعطاهم مِن فَضلِه بَخِلوا بما آتاهم، فلم يُنفِقوا منه في حقِّ الله، ولم يتصدَّقوا بشيءٍ منه، كما حلَفوا، وأدبَرُوا عن طاعةِ اللهِ تعالى والوفاءِ بِعَهدِه، مُعرِضينَ ومُنصَرفينَ عن ذلك.

فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا فِي قُلُوبِهِمْ إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِمَا أَخْلَفُواْ اللّهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُواْ يَكْذِبُونَ (77).

فجعَل اللهُ عاقِبةَ أمرِهِم نِفاقًا كائنًا في قلوبِهم، متمكِّنًا منها، مستمرًّا فيها إلى يومِ يَلْقَون اللهَ تعالى بموتِهم وخروجِهم مِن الدُّنيا، بسبَبِ إخلافِهم ما عاهَدوا اللهَ عليه مِن الصَّدَقةِ والصَّلاحِ، ولأنَّهم كانوا يَكذِبونَ في كلامِهم وعهدِهم.

أَلَمْ يَعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ يَعْلَمُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ وَأَنَّ اللّهَ عَلاَّمُ الْغُيُوبِ (78).

ألم يعلَمِ المُنافِقونَ الَّذين يُبطِنونَ الكُفرَ، ويُظهرونَ الإسلامَ، أنَّ اللهَ يعلَمُ ما يُخفونَه مِن الكُفرِ والنِّفاقِ، ويَعلَمُ ما يتناجَونَ به فيما بيْنَهم مِن الطَّعنِ في الإسلامِ والمُسلِمينَ، وسيُجازيهم على أعمالِهم، ويعلَمُ جَميعَ ما غاب عن خَلْقِه، لا يخفى عليه شَيءٌ؟!

الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ وَالَّذِينَ لاَ يَجِدُونَ إِلاَّ جُهْدَهُمْ فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ اللّهُ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (79).

المُنافِقونَ الَّذين يَعيبونَ المُتطوِّعينَ مِن المؤمِنينَ الأغنياءِ في صَدَقاتِهم الكبيرةِ، فيَزعُمونَ أنَّهم يُراؤونَ بها، ويَعيبونَ أيضًا المتطَوِّعينَ مِن المُؤمِنينَ الفُقَراءِ، الَّذين لا يجِدونَ ما يتصدَّقونَ به إلَّا شيئًا يَسيرًا بِقَدرِ طاقَتِهم، فيَستَهِزئُون بهم! سَخِرَ اللهُ مِن هؤلاء المُنافِقينَ، في مُقابِلِ سُخرِيَتِهم مِن المؤمِنينَ، وللمُنافِقينَ يومَ القِيامةِ عَذابٌ مُؤلمٌ في نارِ جهنَّمَ.

اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لاَ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِن تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَن يَغْفِرَ اللّهُ لَهُمْ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَفَرُواْ بِاللّهِ وَرَسُولِهِ وَاللّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ (80).

سواءٌ طلَبْتَ -يا مُحمَّدُ- لهؤلاءِ المُنافِقينَ المغفِرةَ، أو لم تطلُبْها لهم، فلَن يغفِرَ اللهُ لهم، إنْ تَسألِ اللهَ المَغفِرةَ لذُنوبِ هؤلاءِ المُنافِقينَ سَبعينَ مَرَّةً فلَن يغفرَ اللهُ لهم، بسبَبِ كُفرِهم باللهِ وبرَسولِه، واللهُ لا يُوفِّقُ للإيمانِ به وبِرَسولِه القَومَ الخارِجينَ عن طاعتِه، المُؤْثِرينَ للكُفرِ به، المصرِّينَ على فِسْقِهم.

فَرِحَ الْمُخَلَّفُونَ بِمَقْعَدِهِمْ خِلاَفَ رَسُولِ اللّهِ وَكَرِهُواْ أَن يُجَاهِدُواْ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَقَالُواْ لاَ تَنفِرُواْ فِي الْحَرِّ قُلْ نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرًّا لَّوْ كَانُوا يَفْقَهُونَ (81).

فَرِحَ المُنافِقونَ -الَّذين تَرَكَهم اللهُ، ولم يُوفِّقْهم للجهادِ- بقُعودِهم بعدَ خروجِ رَسولِ اللهِ إلى تَبوكَ؛ مخالفةً منهم لأمْرِه، وكَرِهوا أن يجاهِدوا الكفَّارَ ببَذلِ أموالِهم، وغَزْوِهم بأنفُسِهم لنُصرةِ دِينِ اللهِ سبحانَه، وإعلاءِ كَلِمتِه، وقال بعضُهم لبعضٍ: لا تَخرجُوا مع المسلمينَ إلى تبوكَ؛ لِغَزوِ الرُّومِ في وَقتِ شدَّةِ الحرِّ، قلْ -يا محمَّدُ- لهم: نارُ جهنَّمَ الَّتي يدخُلُها في الآخرةِ مَن خالف أمْرَ اللهِ، وعَصى رسولَه- أشَدُّ حرارةً مِن حَرِّ الدُّنيا الَّذي لا تريدونَ النَّفرَ فيه، لو كان هؤلاء المُنافقون يَفهمونَ عن اللهِ تعالى، ويعقِلونَ كَلامَه، لَنَفَرُوا مَعَ الرَّسُولِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فِي الْحَرِّ؛ لِيَتَّقوا به حَرَّ جهنَّمَ.

فَلْيَضْحَكُواْ قَلِيلاً وَلْيَبْكُواْ كَثِيرًا جَزَاء بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ (82).

فلْيَضحَكِ المُنافِقونَ قليلًا في هذه الدُّنيا الزَّائلةِ، ولْيَبكوا في الآخرةِ الأبَديَّةِ كَثيرًا، في نارِ جهنَّمَ؛ جزاءً مِن اللهِ لهم بسبَبِ ما كانوا يعمَلونَه في الدُّنيا مِن الكُفرِ والنِّفاقِ والمعاصي.

فَإِن رَّجَعَكَ اللّهُ إِلَى طَآئِفَةٍ مِّنْهُمْ فَاسْتَأْذَنُوكَ لِلْخُرُوجِ فَقُل لَّن تَخْرُجُواْ مَعِيَ أَبَدًا وَلَن تُقَاتِلُواْ مَعِيَ عَدُوًّا إِنَّكُمْ رَضِيتُم بِالْقُعُودِ أَوَّلَ مَرَّةٍ فَاقْعُدُواْ مَعَ الْخَالِفِينَ (83).

فإن أرجَعَك اللهُ ورَدَّك -يا مُحمَّدُ- مِن غزوةِ تَبوكَ، إلى جماعةٍ مِن هؤلاءِ المُنافِقينَ -الَّذين تخلَّفوا عنك في المدينةِ بغَيرِ عُذرٍ، وفَرِحوا بذلك- فاستأذَنوك للخُروجِ معك للجِهادِ في غزوةٍ أُخرَى، فقُل عُقوبةً لهم: لن تَصحبوني أبدًا في أيِّ سَفرٍ؛ للجِهادِ، ولا لغَيرِه، ولن تُقاتِلوا معيَ عدُوًّا مِن الأعداءِ أبدًا؛ وذلك لأنَّكم رَضِيتُم -أيُّها المُنافِقونَ- بالتَّخلُّفِ عن الجهادِ، حين دُعيتُم أوَّلَ مرَّةٍ للخروجِ مع النَّبيِّ إلى تَبوكَ، فاقعُدوا مع المتخَلِّفينَ عن الجهادِ، مِن الأشرارِ الفاسِدينَ الَّذين تخلَّفوا بغيرِ عُذرٍ، ومِن المَعذُورينَ مِن المَرضى والضُّعَفاءِ، والنِّساءِ والصِّبيانِ.

وَلاَ تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِّنْهُم مَّاتَ أَبَدًا وَلاَ تَقُمْ عَلَىَ قَبْرِهِ إِنَّهُمْ كَفَرُواْ بِاللّهِ وَرَسُولِهِ وَمَاتُواْ وَهُمْ فَاسِقُونَ (84).

ولا تُصَلِّ -يا مُحمَّدُ- على أحدٍ مِن هؤلاءِ المُنافِقينَ إذا مات، أبدًا، ولا تَقُمْ على قبرِ أحدٍ مِنهم لِتَولِّي دَفنِه، والاستغفارِ والدُّعاءِ له؛ لأنَّهم كَفروا باللهِ وبرَسولِه صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، وماتوا وهم خارِجونَ عن الإيمانِ، وطاعةِ الرَّحمنِ.

وَلاَ تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَأَوْلاَدُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ اللّهُ أَن يُعَذِّبَهُم بِهَا فِي الدُّنْيَا وَتَزْهَقَ أَنفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ (85).

ولا تَستحسِنْ -يا مُحمَّدُ- أموالَ المُنافِقينَ وأولادَهم، ممَّا أنعَمْنا عليهم؛ استدراجًا لهم، إنَّما يريدُ اللهُ أن يعذِّبَهم بأموالِهم وأولادِهم في حياتِهم الدُّنيا، بالهُمومِ والغُمومِ فيها، وبما يعتريهم مِن مصائِبَ وتعبٍ في جمعِها، ووَجَلٍ في حِفظِها، وخَوفٍ مِن زَوالِها، وغَيرِ ذلك، ويريدُ اللهُ أن تَخرُجَ أرواحُهم مِن أجسادِهم وهم مُقيمونَ على كُفرِهم.

وَإِذَآ أُنزِلَتْ سُورَةٌ أَنْ آمِنُواْ بِاللّهِ وَجَاهِدُواْ مَعَ رَسُولِهِ اسْتَأْذَنَكَ أُوْلُواْ الطَّوْلِ مِنْهُمْ وَقَالُواْ ذَرْنَا نَكُن مَّعَ الْقَاعِدِينَ (86).

وإذا أُنزِلَت عليك -يا محمَّدُ- سورةٌ مِن القرآنِ، فيها أمرُ النَّاسِ بالإيمانِ باللهِ، وجِهادِ الكُفَّارِ مع رسولِ اللهِ؛ استأذَنَك في التَّخَلُّفِ عن الجهادِ أصحابُ الغِنى والأموالِ مِن المُنافِقينَ! وقالوا لك: اترُكْنا نكُنْ مع القاعِدينَ في بُيوتِهم؛ مِنَ الضُّعَفاءِ والمَرضى والعاجِزينَ عن الجِهادِ.