التفسير المحرر
قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لَنُخْرِجَنَّكَ يَا شُعَيْبُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَكَ مِنْ قَرْيَتِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا قَالَ أَوَلَوْ كُنَّا كَارِهِينَ
قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لَنُخْرِجَنَّكَ يَا شُعَيْبُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَكَ مِنْ قَرْيَتِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا قَالَ أَوَلَوْ كُنَّا كَارِهِينَ
قال الأشرافُ والرُّؤساءُ المتكبرين عن الحقِّ من قومِ شعيب: واللهِ لَنُخْرِجَنَّكَ يا شُعيبُ ومَنْ آمَنَ معك مِن بلْدتنا، أو لَتَرْجِعَنَّ أنتَ وهُمْ إلى دِينِنا! فقال شعيبٌ: أَتُجبِروننا على العَوْدةِ إلى مِلَّتِكم قَهْرًا، وإنْ كنَّا كارهينَ لها؛ لعِلْمِنا ببُطْلانِها؟!
قَدِ افْتَرَيْنَا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا إِنْ عُدْنَا فِي مِلَّتِكُمْ بَعْدَ إِذْ نَجَّانَا اللَّهُ مِنْهَا وَمَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَعُودَ فِيهَا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّنَا وَسِعَ رَبُّنَا كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنَا رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ وَأَنْتَ خَيْرُ الْفَاتِحِينَ
قدِ اخْتَلَقْنا على اللهِ كَذِبًا إنْ رجَعْنا إلى دِينِكم، بعْدَ أنْ أنقَذَنا اللهُ منه، وما ينبغي أبدًا أنْ نَرجِعَ إليه، إلَّا أنْ يشاء اللهُ ذلكَ، قد وَسِعَ عِلْمُ اللهِ كُلَّ شيءٍ، فلا يَخْفى عليه ما كان، ولا ما سيَكونُ، على اللهِ وَحْدَهُ نَعتمِدُ في جميعِ أُمورِنا، ويا ربَّنا، احْكُمْ بَيْنَنا وبيْنَ قَومِنا الكفَّارِ بحُكْمِكَ الحقِّ، وأنتَ خيرُ الحاكمينَ.
وَقَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لَئِنِ اتَّبَعْتُمْ شُعَيْبًا إِنَّكُمْ إِذًا لَخَاسِرُونَ
قال الأشرافُ والرُّؤَساءُ الكفَّار من قومِ شعيبٍ؛ تحذيرًا لِمَنْ دونَهم مِنَ النَّاسِ: واللهِ لَئِنِ اتَّبعْتُم شُعيبًا؛ فتركْتُم دِينَكم، لَهَلَكْتُم وخَسِرْتُم مَصالِحَكُمُ الدُّنيويَّةَ.
فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ
فأَخَذَتْ أولئكَ الكفَّارَ الزَّلزلةُ الشَّديدةُ، فصارَوا في بَلَدِهم صرعى، لاصِقينَ بالأرضِ.
الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْبًا كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْبًا كَانُوا هُمُ الْخَاسِرِينَ
الَّذين كذَّبوا شعيبًا هَلَكوا، وكأنَّهم لم يُقيموا قَطُّ في بَلَدِهم، ولم يَتمتَّعوا فيها، وقد خَسِروا دِينَهم وأنفُسَهم وأَهْليهم.
فَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَا قَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسَالَاتِ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ فَكَيْفَ آسَى عَلَى قَوْمٍ كَافِرِينَ
فانْصَرَفَ شعيبٌ عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ عن قَومِه بعْدَ هلاكهم، وقال موبخًا لهم: لقدْ أَدَّيْتُ إليكم جميعَ ما أَمَرني اللهُ تعالى بأدائِه، وأردْتُ لكمُ الخَيْرَ، واجتهدْتُ في هِدايَتِكم، فلم تَقبَلوا نُصْحي، فكيف يَشتدُّ حُزني على قومٍ كفَروا بالحق لمَّا جاءهم؟
وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَبِيٍّ إِلَّا أَخَذْنَا أَهْلَهَا بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَضَّرَّعُونَ
وما أرسَلْنا إلى أهلِ بلْدة نبيًّا، يَدْعوهم إلى الحق، فكذَّبوه، إلا عاقَبْناهم بالفَقْرِ والأمراضِ؛ ليَدْعوا ربَّهم أنْ يَكشِفَ ما حلَّ بهم، ويَخشَعوا له، ويُنِيبوا إليه.
ثُمَّ بَدَّلْنَا مَكَانَ السَّيِّئَةِ الْحَسَنَةَ حَتَّى عَفَوْا وَقَالُوا قَدْ مَسَّ آبَاءَنَا الضَّرَّاءُ وَالسَّرَّاءُ فَأَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ
فلمَّا لم يُجْدِ معهم ذلك، واستمرَّ طُغيانُهم، حوَّلْنا حالَهم مِنَ الشِّدَّةِ إلى الرَّخاءِ، فعافَيْنا أبدانَهم، وأجرَيْنا عليهم الأرزاقَ، فكَثُرَتْ أموالُهم وأولادُهم، فلم يتضرَّعْوا لله حِينَ الشِّدَّةِ، ولم يَشْكُروه حينَ النِّعمةِ، وقالوا: هذه أحوالٌ اعتياديَّةٌ جَرَتْ على آبائِنا مِنْ قَبْل، وليس لهذا الأمْرِ تعلُّقٌ بالتَّذكيرِ والابتلاءِ، فأهلكنا أهلَ تلك القُرى فجأَةً، وهم لا يشعرون بذلك.
وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ
ولو أنَّ أهلَ تلك القُرى المُهلَكة آمنوا بالحق، واتَّقَوُا اللهَ، لَفَتَحَ اللهُ عليهم مِنَ السَّماءِ والأرضِ بَرَكاتٍ؛ فأنزَلَ عليهم الأمطارَ، وأَنْبَتَ لهم الأرضَ بأنواعِ الثِّمارِ، ولكنَّهم كذَّبوا بالحق؛ فأهلكهم الله؛ لكُفْرِهم، واقترافِهم السَّيِّئاتِ.
أَفَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا بَيَاتًا وَهُمْ نَائِمُونَ
أَبَعْدَ ذلك يَظُنُّ أهلُ القُرى الأخرى الكافِرةِ أنَّهم آمِنونَ مِن حُلولِ عذابِنا عليهم ليلًا وهم نِيامٌ؟!
أَوَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا ضُحًى وَهُمْ يَلْعَبُونَ
أَوَ يَظُنُّ أهلُ القُرى الكافِرةِ أنَّهم في مَأْمَنٍ مِن حُلولِ عذابِنا في أوَّلِ النَّهارِ وهم في لَهْوِهم وغَفْلتِهم؟!
أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ فَلَا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ
فهل أَمِنَوا أن يَستدرِجَهم اللهُ بنِعَمِه، كما استدرَجَ مَنْ قَبْلهم، ثمَّ يأخُذَهم بعذابِه بَغْتةً؟! إنه لا يأمَنُ أحدٌ ذلك، مع إقامتِه على الكُفْرِ، وإصرارِه على المعاصي، إلَّا الهالِكونَ، الَّذين أضاعوا عقولَهم، ففَقَدوا ما ينفَعُهم، وجَلَبوا ما يَضُرُّهم.
أَوَلَمْ يَهْدِ لِلَّذِينَ يَرِثُونَ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِ أَهْلِهَا أَنْ لَوْ نَشَاءُ أَصَبْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَنَطْبَعُ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ
أَوَلَمْ يَتبيَّنْ للَّذينَ يُستخلَفونَ في الأرضِ مِن بعْدِ هلاكِ أهلِها أنَّا نَقدِرُ على إهلاكِهم؛ لكُفرِهم ومَعاصيهم، كما عاقَبْنا مَنْ قبْلهم ممَّنْ فعَلَ مِثْلَهم؟! ونحن نَختِمُ على قُلوبِهم، فيُؤدِّي بهم ذلك إلى عدَمِ قَبولِ الهُدى، واتباعِ الحَقِّ.
تِلْكَ الْقُرَى نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَائِهَا وَلَقَدْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا بِمَا كَذَّبُوا مِنْ قَبْلُ كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِ الْكَافِرِينَ
تلك القُرى المُهلَكَةُ الَّتي سبَقَ ذِكْرُها في هذه السُّورة نَتْلو عليكَ -يا محمَّدُ- مِن أخبارِ أهلِها ما يَحصُلُ به التَسْليةُ والموعظةُ، لقد جاءَتْهم رُسُلُهم بالحُجَجِ الظَّاهرةِ الَّتي تدُلُّ على صِدْقِهم، ولكن امتنع عليهم الإيمان بالحق؛ لتكذيبِهم به أوَّلَ ما وَرَدَ عليهم، وكما خَتَمَ اللهُ على قلوبِ الكفَّارِ السابقين بهذا الخَتمِ المُحْكَمِ، يختِمُ أيضًا على قُلوبِ غيرهم من الكافِرينَ؛ فلا يؤمنون.
وَمَا وَجَدْنَا لِأَكْثَرِهِمْ مِنْ عَهْدٍ وَإِنْ وَجَدْنَا أَكْثَرَهُمْ لَفَاسِقِينَ
وما وجدنا لِأَكْثَرِ الأُمَمِ الماضيةِ الَّتي أهلَكْناها مِن وَفاءٍ بالعهدِ الَّذي وَصَّيْناهم به، وهو اتباع الحق، وإنما وجَدْنا أكثَرَهم خارِجينَ عن طاعةِ اللهِ تعالى.
ثُمَّ بَعَثْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ مُوسَى بِآيَاتِنَا إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ فَظَلَمُوا بِهَا فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ
ثمَّ أَرْسَلْنا موسى مِن بعْدِ نوحٍ وهودٍ وصالِحٍ ولوطٍ وشُعيبٍ عليهم السلام بالأدِلَّةِ على صِدْقِهِ، إلى مَلِكِ مِصْرَ، وأشرافِ قَومِه، فكَفَروا بتلك المُعجِزاتِ، فانظُرْ -يا محمَّدُ- إلى آخِرِ أمْرِ هؤلاء الَّذينَ أَفْسَدوا في الأرضِ بالكُفْرِ والمعاصي، أهلَكَهم اللهُ بالغرق.
وَقَالَ مُوسَى يَا فِرْعَوْنُ إِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ
وقال موسى لمَلِكِ مِصْرَ: يا فِرعونُ، إنِّي رسولٌ إليكَ مِن ربِّ جميعِ الخلائقِ.
حَقِيقٌ عَلَى أَنْ لَا أَقُولَ عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ قَدْ جِئْتُكُمْ بِبَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ فَأَرْسِلْ مَعِيَ بَنِي إِسْرَائِيلَ
وأنا جَديرٌ بألَّا أكذِبَ على اللهِ، وقد جِئْتُكم بحُجَّةٍ ومعجزةٍ ظاهرةٍ من ربِّكم، تَدُلُّكم على صِدْقي، فأَطْلِقْ -يا فرعونُ- ذُرِّيَّةَ يعقوبَ مِن أَسْرِكَ، فيَخرُجُوا معي؛ لِنَعْبُدَ اللهَ تعالى حيثُ نَشاءُ.
قَالَ إِنْ كُنْتَ جِئْتَ بِآيَةٍ فَأْتِ بِهَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ
قال فرعونُ لموسى: إنْ كنتَ مُتمكِّنًا من إظهارِ حُجَّةٍ ومعجزةٍ تؤيِّدُ كلامَكَ، فهاتِها؛ لِنَرى إنْ كنتَ حقًّا مِنَ الصَّادقينَ في دعواك.
فَأَلْقَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُبِينٌ
فأَلْقى موسى عصاهُ في الأرضِ؛ فانقلَبَتْ بإذْنِ اللهِ ثُعبانًا عظيمًا واضحًا لِمَنْ يَراهُ.
وَنَزَعَ يَدَهُ فَإِذَا هِيَ بَيْضَاءُ لِلنَّاظِرِينَ
وأخرَجَ موسى يدَه مِن جَيبِه، فظهَرَتْ بَيضاءَ لِكُلِّ مَن نظَرَ إليها.
قَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ
قال الأشرافُ مِن قومٍ فِرعونَ: إنَّ موسى ساحرٌ حاذِقٌ، ماهرٌ بالسِّحرِ، فيُخيِّلُ إلى النَّاسِ أنَّ عصاهُ تنقلِبُ حيَّةً، وأنَّ يدَه تَصيرُ بيضاءَ.
يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ فَمَاذَا تَأْمُرُونَ
قال أشرافُ قومِ فِرعونَ: يُريدُ موسى بسِحْرِه أنْ يُخرجَكم مِن أرضِكم؛ مِصرَ، فما تَأمرونَ في شأنِه؟
قَالُوا أَرْجِهْ وَأَخَاهُ وَأَرْسِلْ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ
قال الملأُ لفرعونَ: أخِّرْ موسى وأخاهُ هارونَ، وأمهِلْهما، وابعَثْ في مُدُنِ مملكتِكَ أُناسًا يَحشُدونَ منها السَّحرةَ.
يَأْتُوكَ بِكُلِّ سَاحِرٍ عَلِيمٍ
يَجيئوا لك مِن سائرِ البِلادِ بالسَّحَرةِ المَهَرةِ؛ لمعارضةِ ما جاءَ به موسى.
وَجَاءَ السَّحَرَةُ فِرْعَوْنَ قَالُوا إِنَّ لَنَا لَأَجْرًا إِنْ كُنَّا نَحْنُ الْغَالِبِينَ
وجاء السَّحَرةُ الَّذينَ جُمِعوا مِنَ المُدُنِ إلى فِرعونَ، فلمَّا حضَروا سألوه: هل ستَمنَحُنا عطاءً عظيمًا إنْ تغلَّبْنا على موسى؟
قَالَ نَعَمْ وَإِنَّكُمْ لَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ
قال فرعونُ لهم: نَعَمْ، لكم ذلك، ولكم أيضًا فَوْقَ ما سألْتُم؛ أنْ أَجعلَكم مِنَ المقرَّبين عندي.
قَالُوا يَامُوسَى إِمَّا أَنْ تُلْقِيَ وَإِمَّا أَنْ نَكُونَ نَحْنُ الْمُلْقِينَ
قال السَّحرةُ: يا موسى، اختَرْ إمَّا أنْ تُلقيَ عصاكَ أوَّلًا، أو نُلقيَ قَبْلَك ما معنا.
قَالَ أَلْقُوا فَلَمَّا أَلْقَوْا سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ وَاسْتَرْهَبُوهُمْ وَجَاءُوا بِسِحْرٍ عَظِيمٍ
قال موسى لهم: أَلْقوا أنتم أوَّلًا، فلمَّا أَلْقى السَّحرةُ حِبالَهم وعِصيَّهم، خَيَّلوا إلى الأبصارِ أنَّها حيَّاتٌ تسعَى، وأخافَوا النَّاسَ بذلك، فقد جاءوا بتخييلٍ عظيمِ عِند مَنْ يَراهُ، ذي تأثيرٍ كبيرٍ في أَعْيُنِهم.
وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَلْقِ عَصَاكَ فَإِذَا هِيَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ
وأوحَيْنا إلى موسى بعْدَما أَلْقى السَّحرةُ ما معهم: أَلْقِ عصاكَ، فأَلْقاها موسى، فانقلَبَتْ ثُعبانًا عظيمًا حقيقيًّا، يبتَلِعُ بسرعةٍ هائلةٍ جميعَ ما أَلْقاهُ السَّحرةُ مِنَ الحِبالِ والعِصِيِّ، والَّتي أَوْهَموا النَّاسَ أنَّها حَيَّاتٌ.
فَوَقَعَ الْحَقُّ وَبَطَلَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ
فلمَّا جَرَى ذلك ظهَرَ الحقُّ، وتبيَّنَ لجَميعِ الحاضِرينَ أنَّ موسى رسولٌ مِن عِندِ اللهِ، واضْمَحَلَّ ما كان يَقومُ به السَّحرةُ مِن خِداع.
فَغُلِبُوا هُنَالِكَ وَانْقَلَبُوا صَاغِرِينَ
فغُلِبَ فِرعونُ وقَومُه والسَّحرةُ عندَ ذلك الجَمْعِ، وانصَرَفوا أذِلَّاءَ، بعْدَما غَلَبَهم موسى عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ.
وَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سَاجِدِينَ
ولم يتمالَكِ السَّحرةُ أنفُسَهم بعَدما رَأَوْا عظيمَ قُدرةِ اللهِ عزَّ وجلَّ، وعرَفوا صِدْقَ موسى، فسقَطوا على وُجوهِهم ساجِدينَ لربِّهم.
قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ
قال السَّحرةُ: آمَنَّا بخالِقِ ومالِكِ ومُدبِّرِ كُلِّ شيءٍ، فلا نعبُدُ غيرَه.
رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ
وربُّنا الَّذي آمَنَّا به هو ربُّ موسى وهارونَ، اللَّذَيْنِ أيَّدَهما بهذه المعجزةِ العظيمةِ، الدَّالَّةِ على صِدْقِهما.
قَالَ فِرْعَوْنُ آمَنْتُمْ بِهِ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ إِنَّ هَذَا لَمَكْرٌ مَكَرْتُمُوهُ فِي الْمَدِينَةِ لِتُخْرِجُوا مِنْهَا أَهْلَهَا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ
قال فِرعونُ للسَّحرةِ لَمَّا أَعْلَنوا إيمانَهم باللهِ عزَّ وجلَّ: أآمَنْتُمْ بموسى قبْلَ أنْ أمنَحَكم الإذْنَ؟! إنَّ ما فعلتُموه لخُدْعةٌ اتَّفَقْتُمْ أنتُم وموسى عليها في هذه المدينة؛ لتُخرِجوا منها أهلَها، وتُسكِنوا فيها بني إسرائيلَ، فسوف تَعلَمون ما أفعَلُ بكم مِنَ العذابِ.
لَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلَافٍ ثُمَّ لَأُصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ
قال فرعونُ: أُقْسِمُ لَأُقطِّعنَّ مِن كلِّ ساحرٍ منكم يدَه ورِجْلَه مِن جِهتَينِ مُختلِفتَينِ -فيقطَعُ اليَدَ اليُمنى والرِّجْلَ اليُسرى أو بالعكْسِ-، ثمَّ لَأُصَلِّبَنَّكُمْ كُلَّكُم على جُذوعِ النَّخْلِ.
قَالُوا إِنَّا إِلَى رَبِّنَا مُنْقَلِبُونَ
قال السَّحرةُ: إنَّا إلى ربِّنا راجِعونَ، فنجِدُ لَدَيْهِ مِنَ النَّعيمِ ما يُنْسينا كُلَّ بلاءٍ، فلا نُبالي بعِقابِكَ -يا فِرعونُ-، ولَنَصْبِرَنَّ على عذابِكَ؛ لِنَنْجُوَ مِن عذابِ اللهِ في الآخرةِ.
وَمَا تَنْقِمُ مِنَّا إِلَّا أَنْ آمَنَّا بِآيَاتِ رَبِّنَا لَمَّا جَاءَتْنَا رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَتَوَفَّنَا مُسْلِمِينَ
وما الَّذي تُنكِرُه، وتَعيبُه علينا -يا فِرعونُ-؛ حتَّى يكون سببًا لعذابِنا وتقتيلِنا إلَّا أنَّنا آمنا بحُجَجِ ربِّنا وأدلَّتِهِ حينَ جاءتْنا؟! ربَّنا أنزِلْ علينا صَبْرًا عظيمًا عِند تعذيبِ فِرعونَ لنا؛ حتَّى نَثبُتَ على دِينِكَ، وأَمِتْنا ونحن ثابتونَ عليه.
وَقَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ أَتَذَرُ مُوسَى وَقَوْمَهُ لِيُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ قَالَ سَنُقَتِّلُ أَبْنَاءَهُمْ وَنَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قَاهِرُونَ
وقال الأشرافُ مِن قومِ فرعونَ له: أتترُكُ موسى وقومه مِن غيرِ أنْ تُعاقبَهم، فيُفسِدوا عليك رَعيَّتَك في أرضِ مِصرَ، والحالُ أنَّه يَترُكُ عِبادتَك وعِبادةَ آلِهتِك، ويَنهى النَّاسَ عن ذلك؟! قال فرعونُ مُجيبًا لهم: سنُقتِّلُ الذُّكورَ مِن أولادِ بني إسرائيلَ، ونترك إناثَهم، وإنَّا عالون على بني إسرائيلَ مُذلِّلون لهم.
قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ وَاصْبِرُوا إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ
قال موسى لبني إسرائيلَ: اطْلُبوا العَوْنَ مِن اللهِ تعالى على فِرعونَ وقومِه، واصْبِروا على ما يَحِلُّ بكم، إنَّ الأرضَ كُلَّها للهِ، وهو الذي يُقدِّرُ لِمَنْ يشاءُ مِلْكَ شيءٍ منها، والحالُ المَحمودةُ تكونُ في آخِرِ الأمرِ للَّذينَ يتَّقونَ اللهَ عزَّ وجلَّ.
قَالُوا أُوذِينَا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَأْتِيَنَا وَمِنْ بَعْدِ مَا جِئْتَنَا قَالَ عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ
قال بنو إسرائيلَ لموسى: آذانَا فِرعونُ وقَومُه مِنْ قَبلِ مجيئِكَ برسالتِكَ -يا موسى- ومِنْ بَعْدِ ما جِئْتَنا كذلك! فقال موسى لهم: إني لأَرْجو من ربكم أنْ يُهلِكَ عدُوَّكم، ويَجعَلَكم خُلفاءَ في أرضِهم، فيَرى اللهُ عزَّ وجلَّ ما تَعمَلونه حينَها مِن خيرٍ أو شرٍّ.
وَلَقَدْ أَخَذْنَا آلَ فِرْعَوْنَ بِالسِّنِينَ وَنَقْصٍ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ
ولقد ابتلَيْنا فِرعونَ وقومَه، بالجَدْبِ والقَحطِ، وقِلَّةِ الثمار؛ لعلهم يتذكرون الحق، ويَرجِعون إلى ربِّهم.
فَإِذَا جَاءَتْهُمُ الْحَسَنَةُ قَالُوا لَنَا هَذِهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُوا بِمُوسَى وَمَنْ مَعَهُ أَلَا إِنَّمَا طَائِرُهُمْ عِنْدَ اللَّهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ
فإذا جاءَتْ آلَ فرعونَ الحالُ الحَسَنةُ؛ مِنَ العافيةِ والرَّخاءِ، قالوا: هذه النِّعَمُ لنا؛ لأنَّنا نَستحِقُّها، ولم يَشْكروا اللهَ عليها، وإنْ تُصِبْهُمْ حالٌ سيِّئةٌ في بعضِ الأوقاتِ؛ كقِلَّةِ الأرزاقِ، ومجيءِ الأمراضِ؛ يَتشاءَموا بموسى والمؤمنين معه، ويقولوا: هذا البَلاءُ جاءَنا بسَبَبهم! إنَّ ما يُصيبُ فِرعونَ وقومَه مِن شرٍّ إنَّما هو مُقَدَّرٌ عليهم مِن عِندِ اللهِ تعالى؛ عُقوبةً لهم لكُفْرِهم، وليس مِن عِندِ موسى والمؤمِنينَ معه، ولكنَّ أكثرَ قَومِ فِرعونَ لا يَعلمون ذلك.
وَقَالُوا مَهْمَا تَأْتِنَا بِهِ مِنْ آيَةٍ لِتَسْحَرَنَا بِهَا فَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ
وقال آلُ فِرعونَ لموسى: مهما تأتِنا بمُعجزةٍ؛ لتَصرِفَنا بها عن دِينِنا، جَزَمْنا بأنَّها سِحرٌ، ولن نُؤمنَ بك.
فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الطُّوفَانَ وَالْجَرَادَ وَالْقُمَّلَ وَالضَّفَادِعَ وَالدَّمَ آيَاتٍ مُفَصَّلَاتٍ فَاسْتَكْبَرُوا وَكَانُوا قَوْمًا مُجْرِمِينَ
فبسَبَبِ كُفْرِهم بَعَثْنا عليهم الماءَ الكثيرَ، الَّذي دخَلَ بُيوتَهم، وأَغْرَقَ مزارِعَهم، وبَعَثْنا الجرادَ، فأكَلَ زُروعَهم وثِمارَهم، وبعَثْنا القُمَّلَ، فآذاهم، وبَعَثْنا الضَّفادِعَ، فامتلأَتْ منها بُيوتُهم وآنيتُهم، وبَعَثْنا الدَّمَ، فصار ماؤُهم دَمًا، بَعَثْنا تلك العقوباتِ، وجعَلْناها علاماتٍ على صدق موسى، وفصَلْنا كلَّ واحدة منها؛ فكان بعضُها في إِثْرِ بعضٍ، فتكبَّرَ آلُ فرعونَ على الحق، وكانوا مِن قَبلِ استكبارِهم قومًا يُصِرُّونَ على معصيةِ اللهِ سُبحانَه.
وَلَمَّا وَقَعَ عَلَيْهِمُ الرِّجْزُ قَالُوا يَامُوسَى ادْعُ لَنَا رَبَّكَ بِمَا عَهِدَ عِنْدَكَ لَئِنْ كَشَفْتَ عَنَّا الرِّجْزَ لَنُؤْمِنَنَّ لَكَ وَلَنُرْسِلَنَّ مَعَكَ بَنِي إِسْرَائِيلَ
ولَمَّا نزَلَ بآلِ فرعونَ العذابُ فَزِعوا إلى موسى قائلين: يا موسى، ادعُ لنا ربَّكَ بالَّذي أَوْصاكَ أنْ تَدْعوَه به؛ لِيَكُفَّ عنَّا هذا العذابَ، ونُقْسِمُ لك لَئِنْ رَفَعْتَه عنَّا بدعائِكَ ربَّكَ، لنؤمِننَّ بما جِئْتَ به، ولنُخَلِّيَنَّ بني إسرائيلَ كما طلَبْتَ.
فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُمُ الرِّجْزَ إِلَى أَجَلٍ هُمْ بَالِغُوهُ إِذَا هُمْ يَنْكُثُونَ
فلَمَّا رَفَعَ اللهُ عن قومِ فِرعونَ العذابَ، وأَمْهَلَهم إلى الوقتِ الَّذي قدَّرَه لهلاكِهم، إذا بهم يَنقُضونَ عُهودَهم؛ فَلَمْ يُؤمِنوا، ولم يُرسلِوا بني إسرائيلَ مع موسى عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ.
فَانْتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَكَانُوا عَنْهَا غَافِلِينَ
فلمَّا نَقَضوا العُهودَ، وأصرُّوا على الكُفْرِ أغرقْناهم في البحرِ؛ بسَبَبِ تكذيبِهم بآياتِنا، وغفلتهم عنها، فَلَمْ يَتفكَّروا فيها، ويَعْتَبِروا بها.
وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشَارِقَ الْأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ الْحُسْنَى عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ بِمَا صَبَرُوا وَدَمَّرْنَا مَا كَانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ وَمَا كَانُوا يَعْرِشُونَ
وملَّكْنا بني إسرائيلَ الَّذينَ كان فِرعونُ وقومُه يَقهرونهم ويَستعبِدونهم، جميعَ جِهاتِ شرْقِ أرضِ الشَّامِ، وجِهاتِ غرْبِها، وهي الأرض الَّتي جعَلْنا فيها الخيرَ ثابتًا، مُستمِرًّا، وقد وَفَّى اللهُ بما وَعَدَ به بني إسرائيلَ من إهلاكِ عدُوِّهم، وتمكينِهم في الأرضِ؛ لصَبْرِهم، ودمَّرنا ما شيَّدهُ فِرعونُ وقومُه من العِماراتِ، والمَزارعِ، وما رفعوه من المبانِي والقُصورِ.
وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتَوْا عَلَى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلَى أَصْنَامٍ لَهُمْ قَالُوا يَا مُوسَى اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ
وقَطَعْنا ببني إسرائيلَ البحرَ؛ بعد إغراق فِرعونَ وقومِه، فمَرُّوا على مُشرِكين يلازمون أصنامًا لهم، فقالوا: يا موسى، اجعل لنا صنَمًا نتَّخِذْهُ إلهًا كهؤلاءِ القومِ !فقال موسى: إنَّكم تَجْهَلونَ عظَمةَ اللهِ، ووُجوبَ إفرادِه بالعِبادةِ وحْدَه.
إِنَّ هَؤُلَاءِ مُتَبَّرٌ مَا هُمْ فِيهِ وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ
إنَّ الله تعالى سيُدَمِّرُ تلك الأصنامَ الَّتي يَعبُدونها، ويُعذِّبُهم، وإن عِبادتهم الأصنامَ أمرُ مضمحلٌّ؛ فلَنْ يَنتفِعوا به.
قَالَ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِيكُمْ إِلَهًا وَهُوَ فَضَّلَكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ
قال موسى لقومه: أأطلُبُ لكم إلهًا غيرَ اللهَ العظيمِ، المعبودِ بحقٍّ، الكاملِ في ذاتِه وصِفاتِه وأفعالِه، والحالُ أنَّه فضَّلكم على عالَمِي زمانِكم، وأُمَمِ عَصْرِكم؟!
وَإِذْ أَنْجَيْنَاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ يُقَتِّلُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ وَفِي ذَلِكُمْ بَلَاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ
قال اللهُ مُذكِّرًا بني إسرائيلَ نِعمتَه عليهم: واذْكُروا حينَ أنجيناكُم مِن فِرعونَ وقومِه، وقد كانوا يُذيقونكم أفظع العذابِ؛ فيقتلون أبناءكم الذُّكور، ويُبقون إناثَكم أحياءً، وفي ذلك العذاب مِحنةٌ واختبارٌ مِنَ اللهِ لكم عظيمٌ.
وَوَاعَدْنَا مُوسَى ثَلَاثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ فَتَمَّ مِيقَاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً وَقَالَ مُوسَى لِأَخِيهِ هَارُونَ اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ وَلَا تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ
وواعَدْنا موسى انقضاءَ ثلاثينَ لَيلةً، يترقَّبُ بعْدَها مُناجاتنا، وإنزالَ التَّوراةِ عليه، وأَتْمَمْنا الثَّلاثينَ بعَشْرِ ليالٍ أُخرى، فصار الموعد بعد أربعينَ لَيلةً، وقال موسى لأخيه هارونَ لَمَّا أراد الذهاب للطُّورِ لموعد ربه: كُنْ خليفتي في بَني إسرائيلَ إلى أنْ أرجِعَ إليكم، وأَصْلِحْ ما يحتاجُ إلى الإصلاحِ مِن أَمْرِهم، ولا تَسْلُكْ طريقَ الَّذينَ يُفسِدون في الأرضِ.
وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَنْ تَرَانِي وَلَكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ
ولَمَّا جاءَ موسى إلى جبَلِ الطُّورِ في الوقتِ المحدَّد، وكلَّمه ربُّه عزَّ وجلَّ مِن غير واسطةٍ، قال موسى: يا ربِّ، أَرِني ذاتك؛ لأنظُرَ إليك، فقال الله: لن تَقدِرَ على ذلك في الدُّنيا، ولكن انظُرْ إلى الجبلِ فإنْ تجلَّيْتُ له وثَبَتَ مكانَه فسَتَراني، وإذا لم يَثْبُتْ مع أنه أقوى منك فلن تُطيقَ رُؤيتي مِن باب أَوْلى، فلمَّا ظهَر اللهُ تعالى للجبلِ صار مُفَتَّتًا، مستويًا بالأرضِ، وسقَط َموسى مَغْشِيًّا عليه، فلمَّا أفاق قال: أُنزِّهُك يا اللهُ عمَّا لا يَليقُ بك، ومِن ذلك أنْ يَتحمَّلَ أحدٌ رؤيتَكَ في الدُّنيا ثمَّ يَعيشَ، إنِّي تُبْتُ إليك؛ فلَنْ أعودَ إلى طَلَبِ ذلك، وأنا أوَّلُ المؤمنينَ بأنَّه لا يَراكَ أحدٌ في الدُّنيا إلَّا هَلَكَ.
قَالَ يَا مُوسَى إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالَاتِي وَبِكَلَامِي فَخُذْ مَا آتَيْتُكَ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ
قال اللهُ: يا موسى، إنِّي اخترْتُكَ وفضَّلْتُكَ على أهلِ زمانِكَ لإرْسالي لك، وتَكْليمي إيَّاكَ بلا واسِطةٍ، فَخُذْ ما أعطيْتُكَ مِن التَّوراةِ، وتمسَّكْ بها، وكُنْ مِنَ الشَّاكرينَ للهِ تعالى بطاعتِه.
وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الْأَلْوَاحِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْعِظَةً وَتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ فَخُذْهَا بِقُوَّةٍ وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُوا بِأَحْسَنِهَا سَأُرِيكُمْ دَارَ الْفَاسِقِينَ
وكتبْنا لموسى في ألواحِه- المُشتمِلةِ على التَّوراةِ- كلَّ شيءٍ تحتاجُ إليه أُمَّتُه في دينِها؛ تذكيرًا وتحذيرًا، وتبيينًا لكلِّ شيءٍ مِن العقائدِ، والأحكام وغيرها، فتَمَسَّكْ يا موسى بذلك بِجِدٍّ وصبرٍ وعزمٍ، وأْمُرْ بني إسرائيلَ بالتمسك بأحسَنِ ما فيها، سأُريكم دارَ مَن عَصاني وخالَفَ أمْري.
سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لَا يُؤْمِنُوا بِهَا وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لَا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الْغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَكَانُوا عَنْهَا غَافِلِينَ
سأصُدُّ عن فَهْمِ آياتِ الكتُب، والتَّفكُّرِ في آيات الكَوْن، الَّذينَ يَرُدُّونَ الحقَّ، ويَحتقِرونَ الخَلْقَ، وإنْ يرَوا كُلَّ حُجَّةٍ للهِ تبين أنَّه المُستحِقُّ للعبادةِ وحْدَه، لا يُؤمِنوا بها، وإنْ يرَوا طريقَ الهُدى ظاهرًا لهم، لا يَسْلُكوه، وإنْ يرَوا طريقَ الضَّلالِ ظاهرًا لهم، يَسلُكوه، وصرْفُهم عن فَهْمِ الآيات الشَّرعيَّةِ والكَوْنيَّةِ، عُقوبة لهم لتكذيبِهم بها، وغفلتهم عنها.
وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَلِقَاءِ الْآخِرَةِ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ هَلْ يُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ
والَّذينَ كذَّبوا بحُجَجِنا وأدِلَّتِنا، وأنْكَروا البَعثَ، واستمَرُّوا على ذلك إلى موتِهم؛ بطَلَتْ أعمالُهم، كأنَّها لم تَكُنْ، ولا نُجازي المكذِّبينَ بآياتي ولِقائي إلَّا بما يَستحِقُّونَ مِن عِقابٍ على أعمالِهم السَّيِّئةِ.
وَاتَّخَذَ قَوْمُ مُوسَى مِنْ بَعْدِهِ مِنْ حُلِيِّهِمْ عِجْلًا جَسَدًا لَهُ خُوَارٌ أَلَمْ يَرَوْا أَنَّهُ لَا يُكَلِّمُهُمْ وَلَا يَهْدِيهِمْ سَبِيلًا اتَّخَذُوهُ وَكَانُوا ظَالِمِينَ
وصنَعَ بنو إسرائيلَ بَعد ذَهابِ موسى لمِيقاتِ ربِّه مِن مَصُوغِهمُ الَّذي يَتزيَّنونَ به عِجْلًا ليعبدوه وكان جسدا له صَوتُ البقرِ، ألم يَرَوا أنَّه لا يتحدث إليهم، ولا يُرشِدَهم إلى خيرٍ، فكيف اتَّخذوه إلهًا؟! لقد اتَّخذَوه، وكانوا بعِبادتِهم له ظالِمين لأنفُسِهم.
وَلَمَّا سُقِطَ فِي أَيْدِيهِمْ وَرَأَوْا أَنَّهُمْ قَدْ ضَلُّوا قَالُوا لَئِنْ لَمْ يَرْحَمْنَا رَبُّنَا وَيَغْفِرْ لَنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ
ولَمَّا نَدِمَ بنو إسرائيلَ على عِبادتِهم العِجلَ بعد مجيء موسى، وعَلِموا أنَّهم قد انحرَفوا عن الحقِّ، قالوا: واللهِ لَئِنْ لم يَتدارَكْنا ربُّنا برحمتِه، ويَغفِرْ لنا ذُنوبَنا، لَنَكُونَنَّ من الهالِكينَ.
وَلَمَّا رَجَعَ مُوسَى إِلَى قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفًا قَالَ بِئْسَمَا خَلَفْتُمُونِي مِنْ بَعْدِي أَعَجِلْتُمْ أَمْرَ رَبِّكُمْ وَأَلْقَى الْأَلْوَاحَ وَأَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ يَجُرُّهُ إِلَيْهِ قَالَ ابْنَ أُمَّ إِنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي وَكَادُوا يَقْتُلُونَنِي فَلَا تُشْمِتْ بِيَ الْأَعْدَاءَ وَلَا تَجْعَلْنِي مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ
لَمَّا رجَعَ موسى مِن مُناجاةِ اللهِ إلى بني إسرائيلَ، وهو شديدُ الغضَبِ والحزن، قال: بِئْسَ الحالُ والفِعلُ الَّذي قُمْتُمُوه مَقامي بعِبادتِكم العجل! وقدْ أمرتكم بتوحيدِ اللهِ، فهل استعجلتُم مَجيئي، ولم تَنتظِروني، ولم تُحافِظوا على ما وصَّيْتُكم به مِن عِبادةِ اللهِ وحده حتَّى أرجِعَ إليكم بالخيرِ الَّذي أتَيْتُكم به مِن عِندِ اللهِ تعالى؟! ورَمى الألواحَ في الأرضِ؛ غَضَبًا عليهم حينَ رآهم يَعبُدونَ العِجلَ، وأَمْسَكَ بشَعْرِ رأسِ أخيه هارونَ، وجعَلَ يَسحَبُه بشِدَّةٍ، فقال هارونُ مُستعطِفًا: يا ابنَ أُمِّي، إنَّ الَّذينَ عبَدوا العِجلَ اعتقَدوا أنِّي ضَعيفٌ؛ فلَمْ يُطيعوني عندَما نَهَيْتُهم عن عِبادتِه، وقد أَوشَكَ بنو إسرائيلَ على قَتْلي؛ فلا تَظُنَّ بي تقصيرًا، ولا تَسُرَّ عَبَدةَ العِجلِ بضَرْبي وإهانَتي، ولا تَجعلْني في غضَبِكَ علَيَّ، وعُقوبتِكَ لي، معَهم ومن جُملتهم.
قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِأَخِي وَأَدْخِلْنَا فِي رَحْمَتِكَ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ
قال موسى: ربِّ اغفِرْ لي ذَنْبي فيما فعلْتُ بأخِي، وبَدَرَ منِّي مِن غضَبٍ وحِدَّةٍ عليه، واغفِرْ لأخِي هارونَ، وارحمْنا برَحمتِكَ الواسِعةِ، واجعَلْها مُحيطَةً بنا من كُلِّ جانِبٍ، وأنتَ أرحَمُ بعبادِكَ من كلِّ راحِمٍ.
إِنَّ الَّذِينَ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ سَيَنَالُهُمْ غَضَبٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَذِلَّةٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُفْتَرِينَ
إنَّ الَّذينَ عبدوا العِجلَ سيُصيبُهم غضَبٌ مِن اللهِ، وهوانٌ في الدُّنيا، وكما جَزَيْتُهم بالغَضَبِ والذِّلَّةِ، نَجزي بذلك أيضا كُلَّ مَنْ كَذَبَ على اللهِ.
وَالَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئَاتِ ثُمَّ تَابُوا مِنْ بَعْدِهَا وَآمَنُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَحِيمٌ
والَّذينَ عمِلوا السيئات، ثمَّ تابوا، وآمَنوا بالحق، إنَّ ربَّكَ -يا محمَّدُ- مِن بَعدِ ارتكابِهم للسَّيِّئات،ِ غفورٌ لذنوبهم ورحيمٌ بهم.
وَلَمَّا سَكَتَ عَنْ مُوسَى الْغَضَبُ أَخَذَ الْأَلْوَاحَ وَفِي نُسْخَتِهَا هُدًى وَرَحْمَةٌ لِلَّذِينَ هُمْ لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ
ولَمَّا سَكَنَ غضب موسى، أخَذَ الألواحَ الَّتي أَلْقاها، وفي المَكْتوبِ فيها وما نُقِلَ منها هُدًى مِن الضَّلالةِ، ورحمةٌ من العَذابِ، لمن يخافون اللهَ.
وَاخْتَارَ مُوسَى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلًا لِمِيقَاتِنَا فَلَمَّا أَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ قَالَ رَبِّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُمْ مِنْ قَبْلُ وَإِيَّايَ أَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ السُّفَهَاءُ مِنَّا إِنْ هِيَ إِلَّا فِتْنَتُكَ تُضِلُّ بِهَا مَنْ تَشَاءُ وَتَهْدِي مَنْ تَشَاءُ أَنْتَ وَلِيُّنَا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الْغَافِرِينَ
واختارَ مُوسى مِن قَومِه سَبعينَ رجُلًا لوقتٍ حدَّده اللهُ؛ ليَحضُروا فيه إلى موضعٍ مُعيَّنٍ، توبة واعتذارا عما فعهل سفهاء قومهم من عبادة العجل، فلمَّا حضروا أصابتهم زلزلةٌ شديدة، فقال موسى: يا ربِّ، لو شِئْتَ لأهْلَكْتهم مِن قَبلِ هذا الوقتِ وأنا معهم، على مَرْأَى مِن قَومِنا؛ حتَّى لا يتَّهموني بقتلهم، وسَأَلَ موسى ربَّه سؤالَ استِعلامٍ مع استعطافٍ: أتُصيبُنا بالهلاكِ بسببِ ما فَعَلَه ضُعفاءُ العُقولِ منَّا بعِبادتِهم العِجلَ؟! وما عبادتهم له إلَّا ابتِلاءٌ منك؛ لِيَتَبَيَّنَ الضَّالُّ مِن المُهتدي، أنتَ وحْدَك ناصرُنا، ومُتولِّي أُمورِنا، فاغفر ذُنوبَنا، وتَعطَّفْ علينا برحمتِكَ، وأنتَ خيرُ الغافرين.
وَاكْتُبْ لَنَا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ إِنَّا هُدْنَا إِلَيْكَ قَالَ عَذَابِي أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشَاءُ وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ
دعا موسى ربَّه، فقال: اجعلْنا ممَّن كتبْتَ له في الدُّنيا الحالةَ الحَسَنةَ؛ كالعملِ الصَّالِحِ، والرِّزقِ الواسِعِ، واكتُبْ لنا في الآخرةِ حسنةً؛ بمغفرةِ الذُّنوبِ، ودُخولِ الجنَّاتِ، إنَّا تُبْنا إليك يا رَبَّنا، فقال اللهُ لموسى: عَذابي في الدُّنيا أُصيبُ به مَنْ أشاءُ ممَّنْ يَستحِقُّه، ورحمتي عمَّتْ في الدُّنيا جميعَ خَلْقي، فسأُوجِبُ حُصولَها لمن يَمتثِلونَ ما أمَرْتُ، ويَجتنِبونَ ما نَهَيْتُ، ويُعْطونَ الزَّكاةَ المَفروضةَ لِمُستحِقِّيها، ويؤمِنون بآياتي، فيتَّبِعونها.
الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ
الَّذينَ كتبْتُ لهم رحمتي هُمُ الَّذينَ يتَّبِعونَ مُحَمَّدًا الرَّسولَ النَّبيَّ، الَّذي لا يَقرأُ مِن كتابٍ ولا يَكتُبُ، يَجِدونَه مَذكورًا بصِفاتِه في التَّوراةِ، والإنجيلِ، يأمُرُهم بكلِّ خيرٍ أمَرَ به الشَّرعُ، ويَنْهاهم عن كلِّ شرٍّ أنكَرَه الشَّرعُ، ويُحِلُّ لهم الأطعِمةَ والأشرِبةَ النَّافعةَ، مما تَستطيبُه الأذْواقُ السَّليمةُ ممَّا حُرِّمَ على اليهودِ مِنْ قَبْلُ في التَّوراةِ، أو حرَّمَه العربُ في الجاهلية، ويُحرِّمُ عليهم الأطعِمةَ والأشرِبةَ والأفعالَ الضَّارَّةَ، الَّتي تَستخبِثُها النُّفوسُ السَّليمةُ؛ كلَحْمِ الخِنزيرِ، والخمْرِ، والرِّبا، ويُزيلُ عمن يتَّبِعونَه مِن أهلِ الكتابِ العهدَ الثَّقيلَ الَّذي أخَذَه اللهُ عليهم؛ مِن العمَلِ بالواجباتِ الثَّقيلةِ، والمُحرَّماتِ الشَّديدةِ في التوراة، فالَّذينَ آمنوا بأنَّ مُحَمَّدًا رسولُ اللهِ، وعظَّموه، وأعانوه على أعدائِه، واتَّبَعوا القرآنَ؛ هُم الفائِزونَ.
قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ
قلُ -يا محمَّدُ- للناسِ: إنِّي مُرسَلٌ إلى جَميعِكم، مِن اللهِ الذي له وَحْدَه ملكُ السَّمَواتِ والأرضِ، لا معبودَ بحَقٍّ إلَّا هو، الَّذي بيَدِه إحياءُ الخَلقِ وإماتَتُهم، فآمِنُوا به، وآمِنوا برَسولِه النَّبيِّ الَّذي لا يكتُبُ ولا يقرأُ مِن كتابٍ، ويؤمِنُ بالله، ويوحِّدُه، ويؤمِنُ بكَلِماتِ اللهِ، ومنها جميعُ كُتُبِه، واقتَدُوا بهذا الرَّسولِ، وأطيعوه؛ لعلكم تهتَدُون إلى الحَقِّ.
وَمِنْ قَوْمِ مُوسَى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ
ومِن أتْباعِ موسى مِن بني إسرائيلَ جماعةٌ يهتدونَ بالحقِّ الَّذي شَرَعَه اللهُ عزَّ وجلَّ، وبالحقِّ الَّذي أنزله الله تعالى يحكمونَ، وبالعَدلِ يقومونَ.
وَقَطَّعْنَاهُمُ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ أَسْبَاطًا أُمَمًا وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى إِذِ اسْتَسْقَاهُ قَوْمُهُ أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْحَجَرَ فَانْبَجَسَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَشْرَبَهُمْ وَظَلَّلْنَا عَلَيْهِمُ الْغَمَامَ وَأَنْزَلْنَا عَلَيْهِمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَمَا ظَلَمُونَا وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ
وقسَّمنا قومَ موسى اثنتَيْ عَشْرةَ قبيلةً، كلٌّ منها جماعةٌ كثيرةٌ، وقُلْنا لموسى لما طلَب قَومُه أن يسقِيَهم، وهم في التِّيهِ: اضرِبْ بعصاك الحجَرَ، فانفجَرَت منه اثنتا عَشْرةَ عَينًا مِن الماء، قد عرَف كُلُّ سِبطٍ -وهم بنو أبٍ واحدٍ- عينَهم الَّتي تخرُجُ مِن الحَجَرِ، فيَشربونَ منها دون غيرهم مِن الأسباطِ، وسَتَرْنا قومَ موسى بالسَّحابِ؛ ليقيهِم حَرَّ الشَّمسِ، وأنزَلْنا عليهم المن وهو إما رِزق سَهل، يحصُلون عليه بلا مشقَّةٍ، أو هو شيءٌ أبيضُ ينزِلُ على الشَّجَرِ، حُلوٌ، يُشبِه العَسلَ، وأنزلنا عليهم طائر السَّلوى، وقُلنا لهم: كُلوا مِن حَلالِ المُستلَذَّاتِ الَّتي رزَقْناكم، فعَصَوني، ولم يَشكُروا نِعمَتي، وما أدخَلوا علينا بذلك نقصًا في مُلكِنا، ولم يضرُّونا، وإنما هم يظلمون أنفُسَهم.
وَإِذْ قِيلَ لَهُمُ اسْكُنُوا هَذِهِ الْقَرْيَةَ وَكُلُوا مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ وَقُولُوا حِطَّةٌ وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا نَغْفِرْ لَكُمْ خَطِيئَاتِكُمْ سَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ
واذكُرْ -يا محمَّدُ- حينَ قال اللهُ تعالى لقَومِ موسى لَمَّا خَرَجوا مِن مِصرَ: اسكنُوا مدينةَ بيتِ المَقدِسِ، وكُلوا مِن ثِمارِها وحُبوبِها ونَباتِها، في أيِّ مكانٍ شِئتُم منها، وقولوا: طَلَبُنا -يا ربَّنا- أن تحُطَّ ذُنوبَنا، وادخُلوا بابَ القَريةِ رُكَّعًا مُتواضِعينَ، إذا قُمتم بما سبق؛ فإنَّنا نغفر ذُنوبكم، وسنَزيدُ الَّذين أحسَنوا منكم أعمالَهم، وأتقَنوها بمُراقَبةِ اللهِ تعالى فيها؛ على مَغفِرَتِنا لذُنوبهم، ثوابًا مِن خيرِ الدُّنيا والآخِرةِ.
فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِجْزًا مِنَ السَّمَاءِ بِمَا كَانُوا يَظْلِمُونَ
فغيَّرَ الظَّالمون مِن قَومِ موسى ما أمَرَهم اللهُ بقوله ليغفِرَ ذُنوبَهم، فقالوا بدَلَ حِطَّة: حَبَّةٌ في شَعرةٍ! فبَعَث عليهم عذابًا مِن السَّماءِ؛ إمَّا الطَّاعونَ، وإمَّا غيرَه؛ بسبَبِ ظُلمِهم لأنفُسِهم بمعصيةِ اللهِ.
وَاسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعًا وَيَوْمَ لَا يَسْبِتُونَ لَا تَأْتِيهِمْ كَذَلِكَ نَبْلُوهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ
واسأَلْ -يا محمَّدُ- اليهودَ الَّذين بحَضرَتِك، عن خَبرِ المدينة الواقعة على شاطئِ البحرِ، اسألْهم عن اعتِداءِ أهلِها مُخالَفَتِهم ما أمَرَهم اللهُ به مِن تعظيمِ يوم السَّبتِ بالانقطاعِ للعِبادةِ، وتَركِ الاصطيادِ، حين كانت الأسماكُ تَجيءُ إليهم في هذا اليَوم، كثيرةً على وَجهِ البَحرِ، وفي سائِرِ الأيَّامِ لا تأتيهم، كذلك نختَبِرُهم؛ لخُروجِهم عن طاعةِ الله.
وَإِذْ قَالَتْ أُمَّةٌ مِنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا قَالُوا مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ
واذكُرْ -يا محمَّدُ- حينَ قالت جماعةٌ مِن أهلِ تلك القَريةِ لِمَن يَعِظُ المُعتَدينَ منهم: لِماذا تَنهَونَ المُستحِلِّينَ للصَّيدِ يَوم السَّبتِ، واللهُ سيُهلِكُهم في الدُّنيا، أو يُعَذِّبُهم بعذابٍ شديدٍ؟! قال النَّاهون عن المنكر: إنما نعِظُهم لنُعذَرَ عندَ اللهِ، فلا يؤاخِذنا بالتَّقصيرِ، ورجاءَ أن تُؤَثِّرَ فيهم موعِظَتُنا، فيَكُفُّوا عن مخالَفةُ نَهيِ اللهِ تعالى.
فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذَابٍ بَئِيسٍ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ
فلمَّا تَرَك المُعتَدونَ ما أمَرَهم اللهُ تعالى به مِن تَعظيمِ يَومِ السَّبتِ، ولم يَقبَلوا النصيحةَ، أنجَيْنا مِن العَذابِ الناهين لهم عن المنكر، وأخَذْنا الَّذين ظَلَموا أنفُسَهم، بعذابٍ شَديدٍ؛ لخُروجِهم عن طاعةِ اللهِ.
فَلَمَّا عَتَوْا عَنْ مَا نُهُوا عَنْهُ قُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ
فلمَّا تَمَرَّدوا، وتمادَوْا في صَيدِ السَّمَكِ يومَ السَّبتِ، قُلنا لهم: صِيرُوا قردةً حَقيرينَ، مَطرودينَ مِن الخَيرِ.
وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكَ لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ يَسُومُهُمْ سُوءَ الْعَذَابِ إِنَّ رَبَّكَ لَسَرِيعُ الْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ
أعلَمَ ربُّك اليهودَ -يا محمد- بما قضاه عليهم، وواقعٌ بهم لا محالةَ، مُؤكِّدًا بأنَّه سيُسَلِّطُ عليهم في الدُّنيا إلى يومِ القِيامةِ مَن يُذيقُهم أشدَّ العَذابِ، إنَّ رَبَّك يعاقِبُ من يستحق بلا تأخيرٍ، إذا حلَّ وقتُ عَذابِهم، وإنَّ ربَّك كثيرُ المغفرةِ للتَّائبينَ، رحيمٌ بهم.
وَقَطَّعْنَاهُمْ فِي الْأَرْضِ أُمَمًا مِنْهُمُ الصَّالِحُونَ وَمِنْهُمْ دُونَ ذَلِكَ وَبَلَوْنَاهُمْ بِالْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ
ومزَّقْنا بني إسرائيلَ في الأرضِ؛ بحيثُ لا تَخلو ناحيةٌ مِنهم، ومِن بني إسرائيلَ قومٌ صالحونَ يُؤمِنونَ باللهِ ورُسُلِه، ومِنهم من هم أقل رتبةً، فكانوا عُصاةً، أو كَفرةً، واختبَرْنا بني إسرائيلَ بالأحوالِ الحَسَنةِ؛ كالرَّخاءِ والعافيةِ تارةً، وبالأحوالِ السيِّئةِ؛ كالجَدْبِ والأمراضِ تارةً أخرى؛ ليَرجِعوا إلى طاعَة الله.
فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ وَرِثُوا الْكِتَابَ يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَذَا الْأَدْنَى وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنَا وَإِنْ يَأْتِهِمْ عَرَضٌ مِثْلُهُ يَأْخُذُوهُ أَلَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِمْ مِيثَاقُ الْكِتَابِ أَنْ لَا يَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ وَدَرَسُوا مَا فِيهِ وَالدَّارُ الْآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ
فجاء بعدَ أولئكَ القَومِ -الَّذينَ كان منهم صالِحونَ، ومِنهم دونَ ذلك- جيلُ سُوءٍ لا خيرَ فيه، قد أخَذوا التَّوراةَ مِن أسلافِهم، وعَلِموا أحكامها، ولكنهم يأخُذونَ المالَ الحَرامَ، ويقولونَ -اغترارًا وتمنِّيًا بالباطِلَ-: سيَغفِرُ اللهُ ذُنوبَنا، ثم إن جاءهم كَسبٌ حرامٌ؛ استَحَلُّوه ثانيةً؛ إصرارًا على ذُنوبِهم، ومع هذا يزعُمونَ أنَّ اللهَ تعالى يَغفِرُ لهم !ألم يأخُذِ اللهُ عليهم العهدَ المؤكَّدَ في التَّوراةِ بألا يَكذِبوا على اللهِ سُبحانَه؟! والحالُ أنَّهم قَرَؤوا كتابه وعلموا ما فيه. وما أعدَّه اللهُ تعالى في الآخرةِ مِن نعيمٍ، خيرٌ للمتقين، مِن متاعِ الدنيا، أفلا يكونُ لكم عَقلٌ -يا مَن تأخُذونَ الحرامَ، وتُخالِفونَ كِتابَ الله-، فتعلمونَ أنَّ ما عِندَ الله خيرٌ مِن المتاع الفاني؟!
وَالَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالْكِتَابِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُصْلِحِينَ
والَّذينَ يعتَصِمونَ بكِتابِ اللهِ عزَّ وجلَّ، ويَعملونَ بما فيه، وحافَظوا على الصَّلاةِ، وأقامُوها بحدُودِها، هم مِن الَّذين يُصلِحونَ أنفُسَهم وأعمالَهم، ويُصلِحونَ غَيرَهم، ونحنُ لا نُضيعُ ثوابَهم.
وَإِذْ نَتَقْنَا الْجَبَلَ فَوْقَهُمْ كَأَنَّهُ ظُلَّةٌ وَظَنُّوا أَنَّهُ وَاقِعٌ بِهِمْ خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ وَاذْكُرُوا مَا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ
واذكُر -يا مُحمَّد- حينَ اقتَلَعْنا جبلَ الطُّورِ، فرَفَعْناه فوقَ بني إسرائيلَ، كأنَّه سحابةٌ تُظِلُّهم، وغلَبَ على ظَنِّهم أنَّ الجَبلَ ساقِطٌ عليهم، وقُلْنا لهم: خُذوا التَّوراةِ، فاعمَلُوا بها بجِدٍّ، واذكروا ما فيها مِن العقائِدِ وغيرها، وتدارَسُوها؛ لعلكم تتَّقون ربَّكم.
وَإذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ
واذكُرْ -يا محمَّدُ- حينَ استخرجَ ربُّك ذُرِّيَّةَ بني آدَمَ، بَعضَهم مِن ظُهورِ بَعضٍ، وأخرَجَ جميعَ ذلك مِن صُلبِ آدَمَ؛ فقرَّرَهم على توحيدِه، إذ قال لهم: ألسْتُ بربكم؟ فقالوا: نقرُّ بهذا. وقد أشهَدهم اللهُ على ذلك؛ لِئَلَّا يقولوا يومَ القيامةِ: إنَّه لا عِلمَ لنا بأنَّ اللهَ هو الرَّبُّ المعبودُ.
أَوْ تَقُولُوا إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ
وَلئلَّا يعتذِرُوا يومَ القيامةِ، فيقولوا: إنَّما أشرَكَ آباؤُنا مِن قَبلِ زَمانِنا، فنَقَضوا الميثاقَ، وأتَيْنا بَعدهم، فاقتَدَينا بهم، أفتُعَذِّبَنا بشِرْكِ آبائِنا؟!
وَكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ وَلَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ
وكما بيَّنَّا هذه الآياتِ، نبيِّنُ أيضًا غيرَها مِن الآياتِ؛ لعلَّ الناس يرجعون إلى طاعة الله وتوحيده.
وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ
واقرأْ -يا محمَّدُ- على قَومِك قِصَّةَ الَّذي عَلَّمْناه آياتِنا، فتبرَّأَ منها وفارَقَها، فلَحِقَه الشَّيطانُ، وجعَلَه تابعًا يُطيعُ أمْرَه، فصار مِن الضَّالِّينَ.
وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ ذَلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ
ولو شِئْنا لرَفَعْنا قَدْرَه في الدُّنيا والآخرةِ، بتوفيقِه للعَمَلِ بآياتِنا، لكنَّه سكَنَ إلى الدُّنيا، واتَّبعَ ما تميلُ الباطِل، فمَثَلُه في عَدَمِ اتِّعاظِه، وفي حرصه على الدُّنيا مَثَلُ الكَلْبِ الَّذي لا يترُكُ اللَّهَثَ بحالٍ، سواءٌ زَجَرتَه وطَرَدْتَه، أم تَركْتَه؛ فهذا الَّذي ترك العَملَ بكتابِ اللهِ، إن وعَظْتَه لا يتَّعِظُ، وإن تركْتَه فهو مستمِرٌّ في ضلالِه، وهذا المثَلُ، هو مَثَلُ جميعِ المُكَذِّبينَ بآياتِ الله، فاسْرُدْ -يا محمَّدُ- ما قصَصْتُه عليك مِن أخبارِ السابقين؛ ليتفَكَّر القومُ، فيعتَبِروا.
سَاءَ مَثَلًا الْقَوْمُ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَأَنْفُسَهُمْ كَانُوا يَظْلِمُونَ
بِئسَ هذا المَثَلُ الَّذي شُبِّه به المكَذِّبونَ بآياتِنا! ولم يَظلِمْهم اللهُ سُبحانَه، بل كانوا يَظلِمونَ أنفُسَهم بنَقْصِها مِن الخَيرِ، وتعريضِها لعذابِ اللهِ.
مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِي وَمَنْ يُضْلِلْ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ
مَن يَهْدِه اللهُ فهو الموفَّقُ لاتِّباعِ الحَقِّ، ولا مُضِلَّ له، ومَن يُضْلِلْه اللهُ ويَخذُلْه، فقد خَسِر الدُّنيا والآخرةَ.
وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لَا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ
ولقد خلقنا وبثَثْنا لجَهنَّم كثيرًا مِن الجِنِّ والإنسِ؛ ليَصيرُوا إليها، فهم لطَريقِها سالِكونَ، ولهؤلاءِ قلوبٌ لا يَفهمونَ بها الحَقَّ، ولهم أعينٌ لا يَنظرونَ بها إلى آياتِ اللهِ، فيعلَموا الحَقَّ، ولهم آذانٌ لا يَسمَعونَ بها آياتِ اللهِ سَماعَ تَدَبُّرٍ، فيهتَدُوا إلى الحَقِّ، أولئك مِثلُ البَهائِمِ الَّتي لا تعي، بل هم أضلُّ؛ فالأنعامُ تُبصِرُ منافِعَها ومَضارَّها، وتتْبَعُ مالِكَها، وتُستعمَلُ فيما خُلِقَت له، بخلافِ أولئك الضَّالِّينَ، إن هؤلاءِ قد غَفَلوا غفلةً كاملةً عن الحقِّ واتباعه.
وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ
ولله أحسَنُ الأسماءِ الدَّالَّةِ على صفاتِ كمالِه، فادعُوا اللهَ بها، واترُكوا الَّذينَ يَميلونَ في أسماءِ اللهِ، عن الواجبِ لها، كأنْ يُسَمُّوا بها آلهتَهم، أو يَزيدُوا فيها، أو يَنقُصوا منها، أو يُنكِروا بَعضَها، وسيُجازيهم اللهُ على ما يعمَلونَه مِن ذلك.
وَمِمَّنْ خَلَقْنَا أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ
ومِنَ الَّذين خَلَقْنا، جماعةٌ مِن المُسلمينَ، يَهتدونَ بالحَقِّ الَّذي أنزَلَه اللهُ، ويُرشِدونَ إليه، وبالحَقِّ يَعدِلونَ بين الناس.
وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ
والَّذينَ جَحَدوا آياتِنا، سنُقرِّبُهم إلى هلاكِهم بالتَّدريجِ، فنُغدِقُ عليهم نِعَمنا، حتَّى يغتَرُّوا بذلك، فيتمادوا في البَطَرِ والغَفلةِ، وهم لا يَعلمونَ حقيقةَ ما يُرادُ بهم.
وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ
وأُمهِلُ الَّذين كذَّبوا بآياتي، فلا أُعاجِلُهم بالعُقوبةِ؛ لِيَتمادَوْا في الكُفرِ، والعصيان، فيزداد عذابُهم، إنَّ كَيْدي قَويٌّ شديدٌ لا يُمكِنُ الإفلاتُ منه.
أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا مَا بِصَاحِبِهِمْ مِنْ جِنَّةٍ إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ مُبِينٌ
أوَلم يُعمِلْ المكَذِّبونَ بآياتِنا فِكرَهم فيما جاءَهم به مُحمَّدٌ الَّذي خالَطوه وعَرَفوه، فيعلَمُوا أنْ ليس به جنون؟! ما محمَّدٌ إلَّا نذيرٌ يخوِّفُ الكفَّارَ مِن عِقابِ اللهِ إن لم يُؤمِنوا، يُبِينُ ما يُنذِرُهم به؛ ليكونَ واضحًا، لا لبْسَ فيه ولا شَكَّ، ولا عُذرَ معه.
أَوَلَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ وَأَنْ عَسَى أَنْ يَكُونَ قَدِ اقْتَرَبَ أَجَلُهُمْ فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ
أوَلم ينظُرِ المُكَذِّبونَ بآياتِ اللهِ نظَرَ تأمُّلٍ واعتبارٍ في مُلكِ اللهِ الواسِعِ، في السَّمواتِ والأرضِ، وفيما خلَقَ مِن الأشياءِ، فيَتفَكَّروا في ذلك، فيؤمنوا؟ وينظُروا في احتمالِ دنُوِّ وَقتِ مَوتِهم وهم على كُفْرِهم، فيُبادِرُوا إلى التَّوبةِ قبل حلول العذاب بهم؟ فبأيِّ تحذيرٍ بعدَ القرآنِ يؤمنون، إن لم يؤمنوا به؟!
مَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَا هَادِيَ لَهُ وَيَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ
مَن كتَبَ اللهُ عليه الضَّلالةَ، فلن يَهدِيَه أحدٌ، ويترُكُهم اللهُ يتمادون في ضلالِهم يتحَيَّرون ويتردَّدونَ.
يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي لَا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلَّا هُوَ ثَقُلَتْ فِي السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا تَأْتِيكُمْ إِلَّا بَغْتَةً يَسْأَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ اللَّهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ
يسألُكَ النَّاسُ -يا محمَّدُ- عن القيامةِ متى وَقتُها؟ قلْ: إنَّما عِلمُ ذلك عندَ ربي، لا يُظهِرُها في وَقتِها إلَّا اللهُ وحْدَه، وقد خَفِيَت على أهْلِ السَّمواتِ والأرضِ، واشتَدَّ خَوفُهم منها، وهي لا تجيءُ إلَّا فجأةً، وأنتم لا تَشعرونَ بذلك، يَسألُك النَّاسُ عن وقتِها وكأنَّك -يا محمَّدُ- قد بالَغتَ في السُّؤالِ عنها حتَّى علِمتَ موعدها !قلْ لهم: لا يعلَمُ وقتها إلَّا اللهُ وَحْدَه، ولكنَّ أكثَرَ النَّاسِ لا يعلمونَ ذلك.
قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلَا ضَرًّا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ
قلْ -يا مُحمَّد- لِسائِليك عن وَقتِ السَّاعةِ: لا أملك جَلبَ نَفعٍ لنفْسي، ولا دفْعَ ضَرٍّ عنها، إلَّا ما أقدرَني اللهُ عليه بمشيئتِه، ولو علمتُ الغيب، لأعدَدْتُ الكثيرَ ممَّا يَنفعُني، وتجنبتُ ما يضرني، ما أنا إلَّا مُنذِرٌ عِقابَ اللهِ مَن عَصاه، ومُبَشِّرٌ بثَوابِه مَن أطاعَه، وينتفع يإنذاري وتبشيري المؤمنونَ.
هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا فَلَمَّا تَغَشَّاهَا حَمَلَتْ حَمْلًا خَفِيفًا فَمَرَّتْ بِهِ فَلَمَّا أَثْقَلَتْ دَعَوَا اللَّهَ رَبَّهُمَا لَئِنْ آتَيْتَنَا صَالِحًا لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ
اللهُ عزَّ وجلَّ هو الَّذي خَلَقكم -أيُّها النَّاسُ- مِن آدَمَ، وخلَقَ حوَّاءَ مِنه؛ ليأوِيَ إليها آدَمُ، ويَقضِيَ وطَرَه منها، ويأنَسَ بها، فلمَّا جامَعَها حَمَلت حملًا يخِفُّ عليها، في أوَّلِ الأمر، واستمَرَّ كذلك، فلمَّا صار ثقيلًا، ودنت ولادتها نادى آدَمُ وحوَّاءُ قائِلَينِ: نُقسِمُ بك -يا ربَّنا- لئِنْ رَزَقْتَنا ولدًا سَوِيَّ الخِلقةِ صحيحًا لَنَكونَنَّ ممَّن يَشكُرُ نِعَمك.
فَلَمَّا آتَاهُمَا صَالِحًا جَعَلَا لَهُ شُرَكَاءَ فِيمَا آتَاهُمَا فَتَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ
فلمَّا رزَقَهما اللهُ ولدًا صالحًا كمَا سألاه، جعَلَ أهلُ الكُفرِ مِن بني آدمَ لله شُرَكاءَ فيما رزَقَهم، فتنزَّه اللهُ وتعاظَمَ عن شِركِ المشركين.
أَيُشْرِكُونَ مَا لَا يَخْلُقُ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ
أيَعبُدُ المُشركونَ مع اللهِ ما لا يقدِرُ على خَلقِ شَيءٍ، وهؤلاءِ الَّذينَ يَعبُدونَهم مع اللهِ مَخلوقونَ مَصنوعونَ؟!
وَلَا يَسْتَطِيعُونَ لَهُمْ نَصْرًا وَلَا أَنْفُسَهُمْ يَنْصُرُونَ
ولا يستطيعُ هؤلاءِ الَّذين يَعبُدونَهم مع اللهِ، أن يَنصُروا عابِدِيهم، ولا هؤلاء المعبودونَ بقادرين على نصرِ أنفُسِهم ممَّن أرادَهم بسُوءٍ، ومَن عجَز عن نَصرِ نفْسِه فهو عن نَصرِ غَيرِه أعجَزُ.
وَإِنْ تَدْعُوهُمْ إِلَى الْهُدَى لَا يَتَّبِعُوكُمْ سَوَاءٌ عَلَيْكُمْ أَدَعَوْتُمُوهُمْ أَمْ أَنْتُمْ صَامِتُونَ
وإن تَدْعُوا -أيُّها المُشركون- هذه الأصنامَ إلى الحقِّ، لا يَستجيبوا لكم؛ لأنَّها جماداتٌ لا تعقِلُ، ولا تسمَعُ، فيستوي دعاؤكم لها وسكوتكم عنها، فكيف تعبدونَ مَن هذه صِفتُه؟!
إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ عِبَادٌ أَمْثَالُكُمْ فَادْعُوهُمْ فَلْيَسْتَجِيبُوا لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ
إنَّ الَّذينَ تدعون ممَّا سِوى اللهِ، هم مملوكونَ للهِ مثلكم، فادعُوا أصنامَكم، ولْتُجِبْ دُعاءَكم إن كُنتُم صادقينَ في أنَّها تضرُّ وتنفَعُ، وأنَّها تستحِقُّ العبادةَ!
أَلَهُمْ أَرْجُلٌ يَمْشُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ أَيْدٍ يَبْطِشُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ أَعْيُنٌ يُبْصِرُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا قُلِ ادْعُوا شُرَكَاءَكُمْ ثُمَّ كِيدُونِ فَلَا تُنْظِرُونِ
ألِهؤلاءِ الأصنامِ أرجُلٌ يَمشونَ بها؟! أمْ لهم أيدٍ يأخُذونَ بها ما يُريدونَ تناوُلَه بشِدَّةٍ؟! أمْ لهم أعيُنٌ يُعايِنونَ بها الأشياءَ؟! أمْ لهم آذانٌ يَسمعونَ بها؟! فكيف تَعبُدونَها؟! قُلْ -يا محمَّدُ- لهؤلاءِ المُشركينَ: استنصِرُوا علَيَّ بأصنامِكم الَّتي تزعُمونَها آلهةً مع اللهِ، ثمَّ عجِّلوا أنتم وهيَ بالكَيدِ لي، فلا تُمهِلوني.
إِنَّ وَلِيِّيَ اللَّهُ الَّذِي نَزَّلَ الْكِتَابَ وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ
قُلْ -يا محمَّدُ-: إنَّ الَّذي يَنصُرُني عليكم، ويَعصِمُني منكم؛ هو اللهُ الَّذي نزَّل علَيَّ القُرآنَ، وهو سُبحانَه ينصُرُ ويحفَظُ مَنْ صلَحَت نيَّاتُهم وأعمالُهم وأقوالُهم.
وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لَا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَكُمْ وَلَا أَنْفُسَهُمْ يَنْصُرُونَ
والَّذينَ تَدْعُونَهم مِن دونِ اللهِ تعالى لا يَقدِرونَ على نَصرِكم، ولا على نُصرةِ أنفُسِهم ممَّن أرادَهم بِسُوءٍ.
وَإِنْ تَدْعُوهُمْ إِلَى الْهُدَى لَا يَسْمَعُوا وَتَرَاهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ وَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ
وإنْ تَدْعُوا أصنامَكم إلى الحَقِّ، لا يَسمَعوا دُعاءَكم؛ لأنَّها جماداتٌ لا تَسمَعُ، وترى -يا محمَّدُ- آلهةَ المُشركينَ المنحوتةِ، تُقابِلُك بعيونٍ مُصَوَّرةٍ، كأنَّها تنظُرُ إليك، وهي لا تُبصِرُ شيئًا في الحقيقةِ.
خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ
اقبَلْ -يا محمَّدُ- ما تيسَّرَ مِن أخلاقِ النَّاسِ، وما سَمَحت به أنفُسُهم، وما جاءَك مِن غَيرِ ذلك فاصفَحْ عنه، واترُكْ ما لك مِن الحَقِّ عليهم، وأْمُرهم بالمَعروفِ الَّذي يُقِرُّه الشَّرعُ، وأعرِضْ عمَّن جَهِلَ عليك، فلا تؤاخِذْه بزَلَّتِه.
وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ
وإن نالَك مِن الشَّيطانِ وَسوسةٌ أو غَضَبٌ أو غيرُ ذلك؛ لِيُثبِّطَك عن الخيرِ، أو يَحُثَّك على الشَّرِّ، أو مُجازاةِ مَن جَهِلَ عليك- فاطلُبْ من اللهِ أن يحفَظَك مِن الشَّيطانِ، إنَّ اللهَ سَميعٌ لِدُعائِك، ولِوَسْوسةِ الشَّيطانِ، ولكلِّ صوتٍ، عليمٌ بذلك، لا يخفَى عليه شيءٌ، وهو الَّذي بيَدِه إنجاؤُك وحمايَتُك.
إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ
إنَّ الَّذينَ اتَّقَوُا اللهَ تعالى، إذا نالهم مِن الشَّيطانِ، وَسوسةٌ أو غضَبٌ أو غيرُ ذلك، فَهَمُّوا بتَرْكِ طاعةِ اللهِ، أو اقترافِ مَعصيَتِه، تذَكَّروا عَظَمةَ اللهِ تعالى، وعِقابه وثَوابه، وما أمَرَهم به مِن الاستعاذةِ، فإذا هم يُبصِرونَ بقُلوبِهم الحقَّ فيتِّبعونه، والباطلَ فيجتنبونه.
وَإِخْوَانُهُمْ يَمُدُّونَهُمْ فِي الْغَيِّ ثُمَّ لَا يُقْصِرُونَ
وإخوانُ الشَّياطينِ من كَفَرة الإنسِ وفَجَرتهم، تُزَيِّنُ لهم الشَّياطينُ الضَّلالَ، وتُعينهم عليه، والشَّياطينُ لا تَسأمُ ولا تَفتُرُ مِن إمدادِ أوليائِهم مِن الإنسِ بالضَّلالِ، وكذلك أولياؤُهم مِن الإنسِ لا يُقصِرونَ في ارتكابِ السَّيِّئاتِ، فهم في مِنها ازديادٍ دائمٍ.
وَإِذَا لَمْ تَأْتِهِمْ بِآيَةٍ قَالُوا لَوْلَا اجْتَبَيْتَهَا قُلْ إِنَّمَا أَتَّبِعُ مَا يُوحَى إِلَيَّ مِنْ رَبِّي هَذَا بَصَائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ
وإذا لم تأتِ المُشركينَ -يا محمَّدُ- بآيةٍ وَفْقَ طلَبِهم، قالوا: هلَّا أتيتَ بها مِن تِلْقاءِ نفْسِك؟ فقُلْ لهم: ليس لي ذلك، إنَّما أتَّبِعُ ما يُوحيه إلَيَّ ربِّي، وهذا القُرآنُ عَلاماتٌ للهُدى، وحُجَجٌ قاطِعة، وأنوارٌ ساطِعة مِن ربِّكم سبحانه وتعالى، وهو مُرشِدٌ إلى الحقِّ، ورحمةٌ في الدُّنيا والآخرةِ للمُؤمنينَ.
وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ
وإذا قُرِئَ القرآنُ فأَصْغُوا له سَمْعَكم، وأحضِرُوا قُلوبَكم؛ لِتَتفهَّموا آياتِه، واصمُتُوا حينَ تسمَعونَه لِتَتدَبَّروه؛ لعلَّكم تنالون رحمة الله تعالى.
وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ وَلَا تَكُنْ مِنَ الْغَافِلِينَ
واذكُرِ اللهَ تعالى بلِسانِك فيما بيْنَك وبيْنَه، دون أن يشعُرَ أحَدٌ، مُستحضِرًا بقَلْبِك عظَمَته وصِفاتِه، وثوابَه وعقابَه، ونحوَ ذلك، وأنت مُتخشِّعٌ متذلِّلٌ، خائفٌ وَجِلُ القَلبِ، واذكُرِ اللهَ عزَّ وجلَّ بلِسانِك، مِن غيرِ رفعٍ للصَّوتِ، في أوَّلِ النَّهارِ، وآخِرِه، ولا تكُنْ مِن الغافِلينَ عن ذِكْرِه سُبحانَه.
إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيُسَبِّحُونَهُ وَلَهُ يَسْجُدُونَ
إنَّ الملائكةَ الَّذين عندَ اللهِ تعالى، لا يتكبَّرونَ عن عبادتِه سُبحانَه، وينزِّهونَه عن كلِّ نقصٍ وعيبٍ، وله وَحْدَه يَسجُدونَ بتذلُّلٍ وخُضوعٍ.
الأنفال
يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأَنفَالِ قُلِ الأَنفَالُ لِلّهِ وَالرَّسُولِ فَاتَّقُواْ اللّهَ وَأَصْلِحُواْ ذَاتَ بِيْنِكُمْ وَأَطِيعُواْ اللّهَ وَرَسُولَهُ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ (1).
يَسألُك أصحابُك -يا محمَّدُ- عن الغَنائِمِ -وخاصَّةً ما غَنِمُوه مِن قُريشٍ يوم بدر- عن حُكمِها، ولِمَن هي، وكيف تُقسَمُ؟ فقُلْ لهم: إنَّما أمْرُ الغنائِمِ إلى اللهِ عزَّ وجلَّ، الَّذي يَملِكُها، وإلى مُحمَّدٍ الَّذي يَقسِمُها، وهُما يتصرَّفانِ في شَأنِها، فاتقوا الله تعالى، وأصلِحُوا ما بينكم من تَنازُعٍ في الأنفالِ، فلا تتخاصَمُوا، وانتَهُوا إلى أمرِ اللهِ وأمْرِ رَسولِه، فاقبَلوا ما أُمِرْتم به في شأنِ الأنفالِ وفي غيرِها، إن كنتم مؤمنين حقًّا.
إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (2).
إنَّما الكامِلُون في إيمانِهم؛ مَن إذا ذُكِرَ اللهُ وعَظَمتُه وقُدرَتُه؛ فَزِعَت قلوبُهم، فخَضَعوا لله بفِعلِ أوامِرِه، وتَرْكِ نَواهِيه، وإذا قُرِئَتْ عليهم آياتٌ مِن القرآن، ازدادَ تصديقُهم ويقينُهم، وانقيادُهم، وهم على ربهم وحده يعتَمِدون، في جَلْبِ مصالِحِهم ودَفْعِ مَضارِّهم.
الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ (3).
ومِن صِفاتِهم أنَّهم يؤدُّونَ الصَّلاةَ، فيأتونَ بها على الوَجهِ المَطلوبِ، ويُنفِقونَ ممَّا رزَقَهم اللهُ، النَّفَقاتِ الواجبةَ والمستحَبَّةَ.
أُوْلَـئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَّهُمْ دَرَجَاتٌ عِندَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (4).
أولئك الَّذينَ يقومون بتلك الأفعال الجَليلة، ويتَّصِفونَ بتلك الصِّفاتِ العظيمةِ هم المؤمنونَ حقَّ الإيمانِ، ولهم مراتِبُ عالياتٌ، يرتَقونَها في الجنَّاتِ، ولهم مغفرة لذنوبهم، ولهم في الجنَّةِ رزقٌ أعدَّه الله تعالى لهم.
كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِن بَيْتِكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ فَرِيقاً مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكَارِهُونَ (5).
كما أنَّ اللهَ تعالى وكَّلَك -يا مُحمَّدُ- بأمْرِ قِسمةِ الغَنائِمِ، وجعَلَه حقًّا لك -بعد الاختلاف في شأنِ قِسمتِها- فكذلك أخرجك مِن بَيتِك؛ للقاء كُفَّارِ قُريشٍ، وكَرِهَ بعضُ أصحابِك ذلك، فامضِ لأمرِ اللهِ في الغنائِمِ، كما مَضَيتَ لأمْرِه في الخُروجِ، وكلاهما حَقٌّ وخيرٌ مِن عندِ الله تبارك وتعالى.
يُجَادِلُونَكَ فِي الْحَقِّ بَعْدَمَا تَبَيَّنَ كَأَنَّمَا يُسَاقُونَ إِلَى الْمَوْتِ وَهُمْ يَنظُرُونَ (6).
إنَّ المُؤمنينَ الَّذين كَرِهوا لقاءَ كُفَّارِ قُريشٍ يَومَ بَدرٍ، يُجادِلونك -يا محمَّدُ- في الحقِّ الَّذي أرادَه اللهُ تعالى، بعد تبيُّنِه، فخُروجُك مَصحوبٌ بالوَعدِ مِن اللهِ بالنَّصرِ، ومع هذا قالوا: لم نعلَمْ أنَّا نلقَى العدُوَّ فنتهيَّأَ لقتالِهم، وإنَّما خرَجْنا طلبًا للغَنائمِ مِن عِيرِ قُريشٍ دون حربِ، فلو يُرخَّصُ لنا في تَركِ القِتالِ! إن حالَ هؤلاءِ كمَن يُقدَّمُ إلى الموتِ، وهو يراه عِيانًا.
وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتِيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ وَيُرِيدُ اللّهُ أَن يُحِقَّ الحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَيَقْطَعَ دَابِرَ الْكَافِرِينَ (7).
واذكُرُوا -أيُّها المُؤمِنونَ- حينَ وعدكم اللهُ الظَّفَرَ بغنيمةِ العِيرِ أو النَّفيرِ، وأنتم تُحِبُّونَ أن تكونَ لكم العير؛ لتغنموها بلا قتال، ولكن يُريدُ اللهُ تعالى أن يجمَعَ بيْنَكم وبينَ الطَّائفةِ الأُخرَى ذاتِ المنعة والسلاح؛ لينصركم، ويُظهِرَ دينه، ويُهلِكَ الكافرين.
لِيُحِقَّ الْحَقَّ وَيُبْطِلَ الْبَاطِلَ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ (8).
ويريدُ اللهُ تعالى قَطْعَ دابِرِ الكافِرينَ؛ ليُعِزَّ الإسلامَ، ويُظهِرَه، ويُبطِلَ الشِّركَ، ولو كَرِه ذلك المُشركونَ الَّذين اكتَسَبوا ما يَستَحِقُّونَ عليه العَذابِ.
إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُم بِأَلْفٍ مِّنَ الْمَلآئِكَةِ مُرْدِفِينَ (9).
إذ كنتم تَدْعونَ ربَّكم، أن يَنصُرَكم، فأجاب اللهُ تعالى دعاءَكم، بأنَّني مُقوِّيكم بألْفٍ مِن الملائكةِ، يأتونَ مُتتابِعينَ للقِتالِ معكم.
وَمَا جَعَلَهُ اللّهُ إِلاَّ بُشْرَى وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ وَمَا النَّصْرُ إِلاَّ مِنْ عِندِ اللّهِ إِنَّ اللّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (10).
وما جعَل اللهُ تعالى هذا الإمدادَ إلَّا بِشارةً لكم بالنَّصرِ، ولِتسكُنَ قُلوبُكم فيزولَ عنها القَلقُ، وتُوقِنَ بنَصرِ اللهِ، ولن تُنصَروا إلَّا أن يَنصُرَكم اللهُ تعالى، فلا تظنُّوا -إن أُنزل عليكم الملائكةِ- أنَّ النَّصرَ بأيديهم، إنَّ اللهَ عزيزٌ لا يغلِبُه شيء، بالغ الحكمة سبحانه.
إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعَاسَ أَمَنَةً مِّنْهُ وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُم مِّن السَّمَاء مَاء لِّيُطَهِّرَكُم بِهِ وَيُذْهِبَ عَنكُمْ رِجْزَ الشَّيْطَانِ وَلِيَرْبِطَ عَلَى قُلُوبِكُمْ وَيُثَبِّتَ بِهِ الأَقْدَامَ (11).
واذكُرُوا حينَ ألقى اللهُ تعالى عليكم النُّعاسَ؛ لتَكونُوا آمِنينَ، بلا جزعٍ مِن عَدُوِّكم، وينزِّل اللهُ تعالى عليكم مِن السَّماءِ ماء يُطهِّرَكم من الأحداثِ والجَناباتِ، ويُذهِبَ وساوِسَ الشَّيطانِ، ويُقَوِّيَ قلوبَكم، فتثبُتَ، وليلبِّدَ الأرضَ؛ فتَثبُتَ أرجُلُكم، ولا تغوصَ فيها.
إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلآئِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُواْ الَّذِينَ آمَنُواْ سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُواْ الرَّعْبَ فَاضْرِبُواْ فَوْقَ الأَعْنَاقِ وَاضْرِبُواْ مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ (12).
اذكُرْ -يا مُحمَّدُ- حين أوحَى رَبُّك إلى الملائكةِ الَّذينَ أمدَّ بهم المؤمنينَ، أنِّي مَعَكم بالنَّصرِ والتَّأييدِ، فقَوُّوا عزمَ المُؤمنينَ، وألْقُوا في قلوبِهم الأمنَ، وبَشِّروهم بالنَّصرِ، سأُرعِبُ قلوبَ الكفار، حتَّى ينهزِموا، فاضربوا أيُّها الملائكةُ رؤوسَهم، فحُزُّوها، وأعناقَهم فاقْطَعُوها، واضرِبوا كُلَّ طَرَفٍ ومَفصِلٍ مِن أصابِعِ أيديهم وأرجُلِهم.
ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ شَآقُّواْ اللّهَ وَرَسُولَهُ وَمَن يُشَاقِقِ اللّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ اللّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (13)
ما تقدم في الآية السابقة من قتال وتخويف للمُشركينَ، إنَّما هو عِقابٌ لهم؛ لأنَّهم فارَقوا أمْرَ اللهِ ورسولِه، وحارَبوهما، ومَن يفعل ذلك؛ فإنَّ اللهَ يُعاقِبُه، وهو سُبحانَه شَديدُ العِقابِ.
ذَلِكُمْ فَذُوقُوهُ وَأَنَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابَ النَّارِ (14).
هذا هو العذابُ الَّذي جعَلْتُه لكم -أيُّها المُشاقُّونَ للهِ ورَسولِه- فذُوقوه في الدُّنيا، واعلَموا أنَّ لكم ولِغَيرِكم مِن الكفَّارِ عذابًا في النَّارِ، يوم القيامةِ.
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُواْ زَحْفاً فَلاَ تُوَلُّوهُمُ الأَدْبَارَ (15).
يا أيُّها المؤمنونَ، إذا قابَلْتم الكفَّارَ، وقد دَنَوْا لِقِتالِكم، ودَنَوتُم لقِتالِهم، فلا تُوَلُّوهم ظُهورَكم فرارًا منهم، فتَنهَزِموا.
وَمَن يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلاَّ مُتَحَرِّفاً لِّقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزاً إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَاء بِغَضَبٍ مِّنَ اللّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (16).
ومَن يُوَلِّ الكُفَّارَ ظَهْرَه، فقد رَجَعَ بِغَضبٍ مِنَ اللهِ عزَّ وجلَّ، ومَصيرُه في القِيامةِ، جَهنَّم، وبِئسَ ما يصيرُ إليه! إلَّا مَن يُوَلِّيهم ظَهْرَه فينحَرِفُ عن اتِّجاهِه؛ ليوهمَ عَدُوَّه أنَّه قد فرَّ منه، ثمَّ يكِرُّ عليه، فيكونُ ذلك أمكنَ له في قِتالِه، أو أنكى لعَدُوِّه؛ فلا بأسَ في هذا التولي، أو إلَّا مَن يُوَلِّيهم ظَهْرَه؛ ليتنحَّى إلى جماعةٍ أخرى مِن المُسلِمينَ، يريدونَ العودةَ إلى القِتالِ، فيعودُ معهم ويتعاونون؛ فيجوزُ له التولي أيضا.
فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَـكِنَّ اللّهَ قَتَلَهُمْ وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَـكِنَّ اللّهَ رَمَى وَلِيُبْلِيَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلاء حَسَناً إِنَّ اللّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (17).
ليس بقُوَّتِكم -أيُّها المؤمنونَ- قتَلْتُم المُشركينَ يومَ بَدرٍ، ولكِنَّ مَنْ قتَلَهم، هو اللهُ تعالى؛ الذي أمرَكم بقِتالِهم، وأعانكم، ورَبَط على قُلوبِكم، وما أوصلتَ الرمْيَ -يا محمَّدُ- حينَ رميتَ وُجوهَ المُشرِكينَ بقبضةٍ مِن حَصباءَ، أو حفنةٍ مِن ترابٍ، ولكن الَّذي أوصلها إليهم، هو اللهُ تعالى، بقُوَّتِه، وقد قتَلَ المُشركينَ، ورماهم يومَ بَدرٍ؛ لهَزيمَتِهم، ولِيُنعِمَ على المُؤمنينَ بِعَطاءٍ حَسَنٍ، يَشكرونَه عليه، مِن النَّصرِ والظَّفَرِ بالغَنائِمِ، والثَّوابِ في الآخِرةِ، إنَّ الله سميعٌ لِدُعاءِ النَّبيِّ لإهلاكِ المُشركينَ يَومَ بَدرٍ؛ سَميعٌ لأقوالِ جَميعِ خَلْقِه، عليمٌ بذلك كُلِّه، وبِنِيَّاتِهم وبما فيه صَلاحُهم.
ذَلِكُمْ وَأَنَّ اللّهَ مُوهِنُ كَيْدِ الْكَافِرِينَ (18).
ذلك الفِعلُ؛ مِن قَتلِ المُشركينَ ورَمْيِهم حتَّى انهزَمُوا، والإنعامِ على المؤمنين بالانتصارِ، هو فِعْلُنا، وثَمَّ بِشارةٌ أخرى، وهي أنَّ اللهَ تعالى سيُضعِفُ فيما يُستقبَلُ كُلَّ كَيدٍ يَكيدُ به الكُفَّارُ للإسلامِ وأهلِه.
إِن تَسْتَفْتِحُواْ فَقَدْ جَاءكُمُ الْفَتْحُ وَإِن تَنتَهُواْ فَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَإِن تَعُودُواْ نَعُدْ وَلَن تُغْنِيَ عَنكُمْ فِئَتُكُمْ شَيْئًا وَلَوْ كَثُرَتْ وَأَنَّ اللّهَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ (19).
إنْ تَستَحكِموا اللهَ -أيُّها المُشركونَ- ليفصِلَ بيْنَكم وبينَ المُؤمنينَ، وتَستَنصِروه؛ لِيُوقِعَ عذابَه على الظَّالِمينَ- فقد جاءكم ما طلبتم؛ بِنَصرِه المحِقَّ على المُبطِلِ، حينَ أوقَعَ بكم عِقابَه يومَ بَدرٍ، وإن تَنْتَهوا -يا كفَّارَ قُريشٍ- عن الشِّركِ والكُفرِ باللهِ، والتَّكذيبِ لِرَسولِه، وقتالِ نَبِيِّه والمؤمنينَ به؛ فهو خيرٌ لكم في الدُّنيا والآخرةِ، وإن تَعودُوا إلى ذلك؛ نَعُدْ عليكم بمِثلِ يومَ بَدرٍ، بالهزيمةِ والقَتلِ والأسْرِ، وحينَها لن يُغْنيَ عنكم جَمعُكم مِن جُنودِكم وأعوانِكم أيَّ شيءٍ، ولن يَدفَعوا عنكم شيئًا، ولو كَثُر عددُهم، ولأنَّ اللهَ تعالى مع مَنْ آمَنَ به، بالعونِ، والنَّصرِ.
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَطِيعُواْ اللّهَ وَرَسُولَهُ وَلاَ تَوَلَّوْا عَنْهُ وَأَنتُمْ تَسْمَعُونَ (20).
يا أيُّها المؤمنونَ، امتَثِلوا أمْرَ اللهِ وأمْرَ رَسولِه، واجتَنِبوا نَهْيَهما، ولا تُعرِضوا عن طاعةِ رسولِه، وأنتم تَسْمَعونَ أمْرَه إيَّاكم ونَهْيَه، وتعلمونَ ما دَعاكُم إليه.
وَلاَ تَكُونُواْ كَالَّذِينَ قَالُوا سَمِعْنَا وَهُمْ لاَ يَسْمَعُونَ (21).
ولا تكونُوا -أيُّها المُؤمنونَ- بإعراضِكم عن طاعةِ اللَّهِ ورَسولِه، كالمُشركينَ الَّذينَ إذا سَمِعوا بآذانِهم كِتابَ اللهِ، قالوا: قد سَمِعْنا، لكنَّهم في الحقيقةِ لا ينتفعون بما يَسمَعونَ؛ فهُم بمنزلةِ مَن لم يَسمَعْها.
إِنَّ شَرَّ الدَّوَابَّ عِندَ اللّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لاَ يَعْقِلُونَ (22).
إنَّ شرَّ ما دبَّ على الأرضِ مِن الخَلقِ عِندَ اللهِ تعالى، الَّذين لم ينتَفِعوا بآياتِه؛ فهم صُمٌّ عن سَماعِ الحَقِّ، بُكمٌ عن التَّكلُّمِ به، لا يَعقِلونَ مَواعِظَ اللهِ، وأمْرَه ونَهْيَه.
وَلَوْ عَلِمَ اللّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لأسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّواْ وَّهُم مُّعْرِضُونَ (23).
ولو عَلِمَ اللهُ أنَّ في أولئك القَومِ خَيرًا؛ بقَصدِهم الحَقَّ، وصَلاحِيَّتِهم لِقَبولِه- لَأمكَنَهم مِن فَهْمِ آياته، ولو فُرِضَ أنَّه أفهَمَهم مع حالِهم هذه، لَابتَعَدوا عنها، وهم مُعرِضونَ عن قَبولِها إعراضًا كُلِّيًّا؛ قصدًا وعِنادًا.
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اسْتَجِيبُواْ لِلّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُم لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (24).
يا أيُّها المؤْمِنونَ أجيبُوا اللهَ ورَسولَه بالمبادرةِ إلى طاعَتِهما، إذا دعاكم إلى ما فيه صلاحٌ، وحياةٌ طيِّبةٌ؛ في الدُّنيا والآخرةِ، واعلَموا أنَّ اللهَ تعالى يحجُزُ بيْن العَبدِ وقَلبِه إذا شاء فلا يستطيعُ المَرءُ أن يُدرِكَ شيئًا مِن حقٍّ أو باطلٍ إلَّا بإذْنِ اللهِ سبحانه، فإيَّاكم أن تردُّوا أمْرَ اللهِ، أو تتباطَؤُوا عن الاستجابةِ له، واعلَمُوا أنَّكم تُجمعون إلى اللهِ تعالى، فيجازيكم بأعمالِكم.
وَاتَّقُواْ فِتْنَةً لاَّ تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنكُمْ خَآصَّةً وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (25).
واحْذَروا -أيُّها المؤمنونَ- مِن بلاءٍ يأتيكم مِن اللهِ، لا يختَصُّ وُقوعُه بمَن ظَلَم نفْسَه بارتكابِ المعاصي، بل يعُمُّ المسيءَ وغَيرَه، ممَّن يرى المُنكَرَ ولا ينهَى عنه ولا يُغيِّرُه مع قدرتِه على ذلك، واعلَمُوا أنَّ رَبَّكم شديدٌ عقابُه لِمَن تعرَّض لسخطِه، بِتَركِ أوامِرِه، وفعل نواهِيه.
وَاذْكُرُواْ إِذْ أَنتُمْ قَلِيلٌ مُّسْتَضْعَفُونَ فِي الأَرْضِ تَخَافُونَ أَن يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ فَآوَاكُمْ وَأَيَّدَكُم بِنَصْرِهِ وَرَزَقَكُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (26).
واذكُرُوا -أيُّها المؤمنونَ- حينَ كان عَدَدُكم في مكة قليلًا، يراكم أعداؤُكم ضُعَفاءَ، ويَقْهَرونَكم، ويُؤذُونكم لإيمانِكم، تَخافونَ أن يستَلِبَكم الكُفَّارُ، فيقتلوكم، فجعَلَ لكم بلدًا تَأوُونَ إليه، وهي المدينةُ، وقوَّاكم بأهلِها، فانتصرتم على أعدائِكم بِبَدرٍ وغَيرِها، وأطعَمَكم الغنائِمَ حلالًا طيِّبًا، فتذكَّروا هذا الإنعامَ؛ لتشكُروا المُنعِمَ سُبحانَه على ذلك، فتُطيعوه وَحْدَه.
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَخُونُواْ اللّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُواْ أَمَانَاتِكُمْ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ (27).
يا أيُّها المُؤمِنون، لا تَنْقُصوا ما ينبغي عليكم حِفظُه وأداؤُه مِن حُقوقِ اللهِ تعالى عليكم، بِتَركِ فرائِضِه، وانتهاكِ حُرُماتِه، ولا تنقُصوا حقوقَ رَسولِه بِتَركِ طاعَتِه واتِّباعِه، ولا تخونوا ما اؤتُمِنتُم عليه، والحالُ أنَّكم تعلمونَ عِلمًا لا لَبْسَ فيه أنَّها أماناتٌ يجِبُ الوفاءُ بها، وتعلمونَ مَفاسِدَ خِيانَتِها.
وَاعْلَمُواْ أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلاَدُكُمْ فِتْنَةٌ وَأَنَّ اللّهَ عِندَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ (28).
واعلَمُوا -أيُّها المُؤمِنونَ- أنَّ أموالَكم، وأولادَكم، اختبارٌ يَبتليكم اللَّهُ به، واعلَموا أنَّ اللهَ عزَّ وجلَّ عِندَه ثوابٌ عظيمٌ، هو خيرٌ لكم مِن الأموالِ والأولادِ؛ فآثِرُوا فَضْلَه العظيمَ الباقيَ، على لذَّةٍ صَغيرةٍ فانيةٍ.
يِا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إَن تَتَّقُواْ اللّهَ يَجْعَل لَّكُمْ فُرْقَاناً وَيُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (29).
يا أيُّها المؤمنونَ، إن تتَّقوا اللهَ فتتركوا خيانَتَه، وخيانةَ رَسولِه، وأماناتِكم؛ يجعَلْ لكم عِلمًا تُفَرِّقُون به بيْنَ الحقِّ والباطلِ، ومَخرجًا مِن كُروبِ الدُّنيا، ونصرًا، ويَمْحُ ما تقَدَّمَ مِن ذُنوبِكم، ويغفرها لكم، واللهُ -الَّذي يمنَحُكم كلَّ هذه الهِباتِ- صاحِبُ الأجرِ العَظيمِ، لِمَن اتَّقاه، وله الفَضلُ عليكم، وعلى غَيرِكم.
وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُواْ لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللّهُ وَاللّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ (30).
واذكُرْ -يا مُحمَّدُ- نِعمَتي حينَ تآمر كفَّارُ قُريشٍ عليك؛ ليَسجِنوك، أو يَقتلُوك، أو يُخرِجوك مِن مكَّةَ، ولكنَّ اللهَ يكيدُ بهم أيضًا مِن حيثُ لا يَشعرونَ، فاسْتَنْقَذ نبيَّه منهم، وأهلَكهم، واللهُ تعالى هو أفضَلُ مَن يُجازي بالسَّيِّئةِ العُقوبةَ، ولا أقدر على ذلك مِنه.
وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا قَالُواْ قَدْ سَمِعْنَا لَوْ نَشَاء لَقُلْنَا مِثْلَ هَـذَا إِنْ هَـذَا إِلاَّ أَسَاطِيرُ الأوَّلِينَ (31).
وإذا تُتلَى على هؤلاءِ الكُفَّارِ مِن قُريشٍ آياتُ كِتابِنا، قالوا قولًا يَغُرُّونَ به أنفُسَهم، ومَن اتَّبَعَهم؛ تمرُّدًا وعِنادًا، قالوا: قد سَمِعْناها، ولو نشاءُ لَقُلْنا مِثلَها، وما هذا القرآنُ إلَّا أكاذيبُ، سَطَّرَها الأقدمونَ في كُتُبِهم!
وَإِذْ قَالُواْ اللَّهُمَّ إِن كَانَ هَـذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِندِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِّنَ السَّمَاء أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (32).
واذكُر -يا مُحمَّدُ- حينَ قال كفَّارُ قُريشٍ: اللَّهمَّ، إن كان ما يقولُه مُحمَّدٌ حَقًّا، مُنزَّلًا مِن عِندِك؛ فأنزِلْ علينا حِجارةً مُتتابِعةً كالمطرِ، أو عَذِّبْنا عذابًا مُؤلمًا.
وَمَا كَانَ اللّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ (33).
وما كان اللهُ لِيُعذِّبَ كفَّارَ قُريشٍ وأنت مُقيمٌ بيْنَ أظهُرِهم -يا محمَّدُ-؛ فلا أُهلِكُ أهْلَ بلدةٍ فيها نبيُّهم، حتَّى يَخرُجَ منها، وما كان اللهُ مُعذِّبَ أولئك الكُفَّارِ لو أنَّهم كانوا يستغفرونَ اللهَ مِن ذُنوبِهم، لكنَّهم على ضَلالِهم مُصِرُّونَ، فهُم للعذابِ مُستحِقُّونَ.
وَمَا لَهُمْ أَلاَّ يُعَذِّبَهُمُ اللّهُ وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَمَا كَانُواْ أَوْلِيَاءهُ إِنْ أَوْلِيَآؤُهُ إِلاَّ الْمُتَّقُونَ وَلَـكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ (34).
أيُّ شَيءٍ يمنَعُ أولئكَ المُشركينَ مِن عذابهم، والحالُ أنَّهم فعَلوا ما يُوجِبُ ذلك، وهو مَنعُهم المسلمينَ مِن الوُصولِ إلى المسجِدِ الحرامِ للعبادةِ؟! وما كان كفَّارُ قُريشٍ أولياءَ المسجدِ الحرامِ، ما أولياءُ هذا البيتِ في الحقيقةِ إلَّا المؤمنونَ بالله، المُتَّقونَ للشِّركِ والمعاصي، ولكنَّ أكثَرَ مُشركي قُريشٍ لا يَعلمونَ ذلك.
وَمَا كَانَ صَلاَتُهُمْ عِندَ الْبَيْتِ إِلاَّ مُكَاء وَتَصْدِيَةً فَذُوقُواْ الْعَذَابَ بِمَا كُنتُمْ تَكْفُرُونَ (35).
وما كان صلاةُ كفَّارِ قُريشٍ عندَ الكعبةِ إلَّا صفيرًا وتَصفيقًا! فلْيذوقوا ألمَ العَذابِ لكُفرِهم.
إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّواْ عَن سَبِيلِ اللّهِ فَسَيُنفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ وَالَّذِينَ كَفَرُواْ إِلَى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ (36).
إنَّ مُشرِكي قُريشٍ، يُنفِقونَ أموالَهم لِيتقَوَّوا بها على قتالِ المُسلمينَ، وِيَصرِفوا النَّاسَ عن الحق، فَسَيُنفِقُونها، ثمَّ تَصيرُ نَفَقتُهم نَدامةً شديدةً عليهم، حينَ لا يظفَرونَ بما كانوا يَطمَعونَ، وهم في آخِرِ الأمرِ يُغلَبونَ، ويجمَعُ اللهُ تعالى الكفارَ يومَ القِيامةِ في نارِ جَهنَّمَ.
لِيَمِيزَ اللّهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَيَجْعَلَ الْخَبِيثَ بَعْضَهُ عَلَىَ بَعْضٍ فَيَرْكُمَهُ جَمِيعاً فَيَجْعَلَهُ فِي جَهَنَّمَ أُوْلَـئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ (37).
يحشُرُ اللهُ الكفَّارَ إلى جهنَّم؛ ليُفرِّقَ بيْنَهم وبيْنَ المؤمنين الطيِّبينَ، ويجعَلَ اللهُ بعضَهم فوقَ بَعضٍ، حتَّى يتَراكَموا ويَكثُروا، فيجعَلَهم في جَهنَّمَ، أولئك هم الَّذين خسِروا أنفسَهم وأهْليهم يومَ القيامةِ، وخسِروا الدُّنيا والآخرةَ.
قُل لِلَّذِينَ كَفَرُواْ إِن يَنتَهُواْ يُغَفَرْ لَهُم مَّا قَدْ سَلَفَ وَإِنْ يَعُودُواْ فَقَدْ مَضَتْ سُنَّةُ الأَوَّلِينِ (38).
قُل -يا مُحمَّدُ- لكُفَّارِ قُريشٍ: إنْ يَترُكوا الكُفرَ، وقِتالَ المؤمنينَ، يَغفِرِ اللهُ لهم ما تقدَّمَ مِن ذنوبهم، وإنْ يَعُودوا إلى قتالِك، ويستمِرُّوا على كُفرِهم؛ فقد سبق إهلاكُ الكُفَّارِ في بَدرٍ، وإهلاكُ غَيرِهم مِن الأممِ الماضيةِ.
وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلّه فَإِنِ انتَهَوْاْ فَإِنَّ اللّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (39).
وقاتِلوا -أيُّها المُؤمِنونَ- الكُفَّارَ؛ حتَّى لا يكونَ ثمَّ شِركٌ يُفتَنُ به النَّاسُ، وتكونَ العبادةُ كُلُّها خالصةً لله، وينتشِرَ الإسلامُ، فإن انتَهوا عن الشِّركِ وأسلَموا؛ فإنَّ اللهَ يبصر ما يَعمَلونَ في الظَّاهِرِ والباطِنِ، فيُجازيهم عليه، فكُفُّوا عن قِتالِهم، وإنْ لم تعلَموا بواطِنَهم.
وَإِن تَوَلَّوْاْ فَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ مَوْلاَكُمْ نِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ (40).
وإنْ أعرَضَ الكُفَّارُ عن الإيمانِ، وأصَرُّوا على الكُفرِ والقتالِ، فقاتِلوهم، وأيقِنُوا أنَّ اللهَ وليُّكم، فيَنصُرُكم عليهم، هو نِعْمَ المُعينُ لأوليائِه، ونِعْمَ النَّاصِرُ لهم.