التفسير المحرر

التفسير المحرر

وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَا إِلَيْهِمُ الْمَلآئِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ الْمَوْتَى وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلاً مَّا كَانُواْ لِيُؤْمِنُواْ إِلاَّ أَن يَشَاء اللّهُ وَلَـكِنَّ أَكْثَرَهُمْ يَجْهَلُونَ (111).

اللغة: العربية
إعداد:
الإصدار: 1.0
ترجمات 1
إنجليزي
المرفقات 7
PDF
Audio
Video
+3

وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَا إِلَيْهِمُ الْمَلآئِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ الْمَوْتَى وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلاً مَّا كَانُواْ لِيُؤْمِنُواْ إِلاَّ أَن يَشَاء اللّهُ وَلَـكِنَّ أَكْثَرَهُمْ يَجْهَلُونَ (111).

ولو أجَبْنا طلبَ هؤلاءِ المشركين، فرأوا الملائكةَ عِيانًا، وشَهِدَتْ لهم بصِدْقِ الرَّسولِ، وأَحْيَيْنا لهم المَوْتى؛ فأَخْبَروهم بصِدْقِه، وجَمَعْنا لهم كلَّ الأشياءِ أمامَهم، أو جمَعْناها لهم فوجا فوجا؛ لتُخْبِرَهم مباشرةً بِصِدْقِ الرَّسولُ، لما آمنوا، إلَّا أنْ يَشاءَ اللَّهُ ذلك؛ لتعنُّتهم، ولكنَّ أكثَرَهم يَجْهَلون أنَّه لو أُنْزِلَ عليهم ما اقترحوه لم يُؤمِنوا إلَّا أن يشاءَ اللهُ تعالى. فمِنْ جَهْلِهم أنَّهم رتَّبوا إيمانَهم على مجرَّدِ إتيانِ الآياتِ، وإنَّما العَقْلُ والعِلْمُ اتِّباع الحقِّ، بالطُّرقِ الَّتي بيَّنها اللهُ عزَّ وجلَّ.

وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نِبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الإِنسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا وَلَوْ شَاء رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ (112).

وكما ابْتَلَيناك -يا محمَّدُ- بأنْ جَعَلْنا لك أعداءً مِن مَرَدَةِ الإنْسِ والجنِّ، فكذلك ابتَلَيْنا الأنبياءِ السابقين، فجَعَلْنا لهم أعداءً؛ مِن مَرَدَةِ الإنسِ والجِنِّ؛ فهذه سُنَّتُنا، يُوَسْوِسُ شياطينُ الجنِّ إلى شَياطينِ الإنسِ بالقَولِ الباطِلِ المُزَيَّنِ، فيُؤْذون به الأنبياءَ بالجِدالِ، ويُضِلُّون به النَّاسَ، ولو شاءَ اللهُ تعالى لَمَنعهم من ذلك، ولكنْ قدَّرَ اللهُ سبحانه أن يكونَ لكُلِّ نبيٍّ عدوٌّ مِنْ هؤلاءِ، فَدَع الَّذين يُجادلونَك بِالباطِلِ، ودعْ عنك ما يفترونه.

وَلِتَصْغَى إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ وَلِيَرْضَوْهُ وَلِيَقْتَرِفُواْ مَا هُم مُّقْتَرِفُونَ (113).

لِتَميلَ إلى ذلك الكَلامِ المُزخرَفِ أفئدة الَّذين لا يُؤْمِنونَ بالآخِرةِ؛ ويرضوه، وِيَكْتَسِبوا ما هم مُكْتَسِبونَ مِنَ الكُفْرِ والمعاصي.

أَفَغَيْرَ اللّهِ أَبْتَغِي حَكَمًا وَهُوَ الَّذِي أَنَزَلَ إِلَيْكُمُ الْكِتَابَ مُفَصَّلاً وَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ مُنَزَّلٌ مِّن رَّبِّكَ بِالْحَقِّ فَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ (114).

قلْ -يا محمَّدُ- لأولئك المُشرِكينَ: أأضِلُّ عن طريقِ الحقِّ؛ فأجعلَ حاكمًا غير الله تعالى؟ إنه لا ينبغي ذلك؛ فهو الَّذي أنزَلَ إليكم الكتابَ مبيَّنًا ما تختصِمونَ فيه، موضَّحًا العقائد والأحكام، واليهودُ والنَّصارى الَّذين أُعطُوا التَّوراةَ والإنجيلَ، يعلمونَ أنَّ القرآنَ أُنْزِلَ مِن ربِّك -يا محمَّدُ- متلبِّسًا بالحقِّ، فكلُّه حقٌّ وهُدًى، وما دامَت تلك صفته؛ فَلا تشُكَّنَّ فيه.

وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلاً لاَّ مُبَدِّلِ لِكَلِمَاتِهِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (115).

وكَمُلَت كلماتُ ربِّكَ صِدْقًا في جميعِ الأخبارِ، وعَدْلًا في جميعِ الأحكامِ، لا أحدَ يُمكِنُه تغييرُ كلماتِ الله تعالى، ولا الإتيانُ بأحْسَنَ منها، وهو السَّميعُ لأقوالِ عبادِه، العليمُ بحرَكاتِهم وسَكَنَاتهم.

وَإِن تُطِعْ أَكْثَرَ مَن فِي الأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَن سَبِيلِ اللّهِ إِن يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلاَّ يَخْرُصُونَ (116).

وإنْ تُطِعْ أكثرَ أهْلِ الأرضِ -يا مُحمَّد- يَصُدُّوك عن الحق، وهُم في ضَلالِهم ليسوا على يقينٍ مِن أَمْرِهم، وهم يَكْذِبونَ على الله تعالى فيقولونَ ما لا يَعْلَمونَ.

إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ مَن يَضِلُّ عَن سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ (117).

إنَّ ربَّك -يا مُحمَّدُ- أعلَمُ منك ومِن جميعِ خَلْقِه بمن ينحَرِفُ عن طريقِ الحَقِّ، فيُيَسِّرُه لذلك، وبمن يَسِيرُ على استقامةٍ، فيُيَسِّرُه لذلك.

فَكُلُواْ مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللّهِ عَلَيْهِ إِن كُنتُمْ بِآيَاتِهِ مُؤْمِنِينَ (118).

وما دام أنه ثبت بما تقدم ذكره من الآيات أن الله تعالى لا شريك له في ملكه وحكمه فَكُلوا إذن مِن الذَّبائحِ الَّتي ذُكِرَ اسمُ الله عزَّ وجلَّ عليها مِن بهيمةِ الأنعامِ، وغيرِها مِن الحيواناتِ المُحَلَّلِ أكلُها، إنْ كُنتم بحُجَجِ الله وأدِلَّتِه مؤمنينَ.

وَمَا لَكُمْ أَلاَّ تَأْكُلُواْ مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللّهِ عَلَيْهِ وَقَدْ فَصَّلَ لَكُم مَّا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلاَّ مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ وَإِنَّ كَثِيرًا لَّيُضِلُّونَ بِأَهْوَائِهِم بِغَيْرِ عِلْمٍ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِالْمُعْتَدِينَ (119).

وأيُّ شيءٍ يَمنَعُكم أن تَأكُلوا مِمَّا ذُكرَ اسمُ الله عليه، وقد أوْضَحَ اللهُ تعالى لكم ما يَحْرُم أكْلُه، فلم يَبْقَ في ذلك إشكالٌ، ولكِنْ يُباحُ لكم تناوُلُ الحرامِ إذا اضطُررتم إلى ذلك، وإنَّ كثيرًا من النَّاسِ يَحْرِفُون أنفُسَهم وأَتباعَهم عن الحَقِّ، بسببِ اتِّباعِ الهوى بالباطِلِ، إنَّ ربَّك -يا محمَّد- هو أعلمُ بِمَن تعدَّوْا حُدودَه، فتَجاوَزُوا الحلالَ إلى الحرامِ، ولن يُفْلِتوا مِن عِقابِه.

وَذَرُواْ ظَاهِرَ الإِثْمِ وَبَاطِنَهُ إِنَّ الَّذِينَ يَكْسِبُونَ الإِثْمَ سَيُجْزَوْنَ بِمَا كَانُواْ يَقْتَرِفُونَ (120).

ودَعُوا -أيُّها النَّاسُ- جميعَ المعاصي؛ فلا تَرتَكِبوها في السِّرِّ ولا في العَلانيةِ، ولا تَقْتَرِفوها بِجَوارِحِكم ولا بِقُلوبِكم، إنَّ الَّذين يَعملونَ بما نهاهم اللهُ عنه؛ سيُعاقبون عليه.

وَلاَ تَأْكُلُواْ مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَآئِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ (121).

ولا تأكُلوا -أيُّها المؤمنونَ- مِمَّا لم يُذبَحْ على اسْمِ الله تعالى؛ فإنَّ أكْلَ ذلك خروجٌ عن الحقِّ وطاعةِ اللهِ عزَّ وجلَّ، وإنَّ الشَّياطينَ يُوَسْوِسون إلى المشركينَ؛ لِيُجادِلوكم بِشُبَهٍ سَقيمةٍ؛ لإقناعَكم بالباطِلِ، ومِن ذلك تحريم أكْلِ المَيْتَةِ، وإنْ أَطَعْتُموهم في استحلال ما حَرَّمَ ربُّكم؛ فقد صِرْتُم مِثْلَهم مُشركينَ.

أَوَ مَن كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَن مَّثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِّنْهَا كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْكَافِرِينَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ (122) .

هل مَن أحْيَيْنا قَلْبَه بالإيمانِ، واتِّباعِ القرآنِ، فصار يرى الحَقَّ والباطِلَ، ويمشي بيْن النَّاسِ في النُّورِ، متبصِّرًا، مهتديًا، يَسْتوي بمن هو في ظُلُماتِ الكُفرِ، قد التبَسَتْ عليه الطُّرُقُ، فلا يدري أيَّ طريقٍ يأخُذُ؟! وكما حُسِّن لهؤلاءِ الكفَّارِ -الَّذين يجادلونَ في أكلِ الحرام- سوءُ أعمالِهم، كذلك حُسِّن لِغَيْرهم ممَّن كان على مِثْلِ ما هم عليه مِن الكُفر، ما يَعْمَلونه.

وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ أَكَابِرَ مُجَرِمِيهَا لِيَمْكُرُواْ فِيهَا وَمَا يَمْكُرُونَ إِلاَّ بِأَنفُسِهِمْ وَمَا يَشْعُرُونَ (123) .

وكما وقع من رؤساء المشركين في مكة من الصدِّ عن الحق كذلك صَيَّرْنا في كلِّ قريةٍ رُؤساءَ مِن المجرمينَ؛ ليَمْكُروا فيها، بالدعوة إلى الضَّلال والصد عن الحق، وما يعود وَبالُ مَكْرِهم إلَّا عليهم، وهم لا يشعرون بذلك، ولا بما أعدَّ الله تعالى لهم من العذابِ.

وَإِذَا جَاءتْهُمْ آيَةٌ قَالُواْ لَن نُّؤْمِنَ حَتَّى نُؤْتَى مِثْلَ مَا أُوتِيَ رُسُلُ اللّهِ اللّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ سَيُصِيبُ الَّذِينَ أَجْرَمُواْ صَغَارٌ عِندَ اللّهِ وَعَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا كَانُواْ يَمْكُرُونَ (124) .

وإذا جاءَتْ هؤلاءِ المجرِمينَ حُجَّةٌ قاطعةٌ مِن الله، على صدق الرَّسول، قالوا: لن نؤمِنَ بذلك؛ حتَّى يُوحَى إلينا كما يُوحَى إلى الرُّسُلِ، ونُعطَى مِن المعجزاتِ مِثْلَهم! فردَّ اللهُ تعالى عليهم بأنه أعلَمُ بموضِعِ رسالَتِه، ومن يَصلُحُ لها، وسَيَنالُ الَّذين اكتَسَبوا الإثمَ بشِرْكِهم باللهِ، وعبادتِهم غيرَه ذِلَّةٌ وهَوانٌ، ولهم عذابٌ شديدٌ لمكرهم.

فَمَن يُرِدِ اللّهُ أَن يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلاَمِ وَمَن يُرِدْ أَن يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاء كَذَلِكَ يَجْعَلُ اللّهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ (125).

فمَن يُردِ الله تعالى هِدايَتَه للحقِّ؛ يفسَحْ صَدرَه، فيتَّسِعُ لِقَبولِه، ومن يُرِدِ إضلالَه يجعلْ صَدْرَه في أشَدِّ ما يكون مِن الضِّيقِ، فهذه حالُه في عَدَمِ تقَبُّل الإيمانِ وثِقَلِه عليه؛ مثل صعوبةَ تَكَلُّفِ الصُّعودِ في السَّماءِ.وكما يجعلُ الله تعالى صَدْرَ مَن أراد إضلالَه ضيِّقًا حَرجًا، كذلك يسلِّط الشَّيطانَ عليه وعلى أمثاله، ممَّن أبى الحَقَّ.

وَهَـذَا صِرَاطُ رَبِّكَ مُسْتَقِيمًا قَدْ فَصَّلْنَا الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ (126).

وهذا الَّذي بيَّنَّا لك -يا مُحمَّدُ- في هذه السُّورةِ وغيرِها، هو طريقُ ربِّك الذي لا اعوِجاجَ فيه؛ فاثْبُتْ عليه، قد بَيَّنَّا الأدلة على صحَّةِ ذلك لِمَن يتذكَّرون الحقَّ فينتفعون بالذِّكرى.

لَهُمْ دَارُ السَّلاَمِ عِندَ رَبِّهِمْ وَهُوَ وَلِيُّهُمْ بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ (127).

لهؤلاء القومِ الَّذين يذَّكَّرون، الجَنَّة السَّالِمة مِن كلِّ عَيبٍ، واللهُ تعالى ناصرهم، وحافِظُهم؛ جزاءً لهم على أعمالِهم الصَّالِحةِ.

وَيَوْمَ يِحْشُرُهُمْ جَمِيعًا يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ قَدِ اسْتَكْثَرْتُم مِّنَ الإِنسِ وَقَالَ أَوْلِيَآؤُهُم مِّنَ الإِنسِ رَبَّنَا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنَا بِبَعْضٍ وَبَلَغْنَا أَجَلَنَا الَّذِيَ أَجَّلْتَ لَنَا قَالَ النَّارُ مَثْوَاكُمْ خَالِدِينَ فِيهَا إِلاَّ مَا شَاء اللّهُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَليمٌ (128).

واذكرْ -يا مُحمَّدُ- يومَ يَحشُرُ الله عزَّ وجلَّ أولئك المشرِكينَ مع أوليائِهم مِن الجن، ثم يقولُ مُوَبِّخًا للجِنِّ: قد استكثرتم مِن إضلالِ الإنسِ، فأَضْلَلْتُم منهم أعدادًا كبيرة، فيجيب الجن: يا رَبَّنا، تمتَّعَ وانتفَعَ بعضُنا ببعضٍ إلى أنْ بَلَغْنا الوَقْتَ المضروب لِمَوتِنا، فيقول اللهُ لهم: النارُ هي المحلُّ الَّذي تُقيمونَ فيه أبدًا، إلَّا مَا شاءَ الله، إنَّ ربَّك -يا محمَّدُ- حكيمٌ، فلا يُعَذِّبُ إلَّا مَن يستَحِقُّ، وقد وَسِعَ عِلْمُه كلَّ شيءٍ؛ فيعلم من يستحق العذاب.

وَكَذَلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضًا بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ (129).

وكما جعَلْنا بعضَ أولئك المشركينَ مِن الجِنِّ والإِنْسِ أولياءَ، كذلك نولِّي كلَّ ظالمٍ ظالِمًا مِثلَه؛ بسببِ ما كانُوا يعملونَه منَ السيئات.

يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالإِنسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِّنكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي وَيُنذِرُونَكُمْ لِقَاء يَوْمِكُمْ هَـذَا قَالُواْ شَهِدْنَا عَلَى أَنفُسِنَا وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَشَهِدُواْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُواْ كَافِرِينَ (130) .

يقولُ الله تعالى يومَئذٍ: ألم يأتِكم أيُّها الإنسُ والجِنُّ رسلٌ منكم يقْرَؤونَ عليكم آياتي الَّتي أُنْزِلَت، ويحذِّرونكم الأهوالَ والعذابَ الواقِعَ في يومِكم هذا؟ قالوا: نقرُّ بأنَّ رُسُلَك قد بلَّغت ذلك، ولكننا كَذَّبْناهم! لقد غَرَّتْ أولئك المشركينَ وأولياءَهم مِن الجِنِّ زينةُ الدُّنيا، فألْهَتْهم عن العَمَلِ للآخِرةِ. وشَهِدَ هؤلاء المشرِكونَ في يومِ القيامة أنَّهم كانوا في الدُّنيا كافِرينَ باللهِ تعالى وبِرُسُلِه؛ وبذلك تَتِمَّ حُجَّةُ الله عليهم بإقرارِهم فيُعاقَبون.

ذَلِكَ أَن لَّمْ يَكُن رَّبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا غَافِلُونَ (131).

ذلك الإنذارُ والإعذارُ على ألْسِنَةِ الرُّسُلِ في الدُّنيا واقعٌ؛ لأنَّ ربَّك -يا محمَّد- لا يُهْلِكَ القُرى بكُفْرِها ومعاصِيها مع غفلة أهلها، فلا بُدَّ مِن إزالةِ الغَفلةِ أوَّلًا بإرسالِ الرُّسُلِ، وإنزال الكُتُبِ.

وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِّمَّا عَمِلُواْ وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ (132).

ولكُلِّ النَّاسِ: كافِرينَ ومُؤمنينَ، طائعينَ وعاصينَ؛ مراتِبُ في الآخرةِ، ينزلونها وفق أعمالِهم، وربك -يا مُحمَّدُ- لا تخفى عليه أعمالَهم، وسيُجازِيَهم بها يومَ القيامةِ.

وَرَبُّكَ الْغَنِيُّ ذُو الرَّحْمَةِ إِن يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَسْتَخْلِفْ مِن بَعْدِكُم مَّا يَشَاء كَمَآ أَنشَأَكُم مِّن ذُرِّيَّةِ قَوْمٍ آخَرِينَ (133).

وربُّك -يا مُحمَّد- غنيٌّ عن عبادِه، وعن أعمالِهم؛ فلا تنفَعُه طاعتهم، ولا تَضُرُّه معصيتهم، وإنْ يشَأْ يُذْهِبْكم -أيُّها الَّناسُ- إذا خالَفْتُم أمْرَه، ويَستخْلِفْ آخَرينَ مِن بَعْدِكم؛ يعملونَ بطاعَتِه، فهو قادِرٌ على ذلك سُبحانَه، فكما أوجَدَكم مِن نَسْلِ آخَرينَ كانوا قبْلَكم؛ وأذْهَبَ القرونَ الأُولَى، وأتى بالَّتي بَعْدَها؛ فهو قادرٌ أيضًا على إذهابِكم، والإتيانِ بآخَرينَ.

إِنَّ مَا تُوعَدُونَ لآتٍ وَمَا أَنتُم بِمُعْجِزِينَ (134).

إنَّ الَّذي يُوعِدُكم به ربُّكم -أيُّها المشرِكون- مِن العذابِ؛ واقعٌ بكم لا مَحالةَ، ولن تُعجِزوا اللهَ تعالى هرَبًا منه؛ فتَفُوتُوه، بل أنتم في قَبْضَتِه، وتحتَ قَهْرِه.

قُلْ يَا قَوْمِ اعْمَلُواْ عَلَى مَكَانَتِكُمْ إِنِّي عَامِلٌ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَن تَكُونُ لَهُ عَاقِبَةُ الدِّارِ إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ (135).

قل -يا مُحمَّدُ- لمُشرِكي قُرَيشٍ إذا دعَوْتَهم إلى اللهِ واستَمَرُّوا على شِرْكِهم: اعملوا على حالَتِكم الَّتي رَضِيتُموها لأنفُسِكم؛ فإنِّي عامِلٌ ما أَمَرَني به ربِّي، ومستمِرٌّ على طريقَتي، فسوف تَعْلَمونَ عندَ نزولِ عذابكم: أيُّنا كان المحِقَّ في عَمَلِه، فتكون له العاقبةُ الحَسَنَة في الدُّنيا والآخرةِ، إنَّه لا ينجَحُ ولا يفوزُ عندَ الله، مَن عَمِلَ بخلافِ ما أمَرَه به.

وَجَعَلُواْ لِلّهِ مِمِّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالأَنْعَامِ نَصِيبًا فَقَالُواْ هَـذَا لِلّهِ بِزَعْمِهِمْ وَهَـذَا لِشُرَكَآئِنَا فَمَا كَانَ لِشُرَكَآئِهِمْ فَلاَ يَصِلُ إِلَى اللّهِ وَمَا كَانَ لِلّهِ فَهُوَ يَصِلُ إِلَى شُرَكَآئِهِمْ سَاء مَا يَحْكُمُونَ (136) .

وجَعَلَ المشركونَ مِمَّا خَلَقَ اللهُ مِنَ الزُّروعِ والثِّمارِ والأنعامِ جُزءًا له سبحانه، وجَعَلوا لشُرَكائِهم مع الله تعالى جزءًا آخر، والحالُ أنَّ اللهَ تعالى هو الَّذي أوجَدَه رِزقًا لهم، لا أولئك الشُّركاءُ، فَإِنْ وَصَلَ شيءٌ مِمَّا جَعَلوه لهم إلى ما جَعَلوه للهِ سبحانه؛ رَدُّوه إلى مَحَلِّه مع نصيبِ أَوْثانِهم، فحَفِظوه، وإن اختَلَطَ شيءٌ مِمَّا جَعَلوه للهِ تعالى بما جَعَلوه لآلِهَتِهم؛ لم يَرُدُّوه، وقد أساؤُوا في حُكْمِهم هذا.

وَكَذَلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلاَدِهِمْ شُرَكَآؤُهُمْ لِيُرْدُوهُمْ وَلِيَلْبِسُواْ عَلَيْهِمْ دِينَهُمْ وَلَوْ شَاء اللّهُ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ (137).

وكما حسَّنَت الشَّياطينُ لهؤلاءِ المشرِكينَ أن يَجْعَلوا للهِ مِمَّا ذَرَأَ مِن الحَرْثِ والأنعامِ نصيبًا، كذلك حسَّنوا لهم قَتْلَ أولادِهم خَشيَةَ الفقر، ووَأْدَ البناتِ خَشيةَ العارِ، وكلُّ ذلك مِن خُدَعِ الشَّياطينِ، الَّذين يُريدونَ إهلاكهم، وأن يَخْلِطوا عليهم دينَهم فيلتَبِسَ، فيَضِلُّوا! ولو شاءَ اللهُ عزَّ وجلَّ لَمَنَعَ هؤلاءِ المشركينَ، من قَتلِ أَوْلادِهم، ولكنَّ اللهَ تعالى بحَسَبِ ما اقتضَتْه حِكْمَتُه خلَّى بيْنَهم وبيْن ذلك، وخَذَلَهم عن الحَقِّ، فدَعْهُم -يا مُحمَّدُ- وما يتقوَّلونَه على الله تعالى مِنَ الكذبِ، ولا تحزَنْ عليهم؛ فلن يَضُرُّوا اللهَ تعالى شيئًا؛ وسيَحْكُمُ بيْنَكم.

وَقَالُواْ هَـذِهِ أَنْعَامٌ وَحَرْثٌ حِجْرٌ لاَّ يَطْعَمُهَا إِلاَّ مَن نّشَاء بِزَعْمِهِمْ وَأَنْعَامٌ حُرِّمَتْ ظُهُورُهَا وَأَنْعَامٌ لاَّ يَذْكُرُونَ اسْمَ اللّهِ عَلَيْهَا افْتِرَاء عَلَيْهِ سَيَجْزِيهِم بِمَا كَانُواْ يَفْتَرُونَ (138).

وقال هؤلاءِ المشرِكونَ: هذه الأَنْعامُ وذلك الزَّرعُ حرامٌ لا يجوزُ أن يأكُلَ منه أحَدٌ، إلَّا مَنْ أذِنَّا له، وفقًا لأهوائِهم دون دليل، وحرَّموا ركوبَ ظُهورِ بعضِ أنعامِهم، وحرَّموا منها صِنفًا لا يَذْكُرونَ اسمَ الله عليها إنْ رَكِبوها، أو حَلَبُوها أو ذَبَحوها، وهذا كَذِبٌ منهم على اللهِ تعالى؛ الذي لم يأذَنْ لهم بذلك، وسيُجازِيهم على افترائهم هذا.

وَقَالُواْ مَا فِي بُطُونِ هَـذِهِ الأَنْعَامِ خَالِصَةٌ لِّذُكُورِنَا وَمُحَرَّمٌ عَلَى أَزْوَاجِنَا وَإِن يَكُن مَّيْتَةً فَهُمْ فِيهِ شُرَكَاء سَيَجْزِيهِمْ وَصْفَهُمْ إِنَّهُ حِكِيمٌ عَلِيمٌ (139) .

وقال هؤلاءِ المشركونَ أيضًا: جميعُ ما في بُطونِ تلك الأنعامِ مِن لَبَنٍ وجَنينٍ، فهو حلالٌ لذُكُورِنا وحرامٌ على إناثِنا، إذا خَرَجَت الأجنَّةُ أحياءً، وإنْ وُلد ما في بطونِ تلك الأنعامِ مَيْتًا فهو حلالٌ للذُّكورِ والإناثِ، وسيُجازي اللهُ تعالى هؤلاءِ المفتَرينَ عليه الكَذِبَ حينَ وَصَفُوا ما أحلَّه بأنَّه حرامٌ، وما حَرَّمَه بأنَّه حلالٌ، ونَسَبُوا ذلك إليه، إنَّ اللهَ تعالى حكيمٌ في أفعالِه وأقوالِه وشَرْعِه وقَدَرِه، عليمٌ بأعمالِ عبادِه.

قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ قَتَلُواْ أَوْلاَدَهُمْ سَفَهًا بِغَيْرِ عِلْمٍ وَحَرَّمُواْ مَا رَزَقَهُمُ اللّهُ افْتِرَاء عَلَى اللّهِ قَدْ ضَلُّواْ وَمَا كَانُواْ مُهْتَدِينَ (140).

قد خسر هؤلاءِ المشرِكونَ الَّذين قَتَلوا أولادَهم عن جهل ونقص عقل، وحرَّموا ما أَحَلَّه اللهُ تعالى مِن أنعامِهم فجَعَلَه رِزْقًا لهم؛ خَسِروا أولادَهم بِقَتْلِهم، وَضَيَّقُوا على أنفسهم في أموالِهم بما حَرَّموا مِن أشياءَ ابْتَدَعوها، وهم في الآخرةِ في شَرِّ المَنازِلِ بكَذِبِهم على اللَّه، لقد انحَرَفوا عن الحَقِّ، ولم يهتدوا إليه.

وَهُوَ الَّذِي أَنشَأَ جَنَّاتٍ مَّعْرُوشَاتٍ وَغَيْرَ مَعْرُوشَاتٍ وَالنَّخْلَ وَالزَّرْعَ مُخْتَلِفًا أُكُلُهُ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُتَشَابِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ كُلُواْ مِن ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَآتُواْ حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ وَلاَ تُسْرِفُواْ إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ (141)

واللهُ هو الَّذي أوجَدَ البساتينَ التي تَحوي أنواعًا مِن الأشجارِ، والنَّباتاتِ، سواءٌ كانت ذات عروشٌ تنتشِرُ عليها الأشجارُ، ولها أعمِدةٌ تَرفَعُها، أو كانت خاليةً مِن ذلك فيُنْبِتُها اللهُ تعالى على ساقٍ، أو تنفَرِشُ منبسطةً على وَجْهِ الأَرْضِ، وخَلَقَ اللهُ عزَّ وجلَّ النَّخلَ والزَّرعَ، وجعل ما يُؤكَل من ثِمَارِه وحُبوبِه؛ أنواعا مختلفة، وخَلَقَ اللهُ عزَّ وجلَّ الزَّيتونَ والرُّمَّان مُتشابهًا في مَنظرِ شَجَرِه ووَرَقِه، وغيرَ مُتشابِهٍ في شكلِ ثَمَرِه وطَعْمِه، ولكم أنْ تأكُلوا مِن ثَمَراتِ النَّخيلِ والزُّروعِ عندَ ظُهُورِها، وأَعْطُوا زكاةَ ما يخرُجُ مِنَها وقت حصادها، ولا تَتَجاوَزُوا حدَّ الاعْتِدالِ في الأكْلِ؛ فاللهُ تعالى لا يُحِبُّ مَن كان مُسرِفًا في ذلك وفي غيرِه.

وَمِنَ الأَنْعَامِ حَمُولَةً وَفَرْشًا كُلُواْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللّهُ وَلاَ تَتَّبِعُواْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ (142).

وخلَقَ اللهُ عزَّ وجلَّ مِنَ الأنعامِ ما هو مهيَّأٌ للحَملِ عليه؛ لكِبَرِه وارْتِفاعِه، كالإبل، ومنها ما هو مهيَّأٌ لغَيْرِ الحَمْلِ؛ لصِغَرِه وقُرْبِه من الأرضِ، كالغَنَم، فكُلُوا ممَّا أباحَه اللهُ تعالى لكم مِنَ الثِّمارِ والزُّروعِ والأنعامِ؛ فقد خَلَقَها اللهُ تعالى كلها وجَعَلَها رِزقًا لكم، ولا تَسْلُكوا طُرُقَ الشَّيطانِ، الَّتي منها تحريمُ بعضِ ما رَزَقَكم اللهُ عزَّ وجلَّ؛ فالشَّيطانُ لكم عدُوٌّ بيِّنٌ ظاهِرُ العَداوةِ.

ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ مِّنَ الضَّأْنِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْمَعْزِ اثْنَيْنِ قُلْ آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الأُنثَيَيْنِ أَمَّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحَامُ الأُنثَيَيْنِ نَبِّؤُونِي بِعِلْمٍ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ (143) .

وخَلَقَ اللهُ تعالى مِنَ الأَنْعامِ ثمانيةَ أزواجٍ، ومنها الذَّكَرُ والأنثى مِن الضَّأنِ والمعْزِ، فمِنَ الضَّأْنِ الكَبْشُ والنَّعجةُ، ومِن المعْزِ التَّيْسُ والعَنْزُ، فقُلْ -يا مُحمَّدُ- للَّذينَ حَرَّموا ما رَزَقَهم اللهُ تعالى: أحَرَّمَ اللهُ ذَكَرَ المعْزِ والضَّأنِ؟ فليس هذا قَوْلَكم، أم حَرَّمَ أُنثَيَيْهما؟ فليس هذا بِقَوْلِكم أيضًا. فلَسْتُم تقولونَ بتحريمِ الذُّكورِ الخُلَّصِ، ولا الإناثِ الخُلَّصِ مِن الضَّأْنِ والمَعْز. أم تُحَرِّمون ما اشتَمَلَت عليه أرحامُ أنثى الضَّأنِ وأنثى المَعْزِ، مِن غيرِ فَرْقٍ بين ذَكَرٍ وأنثى؟ فلستُم تقولونَ أيضًا بهذا. فإذا كنتم لا تقولونَ بأحدِ تلك الأقوالِ الثَّلاثةِ؛ فإنَّ تَفريقَكم بينَ بعضِ الذُّكورِ وبَعضِ الإناثِ، وبعضِ ما في بُطُونِ الأنعامِ بأنْ تُحِلُّوا بعضَه، وتُحَرِّموا بعضَه؛ تفريقٌ باطِلٌ. فقُلْ لهم -يا مُحمَّدُ: أخْبِروني عن يقينٍ وعِلمٍ بصِحَّةِ هذا الَّذي حَرَّمْتُم، وأَحْلَلْتم؛ إن كنتم صادقينَ في دعواكم هذه؟!

وَمِنَ الإِبْلِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْبَقَرِ اثْنَيْنِ قُلْ آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الأُنثَيَيْنِ أَمَّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحَامُ الأُنثَيَيْنِ أَمْ كُنتُمْ شُهَدَاء إِذْ وَصَّاكُمُ اللّهُ بِهَـذَا فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللّهِ كَذِبًا لِيُضِلَّ النَّاسَ بِغَيْرِ عِلْمٍ إِنَّ اللّهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (144).

وخَلَقَ الله تعالى مِن الأنعامِ ثمانيةَ أزواجٍ، ومنها الذَّكَرُ والأُنثى من الإبِلِ والبَقَر؛ فمِن الإبلِ: الجَمَلُ والنَّاقةُ، ومِن البَقَرِ: الثَّورُ والبَقَرةُ، فقُلْ -يا مُحمَّدُ- لهؤلاءِ الَّذينَ حَرَّموا ما رَزَقَهم اللهُ تعالى: أحَرَّمَ اللهُ الذَّكَرينِ؛ ذَكَرَ الإبِلِ والبَقَرِ؟ فليس هذا بقَوْلكم. أم حَرَّمَ أُنثَيَيْهما؟ فليس هذا بِقَوْلِكم أيضًا. فلَسْتُم تقولونَ بتحريمِ الذُّكورِ الخُلَّصِ، ولا الإناثِ الخُلَّصِ من الإبِلِ والبَقَرِ. أم تُحَرِّمون ما اشتَمَلَت عليه أرحامُ أنثى الإبل والبقر مِن غيرِ فَرْقٍ بيْن ذَكَرٍ وأنثى؟ فلَسْتُم تَقولونَ أيضًا بهذا القَولِ. فإذا كنتُم لا تَقولونَ بأحدِ تلك الأقوالِ الثَّلاثةِ؛ فإنَّ تَفريقَكم بيْنَ بعضِ الذُّكورِ وبَعْضِ الإناثِ، وبعضِ ما في بُطُونِ الأنعامِ بأنْ تُحِلُّوا بعضَه، وتُحَرِّموا بعضَه؛ تفريقٌ باطِلٌ، أم كنتم -أيُّها المشركونَ- حاضِرينَ حينَ وصَّاكم اللهُ تعالى بهذا الَّذي تقولونه؟ فهذا باطِلٌ أيضًا، فلا أحَدَ أشدُّ ظُلمًا مِمَّنْ كَذَبَ على الله تعالى؛ لإضلالِ الناس عن الحق بغيرِ بُرهانٍ، إنَّ اللهَ تعالى لا يُوَفِّقُ للحَقِّ هؤلاء وغيرهم من الظَّالِمينَ.

قُل لاَّ أَجِدُ فِي مَا أُوْحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلاَّ أَن يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَّسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللّهِ بِهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلاَ عَادٍ فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ (145).

قل -يا مُحمَّدُ- للَّذين حَرَّموا رزق الله افتِراءً على اللهِ: لا أجِدُ فيما أَوْحاه اللهُ تعالى إلَيَّ شَيئًا مُحَرَّمًا أكله، إلَّا أن يكونَ مَيْتةً، ماتَتْ بغيرِ ذكاةٍ شَرعيَّةٍ، أو دَمًا مُسالًا، كالَّذي يَخرُجُ مِن الذَّبيحةِ عندَ ذَكاتِها، أو لَحْمَ خِنزيرٍ -ويدخُل فيه شَحْمُه- فإنَّ هذه الأشياءَ، نَجَسٌ، ولا أجِدُ فيما أَوْحاه اللهُ تعالى إلَيَّ شَيئًا مُحَرَّمًا أكلُه -إضافةً إلى ما سبق- إلَّا أن يكونَ مَذْبوحًا لغَيرِ اللهِ، فذُكِرَ عليه غيرُ اسْمِه سُبحانَه؛ فإنَّه خروجٌ عن طاعةِ الله تعالى إلى مَعْصِيَتِه والكُفْرِ به، فمَنْ ألجَأَتْه الضَّرورةُ إلى أكْلِ شَيءٍ مِن تلك المحَرَّماتِ الأربعةِ، غيرَ مُريدٍ التَّلذُّذَ بأكلِها، ولا يتَجاوز ما أباحَه اللهُ له، فيأكُلُ بِقَدْرِ ما يَدْفَعُ عنه الهلاكَ، فلا حَرَجَ عليه حِينَئذٍ؛ فإنَّ الله تعالى غفورٌ لِما وقع مِن ذلك، ورحيمٌ بعباده.

وَعَلَى الَّذِينَ هَادُواْ حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ وَمِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُمَا إِلاَّ مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَا أَوِ الْحَوَايَا أَوْ مَا اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ ذَلِكَ جَزَيْنَاهُم بِبَغْيِهِمْ وِإِنَّا لَصَادِقُونَ (146).

وحرَّمْنا على اليهودِ أكْلَ كُلِّ حيوانٍ له أظافر، كالنَّعامةِ والبَطِّ، وحَرَّمنا عليهم شُحُومَ البَقَرِ والغَنَم، إلا ما عَلِقَ منها بِظَهْورِهما، أو ما حَمَلَتْه الأمعاءُ، وما جرى مَجْرَاها كالمَصَارينِ، وما اختَلَطَ من الشُّحُومِ بالعِظامِ، كشَحْمِ الأَلْيةِ وغيرِه؛ فنلك الشحوم حلالٌ لهم، وذلك التَّضييقُ على اليَهودِ كان عقوبةً لهم؛ لظُلْمِهم، وإنَّا لَصادِقونَ في كُلِّ ما نقولُ ونفعَلُ ونَحْكُم به.

فَإِن كَذَّبُوكَ فَقُل رَّبُّكُمْ ذُو رَحْمَةٍ وَاسِعَةٍ وَلاَ يُرَدُّ بَأْسُهُ عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ (147).

فإِنْ كَذَّبَك -يا مُحمَّدُ- مخالِفُوكَ مِنَ المُشْركينَ واليهودِ،؛ فقُلْ لهم: ربُّكم ذو رحمةٍ واسِعةٍ لِمَن أطاعَهُ، فيُدْخِلُه جَنَّتَه؛ فسارِعُوا إلى رَحْمَتِه، بتصديق محمَّدٍ فيما جاءَ به، وقد رَحِمَكُم ربُّكم؛ إذ لم يُعاجِلْكم بعُقُوبَتِه، وأَغْدَقَ عليكم نِعَمَه، وأنتم تُكذِّبونَ رُسُلَه، ولكِن عَذابه إذا وقع لا يَرُدُّه شَيءٌ عن الَّذين اكتَسَبوا الذُّنوبَ العَظيمةَ.

سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُواْ لَوْ شَاء اللّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلاَ آبَاؤُنَا وَلاَ حَرَّمْنَا مِن شَيْءٍ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِم حَتَّى ذَاقُواْ بَأْسَنَا قُلْ هَلْ عِندَكُم مِّنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا إِن تَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَإِنْ أَنتُمْ إَلاَّ تَخْرُصُونَ (148) .

سيَقولُ المُشرِكونَ -احتجاجًا بالقَدَرِ على ترك الحَقِّ بعدما تَبيَّنَ لهم-: لو أرادَ اللهُ المطَّلِعُ على شركنا، وتحريمِ مَا حَرَّمناه أن نُفْرِدَه بالعبادةِ، ونُحلِّلَ ما حَرَّمْنا؛ لَمَا جعَلْنا له شريكًا، ولا آباؤُنا مِن قبلِنا، ولا حرَّمنا ما نحرِّمُه؛ لأنَّه قادِرٌ على أنْ يُلهِمَنا الإيمانَ، أو يَحُولَ بَيْنَنا وبيْن الكُفرِ والعِصيانِ، فلمَّا لم يفعَلْ دَلَّ على رضاه بما نحن عليه! وكما كذَّب هؤلاءِ المشرِكونَ ما جئتَهم به -يا محمَّدُ- مِنَ النَّهْيِ عن عبادَةِ غيرِ الله تعالى، وتحريمِ غيرِ ما حرَّم اللهُ سُبحانَه؛ كذلك كذَّب مَن قَبْلَهم مِنَ فسقةِ الأُمَمِ الماضِيَةِ ما جاءَتْهم به أنبياؤُهم مِن آياتِ اللهِ، ولم يَزَلْ هذا التَّكذيبُ دَأْبَهم حتَّى أحْلَلْنا بهم عقابَنا، فقُلْ -يا محمَّدُ- لهؤلاءِ المشرِكينَ: هل عِندَكم علْم يقينيّ بأنَّ الله تعالى راضٍ عنكم فيما أنتم فيه؟! إن الحقيقة أنكم تتبعون ظنونا مجردة بغير برهان، وتَكْذِبونَ عليه.

قُلْ فَلِلّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ فَلَوْ شَاء لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ (149).

قل -يا مُحمَّدُ- لهؤلاء المُشرِكينَ: فللَّهِ وَحْدَه الحُجَّةُ القاطِعَةُ الَّتي تُظْهِرُ الحَقَّ، وتقطَعُ العُذْر، وتُبطلُ ظنونكم، فلو شاءَ اللهُ تعالى هِدايَتَكم لوَفَّقَكم أجمعينَ لاتِّباعِ الحَقِّ ولكنَّ حكمتَه تقتضي توفيقَ من اختار الهدى فآمنَ وقَبِل الحقَّ، وخذلان من اختار الكفر عن بينة فجحد واستكبر.

قُلْ هَلُمَّ شُهَدَاءكُمُ الَّذِينَ يَشْهَدُونَ أَنَّ اللّهَ حَرَّمَ هَـذَا فَإِن شَهِدُواْ فَلاَ تَشْهَدْ مَعَهُمْ وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاء الَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا وَالَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ وَهُم بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ (150).

قل -يا مُحمَّدُ- لهؤلاءِ المفْترينَ على ربِّهم: أحْضِروا شُهَداءَكم الَّذين يَشْهَدون أنَّ الله حَرَّمَ عليكم ما حَرَّمتُموه، فإنْ جاؤُوك بِشُهَداءَ؛ فلا تَشْهَدْ معهم؛ لأنَّهم كَذَبةٌ، وشُهودُ زورٍ، ولا تتَّبِعْ أهواءَ هؤلاءِ القَوْمِ الَّذين كذَّبوا بوَحْيِ الله تعالى في التحريمِ، والتحليلِ، وكَفَروا باليومِ الآخِرِ، وهُم مع ذلك يُشْرِكون به.

قُلْ تَعَالَوْاْ أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلاَّ تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَلاَ تَقْتُلُواْ أَوْلاَدَكُم مِّنْ إمْلاَقٍ نَّحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ وَلاَ تَقْرَبُواْ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَلاَ تَقْتُلُواْ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللّهُ إِلاَّ بِالْحَقِّ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (151).

قل -يا مُحمَّدُ- لهؤلاءِ المشركينَ: هلمُّوا لأُخْبِركم ما حَرَّمَ ربُّكم؛ إنه حرَّم الشرك به مطلقا، وأمركم بالإحسان إلى الوالدينِ، وألا تَقْتُلوا أَوْلادَكم ذُكورًا وإناثًا؛ لفَقْرِكم؛ فقد تَكَفَّلَ برِزْقِ الجَميعِ، وأمرهم باجتناب كُلِّ خَصْلةِ سُوءٍ شديدة القُبْحِ، واجتناب وسائِلها، ما كان منها عَلَنًا يراه النَّاسُ، أو مِن غَيرِ اطِّلاعِهم، ولا يقْتُلوا النَّفْسَ الَّتي حَرَّمَ اللهُ قَتْلَها؛ فجَعَلَها معصومةً؛ إلَّا بالطَّريقِ المُوجِبةِ لقَتْلِها شَرْعًا، وتلك الأُمورُ المذكورةُ في الآيَةِ عَهِدَ بها إليكم ربُّكم؛ لتَعْقِلوها وتَقُوموا بها.

وَلاَ تَقْرَبُواْ مَالَ الْيَتِيمِ إِلاَّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَأَوْفُواْ الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ لاَ نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُواْ وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَبِعَهْدِ اللّهِ أَوْفُواْ ذَلِكُمْ وَصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (152).

ولا تَقْرَبوا مالَ اليتيمِ إلَّا بما يكونُ أنفَعَ له؛ فإذا بَلَغَ وآنَسْتُم منه حُسْنَ تَصَرُّفٍ، فادْفَعُوا إليه مالَه، وأَوْفُوا الكَيْلَ والميزانَ بالعَدْلِ، ومَنِ اجتَهَدَ في ذلك، فأخطَأَ أو وَقَعَ منه نقْصٌ بعد بذْلِ جُهْدِه؛ فلا حَرَجَ عليه، وإذا حَكَمْتُم بين النَّاسِ، فقُولوا الحَقَّ بيْنَهم، واعْدِلوا، ولو كان الَّذي يتَوَجَّهُ الحُكْمُ عليه قريبا لكم، وأوفوا بوصيَّةِ اللهِ الَّتي أَوْصاكم بها، بطاعَتِه سُبحانَه فيما أَمَرَكم به، واجتنابِ ما نَهاكم عنه، وهذا الَّذي بيَّنَه اللهُ مِنَ الأَحْكامِ، عَهِدَ به إليكم لتَتَذَكَّروه وتَأْخُذوا به، وتتَذَكَّروا عواقِبَ أَمْرِكم، فتَنْزَجِروا.

وَأَنَّ هَـذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلاَ تَتَّبِعُواْ السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (153) .

وهذا الَّذي وصَّاكم به رَبُّكم -أيُّها النَّاسُ- وأَمَرَكم بالوَفاءِ به، هو طريقُه المُوصِلُ إليه، وإلى جنته؛ جَعَلَه مختَصَرًا لا اعْوِجاجَ فيه؛ فاسْلُكوه، ولا تَتَّبِعوا الطُّرُقَ المخالِفةَ له؛ فتُفَرِّقَكم عن طَريقِه، وقد عَهِدَ بذلك إليكم؛ لتَتَّقُوا اللهُ عزَّ وجلَّ.

ثُمَّ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ تَمَامًا عَلَى الَّذِي أَحْسَنَ وَتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لَعَلَّهُمْ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ (154)

آتَيْنا مُوسى التَّوراةَ كاملةً جامِعةً لما يُحتاجُ إليه في شريعتِه؛ جزاءً على إِحْسانِه في العَمَلِ، وقيامِه بطاعَتِنا، وتمامًا لنِعَمِنا عليه، وتبيينًا لكلِّ ما يحتاجُ قَوْمُه إلى تَفصيلِه مِن دِينِهم، وهدايةً لهم إلى الحق، ورحمةً بهم؛ فلعل قَوْمَه يؤمنون بالبَعْثِ؛ فيَسْتَعِدُّوا لذلك.

وَهَـذَا كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُواْ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (155).

وهذا القرآنُ الَّذي أَنْزَلناه إلى محمَّدٍ فيه الخيرُ الكثيرُ، فمَن اتبعه؛ غَمَرَتْه البَرَكاتُ، فاجْعَلوه إِمامًا تَتَّبِعونَه -أيُّها النَّاسُ-، واتَّقُوا اللهَ تعالى؛ فتَنْجُوا مِن عَذابِه.

أَن تَقُولُواْ إِنَّمَا أُنزِلَ الْكِتَابُ عَلَى طَآئِفَتَيْنِ مِن قَبْلِنَا وَإِن كُنَّا عَن دِرَاسَتِهِمْ لَغَافِلِينَ (156).

أَنْزَلْنا إليكم القرآن -يا كُفَّارَ قُريشٍ- قَطْعًا لعُذْرِكم؛ لِئَلَّا تَقولوا: لم يُنَزَّلْ علينا كتابٌ من الله فَنَتَّبِعَه، وإنَّما الحُجَّةُ على طائِفَتَيِ اليهودِ والنَّصارَى اللَّتَينِ أُنْزِلَ عليهما التَّوراةُ والإنجيلُ، ولا نَعْلَمُ ما يَقْرَؤون، ولم نُؤْمَرْ بما فيهما.

أَوْ تَقُولُواْ لَوْ أَنَّا أُنزِلَ عَلَيْنَا الْكِتَابُ لَكُنَّا أَهْدَى مِنْهُمْ فَقَدْ جَاءكُم بَيِّنَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن كَذَّبَ بِآيَاتِ اللّهِ وَصَدَفَ عَنْهَا سَنَجْزِي الَّذِينَ يَصْدِفُونَ عَنْ آيَاتِنَا سُوءَ الْعَذَابِ بِمَا كَانُواْ يَصْدِفُونَ (157) .

ولئلَّا تَقولوا أيضًا: لو أَنَّا أُنْزِلَ علينا كتابٌ كما أُنْزِلَ على اليَهُودِ والنَّصَارى لَكُنَّا أَشَدَّ منهم استقامَةً على الحَقِّ، فقَدْ جاءَكم كتابٌ مِنَ اللهِ تعالى على لِسانِ مُحمَّدٍ بلِسانٍ عَرَبيٍّ؛ حُجَّةً واضِحَةً عليكم، وهُدًى مِن الضَّلالةِ، ورحمةً لِمَنْ اتَّبَعَه، فمَنْ أَشَدُّ عُدْوانًا مِمَّنْ كذَّبَ بِحُجَجِ اللهِ، وأَعرَضَ عنها، وصرَفَ النَّاسَ عنها؟ سَيُجَازِي اللهُ تعالى من يصدُّون الناس عنها بالعذابَ السَّيِّئَ.

هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ أَن تَأْتِيهُمُ الْمَلآئِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لاَ يَنفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِن قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا قُلِ انتَظِرُواْ إِنَّا مُنتَظِرُونَ (158).

هل ينتَظِرُ هؤلاءِ المُشْركونَ إلَّا أنْ تَأْتِيَهم الملائكةُ فتَقبِضَ أرواحَهم على الكُفرِ، أو أنْ يَأْتِيَهم اللهُ في مَوْقِفِ القِيامةِ؛ للفَصْلِ بيْنَ العِبادِ، أو أنْ تَطلُعَ الشَّمسُ مِن مَغْرِبِها؟ وإذا طَلَعَت كذلك فلا يُقْبَلُ إيمانُ كافِرٍ، لم يَكُنْ مُؤْمِنًا مِن قَبل، ولا تُقْبَلُ توبةٌ مِن عاصٍ، ولا عمَلٌ صالحٌ مِن أحَدٍ لم يكنْ عاملًا به قبلَ طُلوعِها، قلْ -يا محمَّدُ- للمشرِكينَ: انتَظِرُوا وُقوعَ ما سبق، لتَعْلَموا حينَئذٍ المُحِقَّ مِنَ المُبْطِلِ، إنَّا مُنْتَظِرون ذلك.

إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُواْ دِينَهُمْ وَكَانُواْ شِيَعًا لَّسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى اللّهِ ثُمَّ يُنَبِّئُهُم بِمَا كَانُواْ يَفْعَلُونَ (159) .

إنَّ الَّذين اختَلَفوا في دِينِ الله تعالى وفَارَقُوه، أو تَشَتَّتوا فيه؛ فأَصْبَحوا فِرَقًا؛ فأنت بريءٌ منهم -يا محمَّدُ- وممَّا هم فيه، إنَّ أَمْرَهم ومَصِيرَهم إلى اللهِ تعالى وَحْدَه، ثمَّ يُخبِرُهم سُبحانَه بما كانوا يَعْمَلونه في الدُّنيا، ويُجازيهم.

مَن جَاء بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا وَمَن جَاء بِالسَّيِّئَةِ فَلاَ يُجْزَى إِلاَّ مِثْلَهَا وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ (160).

مَنْ وافَى ربَّه يومَ القيامةِ بالخَصْلَةِ الحَسَنةِ، الَّتي كان يَعْمَلُها في الدُّنيا؛ فَلَه مِنَ الثَّوابِ عَشْرُ حَسَناتٍ، ومَنْ وَافى رَبَّه سُبحانَه يَومَ القيامَةِ بالخَصْلةِ السَّيِّئةِ، فجَزاؤُه سَيِّئةٌ واحِدةٌ مِثلُها مِن غيرِ مُضاعَفَتِها، والجميعُ لا يُظْلَمونَ عند الله سبحانه.

قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ دِينًا قِيَمًا مِّلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (161).

قُلْ مُعْلِنًا يا مُحمَّدُ: قد أَنْعَمَ علَيَّ رَبِّي؛ بـأنْ أَرْشَدَني ووَفَّقَني لطريقِ الحق، الَّذي لا اعْوِجاجَ فيه، وهو دينٌ قائمٌ ثابتٌ معتدلٌ، وهو شريعةُ إبراهيمَ المستقيمِ على الحَقِّ، المائِلِ عن الضَّلالةِ، وما كان مِنَ المشركينَ باللهِ.

قُلْ إِنَّ صَلاَتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (162).

قُلْ -يا محمَّدُ-: إنَّ صلاتي، وذَبْحي، وحياتي، ووفاتي، كلُّ ذلك لله خالِقِ العالَمينَ ومَالِكِهم ومُدَبِّرِهم.

لاَ شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَاْ أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ (163).

لا شَريكَ له في شَيءٍ مِن ذلك، وبذلك الإخلاصِ أَمَرَني ربِّي، وأنا عبدٌ مأمورٌ، علَيَّ امتثالُ أَمْرِه، وأنا أوَّلُ المُقِرِّينَ الخاضِعينَ مِن هذه الأُمَّةِ لله سُبحانَه.

قُلْ أَغَيْرَ اللّهِ أَبْغِي رَبًّا وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ وَلاَ تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلاَّ عَلَيْهَا وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى ثُمَّ إِلَى رَبِّكُم مَّرْجِعُكُمْ فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ (164) .

قُلْ -يا مُحمَّدُ- لهؤلاءِ المشرِكينَ: أَسِوَى اللهِ أتَّخِذُ ربًّا، وهو خالِقُ ومالِكُ ومدَبِّرُ كُلِّ شيءٍ؟! وما يكسِبُه المرءُ مِن الآثامِ لا يتعَدَّى منه شيءٌ إلى غيرِه، فلا تَجْني نفْسٌ ذنْبًا إلَّا أُخِذَتْ به هي وحدها، ولا تَحمِلُ نَفْسٌ عن نفْسٍ شيئًا مِن الآثامِ، ثمَّ إلى الله تعالى رجوعُكم -أيُّها النَّاسُ-، فيُخْبِرُكم بالَّذي كُنتم تختلِفونَ فيه.

وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلاَئِفَ الأَرْضِ وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِّيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ الْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ (165).

واللهُ تعالى أهْلَكَ مَن كان قَبْلَكم، وأنشَأَكم مِن بَعْدِهم، تَخْلُفونهم في الأرض، جيلًا بعدَ جيلٍ، وقرنًا بعدَ قَرْنٍ، وجَعَلَ بَعْضَكم فوقَ بعضٍ، في الأرزاقِ والأخلاقِ وغيرِها؛ لِيَخْتَبِرَكم في ذلك؛ فينظُرَ كيف تعملونَ، إنَّ ربَّك -يا مُحمَّدُ- سريعٌ عقابُه لِمَن يستحقُّه، غفورٌ لِمَنْ اتَّبَع الحقَّ، رحيمٌ به سُبحانَه.

الأعراف

المص

تُبيِّنُ هذه الحروفُ المقطَّعةُ، إعجازَ القرآنِ؛ حيثُ تُظهِرُ عجْزَ الخَلقِ عن مُعارَضَتِه بمثلِه، مع أنَّه مركَّبٌ مِن هذه الحروفِ الَّتي يَتحدَّثون بها !

كِتَابٌ أُنْزِلَ إِلَيْكَ فَلَا يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنْهُ لِتُنْذِرَ بِهِ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ

هذا القرآنُ كِتابٌ أنزَلَه اللهُ تعالى إليك -يا محمَّدُ، فلا يَضِقْ صدرُك مِن إبلاغِه، أنزله اللهُ؛ لتخويف الكافِرينَ، وتذكيرِ المُؤمنينَ.

اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلَا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ

اتَّبِعوا -أيُّها النَّاسُ- القُرآنَ الَّذي جاءكم مِن عندِ ربكم، ولا تتَّبعوا شيئًا غيره؛ فتَخرُجوا عن الحَقِّ إلى حُكمِ آخَرينَ تتولَّونَهم، وتتَّبِعون أهواءَهم، إنَّ تَذكُّرَكم قليلٌ لا يُجدي شيئًا.

وَكَمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا فَجَاءَهَا بَأْسُنَا بَيَاتًا أَوْ هُمْ قَائِلُونَ

وكثيرًا ما أهلَكْنا الأُمَم السَّابقة، ممن عَصَوني، وكذَّبوا رُسُلي، فدمَّرنا بعضَهم في بُيوتِهم ليلًا، وجاء العذابُ بعضَهم نهارًا في وقتِ القَيلولةِ، فاحذروا تكذيبَ محمَّدٍ؛ لئلَّا أُنزِلَ بكم مِثلَ ذلك.

فَمَا كَانَ دَعْوَاهُمْ إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا إِلَّا أَنْ قَالُوا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ

فما كان قَولُ أولئك المهلَكين حينَ جاءهم العَذابُ إلَّا أن اعترفوا بظُلمِ أنفُسِهم، ولم يَقدِرُوا على رَدِّ العذابِ عنهم.

فَلَنَسْأَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْأَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ

فلَنَسألَنَّ الأمَمَ الَّذين أرسَلْتُ إليهم رُسُلي سُؤالَ تَوبيخٍ: ماذا عَمِلوا فيما جاءَتْهُم به الرُّسُلُ، هل أطاعوني، أم عَصَوني، ولنَسألَنَّ رسلهم عن تبليغِهم لرِسالاتِ رَبِّهم، وعمَّا أجابَتْهم به أمَمُهم.

فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِمْ بِعِلْمٍ وَمَا كُنَّا غَائِبِينَ

فلَنُخبِرَنَّ العبادَ يومَ القيامةِ عن علمٍ بما قالوا، وبما عَمِلوا في الدُّنيا، وما كنَّا غائبينَ في أيِّ وقتٍ مِنَ الأوقاتِ عنهم، وعن أفعالِهم.

وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ

والوزنُ يومَ القيامةِ لأعمالِ الخَلقِ؛ يكونُ بالعَدلِ، فمَن ثَقُلَت موازينُ عَمَلِه الصَّالِحِ، بأنْ رَجَحَتْ كِفَّةُ حَسَناتِه على سَيِّئاتِه؛ فأولئك هم النَّاجُونَ الفائِزونَ.

وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ بِمَا كَانُوا بِآيَاتِنَا يَظْلِمُونَ

ومَنْ خفَّتْ مَوازينُ أعمالِه الصَّالحةِ، فرَجَحَت سيِّئاتُه؛ فأولئك أضاعوا حَظَّ أنفُسِهم مِن ثَوابِ اللهِ وخَسِرُوها؛ لتكذيبهم بآياتِ اللهِ سُبحانه وتعالى.

وَلَقَدْ مَكَّنَّاكُمْ فِي الْأَرْضِ وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ

ولقد هيَّأْنا لكم الأرضَ -أيُّها النَّاسُ- وأقدَرْناكم عليها، وأبَحْنا لكم منافِعَها، ويسَّرْنا لكم فيها ما تعيشونَ به؛ ممَّا يخرُجُ مِنَ الأشجارِ والنَّباتاتِ، وغيرِها، ومع ذلك فشُكرُكم قليلٌ على تلك النِّعَمِ!

وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ لَمْ يَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ

ولقد خَلَقْنا أباكم آدَمَ، ثمَّ صَوَّرْناه بشَرًا سَوِيًّا، ثمَّ قُلْنا للملائكةِ: اسجُدُوا لآدَمَ؛ إكرامًا له، وإظهارًا لفَضْلِه، فسجَدَوا إلَّا إبليسَ، لم يسجد لآدَمَ؛ تكبُّرًا عليه، وإعجابًا بنَفسِه.

قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ

فقال اللهُ تعالى لإبليسَ: ما منَعك مِن السُّجودِ لآدم، حين أمَرْتُك به؟ قال إبليسُ: منَعَني مِن ذلك أنَّني أفضَلُ منه؛ لأنَّك خَلَقْتَني مِن نارٍ، وخَلَقْتَه مِن طينٍ، والنَّارُ أفضَلُ مِنَ الطِّينِ.

قَالَ فَاهْبِطْ مِنْهَا فَمَا يَكُونُ لَكَ أَنْ تَتَكَبَّرَ فِيهَا فَاخْرُجْ إِنَّكَ مِنَ الصَّاغِرِينَ

قال اللهُ تعالى لإبليسَ: فاهبِطْ مِنَ الجنَّة؛ فليس لك أن تستكبِرَ فيها عن طاعتي، فاخرُجْ، إنَّك مِنَ الذَّلِيلينَ الحَقيرينَ.

قَالَ أَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ

قال إبليسُ: أخِّرْ موتي إلى أن يُبعَثَ الخَلقُ.

قَالَ إِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ

قال اللهُ لإبليسَ: إنَّك مِنَ المؤخَّرينَ.

قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ

قال إبليسُ مُخاطبًا رَبَّه: فبسَبَبِ إغوائك لي، أُقسِمُ بك لألزَمَنَّ الجلوسَ لذُرِّيَّةِ آدَمَ على طريقِ الحَقِّ القَويمِ.

ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ

ثمَّ لآتِينَّ بني آدَمَ مِن جَميعِ الجوانبِ، فأصُدُّهم عن الحَقِّ، وأُحَسِّنُ لهم الباطِلَ، ولا تجِدُ أكثَرَهم شاكرينَ لك.

قَالَ اخْرُجْ مِنْهَا مَذْءُومًا مَدْحُورًا لَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكُمْ أَجْمَعِينَ

قال اللهُ عزَّ وجلَّ لإبليسَ: اخرُجْ مِنَ الجنَّةِ مَذمومًا، مطرودًا مِن رحمةِ اللهِ سبحانه، أُقسِمُ على أنْ أمَلأَ جهنَّمَ ممَّنِ اتَّبَعك مِن بَني آدَمَ ومِن ذُرِّيتِك.

وَيَا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ فَكُلَا مِنْ حَيْثُ شِئْتُمَا وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ

قال اللهُ تعالى لآدَمَ عليه السَّلامُ بعدَ ذلك: اتَّخِذْ أنت وزَوجُك حوَّاءُ الجنَّةَ مَنزِلًا، وكُلَا مِن أيِّ مكانٍ فيها، ومِن جَميعِ ثِمارهِا، ولا تقربا هذه الشَّجَرةِ؛ فتَصِيرا مِمَّنْ ظَلَم نفْسَه بمُخالَفةِ أمرِ رَبِّه.

فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطَانُ لِيُبْدِيَ لَهُمَا مَا وُورِيَ عَنْهُمَا مِنْ سَوْآتِهِمَا وَقَالَ مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إِلَّا أَنْ تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ الْخَالِدِينَ

فألقى إبليسُ لآدَمَ وحوَّاءَ قَولًا ليخدَعَهما به، فيُظهِرَ لهما عَوْراتِهما، فقال لهما كَذِبًا: نهاكُما ربُّكما عن هذه الشَّجَرةِ، لئلا تكونَا ملَكينِ، أو تكونَا مِنَ الخالِدينَ في الجنَّةِ.

وَقَاسَمَهُمَا إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ

وحَلَفَ لهما باللهِ إنِّي ناصِحٌ لكما في الأكلِ مِن ثَمَرِ هذه الشَّجَرةِ الَّتي نهاكما اللهُ عنها.

فَدَلَّاهُمَا بِغُرُورٍ فَلَمَّا ذَاقَا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ وَنَادَاهُمَا رَبُّهُمَا أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَنْ تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ وَأَقُلْ لَكُمَا إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمَا عَدُوٌّ مُبِينٌ

فخَدَعَهما وأطمَعَهما بالقَولِ الباطِلِ، فلمَّا طَعِمَ آدمُ وحوَّاءُ ثَمَرَ الشَّجرةِ، انكشَفَتْ عورتهما، وجَعَلا يشُدَّانِ على جَسَدِهما مِن وَرَقِ الجنَّةِ؛ ليستُرَا عَوْراتِهما، وقال اللهُ لآدَمَ وحوَّاءَ، مُعاتِبًا: ألم أنْهَكما عن تلك الشَّجَرةِ؟ وأُعْلِمْكما أنَّ إبليسَ عدوٌّ بيِّنُ العَداوةِ لكما؟!

قَالَا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ

قال آدَمُ وحوَّاءُ: يا رَبَّنا، أسَأْنا إلى أنفُسِنا، وأضْرَرْنا بها بمَعصِيَتِك، وبِطاعَتِنا عَدُوَّنا وعَدُوَّك، وإن لم تغفْر لنا ذنبَنا، وتَرحَمْنا، لنَكونَنَّ مِنَ الهالكينَ.

قَالَ اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ

قال اللهُ لآدَمَ وحوَّاءَ وإبليسَ: اهبِطوا مِنَ السَّماءِ إلى الأرضِ، بعضُكم لبعضٍ عَدُوٌّ أنتم وذُرِّيَّتُكم، ولَكم في الأرضِ قرارٌ على ظَهْرِها، وبعدَ وَفاتِكم في بَطنِها، ولكم فيها مَتاعٌ تنتفعون به إلى موتكم.

قَالَ فِيهَا تَحْيَوْنَ وَفِيهَا تَمُوتُونَ وَمِنْهَا تُخْرَجُونَ

وقال اللهُ: في الأرضِ تَعيشونَ أيَّامَ حَياتِكم، وتكونُ فيها وفاتُكم، ثمَّ تُخرجون مِن قُبورِكم أحياءً؛ ليُجازِيَكم بأعمالكم.

يَا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآتِكُمْ وَرِيشًا وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ ذَلِكَ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ

يا بني آدَمَ، قد ألبسناكم مِنَ الثِّيابِ، ما يَستُرُ عَوْراتِكم، وما تتزَيَّنونَ به، والتلبُّسُ بتقوى اللهِ؛ خيرٌ لصاحِبِه، وذلك اللِّباسُ والرِّياشُ مِن آياتِ اللهِ الدَّالَّةِ على رَحمَتِه بعبادِه؛ فيعرِفوا عظَمَ نعمةِ اللهِ عليهم، وليعتَبِروا، ويُوحِّدوا الله سبحانه.

يَا بَنِي آدَمَ لَا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ يَنْزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْآتِهِمَا إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لَا تَرَوْنَهُمْ إِنَّا جَعَلْنَا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ

يا بني آدَمَ؛ لا تُمكِّنوا الشَّيطانَ مِن خِداعِكم بتزيينِه المعاصِيَ لكم، كما خدَعَ أباكم آدَمَ وأُمَّكُم حوَّاءَ، فأخرجهما من الجنة، ونزع عنهما ما رزَقَهما اللهُ مِنَ اللِّباسِ؛ لِيَكشِفَ لهما عَوراتهما، إنَّ الشَّيطانَ يَراكم هو وذُرِّيَّتُه، وأنتم لا تَرونَهم، إنَّا سلَّطْنا الشَّياطينَ على الكفَّارِ، فيَزيدونَهم ضلالًا.

وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا قُلْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ

وإذا فعَلَ الكُفَّارُ ما يُستقبَحُ مِنَ الأفعالِ؛ مثل طوافِهم بالكعبة عُراةً، قالوا: وَجَدْنا آباءَنا يفعلونَ هذا، واللهُ أمَرَنا به! فقُلْ -يا محمَّدُ-: إنَّ اللهَ لا يأمُرُ عبادَه بقبائِحِ الأفعالِ، فكيف تَزعمونَ أنَّ اللهَ أمَرَكم بها وليس لديكم برهان على ذلك؟!

قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ

قُل -يا محمَّدُ-: أمَرَ ربي بالعَدلِ في حقوقه وحقوق عباده، وتَوَجَّهوا في صَلاتِكم إلى اللهِ وَحْدَه، في أيِّ مَسجدٍ كُنتم، وادْعُوا اللهَ وَحْدَه لا شريكَ له، كما خَلَقَكم اللهُ أوَّلَ مَرَّةٍ، فأوجدكم بعدَ أنْ كنتم عَدَمًا؛ فكذلك تَعودونَ إليه يومَ القِيامةِ، أحياءً بعدَ مَوتِكم.

فَرِيقًا هَدَى وَفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلَالَةُ إِنَّهُمُ اتَّخَذُوا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ

طائفةً وفَّقَها اللهُ تعالى، ويسَّرَ لها أسبابَ الهِدايةِ، وطائفةً وَجَبتْ عليها الضَّلالةُ، بعدَ أن بَيَّنَ لها الهُدى، فلم تَقبَلْ به، وعَمِلَتْ بأسبابِ الغَوايةِ، وقد اتخذوا الشَّياطينَ أولياء مِن دُونِ اللهِ، فأطاعوهم، ومع ذلك يظُنُّ أولئك الضَّالُّونَ أنَّهم مهتدون!

يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ

يا بني آدَمَ خُذوا زينَتَكم مِنَ اللِّباسِ الحَسَنِ، واستُروا عَوْراتِكم به عندَ جميعِ المساجِدِ، في الصَّلواتِ كُلِّها، وفي الطَّوافِ والاعتكافِ، وغيرِه، وكُلُوا واشرَبُوا مِمَّا أحلَلْتُه، ولا تُفْرِطوا في الأكلِ والشُّربِ، ولا تتَجاوَزوا حُدودَ اللهِ؛ فتُحَرِّموا حلالها، أو تتناوَلوا حرامها، إنَّ اللهَ لا يُحِبُّ المجاوِزينَ أمْرَه، المُستكثرينَ مِنَ الطَّعامِ والشَّرابِ وغيره.

قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ

قُلْ -يا محمد- لجَهَلةِ العَرَبِ الَّذين يتعَرَّونَ عندَ طَوافِهم بالكعبة، ويُحرِّمونَ على أنفُسِهم ما أحلَلْتُ: مَنِ الَّذي حرَّمَ عليكم زينةَ اللهِ الَّتي جعلها لعِبادِه؟ ومَنْ حرَّمَ الطَّيِّباتِ مِن المأكولاتِ والمَشروباتِ وغيرِها، مِمَّا أحَلَّه اللهُ تعالى؟! قُل -يا محمد-: إنَّ الزِّينةَ والطَّيِّباتِ مِنَ الرِّزقِ، خَلَقَها اللهُ في الدُّنيا للَّذين آمَنوا، ويُشارِكُهم فيها الذين كَفَروا، وهي في الآخِرةِ للمُؤمنينَ فقط، كهذا التَّفصيلِ الواضِحِ الَّذي فصَّلْنا لكم به الحلالَ والحَرامَ، وبَيَّنَّا حُرمةَ كَشْفِ العَوْراتِ، وإباحةَ الزِّينةِ والطَّيِّباتِ؛ نُوَضِّحُ في هذا القرآنِ جَميعَ ما يَحتاجُ إلى بيانٍ، للَّذين يَفهَمونَ عن اللهِ آياتِه، ويَنتَفِعونَ بها.

قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ

قُلْ -يا محمد- لهؤلاءِ المُشركينَ: إنَّ ربِّي لم يُحَرِّمْ ما تُحَرِّمونَه، وإنَّما حرَّمَ الذُّنُوبَ الَّتي تناهَتْ في القُبحِ، ما كان منها علانِيَةً، أو في خفاءٍ، وحرَّمَ ربِّي المعاصي المتعلِّقة بالفاعِلِ نفْسِه، وحرَّمَ التَّعدِّي على النَّاسِ، وحرَّمَ ربِّي اتِّخاذَ شَريكٍ في عِبادتِه، دون برهان، وحرَّمَ ربِّي القَولَ عليه بلا عِلمٍ.

وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ

ولكُلِّ أمَّةٍ مُكَذِّبةٍ زمنٌ محدَّدٌ لحلولِ العذابِ، فإذا جاء، هَلَكوا، ولا يتأخَّرونَ عن هذا الوَقتِ ساعةً، ولا يتقدَّمونَ عنه ساعةً.

يَا بَنِي آدَمَ إِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي فَمَنِ اتَّقَى وَأَصْلَحَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ

يا ذريةَ آدَمَ إنْ أتاكُم الَّذين أُرسِلُهم مِن جِنسِكُم البشريِّ، يَتلونَ آياتِ كُتُبي، ويُبَيِّنونَ ما فيها، فمَنِ اتَّقى اللهَ منكم، فتَرَك المُحَرَّماتِ، وعمِلَ الطَّاعاتِ؛ فلا خَوفٌ عليهم من المستقبل، ولا يحزنون على الماضي.

وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْهَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ

والَّذين كذَّبوا منكم بآياتي الَّتي جاءَت بها رُسُلي، واستكبَروا فأعرَضوا عن التَّصديقِ بأخبارِها، والعمَلِ بأحكامِها، أولئك هم أهلُ النَّارِ المُلازِمونَ لها، ماكِثونَ فيها، لا يخرجونَ منها أبدًا

فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ أُولَئِكَ يَنَالُهُمْ نَصِيبُهُمْ مِنَ الْكِتَابِ حَتَّى إِذَا جَاءَتْهُمْ رُسُلُنَا يَتَوَفَّوْنَهُمْ قَالُوا أَيْنَ مَا كُنْتُمْ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالُوا ضَلُّوا عَنَّا وَشَهِدُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُوا كَافِرِينَ

لا أحدَ أشنَعُ ظُلمًا ممَّنِ افتَرَى الكَذِبَ على اللهِ، أو كذَّبَ بآياتِ اللهِ، أولئك يَنالُهم نَصيبُهم المكتوبُ في اللَّوحِ المَحفوظِ؛ مِنَ الأرزاقِ والأعمالِ والآجالِ، إلى أنْ تأتِيَهم الملائكةُ لِقَبضِ أرواحِهم، فإذا جاؤوهم قالوا: أين الَّذين كُنتم تعبدونَهم مع اللهِ؛ فإنَّهم لم يحضُرُوا لِيُنقذِوكم؟ فيقول الكُفَّارُ لهم: ذهَبُوا عنَّا وتركُونَا، فلم ينفَعُونا، فأقرَّ الكُفَّارُ على أنفُسِهم بالكفرِ.

قَالَ ادْخُلُوا فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ فِي النَّارِ كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَعَنَتْ أُخْتَهَا حَتَّى إِذَا ادَّارَكُوا فِيهَا جَمِيعًا قَالَتْ أُخْرَاهُمْ لِأُولَاهُمْ رَبَّنَا هَؤُلَاءِ أَضَلُّونَا فَآتِهِمْ عَذَابًا ضِعْفًا مِنَ النَّارِ قَالَ لِكُلٍّ ضِعْفٌ وَلَكِنْ لَا تَعْلَمُونَ

يقولُ اللهُ يومَ القيامةِ للكافِرينَ: ادخُلوا في زُمرةِ جَماعاتٍ على مثل صِفاتِكم مِن كفَّار الجنِّ والإنسِ الذين مضوا قبلكم، فادخُلوا جميعكم في النَّارِ، وكُلَّما دخلَتِ النَّارَ جماعةٌ منهم، شَتَمَتْ جماعةً أخرى مِن أهلِ دينِها، قد سبَقَتْها في دُخولِ النَّارِ، حتَّى إذا اجتمَعَ فيها الأوَّلونَ والآخِرونَ مِن أهلِ الأديانِ الكافِرةِ، قالت أُخرَاهم دُخولًا النَّارِ -وهم الأتْباعُ- لأُولاهم -وهُمُ القادَةُ المَتبُوعونَ: يا ربَّنا، هؤلاءِ الَّذين أضَلُّونا عن سبيلِكَ، فضاعِفْ لهم العذابَ، فقال اللهُ: لكلٍّ منكم ومنهم زيادةُ عذابٍ، ولكِنَّكم لا تعلمونَ مِقدارَ ما أعَدَّ اللهُ مِنه.

وَقَالَتْ أُولَاهُمْ لِأُخْرَاهُمْ فَمَا كَانَ لَكُمْ عَلَيْنَا مِنْ فَضْلٍ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ

قال المَتبوعونَ للأتْباعِ: لم تكُنْ لَكم مَزِيَّةٌ علينا، تُوجِبُ أن يكونَ عذابُنا أشَدَّ مِن عذابِكم؛ فنحن مُتشارِكونَ في الكُفرِ، وفي استحقاقِ العذابِ، فذُوقوه؛ لكفرْكم ومعاصيكم.

إِنَّ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْهَا لَا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ وَلَا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُجْرِمِينَ

إنَّ الَّذينَ كَذَّبوا بآياتِي، وأعرَضوا عن التَّصْديقِ والعمل بها، لا يَصْعَدُ لهم إلى اللهِ قولٌ ولا عمَلٌ، ولا يُجابُ لهم دُعاءٌ، ولا تُنَزَّلُ إليهم برَكاتٌ ورَحَماتٌ، ولا تُفتَّحُ لأرواحِهم إذا ماتوا أبوابُ السَّماءِ، ولا يَدخُلون الجَنَّةَ أبَدًا، كما لا يَدخُلُ البَعيرُ في ثَقْبِ الإبرةِ، كذلك يُعاقِبُ اللهُ كل من كَذَّب بآياتِه، واستَكْبَر عنها.

لَهُمْ مِنْ جَهَنَّمَ مِهَادٌ وَمِنْ فَوْقِهِمْ غَوَاشٍ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ

لهم فِراشٌ مِنَ النَّارِ تَحْتهم، وغِطاءٌ مِن النَّارِ يَغْشاهُم فوقهم، وكذلك يجزي اللهُ تعالى كلَّ ظالمٍ.

وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ

والَّذين آمنوا بالحق، وعَمِلوا الصالحات -ونحنُ لا نُكلِّفُ أحَدًا شيئًا إلَّا ما يَقدِرُ عليه- هُم أهلُ الجنَّةِ، ماكِثونَ فيها أبدًا.

وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهَارُ وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلَا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ لَقَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ وَنُودُوا أَنْ تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ

وقَلَعْنا مِن صُدورِ أَهْلِ الجنَّةِ الأَحْقادَ والبَغْضاءَ ونحو ذلك مما كان بَيْنَهم في الدُّنيا، تَجري أنهارُ الجنَّةِ مِن تَحتِ بَساتينِهم وقُصورِهم، وقالوا حينَ أُدخِلوا الجنَّةَ: الحَمْدُ للهِ الَّذي وفَّقَنا للإيمانِ والعمَلِ الصَّالحِ الَّذي أكسَبَنا هذا النَّعيمَ، وما كُنَّا لِنُوفَّقَ لذلك إلا بتوفيق الله، لقَد جاءَتْنا في الدُّنيا رُسلُ ربِّنا بالحَقِّ ومن ذلك الوعد بالجنة، ويُقالُ لهم: تلكم الجنَّةُ أُوتيتُموها مِيراثًا مِنَ الكُفَّارِ؛ لإيمانِكُم وطاعَتِكم، فنِلْتُم بذلك رَحمةَ اللهِ فأدخَلَكموها، وأسكنكم مَنازِلَ الكُفَّارِ الَّتي كانَت مِن نَصيبِهم لو آمَنوا وعَمِلوا الصَّالِحاتِ.

وَنَادَى أَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابَ النَّارِ أَنْ قَدْ وَجَدْنَا مَا وَعَدَنَا رَبُّنَا حَقًّا فَهَلْ وَجَدْتُمْ مَا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا قَالُوا نَعَمْ فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ أَنْ لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ

ونادى أهلُ الجنَّةِ أهلَ النَّارِ -بعدَ استِقْرارِ كُلٍّ مِنهم في مَنازِلِهم-: يا أهلَ النَّارِ، قد وَجَدْنا ما وعَدَنا ربُّنا على ألسِنَةِ رُسلِه مِنَ الثَّوابِ على الإيمانِ والعمَلِ الصَّالحِ حقًّا، فهَل وجَدتُم ما وعَدَكم ربُّكم مِنَ العَذابِ على الكُفرِ والمَعاصي حقًّا؟ قالوا: نعَم، فنادى مُنادٍ، بصَوتٍ عالٍ بينَ أهلِ النَّارِ وأهلِ الجنَّةِ قائلًا: لَعنةُ اللهِ مُستقِرَّةٌ على الظالمين.

الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا وَهُمْ بِالْآخِرَةِ كَافِرُونَ

أولئك الظالمون هم الَّذين كانوا في الدُّنيا يُعرِضون عن الإسلامِ، ويَمنَعون النَّاسَ مِن اتِّباعِه، ويسعون لإظهارَ طريق الحق أعوَجَ؛ حتَّى لا يَتَّبعَه أحَدٌ، وهُم بالآخرةِ جاحِدونَ مُكَذِّبون.

وَبَيْنَهُمَا حِجَابٌ وَعَلَى الْأَعْرَافِ رِجَالٌ يَعْرِفُونَ كُلًّا بِسِيمَاهُمْ وَنَادَوْا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ أَنْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ لَمْ يَدْخُلُوهَا وَهُمْ يَطْمَعُونَ

وبينَ الجنَّةِ والنَّارِ حاجزٌ يمنَعُ مِن وُصولِ أهلِ النَّارِ إلى الجنَّةِ، وعليه رِجالٌ استَوَتْ حسَناتُهم معَ سيِّئاتِهم، وهم يَعرِفون أهلَ الجنَّةِ ببَياضِ وحُسنِ وُجوهِهم، ويَعرِفون أهلَ النَّارِ بسَوادِ وقُبحِ وُجوهِهم، ونادَوا أهلَ الجنَّةِ بالتَّحيَّةِ؛ وهي دعاء بالسلامة مِن الآفاتِ. وأهلُ الأعرافِ لم يَدْخلوا الجنَّةَ بَعدُ، لكنَّهم يَطمَعونَ في دُخولِها.

وَإِذَا صُرِفَتْ أَبْصَارُهُمْ تِلْقَاءَ أَصْحَابِ النَّارِ قَالُوا رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ

وإذا صَرَف اللهُ عُيونَ أصحابِ الأعرافِ إلى جِهةِ أصحابِ النَّارِ، فأبصَروا عذابهم، دعَوُا اللهَ: يا ربَّنا، لا تَجعَلْنا معَ هؤلاء الظالمين.

وَنَادَى أَصْحَابُ الْأَعْرَافِ رِجَالًا يَعْرِفُونَهُمْ بِسِيمَاهُمْ قَالُوا مَا أَغْنَى عَنْكُمْ جَمْعُكُمْ وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ

ونادى أصحابُ الأعرافِ رِجالًا مِن رُؤَساءِ الكُفَّارِ والمُشرِكِينَ -عرَفوهم في الدُّنيا بأعيانِهم، ويَعرِفونَهم في النَّارِ بعَلاماتِ أهلِها-، فقالوا: ماذا نفَعَكم ما كُنتُم تَجمَعونَه في الدُّنيا مِنَ الأموالِ وغيرها، واستِكْبارُكم على الخَلْقِ، وتَكبُّرُكم عن الحَقِّ؟

أَهَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَقْسَمْتُمْ لَا يَنَالُهُمُ اللَّهُ بِرَحْمَةٍ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ لَا خَوْفٌ عَلَيْكُمْ وَلَا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ

يَقولُ أهلُ الأَعْرافِ لأُولئكَ الكُفَّارِ: أهَؤلاءِ الضُّعَفاءُ الَّذين أدخَلَهمُ اللهُ الجنَّةَ همُ الَّذين أقسَمْتُم في الدُّنيا على أنَّ اللهَ لن يَعْبأَ بهم فيُدخِلَهُم جَنَّتَه؟! ثم يُقالُ لأهلِ الأعرافِ: ادخُلوا الجنَّةَ، لا خَوفٌ عَليكُم مِن آتٍ، ولا أنتُم تَحْزَنون على ما فاتَ.

وَنَادَى أَصْحَابُ النَّارِ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ أَنْ أَفِيضُوا عَلَيْنَا مِنَ الْمَاءِ أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَهُمَا عَلَى الْكَافِرِينَ

ونادَى أهلُ النَّارِ أهلَ الجَنَّةِ، مُستَغِيثينَ بهم ممَّا أصابَهم مِن شدَّةِ الجوعِ والعطَشِ، فقالوا: يا أهْلَ الجنَّةِ صُبُّوا علينا مِنَ الماءِ أو ممَّا رَزَقَكمُ اللهُ مِن مآكِلِ الجنَّةِ، فيقول أهْلُ الجَنَّةِ لهم: إنَّ اللَّهَ حكَمَ بمَنْعِ ذلك مِن الكافِرينَ.

الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَهْوًا وَلَعِبًا وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا فَالْيَوْمَ نَنْسَاهُمْ كَمَا نَسُوا لِقَاءَ يَوْمِهِمْ هَذَا وَمَا كَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ

أولئك الكافرون هم الَّذينَ اتَّخَذوا دينَهم الَّذي دُعُوا إليه، سُخْرِيَةً ولَعِبًا، فاسْتَهْزَؤوا به، وخَدَعَتْهمُ الدُّنيا بزِينَتِها، وأعرَضوا عن الآخِرةِ، يَقولُ اللهُ تعالى يَومَ القِيامةِ: في هذا اليَومِ نَترُكُ أولئك الكُفَّارَ في جهَنَّمَ عِطاشًا جِياعًا، كما ترَكوا الإيمانَ والعمَلَ الصَّالحَ في الدُّنيا، وجَحَدوا بآياتِنا.

وَلَقَدْ جِئْنَاهُمْ بِكِتَابٍ فَصَّلْنَاهُ عَلَى عِلْمٍ هُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ

وأُقسِمُ أننا أَتَيْنا بالقُرآنِ إلى أولئك الكفَّارَ وقد بَيَّنَّا فيه جَمِيعَ ما يَحتاجُ النَّاسُ إلى بَيانِه، على علمٍ منَّا بذلك، وقد جعله اللهُ تعالى هدًى للحقِّ ورحمةً في الدُّنيا والآخِرةِ للمؤمنين به المتَّبعين له.

هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا تَأْوِيلَهُ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ فَهَلْ لَنَا مِنْ شُفَعَاءَ فَيَشْفَعُوا لَنَا أَوْ نُرَدُّ فَنَعْمَلَ غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ قَدْ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ

هل يَنتَظِرُ الكُفَّارُ إلَّا وُقوعَ ما أخبَرَ به القُرآنُ؛ مِن مجيء يوم البَعثِ، والحِسابِ، والجزاء؟ وحينَ يَجِيءُ ذلك اليوم، يَقولُ الَّذين تَرَكوا العمَلَ بالقرآن نادمين: قد تبيَّن لنا الآنَ أنَّ رُسُلَ رَبِّنا صادِقونَ في دَعْواهم، فكَذَّبْناهم، فهل لنا مِن شُفَعاءَ فيُنقِذونا؟ أو هل يمكننا الرجوعُ إلى الدُّنيا فنَعْمَلَ صالِحًا؟ قد أضاعَ الكفَّارُ حَظَّ أنفُسِهم مِنَ الثَّوابِ، وأهلَكوها بالعَذابِ، وغابَ عنهم الَّذين اتخذوهم شُرَكاءُ لِلَّهِ أو آلِهةٌ لهم مِن دونِ اللَّهِ فلمْ ينفعوهم بشيءٍ.

إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ

إنَّ ربَّكم -أيُّها النَّاسُ- هو الَّذي خلَق السَّمواتِ والأرضَ في سِتَّةِ أيَّامٍ، ثمَّ علا على العَرشِ عُلوًّا يليقُ بجلالِه. يُغطِّي اللهُ تعالى بظُلمةِ اللَّيلِ ضَوءَ النَّهارِ، ويُغَطِّي بضَوءِ النَّهارِ ظُلمةَ اللَّيلِ، وكلٌّ منهما يَطلُبُ الآخَرَ طَلبًا سريعًا، وخلَقَ اللهُ عزَّ وجلَّ الشَّمسَ والقَمرَ والنُّجومَ مُذَلَّلاتٍ بأمرِه، فلله تعالى وحْدَه صِفةُ الخَلق، وله وحْدَه الأمرُ، فيأمُرُ بما يشاءُ، عظُمَ المعبودُ سُبحانَه وتعالى، وكَثُرَت برَكاتُه وخَيراتُه، هو الخالِقُ المالِكُ، المُدَبِّرُ لجَميعِ خَلقِه.

ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ

ادْعُوا -أيُّها النَّاسُ -ربكم وَحْدَه، أذِلَّاءَ خاضِعينَ، مُخفِينَ دُعاءَكم فيما بيْنَكم وبيْنَه، إنَّ ربَّكم لا يُحِبُّ المُتجاوِزينَ لحدوده، في الدُّعاءِ وغَيرِه.

وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ

ولا تُفسِدوا في الأرضِ بالشِّركِ والمعاصي، وغيرِ ذلك، بعدَ أن أصلَحَ اللهُ تعالى الأرضَ، وادعُوا اللهَ عزَّ وجلَّ، مُخلِصينَ له، وأنتم في حالِ خَوفٍ مِن غضَبِه وعِقابِه، وطَمَعٍ في رضاه وثَوابِه، إنَّ رحمةَ اللهِ في الدُّنيا والآخِرةِ مرجُوَّةٌ للمُحسِنينَ في عبادةِ اللهِ، المُحسِنينَ إلى عِبادِ اللهِ.

وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ حَتَّى إِذَا أَقَلَّتْ سَحَابًا ثِقَالًا سُقْنَاهُ لِبَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَنْزَلْنَا بِهِ الْمَاءَ فَأَخْرَجْنَا بِهِ مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ كَذَلِكَ نُخْرِجُ الْمَوْتَى لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ

واللهُ هو الَّذي يُرسِلُ الرِّياحَ مُبَشِّراتٍ بنُزُولِ المَطَرِ، حتَّى إذا حمَلَتْ سَحابًا مثقلًا بالمياهِ؛ سُقْنا السَّحابَ إلى أرضٍ مُجدِبةٍ، لا نباتَ فيها، فأنزَلْنا فيها ذلك الماءَ، فأخرَجْنا بسبَبِه كُلَّ أنواعِ الثَّمَراتِ، وكما أحيَيْنا البلَدَ المَيِّتَ بالماءِ، فأخرَجْنا به الثَّمَراتِ؛ كذلك نُخرِجُ المَوتى مِن قُبورِهم أحياءً؛ ولعلَّكم بما بَيَّنَّاه لكم تتذكرون الحقَّ وتتَّبعونه.

وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَالَّذِي خَبُثَ لَا يَخْرُجُ إِلَّا نَكِدًا كَذَلِكَ نُصَرِّفُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَشْكُرُونَ

والأرضُ الطَّيِّبةُ التُّربةِ، يَخرُجُ نَباتُها -إذا أنزَلَ اللهُ المطَرَ- سريعًا حَسنًا طَيِّبًا، بإذن اللهِ، والأرضُ الرَّديئةُ التُّربةِ، يخرُجُ نَباتُها -إذا أنزَلَ اللهُ المَطَرَ- خُروجًا عَسِرًا بَطيئًا، لا نفع فيه، وكما نوَّعْنا الآياتِ الدَّالَّةَ على بطلان الشِّركِ، وإثباتِ ألوهية اللهِ تعالى، وعظيمِ قُدرَتِه على البَعثِ، وغيره، ننوِّعُ أيضًا الآياتِ في كُلِّ ما يُحتاجُ إليه، فنأتي بها في أساليبَ مُختلِفةٍ، لقومٍ يَشكرونَ اللهَ تعالى على نِعَمِه، فهم المنتفعون بتلك الآياتِ.

لَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَقَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ

أُقسِمُ أنَّنا بَعَثْنا نوحًا إلى قَومِه المُشركينَ، فقال لهم: يا قومِ اعبُدُوا اللهَ وحْدَه؛ فلا يَستحِقُّ العبادةَ غَيرُه، إنِّي أخافُ عليكم -إنْ بقيتُم على ضلالِكم عذابَ يومِ عظيمٍ؛ وهو يوم القيامة.

قَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِهِ إِنَّا لَنَرَاكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ

قال الأشرافُ والرُّؤساءُ المُتكَبِّرونَ عن الحَقِّ مِن قَومِ نُوحٍ، حينَ دعاهم إلى إفرادِ اللهِ بالعِبادةِ: إنَّا لَنَعتقِدُ أنَّك في خطأٍ، وذَهابٍ عن الحَقِّ بيِّنٍ وواضحٍ.

قَالَ يَا قَوْمِ لَيْسَ بِي ضَلَالَةٌ وَلَكِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ

قال نوحٌ لِقَومِه: يا قومِ، لستُ في حَيدةٍ عن طَريقِ الحَقِّ، ولكنِّي مُرسَلٌ إليكم مِنَ الَّذي خلَقَ كُلَّ شَيءٍ، وهو مالِكُه ومُدَبِّرُ شُؤونِه.

أُبَلِّغُكُمْ رِسَالَاتِ رَبِّي وَأَنْصَحُ لَكُمْ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ

وظيفَتي أن أُوصِلَ إليكم رسالةَ ربي، وهي أمْرُكم بتوحيدِه، ونَهيُكم عن الشِّركِ به، ودَعْوَتُكم لِطاعَتِه، مبتغيا لكم بذلك الخَيرَ في الدُّنيا والآخِرةِ، وأعلَمُ بما أَوْحى اللهُ إلَيَّ؛ مِن أسمائِه وصِفاتِه وأفعالِه، كمَغفِرَتِه للتَّائبينَ، وشِدَّةِ بأسِه على المُشركينَ، وعَدَمِ تأخيرِ عذابِه عنهم إذا جاءَ، وغيرِ ذلك ما لا تعلَمُونَه.

أَوَعَجِبْتُمْ أَنْ جَاءَكُمْ ذِكْرٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَلَى رَجُلٍ مِنْكُمْ لِيُنْذِرَكُمْ وَلِتَتَّقُوا وَلَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ

هل تعَجَّبتُم مُستبعِدينَ أن يَجِيئَكم تذكيرٌ مِنَ اللهِ، عبْر رجُلٍ مِنَ البَشَرِ، تعرفونَ نَسَبَه وصِدقَه؟! أرسله ليُخَوِّفَكم عِقابَه على كُفرِكم، ولتَجعَلوا بيْنَكم وبينَ سخطه وعِقابِه حاجزًا؛ بتوحيدِه، وطاعته، ولعل الله يرحَمكم إن فعلتم ذلك.

فَكَذَّبُوهُ فَأَنْجَيْنَاهُ وَالَّذِينَ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ وَأَغْرَقْنَا الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا عَمِينَ

فتمادى قومُ نُوحٍ في تكذيبِ رَسُولِهم، فأنجَيْناه والَّذينَ حَمَلَهم معه في السَّفينةِ مِنَ المُؤمنينَ، ومِن كُلِّ ذَكَرٍ وأنثى مِن أصنافِ الحَيَواناتِ، وأغرَقْنا بالطُّوفانِ جَميعَ الكُفَّارِ الَّذين كذَّبوا بآياتِنا، إنَّهم قد عَمُوا عن الحَقِّ، فلم يُبصِروه بقُلوبِهم، ولم يَهْتدوا له

وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا قَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ أَفَلَا تَتَّقُونَ

وأرسَلْنا إلى قبيلةِ عادٍ أخاهم في النَّسَبِ هُودًا؛ لِيَدعُوَهم إلى الحق، فقال لهم: يا قومِ، اعبُدُوا اللهَ وحْدَه، ليس لكم معبودٌ يستحِقُّ العبادةَ غيرُه، أفلا تتَّقونَ سخط الله وعقابه إن أقمتُم على شرككم؟

قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ إِنَّا لَنَرَاكَ فِي سَفَاهَةٍ وَإِنَّا لَنَظُنُّكَ مِنَ الْكَاذِبِينَ

قال الأشرافُ والرُّؤساءُ، المُتكَبِّرونَ عن الحَقِّ مِن قَومِ هُودٍ: إنَّا لَنعتقِدُ أنَّك في حُمقٍ وخِفَّةِ عَقلٍ؛ حيثُ تَدْعونا إلى عبادةِ اللهِ وحْدَه، وتركِ ما كان يعبُدُ آباؤُنا، وإنَّا لَنظُنُّ أنَّك مِنَ الكاذِبينَ في ذلك.

قَالَ يَا قَوْمِ لَيْسَ بِي سَفَاهَةٌ وَلَكِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ

قال هودٌ: يا قومِ، ليس بي حُمقٌ ولا خِفَّةُ عَقلٍ، حينَ دعوتُكم إلى التوحيدِ ونبذِ الشركِ، ولكِنِّي مُرسَلٌ إليكم مِنَ الله الخالق المالِك المُدَبِّر كلَّ شيء.

أُبَلِّغُكُمْ رِسَالَاتِ رَبِّي وَأَنَا لَكُمْ نَاصِحٌ أَمِينٌ

وظيفتي أنْ أُوصِلَ إليكم رسالة الله، وهي أمْرُكم بتَوحيدِه، ونَهيُكم عن الشِّركِ به، ودَعْوَتُكم لطاعَتِه، وأنا أبغِي لكم بذلك الخيرَ في الدُّنيا والآخرةِ، فلا أغُشُّكم، أمينٌ أُبلِّغُ رسالة الله لكم كما أُمِرْتُ.

أَوَعَجِبْتُمْ أَنْ جَاءَكُمْ ذِكْرٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَلَى رَجُلٍ مِنْكُمْ لِيُنْذِرَكُمْ وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِنْ بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ وَزَادَكُمْ فِي الْخَلْقِ بَسْطَةً فَاذْكُرُوا آلَاءَ اللَّهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ

هل تعجَّبتُم مُستبعِدينَ أن يَجِيئَكم تذكيرٌ مِنَ اللهِ، عبْر رجُلٍ مِنَ البَشَرِ، تَعرِفونَ نَسَبَه وصِدقَه؛ ليُخَوِّفَكم عِقابَ اللهِ على كُفرِكم؟ واذكُروا نعمةَ اللهِ بأن استخلفكم في الأرضِ مِن بعدِ هَلاكِ قوم نوح، وقد خَصَّكم على النَّاسِ؛ بزيادةِ الطُّولِ، وقُوَّة الأبدانِ، فاذكُروا نِعَمَ اللهِ الكثيرةَ، واشكُروه؛ بطاعَتِه وعبادَتِه وَحْدَه؛ لعلكم تنالون النجاة والفوز.

قَالُوا أَجِئْتَنَا لِنَعْبُدَ اللَّهَ وَحْدَهُ وَنَذَرَ مَا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُنَا فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ

قالتْ عادٌ لهود: أجِئتَنا كي نَعبُدَ اللهَ وحْدَه، ونترُكَ ما كان يعبُدُ آباؤُنا؟! لن نفعل ذلك، فهاتِ ما تعِدُنا به مِنَ العَذابِ، إن كنتَ صادقا في دعواك.

قَالَ قَدْ وَقَعَ عَلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ رِجْسٌ وَغَضَبٌ أَتُجَادِلُونَنِي فِي أَسْمَاءٍ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا نَزَّلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ فَانْتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ

قال هودٌ لِقَومِه: قد استوجبتم عذاب الله وغضبه فهو واقع بكم لا محالة، أتُخاصِمُونَني في هذه الأصنامِ الَّتي سَمَّيتُموها أنتم وآباؤُكم آلهةً، وهي مُجَرَّدُ أسماءٍ اختَلَقْتُموها، ولا حقيقةَ لها، ولم يجعَلِ اللهُ لكم حُجَّةً على عِبادَتِها؟! فانتَظِروا مُتَرَقِّبينَ وُقوعَ عذابِ اللهِ الَّذي وعَدْتُكم به، إنِّي أترَقَّبُ معكم ذلك.

فَأَنْجَيْنَاهُ وَالَّذِينَ مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَقَطَعْنَا دَابِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَمَا كَانُوا مُؤْمِنِينَ

فأنجَينا هُودًا والمؤمنينَ معه بِسَبَبِ رَحْمَتِنا لهم، واستَأصَلْنا بالعَذابِ الشَّديدِ المُكَذِّبينَ بآياتِنا مِن قَومِ هُودٍ، فلم نُبْقِ منهم أحدًا، وما كانوا مُؤمنينَ باللهِ، وبرسوله هود عليه الصلاةُ والسَّلامُ.

وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ قَدْ جَاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ هَذِهِ نَاقَةُ اللَّهِ لَكُمْ آيَةً فَذَرُوهَا تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللَّهِ وَلَا تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ

وأرسَلْنا إلى قبيلةِ ثَمودَ أخاهم في النَّسَبِ صالحًا؛ لِيَدْعُوَهم إلى الحق، فقال: يا قَومِ اعبُدُوا اللهَ وَحْدَه، ليس لكم معبودٌ يَستحِقُّ العبادةَ غَيرُه، وقد جاءَتْكم حُجَّةٌ واضِحَةٌ مِن ربكم، على صِدْقِ دعواي، وهي هذه النَّاقةُ الشَّريفةُ، جعَلَها اللهُ تعالى آيةً عظيمةً، مُقنِعةً لكم، فاتْرُكوها تَرعَى في أرضِ اللهِ، ولا تتعَرَّضوا لها بأيِّ أذًى؛ وإلَّا جاءكم عذابٌ مُؤلِمٌ.

وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِنْ بَعْدِ عَادٍ وَبَوَّأَكُمْ فِي الْأَرْضِ تَتَّخِذُونَ مِنْ سُهُولِهَا قُصُورًا وَتَنْحِتُونَ الْجِبَالَ بُيُوتًا فَاذْكُرُوا آلَاءَ اللَّهِ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ

واذكُروا نِعمةَ اللهِ عليكم؛ حيث استخلفكم في الأرضِ بَعدِ هلاكِ عاد، وأسكَنَكم في أرضِ الحِجْرِ -بيْنَ الحِجازِ والشَّامِ- تَبنُونَ القُصُورَ في الأماكِنِ المُستَوِيةِ المُنخَفِضةِ منها، وتأخُذونَ مِن آجُرِّها وطِينِها، وتُؤَسِّسُونَها بالحِجارةِ، وتَنْقُبونَ صُخورَ الجبالِ، فتكونُ لكم فيها مساكِنُ أخرى، فاذْكُروا نِعَمَ اللهِ عليكم، واشكُرُوا اللهَ عليها؛ بطاعَتِه وعِبادَتِه وَحْدَه، ولا تُفسِدُوا في الأرضِ، بالشِّركِ والمعاصي.

قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِمَنْ آمَنَ مِنْهُمْ أَتَعْلَمُونَ أَنَّ صَالِحًا مُرْسَلٌ مِنْ رَبِّهِ قَالُوا إِنَّا بِمَا أُرْسِلَ بِهِ مُؤْمِنُونَ

قال الأشرافُ والرُّؤَساءُ، المُتَكَبِّرونَ عن الحَقِّ مِن قَومِ صالحٍ، للمُستَضعَفينَ المؤمنينَ به: أتَعْلَمونَ يَقينًا أنَّ صالحًا رسولٌ مِنَ اللهِ إلينا؟ فأجابهم المؤمنون: إنَّا بما أرسَلَ اللهُ به صالحًا مِنَ الحَقِّ، مُؤمنونَ.

قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا بِالَّذِي آمَنْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ

قال المُتَكَبِّرونَ مِن قَومِ صالحٍ: إنَّا بالَّذي آمَنْتُم به مِنَ الحَقِّ، جاحِدونَ.

فَعَقَرُوا النَّاقَةَ وَعَتَوْا عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ وَقَالُوا يَا صَالِحُ ائْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ

فقَتَلَ كفارُ ثمودَ النَّاقةَ، وتَمَرَّدوا على امتثالِ أمرِ رَبِّهم، وغَلَوْا في باطِلِهم، وقالوا: يا صالِحُ، ها نحنُ قد قتَلْنا ناقةَ اللهِ، فعجِّلْ لنا بما تَعِدُنا مِن عَذابِ اللهِ، إن كُنتَ حقًّا مِن رُسُلِ الله.

فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ

فأخَذَتْهم الصَّيحةُ، الَّتي تزلزَلَتِ الأرضُ مِن شِدَّتِها، فصاروا في بَلدَتِهم صَرْعَى، لاصِقينَ بالأرضِ.

فَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَا قَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسَالَةَ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ وَلَكِنْ لَا تُحِبُّونَ النَّاصِحِينَ

فانصَرَفَ صالحٌ عن قَومِه بعدَ هلاكهم، وقال موبخًا لهم: لقد أدَّيْتُ إليكم جميعَ ما أمَرَني اللهُ تعالى بأدائِه، وأَرَدْتُ لكم الخيرَ، واجتَهَدْتُ في هِدايَتِكم، ولكِنَّكم تَكرَهونَ النَّاصِحينَ؛ فلم تنتَفِعوا بنُصحي.

وَلُوطًا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعَالَمِينَ

واذكرْ -يا محمَّدُ- لوطًا حينَ قال لِقَومِه: أتَفْعلونَ الفِعلةَ الشَّنيعةَ الشديدةَ القبحِ، وهي إتيانُ الذُّكورِ في الأدبارِ ولم يفعل ذلك أحدٌ مِنَ البَشَرِ قَبلَكُم؟

إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ شَهْوَةً مِنْ دُونِ النِّسَاءِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ

إنَّكم -أيُّها القومُ- تأتُونَ الرِّجالَ في أدبارِهم؛ رغبةً منكم، وتَتْرُكونَ إتيانَ النِّساء! ولا عذرَ لكُم في ذلك، إنَّما أنتُم قومٌ تتَعَدون حدودَ الله تعالى.

وَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قَالُوا أَخْرِجُوهُمْ مِنْ قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ

وما كان رَدَّ قَومِ لُوطٍ حينَ نَهاهم عن تلك الفاحِشةِ؛ سِوَى أنْ قال بعضُهم لِبعضٍ: أخرِجوا لوطًا وأهْلَه مِن قَريَتِكم؛ لأنَّهم يتنزَّهونَ عَمَّا نفعَلُه!

فَأَنْجَيْنَاهُ وَأَهْلَهُ إِلَّا امْرَأَتَهُ كَانَتْ مِنَ الْغَابِرِينَ

فأنجَينا لُوطًا عليه السَّلامُ وأهْلَه المؤمنينَ به، إلَّا زوجَتَه الكافرةَ؛ كانت مِنَ البَاقينَ في العذابِ.

وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ مَطَرًا فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ

وأمطَرْنا على كُفَّارِ قَومِ لُوطٍ حجارةً، مِن طينٍ شديدِ الحرارةِ، فانظُرْ -يا محمَّدُ- إلى آخِرِ أمْرِ أولئكَ المُجرمينَ، أخْزَاهم اللهُ تعالى، وأهْلَكَهم.

وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ قَدْ جَاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ فَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ

وأَرْسَلْنا إلى قبيلةِ مَدْينَ أخاهم في النَّسَبِ شُعيبًا؛ لِيَدْعُوَهم إلى الحق، فقال لهم: يا قَومِ، اعبُدوا اللهَ وَحْدَه؛ ليس لكم معبودٌ يستحِقُّ العبادةَ غَيرُه، قد جاءَتْكم حُجَّةٌ واضِحةٌ مِن ربكم، على صِدْقِ دعواي، فأتِمُّوا للنَّاسِ كَيلِ المِكيالِ، ووَزنِ المِيزانِ، ولا تُفسِدوا في الأرضِ بالشِّركِ والمعاصي وظُلْمِ النَّاسِ، بعد أنْ أصلَحَها اللهُ تعالى، إنَّ هذا الَّذي أمَرْتُكم به أنفَعُ لكم، إنْ كُنتُم مُؤمنينَ حقًّا.

وَلَا تَقْعُدُوا بِكُلِّ صِرَاطٍ تُوعِدُونَ وَتَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِهِ وَتَبْغُونَهَا عِوَجًا وَاذْكُرُوا إِذْ كُنْتُمْ قَلِيلًا فَكَثَّرَكُمْ وَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ

ولا تَجلِسوا بكُلِّ طَريقٍ تُهَدِّدونَ النَّاسَ بالقَتلِ أو العذابِ، إن لم يُعطُوكم أموالَهم، أو إن أرادُوا الإيمانَ باللهِ واتِّباعَ شُعَيبٍ، تَمنعونَ عن طاعةِ اللهِ مَنْ آمَنَ به، وتَصرِفُونَهم عنِ اتِّباعِ نَبيِّه، وتَوَدُّونَ أن تكونَ سبيلُ اللهِ معوجَّةً؛ اتِّباعًا لأهوائِكم، واذكُرُوا حينَ كُنتُم قليلي العَدَد، فكثَّركم اللهُ، فاشكُروه وأخْلِصُوا له العبادةَ، وانظُروا إلى آخِرِ أمْرِ الَّذين أفسَدوا في الأرضِ، مِنَ الأُمَمِ قَبلَكم؛ فقد حَلَّ بهم العذابُ.

وَإِنْ كَانَ طَائِفَةٌ مِنْكُمْ آمَنُوا بِالَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ وَطَائِفَةٌ لَمْ يُؤْمِنُوا فَاصْبِرُوا حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ بَيْنَنَا وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ

وإن كانتْ جماعةٌ مِنكم آمَنوا بما أرسَلَني اللهُ به؛ مِن توحيده، وتَرْكِ الفَسادِ في أرضِه، وجماعةٌ أخرى لم يُؤمِنُوا بذلك- فانتَظِروا إذنْ حُكمَ اللهِ بيْنَنا، واللهُ خَيرُ مَن يَحكُمُ بين عِبادِه المُختَلِفينَ.