التفسير المحرر

التفسير المحرر

لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُدَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ (78).

اللغة: العربية
إعداد:
الإصدار: 1.0
ترجمات 1
إنجليزي
المرفقات 7
PDF
Audio
Video
+3

لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُدَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ (78).

إنَّ اللهَ تعالى قد طَرَدَ كُفَّارَ بني إسرائيلَ من رَحمتِه بدَعوةِ داودَ وعِيسى عليهم بذلِك، وذلِك اللَّعنُ قدْ وقَع عليهم لعِصيانهم للهِ تعالى، وظُلمِهم لعبادِه.

كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ (79).

كان لا يَنهى بعضُهم بعضًا عن رُكوبِ المعاصِي، وبِئسَ هذا الذي كانوا يَفعلونَه!

تَرَى كَثِيرًا مِنْهُمْ يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَبِئْسَ مَا قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنْفُسُهُمْ أَنْ سَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَفِي الْعَذَابِ هُمْ خَالِدُونَ (80).

ترَى -يا مُحمَّدُ- كثيرًا مِن بني إسرائيلَ يتَّخذون الكفَّارَ أولياءَ لهم، وبِئسَ هذا الَّذي قدَّمتْه أنفسُهم لِمَعادِهم في الآخِرة، فقد نالوا سَخَطَ اللهِ تعالى عَليهم؛ وبقاءَهم في عذابٍ أبديٍّ.

وَلَوْ كَانُوا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالنَّبِيِّ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَا اتَّخَذُوهُمْ أَوْلِيَاءَ وَلَكِنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ فَاسِقُونَ (81).

ولوْ أنَّهم آمَنوا حقًّا باللهِ تعالى وبمحمَّدٍ وبالقرآنِ، لَمَا جعَلوا الكفَّارَ أولياءَ لهم مِن دون المؤمنين، ولكنَّ كثيرًا مِنهم خارجُون عن قبولِ الحقَّ واتِّباعِه.

لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ (82).

لَتجِدَنَّ -يا محمَّدُ- أعظمَ النَّاسِ عداوةً للمُؤمنينَ وأكثرَهم سعيًا في إلحاقِ الضَّررِ بهم؛ اليهودَ والمشركينَ، ولَتجِدَنَّ أقربَ النَّاسِ وِدادًا لأهلِ الإيمانِ مِن المِلَلِ المخالِفةِ للإسلامِ، النَّصارى، فقرُبَتْ مودَّتُهم للمؤمنينَ لأنَّ منهم علماءَ وعُبَّادًا كما أنَّهم يَتواضعونَ للحقِّ إذا عرَفوه، ولا يَستكبِرون عن قَبولِه، والانقيادِ إليه.

وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ (83).

وإذا سَمِعوا القرآنَ، ترَى أعينَهم تمتلئُ دُموعًا فتسيلُ منها؛ لأنَّهم عرَفوا أنَّ الَّذي يُتلَى عليهم حقٌّ، والحالُ أنَّهم يقولون: ربَّنا، آمنَّا بالحقِّ؛ فاجْعَلْنا مع محمَّدٍ وأُمَّتِه، وأَثبِتْنا معهم؛ فهم الَّذين يَشهَدون للهِ تعالى بالتَّوحيدِ، ولرُسلِه بالرِّسالةِ، وأنَّهم بلَّغوا أُممَهم، ويَشهَدون على الأُممِ السَّابقةِ بالتَّصديقِ أو التَّكذيبِ.

وَمَا لَنَا لَا نُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا جَاءَنَا مِنَ الْحَقِّ وَنَطْمَعُ أَنْ يُدْخِلَنَا رَبُّنَا مَعَ الْقَوْمِ الصَّالِحِينَ(84).

قال النَّصارى الَّذين أسْلَموا: وما الَّذي يَمنعُنا مِن الإيمانِ بالله تعالى، وما جاءنا مِن الحقِّ؟ ونحنُ نَطمعُ بإيمانِنا أن يُدخِلَنا ربُّنا مع المؤمنِين بالله، المُطيعينَ له، جَنَّتَه يومَ القيامةِ.

فَأَثَابَهُمُ اللَّهُ بِمَا قَالُوا جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاءُ الْمُحْسِنِينَ (85).

فجَزاهم اللهُ تعالى بما نَطقوا به من الإيمانِ والحقِّ جنَّاتٍ تَجري الأنهارُ مِن تحتِ أشجارِها وقُصورِها، وهم ماكثونَ فيها على الدَّوامِ، وهذا جزاءُ المحسنين في عِبادة الله تعالى، أو المحسنين إلى عِبادِه.

وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ (86).

وأمَّا الكُفَّارُ والمكذِّبون بآياتِنا فهم سُكَّانُ النَّارِ الشَّديدةِ التَّأجُّجِ والحرارةِ، الملازِمون لها.

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ (87).

يا أيُّها المؤمنونَ، لا تحرِّمُوا ما أباحَهُ اللهُ تعالى لكم مِن الطيباتِ، ولا تُجاوِزوا حدودَ الله تعالى فيما أَحلَّ لكم وحَرَّم عليكم؛ فإنَّ الله سبحانه لا يُحبُّ المعتدين.

وَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلَالًا طَيِّبًا وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي أَنْتُمْ بِهِ مُؤْمِنُونَ (88).

وكُلوا -أيُّها المؤمنونَ- مِن رِزق اللهِ تعالى الَّذي يَسَّره لكم في حالِ كَونِه حلالًا، غيرَ خَبيثٍ، واجْعَلوا بيْنَكم وبين غضَبِ الله تعالى وعذابِه حاجزًا يَقيكم ذلك؛ فإنَّ إيمانَكم باللهِ عزَّ وجلَّ يُوجِبُ عليكم تقواه.

لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (89).

لا يُعاقِبُكم اللهُ تعالى بكفَّارةٍ تَلزمُكم في الدُّنيا، ولا بعُقوبةٍ تَحُلُّ بِكم في الآخِرة، على الأيْمانِ الَّتي صدَرَتْ منكم لغوًا -وهي الَّتي حلَف بها المُقسِمُ مِن غير نيَّةٍ ولا قَصْدٍ، أو عقَدَها يظنُّ صِدْقَ نفْسِه، فبان الأمرُ بخِلافِ ظنِّه- ولكن يُعاقِبُكم اللهُ تعالى بما قَصدتموه مِن الأيْمانِ، فكفَّارةُ ما حَنِثْتُم فيه؛ إطعامُ عَشَرةِ مَحاويجَ ليس لدَيهم ما يَكفِيهم، مِن صِنفٍ وَسَطٍ بيْن الجيِّدِ والرَّديءِ، ممَّا تُطعمونه أَهْلِيكم، أو كِسوةُ عَشَرةِ مَساكينَ، أو فكُّ عبدٍ مُؤمنٍ، فمَن لم يَقْدِرْ على واحدةٍ مِن ذلك، فيصومَ ثلاثةَ أيَّام، واحْفَظوا -أيُّها المؤمنونَ- أيْمانَكم عن الحَلِفِ باللهِ تعالى كَذِبًا، وعن كثرةِ الحَلِف، وعن الحِنْثِ فيها -إلَّا إنْ كان الحِنثُ خَيرًا- وعن ترْكِ الكفَّارةِ إذا لزِمَتْكُم، كذلك يُوضِّحُ اللهُ لكم آياتِه؛ لتَشْكُروه حيثُ علَّمكم ما لم تَعلمُوه.

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (90).

يا أيُّها المؤمنونَ، إنَّ الخمرَ والقِمارَ وما نُصِبَ لعبادةِ غيرِ الله تعالى، والأزلامَ الَّتي يُسْتَقْسَم بها، وهي عبارةٌ عن قِداح ثلاثةٍ، مكتوبٌ على أحدِها: «افْعَل»، وعلى الآخَر: «لا تفعل»، والثَّالث ليس عليه شيءٌ، وقِيل: كان يُكتَب على الواحدِ منها: «أَمَرني ربِّي»، وعلى الآخَر: «نَهاني ربِّي»، والثَّالثُ ليس عليه شيءٌ، فإذا أجالَها فطَلَع السَّهمُ الآمِرُ فَعَلَه، أو النَّاهي ترَكَه، وإنْ طلَعَ الفارغُ أعاد الاستقسامَ حتَّى يَخرُجَ أحدُ القَدَحينِ الآخَرَينِ فيَعملَ به! إنَّ تلك الأشياءَ ما هي إلا خُبثٌ ونَتَنٌ، يَنبغي أن تَعافَها النُّفوسُ، وهي مِن تزيينِ الشَّيطانِ، ووحْيِه إليكم، فابْتَعِدوا عنها؛ لعلكم تَظْفَرون بما تَطلُبون، وتَنجون ممَّا تَرهَبُون.

إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ (91).

إنَّما يُريدُ الشَّيطانُ -عن طَريقِ شُربِ الخمرِ وتَعاطِي القِمار- أن يُعاديَ ويُبغضَ بعضُكم بعضًا، وأنْ يَصرِفَكم بغَلَبةِ الخمرِ على عُقولِكم، وباشتغالِكم بالميسِرِ عن ذِكرِ الله تعالى، وعن الصَّلاةِ، فهلْ تَمتنِعون عن ذلك بعدَ هذا البيانِ والموعظةِ؟

وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَاحْذَرُوا فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا عَلَى رَسُولِنَا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ (92).

وأطيعوا اللهَ تعالى، وأطيعوا رسولَه محمَّدًا، واحذروا مِن مَعصيةِ اللهِ تعالى، ومَعْصِيةِ رَسولِه صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، فإنْ أنتم أعرضتُم عن طاعتهما فاعْلَموا أنَّه ليس على مَن أرسَلْناه إليكم سِوى إبلاغِكم رسالةَ ربِّكم، وأمَّا إيقاعُ العِقابِ بكم، فعلى الله تعالى وحْدَه.

لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا إِذَا مَا اتَّقَوْا وَآمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ثُمَّ اتَّقَوْا وَآمَنُوا ثُمَّ اتَّقَوْا وَأَحْسَنُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (93).

ليس على المؤمنينَ الَّذين يَعملون الأعمالَ الصَّالحةَ؛ إثمٌ فيما شَرِبوا وأَكَلوا ممَّا حرَّمَ الله تعالى قبلَ نُزولِ تحريمِه ومعرفتِه، بشَرْط أن يَجتنبوا ما حرَّم اللهُ تعالى، ويُؤمنوا به إيمانًا صحيحًا، يَدْعوهم إلى اكتسابِ الصَّالحاتِ، ثمَّ استمرُّوا على اجتنابِ ما حُرِّم عليهم، واستمرُّوا على الإيمانِ به سبحانه، دون أن يُغيِّروا أو يُبدِّلوا، ثمَّ داوَمُوا على اجتنابِ المحرَّماتِ، حتَّى دعاهم ذلك إلى بُلوغِ الإحسانِ في فِعل الطَّاعاتِ، واللهُ تعالى يحِبُّ المحسنِينَ في عِبادتِه، المحسنِينَ إلى عِبادِه.

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللَّهُ بِشَيْءٍ مِنَ الصَّيْدِ تَنَالُهُ أَيْدِيكُمْ وَرِمَاحُكُمْ لِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَخَافُهُ بِالْغَيْبِ فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ (94).

يا أيُّها المؤمنونَ، لَيَختبِرنَّكم اللهُ تعالى، ببعضِ الصَّيدِ المحرَّمِ الَّذي تَقدِرونَ على أخْذِه بأيديكم ورِماحِكم، حالَ إحرامِكم بحَجٍّ أو عُمرةٍ؛ وذلك ليَعلمَ عِلمًا ظاهرًا للخَلْقِ، يَترتَّبُ عليه الثَّوابُ والعِقابُ، مَن يخافُ اللهَ تعالى ولم يَرَهُ، ومَن يَخافُ اللهَ تعالى في حالِ غِيابِه عن النَّاسِ، فيُطيع ربَّه عزَّ وجلَّ، ويَجتنب معصيتَه، فمَن تجاوَزَ حدَّ اللهِ عزَّ وجلَّ بعدَ تحريمِ الصَّيدِ عليه حالَ إحرامِه، فخالَفَ في ذلك؛ فله عذابٌ مؤلِمٌ.

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا لِيَذُوقَ وَبَالَ أَمْرِهِ عَفَا اللَّهُ عَمَّا سَلَفَ وَمَنْ عَادَ فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ (95).

يا أيُّها المؤمنون، إيَّاكم أن تَقْتُلوا صيدَ البَرِّ وأنتم مُحْرِمون بحجٍّ أو عمرةٍ، أو كنتم داخِلَ منطقةِ الحَرَمِ، وكلُّ مَن قتَلَ صَيدًا، مُتعمِّدًا قتْلَه، فيجبُ عليه ذبحُ مِثلِه مِن بهيمةِ الأنعامِ، ويَتصدَّقَ به، ويُقدِّرُ ذلك الجزاءَ، اثنانِ عدلانِ منكم مِن ذَوي الاستقامةِ والمروءةِ، يَعرِفان الحُكمَ، ووجهَ الشَّبَهِ، وهذا الهدْيُ يَنبغي أنْ يُذبحَ في الحرَمِ، ويُوزَّعَ لحْمُه على مساكينِه، وله -عِوَضًا عن ذَبْحِ الهَدْيِ المماثِلِ- إطعامُ مساكينَ، وله أنْ يصومَ عن كلِّ مِسكينٍ يومًا، أوْجَبْنا ذلك على قاتِلِ الصَّيدِ المنهيِّ عن قتلِه؛ لِيَذوقَ عقوبةَ ذَنبِه بإلزامِه بما يشقُّ عليه، وقد تجاوَزَ اللهُ تعالى عن قتْلِكم الصَّيدَ وأنتم حُرُمٌ قبلَ تحريمِه، فلا يُؤاخِذُكم به، ومَن فعَل ذلك بعدَ تحريمِه وبُلوغِ الحُكم إليه، فإنَّ اللهَ تعالى يَأخُذُه بعقوبةٍ، واللهُ مَنيعٌ في سُلطانه، غالبٌ على أمْرِه، لا يَمنعُه مِن الانتقامِ مانعٌ، ذو مُعاقَبةٍ لِمَن عصاه

أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعًا لَكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (96).

أباحَ اللهُ تعالى لكم في حالِ حِلِّكم وحَرَمِكم -أيُّها المؤمنون- أكْلَ صيدِ البحرِ، وهو ما أخذتُموه مِن حيواناتِه حيًّا، وطعام البحرِ، وهو ميتتُه، فتنتفعون بذلك أكْلًا وبَيعًا، وينتفعُ به المسافِرونَ فيَتزوَّدونَ به في سَفرِهم، ويَجلِبونه بضاعةً، وحرَّم اللهُ تعالى عليكم أخْذَ الحيوانِ البَرِّيِّ حالَ إحرامِكم، واتَّقوا سخطَ اللهِ وعذابَه الذي أنتم إليه مجموعُون، فيُجازِيكم على أعمالِكم.

جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ قِيَامًا لِلنَّاسِ وَالشَّهْرَ الْحَرَامَ وَالْهَدْيَ وَالْقَلَائِدَ ذَلِكَ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَأَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (97).

صيَّر اللهُ تعالى حرَمَه قِوامًا للنَّاس، تقومُ به مصالحُ دِينهم، مِن صلاةٍ وحجٍّ وعمرةٍ، وغيرِ ذلك، وتقومُ به مصالحُ دُنياهم؛ بما يُجبَى إليها مِن الثمراتِ، وبما يَحصُلُ فيه مِن الأمْنِ، واجتماعِ المسلمينَ، وصَيَّرَ اللهُ تعالى الأشهُرَ الحُرمَ قِوامًا للناسِ، تقومُ فيها مصالحُهم بما جَعَل الله تعالى فيها مِن الأمْنِ بتحريمِ القِتال والظُّلمِ، وصيَّرَ اللهُ تعالى الهدْيَ الَّذي يُهدَى إلى الحرمِ مِن إبلٍ أو بقرٍ أو غنمٍ تقرُّبًا إلى اللهِ تعالى، والقلائدَ -وهي الهَدْيُ الَّذي تُجعَلُ له قلائدُ في عُنقه؛ إظهارًا لشعائرِ الله تعالى، ولغيرِ ذلِك مِن أسبابٍ- صيَّرها الله سبحانه قِوامًا للنَّاس في دِينِهم بالثَّوابِ الَّذي يَنالونه، وفي دُنياهم بالبيعِ والشِّراءِ والأكْلِ والانتفاعِ بالجلودِ، وغيرِ ذلك، إنَّ اللهَ سبُحانَه صيَّر ذلك كلَّه قيامًا لكم -أيُّها الناس- لتَعلموا أنَّ اللهَ سُبحانَه يَعلمُ ما في السَّمواتِ والأرضِ، وأنَّه لا يَخفى عليه شيءٌ.

اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ وَأَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (98).

اعْلموا -أيُّها النَّاسُ- أنَّ ربَّكم شديدُ الأخْذِ بالذَّنبِ إذا عاقَب مَن عصاه، واعْلَموا أنَّه يغفرُ ذُنوبَ مَن تاب إليه مِن عِبادِه، وأنه رحيمٌ بهم.

مَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا تَكْتُمُونَ (99).

ليسَ على محمَّدٍ -أيُّها النَّاسُ- سِوى أداءِ رِسالتِنا إليكم، وأمَّا أعمالُكم فليستْ مُوكَلةً إليه، وإنَّما الَّذي يُجازيكم بها اللهُ، الَّذي يَعلمُ ما تُظْهرونَه، وما تُخفونه.

قُلْ لَا يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الْخَبِيثِ فَاتَّقُوا اللَّهَ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (100).

قلْ -يا محمَّد- للنَّاسِ: لا يَستوي الخبيثُ والطَّيِّبُ مِن كلِّ شيءٍ، فلا يَستوي المؤمنُ والكافرُ، ولا الطَّاعةُ والمعصيةُ، ولا الحلالُ والحرامُ، فلا تَعجبنَّ -أيُّها الإنسانُ- مِن كثرةِ الخبيثِ مِن أيِّ شيءٍ كان، ويا أصحابَ العقولِ الصَّحيحةِ الرَّاشدةِ، اتَّقوا سخطَ اللهِ وعذابَه لعلكم تَظفَرون بما تَأمُلون، وتَنجُون ممَّا تَحذَرون

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ وَإِنْ تَسْأَلُوا عَنْهَا حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ عَفَا اللَّهُ عَنْهَا وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ (101).

لا تَسألوا -أيُّها المؤمنونَ- عن أشياءَ لو أُظْهِر جوابُها لكم لَساءَكم وشقَّ عليكم، ولكنَّكم إنْ سألتُم عنها بعدَ نُزولِ القرآنِ بها، كالسُّؤالِ عن آيةٍ أَشْكَلتْ، أو حُكمٍ خَفِيَ عليكم وجْهُه وغير ذلك، فحينها يُبيَّن لكم ما سَألتم عنه، كفَّ الله عن ذكرِها فلم يُوجِبْ فيها حُكمًا، توسعةً عليكم فاسكتُوا أنتم عنها، واللهُ تعالى غفورٌ لذُنوبِ عِبادِه، حليمٌ فلا يُعاجِلُهم بالعقوبةِ.

قَدْ سَأَلَهَا قَوْمٌ مِنْ قَبْلِكُمْ ثُمَّ أَصْبَحُوا بِهَا كَافِرِينَ (102).

قد سألَ تلكَ المسائلِ المنهيِّ عنها أناسٌ سَبقوكم، فأُجيبوا عنها لكنْ لم يُؤمنوا بها، ولم يَعمَلوا بها؛ فصاروا بسببِها كفَّارًا.

مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلَا سَائِبَةٍ وَلَا وَصِيلَةٍ وَلَا حَامٍ وَلَكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَأَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ (103).

لم يأذَنِ اللهُ تعالى بأنْ يُفعَل بالأنعامِ شيءٌ ممَّا ابتدَعَه الكفَّارُ، فلم يَشرَعْ لهم البَحيرةَ: وهي ناقةٌ يَشقُّون أُذُنَها، ثمَّ يُحرِّمون رُكوبَها. ولا السَّائبةَ: وهي ناقةٌ، أو بقرةٌ، أو شاةٌ، تُخلَّى؛ فلا تُركَبُ ولا يُحمَل عليها، ولا تُؤكَلُ ولا يُنتفَعُ منها بشَيءٍ. ولا الوَصيلةَ: وهي الَّتي تُحرَّمُ أو تُجعلُ لآلهتِهم. ولا الحاميَ: وهو جملٌ يُحمَى ظهرُه عن الرُّكوبِ والحَمْلِ، لم يَشرعِ اللهُ ذلك، ولكن الكُفَّار يَفعلونه بلا دليلٍ، ويَفتَرون على اللهِ تعالى الكَذِبَ، وأكثرُهم لا يَملِكون عَقْلًا صحيحًا راشدًا، فيَنساقونَ إلى تلك الشَّرائعِ الباطلةِ بجهلِهم.

وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ قَالُوا حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ (104).

وإذا قِيل للَّذين حرَّموا ما أحَلَّ الله تعالى: هلَمُّوا إلى كتابِ الله وإلى رسولِه؛ ليتبيَّنَ لكم شَرعُ اللهِ سبحانه، وما أوجبَه وحرَّمه، وبُطلانُ ما ابتدَعتُم، قالوا: يَكفينا ما وجَدْنا عليه الآباءُ والأجدادُ، ونحن لهم تبَعٌ! أيتَّبِعون آباءَهم حتَّى لو كانوا لا يَستحِقُّون أنْ يُتَّبعوا؛ إذ لا يَحمِلون عِلمًا بشَريعةِ الله تعالى، ولا يَعمَلون بها؟

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (105).

يا أيُّها المؤمنون، ألْزِموا أنفُسَكم العملَ بطاعةِ الله تعالى، وترْكَ معصيتِه؛ فإنَّه لا يَضرُّكم مَن سلَك غيرَ سبيلِ الحقِّ، إذا أنتم استقمتُم على صراطِ الله تعالى، ومِن ذلك: قِيامُكم بأمْرِ النَّاسِ بالمعروفِ، ونهيهِم عن المنكَرِ، ولا ضيرَ عليكم بعدَ ذلك إنْ تمادَوْا في ضلالِهم، ما دُمتُم قد أدَّيْتُم حقَّ الله تعالى فيهم، إنَّ مآلَكم في الآخرةِ إلى الله تعالى وحْدَه، وسوف يُخبِرُكم بما قدَّمتموه، ويُجازيكم عليه.

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ إِنْ أَنْتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَأَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةُ الْمَوْتِ تَحْبِسُونَهُمَا مِنْ بَعْدِ الصَّلَاةِ فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ إِنِ ارْتَبْتُمْ لَا نَشْتَرِي بِهِ ثَمَنًا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَلَا نَكْتُمُ شَهَادَةَ اللَّهِ إِنَّا إِذًا لَمِنَ الْآثِمِينَ (106).

يا أيُّها المؤمنونَ، إذا حضَر أحدَكم مُقدِّماتُ الموتِ، فكتَب وصيَّتَه، فلْيَشهدْ عليها اثنانِ مِن المؤمنينَ، مِن ذَوي الاستقامةِ والمروءةِ، أو ليَشهدْ عليها آخَرانِ مِن غيرِ أهل مِلَّتكم، إنْ لم يوجدْ ذَوَا عدلٍ منكم، وفي حالِ سَفَرِكم، وإيقانِكم بحضورِ أجَلِكم، فتُوقفونَ الشَّاهدَينِ مِن غيرِكم بعدَ الصلاةِ، وتَجْعلونَهما يَحلِفانِ بالله تعالى، إنْ ظهرتْ منهما رِيبةٌ في أنهَّما خانَا، فيَحلفانِ باللهِ تعالى أنَّا لا نَبغِي بحَلِفنا هذا عَرَضًا مِن الدُّنيا فنكذبَ، ولا نُحابي أحدًا، ولا نُخفي الشَّهادةَ على الوصيَّةِ، بتحريفِها أو تبديلِها، أو كِتمانِها؛ فإنْ فعَلْنا ذلك وقَعْنا في الإثمِ مع الواقعينَ فيه.

فَإِنْ عُثِرَ عَلَى أَنَّهُمَا اسْتَحَقَّا إِثْمًا فَآخَرَانِ يَقُومَانِ مَقَامَهُمَا مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْأَوْلَيَانِ فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ لَشَهَادَتُنَا أَحَقُّ مِنْ شَهَادَتِهِمَا وَمَا اعْتَدَيْنَا إِنَّا إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ (107).

فإنْ ظهَر أنَّهما كاذبانِ، فوُجِدَ أنَّهما خانَا مِن مالِ الميِّت شيئًا، أو بدَّلَا وصيَّتَه، فاستوجبَا بأيْمانِهما الكاذبةِ إثمًا، فحينَئذٍ يقومُ مقامَهما اثنانِ مِن أولياءِ الميِّتِ المستحقِّينَ للتَّرِكةِ، ولْيَكونا مِن أَوْلى مَن يَرِثُه، فيَحلفانِ بأنَّ شهادتَنا أحقُّ مِن شَهادتِهما الَّتي كذَبَا فيها وخانَا، وهي أصحُّ، وما تجاوَزْنا الحقَّ فيها؛ فإنَّا إنْ كذَبْنا عليهما نكونُ في عدادِ الظَّالمينَ، ونقتطعُ بذلك أموالَ النَّاس بغيرِ حقٍّ.

ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يَأْتُوا بِالشَّهَادَةِ عَلَى وَجْهِهَا أَوْ يَخَافُوا أَنْ تُرَدَّ أَيْمَانٌ بَعْدَ أَيْمَانِهِمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاسْمَعُوا وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ (108).

هذا الفِعلُ -مِن تحليفِ الشَّاهدَينِ إذا استُريب بهما- أقربُ لأن يَصْدُقوا في شهادتِهم، ويُقيموها على الوجهِ الصَّحيحِ، فلا يَكذِبوا ولا يَخونوا، أو يَخافَ هؤلاءِ الشهودُ ألَّا تُقبلَ أيْمانُهم إنْ ظهَرَ كذِبُهم وخيانتُهم، فتُرَدَّ الأيمانُ إلى الورثةِ، فيَحلِفونَ ويستحقُّون ما يَدَّعون، ويُفتضَح أمرُ شهودِ الوصيَّةِ بيْن النَّاسِ، واتَّقوا اللهَ تعالى، واسمَعوا ما يُقالُ لكم فاعْمَلوا به، واللهُ تعالى لا يُوفِّقُ للحقِّ الخارِجينَ عن طاعتِه.

يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ فَيَقُولُ مَاذَا أُجِبْتُمْ قَالُوا لَا عِلْمَ لَنَا إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ (109).

اذكرْ يومَ يَجمَعُ الله تعالى رُسُلَه في الآخرةِ، فيَسألُهم: ما الَّذي أجابتْكم به أُمَمُكم حينَ بلَّغتُموهم الحقَّ؟ فتقولُ الرُّسُلُ: لا عِلْمَ لنا، ولا يَخفَى عليك يا ربَّنا ما عِندَنا؛ فأنت المطَّلِعُ على كلِّ غيبٍ.

إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ وَعَلَى وَالِدَتِكَ إِذْ أَيَّدْتُكَ بِرُوحِ الْقُدُسِ تُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا وَإِذْ عَلَّمْتُكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإِذْنِي فَتَنْفُخُ فِيهَا فَتَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِي وَتُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ بِإِذْنِي وَإِذْ تُخْرِجُ الْمَوْتَى بِإِذْنِي وَإِذْ كَفَفْتُ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَنْكَ إِذْ جِئْتَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ (110) .

اذْكُرْ حين نادَى الله تعالى عيسى فقال: يَا عِيسَى ابنَ مَريَمَ اذكُرْ ما أَجريتُه عليكَ وعلى والدتِك مِنَ النِّعَمِ، حيثُ قوَّيتُك بجبريلَ، وأعنْتُك به، تدْعُو النَّاسَ إلى اللهِ تعالى في حالِ صِغَرِك وكِبَرِك، وعلَّمتُك الكتابَ، والفَهمَ ومعرفةَ أسرارِ الشَّرعِ، وعلَّمتُك التَّوراةَ والإنجيلَ، وتُصوِّرُ الطِّينَ، فتَصنَع منه هيئةَ طائرٍ بإذْني، فتنفخُ في تِلك الصُّورةِ، فتكونُ طائرًا ذا رُوحٍ بإذني، وتَشْفِي مَن يُولَد أعْمى، ومَن به داءُ البَرَص بإذنِي، وتُخرجُ الموتَى مِن قُبورِهم أحياءً بإذنِي، واذكُرْ نِعمتي في صدِّي بني إسرائيلَ عنك، وقدْ همُّوا بقتْلِك حين جِئتَهم بالحُججِ على رِسالتِك، فقال كفَّارُهم: ما هذا إلَّا سِحرٌ جليٌّ.

وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوَارِيِّينَ أَنْ آمِنُوا بِي وَبِرَسُولِي قَالُوا آمَنَّا وَاشْهَدْ بِأَنَّنَا مُسْلِمُونَ (111).

واذْكر إذ يسَّرْتُ لك أنصارًا، فألهمتُ الخُلَّصَ مِن أصحابِك وألقيتُ في قلوبِهم الإيمانَ بي وبرسولي، فقال الحواريُّون: آمنَّا بما وجَب علينا اعتقادُه، واشهدْ علينا بأنَّنا خاضِعونَ لله تعالى، طائِعون له.

إِذْ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ قَالَ اتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (112).

اذكرْ حينَ قال الحواريُّون لزيادةِ اطمئنانِ قُلوبِهم: يا عيسى ابنَ مريمَ، إذا سألتَ ربَّك أن يُنزِّلَ علينا مائدةَ طعامٍ مِن السَّماءِ فهل يفعَلُ ذلك؟ فقال لهم عيسى: الْزَموا التَّقْوى، ولا تَسألُوا هذا إنْ كنتُم مؤمنينَ حقًّا، وإذا كنتُم كذلك فما حاجتُكم إلى هذه المعجزةِ؟

قَالُوا نُرِيدُ أَنْ نَأْكُلَ مِنْهَا وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنَا وَنَعْلَمَ أَنْ قَدْ صَدَقْتَنَا وَنَكُونَ عَلَيْهَا مِنَ الشَّاهِدِينَ (113).

قال الحواريُّون: إنَّما أَرَدْنا مِن ذلك، التَّشرُّفَ بالأكلِ مِن تلك المائدةِ، فنوقن بقدرةِ الله على كلِّ شيءٍ، وتسكُنُ قلوبُنا، ويَستقرُّ إيمانُها، ونوقن بصِدقَك، وصِدقَ ما جئتَ به، ونشهد على أنَّ المائدةَ آيةٌ مِن عندِ الله عزَّ وجلَّ، وحُجَّةٌ لنا نُبلِّغها مَن لم يَشهَدْها.

قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ اللَّهُمَّ رَبَّنَا أَنْزِلْ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ تَكُونُ لَنَا عِيدًا لِأَوَّلِنَا وَآخِرِنَا وَآيَةً مِنْكَ وَارْزُقْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ (114).

دعَا عيسى ربَّه سبُحانَه مستجيبًا لطلبِ الحواريِّين، فقال: اللَّهمَّ ربَّنا، أنزِلْ علينا مائدةَ طعامٍ مِن السَّماءِ، نتَّخِذُ وقتَ نُزولِها عيدًا نَعبُدُك فيه، ونتذكَّرُها نحن ومَن بعدَنا، وتكونُ حجَّةً وعلامةً منك على عبادِك، وأعْطِنا؛ فإنَّك خيرُ مَن يُعطِي، ولا أحدَ أكرمُ منك.

قَالَ اللَّهُ إِنِّي مُنَزِّلُهَا عَلَيْكُمْ فَمَنْ يَكْفُرْ بَعْدُ مِنْكُمْ فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذَابًا لَا أُعَذِّبُهُ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ (115).

قال اللهُ تبارَك وتعالى: إنِّي مُنزِّلُها عليكم فمُطْعِمُكُموها، ولكن مَن وقَعَ منكم في الكفرِ بعدَ إنزالها، فإنِّي أُوقِعُ عليه عذابًا شديدًا، لا أُعذِّبُه أحدًا مِن عالَمِي زمانِه.

وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ (116).

واذكُرْ -يا محمَّدُ- حِينَ يقولُ اللهُ تعالى لعيسى يومَ القيامةِ بحَضرةِ النَّصارى توبيخًا لهم: يا عيسى ابنَ مَريمَ، هل قُلتَ بنفْسِك للنَّاسِ: اجْعَلوني أنا وأُمِّيَ مَعبودَينِ مِن دونِ اللهِ؟ قال عيسَى: أُنزِّهك يا ربِّ عن هذا الأمرِ، وما يَنبغي لي أنْ أدَّعِيَ ذلك، فإنْ صدَرَ منِّي هذا فقدْ عَلِمْتَه؛ فأنتَ تَعلمُ ما أضمرتُه في نفْسي؟ ولا أعلمُ أنا ما أَخفيتَه عنِّي في نفْسِك، فأنتَ العالِمُ بخَفيَّاتِ الأمورِ الَّتي لا يَعلمُها سِواكَ.

مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (117).

ما قلتُ لهم إلَّا الَّذي كلَّفْتني بإبلاغِه، وهو أمرُهم بعبادةِ الله تعالى وحْدَه، الَّذي هو ربِّي وربُّهم، وكنتُ شاهدًا على أعمالِهم حِينَ كنتُ بيْنَ أظهُرِهم، فلمَّا قبَضْتَني إليك كنتَ أنتَ المطَّلِعَ عليهم دُوني، وأنتَ الَّذي تَشهَدُ على كلِّ شيءٍ، ولا يَخفى عليك شيءٌ.

إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (118).

إنْ تُعذِّبْهم، فإنَّهم عبادُك، وأنت أعلمُ بأحوالِهم، فلولا أنَّهم عبادٌ مستحقُّون للعذابِ لم تُعذِّبْهم، وهم مستسلِمون لك طَوعًا أو كَرهًا؛ فلا يَقدِرون على الامتناعِ ممَّا أردتَ بهم، وإنْ تغفرْ لهم، فذلك صادرٌ عن تمامِ عِزَّتك -عزَّة القَدْرِ والقَهرِ والغَلبةِ والامتناعِ-، لا عنْ عجزٍ وذلٍّ وضَعْف؛ فإنَّك إن أردْتَ الانتقامَ منهم؛ فلا يقدِرُ أحدٌ أن يمنعَ عنك ذلك، لأنَّك العزيزُ، وصادرٌ عن حِكمةٍ؛ فمِن مُقتضَى حِكمتِك أنْ تغفرَ لِمَن أتَى بأسبابِ المغفرةِ.

قَالَ اللَّهُ هَذَا يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (119).

قال اللهُ تعالى مُجيبًا لعيسى: هذا هو الوقتُ الَّذي يَجِدُ فيه الصَّادِقون ثمرةَ صِدْقِهم، ولهم جنَّاتٌ تَجري مِن تحتِ أشجارِها وقُصورِها الأنهارُ، ماكثِينَ فيها على الدَّوامِ، رضِيَ اللهُ عنهم، ورَضُوا هم عن اللهِ تعالى، وذلك الظَّفَرُ الَّذي لا أعظَمَ منه.

لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا فِيهِنَّ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (120).

للهِ وحْدَه ملكُ السَّمواتِ والأرضِ وما فيهنَّ، ولا يُعجِزُه شيءٌ أرادَه.

الأنعام

الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِرَبِّهِم يَعْدِلُونَ (1).

جميعُ المحامدِ يَستحقُّها اللهُ تعالى وحْدَه، الَّذي أَوْجَد السَّمواتِ والأرضَ، وهو الَّذي جعَل الظُّلماتِ والنُّورَ، كاللَّيلِ والنَّهارِ، ومع ذلك، كفَر به بعضُ عِبادِه، وجعَلوا معه شريكًا في عبادته.

هُوَ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن طِينٍ ثُمَّ قَضَى أَجَلاً وَأَجَلٌ مُّسمًّى عِندَهُ ثُمَّ أَنتُمْ تَمْتَرُونَ (2).

هو الَّذي أوجدَ أصْلَكم مِن طِينٍ، بخَلْقِ أبيكم آدَم عليه السَّلامُ، ثم حدَّد لإقامتِكم في الدنيا وقتا معيَّنًا، وحدد للدُّنيا وقتًا لنهايتها، لا يَعلمُه إلَّا هو، ثمَّ إنكم مع ذلك تَشُكُّون في وقوع البَعثِ.

وَهُوَ اللّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الأَرْضِ يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهرَكُمْ وَيَعْلَمُ مَا تَكْسِبُونَ (3)

وهو المعبودُ في السَّمواتِ وفي الأرضِ، يعلمُ جميع ما تُسِرُّونه وما تُعلنونَه، ويَعلمُ جميعَ ما تَعملونَه مِن خيرٍ أو شرٍّ، ويُجازيكم به في الآخرة.

وَمَا تَأْتِيهِم مِّنْ آيَةٍ مِّنْ آيَاتِ رَبِّهِمْ إِلاَّ كَانُواْ عَنْهَا مُعْرِضِينَ (4) .

وما يأتي هؤلاء الكفَّارَ والمشركينَ المكذِّبينَ مِن علامةٍ على وحدانيَّتِه تعالى، وصِدقِ رُسُلِه عليهم السَّلامُ؛ إلَّا أعرَضوا عنها، غيرَ مُبالِينَ بها.

فَقَدْ كَذَّبُواْ بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءهُمْ فَسَوْفَ يَأْتِيهِمْ أَنبَاء مَا كَانُواْ بِهِ يَسْتَهْزِؤُونَ (5) .

إعراضُهم عن آيات الله سبحانه وتعالى أدَّى بهم إلى التكذيب بما جاءَهم من عندِه، وسوف تأتِيهم أخبارُ استهزائِهم بذلك، وسيَجِدونَ عقوبتَه.

أَلَمْ يَرَوْاْ كَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَبْلِهِم مِّن قَرْنٍ مَّكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ مَا لَمْ نُمَكِّن لَّكُمْ وَأَرْسَلْنَا السَّمَاء عَلَيْهِم مِّدْرَارًا وَجَعَلْنَا الأَنْهَارَ تَجْرِي مِن تَحْتِهِمْ فَأَهْلَكْنَاهُم بِذُنُوبِهِمْ وَأَنْشَأْنَا مِن بَعْدِهِمْ قَرْنًا آخَرِينَ (6).

ألم يَعتبروا بالأممِ الماضيةِ، فيَرَوا كثرةَ مَن دَمَّرتُ مِنهم، وقد وطَّأتُ لهم البلادَ تَوطئةً لم تكن لكم أيها الكافرون؛ وجَعَلْنا المطرَ يَتتابَعُ نزولُه عليهم، وأَجْرَيْنا لهم الأنهارَ مِن تحتِ أشجارِهم ومَساكنِهم، فدمَّرناهم؛ بسببِ ذنوبهم، وأَحْدَثْنا بعدهم جيلًا آخَرَ.

وَلَوْ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ كِتَابًا فِي قِرْطَاسٍ فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ لَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُواْ إِنْ هَـذَا إِلاَّ سِحْرٌ مُّبِينٌ (7).

ولو أَنزلنا عليك يا محمَّدُ كلامًا مكتوبًا في صَحيفةٍ، يَلمَسونَها بأيديهم، بما يَرفَعُ عنهم كلَّ شكٍّ، لَقالَ الكفَّارُ جحودا وعِنادًا: ما هذا إلَّا سِحرٌ بيِّنٌ، سَحَرْتَنا به!

وَقَالُواْ لَوْلا أُنزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ وَلَوْ أَنزَلْنَا مَلَكًا لَّقُضِيَ الأمْرُ ثُمَّ لاَ يُنظَرُونَ (8) .

وقالوا أيضًا: هلَّا أُنزِلَ على محمَّدٍ مَلَكٌ نَراهُ، ويَشْهَدُ لَهُ ويُصَدِّقُهُ؟ فقال اللهُ تعالى: ولو أَنْزَلنا مَلَكًا وفق اقتراحهم، لجاءَهم العذابُ عاجلًا، إنْ لم يُؤمنوا، ولنْ يُمهَلوا حتَّى يَتوبوا.

وَلَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكًا لَّجَعَلْنَاهُ رَجُلاً وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِم مَّا يَلْبِسُونَ (9).

ولو جعلنا المرسل إليهم مَلَكًا كما طلبوا لَجَعَلْناه على هَيئةِ رجُلٍ؛ تَسْهُل مُخاطَبتُه، ويمكن التلقي منه؛ إذ ليس بإمكانهم رؤية الملك على صورته الحقيقية، ولو جاءهم بصورة رجل لاشتبه الأمر عليهم، كما اشتبه عليهم أمر محمد ﷺ؛ فلا جَدْوى إذنْ مِن إرسالِ ملَكٍ.

وَلَقَدِ اسْتُهْزِىءَ بِرُسُلٍ مِّن قَبْلِكَ فَحَاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُواْ مِنْهُم مَّا كَانُواْ بِهِ يَسْتَهْزِؤُونَ (10).

قد سَخِرَت أممٌ برُسُلها مِن قبلِك يا مُحمَّدُ، فحَلَّ بأولئك السَّاخرينِ العذابُ.

قُلْ سِيرُواْ فِي الأَرْضِ ثُمَّ انظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ (11) .

قلْ -يا محمَّدُ- لكفار قومك: تنقَّلُوا في بلادِ أولئك المكذِّبينَ مثلِكم؛ وانظُروا ما حلَّ بها مِن خرابِ، وتفَكَّروا كيف أَعْقَبهم تكذيبُهم ذلك الهلاكَ؛ فاعْتَبِروا، واحْذَروا.

قُل لِّمَن مَّا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ قُل لِلّهِ كَتَبَ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لاَ رَيْبَ فِيهِ الَّذِينَ خَسِرُواْ أَنفُسَهُمْ فَهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ (12).

قُلْ -يا محمَّدُ- لهؤلاءِ المكذِّبينَ: لِمَنْ مُلكُ ما في السَّمواتِ والأرض؟ قلْ: ذلك للهِ تعالى، الَّذي أوْجَب على نفْسِه الرَّحمةَ فوسعت كل شيء، غير أن ذلك لا يعني إهمال محاسبته لهم ومجازاتهم على أعمالهم وذلك لا شك كائن يوم القيامة، والذين كفروا بالحق أهلكوا أنفسهم، فليس لديهم الإيمان الذي ينالون به الرحمة الإلهية في الآخرة فينجون من عذاب الله.

وَلَهُ مَا سَكَنَ فِي اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (13).

وله عزَّ وجلَّ مُلكُ كلِّ شيءٍ؛ فكل مخلوق قد حلَّ واستقرَّ في لَيلٍ أو نهارٍ؛ وهو تحتَ قَهْرِه وتَصرُّفِه سبحانه، السَّميعُ لجميعِ الأصواتِ، العَلِيمُ بكلِّ شيءٍ.

قُلْ أَغَيْرَ اللّهِ أَتَّخِذُ وَلِيًّا فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَهُوَ يُطْعِمُ وَلاَ يُطْعَمُ قُلْ إِنِّيَ أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ وَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكَينَ (14) .

قلُ -يا محمَّدُ-: أأجْعَلُ غيرَ اللهِ تعالى؛ مِن هذه المخلوقاتِ العاجزةِ، وليًّا أَستنصرَه وأستعينَ به وهو الرزاق لجميع خلقه، من غير حاجة منه إليهم؟! قلْ -يا محمَّدُ-: أَمَرني ربِّي أنْ أكونَ أوَّلَ مَن يخضَع له سُبحانَه بالتَّوحيدِ، وينقادَ له بالطَّاعةِ مِن هذه الأُمَّةِ، وألا أكونَ مِن المشْرِكين.

قُلْ إِنِّيَ أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (15).

قلْ -يا محمَّدُ-: إنِّي أخافُ إنْ عصيتُ ربِّي عذابَ القيامةِ، في ذلك اليوم الَّذي يعظُمُ هولُه.

مَّن يُصْرَفْ عَنْهُ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمَهُ وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْمُبِينُ (16) .

مَن يُصرَفْ عنه العذابُ يومَ القيامةِ فقدْ رحِمَه اللهُ تعالى، وذلك هو الفوزُ الحَقيقيُّ.

وَإِن يَمْسَسْكَ اللّهُ بِضُرٍّ فَلاَ كَاشِفَ لَهُ إِلاَّ هُوَ وَإِن يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدُيرٌ (17) .

وإنْ يُصِبْكَ اللهُ -يا محمَّدُ- بشِدَّةٍ وضِيقٍ، فلنْ يَرفعَ ذلك عنك إلَّا اللهُ تعالى وحْدَه، وإنْ يُصِبْكَ بأيِّ خيرٍ كان، فهو على كلِّ شيءٍ قادرٌ، فلا يُعجِزُه أن يعطيك من الخير؛ ولا يَقدِرُ أحدٌ على ردِّه عنك.

وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ (18) .

واللهُ سُبحانَه العالي على خلقه؛ ذاتًا وقدْرًا وقهرًا، الحَكيمُ في جميعِ ما يَفعلُه، الخبيرُ المطَّلعُ على جميعِ السَّرائرِ.

قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادةً قُلِ اللّهِ شَهِيدٌ بِيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لأُنذِرَكُم بِهِ وَمَن بَلَغَ أَئِنَّكُمْ لَتَشْهَدُونَ أَنَّ مَعَ اللّهِ آلِهَةً أُخْرَى قُل لاَّ أَشْهَدُ قُلْ إِنَّمَا هُوَ إِلَـهٌ وَاحِدٌ وَإِنَّنِي بَرِيءٌ مِّمَّا تُشْرِكُونَ (19).

قلْ -يا محمَّدُ- لهؤلاءِ المكذِّبينَ: أيُّ شيءٍ أعظمُ شَهادةً على صِدقي؟ إنَّ أكْبرَ الأشياءِ شَهادةً هو اللهُ تبارك وتعالى، الَّذي لا يَجوزُ أنْ يقعَ في شَهادتِه السَّهوُ والخطأُ والكذبُ، فهو الشَّهيدُ بالمحقِّ مِنَّا مِن المبطِلِ. وقد أَوْحَى اللهُ إلَيَّ هذا القرآنَ الكريمَ لأُنذِرَكم به مِن العذابِ، وأُنذرَ كلَّ مَن بلَغَه القرآنُ. فهل تَشهدون بأنَّ معَ اللهِ تعالى معبوداتٍ أخرى، تستحقُّ العبادةَ؟ فأنا لا أَشهَدُ مَعكُم على ذلك، إنَّما هو معبودٌ واحدٌ، مُنفردٌ باستحقاقِ العبوديَّةِ، وإنَّني بريءٌ مِن كلِّ شَريكٍ تَعبُدونه مع اللهِ تعالى.

الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءهُمُ الَّذِينَ خَسِرُواْ أَنفُسَهُمْ فَهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ (20) .

الَّذين أُوتوا التَّوراةَ والإنجيلَ مِن اليَهودِ والنَّصارَى يَعرِفونَ مُحمَّدًا صلى الله عليه وسلم كما يَعرِفُ أحدُهم ابنَه، دون أدْنَى شَكٍّ، فالَّذين أَهْلَكوا أنفُسَهم، وألْقَوْها في جَهنَّمَ؛ بإنكارِهم الرسالة المحمدية، قد خَسِروا كلَّ الخَسارةِ.

وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ (21) .

لا أحدَ أشدُّ ظُلمًا ممَّن تقوَّلَ على اللهِ تعالى، كمَن زعَمَ أنَّ له شَريكًا، أو كذَّبَ بحُجَجِه. وكلُّ ظالمٍ لا يُفلحُ أبدًا.

وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُواْ أَيْنَ شُرَكَآؤُكُمُ الَّذِينَ كُنتُمْ تَزْعُمُونَ (22).

ويومَ يَجمعُ اللهُ تعالى جميعَ المشرِكين، المكذِّبينَ، ثمَّ يقول تَوبيخًا لهم: أينَ شُركاؤُكم الَّذين كنتُم تَدَّعون أنَّهم آلهةٌ مع اللهِ سُبحانَه؟

ثُمَّ لَمْ تَكُن فِتْنَتُهُمْ إِلاَّ أَن قَالُواْ وَاللّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ (23).

ثمَّ بَعدَ هذا السُّؤالِ الذين امتُحِنوا بِه لم يَكُنْ جوابُهم عليه، إلَّا حَلِفَهم كذبا أنَّهم ما كانوا مُشرِكين.

انظُرْ كَيْفَ كَذَبُواْ عَلَى أَنفُسِهِمْ وَضَلَّ عَنْهُم مَّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ (24).

انظُرْ -يا محمَّدُ- وتأمَّلْ كيفَ كذَب هؤلاءِ المشرِكونَ في الآخِرةِ على أنفُسِهم بنَفيِهم الشِّركَ عنها، وغابَ عنهم الشُّركاءُ الَّذين زَعموهم مع اللهِ سُبحانَه وتعالى؛ فلم يُغْنوا عنهم شيئًا.

وَمِنْهُم مَّن يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَن يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا وَإِن يَرَوْاْ كُلَّ آيَةٍ لاَّ يُؤْمِنُواْ بِهَا حَتَّى إِذَا جَآؤُوكَ يُجَادِلُونَكَ يَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُواْ إِنْ هَذَآ إِلاَّ أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ (25).

ومِن هؤلاءِ المشرِكين مَن يَستمِعُ لتلاوتك يا مُحمَّدُ، ووضَعْنا على قُلوبِهم أغشيةً؛ لئلَّا يَعقِلوا كلامَ الله سُبحانَه؛ بسببِ مُبادَرتِهم إلى الكُفرِ، وتكذيبِ الرُّسُلِ، وجَعَلنا في آذانِهم صَممًا عن السَّماعِ النَّافِعِ. ومَهما يَرَ هؤلاءِ مِن الدَّلالاتِ، لا يَنقادُوا إليها، ولا يُصدِّقوا ويُقِرُّوا بها، حتَّى إذا حضَروا إليك -يا محمدُ- وحاجُّوك في الحقِّ بالباطِلِ، قالوا لكَ: ما هذا الَّذي جِئتَ بِه إلَّا أشياءُ مأخوذةٌ مِن كتُبِ السَّابِقينَ المسطورةِ، وليستْ من اللهِ تعالى.

وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ وَإِن يُهْلِكُونَ إِلاَّ أَنفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ (26).

والمشرِكونَ باللهِ تعالى يَنهَونَ النَّاسَ عن اتِّباعِ الحقِّ، ويَبتَعدونَ بأنفُسِهم عنه؛ فهم لا يَنتفِعونَ بالحقِّ، ولا يَتركُون أحدًا ينتفِعُ به، ولا يعودُ وَبالُ ذلك إلَّا عليهم، لكنَّهم لا يَشعُرون.

وَلَوْ تَرَىَ إِذْ وُقِفُواْ عَلَى النَّارِ فَقَالُواْ يَا لَيْتَنَا نُرَدُّ وَلاَ نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (27).

ولو رأيتَ -يا محمَّدُ- هؤلاءِ الكفَّارَ، وقد أُوقِفوا يومَ القِيامةِ على النَّارِ، لَرأيتَ أمرًا عَظيمًا، ويقولُ هؤلاء المشرِكون حينَذاك: يا ليتَنا نُعادُ إلى الدُّنيا ولنْ نُكذِّبَ بالأدلَّةِ الَّتي جاءتْنا مِن ربِّنا، ونكونَ مِن المؤمِنينَ حقًّا.

بَلْ بَدَا لَهُمْ مَا كَانُوا يُخْفُونَ مِنْ قَبْلُ وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ (28)

زعمُهم أنَّهم لو رُدُّوا إلى الدُّنيا لَآمَنوا؛ ليس صحيحًا، فقد كانوا يَعلمون صِحَّةَ ما جاءهم من الحق، ولكنَّهم كانوا يُخفونَ ذلك في أنفسِهم؛ ظلمًا وعنادًا. ولو رُدُّوا إلى الدُّنيا، فأُمْهِلوا؛ لرَجَعوا إلى ما كانوا عليه من الكُفرِ والعِصيان، فهم كاذِبون.

وَقَالُواْ إِنْ هِيَ إِلاَّ حَيَاتُنَا الدُّنْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ (29).

وقال أولئك المشرِكونَ: لا تُوجَدُ حياةٌ أخرى سِوى الحياةِ الَّتي نَعيشُها في الدُّنيا، وما نحنُ بخارِجين من قُبورِنا، وما ثَمَّ حسابٌ ولا ثوابٌ ولا عقابٌ!

وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُواْ عَلَى رَبِّهِمْ قَالَ أَلَيْسَ هَذَا بِالْحَقِّ قَالُواْ بَلَى وَرَبِّنَا قَالَ فَذُوقُواْ العَذَابَ بِمَا كُنتُمْ تَكْفُرُونَ (30).

ولو رأيتَ -يا محمَّدُ- أولئك المشركين، وقدْ أُوقِفوا بيْنَ يَدَيِ اللهِ تعالى، لَرأيتَ أمرًا فظيعًا، واللهُ تعالى يقول لهم موبِّخًا: أليسَ هذا البعثُ الَّذي كنتُم تنكرونه في الدُّنيا حقًّا ثابتًا؟! فيكون جوابهم: واللهِ إنَّه لَحقٌّ ثابتٌ، فيقول اللهُ تعالى: فذُوقوا العذابَ اليومَ جزاءً على كُفرِكم.

قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُواْ بِلِقَاء اللّهِ حَتَّى إِذَا جَاءتْهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً قَالُواْ يَا حَسْرَتَنَا عَلَى مَا فَرَّطْنَا فِيهَا وَهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزَارَهُمْ عَلَى ظُهُورِهِمْ أَلاَ سَاء مَا يَزِرُونَ (31).

قدْ خابَ وحُرِمَ الخيرَ كلَّه، الَّذين أَنكروا لِقاءَ اللهِ تعالى للحسابِ، ونَيْلِ الثَّوابِ والعِقابِ، وقد أَوجبَ لهم ذلك ترْكَ الطَّاعاتِ، واقترافَ المحرَّماتِ، وحِينَ تأتِيهم السَّاعةُ الَّتي يَبعثُهم اللهُ فيها مِن قُبورِهم فجأةً يقولون تحسُّرًا: ما أعظَمَ ندامَتَنا على تَفريطِنا في الاستعدادِ لهذا اليومِ! وهؤلاءِ يَحمِلون آثامَهم يومَ القِيامةِ على ظُهورِهم، وبئسَ ما حمِلوه!

وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلاَّ لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَلَلدَّارُ الآخِرَةُ خَيْرٌ لِّلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ (32).

وليستْ هذه الحياةُ الدَّنيَّةُ بشَهواتِها ومتاعِها سِوى لعبٍ ولهوٍ، وأمَّا الآخِرةُ فهي خيرٌ من الدُّنيا للمتقين، أفليستْ لكم -أيها المكذِّبون بالبعثِ- عُقولٌ تُدرِكون بها حقيقةَ كلِّ دارٍ، وأيُّهما أَوْلى بالإيثارِ؟!

قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ فَإِنَّهُمْ لاَ يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللّهِ يَجْحَدُونَ (33).

قدْ عَلِمْنا يا محمَّدُ أنَّه يحزنك ما يقولُه المُشركونَ، فلا تظُنَّ أنَّ كلامهم صادرٌ عن شَكٍّ في صِدْقِك، وما جئتَ به؛ ولكِنَّ هؤلاءِ الكافرين يجحدون الحقَّ مِن عندِ اللهِ تبارَكَ وتعالَى ظلما وعنادا.

وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِّن قَبْلِكَ فَصَبَرُواْ عَلَى مَا كُذِّبُواْ وَأُوذُواْ حَتَّى أَتَاهُمْ نَصْرُنَا وَلاَ مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ اللّهِ وَلَقدْ جَاءكَ مِن نَّبَإِ الْمُرْسَلِينَ (34).

ولقد كذَّبَ كفَّارُ الأمم الماضية رُسُلًا مِن قَبْلِك -يا محمَّدُ-، فصَبَروا على ما نالَهم مِن التَّكذيبِ والأذى، ومَضَوْا في دَعْوتِهم، حتَّى أتاهم نَصْرُ اللهِ سُبحانَه، ولا أحَدَ يَستطيعُ أنْ يُغيِّر كلماتِ الله تعالى مِن وَعْدِه الأنبياء والمؤمنينَ بالنَّصْرِ على مَن خالَفَهم، ولقدْ جاءَتك -يا محمَّدُ- قَصَص وأخبار المرسلين، وعلمت كيف نُصِرُوا على مَن كذَّبَهم؛ فلك في صبرهم أُسْوةٌ، وفي أخبارِهم تَثبيتٌ، واطمئنانٌ.

وَإِن كَانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إِعْرَاضُهُمْ فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَن تَبْتَغِيَ نَفَقًا فِي الأَرْضِ أَوْ سُلَّمًا فِي السَّمَاء فَتَأْتِيَهُم بِآيَةٍ وَلَوْ شَاء اللّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَى فَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ الْجَاهِلِينَ (35).

وإنْ كان عَظُم وشَقَّ عليك -يا محمَّدُ- إعراضُ هؤلاءِ المشرِكينَ عن اتباع الحَقِّ؛ لِحِرْصِك على إيمانِهم، فإنْ قدرْتَ على أنْ تتَّخِذَ سِرْدابًا تنفُذُ به إلى باطِنِ الأرض، أو تطلُب مِصْعَدًا إلى السَّماءِ؛ لتأتِيَهم ببرهان على صِدْقِك؛ فافعلْ. ولو شاءَ اللهُ تعالى لجَمَع أولئك المكذِّبينَ على الاستقامةِ، ولكنَّه لم يَفعَلْ؛ وَفقًا لِمَا تَقتضيه حِكمَتُه سبحانه وتعالى؛ فلا تكونَنَّ مِن الَّذين لا يَعرفونَ حَقائِقَ الأمورِ، وسُنَنَ اللهِ تعالى في خَلْقِه، فيَكْبُرَ عليك إعراضُهم، وتَحْزَنَ لعدمِ إيمانِهم.

إِنَّمَا يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ وَالْمَوْتَى يَبْعَثُهُمُ اللّهُ ثُمَّ إِلَيْهِ يُرْجَعُونَ (36).

إنَّما يستجيبُ لِدَعْوتِك -يا محمَّدُ- مَن يَعي الكلامَ بقلبِه، فينقادُ لك، وأمَّا هؤلاءِ الكُفَّارُ المعْرِضون عنكَ فهُم أمواتُ القُلوبِ، فلا تُرجَى منهم استجابةٌ، وسيُخْرِجهم اللهُ تعالى مِن قُبُورهم يومَ القيامةِ لمجازاتِهم.

وَقَالُواْ لَوْلاَ نُزِّلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِّن رَّبِّهِ قُلْ إِنَّ اللّهَ قَادِرٌ عَلَى أَن يُنَزِّلٍ آيَةً وَلَـكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ (37) .

وقال المشركونَ؛ عِنادًا وتعنُّتًا: هلَّا أُنزِلَ على محمَّدٍ برهانٌ مِن رَبِّه، يدُلُّ على صِدْقِه؟ فقل لهم -يا محمَّدُ: إنَّ الله قادرٌ على أن يُنزِّلَ ما تطلبون، ولكِنَّ أكثرَ الَّذين يسألونَ ذلك لا يدرونَ ما حِكمةُ تَرْكِ إنزالِه عليك؛ فلو جاءتهم الآيات وَفْقَ ما طلبوا ثمَّ لم يُؤْمِنوا بها، لعُوجِلوا بعقوبةِ مدمرة، كما وقَع للأُمَم السَّابقةِ.

وَمَا مِن دَآبَّةٍ فِي الأَرْضِ وَلاَ طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلاَّ أُمَمٌ أَمْثَالُكُم مَّا فَرَّطْنَا فِي الكِتَابِ مِن شَيْءٍ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ (38).

كلُّ ما يَدِبُّ في الأرض، وما يَطيرُ في جَوِّ السَّماءِ، إنَّما هو أصنافٌ مِثْلُكم أيُّها النَّاسُ؛ خلقْناها، ورزقْناها، ولها آجالٌ محدَّدةٌ، وهي أنواعٌ تختلفُ في أحجامِها، وألوانِها، ولُغاتها، وقُدراتها، وغير ذلك؛ كما هو واقعٌ بيْنَكم، وما أهمَلْنا في اللَّوحِ المحفوظِ شيئًا، بل جميعُ الأشياءِ صغيرِها وكبيرِها، حتَّى أصناف الدَّوابِّ وغيرها؛ مُثبَتةٌ في اللَّوحِ المحفوظِ، فلا يَنسَى واحدًا منها مِن رِزقه وتَدبيرِه، وإنَّ كلَّ دابَّة وكُلَّ طائرٍ محشورٌ إلى الله تعالى بعد انقضاء الدُّنيا، وكذلك جميعُ الأُمَم تُحْشَر إلى الله يومَ القيامةِ، فيُجازيهم بعَدْلِه وإحسانِه سُبحانَه.

وَالَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا صُمٌّ وَبُكْمٌ فِي الظُّلُمَاتِ مَن يَشَإِ اللّهُ يُضْلِلْهُ وَمَن يَشَأْ يَجْعَلْهُ عَلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ (39).

إنَّ المكَذِّبينَ بآيات الله، لا يَسمعون الحَقَّ سماعا ينتفعون به، ولا يَنطِقونَ به، وهُم في ظُلُماتِ الكُفْر، لا يُبْصرونَ، فلا يَعْتبرونَ ولا يهتدون، ومَن يَشَأِ اللهُ تعالى إضلالَه أَضَلَّه، ومَن يَشَأِ اللهُ تعالى هدايَتَه، فإنَّه يَهدِيه إلى الطَّريقِ المستقيمِ، وذلك بحسَبِ ما تقتضيه حِكْمَتُه.

قُلْ أَرَأَيْتُكُم إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللّهِ أَوْ أَتَتْكُمُ السَّاعَةُ أَغَيْرَ اللّهِ تَدْعُونَ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ (40).

قلْ -يا محمَّدُ-: أَخبِروني أيُّها الكفَّارُ، إنْ جَاءَتْكُمْ بَلِيَّةٌ مِنَ البلايا، فرأيتُم الموتَ عِيَانًا، أو جاءَتْكم السَّاعةُ الَّتي تُبعثَون فيها مِن قُبورِكم، هل ستَدْعونَ في ذلك الوقتِ والكَرْبِ أحدًا غيرَ الله؛ لإنجائكم، إنْ كنتم مُحِقِّينَ في اتِّخاذِكم آلهةً معه؟

بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شَاء وَتَنسَوْنَ مَا تُشْرِكُونَ (41).

ما أنتم -أيُّها المشرِكونَ باللهِ- بمُستغيثينَ بشيءٍ غير الله في حالِ الشَّدائدِ؛ لأنَّكم تعلمونَ أنَّه الَّذي بيَدِه وحْدَه إزالتُها، فيُفَرِّجُ عنكم ربُّكم عندَ تضرُّعِكم إليه، إنْ شاء ذلك بحَسَب ما تقتضيه حِكْمَتُه تعالى، وتَنْسَون حِينَ تأتيكم الشَّدائدُ ما تُشركونه مع الله سُبحانَه.

وَلَقَدْ أَرْسَلنَآ إِلَى أُمَمٍ مِّن قَبْلِكَ فَأَخَذْنَاهُمْ بِالْبَأْسَاء وَالضَّرَّاء لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ (42).

ولقد أرسَلْنا -يا محمَّدُ- رُسُلًا إلى أممٍ سابقة، فأمَرْناهم ونَهَيْناهم، فكذَّبوا رُسُلَنا، وخالفوا أمْرَنَا ونَهْيَنا، فامتحنَّاهم بالفقرِ، والأمراضِ؛ ليتضرَّعوا إلَيَّ، ويُخْلِصوا ليَ العبادةَ.

فَلَوْلا إِذْ جَاءهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُواْ وَلَـكِن قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ (43) .

فهلَّا حينَ ابتلَيْناهم تضرَّعوا إلينا، فيُصرَف عنهم العذابُ؟ ولكنْ قُلوبَهم صَلُبَت، فلم تَلِنْ للحَقِّ، وحسَّن لهم الشيطانُ ما كانوا يَعملونَه مِن الأعمالِ الَّتي يَكرَهُها اللهُ ويَسْخَطها منهم.

فَلَمَّا نَسُواْ مَا ذُكِّرُواْ بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُواْ بِمَا أُوتُواْ أَخَذْنَاهُم بَغْتَةً فَإِذَا هُم مُّبْلِسُونَ (44).

فلَمَّا تعمَّدوا ترَك العمل بما أُمروا به على ألْسِنَةِ الرسل، وأَعْرَضُوا عمَّا ذُكِّرُوا به مِن البأساءِ والضَّرَّاءِ فتَحْنا أبوابَ كلِّ شيءٍ كنَّا أغلَقْنا بابَه عليهم، فبدَّلْنا مكانَ البأساءِ الرَّخاءَ، ومكانَ الضَّرَّاء الصِّحَّةَ؛ استدراجًا لهم، إلى أنْ فَرِحوا بما أُعْطُوا مِن السَّعةِ والصِّحَّةِ فَرَحَ أَشَرٍ وبَطَرٍ، فأتيناهُم بالعذابِ فجأة، فإذا هم آيسون من كل خير.

فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُواْ وَالْحَمْدُ لِلّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (45).

فاستُؤصِلَ أولئك المشرِكونَ، ولم يَبْقَ منهم أحدٌ، والحمدُ لله تعالى على ما قضاه وقَدَّرَه؛ من هلاكِ المُكذِّبينَ.

قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَخَذَ اللّهُ سَمْعَكُمْ وَأَبْصَارَكُمْ وَخَتَمَ عَلَى قُلُوبِكُم مَّنْ إِلَـهٌ غَيْرُ اللّهِ يَأْتِيكُم بِهِ انظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الآيَاتِ ثُمَّ هُمْ يَصْدِفُونَ (46).

قل -يا محمَّدُ- لهؤلاءِ المُشركينَ: إنْ أصَمَّكم اللهُ وأعماكم، وطبَع على قلوبِكم، فصرتم بلا عقلٍ، هل ثَمَّ إلهٌ غيرُ الله يَقْدِرُ على ردِّ ذلك إليكم؟ انظُرْ -يا محمَّدُ- كيف نُتابِعُ عليهم الحُجَجَ ونُنَوِّعُها، ونَضرِبُ لهم الأمثالَ ونُبَيِّنُها؛ ليعتَبِروا ويَذَّكَّروا، ثُمَّ هم مع ذلك يُعْرِضُون، وعن الحَقِّ يَنصَرِفونَ.

قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللّهِ بَغْتَةً أَوْ جَهْرَةً هَلْ يُهْلَكُ إِلاَّ الْقَوْمُ الظَّالِمُونَ (47).

قُلْ -يا محمَّدُ- لهؤلاءِ المشركينَ: إنْ أتاكُم عِقابُ اللهِ بسبب شرككم، فجأةً، وأنتم لا تَشعرونَ، أو أتاكم عِقابُه وأنتُم تُعاينونَه ظاهرًا بعدَ أن ترَوْا مُقَدِّماتِه، لا يُهْلِكُ اللهُ منَّا ومنكم إلَّا مَن كان يَعبدُ غيرَه.

وَمَا نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلاَّ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ فَمَنْ آمَنَ وَأَصْلَحَ فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ (48).

وما نُرسِلُ رُسُلَنا إلَّا ببِشارةِ مَن أطاعَهم بالخَيراتِ، والجنَّاتِ، وبإنذارِ مَن عصاهم بالنِّيرانِ، والعُقُوباتِ، فمَنْ آمَنَ قلبُه بالحق، وأصلَحَ عَمَلَه بالإخلاصِ لله تعالى واتِّباعِ رسله؛ فلا خَوْفٌ عليه فيما يَستقبِلُ، ولا يَحْزَن على ما مَضَى.

وَالَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا يَمَسُّهُمُ الْعَذَابُ بِمَا كَانُواْ يَفْسُقُونَ (49).

وأمَّا الَّذين كذَّبوا بالحق، فإنَّهم يَنالُهم العذابُ؛ جزاءً لهم على كُفْرِهم، وخُروجِهم عن أوامِرِ اللهِ تعالى، وارتكابِ مَناهيه.

قُل لاَّ أَقُولُ لَكُمْ عِندِي خَزَآئِنُ اللّهِ وَلا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ إِنْ أَتَّبِعُ إِلاَّ مَا يُوحَى إِلَيَّ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الأَعْمَى وَالْبَصِيرُ أَفَلاَ تَتَفَكَّرُونَ (50).

قل -يا محمَّدُ- لهؤلاءِ المشرِكينَ: لستُ أقولُ لكم إنِّي أمْلِكُ خزائِنَ رِزْقِ الله تعالى، ولا أقولُ لكم: إنِّي أعلمُ غُيوبَ الأشياءِ الخَفِيَّةِ، ولا أدَّعي أنِّي مَلَكٌ، فما أتَّبِعُ إلَّا وَحْيَ اللهِ دون أن أخرج عنه أبدا. وقل -يا محمَّدُ- لهم: هل يستوي الَّذي عَمِيَ عن الحَقِّ وأَعْرَض عنه، مع من أَبْصَرَ الحَقَّ وانقادَ إليه؟ أتُعْرِضونَ عن تلك الآياتِ، فلا تتفكَّرونَ فيها؛ لتَعْلَموا صِحَّةَ دعوتي، وتنقادوا للحَقِّ؟!

وَأَنذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَن يُحْشَرُواْ إِلَى رَبِّهِمْ لَيْسَ لَهُم مِّن دُونِهِ وَلِيٌّ وَلاَ شَفِيعٌ لَّعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ (51) .

وأنذِرْ بهذا القرآنِ -يا محمَّدُ- مَن يَنتفعُ به حقًّا، وهم الَّذين يخافونَ الحشرَ إلى رَبِّهم، والحالُ أنَّه ليس لهم يَومَئذٍ مِن عذابِ الله -إنْ عَذَّبَهم- وليٌّ مِن دُونِ اللهِ ينصرهم، ولا شفيعٌ يتوسَّطُ لهم فيُخَلِّصهم، فأنذِرْهم كي يتَّقوا سخط الله تعالى وعذابَه.

وَلاَ تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِم مِّن شَيْءٍ وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِم مِّن شَيْءٍ فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ (52).

ولا تُقْصِ -يا محمَّدُ- أولئك الَّذينَ يلازمونَ دُعاءَ رَبِّهِم، في أوَّلِ النَّهارِ وآخِرِه؛ طَلَبًا لوَجْهِه الكريمِ، فاجْعَلْهم جُلَساءَك، واعلم أنَّ لكلٍّ منكم حسابه على اللهِ عزَّ وجلَّ وَحْدَه؛ فله عملُه الصَّالحُ، وعليه عَمَلُه الطَّالحُ، ولستَ محاسَبًا -يا محمَّدُ- بما يفعلُ ضعفاء أصحابك، وهم ليسوا مُحاسَبينَ بما تفعلُ؛ حتَّى يَكونَ ذلك سَببًا في طَرْدِهم، فإنْ طردْتَهم فإنَّك مِن الظالمين.

وَكَذَلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لِّيَقُولواْ أَهَـؤُلاء مَنَّ اللّهُ عَلَيْهِم مِّن بَيْنِنَا أَلَيْسَ اللّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ (53).

وكذلك أيضًا يَبتَلي اللهُ تعالى النَّاسَ، بعضَهم ببعضٍ، فإذا مَنَّ اللهُ بالإيمانِ على الفقيرِ أو الوضيعِ؛ كان ذلك محنة للكافر الغنيِّ أو الشَّريفِ، وإنَّما اختبَر اللهُ النَّاسَ بذلك؛ كي يقولَ مَن أضلَّهم اللهُ عن الَّذين هَداهم اللهُ: أهؤلاءِ مَنَّ اللهُ عليهم مِن بَيْنِنا بالهدايةِ إلى الحقِّ، وهم ضعفاءُ أذِلَّاءُ، ونحن أقوياءُ شُرَفاءُ؟ كلَّا! فلو كان خيرًا لهُدِينا نحنُ إليه؛ لأنَّنا أَوْلى منهم! فردَّ اللهُ تعالى عليهم بأنه أعلمُ بِمَن شَكَر نِعَمَه؛ فيهديَه؛ جزاءً على شُكْرِه، ممَّن هو كافرٌ بها؛ فيُضِلّه؛ جزاءً على كُفْره.

وَإِذَا جَاءكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِنَا فَقُلْ سَلاَمٌ عَلَيْكُمْ كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ أَنَّهُ مَن عَمِلَ مِنكُمْ سُوءًا بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابَ مِن بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ (54).

وإذا جاءَكَ المؤمنون بآياتنا -يا محمَّدُ-؛ فحَيِّهم بإلقاءِ السَّلامِ عليهم، وبَشِّرْهم برحمةِ الله الواسِعَةِ؛ فقد أوجَبَها على نَفْسِه الكريمةِ؛ تفضُّلًا منه، فمَنِ اقترفَ ذنبًا، بجَهالةٍ منه حيث آثَرَ الدنيا، وعَمِيَ عن عواقِبِ فِعْله ثمَّ تاب من ذلك، وقام بإصلاحِ ما أفسَدَه؛ فاللهُ تعالى يغفر له ويرحمه.

وَكَذَلِكَ نفَصِّلُ الآيَاتِ وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ (55).

وكما وضَّحْنا -فيما تقدَّم مِن هذه السُّورةِ- حُجَّتَنا على المشرِكينَ، وميَّزْنا الهُدى مِن الضَّلالِ، فكذلك نوضِّحُ أدلَّتَنا في إثباتِ كلِّ حقٍّ، ورَدِّ كُلِّ باطلٍ؛ ليظهر طريقُ المُشركينَ.

قُلْ إِنِّي نُهِيتُ أَنْ أَعْبُدَ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللّهِ قُل لاَّ أَتَّبِعُ أَهْوَاءكُمْ قَدْ ضَلَلْتُ إِذًا وَمَا أَنَاْ مِنَ الْمُهْتَدِينَ (56) .

قل -يا محمَّدُ- لأولئك المشرِكينَ: إنَّ رَبِّي نهاني عن عِبادةِ ما تَعبُدونَ مِن دُونِه سُبحانَه، ولا أتَّبِعُ أهواءَكم في ذلك، فإنِ فعلتُ فقد خرجتُ عن طريقِ الهدى.

قُلْ إِنِّي عَلَى بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّي وَكَذَّبْتُم بِهِ مَا عِندِي مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ إِنِ الْحُكْمُ إِلاَّ لِلّهِ يَقُصُّ الْحَقَّ وَهُوَ خَيْرُ الْفَاصِلِينَ (57) .

قلْ -يا محمَّدُ-: إنِّي على بصيرةٍ، وحُجَّةٍ، قد أبانت صِحَّةَ توحيدِ ربِّي، وأوضَحَتْ صِحَّةَ شريعَتِه، ولكنَّكم -أيُّها المُشركونَ- كذَّبْتُم بالحَقِّ، وليس الَّذي تَتعجَّلونَه مِن عذابِ الله تعالى بيَدِي، إنَّما ذلك راجعٌ إلى الله تعالى وحده، فإنْ شاء عجَّلَه لكم، وإنْ شاء أخَّره عنكم، بِحَسَب ما تقتضيه حِكْمَتُه، فالحكمُ الكَونيُّ، والشَّرعيُّ لله تعالى وحْدَه، وهو يتْلو علينا في كتابِه الحقَّ الواضِحَ، الَّذي تنقَطِعُ به حُجَجُهم، وهو خَيْرُ مَن فَصَلَ القضايا، فميَّز بيْن المحِقِّ والمبْطِلِ.

قُل لَّوْ أَنَّ عِندِي مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ لَقُضِيَ الأَمْرُ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَاللّهُ أَعْلَمُ بِالظَّالِمِينَ (58).

قلُ -يا محمَّدُ- لهؤلاء المُستعجلينَ بالعذابِ: لو أنَّ بِيَدِي عذابكم لعاجَلْتُكم به، ولكنَّ ذلك بِيَدِ الله، الَّذي هو أعلمُ بوقْتِ وقوعه على المشركين ولا يَخفَى عليه شيءٌ مِن أحوالِهم.

وَعِندَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لاَ يَعْلَمُهَا إِلاَّ هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِن وَرَقَةٍ إِلاَّ يَعْلَمُهَا وَلاَ حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الأَرْضِ وَلاَ رَطْبٍ وَلاَ يَابِسٍ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ (59) .

وعندَه خزائنُ الغيبِ، فيعلَمُ وحده جميعَ ما غاب عن خَلْقِه، وعِلمُه مُحيطٌ بجميعِ الموجوداتِ، بَرِّيِّها وبَحْرِيِّها، وما مِن ورقةِ شَجَرٍ تقَعُ في أيِّ مكانٍ مِن الأرض إلَّا واللهُ عزَّ وجلَّ يَعْلَمُها، وَما من حَبَّةٍ مِن الثِّمارِ والزُّروعِ، والبُذورِ موجودة في ظُلُماتِ الأَرْضِ، وكذا كلُّ شيءٍ آخَرَ مِن رطْبٍ أو يابسٍ؛ إلا وقد أُثْبِتَ في اللَّوحِ المحفوظِ، مكتوبًا فيه عدَدُه، وغير ذلك.

وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُم بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُم بِالنَّهَارِ ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ فِيهِ لِيُقْضَى أَجَلٌ مُّسَمًّى ثُمَّ إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ ثُمَّ يُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ (60).

واللهُ هو الَّذي يقبض أرواحَكم باللَّيلِ عند النَّومِ، ويعلمُ ما كَسَبْتُم مِن الأعمالِ بالنَّهارِ، وهو الذي يُوقِظُكم مِن منامِكم في النَّهارِ؛ ثم لا يزال الأمر كذلك إلى أن تبلغوا الأجَلَ الَّذي حدَّده اللهُ لحياتِكم فتموتوا، ثمَّ إلى الله وَحْدَه مصيرُكم يومَ القيامةِ، ثم يُخبِرُكم بما كنتُم تَعملونَه في الدُّنيا، ويُجازيكم بذلك.

وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَيُرْسِلُ عَلَيْكُم حَفَظَةً حَتَّىَ إِذَا جَاء أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لاَ يُفَرِّطُونَ (61) .

واللهُ تعالى هو الَّذي قَهَر عباده، فهو الغالِبُ لهم بقُدرَتِه، العالي عليهم بتذليلِه لهم، ووكَّلَ بهم ملائكة؛ يحفظونَهم، ويحصون أعمالَهم، وإذا حضر أحدهم الموتُ، تَوفَّتْه الملائكة الموَّكلونَ بقَبْضِ الأرواحِ في الوقت المحدد، ولا يُفرِّطون في حِفْظ رُوحِ المتوفَّى، ويُنْزِلونَها حيثُ شاءَ الله تعالى، فإنْ كان مِن الأبرارِ ففي عِلِّيِّينَ، وإنْ كان مِن الفُجَّارِ ففي سِجِّينٍ.

ثُمَّ رُدُّواْ إِلَى اللّهِ مَوْلاَهُمُ الْحَقِّ أَلاَ لَهُ الْحُكْمُ وَهُوَ أَسْرَعُ الْحَاسِبِينَ (62).

ثمَّ بعدَ الموتِ والحياةِ البَرزَخيَّةِ يُرَدُّ العِبادُ يومَ القيامةِ إلى الله سَيِّدِهم، الَّذي تولَّى أمورَهم، وهو سُبحانَه الحقُّ الَّذي ليس بباطلٍ، فرُدُّوا إليه؛ ليتولَّى الحُكمَ فيهم، فيُثِيبَهم على الطاعات، ويُعاقِبَهم على السيِّئاتِ، وهو سريعُ الحساب، لا يفوقه أحدٌ في ذلك.

قُلْ مَن يُنَجِّيكُم مِّن ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ تَدْعُونَهُ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً لَّئِنْ أَنجَانَا مِنْ هَـذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ (63).

قلْ -يا مُحمَّدُ- للمشرِكينَ: مَنِ الَّذي يُنجِّيكم في مَفاوزِ البَرِّيَّةِ، إذا ضَلَلْتم، وفي اللُّجَجِ البَحريَّةِ، إذا هاجت العواصف، أو أخطأْتُم طريقَكم، من الذي تَدْعونَه سِرًّا بتذلُّل وافتقار، قائلينَ: لئنْ أخرجْتَنا مِن هذه الشِّدَّةِ الَّتي وقَعْنا فيها، لَنكُونَنَّ ممَّن يعترفُ بنِعْمَتِك، ويخلصُ لك العبادةَ؟

قُلِ اللّهُ يُنَجِّيكُم مِّنْهَا وَمِن كُلِّ كَرْبٍ ثُمَّ أَنتُمْ تُشْرِكُونَ (64).

قلْ -يا محمَّدُ- للمشركين: اللهُ هو القادِرُ على أن يُنَجِّيكم مِما حلَّ بكم في البَرِّ والبَحرِ؛ ومِن كُلِّ كَرْبٍ آخَرَ، لا آلِهَتُكم الَّتي تَعبُدونَها مِن دُونِه، ثمَّ أنتُم بعدَ نجاتكم تُشْرِكون به مجدَّدا، فلا تَفُونَ لله تعالى بما قُلْتُم، وتنسَونَ نِعَمَه عليكم!

قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَن يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِّن فَوْقِكُمْ أَوْ مِن تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعاً وَيُذِيقَ بَعْضَكُم بَأْسَ بَعْضٍ انظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الآيَاتِ لَعَلَّهُمْ يَفْقَهُونَ (65)

قل -يا محمَّدُ- للمُشرِكينَ: إنَّ الَّذي يُنجِّيكم مِن ظُلُماتِ البَرِّ والبحرِ، ومِن كُلِّ كَرْبٍ، ثمَّ تَعودونَ للإشراكِ به؛ قادرٌ على إرسالِ العذابِ إليكم فوق رُؤوسِكم كالرجم، أو مِن تحتِكم كالخسف، أو يَخلِطَكم أحزابًا مفترِقةً، ويَقتُلَ بعضُكم بعضًا. وانظرْ -يا محمَّدُ- إلى تنويعِ حُجَجِنا على هؤلاء المشركينَ، وإيضاحِنا للحَقِّ؛ ليَفهموا، ويزدَجِروا.

وَكَذَّبَ بِهِ قَوْمُكَ وَهُوَ الْحَقُّ قُل لَّسْتُ عَلَيْكُم بِوَكِيلٍ (66).

وكذَّبتْ قُرَيشٌ -يا محمَّدُ- بالقرآنِ، وهو الحقُّ الَّذي لا شَكَّ فيه، فقل لهم: لستُ مُوَكَّلًا بكم، وإنَّما علَيَّ البلاغُ.

لِّكُلِّ نَبَإٍ مُّسْتَقَرٌّ وَسَوْفَ تَعْلَمُونَ (67).

لكلِّ خَبَرٍ وقتٌ يستقرُّ فيه، وزمانٌ لا يتقدَّمُ عنه ولا يتأخَّرُ، وغايةٌ يَتبيَّنُ عندَها صِدْقُه مِن كَذِبِه، وسوف تعلمونَ -أيُّها المُشركونَ- ما تُوعَدُون به مِن العذابِ.

وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُواْ فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ وَإِمَّا يُنسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلاَ تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (68).

وإذا رأيتَ -يا محمَّدُ- الَّذين يَخُوضونَ في آياتِنا بالتَّكذيبِ والاستهزاءِ، وغير ذلك، فلا تَجْلِسْ معهم حتَّى يأخذوا في كلامٍ آخَرَ، وإنْ أنساكَ الشَّيطانُ نَهْيَنا عن الجُلوسِ معهم، ثمَّ تذكَّرْتَ؛ فقُمْ، ولا تَقْعُدْ مع أولئك الظالمين.

وَمَا عَلَى الَّذِينَ يَتَّقُونَ مِنْ حِسَابِهِم مِّن شَيْءٍ وَلَـكِن ذِكْرَى لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ (69).

إذا تجنَّبَهم المُتَّقون؛ فلم يَجْلِسوا معهم في ذلك، فقد تخلَّصوا من إثْمِ خَوْضِ الكُفَّارِ في الباطِلِ، ولا يُحاسَبون على شيءٍ من ذلك، ولكنْ عليهم تذكيرهم؛ لِيَتَّقُوا اللهَ عزَّ وجلَّ؛ فيترُكوا الخَوْضَ في آياتِه سُبحانَه.

وَذَرِ الَّذِينَ اتَّخَذُواْ دِينَهُمْ لَعِبًا وَلَهْوًا وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَذَكِّرْ بِهِ أَن تُبْسَلَ نَفْسٌ بِمَا كَسَبَتْ لَيْسَ لَهَا مِن دُونِ اللّهِ وَلِيٌّ وَلاَ شَفِيعٌ وَإِن تَعْدِلْ كُلَّ عَدْلٍ لاَّ يُؤْخَذْ مِنْهَا أُوْلَـئِكَ الَّذِينَ أُبْسِلُواْ بِمَا كَسَبُواْ لَهُمْ شَرَابٌ مِّنْ حَمِيمٍ وَعَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُواْ يَكْفُرُونَ (70).

ودَعْ -يا محمَّدُ- هؤلاءِ الَّذين جَعَلوا نصيبَهم مِن دِينِ اللهِ تعالى اللَّعبَ بآياتِه، واللَّهوَ بها، وقد اغترُّوا بزِينةِ الدُّنيا، فنَسُوا الآخرة. وذكِّر النَّاسَ بهذا القرآنِ؛ كي لا تُحْبَسَ نفسٌ بذُنوبها وكُفْرِها، عمَّا فيه نجاتُها، وتُسْلَمَ للعذابِ، فليسَ لها حينَ ذلك أحدٌ يَنصُرُها، ويُنْقِذُها، ولا شفيعٌ يَطْلُب لها العَفْوَ مِن الله عزَّ وجلَّ، ولو بَذَلَت كلَّ فِداءٍ؛ لا يُقبَلُ منها. وهؤلاءِ الَّذين أُسْلِمُوا لعذابِ الله، فحُبسوا به؛ جزاءً بما كسبوا في الدُّنيا من الآثامِ، لهم شرابٌ شديدُ الحرارةِ، ولهم عذابٌ مؤلم؛ بسبَبِ كُفْرِهم.

قُلْ أَنَدْعُو مِن دُونِ اللّهِ مَا لاَ يَنفَعُنَا وَلاَ يَضُرُّنَا وَنُرَدُّ عَلَى أَعْقَابِنَا بَعْدَ إِذْ هَدَانَا اللّهُ كَالَّذِي اسْتَهْوَتْهُ الشَّيَاطِينُ فِي الأَرْضِ حَيْرَانَ لَهُ أَصْحَابٌ يَدْعُونَهُ إِلَى الْهُدَى ائْتِنَا قُلْ إِنَّ هُدَى اللّهِ هُوَ الْهُدَىَ وَأُمِرْنَا لِنُسْلِمَ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ (71) .

قل -يا محمَّدُ-: أَندْعُو مِن دون اللهِ ما لا يَقدِرُ على نَفعِنا أو ضُرِّنا، ونَرجِعُ بعدَ هدايةِ اللهِ تعالى لنا إلى الضَّلالِ، فيكون مَثَلُنا في ذلك كالرَّجُلِ الَّذي أضَلَّتْه الشَّياطينُ عن طريقِه، فبَقِيَ في حَيرَةٍ، وله أصحابٌ يَدْعونَه إلى الطَّريقِ الصَّحيحِ الَّذي هم عليه؟! قُلْ -يا محمَّدُ-: إنَّ طريقَ اللهِ، هو الحق الذي لا شكَّ فيه، وما عَداه فضلالٌ، وقد أَمَرَنا ربُّ العالمين بأنْ ننقادَ لتوحيدِه، ونستسلِمَ لأمرِه، ونَخضَعَ لعبادته.

وَأَنْ أَقِيمُواْ الصَّلاةَ وَاتَّقُوهُ وَهُوَ الَّذِيَ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (72).

وأُمِرْنا بإقامةِ الصَّلاة، بحُدودِها وأركانِها وشُروطِها وسُنَنِها، وبتَقْواه في جميعِ الأحوالِ، وهو الَّذي تُجمَعونَ إليه يومَ القيامةِ، فيُجازيكم بأعمالِكم.

وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ بِالْحَقِّ وَيَوْمَ يَقُولُ كُن فَيَكُونُ قَوْلُهُ الْحَقُّ وَلَهُ الْمُلْكُ يَوْمَ يُنفَخُ فِي الصُّوَرِ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ (73).

وهو سُبحانَه الَّذي خَلَق السَّمواتِ والأرضَ لحِكَمٍ عَظيمةٍ لا لعبًا وعبثًا. ويومَ القِيامةِ يكونُ بقَولِ الله: {كُنْ} فيكونُ عن أمْرِه فورًا، فقوله تعالى واقِعٌ لا محالةَ، وهو المنفَرِدُ بالملْكِ وحْدَه في ذلِك اليومِ الَّذي يَنفُخُ فيه المَلَكُ في الصور، وهو سُبحانَه يَعلَمُ ما يَغيبُ عن العِبادِ وما يُشاهِدونَه، فلا يَخْفَى عليه شيءٌ، وهو الَّذي له الحِكمةُ التَّامَّةُ، الخبيرُ المحيطُ علمًا بجميع البواطِنِ.

وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لأَبِيهِ آزَرَ أَتَتَّخِذُ أَصْنَامًا آلِهَةً إِنِّي أَرَاكَ وَقَوْمَكَ فِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ (74).

واذكُرْ -يا محمَّدُ- حينَ قال إبراهيمُ عليه السَّلامُ لأبيهِ آزَرَ: أتَعبُدُ الأصنامَ مِن دونِ الله عزَّ وجلَّ؟! إنِّي أراك وقومَك الَّذين يَعبُدونَ تلك الأصنامَ في ضلالٍ واضِحٍ عن الصِّراطِ المستقيمِ.

وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ (75).

كما بصَّرْنا إبراهيمَ في دِينه فوفَّقناه لتوحيدِ الله تعالى؛ أريناه أيضًا مُلْك السَّمواتِ والأرضِ، فرأى ما أبدَعَه اللهُ تعالى فيهما؛ ليتبيَّن ببصيرتِه ما اشتمَلَت عليه مِن أدلَّةِ وحدانيَّة اللهِ عزَّ وجلَّ، واستحقاقِه للعبادة وَحْده؛ فيَصِلَ إلى دَرجةِ اليقينِ.

فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى كَوْكَبًا قَالَ هَـذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لا أُحِبُّ الآفِلِينَ (76).

فلمَّا وارى إبراهيمَ اللَّيلُ، أبصَرَ كوكبًا، فقال على وجْهِ التَّنزُّلِ مع قَومِه: هذا ربِّي. فلمَّا غاب ذلك الكوكبُ، قال: لا أُحِبُّ المعبودَ المتغيِّرَ، المُسَخَّرَ، الَّذي يغيبُ عمَّن عَبَدَه.

فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بَازِغًا قَالَ هَـذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَئِن لَّمْ يَهْدِنِي رَبِّي لأكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ (77).

فلمَّا رأى إبراهيمُ القَمَرَ في أوَّلِ طلوعِه قال تنزُّلًا: هذا ربِّي. فلمَّا غاب القمرُ قال: لئِنْ لم يُوفِّقْني ربِّي لإصابةِ الحَقِّ لأكونَنَّ مِن القومِ الَّذين أخطَؤوا الصواب.

فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَـذَا رَبِّي هَـذَآ أَكْبَرُ فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِّمَّا تُشْرِكُونَ (78) .

فلمَّا رأى إبراهيمُ الشَّمْسَ في أوَّلِ طُلُوعِها قال تنزُّلًا: هذا ربِّي، وهو أكبرُ مِن الكوكَبِ ومِن القَمَر، فلمَّا غابتِ الشَّمْسُ قال لقومِه: إنِّي أتبرَّأُ مِن كلِّ ما تَعبُدونَه مع اللهِ عزَّ وجلَّ.

إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَاْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (79).

إنِّي أخلصْتُ قَصْدي، وأفرَدْتُ عِبادتي لله الَّذي أَبْدَع خَلْقَ السَّمواتِ والأرضِ، القادِر وحْدَه على أن يُنْشِئَ الخَلْقَ مِن العَدَمِ، فأنا مستقيم على تَّوحيدِه، لا أُشِركُ به شَيئًا.

وَحَآجَّهُ قَوْمُهُ قَالَ أَتُحَاجُّونِّي فِي اللّهِ وَقَدْ هَدَانِ وَلاَ أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ إِلاَّ أَن يَشَاء رَبِّي شَيْئًا وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا أَفَلاَ تَتَذَكَّرُونَ (80) .

وجادَل إبراهيمَ قومُهُ فيما ذهَبَ إليه مِن توحيدِ الله تعالى، وبَراءَتِه من الأصنامِ، وقال لهم: أتُجادِلونَني في عبادَة الله وحْدَه، والحالُ أنَّه بصَّرَني بالحقِّ، ووفَّقَني لاتِّباعِه؟! ولا أَرهَبُ آلهتَكم الَّتي تَدْعونها مِن دون اللهِ أن تنالَني بسُوءٍ؛ فهي لا تنفعُ ولا تضرُّ، لكن إذا شاءَ اللهُ تعالى أنْ ينالَني ذلك فسيكونُ، أحاط عِلمُ ربِّي سبحانَه بكلِّ شيءٍ؛ فلا تَخفَى عليه خافيةٌ، أفلا تتَّعِظونَ، فتَعْقِلوا بُطلانَ عِبادَتِكم لآلهَةٍ لا تَقدِرُ على ضُرٍّ ولا نفْعٍ، ولا تعلَمُ شيئًا؟

وَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ وَلاَ تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُم بِاللّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالأَمْنِ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ (81).

وكيف أَرهَبُ آلهَتَكم العاجزة الَّتي أشركتُموها مع اللهِ، بيْنَما أنتُم لا تخافونَ مِن اللهِ في إشراكِكم به ما لم يُنزِّلْ به عليكم بُرهانًا؟! فأيُّ الطائفتينِ أجدَرُ بالأمْنِ؛ الَّذي عبَدَ مَن بِيَدِه الضُّرُّ والنَّفعُ، أو الَّذي عَبَد بلا دليلٍ مَن لا يَضُرُّ ولا ينفَعُ؟ فإنْ كنتم تعلمونَ صِدْقَ ما أقولُ، فأجيبوني.

الَّذِينَ آمَنُواْ وَلَمْ يَلْبِسُواْ إِيمَانَهُم بِظُلْمٍ أُوْلَـئِكَ لَهُمُ الأَمْنُ وَهُم مُّهْتَدُونَ (82).

الَّذين آمَنوا حقًّا، ولم يَخلِطوا إيمانَهم بشِرْكٍ، هم الآمِنونَ مِن المخاوِفِ في الدَّارَينِ، السَّالكونَ طريقَ الحَقِّ.

وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَّن نَّشَاء إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ (83).

وتلك حُجَّتُنا أَعطَيْناها إبراهيمَ؛ ليُفْحِمَ قومَه، فانقطَعَت حُجَّتُهم، وعلَا عليهم، وكما رَفَعْنا درجةَ إبراهيمَ في الدُّنيا والآخِرَةِ، فكذلك نرفَعُ مَن نشاءُ مَنْحَه العِلمَ والحُجَّةَ، درجاتٍ فوقَ العبادِ، إنَّ ربَّكَ -يا محمَّدُ- حَكيمٌ في سياسَتِه خَلْقَه، وتلقينِه الحُجَجَ لرُسُلِه، وفي غير ذلك، عليمٌ بعاقبةِ رُسُلِه والمُرْسَل إليهم، ويرفع مَن يستحِقُّ الهدايةَ، ويخذل من يستحِقُّ الضَّلالَ.

وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَقَ وَيَعْقُوبَ كُلاًّ هَدَيْنَا وَنُوحًا هَدَيْنَا مِن قَبْلُ وَمِن ذُرِّيَّتِهِ دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسَى وَهَارُونَ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (84).

وهبنا لإبراهيمَ ابنَه إسحاقَ وابنَ ابنِه يعقوبَ، وقد هَدَيْناهم الصِّراطَ المستقيمَ، وهَدَينا نوحًا مِن قبلِهم، وهَدَيْنا أيضًا مِن ذُرِّيَّةِ نوحٍ: دَاودَ وسُليمانَ وأيُّوبَ ويوسُفَ وموسى وهارونَ، وكما جَزَيْنا أولئك الرُّسُلَ الكِرامَ، فوفَّقناهم للحق كذلك نَجزي كلَّ مَن أحسَنَ عَمَلَه لله تعالى، فنجعَلُ له حظا مِن التَّوفيقِ للحَقِّ، والثَّناءِ الجميلِ، والذُّرِّيَّةِ الصَّالحةِ، بحَسَب إحسانِه.

وَزَكَرِيَّا وَيَحْيَى وَعِيسَى وَإِلْيَاسَ كُلٌّ مِّنَ الصَّالِحِينَ (85).

وهدَيْنا للحَقِّ أيضًا زكريَّا ويحيى وعيسى وإلياسَ، وهؤلاءِ مِن الصَّالحينَ في نِيَّاتِهم وأخلاقِهم، وأعمالِهم وعُلومِهم.

وَإِسْمَاعِيلَ وَالْيَسَعَ وَيُونُسَ وَلُوطًا وَكُلاًّ فضَّلْنَا عَلَى الْعَالَمِينَ (86).

وهدَيْنا للحَقِّ أيضًا إسماعيلَ والْيَسَع ويونُسَ ولوطًا، وفضَّلناهم على العالَمينَ في أزمانِهم.

وَمِنْ آبَائِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَإِخْوَانِهِمْ وَاجْتَبَيْنَاهُمْ وَهَدَيْنَاهُمْ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ (87).

وهَدَيْنا أيضًا بعضَ آباءِ مَن تقدَّم ذِكْرُهم؛ مِن الأنبياءِ عليهم السَّلامُ، وهدَيْنا بعضَ ذُرِّيَّاتِهم، وبعضَ إخوانِهم، واختَرْناهم لإبلاغِ رِسالَتِنا، ووفَّقناهم لاتِّباع الحقِّ.

ذَلِكَ هُدَى اللّهِ يَهْدِي بِهِ مَن يَشَاء مِنْ عِبَادِهِ وَلَوْ أَشْرَكُواْ لَحَبِطَ عَنْهُم مَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ (88) .

هذا الهُدى الَّذي أعطي لأولئك الأنبياءُ والرُّسُلُ، هو هُدَى اللهِ الَّذي لا هُدَى غيره، فيُوفِّقُ له مَن يَشاءُ اللهُ هدايَتَه، ولو أنَّ أولئك الأنبياءَ والرُّسُلَ أَشْرَكوا بِرَبِّهم سُبحانَه وتعالى -على سبيلِ الفَرْضِ والتَّقديرِ- لذهب عنهم أجْرُ جميعِ ما عَمِلوه من الخيرِ.

أُوْلَـئِكَ الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ فَإِن يَكْفُرْ بِهَا هَـؤُلاء فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا قَوْمًا لَّيْسُواْ بِهَا بِكَافِرِينَ (89) .

أولئك الأنبياءِ والرُّسُلِ هم الَّذين أعطيناهم الكِتابَ، كصُحُفِ إبراهيمَ، وتوراةِ موسى، وزبورِ داودَ، وإنجيلِ عيسى، ومنَحْناهم الفَهْمَ به، ومعرفةَ أحكامه، ودقائِقِه، وأكْرَمْناهم بالنبوة، فإنْ يَكفُرْ -يا محمَّدُ- قومُك بما آتَيْناكَ مِن الكتابِ والحُكْمِ والنُّبوَّةِ، فقد رزَقْناها قومًا آخرينَ مؤمنين بها؛ حتَّى يَقوموا بها، ويحافظوا عليها.

أُوْلَـئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ قُل لاَّ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِنْ هُوَ إِلاَّ ذِكْرَى لِلْعَالَمِينَ (90).

أولئك الأنبياءُ والرُّسُلُ الكرامُ، هم الَّذين هَداهم اللهُ للحق، فَسِرْ خَلْفَهم -يا محمَّدُ- واتَّبِعْهم، وقلْ لِمُشْركي قومِك: لا أسأَلُكم على دعوتي لكم، وإبلاغِكم القرآنَ، أُجْرةً، وما أقوم بذلك إلَّا تذكيرا للعالَمينَ.

وَمَا قَدَرُواْ اللّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قَالُواْ مَا أَنزَلَ اللّهُ عَلَى بَشَرٍ مِّن شَيْءٍ قُلْ مَنْ أَنزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاء بِهِ مُوسَى نُورًا وَهُدًى لِّلنَّاسِ تَجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ تُبْدُونَهَا وَتُخْفُونَ كَثِيرًا وَعُلِّمْتُم مَّا لَمْ تَعْلَمُواْ أَنتُمْ وَلاَ آبَاؤُكُمْ قُلِ اللّهُ ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ (91).

وما عظَّموا الله حقَّ تَعظيمِه؛ حينَ قال اليهود -ويحتمل أن المشركين قلَّدوهم في ذلك- إنكارا لنبوة محمد صلى اللهُ عليه وسلم: لم يُنْزِلِ اللهُ على آدَمِيٍّ كتابًا! فقل لهم -يا محمَّدُ-: إذا كان الأمر كما تزعمون فمَن أنزَلَ إذَن التوراةَ الَّتي جاء بها موسى نورا وهدى إلى الحق؟ وقد جعلتموها معشر اليهود في دفاتر تنْسَخونها بأيديكم، وتتصَرَّفونَ فيها وفق أهوائكم؛ فمنها ما أَظْهَرتموه، وكثير منها أَخْفَيتموه. وقد علَّمَكم الله عزَّ وجلَّ ما لم تَعلموه، ولم يَعْلَمْه آباؤُكم؛ كأخبارِ ما سَبَقَ، وأنباءِ ما يأتي، قلْ -يا محمَّدُ-: اللهُ الذي أَنزَلَ التوراة على موسى، ثمَّ دَعْهُم فيما يخوضونَ فيه مِن باطِل.

وَهَـذَا كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ مُّصَدِّقُ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَلِتُنذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَهُمْ عَلَى صَلاَتِهِمْ يُحَافِظُونَ (92).

وهذا القرآنُ الَّذي أوحَيْناه إليك -يا محمَّدُ- كتابٌ كثيرُ البَرَكاتِ، مُوافِقٌ لِما قَبْلَه من الكُتُب، وشاهِدٌ لها بالصِّدْق، وقد أنزلناه لتُنْذِرَ أهْلَ مَكَّةَ ومَنْ حولَهم مِن أحياءِ العَرَبِ، وسائِرِ البُلدان، فتُحَذِّرَهم عقوبةَ اللهِ عزَّ وجلَّ. وكلُّ الذين يؤمنون بوقوع بالبعث؛ يؤمنون بهذا القرآنِ العظيمِ، وهم يَقومونَ بأداءِ الصَّلواتِ ويُداوِمونَ عليها، ويَحْفَظونَ أرْكانَها وحُدودَها وآدابَها.

وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللّهِ كَذِبًا أَوْ قَالَ أُوْحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ وَمَن قَالَ سَأُنزِلُ مِثْلَ مَا أَنَزلَ اللّهُ وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ وَالْمَلآئِكَةُ بَاسِطُواْ أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُواْ أَنفُسَكُمُ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللّهِ غَيْرَ الْحَقِّ وَكُنتُمْ عَنْ آيَاتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ (93).

لا أحدَ أعظمُ ظُلمًا، ممَّن كَذَبَ على الله عزَّ وجلَّ، بأنْ نسبَ إليه سبحانه قولًا أو حُكمًا وهو تعالى بريءٌ منه، أوِ ادَّعى على اللهِ تعالى أنَّه بعَثَه نبيًّا وهو كاذبٌ في دعواه؛ أوِ ادَّعى أنَّ في إمكانِه الإتيانَ بمِثْلِ القرآن! ولو ترى -يا محمَّدُ- الظَّالمينَ، أمثالَ هؤلاءِ المُفتَرينَ على الله تعالى، حينَ يغمُرُهم الموتُ بسَكَراتِه؛ لرَأَيْتَ أمرًا هائلًا، والملائكة قد مدُّوا أيديَهم؛ يَضربونَ وُجوهَهم وأَدْبارَهم ضربًا مُوجعًا، ويقولون لهم عندَ امتناعِ أرواحِهم مِن الخُرُوجِ: أخرِجوا أنفُسَكم مِن أجسادِكم، اليومَ تُهانونَ غايةَ الإهانةِ؛ جزاءَ كَذِبِكم على اللهِ تعالى، واستكبارِكم عن اتِّباعِ الحق.

وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُم مَّا خَوَّلْنَاكُمْ وَرَاء ظُهُورِكُمْ وَمَا نَرَى مَعَكُمْ شُفَعَاءكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكَاء لَقَد تَّقَطَّعَ بَيْنَكُمْ وَضَلَّ عَنكُم مَّا كُنتُمْ تَزْعُمُونَ (94) .

يقول لهم اللهُ تعالى عندَ وُرودِهم عليه في الآخرة: لقد جئتُمونا بلا أهلٍ ولا أولادٍ، ولا جُنودٍ ولا أعوانٍ، حُفاةً عُراةً غُلْفًا غُرْلًا، وخلَّفْتُم ما آتَيْناكم مِنَ نعَمِ الدُّنيا، فلم تَحْمِلوها إلى الآخِرةِ، ولا نرَى معكم شُفعاءَكم الَّذين كُنتم تَعبُدونَهم معنا، وتزعمونَ أنَّهم يَشفعونَ لكم عِندنا، لقدِ انقطَعَ اليومَ ما كان بيْنَكم وبيْنهم، وغابوا عنكم.

إِنَّ اللّهَ فَالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوَى يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَمُخْرِجُ الْمَيِّتِ مِنَ الْحَيِّ ذَلِكُمُ اللّهُ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ (95) .

إنَّ الَّذي يستحقُّ العبادةَ وَحْدَه هو اللهُ الَّذي يشُقُّ الحبَّ في الثَّرَى، فتَنْبُتُ الزُّروعُ، ويشُقُّ النَّوى، فتَخْرُجُ الأشجارُ، ويُخرج الحيَّ مِن المَيِّتِ، كما يُخرِجُ الإنسانَ مِن النُّطفةِ، ويُخرج الميِّت من الحيِّ كما يُخرج النُّطْفةَ مِن الإنسانِ، والَّذي خَلَق ودَبَّر تلك الأشياءِ المُبْهِرةِ، هو اللَّهُ المستحِقُّ للعبوديَّةِ وحْدَه، فكيفَ تُصْرفونَ عن هذه البراهينِ، والآياتِ العجيبةِ؟!

فَالِقُ الإِصْبَاحِ وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَنًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْبَانًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ (96) .

هو سُبحانَه الَّذي يشُقُّ ظُلْمةَ اللَّيلِ شيئًا فشيئًا، حتَّى يَضمَحِلَّ، ويَخلُفَه النَّهارُ بضِيائِه، فيتحَرَّكَ الخَلْقُ لمنافِعِهم، وهو سُبحانَه الَّذي جعَلَ اللَّيلَ مُظْلِمًا، فيَسْكُنُ فيه كلُّ مُتحرِّكٍ بالنَّهارِ، ويهدأُ ويرتاحُ في مَسكَنِه، وجعَلَ الشَّمْسَ والقَمَرَ يَجريانِ بحِسابٍ مُقدَّرٍ، لا يتغيَّرُ، وبهما تُعرَفُ الأوقاتُ، وذلك تقديرُ الَّذي عَزَّ سُلطانُه، فلا يُمانَعُ ولا يُخالَفُ، الَّذي أحاط عِلمُه بكلِّ شيءٍ، ومِن ذلك عِلْمُه بمصالحِ خَلْقِه.

وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُواْ بِهَا فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ قَدْ فَصَّلْنَا الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (97) .

وهو سُبحانَه الَّذي جعل النُّجومَ لكم أدِلَّةً على الطريق الصحيح في برٍّ أو بحرٍ. وقد ميَّز كلَّ جنسٍ ونوعٍ مِن الأدلَّةِ عن الآخَرِ، ووضَّحها؛ ليتدبَّرَها ويَفْهَمَها أولو العِلْمِ.

وَهُوَ الَّذِيَ أَنشَأَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ فَمُسْتَقَرٌّ وَمُسْتَوْدَعٌ قَدْ فَصَّلْنَا الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَفْقَهُونَ (98) .

وهو سُبحانَه الَّذي أخرجَكم مِن العَدَمِ إلى الوُجودِ، مِن أبيكم آدَمَ عليه السلام، ثمَّ صِرْتُم نُطَفًا في أصلابِ آبائِكم، ثمَّ تَستقِرُّ في أرحامِ أمَّهاتِكم. لقد بَيَّنَّا الأدلَّة، وميَّزْناها، لقومٍ يفهمونَها، فَيَعُونَ عن الله تعالى مُرادَه.

وَهُوَ الَّذِيَ أَنزَلَ مِنَ السَّمَاء مَاء فَأَخْرَجْنَا بِهِ نَبَاتَ كُلِّ شَيْءٍ فَأَخْرَجْنَا مِنْهُ خَضِرًا نُّخْرِجُ مِنْهُ حَبًّا مُّتَرَاكِبًا وَمِنَ النَّخْلِ مِن طَلْعِهَا قِنْوَانٌ دَانِيَةٌ وَجَنَّاتٍ مِّنْ أَعْنَابٍ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُشْتَبِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ انظُرُواْ إِلِى ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَيَنْعِهِ إِنَّ فِي ذَلِكُمْ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (99).

وهو سُبحانَه الَّذي أَنزَل المطَرَ، فأنبَتَ به كلَّ شَيءٍ؛ فأخرَج مِنه زَرْعًا وشجَرًا أخضَرَ رَطْبًا، ثمَّ يخلُقُ فيه الحَبَّ والثَّمَر، فيَركَبُ بعضُه بعضًا؛ كالسَّنابِلِ، ومِن طَلْعِ النَّخْل وهو وعاؤُها الَّذي تنشأُ فيه عُذوقُ الرُّطَبِ، تخرج تلك العذوق متدلِّيَةً، سَهْلةَ التَّناوُلِ، وأخرَج أيضًا بساتينَ مِن أعنابٍ، وشَجَرَ الزَّيتونِ والرُّمَّانِ الَّذي يتشابَهُ في وَرَقِه وشَجَرِه، ويختَلِفُ في ثَمَره شكلًا وطعمًا، فانظروا إليه حينَ طُلوعِه، وحينَ نُضْجِه، نَظَرَ فِكْرٍ واعتبارٍ، وإنَّ فيما ذكَرَه الله تعالى في هذه الآيَةِ؛ لَدَلالاتٍ للمؤمنينَ على وحدانيَّةِ وكمالِ قُدرةِ الله تعالى، وأنَّ العبادَةَ لا تصلُحُ إلَّا له عزَّ وجلَّ.

وَجَعَلُواْ لِلّهِ شُرَكَاء الْجِنَّ وَخَلَقَهُمْ وَخَرَقُواْ لَهُ بَنِينَ وَبَنَاتٍ بِغَيْرِ عِلْمٍ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَصِفُونَ (100).

وجعَل المشرِكونَ الجِنَّ شركاءَ لله تعالى في العبادةِ، والحالُ أنَّ الَّذي خَلَقَ الجنَّ هو اللهُ تعالى وحْدَه؛ فكيفَ عَبدُوهم مَعَه؟! وافتَرَوْا لله تعالى بنينَ وبناتٍ بغيرِ دليلٍ؛ جهلًا بالله، فتنزَّه اللهُ جلَّ وعلا، عما يَصِفُونه به؛ مِن الأولادِ والشُّرَكاءِ، وذلك لا يَنبغي؛ فإنَّه تعالى الموصوفُ بكلِّ كمالٍ، المنزَّهُ عن كلِّ نقصٍ وعَيبٍ.

بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُن لَّهُ صَاحِبَةٌ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ وهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (101) .

إنَّ الذي أوجد السَّمواتِ والأرضِ، على غيرِ مثالٍ سابق، لا يمكن أن يكونُ له ولَدٌ، ولا زوجةَ له! فالولَدُ إنَّما يكون متولِّدًا عن شيئينِ متناسِبَينِ، واللهُ لا يناسِبُه شيءٌ مِن خَلْقِه؛ وهو سُبحانَه لا يحتاجُ إلى زوجةٍ، فهو الغنيُّ عن جميعِ الكائناتِ وهم خَلْقُه وعَبيدُه، ولا يُمكِنُ أن يكون شيءٌ مِن ذلك ولدًا أو زوجةً له، وهو سُبحانَه لا يَخفَى عليه شيءٌ مِمَّا خَلَق، وهو عالِمٌ بأعمالِ أولئك الَّذين يزعُمونَ أنَّ لله شريكًا أو ولدًا، فيجازِيهم بها.

ذَلِكُمُ اللّهُ رَبُّكُمْ لا إِلَـهَ إِلاَّ هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (102).

ذلكم -الَّذي لا وَلَدَ له ولا صاحِبةَ، وخَلَقَ كُلَّ شيءٍ وهو بكلِّ شيءٍ عليمٌ- هو المعبودُ، الَّذي ربَّى خَلْقه بنِعَمِه، فلا ينبغي أن تكون العبادة إلَّا خالصةً له، فاعبدوه وحْدَه، وأمورُ كُلِّ شيءٍ تُفَوَّضُ إليه وحْدَه.

لاَّ تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ (103).

لا تُحيطُ به الأبصارُ، وإنْ كانتْ تراه في الآخرة، أمَّا هو سُبحانَه فقد أحاط عِلْمُه، وسَمْعُه، وبَصَرُه بكُلِّ شيءٍ، وهو اللَّطيفُ الَّذي يُوصِلُ النَّفْعَ لخَلْقِه بطرق خفية، مِن حيثُ لا يَشعُرونَ، وهو الخبيرُ الذي يدرك الخفايا والبواطِنَ.

قَدْ جَاءكُم بَصَآئِرُ مِن رَّبِّكُمْ فَمَنْ أَبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ عَمِيَ فَعَلَيْهَا وَمَا أَنَاْ عَلَيْكُم بِحَفِيظٍ (104).

قد جاءتْكم أدلَّةٌ واضِحةٌ في هذا القرآنِ العظيمِ، تُبصِرونَ بها الحَقَّ؛ فمَن عَرَفَها وآمَنَ بها، وعَمِلَ بمقتضاها، ففائِدةُ ذلك تعودُ إليه، ومن لم يؤمِنْ بها، وعمِيَ قلبُه عن دَلالَتِها، فيعودُ وَبالُ ذلك عليه، وقل لقومك -يا محمد-: ما أنا عليكم بحافظٍ، ورقيبٍ أُحْصِي أعمالَكم، وإنَّما أنا رسولٌ من اللهِ، وظيفتي إبلاغِكم ما أُرْسِلْتُ به.

وَكَذَلِكَ نُصَرِّفُ الآيَاتِ وَلِيَقُولُواْ دَرَسْتَ وَلِنُبَيِّنَهُ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (105).

وكما فصَّلنا الأدلة في هذه السُّورةِ، ووضَّحْناها بطرقٍ متنوِّعةٍ؛ لبيانِ التَّوحيدِ، فكذلك نوضِّحُ آياتِنا، في جميعِ القرآنِ؛ ليقولَ مَن خَذَلَه اللهُ تعالى، فلم يُوفَّقْ للعَمَلِ بالقرآنِ: دَرستَ -يا محمَّدُ- هذا الَّذي تَأتِينا به عند أهلِ الكتابِ، وليس بشَيءٍ جديدٍ أُنْزِلَ عليك كما تزعُمُ! وأيضًا مِن أجْلِ أنْ نُبيِّنَه لقومٍ وفَّقْناهم، فلهُم عقولٌ، وعِلْمٌ يظهَرُ لهم به ما في القُرآنِ العَظيمِ مِن آياتٍ موضِّحةٍ للحَقِّ، فيتَّبعونَه.

اتَّبِعْ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ لا إِلَـهَ إِلاَّ هُوَ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ (106).

اعملْ -يا محمدُ- بهذا القرآنَ العظيمَ؛ فإنَّه الحَقُّ من ربك الذي لا معبودَ بحقٍّ سِواه، ودَعْ ما يدعوك إليه مُشْرِكو قَومِك، ودَعْ عنك مجادَلتهم، واحتَمِلْ أذاهم؛ حتَّى يَنصُرَك اللهُ تعالى عليهم.

وَلَوْ شَاء اللّهُ مَا أَشْرَكُواْ وَمَا جَعَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا وَمَا أَنتَ عَلَيْهِم بِوَكِيلٍ (107).

ولو شاء اللهُ تعالى هدايَتَهم لما أشْركوا به شيئًا، لكنَّ لله تعالى حكمةً في خِذْلانِهم، ولم نبعَثْك -يا محمد- عليهم لتحفَظ أعمالَهم وأقوالَهم، ولَسْتَ بقَيِّمٍ على أرزاقِهم وشؤونهم، ولسْتَ مُوكلًا بمحاسبتهم على أعمالهم، ومجازاتهم عليها.

وَلاَ تَسُبُّواْ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللّهِ فَيَسُبُّواْ اللّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ كَذَلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِم مَّرْجِعُهُمْ فَيُنَبِّئُهُم بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ (108) .

لا تَسُبُّوا -أيُّها المؤمنونَ- آلهةَ المُشرِكينَ؛ إذ يترتَّبُ على ذلك مَفسدةٌ أعظَمُ، وهي قيامُ المُشركينَ بسَبِّ اللهِ سبحانه وتعالى، فيتكلَّمونَ فيه بما لا يليقُ جَهْلًا منهم، وكما زَيَّنَّا لهؤلاء المشركينَ عِبادةَ الأوثانِ، وطاعةَ الشَّيطانِ، والانتصارَ لها، كذلك زَيَّنَّا بحِكمَتِنا لكلِّ أمَّةٍ عَمَلَهم، ثمَّ يكون مَصيرُهم يومَ القيامَةِ إلى الله تعالى وَحْدَه، فيُخْبِرُهم بأعمالِهم، ثمَّ يُجازيهم بها.

وَأَقْسَمُواْ بِاللّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِن جَاءتْهُمْ آيَةٌ لَّيُؤْمِنُنَّ بِهَا قُلْ إِنَّمَا الآيَاتُ عِندَ اللّهِ وَمَا يُشْعِرُكُمْ أَنَّهَا إِذَا جَاءتْ لاَ يُؤْمِنُونَ (109).

وحَلَف المشركونَ حَلِفًا اجتَهَدوا فيه، وأكَّدوه؛ أنَّه إنْ جاءتهم معجزةٌ مِمَّا اقترحوه تدُلُّ على نبوة محمَّدٍ صلى اللهُ عليه وسلم فإنَّهم سيُؤْمِنونَ بالحق، فقُلْ لهم -يا محمَّدُ-: إنَّ مَرْجِعُ ذلك إلى الله تعالى وَحْدَه، فإنْ شاء أجاب طَلَبَكم، وإنْ شاء امتَنَعَ، وما يُدريكُم -أيُّها المؤمنونَ- أنَّ هؤلاءِ المُشركينَ لا يُؤمنونَ إذا جاءَهم ما طلبوه.

وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُواْ بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ (110).

ونُزيغُ قلوبَهم عن الإيمانِ، فلا تَعقِلُ الحقَّ، ونَحُولُ بيْن أبصارِهم ورؤية الحَقِّ؛ لأنَّهم لم يُؤمنوا بالقُرآنِ في أوَّلِ مَرَّةِ بلَغَهم فيها، وقامَتْ عليهم الحُجَّةُ، فنتركُ هؤلاءِ في اعتدائِهم على حدودِ اللهِ تعالى يترَدَّدون؛ فلا يَهتدونَ.