التفسير المحرر

التفسير المحرر

لَا يُحِبُّ اللهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلَّا مَنْ ظُلِمَ وَكَانَ اللهُ سَمِيعًا عَلِيمًا

اللغة: العربية
إعداد:
الإصدار: 1.0
ترجمات 1
إنجليزي
المرفقات 7
PDF
Audio
Video
+3

لَا يُحِبُّ اللهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلَّا مَنْ ظُلِمَ وَكَانَ اللهُ سَمِيعًا عَلِيمًا

إنَّ اللهَ تعالى يُبغِضُ -أيُّها الناسُ- جَهْرَ أحدٍ منكم بالقولِ السَّيِّئِ، كالشَّتمِ والقَذْفِ والسَّبِّ، ونحوِ ذلك، أمَّا مَن ظُلِم فلا حرَجَ عليه أن يُخبِرَ بما أُسيء به إليه، كأنْ يدعوَ على مَن ظلَمَه ويتشكَّى منه، أو أن يقولَ له: أنت ظلمتني، أو يقولَ للنَّاسِ: إنَّه ظالمٌ، مِن غيرِ أن يَكذِبَ عليه، ولا يَزيدَ على مَظلمتِه، ولا يَتعدَّى بشَتمِه غيرَ ظالِمِه، إنَّ اللهَ تعالى سميعٌ لِمَا تَجهرون به مِن سوءِ القولِ وغيرِ ذلك مِن أقوالِكم, عليمٌ بما تُخفون منها، وعليمٌ بنِيَّاتكم ومَصدرِ أقوالِكم, ومُحْصٍ ذلك كلَّه عليكم، فيُجازي كلًّا منكم بحَسَبِه

إِنْ تُبْدُوا خَيْرًا أَوْ تُخْفُوهُ أَوْ تَعْفُوا عَنْ سُوءٍ فَإِنَّ اللهَ كَانَ عَفُوًّا قَدِيرًا

إن تُظهروا -أيُّها النَّاسُ- جميلًا مِن القولِ أو الفِعلِ، أو تَترُكوا إظهارَه فتُخفوه، أو تَصْفَحوا عن إساءةِ مَن أساء إليكم بقولٍ أو فِعلٍ؛ فإنَّ اللهَ تعالى هو العفو القدير الذي يَصفَحُ عن ذُنوبِ عبادِه، مع قُدرتِه على عِقابهم عليها، فمَن عفَا للهِ سُبحانَه عفَا اللهُ عنه، والجزاءُ من جِنس العملِ

إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا

إنَّ الكافِرين بالله تعالى وبرُسلِه عليهم السَّلامُ مِن اليهودِ والنَّصارى وغيرِهم، ويُريدون أنْ يُفَرِّقوا بينَ اللهِ ورسُلِه في الإيمان بأن يُؤمنوا بالله ويَكفُروا برُسُلِه؛ فيُكذِّبوهُم ويقولون: نؤمنُ ببعضِ الرُّسُلِ، ونكفُرُ ببعضِهم، كما فعلتِ اليهودُ؛ فكَفروا بعيسى ومحمَّدٍ، وزَعَموا الإيمانَ بموسى، وكما فعَلتِ النَّصارى؛ فكفروا بمحمَّدٍ، وزَعَموا الإيمانَ بعيسى، ويُريدون بإيمانِهم ببعضِ الرُّسلِ دونَ بعضٍ سُلوكَ طريقٍ يُوصلُهم إلى الله تعالى ويُنجِّيهم مِن عذابِه

أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا

إنَّ كُفرَ هؤلاء الكفَّارِ محقَّقٌ لا محالةَ, وهم مُستحِقُّونَ عذابَ الله تعالى حقًّا؛ فاستَيقِنوا ذلك أيُّها المؤمنونَ, ولا يُشكِّكنَّكم في أمْرِهم انتحالُهم الكذبَ بدَعْوى أنَّهم يُقرُّون ببعضِ الرُّسلِ؛ فلو كانوا مؤمنينَ حقًّا بِمَن زعَموا الإيمانَ بهم، لَآمَنوا بغيرِهم مِن الرُّسلِ، إنَّ الله تعالى قد هيَّأ لهؤلاء الكفَّارِ وغيرِهم مِن الكافِرين عذابًا مخزيًا ومُذلًّا لهم، كما تَكبَّروا عن الإيمانِ الحقِّ بالله تعالى، واستهانوا بـِمَن كفَروا به مِن الرُّسل عليهم السَّلامُ

وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللهِ وَرُسُلِهِ وَلَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ أُولَئِكَ سَوْفَ يُؤْتِيهِمْ أُجُورَهُمْ وَكَانَ اللهُ غَفُورًا رَحِيمًا

إنَّ المؤمنينَ بالله تعالى حقًّا، وبجميعِ رُسلِه الكرامِ دونَ أن يُفرِّقوا بيْنَهم بالإيمانِ ببعضِهم والكُفرِ ببعضِهم؛ سوف يُعطيهم اللهُ عزَّ وجلَّ جزاءَهم وثوابَهم على إيمانِهم به سُبحانَه وبجَميعِ رُسلِه عليهم السَّلامُ، إنَّ اللهَ تعالى غفورٌ لِمَنْ آمَنَ به وبجميعِ رُسلِه، فيَغفِرُ لهم السَّيِّئاتِ، رحيمٌ بهم بتفضُّلِه عليهم بالهدايةِ إلى طريقِ الحقِّ وتقبُّلِ الحسَناتِ

يَسْأَلُكَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتَابًا مِنَ السَّمَاءِ فَقَدْ سَأَلُوا مُوسَى أَكْبَرَ مِنْ ذَلِكَ فَقَالُوا أَرِنَا اللهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ بِظُلْمِهِمْ ثُمَّ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ فَعَفَوْنَا عَنْ ذَلِكَ وَآتَيْنَا مُوسَى سُلْطَانًا مُبِينًا

يَسألُك أهلُ التَّوراةِ مِن اليهودِ -يا محمَّدُ- على سبيلِ التَّعنُّتِ والعِنادِ أن تُنزِّلَ عليهم كتابًا مِن السَّماءِ جملةً واحدةً يَشهَدُ لك بالصِّدقِ, ويأمُرُهم باتِّباعِك! فلا يَعظُمنَّ عليك يا محمَّدُ سؤالُهم ذلك، ولا تعجبنَّ منه؛ فإنَّه ليس بغريبٍ مِن أمرِهم، بل سبَق لهم طلبُ ما هو أعظمُ مِن ذلك مِن موسى الَّذي يَزعُمون أنَّهم يؤمنون به! فقالوا له: نُريدُ رُؤيةَ الله تعالى عِيانًا نَنظُر إليه؛ كي نُصدِّقَك! فعُوقِبوا بالصَّعقِ؛ بسببِ عُدوانِهم وعِنادِهم فهَلَكوا، ثمَّ أحياهم اللهُ، ثمَّ اتَّخَذوا العجلَ إلهًا يَعبُدونه مِن بعدِ ما رأوا بأبصارِهم الأدِلَّةَ الواضِحةَ، والمعجزاتِ الباهرةَ الَّتي جرَت لموسى عليه السَّلامُ! فعَفَوْنا لعبدةِ العجلِ عن عِبادتهم إيَّاه -وقد جعَل الله تعالى توبتَهم: أن يَقتُلَ بعضُهم بعضًا-، وأعطَيْنا موسى حُجَّةً واضحة، تُبِينُ عن صِدقِه ونُبوَّتِه، وهي الآياتُ البيِّناتُ، والحُجَجُ الباهراتُ الَّتي أُعطيَها

وَرَفَعْنَا فَوْقَهُمُ الطُّورَ بِمِيثَاقِهِمْ وَقُلْنَا لَهُمُ ادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا وَقُلْنَا لَهُمْ لَا تَعْدُوا فِي السَّبْتِ وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا

وحينَ امتَنعوا مِن العملِ بالتَّوراةِ الَّتي عُهِد إليهم الالتزامُ بها عهدًا مؤكَّدًا، رفَعْنَا فوقَ رؤوسِهم جبلًا لتخويفِهم؛ كي يُقِرُّوا بما عُوهِدوا عليه، ويَعمَلوا به بقوَّةٍ، وأمَرْناهم أن يَخضعوا لله سُبحانَه بالفِعلِ والقولِ عندَ دُخولِهم أحدَ أبوابِ بَيتِ المَقدِسِ، بأنْ يَدخُلوا رُكَّعًا متواضِعين، وأن يَطلُبوا مِن الله تعالى أن يَضعَ عنهم ذُنوبَهم وخطاياهم، وقُلْنا لهم: لا تَتجاوَزوا في يومِ السَّبتِ ما أُبيحَ لكم إلى ما حُرِّم عليكم، وأخَذْنا عليهم عهدًا مؤكَّدًا شديدًا بأنْ يَعملوا بما أمرَهم اللهُ تعالى به، ويَنتهوا عمَّا نهاهم عنه

فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ وَكُفْرِهِمْ بِآيَاتِ اللهِ وَقَتْلِهِمُ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَلْ طَبَعَ اللهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا

فبسببِ نَقضِهم عهودَهم الَّتي عاهدوا اللهَ أن يأخُذوا بها، طَرَدْناهم وأبعَدْناهم مِن رحمتِنا، وبسببِ كُفرِهم بالأدلَّةِ والحُججِ والمعجزاتِ الَّتي شاهَدوها دالَّةً على الحقِّ بوُضوحٍ، وبسببِ قيامِهم بقَتلِ الأنبياءِ الكرامِ بغيرِ سببٍ يَستحقُّون به القتلَ، وبسببِ قولِهم: قلوبُنا داخلةٌ في غِلافٍ وأَغطيةٍ، فلا نَعقِلُ بها! وليس الأمرُ كما زعَموا؛ فقد كذَبوا ، وإنَّما ختَم اللهُ تعالى على قلوبِهم؛ بسببِ كُفرهم، فلا يؤمنون إلا بشيءٍ يسيرٍ ممَّا وجَب عليهم الإيمانُ به، لكنَّه إيمانٌ لا يَنفَعُهم

وَبِكُفْرِهِمْ وَقَوْلِهِمْ عَلَى مَرْيَمَ بُهْتَانًا عَظِيمًا

وبسببِ كُفرِهم وافترائِهم على مريمَ الكذبَ برَمْيِها بالوُقوعِ في الزِّنا

وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللهِ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا

وبسببِ دَعواهم قتْل عيسى، والحقُّ أنَّهم لم يَقتُلوه ولم يَصلِبوه كما يَدَّعون، ولكن أُلقيَ شبَهُه على شخصٍ آخِرَ؛ فظنُّوه هو، وإنَّ الَّذين اختلَفوا مِن اليهودِ والنَّصارى في شأنِ عيسى -هل هو الَّذي قُتِل وصُلِب أم غيره- يُخالجُ نُفوسَهم الشَّكُّ، وتَنتابُهم الحَيرةُ مِن هذا الأمرِ مِن غير أن يكونَ لهم عِلمٌ جازمٌ بمَن قتَلوه حقًّا؛ أهو عيسى أم غيرُه، وإنَّما غايةُ ما لديهم هو مجرَّدُ ظُنونٍ لا تَرقى إلى درجةِ اليقينِ، وما قتَلوه متيقِّنينَ أنَّه عيسى عليه السَّلامُ

بَلْ رَفَعَهُ اللهُ إِلَيْهِ وَكَانَ اللهُ عَزِيزًا حَكِيمًا

ليس الأمرُ كما ظنُّوا مِن أنَّهم قتَلوه وصلَبوه, ولكنَّ الحقيقةَ هي أنَّ الله عزَّ وجلَّ قد رفَعه إليه في السَّماءِ؛ فلم يَظفَروا به، إنَّ الله تعالى ذو قدْرٍ عظيمٍ، منيع الجَناب، غالبٌ على أمرِه، قاهرٌ لأعدائه ومنتقِمٌ منهم، ذو حِكمةٍ في تدبيره وقَضائه؛ فيضَعُ كلَّ شيءٍ في مَوضِعِه اللَّائقِ به سُبحانَه

وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا

إنَّه لا يَبقى أحدٌ مِن أهلِ الكِتاب بعدَ نُزولِ عيسى في آخِر الزَّمان، عندَ اقترابِ السَّاعةِ وظُهورِ علاماتِها الكِبارِ، إلَّا آمَنَ به قبلَ موتِه عليه السَّلامُ، ويومَ القِيامةِ يكونُ عيسى شاهدًا على أهلِ الكِتابِ، بتكذيبِ مَن كفَر به منهم, وتَصديقِ مَنْ آمَنَ به منهم، وبإبلاغِه رسالةَ ربِّه ومَولاه، وشاهدًا على أعمالِهم الَّتي شاهدَها منهم قبْلَ رفْعِه إلى السَّماءِ، وبعدَ نُزولِه إلى الأرضِ

فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللهِ كَثِيرًا

فبسببِ ظُلمِ اليهودِ -بما ارْتكبوه مِن الذُّنوبِ العَظيمةِ- حرَّم اللهُ تعالى عليهم -عقوبةً لهم- عددًا مِن الطَّيِّباتِ الَّتي أحلَّها لهم سُبحانَه مِن قبلُ، وبسببِ صَدِّهم أنفُسَهم عن اتِّباعِ الحقِّ، وصدِّهم النَّاسَ أيضًا عن طريقِ الهُدى صدًّا كثيرًا

وَأَخْذِهِمُ الرِّبَا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ وَأَكْلِهِمْ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا

وبسببِ تَناوُلِهم الرِّبا، والحالُ أنَّهم قد نُهوا عن أخْذِه، فقامتْ عليهم الحُجَّةُ في ذلك، وبسببِ استيلائِهم على أموالِ النَّاسِ بغيرِ حقٍّ، وهيَّأْنا للكفَّارِ مِن هؤلاء اليهودِ عذابًا موجعًا

لَكِنِ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ مِنْهُمْ وَالْمُؤْمِنُونَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَالْمُقِيمِينَ الصَّلَاةَ وَالْمُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالْمُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أُولَئِكَ سَنُؤْتِيهِمْ أَجْرًا عَظِيمًا

ليس كلُّ اليهود على تِلك الأوصافِ السَّيِّئةِ؛ فالَّذين ثبَت العِلمُ النَّافعُ في قُلوبِهم، وأيقنوا به، والمؤمنونَ بالله تعالى وجميعِ كُتبِه ورُسلِه يُؤمِنون بالقُرآنِ الَّذي أُنزل إليك يا محمَّدُ، وبالكتُبِ السَّابقةِ الَّتي أُنزلتْ على الأنبياء مِن قَبْلِك، والذين يُؤدُّون الصَّلاةَ على وجهِ الاستقامةِ والتَّمامِ، تامَّةَ الشُّروطِ، مستوفيةَ الأركانِ والواجباتِ، ويُكمِّلونها بالمستحَبَّاتِ، والَّذين يُعطون زكاةَ أموالِهم أهلَها المستحقِّينَ لها، والَّذين يُؤمنون باللهِ تعالى، ويُؤمنون بالبعث والجزاء- أولئك سنُعطيهم جزاءً وثوابًا كبيرًا, وهو الجنَّةُ

إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَوْحَيْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَعِيسَى وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَهَارُونَ وَسُلَيْمَانَ وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا

إنَّا أوحينا إليك -يا محمَّدُ- وأعلَمْناك بشَرعِنا، كما أوحينا أيضًا إلى نوح ومَن جاء بعدَه مِن الأنبياءِ، وأوحينا إلى إبراهيمَ، وإسماعيلَ، وإسحاقَ ويعقوبَ، والأنبياء مِن ذُرِّيَّةِ يعقوبَ، وعيسى، وأيُّوبَ، ويونسَ، وهارونَ وسُلَيمانَ، وأَعْطينا داودَ كتابًا يُسمَّى بالزَّبورِ

وَرُسُلًا قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَرُسُلًا لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ وَكَلَّمَ اللهُ مُوسَى تَكْلِيمًا

وأوحَيْنا إلى رُسلٍ قد أتَيْنا على ذِكرِهم لك في القُرآنِ مِن قَبلِ نُزولِ هذه الآيةِ، وأوحَيْنا أيضًا إلى رُسلٍ آخَرينَ لم نَأتِ على ذِكرِهم لك في القُرآنِ، وخاطَب اللهُ عزَّ وجلَّ بكلامِه موسى دونَ واسِطةٍ، بكلامٍ واضحٍ بحرفٍ وصَوتٍ، سمِعه منه موسى عليه السَّلامُ

رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللهُ عَزِيزًا حَكِيمًا

أَرسلتُهم رُسلًا إلى عِبادي مبشِّرينَ مَن أطاعَني وآمَنَ برُسلي بالسَّعادةِ الدُّنيويَّةِ والأُخرويَّةِ، ومُحذِّرين مَن عصاني وكذَّب رُسلي بشَقاوةِ الدَّارَينِ؛ لئلَّا يَبقَى لمعتذرٍ عُذرٌ؛ فلا يحتجُّ مَن كفَر بالله تعالى وضلَّ عن سبيلِه بأنَّ الرِّسالةَ لم تَبلُغْه! والله تعالى ذُو عزَّةٍ، ومِن عِزَّتِه: انتقامُه ممَّن كفَر به وعصاه، وهو ذو حِكمةٍ سُبحانَه فيضَعُ كلَّ شيءٍ في مَوضِعِه اللَّائقِ به، ومِن حِكمتِه عزَّ وجلَّ: أنْ أَرسَلَ إلى عِبادِه الرُّسلَ، وأنزَل عليهم الكتُبَ

لَكِنِ اللهُ يَشْهَدُ بِمَا أَنْزَلَ إِلَيْكَ أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ وَالْمَلَائِكَةُ يَشْهَدُونَ وَكَفَى بِاللهِ شَهِيدًا

وإنْ كفَرَ بك مَن كفَر -يا محمَّدُ- فاللهُ تعالى يَشهَدُ لك بأنَّه أنزَل عليك القرآنَ العظيمَ، إنَّ إنزالَ الله تعالى للقرآنِ صادرٌ عن عِلمٍ؛ فيعلمُ بماذا نزَلَ وكَيف نزَل، وعلى مَن نزَل، ويعلمُ حالةَ الَّذي أَنزله عليه، وكذلك نزَلَ القرآنُ مشتملًا على عُلومٍ إلهيَّةٍ، وأحكامٍ شرعيَّةٍ، وأخبارٍ غَيبيَّةٍ ممَّا هو مِن عِلمِ الله تعالى الَّذي أراد أن يُطلِعَ العِبادَ عليه، ويَشهدُ لك بصِدقِ رِسالتِك وصِحَّةِ ما أُنزل عليك ملائكةُ الله جلَّ وعلا؛ فلا يَحزُنْك تكذيبُ مَن كذَّبك، وكفى بالله شاهدًا على صِدقِك دونَ مَن سِواه مِن خَلْقِه

إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللهِ قَدْ ضَلُّوا ضَلَالًا بَعِيدًا

إنَّ الكفَّارَ الَّذين أعرَضوا عن اتِّباعِ الحقِّ، وسَعَوْا في مَنعِ النَّاسِ مِن اتِّباعِه قد انحرَفوا عن طريقِ الحقِّ، وبَعُدوا منه بُعدًا عظيمًا

إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَظَلَمُوا لَمْ يَكُنِ اللهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقًا

إنَّ الكفَّارَ الظَّالِمينَ لأنفُسِهم بالكُفرِ، وبالصَّدِّ عن سبيلِه، ومخالَفةِ أوامرِه، وارتِكابِ نواهيه؛ لم يكُنِ الله تعالى لِيَستُرَ عليهم ذُنوبَهم، ويَتجاوَزَ عن مؤاخَذتِهم بها، ولم يكُنِ اللهُ تعالى ليوفِّقَهم لسُلوكِ طريقِ الحقِّ الَّذي يَصِلُون به إلى الجنَّةِ

إِلَّا طَرِيقَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللهِ يَسِيرًا

لكنَّ اللهَ تعالى يَهديهم لسُلوكِ طريقِ الباطِلِ، الَّذي يَصِلون به إلى جهنَّمَ، فيَمْكُثون فيها بلا نهايةٍ ولا انقطاعٍ، وإنَّ تخليدَ هؤلاءِ الكفَّارِ في جهنَّمَ أمرٌ هيِّنٌ على الله تعالى

يَا أيُّها الناسُ قَدْ جَاءَكُمُ الرَّسُولُ بِالْحَقِّ مِنْ رَبِّكُمْ فَآمِنُوا خَيْرًا لَكُمْ وَإِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ لِلهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَكَانَ اللهُ عَلِيمًا حَكِيمًا

يَا أيُّها النَّاسُ إنَّ ما أتاكم به محمَّدٌ مِن الله تعالى فهو حقٌّ، وبَعْثَتُه حقٌّ، فآمِنوا بما جاءكم به واتَّبِعوه، فإنَّ الإيمانَ به خيرٌ لكم في الدُّنيا والآخرةِ مِن الكُفرِ به، وإنْ كفرتُم بالرَّسولِ وبما جاء به فاعْلَموا أنَّ اللهَ تعالى غنيٌّ عنكم وعن إيمانِكم، ولا يتضرَّرُ بكُفركِم؛ إذ يَملِكُ جميعَ ما في السَّمواتِ وما في الأرضِ، والله تعالى عليمٌ بمَن يستحقُّ الهدايةَ منكم فيَهديه، وبمَن يستحقُّ الضَّلالةَ منكم فيُضِلُّه، حكيمٌ في جميعِ أقوالِه وأفعالِه وشَرْعِه وقدَرِه، فيضَعُ سُبحانَه كلَّ شيءٍ في مَوضِعِه اللَّائقِ به

يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلَا تَقُولُوا عَلَى اللهِ إِلَّا الْحَقَّ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ فَآمِنُوا بِاللهِ وَرُسُلِهِ وَلَا تَقُولُوا ثَلَاثَةٌ انْتَهُوا خَيْرًا لَكُمْ إِنَّمَا اللهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ سُبْحَانَهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَفَى بِاللهِ وَكِيلًا

يا أهلَ الإنجيلِ مِن النَّصارى لا تَتجاوَزوا الحقَّ في دِينِكم فتُفْرِطُوا فيه، ولا تَفتَروا على اللهِ عزَّ وجلَّ بأنْ تَجعلوا له صاحبةً وولدًا، فإنما المسيحُ عيسى ابنُ مريمَ عبدٌ مِن عباد الله تعالى، وخَلْقٌ مِن خَلْقِه، ورسولٌ مِن رُسلِه، خَلَقه بالكلمةِ الَّتي أُرسِل بها جبريلُ إلى مريمَ، ورُوحٌ مِن خَلْقِ الله سُبحانَه؛ فقد أَرسل اللهُ تعالى جبريلَ فنَفَخ في فَرجِ مريمَ فحمَلَتْ بإذْنِ الله عزَّ وجلَّ، فآمِنوا بالله تعالى الواحدِ الأحدِ، الَّذي لا صاحبةَ له ولا ولدَ، وآمِنوا برُسلِه وبما جاؤوكم به مِن عند الله عزَّ وجلَّ، ولا تقولوا: الأربابُ ثلاثةٌ، فتَجعلوا عيسى وأمَّه شَريكينِ لله سُبحانَه وتعالى! انتَهوا عن قولِ ذلِك واعتقادِه؛ فإنَّ الانتهاء عن ذلك خيرٌ لكم، ما اللهُ سُبحانَه بثالثِ ثلاثةٍ، ولكن الله تعالى هو المنفردُ بالألوهيَّةِ، الَّذي لا تَنبغي العِبادةُ إلَّا له، تنزَّه وتقدَّس عن أن يكونَ له ولدٌ، إنَّ جميعَ ما في السَّمواتِ وجميعَ ما في الأرضِ ملْكُه وخَلقُه وعَبيدُه؛ فكيف يكونُ له منهم صاحبةٌ أو ولدٌ؟! وكفى بالله تعالى وَحْدَه، قائمًا بشُؤونِ كلِّ شيءٍ، وحافظًا ومدبرًا لكلِّ شيءٍ

لَنْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْدًا لِلهِ وَلَا الْمَلَائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ وَمَنْ يَسْتَنْكِفْ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيَسْتَكْبِرْ فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيْهِ جَمِيعًا

لن يأنَفَ ويمتنعَ عيسى عن عبادةِ ربِّه عزَّ وجلَّ، ولن يأنفَ ويمتنعَ أيضًا مِن الإقرارِ لله تعالى بالعُبوديَّةِ له وحْدَه ملائكتُه المقرَّبون، ومَن يأنفْ ويمتنعْ عن عِبادةِ ربِّه ويَترفَّعْ عنها ويتعالَ عليها فسيَبعثُ اللهُ سُبحانَه يومَ القيامةِ المستنكفينَ والمستكبرينَ عن عِبادتِه, فيَجمَعُهم جميعًا عندَه، فيَفصِلُ بيْنَهم بحُكمِه العَدْلِ

فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَأَمَّا الَّذِينَ اسْتَنْكَفُوا وَاسْتَكْبَرُوا فَيُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَلَا يَجِدُونَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا

فأمَّا الَّذين جمَعوا بيْن الإيمانِ المأمورِ به وعمَلِ الأعمالِ الصَّالحاتِ مِن واجباتٍ ومُستحَبَّاتٍ فيؤتيهم مِن الثَّوابِ على قدْرِ إيمانِهم وأعمالِهم الصَّالحةِ، جزاءً وافيًا كاملًا، ويَزيدُهم على ما لَهم مِن الأجورِ والثَّوابِ في الدُّنيا والآخِرةِ، زيادةً مِن فضلِه وإحسانِه، وأمَّا الَّذين أنِفوا وامتَنعوا عن عبادةِ الله تعالى، وترفَّعوا عنها؛ فسيُعذِّبُهم اللهُ تعالى عذابًا موجِعًا لهم، ولا يَجِدون أحدًا مِن الخَلقِ يتولَّاهم فيحصلُ لهم ما يَطلُبون، ولا مَن يَنصرُهم فيدفعُ عنهم ما يَحذَرون

يَا أيُّها الناسُ قَدْ جَاءَكُمْ بُرْهَانٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا مُبِينًا

يا أيُّها النَّاسُ قد جاءتْكم مِن الله تعالى حُجَجٌ قاطِعةٌ للعُذرِ، وأدِلَّةٌ واضحةٌ مُزيلةٌ للشُّبُهاتِ، تُبيِّنُ الحقَّ وضِدَّه، وأنزلْنا إليكم نورًا واضحًا، هو القُرآنُ الَّذي أنزله اللهُ تعالى على محمَّدٍ، يُبيِّنُ لكم طريقَ الحقِّ

فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا بِاللهِ وَاعْتَصَمُوا بِهِ فَسَيُدْخِلُهُمْ فِي رَحْمَةٍ مِنْهُ وَفَضْلٍ وَيَهْدِيهِمْ إِلَيْهِ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا

فأمَّا المؤمنونَ بالله تعالى، المعتمِدونَ عليه في جميعِ أمورِهم؛ فسيَتغمَّدُهم اللهُ تعالى برحمةٍ خاصَّةٍ، فيُوفِّقُهم للخَيراتِ، ويُجزِلُ لهم المَثوباتِ، ويَدفعُ عنهم المكروهاتِ، ويُدخِلُهم الجَنَّةَ، ويَزيدُهم ثوابًا ورَفعًا في درجاتِهم مِن فَضلِه عليهم، وإحسانِه سُبحانَه إليهم، ويُوفِّقُهم ويُسدِّدُهم لسُلوكِ طريقِ مَن أنعَمَ اللهُ تعالى عليه مِن أهلِ طاعتِه, فيوفِّقُهم للعِلمِ النَّافعِ، والعملِ الصَّالحِ

يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ وَهُوَ يَرِثُهَا إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا وَلَدٌ فَإِنْ كَانَتَا اثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا الثُّلُثَانِ مِمَّا تَرَكَ وَإِنْ كَانُوا إِخْوَةً رِجَالًا وَنِسَاءً فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ يُبَيِّنُ اللهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا وَاللهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ

يَطلُبُ الصَّحابةُ منك-يا محمَّدُ- إخبارَهم عن الحُكمِ الشَّرعيِّ للكَلالةِ (وهو من مات وليس له ولدٌ -ذكرًا كان أو أُنثى- ولا والدٌ يَرِثُه)، قُلْ لهم: اللهُ عزَّ وجلَّ هو الَّذي يُخبِرُكم عن حُكمِ الكَلالةِ، إذا مات إنسانٌ وليس له ولدٌ -ذكرٌ أو أُنثى- ولا والدٌ، وله أختٌ شقيقةٌ أو لأبٍ؛ فإنَّها تَرِثُ النصفَ، وإنَّ الأخَ الشَّقيقَ أو لأبٍ يرِثُ جميعَ ممتلكاتِ أُختِه إذا ماتتْ ولم يكن لها ولدٌ، ولا والد يَرِثها، فإنْ فُرِضَ أنَّ معه مَن له فرضٌ -كزَوجٍ، أو أمٍّ، أو أخٍ مِن أمٍّ-، صُرِفَ إليه فَرْضُه، وصُرِفَ الباقي إلى الأخِ، فإنْ كان لِمَن يموتُ كَلالةً أُختانِ شقيقتانِ أو لأبيه، فلَهما ثُلُثَا ما ترَك أخوهما، وكذا ما زاد على الأُختين، فله حُكمُهما، وإنْ كان للميِّتِ إخوةٌ مِن الذُّكورِ والإناثِ فنَصيبُ الذَّكرِ منهم مِن التَّركةِ مِثلُ نصيبِ اثنتَينِ مِن أخَواتِه، وذلك إذا كان الميِّتُ يُورَثُ كلالةً, وكان إخوتُه وأخَواتُه شقيقاتٍ أو لأبيه، يُبيِّنُ اللهُ تعالى لكم أحكامَه، ومنها قِسمةُ مواريثِكم؛ كيلَا تَضِلُّوا في أمرِ المواريثِ وقِسمتِها، فتَجوروا عن الحقِّ, وتُخطئوا الصَّوابَ، إنَّ اللهَ تعالى عالِمٌ بكل شيء، وما فيه المصلحةُ لعِبادِه، ومِن ذلك: قِسمةُ مواريثِهم

المائدة

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ إِنَّ اللهَ يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ.

يا أيُّها المؤمنونَ، قوموا بإتمامِ العُهودِ الَّتي بيْنَكم وبيْن اللهِ سُبحانَه، والَّتي بيْنَكم وبيْنَ الناسِ؛ ما لم تُخالِفْ شَرْعَ اللهِ تعالى، قد أُحلَّت لكم الإبلُ والبقَرُ والغنَمُ، إلَّا ما سيُتلَى عليكم تحريمُه منها، ويُستثنى أيضًا صيدُها وأنتم في الحَرَم، أو وأنتم مُحرِمون بحَجٍّ أو عُمرةٍ، إنَّ اللهَ تعالى يَقضي ما يَشاءُ، وهو الحكيمُ في شرْعِه.

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللهِ وَلَا الشَّهْرَ الْحَرَامَ وَلَا الْهَدْيَ وَلَا الْقَلَائِدَ وَلَا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنْ رَبِّهِمْ وَرِضْوَانًا وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ أَنْ صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَنْ تَعْتَدُوا وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللهَ إِنَّ اللهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ

يا أيُّها المؤمنونَ، لا تَنتَهِكوا ما حرَّمَ الله تعالى عليكم، ولا تُضَيِّعوا فرائضَه، ومِن ذلك مناسِكُ الحجِّ، ولا تَنتهِكوا حُرمةَ الأشهُرِ الحُرُمِ بابتداءِ القِتالِ فيها، وبغيرِ ذلك مِن أنواعِ الظُّلْمِ والمحرَّماتِ، ولا تَنتهِكوا ما يُهدَى إلى الحَرَم مِن إبلٍ أو بقرٍ أو غنمٍ تقرُّبًا إلى الله تعالى، فلا تذبحوه قبلَ بلوغِه مَحِلَّه، ولا تَحُولوا بيْنَه وبيْنَ الوُصولِ إلى محِلِّه، ولا تَنتهِكوا الهَدْيَ الَّذي تُجعَل له قلائدُ في عُنقِه ولا تستحلُّوا قِتالَ القاصِدينَ إلى بيتِ الله تعالى الحرامِ، والحالُ أنَّهم طالبونَ فَضلَ الله سبحانه بالتِّجارةِ وغيرها، أو راغبونَ في رِضوانِه بالحجِّ والعُمرةِ والطَّوافِ بالبيت، والصَّلاةِ وغيرِها مِن العباداتِ، فلا تَصدُّوهم ولا تتعرَّضوا لهم بسوءٍ،، وإذا فرَغْتُم مِن إحرامِكم بالحجِّ أو العُمرةِ وأحللتُم منه، وخرجتُم من الحَرَم، فلا حَرَج عليكم في اصطيادِ ما كان محرَّمًا صيدُه، ولا يَحملنَّكم -أيُّها المؤمنون- بُغضُ قومٍ على أن تَعْتَدوا عليهم فتقتَصُّوا منهم ظلمًا؛ طلبًا للاشتفاءِ منهم؛ لأنهم منعوكم مِن الوُصولِ إلى المسجِدِ الحرامِ، ولْيُعِنْ بعضُكم بعضًا على الطَّاعاتِ، وتَرْكِ المحرَّمات، لا على المعاصي، والظُّلم، والاعتداءِ، واتقوا سخطَ الله وعذابَه؛ فإنَّ اللهَ شديدُ العِقابِ لمَن خالف أمرَه.

حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالْأَزْلَامِ ذَلِكُمْ فِسْقٌ الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِإِثْمٍ فَإِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ

حرَّم اللهُ تعالى عليكم أكْلَ المَيْتةِ، وهي: ما مات مِن الحيوانِ حتْفَ أنفِه، مِن غيرِ ذكاةٍ شرعيَّةٍ، ولا اصطيادٍ، وحرَّم أكْلَ الدَّمِ المسفوحِ، كالَّذي يخرُجُ عندَ الذَّكاةِ، أو عندَ فصْدِ العِرْقِ، ونحو ذلك، وحرَّم أكْلَ الخِنزيرِ؛ إنسيِّه ووحشيِّه، وظاهرِه وباطنِه، وحرَّم أكْلَ ما ذُبِحَ فذُكر عليه غيرُ اسم ِالله عزَّ وجلَّ، وحرَّم أكْلَ ما يموتُ بالخَنقِ، سواءٌ بنفْسِها، أو بخنْقِ غيرِها لها، وحرَّم أكْلَ الموقوذةِ، وهي الَّتي تُضرَب بشَيءٍ ثقيلٍ غيرِ محدَّدٍ حتَّى تموتَ، كالتي تُضرَب بعصًا، أو خَشبةٍ، وحرَّم أكْلَ المتردِّيَةِ، وهي الَّتي تَسقُط مِن موضعٍ عالٍ فتموتُ، وحرَّم أكْلَ المنطوحةِ، وهي الَّتي ماتتْ بسببِ نَطْحِ غيرِها لها، وحرَّم أكْلَ الَّتي عَدَا عليها سَبُعٌ، كالأسدِ وغيره، فأكَلَ بعضَها فماتتْ، فإنَ أمكنَ تَداركُ المُنخَنِقةِ والموقوذةِ والمتردِّيةِ والنَّطيحةِ وما أكَلَ السَّبعُ- بذَكاةٍ شرعيَّةٍ، وفيها حياةٌ مستقرَّةٍ؛ فإنَّه يحِلُّ أكلُها، وحرَّم أيضًا أكلَ ما ذُبِحَ عندَ الأوثانِ تقرُّبًا لها، وحرَّم الاستقسامَ بالأزلامِ، وهي عبارةٌ عن قِداحٍ ثلاثةٍ، مكتوبٌ على أحدِها: «افْعَلْ»، وعلى الآخَرِ: «لا تفعَلْ»، والثَّالثُ ليس عليه شيءٌ. وقِيل: كان يُكتَب على الواحِدِ منها: «أَمَرني ربِّي»، وعلى الآخَرِ: «نَهاني ربي»، والثَّالثُ ليس عليه شيءٌ، فإذا أجالَها فطَلَع السَّهمُ الآمِرُ فَعَلَه، أو النَّاهي ترَكَه، وإنْ طلع الفارغُ أعاد الاستقسامَ، حتَّى يخرجَ أحدُ القَدَحين الآخَرَينِ فيعملَ به! إنَّ إتيانَ سائرَ الأمورِ الَّتي حرَّمها الله تعالى في هذه الآية خروجٌ عن طاعةِ الله تعالى إلى مَعصِيَته. اليوم (وكان يومَ عَرفَةَ في حَجَّةِ الوداعِ) قد انقطَع طمَعُ الكفَّار والمشركينَ مِن أن ترتدُّوا عن دِينِكم -أيُّها المؤمنونَ-، فلا تَخافوا مِن المشركين، وخافوني، اليومَ أكملتُ لكم دِينَ الإسلامِ، وأتممْتُ عليكم نِعمتي بإظهارِكم على المشركينَ، ونفْيِي إيَّاهم عن بلادِكم، وقطعي طمَعَهم في عودِكم إلى الشِّركِ، وإكمالِ دِينِكم، واخترتُ واصطفيتُ لكم الإسلامَ دينًا، فكما ارتضيتُه لكم؛ فارْضَوْه أنتم لأنفُسِكم، وقوموا به، ومَن ألجأتْه الضَّرورةُ لأكْلِ شيءٍ مِن تلك المحرَّماتِ، الَّتي ذَكَرها اللهُ تعالى في هذه الآيةِ، غيرَ مُريدٍ لها؛ بألَّا يأكُلَ حتَّى يُضطَرَّ، ولا يَزيدَ على كِفايتِه، فله تناولُ ذلك، واللهُ غفورٌ له، ورحيمٌ به.

يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللهُ فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ وَاذْكُرُوا اسْمَ اللهِ عَلَيْهِ وَاتَّقُوا اللهَ إِنَّ اللهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ

يسألُكَ أصحابُك -يا محمَّد- عمَّا أُبيحَ لهم أكْلُه مِن الأطعِمَةِ فقلْ: أُبيحَ لكم أكْلُ الطَّيِّباتِ، من الحلالِ النافعِ المستلَذِّ، مِن غيرِ ضَررٍ بالبدنِ والعَقلِ، وأُبيحَ أكْلُ ما اصطادَه سِباعُ البَهائِم والطَّيرِ -كالكِلابِ والصُّقورِ وغيرِها- الَّتي علَّمتموها؛ مُدرِّبين إيَّاها على كيفيَّةِ اقتناصِ الصَّيدِ، ممَّا منَّ اللهُ به عليكم مِن العِلم بذلك، فكُلوا -أيُّها النَّاسُ- ممَّا أمسكتْ جوارحُكم مِن الصَّيدِ لأجْلِكم، واذكُروا اسمَ الله عندَ إرسالِ الجارِح، واتَّقوا سخطَ اللهِ وعذابَه، إنَّ الله سبحانه سريعُ المحاسَبةِ لعِبادِه يومَ القيامةِ.

الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ وَلَا مُتَّخِذِي أَخْدَانٍ وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ

اليومَ أباح اللهُ تعالى لكم -أيُّها المؤمنون- الحلالَ مِن الذَّبائِحِ والأطعمةِ ممَّا ليس بضارٍّ ولا مُستقذَرٍ، وذبائحُ اليهودِ والنَّصارى حلالٌ لكم أكْلُها، وذبائِحُكم حلالٌ لهم، وأحلَّ اللهُ لكم نِكاحَ الحرائرِ العفيفاتِ مِن النِّساءِ المؤمناتِ، ومِن نِساءِ اليهودِ والنَّصارى، إذا أعطيتُم مَن نَكحتُم -مِن مُحصناتِكم ومُحصناتِهم- مُهورَهنَّ، والحال أنَّكم مُحْصِنِينَ لنِسائكم؛ لعفَّتِكم عن الزِّنا، ولستُم بالزُّناةِ المُعلِنين، الَّذين يَزنون بأيِّ امرأةٍ كانت، ولا يَرُدُّون أنفُسَهم عمَّن جاءَهم، ولا مِن ذوي العَشيقاتِ الَّذين لا يَفعلون الفاحشةَ إلَّا خُفيَةً معهنَّ، ومَن كفَر بما يجبُ الإيمانُ به، فقد بطَلَ ثوابُ عمَلِه، إنْ مات على كُفرِه، وهو في الآخِرةِ مِن الَّذين خَسِروا أنفُسَهم وأموالَهم وأهليهم.

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُؤُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ مَا يُرِيدُ اللهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ

يا أيُّها المؤمنونَ، إذا أردتُم القيامَ إلى الصَّلاةِ، فاغْسلوا الوجهَ مِن مَنابِتِ شَعرِ الرَّأسِ المعتادِ، إلى ما انحدَر من اللَّحيينِ والذَّقن طولًا، ومِن الأُذنِ إلى الأُذُن عَرضًا، واغْسِلوا اليدَ كاملةً مِن أطرافِ الأصابِعِ إلى المِرفَقِ مع غَسْلِه، وامْسَحوا جميعَ الرأسِ، واغْسِلوا الرِّجلَ كاملةً من أطرافِ الأصابعِ إلى الكَعب مع غَسْلِه، إذا كانت مكشوفةً، وامسحوا على الخُفِّ إذا كانت مستورةً به، وإنْ أصابتْكم جنابةٌ فاغتسلوا قبلَ القيامِ إلى الصَّلاةِ، وإنْ كُنتم ذَوي مَرَضٍ، يتعذَّرُ معه استعمالُ الماءِ، أو كُنتم مسافِرينَ، أو مُحْدِثينَ؛ الحدَثَ الأصغرَ، أو جامعتُم النِّساءَ، ففقدتُم الماءَ، فعليكم بقَصدِ وجهِ الأرضِ الطَّاهرِ النَّظيفِ، فامْسَحوا الوجهَ والكفَّينِ، لا يُريدُ الله بما فرَض عليكم مِن تلك الأحكامِ أن تَقَعُوا في الضِّيقِ، ولكنْ يُريدُ أن يُطهِّركم، طهارةً حِسِّيَّةً لأبدانِكم، وطهارةً معنويَّةً بتكفيرِ سيِّئاتِكم، ويُريد ربُّكم سُبحانَه إتمامَ نِعمَتِه عليكم ببيانِ شرائِعِ دِينه، وتيسيرها لعِبادِه؛ لعلكم تَشكُرونه على نِعَمِه.

وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللهِ عَلَيْكُمْ وَمِيثَاقَهُ الَّذِي وَاثَقَكُمْ بِهِ إِذْ قُلْتُمْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَاتَّقُوا اللهَ إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ

واذْكروا -أيُّها المؤمنونَ- نِعمَ اللهِ عليكم، فتَذكَّروها، ومنها نِعمةُ الهدايةِ، واذكُروا عَهْدَه بمُبايَعةِ نبيِّه على مُتابعتِه ومُناصَرتِه، وتبليغِ دِينه، حيث قلتُم: سَمِعْنا ما دَعوتَنا به -أيُّها الرسولُ-، وأطَعْنا، واتقوا سخطَ اللهِ وعذابَه، إنَّه يعلمُ ما يتخالَجُ في الضَّمائِرِ، وما تَنطوي عليه القُلوبُ مِن الخواطِرِ؛ فاحذروا أن يَطَّلِعَ مِنكم على أمرٍ لا يَرضاه، كتركِ الوفاءِ بميثاقِ اللهِ.

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللهَ إِنَّ اللهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ

يا أيُّها المؤمنونَ، كونوا ذَوي قِيامٍ بالحقِّ للهِ تعالى، وكونوا شُهَداءَ بالعَدلِ، ولا يَحْمِلنَّكم عداوةُ قومٍ وبُغضُهم على ألَّا تَعدِلوا في حُكْمِكم فيهم، بل عليكم بالعَدْلِ مع كلِّ أحدٍ، وذلك أقرَبُ إلى التَّقْوى الكاملةِ، واتقوا سخطَ اللهِ وعذابَه، إنَّ اللهَ تعالى عالِمُ ببواطنِ ما تَعمَلونَه، ومُجازيكم بها.

وَعَدَ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ

وعَدَ اللهُ عزَّ وجلَّ المؤمنينَ الَّذين عَمِلوا الأعمالَ الصَّالِحةَ، بمغفرةِ ذنوبِهم، ولهم ثوابٌ كبيرٌ، وعطاءٌ جزيلٌ

وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ

وأمَّا الكُفَّارُ المكذِّبونَ بالأدلَّةِ على الحقِّ، فهُم أهلُ نارِ الجحيمِ الملازِمونَ لها أَبَدًا.

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللهِ عَلَيْكُمْ إِذْ هَمَّ قَوْمٌ أَنْ يَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ فَكَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَاتَّقُوا اللهَ وَعَلَى اللهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ

يا مَعْشَرَ المؤمنينَ، تذكَّروا ما أنعمَ اللهُ به عليكم؛ حين ردَّ كيدَ أعدائِكم الَّذين همَّوا بالبَطْشِ بكم، فحالَ بيْنَهم وبين ذلك، واتقوا سخطَ اللهِ وعذابَه، وعلى اللهِ تعالى وحْدَه فلْيَعتمِدِ المؤمنونَ.

وَلَقَدْ أَخَذَ اللهُ مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَبَعَثْنَا مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا وَقَالَ اللهُ إِنِّي مَعَكُمْ لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلَاةَ وَآتَيْتُمُ الزَّكَاةَ وَآمَنْتُمْ بِرُسُلِي وَعَزَّرْتُمُوهُمْ وَأَقْرَضْتُمُ اللهَ قَرْضًا حَسَنًا لَأُكَفِّرَنَّ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَلَأُدْخِلَنَّكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ فَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ

قد أَخَذَ اللهُ على أَسْلافِ اليهودِ عَهدًا مؤكَّدًا، وأقامَ عليهم اثْنَيْ عَشَرَ رئيسًا، موكولًا إليهم تَلقِّي مُبايعَةِ مَن تَحْتَهم على السَّمْعِ والطَّاعةِ، وحثِّهم على القيامِ بعهدِ اللهِ، وقال اللهُ لبني إسرائيلَ: إنِّي مَعَكم بالحِفْظِ والعَوْنِ، والنَّصْرِ والتَّأييدِ، وواللهِ إنْ أدَّيتُم -يا بني إسرائيلَ- الصَّلاةَ كما ينبغي، ودَفَعْتُم الزَّكاةَ كما أَمرْتُكم، وصَدَّقْتُم رُسُلي فيما جَاؤُوكُمْ به، وأَقرَرْتُم وانْقَدْتُم لهم، ومنهم محمَّدٌ صلَّى الله عليه وسلَّمَ، وإنْ نَصَرْتُموهم على أَعْدائِهم، وأَنْفَقْتُم في سبيلِ الله تعالى، لَئِنْ قُمْتُم بذلك، لأُغَطِّيَنَّ على ما تقدَّم من ذُنوبِكم، ولا أُؤَاخِذُكم بها، وأُدخِلُكم في الآخرةِ جنَّاتٍ تَجري الأنهارُ فيها مِن تحت أشجارِها وقُصورِها، فمَن خالَف هذا الميثاقَ المؤكَّدَ وجَحَدَه، فقد حادَ عن طَريقِ الحقِّ.

فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ وَلَا تَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَى خَائِنَةٍ مِنْهُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ

فبِسَبَبِ عَدَمِ وفاءِ اليَهودِ بالعَهْدِ المؤكَّدِ الَّذي أُخِذَ عليهم؛ طَرَدْناهم مِنْ رَحْمَتِنا، وأَبْعَدْناهم عن الحقِّ، وجَعَلْنا قُلُوبَهم قاسيةً، فلا تُجْدِي فيهم المواعِظُ، وأخذوا يُحرِّفونَ كلامَ ربِّهم في التَّوراةِ، فتأوَّلوه على غَيْرِ ما أَنْزَلَه، وقالوا على اللهِ ما لم يَقُلْه، ونَسُوا نصيبًا مِن وَحْيِ الله تعالى، فضاعَ منهم، وتَركوا عن عَمْدٍ نصيبًا منه، فلم يَعْمَلوا به، فضيَّعوا أمْرَ اللهِ عزَّ وجلَّ، ولا تزالُ -يا محمَّدُ- تكتَشِفُ منهم شيئًا ممَّا هم عليه مِنَ الخيانةِ لك ولأصحابِك، إلَّا قليلًا قد سَلِموا من ذلك، فتَجاوَزْ عن أولئك القَوْمِ، ولا تُؤاخِذْهم، وأَعْرِضْ عنهم؛ إنَّ اللهَ عزَّ وجلَّ يُحِبُّ عبادَه المُحسنينَ

وَمِنَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى أَخَذْنَا مِيثَاقَهُمْ فَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَسَوْفَ يُنَبِّئُهُمُ اللهُ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ

وأَخَذْنا مِنَ الَّذين ادَّعَوْا أنَّهم نَصَارى الميثاقَ على طاعَتي واتِّباعِ رُسُلي، فنَسُوا نَصيبًا مِن وَحْيِ اللهِ تعالى، فضاع منهم، وتَرَكوا عن عمدٍ نصيبًا منه، فلمْ يعملوا به، فضيَّعوا أَمْرَ اللهِ سبحانه، فجَعَلْنا بيْنَهم الشِّقاقَ والتَّباغُضَ؛ بالأهواءِ الَّتي حدَثتْ بيْنَهم، واختلافِهم في المسيحِ، ولا يزالونَ كذلك إلى قِيامِ السَّاعَةِ، وسوف يُخْبِرُهم اللهُ عزَّ وجلَّ بما كانوا يصنعُونَه، فيُعاقِبُهم عليه.

يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيرًا مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ

يا أيُّها اليهودُ والنَّصارى قد جاءكم مُحمَّدٌ صلَّى الله عليه وسلَّمَ، يُظْهِرُ كثيرًا ممَّا كنتم تَكتُمونَه عن النَّاسِ، ويُوضِّحُ ما بدَّلْتُموه وأوَّلْتُموه على غيرِ وَجْهِه. ويَترُك ذِكرَ كثيرٍ ممَّا كَتَمْتموه وغيَّرْتُموه ممَّا لا فائدةَ في بيانِه، قد جاءَكم مِنَ اللهِ تعالى القرآنُ العظيمُ، وهو كتابٌ يُبيِّنُ للخَلْقِ ما يحتاجونَ إليه مِن أُمُورِ دِينِهم ودُنياهم.

يَهْدِي بِهِ اللهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ

يُرشِدُ اللهُ عزَّ وجلَّ ويُسدِّدُ بهذا القرآنِ العظيمِ، مَن ابتغى بُلوغَ مَرْضاةِ الله تعالى فأسلمَ وآمَنَ بالله ربًّا، وبمحمَّدٍ نبيًّا، فيُرْشِدُه ويوفِّقُه إلى اتِّباع شرائعِ الإسلامِ، الَّتي فيها السَّلامةُ في الدُّنيا والآخِرةِ، حتَّى يَستقرَّ في الجَنَّةِ؛ دارِ السَّلامِ، ويُخْرِجُه مِن ظُلُماتِ الكُفرِ والشِّركِ والمعاصِي، إلى نورِ الإيمانِ واليقينِ والطَّاعَةِ بإذنِ الله عزَّ وجلَّ، ويُرشِدُهم ويُسدِّدُهم إلى طريقٍ لا عِوَجَ فيه.

لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ مِنَ اللهِ شَيْئًا إِنْ أَرَادَ أَنْ يُهْلِكَ الْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَاللهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ

أُقْسِمُ على أنَّ الَّذين ادَّعَوا أنَّ عيسى ابنَ مريمَ هو الله، قد كَفروا، فقُلْ لهم -يا مُحمَّدُ-: فمَن الَّذي يُطيقُ إذَنْ أن يَدْفَعَ مِن أمْرِ اللهِ تعالى شيئًا، إذا قَضَاه؟ فلو أراد أن يُهلِكَ المسيحَ ابنَ مريمَ وأُمَّه، وجميعَ مَن في الأرضِ؛ فمَنِ الَّذي يَقدِرُ على مَنْعِه؟! وللهِ عزَّ وجلَّ ملكُ جميعِ ما في السَّمواتِ والأَرْضِ وما بيْنَهما، وهو القادرُ على كلِّ شيء؛ فلا يُعْجِزُه شيءٌ أرادَه.

وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاءُ اللهِ وَأَحِبَّاؤُهُ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ

وقال كلٌّ مِن اليهودِ والنَّصارى: نحن أبناءُ اللهِ وأحبَّاؤه، في مَودَّته لنا، وعَطْفِه علينا، فقلْ لهم -يا محمَّدُ-: إنْ كان الأمرُ كما تَدَّعونَ، فأخْبروني إذنْ لِمَ أَعَدَّ اللهُ لكم نارَ جهنَّمَ؟! فليس الأمرُ كما زعمتُم، بل أنتم خَلقٌ خَلَقَكم اللهُ كسائرِ بني آدمَ، فتجري عليكم أحكامُه الدَّائرةُ بينَ عَدْلِه وفَضْلِه، وللهِ عزَّ وجلَّ وحدَه ملكُ جميعِ ما في السَّمواتِ والأرضِ وما بيْنَهما، وإليه سُبحانَه المرجعُ في الآخرة، فأيُّ شيءٍ خصَّكم بتلك الفضيلةِ الَّتي تَزْعُمونها، وأنتم مِن جُملةِ المماليك، ومِن جُملةِ مَن يرجِعُ إلى اللهِ، فيُجازيهم بأعمالِهم؟!

يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ عَلَى فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ أَنْ تَقُولُوا مَا جَاءَنَا مِنْ بَشِيرٍ وَلَا نَذِيرٍ فَقَدْ جَاءَكُمْ بَشِيرٌ وَنَذِيرٌ وَاللهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ

يا أيُّها اليهودُ والنَّصارى قدْ جاءكم محمَّدٌ صلَّى الله عليه وسلَّمَ، يُوضِّحُ لكم الحقَّ، ويُبيِّنُ ما تحتاجون إليه، بعدَ شِدَّةِ حاجةٍ إليه، ومُضِيِّ زمنٍ طويلٍ بيْن إرسالِ عيسى وبَعثةِ محمَّدٍ، أَرْسلناه إليكم؛ قَطْعًا لعُذرِكم؛ كي لا تَحتجُّوا بأنَّه لم يأتِنا رسولٌ منذُ عهدٍ طويلٍ، يُبشِّرُ بالخيرِ مَنْ أطاعَه، ويُنذرُ بالشَّرِّ مَن عَصاه، فها قد جاءَكم هذا البَشيرُ والنَّذيرُ، ولا يُعجِزُ اللهَ تعالى شيءٌ أرادَه، ومِن ذلك بَعْثُ الرُّسلِ وإنزالُ الكتُبِ، وإثابةُ المُطيعينَ، ومعاقبَةُ العاصينَ.

وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِيَاءَ وَجَعَلَكُمْ مُلُوكًا وَآتَاكُمْ مَا لَمْ يُؤْتِ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ

واذْكر -يا محمَّدُ- حينَ خاطَبَ موسى بَنِي إسرائيل، أنْ اذكُروا -يا قومي- نِعمَ اللهِ عليكُم بأنْ جعَلَ فيكم أنبياءَ يأتونَكم بوَحيِه، ويُخبِرونَكم بآياتِه، وَجَعَلَكُمْ مُلُوكًا، ومَنحَكم مِن نِعَمِه وكراماتِه، ما لم يُعطِهِ لأحدٍ مِن أهلِ زَمانِكم، فَفُقتُموهم شرفًا وفضلًا.

يَا قَوْمِ ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَرْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ

نادَى موسى بَني إسرائيل؛ أنْ جاهِدُوا -يا قومي- عَدُوَّكم حتَّى تَدخُلوا أرضَ بيتِ المقدِسِ وتُصبِحَ في مُلْكِكم؛ فقد قضَى اللهُ أنْ تكونَ لكم بعدَ أنْ تستنقِذوها مِن أعدائِكم، ولا تَنكُلوا عن الجِهادِ، وتَرجِعوا القَهْقَرَى؛ فتَخْسَروا دُنياكم بما يَفوتُكم مِن النَصرِ والفَتحِ، وتَخْسَروا آخرِتَكم بما يفوتُكم مِن الثوابِ، وما تَستحقُّونه مِن العِقابِ.

قَالُوا يَا مُوسَى إِنَّ فِيهَا قَوْمًا جَبَّارِينَ وَإِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا حَتَّى يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنَّا دَاخِلُونَ

قال بنُو إسرائيلَ: يا موسى، إنَّ في هذه البَلدةِ الَّتي أمَرْتَنا بدُخولِها، وقِتالِ أهلِها عَمالقةٌ؛ لن نقدِرَ على مقاوَمَتِهم، ونحن نُؤكِّدُ لك بأنَّنا مُمتنِعونَ عن الدُّخولِ إليها، ما دام يَسكُنها أولئك الجبَّارونَ، فإنِ افترَضْنا خروجَهم منها، فحينها يُمكِنُنا الدُّخولُ إليها!

قَالَ رَجُلَانِ مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبَابَ فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غَالِبُونَ وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ

لَمَّا نَكَل بنو إسرائيلَ عن الجهادِ، قال لهم رجُلانِ ممَّن يَخافونَ اللهَ تعالى، قدْ أنعَمَ عليهما بالتَّوفيقِ لطاعتِه، والخوفِ منه وحْدَه، وبالصَّبرِ واليقينِ، والشَّجاعةِ وحَصافةِ الرَّأي: ليس بَيْنَكم وبينَ نصْرِكم عليهم إلَّا مجرَّدُ دُخولِ بابِ الأرضِ المقدَّسة؛ فإنْ فعلتُم ذلك كانتِ الغلبةُ لكم، ففَوِّضُوا جميعَ أمورِكم إلى اللهِ تعالى وحْدَه، ومنها قِتالُ أعدائِكم، واعتمِدوا عليه اعتِمادًا تامًّا، إنْ كان لديكُم إيمانٌ باللهِ تعالى وبصِدقِ وعْدِه.

قَالُوا يَا مُوسَى إِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا أَبَدًا مَا دَامُوا فِيهَا فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ

قال اليهودُ: إنَّا نرفُض -يا موسى- رفْضًا باتًّا دائمًا، دُخولَ تلك المدينةِ الَّتي يَسْكُنُها الجبَّارونَ ما دامُوا فيها، ولكنِ امضِ أنتَ وربُّك لقِتالِهم، أمَّا نحنُ فماكِثونَ في هذا المكانِ.

قَالَ رَبِّ إِنِّي لَا أَمْلِكُ إِلَّا نَفْسِي وَأَخِي فَافْرُقْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ

قال موسى: يا ربِّ، لا أقدِرُ أنْ أحمِلَ أحدًا على طاعتِكَ إلَّا نفْسي وأخِي هارونَ، فافْصِلْ بَيْنَنا وبيْنَ هؤلاءِ القومِ الخارِجينَ عن طاعتِك، بحُكمٍ منك تَقضيه فينا وفيهم، فتُبعِدَهم عنَّا.

قَالَ فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الْأَرْضِ فَلَا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ

فأجاب اللهُ تعالى دُعاءَ موسى، فقال: إنَّ عُقوبتَهم أنْ يُحرَّمَ عليهم دُخولُ الأرضِ المقدَّسةِ الَّتي نَكَصوا عن دُخولِها، مُدَّةَ أربعين سَنةً يَظلُّون فيها ضائعينَ في الأرضِ، فلا تَحزنْ عليهم؛ فهُم يَستحقُّونَ ذلك؛ لخُروجِهم عن طاعةِ ربِّهم سُبحانَه.

وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الْآخَرِ قَالَ لَأَقْتُلَنَّكَ قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ (27).

واقْصُصْ -يا محمَّدُ- خبَرَ ابنَيْ آدَمَ لصُلبِه على هؤلاءِ اليَهودِ وغيرِهم، بالصِّدقِ الثَّابتِ، حينَ أَخرجَ كلُّ واحدٍ مِن الأخَوينِ شيئًا؛ يُتقرَّبُ به مِنَ اللهِ تعالى، فقُبِلَ مِن أحدِهما، فلمَّا عَلِم الَّذي لم يُقبَلْ مِنه بذلِك، حسَدَ أخاه، فتوعَّدَه بالقتلِ، فقال أخوه: إنَّما يُتقبَّلُ العملُ ممَّن اتَّقى اللهَ فيه؛ فعَمِلَه خالصًا لله، موافقًا لأمره، فأيُّ ذَنبٍ لي يُوجِبُ لك قتْلي؟! وكنْ أنتَ مِن المتَّقينَ حتَّى يُتقبَّلَ منك.

لَئِنْ بَسَطْتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ (28).

لو مَددتَ إلَيَّ يدَك لتَقتُلَني، فلنْ أُقابِلَك على ذلك بمِثلِه؛ لأنَّي أخافُ غضَبَ وعقابَ اللهِ ربِّ العالمين.

إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ فَتَكُونَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ وَذَلِكَ جَزَاءُ الظَّالِمِينَ (29).

إنِّي أُريدُ أن ترجِعَ مُتحمِّلًا إثمَ قَتْلي، مع آثامِك السَّابقةِ، فتكونَ بذلِك مِن سُكَّانِ الجحيمِ الملازِمينَ لها، وذلك جزاءُ كلِّ ظالمٍ.

فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ فَأَصْبَحَ مِنَ الْخَاسِرِينَ (30).

فسَوَّلتْ له نفْسُه وسَهَّلت عليه قتْلَ أخيه، الَّذي يَقتضي الشَّرعُ والطبعُ احترامَه والرَّأفةَ به، فصارَ بقَتْلِه مِن الَّذين خَسِروا دُنياهم وآخِرتَهم.

فَبَعَثَ اللَّهُ غُرَابًا يَبْحَثُ فِي الْأَرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوَارِي سَوْءَةَ أَخِيهِ قَالَ يَا وَيْلَتَا أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَذَا الْغُرَابِ فَأُوَارِيَ سَوْءَةَ أَخِي فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ (31).

فأَرسل اللهُ تعالى غُرابًا يَحفِرُ في الأرضِ، ويُثيرُ التُّرابَ -قيل: ليدفنَ غرابًا ميتًا-؛ لِيُشاهِدَه القاتلُ، فيتفطَّنَ إلى الطَّريقةِ الَّتي يَستُرُ بها بدَنَ أخيه، فقال حينَئذٍ لائمًا نَفْسَه: كيف لم أقْدِرْ على مِثلِ ما فعَلَه الغرابُ فأسترَ بذلِك بدَنَ أخِي؟! فصارَ نادمًا على قَتْلِه.

مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا وَلَقَدْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُنَا بِالْبَيِّنَاتِ ثُمَّ إِنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ بَعْدَ ذَلِكَ فِي الْأَرْضِ لَمُسْرِفُونَ(32).

بسببِ قتْلِ ابنِ آدَمَ أخاه ظُلمًا وعُدوانًا، حَكَمْنا على بني إسرائيلَ بأنَّه مَن تَجرَّأَ منهم فقتَل نفْسًا واحدةً بغيرِ سببٍ مِن قِصاصٍ، أو فسادٍ في الأرضِ كقَطعِ الطَّريقِ، فهو كمَن استحلَّ دِماءَ جميعِ النَّاسِ، ومَن حرَّم قتْلَ مَن حرَّم اللهُ تعالى قتْلَه، ولم يُقدِمْ على قتْلِه، فقدْ حَيِيَ النَّاسُ كلُّهم بسَلامتِهم منه، وقدْ أتَى رُسلُ اللهِ بني إسرائيل ومعهم الدَّلائلُ الواضحةُ، ثمَّ إنَّ كثيرًا مِنهم بعدَ ذلك؛ عامِلونَ في الأرضِ بالمعاصي، فارْتكبوا محارمَ الله تعالى، وانتهكوا حدودَه سُبحانَه.

إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ (33).

إنَّ جزاءَ مَن يُبارزونَ اللهَ تعالى ورسولَه بالكُفرِ والعداوةِ، ويقومون بالاعتداءِ على أحكامِ الشرعِ، ويُسارِعونَ في عمَلِ المعاصي؛ كقَطْعِ طُرُقِ النَّاسِ، واغتصابِ أموالِهم، جزاءُ أولئك؛ القتلُ، أو يُوضَعَ الجناةُ مَشدودينَ على خَشبةٍ ونحوها -قيل: لقَتْلِهم، وقيل: لصلبِهم بعدَ قتْلِهم، وقيل غيرُ ذلك- أو تُقطَّعَ أيديهم اليُمنَى وأَرْجُلهم اليُسرى، أو يُطرَدُوا مِن البلدِ الَّذي هُم فيه إلى غيرِه، وذلك الجزاءُ عارٌ وفَضيحةٌ لهم في الدُّنيا، ولهم عذابٌ أُخْرويٌّ عظيمٌ.

إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (34).

لكن مَن تابُوا منهم، وكفُّوا عن مُحاربةِ اللهِ ورسولِه وعن سَعيهِم في الأرضِ بالفسادِ، قبْلَ أن تَقْدِروا عليهم، -أيُّها المؤمنونَ- فاعْلَموا أنَّ اللهَ تعالى غيرُ مُؤاخِذٍ مَن تابَ منهم بذنُوبِه، فيُسقِطُ ما وجَب عليه مِن عُقوباتٍ في الدُّنيا والآخِرة.

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ وَجَاهِدُوا فِي سَبِيلِهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (35).

يا مَعشرَ المؤمنينَ، اتقوا سخطَ اللهِ وعذابَه، واطْلُبوا القُربَ منه، والحظوةَ لديه بالعملِ بما يُرضيهِ عزَّ وجلَّ، وجاهِدوا أعداءَ اللهِ تعالى؛ لإعلاءِ كلمتِه سُبحانَه؛ لعلَّكم تَنجُون ممَّا تَرْهَبون، وتَظفَرون بما تَرْغَبون.

إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ أَنَّ لَهُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ لِيَفْتَدُوا بِهِ مِنْ عَذَابِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَا تُقُبِّلَ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (36).

لو كانَ للكُفَّارِ مُلكُ ما في الأرض كلِّها، ومُلكُ ضِعْفِه معه، وأَرادوا أنْ يُقدِّموا ذلك يومَ القِيامةِ فِديةً؛ ليتخلَّصوا مِن عذابِ الآخِرِة، لَمَـا تَقبَّل اللهُ تعالى منهم ذلِكَ، وقدْ حقَّ عليهم عذابٌ مؤلمٌ.

يُرِيدُونَ أَنْ يَخْرُجُوا مِنَ النَّارِ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنْهَا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُقِيمٌ (37).

يُريدُون أنْ يَخرُجوا مِنَ النَّارِ بعدَ دُخولِها، ولن يَخرجُوا منها أبدًا، ولهم عَذابٌ دائمٌ ثابتٌ.

وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (38).

ومَن سرَق -رجُلًا كانَ أوِ امرأةً- فاقْطَعوا يدَه اليُمنى -مِن مَفْصِل الكَفِّ- مُجازاةً على اكتسابِ المالِ الحرامِ، وردعًا عن هذا الفعل، وزجرًا عنِ اعتيادِ هذا الجُرْمِ، وزجرًا للآخرين عن الإقدامِ عليه، واللهُ العزيزُ في انتقامِه، الحكيمُ في حُكمِه، وقَضائِه.

فَمَنْ تَابَ مِنْ بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ فَإِنَّ اللَّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (39).

فمَن رجَعَ -بَعدَ سَرقتِه الَّتي ظَلمَ بها نَفْسَه وغيرَه- إلى اللهِ تعالى، وأَصلحَ عمَلَه وما أفْسدَه بظُلمِه؛ فإنَّ اللهَ عزَّ وجلَّ يَقبَلُ توبتَه، إنَّ اللهَ تعالى يغفرُ ذُنوبَ عِبادِه، وهو رحيمٌ بهم.

أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ يُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (40).

ألَمْ تَعلَمْ أنَّ اللهَ تعالى هو المالكُ لجَميعِ ما في السَّمواتِ والأرضِ، يُعذِّبُ مَن يشاءُ مِن خَلقِه بعَدْلِه، ويَغفرُ لِمَن يشاءُ منهم بفَضْلِه، وهو قادِرٌ على كلِّ شيءٍ أرادَه، لا يُعجِزُه شيءٌ أبدًا.

يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ لَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ مِنَ الَّذِينَ قَالُوا آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ وَمِنَ الَّذِينَ هَادُوا سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ مِنْ بَعْدِ مَوَاضِعِهِ يَقُولُونَ إِنْ أُوتِيتُمْ هَذَا فَخُذُوهُ وَإِنْ لَمْ تُؤْتَوْهُ فَاحْذَرُوا وَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا أُولَئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ (41).

لا يُصِبْك بالحزنِ -يا محمَّدُ- أولئك الَّذين يَتسابقون إلى الكُفرِ، من الَّذين أَظهَروا الإيمانَ بألْسنتِهم، وقلوبُهم خاويةٌ منه، ومن اليهودِ، فيُكثرونَ الإصغاءَ إلى الكَذِبِ ويَقْبَلونَ افتراءاتِ رؤسائهم، ويستمعُون لقومٍ لا يحضُرون مجلسَك ممَّن يَصرِفونَ كلامَ الله عن معناه الحقيقيِّ عمدًا، ويتأوَّلونه بالباطلِ، وهم يَعلمون الحقَّ، ويقولون: تَحاكَمُوا إلى محمَّدٍ؛ فإنْ حَكَم بما يُوافِقُ أهواءَكم فاقبلوا حُكمَه، وإنْ لم يحكُمْ لكم به فاحْذروا مِن قَبولِه، واتِّباعِه على ذلك، وإذا حتَّم اللهُ تعالى على أَحدٍ أنَّه لا يتوبُ مِن ضلاله، ممَّن هو أهلٌ لذلك؛ فلن تملكَ له -يا محمَّدُ- مِن اللهِ تعالى استنقاذًا ممَّا هو فيه، إنَّ أولئك اليَهودَ الَّذين لا يَقبَلون مِن الحقِّ إلَّا ما وافَق أهواءَهم، لم يُرِدِ الله تعالى أن يُطهِّرَ قلوبَهم مِن دَنسِ الكُفرِ وغيره، فيتوبوا؛ فلذا صَدَر منهم ما صَدَر، فلهم في الدُّنيا فَضيحةٌ وعارٌ، ولهم في الآخِرة النَّار.

سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ فَإِنْ جَاؤُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ وَإِنْ تُعْرِضْ عَنْهُمْ فَلَنْ يَضُرُّوكَ شَيْئًا وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (42) .

إنَّ اليهودَ الَّذين وصفتُهم لك -يا مُحمَّدُ-؛ سمَّاعون للباطِلِ، مُستجيبونَ له، ومِن صفاتِهم أنهم كثيرًا ما يأكلونَ المالَ الحرامَ، فإن احتكمُوا إليك، فلك أنْ تحكُمَ بيْنَهم، أو تَدعَ ذلك، فهم لا يَقصِدون بتَحاكُمهم إليك اتِّباعَ الحقِّ، بل يَطلُبون ما وافَقَ أهواءَهم، وإنْ تُعرِضْ عنهم، وتَخْتَرْ تَرْكَ الحُكم بيْنَهم، فلن يَقدِروا على إلحاقِ الضررِ بك، وإنِ اخترتَ الحُكمَ بينهم فقُمْ بذلك بالعدل، إنَّ اللهَ تعالى يحبُّ العادلينَ في حُكْمِهم بينَ النَّاس.

وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ وَعِنْدَهُمُ التَّوْرَاةُ فِيهَا حُكْمُ اللَّهِ ثُمَّ يَتَوَلَّوْنَ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَمَا أُولَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ (43).

وكيف يَجعلُك هؤلاءِ اليهودُ -يا مُحمَّدُ- حَكَمًا بيْنَهم وهم يُكذِّبونَك، وعندَهم التَّوراةُ، وفيها حُكم اللهِ على ما يُريدون؟! ومع هذا أَعْرضوا عن حُكْمِها، وهم يَعلمون أنَّه الحقُّ، وطَلَبوا حُكمَ غيرِها؛ لاحتمالِ موافَقَتِه لأهوائِهم! إنَّهم ليسوا مِن أهلِ الإيمانِ؛ فذلك ليس مِن دأْبِهم، أمَّا هؤلاء فجَعَلوا آلهتَهم أهواءَهم، وجَعَلوا أحكامَ الشَّرْع تابعةً لها.

إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاءَ فَلَا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ (44).

نحنُ نزَّلنا التَّوراةَ على موسى، وفيها ما يَهدي إلى الحقِّ، وما يُستضاءُ به في ظُلماتِ الشَّهواتِ والشُّبهاتِ، يَحكُمُ بها أنبياءُ بني إسرائيلَ، الَّذين استَسلَموا للهِ تعالى ظاهرًا وباطنًا، ويَحكُمُ بها علماءُ اليهود من الرَّبَّانيِّينَ والأحبارِ؛ لأنَّ اللهَ تعالى جعَلَهم أُمَناءَ على كِتابِه؛ فاستودَعهم إيَّاه، وأمَرَهم أن يُظْهِروه ويَعملوا به، وأوجَب عليهم حِفظَه، وكانوا شُهداءَ على أنَّه كتابُ الله، نزَل مِن عندِ اللهِ، وفيه حُكمُ الله، وهم مؤتَمَنون على تبليغِه، وحِفظِه، فلا تَخشَوُا النَّاسَ في تنفيذِ حُكمي -يا علماءَ اليهودِ- واخْشَوني دونَ كلِّ أحدٍ، ولا تَتركوا الحُكمَ بآياتِ كتابي؛ مِن أجْلِ متاعٍ دنيويٍّ قليلٍ، إنَّ الَّذين لم يَحكُموا بما أَنزلَ اللهُ تعالى في كِتابِه من اليهودِ وغيرِهم، فبدَّلوا حُكمَه، وكتَموا الحقَّ الَّذي أنزلَه، وحَكَموا بالباطلِ؛ همُ الكافِرونَ.

وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنْفَ بِالْأَنْفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (45).

وفرَضْنا على اليهودِ في التَّوراةِ أنَّ النَّفْسَ تُقتلُ قِصاصًا، إذا قَتلتْ نفْسًا أخرى عَمْدًا بغير حقٍّ، وكذا العينُ تُفقَأُ بالعَينِ، والأنفُ تُجدعُ بالأنفِ، والأُذنُ تُقطَعُ بالأُذنِ، والسِّنُّ تُقلَعُ بالسِّنِّ، ويُقتصُّ للمجروحِ ممَّن جرَحه ظلمًا وعدوانًا بمِثلِ جُرحِه. فمَن تنازَلَ عمَّا وجَبَ له مِن حقٍّ بالقِصاصِ في النَّفْسِ وما دونها مِن الأطرافِ والجُروحِ فعفَا عن الجاني، تُكفَّرُ عنه ذنوبُه، إنَّ الَّذين لم يَحكُموا بما أنزلَ اللهُ تعالى في كتابِه، هم ممَّن جارَ على حُكمِ اللهِ وتعدَّى حُدودَه.

وَقَفَّيْنَا عَلَى آثَارِهِمْ بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَآتَيْنَاهُ الْإِنْجِيلَ فِيهِ هُدًى وَنُورٌ وَمُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ (46).

وأتْبَعْنا الأنبياءَ الَّذين يَحكُمون بالتَّوراة بعيسى ابنِ مريمَ، فبعثناه بعدَهم شاهدًا على أنَّ التوراة حقٌّ، ومؤيِّدًا لها ومؤمنًا بها، وحاكِمًا بشريعتها فيما لم يَنسخْه الإنجيلُ، وأَنزلْنا إليه الإنجيلِ، فيه هُدًى إلى الحقِّ، ونورٌ يُستضاءُ به، ومثبِتًا وشاهدًا وموافِقًا للتوراةِ، ومشتمِلًا على أحكامِها، إلَّا ما نسخَه منها، وجعَلْنا الإنجيلَ هدًى للحقِّ، وزاجرًا عن ارتكابِ المحارِمِ والمآثمِ للمتَّقينَ فهم الذين ينتفعونَ.

وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الْإِنْجِيلِ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (47).

وآتَيْنا عيسى الإنجيلَ لِيَحْكُمَ أهلُ مِلَّتِه به، فلْيؤمِنوا به، ولْيُقيموا ما أُمِرُوا فيه، إنَّ الَّذين لم يَحكُموا بما أَنزلَ اللهُ تعالى في كِتابِه من النَّصارى وغَيرِهم، خارجونَ عن طاعةِ ربِّهم، تارِكونَ للحقِّ.

وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ (48).

وأَنزلْنا إليك -يا محمَّدُ- القرآنَ العظيمَ الَّذي نُزولُه حقٌّ، ونزلَ مُتضمِّنًا للحقِّ، وأنزلْناه شاهدًا للكتُبِ الإلهيَّةِ بصِدْقِها، وموافقًا لها، ومطابِقًا لأخبارِها وأصولِ شرائعِها، وفي وُجودِه دَلالةٌ على صِدقها؛ لأنَّها أَخبرتْ بنُزولِه، وأنزلْناه أمينًا عليها، حافظًا لها، مشتملًا على ما اشتملَتْ عليه وزيادة، وناسخًا لها، وحاكمًا عليها كلِّها، فما شهِد له القرآنُ منها بالصِّدقِ فمقبولٌ، وما شهِد له بالردِّ فمردودٌ قد دخلَه التَّحريفُ والتَّبديلُ؛ فاحكمْ -يا محمَّدُ- بيْنَ أهلِ الكتاب وغيرِهم بهذا القرآنِ العظيم، في كلِّ ما احتَكموا فيه إليك، ولا تَترُكَنَّ تحكيمَه بَيْنَهم متابَعةً لأهوائِهم، ولكلِّ أهلِ ملَّةٍ منكم -أيُّها الأممُ- جعَلْنا سبيلًا تَسلُكونَه، وسنَّةً تتَّبعونها، ولو شاء اللهُ لجَمَعَكم على دينٍ واحدٍ، وشريعةٍ واحدةٍ، ولكنَّه تعالى خالَفَ بيْنَها؛ لِيَختبرَكم، فيبتلي كلَّ أُمَّةٍ بحسَبِ ما تَقتضيه حِكمتُه، ويُؤتي كلَّ أحدٍ ما يَليقُ به، وليحصلَ التَّنافُسُ بيْنَ الأُمَمِ، فبادِروا إلى الطَّاعاتِ، ومصيرُكم إلى الله تعالى وحْدَه يومَ القيامة، فيُخبِرُكم بما اختلفتُم فيه، ويُثابُ أهلُ الحقِّ، ويُعاقَبُ أهلُ الباطِلِ.

وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ (49).

واحْكُمْ بيْنَهم إذا تنازَعوا إليك -يا مُحمَّدُ- بحُكمِ الله في القرآنِ، ولا تتَّبعْ أهواءَ اليهودِ وغيرِهم، وإيَّاك والاغترارَ بهؤلاء الأعداءِ ممَّن يَحتكِمون إليك، فكنْ على حَذرٍ من أنْ يصدُّوك عن بعضِ أحكامِ القُرآنِ، فإنْ أعرَضوا عن العملِ بما حَكمتَ به عليهم، فاعلَمْ أنَّ الله يُريدُ صرْفَهم عن الهُدى، وتعجيلَ عُقوبتِهم في الدنيا؛ لذُنوبٍ منهم اقتضتْ إضلالَهم، وإنَّ كثيرًا مِن النَّاسِ خارجونَ عن طاعةِ ربِّهم، مخالِفونَ للحقِّ.

أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ (50).

أفيَطلُبُ هؤلاءِ اليهودُ وغيرُهم الأحكامَ المخالِفةَ للحقِّ، المبنيَّةَ على الجهلِ والظُّلمِ، الَّتي وضَعَها النَّاسُ بلا مُستنَدٍ مِن شريعةِ اللهِ تعالى، وعندَهم كتابُ اللهِ فيه العَدْلُ والحقُّ المُبِينُ الَّذي لا يجوزُ خِلافُه، ومع ذلِك يَعدِلون عنه؟! إنه لا أحدَ أحسَنُ وأعدلُ مِن الله تعالى في حُكمِه، ولكنَّ ذلك يَتبيَّن لِمَن أيقنَ باللهِ تعالى وأسمائِه وصِفاتِه فعَرَف الفرقَ بيْنَ حُكمِه سُبحانَه وحُكمِ الجاهليَّةِ، ودَفعَه يقينُه إلى العملِ به.

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (51).

يا أيُّها المؤمنونَ، إيَّاكم أنْ تُناصِروا اليهودَ والنَّصارى، أو تُعاوِنُوهم على غيرِهم، إنَّ أهلَ كلِّ ملَّةٍ يَتناصَرون فيما بيْنَهم، ويكونون يدًا واحدةً على مَنْ سِواهم، ومَن يتولَّ اليهودَ والنَّصارى، ويَنصُرْهم على المسلمينَ؛ رغبةً فيهم، ورِضًا بدِينهم، فهو مِن أهلِ ملَّتهم، وحُكمُه حُكمُهم، إنَّ مَن يتولَّاهم فهو مِن جُملةِ الظَّالِمينَ؛ فلا يُوفِّقُهم الله تعالى للحقِّ.

فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشَى أَنْ تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ فَيُصْبِحُوا عَلَى مَا أَسَرُّوا فِي أَنْفُسِهِمْ نَادِمِينَ (52).

فتَرَى -يا محمَّدُ- الَّذين في قُلوبِهم شَكٌّ ونِفاقٌ يُسارعونَ في موالاةِ اليهودِ والنَّصارى، وموَدَّتِهم، ويقولُون: إنَّما نُسارِعُ في موالاتِهم؛ خوفًا من أنْ تقعَ علينا نائبةٌ مِن نوائبِ الدَّهرِ فنَهلِكَ -كما لو هزمُوا المسلمينَ- فتكونُ لنا أيادٍ عندَهم فتَنفَعُنا! فلعلَّ اللهَ أن يأتيَ بالنَّصرِ الَّذي يُعِزُّ به الإسلامَ وأهلَه على اليهود والنصارى، أو يأتيَ بأمرٍ يكونُ فيه هلاكُ المنافقينَ بقَتْلِهم، أو فَضْحِهم، فيُصبِحُوا على ما أضْمَروا مِن موالاةِ اليَهودَ والنَّصارَى نادِمينَ.

وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا أَهَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ إِنَّهُمْ لَمَعَكُمْ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَأَصْبَحُوا خَاسِرِينَ (53).

ويقولُ المؤمنونُ تعجُّبًا مِن حالِ أولئك القومِ بعدَ أن ظهَرَ ما أَضْمَروه: أهؤلاءِ الَّذين حلَفوا لنا باللهِ، وأكَّدوا حَلِفَهم: أنَّهم معنا في الإيمانِ، وما يلزمُه مِن نُصرةٍ ومحبَّةٍ؟! لقد بطَلتْ أعمالُهم، فلا ثوابَ لها، فخابتْ صفقَتُهم، وفاتَهم مقصودُهم، فهلَكوا.

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (54).

يا أيُّها المؤمنونَ، إنَّه مَن يَرجِعْ منكم عن دِينِ الحقِّ إلى الباطلِ، كاليهوديَّةِ والنصرانيَّةِ، فإنَّ الله تعالى سيأتي بدلًا مِن الَّذين ارتدُّوا بقومٍ خيرٍ منهم، يُحِبُّهم اللهُ، ويُحبُّونَه، رُحَماءُ بإخوانِهم المؤمنينَ، ذَوُو رفقٍ بهم، وشفقةٍ عليهم، وتواضعٍ لهم، أشدَّاءُ على الكافِرينَ، ذَوُو قَسوةٍ وغِلظةٍ عليهم، يُقاتلونَ أعداءَ اللهِ تعالى؛ لتكونَ كلمتُه سُبحانَه هي العُليا، يُقدِّمون رِضا ربِّهم، والخَوفَ مِن لومِه على لومِ المخلوقينَ، وهذه الصِّفاتُ؛ فضلٌ منه، واللهُ يُؤتي فضلَه مَن يشاءُ مِن خلقِه، بما تَقتضيه حِكمتُه سبحانه، واللهُ تعالى واسعٌ في جميعِ صِفاتِه، ومِن ذلك سَعةُ عَطائِه وفَضلِه، عليمٌ بمَن يستحقُّ ذلك فيُعطِيه.

إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ (55).

ليس لكم -أيُّها المؤمنونَ- ناصرٌ إلَّا اللهُ تعالى ورسولُه والمؤمنون الَّذين اتَّصفوا بأداءِ الصَّلاةِ كما ينبغي، وبَذْلِ الزَّكاةِ من أموالِهم، للمستحقِّينَ لها، وكانُوا من أهلِ الرُّكوعِ والخضوعِ والتواضعِ والخشوعِ للهِ تعالى.

وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ (56).

ومن يتَّخذِ اللهَ تعالى ورسولَه وعِبادَه المؤمنينَ أولياءَ له، فإنَّه مِن أنصارِ اللهِ سبحانه، وأنصارُه هم المنصورون، الَّذين لهم العاقِبةُ في الدُّنيا والآخِرةِ.

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَكُمْ هُزُوًا وَلَعِبًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَالْكُفَّارَ أَوْلِيَاءَ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (57).

لا تتَّخذوا -أيُّها المؤمنونَ- الَّذين يَستهزِئون بشعائرِ دِينكم، ويعتقدونها ضَربًا مِن العبثِ؛ مِن اليهودِ والنَّصارى ومِن سائرِ الكفَّارِ والمشركين- لا تتَّخذوهم أنصارًا وحُلفاءَ وأعوانًا، واتقوا سخطَ اللهِ وعذابَه، إنْ كنتم مؤمنين حقًّا بشَرْعِ اللهِ عزَّ وجلَّ الَّذي اتَّخذَه هؤلاءِ هُزُوًا ولعبًا.

وَإِذَا نَادَيْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ اتَّخَذُوهَا هُزُوًا وَلَعِبًا ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْقِلُونَ (58.

وإذا أذَّنْتُم للصَّلاة سَخِرَ منها الكفَّارُ مِن اليهودِ والنَّصارى والمشرِكين، واعتقدوها ضَربًا من العبثِ؛ لعدمِ عَقلِهم، ولجهلِهم العظيمِ بربِّهم، وبمعاني عِبادَتِه.

قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ هَلْ تَنْقِمُونَ مِنَّا إِلَّا أَنْ آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلُ وَأَنَّ أَكْثَرَكُمْ فَاسِقُونَ (59).

قلْ -يا محمَّدُ- لمنِ اتَّخذوا دِينَكم هزوًا ولعبًا مِن أهل الكِتابِ: يا معشرَ اليهودِ والنَّصارى، ما لَكم علينا مِن مطعَنٍ إلَّا إيمانُنا باللهِ تعالى وبالقرآنِ الَّذي أُنزِلَ إلينا وبالكتُبِ الإلهيَّةِ السَّابقةِ، وبأنَّ أكثرَكم خارجونَ عن طاعةِ اللهِ العظيمِ؛ فكيف تَعيبوننا بذلك؟

قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكَ مَثُوبَةً عِنْدَ اللَّهِ مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ أُولَئِكَ شَرٌّ مَكَانًا وَأَضَلُّ عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ (60).

قل -يا محمَّدُ-: هل أنبِّئُكم يا أهلَ الكتابِ بشِرٍّ ثوابًا عندَ اللهِ مِن الَّذي نَقَمتُم فيه علينا؟ هو مَن طَردَه اللهُ تعالى مِن رَحمتِه، وأحلَّ عليه غضبَه، ومَسَخَ بعضَهم إلى قردةٍ وخنازيرَ، ومَن عبَدوا الطَّاغوتَ، فهؤلاءِ شرٌّ منزلةً في الدُّنيا والآخِرةِ عندَ اللهِ تعالى مِنَ المؤمنينَ؛ الَّذين نَقَمتُم عليهم إيمانَهم باللهِ وبما أُنزل إليهم وما أُنزل مِن قَبلِهم، وهم أشدُّ بُعدًا عن الطَّريقِ القَويمِ.

وَإِذَا جَاؤُوكُمْ قَالُوا آمَنَّا وَقَدْ دَخَلُوا بِالْكُفْرِ وَهُمْ قَدْ خَرَجُوا بِهِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا كَانُوا يَكْتُمُونَ (61).

وإذا جاءَكم المنافِقون مِن اليهودِ، قالوا بألسنتِهم كذبًا ومكرًا: آمنَّا، والحالُ أنَّهم مُقيمونَ على كُفْرِهم، وقدْ خرَجوا بالكُفرِ مِن عندِكم كما دَخَلوا به عليكم، فلم يَنتفعوا بما سَمِعوا منكم مِن العِلم، واللهُ أعلمُ بما انطوتْ عليه قلوبُهم، وإنْ أظهروا للنَّاسِ خلافَ ذلك.

وَتَرَى كَثِيرًا مِنْهُمْ يُسَارِعُونَ فِي الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (62).

وتُبصِرُ -يا محمَّدُ- كثيرًا مِن هؤلاءِ اليهودِ يُسارعون في ارتكابِ المعاصي، ويُبادِرون إلى تعدِّي حدودِ الله، وأكْلِ الأموالِ بالباطلِ، وبِئسَ هذا الذي كانوا يَعملونه

لَوْلَا يَنْهَاهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ عَنْ قَوْلِهِمُ الْإِثْمَ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَصْنَعُونَ (63).

هلَّا يَنهاهم علماؤُهم من الرَّبَّانيِّين، والأحبارِ عنِ الوُقوعِ في الكذبِ والزُّورِ؛ ومِن ذلك قولُهم: يَدُ اللَّهِ مَغْلُولةٌ، وأكْلُ المالِ الحرامِ، كالرِّشوةِ! وبِئسَ ما كان يَصنعُه أولئك العلماءُ في ترْكِهم نَهْيَ اليهودِ عن ذلك.

وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْيَانًا وَكُفْرًا وَأَلْقَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ كُلَّمَا أَوْقَدُوا نَارًا لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ (64) .

وقالتِ اليهودُ: إنَّ اللهَ يَبخَلُ علينا، ويَقبِضُ خيرَه عنَّا! بل قُبِضتْ أيديهم هم عن العَطاءِ والخَيرِ والإحسانِ، وطُرِدوا من رَحمةِ اللهِ تعالى؛ جَزاءٌ على كفرهم وافترائهم على اللهِ سبحانه، فليسَ الأمرُ كما يَزعُمون، فيداه مَبسوطتانِ بالبذلِ والعطاءِ، لكنَّه يُعطي ويمنعُ بما تَقتضيه حِكمتُه سبحانه، إنَّ كثيرًا من هؤلاءِ اليهودِ -يا محمَّدُ- يَزدادون بسماعِهم القرآنَ العظيمَ تجاوُزًا لحُدودِ اللهِ تعالى، وكفرًا بالحقِّ، وجعَلْنا بعضهم أعداءً مبغضين لبعض، ولا يزالونَ كذلك إلى يومِ القِيامة، وكلَّما عقَدُوا أسبابًا للحربِ أبْطَلَها اللهُ عزَّ وجلَّ، وكلَّما أقاموا حَرْبًا ردَّ اللهُ تعالى كَيدَهم، فانْهَزموا، ويَجتهِدون في اكتسابِ الفسادِ بالكُفرِ، والمعاصي، ومحاربةِ الحقِّ وأهلِه، ونشْر الباطِل، وغير ذلك، واللهُ تعالى لا يُحبُّ كلَّ مُفسدٍ من اليهودِ وغيرِهم.

وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْكِتَابِ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَكَفَّرْنَا عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَأَدْخَلْنَاهُمْ جَنَّاتِ النَّعِيمِ (65).

ولو أنَّ أهلَ التَّوراةِ والإنجيلِ آمَنوا حقًّا بما يجبُ الإيمانُ به، واتقَوا سخطَ اللهِ وعذابَه؛ لَمَحوْنا عنهم ذُنوبَهم، ولم نَفْضَحْهم بها، ولأدْخلناهم في الآخِرةِ جَنَّاتٍ تَنعَمُ فيها قلوبُهم وأبدانُهم.

وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ مِنْهُمْ أُمَّةٌ مُقْتَصِدَةٌ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ سَاءَ مَا يَعْمَلُونَ (66).

ولو أنَّ اليهودَ والنَّصارى عمِلوا بما في التَّوراةِ والإنجيلِ، والقُرآنِ، لأدرَّ اللهُ تعالى عليهم الرِّزقَ؛ فيُرسِل عليهم المطرَ مِن السَّماءِ، ويُخرِج لهم الثَّمراتِ من الأرضِ، ومِن أهلِ الكِتابِ جَماعةٌ قائمةٌ بالواجبِ، تَمتثِلُ ما أُمرَتْ به، وتجتنِبُ ما نُهيَتْ عنه، بلا زيادةٍ ولا نَقصٍ، وكثيرٌ من اليَهودِ والنَّصارى قدْ أساؤوا العملَ.

يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ (67).

أبلِغْ جميعَ ما أَرسلَك اللهُ تعالى به -يا محمد-، فلا تترُكْ منه شيئًا، وإنْ لم تفعل ذلك، فما امتثلتَ أمْرَه، فبلِّغْ أنتَ رِسالةَ اللهِ تعالى، وهو يَحفَظُك من أعدائِك، إنَّ اللهَ سبحانه لا يُوفِّقُ للحقِّ المصرِّينَ على كُفْرِهم.

قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَسْتُمْ عَلَى شَيْءٍ حَتَّى تُقِيمُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْيَانًا وَكُفْرًا فَلَا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ (68).

قل -يا مُحمَّدُ-: يا أهلَ التَّوراةِ والإنجيلِ، لستُم على شيءٍ ممَّا تَدَّعون أنَّكم عليه مِن الدِّينِ، إلى أنْ تُؤمِنوا حقًّا بالتَّوراةِ، والإنجيلِ، وتَعمَلوا بما فيهما -ومِن ذلك اتِّباعُ محمَّدٍ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ- وحتَّى تُؤمِنوا بالقرآنِ وتَعمَلوا به، وإنَّ كثيرًا مِن اليَهودِ والنَّصارى يَزدادونَ بسَماعِهم القرآنَ العظيمَ تجاوُزًا لحدودِ اللهِ تعالى، وكُفرًا بالحقِّ، فلا تحزنْ على هؤلاءِ الَّذين كذَّبوك، وردُّوا رِسالتَك، وإنَّما أدِّ ما عليك.

إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئُونَ وَالنَّصَارَى مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (69).

إنَّ المؤمنين من أمَّة محمَّدٍ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ واليهودَ قبْلَ نَسْخِ دِينِهم وتحريفِه، والصَّابئينَ -وهم فِرقٌ؛ منها: الحُنفاءُ، الَّذين بَقُوا على فِطرتِهم بتوحيدِ اللهِ عزَّ وجلَّ، وتحريمِ الظُّلمِ والفواحِش، وغيرِ ذلك، مِن غير تَقيُّدٍ بمِلَّةٍ، ودون أنْ يُحدِثوا كُفرًا- والنَّصارى قبلَ نَسخِ دِينهم، وتحريفِه، فمَنْ آمَنَ مِن أتْباعِ تلك المِللِ باللهِ تعالى حقًّا، وآمَن بالمعادِ والجزاءِ يومَ الدِّين، وعمِلَ عمَلًا خالصًا لله تعالى، مُوافقًا لشريعتِه الَّتي عليه اتِّباعُها؛ فلا خَوفٌ عليهم ممَّا يَستقبِلونه، ولا يَحزنونَ على ما يُخلِّفونَه.

لَقَدْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَأَرْسَلْنَا إِلَيْهِمْ رُسُلًا كُلَّمَا جَاءَهُمْ رَسُولٌ بِمَا لَا تَهْوَى أَنْفُسُهُمْ فَرِيقًا كَذَّبُوا وَفَرِيقًا يَقْتُلُونَ (70).

واللهِ لقدْ أخَذْنا على اليهودِ عهدًا مؤكَّدًا، بالإيمانِ باللهِ تعالى وتوحيدِه، والقيامِ بما أوجبَه عليهم، وأَرسَلْنا إليهم بذلك رُسلًا، كلَّما أتاهم رسولٌ مِنهم بما لا يُوافق رَغباتِهم، نقَضوا تلك المواثيقَ، وعانَدوا أولئك الرُّسلَ، فقاموا بتكذيبِ بعضِهم، وقتَلوا آخَرينَ!

وَحَسِبُوا أَلَّا تَكُونَ فِتْنَةٌ فَعَمُوا وَصَمُّوا ثُمَّ تَابَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ ثُمَّ عَمُوا وَصَمُّوا كَثِيرٌ مِنْهُمْ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ (71).

وظنَّ بنو إسرائيلَ ألَّا يترتَّبَ -جرَّاءَ ما كانوا يَفعلونَه مِن نَقضِ المواثيقِ، وتكذيبِ رُسلِ الله تعالى وقتْلِهم- شرٌّ وعُقوباتٌ، فترتَّبَ على ظنِّهم: أنِ استمرُّوا على طُغيانِهم، فَعَمُوا عن رُؤيةِ الحقِّ، وَصَمُّوا عن سَماعِه، ثمَّ وفَّقهم اللهُ تعالى للتَّوبةِ، وقَبِلَها منهم، ورفَعَ عنهم الفِتنةَ الَّتي عاقَبَهم بها، ثمَّ َعاد كثيرٌ إلى ضلالِهم القديمِ، فعَمُوا مجدَّدًا عن رؤيةِ الحقِّ، وصمُّوا عن سماعِه! إنَّ اللهَ تعالى مُطَّلعٌ على أَعمالِهم، وسيُجازِيهم عليها.

لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ وَقَالَ الْمَسِيحُ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ (72).

لقد كفَر النَّصارى الَّذين جعَلوا اللهَ تعالى هو المسيحَ عِيسى ابنَ مريمَ، والحالُ أنَّ عيسى قد ناداهم أنِ اعبدوا -يا بني إسرائيلَ- اللهَ الَّذي أنا وأنتم عبيدٌ له مَربُوبون، إنَّه مَنْ يقَعْ في الشِّركِ، فحرامٌ عليه دخولُ الجَنَّةِ، وإنَّما تكونُ النَّارُ مقامَه الَّذي يستحقُّه، وليس لِمَن أشرك باللهِ تعالى، ناصرٌ من عذابه.

لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا إِلَهٌ وَاحِدٌ وَإِنْ لَمْ يَنْتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (73).

لقد كفَر النَّصارَى الَّذين جعَلوا المسيحَ وأُمَّه إلهيْنِ مع اللهِ سبُحانَه، فجَعَلوا اللهَ تعالى ثالثَهم! ولا معبودَ بحقٍّ إلَّا معبودٌ واحدٌ، وإنْ لم يَكُفَّ قائلو ذلك، لَيُصيبَنَّ مَن استمرَّ منهم على هذا الكفرِ عذابٌ مؤلِمٌ.

أَفَلَا يَتُوبُونَ إِلَى اللَّهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (74).

هلَّا يتوبون إلى اللهِ تعالى، ويَطلُبونَ منه المغفرةَ؟ فإنَّهم إنْ فعَلوا ذلكَ تابَ عليهم وغفَر لهم ورحِمَهم.

مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كَانَا يَأْكُلَانِ الطَّعَامَ انْظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الْآيَاتِ ثُمَّ انْظُرْ أَنَّى يُؤْفَكُونَ (75).

ليس الأمرُ كما قال هؤلاءِ الكفرةُ في شأنِ عيسى، بل الحقُّ أنَّه ابنُ مريمَ الَّتي ولدتْه، كغيرِه مِن البَشَرِ، وهو للهِ تعالى رسولٌ كسائرِ المـُرسَلينَ، وأمُّه مَريمُ صادقةٌ، مُصدِّقةٌ بآياتِ الله، مُصدِّقةٌ لعيسَى، قد صدَّقت قولَها بفعلِها، وهذا أعْلى مقاماتِها، وقد كانَا مُحتاجَينِ إلى الطَّعامِ، كغيرِهما مِن بني آدَمَ؛ فليسَا بإلهينِ كما زعَم النَّصارى، فانظُرْ -يا محمَّدُ- نظرَ تدبُّرٍ وإقرارٍ؛ كيف نُورِدُ لهؤلاءِ الأدلَّةَ المجلِّيةَ للحقِّ، الموضِّحةَ لبُطلانِ ما يَفتُرونه، ثم انظُرْ مرةً أخرى نظرَ تعجُّبٍ وإنكارٍ؛ كيف يُصرَفونَ عن الحقِّ فيَضلُّون مع هذه البراهينِ الواضحةِ؟

قُلْ أَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا وَاللَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (76).

قلْ -يا محمَّدُ- للكَفَرةِ مِن النَّصارى وغيرِهم: أتَعبدُونَ سِوى اللهِ -الَّذي يَملِكُ ضرَّكم ونَفْعَكم- شيئًا لا يَقدِرُ على إلحاقِ ضَررٍ بكم، ولا جَلْبِ نفعٍ لكم؟ واللهُ عزَّ وجلَّ هو السَّميعُ لكلِّ شيءٍ، ومِن ذلِك أقوالُكم، العليمُ بكلِّ شيءٍ، ومِن ذلك أعمالُكم.

قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيرًا وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ (77).

قلْ -يا محمَّدُ-: يَا أَهلَ الكِتَابِ لا تُفْرِطوا فيما تَدينون به مِنَ الحقِّ في شأنِ عيسى، وتَتعَدَّوْا فيه الحقَّ إلى الباطِلِ، فتُخرِجوه عن حيِّزِ النُّبوَّةِ إلى مقامِ الألوهيَّةِ، ولا تَنقادُوا للأهواءِ المخالفةِ للحقِّ الصادرةِ مِن أكابرِكم ورُهبانِكم الَّذين مِن قبلِكم، وقد ابتَدعوا بِدَعًا بدَّلوا بها شَرْعَ المسيحِ، فحادوا عن الهُدى، وصَرَفوا عنه كثيرًا مِن النَّاسِ، وانحرَفوا عنِ الطريق المعتَدِلِ، الَّذي ليس فيه غلوٌّ أو تفريطٌ.