التفسير المحرر

التفسير المحرر

وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ كِتَابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا تَرَاضَيْتُمْ بِهِ مِنْ بَعْدِ الْفَرِيضَةِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا

اللغة: العربية
إعداد:
الإصدار: 1.0
ترجمات 1
إنجليزي
المرفقات 7
PDF
Audio
Video
+3

وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ كِتَابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا تَرَاضَيْتُمْ بِهِ مِنْ بَعْدِ الْفَرِيضَةِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا

وحُرِّمَ عليكم أيضًا -مَعشرَ الرِّجالِ- نِكاحُ ذواتِ الأزواجِ، أي: ما دُمْنَ في ذمَّةِ أزواجِهنَّ، ما عدا مَن ملَكتُموهنَّ بالسَّبيِ في قتالِ الكفَّارِ، فإنَّه يحلُّ لكم وَطْؤُهنَّ، لكن بعدَ استَبْرائِهنَّ. هذا التَّحريمُ فَرضٌ قد فرَضه اللهُ تعالى عليكم، فالزَموه، ولا تَخرُجوا عن حدودِه، وأباح اللهُ تعالى لكم نكاحَ ما عدا مَن حرَّمهنَّ عليكم مِن النِّساءِ، سواءٌ كان بعَقدٍ أو مِلكِ يمينٍ، والحالُ أنَّكم تُريدون إعفافَ أنفُسِكم وزَوجاتِكم عن الحرامِ، غيرَ قاصِدينَ الوُقوعَ في الزِّنا، فمَن نكحتُموهنَّ نكاحًا شرعيًّا دائمًا فاستمتعتُم بجِماعهنَّ، فآتوهنَّ مُهورَهنَّ، وذلك فرضٌ فرَضه اللهُ تعالى عليكم، ولا حرَجَ عليكم-أيُّها الأزواجُ والزَّوجاتُ- فيما تراضَيْتم به، مِن زيادةٍ على المهرِ أو نقصٍ، أو إعفاءٍ منه، أو تأخيرٍ له، مِن بَعدِ فرضِ الصَّداقِ، إنَّ اللهَ تعالى ذو علمٍ بكلِّ شيءٍ، وهو سُبحانَه الحكيمُ الَّذي يضَعُ كلَّ شيءٍ في موضعِه اللَّائقِ به، بلا خلَلٍ ولا زلَلٍ

وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِكُمْ بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ فَانْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ مُحْصَنَاتٍ غَيْرَ مُسَافِحَاتٍ وَلَا مُتَّخِذَاتِ أَخْدَانٍ فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنْكُمْ وَأَنْ تَصْبِرُوا خَيْرٌ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ

ومَن لم يكُنْ لَدَيهِ منكم -معشرَ الرِّجالِ- سَعةٌ وقُدرةٌ على تقديمِ مهرٍ كافٍ لنكاحِ الحرائرِ المؤمناتِ فليتزوَّجْ مِن الإماءِ المؤمناتِ المملوكات لغيره مِن المؤمنينَ، إنَّ اللهَ تعالى أعلَمُ بإيمانِ مَنْ آمَنَ منكم، فيعلَمُ ما إذا كان أولئك الإماءُ اللَّاتي تُريدون نكاحَهنَّ مؤمناتٍ حقًّا أم لا، وأمَّا أنتم فليس لكم إلَّا الظَّاهرُ، فَكِلُوا سَرائرَهنَّ إلى الله عزَّ وجلَّ، إنَّ الجميعَ مُتساوونَ في البشريَّةِ، وكلُّهم بنو آدمَ؛ فالحرائرُ والإماءُ مِن هذه الجهة سواءٌ، فلا تأنَفوا مِن تزوُّجِ الإماءِ عندَ الضَّرورةِ، فتَزوَّجوهنَّ بسماحِ ورضَا أسيادِهنَّ، وأعطوهنَّ مهورَهنَّ بما شرَعه اللهُ تعالى، دونَ أن تبخَسوهنَّ شيئًا مِن مهورِهنَّ، أو تُماطِلوا في دَفعِه إليهنَّ، فانكِحوهنَّ، والحالُ أنَّهنَّ عفيفاتٌ عن الزِّنا، غير مجاهرات بالزنى، ولا مسرات به باتخاذ أخلاء وأصدقاءَ لاقترافِ الزِّنا معهم خفيةً، فإن أُحصِنَ الإماءُ بالزَّواجِ، ثمَّ وقَعْنَ في الزِّنا فعليهنَّ مِن الحدِّ نصفُ ما على الحرائرِ اللَّاتي زَنَيْنَ قبل الإحصانِ بالزَّواجِ، فيكونُ على الإماءِ خمسونَ جَلدةً. ذلك الَّذي أباحَه اللهُ تعالى لكم-مَعشرَ الرِّجال- مِن نِكاحِ الإماءِ المؤمناتِ العفيفاتِ، إنَّما أباحه لِمَن شقَّ عليه منكم الصَّبرُ عن الجِماعِ، فخاف الوُقوعَ في الزِّنا، وصبرُكم عن نِكاحِ الإماء، إلى أن يتيسَّرَ لكم نكاحُ الحُرَّةِ أفضلُ لكم، إنَّ اللهَ تعالى غفورٌ رحيمٌ، لذا أباح نكاح الإماءِ، ولم يُضيِّقْ على عبادِه، بل وسَّع عليهم وتجاوز عنهم

يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ

يُريد اللهُ تعالى أن يبيِّنَ لكم ما أحَلَّ لكم، وما حرَّم عليكم، ممَّا تقدَّم ذِكرُه في هذه السُّورةِ وغيرِها، ويريدُ الله تعالى أن يُرشدَكم إلى سُبلِ مَن قَبلكم مِن الَّذين أنعَم اللهُ عليهم مِن النَّبيِّينَ وأتْباعِهم، ويوفِّقَكم لتَسلُكوا طرائقَهم الحميدةَ، وتتَّبِعوا شرائعَه الَّتي يُحبُّها ويرضاها سُبحانَه، ويريدُ اللهُ عزَّ وجلَّ أن يوفِّقَكم للتَّوْبةِ إليه ويقبَلَها منكم، إنَّ اللهَ تعالى ذو علمٍ بكلِّ شيءٍ، وهو ذو الحِكمةِ، الَّذي مِن حكمتِه هذه الأحكامُ الَّتي شرَعها لعبادِه

وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيمًا

واللهُ عزَّ وجلَّ يريدُ أن يوفِّقَكم للتَّوبةِ إليه ويقبَلَها منكم، ويريدُ الَّذين يَطلُبون لَذَّاتِ الدُّنيا وشهواتِ أنفسِهم فيها، مِن أهل الكفرِ والفسوقِ والعصيانِ، أن تَميلوا ميلًا شديدًا مِن الحقِّ إلى الباطلِ، وممَّا أحلَّ اللهُ تعالى لكم إلى ما حرَّم عليكم، فتَكونوا أمثالَهم

يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا

يريدُ اللهُ عزَّ وجلَّ أن ييسِّرَ عليكم في أوامرِه ونواهيه، ومِن ذلك إباحتُه نكاحَ الإماءِ بشُروطٍ؛ لعِلْمِه بضَعفِ الإنسانِ في نفْسِه وبَدَنِه، وضَعفِ عَزمِه وهِمَّتِه وصَبرِه

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا

يا أيُّها المؤمنونَ، لا يأخُذْ بعضُكم أموالَ بعضٍ بغيرِ حقٍّ، مِن وسائلِ الكَسْبِ المحرَّمةِ؛ كالرِّبا والقِمارِ، وغيرِ ذلك مِن الأمور الَّتي نهاكم اللهُ عزَّ وجلَّ عنها، لكنْ إن كان هذا المالُ الَّذي يأخُذُه بعضُكم مِن بعضٍ إنَّما يؤخَذُ بسببِ تجارةٍ صادرةٍ عن رضًا بين المتبايِعَيْنِ منكم، فذلك حلالٌ لكم، ولا يقتُلْ أحدُكم نفْسَه الَّتي بين جنبيه، ولا يُلقِ بنفْسِه إلى التَّهلُكةِ بفعلِ ما يُفضي إلى التَّلَفِ، ولا يقتُلْ أيضًا أخاه في الدِّين -فمَنْ قتَل غيرَه مِن إخوانِه في الدِّينِ فكأنَّما قتَل نفْسَه؛ لأنَّهم أهلُ دِينٍ واحدٍ-، إنَّ اللهَ تعالى ذو رحمةٍ بكم أيُّها العبادُ

وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ عُدْوَانًا وَظُلْمًا فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَارًا وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا

إنَّ مَن يأكُل أموالَ النَّاس بالباطِلِ، ويقتُل النُّفوسَ الَّتي حرَّم اللهُ تعالى قتلَها بغير حقٍّ، متجاوزًا بذلك حدودَ الله تعالى إلى ما حرَّمه، عن قصدٍ وعلمٍ بتحريمِه، لا عن جهلٍ أو نسيانٍ؛ فسوف ندخِلُه نارًا عظيمةً تُحرِقُه، إنَّ إدخالَه النَّارَ وإحراقَه بها أمرٌ سهلٌ على الله تعالى، لا يمتنعُ عليه

إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيمًا

إذا ابتعدْتُم عن كبائرِ السَّيِّئاتِ الَّتي نُهِيتُم عنها فإنَّ اللهَ تعالى يتجاوَزُ لكم عن صغائرِها، ويُدخِلُكم الجنَّةَ

وَلَا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبُوا وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبْنَ وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا

ولا تطمَعوا في أمرٍ قد فضَّل اللهُ تعالى به بعضَكم على بعضٍ؛ كالجهادِ، والعِلم، والمالِ، والولدِ، وغيرِ ذلك مِن أمورِ الدِّينِ أو الدُّنيا،كلٌّ له جزاءٌ على عمَلِه بحسَبِه، إنْ خيرًا فخيرٌ، وإنْ شرًّا فشرٌّ، ولكنِ اسألوا اللهَ تعالى مِن فضلِه ليُعطيَكم؛ فإنَّه الكريمُ الوهَّاب جلَّ جلالُه، إنَّ اللهَ تعالى ذو علمٍ بكلِّ شيءٍ، ومِن ذلك عِلمُه بمن يستحقُّ أن يُعطيَه مِن فضلِه، وبمن يستحقُّ الحِرمانَ

وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدًا

قد جعَل اللهُ تعالى لكلِّ واحدٍ منكم أيُّها النَّاسُ عَصَبةً، كإخوتِه وبني عمِّه، يَرِثونه ممَّا ورِثه هو مِن أبيه وأمِّه، وسائرِ قَرابتِه، وأمَّا الَّذين بيْنَكم وبيْنَهم ولاءُ حِلفٍ معقودٌ بالأيْمانِ المؤكَّدةِ، فأعطوهم نصيبَهم مِن الميراثِ (وهذا قد نسخ). إنَّ اللهَ عزَّ وجلَّ رقيبٌ، شاهدٌ لا يغيبُ عنه شيءٌ، ومطَّلعٌ على كلِّ شيءٍ؛ وذلك بعِلمِه لجميعِ الأمورِ، وبصَرِه لحركاتِ عبادِه، وسمعِه لجميع أصواتِهم

الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللَّهُ وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلَا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا

الرِّجالُ هم القائمون على نسائِهم؛ فهم رؤساؤُهنَّ والحاكِمونَ عليهنَّ، بإلزامِهنَّ بحقوقِ الله تعالى وأداءِ فرائضِه، وتأديبِهنَّ، وكفِّهنَّ عن الشُّرورِ والمفاسِدِ، بسببِ تفضيلِ الرِّجالِ على النِّساءِ؛ لما لهم من خصائصَ تفوقُ ما لدَى النِّساءِ؛ كقوَّةِ البَدنِ، والعقلِ، وغيرِهما، وبسبب إنفاقِ الرِّجالِ مِن أموالِهم على نسائِهم، ومِن ذلك: إعطاؤُهنَّ مهورَهنَّ، والنفقةُ عليهنَّ. فالنِّساءُ المستقيماتُ الدِّينِ، مطيعاتٌ لله تعالى، ولأزواجِهنَّ، حافظاتٌ لأنفُسِهنَّ عندَ غَيبةِ أزواجِهنَّ عنهنَّ في فُروجِهنَّ وأموالِهم، وغير ذلك، وذلك بحفظِ الله تعالى لهنَّ، وتوفيقِه لهنَّ، لا مِن أنفسِهنَّ؛ فإنَّ النَّفسَ أمَّارةٌ بالسُّوءِ، والزَّوجاتُ اللَّاتي تتخوَّفون-يا مَعشرَ الأزواجِ- من استعلائِهنَّ عليكم، بمخالفتِهنَّ لأوامِرِكم، وتركِهنَّ طاعتَكم؛ بُغضًا منهنَّ لكم، وإعراضًا عنكم، فإذا تخوَّفتم مِن حدوثِ ذلك لظهور أماراتِه فذكِّروهنَّ باللهِ, وخوِّفوهنَّ وعيدَه وعِقابَه على معصيةِ أزواجِهنَّ، ورغِّبوهنَّ في طاعتهم؛ بذِكرِ ما لهنَّ في ذلك مِن ثوابٍ عندَ اللهِ تعالى، فإنْ لم يُجْدِ الوعظُ معهنَّ، فلْتبتعدوا عن مكانِ اضطجاعِهنَّ، ولا تُجامِعوهنَّ، فإنْ لم يُجْدِ معهنَّ الهِجرانُ في المضاجعِ، فاضرِبوهنَّ ضربًا غيرَ مبرِّح؛ لتأديبِهنَّ، فإنْ حصَل المقصودُ بواحدٍ مِن هذه الأمورِ، وأطَعْنَكم، فقد حصَل لكم ما تحبُّون؛ فاترُكوا معاتبتَهنَّ على الأمورِ الماضيةِ، والتَّنقيبَ عن العيوبِ الَّتي يضرُّ ذِكرُها، فلا سبيلَ لكم عليهنَّ بعدَ ذلك، وليس لكم ضربُهنَّ، إنَّ اللهَ تعالى ذو العُلوِّ المطلَقِ بذاته وصِفاتِه سبحانه، وهو الكبيرُ بذاته وصفاتِه سبحانه، فلا أكبرَ منه ولا أجَلَّ ولا أعظمَ، فلا تتعالَوْا على نسائِكم-أيُّها الأزواج- ولا تتكبَّروا عليهنَّ

وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا إِنْ يُرِيدَا إِصْلَاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا خَبِيرًا

وإن خِفتم-أيُّها الحكَّامُ- أنْ يَصلَ النُّفورُ والخلافُ الواقعُ بيْن الزَّوجينِ إلى حدِّ التَّباعُدِ عن بعضِهما، ووُقوعِ العداوةِ بيْنَهما، فلتُرْسلوا إلى الزَّوجينِ حَكَمينِ؛ رجُلًا مِن أقاربِ الزَّوجِ، وآخَرَ مِن أقاربِ الزَّوجةِ، إن قصَد الحَكَمانِ الإصلاحَ بيْن الزَّوجينِ يوفِّقِ اللهُ تعالى بيْن الحكَمينِ، بأن يُصادِفا الحقَّ، فتلتقيَ أقوالُهما دونَ حدوثِ نزاعٍ بيْنَهما، ويوفِّق اللهُ تعالى أيضًا بين الزَّوجَينِ، فييسِّر رُجوعَهما إلى المعاشَرةِ الحسَنة بيْنَهما، إنَّ اللهَ ذو علمٍ بكلِّ شيءٍ، مُحيطٌ بالظَّواهِرِ والبواطِنِ، والخفايا والسَّرائِرِ، لا يخفَى عليه شَيءٌ سُبحانَه

وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ مُخْتَالًا فَخُورًا

وتذَلَّلوا لله تعالى، واخضَعوا له بطاعتِه سُبحانَه، وأَخلِصوا العبادةَ له وحْدَه، دون أنْ تُساووا بيْنَه وبيْن غيرِه فيما له مِن حقوقٍ على عبادِه، وأحسِنوا إلى الوالدَيْنِ، بالقولِ الكريمِ، والخطابِ اللَّطيفِ، وطاعةِ أمرِهما، واجتنابِ نهيِهما، وبغيرِ ذلك مِن أنواعِ البِرِّ، وأحسِنوا إلى أقاربِكم، وإلى اليتامى -وهم الَّذين فقَدوا آباءَهم ممَّن دون سنِّ البلوغِ-، وأحسِنوا كذلك إلى ذَوي الحاجاتِ، الَّذين لا يَجِدون ما يقومُ بكِفايتِهم، وأحسِنوا إلى جارِكم الَّذي بيْنَكم وبيْنَه قَرابةٌ، وجارِكم الَّذي ليس بينكم وبينه قرابةٌ، وأحسِنوا صُحبةَ مَن يصحَبُكم ويُرافِقُكم؛ كالرَّفيقِ في السَّفرِ، وكالزَّوجة، وأحسِنوا إلى المسافرِ الَّذي يمرُّ عليكم مجتازًا، وأحسِنوا إلى ما تملِكون مِن البشَرِ-وهم الرَّقيقُ-، إنَّ اللهَ تعالى لا يحبُّ مَن كان ذا خُيَلاءَ، معجَبًا بنفْسِه، متكبِّرًا على الخَلْق، فلا يقومُ بما أوجَبه اللهُ تعالى عليه مِن حقوقٍ، فَخُورًا بقولِه، فيُثني على نفْسِه، ويمدَحُها على وجهِ الفخرِ والبطَرِ على عباد اللهِ بما أعطاه مِن النِّعمِ

الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ وَيَكْتُمُونَ مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا

الَّذين يُمسِكُون أموالَهم عن الإنفاقِ فيما أمَرهم اللهُ تعالى به، ويأمُرون النَّاسَ بالبخلِ أيضًا بأقوالِهم وأفعالِهم، ويُخفون كذلك ما لَدَيهم مِن عِلمٍ، فلا يُظهِرُونه للنَّاس ليَسترشِدوا به، ومِن ذلك: إخفاءُ اليهودِ لصفةِ محمَّدٍ وأمْرِ بَعثتِه، إنَّ هؤلاء الكفَّارَ الَّذين يَبخَلون ويأمُرون النَّاسَ بالبُخلِ ويَكتُمون ما آتاهم اللهُ تعالى مِن فضلِه، قد هيَّأ اللهُ عزَّ وجلَّ لهم ولكلِّ كافرٍ عِقابًا مُذِلًّا مخزيًا، جزاءً على كفرِهم واستكبارِهم على أداء حقوقِ الله تعالى وحقوقِ عبادِه

وَالَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ رِئَاءَ النَّاسِ وَلَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَنْ يَكُنِ الشَّيْطَانُ لَهُ قَرِينًا فَسَاءَ قَرِينًا

والذين يَبذُلون أموالَهم مِن أجْلِ أن يراهم النَّاسُ فيُثنوا عليهم، ويمدحوهم بالكرمِ والعطاءِ، لا يُريدون بذلك وجهَ الله تعالى، ولا يُؤمِنون باللهِ تعالى فيتقرَّبوا إليه، ولا يؤمِنون باليومِ الآخِرِ فيرجوا ثوابَه، وإنَّما حمَلهم على صَنيعِهم هذا: الشَّيطانُ؛ فإنَّه سوَّل لهم وأمْلَى لهم، ومَنْ يكُنِ الشَّيطانُ له خليلًا وصاحبًا يعمَلُ بطاعتِه ويتَّبعُ أمرَه فبئس الصَّاحبُ هو؛ لأنَّه يريدُ إهلاكَ مَن قارَنه؛ إذ يأمُرُه بالمنكَرِ، ويَنهاه عن المعروفِ!

وَمَاذَا عَلَيْهِمْ لَوْ آمَنُوا بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقَهُمُ اللَّهُ وَكَانَ اللَّهُ بِهِمْ عَلِيمًا

وأيُّ حرجٍ ومشقَّةٍ تلحَقُ هؤلاء لو سلَكوا الطَّريقَ الحميدةَ، بالإيمانِ باللهِ تعالى، والإخلاصِ له، والإيمان باليومِ الآخِرِ ورجاءِ ثوابه، وأنفَقوا ممَّا أعطاهم اللهُ تعالى فيما يحبُّه ويرضاه؟!إنَّ اللهَ تعالى عليمٌ بنيَّاتهم وأحوالِهم وأعمالِهم، وهو حافظٌ لها، ومجازيهم عليها

إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا

إنَّ اللهَ تعالى لا يبخَسُ أحَدًا مِن خَلْقِه حقَّه، ولو قدْرَ وزنِ ذرَّةٍ منه، فلا ينقصُ مِن حسناتِ عبدِه، ولا يَزيدُ في سيِّئاتِه، وإن توجَدْ حسنةٌ فإنَّ اللهَ تعالى يضاعِفُها إلى عَشْرِ أمثالِها، إلى سَبعِمائةِ ضِعفٍ، إلى أضعافٍ كثيرة، ويُعطيه مِن عندِه أيضًا ثوابًا عظيمًا لا يتصوَّرُه إنسانٌ.

فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا

فكيف تكون الحالُ يومَ القيامةِ حينَ يأتي اللهُ تعالى مِن كلِّ أمَّةٍ بشَهيدٍ، وهم الأنبياءُ عليهم السَّلامُ، فيَشهَدون عليهم وعلى تبليغِهم رسالةَ ربِّهم عزَّ وجلَّ؟ وكيف تكون الحالُ أيضًا إذا أتى الله بمحمَّدٍ يشهدُ على أمَّتِه بأنَّه بلَّغ رسالةَ ربِّه سُبحانَه؟

يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَعَصَوُا الرَّسُولَ لَوْ تُسَوَّى بِهِمُ الْأَرْضُ وَلَا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا

حينَها يتمنَّى مَن كفَر باللهِ تعالى وعصى رسولَه فلم يمتثِلْ أمرَه ولم يجتنِبْ نهيَه، أنْ لو تبتلِعُهم الأرضُ فيُدفَنونَ فيها ولا يَظْهَرون، ويكونون ترابًا منها، فلا يُحاسَبون! إنَّهم يَعترفون بما فعَلوه، ويُقرُّون بما عمِلوه، وتَشهَدُ عليهم جوارحُهم بما كانوا يعمَلون

يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا غَفُورًا

يا أيُّها المؤمنونَ، لا تقرَبوا المساجدَ ولا تُصَلُّوا وأنتم في حالِ سُكرٍ لا تَدرون معه ما تقولون في الصَّلاةِ، إلى أن يحصُلَ لكم الصَّحوُ التَّامُّ، ولا تُصلُّوا أيضًا والحالُ أنَّكم على جَنابةٍ، ولا تقرَبوا المساجدَ كذلك إلَّا مِن أجْلِ المرورِ والاجتيازِ فقط، دون مُكثٍ فيها، إلى أن تغتسِلوا. وإنْ كنتم ذوي مَرَضٍ بحيث يتعذَّرُ معه استعمالُ الماءِ، أو كنتُم مُسافِرينَ، أو أحدَثَ أحدُكم حَدَثًا أصغرَ ببولٍ أو غائطٍ، أو جامعْتُم النِّساءَ؛ إنْ حصَلَتْ إحدى الحالاتِ السَّابقِ ذِكرُها ففقدتُم الماءَ، فعليكم بقَصْدِ وجهِ الأرضِ الطَّاهرِ النَّظيفِ، فامسَحوا مِن هذا الصَّعيدِ الطيِّبِ الوجهَ والكفَّينِ، إنَّ اللهَ تعالى كثيرُ العفوِ كثيرُ المغفرةِ؛ يتجاوزُ عن ذُنوبِ عِبادِه وتَقصيرِهم في طاعتِه، فلا يعاقبُهم عليها، ويمحوها ويَستُرُها عليهم سُبحانَه وتعالى

أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يَشْتَرُونَ الضَّلَالَةَ وَيُرِيدُونَ أَنْ تَضِلُّوا السَّبِيلَ

ألَمْ تعلَمْ -يا محمَّدُ- بأنَّ الَّذين أُعطوا حظًّا مِن التَّوراةِ مِن اليهودِ يَختارون الضَّلالةَ عِوَضًا عن الهُدَى، بالإقامةِ على تكذيبِك وتركِهم الإيمان؛ ليَشتروا بذلك ثمنًا قليلًا مِن حُطام الدُّنيا الفاني، وهم يَوَدُّون أيضًا -أيُّها المؤمنونَ- أنْ تَنحرِفوا معهم عن طَريقِ الإيمانِ، واتِّباعِ محمَّدٍ، فتَكفروا كما كَفروا، وتَتركوا ما أنتُم عليه مِن الهُدى والعِلمِ النَّافعِ

وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِأَعْدَائِكُمْ وَكَفَى بِاللَّهِ وَلِيًّا وَكَفَى بِاللَّهِ نَصِيرًا

واللهَ تعالى أعلمُ منكم بعَداوةِ أولئك لكم، وما هم مُنطَوون عليه مِن الغِشِّ والكيدِ والحسَدِ لكم، وحَسْبُكم اللهُ تعالى؛ يتولَّاكم بالحفظِ والرِّعايةِ، ويُيسِّرُ لكم ما فيه الفلاحُ والسَّعادةُ، وحَسْبُكم اللهُ تعالى نصيرًا؛ يُدافِعُ عنكم، وينصُرُكم على أعدائِكم، ويُبيِّنُ لكم ما ينبغي أنْ تحذَروه منهم

مِنَ الَّذِينَ هَادُوا يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَيَقُولُونَ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ وَرَاعِنَا لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ وَطَعْنًا فِي الدِّينِ وَلَوْ أَنَّهُمْ قَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَاسْمَعْ وَانْظُرْنَا لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَقْوَمَ وَلَكِنْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا

مِن اليهودِ مَن يُبدِّلُ ما جاء في التَّوراةِ؛ إمَّا بتغييرِ اللَّفظِ، أو المعنى، أو هُما جميعًا .ويقولُ أولئك القومُ: سمِعْنا -يا محمَّدُ- قولَك، وعصَيْنا أمرَك! ويقولون له: اسمَعْ منَّا ما نقولُ، أصمَّك اللهُ فلا سمِعْتَ! يُسيئون الأدبَ مع النَّبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم؛ استهزاءً منهم، واستهتارًا به، إنَّهم يُوهِمون أنَّهم بقولِهم للنَّبيِّ: "راعنا": يعنُونَ: أرْعِنا سمعَك، وإنَّما قصدُهم الدُّعاءُ عليه بأن يُصابَ بالرُّعونةِ؛ وذلك تحريفٌ منهم لهذه اللَّفظةِ عن معناها، أرادوا بذلك الطَّعنَ في الدِّينِ بعيبِ النَّبيِّ والقدحِ فيه، ولو أنَّ هؤلاءِ اليهودَ قالوا للنَّبيِّ: سمِعْنا قولَك، وأطَعْنا أمرَك، واسمَعْ منَّا ما نقولُ، وانتظِرْنا لِنَفهمَ عنك ما تقولُ؛ لَكان أصوبَ وأعدَلَ في القولِ، وفي غيرِه مِن أمورِ دِينِهم ودنياهم، ولكنَّ اللهَ تعالى قد أخْزاهم، فأقصاهم وأبعَدَهم وطرَدَهم من رحمتِه؛ وذلك بسببِ كُفرِهم، فلا يُؤمنون إلَّا إيمانًا قليلًا لا ينفَعُهم

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ آمِنُوا بِمَا نَزَّلْنَا مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهًا فَنَرُدَّهَا عَلَى أَدْبَارِهَا أَوْ نَلْعَنَهُمْ كَمَا لَعَنَّا أَصْحَابَ السَّبْتِ وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا

يا أيُّها اليهودُ والنَّصارى الَّذين أُنزِل إليهم التَّوراةُ والإنجيلُ فأُعطُوا العِلمَ، آمِنوا بما أنزَلْنا إلى محمَّدٍ مِن الفُرقانِ، مصدِّقًا للَّذي معكم مِن التَّوراةِ والإنجيلِ كالتوحيدِ، وصفةِ محمدٍ صلَّى الله عليه وسلَّم والأمرِ باتباعِه، وبعضِ الشرائعِ، فتَكذيبُكم له تكذيبٌ لما معكم. آمِنوا قبلَ أن نَطمِسَ وُجوهَكم فنحوِّلَها إلى جهةِ الأدبارِ، أي: مِن قِبَلِ ظُهورِكم، أو نطرُدَكم مِن رحمتِنا، ونوقِعَ بكم مِن النَّكالِ مثلَما وقَع لأصحابِ السَّبتِ الَّذين اعتدَوْا في سَبتِهم بالحيلةِ على الاصطيادِ فيه، فمُسِخُوا قردةً ذليلةً، إنَّ اللهَ تعالى إذا أمَر بأمرٍ، فإنَّه واقعٌ لا محالةَ؛ فأمرُهُ عزَّ وجلَّ لا يُخالَفُ ولا يُمانَعُ

إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا

إنَّ اللهَ تعالى لا يغفِرُ لأيِّ أحدٍ مِن المخلوقينَ يَلقَى اللهَ سُبحانَه وقدْ جعَل معه شريكًا في رُبوبيَّتِه أو ألوهيَّتِه أو أسمائِه وصفاتِه، ويغفِرُ اللهُ تعالى ما دونَ ذلك الشِّركِ مِن الذُّنوبِ-صغائرِها وكبائرِها- للَّذي يشاءُ مِن عبادِه مِن أهل الذُّنوبِ والآثام، إذا اقتضَتْ حكمتُه أن يغفِرَ له، ومَن يقَعْ في الإشراكِ باللهِ العظيمِ فقد اختَلَق وِزْرًا عظيمًا، وجُرمًا كبيرًا

أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنْفُسَهُمْ بَلِ اللَّهُ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ وَلَا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا

ألَا تعجبُ-يا محمَّدُ- مِن حالِ هؤلاء اليهودِ والنَّصارى ومَن نحا نحوَهم في تزكيةِ نُفوسِهم، فيُبرِّئون أنفُسَهم مِن الذُّنوبِ والعُيوبِ، ويَزعُمون لها مِن الخصائصِ ما ليس لها، افتراءً وكذبًا، ليس الأمرُ كما يزعمونَ، وإنَّما المرجعُ في ذلك إلى اللهِ عزَّ وجلَّ وحْدَه؛ لأنَّه العالمُ بحقائقِ الأمورِ؛ فهو الَّذي يُزكِّي ويُثْني على مَن يشاءُ مِن عبادِه ممَّن هو أهلٌ لذلك، ولا يظلِمُ اللهُ عزَّ وجلَّ هؤلاء الَّذين أخبَر عنهم أنَّهم يُزكُّون أنفُسَهم، ولا غيرَهم مِن خَلقِه شيئًا، فلا يترُكُ لأحدٍ مِن الأجرِ شيئًا، حتَّى ما يوازنُ مِقدارَ الخيطُ الَّذي في شَقِّ النَّواةِ

انْظُرْ كَيْفَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَكَفَى بِهِ إِثْمًا مُبِينًا

انظُرْ-يا محمَّدُ- كيف يفتري هؤلاء الَّذين يُزَكُّون أنفُسَهم مِن أهلِ الكتاب وغيرِهم الكذِبَ بتزكيتِهم أنفُسَهم, فيختلِقون ذلك على الله جلَّ وعلا! وحسبُهم بهذا الصَّنيعِ ذنبًا ظاهرًا، وافتراءً واضحًا يبيِّنُ كذبَهم لسامعيه, ويكونُ موجبًا لاستحقاقِهم العقوبةَ البليغةَ، والعذابَ الأليم

أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هَؤُلَاءِ أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلًا

ألَا تعجَبُ-يا محمَّدُ- مِن حالِ هؤلاء اليهودِ الَّذين آتاهم اللهُ تعالى حظًّا مِن التَّوراةِ، وقامتْ عليهم الحُجَّةُ، ومع ذلك يؤمِنون بكلِّ ما عُبِد وأُطيع مِن دونِ الله كائنًا ما كان، مِن حجرٍ أو إنسانٍ أو شيطانٍ؟! ويقولُ أولئك اليهودُ عن الكفَّارِ بأنَّهم أقومُ وأعدَلُ طريقًا مِن المؤمِنينَ!

أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ وَمَنْ يَلْعَنِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ نَصِيرًا

هؤلاء الذينَ قد أبعَدهم اللهُ تعالى، وطرَدهم من رحمتِه، ومَن يَطرُدْه اللهُ تعالى مِن رحمتِه فلن تجدَ له-يا محمَّدُ- مَن يَنصُرُه في الدُّنيا ولا في الآخرةِ فيتولَّاه ويقومُ بمصالحِه، ويحفَظُه عن المكارِهِ

أَمْ لَهُمْ نَصِيبٌ مِنَ الْمُلْكِ فَإِذًا لَا يُؤْتُونَ النَّاسَ نَقِيرًا

ليس لهم حظٌّ مِن مُلكِ الله تعالى حتَّى يُفضِّلوا مَن شاؤوا بمجرَّدِ أهوائهم، بحيث يمنَعونَ فضلَ الله سُبحانَه على نبيِّه وأتْباعِه، ويجعلون الفضلَ لهؤلاء الكفَّار، ولو كان لهم حَظٌّ من المُلكِ لَمَا أعطَوْا أحدًا مِن النَّاس ولو قدر النُّقطة الَّتي على ظَهرِ النَّواةِ، مِن شدَّةِ بُخلِهم!

أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ فَقَدْ آتَيْنَا آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْنَاهُمْ مُلْكًا عَظِيمًا

بل يحسدُون النَّبيَّ وأصحابَه على ما رزَقه الله تعالى مِن النُّبوَّةِ العظيمةِ؛ لكَونِه مِن العربِ، وليس مِن بني إسرائيلَ؟ ليس هذا أوَّلَ فضلٍ تفضَّلْنا به على عبادِ الله، بل إنَّ الفضلَ قد وُجِدَ مِن قبلُ في أسلافِكم مِن ذُرِّيَّةِ إبراهيمَ؛ حيث أعطاهم اللهُ تعالى النُّبوَّةَ، وأنزَل عليهم الكُتبَ، وآتاهم الحِكمةَ- وهي ما أوحاه اللهُ تعالى إليهم ممَّا سِوى الكتبِ الإلهيَّةِ-، وآتاهم الملكَ الواسِعَ الكبيرَ؛ كمُلكِ سليمانَ

فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ بِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ صَدَّ عَنْهُ وَكَفَى بِجَهَنَّمَ سَعِيرًا

فمِن أهل الكتابِ مَنْ آمَنَ بمحمَّدٍ وبالقرآنِ الَّذي أُنزل إليه، ومنهم مَن أعرَض عن ذلك ولم يُؤمِنْ، وسعَى في صَرْف النَّاس عن الإيمانِ بذلك، وحسْبُهم النَّارُ تُوقَدُ عليهم، فيُحرَقون فيها؛ عُقوبةً لهم على كفرِهم

إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِنَا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ نَارًا كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَزِيزًا حَكِيمًا

إنَّ الكافِرين بآياتِ الله عزَّ وجلَّ -سواءٌ الآياتُ الكَونيَّةُ أو الشَّرعيَّةُ- سيُدخِلُهم اللهُ تعالى النَّارَ فيحترِقون فيها ،كُلَّما انشوَتْ جلودُهم بالنَّارِ فاحترقتْ، أبدَلهم اللهُ تعالى بجلودٍ أخرى؛ فهُم على هذه الحالِ دائِمونَ؛ ليجِدوا ألَمَ العذابِ وكَرْبَه وشدَّتَه، إنَّ اللهَ تعالى هو الغالبُ القاهرُ، العزيزُ في انتقامِه؛ فلا يقدِرُ على الامتناعِ منه أحدٌ أراده بضُرٍّ, ولا الانتصارِ منه أحدٌ أحلَّ به عقوبةً، وهو الحكيمُ الَّذي له الحكمةُ في خَلْقِه وقدَرِه، وثوابِه وعِقابِه

وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا لَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَنُدْخِلُهُمْ ظِلًّا ظَلِيلًا

والَّذين آمَنوا بالله ورسوله محمَّدٍ وبما أنزل اللهُ عليه، وأدَّوا ما أمَرهم اللهُ عزَّ وجلَّ به مِن الطَّاعاتِ, واجتنَبوا ما حرَّم اللهُ عليهم مِن المنهيَّاتِ، مخلِصينَ لله تعالى، ومتَّبِعينَ في ذلك نبيَّه محمَّدًا؛ سوف يُدخِلُهم اللهُ يومَ القيامةِ جنَّاتٍ تجري الأنهارُ مِن تحتِ أشجارِها وقصورِها، ماكِثينَ في تلك الجنَّاتِ على الدَّوامِ، بغيرِ نهايةٍ ولا انقطاعٍ، لهم فيها زَوجاتٌ مطهَّراتٌ طهارةً حِسِّيَّةً مِن الأدناسِ؛ كالحيضِ، والغائطِ، والبولِ، وسائرِ ما يكونُ في نساءِ أهلِ الدُّنيا، ومطهَّراتٌ طهارةً معنويَّةً مِن الأخلاقِ الرَّذيلةِ، والصِّفاتِ النَّاقِصةِ، ونُدخِلُهم ظلًّا كنينًا غزيرًا طيِّبًا ممتدًّا، لا يَستحيلُ ولا ينتقلُ

إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا

إنَّ الله يأمُرُكم بأن تردُّوا كلَّ ما اؤْتُمِنْتُم عليه إلى أصحابِه، سواءٌ كان مِن حقوقِ الله تعالى أو مِن حقوقِ عبادِه؛ فرُدُّوه كاملًا موفَّرًا، مِن غيرِ نقصٍ ولا بخسٍ ولا مُماطَلةٍ، ويأمُرُكم اللهُ تعالى أيضًا بالحُكمِ بالعدلِ في كلِّ شيءٍ، ومع كلِّ أحدٍ مِن النَّاسِ؛ وذلك بالحُكمِ بشَريعتِه، فهي العدل كُلُّه، ونِعمَ الشَّيءُ يَعِظُكم به ربُّكم سُبحانَه في أمرِه لكم- أداءُ الأماناتِ إلى أهلها، والحُكمُ بالعدل بيْن النَّاسِ، إنَّه سُبحانَه سميعٌ لأقوالِكم، بصيرٌ بأفعالِكم

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا

يا أيُّها المؤمنونَ، أطيعوا اللهَ تعالى، وأطيعوا رسولَه محمَّدًا، وذلك بامتثالِ الأمرِ، واجتنابِ النَّهْيِ، وأطيعوا أيضًا أصحابَ الشَّأنِ منكم؛ الَّذين يَلُون لكم أمورَ دِينِكم ودنياكم، وهم الأمراءُ والعُلماءُ؛ فأطيعوهم فيما لم يكُنْ فيه مخالَفةٌ لطاعةِ الله وطاعةِ رسوله، فإن اختلفتُم-أيُّها المؤمنون- في شيءٍ مِن أمرِ دِينِكم؛ مِن أصولِه وفُروعِه، فاطلُبوا معرفةَ حُكمِه مِن كتابِ الله تعالى وسنَّةِ رسولِه، افعلوا ذلك إن كنتُم مؤمنينَ بالله حقًّا، ومؤمنينَ بالآخرةِ أيضًا، إنَّ ردَّكم لِما اختلفتُم فيه إلى الكتاب والسُّنَّة خيرٌ لكم وأفضلُ، في دِينِكم ودُنياكم وآخرتِكم، وأحسَنُ عاقِبةً

أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلَالًا بَعِيدًا

ألَا تعجبُ -يا محمَّدُ- مِن حالِ أولئك الَّذين يزعُمون أنَّهم يؤمِنونَ بالقرآنِ، وبغيرِه مِن الكتبِ الإلهيَّةِ السَّابقةِ، وهم مع ذلك يَوَدُّون التَّحاكُمَ في فصلِ الخصوماتِ إلى غيرِ الكتابِ والسُّنَّةِ، والحالُ أنَّهم قد أُمِروا أن يَكفُروا ويتبرؤوا مِن الحُكمِ بغيرِ ما أنزَل اللهُ جلَّ وعلا؟! ويريدُ الشَّيطانُ أن يُضِلَّ هؤلاء المتحاكِمينَ إلى الطَّاغوتِ، ويُبعدُهم عن سبيلِ الحقِّ والهُدى بحيثُ لا يُمْكِنُهم مَعَه الرُّجوعُ إليه

وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا

وإذا قيل للمنافِقين: هَلُمُّوا وأقبِلوا إلى حُكمِ الله تعالى، الَّذي أنزَله في كتابِه، وإلى حكمِ رسولِه محمَّدٍ صلى الله عليه وسلم، أبصرتَ أولئك المنافِقينَ مُعرِضينَ وممتنِعينَ مِن المصيرِ إليك للحُكمِ بيْنَهم؛ بسببِ نِفاقِهم، ويمنَعون غيرَهم كذلك

فَكَيْفَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ ثُمَّ جَاؤُوكَ يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا إِحْسَانًا وَتَوْفِيقًا

فكيف يكونُ حالُ هؤلاء المنافِقينَ إذا ساقَتْهم المقاديرُ إليك في مصائبَ حلَّتْ بهم بسببِ كُفرِهم وذُنوبِهم، ومِن ذلك تحاكُمُهم إلى غيرِ ما أنزل اللهُ تعالى، ثمَّ أتاك هؤلاء المنافِقون-يا محمَّدُ- يُقسِمونَ بالله تعالى كذِبًا وزورًا وجُرأةً على الله عزَّ وجلَّ معتذِرينَ بأنَّهم ما أرادوا بذَهابِهم للتَّحاكُمِ إلى غيرِك إلَّا الإحسانَ إلى المتخاصمينَ، والتَّوفيقَ بيْنَهم، ومداراةَ النَّاسِ ومصانَعتَهم، لا اعتقادًا منهم بصحَّةِ تلك الحكومةِ؟!

أُولَئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللَّهُ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَعِظْهُمْ وَقُلْ لَهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ قَوْلًا بَلِيغًا

أولئك الذين يعلَمُ اللهُ حقيقةَ ما تُكِنُّه قلوبُهم مِن النِّفاقِ والقصدِ السَّيِّئِ، وسيَجزيهم على ذلك، فإنَّه لا تخفى عليه خافيَةٌ سُبحانَه، فدَعْهم ولا تُبالِ بهم، ولا تعاقِبْهم، ورغِّبْهم في الانقيادِ لله تعالى ولرسولِه، وخوِّفهم وحذِّرهم مِن تَرْكِه، وانصَحْهم سِرًّا فيما بيْنَك وبيْنَهم بكلامٍ بليغٍ مؤثِّرٍ يصِلُ إلى قرارةِ نُفوسِهم؛ ليزجُرَهم ويردَعَهم عمَّا هم عليه

وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاؤُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا

لم يبعَثِ اللهُ تعالى الرُّسلَ -ومنهم محمَّدٌ- إلَّا مِن أجْلِ أن يُطيعَهم النَّاسُ ويتَّبِعوهم، وذلك بتقديرِ الله تعالى وقضائِه ومشيئتِه، ولو أنَّهم حينَ يقَعُ منهم الخطأُ والزَّللُ أتَوا إليك-يا محمَّدُ- في حالِ حياتِك، معترِفينَ بذُنوبِهم، طالبينَ مِن الله تعالى سَترَها والتَّجاوُزَ عن المؤاخَذةِ بها، وطلبْتَ مِن الله تعالى أن يغفِرَ لهم؛ لو فعَلوا ذلك لتاب اللهُ جلَّ وعلا عليهم بمغفرتِه ظُلْمَهم فهو كثيرُ التوبةِ، ولرحِمهم بالتَّوفيقِ للتَّوبة وقَبولِها والثَّوابِ عليها، وعدمِ مؤاخَذتِهم بذُنوبهم الَّتي تابوا منها، فهو كثيرُ الرَّحمةِ

فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا

فوربِّك -يا محمَّدُ- لا يُؤمِنُ أحدٌ الإيمانَ المطلوبَ والمقبولَ منه، حتَّى يُحكِّمَك في جميعِ الأمورِ الَّتي يحصلُ فيها اختلافٌ، ثمَّ لا يكفي هذا التَّحكيمُ الظَّاهرُ حتَّى يُطيعوك في بواطنِهم أيضًا بأن يَنتفيَ الضِّيقُ والحَرَجُ مِن قُلوبِهم ممَّا حكَمْتَ به، ويَنقادوا لِقَضائك؛ إذعانًا منهم بالطَّاعةِ, وإقرارًا بحُكْمِك، فيُسَلِّموا لذلك تسليمًا كلِّيًّا مِن غيرِ ممانَعةٍ ولا مُدافَعةٍ ولا مُنازَعةٍ، تسليمًا بانشراحِ صدرٍ، وطُمأنينةِ نفْسٍ، وانقيادٍ بالظَّاهرِ والباطِنِ

وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُوا مِنْ دِيَارِكُمْ مَا فَعَلُوهُ إِلَّا قَلِيلٌ مِنْهُمْ وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا

ولو أنَّا فرَضْنا على هؤلاء الَّذين يَزعُمون أنَّهم آمَنوا بما أُنزل إليك مِن المحتكِمينَ إلى الطَّاغوتِ أن يقتُلَ بعضُهم بعضًا, أو أمرْناهم بالهجرةِ مِن ديارِهم إلى ديارٍ أخرى، ما استجاب لتلك الأوامرِ إلَّا عددٌ قليلٌ منهم، ولو أنَّ أولئك المنافقينَ فعَلوا ما يُذَكَّرون به مِن فِعل الأوامرِ واجتنابِ النَّواهي-ومِن ذلك التَّحاكُمُ إلى الكتابِ والسُّنَّةِ- لَكان أفضلَ لهم مِن مُخالَفةِ الأمرِ وارتكابِ النَّهي في عاجلِ دُنياهم، وآجلِ مَعادِهم، ولَكانوا مِن الأخيارِ المتَّصِفينَ بأوصافِهم، ولكان ذلك أثبَتَ لهم في أمورِهم وعزائِمِهم, وأقومَ لهم عليها، وأشدَّ ثباتًا على الحقِّ

وَإِذًا لَآتَيْنَاهُمْ مِنْ لَدُنَّا أَجْرًا عَظِيمًا

ولَأَعطَيْناهم كذلك جزاءً وثوابًا عظيمًا مِن عندِنا في العاجِلِ والآجِلِ

وَلَهَدَيْنَاهُمْ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا

ولَأرشَدْناهم ووفَّقْناهم إلى الصِّراطِ المستقيمِ

وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا

ومَن يطعِ الله ورسولَه فيمتثِلْ ما أمرَ الله به وما أمَر به رسولُه، ويجتنِبْ ما نهَى الله عنه وما نهَى عنه رسولُه؛ فهو في الجنَّةِ مع مَن أنعَم اللهُ تعالى بهِدايتِهم إلى الصِّراطِ المستقيمِ مِن الرُّسلِ والأنبياءِ الَّذين فضَّلهم الله تعالى بوحيِه، والصِّدِّيقينَ الَّذين كمَلَ صِدقُهم وتصديقُهم، فعلِموا الحقَّ وصدَّقوه بيَقينِهم، وقاموا به قولًا وعملًا وحالًا، والشُّهداءِ الَّذين قُتِلوا في سبيلِ الله تعالى لإعلاء كلمتِه، والصَّالحينَ الَّذين صلَحَتْ سرائرُهم وعلانيتُهم، وحَسُنَ هؤلاء-الَّذين وصَفهم اللهُ عزَّ وجلَّ- رُفقاءَ يُجتمَعُ بهم في جَنَّاتِ النَّعيمِ، ويُؤنَسُ بقُربِهم في جوارِ الرَّبِّ الرَّحيمِ

ذَلِكَ الْفَضْلُ مِنَ اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ عَلِيمًا

ذلك الإنعامُ الَّذي نالوه عطاءٌ وفضلٌ مِن اللهِ تعالى عليهم؛ فهو الَّذي برحمتِه أهَّلهم ووفَّقهم لذلك، وأعانَهم عليه وأعطاهم مِن الثَّوابِ ما لا تبلُغُه أعمالُهم، وكفى الله عالِمًا بأعمالِهم وأحوالِهم، فيَعلَمُ مَن يستحقُّ منهم الهدايةَ والتَّوفيقَ، والثَّوابَ الجزيلَ

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ فَانْفِرُوا ثُبَاتٍ أَوِ انْفِرُوا جَمِيعًا

يا أيُّها المؤمنون، احذَروا مِن عدوِّكم، وذلك بالأخْذِ بالأسبابِ الَّتي يُستعانُ بها على قِتالِهم ودَفْعِهم، فاخْرُجوا لقِتالِ عَدوِّكم متفرِّقينَ، جماعةً بعدَ جماعةٍ، أو انفِروا كلُّكم مجتمِعينَ

وَإِنَّ مِنْكُمْ لَمَنْ لَيُبَطِّئَنَّ فَإِنْ أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَالَ قَدْ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيَّ إِذْ لَمْ أَكُنْ مَعَهُمْ شَهِيدًا

وإنَّ في عِدادِكم-أيُّها المؤمنونَ- منافِقينَ، يتثاقَلون ويتخلَّفون بأنفُسِهم عن جهادِ عدوِّكم إذا أنتم نفَرْتم إليهم، ويثبِّطون غيرَهم فيتخلَّفونَ عن الخروجِ في سبيلِ الله تعالى، فإنْ حلَّتْ بكم هزيمةٌ وقتلٌ، وظفِر الأعداءُ عليكم في بعضِ الأحوالِ لِمَا للهِ تعالى في ذلك مِن الحِكَمِ، قال هذا المنافِقُ الَّذي يَتباطَأُ ويُبطِّئُ غيرَه عن الجِهاد: قد مَنَّ اللهُ علَيَّ بعدمِ الخُروجِ وحضورِ القتالِ معهم، وإلَّا لَأصابني ما أصابَهم مِن القَتلِ أو الهزيمةِ

وَلَئِنْ أَصَابَكُمْ فَضْلٌ مِنَ اللَّهِ لَيَقُولَنَّ كَأَنْ لَمْ تَكُنْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ يَا لَيْتَنِي كُنْتُ مَعَهُمْ فَأَفُوزَ فَوْزًا عَظِيمًا

وإنْ أظفرَكم اللهُ بعدوِّكم فانتصرتُم عليهم, ونِلْتُم منهم غنيمةً، لَيَقولَنَّ هذا المنافقُ المتخلِّفُ عن الجهادِ، وكأنَّه ليس مِن أهلِ دِينِكم-يا مَعشرَ المؤمنينَ- ولم تكُنْ بينَكم وبينَه مودةٌ في الظاهر، ليقولَنَّ متحسرًا: ليتني كنتُ معهم في هذه الغزوة، فأصيبَ معهم مِن الغنائمِ الَّتي ظفِروا بها مِن عدوِّهم!

فَلْيُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يَشْرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالْآخِرَةِ وَمَنْ يُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيُقْتَلْ أَوْ يَغْلِبْ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا

فلْيُجاهِدْ أعداءَ الله لإعلاءِ كلمةِ الله سُبحانَه، المؤمنونَ الصَّادِقونَ الَّذين يَبيعونَ الحياةَ الدُّنيا بالآخرةِ؛ رغبةً فيما عندَ الله عزَّ وجلَّ، ومَن يُجاهِدْ أعداءَ الله تعالى لإعلاء كلمتِه جلَّ وعلا فسَواءٌ قتَله الأعداءُ، أو بقيَ حيًّا وانتصَر عليهم، فهو غانمٌ على كلِّ حال؛ إذ سيُعطيه اللهُ تعالى ثوابًا جزيلًا

وَمَا لَكُمْ لَا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ نَصِيرًا

ولمَ لا تُجاهِدون-أيُّها المؤمنونَ- لإعلاءِ كلمةِ الله تعالى، ولاستنقاذِ الرِّجالِ والنِّساءِ والصِّبيانِ الَّذين غُلِبُوا على أنفُسِهم بقَهْرهم وإيذائِهم وإذلالِهم وسَومِهم العذابَ، ولا يَستطيعون حيلةً للهجرةِ، ولا يَهتدون إليها سبيلًا؟ يَدْعون ربَّهم قائلين: رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ مكَّةَ التي ظَلَم أهلُها أنفسَهم بالكفرِ والمؤمنينَ بالأذَى، وسخِّرْ لنا مِن عندِك مَن يتولَّى أمرَنا ويُنقذُنا، وسخِّرْ لنا مِن عندِك مَن ينصُرُنا على عدوِّنا

الَّذِينَ آمَنُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ فَقَاتِلُوا أَوْلِيَاءَ الشَّيْطَانِ إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا

إنَّ المؤمنينَ حقًّا إنَّما يُقاتِلون مِن أجْلِ إعلاءِ كلمةِ الله تعالى، وأمَّا الكفَّارُ فإنَّهم إنَّما يُقاتِلون مِن أجْلِ الشَّيطانِ-، فقاتِلوا-أيُّها المؤمنونَ- أولئك الَّذين يتوَلَّوْن الشَّيطانَ ويُطيعون أوامرَه، ولا تهابوهم؛ لأنَّ إمامَهم الشَّيطانَ ذو كيدٍ واهنٍ وضعيفٍ، لا يقوَى على مقاومةِ الحقِّ والتَّغلُّبِ عليه

أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللَّهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً وَقَالُوا رَبَّنَا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتَالَ لَوْلَا أَخَّرْتَنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقَى وَلَا تُظْلَمُونَ فَتِيلًا

ألَا تعجَبُ -يا محمَّدُ- مِن هؤلاء الَّذين أُمِروا بإمساكِ أيديهم عن حَربِ أعدائِهم المشرِكينَ والامتناعِ عن قتالِهم، وأُمِروا بأداءِ الصَّلاةِ بحدودِها وفروضِها تامَّةً كما أمَر اللهُ عزَّ وجلَّ، وإيتاءِ الزَّكاة أهلَها المستحقِّينَ، فلمَّا فُرِض عليهم القتالُ-الَّذي كانوا قد سألوا أن يُفرَضَ عليهم- إذا جماعةٌ منهم قد خافوا مِن مواجهةِ النَّاسِ لقتالِهم خَوفًا شديدًا مِثلَ خَوفِهم مِن اللهِ تعالى أو أشدَّ خوفًا، وقالوا: لِمَ فرَضْتَ علينا القتالَ يا أللهُ؟ هلَّا أخَّرتَ فرضَ القتال مدَّةً أخرى متأخِّرةً عن الوقتِ الحاضر! قُلْ لهم-يا محمَّدُ- ردًّا عليهم: ما في الدُّنيا مِن نِعَمٍ قليلة كيفًا وكمًّا ووقتًا، فهي محدودةٌ وفانية، وما في الآخِرةِ مِن نعيمٍ أعدَّه الله تعالى للمتَّقينَ خيرٌ وأفضلُ ممَّا في الدُّنيا وأعظمُ وأبقَى، وإنَّ سعيَكم للآخِرةِ ستَجِدونَ أجْرَه كاملًا موفَّرًا غيرَ منقوصٍ منه شيئًا

أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ وَإِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِكَ قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ فَمَالِ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا

في أيِّ مكانٍ كنتُم، فإنَّ الموتَ آتِيكم لا مَحالةَ، سواءٌ في ذلك مَن خرَج للجِهادِ في سبيلِ الله تعالى، ومَن قعَدَ عنه، إنَّ الموتَ واصلٌ إليكم حتمًا ولو تَحصَّنتم منه بالحُصونِ المنيعةِ العاليةِ، وإنْ ينَلِ المكذِّبين لمحمَّدٍ رخاءٌ وخصبٌ ورزقٌ وأولادٌ وعافيةٌ وظفَرٌ وفتحٌ وغنائمُ، وغيرُ ذلك مِن الخيراتِ؛ فإنَّهم يقولون: هذا قدْ جاء مِن قِبَلِ اللهِ تعالى ومِن تَقديرِه، وليس لك علينا في ذلك فَضلٌ يا محمَّدُ، وإنْ تنَلْهم شِدَّةٌ؛ كضيقٍ في الرِّزق وقحطٍ وجدبٍ ونقصٍ في الثَّمراتِ وموتِ أولادٍ وأحبابٍ، وهزيمةٍ مِن عدوٍّ، وإصابةٍ بجراحٍ وآلامٍ، وغير ذلك مِن شدائدَ ومِحَنٍ؛ فإنَّهم يقولون: إنَّما أصابَنا ما أصابنا مِن بلايا بسببِ ما جئتَنا به يا محمَّدُ! قُلْ-يا محمَّدُ- لهؤلاء القومِ: جميعُ ما أصابكم مِن حَسنةٍ أو سيِّئةٍ، فهو بقضاءِ الله تعالى وقَدَرِه، عجبًا لهؤلاء القومِ؛ ما شأنُهم لا يفهمونَ حديثًا بالكلِّيَّةِ ولا يَقرُبون مِن فَهمِه!

مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ وَأَرْسَلْنَاكَ لِلنَّاسِ رَسُولًا وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا

ما تُؤتاه-يا محمَّدُ- مِن نِعَمِ الدِّينِ والدُّنيا، فهو مِن فضلِ الله تعالى ورحمتِه، وما يَنالُكَ مِن أذًى ومكروهٍ؛ فبسببِ ذنبٍ صَدَر منك، إنَّما بعَثْناك-يا محمَّدُ- رسولًا إلى جميعِ النَّاسِ، تُبلِّغُهم شرائعَ الله تعالى، وما يُحبُّه ويَرضاه، وما يكرَهُه ويأباه، وحَسْبُك اللهُ عزَّ وجلَّ شاهدًا على أنَّه أرسَلك، وشاهدًا على إبلاغِك رِسالتَه، وشاهدًا على مَن أُرسلتَ إليهم

مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ وَمَنْ تَوَلَّى فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا

كلُّ مَنْ أطاعَ رسولَ الله محمَّدًا فقد أطاع اللهَ، ومَن أعرَض عن طاعتِك-يا محمَّدُ- فإنَّا لم نُرسِلْك عليهم حافِظًا لِما يعمَلون ومُحاسِبًا، بل أرسَلْناك مبلِّغًا ومبيِّنًا وناصحًا

وَيَقُولُونَ طَاعَةٌ فَإِذَا بَرَزُوا مِنْ عِنْدِكَ بَيَّتَ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ غَيْرَ الَّذِي تَقُولُ وَاللَّهُ يَكْتُبُ مَا يُبَيِّتُونَ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا

ويقولُ المنافِقون لك-يا محمَّدُ-: سنُطيعك ونمتثل أمرك، فإذا خرَجوا مِن عندِك وخلَوْا في حالةٍ لا تطَّلعُ فيها عليهم استسَرَّ جماعةٌ منهم ليلًا فيما بيْنَهم بغيرِ ما أظهَروه لك، وغيَّروا ما تقولُ لهم، فاستقرُّوا على معصيتِك! إنَّ اللهَ تعالى يحفَظُ عليهم هذا العصيانَ الَّذي بيَّتوه، وسيُجازيهم عليه أتمَّ الجزاءِ، فأعرِضْ-يا محمَّدُ- عن هؤلاء المُنافِقين، وخَلِّهم وما هم عليه مِن الضَّلالةِ، ولا تؤاخِذْهم، واعتمِدْ أنتَ على اللهِ تعالى، وثِقْ به، فهو يَكفيكَ شأنَهم، وكفَى باللهِ سبحانه وليًّا وناصرًا ومُعِينًا

أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا

أفلا يتأمَّلُ هؤلاء المنافِقون معانيَ القُرآنِ، ويَنظُرون في مبادئِه وعواقِبِه، ولوازمِ ذلك، فتظهَرَ لهم براهينُ الحقِّ، وتلوحَ أدلَّتُه، ويعلَموا حُجَّةَ اللهِ عليهم في طاعةِ النَّبيِّ واتِّباعِ أمره؟ ولو كان القرآنُ مفتَعَلًا ومختَلَقًا مِن عندِ أحدٍ، لَاضطَرَبَتْ أحكامُه، واختلفَتِ اختِلافًا كبيرًا، وتناقضَتْ مَعانيه كثيرًا، وأبان بعضُه عن فسادِ بعضٍ

وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلًا

وإذا أتَى هؤلاء المنافِقينَ خبرٌ يتعلَّقُ بأمْنِ المؤمنينَ، أو خَبرٌ يُوجِبُ خَوفَ المؤمنينَ أفشَوْه وأشاعوه على الفورِ دونَ تثبُّتٍ وتحقُّقٍ مِن صحَّتِه أوَّلًا، ولو أَرجَعوا هذا الأمرَ قبْلَ بثِّه إلى رسولِ الله، وإلى أُمرائِهم وعلمائِهم حتَّى يكونَ رسولُ الله أو ذَوُو أمرِهم هم الَّذين يقولونَ الخبرَ عن ذلك, بعدَ أنْ ثبتَتْ عندَهم صحَّتُه أو كذبُه، إن رأَوْا في إذاعتِه مصلحةً ونشاطًا للمؤمنينَ وسرورًا لهم، وتحرُّزًا مِن أعدائِهم، وإنْ رأَوْا أنَّه ليس فيه مصلحةٌ، أو فيه مصلحةٌ ولكنَّ مضرَّتَه تَزيدُ على مصلحتِه، لم يُذِيعوه؛ لعَلِمَ حقيقةَ ذلك الخبرِ على الوجهِ المرادِ مِن الأمنِ أو الخوفِ الَّذين يَبحَثون عنه, ويَستعلِمونه مِن معادنِه، ويَستخرجون ما خفِيَ مِن المعاني بفِكرِهم وآرائِهم السَّديدةِ، وعلومِهم الرَّشيدةِ، حتَّى يصِلوا إلى حقيقةِ الأمرِ بإذنِ الله تعالى، ولولا إنعامُ اللهِ عليكم-أيُّها المؤمنونَ- بفضلِه وتوفيقِه ورحمتِه وإحسانِه وتأديبِكم، وتعليمِكم ما لم تكونوا تعلَمون؛ لَاتَّبعتُم الشَّيطانَ إلَّا قليلًا مِنكم

فَقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا تُكَلَّفُ إِلَّا نَفْسَكَ وَحَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَكُفَّ بَأْسَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَاللَّهُ أَشَدُّ بَأْسًا وَأَشَدُّ تَنْكِيلًا

فجاهِدْ-يا محمَّدُ- بنفْسِك أعداءَ الله؛ لإعلاءِ كلمةِ الله جلَّ وعلا، ليس لك قدرةٌ على غيرِ نفْسِك، وإنَّما عليك ما كُلِّفْتَه دونَ ما كُلِّفَه غيرُك، وحُضَّ المُؤمِنينَ على القتالِ، ورغِّبْهم فيه، لعلَّ اللهَ تعالى أن يمنَعَ ويرُدَّ عنكم قوَّةَ الكافِرينَ وشوكتَهم، وينصُرَكم عليهم بسببِ القتالِ في سبيلِ الله تعالى والتَّحريضِ عليه، واللهُ تعالى أشدُّ قوَّةً وصَولةً مِن أولئك الكفَّارِ، وهو قادرٌ عليهم في الدُّنيا والآخرةِ، وهو سُبحانَه أشدُّ عُقوبةً وأعظمُ عذابًا ونِكايةً في عدوِّه، مِن نِكايةِ الكفَّارِ بالمؤمنينَ

مَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنْهَا وَمَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً سَيِّئَةً يَكُنْ لَهُ كِفْلٌ مِنْهَا وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقِيتًا

مَن يَسْعَ في مُعاوَنةِ غيرِه بما يجلِبُ له النَّفعَ والخيرَ، ويدفعُ عنه الضُّرَّ والشَّرَّ يكُنْ له حظٌّ مِن ثوابِ الله تعالى، ومَن يَسعَ في مُعاوَنةِ غيرِه على أمرٍ مِن الشَّرِّ يكُنْ عليه وِزرٌ وإثمٌ مِن ذلك الأمرِ الَّذي تَرتَّبَ على سَعيِه ونيَّتِه، إنَّ اللهَ تعالى على كلِّ شيءٍ قديرٌ، وحفيظٌ وحسيبٌ، فيُجازي كُلًّا بما يستحقُّه

وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَسِيبًا

وإذا حُيِّيتُم بأيِّ تحيَّةٍ كانت، وسُلِّم عليكم بسلامٍ، أو دُعِيَ لكم بطولِ الحياةِ والبَقاءِ؛ فرُدُّوا التَّحيَّةَ والسَّلامَ، وادْعُوا لِمَن دعَا لكم بأحسَنَ مِن تحيتِه ودعائِه وأفضَلَ، لفظًا وبَشاشةً، أو رُدُّوا عليه بمثلِ تحيَّتِه ودُعائِه، إنَّ اللهَ على كلِّ شيءٍ ممَّا يعمَلُ النَّاسُ مِن طاعةٍ أو معصيةٍ حفيظٌ ومُحْصٍ له, حتَّى يُجازيَهم به

اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَا رَيْبَ فِيهِ وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا

اللهُ تعالى وحْدَه هو المعبودُ بحقٍّ، فلا يستحقُّ العبادةَ إلَّا هو سُبحانَه، واللهِ ليَحشُرَنَّكم اللهُ تعالى جميعًا إلى موقِفِ الحسابِ، فيجمَعُ أوَّلَكم وآخِرَكم في صعيدٍ واحدٍ، فيُجازي كلَّ عاملٍ بعمَلِه، لا شكَّ بوجهٍ مِن الوُجوهِ في حقيقةِ أنَّ الله عزَّ وجلَّ سيَجمَعُ النَّاسَ يومَ القيامةِ بعدَ مماتِهم، ولا أحدَ أصدقُ منه في حَديثِه وخَبرِه، ووعْدِه ووعِيدِه سُبحانَه؛ فحديثُه وأخبارُه وأقوالُه في أعلى مراتبِ الصِّدقِ

فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ وَاللَّهُ أَرْكَسَهُمْ بِمَا كَسَبُوا أَتُرِيدُونَ أَنْ تَهْدُوا مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا

فَلِمَ اختلفْتُم-أيُّها المؤمنونَ- في شأنِ المنافِقين على فرقتينِ؛ فرقةٍ تُكفِّرُهم وفرقةٍ لا تُكفِّرُهم؟ والحالُ أنَّ اللهَ تعالى قد ردَّهُم إلى الكُفرِ وأوقَعَهم فيه؛ بسَببِ ما اقْتَرَفوه مِن آثامٍ وسيِّئاتٍ؛ فلا يَنبغي لكم أنْ تَشْتَبِهوا فيهم، بل أمْرُهم واضحٌ غيرُ مُشكِلٍ، أتَوَدُّون-أيُّها المؤمنونَ- أن تُوَفِّقوا للإقرارِ بدِينِ اللهِ تعالى والدُّخولِ فيه مَنْ خَذَلَه اللهُ عنه فلَمْ يُوَفِّقْه لذلك؟ ومَن خَذَلَه اللهُ تعالى عن دِينِه فلمْ يوفِّقْه لسُلُوكِ طريقِ الهدى فلا طريقَ له إليه

وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَوَاءً فَلَا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ أَوْلِيَاءَ حَتَّى يُهَاجِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَلَا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا

إنَّ هؤلاءِ المنافقِينَ الَّذين اختلفتُم فيهم -أيُّها المؤمنونَ- إلى فِئتَينِ، يتمنَّوْن لكم الوُقوعَ في الكُفرِ فتَكونونَ كُفَّارًا مِثلَهم، وتَسْتَوونَ أنتم وهم في ذلك! فلا تتَّخِذوا منهم أولياءَ وأخِلَّاءَ تُوالُونَهم أو يُوالونَكم، حتَّى يُؤمِنوا ويقدِّموا إثباتًا على إيمانِهم بمُفارقَةِ دارِ الشِّركِ وأهلِه إلى دارِ الإسلامِ وأهلِه؛ ابتِغاءَ مَرْضاة الله، فإنْ أعرَضوا عن الإيمانِ باللهِ تعالى وترَكوا الهجرةَ، فاحْمِلوا عليهم بالقِتالِ وخُذُوهم أسرى، واقتلُوهم في أيِّ مكانٍ وجدتُموهُم فيه، ولا تُوالُوا أيَّ أحدٍ منهم، ولا ينبغي أنْ يكونَ موضِعَ أسرارِكم ومَشُورتِكم ومَحبَّتِكم، ولا تطلُبوا مِن أيِّ أحدٍ منهم نُصْرةً لكم على أعدائِكُم

إِلَّا الَّذِينَ يَصِلُونَ إِلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ أَوْ جَاؤُوكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ أَنْ يُقَاتِلُوكُمْ أَوْ يُقَاتِلُوا قَوْمَهُمْ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَسَلَّطَهُمْ عَلَيْكُمْ فَلَقَاتَلُوكُمْ فَإِنِ اعْتَزَلُوكُمْ فَلَمْ يُقَاتِلُوكُمْ وَأَلْقَوْا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ فَمَا جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلًا

واستثنَى الله تعالى مِن قتالِ هؤلاءِ المنافقينَ: مَن لَجَأ مِن هؤلاء المنافِقينَ إلى قومٍ بيْنَكم وبيْنَهم مُهادَنةٌ وعَهدٌ ومِيثاقٌ بتَركِ القتالِ, فدخَلوا فيهم، فاجعلُوا حُكْمَهم كحُكْمِهم في حَقْنِ الدِّماءِ والأموالِ، أو أتَوْكم وقد ضاقتْ صُدورُهم عن قِتالِكم أو قِتالِ قَومِهم، فيُبْغِضون قِتالَكم، ولا يَهُون عليهم أيضًا قِتالُ قَومِهم معكم؛ فلا هُمْ لكم ولا عليكم، فاتْرُكوا قِتالَ وقَتْلَ هذه الطَّائفةِ أيضًا، ولو شاءَ الله عزَّ وجلَّ لَسلَّط عليكم-أيُّها المؤمنونَ- هؤلاءِ المنافِقينَ فقاتَلوكم، ولكِنْ مِن لُطْفِه بكم أنْ كَفَّهُم عنكم .فإنِ انصَرَف عن قِتالِكم هؤلاء الَّذين أمَرْتُكم بالكَفِّ عن قِتالِهم مِن المنافِقين، وآثَرُوا المُسالَمةَ، وصالَحوكم؛ فلم يَجعلِ اللهُ تعالى لكم على أنفُسِهم وأموالِهم وذَرارِيِّهم ونِسائِهم طريقًا مُباحًا إلى قَتلٍ أو سِبَاءٍ أو غَنيمةٍ

سَتَجِدُونَ آخَرِينَ يُرِيدُونَ أَنْ يَأْمَنُوكُمْ وَيَأْمَنُوا قَوْمَهُمْ كُلَّ مَا رُدُّوا إِلَى الْفِتْنَةِ أُرْكِسُوا فِيهَا فَإِنْ لَمْ يَعْتَزِلُوكُمْ وَيُلْقُوا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ وَيَكُفُّوا أَيْدِيَهُمْ فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأُولَئِكُمْ جَعَلْنَا لَكُمْ عَلَيْهِمْ سُلْطَانًا مُبِينًا

ستطَّلِعون-أيُّها المؤمنونَ- على صِنفٍ آخَرَ مِن المنافِقينَ يُظْهِرون للنَّبيِّ ولأصحابِه الإسلامَ؛ خوفًا منهم، لِيَأْمَنوا بذلك على دِمائِهم وأموالِهِم وذَرارِيِّهم ونسائِهِم، ويُصانِعون قومَهم الكُفَّارَ في الباطِنِ، فيَعبُدون معهم ما يَعبُدون مِن دونِ الله تعالى؛ لِيَأمَنوا كذلك عِندَهم على دمائِهم وأموالِهِم وذرارِيِّهم ونسائِهم، كلَّما عرَضَتْ لهم فِتنةٌ بدَعْوَتِهم إلى الكُفرِ والشِّركِ بالله تعالى، أجابوا إلى ذلك، فازدادُوا إيغالًا وانْهِماكًا في الكُفرِ والشِّركِ، فَهُؤلاء إنْ لم يَترُكوا قتالَكم، ولم يَسْتَسلِموا إليكم ويُصالِحُوكم، فخُذُوهم أسْرى، وأعْمِلوا فيهمُ القتلَ أيْنَما لَقِيتُموهم؛ فإنَّ دماءَهم حلالٌ لكم، وهؤلاء جَعَلْنا لكم حُجَّةً واضِحةً في استحقاقِهِمُ القتلَ

وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ تَوْبَةً مِنَ اللَّهِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا

ليس لمؤمنٍ أنْ يقتُلَ أخاه المؤمنَ ولا يَحِلُّ له ذلك، كما أنَّه أمْرٌ ممتنِعٌ صُدورُه مِن مؤمنٍ؛ لأنَّه مُنافٍ للإيمانِ، إلَّا أن يرتكِبَ ذلك غيرَ عامدٍ له ولا قاصِدٍ إليه، فعليه أن يُكَفِّرَ عن ذلك بتحريرِ مؤمنٍ أو مؤمنةٍ مِن رِقِّ العُبوديَّةِ، وعلى القاتِلِ دفْعُ دِيَةٍ كاملةٍ -ولكنْ تتحمَّلُها عاقِلَتُه- إلى ورثَةِ المقتولِ، إلَّا إذا تصَدَّقوا بإسقاطِ الدِّيَةِ، فلا تجبُ حينَئذٍ، فإنْ كان هذا المقتولُ الَّذي قَتَلَه المؤمِنُ خطأً مِن كُفَّارٍ حربِيِّينَ، لكنَّه مؤمنٌ، فلا دِيَةَ لهم، وعلى القاتلِ عِتْقُ رقبةٍ مؤمنةٍ لا غيرُ، وإنْ كان القَتيلُ الَّذي قتَلَه المؤمنُ خطأً مِن قومٍ بيْنَكم-أيُّها المؤمنونَ- وبيْنَهم عهْدٌ وذمَّةٌ أو هُدْنةٌ, وليسوا أهلَ حربٍ لكم، فعَلى القاتِلِ دِيَةٌ -تتحمَّلُها عاقِلَتُه- يدفعُها إلى وَرَثةِ المقتولِ، وعِتْقُ رقبةٍ مؤمنةٍ كفَّارةً لقَتْلِه، فمَن لم يَجِدْ رقبةً مؤمنةً يُعْتِقُها كفَّارةً لخطئِه في القتلِ، أو لم يَجِدْ ثَمَنَها، بأنْ كان مُعْسِرًا، ليس عندَه ما يَفْضُل عن حوائجِه الأصليَّةِ؛ فعليه صيامُ شهرينِ، يَسْرُدُ صَومَهما إلى آخِرِهما دونَ إفطارٍ فيهما، هذه الكَفَّاراتُ الَّتي شَرَعَها اللهُ للمُؤمِنِ الَّذي قَتَلَ مؤمنًا خطأً؛ توبةً منه على عبادِه، ورحمةً بهم، وتكفيرًا لِما عَسَاه أنْ يَحصُلَ منهم مِن تقصيرٍ وعَدَمِ احترازٍ، إنَّ اللهَ تعالى عليمٌ بكلِّ شيءٍ، وهو سُبحانَه الحكيمُ في كلِّ شيءٍ، فيَضَعُ كلَّ شيءٍ في مَوضِعِه اللَّائقِ به

وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا

ومَن يقتُلْ مؤمنًا مُتَعَمِّدًا قَتْلَه، قاصِدًا إتلافَ نفْسِه، فعُقوبتُه الَّتي يستحِقُّها الخُلودُ في نارِ جهنَّمَ، وسَخِطَ عليه الجبَّارُ سُبحانَه، وطَرَدَه وأبعدَه مِن رحمتِه، وهَيَّأَ له عقوبةً كبيرةً، لا يَعلَمُ قَدْرَ مَبْلغِها سِواه عزَّ وجلَّ، فهذا الذنب سبب لهذه العقوبة، لكن بشرط انتفاء الموانع فقد يكونُ له مِن التوحيدِ والأعمالِ الصَّالِحةِ والتَوبةِ ما يَصرِفُ عنه هذه العُقوبةَ

يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلَامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَعِنْدَ اللَّهِ مَغَانِمُ كَثِيرَةٌ كَذَلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَتَبَيَّنُوا إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا

يا أيُّها المؤمنونَ، إذا خرجْتُم للجهادِ ابتغاءَ مرضاةِ الله فتأنَّوْا في قتلِ مَن أشْكَلَ عليكم أمْرُه فلم تعلموا حقيقةَ إسلامِه ولا كُفْرِه, ولا تَعْجَلوا فتَقتُلوه قبلَ أنَّ تتثبَّتوا وتتيقَّنوا أمرَه، ولا تقولوا لِمَنِ استسلَم لكم فلم يُقاتِلْكم, مُظْهِرًا لكم أنَّه مُسْلِمٌ مِثْلُكم: لستَ كذلك، إنما تظهر الإسلام خوفًا على دمِك ومالِك فتقتلُوه مِن أجْلِ أخْذِ ما لديه مِن مالٍ طلبًا لمتاعِ الحياةِ الدُّنيا، فلا يحمِلَنَّكُمُ العَرَضُ الفاني القليلُ على ارتكابِ ما لا يَنبغي، فيفُوتَكم ما عندَ الله مِن الرِّزقِ والمغانمِ الحلالِ، فما عندَ الله خيرٌ لكم مِن مالِ هذا. قد كنتُم-أيُّها المؤمنون- مِن قَبلُ تُخفُون إيمانَكم في قومِكم مِن المشركينَ وأنتم بيْن أظْهُرِهم, كهذا الَّذي قتلتُمُوه يُسِرُّ إيمانَه ويُخْفِيه مِن قَومِه مِن المشرِكين، فتفضَّلَ اللهُ عليكم بإعزازِ دينِه وإظهارِ ما كنتم تَسْتَخْفُون به، فتثبَّتُوا حتَّى يتَّضِحَ لكم أمْرُه قبلَ أنْ تقتلوه، إنَّ اللهَ تعالى بكلِّ ما تَعملونه وإن دق وبكلِّ ما تَنْوُونَه ذو خبرةٍ وعِلْمٍ، يَحفَظُه عليكم ويُجازيكم به

لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا

لا يَستوي مَن لم يَخرُجْ للجهادِ -إلَّا مَن تخلَّف عن الجهادِ لعُذْرٍ- مع مَن جاهَدَ مِن المؤمنينَ بنَفْسِه ومالِه لتكونَ كلمةُ الله هي العليا، فضَّل اللهُ المجاهِدينَ ببَذْلِ أموالِهم وأنفُسِهم على القاعِدينَ بدرجةٍ رفيعةٍ، ووعَدَ اللهُ كُلًّا مِن المجاهِدينَ بأموالِهم وأنفُسِهم, والقاعِدينَ: الجنَّةَ، وفضَّل اللهُ المجاهِدينَ بأموالِهم وأنفُسِهم على القاعِدينَ جزاءً كبيرًا، وثوابًا جزيلًا

دَرَجَاتٍ مِنْهُ وَمَغْفِرَةً وَرَحْمَةً وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا

إنَّ هذا الأجْرَ العظيمَ يَشملُ رَفْعَهم دَرَجاتٍ في الجِنانِ العالياتِ، وسَتْرًا للذُّنوبِ وتَجاوُزًا عن الزَّلَّاتِ، وحلولَ الرَّحَماتِ والبَرَكاتِ؛ إحسانًا منه سُبحانَه وتكريمًا، وفضلًا منه وتشريفًا، إنَّ اللهَ تعالى هو الغفورُ الَّذي يَستُرُ ذُنوبَ عِبادِه، ويَتجاوزُ عن مُؤاخَذتِهم بها، وهو الَّذي يَرحَمُهم فيتفضَّلُ عليهم بنِعَمِه سُبحانَه

إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا

إنَّ الَّذين تَقبِضُ الملائكةُ أرواحَهم والحالُ أنَّهم ظلموا أنفسهم بإيجابهم لها سخط اللهِ تعالى؛ بسببِ مَعصيتِه بإقامتِهم بيْنَ ظَهْرانَيِ المشرِكين مع عدمِ تمكُّنِهم مِن إقامةِ الدِّينِ، وهم قادِرونَ على الهِجرةِ فلم يُهاجِروا حتَّى ماتوا؛ قالتِ الملائكةُ توبيخًا لهم: لماذا بقِيتُم في هذا المكانِ وترَكتُم الهِجرةَ؟ قالوا: كنَّا ضُعَفاءَ مَقهورينَ، قالتْ لهم الملائكةُ: إنَّ أرضَ اللهِ تعالى واسِعةٌ، فإذا كان العبدُ في مَكانٍ لا يتمكَّنُ فيه مِن إظهارِ دِينِه، فليهاجر منه، فهؤلاء الَّذين تقدَّم ذِكرُهم ووصْفُ حالِهم، مصيرُهم في الآخرةِ جهنَّمُ، وهي مسكَنُهم، وساءتْ جهنَّمُ لأهلِها الَّذين صاروا إليها مرجعًا ومرَدًّا

إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا

أمَّا الَّذين استضعَفَهم المشرِكون مِن الرِّجالِ والنِّساءِ والوِلدانِ وقهَروهم، فلم يَقدِروا على الهجرةِ مِن بينِ أظهُرِهم؛ بسبب قلَّةِ الحِيلةِ للتَّخلُّصِ مِن أيدي المشرِكين، وعدمِ المعرفةِ بالطَّريقِ الَّتي ينبغي سُلوكُها للخروجِ مِن أرضِ الشِّركِ إلى أرضِ الإسلامِ

فَأُولَئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكَانَ اللَّهُ عَفُوًّا غَفُورًا

فهؤلاء مَوْعُودون بأن يصفَحَ اللهُ تعالى عنهم، ويَتجاوَزَ عن مؤاخَذتِهم بتركِ الهجرةِ، واللهُ يصفَحُ عن عبادِه، ويستُرُ عليهم ذنوبَهم، ويتجاوزُ عن مؤاخذتِهم بها

وَمَنْ يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُرَاغَمًا كَثِيرًا وَسَعَةً وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا

ومَن يُفارِقْ أرضَ الشِّركِ هربًا بدِينِه إلى أرضِ الإسلامِ لإقامة دِينِ الله تعالى ابتغاءَ مرضاتِه سُبحانَه، فإنَّه يجدُ في الأرض متزحزَحًا ومتحولًا كثيرًا يمتنعُ فيه ويتحصَّنُ ممَّا يكرَهُ، ويَبتعِدُ فيه عن أهلِ الشِّركِ؛ ويتمكَّنُ مِن إغاظتِهم وجهادِهم، وسَعةً في الدِّينِ بإظهارِ دِينِه وعبادةِ ربِّه سُبحانَه، وسَعةً في الصَّدرِ، وفي الرِّزقِ، وغيرِ ذلك، ومَن خرَج مِن مَنزِلِه ومَوطِنِه فرارًا بدِينِه ليُقيمَه، ابتغاءَ مرضاةِ الله تعالى، واتِّباعًا لرسولِ الله، ونصرًا له، فمات في أثناءِ الطَّريقِ بقتلٍ أو غيرِه قبلَ بُلوغِه أرضَ الإسلامِ ودارَ الهجرةِ؛ فقد ثبَت له عندَ اللهِ تعالى ثوابُ مَن هاجَر وبلَغ دارَ هجرتِه، إنَّ اللهَ تعالى غفورٌ يستُرُ ذنوبَ عبادِه، ويتجاوزُ عن مؤاخَذتِهم بها، رحيمٌ بهم، ومِن رحمتِه أنْ أعطاهم أجرَهم كاملًا ولو لم يُكمِلوا العمَلَ، وغفَر لهم ما حصَلَ منهم مِن التَّقصيرِ في الهجرةِ وغيرِها

وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنَّ الْكَافِرِينَ كَانُوا لَكُمْ عَدُوًّا مُبِينًا

وإذا سافَرْتُم أيُّها المؤمنونَ فلا حرَجَ ولا إثمَ عليكم في قَصْرِ الصَّلاةِ المفروضةِ إنْ خشِيتُم أنْ يصُدَّكم الكفَّارُ عن دِينِكم، بقتالِهم إيَّاكم، وبحملِهم عليكم وأنتم في صلاتِكم، فيصدُّوكم عن إقامتِها وأدائِها، ويحُولوا بينكم وبين عبادةِ الله تعالى، إنَّ عداوةَ جميعِ الكفَّارِ لكم بَيِّنةٌ واضحةٌ، قد أظهَروها لكم

وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذَا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرَائِكُمْ وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُمْ مَيْلَةً وَاحِدَةً وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ كَانَ بِكُمْ أَذًى مِنْ مَطَرٍ أَوْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَنْ تَضَعُوا أَسْلِحَتَكُمْ وَخُذُوا حِذْرَكُمْ إِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا

وإذا كنتَ في أصحابِك-يا محمَّدُ- وأردتَ أن تُصلِّيَ بهم صلاةً كاملةً تُقِيمُها بحدودِها ورُكوعِها وسُجودِها، وتُتمُّ ما يجبُ فيها فلتقُمْ فِرقةٌ مِن أصحابك معك في صَلاتِك، ولْيَأْخُذوا أسْلِحَتَهم، وليكنْ بقيَّتُهم في وجه العدوِّ. فإذا فرغَتِ الطَّائفةُ الَّتي قامت معك في الصَّلاةِ مِن صَلاتِها، فلْيتَّخِذْ أفرادُها مَوضِعَهم خلفَك وخلفَ الطَّائفةِ الأخرى الَّتي ستَدخُلُ معك في صَلاتِك ممَّن لم يُصَلِّ معك الرَّكعةَ الأولى، ولتأتِ الطَّائفةُ الَّتي كانت في مقابلِ العدوِّ ممَّن لم يُصلِّ معك الرَّكعةَ الأولى وليُصلُّوا معك الرَّكعةَ الَّتي بقِيَتْ عليك، ولْيَأْخُذوا حِذْرَهم وأسْلِحَتَهم. تمنَّى الَّذين كفَروا بالله لو تَنشغِلون بصَلاتِكم عن أسلحتِكم الَّتي تُقاتِلونهم بها، وعن أمتعتِكم الَّتي بها بَلاغُكم في أسفارِكم، فتَسهُون عنها؛ حرصًا منهم على الإيقاعِ بكم فيَحملون عليكم جميعًا، حالَ غَفلتِكم بصلاتِكم عن أسلحتِكم وأمتعتِكم، فيُصيبون منكم غِرَّةً بذلك، ويُجهِزون عليكم بضربةٍ واحدة! ولا حرَجَ عليكم ولا إثمَ-إن نالكم أذًى بسببِ مطرٍ تُمطَرُونه، أو أصابكم مرضٌ- في تركِ حملِ أسلحتِكم إن ضعُفْتُم عن حملِها، ولكنْ إن وَضَعتُم أسلحتَكم مِن أذَى مطرٍ أو مرضٍ فكونوا متيقِّظينَ، واحترِسوا مِن عدوِّكم أن يميلَ عليكم وأنتم عنه غافِلون، إنَّ اللهَ تعالى قد هيَّأ للكفَّارِ عذابًا مذِلًّا في الدُّنيا والآخرةِ

فَإِذَا قَضَيْتُمُ الصَّلَاةَ فَاذْكُرُوا اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِكُمْ فَإِذَا اطْمَأْنَنْتُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا

فإذا فرَغْتم -أيُّها المؤمنونَ- مِن أداءِ صلاةِ الخَوفِ، فاذكُروا اللهَ تعالى في جميعِ أحوالِكم وهيئاتِكم؛ مِن قيامٍ وقعودٍ واضطجاعٍ على جُنوبِكم، فإذا أمِنْتُم وزال خَوفُكم مِن عدوِّكم، فأتِمُّوا الصَّلاةَ على الوَجْهِ الأكملِ كما أُمِرْتُم، ظاهرًا وباطنًا، بحدودِها وأركانِها وشروطِها، وجميعِ شؤونِها، إنَّ الصَّلاةَ على المؤمنينَ فرضٌ مؤقَّتٌ بوقتٍ

وَلَا تَهِنُوا فِي ابْتِغَاءِ الْقَوْمِ إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لَا يَرْجُونَ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا

ولا تَضعُفوا ولا تَكسَلوا في طلبِ عدوِّكم، بل جِدُّوا في جهادِهم، وانشَطوا لقتالِهم، فإنْ كنتم -أيُّها المؤمنونَ- تتوجَّعون ممَّا يَنالُكم مِن عدوِّكم مِن جِراحٍ وأذًى في الدُّنيا، فإنَّهم مِثلُكم؛ يتوجَّعون أيضًا ممَّا يَنالُهم منكم مِن جِراحٍ وأذًى، وأنتم تَطمَعون فيما عندَ الله تعالى مِن الثَّوابِ والنَّصرِ لدِينِه، وهم لا يَطمعونَ في شيءٍ مِن ذلك؛ فأنتم أولى بالقتالِ منهم، والصَّبرِ على حربِهم، إنَّ اللهَ تعالى له كمالُ العِلمِ، فلا يخفَى عليه شيءٌ مطلَقًا، وله سُبحانَه كمالُ الحِكمةِ والحُكمِ؛ فهو الَّذي يُقدِّرُ ويُدبِّرُ كلَّ شيءٍ مِن أحكامِه الكَونيَّةِ والشَّرعيَّةِ، ويضَعُ كلَّ شيءٍ منها في مَوضِعِه اللَّائقِ به

إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ وَلَا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا

إنَّا أنزَلْنا إليك-يا محمَّدُ- القُرآنَ، وهو حقٌّ مِن الله تعالى، فنزل نزولًا متلبِّسًا بالحقِّ، ومشتملًا أيضًا على الحقِّ؛ فأخبارُه صِدْقٌ، وأوامِرُه ونَواهيه عَدْلٌ، أنزلناه إليك؛ لتقضيَ بيْنَ النَّاسِ، فتفصِلَ بيْنَهم لا بهَواكَ، بل بما علَّمك اللهُ ممَّا أنزَلَه إليك مِن كتابِه، ولا تخاصِمْ وتحاجِجْ عمَّن عرَفتَ خيانتَه، مِن مُدَّعٍ ما ليس له، أو مُنكِرٍ حقًّا عليه، ولا تدافِعْ عنه

وَاسْتَغْفِرِ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا

واطلُبْ مغفرةَ اللهِ، وهي سترُ الذَّنبِ، والتَّجاوُزُ عن المؤاخَذة به، فإنَّ اللهَ تعالى هو الَّذي يغفِرُ الذُّنوبَ، ويرحمُ كلَّ مَن طلَب مغفرتَه

وَلَا تُجَادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتَانُونَ أَنْفُسَهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ خَوَّانًا أَثِيمًا

ولا تُدافِعْ-يا محمَّدُ- عمَّن يخُونون أنفُسَهم، فيجعلونها خائنةً بارتكابِهم الخيانةَ، فلا تُحاجِجْ وتخاصِمْ عنهم مَن يطالبُهم بحقوقِه وما خانُوه فيه، إنَّ اللهَ تعالى يُبغِضُ مَن كان مِن صفاتِه خيانةُ النَّاسِ، ورُكوبُ الإثمِ في ذلك وفي غيرِه ممَّا حرَّمه اللهُ عزَّ وجلَّ عليه

يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلَا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لَا يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ وَكَانَ اللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطًا

يحرصونَ على إخفاءِ قبائحِهم عن النَّاسِ، فيَتوارَوْنَ منهم تجنُّبًا للفضيحةِ بيْنَهم؛ إمَّا حياءً منهم، أو خوفًا، أو لئلَّا يُنكِروا عليهم، ولا يُبالون بنظرِ الله تعالى إليهم، واطِّلاعِه على قبائحِهم الَّتي يُبارِزونه بها، وهو الَّذي لا يَخفى عليه شيءٌ مِن أعمالِهم؛ فهو أحقُّ أن يُخافَ ويُستحيَا منه جلَّ وعلا، حيثُ إنَّهم يُهيِّئون ويُدَبِّرون لَيلًا ما لا يَرضاه سُبحانَه مِن القولِ؛ كتبرئةِ الجاني، ورَميِ البريءِ بالجنايةِ، إنَّ اللهَ تعالى قد أحاط علمًا بأعمالِهم، وأحصاها عليهم، حتَّى يجازيَهم عليها

هَا أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ جَادَلْتُمْ عَنْهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَمَنْ يُجَادِلُ اللَّهَ عَنْهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَمْ مَنْ يَكُونُ عَلَيْهِمْ وَكِيلًا

هَبْ أنَّكم جادَلْتُم عنهم في هذه الحياةِ الدُّنيا، ودفَعَ عنهم جدالُكم العارَ والفضيحةَ عندَ الخَلقِ، فمَن هذا الَّذي سيُخاصِمُ اللهَ عنهم يومَ القيامةِ حينَ تتوجَّه عليهم الحُجَّةُ، ويُقامُ عليهم مِن الشُّهودِ ما لا يُمكِنُ معه الإنكارُ؟! فيومَئذٍ لا يدافعُ عنهم عندَه سُبحانَه أحدٌ فيما يحُلُّ بهم مِن العذابِ، ولا أحدَ يكونُ نائبًا لهؤلاء الخائنينَ في ترويجِ دعواهم عندَ الله تعالى يومَ القيامةِ

وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا

ومَن يعمَلْ ما يُسيءُ به إلى غيرِه، أو يظلِمْ نفْسَه بإكسابِه إيَّاها ما يستحقُّ به عُقوبةَ الله مِن شِركٍ ومَعاصٍ ثمَّ يطلُبْ مِن الله تعالى أن يستُرَ ما عمِلَ مِن ذُنوبٍ، ويتجاوَزَ عن مؤاخَذتِه بها، معَ توبتِه إلى الله؛ فإنَّه يجدُ اللهَ تعالى غفورًا لذُنوبِه، رحيمًا به

وَمَنْ يَكْسِبْ إِثْمًا فَإِنَّمَا يَكْسِبُهُ عَلَى نَفْسِهِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا

ومَن يَأتِ ذَنبًا عامدًا له، فإنَّما يضرُّ نفسَه، ويكونُ وبالُ الذَّنبِ وخِزيُه وعارُه في الدُّنيا والآخرةِ على نفْسِه دونَ غيرِه، فلْيَتَحَرَّزْ عن تعريضِها للعقابِ، إنَّ اللهَ تعالى له العِلمُ الكاملُ، والحِكمةُ التَّامَّةُ

وَمَنْ يَكْسِبْ خَطِيئَةً أَوْ إِثْمًا ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئًا فَقَدِ احْتَمَلَ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا

ومَن يَرتكِبْ ذنبًا غيرَ عامدٍ له، أو يرتكبْ ذنبًا متعمِّدًا له، ثُمَّ يُلصِقْ ذَنْبَه الَّذي ارتكبَه بشَخصٍ آخَرَ بريءٍ مِن هذا الذَّنبِ؛ فقد تحمَّل بهذا الفِعلِ الشَّنيعِ فِريةً وكذبًا على ذلك البَريءِ، وإثمًا ظاهرًا بيِّنًا، يُبِينُ عن أمْرِ مُتحمِّلِه، وجَراءتِه على ربِّه سُبحانَه وتعالى

وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُ لَهَمَّتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ أَنْ يُضِلُّوكَ وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَضُرُّونَكَ مِنْ شَيْءٍ وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا

ولولا أنَّ اللهَ تعالى تَفضَّل عليك-يا محمَّدُ- فحَفِظَك وعصَمك بتوفيقِه وتِبيانِه لك أمْرَ هذا الخائنِ، لَعزَمَتْ فِرقةٌ مِن أولئك الَّذين يَختانونَ أنفُسَهم أن يَحْرِفوكَ عن طريق الحقِّ، وإنَّ كَيْدَهم ومكرَهم يعودُ على أنفُسِهم، فما يُضِلُّونَ بذلك في الحقيقةِ إلَّا أنفُسَهم، وليس يَضرُّونك بأيِّ شيءٍ من الضررِ فالله تعالى يعصمُك، ومِن فَضْلِ اللهِ تعالى عليك-يا محمَّدُ- مع سائرِ ما تفضَّلَ به عليك مِن نِعَمِه، أنَّه أنزَل عليك القرآنَ، والسُّنَّةَ، وعلَّمَك ما لم تكُنْ تعلَمُه مِن قبلِ نزولِ الوحيِ عليك، وإنَّ ما منَحَك اللهُ تعالى إيَّاه مِن نِعَمٍ وعطايا أمرٌ عظيمٌ مِن لَدُنِ العظيمِ الكريمِ سُبحانَه

لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا

لا خيرَ في كثيرٍ مِن الكلامِ الَّذي يُسِرُّه النَّاسُ بيْنَهم؛ إمَّا لأنَّه لا فائدةَ فيه؛ كفُضولِ الكلامِ المباحِ، وإمَّا لكونِه شرًّا ومَضرَّةً محضةً؛ كالكلامِ المُحرَّمِ بجميعِ أنواعِه، عَدَا الأمْرَ بالتَّصدُّقِ، سواءٌ كان بالمالِ أو بالعِلمِ أو بأيِّ نفعٍ كان، وعَدَا الأمْرَ بالمعروفِ، وهو كلُّ ما عُرِف في الشَّرعِ والعَقلِ حُسْنُه، وعَدَا الأمرَ بالإصلاحِ بيْن المتنازعَيْنِ والمتخاصمَيْنِ، ومَن يفعل تلك الأمور؛ طلبًا لرِضَا الله تعالى بفِعلِه هذا، مخلصًا له فيه، ومحتسِبًا ثوابَه عندَ الله عزَّ وجلَّ؛ فسوف يُعطيه اللهُ تعالى جزاءً لِمَا فعَل مِن ذلك ثوابًا كثيرًا واسعًا، لا يعلَمُ قدرَه سِواه

وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا

ومَن يُخالِفِ الرَّسولَ ويُعانِدْه فيما جاء به، سالكًا غيرَ طريقِ الشَّريعةِ الَّتي جاء بها عن عَمْدٍ بعدَما ظهَر له الحقُّ واتَّضَح، ويتَّبِعْ طريقًا غيرَ طريقِ المؤمنينَ في عَقائدِهم وأعمالهِم، ويَسلُكْ منهجًا غيرَ منهجِهم؛ نتركْه إلى ما اختاره لنفْسِه، ونُحسِّنْه له في صدرِه استدراجًا له، ونُدخِلْه نارَ جهنَّمَ ونُحرِقْه بها، وما أسوَأَها مِن مرجعٍ ومآلٍ يصيرُ إليه!

إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا

إنَّ اللهَ تعالى لا يغفِرُ لِمَن أشرَك به ومات على شِرْكِه، وما دونَ الشِّركِ مِن الذُّنوبِ والمعاصي فهو تحتَ المشيئةِ؛ إن شاء اللهُ غَفَرَه برحمتِه وحِكمتِه، وإنْ شاء عذَّبَ عليه بعَدلِه وحكمتِه، ومَن يجعَلْ لله تعالى شريكًا فقد سلَك غيرَ طريقِ الحقِّ، وانحرَف عن سواءِ السَّبيلِ، وبَعُدَ عن الصَّوابِ بُعدًا شديدًا

إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا إِنَاثًا وَإِنْ يَدْعُونَ إِلَّا شَيْطَانًا مَرِيدًا

ما يَدْعو هؤلاء المشرِكون مِن دونِ الله تعالى إلَّا أوثانًا وأصنامًا مسمَّياتٍ بأسماءِ الإناثِ؛ كاللَّاتِ والعُزَّى ومَنَاةَ، والمؤنَّثُ دون المذكَّرِ في قوَّتِه ومرتبتِه ومقامِه؛ ممَّا يدُلُّ على نقصِ المسمَّياتِ بتلك الأسماءِ، وفَقْدِها لصِفاتِ الكمالِ، فكيف تُتَّخَذُ آلهةً تُعبدُ؟ !وما يَعبُدُ هؤلاء الَّذين يعبُدون هذه الأوثانَ مِن دونِ الله تعالى-في حقيقةِ الأمر- إلَّا شيطانًا متمرِّدًا على الله سُبحانَه، هو الَّذي أمَرهم بذلك، وزيَّنه لهم فأطاعوه

لَعَنَهُ اللَّهُ وَقَالَ لَأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبَادِكَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا

قد أَقصاه اللهُ تعالى وأبعَدَه وطرَدَه مِن رحمتِه، وقال الشَّيطانُ لربِّه حينَ لَعَنَه: واللهِ لأتَّخذَنَّ مِن عبادِك جزءًا معلومًا مقدَّرًا، أجعَلُهم أولياءَ لي، أتولَّاهم ويتولَّوْنَني، فيكونون مِن حزبِي أصحابِ السَّعيرِ

وَلَأُضِلَّنَّهُمْ وَلَأُمَنِّيَنَّهُمْ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذَانَ الْأَنْعَامِ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ وَمَنْ يَتَّخِذِ الشَّيْطَانَ وَلِيًّا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَقَدْ خَسِرَ خُسْرَانًا مُبِينًا

وقال الشيطانُ أيضًا: واللهِ لأصُدَّنَّهم عن طريق الحقِّ إلى سُبُلِ الضَّلالِ، ولَأجعَلَنَّ في نُفوسِهم مِن الأمانيِّ الَّتي أعِدُهم بها ما يُزيغُهم عن توحيدِك وطاعتِك، ولآمُرَنَّهم بأن يُقطِّعوا آذانَ الأنعامِ مِن الإبلِ والبقرِ والغَنَمِ علامةً على أنَّها محرَّمةٌ، وهذا يقتضي تحريمَ ما أحَلَّ اللهُ، أو تحليلَ ما حرَّمه، ولآمُرَنَّهم بتغييرِ خِلقتِهم الظَّاهرةِ بالوَشْمِ، والنَّمْصِ، وغيرِ ذلك، وتغيير فِطرتُهم الَّتي فُطِروا عليها مِن التَّوحيدِ إلى الشِّركِ، ومِن اليقينِ إلى الشَّكِّ، ومَن يجعَلِ الشَّيطانَ وليًّا لنفْسِه ونصيرًا دونَ الله تعالى فيتَّبِعْه ويُطِعْه فقد هلَك في الدُّنيا والآخِرةِ هلاكًا ظاهرًا، يُبينُ عن عطَبِه وهلاكِه، فيحصُلُ له الشَّقاءُ الأبديُّ، ويفُوتُه النَّعيمُ السَّرمديُّ

يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا

يَعِدُ الشَّيطانُ أولياءَه بوُعودٍ باطلةٍ لإضلالِهم؛ كأنْ يَعِدَهم بأن يكونَ لهم نصيرًا ممَّن أرادهم بسوءٍ، وكأن يعِدَهم بأنَّهم إذا أنفَقوا في سبيلِ الله عزَّ وجلَّ افتقَروا، وإن جاهَدوا في سبيل الله تعالى قُتِلوا، ويُرجِّيهم ويَفتَحُ أمامَهم الآمالَ الكاذبةَ، والأمانيَّ الباطلةَ؛ كأنْ يُمنِّيَهم بالظَّفَرِ على أعدائِهم، وكأن يُمنِّيَهم بأنَّهم هم الفائزونَ في الدُّنيا والآخرةِ، وما يعِدُ الشَّيطانُ أولياءَه إلَّا باطلًا وأوهامًا خادعةً لا حقيقةَ لها

أُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَلَا يَجِدُونَ عَنْهَا مَحِيصًا

هؤلاء الَّذين اتَّخَذوا الشَّيطانَ وليًّا مِن دونِ الله تعالى، مصيرُهم الَّذي يَصِيرون إليه ومآلُهم ومستقَرُّهم يومَ حسابِهم: نارُ جهنَّمَ لا يَجِدون عنها ملجأً ولا مفرًّا منها ، ولا خَلاصًا، بل هم خالِدون فيها

وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا

والذين آمنوا بكلِّ ما يجبُ الإيمانُ به، على الوجهِ الَّذي أُمِروا به عِلمًا وتصديقًا وإقرارًا، وعملوا الأعمالَ الصَّالحةَ، خالصةً لله عزَّ وجلَّ، وعلى هَدْيِ رسولِه عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ؛ سوف يُدخِلُهم اللهُ تعالى يومَ القيامةِ-جزاءً لهم- جناتٍ تَجري مِن تحتِ أشجارِها وقُصورِها أنهارٌ متنوِّعةٌ، ماكِثينَ فيها أبدًا بلا زَوالٍ ولا انتقالٍ، هذا وعدٌ مِن الله تعالى واقعٌ لا محالةَ، فلا أحدَ أصدَقُ مِن الله تعالى قولًا وخبرًا

لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ وَلَا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا

لا يَحصُلُ لكم -أيُّها المسلِمون، ولا لليهودِ والنَّصارى- النَّجاةُ والظَّفَرُ بمجرَّدِ تمنِّي ذلك، إنَّ كلَّ مَن يعملُ منكم -أيُّها المسلمونَ أو مِن أهلِ الكتابِ- سوءًا صغيرًا أو كبيرًا، فإنَّه يُجازى به، سواءٌ كان جزاءً قليلًا أم كثيرًا، دُنيويًّا أم أُخرويًّا، ولا يَجِد الَّذي يَعملُ سوءًا أحدًا سِوى الله تعالى يَلِي أمرَه، ويُحصِّلُ له ما يَطلُبُه، ولا يجِدُ ناصرًا سِوى الله تعالى ينصُرُه ويدفَعُ عنه ما يحذَرُه

وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ نَقِيرًا

ومَن يعمَلِ الأعمالَ الصَّالحةَ، قلبيَّةً كانت أو بدنيَّةً، مِن ذُكور العِبادِ وإناثِهم، وهو مؤمنٌ بي وبرَسولي محمَّدٍ؛ فإنَّ أصحابَ هذه المنزلةِ العاليةِ الَّذين جمَعوا بيْن الإيمانِ والعملِ الصَّالحِ إنَّما يَدخُلون الجنَّةَ بإذنِ الله تعالى، ويُنعَّمون فيها، ولا يَنقُصُهم اللهُ تعالى مِن ثوابِ عملِهم ولا مِقدارَ النُّقرةِ الَّتي تكونُ في ظَهر النَّواةِ؛ فكيف بما هو أعظمُ مِن ذلك وأكثرُ؟! فهو سُبحانَه إنَّما يُوفِّيهم أجورَهم كما وعَدَهم

وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا

لا أحدَ أصوبُ طريقًا وأصلحُ عملًا ممَّن أخلَص للهِ عزَّ وجلَّ، وانْقادَ له بالطَّاعةِ، وهو مع هذا الإخلاصِ في العملِ متَّبِعٌ شَرْعَ اللهِ تعالى فيه، واتَّبَع دِينَ وشرْعَ إبراهيمَ عليه السَّلامُ، مائلًا عن الشِّركِ وعن التَّوجُّهِ للخَلقِ، مستقيمًا على التَّوحيدِ، مقبلًا بكُلِّيَّتِه على الخالقِ جلَّ وعلا، واتَّخَذ اللهُ إبراهيمَ وليًّا وصَفِيًّا خالِصَ المَحَبَّةِ له

وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطًا

إنَّ اللهَ تعالى هو الَّذي يملِكُ وحْدَه جميعَ ما في السَّمواتِ وجميعَ ما في الأرضِ؛ فالجميعُ عبيدُه وخَلْقُه، وهو المُتصرِّفُ فيهم، المُتفرِّدُ بتدبيرِهم، لا تَخفى عليه خافيةٌ، ولا يغِيبُ عن عِلمِه شيءٌ، قد أحاط بكلِّ شيءٍ عِلمًا وقُدرةً، وسمعًا وبصرًا، وتدبيرًا وغيرَ ذلك

وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ فِي يَتَامَى النِّسَاءِ اللَّاتِي لَا تُؤْتُونَهُنَّ مَا كُتِبَ لَهُنَّ وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الْوِلْدَانِ وَأَنْ تَقُومُوا لِلْيَتَامَى بِالْقِسْطِ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِهِ عَلِيمًا

يسألُك أصحابُك -يا محمَّدُ- أنْ تُفتيَهم في أحكامِ النِّساءِ، قُلْ لهم: اللهُ يُفتيكم في النِّساءِ ويُفتيكم أيضًا بما يُتلَى عليكم في القُرآنِ في شأنِ اليتامى مِن النِّساءِ اللَّاتي تحتَ ولايتِكم فتبخَسونهنَّ حقَّهنَّ وتَظلِمونهنَّ، بمَنْعِهنَّ مِن أخْذِ ميراثِهنَّ أو بمَنْعِهنَّ مِن التَّزوُّجِ؛ لتَنتفِعوا بأموالِهنَّ خَوفًا مِن استخراجِها مِن أيديكم إنْ تزوَّجْنَ، أو بالأخذِ مِن مُهورِهنَّ الَّتي تزوَّجْنَ بها، أو بغيرِ ذلك، وهذا في حالةِ رَغبتِكم عنهنَّ، أو تَرغبون فيهنَّ لجمالهنَّ ومالِهنَّ ولكنْ تُعطونَهنَّ مِن المهرِ دونَ ما يَستحقِقْنَ، ويُفتيكم اللهُ عزَّ وجلَّ في شأنِ المستضعَفينَ مِن الوِلدانِ الصِّغارِ، ومِن ذلك وُجوبُ إعطائِهم حقَّهم مِن الميراث وغيرِه، وألَّا تَستولُوا على أموالِهم ظُلمًا وعُدوانًا، وأوجب عليكم القيامَ بالعدل التَّامِّ مع اليتامَى، ومهما يكُنْ منكم-أيُّها المؤمنونَ- مِن عدلٍ في أموالِ اليتامى الَّتي أمَركم اللهُ تعالى أنْ تقوموا فيهم بالقِسطِ، والانتهاءِ إلى أمرِ الله في ذلك، وفي غيره- فإنَّ اللهَ عزَّ وجلَّ عالمٌ به، ومُحصٍ ذلك كلَّه، وحافظٌ له، وسيَجزيكم عليه أوفرَ الجزاءِ وأتَمَّه

وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا وَالصُّلْحُ خَيْرٌ وَأُحْضِرَتِ الْأَنْفُسُ الشُّحَّ وَإِنْ تُحْسِنُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا

وإذا خشِيَتِ المرأةُ استعلاءً مِن زَوجِها عليها، ونفورًا منها، وانصرافًا عنها؛ فلا حَرَجَ ولا إثمَ عليهما في أن يتَّفِقا على ما يُصلِحُ الأمورَ بيْنَهما؛ فلها أن تُسقِطَ حقَّها أو بعضَه؛ مِن نفقةٍ أو كسوةٍ أو مَبِيتٍ أو غيرِ ذلك مِن الحقوقِ عليه، على أن تبقى مع زوجِها، وله أن يقبَلَ ذلك منها، والصلحُ -استدامةً لعقدِ النِّكاح- خيرٌ مِن المُفارَقةِ بالكُلِّيَّةِ، وإنَّ النُّفوسَ قد جُبِلت على الإفراطِ في الحرصِ على أشيائِها وحُقوقِها، وهذا ممَّا يمنَعُ وُقوعَ التَّصالُحِ والاتِّفاقِ، وإنْ تُحسِنوا-أيُّها الأزواجُ- في أفعالِكم إلى نسائِكم إذا كرِهتُموهنَّ بأن تتجشَّموا مشقَّةَ الصَّبرِ عليهنَّ، مع إيفائِهنَّ حقوقَهنَّ، وعِشرتِهنَّ بالمعروف، وتقسِموا لهنَّ أُسوةَ أمثالِهنَّ، وتُحِسنوا أيضًا في عبادةِ الخالقِ عمومًا، وتُحسِنوا إلى المخلوقينَ بجميعِ طُرقِ الإحسانِ، وتتَّقوا اللهَ تعالى في أزواجِكنَّ بتركِ الجَوْرِ عليهنَّ فيما يجب عليكم مِن حقوقِهنَّ، وتتَّقوا اللهَ عمومًا، بفعلِ جميعِ المأموراتِ، وتركِ جميعِ المحظوراتِ؛ فإنَّ اللهَ تعالى عالِمٌ بظاهِرِ ما تَعمَلون وباطنِه، لا يَخفَى عليه منه شيءٌ، وهو يُحصيه، ويحفَظُه لكم، حتَّى يوفِّيَكم جزاءَ ذلك أوفرَ الجزاءِ

وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ فَلَا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ وَإِنْ تُصْلِحُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا

ولنْ تتمكَّنوا-أيُّها الأزواجُ- مِن إقامةِ العدلِ التَّامِّ بيْن زَوجاتِكم مِن جميعِ الجوانبِ، ولو كنتُم حريصينَ على ذلك، فإنَّه وإن حصَل القَسمُ الصُّوريُّ بيْنَهنَّ، فلا بدَّ مِن التَّفاوُتِ في المحبَّةِ والشَّهوةِ والجِماعِ، فإذا مِلْتُم إلى واحدةٍ منهنَّ، فلا تُبالِغوا في الميلِ بالكُلِّيَّةِ، وتَميلوا ميلًا كثيرًا حتَّى يحمِلَكم ذلك على أن تجُوروا على صواحبِها في تركِ أداءِ الواجبِ لهنَّ مِن حقٍّ في القَسْمِ لهنَّ، والنَّفقةِ عليهنَّ، والعِشرةِ بالمعروفِ، فتبقى كالمعلَّقةِ الَّتي ليست بالمطلَّقةِ ، ولا هي بالمتزوِّجةِ، وإنْ تُصلِحوا أعمالَكم-أيُّها النَّاس- فيما بينكم وبين زوجاتكم، وتُصلِحوا أيضًا فيما بيْنَكم وبيْن النَّاسِ، وتُصلِحوا أيضًا بيْن النَّاس فيما تَنازَعوا فيه، وتتَّقوا اللهَ عزَّ وجلَّ في الميلِ الَّذي نَهاكم عنه وتتَّقوا اللهَ تعالى في جميعِ أُمورِكم وأحوالِكم بفعلِ ما أمَر، واجتنابِ ما نهى عنه وزجَر؛ فإنَّ اللهَ تعالى يَستُرُ عليكم ما سلَف منكم، ويَتجاوَزُ عن مؤاخَذتِكم به، وهو رحيمٌ بكم؛ إذ قبِلَ توبتَكم، وتجاوَز عنكم

وَإِنْ يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِنْ سَعَتِهِ وَكَانَ اللَّهُ وَاسِعًا حَكِيمًا

وإذا انفصَل الزَّوجانِ عن بَعضِهما بطَلاقٍ أو فسخٍ أو خُلعٍ أو غيرِ ذلك، فإنَّ اللهَ تعالى يعوِّضُ الزَّوجَ برزقٍ واسعٍ أو بزوجةٍ هي خيرٌ له مِن زوجتِه، ويعوِّضُها برزقٍ واسعٍ أو بزوجٍ هو خيرٌ لها مِن زوجِها، وذلك مِن فضلِه وإحسانِه الواسعِ سُبحانَه، إنَّ اللهَ تعالى واسعٌ لهما في إغناءِ كلِّ واحدٍ مِن الزَّوجينِ وغيرِهما مِن فضلِه، فهو سُبحانَه واسعُ الفضلِ عظيمُ المَنِّ، وهو ذو سَعَةٍ في جميعِ صِفاتِه؛ كالرَّحمةِ، والمغفرةِ، والعِلمِ، والقُدرةِ، وغير ذلك مِن صفاتِه العُلى، حكيمٌ في جميعِ أفعالِه وأقدارِه وشَرْعِه

وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ وَإِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ غَنِيًّا حَمِيدًا

وللهِ تعالى وحْدَه مُلكُ جميعِ ما تَحويه السَّمواتُ السَّبْعُ، والأرَضون السَّبْعُ، وهو الحاكمُ فيها، ومُدَبِّرُها بجميعِ أنواعِ التَّدبيرِ، ولقد عهِدْنا عهدًا مؤكَّدًا إلى أهلِ الكتبِ السَّابقةِ، كاليهودِ والنَّصارى، وإليكم-أيُّها المسلِمونَ- بأنْ تتَّقوا اللهَ تعالى بطاعةِ أوامرِه، واجتنابِ نواهيه، وإنْ تكفروا فاعلموا أن لله ملك جميع ما تحويه السموات والأرض فالمُلكَ مُلكُه، والخَلْقَ خَلْقُه وإنَّكم لا تضُرُّونَ اللهَ شيئًا، فهو الغنيُّ الَّذي له الجودُ الكاملُ، والإحسانُ الشَّاملُ، فلا حاجةَ به إلى شيءٍ ولا لأحدٍ، وهو المحمودُ على غِناهُ وجميعِ صفاتِه، وعلى جميع ما يُقدِّره ويشرَعُه، قد استحَقَّ منكم-أيُّها الخَلقُ- الحمدَ على صنائعِه الحميدةِ إليكم، وآلائِه الجميلة الَّتي أنعَم بها عليكم، وهو الحامدُ لِمَن يستحقُّ الحمدَ مِن عبادِه

وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا

وللهِ تعالى مُلكُ جميعِ ما تَحويه السَّمواتُ والأرضُ، وكفى بالله قَيِّمًا، وحافظًا ومدبِّرًا، ورقيبًا على كلِّ شيءٍ سُبحانَه، بعِلمِه وقُدرتِه وحكمتِه

إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ أَيُّهَا النَّاسُ وَيَأْتِ بِآخَرِينَ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى ذَلِكَ قَدِيرًا

إنْ يشَأِ اللهُ تعالى يُذهِبْكم-أيُّها النَّاسُ- بإهلاكِكم وإفنائِكم إذا عصَيْتموه، ويأتِ بناسٍ آخَرينَ غيرِكم، هم أتْقَى وأطوعُ للهِ عزَّ وجلَّ منكم، إنَّ اللهَ تعالى ذو قُدرةٍ تامَّةٍ على إهلاكِكم وإفنائِكم، واستبدالِ آخَرينَ بكم

مَنْ كَانَ يُرِيدُ ثَوَابَ الدُّنْيَا فَعِنْدَ اللَّهِ ثَوَابُ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعًا بَصِيرًا

مَن كانت هِمَّتُه وإرادتُه دنيَّةً غيرَ مُتجاوِزةٍ ثوابَ الدُّنيا، وليس له إرادةٌ في الآخرة، فلْيَعلَمْ أنَّ عندَ الله تعالى خيرَ الدُّنيا والآخرةِ، فإنَّه إذا سأَله مِن هذه وهذه أعطاه وأغناه، فلا يقتصِرَنَّ قاصرُ الهمَّةِ على السَّعيِ للدُّنيا فحَسْبُ، بل ليطلُبْهما منه، ويَسْتَعِنْ به عليهما، إنَّ اللهَ تعالى سامعٌ لكلِّ شيءٍ، بصيرٌ مُطَّلِعٌ على كلِّ شيءٍ سُبحانَه

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا فَلَا تَتَّبِعُوا الْهَوَى أَنْ تَعْدِلُوا وَإِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا

ليكُنْ مِن أخلاقِكم وصِفاتِكم -أيُّها المؤمنونَ- القيامُ بالعدلِ في كلِّ أحوالِكم؛ في حُقوقِ اللهِ، وفي حقوقِ عبادِه، وليكُنْ أداؤُها ابتغاءَ وجهِ الله تعالى، ولو كانت شَهادتُكم على أنفُسِكم، أو على والدَيكم، أو أقربائِكم، فقُوموا فيها بالعدلِ، وقولوا فيها الحقَّ، ولو عاد ضررُها عليكم؛ فإنَّ الحقَّ حاكمٌ على كلِّ أحدٍ، ومُقدَّمٌ على كلِّ أحدٍ، فلا تراعوا الغنيَّ لغِناه، ولا الفقيرَ لفقرِه شَفقةً عليه ورحمةً له فتَجُوروا؛ فإنَّ أمْرَهما إلى خالِقِهما ومالِكِهما؛ فهو سُبحانَه أَوْلى وأحقُّ بهما منكم، وأعلَمُ بما فيه صلاحُهما، فلا يَحملَنَّكم هوَى أنفُسِكم المعارِضُ للحقِّ على ترْكِ العدل؛ فإنَّكم إنِ اتَّبعتُم أهواءَكم عدَلْتُم عن الصَّوابِ، ووقَعتم في الجَوْرِ والظُّلمِ، وإنْ تُحرِّفوا الشَّهادةَ وتُغيِّروها، أو تُعرِضوا عنها بكِتْمانِها وتركِها فإنَّ اللهَ محيطٌ بما تفعَلون، فيَحفظُ ذلك عليكم ويُجازيكم به

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا

حقِّقوا-أيُّها المؤمنونَ- إيمانَكم بالله تعالى وبمحمَّدٍ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، وأكمِلوا ما نقَصَ لدَيكم منه، واثبُتوا واستمِرُّوا عليه، وآمِنوا أيضًا بالقُرآنِ وبالكُتبِ السَّابقةِ الَّتي أنزَلها اللهُ تعالى، ومَن يكفُرْ بالله تعالى وملائكتِه وبما أنزله مِن كتبٍ وبمَن بعَثهم مِن الرُّسلِ وباليوم الآخِرِ، فقد خرَج عن الصِّراطِ المُستقيمِ، وانحرَف عن طريقِ الحقِّ والهدى انحرافًا بعيدًا

إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلًا

إن مَن تَكرَّر منه الكفرُ بعدَ الإيمانِ، فدَخَل في الإيمانِ ثمَّ كفر، ثمَّ عاد إلى الإيمان ثمَّ كفر، واستمرَّ على كفرِه وازداد منه؛ فهؤلاء لم يكُنِ اللهُ تعالى ليغفر لهم، ولم يكُنِ اللهُ عزَّ وجلَّ ليُسدِّدَهم لإصابةِ طريقِ الحقِّ والهدى فيوفِّقَهم لها

بَشِّرِ الْمُنَافِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا

أخبِرْ-يا محمَّدُ- هؤلاءِ الَّذين أظهَروا الإسلامَ وأبطَنوا الكُفر بأقبحِ بِشارةٍ وأسوئِها، وهي أنَّ لهم عندَ اللهِ تعالى عذابًا مؤلِمًا موجِعًا

الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَيَبْتَغُونَ عِنْدَهُمُ الْعِزَّةَ فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا

هؤلاء المنافِقونَ الَّذين صِفتُهم أنَّهم يَجعَلون الكفَّارَ أولياءَ لهم يُحبُّونهم ويَنصُرونهم ويُعِينونهم، لا عبادَ الله المؤمنينَ، أيُّ شيءٍ حمَلهم على ذلك؟ أَيَطْلُبون عندَ الكفَّارِ المنَعَةَ والقوَّةَ والغَلَبةَ باتِّخاذِهم أولياءَ مِن دونِ المؤمنينَ؟ فليستِ العِزَّةُ عندَ الكفَّارِ، إنَّما العِزَّةُ والمَنَعةُ والنُّصرةُ والقوَّةُ مِن عندِ الله تعالى؛ فهو وحْدَه القاهرُ والغالب لكلِّ شيءٍ، ذو القَدْرِ العظيمِ، الَّذي لا يُماثِلُه شيءٌ، الَّذي يمتنعُ عليه كلُّ نقصٍ وعيبٍ، يُعِزُّ مَن يشاءُ، ويُذِلُّ مَن يشاءُ؛ فالتَمِسوا العِزَّةَ منه سُبحانَه

وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ إِنَّ اللَّهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعًا

قد بَيَّن اللهُ تعالى لكم في القُرآنِ -أيُّها المؤمنونَ- أنْ إذا حضرتم مجلسا وسمعتم فيه الكفر والاستهانة بآياتِ اللهِ تعالى وأوامرِه ونواهيه فلا تَمكثُوا فيه إلَّا أنْ يأخُذَ المُتحدِّثون في حديثٍ آخَرَ غيرِ حديثِ الكُفرِ والاستهزاءِ، وإنِ ارتكبتُم هذا النَّهيَ بعدَ بُلوغِه إليكم، ورَضِيتُم بالمُكثِ معهم في المكانِ الَّذي يُكفَرُ فيه بآياتِ الله ويُستهانُ بها، وأقررتُموهم على ذلك؛ فقد شاركتُموهم إثمَ ذلك، إنَّ اللهَ تعالى جامعُ الفَريقينِ مِن الكفَّارِ والمنافِقينَ في نارِ جهنَّمَ يومَ القيامةِ، كما اجتمعوا على الكُفرِ وعداوةِ المؤمنينَ والتَّخذيلِ عن دِينِ الله

الَّذِينَ يَتَرَبَّصُونَ بِكُمْ فَإِنْ كَانَ لَكُمْ فَتْحٌ مِنَ اللَّهِ قَالُوا أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ وَإِنْ كَانَ لِلْكَافِرِينَ نَصِيبٌ قَالُوا أَلَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ وَنَمْنَعْكُمْ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا

إنَّ المنافِقينَ يَنتَظِرون ما يحلُّ بكم-أيُّها المؤمنونَ- مِن خيرٍ أو شرٍّ، فإنْ فتَح اللهُ تعالى عليكم فتحًا مِن عَدوِّكم بالنَّصرِ والظَّفَرِ والغنيمةِ قال لكم هؤلاء المنافقون: ألم نشهَدْ معكم قتالَ عدوِّكم؟ فأعطُونا إذًا نصيبَنا مِن الغنيمةِ، وإنْ كان لأعدائِكم مِن الكافِرينَ حَظٌّ منكم بإصابتِهم منكم في بَعضِ الأحيان قالوا: ألم نساعِدْكم ونُحِطْ بكم إحاطةَ العنايةِ والنُّصرةِ، ونَحْمِكُم مِن المؤمنينَ مِن أنْ يَنالوكم بسوءٍ، وصرَفْناهم عنكم، حتَّى انتصرتُم عليهم؟! فإنَّ اللهَ تعالى سيَحكُمُ بيْن المؤمنينَ والمنافِقين، ويَفصِلُ بيْنَهم بالقضاءِ الفصلِ يومَ القيامةِ؛ وذلك بإدخالِ المؤمنينَ جنَّتَه، وإدخالِ المنافِقين مع أوليائِهم الكفَّارِ نارَه، ولن يُمكِّنَ اللهُ تعالى الكفَّارَ في الدُّنيا مِن التَّسلُّطِ التَّامِّ على المؤمنينَ، واستئصالِهم بالكُلِّيَّةِ، فالعاقِبةُ في الدُّنيا والآخرةِ للمؤمنينَ

إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاؤُونَ النَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا

إنَّ المنافِقين يُخادِعون اللهَ بإحرازِهم-بما أظهَروه مِن الإيمانِ وأبطَنوه مِن الكُفرانِ- دِماءَهم وأموالَهم، والله تعالى خادِعُهم بما حَكَم فيهم في الدُّنيا مِن منعِ دمائهم بما أظهروا بألسنتِهم مِن الإيمانِ، مع عِلمِه باستبطانِهم الكفرَ؛ وذلك استِدراجًا منه لهم في الدُّنيا حتَّى يلقَوْه في الآخرةِ فيُوردَهم نارَ جهنَّمَ، وإذا قام المنافِقون لأداءِ الصَّلاةِ قاموا إليها وهم مُتثاقِلون مُتبرِّمون مِن فِعلِها، يَقومون إلى الصَّلاة رياءً؛ ليَراهم المؤمنونَ فيَحسَبوا أنَّهم منهم، ولا يذكُرون اللهَ تعالى في صلاتِهم بألسنتِهم، وجوارحِهم، وقلوبِهم، ولا يَخشَعون فيها، ولا يَدْرُون ما يقولون، بل هم في صلاتِهم ساهُون لاهونَ

مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَلِكَ لَا إِلَى هَؤُلَاءِ وَلَا إِلَى هَؤُلَاءِ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا

إنَّ المنافقينَ مُتردِّدونَ مُتحيِّرونَ بيْن الإيمانِ والكُفرِ؛ فلا هُمْ مع المؤمنينَ ظاهرًا وباطنًا، ولا مع الكافِرين ظاهرًا وباطنًا، بل ظواهرُهم مع المؤمنينَ، وبواطنُهم مع الكافِرين، ومنهم مَن يَعتريه الشَّكُّ، فتارةً يميلُ إلى هؤلاء، وتارةً يميلُ إلى أولئك، ومَن يَخذُلْه اللهُ تعالى عن طريقِ الهُدَى والحقِّ فلا يُوفِّقه له، فلن تجِدَ له-يا محمَّدُ- طريقًا لهدايتِه، ولا وسيلةً لتركِ غَوايتِه

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَتُرِيدُونَ أَنْ تَجْعَلُوا لِلَّهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا مُبِينًا

يا أيُّها المؤمنونَ، لا تَجعَلوا الكفَّارَ أولياءَ لكم مِن غيرِ أَهلِ دِينِكم مِن المؤمنينَ، فتُؤازِروهم وتُصاحِبوهم وتُسِرُّوا إليهم بالموَدَّةِ، وتُفشُوا أحوالَ المؤمنينَ الباطنةَ إليهم، وتَثِقوا بهم، وتَعتمِدوا عليهم، هل تُريدونَ أن تجعَلوا لله تعالى عليكم حُجَّةً واضحةً باتِّخاذِكم الكافِرينَ أولياءَ مِن دون المؤمنينَ، فتَستوجبوا منه ما استوجَبَه أهلُ النِّفاقِ باستحقاقِ العُقوبةِ؟!

إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا

إنَّ المُنافِقين في قَعرِ جهنَّمَ وأسفلِ طبقاتِها يومَ القيامةِ، جَزاءً على كُفرِهم الغليظِ، ولنْ تجِدَ لهؤلاء المنافِقين-يا محمَّدُ- ناصرًا يَنصُرُهم مِن الله تعالى، فيُنقِذُهم مِن عذابِه، ويَدفَعُ عنهم أليمَ عِقابِه

إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَاعْتَصَمُوا بِاللَّهِ وَأَخْلَصُوا دِينَهُمْ لِلَّهِ فَأُولَئِكَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ وَسَوْفَ يُؤْتِ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ أَجْرًا عَظِيمًا

إلَّا الذين تابوا مِن نِفاقِهم فآمنوا ظاهرًا وباطنًا، وأصلَحوا أعمالَهم الظَّاهرةَ والباطنةَ فعَمِلوا بما أمَرهم اللهُ تعالى به، وانتهَوْا عمَّا نهاهم عنه، وأصلحوا ما أفسَدوه، واعتصَموا برَبِّهم في جَميعِ أمورِهم، والْتَجَؤوا إليه في جَلْبِ مَنافعِهم ودَفْعِ المضارِّ عنهم، وقَصَدوا وجْهَ اللهِ تعالى بأعمالِهم الظَّاهرةِ والباطنةِ، وسَلِمُوا مِن الرِّياءِ والنِّفاقِ؛ فهؤلاء المتصفون بهذه الصفات مع المؤمنينَ في الدُّنيا والآخرةِ، يَكونون في زُمرتِهم يومَ القيامةِ، ويَدخُلونَ معهم الجنَّةَ، وسوفَ يُعطي اللهُ تعالى المؤمنينَ ثوابًا عظيمًا

مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ وَكَانَ اللَّهُ شَاكِرًا عَلِيمًا

ما يصنَعُ اللهُ تعالى -أيُّها المنافِقون- بعذابِكم، إن شكَرْتُموه على نِعَمِه، فقُمْتُم بطاعتِه، وآمنتُم حقًّا بما يجبُ عليكم الإيمانُ به؟! فإنَّه لا حاجةَ لله سُبحانَه في أن يُعذِّبَكم، إنَّ اللهَ تعالى شاكرٌ لِمَن شكَر له، فيُثيبُهم على ما عمِلوا أكثرَ ممَّا عمِلوا، عليمٌ بإيمانِ مَنْ آمَنَ قلبُه به، وعليمٌ بمن يستحقُّ الشُّكرَ مِن عبادِه، ويُجازيه على ذلك أوفرَ الجزاءِ