التفسير المحرر

التفسير المحرر

لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ

اللغة: العربية
إعداد:
الإصدار: 1.0
ترجمات 1
إنجليزي
المرفقات 7
PDF
Audio
Video
+3

لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ

لنْ تُدركوا الخيرَ الكثيرَ من اللهِ بتفضُّله عليكم، بإدخالِكم الجَنَّةَ، وصَرْفِ العذاب عنكم- الَّذي يُطلَب بطاعة الله وعبادته- حتَّى تُنفقوا وتتصدَّقوا من أموالِكم الَّتي تحبُّها قلوبُكم ومهما تُنفقوا من شيءٍ من أموالِكم، فإنَّ الله ذُو عِلم به، ويُجازي صاحبَه عليه جزاءَه في الآخِرة، ويُثيبه على ما أَنفَقَ

كُلُّ الطَّعَامِ كَانَ حِلًّا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ إِلَّا مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ مِنْ قَبْلِ أَنْ تُنَزَّلَ التَّوراة قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوراة فَاتْلُوهَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ

إنَّ كلَّ أنواعِ الأطعمة كان أَكْلُها حلالًا لذُريَّة يعقوب عليه السَّلام، قبل نزولِ التَّوراة على موسى عليه السَّلام، عدا نوعًا واحدًا حرَّمه أبوهم يعقوبُ على نَفْسه، من غير أن يُحرِّمه اللهُ عزَّ وجلَّ عليه، وهو لحومُ الإبل وألبانها، واتَّبعه اليهودُ على ذلك، فلمَّا نزلت التَّوراة بعدُ، حرَّم الله تعالى عليهم فيها ما شاء، وأحلَّ لهم فيها ما شاء وَفقِ حِكمته، فكان هذا نَسْخًا لِمَا سبَق مِن حِلِّه جميعَ الأطعمة لهم، سوى لحوم الإبل وألبانها قُلْ لهم- يا محمَّدُ-: جِيئوا بالتَّوراة فاقرؤوها علينا بأنفسكم؛ حتى لا تتَّهِمونا بأنَّا حذَفْنا أو أَضفْنا شيئًا، فاقرؤوها، إنْ كنتم مُحِقِّين في دعواكم

فَمَنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ

فمَن تقوَّل على الله تعالى الكَذِبَ بادِّعاء أنَّ ما حرَّمه إسرائيلُ على نفْسِه كان مُحرَّمًا عليهم كذلك، فهؤلاءِ هم الكافِرونَ القائِلونَ على الله تعالى الباطلَ، والظالِمونَ أنفسَهم بالعُدُول عن الحقِّ بعدَما تَبيَّن

قُلْ صَدَقَ اللَّهُ فَاتَّبِعُوا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ

قُلْ- يا محمَّدُ- لأولئك اليهود: إنَّ كلَّ ما أَخبَر الله تعالى به وكلَّ ما شرَعه فهو صِدْق، ومِن ذلك: إخبارُه بأنَّه لم يُحرِّم على اليهود شيئًا من الأطعمةِ قبل نُزول التَّوراة، إلَّا ما حرَّمه يعقوبُ عليه السَّلام على نَفْسِه، فجاء ما في التَّوراة مُوافِقًا لِمَا أَخبَر الله سبحانه عنه؛ فهُم كَذَبوا، وصدَق اللهُ عزَّ وجلَّ، وممَّا بيَّنه الله في كتابه مِلَّةَ إبراهيمَ الخليل عليه السَّلام، فإنْ كُنتم صادقينَ في مَحبَّتِكم واعتزازِكم بالانتسابِ إليه، فاتَّبِعوه على توحيدِه اللهَ ومَيلانِه عن الشِّرك، وما كان إبراهيمُ مِثْلَكم- مَعشَر اليهودِ- في عِدادِ المحسوبين من المشرِكين بالله جلَّ وعلا

إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ

إنَّ أوَّل بيتٍ وُضِع لجميعِ النَّاس لعبادةِ الله تعالى، فيَطوفون به، ويُصَلُّون إليه، ويَعتكِفون عنده- البيتُ الحرام الواقع في مكَّة، وهو الكعبةُ التي بناها إبراهيمُ الخليلُ عليه السَّلام، الذي يَزعُم كلٌّ مِن طائفتي النَّصارى واليهود أنَّهم على مِلَّته، ومع ذلك لا يَحُجُّون إلى البيتِ الذي بناه، ونادى النَّاس إلى حَجِّه! وهو مَوضِع مُبارَكٌ؛ فيه بركاتٌ كثيرةٌ من المنافعِ الدِّينيَّة والدُّنيويَّة: كالأجورِ المضاعفة، والأرزاقِ الوفيرة، وهو مَنارٌ يُهتدى به، وتَحصُل فيه أنواعُ الهدايات لجميعِ العالَمين، ومِن ذلك: أنَّه قِبْلةٌ يَستقبِلها المسلمون في صَلواتهم، ويَقصِدونه في حَجِّهم وعُمراتِهم

فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ

في هذا البيتِ أدِلَّةٌ واضحةٌ على توحيدِه سبحانه، ورحْمتِه وحِكمتِه وعظَمتِه وقُدْرتِه، وغير ذلك من صِفاته الحُسنى، وفيه علاماتٌ ظاهرةٌ على شرَفِ هذا البيت وعظيمِ فضْله، وأنَّه من بِناء إبراهيم عليه الصَّلاة والسَّلام، ومن تلك العلامات، المواضِع التي قام فيها الخليلُ عليه السَّلام لأداءِ مناسك الحجِّ: كعَرَفة، ومُزْدَلِفة ومِنًى، ومن مَقاماته: الحَجرُ الذي قام عليه لاستِكمالِ بِناء الكعبة لَمَّا ارْتفَع بُنيانُها، وإنَّ مِن الآيات البيِّنات الدالَّةِ على شرفِ البيتِ الحرام وفضْلِه، وغير ذلك: أنَّ مَن يدخُل الحرمَ يكون بمعزلٍ عن أنْ ينالَه أحدٌ من الناس بسوءٍ على وجهِ العموم، وهذا امتنانٌ مِن الله تعالى بما تقرَّر في ماضي العصور، وبما هو متقرِّرٌ شرعًا ويجب لله على الناس قصد بيتِ الله الحرام لأداء شعيرة الحَجِّ لمَن قَدَر مِن أهلِ التَّكليفِ على القصدِ إليه، وذلك بتَوفُّر القُدرةِ الماليَّة والبدنيَّة وغيرِهما ممَّا يُحقِّق الاستطاعةَ، ومَن جحَد فرض الحجِّ فأنكر وجوبه وكفر به، فإنَّ الله غنيٌّ عنه، وعن حَجِّه، وعن سائرِ خَلْقه

قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ شَهِيدٌ عَلَى مَا تَعْمَلُونَ

قُلْ- يا محمَّدُ- لأصحابِ التَّوراة والإنجيل مُوبِّخًا لهم: يا معشرَ اليهود والنَّصارى، ما الذي يَحمِلكم على جحْد حُجَج الله تعالى التي جاءت بها كُتُبكم، التي تُثْبِت نبوَّتي وصِدْقَ ما جئتُ به من الله تعالى؛ فلمَ تَجْحَدون ذلك وأنتُم على عِلْم بالحقِّ، والله تعالى شهيدٌ على كُفْركم؟! فإنَّه سبحانه لا يَخفى عليه شيءٌ، وسيُجازيكم على كُفْركم بما تَستحِقُّون

قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ مَنْ آمَنَ تَبْغُونَهَا عِوَجًا وَأَنْتُمْ شُهَدَاءُ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ

قُلْ- يا محمَّدُ- لأهل الكتاب مُوبِّخًا: يا معشرَ اليهود والنَّصارى لِمَ تُضِلُّون عِبادَ الله المؤمنين عن طريقِ الله الذي جئتُ به من عندِ الله والمُوصِل إلى الله، تُريدون انحرافَ هذا الطريق عن استقامتِه؛ ليَزيغَ بالمؤمنين مِن الهدى إلى الضَّلال، والحال أنَّكم تعلمون الحقَّ؛ مِصداقًا لِما تَجِدونه في كُتُبكم كصِفة محمد صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، وتَعلَمون سوءَ ما تَصْنعون؟! وليس الله عزَّ وجلَّ بغافلٍ-أيُّها اليهود والنَّصارى- عن ضلالِكم وإضلالكِم، بل يُحصي أعمالَكم، وعليها يُجازيكم

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ

يا أيُّها المؤمنون، إذا أَطعْتم تلك الفئةَ من أهلِ التَّوراة والإنجيل، الحريصةَ على ردِّكم إلى الكُفْر، التي تَسعى جاهدةً بكلِّ ما تَستطيع، وتبذُل محاولاتٍ مُضنِيةً في سبيل ذلك، فقَبِلتم منهم ما يأمرونكم به؛ فإنَّكم ستُحقِّقون لهم ما يَبْتغون بإخراجِكم من الإيمانِ الذي تَعتقِدون إلى الكفر

وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنْتُمْ تُتْلَى عَلَيْكُمْ آيَاتُ اللَّهِ وَفِيكُمْ رَسُولُهُ وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ

وكيف تَرتدُّون عن إيمانكم -أيُّها المؤمنون- ومعكم ما يُثبِّتكم عليه، ويمنعكم من الارتداد عنه، وهو القرآنُ الذي تُقرأُ عليكم آياتُه، ورسولُ الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ الذي بين أَظْهُركم؛ إذ يُبلِّغه ويُبيِّنه لكم. ومَن يتعلَّق بأسباب الله مُتمسِّكًا بدِينِه مُتوكِّلًا عليه، فقد وُفِّق لطريقٍ واضحٍ غير مُعوجٍّ، فيستقيمُ به حتى يُوصِلَه إلى رِضوان الله، وإلى النَّجاة من عذابِه والفوزِ بجنَّته سبحانه

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ

يا أيُّها المؤمنون ابذُلوا كلَّ جَهْدكم وطاقتكم؛ لتَمتَثِلوا أوامرَ الله عزَّ وجلَّ وتَجتنِبوا نواهيَه، ولتُحقِّقوا تقوى الله تعالى الاتِّقاءَ الحقَّ الواجبَ الثابتَ بقَدْرِ ما تستطيعون، وداوِموا في حياتِكم على التَّمسُّك بدِين الإسلام، وحافِظوا عليه حتى يأتيَكم الموتُ وأنتم على ذلك

وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ

وتَمسَّكُوا بدِين الله، وعهْدِه إليكم بالأُلفةِ والاجتماعِ على كلمةِ الحقِّ، ولا تَرتكِبوا ما يُفرِّق جمْعَكم عن هذا الدِّين والعَهْد، واذكُروا بقلوبِكم وألْسنتِكم -أيُّها المؤمنون- ما أَنعَم الله به عليكم من الأُلْفةِ والاجتماعِ على دِين الإسلام، فقد كنتُم من قبلِ اعتناقِكم الإسلامَ أعداءً مُتفرِّقين، يُقاتِل بعضُكم بعضًا، في غيرِ طاعةِ الله، فجَمع الله بالإسلامِ قلوبَكم، فجعَل بعضَكم لبعضٍ إخوانًا مُتحابِّين. وكنتُم- أيُّها المؤمنون- قبلَ اجتماع قلوبِكم على الإسلام، على وَشْكِ الوقوع في النَّار، إذ لم يَبقَ بينكم وبينها إلَّا أنْ تموتوا على كُفْركم، فأَنقَذَكم اللهُ تعالى منها بهِدايتِكم إلى الإسلام، وبمِثْل هذا الوضوحِ الذي بيَّن الله تعالى به ما تَقدَّم من الآيات الدَّالَّات على الحقِّ القويم، يُبيِّن أيضًا بوضوحِ بقيَّة الآيات الأخرى؛ لأجْل أن تَحصُل لكم بها الدَّلالةُ على طريق الحقِّ وتُوفَّقوا لسُلوكه

وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ

ولتوجدْ منكم- أيُّها المؤمنون- فِرْقةٌ مُتصدِّيةٌ للقيام بشأنِ الدَّعوة إلى دِين الله تعالى وبيانِ شرائعِه، وقائمةٌ بواجب أمْر النَّاس بامتِثال ما أمرهم به الشَّرع، ونَهْييهم عن ارتكابِ ما نهاهم عنه؛ فإنَّ المتَّصِفين بهذه الصِّفات هم الفائزون في الدَّارينِ بما يَرْغَبون، والنَّاجون فيهما ممَّا يَرهَبون

وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ

ولا تكونوا -يا معشرَ المؤمنين- مُتفرِّقين في دِينكم، كما تَفرَّق الذين مِن قبلكم -ومنهم اليهودِ والنَّصارى الذين اختَلَفوا في دِينهم، فأصبحوا أحزابًا مختلفةً-، وذلك مِن بعد ما جاءتْهم دلائلُ الحقِّ الواضحات، وعلِموا الحقَّ المبين، فوقَعوا في مُخالفته عامدين، وعلى اللهِ تعالى مُتجرِّئين، ولهؤلاء عذابٌ من عند الله عظيمٌ؛ فلا تكونوا مِثْلهم فيكونَ لكم من عِقابِ الله مِثْلُ الذي لهم

يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ

يوم القيامة تكونُ وجوهُ أهل السعادةِ بيضاءَ، وهم الذين اعتَصَموا بحبلِ الله جميعًا، وائتلَفوا بينهم، وتكونُ وجوهُ أهلِ الشَّقاوة سوداءَ، وهم الذين تَفرَّقوا بعدَ ظهورِ البيِّنات لهم، فأما الَّذين اسودَّت وجوهُهم، فيُقال لهم توبيخًا وتقريعًا: أكفرتُم بعد توحيدِ الله تعالى وعهْدِه الذي أخَذه عليكم بألَّا تُشرِكوا به شيئًا؟! فذوقوا إذَنْ عذابَ الله تعالى؛ بسببِ كُفْركم هذا

وَأَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ فَفِي رَحْمَةِ اللَّهِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ

وأمَّا أولئك الذين قد ابيضَّتْ وجوهُهم فهُمْ يتقلَّبون في رحمةِ الله تعالى بما أعدَّ لهم في جنَّته من أنواعِ النعيم، ماكثين فيه أبدًا بغير نهاية

تِلْكَ آيَاتُ اللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعَالَمِينَ

تلك الآياتُ التي تقدَّمت -ومنها ما ذكره الله تعالى من ثوابِ المؤمنين وعذابِ الكافرين-، نقرؤها عليك- يا محمَّدُ- بالصِّدق المُطابقِ للواقع؛ صِدقًا في أخبارها، وعدْلًا في أحكامها، وإنَّ الله تعالى لا يَظلمُ أحدًا مُطلقًا؛ لأنَّه غيرُ مريدٍ للظُّلم سبحانه، ومِن ذلك أنَّه لا ينقص أحدًا شيئًا من الحَسنات، ولا يَزيدُ على أحدٍ شيئًا من السَّيِّئات

وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ

وإنَّ اللهَ تعالى هو وحْده المالكُ لِجميع مَا في السَّموات وما في الأرض، والخالقُ الرازقُ المدبِّر، هو الذي يتصرَّفُ في شؤون عبيدِه، والحاكمُ عليهم في الدُّنيا والآخرة، ومن ذلك رجوعُ النَّاس إليه يومَ القيامة؛ ليُجازيَهم بأعمالهم؛ إنْ خيرًا فخير، وإنْ شرًّا فشرٌّ

كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ

أنتم- يا أُمَّة الإسلامِ- قد جُعِلتم خيرَ الأمم وأَكرمَها على الله تعالى؛ لأسبابٍ أَنعَم الله بها عليكم، حُزْتم خيريَّتَكم بأمركم النَّاسَ بكلِّ ما يأمر به الشَّرعُ، ونهيِكم لهم عن كلِّ ما ينهى عنه، ولأنَّكم تؤمنون بالله تعالى، ولو آمَن أهلُ التَّوراة والإنجيلِ من اليهود والنَّصارى بمحمَّد صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، وما جاءَهم به من عند اللهِ عزَّ وجلَّ، لاهتَدَوْا وكان ذلك خيرًا لهم عندَ الله في دُنياهم، وآخرتهم، ولكنْ لم يُؤمِنْ منهم إلَّا القليلُ، وأمَّا أكثرُهم فخارجون عن طاعةِ ربِّهم، وخارجون عن دِينِهم الذي فيه صفاتُ محمَّدٍ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، والأمرُ باتِّباعه

لَنْ يَضُرُّوكُمْ إِلَّا أَذًى وَإِنْ يُقَاتِلُوكُمْ يُوَلُّوكُمُ الْأَدْبَارَ ثُمَّ لَا يُنْصَرُونَ

لن يَضُرَّكم- يا أُمَّة محمَّد- هؤلاء الفاسقون من اليهود والنَّصارى، في دِينِكم ولا في أبدانِكم، وإنَّما غايةُ ما تَلْقَون منهم أَذيَّةَ اللسان، كإسماعِكم كُفْرَهم، ودُعائِهم إيَّاكم إلى الضَّلالة، ولا يَضرُّونكم بذلك، قد ردَّ الله تعالى كيدَهم في نُحُورهم؛ فإنَّهم لو قاتَلوكم لَلَاذُوا بالفِرار، ثم تستمرُّ هزيمتُهم ويدومُ ذُلُّهم

ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أَيْنَ مَا ثُقِفُوا إِلَّا بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ وَحَبْلٍ مِنَ النَّاسِ وَبَاؤُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الْمَسْكَنَةُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ

أُلزِم اليهودُ الذِّلَّةَ والصَّغار، فجُعِل ذلك أمرًا محتومًا عليهم، لا يُفارِقهم حيثما وُجِدوا وأينما كانوا، لكنَّهم يَأمَنون على أموالِهم وأنفسِهم وذَراريهم بعهدٍ مِن الله تعالى، وعهدٍ من النَّاس، وقد انصرَفوا مُستحقِّين غضبَ الله عليهم، كما أُلزِموا قَدَرًا وشرعًا بالذُّلِّ في بَواطنِهم، عُوقِبوا كذلك ببُدوِّ أَثَرِ الحاجةِ وذُلِّ الفاقةِ على ظَواهِرهم، وقد وقعتْ عليهم هذه العقوباتُ المذكورة؛ بسببِ كُفْرهم الدَّائم بدلائل الحقِّ بغيًا وعِنادًا، وقتْلِهم المستمرِّ لأنبيائه عليهم السَّلام ظلمًا واعتداء، إنَّما حمَلهم على هذا الكُفرِ والقتلِ أنَّهم مُقيمون على معصيةِ الله عزَّ وجلَّ، ومُستمِرُّون في الاعتداء على حدود شَرْع الله تعالى

لَيْسُوا سَوَاءً مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ

ليس جميعُ أهلِ الكتاب على حدٍّ سواء، فلا يَستوي مَن تقدَّم ذمُّهم من أهلِ الكتاب، وهؤلاء الذين أَسْلَموا منهم، فإنَّ منهم جماعةً ثابتة على الحقِّ، مُتمسِّكة به، مستقيمةً على هَدْي القرآن والسُّنَّة، يَقرؤون كتابَ الله تعالى في ساعات اللَّيل وهم يصلون

يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَأُولَئِكَ مِنَ الصَّالِحِينَ

يُؤمنون بالله تعالى، وبكلِّ ما يتعلَّق باليوم الآخِر: كالبعث، والحشر، والجزاء على أعمالِهم، ودخولِ الجنَّة أو النَّار وغير ذلك، ويأمرون بكلِّ ما أمَر به الشَّرع من مُعتقَدات وأعمال، ويَنْهَوْن عن كلِّ ما نهى عنه مِن مُعتقَداتٍ وأعمال، ويَبتدِرون فِعْلَ الخيرات؛ خَشيةَ الفَواتِ بحلول وقتِ الممات، وهؤلاءِ الذين قاموا بهذه الأعمالِ الجليلةِ ممَّن أَسلَم من أهل الكتاب هم في الحقيقةِ من عِداد الصَّالحين

وَمَا يَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَلَنْ يُكْفَرُوهُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ

وإنَّ كلَّ ما يَعمَله مَن أَسلَم مِن أهل الكتاب، مِن خير (قليلًا كان أو كثيرًا) فلن يُجحَد ويَذهَب سُدًى بلا ثوابٍ ولا مُجازاة، بل سيُشكَرون على ما فَعلوا، ويُجزَون عليه أوفرَ الجزاء، إنَّ الله عزَّ وجلَّ لا يَخْفى عليه كلُّ مَن قصَد تقواه وأراد رِضاه، بامتثالِ أوامرِه واجتنابِ نواهيه، وسيَجزي الله المتَّقين

إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ

إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لن تدفع عنهم أموالُهم ولا أولادُهم شيئًا من عذابِ الله تعالى في الدُّنيا والآخرة، ولا تكون سببًا في رَحْمتهم وقد كانوا يغترون بهما ويعدونهما للشَّدائد والمكاره، وهؤلاء سيَظَلُّون مُلازِمين لنار جَهنَّمَ ما كِثين فيها بلا نهايةٍ

مَثَلُ مَا يُنْفِقُونَ فِي هَذِهِ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَثَلِ رِيحٍ فِيهَا صِرٌّ أَصَابَتْ حَرْثَ قَوْمٍ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَأَهْلَكَتْهُ وَمَا ظَلَمَهُمُ اللَّهُ وَلَكِنْ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ

إنَّ ما يُنفِقه الكفَّارُ من صَدَقاتٍ، وما يُنفِقونه من أموالٍ للصدِّ عن سبيل الله تعالى، نفقاتٌ باطِلة، وثوابها الذي يَرْجونه مُضمَحِلٌّ عند الله عزَّ وجلَّ، مثله كمثل ريحٍ عاصفٍ شديدةِ البرودةِ، قويَّة الصَّوت، قد سُلِّطتْ على زرع أُناسٍ استَحقُّوا أنْ يُعذِّبَهم الله تعالى بها، فدمَّرت زرعَهم وأصبح يابسًا، بعد أن أَمَّلوا حصادَه، ورَجوا الاستفادةَ من خيراتِه. وإنَّ ما فعَله الله تعالى بهؤلاء الكفَّار، من إبطالِ ثواب أعمالِهم، ليس ظلما لهم، فهم أهل له، وإنما هم الذين ظلموا أنفسهم حيث كفروا بآيات الله وكذبوا رسوله

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآيَاتِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ

يا أيُّها المؤمنون، لا تَجعلوا مِن خاصَّةِ أصدقائكم والمقرَّبين منكم أُناسًا من غير المؤمنين، كفَّارًا أو منافقين؛ فيَطَّلِعوا على أسرارِكم، أو يتولَّوْا لكم أعمالًا، أو تَجعلوا لهم مناصبَ ونفوذًا؛ فإنهم لا يتركون مجالًا يُمكِن أنْ يُفسِدوا أحوالَكم فيه إلَّا وسعَوا إليه بكلِّ طاقتهم، ولا يُقصِّرون في إلحاقِ أنواع الضَّررِ بكم، ويُحِبُّون ويتمنَّون بكلِّ قلوبِهم وقوعَ الضِّيقِ، وحصولَ المشقَّة عليكم في دِينكم وأموالِكم وأبدانِكم، وكلِّ ما يسوؤكم، قد ظهرتْ على فَلتات ألْسنتهم البغضاءُ لكم، فلم يَستطيعوا كِتمانَها، وإنَّ ما انطوت عليه صدورُهم من الكراهيةِ للإسلامِ وأهلِه أشدُّ وأعظمُ ممَّا بَان على ألْسنتِهم، قد أَظهَرْنا لكم بوضوح- أيُّها المؤمنون- آياتِ الله تعالى، ومنها العلاماتُ والبراهين التي تُظهِر لكم أمْرَ هؤلاء الذين حذَّرناكم من اتِّخاذهم بِطانة، فتتمكَّنوا من خلالها من التَّفْرِقة بين الصَّديق والعَدوِّ إنْ كنتم تَعقِلون عن الله آياتِه؛ فإنَّ ذلك لا يَخفى على لبيبٍ عاقل

هَا أَنْتُمْ أُولَاءِ تُحِبُّونَهُمْ وَلَا يُحِبُّونَكُمْ وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِتَابِ كُلِّهِ وَإِذَا لَقُوكُمْ قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا عَضُّوا عَلَيْكُمُ الْأَنَامِلَ مِنَ الْغَيْظِ قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ

ها أنتم- أيُّها المؤمنون- تُحِبُّون هؤلاء الذين نَهيتُكم عن اتخاذِهم بِطانةً، وتُريدون لهم الخيرَ، وهم لا يُحِبُّونكم، بل يُبغِضونكم ويُريدون لكم السوءَ والضَّررَ؛ فكيف تُحِبُّونهم؟! وإنَّكم تؤمنون بجميعِ الكُتُب التي أَنزَلها الله تعالى، وتَعلَمون أنَّ هؤلاء القومَ لا يؤمنون بما أُنزِل إليكم، وقد حرَّفوا وبدَّلوا ما أُنزِل إليهم، فالأَوْلى بكم إذنْ أن تُعادوهم وتُبغِضوهم، وإذا لَقُوكم أَعلَنوا لكم بألْسنتهم إيمانَهم نِفاقًا منهم، وإذا صاروا في خَلاءٍ مع أضرابِهم من حيث لا تَرونهم، عَضُّوا أطرافَ أصابعهم من شِدَّة الحَنَق والغيظ على ما يَرون مِن ائتلافكم، واجتماعِ كلمتِكم على الحقِّ، قل- يا محمَّدُ- لهؤلاء: لتَهلِكوا بغيظِكم الذي بكم على المؤمنين؛ ذلك أنَّ الله تعالى مُتِمُّ نِعمتِه على عبادِه، وستَرَوْن من عِزِّ الإسلام وذُلِّ الكُفر ما يسوؤكم، إنَّ الله سبحانه لا يَخفى عليه ما تَنطوي عليه صدورُ هؤلاء من الغِلِّ والبغضاء لعبادِه المؤمنين، ويعلمُ أيضًا ما تحويه صدورُ جميعِ خَلْقه، فيحفظُ عليهم ذلك؛ ليُجازيَ كلًّا منهم بما يُكِنُّه قلبُه من خيرٍ أو شرٍّ

إِنْ تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِهَا وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ

إنْ تنالوا- أيُّها المؤمنون- سرورًا بظهوركم على عدوِّكم، أو بكَثْرة أنصارِكم، أو ظَفِرتُم بالنَّصر على أعدائكم، أو بحصولِ العافية لكم، وغير ذلك من أنواع الخيرِ، يَغُمُّهم ذلك ويُحزِنهم، وإنْ تنالوا- أيُّها المؤمنون- ما يسوؤكم كانتصارِ عدوِّكم عليكم، أو حدوثِ اختلاف بينكم، أو وقوع جَدْبٍ في أرضكم، وغير ذلك من أنواع الضُرِّ، فإنَّهم يُسَرُّون بذلك، وإن تَصبِروا- أيُّها المؤمنون- على كلِّ ما وجَب عليكم الصَّبرُ عليه، ومن ذلك: أقدارُه سبحانه، وتمتثلوا ما أمَركم الله تعالى به، وتَجتنبوا ما نهاكم عنه؛ فإنَّ ذلك يدفعُ عنكم بإذن الله كلَّ كيدٍ للأعداء، وكلَّ ضررٍ أرادوا إلحاقَه بكم، فتَسلَموا من أذاهم، إنَّ اللهَ تعالى بما يقوم به هؤلاء الكفَّار من كيدٍ وضُرٍّ بأهل طاعته، مُحيطٌ ، لا يَغيب عنه شيءٌ من ذلك، فهو سبحانه يُحصيه عليهم ويُجازيهم به

وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ

واذكُر- يا محمَّدُ- حين خرجتَ مِن بيتك مُغادِرًا المدينةَ، للقاءِ المشركين في غزوة أُحُد، وأخذتَ تُنزِل المؤمنين في مَواضِع القتالِ التي يَثبُت فيها الجيشُ، ولا يَنتقِل عنها؛ لأنَّها لائقةٌ بتحرُّكاته، كل في الموضِع الذي يَصلُح له مَيمنةً أو مَيسرةً وغير ذلك، واللهَ سميعٌ لجميع المسموعات ومن ذلك سمعه لِمَا تتشاورُ فيه أنت ومَن معك حول مَوضِع لقاءِ العَدوِّ، وهو عليمٌ لا يخفى عليه شيء ومن ذلك علمه بما تُخفيه صدورُ المُشيرين من المؤمنين والمنافقين من نيَّات، فيُحصي على عبادِه ما يقولون ويعملون، وبحسَب ذلك يُجازون

إِذْ هَمَّتْ طَائِفَتَانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلَا وَاللَّهُ وَلِيُّهُمَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ

واذكر إذ حدَّث بنو سَلِمةَ وبنو حارثة أنفسَهم بالفِرار والانصرافِ عن القتال مع رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ يومَ أُحُد؛ خوفًا وضَعْفًا من لِقاء العدوِّ، لا شكًّا منهم في الإسلام ولا نفاقًا، وقد عصَمهم اللهُ ممَّا همُّوا به، فثبَّتهم برعايته الخاصَّة، وأيَّدهم ووفَّقهم ليَمضوا مع رسولِ الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ لقتالِ الأعداء، وعلى اللهِ تعالى وحْده اعتَمِدوا بصِدقٍ- أيُّها المؤمنون- في كلِّ شؤونكم؛ جلبًا للخيرات، أو دفعًا للكريهات

وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ

ولقد نصركم اللهُ على عدوِّكم فغلَبتموهم في الغزوة التي دارتْ في محلَّة بَدْر، والحال أنَّكم يومئذٍ ضعفاءُ، فقليلٌ عَددُكم وعُددُكم، وكنتم في غير مَنَعَةٍ من النَّاس، وهم كانوا أكثرَ منكم عَددًا وعُددًا، فإنْ تَصبِروا لأمْر الله وتتَّقوه سبحانه يَنصرْكم كما نصرَكم في ذلك اليوم؛ لأنَّ الله تعالى جعَل لكم الغَلَبة يومَ بدر، فاتَّقوه بامتِثال أوامِره، واجتنابِ نواهيه؛ لتكونوا بذلك من الشَّاكرين له على ما منَّ به عليكم من النَّصرِ على الأعداء، وجَعْلِكم مِن بعد الهوانِ أعزَّاء

إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلَاثَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُنْزَلِينَ

اذكُر- يا محمَّدُ- حين قلتَ للمؤمنين من أصحابك مُبشِّرًا لهم: أَلَا يكون كافيًا إمدادُ الله تعالى لكم بثلاثة آلاف من الملائكة، يُنزِلهم الربُّ سبحانه من السماء، ليُقاتِلوا معكم المشركين يوم بَدْر؟

بَلَى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هَذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُسَوِّمِينَ

بلى هذا الإمدادُ يَسُدُّ حاجتَكم، ولكن إنِ استعملتُم الصَّبر في كلِّ ما وجب فيه الصَّبر، ولَزِمتُم التَّقوى بامتِثال أوامرِ الله تعالى واجتناب نواهيه، وخرج المشركون عليكم مباشرةً من حيث خرَجوا مُسرِعين إليكم، في حدَّةٍ وحرارةٍ لقتالكم فإنَّ ربَّكم الذي له بكم عِناية خاصَّة، يُزوِّدكم بأكثر ممَّا وعدكم من قَبْل بزيادة ألفين من الملائكة، يأتونكم وعليهم أو على خيولهم علامة الشُّجعان الأبطال، دَلالة على أنَّهم لا يَكترِثون بأنْ يَعرِفهم عدوُّهم من شدَّة شجاعتهم

وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرَى لَكُمْ وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُمْ بِهِ وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ

وما أَخبَركم اللهُ سبحانه بنبأِ إمدادِكم بالملائكةِ إلَّا لإدخالِ السُّرور عليكم، ولتطمئن به قلوبكم، فتَسكُن ولا يُصيبها الهَلَعُ والانزعاجُ من تفوُّق عدوِّكم عليكم في العَدد والعُدد، ولا يتحقَّق لكم الظَّفَرُ بعدوِّكم إلَّا بعَونِ الله وحده، فعلى الله فتوكَّلوا، وبه فاستَعينوا، لا على ما أُوتِيتم من أسباب؛ فإنَّه العزيز الذي ذَلَّ له كلُّ الخلائق فهم تحتَ تدبيره وقَهْره، وهو الغالبُ على أمْره، وهو الحكيم الذي يَضَع الأشياء مَواضِعها فيتصرَّف في عبادِه بحِكمتِه، ومن ذلك أنَّه يَنصُر أولياءَه كما في بَدْر، أو يُقدِّر هزيمتَهم، كما وقَع في أحدٍ

لِيَقْطَعَ طَرَفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَوْ يَكْبِتَهُمْ فَيَنْقَلِبُوا خَائِبِينَ

ينصر الله تعالى عباده المؤمنين ليهلك بعض الكفَّار ومن ذلك استئصالِ صناديدِهم، وأسْر بعضِهم، وقتْل آخرين، كما وقَع يومَ بَدْر، أو الاستيلاءِ على أراضيهم وأموالِهم، وغير ذلك، أو يُخْزي بعضَهم، ويُصيبهم بالغمِّ والحَزَن بسببِ رُجوعهم مُحمَّلين بالخيبةِ والفشل الذَّريع؛ إذ لم ينالوا ما أمَّلوا من الانتصارِ عليكم- أيُّها المؤمنون

لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ

إنَّ شأنَ أولئك الكفَّار راجعٌ إلى اللهِ تعالى لا إليكَ- يا محمَّدُ-؛ فاترُك أمرَهم للهِ عزَّ وجلَّ، وامضِ أنتَ لشأنِكَ في تبليغِ رِسالةِ ربِّك، فإمَّا أنْ يُوفِّقهم الله تعالى للدُّخول في دِينه، فيُسلِموا محضَ فضلٍ منه جلَّ وعلا، أو يُعذِّبهم في الدُّنيا أو الآخِرة عدْلًا منه سبحانه؛ لأنهم ظلموا أنفسَهم، باعتناقِهم الكفرَ وارتكابِهم المعاصي

وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ

إنَّ جميعَ المخلوقات مُلْكٌ لله تعالى وحده، يحكُم فيهم بما شاءَ، يَتجاوَز عن عقوبةِ مَن يشاء بحِكمته فضلًا منه سبحانه، ويُعاقِب مَن يشاء بحِكمته عدْلًا منه سبحانه، والله غفور يَستُر ذُنوبَ عباده، ويتجاوَز عن المؤاخذة بها، رحيم قد غلبتْ رحْمته غضبه، ومِن رحمته سَعةُ إحسانِه إلى عباده

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ

يا أيُّها المؤمنون، لا تتعاملوا بالرِّبا بعدَ إسلامِكم كما كُنْتم تتعاطَوْنه في جاهليَّتكم؛ فإنَّهم كانوا إذا حلَّ الدَّينُ على المُعسِرِ ولم يتمكَّن مِن سداده في وقتِه، قالوا له: إمَّا أن تَقضِيَ، وإمَّا أنْ تُرْبيَ، أي: إما أنْ تَقضيَنا ما عليك من الدَّين، أو نَزيدك في المدَّة، وتَزيدنا على القَدْر المطلوب، فربَّما تَضاعَف القليلُ بهذه الطَّريقة حتى يُصبِح كثيرًا جدًّا، وامتَثِلوا- أيُّها المؤمنون- ما أمَركم الله تعالى به، واجتنِبوا ما نهاكم عنه، ومن ذلك أكْل الرِّبا؛ كي تَظفَروا بما تَطلُبون، وتَنجوا في الدُّنيا والآخرة ممَّا منه تَحْذرون

وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ

وامتثِلوا أوامرَ الله تعالى، واجتَنِبوا نواهيَه، ومنها: ترْك أكلِ الرِّبا؛ فإنَّه وقايةٌ لكم من النَّار، التي هُيِّئَت مُسْبقًا لكلِّ مَن كفَر بالله العظيم

وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ

اعمَلوا- أيُّها المؤمنون- بما أمَركم اللهُ تعالى به ورسولُه، وانتَهُوا عمَّا نَهاكم الله ورسولُه عنه من أكلِ الرِّبا وغيرِه من المُحرَّمات؛ لتُرحَموا في الدُّنيا والآخِرة

وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَواتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ

وليُسابِقْ بعضُكم بعضًا بالمُبادَرة إلى فِعل الخيرات؛ للحصولِ على مغفرةِ الله تعالى، وليُسابِقْ بعضُكم بعضًا بالمبادرةِ إلى ما يُحقِّق- بإذن الله تعالى- دُخولَكم الجنَّةَ، التي يَبلُغ عَرضُها مِثْلَ عَرْض السَّمواتِ والأرض، وقد هُيِّئَت مُسبقًا للذين اتَّقوا الله تعالى بامتثالِ أوامره، واجتناب نواهيه؛ فهُم أهلُها وساكِنُوها

الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ

إنَّ من صِفات المتَّقِين، أنَّهم يَتصدَّقون باستمرارٍ، في اليسر والعسر وفي جميع الأحوال، سواء كانوا في حال سُرورٍ- بتوفُّر المال ورَغَد العيش- أو أصابَهم الضرُّ وضيقُ العيش؛ لقِلَّة ذاتِ اليد، ومِن صِفاتهم أيضا: السَّيطرةَ التَّامَّةَ على غضبِهم مهما بلغت شِدَّتُه فيحبسون ما في قلوبهم من الغيظ والرغبة في الانتقام إذا نالتهم أذية، ومِن صِفاتهم أيضًا صَفْحُهم وتَجاوُزهم عن مؤاخذة مَن أساء إليهم مع قُدْرتهم على الانتقامِ منه، والله تعالى يحب كل محسن، ويدخل في عُمُوم الإحسان جميع ما سبَق ذِكْرُه من صفاتٍ للمتَّقين

وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ

إنَّ من صِفات المتَّقِين أنَّهم إذا ارتكبوا فَعْلةً قبيحةً قد تَجاوَزت الحدَّ في الفساد، أو ظلموا بأنفسِهم بفعل غير الذي كان ينبغي لهم أنْ يفعلوا بها، من رُكوبِهم عُمومَ معصيةِ الله سبحانه، كبيرةً كانتْ أو صغيرة، إنَّهم إنْ وقعوا في ذَنبٍ، ذكَروا رحمتَه سبحانه ونِعَمَه عليهم، وما أَعدَّ للطائعين من ثواب، وذكروا عَظمتَه، وبطْشَه وعقابَه، فاستغفروا طالبين منه السَّترَ وعدمَ المؤاخذة على ذُنوبهم، ولا يَغفر ذُنُوبَ العبادِ أحدٌ غيرُ الله تعالى، وإنَّهم يُقلِعون عن الذَّنبِ ولا يُقيمون عليه- وإنْ تَكرَّر منهم مرَّةً بعد مرَّة- وهم يَعلَمون أنَّ ما ارْتكبوه معصيةٌ، وأنَّهم مُعرَّضون للعُقوبة إنْ أصرُّوا عليها، ويعلمون وجوبَ التَّوبة منها إلى الله عزَّ وجلَّ، وأنَّه يَقبَلُ التَّوبةَ مِن عبادِه

أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ

إنَّ أولئك المتَّقين الَّذين ذكَر الله تعالى بعضَ أوصافِهم، لهم أجرٌ كريمٌ مُقابِلَ ما قدَّموه من أعمالِ صالحةٍ، وهو أوَّلًا مغفرةُ الله تعالى لهم بسَتْر ذنوبهم، والتَّجاوز عن المُعاقَبة بها، فيَنجُون بذلك ممَّا كانوا يَحذَرون، ويُثابَون ثانيًا بدخولِ الجنَّات التي تَجري من تحتِ أشجارِها وقصورِها الأنهارُ المتنوِّعة، فيَمكُثون فيها بلا نهايةٍ، وبذلك يَفوزُون بما كانوا يأمُلون، ونِعَم جزاءُ العاملين لله تعالى مغفرتُهُ، والخُلودُ في دار كرامتِه

قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ

قد مضَى على مَن كان قبلكم من الأُمم طرائقُ إلهيَّةٌ جاريةٌ باعتيادٍ على الخَلق، ومِن ذلك: أنْ يكون النصرُ والهزيمة سِجالًا ومداولةً بين المؤمنين والكافرين، ومِن تِلك السُّنن: إمهالُ الكفَّارِ واستدراجُهم حتى يَحين موعدُ إهلاكِهم، وإنجاءُ المؤمنين مِن بعد ابتلائِهم؛ فتلك أمثلةٌ صالحةٌ للعِظةِ والاعتبار، فسِيروا على أقدامِكم وبقُلوبِكم، ناظرين ومُتفكِّرين فيما بقِي للأُممِ الكافرةِ السَّابقة من آثارٍ أرضيَّة، تقِف شاهدةً على جريان سُنَّة اللهِ تعالى في الكافرين بعد إمهالِهم واستدراجِهم، حيث كانت نهايتُهم بإهلاكِهم وتَدميرِهم بأنواعِ العقوبات؛ جرَّاءَ تكذيبهم بآيات الله تعالى ورسلِه عليهم السَّلام

هَذَا بَيَانٌ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِينَ

إنَّ هذا القُرآنَ العظيم- ومن ذلك: الآيات التي تَقدَّم ذِكرُها- يُبيِّن لعمومِ الناس الأمورَ بوضوحٍ تامٍّ، فيُعرَف به الحقُّ من الباطل، وتنكشفُ به الحقائق، فيتميَّز مِن خلاله أهلُ السَّعادة من أهل الشَّقاوة، وإنَّ القرآن يُرشِد أهلَ التَّقوى- الذين دأَبوا على امتثال أوامر الله تعالى، واجتناب نواهيه- إلى طريق الحقِّ والرَّشاد، ويَزجُرهم عن سلوك طُرُقِ الغَيِّ والفساد

وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ

ولا تَضعُفوا ولا تَتثبَّطوا- أيُّها المؤمنون- عن جِهاد عدوِّكم، ولا يُصيبنَّكم الحزنُ؛ بسببِ الهزيمةِ التي تَعرَّضتم لها من قِبَل عدوِّكم يومَ أحد، وما نالَكم فيه من قتْلٍ وجراح؛ فأنتُم الأعلى دائمًا في جميعِ الأحوالِ حتى لو كنتُم مغلوبينَ، ما دُمتُم باقين على إيمانكم؛ فإنَّ هذا الوهنَ والحزنَ غيرُ لائقٍ بالمؤمنين

إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ

إنْ كنتُم قد أصابتْكم جراحٌ، وقُتِلَ منكم جماعةٌ في غزوة أُحُد، فقد أصابَ أعداءَكم قَريبٌ من ذلك، مِن قتْلٍ وجراحٍ في أُحُد أو بَدْر، فتساويتُم أنتُم وإيَّاهم في ذلك؛ فلا تبتئِسوا، فإنَّ اللهَ تعالى يَجعل الأيَّام دُوَلًا بين الناس؛ مؤمنِهم وكافرِهم، فيُصرِّفُها كيف يشاء؛ فمرَّةً يُديل المؤمنينَ على الأعداءِ، فتكونُ لهم الغَلَبةُ، ومرةً يُديل الأعداءَ على المؤمنين، فتكونُ الغلبةُ لهم؛ ففي بدرٍ كان النصرُ للمُؤمنين، وفي أُحُدٍ كان النصرُ للمُشرِكين، وإنَّ اللهَ تعالى يُصرِّف الأيَّام بين الناس نصرًا وهزيمة؛ ليظهرَ بذلك صادقُ الإيمانِ من غيرِه كما عَلِمه الله تعالى بسَابِق عِلْمه في الأزلِ؛ فإنَّ المؤمنين لو كانوا دائمًا مَنصورِينَ، فإنَّ الجميعَ سيُظهرون لهم الموالاةَ، ولن يَتميَّز أعداؤُهم من أوليائِهم حقيقةً، ومِن أسبابِ إدالةِ اللهِ تعالى الأيَّامَ بين الناس بتمكينِه للكفَّار أحيانًا على بعض المؤمنين: إكرامُ عِبادِه المؤمنين بالشَّهادةِ بالقتْلِ في سبيلِه، كما وقَع يوم أُحُد، إنَّ اللهَ تعالى لا يحبُّ الكافِرين والمنافِقين

وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ

ومِن حِكَم الإدالةِ على المؤمنين أن ينقيهم من الذُّنوب، سواءٌ بما حصَل لهم مِن قتْل، أو بما أصابَهم من جِراح، ومِن ذلك أنَّهم إنِ انتصروا دائمًا، حصَلَ لنفوسِهم طغيانٌ وضَعْفُ إيمان، يُوجِب لهم العقوبةَ والهوان، وأيضا لِيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ فيُهلِكُهم ويُفنيهم

أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ

لا تظنُّوا- يا معشرَ المؤمنين- أنْ تنالوا شَرَفَ دخولِ الجنَّة قبلَ أن تُبتَلَوْا، ويرَى اللهُ تعالى- واقعًا ظاهرًا- المجاهدين منكم في سبيلِه، ويرَى كذلك الصَّابرين على الجهادِ وعلى ما يَنالهم من مَصائبَ وآلامٍ، كما وقَع يوم أُحُد

وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَلْقَوْهُ فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ

ولقدْ كنتُم- يا مَعشرَ المؤمنين- قبلَ مجيء غزوةِ أُحُدٍ تَتحرَّقون شوقًا لمناجزةِ الأعداء، وتَطمَعون في الموتِ؛ لنَيلِ الشَّهادة في سَبيلِ الله تعالى كما وقَع لإخوانِكم يومَ بدر، ها قدْ حصَل لكم ما تمنَّيتموه من لِقاءِ الأعداءِ، وشاهدتُم بأمِّ أعينِكم يومَ أُحُد الموتَ وأسبابَه وشِدَّته، ومَن يموتُ مِن الناس، فلِمَ لمْ تَثبُتوا وتَصبروا؛ حتى تنالوا ما أردتموه من قبلُ؟!

وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ

إنَّ محمَّدًا صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ رسول كسائر الرسل يموت كما ماتوا فهو غيرُ مخلَّدٍ في الدُّنيا، فهلْ يَعني انقضاءُ أجَل نبيِّكم محمَّد صلَّى الله عليه وسلِّم بالموت أو القَتْل، أنْ يكونَ مبرِّرًا لكم لترتدُّوا عن دِينكم، فترجعوا من بعد نبيِّكم كفَّارًا؟! وإنَّ كلَّ مَن يَرتدُّ عن دِين الله تعالى، فإنَّما يضرُّ نفسَه في الحقيقةِ، ولن يُصيبَ اللهَ سبحانه شيءٌ من ضررِ ذلك؛ فإنَّ الله عزَّ وجلَّ غنيٌّ عنه وعن إيمانه، وسيُثيب اللهَ تعالى مَن قاموا بشُكر نِعَمه بقلوبِهم وألْسِنتِهم وجوارحِهم، كالذين ثَبتوا على إيمانِهم، واتَّبعوا محمَّدًا صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ في حياتِه وبعد مماتِه

وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ كِتَابًا مُؤَجَّلًا وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الْآخِرَةِ نُؤْتِهِ مِنْهَا وَسَنَجْزِي الشَّاكِرِينَ

لا يَنبغي أن تموتَ نفْسُ أيِّ أحدٍ مِن خَلْق الله تعالى، سواء كان محمَّدًا صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ أو غيره، إلَّا إذا أذِن الله جلَّ جلاله، وذلك حين يَبلُغ الوقتَ المحدَّد الذي كتَبه اللهُ تعالى لموته، فيَستوفي بذلك المدَّةَ المضروبةَ لحياته الدنيا. وإنَّ مَن قصَد بأعمالِه وسَعيهِ طلبَ الدنيا فحسبُ، فسيُؤتيه اللهُ تعالى مُبتغاه منها، إنْ شاء، وليس له في الآخِرة من ثوابٍ على تلك الأعمالِ، وأمَّا مَن قصَد بأعمالِه وسَعيهِ طلبَ ثوابها الأُخروي، فإنَّ الله عزَّ وجلَّ يُعطيه- بإذنه- ما ابْتغَى، وسيُثيب الله تعالى كلَّ شاكرٍ فضلًا منه سبحانه

وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ

كَثيرون هم الأنبياءُ الذين قاتَلَ جموعٌ كثيرةٌ من أتْباعهم، وقُتِلَ كثيرٌ منهم، فلم يحملْ ذلك بقيَّتهم على التزعزع عن دينهم، أو على أن يتركوا جهاد عدوهم، إنَّ أبدانَهم لم تضعُفْ، وهمَّتهم لم تتَّثبط، ولم يَجبُنوا عن جِهادِ العدوِّ؛ بسببِ ما نالهم من جِراحٍ، وغيرِ ذلك مِن أذًى في سبيلِ الله عزَّ وجلَّ، ولم تضعُف قلوبهم ، ولم تَخِرْ قُواهم؛ بسببِ ما أصابهم، ولم يَذلُّوا لعدوِّهم، والله تعالى يحبُّ هؤلاءِ وأمثالَهم من الصَّابرين على طاعتِه وجِهادِ أعدائه، ويُحبُّ مَن صبَر عن معصيتِه، وعلى أقدارِه سبحانه

وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ

ولم يكُن لدَى الربِّيِّين من قولٍ يَنطِقون به، سوى: ربنا اغفر لنا ذنوبِنا، وإفراطِنا في جميعِ شؤوننا، وتجاوُزنا الحدود فيها، استر ذلك وتجاوز عن المؤاخذةِ به، وثبت أقدامنا عند قتال الأعداءِ وامنحنا الفوزَ على الكفَّار

فَآتَاهُمُ اللَّهُ ثَوَابَ الدُّنْيَا وَحُسْنَ ثَوَابِ الْآخِرَةِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ

فمنَحهم الله تعالى بفضله جزاءً في الدنيا، كالنَّصرِ على الأعداءِ، والظَّفر بالغنائمِ، وغيرِ ذلك، وضمَّ لهم مع أجْر الدنيا جزاءَ الآخرة الحَسَن، من الفوز برِضوانِ الله تعالى، والخلودِ في دار السَّعادة الأبديَّة، إنَّ الله تعالى جازاهم بالإحسان الدُّنيويِّ والأخرويِّ؛ لإحسانِهم العملَ؛ فإنَّ الله تعالى يحبُّ كلَّ محسِنٍ في عِبادتِه سبحانه، وفي تعامُلِه مع مخلوقاتِه

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا الَّذِينَ كَفَرُوا يَرُدُّوكُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا احْذَروا من طاعةِ الكفَّار فيما يأمرونكم به، وفيما يَنْهونكم عنه، فإنَّ طاعتَهم تَحمِلُكم على الارتدادِ عن الإيمانِ إلى الكفرِ، الذي عاقبتُه الهلاكُ في الدُّنيا والآخرة

بَلِ اللَّهُ مَوْلَاكُمْ وَهُوَ خَيْرُ النَّاصِرِينَ

فلا تُطيعوهم خوفًا منهم، أو طلبًا لنُصْرتهم، واستَغْنُوا عن موالاتهم؛ فهم لن يَنصُروكم، بل عليكم أنْ تُطيعوا اللهَ الَّذي يتولَّاكم بتوفيقِه وتأييده ونَصْره؛ فهو خيرُ مَن يَجلِب لكم النَّصرَ

سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ بِمَا أَشْرَكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَمَأْوَاهُمُ النَّارُ وَبِئْسَ مَثْوَى الظَّالِمِينَ

سندخل الخوف والفزع الشَّديد في قلوب الكفَّار، وسببَ قذْفِ الرُّعب في قلوبهم، هو وقوعُهم في الشِّرك، الذي لا حُجَّةَ ولا دَليلَ على صحَّتِه، وإنَّ النَّار ستكون المصيرَ الأخرويَّ لأولئك المشركين، وساءتِ النَّارُ مَقامًا لكلِّ ظالم

وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَعَصَيْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا أَرَاكُمْ مَا تُحِبُّونَ مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ وَلَقَدْ عَفَا عَنْكُمْ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ

إنَّ الله عزَّ وجلَّ قد أَنجَز لكم ما وعَدَكم به يومَ أُحدٍ أيُّها المؤمنون، وهو نصْركم على عَدوِّكم، وكان ذلك في بدايةِ المعركة حين جعلتم تَستأصِلونهم بقتْلهم قتلًا ذريعًا، وذلك قد وقَع عن أَمرِ اللهِ تعالى شرعًا وقدَرًا، ولَمَّا استولَى عليكم الضَّعفُ والخَوَرُ، وجَبُنتم عن القِتال، ووقَع الخلافُ بين رُماتكم؛ هل يَلزَمون ثُغُورَهم- كما عهِد إليهم النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ- أم يتحرَّكون لجمْعِ الغنائم، وعصَى بعضُكم في النِّهاية أمْرَ رسولِ الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، مِن بعدِ أنْ أَظهَر الله تعالى لكم ما تُحِبُّونه من انهزام الكفَّار، وتوليتهم الأدبار، فلمَّا وقع ذلك كلُّه، حلَّت بكم الهزيمةُ، إنَّ بعضًا منكم- أيُّها المؤمنون- قد ابتَغَوا الدُّنيا، وهم الرُّماةُ الذين تَرَكوا أماكنَهم وأخَذوا في جمْعِ الغنائمِ والحُطامِ الفاني يَومَ أُحُد، والبعضَ الآخَرَ كانوا يَرغبونَ في أجْرِ الآخرةِ الباقي، وهم الرُّماةُ الذين لزِموا مَقاعدَهم التي أَقعَدَهم فيها النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ ، ثم ردَّ الله وجوهَكم عن الكفَّار، فصارتِ الدَّائرة عليكم؛ امتحانًا مِن الله تعالى لكم، ليَتميَّز الطَّائعُ من العاصي، والصَّابرُ على البلاء من الجازِع، ولقد تَجاوَز الله عزَّ وجلَّ عن عقوبة استئصالِكم جميعًا أيُّها الرُّماة، لمعصيتكم الرَّسولَ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ واستبدَل بها عقوبةً أخفَّ وطأة عليكم، وهي إلحاقُ الهزيمة بكم، وقَتْل بعضكم، إنَّ اللهَ تعالى صاحِبُ الفضلِ على جميعِ المؤمنين؛ لأجْلِ ما معهم من إيمانٍ، ومن ذلك: العَفوُ عمَّا يَقَعُ منهم من عِصيان

إِذْ تُصْعِدُونَ وَلَا تَلْوُونَ عَلَى أَحَدٍ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي أُخْرَاكُمْ فَأَثَابَكُمْ غَمًّا بِغَمٍّ لِكَيْلَا تَحْزَنُوا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا مَا أَصَابَكُمْ وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ

اذكُروا- أيُّها المؤمنون- حين كنتُم تَجدُّون في الفِرارِ والإبعادِ في الأرض، ولا أحدَ منكم يَلتفِتُ إلى غيره أو يَنظُر إليه؛ إذ لم يكُن لديكم مِن همٍّ سِوى النَّجاةِ من الأعداء، والرسول محمَّد صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ قد خلَّفتموه وراءَ ظُهورِكم ممَّا يلي جِهةَ العدوِّ، وهو يدعوكم- أيُّها المؤمنون- إلى التَّوقُّفِ عن الفِرار والثَّبات، فلم تَلتفِتوا إليه، وبسببِ ما قُمْتم به من الفِرار وعدمِ الاستجابةِ للنَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ يوم أُحُد، جازاكم اللهُ تعالى بغمِّ نبأِ مَقتَل النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، وهو أعظمُ من بقيَّةِ الغُموم التي نالتْكم، كفواتِ النَّصرِ والغنائم، وإصابتِكم بالقَتْل والجراح ؛ وذلك لئلَّا يُصيبَكم الحَزنُ على ما ذهَب عنكم من النَّصر والغنائم، ولا على ما نالَكم من جراحٍ، وما أصابَ إخوانَكم مِن قتْل، فيُنسيكم سماعُ مقتلِ النَّبيِّ ذلك كلَّه، أو يُخفِّف من وطْأَتِه عليكم، واللهُ تعالى هو وحْدَه العالمُ ببواطنِ ما تَعمَلونه من خيرٍ أو شرٍّ أيُّها المؤمنون

ثُمَّ أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُعَاسًا يَغْشَى طَائِفَةً مِنْكُمْ وَطَائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ يَقُولُونَ هَلْ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ مِنْ شَيْءٍ قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ يُخْفُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ مَا لَا يُبْدُونَ لَكَ يَقُولُونَ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ مَا قُتِلْنَا هَاهُنَا قُلْ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ وَلِيَبْتَلِيَ اللَّهُ مَا فِي صُدُورِكُمْ وَلِيُمَحِّصَ مَا فِي قُلُوبِكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ

ثم أَنزَل اللهَ عليكم- أيُّها المؤمنون- بعدَ كلِّ تلك الغُمومِ التي أصابتْكم يومَ أُحُد، أنزل عليكم ما به حُلولُ الأمان، وحصولُ الاطمئنانِ في قلوبكم، وهو النُّعاس الذي غشي أهلَ الإيمان من بين مَن خرج مع رسول الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ لأُحد، وجماعة أخرى ممن خرجوا لم يَغْشَهم النعاسُ مِن شِدَّة قلقِهم واضطرابِهم وخوفهم وجزعهم، وهم المنافِقون الذين لا همَّ لديهم غيرُ أنفسِهم التي يَحذرون من قتْلِها، يظنُّ هؤلاء ظنونًا كاذبةً، كما هو دَيدنُ أهلِ الجهلِ بالله تعالى، وذلك حين رأوا هجمةَ المشركين على المسلمين، وإعمالَ القتْل فيهم؛ إذ ظنُّوا أنَّ دِينَ الله تعالى مُضمحِلٌّ وأتباعَه مَهزومون، يقولون: ليس لنا من الأمر شيء ولا نملك قرار الخُروجِ للقِتال، قل- يا محمَّدُ- لهؤلاء المنافقين: إنَّ جميعَ الأمور، مُبتدَأها ومنتهاها لله تعالى وحده لا شريكَ له، فهو الذي يُصرِّفها كيف شاء، ويُدبِّرها كيفما أراد، فجميعُ الأمورِ بقضائِه وقدَره، ومِن ذلك خُروجُكم للقتال، وما يقَعُ فيه من نصْرٍ أو هزيمة، يُضمِر أولئك المنافقون في نفوسِهم ما لا يُظهرونه لك- يا محمَّدُ، إنَّ الذي كانوا يُخفونه عنك هو قولهم فيما بينهم مُتحسِّرين ونادِمين: لو كان لنا في شَأنِ الخروجِ لهذا القِتال نَصيبٌ من الرأي والاختيارِ في ذلك، لَمَا اتَّخذنا قرارًا بالخروجِ مِن المدينة مُطلقًا، ولَمَا وقعتْ في صُفوفنا مَقتلةٌ، قل- يا محمَّدُ- لأولئك المنافقين- ردًّا على قولِهم الذي أسرُّوه وأَطْلَعَك اللهُ تعالى عليه-: إنَّما وقَع ما وقَع بقدَر الله تعالى وحْدَه، وهو حُكمٌ ماضٍ لا بدَّ أن ينفُذ، فحتى لو كنتُم في بيوتِكم التي ليستْ بمظنَّةٍ لوقوعِ القتْل فيها، فسيخرُج منها مَن كتَب اللهُ تعالى عليه ذلك ويأتي الموضعَ الذي يَلقَى فيه مصرعَه، إنَّ الله قد قدَّر عليكم الخروجَ والقتل؛ ليختبرَ قلوبَكم، وليَميزَ ما في قلوبِكم من خَبيثٍ وطيِّب، ويُظهرَ أمْرِ المؤمِن والمنافِقِ للنَّاس في أقوالهم وأفعالهم، إنَّ اللهَ تعالى ذو عِلمٍ بكلِّ ما تُكنُّه صُدورُ عِبادِه، لا يَخفى عليه شيءٌ من ذلك، ومُجازٍ كلًّا منهم بحسبَه.

إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ

إنَّ الذين فروا منكم، وانْهَزموا يومَ تلاقى جمْعُ المسلمين والمشركين بأُحُد، إنَّما أَوْقَعَهم الشيطانُ في تلك الزَّلَّة، وما تَسلَّط عليهم إلَّا بسببِ بعضِ ذُنوبهم، ولقد تجاوزَ الله عن معاقبتهم، فلم يُؤاخِذْهم على فِرارهم، إنَّ اللهَ تعالى هو الذي يَستُر ذُنوبَ عِبادِه، ويتجاوزُ عن المؤاخذةِ بها، وهو الذي يُمهِلُ عِبادَه؛ ليتوبوا، فلا يُعاجِلهم بالعقوبةِ

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ كَفَرُوا وَقَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ إِذَا ضَرَبُوا فِي الْأَرْضِ أَوْ كَانُوا غُزًّى لَوْ كَانُوا عِنْدَنَا مَا مَاتُوا وَمَا قُتِلُوا لِيَجْعَلَ اللَّهُ ذَلِكَ حَسْرَةً فِي قُلُوبِهِمْ وَاللَّهُ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ

يا أيُّها المؤمنون، لا تَصيروا مثلَ الكفَّار الَّذين قالوا قولًا منكَرًا ناشئًا عن اعتقادٍ فاسدٍ بالاعتراضِ على قضاءِ الله عزَّ وجلَّ وقدَرِه، وهو قولُهم عن إخوانهم من أهلِ الكفرِ الَّذين خرَجوا من بلادهم سَفرًا لأجل التِّجارة وطلب المعيشة، أو خرَجوا غُزاةً للقتال، فماتوا في سَفَرهم، أو قُتلوا في غزوهم: لو أقاموا معنا في بِلادِنا ولم يَخْرُجوا كما فَعَلْنا نحن لَمَا ماتوا في سفَرِهم، ولَمَا قُتِلوا في غَزوِهم، إنَّ اللهَ تعالى يَجعلُ هذا القولَ وهذا الاعتقادَ ندامةً في قلوبهم وهمًّا، فتزداد مصيبتُهم بذلك، واللهُ تعالى هو وحْدَه الَّذي يملِكُ الإحياءَ والإماتة، فلن يموتَ أحدٌ أو يُقتَل إلَّا بمشيئتِه سبحانه، وذلك بعدَ استكمالِ أجَلِه الَّذي قدَّره الله عزَّ وجلَّ له، واللهُ عزَّ وجلَّ يرى كلَّ ما يَعمَلُه العبادُ، مؤمنُهم وكافرُهم، من خيرٍ أو شرٍّ، قليلٍ أو كثيرٍ، وهو حافظٌ له، وسيُجازيهم عليه

وَلَئِنْ قُتِلْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوْ مُتُّمْ لَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَحْمَةٌ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ

إنَّكم إذا قُتِلتم في سبيلِ الله تعالى أو أصابَكم الموتُ في سبيله أيضًا، فهذا أمرٌ حسَنٌ يَنبغي أنْ تطمَعوا فيه، وتتنافسوا عليه؛ لأنَّه موصلٌ إلى نيلِ مغفرةِ الله تعالى لذُنوبكم، وشمولِ رحمتِه عليكم، وذلك أفضلُ لكم من البقاءِ في هذه الدَّارِ وجمْعِ حُطامِها الفاني، كما يفعلُ أهلُ الدُّنيا

وَلَئِنْ مُتُّمْ أَوْ قُتِلْتُمْ لَإِلَى اللَّهِ تُحْشَرُونَ

وإنْ أصابَكم الموتُ أو القتْلُ- أيُّها المؤمنون- فإنَّ مَصيرَكم في النهاية هو العودةُ إلى الله عزَّ وجلَّ، فيُجازيكم بما صنعتُم، فآثِروا ما يُقرِّبكم من اللهِ تعالى، وكونوا مُطمئنِّين ومستبشرين للقائِه سبحانه

فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ

فبسببِ رحمةِ اللهِ لكَ ولأصحابِكَ- يا محمَّدُ- أَلَانَ قَلبَك لهم، فكنتَ سهلًا ورقيقًا في تعاملِك معهم، ولو كنتَ- يا محمَّدُ- جافيًا سيِّئَ الخُلُق، قاسيَ القلبِ مع أَتْباعِك، لنفَروا منك وفارَقوك، فتَجاوَزْ عنهم فيما أخطَؤوا أو قَصَّروا فيه من حقِّك، واطلبِ المغفرةَ لهم من اللهِ تعالى فيما أَخطؤوا أو قَصَّروا فيه من حقِّ الله عزَّ وجلَّ، واطلبْ رأيَهم فيما حزَبَك من الأمور العامَّةِ والمشتبِهة، فإذا صحَّ عزْمُك على أمرٍ من الأمورِ بعدَ استطلاعِ آراءِ أصحابِك فيه، فامْضِ فيه معتمِدًا على حولِ الله تعالى وقوَّتِه، واثقًا به فحسبُ؛ فإنَّ الله عزَّ وجلَّ يحبُّ المعتمِدين في جميعِ أمورِهم عليه

إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ فَلَا غَالِبَ لَكُمْ وَإِنْ يَخْذُلْكُمْ فَمَنْ ذَا الَّذِي يَنْصُرُكُمْ مِنْ بَعْدِهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ

إذا قدَّر الله تعالى بأنْ يَكونَ النصرُ حليفَكم- أيُّها المؤمنون- فإنَّه لن يَغلِبَكم أحدٌ مُطلَقًا مهما بلغ قوَّةً وكثرة، وإذا ترَكَكم اللهُ تعالى وخلَّى بينَكم وبين عَدوِّكم، ووكَلَكم إلى أنفسِكم، فلا يُمكن لأيِّ أحدٍ مطلقًا أن يَنصُرَكم من بعدِ خِذلانِ اللهِ تعالى لكم، وعلى اللهِ تعالى وحْدَه، لا على أيِّ أحدٍ غيرِه، فاعتمِدوا- أيُّها المؤمنونَ- في جلْبِ الخيرِ ودَفْعِ الضُّرِّ، ومِن ذلك النَّصرُ على الأعداءِ، ودفعُ شرِّهم

وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ

وليس الغُلولُ- وهو كِتمانُ الغنيمة، وغيرُها من أوجهِ الخِيانة- من صِفاتِ الأنبياء؛ فذلك محالٌ وممتنعٌ على مَن اختارهم الله تعالى لمقام النُّبوَّة، ولا يَنبغي شرعًا لأحدٍ أن يخُونَهم، أو يُنسُبَ إليهم هذه الصِّفةَ الشَّنيعةَ، ومَن يخُنْ مِن غنائمِ المسلمين شيئًا فإنَّه يَجيءُ يومَ القيامةِ بنَفْسِ الشَّيءِ الَّذي أخَذه على سَبيلِ الخِيانةِ، ثم تُعطَى كل نفسٍ يومَ القيامةِ جزاءَ ما عمِلَتْ كاملًا غيرَ منقوص، فلا يُنقَصُ من حَسناتِهم، ولا يُزادُ في سيِّئاتهم

أَفَمَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَ اللَّهِ كَمَنْ بَاءَ بِسَخَطٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ

هل مَن ترَك الغُلولَ وانتهى عن غيرِه مِن المعاصي، وعَمِل بطاعةِ الله تعالى، قاصدًا بذلك نَيْلَ رضا الله سبحانه، هل هو كالَّذي رجَع متحمِّلًا غضَبَ اللهِ عزَّ وجلَّ عليه بوقوعِه في العِصيانِ، أو بترْكِ طاعةِ الرَّحمن، فاستحقَّ بذلك الإقامةَ في جَهنَّمَ، وما أسوأَه مِن مصيرٍ يُرجَع إليه !

هُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ اللَّهِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ

إنَّ للمتَّبعين رِضوانَ اللهِ تعالى مراتبَ متفاوتةً في العلوِّ، كما أنَّ لِمَن باؤوا بسَخَطِ اللهِ سبحانه دَركاتٍ متفاوتةً في السُّفولِ، واللهُ تعالى مطَّلعٌ على كلِّ ما يعمَلُه عبادُه من طاعةٍ أو معصيةٍ، لا يَخفَى عليه شيءٌ من ذلك، وهو حافِظٌ لأعمالهم، وسيُجازي كلًّا منهم بحسَبِها

لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ

لقد أنعَمَ اللهَ تعالى على عِبادِهِ المؤمنين بأنْ أرسَلَ إليهم محمَّدًا صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ من جِنسِهم البشريِّ، فيَألَفونَه ويَفهمون خِطابَه، ويَتمكَّنون من مجالستِه والتَّحدُّثِ إليه، يقرَأُ عليهم القُرآنَ، ويأمُرُهم بكُلِّ خيرٍ، ويَنهاهم عن كلِّ شرٍّ حتَّى تطهُرَ نفوسُهم من دَنَسِ الشِّركِ والمعاصي، ورذائلِ الأخلاقِ، ويُعلِّمهم معانيَ القرآنِ الكريم، والسُّنَّة النَّبويَّة، وقد كانوا قَبل بِعثةِ محمَّدٍ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ إليهم مُنغمِسينَ في جاهليَّةٍ جَهلاءَ، وحيرةٍ عَمياءَ، وانحرافٍ واضحٍ عن طريق الهُدى

أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ

أحِينَ حلَّت بكم مُصيبةُ غزوةِ أُحُدٍ بقتلِ سبعينَ رجلًا منكم، مع أنَّكم نِلتُم قبلها في بَدْرٍ ضِعْفَيْ ما نالوا منكم عددًا، بقَتلِ سبعينَ، وأَسْرِ سَبعينَ آخَرين، أحينَها تقولون: مِن أين جرَى علينا هذا الأمرُ، وكيفَ حلَّتْ بنا هذه الكارثةُ؟! قُلْ- يا محمَّدُ- للمؤمنين: هذه المصيبةُ الَّتي وقعتْ عليكم في أُحُدٍ إنَّما كان سببُها هو أنتم أنفسُكم، وذلك حينَ تنازَع بعضُكم فيما بينهم، وعصَوْا أمرَ رسولِهم عليه الصَّلاة والسَّلام، إنَّ اللهَ سبحانه وتعالى قادرٌ على جميعِ الأشياء، ومِن ذلك: قدرته على إيقاع العقوبةِ بكم أيُّها المؤمنون، كما حدَث في غزوةِ أُحُدٍ، وأيضا هو قادر على نصرِكم، فلا تظنُّوا به غيرَ الحقِّ

وَمَا أَصَابَكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيَعْلَمَ الْمُؤْمِنِينَ

إنَّ الَّذي وقَع عليكم- أيُّها المؤمنون- من القَتْلِ والجِراحِ والهزيمةِ يومَ الْتَقيتُم أنتم والمشرِكون بأُحُدٍ، إنَّما وقَع بقَضاءِ الله تعالى وقدَرِه، ولأجلِ تَمييزِ المؤمنين الَّذين صبَروا وثبَتوا مِن غيرهم

وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ نَافَقُوا وَقِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا قَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوِ ادْفَعُوا قَالُوا لَوْ نَعْلَمُ قِتَالًا لَاتَّبَعْنَاكُمْ هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلْإِيمَانِ يَقُولُونَ بِأَفْوَاهِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يَكْتُمُونَ

إنَّ ما أصابكم يومَ أُحُدٍ- أيُّها المؤمنون- كان أيضًا لأجْلِ تمييزِ المُنافِقين المندَسِّين بين المسلِمين، الَّذين لَمَّا دُعوا للقِتالِ في سبيل الله عزَّ وجلَّ يومَ أُحُدٍ، أو لأَجْلِ دفْعِ العدوِّ عن البلادِ والعبادِ، امتنَعوا عن المشاركةِ مُتعلِّلين بعُذرٍ قبيحٍ، وقائلين بكَذِبٍ صريح: لو نعلَمُ أنَّكم تُقاتِلون لَسِرْنا معكم، ولكن لا نَرَى أنَّه سيكونُ بينكم وبينَ المشركين قتالٌ، إنَّ أولئك المنافِقين كانوا في تِلك الحالِ الَّتي امتنَعوا فيها عن مشاركةِ المسلِمين في قِتالِ المشركين، كانوا أقرَبَ إلى الكفرِ من الإيمانِ، ومِن صِفاتِهم أنَّهم يقولون خلافَ ما يُضمِرون في أنفسِهم ، ومن ذلك قولُهم: لَوْ (نَعْلَمُ قِتَالًا لَاتَّبَعْنَاكُمْ)؛ فإنَّهم قد علِموا وقوعَ القتالِ، واللهُ تعالى أعلمُ مِن غيرِه بما يكتُمُه هؤلاء المنافِقون، وهو مطَّلعٌ عليه ومُظهِرُه للمؤمنين، وسيُجازيهم به

الَّذِينَ قَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ وَقَعَدُوا لَوْ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُوا قُلْ فَادْرَؤُوا عَنْ أَنْفُسِكُمُ الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ

إنَّ أولئك المنافقين الَّذين قعَدوا عن الجِهادِ مع المسلِمين، قالوا: لو سمِع مَن قُتِل مِن قَراباتِنا بأُحُدٍ مشورتَنا بتَركِ الخروج للقتال- لَمَا قُتلوا هنالك؛ اعتراضًا منهم على قضاءِ اللهِ تعالى وقدَرِه، وطعنًا منهم في طاعةِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ الَّذي أمَر بالخروجِ، فحصَل فيه من القتلِ ما حصَل، قُلْ- يا محمَّدُ- للقائلين بتلك المقالةِ مِن المُنافِقين: امنَعوا وقوعَ الموتِ عليكم بالقعودِ عن القتالِ، إنْ كنتم صادقين في قولِكم بأنَّ المرءَ يَسلَمُ مِن القتلِ بالقُعود عنه

وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ

ولا تظُنَّنَّ- يا محمَّدُ- أنَّ الشُّهداءَ الَّذين قُتِلوا في جِهادِ أعداء الدِّين- كأصحابِك الَّذين قُتِلوا في أُحُدٍ- أمواتًا لا يتمتَّعون ولا يتنعَّمون، بل هُمْ على خِلافِ ذلك؛ فهم أحياءٌ حياةً خاصَّةً عند الله عزَّ وجلَّ في دارِ كرامتِه، وبالقُربِ منه سبحانه، مُتنعِّمين في رِزقِ الله تعالى الواسِعِ

فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ

إنَّ هؤلاءِ الشُّهداءَ الَّذين قُتِلوا في سَبيلِ الله تعالى، وهم أحياءٌ عنده، مَسرورون بما منَحهم اللهُ تعالى إيَّاه، مِن النَّعيمِ المبهِجِ، والمُتعةِ العظيمةِ، جُودًا وكرَمًا منه سبحانه، إنَّ هؤلاء الشُّهداءَ مَسرورون أيضًا ويبشر بعضهم بعضًا بإخوانِهم الَّذين ما زالوا أحياءً في عالَم الدُّنيا يُجاهِدون في سبيلِ الله تعالى؛ فإنَّهم إذا استُشهِدوا لحِقوا بهم، دون أن يُصيبَهم خوفٌ من أيِّ أمرٍ مستقبلٍ، أو حُزنٍ على أيِّ أمرٍ قد مضى، بل هم آمِنون دائمًا، وفَرِحونَ أبدًا

يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ وَأَنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ

إنَّ الشُّهداءَ يَفرَحون بما حَبَاهم اللهُ تعالى مِن النَّعيمِ العَظيم، وبما أَسبَغَ عليهم مِن جزيلِ ثوابِه الكريمِ، وزِيادةِ إحسانِه العميمِ، وإنَّ اللهَ عزَّ وجلَّ قد حَفِظ لأولئك الشُّهداءِ ما قدَّموه مِن الإيمانِ والأعمالِ الصَّالحةِ، وأعطاهم على ذلك أُجورَهم مِن فَضلِه سبحانه، وهكذا كلُّ مؤمنٍ؛ فإنَّ اللهَ تعالى لا يترُكُه، بل يُثيبُه على ما قدَّم

الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ مَا أَصَابَهُمُ الْقَرْحُ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ وَاتَّقَوْا أَجْرٌ عَظِيمٌ

الَّذين أَجابوا أمْرَ اللهِ تعالى ورَسولِه عليه الصَّلاة والسَّلام بالنُّهوضِ مجدَّدًا لردِّ هجومِ مُتوقَّعٍ من المشركين فخرجوا في طلبهم حتى بلغوا حمراء الأسد وذلك عقبَ غزوةِ أُحُدٍ مباشرةً، على الرَّغم ممَّا ألمَّ بهم من جِراحٍ وآلامٍ جَسديَّةٍ، وأُخرى نَفسيَّةٍ بسببِ القتْلِ والهزيمةِ الَّتي لحِقَتْهم في أُحُدٍ، إنَّ الَّذين أَحسَنوا منهم في أعمالِهم وامتثَلوا ما أمَر اللهُ تعالى به، واجتنَبوا ما نهى عنه، لهم ثوابٌ جَزيلٌ، وأجرٌ واسع من اللهِ تبارَك وتعالَى

الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ

الذين قال لهم بعضُ النَّاسِ: إنَّ كفَّارَ قُرَيشٍ قد أعدُّوا العُدَّةَ للكَرَّةِ عليكم، وأنَّه لا قِبَلَ لكم الآن بقتالِهم فخافوهم واحذروهم، فلم يَجبُنوا ولم يَتزَعْزَعوا، بل منَحهم ذلك التَّخويفُ زيادةً في الطُّمأنينةِ، وقوَّةً في الإيمانِ واليقين، وقالوا: إنا وكَلنا أمرَنا إلى اللهِ تعالى وحْدَه ليكفيَنا شرَّ أعدائِنا؛ فهو سبحانه نِعْمَ مَن يُوثَق به في تفويضِ الأمورِ

فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ

فانصرَفَ الصَّحابةُ الَّذين استجابوا للهِ تعالى ورسولِه تأهُّبًا لردعِ المشركين، انصرَفوا مِن مَنطقةِ حمراءِ الأسدِ دون أن يَلقَوْا بها عَدوًّا، راجعين بأَجْرِ الجهادِ في سبيله، وبالأرباحِ الَّتي نالوها من الاتِّجارِ هناك، لم ينَلْهم أيُّ أذًى أو مَكروهٍ مِن عدوِّهم، ورجَعوا أيضًا برِضَا اللهِ تعالى عنهم؛ فقدْ أرْضَوُا اللهَ تعالى باستجابتِهم لِمَا أمَرهم به، وانقيادِهم لرسولِه عليه الصَّلاة والسَّلام لردعِ الأعداء، إنَّ اللهَ تعالى صاحبُ الفضلِ الكبيرِ والإحسانِ العميمِ على عِبادِه، في الدُّنيا والآخِرَة

إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ

إنَّما المخوِّفُ لكم في الحقيقةِ هو الشَّيطانُ، وقد أرادَ أنْ يُوقِعَ في قلوبِكم الخوفَ مِن أَنصارِه حِزبِ المشركين لترهَبوهم، فلا تَخافوا مِن المشركين أولياءِ الشَّيطان، وخافوا مِن اللهِ تعالى وحْدَه إنْ كُنتم مؤمنين حقًّا؛ فهو الَّذي يَنصُر أولياءَه، ويملأ قلوبَهم أمنًا، ويَكفيهم شرَّ أعدائِهم

وَلَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا يُرِيدُ اللَّهُ أَلَّا يَجْعَلَ لَهُمْ حَظًّا فِي الْآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ

ولا يُصيبك الحزنُ- يا محمَّدُ- مِن هؤلاءِ الَّذين يُبادِرون بأقوالِهم وأَفعالِهم مُتعجِّلين الوقوعَ في الكفرِ، أو التَّوغُّلَ فيه، إنَّ هؤلاءِ لن يُلحِقوا باللهِ بمسارعتِهم في الكفرِ، أيَّ نوعٍ من أنواعِ الضرر، صغيرًا كان أو كبيرًا، يُريدُ اللهُ تعالى بمسارعتِهم في الكُفرِ أنْ يَخذُلَهم، فلا يكونَ لهم أيُّ نصيبٍ مِن نعيم الآخرةِ، قليلًا كان أو كثيرًا، وإنَّهم مع حِرمانِهم من نعيمِ الآخرة، لهم عقوبةٌ كبيرةٌ عند الله تعالى

إِنَّ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الْكُفْرَ بِالْإِيمَانِ لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ

إِنَّ هؤلاءِ الذين استبدَلوا الكفر بالإيمانَ لا يُصيبون اللهَ تعالى بأيِّ ضرَرٍ كان، وإنَّما يَضرُّون في الحقيقةِ أنفُسَهم؛ فبذلك يَستحِقُّون عُقوبةَ اللهِ تعالى فلهم عذاب مؤلم

وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِأَنْفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ

لا تظنَّ- يا مُحمَّدُ- ولا يظنَّ الكفَّارُ كذلك، أنَّ إطالتَنا لهم في أعمارهم، وترْكَهم يَتمتَّعون في دُنياهم، وعدَمَ مُعاجَلَتِهم بالعقوبة- أَنَّه خيْرٌ وكرامةٌ مِن الله تعالى لهم ودليلٌ على مَحبَّتِه لهم ورِضاهُ عنهم كما يبدو في الظَّاهر، فحقيقةُ الأمْرِ أنَّ ذلك شرٌّ عليهم، وإنَّما منحَهم الله تعالى إطالةَ العُمْرِ وسَعَةَ الرِّزْق وحُصولَ النَّصْر وغيْرَ ذلك؛ مِن أَجْل أن يكتسبوا المزيدَ مِن الآثام؛ فتَكثُرَ سيِّئاتُهم، وإِنَّ لهؤلاء الكفَّار المستكبِرين عُقوبَةً تُذِلُّهم وتُهينُهم

مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ المؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَجْتَبِي مِنْ رُسُلِهِ مَنْ يَشَاءُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَإِنْ تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا فَلَكُمْ أَجْرٌ عَظِيمٌ

إنَّه من الممْتَنِع على حِكْمة اللهَ عزَّ وجلَّ أن يدَعَ عبادَه المؤمنين على ذات الحال التي هُم عليها من اختلاطِهم بالمنافِقين تحتَ مُسمَّى (الإسلام) الذي يَجمعهم، من دونِ أَنْ يُعرف هذا مِن هذا، بلْ لا بُدَّ أَنْ يَجعلَ كلَّ واحدٍ منهما مُتميِّزًا عن الآخر، مُنفصِلًا عنه بِلا لَبْسٍ بينهما؛ ولذا يَعقِد الله تعالى أَسبابًا مِن المِحَن يُظهِر فيها ولِيَّه، ويُفضَحُ فيها عدُوُّه، كما فعل بهم يوم أُحُدٍ، ومِن الممتَنِع على حِكمَة الله تعالى أيضًا أَنْ يُطلِعَكم على ضَمائرِ قلوبِ عِبادِه؛ كَيْ يُظهرَ لكم المؤمِنَ من المنافِق، لكنَّ اللهَ عزَّ وجلَّ يختارُ بعضَ رُسُله عليهم الصَّلاة والسَّلام؛ لِيُطلِعَهم على بعض الغيبِيَّات بحِكمتِه وإِذْنِه سُبحانَه، ومِن ذلك: إطْلاعُهُ محمَّدًا صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ على عددٍ من المنافِقين، فحَقِّقُوا إيمانَكم باللهِ وجميعِ رُسُله بالتَّصديق التَّامِّ، والانقيادِ والاستسلامِ؛ فهذا هو المطلوبُ منكم، فإنَّكم إذا حقَّقْتم المطلوبَ منكم بالإيمانِ بالله ورُسُلِه، وامتثَلتُم ما أمرَكم به الله ورسولُه، واجتنَبتُم ما نهاكم اللهُ عنه ورسولُه، إِنْ قُمْتُم بذلك؛ فقد استحقَقْتُم نَيْلَ ثَوابٍ مِن الله تعالى كبيرٍ

وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْرًا لَهُمْ بَلْ هُوَ شَرٌّ لَهُمْ سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ

ولا تظنَّنَّ- يا مُحمَّدُ- ولا يظنَّنَّ هؤلاء الذين يشِحُّون بأموالهم التي رزَقهم الله تعالى؛ كرَمًا منه عن أداء حقِّه فيها، أَنَّ بُخلَهم هذا خيْرٌ لهم من العطاء الذي يُنقص المال كما يبدو في الظاهر، ليس الأمرُ كما يَظنُّون؛ فامتناعُهم عن أداءِ حَقِّ الله تعالى فيما رزَقَهم من أموالٍ بُخْلًا منهم، هو في حقيقةِ الأمْرِ شرٌّ لهم، ومضرَّةٌ عليهم في دِينهم ودُنياهم، سيَجعل اللهُ المالَ الذي بَخِلوا به طَوْقًا يُحيطُ بأعناقهم، ويُعذَّبون به يوم القيامة وإِنَّ كلَّ أملاكِ الخَلْقِ مرَدُّها بعدَ فنائِهم إلى اللهِ تعالى وحْدَه؛ فهو المالكُ ذو المَلَكوت، والحيُّ الباقي الَّذي لا يموتُ؛ فأنفِقوا في حياتِكم مِمَّا جعلَكم اللهُ عزَّ وجلَّ مُستَخلَفين فيه فلا مَعنى للبُخْل بشيءٍ زائلٍ عنكم إلى غيرْكِم. وإِنَّ الله عزَّ وجلَّ مُطَّلِعٌ على خفايا أعمال الخلْق ومُطَّلِعٌ على نيَّاتهم وضمائرهم، وسيجازيهم على أعمالهم ونيَّاتهم بحسْبها

لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ سَنَكْتُبُ مَا قَالُوا وَقَتْلَهُمُ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَنَقُولُ ذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ

لقد سمِع اللهُ جلَّ جلالُه قولَ اليهودِ الذين قالوا: إنَّ الله فقيرٌ إلينا؛ لأنَّه طلَب منَّا أنْ نُقرِضَه مِن أموالِنا! ونحن أغنياءُ عنه! سيَكتُب الله عزَّ وجلَّ ما قالوه في شأنه مِن الإفْك والفِريَة عليه ورِضاهم واستحلالهِم لِمَا قام به أسلافُهم مِن أفعالٍ فظيعةٍ بقتْلهم أنبياءَه سُبحانَه دون حُجَّةٍ أو عُذْرٍ يُسوِّغ لهم فِعْلَ ذلك؛ سيكتُب اللهُ ذلك ويَحفظُه عليهم؛ ليُجازيَهم به، ويقولُ يومَ القيامةِ لأصحابِ تِلك المقالةِ الشَّنيعةِ في حقِّه سبحانَه: ذوقوا عذابَ النَّار المحرِقة. إهانةً وإذلالًا

ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ

يُقال لهم: ذلك العذاب المخزِي إنَّما استحقَقْتُموه بسببِ ما اكتسبتموه في حياتِكم من آثامٍ؛ ولأنَّ اللهَ عزَّ وجلَّ حكَمٌ عدْلٌ لا يظلم أحدًا ، فلا يُجازي كلَّ نفسٍ إلَّا بما كسَبتْ، دون أن يَنقُصَ من حسناتها شيئًا أو يَزيد على سيِّئاتها شيئًا

الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ عَهِدَ إِلَيْنَا أَلَّا نُؤْمِنَ لِرَسُولٍ حَتَّى يَأْتِيَنَا بِقُرْبَانٍ تَأْكُلُهُ النَّارُ قُلْ قَدْ جَاءَكُمْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِي بِالْبَيِّنَاتِ وَبِالَّذِي قُلْتُمْ فَلِمَ قَتَلْتُمُوهُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ

هؤلاءِ اليهود الَّذين قالوا كَذِبًا وافتراءً على اللهِ تعالى: إن الله أَوْصانا بوصيَّةٍ مُؤكَّدَةٍ في كُتُبنا وعلى ألْسِنة رُسُله ألَّا ننقاد مؤمِنينَ ومُذعنين لكلِّ مَن يقولُ: إنَّه مُرسَلٌ مِن عند الله تعالى حتَّى يُثبِتَ صِدْقَ رِسالتِه بأمرٍ واحدٍ، وهو: أنْ يَجيءَ بشيءٍ ممَّا يُتقرَّب به إلى اللهِ تعالى من الصَّدقات، فإنْ أكلَتْه النارُ كان ذلك دَلالةً على قَبولِ اللهِ تعالى منه ذلك وصِحَّة رسالتِه من ربِّه، قُل- يا مُحمَّدُ- لهؤلاء اليهود؛ ردًّا على ما زَعموه مِن افتراءٍ: قد أتَى أسلافَكم- يا مَعشَرَ اليهود- رُسُلٌ مِن اللهِ تعالى مِن قَبْل بَعْثتِي، بالحُجَج، والمعجِزات التي تُثبِت صِدْقَ رسالتِهم، وأتَوهم أيضًا بالذي ادَّعيتم من تقديمِهم قرابينَ تَأكُلُها النار، فلِمَ قام آباؤكم إذنْ بقتْلِهم إنْ كنتُم مُحقِّين في دَعْواكم الإيمانَ برسولٍ يأتي بقُربان تأكلُه النار؟! فتبيَّن بهذا كَذِبُهم، وعِنادُهم وتناقضُهم، وظهَر أنَّه ليس امتناعُهم مِن اتِّباع مُحمَّدٍ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ؛ لعدمِ ظُهورِ هذه المعجِزة

فَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ جَاؤُوا بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ وَالْكِتَابِ المنِيرِ

فإنْ كَذَّبَك -يا مُحمَّدُ- هؤلاء اليهودُ، فلا يُوهِنك ولا يَحزُنك ذلك، ولك أُسْوَة بمَن قبلَك؛ فأنتَ لستَ بأوَّلِ مَن يُكذَّب، بل كُذِّب عددٌ من الرُّسُل عليهم السَّلام مع أنَّهم أتَوا أقوامَهم بالحُجَج القاطِعة والمعجِزات الباهِرة السَّاطعة، وبالكُتُب المنزَّلة مِن الله تعالى، المشتمِلةِ على المَواعِظ والزَواجِر، المضيئةِ لطريق الحقِّ بذكْرِ الأحكامِ العادِلة والأخبارِ الصَّادِقة

كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ

إنَّ كلَّ نفْسٍ لا بُدَّ أنْ يُدركَها الموتُ، فتَنتقلَ بذلك مِن عالَم الفناءِ إلى عالمِ البَقاء، ولا يُؤدَّى إليكم كامِلُ الجزاءِ على أعمالِكم- خيرِها وشرِّها- إلَّا في يومِ القيامة، فمَن نُحِّي عن النارِ وجُنِّبها وأُدخِلَ الجنَّة، فقد نجَا وظَفِرَ بعظيمِ كرامةِ الله تعالى، وليستْ هذه الحياةُ الدُّنيا بما فيها مِن لذَّاتٍ وشهواتٍ إلَّا مُجرَّد مُتْعَةٍ زائلةٍ تخدع صاحبَها؛ فلا يَنبغي لعاقلٍ أنْ يَركنَ إليها

لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذًى كَثِيرًا وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ

لَتُختَبرُنَّ في أموالِكم بوقوعِ المصائِب فيها: كتَلفِها، أو حُصولِ النقْص مِنْها، ولَتُمتحَنُنَّ أيضًا في أنفُسِكم: بأمرِكم بالجهادِ في سبيلِ الله، وما يَحصُل فيه مِن خوْفٍ وجِراحٍ وأسْرٍ وقتْلٍ، أو بإصابتِكم بمرَضٍ في أبدانِكم، أو موْتِ أحدِ أبنائِكم، وإنَّ أعداءَكم مِن المشركين وأهْل الكتاب لا بدَّ أنْ يؤذوكم كثيرًا بألْسنتِهم، ومن ذلك تَكَرُّرُ طعْنِهم في دِينِكم، والنُّطْق بمعتقداتِهم الباطِلة، فإذا تسلَّحتُم- أيُّها المؤمنون- بسِلاح الصَّبرِ على ما يُصيبكم مِن بلاءٍ في أموالِكم وأنفسِكم، وعلى ما تَسمعونه مِن أذًى في دِينِكم مِن المشركين وأهْل الكِتاب، واستعملتُم التَّقوى بفِعْلِ أوامرِ اللهِ تعالى واجتنابِ نواهِيه- فإِنَّ ذلك الصَّبرَ والتقوى مِن الأمورِ التي تَحتاج إلى هِمَّة عالية، ويَنبغي توطين النفس عليها

وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ

واذْكُر- يا مُحمَّدُ- حين عَهِد اللهُ عزَّ وجلَّ إلى اليهودِ وغيرِهم مِن أهل الكتاب عَهْدًا مؤكَّدًا: بأنْ يُبيِّنوا ما في كتُبهم للنَّاس ولا يُخفونه أبدًا، ومن ذلك صِفةُ مُحمَّدٍ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ وإثباتُ رِسالتِه، فنقَضوا هذا العهْدَ، وترَكوا العملَ به، ومن ذلك كِتمانهم صِفةَ محمَّدٍ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ عن الناس، وأرادُوا مُقابِلَ نقْضِهم عَهدَ الله تعالى بكِتمانهم ما في كتُبهم- الحصولَ على حُظوظٍ دُنيويَّةٍ خسيسةٍ مِن مَناصِبَ أو أموالٍ، أو غيرِ ذلك، فبِئستِ الصفْقَةُ صَفْقتُهم، وما أخْسرَها مِن تجارةٍ! لأنَّهم اختاروا الدَّنيءَ الخَسيسَ، وترَكوا العاليَ النَّفيس

لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْا وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا فَلَا تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفَازَةٍ مِنَ الْعَذَابِ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ

لا تظُنَّنَّ- يا مُحمَّدُ- الَّذين يَفرحون بما فعَلوه من أقوالٍ وأفعالٍ باطِلة: كاليهود الذين كتموا العِلم، وكالمنافقين الذين تخلفوا عن الغزْو في سبيل الله تعالى، وكأعمال المتزيِّنين للنَّاس المُرائين لهم بما لم يَشرَعْه الله ورسولُه، وهم مع ذلك يُحبُّون أنْ يُثني الناسُ عليهم بالخَيرِ، على طاعاتٍ للهِ تعالى لم يَقوموا بها، لا تَظُنَّهم- يا مُحمَّدُ- في سَلامةٍ ونجاةٍ من عذابِ الله تعالى، إنَّهم قد استحقُّوا عذابًا مُؤلِمًا سيَصيرون إليه

وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ

إنَّ اللهَ تعالى هو وَحْدَه المالكُ لكلِّ شيءٍ؛ فيَملِكُ السَّمواتِ والأرضَ وجميعَ ما فيهما من أصنافِ الخَلْق، إنَّ الله عزَّ وجلَّ له كمالُ القُدرةِ على كلِّ شيءٍ، فلا يمتنعُ عليه أحدٌ، ولا يُعجِزُه شيءٌ سبحانه

إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ

إنَّ في ابتداعِ اللهِ تعالى وإيجادِه من العدمِ هذه السَّمواتِ والأرضَ وما فيهما من العجائب وإتقان الصنع وكثرة المخلوقات وتعدد المنافع إلى غير ذلك ، وفي تعاقُبَ اللَّيلِ والنَّهارِ على العبادِ وتفاوتهما طولًا وقِصرًا، وغير ذلك، إنَّ في خَلْق تِلكِ المخلوقاتِ العجيبةِ وما تَحويه من الأشياءِ المبهرةِ العظيمة، لعلاماتٍ لأصحابِ العقولِ السَّليمةِ التي تُدرِكُ حَقائقَ الأشياء، فتدلُّهم على أنَّ خالقَ ذلك هو الربُّ المعبودُ وحْدَه سبحانه، كما تدلُّهم على صِفاتِ الله تبارَك وتعالَى

الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ

إنَّ أُولي الألبابِ هم الذين يُديمون ذِكرَ اللهِ تعالى بقلوبِهم وألْسنتِهم، وفي جميعِ أحوالِهم، في حالِ وُقوفِهم، وحالِ جُلوسِهم، وحالِ اضطجاعِهم، ومِن صِفاتِهم أيضًا أنهم يُعمِلون عُقولَهم في خَلْقِ اللهِ للسَّمواتِ والأرض؛ ليَستدلُّوا بذلك على المقصودِ منها، ويَفهموا ما فيها من الحِكمِ الدالَّةِ على صِفاتِ الخالقِ جلَّ وعلا، إنَّهم حين يَتفكَّرون في خَلْقِ السَّمواتِ والأرض، يقولون: إنَّك يا ربَّنا، لم تَخلقْ هذا الخَلْقَ عبثًا ولا لهوًا؛ فأنتَ مُنزَّهٌ عن ذلك، ولكنَّك خلقتَه لحِكمةٍ ولأمرٍ عظيمٍ، فأَجِرْنا من عذابِ النار، بأنْ تُوفِّقَنا للأعمالِ الصالحات، وتُجنِّبَنا بفضلِك الذُّنوبَ والسيِّئات

رَبَّنَا إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ

إنَّ مَن أدخلتَه النارَ يا رَبَّنا، فقدْ أهنتَه وفَضحْتَه، وهو إنما دخل النارَ بظُلمِه، وليس للظالمِ يَومَ القيامةِ أحدٌ يُنقذُه من عذابِ اللهِ تعالى

رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلْإِيمَانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ الْأَبْرَارِ

يا ربَّنا، إنَّنا قد سمِعْنا داعيًا يَدْعو إلى الإيمانِ، وهو محمَّدٌ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، يقولُ للنَّاسِ: آمِنوا بربِّكم، فبَادَرْنا إلى الاستجابةِ له، فأَقرَرْنا بالحقِّ وقبِلْناه، مُنقادِين إليه، ومُذعِنين له، يا ربَّنا بإيمانِنا واتِّباعِنا نبيَّك، استُرْ علينا ذُنوبَنا، وتجاوزْ عن مُؤاخذتِنا بها، وامحُ عنَّا خَطايانا، واجعلْنا إذا قَبضتَ أرواحَنا إليك في عِدادِ الصَّالحين

رَبَّنَا وَآتِنَا مَا وَعَدْتَنَا عَلَى رُسُلِكَ وَلَا تُخْزِنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّكَ لَا تُخْلِفُ الْمِيعَادَ

وأعطِنا- يا ربَّنا- ما وعَدتَنا به على ألْسنةِ رُسلِك عليهم السَّلامُ، من النَّصرِ على الأعداء ، ومِن الثوابِ على الأعمالِ الصَّالحة، ولا تَفْضَحْنا بذُنوبِنا على رُؤوسِ الخلائقِ، ولا تُذِلَّنا يومَ القيامةِ، فإنَّا قد عَلِمْنا بأنَّك لا تُخلفُ وعدَك لعبادِك

فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لَا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ فَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَأُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأُوذُوا فِي سَبِيلِي وَقَاتَلُوا وَقُتِلُوا لَأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَأُدْخِلَنَّهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ثَوَابًا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الثَّوَابِ

فأجابُ اللهُ تعالى أولئك الدَّاعين، بأنَّ عمَلَ كلِّ عاملٍ منهم محفوظٌ لديهِ؛ قلَّ أو كثُر، وسواء كان صادرًا مِن ذَكَر أو أُنثى؛ فلا فَرْقَ بينهم في الثَّوابِ وإجابةِ الدعوات، مِثلما أنَّه لا فَرْقَ بينهم في اتِّباع مِلَّةِ الإسلام، فالذين هاجروا، وطرَدَهم المشركونَ من ديارهم أو ضايقوهم حتى أَلْجؤوهم إلى الخروجِ من بين أَظهرِهم، ووقَعَ عليهم الأذى بسببِ إيمانِهم باللهِ تعالى وطاعتِهم له سبحانه، وقاتَلوا في سبيلِ اللهِ تعالى لإعلاءِ كَلمتِه، وقُتِلوا، مِثل أصحابِ رسولِ الله، إنَّ أولئك المؤمنين والمؤمنات؛ بسببِ ما حصَل لهم مِن تلك الأشياءِ مِن هِجرةٍ وجِهادٍ وغيرِ ذلك ، يمحو اللهُ تعالى عنهم خَطاياهم، ويُسكِنَهُم جنَّاتٍ تَجري من تحت أشجارها وقصورها أنواعٌ من الأنهار؛ جزاءً عظيمًا لهم على ما قدَّموا، من عند الله تعالى العظيم الكريم، إنَّ اللهَ عزَّ وجلَّ عنده الجزاءُ الحسن لِمَن عمِلَ صالحًا

لَا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلَادِ

لا تَنخدعْ- يا محمَّد- بظاهرِ ما عليه الكفَّارُ من تردُّدٍ على البلاد، وتنقُّلٍ فيها بأنواعِ التِّجاراتِ والمكاسبِ، بِما يجعلُهم في بَحبوحةٍ في العيش، وترَفٍ في الحياةِ، وعِزٍّ وغلبةٍ في بعضِ الأوقات

مَتَاعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَادُ

إنَّ هذا الذي عليه الكفَّارُ إنما هو لذائذُ فانيةٌ؛ فزمنُها محدودٌ، وتَنتهي بانقضاءِ أعمارِهم، وهي مُتعةٌ قليلةٌ كمًّا وكيفًا، إنَّهم مُنتقِلون بعدَ مماتِهم وذَهابِ مُتعِهم، إلى الإقامةِ في نارِ جَهنَّم، وبئس الفراشُ والمقرُّ هي

لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا نُزُلًا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ لِلْأَبْرَارِ

أمَّا الذين امتَثلوا ما أمَر الله تعالى به، واجتَنبوا ما نهى عنه، فإنَّهم يُمتَّعون في الدارِ الآخِرةِ في جَنَّاتٍ تَجري من تحت أشجارها وقصورها أنواعٌ من الأنهار، وهم ماكثونَ في هذا النَّعيمِ على الدَّوام، إنَّ الله تعالى قدْ أعدَّ لهم تلك الجنَّاتِ مَنزلَ ضِيافةٍ دائمًا مِن كرامةِ اللهِ تعالى لهم، وإنَّ ما عندَ اللهِ تعالى من النَّعيمِ والكرامةِ خيٌر للطَّائعين- الذين أحْسَنوا العملَ- من متاعِ الدُّنيا القليلِ الزَّائل

وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ خَاشِعِينَ لِلَّهِ لَا يَشْتَرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ

وإنَّ طائفةً من أهلِ الكتابِ مِن اليهودِ والنَّصارى يُؤمنون باللهِ تعالى حقَّ الإيمان، ويقرُّون بوحدانيَّته، ويُؤمنون أيضًا بالقرآن، الذي أُنزل على محمَّدٍ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، ويُؤمنون أيضًا بالكتُب السابقةِ، التي أَنزلها اللهُ تعالى إليهم كالتَّوراة، والحالُ أنَّهم خاضِعون للهِ تعالى، مُستكينين له ومُتذلِّلين، لا يُحرِّفون ما في كُتُبِهم، ولا يُبدِّلونه، ولا يَكتمون ما فيها من العِلم- ومِن ذلك البشارةُ بمحمَّدٍ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، وبيانُ صِفتِه للناس-؛ ليَحْصُلوا في مُقابلِ ذلك على متاعٍ دُنيويٍّ زائل، مِن منصبٍ، أو جاهٍ، أو مالٍ، وغير ذلك، إنَّ لأولئك القومِ المؤمنين ثوابًا عظيمًا عندَ الله سبحانه، إنَّ حسابَ اللهِ عزَّ وجلَّ قريبٌ؛ لسُرعةِ انقضاء الدُّنيا، كما أنَّه سبحانه يُحاسبُ الخلائقَ يومَ القيامة على أعمالِهم في مُدَّةٍ وجيزٍة جدًّا

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ

يا أيُّها المؤمنون، اصبِروا على جميعِ ما أمَرَكم اللهُ تعالى بالصَّبرِ عليه، كالصَّبرِ على طاعةِ اللهِ عزَّ وجلَّ، والصَّبرِ عن مَعصيتِه، والصَّبرِ على أقدارِه سبحانه، وغالِبوا بالصبرِ أَعداءَ الدِّين، حتى تَنتصِروا عليهم؛ فلا يكونوا أصْبرَ منكم، والْزَموا الإقامةَ في الثُّغورِ؛ لِمَنْع العدوِّ من الوصولِ إليها، والنفوذِ منها إلى مُبتغاه، واستعمِلوا تَقوى اللهِ عزَّ وجلَّ بامتثالِ أوامِرِه واجتنابِ نواهيه، وذلك مِن أجْل تحقيقِ الفوزِ بالمطلوب، والنَّجاةِ من المرهوبِ في الدُّنيا والآخِرة

النساء

يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا

يا أيُّها النَّاسُ حقِّقوا تقوَى الله عزَّ وجلَّ، بامتثالِ أوامره، واجتنابِ نواهيه؛ وذلك لأنَّه خالِقُكم ومالِكُكم ومُدبِّركم، الَّذي أوجدَكم جميعًا مِن نفْسٍ واحدةٍ، وهي آدَمُ، وأوجَدَ مِن آدَمَ امرأتَه حوَّاءَ، ونشَر مِن آدَمَ وحوَّاءَ في أقطارِ الأرضِ أعدادًا كثيرةً مِن الرِّجالِ والنِّساءِ. واتقوا الله -بامتثال ما أمَرَكم الله تعالى به، واجتناب ما نهاكم عنه-؛ الذي يسأل بعضكم بعضًا به فيقول: أسألُك باللهِ أن تفعلَ كذا، واحْذروا مِن أنْ تَقطعوا أرحامَكم، وتُفَرِّطوا في أداءِ حقِّهم، إنَّ اللهَ تعالى مراقِبٌ لجميعِ أعمالِكم، وحافِظٌ لها

وَآتُوا الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ وَلَا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ إِنَّهُ كَانَ حُوبًا كَبِيرًا

وأعطُوا -يا مَعشرَ أوصياءِ اليتامى- أموالَهم إليهم كاملةً إذا بلغوا الحُلُمَ ورَشَدُوا، ولا تأخذوا مالَ اليتيمِ بغيرِ حقٍّ وتَتركُوا ما أحلَّ اللهُ تعالى لكُم مِن غيرِ ذلك، فهذا مِن استبدالِ الخبيثِ بالطيِّبِ، ومنه أيضًا أنْ يأخُذَ الوليُّ مِن مالِ اليتيمِ النَّفيسَ، ويجعلَ بدلَه مِن مالِه الخسيسَ، ولا تضُمُّوا أموالَ اليتامَى إلى أموالِكم؛ بقصدِ أن تأكُلوا أموالَهم بالباطلِ،إنَّ ذلك إثمٌ عظيم

وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ذَلِكَ أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا

وإنْ خِفتُم ألَّا تحقِّقوا في تزوُّجِكم بيتامى النِّساءِ اللَّاتي تحتَ ولايتِكم، العدلَ معهنَّ والقيامَ بحُقوقهنَّ، فانكِحوا غيرَهنَّ ممَّن تَطيبُ بهنَّ نُفوسُكم، اثنتينِ مِن النِّساءِ، أو ثلاثًا، أو أربعًا، فإنْ خَشِيتُم عدمَ إقامةِ العدلِ بتَعدادِ النِّساءِ، فلْتَقْتَصروا على التَّزوُّجِ بواحدةٍ فحَسْبُ، أو اقتصِروا على الجواري السَّراري؛ فإنَّه لا يجب عليكم القَسْمُ بينهنَّ، فذلك أقربُ إلى تحقيقِ العَدلِ، والبُعدِ عن الجَورِ والظُّلْمِ

وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا

وأعطُوا مَن أرَدْتُم الزَّواجَ بهنَّ مِن النِّساءِ مُهورَهنَّ، عطيَّةً واجبةً، طَيِّبةً بها نُفوسُكم، فإنْ وهَب لكم نساؤُكم -أيُّها الأزواجُ- مُهورَهنَّ أو بعضًا منها، عن رِضًا وطِيبِ نفْسٍ منهنَّ بذلك فخُذوه حلالًا طيِّبًا لكم، لا حرَجَ عليكم في ذلك ولا تَبِعةَ

وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا وَاكْسُوهُمْ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفًا

ولا تُعطوا -أيُّها النَّاسُ- أموالَكم الَّتي جعَلَها الله لكم قِيامًا -يقومُ بها عَيشُكم، وصلاحُ دُنياكم- لا تُعطوها لِمَن لا يُحسِنُ التَّصرُّفَ في المالِ، والقيامِ عليه وحِفظِه؛ إمَّا لعدمِ عقْلِه كالمجنونِ، أو لعدمِ رُشدِه كالصَّغيرِ، أو لغيرِ ذلك، حتَّى لو كان هذا المالُ مالَهم على الحقيقةِ وأنتُم عليه أوصياءُ، ولكنْ أنفِقوا مِن تلك الأموالِ على طعامِهم وشَرابِهم ومَلابِسهم، وما يتعلَّقُ بضَروراتِ عَيشِهم كمَسكنِهم، وليتَكم تتَّجِرون لهم في مالِهم؛ كي ينموَ ويكونَ الإنفاقُ عليهم مِن الرِّبحِ، لا مِن أصلِ المالِ، وقولوا لهم قولًا طيِّبًا، هيِّنًا وليِّنًا بغير مَنٍّ ولا أذًى

وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ وَلَا تَأْكُلُوهَا إِسْرَافًا وَبِدَارًا أَنْ يَكْبَرُوا وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ فَإِذَا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا

واختبِروا عُقولَ الأيتامِ ممَّن تحتَ ولايتِكم، وأفهامَهم، وصلاحَ دِينِهم، وقُدرتَهم على إصلاح أموالِهم وذلك قُبيلَ وُصولِهم سِنَّ البُلوغِ، فإذا بلغوا الحُلُمَ، وأدركتُم منهم حُسنَ تصرُّفٍ، وقدرةً على إصلاحِ الأموالِ فأعطوهم أموالَهم كاملةً، ولا تَحبِسوها عنهم، ولا تَأخُذوا مِنها شيئًا مِن غيرِ حاجةٍ، فتَتَجاوَزوا في ذلك إلى غيرِ ما أباحَه اللهُ تعالى لكم مِن أموالِهم، ولا تَأكُلوها في حالِ صِغَرِهم استعجالًا منكم بذلِك قبلَ أن يَكبَروا فيأخُذوها منكم، ومَن كان مِن أولياء اليتامى في غنيةٍ عن أموالِهم، فلْيَتنزَّهْ عن أخْذِ أُجرةٍ مِن مالِ اليتيمِ نظيرَ قيامِه عليه، ومَن كان ذا حاجةٍ أخَذَ مِن أموالِهم بحسَبِ ما جرَى العُرْفُ على أنَّه يَسُدُّ حاجتَه ويَكفي مِثلَه مِن الفُقراء، فإذا سلَّمتُم -يا معشرَ أولياءِ اليتامى- أموالَهم إليهم، فأشْهِدوا عليهم بقَبضِها كاملةً منكم؛ لئلَّا يقعَ منهم لاحقًا إنكارٌ لِمَا تَسَلَّموه، وكفى الله تعالى محاسبًا وشاهدًا ورقيبًا على أولياء اليتامى

لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا

إنَّ الذُّكورَ والإناثَ يَستوونَ في أصْلِ الوراثةِ في حُكمِ الله تعالى؛ فكلٌّ يَنالُ مِن الإرثِ قِسطًا وحِصَّةً، ممَّا خلَّفَه الميِّتُ، وإن تفاوَتوا بحَسَبِ ما فرَض الله تعالى لكلٍّ منهم بما يُدلي به إلى الميِّت مِن قرابةٍ أو زوجيَّةٍ أو وَلاءٍ، سواءٌ كان قليلًا أو كثيرًا ذلك النَّصيبُ لكلٍّ منهم، حصَّةٌ واجبةٌ، معيَّنةُ المِقدارِ

وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُو الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينُ فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفًا

وإذا حضَر توزيعَ الميراثِ الأقاربُ غيرُ الوارِثينَ، والأيتامُ، والمحتاجون فأعطوهم شيئًا ممَّا تيسَّر مِن هذه التَّرِكةِ؛ بِرًّا بهم، وإحسانًا إليهم، وجَبرًا لخواطرهم بما لا يضُرُّكم؛ فإنَّ نُفوسَهم متشوِّفةٌ إليه، ولْتقولوا لهم قولًا حسنًا جميلًا، تَطِيبُ به نُفوسُهم

وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافًا خَافُوا عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا اللَّهَ وَلْيَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا

ولْيَخَفِ الذين لو ماتوا وتركوا من خلفهم أولادًا صغارًا ضعافًا خافوا عليهم الظلم والضياع، فليتقوا الله فيمن تحت أيديهم من اليتامى، وذلك بحفظ أموالهم، والحذر من ظلمهم، وليقولوا لهم قولًا صوابًا موافقًا للعدل والمعروف والحكمة.

إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا

إنَّ الَّذين يأكُلون أموالَ اليتامى في الدُّنيا بغيرِ حقٍّ، سيُعاقَبون على ذلك بأنْ تَتأجَّجَ في بُطونِهم نارٌ يومَ القيامةِ، وسيُحرَقون بنارٍ مُشتعلةٍ، متوقِّدةٍ، شديدٍ حرُّها

يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ وَإِنْ كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِنْ كَانَ لَهُ وَلَدٌ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ لَا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعًا فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا

يَعهَدُ إليكم ربُّكم في شأنِ ميراثِ أولادِكم بالتَّسْويةِ بيْنَهم ذُكورًا وإناثًا في أصْلِ الاستحقاقِ مِن الميراثِ، وإذا اجتَمَع في أولادِ الميِّتِ ذكورٌ وإناثٌ فإنَّنا نُعطي الذَّكَرَ ضِعْفَ ما تُعطَى الأنثى، فإنْ كان بناتُ الميِّت أكثرَ في العددِ مِن اثنتَينِ -مهما بلغ عددُهن- فإنهنَّ يستحققْنَ ثُلُثيِ التَّرِكةِ، وإنْ خلَّف الميِّتُ بنتًا واحدةً فإنَّ لها نصفَ التَّرِكة، وإنَّ لكلٍّ مِن والدِ الميِّتِ ووالدتِه السُّدسَ مِن التَّرِكةِ إنْ كان للميِّت ولدٌ، ذكرًا كان أو أنثى، واحدًا أو جماعةً، فإن لم يكنْ للميِّتِ ولدٌ، ذكرًا كان أو أنثى، وله أبٌ وأمٌّ، فإنَّ لأمِّه ثُلُثَ التَّركةِ، وللأبِ ما بَقيَ منها، وإذا وَرِث الميِّتَ أبواه، وكان له إخوةٌ، سواءٌ كانوا أشقَّاءَ، أو لأبٍ، أو لأمٍّ، وسواءٌ كانوا اثنين أو أكثَرَ، فإنَّ للأمِّ سُدسَ التَّرِكةِ، وللأبِ ما بقيَ منها. هذه المواريثُ الَّتي ذَكَرها الله تعالى، إنَّما تُستَحقُّ لأهْلِها ممَّا تبقَّى مِن تركةِ الميِّتِ بعدَ تنفيذِ وصيَّتِه المشروعةِ الثَّابتةِ عنه، وقضاءِ دُيونِه. إنَّما فرَضَ اللهُ تعالى للآباءِ والأبناءِ نَصيبَهم مِن الميراثِ، كلٌّ بحسَبِه، ولم يرُدَّ تقدير الإرثِ إلى عُقولِ النَّاسِ واختيارِهم ؛ لأنَّهم لا يَدْرُون أيُّ الأولادِ أو الوالِدين أنفعُ لهم، وأقربُ لحصولِ مَقاصِدِهم الدِّينيَّةِ والدُّنيويَّةِ، وهذا التَّقسيمُ المُقدَّرُ للميراث فرضٌ مِن اللهِ تعالى وحْدَه، قد حَكَم به على عِبادِه، إنَّ اللهَ تعالى عالمٌ بكلِّ شيءٍ، ومِن ذلك عِلمُه بمَن يستحقُّ الأخذَ مِن الميراثِ، ومقدارِ ما يستحقُّه كلُّ أحدٍ، وهو الحكيمُ الحاكمُ على عِبادِه، الَّذي يَضعُ الأشياءَ في مَواضِعِها اللَّائقةِ بها، ومِن ذلك: وضْعُه حقَّ الميراثِ في أهلِه المستحقِّينَ له، وتقديرُه ما يستحقُّه كلُّ أحدٍ منهم على أحسَنِ تقديرٍ

وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُنَّ وَلَدٌ فَإِنْ كَانَ لَهُنَّ وَلَدٌ فَلَكُمُ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْنَ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِينَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ وَلَهُنَّ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَكُمْ وَلَدٌ فَإِنْ كَانَ لَكُمْ وَلَدٌ فَلَهُنَّ الثُّمُنُ مِمَّا تَرَكْتُمْ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ تُوصُونَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلَالَةً أَوِ امْرَأَةٌ وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ فَإِنْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ فَهُمْ شُرَكَاءُ فِي الثُّلُثِ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا أَوْ دَيْنٍ غَيْرَ مُضَارٍّ وَصِيَّةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَلِيمٌ

ولكم-أيُّها الأزواجُ- نصفُ ترِكةِ زوجاتِكم بعدَ وفاتِهنَّ، إذا مِتْنَ عن غيرِ ولدٍ، ذَكَرًا كان أو أُنثى، واحدًا أو أكثرَ، فإنْ كان لزوجاتِكم ولدٌ، ذَكَرٌ أو أنثى، واحدٌ أو أكثرُ، فلكم رُبُعُ ترِكةٍ زوجاتِكم، وذلك الفَرْضُ لكم تستحقُّونه ممَّا تبقَّى مِن ترِكة أزواجِكم بعدَ تنفيذ وصيَّتِهنَّ المشروعةِ الثَّابتةِ عنهنَّ، وقضاءِ دُيونِهنَّ. ولزَوجاتِكم-أيُّها الأزواجُ- رُبُعُ ما تركتُم بعدَ وفاتِكم، إنْ لم يكُنْ لكم ولدٌ، فإنْ كان لكم ولدٌ وأصابَكم الموتُ فإنَّ لزوجاتِكم ثُمُنَ ما تركتُم، وإنَّما يستحقُّ زوجاتُكم ذلك النَّصيبَ ممَّا تبقَّى مِن ترِكتِكم بعدَ تنفيذِ وصيَّتِكم المشروعةِ الثَّابتةِ عنكم، وقضاءِ دُيونِكم. وإنْ كان المتوفَّى -رجُلًا كان أو امرأةً- قد تُوفِّيَ عن غيرِ ولدٍ ولا والدٍ، وله مِن جهة الأمِّ أخٌ أو أختٌ، فإنَّ لكلِّ واحدٍ منهما-أي: الأخ أو الأخت- سُدُسَ التَّركةِ، فإنْ كان الإخوةُ والأخواتُ مِن جِهة أمِّ الميِّت الموروث كَلالةً -رجُلًا كان الميِّت أو امرأةً- أكثرَ مِن واحدٍ، فلَهم جميعًا ثُلُثُ التَّرِكةِ يَقتَسِمونها ذُكورًا وإناثًا بيْنَهم بالتَّساوي، وهذا الَّذي فرَضَه الله تعالى لأخي الميِّتِ الموروثِ كَلالةً وأختِه، أو لإخوتِه وأخَواتِه، إنَّما يَستَحِقُّونه مِن بَعدِ تنفيذِ وصيَّتِه المشروعةِ الثَّابتةِ عنه وقضاءِ دُيونِه غير مقصودٍ بها الإضرارُ بالوَرَثةِ بأيِّ وجهٍ مِن الوُجوهِ، كأنْ يَحرِمَ بعضَ الورثةِ حقَّهم أو يَنقُصَه، أو يَزيدَ عليه. هذا الَّذي ذَكَره الله تعالى مِن أحكامٍ فيما يجبُ مِن ميراثِ مَن مات منكم، عهدٌ مؤكَّدٌ مِن الله تعالى إليكم، وجَب عليكم أن تَلتزِموا به، إنَّ اللهَ تعالى ذو عِلمٍ بكلِّ شيءٍ، ولا يَخفى عليه شيءٌ سُبحانَه، وهو سُبحانَه الحليمُ الَّذي لا يُعاجِلُ مَن عصاهُ بالعُقوبةِ

تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ

تِلك الفرائضُ والمقاديرُ الَّتي جعَلها اللهُ تعالى للوَرَثةِ، هي حدودُ اللهِ تعالى الَّتي شرَعَها لعبادِه؛ فيجبُ الوُقوفُ معها، وعدمُ تجاوُزِها، ومَن يتَّبِعْ أمْرَ اللهِ تعالى وأمْرَ رسولِه، ويجتَنِبْ نَهْيَهما، ومِن ذلك ما يَتعلَّقُ بأحكامِ المواريثِ؛ فإنَّ اللهَ تعالى يُدخِلُه جنَّاتٍ تجري مِن تحتِ أشجارِها وقصورِها أنهارٌ متعدِّدةٌ، وهم في هذا النَّعيمِ ماكِثونَ على الدَّوامِ وذلك الربحُ الكبيرُ، والفلاحُ منقطعُ النَّظيرِ

وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُهِينٌ

ومَن يُخالفْ أمْرَ اللهِ وأمْرَ رسولِه، فيَترُكِ المأموراتِ، ويرتكِبِ المنهيَّاتِ، ويَتجاوزْ حدودَ ما شرَعه الله، تغييرًا لِما حكَم اللهُ به، ومضادَّةً له في حُكمِه، أو شكًّا فيما فرَض على عبادِه، ومِن ذلك ما يَتعلَّقُ بأحكامِ المواريثِ؛ فإنَّ اللهَ عزَّ وجلَّ يُدخِلُه نارَ جهنَّمَ، ماكثًا فيها، وله عذابٌ مُذِلٌّ يُخزيه

وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ فَإِنْ شَهِدُوا فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا

وإذا وقَع نساؤكم في الزِّنا -متزوِّجاتٍ كُنَّ أو غيرَ متزوِّجاتٍ- فاطلُبوا لإثباتِ وُقوعِهنَّ في الزِّنا أربعةَ رجالٍ مِن المسلمينَ العُدُولِ، فإنْ شهِدوا على وُقوعِهنَّ في الزِّنا، فاحبِسُوهنَّ في البيوتِ؛ عقابًا لهنَّ، لا يُمَكَّنَّ مِن الخروجِ منها إلى أن يَـمُتْنَ أو يُصَيِّرَ اللهُ تعالى لهنَّ طريقًا ومَخْرجًا للخلاصِ مِن هذا الإمساك بتشريعِ حُكمٍ لهنَّ، وقد كان؛ فقد جعَل الله لهنَّ سبيلًا، ففي الحديثِ أنَّ النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ قال: ((خُذُوا عنِّي، خُذُوا عنِّي؛ قد جَعَل اللهُ لهنَّ سبيلًا؛ البِكْر بالبِكْرِ جَلْدُ مِئةٍ ونَفْيُ سَنَةٍ، والثَّيِّبُ بالثَّيِّبِ، جَلْدُ مئةٍ والرَّجْمُ))

وَاللَّذَانِ يَأْتِيَانِهَا مِنْكُمْ فَآذُوهُمَا فَإِنْ تَابَا وَأَصْلَحَا فَأَعْرِضُوا عَنْهُمَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ تَوَّابًا رَحِيمًا

إنَّ الرَّجُلَ والمرأةَ إذا زَنَيَا، فآذوهما بالتَّوبيخِ والتَّعييرِ وغيرِ ذلك مِن أنواعِ الإيذاءِ، فإنْ رجَعَا عن الوُقوعِ في الزِّنا، ونَدِمَا عليه، وعزَمَا على ألَّا يَعودَا إلى اقترافِ ذلك، وأصلحَا دِينَهُما بالعملِ بما يُرضِي اللهَ تعالى؛ فكُفُّوا عن أذيَّتِهما، إنَّ اللهَ تعالى يُوفِّقُ عبادَه للتَّوبةِ، ويَقبَلُها منهم، وهو ذو الرَّحمةِ العظيمةِ بعِبادِه، ومِن رحمتِه أنْ هيَّأَهُم للتَّوبة، وقَبِلَها منهم وهذه الآية والتي قبلها منسوختان

إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ فَأُولَئِكَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا

إنَّما يَقبلُ اللهُ تعالى التَّوبةَ مِمَّن عَمِل عمَلًا سيِّئًا صدَر عن سَفَهٍ منه، وكلُّ عاصٍ لله عزَّ وجلَّ فهو جاهلٌ، وإنْ كان عالِمًا بالتَّحريمِ، إنَّ اللهَ تعالى يَقبَلُ توبةَ العبدِ إذا تاب حالَ حياتِه، قبلَ مُعايَنةِ الموتِ، فإنَّ هؤلاء الَّذين يَعملون السُّوءَ بجهالةٍ ثمَّ يتوبونَ من قريبٍ يَرزُقُهم اللهُ تعالى-دونَ مَن لم يَتُبْ- إنابةً إلى طاعتِه، ويَتقبَّلُ منهم أوْبَتَهم إليه، إنَّ اللهَ تعالى ذو عِلمٍ بكلِّ شيءٍ، ومِن ذلك: عِلمُه بمَن تاب إليه مِن عبادِه، وهو الحكيمُ الَّذي يَضعُ الأشياءَ في مواضعِها اللائقةِ بها، ومن حِكمتِه توبتُه على مَن تابَ مِن عِبادِه

وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ وَلَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَئِكَ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا

إنَّ مَن يرتكبون المحرَّماتِ لا يقبلُ الله عزَّ وجلَّ توبتَهم حينَ يأتيهم الموتُ ساعةَ الاحتضارِ وبُلوغِ الرُّوحِ الحُلْقومَ، ولا يَقبَلُ اللهُ تعالى أيضًا توبةَ مَن ماتوا على الكفر؛ فحالُهم أشبهُ بحالِهم في انعدامِ الرَّجاءِ في قَبولِ توبتِهم، إنَّ الكفَّارَ الَّذين ماتوا على كُفرِهم أعدَّ الله تعالى لهم عذابًا مُوجِعًا شديدًا

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا

يحرُمُ عليكم-أيُّها المؤمنون- أنْ تَستحوِذوا على زَوجاتِ مَن ماتَ مِن آبائكم وأقاربِكم، وكأنَّهنَّ مِن جملةِ تركتِهم، وذلك كأنْ تتزوَّجوهنَّ، أو تُزوِّجوهنَّ لغيرِكم، أو تمنعوهنَّ مِن الزَّواجِ، والحالُ أنَّهنَّ كارهاتٌ لذلك مُكرَهاتٌ عليه، ويحرُم عليكم-أيُّها الأزواجُ- أن تُضيِّقوا على أزواجِكم في العِشْرةِ وتقهروهنَّ؛ لتُلجِئوهنَّ إلى افتداءِ أنفُسِهنَّ منكم، بتركِ مُهورهنَّ أو بعضٍ منها، أو بتنازُلهنَّ عن أيِّ حقٍّ آخَرَ مِن حُقوقِهنَّ؛ لِتُفارِقوهنَّ، لكنْ يحلُّ لكم عَضْلُ زوجاتِكم والضِّرارُ بهنَّ بالعدلِ إذا وقَعْنَ في الزِّنا أو النُّشوزِ، حتَّى يَفتدينَ أنفُسَهنَّ منكم بالتَّنازُلِ عن بعضِ حُقوقِهنَّ-كالمهرِ أو بعضِه- مِن أجْلِ أنْ تفارقوهنَّ، وصاحِبوا-أيُّها الأزواجُ- زوجاتِكم كما أمرَكم الله تعالى، وذلك بالخُلقِ الحسَنِ، وصاحِبوهنَّ بأداءِ حُقوقِهنَّ مِن النَّفقةِ والكُسوةِ وغيرِ ذلك ممَّا أمَرَ الله تعالى به، وبما يَتعارَفُ عليه النَّاسُ ولا يُنكِرُه الشَّرعُ، وإنْ كرِهتُموهنَّ فعسى أن يكونَ صَبْرُكم مع إمساكِكم لهنَّ وكراهيتِهنَّ، فيه خيرٌ كثيرٌ لكم في الدُّنيا والآخِرةِ؛ كأولادٍ تُرْزَقُونَهم منهنَّ، أو تزولُ كراهَتُكم لهنَّ، وتَخْلُفُها محبَّتُهنَّ، وغير ذلك

وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَكَانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا

وإذا أراد أحدُكم -أيُّها الأزواجُ- أنْ يُطلِّقَ زوجتَه، ويتزوَّجَ بأخرى، والحالُ أنَّكم قد أمهرتُموهنَّ مهرًا كبيرًا، فإنَّه لا يحلُّ أخْذُ شيءٍ منه عَنوةً؛ لأنَّه حقُّها، والنَّهيُ عن ذلك بالأَوْلى لو كان المهرُ قليلًا، أتَأخُذون ما آتيتُموهنَّ مِن المهور كَذِبًا، وظُلمًا بغيرِ حقٍّ، وإثمًا ظاهرًا، قد أبان أمْرَ آخِذِه أنَّه بأخْذِه إيَّاه ظالمٌ لِمَن أخَذَه منه؟!

وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا

على أيِّ وجهٍ تأخُذون مِن نسائِكم ما أعطيتُموهنَّ مِن مهورٍ، والحالُ أنَّه قد حصلَت بيْنَكم عَلاقةُ استمتاعٍ وجماعٍ، وقد أخَذ نساؤكم منكم-أيُّها الأزواجُ- عهدًا شديدًا مؤكَّدًا، وذلك بعقدِ النِّكاحِ، والقيام بحقوقهنَّ، ومِن ذلك: إمساكُهنَّ بمعروفٍ، أو تسريحُهنَّ بإحسانٍ؟!

وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَمَقْتًا وَسَاءَ سَبِيلًا

لا تَتزوَّجوا-أيُّها المؤمنونَ- زوجاتِ آبائِكم مِن بَعدِهم، إلَّا ما وقَع منكم مِن ذلك في جاهليَّتِكم، أو قبلَ تحريمِه؛ فإنَّه معفوٌّ عنه، إنَّ تزوُّجَكم بزوجاتِ آبائِكم لَهُوَ فِعلٌ في غايةِ البَشاعةِ والقُبحِ، وهو أمرٌ يُبغِضُه اللهُ تعالى، ويُبغِضُه النَّاسُ، وبِئْسَ هذا الأمرُ طريقًا لِمَن سلَكه!

حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ وَعَمَّاتُكُمْ وَخَالَاتُكُمْ وَبَنَاتُ الْأَخِ وَبَنَاتُ الْأُخْتِ وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ وَحَلَائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلَابِكُمْ وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا

حرَّم اللهُ عزَّ وجلَّ عليكم -أيُّها المؤمنونَ- التَّزوُّجَ بأمهاتِكم، وبناتِكم، وأخواتِكم، وعمَّاتِكم، وخالاتِكم، وبناتِ إخوانِكم، وبناتِ أخَواتِكم؛ فهؤلاء محرَّماتٌ على الرَّجُلِ من جِهة النَّسبِ، وحرَّم اللهُ تعالى أيضًا عليكم أيضًا نِكاح أمَّهاتِكم، وأخواتِكم مِن جِهةِ الرَّضاعةِ، وحرَّم عليكم أيضًا نكاحَ أمِّ الزَّوجةِ مطلقًا، سواءٌ دخلتُم بابنتها أو لم تَدخُلوا، وحرَّمَ عليكم أيضًا نِكاح بناتِ زَوجاتِكم اللَّاتي جامعتُموهنَّ، فإنْ لم تكونوا دخلتُم بزوجاتِكم فلم تُجامِعوهنَّ حتَّى طلَّقتموهنَّ، فلا حرجَ عليكم في نِكاحِ بناتِهنَّ، وحرَّم عليكم أيضًا نِكاحَ زوجاتِ أبنائِكم الَّذين ولدتُموهم، سواءٌ دخلوا بهنَّ أو لم يَدخُلوا، وحرَّم عليكم أيضًا الجمْعَ بين الأختَينِ بنكاحٍ، إلَّا ما وقَعَ منكم في جاهليَّتِكم أو قبلَ تحريمِه، فإنَّه لا إثمَ عليكم فيه، إنَّ اللهَ تعالى غفورٌ، يَستُرُ ذُنوبَ عِبادِه ويَتجاوَزُ عنها، وهو الرَّحيمُ بهم، ومِن رحمتِه مغفرتُه لذُنوبِهم