التفسير المحرر

التفسير المحرر

تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ ۘ مِّنْهُم مَّن كَلَّمَ اللَّهُ ۖ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ ۚ وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ ۗ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِن بَعْدِهِم مِّن بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَلَٰكِنِ اخْتَلَفُوا فَمِنْهُم مَّنْ آمَنَ وَمِنْهُم مَّن كَفَرَ ۚ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا وَلَٰكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ (253)

اللغة: العربية
إعداد:
الإصدار: 1.0
ترجمات 1
إنجليزي
المرفقات 7
PDF
Audio
Video
+3

تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ ۘ مِّنْهُم مَّن كَلَّمَ اللَّهُ ۖ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ ۚ وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ ۗ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِن بَعْدِهِم مِّن بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَلَٰكِنِ اخْتَلَفُوا فَمِنْهُم مَّنْ آمَنَ وَمِنْهُم مَّن كَفَرَ ۚ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا وَلَٰكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ (253)

هؤلاء الرُّسل الكرام ليسوا على منزلةٍ واحدة في الفضائل، بل مايَزَ اللهُ تعالى بينهم؛ فهُم مراتبُ مُتفاوِتة: فمنهم مَن اختصَّه الله تعالى بتكليمه مباشرةً؛ كموسى عليه السَّلام، ومنهم مَن رفَعه الله تعالى على غيره من الرُّسل درجاتٍ؛ كمحمَّدٍ صلَّى الله عليه وسلَّمَ، وهو أفْضلُهم، وأعلاهم درجةً، وأعْطى اللهُ تعالى عيسى ابن مريمَ من الحُجَج القاطعة، والمعجِزات السَّاطعة، والإنجيل الذي أُنزِل إليه من ربِّه، ما يدلُّ على صِدْق رِسالته، وصحَّةِ ما جاء به، وقد أيَّده الله تعالى بجبريلَ؛ يُقوِّيه ويُعينه، ولو أراد اللهُ تعالى أنْ لا يَقتَتِلَ أولئك الذين أَتَوا من بعد الرُّسل، مِن بَعْد أنْ جاءهم مِن آيات الله تعالى ما يُوضِّح لهم الحقَّ، ويُرشِدهم إلى طريقِه- لو أراد الله تعالى أنْ لا يَقتتِلوا، ما اقتَتَلوا؛ فالأمرُ إليه وحْده جلَّ وعلا، ولكن السَّبب الذي أَوجَب قتالَهم هو اختلافُهم في تلك البيِّنات الموجِبة لاجتماعهم على الإيمان بالله تعالى ورُسله عليهم السَّلام؛ فمنهم مَن آمن، ومنهم مَن كفر، ولو أراد الله عزَّ وجلَّ أن يَحجُزَهم عن القِتالِ بعِصمته وتوفيقِه، لَمَا اقتَتَلوا ولا اختَلَفوا؛ ولكن الله يفعل ما يريد، وإرادتُه غالبة، ومشيئته نافذة، وهو سبحانه يَفعل ما اقتضتْه حِكمتُه، فيُوفِّق مَن يشاء فضلًا، ويَخذُل مَن يشاء عدلًا.

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خُلَّةٌ وَلَا شَفَاعَةٌ وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ (254).

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أنفقوا ممَّا أعطيناكم من الخير صدقةً؛ واجبة كانت أو مُستحبَّة، قبل مجيء اليوم الآخِر الذي يَنقطِع فيه العمل، ولا يَملِك الكُفَّارُ فيه شيئًا يُنفِقونه لله تعالى، ولا مالَ لديهم يَفتدون به من عذابه عزَّ وجلَّ، ولا صديق حميم يَنصرُهم، ولا ثمَّ شافعٌ يَشْفع لهم عند الله تعالى، فيدفع عنهم ضرًّا، أو يَجلِب لهم خيرًا. وإنَّ هؤلاء الكفَّار هم الظالمون أنفسهم بما أتوا من الأفعال التي ليس لهم فِعْلُها مما يوجب لهم العقوبة

اللهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَا يَؤُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ (255).

لا أحدَ معبودٌ بحقٍّ سوى الله تعالى؛ فهو وحده المستحِقُّ للعبادة حبًّا وتعظيمًا له تعالى وهو الحي الذي له الحياة الكاملة، التي لم يَسبِقها عَدَمٌ، ولا يَلحَقها زَوال، المُستلزِمة لجميع صِفاتِ الكمال، وهو أيضًا القائم بنفسه؛ فلا يحتاج لأحد، القائمُ بأمور خَلْقه من الرِّزق وغيره؛ فكلُّ الموجودات إليه مُفتَقِرة، ولا قِوام لها بدونه، وهذه القَيُّوميَّة مُستلزِمةٌ لجميع أفعال الكمال، ومِن كمال حياته وقيُّوميَّته أنَّه لا يَعتريه سبحانه نُعاسٌ، ولا يَغلِبه نومٌ، وإنَّه يَملِك وحده جميعَ ما في الكون بغير نِدٍّ ولا شريك، والجميعُ عبيده ومملوكون له، ولا أحدَ يتجاسَر على الشَّفاعة عنده إلَّا بعد إذنه جلَّ وعلا، يعلم ما بين أيدي خلقه من الأمور الماضية، ويعلم أيضًا ما خلفهم من الأمور المستقبلة، وإنَّ سائر من دونه سبحانه لا يعلمون من علم الله تعالى شيئًا البتَّةَ، إلَّا ما علَّمهم الله تعالى بمشيئته، وقد أحاطَ كرسيه - وهو موضِع قَدَمَيه سبحانه- بالسَّموات والأرض على اتِّساعهما وعظمتهما. ولا يُثقِله ولا يَشقُّ عليه حِفْظ السَّموات والأرض، بل ذلك سَهْلٌ عليه ويسير، وإنَّه تَبارك وتقدَّس ذو العُلُوِّ المطلَق على كلِّ مخلوقاته، فهو عليٌّ بذاته فوق عرشه، عليٌّ على خَلْقه بقهره، وكمال صفاته، وهو ذو العَظمة المطلَقة في ذاته وصفاته وسُلطانه، وكلُّ ما سواه حقيرٌ بين يديه، صغيرٌ بالنِّسبة إليه، فلا شيءَ أعظم منه سبحانه وتعالى.

لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لَا انْفِصَامَ لَهَا وَاللهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (256).

لا ينبغي أن تُرغِموا أحدًا على اعتناق الدِّين الإسلامي؛ إذ لا حاجةَ لذلك؛ فهو أمرٌ واضحٌ وجَلِيٌّ، فقدْ تَميَّز الرشد من الضَّلال فمَن يكفر بالطَّاغوت -وهو كلُّ ما تَجاوَز به العبدُ حدَّه، من معبود، أو متبوع، أو مُطاع- ويتبرَّأ منه ومن عبادته وطاعته، ويؤمن بالله تعالى وحده برُبوبيَّته وأُلوهيَّته، ووأسمائه وصفاته، ويمتثل أمره ويجتنب نهيه، فإنَّه قد تَمسَّك تمسُّكًا شديدًا بأقوى رِباط، وأَحْكمِ أمر، وهو دِينُ الله تعالى الحقُّ المبرَم، وهو أَوثَق ما يُتمسَّك به لطلب العِصمة والنَّجاة، فيبقى ثابتًا على الحقِّ، مستقيمًا عليه، دون أن يَخشى انقطاعًا وانفكاكًا بخِذلان الله تعالى له وإسلامه إلى التَّهلُكة، وإنَّ الله تعالى سميع يسمعُ كلَّ شيء ومن ذلك الأقوال عليم يعلمُ كلَّ شيء سبحانه ومن ذلك النيات والأعمال، فيُجازي كلَّ إنسان بحسب عمله؛ إنْ خيرًا فخير، وإنْ شرًّا فشر

اللهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (257).

الله يتولَّى على الدوام الذين آمنوا بعونه ونصره وتأييده وتوفيقه يخرجهم من ظلمات الضَّلال والكفر، إلى نور الإيمان والهداية واليقين، وإنَّ الكفار يتولَّاهم الطواغيت سواء كانوا متبوعين، أو معبودين، أو مطاعين؛ فهم حلفاؤهم الذين يؤيِّدونهم ويُعينونهم، يُخرِجونهم من الإيمان والهدي إلى الكُفْر والضلال، هؤلاء أصحاب النار، الملازمون لها يمكثون فيها بلا نهاية

أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آتَاهُ اللهُ الْمُلْكَ إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (258).

ألم تَنظُر يا محمَّد، بقلبك مُتعجِّبًا من هذا المَلِك الذي خاصَم إبراهيمَ عليه السلام، وناظَرَه في وجود ربِّه ورُبوبيَّته وأُلوهيَّته؟ وما حمَله على هذا ذلك إلَّا طغيانُه وتجبُّره؛ بسبب تملُّكه على رعيَّته مُلْكًا لا يُنازِعه أحدٌ فيه لمدَّةٍ طويلة، فاستكبَر وبغى، فأَنكَر وجودَ العليِّ الأعلى، حين قال إبراهيمُ عليه السَّلام ربي الخالق المالك المدبِّر، المُنفرِد بأنواع التصرُّف، هو الذي يُحْيِي ما كان ميتًا ممَّا يَشاء مِن خَلْقه، ويُميتُ مَن أراد إماتتَه من الأحياء، فردَّ عليه المَلِك مُستكبِرًا ومُوهِمًا بأنَّه يَملِك فِعْلَ ذلك أيضًا، غير مُنكِر أنَّ الله تعالى يفعله؛ فقال: أنا أحيي وأميت، فجعل استبقاءه مَن أراد قتْله، إحياء منه له، وقتْلَه لآخَر إماتة له، تلبيسا وتمويها فردَّ عليه إبراهيم عليه السَّلام قائلًا: هذه الشَّمس الظَّاهرة للعِيان يُحرِّكها اللهُ الذي أَعبُده، فيأتي بها كلَّ يوم لتَطلُع من جِهة المَشرِق، فإن كنتَ إلهًا تُحيي وتُميت كما تَزعُم، فاجعلْها تَطلُع من جِهة المغرب، ولَمَّا عَلِم هذا المُحاجِجُ عجزَه وانقطاعَه تَحيَّر واندهش، فأُخرِس مغلوبًا، وبَطَلت حُجَّته، وقامت عليه حُجَّة الحقِّ، وإنَّ الله تعالى لا يُوفِّق أهلَ الباطلِ الذين ظلموا أنفسَهم بإيثارهم الكُفْرَ على الإيمان، بل يُبقِيهم على كُفْرهم وضَلالهم

أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا قَالَ أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللهُ بَعْدَ مَوْتِهَا فَأَمَاتَهُ اللهُ مِئَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ قَالَ كَمْ لَبِثْتَ قَالَ لَبِثْتُ يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالَ بَلْ لَبِثْتَ مِئَةَ عَامٍ فَانْظُرْ إِلَى طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ وَانْظُرْ إِلَى حِمَارِكَ وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنَّاسِ وَانْظُرْ إِلَى الْعِظَامِ كَيْفَ نُنْشِزُهَا ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْمًا فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ قَالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (259).

أو أَلَمْ تَنظُر أيضًا يا محمَّد بقلبك، مُتعجِّبًا من هذا الرجل الذي مرَّ على قرية فارِغةٍ، قد فَنِي أهلُها فماتوا جميعًا، وقد سقطت سُقُوفُها، وخرَّت الجِدران عليها، فخَرِبتْ أبنيتُها فتساءل مُستبعِدًا كيف يُمكِن عَوْد الحياة إلى ما كانت عليه سابقًا، فأراد الله تعالى أن يُريَه قُدرتَه على ما استَبْعَدَه، فقبَض رُوحَه، وظلَّ مَيِّتًا لمدَّة مئة عامٍ كاملة، ثم أحياه الله عزَّ وجلَّ، قال: كم مكثت في هذا المكان، فأجاب- شاكًّا- : مكثت يومًا كاملًا أو جزءًا من يوم، ظنًّا منه أنَّه كان نائمًا فاستيقظ، قال: بل مكثتَ مئة عامٍ بتمامها، فانظُرْ أولًا إلى ما بحوزتك من طعامٍ وشراب، فإنه لم يتغيَّر مُطلَقًا بمرور كلِّ تلك السِّنين، خلافًا لما جرتْ به العادة، فإنَّ الطعامَ والشَّراب من أسرع الأشياء تغيُّرًا، وانظُر إلى حمارك، وقد مات وتمزَّق لحمُه وجِلدُه، وتفرَّقت أوصالُه، وبَدَتْ عِظامُه النَّخِرة؛ فانظر كيف يُحيِيه اللهُ عزَّ وجلَّ، وقد أمتناك مِئةَ عامٍ، ثمَّ بعثناك لنُصيِّرك حُجَّةً ودليلًا وعلامةً مرئيَّةً على قدرة الله تعالى على فِعْل ما يشاء مِن إحياء وإماتة، وعلى إثبات البعثِ من القبور يوم القيامة؛ وذلك لمن عرَفه مِن ولدِه وقومه ممن عَلِم موته، فرأوا ذاته وتحقَّقوا صفاتِه، ولعموم النِّاس كذلك، وانظُر عيانًا إلى تلك العِظام البالية المتفرِّقة لحمارك، وشاهِدْ كيف نُحْييها، وهي ترتفعُ من الأرض فتتَّصلُ ببعضها، فنردُّها إلى مواضعها من الجسد، ونَستُرها باللَّحمِ بعد التئامها، فلما اتَّضح له ما كان مُستبعِدًا وقوعه، وظهر له عيانًا، قال: أُوقِن مطمئنًّا الآن- أكثرَ من أيِّ وقت مضى- بقُدرةِ الله، التي ليستْ لها حدودٌ.

وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ اجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءًا ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْيًا وَاعْلَمْ أَنَّ اللهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (260).

واذْكُرْ يا محمَّد، حين قال إبراهيمُ عليه السَّلام ربِّ أرني بعيني كيف تحيي الموتى، فقال الله له: أَوَلستَ قد آمنتَ، فلِمَ تَطلُبُ هذه الرؤيةَ؟ قال إبراهيم بلى قد آمنت، ولكن ليزدادَ قلبي إيمانًا وطُمأنينةً، فأجاب اللهُ تعالى طلبَه، قال: فخذ أربعةَ طيور، واضممهن إليك واذبَحهنَّ وقطِّعهنَّ، ثم فرق أعضاء الطُّيور الأربعة التي قطَّعتهنَّ، بتَبدِيدهنَّ أجزاءً على رؤوس عدَّة جبالٍ؛ لتكون ظاهرةً للعِيان، ثم نادهنَّ، يأتينك ويُقبِلنَ إليك مُسرِعات، واعْلَم يا إبراهيمُ، أنَّ الله عزيز له كمالُ العِزَّة، فلا يَغلِبه شيءٌ، ولا يَستعصي عليه شيٌء أراده، وأنه حكيم فأفعاله وأقواله وأقداره وشرائعه كلها صادرةٌ عن كمال حِكْمته

مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِئَةُ حَبَّةٍ وَاللهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (261).

مثل مَن يُنفِق في أوجه الخير والبِرِّ ابتغاءَ مَرْضات الله تعالى- ومن ذلك النَّفقة في الجهاد في سبيله- كالذي غيَّب في أرضٍ طيِّبة زكيَّة بَذرةً صالحةً للنُّمو، فأخرجتْ سَبْع سنابل، وقد اشتملت كلُّ واحدة منها على مِئة حَبَّة، فكانت النتيجة سبعَمِئة حبَّة، خرجت من حبَّة واحدة، فكذلك النَّفقة الطَّيِّبة يُنمِّيها الله عزَّ وجلَّ لبَاذِلها، ويُضاعِف له أجرَها سبعمِئة مرَّة، والله تعالى يُضاعِف هذه المضاعفةَ وأكثرَ منها، بحسَب مشيئته، وَفْق ما تَقتضيه حِكمتُه والله واسعُ الفضل والعطاء، عليمٌ بمن هو أهلٌ لهذا الأجر، ومَن لا يَستَحِقُّه

الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللهِ ثُمَّ لَا يُتْبِعُونَ مَا أَنْفَقُوا مَنًّا وَلَا أَذًى لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (262).

إنَّ الذين يَبذُلون أموالَهم في أوجه الخير، ابتغاءَ مرضاة الله تعالى، ثم لا يعقبون ذلك بالمن على مَن أَنفَقوا عليه، سواء بالقلب، أو اللسان كأنْ يُخبِروه بأنَّهم تفضَّلوا عليه بمنحه شيئًا، وأنَّه مَدين لهم لِقاء معروفهم، وكذلك لا يعقبون نفقتهم بقول أو فعل مكروه للمُنفَق عليه، هؤلاء يَستحِقُّون ثوابًا من الله تعالى وحده، قد تَكفَّل به مُقابِلَ صنيعهم هذا، فهو مُوفِّيه إيَّاهم لا محالة، ولا خوف عليهم فيما يستقبلونه، ولا هم يحزنون على ما مضى

قَوْلٌ مَعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِنْ صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَا أَذًى وَاللهُ غَنِيٌّ حَلِيمٌ (263).

قول معروف تَعرِفه القلوبُ ولا تُنكِره، يرد به السائل كردِّه بالقول الجميل والدُّعاء الطَّيِّب له، وغير ذلك ممَّا يُدخِل السُّرورَ على قلبه، وعفو ومسامحة عمَّا قد يصدر من السائل أفضلُ مُطلَقًا من صدقة يعقبها أذِية وإساءة، والله تعالى غنيٌّ عن خَلْقه، وعمَّا يتصدَّقون به؛ وهو حليمٌ سبحانه، لا يُعاجِلُ بالعقوبة مع قُدْرته على ذلك

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى كَالَّذِي يُنْفِقُ مَالَهُ رِئَاءَ النَّاسِ وَلَا يُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوَانٍ عَلَيْهِ تُرَابٌ فَأَصَابَهُ وَابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلْدًا لَا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِمَّا كَسَبُوا وَاللهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ (264).

يا أيها الذين آمنوا لا تبطلوا أجر ما تبذُلونه من الصدقات بالمنّ والأذى ، فيكون حالُكم حينئذٍ موافِقًا لحال المنافِق الذي يَبذُل مالَه لأجل أن يُرِيَ النَّاسَ صَنيعَه؛ ليَحمَدوه ويُثْنوا به عليه، وهو كافر لا يؤمن بالله تعالى ولا بالآخرة، فمثل هذا المنافق المرائي كمثل حجر أملس عليه تراب يعلوه فنزل عليه مطر غزير فتركه صلبًا أملس كما عُهِد من قبلُ، وخاليًا لا شيءَ عليه من ترابٍ فالناس يرون في الظَّاهر أنَّ لهؤلاء أعمالا كما كما يرون التُّراب على هذا الحجر يَظنُّون أنه أرضٌ طيِّبة صالحة للإنبات فإذا كان يوم القيامة اضمحلَّ كلُّه وبطل كما أذهب المطر ما كان على الصفوان فتبين أنه حجر لا نفع فيه. لا يقدرون على الانتفاع بثواب شيء من إنفاقهم ولا أعمالهم التي كسبوها والله لا يُوفِّق الكفارَ لقَبُول الحقِّ وإصابته في نَفَقاتهم وغيرها

وَمَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللهِ وَتَثْبِيتًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ أَصَابَهَا وَابِلٌ فَآتَتْ أُكُلَهَا ضِعْفَيْنِ فَإِنْ لَمْ يُصِبْهَا وَابِلٌ فَطَلٌّ وَاللهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (265).

ومثل الذين يُنفِقون أموالَهم صدقةً في أوجه الخير والبِرِّ التي يُحبُّها الله تعالى، كالجهاد في سبيله؛ دون منٍّ أو أذًى، وإنَّما طلبًا لنيل رِضوان الله عزَّ وجلَّ، وقد أَقدَموا صادِقين على البذل من جِهة أنفسهم، فأنفقوا بعزائمَ قويَّة، مُتحقِّقين ومُوقِنين بوعد الله تعالى على إثابته المنفقين، مثل نفقة أولئك المنفقين المخلِصين الصادقين كمثل بُستان غزير الأشجار والظِّلال، وهو على مكانٍ مُرتفِع من الأرض فكان خصيبًا جدًّا؛ نزل على هذا البستان مطرٍ غزير، فتضاعف إنتاجُ ثمرِه مرَّتين ، فإن لم ينزل عليه مطر غزير نزل عليه مطرٌ خفيف، كالرَّذاذ، يَكفيه ليُؤتي ثمارَه مضاعفةً؛ بسبب كَرَم مَنْبته وطِيب مَغرَسه، فهذه الجنَّة لا يُعدَم منها حصولُ الخير بحالٍ من الأحوال. فكذلك المؤمن المنفِق يُضاعِفُ الله تعالى صدقتَه قلَّت أو كَثُرت، فلا تَبور أبدًا، وإنَّ ما تَعمَلونه- أيُّها النَّاس- من الإنفاق وغيره، هو بمَرْأًى مِن الله تعالى، لا يَخْفى عليه، ويُجازيكم عليه، إنْ خيرًا فخير، وإن شرًّا فشر

أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَنْ تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ لَهُ فِيهَا مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ وَأَصَابَهُ الْكِبَرُ وَلَهُ ذُرِّيَّةٌ ضُعَفَاءُ فَأَصَابَهَا إِعْصَارٌ فِيهِ نَارٌ فَاحْتَرَقَتْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللهُ لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ (266).

هل يرغب أحدٌ منكم في أن يمتلك بُستانًا ذا أشجارٍ كثيرة، فيه أشجار النَّخيل والعِنَب، وتجري في أرضه المياهُ العَذْبة المتفرِّقة في أنحائه، فتسقيه بلا تعبٍ ولا مؤونة، ويشتمل أيضًا على جميع أصناف الثِّمار الشهيَّة، وكبِرتْ سنُّ صاحبِ البستان فلا يقدر على العمل والكسب، وله عيالٌ صغار ضعفاء لا يستطيعون العمل يقومُ هو بحاجاتهم، فاجتاح البستان إعصار وهو ريحٌ عاصفٌ تستديرُ في الأرضِ، ثم ترتفعُ في طبقاتِ الجوِّ كالعمود، وقد احتوت على نارٍ أحرقتْ ذلك البستان، فأصبح صِفرَ اليدين بلا شيء يملكُه. فكذلك مَن أنفق لوجهِ الله تعالى بادئَ الأمرِ، فنفقتُه بمنزلةِ البذرِ للزُّروعِ والثِّمارِ، ولا يزال ُكذلك حتى يحقِّقَ مِن عملِه هذا حسناتٍ عظيمةً، بمثابة جنةٍ غنَّاء، في غايةِ الحسنِ والبهاءِ، لكنه أفسدَ نفقاتِه بما يُبطلُ الأجرَ، كالمنِّ والأذَى، وذلك بمنزلةِ الإعصارِ الذي فيه نارٌ، فأحرق جنتَه، وهو أحوجُ ما يكون إليها، فكذلك إذا مات أصبح في حالٍ لا يقدرُ معها على العملِ الصالحِ، ولا له نصيرٌ أو شفيعٌ، فيجدُ أنَّ نفقاتِه التي يرجو نفعَها قد صارت هباءً منثورًا، وكما بيَّن لكم ربُّكم جلَّ وعلا أمرَ النَّفقة في سبيله، كذلك يُبيِّن لكم الآياتِ التنزيليَّة والكونيَّة، فيعرِّفكم أحكامَها وحلالَها وحرامها، ويُوضِّح لكم حُججَها؛ لتتفكَّروا بعقولكم فتتدبَّروا وتعتبِروا وتَفهَموا الأمثالَ والمعاني، وتُنزِلوها على المراد منها؛ لتُطيعوا الله جلَّ وعلا

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ (267).

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجعلوا نفقتكم التي تنفقونها في سبيل الله من الحلال الطيب من أموالكم التي اكتسبتموها بالتِّجارة وغيرها، ومن الحلال الطيب من الثِّمار والزروع وغيرها التي أخرجها لكم من الأرض، ولا تَقصِدوا الرَّديء من أموالكم فتنفقوا منه، وتُمسِكوا الجيِّد لأنفسكم؛ فإنَّكم لو أعطيتموه لم تأخذوه إلَّا على وَجْه التَّسامح والتغاضي عن رداءته، واعلموا أيُّها النَّاس، أنَّ الله عزَّ وجلَّ غنيٌّ عنكم وعن أعمالكم، وعن صدقاتكم. واعلموا أنَّه سبحانه المحمودُ على جميع صِفاته وأفعاله وأقواله وشَرْعه وقَدَره، وهو عزَّ وجلَّ يَحمَد مَن يَستحِقُّ الحمد من عباده .

الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ وَاللهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ وَفَضْلًا وَاللهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (268).

الشيطان يخوِّفكم- أيُّها المؤمنون- بالافتقار إن تصدَّقتم، ويأمركم بالإمساك والبخل وغير ذلك من قبائح المعاصي والمنكرات وإنَّ الله عزَّ وجلَّ يَعِدُكم- أيُّها المؤمنون- بأنْ يَسترَ عليكم ما ارتكبْتُموه مِن الذنوب، ويتجاوزَ عن مؤاخذتِكم بها،كما يعدُكم بأن يعوِّضَكم عمَّا تصدقتم به، بمنحِكم المزيدَ مِن الأجورِ والأرزاقِ في الدنيا والآخرة، وإنَّ الله تعالى واسع الفضل، واسع الصِّفات، وهو عليمٌ بمن يَستحِقُّ فضْله منكم، وعليم بنفقاتكم التي تُنفِقون، فيُحصيها لكم ويُجازيكم بها من سَعَة فضله

يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ (269).

يُعطي الله مَن يشاء من عباده معرفةَ الحقِّ، والمقصود منه، والعمل به، وبذلك يتمكَّن من الإصابة في القول والعمل، وتنزيل الأمور منازِلَها. ومن يُعطَ تلك الحِكمة من العباد، فيخرج من ظُلْمة الجهل إلى نورِ الهُدى، ومن حُمْق السَّفه والانحراف في الأقوال والأفعال، إلى إصابة الصَّواب فيهما، وحصول التَّوفيق والسَّداد، فقد مُنح خيرًا عظيمًا، ولا يتَّعظ بما وعظ به الله تعالى في آياتِه المُنفِقين أموالَهم وغيرَهم، فيَذكُر وعدَه ووعيدَه، فيَنزجِر عمَّا زجره عنه ربُّه، ويُطيعه فيما أمره به سبحانه، إلَّا أصحابُ العقول الكاملة، الذين يَعقِلون بها عن الله عزَّ وجلَّ أمرَه ونهيه

وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ نَفَقَةٍ أَوْ نَذَرْتُمْ مِنْ نَذْرٍ فَإِنَّ الله يَعْلَمُهُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ (270).

أَيَّ صدقة بذلتموها، أو أيَّ نَذْر نَذرتموه، فإنَّ الله تعالى لا يَخْفى عليه من ذلك شيء، فيعلم نيَّتَكم بها، ويعلم ما قدَّمتم منها، فيُحصيه عليكم ويُجازيكم به، إنْ خيرًا فخير، وإنْ شرًّا فشر، وليس للظالمين الذين يمنعون ما وجب عليهم من النفقات أو لا يوفون بالنذر، أو كانت نفقتُهم أو نَذْرهم في غير طاعة الله عزَّ وجلَّ، ليس لهم أحد يَنْصُرهم من الله يوم القيامة

إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَيُكَفِّرُ عَنْكُمْ مِنْ سَيِّئَاتِكُمْ وَاللهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (271).

إنْ تُظهِروا الصَّدقاتِ فتُعطوها علانيةً، فنِعْم الشيءُ هي؛ لحصول المقصود بها، ما دام أنَّها لأجْل الله تعالى، وإنْ تَستروا صدقتَكم غيرَ المفروضة عليكم، فتُعْطوها الفقراءَ في السرِّ، فإخفاؤكم إيَّاها أفضلُ لكم من إظهارها وإعلانها، ويمحو ويَسْتُر بها من ذنوبكم، والله عزَّ وجلَّ ذو علمٍ ببواطن الأمور وظواهِرها، لا يَخْفى عليه شيءٌ من أعمالكم ونيَّاتِكم مُطَّلِعٌ على ما تعملون في صدقاتِكم، من إعلانٍ بها وإسرار، وعلى غير ذلك من أعمالكم، فيُحصيها لكم ويُجازي كلًّا بعمله

لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَكِنَّ اللهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَلِأَنْفُسِكُمْ وَمَا تُنْفِقُونَ إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللهِ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ (272).

ليس عليك- يا محمَّد- هداية الخَلْق إلى الإسلام هدايةَ توفيقٍ، ولكنَّ الله تعالى هو الَّذي يَهدي وحده مَن يشاء من خلْقه إلى الإسلام فيُوفِّقهم له وإنَّ كلَّ ما تَبذُلونه صدقةً من الأموال- قليلةً أو كثيرةً- على أيِّ شخص- مسلمًا كان أو كافرًا- فنفْعُه في الحقيقة عائدٌ إليكم، وليس لله تعالى حاجةٌ به، وما تنفقون إنفاقًا ينفعكم إلا ما ابتغيتم به وجه الله فكان خالصا له سبحانه، وإنَّ أيَّ مالٍ تَتصدَّقون به، قليلًا كان أو كثيرًا؛ فإنَّ أجره يُؤدَّى إليكم في الآخرة كاملًا من غير نَقْص؛ فلا يَضيع عنده سبحانه مثقالُ ذرَّةٍ من ذلك

لِلْفُقَرَاءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللهِ لَا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فِي الْأَرْضِ يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُمْ بِسِيمَاهُمْ لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللهَ بِهِ عَلِيمٌ (273).

اجعلوا صدقاتِكم للمُعْدَمين، الخاليةِ أيديهم من أيِّ شيء يقوم بمعيشتهم، لمَن حبَسوا أنفسَهم على الجهادِ في سبيل الله تعالى، لا يستطيعون تقلُّبًا في الأرض، وسفرًا في البلاد؛ ابتغاءَ المعاش وطلب الرزق، يَحسَبهم الجاهلُ بأمرهم وحالهم ممَّن لا فِطْنة لديه، أغنياء من شدَّة تَرْكهم التَّعرض لما في أيدي الناس، وكِتمانهم حاجتهم، لكن بإمكان ذوي الألباب تمييزُهم بالتَّوسُّم والتَّفرُّس فيهم، وعلى رأسهم محمد صلَّى الله عليه وسلَّمَ، فيعلمون حقيقةَ حالهم من خلال علاماتهم، وآثار الحاجة البادية عليهم، أو غير ذلك. لا يسألون الناس ملحين في السؤال فهذا الصِّنف من الفقراء هو أَوْلى المستحِقِّين للصَّدقة، وإنَّ كلَّ ما تُنفِقونه من أيِّ خيرٍ كان قليلًا أو كثيرًا، فإنَّ الله تعالى يعلمه، ويُحصيه لكم، وسيَجزيكم عليه أتمَّ الجزاء

الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرًّا وَعَلَانِيَةً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (274).

الَّذينَ يُنْفِقونَ أموالَهم في أيِّ وقتٍ كان ليلًا أو نهارًا، وعلى أيِّ حالٍ وُجِد سرًّا أو علانيةً، فلهم يوم القيامة أجرٌ عظيمٌ عند الله تعالى، ولا يُصيبهم خوفٌ على ما يُستقبَل، ولا يَعْتريهم حزنٌ على ما مضَى، فيفوزون بحصول المرغوب، والنَّجاة من المرهوب

الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا وَأَحَلَّ اللهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللهِ وَمَنْ عَادَ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (275).

الذين يأخذون الرِّبا ويتعاملون به، إنَّما يقومون في الآخرة من قُبورهم لبَعْثهم ونُشُورهم، كهيئةِ المصروعِ الذي أصابه الشيطانُ بالجنونِ ، وهذا الذي يُصيبهم يومَ القيامة، من أجل أنهم كانوا في الدنيا يَكذِبون فيقولون اعتراضًا على أحكام الله تعالى في شَرْعه -: إنَّما البيعُ الذي أحلَّه الله لعباده مِثْلُ الرِّبا؛ فكلاهما وسيلتان للتَّكسُّب؛ فِلمَ حُرِّم هذا وأُبيح هذا؟ فكذَّبهم الله في قيلهم هذا؛ بأنَّ الله تعالى المُستحِقَّ للعبادة وحده هو الذي أحلَّ الأرباحَ في التجارة والشراء والبيع، وحرَّم أخْذ الزِّيادة بالباطل، وليسا سواءً، فمَن بلَغه النَّهي عن الرِّبا والتحذير منه، فكَفَّ عنه وانزَجَر، فله ما أكَل منه وأخَذ فيما مضى قبل نزول تحريمه، وشأن آكِله إلى الله تعالى في توفيقه أو خِذلانه، وكذا عفوُه أو عُقوبته، فيما يَستقبِل من زمانه، فإنْ عَلِم مِن قلبه صحَّةَ توبتِه، غفَر له، وإلَّا عاقبه على ذلك. ومَن عاد لأكلِ الرِّبا بعدَ بلوغِه تحريمُه مستحلًّا له، وعاد إلى القولِ بأنَّ البيعَ مثلُ الرِّبا، وأصرَّ على ذلك، فقد استوجب عقوبةَ اللهِ تعالى بملازمةِ نارِه خالدًا فيها

يَمْحَقُ اللهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ وَاللهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ (276).

يُذهِب الله تعالى مكاسبَ الرِّبا بالكُليَّة من يد صاحبها، أو يَحرِمه بركتَها؛ فلا يَنتفِع بها، بل يُعذِّبه بها في الدنيا، ويُعاقِبه عليها يوم القيامة، بينما يُنمِّي أجرَ الصَّدقات لصاحبها حتى تَتضاعَف، وإنَّ الله تعالى لا يحبُّ كلَّ من كان كثيرَ الكُفْران، مُصرًّا على الكُفْر بنِعَمه، مقيمًا على ذلك، مُستحِلًّا أكْلَ الرِّبا، متماديًا في الإثم فيما نهاه عنه من أكْله وتَعاطِيه، وغير ذلك من معاصيه، لا يَرْعوي عنه، ولا يتَّعِظ بموعظة ربِّه

إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (277).

إنَّ الذين آمنوا بما يجب الإيمان به وعمِلوا الصَّالحات التي أمرهم الله عزَّ وجلَّ بها، وأَدَّوُا الصَّلاةَ تامة بشروطها وأركانها، وواجباتها وسُنَنها، وأَعْطَوا الزَّكاة المفروضة عليهم في أموالهم لمُستحقِّيها، فأولئك لهم ثوابُهم عند الله جلَّ وعلا، ولا خوف عليهم ممَّا يَستقبِلون، ولا هم على ما مضى يَحزنون

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (278).

يا أيُّها المؤمنون، امتثِلوا ما أَمَركم الله تعالى به، وانتَهُوا عمَّا نهاكم عنه، فاتركوا ما لكم على الناس من الزِّيادة على رؤوس الأموال من المعاملات الحاضِرة التي بأيديكم، بعد هذا الإنذار الذي تلقَّيتُموه، إنْ كنتم صادقين حقًّا في إيمانكم

فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللهِ وَرَسُولِهِ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُؤوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ (279).

فإنْ لم تتركوا ما بقي لكم على النَّاس من زيادةٍ على رأس المال، مُستَمرِّين على تَعاطي الرِّبا بعد إنذاركم، فاعلموا مُستيقنين أنَّ الله تعالى يتوعَّدكم بحرب وقتْل مِنه ومن رسولِه عليه الصَّلاة والسَّلام وإن تُبْتُم فتركتُم أكْلَ الرِّبا، وأَنَبْتُم إلى الله عزَّ وجلَّ، فلكم رؤوس أموالكم من الدُّيون التي لكم على النَّاس دون الزِّيادة التي أحدثتموها على ذلك، فلا تَظْلِمُونَ الناسَ بأخْذ الزِّيادة، وَلا تُظْلَمُون بإعطائكم رؤوسَ أموالكم ناقصةً

وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (280).

وإنْ كان الذي عليه الدَّين مُعسِرًا لا يَجِد ما يَردُّ به حقَّكم- وهو رؤوس أموالكم التي أَسلفتُموه إيَّاها دون زيادة- فعليكم أن تُمهِلوه حتى يتيسَّر له الوفاءُ به، وإنَّ تصدُّقَكم على المدينِ المعسرِ بالتنازلِ والعفو عمَّا لكم عليه أو بإسقاط بعضه، خيرٌ لكم من إمهاله حتى يتيسَّر له القيام بردِّه لكم، فقوموا بذلك إذًا إن كنتم من ذوي العِلْم بفضل الصَّدقة، وما لصاحبها من ثوابٍ عظيم

وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (281).

واحذروا- أيُّها الناس- يومًا تزول فيه هذه الدنيا وما فيها من الأموال وغيرها، فترجعون إلى الله فتَلقَونه فيه، ثم تعطى كلُّ نَفْس جزاءها بالعدل من ربِّها، على ما قدَّمت واكتسَبتْ من سيِّئ وصالح، وهم لا يُنقَصُون شيئًا من ثواب الحسنات، ولا يُزاد عليهم شيءٌ من عقوبة السيِّئات

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ وَلَا يَأْبَ كَاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ اللهُ فَلْيَكْتُبْ وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ وَلْيَتَّقِ اللهَ رَبَّهُ وَلَا يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئًا فَإِنْ كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهًا أَوْ ضَعِيفًا أَوْ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُمِلَّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا وَلَا تَسْأَمُوا أَنْ تَكْتُبُوهُ صَغِيرًا أَوْ كَبِيرًا إِلَى أَجَلِهِ ذَلِكُمْ أَقْسَطُ عِنْدَ اللهِ وَأَقْوَمُ لِلشَّهَادَةِ وَأَدْنَى أَلَّا تَرْتَابُوا إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً حَاضِرَةً تُدِيرُونَهَا بَيْنَكُمْ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَلَّا تَكْتُبُوهَا وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ وَلَا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلَا شَهِيدٌ وَإِنْ تَفْعَلُوا فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ وَاتَّقُوا اللهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللهُ وَاللهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (282).

يا أيُّها المؤمنون، إذا داين بعضُكم بعضًا على أنْ يكون ردُّ الدَّين في وقت معلوم بينكم، فاكتبوه- للتوثُّق والحِفْظ-؛ لكَثْرة النِّسيان، ولوقوع المُغالَطات، وللاحتراز من الخونة الذين لا يَخْشَون الله تعالى، واكتبوه بواسطة كاتب عارِف بكتابة ما يَحصُل به التوثُّق، معروف بالعدل والإنصاف، لا يجورُ في كتابته على أحد، ولا يكتُب إلَّا ما اتَّفقوا عليه من غير زيادة ولا نُقصان، ولا يَميل مع أحدٍ منهم لقَرابة أو غيرها، ولا على أحد لعداوة ونحوها، ولا ينبغي أن يمتنع مَن يعرف الكتابةَ إذا سُئل أن يكتبَ للنَّاس توثيقَ دُيونهم ووقتَ ردِّها، فكما علَّمه اللهُ ما لم يكن يعلم، فخصَّه بعِلم ذلك، وحرَمه عددًا من خَلْقه، فليُحسِن إلى غيره بأن يُبادِر إلى كتابة ذلك بطريقةٍ مُستوفِية لِمَا ينبغي أنْ تكون عليه، ولْيُمْللِ المدينُ على الكاتب ما في ذِمَّته من الدَّين، وليَحذَر عقابَ الله تعالى في أن يَنقُص صاحبَ الحقِّ شيئًا من مقداره أو كيفيَّته، أو نوعه أو أَجَله أو غير ذلك من توابِعه، وإنْ كان المدينُ- الذي عليه المال- جاهلًا بالصَّواب من الخطأ في الَّذي عليه إملاؤه على الكاتب، أو كان لا يُحسِن التصرُّف، أو ضعيفًا لصِغَره أو جُنونه، أو لا يستطيع الإملالَ لِخَرَسه أو عيِّ لسانه، أو غَيبتِه لسفرٍ أو غيره، فإنَّه ينوبُ عنه في ذلك مَن يتوَّلى شؤونه من أبٍ، أو جدٍّ، أو أخٍ، أو غيرهم، ويَلزَم الوليَّ الإملاءُ بالصِّدق المطابِق للواقع؛ فلا يَزيد، ولا يَنقُص، ولا يَجور على الدائن أو المدين، واطْلُبوا أيضًا- لتوثيق حقوقِكم- شهادةَ رَجلين عليها من المسلمين العدول الذين تَرضَونهم، فإنْ لم يكن الشَّاهدان رجُلين، فليشهد رجلٌ وامرأتان على ذلك؛ كي تُذكِّر إحدى المرأتين الأخرى، إنْ وقع لها نِسيانٌ، وليس للشُّهداء أن يَمتنعوا من الإجابة إذا دُعُوا لتحمُّل الشَّهادة أو أدائها، ولا تَمَلُّوا- أيُّها الذين تُداينون النَّاس- من كتابة قليل الدَّين أو كثيره إلى أجَله المُسمَّى؛ فإنَّ كتابة ذلك أعدلُ عند الله، وأثبتُ لشهادة الشُّهود؛ فلا يقع بينهم اختلاف في ذلك لاجتماعهم على ما حواه الكتاب، وأَقْربُ إلى عدم وقوع الرِّيبة وحصول التَّنازُع، فلا تَشُكُّون فيما شَهِد به الشهود من الحقِّ والأَجَل. ولا حَرَج ولا إثم على المُتبايعِينَ منكم في تَرْك كتابةِ ذلك؛ إذا كان كلٌّ من البائع والمشتري، يَقبِض حقَّه فورًا بلا تأخير، فيأخذ المشتري سِلعتَه، ويَقبِض البائعُ أجرَه قبل مُفارَقة بعضهما، فلا حاجةَ لهما حينئذٍ إلى الكتابة والتَّوثيق، لكن الإشهاد على حقِّهما مشروع، ونهى الله تعالى أهلَ الحقوقِ عَن إيقاع ضررٍ بأيِّ وَجْه من وجوه الضَّرر على كاتبٍ أو شاهِدٍ على حقوقهم، كما لا يَحِلُّ أيضًا لكاتبٍ أو شاهدٍ أن يَضُرَّا أحدًا من أهل الحقوق بأيِّ ضررٍ كان؛ فإنَّ إحداثَ الضرر في ذلك يُعَدُّ خروجًا عن طاعة الله تعالى إلى معصيته، فخافوا اللهَ- أيُّها المتداينون- في الكتَّاب والشهود أن تُوقِعوا عليهم ضررًا ما، وراقِبوه في غير ذلك من حدوده فلا تُضيِّعوها، واتَّبِعوا أمرَه، واترُكوا نهيَه، والله تعالى يبيِّن لكم على الدوام أحكامَ شريعته فضلًا منه ونعمةً؛ فهو العالم بحقائق الأمور ومصالحها وعواقبها، وعِلْمه محيطٌ بجميع الكائنات، كما أنَّه لا يَخْفى عليه شيءٌ من أعمالكم، فيُحصيها عليكم ويُجازيكم بها

وَإِنْ كُنْتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ وَلْيَتَّقِ اللهَ رَبَّهُ وَلَا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ وَاللهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ (283).

وإنْ كنتم مسافرين وتَداينتُم بدَين إلى أجل مسمًّى، ولم تَعثُروا على كاتب يكتُب لكم توثيقَ الدَّين وأجلَه، فليكُنْ بدلَ الكتابة رِهانٌ يَقبِضها صاحبُ الحقِّ، وتكون وثيقةً عنده حتى يأتيه حقُّه، وإنْ كان المَدينُ أمينًا عند صاحب الدَّين فوَثِق فيه، وأحبَّ أن يُعامِله من دون رَهْن، فعلى المَدين أن يردَّ إليه دَينَه كاملًا، غيرَ ظالمٍ له، ولا باخس حقَّه، وليَحذَر ربَّه سبحانه، من أن يُعاقِبه لمخالفته أَمْرَه، وارتكابه نَهْيَه في ذلك، ولا تُخْفوا- أيُّها الشُّهود- ما شهِدتم به؛ إمَّا بإنكاره بالكُليَّة، أو بالزِّيادة عليه والنُّقصان منه، ولكن أَجيبوا مَن شَهِدتم له إذا دعاكم لإقامة شهادتكم بالصِّدق؛ لإثبات حقِّه على غريمه، ومَن يَكتُم شهادتَه فإنَّه فاجرٌ قلبه، مُكتسِب بكِتمانه إيَّاها الإثمَ؛ لأنَّ الحقَّ مبنيٌّ عليها ولا يَثبُت بدونها، فكِتمانها من أعظم الذنوب، والله بما تعملون- في شهادتكم من القيام بها، أو كِتمانها عند حاجة مَن استشهَدكم إليها، وبغير ذلك من سرائر أعمالكم وعلانيتها- عليمٌ؛ يُحصي عليكم أعمالَكم ليَجزيكم بها، إمَّا خيرًا، وإمَّا شرًّا على قدْر استحقاقكم

لِلهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ الله فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَاللهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (284).

لله تعالى وحده ما في السَّموات والأرض وما بَينهما، خَلْقًا ومُلْكًا وتدبيرًا، وإن تظهروا ما في قلوبكم من السوء أو العزم عليه أو تخفوه فإن الله يعلمه وسيحاسبكم عليه فيغفر بعد المحاسبة، لِمَن أتى بأسباب المغفرة فضلًا منه، ويُعاقِب مَن يكفُر به، أو يُصِرُّ على المعاصي، في باطنه أو ظاهره عدلًا منه، فالله تعالى لا يُعجِزه شيءٌ، فهو القدير ومن تَمام قُدْرته محاسبةُ الخلائق، وإيصالُ ما يَستحِقُّونه من الثواب والعقاب

آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ (285).

آمَن رسولُ الله محمَّدٌ صلَّى الله عليه وسلَّمَ، بمَا أُوحي إليه من ربِّه، وكذلك آمن المؤمنون، وكلٌّ من الرَّسول عليه الصَّلاة والسَّلام والمؤمنين جميعًا يؤمنون حقًّا بالله تعالى وبجميع ملائكته، وجميع كُتُبه، ويُعلِنون إيمانَهم بجميع رُسله عليهم الصَّلاة والسَّلام، دون أيِّ تفريق بين أحدٍ منهم، فلا يؤمنون ببعضٍ، ويَكْفُرون ببعض، وقال جميع المؤمنين: سَمِعنا قولَ ربِّنا، وأمْره ونهيه، وفَهِمنا ذلك، فقبِلْناه، وعمِلْنا بما أَمَر، واجتنبْنا ما عنه زجَر، وقالوا: نسألك يا ربَّنا أن تَستُر لنا على الدوام ذنوبَنا، وتتجاوز عن عِقابنا عليها، وأنت يا ربَّنا إليك مَعادُنا، ومَعاد كلِّ الخلائق فتَجزيهم بما عمِلوا من خيرٍ وشرٍّ

لَا يُكَلِّفُ اللهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلَانَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ (286).

لا يُحمِّل الله تعالى نفسًا فوقَ طاقتِها، فلا يتعبَّدها إلَّا بما يَسَعُها تَحمُّله. لها ما عمِلتْ من خير، لا يَنقُص منها شيءٌ؛ وعليها ما عمِلتَ من شرٍّ، لا يُزاد عليها شيء، قولوا: يا ربَّنا، لا تُعاقِبْنا إنْ نسِينا القيامَ بفرضٍ، أو تَرْك مُحرَّم، ولا تُعاقِبنا يا ربَّنا، إنْ أخطأنا الصَّوابَ في العمل، جهلًا منَّا بوجْهه الشَّرعي، أو وقَعْنا في معصيتك جهلًا، عن غير قصْدٍ منَّا، بارتكاب نهيك، وقولوا: يا ربَّنا، لا تُحمِّلنا عهدًا على القيام بأعمالٍ شاقَّةٍ وثقيلةٍ علينا، فنعجِز عن القيام بها، فتَحِلَّ علينا العقوباتُ، كما وقَع لليهود والنصارى وغيرهم ممَّن كُلِّفوا أعمالًا، وأُخِذتْ عليهم العهودُ والمواثيقُ على القيامِ بها، فلم يفعلوا، فعُوقِبوا، وقولوا أيضًا: يا ربَّنا لا تُكلِّفنا من الأعمال ما لا نُطيق القيامَ به، ويا ربَّنا، تَجاوَز عمَّا بيننا وبينك من تقصيرٍ في أداء ما افترضتَه علينا، واستُر علينا فيما بيننا وبين عبادِك، فلا تُظهِرهم على سيِّئاتنا، وتَجاوَز عنها، وجُدْ علينا بالرحمة حتى لا نَقَع في ارتكابِ محظورٍ، أو تَهاوُنٍ في أداء مأمور، ونجِّنا برحمتك من غضبِك وعقابِك، أنت وليُّنا وناصِرُنا فبوَلايتِك الخاصَّة انصُرنا على الكافرين، واجعل لنا العاقبةَ عليهم في الدُّنيا والآخرة

آل عمران

الم

هذه الحروفُ المقطَّعة التي افتُتِحَت بها هذه السُّورةُ وغيرُها، تأتي لبيانِ إعجازِ القرآن؛ حيث تُظهرُ عَجْزَ الخَلْقِ عن مُعارضتِه بمثلِه، مع أنَّه مركَّبٌ من هذه الحروفِ العربيَّة التي يَتحدَّثون بها

اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ

الله لا أحدَ معبودٌ بحقٍّ سِواه؛ هو الحي الذي له الحياةُ الكاملة، التي لم يَسبِقها عَدَمٌ، ولا يَلحَقها زَوالٌ، القائمُ بنفْسِه؛ فلا يَحتاج لأحدٍ، القائمُ بأمورِ غيرِه من خَلْقه مِن الرَّزق وغيرِه؛ فكلُّ الموجوداتِ إليه مُفتَقِرةٌ، ولا قِوامَ لها بدونه

نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَأَنْزَلَ التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ

أَنزل اللهُ القُرْآنَ عليك- يا محمَّدُ- مُشتملًا على الحقِّ والصِّدق، وأيضًا فنزولُه حقٌّ لا شكَّ فيه؛ أنزله الله مصدِّقًا للكتُبِ السَّابقةِ المنزَّلةِ قَبله مِن اللهِ على أنبيائه ورُسُلِه ؛ وذلك إمَّا باعتبار أنَّها أَخبرتْ به فكان نزولُهُ مصدِّقًا لها، وإمَّا باعتبار أنَّه حاكمٌ عليها بالصِّدق وأنزل التَّوراةَ على موسى عليه السَّلام، والإنجيلَ على عيسى عليه السَّلام

مِنْ قَبْلُ هُدًى لِلنَّاسِ وَأَنْزَلَ الْفُرْقَانَ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ

أنزل التَّوراةَ، والإنجيلَ مِن قَبلِ هذا القُرْآنِ الَّذي نزَّله عليك بيانًا للنَّاسِ عُمومًا مِن اللهِ تعالى وأنزَلَ في كُتبِه ما يُفرِّقُ بين الحقِّ والباطلِ ، والهُدى والضَّلال. إنَّ الذين كَفروا بآياتِ اللهِ، فأَنكَروها، وردُّوها بالباطلِ لهم عذابٌ شديدٌ يوم القيامةِ، واللهُ عزيزٌ في سُلطانِه، لا يَمنَعُه مانعٌ ممَّن أراد عذابَه منهم، ولا يحُولُ بينه وبينه حائلٌ، ولا يَستطيعُ أنْ يُعاندَه فيه أحدٌ، وأنَّه ذو انتقامٍ ممَّن جحَد حُجَجَه وأدلَّتَه، وخالَف رُسلَه

إِنَّ اللَّهَ لَا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ

إنَّ اللهَ تعالى لا يغيبُ عن عِلمِه شيءٌ في الأرض ولا في السَّموات؛ فهو سبحانه عالِمٌ بجميعِ الأشياء على التَّفصيلِ

هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الْأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَاءُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ

هو الَّذي يَجعلُكم صُوَرًا في أرحام أمَّهاتِكم على أيِّ كيفيَّةٍ شاء، فيجعَلُ هذا ذَكَرًا وهذا أنثى، وهذا أسودَ وهذا أحمرَ، وهذا حَسَنًا وهذا قَبيحًا، وهذا طويلًا وهذا قصيرًا، إلى غير ذلك من الاختِلافاتِ، هو المستحقُّ للإلهيَّة وحْدَه لا شريكَ له، العزيزُ في مُلكِه، لا يَغلِبُه شيء، ولا يمتنعُ منه شيءٌ، وما شاء كان بلا ممانعٍ، والحكيمُ في خَلْقِه وصُنعِه وتدبيره

هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ

هو الَّذي أنزَل عليك- يا محمَّدُ- القُرْآنَ مِنه آياتٌ بيِّناتٌ واضحاتُ الدَّلالة، لا التباسَ فيها على أحدٍ، ولا شُبهةَ، وهي أصل هذا الكتابِ، ومُعظَمُه الَّذي يُرجَعُ إليه عند الاشتباهِ، ومِن القُرْآنِ آياتٌ أُخَرُ يَلتبسُ معناها، أو تشتبهُ دَلالتُها على كثيرٍ من النَّاسِ أو بعضهم. فأمَّا الَّذين في قلوبِهم مَيْلٌ عن الحقِّ، وانحرافٌ عنه وضلال ، فيَتعلَّقون بالمتشابِهِ من آياتِ القُرْآن، ويأخذون به ويتركون المُحكَمَ طلَبًا للشُّبهاتِ واللَّبْسِ على المؤمنين، وإضلالِهم؛ إيهامًا بأنَّهم يحتجُّونَ بالقُرْآن وطلَبًا لتفسيرِه على ما يُريدون؛ تحريفًا له وَفْقَ أهوائِهم الفاسدةِ لاحتمالِ لفظِه لِما يصرِفونه إليه وما يعلَمُ عواقِبَ الأمورِ وما تؤولُ إليها، ولا حقائقَها، إلَّا اللهُ عزَّ وجلَّ وحده؛ وذلك كحقائقِ صفاتِ الله وكيفيَّتِها، أمَّا الرَّاسخون في العِلم، المتمكِّنون منه، المُتقِنون له، فيقولون: آمَنَّا وصدَّقْنا بالمتشابهِ من آيِ الكِتابِ، وأنَّه حقٌّ وإن لم نعلَمْ تأويلَه. كلٌّ مِن المحكَمِ من الكتاب والمتشابهِ منه، الجميعُ مِن عند ربِّنا، أوحاه إلى نبيِّه صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، يُصدِّقُ كلٌّ منهما الآخَرَ، ويشهَدُ له وما يَتذكَّرُ ويتَّعِظُ ويفهَمُ ويَقبَلُ النُّصحَ إلَّا أصحابُ العقول السَّليمة

رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ

ويقول الرَّاسخونَ في العِلم أيضًا: يا ربَّنا، لا تُمِلْ قلوبَنا عن الهُدى والحقِّ بعد إذ هديتَنا إليه، فوفَّقْتَنا للإيمانِ بمُحكَمِ كتابِك ومتشابِهه، وأعطِنا يا ربَّنا- تفضُّلًا مِن عندك- رحمةً عظيمةً تَزيدُنا بها إيمانًا وثَباتًا ويقينًا وسَدادًا إنَّك أنت واسعُ العطايا والهِبَاتِ، كثيرُ الإحسان

رَبَّنَا إِنَّكَ جَامِعُ النَّاسِ لِيَوْمٍ لَا رَيْبَ فِيهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ

ويقول الرَّاسخون في العِلمِ أيضًا: يا ربَّنا، إنَّك تبعَثُ النَّاسَ، وتجمَعُهم في يومٍ لا شكَّ فيه، وهو يوم القيامة، وذلك للفصلِ بينهم، ومجازاةِ كلِّ واحد بعمَلِه، فاغفِرْ لنا يومئذٍ، واعفُ عنَّا إنَّ اللهَ لا يُخلِفُ وعده؛ أنَّ مَن آمَن به واتَّبَع رسولَه، وعمِل صالحًا، أنَّه يغفِرُ له

إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَأُولَئِكَ هُمْ وَقُودُ النَّارِ

إنَّ الَّذين كفَروا باللهِ وآياتِه، وكذَّبوا رُسلَه، وجحَدوا دينَه، لن تُنجيَهم أموالُهم ولا أولادُهم من عُقوبةِ اللهِ إذا حلَّتْ بهم وأولئك هم حطَبُ النَّارِ الَّذي توقَدُ به، الملازِمونَ لها دائمًا أبدًا

كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ

شأنُهم في ذلك كشأنِ فِرْعون وآلِه، والأُمَم المكذِّبةِ بآياتِ الله مِن قبلِهم؛ كقوم نوحٍ، وقوم هودٍ، وأمثالِهم أهلَكهم اللهُ بسببِ ذُنوبهم، واللهُ شديدُ الأخذِ، أليمُ العذابِ

قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إِلَى جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمِهَادُ

قُلْ- يا محمَّدُ- للَّذين كفروا: ستُغلَبون من قِبَلِ المؤمنين في الدُّنيا وتُجمَعون يَومَ القِيامةِ إلى النَّار وبئس الفِراشُ جهنَّمُ الَّتي تُحشَرون إليها

قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتَا فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَأُخْرَى كَافِرَةٌ يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ وَاللَّهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَنْ يَشَاءُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصَارِ

قد كان لكم علامةٌ ودلالةٌ على أنَّ الغَلَبةَ تكونُ للمؤمنين، وأنَّ اللهَ مُعزٌّ دِينَه، وناصرٌ رسولَه، ومُظهِرٌ كلمته وذلك في طائفتينِ لقِي بعضُهما بعضًا للقتالِ فيما بينهما: طائفةٍ تُقاتِلُ في سبيلِ الله، وهم النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ ومَن معه من المسلِمين، وطائفةٍ كافرةٍ، وهم مُشرِكو قُريشٍ، وذلك يومَ بَدْرٍ، يرَى المسلِمون الكافرين مثلي عدد المسلمين، رؤيةً ظاهرةً لا لَبْسَ فيها؛ واللهُ يُقوِّي بنَصرِه مَن يشاء ممَّن تَقتضي الحِكمةُ نَصْرَه أو تأييدَه. إنَّ في تأييدِنا الفئةَ المسلِمةَ- مع قلَّتِها في العدَدِ- على الفئةِ الكافرة- مع كثرتها في العدَدِ- لَمُعتَبَرًا ومتَّعظًا لِمَن له بصيرةٌ وفهمٌ يَهتدي به إلى حِكَمِ اللهِ وأفعالِه، وقَدَرِه الجاري بنصرِ عباده المؤمنين في هذه الحياة الدُّنيا، ويومَ يقومُ الأشهادُ

زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ

زيَّن اللهُ تعالى للنَّاسِ محبَّةَ المشتهَيات؛ من النِّساءِ، والذُّكورِ من الأولاد، والمال الكثير المتضاعف؛ من الذَّهب والفضَّةِ والخيل الرَّاعية، والإبل والبقَر والغَنَم، والأرض المتَّخذة للزِّراعة ذلك المذكور ممَّا يُستمتَعُ به في الدُّنيا، وهو مع قلَّتِه إلى زوالٍ والله عنده حُسنُ المرجعِ والثواب وهو الجنة

قُلْ أَؤُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِنْ ذَلِكُمْ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَأَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ

قُلْ- يا محمَّدُ- للنَّاس: أأُخبِرُكم وأُعلِمُكم بخيرٍ وأفضلَ ممَّا زُيِّن لكم في هذه الحياةِ الدُّنيا للَّذين خافوا اللهَ فأطاعوه عند ربِّهم جنَّاتٌ كثيرةٌ ومتنوِّعة، تجري من تحتِ أشجارِها وقصورِها ومن أرجائِها أنهارُ العسَلِ واللَّبَنِ والخمرِ والماءِ، وغير ذلك، ماكثين فيها أبدَ الآبادِ، لا يذوقون فيها الموتَ ولهم أزواجٌ من نِساء الجنَّةِ، اللَّواتي طهُرْنَ مِن كلِّ أذًى؛ مِن الحَيضِ، والمنِيِّ، والبولِ، والنِّفاس، ومن مساوئِ الأخلاق، ومن كلِّ عيبٍ ظاهرٍ وباطنٍ، ولهم رضًا مِن الله تعالى يُحِلُّه عليهم واللهُ بصيرٌ بكلِّ العباد بَصرَ نظَرٍ؛ فلا يغيبُ عن نظَره شيءٌ، وبصَرَ عِلمٍ؛ فلا يعزُبُ عن عِلمه شيءٌ ، وإذا كان كذلك جازاهم بما يستحقُّون

الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا إِنَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ

هم الَّذين يقولونَ: يا ربَّنا، إنَّنا آمنَّا بك، وبكتابِك وبرسولِك؛ فبسببِ إيمانِنا، استُرْ ذنوبَنا، ولا تُعاقِبْنا عليها وادفَعْ عنَّا عذابَ النَّار، ولا تُعذِّبْنا بها

الصَّابِرِينَ وَالصَّادِقِينَ وَالْقَانِتِينَ وَالْمُنْفِقِينَ وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحَارِ

الصَّابِرِينَ على القيامِ بالطَّاعات، وتَرْك المحرَّمات، وعلى أقدارِ الله المؤلِمَة وَالصَّادِقِينَ في أقوالِهم وأفعالِهم والمطيعين الذين يُداومون على الطَّاعةِ، مع مُصاحَبةِ الخشوعِ والخُضوعِ للهِ تعالى وَالْمُنْفِقِينَ مِن أموالِهم في طاعة الله؛ كأداءِ الزَّكاةِ والصَّدقات، وصلةِ الأرحام والقَرابات، ومواساةِ ذوي الحاجاتِ، وغيرِ ذلك والسَّائلين المغفرةَ في آخِرِ اللَّيل ؛ فهو وقتُ نُزولِ اللهِ عزَّ وجلَّ إلى سماءِ الدُّنيا

شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ

شهد اللهُ أنَّه لا معبودَ حقٌّ إلَّا هو، فعَلِمَ بذلك وتكلَّمَ به، وأخبر به خلْقَه، وأَمَرَهم وأَلْزَمهم به، وشهِدَتِ الملائكةُ أيضًا بذلك وأصحابُ العِلم حالَ كونِه قائمًا بالعَدْلِ، وهو في جميعِ الأحوال كذلك، لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ العزيز الَّذي لا يُغلَبُ، ولا يَمتنعُ عليه شيءٌ أراده، ولا يَنتصِرُ منه أحدٌ، أو يَنالُ منه، الحَكيمُ في أقوالِه وأفعالِه، وشَرْعِه وقَدَرِه، والحَكيمُ يتضمَّنُ حُكْمَه وعِلْمَه وحِكمتَه فيما يقولُه ويفعلُه

إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ وَمَنْ يَكْفُرْ بِآيَاتِ اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ

إنَّ الدِّينَ المقبولَ عند اللهِ، الَّذي لا دِينَ سواه، هو الإسلام؛ وهو الانقيادُ لله وحده، ظاهرًا وباطنًا، بما شرَعه على ألْسنةِ رُسله، إلى أنْ خُتِموا بمحمَّدٍ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، وقد اختلَف الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ بعدَما قامتْ عليهم الحُجَّة؛ بإرسالِ الرُّسلِ إليهم، وإنزال الكتُب عليهم، وعِلمِهم بالحقِّ، وحَمَلَهم على ذلك مجاوزتُهم الحدَّ بالعدوانِ والظُّلم، وبالتَّفريط وتضييعِ الحقِّ ومَن يكفر بحُجَج اللهِ تعالى وما أنزَل في كتابِه، فإنَّ اللهَ سيُجازيه ويُحاسبه على ذلك؛ فإنَّه سبحانه يُحصي أعمالَ العبادِ بسرعةٍ، وهو سريعُ المحاسَبة للخَلْقِ يومَ القيامة، فيُحاسبُهم على كثرتِهم في وقتٍ وجيزٍ جدًّا، كما أنَّ حسابَه عزَّ وجلَّ قريبٌ؛ لسرعةِ انقضاءِ هذه الحياةِ الدُّنيا

فَإِنْ حَاجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ وَمَنِ اتَّبَعَنِ وَقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْأُمِّيِّينَ أَأَسْلَمْتُمْ فَإِنْ أَسْلَمُوا فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ

فإنْ جادَلوك وخاصَموك بالباطل، فقُلْ- يا محمَّدُ-: أخلصتُ عملي وعبادتي للهِ وحْدَه لا شريكَ له، أنا ومَن على دِيني، فلا نُوجِّهُ وُجوهَنا إلى غيره وقلْ- يا محمَّدُ- للَّذين أوتوا الكِتابَ مِن اليهودِ والنَّصارى والأُمِّيِّين الَّذين لا كتابَ لهم مِن مُشرِكي العربِ: أسلِموا للهِ تعالى ووحِّدوه وأَخلِصوا له فإنِ انقادُوا واستسلَموا للهِ ظاهرًا وباطنًا، فقدِ اهتدَوْا هدايةَ توفيقٍ، وأصابوا سبيلَ الحقِّ وإنْ أَدبَروا مُعرِضين عمَّا تَدْعوهم إليه، ولم يَنقادوا، فليس عليك إلَّا تبليغُ رسالةِ ربِّك، والله مطَّلِع على جميعِ الخَلْق، ويعلمُ أحوالهم؛ ويتولَّى جزاءَهم

إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ

إنَّ الَّذين يَكفُرون بآياتِ الله فيُكذِّبون بها استكبارًا وعِنادًا ويَقتُلون أنبياءَ الله المرسَلين إليهم بغيرِ سببٍ ولا جريمةٍ منهم! ويَقتُلون الَّذين يَأمرون بالعَدلِ مِن النَّاس من غيرِ الأنبياء ، وهو الأمرُ بالمعروفِ والنَّهيُ عن المنكَر، وقتلُهم لهم هو غايةُ الكِبْر فأخبِرْهم أنَّ لهم عذابًا مؤلِمًا موجِعًا بالغًا في الشِّدَّةِ

أُولَئِكَ الَّذِينَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ

هؤلاء الَّذين ذكَرْناهم هم الَّذين بطَلَتْ أعمالُهم في الدُّنيا، فلا يَنتفعون بآثارِها الطَّيِّبةِ في الدُّنيا، ولا يَنالون بها مَحْمدةً ولا ثناءً مِن النَّاس، مع بقاء الذَّمِّ واللَّعنة عليهم، وأمَّا في الآخرةِ، فلا يَنتفعون بثوابِ أعمالِهم، مع ما أعدَّ لهم فيها من العقابِ وما لهؤلاءِ القومِ مِن ناصرٍ ينصُرُهم مِن الله، ويُنقِذهم من العذابِ إذا هو انتقَم منهم

أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُدْعَوْنَ إِلَى كِتَابِ اللَّهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ وَهُمْ مُعْرِضُونَ

ألم ترَ- يا محمَّدُ- إلى اليهودِ الَّذين أُعطُوا حظًّا من العِلم بالتَّوراة يُدْعَون إلى التَّوراةِ لتحكُمَ بينهم ؛ فهم يُقرُّون ويُصدِّقون بها ثُمَّ يَستدبرُ فريقٌ منهم عن كتابِ الله مُعرِضًا عنه مُنصرِفًا

ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ وَغَرَّهُمْ فِي دِينِهِمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ

ذلك التَّولِّي والإعراضُ بسبب قولِهم: لن نُعذَّبَ في النَّار إلَّا أيَّامًا قلائلَ، ثمَّ يُخرِجنا منها ربُّنا وقد ثَبَّتَهم على دِينِهم الباطل ما خدَعوا به أنفسَهم مِن زعمِهم أنَّ النَّارَ لن تمسَّهم إلَّا أيَّامًا معدوداتٍ، وادِّعائِهم أنَّهم أبناءُ الله وأحبَّاؤُه، إلى غيرِ ذلك، وهم الَّذين افتَرَوْا هذا مِن تلقاءِ أنفسِهم واختَلَقوه

فَكَيْفَ إِذَا جَمَعْنَاهُمْ لِيَوْمٍ لَا رَيْبَ فِيهِ وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ

فكيفَ يكونُ حالُهم مع ما صنَعوا إذا جمَعَهم اللهُ للفصلِ بينهم، ولحسابِهم في يومٍ لا شكَّ في مجيئِه ووقوعِه، وهو يومُ القيامة؟! وما أعظَمَ ما يلقَوْنَ من عقوبةٍ !وأَعْطَى اللهُ كلَّ نفسٍ جزاءَ ما عمِلَتْ من الخيرِ أو الشَّرِّ كاملًا وافيًا ولا يُنقَصُ أحدٌ من حَسناتِه، ولا يُزاد في سيِّئاتِه، أو يُعاقَبُ بغير جُرمِه

قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ

قُلْ- يا محمَّدُ-: يا أللهُ ، يا مَن لك الملكُ كلُّه؛ مُلكُ الدُّنيا والآخِرة، فتملِك جميعَ الممالكِ وتُصرِّفها وتُدبِّرها . تُعطي المُلكَ مَن تشاءُ أنْ تُعطيَه . وتَنزِعُ الملكَ ممَّن تشاءُ أنْ تنزعَه منه؛ فتُزيلُ عنه وصْفَ المُلكِ . وتُعزُّ مَن تشاء أنْ تُعزَّه بطاعتِك، أو بإعطائِه المُلكَ، وبَسْطِ القدرةِ له، أو نَصْرِه، وغير ذلك . وتذلُّ مَن تشاءُ أنْ تذلَّه بمعصيتِك، أو بسَلْبِ مُلكِه، وتسليطِ أعدائِه عليه، أو هزيمتِه، وغير ذلك . الخيرُ كلُّه بيديك، ليس لأحدٍ معك منه شيءٌ . إِنَّكَ قديرٌ على كلِّ شيءٍ، فلا يمتنعُ عليك أمرٌ من الأمور

تُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَتُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَتُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَتَرْزُقُ مَنْ تَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ

تُدخِلُ اللَّيلَ في النَّهار، وتُدخِل النَّهارَ في اللَّيل، فتجعلُ ما نَقَصْتَ من ساعاتِ اللَّيل زيادةً في ساعاتِ النَّهار، وما نَقصْتَ من ساعاتِ النَّهار زيادةً في ساعات اللَّيل وتُخرجُ الإنسانَ الحيَّ والأنعامَ والبهائمَ الأحياءَ من النُّطَف الميتةِ، وتُخرج الزَّرعَ من الحَبَّةِ، والنَّخلةَ من النَّواة, والدَّجاجةَ مِن البيضةِ, والمؤمنَ من الكافِر، إلى غيرِ ذلك وتُخرجُ النُّطفةَ الميِّتة من الإنسانِ الحيِّ والأنعامِ والبهائمِ الأحياءِ، وتُخرجُ الحَبَّةَ من الزَّرع، والنَّواةَ من النَّخلةِ، والبيضةَ من الدَّجاجةِ، والكافرَ من المؤمِن، إلى غير ذلك وتُعطي مَن تشاءُ من الخَلْقِ الرِّزقَ الواسعَ دون تَقتيرٍ أو تضييقٍ أو مُحاسَبةٍ

لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ

لا تتَّخِذوا- أيُّها المؤمنون- الكفَّارَ أنصارًا وأعوانًا، تحبُّونهم وتظاهرونهم وتوالونهم متجاوزين المؤمنين إليهم، ومَن يفعلْ ذلك فيتَّخِذهم أولياءَ من دون المؤمنين، فقد بَرِئ مِن اللهِ، وبرِئَ اللهُ منه إلَّا أنْ تَخافوا على أنفسِكم مِن شرِّهم، فلَكُم أنْ تتَّقوهم بمداراتِهم، وإظهارِ الوَلايةِ لهم بألْسنتِكم، مع إضمارِ العَداوةِ والبُغضِ لهم، وعدمِ مُشايعتِهم على كُفرِهم، أو إعانتِهم على المسلمين. ويُخوِّفُكم اللهُ من نفسِه؛ فلا تَتعرَّضوا لسَخطِه وعذابِه بركوبِ مَعاصيه، أو موالاةِ أعدائِه، والله إليه المرجعُ بعدَ الموت، فيُجازي كلَّ عاملٍ بعمله

قُلْ إِنْ تُخْفُوا مَا فِي صُدُورِكُمْ أَوْ تُبْدُوهُ يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَيَعْلَمُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ

قلْ- يا محمَّدُ-: إنْ تُخفوا ما في قلوبِكم وضمائرِكم- من الخيرِ أو الشَّرِّ، أو الولايةِ أو العَداوةِ وغير ذلك- أو تُظهروه، فإنَّ اللهَ عزَّ وجلَّ يَعلمُه ويُجازيكم عليه، ويَعلمُ جميعَ ما في السَّموات وجميعَ ما في الأرض، لا يغيبُ عنه شيءٌ، واللهُ قادرٌ على كلِّ شيء؛ فقُدرتُه نافذة، ولا يُعجِزه شيءٌ في الأرض ولا في السَّماء

يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيدًا وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَاللَّهُ رَؤُوفٌ بِالْعِبَادِ

يومَ تجِد كلُّ نفْسٍ الَّذي عمِلَتْه من خيرٍ- سواء كان قليلًا أو كثيرًا- قد أُحضِر كاملًا موفَّرًا، والَّذي عمِلَتْه كلُّ نفْس من سوء- قلَّ أو كثُر- تُحبُّ وتتمنَّى لو أنَّ بينها وبينه مسافةً بعيدةً، أو زمانًا طويلًا متأخِّرًا. ويُخوِّفُكم الله مِن نفْسِه واللهُ رحيمٌ بخَلْقه أشدَّ الرَّحمةِ وأرقَّها؛ لذا حذَّرهم

قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ

قل- يا محمَّدُ- لِمَن يدَّعون محبَّةَ الله: إنْ كنتُم تحبُّون الله كما ادَّعيتم فاتَّبِعوني بتصديق خبَري وطاعةِ أمْري والاقتداءِ بي، إنَّكم إنِ اتَّبعتموني يُحبَّكم الله، ويَغفِرْ لكم جميعَ ذُنوبِكم .وَاللَّهُ غفورٌ لذنوبِ عِبادِه؛ يسترُها عليهم، ويتجاوزُ عنها، رحيمٌ بهم؛ يَعطِفُ عليهم، ويُحسِن إليهم

قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ

قُلْ- يا محمَّدُ-: أطيعوا اللهَ والرَّسول محمدًا صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ؛ وذلك بامتثالِ الأمْر، واجتنابِ النَّهي فإنْ أعرَضوا عن الطَّاعة، ولم يَنقادوا، فهذا كُفرٌ منهم، والله عزَّ وجلَّ لا يحبُّ الكافرين، بل يُبغِضهم ولا يغفِرُ لهم

إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ

إنَّ اللهَ اختار واجتبى آدمَ عليه السَّلام، فخلَقه بيدِه، ونفَخ فيه من رُوحِه، وأَسجدَ له ملائكتَه، وعلَّمه أسماءَ كلِّ شيء، إلى غيرِ ذلك، واختار نوحًا عليه السَّلام، فكان أوَّلَ رسولٍ بعَثه، وجعَل ذُرِّيَّته هم الباقين، واختار إبراهيمَ عليه السَّلام- خليلَ الله- وقومَه ، ومنهم الأنبياء الَّذين مِن بعده؛ فهم مِن ذرِّيَّته، ومنهم محمَّد صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، واختار عِمْرانَ والدَ مريم، وزوجتَه أمَّ مريم، ومريمَ وابنها عيسى عليه السَّلام؛ اختارَهم وفضَّلهم على العالَمين

ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ

نَسْلًا بعضُه من بعض، في وراثةِ الاصطفاءِ والإيمانِ، والطَّاعةِ والموالاةِ في الدِّين، والتَّناصُر على الحقِّ واللهُ يعلَمُ من يستحقُّ الاصطفاءَ فيَصطفيه؛ فهو يسمَعُ أقوالهم، ويَعلَم أحوالَهم، وما في ضَمائرِهم؛ فلذا فضَّلهم واختارَهم

إِذْ قَالَتِ امْرَأَتُ عِمْرَانَ رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا فَتَقَبَّلْ مِنِّي إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ

واذكُرْ إذ قالت امرأةُ عِمْران: يا ربِّ، إنِّي أوجبتُ على نفْسي أنْ أَجعلَ ما في بطني مفرَّغًا لعبادتك، حبيسًا على خِدمةِ بيتِ المقدس فتقبَّلْ منِّي يا ربِّ، ما نذرتُ لك إنَّك أنت السَّميعُ لقولي ودُعائي، المستجيبُ له، العليمُ بنيَّتي وقَصْدي

فَلَمَّا وَضَعَتْهَا قَالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنْثَى وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثَى وَإِنِّي سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ

فلمَّا ولَدَتِ امرأةُ عِمْران إذَا بالمولودِ أُنثى، فاعتذرتْ قائلةً: يا ربِّ، إنِّي ولَدْتُها أنثى واللهُ أعلمُ مِن كلِّ أحدٍ بما وضعَتْه وليس الذَّكَرُ كالأنثى في القوَّة والجَلَدِ على خِدمةِ بيت المقدس، بالإضافةِ إلى ما يَعتري الأُنثى من الحيضِ، وإنِّي جعلتُ اسمَها مريمَ، فأَطلقتْ عليها هذا الاسمَ يومَ ولادتِها، وإنِّي أُجيرُها وأولادَها- أي: عيسى عليه السَّلام- بكَ وحْدَك من الشَّيطانِ المبعَدِ المطرودِ

فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنْبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقًا قَالَ يَا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ

قَبِل اللهُ مريمَ قَبولًا حسَنًا ، ورضِي نَذْرَ أمِّها وإنْ كان أنثى، فيسَّرها لليُسرى، وسلَكَ بها طريقَ السُّعداء وأنشأَها نشأةً حسنةً في بَدَنِها، وخِلْقتِها، ودِينها، وأخلاقِها، وجعَل اللهُ تعالى نَبيَّه زكريَّا عليه السَّلام كافلًا وضامنًا لها ؛ وذلك بعدَ أنْ وقَع الخلافُ فيمَن يَكفُل مريم، فاقْتَرعوا، فكانتْ من نصيبِ زكريَّا عليه السَّلام؛ كلَّما دخَلَ عليها زكريَّا عليه السَّلام مكانَ عِبادتها، وجَد عندها طعامًا تتغذَّى به، بلا كَسبٍ ولا تعبٍ؛ فهي منقطعةٌ للعبادة ، فيتعجَّبُ ويسألُها عن ذلك قائلا: يا مريمُ، مِن أينَ لك هذا الرِّزق؟ فَتقول: إنَّ هذا الرِّزق مِن عندِ الله؛ فهو الَّذي ساقه إليَّ ورَزَقَنِيه إنَّ اللهَ يُعطي الرِّزقَ مَن يشاء من غيرِ إحصاءٍ ولا حصرٍ ولا عددٍ يُحاسِب عليه

هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ قَالَ رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ

في ذلك المكانِ الَّذي وجَدَ فيه زكريَّا ذلك الرِّزقَ عند مريم، سأل ربَّه وناداه نداءً خفيًّا فقال: يا ربِّ، أَعطِني من عندك ولدًا صالحًا مبارَكًا، فإنَّكَ ذو سَمعٍ لدعاءِ مَن دعاك، ومجيبٌ له

فَنَادَتْهُ الْمَلَائِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَى مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَسَيِّدًا وَحَصُورًا وَنَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ

فاستجاب اللهُ دُعاءَه، وأرسل إليه جماعةً من الملائكة تُبشِّره بذلك، فنادتْه حالَ قيامِه مُصلِّيًا في مكان عبادتِه: إنَّ الله يبشِّرُك يا زكريَّا بمولودٍ مِن صُلبك اسمُه يحيى مُصدِّقًا بعيسى عليه السَّلام يسُودُ قومَه، ويَفُوقهم بخِصالِه الجَميلةِ، وعِلمه ودِينه، ممتنِعًا من قُربِ النِّساء، وعن كلِّ ما تَشتهيه النفوسُ عادةً ممَّا أحلَّ الله؛ لانقطاعِه لعبادةِ الله، نبيًّا كائنًا من جملة الصَّالحين

قَالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَقَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ وَامْرَأَتِي عَاقِرٌ قَالَ كَذَلِكَ اللَّهُ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ

قال زكريَّا: يا ربِّ، كيف يكون لي غلامٌ؟ وقد كبِرْتُ وبلغتُ سنًّا مَن بلغها لم يولد له، وامرأتي لا تلِدُ، فقالَ لهُ: مِثْلَ ذلك الفعلِ، وهو إيجادُ الولدِ مِن الشَّيخ الكبير والمرأة العاقر يفعل اللَّه ما يشاء مِن الأفعال العجيبة

قَالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً قَالَ آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا رَمْزًا وَاذْكُرْ رَبَّكَ كَثِيرًا وَسَبِّحْ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكَارِ

قال زكريَّا: يا ربِّ، اجعَلْ لي علامة تدلُّ على وجود الولَد منِّي، قال: العلامةُ الَّتي تدلُّك، أنَّك ينحبِسُ لسانُك، فلا تستطيع النُّطقَ أو مخاطَبةَ النَّاس إلَّا إشارة ، مدَّةَ ثلاثة أيَّامٍ بلياليها، مع كونك سويًّا صحيحًا، وأكثِرْ من ذِكر ربِّك؛ فإنك لا تُمنَعُ ذِكرَه وعظِّم ربَّك بعبادته، منزِّهًا له عمَّا لا يليق به آخرَ النَّهار وأوَّله

وَإِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاءِ الْعَالَمِينَ

واذكُرْ إذ قالتِ الملائكة: يا مريمُ إنَّ اللهَ اختارَكِ وطهَّركِ في خُلُقِكِ ودِينكِ واختارَكِ على نِساءِ العالَمين وفضَّلكِ عليهنَّ

يَا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ

قالت الملائكةُ أيضًا: يا مريمُ، أخلِصي الطَّاعة لربِّكِ وحده، وداومِي على عبادتِه وصَلِّي، وكوني مع الخاشعين العابدين المصلِّين

ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ

هذه الأخبارُ الَّتي تَقدَّم ذِكرُها عن امرأةِ عِمْران وابنتِها مريم وزكريَّا وابنه يحيى عليهما السَّلام من أخبارِ القوم الخفيَّة، الَّتي غابتْ عنكَ وعن قومِك فلم تَطَّلعوا عليها، نقصُّها عليك ونخبرُك بها؛ دليلًا على نُبوَّتِك، وتحقيقًا لصِدْقِك وما كنتُ- يا محمَّدُ- عند زكريَّا وقومِه حين اقترَعوا في شأنِ مريمَ بإلقاء أقلامِهم ؛ ليَنظروا أيُّهم يَكفُلُها ويَضمُّها إليه وما كُنتَ عندَهم حالَ اختصامِهم أيُّهم أحقُّ بها، فلولا أنَّ الله أَوحى إليك ذلك لَمَا كان لك علمٌ به

إِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَجِيهًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ

واذكُرْ إذ قالتِ الملائكةُ: يا مريمُ، إنَّ الله يُبشِّرُك بولد يكونُ وجودُه بكلمةٍ صادرةٍ من الله، وهي قوله: (كُنْ) فيكون، يَشتهرُ بأنَّ اسمَه المسيحُ عيسى ابنُ مريم، نِسبةً لأمِّه؛ لأنَّه لا أبَ له، له وجاهة ومنزلة عالية ومكانة عند الله: في الدُّنيا؛ لكونِه أحدَ المرسَلين مِن أُولي العزم الَّذين نَشَر الله ذِكرَهم، وفي الآخرة لِمَا له من الشَّفاعة عند الله، والدَّرجات العُليا في الجنة من المقرَّبين إلى الله عزَّ وجلَّ في الدُّنيا والآخِرة

وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا وَمِنَ الصَّالِحِينَ

ويُكلِّمُ النَّاس طفلًا في الفِراش؛ آيةً من الله، وتبرئةً لأمِّه، ويكلِّمهم أيضًا بالغًا كبيرًا حال كهولتِه، تكليمَ المرسَلين، بعد أنْ يوحيَ اللهُ إليه، وهو مِنَ الصَّالحين في قولِه وعمَلِه

قَالَتْ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ قَالَ كَذَلِكِ اللَّهُ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ

قالت مريمُ: يا ربِّ، كيف يوجَدُ هذا الولد منِّي ولم يُجامِعْني بَشرٌ لا بنِكاحٍ ولا بزنًا، قال: مِثْلَ ذلك الخَلْقِ- وهو إيجادُ الولد بدون مسيسٍ- يَخلُقُ الله ما يشاء، ويصنَعُ ما يُريد، فلا يُعجِزه شيءٌ، إذا أراد إيجادَ شيء، فإنَّما يقولُ له: كُنْ، فيوجَدُ كما شاء عَقِيبَ الأمر، فلا يتأخَّرُ شيئًا

وَيُعَلِّمُهُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ

ويُعلِّمُ الله عزَّ وجلَّ عيسى عليه السَّلام الكتابةَ ، ويُعلِّمُه أحكام الشريعة الَّتي يُوحيها إليه في غير كِتابٍ، ويُعلِّمه التَّوراةَ الَّتي أنزلها على موسى عليه السَّلام، والإنجيل الَّذي يُنزِّله عليه

وَرَسُولًا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ وَأُحْيِ الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ

ويَجعلُه رسولًا يُرسلُه إلى بَنِي إسرائيلَ، قائلًا لهم: أنِّي قد جئتُكم بعلامةٍ من ربِّكم، تحقِّقُ قولي، وتصدِّقُ خبَري في كوني مُرسَلًا مِن الله إليكم: أُصوِّرُ لكم من الطِّين شيئًا مقدَّرًا على شكلِ الطَّير، فأنفُخُ فيه فيكون طيرًا له رُوح، يَطيرُ بعِلم الله وتمكينِه لي، وأَشفي مَن يُولد أعْمَى ، ومَن به داءُ البرصِ الَّذي يُصيب الجِلدَ، وأُحيي الموتى بإذنِ الله، وأُخبِرُكم بما تَأكلونَه وما تدَّخِرونه في بُيوتِكم فلا تأكلونه، دون أنْ أُعاينَ ذلك، أو يَأتِيَني أحدٌ بخبَرِه، إنَّ في إبراءِ الأَكْمَهِ والأبرصِ وإحياءِ الموتى وغيرِ ذلك ممَّا سبق ذِكره، لآيةً تدلُّ على صِدقي، وتَهديكم، وتَنفعُكم، إنْ كنتم مؤمنين، وإلَّا فليستْ هاديةً ولا نافعةً لكم

وَمُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَلِأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ وَجِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ

وجئتُكم مُقررًا ومخبرًا بصِدْق ما قبلي من التَّوراةِ الَّتي أُنزِلَت على موسى عليه السَّلام، وجئتُكم أيضًا لأحلَّ لكم بعضَ الَّذي حُرِّم عليكم، وجئتُكم بحجَّةٍ ودلالةٍ على صِدقي فيما أقولُ لكم، فاتَّقوا الله بفِعلِ ما أمَر به، واجتنابِ ما نهى عنه، وأطِيعوني فيما دعوتُكم إليه

إِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ

إنَّ الله ربِّي وربُّكم، وخالقُنا، ومالكُنا ورازقُنا؛ لذا فاعبُدوه وحده؛ وما سبَق ذِكرُه- من تقوى الله، وطاعة رسولِه، وتحقيق العبادة لله وحده- طريقٌ مستقيمٌ لا اعوجاجَ فيه، مُوصلٌ إلى اللهِ وإلى جنَّتِه

فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسَى مِنْهُمُ الْكُفْرَ قَالَ مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ آمَنَّا بِاللَّهِ وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ

فلمَّا وجَد عيسى عليه السَّلام من بني إسرائيل- الَّذين أُرسِل إليهم- التَّكذيبَ به، ورأى الإعراضَ عنه والجَحْد لنبوَّته، والصَّدَّ عن دعوتِه، قال: مَن أعواني في الدَّعوة إلى اللهِ ونُصرةِ دِينه، ومَن يُضيفُ نُصرتَه ويَضمُّها إلى نُصرةِ الله لي؟ قال الأنصارُ مِن أصحابِ عيسى عليه السَّلام: نحن أنصارُ دِين الله، آمنَّا بالله، واشهَدْ- يا عيسى- بأنَّنا مسلِمون

رَبَّنَا آمَنَّا بِمَا أَنْزَلْتَ وَاتَّبَعْنَا الرَّسُولَ فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ

قال الحواريُّون أيضًا: يا ربَّنا، آمنَّا بالإنجيل الَّذي أَنزلتَ على عيسى عليه السَّلام، واتَّبعنا رسولَك عيسى عليه السَّلام فأَثبِتْ أسماءَنا مع أسماء الَّذين شهِدوا لك بالوَحْدانيَّة، ولرُسلِك بالصِّدق، ولدِينك بأنَّه الحقُّ، واتَّبَعوا أمرَك ونهيَك- ومنهم أمَّةُ محمَّد صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ- فاجعَلْنا في عِدادِهم ومعهم؛ لنفوزَ بمِثْلِ ما فازوا به

وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ

ومكَر الَّذين كفَروا من بني إسرائيل بعيسى عليه السَّلام، فحاوَلوا قَتْلَه مُتحيِّلين على ذلك، ومَكَر اللهُ بهم؛ فألْقى شَبَهَ عيسى عليه السَّلام على رَجُلٍ آخرَ، فأَخَذوه وقتَلوه، ظنًّا منهم أنَّه عيسى عليه السَّلام، والله سبحانه أقواهم في المكرِ بمن يستحقُّ المكرَ، وأعلمُ بالأسبابِ الَّتي تُحيطُ بأعدائِه، وأشدُّ بطشًا، وأنفَذُ إرادةً

إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ فِيمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ

واذكُرْ إذ قال اللهُ لعيسى عليه السَّلام: يا عيسى، إنِّي مُتوفِّيك وفاةَ نومٍ، ورافعُك برُوحِك وبَدَنِك إلى السَّماء، ومخلِّصُك ممَّن كفرَ بك، ومُخرِجك من بينهم، برفعي إيَّاك إلى السَّماء، وجاعلٌ أتباعَك يا عيسى فوق الَّذين كفروا، بالحُجَّةِ والبُرهان، وبالعزَّة والغَلَبة، ثمَّ يومَ القيامة إليَّ مصيرُكم- أيُّها المختلِفون في عيسى عليه السَّلام جميعًا- فأَقضِي بينكم فيما كُنتُم تَختلفونَ فيه مِن أمْرِه عليه السَّلام

فَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَأُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ

فأمَّا الَّذين كفروا، فإنِّي أُعذِّبهم عذابًا شديدًا قويًّا في الدُّنيا؛ بالقتلِ والسَّبيِ والذِّلَّة والمسكنةِ، وأخْذِ الأموال، وما يَحصُل لقلوبهم من الضِّيقِ والضَّنك، والقلَقِ والحسرة، وغير ذلك، وفي الآخرةِ بنارِ جهنَّم، وليس لهم أحدٌ يَدفَعُ عنهم العذابَ، ولا يمنَعُ عنهم أليمَ العِقاب، لا من الأهلِ، أو الشُّفعاء، أو الأصدقاء، أو غيرِهم

وَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ

وأمَّا الَّذين آمنوا وعمِلوا الصَّالحات، فيُتمُّ لهم جزاءَهم من الثَّواب دون نَقصٍ أو بَخْسٍ في الدُّنيا والآخرة، في الدُّنيا بالنَّصر والظَّفَر، والإعزاز، والحياة الطَّيِّبة، وحُسن الذِّكر، وغير ذلك، وفي الآخِرة بالجنَّةِ والنَّعيمِ المقيم، واللهُ لا يحبُّ مَن ظلَم غيرَه حقًّا له، أو وضَع شيئًا في غير موضعِه، بل يُبغِضهم ويُحِلُّ عليهم غضَبَه وعقابه، وإذا كان لا يحبُّ الظَّالِمين، فكيف يظلِمُ خَلْقَه؟!

ذَلِكَ نَتْلُوهُ عَلَيْكَ مِنَ الْآيَاتِ وَالذِّكْرِ الْحَكِيمِ

هذه الأنباءُ الَّتي أخبَر اللهُ بها عن عيسى عليه السَّلام وأمِّه مريمَ، وما قصَّه اللهُ من قَصص نقرؤُها عليك- يا محمَّدُ- على لسان جِبريل عليه السَّلام، هذه الأنباءُ والأخبارُ من العلاماتِ والحُجَج الدَّالَّة على صِدقِك ونبوَّتِك، وهي أيضًا من القُرْآن ذي الحِكمةِ؛ فهو مُحكَم مُتقَنٌ وحاكمٌ

إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ

إنَّ شَبَهَ عيسى في خَلْق اللهِ له من غيرِ أبٍ كشَبَهِ آدمَ، خلَق آدمَ من ترابٍ بلا أبٍ ولا أمٍّ، ثمَّ قال له: كُنْ، فكان، فليس خَلْقُ اللهِ عيسى بلا أبٍ بأعجَبَ مِن خَلْق آدمَ؛ فكيف يَستنكِرُ وجودَ عيسى من غيرِ أبٍ مَن يُقرُّ بوجود آدمَ من غير أبٍ ؟!

الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُنْ مِنَ الْمُمْتَرِينَ

هذا القولُ الَّذي أنبأتُك به مِن خبرِ عيسى هو الحقُّ مِن عند ربِّك فلا تكُنْ من الشَّاكِّين في شيءٍ ممَّا أخبرك به ربُّك

فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ

فمَن جادَلك- يا محمَّدُ- في المسيحِ عيسى ابنِ مريم مِن بعدِ ما جاءَك من العِلم الَّذي قد بيَّنْتُه لك أنَّ عيسى عليه السَّلام عبدُ اللهِ ورسولُه فقُلْ لهم: هلمُّوا وأقبِلوا، ولندعُ أبناءَنا وأبناءَكم، وزوجاتِنا وزوجاتِكم، وإيَّانا وإيَّاكم ثمَّ نلتعِنْ فنَجعَلْ لَعْنَةَ اللهِ وعقوبتَه على الكاذِبينَ منَّا ومنكم

إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْقَصَصُ الْحَقُّ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا اللَّهُ وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ

إنَّ هذا الَّذي قصَصْناه عليك من أمرِ عيسى عليه السَّلام، وأنَّه عبدٌ لله ورسوله، هو القَصَصُ الحقُّ، والصِّدقُ، وما خالَفه فهو باطلٌ، وما من معبود بحقٍّ إلَّا اللهُ؛ فهو الَّذي لا تنبغي العبادةُ إلَّا له، وإنَّ اللهَ هو الَّذي لا يُغلَب؛ فهو الَّذي قهَر كلَّ شيءٍ وخضع له، ذو الحكمةِ فهو الحاكمُ، ولا حاكمَ غيره، والمُحكِم أي المُتقِنُ لِما حكَم به

فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِالْمُفْسِدِينَ

فإنْ أعرَضوا عن الإقرار بالتَّوحيد، وأنَّ عيسى عبدُ الله ورسولُه، وعدَلوا عن الحقِّ إلى الباطل، فهُمُ المفسِدون، واللهُ عليمٌ بهم، ويُجازيهم على ذلك شرَّ الجزاء، ويُعاقبُهم أشدَّ العُقوبة

قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ

قل- يا محمَّدُ- لأهل الكِتابِ من اليهود والنَّصارى: يا أهلَ الكتاب، هَلُمُّوا وأقْبِلُوا إلى كلمةِ عدْل نستوي- نحن وأنتم- فيها: نوحِّد الله ونُفرِده بالعبادة ولا نُشرِك بالله شيئًا، ولا يُنْزِلُ بعضُنا بعضًا منزلةَ الرُّبوبيَّة؛ فيُعبد، أو يُسجَد له، أو يُطاع في تحليل ما حرَّم الله، أو تحليل ما أحلَّ الله، فإنْ أعْرَضوا عن إجابة ما دُعُوا إليه فقولوا- أيُّها المؤمنون- لهؤلاء المعرِضين: اشهدوا أنَّنا مُستمرُّون على الإسلام، منقادون لشريعتِه، مقرُّون بتوحيد الله، مُخلِصون في عبادتِه

يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تُحَاجُّونَ فِي إِبْرَاهِيمَ وَمَا أُنْزِلَتِ التَّوْرَاةُ وَالْإِنْجِيلُ إِلَّا مِنْ بَعْدِهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ

يا أهلَ الكتاب، من اليَهود والنَّصارى، لِمَ تجادلون وتخاصمون في إبراهيمَ خليلِ الرَّحمن، ويدَّعي كلُّ فريقٍ منكم أنَّه كان منهم ويَدِينُ دِينهم، كيف تَدَّعُونَ- أيُّها اليهود- أنَّه كان يهوديًّا، وأيُّها النَّصارى- أنَّه كان نصرانيًّا، وما أُنْزِلَت التَّوراة ولا الإنجيل إلَّا بعد موته بزمن. واليهوديَّةُ ما حَدَثَتْ إلَّا بعد نزول التَّوراة، ولا حدَثت النصرانيَّة إلَّا بعد نزول الإنجيل؟! أفلا تَعقِلون بُطْلانَ قولَكم؟! فلو عَقَلتم ما تقولون، لم تقولوا ذلك

هَا أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ حَاجَجْتُمْ فِيمَا لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ فَلِمَ تُحَاجُّونَ فِيمَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ

ها أنتُم- يا هؤلاء- جادلتُم وخاصَمتُم فيما لكم به عِلمٌ من أمْر دِينكم ممَّا وجدتموه في كُتُبكم، فلِمَ تُجادلون وتُخاصِمون في الَّذي لا عِلمَ لكم به من أمْر إبراهيم وما كان عليه مِن الدِّين؟! واللهُ يعلمُ ما غاب عنكم، ولم يَأتِكم عِلمُه عن طريقِ رُسله من أمْر إبراهيم عليه السَّلام وغيره من الأمور، وأنتُم لا تعلمونَ ما يَعلمُه اللهُ مِن هذا وغيرِه

مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ

لم يكُن إبراهيمُ عليه السَّلام يَهوديًّا على ملَّة اليهود، ولا نصرانيًّا على ملَّة النَّصارى، ولكن كان إبراهيمُ عليه السَّلام مستقيمًا، مُتَّبِعًا لأمْر الله، مُخْلِصًا له، قد خشَع لله قلبُه، وانقادتْ له جوارحُه، والتزم بأحكامِه، ولم يكُن إبراهيمُ عليه السَّلام من المشركين، الَّذين يَعبُدون غيرَ الله من الأصنام وغيرها

إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ

إنَّ أحقَّ النَّاسِ بإبراهيمَ وولايتِه ونُصرتِه وأقربَهم إليه، هم الَّذين اتَّبعوه على دِينِه وملَّته، وسلَكوا طريقَه، ومحمَّد صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، والَّذين آمنوا به من أصحابه ومَنْ بعدَهم، والله ناصرُ المؤمنين، ومُعِينُهم ومؤيِّدهم

وَدَّتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يُضِلُّونَكُمْ وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ

تمنَّتْ جماعةٌ من أهل التَّوراة مِن اليهودِ، وأهلِ الإنجيل مِن النَّصارى- أنْ يُخرجوكم من الهُدى إلى الضَّلال، ومِن الإسلامِ إلى الكفرِ وهم بذلك لا يُضِلُّون إلَّا أنفسَهم؛ لأنَّهم ابتعدوا عن الإسلامِ، وانْشَغلوا بمحاولةِ إضلالِ المؤمنينَ عن طلبِ الهِداية، وما يَدْرُون، ولا يَعلمون أنَّهم لا يُضِلُّون إلَّا أنفسَهم، وأنَّهم لا يَصِلون إلى إضلالِ المؤمنين

يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ

يا أهلَ الكتاب، ما الَّذي دعاكم إلى الكُفر بالقرآن؟! وأنتُم تَشهدون بصحَّةِ القرآن، وتعلمون صِدقَه، وأنَّه حقٌّ من عند ربِّكم

يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ

يا أهلَ الكتاب، لِمَ تَخْلِطون الحقَّ بالباطلِ حتَّى يلتبسَ أحدُهما بالآخَر، وتُخْفون الحقَّ، ومن ذلك كتمانُهم صفةَ محمَّدٍ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ الموجودةَ في كتُبهم، ونبوَّتَه، وأنتُم تعلمون أنَّكم تَلْبِسون الحقَّ بالباطل، وأنَّ الَّذي تكتُمونَه من الحقِّ حقٌّ

وَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَجْهَ النَّهَارِ وَاكْفُرُوا آخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ

وقالت طائفةٌ من أهل الكتاب من اليهود: أظهِروا الإيمانَ بما جاءَ به محمَّد صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، وادْخُلوا في دِينه أوَّل النهار وإذا كان آخِرُ النهارِ اكفُروا بدِينهم لعلَّهم يَرجعون عن دِينهم ويَتركونه؛ لأنَّه يُقال: لو كان هذا الدِّين صحيحًا ما خرَج منه مَنْ آمَن به مِن أهلِ الكِتاب

وَلَا تُؤْمِنُوا إِلَّا لِمَنْ تَبِعَ دِينَكُمْ قُلْ إِنَّ الْهُدَى هُدَى اللَّهِ أَنْ يُؤْتَى أَحَدٌ مِثْلَ مَا أُوتِيتُمْ أَوْ يُحَاجُّوكُمْ عِنْدَ رَبِّكُمْ قُلْ إِنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ

وقالتْ هذه الطَّائفة أيضًا: ولا تُصدِّقوا ولا تَطمئنُّوا إلَّا لمن تَبِعَ دِينَكم، فكان يهوديًّا، قل -يا محمَّدُ-: إنَّ التوفيقَ توفيقُ الله، والبيانَ بيانُه؛ فهو الَّذي يَهدي المؤمنين إلى الإيمانِ بما نزَّله على نبيِّه محمَّد صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، وإنْ فعلتُم ما فعلتُم، فلن يَنفعَكم ذلك شيئًا وقالوا: لا تُصدِّقوا أن يُؤْتَى أحدٌ من البشرِ مِثلَ الَّذي أوتيتُم يا بني إسرائيل مِن العلمِ والحِكمةِ والكتابِ والفضائلِ والكراماتِ، ولا تُصدِّقوا أنَّ أحدًا يجادلكم عند ربِّكم؛ لأنَّكم أصحُّ منهم دِينًا، وأكرمُ على الله منهم، قلْ لهم- يا محمَّدُ-: إنَّ التوفيقَ للإيمانِ، والهدايةَ للإسلامِ، والإحسانِ بشتَّى أنواع الإحسانِ، يُعطيه اللهُ مَن أراد مِن عِبادِه ، وقد آتَى الله هذه الأمَّةَ ما يَربو بكثيرٍ على الفضائلِ الَّتي آتاها بني إسرائيل، واللهُ ذو سَعةٍ بفضلِه على مَن يشاءُ، ذو عِلمٍ بمَن يَستحقُّ الفضلَ، وهو له أهلٌ؛ فهو يُؤتي فضلَه عن عِلم وحِكمة سبحانه وتعالى

يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ

يَخُصُّ بالنُّبوَّةِ والإسلامِ والقرآنِ مَن يشاء ممَّن هو أهل لذلك، وقد خَصَّ هذه الأمَّةَ ونبيَّها بما لا يُحَدُّ ولا يُوصَفُ من الفضل واللهُ صاحِبُ الإحسانِ الواسعِ الكثير، الَّذي يَتفضَّلُ به على مَن أحبَّ مِن خلْقه

وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لَا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ إِلَّا مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِمًا ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ

ومِن أهل الكتاب الَّذي إنْ تَأْمَنْه- يا محمَّدُ- على المال الكثير يُؤَدِّه إليك، ويَرُدَّهُ دون نُقصانٍ أو تغيير، ولا يَخُنْكَ فيه، وما دونه يُؤدِّيه من باب أَولى ومِن أهلِ الكتاب الَّذي إنْ تَأْمَنْهُ على دِينار يَخُنْكَ فيه، فلا يُؤَدِّه إليك إلَّا ما دُمتَ عليه قائمًا؛ بالمطالبةِ، والاقتضاءِ، والملازمة، والإلحاح في استخلاصِ حقِّك وهو تاركٌ أداء ما فوقه من باب أولى، ذلك الجُحودُ للحقِّ، واستحلالُ الخيانة؛ بسببِ أنَّهم قالوا: لا حرجَ علينا ولا إثمَ فيما أَخَذْنا من أموالِ العرب وأَكَلْنا منها؛ فإنَّ الله أحلَّها لنا لأنَّهم على غير الحقِّ، ويقولون الكذبَ على الله بادِّعائهم أنَّه أَحَلَّ لهم خيانتَهم، وترْكَ قضائِهم، وليس ذلك عن جَهْلٍ، بل مع عِلمهم بأنَّهم يكذبون

بَلَى مَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ وَاتَّقَى فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ

ليس الأمْر كما يقولُ هؤلاء الكاذِبون على اللهِ مِن اليهود، من أنَّه ليس عليهم في أموال الأمِّيِّين حَرَجٌ ولا إثمٌ، ولكنَّ الَّذي أوْفَى بعهد الله منكم يا أهلَ الكتاب -الَّذي عاهدَكم عليه من الإيمانِ بمحمَّدٍ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ-، وصدَّق بما جاء به من الله، وأدَّى الأمانة إلى مَن ائتمنَه عليها، إلى غير ذلك، واتَّقى ما نهاه اللهُ عنه من الكُفرِ به وسائرِ معاصيه الَّتي حرَّمها عليه، وأطاعه واتَّبَعَ شريعتَه فإنَّ الله يحبُّ الَّذين يَتَّقونه، فيخافون عقابَه، ويَحذَرون عذابه، باجتنابِ ما نهاهم عنه، وطاعتِه فيما أمرَهم به

إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ لَا خَلَاقَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ

إنَّ الَّذين يَستبدِلون بما عَهِدَ الله إليهم من الإيمانِ بمحمَّد صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، وأداءِ الأمانة، ويَستبدلون بالحلفِ باللهِ كذبًا استحلالًا لِمَا حرَّم الله عليهم من أموال النَّاس، يَستبدلون بذلك ويأخذونَ به عِوَضًا قليلًا، وبدلًا يسيرًا خسيسًا من حُطام الدُّنيا، فينكُثون عهدَ الله، ويَحلِفون كذبًا من أجْل ذلك، الَّذين يَفعلون ذلك لا حظَّ لهم مِن الخيرِ يومَ القيامة، ولا نصيبَ لهم منه، ولا يُكلِّمهم اللهُ يومَ القِيامة تَكليمَ رضًا، أو كلامًا يَسُرُّهم، ولكنَّه يُكلِّمهم تكليمَ إهانةٍ وغضبٍ وسَخَطٍ، ولا يَنظُر إليهم نظرَ رحمةٍ وعطفٍ ولا نَظرًا يَسُرُّهم، ولا يُطَهِّرهم من ذُنوبهم وكُفرهم ممَّا تلوَّثوا به في الدُّنيا ولهم عذابٌ مُؤلِمٌ موجِعٌ

وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقًا يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بِالْكِتَابِ لِتَحْسَبُوهُ مِنَ الْكِتَابِ وَمَا هُوَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَمَا هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ

وإنَّ من أهل الكتابِ جماعةً يَعطِفون ويُمِيلون ألسنتَهم بالكتاب؛ إمَّا بتحريفِ لفظِه، وإمَّا بتحريفِ معناه بتفسيرِه على غيرِ مرادِ الله، يَلْوُون ألسنَتهم بالكتاب؛ لتظنُّوا أنَّ ما يُحَرِّفونه بكلامِهم من كتابِ الله المنزَّل، وما ذلك الَّذي لَوَوْا به ألسنتَهم من كتابِ الله، ويقولون عمَّا لَوَوْا به ألْسنتَهم من التحريفِ والكذبِ والباطلِ: هو ممَّا أنزلَه اللهُ على أنبيائِه، وما ذلك الَّذي لَوَوْا به ألسنتَهم فأحْدَثوه ممَّا أنزلَه اللهُ إلى أحدٍ من أنبيائه، ولكنَّه ممَّا أحْدَثوه من قِبَل أنفسِهم، ويتعمَّدون قولَ الكذبِ على الله، والإلحاقَ بكتابِ الله ما ليس منه وهم يَعلمون مِن أنفسِهم أنَّهم قد كذَبوا وافترَوْا في ذلك

مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَادًا لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ

ما يَنبغي لأحدٍ من النَّاس يُنَزِّل اللهُ عليه كتابَه، ويُعلِّمه الحِكمةَ، ويُعطيه النُّبوَّة ثمَّ يدْعو إلى عِبادةِ نفْسه، ويقول للنَّاس: اعبدوني من دونِ الله، ولكن إذا آتاه اللهُ ذلك، فإنَّه يقولُ للنَّاس: كونوا عُلماءَ حُكماءَ حُلماءَ، مخلِصين للربِّ، مُتعبِّدين له، مُعَلِّمين للنَّاس، تُربُّونهم بصِغار العِلم قبلَ كِباره بسببِ تَعليمِكم الكتابَ لغيرِكم الْمُتَضَمِّن لعِلمِكم بسببِ مُداومتِكم على قِراءتِه، وحِفظِ ألفاظِه

وَلَا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلَائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبَابًا أَيَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ

وما كان له أيضًا أن يأمرَكم أن تتَّخذوا الملائكة ولا النَّبيِّين أربابًا تُعبَد من دون الله، فما يَنبغي له أنْ يأمرَكم بعبادةِ أحدٍ من الخَلقِ لا نبيٍّ مرسَل، ولا مَلَكٍ مقرَّبٍ، فلا يُمكن أنْ يأمرَكم بالكفر بعد إذ أنتم مُنقادُون بالطاعةِ، مُتذلِّلون بالعبوديَّة لله، قد تقرَّر إسلامُكم وثَبَتَ

وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُوا أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ

واذْكُر- يا محمَّدُ - حينَ أخَذَ اللهُ ميثاقَ جميعِ النَّبيِّين وعَهْدَهم المؤكَّدَ لَمَهْمَا أعطيتُكم- أيُّها النَّبيِّون- من كتابٍ وحِكمةٍ ثمَّ جاءَكم- أيُّها النَّبيِّون- وجاء أُممَكم وأتْباعَكم رسولٌ يُصدِّق ما معكم من الكتُب ، وهو محمَّدٌ صلَّى الله عليه وسلَّم فعليكم أن تؤمنوا به وتصدِّقوه وتنصروه على أعدائه وتُعِينوه على نشْر رسالته. قال: هل اعترفتُم والتزمتُم بذلك الميثاقِ، وأخذتُم عهدي الثَّقيل، ومِيثاقي الشَّديد المؤكَّد، ووصيَّتي بالإيمانِ بهذا الرَّسول ونُصرته، وقَبِلتُم ذلك ورضيتُموه؟ قالوا: اعتَرفنا وقَبِلنا، والتَزمنا بأنْ نؤمِنَ به ونَنصُره، قال اللهُ تعالى للأنبياءِ: فاشَهْدوا على أنفسِكم، وعلى أَتْباعِكم من الأُممِ بذلك، وَأَنَا مَعَكُمْ مِن الشَّاهدين عليكم وعلى أُممكم، وكفَى بالله شهيدًا

فَمَنْ تَوَلَّى بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ

فمَن تولَّى وأَعْرضَ بعد ذلك عن هذا العهدِ والميثاق، بالإيمانِ بمحمَّدٍ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ واتِّباعِه ونُصْرتِه مِن أُممِ هؤلاءِ الأنبياء فأولئك هم الخارِجونَ مِن دِين الله، والمُعرِضون عن طاعتِه

أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ

أَيطلُبون دِينًا غيرَ دِين الله، وشريعةً غير شريعته؟ وله استسلمَ وانقادَ وخضَع وذلَّ مَن في السَّموات والأرض طائعين: كالملائكةِ والأنبياء والمؤمنين، ومُكَرَهين: كالكفَّار؛ فهم تحتَ قَهْرِ الله وسُلطانِه العظيم، مستسلِمون لقضائِه وقدَره وإليه يَصيرون بعدَ مماتِهم، فيجازي كلًّا بعمله: المحسِنَ بإحسانِه، والمسِيءَ بإساءته

قُلْ آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَالنَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ

فإنِ ابتغَوْا غير دِين الله، فقل لهم- يا محمَّدُ-: آمنَّا بالله -والخِطاب للنبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ وأمَّته-، وآمنَّا بما أُنزِل علينا مِن وحْي اللهِ من القرآنِ ومن سُنَّة نبيِّه صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، وقلْ: وآمنَّا أيضًا بما أُنزل الله على إبراهيمَ، وعلى ابنيْه إسماعيلَ وإسحاقَ، وعلى ابن إسحاقَ يعقوبَ، وعلى أنبياءِ بُطون بني إسرائيل المتشعِّبة من الأولاد الاثني عَشرَ ليعقوب، وهو إسرائيلُ، وقل: آمنَّا أيضًا بالتَّوراة الَّتي أعطاها اللهُ موسى عليه السَّلام، والإنجيل الَّذي أعطاه الله عيسى عليه السَّلام، وما أيَّدهما الله به من الآيات، وبما أُعطِي جميع الأنبياء من ربِّهم، لا نُفرِّق بين أحدٍ منهم وآخَرَ في الإيمان، فنؤمِن ببعضٍ ونكفُر ببعض، لكن نؤمِن بهم جميعًا، ونحن للهِ مستسلِمون ظاهرًا وباطنًا، منقادُون بالطاعة، مُتذلِّلون بالعبوديَّة، لا نَدين بغير دِين الإسلام

وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ

ومَن يَطلُبْ دينًا غير الإسلام ليَدِينَ به، فلن يُقبَلَ منه ذلك الدِّينُ، وهو مردودٌ عليه وقد خسِرَ ثوابَ الله ونعيمَه، وصار إلى عذابِه، وبخَس نفْسَه حظَّها من رحمة الله؛ لأنَّه يَعملُ عملًا لن يُقبَل منه

كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْمًا كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ وَشَهِدُوا أَنَّ الرَّسُولَ حَقٌّ وَجَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ

لا يَهدي اللهُ قومًا ارتدُّوا بعدَ أنْ آمنوا؛ فكيف يستحقُّون الهدايةَ وقد اختاروا الكُفر والضَّلال بعدَ أن عَرَفوا الحقَّ، ودخلوا في الإيمان؟! وبعدَ أنْ أقرُّوا أنَّ محمدًا صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ رسولُ الله إلى النَّاس حقًّا، صادقٌ فيما أخبر، عادلٌ فيما حَكم، وجاءتْهم الحُجج من عند الله، وقامتْ عليهم الدلائلُ والبراهين الَّتي تُبيِّن صِدْقَ ما جاء به الرَّسول صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ واللهُ عزَّ وجلَّ لا يُوفِّق للحقِّ الَّذين ظلموا أنفسَهم فتركوا الحقَّ بعدما عرَفوه، واتَّبعوا الباطل مع عِلمهم ببُطلانِه

أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ أَنَّ عَلَيْهِمْ لَعْنَةَ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ

هؤلاء الَّذين كفَروا بعد إيمانِهم، وشهِدوا أنَّ الرَّسول حقٌّ وجاءَهم البيِّنات- عقوبتهم طَرْدُ الله لهم، وإبعادُهم من رحمتِه، ولعْنُ خلْقِه لهم من الملائكةِ والنَّاس جميعًا

خَالِدِينَ فِيهَا لَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ

ماكثِينَ في عُقوبةِ الله ولعنتِه لا يُنْقَصون من العذابِ شيئًا، ولا تُهَوَّن عليهم العقوبة ولا هم يُمْهَلون ولا يُؤخَّرون ولا يؤجَّلون

إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ

إلَّا الَّذين رجَعوا إلى الله، وراجَعوا الإيمانَ بالله ورسولِه من بعد كُفرِهم وارتدادِهم، وأصْلَحوا ما أَفْسَدوا، وعمِلوا الصَّالحات فإنَّ اللهَ يَستُر عليهم الذُّنوب، ويتجاوزُ عنها، ويترُكُ العقوبةَ عليها، ويتعطَّف عليهم بالرَّحمة، الَّتي تَقتضي الإحسانَ والإنعام

إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الضَّالُّونَ

إنَّ الَّذين كفروا وارتدُّوا بعدَ إيمانهم ثمَّ أقاموا على كُفرِهم واستمرُّوا عليه إلى الممات، وتمادَوْا في ضلالهم، وأخَّروا التوبةَ إلى حُضور الموت- فلن يَقبلَ اللهُ لهم توبةً وهؤلاء هم الَّذين ضلَّوا سبيل الحقَّ، وأخطؤوا الطَّريق القويم في الأقوال والأفعال

إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِمْ مِلْءُ الْأَرْضِ ذَهَبًا وَلَوِ افْتَدَى بِهِ أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ

إنَّ الَّذين كفَروا وماتوا على الكُفر فلن يَقبَل اللهُ من أحدهم شيئًا مِن عَمِله، ولو كان أنفقَ مِلْءَ الأرض ذهبًا تقرُّبًا إلى الله، وكذلك لو افتَدَى نفْسَه من الله بمِلْءِ الأرض ذهبًا ما قَبِل الله منه، وهؤلاء لهم عند اللهِ في الآخِرة عذابٌ موجِعٌ مؤلِم وليس لهم أحدٌ ينصُرهم ويَستنقذُهم من عذابِ الله، أو يُجيرُهم من أليمِ عِقابِه