التفسير المحرر
سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا قُلْ للهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (142).
سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا قُلْ للهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (142).
سيتساءل الجُهَّال وخِفاف العقول من النَّاس- اليهود، وأهل النِّفاق، والمشركون-: أيُّ شيء صرَفَ المسلمين عن التوجُّه إلى بيت المقدِس في صلاتهم؛ فحوَّلوا وجوههم عنه، قلْ لهم يا محمَّدُ: لله تعالى وحْده دون غيرِه مُلكُ المشرق والمغرب وما بينهما، فكلُّ الجِهات مخلوقةٌ ومملوكة له؛ فله أن يأمُرَ بالتوجُّه إلى أيِّ جِهةٍ شاء سبحانه، وإنَّ الله تعالى يُرشد ويوفِّق بحِكمته مَن يشاء مِن خَلْقه إلى الطَّريق القويم، وقد هدى اللهُ تعالى المؤمنين إلى قِبلة إبراهيمَ عليه السَّلام التي ضلَّ عنها غيرُهم.
وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ وَإِنْ كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللهُ وَمَا كَانَ اللهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ إِنَّ اللهَ بِالنَّاسِ لَرَؤُوفٌ رَحِيمٌ (143).
مثل هذا الجَعْل الذي جعْلنا لكم، وهو هدايتُكم إلى أفضلِ قِبلة، جعلناكم أيضًا خيرَ الأمم وأعدلَها؛ لتشهدوا على الأُمم الأخرى بأنَّ رُسلَهم وأنبياءَهم عليهم الصَّلاة والسلام قد بلَّغوهم رِسالة ربِّهم عزَّ وجلَّ، ويَشهد محمَّدٌ صلَّى الله عليه وسلَّمَ على صِدق الأمَّة فيما أخبَرت به عن تبليغ رُسُل الله تعالى رِسالتَه إلى أُممهم، وقيل: يَشهد محمَّدٌ صلَّى الله عليه وسلَّمَ بأنَّه بلَّغ أمَّته رسالةَ ربِّه، وإنَّما شرَعْنا لك يا محمَّد التوجُّه أولًا إلى بيت المقدِس، ثمَّ صرَفْنا هذه القِبلة عنك إلى الكَعبة؛ امتحانًا؛ لنعلم-عِلمًا تقوم به الحجة على العبد، ويترتَّب عليه الثوابُ والعِقاب- من سيطيعك فيستقبل معك حيثما توجَّهت، ممن يَرتدُّ عن دِينه، وإن كان الشَّأْن أنَّ واقعة صرْفِنا لك يا محمَّد عن التوجه إلى بيت المقدس، وتوليتنا إيَّاك للكعبة، أمرٌ عظيمٌ، شاقٌّ، وثقيلٌ على النُّفوس، عدَا مَن أرشده الله تعالى للحقِّ، ووفَّقه للعمل به، وما كان لله تعالى أن يُضيع ثوابَ صلاتكم إلى بيت المقدس قَبل ذلك، بل هو محفوظٌ عنده، وإنَّ الله تعالى لذو رأفة بالغة ورحمة عظيمة بالنَّاس؛ ولذا لا يُمكن أن يُضيع أجرَ طاعة عمِلها عبادُه المؤمنون.
قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَمَا اللهُ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ (144).
قد رأينا تحول وجهَك في جِهات السماء؛ متلهِّفًا لنزول الوحي بخبَر تحويل القِبلة إلى الكعبة، فلنوجهنَّك يا محمَّد، إلى قِبلةٍ عظيمةٍ تطمئنُّ إليها، وتحبُّها، وتقبلها، فاستقبل جهة الكعبة لأجْل الصَّلاة، ، وفي أيِّ موضعٍ وَجِهةٍ كنتم- أيُّها المؤمنون- فعليكم أن تستقبلوها وتتوجَّهوا ناحيتَها عند إرادة الصَّلاة، وإنَّ اليهود والنَّصارى يَعلمون مِن كتُبهم أنَّ استقبال النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّمَ والمؤمنين الكَعبةَ، أمرٌ حقٌّ، قد فرَضه الله سبحانه وتعالى، والله تعالى ليس بساهٍ عمَّا يعمل هؤلاء الذين يَعلمون الحقَّ، ويُنكرونه ولا يَتَّبعونه؛ فما يَعملونه محفوظٌ عند الله تعالى؛ ليعاقبَهم عليه
وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ بِكُلِّ آيَةٍ مَا تَبِعُوا قِبْلَتَكَ وَمَا أَنْتَ بِتَابِعٍ قِبْلَتَهُمْ وَمَا بَعْضُهُمْ بِتَابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ إِنَّكَ إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ (145).
والله لئن جِئتَ يا محمَّدُ، اليهودَ والنَّصارى بكلِّ برهان، وأقمتَ عليهم كلَّ حُجَّةٍ تُثبت أنَّ الحقَّ هو ما جِئتَهم به، من وجوب التوجُّه شَطرَ المسجد الحرام، فلن يَتركوا أهواءَهم، ويتَّبعوك في ذلك، وما أنت بمتوجه إلى قِبلة اليهود أو النَّصارى، ولا اليهوديُّ بمتوجه إلى قِبلة النصرانيِّ، ولا النصرانيُّ بمتوجه إلى قِبلة اليهوديِّ، ولئن اتبعت يا محمد أهواء اليهود والنَّصارى، في شأن القبلة وغيرها من بعد مجيء الحقِّ بالتوجُّه قِبل الكعبة؛ كنت معدودا من الظَّالمين أنفسَهم بتَرْك الحقِّ، واتِّباع الباطل. والخطاب للنبي وأمَّته تبعٌ له في ذلك
الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (146).
اليهود والنَّصارى الذين أعطيناهم الكتاب يَعرِفون أنَّ محمَّدًا صلَّى الله عليه وسلَّم حقٌّ، وأنَّ ما جاء به- مِثل صِحَّة التوجُّه نحوَ الكعبة في الصَّلاة- حقٌّ؛ يعرفون ذلك عن يقين تامٍّ، يُماثل يقينَهم بأبنائهم؛ إذ لا يَشتبهون عليهم بغيرِهم، ومع وضوح الحقِّ، وتيقُّن معرفتِه، إلَّا أنَّ طائفةً منهم يَكتُمون ما في كتُبهم من صِفة النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم وما جاء به من التوجُّه نحو الكعبة وهم يعلمون صدقك وأن ما جئت به هو الحق
الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ (147).
اعلمْ يا محمَّد، أنَّ الحقَّ وحده هو الذي جاءك من ربِّك، لا ما يقوله اليهود أو النَّصارى، أو غيرهم؛ فلا يحصُل لك أدنى تردُّدٍ وريبةٍ فيه
وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ أَيْنَ مَا تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللهُ جَمِيعًا إِنَّ اللهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (148).
ولكلِّ أهل مِلَّةٍ قِبلةً يستقبلونها في صلاتهم، فسارعوا باغتِنام الطاعات، ومن ذلك استقبال القِبلة التي أمَر الله تعالى بها، أينما توجدوا في بر، أو بحر، أو جوّ فإن الله يأتي بكم جميعا، يوم القيامة ليجازيكم؛ فهو سبحانه القادِر الذي لا يُعجِزه شيء
وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِنَّهُ لَلْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ وَمَا اللهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (149).
ومِن أيِّ موضعٍ خرجتَ يا محمَّد، في سفرٍ كان أو غيره، فتوجَّهْ نحوَ الكعبة للصَّلاة، وإنَّ توجُّهك نحو الكعبة يا محمَّد، حقٌّ ثابت لا شكَّ فيه من ربك، وإنَّ الله تعالى ليس بساهٍ عن عمَل أحد، بل هو مطَّلعٌ على الأعمال جميعِها، وسيُجازيكم عليها
وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِي وَلِأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (150).
ومِن أيِّ موضعٍ خرجتَ يا محمَّد، في سفرٍ كان أو غيره، فتوجَّهْ نحوَ الكعبة للصَّلاة، وفي أيِّ موضعٍ وَجِهةٍ كنتم- أيُّها المؤمنون- فعليكم أيضًا أن تتوجَّهوا ناحيتَها عند إرادة الصَّلاة، وحوَّلنا قِبلتَكم إلى الكَعبة؛ كي لا يحتجَّ اليهودُ عليكم قائلين: إنكم ما دُمتم قد وافقتمونا في قِبلتنا نحو بيت المقدس، فلِمَ تَعيبون دِينَنا، ولِـمَ لا تتبعون ملَّتَنا؟ لكن ستبقى حُجَّة الظالمين- وهم مشركو قريش- الذين يحتجُّون عليكم بالباطل قائلين: إنكم ما دُمتم قد عُدتم إلى قِبلتنا، فلا بدَّ أن تتَّبعوا دِيننا، فلا تخشَوا هؤلاء الظلمةَ المتعنتين، وأفرِدوا الخشية لي، وشرَعت لكم استقبال الكعبة؛ لأُكمل لكم شرائعَ ملَّتكم الحَنيفيَّة، ولكي تهتدوا، فتَعلموا الحق وتعملوا به
كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولًا مِنْكُمْ يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِنَا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ (151).
أمرْناكم باستقبال الكَعبة؛ نِعمةً منا عليكم، مِثل ما أنعمنا عليكم أيضًا أوَّلَ مرَّة، بإرسال محمَّدٍ صلَّى الله عليه وسلَّمَ منكم- أيُّها العربُ-؛ إذ يتحدَّث بلِسانكم، وتَعرِفون نَسبَه وخُلُقه؛ وهذا الرَّسول الذي أنعمْنا عليكم بإرساله فيكم، أتَى ليقرأ عليكم القُرآن، ويُطهِّركم من دَنَس الشِّرك والكُفران، ورَذائل الأخلاق والعِصيان، ويعلمكم القرآن والسُّنَّة، ويعلمكم ما كنتم تجهلونه ومن ذلك أخبار مَن سلَف، وأخبار ما يأتي من الغُيوب.
فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلَا تَكْفُرُونِ (152).
عليكم بذِكري بالقلب واللسان والجوارح في مقابل تلك النعم التي تقدَّم ذكرها. أذكركم، واشكُروني على ما مَنحتُكم من نِعمٍ باللِّسانِ وبالقلب والجوارح، ولا تجحدوا إحساني إليكم.
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ إِنَّ اللهَ مَعَ الصَّابِرِينَ (153).
يا مَعشرَ المؤمنين، عليكم بالْتزامِ الصَّبر وأداءِ الصَّلاة؛ فهُما عونٌ لكم على عظيمِ الأعمال. إنَّ الله مع الصَّابرين بنصره وتأييده وإعانته
وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاءٌ وَلَكِنْ لَا تَشْعُرُونَ (154).
ولا تقولوا لمَن يقتلون مجاهدين في سبيل الله : هم أموات، فليس الأمرُ كما ظننتم، فالحقُّ أنَّ الشُّهداءَ من بعد مقتلهم، وحتى قِيامِ السَّاعة، أحياءٌ عند الله تعالى، حياةً برزخيَّةً يتمتَّعون فيها في الجَنَّة، ولكن لا يَشعُر النَّاسُ بهذا الأمر في الدُّنيا
وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ (155).
ولَنَختبرنَّكم بشَيءٍ يَسيرٍ يقَع من الخوف، والجُوع، وذَهاب بعض أموالِكم، وموتِ بعضِكم، كأبنائِكم وأَهلِيكم وأقارِبكم، وحُصولِ النَّقْص في ثِمارِكم، وأخبِر الصَّابرين يا محمَّد، خبرًا يَسرُّهم لم يسبقْ أنْ أخبَرهم به أحدٌ من قبلُ
الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ (156).
هؤلاء الصَّابرون هم الذين إذا أصابتهم مصيبة يقولون -عن اعتقاد ويقين-: إنَّا عبيدٌ مملوكون لله الذي له مُطلَق التصرُّف فينا بحِكمته ورحمته، وإنَّا منتقِلون من هذه الدُّنيا الفانية وممَّا فيها من مصائب، وصائِرون إليه وحْدَه يومَ المعاد، فيُجازي كلَّ عاملٍ بعمله
أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ (157).
إنَّ هؤلاءِ الصَّابرين المبشَّرين الذين يقولون: إنَّا لله وإنَّا إليه راجعون، لهم من الله تعالى ثناءٌ عليهم وتنويهٌ بشأنهم، وتتنزَّل عليهم منه سبحانه الرَّحمات، وهؤلاء هم الذين أرْشدَهم الله تعالى للحقِّ، ووفَّقهم للعمل به
إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإِنَّ اللهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ (158).
إنَّ السَّعي بين الصَّفا والمروة من معالم الدِّين الظاهِرة، فمَن قصَد البيت الحرام لأداء مناسك الحجِّ، أو العمرة، فلا يَتحرَّجَنَّ من الطواف بينهما؛ لشُبهة أنَّه من أفعال الجاهليَّة، ومَن أتى بالطَّاعات المفروضة والمستحبَّة وازداد منها، فلْيعلمْ بأنَّ الله تعالى سيُجازيه بإحسانه؛ لأنَّ الله شاكِر لا يُضيع أجْرَ محسِن، عليمٌ لا يَخفى عنه إحسانُه.
إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ (159).
إنَّ عُلماءَ اليهود والنَّصارى الذين أخْفَوا عن النَّاس دَلائل إثبات مَبعث النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّمَ وبيان صِفاته، والهدى وهو العلمُ النَّافع المرشِد لطريق الحقِّ، من بعد ما بيناه في التَّوراة والإنجيل بوضوحٍ تامٍّ. أولئك يطردُهم الله عزَّ وجلَّ من رحمته، ويطلُب اللاعنون من الله تعالى أن يلعنَهم
إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا فَأُولَئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (160).
إلا مَن رجَع عن كِتمانه، معترفًا بذنبه، مُصلحًا حالَ نفْسه، مبيِّنًا للنَّاس ما كتَمَه، فهؤلاء هم الذين أَقبل توبتَهم؛ فأنا كثير التوب أوفِّق العباد للتوبة أولًا، وأقبلها منهم ثانيًا وأنا الرحيم واسع الرحمة، ومن رحمتي أن وفقتهم للتوبة فتابوا ثم قبلتها منهم
إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ (161).
إنَّ الكفار الذين ظلُّوا على كفرهم حتَّى مماتِهم، ولم يتوبوا، أولئك عليهم لعنة الله بالطرد من رحمته، وعليهم لعنة الملائكة وجميع النَّاس فيَسألون الله عزَّ وجلَّ أن يُبعدَهم ويطردَهم من رحمته
خَالِدِينَ فِيهَا لَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ (162).
هم خالدون أبدًا في هذه اللَّعنة المستَتْبِعةِ للخلود الأَبديِّ في نار جهنَّمَ، التي لا يَنقُص فيها عذابُهم زمنًا ولا مِقدارًا؛ فهُم في عذابٍ دائمٍ وشديد، ولا يُمهلون فيُؤخَّر عنهم العذاب.
وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ (163).
إنَّ معبودَكم واحدٌ منفرِد في ذاته وأسمائِه وصِفاتِه وأفعالِه ، لا معبود بحقٍّ سواه، وهو الرحمن الذي وسعتْ رحمتُه كلَّ شيء، الرحيم الذي يوصل الرحمة إلى عباده
إنَّ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنْزَلَ اللهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (164).
إنَّ في خلق السَّموات والأرض، وفي تعاقبِ الليل والنهار الدَّائم، وكذا اختلافهما في الضِّياء والظُّلمة، والحرِّ والبَرد، والطُّول والقِصَر، وفي السُّفن التي تَسير في البحر، فيَنتفع النَّاسُ بالتنقُّل بها من مكان لآخَر، وبجلْب البضائع، وصَيد الأسماك، وغير ذلك، والمطر الذي أنزله الله تعالى من السَّحاب، فأنبتتْ بسببه الأرضُ بعدَ أن كانت قاحلةً مُجدِبةً، ونشَر في أقطارِ الأرض جميعها كلَّ ما يمشي على وجهِها من مختلف أنواعِ الحيوان، وتَنويعِ الرياح في الركود والهُبوب، وفي الاتِّجاه، والشِّدَّة والنَّفع، فتهبُّ من عِدَّة اتجاهات، وتختلف شِدَّةً وضعفًا، ونفعًا للنَّاس، أو هلاكًا وضرًّا، والسَّحاب الواقِع في جوِّ السَّماء، المذلَّل بأمْر الله تعالى لمصالح الخَلْق، في تِلك الأمور المذكورة، علاماتٌ ودَلالات واضحةٌ على وَحدانية الله تعالى، وعلى كمال صِفاته، وعظيم أفعاله، ولكن لِمَن لديه عقلٌ رشيد، يتدبَّر به، ويَفهم عن الله تعالى مقصودَه
وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا وَأَنَّ اللهَ شَدِيدُ الْعَذَابِ (165).
إنَّ بعض النَّاس يجعَلون من بعض الخَلق نُظَراءَ لله سبحانه، يحبُّونهم كما يحبُّون الله تعالى، وإنَّ المؤمنين أشدُّ حبًّا للهِ عزَّ وجلَّ من محبَّةِ أولئك لله تعالى ولأندادهم، ولو عاين هؤلاء الَّذين ظلموا أنفسهم بالشرك واتِّخاذ الأنداد حالهم حين يرون عذابَ الله عزَّ وجلَّ يومَ القيامة فيَعلمون حينها يقينًا أنَّ القوة والقدرة كلَّها لله تعالى وحده، ، وأن الأنداد التي اتَّخذوها لا تدفع عنهم ضرًّا، ولا تجلب لهم نفعًا. ويَعلمون أن الله شديد العذاب لِمَن كفَر أو أشرك به
إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوُا الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ (166).
إذ تبرأ المتبوعون على الكفر والشرك والضلال ممَّن اتبعهم، وعايَنوا جميعا عذابَ جهنَّم، وأيقَنوا أنهم وارِدوها، وانقطعت كلُّ وسيلةٍ وسبب للنجاة والخلاص
وَقَالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَمَا تَبَرَّؤُوا مِنَّا كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ (167).
وقال التابعون: ليت لنا فرصة أخرى للرُّجوع إلى الدُّنيا دارِ العمل؛ لنتمكن من التبرُّؤ ممن اتبعناهم، بترك الشرك والإقبال على توحيد الله وإخلاص العمل له كما أراهم العذاب كذلك يريهم الله أعمالهم ندامات عليهم وليسوا بخارجين من النار بل هم باقون فيها
يَا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلَالًا طَيِّبًا وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (168).
يا أيها النَّاس كلوا مِن جميع ما في الأرض من نباتاتٍ وحيوانات، بشرْط أنْ يكونَ حلالًا، وطاهرًا غيرَ ضارٍّ، ولا تسلكوا طريقَ الشَّيطان، ولا تَقتفوا أثرَه الذي أضلَّ فيه أتْباعه، وهو ما دعا إليه ممَّا هو خلاف طاعة الله عزَّ وجلَّ، ومن ذلك: تحريمُ ما أحلَّ اللهُ تعالى من المآكل، وتحليلُ ما حرَّم منها، والدَّعوة إلى تناوُل خبيثها، وتَرْك طيِّبها، ولا تُطيعوه لأنه لكم عدو ظاهر العدواة
إِنَّمَا يَأْمُرُكُمْ بِالسُّوءِ وَالْفَحْشَاءِ وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (169).
إنَّما يأمُرُكم الشيطان بالأعمال السيِّئة الآثِمة التي تسُوءُ عاقبتُها، وتسُوء صاحبَها، كما يأمُرُ أيضًا بما هو أغلظ من ذلك مما يتناهى قُبحُه، ويتجاوزُ حدَّه كالزِّنا، ويأمُرُكم أيضًا بالقول على الله بلا علم ومن ذلك تحريمُ ما أحلَّ الله تعالى، أو تحليل ما حرَّمه
وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ (170).
وإذا قيل للمشركين: التزِموا باتِّباع ما أنزل الله على رسوله فحسبُ، قالوا: بل نتبع ما وجدنا عليه آباءنا. أيتَّبعون آباءَهم حتى لو كانوا على هذه الحالِ التي لا يستحقُّون أنْ يُتَّبعوا فيها؛ إذ ليس لديهم عقلٌ سليم يُرشِدهم إلى اتِّباع الحقِّ، ويزجُرُهم عن اتِّباع الباطل، ولا يحمِلون عِلمًا نافعًا يعمَلون على وَفْقِه عملًا صالحًا
وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لَا يَسْمَعُ إِلَّا دُعَاءً وَنِدَاءً صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَعْقِلُونَ (171).
وصفة الكفَّارَ عند دعوة الدَّاعي لهم إلى الإيمان كالبهائمِ التي يصوِّت لها راعيها، فتسمَعُ الصَّوت ولا تفهَمُ المعنى، فكذلك حالُ الكفَّارِ الَّذين لا ينتفعون مِن تلك الدَّعوة بشيء، لكنَّهم يسمعون ما تُقام عليهم به الحجَّة، وإنَّ قلوبهم لَمَّا لم تؤمن، تعطَّل انتفاعهم الحقيقي بحواسِّهم تبعًا لذلك، فلا يسمعون الحق سماع فَهمٍ وقَبول، ولا ينطقون به، ولا يبصرون طريقه، فقلوبهم لا تعقل شيئًا من الحق
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ (172).
يا أيها الذين آمنوا كلوا مما أحلَّ اللهُ تعالى لكم؛ من أنواع المطعوماتِ الطَّاهرة النَّافعة، التي رزَقكم إيَّاها، واشُكروا لله بقلوبكم، وألسنتِكم، وجوارحكم، إنْ كنتم تُطيعون الله تعالى حقًّا، وتخضَعون له ممتثلينَ لأوامرِه، ومجتنبين لنواهيه، فاشكروه على ما أنعَم به عليكم
إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (173).
إنما حرَّم الله عليكم- أيُّها المؤمنون- الميتةَ التي ماتت حتْفَ أنفها دون ذكاةٍ شرعيَّة، والدَّم المسفوح، ولحم الخنزير- ويدخُل فيه شحمُه- وما ذُبح على غير اسم الله عزَّ وجلَّ، كالذي يُذبَح للأصنام، ويُسمَّى عليه بغير اسمه سبحانه، مع رفْع الصَّوت بذلك، فمَن ألجأتْه الضرورةُ إلى الأكْل من تلك المحرَّمات وهو غير مبتغٍ لتناولِها مع قدرته على الحلال، أو مع عدم جوعه، وغير متجاوزٍ قدْرَ الضَّرورة، فلا يتناول منها إلَّا بمقدارِ ما يسدُّ جوعه، فمَن كانت حاله كذلك فليس عليه إثمٌ مِن تناولِ تلك المحرَّمات، إِنَّ اللهَ غَفُورٌ يَغفِر ذنوبَ عباده، فيسترها ويتجاوز عن المؤاخذةِ بها، وهو رحيم بعباده
إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلَ اللهُ مِنَ الْكِتَابِ وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ مَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلَّا النَّارَ وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (174).
إنَّ اليهود الَّذين كتَموا أمر نبوَّةِ محمدٍ صلَّى الله عليه وسلَّمَ الثابتةِ في توراتهم، وكتَموا بعض أحكام الله تعالى فيها، يبتغون بهذا الكتمانِ نَيْلَ عَرَضٍ من حُطام الدُّنيا الفاني؛ من الأموال، والرِّئاسات، وغيرها، أولئك كما أكَلوا في بطونهم ما حرَّم الله تعالى بما اكتَسَبوه من مالٍ حرامٍ؛ لكتمانِهم العِلمَ- فكذلك يُطعَمون يومَ القيامة نارًا في بطونهم؛ جزاءً وِفاقًا، ولا يُكلِّمهم الله عزَّ وجلَّ يوم القيامة بكلامِ إكرامٍ ورضًا يسُرُّهم؛ لأنَّه غاضبٌ عليهم، ولا يطهِّرهم من ذنوبهم، ولا يثني عليهم خيرًا، ولهم مع ذلك كلِّه عذابٌ موجِعٌ
أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى وَالْعَذَابَ بِالْمَغْفِرَةِ فَمَا أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ (175).
أولئك الَّذين وصَفهم الله تعالى بكتمانِ العلم، قد استبدلوا- بفِعلهم هذا- بطريقِ الهُدى الذي يقودُهم إلى رضوان الله ونعيمِ الآخرة؛ استبدلوه به طُرُقَ الهَوَى التي أضلَّتهم عن الصِّراط المستقيم، وبفِعلهم هذا قد استبدَلوا أيضًا بنَيْلِ مغفرةِ الله تعالى استحقاقَ عذابِه. فكيف حبَسوا أنفسَهم ووطَّنوها على ارتكاب هذا العمل المودِي بهم إلى عذابٍ شديد، وكيف تجرَّؤُوا على هذا الصَّنيع وهم يعلَمون سوء عاقبته.
ذَلِكَ بِأَنَّ اللهَ نَزَّلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِي الْكِتَابِ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ (176).
إنَّهم استحقُّوا العذابَ على كتمانهم؛ بسبب أنَّ الله عزَّ وجلَّ أنزل كتابَه عليهم بالحقِّ، فحقُّه ألَّا يُكتَم، بل يبيَّن، وكتمانُهم شيئًا منه كتمانٌ للحقِّ، وذلك مخالِفٌ لمراد الله تعالى، فحقَّ عليهم العذابُ، وإنَّ الَّذين آمنوا ببعض الكتاب وكفَروا ببعض؛ فكتَموا منه أشياءَ، وأظهَروا أشياءَ- قد فارَقوا الحقَّ، وجانَبوا طريقَ الصواب
لَيْسَ الْبِرَّ أنَّ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ (177).
ليس الشَّأن في حصول الخير بلزوم التوجه في الصلاة نحو هذه الجهة أو تلك، وإنما أخَذَ بمجامعِ الخيرِ كلِّه من آمن بالله تعالى واليومِ الآخر والملائكة والكتب والأنبياء عليهم السَّلام، ومن أعطى المالَ وهو محبٌّ له وراغبٌ فيه، فيدفعه صدقةً لأقاربِه، وللصِّغار الَّذين فقدوا آباءهم وهم دون البلوغ ولا كاسبَ لهم، وللمساكين الَّذين لا يجِدون ما يَكفيهم ويُغْنيهم، وللمسافر المجتاز يريد نفقةً تُوصلُه لموطنه، وللطَّالبين حاجةً ممَّا يعرِضُ لهم مِن سوء، ولعِتْق الرِّقاب ونحو ذلك، وأتَوْا بالصَّلاة تامَّةً ومستقيمة، وأعطَوُا الزَّكاة التي فرَضها اللهُ تعالى عليهم إلى مستحقِّيها، وأتمُّوا ما التزموا به من عهودٍ مع الله عزَّ وجلَّ ومع الخَلْق، فلم يَنقُضوها من بعدِ ميثاقها، والَّذين حبَسوا أنفسهم عن الجزَع والتسخُّطِ وعمَّا يكرَهُه الله عزَّ وجلَّ، في حال فقرِهم، ومرَضِهم، وفي وقت اشتداد القتال في حربِ الأعداء، أولئك المتَّصِفون بما سبَق هم الصَّادقون في إيمانهم؛ لأنَّ أعمالَهم قد صدَّقت إيمانَهم، وهم المتَّقون؛ لأنَّهم فعَلوا ما أُمروا به، واجتنَبوا ما نُهوا عنه.
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ (178).
يا أيُّها المؤمنون فُرِض عليكم العدل وتحقيقُ المساواة في القِصاص، فيُقتَل الحرُّ بالحرِّ، والعبدُ بالعبد، والذَّكَرُ بالذَّكَر، والأُنثى بالأُنثى، فلا تتعدوا بالقصاص إلى غير القاتل والجاني، فإذا عفا أولياءُ المقتول فلم يُطالِبوا بدَمِه، سقَط القِصاصُ عن القاتل، ووجبت عليه الدِّيَةُ، والواجب على العافي عند قَبضِ الدِّيَة ألَّا يكلِّفَ القاتلَ ما لم يوجِبْه الله تعالى عليه، ولا يشُقَّ عليه بما لا طاقةَ له به، وعلى القاتل أداءُ ما لزِمه لأولياء المقتولِ من غيرِ مماطَلةٍ ولا إنقاصٍ للدِّيَة، ولا صدورِ إساءةٍ فِعليَّةٍ أو قوليَّةٍ منه لهم، فعلى أولياء المقتول حُسنُ الاقتضاء، وعلى القاتل حُسنُ القضاء، وإنَّ ما شرَعه اللهُ عزَّ وجلَّ من إباحةِ العفوِ عن القاتل وأخْذِ الدِّيَة عوضًا عن القِصاص- حُكْمٌ فيه تخفيفٌ من الله تعالى لهذه الأمَّة، ورحمةٌ منه بعباده، فمَن تجاوَز ما حدَّه الله تعالى مِن الأحكام السَّابقة للقِصاص- كأنْ يَقتلَ وليُّ المقتولِ القاتلَ بعد العفوِ عنه، أو يعودَ القاتلُ إلى جِنايتِه مرة أخرى- فإنَّ له عقابًا موجعًا
وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (179).
إنَّ في مشروعيةِ القِصاص حياةً، لِمَن أعمَل عقلَه؛ ليتدبَّرَ ويفهمَ عن الله تعالى مرادَه من هذا الحُكم، فينزجِر ويجتنِب القتل؛ فإنَّ مَن أراد القتل إذا علِم أنَّه يُقتَل قِصاصًا بمن قتَله، كفَّ عن القتل؛ فكان في ذلك حياةٌ له ولِمَن أراد قَتْلَه، وإذا رُئي القاتلُ مقتولًا انزَجر بذلك غيرُه
كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ (180).
فُرِضَ عليكم- أيُّها المؤمنون- إذا أتَتْكم أسبابُ الموت ومقدِّماتُه، وكان لديكم مالٌ: أنْ تعهَدوا ببعضِ هذا المال إلى الوالديْنِ اللَّذيْن لا يرثان لمانع، وإلى الأقارب الذين لا يرثون، وذلك مِن غير إسرافٍ ولا تقتير، ولا اقتصارٍ على الأبعدِ دون الأقرب، بل يُرتَّبون على القُربِ والحاجة، ودون إجحافٍ بالوَرَثةِ، فلا تُتجاوَزُ الوصيةُ لأولئك بأكثرَ من ثُلُث المال، وهذا أمرٌ ثابتٌ ومؤكَّدٌ على المتَّصفين بالتَّقوى
فَمَنْ بَدَّلَهُ بَعْدَمَا سَمِعَهُ فَإِنَّمَا إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ إِنَّ الله سَمِيعٌ عَلِيمٌ (181).
فمَن غيَّر الوصية بعدَما سمعها من الموصي، فقد تعلَّق الإثمُ به، أمَّا الموصي من غير جَنَفٍ ولا إثم فقد برِئَتْ ذمَّته، والله تعالى يسمع ويعلَمُ حالَ الاثنينِ، الموصي والمبدِّلِ وصيَّتَه، ويجازي كلًّا بما يستحقُّ
فَمَنْ خَافَ مِنْ مُوصٍ جَنَفًا أَوْ إِثْمًا فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (182).
فَمَنْ خاف أنْ يَحيد الموصي في وصيَّته عن الحقِّ، سواءٌ عن غير قصدٍ منه، أو متعمدًا، فهذا لا إثمَ عليه إنْ نصَح الموصي في حياتِه بتبديل الوصيةِ، فبدَّلها، أو قام بتبديلها بعد موته، فعدَّلها على الوجهِ الشَّرعي، وبهذا يزول فسادُ الوصية، ويزول معه أيُّ شِقاقٍ وقَع بين الموصِي والوَرَثة، أو بين الوَرَثة والموصَى لهم. إن الله كثير المغفرة عظيم الرحمة لعباده
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (183).
يا أيها الذين آمنوا فرض عليكم الصيام كَما فُرِض أيضًا على الأُممِ السَّابِقة، من أجل الوصولِ بصِيامِكم إلى مَرتبةِ التَّقوى لله عز وجل
أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (184) .
هذا الصِّيامَ مفروضٌ عليكم في أيَّامٍ قليلةٍ، وهي أيَّامُ شهرِ رَمضانَ، فمَن كان مِن المؤمنين في حالِ مرضٍ أو سَفَر، فأفطَر، فعليه أنْ يَقضيَ صيامَ الأيَّام الَّتي أفطَرها في أيَّامٍ أخرى، ويجبُ على مَن استطاع الصِّيامَ ولم يصُمْ، أنْ يُقدِّمَ عن كلِّ يومٍ أفطَره طعامًا لمسكينٍ، ومَن أطعَم أكثرَ مِن مسكين، فذلك أفضلُ من إطعامِ مسكينٍ واحدٍ عن كلِّ يومٍ أفطَره، وصيامُ ما كُتِبَ لكم، خيرٌ لكم مِن أنْ تُفطِروا وتُطعِموا، وإذا عرَفتُم ما في الصَّومِ مِن الخيرِ لكم، فإنَّكم لن تتهاونوا في الصِّيام
شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ(185).
الأيَّامُ المعدودات هي شهرُ رمضانَ الذي أنزل فيه القرآن، قيل: أنزل جُملةً واحدة مِن اللَّوحِ المحفوظ إلى السَّماء الدُّنيا في ليلة القَدْر، وقيل: ابتدأ نزوله في رمضان في ليلةِ القَدْر، أنزل القرآن مرشدا للنَّاسَ، ودليلا لهم على طريقِ الحقِّ، ومشتمِلا على آياتٍ واضحات، وهي دَلائلُ وبراهينُ جليَّةٌ، تبيِّن الحقَّ، وتُرشِد إليه، وتُثبِت صِدقَ ما في القرآن مِن أخبارٍ، وعَدْلَ ما فيه من أحكامٍ، وتَفصِل بين الحقِّ والباطل. فمَن كان حاضرًا مُقِيمًا في بلدِه، فقد وجَب عليه صيامُ ما حضَرَه من أيَّام الشَّهر، ومَن كان في حالِ المرَض أو السَّفر، فأفطَر، فعليه أنْ يقضيَ الصِّيامَ في أيَّامٍ أخرى، بعدَد الأيَّام الَّتي أفطَرها، فالله تعالى يحبُّ أنْ يُخفِّف عنكم أيها المؤمنون، ويُسهِّل عليكم أحكامَه، ويُحِبُّ أنْ تُكمِلوا عدَّةَ شهر رمضان بقضاءِ الأيَّام الَّتي أفطَرْتموها منه، ويُحبُّ أنْ تُعظِّموه بقول: اللهُ أكبَرُ، وذلك بعد انقضاءِ شهرِ رمضانَ؛ لِمَا أنعَم به عليكم من إرشادكم إلى هذا الشَّهرِ، وتشريع صومه وأحكامه، وتوفيقكم لصيامه، ومن أجْل أنْ تكونوا مِن الشَّاكرين لنِعم اللهِ عليكم.
وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ (186).
إذا سأَلك المؤمنون عن قُرْبي يا محمَّدُ، فأنا قريبٌ منهم، أستجيبُ لدعاءِ مَن دعاني منهم، فلينقادوا لي، ممتثِلين أوامري، ومجتَنِبين نواهيَّ، وليؤمنوا بأنِّي أُثيبهم على انقيادِهم لي، وأُجِيب دعاءَهم وتضرُّعَهم لي، من أجل أن يحصل لهم الرشد وهو إصابة الحقِّ، والتَّوفيق للعِلم النَّافع والعملِ الصالح
أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ عَلِمَ اللهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنْكُمْ فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللهُ لَكُمْ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ تِلْكَ حُدُودُ اللهِ فَلَا تَقْرَبُوهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللهُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ (187).
أُبِيح لكم في ليالي الصِّيام مجامعة نسائِكم، فكل مِن الزَّوجِ والزَّوجة بمثابةِ اللِّباس للآخَر لشدة المخالطة والملابسة، عَلِم اللهُ عزَّ وجلَّ أنَّكم كنتم- أيُّها المؤمنون- تخُونون أنفسَكم بمعصيةِ الله سبحانه، فلا تَفُون بأمرِ الله تعالى لكم بالامتناعِ عن الجِماعِ لياليَ الصِّيام، فتاب الله عليكم بأنْ أحلَّ لكم هذا الَّذي حرَّم عليكم من قبلُ، وتجاوَز عنكم ما سلَف من التخوُّنِ، فالآنَ بعد هذه السَّعةِ بإباحة جِماعِ نسائكم، لكم أنْ تُجامِعوهنَّ، واطلُبوا بجِماعِهنَّ ما قدَّر اللهُ تعالى لكم مِن الولد ، وممَّا كتَب الله تعالى لكم أيضًا ليلة القَدْرِ، مِن ليالي شهرِ رمضانَ، فلا ينبغي لكم أنْ تشتغلوا بلذَّةِ الجِماعِ عنها، فتُفوِّتوا أجرها، وكلوا واشربوا في أيِّ وقتٍ من الليل، حتى يظهَر ويتميَّز بياضُ النَّهار من سواد اللَّيل، وحينها يجبُ الإمساكُ عن الأكل والشُّربِ والجِماع إلى غروب الشمس، ولا تجامعوا نساءكم حالَ اعتكافكم في المساجد، وهذا الَّذي بيَّنه اللهُ تعالى مِن الأحكامِ في هذه الآيةِ- كتحريمِ الأكلِ، والشُّرب، والجِماعِ في نهار الصِّيام، وغير ذلك مِن محرَّمات- قد عرَّفها اللهُ تعالى لكم، وبيَّنها، فعليكم أنْ تبقُوا بعيدين عنها. وكما بيَّن اللهُ تعالى لعباده أحكامَ الصِّيام أتمَّ تبيينٍ، فكذلك يُبيِّن أيضًا سائرَ الأحكام الأخرى في كتابِه أو على لسانِ رسولِه عليه الصَّلاة والسَّلامُ، ويوضِّحُها لهم أكملَ إيضاح؛ كي يقوموا بأحكامِه؛ فِعلًا لِما أمَر، واجتنابًا لِما نهى
وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْإِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (188).
لايأخُذْ بعضُكم أموالَ بعضٍ بغير الطُّرق التي أباحها اللهُ تعالى لذلك، ولا تتوصَّلوا بحُكم الحاكم إلى أكلِ الأموال بغير حقٍّ؛ وذلك كأن يتوصَّل إلى ذلك برِشْوة الحاكم بالمالِ؛ ليحكمَ له بتلك الأموالِ بغير حقٍّ؛ فتكونون بذلك آكِلينَ طائفةً مِن أموال النَّاس بالحرامِ، وأنتم تعلَمون أنَّكم واقِعونَ في الحرام
يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهَا وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقَى وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا وَاتَّقُوا اللهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (189).
يسألُك أصحابُك يا محمَّد عن القمرِ حين يبدو هلالًا في بدايات الشَّهر ونهاياته: ما حِكمةُ هذا التغيُّر، خلافًا للشمس الباقية على هَيئةٍ ثابتة؟ قل يا محمد: إنَّها خُلِقت؛ ليعرفَ النَّاسُ بها أوقاتَ حَجِّهم، وشهر صومهم، ويوم فِطرهم، وعِدَد نِسائهم، وغير ذلك من أحكامهم، وليس مِن الخير في شيء ما تعودتم عليه في الجاهلية من دخول البيوت من ظهورها حين تُحْرِمون بالحج أو العمرة، ظانين أن ذلك قربة إلى الله ولكن البِرَّ الحقيقيَّ هو أنَّ يتَّقيَ العبدُ ربَّه عزَّ وجلَّ؛ بامتثال أوامره، واجتنابِ نواهيه، لا التعبُّد بما لم يشرَعْه الله جل وعلا؛ وعليكم أن تأتوا البيوتِ مِن أبوابها؛ إذ لا دليلَ يمنَعُ مِن ذلك حال الإحرام، واتقوا الله بفعَل ما أمَركم به، واجتنِاب ما نهاكم عنه، من أجل أنْ تظفَروا بما تطلُبون، وتنجُوا ممَّا تحذَرون
وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ (190).
قاتِلوا- أيُّها المؤمنون-؛ لأجلِ الله تعالى وحْده، وإعلاءً لدِينه، وبالطريقة الَّتي شرَعها، الذين يُقاتِلونكم من الكفَّار دون مَن سواهم، ولا تتجاوَزوا ما حدَّه اللهُ لكم؛ وذلك لأنَّ الله لا يحبُّ مَن تجاوَز حدودَ ما شرعه، فوقَع في المحرَّمات، سواءٌ في القتال أو غيره
وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأَخْرِجُوهُمْ مِنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ وَلَا تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِنْ قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ كَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ (191).
واقتُلوا الكفَّارَ الَّذين يُقاتِلونكم، في أيِّ مكانٍ ظفِرْتم فيه بهم، وأخرِجوهم مِن دياركم الَّتي أخرَجوكم منها من قبلُ، وإنَّ ما هم عليه من الشِّرك بالله تعالى والكفر به ومحاولاتهم لصدِّ المؤمنين عن دِينهم أعظمُ من القتل، ولا تقاتلوا الكفَّار عند المسجد الحرام حتى يكونوا هم الَّذين يبدَؤون بذلك، فإن قاتَلوكم، فاقتُلوهم دَفْعًا لعُدوانهم عليكم، وكما قرَّرنا القتل جزاءً على من قاتلكم أو قتلكم، فجزاء الكافرين (المعتدين) أيضًا القتلُ.
فَإِنِ انْتَهَوْا فَإِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ. (192)
فإنْ ترَكوا القتال وأسلَموا، فإنَّ الله تعالى غفور يتجاوَزُ عن كلِّ ما سلَف منهم من سيِّئات، رحيم يوفِّقُهم للخير الَّذي يُثِيبهم عليه حسنات برحمته
وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ فَإِنِ انْتَهَوْا فَلَا عُدْوَانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ (193).
وقاتِلوا الكفار الَّذين يقاتِلونكم حتى لا يكونَ ثَمَّ شِركٌ بالله تعالى، فتكون العبادة والطَّاعة لله عزَّ وجلَّ وحده دون غيره، فهذا هو المقصودُ مِن القتال، فإنْ توقَّفوا عن قتالكم وأسلَموا، وأخلَصوا العبادةَ لله تعالى وحده، فكُفُّوا عنهم؛ فإنَّه لا تحلُّ معاقَبة أحدٍ بقتاله أو قتله، إلَّا لِمَا وقَع منه من ظلمٍ بشِرك أو كُفر أو قَتْل أو مقاتَلة
الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللهَ وَاعْلَمُوا أنَّ اللهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ (194).
إنْ قاتَلوكم في أَحدِ الأشهر الحُرُم، فقاتِلوهم فيه، وكذا كلُّ شيء يُحترم كالبلدِ الحرام، وغيره من جميع ما أمَر الشرعُ باحترامه، فمن تجرَّأ عليه وانتهك حُرمته، فإنَّه يُقتصُّ منه بمِثله، فمن اعتدى عليكم، فاقتصُّوا مِن المعتدي بمِثل عُدوانه، دون زيادة، واتقوا الله، فلا تتجاوزوا ما وجب لكم من القِصاص، واعلَموا أن اللهَ عزَّ وجلَّ مع عباده المتَّقين الَّذين يمتثلون أوامرَه، ويجتنبون نواهيَه، فيؤيِّدهم وينصُرُهم ويوفِّقهم
وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (195).
وأَنفِقوا قُربةً لله عزَّ وجلَّ في وجوه الطاعات- ومن ذلك: الإنفاق في جهاد أعداء الدِّين؛ لإعلاءِ كلمة الله تعالى- واجتَنِبوا إلْقاءَ أنفُسِكم فيما فيه هلاكُها وعذابُها، وذلك بتَرْك ما أمَر الله تعالى به، أو فِعْل ما نهى عنه، ومن ذلك: تَرْك الإنفاق في الجهاد، وأمَر اللهُ تعالى عبادَه بأن يُحسنوا في كل شيء؛ في معاملتِهم للخالق، وفي معاملتِهم للمخلوقين؛وذلك لأنَّ الله تعالى يحبُّ المحسنين.
وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ وَلَا تَحْلِقُوا رُؤُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ فَإِذَا أَمِنْتُمْ فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَاتَّقُوا اللهَ وَاعْلَمُوا أنَّ اللهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (196).
يا مَن شرَعتم في أعمال الحجِّ والعمرة، عليكم إتمامَهما بأركانِهما وواجباتهما، بإخلاصٍ لله تبارك وتعالى، فإنْ منَعكم وحبسكم خوفُ عدوٍّ، أو إصابةٌ بمرض، أو نحو ذلك عن الوصول إلى البيت الحرام، فاذبحوا ما تيسَّر من بهيمة الأنعام، من الإبل أو البقر أو الغنم، ولا تَحِلُّوا من إحرامِكم إذا أُحصِرْتم عن حجٍّ أو عُمرة، حتى يبلغَ الهديُ- الذي أوجبتُه عليكم- محلَّ ذَبْحه، وهو موضع الإحصار، فمَن كان منكم مريضا فاحتاج إلى حلق رأسه، أو كان برأسه أذًى كالقمل فحلَق رأسه، فعليه أن يقومَ- عِوضًا عن هذا الفعل- بصِيام ثلاثة أيَّام، أو إطعام سِتَّة مساكين لكلِّ مسكين نصف صاع، أو ذبح شاة، فهو مخيَّرٌ بين هذه الثلاثة، وإذا زالتِ الموانعُ وقدَرتُم على الوصولِ إلى البيت الحرام، فمَن أتى منكم بالعمرة متمتِّعًا بحِلِّه منها بما أحلَّه الله تعالى له من محظوراتِ الإحرامِ- إلى أنْ يَشْرَعَ في أعمال الحج- ومِثل ذلك مَن كان قارنًا بين الحجِّ والعُمرة- فعليه ذبحُ ما قدَر عليه من بهيمةِ الأنعام، وإنْ لم يَجِد المتمتِّعُ هديًا أو لم يجِدْ ثَمنَه، فعليه أن يصوم عوضًا عن ذلك ثلاثةَ أيَّام في أثناءِ الحج، وسبعةً إذا فرَغ من أعمال الحجِّ ورجَع إلى أهلِه وموطنِه، تلك عشرة كاملة لا بد من صيامها، وإنَّ وجوب الهدي وبدله من الصيام، إنَّما هو للمتمتِّع إنْ كان أهله من غيرِ حاضري المسجد الحرام، -قِيل: هم مَن حوله ممَّن بينهم وبينه من المسافةِ ما لا تُقصر إليه الصلوات، وقيل: هم أهلُ الحرم فقط-، وامتثِلوا أوامرَ الله عزَّ وجلَّ، واجتنبوا نواهيَه، واعتقِدوا جازمين بأنَّه سبحانه شديدُ العقوبةِ لِمَن خالَف أمْرَه، وارتكَب نَهْيَه
الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللهُ وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ (197).
وقت الحجِّ أشهُر معلومات، وهي: شوَّال، وذو القَعدة، وعشرٌ من ذي الحجَّة، فمَن أحرَم بالحجِّ فعليه أنْ يجتنبَ جِماعَ النِّساء ومقدِّماته، ولا يتحدَّث بذلك في حَضرتِهنَّ، وعليه اجتنابُ جميع المعاصي، ومن ذلك: محظورات الإحرام، ويجتنب الجدالَ بالباطل والمِراءَ والمنازَعة والمخاصَمة، وكل ما يُقدِّمه العبادُ من الخيرِ من كثيرٍ أو قليل، فالله عزَّ وجلَّ عالمٌ به فيُحصيه لهم، ويَجزيهم عليه بالثَّوابِ الجزيل، وتزوَّدوا مِن أقواتكم بما يُعِينكم على الوصولِ للبيت الحرام، وأداءِ مناسِكِ الحجِّ، وخير الزاد الزَّاد الأخرويِّ الموصل لدار النَّعيم الأبديِّ، وهو استصحابُ التَّقوى؛ بامتثالِ أوامرِ الله، واجتنابِ نواهيه، واتَّقونِ يا أصحابَ العُقولِ الصَّحيحة والأفهام السَّليمة.
لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ وَإِنْ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّالِّينَ (198).
لا حرَجَ عليكم أيها المؤمنون في التكسُّب من التِّجارةِ في مواسم الحجِّ، فإذا دفَعْتُم مِن عرفاتٍ إلى مزدلفة، فاذكروا اللهَ تعالى عند مزدَلِفة، ويدخُلُ في ذلك الصَّلاةُ والدُّعاء عندها، واذكُروا اللهَ عزَّ وجلَّ شُكرًا على هِدايتِه لكم، وقد كنتم مِن قبلِ هذا الهُدى في ضلالٍ عن الطَّريق المستقيم
ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ وَاسْتَغْفِرُوا اللهَ إِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (199).
ثم أفيضوا من عرفات كما كانتِ العربُ كلُّها تُفيض منها، خلافا لقريش، واطلبوا من الله أن يستْرَ ذنوبكم، ويتجاوز عنها؛ فهو سبحانه وتعالى أهلٌ لأنْ يُطلَبَ منه ذلك؛ لأنَّه غفورٌ لعباده المؤمنين رحيمٌ بهم
فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا فَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ (200).
فإذا أتممتُم أداءَ مناسكِ الحجِّ، وتحلَّلتُم من النُّسك، فأَكْثِروا مِن ذِكْر الله عزَّ وجلَّ، وليكُن ذِكرُكم لله تعالى لا يقلُّ عن ذِكركم لآبائِكم، وذِكرِ مآثرِهم، بل عليكم أنْ تَذكروه بأشدَّ من ذلك، فمِن الناس مَن لا يَسألُ اللهَ تعالى إلَّا مصالحَ دُنياه، ولا نَصيبَ له في ثواب الآخِرة
وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ (201).
ومن النَّاس مؤمِنون يقولون ربنا أعطنا في الدنيا حسنة من العِلم النَّافِع والعمَل الصالح، والرِّزق الحسَن، والعافية، وغير ذلك، وفي الآخرةِ حسنة وهي نعيمُ الجنَّة، ورضا الله تعالى إلى غير ذلك واصرِف عنا عذابَ النَّار
أُولَئِكَ لَهُمْ نَصِيبٌ مِمَّا كَسَبُوا وَاللهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ (202).
أُولئك الَّذين يقولون: رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ- لهم ثوابٌ جَزيل على حَجِّهم الَّذي باشَروا معاناتَه بأنفسهم وأموالهم، وسيؤتيهم اللهُ تعالى حظًّا ممَّا سألوه من خيريِ الدنيا والآخرة، وذلك بحسَب أحوالهم، وما تقتضيه حِكمة الله عزَّ وجلَّ، وإنَّه سبحانه يُحصي أعمالَ العباد بسرعة، وهو سريع المحاسَبة للخَلْق يوم القيامة
وَاذْكُرُوا اللهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ لِمَنِ اتَّقَى وَاتَّقُوا اللهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (203).
أمَر اللهُ تعالى عبادَه- مِن حُجَّاج بيته وغيرِهم بذكره فقال: وَاذْكُرُوا اللهَ في أيَّام التَّشريق الثلاثةَ، بالتكبيرُ بعد الصلوات الخمسِ ومطلقا وعند رمي الجمار إلى غير ذلك ولاحرَج على الحاجِّ، سواءٌ خرَج من منًى قبل غروب شمس اليوم الثَّاني مِن أيَّام التَّشريق، أو بقِي فيها إلى اليومِ الثَّالث لرَمْيِ الجمَرات، فله أنْ يختارَ ما شاء، ما دام أنَّه ممتثلٌ ما أمَر اللهُ تعالى به، ومجتنبٌ ما نهى عنه، وخاصَّةً فيما يتعلَّقُ بالحجِّ من مأموراتٍ ومحظورات، واعْلَموا أنَّكم تُجمَعون إلى الله تعالى يومَ القيامة، فتُجازَوْن بأعمالِكم؛ إنْ خيرًا فخيرٌ، وإنْ شرًّا فشَرٌّ
وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ (204).
وبعضَ النَّاس، مِن المنافقين، مَن تستحسنُ يا محمَّد، مَنطقَه وظاهرَ قوله، فتُعجِبك فصاحتُه، لكنه يتحدَّث في شؤون الدُّنيا بعيدًا عمَّا يتعلَّقُ بأمور الآخرة، أو يُعجِبُك ظاهرُ حديثِه عن أمور الدِّين؛ كنُصرةِ الإسلام والمسلمين، وحبِّ الرَّسول عليه الصَّلاةُ والسلام، وغير ذلك، لكنه حديثٌ ينفَعُه في الدنيا فحسب، أما في الآخرة فلا ينتفع به البتَّةَ، ويُخبِر أنَّ الله تعالى يعلَمُ بأنَّ ما في قلبه موافقٌ لِما نطَق به، وهو كاذبٌ في ذلك؛ فهو في الحقيقةِ يُبارِزُ اللهَ عزَّ وجلَّ بما ينطوي عليه قلبُه من الكفرِ، وتجدُه- لاعتمادِه على فصاحتِه- مُجادِلًا بالباطل، وناطقًا بالزُّور مِن القول، كاذبًا في حديثِه، وفاجرًا في خِصامِه
وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ (205).
وإذا خرَج وانصرف عنك هذا الذي يُعجِبُك قولُه، سار في الأرض مجتهدًا في إفسادِها بالكفر، والظُّلم، وعمَل المعاصي؛ كقَطْع الطَّريق، وإخافة السَّبيل، وغير ذلك، وهِمَّتُه في إتلاف الحَرْث، وهو: محلُّ نَماء الزُّروع والثِّمار، وإتلاف النسل، وهو: نتاجُ الحيوانات، كما أنَّه إذا سعى في الأرض فسادًا بالكفرِ والظُّلم والمعاصي، منَع اللهُ تعالى القطرَ من السَّماءِ عقوبةً؛ فتَتْلَف الزُّروع، وتموت الحيوانات، وإنَّ الله تعالى لا يحبُّ تلك الأفعالَ، ولا مَن قام بها، وإنْ قال بلسانه قولًا يُعجِب النَّاسَ
وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ وَلَبِئْسَ الْمِهَادُ (206).
وإذا قيل لهذا المنافق: اتق الله؛ بامتثالِ ما أمَر به، واجتنابِ ما نهى عنه، ومِن ذلك: تَرْكُ الإفساد، وإهلاكِ الزُّروع والحيوانات، إذا أُمر بذلك، استكبَر، وأخذَتْه حميَّةٌ بسبب وقوعِه في الآثام، وحملَتْه هذه الأَنَفةُ على ارتكاب المزيدِ من السَّيِّئاتِ، فكفاه عقوبةً مِن غيِّه وضلالِه، صَلْيُه نارَ جهنَّمَ، ولبئس الفِراشُ والوِطاءُ جهنَّمُ، الَّتي وطَّأها لنفسِه بنِفاقِه وفُجوره
وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللهِ وَاللهُ رَؤُوفٌ بِالْعِبَادِ (207).
إنَّ هناك صِنفًا من النَّاس يبيعون أنفسَهم، ويبذلونها ثمنًا لنيلِ مرضاةِ الله عزَّ وجلَّ، واللهُ ذو رحمةٍ عظيمة بعباده
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (208).
يا مَعشرَ المؤمنينَ اعْمَلوا بجميع شَرائعِ الإسلام، ولا تُطِيعوا الشَّيطان؛ فتَسلُكوا طُرقَه، فيقودَكم شيئًا فشيئًا إلى التَّهلُكةِ؛ فهو لكم عَدوٌّ ظاهِرُ العَدواة
فَإِنْ زَلَلْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْكُمُ الْبَيِّنَاتُ فَاعْلَمُوا أنَّ اللهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (209).
فإن أخطَأْتم وخالَفْتم شرائعَ الإسلام عن عمدٍ، وضلَلْتُم عن الحقِّ عن عِلمٍ، من بعدِ قيام الحُجَجِ والبراهين عليه، فاعلَموا أنَّ اللهَ تعالى عزيز حكيم فلا يُعجِزُه شيءٌ عن الانتقام منكم؛ إذ يقهَر مَن يشاءُ بقوَّتِه، ويُعذِّبُ مَن يشاء بمقتضى حِكمته؛ فإنَّ مِن حِكمته معاقبةَ العُصاةِ بما يُناسب معصيتَهم له سبحانه
هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أنَّ يَأْتِيَهُمُ اللهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ وَالْمَلَائِكَةُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ وَإِلَى اللهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ (210).
ما ينتظر هؤلاء الذين زلُّوا من بعد ما جاءتهم البينات، فكذَّبوا بمحمَّدٍ صلَّى الله عليه وسلَّم وما جاء به، إلَّا إتيان الرَّبِّ عزَّ وجلَّ يوم القيامة في ظُللٍ من الغمام، وإتيان الملائكة، فيقضي الله تعالى بين عباده، ويجازي كل عامل بعمله، فجميع أمور الدنيا والآخرة تؤول إلى الله عزَّ وجلَّ وحده
سَلْ بَنِي إِسْرَائِيلَ كَمْ آتَيْنَاهُمْ مِنْ آيَةٍ بَيِّنَةٍ وَمَنْ يُبَدِّلْ نِعْمَةَ اللهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُ فَإِنَّ اللهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (211).
اسأل يا محمَّد اليهودَ عمَّا أعطيتهم قبلِ مجيئِك، من دلائلَ ومُعجزاتٍ، وحُجَجٍ واضحات، شاهَدوها على أيدي أنبيائِي ورُسلِي، دالَّات على صِدقهم وصِدْقِ ما جاؤوهم به، ومن ذلك: الإيمانُ بمحمَّدٍ صلَّى الله عليه وسلَّمَ، ووجوبُ متابعته، لكنَّهم مع ذلك كلِّه أعرَضوا، وكفَروا، وكذَّبوا، ومَن يترُكْ نعمةَ الإسلام، فيمتنِعْ عن الدُّخول فيه، والعملِ بجميع شرائعه، ويختار عِوضًا عن ذلك الكفرَ به- فإنَّ اللهَ تعالى سيُعاقبه عِقابًا شديدًا
زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَيَسْخَرُونَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ اتَّقَوْا فَوْقَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَاللهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ (212).
زُيِّنت الدُّنيا بزُخرفِها ومباهجِها للكفَّار، فتغلغل حبُّها في شغافِ قلوبهم، وقصَروا أنظارَهم عليها، وآثَروها على نعيمِ الآخرة، وهم مع ذلك يستهزئون بالمؤمنين، وإنَّ الَّذين امتثلوا ما أمَر اللهُ تعالى به، واجتنبوا ما نهى عنه، هم الأَعْلَوْن في دار الخلودِ، وسيكونون فوقَ الَّذين كفروا يوم القيامة، بدخولِهم الجنَّةَ، والله تعالى يُعطي المتَّقين في الجنَّةِ مِن نِعَمه وعطاياه الَّتي لا تنتهي، مِن غير أنْ يخشى نفادَ خزائنه، أو وقوعَ نقصٍ من مُلكه، بل يُعطيهم ما يشتهون بلا حصرٍ ولا تَعداد
كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ فَهَدَى اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ وَاللهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (213).
كان النَّاس كانوا مجتمعين منذ عهدِ آدمَ عليه السَّلام على دِينٍ واحد، هو دينُ الإسلام، ثم اختلَفوا في دِينهم حتى عبَدوا الأصنام، فبعَث الله النَّبيِّين، مُبشِّرين مَن أطاعهم بالجنَّةِ، ومُنذِرين مَن عصاهم بالنَّارِ، وأنزَل اللهَ معهم كُتبًا، مشتملةً على الأخبارِ الصادقة، والأوامرِ العادلة؛ أنزَلها لتفصِلَ بين النَّاس في كلِّ ما اختلَفوا فيه، وإنهم اختلَفوا في تلك الكتب المنزلة، وذلك مِن بعدِ ما علِموا بالأدلَّةِ القاطعات، والحُجَج الباهرات: أنَّ ما فيها هو الحقُّ، وإنَّما حمَلهم على ذلك تعدِّي بعضِهم على بعضٍ بالباطل، ووقوع النِّزاعاتِ والخصومات فيما بينهم، فأرشَد الله تعالى المؤمنين للحقِّ الَّذي جاءت به كتبُ أولئك الأنبياءِ عليهم السَّلام، واختلَف فيه غيرُهم، ووفَّقهم أيضًا إلى الانقيادِ إلى هذا الحقِّ، والتمسُّك به، بعِلمِه وإرادتِه وتيسيره، ويدخُلُ في هؤلاء المؤمنين أمَّةُ محمَّدٍ صلَّى الله عليه وسلَّم قطعًا، ويدخُلُ فيهم أيضًا كلُّ مَن آمَن مِن الأمم السَّابقة؛ كمَن آمَن مِن قوم نوحٍ عليه السلام، واللهَ تبارك وتعالى يُرشِد لطريق الحقِّ الواضح الَّذي لا اعوجاجَ فيه، ويوفِّق للسَّيرِ عليه: مَن يشاء مِن خَلْقه
أَمْ حَسِبْتُمْ أنَّ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللهِ أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللهِ قَرِيبٌ (214).
أظننتم- أيُّها المؤمنون- أن تَدخلوا الجنَّة دون أنْ يصيبَكم ما أصاب الَّذين مضَوْا من قبلكم من النبيين والمؤمنين، فتصبروا كما صبروا، فقد أصابهم الفقرُ وشدَّةُ الحاجة، وأصابتهم الأمراضُ والأوجاعُ، وخُوِّفُوا ورُعِبُوا مِن قِبَل أعدائِهم بأنواع المخاوفِ، فأُصيبوا في أموالهم بالبأساءِ، وفي أبدانهم بالضَّرَّاء، وفي قلوبهم بالخوفِ، حتى وصَلَتْ بهم الحال إلى أنْ يتساءَلَ رسلُ اللهِ ومَن آمَن معهم: متى يأتي نصرُ الله تعالى؟ ليخرُجوا ممَّا هم فيه مِن ضيقٍ وكربٍ وشدَّة، ألا إنَّ نصرَ الله قريب، وفرجه عاجلٌ.
يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلْ مَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللهَ بِهِ عَلِيمٌ (215).
يسألك أصحابُك يا محمَّد، ماذا يُنفَقون من ناحية جنسه ومقداره وكيفية الإنفاق؟ قل يا محمد: ما تنفقونه من الأموال قليلًا أم كثيرًا، فإن أولى وأحقَّ مَن تُنفق عليه الأموال هم الوالدان، ثم بقيَّة الأقارب، الأقرب فالأقرب، والصِّغار الذين فقدوا آباءهم قبل بلوغهم ولا كاسب لهم، والمساكين الذين لا يجدون ما يكفيهم ويُغنِيهم، والمسافرِ المجتاز الذي يحتاج نفقةً تُوصِله لموطنِه، وإنَّ كل ما تُقدِّمونه من معروفٍ وبرٍّ وإحسان وطاعة وقربة لله تعالى، فإنَّه لا يخفَى عليه، بل مطَّلِع على أعمالكم، يُحصِيها لكم، ويُجازِيكم عليها
كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (216).
فُرِض عليكم- أيُّها المؤمنون- قتال الأعداء من الكفَّار والمشركين، مع أنَّه مكروهٌ لكم، لِمَا فيه من شدَّة ومشقَّة وتعرُّض للقتل والإصابة بالجراح، وعسى أن تكرهوا شيئا كالقتال في سبيل الله وهو خير لكم إذ فيه: إما النصر والغنيمة في الدنيا -مع عظيم الأجر في الآخرة- وإما الشهادة والجنة، وعسى أن تحبوا شيئا كالقعود عن الجهاد وهو شر لكم لما فيه من الذل وتسلُّط الأعداء، وفوات الأجور العظيمة. والله يعلم ما هو خيرٌ لكم ممَّا هو شرٌّ لكم، وأعلم منكم بما ينفعكم وما يضرُّكم، فاستجِيبوا له في جميع الأحوال
يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللهِ وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ وَلَا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (217).
يسألونك يا محمَّد، عن حكم القِتال في الشهر الحرام، قيل: السؤال من المؤمنين وقيل: بل من المشركين للنبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّمَ تعييرًا وتشنيعًا على المؤمنين الذين قتَلوا أحد المشركين في شهرٍ حرام، فأمر الله نبيه أن يُجِيب عن ذلك قائلا: قل: القتال فيه عظيم؛ لعَظمة الأشهر الحرم وحُرمتها، ولكنْ ما يقومون به مِن مَنْع النَّاس من سُلوكِ طريق الحقِّ، وردهم عن دينهم، وكفرهم بالله، ومنعِهم النَّاس عن الوصول إلى البيت الحرام لحجٍّ أو عمرة، وإخراج أهله المؤمنين منه، وهم عُمَّارُه والأحقُّ به من المشركين- ذلك أعظمُ إثمًا وجرمًا عند الله؛ فكلُّ واحدٍ منها فِتنة، والفِتنة أشدُّ من القتل الذي وقع من المسلمين في شهرٍ حرام، وسيظلُّ الكفَّار والمشركون على قتالكم لأجْل أن ترجِعوا عن دينكم فتُصبِحوا كفَّارًا مثلهم، هذا إن قدروا، لكنَّهم لن يقدروا، وكلُّ مَن يرجِعْ منكم عن دِين الإسلام، فيختار الكفر ويستمرُّ عليه، حتى مماته، فقد بطَلت أعمالُه في الدُّنيا والآخرة، وهو من أهل النَّار الملازمينَ لها على الدوام
إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللهِ أُولَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللهِ وَاللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (218).
إنَّ الذين آمنوا، والذين هاجروا فرارًا من مخالطة المشركين ومساكنتِهم، وحفاظًا على دِينهم، والذين بذلوا جهدَهم في مقاتلة الأعداء نصرًا لدين الله تعالى، وإعلاءً لكلمته، فهؤلاء جديرون حقًّا بأن يطمعوا في نَيل رحمة الله لهم، وأنْ يُدخِلَهم دار كرامته، وسيَحظَون بما أمَّلوا وطمِعوا فيه؛ ذلك أنَّ الله تعالى غفورٌ رحيم؛ فبمغفرته ستَر ذنوبهم وتجاوز عنها، وأذهب آثارها وعقوباتها في الدنيا والآخرة، وبرحمته وفَّقهم لتلك الأعمال الجليلة، ويمنحهم في الدَّارين الخيراتِ والمراتبَ النَّبيلة
يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللهُ لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ (219) فِی الدُّنْیَا وَالْآخِرَةِ.
يسألك المؤمنون يا محمَّد، عن حُكم الخمر والقِمار، قلْ لهم يا محمَّد، إنَّ في شُرب المسكرات وتعاطِي القِمار إثمًا كبيرًا؛ إذ يُحدِثان عداوةً وبغضاءَ وصدًّا عن ذِكر الله تعالى وعن الصَّلاة، وغير ذلك من آثامٍ ومنكرات، هي أعظم ممَّا يتأتَّى منهما من منافع في النفس والبدن والمال، كالذي يجده شاربها من طربٍ ولذَّةٍ ونشوةٍ، وما يأتي به القمار لصاحبه من أموال، ويسألك المؤمنون يا محمَّد: أيَّ شيء يُنفقون من أموالهم، فيتصدَّقون به؟ قل لهم: مَن أراد منكم أن يُنفِق في سبيل الله تعالى، فليتصدَّق ممَّا زاد عن حاجاته الضروريَّة، وكما فصَّل الله تعالى هذه الأحكامَ كحُكم الخمر وغيره، وأوضحها غايةَ الإيضاح، فكذلك يُوضِّح الله جلَّ وعلا لنا بمِثل ذلك البيان سائر آياته وأحكامه الشرعيَّة؛ كي نتفكَّر في الدنيا وسرعة انقضائها، وفي إقبال الآخِرة وبقائها، فنزهَد في الأولى، ونرغب في الثانية ونعمرها بطاعة الله تعالى
... وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى قُلْ إِصْلَاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ وَاللهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ وَلَوْ شَاءَ اللهُ لَأَعْنَتَكُمْ إِنَّ اللهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (220).
ويسألُك المؤمنون يا محمَّد، عن اليتامى وكانوا يعزلون لهم طعامَهم؛ خوفًا من تناوله معهم، فإذا فضَل منه شيءٌ حبسوه لهم حتى يأكلوه أو يتغيَّر، قل لهم يا محمد إنَّ المقصودَ هو إصلاحُ أموال اليتامى، بحفظها، واستثمارها، والاتِّجار فيها لهم، فإنْ لم تأخذوا أجرًا على قيامكم بذلك فذلك خيرٌ لكم وأعظمُ أجرًا، وإن أصبتم من أموالهم شيئًا في مقابل قيامكم بشؤونهم، كأنْ خالطتموهم في طعامٍ أو غيره من الأموال فجائز- على وجهٍ لا يضرُّ باليتامى-؛ لأنَّهم إخوانكم في الدِّين، ومن شأن الأخ مخالطة أخيه، فمَن خلط مال اليتيم بماله يريد مصلحته، فالله يعلم نيَّته وسيُثِيبه على ذلك، وإنْ حصَل أنْ دخل عليه شيءٌ من ماله من غير قصْدٍ، ولا طمعٍ، فلا حرج عليه؛ لأنَّ الله تعالى يعلم نيَّته، وأمَّا مَن قصد بتلك المخالطة التوصُّل بها إلى أكلِ ماله خديعةً، فالله عزَّ وجلَّ يعلم نيَّته، وسيعاقبه على ذلك، والله تعالى قادرٌ على أن يشُقَّ عليكم بنَهيِكم عن خلط أموالكم بأموال اليتامى؛ وأمْرِكم بتقدير طعامهم تقديرًا دقيقًا، بحيث لا يَزيد عن حاجتهم، ولا ينقص عنها، فتقعوا بذلك في ضيقٍ وحرج؛ ويعاقبكم ربُّكم إنْ تركتم أمره، أو ارتكبتم نهيه؛ إنَّ الله عزيز لا يعجزه شيء، وهو قاهرٌ لكلِّ شيء، حكيم يضَعُ كلَّ شيءٍ في موضعه اللائق به، فيشرِّع ما فيه الخير والرحمة لعباده
وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ وَلَأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ وَلَا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ أُولَئِكَ يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَاللهُ يَدْعُو إِلَى الْجَنَّةِ وَالْمَغْفِرَةِ بِإِذْنِهِ وَيُبَيِّنُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (221).
ولا تتزوَّجوا أيها المؤمنون بالنِّساء المشركات إلَّا إذا آمنَّ ووحَّدْنَ الله تعالى، ولَأَنْ يتزوَّج المؤمن بأمَة مملوكة لكنَّها مؤمنة، خيرٌ له من أن يتزوَّج امرأة حرَّة مشركة، وإن بلَغ الإعجاب بها مبلغًا؛ لحُسنها، أو حسبها، أو نسبها، أو مالها. ولا تُزوِّجوا نساءَكم المؤمنات برجالٍ مشركين، إلَّا إذا آمنوا ووحَّدوا الله تعالى، ولَأَنْ تزوجوهنَّ بعبدٍ مملوك لكنه مؤمنٌ بالله تعالى، خيرٌ من أن تزوجوهنَّ برجلٍ حرٍّ مشرك، ولو بلغ إعجابكم به ما بلغ لحُسنه، أو حسبه، أو نسبه، أو ماله، أولئك المشركون والمشركات يقودونكم من خلال معاشرتهم ومخالطتهم بسماع أقوالهم، ورؤية أفعالهم إلى حبِّ الدُّنيا، وإيثارها على الآخرة، وإلى العمل بما يُدخِلكم النار، وإنَّ الله تعالى يدعوكم إلى الأعمال الموجبة إلى الجنة والمغفرة بإذنه ويوضِّح براهينه وحُججَه ويُظهِر أحكامه وحِكَمها للناس؛ فيُوجِب لهم ذلك التذكُّر لِمَا نَسُوه من الحقِّ فيعتبروا ويتَّعظوا، ويميِّزوا بين الدعاء إلى النيران، والدعاء إلى الجنَّة ونَيْل الغفران
وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللهُ إِنَّ اللهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ (222).
يسألُك المؤمنون- يا محمَّد- عن شأنِهم مع زوجاتهم حال حيضهنَّ، هل يجتنبونهنَّ مطلقًا، كما يفعل اليهود، أو يجامعوهنَّ، فأجابهم الله تعالى بأنَّ الحيض دمٌ قذر، ونجس، فاجتنبوا جِماع نسائكم حال حيضهنَّ إلى أنْ ينقطع دم الحيض ويغتسلن، فإذا فعلن ذلك، فحينها لكم أن تُجامعوهنَّ في الموضِع الذي أباحَ الله تعالى فيه ذلِك، وهو القُبُل، ويأمركم الله تعالى بذلك، ويحثُّكم عليه؛ لأنَّه يحبُّ مَن يُطهِّرون بواطنَهم بالمواظبة على كثرة التَّوبة من جميع الذنوب، وإن تكرَّر منهم غشيانها، ويحب مَن يُطهِّرون ظواهرهم بالماء من الأنجاس والأحداث
نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ وَقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ وَاتَّقُوا اللهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ مُلَاقُوهُ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ (223).
إنَّ نساءكم مُزدرَعٌ لأولادكم، مثلما تكون الأرض حرثًا للزارع حيث يبثُّ فيها الحَب؛ فينمو ويخرج نباتًا. ولكم يا معاشرَ الرِّجال، أن تجامعوا نساءكم على أيِّ جهة، وبأي كيفيَّة شِئتم، شريطةَ أن يكون جماعهنَّ في موضع الحرث، وهو القُبُل، وأعدُّوا الخيراتِ والحسناتِ لأجْل نفع أنفسكم في الآخرة، واجعلوا بينكم وبين غضب الله تعالى وعذابه حاجزًا يَقِيكم ذلك، وكونوا على يقين تامٍّ من أنكم ستلاقون الله تعالى يوم القيامة، وأنه مُجازٍ كلًّا منكم بعمله، إنْ خيرًا فخير وإنْ شرًّا فشر، وبشِّر المؤمنين يا محمَّد بما يسرُّهم في الدنيا والآخرة
وَلَا تَجْعَلُوا اللهَ عُرْضَةً لِأَيْمَانِكُمْ أَنْ تَبَرُّوا وَتَتَّقُوا وَتُصْلِحُوا بَيْنَ النَّاسِ وَاللهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (224).
لا تجعلوا الحَلِفَ بالله تعالى حُجَّةً لكم تمنعُكم من القيام بفِعل الخيرات، أو تمنعكم من تحقيقِ التَّقوى، أو تمنعكم من السَّعي في الإصلاح بين النَّاس بالمعروف، وذلك كأنْ يحلفَ امرؤٌ بالله تعالى على ألَّا يصل رحِمَه، فليس له الامتناعُ من ذلك والتعلُّل باليمين، بل عليه أن يَحنثَ، ويكفِّر عن يمينه، ويأتي الذي هو خير. إنَّ الله تعالى يسمعُ جميع الأصوات ومن ذلك سماعه لأقوال الحالفين، وهو عزَّ وجلَّ عالِم بجميع المقاصد والنيَّات، ومن ذلك علمُه بمقاصد الحالفين هل يقصدون خيرًا أم شرًّا، فلا يَخفى عليه شيء سبحانه
لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ وَاللهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ (225).
لا يُعاقب اللهُ تعالى عِبادَه لِما يَجري على ألسنتهم من الحَلِف على أمورٍ معتادةٍ لديهم، دون قصدٍ منهم إلى عَقد اليمين عليها، وكذا ما يَحلِفون عليه جازمين بصِدقه أو تحقُّق وقوعه، ويكون الأمرُ في الحقيقة على خلاف ما اعتقدوه، فلا تلزمهم كفَّارة ولا عقوبة. وإنَّ العقوبة تقعُ على مَن قصد بقلبِه تعمُّد الحلف بالله تعالى كاذبًا، والله غفور يستُرُ على عِبادِه، ويتجاوزُ عنهم، حليم؛ إذ لا يُعاجِلهم بالعقوبة إذا عصوه
لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِنْ فَاؤُوا فَإِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (226).
إنَّ مَن حلف ألَّا يجامع زوجته أكثر مِن أربعة أشهرٍ، فإنَّ أقصى ما يُمكنه انتظارُه أربعة أشهر دونَ جِماعِها، فإنْ رجع الزَّوج إلى زوجته فجامعها قبل انتهاء الأربعة أشهر أو فور انتهائها، فإنَّ الله غفور يغفر له ما حصل منه، رحيم ورحمته عزَّ وجلَّ تُوجِب له بقاء امرأته، وأن تُفرَض عليه الكفَّارة لحلفه
وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ فَإِنَّ اللهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (227).
وإذا قصد الزَّوج طلاقَها بعزمٍ تامٍّ، أي: بعد تأمُّلٍ فيه، واستقرار رأيه على مفارقة امرأته، فإنَّه يجب عليه أن يُطلِّقها مباشرةً، ولْيعلم أنَّ الله تعالى سميع يسمع الأقوال ومنها طلاقه حين يُطلِّق، وأنه عليم مطَّلعٌ على ما في قلبه، فلْيحذر من المخادعة والتلاعب بأمر الله تعالى، بإرادة تعليقها والإضرار بها؛ فإنَّ الله تعالى لا يَخفى عليه شيءٌ، وسيُجازي عباده بأعمالهم
وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ وَلَا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ إِنْ كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ إِنْ أَرَادُوا إِصْلَاحًا وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ وَاللهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (228).
والمطلقات عليهنَّ أن يحبسنَ أنفسهنَّ عن الزواج مدَّة ثلاثة قروء. والقُرء قيل: هو الطُّهر، وقيل: هو الحيض، ويحرم عليهن كتمان ما خلَق الله في رحِمها: من الحيض، والحمل؛ إن كن يؤمن حقا بالله، واليوم الآخِر، وزوج المطلَّقة الرجعية أحقُّ وأولى بإرجاعها إلى عصمتِه، ما دامتْ في عِدَّتها، أي: حال تربُّصها ثلاثة قروء، أو في أيَّام حملها إن كانت حاملًا، إذا قصد برجعتِها أن يُحدِث ائتلافًا والتئامًا بينه وبينها. وللزَّوجاتِ- سواء كنَّ مُمْسَكات أو مُطلَّقات- حقوقًا، وعلى أزواجهنَّ القيام بها تجاههنَّ، مثلما أنَّ عليهن تُجاه أزواجهن حقوقًا أيضًا، والقيام بها من قِبل الطرفين يكون بما جرت به العادة، من غير وقوع ظلمٍ، أو مخالفةٍ لأمر الله تعالى، ولكنْ للرِّجال عليهن زيادة في الحقوق لِمَا للرجل من فضلٍ على المرأة؛ بسبب الإنفاق عليها وغير ذلك، والله عزيز له الغلبة التامَّة والقهر، ومن ذلك انتقامه ممَّن خالف العمل بتلك الأحكام، وهو سبحانه حكيمٌ فيما شرع وقدَّر، إذ يضع كلَّ شيءٍ في موضعه اللَّائق به
الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ تِلْكَ حُدُودُ اللهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (229).
عدد الطَّلَقات التي يحلُّ للزَّوج بعدها رجعة زوجته، مرَّتان، فإذا طلق الرَّجُل زوجته، فإما أن يردَّها إليه ويعاشرها بما جرت به عادة النَّاس من غير ظلمٍ لها، وإمَّا أن يتركها حتى تنقضي عدَّتها محسنًا إليها، ولا يحِلُّ لكم- أيُّها الرِّجال- إذا أردتم طلاق زَوجاتكم أنْ تأخذوا ممَّا أعطيتموهنَّ شيئًا من المهر أو غيره، إلَّا في حالة واحدة وهي أن يَخشَى الزَّوجانِ، أو أولياؤهما، من عدمِ قِيام كلِّ واحدٍ منهما بما له على الآخَر من حقوق، وذلك كأنْ تُبغِضَ الزوجةُ زوجَها، ولا تَقدِرَ على مُعاشرتِه - فلها حينئذٍ أن تُخالعه، فتطلُب منه فراقَها مُقابلَ عِوَض تُقدِّمه له، ولا حرجَ عليها في دفْعه، ولا حرجَ عليه في أخْذه، وما تقدَّم من الأحكام التي شرَعها الله تعالى لعباده، هي حدود الله التي أمرتم بامتثالها والوقوف عندها، وعدم مخالفتها، وإنَّ الذين يتخطَّون حدود لله، فإنَّهم هم الظالِمون حقيقةً
فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يَتَرَاجَعَا إِنْ ظَنَّا أَنْ يُقِيمَا حُدُودَ اللهِ وَتِلْكَ حُدُودُ اللهِ يُبَيِّنُهَا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (230).
إذا طلَّق الرَّجُل امرأتَه الطلقة الثالثة، فإنَّها تحرُم عليه، وليس في مقدوره إرجاعُها، إلَّا أنَّها لو تزوَّجت بآخر، بعقدِ نكاحٍ صحيح دون قصد تحليل المرأة إلى زوجها الأوَّل، وجامعها الزوج الثاني، فلو طلَّقها زوجُها الثاني وانقضَتْ عِدَّتها، فلا حرجَ حينئذٍ على الزَّوج الأوَّل والمرأة أن يتراجعا بعقد ومهر جديدين، شريطةَ أن يغلب على ظنِّهما أن يتعاشرَا بالمعروف، وأن يقوم كلٌّ منهما بحقوق الآخَر كما ينبغي، تلك الأحكام العظيمة يُوضِّحها الله تعالى توضيحًا كاملًا لمَن كان العلم سجيَّتَهم؛ فهم الذين ينتفعون بها وينفعون غيرهم.
وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِتَعْتَدُوا وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ وَلَا تَتَّخِذُوا آيَاتِ اللهِ هُزُوًا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللهِ عَلَيْكُمْ وَمَا أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنَ الْكِتَابِ وَالْحِكْمَةِ يَعِظُكُمْ بِهِ وَاتَّقُوا اللهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (231).
إذا طلَّقتم -أيُّها الرِّجال- نِساءَكم، طلاقًا لكم عليهنَّ فيه رجعةٌ فقاربْنَ انقضاء عدتهنَّ، فراجعوهنَّ بإشهادٍ على الرَّجعة، ونية حُسن الصُّحبة، وطِيب العِشرة بما يتعارف عليه النَّاس، أو اتركوهنَّ يَقضين تمام عدتهنَّ، ثم فارِقوهنَّ وأوفوهنَّ تمام حقوقهنَّ عليكم من مهرٍ ومتعةٍ ونفقةٍ، وغير ذلك، من غير مخاصمةٍ، ولا شقاقٍ، ولا إضرار، ولا يكُن إرجاعُكم لنسائكم لأجْل المضارَّة بهنَّ؛ لتعتدوا عليهن ومَن يَقُمْ بتلك الاعتداءات، فقد ظلم نفسه بتعريضها لسخط الله وعقوبته، ولا تَجعلوا ما أَنزل اللهُ تعالى لكم في كتابه، من تلك الأحكام العِظام، في موضع السُّخرية والاستهزاء واللَّعب بها، بحيث تتركون العمل بها تجرُّؤًا واستخفافًا، واذكروا نِعَم الله تعالى عليكم، ومن ذلك نِعمة الإسلام، ومن تلك النِّعم ما أنزله الله تعالى من الوحي إلى نبيِّه محمَّدٍ صلَّى الله عليه وسلَّم، وهذا يَشمل كتابَ الله عزَّ وجلَّ، وسُنَّةَ رسوله عليه الصَّلاة والسلام المشتملة على الحِكمة، والله تعالى يُذكِّركم ويَنصحُكم بما أنزله، إمَّا ترغيبًا بما يُليِّن قلوبَكم للخير، وإمَّا ترهيبًا بما يحذِّركم ويزجركم عن الشرِّ، واتَّقوا الله عزَّ وجلَّ في جميع أموركم، بفعل أوامره واجتناب نواهيه، وليكن معلومًا لديكم علمًا يقينيًّا أنَّ الله تعالى محيطٌ بكل شيء علمًا، لا يخفى عليه شيءٌ مطلقًا
وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ إِذَا تَرَاضَوْا بَيْنَهُمْ بِالْمَعْرُوفِ ذَلِكَ يُوعَظُ بِهِ مَنْ كَانَ مِنْكُمْ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكُمْ أَزْكَى لَكُمْ وَأَطْهَرُ وَاللهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (232).
وإذا طلَّق الرِّجال نساءَهم طلاقًا دون الثلاث، فانقضت عدتهن فلا تمنعوهن أيها الأولياء أن يتزوجن من أزْواجهنَّ المُطَلِّقِينَ لَهُنَّ ما دام قد وقَع بينهما التراضي على المعاشرة الحَسَنة، من غير وقوع منكرٍ شرعًا وعُرفًا، وإنَّ نهي الأولياءِ عن عَضْلهنَّ في تلك الحال، إنَّما يُوجَّه إلى مَن يَلين قلبه بالذِّكرى، ويخاف منزجرًا عن الوقوع في الحرام، وهم الذين يؤمنون بالله تعالى وبالدار الآخرة؛ فهؤلاء هم الذين ينتفعون حقًّا بتلك الموعظة، واتِّباعُكم- يا أولياءَ النِّساءِ- شَرْعَ الله عزَّ وجلَّ في رَدِّهنَّ إلى أزواجهنَّ، وتَرْك عضلهنَّ، خيرٌ لكم وأفضلُ عند الله تعالى، وأطيبُ لنفوسكم، وأطهرُ لقلوبكم وأعراضكم. والله يعلم مصالحكم وما فيه خيركم وطُهركم في الدُّنيا والآخِرة، أمَّا أنتم- أيُّها العبادُ- فلا تعلمون أين الخِيَرة فيما تأتون وتتركون، إلَّا ما علَّمكم الله تعالى
وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ لَا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلَّا وُسْعَهَا لَا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا وَلَا مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ فَإِنْ أَرَادَا فِصَالًا عَنْ تَرَاضٍ مِنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا وَإِنْ أَرَدْتُمْ أَنْ تَسْتَرْضِعُوا أَوْلَادَكُمْ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِذَا سَلَّمْتُمْ مَا آتَيْتُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَاتَّقُوا اللهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (233).
على الوالدات المطلَّقاتِ أن يرضعنَ أولادهنَّ؛ ذكورًا كانوا أو إناثًا، مدَّة سنتيْنِ تامَّتيْن، إنْ كان كلٌّ من الأب والأم، أو أحدهما يَنشُد كمالَ الرَّضاعة، وعلى الوالدِ أن يدفعَ لأُمِّ أولاده ما يَقوتُها من الطَّعام، وما يكسوها من الملبسِ بما يجب لمثلِها على مِثله، ومن غير إسرافٍ أو إقتار، والله تعالى لا يُوجِب على الرِّجال من النفقة إلَّا ما أطاقوه ووجدوا إليه سبيلًا، ولا يَحِلُّ للأب الإضرارُ بالأُمِّ، كأنْ يَنزِعَ الولدَ من أمِّه، مع رغبتِها في إرضاعه، ولا يَحِلُّ للأمِّ أيضًا الإضرارُ بالأب، كأنْ تأبى إرْضاعَ مولودها، أو تطلُبَ أكثرَ من أجْرِ مِثلِها، وإنَّ على وارث الطِّفل الذي مات أبوه، مِثلَ ما على الأبِ من النَّفقة والكُسوة لوالدته، وعدم الإضرار بها، وإذا أراد والدُ المولودِ ووالدتُه فِطامَه عن الرَّضاعة، إذا رَأَيَا ذلك قبل انقضاء نهايةِ عامَيِ الرَّضاعة وبعد وقوع تَراضٍ منهما وتشاورٍ؛ هل في ذلك مصلحةٌ لمولودهما أم لا- فلا حرجَ حينئذٍ في ذلك ولا إثم، وإذا أردتم أن تطلُبوا لأولادكم مرضعاتٍ غيرَ أمهاِتهم، على غير قصْد الإضرار بهنَّ، وإنَّما لأسبابٍ تدعو لذلك، فلا حرجَ حينئذٍ ولا إثم على الوالدين في ذلك، إذا دفَع الوالد أجرةَ الرَّضاعة المتَّفقَ عليها للمرضعةِ فأوفاها حقَّها من غير نقصٍ ولا مماطلة، وامتثِلوا ما أمَرَكم الله تعالى به، واجتنِبوا ما نهاكم عنه، ومن ذلك تلك الحقوق المذكورة في الآيات السَّابقة المتعلِّقة بالأزواج وأولادهم؛ وليكن معلومًا لديكم، علمًا يقينيًّا أنَّ الله تعالى لا يَخفى عليه شيء، فهو يراكم وينظُر ماذا تعملون، فيحفظ أعمالَكم ويُجازيكم عليها
وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَاللهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (234).
والذين يموتون منكم ويتركون زوجات فعليهن أن ينتظرن بأنفسهن أربعة أشهر وعَشرةَ أيَّام يعتددن فيها فإذا انقضت مدَّة العدَّة فلا حرج على أوليائهن فيما فعلنه في أنفسهن من تزيُّن وتطيُّب ونِكاح حلال، وغير ذلك ممَّا أباحه الله تعالى لهن. والله سبحانه وتعالى مطَّلعٌ على حقائق أعمالكم؛ عالِمٌ بظاهرها وباطنها، فأقِيمُوا أحكامه ولا تخالفوها، فإنَّه مجازيكم عليها
وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ أَوْ أَكْنَنْتُمْ فِي أَنْفُسِكُمْ عَلِمَ اللهُ أَنَّكُمْ سَتَذْكُرُونَهُنَّ وَلَكِنْ لَا تُوَاعِدُوهُنَّ سِرًّا إِلَّا أَنْ تَقُولُوا قَوْلًا مَعْرُوفًا وَلَا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ يَعْلَمُ مَا فِي أَنْفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ (235).
لا حرَج عليكم- أيُّها الرِّجالُ- أن تلوحوا للنِّساء المعتدَّات من وفاة أزواجهنَّ وتلمِّحوا لهنَّ بالرغبة في الزواج بهنَّ إشارة من غير تصريحٍ، ولا حرجَ عليكم كذلك فيما أضمرتم في قلوبُكم أثناءَ عدَّتهنَّ، من عزم نكاحهنَّ، قد علِم الله أنَّكم ستذكرون للمعتدَّات رغبتَكم في الزواج بألسنتكم، أو تُضمِرون ذلك في أنفسكم؛ فاذكروهن لكن لا تواعدوهن في العدة خفية بأن تتزوّجوهنّ بعد العدة تصريحا إلا أن تَقُولُوا قَوْلًا مَعْرُوفًا بأن تعرضوا وتلمحوا . ولا تقوموا بإجراء عقد النِّكاح على المعتدَّات حتى تنتهي عِدَّتهنَّ، وليكن معلومًا لديكم أنَّ الله عزَّ وجلَّ يعلم ما في أنفسكم ومطلع على ضمائركم، فكونوا على حيطةٍ من أن تخالفوا أحكامه في ذلك؛ فإنَّه مطَّلعٌ على ما في نفوسكم فلا تُضمِروا فيها نيَّة مخالفة لأمره تعالى، خوفًا من عقابه ورجاءً لثوابه، وليكن معلومًا لديكم كذلك بأن الله غفور يستر ذنوبَ عباده ويتجاوز عنها، حليم فلا يعاجل عبادَه بالعقوبات على ذُنوبهم مع قدرته على ذلك، بل يمهلهم جلَّ وعلا
لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ مَتَاعًا بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ (236).
لا حرجَ عليكم إن طلقتم النساءَ بعد العقدِ عليهنَّ، وقبل أن تُجامعوهنَّ، وقبل أن تُوجِبوا لهنَّ مهرًا محدَّدًا، وأَعطوهنَّ- أيُّها الأزواجُ- ما يَتمتعْنَ به من أموالِكم، كلٌّ بحسَب قُدرته وأحوالِه غِنًى أو فقرًا، وبحسَب ما يتعارَف عليه الناس، من غيرِ أن تَظلموهنَّ، فهذا حق ثابت على المتَّصفين بالإحسان إلى أنفسهم وإلى الآخَرين
وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَلَا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ إِنَّ اللهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (237).
لا حرجَ ولا إثمَ عليكم- أيُّها النَّاس- إنْ طلَّقتُمُ النِّساء قَبلَ جماعِهنَّ وقَدْ قدَّرتُم لهنَّ مهرًا، ولهنَّ في هذه الحالِ نِصفُ هذا المهر، إلَّا إذا عفون وتركنه لأزواجِهنَّ، ولم يطالبن به، أو أنْ يعفوَ أزواجُهنَّ فيتركوا لهن نِصف المهرِ الآخَر، فيكون لهنَّ المهرُ كاملًا، والعفو أقربُ للتقوى؛ لأنَّ مَن يعفو قد آثَر فِعل ما ندَبه الله تعالى إليه على هوى نَفْسِه، فهو لِمَا أوجبه الله عزَّ وجلَّ عليه أشدُّ امتثالًا، وِلِمَا نهاه أشد تجنُّبًا، ولا ينبغي أن يترك الزوجانِ الإحسانَ إلى بعضِهم البعض، بإعطاءِ أحدهما للآخَر زيادةً على الحقِّ الواجب له، وذلك بالعفوِ والتسامُحِ عن بقيَّة المهر، فإنَّ الله تعالى يرى كلَّ عمل يصدُر من الناس،ويحفظه، ويُجازيهم عليه
حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ (238).
تعاهُدوا الصَّلوات المفروضة عمومًا بالمحافظة على مواظبة أدائها في أوقاتها، وحِفظ حدودها، والعناية بأدائها بشروطها وأركانها، وتعاهدوا صلاة العصر وحافظوا عليها خصوصا، وأقيموا الصَّلاة، مواظبين على ذلك، ومداومين فيها على الخُشوع والطُّمأنينة والسُّكوت عن الكلام إلا بالذِّكر والقرآن
فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا فَإِذَا أَمِنْتُمْ فَاذْكُرُوا اللهَ كَمَا عَلَّمَكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ (239).
فإن كان بكم خوف من عدو ونحوه ولم يمكنكم أن تصلوا قانتين موفين حقوق الصلاة، فصَلُّوها على أيِّ حالٍ كنتم، سواء ماشينَ على أقدامِكم أو راكبين على دوابِّكم مستقبلي القِبلة وغير مستقبليها، فإذا زال عنكم الخوف، فأقيموا صلاتكم على الصِّفة الكاملة كما علمكم الله ما لم تكونوا تعلمون قبل تعليمه، وتعليمُه إيَّاكم ما ينفعكم في دُنياكم وأُخراكم -ومن ذلك إقامة الصَّلاة بتمامها- نعمةٌ عظيمة تقتضي شُكرها بذكره سبحانه في الصَّلاة وغيرها
وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا وَصِيَّةً لِأَزْوَاجِهِمْ مَتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ فَإِنْ خَرَجْنَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِي مَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ مِنْ مَعْرُوفٍ وَاللهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (240).
والأزواج الذين يموتون منكم ويتركون وراءهم زوجاتٍ، فعليهم أن يعهَدوا قبل وفاتهم لورثتهم بأن تمكث زوجاتهم مدَّة عام كامل، يتمتَّعن فيه بالنفقة من أموالهم، والسُّكنى في منازلهم، دون أن يُخرِجَهنَّ أحدٌ منها، ولا حرَج على أولياء الميِّت في خروجهنَّ وتركهنَّ الحدادَ على أزواجهنَّ بالتجمُّل والتطيُّب والتشوُّف للنكاح والتزوُّج، وغير ذلك ممَّا لا يخرج عن حدود الشَّرْع والعُرف، والله غالب على أمره لا يمنعُه شيءٌ من انتقامه ممَّن خالف أمْره، حكيم فما شرَعه من أحكام في غاية الإتقان والإحكام قد راعى فيها مصالح عباده. وهذه الآية منسوخة
وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ (241).
لكل مطلقة متاع تتمتَّع به من كُسوة أو غيرها، بما يتعارف عليه النَّاس، من غير مخالفة لحدود الله تعالى، وهذا الأمر حقٌّ لهنَّ ثابتٌ ومؤكَّدٌ على كل متَّق لله تعالى بفعل ما أمر، واجتناب ما نهى
كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (242).
كما بيَّن الله عزَّ وجلَّ ما سبق من أحكام ووضَّحها غاية الإيضاح، يبيِّن لكم أيضًا سائر آياته وأحكامه بوضوحٍ تامٍّ حتى لا يبقى فيها خفاءٌ أو لبسٌ؛ لتعقلوها وتفهموها وتعملوا بها
أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ فَقَالَ لَهُمُ اللهُ مُوتُوا ثُمَّ أَحْيَاهُمْ إِنَّ اللهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ (243).
ألم تعلمْ يا محمَّد، خبرَ تلك الجموع المؤلَّفة من آلاف الأشخاص، الذين فرُّوا من دُورِهم وموطنِهم ابتغاءَ السَّلامة من الموت، إما بسبب وباءٍ، أو عدوٍّ دهمهم فقال الله تعالى لهم: موتوا، فماتوا، ثم أحياهم اللهُ تعالى بعدَ مُدَّة، فقاموا. إنَّ الله تعالى هو صاحبُ الإحسان والإنعام على عموم النَّاس فكان عليهم شكرها لكن أكثرهم لا يشكرونه
وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللهِ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (244).
وقاتلوا- أيُّها المؤمنون- أعداءَ دِينكم؛ لإعلاء دين ربِّكم، واعلموا أنَّ الله عزَّ وجلَّ سميعٌ لأقوالكم؛ عليمٌ بأحوالكم ونياتكم، وسيُجازي كلًّا بعمله؛ إنْ خيرًا فخير، وإنْ شرًّا فشر
مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً وَاللهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (245).
هل من أحد ينفق جزءًا من ماله الحلال في أوجه الخيرِ كالجِهاد وغيره، محتسبا للأجْر، طيِّبةً نفسُه بذلك، ودون أن يُتبع نفقتَه منًّا أو أذًى- فإنَّ الله تعالى يضاعفه له أضعافا كثيرة، والله يُضيِّق الرزق على مَن يشاء من عباده، ويُوسِّعه على مَن يشاء، فالتصرُّف كلُّه بيديه، وإليه مرجعكم فيجازيكم بأعمالكم
أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلَإِ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى إِذْ قَالُوا لِنَبِيٍّ لَهُمُ ابْعَثْ لَنَا مَلِكًا نُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللهِ قَالَ هَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ أَلَّا تُقَاتِلُوا قَالُوا وَمَا لَنَا أَلَّا نُقَاتِلَ فِي سَبِيلِ اللهِ وَقَدْ أُخْرِجْنَا مِنْ دِيَارِنَا وَأَبْنَائِنَا فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ تَوَلَّوْا إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ وَاللهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ (246).
ألم تَرَ يا محمَّد، إلى شأنِ أشراف بني إسرائيل ووجهائهم، من بعد وفاة موسى عليه السَّلام، حين قالوا لأحد أنبيائهم: عيِّن لهم ملِكًا نقاتل معه ويوحِّد أمْرنا على الجهاد لإعلاء دين الله، فقال لهم: لعلَّكم تَجبُنون عن القِتال إذا فُرِض عليكم، قالوا له: وأيُّ شيء يمنعنا من الجهاد في سبيل الله تعالى، وأي عذر لنا في تركه، والحال أنَّنا مضطرُّون إليه؛ فالبلاد قد أُخذت، والأبناء قد سُبيَت، فلَمَّا فُرِض عليهم قتال عدوِّهم ما وَفوا بما وَعدوا، بل أَدبر أكثرُهم ناكلينَ عن القتال، وضيَّعوا فرْضَ الجهاد الذي طلبوه، وبقِي منهم عددٌ قليل قد عصمهم الله تعالى وثبَّتهم، فالتزموا أمر الله عزَّ وجلَّ، والله سبحانه يَعلم مَن ظَلَم نفْسه، ممَّن أخلف وعْدَه، ونكص عن أمر ربِّه، وهو مجازيه على ظُلمه
وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ اللهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكًا قَالُوا أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِنَ الْمَالِ قَالَ إِنَّ اللهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ وَاللهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَنْ يَشَاءُ وَاللهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (247).
وقال لهم نبيهم إن الله قد أرسل إليكم طالوت ملكا كما طلبتم وكان رجلًا من عامَّتهم فاعترضوا واستبعدوا مُلكه عليهم، وقالوا: كيف يكون ملكًا يسيطر علينا، وهو دُوننا في الشَّرف والنسب؟! فلماذا لم يأتِ الملِك منَّا، ونحن من سِبط الملوك فنحن أولى منه بذلك؟! ثمَّ هو مع هذا رجلٌ لا يمتلك الكثيرَ من الأموال كما هو شأن الملوك الآخرين، قال لهم نبيُّهم: إنَّ الله اختاره لكم، واختصَّه من بينكم، والله أعلم به منكم، ولستُ أنا مَن عيَّنه من تلقاءِ نفسي، بل الله تعالى هو الذي عيَّنه لي لَمَّا طلبتم ذلك، فلزِمكم الانقيادُ إليه، وهو مع هذا قد أعطاه الله تعالى زيادة في العلم، الذي يمنحه حنكةً وقدرةً على تدبير الأمور، وأعطاه طول القامة وقوة الجسد اللَّذيْنِ يمنحانِه هيبةً وشجاعة، فتوفَّرت لديه الأسباب الحقيقيَّة لاستحقاق الملْك دون غيره، وإنَّ المُلك لله تعالى وحده، وبيده دون غيره، يُؤتيه مَن يشاءُ بحسَب ما تقتضيه حِكمتُه، فيخصه به، فلا تستنكروا يا معشرَ الملأِ من بني إسرائيل أن يبعث الله طالوت ملكًا عليكم والله تعالى ذو سَعةٍ في جميع صفاته؛ ومن ذلك أنَّه واسعٌ في عِلمه، وواسعٌ في فضله، وكرمه؛ ومِن سَعة فضله أنَّه يُنعم بالملْك حتى على مَن لم يكُن من بيت مُلك، وهو سبحانه واسع العلم، عليم بكلِّ شيء؛ ومِن ذلك علمه بمن يصلح للملْك من غيره
وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ فِيهِ سَكِينَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَبَقِيَّةٌ مِمَّا تَرَكَ آلُ مُوسَى وَآلُ هَارُونَ تَحْمِلُهُ الْمَلَائِكَةُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (248).
وقال لهم نبيهم إنَّ علامة صِحَّة تنصيبِ طالوت ملكًا عليكم، هي أن يُردَّ إليكم الصُّندوق الذي سُلب منكم، فتطمئنَّ به قلوبكم ويحوي ما يُهدِّئ نفوسكم، وممَّا يحويه أشياء تبقَّت من تركةِ موسى وهارون عليهما السَّلام، قيل: منها بقيةٌ من آثار ألواح التوراة، تحوي العِلم والحِكمة، وميراث الأنبياء عليهم السلام، ويحمل هذا الصندوقَ إليهم ملائكةُ الربِّ عزَّ وجلَّ، وإنَّ في رجوعِ التابوت إليكم كما وصفتُ لكم، علَامةً على اختيار الله تعالى لطالوت ملكًا عليكم، إن كنتم مؤمنين بالله تعالى حقًّا
فَلَمَّا فَصَلَ طَالُوتُ بِالْجُنُودِ قَالَ إِنَّ اللهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي إِلَّا مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ فَشَرِبُوا مِنْهُ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ فَلَمَّا جَاوَزَهُ هُوَ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ قَالُوا لَا طَاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ قَالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو اللهِ كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللهِ وَالله مَعَ الصَّابِرِينَ (249).
فلما سار طالوت بالجنود متجاوزًا موطنهم، وشاخصًا نحو موضع آخر، -بعد أن أذعَنوا لولايته، وانضمُّوا إليه لقتال عدوِّهم- قال إن الله مختبركم بماء نَهَرٍ فمَن شرِب من هذا الماء فأنا منه بريء، وليس من أهل طاعتي وولايتي وهو بذلك عاصٍ، فلا يتبعنا، ومَن لم يذُقْ منه شيئًا سوى ما اغترفه بكفِّه مرَّةً واحدة، فليصحبنا، فإنَّه من أهل طاعتي وولايتي، فكانت نتيجة هذا الامتحان أنْ شرِب منه معظمُهم، ونكصوا عن قتال عدوِّهم، ولم يبقَ مع طالوت سوى عددٍ قليل قدِ الْتَزموا ما أمَرَهم به، فلمَّا تعدَّى طالوتُ النَّهرَ، ومَن معه مِن المؤمنين الذين أطاعوه، فلم يشرَبوا شيئًا من مائه، أو شرِبوا غرفةً واحدةً باليد، قال بعضهم لَمَّا شاهدوا قلَّتَهم وكثرةَ عدوِّهم: لا قدرةَ لنا في هذا اليوم بقتال جالوت وجنودِه؛ لكثرة عَددهم وعُددهم، قال الذين يعلمون يقينًا أنهم راجعون إلى الله تعالى وملاقوه، وهم أهل الإيمان الثابت واليقين الراسخ منهم: ما أكثرَ ما تغلبُ الجماعةُ القليلةُ الجماعةَ الكثيرة! وذلك بقدر الله تعالى وإرادته، والله عزَّ وجلَّ مع الحابسين أنفسهم على رِضاه وطاعتِه، وتجنُّب معصيته، وتحمُّل أقداره، فيُعِينهم، ويؤيِّدهم وينصرهم
وَلَمَّا بَرَزُوا لِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ قَالُوا رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ (250).
ولَمَّا ظهر حزبُ الإيمان- طالوتُ وجنودُه- لجالوتَ وجنودِه، قالوا: ربَّنا أنزِلْ علينا صبرًا، واملأْ به قلوبنا، وقوِّها على جهادهم؛ وثبت أقدامنا فلا تتزلزل فنجبُنَ ونفرَّ، وانصرنا على هؤلاء القوم الذين كفروا بك
فَهَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ اللهِ وَقَتَلَ دَاوُودُ جَالُوتَ وَآتَاهُ اللهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاءُ وَلَوْلَا دَفْعُ اللهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ وَلَكِنَّ اللهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ (251).
فغلَب طالوتُ وجنودُه عدوَّهم بقدَرِ الله تعالى وتوفيقه، وباشَر داودُ عليه السَّلام قتْلَ جالوت بنفْسه؛ لشجاعته وقوَّته وصبره، وأعطاه الله السلطان والنبوَّة، وعلَّمه ممَّا يشاؤه سبحانه، ومن ذلك تعليمه صَنعةَ الدروع، ولولا أنَّ الله تعالى يدفع بالمجاهدين في سبيله كيد الكفَّار والفجَّار، وإلا لفسَدت الأرض باستيلائهم عليها، وإقامتِهم شعائرَ الكفر ومظاهرَ الفِسق والفجور، ومنعهم من إظهار عِبادة الله تعالى وحده، فتحُلُّ بالأرض وأهلها العقوبات، ويَهلِك الحرثُ والنَّسل؛ فالله سبحانه صاحب الفضل الواسِع على جميع خلقه، ومِن ذلك أنْ شرَع لعباده الجهاد
تِلْكَ آيَاتُ اللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ ۚ وَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (252)
هذه الآيات التي أنبأتُك بها يا محمَّد من القصص والأخبار المذكورة هي علاماتٌ على الله تعالى وتوحيده، وحُجج ودلائل على قدرته وحكمته، نتلوها عليك باليقين والصدق المطابق لِمَا بأيدي أهل الكتاب من الحقِّ الذي يعلمه علماؤهم وإنك يا محمد لرسول الله حقًّا، ونبيُّه صدقًا من جملة الرسل الذين أرسلهم. حيث تخبر بهذه الأخبار والقصص عن السابقين ولولا إخبار الله لما كان عندك بذلك علم