الأربعون النووية في منهج الدعوة إلى الإسلام
الأربعون النووية في منهج الدعوة إلى الإسلام
الأَرْبَعُونَ النَّبَوِيَّةُ فِي مَنْهَجِ الدَّعْوَةِ إِلَى الإِسْلَامِ
جمع وترتيب
د. حيان بن مثنى بن قاسم اليافعي
المُقَدِّمَة
الحمد للَّه ربِّ العالمين، والصلاة والسلام على نبيِّنا محمَّد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
أمَّا بعد:
فهذه أربعون حديثًا في الدعوة إلى اللَّه، جُمِعت لتكون مرجعًا مختصرًا للدعاة وطلبة العلم، تُعتمد في الحفظ والمدارسة.
وكلُّ الأحاديث صحيحة، وغالبها في الصحيحين - البخاري ومسلم - أو أحدهما، أو كان خارج الصحيحين وحكم أهل العلم بصحَّته.
ويهدف هذا الجمع إلى بيان فضل دعوة الكفار إلى اللَّه وأهميتها، وترسيخ المنهج النَّبويِّ في الدَّعوة إلى الإسلام.
أسأل اللَّه تعالى أن ينفع بهذا العمل، ويجعله خالصًا لوجهه الكريم.
باب بيان أنَّ الدِّين المقبول عند اللَّه هو الإسلام وبطلان غيره من الأديان
قال اللَّه تعالى: ﴿إِنَّ ٱلدِّينَ عِندَ ٱللَّهِ ٱلۡإِسۡلَٰمُ...﴾ [آل عمران:19].
وقال تعالى: ﴿وَمَن يَبۡتَغِ غَيۡرَ ٱلۡإِسۡلَٰمِ دِينٗا فَلَن يُقۡبَلَ مِنۡهُ وَهُوَ فِي ٱلۡأٓخِرَةِ مِنَ ٱلۡخَٰسِرِينَ85﴾ [آل عمران:85].
عن أبي هريرة رضي الله عنه، عن رسول اللَّه ﷺ أنَّه قال: «وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ، لَا يَسْمَعُ بِي أَحَدٌ مِنْ هَذِهِ الأُمَّةِ؛ يَهُودِيٌّ وَلَا نَصْرَانِيٌّ، ثُمَّ يَمُوتُ وَلَمْ يُؤْمِنْ بِالَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ، إِلَّا كَانَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ»[1]. [1] رواه مسلم، رقم (153).
باب فضل الدَّعوة إلى الله، وأنَّ الدَّعوة إلى الإسلام أعظم أبواب الأمر بالمعروف والنَّهي عن المنكر
قال اللَّه تعالى: ﴿وَمَنۡ أَحۡسَنُ قَوۡلٗا مِّمَّن دَعَآ إِلَى ٱللَّهِ وَعَمِلَ صَٰلِحٗا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ ٱلۡمُسۡلِمِينَ23﴾ [فصلت:33].
وقال تعالى: ﴿كُنتُمۡ خَيۡرَ أُمَّةٍ أُخۡرِجَتۡ لِلنَّاسِ تَأۡمُرُونَ بِٱلۡمَعۡرُوفِ وَتَنۡهَوۡنَ عَنِ ٱلۡمُنكَرِ وَتُؤۡمِنُونَ بِٱللَّهِۗ...﴾ [آل عمران:110].
وقال تعالى: ﴿وَلۡتَكُن مِّنكُمۡ أُمَّةٞ يَدۡعُونَ إِلَى ٱلۡخَيۡرِ وَيَأۡمُرُونَ بِٱلۡمَعۡرُوفِ وَيَنۡهَوۡنَ عَنِ ٱلۡمُنكَرِۚ وَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ۡٱلۡمُفلِحُونَ104﴾ [آل عمران:104].
عن ابن عباس رضي الله عنهما يقول: «تَأْمُرُونَهُمْ بِالْمَعْرُوفِ: أَنْ يَشْهَدُوا أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ» [2]. [2]تفسير الطبري (7/105).
وعن أبي العالية رحمه الله قال: «كُلُّ آيَةٍ ذَكَرَهَا اللهُ فِي الْقُرْآنِ فِي الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ؛ فَهُوَ الْإِسْلَامُ، وَالنَّهْيِ عَنِ الْمُنْكَرِ؛ فَهُوَ عِبَادَةُ الْأَوْثَانِ وَالشَّيْطَانِ» [3]. [3]فتح القدير للشوكاني (1/424).
عن أبي هريرة رضي الله عنه أنَّ رسول اللَّه ﷺ قال: «مَنْ دَعَا إِلَى هُدىً كَانَ لَهُ مِنَ الأَجْرِ مِثْلُ أُجُورِ مَنْ تَبِعَهُ، لَا يَنْقُصُ ذَلِكَ مِنْ أُجُورِهِمْ شَيْئًا، وَمَنْ دَعَا إِلَى ضَلَالَةٍ كَانَ عَلَيْهِ مِنَ الإِثْمِ مِثْلُ آثَامِ مَنْ تَبِعَهُ، لَا يَنْقُصُ ذَلِكَ مِنْ آثَامِهِمْ شَيْئًا»[4]. [4]رواه مسلم (1893).
وعن أبي مسعود الأنصاري رضي الله عنه قال: قال رسول اللَّه ﷺ: «مَنْ دَلَّ عَلَى خَيْرٍ فَلَهُ مِثْلُ أَجْرِ فَاعِلِهِ»[5]. [5]رواه مسلم (1893).
وعن سهل بن سعد رضي الله عنهما أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال لعليٍّ رضي الله عنه حين بعثه إلى يهود خيبر: «...ثُمَّ ادْعُهُمْ إِلَى الإِسْلَامِ، وَأَخْبِرْهُمْ بِمَا يَجِبُ عَلَيْهِمْ مِنْ حَقِّ اللَّهِ فِيهِ، فَوَاللَّهِ، لَأَنْ يَهْدِيَ اللَّهُ بِكَ رَجُلًا وَاحِدًا خَيْرٌ لَكَ مِنْ أَنْ يَكُونَ لَكَ حُمْرُ النَّعَمِ[6]»[7]. [6]حُمْرُ النَّعَمِ: هي الإبل الحمر، وهي أنفس أموال العرب، يضربون بها المثل في نفاسة الشيء وإنه ليس هناك أعظم منه. شرح النووي على صحيح مسلم (15/178). [7]رواه البخاري (3009)، ومسلم (2406).
باب مَن تعلَّم شيئًا من دين الله شُرِعَ له أن يبلِّغه غيره والأمر بتبليغ العلم ولو قَلَّ
عن عبد اللَّه بن عمرو رضي الله عنهما أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «بَلِّغُوا عَنِّي وَلَوْ آيَةً»[8]. [8]رواه البخاري (3461).
وعن مالك بن الحويرث رضي الله عنه قال: «أَتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ فِي نَفَرٍ مِنْ قَوْمِي، فَأَقَمْنَا عِنْدَهُ عِشْرِينَ لَيْلَةً، وَكَانَ رَحِيمًا رَفِيقًا، فَلَمَّا رَأَى شَوْقَنَا إِلَى أَهَالِينَا، قَالَ: ارْجِعُوا فَكُونُوا فِيهِمْ، وَعَلِّمُوهُمْ، وَصَلُّوا، فَإِذَا حَضَرَتِ الصَّلاَةُ فَلْيُؤَذِّنْ لَكُمْ أَحَدُكُمْ، وَلْيَؤُمَّكُمْ أَكْبَرُكُمْ»[9]. [9]رواه البخاري (628)، ومسلم (674).
وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: «بَعَثَ بَنُو سَعْدِ بْنِ بَكْرٍ ضِمَامَ بْنَ ثَعْلَبَةَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَدِمَ عَلَيْنَا فَأَنَاخَ بَعِيرَهُ عَلَى بَابِ المَسْجِدِ فَعَقَلَهُ، ثُمَّ دَخَلَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ فِي المَسْجِدِ جَالِسٌ مَعَ أَصْحَابِهِ، فَقَالَ: أَيُّكُمُ ابْنُ عَبْدِ المُطَّلِبِ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: أَنَا ابْنُ عَبْدِ المُطَّلِبِ... - الحديث وفيه: أنه بعد أسلم -: أَتَى بَعِيرَهُ، فَأَطْلَقَ عِقَالَهُ حَتَّى قَدِمَ عَلَى قَوْمِهِ، فَاجْتَمَعُوا إِلَيْهِ فَكَانَ أَوَّلُ مَا تَكَلَّمَ بِهِ وَهُوَ يَسُبُّ اللَّاتَ وَالعُزَّى، فَقَالُوا: مَهْ يَا ضِمَامُ، اتَّقِ البَرَصَ وَالجُذَامَ وَالجُنُونَ، فَقَالَ: وَيْلَكُمْ، إِنَّهُمَا وَاللَّهِ لَا يَضُرَّانِ وَلَا يَنْفَعَانِ، إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ رَسُولًا، وَأَنْزَلَ عَلَيْهِ كِتَابًا اسْتَنْقَذَكُمْ بِهِ مِمَّا كُنْتُمْ فِيهِ، وَإِنِّي أَشْهَدُ أَنَّ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، وَإِنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ مِنْ عِنْدِهُ بِمَا أَمَرَكُمْ بِهِ وَنَهَاكُمْ عَنْهُ، فَوَاللَّهِ، مَا أَمْسَى ذَلِكَ اليَوْمَ مِنْ حَاضِرَتِهِ رَجُلٌ وَلَا امْرَأَةٌ إِلَّا مُسْلِمًا، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما: فَمَا سَمِعْنَا بِوَافِدِ قَوْمٍ كَانَ أَفْضَلَ مِنْ ضِمَامِ بْنِ ثَعْلَبَةَ رضي الله عنه»[10]. [10]رواه أحمد في المسند (2380)، والحاكم في المستدرك (3/55)، وأصل الحديث في الصحيحين بدون زيادة دعوته لقومه. ينظر: صحيح البخاري (63)، صحيح مسلم (12).
باب حِرص الداعية على دعوة المشركين والذَّهاب لدعوتهم في مجالسهم وأسواقهم ومواطن اجتماعهم
قال سبحانه وتعالى: ﴿وَجَآءَ مِنۡ أَقۡصَا ٱلۡمَدِينَةِ رَجُلٞ يَسۡعَىٰ قَالَ يَٰقَوۡمِ ٱتَّبِعُواْ ٱلۡمُرۡسَلِينَ20﴾ [يس: 20].
وقال تعالى عن نوح عليه السلام: ﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي دَعَوۡتُ قَوۡمِي لَيۡلٗا وَنَهَارٗا 5 فَلَمۡ يَزِدۡهُمۡ دُعَآءِيٓ إِلَّا فِرَارٗا6 وَإِنِّي كُلَّمَا دَعَوۡتُهُمۡ لِتَغۡفِرَ لَهُمۡ جَعَلُوٓاْ أَصَٰبِعَهُمۡ فِيٓ ءَاذَانِهِمۡ وَٱسۡتَغۡشَوۡاْ ثِيَابَهُمۡ وَأَصَرُّواْ وَٱسۡتَكۡبَرُواْ ٱسۡتِكۡبَارٗا 7 ثُمَّ إِنِّي دَعَوۡتُهُمۡ جِهَارٗا8 ثُمَّ إِنِّيٓ أَعۡلَنتُ لَهُمۡ وَأَسۡرَرۡتُ لَهُمۡ إِسۡرَارٗا9﴾ [نوح: 5–9].
وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: «بَيْنَا نَحْنُ فِي المَسْجِدِ؛ إِذْ خَرَجَ إِلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: انْطَلِقُوا إِلَى يَهُودَ، فَخَرَجْنَا مَعَهُ حَتَّى جِئْنَاهُمْ، فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَنَادَاهُمْ فَقَالَ: يَا مَعْشَرَ يَهُودَ، أَسْلِمُوا تَسْلَمُوا، فَقَالُوا: قَدْ بَلَّغْتَ يَا أَبَا القَاسِمِ، فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ذَلِكَ أُرِيدُ، أَسْلِمُوا تَسْلَمُوا، فَقَالُوا: قَدْ بَلَّغْتَ يَا أَبَا القَاسِمِ، فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ذَلِكَ أُرِيدُ، فَقَالَ لَهُمُ الثَّالِثَةَ، فَقَالَ: اعْلَمُوا أَنَّمَا الأَرْضُ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ، وَإِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُجْلِيَكُمْ مِنْ هَذِهِ الأَرْضِ، فَمَنْ وَجَدَ مِنْكُمْ بِمَالِهِ شَيْئًا فَلْيَبِعْهُ، وَإِلَّا فَاعْلَمُوا أَنَّ الأَرْضَ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ»[11]. [11]رواه البخاري (6944)، ومسلم (1765).
وعن أسامة بن زيد رضي الله عنهما: «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ رَكِبَ عَلَى حِمَارٍ، عَلَيْهِ قَطِيفَةٌ فَدَكِيَّةٌ، وَأُسَامَةُ وَرَاءَهُ، يَعُودُ سَعْدَ بْنَ عُبَادَةَ فِي بَنِي حَارِثِ بْنِ الخَزْرَجِ، قَبْلَ وَقْعَةِ بَدْرٍ، فَسَارَا حَتَّى مَرَّا بِمَجْلِسٍ فِيهِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ ابْنُ سَلُولَ، وَذَلِكَ قَبْلَ أَنْ يُسْلِمَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ، فَإِذَا فِي المَجْلِسِ أَخْلاَطٌ مِنَ المُسْلِمِينَ وَالمُشْرِكِينَ عَبَدَةِ الأَوْثَانِ وَاليَهُودِ، وَفِي المُسْلِمِينَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَوَاحَةَ، فَلَمَّا غَشِيَتِ المَجْلِسَ[12] عَجَاجَةُ الدَّابَّةِ[13]، خَمَّرَ[14] ابْنُ أُبَيٍّ أَنْفَهُ بِرِدَائِهِ وَقَالَ: لاَ تُغَبِّرُوا عَلَيْنَا، فَسَلَّمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَيْهِمْ ثُمَّ وَقَفَ، فَنَزَلَ فَدَعَاهُمْ إِلَى اللَّهِ وَقَرَأَ عَلَيْهِمُ القُرْآنَ»[15]. [12]غَشِيَتِ المَجْلِسَ: أي: غطَّتْه. مشارق الأنوار (2/139). [13]عَجَاجَةُ الدَّابَّةِ: أي غبارها. شرح النووي على صحيح مسلم (12/158). [14]خَمَّرَ: غطَّى. شرح النووي على صحيح مسلم (12/158). [15]رواه البخاري (6207)، ومسلم (1798).
وعن ربيعة بن عِبَادٍ الدِّيليِّ رضي الله عنه قال: «رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بَصَرَ عَيْنِي بِسُوقِ ذِي المَجَازِ يَقُولُ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ، قُولُوا: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، تُفْلِحُوا، وَيَدْخُلُ فِي فِجَاجِهَا[16] وَالنَّاسُ مُتَقَصِّفُونَ عَلَيْهِ[17]، فَمَا رَأَيْتُ أَحَدًا يَقُولُ شَيْئًا، وَهُوَ لَا يَسْكُتُ يَقُولُ: أَيُّهَا النَّاسُ، قُولُوا: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، تُفْلِحُوا»[18]. [16]فِجَاجِهَا: جَمْعُ فَجٍّ، وهو الطَّريقُ الواسع. مشارق الأنوار (2/147). [17]أي: متجمِّعون عليه تعجُّبًا مما يقول. حاشية مسند أحمد (16023). [18]رواه أحمد في المسند (16023)، وقال محقِّقو المسند: «صحيح لغيره».
باب الصبر والثبات في طريق الدعوة وما لقي النَّبيُّ ﷺ من أذى المشركين
عن عائشة رضي الله عنها «أَنَّهَا قَالَتْ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، هَلْ أَتَى عَلَيْكَ يَوْمٌ كَانَ أَشَدَّ مِنْ يَوْمِ أُحُدٍ؟ فَقَالَ: لَقَدْ لَقِيتُ مِنْ قَوْمِكِ وَكَانَ أَشَدَّ مَا لَقِيتُ مِنْهُمْ يَوْمَ العَقَبَةِ؛ إِذْ عَرَضْتُ نَفْسِي عَلَى ابْنِ عَبْدِ يَالِيلَ بْنِ عَبْدِ كُلَالٍ فَلَمْ يُجِبْنِي إِلَى مَا أَرَدْتُ، فَانْطَلَقْتُ وَأَنَا مَهْمُومٌ عَلَى وَجْهِي، فَلَمْ أَسْتَفِقْ إِلَّا بِقَرْنِ الثَّعَالِبِ[19]، فَرَفَعْتُ رَأْسِي فَإِذَا أَنَا بِسَحَابَةٍ قَدْ أَظَلَّتْنِي فَنَظَرْتُ فَإِذَا فِيهَا جِبْرِيلُ، فَنَادَانِي، فَقَالَ: إِنَّ اللَّهَ عزوجل قَدْ سَمِعَ قَوْلَ قَوْمِكَ لَكَ، وَمَا رُدُّوا عَلَيْكَ، وَقَدْ بَعَثَ إِلَيْكَ مَلَكَ الجِبَالِ لِتَأْمُرَهُ بِمَا شِئْتَ فِيهِمْ. قَالَ: فَنَادَانِي مَلَكُ الجِبَالِ وَسَلَّمَ عَلَيَّ، ثُمَّ قَالَ: يَا مُحَمَّدُ، إِنَّ اللَّهَ قَدْ سَمِعَ قَوْلَ قَوْمِكَ لَكَ، وَأَنَا مَلَكُ الجِبَالِ وَقَدْ بَعَثَنِي رَبُّكَ إِلَيْكَ لِتَأْمُرَنِي بِأَمْرِكَ، فَمَا شِئْتَ، إِنْ شِئْتَ أَنْ أُطْبِقَ عَلَيْهِمُ الأَخْشَبَيْنِ[20]. فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: بَلْ أَرْجُو أَنْ يُخْرِجَ اللَّهُ مِنْ أَصْلَابِهِمْ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ وَحْدَهُ لَا يُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا»[21]. [19]أي لم أَفِق ممَّا كنت فيه من الغَمِّ وشدَّة الهَمِّ، حتى بلغت قرن الثَّعالب - وهو جبل بين مكَّة والطَّائف -. مرقاة المفاتيح (10/479). [20]الأَخْشَبَيْنِ: جبلَي مكة؛ أبي قُبَيس، ومقابله: قُعيقِعان، سُمِّيا بذلك؛ لصلابتهما وغِلَظ حجارتهما. فتح الباري لابن حجر (6/316). [21]رواه البخاري (3231)، ومسلم (1795).
وعن جندب بن عبد اللَّه البجلي رضي الله عنه قال: «دَمِيَتْ إِصْبَعُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي بَعْضِ تِلْكَ المَشَاهِدِ، فَقَالَ: هَلْ أَنْتِ إِلَّا إِصْبَعٌ دَمِيتِ! وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ مَا لَقِيتِ!»[22]. [22]رواه البخاري (2802)، ومسلم (1796).
باب صبر الصحابة رضي الله عنهم وثباتهم في سبيل الله
عَنْ أَبِي مُوسَى رضي الله عنه قَالَ: «خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ فِي غَزَاةٍ وَنَحْنُ سِتَّةُ نَفَرٍ بَيْنَنَا بَعِيرٌ نَعْتَقِبُهُ[23]، قَالَ: «فَنَقِبَتْ[24] أَقْدَامُنَا، فَنَقِبَتْ قَدَمَايَ، وَسَقَطَتْ أَظْفَارِي، فَكُنَّا نَلُفُّ عَلَى أَرْجُلِنَا الْخِرَقَ، فَسُمِّيَتْ غَزْوَةَ ذَاتِ الرِّقَاعِ لِمَا كُنَّا نُعَصِّبُ عَلَى أَرْجُلِنَا مِنَ الْخِرَقِ»، قَالَ أَبُو بُرْدَةَ فَحَدَّثَ أَبُو مُوسَى بِهَذَا الْحَدِيثِ، ثُمَّ كَرِهَ ذَلِكَ، قَالَ: كَأَنَّهُ كَرِهَ أَنْ يَكُونَ شَيْئًا مِنْ عَمَلِهِ أَفْشَاهُ»[25]. [23]نَعْتَقِبُهُ: أي: نتناوب في الركوب عليه. الكواكب الدراري في شرح صحيح البخاري (16/43). [24]فَنَقِبَتْ: أي: تشقَّقت وتقرَّحت من الحفاء. شرح النووي على صحيح مسلم (12/197). [25]رواه البخاري (4128)، ومسلم (1816).
وعَنْ خَبَّابِ بْنِ الأَرَتِّ، قَالَ: شَكَوْنَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وَهُوَ مُتَوَسِّدٌ بُرْدَةً لَهُ فِي ظِلِّ الكَعْبَةِ، قُلْنَا لَهُ: أَلاَ تَسْتَنْصِرُ لَنَا، أَلاَ تَدْعُو اللَّهَ لَنَا؟ قَالَ: «كَانَ الرَّجُلُ فِيمَنْ قَبْلَكُمْ يُحْفَرُ لَهُ فِي الأَرْضِ، فَيُجْعَلُ فِيهِ، فَيُجَاءُ بِالْمِنْشَارِ فَيُوضَعُ عَلَى رَأْسِهِ فَيُشَقُّ بِاثْنَتَيْنِ، وَمَا يَصُدُّهُ ذَلِكَ عَنْ دِينِهِ، وَيُمْشَطُ بِأَمْشَاطِ الحَدِيدِ مَا دُونَ لَحْمِهِ مِنْ عَظْمٍ أَوْ عَصَبٍ، وَمَا يَصُدُّهُ ذَلِكَ عَنْ دِينِهِ، وَاللَّهِ لَيُتِمَّنَّ هَذَا الأَمْرَ، حَتَّى يَسِيرَ الرَّاكِبُ مِنْ صَنْعَاءَ إِلَى حَضْرَمَوْتَ، لاَ يَخَافُ إِلَّا اللَّهَ، أَوِ الذِّئْبَ عَلَى غَنَمِهِ، وَلَكِنَّكُمْ تَسْتَعْجِلُونَ»[26]. [26]رواه البخاري (3612).
وَعَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، أُتِيَ بِطَعَامٍ وَكَانَ صَائِمًا، فَقَالَ: «قُتِلَ مُصْعَبُ بْنُ عُمَيْرٍ وَهُوَ خَيْرٌ مِنِّي، كُفِّنَ فِي بُرْدَةٍ، إِنْ غُطِّيَ رَأْسُهُ، بَدَتْ رِجْلاَهُ، وَإِنْ غُطِّيَ رِجْلاَهُ بَدَا رَأْسُهُ - وَأُرَاهُ قَالَ: وَقُتِلَ حَمْزَةُ وَهُوَ خَيْرٌ مِنِّي - ثُمَّ بُسِطَ لَنَا مِنَ الدُّنْيَا مَا بُسِطَ - أَوْ قَالَ: أُعْطِينَا مِنَ الدُّنْيَا مَا أُعْطِينَا - وَقَدْ خَشِينَا أَنْ تَكُونَ حَسَنَاتُنَا عُجِّلَتْ لَنَا، ثُمَّ جَعَلَ يَبْكِي حَتَّى تَرَكَ الطَّعَامَ»"[27]. [27]رواه البخاري (1275).
وعن رِبعيِّ بن عامر رضي الله عنه أنَّه قال لرُسْتُمَ - قائد الفرس - لمَّا سأله: «مَا جَاءَ بِكُمْ؟ قَالَ: اللَّهُ ابْتَعَثَنَا، وَاللَّهُ جَاءَ بِنَا؛ لِنُخْرِجَ مَنْ شَاءَ مِنْ عِبَادَةِ العِبَادِ إِلَى عِبَادَةِ اللَّهِ، وَمِنْ ضِيقِ الدُّنْيَا إِلَى سِعَتِهَا، وَمِنْ جَوْرِ الأَدْيَانِ إِلَى عَدْلِ الإِسْلامِ، فَأَرْسَلَنَا بِدِينِهِ إِلَى خَلْقِهِ لِنَدْعُوَهُمْ إِلَيْهِ»[28]. [28]رواه الطبري في «تاريخ الأمم والملوك» (3/520)، وانظر: البداية والنهاية (7/40).
باب التَّدرُّج في الدَّعوة إلى الإسلام وأنَّ أوَّل ما يُدعى إليه النَّاس توحيد الله تبارك وتعالى
قال اللَّه تعالى: ﴿وَمَآ أَرۡسَلۡنَا مِن قَبۡلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلَّا نُوحِيٓ إِلَيۡهِ أَنَّهُۥ لَآ إِلَٰهَ إِلَّآ أَنَا۠ فَٱعۡبُدُونِ25﴾ [الأنبياء:25].
وقال تعالى: ﴿وَلَقَدۡ بَعَثۡنَا فِي كُلِّ أُمَّةٖ رَّسُولًا أَنِ ٱعۡبُدُواْ ٱللَّهَ وَٱجۡتَنِبُواْ ٱلطَّٰغُوتَ...﴾ [النحل:36].
عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِمُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ حِينَ بَعَثَهُ إِلَى اليَمَنِ: «إِنَّكَ سَتَأْتِي قَوْمًا أَهْلَ كِتَابٍ، فَإِذَا جِئْتَهُمْ، فَادْعُهُمْ إِلَى أَنْ يَشْهَدُوا أَنْ لاَ إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، فَإِنْ هُمْ أَطَاعُوا لَكَ بِذَلِكَ، فَأَخْبِرْهُمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ فَرَضَ عَلَيْهِمْ خَمْسَ صَلَوَاتٍ فِي كُلِّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ، فَإِنْ هُمْ أَطَاعُوا لَكَ بِذَلِكَ، فَأَخْبِرْهُمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ فَرَضَ عَلَيْهِمْ صَدَقَةً تُؤْخَذُ مِنْ أَغْنِيَائِهِمْ فَتُرَدُّ عَلَى فُقَرَائِهِمْ، فَإِنْ هُمْ أَطَاعُوا لَكَ بِذَلِكَ، فَإِيَّاكَ وَكَرَائِمَ أَمْوَالِهِمْ وَاتَّقِ دَعْوَةَ المَظْلُومِ، فَإِنَّهُ لَيْسَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ حِجَابٌ»[29]. [29]رواه البخاري (1496) واللفظ له، ومسلم (19).
وعن عائشة رضي الله عنها قالت: «إِنَّمَا نَزَلَ أَوَّلَ مَا نَزَلَ مِنْهُ سُورَةٌ مِنَ المُفَصَّلِ[30]، فِيهَا ذِكْرُ الجَنَّةِ وَالنَّارِ، حَتَّى إِذَا ثَابَ النَّاسُ إِلَى الإِسْلَامِ نَزَلَ الحَلَالُ وَالحَرَامُ، وَلَوْ نَزَلَ أَوَّلَ شَيْءٍ: لَا تَشْرَبُوا الخَمْرَ، لَقَالُوا: لَا نَدَعُ الخَمْرَ أَبَدًا، وَلَوْ نَزَلَ: لَا تَزْنُوا، لَقَالُوا: لَا نَدَعُ الزِّنَا أَبَدًا»[31]. [30]المُفَصَّلِ: قيل: من الحُجُرات إلى الناس، وقيل: من ق إلى الناس. انظر: تفسير ابن كثير (7/392)، فتح الباري، لابن حجر (9/43)، الإتقان للسيوطي (2/413). [31]رواه البخاري (4993).
وعن وهب قال: «سَأَلْتُ جَابِرًا عَنْ شَأْنِ ثَقِيفٍ إِذْ بَايَعَتْ، قَالَ: اشْتَرَطَتْ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ أَنْ لَا صَدَقَةَ عَلَيْهَا، وَلَا جِهَادَ، وَأَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ ﷺ بَعْدَ ذَلِكَ يَقُولُ: سَيَتَصَدَّقُونَ، وَيُجَاهِدُونَ إِذَا أَسْلَمُوا»[32]. [32]رواه أبو داود (3025)، وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة (1888).وروى أحمد (15312)، والنسائي (1084): عن حكيم رضي الله عنه قال: «بَايَعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَنْ لَا أَخِرَّ إِلَّا قَائِمًا»، أي: أنه لا يركع في الصلاة، بل يقرأ ثم يسجد من غير ركوع، كما فسَّره الإمام أحمد.قال الحافظ ابن رجب رحمه الله بعد أن ذكر هذه الأحاديث: "وأخذ الإمام أحمد بهذه الأحاديث، وقال: يصح الإسلام على الشرط الفاسد، ثم يُلزم شرائع الإسلام كلها، ولا يخفى أن هذا فيمن يراد تأليفه على الإسلام من غير المسلمين" جامع العلوم والحكم (1/229).
باب إظهار محاسن الإسلام وأمر الدعاة بالتبشير والتيسير
عن عبد اللَّه بن عباس رضي الله عنهما قال: «أَخْبَرَنِي أَبُو سُفْيَانَ، أَنَّ هِرَقْلَ قَالَ لَهُ: سَأَلْتُكَ مَاذَا يَأْمُرُكُمْ؟ فَزَعَمْتَ: أَنَّهُ أَمَرَكُمْ بِالصَّلاَةِ، وَالصِّدْقِ، وَالعَفَافِ، وَالوَفَاءِ بِالعَهْدِ، وَأَدَاءِ الأَمَانَةِ، قَالَ: وَهَذِهِ صِفَةُ نَبِيٍّ»[33]. [33]رواه البخاري (2681).
وعن أبي موسى رضي الله عنه قال: «بَعَثَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَمُعَاذًا إِلَى اليَمَنِ، فَقَالَ: ادْعُوَا النَّاسَ، وَبَشِّرَا وَلَا تُنَفِّرَا، وَيَسِّرَا وَلَا تُعَسِّرَا»[34]. [34]رواه البخاري (3038)، ومسلم (2001) واللفظ له.
وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلَامٍ رضي الله عنه قَالَ: لَمَّا قَدِمَ النَّبِيُّ ﷺ الْمَدِينَةَ، انْجَفَلَ النَّاسُ قِبَلَهُ[35]، وَقِيلَ: قَدْ قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، قَدْ قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ، قَدْ قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ ثَلَاثًا، فَجِئْتُ فِي النَّاسِ، لِأَنْظُرَ، فَلَمَّا تَبَيَّنْتُ وَجْهَهُ، عَرَفْتُ أَنَّ وَجْهَهُ لَيْسَ بِوَجْهِ كَذَّابٍ، فَكَانَ أَوَّلُ شَيْءٍ سَمِعْتُهُ تَكَلَّمَ بِهِ، أَنْ قَالَ: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَفْشُوا السَّلَامَ، وَأَطْعِمُوا الطَّعَامَ، وَصِلُوا الْأَرْحَامَ، وَصَلُّوا بِاللَّيْلِ، وَالنَّاسُ نِيَامٌ، تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ بِسَلَامٍ»[36]. [35]انْجَفَلَ النَّاسُ إِلَيْهِ: أي: ذهبوا مُسرعين إليه. تحفة الأحوذي (7/158). [36]رواه الترمذي (2485)، وابن ماجه (1334) واللفظ له، وقال الترمذي: «هذا حديث صحيح»، وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة (569).
باب الدَّعوة بالحكمة، وأهمية الرحمة، والحِلم على الجاهل والأمر بالرِّفق في الأمر كلِّه
قال عزوجل: ﴿ٱدۡعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِٱلۡحِكۡمَةِ وَٱلۡمَوۡعِظَةِ ٱلۡحَسَنَةِۖ وَجَٰدِلۡهُم بِٱلَّتِي هِيَ أَحۡسَنُ...﴾ [النحل:125].
وقال تعالى: ﴿وَلَا تُجَٰدِلُوٓاْ أَهۡلَ ٱلۡكِتَٰبِ إِلَّا بِٱلَّتِي هِيَ أَحۡسَنُ إِلَّا ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنۡهُمۡ...﴾ [العنكبوت:46].
وقال تعالى: ﴿وَلَا تَسۡتَوِي ٱلۡحَسَنَةُ وَلَا ٱلسَّيِّئَةُۚ ٱدۡفَعۡ بِٱلَّتِي هِيَ أَحۡسَنُ فَإِذَا ٱلَّذِي بَيۡنَكَ وَبَيۡنَهُۥ عَدَٰوَةٞ كَأَنَّهُۥ وَلِيٌّ حَمِيمٞ34﴾ [فصلت:34].
عن جابر بن عبد اللَّه رضي الله عنهما قال: «اجْتَمَعَتْ قُرَيْشٌ يَوْمًا، فَأَتَاهُ عُتْبَةُ بْنُ رَبِيعَةَ بْنِ عَبْدِ شَمْسٍ فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ، أَنْتَ خَيْرٌ أَمْ عَبْدُ اللَّهِ؟ فَسَكَتَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: أَفَرَغْتَ؟ قَالَ: نَعَمْ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴿حمٓ1 تَنزِيلٞ مِّنَ ٱلرَّحۡمَٰنِ ٱلرَّحِيمِ2﴾ حَتَّى بَلَغَ ﴿إِنۡ أَعۡرَضُواْ فَقُلۡ أَنذَرۡتُكُمۡ صَٰعِقَةٗ مِّثۡلَ صَٰعِقَةِ عَادٖ وَثَمُودَ﴾، فَقَالَ لَهُ عُتْبَةُ: حَسْبُكَ حَسْبُكَ»[37]. [37]رواه الحاكم في المستدرك (2/278)، وقال: «هذا حديثٌ صحيحُ الإسناد».
وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: «قَدِمَ طُفَيْلُ بْنُ عَمْرٍو الدَّوْسِيُّ وَأَصْحَابُهُ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ دَوْسًا عَصَتْ وَأَبَتْ؛ فَادْعُ اللَّهَ عَلَيْهَا، فَقِيلَ: هَلَكَتْ دَوْسٌ! قَالَ: اللَّهُمَّ اهْدِ دَوْسًا وَأْتِ بِهِمْ»[38]. [38]رواه البخاري (2937)، ومسلم (2524).
وعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: «كُنْتُ أَمْشِي مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَعَلَيْهِ بُرْدٌ نَجْرَانِيٌّ غَلِيظُ الحَاشِيَةِ[39]»، فَأَدْرَكَهُ أَعْرَابِيٌّ فَجَبَذَ بِرِدَائِهِ جَبْذَةً شَدِيدَةً، قَالَ أَنَسٌ: «فَنَظَرْتُ إِلَى صَفْحَةِ[40] عَاتِقِ النَّبِيِّ ﷺ، وَقَدْ أَثَّرَتْ بِهَا حَاشِيَةُ الرِّدَاءِ مِنْ شِدَّةِ جَبْذَتِهِ»، ثُمَّ قَالَ: يَا مُحَمَّدُ مُرْ لِي مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي عِنْدَكَ، «فَالْتَفَتَ إِلَيْهِ فَضَحِكَ ثُمَّ أَمَرَ لَهُ بِعَطَاءٍ»[41]. [39]غَلِيظُ الحَاشِيَةِ: صفة للرِّداء، أي: ثخين الطَّرَف. مرقاة المفاتيح (10/479). [40]صَفْحَةِ: أي ناحية عاتقه الشريف؛ وهو ما بين المنكب والعنق. إرشاد الساري للقسطلاني (5/226). [41]رواه البخاري (6088)، ومسلم (1057).
وعن عائشة رضي الله عنها قالت: «دَخَلَ رَهْطٌ مِنَ اليَهُودِ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَقَالُوا: السَّامُ[42] عَلَيْكُمْ، قَالَتْ عَائِشَةُ: فَفَهِمْتُهَا فَقُلْتُ: وَعَلَيْكُمُ السَّامُ وَاللَّعْنَةُ، قَالَتْ: فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: مَهْلًا يَا عَائِشَةُ، إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الرِّفْقَ فِي الأَمْرِ كُلِّهِ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَوَلَمْ تَسْمَعْ مَا قَالُوا؟ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: قَدْ قُلْتُ: وَعَلَيْكُمْ»[43]. [42]السام: الموت. فتح الباري لابن حجر (11/42). [43]رواه البخاري (6024)، ومسلم (2165).
باب دعوة الكفَّار بالقرآن
قال سبحانه وتعالى: ﴿...لِأُنذِرَكُم بِهِۦ وَمَنۢ بَلَغَۚ...﴾ [الأنعام:19].
وقال تعالى: ﴿إِنۡ أَحَدٞ مِّنَ ٱلۡمُشۡرِكِينَ ٱسۡتَجَارَكَ فَأَجِرۡهُ حَتَّىٰ يَسۡمَعَ كَلَٰمَ ٱللَّهِ ...﴾ [التوبة:6].
وقال تعالى: ﴿ٱلۡحَمۡدُ لِلَّهِ ٱلَّذِيٓ أَنزَلَ عَلَىٰ عَبۡدِهِ ٱلۡكِتَٰبَ وَلَمۡ يَجۡعَل لَّهُۥ عِوَجَاۜ1 قَيِّمٗا لِّيُنذِرَ بَأۡسٗا شَدِيدٗا مِّن لَّدُنۡهُ وَيُبَشِّرَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ ٱلَّذِينَ يَعۡمَلُونَ ٱلصَّٰلِحَٰتِ أَنَّ لَهُمۡ أَجۡرًا حَسَنٗا2 مَّٰكِثِينَ فِيهِ أَبَدٗا3 وَيُنذِرَ ٱلَّذِينَ قَالُواْ ٱتَّخَذَ ٱللَّهُ وَلَدٗا4﴾ [الكهف:1-4].
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه، قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «مَا مِنَ الأَنْبِيَاءِ نَبِيٌّ إِلَّا أُعْطِيَ مَا مِثْلهُ آمَنَ عَلَيْهِ البَشَرُ، وَإِنَّمَا كَانَ الَّذِي أُوتِيتُ وَحْيًا أَوْحَاهُ اللَّهُ إِلَيَّ، فَأَرْجُو أَنْ أَكُونَ أَكْثَرَهُمْ تَابِعًا يَوْمَ القِيَامَةِ»[44]. [44]رواه البخاري (4981) واللفظ له، ومسلم (152).
وعن جبير بن مطعم رضي الله عنه قال: «سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقْرَأُ فِي المَغْرِبِ بِالطُّورِ، فَلَمَّا بَلَغَ هَذِهِ الآيَةَ: ﴿أَمۡ خُلِقُواْ مِنۡ غَيۡرِ شَيۡءٍ أَمۡ هُمُ ٱلۡخَٰلِقُونَ 35 أَمۡ خَلَقُواْ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضَۚ بَل لَّا يُوقِنُونَ 36 أَمۡ عِندَهُمۡ خَزَآئِنُ رَبِّكَ أَمۡ هُمُ ٱلۡمُصَۜيۡطِرُونَ 37﴾، قَالَ: كَادَ قَلْبِي أَنْ يَطِيرَ»[45]. [45]رواه البخاري (4854) واللفظ له، ومسلم (463).
وعن ابن عباس رضي الله عنهما «أَنَّ أَبَا سُفْيَانَ أَخْبَرَهُ مِنْ فِيهِ إِلَى فِيهِ، قَالَ: انْطَلَقْتُ فِي المُدَّةِ الَّتِي كَانَتْ بَيْنِي وَبَيْنَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، قَالَ: فَبَيْنَا أَنَا بِالشَّامِ؛ إِذْ جِيءَ بِكِتَابٍ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إِلَى هِرَقْلَ يَعْنِي عَظِيمَ الرُّومِ، قَالَ: وَكَانَ دَحْيَةُ الكَلْبِيُّ جَاءَ بِهِ، فَدَفَعَهُ إِلَى عَظِيمِ بُصْرَى، فَدَفَعَهُ عَظِيمُ بُصْرَى إِلَى هِرَقْلَ...، - ثمَّ ذكر الكتاب الذي أرسله النَّبيُّ ﷺ مع دِحْيَة الكَلْبي -: «بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، مِنْ مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ إِلَى هِرَقْلَ عَظِيمِ الرُّومِ، سَلَامٌ عَلَى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدَى، أَمَّا بَعْدُ، فَإِنِّي أَدْعُوكَ بِدِعَايَةِ الإِسْلَامِ أَسْلِمْ تَسْلَمْ، وَأَسْلِمْ يُؤْتِكَ اللَّهُ أَجْرَكَ مَرَّتَيْنِ، وَإِنْ تَوَلَّيْتَ فَإِنَّ عَلَيْكَ إِثْمَ الأَرِيسِيِّينَ[46]، وَ ﴿ۡيَٰٓأَهۡلَ ٱلۡكِتَٰبِ تَعَالَوۡاْ إِلَىٰ كَلِمَةٖ سَوَآءِۭ بَيۡنَنَا وَبَيۡنَكُمۡ أَلَّا نَعۡبُدَ إِلَّا ٱللَّهَ وَلَا نُشۡرِكَ بِهِۦ شَيۡـٔٗا وَلَا يَتَّخِذَ بَعۡضُنَا بَعۡضًا أَرۡبَابٗا مِّن دُونِ ٱللَّهِۚ فَإِن تَوَلَّوۡاْ فَقُولُواْ ٱشۡهَدُواْ بِأَنَّا مُسۡلِمُونَ64﴾» [47]. [46]أي الفلَّاحون والزَّرَّاعون، ومعناه: أنَّ عليك إثم رعاياك الذين يتبعونك وينقادون لك، ونبَّه بهؤلاء على جميع الرَّعايا؛ لأنّهم الأغلب، ولأنَّهم أسرع انقيًا، فإذا أسلم أسلموا وإذا امتنع امتنعوا. شرح النووي على صحيح مسلم (12/109). [47]رواه البخاري (2941)، ومسلم (1773).
باب حثِّ وترغيب من رُجي إسلامه، وإعانته على ما يعرض عليه من العوائق والوساوس
عن أنس رضي الله عنه «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ لِرَجُلٍ: أَسْلِمْ، قَالَ: أَجِدُنِي كَارِهًا، قَالَ: أَسْلِمْ، وَإِنْ كُنْتَ كَارِهًا»[48]. [48]رواه أحمد في المسند (12061)، وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة (1454).
وعن سَبْرَةَ بن أبي فَاكِه رضي الله عنه أن رسول اللَّه ﷺ قال: «إِنَّ الشَّيْطَانَ قَعَدَ لِابْنِ آدَمَ بِأَطْرُقِهِ[49]، فَقَعَدَ لَهُ بِطَرِيقِ الْإِسْلَامِ، فَقَالَ لَهُ: أَتُسْلِمُ وَتَذَرُ دِينَكَ، وَدِينَ آبَائِكَ، وَآبَاءِ أَبِيكَ؟»[50]. [49]جمع طريق. النهاية في غريب والأثر (3/123). [50]رواه أحمد في المسند (15958)، والنسائي (3134)، وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة (2979).
باب مشروعية الإعلان والجهر بالدعوة إلى الإسلام
قال اللَّه تعالى: ﴿فَٱصۡدَعۡ بِمَا تُؤۡمَرُ وَأَعۡرِضۡ عَنِ ٱلۡمُشۡرِكِينَ94﴾ [الحجر: 94].
عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، رضي الله عنهما قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ: ﴿وَأَنذِرۡ عَشِيرَتَكَ ٱلۡأَقۡرَبِينَ214﴾ [الشعراء: 214] وَرَهْطَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ، خَرَجَ رَسُولُ اللهِ ﷺ حَتَّى صَعِدَ الصَّفَا، فَهَتَفَ: «يَا صَبَاحَاهْ»، فَقَالُوا: مَنْ هَذَا الَّذِي يَهْتِفُ؟ قَالُوا: مُحَمَّدٌ، فَاجْتَمَعُوا إِلَيْهِ، فَقَالَ: «يَا بَنِي فُلَانٍ، يَا بَنِي فُلَانٍ، يَا بَنِي فُلَانٍ، يَا بَنِي عَبْدِ مَنَافٍ، يَا بَنِي عَبْدِ الْمُطَّلِبِ»، فَاجْتَمَعُوا إِلَيْهِ، فَقَالَ: «أَرَأَيْتَكُمْ لَوْ أَخْبَرْتُكُمْ أَنَّ خَيْلًا تَخْرُجُ بِسَفْحِ هَذَا الْجَبَلِ، أَكُنْتُمْ مُصَدِّقِيَّ؟» قَالُوا: مَا جَرَّبْنَا عَلَيْكَ كَذِبًا، قَالَ: «فَإِنِّي نَذِيرٌ لَكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ»، قَالَ: فَقَالَ أَبُو لَهَبٍ: تَبًّا لَكَ أَمَا جَمَعْتَنَا إِلَّا لِهَذَا، ثُمَّ قَامَ فَنَزَلَتْ هَذِهِ السُّورَةُ تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَقَدْ تَبَّ، كَذَا قَرَأَ الْأَعْمَشُ إِلَى آخِرِ السُّورَةِ[51]. [51]رواه البخاري (4971)، ومسلم (208).
وعن قبيصة بن المُخارِق وزُهير بن عمرو رضي الله عنهما قالا: «لَمَّا نَزَلَتْ: ﴿وَأَنذِرۡ عَشِيرَتَكَ ٱلۡأَقۡرَبِينَ214﴾، انْطَلَقَ نَبِيُّ اللَّهِ ﷺ إِلَى رَضْمَةٍ[52] مِنْ جَبَلٍ، فَعَلَا أَعْلَاهَا حَجَرًا[53]، ثُمَّ نَادَى: يَا بَنِي عَبْدِ مَنَافَاهْ! إِنِّي نَذِيرٌ، إِنَّمَا مَثَلِي وَمَثَلُكُمْ كَمَثَلِ رَجُلٍ رَأَى العَدُوَّ فَانْطَلَقَ يَرْبَأُ أَهْلَهُ[54]، فَخَشِيَ أَنْ يَسْبِقُوهُ فَجَعَلَ يَهْتِفُ: يَا صَبَاحَاهْ!»[55]. [52]رَضْمَةٍ: حجارة مُجتمعة ليست بثابتة في الأرض كأنها منثورة. شرح النووي على صحيح مسلم (3/82). [53]فَعَلَا أَعْلَاهَا حَجَرًا: أي: فرقى في أرفعه. الكوكب الوهاج (5/113). [54] يَرْبَأُ أَهْلَهُ: يحرسهم لئلَّا يدهمهم العدو. شرح النووي على صحيح مسلم (3/82). [55]رواه مسلم (207).
باب مشروعية اتخاذ المباح من الوسائل المعاصرة لتبليغ الدعوة
عن جابر بن عبد اللَّه رضي الله عنهما: «أَنَّ امْرَأَةً مِنَ الأَنْصَارِ قَالَتْ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَلَا أَجْعَلُ لَكَ شَيْئًا تَقْعُدُ عَلَيْهِ؛ فَإِنَّ لِي غُلَامًا نَجَّارًا، قَالَ: إِنْ شِئْتِ، فَعَمِلَتْ لَهُ المِنْبَرَ، فَلَمَّا كَانَ يَوْمُ الجُمُعَةِ قَعَدَ النَّبِيُّ ﷺ عَلَى المِنْبَرِ الَّذِي صُنِعَ، فَصَاحَتِ النَّخْلَةُ الَّتِي كَانَ يَخْطُبُ عِنْدَهَا، حَتَّى كَادَتْ أَنْ تَنْشَقَّ، فَنَزَلَ النَّبِيُّ ﷺ حَتَّى أَخَذَهَا فَضَمَّهَا إِلَيْهِ، فَجَعَلَتْ تَئِنُّ أَنِينَ الصَّبِيِّ الَّذِي يُسَكَّتُ حَتَّى اسْتَقَرَّتْ، قَالَ: بَكَتْ عَلَى مَا كَانَتْ تَسْمَعُ مِنَ الذِّكْرِ»[56]. [56]رواه البخاري (2095).
وعن عبد اللَّه بن عباس رضي الله عنهما: «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَتَبَ إِلَى قَيْصَرَ يَدْعُوهُ إِلَى الإِسْلاَمِ، وَبَعَثَ بِكِتَابِهِ إِلَيْهِ مَعَ دِحْيَةَ الكَلْبِيِّ»[57]. [57]رواه البخاري (2940).
وعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رضي الله عنه قَالَ: «كَتَبَ النَّبِيُّ ﷺ كِتَابًا - أَوْ أَرَادَ أَنْ يَكْتُبَ - فَقِيلَ لَهُ: إِنَّهُمْ لاَ يَقْرَءُونَ كِتَابًا إِلَّا مَخْتُومًا، فَاتَّخَذَ خَاتَمًا مِنْ فِضَّةٍ، نَقْشُهُ: مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ، كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى بَيَاضِهِ فِي يَدِهِ، فَقُلْتُ لِقَتَادَةَ مَنْ قَالَ: نَقْشُهُ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ؟ قَالَ أَنَسٌ»[58]. [58]رواه البخاري (65)، ومسلم (2092).
باب الإحسان إلى المؤلِّفة قلوبُهم
عن أنس رضي الله عنه «أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ النَّبِيَّ ﷺ غَنَمًا بَيْنَ جَبَلَيْنِ، فَأَعْطَاهُ إِيَّاهُ، فَأَتَى قَوْمَهُ فَقَالَ: أَيْ قَوْمِ أَسْلِمُوا، فَوَاللَّهِ، إِنَّ مُحَمَّدًا لَيُعْطِي عَطَاءً مَا يَخَافُ الفَقْرَ، فَقَالَ أَنَسٌ: إِنْ كَانَ الرَّجُلُ لَيُسْلِمُ مَا يُرِيدُ إِلَّا الدُّنْيَا، فَمَا يُسْلِمُ حَتَّى يَكُونَ الإِسْلَامُ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا عَلَيْهَا»[59]. [59]رواه مسلم (2312).
باب الذَّهاب إلى المرضى وكبار السِّن، والحرص على دعوة الكافر الذي حضرته الوفاة، وحثِّه على نطق الشَّهادتين قبل الموت
عن أنس رضي الله عنه قال: «كَانَ غُلَامٌ يَهُودِيٌّ يَخْدُمُ النَّبِيَّ ﷺ فَمَرِضَ، فَأَتَاهُ النَّبِيُّ ﷺ يَعُودُهُ، فَقَعَدَ عِنْدَ رَأْسِهِ فَقَالَ لَهُ: أَسْلِمْ، فَنَظَرَ إِلَى أَبِيهِ وَهُوَ عِنْدَهُ، فَقَالَ لَهُ: أَطِعْ أَبَا القَاسِمِ، فَأَسْلَمَ، فَخَرَجَ النَّبِيُّ ﷺ وَهُوَ يَقُولُ: الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْقَذَهُ مِنَ النَّارِ»[60]. [60]رواه البخاري (1356).
وسَعِيدُ بْنُ المُسَيِّبِ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: لَمَّا حَضَرَتْ أَبَا طَالِبٍ الوَفَاةُ، جَاءَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَوَجَدَ عِنْدَهُ أَبَا جَهْلٍ، وَعَبْدَ اللَّهِ بْنَ أَبِي أُمَيَّةَ بْنِ المُغِيرَةِ، فَقَالَ: «أَيْ عَمِّ قُلْ: لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ كَلِمَةً أُحَاجُّ لَكَ بِهَا عِنْدَ اللَّهِ» فَقَالَ أَبُو جَهْلٍ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي أُمَيَّةَ: أَتَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ عَبْدِ المُطَّلِبِ؟ فَلَمْ يَزَلْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَعْرِضُهَا عَلَيْهِ، وَيُعِيدَانِهِ بِتِلْكَ المَقَالَةِ، حَتَّى قَالَ أَبُو طَالِبٍ آخِرَ مَا كَلَّمَهُمْ: عَلَى مِلَّةِ عَبْدِ المُطَّلِبِ، وَأَبَى أَنْ يَقُولَ: لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «وَاللَّهِ لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ مَا لَمْ أُنْهَ عَنْكَ» فَأَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ أَن يَسۡتَغۡفِرُواْ لِلۡمُشۡرِكِينَ...﴾ [التوبة: 113] وَأَنْزَلَ اللَّهُ فِي أَبِي طَالِبٍ، فَقَالَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ: ﴿إِنَّكَ لَا تَهۡدِي مَنۡ أَحۡبَبۡتَ وَلَٰكِنَّ ٱللَّهَ يَهۡدِي مَن يَشَآءُ...﴾ [61]. [61]رواه البخاري (4772)، ومسلم (24).
باب المرأة تدعو إلى الإسلام
عن أنس رضي الله عنه قال: «خَطَبَ أَبُو طَلْحَةَ أُمَّ سُلَيْمٍ، فَقَالَتْ: وَاللَّهِ، مَا مِثْلُكَ يَا أَبَا طَلْحَةَ يُرَدُّ، وَلَكِنَّكَ رَجُلٌ كَافِرٌ، وَأَنَا امْرَأَةٌ مُسْلِمَةٌ، وَلَا يَحِلُّ لِي أَنْ أَتَزَوَّجَكَ، فَإِنْ تُسْلِمْ فَذَاكَ مَهْرِي وَمَا أَسْأَلُكَ غَيْرَهُ، فَأَسْلَمَ فَكَانَ ذَلِكَ مَهْرَهَا، قَالَ ثَابِتٌ: فَمَا سَمِعْتُ بِامْرَأَةٍ قَطُّ كَانَتْ أَكْرَمَ مَهْرًا مِنْ أُمِّ سُلَيْمٍ الإِسْلَامَ، فَدَخَلَ بِهَا فَوَلَدَتْ لَهُ»[62]. [62]رواه النسائي (3341)، وصححه، كما نقله ابن حجر عنه في فتح الباري (9/212)، وابن حبان في الصحيح (3521).
باب اليقين بأنَّ المستقبل لهذا الدِّين
قال تعالى: ﴿يُرِيدُونَ أَن يُطۡفِـُٔواْ نُورَ ٱللَّهِ بِأَفۡوَٰهِهِمۡ وَيَأۡبَى ٱللَّهُ إِلَّآ أَن يُتِمَّ نُورَهُۥ وَلَوۡ كَرِهَ ٱلۡكَٰفِرُونَ32 هُوَ ٱلَّذِيٓ أَرۡسَلَ رَسُولَهُۥ بِٱلۡهُدَىٰ وَدِينِ ٱلۡحَقِّ لِيُظۡهِرَهُۥ عَلَى ٱلدِّينِ كُلِّهِۦ وَلَوۡ كَرِهَ ٱلۡمُشۡرِكُونَ33﴾ [التوبة: 32-33].
وقال تعالى: ﴿وَعَدَ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ مِنكُمۡ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ لَيَسۡتَخۡلِفَنَّهُمۡ فِي ٱلۡأَرۡضِ كَمَا ٱسۡتَخۡلَفَ ٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِهِمۡ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمۡ دِينَهُمُ ٱلَّذِي ٱرۡتَضَىٰ لَهُمۡ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّنۢ بَعۡدِ خَوۡفِهِمۡ أَمۡنٗاۚ يَعۡبُدُونَنِي لَا يُشۡرِكُونَ بِي شَيۡـٔٗا...﴾ [النور: 55].
عن تميم الدَّاري رضي الله عنه قال: سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: «لَيَبْلُغَنَّ هَذَا الأَمْرُ مَا بَلَغَ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ، وَلَا يَتْرُكُ اللَّهُ بَيْتَ مَدَرٍ[63] وَلَا وَبَرٍ[64]؛ إِلَّا أَدْخَلَهُ اللَّهُ هَذَا الدِّينَ، بِعِزِّ عَزِيزٍ أَوْ بِذُلِّ ذَلِيلٍ، عِزًا يُعِزُّ اللَّهُ بِهِ الإِسْلَامَ، وَذُلًا يُذِلُّ اللَّهُ بِهِ الكُفْرَ»[65]. [63]أي: طين صلب، وأهل المَدَر: أهل المدن. حاشية السندي (6/33). [64]أي: صوف الإبل، وأهل الوَبَر: أهل البوادي؛ فإنَّهم يتخذون بيوتهم من وبَر الإبل. حاشية السندي (6/33). [65]رواه أحمد في المسند (16957)، والحاكم في المستدرك (4/430)، وقال: «صحيح على شرط الشيخين»، وقال الحافظ عبد الغني المقدسي في «ذكر الإسلام» (ص36): «حديث حسن صحيح».
Related books
All books
무신론자에게 보내는 간략한 메시지31 개 언어무신론자에게 보내는 간략한 메시지
무신론자에게 보내는 간략한 메시지는 우주의 정밀함과 질서가 우연을 부정하고 지혜로우신 창조주를 증명한다는 점을 이성에 호소합니다. 이 모든 것이 무(無)에서 생겨났다는 것이 과연 이치에 맞습니까? 그러므로 사유와 성찰을 위해 마음을 열고 진리를 탐구하십시오. 그 안에서 당신을 인도할 빛을 발견하게 될 것입니다.
전체 공동체를 위한 중요한 과목들40 개 언어전체 공동체를 위한 중요한 과목들
셰이크 압둘 아지즈 빈 바즈(하나님께서 그에게 자비를 베푸시길)의 책, 전체 공동체를 위한 중요한 과목들 은 일반 무슬림들을 위한 지식의 양식이 되도록 이맘이 저술한 유익함이 큰 간결한 서한입니다. 그는 이 책에서 타우히드(하나님의 단일성), 믿음, 이슬람과 같은 종교의 근본과 기둥들부터 정결과 예배(솰라)의 규정, 이슬람의 예절, 그리고 하나님과 대등한 대상을 두는 것(쉬르크)과 여러 죄악들을 경계해야 함을 밝히는 내용까지 다루었습니다. 이는 모든 무슬림이 올바른 신조와 경배를 쉽게 이해할 수 있도록 책(꾸란)과 순나에 뿌리를 둔 쉽고 명확한 문체로 쓰였습니다.
이슬람의 사도 무함마드(하나님께서 그에게 자비와 평화를 베푸시길)74 개 언어이슬람의 사도 무함마드(하나님께서 그에게 자비와 평화를 베푸시길)
도서 "이슬람의 사도 무함마드(하나님께서 그에게 자비와 평화를 베푸시길)"는 선지자 무함마드(하나님께서 그에게 자비와 평화를 베푸시길)의 혈통과 성장 과정에서부터 그의 축복받은 결혼, 계시의 시작, 그리고 사도직의 개시에 이르기까지의 생애를 다루고 있습니다. 이 책은 그의 선지자직에 대한 예증들과 진실됨의 징표들을 명백히 밝히며, 그가 가져온 샤리아(이슬람법)와 인권 및 인간의 존엄성을 보존하는 데 있어 샤리아의 역할을 설명합니다. 또한 그에 대한 적대자들의 태도와 증언들을 부각시키는 한편, 그의 고결한 성품을 조명합니다. 그의 품성은 사람들의 모범이자, 창조주의 유일성(타우히드)으로 그들을 이끄는 강한 원인이었습니다.
이슬람2 개 언어이슬람
가장 자비로우시고 가장 자애로우신 하나님의 이름으로 스스로에게 질문해 본 적이 있습니까? 누가 하늘들과 땅, 그리고 그 안에 있는 위대한 피조물들을 창조하였습니까? 그리고 누가 그 안에 이토록 정밀하고 완벽한 질서를 만들었습니까?