Skip to content

مقدمة الخطبة الأولى

الحمد لله الذي أعزنا بالإسلام فمهما ابتغينا العزة بغيره أذلنا الله، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له في ربوبيته وألوهيته وأسمائه وصفاته ولا نعبد إلا إياه، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله ومصطفاه، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه ومن والاه وسلم تسليمًا كثيرًا.

نص الخطبة الأولى

أما بعد:

فيا أيها الناس، ﴿... ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِۦ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسۡلِمُونَ102﴾ [آل عمران: 102]، قال الله سبحانه وتعالى: ﴿...ٱلۡيَوۡمَ أَكۡمَلۡتُ لَكُمۡ دِينَكُمۡ وَأَتۡمَمۡتُ عَلَيۡكُمۡ نِعۡمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ ٱلۡإِسۡلَٰمَ دِينٗاۚ...﴾ [المائدة: 3]، ﴿...مِّلَّةَ أَبِيكُمۡ إِبۡرَٰهِيمَۚ هُوَ سَمَّىٰكُمُ ٱلۡمُسۡلِمِينَ...﴾ [الحج: 78]، فتمسكوا بالإسلام فإنه طريق النجاة، والموصل إلى الجنات.

والإسلام: هو الاستسلام لله بالتوحيد، والانقياد له بالطاعة، والبراءة من الشرك وأهله، ليس الإسلام بالتسمي ولا بالانتساب ولا بالهوية، وإنما الإسلام هو ما جاء به الرسول ﷺ وهو دين جميع الأنبياء: ﴿إِنَّ ٱلدِّينَ عِندَ ٱللَّهِ ٱلۡإِسۡلَٰمُۗ...﴾ [آل عمران: 19]، ﴿وَمَن يَبۡتَغِ غَيۡرَ ٱلۡإِسۡلَٰمِ دِينٗا فَلَن يُقۡبَلَ مِنۡهُ وَهُوَ فِي ٱلۡأٓخِرَةِ مِنَ ٱلۡخَٰسِرِينَ85﴾ [آل عمران: 85]، فكل الأنبياء وأتباعهم على الإسلام وإن اختلفت شرائعهم فإنهم كلهم على الإسلام لله عز وجل، إلى أن بُعث محمدٌ ﷺ فصار الإسلام هو ما جاء به محمدٌ ﷺ مصدقًا لمن قبله من الكتاب ومهيمنًا عليه، ومصدقًا لما قبله من إخوانه النبيين والمرسلين فهذا هو دين الله الذي لا يُقبل من أحد سواه، فاعرفوا حقيقته، تمسكوا بأحكامه، واعملوا بشريعته، فإنه هو الذي جمع العرب والعجم تحت لوائه فصاروا إخوة متحابين: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِنَّا خَلَقۡنَٰكُم مِّن ذَكَرٖ وَأُنثَىٰ وَجَعَلۡنَٰكُمۡ شُعُوبٗا وَقَبَآئِلَ لِتَعَارَفُوٓاْۚ إِنَّ أَكۡرَمَكُمۡ عِندَ ٱللَّهِ أَتۡقَىٰكُمۡۚ إِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٞ﴾ [الحجرات: 13]، قال الله جل وعلا: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِۦ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسۡلِمُونَ102﴾ [آل عمران: 102]، أشكلت هذه الآية على الصحابة رضي الله عنهم فقالوا: ومن يطيق أن يتقي الله حق تقاته فإن حق الله عظيم، فأنزل الله تعالى: ﴿...فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ مَا ٱسۡتَطَعۡتُمۡ...﴾ [التغابن: 16]، فمن اتقى الله حسب استطاعته فقد اتقى الله حق تقاته، والله يعفو عما لا يطيقه الإنسان ولا يقدر عليه: ﴿لَا يُكَلِّفُ ٱللَّهُ نَفۡسًا إِلَّا وُسۡعَهَاۚ لَهَا مَا كَسَبَتۡ وَعَلَيۡهَا مَا ٱكۡتَسَبَتۡۗ...﴾ [البقرة: 286]، ﴿... ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِۦ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسۡلِمُونَ102﴾ [آل عمران: 102]؛ لأن الأعمال بالخواتيم، فمن مات على الإسلام نجا وأفلح وفاز عند الله سبحانه وتعالى، ومن مات على غير الإسلام فهو من الخاسرين الهالكين، دون نظر إلى نسبه أو إلى مكانته، إلى قبيلته، إلى بلده، فالنظر إنما هو إلى التقوى: ﴿... إِنَّ أَكۡرَمَكُمۡ عِندَ ٱللَّهِ أَتۡقَىٰكُمۡۚ...﴾ [الحجرات: 13]، ليس الكرم بالإنسانية ولا بالنسب ولا بالقبيلة، وإنما هو بتقوى الله سبحانه وتعالى، وهو الله الذي لا يقبل من أحد سواه، فقوله: ﴿... وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسۡلِمُونَ﴾ [آل عمران: 102]، فيه الحث على التمسك بالإسلام إلى الممات، لا يتخلى عنه الإنسان منذ يبلغ الحلم إلى أن يموت، يكون متمسكًا بالإسلام لأنه لا يدري متى يفجأه الموت، فإذا كان فرط في الإسلام ونزل به الموت صار من أهل النار، وإذا كان متمسكًا بالإسلام وأتاه الموت وهو متمسك به صار من أهل الجنة، ولهذا يُمتحن الميت إذا وُضع في قبره فيأتيه ملكان فيجلسانه، تُعاد روحه في جسده فيُجلسانه فيقولان له: من ربك؟ وما دينك؟ وما نبيك؟ فالمسلم يقول ربي الله، وديني الإسلام، ونبي محمد ﷺ، والمنافق والمرتاب يتلجلج ويرتبك ويقول: ها ها، لا أدري سمعت الناس يقولون شيئا فقلته، فيقولان له: لا دريت ولا تَلَيْت، فيُضرب بمرزبة من حديد يصيح بها صيحة يسمعه كل شيء إلا الثقلين الجن والإنس، فلا نجاة إلا بالإسلام في الدنيا وفي الآخرة، ففي الدنيا ينجو به من الكفر والشرك، وينجو به من الفتن والمحدثات، وينجو به من الأفكار المنحرفة، وفي الآخرة ينجو به من النار، ويدخل به الجنة، هذه هي السعادة الأبدية أو الشقاوة الأبدية، فلا نجاة إلا بالإسلام في الدنيا وفي الآخرة؛ لكن يجب أن نعرف ما هو الإسلام؟ كل منا يقول أنا مسلم، لكن لابد أن نعرف ما هو الإسلام أولًا؟ ثم نعمل به ما يكفي المعرفة لا الدعوة تكفي ولا الانتساب، ولا المعرفة تكفي ولابد من الحقيقة والعمل.

فالإسلام: هو الاستسلام لله بالتوحيد، فالمشرك والكافر ليس بمسلم، وإن ادعى أنه مسلم مثل ما عليه عباد القبور الذين يقولون لا إله إلا الله نحن مسلمون ثم يقولون يا علي، يا حسين، يا عبدالقادر، يا بدوي يا فلان يا علان يدعون من دون الله، ﴿وَيَعۡبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمۡ وَلَا يَنفَعُهُمۡ وَيَقُولُونَ هَٰٓؤُلَآءِ شُفَعَٰٓؤُنَا عِندَ ٱللَّهِۚ...﴾ [يونس: 18]، فيسمون الشرك توسلًا وطلبًا للشفاعة، وهو الشرك وإن غير اسمه فهو الشرك لا يتغير، الحقائق لا تتغير باختلاف بالأسماء إنما هو الشرك.

فعلى المسلم أن يعرف دينه، وأن يتمسك به، وأن يسأل الله الثبات عليه، وأن يموت عليه، فقد جاء في الحديث: «إِنَّ العَبْدَ لَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ الْجَنَّةِ حَتَّى مَا يَكُونَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا إِلَّا ذِرَاعٌ فَيَسْبِقُ عَلَيْهِ الْكِتَابُ فَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ فَيَدْخُلُهَا، وَإِنَّ العبد لَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ حَتَّى مَا يَكُونَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا إِلَّا ذِرَاعٌ فَيَسْبِقُ عَلَيْهِ الْكِتَابُ فَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ الْجَنَّةِ فَيَدْخُلُهَا، فالأَعْمَالُ بِالْخَوَاتِيمِ»، نسأل الله حسن الخاتمة.

فاتقوا الله عباد الله، تمسكوا بهذا الدين، دين الإسلام الذي جاء به محمدٌ ﷺ، الإسلام الذي ألَّف الله به بين قلوب العرب والعجم، وبين الأبيض والأسود، ألَّف به بين سلمان وعمار وبلال وصهيب، وبين أبي بكر الصديق وعمر بن الخطاب وعثمان بن عفان وعلي بن أبي طالب وسائر الصحابة رضي الله عنهم فجعلهم إخوةً متحابين في الإسلام، ولهذا يقول الله سبحانه لنبيه محمد ﷺ: ﴿... هُوَ ٱلَّذِيٓ أَيَّدَكَ بِنَصۡرِهِۦ...﴾ أي: الله سبحانه، ﴿... هُوَ ٱلَّذِيٓ أَيَّدَكَ بِنَصۡرِهِۦ وَبِٱلۡمُؤۡمِنِينَ 62 وَأَلَّفَ بَيۡنَ قُلُوبِهِمۡۚ لَوۡ أَنفَقۡتَ مَا فِي ٱلۡأَرۡضِ جَمِيعٗا مَّآ أَلَّفۡتَ بَيۡنَ قُلُوبِهِمۡ وَلَٰكِنَّ ٱللَّهَ أَلَّفَ بَيۡنَهُمۡۚ إِنَّهُۥ عَزِيزٌ حَكِيمٞ 63﴾ [الأنفال: 62-63]، إذا نظرت إلى المسجد الحرام الذين يصلون فيه كل وقت رأيت الأبيض والأحمر والأسود، والعربي والعجمي مختلف الجنسيات، من الذي جمعهم وألَّف بينهم؛ إنه الإسلام يا عباد الله، إنه الدين هو الذي جمعهم وألَّف بينهم، وجعلهم صفوفُا بعضهم إلى جانب بعض، لا فضل لعربي على أعجمي، ولا لأبيض على أسود ولا لأحمر إلا بالتقوى.

فاتقوا الله عباد الله، تمسكوا بدينكم لتموتوا عليه وتُبعثوا عليه تدخلوا به الجنة، لا تفرطوا في دينكم فإن الفتن الآن شديدة والصوارف عن الإسلام متعددة، دعاة الضلال من كل ناحية يريدون أن يخرجوا المسلمين، يحاولون أن يصدوهم عنه أولًا، فإن لم يستطيعوا صدهم عنه فإنهم يحاولون أن يخرجوهم منه بعدما يدخلون فيه.

فاتقوا الله عباد الله، احرصوا على دينكم، واحذروا من الفتن ما ظهر منها وما بطن، أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِۦ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسۡلِمُونَ102 وَٱعۡتَصِمُواْ بِحَبۡلِ ٱللَّهِ جَمِيعٗا وَلَا تَفَرَّقُواْۚ وَٱذۡكُرُواْ نِعۡمَتَ ٱللَّهِ عَلَيۡكُمۡ إِذۡ كُنتُمۡ أَعۡدَآءٗ فَأَلَّفَ بَيۡنَ قُلُوبِكُمۡ فَأَصۡبَحۡتُم بِنِعۡمَتِهِۦٓ إِخۡوَٰنٗا وَكُنتُمۡ عَلَىٰ شَفَا حُفۡرَةٖ مِّنَ ٱلنَّارِ فَأَنقَذَكُم مِّنۡهَاۗ كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ ٱللَّهُ لَكُمۡ ءَايَٰتِهِۦ لَعَلَّكُمۡ تَهۡتَدُونَ 103 وَلۡتَكُن مِّنكُمۡ أُمَّةٞ يَدۡعُونَ إِلَى ٱلۡخَيۡرِ وَيَأۡمُرُونَ بِٱلۡمَعۡرُوفِ وَيَنۡهَوۡنَ عَنِ ٱلۡمُنكَرِۚ وَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡمُفۡلِحُونَ 104 وَلَا تَكُونُواْ كَٱلَّذِينَ تَفَرَّقُواْ وَٱخۡتَلَفُواْ مِنۢ بَعۡدِ مَا جَآءَهُمُ ٱلۡبَيِّنَٰتُۚ وَأُوْلَٰٓئِكَ لَهُمۡ عَذَابٌ عَظِيمٞ 105﴾ [آل عمران: 102-105].

بارك الله لكم في القرآن العظيم؟، ونفعنا بما فيه من البيان والذكر الحكيم، أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم ولجميع المسلمين من كل ذنب فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

مقدمة الخطبة الثانية

الحمد لله على فضله وإحسانه، وأشكره على توفيقه وامتنانه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه، وسلم تسليمًا كثيرًا.

نص الخطبة الثانية

أما بعد:

فيا أيها الناس، اتقوا الله تعالى، واحذروا من الفتن التي تصرفكم عن دينكم، فالفتن الآن عظيمة ودعاة الضلال من الداخل والخارج كثيرون لا يألون جهدًا ليلًا ونهارًا عن الصد عن هذا الدين، وعن إخراج المسلمين عن دينهم، وقد ساعدتهم هذه المخترعات التي جعلها الله فتنة للناس تصل إلى الناس في بيوتهم فيما يسمونها بوسائل التواصل الاجتماعي، وما ينشر فيها يصل إلى يد الصغير والكبير والذكر والأنثى، يصل إلى قعر البيوت، ينشر فيها كل ضلال وكل شر، وكل فكر ملحد مما غير الكثير من الناس عن دينهم، وغير قلوبهم، نسأل الله العافية.

فعليكم بالحذر من هذه الوسائل ومن أهلها، وما يبث فيها، وحافظوا على أولادكم، احفظوا أبناءكم وبناتكم وأزواجكم ونساءكم من هذه الفتن ما استطعتم، حذروهم منها، بينوا لهم ما فيها من الأضرار، حذروهم من التصديق بما ينشر فيها، والاغترار بما يذاع فيها وينشر، فإنها سموم قاتله، نسأل الله العافية.

فعليكم بالحذر والتحذير فإن الصوارف والفتن كثيرة، كما قال ﷺ: «إِنَّهَا فِتَنٌ كَقِطَعِ اللَّيْلِ الْمُظْلِمِ، يُصْبِحُ الرَّجُلُ مُؤْمِنًا وَيُمْسِي كَافِرًا، وَيُمْسِي مُؤْمِنًا وَيُصْبِحُ كَافِرًا، يَبِيعُ دِينَهُ بِعَرَضٍ مِنَ الدُّنْيَا» [رواه مسلم (118)]، إن الفتن شديدة يا عباد الله، أشد من ذي قبل، فالحذر يجب أن يكون الآن أكثر من ذي قبل، فلا تغتروا بها وما ينشر فيها، ولا تصغوا لكلام أعدائكم فيها، فإنهم لا يريدون لكم إلا الشر، ﴿... وَلَا يَزَالُونَ يُقَٰتِلُونَكُمۡ حَتَّىٰ يَرُدُّوكُمۡ عَن دِينِكُمۡ إِنِ ٱسۡتَطَٰعُواْۚ وَمَن يَرۡتَدِدۡ مِنكُمۡ عَن دِينِهِۦ فَيَمُتۡ وَهُوَ كَافِرٞ فَأُوْلَٰٓئِكَ حَبِطَتۡ أَعۡمَٰلُهُمۡ فِي ٱلدُّنۡيَا وَٱلۡأٓخِرَةِۖ وَأُوْلَٰٓئِكَ أَصۡحَٰبُ ٱلنَّارِۖ هُمۡ فِيهَا خَٰلِدُونَ 217﴾ [البقرة: 217]، نسأل الله العفو والعافية والمعافاة الدائمة، نسأله أن ينصر دينه ويُعلي كلمته، وأن يحفظ أولياءه، وأن يدمر أعداءه، إنه على كل شيء قدير.

***