المؤثرات الخفية في النفس الإنسانية
المؤثرات الخفية في النفس الإنسانية
المؤثرات الخفية في النفس الإنسانية
دراسة مقارنة بين الدين والفلسفة
إعداد:
د.فوز بنت عبداللطيف كردي
أستاذ العقيدة والمذاهب المعاصرة المساعد
جامعة الملك عبدالعزيز- جدة
مقــــــــــــــــــــــــدمــــــة
الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين ....
الإنسان مخلوق تتمازج فيه عناصر من عالمي الغيب والشهادة ، لذا كان من المستحيل الوصول إلى حقيقة طبيعته وخصائصه وما يؤثر فيه إلا بالاعتماد على نصوص الوحي والتلقي عنه فيما يتعلق بالجوانب الخفية . وصل الباحثون عن هذه المعرفة بمجرد العقل أو بالحدس والظن إلى تصورات مختلفة ومختلطة، وأيًّا كان نتاج التفكير العقليّ أو الرجم الظني في هذا الموضوع فإنه ظلّ قاصرًا عن تقديم معرفة يقينيَّة وشاملة تبرز حقيقة النفس الإنسانية والمؤثرات الخفية فيها وكيفية التعامل معها، والإفادة منها. كذلك وقف العلم التجريـبيّ في مجال علم النفس عند حدود الظنون وبعض الفرضيات والنظريات التي لم ترق إلى مستوى الحقيقة العلمية .
أما المؤمنين بالوحي فقد عرفوا من نصوصه حقائق مهمة عن أنفسهم والمؤثرات الخفية فيها، فالوحي قدّم للمؤمنين به منذ بدء الخليقة عبر الأنبياء والرسل أصولا معرفية وحقائق قطعية فيما يتعلق بعالم الغيب ومن ذلك تعريفهم بأنفسهم وعلاقتها بعالم الغيب، ليتمكنوا من توجيه حياتهم نحو الغاية التي خلقوا لأجلها فيحققون معاني العبودية لله مع سعيهم في عمارة الأرض بطمأنينة وثبات.
وهذا البحث يتناول هذا الجانب المعرفي فيستقرئ حقيقة المؤثرات الغيبية في النفس الإنسانية من نصوص الوحي المعصوم كتاباً وسنة، كما يستعرض الصورة الفلسفية التي يقدمها العقل البعيد عن نور الوحي لهذه المؤثرات فبضدها تتمايز الأشياء ، والضد يُظهر حسنه الضد .
هدف البحث :
يهدف هذا البحث إلى إبراز الحقائق الغيبية المتعلقة بالمؤثرات الخفية في النفس الإنسانية، ويستعرض بعض التصورات والنظريات العلمية والفلسفية حول هذا الموضوع . للمساهمة في تعريف الإنسان بنفسه ومساعدته على الارتقاء بها . كما يهدف إلى لفت الانتباه إلى هذا الموضوع المهم الذي كثر فيه الحديث عن هذه المؤثرات بعيدا عن العلم الصحيح والنقل الصريح وبخاصة مع ازدياد دعوات التنمية البشرية Human Potential of Development التي انطلقت في أصلها من تصورات فلسفية عن الإنسان لم تهتدي بنور الوحي .
إجراءات الدراسة ومنهجها :
- اتباع المنهج الاستقرائي في تتبع نصوص الوحي ثم المنهج الوصفي بتحليل محتوى ومعاني النصوص.
- مقارنة الحقائق الغيبية عن المؤثرات الغيبية في النفس الإنسانية ( موضوع الدراسة ) مع نتاج النظريات العلمية والتصورات الفلسفية مراعية في ذلك التوضيح مع الإيجاز المطلوب في مثل هذه الدراسات.
- الاختصار والإيجاز سمة لهذا البحث لذا تجاوزت كثيرا مما يثقل حواشيه كالتعريف بالأعلام واكتفيت بتاريخ وفاة العلم إن كان ممن قد يجهله القارئ .
خطة البحث :
قسمت البحث إلى مقدمة وثلاثة مباحث وخاتمة ، تفصيلها على النحو التالي :
§ مقدمة في بيان أسباب البحث وأهميته وخطته .
§ المبحث الأول : الإنسان وعالم الغيب .
§ المبحث الثاني : حقيقة النفس الإنسانية.
§ المبحث الثالث : حقيقة المؤثرات الخفية في النفس الإنسانية .
الخاتمة وفيها أهم النتائج والتوصيات .
المبحث الأول - الإنسان وعالم الغيب
يمكن تصنيف الموجودات حول الإنسان إلى عالمين:
أ. عالم الشهادة : وهو كل ما خلقه الله -عز وجل- مهيئًا لإدراك الإنسان بحواسِّه، فهو العالم الذي نراه ونحسه ابتداء من أنفسنا وما يحيط بنا من جماد ونبات وحيوان وإنسان وغير ذلك ممّا يُرى أو يُسمع، ويدرك بقوى الحواسّ المختلفة، إضافة إلى ما يكتشفه الإنسان بأدوات العلم والتقنية الحديثة التي مكنته من توسـيع مجـال الرؤية أو السمع إلى أكثر مما يصل إليه بالحواسّ المجرّدة فعرف الإنسان كثيراً مما كان غيوباً نسبية كأعضاء الجسم الداخلية وأغوار البحار وآفاق الكون ونحو ذلك.
ب. عالم الغيب: وهو كل ما أخبر الله به أو رسوله -صلى الله عليه وسلم- مما يخفى عن الإنسان ولا يمكن له إدراكه بحواسه المجردة في هذه الدنيا[1]. وأعظم الغيب: الله -عز وجل- ، وأسمائه وصفاته. ومن الغيب مخلوقات كثيرة وعوالم خلقها الله وأخبرنا عنها ولا نراها، ومن ضمنها أرواحنا التي هي جزء منا، ومنها مؤثرات تؤثر علينا كعالم الملائكة، وعالم الروح، وعالم الجنّ ونحو ذلك.
[1] بناء على السنة العامة خلافا للمعجزات والكرامات وما يصل عن طريق الوحي .
وهذا القسم من الموجودات هو ما يسميه الفلاسفة قديمًا وحديثًا (الميتافيزيقيا) أو (الماورائيات)، فيثبت كثير منهم وجوده، إلاّ أنهم لايتلقَّون حقائقه عن علاَّم الغيوب من (الوحي)، وإنَّما يعدُّون ما توصلهم إليه عقولهم وخيالاتهم حقيقة هذا الوجود الغيبـيّ.
ولما كان الإنسان مخلوق يمتزج فيه الغيب والشهادة الإنسان؛ فإنه من غير الممكن الوصول إلى معرفة كثير من الحقائق المتعلقة به إلا لمن يؤمن بالغيب ويتلقى خبره الصادق بالقبول، ويحسن النظر في عالم الشهادة. وقد أخبرت نصوص الوحي المعصوم عن معارف كثيرة حول الإنسان سواء مما هو من الشهادة أو الغيب أو مما يتمازج فيه الغيب والشهادة، ومن ذلك الإخبار عن قصة بدايته وأصل النشأة الأولى، قال تعالى: (وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً ۖ قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ ۖ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ) [البقرة:30] فأخبر سبحانه أن آدم هو أصل جنس الإنسان، خلقه الله من تراب، وخلق منه زوجه ومنهما ولد البشر جيلاً بعد جيل بالتكاثر، قال تعالى: (الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً) [النساء:1].
كذلك أخبرت نصوص الوحي عن غاية خلق الإنسان ومصيره بعد هذه الحياة بما يمكنه من القيام بمتطلبات الخلافة وإعمار الأرض إذ على هذه المعرفة يبنى منهج تزكية الإنسان لنفسه وطريق سياستها لتحقيق الغاية التي خلقت من أجلها (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ) [الذاريات:56].
ومن المعارف المهمة التي عُني الوحي ببيانها للإنسان تعريفه بنفسه وقواه المعرفية ليتعرف الإنسان على ذاته ويستكشف الكون حوله ويستعين بذلك على تحقيق غايته.
واستقراء ما ورد في النصوص الشريفة عن قوى الإنسان المعرفية يُبرز منّة الحكيم -عز وجل- على الناس؛ فقد فطرهم على معارف ضروريّة لحياتهم وعبوديّتهم، وطبعهم بطبائع شتى، ووهبهم قوى مختلفة، وميزهم بصفات تعينهم على طلب العلم ومعرفة الحقّ، وامتنّ عليهم بإرسال الرسل ينبئونهم بما خفي عنهم من أمور الغيب لتطمئنّ نفوسهم فيعرفون من هم، ومن إلههم ،ولِمَ خلقوا، وإلى أين مصيرهم.
فالقدرة على المعرفة التي هي إحدى خصائص الإنسان المهمة يتوصل من خلالها إلى معرفة العوالم حوله ليست بجهده فقط، ولا من عند نفسه وبقدرته، وإنما هي أولاً منحة من خالقه، ورحمة من موجده الذي أخرجه إلى هذا الوجود عريًّا عن العلم والقدرة إلاّ ما فطره عليه من معارف فطريّة ضروريّة وأقدره عليه مما هو لازم لحياته، قال تعالى: (وَاللَّهُ أَخْرَجَكُم مِّن بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا) [النحل:78] ، وبرحمته منحه أدوات وأسبابًا يكتسب بها المعرفة، قال تعالى: (وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ) [النحل:78]، وساق له أسباب العلم برحمته (وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُن تَعْلَمُ) [النساء:113]، وأمره باستعمال ما أعطاه من عقل للتفكُّر والاستدلال، قال: -عز وجل- (إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِّأُولِي الْأَلْبَابِ) [آل عمران:190]، ودعاه إلى طلب المزيد: (وَقُل رَّبِّ زِدْنِي عِلْمًا) [طه:114]. وأخبره أنه يخـتصّ بعض عباده بعلم من لدنه: (فَوَجَدَا عَبْدًا مِّنْ عِبَادِنَا آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِّنْ عِندِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِن لَّدُنَّا عِلْمًا) [الكهف:65]، وأنه يصطـفى من عباده من يطلعهم على بعض الغيب فقال: (وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ يَجْتَبِي مِن رُّسُلِهِ مَن يَشَاءُ) [آل عمران:179].
وأخبره أن هناك من العوالم والأمور ما لا يحصيه إلاَّ علام الغيوب، وأمره أن يقطـع طمعه عن معرفة ما لم يكشف له من الغيب أو يقول فيه بغير علـم، قال تعـالى: (وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ) [الإسراء:36].
ويتفاوت الناس فيما يعلمون وما يصلون إليه من معارف سواء فيما يتعلق بعالم الشهادة أو عالم الغيب تفاوتًا كبيرًا بحسب فضل الله عليهم أولا ، وبحسب المواهب والقوى الممنوحة لهم فضلاً من الله -عز وجل- ، وفيما يلي بيان للقوى والمنح المتعلقة بالمعرفة التي وهبها الله للإنسان، والتي منها ما هو غيبي لم نعرفه إلا بالنقل، ومنه ما نراه ونحسه في عالم الشهادة:
أ.الفطرة :
أخبرتنا نصوص الوحي أن الإنسان يُولد وعنده معارف فطريّة جعلها الله مركوزة في أصل فطرته تشتمل على أساس ما يقيم حياته من معرفة ربِّه وخالقه، وأصول تمييزه للخير من الشرّ، فقد جاء الأمر بإخلاص العبادة لله تعالى مبنيًّا على أصل ما فطر الله عليه الناس التي جاء الوحي ليؤكدها ويوجهها قال تعالى: (فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا ۚ فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا) [الروم:30]. وأخبر النبي -صلى الله عليه وسلم- أن هذه الفطرة قد تتعرض إلى ما يفسدها من خارجها فلا تدل على الخير ولا تقود إلى الحق بيّن ذلك رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بقوله: "كلّ مولود يولد على الفطرة، فأبواه يهوِّدانه أو ينصِّرانه أو يمجِّسانه ..."[2]. وأن الأصل أنها مستقيمة نزاعة إلى كل فضيلة، قال -صلى الله عليه وسلم- فيما يرويه عن ربِّه تعالى: "خلقت عبادي حنفاء"[3]،
[2] أخرجه البخاري،كتاب الجنائز،باب إذا أسلم الصبي فمات هل يصلى عليه؟ومسلم،كتاب القدر،باب معنى"كل مولود يولد على الفطرة"
[3] أخرجه مسلم في صحيحه،كتاب الجنة ، باب الصفات التي يعرف في الدنيا بها أهل الجنة .
فالفطرة السليمة تدل الإنسان إلى معرفة عامة بنفسه وافتقارها، وربه وقوته، وكذا في سائر الغيبيَّات، ولكنها لا توصل إلى تفاصيل عالم الغيب؛ فبالفطرة يعرف الإنسان أنَّ وراء هذا الكون إلها عظيما قادرا كبيرا، وأن له كمالاً مطلقًا، ولكنه لا يهتدي إلى نعوت كماله وصفاته وأفعاله والطريق الوصل إليه إلاّ عن خبر الوحي. ويعرف بالفطرة أنّ الدنيا ليست عبثًا، فهناك جزاء وحساب بعد هذه الحياة، ولكن أنى للإنسان أن يعرف تفاصيل الجزاء زمنًا أو كيفية بفطرته، لذا يظل مفتقراً إلى هذه المعرفة من خلال وحي معصوم من عند الله ربِّ العالمين يعرفه بثواب المتَّقين وجزاء المجرمين وتفاصيل اليوم الآخر.
فالفطرة السويَّة طريق لمعرفة الحقّ بطريقة مجمَلة، ولكنها ليست طريقًا لمعرفة التفاصيل في عالم الغيب ، بل هي كذلك حتى في عالم الشهادة، ففي عالم الشهادة لا بدّ من التعليم والتربية وإعمال العقل لمعرفة تفاصيل هذا العالم، وفي عالم الغيب لا بدّ من تصديق خبر الأنبياء؛ ولهذا نفى الله -عز وجل- عن الإنسان عند ولادته العلم فقال: (وَاللَّهُ أَخْرَجَكُم مِّن بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا) [النحل:78]؛ إذ لا بدّ أن يتلقَّى من العلم ما يزكِّي نفسه، ويوقظ فطرته ويعينه على إعمار دنياه وأخراه.
ب. الحواسّ:
وهي منافذ المعرفة للإنسان، يراها ويلمس أثرها بنفسه، وقد لفت الوحي كذلك نظره إليها، وأخبره أن الله يقدره بها على اكتساب مزيد من العلوم والمعارف قال تعالى: (وَهُوَ الَّذِي أَنشَأَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ) [المؤمنون:78] ، وقال: (ثُمَّ سَوَّاهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِن رُّوحِهِ ۖ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ) [السجدة:9]، ودعاه لاستخدامها وذم تعطيلها فقال: (وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِّنَ الْجِنِّ وَالْإِنسِ ۖ لَهُمْ قُلُوبٌ لَّا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَّا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لَّا يَسْمَعُونَ بِهَا ۚ أُولَٰئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ ۚ أُولَٰئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ) [الأعراف:179]، وقال مقبِّحًا هذا الصنيع: (۞ إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِندَ اللَّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ) [الأنفال:22].
والناس في قوّة حواسّهم متفاوتون، وإن كان ما فتح الله على العباد من وسائل العلم المتنوعة قد عزّز قدرة الحواسّ، فاتّسع نطاق ما يطّلع عليه الإنسان بحواسّه، وانكشف كثير ممَّا كان غيبًا محجوبًا عن الحواسّ المجرَّدة، فمن يستعين بالمناظير والأجهزة المكبِّرة والمقرِّبة يستطيع أن يوصل مدى الرؤية بعيدًا إلى آفاق رحيبة أو أعماق سحيقة، أو باطن خفيّ لم يكن بمقدوره معاينته بعينه المجرّدة. وكذا الأمر بالنسبة لما يعرفه عن طريق السمع. كما أمكن عن طريق الأجهزة والمخترعات الحديثة تخطّى حدود الزمان ليرى الإنسان ويسمع ما حدث في أزمنة مضت وكأنّه حاضر فيها، وتخطّى حدود المكان ليرى أحـداثًا لا يمكن أن يصل إليها بصره ولا مناظيره عن طريق ما تنقله إليه أجهزة البثّ المباشر وغيرها، فاطَّلع على كثير مما كان يعدّ غيبًا، وهو من الغيب النسبيِّ .
وقد ندب الله -عز وجل- الإنسـان إلى استخدام حواسِّه وقواه، وحـذّره من الاغتـرار بها وادِّعـاء ماهو وراء حـدود إمكانـاتها، فقـال موبخِّـًا مؤدِّبًا من يصنع هذا الصـنيع: (وَجَعَلُوا الْمَلَائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَٰنِ إِنَاثًا ۚ أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ ۚ سَتُكْتَبُ شَهَادَتُهُمْ وَيُسْأَلُونَ) [الزخرف:19]، ونهى عن ذلك فقال: (وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ ۚ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَٰئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا) [الإسراء:36]. كما حـذّر الله الإنسان من الانكفاء وقصر المعرفة على ما تدركه الحواس وإنكار ما وراء ذلك، فالحواس وسائل لمعرفة لعالم الشهادة فقط، أما إدراك عالم الغيب فهي عنه عاجزة ، قال تعالى مذكِّـرًا الإنسان أنّ وراء ما يعـلم كثـيرًا ممّا لا يعلم: (وَمَا أُوتِيتُم مِّنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلً) [الإسراء: 85]، وقال: (وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ) [يوسف:76]. كما أكِّد ذلك كثيرًا النبيّ المصطفى -صلى الله عليه وسلم- وفي الحديث أنّ علوم الأوّلين والآخرين إنما هي في علم الله سبحانه كنقرة نقرها عصفور من البحر [4].
[4] في حديث الخضر مع موسى- عليهما السلام- الذي أخرجه البخاري،كتاب العلم، باب ما يستحب للعالم إذا سئل أي الناس أعلم فيكل العلم إلى الله . ومسلم،كتاب الفضائل، باب من فضائل الخضر عليه السلام .
ج . العقل : امتنّ الله -عز وجل- على الإنسان بما وهبه من وسائل المعرفة فقال: (قُلْ هُوَ الَّذِي أَنشَأَكُمْ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ) [الملك:23]؛ فالسمع والبصر منافذ للعقول والأفئدة، فالإنسان يصل من خلال مايرى ويسمع إلى إدراك كثير مما هو خارج عن نطاق حواسّه .
ومجال العقل مرتبط بإدراك المحسوسات والعلوم الطبيعيّة المبنيّة على الملاحظة والاستنتاج ومعرفة العلل، ولذلك كلّما بعدت المعلومات عن ملاحظة حواسّ الإنسان لها ضعفت قدرة العقل ودقّته في الاستنباط والاستنتاج، ومن ثم خفي عليه تبيُّن وجه الحقّ فيها . وما كان من مغيباً عن الحواس فإن وظيفة العقل فيه تقف عند حدود التعرف عليه ممن يعلمه زمن ذلك التأكُّد من صحة النقل، ثم التلقي عنه.
أما ما يكون له متعلّق بالحواسّ مع تعلُّق جوانبه وحقائقه بغيوب زمانية أو مكانيّة، نسبية أو مطلقة كما في تتبع أصل نشأة الكون بالظواهر الفيزيائيَّة والجيولوجيَّة وغيرها، ومعرفة حقيقة النفس وطرق تزكيتها وتهذيبها والمؤثرات الخفية عليها، فإن نتاج تفكير العقل في مثل هذه الأمور منه ما يقبل داخل حدود أنه علم يبدأ بالاحتمالات وينتهي بالاحتمالات كذلك وليس باليقين ، ومنه ما يُرفض تمامًا مما هو متعارض مع الغيب الحقّ.
ومن المهم التأكيد على أن العقل إذا تعدَّى حدود مجاله جانب الصواب، فقد يُنكِر الإنسان بعض الغيب لجهله به، لذلك كان تحذير السلف رضوان الله عليهم من مزلق الافتتان بالعقل كثيرًا، وبيانهم عاقبة إعمال العقل فيما ليس من اختصاصه، مع تأكيدهم- رحمهم الله- على وجوب إعمال العقل فيما خُلق من أجله لتمييز ما قد يراه الإنسان أو يخيَّل إليه، فالعقل ميزان صحيح في معرفة الحقّ والباطل في عالم الشهادة وفي معرفة صدق المخبر عن الغيب من كذبه.
ثانيًا : المواهب التي يمنحها الله لبعض الناس دون بعض :
ذكر الله -عز وجل- أن قد يطلع بعض خلقه على شيء من الغيب بإذنه، قال تعـالى: (عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَىٰ غَيْبِهِ أَحَدًا (26) إِلَّا مَنِ ارْتَضَىٰ مِن رَّسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَدًا (27) لِّيَعْلَمَ أَن قَدْ أَبْلَغُوا رِسَالَاتِ رَبِّهِمْ وَأَحَاطَ بِمَا لَدَيْهِمْ وَأَحْصَىٰ كُلَّ شَيْءٍ عَدَدًا (28)) [الجن:26-28]، وقال: (وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ يَجْتَبِي مِن رُّسُلِهِ مَن يَشَاءُ) [آل عمران:179]، ويكون ذلك إمَّا معجزة من عند الله لتأييد أنبيائه ورسله، ورحمة بعباده لبيان منهج العبودية الذي شرعه لهم، أو كرامة أو نصرة منه لأوليائه.
وقد استفاضت المعرفة بما للأنبياء في هذا الباب وأنواع الوحي الذي يأتيهم ممّا يرسل الله به ملائكته إليهم، وما يلقيه في روعهم وما يريهم في منامهم. كما حفظ التاريخ كثيرًا من قصص كرامات بعض الصالحين واطِّلاعهم على شيء مما يغيب عن البشر مثلهم مما يكون إلهاماً أو رؤى صادقة ونحو ذلك. وقد يكون في كشف طرف من الغيب للعبد فتنة من الله واستدراجًا؛ لذا كان لا بدَّ من معرفة أنواع هذه المواهب والقوى ومعرفة مصادرها، والهدي الصحيح في التعامل معها ، لكي تنضبط خطوات الإنسان في هذه الدار على منهج العبودية المرضي عند الله -عز وجل- ،وسيأتي تفصيل هذا في المبحث التالي.
ثالثًا : السمات العامة للعلم البشري :
العلم البشريّ مهما اتَّسع وتنوَّعت مجالاته يظلّ مرتبطًا بالإنسان وصفاته المحدودة القاصرة، عدا (تلقي الوحي) الذي هو أعظم المواهب، ولكنه خاصاً بالأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم وقد خُتموا بمحمد -صلى الله عليه وسلم- . واستقراء نصوص الوحي يضعنا أمام صفات وسمات عامة للإنسان تمثِّل إطارًا لعلمه ومعارفه وقواه، لا يكاد يخرج عنها مهما ارتقى في سلم العلم، ونهل من معين المعرفة، ومهما رجح عقله وتوقَّد ذهنه، ومهما قوي سمعه وبصره أو صفت نفسه وصلح فؤاده، وبيان هذه السمات فيما يلي:
1. القابلية للعلم وتحصيل المعارف: فالإنسان يولد ضعيفًا جاهلاً، محتاجاً إلى جهود تعليم وتربية وتوجيه توقظ معارفه الفطريّة، وتدلّه على طريق العلم والمعرفة الذي وُلد وعنده الرغبة فيه ولديه أدواته كما سبق بيانه .
2. المحدودية بالزمان والمكان: فعمر الإنسان في الدنيا سنين معدودة، لا يستطيع تخطِّي حدود ماقدِّر له فيها من حياة. وهو كذلك محدود بالمكان على هذه الأرض، وما يمكن أن يصله خارجًا عنها بتقنيات عصور التقدُّم التقني له مدى لايستطيع أكثر منه مهما زاد. ويذكّر القرآن الكريم الإنسـان دائمًا بحدود علمه، ويحـذِّره من القـول بلا علم: -سبحانه وتعالى- (أَعِندَهُ عِلْمُ الْغَيْبِ فَهُوَ يَرَىٰ) [النجم:35]، ويؤكِّد له غيـاب عوالم كثيرة عنه وجهله بكيفـيَّتها فيقول: (مَّا أَشْهَدتُّهُمْ خَلْقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَا خَلْقَ أَنفُسِهِمْ) [الكهف:51]، ويؤكد له أن علمه قليل: (وَمَا أُوتِيتُم مِّنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلً) [الإسراء:85].
3. النقص والقصور والقابلية للخطأ : فالإنسان يمر بأحوال مختلفة تتفاوت فيها قواه، ويتأثر بذلك علمه بيّنت ذلك النصوص الشريفة قال تعالى: (۞ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِن بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِن بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفًا وَشَيْبَةً ۚ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ ۖ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْقَدِيرُ) [الروم:54]، فهو ينسى بعد أن علم، وقد يجنّ بعد عقل وهو عرضة للخطأ في كل أحواله.
وهكذا نرى أنّ صفات الإنسان المتعلِّقة بالعلم تهديه لاستكشاف عالم الشهادة وعمارة الأرض لكنها تعجز عن تمكينه من سبر أغواره للترابط والتمازج بين عالمي الغيب والشهادة في أمور كثيرة، وهي عن تعريف الإنسان بحقائق الغيب أعجز، ومن ثمَّ فلا بد للإنسان مهما بلغ من قوة الحواس والعقل أن يلجأ إلى الله مؤمنا به، متلقيا خبر وحيه إلى أنبيائه باليقين؛ إذ ((لا سبيل إلى نتيجة قطعيَّة يقينيَّة إلاَّ عن طريق هدى الله الذي يبيِّنه للناس. ومن ثمَّ يبقى علم الإنسان فيما وراء ما قرَّره الله له، علمًا ظنيًّا لا يصل إلى مرتبة اليقين بحال))[5].
[5] "في ظلال القرآن" لسيد قطب : 2/1116
ولما كان الإنسان بحاجة لمصادر معرفة يتجاوز بها محدوديته ويتعرف من خلالها على آفاق أوسع من الموجودات المشاهدة، ويعرف حقائق الموجودات الغيبية؛ فهو لم يخلق للحدود التي تحدّه بها الدنيا زمانًا ومكانًا، ولا تنحصر حياته في عالمها، وإنما جعله الله فيها للابتلاء والاختبار، فإنه لا بدّ له من مصادر يتلقَّى منها المعارف المغيَّبة التي تعينه على اجتياز حياته الدنيا بنجاح، ومنها معرفته بنفسه وملكاته وقواه وما يؤثر فيه ، وهي معارف منّ العليم بأن ساق ضمن خبر الوحي الإجابة الشافية الصادقة عمّا يشغل بال الإنسان عنها وفيه نفعه ، والمبحث التالي يفصل هذا.
المبحث الثاني - حقيقة النفس الإنسانية
مما لا شك فيه أن معرفة الإنسان لحقيقة نفسه والمؤثرات الخفية عليها معرفة صحيحة من أسباب سعادته واطمئنانه، ومما يعينه في إصلاح دينه ودنياه.
ولأنّ هذه المعرفة تتعلَّق بأمور هي غيب ماضٍ موغل في القدم كقصة النشأة الأولى، وتتعلق مستقبل بعيد يمثل مصير الإنسان بعد انتهاء هذه الحياة، كما أنها تتناول حاضر الإنسان الذي تتمازج فيه عناصر من عالمي الغيب والشهادة مما لا يمكن للإنسان بقواه المعرفية المحدودة أن يسبر أغواره ويستكشف حقائقه. فكثير ممن ظن أن يستطيع أن يكتفي بعقله في ذلك تخبط بين ظنون وأوهام. يقول أحد علماء الاجتماع: ((هذا اللغز العظيم الذي يستحثّ عقولنا:ما العالم؟ما الإنسان؟من أين جاء؟ من صنعهما؟ من يدبِّرهما؟ ما هدفهما؟ كيف كانت البداية؟ وكيف ينتهيان؟ ماالحياة؟ ما الموت؟ ما القانون الذي يجب أن يقود عقولنا؟... هذه الأسئلة لا توجد أمّة ولا شعب ولا مجتمع إلاّ وضع لها حلولاً جيِّدة أو رديئة، مقبولة أو سخيفة، ثابتة أو متحوّلة )) [6]. والحق أن الأمم التي تستهدي بنور الوحي وصلت إلى حل حقيقي لهذا اللغز تطمئن به النفوس.
[6] نقله عن الفيلسوف سانت هيلير محمد عبدالله دراز، ينظر :"الدين": 84
وهذا المبحث محاولة لاستخلاص الخطوط العريضة التي تبين حقيقة الإنسان بحسب نصوص الوحي، فالإنسان وحدة متكاملة قائمة على امتزاج دقيق محكم بين المادة والروح، والعلاقة بين مانراه من ظاهر النفوس وأنواع السلوك وبين ما يعرف به الوحي من المؤثرات الغيبية علاقة قوية لا يدركها إلا من يتلقى عن الوحي .
وباستقراء نصوص الوحي نراه يرسم ملامح مهمَّة تحدَّد حقيقة النفس الإنسانية وتوجه نظر المؤمن بالغيب وتفكُّره إلى نفسه والكون حوله . وأبرز هذه الملامح:
أولا: أن الإنسان مخلوق كرمه الله، فخلقه الله في أحسن تقويم منذ نشأته الأولى، قال تعالى: (لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ) [التين:4] والإنسان يستوي مع الكون في المخلوقيّة والمربوبيّة، ولكنه مفضل على سائر المخلوقات بتكريمه بالعقل وتكليفه بالأمر والنهي، قال تعالى: (وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَىٰ كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلً) [الإسراء:70].
ثانياً: أن للإنسان بدن مزود بأدوات تمكنه من توجيه حياته إلى الغاية التي خلقه الله من أجلها، والبدن هو الجسد[7] والجسم[8]. وهو المعروف المحسوس، ورد ذكره في القرآن في قوله تعالى: (فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ) [يونس:92] أي:بجسدك[9]. وذكره رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ووجه إلى العناية به فقال: "وإن لجسدك عليك حقًّا"[10] فالمؤمن بالغيب يعدّ جسده نعمة من الله تعالى، ويعلم أن عليه أن يعتني به؛ ليقوى على القيام بحقّ العبوديّة لله عزوجل، بخلاف من يعتقدون بأوهامهم وظنونهم أنّ الجسد بمثابة السجن للروح، ويجب السعي للانعتاق منه بتعذيبه أوإماتة شهواته واستحقار مطالبه الفطرية! كما يدين بذلك أصحاب الوثنيّات الشرقيّة ومن تأثّر بهم من صوفيّة وفلاسفة.
[7] لسان العرب لابن منظور: جسد : 13/47
[8] "المعجم الفلسفي" لصليبا :1/402
[9] "مفردات ألفاظ القرآن" للأصفهاني : 112
[10] أخرجه البخاري، كتاب الصوم، باب حق الجسم في الصوم، ومسلم،كتاب الصوم، باب النهي عن صوم الدهر.
وقد زوّد الله الأبدان بأنواع من القوى كالسمع والبصر، وهي ظاهرة في متناول معرفة الإنسان ومشاهداته، كما أنه مزود بأنواع أخرى خفية استطاع الإنسان بتأمله وتجاربه قديما وحديثا كشف جوانب منها، فالروح والعقل والنفس والنوازع وغيرها قوى غيبية متفاوتة، يتوصل إلى بعضها بمناهج العلم وتجاربه وتعد من قبيل الغيب النسبي الذي يكشف لأهله بأدواته، وتظل هناك جوانب مختصة بخبر الوحي كالروح، وكلّ محاولات كشف هذا الجانب الغيبي المحض وإدراك حقائقه تبقى مجرد تخرّصات أو ضلالات مبنيّة على ما يدعى من تشريح الروح أو الجسم الأثيري في فلسفات الديانات الشرقية.
ثالثا: للإنسان نفس وروح وعقل وقلب وفؤاد، وهذه الأسماء الخمسة وردت في نصوص الوحي ولم يحدِّد الوحي مدلولاتها بصورة دقيقة، إنما ذكر عنها ما يعين الإنسان على استخدامها لإصلاح حياته ومعاشه ودفعه إلى العمل لتحقيق غاية وجوده (العبوديّة لله تعالى)، ويمكن أن نجمل ما ورد في التعريف عنها بالتالي:
النفس: بمعنى ذات الشيء وحقيقته[11]، ونفس الإنسان بهذا المعنى جملته من الجسم والروح، فتكون مرادفة لمعنى الإنسان، كما في قوله تعالى: (وَلَوْ شِئْنَا لَآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا) [السجدة:13]، وقوله تعالى: (لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا) [البقرة:286]. وقوله -صلى الله عليه وسلم- : "لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه"[12].
[11] "لسان العرب" لابن منظور : نفس : 6/233
[12] أخرجه البخاري، كتاب الإيمان، باب من الإيمان أن يحب لأخيه ما يحب لنفسه، ومسلم، كتاب الإيمان، باب الدليل على أن من خصال الإيمان أن يحب لأخيه ما يحب لنفسه .
وترد النفس بمعنى الروح التي بها تحصل الحياة للبدن[13]، وإذا فارقته حلّ به الموت، تقول العرب: خرجت نفس فلان، أي: روحه[14]، ومن ذلك قول الله تعالى: (إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُم بِهَا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَتَزْهَقَ أَنفُسُهُمْ) [التوبة:55]، وقـوله -عز وجل- : (أَخْرِجُوا أَنفُسَكُمُ) [الأنعام:93]، وقوله -صلى الله عليه وسلم- : "ألم تر إلى الإنسان إذا مات شخص بصره، قالوا: بلى، قال: فذلك حين يتبع بصره نفسه"[15]. والروح بهذا المعنى ذكرت أحيانًا ببعض صفاتها كالإحساس والإدراك الذي ينتفي أو يضعف بالمفارقة الجزئيّة للبدن في النوم: (اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا) [الزمر:42]. أو بالدعوة إلى الخير والشرّ التي يجدها الإنسان في نفسه كما في قوله تعالى: (فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ) [المائدة:30]، وقوله: (قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنفُسُكُمْ أَمْرًا) [يوسف:18] .
[13] ينظر : "مفردات ألفاظ القرآن" للأصفهاني : 818
[14] "لسان العرب" لابن منظور : نفس : 6/233
[15] أخرجه مسلم، كتاب الجنائز، باب في شخوص بصر الميت يتبع نفسه.
والنفس بمعنى الإنسان يقابلها في القرآن الكريم الآفاق، وبمعنى الروح يقابلها الجسد[16]. وزوال النفس بمعنى الروح يكون بزوال الحياة وحدوث الموت، أمَّا زوال العقل فهو زوال صفة من صفات النفس[17].
[16] ينظر :"التأصيل الإسلامي للدراسات النفسية" لمحمد توفيق : 65.
[17] "لسان العرب" لابن منظور : نفس : 6/234
الروح: وترد في القرآن والحديث على معان عدّة، منها: أنّ الروح هو ما يقوم به الجسد وتكون به الحياة[18]، ومنها أنها النفس،أو ما به تحيا النفس[19] فتكون الجزء الذي تحصل به حياة النفس وحركتها، واستجلابها المنافع واستدفاعها المضارّ[20]. وقد فرّق بعض العلماء بين الروح والنفس فجعلوا لكل واحدة منها حقيقة مستقلة بينما الأكثر على القول بأن النفس والروح لفظتان مشتركتان يُفهم المراد منهما بحسب السياق[21]، وأصح ماقيل في هذا الشأن أن ((غالب ما يسمّى نفسًا إذا كانت الروح متَّصلة بالبدن، وأمَّا إذا أخذت مجرَّدة فتسمية الروح أغلب عليها ))[22].
[18] ينظر : "الجامع لأحكام القرآن" للقرطبي : 10/324
[19] ينظر : "تفسير ابن كثير" : 3/56، و"لسان العرب" لابن منظور : روح : 2/462
[20] ينظر : "مفردات ألفاظ القرآن" للأصفهاني : روح : 369
[21] ينظر : "المعجم الفلسفي" لصليبا: 1/625، 2/482، و"الفصل في الملل والنحل" لابن حزم : 5/47
[22] "شرح الطحاوية" لابن أبي العز : 444
وحقيقـة الروح وماهية ماخلقت منه وكنهها في علم الله -عز وجل- ، قال تعالى: (وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ ۖ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي) [الإسراء:85][23]. وقد حاول كثير من الناس وضع تعاريف تبين كيفية الروح ومكان وجودها قديمًا وحديثًا،ومن ذلك القول بأنها: ((جسم نورانيّ علويّ خفيف متحرك ينفذ في جوهر الأعضاء))، وتفسيرها باعتدال الطبائع[24]، والقول: إنها جزء لا يتجزّأ في القلب. أو القول: إنّها جسم هوائيّ في القلب. أو القول: إنها جسم هوائيّ في الدماغ، أو القول: إنها قوّة في الدماغ ومبدأ الحسّ والحركة. أو القول: إنَّها أجزاء نارية وهي المسمَّاة بالحرارة الغريزيَّة، أو...أو....[25].
[23] وذكر القرطبي أنه قول ذهب إليه أكثر المفسرين، ينظر : "الجامع لأحكام القرآن":10/324
[24] ذكرهم ابن القيم في "الروح" : 2/579، وعزا الأول للرازي وقال إنه القول الصواب الذي لا يصح غيره.
[25] "الفلسفة القرآنية" للعقاد : 123
والحق أن حقيقة الروح الغامضة المبهَمة مهما حاول الإنسان التعرف عليها، لكون الروح أمرًا من عالم الغيب مجهولاً عندنا وإن كانت آثارها ظاهرة مدرَكة[26]، ولا نظير للروح في عالم الشهادة؛ لذلك فالأولى الوقوف في تصوّرها عند حدود ما أخبر به الوحي المعصوم، فالإبهام في حديث الوحي عن الروح مقصود؛ ليعرف الإنسان على سبيل القطع عجزه عن علم حقيقة نفسه مع علمه بوجودها[27]، فيفتقر أكثر لعالِم الغيب والشهادة سبحانه الذي عرّفه ما يحتاجه ويتجه إليه عابداً ذليلا.
[26] ينظر :"منهج التربية الإسلامية" لمحمد قطب : 1/42
[27] ينظر : "الجامع لأحكام القرآن" للقرطبي : 10/324
العقل: وأصله في اللغة: الحبس والمنع، وسمي عقل الإنسان عقلا لأنه يعقِله؛ أي يمنعه من التورط في الهلكة[28]، ويطلق على الهيئة المحمودة للإنسان في كلامه واختياره وحركاته وسكناته. ويطلق على المعاني المجتمعة في الذهن، التي تكون مقدِّمات تستَنبط منها الأغراض والمصالح. وكذلك يطلق على القوَّة المتهيئة لقبول العلم التي يدرِك الإنسان بها صفات الأشياء من حسنها وقبحها وكمالها ونقصانها[29].
[28] ينظر:"مقاييس اللغة" لابن فارس:4/9
[29] ينظر : "معيار العلم" للغزالي : 162 ، و"مفردات ألفاظ القرآن" للأصفهاني:577
وهو عند أكثر الفلاسفة جوهر مقارن للمادة، يبقى بعد موت البدن[30]! وهو خطأ ظاهر، رد عليه ابن تيمية فقال: (( العقل عند المسلمين وجمهور العقلاء إنما هو صفة، وهو الذي يسمى عرضاً قائمًا بالعاقل، وعلى هذا دل القرآن في قوله تعالى: (لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ) [الحديد:17] )) [31].
[30] ينظر : "المعجم الفلسفي" لصليبا: 2/85
[31] ينظر : "مجموع فتاوى ابن تيمية" : 9/286
إضافة إلى ما سبق من أمور فقد أخبرت نصوص الوحي في تعريفها للإنسان عن قوى وهبية لبعض الناس دون بعض، هي من تفاوتهم وتفاضلهم، ومن ذلك قوة التوسم وهي النظر والتأمل للشيء والبصر به[32]، يقال: تفرَّس في الشيء إذا توسَّمه، يقال توسمت في فلان خيراً أي رأيت فيه أثرًا منه [33]. ورد ذكره في حديث النبي -صلى الله عليه وسلم- : "إنَّ لله عبادًا يعرفون الناس بالتوسُّم "[34]. ويطلق على التوسم الفراسة، وقد يُستعان فيها بمعرفة السمات والملامح أو المنطق والحديث كما في الآية: (وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ) [محمد:30]، فالفراسة أو التوسم ملكة وهبية، ليست علمًا يتعلّم ويكتسب. وما يتوصل إليه توسماً وفراسة لا يعدو كونه ظـنًّا راجحًا؛ لذا لا يمكن الاعتماد عليها للوصل إلى معرفة يقينيَّة عن خفايا مغيبة وإن كانت تصدق كثيرًا عند أهل الإيمان كرامة من الله لهم.
[32] "لسان العرب"لابن منظور: فرس: 6/160، وسم: 12/637
[33] المرجع نفسه، و"تاج العروس" للزبيدي : 16/ 328
[34] رواه الطبراني في الأوسط: 3/207،وقال الهيثمي:إسناده حسن،"مجمع الزوائد":10/ 268، وحسنه الألباني في السلسلة الصحيحة، رقم: 1693.وهو يغني عن الحديث الضعيف المشتهر:"اتقوا فراسة المؤمن فإنه ينظر بنور الله" الذي رواه الترمذي عن أبي سعيد الخدري: كتاب تفسير القرآن، باب ومن سورة الحجر ،ينظر:السلسلة الضعيفة، رقم: 1821.
وقد كان العقل ولا يزال مجال بحث واستكشاف عند أهل العلوم التجريبية والفلاسفة، لكنهم لم يقطعوا بشيء في حقيقته، فالأبحاث التي أجريت على الدماغ توصَّلت إلى عديد من النتائج حول القدرات العقلية ومراكز الإدراك المختلفة كالتذكُّر والتفكير والإبداع. وذكر الفلاسفة منهم بعض القوى الوهبية كالحدس الذي هو:الظنّ والتخمين[35]،وعرفوه بأنه: سرعة انتقال الذهن من المبادئ إلى المطالب[36].
[35] ينظر: "لسان العرب" :حدس:6/48
[36] "التعريفات" للجرجاني : 83
كذلك تكلم الفلاسفة المهتمون بالنفس الإنسانية وقواها عن حصول ارتقاء للنفس الإنسانيَّة حتى تصبح مرآة مجلوَّة، فتمتلئ من النور الإلهيّ الذي يغشاها [37]، فتصل إلى معارف خفية . وتكلموا عن قوة الخيال والوهم، باعتبار الخيال قوّة مصوّرة يرى الإنسان من خلالها صور أشياء غائبة كأنها حاضرة، وقد يكون الخيال تمثيلاً ماديًّا لشيء خارجيّ أدركته الحواسّ سابقاً، فيرتسم في النفس ويبقى بعد غيبة المحسّ عنها، أو تمثيلاً ذهنيًّا لشيء يدركه العقل فيرسم له صورة مشخّصة. ومنهم من يعده وسيلة للاتصال بالغيب، يقول ابن كمونة: ((وفي اليقظة تساعد قوّة المخيّلة على الاتّصال بالغيب)) [38]! ومن أهل التصوُّف والفلسفة من يرى الخيال هو حقيقة الوجود، ويعدُّون الناس نيامًا لا يرون الدنيا إلاَّ خيالاً، فإذا ماتوا انتبهوا[39].
[37] "المعجم الفلسفي" لجميل صليبا: 1/452
[38] "الجديد في الحكمة" لابن كمونة : 126- 446، و"مبحث عن القوى النفسية" لابن سينا : 155
[39] "المعجم الفلسفي" لصليبا: 1/261- 546
والحق أن الخيال من صفات الإنسـان التي تختلف كمالاً أو نقصًا بحسـب مجالها وما تقود إليه، واستخدام الخيال في عالم الشهادة قد يصل بالإنسان إلى الإبداع والابتكار كما قد يصل به إلى الوهم والجنون. أمّا في عالم الغيب فالخيال يمكن أن يقرب صور بعض حقائقه مع ضرورة أن يُعلم أن حقائق الغيب وراء ذلك.
وخلاصة القول أن مجمل ما يدل عليه خبر الوحي عن العقل أنه بمواهبه وقواه المتنوعة نعمة وفضل من الله على الإنسان. وهو محل التكليف والأمر والنهي، وبه يكون التدبير والتمييز. وقد أمر الله الناس بإعمال عقولهم في التفكر في خلق السموات والأرض وخلق أنفسهم، والتدبر والاعتبار لتحقيق العبودية له طاعة واختيارًا، وحذرهم من تعطيله، ومن كلّ ما يحول دون استفادتهم منه . أمّا ماهيّة العقل فلم يرد في ذلك نصّ معصوم، فالمعارف التي يسوقها الوحي غايتها إعانة الإنسان على تحقيق العبودية لله رب العالمين .
القلب: وهو في اللغة: الفؤاد، وقد يُعبَّر به عن العقل[40].ويعرفه علماء تشريح البدن بأنه: عضو صنوبريّ الشكل، مودع في الجانب الأيسر من الصدر يستقبل الدم من الأوردة، ويدفعه في الشرايين. ويطلق عليه عند الفلاسفة على الروح، أو النفس، أو على تلك اللطيفة الربانية التي لها بالقلب الجسمانيّ تعلّق. ووظيفة القلب عندهم إدراك الحقائق العقليـّة بطريق الحدس والإلهام، لا بطريق القياس والاستدلال[41].
[40] ينظر :"القاموس المحيط":قلب:1/123
[41] ينظر : "المعجم الفلسفي" لصليبا: 2/198 ، و"إحياء علوم الدين" للغزالي: 3/4
وقال ابن العربي: (( القلب جزء من البدن، خلقه الله وجعله للإنسان محل العلم والكلام وغير ذلك من الصفات الباطنة...والقلب يتقلب بين الخواطر الحسنة والسيئة )) [42]
[42] ذكره ابن حجر في "فتح الباري":11/257
وقد ذُكر القلب كثيراً في نصوص الوحي كتاباً وسنة ، وتدور معانيه في القرآن حول الروح والعلم والعقل والشجاعة كما في قوله تعالى: (وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ) [الأحزاب:10] أي: الأرواح، وقوله تعالى: (إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَذِكْرَىٰ لِمَن كَانَ لَهُ قَلْبٌ) [ق:37] أي: من كان له علم وفهم[43]، أو:عقل[44]. وهو في حديث رسول الله -صلى الله عليه وسلم- مضغة عليها مدار صلاح الجسد: "ألا إن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله،وإذا فسدت فسد الجسد كله ألا وهي القلب"[45] قال ابن حجر: ((وخص القلب بذلك لأنه أمير البدن، وبصلاح الأمير تصلح الرعية، وبفساده تفسد. وفيه تنبيه على تعظيم قدر القلب، والحث على صلاحه، والإشارة ...والمراد المتعلق به من الفهم الذي ركبه الله فيه))[46].
[43] ينظر : "مفردات ألفاظ القرآن" للأصفهاني : قلب : 681
[44] ينظر: "الجامع لأحكام القرآن" للقرطبي: 1/189، و"تفسير ابن كثير":4/229
[45] أخرجه البخاري،كتاب الإيمان،باب فضل من استبرأ لدينه.
[46] "فتح الباري" لابن حجر:1/171
الفؤاد: وعُرِّف بأنّه القلب، وقيل:سويداؤه[47]، قال تعالى: (وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ) [الأنعام:110]، وكان أكثر يمين رسول الله -صلى الله عليه وسلم- : "لا ومقلب القلوب"[48]، فالقلب يقال له فؤاد إذا نُظر فيه إلى معنى التفؤُّد، أي: التوقّد[49]، وإذا ذُكر القلب والفؤاد معًا كما في الحديث: "أتاكم أهل اليمن، هم أرقّ قلوبًا، وألين أفئدة"[50]، فذلك على سبيل التأكيد، وقيل: إنه -صلى الله عليه وسلم- وصف القلوب بالرقّة، والأفئدة باللين فكأنّ القلب أخصّ من الفؤاد في الاستعمال[51]، قال ابن كثير: أفئدتهم أي قلوبهم وعقولهم وأسماعهم، ففسر الأفئدة بالقلوب التي تعلم وتفقه والعقول التي تتفكر وتتدبر[52].
[47] "لسان العرب" لابن منظور : فأد : 3/329
[48] أخرجه البخاري، كتاب الأيمان والنذور، باب كيف كانت يمين النبي e.
[49] "مفردات ألفاظ القرآن" للأصفهاني : فأد : 646
[50] أخرجه البخاري، كتاب المغازي، باب قدوم الأشعريين وأهل اليمن. ومسلم، كتاب الإيمان، باب تفاضل أهل الإيمان فيه .
[51] ينظر : "لسان العرب" لابن منظور : قلب : 1/687
[52] ينظر: "تفسير القرآن العظيم" لابن كثير : 2/146
وقد تكلم بعض العلماء في الفرق بين العقل والفؤاد، وهل محل العقل القلب أو الدماغ وهو محل نظر ليس له دلالات قطعية. ولذا أرى أن المعرفة التي تصلح لنا حياتنا وعبوديتنا قد ذكرها الوحي مفصلة بحمد الله ومنته ، فالله -عز وجل- زودنا بقلوب وعقول وأفئدة تعي وتفقه وتتفكر وتتدبر ونحن مسؤولون عنها بتطبيق منهج الله تعالى، وليس وراء البحث في كونها في الدماغ أو في القلب بالمعنى البيولوجي (العضلة) طائل يزيد إيماننا أو يدلنا على منهج لتزكية نفوسنا وتحقيق تنمية أو حضارة في واقع الأرض.
وخلاصة الأمر أن هذه الأمور الخمسة تربين حقيقة النفس الإنسانية وتدلّ على معان متفاوتة ومتداخلة فيها منها ماهو من عتام الغيب ومنها ماهو شهادة ومنها ما هو متمازج بينهما. وهي صفات متنوّعة للنفس الإنسانية بها يحصل للنفس الإدراك وتمييز الخير من الشرّ، سواء ترادف معنى العقل والقلب والفؤاد أم تغاير، وسواء أكان محلّها العضلة الصنوبرية في الصدر أم كانت في تلافيف الدماغ؛ إذ غاية المعرفة عند المؤمنين بالغيب أداء حقّ العبوديّة لله -عز وجل- ، ولذا لم يبذل أئمة المؤمنين بالغيب جهودًا في التفريق بينها والاشتغال بوضع حدٍّ جامع مانع لكلّ لفظة ليقينهم بكمال ما أنزل الله إليهم واشتماله على كلِّ ما تشتدّ إليه حاجتهم، وليقينهم بأنّ نبيّهم -صلى الله عليه وسلم- قد اكتمل في حقِّه قوَّة البيان وقوَّة الحرص على نفع الناس وهدايتهم، وهذه الأمور مما توجَّهت إليه تكاليف الشريعة بالأمر والنهي، فمن المؤكَّد أنّ ما ذُكر في النصوص عنها هو ما يكفي الناس ليقوموا بما كلّفوا به من العبودية لله -عز وجل- على الوجه المحبوب له والمرضي عنده. والأمر بالتفكُّر في النفس الذي أمر به القرآن والسنة يتجه إلى النفس بمعناها العامّ الذي يقابل الآفاق، فهذا هو الذي يوصل إلى الاعتبار والانتفاع، وبهذا شهدت سنَّة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- القوليـّة والعمليـّة. والتفكُّر في جوانب النفس المتعلقة بعالم الشهادة إذا اتبّع منهجاً صحيحاً حقّق – بلا شك -الانتفاع في مجالات مختلفة في الحياة، ومن ذلك النظر في بدن الإنسان وأجهزته الداخلية والخارجية ، فإنه أنتج كثيراً من العلوم التي سارت على منهج تجريبـي صحيح فانتفع بنتاجها الإنسان كـ(علم التشريح) و(علم وظائف الأعضاء) و(علم الأجنّة) و(علم الطب) وغيره . أما مجالات النفس الخفيَّة فإن ملاحظتها والاهتمام بها أنتج علوماً نافعة كذلك تدل على طريقة تربية النفس ومنهاج تزكيتها ولكن هذا المجال لكونه متعلقًا بالغيب كثيراً فقد كان من مهمات الوحي الدلالة عليه تفصيلا أو إجمالا، وكل دراسة كان منطلقها نصوص الوحي كانت إلى الحق أقرب.
المبحث الثالث - حقيقة المؤثرات الخفية في الإنسان
لما كانت النفس الإنسانيَّة مكوَّنة من بدن وروح كلاهما مخلوق، فإن سلوك الإنسان حصيلة هذين المكونين معًا، وقد كشف المنهج العلميّ التجريـبيّ بعض المؤثرات الخفية على النفس كدوافع السلوك وقوة الخيال، إلا أنه وقف عند حدود وضع الفروض لتفسير كثير من الظواهر. وتتفاوت هذه الفروض في مصداقيّتها وكفايتها بحسب تطبيقها للمنهج العلميّ الصحيح، وبحسب إمكان الاستدلال عليها بالظاهر في عالم الشهادة. ويظل الناتج المعرفي مفتقراً إلى معرفة الجوانب الغيبية التي لا يتوصل إليها إلا عن طريق في الوحي.وفيما يلي عرض موجز للمؤثرات الخفية على النفس الإنسانية من خلال نصوص الوحي، مع الإشارة إلى الفلسفة الناتجة من محاولات العقل المجرد لتفسير هذا الجانب الغيبي المتعلق بالإنسان.
القوى الغيبية المؤثرة على الإنسان كما يعرف بها الوحي :
الإنسان مزيج من عالم الغيب ومن عالم الشهادة، لذلك فهو يتأثَّر بأمور كثيرة من عالم الغيب وعالم الشهادة على حدٍّ سواء، ويمكن رصد الأمور المحسَّة الظاهرة التي تؤثِّر في الإنسان والتعرُّف عليها من خلال الحسِّ والعقل بمناهج الملاحظة والتجريب، أمَّا الأمور الغيبيَّة التي تؤثِّر فيه فهي وإن أدرك الإنسان آثارها إلاَّ أنَّه لا يستطيع أن يعرف كنهها على الحقيقة أو يفسِّر تأثيرها تفسيرًا كاملاً لكونها خارجة عن إطار قدرته ومواهبه المتعلِّقة بالعلم والمعرفة، وقد ساق الله -عز وجل- لعباده المؤمنين ما يهمّهم من أمر المخلوقات الغيبيَّة المؤثِّرة فيهم لتكتمل معرفتهم بأنفسهم ويستطيعوا تمييز هذه المؤثِّرات والتعامل معها كما شرع لهم.
وأهمّ هذه المؤثرات الغيبية :
قدرة الله المطلقة، فالله -عز وجل- هو خالق الإنسان من عدم وإليه مصيره ومنتهاه، وبيده -عز وجل- إسعاده وإشقائه بمحض إرادته وعظيم قوته وقدرته -سبحانه وتعالى- . لا يُسأل عما يفعل ولا يرده شيء عن مراده، ولا يعجزه شيء إيجادا أو إعداما أو تغييرا -سبحانه وتعالى- ، وبقدرته -سبحانه وتعالى- أقدر الخلق على أفعالهم فهو الخالق لهم وأعمالهم قال تعالى : (والله خلقكم وما تعملون ) [لقمان:28]. له -سبحانه وتعالى- النفوذ التام والملك والسلطان ،والتصرف التام في سائر الأكوان، لا يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء: (إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَن يَقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ) [يس:82] ولهذا وجّه عباده إلى الالتجاء إليه وطلب العون منه مباشرة : (إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (5)) [الفاتحة: 5].
ومن العوالم التي جعلها الله مؤثرة على الإنسان بإذنه عالمي الملائكة والجنّ، لصلة الإنسان الوثيقة بهما في كلِّ أمور حياته. وقد جاء الإخبار عن الملائكة والجنّ في جميع الرسالات، وكان الإيمان بهم عامًّا في بني آدم، ولم ينكره إلاّ شواذَّ من بعض الأمم، فعامّة الأمم السابقة-بعد تحريف كتبها- يعترفون بوجود الأرواح المنفصلة عن الآدميِّين ويؤمنون بالجنِّ ويصدِّقون بأخبارهم وتأثيرهم في العالم وإخبارهم بالأمور[53]إلاّ أنهم لا يعرفون من صفاتهم وأعمالهم مثلما حفظ الله للمؤمنين بالغيب في الدين الخاتم، لذلك لم يعرف حقائق تأثير عالم الملائكة وعالم الجنّ أحد اليوم إلاّ المؤمنون بما أخبر الله به محمد -صلى الله عليه وسلم- ، وتكفّل بحفظه محجّة للمؤمنين وحجّة على العالمين.
[53] ينظر : "مجموع فتاوى ابن تيمية": 11/229، 19/32
فعالم الملائكة الأبرار عالم غيـبيّ حقيقيّ موجود، دلّ عليه الخبر الصادق المتواتر عن الله تعالى وعن رسوله الأمين -صلى الله عليه وسلم- ، والمؤمنون بالغيب عرفوا من الوحي أنّ للملائكة علاقة بالإنسان فمنهم مكلفون بمراقبة عمله وإحصائه: (إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ (17) مَّا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ (18)) [ق:17-18]. ومنهم المكلفون بحفظه في مراحل حياته وأحوالها إلاَّ مما قدّر الله عليه: -سبحانه وتعالى- (لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِّن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ) [الرعد:11]. ومنهم من يقبض روحه عند الموت: (حَتَّىٰ إِذَا جَاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لَا يُفَرِّطُونَ) [الأنعام:61] .
كذلك عالم الجنّ والشياطين، هو عالم حقيقيّ أيضًا، عرفه المؤمن بالغيب من خلال نصوص الوحي المخبرة عنه، فعرف أن الجن موجودون وأنهم مكلَّفون مثله بالإيمان، وأنّ منهم المسلمين، ومنهم الفاسقين والكافرين، وعرف أنهم يخالطونه في مسكنه ومشربه ومأكله ويرونه من حيث لا يراهم إلاّ أن يحجزهم بذكر الله تعالى، وعرف كذلك أنّ منهم إبليس اللعين الذي يناصب بني آدم العداء، ويتربّص بهم ليغويهم ويضلّهم عن طريق الحقّ والهداية، وعرف من صفاته وجنده ما يستطيع به أن يتوقّى شرّهم وفتنتهم بإذن الله.
فعالمي الملائكة والجن من أعظم الأسباب والقوى الغيبية المؤثرة في الإنسان بإذن الله -عز وجل- ، وقد أخبر الوحي أن الله -عز وجل- جعل لكل إنسان قرينًا من الجن وقرينًا من الملائكة، قال -صلى الله عليه وسلم- : "مامنكم من أحد إلا وكّل به قرينه من الملائكة، وقرينه من الجنّ. قالوا: وبك يارسول الله، قال: وبي، ولكن الله أعانني عليه فأسلم"[54].
[54] أخرجه مسلم،كتاب صفة القيامة والجنة والنار ،باب تحريش الشيطان.
فالملائكة والجنّ عالمان غيبيّان لهما أنواع من التأثير في الإنسان -بإذن الله وسنته - وتتفاوت هذه التأثيرات بقدر ما بين هذين العالمين من تفاوت، وقد تضمَّن الوحي الإخبار عن أنواع من تأثيرهما على الإنسان ومن ذلك :
1. إعانة الإنسان بأمر الله تعالى:
فقد يحصل من الإنسان فعل يعجز عنه مثله، ولا تُعلم كيفيَّة حصول ذلك إلاّ من خبر عـالمِ الغيب -عز وجل- ، فقد تكون إعانة من الله تعالى وحده فهو القادر القوي المريد -سبحانه وتعالى- ، وقد أخـبر أنه يُعين عباده بلا وساطة (إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَن يَقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ) [يس:82].
كذلك أخبرهم أنّ له جنودًا يعين بهم من يشاء من عباده المؤمنين فقال: (فَأَنزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَّمْ تَرَوْهَا) [التوبة:40]، ومن جنده الملائكة، قال تعالى: (فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُم بِأَلْفٍ مِّنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ) [الأنفال:9]، والأخبار الصحيحة في إعانة الملائكة للأنبياء والمؤمنين بأمر الله كثيرة جدًّا، فهم الذين يبلِّغون الأنبياء أمر الله تعالى ويخبرونهم بخبر الغيب، وهم الذين يؤيِّدون عباد الله المؤمنين ويثبتونهم .
وكذلك أخبر -عز وجل- أنّ من جنوده الجنّ الذين يسخّرهم لإعانة من شاء من عباده كما كان لنبيّ الله سـليمان عليه السلام: (وَحُشِرَ لِسُلَيْمَانَ جُنُودُهُ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنسِ وَالطَّيْرِ فَهُمْ يُوزَعُونَ) [النمل:17]، وقد يعاون مؤمنو الجنّ مؤمني الإنس كما يعاون كفّارهم كفّار الإنس.
وقد تكون إعانة الملائكة أو الجنّ للإنسان تأييدًا من الله تعالى ونصرة، وقد تكون فتنة واستدراجًا، بحسب العمل فالملائكة تؤيِّد الحقَّ والصدق، والشياطين يؤيدون الكذب والبهتان،كما أنها قد تكون بعد توجُّه الإنسان بالدعاء لله تعالى أو لغيره، وقد تأتي دون طلب الإنسان وقصده، وقد تقتصر على أمور ظاهرة محسوسة أو تشمل أمورًا خفيّة[55].
[55] وتفصيل هذا يضيق به مقام هذا البحث المختصر ، وقد فصل شيخ الإسلام الكلام هذه الأمور في مواضع عدة، منها:"اقتضاء الصراط المستقيم": 2/222، 316، و"الصفدية": 1062، 1058، و"الرد على المنطقيين": 286، و"الفرقان بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان": 222
والإعانة على أمور الخير والطاعة تكون على الأغلب من الملائكة، وإن كان لا يمنع حصولها من الجنّ المؤمنين أو الكافرين فتنة للعباد، أمّا الإعانة على أمور الباطل فهي التي يغوي بها بعض الجنّ بني آدم ويزينون لهم بها طرق الغواية[56]، ولابدّ أن يكون مع من تعينه شياطين الجنّ من الإثم جهلاً أو عمدًا ما يناسب حال الشياطين المقترنة به، فالإعانات الشيطانيّة إنما تحصل لمن خرج عن الكتاب والسنة وهم درجات، فإن كان الإنسيّ كافرًا أو فاسقًا أو جاهلاً دخلوا معه في درجات كفره وفسوقه وضلاله[57]، قال تعالى: (هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلَىٰ مَن تَنَزَّلُ الشَّيَاطِينُ (221) تَنَزَّلُ عَلَىٰ كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ (222) يُلْقُونَ السَّمْعَ وَأَكْثَرُهُمْ كَاذِبُونَ (223)) [الشعراء:221-223]، فالشياطين إنما تقترن بما يجانسها من أهل الشرك والفجور وتكون لهم عونًا إمعانًا في فتنتهم وإضلالهم، ومن ذلك إعانتها الكهّان والسحرة فإنّ الكاهن تخبره الجنّ، وكذا الساحر إنما يقتل ويُمرِض ويصعد في الهواء ونحو ذلك بإعانة الشياطين له[58].
[56] لا يعلم كثير ممن تعينهم الجن أن ما يحصّلونه من أمور علمية أو تأثيرية إنما يحدث لهم بإعانة من الجن، ويظنونها قوى اكتسبوها بتدريب خاص قاموا به، وذلك لعدم التفريق بين الإعانة التي يفعلها الجن ابتداء لإضلال الإنسان أو إمداده في غي، وبين الاستعانة بالجن بقصد وعمل بالتقرب إليهم بالشرك والمعاصي، أو من خلال الطلب المباشر من الجن.
[57] ينظر : "مجموع فتاوى ابن تيمية" : 13/79 – 11/288 -295
[58] ينظر : "النبوات"لابن تيمية : 2/820
2.التمثُّل للإنسان يقظة أو منامًا:
عُلم بطريق الوحي أن من خصائص عالم الجن والشياطين قدرتهم على التشكُّل والظهور بأجساد يراها الناس، فقد كانت الملائكة تتمثَّل للأنبياء كما أخبر بذلك الوحي، وكذا تمثّل الملَك لمريم عليها السلام بشرًا سويًّا، وقد ثبت أنّ الصحابة رأوا جبريل عليه السلام في صورة رجل مرارًا، ويكون ذلك من تأييد الله للمؤمنين بملائكته[59].
[59] ينظر : "مجموع فتاوى ابن تيمية" : 11/276
أمَّا تمثُّل الشيطان للناس فهو أكثر من أن يحصى. والقول في حادثة ما بأن الملك قد تمثّل للإنسان لا يصحّ إلاّ إذ أخبر بذلك الرسول -صلى الله عليه وسلم- ، حتى وإن كان ظاهر الأمر دعوة إلى خير، فالملائكة لا تتمثّل لأحد إلاّ بأمر الله تعالى لا يخرجون عن ذلك، بخلاف الجنّ فإنهم مخلوقات غيبية مكلّفة كالإنس ومنهم من يتربّص بالناس لإضلالهم، كالإعانة على أمور ظاهرها خير، زيادة في الفتنة والإغواء.
وقد يتمثّل الشيطان في شكل بعض النبات أو الحجر أو يدخل في هذه الأشياء كما يدخل في الإنسيّ، ثم يخاطب الإنسان بما في هذا النبات أو الحجر من المنافع، أويقول: هنيئًا لك ولي الله، وإنما يخاطبه الشيطان فإذا قرأ آية الكرسي يذهب ذلك. وقد يكون الرجل في البيت وهو مغلق فيرى نفسه خارجه وهو لم يفتح وبالعكس وما ذاك إلاّ الشيطان.
وقد يأتي الشيطان على صورة رجل بعد موته، فيعتقد الناس أنّه ذلك الميت عاش بعد موته، وقد يقضي الديون ويردّ الودائع ويفعل أشياء تتعلّق بالميت ليزيد في فتنتهم. كما قد يأتي للرجل ويقول له: أنا من أمر الله، أو أنا الخضر، ويعده بأنه المهديّ الذي بشّر به النبيّ -صلى الله عليه وسلم- ويظهر له بعض الخوارق، وقد يحمله إلى مكّة ويأتي به، وكلّه من مكر الشيطان.
بل قد يتمثل الشيطان لإنسان فيرى عرشًا في الهواء وفوقه نور، ويسمع من يخاطبه ويقول: أنا ربك، فإن كان من أهل المعرفة علم أنّه شيطان فزجره واستعاذ بالله منه فزال وإلا فُتن به فتنة عظيمة[60].
[60] ينظر هذا وأمثلة كثيرة في :"الصفدية": 1059، و"مجموع فتاوى ابن تيمية": 11/288- 300، 13/77-84
وإذا كان التمثل في المنام سمي رؤى، والرؤيا ما يرى النائم في منامه، وقد تكون رؤيا صادقة تكشف لصاحبها شيئًا من عالم غيب فيعرف حدثًا مستقبليًّا أو شيئاً قبل أن يحدث أو يوجد، ثم يكون الأمر كما رأى . فرؤيا المؤمن حقّ قال -صلى الله عليه وسلم- : "رؤيا المؤمن جزء من ست وأربعين جزءًا من النبوّة"[61]. وفي رواية: "جزء من سبعين جزءًا"[62]، بمعنى أنها نبأ صادق وخبر صحيح، فشابهت صدق الخبر في النبوّة [63].
[61] أخرجه البخاري،كتاب التعبير، باب الرؤيا الصالحة جزء من ستة وأربعين جزءً . ومسلم، كتاب الرؤيا .
[62] عند مسلم، كتاب الرؤيا .
[63] ذكره ابن حجر عن ابن بطال، ينظر : "فتح الباري": 12/373
والرؤى الصادقة لغير الأنبياء من حيث الأصل كالإلهام موهبة وقوة غيبية ونوع من الوحي، وهي كرامة من الله لأوليائه، وقد تحدث الرؤيا الصادقة للكافر والفاجر أحيانًا، قال ابن حجر: ((الرؤيا الصحيحة وإن اختصَّـت غالبًا بأهل الصلاح، لكن قد تقع لغيرهم))[64] فتكون للفاجر إنذارًا له، وحجَّة عليه، أو استدراجًا له وإمدادًا في غوايتـه، فينبغي التفريق بين كرامات الصالحين واستدراج الزائغين وأحوال الدجَّالين وأولياء الشياطين[65]. قال رسـول الله -صلى الله عليه وسلم- : "الرؤيا ثلاثة فرؤيا بشرى من الله، ورؤيا تحـزين من الشـيطان، ورؤيا ما يحدِّث به المرء نفسه"[66].
[64] "فتح الباري" : 12/381
[65] أنكر الفلاسفة الرؤى عدا النفسانية،التي فسروا حدوثها بهيجان الأخلاط في الإنسان، وقريب من ذلك صنع علماء النفس في العصر الحديث فجعلوها رواسب الذاكرة وخليط الأمزجة فقط!
[66] رواه البخاري، كتاب التعبير،باب القيد في المنام، موقوفًا على ابن سيرين، وعند مسلم،كتاب الرؤيا.
ومن المهم التأكيد على أنَّ لمعرفة هذه القوى الغيبية وكيفيّة تأثيرها في الإنسان أعظم الأثر في حمايته من الوقوع في الفتن، فلا ينخدع بأنوار تتلألأ أو روحانيّات تتنـزّل، وإنما يعرض مايجد من أحوال على خبر الغيب في الكتاب والسنة ليميز الحقّ الذي يؤيِّده الله به ويرضاه له من الباطل الذي يزينه شياطين الجنّ والإنس[67].
[67] ينظر:"الموافقات"للشاطبي : 367
3. الإلهام والوسوسة: والإلهام في اللغة: التلقين، تقول: ألهمه الله الخير، أي: لقَّنه[68]. والإلهام إلقاء الشيء في الروع، ويختصّ ذلك بما كان من جهة الله تعالى، وجهة الملأ الأعلى[69].
[68] ينظر : "لسان العرب"لابن منظور:لهم : 12/555 .
[69] مفردات ألفاظ القرآن: 748 ، و"التعريفات" للجرجاني : 34
ويُعرّف عند المتصوفة بأنّه إيقاع في القلب من العلم غير القائم على الاستدلال والنظر، ويسمُّون ظهوره لدى الإنسان إشراقًا وكشفًا وذوقًا ويسمُّون الموطن الذي يقع فيه الإلهام البصيرة[70].
[70] "معجم مصطلحات الصوفية": 104، وينظر:"المعجم الفلسفي"لجميل صليبا : 1/93
أما الوسوسة فهي من الشيطان لإغواء الإنسان وفتنته. وقد يختلط الأمر عند كثير من الناس فلا يميزون الوسوسة من الإلهام لا سيما إذا كان من تأثير ذلك كشف أمور غيبية، يقول ابن تيمية : (( فالإخبار بالمغيَّبات يكون عن أسباب نفسانيَّة، ويكون عن أسباب شيطانيَّة وغير شيطانيَّة ويكون عن أسباب ملكيَّة )) [71].
[71] "الصفدية": 187 – 189
والإسلام يعترف بالإلهام قوة غيبية تكون مصدرًا للمعرفة لبعض الناس فتؤثر وتوجه. وإلهام الأنبياء ورؤاهم وحي معصوم، ولأهل الحق إلهامات صحيحة، وقد وقع من ذلك لكثير من الصحابة رضوان الله عليهم ومن ذلك قول الصديق رضي الله عنه عما في بطن زوجه:أراها جارية، فكانت كما قال [72]، وليس ثمة أشعَّة مصوّرة ولا أجهزة طبيِّة متقدِّمة، وإنما إلهـام ربـَّانيّ أو رؤيا صادقة.
[72] ومن العلماء من فسّر قول الصديق بالإلهام، ومنهم من عزاه إلى رؤيا صادقة. ينظر: "شرح الزرقاني على الموطأ" : 4/44
أما ما يعرض لعامة الناس فقد يكون وسوسة فتنة للإنسان في دينه أو دنياه ، ويكون مصدره تأثير الشيطان وتسلطه الشيطان، فالشيطان – كما في الصحيح – "يجري من ابن آدم مجرى الدم" [73] فإذا سها وغفل وسوس له، وإذا ذكر الله خنس، ولم يخبر الوحي كيف يستطيع الشيطان ذلك، ولكنه عرّف المؤمنين بالأهم وهو كيف يتوقّونه فلا يؤثر بقواه الغيبية عليهم: (قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ (1) مَلِكِ النَّاسِ (2) إِلَٰهِ النَّاسِ (3) مِن شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ (4) الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ (5) مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ (6)) [الناس:1-6].
[73] أخرجه البخاري، كتاب الاعتكاف، باب هل يدرء المعتكف عن نفسه، رقم: 2039، ومسلم، كتاب السلام، باب بيان أنه يستحب لمن رئي خاليًا بامرأة وكانت زوجته أو محرمًا له أن يقول هذه فلانة ليدفع ظن السوء به، رقم: 2174
وخلاصة القول أن الإلهام والرؤيا وغيرها مؤثرات غيبية متفاوتة بحسب مصدرها، فهي من عند الله فتنة وابتلاء، أو كرامة واصطفاء، وكان الصالحون يعدّون ما يحدث لهم منها فتنة واختبارًا، لا يطلبون حدوثه ، ويسعون –إن حدث- للإفادة منه في الخير مع الاستعاذة بالله من الفتنة، أمَّا من بعدهم فكثير منهم يعدُّون حصوله لهم كرامة! بل جعلوه مطلبًا يتدرَّبون على الوصول إليه بأنواع من الرياضات الشاقَّة، فتخبَّطوا في ذلك تخبُّطًا كبيرًا، وتلاعبت بعقولهم الشياطين. قال شيخ الإسلام: (( من اتَّبع ما يرد عليه من الخـطاب، أو ما يراه من الأنوار والأشخاص الغيبيَّة، ولا يعتبر ذلك بالكتاب والسـنَّة، فإنما يتبع ظـنًّا لا يغني من الحقّ شيئًا )) [74].
[74] "الفرقان بين الحق والباطل" لابن تيمية : 96
وهكذا فإن المؤمنين بالغيب لما عرفوا حقيقة عوالم الملائكة والجان وتأثيرها في الإنسان استبان لهم حقيقة كثير مما يُعرض لهم، وما يسمعونه ، أو يرونه أمامهم من أمور بخلاف من جعل عقله وظنونه دليله في التعرف على هذا الجانب الذي يتمازج فيه عالم الغيب وعالم الشهادة فوقعوا في تفسيرات فلسفية متنوعة للقوى المؤثرة على الإنسان وفيما يلي بيان بعضها :
القوى الغيبية المؤثرة على الإنسان من منظور الفلسفة :
حاول الفلاسفة، ومن تبنَّوا علوم ماوراء علم النفس أو ما سمّي بـ(الباراسيكولوجي) أن يبحثوا في حقيقة القوى النفسانية معتمدين على عقولهم وظنونهم أو على مصادر الفلسفات الروحانيّة والتجربة الذوقيّة، فكان نتاج ذلك مزيجًا من التصوُّرات الفلسفية لا تخرج عن تصوُّرات المعتقدات الوثنيّة، إلاّ أنها تُنشر في هذا العصر على أنها كشوف علمية، وهي محاولات لفهم النفس الإنسانيّة وتفسير أنواع سلوك الإنسان، وتفسير الظواهر غير المعتادة من السلوك الإنسانيّ بمجرد العقل والظن ، لكون أصحابها ينكرون حقيقة المخلوقات الغيبيّة وتأثيرها الحقيقيّ في الأنفس.
ومع قوة التوجُّه العامّ في العصر الحديث إلى تأييد الاعتراف بوجود مؤثِّرات غيبيّة نادى كثير من علماء النفس والفلاسفة بالاهتمام بالجوانب الروحيّة من النفس الإنسانيّة إلاّ أنّ المصادر التي يستقون منها معارفهم عن الغيب يختلط فيها الحقّ بالباطل والعلم بالأسطورة[75]؛ لذا تشابهت كثير من النظريات الحديثة مع الفلسفات القديمة فجميعها حاولت تفسير ماهية المؤثرات الخفية على الإنسان دون أن تهتدي بما أخبر به عالم الغيب والشهادة سبحانه.
[75] كان رائد ذلك ابراهام مازلو (1908-1970م). وقد تبنى معهد الدراسات الباطنية (إيسالن) دراساته واستقطبه لتطوير تدريبات (الإنسان المتعالي) Transpersonal psychology القائمة على أساس إمكان ترقي الإنسان روحانياً إلى مرتبة التأله!ينظر: -"The Implications of New Age Thought for the Quest for Truth: A Historical Perspective", Horn,p.145
وفيما يلي عرض موجز لأهم القوى الغيبية( الماورائية) التي قالت بها الفلسفة قديما وأعادت طرحها حديثا بصورة نظريات علمية :
1. قوى النفس :
المقصود بها تلك القوى الخفية التي افترضوا وجودها في النفس و بها فسروا الظواهر الخارقة للعادة في مجال العلم أو مجال التأثير كالقدرة على التنبُّؤ أو التخاطر عن بعد أو الجلاء البصريّ أو مايسمونه (بعد النظر الروحيّ) بأن يكون للإنسان قوّة تمكِّنه من رؤية الأشياء والحوادث غير المنظورة سواء في الزمان أو المكان، أو قدرة التأثير على الأشياء الماديّة المختلفة كتحريك الأشياء من بعد أو الإمراض أو الشفاء ونحو ذلك.
فقوى النفس –على حدِّ زعمهم- هي التي تهيِّئ لصاحبها النجاح في أن يمتلك مثل هذه المواهب ويكون بها نبيًّا أو حكيماً أو كاهنًا أو ساحرًا!
وقد تصور البعض هذه القوى متولدة عن عناصر في تكوين الإنسان أو غذائه فقسموها إلى :قوى نباتية وقوى حيوانية وقوى معدنية، بحسب وجه الشبه بين القوة وماتنسب إليه، ومنهم من صنفها إلى قوة علمية وقوة عملية بحسب ماتتوجه إليه، وهنالك من جعل القوى: بدنية أو نفسية بحسب ماتتعلق به.[76].
[76] ينظر:"الجديد في الحكمة" لابن كمونة:419-444
ومعلوم أنّ الله -عز وجل- قد امتنّ على الإنسان بالسمع والبصر والعقل، وأودع فيه من صفات الإدراك والتمييز وغير ذلك، وهذه الأمور جميعها يمكن تسميتها قوى، فيكون للإنسان قوَّة للسمع، وقوة للبصر ونحو ذلك من قوى بدنه الظاهرة، كما له قوَّة إدراك يمّيز بها، وقوّة تخيّل يتصوَّر بها الأشياء، وقوّة إرادة تعينه على الصبر والحلم والعفّة، وقوّة غضب وقوّة شهوة وغير ذلك مما هو مشاهد ومعروف ويمكن تسميته قوى نفسية ولكن هذه القوى ونحوها ليست هي المقصودة هنا في هذا الموضوع وإن كانت معدودة معها لتلتبس بها وتشتبه على الناس.
ولم يصل طلاب معرفة الحقائق الغيبية من غير طريق الوحي في العصر الحديث إلى أكثر من هذا الافتراض الفلسفي القديم، ولكنهم في العصر الحديث عملوا وأسموا هذه القوى (القوى الكامنة) وادّعوا أنها قوى موجودة عند كلِّ الناس بتفاوت يمكن تجاوزه بالعمل على تنميتها لدى الجميع لتطوير الجنس البشري عامّة[77] والوصول إلى عصر جديد يوجد فيه الإنسان الكامل. وقد انتشرت هذه الاعتقادات الفلسفية بأسماء متنوّعة منها: قوى النفس الكامنة والقوى الروحية والقوى الخارقة والقوى الخفية والطاقة الحيوية[78].
[77] يعد الفيلسوف الألماني هنري برجسون (1859–1941م) هو أول القائلين بهذه القوى من فلاسفة الغرب المعاصرين، فقد كان مهتماً بالمؤثرات الميتافيزيقية، ثم تأسست لخدمة هذه الفكرة وتطويرها حركة القدرة البشرية الكامنةMovement Human Potentia عام 1961م ، وابتكرت العديد من الطرق لنشرها بين العامة والخاصة بمنهج يسعى للتقريب بين العلم والدين والسحر! : -"The Implications of New Age Thought for the Quest for Truth: A Historical Perspective Horn,p.135. -"The Upstart Springs: Esalen and the Human Potential Movement", Walter T. Anderson,p.20-65.
[78] ينظر:"خارقية الإنسان" لصلاح الجابري: 13، و"خوارق اللاشعور"لعلي الوردي: 143، و"الطاقة الخفية والحاسة السادسة" لشفيق رضوان:11-15
وهكذا انتهى من انحرفوا عن الإيمان بالغيب وأعرضوا عن خبر النبوّات إلى القول بأنّ هذه القوى النفسانية هي أهمّ مؤثّر خفي في الإنسان، وهي أساس الخوارق كلّها سواء منها ما كان للأنبياء أو السحرة والكهّان[79]، وإنما يكمن الفرق فقط-برأيهم- في اختلاف القصد بين إرادة الخير أو إرادة الشرّ بين هؤلاء وهؤلاء! وهو قول باطل مبنيّ على أصول كثيرة فاسدة، من أبرزها: إنكار الملائكة وإنكار الجنّ، أو إنكار حقيقتهم فالفلاسفة قديمًا قالوا: إنّ الشياطين هي قوى النفس الخبيثة، والملائكة هي قوى النفس الصالحة![80] وبمثل قولهم قال فلاسفة علم النفس حديثًا: ((إنّ الأبالسة في نظرنا نحن، رغبات شريرة مستهجنة تنبع من دوافع مكبوحة مكبوتة))[81].
[79] ينظر :"الجديد في الحكمة" لابن كمونة :120-125
[80] ينظر :"مجموع فتاوى ابن تيمية" : 13/239، و"الجواب الصحيح" : 6/24، و"النبوات"لابن تيمية : 2/837
[81] "إبليس في التحليل النفسي" لفرويد، ترجمة جورج طرابيش : 6
2.العقل الباطنUnconcious mind:
العقل الباطن هو فرضية حديثة تعتمد على فكرة اللاشعور Unconcious التي قال بها فرويد Freud [1856-1939م] وطوَّرها يونغ Jung [1875-1961م] وأضاف إليها مفهوم اللاشعور الجمعيّCollective Unconciou .
وقد كان اللاشعور يمثِّل عند فرويد مكمن الرغبات المكبوتة والخبرات الماضية فقط، ولكن يونغ جعله بالإضافة إلى ذلك منبع الحقائق العالية والعبقريَّة والنبوَّة[82]! ثم أوصـله مطوّرو الفـكرة من الثيوصوفيِّين[83] إلى معنى واسع وغامض ومختلط فكأنه (الروح) أو أعظم من ذلك و-بتعبيرهم -جـزء الله الذي حلّ في الإنسان[84]تعالى الله عما يصفون!
[82] ينظر : " المعجم الفلسفي" لجميل صليبا: 2/265 ، و -The skeptic's Dictionary.Robert Carroll :p.388 -"Encyclopaedia Britannica",2004 ,(unconscious)
[83] الثيوصوفية Theosophy مذهب إلحادي، وقد كانت كلمة sophyتطلق عند اليونان على مذهب يؤمن أتباعه بوحدة الوجود ويرونها الحقيقة المجردة، ينظر:"تحقيق ماللهند من مقولة" للبيروني : 24. وقد زاد الإقبال على دراسة الفكر الثيوصوفي منذ القرن التاسع عشر الميلادي وترجمته وتطبيقاته بعد تأسيس حركة (نيو-ثوث) New Thought التي دعت إلى تفكير جديد يعترف بالغيب، ولكن يتلقاه من الإنسان نفسه من خلال تجارب الارتقاء الروحي، ينظر : -"The skeptic's Dictionary".Robert Carroll :p.376
[84] ينظر:"خوارق اللاشعور" لعلي الوردي:142
فالعقل الباطن عند معتقديه يمثِّل قوَّة فوق نفسية مؤثِّرة في سائر قوى النفس الأخرى، ويشبه إلى حدٍّ كبير ما كان يعتقده الفلاسفة الإشراقيِّون والصوفيِّون في مصدر الإلهام والبصيرة على اختلاف تسمياتهم له، فكان ابن سينا يقول بـ(القوّة القدسيّة) التي يُنال بها العلم بلا تعلُّم، وتحصّل بها علوم أعلى مما يحصل بالنبوّة[85].
[85] ينظر : "النجاة" لابن سينا:166، و"مجموع فتاوى ابن تيمية":11/229
وقد أصبح مفهوم العقل الباطن يتطابق بشكل كبير مع عقيدة (العقل الكليّ) الفلسفيّة بعد فلسفة يونغ التي تفترض إمكان الاتصال بين اللاوعي الفرديّ واللاوعي الجمعيّ الذي فُسِّر بأنّه عقل عال، أو روح فوقيّة أو وحدة نفسيّة توجد على نحو مستقلّ عن عقول الأفراد[86].
[86] رفض أكثر علماء النفس نظرية يونغ وعدّوها خروجا عن المنهج العلمي؛ لتأثر يونغ بالفلسفات الشرقية والسحر والوثنية والتنجيم ينظر: "مدخل إلى نظريات الشخصية" لبابرا انجلز، ترجمة فهد دليم : 84، و"نظريات الشخصية" لجابر عبد الحميد جابر : 90
فالعقل الباطن في العصر الحديث من أقوى المؤثرات الخفية على الإنسان،يمكّن للناس من تحسين قواهم الكامنة المعرفية والتأثيرية جميعها، عن طريق دخولهم إلى عالمه في حالات الوعي المغيَّرة[87]التي تصلهم باطنًا بالعقل الكليّ منبع الإلهام ومقرّ المعلومات الماضية والمعلومات المستقبلية[88]!
[87] ينظر :"خارقية الإنسان"لصلاح الجابري : 212- 215 ،و"أسرار الآلهة والديانات"، ترجمة حسان إسحق:585، و: " The skeptic's Dictionary".Robert Carroll p.186 -
[88] يسمي بعض المتبنين لهذا الفكر مركز تجمع المعلومات في العالم نقطة الصفر Zero Point Field الأمر الذي يضفي على هذه الرجوم والظنيات طابعًا علميًّا فيزيائيًّا، وماهي في الحقيقة إلاَّ فلسفة يحاول أصحابها الوصول إلى الغيب بعقولهم.
فالعقل الباطن -عند معتقديه- قوة ميتافيزيقية روحية تمكن الأنسان من التحكُّم بقدره سعادة وشقاوة ونجاحاً وفشلاً ومرضاً وعافية وغير ذلك. وهو الذي يمكِّن الإنسان من الحصول على قوى خارقة توسّع نطاق إدراكه الحسيّ ليسمع غير المسموعات ويبصر أبعد من المبصرات ويتخطَّى حدود الزمان والمكان، بل إنّ قوّة العقل الباطن تمنح صاحبها قدرة التأثير في الأشياء بغير الحواسّ المعروفة كأن يحرّك ببصره الأشياء، ويثني بإصبعه الحديد وغير ذلك[89]!
[89] ينظر: "قوة عقلك الباطن" لجوزيف ميرفي :20 ، ويقول التكريتي : ((العقل الباطن هو الذي أسعفك باسم الشخص، أو البلد الذي نسيته، وهو الذي أيقظك من نومك على غير عادتك، وهو الذي وجد الحل لمشكلتك المستعصية بعد أن أعطيته المشكلة ونسيتها... ))"آفاق بلا حدود": 207. ويقول توفيق الواعي: ((أنا أستطيع عمل كل شيء من خلال قوة عقلي الباطن)) "الإيمان وإيقاظ القوى الخفية": 37
والخطير في الأمر إضفاء الطابع العلميّ والشرعيّ على هذا التخرُّص! حتى ظنّ كثير من المسلمين أنّ العقل الباطن هو كشف حديث لغيب نسبيّ، وآية من آيات الأنفس التي أشار إليها القرآن ودعا إلى النظر فيها! والحقّ أنّ مسألة أن يُوجد عقل ثانٍ أو جزء من العقل يسمّى العقل الباطن مسألة يجب أن تُبحث بشكل صحيح من حيث اللفظ والمضمون لتمييز ما ثبت بطريق علميّ عمّا هو فلسفة مستقاة من عقائد وثنيّة، أو مجرد ظنون وأوهام يطلقها من يجهل حقائق المخلوقات الغيبيّة المؤثِّرة على الإنسان قديمًا وحديثًا فـ ((لفظ العقل يختلف في لغة المسلمين عنه في لغة اليونان، فهو عند المسلمين: مصدر عَقَل يَعقِل عقْلاً، وقد يراد به الغريزة التي جعلها الله في الإنسان يعقِل بها، أمَّا أولئك فالعقل عندهم جوهر قائم بنفسه، وليس هذا مطابقًا للغة الرسول والقرآن)) ، وكذلك هو العقل الباطن في فكر الملحدين والماديِّين اليوم الذين لا يؤمنون بالملائكة والجنِّ والشياطين ومن ثم يجمعون كلّ مالا يعلمون مصدره في سبب واحد يسمّونه العقل الباطن يدورون حوله، ولا يعدلون عنه.
3. الجسم الأثيريّ :
والجسم الأثيريّ- عند معتقديه – هو أحد أجساد سبعة يتكون منها كلّ كائن حي، ويمثِّل أصل هذه الأجساد وأهمّها، وهو في الإنسان أساس حياته، وسر صحّته وروحانيته وسعادته.
ومن حيث الشكل فالجسم الأثيريّ –في فلسفتهم- توأم للجسم الترابيّ (البدن) لكلّ إنسان إلاّ أنّه مشعّ وامض غير مرئيّ؛ لذا يمكنه المرور عبر المواد الفيزيائيّة والاتصال بالعوالم الأخرى! وتقع على الجسم الأثيريّ مراكز تزيد قوّته وتؤثِّر في صاحبه تسمى (شاكرات)[90] Chakrasتمثّل نقاط استمداد وتلقٍّ لما يعتقدونه من الطاقة الروحية الكونية التي هي سرّ حياة الإنسان وأساس سعادته[91].
[90] مفردها (شاكرا) وهي كلمة سنسكريتية تعني الدولاب، و(الشاكرات) مراكز أعصاب روحانية غامضة، يدّعون أن الطاقة الحيوية الكونية المسماة الـ(تشي) أو(كي) أو غيرها تدخل فيها وتخرج منها بصورة لولبية تشبه حركة الدولاب، ينظر : -"The skeptic's Dictionary",Robert Carroll :p. 47.
[91] ينظر :"اعرف روحك" لعلي راضي: 53، و"ظواهر الخروج من الجسد" لرؤوف عبيد: 17، و"دراسات ثيوصوفية" لجهاد الشيخ، و: -"The skeptic's Dictionary",Robert Carroll:p.20,33.
والقول بالجسم الأثيريّ كالقول بالعقل الباطن وقوى النفس، إنما عدّه مؤثراً غيبياً ونسب إليه أنواع التأثيرات من غفل عن هدى الوحي ورام الوصول إلى حقائق الغيب من غير طريق الرسل، فأصل هذه المعتقدات مأخوذ من التراث المنقول في الديانات الوثنيّة الشرقيّة، والمعتقدات السرِّية الباطنيّة وكلّ تطبيقاتها الرياضيّة والعلاجيّة الحديثة تدعو إلى تطوير قوى هذا الجسد لتنمية الجنس البشريّ حيث يصبح بإمكان الإنسان في المستقبل فعل ماكان يُعدّ خارقة في العصور الماضية، كأن يصبح صاحب لمسة علاجيّة أو قدرة على التنبُّؤ ومعرفة المغيبات أو التأثير عن بعد في الأشياء المادية وغير ذلك، دون أن يسمى متنبِّئًا أو كاهنًا أو ساحراً! ودون أن توهب له هذه القدرات من مصدر خارجي عنه!.
وقد انتشرت فلسفة(الجسم الأثيري) في العصر الحديث بعد أن عُرض على أنه كشف علمي عبر التطبيقات التي تبناها معهد إيسالن Esalen [92]وتروجها حركة العصر الجديد New Age Movement [93]في دوراتها تدريبية أو تمارينها وبرامجها الاستشفائية والتشخيصية المفتوحة لعامة الناس بعد أن كان هذا المعتقد غامضًا محصورًا في حجر تحضير الأرواح عند خبراء حركة الروحية الحديثة[94].
[92] معهد إيسالن Esalen Institute of California بولاية كاليفورنيا في الولايات المتحدة الأمريكية أنشئ عام 1961م من وهو معهد للدراسات الباطنية يهدف إلى نشر الفكر الروحاني spirtituality ويجعله بديلاً عن الدين Religion، واستقطب كثيرًا من المتخصصين في مجالات متنوعة جمعهم الإيمان بإمكان ترقي الإنسان إلى مرحلة روحانية إلهية، ينظر : -"The Upstart Springs: Esalen and the Human Potential Movement", Walter T. Anderson,p.54.
[93] حركة العصر الجديد (نيو-إيج) هي إحدى الحركات الدينية التي خرجت من معهد (إيسالن) في السبعينات الميلادية ، وتبنت كثيرًا من التطبيقات العلاجية والتدريبية التي تزعم ضمانها استغناء الإنسان بذاته عن المصدر الخارجي (الله) وتطبيق أوامره العليا (الدين) ينظر : -"The New Age: The History of a Movement" Nevill Drury, Thames & Hudson,p.35 -"The Implications of New Age Thought for the Quest for Truth: A Historical Perspective", Horn,p.165.
[94] حركة الروحية الحديثة انطلقت بداياتها من (معهد الأبحاث الروحية) الذي أنشئ عام 1882م في انجلترا لإجراء البحوث الميتافيزيقية، ثم ما لبثت أن أصبحت غالب أبحاث هذه المراكز تعتمد على الدجل والسحر والاتصال بالجن والشياطين عبر ما يسمى (استحضار أرواح الموتى)! وانتشرت الجمعيات المتبنية لهذه الدعوة في مختلف بلدان العالم،ينظر:"الروحية الحديثة" لمحمد محمد حسين 20،و"عالم الجن والشياطين" للأشقر: 92ويرفض كثير من المتبنين لهذه الأبحاث كرؤوف عبيد، وعلي راضي مصطلح تحضير الأرواح أو استحضارها ويفضلون استخدام مصطلح (علم دراسة الجسد الأثيري) أو (علم دراسة العالم ماوراء المادي) ينظر: "مفصل الإنسان روح لا جسد" لرؤوف عبيد : 1/160، و"العالم غير المنظور" لعلي راضي : 11
وقد حاول أهل هذه الفلسفات التقريب بين معتقداتهم هذه والعلم، فزعموا أنّ الجسم الأثيريّ يمكن رؤيته على شكل هالة ضوئيّة تسمّى عند الهندوس أُورا Aura ، وزعموا أنه تم إثباتها علميًا وتصويرها بواسطة جهاز خاصّ اسمه (كيرليانKirlian ( [95]! بحيث توى ويتحدّد من خلال وميض الهالة وألوانها معلومات كثيرة عن صحّة صاحب الجسد البدنيّة والنفسيّة والروحانيّة.
[95] تُنسب إلى الروسي (كيرليان) kirlian صاحب الفكرة، والاسم العلمي لهذا الجهاز: (كاميرا تصوير التفريغ الكهربائي) وحقيقة ما تصوره هذه الكاميرا هو التفريغ الكهربائي والذي يتأثر لحظيًّا بالتغيرات الحيوية أو ما يسمى بـ (ميتابوليزم الجسم) فيظهر على شكل هالة محيطة بالجسم، ينظر:"الإنسان الحائر بين العلم والخرافة"لعبدالمحسن الصالح:111-133، ينظر: -"The skeptic's Dictionary",Robert Carroll:p.189
4. قوة النجوم الأفلاك:
تمثّل النجوم والأفلاك – عند البعيدين عن هدى الوحي- قوى عظمى مؤثرة في الكون والإنسان والحياة ، وقد كان المكذبون بالوحي والبعيدون عن نوره منذ القدم ينسبون إليها كلّ تأثير على الأنفس والأبدان، وكان منهم من يظنّ أنّ المؤثِّر الوحيد في هذا العالم هو حركات الفلك ودورانها وطلوعها وغروبها واقترانها، ومنهم من يعتقد النفع والضرّ في النجوم السبعة السيارة، ولهم معها تصرّفات خاصّة في ملبسهم وذبحهم ونحو ذلك[96]، واختلفوا في تأثيرها، فقال قوم: إنها تؤثِّر في الأبدان والأنفس جميعًا، وقال الباقون: بل في الأبدان دون الأنفس، وهو قول أكثر أوائل المنجمين. وقسموا البروج إلى مؤنَّثة ومذكّرة، قال ابن القيِّم: ومن هذيانهم في هذا الذي أضحكوا به عليهم العقلاء أنهم جعلوا البروج قسمين: حارّ المزاج وبارد المزاج، وجعلوا الحارّ منها ذكرًا، والبارد أنثى، فالشمس ذكر والقمر أنثى [97].
[96] ينظر :"الملل والنحل" للشهرستاني : 2/358
[97] "مفتاح دار السعادة" لابن القيم : 2/227 -231.
ومما ابتدعه فلاسفة اليونان أنهم جعلوا للأفلاك عقولاً ونفوسًا تسيِّرها وتحكمها ثم ابتدع متأخروهم نظرية الفيض والصدور التي ذكروا فيها العقول العشرة التي تصرِّف الكون[98]، وفسّر تلامذتهم المنتسبون إلى الإسلام كابن سينا، اللوح المحفوظ بالقوّة الفلكيّة التي عدّها مصدر العلم بالغيب[99]،والذين يؤمنون بالكواكب يدّعون تنـزُّل أشخاص عليهم، ويسمون ذلك روحانية الكواكب! وما هي إلاّ شيطان نزل عليهم لما أشركوا ليغويهم[100]، وليزيّن لهم نسبة الأثر إلى مالا يؤثِّر نوعًا ولا وصفًا [101].
[98] ينظر : "موقف شيخ الإسلام ابن تيمية من آراء الفلاسفة" لصالح الغامدي : 369
[99] ينظر : "النبوات" لابن تيمية: 2/702
[100] ينظر:"الرسالة الصفدية"لابن تيمية : 1058، و"الرد على المنطقيين": 286، و"الفرقان بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان": 222
[101] ينظر :" اقتضاء الصراط المستقيم" لابن تيمية : 234
وفي العصر الحاضر لا يزال التنجيم موجودًا كما هو عليه في السابق، وإن اختلفت طرائقه وأسماؤه، غير أنّه لا يزال على أسسه القديمة نفسها[102]، ومن أبرز أسمائه الحديثة الطاقة الكونية[103] وقد اتخذ مروِّجوه بين المسلمين اليوم طريقة الأوائل من الرافضة وإخوان الصفا وغيرهم الموهمة بأنّ التنجيم علم صحيح يتوافق مع ثوابت العقل أوالنقل! فنشر على أنه برامج تدريبية أوعلاجية وتشخيصية واستشفائية[104] تمكن الإنسان من التعامل مع القوى الروحانية المؤثرة في الكون فيستمد الطاقة الكونية فيكتسب قوى خارقة توصله إلى الصحّة والروحانيّة والسعادة!
[102] "مكانة الفلك والتنجيم في تراثنا العلمي"لعبد الأمير المؤمن: 342.
[103] لفظة (الطاقة) مألوفة لدى الناس في مجال العلوم التجريبية، وتدل على الطاقة الفيزيائية بتحولاتها المختلفة فمنها وقد تستخدم للدلالة على الطاقة الروحية التي يُقصد بها النشاط للعبادة والهمة، لكن (الطاقة) المقصودة هنا هي قوة غيبية يسمونها (قوة الحياة) أو(القوة الحيوية)، وهي (التشي) في عقائد الصين وتطبيقاتها التدريبية و(الكي) في عقائد اليابان وتطبيقاتها العلاجية و(البرانا) عند الهندوس وممارسي التنفس العميق، وهي المسماة (الكا) عند الفراعنة، و(إلكترا) في وثنية روما القديمة، ويفسّرها بعض من يتبناها من المسلمين بـ (البركة) التي تمنح القوة وتسيّر الأمور بسلاسة! ينظر:"تشي ،الطاقة، قوة الحياة" لناصر العبيد: 12، و"علم الطاقات"التسع لمتشو كوشي، إعداد يوسف البدر :12، و"التنفس أسلوب لحياة جديدة" لجوديت كرافيير، ترجمة نورة الشهيل : 76، ورسالة فن صناعة الحياة الطيبة لصلاح الراشد: 5-63، مطبوعة ملحقة بمجلة فواصل عدد: 104: بتاريخ 1/9/2003م
[104] كـ(الريكي) و(التاي شي) و(الشي كونغ) و(التنفس التحولي) و(التأمل التجاوزي) و(اليوجا) وغيرها، وهي أنواع رياضات علاجية استشفائية، أساسها الاعتقاد بالطاقة الكونية ينظر: "الوجوه الأربعة للطاقة"لرفاه وجمان السيد : 15 -59، و"التنفس أسلوب لحياة جديدة" لجوديت كرافيتز، ترجمة نورة الشهيل: 13-89.
وحقيقة الأمر أنَّه قد تلمس تأثيرات متفاوتة يظنها معتنقي هذه الفلسفات الباطلة أو ممارسي تطبيقاتها تأكيدا لاعتقاداتهم وتصوراتهم الباطلة عن حقيقة المؤثرات الخفية على الإنسان ، ولهذا يجب التأكيد على أن مجرَّد اقتران الشيء بالشيء بعض الأوقات مع انتقاضه، ليس دليلاً على الغلبة باتفاق العقلاء، والعلم بأنّ أمرًا ما هو السبب أو بعض السبب أو شرط السبب، في الأمور الحادثة قد يُعلم كثيرًا، وقد يُظنّ كثيرًا، وقد يُتوهم كثيرًا، وهمًا ليس له مستند صحيح، إلاّ ضعف العقل[105] ثم إنّ كلّ ما يظنّ له تأثير نافع للناس علمًا وعملاً، أو صحّة وسعدًا مما تخرّص به أهل المعتقدات الباطلة فإنّ فيما شرع الله وأباح للناس من الأسباب ما يغني عما يظنّ فيه من نفع، قال ابن تيميّة: ((جميع الأمور التي يظنّ أنّ لها تأثيرًا في العالم وهي محرّمة في الشرع كالتمريجات الفلكيّة، والتوجُّهات النفسانيّة، كالعين، والدعاء المحرَّم، والرقى المحرَّمة، أو التمريجات الطبيعيّة ونحو ذلك، فإن مضرّتها أكثر من منفعتها حتى في نفس ذلك المطلوب... والمخفق من أهل هذه الأسباب أضعاف أضعاف المنجح، ثم إنّ فيها من النكد والضرر ما الله به عليم فهي في نفسها مضرّة، ولايكاد يحصل الغرض بها إلا نادرًا، وإذا حصل فضرره أكثر من نفعه... والأسباب المباحة أو المستحبّة سواء كانت طبيعيّة كالتجارة والحراثة أو كانت دينيَّة كالتوكُّل على الله والثقة به وكدعاء الله سبحانه على الوجه المشروع في الأمكنة والأزمنة التي فضّلها الله ورسوله، بالكلمات المأثورة عن إمام المتقين -صلى الله عليه وسلم- ، وكالصدقة، وفعل المعروف يحصل بها الخير المحض، أو الغالب. وما يحصل من ضرر بفعل مشروع، أو ترك غير مشروع مما نهي عنه فإن ذلك الضرر مكثور في جانب ما يحصل من المنفعة)) [106].
[105] ينظر:"اقتضاء الصراط المستقيم" لابن تيمية: 2/234.
[106] "اقتضاء الصراط المستقيم" لابن تيمية : 2/211
ولو كان النظر في أحكام النجوم واعتقاد طاقتها وقوتها الروحانية يفيد علمًا صحيحًا ويدعو إلى عمل نافع لم يجز لنا استخدامه لنهي الشريعة فكيف وهو لا يفيد؟ وكلّ ما يعتقد في النجوم من أنها فاعلة مدبِّرة، وأنها تسعد وتنحس، وأنَّ مايحدث في العالم فهو بحركاتها، كلّ ذلك ضلال باطل ولا يُقال في النجوم إلا أنها يُهتدى بها في ظلمات البرِّ والبحر، ويُعرف بالشمس والقمر عدد السنين والحساب، وإنّ فيها دلالة على قدرة الله وحكمته[107].
[107] ينظر :"القول في علم النجوم" للبغدادي : 179
والناظر في هذه القوى الفلسفية المدّعاة، ومالها من الإمكانات، وما ينسب لها من أفعال وتأثير في واقع أصحابها -حقيقة أو ادّعاء– يجدها مجرد تفسيرات فلسفية في محاولات العقل لفهم ما يحدث في الكون والإنسان والحياة هي عند من عرف حقيقة المؤثرات الغيبية من الوحي ترهات وظنون لا تغني من الحق شيئاً .
فما عرّف به الوحي من تأثير قدرة الله سبحانه ومن تأثير عالمي الملائكة والجنّ على بني آدم بإذنه عزوجل يغنيه ويكفيه ، وإن كان الصحيح عدم استبعاد وجود عوالم أخرى أو قوى لا نراها، فإنّ عدم العلم بالشيء لا ينفي وجوده، ولكن إحالة التأثير إلى ما عَرّف به الله تعالى من الأسباب الغيبيّة أولى من إحالته إلى مالم يثبت وجوده أو كونه سببًا.
الخـــــــــــــــــــــــــــــــــــــاتمة
في نهاية هذه الدراسة التتبعية الوصفية لموضوع المؤثرات الغيبية على الإنسان أختم بتلخيص أهم النتائج التي جلّتها الدراسة، وهي:
1. أنّ معرفة حقيقة الإنسان وما يؤثر فيه موجودة في خبر الوحي الذي عُني بتعريف الإنسان بأهم الحقائق الكونية حوله .
2. أن أي تفسير يتعلق بالإنسان وإن كان فيما يتعلق بجانب الأمور الظاهرة المشاهدة لابد أن يراعي الجانب الغيبي من الإنسان ويتلقاها من الوحي للوصول إلى الحقيقة في هذا الباب.
3. أن وراء التصورات والفرضيات الفلسفية عن الإنسان والكون والحياة جهل مطبق بخبر الوحي وهداياته فكثير من الظواهر والأمور الخفية المتعلقة بالإنسان التي جهل العلماء التجريبون من غير المسلمين أسبابها شكلت عندهم ألغازًا تعبوا في محاولة كشفها، فلم يصلوا إلا إلى حدود افتراض وجود شيء ما أو عدة أشياء في تركيب الإنسان هي سبب هذه الأمور، ومنها ما أسموه (العقل الباطن) و(الجسم الأثيري).
4. أن أعظم المؤثرات الغيبية على الإنسان هي :قدرة الله المطلقة ، وتأثير عالمي الملائكة والجن بإذن الله ، وأنه يمكن أن تكون هذه المؤثرات عقلا وشرعا تفسيراً لكل ما يحدث للإنسان .
5. تخبّط كلّ من انحرف عن الإيمان بالغيب كما جاءت به النبي -صلى الله عليه وسلم- في أنواع من الاعتقاد الباطل، ووقوعهم في ضروب من الخرافات أو البدع أوالشرك. فما ينشر اليوم ويروج له من مؤثرات غيبية على النفس الإنسانية كالعقل الباطن والجسم الأثيري وتأثير طالع نجم الميلاد ونحوه إنما هي في الحقيقة أنواع من الكفر بالغيب الحق إما جهلا به أو تكذيبا له وأنواع من الشرك به سبحانه .
6. أن أهل الإيمان بالغيب الحق وحدهم عرفوا من حقائق عالم الغيب ما ينير لهم طريقهم في الدنيا، فعلموا أنّه لا إله إلاّ الله وحده لا شريك له خلق هذا الكون بقدرته وإرادته وحكمته، وهو وحده القادر على إفنائه وإزالته متى شاء، وعلموا بأنَّ الشمس والقمر والنجوم والأفلاك ماهي إلاَّ مخلوقات مربوبة مقهورة معبَّدة لخالقها -عز وجل- : (وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ) [الأعراف:54]، فلم يولوا اقتران مواقع النجوم وحركاتها ببعض ما يعيشون من أحداث اهتمامهم لأنّ نبيّهم -صلى الله عليه وسلم- حذّرهم وقال: "أخاف على أمّتي بعدي تكذيبًا بالقدر، وتصديقًا بالنجوم"، فصانوا قلوبهم عن التوجُّه لغير الله وأسلموا وجوههم إليه، وأخلصوا في طلبهم له، واستغنوا بما أعطاهم، فأغناهم وهداهم إلى خير الدنيا والآخرة.
وتوصي الباحثة في ختام هذه الدراسة بـ:
- العمل على إنشاء عمل مؤسسي تتظافر فيه جهود متخصصين في أنواع العلوم المختلفة لمتابعة مايدعى من تفسير للجوانب الغيبية في الكون والحياة والإنسان، يكون منطلقهم ثوابت النقل الصريح والتجريب الصحيح لتمييز ماهو ثابت صحيح من الإدعاءات والخرافات والضلالات الفلسفية .
- العمل على نشر وإبراز معارف الوحي الحق وحقائقه للناس لاسيما في أوعية النشر الحديثة المتخصص منها والعام لدلالة الناس على ما تطمئن نفوسهم وتصح به عبوديتهم لله عزوجل،فإن الجهل بهذه المعارف وحقائقها يننشر الخرافات والدجل ويقود إلى أنواع من الشرك والبدع ولهذا كانت الكهانة فاشية في العرب قديما لانقطاع النبوة فيهم .
- العمل على تتبع وفضح الفكر الباطني (الأيزوتيرك) الذي تزيا بزي الكشوف والنظريات العلمية وسرب للناس كثير من عقائد الشرك والكهانة والتنجيم تحت شعارات التنمية والتطوير والابتكار ؛ لحماية الناس من مخاطره الدينية والدنيوية وتوجيههم للتطبيقات العلمية والتدريبية النافعة والصحيحة من أجل تطوير أنفسهم وتحقيق التنمية المستدامة.
والله أسأل أن يوفق الجميع إلى ما يحب ويرضى ويتقبل هذا العمل سهماً في خدمة دينه ودعوة الناس إليه ، إنه سميع مجيب.
Related books
All books
Islaam woni diine nelaaɓe ALLA.85 languagesIslaam woni diine nelaaɓe ALLA.
Islaam ko jebbilanaade ALLA taguɗo kaa ngonka ( aduna) pewjoowoka. E ɗowtanaademo ngam yidde e mawni'nde mo. Nuyle lislaam yo gooŋɗin'de ALLA no kam woni tagoowo. Ko wanaamo fuh yo tagoore ko kanko tan haandi e dewe, o alaa fuh kawto. inɗe moƴƴe e sifaaji towɗi kanko woodani e kiɓɓal timmungal , nga feeti ɓuytal . O jibinay o jibinaaka, O alaa ko nanndi, maa yeru, o jillataa e ɓanndu ndiga e tagoore makko. Lislaam woni diine ALLAH O jaɓanta hay go'oto diine si wona lislaam, diine annabaaɓe be kisal woni e mu'en. Hina e leyliiji (Asluuji) lislaam gonɗinde nelaaɓe fof won'de alla nuliɓe ngam…
الإسلام دين رب العالمين
Jubbande seeɗa ko o fa'ati e Islaam,hono no dur ardi e ALQuraana e Sunna Annabiyanke.71 languagesJubbande seeɗa ko o fa'ati e Islaam,hono no dur ardi e ALQuraana e Sunna Annabiyanke.
Islaam. Deftere hummunde soomnde anndingol jumangol ko faati e Islaam, honde feññina ko ɓuri himmude e asli hembo e tinndinooje e njoon ndam hembo,tawa ko e tuuknaade e Alquraana e sunna annabiyanke,nde huccinaa ko e denndaangal hellifaaɓe juulɓe e ɓe ngonaa juulɓe tawa ko ɗemɗe mum en,e kala yonto e nokku, won'dude e seertude ngonkaaji e alhaaluuji. Ko nde deftere soomnde dallillaaji ummoraade e Alquraana e sunna Annabiyaŋke o. Islaam ko bataake Alla fa'ade e denndaanga yimbe e jinneeji fof,ko kammba woni nelal Aliiyaŋkeewal genawal,timminngal nele Alliyaŋkooje. Islaam ko nelal Alla fa'ade e…
Raɓɓinaande e sifa umra e ñaawoje mun59 languagesRaɓɓinaande e sifa umra e ñaawoje mun
Jetooje ngoodani Alla joom binnde juulde e kisal woni e Annabiijo men Mohammed e koreeji mum e denndeengal sahabaa ɓe Makko. caggal ɗuum: ɗum ko ɓataake e sifa umra e tonngude ñaawooje"kiiteeji" mum, e neediiji mun, men njootii ɓanginde ley hen ko jaalii e ko waɗoowo umra haajaa. Allah tan toroto'ɗen yo wa ɗɗum ko laaɓi e yeeso mum ɗum nafa juulɓe.