معنى الإسلام
مقدمة الخطبة الأولى
إن الحمد لله نحمده، ونستعينه، ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن مـحمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا.
نص الخطبة الأولى
أما بعد:
فيا إخوة الإيمان، الإسلام دين الله الذي شرعه لعباده ورضيه لهم، يقول سبحانه ﴿...ٱلۡيَوۡمَ أَكۡمَلۡتُ لَكُمۡ دِينَكُمۡ وَأَتۡمَمۡتُ عَلَيۡكُمۡ نِعۡمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ ٱلۡإِسۡلَٰمَ دِينٗا...﴾ [المائدة: 3]، والإسلام منهج وصّى به الأنبياء عشيرتهم وأقوامهم ﴿وَوَصَّىٰ بِهَآ إِبۡرَٰهِـۧمُ بَنِيهِ وَيَعۡقُوبُ يَٰبَنِيَّ إِنَّ ٱللَّهَ ٱصۡطَفَىٰ لَكُمُ ٱلدِّينَ فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسۡلِمُونَ132﴾ [البقرة: 132]، الإسلام بعقيدته وشريعته مفهوم شامل وواسع لا يُحصر في لفظٍ نقوله، أو شعيرةٍ مُعيَّنةٍ نمارسها.
الإسلام -أيها المسلمون- مأخوذ من الاستسلام فنسلم أنفسنا لله، ونجعل له وحده سبحانه حق التصرف فيها وتوجيهها حيث أراد سبحانه، يقول ربنا تعالى: ﴿أَفَغَيۡرَ دِينِ ٱللَّهِ يَبۡغُونَ وَلَهُۥٓ أَسۡلَمَ مَن فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ طَوۡعٗا وَكَرۡهٗا وَإِلَيۡهِ يُرۡجَعُونَ83﴾ [آل عمران: 83].
فإذا كان الكون أسلم لله طوعًا وكرهًا، فكيف لا يسلم له الإنسان الذي عرف قدر الخالق وعظمته، ورأى آثار صنعه وإبداعه في هذا الكون المترامي؟ فالاستسلام لله والانقياد له من أهم معاني الإسلام التي يجب أن نحققها، يقول تعالى ﴿...فَإِلَٰهُكُمۡ إِلَٰهٞ وَٰحِدٞ فَلَهُۥٓ أَسۡلِمُواْۗ وَبَشِّرِ ٱلۡمُخۡبِتِينَ﴾ [الحج: 34].
الإسلام -أيها المسلمون- أن نتوجه إلى الله سبحانه بعقيدة صافية خالية من كل شائبة شرك أو خرافة، وأن نوحده سبحانه حق توحيده، وأن نخلص له العمل والعبادة وحده دون سواه.
الإسلام -أيها المسلمون- أن لا نفتخر بنسب غير نسب الإسلام ولا نباهي بأي انتماء وتوجه غيره؛ لأنه الرابطة الحقة التي تربط كل مسلم بأخيه مهما بعدت بينهم المسافات وفرقت بينهم المساحات، فالناس سواسية عند الله في الدنيا، وأما في الأخرى فالتفاوت بالتقوى والعمل الصالح ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِنَّا خَلَقۡنَٰكُم مِّن ذَكَرٖ وَأُنثَىٰ وَجَعَلۡنَٰكُمۡ شُعُوبٗا وَقَبَآئِلَ لِتَعَارَفُوٓاْۚ إِنَّ أَكۡرَمَكُمۡ عِندَ ٱللَّهِ أَتۡقَىٰكُمۡۚ إِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٞ13﴾ [الحجرات: 13].
الإسلام -أيها الأخوة- أن نرضى بحكم الله ورسوله في كل معاملاتنا وأقضيتنا ونزاعاتنا وخلافاتنا وعلاقاتنا، وأن يكون كل قانون أو نظام متفقًا مع شرع الله وإلا كان الظلم والفسق والكفر، وأن يكون ذلك أحب إلينا وأقرب إلى نفوسنا ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤۡمِنُونَ حَتَّىٰ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيۡنَهُمۡ ثُمَّ لَا يَجِدُواْ فِيٓ أَنفُسِهِمۡ حَرَجٗا مِّمَّا قَضَيۡتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسۡلِيمٗا65﴾ [النساء: 65].
الإسلام -يا أمة الإسلام- أن يكون رسول الله ﷺ هو القدوة والأسوة لنا: ﴿قَدۡ كَانَ لَكُمۡ فِي رَسُولِ ٱللَّهِ أُسۡوَةٌ حَسَنَةٞ لِّمَن كَانَ يَرۡجُواْ ٱللَّهَ وَٱلۡيَوۡمَ ٱلۡأٓخِرَ وَذَكَرَ ٱللَّهَ كَثِيرٗا21﴾ [الأحزاب: 21]، هذه الأسوة توجب علينا طاعته واتباعه حتى ننال رضاه، يقول سبحانه: ﴿قُلۡ إِن كُنتُمۡ تُحِبُّونَ ٱللَّهَ فَٱتَّبِعُونِي يُحۡبِبۡكُمُ ٱللَّهُ وَيَغۡفِرۡ لَكُمۡ ذُنُوبَكُمۡۚ وَٱللَّهُ غَفُورٞ رَّحِيمٞ31﴾ [آل عمران: 31]، فاتباع هذا النبي واجب على كل مسلم، بل إن الأنبياء لو أدركوا رسول الله ﷺ ما وسعهم إلا أن يتبعوه، يقول عليه السلام: «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَوْ أَنَّ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ كَانَ حَيًّا مَا وَسِعَهُ إِلَّا أَنْ يَتْبَعَنِي» [رواه أحمد: 15156، وأبو يعلى: 2135، وحسنه الألباني]، ويقول الإمام مالك إمام دار الهجرة رحم الله أباه: "ما مِنَّا إلَّا رَدَّ ورُدَّ عليهِ إلَّا صاحبَ هذا القَبر" وأشار إلى قبره عليه السلام.
الإسلام -أيها المؤمنون- أن نهتم بأمر المسلمين في كل مكان، وأن نفرح لفرحهم ونحزن لحزنهم، وأن لا يكون هَم كل واحد منا ما يخصه وحده، بل لا بد أن يضيف المسلم إلى اهتماماته اهتمامه بأمته وبإخوانه المسلمين في كل مكان، وأن يحس بمعاناتهم وكأنها تصيبه هو عنهم، يقول نبينا ﷺ: «مَثَلُ الْمُؤْمِنِينَ فِي تَوَادِّهِمْ وَتَرَاحُمِهِمْ وَتَعَاطُفِهِمْ مَثَلُ الْجَسَدِ، إِذَا اشْتَكَىٰ مِنْهُ عُضْوٌ تَدَاعَىٰ لَهُ سَائِرُ الْجَسَدِ بِالسَّهَرِ وَالْحُمَّى» [متفق عليه من حديث النعمان بن بشير رضي الله عنه].
الإسلام - أيها المسلمون - أن يَسْلَمَ المسلمون منَّا ومن أذانا، وأن لا نكون أشداء على المسلمين رحماء على غيرهم، وأن نقبل عذر إخواننا، وأن نكون هينين لينين رفيقين مع إخواننا في العقيدة والدين، لا نؤذيهم بألسنتنا ولا بأيدينا، ولا نتعدى على أموالهم أو أعراضهم، هكذا نكون حقًّا مسلمين، وهكذا عرَّف رسول الله ﷺ المسلم بقوله: «المُسْلِمُ مَنْ سَلِمَ المُسْلِمُونَ مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ، وَالمُؤْمِنُ مَنْ أَمِنَهُ النَّاسُ عَلَى دِمَائِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ» [أخرجه الترمذي (2627)، والنسائي (4995)، وأحمد (8918) وصححه الألباني].
الإسلام -أيها المسلمون -أن نعرف لأهل الفضل فضلهم فنشكرهم ونحسن إليهم، وأن نعرف لأهل العلم مكانتهم فنجلهم ونحترمهم، ففي الحديث: «لَيْسَ مِنْ أُمَّتِي مَنْ لَمْ يُجِلَّ كَبِيرَنَا، وَيَرْحَمْ صَغِيرَنَا، وَيَعْرِفْ لِعَالِمِنَا» [رواه أحمد (22755) وحسنه الألباني].
ومما جاء به الإسلام بل جاءت به كل الشرائع السعي للإصلاح في كل مناحي الحياة، يقول الله تعالى عن نبيه شعيب عليه السلام، وهي بيان لكل وظائف الرسل الكرام عليهم السلام ﴿...إِنۡ أُرِيدُ إِلَّا ٱلۡإِصۡلَٰحَ مَا ٱسۡتَطَعۡتُۚ وَمَا تَوۡفِيقِيٓ إِلَّا بِٱللَّهِۚ عَلَيۡهِ تَوَكَّلۡتُ وَإِلَيۡهِ أُنِيبُ﴾ [هود: 88].
الإسلام -أيها المسلمون -أن نستعد لمغادرة هذه الدار إلى دار القرار بزاد من العمل الصالح، فلا ينبغي أن نتشبث بدار نحن مفارقوها، فقد فارقها من هو أحب إلى الله منا، بل هو أحب خلق الله إلى الله؛ رسوله وخليله محمد ﷺ.
ومن واجب المسلم الدعوة إلى الله تعالى، كما قال سبحانه ﴿قُلۡ هَٰذِهِۦ سَبِيلِيٓ أَدۡعُوٓاْ إِلَى ٱللَّهِۚ عَلَىٰ بَصِيرَةٍ أَنَا۠ وَمَنِ ٱتَّبَعَنِيۖ وَسُبۡحَٰنَ ٱللَّهِ وَمَآ أَنَا۠ مِنَ ٱلۡمُشۡرِكِينَ108﴾ [يوسف: 108]، فكل مسلم مأمور بالدعوة إلى الله تعالى؛ لأنه من أتباع النبي الخاتم، وخليفةً له في هذا الواجب، والدعوة إلى الله هي التي تنقل الأمة إلى الخيرية ﴿كُنتُمۡ خَيۡرَ أُمَّةٍ أُخۡرِجَتۡ لِلنَّاسِ تَأۡمُرُونَ بِٱلۡمَعۡرُوفِ وَتَنۡهَوۡنَ عَنِ ٱلۡمُنكَرِ وَتُؤۡمِنُونَ بِٱللَّهِ...﴾ [آل عمران: 110]، بالدعوة إلى الله يكثر الخير ويقل الشر، ويدفع الله عن الأمة كل سوء، ويستجيب الدعاء ويعم الخير والنماء؛ بل يتحول العدو إلى داعية ومجاهد كما حصل للمغول الذين اجتاحوا ديار الإسلام في آخر الدولة العباسية، وفعلوا ما فعلوا، ثم أسلم منهم الكثير فكانوا قادة ومجاهدين، والدعوة إلى الله غيرت البعض من حياة الضلال والجهل إلى حياة النور، ومن داعية إلى الانحراف والفجور إلى داعية إلى الخير والفضيلة.
هذا يا معاشر المسلمين حديث عن معنى الإسلام وبعض شرائعه وأحكامه التي شرعها الإسلام لأهله
﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱرۡكَعُواْ وَٱسۡجُدُواْۤ وَٱعۡبُدُواْ رَبَّكُمۡ وَٱفۡعَلُواْ ٱلۡخَيۡرَ لَعَلَّكُمۡ تُفۡلِحُونَ 77 وَجَٰهِدُواْ فِي ٱللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِۦۚ هُوَ ٱجۡتَبَىٰكُمۡ وَمَا جَعَلَ عَلَيۡكُمۡ فِي ٱلدِّينِ مِنۡ حَرَجٖۚ مِّلَّةَ أَبِيكُمۡ إِبۡرَٰهِيمَۚ هُوَ سَمَّىٰكُمُ ٱلۡمُسۡلِمِينَ مِن قَبۡلُ وَفِي هَٰذَا لِيَكُونَ ٱلرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيۡكُمۡ وَتَكُونُواْ شُهَدَآءَ عَلَى ٱلنَّاسِۚ فَأَقِيمُواْ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتُواْ ٱلزَّكَوٰةَ وَٱعۡتَصِمُواْ بِٱللَّهِ هُوَ مَوۡلَىٰكُمۡۖ فَنِعۡمَ ٱلۡمَوۡلَىٰ وَنِعۡمَ ٱلنَّصِيرُ78﴾ [الحج: 77ـ78].
بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعنا بما فيه من الآيات والذكر الحكيم، أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم إنه هو الغفور الرحيم.
مقدمة الخطبة الثانية
الحمد للـه حمدًا طَيِّبًا كثِيرًا مباركًا فيه كما يحب ربنا ويرضى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وأصحابه، ومن اهتدى بهداهم إلى يوم الدين.
نص الخطبة الثانية
لقد تكفل الله لمن يأخذ بالإسلام قولًا وعملًا وفي مناحي الحياة كافة بالعز والتمكين، يقول سبحانه: ﴿وَعَدَ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ مِنكُمۡ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ لَيَسۡتَخۡلِفَنَّهُمۡ فِي ٱلۡأَرۡضِ كَمَا ٱسۡتَخۡلَفَ ٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِهِمۡ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمۡ دِينَهُمُ ٱلَّذِي ٱرۡتَضَىٰ لَهُمۡ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّنۢ بَعۡدِ خَوۡفِهِمۡ أَمۡنٗاۚ يَعۡبُدُونَنِي لَا يُشۡرِكُونَ بِي شَيۡـٔٗاۚ وَمَن كَفَرَ بَعۡدَ ذَٰلِكَ فَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡفَٰسِقُونَ55﴾ [النور: 55]، وعد بالنصر على كل عدو ومتربص وطامع، يقول سبحانه: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ إِن تَنصُرُواْ ٱللَّهَ يَنصُرۡكُمۡ وَيُثَبِّتۡ أَقۡدَامَكُمۡ7﴾ [محمد: 7]، وعد الله لمن يحقق الإيمان والتقوى بخيرات الأرض والسماء ﴿وَلَوۡ أَنَّ أَهۡلَ ٱلۡقُرَىٰٓ ءَامَنُواْ وَٱتَّقَوۡاْ لَفَتَحۡنَا عَلَيۡهِم بَرَكَٰتٖ مِّنَ ٱلسَّمَآءِ وَٱلۡأَرۡضِ...﴾ [الأعراف: 96]، وآيات وأحاديث كثيرة تبشر وتَعِدُ بالنصر والخير للأمة إذا هي اعتصمت بحبل الله وتحاكمت إليه في كل أمر، فواجب على الأمة أن تأخذ الكتاب بقوة وأن تحتكم إليه في كل شؤونها، وواجب على كل مسلم أن يعتز بهذا الدين، وأن يحل الحلال ويحرم الحرام، ويقول بما أوجبه الله عليه، وأن يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، ويدعو إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة فوَعْدُ الله قائم وهو لا يخلف الميعاد سبحانه، هذا وصلوا وسلموا على نبيكم.
***