هذا ربي
هذا ربي
هذا ربي
إعداد
خالد الخليـــــوي
الطبعة الأولى
1440هـ - 2019م
دار الحضارة للنشر والتوزيع
مقدمة
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين أما بعد:
فإن من أجل العلوم ... بل أجلّها على الإطلاق هو العلم بالله تعالى وأسمائه وصفاته والقاعدة الأصولية تقول: (إن شرف العلم بشرف المعلوم)، ولاشك إن أشرف معلوم هو الله عز وجل.. والتقصير في هذا الباب واضح وكثير مع أنه أوسع أبواب التعبد لله جل ثنائه وتقدست أسمائه، فدراسة أسمائه وتعلم معانيها هو أنفع ما أعتنى به المرء من أجل تطهير قلبه، وسلامة عمله، وزيادة إيمانه وتعظيمه ومحبته لربه تبارك وتعالى.
ويروي لنا البخاري ومسلم أن النبي – صلى الله عليه وسلم- : «إن لله تسعة وتسعين اسماً مئة إلا واحداً من أحصاها دخل الجنة، وإن الله وترٌ يحب الوتر» ألا فلنعطي هذا العلم حقه، ولنكثر من تدارسه، ولتذاكر فيه، إبتغاء لرضى الله وطلباً لثوابه وبعداً عن عقابه.
وإن كان من تذكير ببعض الكتب النافعة في هذا الباب، فإني أوصي بكتابين إثنين.. أولهما: كتاب النهج الأسمى في شرح أسماء الله الحسنى.. لفضيلة الشيخ محمد الحمود النجدي وثانيهما: كتاب «ولله الأسماء الحسنى» لفضيلة الشيخ عبد العزيز بن ناصر الجليل -أسعدهما الله-.
وهاهو ذا كتابٌ أعددته في بيان معاني كثيرٍ من أسماء ربنا سبحانه وتعالى وبياني بعض الثمرات التي نجنيها عند دراسة هذه الأسماء الحسنى راجياً ربي أن يبارك فيه.
وفق الله الجميع لما يحبه ويرضاه ورزقنا السعادة في الدارين.
أخوكم
خالد بن عبد الله الخليوي
هذا ربي
إن أعظم مهمة للأنبياء – عليهم السلام – هو تعريف الخلق بالخالق سبحانه، ثم تعريفهم بالطريق الموصل إليه وإلى رضوانه، ثم تعريفهم بالنهاية التي سيصلون إليها إن هم صاروا على هذا الطريق وسبقوا عليه.
وهي ما وعدهم الله من إحلال رضوانه عليهم وإدخالهم جنات النعيم.
***
أُمنيات .. عسى الله أن يحققها ويبارك فيها.
أن يُقَرّر تدريس معاني أسماء الله تعالى في الجامعات والمدارس، عرفاناً بحقّ الله تعالى علينا وطلباً لتأثير هذا العلم على القلوب والسلوك، فهو علم يحتاجه الجميع بلا استثناء.
أن يُقَرّر كتابي هذا (وهو جهد المقلّ) في مدارس تحفيظ القرآن، والمدارس الأهلية.
تنبيه: ستجد في هذا الكتاب (كما في غيره) أسماء لله تعالى قد إختلف أهل العلم في إثباتها، فلا يشغلنك كثيراً هذا الخلاف، عما في هذه الآيات والأحاديث من الأخبار عن ربنا سبحانه وتعالى ما تضمنه هذه الأخبار من معانٍ عظيمة وفوائد جميلة تنير لك الطريق في عبادتك لله عز وجل.
***
توكلت على الله واستعنت به.
الله
هو الاسم الذي يتضمن جميع معاني الأسماء والصفات وترجع إليه في الإسناد، ولا يستحق العبادة أحد سواه.
وقد ذُكر اسم الله في القرآن (2724) مرّة، منها قوله تعالى في سورة الفاتحة: (الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ) وقوله تعالى في آية الكرسي: (الله لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ)، وقوله في سورة الإخلاص: (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ).
وقد قال بعض العلماء إنه اسم الله الأعظم.
وأمام هذا الاسم العظيم أقول:
اعلم أنه لا سعادة لك إلا بالإيمان بالله والسير على هداه.. وكثرة ذكره وشكره وحسن عبادته.
2- تذكر أن الله تعالى هو أعظم محبوب على الإطلاق، وذلك لكماله وجماله، وعظيم إحسانه على خلقه والقلوب لاتسكن إلاّ بذكره والنفوس لاتفرح إلاّ بمعرفته وقد قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: «ثلاثٌ من كنّ فيه وجدَ حلاوة الإيمان: أن يكون الله ورسوله أحبّ إليه مما سواهما،... »([2]). () رواه البخاري.
3- من عرف الله تعالى.. رُزق من العزّة والطمأنينة ما يجعله لا يخشى إلا هو، ولايستغيث إلاّ به.
4- أعظمُ ما إرتكبهُ الإنسانُ من الظلم هو أن يعلم أنَ الله خالقُه ومع ذلك يعبدُ غيرَه وأنّ الله هو المنعمُ عليه ومع ذلكَ يَشكرُ سواه وقد سأل النبي -صلى الله عليه وسلم-: «أيّ الذنب أعظم فقال أن تجعل لله ندّاً وهو خلقك... » ([3]). () رواه البخاري ومسلم.
***
الرحمن .. الرحيم
الرحمن: اسم دال على سعة رحمته وشمولها لجميع المخلوقات، وهو اسم يختص بالله تعالى، ولا يجوز إطلاقه على غيره، جاء ذكر اسم (الرحمن) في 57 موضعاً من القرآن.
منها: (الرَّحْمَٰنُ (1) عَلَّمَ الْقُرْآنَ).
ومنها: (الرَّحْمَٰنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَىٰ) (طه، الآية: 5).
والرحيم: هو الذي له الرحمة الواسعة بعباده. والمؤمنون والمحسنون والرحماء هم الأسعد بها، جاء ذكر اسم (الرحيم) في 123 موضعاً، منها: ( وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا) (الأحزاب، الآية: 43). وقوله: ( سَلَامٌ قَوْلًا مِّن رَّبٍّ رَّحِيمٍ) (يس، الآية: 58).
وأمام هذين الاسمين العظيمين أقول:
1- اعلم أن تذكّرك لعظيم رحمة الله تعالى يجعلك تزداد محبةً له وطمعاً في فضله.
2- لا تنس قول النبي : «ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء...». فهو من أوسع الأبواب لنيل رحمة الله سبحانه.
3- كن من المحسنين حتى تفوز بوعدِ الله تبارك وتعالى في سورة الأعراف: 56: ( إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِّنَ الْمُحْسِنِينَ).
4- كن حاذقاً... وتتبع في كتاب الله تعالى وفي سنة نبيه -صلى الله عليه وسلم- الأسباب التي تجلب لك رحمة الله الخاصة بالمؤمنين.
***
الرؤوف
هو كامل الرأفة، والرأفة هي أبلغ الرحمة. ومن رأف بعباد الله رأف الله به.
ورد هذا الاسم العظيم في كتاب الله 10 مرات، منها قوله تعالى في سورة الحديد: ( وَإِنَّ اللَّهَ بِكُمْ لَرَءُوفٌ رَّحِيمٌ) . (الحديد، الآية: 9)، وقوله تعالى في سورة آل عمران: ( وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ) (آل عمران:30).
وفي ثمان آيات جاء اسم الله الرؤوف مقترناً باسمه الرحيم.
وأمام هذا الاسم الكريم أقول:
1- كم يبعث هذا الاسم في القلب من محبة الله تعالى والرجاء فيما عنده، فلا أرأف منه ولا أرحم.
2- الرأفة منه سبحانه تأتي ابتداءً، فهو الرؤوف بخلقه، أنزل لهم الكتب وأرسل لهم الرسل، ويسر لهم العبادة، وقَبِل منهم التوبة، وتأتي بالطلب، فهو المجيب لعبده إن دعاه بصدق واضطرار (وَالَّذِينَ جَاءُوا مِن بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِّلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ) (الحشر، الآية: 10).
3- قيل في الفرق بين الرأفأة والرحمة كما ذكر ذلك القرطبي رحمه الله:
إن الرأفة نعمة مُلذّةٌ من جميع الوجوه والرحمة قد تكون مؤلمة في الحال ويكون عقباها لذّة في المآل لذلك قال سبحانه في سورة النور في عقاب الزناة: (ولاتأخذْكم بهما رأفةٌ في دين الله) ولم يقل رحمة، لأن ضرب العصاة على عصيانهم رحمةٌ لهم لارأفة، فإن صفة الرأفة إذا انسدلت على مخلوق لم يلحقه مكروه.
***
الغني
هو الذي لا يحتاج إلى أحد من خلقه، وذلك لكمال صفاته، والخلق كلّهم فقراء إليه.
ورد هذا الاسم العظيم في القرآن 18 مرة منها، قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ ۖ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ) (فاطر، الآية: 15) وقوله تعالى: ( وَمَن يَتَوَلَّ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ) (الحديد: الآية: 24)، وقوله تعالى: ( وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ) (النمل، الآية:40) وأمام هذا الاسم العظيم أقول:
1- اعلم أنه يمكنك الاستغناء عن كل أحد إلا هو سبحانه وتعالى، فلا يمكن لأحد من المخلوقات أن يستغني عن ربه عز وجل طرفة عين ولا أقل من ذلك.
2- تذكر أنه مهما بَلَغْتَ من القوة والجاه والسلطان فستبقى مفتقراً إليه وإلى رحمته وإعانته وعطائه، كما قال تعالى: (يُرِيدُ اللَّهُ أَن يُخَفِّفَ عَنكُمْ ۚ وَخُلِقَ الْإِنسَانُ ضَعِيفًا ).. (النساء، الآية: 28).
3- أيقن بأنه بقدر افتقارك إلى الله تعالى يكون غناك.
4- ميزان الغِنى عند الغني سبحانه هو غِنى النفس، ففي الحديث الصحيح قال : «ليس الغنى عن كثرة العَرَض، ولكن الغنى غنى النفس» ([4]). () متفق عليه.
وإن أعظم ما يُغني قلبك هو معرفة الله تعالى ومحبته والإيمان به.
***
الكريم والأكرم
الكريم: اسم دال على كثرة خيره وعظيم نفعه وعطائه، وهو كريم يحب الكرم.
والأكرم: هو الأفضل في الكرم من كل كريم، ولا مثيل له في ذلك أبداً، فإن الخير كلَّه بيديه، والخير كلُّه منه سبحانه وتعالى.
ورد اسم الله (الكريم) في القرآن 3 مرات منها قوله تعالى: (وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ) (النمل، الآية: 40)، وقوله في سورة الانفطار: ( يَا أَيُّهَا الْإِنسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ) (الانفطار، الآية: 6).
وأما اسمه تعالى (الأكرم) فلم يرد في القرآن إلا مرة واحدة في قوله تعالى: ( اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ) (العلق، الآية: 3).
وأمام هذين الاسمين العظيمين أقول:
1- لنُكثِر من الثّناء على ربّنا الكريم سبحانه فإنه ليس أحدٌ أحبَّ إليه المدحُ من الله تعالى، فلذلك مدح نفسه.
2- ردد معي وقل:
سبحان الكريم الذي نِعمتُه لا تُحصى.. مع كثرة ما يُعصى.
3- اعلم أن الكريم سبحانه يحب الكرماء الأسخياء.
فأكرِم.. تُكرَم.. وأنفق.. يُنفِقِ الله عليك،وقد قال النبي : «إن ربكم تبارك وتعالى حيّي كريم، يستحيي من عبده إذا رفع يديه إليه أن يردها صفراً» ([5]). () رواه أحمد والترمذي.
وصدق القائل:
أروني بخيلاً طال عمراً ببخله
وهاتوا كريماً مات من كثرة البذل
4- إياك أن تحصر مجالات الكرم في المال والطعام فحسب.. فهنَاك آفاقٌ أسمى وأغلى وأعلى في ميادين الكرم... فكريمٌ بجاهه، وكريمٌ بعلمه، وكريمٌ بوقته، وكريم بنفسه... والجود بالنفس أعلى غاية الجود.
***
الوهاب
هو كثيرُ المواهب لخلقه فضلاً منه وإحساناً.
ورد هذا الاسم العظيم في القرآن 3 مرات منها قوله تعالى في: (رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِن لَّدُنكَ رَحْمَةً ۚ إِنَّكَ أَنتَ الْوَهَّابُ) (آل عمران، الآية: 8).
وقوله تعالى على لسان سليمان عليه السلام: (قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لَّا يَنبَغِي لِأَحَدٍ مِّن بَعْدِي ۖ إِنَّكَ أَنتَ الْوَهَّابُ) (سورة ص، الآية: 25).
وأمام هذا الاسم الكريم أقول:
الإيمانُ بالله والعملُ الصالح يستجلبان مواهبَ الله للعبد.والشّكرُ للواهب يستجلب بقاء الهبة، والبركة فيها والزيادة منها.
ما حسد أحدٌ أحداً إلا وقد جَهِل هذا الاسم العظيم ولم يستحضر كثرة هبة الله تعالى لعباده. وإلا فالذي وَهَبَ غيرَك يَهَبكُ إن دعوته وصدقت معه.
لا تظلم هذا الاسم حقَّه، بتصوّرِ مواهب الله تعالى مجرّد عطاء حسّي فقط، بل هو عطاء شامل وواسع للأمور الحسية والمعنوية فالولد من هبات الله تعالى وهدايته للحق والثبات عليه من أعظم الهبات.
والعلم من هبات اللَّه تعالى وانشراح الصدر له وبذله للنّاس من أجل الهبات والمال من هبات الله تعالى والسيطرة عليه باليد، وعدم دخوله للقلب والعبث به وزيادة السعادة بالإنفاق منه في مجالات الخير من ألطف الهبات.
***
الجواد
هو كثير العطايا والتفضل على خلقه.
وهذا الاسم العظيم لم يرد في كتاب الله تعالى وإنما جاء في حديث ابن عباس – رضي الله عنهما – قال: قال رسول الله : «إن الله تعالى جوادٌ يحِبُ الجود، وُيحِبُ معاليَ الأخلاق ويكره سَفَاسِفَها»([6]). () رواه البيهقي.
وأمام هذا الاسم الكريم أقول:
إن معرفة معنى الجواد، واستحضار دلائل جوده سبحانه تزيد في محبة العبد لربه تعالى.
ولأن الله جواد كريم، فينبغي للعبد أن يكثر من سؤاله سبحانه، والرجاء فيما عنده وكثرة الأمل في رحمته.
مما يتضمنّه جودُ الله تعالى:
أن يكون العفوُ أحبَ إليه من الانتقام.. والرحمةُ أحبَّ إليه من العقوبة..
والفضلُ أحبَّ إليه من العدل..
والعطاءُ أحبَّ إليه من المنع..
كُن جواداً.. تنلْ محبّة الجواد وَجُودَه.
***
الواسع
اسم دال على سعة عظمته وعلمه ورحمته وسائر صفات كماله.
وقد ورد هذا الاسم الكريم في القرآن 9 مرات، منها قوله تعالى: ( فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ وَاسِعٌ عَلِيمٌ) (البقرة، الآية: 115) وكذلك قوله تعالى: ( وَإِن يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِّن سَعَتِهِ ۚ وَكَانَ اللَّهُ وَاسِعًا حَكِيمًا) (النساء، الآية: 130).
وأمام هذا الاسم العظيم أقول:
معرفتك بسعة عظمة الله ورحمته وسلطانه، وعلمه، وفضله وعطائه يصنع في قلبك توقيراً له سبحانه، وخشيةً منه، ومحبةً له، وقِفْ عند قوله تعالى: ( رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَّحْمَةً وَعِلْمًا) (غافر، الآية: 7).
لك أن تستصحب اسمَ الله الواسع، مع كل أسمائه سبحانه فالله لا يخفى عليه شيء من خلقه، لأنه واسعٌ في علمه ولا يعجزه شيء في ملكوته لأنه واسعٌ في قدرته ولا يؤوده حفظ السموات والأرض، لأنه واسعٌ في قوّته ولا تضيق عليه معصية العاصين، لأنه واسعٌ في رحمته وعفوه ولا حدّ لعطائه وثوابه، لأنه واسعٌ في كرمه ( مَّثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنبُلَةٍ مِّائَةُ حَبَّةٍ ۗ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَن يَشَاءُ ۗ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ) (البقرة، الآية: 261).
***
الملك المليك
فالملك: هوالذي له ملك السموات والأرض ومن فيهن وهو المدبِّرُ لأمر العالم كله بمشيئته وحكمته.
ورد اسم الله الملك في القرآن الكريم 5 مرات، منها قوله تعالى: ( فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ) (طه، الآية: 114) وقوله تعالى: ( هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ) (الحشر، الآية: 23).
والمليك هو: اسم دال على عظيم ملك الله تعالى، وهو أبلغ من الملك.
واسمه المليك لم يرد إلا في آية واحدة في سورة القمر وهي قوله تعالى: ( إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ (54) فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِندَ مَلِيكٍ مُّقْتَدِرٍ) (القمر: الآيتان: 54، 55).
وأمام هذين الإسمين العظيمين لربنا سبحانه أقول:
كم سيورث في قلبك من الهيبة والخشية والتوقير حينما تتذكر عظيمَ ملك الله تعالى وقدرته سبحانه على التصرّفِ المطلق في كل ملكه .. وكلُّ مافي الوجود فهو مالكه.
تقتضي معرفة هذه الأسماء الحسنى عبادةَ اللهِ وحده لا شريك له، فهو المستحق وحده للعبادة وأما ماسواه من المعبودات فهي كما قال تعالى: ( وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِن قِطْمِيرٍ ) (فاطر، الآية: 13).
لا تطلب الرزق إلا من مالكه سبحانه: (وَلِلَّهِ خَزَائِنُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَٰكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَفْقَهُونَ) (المنافقون، الآية: 7). وقوله تعالى: ( وَمَا مِن دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا) (هود، الآية: 6).
الله سبحانه وتعالى مالكُ الدنيا والآخرة، ومع ذلك جاءت الآية في سورة الفاتحة مقتصرة على الآخرة ( مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ) واللفتة في هذا، أن في الدنيا من يدّعي الملك والأمر والنهي، والتدبير من دون الله تعالى حتى يصل الى الربوبية كما قال فرعون: ( أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَىٰ) وقال: (أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَٰذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِن تَحْتِي) وأما في الآخرة، فيخنس الجميع ويصمتون، كما قال النبي -صلى الله عليه وسلم- : «يطوي الله عزوجل السموات يوم القيامة ثم يأخذهنّ بيده اليمنى ثم يقول: أنا الملك .. أين الجبّارون ؟ أين المتكبّرون؟ ثم يطوي الأرضين بشماله ثم يقول: أنا الملك..أين الجبّارون؟ أين المتكبّرون»؟([7]) وذلك كما في قوله تعالى في سورة غافر حينما ينادي الرب سبحانه: ( لِّمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ) فلا يجيبه أحد، فيجيب نفسه بنفسه سبحانه ( لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ) (غافر، الآية: 16). () رواه مسلم.
***
القدّوس
هو المُنَزَّهُ عن كلّ نقص وعيب بأي وجه من الوجوه، وذلك لأنه المنفرد بأوصاف الكمال المطلق.
ورد ذكر هذا الاسم العظيم مرتين في القرآن الكريم، الأولى في قوله تعالى: (هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ) (الحشر، الآية: 23) والثانية قوله تعالى: ( يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ الْمَلِكِ الْقُدُّوسِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ) (الجمعة، الآية: 1).
وأمام هذا الاسم العظيم أقول:
من أعظم ما يزيد في محبة العبد لربّه سبحانه عِلمُه بكمال الله من كل وجه، فلا نقص في ذاته ولا في أفعاله.
من تقديس الله تعالى أن تُقَدِّسَ شرعَه وتُنَزِّهه من كلّ نقص. وهذا يقتضي أن لا تُحَكِّمَ إلا شَرعَه وأن لا تسير إلا على نهجه، فهو الكفيل بأمانك في الدنيا والآخرة.
يستحب للمسلم إذا انتهى من صلاة الوتر أن يقول ثلاث مرات «سبحان الملك القدوس» يرفع صوته بالثالثة ([8]). () رواه أبو داود.
من جميل ماقيل في اقتران اسم الله الملك بالقدّوس: أن الله سبحانه وتعالى ليس كملوك الأرض يظلمون أو يخطئون أو يعبثون، أو تصيبهم الغفلة أو النسيان، بل هو سبحانه ملك قدّوس منزّه عن كل النقائص، وذلك لكماله من كل وجه.
***
السلام
هو السالم من كل عيب ونقص، في ذاته، وفي صفاته وفي أسمائه وأفعاله.
وكلّ سلام في الدنيا والآخرة فهو منه سبحانه وتعالى.
ورد هذا الاسم الكريم في آية واحدة في القرآن، وهي قوله تعالى: ( هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ) (الحشر، الآية: 23).
وفي السنة ورد في الدعاء المأثور بعد الصلوات الخمس المفروضة: «اللهم أنت السلام ومنك السلام تباركت يا ذا الجلال والإكرام» ([9]). () رواه مسلم.
وأمام هذا الاسم العظيم أقول:
1- على المسلم أن يعتقد بأن الله تعالى سالم من كل نقص وعيب في ذاته، وأسمائه، وصفاته، وأفعاله، فحياته سلامٌ من الموت، والنوم، وكلماتهُ سلام من الكذب، ووعده سلام من الخُلف، ووعيده سلام من الظلم.
2- حتى تنال السلام والأمن منه سبحانه وتعالى: عليك بتطبيق وصية النبي : «أفشُوا السلام بينكم»([10]) - فانشر السّلامَ بين الأنام.. بأقوالك وأفعالك. () رواه مسلم.
3- الجنة هي دار السلام كما قال تعالى: (لَهُمْ دَارُ السَّلَامِ عِندَ رَبِّهِمْ) (الأنعام، الآية: 127).
فهي دار السعادة الخالصة، لا كدر فيها ولا تعاسة، وأهلها سالمون من كل آفة كانت تكدّر عيشهم في الدّنيا.. وتحيّتهم فيها سلام... فاعبدِ الله السّلام.. تنَل دار السّلام.
***
المؤمن
هو المصدِّق للرسل وأتباعهم بشهادته لهم بالصدق، بما يقيمه من البراهين على صدقهم، وكل أمن في الدنيا والآخرة فهو واهبه، وهو المُؤمِّن للمؤمنين به من أن يظلمهم أو يعذِّبهم أو يصيبهم بفزع يوم القيامة.
وقد ورد هذا الاسم العظيم مرة واحدة في كتاب الله تعالى في قوله تعالى: ( هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ) (الحشر، الآية: 23).
وأمام هذا الاسم الكريم أقول:
1- كم يزيد التأمّلُ في معاني هذا الاسم العظيم من الطمأنينة في قلب المؤمن.. فأكرمُ من وعد بالخير وأصدقُ من وفّى، وسيوفِّي به، هو الله تعالى المؤمن.
2- لن ينال المؤمنُ الأمنَ في الدنيا والآخرة إلا بالإيمان بالمؤمن سبحانه، والسير على شرعه، واتباع نبيه .
( الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُم بِظُلْمٍ أُولَٰئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُم مُّهْتَدُونَ) .
3- حتى يُحَقِّقَ اللهُ المؤمنُ لك وعدَه في الدنيا والآخرة، كُن مؤمناً حقاً، وتذكر قوله : «والمؤمنُ من أمِنَهُ الناسُ على دمائهم وأموالهم» ([11]). () رواه الترمذي.
***
المهيمن
هو القائم على الشيء والحافظ له والشاهد عليه والمحيط به.
وهو من أسماء الله تعالى التي لم ترد في القرآن إلا مرة واحدة. وذلك قوله تعالى: ( هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ) (الحشر، الآية: 23).
وأمام هذا الاسم العظيم أقول:
تذكر دائماً مراقبة الله لك..، فإن كنت أمام عمل صالح فأتقن وأقدم. وإن كنت أمام عمل سيء فابتعد وأحجم، وإن ضعفت نفسك فاستغفر واندم.
2- تورث معرفةُ معنى اسم الله المهيمن تعظيمَه تعالى، فهو الشاهد على خلقه بأعمالهم وهوالقائم على كلّ نفس في هذا الوجود.
3- ورد وصف القرآن بالمهيمن، في قوله تعالى في سورة المائدة: (وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ).
فالقرآن حاكم على كلّ الكتب السابقة وهو أفضل الكتب التي أنزلها الله تعالى، وهذا يزيد من محبتنا لهذا الكتاب وفرحنا به والعمل بمقتضاه بكل يقين واطمئنان.
***
العزيز
هو القوي الغالب الذي لا يُهزم، وهو الجليل الرفيع الشأن السالم من الذُّل، وللعبد من العزّة والرفعة بقدر طاعته للعزيز سبحانه وتعالى.
ورد هذا الاسم العظيم في كتاب الله تعالى 92 مرة، منها قوله تعالى: ( وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلَّا أَن يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ) (البروج، الآية: 8) وكذلك قوله تعالى: ( فَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ مُخْلِفَ وَعْدِهِ رُسُلَهُ ۗ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ ذُو انتِقَامٍ) (إبراهيم، الآية: 47).
وأمام هذا الاسم العظيم أقول:
1- من أعظم أسباب طمأنينة القلب، أن تستحضر أن الله الذي تعبده له العزّة الكاملة، فهو القوي الغالب لكل شيء، بل كل شيء تحت قهره وتصرفه.
2- تنال يا أيها العبد من العزة والرفعة بقدر إيمانك بالعزيز سبحانه، والسير على هديه. ( وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَٰكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَعْلَمُونَ).
3- مسكينٌ من يطلب العزةَ والمنعةَ من غير الله تعالى القائل: (الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِن دُونِ الْمُؤْمِنِينَ ۚ أَيَبْتَغُونَ عِندَهُمُ الْعِزَّةَ فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا) (النساء، الآية: 139).
***
الجبار
هو العظيم الذي يُنفذ مشيئته على سبيل الإجبار والقهر في كل أحد، وهو الذي يَجْبُرُ الفقيرَ بالغنى، والمريضَ بالصّحة، والمحتاجَ بالعطاء، والمضطرَّ بالفرج.
وهو من أسماء الله تعالى التي لم تذكر في القرآن إلا مرة واحدة، وذلك في قوله تعالى: ( هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ) (الحشر، الآية: 23).
وأمام هذا الاسم العظيم أقول:
1- يجب تعظيمُ الله تعالى ومدحُه والثناءُ عليه بما له من صفات العلو والقهر والرحمة.
2- التأمل في معاني هذا الاسم العظيم يُثمر تواضعاً في القلب وانكساراً بين يديه سبحانه وتعالى.. وطمعاً في فضله.
3-ورد في الحديث الصحيح عند أحمد وأبي داود أن النبي كان يقول في ركوعه وسجوده: «سبحان ذي الجبروت والملكوت والكبرياء والعظمة».
4-ابتعد عن المتجبّرين وعن صفاتهم، لا يصيبك مثلُ ماأصاب المتجبّرين من قبل.
ومن صفاتهم الطغيان، والاستكبار، والغرور،ولكنّ حكم الله يلاحقهم أينما كانوا (وَاسْتَفْتَحُوا وَخَابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ) (إبراهيم، الآية: 15).
وفي الحديث الصحيح قال -صلى الله عليه وسلم- : «تحاجّت الجنّة والنّار، فقالت النّار أوثرت بالمتكبرين والمتجبّرين .. »([12]). () رواه البخاري ومسلم.
***
المتكبِّر
هو العظيم المتعاظم عن كل سوء ونقص، والمتعالي عن ظلم عباده. القاهر لعتاة خلقه، وهوالمتصف بالكبرياء، ومن نازعه في ذلك قصمه وعذّبه.
وقد ورد هذا الاسم العظيم في القرآن مرةً واحدة، وذلك في قوله تعالى: ( هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ) (الحشر، الآية: 23).
وأمام هذا الاسم العظيم أقول:
1- إن التأمل في عظمة الله تعالى ثم في ضعف خلقه يُورث القلبَ إجلالاً له سبحانه، وتواضعاً أمام شرعه وخلقه.
2- الله تعالى يستحق هذا الاسم، فهو القادر على كل شيء، والمطلع عليه، ولا يملك أحدٌ في الوجود الخروجَ عن سلطانه.
3- لا يوصف أحد بـ«المتكبر» على وجه المدح إلا الله تعالى.
وأما المخلوق فلا يناسبه إلا التواضع، فإن تكبر بردّ الحق، وغمط الناس عرّض نفسه للوعيد الشديد في قوله تعالى في الحديث القدسي: «العزّ إزاري والكبرياء ردائي، فمن نازعني عذبته» ([13]). () رواه مسلم.
***
الكبير
هو العظيم في ذاته وأوصافه وأفعاله، وليس شيء أعظم منه، بل كلّ ما سواه صغير في جنب جلاله عز وجل، وقد ورد هذا الاسم العظيم في القرآن في ستة مواضع، منها ما ورد في قوله تعالى: (عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْكَبِيرُ الْمُتَعَالِ) (الرعد، الآية: 9) وكذلك قوله تعالى: ( فَالْحُكْمُ لِلَّهِ الْعَلِيِّ الْكَبِيرِ) ، (غافر، الآية: 12) وأمام هذا الاسم الجليل أقول:
1- ليكن تعظيمك لله تعالى أكبَر وأجلَّ من تعظيم أي مُعَظَّم من البشر، فهو سبحانه أكبر من كل شيء في ذاته وصفاته وأفعاله وقَدْرِه وعِزّتِه وجلالِه، وقد أمرنا الله تعالى بتعظيمه فقال: ( وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُن لَّهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَلَمْ يَكُن لَّهُ وَلِيٌّ مِّنَ الذُّلِّ ۖ وَكَبِّرْهُ تَكْبِيرًا) (الإسراء، الآية: 111).
2- ولهذا الاسم العظيم والوصف الجليل لربّنا تعالى، شُرِع لنا التكبير في مواضع كثيرة من العبادة، منها: التكبير عند افتتاح الصلاة، وفي الانتقال فيها من ركنٍ إلى ركن، والتكبيرات في الأذان، وكذلك في الطواف والسّعي، وعند رمي الجمرات، وبعد الصلوات.
3-تذكّر وأنت تقول الله أكبر:
أن الله أكبر بذاته من كل ذات.
وبعافيته من كل بلاء.
وبمغفرته من كل ذنب.
وبشفائه من كل مرض.
وبقدرته من كل عدو.
فالله أكبر كبيراً ، والحمد لله كثيراً.
***
الربّ
هو الذي يربّي خلقه بنعمه وينشئهم شيئاً فشيئاً، وهو الذي يربّي أولياءه بما يُصْلِحُ قلوبَهم، وهو الخالق المالك السيّد.
ذُكر هذا الإسم العظيم في القرآن أكثر من 900 مرة منها قوله تعالى: (سَلَامٌ قَوْلًا مِّن رَّبٍّ رَّحِيمٍ) (يس، الآية: 58)، وقوله: (كُلُوا مِن رِّزْقِ رَبِّكُمْ وَاشْكُرُوا لَهُ ۚ بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ) (سبأ، الآية: 15).
وفي الحديث قال النبي : «السّواك مَطهَرةٌ للفمّ، ومرضاةٌ للربّ»([14]). () رواه البخاري معلقاً ورواه أحمد والنسائي موصولاً.
وروى مسلم كذلك عن ابن عباس – رضي الله عنهما – أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «ألا وإني نُهيت أن أقرأ القرآن راكعاً أو ساجداً فأما الركوع فعظّموا فيه الربّ».
وأمام هذا الاسم العظيم أقول:
اعلم أن أنبياء الله ورسله كان أكثرُ توسلهم لله باسمه «الرب» وقد كان أكثر دعاء النبي : «ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقِنَا عذاب النّار»([15]). () رواه البخاري من حديث أنس.
من عرف أن الله ربُّه.. فإنه لا يجوز له أن يعبد غيره، أو أن يسأل سواه.. فليس أحدٌ ألبتّة أرحمَ بالعبد من ربّه الذي خلقه. وليس أحدٌ ألبتّة يستحق العبادة سواه.
من آمن بالله ربّاً خالقاً رازقاً وجب عليه أن يؤمن بالله آمراً وناهياً ومشرّعاً ( أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ) (الأعراف، الآية: 45)، فتوحيد الربوبية يستلزم توحيد العبادة. (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ) (البقرة، الآية: 21).
يَقسِمُ بعض أهل العلم الربوبية ثلاثة أنواع:
ربوبية عامة للخلق أجمع فهو سبحانه الذي خلقهم وهداهم ورزقهم
ربوبية خاصة للمؤمنين، بتربية أجسادهم بالحلال وتربية قلوبهم بالإيمان.
ربوبية أخصّ للأنبياء والمرسلين بالوحي الذي ينزله الله إليهم والاصطناع الذي منّ الله به عليهم.
***
العظيم
هو الذي له العظمة المطلقة في ذاته وأسمائه وصفاته، ولذلك وجب على الخلق أن يعظموه ويجلّوه، وأن يعظموا أمره ونهيه.
وقد ورد هذا الاسم العظيم في كتاب الله 9 مرات، منها قوله تعالى في آية الكرسي: ( وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا ۚ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ) (البقرة، الآية: 255).
وقوله تعالى: ( فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ) الواقعة: 96.
وثبت عن النبي في دعاء الكرب قوله: «لا إله إلا الله العظيم الحليم، لا إله إلا الله ربُّ العرش العظيم، لا إله إلا الله ربُّ السموات وربُّ الأرض وربُّ العرش الكريم» ([16]). () رواه البخاري ومسلم.
وأمام هذا الاسم العظيم أقول:
1- إن أعظم ما يَصنعُ التعظيمَ لله في القلب هو النظر في أسمائه وصفاته سبحانه وتعالى. وكذلك التأمل في عظيم خلقه ومخلوقاته.
2- اعلم أن من أعظم الدلائل على تعظيم العبد لله تعالى هو تعظيم شَرعِه،وقد قال سبحانه: ( ذَٰلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوبِ) (الحج، الآية: 32) وقال: ( ذَٰلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَّهُ عِندَ رَبِّهِ) (الحج، الآية: 30).
3- معرفة العبد لعظمة الله تعالى يصنع في قلبه ثمرتين عظيمتين:
1- الخضوع لله والتواضع أمام خلقه.
2- عدم الخوف من المخلوق لأنّه ضعيف، ومهما بلغت عظمته فليست بشيء أمام عظمة الله تعالى: ( وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ) (الزمر، الآية: 67).
فكن من المتقين والمحسنين حتى يكون العظيم معك ( إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوا وَّالَّذِينَ هُم مُّحْسِنُونَ) (النحل، الآية: 128).
3-اهدأ في صلاتك، واطمئن في ركوعك وليكن لك نصيبٌ من تعظيم ربّك...
وقد قال -صلى الله عليه وسلم- : «فأما الركوع فعظّموا فيه الربّ... » ([17]). () رواه مسلم.
***
القادر .. القدير .. المقتدر
القادر: هو القادر على كل شيء، فلا يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء، ولا يفوته مطلوب، وهو المقدِّرُ لكلّ شيء.
وقد ورد اسم الله القادر في القرآن 12 مرة. بعضها بصيغة المفرد كقوله تعالى: ( قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَىٰ أَن يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِّن فَوْقِكُمْ) (الأنعام، الآية: 65) وبعضها بصيغة الجمع كقوله تعالى: ( وَإِنَّا عَلَىٰ أَن نُّرِيَكَ مَا نَعِدُهُمْ لَقَادِرُونَ). (المؤمنون، الآية: 95).
وأما القدير فهو بمعنى القادر إلا أنه أبلغ من المدح لله تعالى.
وقد جاء في القرآن 45 مرة، منه قوله تعالى: (وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا ۖ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ ۚ أَيْنَ مَا تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللَّهُ جَمِيعًا ۚ إِنَّ اللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) (البقرة، الآية: 148).
وأما المقتدر : اسم يدل على المبالغة في عظيم قدرة الله تعالى.
وقد ورد في القرآن 4 مرات، واحدة منها بصيغة الجمع وهي في قوله تعالى: ( أَوْ نُرِيَنَّكَ الَّذِي وَعَدْنَاهُمْ فَإِنَّا عَلَيْهِم مُّقْتَدِرُونَ) (الزخرف، الآية: 42) وثلاث بصيغة المفرد كما في قوله تعالى: ( إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ (54) فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِندَ مَلِيكٍ مُّقْتَدِرٍ) . (القمر، الآيتان: 54، 55).
وأمام هذه الأسماء الجليلة لربنا سبحانه وتعالى أقول:
1- ينبغي للعبد أن يكثر من مدح الله تعالى والثناء عليه وكثرة حمده.. بما له من القدرة المطلقة فلا يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء.
2- كم سيثمر علمك بقدرة الله تعالى من محبةٍ له وثقةٍ بوعده، وطمعٍ في إعانته.. وخاصةً فيما يعجز الخلق عنه.
3- تخيل نفسَك أبا مسعود البدري – رضي الله عنه – وقد قال له النبي بعد ما رآه يضرب غلاماً له: اعلم أبا مسعود أن الله أقدرُ عليك منك على هذا الغلام. رواه مسلم.
وهذا العلم يمنع العاقلَ من ظلم أيّ أحد مهما بلغت قدرة الظالم، وضعف المظلوم.
***
الخالق .. الخلاّق
أما الخالق هو المبدع لجميع الخلق على غير مثال سابق.
وقد ورد اسم الله الخالق في كتابه 8 مرات.
بعضها بصيغة الجمع كقوله تعالى: ( أَأَنتُمْ تَخْلُقُونَهُ أَمْ نَحْنُ الْخَالِقُونَ) (الواقعة، الآية: 59).
وبعضها بصيغة المفرد كقوله تعالى: ( هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ ۖ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَىٰ) (الحشر، الآية: 24). وقوله تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ ۚ هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُم مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ ۚ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ ۖ فَأَنَّىٰ تُؤْفَكُونَ) (سورة فاطر، الآية: 3).
وأما الخلَّاق: اسم يدل على كثرة ما يخلق الله تعالى، فهو سبحانه لم يزل يخلق ولا يزال على هذا الوصف العظيم.
وقد ورد في القرآن مرتين أولاهما في قوله تعالى: ( إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ) (الحجر، الآية: 86).
وثانيهما في قوله تعالى: ( أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَىٰ أَن يَخْلُقَ مِثْلَهُم ۚ بَلَىٰ وَهُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ) (يس، الآية: 81).
وأمام هذين الاسمين العظيمين أقول:
1- تذكر أنه لا يُحصِي خلقَ الله تعالى إلّا هو سبحانه، وهذا يورث في قلبك تعظيماً وإجلالاً لربك الخلّاق.
2- هنا نتذكر قول النبي لجويرية – رضي الله عنها: «لقد قلت بعدك 4 كلمات ثلاث مرات لو وُزِنَت بما قلتِ منذ اليوم لوزنتهنّ: سبحان الله وبحمده عدد خلقه ورِضى نفسه وزِنَةَ عرشه ومِداد كلماته»([18]). فالزمه ذكراً... وتأمّله فِكراً . () رواه مسلم.
3- الإيمان بأن الله هو الخالق يستلزم الإيمان بأن الله تعالى هو المستحق وحده للعبادة وأنه لا شرعَ إلا شرعُه وقد قال تعالى : (أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ ۗ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ) (الأعراف، الآية: 54). أما الملاحدة التائهون فيقولون: ليس له الخلق ولا الأمر لأنهم لا يؤمنون بوجود الله.
وأما المشركون المتناقضون فيقولون: له الخلق وليس له الأمر.
وأما المؤمنون المهديّون فيقولون كما قال ربهم: ( أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ).
البارئ
هو الذي أوجد ما قدّره من المخلوقات وأخرجها إلى الوجود.
وقد ورد هذا الاسم العظيم في كتاب الله تعالى 3 مرات.. معرّفاً مرةً في قوله تعالى: ( هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ) (الحشر، الآية: 24). ومضافاً مرتين: ( قَالَ مُوسَىٰ لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنفُسَكُم بِاتِّخَاذِكُمُ الْعِجْلَ فَتُوبُوا إِلَىٰ بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ ذَٰلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ عِندَ بَارِئِكُمْ) (البقرة، الآية: 54).
وأمام هذا الاسم العظيم أقول:
كم يزيد التأمل فيما خلقه الله وبرأه مما لا يحصيه إلا هو سبحانه، من تعظيم الله وتسبيحه والثناء عليه.
***
المصوّر
هو الذي جعل خلقه على الصور التي شاءها لهم بمقتضى حكمته وعلمه ورحمته.
ورد هذا الاسم العظيم مرة واحدة في كتاب ربنا عز وجل وذلك في سورة الحشر: ( هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ) (الحشر، الآية: 24).
وأمام هذا الاسم العظيم أقول:
1- علينا حقٌّ عظيم لربنا تعالى، الذي خلقنا وأحسن تصويرنا: قال تعالى: ( خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ ۖ وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ) (التغابن، الآية: 3).
فلنكثر من الحمد له، والثناء عليه، والشكر لآلائه.
2- لا ينقضي عجبك وأنت تتأمل في جزء يسير مما خلقه الله تعالى وصوّره من البشر والحيوان واختلاف أطوالها وأشكالها، وتباين ألوانها وأحجامها، فسبحانك ربّنا ما أعظمك من خالق... وما أجملك من مصوّر: ( هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الْأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَاءُ ۚ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ) (آل عمران، الآية: 6).
3- لمعرفة الفرق بين الخالق والبارئ والمصور أقول كما قال صاحب أضواء البيان رحمه الله تعالى:
الخالق: هو الُمقَدِرِّ قبل الإيجاد.
والبارئ: هو المُوجِد من العدم بعد التقدير.
والمصوِّر: هو المُشَكِّلُ للموجود بعد إيجاده.
***
الأوّل
هو الذي لم يكن شيء قبله، بل كل المخلوقات إنما حدثت بخلقه سبحانه لها، وأما هو سبحانه فلا ابتداء لوجوده.
وقد ورد اسم الأول والآخر في قوله تعالى: ( هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ ۖ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ) (الحديد، الآية: 3).
وكذلك في سنة النبي ، في حديث أبي هريرة في دعاء النوم ومنه: «اللهم أنت الأول فليس في قبلك شيء وأنت الآخر فليس بعدك شيء..» ([19]). () رواه مسلم.
وأمام هذا الاسم العظيم أقول:
1- كم يزيدك من تعظيم ومحبّة حين تعلم أن الله كان ولم يكن شيء قبله، ولا معه ولا ابتداء لوجوده عز وجل، وهذه صفة الإله الحق.
2- اعلم أن كلّ ما سوى الله تعالى كان بعد أن لم يكن، فأنعم الله عليه بنعمة الإيجاد والإعداد والإمداد، فله الحمد في الأولى والآخرة.
3- عبوديتك لله الأول تعني عبادتك للمبتدئ بكل إحسان.
وكم يزيد هذا في قلبك من الطمأنينة به والثقة بوعده.
***
الآخِر
هو الذي ليس بعده شيء، فهو الباقي، وكل من على الأرض فانٍ، ثم مرجعهم إليه، ولا انتهاء لوجوده عز وجل.
وأمام هذا الاسم العظيم أقول:
1- اعلم أن كلَّ موجودٍ سوى الله تعالى قد سُبِقَ بعدم، ثم لما أوجده الله تعالى فإنه موعود بنهاية وفناء، ومن كتب الله له الخلود فإنما استمد خلوده من فضل ربه وتقديره.
2-عبوديتك لله الآخر تعني عبادتك للحي الذي لا يموت ولا يزول فكلّ من تعتمد عليه، له نهاية ينتهي عندها إلا الله تعالى فهو الآخر الذي لا شيء بعده، ولا نهاية له، فلتتعلق القلوب بالله ولتباشر الجوارح الأسباب.
***
الظاهر .. الباطن
أما الظاهر فهو العالي فوقَ كلِّ شيء، فلا شيء أعلى منه، وهو القاهر لكل شيء والمحيط به.
وأما الباطن فهو الذي ليس دونه شيء، فلا شيء أقربُ إلى شيء منه، وهوالمطلع على السرائر والخفايا.
وقد ورد هذان الاسمان العظيمان في سورة الحديد في قوله تعالى: ( هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ ۖ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ) (الحديد، الآية: ٣).
وكذلك في حديث النبي في حديث أبي هريرة في دعاء النوم وفيه: «وأنت الظاهر فليس فوقك شيء وأنت الباطن فليس دونك شيء»([20]). () رواه مسلم.
وأمام هذين الاسمين العظيمين أقول:
معرفتك بهذين الاسمين يزيد من علمك بكمال الله تعالى، ومن تعظيمك ومحبتك له.
من أعظم ما يبعث التواضع في القلب هو النظر إلى ضعفك أمام عظمة الله تعالى، ومن عظمته ما في هذين الاسمين اللذين يدلان على إحاطة الله تعالى بكل خلقه زماناً ومكاناً فهو الأول وما سواه فهو حادث ومخلوق، وهو الآخر وكلُّ ما سواه ففانٍ وزائل، وهو الظاهر فكل ما سواه مضمحل عند عظمته وعلوّه.
وهو الباطن وكل ما سواه فقريب منه مهما بَعُدَ ومشهودٌ لديه مهما اختفى.
***
السّميع
هو الذي أحاط سمعه بكل سرّ ونجوى، وكل جهر وإعلان، بل بكل الأصوات مهما دقّت أو عظمت، وهو المجيب لمن دعاه.
ورد هذا الاسم العظيم في القرآن 45 مرة، منها قوله تعالى: (إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ) (المجادلة، الآية: 1).
وقوله عز وجل في سورة البقرة: ( وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا ۖ إِنَّكَ أَنتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ) (البقرة، الآية: 127).
وأمام هذا الاسم العظيم أقول:
1- ما أجمل وأيسر منهج أهل السّنة والجماعة أمام هذه الأسماء لربّنا عز وجل: فهم يقولون بكل وضوح: نُثبِتُ ما أثبته الله لنفسه في كتابه أو على لسان رسوله ، وننفي المماثلة، فلله سَمْعٌ يليق بجلاله وعظمته، وللمخلوق سمع يليق بضعفه وفقره، قال الله تعالى في سورة الشورى عن نفسه:ﱡ ( لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ۖ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ) (الشورى، الآية: 11).
وقال في سورة النساء عن المخلوق: ( يُرِيدُ اللَّهُ أَن يُخَفِّفَ عَنكُمْ ۚ وَخُلِقَ الْإِنسَانُ ضَعِيفًا) (النساء، الآية: 28).
2- كما تحذر أن تُسْمِعَ اللهَ ما يُسخِطُه، فكذلك.. احرص على أن تُسْمِعَ اللهَ ما يُرضيه.
3- إلى كلّ محتاج (وكلّنا محتاج) أقول: ربما يسمع البشر شكواك .. لكن ربما أيضاً لا يستطيعون مساعدتك. أما الله تعالى فهو سميعٌ لشكواك، وعالم بحالك، ومجيب لدعائك ما صدقت معه، وقد قال إبراهيم في سورة إبراهيم: ( إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعَاءِ) (إبراهيم، الآية: 39).
***
البصير
هو الذي أحاط بصرُه بجميع الموجودات في عالم الغيب والشهادة، مهما خفيت أو ظهرت، ومهما دقت أو عظمت.
وقد ذُكر هذا الاسمُ العظيم في القرآن 42 مرة، منها قوله تعالى: ( وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ) (الشورى، الآية: 11).
وقوله تعالى في سورة الإسراء ( وَكَفَىٰ بِرَبِّكَ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا) (الإسراء، الآية: 17).
وأمام هذا الاسم العظيم أقول:
1- تعبّد لله تعالى بمدحه والثناء عليه، على ما له من البصر الذي وسع كل شيء في السموات والأرض (الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۚ وَاللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ) (البروج، الآية: 9).
2- احرص على أن يراك الله تعالى في مواطن رضاه كما تحذر أن يراك الله في مواطن سخطه وتذكر قوله تعالى لنبيه في سورة الشعراء ( الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ (218) وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ (219) إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ) (الشعراء، الآيات: 218-220) .
3- سِرْ على ما سار عليه السلف الصالح وأهل السنة من النهج القويم، والدرب السّهل السليم، فاعتقد أن لله بصراً كما أثبته لنفسه، يليق به وبجلاله وسلطانه، فصفة البصر من صفات الكمال، وقد أنكر إبراهيم عليه السلام على أبيه عندما عبد ما لا يبصر ولا يسمع: ( إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ وَلَا يُغْنِي عَنكَ شَيْئًا) (مريم، الآية: 42).
4- علمك بأن الله تعالى سامع لكل صوت، وبصير لكل شيء في هذا الوجود يبعث في نفسك طمأنينة تنتظر من خلالها فرج الله تعالى لك وللمسلمين في كل مكان، وتنتظر أخذ الله للظالمين الطغاة المتجبّرين..
***
العفو
هو الذي يمحو الذنب، ويتجاوز عنه، ولا يعاقب عليه مع استحقاق العبد للعقاب.
ورد هذا الاسم العظيم في القرآن 5 مرات: منها قوله تعالى: (إِن تُبْدُوا خَيْرًا أَوْ تُخْفُوهُ أَوْ تَعْفُوا عَن سُوءٍ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا قَدِيرًا) (النساء، الآية: 149).
وقوله تعالى: ( إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا غَفُورًا) ( النساء، الآية: 43).
وأمام هذا الاسم العظيم أقول:
1- مشاهدتك لعظيم عفو الله تعالى عن عباده يزيد من محبتك له وطمعك فيما عنده.
2- معرفة العبد بجميل عفو الله تعالى، يزيل عن قلبه كلَّ يأسٍ يمكن أن يتسلل إليه.
3- من طلبَ عفوَ الله تعالى بصدق فهو جدير بأن يعفو الله عنه، وخاصةً إذا شَفَعَ مع صدقه ندماً على ما كان منه من المعصية ومحاولةً جادّةً للسير على الطريق المستقيم.
4- من أعظم ما يُكسبك عفو الله عز وجل أن تتحلى بالعفو مع خلقه، فهو سبحانه عفو يحبّ العفو. وقد قال رسوله : «ما زاد الله عبداً بعفوٍ إلا عزّاً»([21]). () رواه مسلم.
وقال في كتابه مُعْظِّماً أجر العافين: ( وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا ۖ فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ) (الشورى، الآية: 40).
5- هناك حالات يكون الخطأ فيها جسيماً، فيصعب العفو فيها على النفس، لتذكرها شناعة الخطأ، ولا حلّ لها إلاّ بأن يتذكر العبد ربّه سبحانه وتعالى، ومحبته للعافين عن عباده، ولذيذ عفوه عنهم، وكريمَ ماأعده لهم، فهنا تسكُنُ النفس من ثورة الانتقام، بل ويستحيل القلق إلى لذة واطمئنان.
وخير مثال على ذلك، مافعله يوسف عليه السلام مع أخوته وقد فعلوا به ومعه ماتعلمه، ومع هذا كله يقولها بلا تردد: ( لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ ۖ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ ۖ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ) (يوسف، الآية: 92).
***
الغفور .. الغفار
فالغفور: هو الذي يستر الذنب على صاحبه ولا يفضحه ولا يعاقبه عليه.
ورد اسم الغفور في القرآن 91 مرة، وجاء في أكثرها مقترناً باسمه الرحيم.
كما في قوله تعالى: ( نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ) (الحجر، الآية: 49).
وكما في قوله تعالى: (قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا ۚ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ) (الزمر، الآية: 53).
والغفار: اسم دال على كثرة مغفرة الله لعبده المذنب المستغفر.
ورد اسم الغفار في 5 مواضع من القرآن: منها قوله تعالى: (فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا) (نوح، الآية: 10) وقوله تعالى: ( وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِّمَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَىٰ) (طه، الآية: 82).
وأمام هذين الاسمين العظيمين أقول:
1- كم سيزيد في محبتك لله تعالى والطمع في فضله، علمُك وتفكُّرك في سعة مغفرة الله تعالى على عباده مع عظيم ذنوبهم، فله الحمدُ والثّناء الحسن.
2- اعلم وعلّم غيرك، مالله تعالى من سعة المغفرة وعظيم العفو، حتى لا ينفذ الشيطان الى قلب العبد المذنب في لحظة غفلة، وساعة جهل فَيُقَنِطهُ من رحمة ربّه القائل: ( نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ) (الحجر ، الآية: 49).
3- هل تذكر مافعله المشركون مع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- من إيذاء له ولأصحابه، ومع هذا كلّه يُنزل الله تعالى على نبيّه – عليه السلام: ( قُل لِّلَّذِينَ كَفَرُوا إِن يَنتَهُوا يُغْفَرْ لَهُم مَّا قَدْ سَلَفَ وَإِن يَعُودُوا فَقَدْ مَضَتْ سُنَّتُ الْأَوَّلِينَ) (الأنفال، الآية: 38) فياربّ لك الحمد في الآولى والآخرة.
***
الستّير
هو الذي يستر على عبده، فلا يفضحه بين خلقه، وهو المحبّ من عبده أن يستر على نفسه وعلى غيره.
ولم يرد هذا الاسم العظيم في القرآن، وإنما ورد في سنة النبي ، ففي الحديث عن يعلى ابن أُمَيّة أن رسول الله رأى رجلاً يغتسل بالبراز بلا إزار، فصعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: «إن الله عز وجل حيّي ستير يحب الحياء والستر، فإذا اغتسل أحدكم فليستتر»([22]). () رواه أبو داود.
وأمام هذا الاسم العظيم أقول:
1- التأمل في اسم الله السّتير والتفكر في معناه يزيد في محبة العبد لربه تعالى، ويطمّعه في عظيم فضله، ولذلك وجب على العبد كثرة الثناء على ربه تعالى، ومدحه على عظيم نعمته، وجميل ستره.
2-ليكن في خاطرك قول النبي : «ومن ستر مسلماً ستره الله يوم القيامة» ([23]). () رواه البخاري ومسلم.
فالله يحبّ من عبده أن يستر على نفسه وأن يستر على غيره. لينال ستر الله عليه في الدنيا والآخرة.
3- احذر من هتك سترٍ أسْدَلَهُ الله عليك أو على أحدٍ من إخوانك، وقد قال نبينا -صلى الله عليه وسلم- في ذلك قولاً عظيماً، «كلّ أمتي معافى إلا المجاهرين.... » ([24]). () رواه البخاري.
4- ويلٌ لمن انطبقت عليه آية النّور: ( إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَن تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ ۚ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ) (النور، الآية: 19).
***
الحليم
هو الذي لا يُعَجّل العقوبة على عباده مع قدرته على عقابهم، بل يصفح عنهم ويغفر لهم إذا استغفروه.
ورد هذا الاسم العظيم في القرآن الكريم 11 مرة: منها قوله تعالى في سورة لبقرة: ( قَوْلٌ مَّعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِّن صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَا أَذًى ۗ وَاللَّهُ غَنِيٌّ حَلِيمٌ) (البقرة، الآية: 263).
وقوله تعالى في سورة التغابن: (إِن تُقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا يُضَاعِفْهُ لَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ۚ وَاللَّهُ شَكُورٌ حَلِيمٌ) (التغابن، الآية: 17).
وروى البخاري ومسلم عن ابن عباس – رضي الله عنه – قال: كان النبي يدعو عند الكرب يقول: «لا إله إلا الله العظيم الحليم لا إله إلا الله ربّ السموات والأرض وربّ العرش العظيم».
وأمام هذا الاسم العظيم أقول:
1- اعلم أنه لا يستحق أحدٌ صفة الحلم إلا أن يكون قادراً على العقاب، فالصافح مع العجز لا يسمى حليماً، وليس أحدٌ أقدرَ على أحد كقدرة الله تعالى على من عصاه. ومع ذلك يغفر ويعفو ويحلم ويمهل. فله الحمد في الأولى والآخرة.
2- كما تحمد الله تعالى على حلمه، فاحذره عز وجل أن يغضب، فعجّل باستغفاره وطلب العفو منه وسرعة الفيئة إليه: ( فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ ۖ إِنِّي لَكُم مِّنْهُ نَذِيرٌ مُّبِينٌ) (الذّاريات، الآية: 50).
3- الحليم سبحانه، يحب العبد الحليم. بل صفة الحلم من أعظم نعم الله على عبده، وقد فاز بها إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام بشهادةِ الله لهما.
( إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّاهٌ مُّنِيبٌ) (هود، الآية: 75).
وقال عن إسماعيل: ( فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلَامٍ حَلِيمٍ) (الصافات، الآية: 101).
وقال النبي -صلى الله عليه وسلم- لأشجّ عبد قيس «إنّ فيك خصلتين يحبهما الله ورسوله: الحلمُ و الأناة »([25]) . () رواه مسلم.
4- اعلم أن صفة الحلم لها أسبابها الموصلة إليها... فتمسك بها لتصل، وتذكّر ماورد في الحديث «إنما الحلم بالتحلّم». رواه الطبراني.
***
اللطيف
اسم دال على علم الله بدقائق الأمور، وأنه لا تخفى عليه خافية، وأنه يوصل الخير والنفع إلى عباده من وجوهٍ خفيّةٍ من حيث لم يحتسبوا، وهو كذلك خفيّ عن خلقه في الدنيا فلا يرونه إلا في جنات النعيم يوم القيامة.
ورد هذا الاسم العظيم في كتاب الله تعالى 7 مرات منها قوله تعالى: ( لَّا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ ۖ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ) (الأنعام، الآية: 103).
وقوله تعالى في سورة الملك: ( أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ) (الملك، الآية: 14).
وكذلك قوله تعالى: ( إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِّمَا يَشَاءُ ۚ إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ) (يوسف، الآية: 100).
وأمام هذا الاسم العظيم أقول:
1- تعظيمُ الله تعالى والثناءُ عليه ومدحُه ومحبتُه من أعظم ما يُثمره معرفةُ اسم الله اللطيف.
2- إذا اشتدت عليك الأمور وأنت المطيع لربّك فترقّب فَرَجَ الله وتَتابُعَ نعمتِه عليك، ولا تتعجل بالحكم على ظواهر الأقدار، فكم من ضيق كان مصدر للسَّعَة، وكم من شدّةٍ كانت منبعاً للتيسير ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَن تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا ۖ وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ إِلَّا أَن يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ ۚ وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ ۚ فَإِن كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَىٰ أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا) (النساء، الآية: 19).
3- اعلم أن من معاني اللطف: البرَّ والحفاوةَ والإكرام، فالطُف بمن تحت يدك علّ الله أن يريك من آثار ألطافه ما لا يخطر لك على بال.
***
الوِتر
هو الواحد الذي لا شريك له.
ورد هذا الاسم العظيم في سنة النبي -صلى الله عليه وسلم- حيث قال في الحديث المتفق عليه: «إنّ لله تسعةً وتسعين اسماً مائة إلا واحداً، من أحصاها دخل الجنة، وإن الله وِترٌ يحب الوتر» وفي لفظ: «من حفظها».
وأمام هذا الاسم العظيم أقول:
1- على العبد أن يُعَظّم ربَّه تعالى ويُثني عليه بما هو أهله، فهو الوتر الذي لا شريك له ولا مثيل، لا في ذاته سبحانه، ولا في أسمائه وصفاته.
2- على العبد أيضاً أن لا يعبد إلا هذا العظيم سبحانه، فهو المتفرد بالكمال المطلق وكل ما سواه فهو ناقص.
ولهذا المعنى قال عليه الصلاة والسلام لابن عباس: «إذا سألت فاسأل الله وإذا استعنت فاستعن بالله» ([26]). () رواه الترمذي.
***
الجميل
هو الجميل في ذاته وأسمائه وصفاته وأفعاله جمالاً مطلقاً، وكلُّ جمالٍ في خلقه فهو منه سبحانه وتعالى.
ورد هذا الاسم العظيم في سنة النبي فقد قال عن ربِّه تعالى: «إن الله جميل يحب الجمال»([27]). () رواه مسلم.
وأمام هذا الاسم الجميل أقول:
1- إذا تذكّر العبدُ واستحضر ما لربّه تعالى من الجمال المطلق، زاد ذلك من محبته له، والشوق إلى لقائه، والعمل من أجل النظر إليه، فما أُعطِي المؤمنون في الجنة أعظمَ من النظر إلى الله تعالى.
2- تقرّب إلى الله الجميل سبحانه بما يحبه من جميل الأفعال والأقوال والأخلاق فهو جميل يحب من عبده التجمّل بطهارة الظاهر ونقاء الباطن.
***
العلي .. الأعلى .. المتعال
هو الذي له علو الشأن وعلو القهر وعلو الذات،وهو المتعالي الذي ذل أمام علوه كل شيء، وليس فوقه شيئ، بل كل شيئ تحت قهره وسلطانه
أما اسمه تعالى «العليّ» فقد ورد في كتاب الله تعالى (8) مرات، منها قوله تعالى في آية الكرسي في قوله: (وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ ۖ وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا ۚ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ) (البقرة، الآية: 255).
واسمه الأعلى جاء في قوله: ( سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى) (الأعلى، الآية: 1).
وأما إسمه المتعال: فقد ورد مرة واحدة في سورة الرعد في قوله تعالى: ( عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْكَبِيرُ الْمُتَعَالِ) (الرعد، الآية: 9).
وأمام هذه الأسماء الجليلة أقول:
1- المستحق للتكبّر حقاً هو الله تعالى، وأما المخلوق فلا يناسبه إلا الخضوع لربه الأعلى، والرضا بشرعه، والتواضع لخلقه.
2- تذكر دائماً أنك مهما علوت فالله أعلى منك وأقدر عليك، فلا يستجرّنك عُلُوُّك الحادث والمحدود على ظلم أحد من العباد فإنه ليس للمتجبرين الظالمين عند الله إلا الذّل والخيبة: (وَاسْتَفْتَحُوا وَخَابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ) (إبراهيم، الآية: 15).
3-جميلٌ هنا أن نُذَكّر بمعنى قوله تعالى: (لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ مَثَلُ السَّوْءِ ۖ وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلَىٰ ۚ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ) (النحل، الآية: 60) أي لله تعالى الوصف الأكمل والأجمل من كل وجه، وأما الذين لا يؤمنون بالآخرة فلهم وصف السوء من الكفر والشرك والجهل.
***
الواحد الأحد
هو الذي توحّد وتفرّد بجميع الكمالات المطلقة لا يشاركه فيها مشارك، وليس كمثله شيء.
اسمه تعالى الأحد لم يرد في القرآن إلا مرةً واحدة، وذلك في سورة الإخلاص: ( قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ) وورد كذلك في السنة فعن عبد الله بن بريدة عن أبيه أن رسول الله سمع رجلاً يقول: «اللهم إني أسألك بأني أشهد أنك أنت الله لا إله إلا أنت الأحد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفواً أحد» فقال : «لقد سألت الله بالاسم الذي إذا سئل به أعطى وإذا دعي به أجاب» ([28]). () رواه الترمذي.
وأما اسمه تعالى الواحد فقد ورد في أكثر من موضع في القرآن الكريم منها قوله تعالى: ( لَّقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ ۘ وَمَا مِنْ إِلَٰهٍ إِلَّا إِلَٰهٌ وَاحِدٌ) (المائدة، الآية: 73)، وقوله تعالى في سورة الرعد: ( قُلِ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ) (الرعد، الآية: 16).
وأمام هذين الاسمين العظيمين أقول:
لأن الله واحد متفرّد في ذاته وصفاته وربوبيته، فهذا يوجب على العبد أن يوحّد الله تعالى اعتقاداً وعملاً، فلا يعبد إلا هو، ولا يَحكُمُ إلا بشرعه.
اعلم أنه لاسعادة لهذا القلب ولا استقرار له إلا بتوحيد الله تعالى، وتوجّه القلب بجمعيّته إليه. وبقدر التفات القلب إلى غيره يكون القلق والوحشة، وأسعد الناس على الإطلاق هو أعظمهم توحيداً، وعلى رأسهم الأنبياء والمرسلون.
لم يقترن اسم الله الواحد في القرآن الكريم إلا مع اسمه القهّار، لأن من موجبات اسمه الواحد أن يكون قاهراً لكل شيء، وكما قال السعدي – رحمه الله تعالى – «فالواحد لا يكون إلا قهّاراً، والقهّار لا يكون إلا واحداً، وذلك ينفي الشركة من كلّ وجه.
ذكر العلماء – رحمهم الله تعالى – بعض الفروق بين اسمه سبحانه «الواحد» واسمه «الأحد»، منها:
أن «أحد» أبلغ في النفي من «واحد».
يقال: مافي الدار واحد، ويجوز أن يكون هنا اثنان أو ثلاثة، أمّا إذا قيل: مافي الدار أحد فهو نفي لوجود الجنس بالمرّة
أن الواحد يصلح معه النفي والاثبات فتقول: قام واحدٌ ولم يقم واحدٌ أمّا أحدٌ ففي النفي فقط.
لا يوصف أحد بالأحديّة الّا الله تعالى فيجوز أن تقول: رجل واحد لكن لاتقول رجلٌ أحد.
***
الصمد
هو السّيد الذي كَمُل في سؤدده، وهو الذي تصمد إليه الخلائق وتقصده في حوائجها كلّها، لعظيم افتقارهم إليه، فهو الذي يُطعم ولا يُطعَم.
ورد هذا الاسم العظيم في القرآن مرة واحدة، وذلك في سورة الإخلاص: ( قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (1) اللَّهُ الصَّمَدُ).
وجاء في الحديث عن عبد الله بن بريدة عن أبيه أن رسول الله سمع رجلاً يقول: «اللهم إني أسألك بأني أشهد أنك أنت الله لا إله إلا أنت الأحد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفواً أحد» فقال : «لقد سألت الله بالاسم الذي إذا سئل به أعطى وإذا دُعِي به أجاب»([29]). () رواه الترمذي.
وأمام هذا الاسم الجليل أقول:
1- ما يدلّ عليه هذا الاسم من كمال الله في سؤدده وحكمته ورحمته، وباقي صفاته، يبعث في القلب التعظيمَ والمحبّةَ له سبحانه وتعالى.
2- يجب إفراد الله تعالى بالدعاء والتوكل والتفويض لأنه المقصود القادر على كل الحوائج.
3- تَوسّل إلى الله تعالى باسمه الصمد، واعلم أنه جديرٌ بمن صدق مع ربه أن يفتح له الباب، وتأتيه النفحات التي لا تخطر له على بال.
4-لو أدرك النّاس معنى اسم الله الصمد لما رأيت في عالمنا الإسلامي قبوراً يطاف عليها، ويدعى أصحابها، أو يستشفع بهم من دون الله تعالى، لكنّه الجهل عند الكثير والتجهيل من القليل المستفيدين من هذه الأضرحة والمقامات، مستهنين بشرك النّاس بربّهم سبحانه وتعالى، وقد قال الله عزوجل لأفضل خلقه محمد -صلى الله عليه وسلم- في سورة الجن: (وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا) (الجن، الآية: 18) وقال: (قُلْ إِنِّي لَا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلَا رَشَدًا) (الجن، الآية: 21).
***
السيّد
هو الذي له السيادة المطلقة على خلقه فهو مالكهم، وربهم، وهم خلقه وعبيده.
لم يرد هذا الاسم العظيم في القرآن الكريم، وإنما ورد في السنة في قول النبي : «والسيّد الله»([30]). () رواه أحمد.
وأمام هذا الاسم العظيم أقول:
1- معرفة العبد لما لله تعالى من السؤدد والكمال المطلق ينبغي أن يورث في قلبه محبَّتَه وتعظيمَه وكثرةَ الثناء عليه.
2- يجب على العبد أن يدرك أنه مهما بلغ من السيادة فإنما هي سيادة ناقصة ولا تساوي شيئاً أمام سيادة الله الحي القيوم، فيورث ذلك في القلب تواضعاً لله تعالى وحُسْنَ تعاملٍ مع خلقه.
3-من أراد السيادة الحقيقية، فإنما تُنال بطاعة الله تعالى وتقواه، والقُربِ منه، والسّيرِ على هداه، فمن هنا قال النبي : «أنا سيد ولد آدم ولا فخر». رواه مسلم والترمذي. فالسيّد على الحقيقة من سوّده الله تعالى، وهو راضٍ عنه، لا من سوّده الخلق، والله غاضب عليه، وقد قال -صلى الله عليه وسلم- : «لا تقولوا للمنافق سيّد»([31]) . () رواه أبو داود.
فأعداء الله والمنافقون ليسوا بأسيادٍ على وجه الحقيقة وإن سوّدهم النّاس.
***
القاهر والقهار
هو المذلّ عباده، والمستعبد خلقه، العالي عليهم، وهو الغالب الذي خضعت له الرقاب وعنت له الوجوه، والقهّار مبالغة من القاهر.
ورد اسم الله القاهر في القرآن الكريم مرتين، وذلك في قوله تعالى: ( وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ ۚ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ) (الأنعام، الآية: 18). وفي قوله تعالى: (وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ ۖ وَيُرْسِلُ عَلَيْكُمْ حَفَظَةً حَتَّىٰ إِذَا جَاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لَا يُفَرِّطُونَ) (الأنعام، الآية: 61)، أما اسمه تعالى القهار فقد ورد في القرآن 6 مرات مقترناً فيها كلها باسمه الواحد منها قوله تعالى: (قُلِ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ) (الرعد، الآية: 16). وقوله تعالى: ( أَأَرْبَابٌ مُّتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ) (يوسف، الآية: 39).
وأمام هذين الاسمين العظيمين أقول:
1- إذا آمنت بالله تعالى وعلمت أن من أسمائه القاهر والقهّار امتلأ قلبك بالفأل بانتصار دينه وغلبة أوليائه وانكسار عدوه، مهما كان عندهم من قوّة.
عَظِّم اللهَ تعالى وأثنِ عليه بما له من القهر على كل ما سواه، وخاصةً إذا علمت أنه لا يكون القهّار إلا واحداً، إذ لو كان معه كفؤٌ ما كان قهاراً. ولذلك اقترن اسم الواحد باسمه تعالى القهار في كل الآيات.
النظر في هذين الاسمين العظيمين يورث في القلب خضوعاً لربّ العالمين، فيسير العبد مُعَظَّماً لشرعه، مطمئناً إليه، رفيقاً في تعامله مع خلقه، بعيداً عن التكبر عليهم.
-قال العلماء: إن اسم الله «القهّار» خاص به سبحانه فلا يجوز أن يسمّى به المخلوق الضعيف الجاهل، فوصف الله بـ«القهّار» صفة مدح له عزوجل وأما المخلوق، فوصفه ب «القهّار» صفة ذمّ له،لأنها لا تكون إلا مصحوبةً بالظلم والجبروت على الخلق وقد قال سبحانه عن فرعون :
(قَالَ سَنُقَتِّلُ أَبْنَاءَهُمْ وَنَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قَاهِرُونَ) (الأعراف، الآية: 127).
ونهى الله تعالى نبيّه -صلى الله عليه وسلم- في سورة الضحى فقال له: ( فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلَا تَقْهَرْ ) (الضحى، الآية: 9).
***
الحق
هو المتحقق كونه ووجوده، فهو واجب الوجود وكامل الصفات، فلا يعبد بحقّ إلا هو، وكل معبود من دونه فهو باطل، ولذا فقوله حق، وفعله حق ووعده حق.
ورد هذا الاسم الكريم في القرآن الكريم في عشر آيات.
منها قوله تعالى: ( فَذَٰلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمُ الْحَقُّ) (يونس، الآية: 32). وكذلك قوله تعالى في سورة طه: ( فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ) (طه، الآية: 114)، وقد كان النبي يقول في قنوته في الليل: «اللهم لك الحمد.. أنت الحق وقولك الحق ولقاؤك حق..»([32]). () رواه البخاري.
وأمام هذا الاسم العظيم أقول:
1- إن أعظم ما ينبغي أن تفرح له، هو أن هُدِيت إلى الإله الحق وسرتَ على دينه الحق، ليتحقق لك وعده الحق، فتعيش في الدنيا مهديّاً وفي الآخرة سعيداً منعّماً: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ) (فاطر، الآية: 5).
2- يجب أن يستَقِرّ الرّضا التامُّ بأحكام الله تعالى الشرعية والقدرية، فما يصدر منه سبحانه إلا الحقُّ والخيرُ والحكمةُ، وقد أمر الله نبيّه بأن يتحدى المشركين بذلك: ( قُلْ هَلْ مِن شُرَكَائِكُم مَّن يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ ۚ قُلِ اللَّهُ يَهْدِي لِلْحَقِّ ۗ أَفَمَن يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَن يُتَّبَعَ أَمَّن لَّا يَهِدِّي إِلَّا أَن يُهْدَىٰ ۖ فَمَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ) (يونس، الآية: 35).
3- تَذَكَّر قولَ النّبي في تعريف الكِبْر: «الكبْرُ بَطَرُ الحقّ وغَمْط الناس.. » رواه مسلم. فلا تردَّ الحقَّ، فتُغْضِبَ الحقَّ.
4- لا أوثقَ من وعد الله تعالى إن نحن سرنا على نهجه. فقد وعد سبحانه المؤمنين بالنّصر والتمكين وحسن العاقبة فلتطمئنّ القلوب.. بكشف الكروب، وعودة المغصوب.
***
المبين
هو البيّن أمرُه في وحدانيته وحكمته ورحمته، وهو الموضِّح، لعباده سبيل الرشاد ليتبعوه، وسُبُل الغواية ليحذروها.
وهو من الأسماء التي لم ترد في القرآن إلا مرة واحدة.. وذلك في سورة النور في قوله تعالى: (يَوْمَئِذٍ يُوَفِّيهِمُ اللَّهُ دِينَهُمُ الْحَقَّ وَيَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ الْمُبِينُ) (النور، الآية: 25).
وأمام هذا الاسم العظيم أقول:
1- معرفة معنى هذا الاسم من أعظم ما يَدُلُّك على عظيم نعمة الله على خلقه، وكبير رحمته بهم، وبخاصة أمّة محمد حيث أنزل لنا الكتاب المبين، وكذلك أرسل لنا الرسول المبين. ففي أول سورة يوسف: (الر ۚ تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ). وفي سورة الدخان: (أَنَّىٰ لَهُمُ الذِّكْرَىٰ وَقَدْ جَاءَهُمْ رَسُولٌ مُّبِينٌ) (الدخان، الآية: 13).
2- هذا الاسم العظيم يدعوني ويدعوك إلى الانطراح بين يدي الله سبحانه وتعالى، وخاصة عندما تشتبك الأمور، ويختلط الحق بالباطل، فتلجأ إليه ليبين لك الحق، ويشرح صدرك لقبوله، واتباعه، ويبين لك الباطل، ويرزقك كُرهَهُ والتحذيرَ منه.
***
القوي .. المتين
أما القوي:فهو الذي له القوّة والقدرة المطلقة؛ فلا يغلبه غالبٌ ولا يرد قضاءَه رادّ، ولا يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء.
ورد اسم الله القوي في القرآن تسع مرات، اقترن في أغلبها باسمه العزيز، منها قوله تعالى: ( اللَّهُ لَطِيفٌ بِعِبَادِهِ يَرْزُقُ مَن يَشَاءُ وَهُوَ الْقَوِيُّ الْعَزِيزُ ) (الشورى، الآية: 19)، وكذلك قوله تعالى: ( إن الله قويٌّ عزيز ) (الحديد، الآية: 25).
وأما المتين:فهو الشديد في قوته وقدرته، ولا يلحقه في أفعاله مشقّة ولا كلفة ولا تعب.
واسمه سبحانه المتين لم يرد إلا مرةً واحدةً، وذلك في سورة الذاريات في قوله تعالى: ( إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ).
وأمام هذين الاسمين العظيمين أقول:
1- مهما بلغت قوتك فليست بشيء أمام قوة الله تعالى.
ولذلك:
تواضع لرب العرش عَلكّ تُرفَعُ
فما خابَ عبدٌ للمهيمن يَخضعُ
2- حقٌّ علي وعليك ألا نعتمد إلا على القوي المتين، فإنه الرّكنُ إن خانتك أركانُ.
3- كم هي الطمأنينة التي ستنسكب في القلب وقد علمنا أنّ الذي نعتمد عليه هو القوي الذي لا غالب لأمره، ولا رادّ لقضائه، فما هي قوة العدو أمام قوة المتين سبحانه.
والمهمُّ أن تعلم، كيف تنال إعانة الله لك، ومعيَّته معك (وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ ۗ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ) (الحج، الآية: 40).
***
الحيي
هو الذي له الحياء الذي يليق بجلال وجهه وعظيم سلطانه، فحياءُ الله حياءُ كرمٍ وبرٍّ وجودٍ وجلال.
لم يرد هذا الاسم العظيم في كتاب الله تعالى. وإنما ورد في حديث النبي في قوله: «إن الله عز وجل حييٌّ سِتّيرُ يُحِبُّ الحياء والسِّتر، فإذا اغتسل أحدكم فليستتر»([33]). () رواه أبو داود والنسائي.
وفي حديث سلمان – رضي الله عنه – قال: قال رسول الله : «إن الله حيّي كريم يستحيي من عبده إذا رفع يده أن يردّهما صفراً»([34]). () رواه أبو داود والترمذي.
وأمام هذا الاسم العظيم أقول:
1- كم يورث هذا الاسم في القلب من محبّةٍ لله تعالى وحياءٍ منه، ومن ثم ثناءٍ عليه بما يقتضيه هذا الاسمُ الكريمُ من الحِلم والكرم والعفو والسّتر منه سبحانه على عباده.
2- اعلم أن من أعظم الصفات التي يحبّها الله تعالى من عبده هي صفة الحياة، وهي شعبةٌ من شُعَبِ الإيمان، والحياء هو خُلُق يبعث على ترك القبيح وفعل المليح.
***
الحيّ القيّوم
أما الحي سبحانه: فهو الذي له الحياة الدائمة، والبقاء الذي لا أول له ولا آخر، وكل حياة في الوجود فإنما هي منه سبحانه وتعالى.
وقد ورد هذا الاسم العظيم في القرآن 5 مرات: أشهرها في آية الكرسي: ( اللَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ) (البقرة، الآية: 255)، وكذلك قوله تعالى: ( وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ وَسَبِّحْ بِحَمْدِهِ ۚ وَكَفَىٰ بِهِ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيرًا) (الفرقان، الآية: 58) وأما في السنة، فقد كان من دعاء النبي : «يا حيّ يا قيّوم، برحمتك أستغيث»([35]) ، وكذلك ما رواه مسلم في صحيحه عن ابن عباس – رضي الله عنه – أن النبي كان يقول: «اللهم لك أسلمت، وبك آمنت، وعليك توكلت، وإليك أنبت، وبك خاصمت، أعوذ بعزّتك لا إله إلا أنت أن تضلّني، أنت الحي الذي لا يموت، والجنّ والإنس يموتون». () رواه الترمذي.
***
وأما القيّوم سبحانه
فهو القائم بنفسه، المستغني عن خلقه، وهو المقيم لكل من في السموات والأرض فهم المفتقرون إليه.
ورد هذا الاسم العظيم في القرآن الكريم ثلاث مرات أشهرها ما في آية الكرسي: ( اللَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ) (البقرة، الآية: 255) وكذلك في أوائل سورة آل عمران: (الم (1) اللَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ) (آل عمران: 1-2).
وأمام هذين الاسمين العظيمين أقول:
1- لا تنس أن أعظم أحدٍ يحِب أن يُمدَحَ هو الله تعالى، وهو أهل للمدح والحمد والثناء، فاسمه القيوم وقد اقترن بالحي انتظما صفات الكمال والغنى التام، والقدرة التامة.
2- افتقر إلى الله دائماً، وأعلن الحاجة بين يديه، فلك الفقر الذاتي، كما له الغنى الذاتي، وتذكر أنه بقدر افتقارك إلى الله يكون غناك.
3- اعلم أن حياتك وأفعالك قائمة بقيومية الله تعالى، لذلك أصلح علاقتك معه، حتى تنال منه العافية في جسدك والسداد في أفعالك.
4- الزم الدعاء بـ (يا حيّ يا قيوم) فقد وردت الأحاديث بأن التوسل إليه سبحانه بهذين الاسمين يجلب الإجابة ويحقق المسألة ففي حديث أنس أن رجلاً دعا الله تعالى بهذين الاسمين العظيمين مع ثناءه عليه عز وجل فقال النبي : «لقد دعا باسمه الأعظم الذي إذا دُعي به أجاب وإذا سُئل به أعطى» ([36]). () رواه النسائي.
***
الشاكر والشكور
هو الذي يقبل العمل الصالح مهما قلّ، ويثيبُ عليه، ويضاعفُ أجرَه، ويزيد من نعمته لعبده، وثنائه عليه، والشكور أبلغ في ذلك.
ورد اسمه تعالى الشاكر في القرآن مرتين، الأولى في سورة البقرة في قوله: ( إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِن شَعَائِرِ اللَّهِ ۖ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَن يَطَّوَّفَ بِهِمَا ۚ وَمَن تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ) ( البقرة، الآية: 158).
والثانية في سورة النساء في قوله: ( مَّا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِن شَكَرْتُمْ وَآمَنتُمْ ۚ وَكَانَ اللَّهُ شَاكِرًا عَلِيمًا (النساء، الآية: 147).
وأما اسمه تعالى الشكور فقد ورد في القرآن أربع مرات، منها قوله تعالى: ( وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ ۖ إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ) (فاطر، الآية: 34).
وكذلك في قوله: ( إِن تُقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا يُضَاعِفْهُ لَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ۚ وَاللَّهُ شَكُورٌ حَلِيمٌ) (التغابن، الآية: 17).
وأمام هذين الاسمين العظيمين أقول:
1- بمثل هذه الأسماء وفهم معانيها ينمو حبُّ الله تعالى في قلب العبد.
2- كم يحثُّك ويُطَمِّعُك هذان الاسمان في كثرة عمل الخير، وبذل الإحسان، لعلمك بأن ربَّك سيشكر لك كلَّ صنيع الخير منك، فيعطيك أكثر مما قدمت فله الحمد سبحانه.
3- من عجيب صنع الله بعباده، وعظيم نعمته عليهم أنه يوفقهم للخير ابتداءً ويشكرهم ويجازيهم عليه انتهاءً.
4- سترى في التعامل مع البشر، أنك تشكر من أحسن إليك، أما في التعامل مع الله الكريم فإنه يشكرك حينما تحسن إلى نفسك، فالعبد يصلي، ويتصدق ويعمل الخير، وهو المستفيد (إِنْ أَحْسَنتُمْ أَحْسَنتُمْ لِأَنفُسِكُمْ).
ومع ذلك يشكره الله تعالى، مع غناهُ عن خلقه، فله الثناء الحسن الذي لا ينقضي.
5- حتى تعرف عظيم نعمة الله على عباده، تأمل في جمال اقتران اسم الله الغفور مع اسمه الشكور في سورة فاطر: (وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ ۖ إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ) (سورة فاطر، الآية: 34) .
فهو سبحانه غفور للذنب مهما عَظُمَ وجَلّ
وشكور للعمل الصالح مهما دق وقلّ.
6- الشكور سبحانه يحبّ العبد الشكور... يشكر ربّه ويشكر من أحسن إليه من خلقه ( وَوَصَّيْنَا الْإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَىٰ وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ) (لقمان، الآية: 14).
***
الفتَّاح
هو الذي يفتح من خزائن ملكه ورحمته ورزقه ما يشاء على من يشاء من عباده على ما اقتضته حكمته وعلمه.
وهو الفتاح الذي يحكم بين عباده بالعدل، وينصر أولياءه على أعدائه.
وقد ورد هذا الاسم العظيم في كتاب الله تعالى مرة واحدة وذلك في قوله تعالى: ( قُلْ يَجْمَعُ بَيْنَنَا رَبُّنَا ثُمَّ يَفْتَحُ بَيْنَنَا بِالْحَقِّ وَهُوَ الْفَتَّاحُ الْعَلِيمُ) (سبأ، الآية: 26).
وورد بصيغة الجمع في سورة الأعراف: ( عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنَا ۚ رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ وَأَنتَ خَيْرُ الْفَاتِحِينَ) (الأعراف، الآية: 89).
وأمام هذا الاسم الجليل أقول:
1- كم يدعو هذا الاسم إلى محبّةِ الله تعالى والطمع فيما عنده، فالخزائن كلها بيديه وهو القائل في سورة فاطر: ( مَّا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِن رَّحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا ۖ وَمَا يُمْسِكْ فَلَا مُرْسِلَ لَهُ مِن بَعْدِهِ ۚ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ) (فاطر، الآية: 2).
2- إذا شعرت بالأرزاق والمسائل والقلوب قد أغلقت في وجهك، فالجأ إلى الفتاح سبحانه، وناده بهذا الاسم العظيم علّه أن يفتح لك.. فإنه لا فاتح على الحقيقة إلا هو سبحانه.
3- ثق بربك عز وجل، واطمئن لوعده وبوعده، فإنه الناصر لمن نصره.. بل لا نصر إلا منه سبحانه. وهكذا استجلب الأنبياء النصر من واهبه عز وجل، قال تعالى على لسان نوح عليه السلام: ( قَالَ رَبِّ إِنَّ قَوْمِي كَذَّبُونِ (117) فَافْتَحْ بَيْنِي وَبَيْنَهُمْ فَتْحًا وَنَجِّنِي وَمَن مَّعِيَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ) ( الشعراء: 117-118).
وقال شعيب عليه السلام: (عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنَا ۚ رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ وَأَنتَ خَيْرُ الْفَاتِحِينَ) (الأعراف، الآية: 89).
***
العليم .. العالم
هو الذي أحاط علمه بالظواهر والبواطن والإسرار والإعلان، والماضي والحاضر والمستقبل، فلا يخفي عليه شيء من الأشياء.
ورد اسمه تعالى العليم في القرآن 157 مرة، منها قوله تعالى في سورة البقرة: ( قَالُوا سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا ۖ إِنَّكَ أَنتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ) (البقرة، الآية: 32).
وقوله في سورة لقمان: ( إِنَّ اللَّهَ عِندَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ ۖ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَّاذَا تَكْسِبُ غَدًا ۖ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ ۚ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ) (لقمان، الآية: 34).
وأما العالم فقد ورد بصيغة الجمع في آيتين في القرآن،كلاهما في سورة الأنبياء: ( وَلَقَدْ آتَيْنَا إِبْرَاهِيمَ رُشْدَهُ مِن قَبْلُ وَكُنَّا بِهِ عَالِمِينَ) (الأنبياء، الآية: 51).
والثانية في قوله: ( وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ عَاصِفَةً تَجْرِي بِأَمْرِهِ إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا ۚ وَكُنَّا بِكُلِّ شَيْءٍ عَالِمِينَ) (الأنبياء، الآية: 81).
وورد مضافاً إلى الغيب والشهادة أو الغيب فقط 13 مرّة منها قوله تعالى: ( يَعْتَذِرُونَ إِلَيْكُمْ إِذَا رَجَعْتُمْ إِلَيْهِمْ ۚ قُل لَّا تَعْتَذِرُوا لَن نُّؤْمِنَ لَكُمْ قَدْ نَبَّأَنَا اللَّهُ مِنْ أَخْبَارِكُمْ ۚ وَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلَىٰ عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ) (سورة التوبة، الآية: 94).
وقوله تعالى: ( عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَىٰ غَيْبِهِ أَحَدًا ) (الجن، الآية: 26).
1- معرفتُنا بعلم ربّنا سبحانه وتعالى تزيد من تعظيمنا له وثنائنا عليه وحمدنا لكماله.
2- ومعرفتنا أيضاً بعلم الله تعالى لحالنا ينبغي أن تزيدنا من العمل الصالح، واتقانه، كما ينبغي أن تمنعنا من العمل السيء.
3- يقيني بأن ربي العليم مطّلع على كل ما في كونه، يزيد من طمأنينة قلبي، وأن نصره قادم، ووعده آت. ولذلك كان من أعظم التسلية للنبي أن يذكّره الله تعالى بالعلم بحاله وحال أعدائه (وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ) (الحجر: 97-98).
4- من أعظم ما يَقْلَقُ له المستنجدُ المحتاجُ هو أن لا يكون ناصره قد سمعه أو علم بحاله. وهذا المعنى منتفٍ مع الله تعالى. فأَحسِنِ الظن بالله وانتظر فَرَجه.
5- كيف للمخلوق أن يختار لحياته شرعاً غير شرع الله العليم الحكيم.. فهذا عين الجهل والظلم وقد قال تعالى: (أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ ۚ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ) (المائدة، الآية: 50).
6- أعلم أن رضى الله تعالى عن أحدٍ من خلقه، مبنيٌّ على علمه به، وفي هذا صفعة على وجوهٍ عليها غبرة، ترهقها قترة، لمَزَوُا أصحابَ نبيّنا -صلى الله عليه وسلم-، وكفّروهم، بعد أن رضي الله عنهم وارضاهم كما في سورة الفتح (لَّقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا) (الفتح، الآية: 18).
7- مساكينُ أولئك المجرمون المختفون عن أعين الناس يكيدون بالعباد ويمكرون بهم والله يقول: (وَأَسِرُّوا قَوْلَكُمْ أَوِ اجْهَرُوا بِهِ ۖ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ) (الملك، الآية: 13).
فإن كان عندهم مكرٌ وكيدٌ وتخطيط..
فعندنا ( وَاللَّهُ مِن وَرَائِهِم مُّحِيطٌ).
***
الحكيم
هو الذي يضع الأشياء في مواضعها ولا يدخلُ تدبيرَه خَلَلٌ ولا زَلَلٌ، وله الحكمة العليا في خلقه وأمره، ولا أحسن من حكمه سبحانه.
ورد هذا الاسم العظيم في القرآن الكريم 91 مرة منها قوله تعالى في سورة الحديد: ( سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۖ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ) (الحديد، الآية: 1).
وقوله تعالى: ( وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِّنَ اللَّهِ ۗ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ) (المائدة، الآية: 38).
وقوله تعالى في سورة الأحزاب: (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ ۗ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا) (الأحزاب، الآية: 1).
وأمام هذا الاسم العظيم أقول:
1- يجب أن يطمئن القلب تمام الاطمئنان لكلّ أحكام الله تعالى الدينيّةِ منها والقدريّة، لأنه لا يصدر عن الله تعالى إلا الخير والصواب، فهو سبحانه العليم الحكيم الخبير.
2- لنعلم أن عقولنا أصغر من أن تعلم حكمة الله تعالى في كل ما يصير في هذا الكون.
وإنّ من العقل.. أن يدرك المرء أن للعقل حدوداً.
3- لا مانع من أن تتطلب الحكمة في تشريع الله تعالى ليزيد تسليمك، ويتعمّق اطمئنانك، أمّا أن يتوقف إيمانك على معرفة الحكمة في كل شيء، فدون ذلك خَرْطُ القتاد.
وهذا يذكِّرنا بقول إبراهيم الخليل – عليه السلام: (وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَىٰ ۖ قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِن ۖ قَالَ بَلَىٰ وَلَٰكِن لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِي) (البقرة، الآية: 260).
4- سَلِ اللهَ الحكيمَ أن يرزقك الحكمة فهو واهبها سبحانه وتعالى: ( يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَن يَشَاءُ ۚ وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا) (البقرة، الآية: 269).
***
الحَكَم
هو الذي يحكم بين خلقه بالعدل، فلا يظلم أحداً منهم، وهو الذي أنزل كتابه العزيز ليكون حكماً بين الناس.
ورد هذا الاسم العظيم في حديث النبي حيث قال: «إن الله هو الحَكَم وإليه الحُكْم»([37]). () رواه أبو داود.
وأمام هذا الاسم الكريم أقول:
يجب أن يمتلئ القلبُ طمأنينةً بحكم الله الكوني، ورضاً بحكم الله الشرعي، فلا أحكمَ من الله تعالى ولا أعدلَ منه ولا أرحم، وقد قال سبحانه في سورة التين: ( أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ ) (التين، الآية: 8).
2- يَحْرُمُ أن يُحكَّمَ في أرض الله إلا حكم الله تعالى. (أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ ۚ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ).
3- إنه لنقص في العقل، أن يذَرَ المرءُ أو الجماعةُ أو الدُّوَلُ حكمَ الله وشرعه وهو الخالق العليم والحكيم الرحيم، ويأخذوا بحكم المخلوق القاصر: (مَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِهِ إِلَّا أَسْمَاءً سَمَّيْتُمُوهَا أَنتُمْ وَآبَاؤُكُم مَّا أَنزَلَ اللَّهُ بِهَا مِن سُلْطَانٍ ۚ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ) (يوسف، الآية: 40).
***
الخبير
هو الذي أحاط علمه ببواطن الأشياء وخفاياها كما أحاط بظواهرها.
ورد هذا الاسم العظيم في القرآن خمساً وأربعين مرة.
منها قوله تعالى: ( إِنَّ رَبَّهُم بِهِمْ يَوْمَئِذٍ لَّخَبِيرٌ) (العاديات، الآية: 11).
وقوله تعالى في سورة فاطر: (وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ هُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ ۗ إِنَّ اللَّهَ بِعِبَادِهِ لَخَبِيرٌ بَصِيرٌ) (فاطر، الآية: 31).
وقوله تعالى: ( وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ ۚ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ) (الأنعام، الآية: 18).
وأمام هذا الاسم العظيم أقول:
1- عِلمُنا بمعنى هذا الاسم يزيد من تعظيمنا لله تعالى وكثرة ثنائنا عليه، ومحبّتنا له.
2- إيماننا بمعنى هذا الاسم العظيم وشموله يدفعنا إلى العمل الصالح واتقانه، ويمنعنا من اقتراف الذنب في حقه تعالى وفي حق خلقه. وقد قال تعالى: (وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنَ الْقُرُونِ مِن بَعْدِ نُوحٍ ۗ وَكَفَىٰ بِرَبِّكَ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا) (الإسراء، الآية: 17).
3- يمكن للإنسان المسكين أن يخدع الناس بتظاهره أمامهم بأنه ذو أمانة وطيبة وديانة، ولكنّ قلبَه منطوٍ على خبثٍ عظيم.. وفسادٍ عريض.
أما أمام الله تعالى فالسرائر كالعلانية: ( وَأَسِرُّوا قَوْلَكُمْ أَوِ اجْهَرُوا بِهِ ۖ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (13) أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ) (الملك، الآية: 13).
فإما أن يتوب المرء إلى ربّه ويطلبَ منه العفو والمغفرة، وإلا فلينتظر الفضح والعقاب، طال الزمن أو قَصُر قال تعالى: ( وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَىٰ عَلَى اللَّهِ كَذِبًا ۚ أُولَٰئِكَ يُعْرَضُونَ عَلَىٰ رَبِّهِمْ وَيَقُولُ الْأَشْهَادُ هَٰؤُلَاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَىٰ رَبِّهِمْ ۚ أَلَا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ) (هود، الآية: 18).
4- لا يجوز لمن عَلِمَ معنى اسم الله الخبير أن يتطرق إلى قلبه أدنى شك أو قلق من عظمة تشريع الله تعالى، وصواب أحكامه في كل زمان ومكان، ولا عَجَبَ في ذلك فهو تشريعٌ من لدن حكيم خبير.
***
التوّاب
هو الذي يرجع على عبده بالرضا بعد أن غضب عليه، وبالعفو عنه بعد أن عاقبه أو استحق العقاب، وهو الذي يوفِّق عبدَه للتوبة ويقبلها منه.
ورد هذا الاسم الكريم في القرآن 11 مرة. منها قوله تعالى في سورة البقرة: ( فَتَلَقَّىٰ آدَمُ مِن رَّبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ ۚ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ) (البقرة، الآية 37).
وكذلك قوله تعالى: ( فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ ۚ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا) (النصر، الآية: 3).
وأمام هذا الاسم العظيم أقول:
1- تذكر دائماً أن أعظم من يجبُ أن يُمدحَ ويُثنى عليه هو ربّنا سبحانه وتعالى، وهو أهلٌ للمدح والحمد والتعظيم لا نحصي ثناءً عليه هو كما أثنى على نفسه.
فاحمد الله تعالى على عظيم توبته على عباده وَسَعةِ عفوه ومغفرته، ( وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَعْفُو عَنِ السَّيِّئَاتِ وَيَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ) (الشورى، الآية: 25).
2- التأمل في سَعَةِ توبة الله تعالى على عباده يصنع في القلب محبَّته وهو أعظم محبوب على الإطلاق.. ويزيل منه اليأسَ والقنوط، (وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ حَكِيمٌ ) (النّور، الآية: 10).
3- يا أيها المذنب – وكلّنا مذنب – اِسأل التوابّ الكريم أن يشرح صدرك للتوبة النصوح العاجلة.. واسأله سبحانه أن يقبلها منك.. وتذكَّر فضلَ الله على الثلاثة الذين خُلِّفوا فَمَنّ الله عليهم وعفا عنهم.. ( وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّىٰ إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَن لَّا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا ۚ إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ) (التوبة، الآية: 118).
4- إذا قرأتَ ما رُوِيَ عن النبي : «كلُّ ابن آدم خطّاء وخير الخطائين التوابون»([38])، فاعلم أنَ النّاس قسمان كما في سورة الحجرات في قوله تعالى: ( وَمَن لَّمْ يَتُبْ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ ) فتائبٌ مرَحوُم.. أو ظالمٌ محروم. () رواه الترمذي.
5- لا تنس ما ذكره أهل العلم – وصدقوا – مِن أنّ التوبة: صفة للعبد المؤمن، ينبغي أن تُلازمه ويلازمها في جميع مراحل حياته، وكلّ منازل سيره، لأنه لن يخلو من تقصير في حقّ الله العظيم مهما بلغ من طاعةٍ، ومهما وصل من منزله، وهاهو ذا نبينا -صلى الله عليه وسلم- وهو أحبّ خلق الله إلى الله يقول: «ياأيها النّاس: توبوا إلى الله واستغفروه، فإني أتوب إلى الله في اليوم مائة مرّة»([39]). () رواه مسلم.
***
القريب
هو القريب من جميع خلقه، فهو المحيط بهم والعليم بحالهم، وهو القريب من المؤمنين بنصره لهم وإجابة دعائهم، وحفظهم.
ورد هذا الاسم الجميل في كتاب الله تعالى ثلاث مرات، منها قوله تعالى: ( وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ ۖ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ ۖ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ) (البقرة، الآية: 186).
وقوله تعالى في سورة هود: ( وَإِلَىٰ ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا ۚ قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَٰهٍ غَيْرُهُ ۖ هُوَ أَنشَأَكُم مِّنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا فَاسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ ۚ إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُّجِيبٌ) (هود، الآية: 61).
وأمام هذا الاسم الكريم أقول:
1- كم يأنسُ العبدُ إذا عَلِم أن ربَّه الكريمَ قريبٌ منه، وكم يطمئنُّ بذلك قلبُه ويزيدُ في فأله وحسن ظنّه به.
2- لا بد أن تدفعك معرفتك بقرب الله تعالى منك، إلى أن تقترب منه بكل ما يحبّه ويرضاه، وقد قال تعالى: إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِّنَ الْمُحْسِنِينَ) (الأعراف، الآية: 56)، وقال سبحانه في الحديث القدسي: «وما تقرّب إليّ عبدي بشيء أحبَّ إليّ مما افترضته عليه، وما يزال عبدي يتقرب إليّ بالنوافل حتى أحبّه»([40]). () رواه البخاري.
3- هل تذكر قول النبي -صلى الله عليه وسلم- في صحيح مسلم: «أقرب مايكون العبد من ربّه وهو ساجد» فكن من الساجدين.. نفلاً وفرضاً... وكن من الساجدين قلباً وأرضاً.
***
المجيب
هو الذي يجيب دعوة الداعين وسؤال السائلين على ما يقتضيه عِلمُه وحكمتُه.
وهذا الاسم العظيم من الأسماء التي لم ترد في القرآن إلا مرة واحدة، وذلك في قوله تعالى: ( ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ ۚ إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُّجِيبٌ) (هود، الآية: 61) وورد بصيغة الجمع في سورة الصافات: (وَلَقَدْ نَادَانَا نُوحٌ فَلَنِعْمَ الْمُجِيبُونَ ) (الصافات، الآية: 75).
وأمام هذا الاسم العظيم أقول:
1- كم يدفعك هذا الاسم إلى دعاء الله تعالى والطمع فيما عنده، فترمي بحاجاتك الدنيوية والدينية والأخروية بين يديه. وما صدق عبدٌ مع الله تعالى إلا وصدق الله معه.
فافتقر أمام غناه.. وتوسّع في طلبه، واعترف بالتقصير في حقه،وأبشر منه بالعطاء الكثير.. والخير الوفير
قال النبي -صلى الله عليه وسلم- : «إن ربّكم تبارك وتعالى حييٌّ كريم، يستحيي من عبده إذا رفع يده أن يردهما صفرا»([41]). () رواه أبو داود، والترمذي.
2- إذا أردتّ فهم الحقيقة باختصار فاعلم أنها: (استجابةٌ يقابلها إجابة).
ومصداق ذلك قوله تعالى : (وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ ۖ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ ۖ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ) (البقرة، الآية: 186).
***
الودود
هو الحبيبُ الذي يُحِبُّ أولياءَه ويتودد إليهم بالمغفرة والعطاء، وهم يحبّونه، فمن أحبّه اللهُ تعالى أجاب دعاءَه وأعاذه مما يخافه وبعث له القبول في الأرض، ومن أحب الله تعالى أطاعه واشتاق للقائه.
جاء هذا الاسم الكريم في القرآن في موضعين: الأول قوله تعالى: ( وَاسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ ۚ إِنَّ رَبِّي رَحِيمٌ وَدُودٌ) (هود، الآية: 90). والثاني في قوله تعالى: (وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ) (البروج، الآية: 14).
وأمام هذا الاسم الجميل أقول:
1- علينا أن نُكثِرَ من حمد الله تعالى والثناء عليه،وخاصّة إذا عَلِمنا أنّ ربّنا الذي نعبده له هذا الاسم الكريم (الودود)، فله الحمد دوماً.
2- على اللبيب أن يتعرض لجميع الأسباب التي تُكسِبُه محبةَ الودود سبحانه، من الإيمان به، والإحسان لخلقه، والتقرّب إليه بأنواع الفرائض والنوافل، والتوبة إليه من كلّ تقصير، (إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ) (البقرة ، الآية: 222).
3- على من أراد أن يُذيقَ قَلبَه محبّة الله تعالى، فليتعرّف على كمالات الله عز وجل وجلاله وجماله وليتذكر عظيم إحسانه وإنعامه على خلقه، قال تعالى: (وَمَا بِكُم مِّن نِّعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ ۖ ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ) (النحل، الآية: 53) .
4- لا تنس أن من أعظم دلائل محبة العبد لربّه تعالى هو ما ذكره الله في آية الامتحان من سورة آل عمران ( قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ ۗ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ) (آل عمران، الآية: 31).
5- من ذاق محبّة الله تعالى، ازدانت في قلبه الحياة، وسهلت عليه الطّاعات، واستعذب من أجل الله تركَ المعاصي والسيئات، ومازال الشوقُ يحدوه حتى يرى ربّه سبحانه فإنّ وَعْدَه آت .. (وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ (22) إِلَىٰ رَبِّهَا نَاظِرَةٌ) (القيامة، الآيتان: 22، 23).
***
الولي .. المولى
أمّا الولي: فهو القائم على أمور خلقه وتدبير ملكه وهو النَّصيرُ والظّهيرُ لأوليائه.
ورد اسم الله الوليّ في القرآن 11 مرة..
منها قوله تعالى: ( وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِأَعْدَائِكُمْ ۚ وَكَفَىٰ بِاللَّهِ وَلِيًّا وَكَفَىٰ بِاللَّهِ نَصِيرًا) ( النساء، الآية: 45).
وقوله تعالى: ( وَهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الْغَيْثَ مِن بَعْدِ مَا قَنَطُوا وَيَنشُرُ رَحْمَتَهُ ۚ وَهُوَ الْوَلِيُّ الْحَمِيدُ) (الشورى، الآية: 28).
وأما المولى: فهو الرب والملك والسيد والناصر والمعين لأوليائه.
ورد اسمه تعالى المولى في القرآن 12 مرّة: منها قوله تعالى: (فَنِعْمَ الْمَوْلَىٰ وَنِعْمَ النَّصِيرُ ) (الحج، الآية: 78).
وقوله تعالى: ( نِعْمَ الْمَوْلَىٰ وَنِعْمَ النَّصِيرُ ) (الأنفال، الآية: 40).
وأمام هذين الاسمين الجليلين أقول:
1- اعلم أنه بقدر إيمانك تنال من ولاية الله الخاصة لك.. فمستقلٌّ ومُستَكثِر.
2- تذكر أن من تولى اللهَ، تولاه الله تعالى.. وأن أولياءَ الله ليسُوا هم الذين يطيرون في الهواء أو يمشون على الماء – زعموا - وإنما هم المؤمنون المتقون: ( أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (62) الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ) (يونس، الآية: 62).
3- إن لم تكن من أصحاب الدرجات العليا من أولياء الله، فلا أقلّ من أن تُحبّهم، وتُناصرهم، وتجتهدَ بالتشبّه بهم، فهم القوم لا يشقى بهم جليسهم، وقد قال تعالى في سورة التوبة: ( وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ ) .
4- ولاية الله تعالى عامّة، وخاصّة
فالعامة: للخلق أجمع، فهو سبحانه سيّدهم وخالقهم ومالكهم: ( ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلَاهُمُ الْحَقِّ ۚ أَلَا لَهُ الْحُكْمُ وَهُوَ أَسْرَعُ الْحَاسِبِينَ) (الأنعام، الآية: 62).
والخاصّة: للمؤمنين به، فهو سبحانه ناصرهم ومعينهم وحافظهم، وللنبي -صلى الله عليه وسلم- منها أوفر الحظ والنّصيب وقد قال تعالى آمراً النبي – عليه السلام – أن يقول: (إِنَّ وَلِيِّيَ اللَّهُ الَّذِي نَزَّلَ الْكِتَابَ ۖ وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ) (الأعراف، الآية: 196).
***
الحميد
هو المحمود على أسمائه وصفاته وأفعاله، وهو الذي يُحمد في السراء والضراء، وفي الشدة والرخاء، وهو المستحق للحمد والثناء على الإطلاق لأنه الموصوف بكل كمال.
ورد هذا الاسم العظيم في القرآن 17 مرة. منها قوله تعالى: (وَهُدُوا إِلَى الطَّيِّبِ مِنَ الْقَوْلِ وَهُدُوا إِلَىٰ صِرَاطِ الْحَمِيدِ) (الحج، الآية: 24).
ومنها قوله تعالى: ( وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلَّا أَن يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ ) (البروج، الآية: 8).
وأمام هذا الاسم العظيم أقول:
1- اعلم أن الله تعالى محمود على كمالاته حتى وإن لم يحمده خلقه.
2- واعلم أيضاً أن من أعظم العبادات القولية كثرة حمد الله تعالى والثناء عليه بما هو أهله. فليَطِبْ بها لِسَانُك، ولينشرح بها صدرُك.. ولترتفع بها درجتُك.
وقد قال النبي -صلى الله عليه وسلم- : «وسبحان الله والحمدلله تملآن مابين السّماء والأرض»([42]) . () رواه مسلم.
والحمد: هو وصف الله بالكمال الذاتي والوصفي والفعلي مع المحبّة والتعظيم، فإن لم يكن محبّةٌ وتعظيم، فلا يسمّى حمداً، وإنّما يكون مدحاً.
3- إن أسمى ما يُحمد الله تعالى عليه هو ما له من الأسماء الحسنى والصفات العُلا، فيُحمد سبحانه على قوته وقدرته، وحلمه، وعلمه، وجلاله وعظيمِ سلطانه، وسعة رحمته وعظيم مغفرته .. ثم يأتي بعد ذلك في المرتبة، حمدهُ تعالى على نعمته وعطائه.
4- علينا أن نتتبع المواطن التي ثبتت عن نبينا وقال فيها ذكراً لله تعالى يتضمن الحمد له.
ومنها ما رواه مسلم في صحيحه عن أنس – رضي الله عنه – أن النبي كان إذا أوى إلى فراشه قال: «الحمد لله الذي أطعمنا وسقانا وكفانا وآوانا، فكم ممن لا كافي له ولا مؤوي».
5- أختم حديثي هنا بعبارة الزجاج رحمه الله تعالى حينما قال: «والله تعالى هو المحمود بكل لسان، وعلى كل حال كما يقال في الدعاء: الحمد لله الذي لا يُحمد على الأحوال كلِّها سواه» ([43]). () تفسير الأسماء، ص55.
وهنا أنبه إلى عدم دِقة العبارة المتداولة بيننا: «الحمد لله الذي لا يُحمَد على مكروه سواه».. وقد أشار إلى ذلك العلامتان ابن عثيمين رحمه الله والبرّاك حفظه الله.
***
النصير
هو المُعينُ الذي يؤيد بنصره من يشاء، فلا غالب لمن نصره ولا ناصر لمن خذله.
ورد هذا الاسم العظيم في القرآن 4 مرات: منها قوله تعالى: (نِعْمَ الْمَوْلَىٰ وَنِعْمَ النَّصِيرُ ) (الأنفال، الآية: 40).
وقوله تعالى: ( وَكَفَىٰ بِاللَّهِ وَلِيًّا وَكَفَىٰ بِاللَّهِ نَصِيرًا ) (سورة النساء، الآية: 45).
وقوله تعالى: ( وَكَفَىٰ بِرَبِّكَ هَادِيًا وَنَصِيرًا ) (الفرقان، الآية: 31).
وأمام هذا الاسم العظيم أقول:
1- اعلم أنه لا يُطلب النّصرُ إلا من مالكه وواهبه وهو الله تعالى: ( وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِندِ اللَّهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ) (الأنفال، الآية: 10).
2- إذا علمت أنه لا ناصر إلا الله تعالى فاعلم أيضاً أنّه سبحانه إذا نصرك فلا غالب لك حتى لو اجتمعت الإنس والجنّ عليك: وقد قال تعالى: ( إِن يَنصُرْكُمُ اللَّهُ فَلَا غَالِبَ لَكُمْ ۖ وَإِن يَخْذُلْكُمْ فَمَن ذَا الَّذِي يَنصُرُكُم مِّن بَعْدِهِ ۗ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ) ( آل عمران، الآية: 160).
3- حتى تعرف السّبب الذي يستجلب لك النصر إن بذلته، فقف عند قوله تعالى: ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ ).
وكذلك قوله تعالى: ( وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ ) (الروم، الآية: 47).
وقوله تعالى: ( إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ ) (غافر، الآية: 51).
4- في كلام جميلٍ، يقول الطبري – رحمه الله تعالى – عند قوله تعالى: ( بَلِ اللَّهُ مَوْلَاكُمْ ۖ وَهُوَ خَيْرُ النَّاصِرِينَ) بل الله مولاكم: وليّكم وناصركم على أعدائه الذين كفروا. ( وَهُوَ خَيْرُ النَّاصِرِينَ) لا منْ فررتم إليه من اليهود وأهل الكفر بالله، فبالله الذي هو ناصركم ومولاكم فاعتصموا، وإياه فاستنصروا دون غيره ممّن يبغيكم الغوائل، ويرصدكم بالمكاره.
***
الحفيظ .. الحافظ
اسمان دالّان على حفظ الله لخلقه ليعيشوا على حسب ما قدره لهم، وهو الحفيظ على عباده ما عملوه من خير وشر، وهو الحفيظ لأوليائه عن كلّ ما يضر بإيمانهم من الشبهات والشهوات ووساوس الشياطين.
ورد اسمه تعالى الحفيظ في القرآن ثلاث مرات، منها قوله تعالى: (إِنَّ رَبِّي عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ) (هود، الآية:57).
وقوله تعالى: ( وَرَبُّكَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ) (سبأ، الآية: 21).
وأما الحافظ فقد أخبر الله عن نفسه في سورة يوسف فقال: (فَاللَّهُ خَيْرٌ حَافِظًا ۖ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ) (يوسف، الآية: 64)، وقال تعالى: ( إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ) (الحجر، الآية: 9).
وأمام هذين الاسمين العظيمين أقول:
1- على المرء أن يراقب الله تعالى في كل ما يقوله ويفعله، لأن الله عز وجل يحفظ على العباد أعمالهم ليحاسبهم عليها يوم القيامة ، (كَلَّا بَلْ تُكَذِّبُونَ بِالدِّينِ (9) وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ (10) كِرَامًا كَاتِبِينَ (11) يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ) (الانفطار، الآيات: 9-12).
2- التأمل في معنى هذا الاسم يملأ قلبك تعظيماً لله تعالى الذي يحفظ خلقه حفظاً عاماً ( وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا ۚ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ). وحفظاً خاصاً لأوليائه وقد قال تعالى: (إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا).
3- الطريق واضح لمن أراد أن يكسب حفظ الله الخاصَّ له، فيُبعده عن الشبهات والشهوات، ويحفظه من أعدائه في الدنيا.. ومن الأهوال يوم القيامة.
وهو قول النبي : «احفظ الله يحفظك» ([44]). () رواه أحمد.
فاحفظ الله بإقامة شرعه، وأداء فرائضه والسير على نهج نبيه -صلى الله عليه وسلم- حتى تنال حفظ الله لك في الدنيا والآخرة.
***
المجيد
هو الواسع فيما له من الأسماء الحسنى والصفات العليا، فهو واسع في عظمته وكرمه وجميع أوصافه.
ورد هذا الاسم العظيم في القرآن مرتين، الأولى في سورة هود: ( ر رَحْمَتُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ ۚ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَّجِيدٌ) (هود، الآية: 73)، والثانية في سورة البروج: ( وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ (14) ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ ) (البروج، الآيتان: 14، 15).
وأمام هذا الاسم العظيم أقول:
1- لأن الله تعالى مجيدٌ واسعٌ في عظمته وكرمه فلا ينبغي أن يُعبد إلا هو وحده، ولا يُتَعلَّقُ في تفريج الكربات، وقضاء الحوائج إلا به.
2- إذا أردت المجدَ والرِّفعةَ فاقترب من المجيد سبحانه، طاعةً له،وثناءً عليه، وعملاً بكتابه المجيد.
3- وصف الله تعالى،عرشه بالمجيد فقال: ( ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ) على قراءة الكسر في دال "المجيد" فالعرش هو أوسع وأعظم مخلوقات الله تعالى التي نعلمها، وقد وصف اللهُ كتابه بالمجيد في قوله: (ق ۚ وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ) فالقرآن واسع في إعجازه وإحكامه، وبركاته، فهي خيراتٌ لا تنضب، مع كثرة الواردين عليه من الخلق والعلماء.
4-نحن مطالبون بتمجيد خالقنا سبحانه، ولايكون ذلك إلا بكثرة ذكره، والتوسُّعِ في مدحه والثناء عليه، وتعظيم أوامره ونواهيه، فاحذر أن يكون ذكرك للمخلوق، وتمجيدك له، أكثر من ذكرك للخالق المجيد سبحانه.
***
الشهيد
هو المطّلع على جميع خلقه، فيسمع جميع الأصوات ويبصر جميع الموجودات.
ورد هذا الاسم العظيم في القرآن 18 مرة، منها قوله تعالى: (وَأَنتَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ ) المائدة، الآية: 117).
وقوله في سورة النساء: ( وَكَفَىٰ بِاللَّهِ شَهِيدًا ).
وأمام هذا الاسم الجليل أقول:
1- معرفتك بشهادة الله الدائمة على جميع خلقه وإطلاعهم عليه تطمئنك إن كنت صالحاً أو مظلوماً.. وتحذرك إن كنت عاصياً أو ظلوماً.
قال تعالى: ( إِنَّ اللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ) (سورة الحج، الآية: 17).
2- لا تقلق كثيراً على حال الإسلام والظلم الواقع على أهله، فالله الشهيد الحكيم الرحيم مُطّلعٌ على كيد الكفرة والمنافقين.. ومطلع أيضاً على ضعف المسلمين ( قُتِلَ أَصْحَابُ الْأُخْدُودِ (4) النَّارِ ذَاتِ الْوَقُودِ (5) إِذْ هُمْ عَلَيْهَا قُعُودٌ (6) وَهُمْ عَلَىٰ مَا يَفْعَلُونَ بِالْمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ (7) وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلَّا أَن يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ (8) الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۚ وَاللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ) (البروج، الآيات: 4-9).
وإنما المهمّ هو صدق التزامك بهذا الدين، وحرصك على أن تكون من الصالحين الذين لهم المآل..، وإن ضعفوا في الحال.. والعاقبة للمتقين.
***
المقدّم والمؤخّر
هو الذي يًقَدِّمُ بعضَ مخلوقاته في خلقها ويؤخِّر بعضَها، على ما تقتضيه مشيئته وحكمته، وهو الذي يُقدِّم بعضَ خلقه في الفضل ويؤخِّر بعضهم على ما تقتضيه مشيئتُه وعلمُه ورحمتُه.
ورد هذان الاسمان العظيمان في حديث النبي في دعائه لاستفتاح الصلاة في تهجده في الليل: «اللهم لك أسلمت وبك آمنت.. – إلى قوله – أنت المقدِّمُ وأنت المؤخِّر لا إله إلا أنت» ([45]). () رواه البخاري.
وكذلك في وصف علي بن أبي طالب – رضي الله عنه – لصلاة النبي وأنه كان يقول بين التشهد والتسليم: «اللهم اغفر لي ما قدمت وما أخّرت، وما أسررت وما أعلنت وما أسرفت، وما أنت أعلم به مني أنت المقدم وأنت المؤخر لا إله إلا أنت»([46]). () رواه مسلم.
وأمام هذين الاسمين العظيمين أقول:
1- اعلم أن تقديمَ الله تعالى وتأخيرَه ينقسم قسمين:
أ- قسمٌ كوني: كتقديم بعض المخلوقات في الخَلق على الإنس.. وهذا كلّه مبنيٌّ على الحِكمة والعلم.
ب- قسمٌ شرعي: كتقديم بعض العبادِ في الفضل على البعض، كفضل الأنبياء على مَن سواهم، وهذا مبني على العدل والرحمة والفضل.
2- اعلم أيضاً أن ميزان الله تعالى في تقديم بعض عباده على بعض ليس من أجل صورهم ولا أجسامهم، وإنّما بما عَلِمَه الله في قلوبهم من الصدق والطّهر والإيمان، وبما عملوه من صالح الأقوال والأفعال وقد قال النبي -صلى الله عليه وسلم- : «إنّ الله لا ينظر الى صوركم وأموالكم ولكن ينظر الى قلوبكم وأعمالكم»([47]). () رواه مسلم.
3-مَنْ قدّمه اللهُ تعالى فهو المقدَّمُ وإن أخّره النّاس. ومن أخَّرَهُ اللهُ فهو المؤخَّر وإن قدّمه النّاس، فالله يعلم ولا نعلم
( أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ) (الملك، الآية: 14).
فانتبه لمكانتك عند الخالق قبل عند المخلوق.
4- احذر أن تُقَدِّمَ مَنْ أراد الله تأخيره أو تُؤخِّر مَنْ أراد الله تعالى تقديمَه.
قال النبي : «يؤم القومَ أقرؤُهم لكتاب الله، فإن كانوا في القراءة سواء فأعلمهم بالسنة...» ([48]). () رواه مسلم.
***
المُسعِّر
هو الذي يزيد من قيمة الأشياء ومكانتها وتأثيرها أو يُنقِصُها فتغلى الأشياء أو ترخص على ما تقتضيه حكمته وعلمه ورحمتُه.
وقد ورد هذا الاسمُ العظيمُ (فيمن عَدّه من أسماء الله، كالقرطبي، وابن حزم، والشوكاني، وابن باز، والألباني)– رحمهم الله تعالى – في حديث النبي الذي رواه الترمذي وغيره أنّ النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «.. إن الله هو المسعر القابض الباسط الرازق..» ([49]). () قال أبو عيسى: حديث حسن صحيح.
وأمام هذا الاسم والوصف العظيم أقول:
1- إذا علمنا أن ربَّنا سبحانه هو مدبّر الأمور كلِّها، وهو مقلِّبُ الليل والنّهار وما فيهما، زاد ذلك من تعلُّقِنا به، وتوكُّلِنا عليه وطَمعِنَا في فضله، فإنه باسطُ الأرزاق ومُكَثِّرُها فَتَرخُص أو قابضُها فَتقِلُّ وترتفع أسعارها.
2- يجب أن يترسّخ اليقين في قلوبنا بأنّا إن أطعنا الله فيما أمرنا، أعطانا ما تكفل به لنا ( وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَىٰ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَٰكِن كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُم بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ) (الأعراف، الآية: 96).
***
القابض والباسط
هو الذي يَقْبِضُ الأرواح، ويُمسِك الأرزاق عن من شاء من خلقه بحكمته وقدرته وهو الذي يوسِّعُ الرزق لعباده بجوده ورحمته، فيبتليهم بذلك على ما تقتضيه حكمته، وهو الذي يبسط يديه بالتوبة لمن أساء.
لم يرد هذان الاسمان العظيمان في القرآن الكريم وإنما وردا في حديث النبي حينما قال الناس: يا رسول الله غلا السعر، فسعِّر لنا فقال: «إن الله هو المُسَعِّر، القابضُ الباسطُ الرازق، وإنّي لأرجو أن ألقى الله وليس أحدٌ منكم يطلبني بمَظلَمةٍ في دمٍ ولا مال» ([50]). () رواه الترمذي وأبو داود.
وأمام هذين الاسمين العظيمين أقول:
1- القابض والباسط اسمان، لا يُفْرَدُ أحدُهما عن الآخر لأن الكمال المطلق إنما يحصل بمجموع الوصفين، ولا ينبغي أن يُثْنى على الله تعالى إلا بهما مقترنين.
2- يجب التوكُّلُ على الله تعالى وتفويض الأمر إليه، والطّمع فيما عنده، فلا قابض لما بسط الله، ولا باسط لما قبض، وليس الأمر بيد الخلق، فهم يسيرون بتدبير الله تعالى، فليطمئنَّ القلبُ، ولتَسْكُنِ النفّسُ.
3- ما يُقدِّره الله عز وجل من القبض والبسط إنما هو صادرٌ عن حكمته وعلمه ورحمته، فَارْضَ بما قسمه الله تعالى.
4- اعلم أن أعظم ما يبسطه الله لعبده هو بسط قلبه للخير وانشراحه للإيمان وبالإيمان: ( أَفَمَن شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ فَهُوَ عَلَىٰ نُورٍ مِّن رَّبِّهِ) (الزمر، الآية: 22).
5- سَلِ اللهَ الباسط أن يَبْسطَ لك ما يُسعدك في الدنيا والآخرة، من رزقٍ حلال، وعافية شاملة، وعلمٍ ينتفع به، وإيمانٍ يملؤ عليك قلبك.
6- ليكن حاضراً في ذهنك أن بَسْطَ اللهِ تعالى لأحدٍ من عباده في الدّنيا لا يعني بالضّرورة رضاه عنه.. وكذلك تضييقُ اللهِ تعالى لأحدٍ من عباده في الرزق لا يعني بالضرورة غَضَبَه عليه ومَقْتَه له، بل الله تعالى يبتلي عباده بالسراء والضراء، والمرضيُّ عنه هو من وفقه الله للإيمان والعمل الصالح وجعله من الصابرين الشاكرين. وقد قال سبحانه في سورة الفجر: ( فَأَمَّا الْإِنسَانُ إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ (15) وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلَاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ) (الفجر، الآيتان: 15، 16).
7- من جميل مايُذكّر به في هذا المقام، حتى ينال العبد بسط الله تعالى له، هو حديث النبي -صلى الله عليه وسلم- : «من سرّه أن يُبسَطَ له في رزقه أو يُنسأَ له في أثره، فليصِل رَحِمَه » ([51]). () رواه البخاري ومسلم.
وكذلك قول النبي -صلى الله عليه وسلم- في الحديث القدسي عن الله تعالى أنه قال: «أنفِق يا ابن آدم أُنفِق عليك»([52]) ، فابسط يدك بالخير والعطاء، من أجل الله تعالى، وانظر ماذا ترى. () رواه البخاري ومسلم.
***
المعطي
هو الذي يعطي ما شاء من خزائنه لمن شاء من خلقه، ولا رادّ لعطائه..، ولأوليائه النّصيبُ الأوفرُ من عطائه، وهو الذي أعطى كلّ شيء خَلْقَه وصُورتَه.
وهذا الاسم العظيم إنما ورد في حديث النبي فقد قال: «من يُرِد اللهُ به خيراً يفقهه في الدين، والله المعطي وأنا القاسم، ولا تزال هذه الأمّة ظاهرةً على من خالفهم حتى يأتي أمر الله وهم ظاهرون»([53]). () رواه البخاري.
والذي ورد في القرآن إنما هو بصيغة الفعل كقوله عز وجل: (وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَىٰ) (الضحى، الآية: 5) وقوله: ( إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ ).
وأمام هذا الاسم الكريم أقول:
1-إذا تذكّر العبدُ عطاءَ الله له، وجودَه عليه، وتذكّر أيضاً تقصيره في حقّ هذا الإله الكريم، أورث ذلك في القلب محبّةً عظيمةً لله تعالى، وحياءً منه، وقد قال -صلى الله عليه وسلم- في الحديث القدسي عن ربّه سبحانه «...لو أنّ أولكم وآخركم، وإنسكم وجنّكم قاموا في صعيد واحد، فسألوني، فأعطيت كلّ واحد مسألته، مانقص ذلك من ملكي شيئاً إلا كما ينقص المخيط إذا أدخل في البحر... »([54]). () رواه مسلم.
2- إذا كان الله تعالى هو المعطي الكريم، فكن أنت السائل المستقيم.
( وَأَن لَّوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَاهُم مَّاءً غَدَقًا) (الجن، الآية: 16).
3-كُن سخيّاً ومُعطياً، فالله تعالى يحبّ العطاء وأهله، وقد قال سبحانه في سورة الليل: ( فَأَمَّا مَنْ أَعْطَىٰ وَاتَّقَىٰ (5) وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَىٰ (6) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَىٰ) (الليل، الآيات: 5-7).
فأعطِ من مالك.
وأعطِ من شفاعتك.
وأعطِ من علمك.
وأعطِ من نصحك.
وأبشر بوعد الله لك.
4- عطاء الله تعالى فوق مايخطر ببال الخلق، ففي الدنيا يعطي الله البرَّ والفاجر، والمسلمَ، والكافر، ثم يصطفي الله المؤمنين بعطائه وإنعامه يوم القيامه ( كُلًّا نُّمِدُّ هَٰؤُلَاءِ وَهَٰؤُلَاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ ۚ وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا (20) انظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ ۚ وَلَلْآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلًا) (الاسراء، الآيتان: 20، 21).
***
الديّان
هو المجازي عباده على ما فعلوه، فإن كان خيراً ضاعفه بفضله، وإن كان شرّاً عاقب عليه بعدله أو عفا عنه.
ورد هذا الاسم العظيم في حديث النبي فقط. ففي حديث جابر – رضي الله عنه – الطويل: «.. ثم يناديهم – أي الله تعالى – بصوتٍ يسمعه من بَعُد كما يسمعه من قَرُب: أنا الملك، أنا الديّان»([55]). () رواه الحاكم.
وأمام هذا الاسم العظيم أقول:
1- مَن استقر معنى هذا الاسم العظيم في قلبه، أورث ذلك خشيةً من الله، فاجتنب ما يُغضبه قبل الوقوف أمامه للجزاء والحساب ( وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا ۖ وَإِن كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا ۗ وَكَفَىٰ بِنَا حَاسِبِينَ) (الأنبياء، الآية: 47).
2- كم يبعث هذا الاسم في قلوب المظلومين من الطمأنينة والثقة والتسلية، وأن الله تعالى آخِذٌ لهم حقَّهم، ومعاقبٌ ظَالمهَم: (وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ ۚ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ) (إبراهيم، الآية: 42).
3- ما أعدلَ ربِّي، وما أرحمَه، فقد قال النبي -صلى الله عليه وسلم- : «لتُؤدُّنّ الحقوقَ الى أهلها، حتى يُقتَصَّ للشاة الجمّاء من القرناء» ([56]). () رواه مسلم.
***
المنّان
اسمٌ لله تعالى دالٌّ على كثرة عطائه، وعظيم إنعامه، ووفرة إحسانه على خلقه.
لم يرد هذا الاسم العظيم في القرآن الكريم إلا بصيغة الفعل كما في قوله تعالى: ( لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِّنْ أَنفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُوا مِن قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ) (آل عمران، الآية: 164).
وإنما ورد عند الترمذي وأبي داود عن أنس – رضي الله عنه – أنه كان جالساً مع رسول الله ورجلٌ يُصَلِّي ثمّ دعا: اللهم إني أسألك بأن لك الحمد لا إله إلا أنت المنّانُ بديعَ السماوات والأرض، يا ذا الجلال والإكرام، يا حيُّ يا قيُّوم. فقال النبي : «لقد دعا الله باسمه الأعظم، الذي إذا دُعِيَ به أجاب، وإذا سُئل به أعطى».
وأمام هذا الاسم الكريم أقول:
1- الوقوف مع اسم الله المنان، والتأمل في كثرة عطائه لعبده، يصنع في القلب محبةً لله تعالى، ويُوجِبُ كثرةَ شُكره والثناءِ عليه.
2- يقول شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله تعالى – في عبارة جميلة عن الله عز وجل: «والمنّان: الذي يجودُ بالنّوال قبل السؤال». فلّله الحمد في الأولى والآخرة.
3- المِنّة صفة كمال ومدحٍ لله تعالى مِنْه على خلقه، أما المخلوق فالمنّة منه صفة نقص وذمّ.
فكلُّ ما يعيشه الخلق من الخير فهو عطاء الله ومنّته، وأمّا المخلوق فكيف يمنّ بما ليس منه على وجه الحقيقة، وهو كذلك مأجور على ما أعطى وموعود بالخُلف، وأما المنّان سبحانه يُعطي عباده تفضلاً وهو الغني عنهم.
وقد عاتب الله الأعرابَ الذين منّوا على النبي -صلى الله عليه وسلم- بإسلامهم فقال تعالى: ( يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا ۖ قُل لَّا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلَامَكُم ۖ بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ) (الحجرات، الآية: 17).
4- اعلم أنّ الله تعالى يُحبُّ من عبده أن يكون فَطِناً لنعمته، ومشاهداً لمنّته، وهكذا هم أهل الايمان دائماً، فقد قال الله تعالى في قصة يوسف: ( قَالُوا أَإِنَّكَ لَأَنتَ يُوسُفُ ۖ قَالَ أَنَا يُوسُفُ وَهَٰذَا أَخِي ۖ قَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا ۖ إِنَّهُ مَن يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ) (يوسف، الآية: 90) وقال سبحانه عن أهل الجنّة في سورة الطور: ( وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ (25) قَالُوا إِنَّا كُنَّا قَبْلُ فِي أَهْلِنَا مُشْفِقِينَ (26) فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا وَوَقَانَا عَذَابَ السَّمُومِ (27) إِنَّا كُنَّا مِن قَبْلُ نَدْعُوهُ ۖ إِنَّهُ هُوَ الْبَرُّ الرَّحِيمُ) (الطور، الآيات: 25-28).
***
الرازق .. الرزّاق
أما الرازق فهو المتكفل برزق مَنْ في السموات والأرض برًّا كان أو فاجراً، ثم يرزق أولياءه رزقاً خاصاً بقلوبهم فيزيدها إيماناً وحكمة، ويُنمي أجسادهم بالرزق الحلال.
ورد اسم الله تعالى الرازق بصيغة التفضيل في القرآن 5 مرات، منها قوله تعالى: ( وَارْزُقْنَا وَأَنتَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ) (المائدة، الآية:114) وقوله تعالى: ( وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِمًا ۚ قُلْ مَا عِندَ اللَّهِ خَيْرٌ مِّنَ اللَّهْوِ وَمِنَ التِّجَارَةِ ۚ وَاللَّهُ خَيْرُ الرَّازِقِينَ) (الجمعة، الآية: 11).
وأمّا الرزاق فهو اسمٌ دال على كثرة رزقه لخلقه، فهو سبحانه يرزقهم قبل أن يسألوه، بل ويرزقهم حتى مع معصيتهم له.
وقد ورد اسمه تعالى الرزّاق في القرآن مرة واحدة وذلك في سورة الذاريات: ( إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ) (الذاريات، الآية: 58).
وأمام هذين الاسمين العظيمين أقول:
1- كم سيثمر معرفة هذين الاسمين في قلب العبد من المحبة لله الكريم سبحانه..، فالكافر يعيش برزق الله له، فكيف بالمؤمن.. وقد قال سبحانه: ( وَمَا مِن دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا) (هود، الآية: 6).
وقال النبي -صلى الله عليه وسلم- : «ما أحدٌ أصبرَ على أذى سمعه، من الله، يدّعون له الولد ثم يعافيهم ويرزقهم»([57]). () رواه البخاري ومسلم.
2- اعلم يقيناً أن الرزق من الله تعالى، وبيده سبحانه، فلا يملك أحدٌ من المخلوقين جَلْبَ الرزق لأحدٍ أو دَفعَه عنه على وجه الاستقلال.
وهذا يُطِمئنُ القلب، ويشرح الصدر: (مَّا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِن رَّحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا ۖ وَمَا يُمْسِكْ فَلَا مُرْسِلَ لَهُ مِن بَعْدِهِ ۚ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ) (فاطر، الآية: 2).
ومِن جَهلِ المنافقين تَنَادِيهم في عهد النبي -صلى الله عليه وسلم- لحرب اقتصادية قذرةٍ عليه وعلى أصحابه – رضي الله عنهم – ناسين أن العطاء والرزق بيد الله تعالى: ( هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ لَا تُنفِقُوا عَلَىٰ مَنْ عِندَ رَسُولِ اللَّهِ حَتَّىٰ يَنفَضُّوا ۗ وَلِلَّهِ خَزَائِنُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَٰكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَفْقَهُونَ ) (المنافقون، الآية: 7).
3- اعلم واستحضر أن رزق الله تعالى أوسع من أن يكون طعاماً وشراباً فقط، بل هو كلُّ خير حسِّي أو معنوي، دنيوي أو أخروي يمنّ الله به عليك، وقد قال النبي : لعائشة – رضي الله عنها – عن خديجة – رضي الله عنهم: «إنّي رُزقت حبَّها»([58]). () رواه مسلم.
وعدم استحضار هذا المعنى الواسع للرزق يجعل البعض يظن نفسه من المحرومين، بسبب عدم توسيع الله له في المال، مع أنه قد وسّع له في العافية والتوفيق ومحبّةِ الناس له.
4- إن أعظم ما استُجلِبَت به الأرزاق واستُدعِيَت به البركات هو الإيمان بالله تعالى وتقواه: (وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَىٰ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَٰكِن كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُم بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ) (الأعراف، الآية: 96).
وقال تعالى: ( وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا (2) وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ) (الطلاق، الآيتان: 2، 3).
***
الوكيل والكفيل
هو القائم بتدبير شؤون الكائنات وتصريف أمورها، وهو الكافي لمن التجأ إليه والحافظ لمن اعتصم به.
أمّا اسمُ الله الوكيل فقد ورد في القرآن 14 مرة، منها قوله تعالى: ( وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفَىٰ بِاللَّهِ وَكِيلًا) (الأحزاب، الآية: 3).
وقوله عز وجل: ( اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ) (الزمر، الآية: 62).
أما اسم الله الكفيل فلم يرد إلا مرة واحدة، وذلك في قوله تعالى: ( وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدتُّمْ وَلَا تَنقُضُوا الْأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلًا ) (النحل، الآية: 91).
وأمام هذين الاسمين العظيمين أقول:
1- يجب اعتماد القلب على الله تعالى، لأنّه المدبّر لكل الأمور، وبيده جميع الأرزاق، ولا يجلب النفع،ويدفع الضُّرَّ على وجه الحقيقة إلا هو سبحانه وتعالى. ولذلك جاء الأمر ( وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ وَسَبِّحْ بِحَمْدِهِ) (الفرقان، الآية: 58).
2- لو فَقِهَ الإنسان عظمة الله تعالى لما توكَّل إلا عليه ولما استعان إلا به. وهذه صفات أهل الإيمان ( إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَىٰ رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ) (الأنفال، الآية: 2).
3- أعظم الناس اطمئناناً، هم أكثرهم توكلاً على الله تعالى. وما ذاك إلا لعظيم معرفتهم بربّهم جلّ وعلا، وصدق لجئهم إليه.
***
الكافي
هو الذي يكفي عباده ما أهمّهم، ويدفع عنهم ما ألَمَّ بهم.
وقد ورد هذا الاسم العظيم في القرآن مرة واحدة وذلك في قوله تعالى في سورة الزمر: ( أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ ) (الزمر، الآية: 36).
وأمام هذا الاسم الجميل أقول:
1- كفاية الله تعالى لخلقه نوعان:
أ- عامّة: وهي كفايته سبحانه لجميع عباده في رزقهم وتدبير أمورهم،وإصلاح شؤونهم.
ب- خاصّة: وهي كفايته تعالى لأوليائه المؤمنين بتوفيقهم ونصرهم واللّطف بهم.
2- كم يزيد هذا الاسم من ثقة العبد بربه تعالى، وكم يملأ القلبَ من الاعتماد والتوكل عليه، فهو سبحانه المتكفل برزق عباده، ونصرة أوليائه، ولا أصدق من الله قيلاً، وقد قال تعالى لنبيه -صلى الله عليه وسلم- : ( فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنتُم بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوا وَّإِن تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ) (البقرة، الآية: 137).
3- فلنكثر من حمد الله تعالى والثناء عليه على منّته وكفايته لنا. وقد كان نبينا عليه السلام يقول عند نومه: «الحمد لله الذي أطعمنا وسقانا وكفانا وآوانا، فكم ممّن لا كافيَ له ولا مُؤوي»([59]). () رواه مسلم.
4- ممّن عدّ الكافي من أسماء الله تعالى: ابن العربي المالكي، وابن حجر العسقلاني رحمهم الله تعالى.
***
الرقيب
هو المُطّلع على خلقه، والمُحصِي على العباد أعمالهم، فلا تفوته لفتةُ ناظر، ولا فلتةُ خاطر.
ورد هذا الاسم العظيم في القرآن 3 مرات،أولها في قوله تعالى: ( إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا ) (النساء، الآية: 1). وثانيها في سورة المائدة على لسان عيسى – عليه السلام: ( فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنتَ أَنتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنتَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ ) (المائدة، الآية: 117).
وثالثها في سورة الأحزاب: ( وَكَانَ اللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ رَّقِيبًا) (الأحزاب، الآية: 52). وأمام هذا الاسم العظيم أقول:
1- اعلم واستحضر رقابةَ الله عليك ودَوَامَ اطّلاعه على أحوالك. فما كان من خطأ، فاستغفر..
وما كان من صوابٍ فاشكر..
وما كان من عمل فاستعن به واستنصر..
2- معرفة هذا الاسم، يفسِّر لك حالَ كثيرٍ من المجتمعات التي انتشرت فيها السرقة، وفشا فيها الظلم، وشاعت فيها الخيانة والخديعة.. وما ذاك إلا لعدم مراقبة الله تعالى في السر والعَلَن.
***
المُحسن
هو الذي أحْسَنَ وأتْقَن كُلَّ شيءٍ خَلَقَه، وهو الذي أحسن إلى خلقه بعظيم نِعَمِه وعطائه.
لم يأتِ هذا الاسم العظيم في كتاب الله تعالى إلا بصيغة الفعل كما في قوله تعالى: (وَأَحْسِن كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ) (القصص، الآية: 77). وكذلك قوله تعالى: ( الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنسَانِ مِن طِينٍ ) (السجدة، الآية: 7).
ولكنه ثبت في حديث النبي حيث قال: «إذا حكمتم فاعدلوا، وإذا قلتم فأحسنوا، فإنّ الله مُحْسِنٌ يُحِبُّ الإحسَان»([60]) ، وروى عبد الرزاق في مصنفه من حديث شَدّاد بن أوس أن النبي قال: «إن الله عز وجل محسنٌ يحب الإحسان، فإذا قتلتم فأحسنوا القِتلة...» الحديث. () رواه ابن عدي في الكامل.
وأمام هذا الاسم العظيم أقول:
1- إن تَذَكُّرَ إحسانِ الله تعالى، بإتقان خَلْقِه وعظيم كَرَمِه على عباده لَيَبْعَثُ في النفسِ محبةً عظيمةً لهذا الربِّ الجميل فيستسهلُ، بل ويستعذب من أجله، فعل الطّاعات، وترك الذنوب
2- اعلم أنه كما أحسن الله خَلْقَه فقد أحسَنَ شَرعَه، وكما آمنا بقوله: ( فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ) فلنؤمن بقوله: ( وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ) (المائدة، الآية: 50).
3- تذكر دائماً أن المحسن سبحانه، يحب عِبَادَه المحسنين: (وأحسنوا إنّ الله يحبُّ المحسنين) (البقرة، الآية: 195).
4- إن من أسرع وأعظم ما يَسْكُب السعادة في قلبك، هو الإحسان إلى خلق الله تعالى القائل: (هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ) (الرحمن، الآية: 60).
فأحْسِن، بإتقان عبادتك لله تعالى، كما أتقن خَلْقَك، وأحْسِن الى عباده بالبذل و العطاء، كما أحسن إليك وأعطاك.
***
الحسيب
هو الكافي عبادَه جميع ما أهمّهم من أمر دينهم ودنياهم، وللمؤمنين به النصيبُ الأوفر من كفايته، وهو سبحانه المجازي لهم على ما عملوا.
ورد هذا الاسم العظيم في القرآن 3 مرات، منها قوله تعالى: (وَكَفَىٰ بِاللَّهِ حَسِيبًا) (النساء، الآية: 6)، وكذلك قوله تعالى: ( إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ حَسِيبًا) (النساء، الآية: 86).
وأمام هذا الاسم العظيم أقول:
1- كم تُثمر معرفةُ هذا الاسم من المراقبة لله تعالى والاجتهاد في السير على ما يحبّه ويرضاه، فهو سبحانه الحاسب على عباده أعمالهم، والمتولي جزاءهم يوم القيامة ( إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ حَسِيبًا) (النساء، الآية: 86) وهو سبحانه لا يظلم الناس شيئاً، وقد قال في سورة الإسراء: ( اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَىٰ بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا ) (الإسراء، الآية: 14).
2- على العاقل أن يتذكر دائماً يومَ الحساب، وأنّ أمَامَه يوماً سَيُجازى فيه على أعماله، وما نَسِيَ أحدٌ يومَ الحساب أو كفر به إلا تجرأ على الظلم والإجرام والعصيان: ( إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ) (ص، الآية: 26).
وكان من دعاء موسى عليه السلام ما قاله الله عنه في سورة غافر: (وَقَالَ مُوسَىٰ إِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُم مِّن كُلِّ مُتَكَبِّرٍ لَّا يُؤْمِنُ بِيَوْمِ الْحِسَابِ) (غافر، الآية: 27).
3- ما سكنت معاني اسم الله الحسيب قلبَ أحدٍ إلا زادته طمأنينةً وسكينة. وتبرّأ من الاعتماد على أحد إلا عليه. وقد قال سبحانه: ( وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ) (الطلاق، الآية: 3).
4- الأَحَظُّ بكفاية الله وحفظه، هم المؤمنون به سبحانه، والمتَّبِعُون لنبيّه -صلى الله عليه وسلم- : ( يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ ) (الأنفال، الآية: 64).
***
الشافي والطبيب
هو الذي يشفي القلوب والأبدان من أمراضها، وليس في يد العباد إلا ما يسّره الله لهم من الدواء، أما الشفاء فَبِيَدِه وحده لا شريك له، فلا شافي إلا هو ولا شفاء إلا شفاؤه.
لم يرد هذان الاسمان الكريمان في كتاب الله تعالى، وإنما وردا في حديث النبي .
فأما الشافي فقد ثبت في حديث عائشة – رضي الله عنها – أن رسول الله كان إذا أتى مريضاً أو أُتي به إلى مريض قال: «أذهب البأس، ربَّ الناس، اشفِ أنت الشافي، لا شفاء إلا شفاؤُك، شفاءً لا يغادر سقماً» ([61]). () رواه البخاري ومسلم.
وأما اسمه الطبيب – سبحانه – فقد جاء في حديث أبي رمثة – رضي الله عنه – قال: انطلقت مع أبي نحو النبي فقال له: «أبي أرني هذا الذي بظهرك فإني رجل طبيب»، قال: ا لله الطبيب، بل أنت رجلٌ رفيق، طبيبها الذي خلقها ([62]). () رواه أبو داود.
وأمام هذين الاسمين العظيمين أقول:
1- اعلم أن العِلَلَ التي تصيب الإنسان نوعان: عِلَلُ الأجساد، وعلل القلوب.. وأخطرهما ما يصيب القلوبَ والأرواح، ولذلك وجب عليّ وعليك أن نستحضر هذا المعنى ونحن ندعو ربنا الشافي بأن يشافينا من أمراض الأجساد وأمراض القلوب، فسواد الفؤاد مرض، وتعلّقه بغير الله مرض، وانحراف الأخلاق مرض، وسوء اللسان مرض، فانتبه واطلب كلا الشفائين.
2- تذكر دائماً أن الشفاء على وجه الحقيقة إنما هو من الله تعالى وقد قال سبحانه: ( وَإِن يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِن يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلَا رَادَّ لِفَضْلِهِ يُصِيبُ بِهِ مَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ) (يونس، الآية: 107) فباشِر أسبابَ الشفاء بجوارحك، وأما القلبُ فليتعلق بالطبيب الشافي جل وعز .. فأَقْبِل على الله وقد أحسنت الظن به، وأبشر منه بالخير الوفير، فإنه على شفائك قدير .. وإن الأمر لديه يسير.
3- فكما أن الله تعالى هو الشافي، فكذلك شرعُه شفاءٌ للنّاس جميعاً إن أقبلوا عليه وأخذوا به، والدنيا مليئةٌ بأمراضٍ في الاقتصاد والسياسة والتربية، وعلاجها هو شرع الله الحكيم القائل (وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ وَلَا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَارًاﱠ) (الإسراء، الآية: ٨٢).
***
الرفيق
هو المتدرج في الخلق والتشريع مع قدرته على خلق المخلوقات وإنزال التشريع دفعةً واحدة، وهو الذي يعامل عباده بالرفق واللين فلا يكلفهم ما لا يطيقون.
لم يرد هذا الاسم الكريم في القرآن العظيم، وإنما ورد في حديث النبي فيما روته عائشة – رضي الله عنها –أنّ النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «إنّ الله رفيقٌ يُحِبٌّ الرّفقَ في الأمر كُلِّه»([63]). () رواه البخاري.
وللحديث قصة جميلة ومفيدة فارجع إليها.
وأمام هذا الاسم الجليل أقول:
1- اعلم أن للرفق معنيين جميلين: أحدهما مشهور والثاني مغمور.
فالمشهور هو: اللطف والأخذ بالأيسر.
والمغمور هو: التدرج في الأمور.
2- الله سبحانه وتعالى لطيف بعباده، يريد بهم اليسر، وهو كذلك رفيق بهم حيث تدرج في خلقهم وفي تشريعه لهم، وفي هذا من التيسير مالا يخفى.
3- كم يبعث هذا الاسم من محبة الله تعالى والطمأنينة به، وبشرعه. وقد قال سبحانه ممتنّاً على عباده: (لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا) (البقرة 286 ).
وقالت عائشة – رضي الله عنها – ماخُيّر رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بين أمرين إلا اختار أيسرهما مالم يكُن إثماً "([64]) . () رواه البخاري ومسلم.
4- من أراد كثرة النجاح وقلة الإخفاق فعليه بصفة الرفق، وقد قال النبي فيها قولاً عظيماً، ومنه ما رواه مسلم في صحيحه: «من يُحرَمِ الرّفقَ يُحرم الخيرَ كُلَّه». وكذلك قوله عليه السلام: «ما كان الرفق في شيء إلا زانه وما نُزع من شيء إلا شانه»([65]). () رواه مسلم.
فارفق بنفسك، وبغيرك، وتلطّف في التعامل مع خلق الله تعالى، وتدرّج في كسب صفات الخير، وفي نصح النّاس، ولاتتعجل قطف الثمار قبل نضوجها.
فمن تعجّل شيئاً قبل أوانه، عوقب بحرمانه وقد قال -صلى الله عليه وسلم- : «إذا أراد الله بأهل بيتٍ خيراً، أدخل عليهم الرّفق»([66]). () رواه أحمد.
***
المُقيت
هو الذي خلق الأقواتَ والأرزاقَ وتَكَفَّل بإيصالها إلى الخلق، وهو حفيظٌ عليها وعلى أعمال العباد بلا نقصان.
ورد هذا الاسم العظيم في القرآن مرةً واحدة، وذلك في قوله تعالى: ( وَكَانَ اللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ مُّقِيتًا ) (النساء، الآية: 85).
وأمام هذا الاسم الكريم أقول:
1- التَّذَكُّرُ، والتّذاكرُ بمنّة الله علينا من تيسير أقواتنا منذ أن كُنّا أجنةً في بطون أمهاتنا، يثمر زيادةَ محبّتِنا لربّنا سبحانه في قلوبنا، (وَإِن تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا) (النّحل، الآية: 18).
2- يجب الاعتمادُ على الله وحده، والتوكل عليه سبحانه في جلب الأقوات وطلب الأرزاق.
وقد قال سبحانه عن خلق الأرض في سورة فصلت: (وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِن فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاءً لِّلسَّائِلِينَ) (فصلت، الآية: 10).
3- لا تنس وأنت تطلب ربّك قوتَ الأجسام والبركةَ فيه، أن تطلبه قوت القلوب والأرواح..
فقوتُ الرُّوح أرواحُ المعاني
وليس بأن طَعِمْتَ وأن شَرِبْتَ
4- فَرَّقَ بعضُ أهل العلم بين المُقيت والرزّاق: بأنّ المقيت أخصُّ من الرزاق، لأنه يختص بالقوت (وهو الطعام والشراب)، وأما الرزاق فيتناول القوت وغيره من عطاء الله تعالى.
***
الطيّب
هو الطّاهرُ والسّالمُ من كلّ عيبٍ ونقص، وهو الذي له الحُسْنُ والكمالُ المطلق، وهو كثير الخير على خلقه، ولا يقبل سبحانه من الأعمال والصدقات إلا ما كان طيّباً حلالاً خالصاً له.
لم يرد هذا الاسم الكريم في القرآن، وإنما ورد في حديث النبي : فقد روى أبو هريرة – رضي الله عنه – أن رسول الله قال: «يا أيها النّاس إن الله طيب ولا يقبل إلا طيباً، وإن الله أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين» فقال: ( يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا ۖ إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ) (المؤمنون: 51) وقال: ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِن كُنتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ ) (البقرة، الآية: 172).
«ثم ذَكَرَ الرّجُلَ يُطِيلُ السّفر أشعث أغبر يَمُدّ يديه إلى السماء يا ربُّ يا ربُّ، ومطعمُه حرام ، ومشربُه حرام، وملبسُه حرام، وغُذي بالحرام فأنّى يُستجاب له» ([67]). () رواه مسلم.
وأمام هذا الاسم الجميل أقول:
1- كم سَتُحِبُّ هذا الإلَه العظيم، وقد علمتَ معنى اسمه الطيّب، وأنه الطيب في أسمائه وصفاته وأفعاله، ولا يصدر منه إلا الطيب، ولا يصعَدُ إليه إلا الطّيب، وجنّته طيّبةٌ لا يدخلها إلا الطيّب، بل ما طاب شيء قطُّ إلا بطيبته سبحانه.
2- ليكن نُصبَ عينيك أن الله الطيّبَ لا يقبل من عباده إلا الطيّب، اعتقاداً كان أو قولاً وعملاً وأخلاقاً، قال تعالى في سورة فاطر: ( إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ ) (فاطر، الآية: 10).
وقال : «من تصدّق بعدل تمرة من كسب طيّب، ولا يقبل الله إلا الطيب – فإن الله يتقبلها بيمينه ثم يربّيها لصاحبها كما يُربّي أحدكم فُلُوّه حتى تكون مثل الجبل»([68]). () رواه البخاري ومسلم.
3- استحضر دائماً أن ربّك الطيّبَ سبحانه يُحِبُّ العبدَ الطيب، الطيّبَ في قلبه، والطيّبَ في قوله وعمله، والطيّبَ في أخلاقه ومَعْشَرِه.. فبطيبتِك تنال الحياةَ الطيبة في الدنيا والآخرة: (مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَىٰ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً) (النحل، الآية: 97).
***
الهادي
هو الذي يهدي ويدُلّ سائر الخلق إلى مصالحها وكسب رزقها ودفع ما يضرُّها، وهو الذي يَدُلُّ المكلَّفين على طريق الخير والشرِّ، وطريق النجاة والهلاك، وهو الذي يَهدِي هدايةَ التوفيق والإلهام بمقتضى حكمته ورحمته.
ورد هذا الاسم الجميل في القرآن مرتين إحداهما في سورة الفرقان: (وَكَفَىٰ بِرَبِّكَ هَادِيًا وَنَصِيرًا) (الفرقان، الآية: 31).
والثانية في سورة الحج: (وَإِنَّ اللَّهَ لَهَادِ الَّذِينَ آمَنُوا إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ ) (الحج، الآية: 54).
وأمام هذا الاسم العظيم أقول:
1- كلُّ المخلوقات تسير في هذه الدنيا بهداية الله تعالى العامّةِ لها ( قَالَ فَمَن رَّبُّكُمَا يَا مُوسَىٰ (49) قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَىٰ كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَىٰ ) (طه، الآيتان: 49، 50).
ولذلك فكلُّ شيء يَهدِي إلى الخالقِ العظيمِ ويَدلُّ عليه فسبحان الذي خَلَقَ فسوّى وقدّر فهدى.
2- لا يَملِكُ هدايةَ التوفيق والإلهام إلا الله سبحانه وتعالى، لذلك وجب على العبد الضعيف أن يُعلنَ افتقارَه بين يدي ربّه طالباً منه أن يهديه للطريق المستقيم وأن يثَبّته عليه.. وفي الحديث القدسي: «يا عبادي كُلُّكم ضالٌّ إلا مَنْ هديتُه فاستَهدُوني أهدِكم»([69]). () رواه مسلم.
3- اعلم أنك محتاج إلى الهداية في كل لحظة من حياتك حتى تُوفَّقَ لما يحبّه الله ويرضاه..، في ليلك ونهارك، وغناك وفقرك، وحربك وسلمك.. ولذلك وجب استحضارُ شمولِ الدعاءِ العظيم الذي نقوله في كل ركعة من صلاتنا (اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ) وعظيمِ حاجتنا له.
***
البرّ
هو الواسع في إحسانه لخلقه، يُعطي فلا يستطيع أحدٌ عَدَّ نِعمتِه أو إحصاءَها وهو سبحانه الصادق في وعده.
ورد هذا الاسم العظيم في القرآن مرة واحدة وذلك في قوله تعالى: ( إِنَّا كُنَّا مِن قَبْلُ نَدْعُوهُ ۖ إِنَّهُ هُوَ الْبَرُّ الرَّحِيمُ) (الطور، الآية: 28).
وأمام هذا الاسم الجميل أقول:
1- إن مشاهدةَ بِرِّ اللهِ تعالى على خلقه، يثمر المحبّةَ العظيمةَ في قلب العبد لربّه البَرّ.
2- اعلم أن البَرَّ سبحانه يُحِبُّ البِرَّ...... والبِرُّ عطاءٌ وخُلُق.
قال الله تعالى: (لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّىٰ تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ ) (آل عمران، الآية: 92).
وقال : «البِرُّ حُسْنْ الخُلُق..» ([70]). () رواه مسلم.
فعلى قدر بِرّك يكون بِرُّ الله لك وزيادة.
3- من معاني بِرِّ الله تعالى، صدقُه في وعده، بل لا أصدقَ من الله وعداً، ففي سورة الزمر يقول الله تعالى عن المؤمنين، وقد ذاقوا حقّ اليقين: (وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ وَأَوْرَثَنَا الْأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشَاءُ فَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ) (الزمر، الآية: 74).
***
السبّوح
هو المُنَزَّه عن كلّ عيبٍ ونقص، لأنّه الذي له أوصاف الكمال والجمال المطلق.
وقد ورد هذا الاسمُ العظيم في سنّة النبي حيث روى مسلمٌ في صحيحه عن عائشة رضي الله عنها أنّ النبي -صلى الله عليه وسلم- كان يقول في ركوعه وسجوده: «سبوحٌ قُدُّوس، ربُّ الملائكة والروح».
وأمام هذا الاسم الجميل أقول:
1- ليعلم المرءُ المخلوقُ أن كلَّ من في السموات والأرض يسبحون ربهم وخالقهم، شاهدين على وحدانيته وعظيم سلطانه، (وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَٰكِن لَّا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ ) (الإسراء، الآية: 44).
فاللّحاقَ اللّحاقَ بقوافل المسبّحين.
2- لا تنسَ أن من أعظم العبادات لله تعالى، هي عبادة التسبيح، والتي كانت المُنْقِذَ لنبيّ الله يونس عليه السلام: (لَّا إِلَٰهَ إِلَّا أَنتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ) (الأنبياء، الآية: 87).
3- هل تعلم أن آخر حديث في صحيح البخاري رحمه الله تعالى هو حديث أبي هريرة – رضي الله عنه – قال: قال رسول الله : «كلمتان خفيفتان على اللسان، ثقيلتان في الميزان، حبيبتان إلى الرحمن: سبحان الله وبحمده، سبحان الله العظيم»([71]). فالزمهما. () متفق عليه.
***
الوارث
هو الباقي بعد فناء الخلق، وجميعُ الأشياء تَرجِعُ إليه بعد فناء أهلها، وكلُّ ما في أيدينا هو أمانةٌ ستعود يوماً إلى مالكهاعز وجل.
ورد هذا الاسم في القرآن 3 مرّات، إحداها في قوله تعالى: (وَإِنَّا لَنَحْنُ نُحْيِي وَنُمِيتُ وَنَحْنُ الْوَارِثُونَ) (الحجر، الآية: 23) وكذلك قوله تعالى: ( وَكُنَّا نَحْنُ الْوَارِثِينَ) (القصص: 58).
وأمام هذا الاسم الجليل أقول:
1- كم لله تعالى من العظمة.. فالخلق كلُّهم إلى فناء، ويبقى الله تعالى، فسبحانه ما أجَلَّه: ( كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ (26) وَيَبْقَىٰ وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ) (الرحمن، الآيتان: 26، 27).
2- يجب الحذرُ من التعلُّقِ بالدنيا، فكلّها فانيةٌ، وإلى زوال..، ولا يبقى إلا الإيمانُ بالله والعملُ الصالح (وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِندَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ أَمَلًا) (الكهف، الآية: 46)، كلُّ هذا من أجل الفوز بجنات النعيم التي قال الله عزوجل عنها: (تِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي نُورِثُ مِنْ عِبَادِنَا مَن كَانَ تَقِيًّا) (مريم، الآية: 63).
3- يجب الوثوقُ بوعد الله تعالى، لعباده المؤمنين: ( وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِن بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ) (الأنبياء، الآية: 105).
***
المحيط
هو الذي أحاط بكلّ خلقه عِلماً وقُدْرَةً، فلا يخفى عليه شيء من أحوالهم، والجميع في قبضته وتحت سلطانه.
ورد اسمه المحيط في القرآن (8) مرات، منها قوله تعالى : (وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكَافِرِينَ) (البقرة، الآية: 19).
وقوله تعالى: ( وَاللَّهُ مِنْ وَرَائِهِمْ مُحِيطٌ) (البروج، الآية: 20).
وأمام هذا الاسم العظيم أقول:
من تأمل حقاً في اسم الله المحيط، رُزق الخشية والحياء منه.
إذا وقَّرت معاني اسم الله المحيط في قلب العبد، زال منه الخوف من المخلوقين الضعفاء، قال تعالى: ( إِن تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِن تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِهَا ۖ وَإِن تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا ۗ إِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ) (آل عمران، الآية: 120).
وكذلك علم العبد أنه لاسبيل للفراق من الله إلا إليه (فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ ۖ إِنِّي لَكُم مِّنْهُ نَذِيرٌ مُّبِينٌ) (الذاريات، الآية: 50).
***
العلي، الأعلى، المتعال
ورد اسمُ الله العلي في القرآن 8 مرات منها قوله تعالى في آية الكرسي: ( وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا ۚ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ) (البقرة، الآية: 255)، وقوله تعالى: ( فَالْحُكْمُ لِلَّهِ الْعَلِيِّ الْكَبِيرِ) (غافر، الآية: 12).
وأما اسمُه الأعلى فقد جاء في موضعين:
الأول في قوله: ( وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَىٰ) (الأعلى، الآية: 1).
والثاني في قوله تعالى: ( إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلَىٰ) (الليل، الآية: 20).
وأمّا اسمه المُتعال: فقد ورد مرةً واحدةً في قوله تعالى:
( الِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْكَبِيرُ الْمُتَعَالِ) (الرعد، الآية: 9).
وأمام هذه الأسماء الحسنى لربِّنا العظيم أقول:
1- إن من أعظم ما تُورثُه معرفةُ هذه الأسماءِ في القلب، هو أن يخضع لله تعالى ولشَرعِه.
2- يجب الحذرُ من الاستعلاء على الخلق، والتكبُّرِ عليهم، وظُلمِهم، وإنما هو التواضع لهم ولينُ الجانب معهم، فمن أبى إلا الاستكبار فليقرأ قوله تعالى: (إنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ) (القصص، الآية: 4) ثم ليقرأ قوله تعالى: (فَأَخَذْنَاهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ ۖ فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ) (القصص، الآية: 40).
3- يجب تنزيهْ الله تعالى عن كل نقص.. لأنه سبحانه له العُلُوُّ المطلق من جميع الوجوه، عُلُوُّ الذّات، وعُلُوُّ القَدْرِ وعُلُوُّ الصِّفَات، وعُلُوُّ القهر، وقد أمرنا الله تعالى بذلك وقال: ( سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى ) (الأعلى، الآية: 1) وقال: ( فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ ) (الواقعة، الآية: 96).
***
Related books
All books
Umusango wa Imipepele (Iswalat) ya kwa Kasesema Muhammad ﷺ79 languagesUmusango wa Imipepele (Iswalat) ya kwa Kasesema Muhammad ﷺ
Kitabu Imipepele ya kwa Kasema ﷺ, umo Sheikh umukalamba Abdul Aziz bin Baz, Lesa (Allah) amubelele uluse, afupikishemo imipepele ya kwa Kasema ﷺ, mu nshila iya yanguka kabili iyalungama, ukushintilila pa malembo ayashininkishiwa, ukuti cibe ntungulushi ku Musilamu mu Swalat yakwe. Alilondolwelemo ifishinte fya Swalat (Amapepo) , na ma Sunnah yaiko, pamo ne mibele yaiko, ukufuma kuli Wudhu ukufika naku Taslim, alundanya pamo ubushininkisho no kulondolola, aleita ukukonka ukupwililika kwa Kasesema ﷺ mu ibada iikalamba pali shonse.