تخطي إلى المحتوى

محاسن الإسلام وفضائل الأمة

مقدمة الخطبة الأولى

إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا.

من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله.

إن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد ﷺ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.

من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعص الله ورسوله فقد غوى، ولا يضر إلا نفسه، ولن يضر الله شيئًا، ولا يزال أقوام يتأخرون حتى يؤخرهم الله إلى النار يوم القيامة.

نص الخطبة الأولى

أما بعد:

فيا أيها الناس اتقوا الله تعالى وأطيعوه، وتوبوا إليه من كل ذنب واستغفروه، وما تقدموا لأنفسكم من خير فعند الله تعالى ستجدوه، ﴿يَوۡمَ تَجِدُ كُلُّ نَفۡسٖ مَّا عَمِلَتۡ مِنۡ خَيۡرٖ مُّحۡضَرٗا وَمَا عَمِلَتۡ مِن سُوٓءٖ تَوَدُّ لَوۡ أَنَّ بَيۡنَهَا وَبَيۡنَهُۥٓ أَمَدَۢا بَعِيدٗاۗ وَيُحَذِّرُكُمُ ٱللَّهُ نَفۡسَهُۥۗ وَٱللَّهُ رَءُوفُۢ بِٱلۡعِبَادِ 30﴾ [آل عمران:30].

عباد الله:

إن الدين عند الله الإسلام الذي أكمله سبحانه وأتم به على أهله الإنعام، وفضل به أهله على من سواهم من الأنام، وقال بشأنه: ﴿... وَرَضِيتُ لَكُمُ ٱلۡإِسۡلَٰمَ دِينٗاۚ...﴾ [المائدة:3]، وقال: ﴿وَمَن يَبۡتَغِ غَيۡرَ ٱلۡإِسۡلَٰمِ دِينٗا فَلَن يُقۡبَلَ مِنۡهُ وَهُوَ فِي ٱلۡأٓخِرَةِ مِنَ ٱلۡخَٰسِرِينَ85﴾ [آل عمران:85].

أيها المسلمون:

إن الله اصطفى لكم الدين وفضلكم به إذ هداكم له من بين من سواكم من العالمين، فهداكم للدين القويم، وجعلكم من أمة رسوله الكريم محمد عليه من ربه أكمل الصلاة وأزكى التسليم، قال تعالى: ﴿... بَلِ ٱللَّهُ يَمُنُّ عَلَيۡكُمۡ أَنۡ هَدَىٰكُمۡ لِلۡإِيمَٰنِ إِن كُنتُمۡ صَٰدِقِينَ17﴾ [الحجرات:17]، وقال سبحانه: ﴿لَقَدۡ مَنَّ ٱللَّهُ عَلَى ٱلۡمُؤۡمِنِينَ إِذۡ بَعَثَ فِيهِمۡ رَسُولٗا مِّنۡ أَنفُسِهِمۡ يَتۡلُواْ عَلَيۡهِمۡ ءَايَٰتِهِۦ وَيُزَكِّيهِمۡ وَيُعَلِّمُهُمُ ٱلۡكِتَٰبَ وَٱلۡحِكۡمَةَ وَإِن كَانُواْ مِن قَبۡلُ لَفِي ضَلَٰلٖ مُّبِينٍ 164﴾ [آل عمران:164]، وقال سبحانه في المنة بالقرآن العظيم والرسول الكريم: ﴿قُلۡ بِفَضۡلِ ٱللَّهِ وَبِرَحۡمَتِهِۦ فَبِذَٰلِكَ فَلۡيَفۡرَحُواْ هُوَ خَيۡرٞ مِّمَّا يَجۡمَعُونَ 58﴾ [يونس:58].

معشر المسلمين:

إن دين الإسلام العظيم القويم هو خاتمة وخلاصة الأديان السماوية السابقة، قد اشتمل على خير وأحسن ما فيها، وضمنه ربنا تبارك وتعالى تشريعات وأحكامًا ليست فيها مصلحة للأنام، وصالحة إلى آخر الأيام، فما في الكتب الإلهية المتقدمة من تشريعات حسنة فقد ضمن الله الإسلام مثلها وأحسن منها، وما فيها من تشريعات مؤقتة فقد انتهت بانتهاء توقيتها، وفناء أهلها المخاطبين بها، ولذا نسخها الله تعالى بالقرآن العظيم وهدي الرسول الكريم، وأغنى بهما عنها، وما طرأ عليها من التحريف والتبديل لألفاظ نصوصها ومعانيها وكيفية العمل بها، فقد تضمن ما بلغه النبي ﷺ من القرآن والهدي والبيان على صحيح نصه، وواضح حكمه، وأحسن كيفية لتطبيقه وتحقيقه مع يسر أمره، وأما ما في تلك الكتب السابقة من الآصار والأغلال التي اقتضت الحكمة الإلهية تكليف أهلها بها، فقد عافى الله تبارك وتعالى هذه الأمة منها لطفًا ورحمة بها، فكان القرآن العظيم بحق: ﴿وَأَنزَلۡنَآ إِلَيۡكَ ٱلۡكِتَٰبَ بِٱلۡحَقِّ مُصَدِّقٗا لِّمَا بَيۡنَ يَدَيۡهِ مِنَ ٱلۡكِتَٰبِ وَمُهَيۡمِنًا عَلَيۡهِۖ...﴾ [المائدة:48]، أي: موافقًا ومؤكدًا على أحسن ما فيها، وناسخًا لما كان مؤقتًا من أحكامها وما لا تحتاج الأمة إليه، ومشتملًا على أحكام جديدة صالحة مصلحة للأمة، فأغنى الله بالقرآن وهدي النبي ﷺ عنها.

أيها المؤمنون:

ولما كان القرآن العظيم وهدي الرسول الكريم عليه من ربه أكمل الصلاة وأزكى التسليم بهذه المثابة من الحسن والتيسير والكفاية اقتضت حكمة الله تبارك وتعالى أن يكون دين الإسلام الذي جاء به الرسول محمد ﷺ ناسخًا لما قبله من الأديان عامًا لجميع المكلفين من الإنس والجان، منذ بعثه الله وإلى أن يأتي الله بأمره آخر الزمان.

معشر المؤمنين:

ولما اقتضت حكمة الله تبارك وتعالى أن يكون رسوله محمدٌ ﷺ خاتم النبيين وأشرف وأعظم المرسلين وأكمل أسوة للمؤمنين، وأن يكون دينه خير وأعظم وأكمل دين، وآخر ما يتعبد به لله رب العالمين قبل يوم الدين، اقتضت حكمة الله كذلك أن يكون دينه كاملًا مبرءًا من النقصان، سمحًا ميسرًا مراعيًا للحال والزمان، وكثر فيه من الشرائع والخصال المكفرة للسيئات والمضاعفة للحسنات، والتي ترفع العبد درجات، وجعل فيه مواسم فاضلة، وخص أماكن مباركة يضاعف فيها العمل والثواب، وخصالًا تعتق بها الرقاب، وفتح ووسع أبواب ووقت المتاب، ونوَّع فيه الأعمال الصالحات، وفرض قضاء ما فات ويسر أمورًا يمكن بها إبراء الذمة بعد الممات من أنواع من الحقوق والواجبات، وجعل من شرائعه وشعائره مهمات تؤدي جماعة تعاونًا على البر والتقوى، وإظهارًا للعلم والهدى وإغاظة للأعداء، ومع هذا كله فمن اعتاد العمل ثم شُغل عنه أو عجز كتب له ما اعتاد، وإذا شق العمل عظم أجره وعُدَّ من الجهاد، ومن غاب عقله رفع عنه قلم التكليف ومن شاخ في الإسلام كتب له أحسن عمله ولم يكتب عليه سيئة لطفًا من اللطيف، ومن انقطع عمله بموته ووصل له بالعلم الذي ينتفع به والصدقة الجارية بعده، والولد الصالح يدعو له، وكل حسنة منها فعمل بها من بعده.

وفوق هذا كله أن المحسن في الإسلام يجزي بمعدل أحسن عمله، ويضاعف له ثوابه، ولم يؤاخذ على إساءته في الجهل، ويعطى زيادة على ذلك ثوابًا غير مقابل عمل، وكذلكم ينتفع المسلم في الإسلام بعد موته بدعوات الداعين، وصدقات المحسنين، وشفاعة الشافعين المرضيين، وتطول رب العالمين الرحمن الرحيم بالعفو عنه، والمغفرة له يوم الدين.

أمة الإسلام:

ومن محاسن هذا الدين وتفضل الله تبارك وتعالى به أهله على من قبلهم من المؤمنين أن الله تعالى جعل أمة محمد ﷺ خير أمة أخرجت للناس، وهم الأمة الوسط العدول الخيار الشهداء يوم القيامة على الناس، وهم أكثر الأمم مؤمنًا برب العالمين، وأكثرها تابعًا لرسولها محمد خاتم النبيين، وأكرمها يوم القيامة على رب العالمين، وهم أول أمة يقضى بينها قبل الخلائق وأكثرها واردًا لحوضه ﷺ الذي يطرد عنه كل مرتد ومنافق، وهم أول من يجوز الصراط وأول أمة تدخل الجنة، وهم أكثر أهل الجنة فإنهم ثلثا أهل الجنة، وخاصتهم أشراف أهل الجنة بعد المرسلين والنبيين صلوات ربي وسلامه عليهم أجمعين ﴿وَلَا تَهِنُواْ وَلَا تَحۡزَنُواْ وَأَنتُمُ ٱلۡأَعۡلَوۡنَ إِن كُنتُم مُّؤۡمِنِينَ139﴾ [آل عمران: 139].

بارك الله لي ولكم في القران العظيم، ونفعني إياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم، أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

مقدمة الخطبة الثانية

الحمد لله على منه وهداه، ونشكره سبحانه على مترادف وسابغ نعماه، ونستغفره ونتوب إليه من كل ما لا يحبه ولا يرضاه.

وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، فلا معبود بحق سواه، جل ربي عن الأنداد والأضداد، لا رب غيره ولا إله سواه.

وأشهد أن محمدًا عبد الله ورسوله ومصطفاه، المبعوث بالهدى ودين الحق إلى عامة المكلفين من الخلق منذ بعثه الله إلى أن تطلع الشمس من مغربها إيذانًا باقتراب الوعد الحق والقيام لله.

صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وأصحابه ومن اتبعهم بإحسان على دينه وهداه.

نص الخطبة الثانية

أما بعد:

فاتقوا الله عباد الله حق التقوى بأن يُذكر فلا يُنسى، ويطاع فلا يُعصى، ويُشكر فلا يُكفر.

أيها الناس:

اشهدوا لله تعالى بالتفرد بالإلهية والعبادة، واعبدوه سبحانه بما شرع مخلصين له الدين عن إيمان واحتساب لا على الإلف والعادة، واجتنبوا الكفر والشرك والبدع وكبائر الذنوب، وتوبوا توبة نصوحًا من كل ما اقترفتم إلى علام الغيوب، شأن من قال: ربي الله ثم استقام.

واشهدوا لنبيه ﷺ بأنه خاتم النبيين، وخليل رب العالمين، المبعوث إلى عامة المكلفين بأكمل شرعة وأحسن دين، إلى يوم يبعثون، المخصوص بالشفاعة العظمى لعامة الخلق، والمقام المحمود بين يدي الحق، والوحيد الذي يستفتح باب الجنة وعد صدقٍ، فآمنوا به ﷺ وصدقوه فيما أخبر، وأطيعوه فيما أمر، واجتنبوا ما نهى عنه وزجر، ولا تعبدوا الله إلا بما شرع.

أيها المسلمون:

اذكروا الله تبارك وتعالى واشكروه أن هداكم للإسلام، وأظهروا الاغتباط بذلك بين الأنام، وأظهروا محاسنه وأحسنوا الاستقامة والتعامل مع الناس بخلقه لتحببوه وتغروا به الخاص والعام، ﴿قُلۡ إِنَّنِي هَدَىٰنِي رَبِّيٓ إِلَىٰ صِرَٰطٖ مُّسۡتَقِيمٖ دِينٗا قِيَمٗا مِّلَّةَ إِبۡرَٰهِيمَ حَنِيفٗاۚ وَمَا كَانَ مِنَ ٱلۡمُشۡرِكِينَ 161 قُلۡ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحۡيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ ٱلۡعَٰلَمِينَ 162 لَا شَرِيكَ لَهُۥۖ وَبِذَٰلِكَ أُمِرۡتُ وَأَنَا۠ أَوَّلُ ٱلۡمُسۡلِمِينَ 163﴾ [الأنعام:161-163]، وبذلك تصبحون هداة مهتدين، وأئمة للمتقين، غير ضالين ولا مضلين.

معشر المؤمنين:

احذروا أن تكونوا صادين بأنفسكم أو صادين لغيركم عن شيء من أحكام ربكم تبارك وتعالى أو سنة من سنن نبيكم المصطفى بقول أو فعل أو حال، فإن كل ما تجاهرون به من مخالفة لحكم قطعي من أحكام الإسلام، أو لسنة معلومة من سنن النبي محمد عليه الصلاة والسلام حتى تُعرفوا به لاعتيادكم إياها وملازمتكم لها، فإن ذلكم يُفهم أو يوهم ترددكم في قول ذلكم الحكم أو التأسي بالنبي ﷺ في تلك السنة، وهو أيضًا نوع من الاعتراض على الله تعالى في الشرع أو على النبي ﷺ في البلاغ أو العمل، وذلكم هو حقيقة المعصية وعين الضلال، قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤۡمِنٖ وَلَا مُؤۡمِنَةٍ إِذَا قَضَى ٱللَّهُ وَرَسُولُهُۥٓ أَمۡرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ ٱلۡخِيَرَةُ مِنۡ أَمۡرِهِمۡۗ وَمَن يَعۡصِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ فَقَدۡ ضَلَّ ضَلَٰلٗا مُّبِينٗا 36﴾ [الأحزاب:36]، وقد توعد الله جل وعلا على ذلك بأشد الوعيد، قال تعالى: ﴿وَمَن يَعۡصِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُۥ يُدۡخِلۡهُ نَارًا خَٰلِدٗا فِيهَا وَلَهُۥ عَذَابٞ مُّهِينٞ 14﴾ [النساء:14].

﴿سُبۡحَٰنَ رَبِّكَ رَبِّ ٱلۡعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ 180 وَسَلَٰمٌ عَلَى ٱلۡمُرۡسَلِينَ 181 وَٱلۡحَمۡدُ لِلَّهِ رَبِّ ٱلۡعَٰلَمِينَ 182﴾ [الصافات: 180-182].

***