تخطي إلى المحتوى

الإسلام دين الأنبياء

مقدمة الخطبة الأولى

إن الحمد لله نحمده، ونستعينه، ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن مـحمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا.

نص الخطبة الأولى

أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي محمد ﷺ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.

أَمَّا بَعْدُ: فإن الله تعالى خلق جميع الخلق لتحقيق العبودية له على الشريعة التي ارتضاها جلَّ وعلا، ﴿وَمَا خَلَقۡتُ ٱلۡجِنَّ وَٱلۡإِنسَ إِلَّا لِيَعۡبُدُونِ 56 مَآ أُرِيدُ مِنۡهُم مِّن رِّزۡقٖ وَمَآ أُرِيدُ أَن يُطۡعِمُونِ 57 إِنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلرَّزَّاقُ ذُو ٱلۡقُوَّةِ ٱلۡمَتِينُ58﴾ [الذاريات: 56 - 58].

وأَمَرَ اللهُ خلقَهُ أن يسلموا له نفوسهم وأمورهم، وأن يخضعوا له فقال سبحانه: ﴿وَأَنِيبُوٓاْ إِلَىٰ رَبِّكُمۡ وَأَسۡلِمُواْ لَهُۥ مِن قَبۡلِ أَن يَأۡتِيَكُمُ ٱلۡعَذَابُ ثُمَّ لَا تُنصَرُونَ54﴾ [الزمر: 54]، وجعل شريعة الإسلام هي الشريعة والملة التي تَعَبَّدَهم بها، قال تعالى: ﴿إِنَّ ٱلدِّينَ عِندَ ٱللَّهِ ٱلۡإِسۡلَٰمُۗ وَمَا ٱخۡتَلَفَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلۡكِتَٰبَ إِلَّا مِنۢ بَعۡدِ مَا جَآءَهُمُ ٱلۡعِلۡمُ بَغۡيَۢا بَيۡنَهُمۡ...﴾ [آل عمران: 19].

والخروج عن شريعة الإسلام، والاختلاف عليها، وابتغاء غيرها ظلم وبغيٌ وكفر، ولن يقبل الله من أحدٍ دينًا ولا شريعةً غير دين الإسلام وشريعته، فقد قال تعالى: ﴿وَمَن يَبۡتَغِ غَيۡرَ ٱلۡإِسۡلَٰمِ دِينٗا فَلَن يُقۡبَلَ مِنۡهُ وَهُوَ فِي ٱلۡأٓخِرَةِ مِنَ ٱلۡخَٰسِرِينَ85﴾ [آل عمران: 85].

وكل الأنبياء والرسل جاؤوا بشريعة التوحيد، والدعوة لإفراده جلَّ وعلا بالعبادة، ﴿وَلَقَدۡ بَعَثۡنَا فِي كُلِّ أُمَّةٖ رَّسُولًا أَنِ ٱعۡبُدُواْ ٱللَّهَ وَٱجۡتَنِبُواْ ٱلطَّٰغُوتَ...﴾ [النحل: 36]، ولو استعرضنا قَصَص الأنبياء في القرآن لوجدنا دعوتهم واحدة، دينهم واحد، ومِلَّتَهم واحد.

أمة الإسلام: لقد بين الله تعالى أنَّ خليله إبراهيم ﷺ هو الذي سمى دينه الحق الذي لا يقبل الله غيره دين الإسلام، وسمى من دان به واستقام عليه بالمسلمين: ﴿...مِّلَّةَ أَبِيكُمۡ إِبۡرَٰهِيمَۚ هُوَ سَمَّىٰكُمُ ٱلۡمُسۡلِمِينَ مِن قَبۡل...﴾ [الحج: 78]؛ فأبو الأنبياء إبراهيم الخليل ﷺ وجميع الأنبياء -عليهم الصلاة والسلام- كانوا حنفاء مسلمين.

وأتباع موسى ﷺ الذين كانوا مسلمين على ملته وشريعته لما قالوا: ﴿...إِنَّا هُدۡنَآ إِلَيۡكَ...﴾ [الأعراف: 156]، أطلق عليهم مسمى اليهود، وكذلك أتباع عيسى ﷺ المسلمين من الحواريين لما قالوا لعيسى ﷺ: ﴿...نَحۡنُ أَنصَارُ ٱللَّهِ ءَامَنَّا بِٱللَّهِ وَٱشۡهَدۡ بِأَنَّا مُسۡلِمُونَ﴾ [آل عمران: 52]، وأطلقوا على أنفسهم مسمى النصارى، وسُموا بذلك، ﴿وَمِنَ ٱلَّذِينَ قَالُوٓاْ إِنَّا نَصَٰرَىٰٓ أَخَذۡنَا مِيثَٰقَهُمۡ فَنَسُواْ حَظّٗا مِّمَّا ذُكِّرُواْ بِهِ...﴾ [المائدة: 14].

ولما ادعى كلُّ فريق منهما أنَّ إبراهيم ﷺ كان على دينهم وملتهم؛ رَدَّ الله تعالى عليهم فقال: ﴿مَا كَانَ إِبۡرَٰهِيمُ يَهُودِيّٗا وَلَا نَصۡرَانِيّٗا وَلَٰكِن كَانَ حَنِيفٗا مُّسۡلِمٗا وَمَا كَانَ مِنَ ٱلۡمُشۡرِكِينَ67﴾ [آل عمران: 67].

معاشر المسلمين: أنزل الله تعالى الكتب على أنبيائه -صلوات الله وسلامه عليهم-؛ لتبين للناس شريعة الإسلام التي أنزلها على أنبيائه، وجعلها يصدق بعضها بعضًا؛ قال تعالى: ﴿إِنَّآ أَنزَلۡنَا ٱلتَّوۡرَىٰةَ فِيهَا هُدٗى وَنُورٞۚ يَحۡكُمُ بِهَا ٱلنَّبِيُّونَ ٱلَّذِينَ أَسۡلَمُواْ لِلَّذِينَ هَادُواْ وَٱلرَّبَّٰنِيُّونَ وَٱلۡأَحۡبَارُ...﴾ [المائدة: 44]، وقال تعالى خبرًا عن عيسى عليه السلام: ﴿...وَءَاتَيۡنَٰهُ ٱلۡإِنجِيلَ فِيهِ هُدٗى وَنُورٞ وَمُصَدِّقٗا لِّمَا بَيۡنَ يَدَيۡهِ مِنَ ٱلتَّوۡرَىٰةِ وَهُدٗى وَمَوۡعِظَةٗ لِّلۡمُتَّقِينَ﴾ [المائدة: 46]، وقال: ﴿وَأَنزَلۡنَآ إِلَيۡكَ ٱلۡكِتَٰبَ بِٱلۡحَقِّ مُصَدِّقٗا لِّمَا بَيۡنَ يَدَيۡهِ مِنَ ٱلۡكِتَٰبِ وَمُهَيۡمِنًا عَلَيۡهِۖ فَٱحۡكُم بَيۡنَهُم بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُۖ...﴾ [المائدة: 48].

وقد حرَّف أتباع الأنبياء من بعدِهم شريعة أنبيائهم، وبدلوا وغيروا فيها، فلبَّسوا على الناس دينهم، وحرَّفوا كتب الله تعالى، واستبدلوها بأشياء من عندهم، فلم يبقَ كتاب بدون تحريف ولا تبديل إلا القرآن الذي يحفظه الله تعالى، فقال: ﴿إِنَّا نَحۡنُ نَزَّلۡنَا ٱلذِّكۡرَ وَإِنَّا لَهُۥ لَحَٰفِظُونَ9﴾ [الحجر: 9].

يا أمة محمد: لقد نَصَّ القرآن على كُفْرِ اليهودِ والنصارى، فقال تعالى: ﴿لُعِنَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنۢ بَنِيٓ إِسۡرَٰٓءِيلَ عَلَىٰ لِسَانِ دَاوُۥدَ وَعِيسَى ٱبۡنِ مَرۡيَمَۚ ذَٰلِكَ بِمَا عَصَواْ وَّكَانُواْ يَعۡتَدُونَ78﴾ [المائدة: 78]، وكيف لا يُكَفَّرُ مَنْ نَسَبَ لله تعالى الفَقْرَ، وقتَّل أنبياءَه؟! ﴿لَّقَدۡ سَمِعَ ٱللَّهُ قَوۡلَ ٱلَّذِينَ قَالُوٓاْ إِنَّ ٱللَّهَ فَقِيرٞ وَنَحۡنُ أَغۡنِيَآءُۘ سَنَكۡتُبُ مَا قَالُواْ وَقَتۡلَهُمُ ٱلۡأَنۢبِيَآءَ بِغَيۡرِ حَقّٖ وَنَقُولُ ذُوقُواْ عَذَابَ ٱلۡحَرِيقِ181﴾ [آل عمران: 181]، وقال تعالى: ﴿فَبِمَا نَقۡضِهِم مِّيثَٰقَهُمۡ وَكُفۡرِهِم بِـَٔايَٰتِ ٱللَّهِ وَقَتۡلِهِمُ ٱلۡأَنۢبِيَآءَ بِغَيۡرِ حَقّٖ وَقَوۡلِهِمۡ قُلُوبُنَا غُلۡفُۢۚ بَلۡ طَبَعَ ٱللَّهُ عَلَيۡهَا بِكُفۡرِهِمۡ فَلَا يُؤۡمِنُونَ إِلَّا قَلِيلٗا155﴾ [النساء: 155]، وقال تعالى: ﴿لَقَدۡ كَفَرَ ٱلَّذِينَ قَالُوٓاْ إِنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلۡمَسِيحُ ٱبۡنُ مَرۡيَمَۖ وَقَالَ ٱلۡمَسِيحُ يَٰبَنِيٓ إِسۡرَٰٓءِيلَ ٱعۡبُدُواْ ٱللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمۡۖ إِنَّهُۥ مَن يُشۡرِكۡ بِٱللَّهِ فَقَدۡ حَرَّمَ ٱللَّهُ عَلَيۡهِ ٱلۡجَنَّةَ وَمَأۡوَىٰهُ ٱلنَّارُۖ وَمَا لِلظَّٰلِمِينَ مِنۡ أَنصَارٖ72﴾ [المائدة: 72] ﴿لَّقَدۡ كَفَرَ ٱلَّذِينَ قَالُوٓاْ إِنَّ ٱللَّهَ ثَالِثُ ثَلَٰثَةٖۘ وَمَا مِنۡ إِلَٰهٍ إِلَّآ إِلَٰهٞ وَٰحِدٞ...﴾ [المائدة: 73].

فلا ملة صحيحة ولا شريعة قويمة، ولا دين إلا دين الإسلام، ولا كتاب من كتب الله إلا القرآن، ومن قال غير هذا فقد افترى على الله كَذِبًا، وكَذَّبَ ما جاءَ في القرآن، وكَفَرَ بما أَنْزَل الله على نبيه محمد ﷺ.

اللَّهُمَّ أرنا الحقَّ حقًا وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطِل باطلًا وارزقنا اجتنابه، أقول ما تسمعون وأستغفر الله لي ولكم من كل ذنب فاستغفروه؛ إنه هو الغفور الرحيم.

مقدمة الخطبة الثانية

الحمد للـه حمدًا طيبًا كثيرًا مباركًا فيه كما يحب ربنا ويرضى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وأصحابه، ومن اهتدى بهداهم إلى يوم الدين.

نص الخطبة الثانية

أَمَّا بَعْدُ: فإنَّ قلوب مَن لا يدين بالإسلام لا تُكِنُّ للمسلمين غيرَ العَداوَةِ والبَغضاء إلى يوم القيامة، قال تعالى: ﴿وَلَن تَرۡضَىٰ عَنكَ ٱلۡيَهُودُ وَلَا ٱلنَّصَٰرَىٰ حَتَّىٰ تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمۡۗ قُلۡ إِنَّ هُدَى ٱللَّهِ هُوَ ٱلۡهُدَىٰ...﴾ [البقرة: 120]، ولا مَوَدَّةَ ولا تسامُحَ بينهم وبين المسلمين ﴿...وَلَا يَزَالُونَ يُقَٰتِلُونَكُمۡ حَتَّىٰ يَرُدُّوكُمۡ عَن دِينِكُمۡ إِنِ ٱسۡتَطَٰعُواْ...﴾ [البقرة: 217].

وقد نصَّ الله تعالى على أنَّ أشدَّ النَّاس عداوَةً للمسلمين اليهود، فقال: ﴿لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ ٱلنَّاسِ عَدَٰوَةٗ لِّلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱلۡيَهُودَ وَٱلَّذِينَ أَشۡرَكُواْ...﴾ [المائدة: 82]؛ فكيف نُحِبُّ من يعادينا، ويسعى لزوالنا، ويبذل جهده لإفساد ديننا؟ وكيف نُحِبُّ من لا يرضيهم إلا انسلاخنا عن ديننا، كيف نُحِبُّهم وقد نهانا الله تعالى في كتابه عن حبِّهم أو التَّقارب معهم؟! فقال ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَتَّخِذُواْ ٱلۡيَهُودَ وَٱلنَّصَٰرَىٰٓ أَوۡلِيَآءَۘ بَعۡضُهُمۡ أَوۡلِيَآءُ بَعۡضٖۚ وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمۡ فَإِنَّهُۥ مِنۡهُمۡۗ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يَهۡدِي ٱلۡقَوۡمَ ٱلظَّٰلِمِينَ51﴾ [المائدة: 51]، وقال: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَتَّخِذُواْ ٱلَّذِينَ ٱتَّخَذُواْ دِينَكُمۡ هُزُوٗا وَلَعِبٗا مِّنَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلۡكِتَٰبَ مِن قَبۡلِكُمۡ وَٱلۡكُفَّارَ أَوۡلِيَآءَۚ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ إِن كُنتُم مُّؤۡمِنِينَ57﴾ [المائدة: 57].

والبراءة من الكافرين هَدْيُ خليل الله إبراهيم ﷺ، قال تعالى: ﴿قَدۡ كَانَتۡ لَكُمۡ أُسۡوَةٌ حَسَنَةٞ فِيٓ إِبۡرَٰهِيمَ وَٱلَّذِينَ مَعَهُۥٓ إِذۡ قَالُواْ لِقَوۡمِهِمۡ إِنَّا بُرَءَٰٓؤُاْ مِنكُمۡ وَمِمَّا تَعۡبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ كَفَرۡنَا بِكُمۡ وَبَدَا بَيۡنَنَا وَبَيۡنَكُمُ ٱلۡعَدَٰوَةُ وَٱلۡبَغۡضَآءُ أَبَدًا حَتَّىٰ تُؤۡمِنُواْ بِٱللَّهِ وَحۡدَهُ...﴾ [الممتحنة: 4].

اللهم من أراد الإسلام والمسلمين بضر أو خيانة أو سوء فرد كيده في نحره، واجعل الدائرة عليه، وأصلح أمة محمد وردهم إلى دينك ردًا جميلًا.

اللهم أصلح شباب المسلمين بنين وبنات، واهدهم سبل السلام وخذ بنواصيهم للهدى والرشاد، وجنبهم الفتن ما ظهر منها وما بطن.

اللهم إنا نعوذ بك من الغلا والوبا والربا والزنا والزلازل، والفتن ما ظهر منها وما بطن، واحفظ اللهم أمننا، واحرس بلادنا، واكفنا شر الأشرار وكيد الفجار، واحمنا من طوارق الليل والنهار، إلا طارقًا يطرق بخير، يا قوي يا جبار.

اللهم اغفر لنا ولوالدينا ولجميع المسلمين الأحياء منهم والميتين، ووفق ولاة أمورنا، لكل خير وبر وصلاح ورشد، يا ذا الجلال والإكرام.

وصلوا وسلموا على نبيكم كما أمركم بذلك ربكم، فقال: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ وَمَلَٰٓئِكَتَهُۥ يُصَلُّونَ عَلَى ٱلنَّبِيِّۚ يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ صَلُّواْ عَلَيۡهِ وَسَلِّمُواْ تَسۡلِيمًا56﴾ [الأحزاب: 56]، وَقَالَ ‏ﷺ: «مَنْ صَلَّى عَلَيَّ صَلَاةً وَاحِدَةً صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ بِهَا عَشْرًا» [رواه مسلم: 384].

***