المصباح المنير في تهذيب تفسير ابن كثير
سُورَةُ الْفَاتِحَةِ {بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَانِ الرَّحِيمِ} [أَسْمَاءُ الْفَاتِحَةِ وَمَعْنَاهَا] يُقَالُ لَهَا: الْفَاتِحَةُ، أَيْ فَاتِحَةُ الْكِتَابِ خَطًّا، وَبِهَا تُفْتَتَحُ الْقِرَاءَةُ فِي الصَّلَوَاتِ، وَيُقَالُ لَهَا أَيْضًا: أُمُّ الْكِتَابِ عِنْدَ الْجُمْهُورِ. وَقَدْ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ عِنْدَ التِّرْمِذِيِّ وَصَحَّحَهُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: {الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} [الفاتحة: 1] أُمُّ الْقُرْآنِ، وَأُمُّ الْكِتَابِ، وَالسَّبْعُ الْمَثَانِي، وَالْقُرْآنُ الْعَظِيمُ» وَيُقَالُ لَهَا: (اَلْحَمْدُ) وَيُقَالُ لَهَا: (الصَّلاَةُ) لِقَوْلِهِ ﷺ عَنْ رَبِّهِ: «قَسَمْتُ الصَّلاَةَ بَيْنِي وَبَيْنَ عَبْدِي نِصْفَيْنِ، فَإِذَا قَالَ الْعَبْدُ: الْحَمْدُ لله رَبِّ الْعَالَمِينَ قَالَ اللهُ: حَمِدَنِي عَبْدِي» [25] الْحَدِيثَ؛ فَسُمِّيَتِ الْفَاتِحَةُ صَلاَةً لِأَنَّهَا شَرْطٌ فِيهَا. [25] (تحفة الأحوذي:8/283) وَيُقَالُ لَهَا: (الرُّقْيَةُ) لِحَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ فِي الصَّحِيحِ حِينَ رَقى بِهَا الرَّجُلَ السَّلِيمَ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ «وَمَا يُدْرِيكَ أَنَّهَا رُقْيَةٌ؟»[26]. [26] (فتح الباري 4/529) وَهِيَ مَكِّـيَّـةٌ قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ وَقَتَادَةُ وَأَبُو الْعَالِيَةِ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي} [الحجر 87] وَاللهُ تَعَالَى أَعْلَمُ. [عَدَدُ آيَاتِهَا] وَهِيَ سَبْعُ آيَاتٍ بِلاَ خِلاَفٍ. وَالْبَسْمَلَةُ آيَةٌ مُسْتَقِلَّةٌ مِنْ أَوَّلِهَا، كَمَا هُوَ عِنْدَ جُمْهُورِ قُرَّاءِ الْكُوفَةِ، وَقَوْلُ جَمَاعَةٍ مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وَخَلْقٍ مِنَ الْخَلَفِ. [عَدَدُ كَلِمَاتِهَا وَحُرُوفِهَا] قَالُوا: وَكَلِمَاتُهَا خَمْسٌ وَعِشْرُونَ كَلِمَةً، وَحُرُوفُهَا مِائَةٌ وَثَلاَثَةَ عَشَرَ حَرْفًا. [لِمَاذَا سُمِّيَتْ أُمَّ الْكِتَابِ] قَالَ الْبُخَارِيُّ فِي أَوَّلِ كِتَابِ التَّفْسِيرِ: وَسُمِّيَتْ أُمَّ الْكِتَابِ لِأَنَّهُ يُبْدَأُ بِكِتَابَتِهَا فِي الْمَصَاحِفِ، وَيُبْدَأُ بِقِرَاءَتِهَا فِي الصَّلاَةِ[27]. وَقِيلَ: إِنَّمَا سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِرُجُوعِ مَعَانِي الْقُرْآنِ كُلِّهِ إِلَى مَا تَضَمَّنَتْهُ. قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: وَالْعَرَبُ تُسَمِّي كُلَّ جَامِعِ أَمْرٍ أَوْ مُقَدَّمٍ لِأَمْرٍ إِذَا كَانَتْ لَهُ تَوَابِعُ تَتْبَعُهُ، هُوَ لَهَا إِمَامٌ جَامِعٌ: أُمًّا، فَتَقُولُ لِلْجِلْدَةِ الَّتِي تَجْمَعُ الدِّمَاغَ: أُمُّ الرَّأْسِ، وَيُسَمُّونَ لِوَاءَ الْجَيْشِ وَرَايَتَهُمُ الَّتِي يَجْتَمِعُونَ تَحْتَهَا: أُمًّا. قَالَ: وَسُمِّيَتْ مَكَّةُ أُمَّ الْقُرى لِتَقَدُّمِهَا أَمَامَ جَمِيعِهَا وَجَمْعِهَا مَا سِوَاهَا، وَقِيلَ: لِأَنَّ الْأَرْضَ دُحِيَتْ مِنْهَا[28]. [27] (فتح الباري 8/6) [28] (الطبري 1/107) رَوَى الْإِمَامُ أَحْمَدُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ فِي أُمِّ الْقُرْآنِ: «هِيَ أُمُّ الْقُرْآنِ، وَهِيَ السَّبْعُ الْمَثَانِي، وَهِيَ الْقُرْآنُ الْعَظِيمُ»[29]. وَرَوَى أَبُو جَعْفَرٍ مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ قَالَ: «هِيَ أُمُّ الْقُرْآنِ، وَهِيَ فَاتِحَةُ الْكِتَابِ، وَهِيَ السَّبْعُ الْمَثَانِي»[30]. [29] (أحمد 2/448) [30] (الطبري 1/107) [ذِكْرُ مَا وَرَدَ فِي فَضْلِ الْفَاتِحَةِ] رَوَى الْإِمَامُ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى فِي مُسْنَدِهِ عَنْ أَبِي سَعِيدِ بْنِ الْمُعَلّْى رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ: كُنْتُ أُصَلِّي فَدَعَانِي رَسُولُ اللهِ ﷺ فَلَمْ أُجِبْهُ حَتَّى صَلَّيْتُ، قَالَ: فَأَتَيْتُهُ فَقَالَ: «مَا مَنَعَكَ أَنْ تَأْتِيَنِي»؟ قَالَ قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ إِنِّي كُنْتُ أُصَلِّي، قَالَ: «أَلَمْ يَقُلِ اللهُ تَعَالَى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ} [الأنفال: 24] ثُمَّ قَالَ: «لَأُعَلِّمَنَّكَ أَعْظَمَ سُورَةٍ فِي الْقُرْآنِ قَبْلَ أَنْ تَخْرُجَ مِنَ الْمَسْجِدِ» قَالَ: فَأَخَذَ بِيَدِي فَلَمَّا أَرَادَ أَنْ يَخْرُجَ مِنَ الْمَسْجِدِ قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّكَ قُلْتَ: «لَأُعَلِّمَنَّكَ أَعْظَمَ سُورَةٍ فِي الْقُرْآنِ» قَالَ: «نَعَمْ {الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} هِيَ السَّبْعُ الْمَثَانِي، وَالْقُرْآنُ الْعَظِيمُ الَّذِي أُوتِيتُهُ»[31]. وَهكَذَا رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ[32]وَأَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ[33]. [31] (أحمد 4/211) [32] (فتح الباري 8/6، 671) [33] (أبو داود 2/150، والنسائي 2/193، وابن ماجه 2/1244) (حَدِيثٌ آخَرُ) رَوَى الْبُخَارِيُّ فِي فَضَائِلِ الْقُرْآنِ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيٍّ، قَالَ: كُنَّا فِي مَسِيرٍ لَنَا، فَنَزَلْنَا فَجَاءَتْ جَارِيَةٌ فَقَالَتْ: إِنَّ سَيِّدَ الْحَيِّ سَلِيمٌ، وَإِنَّ نَفَرَنَا غُيَّبٌ، فَهَلْ مِنْكُمْ رَاقٍ؟ فَقَامَ مَعَهَا رَجُلٌ مَا كُنَّا نَأْبِنُهُ بِرُقْيَةٍ، فَرَقَاهُ فَبَرَأَ، فَأَمَرَ لَهُ بِثَلاَثِينَ شَاةً وَسَقَانَا لَبَنًا. فَلَمَّا رَجَعَ قُلْنَا لَهُ: أَكُنْتَ تُحْسِنُ رُقْيَةً أَوْ كُنْتَ تَرْقِي؟ فَقَالَ: لاَ مَا رَقِيتُ إِلاَّ بِأُمِّ الْكِتَابِ، قُلْنَا: لاَ تُحْدِثُوا شَيْئًا حَتَّى نَأْتِيَ وَنَسْأَلَ رَسُولَ اللهِ ﷺ، فَلَمَّا قَدِمْنَا الْمَدِينَةَ ذَكَرْنَاهُ لِلنَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: «وَمَا كَانَ يُدْرِيهِ أَنَّهَا رُقْيَةٌ، اقْسِمُوا، وَاضْرِبُوا لِي بِسَهْمٍ»[34]. [34] (فتح الباري 8/671) (حَدِيثٌ آخَرُ) : رَوَى مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ وَالنَّسَائِيُّ فِي سُنَنِهِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: بَيْنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ وَعِنْدَهُ جِبْرَائِيلُ، إِذْ سَمِعَ نَقِيضًا فَوْقَهُ، فَرَفَعَ جِبْرِيلُ بَصَرَهُ إِلَى السَّمَاءِ فَقَالَ: هَذَا بَابٌ قَدْ فُتِحَ مِنَ السَّمَاءِ مَا فُتِحَ قَطُّ، قَالَ: فَنَزَلَ مِنْهُ مَلَكٌ، فَأَتَى النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ: أَبْشِرْ بِنُورَيْنِ قَدْ أُوتِيتَهُمَا لَمْ يُؤْتَهُمَا نَبِيٌّ قَبْلَكَ: فَاتِحَةِ الْكِتَابِ وَخَوَاتِيمِ سُورَةِ الْبَقَرَةِ، لَمْ تَقْرَأْ حَرْفًا مِنْهُمَا إِلاَّ أُوتِيتَهُ. وَهَذَا لَفْظُ النَّسَائِيِّ وَلِمُسْلِمٍ نَحْوُهُ[35]. [35] (مسلم 1/554، والنسائي في الكبرى 5/12) [قِرَاءَةُ الْفَاتِحَةِ فِي الصَّلاَةِ] (حَدِيثٌ آخَرُ) رَوَى مُسْلِمٌ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَنْ صَلَّى صَلاَةً لَمْ يَقْرَأْ فِيهَا أُمَّ الْقُرْآنِ فَهِيَ خِدَاجٌ - ثَلاَثًا - غَيْرُ تَمَامٍ» فَقِيلَ لِأَبِي هُرَيْرَةَ: إِنَّا نَكُونُ خَلْفَ الْإِمَامِ، فَقَالَ: اِقْرَأْ بِهَا فِي نَفْسِكَ، فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: «قَالَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ: قَسَمْتُ الصَّلاَةَ بَيْنِي وَبَيْنَ عَبْدِي نِصْفَيْنِ، وَلِعَبْدِي مَا سَأَلَ، فَإِذَا قَالَ: {الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} قَالَ اللهُ: حَمِدَنِي عَبْدِي، وَإِذَا قَالَ: {الرَّحْمـنِ الرَّحِيم} قَالَ اللهُ: أَثْنى عَلَيَّ عَبْدِي، فَإِذَا قَالَ: {مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ} قَالَ اللهُ: مَجَّدَنِي عَبْدِي، وَقَالَ مَرَّةً: فَوَّضَ إِلَيَّ عَبْدِي، فَإِذَا قَالَ: {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} قَالَ: هَذَا بَيْنِي وَبَيْنَ عَبْدِي، وَلِعَبْدِي مَا سَأَلَ، فَإِذَا قَالَ: {اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ *صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلاَ الضَّالِّينَ} قَالَ اللهُ: هَذَا لِعَبْدِي، وَلِعَبْدِي مَا سَأَلَ». وَهكَذَا رَوَاهُ النَّسَائِيُّ، وَفِي لَفْظٍ عِنْدَ مُسْلِمٍ وَالنَّسَائِيِّ: «فَنِصْفُهَا لِي وَنِصْفُهَا لِعَبْدِي، وَلِعَبْدِي مَا سَأَلَ»[36]. [36] (مسلم 1/296، والنسائي في الكبرى 5/11، 12) اَلْكَلاَمُ عَلَى مَا يَتَعَلَّقُ بِهَذَا الْحَدِيثِ مِمَّا يَخْتَصُّ بِالْفَاتِحَةِ مِنْ وُجُوهٍ وَهُوَ: أَنَّهُ قَدْ أُطْلِقَ فِيهِ لَفْظُ الصَّلاَةِ، وَالْمُرَادُ الْقِرَاءَةُ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَلاَ تَجْهَرْ بِصَلاَتِكَ وَلاَ تُخَافِتْ بِهَا وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلاً} [الإسراء:110] أَيْ بِقِرَاءَتِكَ، كَمَا جَاءَ مُصَرَّحًا بِهِ فِي الصَّحِيحِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ[37]. وَهكَذَا قَالَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ: «قَسَمْتُ الصَّلاَةَ بَيْنِي وَبَيْنَ عَبْدِي نِصْفَيْنِ، فَنِصْفُهَا لِي وَنِصْفُهَا لِعَبْدِي، وَلِعَبْدِي مَا سَأَلَ» ثُمَّ بَيَّنَ تَفْصِيلَ هَذِهِ الْقِسْمَةِ فِي قِرَاءَةِ الْفَاتِحَةِ، فَدَلَّ عَلَى عَظَمَةِ الْقِرَاءَةِ فِي الصَّلاَةِ، وَأَنَّهَا مِنْ أَكْبَرِ أَرْكَانِهَا؛ إِذْ أُطْلِقَتِ الْعِبَادَةُ وَأُرِيدَ بِهَا جُزْءٌ وَاحِدٌ مِنْهَا. وَهُوَ الْقِرَاءَةُ، كَمَا أُطْلِقَ لَفْظُ الْقِرَاءَةِ وَالْمُرَادُ بِهِ الصَّلاَةُ فِي قَوْلِهِ: {وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا} [الإسراء:78] وَالْمُرَادُ صَلاَةُ الْفَجْرِ، كَمَا جَاءَ مُصَرَّحًا بِهِ فِي الصَّحِيحَينِ: «أَنَّهُ يَشْهَدُهَا مَلاَئِكَةُ اللَّيْلِ وَمَلاَئِكَةُ النَّهَارِ»[38]. [37] (فتح الباري 8/257) [38] (فتح الباري 8/251، ومسلم 1/439) [وُجُوبُ قِرَاءَةِ الْفَاتِحَةِ فِي الصَّلَوَاتِ كُلِّهَا إِمَامًا كَانَ أَوْ مَأْمُومًا أَوْ مُنْفَرِدًا] فَدَلَّ هَذَا كُلُّهُ عَلَى أَنَّهُ لاَ بُدَّ مِنَ الْقِرَاءَةِ فِي الصَّلاَةِ، وَهُوَ اتِّفَاقٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ. وَقَدْ دَلَّ عَلَيْهِ الْحَدِيثُ الْمَذْكُورُ حَيْثُ قَالَ صَلَوَاتُ اللهِ وَسَلاَمُهُ عَلَيْهِ: «مَنْ صَلَّى صَلاَةً لَمْ يَقْرَأْ فِيهَا بِأُمِّ الْقُرْآنِ فَهِيَ خِدَاجٌ»[39]. وَالْخِدَاجُ هُوَ النَّاقِصُ، كَمَا فُسِّرَ بِهِ فِي الْحَدِيثِ «غَيْرُ تَمَامٍ». وَأَيْضًا قَدْ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «لاَ صَلاَةَ لِمَنْ لَمْ يَقْرَأْ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ»[40]. وَفِي صَحِيحَيِ ابْنِ خُزَيْمَةَ وَابْنِ حِبَّانَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ للهِ ﷺ: «لاَ تُجْزِيءُ صَلاَةٌ لاَ يُقْرَأُ فِيهَا بِأُمِّ الْقُرْآنِ»[41]. وَالْأَحَادِيثُ فِي هَذَا الْبَابِ كَثِيرَةٌ[42]. [39] (أحمد 2/250) [40] (فتح الباري 2/276، ومسلم 1/295) [41] (ابن خزيمة 1/248، وابن حبان 3/139) [42] ]فَعَلَى الْمُصَلِّي أَنْ يقْرَأَ فَاتِحَةَ الْكِتَابِ إِمَامًا كَانَ أَوْ مَأْمُومًا أَوْ مُنْفَرِنَا فِي جَمِيعِ الصَّلَوَاتِ وَفِي كُلِّ رَكْعَةٍ وَلَا بُدَّ[ [تَفْسِيرُ الاِسْتِعَاذَةِ وَأَحْكَامُهَا] قَالَ اللهُ تَعَالَى: {خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ *وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} [الأعراف:199،200] وَقَالَ تَعَالَى: {ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ السَّيِّئَةَ نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَصِفُونَ *وَقُلْ رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ *وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَنْ يَحْضُرُونِ} [المؤمنون:96-98] وَقَالَ تَعَالَى: [فصّلت: 34-36] فَهَذِهِ ثَلاَثُ آيَاتٍ لَيْسَ لَهُنَّ رَابِعَةٌ فِي مَعْنَاهَا، وَهُوَ أَنَّ اللهَ تَعَالَى يَأْمُرُ بِمُصَانَعَةِ الْعَدُوِّ الْإِنْسِيِّ وَالْإِحْسَانِ إِلَيْهِ، لِيَرُدَّهُ عَنْهُ طَبْعُهُ الطَّيِّبُ الْأَصْلِ إِلَى الْمُوَالاَةِ وَالْمُصَافَاةِ، وَيَأْمُرُ بِالْاِسْتِعَاذَةِ بِهِ مِنَ الْعَدُوِّ الشَّيْطَانِي لاَ مَحَالَةَ، إِذْ لاَ يَقْبَلُ مُصَانَعَةً وَلاَ إِحْسَانًا، وَلاَ يَبْتَغِي غَيْرَ هَلاَكِ ابْنِ آدَمَ، لِشِدَّةِ الْعَدَاوَةِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَبِيهِ آدَمَ مِنْ قَبْلُ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: {يَا بَنِي آدَمَ لاَ يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ} [الأعراف:27] وَقَالَ تَعَالَى: {إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ} [فاطر: 6]. وَقَالَ:{أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلاً} [الكهف:50] وَقَدْ أَقْسَمَ لِلْوَالِدِ - آدَمَ عَلَيْهِ السَّلاَمُ - أَنَّهُ لَهُ لَمِنَ النَّاصِحِينَ، وَكَذَبَ، فَكَيْفَ مُعَامَلَتُهُ لَنَا وَقَدْ قَالَ: {فَبِعِزَّتِكَ لأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِين * إِلاَّ عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِين} [ص: 82، 83] وقَالَ تَعَالَى: {فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ *إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ *إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ} [النحل: 98-100]. [اَلْاِسْتِعَاذَةُ تَكُونُ قَبْلَ التِّلاَوَةِ] وَمَعْنى قَوْلِهِ: {فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ} [النحل: 98] أَيْ إِذَا أَرَدْتَ الْقِرَاءَةَ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاَةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ} الْآيَةَ [المائدة:6]. أَيْ إِذَا أَرَدْتُمُ الْقِيَامَ، وَالدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ الْأَحَادِيثُ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ بِذَلِكَ. رَوَى الْإِمَامُ أَحْمَدُ ابْنُ حَنْبَلٍ رَحِمَهُ اللهُ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيٍّ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إِذَا قَامَ مِنَ اللَّيْلِ فَاسْتَفْتَحَ صَلاَتَهُ وَكَبَّرَ قَالَ: «سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ، وَتَبَارَكَ اسْمُكَ وَتَعَالَى جَدُّكَ، وَلاَ إِلَهَ غَيْرُكَ. ثُمَّ يَقُولُ: لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ ثَلاَثًا - ثُمَّ يَقُولُ: - أَعُوذُ بِاللهِ السَّمِيعِ الْعَلِيمِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ مِنْ هَمْزِهِ وَنَفْخِهِ وَنَفْثِهِ». وَرَوَاهُ أَهْلُ السُّنَنِ الْأَرْبَعَةِ، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: هُوَ أَشْهَرُ شَيْءٍ فِي هَذَا الْبَابِ[43]. [43] (أحمد 3/69، وأبو داود 1/490، وتحفة الأحوذي 2/47، والنسائي 2/132، وابن ماجه 1/264) وَقَدْ فُسِّرَ «الْهَمْزُ» بِالْمُوتَةِ، وَهِيَ الْخَنْقُ، وَ«النَّفْخُ» بِالْكِبْرِ، وَ«النَّفْثُ» بِالشِّعْرِ، كَمَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَابْنُ مَاجَه عَنْ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ الله ﷺ حِينَ دَخَلَ فِي الصَّلاَةِ قَالَ: «اللهُ أَكْبَرُ كَبِيرًا - ثَلاَثًا - الْحَمْدُ للهِ كَثِيرًا - ثَلاَثًا - سُبْحَانَ اللهِ بُكْرَةً وَأَصِيلاً - ثَلاَثًا - اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ مِنْ هَمْزِهِ وَنَفْخِهِ وَنَفْثِهِ» قَالَ عَمْرٌو: هَمْزُهُ: الْمُوتَةُ وَنَفْخُهُ: الْكِبْرُ وَنَفْثُهُ: الشِّعْرُ[44]. وَقَالَ ابْنُ مَاجَهْ: حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ الْمُنْذِرِ: حَدَّثَنَا ابْنُ فُضَيْلٍ: حَدَّثَنَا عَطَاءُ بْنُ السَّائِبِ عَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمنِ السُّلَمِيِّ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ وَهَمْزِهِ وَنَفْخِهِ وَنَفْثِهِ» قَالَ: هَمْزُهُ الْمُوتَةُ، وَنَفْخُهُ الْكِبْرُ، وَنَفْثُهُ الشِّعْرُ.[45] [44] (أبو داود 1/486، وابن ماجه 1/265) [45] (ابن ماجه 1/266) [اَلتَّعَوُّذُ عِنْدَ الْغَضَبِ] وَرَوَى الْحَافِظُ أَبُو يَعْلَى أَحْمَدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ الْمُثَنّْى الْمَوْصِلِيُّ فِي مُسْنَدِهِ، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ: تَلاَحَى رَجُلاَنِ عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ، فَتَمَزَّعَ أَنْفُ أَحَدِهِمَا غَضَبًا، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «إِنِّي لَأَعْلَمُ شَيْئًا لَوْ قَالَهُ لَذَهَبَ عَنْهُ مَا يَجِدُ: أَعُوذُ بِاللهِ ِمِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ» وَكَذَا رَوَاهُ النَّسَائِيُّ فِي «الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ»[46]. [46] (النسائي في الكبرى رقم 10233) وَرَوَى الْبُخَارِيُّ عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ صُرَدٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ: اِسْتَبَّ رَجُلاَنِ عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ وَنَحْنُ عِنْدَهُ جُلُوسٌ، فَأَحَدُهُمَا يَسُبُّ صَاحِبَهُ مُغْضَبًا قَدِ احْمَرَّ وَجْهُهُ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «إِنِّي لَأَعْلَمُ كَلِمَةً لَوْ قَالَهَا لَذَهَبَ عَنْهُ مَا يَجِدُ، لَوْ قَالَ: أَعُوذُ بِاللهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ» فَقَالُوا لِلرَّجُلِ: أَلاَ تَسْمَعُ مَا يَقُولُ رَسُولُ اللهِ ﷺ؟ قَالَ: إِنِّي لَسْتُ بِمَجْنُونٍ. وَقَدْ رَوَاهُ أَيْضًا مَعَ مُسْلِمٍ وَأَبِي دَاوُدَ وَالنَّسَائِيِّ[47]. [47] (فتح الباري 6/388، ومسلم 4/2015، وأبو داود 5/140، والنسائي في الكبرى 6/104) وَقَدْ جَاءَ فِي الاِسْتِعَاذَةِ أَحَادِيثُ كَثِيرَةٌ يَطُولُ ذِكْرُهَا ههُنَا، وَمَوْطِنُهَا كِتَابُ الْأَذْكَارِ وَفَضَائِلُ الْأَعْمَالِ، وَاللهُ أَعْلَمُ. [اَلاِسْتِعَاذَةُ وَاجِبَةٌ أَوْ مُسْتَحَبَّةٌ؟] (مَسْأَلَةٌ) وَجُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ عَلَى أَنَّ الاِسْتِعَاذَةَ مُسْتَحَبَّةٌ، لَيْسَتْ بِمُتَحَتَّمَةٍ يَأْثَمُ تَارِكُهَا. وَحَكَى الرَّازِيُّ عَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ وُجُوبَهَا فِي الصَّلاَةِ وَخَارِجِهَا كُلَّمَا أَرَادَ الْقِرَاءَةَ. وَاحْتَجَّ الرَّازِيُّ لِعَطَاءٍ بِظَاهِرِ الْآيَةِ {فَاسْتَعِذْ} [النحل: 98] وَهُوَ أَمْرٌ ظَاهِرُهُ الْوُجُوبُ، وَبِمُوَاظَبَةِ النَّبِيِّ ﷺ عَلَيْهَا، وَلِأَنَّهَا تَدْرَأُ شَرَّ الشَّيْطَانِ، وَمَا لاَ يَتِمُّ الْوَاجِبُ إِلاَّ بِهِ فَهُوَ وَاجِبٌ، وَلِأَنَّ الاِسْتِعَاذَةَ أَحْوَطُ، فَإِذَا قَالَ الْمُسْتَعِيذُ: "أَعُوذُ بِاللهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ" كَفَى ذَلِكَ. [مِنْ لَطَائِفِ الاِسْتِعَاذَةِ] وَمِنْ لَطَائِفِ الاِسْتِعَاذَةِ أَنَّهَا طَهَارَةٌ لِلْفَمِ مِمَّا كَانَ يَتَعَاطَاهُ مِنَ اللَّغْوِ وَالرَّفَثِ، وَتَطْيِيبٌ لَهُ، وَهُوَ لِتِلاَوَةِ كَلاَمِ اللهِ، وَهِيَ اسْتِعَانَةٌ بِاللهِ، وَاعْتِرَافٌ لَهُ بِالْقُدْرَةِ، وَلِلْعَبْدِ بِالضُّعْفِ وَالْعَجْزِ عَنْ مُقَاوَمَةِ هَذَا الْعَدُوِّ الْمُبِينِ الْبَاطِنِيِّ، الَّذِي لاَ يَقْدِرُ عَلَى مَنْعِهِ وَدَفْعِهِ إِلاَّ اللهُ الَّذِي خَلَقَهُ، وَلاَ يَقْبَلُ مُصَانَعَةً وَلاَ يُدَارَى بِالْإِحْسَانِ، بِخِلاَفِ الْعَدُوِّ مِنْ نَوْعِ الْإِنْسَانِ، كَمَا دَلَّتْ عَلَى ذَلِكَ آيَاتٌ مِنَ الْقُرْآنِ فِي ثَلاَثٍ مِنَ الْمَثَانِي. وَقَالَ تَعَالَى: {إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ وَكَفَى بِرَبِّكَ وَكِيلاً} [الإسراء:65] وَقَدْ نَزَلَتِ الْمَلاَئِكَةُ لِمُقَاتَلَةِ الْعَدُوِّ الْبَشَرِيِّ، فَمَنْ قَتَلَهُ الْعَدُوُّ الظَّاهِرُ الْبَشَرِيُّ كَانَ شَهِيدًا، وَمَنْ قَتَلَهُ الْعَدُوُّ الْبَاطِنِيُّ كَانَ طَرِيدًا، وَمَنْ غَلَبَهُ الْعَدُوُّ الظَّاهِرِيُّ كَانَ مَأْجُورًا، وَمَنْ قَهَرَهُ الْعَدُوُّ الْبَاطِنِيُّ كَانَ مَفْتُونًا أَوْ مَوْزُورًا، وَلَمَّا كَانَ الشَّيْطَانُ يَرَى الْإِنْسَانَ مِنْ حَيْثُ لاَ يَرَاهُ اسْتَعَاذَ مِنْهُ بِالَّذِي يَرَاهُ وَلاَ يَرَاهُ الشَّيْطَانُ. (فَصْلٌ) وَالاِسْتِعَاذَةُ هِيَ الاِلْتِجَاءُ إِلَى اللهِ تَعَالَى وَالاِلْتِصَاقُ بِجَنَابِهِ مِنْ شَرِّ كُلِّ ذِي شَرٍّ، وَالْعِيَاذَةُ تَكُونُ لِدَفْعِ الشَّرِّ، وَاللِّيَاذُ يَكُونُ لِطَلَبِ جَلْبِ الْخَيْرِ. [مَعْنَى الاِسْتِعَاذَةِ] وَمَعْنى أَعُوذُ بِاللهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ، أَيْ أَسْتَجِيرُ بِجَنَابِ اللهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ أَنْ يَضُرَّنِي فِي دِينِي أَوْ دُنْيَايَ أَوْ يَصُدَّنِي عَنْ فِعْلِ مَا أُمِرْتُ بِهِ، أَوْ يَحُثَّنِي عَلَى فِعْلِ مَا نُهِيتُ عَنْهُ، فَإِنَّ الشَّيْطَانَ لاَ يَكُفُّهُ عَنِ الْإِنْسَانِ إِلاَّ اللهُ، وَلِهَذَا أَمَرَ تَعَالَى بِمُصَانَعَةِ شَيْطَانِ الْإِنْسِ وَمُدَارَاتِهِ بِإِسْدَاءِ الْجَمِيلِ إِلَيْهِ، لِيَرُدَّهُ طَبْعُهُ عَمَّا هُوَ فِيهِ مِنَ الْأَذَى، وَأَمَرَ بِالاِسْتِعَاذَةِ بِهِ مِنْ شَيْطَانِ الْجِنِّ، لِأَنَّهُ لاَ يَقْبَلُ رِشْوَةً، وَلاَ يُؤَثِّرُ فِيهِ جَمِيلٌ، لِأَنَّهُ شِرِّيرٌ بِالطَّبْعِ، وَلاَ يَكُفُّهُ عَنْكَ إِلاَّ الَّذِي خَلَقَهُ. وَهَذَا الْمَعْنى فِي ثَلاَثِ آيَاتٍ مِنَ الْقُرْآنِ لاَ أَعْلَمُ لَهُنَّ رَابِعَةً، قَوْلُهُ فِي الْأَعْرَافِ: {خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ} [الآية:199] فَهَذَا فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِمُعَامَلَةِ الْأَعْدَاءِ مِنَ الْبَشَرِ، ثُمَّ قَالَ: {وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} [الآية:200] وَقَالَ تَعَالَى فِي سُورَةِ { قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُون}، {ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ السَّيِّئَةَ نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَصِفُونَ *وَقُلْ رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ *وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَنْ يَحْضُرُونِ} [المؤمنون:96-98] وَقَالَ تَعَالَى فِي سُورَةِ حَم السَّجْدَةِ: {وَلاَ تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلاَ السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ *وَمَا يُلَقَّاهَا إِلاَّ الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلاَّ ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ *وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ} [فصلت:34-36]. [تَسْمِيَةُ الشَّيْطَانِ] اَلشَّيْطَانُ فِي لُغَةِ الْعَرَبِ مُشْتَقٌّ مِنْ شَطَنَ إِذَا بَعُدَ، فَهُوَ بَعِيدٌ بِطَبْعِهِ عَنْ طِبَاعِ الْبَشَرِ، وَبَعِيدٌ بِفِسْقِهِ عَنْ كُلِّ خَيْرٍ، وَقِيلَ: مُشْتَقٌّ مِنْ شَاطَ، لِأَنَّهُ مَخْلُوقٌ مِنْ نَارٍ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ: كِلاَهُمَا صَحِيحٌ فِي الْمَعْنى وَلَكِنَّ الْأَوَّلَ أَصَحُّ. وَقَالَ سِيبَوَيْهِ: اَلْعَرَبُ تَقُولُ: تَشَيْطَنَ فُلاَنٌ إِذَا فَعَلَ فِعْلَ الشَّيَاطِينِ، وَلَوْ كَانَ مِنْ شَاطَ لَقَالُوا: تَشَيَّطَ. فَالشَّيْطَانُ مُشْتَقٌّ مِنَ الْبُعْدِ عَلَى الصَّحِيحِ، وَلِهَذَا يُسَمُّونَ كُلَّ مَنْ تَمَرَّدَ مِنْ جِنِّيٍّ وَإِنْسِيٍّ وَحَيْوَانٍ شَيْطَانًا. قَالَ اللهُ تَعَالَى: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا} [الأنعام:112] وَفِي مُسْنَدِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ عَنْ أَبِي ذَرٍّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «يَا أَبَا ذَرٍّ تَعَوَّذْ بِاللهِ مِنْ شَيَاطِينِ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ» فَقُلْتُ: أَوَ لِلْإِنْسِ شَيَاطِينُ؟ قَالَ: «نَعَمْ»[48]. وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ أَبِي ذَرٍّ أَيْضًا قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «يَقْطَعُ الصَّلاَةَ الْمَرْأَةُ وَالْحِمَارُ وَالْكَلْبُ الْأَسْوَدُ». فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ مَا بَالُ الْكَلْبِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْأَحْمَرِ وَالْأَصْفَرِ؟ فَقَالَ: «الْكَلْبُ الْأَسْوَدُ شَيْطَانٌ»[49]. وَرَوَى ابْنُ جَرِيرٍ أَنْ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، رَكِبَ بِرْذَوْنًا فَجَعَلَ يَتَبَخْتَرُ بِهِ فَجَعَلَ يَضْرِبُهُ، فَلاَ يَزْدَادُ إِلاَّ تَبَخْتُرًا فَنَزَلَ عَنْهُ وَقَالَ: مَا حَمَلْتُمُونِي إِلاَّ عَلَى شَيْطَانٍ، مَا نَزَلْتُ عَنْهُ حَتَّى أَنْكَرْتُ نَفْسِي[50]إِسْنَادُهُ صَحِيحٌ. [48] (أحمد 5/178) [49] (مسلم 1/365) [50] (الطبري 1/111) [مَعْنَى الرَّجِيمِ] وَالرَّجِيمُ فَعِيلٌ بِمَعْنى مَفْعُولٍ أَيْ: إِنَّهُ مَرْجُومٌ مَطْرُودٌ عَنِ الْخَيْرِ كُلِّهِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: {وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَجَعَلْنَاهَا رُجُومًا لِلشَّيَاطِينِ} [الملك: 5] وَقَالَ تَعَالَى: {إِنَّا زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِزِينَةٍ الْكَوَاكِبِ *وَحِفْظًا مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ مَارِدٍ *لاَ يَسَّمَّعُونَ إِلَى الْمَلَإِ الأَعْلَى وَيُقْذَفُونَ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ *دُحُورًا وَلَهُمْ عَذَابٌ وَاصِبٌ *إِلاَّ مَنْ خَطِفَ الْخَطْفَةَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ ثَاقِبٌ} [الصافات: 6-10] وَقَاَلَ تَعَالَى: {وَلَقَدْ جَعَلْنَا فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا وَزَيَّنَّاهَا لِلنَّاظِرِينَ *وَحَفِظْنَاهَا مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ رَجِيمٍ *إِلاَّ مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ مُبِينٌ} [الحجر: 16-18] إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْآيَاتِ. وَقِيلَ: رَجِيمٌ بِمَعْنى رَاجِمٍ لِأَنَّهُ يَرْجُمُ النَّاسَ بِالْوَسَاوِسِ وَالرَّبَائِثِ. وَالْأَوَّلُ أَشْهَرُ وَأَصَحُّ [اَلْبَسْمَلَةُ أَوَّلُ آيَةٍ مِنْ سُورَةِ الْفَاتِحَةِ] {بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} اِفْتَتَحَ بِهَا الصَّحَابَةُ كِتَابَ اللهِ، وَاتَّفَقَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّهَا بَعْضُ آيَةٍ مِنْ سُورَةِ النَّمْلِ ثُمَّ اخْتَلَفُوا هَلْ هِيَ آيَةٌ مُسْتَقِلَّةٌ فِي أَوَّلِ كُلِّ سُورَةٍ، أَوْ مِنْ أَوَّلِ كُلِّ سُورَةٍ كُتِبَتْ فِي أَوَّلِهَا، أَوْ أَنَّهَا بَعْضُ آيَةٍ مِنْ كُلِّ سُورَةٍ؟ وَمِمَّنْ حُكِيَ عَنْهُ أَنَّهَا آيَةٌ مِنْ كُلِّ سُورَةٍ إِلاَّ بَرَاءَةٌ: ابْنُ عَبَّاسٍ وَابْنُ عُمَرَ، وَابْنُ الزُّبَيْرِ، وَأَبُو هُرَيْرَةَ وَعَلِيٌّ، وَمِنَ التَّابِعِينَ عَطَاءٌ وَطَاوُسٌ وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وَمَكْحُولٌ وَالزُّهْرِيُّ، وَبِهِ يَقُولُ عَبْدُ اللهِ بْنُ الْمُبَارَكِ، وَالشَّافِعِيُّ، وَأَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ فِي رِوَايَةٍ عَنْهُ، وَإِسْحَاقُ بْنُ رَاهَوَيْهِ وَأَبُو عُبَيْدٍ الْقَاسِمُ بْنُ سَلاَّمٍ رَحِمَهُمُ اللهُ. وَقَالَ مَالِكٌ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُمَا: لَيْسَتْ آيَةً مِنَ الْفَاتِحَةِ وَلاَ مِنْ غَيْرِهَا مِنَ السُّوَرِ، وَقَالَ دَاوُدُ: هِيَ آيَةٌ مُسْتَقِلَّةٌ فِي أَوَّلِ كُلِّ سُورَةٍ لاَ مِنْهَا، وَهَذِهِ رِوَايَةٌ عَنِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ. [اَلْجَهْرُ وَالْإِسْرَارُ بِالْبَسْمَلَةِ فِي الصَّلاَةِ الْجَهْرِيَّةِ] فَأَمَّا الْجَهْرُ بِهَا فِي الصَّلاَةِ فَمَنْ رَأى أَنَّهَا لَيْسَتْ مِنَ الْفَاتِحَةِ فَلاَ يَجْهَرُ بِهَا، وَكَذَا مَنْ قَالَ: إِنَّهَا آيَةٌ مِنْ أَوَّلِهَا، وَأَمَّا مَنْ قَالَ بِأَنَّهَا مِنْ أَوَائِلِ السُّوَرِ فَاخْتَلَفُوا، فَذَهَبَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللهُ إِلَى أَنَّهُ يُجْهَرُ بِهَا مَعَ الْفَاتِحَةِ وَالسُّورَةِ، وَهُوَ مَذْهَبُ طَوَائِفَ مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وَأَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ سَلَفًا وَخَلَفًا، فَجَهَرَ بِهَا مِنَ الصَّحَابَةِ أَبُو هُرَيْرَةَ وَابْنُ عُمَرَ وَابْنُ عَبَّاسٍ وَمُعَاوِيَةُ، وَحَكَاهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ وَالْبَيْهَقِيُّ عَنْ عُمَرَ وَعَلِيٍّ، وَنَقَلَهُ الْخَطِيبُ عَنِ الْخُلَفَاءِ الْأَرْبَعَةِ، وَهُمْ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ وَعُثْمَانُ وَعَلِيٌّ، وَهُوَ غَرِيبٌ، وَمِنَ التَّابِعِينَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ وَعِكْرِمَةَ وَأَبِي قِلاَبَةَ وَالزُّهْرِيِّ وَعَلِيِّ بْنِ الْحَسَنِ وَابْنِهِ مُحَمَّدٍ وَسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ، وَعَطَاءٍ وَطَاوُسٍ وَمُجَاهِدٍ وَسَالِمٍ وَمُحَمَّدِ بْنِ كَعْبِ الْقُرَظِيِّ، وَأَبِي بَكْرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ، وَأَبِي وَائِلٍ وَابْنِ سِيرِينَ وَمُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ وَعَلِيِّ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبَّاسٍ، وَابْنِهِ مُحَمَّدٍ وَنَافِعٍ مَوْلَى ابْنِ عُمَرَ وَزَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ وَعُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ وَالْأَزْرَقِ بْنِ قَيْسٍ، وَحَبِيبِ بْنِ أَبِي ثَابِتٍ وَأَبِي الشَّعْثَاءِ وَمَكْحُولٍ وَعَبْدِ اللهِ بْنِ مَعْقِلِ بْنِ مُقَرِّنٍ - زَادَ الْبَيْهَقِيُّ-: وَعَبْدِ اللهِ بْنِ صَفْوَانٍ وَمُحَمَّدِ ابْنِ الْحَنَفِيَّةِ - زَادَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ -: وَعَمْرِو بْنِ دِينَارٍ. وَالْحُجَّةُ فِي ذَلِكَ أَنَّهَا بَعْضُ الْفَاتِحَةِ، فَيُجْهَرُ بِهَا كَسَائِرِ أَبْعَاضِهَا، وَأَيْضًا فَقَدْ رَوَى النَّسَائِيُّ فِي سُنَنِهِ وَابْنُ خُزَيْمَةَ وَابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحَيهِمَا وَالحَاكِمُ فِي مُسْتَدْرَكِهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ صَلَّى فَجَهَرَ فِي قِرَاءَتِهِ بِالْبَسْمَلَةِ، وَقَالَ بَعْدَ أَنْ فَرَغَ: إِنِّي لَأَشْبَهُكُمْ صَلاَةً بِرَسُولِ اللهِ ﷺ. وَصَحَّحَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ وَالْخَطِيبُ وَالْبَيْهَقِيُّ وَغَيْرُهُمْ[51]. وَفِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ قِرَاءَةِ النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: كَانَتْ قِرَاءَتُهُ مَدًّا، ثُمَّ قَرَأَ بِبِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ يَمُدُّ بِسْمِ اللهِ وَيَمُدُّ الرَّحْمنِ وَيَمُدُّ الرَّحِيمِ[52]. وَفِي مُسْنِدِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ وَسُنَنِ أَبِي دَاوُدَ وَصَحِيحِ ابْنِ خُزَيْمَةَ وَمُسْتَدْرَكِ الْحَاكِمِ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَقْطَعُ قِرَاءَتَهُ: {بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ *الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ *الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ *مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ} وَقَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ إِسْنَادُهُ صَحِيحٌ[53]. وَرَوَى الْإِمَامُ أَبُو عَبْدِ اللهِ الشَّافِعِيُّ وَالْحَاكِمُ فِي مُسْتَدْرَكِهِ عَنْ أَنَسٍ؛ أَنَّ مُعَاوِيَةَ صَلَّى بِالْمَدِينَةِ فَتَرَكَ الْبَسْمَلَةَ فَأَنْكَرَ عَلَيْهِ مَنْ حَضَرَهُ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ ذَلِكَ، فَلَمَّا صَلَّى الْمَرَّةَ الثَّانِيَةَ بَسْمَلَ[54]. [51] (النسائي 2/134، وابن خزيمة 1/251، وصحيح ابن حبان 3/143، والحاكم 1/232، والدارقطني 1/305، والبيهقي 2/46) [52] (فتح الباري 8/709) [53] (أحمد 6/302، وأبو داود 4/294، وابن خزيمة 1/248، والحاكم 2/231، والدارقطني 1/307) [54] (مسند الإمام الشافعي 1/80، والحاكم 1/233) وَفِي هَذِهِ الْأَحَادِيثِ وَالاْثَارِ الَّتِي أَوْرَدْنَاهَا كِفَايَةٌ وَمَقْنَعٌ فِي الاِحْتِجَاجِ لِهَذَا الْقَوْلِ عَمَّا عَدَاهَا. فَأَمَّا الْمُعَارِضَاتُ وَالرِّوَايَاتُ الْغَرِيبَةُ وَتَطْرِيقُهَا، وَتَعْلِيلُهَا وَتَضْعِيفُهَا وَتَقْرِيرُهَا فَلَهُ مَوْضِعٌ آخَرُ. وَذَهَبَ آخَرُونَ إِلَى أَنَّهُ لاَ يُجْهَرُ بِالْبَسْمَلَةِ فِي الصَّلاَةِ، وَهَذَا هُوَ الثَّابِتُ عَنِ الْخُلَفَاءِ الْأَرْبَعَةِ وَعَبْدِ اللهِ بْنِ مُغَفَّلٍ، وَطَوَائِفَ مِنْ سَلَفِ التَّابِعِينَ وَالْخَلَفِ، وَهُوَ مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ وَالثَّوْرِيِّ وَأَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ. وَعِنْدَ الْإِمَامِ مَالِكٍ أَنَّهُ لاَ يَقْرَأُ الْبَسْمَلَةَ بِالْكُلِّيَّةِ لاَ جَهْرًا وَلاَ سِرًّا، وَاحْتَجُّوا بِمَا فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَفْتَتِحُ الصَّلاَةَ بِالتَّكْبِيرِ وَالْقِرَاءَةَ بِالْحَمْدُ لِلّْهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ[55]. وَبِمَا فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: صَلَّيْتُ خَلْفَ النَّبِيِّ ﷺ وَأَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعُثْمَانَ فَكَانُوا يَفْتَتِحُونَ بِالْحَمْدُ لِلّْهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، وَلِمُسْلِمٍ: وَلاَ يَذْكُرُونَ بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ فِي أَوَّلِ قِرَاءَةٍ وَلاَ فِي آخِرِهَا[56]. وَنَحْوُهُ فِي السُّنَنِ عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مُغَفَّلٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ[57]. فَهَذِهِ مَآخِذُ الْأَئِمَّةِ رَحِمَهُمُ اللهُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ، وَهِيَ قَرِيبَةٌ، لِأَنَّهُمْ أَجْمَعُوا عَلَى صِحَّةِ مَنْ جَهَرَ بِالْبَسْمَلَةِ وَمَنْ أَسَرَّ. وَلِلّْهِ الْحَمْدُ وَالْمِنَّةُ. [55] (ابن أبي حاتم 1/12) [56] (فتح الباري 2/265، ومسلم 1/299، قال الحافظ في بلوغ المرام: وفي رواية أحمد والنسائي وابن خزيمة "لا يجهرون ببسم الله الرحمن الرحيم" وفي أخرى لابن خزيمة "كانوا يسرون" وعلى هذا يحمل النفي في رواية مسلم أ.ه) [57] (الترمذي 244) فَصْلٌ فِي فَضْلِهَا وَرَوَى الْإِمَامُ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ فِي مُسْنَدِهِ عَنْ رَدِيفِ النَّبِيِّ ﷺ: قَالَ عُثِرَ بِالنَّبِيِّ ﷺ فَقُلْتُ: تَعِسَ الشَّيْطَانُ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «لاَ تَقُلْ: تَعِسَ الشَّيْطَانُ، فَإِنَّكَ إِذَا قُلْتَ: تَعِسَ الشَّيْطَانُ، تَعَاظَمَ وَقَالَ: بِقُوَّتِي صَرَعْتُهُ، وَإِذَا قُلْتَ: بِاسْمِ اللهِ، تَصَاغَرَ حَتَّى يَصِيرَ مِثْلَ الذُّبَابِ»[58]. وَقَدْ رَوَى النَّسَائِيُّ فِي «الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ» وَابْنُ مَرْدُوَيْهِ فِي تَفْسِيرِهِ عَنْ أُسَامَةَ بْنِ عُمَيْرٍ قَالَ: كُنْتُ رَدِيفَ النَّبِيِّ ﷺ فَذَكَرَهُ وَقَالَ: «لاَ تَقُلْ هكَذَا، فَإِنَّهُ يَتَعَاظَمُ حَتَّى يَكُونَ كَالْبَيْتِ، وَلكِنْ قُلْ: بِسْمِ اللهِ، فَإِنَّهُ يَصْغُرُ حَتَّى يَكُونَ كَالذُّبَابَةِ»[59]. فَهَذَا مِنْ تَأْثِيرِ بَرَكَةِ بِسْمِ اللهِ. [58] (أحمد 5/59) [59] (النسائي في الكبرى 6/142) [اِسْتِحْبَابُهَا فِي بِدَايَةِ كُلِّ عَمَلٍ] وَلِهَذَا تُسْتَحَبُّ فِي أَوَّلِ كُلِّ عَمَلٍ وَقَوْلٍ، فَتُسْتَحَبُّ فِي أَوَّلِ الْخُطْبَةِ، وَتُسْتَحَبُّ الْبَسْمَلَةُ عِنْدَ دُخُولِ الْخَلاَءِ لِمَا وَرَدَ مِنَ الْحَدِيثِ فِي ذَلِكَ[60]. وَتُسْتَحَبُّ فِي أَوَّلِ الْوُضُوءِ لِمَا جَاءَ فِي مُسْنَدِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ وَالسُّنَنِ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي هُرَيْرَةَ وَسَعِيدِ بْنِ زَيْدٍ وَأَبِي سَعِيدٍ مَرْفُوعًا: «لاَ وُضُوءَ لِمَنْ لَمْ يَذْكُرِ اسْمَ اللهِ عَلَيْهِ»[61]. وَهُوَ حَدِيثٌ حَسَنٌ، وَهكَذَا تُسْتَحَبُّ عِنْدَ الْأَكْلِ، لِمَا فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ لِرَبِيبِهِ عُمَرَ بْنِ أَبِي سَلَمَةَ: «قُلْ: بِسْمِ اللهِ، وَكُلْ بِيَمِينِكَ، وَكُلْ مِمَّا يَلِيكَ»[62]. وَمِنَ الْعُلَمَاءِ مَنْ أَوْجَبَهَا وَالْحَالَةُ هَذِهِ، وَكَذَلِكَ تُسْتَحَبُّ عِنْدَ الْجِمَاعِ، لِمَا فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «لَوْ أَنَّ أَحَدَكُمْ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَأْتِيَ أَهْلَهُ قَالَ: بِسْم اللهِ، اللَّهُمَّ جَنِّبْنَا الشَّيْطَانَ وَجَنِّبِ الشَّيْطَانَ مَا رَزَقْتَنَا، فَإِنَّهُ إِنْ يُقَدَّرْ بَيْنَهُمَا وَلَدٌ لَمْ يَضُرَّهُ الشَّيْطَانُ أَبَدًا»[63]. [60] (عون المعبود 1/6) [61] (أحمد 3/41، وأبو داود 1/75، وتحفة الأحوذي 1/115، والنسائي 1/61، وابن ماجه 1/140) [62] (مسلم 3/1600) [63] (فتح الباري 9/136، ومسلم 2/1508) [بِمَاذَا يَتَعَلَّقُ بِسْمِ اللهِ] وَمِنْ ههُنَا يَنْكَشِفُ لَكَ أَنَّ الْقَوْلَيْنِ عِنْدَ النُّحَاةِ - فِي تَقْدِيرِ الْمُتَعَلَّقِ بِالْبَاءِ فِي قَوْلِكَ بِسْمِ اللهِ، هَلْ هُوَ اسْمٌ أَوْ فِعْلٌ - مُتَقَارِبَانِ، وَكُلٌّ قَدْ وَرَدَ بِهِ الْقُرْآنُ، أَمَّا مَنْ قَدَّرَهُ بِاسْمٍ تَقْدِيرُهُ: بِسْمِ اللهِ ابْتِدَائِي، فَلِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَقَالَ ارْكَبُوا فِيهَا بِسْمِ اللَّهِ مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا إِنَّ رَبِّي لَغَفُورٌ رَحِيمٌ} [هود: 41] وَمَنْ قَدَّرَهُ بِالْفِعْلِ أَمْرًا أَوْ خَبَرًا نَحْوُ: ابْدَأْ بِسْمِ اللهِ أَوِ ابْتَدَأْتُ بِاسْمِ اللهِ فَلِقَوْلِهِ تَعَالَى: {اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ} [العلق: 11] وَكِلاَهُمَا صَحِيحٌ، فَإِنَّ الْفِعْلَ لاَ بُدَّ لَهُ مِنْ مَصْدَرٍ، فَلَكَ أَنْ تُقَدِّرَ الْفِعْلَ وَمَصْدَرَهُ، وَذَلِكَ بِحَسَبِ الْفِعْلِ الَّذِي سَمَّيْتَ قَبْلَهُ إِنْ كَانَ قِيَامًا أَوْ قَعُودًا، أَوْ أَكْلاً أَوْ شُرْبًا، أَوْ قِرَاءَةً، أَوْ وُضُوءًا أَوْ صَلاَةً، فَالْمَشْرُوعُ ذِكْرُ اسْمِ اللهِ فِي الشُّرُوعِ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ تَبَرُّكًا وَتَيَمُّنًا وَاسْتِعَانَةً عَلَى الْإِتْمَامِ وَالتَّقَبُّلِ. وَاللهُ أَعْلَمُ. [مَعْنى لَفْظِ الْجَلاَلَةِ «اَللهُ»] [اَللهُ] عَلَمٌ عَلَى الرَّبِّ تَبَارَكَ وَتَعَالَى، يُقَالُ: إِنَّهُ الاِسْمُ الْأَعْظَمُ لِأَنَّهُ يُوصَفُ بِجَمْيعِ الصِّفَاتِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: {هُوَ اللَّهُ الَّذِي لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ هُوَ الرَّحْمَانُ الرَّحِيمُ *هُوَ اللَّهُ الَّذِي لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلاَمُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ *هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِيءُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} [الحشر: 22-24] فَأَجْرَى الْأَسْمَاءَ الْبَاقِيَةَ كُلَّهَا صِفَاتٍ لَهُ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: {وَلِلَّهِ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا} [الأعراف: 180] وَقَالَ تَعَالَى: {قُلْ ادْعُوا اللَّهَ أَوْ ادْعُوا الرَّحْمَانَ أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى} [الإسراء: 110] وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «إِنَّ للهِ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ اسْمًا، مِائَةً إِلاَّ وَاحِدًا، مَنْ أَحْصَاهَا دَخَلَ الْجَنَّةَ»[64]. [64] (فتح الباري 11/218، ومسلم 4/2062) [تَفْسِيرُ: الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ] {الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ} اِسْمَانِ مُشْتَقَّانِ مِنَ الرَّحْمَةِ عَلَى وَجْهِ الْمُبَالَغَةِ، وَرَحْمنُ أَشَدُّ مُبَالَغَةً مِنْ رَحِيمٍ، وَفِي كَلاَمِ ابْنِ جَرِيرٍ مَا يُفْهَمُ مِنْهُ حِكَايَةُ الاِتِّفَاقِ عَلَى هَذَا، وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ: وَالدَّلِيلُ عَلَى أَنَّهُ مُشْتَقٌّ: مَا خَرَّجَهُ التِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمنِ بْنِ عَوْفٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: «قَالَ اللهُ تَعَالَى: أَنَا الرَّحْمنُ، خَلَقْتُ الرَّحِمَ وَشَقَقْتُ لَهَا اسْمًا مِنِ اسْمِي، فَمَنْ وَصَلَهَا وَصَلْتُهُ، وَمَنْ قَطَعَهَا قَطَعْتُهُ»[65]. قَالَ: وَهَذَا نَصٌّ فِي الاِشْتِقَاقِ، وَإِنْكَارُ الْعَرَبِ لاِسْمِ الرَّحْمنِ، لِجَهْلِهِمْ بِاللهِ وَبِمَا وَجَبَ لَهُ. [65] (تحفة الأحوذي 6/33) قَالَ الْقُرْطُبِيُّ: ثُمَّ قِيلَ: هُمَا بِمَعْنًى وَاحِدٍ كَنَدْمَانٍ وَنَدِيمٍ، قَالَهُ أَبُو عُبَيْدٍ. وَقِيلَ: لَيْسَ بِنَاءُ فَعْلاَنَ كَفَعِيلٍ، فَإِنَّ فَعْلاَنَ لاَ يَقَعُ إِلاَّ عَلَى مُبَالَغَةِ الْفِعْلِ، نَحْوُ قَوْلِكَ رَجُلٌ غَضْبَانُ - لِلرَّجُلِ الْمُمْتَلِئِ غَضَبًا - وَفَعِيلٌ قَدْ يَكُونُ بِمَعْنَى الْفَاعِلِ وَالْمَفْعُولِ، قَالَ أَبُو عَلِيٍّ الْفَارِسِيُّ: الرَّحْمنُ اسْمٌ عَامٌّ فِي جَمِيعِ أَنْوَاعِ الرَّحْمَةِ يَخْتَصُّ بِهِ اللهُ تَعَالَى، وَالرَّحِيمُ إِنَّمَا هُوَ مِنْ جِهَةِ الْمُؤْمِنِينَ، قَالَ اللهُ تَعَالَى: {وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا} [الأحزاب: 43] وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: هُمَا اسْمَانِ رَقِيقَانِ أَحَدُهُمَا أَرَقُّ مِنَ الاْخَرِ أَيْ: أَكْثَرُ رَحْمَةً[66]. [66] (القرطبي 1/105) وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنَا السَّرِيُّ بْنُ يَحْيَى التَّمِيمِيُّ: حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ زُفَرَ: سَمِعْتُ الْعَزْرَمِيَّ يَقُولُ: اَلرَّحْمنُ الرَّحِيمُ قَالَ: اَلرَّحْمنُ لِجَمِيعِ الْخَلْقِ، اَلرَّحِيمُ قَالَ: بِالْمُؤْمِنِينَ[67]. قَالُوا: وَلِهَذَا قَالَ: {ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ الرَّحْمَانُ} [الفرقان: 59] وَقَالَ {الرَّحْمَانُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى} [طه:5] فَذَكَرَ الاِسْتِوَاءَ بِاسْمِهِ الرَّحْمنِ لِيَعُمَّ جَمِيعَ خَلْقِهِ بِرَحْمَتِهِ، وَقَالَ: {وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا} [الأحزاب:43] فَخَصَّهُمْ بِاسْمِهِ الرَّحِيمِ، قَالُوا: فَدَلَّ عَلَى أَنَّ الرَّحْمنَ أَشَدُّ مُبَالَغَةً فِي الرَّحْمَةِ لِعُمُومِهَا فِي الدَّارَيْنِ لِجَمِيعِ خَلْقِهِ، وَالرَّحِيمُ خَاصَّةٌ بِالْمُؤْمِنِينَ، لكِنْ جَاءَ فِي الدُّعَاءِ الْمَأْثُورِ: «رَحْمنَ الدُّنْيَا وَالاْخِرَةِ وَرَحِيمَهُمَا». [67] (الطبري 1/127 العزرمي هو محمد بن عبيدالله بن أبي سلمان العزرمي أبو عبدالرحمن الكوفي متروك كما قال ابن حجر في التقريب لكم السند إليه حسن) وَاسْمُهُ تَعَالَى الرَّحْمنُ خَاصٌّ بِهِ، لَمْ يُسَمَّ بِهِ غَيْرُهُ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: {قُلْ ادْعُوا اللَّهَ أَوْ ادْعُوا الرَّحْمَانَ أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى} [الإسراء:110] وَقَالَ تَعَالَى: {وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنَا أَجَعَلْنَا مِنْ دُونِ الرَّحْمَانِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ} [الزخرف: 45] وَلَمَّا تَجَهْرَمَ مُسَيْلِمَةُ الْكَذَّابُ وَتَسَمَّى بِرَحْمنِ الْيَمَامَةِ كَسَاهُ اللهُ جِلْبَابَ الْكَذِبِ وَشُهِرَ بِهِ، فَلاَ يُقَالُ إِلاَّ مُسَيْلِمَةُ الْكَذَّابُ، فَصَارَ يُضْرَبُ بِهِ الْمَثَلُ فِي الْكَذِبِ بَيْنَ أَهْلِ الْحَضَرِ مِنْ أَهْلِ الْمَدَرِ، وَأَهْلِ الْوَبَرِ مِنْ أَهْلِ الْبَادِيَةِ وَالْأَعْرَابِ. وَعَلَى هَذَا فَيَكُونُ تَقْدِيمُ اسْم «اللهِ» الَّذِي لَمْ يُسَمَّ بِهِ أَحَدٌ غَيْرُهُ، وَوَصْفُهُ أَوَّلاً بِالرَّحْمنِ الَّذِي مُنِعَ مِنَ التَّسْمِيَةِ بِهِ لِغَيْرِهِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: {قُلْ ادْعُوا اللَّهَ أَوْ ادْعُوا الرَّحْمَانَ أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى} وَإِنَّمَا تَجَهْرَمَ مُسَيْلِمَةُ الْيَمَامَةِ فِي التَّسَمِّي بِهِ، وَلَمْ يُتَابِعْهُ عَلَى ذَلِكَ إِلاَّ مَنْ كَانَ مَعَهُ فِي الضَّلاَلَةِ. وَأَمَّا الرَّحِيمُ فَإِنَّهُ تَعَالَى وَصَفَ بِهِ غَيْرَهُ قَالَ: {لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ} [التوبة: 128] كَمَا وَصَفَ غَيْرَهُ بِذَلِكَ مِنْ أَسْمَائِهِ كَمَا قَالَ تَعَالَى: {إِنَّا خَلَقْنَا الإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا} [الإنسان: 2] وَالْحَاصِلُ أَنَّ مِنْ أَسْمَائِهِ تَعَالَى مَا يُسَمّْى بِهِ غَيْرُهُ، وَمِنْهَا مَا لاَ يُسَمّْى بِهِ غَيْرُهُ، كَاسْمِ: اللهِ، وَالرَّحْمنِ، وَالْخَالِقِ، وَالرَّازِقِ، وَنَحْوِ ذَلِكَ، فَلِهَذَا بَدَأَ بِاسْمِ اللهِ وَوَصَفَهُ بِالرَّحْمنِ، لِأَنَّهُ أَخَصُّ وَأَعْرَفُ مِنَ الرَّحِيمِ، لِأَنَّ التَّسْمِيَةَ أَوَّلاً إِنَّمَا تَكُونُ بِأَشْرَفِ الْأَسْمَاءِ، فَلِهَذَا ابْتَدَأَ بِالْأَخَصِّ فَالْأَخَصِّ. وَقَدْ جَاءَ فِي حَدِيثِ أُمِّ سَلَمَةَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ كَانَ يُقَطِّعُ قِرَاءَتَهُ حَرْفًا حَرْفًا {بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ *الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ *الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ *مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ} [الفاتحة: 1-4] [68]فَقَرَأَ بَعْضُهُمْ كَذَلِكَ وَهُمْ طَائِفَةٌ، وَمِنْهُمْ مَنْ وَصَلَهَا بِقَوْلِهِ: {الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ}. [68] (مسند أحمد 26042 لكن بلفظ "آية آية") {الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} [مَعْنَى الْحَمْدِ] قَالَ أَبُو جَعْفَرِ بْنُ جَرِيرٍ: مَعْنَى {الْحَمْدُ لِلَّهِ} اَلشُّكْرُ للهِ خَالِصًا دُونَ سَائِرِ مَا يُعْبَدُ مِنْ دُونِهِ، وَدُونَ كُلِّ مَا بَرَأَ مِنْ خَلْقِهِ، بِمَا أَنْعَمَ عَلَى عِبَادِهِ مِنَ النِّعَمِ الَّتِي لاَ يُحْصِيهَا الْعَدَدُ، وَلاَ يُحِيطُ بِعَدَدِهَا غَيْرُهُ أَحَدٌ: فِي تَصْحِيحِ الْآلاَتِ لِطَاعَتِهِ، وَتَمْكِينِ جَوَارِحِ أَجْسَامِ الْمُكَلَّفِينَ لِأَدَاءِ فَرَائِضِهِ، مَعَ مَا بَسَطَ لَهُمْ فِي دُنْيَاهُمْ مِنَ الرِّزْقِ، وَغَذَّاهُمْ مِنْ نَعِيمِ الْعَيْشِ مِنْ غَيْرِ اسْتِحْقَاقٍ مِنْهُمْ ذَلِكَ عَلَيْهِ، وَمَعَ مَا نَبَّهَهُمْ عَلَيْهِ وَدَعَاهُمْ إِلَيْهِ مِنَ الْأَسْبَابِ الْمُؤَدِّيَةِ إِلَى دَوَامِ الْخُلُودِ فِي دَارِ الْمُقَامِ فِي النَّعِيمِ الْمُقِيمِ، فَلِرَبِّنَا الْحَمْدُ عَلَى ذَلِكَ كُلِّهِ أَوَّلاً وَآخِرًا[69]. [69] (الطبري 1/135) وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ رَحِمَهُ اللهُ: {الْحَمْدُ لِلَّهِ} ثَنَاءٌ أَثْنى بِهِ عَلَى نَفْسِهِ، وَفِي ضِمْنِهِ أَمَرَ عِبَادَهُ أَنْ يُثْنُوا عَلَيْهِ، فَكَأَنَّهُ قَالَ: قُولُوا: الْحَمْدُ للهِ. قَالَ: وَقَدْ قِيلَ: إِنَّ قَوْلَ الْقَائِلِ: {الْحَمْدُ لِلَّهِ} ثَنَاءٌ عَلَيْهِ بِأَسْمَائِهِ الْحُسْنى وَصِفَاتِهِ الْعُلى، وَقَوْلُهُ: «الشُّكْرُ للهِ»: ثَنَاءٌ عَلَيْهِ بِنِعَمِهِ وَأَيَادِيهِ.[70]. [70] (الطبري 1/137) [اَلْفَرْقُ بَيْنَ الْحَمْدِ وَالشُّكْرِ] وَالتَّحْقِيقُ أَنَّ بَيْنَهُمَا عُمُومًا وَخُصُوصًا، فَالْحَمْدُ أَعَمُّ مِنَ الشُّكْرِ مِنْ حَيْثُ مَا يَقَعَانِ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ يَكُونُ عَلَى الصِّفَاتِ اللاَّزِمَةِ وَالْمُتَعَدِّيَةِ، تَقُولُ: حَمِدْتُهُ لِفُرُوسِيَّتِهِ، وَحَمِدْتُهُ لِكَرَمِهِ، وَهُوَ أَخَصُّ لِأَنَّهُ لاَ يَكُونُ إِلاَّ بِالْقَوْلِ، وَالشُّكْرُ أَعَمُّ مِنْ حَيْثُ مَا يَقَعَانِ [بِهِ]؛ لِأَنَّهُ يَكُونُ بِالْقَوْلِ وَالْفِعْلِ وَالنِّيَّةِ. وَهُوَ أَخَصُّ لِأَنَّهُ لاَ يَكُونُ إِلاَّ عَلَى الصِّفَاتِ الْمُتَعَدِّيَةِ لاَ يُقَالُ: شَكَرْتُهُ لِفُرُوسِيَّتِهِ، وَتَقُولُ: شَكَرْتُهُ عَلَى كَرَمِهِ وَإِحْسَانِهِ إِلَيَّ. هَذَا حَاصِلُ مَا حَرَّرَهُ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ. وَاللهُ أَعْلَمُ. وَقَالَ أَبُو نَصْرٍ إِسْمَاعِيلُ بْنُ حَمَّادٍ الْجَوْهَرِيُّ: اَلْحَمْدُ نَقِيضُ الذَّمِّ، تَقُولُ: حَمِدْتُ الرَّجُلَ أَحْمَدُهُ حَمْدًا، وَمَحْمَدَةً، فَهُوَ حَمِيدٌ وَمَحْمُودٌ، وَالتَّحْمِيدُ أَبْلَغُ مِنَ الْحَمْدِ. وَالْحَمْدُ أَعَمُّ مِنَ الشُّكْرِ؛ وَقَالَ فِي الشُّكْرِ: هُوَ الثَّنَاءُ عَلَى الْمُحْسِنِ بِمَا أَوْلاَهُ مِنَ الْمَعْرُوفِ، يُقَالُ: شَكَرْتُهُ وَشَكَرْتُ لَهُ، وَبِاللاَّمِ أَفْصَحُ. وَأَمَّا الْمَدْحُ فَهُوَ أَعَمُّ مِنَ الْحَمْدِ، لِأَنَّهُ يَكُونُ لِلْحَيِّ وَلِلْمَيِّتِ وَلِلْجَمَادِ أَيْضًا، كَمَا يُمْدَحُ الطَّعَامُ وَالْمَكَانُ وَنَحْوُ ذَلِكَ، وَيَكُونُ قَبْلَ الْإِحْسَانِ وَبَعْدَهُ، وَعَلَى الصِّفَاتِ الْمُتَعَدِّيَةِ وَاللاَّزِمَةِ أَيْضًا، فَهُوَ أَعَمُّ. ذِكْرُ أَقْوَالِ السَّلَفِ فِي الْحَمْدِ قَالَ ابْنُ أبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبُو مَعْمَرٍ الْقَطِيعِيُّ: حَدَّثَنَا حَفْصٌ وَرَوَاهُ غَيْرُ أَبِي مَعْمَرٍ عَنْ حَفْصٍ فَقَالَ: قَالَ عُمَرُ لِعَلِيٍّ - وَأَصْحَابُهُ عِنْدَهُ -: لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ، وَسُبْحَانَ اللهِ، وَاللهُ أَكْبَرُ، قَدْ عَرَفْنَاهَا. فَمَا الْحَمْدُ للهِ؟ قَالَ عَلِيٌّ: كَلِمَةٌ أَحَبَّهَا اللهُ تَعَالَى لِنَفْسِهِ، وَرَضِيَهَا لِنَفْسِهِ، وَأَحَبَّ أَنْ تُقَالَ[71]. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ[72]: اَلْحَمْدُ للهِ كَلِمَةُ الشُّكْرِ، وَإِذَا قَالَ الْعَبْدُ: اَلْحَمْدُ للهِ، قَالَ: شَكَرَنِي عَبْدِي. رَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ.[73]. [71] (ابن أبي حاتم 1/15) [72] (هذا القول لم يثبت عن ابن عباس في إسناده علي بن زيد بن جُدعان وهو ضعيف انظر تقريب التهذيب لابن حجر رقم الترجمة 4734) [73] (ابن أبي حاتم 1/13) [فَضَائِلُ الْحَمْدِ] وَقَدْ رَوَى الْإِمَامُ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ عَنِ الْأَسْوَدِ بْنِ سَرِيعٍ، قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَلاَ أُنْشِدُكَ مَحَامِدَ حَمِدْتُ بِهَا رَبِّي تَبَارَكَ وَتَعَالَى؟ فَقَالَ: «أَمَا إِنَّ رَبَّكَ يُحِبُّ الْحَمْدَ» وَرَوَاهُ النَّسَائِيُّ[74]. [74] (أحمد 3/435، والنسائي في الكبرى 4/416) وَرَوَى أَبُو عِيسَى الْحَافِظُ التِّرْمِذِيُّ، وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ مِنْ حَدِيثِ مُوسَى بْنِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ كَثِيرٍ، عَنْ طَلْحَةَ ابْنِ خِرَاشٍ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «أَفْضَلُ الذِّكْرِ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ، وَأَفْضَلُ الدُّعَاءِ الْحَمْدُ ِلله» وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: حَسَنٌ غَرِيبٌ[75]. [75] (تحفة الأحوذي 9/324، والنسائي في الكبرى 6/208، وابن ماجه 2/1249) وَرَوَى ابْنُ مَاجَهْ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «مَا أَنْعَمَ اللهُ عَلَى عَبْدٍ نِعْمَةً فَقَالَ: الْحَمْدُ _ِ ِلله، إِلاَّ كَانَ الَّذِي أَعْطَى أَفْضَلَ مِمَّا أَخَذَ»[76]. [76] (ابن ماجه 2/1250) وَفِي سُنَنِ ابْنِ مَاجَه عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ حَدَّثَهُمْ: «أَنَّ عَبْدًا مِنْ عِبَادِ اللهِ قَالَ: يَا رَبِّ لَكَ الْحَمْدُ كَمَا يَنْبَغِي لِجَلاَلِ وَجْهِكَ وَعَظِيم سُلْطَانِكَ. فَعَضَّلَتْ بِالْمَلَكَيْنِ فَلَمْ يَدْرِيَا كَيْفَ يَكْتُبَانِهَا، فَصَعِدَا إِلَى اللهِ فَقَالاَ: يَا رَبَّنَا إِنَّ عَبْدًا قَدْ قَالَ مَقَالَةً لاَ نَدْرِي كَيْفَ نَكْتُبُهَا، قَالَ اللهُ - وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَا قَالَ عَبْدُهُ -: مَاذَا قَالَ عَبْدِي؟ قَالاَ: يَا رَبِّ إِنَّهُ قَالَ: لَكَ الْحَمْدُ يَا رَبِّ كَمَا يَنْبَغِي لِجَلاَلِ وَجْهِكَ وَعَظِيم سُلْطَانِكَ. فَقَالَ اللهُ لَهُمَا: «اكْتُبَاهَا كَمَا قَالَ عَبْدِي، حَتَّى يَلْقَانِي فَأَجْزِيَهُ بِهَا»[77]. [77] (ابن ماجه 2/1249) [الْأَلِفُ وَاللاَّمُ فِي الْحَمْدِ لِلاِسْتِغْرَاقِ] وَالْأَلِفُ وَاللاَّمُ فِي الْحَمْدِ لاِسْتِغْرَاقِ جَمِيعِ أَجْنَاسِ الْحَمْدِ وَصُنُوفِهِ للهِ تَعَالَى، كَمَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ «اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ كُلُّهُ، وَلَكَ الْمُلْكُ كُلُّهُ، وَبِيَدِكَ الْخَيْرُ كُلُّهُ، وَإِلَيْكَ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ» اَلْحَدِيثَ[78]. [78] (الترغيب والتهريب 2/253) [مَعْنَى الرَّبِّ] وَالرَّبُّ هُوَ الْمَالِكُ الْمُتَصَرِّفُ، وَيُطْلَقُ فِي اللُّغَةِ عَلَى السَّيِّدِ، وَعَلَى الْمُتَصَرِّفِ لِلإِصْلاَحِ، وَكُلُّ ذَلِكَ صَحِيحٌ فِي حَقِّ اللهِ، وَلاَ يُسْتَعْمَلُ الرَّبُّ لِغَيْرِ اللهِ بَلْ بِالْإِضَافَةِ تَقُولُ: رَبُّ الدَّارِ، رَبُّ كَذَا، وَأَمَّا الرَّبُ فَلاَ يُقَالُ إِلاَّ للهِ عَزَّ وَجَلَّ. وَقَدْ قِيلَ: إِنَّهُ الاِسْمُ الْأَعْظَمُ. [مَعْنَى الْعَالَمِينَ] وَالْعَالَمِينَ جَمْعُ عَالَمٍ وَهُوَ كُلُّ مَوْجُودٍ سِوَى اللهِ عَزَّ وَجَلَّ، وَالْعَالَمُ جَمْعٌ لاَ وَاحِدَ لَهُ مِنْ لَفْظِهِ، وَالْعَوَالِمُ أَصْنَافُ الْمَخْلُوقَاتِ فِي السَّموَاتِ وَفِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ، وَكُلُّ قَرْنٍ مِنْهَا وَجِيلٍ يُسَمّْى عَالَمًا أَيْضًا. قَالَ الْفَرَّاءُ وَأَبُو عُبَيْدٍ: اَلْعَالَمُ عِبَارَةٌ عَمَّا يَعْقِلُ، وَهُمُ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ وَالْمَلاَئِكَةُ وَالشَّيَاطِينُ، وَلاَ يُقَالُ لِلْبَهَائِمِ عَالَمٌ. وَعَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ وَأَبِي مُحَيصِنٍ: اَلْعَالَمُ كُلُّ مَا لَهُ رُوحٌ تُرَفْرِفُ. وَقَالَ قَتَادَةُ: كُلُّ صِنْفٍ عَالَمٌ، وَقَالَ الزُّجَاجُ: اَلْعَالَمُ كُلُّ مَا خَلَقَ اللهُ فِي الدُّنْيَا وَالاْخِرَةِ. قَالَ الْقُرْطُبِيُّ: وَهَذَا هُوَ الصَّحِيحُ، إِنَّهُ شَامِلٌ لِكُلِّ الْعَالَمِينَ كَقَوْلِهِ: {قَالَ فِرْعَوْنُ وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ *قَالَ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ} [الشعراء: 23، 24]. [وَجْهُ تَسْمِيَةِ الْعَالَمِ] وَالْعَالَمُ مُشْتَقٌّ مِنَ الْعَلاَمَةِ (قُلْتُ) لِأَنَّهُ عَلَمٌ دَالٌّ عَلَى وُجُودِ خَالِقِهِ وَصَانِعِهِ وَوَحْدَانِيَّتِهِ[79]. [79] (القرطبي 1/139) {الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} وَقَوْلُهُ تَعَالَى: {الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ} تَقَدَّمَ الْكَلاَمُ عَلَيْهِ فِي الْبَسْمَلَةِ بِمَا أَغْنى عَنِ الْإِعَادَةِ. قَالَ الْقُرْطُبِيُّ: إِنَّمَا وَصَفَ نَفْسَهُ بِالرَّحْمنِ الرَّحِيمِ بَعْدَ قَوْلِهِ: {رَبِّ الْعَالَمِينَ}، لِيَكُونَ مِنْ بَابِ قَرْنِ التَّرْغِيبِ بَعْدَ التَّرْهِيبِ كَمَا قَالَ تَعَالَى: {نَبِّيءْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ *وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الأَلِيمُ} [الحجر: 49، 50] [80]وَقَوْلِهِ تَعَالَى: {إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ الْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ} [الأنعام:165] قَالَ: فَالرَّبُّ فِيهِ تَرْهِيبٌ، وَ{الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ} تَرْغِيبٌ. وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «لَوْ يَعْلَمُ الْمُؤْمِنُ مَا عِنْدَ اللهِ مِنَ الْعُقُوبَةِ مَا طَمِعَ فِي جَنَّتِهِ أَحَدٌ، وَلَوْ يَعْلَمُ الْكَافِرُ مَا عِنْدَ اللهِ مِنَ الرَّحْمَةِ مَا قَنِطَ مِنْ رَحْمَتِهِ أَحَدٌ»[81]. [80] (القرطبي 1/139) [81] (مسلم 4/2109) {مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ} [معنى مالك وملك] ومالك مأخوذ من المِلْك، كما قال تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَرِثُ الْأَرْضَ وَمَنْ عَلَيْهَا وَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ﴾ [مريم: 40] وقال: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ * مَلِكِ النَّاسِ﴾ [الناس: 1،2] وملك مأخوذ من الـمُلْك، كما قال تعالى: ﴿لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ﴾ [غافر: 16] وقال: ﴿قَوْلُهُ الْحَقُّ وَلَهُ الْمُلْكُ﴾ [الأنعام: 73] وقال: ﴿الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ لِلرَّحْمَنِ وَكَانَ يَوْمًا عَلَى الْكَافِرِينَ عَسِيرًا﴾ [الفرقان: 26]. [مَعْنى تَخْصِيصِ الْمُلْكِ بِيَوْمِ الدِّينِ] وَتَخْصِيصُ الْمُلْكِ بِيَوْمِ الدِّينِ لاَ يَنْفِيهِ عَمَّا عَدَاهُ، لِأَنَّهُ قَدْ تَقَدَّمَ الْإِخْبَارُ بِأَنَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ، وَذَلِكَ عَامٌّ فِي الدُّنْيَا وَالاْخِرَةِ، وَإِنَّمَا أُضِيفَ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ لِأَنَّهُ لاَ يَدَّعِي أَحَدٌ هُنَالِكَ شَيْئًا، وَلاَ يَتَكَلَّمُ أَحَدٌ إِلاَّ بِإِذْنِهِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: {يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلاَئِكَةُ صَفًّا لاَ يَتَكَلَّمُونَ إِلاَّ مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَانُ وَقَالَ صَوَابًا} [النبأ: 38] وَقَالَ تَعَالَى: {وَخَشَعَتِ الأَصْوَاتُ لِلرَّحْمَانِ فَلاَ تَسْمَعُ إِلاَّ هَمْسًا} [طه: 108] وَقَالَ تَعَالَى: {يَوْمَ يَأْتِ لاَ تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلاَّ بِإِذْنِهِ فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ} [هود: 105] وَقَالَ الضَّحَّاكُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ {مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ} [4] يَقُولُ: لاَ يَمْلِكُ أَحَدٌ مَعَهُ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ حُكْمًا، كَمُلْكِهِمْ فِي الدُّنْيَا[82]. [82] (ابن جرير 166، وابن أبي حاتم 24، وسنده ضعيف جداً وبشر بن عماره واهٍ والضحاك لم يسمع من ابن عباس) [مَعْنَى يَوْمِ الدِّينِ] قَالَ ابن عباس: وَيَوْمُ الدِّينِ يَوْمُ الْحِسَابِ لِلْخَلاَئِقِ، وَهُوَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ، يَدِينُهُمْ بِأَعْمَالِهِمْ إِنْ خَيْرًا فَخَيْرٌ وَإِنْ شَرًّا فَشَرٌّ إِلاَّ مَنْ عَفَا عَنْهُ[83]. وَكَذَلِكَ قَالَ غَيْرُهُ مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وَالسَّلَفِ وَهُوَ ظَاهِرٌ [83] (ابن أبي حاتم 1/19) [اَلْمَلِكُ وَمَلِكُ الْأَمْلاَكِ هُوَ اللهُ] وَالْمَلِكُ فِي الْحَقِيقَةِ هُوَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ، قَالَ اللهُ تَعَالَى: {هُوَ اللَّهُ الَّذِي لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلاَمُ} [الحشر: 23] وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ مَرْفُوعًا: «أَخْنَعُ اسْم عِنْدَ اللهِ رَجُلٌ تَسَمَّى بِمَلِكِ الْأَمْلاَكِ، وَلاَ مَالِكَ إِلاَّ اللهُ» [84]وَفِيهِمَا عَنْهُ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ قَالَ: «يَقْبِضُ اللهُ الْأَرْضَ وَيَطْوِي السَّمَاءَ بِيَمِينِهِ ثُمَّ يَقُولُ: أَنَا الْمَلِكُ، أَيْنَ مُلُوكُ الْأَرْضِ؟ أَيْنَ الْجَبَّارُونَ؟ أَيْنَ الْمُتَكَبِّرُونَ؟»[85]. وَفِي الْقُرْآنِ الْعَظِيمِ: {لِّمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّار} [غافر: 16] فَأَمَّا تَسْمِيَةُ غَيْرِهِ فِي الدُّنْيَا بِمَلِكٍ فَعَلَى سَبِيلِ الْمَجَازِ كَمَا قَالَ تَعَالَى: {إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكًا} [البقرة: 247] {وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ} [الكهف: 79] {إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِيَاءَ وَجَعَلَكُمْ مُلُوكًا} [المائدة:20] وَفِي الصَّحِيحَيْنِ: «مِثْلُ الْمُلُوكِ عَلَى الْأَسِرَّةِ»[86]. [84] (فتح الباري 1/604، ومسلم 3/1688) [85] (فتح الباري 13/404 ومسلم 4/2148) [86] (فتح الباري 6/89، ومسلم 3/1518) [تَفْسِيرُ الدِّينِ] وَالدِّينُ: الْجَزَاءُ وَالْحِسَابُ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: {يَوْمَئِذٍ يُوَفِّيهِمُ اللَّهُ دِينَهُمُ الْحَقَّ} [النور: 25] وَقَالَ: {أَإِنَّا لَمَدِينُونَ} [الصافات: 53] أَيْ: مَجْزِيُّونَ مُحَاسَبُونَ، وَفِي الْحَدِيثِ: «الْكَيِّسُ مَنْ دَانَ نَفْسَهُ وَعَمِلَ لِمَا بَعْدَ الْمَوْتِ»[87]أَيْ: حَاسَبَ نَفْسَهُ، كَمَا قَالَ عُمَرُ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ: حَاسِبُوا أَنْفُسَكُمْ قَبْلَ أَنْ تُحَاسَبُوا، وَزِنُوا أَنْفُسَكُمْ قَبْلَ أَنْ تُوزَنُوا، وَتَأَهَّبُوا لِلْعَرْضِ الْأَكْبَرِ عَلَى مَنْ لاَ تَخْفى عَلَيْهِ أَعْمَالُكُمْ[88]{يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لاَ تَخْفَى مِنْكُمْ خَافِيَةٌ} [الحاقة: 18]. [87] (ابن ماجه 2/1423) [88] (فيه انقطاع بين ثابت ابن حجاج وعمر رضي الله عنه) {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} [مَعْنَى الْعِبَادَةِ لُغَةً وَشَرْعًا] وَالْعِبَادَةُ فِي اللُّغَةِ مِنَ الذِّلَّةِ، يُقَالُ: طَرِيقٌ مُعَبَّدٌ وَبَعِيرٌ مُعَبَّدٌ أَيْ: مُذَلَّلٌ وَفِي الشَّرْعِ عِبَارَةٌ عَمَّا يَجْمَعُ كَمَالَ الْمَحَبَّةِ وَالْخُضُوعِ وَالْخَوْفِ. [فَوَائِدُ تَقْدِيمِ الْمَفْعُولِ وَالاِلْتِفَاتِ] وَقُدِّمَ الْمَفْعُولُ، وَهُوَ إِيَّاكَ، وَكُرِّرَ لِلاِهْتِمَامِ وَالْحَصْرِ، أَيْ: لاَ نَعْبُدُ إِلاَّ إِيَّاكَ، وَلاَ نَتَوَكَّلُ إِلاَّ عَلَيْكَ، وَهَذَا هُوَ كَمَالُ الطَّاعَةِ، وَالدِّينُ كُلُّهُ يَرْجِعُ إِلَى هذَيْنِ الْمَعْنَيـَـيْنِ. وَهَذَا كَمَا قَالَ بَعْضُ السَّلَفِ: اَلْفَاتِحَةُ سِرُّ الْقُرْآنِ، وَسِرُّهَا هَذِهِ الْكَلِمَةُ {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} [الفاتحة: 5] فَالْأَوَّلُ تَبَرُّؤٌ مِنَ الشِّرْكِ، وَالثَّانِي تَبَرُّؤٌ مِنَ الْحَوْلِ وَالْقُوَّةِ، وَتَفْوِيضٌ إِلَى اللهِ عَزَّ وَجَلَّ، وَهَذَا الْمَعْنى فِي غَيْرِ آيَةٍ مِنَ الْقُرْآنِ كَمَا قَالَ تَعَالَى: {فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ} [هود: 123]، {قُلْ هُوَ الرَّحْمَانُ آمَنَّا بِهِ وَعَلَيْهِ تَوَكَّلْنَا} [الملك:29]، {رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ فَاتَّخِذْهُ وَكِيلاً} [المزمل:9] وَكَذَلِكَ هَذِهِ الْآيَةُ الْكَرِيمَةُ {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} [الفاتحة: 5]. وَتَحَوَّلَ الْكَلاَمُ مِنَ الْغَيْبَةِ إِلَى الْمُوَاجَهَةِ بِكَافِ الْخِطَابِ، لِأَنَّهُ لَمَّا أَثْنى عَلَى اللهِ فَكَأَنَّهُ اقْتَرَبَ وَحَضَرَ بَيْنَ يَدَي اللهِ تَعَالَى فَلِهَذَا قَالَ: {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} [الفاتحة: 5]. [اَلْفَاتِحَةُ إِرْشَادٌ إِلَى الثَّنَاءِ فَتَجِبُ قِرَاءَتُهَا فِي الصَّلاَةِ] وَفِي هَذَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ أَوَّلَ السُّورَةِ خَبَرٌ مِنَ اللهِ تَعَالَى بِالثَّنَاءِ عَلَى نَفْسِهِ الْكَرِيمَةِ بِجَمِيلِ صِفَاتِهِ الْحُسْنى، وَإِرْشَادٌ لِعِبَادِهِ بِأَنْ يُثْنُوا عَلَيْهِ بِذَلِكَ. وَلِهَذَا لاَ تَصِحُّ صَلاَةُ مَنْ لَمْ يَقُلْ ذَلِكَ وَهُوَ قَادِرٌ عَلَيْهِ، كَمَا جَاءَ فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «لاَ صَلاَةَ لِمَنْ لَمْ يَقْرَأْ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ»[89]. [89] (فتح الباري 2/276، ومسلم 1/295) [تَوْحِيدُ الْأُلُوهِيَّةِ] قَالَ الضَّحَّاكُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا {إِيَّاكَ نَعْبُدُ} يَعْنِي إِيَّاكَ نُوَحِّدُ وَنَخَافُ وَنَرْجُوكَ، يَا رَبَّـنَا، لاَ غَيْرَكَ[90]. [90] (إسناده منقطع الضحاك لم يسمع من ابن عباس رضي الله عنهما ]جامع التحصيل للعلائي 199، 200[) [تَوْحِيدُ الرُّبُوبِيَّةِ] {وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} عَلَى طَاعَتِكَ وَعَلَى أُمُورِنَا كُلِّهَا[91]. وَقَالَ قَتَادَةُ: {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُخْلِصُوا لَهُ الْعِبَادَةَ وَأَنْ تَسْتَعِينُوهُ عَلَى أُمُورِكُمْ[92]. وَإِنَّمَا قُدِّمَ {إِيَّاكَ نَعْبُدُ} عَلَى {وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} [الفاتحة: 5] لأَنَّ الْعِبَادَةَ لَهُ هِيَ الْمَقْصُودَةُ، وَالاِسْتِعَانَةُ وَسِيلَةٌ إِلَيْهَا. وَالاِهْتِمَامُ وَالْحَزْمُ تَقْدِيمُ مَا هُوَ الْأَهَمُّ فَالْأَهَمُّ. وَاللهُ أَعْلَمُ. [91] (ابن أبي حاتم 1/19) [92] (ابن أبي حاتم 1/20) [تَسْمِيَةُ اللهِ نَبِيَّهُ عَبْدًا فِي أَشْرَفِ الْمَقَامَاتِ] وَقَدْ سَمَّى اللهُ رَسُولَهُ ﷺ بِعَبْدِهِ فِي أَشْرَفِ مَقَامَاتِهِ فَقَالَ: {الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ} [الكهف: 1] {وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ} [الجن: 19]، {سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً} [الإسراء: 1] فَسَمَّاهُ عَبْدًا عِنْدَ إِنْزَالِهِ عَلَيْهِ، وَعِنْدَ قِيَامِهِ فِي الدَّعْوَةِ، وَإِسْرَائِهِ بِهِ. [الْإِرْشَادُ إِلَى الْعِبَادَةِ عِنْدَ ضِيقِ الصَّدْرِ] وَأَرْشَدَهُ إِلَى الْقِيَامِ بِالْعِبَادَةِ فِي أَوْقَاتٍ يَضِيقُ صَدْرُهُ مِنْ تَكْذِيبِ الْمُخَالِفِينَ حَيْثُ يَقُولُ: ﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ * فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُن مِّنَ السَّاجِدِينَ * وَاعْبُدُ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ﴾ [النحل: 97-99]. {اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ} [سِرُّ تَأْخِيرِ الدُّعَاءِ بَعْدَ الْحَمْدِ وَالْوَصْفِ] لَمَّا تَقَدَّمَ الثَّنَاءُ عَلَى الْمَسْؤُولِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى نَاسَبَ أَنْ يُعَقَّبَ بِالسُّؤَالِ كَمَا قَالَ: «فَنِصْفُهَا لِي وَنِصْفُهَا لِعَبْدِي، وَلِعَبْدِي مَا سَأَلَ» وَهَذَا أَكْمَلُ أَحْوَالِ السَّائِلِ أَنْ يَمْدَحَ مَسْؤُولَهُ ثُمَّ يَسْأَلُ حَاجَتَهُ وَحَاجَةَ إِخْوَانِهِ الْمُؤْمِنِينَ بِقَوْلِهِ: {اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ} [الفاتحة: 6] لِأَنَّهُ أَنْجَحُ لِلْحَاجَةِ وَأَنْجَعُ لِلْإِجَابَةِ، وَلِهَذَا أَرْشَدَ اللهُ إِلَيْهِ، لِأَنَّهُ الْأَكْمَلُ. وَقَدْ يَكُونُ السُّؤَالُ بِالْإِخْبَارِ عَنْ حَالِ السَّائِلِ وَاحْتِيَاجِهِ، كَمَا قَالَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلاَمُ: {رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ} [القصص: 24]. وَقَدْ يَتَقَدَّمُهُ مَعَ ذَلِكَ وَصْفُ الْمَسْئُولِ كَقَوْلِ ذِي النُّونِ: {لاَ إِلَهَ إِلاَّ أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ} [الأنبياء: 87] وَقَدْ يَكُونُ بِمُجَرَّدِ الثَّنَاءِ عَلَى الْمَسْئُولِ كَقَوْلِ الشَّاعِرِ: أَأَذْكُرُ حَاجَتِي أَمْ قَدْ كَفَانِي ** حَيَاؤُكَ إِنَّ شِيمَتَكَ الْحَيَاءُ إِذَا أَثْنى عَلَيْكَ الْمَرْءُ يَوْمًا ** كَفَاهُ مِنْ تَعَرُّضِهِ الثَّنَاءُ [مَعْنَى الْهِدَايَةِ] اَلْهِدَايَةُ هاهُنَا الْإِرْشَادُ وَالتَّوْفِيقُ، وَقَدْ تَعَدَّى الْهِدَايَةُ بِنَفْسِهَا كَمَا هُنَا {اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ} فَتَضَمَّنُ مَعْنى أَلْهِمْنَا أَوْ وَفِّقْنَا أَوِ ارْزُقْنَا أَوْ أَعْطِنَا: {وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ} [البلد: 10] أَيْ: بَيَّنَّا لَهُ الْخَيْرَ وَالشَّرَّ. وَقَدْ تَعَدَّى بِإِلَى كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {اجْتَبَاهُ وَهَدَاهُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} [النحل:121] {فَاهْدُوهُمْ إِلَى صِرَاطِ الْجَحِيم} [الصافات: 24] وَذَلِكَ بِمَعْنَى الْإِرْشَادِ وَالدِّلاَلَةِ، وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ: {وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقَيمٍ} [الشورى: 52]. وَقَدْ تَعَدَّى بِاللاَّمِ كَقَوْلِ أَهْلِ الْجَنَّةِ: {الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا} أَيْ: وَفَّقَنَا لِهَذَا وَجَعَلَنَا لَهُ أَهْلاً. [مَعْنَى الصِّرَاطِ الْمُسْتَقِيمِ] وَأَمَّا الصِّرَاطُ الْمُسْتَقِيمُ فَقَالَ الْإِمَامُ أَبُو جَعْفَرِ بْنُ جَرِيرٍ: أَجْمَعَتِ الْأُمَّةُ مِنْ أَهْلِ التَّأْوِيلِ جَمِيعًا عَلَى أَنَّ الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ هُوَ الطَّرِيقُ الْوَاضِحُ الَّذِي لاَ اعْوِجَاجَ فِيهِ، وَذَلِكَ فِي لُغَةِ جَمِيعِ الْعَرَبِ، فَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُ جَرِيرِ بْنِ عَطِيَّةَ الْخَطَفِيِّ: أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى صِرَاطٍ ** إِذَا اعْوَجَّ الْمَوَارِدُ مُسْتَقِيمِ [93] [93] (الطبري 1/170) قَالَ: وَالشَّوَاهِدُ عَلَى ذَلِكَ أَكْثَرُ مِنْ أَنْ تُحْصَرَ، قَالَ: ثُمَّ تَسْتَعِيرُ الْعَرَبُ الصِّرَاطَ فَتَسْتَعْمِلُهُ فِي كُلِّ قَوْلٍ وَعَمَلٍ وُصِفَ بِاسْتِقَامَةٍ أَوِ اعْوِجَاجٍ، فَتَصِفُ «الْمُسْتَقِيمَ» بِاسْتِقَامَتِهِ وَ«الْمُعْوَجَّ» بِاعْوِجَاجِهِ. وَالْمُرَادُ بِهِ الْإِسْلاَمُ. رَوَى الْإِمَامُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ عَنِ النَّوَّاسِ بْنِ سَمْعَانَ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ قَالَ: «ضَرَبَ اللهُ مَثَلاً صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا، وَعَلَى جَنْبَتَيِ الصِّرَاطِ سُورَانِ، فِيهِمَا أَبْوَابٌ مُفَتَّحَةٌ، وَعَلَى الْأَبْوَابِ سُتُورٌ مُرْخَاةٌ، وَعَلَى بَابِ الصِّرَاطِ دَاعٍ يَقُولُ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ ادْخُلُوا الصِّرَاطَ جَمِيعًا وَلاَ تَعْوَجُّوا، وَدَاع يَدْعُو مِنْ فَوْقِ الصِّرَاطِ، فَإِذَا أَرَادَ الْإِنسَانُ أَنْ يَفْتَحَ شَيْئًا مِنْ تِلْكَ الْأَبْوَابِ قَالَ: وَيْحَكَ لاَ تَفْتَحْهُ فَإِنَّكَ إِنْ فَتَحْتَهُ تَلِجْهُ، فَالصِّرَاطُ: الْإِسْلاَمُ، وَالسُّورَانِ: حُدُودُ اللهِ، وَالْأَبْوَابُ الْمُفَتَّحَةُ: مَحَارِمُ اللهِ، وَذَلِكَ الدَّاعِي عَلَى رَأْسِ الصِّرَاطِ كِتَابُ اللهِ، وَالدَّاعِي مِنْ فَوْقِ الصِّرَاطِ وَاعِظُ اللهِ فِي قَلْبِ كُلِّ مُسْلِمٍ»[94]. [94] (أحمد 4/182) [سُؤَالُ الْمُؤْمِنِ الْهِدَايَةَ مَعَ اتِّصَافِهِ بِهَا] فَإِنْ قِيلَ: فَكَيْفَ يَسْأَلُ الْمُؤْمِنُ الْهِدَايَةَ فِي كُلِّ وَقْتٍ مِنْ صَلاَةٍ وَغَيْرِهَا وَهُوَ مُتَّصِفٌ بِذَلِكَ؟ فَهَلْ هَذَا مِنْ بَابِ تَحْصِيلِ الْحَاصِلِ أَمْ لاَ؟ فَالْجَوَابُ أَنْ لاَ، وَلَوْلاَ احْتِيَاجُهُ لَيْلاً وَنَهَارًا إِلَى سُؤَالِ الْهِدَايَةِ لَمَا أَرْشَدَهُ اللهُ تَعَالَى إِلَى ذَلِكَ، فَإِنَّ الْعَبْدَ مُفْتَقِرٌ فِي كُلِّ سَاعَةٍ وَحَالَةٍ إِلَى اللهِ تَعَالَى فِي تَثْبِيتِهِ عَلَى الْهِدَايَةِ وَرُسُوخِهِ فِيهَا وَتَبَصُّرِهِ وَازْدِيَادِهِ مِنْهَا وَاسْتِمْرَارِهِ عَلَيْهَا، فَإِنَّ الْعَبْدَ لاَ يَمْلِكُ لِنَفْسِهِ نَفْعًا وَلاَ ضَرًّا إِلاَّ مَا شَاءَ اللهُ، فَأَرْشَدَهُ تَعَالَى إِلَى أَنْ يَسْأَلَهُ فِي كُلِّ وَقْتٍ أَنْ يُمِدَّهُ بِالْمَعُونَةِ وَالثَّبَاتِ وَالتَّوْفِيقِ، فَالسَّعِيدُ مَنْ وَفَّقَهُ اللهُ تَعَالَى لِسُؤَالِهِ فَإِنَّهُ قَدْ تَكَفَّلَ بِإِجَابَةِ الدَّاعِي إِذَا دَعَاهُ وَلاَ سِيَّمَا الْمُضْطَرُّ الْمُحْتَاجُ الْمُفْتَقِرُ إِلَيْهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَأَطْرَافَ النَّهَارِ، وَقَدْ قَالَ تَعَالَى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ}... اَلآيَةَ [النساء: 136]. فَقَدْ أَمَرَ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْإِيمَانِ، وَلَيْسَ ذَلِكَ مِنْ بَابِ تَحْصِيلِ الْحَاصِلِ، لِأَنَّ الْمُرَادَ الثَّبَاتُ وَالْاِسْتِمْرَارُ وَالْمُدَاوَمَةُ عَلَى الْأَعْمَالِ الْمُعِينَةِ عَلَى ذَلِكَ وَاللهُ أَعْلَمُ. وَقَالَ تَعَالَى آمِرًا لِعِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ أَنْ يَقُولُوا: {رَبَّنَا لاَ تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ} [آل عمران: 8] فَمَعْنَى قَوْلِهِ تَعَالَى: {اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ} اسْتَمِرَّ بِنَا عَلَيْهِ وَلاَ تَعْدِلْ بِنَا إِلَى غَيْرِهِ. {صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلاَ الضَّالِّينَ} وَقَدْ تَقَدَّمَ الْحَدِيثُ فِيمَا إِذَا قَالَ الْعَبْدُ: {اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ} إِلَى آخِرِهَا أَنَّ اللهَ يَقُولُ: «هَذَا لِعَبْدِي، وَلِعَبْدِي مَا سَأَلَ» وَقَوْلُهُ تَعَالَى: {صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ} [7] مُفَسِّرٌ ِللصِّرَاطِ الْمُسْتَقِيمِ وَهُوَ بَدَلٌ مِنْهُ عِنْدَ النُّحَاةِ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ عَطْفَ بَيَانٍ وَاللهُ أَعْلَمُ. وَالَّذِينَ أَنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِمْ هُمُ الْمَذْكُورُونَ فِي سُورَةِ النِّسَاءِ حَيْثُ قَالَ تَعَالَى: {وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا *ذَلِكَ الْفَضْلُ مِنَ اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ عَلِيمًا} [النساء: 69، 70]. وَقَوْلُهُ تَعَالَى: {غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلاَ الضَّالِّينَ} الْمَعْنى {اِهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ} مِمَّنْ تَقَدَّمَ وَصْفُهُمْ وَنَعْتُهُمْ وَهُمْ أَهْلُ الْهِدَايَةِ وَالاِسْتِقَامَةِ وَالطَّاعَةِ للهِ وَرُسُلِهِ، وَامْتِثَالِ أَوَامِرِهِ وَتَرْكِ نَوَاهِيهِ وَزَوَاجِرِهِ، غَيْرَ صِرَاطِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ، وَهُمُ الَّذِينَ فَسَدَتْ إِرَادَتُهُمْ فَعَلِمُوا الْحَقَّ وَعَدَلُوا عَنْهُ، وَلاَ صِرَاطَ الضَّالِّينَ، وَهُمُ الَّذِينَ فَقَدُوا الْعِلْمَ فَهُمْ هَائِمُونَ فِي الضَّلاَلَةِ لا يَهْتَدُونَ إِلَى الْحَقِّ. وَأَكَّدَ الْكَلاَمَ بِلاَ؛ لِيَدُلَّ عَلَى أَنَّ ثَمَّ مَسْلَكَيْنِ فَاسِدَيْنِ وَهُمَا طَرِيقَتَا الْيَهُودِ وَالنَّصَارى، لِيُجْتَنَبَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا، فَإِنَّ طَرِيقَةَ أَهْلِ الْإِيمَانِ مُشْتَمِلَةٌ عَلَى الْعِلْمِ بِالْحَقِّ وَالْعَمَلِ بِهِ، وَالْيَهُودُ فَقَدُوا الْعَمَلَ، وَالنَّصَارَى فَقَدُوا الْعِلْمَ. وَلِهَذَا كَانَ الْغَضَبُ لِلْيَهُودِ وَالضَّلاَلُ لِلنَّصَارَى، لِأَنَّ مَنْ عَلِمَ وَتَرَكَ اسْتَحَقَّ الْغَضَبَ، بِخِلاَفِ مَنْ لَمْ يَعْلَمْ، وَالنَّصَارَى لَمَّا كَانُوا قَاصِدِينَ شَيْئًا لَكِنَّهُمْ لاَ يَهْتَدُونَ إِلَى طَرِيقِهِ، لِأَنَّهُمْ لَمْ يَأْتُوا الْأَمْرَ مِنْ بَابِهِ، وَهُوَ اتِّبَاعُ الْحَقِّ، ضَلُّوا، وَكُلٌّ مِنَ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى ضَالٌّ مَغْضُوبٌ عَلَيْهِ، لكِنْ أَخَصُّ أَوْصَافِ الْيَهُودِ الْغَضَبُ، كَمَا قَالَ تَعَالَى عَنْهُمْ: {مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ} [المائدة:60] وَأَخَصُّ أَوْصَافِ النَّصَارَى الضَّلاَلُ، كَمَا قَالَ تَعَالَى عَنْهُمْ: {قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيرًا وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ} [المائدة:77] وَبِهَذَا جَاءَتِ الْأَحَادِيثُ والاْثَارُ، وَذَلِكَ وَاضِحٌ بَيِّنٌ. رَوَى الْإِمَامُ أَحْمَدُ عَنْ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ، قَالَ: جَاءَتْ خَيْلُ رَسُولِ اللهِ ﷺ فَأَخَذُوا عَمَّتِي وَنَاسًا، فَلَمَّا أَتَوْا بِهِمْ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ صَفُّوا لَهُ فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ، نَأَى الْوَافِدُ، وَانْقَطَعَ الْوَلَدُ، وَأَنَا عَجُوزٌ كَبِيرَةٌ، مَا بِي مِنْ خِدْمَةٍ، فَمُنَّ عَلَيَّ مَنَّ اللهُ عَلَيْكَ، قَالَ: «مَنْ وَافِدُكِ؟» قَالَتْ: عَدِيُّ بْنُ حَاتِمٍ، قَالَ: «الَّذِي فَرَّ مِنَ اللهِ وَرَسُولِهِ؟» قَالَتْ: فَمَنَّ عَلَيَّ، فَلَمَّا رَجَعَ وَرَجُلٌ إِلَى جَنْبِهِ - تَرَى أَنَّهُ عَلِيٌّ - قَالَ: سَلِيهِ حُمْلاَنًا، فَسَأَلَتْهُ فَأَمَرَ لَهَا، قَالَ: فَأَتَتْنِي فَقَالَتْ: لَقَدْ فَعَلَ فِعْلَةً مَا كَانَ أَبُوكَ يَفْعَلُهَا، فَإِنَّهُ قَدْ أَتَاهُ فُلاَنٌ فَأَصَابَ مِنْهُ، وَأَتَاهُ فُلاَنٌ فَأَصَابَ مِنْهُ، فَأَتَيْتُهُ فَإِذَا عِنْدَهُ امْرَأَةٌ وَصِبْيَانٌ، وَذَكَرَ قُرْبَهُمْ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: فَعَرَفْتُ أَنَّهُ لَيْسَ بَمَلِكِ كِسْرى وَلاَ قَيْصَرَ، فَقَالَ: «يَا عَدِيُّ مَا أَفَرَّكَ أَنْ يُقَالَ: لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ؟ فَهَلْ مِنْ إِلَهٍ إِلاَّ اللهُ؟. مَا أَفَرَّكَ أَنْ يُقَالَ: اللهُ أَكْبَرُ؟ فَهَلْ شَيْءٌ أَكْبَرُ مِنَ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ؟» قَالَ: فَأَسْلَمْتُ، فَرَأَيْتُ وَجْهَهُ اسْتَبْشَرَ وَقَالَ: «إِنَّ الْمَغْضُوبَ عَلَيْهِمُ: الْيَهُودُ، وَإِنَّ الضَّالِّينَ: النَّصَارَى»... وَذَكَرَ الْحَدِيثَ. وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: حَسَنٌ غَرِيبٌ[95]. [95] (أحمد 4/378، وتحفة الأحوذي 8/289) وَفِي السِّيرةِ عَنْ زَيْدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ نُفَيلٍ أَنَّهُ لَمَّا خَرَجَ هُوَ وَجَمَاعَةٌ مِنْ أَصْحَابِهِ إِلَى الشَّامِ يَطْلُبُونَ الدِّينَ الْحَنِيفَ قَالَتْ لَهُ الْيَهُودُ: إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ الدُّخُولَ مَعَنَا حَتَّى تَأْخُذَ بِنَصِيبِكَ مِنْ غَضَبِ اللهِ، فَقَالَ: أَنَا مِنْ غَضَبِ اللهِ أَفِرُّ، وَقَالَتْ لَهُ النَّصَارَى: إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ الدُّخُولَ مَعَنَا حَتَّى تَأْخُذَ بِنَصِيبِكَ مِنْ سَخَطِ اللهِ، فَقَالَ لاَ أَسْتَطِيعُهُ، فَاسْتَمَرَّ عَلَى فِطْرَتِهِ، وَجَانَبَ عِبَادَةَ الْأَوْثَانِ وَدِينَ الْمُشْرِكِينَ، وَلَمْ يَدْخُلْ مَعَ أَحَدٍ مِنَ الْيَهُودِ وَلاَ النَّصَارَى، وَأَمَّا أَصْحَابُهُ فَتَنَصَّرُوا وَدَخَلُوا فِي دِينِ النَّصْرَانِيَّةِ، لِأَنَّهُمْ وَجَدُوهُ أَقْرَبَ مِنْ دِينِ الْيَهُودِ إِذْ ذَاكَ، وَكَانَ مِنْهُمْ وَرَقَةُ بْنُ نَوْفَلٍ حَتَّى هَدَاهُ اللهُ بِنَبِيِّهِ لَمَّا بَعَثَهُ، آمَنَ بِمَا وَجَدَ مِنَ الْوَحْيِ. رَضِيَ اللهُ عَنْهُ.[96]. [96] (صحيح البخاري مع الفتح 7/142، 143) [مُشْتَمَلاَتُ الْفَاتِحَةِ] (فَصْلٌ) اِشْتَمَلَتْ هَذِهِ السُّورَةُ الْكَرِيمَةُ، وَهِيَ سَبْعُ آيَاتٍ، عَلَى حَمْدِ اللهِ وَتَمْجِيدِهِ وَالثَّنَاءِ عَلَيْهِ بِذِكْرِ أَسْمَائِهِ الْحُسْنَى الْمُسْتَلْزِمَةِ لِصِفَاتِهِ الْعُلْيَا، وَعَلَى ذِكْرِ الْمَعَادِ وَهُوَ يَوْمُ الدِّينِ، وَعَلَى إِرْشَادِهِ عَبِيدَهُ إِلَى سُؤَالِهِ وَالتَّضَرُّعِ إِلَيْهِ، وَ[التَّبَرُّؤِ] مِنْ حَوْلِهِمْ وَقُوَّتِهِمْ، وَإِلَى إِخْلاَصِ الْعِبَادَةِ لَهُ، وَتَوْحِيدِهِ بِالْأُلُوهِيَّةِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى، وَتَنْزِيهِهِ أَنْ يَكُونَ لَهُ شَرِيكٌ أَوْ نَظِيرٌ أَوْ مُمَاثِلٌ، وَإِلَى سُؤَالِهِمْ إِيَّاهُ الْهِدَايَةَ إِلَى الصِّرَاطِ الْمُسْتَقِيمِ، وَهُوَ الدِّينُ الْقَوِيمُ، وَتَثْبِيتَهُمْ عَلَيْهِ حَتَّى [يُفْضِيَ بِهِمْ ذَلِكَ] إِلَى جَوَازِ الصِّرَاطِ [الْحِسِّيِّ] يَوْمَ الْقِيَامَةِ، اَلْمُفْضِي بِهِمْ إِلَى جَنَّاتِ النَّعِيمِ؛ فِي جِوَارِ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ، وَاشْتَمَلَتْ عَلَى التَّرْغِيبِ فِي الْأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ لِيَكُونُوا مَعَ أَهْلِهَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَالتَّحْذِيرِ مِنْ مَسَالِكِ الْبَاطِلِ لِئَلاَّ يُحْشَرُوا مَعَ سَالِكِيهَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَهُمُ الْمَغْضُوبُ عَلَيْهِمْ وَالضَّالُّونَ. [إِسْنَادُ الْإِنْعَامِ إِلَى اللهِ دُونَ الْإِضْلاَلِ. وَالرَّدُّ عَلَى الْقَدَرِيَّةِ] وَمَا أَحْسَنَ مَا جَاءَ إِسْنَادُ الْإِنْعَامِ إِلَيْهِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ} وَحُذِفَ الْفَاعِلُ فِي الْغَضَبِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ} [الفاتحة: 7] وَإِنْ كَانَ هُوَ الْفَاعِلُ لِذَلِكَ فِي الْحَقِيقَةِ كَمَا قَالَ تَعَالَى: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ تَوَلَّوْا قَوْمًا غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ} [المجادلة: 14] الآيَةَ. وَكَذَلِكَ إِسْنَادُ الضَّلاَلِ إِلَى مَنْ قَامَ بِهِ وَإِنْ كَانَ هُوَ الَّذِي أَضَلَّهُمْ بِقَدَرِهِ كَمَا قَالَ تَعَالَى: {مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِدًا} [الكهف: 17] وَقَالَ: {مَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلاَ هَادِيَ لَهُ وَيَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ} [الأعراف: 186] إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْآيَاتِ الدَّالَّةِ عَلَى أَنَّهُ سُبْحَانَهُ هُوَ الْمُنْفَرِدُ بِالْهِدَايَةِ وَالْإِضْلاَلِ، لاَ كَمَا تَقُولُ الْفِرْقَةُ الْقَدَرِيَّةُ وَمَنْ حَذَا حَذْوَهُمْ مِنْ أَنَّ الْعِبَادَ هُمُ الَّذِينَ يَخْتَارُونَ ذَلِكَ وَيَفْعَلُونَ، وَيَحْتَجُّونَ عَلَى بِدْعَتِهِمْ بِمُتَشَابِهٍ مِنَ الْقُرْآنِ، وَيَتْرُكُونَ مَا يَكُونُ فِيهِ صَرِيحًا فِي الرَّدِّ عَلَيْهِمْ. وَهَذَا حَالُ أَهْلِ الضَّلاَلِ وَالْغَيِّ، وَقَدْ وَرَدَ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ: «إِذَا رَأَيْتُمُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ فَأُولئِكَ الَّذِينَ سَمَّى اللهُ، فَاحْذَرُوهُمْ»[97]يَعْنِي فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ} [آل عمران: 7] فَلَيْسَ، بِحَمْدِ اللهِ، لِمُبْتَدِعٍ فِي الْقُرْآنِ حُجَّةٌ صَحِيحَةٌ، لِأَنَّ الْقُرْآنَ جَاءَ لِيَفْصِلَ الْحَقَّ مِنَ الْبَاطِلِ مُفَرِّقًا بَيْنَ الْهُدَى وَالضَّلاَلِ، وَلَيْسَ فِيهِ تَنَاقُضٌ وَلاَ اخْتِلاَفٌ، لِأَنَّهُ مِنْ عِنْدِ اللهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ. [97] (فتح الباري 8/57) [اَلتَّأْمِينُ بَعْدَ الْفَاتِحَةِ] (فَصْلٌ) يُسْتَحَبُّ لِمَنْ يَقْرَأُ الْفَاتِحَةَ أَنْ يَقُولَ بَعْدَهَا: آمِينَ مِثْلَ يس، وَيُقَالُ: أَمِينَ بِالْقَصْرِ أَيْضًا [مِثْلَ يَمِينٍ] وَمَعْنَاهُ: اَللَّهُمَّ اسْتَجِبْ، وَالدَّلِيلُ عَلَى اسْتِحْبَابِ التَّأْمِينِ مَا رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ عَنْ وَائِلِ بْنِ حُجْرٍ قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ قَرَأَ: {غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلاَ الضَّالِّينَ} فَقَالَ: آمِينَ، مَدَّ بِهَا صَوْتَهُ[98]. وَلِأَبِي دَاوُدَ: رَفَعَ بِهَا صَوْتَهُ، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ، وَرُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ وَابْنِ مَسْعُودٍ وَغَيْرِهِمْ[99]. وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إِذَا تَلاَ {غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلاَ الضَّالِّينَ} [الفاتحة: 7] قَالَ: «آمِينَ» حَتَّى يَسْمَعَ مَنْ يَلِيهِ مِنَ الصَّفِّ الْأَوَّلِ[100]. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَابْنُ مَاجَهْ وَزَادَ فِيهِ: فَيَرْتَجُّ بِهَا الْمَسْجِدُ[101]. وَالدَّارَقُطْنِيُّ وَقَالَ: هَذَا إِسْنَادٌ حَسَنٌ[102]. وَعَنْ بِلاَلٍ أَنَّهُ قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، لاَ تَسْبِقْنِي بِآمِينَ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ[103]. [98] (أحمد 4/315، وأبو داود 1/574، وتحفة الأحوذي 2/65) [99] (تحفة الأحوذي 2/67) [100] (أبو داود 1/575) [101] (أبو داود 1/575، وابن ماجه 1/279) [102] (الدارقطني 1/335) [103] (أبو داود 1/576) وَنَقَلَ أَبُو نَصْرٍ الْقُشَيْرِيُّ عَنِ الْحَسَنِ وَجَعْفَرٍ الصَّادِقِ أَنَّهُمَا شَدَّدَا الْمِيمَ مِنْ آمِينَ مِثْلَ {آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ} [المائدة: 2]. قَالَ أَصْحَابُنَا وَغَيْرُهُمْ: وَيُسْتَحَبُّ ذَلِكَ لِمَنْ هُوَ خَارِجَ الصَّلاَةِ، وَيَتَأَكَّدُ فِي حَقِّ الْمُصَلِّي، وَسَوَاءً كَانَ مُنْفَرِدًا أَوْ إِمَامًا أَوْ مَأْمُومًا وَفِي جَمِيعِ الْأَحْوَالِ، لِمَا جَاءَ فِي الصَّحِيحَينِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «إِذَا أَمَّنَ الْإِمَامُ فَأَمِّنُوا، فَإِنَّهُ مَنْ وَافَقَ تَأْمِينُهُ تَأْمِينَ الْمَلاَئِكَةِ غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ»[104]وَلِمُسْلِمٍ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «إِذَا قَالَ أَحَدُكُمْ فِي الصَّلاَةِ: آمِينَ، وَالْمَلاَئِكَةُ فِي السَّمَاءِ: آمِينَ، فَوَافَقَتْ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ»[105]. قِيلَ: بِمَعْنَى «مَنْ وَافَقَ تَأْمِينُهُ تَأْمِينَ الْمَلاَئِكَةِ» فِي الزَّمَانِ. وَقِيلَ: فِي الْإِجَابَةِ. وَقِيلَ: فِي صِفَةِ الْإِخْلاَصِ. وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ أَبِي مُوسَى مَرْفُوعًا «إِذَا قَالَ - يَعْنِي الْإِمَامُ - وَلاَ الضَّالِّينَ فَقُولُوا: آمِينَ، يُجِبْكُمُ اللهُ»[106] وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ مَعْنَاهُ: لاَ تُخَيِّبْ رَجَاءَنَا. وَقَالَ الْأَكْثَرُونَ مَعْنَاهُ: اَللَّهُمَّ اسْتَجِبْ لَنَا. [104] (فتح الباري 11/203، ومسلم 1/307) [105] (مسلم 1/307) [106] (مسلم 1/303) {بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَانِ الرَّحِيمِ} رَبِّ يَسِّرْ وَأَعِنْ يَا كَرِيمُ تَفْسِيرُ سُورَةِ الْبَقَرَةِ (ذِكْرُ مَا وَرَدَ فِـي فَضْلِهَا) فِي مُسْنَدِ أَحْمَدَ وَصَحِيحِ مُسْلِمٍ وَالتِّرْمِذِيِّ وَالنَّسَائِيِّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «لاَ تَجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قُبُورًا، فَإِنَّ الْبَيْتَ الَّذِي تُقْرَأُ فِيهِ سُورَةُ الْبَقَرَةِ لاَ يَدْخُلُهُ الشَّيْطَانُ». وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: حَسَنٌ صَحِيحٌ[107]. [107] (أحمد 2/284، ومسلم 1/539، وتحفة الأحوذي 8/180، والنسائي في الكبرى 5/13) وَعَنْ عَبْدِ اللهِ - يَعْنِي ابْنَ مَسْعُودٍ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، قَالَ: إِنَّ الشَّيْطَانَ يَفِرُّ مِنَ الْبَيْتِ الَّذِي يَسْمَعُ فِيهِ سُورَةَ الْبَقَرَةِ. وَرَوَاهُ النَّسَائِيُّ فِي الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ[108]. وَأَخْرَجَهُ الْحَاكِمُ فِي مُسْتَدْرَكِهِ ثُمَّ قَالَ: صَحِيحُ الْإِسْنَادِ وَلَمْ يُخَرِّجَاهُ[109]. وَرَوَى الدَّارِمِيُّ فِي مُسْنَدِهِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: مَا مِنْ بَيْتٍ تُقْرَأُ فِيهِ سُورَةُ الْبَقَرَةِ إِلاَّ خَرَجَ مِنْهُ الشَّيْطَانُ وَلَهُ ضُرَاطٌ. وَرُوِيَ أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ الشَّعْبِيِّ قَالَ: قَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْعُودٍ: مَنْ قَرَأَ عَشْرَ آيَاتٍ مِنْ سُورَةِ الْبَقَرَةِ فِي لَيْلَةٍ لَمْ يَدْخُلْ ذَلِكَ الْبَيْتَ شَيْطَانٌ تِلْكَ اللَّيْلَةَ: أَرْبَعٌ مِنْ أَوَّلِهَا، وَآيَةُ الْكُرْسِيِّ، وَآيَتَانِ بَعْدَهَا، وَثَلاَثُ آيَاتٍ مِنْ آخِرِهَا، وَفِي رِوَايَةٍ: لَمْ يَقْرَبْهُ وَلاَ أَهْلَهُ يَوْمَئِذٍ شَيْطَانٌ، وَلاَ شَيْءٌ يَكْرَهُهُ، وَلاَ يُقْرَأْنَ عَلَى مَجْنُونٍ إِلاَّ أَفَاقَ[110]. وَعَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «إِنَّ لِكُلِّ شَيْءٍ سَنَامًا، وَإِنَّ سَنَامَ الْقُرْآنِ الْبَقَرَةُ، وَإِنَّ مَنْ قَرَأَهَا فِي بَيْتِهِ لَيْلَةً لَمْ يَدْخُلْهُ الشَّيْطَانُ ثَلاَثَ لَيَالٍ، وَمَنْ قَرَأَهَا فِي بَيْتِهِ نَهَارًا لَمْ يَدْخُلْهُ الشَّيْطَانُ ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ». رَوَاهُ أَبُو الْقَاسِمِ الطَّبَرَانِيُّ وَأَبُو حَاتِمٍ ابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ وَابْنُ مَرْدُويَة[111]. [108] (النسائي في الكبرى 6/240) [109] (الحاكم 2/260) [110] (الدارمي 2/322) [111] (الطبراني 6/163، وابن حيان 2/78) وَقَدْ رَوَى التِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ: بَعَثَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بَعْثًا، وَهُمْ ذَوُو عَدَدٍ، فَاسْتَقْرَأَهُمْ، فَاسْتَقْرَأَ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ مَا مَعَهُ مِنَ الْقُرْآنِ، فَأَتَى عَلَى رَجُلٍ مِنْ أَحْدَثِهِمْ سِنًّا فَقَالَ: «مَا مَعَكَ يَا فُلاَنُ؟» فَقَالَ: مَعِي كَذَا وَكَذَا وَسُورَةُ الْبَقَرَةِ. فَقَالَ: «أَمَعَكَ سُورَةُ الْبَقَرَةِ؟» قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: «اذْهَبْ فَأَنْتَ أَمِيرُهُمْ» فَقَالَ رَجُلٌ مِنْ أَشْرَافِهِمْ: وَاللهِ مَا مَنَعَنِي أَنْ أَتَعَلَّمَ سُورَةَ الْبَقَرَةِ إِلاَّ أَنِّي خَشِيتُ أَنْ لاَ أَقُومَ بِهَا. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «تَعَلَّمُوا الْقُرْآنَ وَاقْرَأُوهُ، فَإِنَّ مَثَلَ الْقُرْآنِ لِمَنْ تَعَلَّمَهُ فَقَرَأَ وَقَامَ بِهِ كَمَثَلِ جِرَابٍ مَحْشُوٍّ مِسْكًا يَفُوحُ رِيحُهُ فِي كُلِّ مَكَانٍ، وَمَثَلَ مَنْ تَعَلَّمَهُ فَيَرْقُدُ وَهُوَ فِي جَوْفِهِ كَمَثَلِ جِرَابٍ أُوكِيَ عَلَى مِسْكٍ». هَذَا لَفْظُ رِوَايَةِ التِّرْمِذِيِّ ثُمَّ قَالَ: هَذَا حَدِيْثٌ حَسَنٌ. ثُمَّ رَوَاهُ مُرْسَلاً، فَاللهُ أَعْلَمُ[112]. [112] (تحفة الأحوذي 8/186، والنسائي في الكبرى 5/227، وابن ماجه 1/78) وَرَوَى الْبُخَارِيُّ: عَنْ أُسَيْدِ بْنِ حُضَيْرٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ: بَيْنَمَا هُوَ يَقْرَأُ مِنَ اللَّيْلِ سُورَةُ الْبَقَرَةِ - وَفَرَسُهُ مَرْبُوطَةٌ عِنْدَهُ - إِذْ جَالَتِ الْفَرَسُ، فَسَكَتَ فَسَكَنَتْ، فَقَرَأَ فَجَالَتِ الْفَرَسُ، فَسَكَتَ فَسَكَنَتْ، ثُمَّ قَرَأَ فَجَالَتِ الْفَرَسُ، فَانْصَرَفَ، وَكَانَ ابْنُهُ يَحْيَى قَرِيبًا مِنْهَا - فَأَشْفَقَ أَنْ تُصِيبَهُ، فَلَمَّا أَخَذَهُ رَفَعَ رَأْسَهُ إِلَى السَّمَاءِ حَتَّى مَا يَرَاهَا، فَلَمَّا أَصْبَحَ حَدَّثَ النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ: «اقْرَأْ يَا ابْنَ حُضَيْرٍ» قَالَ: قَدْ أَشْفَقْتُ يَا رَسُولَ اللهِ أَنْ تَطَأَ يَحْيَى وَكَانَ مِنْهَا قَرِيبًا، فَرَفَعْتُ رَأْسِي وَانْصَرَفْتُ إِلَيْهِ، فَرَفَعْتُ رَأْسِي إِلَى السَّمَاءِ فَإِذَا مِثْلُ الظُّلَّةِ فِيهَا أَمْثَالُ الْمَصَابِيحِ، فَخَرَجْتُ حَتَّى لاَ أَرَاهَا. قَالَ: «وَتَدْرِي مَا ذَاكَ؟» قَالَ: لاَ. قَالَ: «تِلْكَ الْمَلاَئِكَةُ دَنَتْ لِصَوْتِكَ، وَلَوْ قَرَأْتَ لَأَصْبَحْتَ يَنْظُرُ النَّاسُ إِلَيْهَا، لاَ تَتَوَارَى مِنْهُمْ»[113]وَهكَذَا رَوَاهُ الْإِمَامُ الْعَالِمُ أَبُو عُبَيْدٍ الْقَاسِمُ بْنُ سَلاَّمٍ فِي كِتَابِ فَضَائِلِ الْقُرْآنِ. وَاللهُ أَعْلَمُ. [113] (فتح الباري 8/680) ذِكْرُ مَا وَرَدَ فِي فَضْلِهَا مَعَ آلِ عِمْرَانَ روى الْإِمَامُ أَحْمَدُ: عن بُرَيْدَةَ قَالَ: كُنْتُ جَالِسًا عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ فَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: «تَعَلَّمُوا سُورَةَ الْبَقَرَةِ فَإِنَّ أَخْذَهَا بَرَكَةٌ، وَتَرْكَهَا حَسْرَةٌ، وَلاَ تَسْتَطِيعُهَا الْبَطَلَةُ» قَالَ: ثُمَّ سَكَتَ سَاعَةً ثُمَّ قَالَ: «تَعَلَّمُوا سُورَةَ الْبَقَرَةِ وَآلَ عِمْرَانَ فَإِنَّهُمَا الزَّهْرَاوَانِ، يُظِلاَّنِ صَاحِبَهُمَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَأَنَّهُمَا غَمَامَتَانِ، أَوْ غَيَايَتَانِ، أَوْ فِرْقَانِ مِنْ طَيْرٍ صَوَافَّ، وَإِنَّ الْقُرْآنَ يَلْقَى صَاحِبَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حِينَ يَنْشَقُّ عَنْهُ قَبْرُهُ كَالرَّجُلِ الشَّاحِبِ فَيَقُولُ لَهُ: هَلْ تَعْرِفُنِي؟ فَيَقُولُ: مَا أَعْرِفُكَ. فَيَقُولُ: أَنَا صَاحِبُكَ الْقُرْآنُ الَّذِي أَظْمَأْتُكَ فِي الْهَوَاجِرِ وَأَسْهَرْتُ لَيْلَكَ، وَإِنَّ كُلَّ تَاجِرٍ مِنْ وَرَاءِ تِجَارَتِهِ، وَإِنَّكَ الْيَوْمَ مِنْ وَرَاءِ كُلِّ تِجَارَةٍ، فَيُعْطَى الْمُلْكَ بِيَمِينِهِ وَالْخُلْدَ بِشِمَالِهِ، وَيُوضَعُ عَلَى رَأْسِهِ تَاجُ الْوَقَارِ، وَيُكْسَى وَالِدَاهُ حُلَّتَيْنِ لاَ يَقُومُ لَهُمَا أَهْلُ الدُّنْيَا، فَيَقُولاَنِ: بِمَا كُسِينَا هَذَا؟ فَيُقَالُ: بِأَخْذِ وَلَدِكُمَا الْقُرْآنَ، ثُمَّ يُقَالُ: اقْرَأْ وَاصْعَدْ فِي دَرَجِ الْجَنَّةِ وَغُرَفِهَا، فَهُوَ فِي صُعُودٍ مَا دَامَ يَقْرَأُ، هَذًّا كَانَ أَوْ تَرْتِيلاً»[114]. [114] (أحمد 5/352) وَرَوَى ابْنُ مَاجَهْ مِنْ حَدِيثِ بِشْرِ بْنِ الْمُهَاجِرِ بَعْضَهُ[115]. وَهَذَا إِسْنَادٌ حَسَنٌ عَلَى شَرْطِ مُسْلِمٍ [115] (ابن ماجه 2/1242) وَلِبَعْضِهِ شَوَاهِدُ، فَمِنْ ذَلِكَ حَدِيثُ أَبِي أُمَامَةَ الْبَاهِلِيِّ رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ عَنْهُ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: «اقْرَأُوا الْقُرْآنَ فَإِنَّهُ شَافِعٌ لِأَهْلِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، اقْرَأُوا الزَّهْرَاوَيْنِ الْبَقَرَةَ وَآلَ عِمْرَانَ، فَإِنَّهُمَا يَأْتِيَانِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَأَنَّهُمَا غَمَامَتَانِ، أَوْ كَأَنَّهُمَا غَيَايَتَانِ، أَوْ كَأَنَّهُمَا فِرْقَانِ مِنْ طَيْرٍ صَوَافَّ يُحَاجَّانِ عَنْ أَهْلِهِمَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ، ثُمَّ قَالَ: اقْرَأُوا الْبَقَرَةَ فَإِنَّ أَخْذَهَا بَرَكَةٌ، وَتَرْكَهَا حَسْرَةٌ، وَلاَ تَسْتَطِيعُهَا الْبَطَلَةُ»[116]. وَقَدْ رَوَاهُ مُسْلِمٌ فِي الصَّلاَةِ[117]. [116] (أحمد 5/249) [117] (مسلم 1/553) (اَلزَّهْرَاوَانِ): الْمُنِيرَتَانِ، وَ(الْغَيَايَةُ): مَا أَظَلَّكَ مِنْ فَوْقِكَ، وَ(الْفِرْقُ): الْقِطْعَةُ مِنَ الشَّيْءِ، وَ(الصَّوَافُّ): الْمُصْطَفَّةُ الْمُتَضَامَّةُ، وَ(الْبَطَلَةُ) اَلسَّحَرَةُ، وَمَعْنَى (لاَ تَسْتَطِيعُهَا) أَيْ: لاَ يُمْكِنُهُمْ حِفْظُهَا وَقِيلَ: لاَ تَسْتَطِيعُ النُّفُوذَ فِي قَارِئِهَا. وَاللهُ أعْلَمُ. وَمِنْ ذَلِكَ حَدِيثُ النَّوَّاسِ بْنِ سَمْعَانَ رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ عَنْهُ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: «يُؤْتَى بِالْقُرْآنِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَأَهْلِهِ الَّذِينَ كَانُوا يَعْمَلُونَ بِهِ، تَقْدُمُهُمْ سُورَةُ الْبَقَرَةِ وَآلُ عِمْرَانَ» وَضَرَبَ لَهُمَا رَسُولُ اللهِ ﷺ ثَلاَثَةَ أَمْثَالٍ مَا نَسِيتُهُنَّ بَعْدُ قَالَ: «كَأَنَّهُمَا غَمَامَتَانِ، أَوْ ظُلَّتَانِ سَوْدَاوَانِ بَيْنَهُمَا شَرْقٌ، أَوْ كَأَنَّهُمَا فِرْقَانِ مِنْ طَيْرٍ صَوَافَّ يُحَاجَّانِ عَنْ صَاحِبِهِمَا»[118]وَرَوَاهُ مُسْلِمٌ[119]، وَالتِّرْمِذِيُّ وَقَالَ حَسَنٌ غَرِيبٌ.[120]. [118] (أحمد 4/183) [119] (مسلم 1/554) [120] (تحفة الأحوذي 8/191) [سُورَةُ الْبَقَرَةِ مَدَنِيَّةٌ بِلاَ خِلاَفٍ] (فَصْلٌ) وَالْبَقَرَةُ جَمِيعُهَا مَدَنِيَّةٌ بِلاَ خِلاَفٍ، وَهِيَ مِنْ أَوَائِلِ مَا نَزَلَ بِهَا، لكِنَّ قَوْلَهُ تَعَالَى فِيهِ: {وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ}... الْآيَةَ [البقرة: 281] يُقَالُ: إِنَّهَا آخِرُ مَا نَزَلَ مِنَ الْقُرْآنِ - وَيَحْتَمِلُ أَنْ تَكُونَ مِنْهَا - وَكَذَلِكَ آيَاتُ الرِّبَا مِنْ آخِرِ مَا نَزَلَ. وَكَانَ خَالِدُ بْنُ مَعْدَانَ يُسَمِّي الْبَقَرَةَ فُسْطَاطَ الْقُرْآنِ، قَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ: وَهِيَ مُشْتَمِلَةٌ عَلَى أَلْفِ خَبَرٍ، وَأَلْفِ أَمْرٍ، وَأَلْفِ نَهْيٍ. وَقَالَ الْعَادُّونَ: آيَاتُهَا: مِائَتَانِ وَثَمَانُونَ وَسَبْعُ آيَاتٍ، وَكَلِمَاتُهَا: سِتَّةُ آلاَفِ كَلِمَةٍ وَمِائَتَانِ وَإِحْدَى وَعِشْرُونَ كَلِمَةً، وَحُرُوفُهَا: خَمْسَةٌ وَعِشْرُونَ أَلْفًا وَخَمْسُمِائَةِ حَرْفٍ، فَاللهُ أَعْلَمُ. قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ عَنْ عَطَاءٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: نَزَلَتْ بِالْمَدِينَةِ سُورَةُ الْبَقَرَةِ[121]. وَقَالَ خُصَيْفٌ عَنْ مُجَاهِدٍ عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ الزُّبَيْرِ قَالَ: نَزَلَتْ بِالْمَدِينَةِ سُورَةُ الْبَقَرَةِ[122]. وَهكَذَا قَالَ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنَ الْأَئِمَّةِ وَالْعُلَمَاءِ وَالْمُفَسِّرِينَ وَلاَ خِلاَفَ فِيهِ. [121] (الدرر المنثور 1/47) [122] (الدرر المنثور 1/47) وَرَوَى ابْنُ مَرْدُويَةِ مِنْ حَدِيثِ شُعْبَةَ عَنْ عَقِيلِ بْنِ طَلْحَةَ، عَنْ عُتْبَةَ بْنِ مَرْثَدٍ: رَأَى النَّبِيُّ ﷺ فِي أَصْحَابِهِ تَأَخُّرًا فَقَالَ: «يَا أَصْحَابَ سُورَةِ الْبَقَرَةِ» وَأَظُنُّ هَذَا كَانَ يَوْمَ حُنَيْنٍ، يَوْمَ وَلَّوْا مُدْبِرِينَ، أَمَرَ الْعَبَّاسَ فَنَادَاهُمْ: «يَا أَصْحَابَ الشَّجَرَةِ» يَعْنِي أَهْلَ بَيْعَةِ الرِّضْوَانِ، وَفِي رِوَايَةٍ «يَا أَصْحَابَ سُورَةِ الْبَقَرَةِ» لِيُنَشِّطَهُمْ بِذَلِكَ، فَجَعَلُوا يُقْبِلُونَ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ. وَكَذَلِكَ يَوْمَ الْيَمَامَةِ مَعَ أَصْحَابِ مُسَيْلِمَةَ جَعَلَ الصَّحَابَةُ يَفِرُّونَ لِكَثَافَةِ جَيْشِ بَنِي حَنِيفَةَ فَجَعَلَ الْمُهَاجِرُونَ وَالْأَنْصَارُ يَتَنَادَوْنَ: يَا أَصْحَابَ سُورَةِ الْبَقَرَةِ، حَتَّى فَتَحَ اللهُ عَلَيْهِم، رَضِيَ اللهُ عَنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللهِ أَجْمَعِينَ[123]. [123] (المجمع 6/180) {بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} {الم} [اَلْكَلاَمُ حَوْلَ الْحُرُوفِ الْمُقَطَّعَةِ] اَلْحُرُوفُ الْمُقَطَّعَةُ الَّتِي فِي أَوَائِلِ السُّوَرِ هِيَ مِمَّا اسْتَأْثَرَ اللهُ بِعِلْمِهِ. رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعُثْمَانَ وَعَلِيٍّ وَابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ أَجْمَعِينَ. وَقِيلَ: هِيَ أَسْمَاءُ السُّوَرِ. وَقِيلَ: هِيَ فَوَاتِحُ، افْتَتَحَ اللهُ بِهَا الْقُرْآنَ. وَقَالَ خُصَيْفٌ عَنْ مُجَاهِدٍ أَنَّهُ قَالَ: فَوَاتِحُ السُّوَرِ كُلُّهَا: (ق وَ ص وَحم وَطسم وَالر) وَغَيْرُ ذَلِكَ هِجَاءٌ مَوْضُوعٌ، وَقَالَ بَعْضُ أَهْلِ الْعَرَبِيَّةِ: هِيَ حُرُوفٌ مِنْ حُرُوفِ الْمُعْجَمِ، اسْتُغْنِيَ بِذِكْرِ مَا ذُكِرَ مِنْهَا فِي أَوَائِلِ السُّوَرِ عَنْ ذِكْرِ بَوَاقِيهَا الَّتِي هِيَ تَتِمَّةُ الثَّمَانِيَةِ وَالْعِشْرِينَ حَرْفًا، كَمَا يَقُولُ الْقَائِلُ: ابْنِي يَكْتُبُ فِي - ا ب ت ث - أَيْ فِي حُروُفِ الْمُعْجَمِ الثَّمَانِيَةِ وَالْعِشْرِينَ، فَيَسْتَغْنِي بِذِكْرِ بَعْضِهَا عَنْ مَجْمُوعِهَا. حَكَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ[124]. [124] (الطبري 1/208) قُلْتُ: مَجْمُوعُ الْحُرُوفِ الْمَذْكُورَةِ فِي أَوَائِلِ السُّوَرِ بِحَذْفِ الْمُكَرَّرِ مِنْهَا أَرْبَعَةَ عَشَرَ حَرْفًا، وَهِيَ - ا ل م ص ر ك هـ ي ع ط س ح ق ن - يَجْمَعُهَا قَوْلُكَ: نَصُّ حَكِيمٍ قَاطِعٍ لَهُ سِرٌّ. وَهِيَ نِصْفُ الْحُروُفِ عَدَدًا، وَالْمَذْكُورُ مِنْهَا أَشْرَفُ مِنَ الْمَتْرُوكِ، وَبَيَانُ ذَلِكَ مِنْ صِنَاعَةِ التَّصْرِيفِ: قَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وَهَذِهِ الْحُرُوفُ الْأَرْبَعَةَ عَشَرَ مُشْتَمِلَةٌ عَلَى أَصْنَافِ أَجْنَاسِ الْحُرُوفِ، يَعْنِي مِنَ الْمَهْمُوسَةِ وَالْمَجْهُورَةِ، وَمِنَ الرِّخْوَةِ وَالشَّدِيدَةِ، وَمِنَ الْمُطْبَقَةِ وَالْمَفْتُوحَةِ، وَمِنَ الْمُسْتَعْلِيَةِ وَالْمُنْخَفِضَةِ، وَمِنْ حُرُوفِ الْقَلْقَلَةِ. وَقَدْ سَرَدَهَا مُفَصَّلَةً ثُمَّ قَالَ: فَسُبْحَانَ الَّذِي دَقَّتْ فِي كُلِّ شَيْءٍ حِكْمَتُهُ. وَهَذِهِ الْأَجْنَاسُ الْمَعْدُودَةُ مَكْثُورَةٌ بِالْمَذْكُورَةِ مِنْهَا، وَقَدْ عَلِمْتَ أَنَّ مُعْظَمَ الشَّيْءِ وَجُلَّهُ يَنْزِلُ مَنْزِلَةَ كُلِّهِ. وَمِنْ ههُنَا لَحَظَ بَعْضُهُمْ فِي هَذَا الْمُقَامِ كَلاَمًا فَقَالَ: لاَ شَكَّ أَنَّ هَذِهِ الْحُرُوفَ لَمْ يُنَزِّلْهَا سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَبَثًا وَلاَ سُدًى، وَمَنْ قَالَ مِنَ الْجَهَلَةِ: إِنَّ فِي الْقُرْآنِ مَا هُوَ تَعَبُّدٌ لاَ مَعْنَى لَهُ بِالْكُلِّيَّةِ فَقَدْ أَخْطَأَ خَطَأً كَبِيرًا، فَتَعَيَّنَ أَنَّ لَهَا مَعْنًى فِي نَفْسِ الْأَمْرِ، فَإِنْ صَحَّ لَنَا فِيهَا عَنِ الْمَعْصُومِ شَيْءٌ قُلْنَا بِهِ، وَإِلاَّ وَقَفْنَا حَيْثُ وَقَّفَنَا، وَقُلْنَا: {آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا} [آل عمران: 7] وَلَمْ يُجْمِعِ الْعُلَمَاءُ فِيهَا عَلَى شَيْءٍ مُعَيَّنٍ وَإِنَّمَا اخْتَلَفُوا، فَمَنْ ظَهَرَ لَهُ بَعْضُ الْأَقْوَالِ بِدَلِيلٍ فَعَلَيْهِ اتِّبَاعُهُ وَإِلاَّ فَالْوَقْفُ حَتَّى يَتَبَيَّنَ هَذَا الْمَقَامُ. [اَلْحُرُوفُ الْمُقَطَّعَةُ دَالَّـةٌ عَلَى إِعْجَازِ الْقُرْآنِ] اَلْمَقَامُ الاْخَرُ فِي الْحِكْمَةِ الَّتِي اقْتَضَتْ إِيرَادَ هَذِهِ الْحُرُوفِ فِي أَوَائِلِ السُّوَرِ، مَا هِيَ - مَعَ قَطْعِ النَّظَرِ عَنْ مَعَانِيهَا فِي أَنْفُسِهَا؟ فَقِيلَ: إِنَّمَا ذُكِرَتْ هَذِهِ الْحُرُوفُ - فِي أَوَائِلِ السُّوَرِ الَّتِي ذُكِرَتْ فِيهَا - بَيَانًا لِإِعْجَازِ الْقُرْآنِ، وَأَنَّ الْخَلْقَ عَاجِزُونَ عَنْ مُعَارَضَتِهِ بِمِثْلِهِ، هَذَا مَعَ أَنَّهُ مُرَكَّبٌ مِنْ هَذِهِ الْحُرُوفِ الْمُقَطَّعَةِ الَّتِي يَتَخَاطَبُونَ بِهَا. وَقَدْ حَكَى هَذَا الْمَذْهَبَ الرَّازِيُّ فِي تَفْسِيرِهِ عَنِ الْمُبَرَّدِ وَجَمْعٍ مِنَ الْمُحَقِّقِينَ، وَحَكَى الْقُرْطُبِيُّ عَنِ الْفَرَّاءِ وَقُطْرُبٍ نَحْوَ هَذَا، وَقَرَّرَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ فِي كَشَّافِهِ وَنَصَرَهُ أَتَمَّ نَصْرٍ، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ الشَّيْخُ الْإِمَامُ الْعَلاَّمَةُ أَبُو الْعَبَّاسِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ وَشَيْخُنَا الْحَافِظُ الْمُجْتَهِدُ أَبُو الْحَجَّاجِ الْمِزِّيُّ، وَحَكَاهُ لِي عَنِ ابْنِ تَيْمِيَّةَ. قَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ وَلَمْ تَرِدْ كُلُّهَا مَجْمُوعَةً فِي أَوَّلِ الْقُرْآنِ، وَإِنَّمَا كُرِّرَتْ لِيَكُونَ أَبْلَغَ فِي التَّحَدِّي وَالتَّبْكِيتِ، كَمَا كُرِّرَتْ قِصَصٌ كَثِيرَةٌ، وَكُرِّرَ التَّحَدِّي بِالصَّرِيحِ فِي أَمَاكِنَ، قَالَ: وَجَاءَ مِنْهَا عَلَى حَرْفٍ وَاحِدٍ كَقَوْلِهِ - ص ن ق - وَحَرْفَيْنِ، مِثْلُ: {حم} وَثَلاَثَةٍ، مِثْلُ: {الم}، وَأَرْبَعَةٍ: مِثْلُ {المر} وَ {المص} وَخَمْسَةٍ، مِثْلُ: {كهيعص}- وَ - {حم *عسق} لِأَنَّ أَسَالِيبَ كَلاَمِهِمْ عَلَى هَذَا مِنَ الْكَلِمَاتِ مَا هُوَ عَلَى حَرْفٍ، وَعَلَى حَرْفَيْنِ، وَعَلَى ثَلاَثَةٍ وَعَلَى أَرْبَعَةٍ، وَعَلَى خَمْسَةٍ لاَ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ. (قُلْتُ) وَلِهَذَا كُلُّ سُورَةٍ افْتُتِحَتْ بِالْحُرُوفِ فَلاَ بُدَّ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا الاِنْتِصَارُ لِلْقُرْآنِ وَبَيَانُ إِعْجَازِهِ وَعَظَمَتِهِ، وَهَذَا مَعْلُومٌ بِالاِسْتِقْرَاءِ، وَهُوَ الْوَاقِعُ فِي تِسْعٍ وَعِشْرِينَ سُورَةً، وَلِهَذَا يَقُولُ تَعَالَى {الم * ذَلِكَ الْكِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ} {اللّهُ لا إِلَـهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّوم * نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ} {المص * كِتَابٌ أُنزِلَ إِلَيْكَ فَلاَ يَكُن فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِّنْهُ} {الر كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ}، {الم *تَنْزِيلُ الْكِتَابِ لاَ رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ}، {حم * تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} {حم *عسق * كَذَلِكَ يُوحِي إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} وَغَيْرُ ذَلِكَ مِنَ الْآيَاتِ الدَّالَّةِ عَلَى صِحَّةِ مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ هؤُلاَءِ لِمَنْ أمْعَنَ النَّظَرَ. وَاللهُ أَعْلَمُ. {ذَلِكَ الْكِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ هُدَىً لِلْمُتَّقِينَ} [لاَ رَيْبَ فِي الْقُرْآنِ] (اَلْكِتَابُ): الْقُرْآنُ، وَ(الرَّيْبُ): الشَّكُّ، قَالَ السُّدِّيُّ عَنْ أَبِي مَالِكٍ وَعَنْ أَبِي صَالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَعَنْ مُرَّةَ الْهَمْدَانِيِّ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، وَعَنْ أُنَاسٍ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللهِ ﷺ: {لاَ رَيْبَ فِيهِ} لاَ شَكَّ فِيهِ.[125] َوقَالَهُ أَبُو الدَّرْدَاءِ َوابْنُ عَبَّاسٍ َومُجَاهِدٌ وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وَأَبُو مَالِكٍ، وَنَافِعٌ مَوْلَى ابْنِ عُمَرَ وَعَطَاءٌ، وَأَبُو الْعَالِيَةِ، وَالرَّبِيعُ بْنُ أَنَسٍ وَمَقَاتِلُ بْنُ حَيَّانَ، وَالسُّدِّيُّ وَقَتَادَةُ وَإِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي خَالِدٍ. وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: لاَ أَعْلَمُ فِي هَذِهِ خِلاَفًا[126]. وَمَعْنَى الْكَلاَمِ هُنَا أَنَّ هَذَا الْكِتَابَ هُوَ الْقُرْآنُ لاَ شَكَّ فِيهِ أَنَّهُ نَزَلَ مِنْ عِنْدِ اللهِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى فِي السَّجْدَةِ: {الم * تَنْزِيلُ الْكِتَابِ لاَ رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ} [السجدة: 1،2] وَقَالَ بَعْضُهُمْ هَذَا خَبَرٌ وَمَعْنَاهُ النَّهْيُ، أَيْ لاَ تَرْتَابُوا فِيهِ. [125] (الطبري 1/228) [126] (ابن أبي حاتم 1/31) وَمِنَ الْقُرَّاءِ مَنْ يَقِفُ عَلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: {لاَ رَيْبَ} وَيَـبْـتَدِيءُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: {فِيهِ هُدَىً لِلْمُتَّقِينَ} وَالْوَقْفُ عَلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: {لاَ رَيْبَ فِيهِ} أَوْلى لِلْآيَةِ الَّتِي ذَكَرْنَاهَا وَلِأَنَّهُ يَصِيرُ قَوْلُهُ تَعَالَى: {هُدَىً} صِفَةً لِلْقُرْآنِ، وَذَلِكَ أَبْلَغُ مِنْ كَوْنِ {فِيهِ هُدَىً} وَهُدًى يَحْتَمِلُ مِنْ حَيْثُ الْعَرَبِيَّةِ أَنْ يَكُونَ مَرْفُوعًا عَلَى النَّعْتِ، وَمَنْصُوبًا عَلَى الْحَالِ. [اِخْتِصَاصُ الْهِدَايَةِ بِالْمُتَّقِينَ] َوخُصَّتِ الْهِدَايَةُ لِلْمُتَّقِينَ كَمَا قَالَ: {قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدىً وَشِفَاءٌ وَالَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ فِي آذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمىً أُولَئِكَ يُنَادَوْنَ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ} [فصلت: 44] {وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلاَ يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلاَّ خَسَارًا} [الإسراء: 82] إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْآيَاتِ الدَّالَّةِ عَلَى اخْتِصَاصِ الْمُؤْمِنِينَ بِالنَّفْعِ بِالْقُرْآنِ، لِأَنَّهُ هُوَ فِي نَفْسِهِ هُدًى، وَلكِنْ لاَ يَنَالُهُ إِلاَّ الْأَبْرَارُ كَمَا قَالَ تَعَالَى: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدىً وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ} [يونس: 57] وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَابْنِ مَسْعُودٍ، وَعَنْ أُنَاسٍ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللهِ ﷺ: {هُدَىً لِلْمُتَّقِينَ} يَعْنِي نُورًا لِلْمُتَّقِينَ. [مَعْنَى الْمُتَّقِينَ] عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: {هُدَىً لِلْمُتَّقِينَ} قَالَ: هُمُ الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ يَتَّقُونَ الشِّرْكَ بِي، وَيَعْمَلُونَ بِطَاعَتِي[127]. وَعَنْهُ {لِلْمُتَّقِينَ} قَالَ: الَّذِينَ يَحْذَرُونَ مِنَ اللهِ عُقُوبَتَهُ فِي تَرْكِ مَا يَعْرِفُونَ مِنَ الْهُدَى، وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ فِي التَّصْدِيقِ بِمَا جَاءَ بِهِ. وَقَالَ قَتَادَةُ: {لِلْمُتَّقِينَ} هُمُ الَّذِينَ نَعَتَهُمُ اللهُ بِقَوْلِهِ: {الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاَةَ} وَالَّتِي بَعْدَهَا، وَاخْتِيَارُ ابْنِ جَرِيرٍ أَنَّ الْآيَةَ تَعُمُّ ذَلِكَ كُلَّهُ، وَهُوَ كَمَا قَالَ. [127] (الطبري 265 إسناده ضعيف: الضحاك لم يسمع من ابن عباس وبشر بن عمارة الخثعمي ضعيف) وَقَدْ رَوَى التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ عَنْ عَطِيَّةَ السَّعْدِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «لاَ يَبْلُغُ الْعَبْدُ أَنْ يَكُونَ مِنَ الْمُتَّقِينَ حَتَّى يَدَعَ مَالاَ بَأْسَ بِهِ حَذَرًا مِمَّا بِهِ بَأْسٌ» ثُمَّ قَالَ التِّرْمِذِيُّ: حَسَنٌ غَرِيبٌ[128] [128] (تحفة الأحوذي 7/147، وابن ماجه 2/1409) [اَلْهِدَايَةُ نَوْعَانِ] وَيُطْلَقُ الْهُدى وَيُرَادُ بِهِ مَا يَقِرُّ فِي الْقَلْبِ مِنَ الْإِيمَانِ، وَهَذَا لاَ يَقْدِرُ عَلَى خَلْقِهِ فِي قُلُوبِ الْعِبَادِ إِلاَّ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ، قَالَ اللهُ تَعَالَى: {إِنَّكَ لاَ تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ} [القصص: 56] وَقَالَ: {لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ} [البقرة: 272] وَقَالَ: {مَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلاَ هَادِيَ لَهُ} [الأعراف: 186] وَقَالَ: {مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِدًا} [الكهف: 17] إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْآيَاتِ، وَيُطْلَقُ وَيُرَادُ بِهِ بَيَانُ الْحَقِّ وَتَوْضِيحُهُ وَالدَّلاَلَةُ عَلَيْهِ وَالْإِرْشَادُ، قَالَ اللهُ تَعَالَى: {وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقَيمٍ} [الشورى: 52] وَقَالَ: {إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ} وَقَالَ تَعَالَى: {وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى} [فصلت: 17] وَقَالَ: {وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ} [البلد: 10] عَلَى تَفْسِيرِ مَنْ قَالَ: الْمُرَادُ بِهِمَا: الْخَيْرُ وَالشَّرُّ. وَهُوَ الْأَرْجَحُ. وَاللهُ أَعْلَمُ. [مَعْنَى التَّقْوَى] وَأَصْلُ التَّقْوَى: التَّوَقِّي مِمَّا يُكْرَهُ، لِأَنَّ أَصْلَهَا وَقْوَى مِنَ الْوِقَايَةِ، وَقَدْ قِيلَ: إِنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ سَأَلَ أُبَيَّ بْنَ كَعْبٍ عَنِ التَّقوَى فَقَالَ لَهُ: أَمَا سَلَكْتَ طَرِيقًا ذَا شَوْكٍ؟ قَالَ: بَلى، قَالَ: فَمَا عَمِلْتَ؟ قَالَ شَمَّرْتُ وَاجْتَهَدْتُ، قَالَ: فذَلِكَ التَّقْوى. {الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ} [مَعْنَى الْإِيمَانِ] قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ الرَّازِيُّ عَنِ الْعَلاَءِ بْنِ الْمُسَيَّبِ بْنِ رَافِعٍ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ أَبِي الْأَحْوَصِ، عَنْ عَبْدِ اللهِ قَالَ: الْإِيمَانُ التَّصْدِيقُ[129]. وَقَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ وَغَيْرَهُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا: {يُؤْمِنُونَ} يُصَدِّقُونَ[130]. وَقَالَ مَعْمَرٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ: الْإِيمَانُ: الْعَمَلُ[131]. وَقَالَ أَبُو جَعْفَرِ الرَّازِيُّ عَنْ الرَّبِيعِ بْنِ أَنَسٍ: {يُؤْمِنُونَ}: يَخْشَوْنَ[132]. [129] (الطبري 1/235 هذا منقطع من معلقات الطبري وأيضا أبو إسحاق مدلس مختلط) [130] (الطبري 1/235) [131] (الطبري 1/235) [132] (الطبري 1/235) قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: وَالْأَوْلَى أَنْ يَكُونُوا مَوْصُوفِينَ بِالْإِيمَانِ بِالْغَيْبِ قَوْلاً وَعَمَلاً وَاعْتِقَادًا، وَقَدْ تَدْخُلُ الْخَشْيَةُ للهِ فِي مَعْنَى الْإِيمَانِ الَّذِي هُوَ تَصْدِيقُ الْقَوْلِ بِالْعَمَلِ. وَالْإِيمَانُ كَلِمَةٌ جَامِعَةٌ لِلْإِقْرَارِ بِاللهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَتَصْدِيقِ الْإِقْرَارِ بِالْفِعْلِ. (قُلْتُ) أَمَّا الْإِيمَانُ فِي اللُّغَةِ فَيُطْلَقُ عَلَى التَّصْدِيقِ الْمَحْضِ، وَقَدْ يُسْتَعْمَلُ فِي الْقُرْآنِ وَالْمُرَادُ بِهِ ذَلِكَ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: {يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ} [التوبة: 61] وَكَمَا قَالَ إِخْوَةُ يُوسُفَ لِأَبِيهِمْ: {وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ} [يوسف: 17] وَكَذَلِكَ إِذَا اسْتُعْمِلَ مَقْرُونًا مَعَ الْأَعْمَالِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ} [الشعراء: 227] فَأَمَّا إِذَا اسْتُعْمِلَ مُطْلَقًا فَالْإِيمَانُ الشَّرْعِيُّ الْمَطْلُوبُ لاَ يَكُونُ إِلاَّ اعْتِقَادًا وَقَوْلاً وَعَمَلاً[133]. وَهُوَ يَزِيدُ وَيَنْقُصُ. وَقَدْ وَرَدَ فِيهِ آثَارٌ كَثِيرَةٌ وَأَحَادِيثُ أَفْرَدْنَا الْكَلاَمَ فِيهَا فِي أَوَّلِ شَرْحِ الْبُخَارِيِّ، وَللهِ الْحَمْدُ وَالْمِنَّةُ. وَمِنْهُمْ مَنْ فَسَّرَهُ بِالْخَشْيَةِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {إِنَّ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ} [الملك: 12] وَقَوْلِهِ: {مَنْ خَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ وَجَاءَ بِقَلْبٍ مُنِيبٍ} [ق: 33] وَالْخَشْيَةُ: خُلاَصَةُ الْإِيمَانِ وَالْعِلْمِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: {إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ} [فاطر: 28]. [133] (ابن أبي حاتم 1/35) [اَلْمُرَادُ بِالْغَيْبِ] وَأَمَّا الْغَيْبُ الْمُرَادُ ههُنَا، فَقَدِ اخْتَلَفَتْ عِبَارَاتُ السَّلَفِ فِيهِ، وَكُلُّهَا صَحِيحَةٌ تَرْجِعُ إِلَى أَنَّ الْجَمِيعَ مُرَادٌ، قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ الرَّازِيُّ عَنِ الرَّبِيعِ بْنِ أَنَسٍ عَنْ أَبِي الْعَالِيَةِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ} قَالَ: يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَمَلاَئِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ، وَالْيَوْمِ الاْخِرِ، وَجَنَّتِهِ وَنَارِهِ، وَلِقَائِهِ، وَيُؤمِنُونَ بِالْحَيَاةِ بَعْدَ الْمَوْتِ وَبِالْبَعْثِ، فَهَذَا غَيْبٌ كُلُّهُ. وَكَذَا قَالَ قَتَادَةُ بْنُ دِعَامَةَ[134]. [134] (الطبري 1/236) وَرَوَى سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمنِ بْنِ يَزِيدَ قَالَ: كُنَّا عِنْدَ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ جُلُوسًا، فَذَكَرْنَا أَصْحَابَ النَّبِيِّ ﷺ وَمَا سَبَقُونَا بِهِ، فَقَالَ عَبْدُ اللهِ: إِنَّ أَمْرَ مُحَمَّدٍ ﷺ كَانَ بَيِّنًا لِمَنْ رَآهُ، وَالَّذِي لاَ إِلَهَ غَيْرُهُ مَا آمَنَ أَحَدٌ قَطٌّ إِيمَانًا أَفْضَلَ مِنْ إِيمَانٍ بِغَيْبٍ ثُمَّ قَرَأَ إِلَى قَوْلِهِ {الْمُفْلِحُونَ}[135]. وَهكَذَا رَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ وَابْنُ مَرْدُوَيْهِ وَالْحَاكِمُ فِي مُسْتَدْرَكِهِ[136]. وَقَالَ الْحَاكِمُ صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ الشَّيْخَيْنِ وَلَمْ يُخَرِّجَاهُ. [135] (سعيد بن منصور 2/544) [136] (ابن أبي حاتم 1/34، والحاكم 2/260) وَفِي مَعْنَى هَذَا: الْحَدِيثُ الَّذِي رَوَاهُ أَحْمَدُ عَنِ ابْنِ مُحَيْرِيزٍ قَالَ: قُلْتُ لِأَبِي جُمُعَةَ: حَدِّثْنَا حَدِيثًا سَمِعْتَهُ مِنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ. قَالَ: نَعَمْ أُحَدِّثُكَ حَدِيثًا جَيِّدًا: تَغَدَّيْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ وَمَعَنَا أَبُو عُبَيْدَةَ بْنُ الْجَرَّاحِ، قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، هَلْ أَحَدٌ خَيْرٌ مِنَّا؟ أَسْلَمْنَا مَعَكَ وَجَاهَدْنَا مَعَكَ. قَالَ: «نَعَمْ قَوْمٌ مِنْ بَعْدِكُمْ يُؤْمِنُونَ بِي وَلَمْ يَرَوْنِي»[137]. [137] (أحمد 4/106) {وَيُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ} [مَعْنَى إِقَامَةِ الصَّلاَةِ] قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: {وَيُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ} أَيْ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ بِفُرُوضِهَا[138].وَقَالَ الضَّحَّاكُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: إِقَامَةُ الصَّلاَةِ: إِتْمَامُ الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ، وَالتِّلاَوَةُ، وَالْخُشُوعُ، وَالْإِقْبَالُ عَلَيْهَا فِيهَا[139]. وَقَالَ قَتَادَةُ: إِقَامَةُ الصَّلاَةِ: الْمُحَافَظَةُ عَلَى مَوَاقِيتِهَا. وَوُضُوئِهَا وَرُكُوعِهَا وَسُجُودِهَا[140]. وَقَالَ مُقَاتِلُ بْنُ حَيَّانَ: إِقَامَتُهَا الْمُحَافَظَةُ عَلَى مَوَاقِيتِهَا وَإِسْبَاغُ الطُّهُورِ بِهَا، وَتَمَامُ رُكُوعِهَا وَسُجُودِهَا، وَتِلاَوَةُ الْقُرْآنِ فِيهَا، وَالتَّشَهُّدُ، وَالصَّلاَةُ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ، فَهَذَا إِقَامَتُهَا[141]. [138] (الطبري 1/241) [139] (الطبري 1/241) [140] (ابن أبي حاتم 1/37) [141] (ابن أبي حاتم 1/37) [اَلْمُرَادُ بِالْإِنْفَاقِ] وَقَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ وَغَيْرُهُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: {وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ} قَالَ: زَكَاةُ أَمْوَالِهِمْ[142]. وَقَالَ السُّدِّيُّ عَنْ أَبِي مَالِكٍ وَعَنْ أَبِي صَالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَعَنْ مُرَّةَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، وَعَنْ أُنَاسٍ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللهِ ﷺ: {وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ} قَالَ: نَفَقَةُ الرَّجُلِ عَلَى أَهْلِهِ، وَهَذَا قَبْلَ أَنْ تَنْزِلَ الزَّكَاةُ[143]. وَقَالَ جُوَيْبِرٌ عَنِ الضَّحَّاكِ: كَانَتِ النَّفَقَاتُ قُرْبَانًا يَتَقَرَّبُونَ بِهَا إِلَى اللهِ عَلَى قَدْرِ مَيْسَرَتِهِمْ وَجُهْدِهِمْ حَتَّى نَزَلَتْ فَرَائِضُ الصَّدَقَاتِ: سَبْعُ آيَاتٍ فِي سُورَةِ بَرَاءَةَ مِمَّا يُذْكَرُ فِيهِنَّ الصَّدَقَاتُ، هُنَّ النَّاسِخَاتُ الْمُثْبَتَاتُ[144]. [142] (الطبري 1/243) [143] (الطبري 1/243) [144] (الطبري 1/243 إسناده ضعيف جُويبر ضعيف جداً "تقريب") (قُلْتُ): كَثِيرًا مَا يَقْرِنُ اللهُ تَعَالَى بَيْنَ الصَّلاَةِ وَالإِنْفَاقِ مِنَ الْأَمْوَالِ، فَإِنَّ الصَّلاَةَ حَقُّ اللهِ وَعِبَادَتُهُ، وَهِيَ مُشْتَمِلَةٌ عَلَى تَوْحِيدِهِ وَالثَّنَاءِ عَلَيْهِ وَتَمْجِيدِهِ وَالاِبْتِهَالِ إِلَيْهِ، وَدُعَائِهِ، وَالتَّوَكُّلِ عَلَيْهِ. وَالْإِنْفَاقُ هُوَ الْإِحْسَانُ إِلَى الْمَخْلُوقِينَ بِالنَّفْعِ الْمُتَعَدِّي إِلَيْهِمْ، وَأَوْلَى النَّاسِ بِذَلِكَ الْقَرَابَاتُ وَالْأَهْلُونَ وَالْمَمَالِيكُ، ثُمَّ الْأَجَانِبُ، فَكُلٌّ مِنَ النَّفَقَاتِ الْوَاجِبَةِ وَالزَّكَاةِ الْمَفْرُوضَةِ دَاخِلٌ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ} وَلِهَذَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «بُنِيَ الْإِسْلاَمُ عَلَى خَمْسٍ: شَهَادَةِ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ، وَإِقَامِ الصَّلاَةِ، وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ، وَصَوْمِ رَمَضَانَ، وَحَجِّ الْبَيْتِ»[145]. وَالْأَحَادِيثُ فِي هَذَا كَثِيرَةٌ. [145] (الفتح 1/64، ومسلم 1/45) [مَعْنَى الصَّلاَةِ] وَأَصْلُ الصَّلاَةِ فِي كَلاَمِ الْعَرَبِ الدُّعَاءُ. ثُمَّ اسْتُعْمِلَتِ الصَّلاَةُ فِي الشَّرْعِ فِي ذَاتِ الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ، وَالْأَفْعَالِ الْمَخْصُوصَةِ فِي الْأَوْقَاتِ الْمَخْصُوصَةِ، بِشُرُوطِهَا الْمَعْرُوفَةِ وَصِفَاتِهَا وَأَنْوَاعِهَا الْمَشْهُورَةِ. {وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ} قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: {وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ} أَيْ يُصَدِّقُونَ بِمَا جِئْتَ بِهِ مِنَ اللهِ، وَمَا جَاءَ بِهِ مِنْ قَبْلِكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ، لاَ يُفَرِّقُونَ بَيْنَهُمْ، وَلاَ يَجْحَدُونَ مَا جَاءُوهُمْ بِهِ مِنْ رَبِّهِمْ[146]. { وَبِالآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ} أَيْ بِالْبَعْثِ وَالْقِيَامَةِ، وَالْجَنَّةِ وَالنَّارِ، وَالْحِسَابِ وَالْمِيزَانِ.[147] وَإِنَّمَا سُمِّيَتِ الاْخِرَةَ؛ لِأَنَّهَا بَعْدَ الدُّنْيَا. [146] (الطبري 1/244) [147] (ابن أبي حاتم 1/39) [أَوْصَافُ الْمُؤْمِنِينَ] وَالْمَوصُوفُونَ هُنَا هُمُ الْمَوْصُوفُونَ بِمَا تَقَدَّمَ مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: {الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ} عَنْ مُجَاهِدٍ أَنَّهُ قَالَ: أَرْبَعُ آيَاتٍ مِنْ أَوَّلِ سُورَةِ الْبَقَرَةِ فِي نَعْتِ الْمُؤْمِنِينَ، وَآيَتَانِ فِي نَعْتِ الْكَافِرِينَ، وَثَلاَثَ عَشْرَةَ فِي الْمُنَافِقِينَ[148]. فَهَذِهِ الْآيَاتُ الْأَرْبَعُ عَامَّاتٌ فِي كُلِّ مُؤْمِنٍ اتَّصَفَ بِهَا مِنْ عَرَبِيٍّ وَعَجَمِيٍّ، وَكِتَابِيٍّ، مِنْ إِنْسِيٍّ وَجِنِّيٍّ. وَلَيْسَ تَصِحُّ وَاحِدَةٌ مِنْ هَذِهِ الصِّفَاتِ بِدُونِ الْأُخْرَى، بَلْ كُلُّ وَاحِدَةٍ مُسْتَلْزِمَةٌ لِلْأُخْرَى وَشَرْطٌ مَعَهَا، فَلاَ يَصِحُّ الْإِيمَانُ بِالْغَيْبِ وَإِقَامِ الصَّلاَةِ وَالزَّكَاةِ إِلاَّ مَعَ الْإِيمَانِ بِمَا جَاءَ بِهِ الرَّسُولُ ﷺ، وَمَا جَاءَ بِهِ مَنْ قَبْلَهُ مِنَ الرُّسُلِ صَلَوَاتُ اللهِ وَسَلاَمُهُ عَلَيْهِمْ أَجْمَعِينَ، وَالْإِيقَانِ بِالْآخِرَةِ. [148] (الطبري 1/239) كَمَا أَنَّ هَذَا لاَ يَصِحُّ إِلاَّ بِذَاكَ، وَقَدْ أَمَرَ اللهُ الْمُؤْمِنِينَ بِذَلِكَ - كَمَا قَالَ: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ}... الْآيَةَ [النساء: 136] وَقَالَ تَعَالَى: {وَلاَ تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلاَّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلاَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ وَقُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَأُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلَهُنَا وَإِلَهُكُمْ وَاحِدٌ}... الْآيَةَ [العنكبوت: 46]. وَقَالَ تَعَالَى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ آمِنُواْ بِمَا نَزَّلْنَا مُصَدِّقًا لِّمَا مَعَكُم} [النساء: 47] وَقَالَ تَعَالَى: {قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَسْتُمْ عَلَى شَيْءٍ حَتَّى تُقِيمُوا التَّوْرَاةَ وَالإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ} [المائدة: 68] وَأَخْبَرَ تَعَالَى عَنِ الْمُؤمِنِينَ كُلِّهِمْ بِذَلِكَ، فَقَالَ تَعَالَى: {آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلاَئِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ} [البقرة: 285] وَقَالَ تَعَالَى: {وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ} [النساء: 152] إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْآيَاتِ الدَّالَّةِ عَلَى جَمِيعِ أَمْرِ الْمُؤْمِنِينَ بِالْإِيمَانِ بِاللهِ وَرُسُلِهِ وَكُتُبِهِ - لكِنْ لِمُؤْمِنِي أَهْلِ الْكِتَابِ خُصُوصِيَّةٌ، وَذَلِكَ أَنَّهُمْ يُؤْمِنُونَ بِمَا بِأَيْدِيهِمْ مُفَصَّلاً، فَإِذَا دَخَلُوا فِي الْإِسْلاَمِ وَآمَنُوا بِهِ مُفَصَّلاً كَانَ لَهُمْ عَلَى ذَلِكَ الْأَجْرُ مَرَّتَيْنِ، وَأَمَّا غَيْرُهُمْ فَإِنَّمَا يَحْصُلُ لَهُ الْإِيمَانُ بِمَا تَقَدَّمَ مُجْمَلاً، كَمَا جَاءَ فِي الصَّحِيحِ: «إِذَا حَدَّثَكُمْ أَهْلُ الْكِتَابِ فَلاَ تُكَذِّبُوهُمْ وَلاَ تُصَدِّقُوهُمْ، وَلكِنْ قُولُوا: آمَنَّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَأُنْزِلَ إِلَيْكُمْ»[149]. وَلَكِنْ قَدْ يَكُونُ إِيمَانُ كَثِيرٍ مِنَ الْعَرَبِ بِالْإسْلاَمِ الَّذِي بُعِثَ بِهِ مُحَمَّدٌ ﷺ أَتَمَّ وَأَكْمَلَ وَأَعَمَّ وَأَشْمَلَ، مِنْ إِيمَانِ مَنْ دَخَلَ مِنْهُمْ فِي الْإِسْلاَمِ، فَهُمْ وَإِنْ حَصَلَ لَهُمْ أَجْرَانِ مِنْ تِلْكَ الْحَيْثِيَّةِ، فَغَيْرُهُمْ يَحْصُلُ لَهُ مِنَ التَّصْدِيقِ مَا يُنِيفُ ثَوَابَهُ عَلَى الْأَجْرَيْنِ اللَّذَينِ حَصَلاَ لَهُمْ. وَاللهُ أَعْلَمُ. [149] (أبو داود 4/59) {أُولَئِكَ عَلَى هُدَىً مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} [اَلْهِدَايَةُ وَالْفَلاَحُ مِنْ نَصِيبِ الْمُؤْمِنِينَ] يَقـُـولُ اللهُ تَعَالَى: {أُولَئِكَ} أَي اَلْمُتَّصِفُونَ بِمَا تَقَدَّمَ مِنَ الْإِيمَانِ بِالْغَيْبِ وَإِقَامِ الصَّلاَةِ، وَالْإِنْفَاقِ مِنَ الَّذِي رَزَقَهُمُ اللهُ، وَالْإِيمَانِ بِمَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ وَمَنْ قَبْلَهُ مِنَ الرُّسُلِ وَالْإِيقَانِ بِالدَّارِ الاْخِرَةِ، وَهُوَ مُسْتَلْزِمٌ الاِسْتِعْدَادَ لَهَا مِنَ الْأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ وَتَرْكِ الْمُحَرَّمَاتِ {عَلَى هُدَىً} أَيْ عَلَى نُورٍ وَبَيَانٍ وَبَصِيرَةٍ مِنَ اللهِ تَعَالَى: {وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} أَيْ فِي الدُّنْيَا وَالاْخِرَةِ بِأَنْ أَدْرَكُوا مَا طَلَبُوا وَنَجَوْا مِنْ شَرِّ مَا مِنْهُ هَرَبُوا، فَفَازُوا بِالثَّوَابِ وَالْخُلُودِ فِي الْجَنَّاتِ، وَالنَّجَاةِ مِمَّا أَعَدَّ اللهُ لِأعْدَائِهِ مِنَ الْعِقَابِ. {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ} يَقُولُ تَعَالَى: {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا} أَي غَطَّوُا الْحَقَّ وَسَتَرُوهُ، وَقَدْ كَتَبَ اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِمْ ذَلِكَ: سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ إِنْذَارُكَ وَعَدَمُهُ فَإِنَّهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ بِمَا جِئْتَهُمْ بِهِ. كَمَا قَالَ تَعَالَى: {إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ *وَلَوْ جَاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الأَلِيمَ} [يونس: 96، 97] وَقَالَ تَعَالَى فِي حَقِّ الْمُعَانِدِينَ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ: {وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ بِكُلِّ آيَةٍ مَا تَبِعُوا قِبْلَتَكَ} [البقرة: 145]، أَيْ إِنَّ مَنْ كَتَبَ اللهُ عَلَيْهِ الشَّقَاوَةَ فَلاَ مُسْعِدَ لَهُ، وَمَنْ أَضَلَّهُ فَلاَ هَادِيَ لَهُ، فَلاَ تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ، وَبَلِّغْهُمُ الرِّسَالَةَـ، فَمَنِ اسْتَجَابَ لَكَ فَلَهُ الْحَظُّ الْأَوْفَرُ، وَمَنْ تَوَلَّى فَلاَ تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلاَ يُهِمَّنَّكَ ذَلِكَ {فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلاَغُ وَعَلَيْنَا الْحِسَابُ} [الرعد: 40] {إِنَّمَا أَنْتَ نَذِيرٌ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ} [هود: 12] وَقَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ} قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَحْرِصُ أَنْ يُؤْمِنَ جَمِيعُ النَّاسِ وَيُتَابِعُوهُ عَلَى الْهُدَى، فَأَخْبَرَهُ اللهُ تَعَالَى أَنَّهُ لاَ يُؤْمِنُ إِلاَّ مَنْ سَبَقَ لَهُ مِنَ اللهِ السَّعَادَةُ فِي الذِّكْرِ الْأَوَّلِ، وَلاَ يَضِلُّ إِلاَّ مَنْ سَبَقَ لَهُ مِنَ اللهِ الشَّقَاوَةُ فِي الذِّكْرِ الْأَوَّلِ[150] [150] (الطبري 1/252) {خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ} [مَعْنَى الْخَتْمِ] قَالَ السُّدِّيُّ: {خَتَمَ اللَّهُ} أَيْ طَبَعَ اللهُ[151]. وَقَالَ قَتَادَةُ فِي هَذِهِ الْآيَةِ: اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطَانُ إِذْ أَطَاعُوهُ فَخَتَمَ اللهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ، فَهُمْ لاَ يُبْصِرُونَ هُدًى وَلاَ يَسْمَعُونَ وَلاَ يَفْقَهُونَ وَلاَ يَعْقِلُونَ[152]. وَقَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: قَالَ مُجَاهِدٌ {خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ} قَالَ: الطَّبْعُ. ثَبَتَتِ الذُّنُوبُ عَلَى الْقَلْبِ فَحَفَّتْ بِهِ مِنْ كُلِّ نَوَاحِيهِ حَتَّى تَلْتَقِيَ عَلَيْهِ، فَالْتِقَاؤُهَا عَلَيْهِ الطَّبْعُ، وَالطَّبْعُ الْخَتْمُ[153]. قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: اَلْخَتْمُ عَلَى الْقَلْبِ وَالسَّمْعِ[154]. قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: وَحَدَّثَنِي عَبْدُ اللهِ بْنُ كَثِيرٍ أَنَّهُ سَمِعَ مُجَاهِدًا يَقُولُ: اَلرَّانُ أَيْسَرُ مِنَ الطَّبْعِ، وَالطَّبْعُ أَيْسَرُ مِنَ الْإِقْفَالِ، وَالْإِقْفَالُ أَشَدُّ مِنْ ذَلِكَ كُلِّهِ[155]. وَقَالَ الْأَعْمَشُ: أَرَانَا مُجَاهِدٌ بِيَدِهِ فَقَالَ: كَانُوا يَرَوْنَ أَنَّ الْقَلْبَ فِي مِثْلِ هَذِهِ يَعْنِي الْكَفَّ، فَإِذَا أَذْنَبَ الْعَبْدُ ذَنْبًا ضُمَّ مِنْهُ، وَقَالَ بِأُصْبُعِهِ الْخِنْصَرِ هكَذَا، فَإِذَا أَذْنَبَ ضُمَّ، وَقَالَ بِأُصْبُعٍ أُخْرَى، فَإِذَا أَذْنَبَ ضُمَّ، وَقَالَ بِأُصْبُعٍ أُخْرَى هكَذَا، حَتَّى ضَمَّ أَصَابِعَهُ كُلَّهَا، ثُمَّ قَالَ: يُطْبَعُ عَلَيْهِ بِطَابِعٍ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: كَانُوا يُرَوْنَ أَنَّ ذَلِكَ الرَّيْنُ[156]. [151] (ابن أبي حاتم 1/44) [152] (ابن أبي حاتم 1/44) [153] (ابن أبي حاتم 1/44) [154] (الطبري 1/259) [155] (الطبري 1/259) [156] (الطبري 1/258) قَالَ الْقُرْطُبِيُّ: وَأَجْمَعَتِ الْأُمَّةُ عَلَى أَنَّ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ قَدْ وَصَفَ نَفْسَهُ بِالْخَتْمِ وَالطَّبْعِ عَلَى قُلُوبِ الْكَافِرِينَ مُجَازَاةً لِكُفْرِهِمْ، كَمَا قَالَ: {بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ} [النساء: 155][157]. وَذَكَرَ حَدِيثَ تَقْلِيبِ الْقُلُوبِ «يَا مُقَلِّبَ الْقُلُوبِ ثَبِّتْ قُلُوبَنَا عَلَى دِينِكَ»[158] وَذَكَرَ حَدِيثَ حُذَيْفَةَ الَّذِي فِي الصَّحِيحِ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ. قَالَ: «تُعْرَضُ الْفِتَنُ عَلَى الْقُلُوبِ كَالْحَصِيرِ عُودًا عُودًا، فَأَيُّ قَلْبٍ أُشْرِبَهَا نُكِتَ فِيهِ نُكْتَةٌ سَوْدَاءُ، وَأَيُّ قَلْبٍ أَنْكَرَهَا نُكِتَ فِيهِ نُكْتَةٌ بَيْضَاءُ حَتَّى تَصِيرَ عَلَى قَلْبَيْنِ، عَلَى أَبْيَضَ مِثْلِ الصَّفَا، فَلاَ تَضُرُّهُ فِتْنَةٌ مَا دَامَتِ السَّموَاتُ وَالْأَرْضُ، وَالاْخَرُ أَسْوَدُ مُرْبَادًّا كَالْكُوزِ مُجَخِّيًا، لاَ يَعْرِفُ مَعْرُوفًا وَلاَ يُنْكِرُ مُنْكَرًا»[159]... اَلْحَدِيثَ. [157] (القرطبي 1/187) [158] (الترمذي 2140، وابن ماجه 3834) [159] (مسلم 1/128) قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: وَالْحَقُّ عِنْدِي فِي ذَلِكَ مَا صَحَّ بِنَظِيرِهِ الْخَبَرُ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ، وَهُوَ مَا رَوَاهُ أَبُو هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «إِنَّ الْمُؤْمِنَ إِذَا أَذْنَبَ ذَنْبًا كَانَتْ نُكْتَةٌ سَوْدَاءُ فِي قَلْبِهِ، فَإِنْ تَابَ وَنَزَعَ وَاسْتَعْتَبَ صُقِلَ قَلْبُهُ، وَإِنْ زَادَ زَادَتْ حَتَّى تَعْلُوَ قَلْبَهُ، فَذَلِكَ الرَّانُ الَّذِي قَالَ اللهُ تَعَالَى: {كَلاَّ بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ}» [المطففين: 14][160]. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: حَسَنٌ صَحِيحٌ[161]. [160] (الطبري 1/260) [161] (تحفة الأحوذي 9/254، والنسائي في الكبرى 6/509، وابن ماجه 2/1418) [إِعْرَابُ غِشَاوَةٍ وَمَعْنَاهَا] وَاعْلَمْ أَنَّ الْوَقْفَ التَّامَّ عَلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: {خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ} وَقَوْلُهُ: {وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ} جُمْلَةٌ تَامَّةٌ، فَإِنَّ الطَّبْعَ يَكُونُ عَلَى الْقَلْبِ وَعَلَى السَّمْعِ، وَالْغِشَاوَةُ وَهِيَ الْغِطَاءُ يَكُونُ عَلَى الْبَصَرِ، كَمَا قَالَ السُّدِّيُّ فِي تَفْسِيرِهِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، وَعَنْ أُنَاسٍ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللهِ ﷺ فِي قَوْلِهِ: {خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ} [7] يَقُولُ: فَلاَ يَعْقِلُونَ وَلاَ يَسْمَعُونَ، يَقُولُ: وَجَعَلَ عَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةً، يَقُولُ: عَلَى أَعْيُنِهِمْ فَلاَ يُبْصِرُونَ[162]. [162] (الطبري 1/266) [ذِكْرُ الْمُنَافِقِينَ] لَمَّا تَقَدَّمَ وَصْفُ الْمُؤْمِنِينَ فِي صَدْرِ السُّورَةِ بِأَرْبَعِ آيَاتٍ ثُمَّ عَرَّفَ حَالَ الْكَافِرِينَ بِهَاتَيْنِ الْآيَتَيْنِ شَرَعَ تَعَالَى فِي بَيَانِ حَالِ الْمُنَافِقِينَ الَّذِينَ يُظْهِرُونَ الْإِيمَانَ وَيُبْطِنُونَ الْكُفْرَ، وَلَمَّا كَانَ أَمْرُهُمْ يَشْتَبِهُ عَلَى كَثِيرٍ مِنَ النَّاسِ أَطْنَبَ فِي ذِكْرِهِمْ بِصِفَاتٍ مُتَعَدِّدَةٍ كُلٌّ مِنْهَا نِفَاقٌ، كَمَا أَنْزَلَ سُورَةَ بَرَاءَةَ فِيهِمْ، وَسُورَةَ الْمُنَافِقِينَ فِيهِمْ، وَذَكَرَهُمْ فِي سُورَةِ النُّورِ وَغَيْرِهَا مِنَ السُّوَرِ تَعْرِيفًا لِأحْوَالِهِمْ لِتُجْتَنَبَ، وَيَجْتَنِبَ مَنْ تَلَبَّسَ بِهَا أَيْضًا، فَقَالَ تَعَالَى: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ *يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلاَّ أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ} [مَعْنَى النِّفَاقِ] اَلنِّفَاقُ، هُوَ: إِظْهَارُ الْخَيْرِ وَإِسْرَارُ الشَّرِّ. وَهُوَ أَنْوَاعٌ: اِعْتِقَادِيٌّ، وَهُوَ الَّذِي يُخَلَّدُ صَاحِبُهُ فِي النَّارِ. وَعَمَلِيٌّ وَهُوَ مِنْ أَكْبَرِ الذُّنُوبِ، كَمَا سَيَأْتِي تَفْصِيلُهُ فِي مَوْضِعِهِ إِنْ شَاءَ اللهُ تَعَالَى، وَهَذَا كَمَا قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: اَلْمُنَافِقُ يُخَالِفُ قَوْلُهُ فِعْلَهُ، وَسِرُّهُ عَلاَنِيَتَهُ، وَمَدْخَلُهُ مَخْرَجَهُ، وَمَشْهَدُهُ مَغِيبَهُ.[163] [163] (الطبري 1/270) [بِدَايَةُ النِّفَاقِ] وَإِنَّمَا نَزَلَتْ صِفَاتُ الْمُنَافِقِينَ فِي السُّوَرِ الْمَدَنِيَّةِ لِأَنَّ مَكَّةَ لَمْ يَكُنْ فِيهَا نِفَاقٌ، بَلْ كَانَ خِلاَفُهُ، مِنَ النَّاسِ مَنْ كَانَ يُظْهِرُ الْكُفْرَ مُسْتَكْرَهًا وَهُوَ فِي الْبَاطِنِ مُؤْمِنٌ، فَلَمَّا هَاجَرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إِلَى الْمَدِينَةِ وَكَانَ بِهَا الْأَنْصَارُ مِنَ الْأَوْسِ وَالْخَزْرَجِ، وَكَانُوا فِي جَاهِلِيَّتِهِمْ يَعْبُدُونَ الْأَصْنَامَ عَلَى طَرِيقَةِ مُشْرِكِي الْعَرَبِ، وَبِهَا الْيَهُودُ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ عَلَى طَرِيقَةِ أَسْلاَفِهِمْ، وَكَانُوا ثَلاَثَ قَبَائِلَ: بَنُو قَيْنُـقَاعٍ حُلَفَاءُ الْخَزْرَجِ، وَبَنُو النَّضِيرِ وَبَنُو قُرَيْظَةَ حُلَفَاءُ الْأَوْسِ، فَلَمَّا قَدِمَ رَسُولُ اللهِ ﷺ الْمَدِينَةَ، وَأَسْلَمَ مَنْ أَسْلَمَ مِنَ الْأَنْصَارِ مِنْ قَبِيلَتَيِ الْأَوْسِ وَالْخَزْرَجِ، وَقَلَّ مَنْ أَسْلَمَ مِنَ الْيَهُودِ إِلاَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ سَلاَمٍ رَضِيَ اللهُ عَنْه، وَلَمْ يَكُنْ إِذْ ذَاكَ نِفَاقٌ أَيْضًا، لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ لِلْمُسْلِمِينَ بَعْدُ شَوْكَةٌ تُخَافُ، بَلْ قَدْ كَانَ عَلَيْهِ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ وَادَعَ الْيَهُودَ وَقَبَائِلَ كَثِيرَةً مِنْ أَحْيَاءِ الْعَرَبِ حَوَالَيِ الْمَدِينَةِ، فَلَمَّا كَانَتْ وَقْعَةُ بَدْرٍ وَأَظْهَرَ اللهُ كَلِمَتَهُ وَأَعَزَّ الْإِسْلاَمَ وَأَهْلَهُ قَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ أُبَيٍّ ابْنُ سَلُولَ، وَكَانَ رَأْسًا فِي الْمَدِينَةِ، وَهُوَ مِنَ الْخَزْرَجِ، وَكَانَ سَيِّدَ الطَّائِفَتَيْنِ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، وَكَانُوا قَدْ عَزَمُوا عَلَى أَنْ يُمَلِّكُوهُ عَلَيْهِمْ، فَجَاءَهُمُ الْخَيْرُ وَأَسْلَمُوا وَاشْتَغَلُوا عَنْهُ، فَبَقِيَ فِي نَفْسِهِ مِنَ الْإِسْلاَمِ وَأَهْلِهِ، فَلَمَّا كَانَتْ وَقْعَةُ بَدْرٍ قَالَ: هَذَا أَمْرُ اللهِ قَدْ تَوَجَّهَ، فَأَظْهَرَ الدُّخُولَ فِي الْإِسْلاَمِ، وَدَخَلَ مَعَهُ طَوَائِفُ مِمِّنْ هُوَ عَلَى طَرِيقَتِهِ وَنِحْلَتِهِ، وَآخَرُونَ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ، فَمِنْ ثَمَّ وُجِدَ النِّفَاقُ فِي أَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهَا مِنَ الْأَعْرَابِ، فَأَمَّا الْمُهَاجِرُونَ فَلَمْ يَكُنْ فِيهِمْ أَحَدٌ نَافَقَ، لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ أَحَدٌ يُهَاجِرُ مُكْرَهًا، بَلْ يُهَاجِرُ فَيَتْرُكُ مَالَهُ وَوَلَدَهُ وَأَرْضَهُ رَغْبَةً فِيمَا عَنْدَ اللهِ فِي الدَّارِ الاْخِرَةِ [تَفْسِيرُ الْآيَةِ] رَوَى مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ} يَعْنِي الْمُنَافِقِينَ مِنَ الْأَوْسِ وَالْخَزْرَجِ وَمَنْ كَانَ عَلَى أَمْرِهِمْ[164]. وَكَذَا فَسَّرَهَا بِالْمُنَافِقِينَ مِنَ الْأَوْسِ وَالْخَزْرَجِ أَبُو الْعَالِيَةِ وَالْحَسَنُ وَقَتَادَةُ وَالسُّدِّيُّ، وَلِهَذَا نَبَّهَ اللهُ سُبْحَانَهُ عَلَى صِفَاتِ الْمُنَافِقِينَ، لِئَلاَّ يَغْتَرَّ بِظَاهِرِ أَمْرِهِمُ الْمُؤْمِنُونَ، فَيَقَعَ بِذَلِكَ فَسَادٌ عَرِيضٌ مِنْ عَدَمِ الاِحْتِرَازِ مِنْهُمْ وَمِنِ اعْتِقَادِ إِيمَانِهِمْ، وَهُمْ كُفَّارٌ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ، وَهَذَا مِنَ الْمَحْذُورَاتِ الْكِبَارِ أَنْ يُظَنَّ بِأَهْلِ الْفُجُورِ خَيْرٌ، فَقَالَ تَعَالَى: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ} أَيْ يَقُولُونَ ذَلِكَ قَوْلاً لَيْسَ وَرَاءَهُ شَيْءٌ آخَرُ كَمَا قَالَ تَعَالَى: {إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ} [المنافقون: 1] أَيْ إِنَّمَا يَقُولُونَ ذَلِكَ إِذَا جَاءُوكَ فَقَطْ لاَ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ، وَلِهَذَا يُؤَكِّدُونَ فِي الشَّهَادَةِ "بِإِنَّ" وَ"لاَمِ التَّأْكِيدِ" فِي خَبَرِهَا. أَكَّدُوا أَمْرَهُمْ قَالُوا: آمَنَّا بِاللهِ وَبِالْيَوْمِ الاْخِرِ. وَلَيْسَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ، كَمَا كَذَّبَهُمُ اللهُ فِي شَهَادَتِهِمْ وَفِي خَبَرِهِمْ هَذَا بِالنِّسْبَةِ إِلَى اعْتِقَادِهِمْ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ} [المنافقون: 1] وَبِقَوْلِهِ: {وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ}. [164] (الطبري 1/269) وَقَوْلُهُ تَعَالَى: {يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا} [9] أَيْ بِإِظْهَارِهِمْ مَا أَظْهَرُوهُ مِنَ الْإِيمَانِ مَعَ إِسْرَارِهِمُ الْكُفْرَ يَعْتَقِدُونَ بِجَهْلِهِمْ أَنَّهُمْ يُخدِعُونَ اللهَ بِذَلِكَ، وَأَنَّ ذَلِكَ نَافِعُهُمْ عِنْدَهُ، وَأَنَّهُ يُرَوَّجُ عَلَيْهِ كَمَا قَدْ يُرَوَّجُ عَلَى بَعْضِ الْمُؤْمِنِينَ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: {يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعًا فَيَحْلِفُونَ لَهُ كَمَا يَحْلِفُونَ لَكُمْ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ عَلَى شَيْءٍ أَلاَ إِنَّهُمْ هُمُ الْكَاذِبُونَ} [المجادلة: 18] وَلِهَذَا قَابَلَهُمْ عَلَى اعْتِقَادِهِمْ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: {وَمَا يَخْدَعُونَ إِلاَّ أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ} يَقُولُ: وَمَا يَغُرُّونَ بِصَنِيعِهِمْ هَذَا، وَلاَ يَخْدَعُونَ إِلاَّ أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ بِذَلِكَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: {إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ} [النساء: 142]. وَرَوَى ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى {يُخَادِعُونَ اللَّهَ} قَالَ: يُظْهِرُونَ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ، يُرِيدُونَ أَنْ يَحْرُزُوا بِذَلِكَ دِمَاءَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ، وَفِي أَنْفُسِهِمْ غَيْرُ ذَلِكَ[165]. [165] (ابن أبي حاتم 1/46) وَقَالَ سَعِيدٌ عَنْ قَتَادَةَ: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ *يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلاَّ أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ} نَعْتُ الْمُنْافِقِ عِنْدَ كَثِيرٍ: خَنِعُ الْأَخْلاَقِ، يُصَدِّقُ بِلِسَانِهِ، وَيُنْكِرُ بِقَلْبِهِ، وَيُخَالِفُ بِعَمَلِهِ، وَيُصْبِحُ عَلَى حَالٍ وَيُمْسِي عَلَى غَيْرِهِ، وَيُمْسِي عَلَى حَالٍ وَيُصْبِحُ عَلَى غَيْرِهِ، وَيَتَـكَـفَّـأُ تَكَفُّؤَ السَّفِينَةِ كُلَّمَا هَبَّتْ رِيحٌ هَبَّ مَعَهَا[166] [166] (ابن أبي حاتم 1/47) {فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ} [اَلْمُرَادُ بِالْمَرَضِ] قَالَ السُّدِّيُّ عَنْ أَبِي مَالِكٍ وَعَنْ أَبِي صَالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَعَنْ مُرَّةَ الْهَمْدَانِيِّ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، وَعَنْ أُنَاسٍ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللهِ ﷺ فِي هَذِهِ الْآيَةِ {فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ} قَالَ: شَكٌّ، {فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا} قَالَ: شَكًّا[167]. وَكَذَلِكَ قَالَ مُجَاهِدٌ وَعِكْرِمَةُ وَالْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ وَأَبُو الْعَالِيَةِ وَالرَّبِيعُ ابْنُ أَنَسٍ وَقَتَادَةُ[168]. وَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمنِ بْنُ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ {فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ} قَالَ: هَذَا مَرَضٌ فِي الدِّينِ، وَلَيْسَ مَرَضًا فِي الْأَجْسَادِ، وَهُمُ الْمُنَافِقُونَ، وَالْمَرَضُ: الشَّكُّ الَّذِي دَخَلَهُمْ فِي الْإِسْلاَمِ {فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا} قَالَ: زَادَهُمْ رِجْسًا[169]. وَقَرَأَ: {فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُواْ فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُون * وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ} [التوبة: 124، 125] : قَالَ: شَرًّا إِلَى شَرِّهِمْ وَضَلاَلَةً إِلَى ضَلاَلَتِهِمْ، وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ عَبْدُ الرَّحْمنِ - رَحِمَهُ اللهُ - حَسَنٌ، وَهُوَ الْجَزَاءُ مِنْ جِنْسِ الْعَمَلِ، وَكَذَلِكَ قَالَهُ الْأَوَّلُونَ، وَهُوَ نَظِيرُ قَوْلِهِ تَعَالَى أَيْضًا: {وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ} [محمد: 17] وَقَوْلُهُ: {بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ} وَقُرِئَ (يُكَذِّبُونَ)، وَقَدْ كَانُوا مُتَّصِفِينَ بِهَذَا وَهَذَا، فَإِنَّهُمْ كَانُوا كَذَبَةً، وَيُكَذِّبُونَ بِالْغَيْبِ، يَجْمَعُونَ بَيْنَ هَذَا وَهَذَا. [167] (الطبري 1/280) [168] (ابن أبي حاتم 1/48) [169] (الطبري 1/280) (تَنْبِيهٌ) قَوْلُ مَنْ قَالَ: كَانَ عَلَيْهِ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ يَعْلَمُ أَعْيَانَ بَعْضِ الْمُنْافِقِينَ، إِنَّمَا مُسْتَنَدُهُ حَدِيثُ حُذَيْفَةَ بْنِ الْيَمَانِ فِي تَسْمِيَةِ أُوْلئِكَ الْأَرْبَعَةَ عَشَرَ مُنْافِقًا فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ الَّذِينَ هَمُّوا أَنْ يَفْتِكُوا بِرَسُولِ اللهِ ﷺ فِي ظَلْمَاءِ اللَّيْلِ عِنْدَ عَقَبَةٍ هُنَاكَ، عَزَمُوا عَلَى أَنْ يُنَفِّرُوا بِهِ النَّاقَةَ لِيَسْقُطَ عَنْهَا، فَأَوْحَى اللهُ إِلَيْهِ أَمْرَهُمْ، فَأَطْلَعَ عَلَى ذَلِكَ حُذَيْفَةَ. فَأَمَّا غَيْرُ هؤُلاَءِ فَقَدْ قَالَ اللهُ تَعَالَى: {وَمِمَنْ حَوْلَكُمْ مِنَ الأَعْرَابِ مُنَافِقُونَ وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ لاَ تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ}... الْآيَةَ [التوبة: 101] وَقَالَ تَعَالَى: {لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ ثُمَّ لاَ يُجَاوِرُونَكَ فِيهَا إِلاَّ قَلِيلاً *مَلْعُونِينَ أَيْنَمَا ثُقِفُوا أُخِذُوا وَقُتِّلُوا تَقْتِيلاً} [الأحزاب: 60، 61] فَفِيهَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ لَمْ [يَعْـرِفْهُمْ]، وَلَمْ يُدْرِكْ عَلَى أَعْيَانِهِمْ، وَإِنَّمَا كَانَ تُذْكَرُ لَهُ صِفَاتُهُمْ فَيَتَوَسَّمُهَا فِي بَعْضِهِمْ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: {وَلَوْ نَشَاءُ لأَرَيْنَاكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُمْ بِسِيمَاهُمْ وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ} [محمد: 30]. وَقَدْ كَانَ مِنْ أَشْهَرِهِمْ بِالنِّفَاقِ عَبْدُ اللهِ بْنُ أُبَيٍّ ابْنُ سَلُولَ، وَقَدْ شَهِدَ عَلَيْهِ زَيْدُ بْنُ أَرْقَمَ، وَمَعَ هَذَا لَمَّا مَاتَ صَلَّى عَلَيْهِ ﷺ وَشَهِدَ دَفْنَهُ كَمَا يَفْعَلُ بِبَقِيَّةِ الْمُسْلِمِينَ. وَقَدْ عَاتَبَهُ ﷺ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ فِيهِ فَقَالَ: «إِنِّي أَكْرَهُ أَنْ تَتَحَدَّثَ الْعَرَبُ أَنَّ مُحَمَّدًا يَقْتُلُ أَصْحَابَهُ»[170]، وَفِي الصَّحِيحِ: «إِنِّي خُيِّرْتُ فَاخْتَرْتُ» وَفِي رِوَايَةٍ «لَوْ أَعْلَمُ أَنِّي لَوْ زِدْتُ عَلَى السَّبْعِينَ يُغْفَرُ لَهُ لَزِدْتُ»[171]. [170] (الطبري 23/406) [171] (فتح الباري 8/184) {وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لاَ تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ *أَلاَ إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِنْ لاَ يَشْعُرُونَ} [اَلْمُرَادُ بِالْفَسَادِ] قَالَ السُّدِّيُّ فِي تَفْسِيرِهِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ وَعَنْ أُنَاسٍ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ {وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لاَ تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ} قَالَ: هُمُ الْمُنَافِقُونَ، أَمَّا { لاَ تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ} قَالَ: اَلْفَسَادُ هُوَ الْكُفْرُ وَالْعَمَلُ بِالْمَعْصِيَةِ[172]. وَقَالَ أَبُو جَعْفَرٍ عَنِ الرَّبِيعِ بْنِ أَنَسٍ عَنْ أَبِي الْعَالِيَةِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لاَ تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ} قَالَ: يَعْنِي لاَ تَعْصُوا فِي الْأَرْضِ. وَكَانَ فَسَادُهُمْ ذَلِكَ مَعْصِيَةَ اللهِ، لِأَنَّهُ مَنْ عَصَى اللهَ فِي الْأَرْضِ أَوْ أَمَرَ بِمَعْصِيَتِهِ فَقَدْ أَفْسَدَ فِي الْأَرْضِ، لِأَنَّ صَلاَحَ الْأَرْضِ وَالسَّمَاءِ بِالطَّاعَةِ[173]. وَهكَذَا قَالَ الرَّبِيعُ بْنُ أَنَسٍ وَقَتَادَةُ[174]. [172] (الطبري 1/288) [173] (ابن أبي حاتم 1/50) [174] (ابن أبي حاتم 1/51) [أَنْوَاعُ فَسَادِ الْمُنَافِقِينَ] قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: فَأَهْلُ النِّفَاقِ مُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ: بِمَعْصِيَتِهِمْ فِيهَا رَبَّهُمْ. وَرُكُوبِهِمْ فِيهَا مَا نَهَاهُمْ عَنْ رُكُوبِهِ. وَتَضْيِيعِهِمْ فَرَائِضَهُ، وَشَكِّهِمْ فِي دِينِهِ الَّذِي لاَ يُقْبَلُ مِنْ أَحَدٍ عَمَلٌ إِلاَّ بِالتَّصْدِيقِ بِهِ وَالْإِيقَانِ بِحَقِيقَتِهِ. وَكَذِبِهِمُ الْمُؤْمِنِينَ بِدَعْوَاهُمْ غَيْرَ مَا هُمْ عَلَيْهِ مُقِيمُونَ مِنَ الشَّكِّ وَالرَّيْبِ. وَمُظَاهَرَتِهِمْ أَهْلَ التَّكْذِيبِ بِاللهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ عَلَى أَوْلِيَاءِ اللهِ إِذَا وَجَدُوا إِلَى ذَلِكَ سَبِيلاً. فَذَلِكَ إِفْسَادُ الْمُنْافِقِينَ فِي الْأَرْضِ، وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ بِفِعْلِهِمْ ذَلِكَ مُصْلِحُونَ فِيهَا[175]. [175] (الطبري 1/289) وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ حَسَنٌ، فَإِنَّ مِنَ الْفَسَادِ فِي الْأَرْضِ اتِّخَاذَ الْمُؤْمِنِينَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: {وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ إِلاَّ تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ} [الأنفال: 73] فَقَطَعَ اللهُ الْمُوَالاَةَ بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْكَافِرِينَ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَتَّخِذُوا الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينِ أَتُرِيدُونَ أَنْ تَجْعَلُوا لِلَّهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَاناً مُبِيناً} [النساء: 144] ثُمَّ قَالَ: {إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا} [النساء: 145] فَالْمُنَافِقُ لَمَّا كَانَ ظَاهِرُهُ الْإِيمَانُ اشْتَبَهَ أَمْرُهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ، فَكَأَنَّ الْفَسَادَ مِنْ جِهَةِ الْمُنْافِقِ حَاصِلٌ، لِأَنَّهُ هُوَ الَّذِي غَرَّ الْمُؤْمِنِينَ بِقَوْلِهِ الَّذِي لاَ حَقِيقَةَ لَهُ، وَوَالَى الْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ، وَلَوْ أَنَّهُ اسْتَمَرَّ عَلَى حَالِهِ الْأَوَّلِ لَكَانَ شَرُّهُ أَخَفَّ، وَلَوْ أَخْلَصَ الْعَمَلَ لِلّْهِ وَتَطَابَقَ قَوْلُهُ وَعَمَلُهُ لَأَفْلَحَ وَنَجَحَ، وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لاَ تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ} أَيْ نُرِيدُ أَنْ نُدَارِيَ الْفَرِيقَيْنِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْكَافِرِينَ، وَنَصْطَلِحَ مَعَ هؤُلاَءِ وَهؤُلاَءِ، كَمَا رَوَى مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ {وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لاَ تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ} أَيْ إِنَّمَا نُرِيدُ الْإِصْلاَحَ بَيْنَ الْفَرِيقَيْنِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَأَهْلِ الْكِتَابِ[176]. فَيَقُولُ اللهُ: {أَلاَ إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِنْ لاَ يَشْعُرُونَ} يَقُولُ: أَلاَ إِنَّ هَذَا الَّذِي يَعْتَمِدُونَهُ وَيَزْعُمُونَ أَنَّهُ إِصْلاَحٌ هُوَ عَيْنُ الْفَسَادِ، وَلكِنْ مِنْ جَهْلِهِمْ لاَ يَشْعُرُونَ بِكَوْنِهِ فَسَادًا. [176] (ابن أبي حاتم 1/52 إسناده ضعيف لأجل تدليس محمد بن إسحاق ولم يصرح وشيخه محمد بن أبي محمد وهو مجهول) {وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا كَمَا آمَنَ النَّاسُ قَالُوا أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ السُّفَهَاءُ أَلاَ إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاءُ وَلَكِنْ لاَ يَعْلَمُونَ} يَقُولُ تَعَالَى: وَإِذَا قِيلَ لِلْمُنَافِقِينَ أَيْ كَإِيمَانِ النَّاسِ بِاللهِ وَمَلاَئِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْبَعْثِ بَعْدَ الْمَوْتِ، وَالْجَنَّةِ وَالنَّارِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا أَخْبَرَ الْمُؤْمِنِينَ بِهِ وَعَنْهُ، وَأَطِيعُوا اللهَ وَرَسُولَهُ فِي امْتِثَالِ الْأَوَامِرِ وَتَرْكِ الزَّوَاجِرِ {قَالُوا أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ السُّفَهَاءُ} يَعْنُونَ - لَعَنَهُمُ اللهُ - أَصْحَابَ رَسُولِ اللهِ ﷺ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ، قَالَهُ أَبُو الْعَالِيَةِ وَالسُّدِّيُّ فِي تَفْسِيرِهِ بِسَنَدِهِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَابْنِ مَسْعُودٍ وَغَيْرِ وَاحِدٍ مِنَ الصَّحَابَةِ[177]. وَبِهِ يَقُولُ الرَّبِيعُ بْنُ أَنَسٍ وَعَبْدُ الرَّحْمنِ بْنُ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ[178]. وَغَيْرُهُمْ. يَقُولُونَ: أَنَصِيرُ نَحْنُ وَهؤُلاَءِ بِمَنْزِلَةٍ وَاحِدَةٍ، وَعَلَى طَرِيقَةٍ وَاحِدَةٍ، وَهُمْ سُفَهَاءُ؟ [177] (الطبري 1/293) [178] (الطبري 1/294) وَالسُّفَهَاءُ جَمْعُ سَفِيهٍ كَمَا أَنَّ الْحُكَمَاءَ جَمْعُ حَكِيمٍ وَالْحُلَمَاءَ جَمْعُ حَلِيمٍ، وَالسَّفِيهُ هُوَ الْجَاهِلُ الضَّعِيفُ الرَّأْيِ، الْقَلِيلُ الْمَعْرِفَةِ بِمَوَاضِعِ الْمَصَالِحِ وَالْمَضَارِّ، وَلِهَذَا سَمَّى اللهُ النِّسَاءَ وَالصِّبْيَانَ سُفَهَاءَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَلاَ تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا} [النساء: 5] قَالَ عَامَّةُ عُلَمَاءِ التَّفْسِيرِ: هُمُ النِّسَاءُ وَالصِّبْيَانُ. وَقَدْ تَوَلَّى اللهُ سُبْحَانَهُ جَوَابَهُمْ فِي هَذِهِ الْمَوَاطِنِ كُلِّهَا فَقَالَ: {أَلاَ إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاءُ} فَأَكَّدَ وَحَصَرَ السَّفَاهَةَ فِيهِمْ {وَلَكِنْ لاَ يَعْلَمُونَ} يَعْنِي وَمِنْ تَمَامِ جَهْلِهِمْ أَنَّهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ بِحَالِهِمْ فِي الضَّلاَلَةِ وَالْجَهْلِ، وَذَلِكَ أَرْدَى لَهُمْ وَأَبْلَغُ فِي الْعَمَى، وَالْبُعْدِ عَنِ الْهُدى. {وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ *اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ} [مَكْرُ الْمُنَافِقِينَ وَخِدَاعُهُمْ] يَقُولُ تَعَالَى: وَإِذَا لَقِيَ هؤُلاَءِ الْمُنَافِقُونَ الْمُؤْمِنِينَ قَالُوا: آمَنَّا، وَأَظْهَرُوا لَهُمُ الْإِيمَانَ وَالْمُوَالاَةَ وَالْمُصَافَاةَ غُرُورًا مِنْهُمْ لِلْمُؤْمِنِينَ، وَنِفَاقًا وَمُصَانَعَةً وَتَقِيَّةً، وَلِيَشْرَكُوهُمْ فِيمَا أَصَابُوا مِنْ خَيْرٍ وَمَغْنَمٍ {وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ} يَعْنِي إِذَا انْصَرَفُوا وَذَهَبُوا وَخَلَصُوا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ - وَشَيَاطِينُهُمْ: سَادَتُهُمْ وَكُبَرَاؤُهُمْ مِنْ أَحْبَارِ الْيَهُودِ وَرُؤُوسِ الْمُشْرِكِينَ وَالْمُنَافِقِينَ. [شَيَاطِينُ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ] قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: وَشَيَاطِينُ كُلِّ شَيْءٍ مَرَدَتُهُ، وَيَكُونُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ كَمَا قَالَ تَعَالَى: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا} [الأنعام: 112]. [مَعْنَى الاِسْتِهْزَاءِ] وَقَولُهُ: {قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ} رَوَى مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَيْ إِنَّا عَلَى مِثْلِ مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ {إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ} أَيْ إِنَّمَا نَحْنُ نَسْتَهْزِئُ بِالْقَوْمِ وَنَلْعَبُ بِهِمْ[179]. وَقَالَ الضَّحَّاكُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالُوا:{إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ} سَاخِرُونَ بِأَصْحَابِ مُحَمَّدٍﷺ[180]، وَكَذَلِكَ قَالَ الرَّبِيعُ بْنُ أَنَسٍ وَقَتَادَةُ[181]. وَقَوْلُهُ تَعَالَى جَوَابًا وَمُقَابَلَةً عَلَى صَنِيعِهِمْ {اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ} وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: أَخْبَرَ تَعَالَى أَنَّهُ فَاعِلٌ بِهِمْ ذَلِكَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {يَوْمَ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ لِلَّذِينَ آمَنُوا انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ قِيلَ ارْجِعُوا وَرَاءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُورًا فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذَابُ}... الْآيَةَ [الحديد: 13]، وَقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَلاَ يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِأَنْفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا}... الْآيَةَ [آل عمران: 178]، قَالَ: فَهَذَا وَمَا أَشْبَهَهُ مِنِ اسْتِهْزَاءِ اللهِ - تَعَالَى ذِكْرُهُ - وَسُخْرِيَّتِهِ وَمَكْرِهِ وَخَدِيعَتِهِ لِلْمُنَافِقِينَ وَأَهْلِ الشِّرْكِ بِهِ. [179] (الطبري 1/300 ضعيف لتدليس ابن إسحاق) [180] (الطبري 1/300 ضعيف الضحاك لم يسمع من ابن عباس) [181] (الطبري 1/300) [مَكْرُ الْمُنَافِقِينَ وَبَالُهُ عَلَيْهِمْ] فَهَذَا إِخْبَارٌ مِنَ اللهِ تَعَالَى أَنَّهُ مُجَازِيهِمْ جَزَاءَ الاِسْتِهْزَاءِ، وَمُعَاقِبُهُمْ عُقُوبَةَ الْخِدَاعِ، فَأَخْرَجَ خَبَرَهُ عَنْ جَزَائِهِ إِيَّاهُمْ وَعِقَابِهِ لَهُمْ مَخْرَجَ خَبَرِهِ عَنْ فِعْلِهِمُ الَّذِي عَلَيْهِ اسْتَحَقُّوا الْعِقَابَ، فِي اللَّفْظِ، وَإِنِ اخْتَلَفَ الْمَعْنَيَانِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: {وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ} [الشورى: 40] وَقَوْلُهُ تَعَالَى: {فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ} [البقرة: 194] فَالْأَوَّلُ ظُلْمٌ وَالثَّانِي عَدْلٌ، فَهُمَا وَإِنِ اتَّفَقَ لَفْظُهُمَا فَقَدِ اخْتَلَفَ مَعْنَاهُمَا، قَالَ: وَإِلَى هَذَا الْمَعْنى وَجَّهُوا كُلَّ مَا فِي الْقُرْآنِ مِنْ نَظَائِرِ ذَلِكَ. لِأَنَّ الْمَكْرَ وَالْخِدَاعَ وَالسُّخْرِيَةَ عَلَى وَجهِ اللَّعِبِ وَالْعَبَثِ مُنْتَفٍ عَنِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ بِالْإِجْمَاعِ، وَأَمَّا عَلَى وَجْهِ الْاِنْتِقَامِ وَالْمُقَابَلَةِ بِالْعَدْلِ وَالْمُجَازَاةِ فَلاَ يَمْتَنِعُ ذَلِكَ. [اَلْمَدُّ وَالطُّغْيَانُ وَالْعَمَهُ] وَقَوْلُهُ تَعَالَى:{وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ} [البقرة: 15] رَوَى السُّدِّيُّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَابْنِ مَسْعُودٍ، وَعَنْ أُنَاسٍ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ: {وَيَمُدُّهُمْ} : يُمْلِي لَهُمْ[182]. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: يَزِيدُهُمْ[183]. وَقَالَ تَعَالَى: {أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مَالٍ وَبَنِينَ *نُسَارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْرَاتِ بَلْ لاَ يَشْعُرُونَ} [المؤمنون: 55، 56] قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: وَالصَّوَابُ نَزِيدُهُمْ عَلَى وَجْهِ الْإِمْلاَءِ وَالتَّرْكِ لَهُمْ فِي عُتُوِّهِمْ وَتَمَرُّدِهِمْ كَمَا قَالَ تَعَالَى: {وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ} [الأنعام: 10] [184]وَالطُّغْيَانُ: هُوَ الْمُجَاوَزَةُ فِي الشَّيْءِ كَمَا قَالَ تَعَالَى: {إِنَّا لَمَّا طَغَى الْمَاءُ حَمَلْنَاكُمْ فِي الْجَارِيَةِ} [الحاقة: 11] قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: وَ(الْعَمَهُ): الضَّلاَلُ. يُقَالَ: عَمِهَ فُلاَنٌ يَعْمَهُ عَمَهًا وُعُمُوهًا إِذَا ضَلَّ، قَالَ: وَقَوْلُهُ: {فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ} فِي ضَلاَلَتِهِمْ وَكُفْرِهِمُ الَّذِي غَمَرَهُمْ دَنَسُهُ وَعَلاَهُمْ رِجْسُهُ، يَتَرَدَّدُونَ حَيَارَى ضُلاَّلاً لاَ يَجِدُونَ إِلَى الْمَخْرَجِ مِنْهُ سَبِيلاً، لِأَنَّ اللهَ قَدْ طَبَعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَخَتَمَ عَلَيْهَا، وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ عَنِ الْهُدى وَأَغْشَاهَا فَلاَ يُبْصِرُونَ رُشْدًا وَلاَ يَهْتَدُونَ سَبِيلاً[185]. [182] (الطبري 1/311) [183] (ابن أبي حاتم 1/57) [184] (الطبري 1/307) [185] (الطبري 1/309) {أُولَئِكَ الَّذِينَ اُشْتَرَوُا الضَّلاَلَةَ بِالْهُدَى فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ} رَوَى السُّدِّيُّ فِي تَفْسِيرِهِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَابْنِ مَسْعُودٍ وَعَنْ نَاسٍ مِنَ الصَّحَابَةِ {أُولَئِكَ الَّذِينَ اُشْتَرَوُا الضَّلاَلَةَ بِالْهُدَى} قَالَ: أَخَذُوا الضَّلاَلَةَ وَتَرَكُوا الْهُدى. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا[186]. وَقَالَ قَتَادَةُ: اسْتَحَبُّوا الضَّلاَلَةَ عَلَى الْهُدى[187]، وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ قَتَادَةُ يُشْبِهُهُ فِي الْمَعْنَى قَوْلُهُ تَعَالَى فِي ثَمُودَ:.{وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى} [فصلت: 17]. [186] (الطبري 383، 384، وابن أبي حاتم 154 وسنده صحيح) [187] (الطبري 382، وابن أبي حاتم 152 وسنده صحيح أيضاً) وَحَاصِلُ قَوْلِ الْمُفَسِّرِينَ فِيمَا تَقَدَّمَ أَنَّ الْمُنَافِقِينَ عَدَلُوا عَنِ الْهُدى إِلَى الضَّلاَلِ وَاعْتَاضُوا عَنِ الْهُدى بِالضَّلاَلَةِ. وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِهِ تَعَالَى: {أُولَئِكَ الَّذِينَ اُشْتَرَوُا الضَّلاَلَةَ بِالْهُدَى} أَيْ بَذَلُوا الْهُدَى ثَمَنًا لِلضَّلاَلَةِ، وَسَوَاءٌ فِي ذَلِكَ مَنْ كَانَ مِنْهُمْ قَدْ حَصَلَ لَهُ الْإِيمَانُ ثُمَّ رَجَعَ عَنْهُ إِلَى الْكُفْرِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى فِيهِمْ: {ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا فَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ} [المنافقون: 3] أَوْ أَنَّهُمُ اسْتَحَبُّوا الضَّلاَلَةَ عَلَى الْهُدَى كَمَا يَكُونُ حَالُ فَرِيقٍ آخَرَ مِنْهُمْ، فَإِنَّهُمْ أَنْوَاعٌ وَأَقْسَامٌ، وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى: {فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ} أَيْ مَا رَبِحَتْ صَفْقَتُهُمْ فِي هَذِهِ الْبَيْعَةِ، وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ أَيْ رَاشِدِينَ فِي صَنِيعِهِمْ ذَلِكَ. وَرَوَى ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ قَتَادَةَ {فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ} قَدْ وَاللهِ رَأَيْتُمُوهُمْ خَرَجُوا مِنَ الْهُدى إِلَى الضَّلاَلَةِ، وَمِنَ الْجَمَاعَةِ إِلَى الْفُرْقَةِ، وَمِنَ الْأَمْنِ إِلَى الْخَوْفِ، وَمِنَ السُّنَّةِ إِلَى الْبِدْعَةِ[188]. وَهكَذَا رَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ بِمِثْلِهِ سَوَاءً[189]. [188] (الطبري 1/316) [189] (ابن أبي حاتم 1/60) {مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اُسْتَوْقَدَ نَارًا فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لاَ يُبْصِرُونَ *صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لاَ يَرْجِعُونَ} [مَثَلُ الْمُنَافِقِينَ] تَقْدِيرُ هَذَا الْمَثَلِ أَنَّ اللهَ سُبْحَانَهُ شَبَّهَهُمْ فِي اشْتِرَائِهِمُ الضَّلاَلَةَ بِالْهُدى، وَصَيْرُورَتِهِمْ بَعْدَ الْبَصِيرَةِ إِلَى الْعَمَى، بِمَنِ اسْتَوْقَدَ نَارًا، فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ وَانْتَفَعَ بِهَا وَأَبْصَرَ بِهَا مَا عَنْ يَمِينِهِ وَشِمَالِهِ، وَتَأَنَّسَ بِهَا، فَبَيْنَا هُوَ كَذَلِكَ إِذْ طَفِئَتْ نَارُهُ، وَصَارَ فِي ظَلاَمٍ شَدِيدٍ لاَ يُبْصِرُ وَلاَ يَهْتَدِي، وَهُوَ مَعَ هَذَا أَصَمُّ لاَ يَسْمَعُ، أَبْكَمُ لاَ يَنْطِقُ، أَعْمَى لَوْ كَانَ ضِيَاءٌ لَمَا أَبْصَرَ، فَلِهَذَا لاَ يَرْجِعُ إِلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ قَبْلَ ذَلِكَ، فَكَذَلِكَ هؤُلاَءِ الْمُنَافِقُونَ فِي اسْتِبْدَالِهِمُ الضَّلاَلَةَ عِوَضًا عَنِ الْهُدى وَاسْتِحْبَابِهِمُ الْغَيَّ عَلَى الرُّشْدِ. وَفِي هَذَا الْمَثَلِ دَلاَلَةٌ عَلَى أَنَّهُمْ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا كَمَا أَخْبَرَ تَعَالَى عَنْهُمْ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ، وَاللهُ أَعْلَمُ. وَقَوْلُهُ تَعَالَى: {ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ} أَيْ ذَهَبَ عَنْهُمْ بِمَا يَنْفَعُهُمْ، وَهُوَ النُّورُ، َوأَبْقَى لَهُمْ مَا يَضُرُّهُمْ، وَهُوَ الْإِحْرَاقُ وَالدُّخَانُ {وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ} وَهُوَ مَا هُمْ فِيهِ مِنَ الشَّكِّ وَالْكُفْرِ وَالنِّفَاقِ {لاَ يُبْصِرُونَ} لاَ يَهْتَدُونَ إِلَى سَبِيلِ خَيْرٍ وَلاَ يَعْرِفُونَهَا، وَهُمْ مَعَ ذَلِكَ {صُمٌّ} لاَ يَسْمَعُونَ خَيْرًا {بُكْمٌ} لاَ يَتَكَلَّمُونَ بِمَا يَنْفَعُهُمْ {عُمْيٌ} فِي ضَلاَلَةٍ وَعَمَايَةِ الْبَصِيرَةِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: {فَإِنَّهَا لاَ تَعْمَى الأَبْصَارُ وَلَكِن تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُور} [الحج:46] فَلِهَذَا لاَ يَرْجِعُونَ إِلَى مَا كَانُوا عَلَيْهِ مِنَ الْهِدَايَةِ الَّتِي بَاعُوهَا بِالضَّلاَلَةِ. {أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّمَاءِ فِيهِ ظُلُمَاتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ مِنَ الصَّوَاعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكَافِرِينَ *يَكَادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ وإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُوا وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وأَبْصَارِهِمْ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيءٍ قَدِيرٌ} [مَثَلٌ آخَرُ لِلْمُنَافِقِينَ] هَذَا مَثَلٌ آخَرُ ضَرَبَهُ اللهُ تَعَالَى لِضَرْبٍ آخَرَ مِنَ الْمُنَافِقِينَ، وَهُمْ قَوْمٌ يَظْهَرُ لَهُمُ الْحَقُّ تَارَةً وَيَشُكُّونَ تَارَةً أُخْرَى، فَقُلُوبُهُمْ فِي حَالِ شَكِّهِمْ وَكُفْرِهِمْ وَتُرَدُّدِهِمْ {كَصَيِّبٍ} وَالصَّيِّبُ: الْمَطَرُ. قَالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ وَابْنُ عَبَّاسٍ، وَنَاسٌ مِنَ الصَّحَابَةِ[190]. وَأَبُو الْعَالِيَةِ وَمُجَاهِدٌ وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وَعَطَاءٌ وَالْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ، وَقَتَادَةُ وَعَطِيَّةُ الْعَوْفِيُّ وَعَطَاءٌ الْخُرَاسَانِيُّ، وَالسُّدِّيُّ وَالرَّبِيعُ بْنُ أَنَسٍ[191]. وَقَالَ الضَّحَّاكُ: هُوَ السَّحَابُ[192]. وَالْأَشْهَرُ هُوَ الْمَطَرُ نَزَلَ مِنَ السَّمَاءِ فِي حَالِ ظُلُمَاتٍ، وَهِيَ: الشُّكُوكُ وَالْكُفْرُ وَالنِّفَاقُ {وَرَعْدٌ} وَهُوَ مَا يُزْعِجُ الْقُلُوبَ مِنَ الْخَوْفِ، فَإِنَّ مِنْ شَأْنِ الْمُنَافِقِينَ الْخَوْفَ الشَّدِيدَ وَالْفَزَعَ كَمَا قَالَ تَعَالَى: {يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ} [المنافقون: 4] وَقَالَ: {وَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنَّهُمْ لَمِنْكُمْ وَمَا هُمْ مِنْكُمْ وَلَكِنَّهُمْ قَوْمٌ يَفْرَقُونَ *لَوْ يَجِدُونَ مَلْجَأً أَوْ مَغَارَاتٍ أَوْ مُدَّخَلاً لَوَلَّوْا إِلَيْهِ وَهُمْ يَجْمَحُونَ} [التوبة: 56، 57] وَ{الْبَرْقُ} هُوَ مَا يَلْمَحُ فِي قُلُوبِ هؤُلاَءِ الضَّرْبِ مِنَ الْمُنَافِقِينَ فِي بَعْضِ الْأَحْيَانِ مِنْ نُورِ الْإِيمَانِ وَلِهَذَا قَالَ: {يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ مِنَ الصَّوَاعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكَافِرِينَ} أَيْ وَلاَ يُجْدِي عَنْهُمْ حَذَرُهُمْ شَيْئًا، لِأَنَّ اللهَ مُحِيطٌ بِقُدْرَتِهِ، وَهُمْ تَحْتَ مَشِيئَتِهِ وَإِرَادَتِهِ، كَمَا قَالَ: {هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْجُنُودِ *فِرْعَوْنَ وَثَمُودَ *بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي تَكْذِيبٍ *وَاللَّهُ مِنْ وَرَائِهِمْ مُحِيطٌ} [البروج: 17-20] بِهِمْ. [190] (الطبري 1/334) [191] (ابن أبي حاتم 1/66) [192] (ابن أبي حاتم 1/67) ثُمَّ قَالَ: {يَكَادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ} أَيْ لِشِدَّتِهِ وَقُوَّتِهِ فِي نَفْسِهِ، وَضُعْفِ بَصَائِرِهِمْ وَعَدَمِ ثَبَاتِهَا لِلْإِيمَانِ. وَقَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ {يَكَادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ} يَقُولُ: يَكَادُ مُحْكَمُ الْقُرْآنِ يَدُلُّ عَلَى عَوْرَاتِ الْمُنَافِقِينَ[193]. وَقَالَ عَلِيُّ ابْنُ أَبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: {كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ} يَقُولُ: كُلَّمَا أَصَابَ الْمُنَافِقِينَ مِنْ عِزِّ الْإِسْلاَمِ اطْمَأَنُّوا إِلَيْهِ، وَإِذَا أَصَابَ الْإِسْلاَمَ نَكْبَةٌ قَامُوا لِيَرْجِعُوا إِلَى الْكُفْرِ[194]. كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ} [الحج:11] وَرَوَى مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ {كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ وإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُوا} أَيْ يَعْرِفُونَ الْحَقَّ وَيَتَكَلَّمُونَ بِهِ، فَهُمْ مِنْ قَوْلِهِمْ بِهِ عَلَى اسْتِقَامَةٍ، فَإِذَا ارْتَكَسُوا مِنْهُ إِلَى الْكُفْرِ قَامُوا أَيْ مُتَحَيِّرِينَ[195]. وَهكَذَا قَالَ أَبُو الْعَالِيَةِ وَالْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ وَقَتَادَةُ وَالرَّبِيعُ بْنُ أَنَسٍ، وَالسُّدِّيُّ بِسَنَدِهِ عَنِ الصَّحَابَةِ، وَهُوَ أَصَحُّ وَأَظْهَرُ وَاللهُ أَعْلَمُ[196]. [193] (الطبري 1/349) [194] (الطبري 1/349) [195] (الطبري 1/346 إسناده ضعيف لوجوه: 1-محمد بن حميد الرازي شيخ الطبري ضعيف. 2-وسلمة بن الفضل أيضاً ضعيف. 3-محمد بن إسحاق مدلس ولم يصرح له. 4- محمد بن أبي محمد مولى زيد بن ثابت مجهول تفرد عنه ابن إسحاق كما في التقريب) [196] (ابن أبي حاتم 1/75) وَهكَذَا يَكُونُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عِنْدَمَا يُعْطَى النَّاسُ النُّورَ بِحَسَبِ إِيمَانِهِمْ، فَمِنْهُمْ مَنْ يُعْطَى مِنَ النُّورِ مَا يُضِيءُ لَهُ مَسِيرَةَ فَرَاسِخَ وَأَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ وَأَقَلَّ مِنْ ذَلِكَ، وَمِنْهُمْ مِنْ يُطْفَأُ نُورُهُ تَارَةً وَيُضِيءُ أُخْرَى، فَيَمْشِي عَلَى الصِّرَاطِ تَارَةً وَيَقِفُ أُخْرَى، وَمِنْهُمْ مَنْ يُطْفَأُ نُورُهُ بِالْكُلِّيَّةِ، وَهُمُ الْخُلَّصُ مِنَ الْمُنَافِقِينَ الَّذِينَ قَالَ تَعَالَى فِيهِمْ: {يَوْمَ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ لِلَّذِينَ آمَنُوا انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ قِيلَ ارْجِعُوا وَرَاءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُورًا} [الحديد:13]. وَقَالَ فِي حَقِّ الْمُؤْمِنِينَ: {يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ يَسْعَى نُورُهُمْ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ بُشْرَاكُمُ الْيَوْمَ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ} الْآيَةَ [الحديد:12]، وَقَالَ تَعَالَى: {يَوْمَ لاَ يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ نُورُهُمْ يَسْعَى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا وَاغْفِرْ لَنَا إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} [التحريم:8]. ذِكْرُ الْحَدِيثِ الْوَارِدِ فِي ذَلِكَ رَوَى ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ {نُورُهُمْ يَسْعَى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ} قَالَ: عَلَى قَدْرِ أَعْمَالِهِمْ يَمُرُّونَ عَلَى الصِّرَاطِ، مِنْهُمْ مَنْ نُورُهُ مِثْلَ الْجَبَلِ، وَمِنْهُمْ مَنْ نُورُهُ مِثْلَ النَّخْلَةِ، وَأَدْنَاهُمْ نُورًا مَنْ نُورُهُ فِي إِبْهَامِهِ يَتَّقِدُ مَرَّةً وَيُطْفَأُ أُخْرَى[197]. وَرَوَى ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ أَيْضًا عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: لَيْسَ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ التَّوْحِيدِ إِلاَّ يُعْطَى نُورًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فَأَمَّا الْمُنَافِقُ فَيُطْفَأُ نُورُهُ، فَالْمُؤْمِنُ مُشْفِقٌ مِمَّا يَرَى مِنْ إِطْفَاءِ نُورِ الْمُنَافِقِينَ، فَهُمْ يَقُولُونَ {رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا} [التحريم:8][198]. وَقَالَ الضَّحَّاكُ بْنُ مُزَاحِمٍ: يُعْطَى كُلُّ مَنْ كَانَ يُظْهِرُ الْإِيمَانَ فِي الدُّنْيَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ نُورًا، فَإِذَا انْتَهَى إِلَى الصِّرَاطِ طُفِئَ نُورُ الْمُنَافِقِينَ، فَلَمَّا رَأَى ذَلِكَ الْمُؤْمِنُونَ أَشْفَقُوا فَقَالُوا {رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا} [التحريم: 8]. [197] (الطبري 23/179) [198] (الحاكم 2/495) [أَقْسَامُ الْمُؤْمِنِينَ وَأَقْسَامُ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ] فَإِذَا تَقَرَّرَ هَذَا صَارَ النَّاسُ أَقْسَامًا، مُؤْمِنُونَ خُلَّصٌ، وَهُمْ الْمَوْصُوفُونَ بِالآيَاتِ الْأَرْبَعِ فِي أَوَّلِ الْبَقَرَةِ، وَكُفَّارٌ خُلَّصٌ، وَهُمُ الْمَوْصُوفُونَ بِالآيَتَيْنِ بَعْدَهَا، وَمُنَافِقُونَ وَهُمْ قِسْمَانِ: خُلَّصٌ، وَهُمُ الْمَضْرُوبُ لَهُمُ الْمَثَلُ النَّارِيُّ، وَمُنَافِقُونَ يَتَرَدَّدُونَ، تَارَةً يَظْهَرُ لَهُمْ لَمْعُ الْإِيمَانِ وَتَارَةً يَخْبُو، وَهُمْ أَصْحَابُ الْمَثَلِ الْمَائِيِّ، وَهُمْ أَخَفُّ حَالاً مِنَ الَّذِينَ قَبْلَهُمْ. ثُمَّ ضَرَبَ مَثَلَ الْعِبَادِ مِنَ الْكُفَّارِ الَّذِينَ يَعْتَقِدُونَ أَنَّهُمْ عَلَى شَيْءٍ وَلَيْسُوا عَلَى شَيْءٍ، وَهُمْ أَصْحَابُ الْجَهْلِ الْمُرَكَّبِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا} الْآيَةَ [النور: 39]، ثُمَّ ضَرَبَ مَثَلَ الْكُفَّارِ الْجُهَّالِ الْجَهْلَ الْبَسِيطَ، وَهُمُ الَّذِينَ قَالَ تَعَالَى فِيهِمْ: {أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ يَغْشَاهُ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ سَحَابٌ ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ} [النور: 40] فَقَسَّمَ الْكُفَّارَ ههُنَا إِلَى قِسْمَيْنِ: دَاعِيَةٍ وَمُقَلِّدٍ، كَمَا ذَكَرَهُمَا فِي أَوَّلِ سُورَةِ الْحَجِّ {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّبِعُ كُلَّ شَيْطَانٍ مَرِيدٍ} وَقَالَ: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلاَ هُدىً وَلاَ كِتَابٍ مُنِيرٍ} [الحج: 3،8]. وَقَدْ قَسَّمَ اللهُ الْمُؤْمِنِينَ فِي أَوَّلِ الْوَاقِعَةِ وَفِي آخِرِهَا، وَفِي سُورَةِ الْإِنْسَانِ إِلَى قِسْمَيْنِ: سَابِقُونَ وَهُمُ الْمُقَرَّبُونَ، وَأَصْحَابُ يَمِينٍ وَهُمُ الْأَبْرَارُ. فَتَلَخَّصَ مِنْ مَجْمُوعِ هَذِهِ الْآيَاتِ الْكَرِيمَاتِ أَنَّ الْمُؤْمِنِينَ صِنْفَانِ: مُقَرَّبُونَ وَأَبْرَارٌ، وَأَنَّ الْكَافِرِينَ صِنْفَانِ: دُعَاةٌ وَمُقَلِّدُونَ، وَأَنَّ الْمُنَافِقِينَ أَيْضًا صِنْفَانِ: مُنَافِقٌ خَالِصٌ، وَمُنَافِقٌ فِيهِ شُعْبَةٌ مِنْ نِفَاقٍ، كَمَا جَاءَ فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: «ثَلاَثٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ كَانَ مُنَافِقًا خَالِصًا، وَمَنْ كَانَتْ فِيهِ وَاحِدَةٌ مِنْهُنَّ كَانَتْ فِيهِ خَصْلَةٌ مِنَ النِّفَاقِ حَتَّى يَدَعَهَا: مَنْ إِذَا حَدَّثَ كَذَبَ، وَإِذَا وَعَدَ أَخْلَفَ، وَإِذَا ائْتُمِنَ خَانَ»[199]. اِسْتَدَلُّوا بِهِ عَلَى أَنَّ الْإِنْسَانَ قَدْ تَكُونُ فِيهِ شُعْبَةٌ مِنْ إِيمَانٍ وَشُعْبَةٌ مِنْ نِفَاقٍ. إِمَّا عَمَلِيٌّ - لِهَذَا الْحَدِيثِ - أَوِ اعْتِقَادِيٌّ، كَمَا دَلَّتْ عَلَيْهِ الْآيَةُ. [199] (فتح الباري 1/111، ومسلم 1/78) [أَقْسَامُ الْقُلُوبِ] رَوَى الْإِمَامُ أَحْمَدُ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «الْقُلُوبُ أَرْبَعَةٌ: قَلْبٌ أَجْرَدُ، فِيهِ مِثْلُ السِّراجِ يُزْهِرُ، وَقَلْبٌ أَغْلَفُ مَرْبُوطٌ عَلَى غِلاَفِهِ، وَقَلْبٌ مَنْكُوسٌ، وَقَلْبٌ مُصْفَحٌ، فَأَمَّا الْقَلْبُ الْأَجْرَدُ فَقَلْبُ الْمُؤْمِنِ، فَسِرَاجُهُ فِيهِ نُورُهُ، وَأَمَّا الْقَلْبُ الْأَغْلَفُ فَقَلْبُ الْكَافِرِ، وَأَمَّا الْقَلْبُ الْمَنْكُوسُ فَقَلْبُ الْمُنَافِقِ الْخَالِصِ، عَرَفَ ثُمَّ أَنْكَرَ، وَأَمَّا الْقَلْبُ الْمُصْفَحُ فَقَلْبٌ فِيهِ إِيمَانٌ وَنِفَاقٌ، وَمَثَلُ الْإِيمَانِ فِيهِ كَمَثَلِ الْبَقْلَةِ يُمِدُّهَا الْمَاءُ الطَّيِّبُ، وَمَثَلُ النِّفَاقِ فِيهِ كَمَثَلِ الْقَرْحَةِ يُمِدُّهَا الْقَيْحُ وَالدَّمُ، فَأَيُّ الْمَادَّتَيْنِ غَلَبَتْ عَلَى الْأُخْرَى غَلَبَتْ عَلَيْهِ»[200]. وَهَذَا إِسْنَادٌ جَيِّدٌ حَسَنٌ.[201]. [200] (أحمد 3/17) [201] (إسناده ضعيف لضعف ليث بن أبي سليم وهو صدوق اختلط أخيراً ولم يتميز حديثه فترك تقريب لابن حجر 5685، ولانقطاعه أبو البختري سعيد بن فيروز لم يدرك أبا سعيد الخدري، انظر للتفصيل تحرير تقريب بالتهذيب 2/41، وجوده ابن كثير والسيوطي!) وَقَوْلُهُ تَعَالَى: {وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وأَبْصَارِهِمْ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيءٍ قَدِيرٌ} رَوَى مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وأَبْصَارِهِمْ} قَالَ: لِمَا تَرَكُوا مِنَ الْحَقِّ بَعْدَ مَعْرِفَتِهِ. {إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيءٍ قَدِيرٌ} قَالَ [ابن إسحاق]: أَيْ إِنَّ اللهَ عَلَى كُلِّ مَا أَرَادَ بِعِبَادِهِ مِنْ نِقْمَةٍ أَوْ عَفْوٍ قَدِيرٌ[202]. وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: إِنَّمَا وَصَفَ اللهُ تَعَالَى نَفْسَهُ بِالْقُدْرَةِ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ، لِأَنَّهُ حَذَّرَ الْمُنَافِقِينَ بَأْسَهُ وَسَطْوَتَهُ، وَأَخْبَرَهُمْ أَنَّهُ بِهِمْ مُحِيطٌ، وَعَلَى إِذْهَابِ أَسْمَاعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ قَدِيرٌ[203]. [202] (ابن أبي حاتم 1/76 إسناده ضعيف ابن إسحاق مدلس ولم يصرح وفيه علل أخرى) [203] (الطبري 1/361) وَذَهَبَ ابْنُ جَرِيرٍ وَمَنْ تَبِعَهُ مِنْ كَثِيرٍ مِنَ الْمُفَسِّرِينَ إِلَى أَنَّ هذَيْنِ الْمَثَلَيْنِ مَضْرُوبَانِ لِصِنْفٍ وَاحِدٍ مِنَ الْمُنَافِقِينَ وَتَكُونُ أَوْ، فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّمَاءِ} بِمَعْنَى الْوَاوِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَلاَ تُطِعْ مِنْهُمْ آثِمًا أَوْ كَفُورًا} [الإنسان: 24] أَوْ تَكُونُ لِلتَّخْيِيرِ أَيِ اضْرِبْ لَهُمْ مَثَلاً بِهَذَا وَإِنْ شِئْتَ بِهَذَا. قَالَ الْقُرْطُبِيُّ. أَوْ لِلتَّسَاوِي مِثْلُ: جَالِسِ الْحَسَنَ أَوِ ابْنَ سِيرِينَ عَلَى مَا وَجَّهَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ: أَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا مُسَاوٍ لِلْآخَرِ فِي إِبَاحَةِ الْجُلُوسِ إِلَيْهِ. وَيَكُونُ مَعْنَاهُ عَلَى قَوْلِهِ: سَوَاءٌ ضَرَبْتَ لَهُمْ مَثَلاً بِهذا أَوْ بِهَذَا فَهُوَ مُطَابِقٌ لِحَالِهِمْ. {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ *الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ فَلاَ تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ} [تَوْحِيدُ الْأُلُوهِيَّةِ] شَرَعَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى فِي بَيَانِ وَحْدَانِيَّةِ أُلُوهِيَّتِهِ، بِأَنَّهُ تَعَالَى هُوَ الْمُنْعِمُ عَلَى عَبِيدِهِ، بِإِخْرَاجِهِمْ مِنَ الْعَدَمِ إِلَى الْوُجُودِ، وَإِسْبَاغِهِ عَلَيْهِمُ النِّعَمَ الظَّاهِرَةَ وَالْبَاطِنَةَ، بِأَنْ جَعَلَ لَهُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا أَيْ مَهْدًا كَالْفِرَاشِ، مُقَرَّرَةً مُوَطَّأَةً مُثَبَّـتَةً بِالرَّوَاسِي الشَّامِخَاتِ {وَالسَّمَاءَ بِنَاءً} وَهُوَ السَّقْفُ، كَمَا قَالَ فِي الْآيَةِ الْأُخْرَى: {وَجَعَلْنَا السَّمَاءَ سَقْفًا مَحْفُوظًا وَهُمْ عَنْ آيَاتِهَا مُعْرِضُونَ} [الأنبياء: 32] وأنزل لهم من السماء ماء، وَالْمُرَادُ بِهِ السَّحَابُ ههُنَا، فِي وَقْتِهِ عِنْدَ احْتِيَاجِهِمْ إِلَيْهِ، فَأَخْرَجَ لَهُمْ بِهِ مِنْ أَنْوَاعِ الزُّرُوعِ وَالثِّمَارِ مَا هُوَ مُشَاهَدٌ، رِزْقًا لَهُمْ وَلِأَنْعَامِهِمْ، كَمَا قَرَّرَ هَذَا فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ مِنَ الْقُرْآنِ. وَمِنْ أَشْبَهِ آيَةٍ بِهَذِهِ الْآيَةِ قَوْلُهُ تَعَالَى: {الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ قَرَارًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ فَتَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ} [غافر: 64] وَمَضْمُونُهُ: أَنَّهُ الْخَالِقُ الرَّازِقُ، مَالِكُ الدَّارِ وَسَاكِنِيهَا، وَرَازِقُهُمْ، فَبِهَذَا يَسْتَحِقُّ أَنْ يُعْبَدَ وَحْدَهُ وَلاَ يُشْرَكَ بِهِ غَيْرُهُ، وَلِهَذَا قَالَ: {فَلاَ تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ} وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَيُّ الذَّنْبِ أَعْظَمُ عِنْدَ اللهِ؟ قَالَ: «أَنْ تَجْعَلَ ِلله نِدًّا وَهُوَ خَلَقَكَ»[204]. اَلْحَدِيثَ. وَكَذَا حَدِيثُ مُعَاذٍ: «أَتَدْرِي مَا حَقُّ اللهِ عَلَى عِبَادِهِ؟ أَنْ يَعْبُدُوهُ وَلاَ يُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا»[205]. اَلْحَدِيثَ، وَفِي الْحَدِيثِ الاْخَرِ: «لاَ يَقُولَنَّ أَحَدُكُمْ مَا شَاءَ اللهُ وَشَاءَ فُلاَنٌ، وَلكِنْ لِيَقُلْ: مَا شَاءَ اللهُ ثُمَّ شَاءَ فُلاَنٌ»[206]. [204] (فتح الباري 8/350، ومسلم 1/90) [205] (فتح الباري 13/359، ومسلم 1/59) [206] (أحمد 5/384، 394، 398) [دَلاَئِلُ وُجُودِ الْبَارِي تَعَالَى] وَقَدِ اسْتَدَلَّ بِهِ كَثِيرٌ مِنَ الْمُفَسِّرِينَ كَالرَّازِيِّ وَغَيْرِهِ عَلَى وُجُودِ الصَّانِعِ تَعَالَى، وَهِيَ دَالَّـةٌ عَلَى ذَلِكَ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى، فَإِنَّ مَنْ تَأَمَّلَ هَذِهِ الْمَوْجُودَاتِ السُّفْلِيَّةَ وَالْعُلْوِيَّةَ وَاخْتِلاَفَ أَشْكَالِهَا وَأَلْوَانِهَا، وَطِبَاعِهَا وَمَنَافِعِهَا، وَوَضْعِهَا فِي مَوَاضِعِ النَّفْعِ بِهَا مُحْكَمَةً، عَلِمَ قُدْرَةَ خَالِقِهَا وَحِكْمَتَهُ، وَعِلْمَهُ وَإِتْقَانَهُ وَعَظِيمَ سُلْطَانِهِ، كَمَا قَالَ بَعْضُ الْأَعْرَابِ، وَقَدْ سُئِلَ: مَا الدَّلِيلُ عَلَى وُجُودِ الرَّبِّ تَعَالَى؟ فَقَالَ: يَا سُبْحَانَ اللهِ، إِنَّ الْبَعْرَ لَيَدُلُّ عَلَى الْبَعِيرِ، وَإِنَّ أَثَرَ الْأَقْدَامِ لَتَدُلُّ عَلَى الْمَسِيرِ، فَسَماءٌ ذَاتُ أَبْرَاجٍ، وَأَرْضٌ ذَاتُ فِجَاجٍ، وَبِحَارٌ ذَاتُ أَمْوَاجٍ؛ أَلاَ يَدُلُّ ذَلِكَ عَلَى وُجُودِ اللَّطِيفِ الْخَبِيرِ؟[207]. [207] (الرازي 2/91) فَمَنْ تَأَمَّلَ هَذِهِ السَّموَاتِ فِي ارْتِفَاعِهَا وَاتِّسَاعِهَا، وَمَا فِيهَا مِنَ الْكَوَاكِبِ الْكِبَارِ وَالصِّغَارِ النَّـيِّرَةِ مِنَ السَّيَّارَةِ وَمِنَ الثَّوَابِتِ، وشاهدها كيف تدور مع الفلك العظيم في كل يوم وليلة دويرة، ولها في أنفسها سير يخصها، وَنَظَرَ إِلَى الْبِحَارِ الْمُكْتَنِفَةِ لِلْأَرْضِ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ، وَالْجِبَالِ الْمَوْضُوعَةِ فِي الْأَرْضِ لِتَقِرَّ وَيَسْكُنَ سَاكِنُوهَا مَعَ اخْتِلاَفِ أَشْكَالِهَا وَأَلْوَانِهَا كَمَا قَالَ تَعَالَى: {وَمِنَ الْجِبَالِ جُدَدٌ بِيْضٌ وَحُمْرٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهَا وَغَرَابِيبُ سُودٌ *وَمِنَ النَّاسِ وَالدَّوَابِ وَالأَنْعَامِ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ كَذَلِكَ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ} [فاطر: 27، 28] وَكَذَلِكَ هَذِهِ الْأَنْهَارُ السَّارِحَةُ مِنْ قُطْرٍ إِلَى قُطْرٍ لِلْمَنَافِعِ، وَمَا ذَرَأَ فِي الْأَرْضِ مِنَ الْحَيْوَانَاتِ الْمُتَنَوِّعَةِ وَالنَّـبَاتِ الْمُخْتَلِفِ الطُّعُومِ وَالْأَرَايِيجِ وَالْأَشْكَالِ وَالْأَلْوَانِ، مَعَ اتِّحَادِ طَبِيعَةِ التُّرْبَةِ وَالْمَاءِ: اسْتَدَلَّ عَلَى وُجُودِ الصَّانِعِ وَقُدْرَتِهِ الْعَظِيمَةِ وَحِكْمَتِهِ وَرَحْمَتِهِ بِخَلْقِهِ، وَلُطْفِهِ بِهِمْ، وَإِحْسَانِهِ إِلَيْهِمْ وَبِرِّهِ بِهِمْ، لاَ إِلَهَ غَيْرُهُ وَلاَ رَبَّ سِوَاهُ، عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ، وَالْآيَاتُ فِي الْقُرْآنِ الدَّالَّةُ عَلَى هَذَا الْمَقَامِ كَثِيرَةٌ جِدًّا. {وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ *فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ} [إِثْبَاتُ رِسَالَةِ الرَّسُولِ ﷺ] ثُمَّ شَرَعَ تَعَالَى فِي تَقْرِيرِ النُّبُوَّةِ بَعْدَ أَنْ قَرَّرَ أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ، فَقَالَ مُخَاطِبًا لِلْكَافِرِينَ: {وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا} يَعْنِي مُحَمَّدًا ﷺ {فَأْتُوا بِسُورَةٍ} مِنْ مِثْلِ مَا جَاءَ بِهِ، إِنْ زَعَمْتُمْ أَنَّهُ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللهِ فَعَارِضُوهُ بِمِثْلِ مَا جَاءَ بِهِ، وَاسْتَعِينُوا عَلَى ذَلِكَ بِمَنْ شِئْتُمْ مِنْ دُونِ اللهِ، فَإِنَّكُمْ لاَ تَسْتَطِيعُونَ ذَلِكَ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: {شُهَدَاءَكُمْ} أَعْوَانَكُمْ[208]. َوقَالَ السُّدِّيُّ عَنْ أَبِي مَالِكٍ: شُرَكَاءَكُمْ، َأيْ قَوْمًا آخَرِينَ يُسَاعِدُونَكُمْ عَلَى ذَلِكَ، أَيِ اسْتَعِينُوا بِآلِهَتِكُمْ فِي ذَلِكَ يَمُدُّونَكُمْ وَيَنْصُرُونَكُمْ[209]. وَقَالَ مُجَاهِدٌ قَالَ: نَاسٌ يَشْهَدُونَ بِهِ[210]. يَعْنِي حُكَّامَ الْفُصَحَاءِ. [208] (الطبري 1/376) [209] (ابن أبي حاتم 1/84) [210] (ابن أبي حاتم 1/85) [اَلتَّحَدِّي وَالْإِعْجَازُ] وَقَدْ تَحَدَّاهُمُ اللهُ تَعَالَى بِهَذَا فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ مِنَ الْقُرْآنِ فَقَالَ فِي سُورَةِ الْقَصَصِ: {قُلْ فَأْتُوا بِكِتَابٍ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ هُوَ أَهْدَى مِنْهُمَا أَتَّبِعْهُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ} [الآية: 49] وَقَالَ فِي سُورَةِ الْإِسْرَاءِ {قُلْ لَئِنْ اجْتَمَعَتْ الإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لاَ يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا} [الإسراء: 88] وَقَالَ فِي سُورَةِ هُودٍ: {أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ} [هود: 13] وَقَالَ فِي سُورَةِ يُونُسَ: {وَمَا كَانَ هَذَا الْقُرْآنُ أَنْ يُفْتَرَى مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ الْكِتَابِ لاَ رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ *أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ} [يونس: 37، 38] وَكُلُّ هَذِهِ الْآيَاتِ مَكِّـيَّـةٌ. ثُمَّ تَحَدَّاهُمْ بذَلِكَ أَيْضًا فِي الْمَدِينَةِ فَقَالَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ: {وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ} أَيْ شَكٍّ {مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا} - يَعْنِي مُحَمَّدًا ﷺ - {فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ} يَعْنِي مِنْ مِثْلِ الْقُرْآنِ، قَالَهُ مُجَاهِدٌ وَقَتَادَةُ وَاخْتَارَهُ ابْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ وَالزَّمَخْشَرِيُّ وَالرَّازِيُّ، وَنَقَلَهُ عَنْ عُمَرَ وَابْنِ مَسْعُودٍ وَابْنِ عَبَّاسٍ وَالْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ، وَأَكْثَرِ الْمُحَقِّقِينَ، وَرَجَّحَ ذَلِكَ بِوُجُوهٍ مِنْ أَحْسَنِهَا أَنَّهُ تَحَدَّاهُمْ كُلَّهُمْ مُتَفَرِّقِينَ وَمُجْتَمِعِينَ، سَوَاءٌ فِي ذَلِكَ أُمِّيُّهُمْ وَكِتَابِيُّهُمْ، وَذَلِكَ أَكْمَلُ التَّحَدِّي، وَأَشْمَلُ مِنْ أَنْ يَتَحَدَّى آحَادَهُمُ الْأُمِّيِّينَ مِمِّنْ لاَ يَكْتُبُ وَلاَ يُعَانِي شَيْئًا مِنَ الْعُلُومِ، وَبِدَلِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ} [هود: 13] وَقَوْلِهِ: {لاَ يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ} [الإسراء: 88] فَهَذَا التَّحَدِّي عَامٌّ لَهُمْ كُلِّهِمْ مَعَ أَنَّهُمْ أَفْصَحُ الْأُمَمِ، وَقَدْ تَحَدَّاهُمْ بِهَذَا فِي مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ مَرَّاتٍ عَدِيدَةٍ مَعَ شِدَّةِ عَدَاوَتِهِمْ لَهُ وَبُغْضِهِمْ لِدِينِهِ، وَمَعَ هَذَا عَجِزُوا عَنْ ذَلِكَ، وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى: {فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا} وَلَنْ لِنَفْيِ التَّأْبِيدِ فِي الْمُسْتَقْبَلِ أَيْ وَلَنْ تَفْعَلُوا ذَلِكَ أَبَدًا، وَهَذِهِ أَيْضًا مُعْجِزَةٌ أُخْرَى، وَهُوَ أَنَّهُ أَخْبَرَ خَبَرًا جَازِمًا قَاطِعًا مُقَدَّمًا غَيْرَ خَائِفٍ وَلاَ مُشْفِقٍ أَنَّ هَذَا الْقُرْآنَ لاَ يُعَارَضُ بِمِثْلِهِ أَبَدَ الاْبِدِينَ وَدَهْرَ الدَّاهِرِينَ، وَكَذَلِكَ وَقَعَ الْأَمْرُ، لَمْ يُعَارَضْ مِنْ لَدُنْهُ إِلَى زَمَانِنَا هَذَا وَلاَ يُمْكِنُ، وَأَنَّى يَتَأَتَّى ذَلِكَ لِأَحَدٍ وَالْقُرْآنُ كَلاَمُ اللهِ خَالِقِ كُلِّ شَيْءٍ؟ وَكَيْفَ يُشْبِهُ كَلاَمَ الْخَالِقِ كَلاَمُ الْمَخْلُوقِينَ؟! [مِنْ وُجُوهِ إِعْجَازِ الْقُرْآنِ] وَمَنْ تَدَبَّرَ الْقُرْآنَ وَجَدَ فِيهِ مِنْ وُجُوهِ الْإِعْجَازِ فُنُونًا ظَاهِرَةً وَخَفِيَّةً مِنْ حَيْثُ اللَّفْظِ وَمِنْ جِهَةِ الْمَعْنَى، قَالَ اللهُ تَعَالَى: {الر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ} [هود: 1] فَأُحْكِمَتْ أَلْفَاظُهُ وَفُصِّلَتْ مَعَانِيهِ، أَوْ بِالْعَكْسِ - عَلَى الْخِلاَفِ - فَكُلٌّ مِنْ لَفْظِهِ وَمَعْنَاهُ فَصِيحٌ لاَ يُحَاذَى وَلاَ يُدَانَى، فَقَدْ أَخْبَرَ عَنْ مُغَـيَّـبَاتٍ مَاضِيَةٍ كَانَتْ، وَوَقَعَتْ طِبْقَ مَا أَخْبَرَ سَوَاءً بِسَوَاءٍ. وَأَمَرَ بِكُلِّ خَيْرٍ، وَنَهَى عَنْ كُلِّ شَرٍّ كَمَا قَالَ تَعَالَى: {وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلاً} [الأنعام: 115] أَيْ صِدْقًا فِي الْأَخْبَارِ وَعَدْلاً فِي الْأَحْكَامِ، فَكُلُّهُ حَقٌّ وَصِدْقٌ وَعَدْلٌ وَهُدًى، لَيْسَ فِيهِ مُجَازَفَةٌ وَلاَ كَذِبٌ وَلاَ افْتِرَاءٌ، كَمَا يُوجَدُ فِي أَشْعَارِ الْعَرَبِ وَغَيْرِهِمْ مِنَ الْأَكَاذِيبِ وَالْمُجَازَفَاتِ الَّتِي لاَ يَحْسُنُ شِعْرُهُمْ إِلاَّ بِهَا، كَمَا قِيلَ فِي الشِّعْرِ: إِنَّ أَعْذَبَهُ أَكْذَبُهُ. وَتَجِدُ الْقَصِيدَةَ الطَّوِيلَةَ الْمَدِيدَةَ قَدِ اسْتُعُمِلَ غَالِبُهَا فِي وَصْفِ النِّسَاءِ أَوِ الْخَيْلِ أَوِ الْخَمْرِ، أَوْ فِي مَدْحِ شَخْصٍ مُعَيَّنٍ أَوْ فَرَسٍ أَوْ نَاقَةٍ أَوْ حَرْبٍ أَوْ كَائِنَةٍ أَوْ مَخَافَةٍ أَوْ سَبُعٍ أَوْ شَيْءٍ مِنَ الْمُشَاهَدَاتِ الْمُتَعَيِّنَةِ الَّتِي لاَ تُفِيدُ شَيْئًا إِلاَّ قُدْرَةُ الْمُتَكَلِّمِ الْمُعَيَّنِ: عَلَى الشَّيْءِ الْخَفِيِّ أَوِ الدَّقِيقِ، أَوْ إِبْرَازُهُ إِلَى الشَّيْءِ الْوَاضِحِ، ثُمَّ تَجِدُ لَهُ فِيهِ بَيْتًا أَوْ بَيْتَيْنِ أَوْ أَكْثَرَ هِيَ بُيُوتُ الْقَصِيدِ، وَسَائِرُهَا هَذَرٌ لاَ طَائِلَ تَحْتَهُ. وَأَمَّا الْقُرْآن فَجَمِيعُهُ فَصِيحٌ فِي غَايَةِ نِهَايَاتِ الْبَلاَغَةِ عِنْدَ مَنْ يَعْرِفُ ذَلِكَ تَفْصِيلاً وَإِجْمَالاً، مِمَّنْ فَهِمَ كَلاَمَ الْعَرَبِ وَتَصَارِيفَ التَّعْبِيرِ، فَإِنَّهُ، إِنْ تَأَمَّلْتَ أَخْبَارَهُ وَجَدْتَهَا فِي غَايَةِ الْحَلاَوَةِ سَوَاءً كَانَتْ مَبْسُوطَةً أَوْ وَجِيزَةً، وَسَوَاءً تَكَرَّرَتْ أَمْ لاَ، وَكُلَّمَا تَكَرَّرَ حَلاَ وَعَلاَ، لاَ يَخْلَقُ عَنْ كَثْرَةِ الرَّدِّ، وَلاَ يَمَلُّ مِنْهُ الْعُلَمَاءُ. وَإِنْ أَخَذَ فِي الْوَعِيدِ وَالتَّهْدِيدِ، جَاءَ مِنْهُ مَا تَقْشَعِرُّ مِنْهُ الْجِبَالُ الصُّمُّ الرَّاسِيَاتُ، فَمَا ظَنُّكَ بِالْقُلُوبِ الْفَاهِمَاتِ. وَإِنْ وَعَدَ؛ أَتَى بِمَا يَفْتَحُ الْقُلُوبَ وَالاْذَانَ، وَيُشَوِّقُ إِلَى دَارِ السَّلاَمِ، وَمُجَاوَرَةِ عَرْشِ الرَّحْمنِ، كَمَا قَالَ فِي التَّرْغِيبِ: {فَلاَ تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} [السجدة: 17] وَقَالَ: {وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الأَنْفُسُ وَتَلَذُّ الأَعْيُنُ وَأَنْتُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} [الزخرف: 71] وَقَالَ فِي التَّرْهِيبِ: {أَفَأَمِنْتُمْ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمْ جَانِبَ الْبَرِّ} [الإسراء: 68] {أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الأَرْضَ فَإِذَا هِيَ تَمُورُ *أَمْ أَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا فَسَتَعْلَمُونَ كَيْفَ نَذِيرِ} [الملك: 16، 17] وَقَالَ فِي الزَّجْرِ: {فَكُلاًّ أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ} [العنكبوت: 40] وَقَالَ فِي الْوَعْظِ: {أَفَرَأَيْتَ إِنْ مَتَّعْنَاهُمْ سِنِينَ *ثُمَّ جَاءَهُمْ مَا كَانُوا يُوعَدُونَ *مَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يُمَتَّعُونَ} [الشعراء: 205-207] إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ أَنْوَاعِ الْفَصَاحَةِ وَالْبَلاَغَةِ وَالْحَلاَوَةِ. وَإِنْ جَاءَتِ الْآيَاتُ فِي الْأَحْكَامِ وَالْأَوَامِرِ وَالنَّوَاهِي، اِشْتَمَلَتْ عَلَى الْأَمْرِ بِكُلِّ مَعْرُوفٍ حَسَنٍ نَافِعٍ طَيِّبٍ مَحْبُوبٍ، وَالنَّهْيِ عَنْ كُلِّ قَبِيحٍ رَذِيلٍ دَنِيءٍ، كَمَا قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ وَغَيْرُهُ مِنَ السَّلَفِ، إِذَا سَمِعْتَ اللهَ تَعَالَى يَقُولُ فِي الْقُرْآنِ: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا} فَأَرْعِهَا َسمْعَكَ، فَإِنَّهَا خَيْرٌ يَأْمُرُ بِهِ أَوْ شَرٌّ يَنْهَى عَنْهُ. وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى: {يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطِّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالأَغْلاَلَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ}... اَلْآيَةَ [الأعراف: 157]. وَإِنْ جَاءَتِ الْآيَاتُ فِي وَصْفِ الْمَعَادِ وَمَا فِيهِ مِنَ الْأَهْوَالِ، وَفِي وَصْفِ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ، وَمَا أَعَدَّ اللهُ فِيهِمَا لِأَوْلِيَائِهِ وَأَعْدَائِهِ مِنَ النَّعِيمِ وَالْجَحِيمِ، وَالْمَلاَذِّ وَالْعَذَابِ الْأَلِيمِ؛ بَشَّرَتْ بِهِ وَحَذَّرَتْ وَأَنْذَرَتْ، وَدَعَتْ إِلَى فِعْلِ الْخَيْرَاتِ وَاجْتِنَابِ الْمُنْكَرَاتِ، وَزَهَّدَتْ فِي الدُّنْيَا وَرَغَّبَتْ فِي الاْخِرَةِ، وَثَبَّتَتْ عَلَى الطَّرِيقَةِ الْمُثْلَى، وَهَدَتْ إِلَى صِرَاطِ اللهِ الْمُسْتَقِيمِ، وَشَرْعِهِ الْقَوِيمِ، وَنَفَتْ عَنِ الْقُلُوبِ رِجْسَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ. [اَلْقُرْآنُ هُوَ الْمُعْجِزَةُ الْعُظْمَى لِنَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ ﷺ] وَلِهَذَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ قَالَ: «مَا مِنْ نَبِيٍّ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ إِلاَّ قَدْ أُعْطِيَ مِنَ الْآيَاتِ مَا آمَنَ عَلَى مِثْلِهِ الْبَشَرُ، وَإِنَّمَا كَانَ الَّذِي أُوتِيتُه وَحْيًا أَوْحَاهُ اللهُ إِلَيَّ، فَأَرْجُو أَنْ أَكُونَ أَكْثَرَهُمْ تَابِعًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ»[211]- لَفْظُ مُسْلِمٍ - وَقَوْلُهُ ﷺ: «وَإِنَّمَا كَانَ الَّذِي أُوتِيتُهُ وَحْيًا» أَيِ الَّذِي اخْتُصِصْتُ بِهِ مِنْ بَيْنِهِمْ هَذَا الْقُرْآنُ الْمُعْجِزُ لِلْبَشَرِ أَنْ يُعَارِضُوهُ، بِخِلاَفِ غَيْرِهِ مِنَ الْكُتُبِ الْإِلهِيَّةِ فَإِنَّهَا لَيْسَتْ مُعْجِزَةً عِنْدَ كَثِيرٍ مِنَ الْعُلَمَاءِ، وَاللهُ أَعْلَمُ، وَلَهُ عَلَيْهِ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ مِنَ الْآيَاتِ الدَّالَّةِ عَلَى نَبُوَّتِهِ وَصِدْقِهِ فِيمَا جَاءَ بِهِ مَا لاَ يَدْخُلُ تَحْتَ حَصْرٍ، وَللهِ الْحَمْدُ وَالْمِنَّةُ. [211] (فتح الباري 8/619، ومسلم 1/134) [اَلْمُرَادُ بِالْحِجَارَةِ] وَقَوْلُهُ تَعَالَى: {فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ} [البقرة: 24] أَمَّا الْوَقُودُ، بِفَتْحِ الْوَاوِ، فَهُوَ مَا يُلْقى فِي النَّارِ لإِضْرَامِهَا كَالْحَطَبِ وَنَحْوِهِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: {وَأَمَّا الْقَاسِطُونَ فَكَانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَبًا} [الجن: 15] وَقَالَ تَعَالَى: {إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ *لَوْ كَانَ هَؤُلاَءِ آلِهَةً مَا وَرَدُوهَا وَكُلٌّ فِيهَا خَالِدُونَ} [الأنبياء: 98، 99] وَالْمُرَادُ بِالْحِجَارَةِ ها هُنَا هِيَ حِجَارَةُ الْكِبْرِيتِ الْعَظِيمَةُ السَّوْدَاءُ الصُّلْبَةُ الْمُنْـتِـنَـةُ، وَهِيَ أَشَدُّ الْأَحْجَارِ حَرًّا إِذَا حَمِيَتْ، أَجَارَنَا اللهُ مِنْهَا. وَقِيلَ: الْمُرَادُ بِهَا حِجَارَةُ الْأَصْنَامِ وَالْأَنْدَادِ الَّتِي كَانَتْ تُعْبَدُ مِنْ دُونِ اللهِ كَمَا قَالَ تَعَالَى: {إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ}... الْآيَةَ [الأنبياء: 98]. وَقَوْلُهُ تَعَالَى: {أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ} الْأَظْهَرُ: أَنَّ الضَّمِيرَ فِي {أُعِدَّتْ} عَائِدٌ إِلَى النَّارِ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ، وَيَحْتَمِلُ عَوْدُهُ إِلَى الْحِجَارَةِ، وَلاَ مُنَافَاةَ بَيْنَ الْقَوْلَيْنِ فِي الْمَعْنَى، لِأَنَّهُمَا مُتَلاَزِمَانِ، وَ{أُعِدَّتْ} أَيْ أُرْصِدَتْ وَحُصِّلَتْ لِلْكَافِرِينَ بِاللهِ وَرَسُولِهِ، كَمَا قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ عَنْ مُحَمَّدٍ عَنْ عِكْرِمَةَ أَوْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ {أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ} أَيْ لِمَنْ كَانَ عَلَى مِثْلِ مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ مِنَ الْكُفْرِ[212]. [212] (الطبري 1/383 إسناده ضعيف لتدليس ابن إسحاق ولوجوه أخرى) [إِنَّ جَهَنَّمَ مَوْجُودَةٌ الاْنَ] وَقَدِ اسْتَدَلَّ كَثِيرٌ مِنْ أَئِمَّةِ السُّنَّةِ بِهَذِهِ الْآيَةِ عَلَى أَنَّ النَّارَ مَوْجُودَةٌ الاْنَ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {أُعِدَّتْ} أَيْ أُرْصِدَتْ وَهُيِّئَتْ، وَقَدْ وَرَدَتْ أَحَادِيثُ كَثِيرَةٌ فِي ذَلِكَ مِنْهَا: «تَحَاجَّتِ الْجَنَّـةُ وَالنَّارُ»[213]. وَمِنْهَا «اسْتَأْذَنَتِ النَّارُ رَبَّهَا فَقَالَتْ: رَبِّ أَكَلَ بَعْضِي بَعْضًا، فَأَذِنَ لَهَا بِنَفَسَيْنِ: نَفَسٍ فِي الشِّتَاءِ وَنَفَسٍ فِي الصَّيْفِ»[214]وَحَدِيثُ ابْنِ مَسْعُودٍ: سَمِعْنَا وَجْبَةً، فَقُلْنَا: مَا هَذِهِ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «هَذَا حَجَرٌ أُلْقِيَ بِهِ مِنْ شَفِيرِ جَهَنَّمَ مُنْذُ سَبْعِينَ سَنَةً، الاْنَ وَصَلَ إِلَى قَعْرِهَا». وَهُوَ عِنْدَ مُسْلِمٍ[215]. وَحَدِيثُ صَلاَةِ الْكُسُوفِ وَلَيْلَةِ الْإِسْرَاءِ، وَغَيْرُ ذَلِكَ مِنَ الْأَحَادِيثِ الْمُتَوَاتِرَةِ فِي هَذَا الْمَعْنى. [213] (مسلم 4/2186) [214] (البخاري 537، وتحفة الأحوذي 7/317) [215] (4/2184) {وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ كُلَّمَا رُزِقُوا مِنْهَا مِنْ ثَمَرَةٍ رِزْقًا قَالُوا هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ وأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَهُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} [جَزَاءُ الْمُؤْمِنِينَ الصَّالِحِينَ] لَمَّا ذَكَرَ تَعَالَى مَا أَعَدَّهُ لِأَعْدَائِهِ مِنَ الْأَشْقِيَاءِ الْكَافِرِينَ بِهِ وَبِرُسُلِهِ مِنَ الْعَذَابِ وَالنَّكَالِ، عَطَفَ بِذِكْرِ حَالِ أَوْلِيَائِهِ مِنَ السُّعَدَاءِ الْمُؤْمِنِينَ بِهِ وَبِرُسُلِهِ الَّذِينَ صَدَّقُوا إِيمَانَهُمْ بِأَعْمَالِهِمُ الصَّالِحَةِ. وَهَذَا مَعْنى تَسْمِيَةِ الْقُرْآنِ "مَثَانِيَ" عَلَى أَصَحِّ أَقْوَالِ الْعُلَمَاءِ كَمَا سَنَبْسُطُهُ فِي مَوْضِعِهِ، وَهُوَ أَنْ يُذْكَرَ الْإِيمَانُ وَيُتْبَعَ بِذِكْرِ الْكُفْرِ أَوْ عَكْسُهُ، أَوْ حَالُ السُّعَدَاءِ ثُمَّ الْأَشْقِيَاءِ أَوْ عَكْسُهُ، وَحَاصِلُهُ ذِكْرُ الشَّيْءِ وَمُقَابِلِهِ. وَأَمَّا ذِكْرُ الشَّيْءِ وَنَظِيرِهِ فَذَاكَ التَّشَابُهُ كَمَا سَنُوَضِّحُهُ إِنْ شَاءَ اللهُ. فَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى: {وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ} فَوَصَفَهَا بِأَنَّهَا تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ، أَيْ مِنْ تَحْتِ أَشْجَارِهَا وَغُرَفِهَا، وَقَدْ جَاءَ فِي الْحَدِيثِ: أَنَّ أَنْهَارَهَا تَجْرِي فِي غَيْرِ أُخْدُودٍ[216]، وَجَاءَ فِي الْكَوْثَرِ أَنَّ حَافَـتَيْهِ قِبَابُ اللُّؤْلُؤِ الْمُجَوَّفِ، وَلاَ مُنَافَاةَ بَيْنَهُمَا، فَطِينُهَا الْمِسْكُ الْأَذْفَرُ، وَحَصْبَاؤُهَا اللُّؤْلُؤُ وَالْجَوْهَرُ، نَسْأَلُ اللهَ مِنْ فَضْلِهِ، إِنَّهُ هُوَ الْبَرُّ الرَّحِيمُ. [216] (في سنده سعيد بن إياس الجرير وهو مختلط وسماع يزيد بن هارون عنه متأخر، وقول سروق، صحيح ثابت) وَرَوَى ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «أَنْهَارُ الْجَنَّةِ تَفَجَّرُ تَحْتَ تِلاَلٍ - أَوْ مِنْ تَحْتِ جِبَالِ - الْمِسْكِ»[217] وَرَوَى أَيْضًا عَنْ مَسْرُوقٍ، قَالَ: قَالَ عَبْدُ اللهِ: أَنْهَارُ الْجَنَّةِ تَفَجَّرُ مِنْ جَبَلِ الْمِسْكِ[218]. [217] (ابن أبي حاتم 1/87) [218] (لبن أبي حاتم 1/88) [مُشَابَهَةُ ثِمَارِ الْجَنَّةِ بَعْضِهَا بِبَعْضٍ] وَقَوْلُهُ تَعَالَى: {كُلَّمَا رُزِقُوا مِنْهَا مِنْ ثَمَرَةٍ رِزْقًا قَالُوا هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ} وَرَوَى ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ عَنْ يَحْيَى ابْنُ أَبِي كَثِيرٍ، قَالَ: عُشُبُ الْجَنَّةِ الزَّعْفَرَانُ، وَكُثْبَانُهَا الْمِسْكُ، وَيَطُوفُ عَلَيْهِمُ الْوِلْدَانُ بِالْفَوَاكِهِ فَيَأْكُلُونَهَا، ثُمَّ يُؤْتَوْنَ بِمِثْلِهَا، فَيَقُولُ لَهُمْ أَهْلُ الْجَنَّةِ: هَذَا؛ الَّذِي أَتَيْتُمُونَا آنِفًا بِهِ، فَتَقُولُ لَهُمُ الْوِلْدَانُ: كُلُوا فَاللَّوْنُ وَاحِدٌ وَالطَّعْمُ مُخْتَلِفٌ، وَهُوَ قَوْلُ اللهِ تَعَالَى: {وأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا}[219]. وَقَالَ أَبُو جَعْفَرٍ الرَّازِيُّ عَنِ الرَّبِيعِ بْنِ أَنَسٍ عَنْ أَبِي الْعَالِيَةِ {وأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا} قَالَ: يُشْبِهُ بَعْضُهُ بَعْضًا، وَيَخْتَلِفُ فِي الطَّعْمِ[220]. وَقَالَ عِكْرِمَةُ: {وأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا} قَالَ يُشْبِهُ ثَمَرَ الدُّنْيَا، غَيْرَ أَنَّ ثَمَرَ الْجَنَّةِ أَطْيَبُ[221]. وَقَالَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ عَنِ الْأَعْمَشِ عَنْ أَبِي ظُبْيَانَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: لاَ يُشْبِهُ شَيْءٌ مِمَّا فِي الْجَنَّةِ مَا فِي الدُّنْيَا إِلاَّ فِي الْأَسْمَاءِ. وَفِي رِوَايَةٍ: لَيْسَ فِي الدُّنْيَا مِمَّا فِي الْجَنَّةِ إِلاَّ الْأَسْمَاءُ.[222]. [219] (ابن أبي حاتم 1/90) [220] (ابن أبي حاتم 1/90) [221] (الطبري 1/391) [222] (الطبري 1/392) [أَزْوَاجُ أَهْلِ الْجَنَّةِ مُطَهَّرَاتٌ] وَقَوْلُهُ تَعَالَى: {وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ} قَالَ ابْنُ أَبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: مُطَهَّرَةٌ مِنَ الْقَذَرِ وَالْأَذَى[223]. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: مِنَ الْحَيْضِ وَالْغَائِطِ وَالْبَوْلِ وَالنُّخَامِ وَالْبُزَاقِ وَالْمَنِيِّ وَالْوَلَدِ[224]. وَقَالَ قَتَادَةُ: مُطَهَّرَةٌ مِنَ الْأَذَى وَالْمَأْثَمِ، وَفِي رِوَايَةٍ عَنْهُ: لاَ حَيْضَ وَلاَ كَلَفَ[225]. وَرُوِيَ عَنْ عَطَاءٍ وَالْحَسَنِ وَالضَّحَّاكِ وَأَبِي صَالِحٍ وَعَطِيَّةَ وَالسُّدِّيِّ نَحْوُ ذَلِكَ[226]. [223] (الطبري 1/395) [224] (الطبري 1/396) [225] (ابن أبي حاتم 1/91) [226] (ابن أبي حاتم 1/92) وَقَوْلُهُ تَعَالَى: {وَهُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} هَذَا هُوَ تَمَامُ السَّعَادَةِ، فَإِنَّهُمْ مَعَ هَذَا النَّعِيمِ فِي مَقَامٍ أَمِينٍ مِنَ الْمَوْتِ وَالاِنْقِطَاعِ، فَلاَ آخِرَ لَهُ وَلاَ انْقِضَاءَ، بَلْ فِي نَعِيمٍ سَرْمَدِيٍّ أَبَدِيٍّ عَلَى الدَّوَامِ، وَاللهُ الْمَسْؤُولُ أَنْ يَحْشُرَنَا فِي زُمْرَتِهِمْ، إِنَّهُ جَوَادٌ كَرِيمٌ بَرٌّ رَحِيمٌ. {إِنَّ اللَّهَ لاَ يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلاً مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا فَأَمَا الَّذِينَ آمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَأَمَا الَّذِينَ كَفَرُوا فَيَقُولُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلاً يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلاَّ الْفَاسِقِينَ *الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الأَرْضِ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ} رَوَى السُّدِّيُّ فِي تَفْسِيرِهِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَابْنِ مَسْعُودٍ، وَعَنْ نَاسٍ مِنَ الصَّحَابَةِ: لَمَّا ضَرَبَ اللهُ هذَيْنِ الْمَثَلَيْنِ لِلْمُنَافِقِينَ، يَعْنِي قَوْلَهُ تَعَالَى: {مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اُسْتَوْقَدَ نَارًا} وَقَوْلَهُ: {أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّمَاءِ} الْآيَاتِ الثَّـلاَثَ [17-20] قَالَ الْمُنَافِقُونَ: اَللهُ أَعْلَى وَأَجَلُّ مِنْ أَنْ يَضْرِبَ هَذِهِ الْأَمْثَالَ، فَأَنْزَلَ اللهُ هَذِهِ الْآيَةَ إِلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: {هُمُ الْخَاسِرُونَ}[227]وَقَالَ سَعِيدٌ عَنْ قَتَادَةَ: أَيْ إِنَّ اللهَ لاَ يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ أَنْ يَذْكُرَ شَيْئًا مِمَّا قَلَّ أَوْ كَثُرَ. وَإِنَّ اللهَ حِينَ ذَكَرَ فِي كِتَابِهِ الذُّبَابَ وَالْعَنْكَبُوتَ، قَالَ أَهْلُ الضَّلاَلَةِ: مَا أَرَادَ اللهُ مِنْ ذِكْرِ هَذَا؟ فَأَنْزَلَ اللهُ: {إِنَّ اللَّهَ لاَ يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلاً مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا}[228]. [227] (الطبري 1/398) [228] (الطبري 1/399) [مَثَلٌ لِلدُّنْيَا] وَقَالَ أَبُو جَعْفَرٍ الرَّازِيُّ عَنِ الرَّبِيعِ بْنِ أَنَسٍ فِي هَذِهِ الْآيَةِ قَالَ: هَذَا مَثَلٌ ضَرَبَهُ اللهُ لِلدُّنْيَا أَنَّ الْبَعُوضَةَ تَحْيَا مَا جَاعَتْ، فَإِذَا سَمِنَتْ مَاتَتْ، وَكَذَلِكَ مَثَلُ هؤُلاَءِ الْقَوْمِ الَّذِينَ ضُرِبَ لَهُمْ هَذَا الْمَثَلُ فِي الْقُرْآنِ إِذَا امْتَلَؤُوا مِنَ الدُّنْيَا رِيًّا أَخَذَهُمُ اللهُ عِنْدَ ذَلِكَ، ثُمَّ تَلاَ: {فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ} [الأنعام: 44] [229]وَمَعْنَى الْآيَةِ أَنَّهُ تَعَالَى أَخْبَرَ أَنَّهُ لاَ يَسْتَحْيِي، أَيْ لاَ يَسْتَنْكِفُ، وَقِيلَ: لاَ يَخْشَى، أَنْ يَضْرِبَ مَثَلاً مَا، أَيْ: أَيَّ مَثَلٍ كَانَ، بِأَيِّ شَيْءٍ كَانَ، صَغِيرًا كَانَ أَوْ كَبِيرًا. [229] (الطبري 1/398) وَقَوْلُهُ تَعَالَى: {فَمَا فَوْقَهَا} أَيْ مَا هُوَ أَكْبَرُ مِنْهَا لِأَنَّهُ لَيْسَ شَيْءٌ أَحْقَرَ وَلاَ أَصْغَرَ مِنَ الْبَعُوضَةِ. رَوَى مُسْلِمٌ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «مَا مِنْ مُسْلِمٍ يُشَاكُ شَوْكَةً فَمَا فَوْقَهَا إِلاَّ كُتِبَ لَهُ بِهَا دَرَجَةٌ، وَمُحِيَتْ عَنْهُ بِهَا خَطِيئَةٌ»[230]فَأَخْبَرَ أَنَّهُ لاَ يَسْتَصْغِرُ شَيْئًا يَضْرِبُ بِهِ مَثَلاً وَلَوْ كَانَ فِي الْحَقَارَةِ وَالصِّغْرِ كَالْبَعُوضَةِ، كَمَا لاَ يَسْتَنْكِفُ عَنْ خَلْقِهَا كَذَلِكَ لاَ يَسْتَنْكِفُ مِنْ ضَرْبِ الْمَثَلِ بِهَا، كَمَا ضَرَبَ الْمَثَلَ بِالذُّبَابِ وَالْعَنْكَبُوتِ فِي قَوْلِهِ: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لاَ يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ} [الحج: 73] وَقَالَ: {مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتًا وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ} [العنكبوت: 41] وَقَالَ تَعَالَى: {أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً كَلِمَةً طِيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ *تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا وَيَضْرِبُ اللَّهُ الأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ *وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ اجْتُثَّتْ مِنْ فَوْقِ الأَرْضِ مَا لَهَا مِنْ قَرَارٍ *يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ} [إبراهيم: 24-27] وَقَالَ تَعَالَى: {ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً عَبْدًا مَمْلُوكًا لاَ يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ}... الْآيَةَ [النحل: 75]، ثُمَّ قَالَ: {وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً رَجُلَيْنِ أَحَدُهُمَا أَبْكَمُ لاَ يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ وَهُوَ كَلٌّ عَلَى مَوْلاَهُ أَيْنَمَا يُوَجِّهْهُ لاَ يَأْتِ بِخَيْرٍ هَلْ يَسْتَوِي هُوَ وَمَنْ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ}... الْآيَةَ [النحل: 76]، كَمَا قَالَ: {ضَرَبَ لَكُمْ مَثَلاً مِنْ أَنْفُسِكُمْ هَلْ لَكُمْ مِن مَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ شُرَكَاءَ فِي مَا رَزَقْنَاكُمْ}... الْآيَةَ [الروم: 28]. [230] (مسلم 4/1991) وَقَالَ مُجَاهِدٌ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {إِنَّ اللَّهَ لاَ يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلاً مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا} الْأَمْثَالُ صَغِيرُهَا وَكَبِيرُهَا يُؤْمِنُ بِهَا الْمُؤْمِنُونَ، وَيَعْلَمُونَ أَنَّهَا الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ، وَيَهْدِيهِمُ اللهُ بِهَا[231]. [231] (ابن أبي حاتم 1/93) رَوَى السُّدِّيُّ فِي تَفْسِيرِهِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَابْنِ مَسْعُودٍ وَعَنْ نَاسٍ مِنَ الصَّحَابَةِ {يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا} يَعْنِي بِهِ الْمُنَافِقِينَ، وَيَهْدِي بِهِ الْمُؤْمِنِينَ، فَيَزِيدُ هؤُلاَءِ ضَلاَلَةً إِلَى ضَلاَلَتِهِمْ لِتَكْذِيبِهِمْ بِمَا قَدْ عَلِمُوهُ حَقًّا يَقِينًا مِنَ الْمَثَلِ الَّذِي ضَرَبَهُ اللهُ بِمَا ضَرَبَ لَهُمْ، وَأَنَّهُ لِمَا ضُرِبَ لَهُ مُوَافِقٌ، فَذَلِكَ إِضْلاَلُ اللهِ إِيَّاهُمْ بِهِ[232]. {وَيَهْدِي بِهِ} يَعْنِي الْمَثَلَ {كَثِيرًا} مِنْ أَهْلِ الْإِيمَانِ وَالتَّصْدِيقِ، فَيَزِيدُهُمْ هُدًى إِلَى ُهدَاهُمْ، وَإِيمَانًا إِلَى إِيمَانِهِمْ، لِتَصْدِيقِهِمْ بِمَا قَدْ عَلِمُوهُ حَقًّا يَقِينًا أَنَّهُ مَوَافِقٌ لِمَا ضَرَبَهُ اللهُ لَهُ مَثَلاً، وَإِقْرَارِهِمْ بِهِ، وَذَلِكَ هِدَايَةٌ مِنَ اللهِ لَهُمْ بِهِ {وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلاَّ الْفَاسِقِينَ} قَالَ: هُمُ الْمُنَافِقُونَ. [232] (الطبري 1/408) وَالْفَاسِقُ فِي اللُّغَةِ هُوَ الْخَارِجُ عَنِ الطَّاعَةِ، وَتَقُولُ الْعَرَبُ: فَسَقَتِ الرُّطَبَةُ: إِذَا خَرَجَتْ مِنْ قِشْرَتِهَا. وَلِهَذَا يُقَالُ لِلْفَأْرَةِ فُوَيْسِقَةٌ لِخُرُوجِهَا عَنْ جُحْرِهَا لِلْفَسَادِ. وَثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «خَمْسٌ فَوَاسِقُ يُقْتَلْنَ فِي الْحِلِّ وَالْحَرَمِ: الْغُرَابُ وَالْحِدَأَةُ وَالْعَقْرَبُ وَالْفَأْرَةُ وَالْكَلْبُ الْعَقُورُ»[233]. [233] (فتح الباري 6/408، ومسلم 2/856) فَالْفَاسِقُ يَشْمَلُ الْكَافِرَ وَالْعَاصِيَ، وَلكِنْ فِسْقُ الْكَافِرِ أَشَدُّ وَأَفْحَشُ، وَالْمُرَادُ بِهِ فِي الْآيَةِ الْفَاسِقُ الْكَافِرُ، وَاللهُ أَعْلَمُ بِدَلِيلِ أَنَّهُ وَصَفَهُمْ بِقَوْلِهِ تَعَالَى{الَّذِينَ يَنقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِن بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَن يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الأَرْضِ أُولَـئِكَ هُمُ الْخَاسِرُون} وَهَذِهِ الصِّفَاتُ صِفَاتُ الْكُفَّارِ الْمُبَايِنَةُ لِصِفَاتِ الْمُؤْمِنِينَ كَمَا قَالَ تَعَالَى فِي سُورَةِ الرَّعْدِ {أَفَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَى إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الأَلْبَابِ *الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَلاَ يَنْقُضُونَ الْمِيثَاقَ *وَالَّذِينَ يَصِلُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ وَيَخَافُونَ سُوءَ الْحِسَابِ} الْآيَاتِ، إِلَى أَنْ قَالَ: {وَالَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الأَرْضِ أُولَئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ} [الرعد: 19-25] وَالْعَهْدُ الَّذِي وَصَفَ هؤُلاَءِ الْفَاسِقِينَ بِنَقْضِهِ، هُوَ: وَصِيَّةُ اللهِ إِلَى خَلْقِهِ، وَأَمْرُهُ إِيَّاهُمْ بِمَا أَمَرَهُمْ بِهِ مِنْ طَاعَتِهِ، وَنَهْيُهُ إِيَّاهُمْ عَمَّا نَهَاهُمْ عَنْهُ مِنْ مَعْصِيَتِهِ، فِي كُتُبِهِ وَعَلَى لِسَانِ رُسُلِهِ، وَنَقْضُهُمْ ذَلِكَ هُوَ تَرْكُهُمُ الْعَمَلَ بِهِ. وَقِيلَ: بَلْ هِيَ فِي كُفَّارِ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُنَافِقِينَ مِنْهُمْ، وَالْعَهْدُ الَّذِي نَقَضَهُ أَهْلُ الْكِتَابِ هُوَ مَا أَخَذَ اللهُ عَلَيْهِمْ فِي التَّوْرَاةِ مِنَ الْعَمَلِ بِمَا فِيهَا، وَاتِّبَاعِ مُحَمَّدٍ ﷺ إِذَا بُعِثَ، وَالتَّصْدِيقِ بِهِ وَبِمَا جَاءَ بِهِ مِنْ عِنْدِ رَبِّهِمْ، وَنَقْضُهُمْ ذَلِكَ، هُوَ: جُحُودُهُمْ بِهِ بَعْدَ مَعْرِفَتِهِمْ بِحَقِيقَتِهِ وَإِنْكَارُهُمْ ذَلِكَ، وَكِتْمَانُهُمْ عِلْمَ ذَلِكَ عَنِ النَّاسِ، بَعْدَ إِعْطَائِهِمُ اللهَ مِنْ أَنْفُسِهِمُ الْمِيثَاقَ: لَيُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلاَ يَكْتُمُونَهُ، فَأَخْبَرَ تَعَالَى أَنَّهُمْ نَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلاً. وهذا اختيار ابن جرير رحمه الله وهو قول مقاتل بن حيان. وَقِيلَ: بَلْ عُنِيَ بِهَذِهِ الْآيَةِ جَمِيعُ أَهلِ الْكُفْرِ وَالشِّرْكِ وَالنِّفَاقِ، وَعَهْدُهُ إِلَى جَمِيعِهِمْ فِي تَوْحِيدِهِ: مَا وَضَعَ لَهُمْ مِنَ الْأَدِلَّةِ الدَّالَّةِ عَلَى رُبُوبِيَّتِهِ. وَعَهْدُهُ إِلَيْهِمْ فِي أَمْرِهِ وَنَهْيِهِ: مَا احْتَجَّ بِهِ لِرُسُلِهِ مِنَ الْمُعْجِزَاتِ الَّتِي لاَ يَقْدِرُ أَحَدٌ مِنَ النَّاسِ غَيْرُهُمْ: أَنْ يَأْتِيَ [بِمِثْلِهَا]، الشَّاهِدَةِ لَهُمْ عَلَى صِدْقِهِمْ، قَالُوا: وَنَقْضُهُمْ ذَلِكَ: تَرْكُهُمُ الْإِقْرَارَ بِمَا قَدْ تَبَيَّنَتْ لَهُمْ صِحَّتُهُ بِالْأَدِلَّةِ، وَتَكْذِيبُهُمُ الرُّسُلَ وَالْكُتُبَ، مَعَ عِلْمِهِمْ أَنَّ مَا أَتَوْا بِهِ حَقٌّ. وَرُوِيَ عَنْ مُقَاتِلِ بْنِ حَيَّانَ أَيْضًا نَحْوُ هَذَا وَهُوَ حَسَنٌ، وَإِلَيْهِ مَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ. وَقَوْلُهُ: {وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ} قِيلَ: الْمُرَادُ بِهِ صِلَةُ الْأَرْحَامِ وَالْقَرَابَاتِ، كَمَا فَسَّرَهُ قَتَادَةُ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ} [محمد: 22] [234]وَرَجَّحَهُ ابْنُ جَرِيرٍ. [234] (الطبري 1/416) وَقِيلَ: الْمُرَادُ أَعَمُّ مِنْ ذَلِكَ. فَكُلُّ مَا أَمَر اللهُ بِوَصْلِهِ وَفِعْلِهِ فَقَطَعُوهُ وَتَرَكُوهُ. [اَلْمُرَادُ بِالْخُسْرَانِ] وَقَالَ مُقَاتِلُ بْنُ حَيَّانَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ} قَالَ: فِي الآْخِرَةِ[235]. وَهَذَا كَمَا قَالَ تَعَالَى: {أُولَئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ} [الرعد: 25] وَقَالَ الضَّحَّاكُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: كُلُّ شَيْءٍ نَسَبَهُ اللهُ إِلَى غَيْرِ أَهْلِ الْإِسْلاَمِ مِنِ اسْمٍ مِثْلَ خَاسِرٍ، فَإِنَّمَا يَعْنِي بِهِ: الْكُفْرَ، وَمَا نَسَبَهُ إِلَى أَهْلِ الْإِسْلاَمِ، فَإِنَّمَا يَعْنِي بِهِ: الذَّنْبَ[236]. وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ} الْخَاسِرُونَ جَمْعُ خَاسِرٍ، وَهُمُ النَّاقِصُونَ أَنْفُسَهُمْ حُظُوظَهُمْ - بِمَعْصِيَتِهِمُ اللهَ مِنْ رَحْمَتِهِ، كَمَا يَخْسَرُ الرَّجُلُ فِي تِجَارَتِهِ بِأَنْ يُوضَعَ مِنْ رَأْسِ مَالِهِ فِي بَيْعِهِ، وَكَذَلِكَ الْمُنَافِقُ وَالْكَافِرُ خَسِرَ بِحِرْمَانِ اللهِ إِيَّاهُ رَحْمَتَهُ الَّتِي خَلَقَهَا لِعِبَادَهِ فِي الْقِيَامَةِ أَحْوَجَ مَا كَانُوا إِلَى رَحْمَتِهِ. يُقَالُ مِنْهُ خَسِرَ الرَّجُلُ يَخْسَرُ خَسْرًا وَخُسَرانًا، كَمَا قَالَ جَرِيرُ بْنُ عَطِيَّـةَ: [235] (ابن أبي حاتم 1/101) [236] (الطبري 1/417 إسناده ضعيف منقطع الضحاك لم يسمع من ابن عباس) إِنَّ سَلِيطًا فِي الْخَسَارِ إِنَّهْ ** أَوْلاَدُ قَـوْمٍ خُلِقُوا أَقِنَّهْ [237] [237] (الطبري 1/417) {كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} يَقُولُ تَعَالَى مُحْتَجًّا عَلَى وُجُودِهِ وَقُدْرَتِهِ وَأَنَّهُ الْخَالِقُ الْمُتَصَرِّفُ فِي عِبَادِهِ: {كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ} أَيْ كَيْفَ تَجْحَدُونَ وُجُودَهُ أَوْ تَعْبُدُونَ مَعَهُ غَيْرَهُ {وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ} أَيْ وَقَدْ كُنْتُمْ عَدَمًا فَأَخْرَجَكُمْ إِلَى الْوُجُودِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: {أَمْ خَلَقُوا السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ بَلْ لاَ يُوقِنُونَ} [الطور: 35، 36] وَقَالَ تَعَالَى: {هَلْ أَتَى عَلَى الإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا} [الإنسان: 1] وَالآْيَاتُ فِي هَذَا كَثِيرَةٌ، وَقَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ عَنْ عَطَاءٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: {وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ} أَمْوَاتًا فِي أَصْلاَبِ آبَائِكُمْ لَمْ تَكُونُوا شَيْئًا حَتَّى خَلَقَكُمْ، ثُمَّ يُمِيتُكُمْ مَوْتَةَ الْحَقِّ، ثُمَّ يُحْيِيكُمْ حِينَ يَبْعَثُكُمْ، قَالَ: وَهِيَ مِثْلُ قَوْلِهِ تَعَالَى: {أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ} [غافر: 11][238]. [238] (الطبري 1/419) {هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيءٍ عَلِيمٌ} [بَيَانُ دَلاَئِلِ الْقُدْرَةِ] لَمَّا ذَكَرَ تَعَالَى دَلاَلَةً مِنْ خَلْقِهِمْ وَمَا يُشَاهِدُونَهُ مِنْ أَنْفُسِهِمْ ذَكَرَ دَلِيلاً آخَرَ مِمَّا يُشَاهِدُونَهُ مِنْ خَلْقِ السَّموَاتِ وَالْأَرْضِ فَقَالَ: {هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ} أَيْ قَصَدَ إِلَى السَّمَاءِ. والاستواء ههنا تضمن معنى القصد والإقبال لأنه عُدّي بإلى أَيْ {فَسَوَّاهُنَّ} فَخَلَقَ السَّمَاءَ سَبْعًا، وَالسَّمَاءُ ههُنَا اسْمُ جِنْسٍ فَلِهَذَا قَالَ: {فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ}. {وَهُوَ بِكُلِّ شَيءٍ عَلِيمٌ} أَيْ وَعِلْمُهُ مُحِيطٌ بِجَمِيعِ مَا خَلَقَ، كَمَا قَالَ: {أَلاَ يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ} [الملك: 14]. [بِدَايَةُ الْخَلْقِ] وَتَفْصِيلُ هَذِهِ الْآيَةِ فِي سُورَةِ حم السَّجْدَةِ وَهُوَ قَوْلُهُ تَعَالَى: {قُلْ أَإِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْدَادًا ذَلِكَ رَبُّ الْعَالَمِينَ *وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِنْ فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاءً لِلسَّائِلِينَ *ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ *فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ وَأَوْحَى فِي كُلِّ سَمَاءٍ أَمْرَهَا وَزَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَحِفْظًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ} [فصلت: 9-12] فَفِي هَذَا دَلاَلَةٌ عَلَى أَنَّهُ تَعَالَى ابْتَدَأَ بِخَلْقِ الْأَرْضِ أَوَّلاً، ثُمَّ خَلَقَ السَّموَاتِ سَبْعًا، وَهَذَا شَأْنُ الْبِنَاءِ أَنْ يُبْدَأَ بِعِمَارَةِ أَسَافِلِهِ ثُمَّ أَعَالِيهِ بَعْدَ ذَلِكَ، وَقَدْ صَرَّحَ الْمُفَسِّرُونَ بِذَلِكَ كَمَا سَنَذْكُرُهُ بَعْدَ هَذَا. إِنْ شَاءَ اللهُ. فَأَمَّا قَوْلُهُ تَعَالَى: {أَأَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمِ السَّمَاءُ بَنَاهَا *رَفَعَ سَمْكَهَا فَسَوَّاهَا *وَأَغْطَشَ لَيْلَهَا وَأَخْرَجَ ضُحَاهَا *وَالأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا *أَخْرَجَ مِنْهَا مَاءَهَا وَمَرْعَاهَا *وَالْجِبَالَ أَرْسَاهَا *مَتَاعًا لَكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ} [النازعات: 27-33] فَقَدْ قِيلَ: إِنَّ {ثُمَّ} ها هُنَا إِنَّمَا هِيَ لِعَطْفِ الْخَبَرِ عَلَى الْخَبَرِ، لاَ لِعَطْفِ الْفِعْلِ عَلَى الْفِعْلِ. رَوَاهُ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ[239]. كَمَا قَالَ الشَّاعِرُ: [239] (الطبري 1/437) قُلْ لِمَنْ سَادَ ثُمَّ سَادَ أَبُوهُ ** ثُمَّ قَدْ سَادَ - وَقَبْلَ ذَلِكَ - جَدُّهُ [خُلِقَتِ الْأَرْضُ قَبْلَ السَّمَاوَاتِ] وَقَالَ مُجَاهِدٌ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا} قَالَ: خَلَقَ اللهُ الْأَرْضَ قَبْلَ السَّمَاءِ، فَلَمَّا خَلَقَ الْأَرْضَ ثَارَ مِنْهَا دُخَانٌ، فَذَلِكَ حِينَ يَقُولُ: {ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ} [فصلت:11] {فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ} قَالَ: بَعْضَهُنَّ فَوقَ بَعْضٍ، وَسَبْعَ أَرَضِينَ يَعْنِي بَعْضَهَا تَحْتَ بَعْضٍ[240]. وَهَذِهِ الْآيَةُ دَالَّةٌ عَلَى أَنَّ الْأَرْضَ خُلِقَتْ قَبْلَ السَّمَاءِ، كَمَا قَالَ فِي آيَاتِ سُورَةِ السَّجْدَةِ الْمَاضِيَةِ. فَهَذِهِ وَهَذِهِ دَالَّتَانِ عَلَى أَنَّ الْأَرْضَ خُلِقَتْ قَبْلَ السَّمَاءِ. [240] (الطبري 1/436) [دُحِيَتِ الْأَرْضُ بَعْدَ خَلْقِ السَّمَاوَاتِ] وَفِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ سُئِلَ عَنْ هَذَا بِعَيْنِهِ فَأَجَابَ بِأَنَّ الْأَرْضَ خُلِقَتْ قَبْلَ السَّمَاءِ، وَأَنَّ الْأَرْضَ إِنَّمَا دُحِيَتْ بَعْدَ خَلْقِ السَّمَاءِ[241]. وَكَذَلِكَ أَجَابَ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ عُلَمَاءِ التَّفْسِيرِ قَدِيمًا وَحَدِيثًا، وَقَدْ حَرَّرْنَا ذَلِكَ فِي سُورَةِ النَّازِعَاتِ، وَحَاصِلُ ذَلِكَ أَنَّ الدَّحْيَ مُفَسَّرٌ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَالأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا *أَخْرَجَ مِنْهَا مَاءَهَا وَمَرْعَاهَا *وَالْجِبَالَ أَرْسَاهَا} فَفُسِّرَ الدَّحْيُ بِإِخْرَاجِ مَا كَانَ مُودَعًا فِيهَا بِالْقُوَّةِ إِلَى الْفِعْلِ، لَمَّا أُكْمِلَتْ صُورَةُ الْمَخْلُوقَاتِ الْأَرَضِيَّةِ ثُمَّ السَّمَاوِيَّةِ دَحَى بَعْدَ ذَلِكَ الْأَرْضَ، فَأَخْرَجَتْ مَا كَانَ مُودَعًا فِيهَا مِنَ الْمِيَاهِ، فَنَبَتَتِ النَّبَاتَاتُ عَلَى اخْتِلاَفِ أَصْنَافِهَا وَصِفَاتِهَا وَأَلْوَانِهَا وَأَشْكَالِهَا، وَكَذَلِكَ جَرَتْ هَذِهِ الْأَفْلاَكُ فَدَارَتْ بِمَا فِيهَا مِنَ الْكَوَاكِبِ الثَّوَابِتِ وَالسَّيَّارَةِ، وَاللهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أَعْلَمُ. [241] (فتح الباري 8/417) {وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُواْ أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاء وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُون * وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاء كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلاَئِكَةِ فَقَالَ أَنبِئُونِي بِأَسْمَاء هَـؤُلاء إِن كُنتُمْ صَادِقِين * قَالُواْ سُبْحَانَكَ لاَ عِلْمَ لَنَا إِلاَّ مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيم * قَالَ يَا آدَمُ أَنبِئْهُم بِأَسْمَائِهِمْ فَلَمَّا أَنبَأَهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ قَالَ أَلَمْ أَقُل لَّكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنتُمْ تَكْتُمُون * وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلاَئِكَةِ اسْجُدُواْ لآدَمَ فَسَجَدُواْ إِلاَّ إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِين * وَقُلْنَا يَا آدَمُ اسْكُنْ أَنتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلاَ مِنْهَا رَغَداً حَيْثُ شِئْتُمَا وَلاَ تَقْرَبَا هَـذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الْظَّالِمِين * فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ وَقُلْنَا اهْبِطُواْ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِين * فَتَلَقَّى آدَمُ مِن رَّبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيم}. {وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ} [اِسْتِخْلاَفُ آدَمَ وَبَنِيهِ لِلْمَلاَئِكَةِ وَمَا قَالُوهُ] يُخْبِرُ تَعَالَى بِامْتِنَانِهِ عَلَى بَنِي آدَمَ بِتَنْوِيهِهِ بِذِكْرِهِمْ فِي الْمَلَأِ الْأَعْلَى قَبْلَ إِيجَادِهِمْ، فَقَالَ تَعَالَى: {وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ} [30] أَيْ وَاذْكُرْ يَا مُحَمَّدُ إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ، وَاقْصُصْ عَلَى قَوْمِكَ ذَلِكَ. {إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً} أَيْ قَوْمًا يَخْلُفُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا، قَرْنًا بَعْدَ قَرْنٍ وَجِيلاً بَعْدَ جِيلٍ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: {وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلاَئِفَ الأَرْضِ} [الأنعام: 165] وَقَالَ: {وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الأَرْضِ} [النمل: 62] وَقَالَ: {وَلَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَا مِنْكُمْ مَلاَئِكَةً فِي الأَرْضِ يَخْلُفُونَ} [الزخرف: 60] وَقَالَ: {فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ} [الأعراف: 169، ومريم: 59] وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ لَمْ يُرِدْ آدَمَ عَيْنًا، إِذْ لَوْ كَانَ كَذَلِكَ لَمَا حَسُنَ قَوْلُ الْمَلاَئِكَةِ: {أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ} فَإِنَّهُمْ أَرَادُوا أَنَّ مِنْ هَذَا الْجِنْسِ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ، وَكَأَنَّهُمْ عَلِمُوا ذَلِكَ بِعِلْمٍ خَاصٍّ. أَوْ بِمَا فَهِمُوهُ مِنَ الطَّبِيعَةِ الْبَشَرِيَّةِ، فَإِنَّهُ أَخْبَرَهُمْ أَنَّهُ يَخْلُقُ هَذَا الصِّنْفَ مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ. أَوْ فَهِمُوا مِنَ الْخَلِيفَةِ أَنَّهُ الَّذِي يَفْصِلُ بَيْنَ النَّاسِ مَا يَقَعُ بَيْنَهُمْ مِنَ الْمَظَالِمِ، وَيَرْدَعُهُمْ عَنِ الْمَحَارِمِ وَالْمَآثِمِ، قَالَهُ الْقُرْطُبِيُّ. وَقَوْلُ الْمَلاَئِكَةِ هَذَا لَيْسَ عَلَى وَجْهِ الاِعْتِرَاضِ عَلَى اللهِ، وَلاَ عَلَى وَجْهِ الْحَسَدِ لِبَنِي آدَمَ كَمَا قَدْ يَتَوَهَّمُهُ بَعْضُ الْمُفَسِّرِينَ، وَقَدْ وَصَفَهُمُ اللهُ تَعَالَى بِأَنَّهُمْ لاَ يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ، أَيْ: لاَ يَسْأَلُونَهُ شَيْئًا لَمْ يَأْذَنْ لَهُمْ فِيهِ، وَههُنَا لَمَّا أَعْلَمَهُمْ بِأَنَّهُ سَيَخْلُقُ فِي الْأَرْضِ خَلْقًا - قَالَ قَتَادَةُ: وَقَدْ تَقَدَّمَ إِلَيْهِمْ أَنَّهُمْ يُفْسِدُونَ فِيهَا - فَقَالُوا: {أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ} الْآيَةَ...، وَإِنَّمَا هُوَ سُؤَالُ اسْتِعْلاَمٍ وَاسْتِكْشَافٍ عَنِ الْحِكْمَةِ فِي ذَلِكَ، يَقُولُونَ: يَا رَبَّنَا مَا الْحِكْمَةُ فِي خَلْقِ هؤُلاَءِ مَعَ أَنَّ مِنْهُمْ مَنْ يُفْسِدُ فِي الْأَرْضِ وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ[242]؟ فَإِنْ كَانَ الْمُرَادُ عِبَادَتَكَ فَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ، أَيْ نُصَلِّي لَكَ، كَمَا سَيَأْتِي. أَيْ وَلاَ يَصْدُرُ مِنَّا شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ، وَهَلاَّ وَقَعَ الاِقْتِصَارُ عَلَيْنَا؟ [242] (الطبري 1/464) قَالَ اللهُ تَعَالَى مُجِيبًا لَهُمْ عَنْ هَذَا السُّؤَالِ: {إِنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ} أَيْ إِنِّي أَعْلَمُ مِنَ الْمَصْلَحَةِ الرَّاجِحَةِ فِي خَلْقِ هَذَا الصِّنْفِ عَلَى الْمَفَاسِدِ الَّتِي ذَكَرْتُمُوهَا مَالاَ تَعْلَمُونَ أَنْتُمْ، فَإِنِّي جَاعِلٌ فِيهِمُ الْأَنْبِيَاءَ، وَأُرْسِلُ فِيهِمُ الرُّسُلَ، وَيُوجَدُ مِنْهُمُ الصِّدِّيقُونَ وَالشُّهَدَاءُ وَالصَّالِحُونَ، وَالْعُبَّادُ وَالزُّهَادُ وَالْأَوْلِيَاءُ وَالْأَبْرَارُ، وَالْمُقَرَّبُونَ وَالْعُلَمَاءُ الْعَامِلُونَ، وَالْخَاشِعُونَ وَالْمُحِبُّونَ لَهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى، الْمُتَّبِعُونَ رُسُلَهُ صَلَوَاتُ اللهِ وَسَلاَمُهُ عَلَيْهِمْ. وَقَدْ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ أَنَّ الْمَلاَئِكَةَ إِذَا صَعِدَتْ إِلَى الرَّبِّ تَعَالَى بِأَعْمَالِ عِبَادِهِ يَسْأَلُهُمْ وَهُوَ أَعْلَمُ: كَيْفَ تَرَكْتُمْ عِبَادِي؟ فَيَقُولُونَ: أَتَيْنَاهُمْ وَهُمْ يُصَلُّونَ، وَتَرَكْنَاهُمْ وَهُمْ يُصَلُّونَ[243]. وَذَلِكَ لِأَنَّهُمْ يَتَعَاقَبُونَ فِينَا، وَيَجْتَمِعُونَ فِي صَلاَةِ الصُّبْحِ وَفِي صَلاَةِ الْعَصْرِ، فَيَمْكُثُ هؤُلاَءِ وَيَصْعَدُ أُولَئِكَ بِالْأَعْمَالِ، كَمَا قَالَ عَلَيْهِ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ: «يُرْفَعُ إِلَيْهِ عَمَلُ اللَّيْلِ قَبْلَ النَّهَارِ، وَعَمَلُ النَّهَارِ قَبْلَ اللَّيْلِ»[244]. فَقَولُهُمْ: أَتَيْنَاهُمْ وَهُمْ يُصَلُّونَ وَتَرَكْنَاهُمْ وَهُمْ يُصَلُّونَ مِنْ تَفْسِيرِ قَوْلِهِ لَهُمْ: {إِنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ}. [243] (فتح الباري 13/426) [244] (مسلم 179، ومسند أبي عوانة 1/145) وَقِيلَ: مَعْنَى قَوْلِهِ تَعَالَى جَوَابًا لَهُمْ: {إِنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ} إِنَّ لِي حِكْمَةً مُفَصَّلَةً فِي خَلْقِ هؤُلاَءِ، وَالْحَالَةُ مَا ذَكَرْتُمْ، لاَ تَعْلَمُونَهَا، وَقِيلَ: إِنَّهُ جَوَابٌ {وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ} فَقَالَ: {إِنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ} أَيْ مِنْ وُجُودِ إِبْلِيسَ بَيْنَكُمْ، وَلَيْسَ هُوَ كَمَا وَصَفْتُمْ أَنْفُسَكُمْ بِهِ. وَقِيلَ: بَلْ تَضَمَّنَ قَوْلُهُمْ: {أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ} طَلَبًا مِنْهُمْ أَنْ يَسْكُنُوا الْأَرْضَ بَدَلَ بَنِي آدَمَ، فَقَالَ اللهُ تَعَالَى لَهُمْ: {إِنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ} مِنْ أَنَّ بَقَاءَكُمْ فِي السَّمَاءِ أَصْلَحُ لَكُمْ وَأَلْيَقُ بِكُمْ. ذَكَرَهَا الرَّازِيُّ مَعَ غَيْرِهَا مِنَ الْأَجْوِبَةِ، وَاللهُ أَعْلَمُ. [وُجُوبُ نَصْبِ الْخَلِيفَةِ، وَبَعْضُ مَسَائِلِ الْخِلاَفَةِ] وَقَدِ اسْتَدَلَّ الْقُرْطُبِيُّ وَغَيْرُهُ بِهَذِهِ الْآيَةِ عَلَى وُجُوبِ نَصْبِ الْخَلِيفَةِ لِيَفْصِلَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ، وَيَقْطَعَ تَنَازُعَهُمْ، وَيَنْتَصِرَ لِمُظْلُومِهِمْ مِنْ ظَالِمِهِمْ، وَيُقِيمَ الْحُدُودَ، وَيَزْجُرَ عَنْ تَعَاطِي الْفَوَاحِشِ، إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْأُمُورِ الْمُهِمَّةِ الَّتِي لاَ تُمْكِنُ إِقَامَتُهَا إِلاَّ بِالْإِمَامِ، وَمَا لاَ يَتِمُّ الْوَاجِبُ إِلاَّ بِهِ فَهُوَ وَاجِبٌ. وَالْإِمَامَةُ تُنَالُ بِالنَّصِّ كَمَا يَقُولُهُ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ السُّنَّةِ فِي أَبِي بَكْرٍ، أَوْ بِالْإِيمَاءِ إِلَيْهِ كَمَا يَقُولُ آخَرُونَ مِنْهُمْ، أَوْ بِاسْتِخْلاَفِ الْخَلِيفَةِ آخَرَ بَعْدَهُ، كَمَا فَعَلَ الصِّدِّيقُ بِعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، أَوْ بِتَرْكِهِ شُورَى فِي جَمَاعَةٍ صَالِحِينَ كَذَلِكَ، كَمَا فَعَلَهُ عُمَرُ، أَوْ بِاجْتِمَاعِ أَهْلِ الْحَلِّ وَالْعَقْدِ عَلَى مُبَايَعَتِهِ، أَوْ بِمُبَايَعَةِ وَاحِدٍ مِنْهُمْ لَهُ فَيَجِبُ الْتِزَامُهَا عِنْدَ الْجُمْهُورِ. وَيَجِبُ أَنْ يَكُونَ ذَكَرًا حُرًّا بِالِغًا عَاقِلاً مُسْلِمًا عَدْلاً مُجْتَهِدًا بَصِيرًا، سَلِيمَ الْأَعْضَاءِ خَبِيرًا بِالْحُرُوبِ وَالآْرَاءِ، قُرَشِيًّا عَلَى الصَّحِيحِ - وَلاَ يُشْتَرَطُ الْهَاشِمِيُّ وَلاَ الْمَعْصُومُ مِنَ الْخَطَأِ خِلاَفًا لِغُلاَةِ الرَّوَافِضِ - وَلَوْ فَسَقَ الْإِمَامُ هَلْ يُنْعَزَلُ أَمْ لاَ؟ فِيهِ خِلاَفٌ، وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ لاَ يُنْعَزَلُ لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ: «إِلاَّ أَنْ تَرَوْا كُفْرًا َبوَاحًا، عِنْدَكُمْ مِنَ اللهِ فِيهِ بُرْهَانٌ»[245]. وَهَلْ لَهُ أَنْ يَعْزِلَ نَفْسَهُ؟ فِيهِ خِلاَفٌ، وَقَدْ عَزَلَ الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ نَفْسَهُ، وَسَلَّمَ الْأَمْرَ إِلَى مُعَاوِيَةَ، لَكِنْ كَانَ هَذَا لِعُذْرٍ وَقَدْ مُدِحَ عَلَى ذَلِكَ. فَأَمَّا نَصْبُ إِمَامَيْنِ فِي الْأَرْضِ أَوْ أَكْثَرَ فَلاَ يَجُوزُ لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ: «مَنْ جَاءَكُمْ، وَأَمْرُكُمْ جَمِيعٌ يُرِيدُ أَنْ يُفَرِّقَ بَيْنَكُمْ فَاقْتُلُوهُ، كَائِنًا مَنْ كَانَ»[246]وَهَذَا قَوْلُ الْجُمْهُورِ، وَحَكَى إِمَامُ الْحَرَمَيْنِ عَنِ الْأُسْتَاذِ أَبِي إِسْحَاقَ أَنَّهُ جَوَّزَ نَصْبَ إِمَامَيْنِ فَأَكْثَرَ إِذَا تَبَاعَدَتِ الْأَقْطَارُ وَاتَّسَعَتِ الْأَقَالِيمُ بَيْنَهُمَا، وَتَرَدَّدَ إِمَامُ الْحَرَمَيْنِ فِي ذَلِكَ. [245] (البخاري 7056، والطبري 1/477) [246] (مسلم 3/1470) {وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلاَئِكَةِ فَقَالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلاَءِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ *قَالُوا سُبْحَانَكَ لاَ عِلْمَ لَنَا إِلاَّ مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ *قَالَ يَا آدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ فَلَمَّا أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ} [فَضْلُ آدَمَ عَلَى الْمَلاَئِكَةِ] هَذَا مَقَامٌ ذَكَرَ اللهُ تَعَالَى فِيهِ شَرَفَ آدَمَ عَلَى الْمَلاَئِكَةِ بِمَا اخْتَصَّهُ مِنْ عِلْمِ أَسْمَاءِ كُلِّ شَيْءٍ دُونَهُمْ، وَهَذَا كَانَ بَعْدَ سُجُودِهِمْ لَهُ، وَإِنَّمَا قَدَّمَ هَذَا الْفَصْلَ عَلَى ذَلِكَ لِمُنَاسَبَةِ مَا بَيْنَ الْمَقَامِ وَعَدَمِ عِلْمِهِمْ بِحِكْمَةِ خَلْقِ الْخَلِيفَةِ - حِينَ سَأَلُوا عَنْ ذَلِكَ، فَأَخْبَرَهُمْ تَعَالَى بِأَنَّهُ يَعْلَمُ مَا لاَ يَعْلَمُونَ - وَلِهَذَا ذَكَرَ اللهُ هَذَا الْمَقَامَ عَقِيبَ هَذَا، لِيُبَيِّنَ لَهُمْ شَرَفَ آدَمَ بِمَا فُضِّلَ بِهِ عَلَيْهِمْ فِي الْعِلْمِ، فَقَالَ تَعَالَى: {وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاءَ كُلَّهَا} قَالَ الضَّحَّاكُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ {وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاءَ كُلَّهَا} قَالَ: هِيَ هَذِهِ الْأَسْمَاءُ الَّتِي يَتَعَارَفُ بِهَا النَّاسُ، إِنْسَانٌ وَدَابَّةٌ وَسَمَاءٌ وَأَرْضٌ وَسَهْلٌ وَبَحْرٌ وَخَيْلٌ وَحِمَارٌ وَأَشْبَاهُ ذَلِكَ مِنَ الْأُمَمِ وَغَيْرِهَا[247]. وَرَوَى ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ وَابْنُ جَرِيرٍ مِنْ حَدِيثِ عَاصِمِ بْنِ كُلَيْبٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ مَعْبَدٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ {وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاءَ كُلَّهَا} قَالَ: عَلَّمَهُ اسْمَ الصَّحْفَةِ وَالْقِدْرِ؟ قَالَ: نَعَمْ حَتَّى الْفَسْوَةِ وَالْفُسَيَّةِ[248]. وَقِيلَ: أَسْمَاءَ النُّجُومِ، وَقِيلَ: أَسْمَاءَ ذُرِّيِّتِهِ كُلِّهِمْ. وَاخْتَارَ ابْنُ جَرِير: أَنَّهُ عَلَّمَهُ أَسْمَاءَ الْمَلاَئِكَةِ وَأَسْمَاءَ الذُّرِّيَّةِ. وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ عَلَّمَهُ أَسْمَاءَ الْأَشْيَاءِ كُلِّهَا ذَوَاتِهَا وَصِفَاتِهَا وَأَفْعَالَهَا، كَمَا قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: حَتَّى الْفَسْوَةِ وَالْفُسَيَّـةِ، يَعْنِي أَسْمَاءَ الذَّوَاتِ وَالْأَفْعَالِ - الْمُكَبَّرِ وَالْمُصَغَّرِ -. [247] (الطبري 1/458 إسناده ضعيف الضحاك لم يسمع من ابن عباس) [248] (الطبري 1/485) وَرَوَى الْبُخَارِيُّ فِي تَفْسِيرِ هَذِهِ الْآيَةِ فِي كِتَاب التَّفْسِيرِ مِنْ صَحِيحِهِ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: وَقَالَ لِي خَلِيفَةُ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ: حَدَّثَنَا سَعِيدٌ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ أَنَسٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «يَجْتَمِعُ الْمُؤْمِنُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فَيَقُولُونَ: لَوِ اسْتَشْفَعْنَا إِلَى رَبِّنَا، فَيَأْتُونَ آدَمَ فَيَقُولُونَ: أَنْتَ أَبُو النَّاسِ، خَلَقَكَ اللهُ بِيَدِهِ، وَأَسْجَدَ لَكَ مَلاَئِكَتَهُ، وَعَلَّمَكَ أَسْمَاءَ كُلِّ شَيْءٍ، فَاشْفَعْ لَنَا عِنْدَ رَبِّكَ حَتَّى يُرِيحَنَا مِنْ مَكَانِنَا هَذَا، فَيَقُولُ: لَسْتُ هُناكُمْ، وَيَذْكُرُ ذَنْبَهُ فَيَسْتَحْيِي. ائْتُوا نُوحًا فَإِنَّهُ أَوَّلُ رَسُولٍ بَعَثَهُ الله إِلَى أَهْلِ الْأَرْضِ، فَيَأْتُونَهُ فَيَقُولُ: لَسْتُ هُنَاكُمْ، وَيَذْكُرُ سُؤَالَهُ رَبَّهُ مَا لَيْسَ لَهُ بِهِ عِلْمٌ، فَيَسْتَحْيِي، فَيَقُولُ: ائْتُوا خَلِيلَ الرَّحْمن، فَيَأْتُونَهُ فَيَقُولُ: لَسْتُ هُنَاكُمْ، فَيَقُولُ: ائْتُوا مُوسَى عَبْدًا كَلَّمَهُ اللهُ، وَأَعْطَاهُ التَّوْرَاةَ، فَيَقُولُ: لَسْتُ هُنَاكُمْ. فَيَذْكُرُ قَتْلَ النَّفْسِ بِغَيْرِ نَفْسٍ فَيَسْتَحْيِي مِنْ رَبِّهِ. فَيَقُولُ: ائْتُوا عِيسَى عَبْدَ اللهِ وَرَسُولَهُ وَكَلِمَةَ اللهِ وَرُوحَهُ، فَيَأْتُونَهُ فَيَقُولُ: لَسْتُ هُنَاكُمْ، ائْتُوا مُحَمَّدًا عَبْدًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ وَمَا تَأَخَّرَ، فَيَأْتُونِي فَأَنْطَلِقُ حَتَّى أَسْتَأْذِنَ عَلَى رَبِّي فَيَأْذَنُ لِي، فَإِذَا رَأَيْتُ رَبِّي وَقَعْتُ سَاجِدًا فَيَدَعُنِي مَا شَاءَ اللهُ ثُمَّ يُقَالُ: ارْفَعْ رَأْسَكَ وَسَلْ تُعْطَهْ وَقُلْ يُسْمَعْ وَاشْفَعْ تُشَفَّعْ، فَأَرْفَعُ رَأْسِي فَأَحْمَدُهُ بِتَحْمِيدٍ يُعَلِّمُنِيهِ، ثُمَّ أَشْفَعُ فَيَحُدُّ لِي حَدًّا فَأُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ، ثُمَّ أَعُودُ إِلَيْهِ فَإِذا رَأَيْتُ رَبِّي - مِثْلَهُ - ثُمَّ أَشْفَعُ فَيَحُدُّ لِي حَدًّا فَأُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ، ثُمَّ أَعُودُ الثَّالِثَةَ ثُمَّ أَعُودُ الرَّابِعَةَ فَأَقُولُ: مَا بَقِيَ فِي النَّارِ إِلاَّ مَنْ حَبَسَهُ الْقُرْآنُ وَوَجَبَ عَلَيْهِ الْخُلُودُ»[249]. وَقَدْ رَوَى هَذَا الْحَدِيثَ مُسْلِمٌ وَالنَّسَائِيُّ[250] وَابْنُ مَاجَهْ. [249] (فتح الباري 8/10) [250] (مسلم 1/181، والنسائي في الكبرى 6/284، وابن ماجه 4312) وَوَجْهُ إِيْرَادِهِ ههُنَا، وَالْمَقْصُودُ مِنْهُ قَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ: «فَيَأْتُونَ آدَمَ فَيَقُولُونَ: أَنْتَ أَبُو النَّاسِ خَلَقَكَ اللهُ بِيَدِهِ وَأَسْجَدَ لَكَ مَلاَئِكَتَهُ وَعَلَّمَكَ أَسْمَاءَ كُلِّ شَيْءٍ». فَدَلَّ هَذَا عَلَى أَنَّهُ عَلَّمَهُ أَسْمَاءَ جَمِيعِ الْمَخْلُوقَاتِ[251]. وَلِهَذَا قَالَ: {ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلاَئِكَةِ} يَعْنِي الْمُسَمَّيَاتِ كَمَا قَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ قَتَادَةَ، قَالَ: ثُمَّ عَرَضَ تِلْكَ الْأَسْمَاءَ عَلَى الْمَلاَئِكَةِ: {فَقَالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلاَءِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ} [252] وَمَعْنَى ذَلِكَ فَقَالَ: أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ مَنْ عَرَضْتُهُ عَلَيْكُمْ أَيُّهَا الْمَلاَئِكَةُ الْقَائِلُونَ: {أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاء} مِنْ غَيْرِنَا أَمْ مِنَّا - فَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ؟ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ فِي قِيلِكُمْ: إِنِّي إِنْ جَعَلْتُ خَلِيفَتِي فِي الْأَرْضِ مِنْ غَيْرِكُمْ عَصَانِي وَذُرِّيَّتُهُ، وَأَفْسَدُوا وَسَفَكُوا الدِّمَاءَ، وَإِنْ جَعَلْتُكُمْ فِيهَا أَطَعْتُمُونِي وَاتَّبَعْتُمْ أَمْرِي بِالتَّعْظِيمِ لِي وَالتَّقْدِيسِ، فَإِذَا كُنْتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ أَسْمَاءَ هَؤُلاَءِ الَّذِينَ عَرَضْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ تُشَاهِدُونَهُمْ، فَأَنْتُمْ بِمَا هُوَ غَيْرُ مَوْجُودٍ مِنَ الْأُمُورِ الْكَائِنَةِ الَّتِي لَمْ تُوجَدْ؛ أَحْرَى أَنْ تَكُونُوا غَيْرَ عَالِمِينَ. [251] (مسلم 1/181، والنسائي في الكبرى 6/264، وابن ماجه 2/1442) [252] (عبدالرزاق 1/42) {قَالُوا سُبْحَانَكَ لاَ عِلْمَ لَنَا إِلاَّ مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ} هَذَا تَقْدِيسٌ وَتَنْزِيهٌ مِنَ الْمَلاَئِكَةِ للهِ تَعَالَى أَنْ يُحِيطَ أَحَدٌ بِشَيءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلاَّ بِمَا شَاءَ، وَأَنْ يَعْلَمُوا شَيْئًا إِلاَّ مَا عَلَّمَهُمُ اللهُ تَعَالَى وَلِهَذَا قَالُوا: {سُبْحَانَكَ لاَ عِلْمَ لَنَا إِلاَّ مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ} أَيِ الْعَلِيمُ بِكُلِّ شَيْءٍ الْحَكِيمُ فِي خَلْقِكَ وَأَمْرِكَ، وَفِي تَعْلِيمِكَ مَنْ تَشَاءُ، وَمَنْعِكَ مَنْ تَشَاءُ، لَكَ الْحِكْمَةُ فِي ذَلِكَ وَالْعَدْلُ التَّامُّ. [إِظْهَارُ فَضْلِ آدَمَ بِعِلْمِهِ] قَوْلُهُ تَعَالَى: {قَالَ يَا آدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ فَلَمَّا أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ} قَالَ زَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ: قَالَ: أَنْتَ جِبْرَائِيلُ، أَنْتَ مِيكَائِيلُ، أَنْتَ إِسْرَافِيلُ، حَتَّى عَدَّدَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا حَتَّى بَلَغَ الْغُرَابَ[253]. وَقَالَ مُجَاهِدٌ فِي قَوْلِ اللهِ: {قَالَ يَا آدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ} قَالَ: اِسْمِ الْحَمَامَةِ وَالْغُرَابِ وَاسْمِ كُلِّ شَيْءٍ[254]. وَرُوِيَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ وَالْحَسَنِ وَقَتَادَةَ نَحْوُ ذَلِكَ[255]. فَلَمَّا ظَهَرَ آدَمُ عَلَيْهِ السَّلاَمُ عَلَى الْمَلاَئِكَةِ عَلَيْهِمُ السَّلاَمُ فِي سَرْدِهِ مَا عَلَّمَهُ اللهُ تَعَالَى مِنْ أَسْمَاءِ الْأَشْيَاءِ، قَالَ اللهُ تَعَالَى لِلْمَلاَئِكَةِ: {أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ} أَيْ أَلَمْ أَتَقَدَّمْ إِلَيْكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ الْغَيْبَ الظَّاهِرَ وَالْخَفِيَّ كَمَا قَالَ تَعَالَى: {وَإِنْ تَجْهَرْ بِالْقَوْلِ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى} [طه: 7] وَكَمَا قَالَ إِخْبَارًا عَنِ الْهُدْهُدِ أَنَّهُ قَالَ لِسُلَيْمَانَ: {أَلاَّ يَسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَيَعْلَمُ مَا تُخْفُونَ وَمَا تُعْلِنُونَ *اللَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ} [النمل: 25، 26]. [253] (ابن أبي حاتم 1/119) [254] (ابن أبي حاتم 1/119) [255] (ابن أبي حاتم 1/119) وَقِيلَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ} غَيْرُ مَا ذَكَرْنَاهُ، فَرَوَى الضَّحَّاكُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ {وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ} قَالَ يَقُولُ: أَعْلَمُ السِّرَّ كَمَا أَعْلَمُ الْعَلاَنِيَةَ، يَعْنِي مَا كَتَمَ إِبْلِيسُ فِي نَفْسِهِ مِنَ الْكِبْرِ وَالْاِغْتِرَارِ[256]. وَقَالَ أَبُو جَعْفَرٍ الرَّازِيُّ عَنِ الرَّبِيعِ بْنِ أَنَسٍ: {وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ} فَكَانَ الَّذِي أَبْدَوْا هُوَ قَوْلُهُمْ: أَتَجْعَلُ فِيهَا مِنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ، وَكَانَ الَّذِي كَتَمُوا بَيْنَهُمْ هُوَ قَوْلُهُمْ: لَنْ يَخْلُقَ رَبُّنَا خَلْقًا إِلاَّ كُنَّا نَحْنُ أَعْلَمَ مِنْهُ وَأَكْرَمَ، فَعَرَفُوا أَنَّ اللهَ فَضَّلَ عَلَيْهِمْ آدَمَ فِي الْعِلْمِ وَالْكَرَمِ. [256] (الطبري 1/498 الضحاك لم يسمع من ابن عباس) {وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلاَئِكَةِ اسْجُدُوا لآِدَمَ فَسَجَدُوا إِلاَّ إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ} [تَكْرِيمُ آدَمَ بِسُجُودِ الْمَلاَئِكَةِ لَهُ] وَهَذِهِ كَرَامَةٌ عَظِيمَةٌ مِنَ اللهِ تَعَالَى لآِدَمَ، اِمْتَنَّ بِهَا عَلَى ذُرِّيَّتِهِ حَيْثُ أَخْبَرَ أَنَّهُ تَعَالَى أَمَرَ الْمَلاَئِكَةَ بِالسُّجُودِ لآِدَمَ، وَقَدْ دَلَّ عَلَى ذَلِكَ أَحَادِيثُ أَيْضًا كَثِيرَةٌ، مِنْهَا حَدِيثُ الشَّفَاعَةِ الْمُتَقَدِّمُ، وَحَدِيثُ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلاَمُ: «رَبِّ أَرِنِي آدَمَ الَّذِي أَخْرَجَنَا وَنَفْسَهُ مِنَ الْجَنَّةِ، فَلَمَّا اجْتَمَعَ بِهِ قَالَ: أَنْتَ آدَمُ الَّذِي خَلَقَهُ اللهُ بِيَدِهِ، وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ، وَأَسْجَدَ لَهُ مَلاَئِكَتَهُ».[257] [257] (أبو داود 5/28) [دُخُولُ إِبْلِيسَ فِيمَنْ أُمِرَ بِالسُّجُودِ. وَلَمْ يَكُنْ مِنَ الْمَلاَئِكَةِ] وَلَمَّا أَمَرَ اللهُ تَعَالَى الْمَلاَئِكَةَ بِالسُّجُودِ لآِدَمَ، دَخَلَ إِبْلِيسُ فِي خِطَابِهِمْ، لِأَنَّهُ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مِنْ عُنْصُرِهِمْ إِلاَّ أَنَّهُ كَانَ قَدْ تَشَبَّهَ بِهِمْ وَتَوَسَّمَ بِأَفْعَالِهِمْ، فَلِهَذَا دَخَلَ فِي الْخِطَابِ لَهُمْ، وَذُمَّ فِي مُخَالَفَةِ الْأَمْرِ، وَسَنَبْسُطُ الْمَسْأَلَةَ إِنْ شَاءَ اللهُ تَعَالَى عِنْدَ قَوْلِهِ: {إِلاَّ إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ} [الكهف: 50] وَلِذَا رَوَى مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: كَانَ إِبْلِيسُ قَبْلَ أَنْ يَرْكَبَ الْمَعْصِيَةَ مِنَ الْمَلاَئِكَةِ اسْمُهُ «عَزَازِيلُ»، وَكَانَ مِنْ سُكَّانِ الْأَرْضِ، وَكَانَ مِنْ أَشَدِّ الْمَلاَئِكَةِ اجْتِهَادًا، وَأَكْثَرِهِمْ عِلْمًا، فَذَلِكَ دَعَاهُ إِلَى الْكِبْرِ، وَكَانَ مِنْ حَيٍّ يُسَمُّونَهُ جِنًّا[258]. [258] (الطبري 1/502 إسناده ضعيف لتدليس ابن إسحاق) [كَانَتِ الطَّاعَةُ لِلّْهِ وَالسَّجْدَةُ لآِدَمَ] وَقَالَ قَتَادَةُ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلاَئِكَةِ اسْجُدُوا لآِدَمَ} فَكَانَتِ الطَّاعَةُ لِلّْهِ وَالسَّجْدَةُ لآِدَمَ، أَكْرَمَ اللهُ آدَمَ أَنْ أَسْجَدَ لَهُ مَلاَئِكَتَهُ[259]. وَقَالَ بَعْضُ النَّاسِ: كَانَ هَذَا سُجُودَ تَحِيَّةٍ وَسَلاَمٍ وَإِكْرَامٍ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: {وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ وَخَرُّواْ لَهُ سُجَّدًا وَقَالَ يَا أَبَتِ هَـذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِن قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقًّا}[يوسف: 100] وَقَدْ كَانَ هَذَا مَشْرُوعًا فِي الْأُمَمِ الْمَاضِيَةِ وَلَكِنَّهُ نُسِخَ فِي مِلَّتِنَا، قَالَ مُعَاذٌ: قَدِمْتُ الشَّامَ فَرَأَيْتُهُمْ يَسْجُدُونَ لِأَسَاقِفَتِهِمْ وَعُلَمَائِهِمْ، فَأَنْتَ يَا رَسُولَ اللهِ أَحَقُّ أَنْ يُسْجَدَ لَكَ، فَقَالَ: «لاَ، لَوْ كُنْتُ آمِرًا بَشَرًا أَنْ يَسْجُدَ لِبَشَرٍ لَأَمَرْتُ الْمَرْأَةَ أَنْ تَسْجُدَ لِزَوْجِهَا مِنْ عِظَمِ حَقِّهِ عَلَيْهَا»[260]وَرَجَّحَهُ الرَّازِيُّ. [259] (الطبري 1/512) [260] (الترمذي 1159 والمجمع 4/310) [اِسْتِكْبَارُ إِبْلِيسَ] وَقَالَ قَتَادَةُ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {فَسَجَدُوا إِلاَّ إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ} حَسَدَ عَدُوُّ اللهِ إِبْلِيسُ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلاَمُ مَا أَعْطَاهُ مِنَ الْكَرَامَةِ، وَقَالَ: أَنَا نَارِيٌّ، وَهَذَا طِينِيٌّ، وَكَانَ بَدْءُ الذُّنُوبِ الْكِبْرَ، اِسْتَكْبَرَ عَدُوُّ اللهِ أَنْ يَسْجُدَ لآِدَمَ عَلَيْهِ السَّلاَمُ[261]. قُلْتُ: وَقَدْ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ «لاَ يَدْخُلُ الْجَنَّـةَ مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ مِنْ كِبْرٍ»[262]. وَقَدْ كَانَ فِي إِبْلِيسَ مِنَ الْكِبْرِ - وَالْكُفْرِ - وَالْعِنَادِ مَا اقْتَضَى طَرْدَهُ وَإِبْعَادَهُ عَنْ جَنَابِ الرَّحْمَةِ وَحَضْرَةِ الْقُدُسِ. [261] (ابن أبي حاتم 1/123) [262] (مسلم 1/93) {وَقُلْنَا يَا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلاَ مِنْهَا رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُمَا وَلاَ تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ * فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ وَقُلْنَا اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ} [تَكْرِيمٌ آخَرُ لآِدَمَ] يَقُولُ اللهُ تَعَالَى إِخْبَارًا عَمَّا أَكْرَمَ بِهِ آدَمَ بَعْدَ أَنْ أَمَرَ الْمَلاَئِكَةَ بِالسُّجُودِ لَهُ فَسَجَدُوا إِلاَّ إِبْلِيسَ، إِنَّهُ أَبَاحَ لَهُ الْجَنَّةَ يَسْكُنُ مِنْهَا حَيْثُ يَشَاءُ، وَيَأْكُلُ مِنْهَا مَا شَاءَ رَغَدًا، أَيْ: هَنِيئًا وَاسِعًا طَيِّبًا: وَرَوَى الْحَافِظُ أَبُو بَكْرِ بْنُ مَرْدُوَيْهِ عَنْ أَبِي ذَرٍّ، قَالَ: قُلْتُ يَا رَسُولَ اللهِ، أَرَأَيْتَ آدَمَ أَنَبِيًّا كَانَ؟ قَالَ: «نَعَمْ نَبِيًّا رَسُولاً كَلَّمَهُ اللهُ قُبُلاً» - يَعْنِي عِيَانًا - فَقَالَ: {اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ}[263]. [263] (العظمة 5/1553) [خُلِقَتْ حَوَّاءُ قَبْلَ دُخُولِ آدَمَ الْجَنَّـةَ] وَسِيَاقُ الْآيَةِ يَقْتَضِي أَنَّ حَوَّاءَ خُلِقَتْ قَبْلَ دُخُولِ آدَمَ الْجَنَّـةَ، وَقَدْ صَرَّحَ بِذَلِكَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ حَيْثُ قَالَ: لَمَّا فَرَغَ اللهُ مِنْ مُعَاتَبَةِ إِبْلِيسَ أَقْبَلَ عَلَى آدَمَ وَقَدْ عَلَّمَهُ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا فَقَالَ: {قَالَ يَا آدَمُ أَنبِئْهُم بِأَسْمَائِهِمْ} إِلَى قَوْلِهِ: {إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ} [32، 33] قَالَ: ثُمَّ أُلْقِيَتِ السِّنَةُ عَلَى آدَمَ فِيمَا بَلَغَنَا عَنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ أهْلِ التَّوْرَاةِ، وَغَيْرِهِمْ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَغَيْرِهِ: «..ثُمَّ أَخَذَ ضِلْعًا مِنْ أَضْلاَعِهِ مِنْ شِقَّهِ الْأَيْسَرِ وَلَأَمَ مَكَانَهُ لَحْمًا، وَآدَمُ نَائِمٌ لَمْ يَهُبَّ مِنْ نَوْمِهِ، حَتَّى خَلَقَ اللهُ مِنْ ضِلْعِهِ تِلْكَ زَوْجَتَهُ حَوَّاءَ، فَسَوَّاهَا امْرَأَةً لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا، فَلَمَّا كُشِفَ عَنْهُ السِّنَةُ وَهَبَّ مِنْ نَوْمِهِ رَآهَا إِلَى جَنْبِهِ فَقَالَ: - فِيمَا يَزْعُمُونَ وَاللهُ أَعْلَمُ -: «لَحْمِي وَدَمِي وَزَوْجَتِي» فَسَكَنَ إِلَيْهَا، فَلَمَّا زَوَّجَهُ اللهُ وَجَعَلَ لَهُ سَكَنًا مِنْ نَفْسِهِ، قَالَ لَهُ قِبَلاً: {يَا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلاَ مِنْهَا رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُمَا وَلاَ تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ}[264]. [264] (الطبري 1/514) [اِخْتِبَارُ آدَمَ بِالشَّجَرَةِ وَنَوْعُهَا] وَأَمَّا قَوْلُهُ: {وَلاَ تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ} [35] فَهُوَ اخْتِبَارٌ مِنَ اللهِ تَعَالَى وَامْتِحَانٌ لآِدَمَ، وَقَدِ اخْتُلِفَ فِي هَذِهِ الشَّجَرَةِ مَا هِيَ؟ فَقِيلَ: الْكَرْمُ. وَقِيلَ: الْحِنْطَةُ. وَقِيلَ: النَّخْلَةُ. وَقِيلَ: التِّينَةُ. وَقِيلَ: شَجَرَةٌ مَنْ أَكَلَ مِنْهَا أَحْدَثَ، وَقِيلَ: شَجَرَةٌ تَأْكُلُ ثَمَرَهَا الْمَلاَئِكَةُ لِخُلْدِهِمْ. قَالَ الْإِمَامُ أَبُو جَعْفَرِ بْنُ جَرِيرٍ رَحِمَهُ اللهُ: وَالصَّوَابُ فِي ذَلِكَ أَنْ يُقَالَ: إِنَّ اللهَ - عَزَّ وَجَلَّ ثَنَاؤُهُ - نَهَى آدَمَ وَزَوْجَتَهُ عَنْ أَكْلِ شَجَرَةٍ بِعَيْنِهَا مِنْ أَشْجَارِ الْجَنَّةِ دُونَ سَائِرِ أَشْجَارِهَا، فَأَكَلاَ مِنْهَا، وَلاَ عِلْمَ عِنْدَنَا بِأَيِّ شَجَرَةٍ كَانَتْ عَلَى التَّعْيِينِ، لِأَنَّ اللهَ لَمْ يَضَعْ لِعِبَادِهِ دَلِيلاً عَلَى ذَلِكَ فِي الْقُرْآنِ وَلاَ مِنَ السُّنَّةِ الصَّحِيحَةِ، وَقَدْ قِيلَ: كَانَتْ شَجَرَةَ الْبُرِّ، وَقِيلَ: كَانَتْ شَجَرَةَ الْعِنَبِ، وَقِيلَ: كَانَتْ شَجَرَةَ التِّينِ، وَجَائِزٌ أَنْ تَكُونَ وَاحِدَةً مِنْهَا، وَذَلِكَ عِلْمٌ إِذَا عُلِمَ لَمْ يَنْفَعِ الْعَالِمَ بِهِ عِلْمُهُ، وَإِنْ جَهِلَهُ جَاهِلٌ لَمْ يَضُرَّهُ جَهْلُهُ بِهِ، وَاللهُ أَعْلَمُ[265]. وَكَذَلِكَ رَجَّحَ [الْإِبْهَامَ] الْإِمَامُ الرَّازِيُّ فِي تَفْسِيرِهِ، وَغَيْرُهُ. وَهُوَ الصَّوَابُ. [265] (الطبري 1/520) وَقَوْلُهُ تَعَالَى: {فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا} يَصِحُّ أَنْ يَكُونَ الضَّمِيرُ فِي قَوْلِهِ {عَنْهَا} عَائِدًا إِلَى الْجَنَّةِ فَيَكُونَ مَعْنَى الْكَلاَمِ كَمَا قَرَأَ عَاصِمُ بْنُ بَهْدَلَةَ، وَهُوَ ابْنُ أَبِي النَّجُودِ (فَأَزَالَهُمَا) أَيْ: فَنَحَّاهُمَا[266]. وَيَصِحُّ أَنْ يَكُونَ عَائِدًا عَلَى أَقْرَبِ الْمَذْكُورَينِ وَهُوَ الشَّجَرَةُ، فَيَكُونَ مَعْنَى الْكَلاَمِ كَمَا قَالَ الْحَسَنُ وَقَتَادَةُ: {فَأَزَلَّهُمَا}: أَيْ مِنْ قِبَلِ الزَّلَلِ[267]. فَعَلَى هَذَا يَكُونُ تَقْدِيرُ الْكَلاَمِ {فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا} أَيْ بِسَبَبِهَا، كَمَا قَالَ تَعَالَى: {يُؤْفَكُ عَنْهُ مَنْ أُفِكَ} [الذاريات: 9] أَيْ يُصْرَفُ بِسَبَبِهِ مَنْ هُوَ مَأْفُوكٌ، وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى {فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ} أَيْ مِنَ اللِّبَاسِ وَالْمَنْزِلِ الرَّحْبِ وَالرِّزْقِ الْهَنِيءِ وَالرَّاحَةِ {وَقُلْنَا اهْبِطُواْ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِين} أَيْ قَرَارٌ وَأَرْزَاقٌ وَآجَالٌ - إلى حِينٍ - أَيْ إِلَى وَقْتٍ وَمِقْدَارٍ مُعَيَّنٍ، ثُمَّ تَقُومُ الْقِيَامَةُ. [266] (ابن أبي حاتم 1/128) [267] (ابن أبي حاتم 1/128، 129) [بَعْضُ صِفَاتِ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلاَمُ] وَرَوَى ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «إِنَّ اللهَ خَلَقَ آدَمَ رَجُلاً طُوَالاً، كَثِيرَ شَعْرِ الرَّأْسِ، كَأَنَّهُ نَخْلَةٌ سَحُوقٌ، فَلَمَّا ذَاقَ الشَّجَرَةَ سَقَطَ عَنْهُ لِبَاسُهُ، فَأَوَّلُ مَا بَدَا مِنْهُ عَوْرَتُهُ، فَلَمَّا نَظَرَ إِلَى عَوْرَتِه جَعَلَ يَشْتَدُّ فِي الْجَنَّةِ، فَأَخَذَتْ شَعْرَهُ شَجَرَةٌ، فَنَازَعَهَا، فَنَادَاهُ الرَّحْمنُ: يَا آدَمُ مِنِّي تَفِرُّ؟! فَلَمَّا سَمِعَ كَلاَمَ الرَّحْمنِ قَالَ: يَا رَبِّ لاَ، وَلكِنِ اسْتِحْيَاءً»[268]. [268] (ابن أبي حاتم 1/129) [لَبْثُ آدَمَ فِي الْجَنَّـةِ وَهُبُوطُهُ مِنْهَا] وَرَوَى الْحَاكِمُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: مَا أُسْكِنَ آدَمُ الْجَنَّةَ إِلاَّ مَا بَيْنَ صَلاَةِ الْعَصْرِ إِلَى غُرُوبِ الشَّمْسِ. ثُمَّ قَالَ: صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ الشَّيْخَيْنِ وَلَمْ يُخَرِّجَاهُ[269]. [269] (الحاكم 2/542) وَرَوَى ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: أُهْبِطَ آدَمُ عَلَيْهِ السَّلاَمُ إِلَى أَرْضٍ يُقَالُ لَهَا «دَحْنَا» بَيْنَ مَكَّةَ وَالطَّائِفِ[270]. وَعَنِ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ قَالَ: أُهْبِطَ آدَمُ بِالْهِنْدِ، وَحَوَّاءُ بِجُدَّةَ، وَإِبْلِيسُ بِدَسْتُمِيسَانَ مِنَ الْبَصْرَةِ عَلَى أَمْيَالٍ، وَأُهْبِطَتِ الْحَيَّةُ بِأَصْبَهَانَ، رَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ[271]. وَرَوَى مُسْلِمٌ وَالنَّسَائِيُّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «خَيْرُ يَوْم طَلَعَتْ فِيهِ الشَّمْسُ يَوْمُ الْجُمُعَةِ، فِيهِ خُلِقَ آدَمُ، وَفِيهِ أُدْخِلَ الْجَنَّةَ، وَفِيهِ أُخْرِجَ مِنْهَا»[272]. [270] (ابن أبي حاتم 1/131 إسناده ضعيف سماع جرير عن عطاء بعد الاختلاط) [271] (ابن أبي حاتم 1/132 إسناده ضعيف لأجل عباد بن ميسرة وهو لين الحديث وصدقة بن عمرو الغساني مجهول) [272] (=مسلم 2/585، والنسائي 3/90) [شُبْهَةٌ وَجَوَابُهَا] فَإِنْ قِيلَ: فَإِذَا كَانَتْ جَنَّةُ آدَمَ الَّتِي أُخْرِجَ مِنْهَا فِي السَّمَاءِ كَمَا يَقُولُهُ الْجُمْهُورُ مِنَ الْعُلَمَاءِ، فَكَيْفَ تَمَكَّنَ إِبْلِيسُ مِنْ دُخُولِ الْجَنَّـةِ، وَقَدْ طُرِدَ مِنْ هُنَالِكَ طَرْدًا قَدَرِيًّا، وَالْقَدَرِيُّ لاَ يُخَالَفَ وَلاَ يُمَانَعُ؟ فَالْجَوَابُ: أَنَّ هَذَا بِعَيْنِهِ اسْتَدَلَّ بِهِ مَنْ يَقُولُ: إِنَّ الْجَنَّةَ الَّتِي كَانَ فِيهَا آدَمُ فِي الْأَرْضِ لاَ فِي السَّمَاءِ، كَمَا قَدْ بَسَطْنَا هَذَا فِي أَوَّلِ كِتَابِنَا «الْبِدَايَةُ وَالنِّـهَـايَةُ». وَأَجَابَ الْجُمْهُورُ بِأَجْوِبَةٍ، أَحَدُهَا: أَنَّهُ مُنِعَ مِنْ دُخُولِ الْجَنَّةِ مُكْرَمًا، فَأَمَّا عَلَى وَجْهِ السَّرِقَةِ وَالْإِهَانَةِ، فَلاَ يَمْتَنِعُ، وَلِهَذَا قَالَ بَعْضُهُمْ - كَمَا جَاءَ فِي التَّوْرَاةِ -: أَنَّـهُ دَخَلَ فِي فَمِ الْحَيَّةِ إِلَى الْجَنَّةِ. وَقَدْ قَالَ بَعْضُهُمْ: يَحْتَمِلُ أَنَّهُ وَسْوَسَ لَهُمَا وَهُوَ خَارِجُ بَابِ الْجَنَّةِ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: يَحْتَمِلُ أَنَّهُ وَسْوَسَ لَهُمَا وَهُوَ فِي الْأَرْضِ، وَهُمَا فِي السَّمَاءِ، ذَكَرَهَا الزَّمَخْشَرِيُّ وَغَيْرُهُ. {فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ} [تَوْبَةُ آدَمَ وَدُعَاؤُهُ] قِيلَ: إِنَّ هَذِهِ الْكَلِمَاتِ مُفَسَّرَةٌ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: {قَالاَ رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ} [الأعراف: 23] وَرُوِيَ هَذَا عَنْ مُجَاهِدٍ وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ وَأَبِي الْعَالِيَةِ وَالرَّبِيعِ بْنِ أَنَسٍ، وَالْحَسَنِ وَقَتَادَةَ، وَمُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ الْقُرَظِيِّ وَخَالِدِ بْنِ مَعْدَانَ وَعَطَاءٍ الْخُرَاسَانِيِّ وَعَبْدِ الرَّحْمنِ بْنِ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ[273]. وَقَالَ السُّدِّيُّ عَمَّنْ حَدَّثَهُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ {فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ} قَالَ: قَالَ آدَمُ عَلَيْهِ السَّلاَمُ: َيا رَبِّ أَلَمْ تَخْلُقْنِي بِيَدِكَ؟ قِيلَ لَهُ: بَلى، وَنَفَخْتَ فِيَّ مِنْ رُوحِكَ؟ قِيلَ لَهُ: بَلى، وَعَطَسْتُ فَقُلْتَ: يَرْحَمُكَ اللهُ، وَسَبَقَتْ رَحْمَتُكَ غَضَبَكَ؟ قِيلَ لَهُ: بَلى، وَكَتَبْتَ عَلَيَّ أَنْ أَعْمَلَ هَذَا؟ قِيلَ لَهُ: بَلى، قَالَ: أَرَأَيْتَ إِنْ تُبْتُ هَلْ أَنْتَ رَاجِعِي إِلَى الْجَـنّـَةِ؟ قَالَ: نَعَمْ[274]. وَهكَذَا رَوَاهُ الْعَوْفِيُّ وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وَسَعِيدُ بْنِ مَعْبَدٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ بِنَحْوِهِ[275]. وَرَوَاهُ الْحَاكِمُ فِي مُسْتَدْرَكِهِ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَقَالَ: صَحِيحُ الْإِسْنَادِ وَلَمْ يُخَرِّجَاهُ[276]. [273] (ابن أبي حاتم 1/136، والطبري 1/543 و546) [274] (الطبري 1/543) [275] (الطبري 1/542) [276] (الحاكم 2/545) وَقَوْلُهُ تَعَالَى: {إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ} أَيْ ِإنَّهُ يَتُوبُ عَلَى مَنْ تَابَ إِلَيْهِ وَأَنَابَ، كَقَوْلِهِ: {أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ} [التوبة: 104] وَقَوْلِهِ: {وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ}... الْآيَةَ [النساء: 110]، وَقَوْلِهِ: {وَمَنْ تَابَ وَعَمِلَ صَالِحًا} [الفرقان: 7] وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْآيَاتِ الدَّالَّةِ عَلَى أَنَّهُ تَعَالَى يَغْفِرُ الذُّنُوبَ، وَيَتُوبُ عَلَى مَنْ يَتُوبُ. وَهَذَا مِنْ لُطْفِهِ بِخَلْقِهِ وَرَحْمَتِهِ بِعَبِيدِهِ، لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ. {قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدَىً فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلاَ خَوْفٌ عَلَيهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ *وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} يَقُولُ تَعَالَى مُخْبِرًا عَمَّا أَنْذَرَ بِهِ آدَمَ وَزَوْجَتَهُ وَإِبْلِيسَ حِينَ أَهْبَطَهُمْ مِنَ الْجَنَّةِ، وَالْمُرَادُ الذُّرِّيَّـةُ: إِنَّهُ سَيُنْزِلُ الْكُتُبَ وَيَبْعَثُ الْأَنْبِيَاءَ وَالرُّسُلَ كَمَا قَالَ أَبُو الْعَالِيَةِ: اَلْهُدَى: الْأَنْبِيَاءُ وَالرُّسُلُ؛ وَالْبَيِّنَاتُ وَالْبَيَانُ[277]{فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ} أَيْ مَنْ أَقْبَلَ عَلَى مَا أَنْزَلْتُ بِهِ الْكُتُبَ وَأَرْسَلْتُ بِهِ الرُّسُلَ {فَلاَ خَوْفٌ عَلَيهِمْ} أَيْ فِيمَا يَسْتَقْبِلُونَهُ مِنْ أَمْرِ الاْخِرَةِ {وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ} عَلَى مَا فَاتَهُمْ مِنْ أُمُورِ الدُّنْيَا، كَمَا قَالَ فِي سُورَةِ طه: {قَالَ اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعًا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدىً فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلاَ يَضِلُّ وَلاَ يَشْقَى} [طه: 123] قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: فَلاَ يَضِلُّ فِي الدُّنْيَا، وَلاَ يَشْقَى فِي الاْخِرَةِ[278]{وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى} [طه: 123، 124] كَمَا قَالَ ههُنَا: {وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} أَيْ مُخَلَّدُونَ فِيهَا لاَ مَحِيدَ لَهُمْ عَنْها وَلاَ مَحِيصَ. [277] (ابن أبي حاتم 1/139) [278] (الطبري 18/389) {يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيكُمْ وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ *وَآمِنُوا بِمَا أَنْزَلْتُ مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ وَلاَ تَكُونُوا أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ وَلاَ تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَناً قَلِيلاً وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِ} [حَضُّ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى الدُّخُولِ فِي الْإِسْلاَمِ] يَقُولُ تَعَالَى آمِرًا بَنِي إِسْرَائِيلَ بِالدُّخُولِ فِي الْإِسْلاَمِ، وَمُتَابَعَةِ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ مِنَ اللهِ أَفْضَلُ الصَّلاَةِ وَالسَّلاَمِ، وَمُهَيِّجًا لَهُمْ بِذِكْرِ أَبِيهِمْ إِسْرَائِيلَ وَهُوَ نَبِيُّ اللهِ يَعْقُوبُ عَلَيْهِ السَّلاَمُ، وَتَقْدِيرُهُ: يَا بَنِي الْعَبْدِ الصَّالِحِ الْمُطِيعِ لِلّْهِ، كُونُوا مِثْلَ أَبِيكُمْ فِي مُتَابَعَةِ الْحَقِّ، كَمَا تَقُولُ: يَا ابْنَ الْكَرِيمِ اِفْعَلْ كَذَا، يَا ابْنَ الشُّجَاعِ بَارِزِ الْأَبْطَالَ، يَا ابْنَ الْعَالِمِ اطْلُبِ الْعِلْمَ، وَنَحْوَ ذَلِكَ. وَمِنْ ذَلِكَ أَيْضًا قَوْلُهُ تَعَالَى: {ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ إِنَّهُ كَانَ عَبْدًا شَكُورًا} [الإسراء: 3]. [إِسْرَائِيلُ لَقَبُ يَعْقُوبَ عَلَيْهِ السَّلاَمُ] فَإِسْرَائِيلُ هُوَ يَعْقُوبُ بِدَلِيلِ مَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ الطِّيَالِسِيُّ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: حَضَرَتْ عِصَابَةٌ مِنَ الْيَهُودِ نَبِيَّ اللهِ ﷺ، فَقَالَ لَهُمْ: «هَلْ تَعْلَمُونَ أَنَّ إِسْرَائِيلَ يَعْقُوبُ؟» قَالُوا: اللَّهُمَّ نَعَمْ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «اَللَّهُمَّ اشْهَدْ»[279]وَرَوَى الطَّبَرِيُّ عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّ إِسْرَائِيلَ كَقَوْلِكَ: عَبْدُ اللهِ[280]. [279] (أبو داود الطيالسي 356) [280] (الطبري 1/553) [نِعَمُ اللهِ عَلَى الْيَهُودِ] وَقَوْلُهُ تَعَالَى: {اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيكُمْ} قَالَ مُجَاهِدٌ: نِعْمَةَ اللهِ الَّتِي أَنْعَمَ بِهَا عَلَيْهِمْ فِيمَا سَمَّى، وَفِيمَا سِوَى ذَلِكَ أَنْ فَجَّرَ لَهُمُ الْحَجَرَ، وَأَنْزَلَ عَلَيْهِمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوى، وَنَجَّاهُمْ مِنْ عُبُودِيَّةِ آلِ فِرْعَونَ[281]. وَقَالَ أَبُو الْعَالِيَةِ: نِعْمَتُهُ أَنْ جَعَلَ مِنْهُمُ الْأَنْبِيَاءَ وَالرُّسُلَ، وَأَنْزَلَ عَلَيْهِمُ الْكُتُبَ[282]. قُلْتُ: وَهَذَا كَقَوْلِ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلاَمُ لَهُمْ: {يَا قَوْمِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِيَاءَ وَجَعَلَكُمْ مُلُوكًا وَآتَاكُمْ مَا لَمْ يُؤْتِ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ} [المائدة: 20] يَعْنِي فِي زَمَانِهِمْ، وَرَوَى مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيكُمْ} أَيْ بَلاَئِي عِنْدَكُمْ وَعِنْدَ آبَائِكُمْ لَمَّا كَانَ نَجَّاهُمْ مِنْ فِرْعَوْنَ وَقَوْمِهِ[283]. [281] (الطبري 1/556) [282] (الطبري 1/556) [283] (إسناده ضعيف لتدليس ابن إسحاق وجهالة شيخه محمد بن أبي محمد كما تقدم) [تَذْكِيرُ الْيَهُودِ بِعَهْدِ اللهِ إِلَيْهِمْ] {وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ} قَالَ: بِعَهْدِي الَّذِي أَخَذْتُ فِي أَعَنْاقِكُمْ لِلنَّبِيِّ ﷺ إِذَا جَاءَكُمْ، أُنْجِزْ لَكُمْ مَا وَعَدْتُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ تَصْدِيقِهِ وَاتِّبَاعِهِ بِوَضْعِ مَا كَانَ عَلَيْكُمْ مِنَ الاْصَارِ وَالْأَغْلاَلِ الَّتِي كَانَتْ فِي أَعْنَاقِكُمْ بِذُنُوبِكُمُ الَّتِي كَانَتْ مِنْ إِحْدَاثِكُمْ[284]. وَقَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ[285]: هَوُ قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَلَقَدْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَبَعَثْنَا مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا وَقَالَ اللَّهُ إِنِّي مَعَكُمْ لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلاَةَ وَآتَيْتُمُ الزَّكَاةَ وَآمَنْتُمْ بِرُسُلِي وَعَزَّرْتُمُوهُمْ وَأَقْرَضْتُمُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَناً لَأُكَفِّرَنَّ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَلَأُدْخِلَنَّكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ}... الْآيَةَ [المائدة: 12]. [284] (الطبري 1/555 و558 ضعيف محمد بن أبي محمد الأنصاري مولى زيد بن ثابت مجهول ومحمد بن إسحاق صدوق مدلس، ولم يصرح، سلمة بن الفضل ومحمد بن حسن ضعيفان) [285] (الطبري 1/109) وَقَالَ آخَرُونَ: هُوَ الَّذِي أَخَذَ اللهُ عَلَيْهِمْ فِي التَّوْرَاةِ أَنَّهُ سَيَبْعَثُ مِنْ بَنِي إِسْمَاعِيلَ نَبِيًّا عَظِيمًا يُطِيعُهُ جَمِيعُ الشُّعُوبِ، وَالْمُرَادُ بِهِ مُحَمَّدٌ ﷺ، فَمَنِ اتَّبَعَهُ غَفَرَ اللهُ لَهُ ذَنْبَهُ، وَأَدْخَلَهُ الْجَنَّةَ، وَجَعَلَ لَهُ أَجْرَيْنِ. وَقَدْ أَوْرَدَ الرَّازِي بِشَارَاتٍ كَثِيرَةٍ عَنِ الْأَنْبِيَاءِ عَلَيْهِمُ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ بِمُحَمَّدٍ ﷺ، وَقَالَ أَبُو الْعَالِيَةِ: {وَأَوْفُوا بِعَهْدِي} قَالَ عَهْدُهُ إِلَى عِبَادِهِ: دِينُ الْإِسْلاَمِ أَنْ يَتَّبِعُوهُ[286]. وَقَالَ الضَّحَّاكُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أُوفِ بِعَهْدِكُمْ؟ قَالَ: أَرْضَ عَنْكُمْ وَأُدْخِلُكُمُ الْجَنَّةَ[287]. وَكَذَا قَالَ السُّدِّيُّ وَالضَّحَّاكُ وَأَبُو الْعَالِيَةِ وَالرَّبِيعُ ابْنُ أَنَسٍ [286] (الطبري 1/558) [287] (ابن أبي حاتم 1/143 إسناده ضعيف لعدم سماع ضحاك من ابن عباس) وَقَولُهُ تَعَالَى: {وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ} أَيْ فَاخْشَوْنِ[288]. قَالَهُ أَبُو الْعَالِيَةِ وَالسُّدِّيُّ وَالرَّبِيعُ بْنُ أَنَسٍ وَقَتَادَةُ، وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ} أَيْ أَنْ نَزَلَ بِكُمْ مَا أَنْزَلْتُ بِمَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ مِنْ آبَائِكُمْ مِنَ النِّقَمَاتِ الَّتِي قَدْ عَرَفْتُمْ مِنَ الْمَسْخِ وَغَيْرِهِ[289]. وَهَذَا انْتِقَالٌ مِنَ التَّرْغِيبِ إِلَى التَّرْهِيبِ، فَدَعَاهُمْ إِلَيْهِ بِالرَّغْبَةِ وَالرَّهْبَةِ، لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ إِلَى الْحَقِّ، وَاتِّبَاعِ الرَّسُولِ ﷺ، وَالاِتِّعَاظِ بِالْقُرْآنِ وَزَوَاجِرِهِ، وَامْتِثَالِ أَوَامِرِهِ، وَتَصْدِيقِ أَخْبَارِهِ، وَاللهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ. [288] (الطبري 1/560) [289] (ابن أبي حاتم 1/144) وَلِهَذَا قَالَ: {وَآمِنُوا بِمَا أَنْزَلْتُ مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ} يَعْنِي بِهِ الْقُرْآنَ الَّذِي أُنْزِلَ عَلَى مُحَمَّدٍ ﷺ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الْعَرَبِيِّ، بَشِيرًا وَنَذِيرًا، وَسِرَاجًا مُنِيرًا، مُشْتَمِلاً عَلَى الْحَقِّ مِنَ اللهِ تَعَالَى، مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ، قَالَ أَبُو الْعَالِيَةِ رَحِمَهُ اللهُ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَآمِنُوا بِمَا أَنْزَلْتُ مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ} يَقُولُ: يَا مَعْشَرَ أَهْلِ الْكِتَابِ آمِنُوا بِمَا أَنْزَلْتُ مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ، يَقُولُ: لِأَنَّهُمْ يَجِدُونَ مُحَمَّدًا ﷺ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ. وَرُوِيَ عَنْ مُجَاهِدٍ وَالرَّبِيعِ بْنِ أَنَسٍ وَقَتَادَةَ نَحْوُ ذَلِكَ[290]. [290] (ابن أبي حاتم 1/145) وَقَوْلُهُ: {وَلاَ تَكُونُوا أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ} قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: وَلاَ تَكُونُوا أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ وَعِنْدَكُمْ فِيهِ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَيْسَ عِنْدَ غَيْرِكُمْ[291]. قَالَ أَبُو الْعَالِيَةِ: يَقُولُ: وَلاَ تَكُونُوا أَوَّلَ مَنْ كَفَرَ بِمُحَمَّدٍ ﷺ[292]، يَعْنِي مِنْ جِنْسِكُمْ أَهْلِ الْكِتَابِ بَعْدَ سَمَاعِكُمْ بِمَبْعَثِهِ. وَكَذَا قَالَ الْحَسَنُ وَالسُّدِّيُّ وَالرَّبِيعُ بْنُ أَنَسٍ[293]. وَاخْتَارَ ابْنُ جَرِيرٍ أَنَّ الضَّمِيرَ فِي قَوْلِهِ «بِـهِ» عَائِدٌ عَلَى الْقُرْآنِ الَّذِي تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ فِي قَوْلِهِ: {بِمَا أَنْزَلْتُ} وَكِلاَ الْقَوْلَيْنِ صَحِيحٌ لِأَنَّهُمَا مُتَلاَزِمَانِ، لِأَنَّ مَنْ كَفَرَ بِالْقُرْآنِ فَقَدْ كَفَرَ بِمُحَمَّدٍ ﷺ، وَمَنْ كَفَرَ بِمُحَمَّدٍ ﷺ فَقَدْ كَفَرَ بِالْقُرْآنِ، وَأَمَّا قَوْلُهُ: {أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ} فَيَعْنِي بِهِ أَوَّلَ مَنْ كَفَرَ بِهِ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ، لِأَنَّهُ قَدْ تَقَدَّمَهُمْ مِنْ كُفَّارِ قُرَيشٍ وَغَيْرِهِمْ مِنَ الْعَرَبِ بَشَرٌ كَثِيرٌ، وَإِنَّمَا الْمُرَادُ أَوَّلُ مَنْ كَفَرَ بِهِ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ مُبَاشَرَةً، فَإِنَّ يَهُودَ الْمَدِينَةِ أَوَّلُ بَنِي إِسْرَائِيلَ خُوطِبُوا بِالْقُرْآنِ، فَكُفْرُهُمْ بِهِ يَسْتَلْزِمُ أَنَّهُمْ أَوَّلُ مَنْ كَفَرَ بِهِ مِنْ جِنْسِهِمْ. [291] (ابن أبي حاتم 1/145) [292] (ابن أبي حاتم 1/145) [293] (ابن أبي حاتم 1/145) وَقَوْلُهُ تَعَالَى: {وَلاَ تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَناً قَلِيلاً} يَقُولُ: لاَ تَعْتَاضُوا عَنِ الْإِيمَانِ بِآيَاتِي وَتَصْدِيقِ رَسُولِي بِالدُّنْيَا وَشَهَوَاتِهَا، فَإِنَّهَا قَلِيلَةٌ فَانِيَةٌ، وَقَوْلُهُ: {وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِ} رَوَى ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ عَنْ طَلْقِ بْنِ حَبِيبٍ، قَالَ: اَلتَّقْوَى أَنْ تَعْمَلَ بِطَاعَةِ اللهِ رَجَاءَ رَحْمَةِ اللهِ عَلَى نُورٍ مِنَ اللهِ، وَأَنْ تَتْرُكَ مَعْصِيَةَ اللهِ عَلَى نُورٍ مِنَ اللهِ تَخَافُ عِقَابَ اللهِ[294]. وَمَعْنَى قَوْلِهِ: {وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِ} أَنَّهُ تَعَالَى يَتَوَعَّدُهُمْ فِيمَا يَتَعَمَّدُونَهُ مِنْ كِتْمَانِ الْحَقِّ وَإِظْهَارِ خِلاَفِهِ وَمُخَالَفَتِهِمُ الرَّسُولَ صَلَوَاتُ اللهِ وَسَلاَمُهُ عَلَيْهِ. [294] (ابن أبي حاتم 1/147) {وَلاَ تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ *وَأَقِيمُوا الصَّلاَةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ} [اَلنَّهْيُ عَنْ لَبْسِ الْحَقِّ وَكِتْمَانِهِ] يَقُولُ تَعَالَى نَاهِيًا لِلْيَهُودِ عَمَّا كَانُوا يَتَعَمَّدُونَهُ مِنْ تَلْبِيسِ الْحَقِّ بِالْبَاطِلِ، وَتَمْوِيهِهِ بِهِ، وَكِتْمَانِهِمُ الْحَقَّ، وَإِظْهَارِهِمُ الْبَاطِلَ: {وَلاَ تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ} فَنَهَاهُمْ عَنِ الشَّيْئَيْنِ مَعًا، وَأَمَرَهُمْ بِإِظْهَارِ الْحَقِّ وَالتَّصْرِيحِ بِهِ، وَلِهَذَا قَالَ الضَّحَّاكُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: {وَلاَ تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ} لاَ تَخْلِطُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ، وَالصِّدْقَ بِالْكَذِبِ[295]. وَقَالَ قَتَادَةُ: {وَلاَ تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ} وَلاَ تَلْبِسُوا الْيَهُودِيَّةَ وَالنَّصْرَانِيَّةَ بِالْإِسْلاَمِ { وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ} أَنَّ دِينَ اللهِ الْإِسْلاَمُ، وَأَنَّ الْيَهُودِيَّةَ وَالنَّصْرَانِيَّةَ بِدْعَةٌ لَيْسَتْ مِنَ اللهِ[296]. وَرُوِيَ عَنِ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ نَحْوُ ذَلِكَ[297]. [295] (الطبري 1/569 إسناده ضعيف الضحاك لم يسمع من ابن عباس) [296] (ابن أبي حاتم 1/147) [297] (ابن أبي حاتم 1/147) وَرَوَى مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ {وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ} أَيْ لاَ تَكْتُمُوا مَا عِنْدَكُمْ مِنَ الْمَعْرِفَةِ بِرَسُولِي وَبِمَا جَاءَ بِهِ، وَأَنْتُمْ تَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَكُمْ فِيمَا تَعْلَمُونَ مِنَ الْكُتُبِ الَّتِي بِأَيْدِيكُمْ[298]. [298] (ابن أبي حاتم 1/148 إسناده ضعيف لتدليس ابن إسحاق كما تقدم) (قُلْتُ) وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْمَعْنَى: وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ مَا فِي ذَلِكَ مِنَ الضَّرَرِ الْعَظِيمِ عَلَى النَّاسِ مِنْ إِضْلاَلِهِمْ عَنِ الْهُدَى الْمُفْضِي بِهِمْ إِلَى النَّارِ، إِلَى أَنْ سَلَكُوا مَا تُبْدُونَهُ لَهُمْ مِنَ الْبَاطِلِ الْمَشُوبِ بِنَوْعٍ مِنَ الْحَقِّ لِتُرَوِّجُوهُ عَلَيْهِمْ. وَالْبَيَانُ: الْإِيضَاحُ، وَعَكْسُهُ: الْكِتْمَانُ وَخَلْطُ الْحَقِّ بِالْبَاطِلِ. {وَأَقِيمُوا الصَّلاَةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ} قَالَ مُقَاتِلٌ: قَوْلُهُ تَعَالَى لِأَهْلِ الْكِتَابِ {وَأَقِيمُوا الصَّلاَةَ} أَمَرَهُمْ أَنْ ُيصَلُّوا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ {وَآتُوا الزَّكَاةَ} أَمَرَهُمْ أَنْ يُؤتُوا الزَّكَاةَ أَيْ يَدْفَعُونَهَا إِلَى النَّبِيِّ ﷺ {وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ} أَمَرَهُمْ أَنْ يَرْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ مِنْ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ، يَقُولُ: كُونُوا مَعَهُمْ وَمِنْهُمْ[299]. وَقَوْلُهُ تَعَالَى: {وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ} أَيْ وَكُونُوا مَعَ الْمُؤْمِنِينَ فِي أَحْسَنِ أَعْمَالِهِمْ، وَمِنْ أَخَصِّ ذَلِكَ وَأَكْمَلِهِ الصَّلاَةُ، وَقدِ اسْتَدَلَّ كَثِيرٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ بِهَذِهِ الْآيَةِ عَلَى وُجُوبِ الْجَمَاعَةِ. [299] (الكشاف 1/133) {أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ} [اَلتَّوْبِيخُ عَلَى تَرْكِ الطَّاعَاتِ لِمَنْ يَأْمُرُ النَّاسَ بِالْمَعْرُوفِ] يَقُولُ تَعَالَى: كَيْفَ يَلِيقُ بِكُمْ يَا مَعْشَرَ أَهْلِ الْكِتَابِ، وَأَنْتُمْ تَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَهُوَ جِمَاعُ الْخَيْرِ: أَنْ تَنْسَوْا أَنْفُسَكُمْ فَلاَ تَأْتَمِرُوا بِمَا تَأْمُرُونَ النَّاسَ بِهِ، وَأَنْتُمْ مَعَ ذَلِكَ تَتْلُونَ الْكِتَابَ وَتَعْلَمُونَ مَا فِيهِ عَلَى مَنْ قَصَّرَ فِي أَوَامِرِ اللهِ؟ {أَفَلاَ تَعْقِلُونَ} مَا أَنْتُمْ صَانِعُونَ بِأَنْفُسِكُمْ، فَتَنْتَبِهُوا مِنْ رِقْدَتِكُمْ، وَتَتَبَصَّرُوا مِنْ عَمَايَتِكُمْ، وَهَذَا كَمَا قَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ قَتَادَةَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ} قَالَ: كَانَ بَنُو إِسْرَائِيلَ يَأْمُرُونَ النَّاسَ بِطَاعَةِ اللهِ وَبِتَقْوَاهُ وَبِالْبِرِّ، وَيُخَالِفُونَ، فَعَيَّرَهُمُ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ[300]. وَكَذَلِكَ قَالَ السُّدِّيُّ وَقَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: {أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ} أَهْلُ الْكِتَابِ وَالْمُنَافِقُونَ كَانُوا يَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالصَّوْمِ وَالصَّلاَةِ، وَيَدَعُونَ الْعَمَلَ بِمَا يَأْمُرُونَ بِهِ النَّاسَ، فَعَيَّرَهُمُ اللهُ بِذَلِكَ، فَمَنْ أَمَرَ بِخَيْرٍ فَلْيَكُنْ أَشَدَّ النَّاسِ فِيهِ مُسَارَعَةً[301]. وَرَوَى مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: {وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ} أَيْ تَتْرُكُونَ أَنْفُسَكُمْ {وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ} أَيْ تَنْهَوْنَ النَّاسَ عَنِ الْكُفْرِ بِمَا عِنْدَكُمْ مِنَ النُّبُوَّةِ َوالْعَهْدِ مِنَ التَّوْرَاةِ، وَتَتْرُكُونَ أَنْفُسَكُمْ، أَيْ وَأَنْتُمْ تَكْفُرُونَ بِمَا فِيهَا مِنْ عَهْدِي إِلَيْكُمْ فِي تَصْدِيقِ رَسُولِي، وَتَنْقُضُونَ مِيثَاقِي، وَتَجْحَدُونَ مَا تَعْلَمُونَ مِنْ كِتَابِي[302]. [300] (عبدالرزاق 1/44) [301] (الطبري 2/8) [302] (الطبري 2/7) وَالْغَرَضُ: أَنَّ اللهَ تَعَالَى ذَمَّهُمْ عَلَى هَذَا الصَّنِيعِ، وَنَبَّهَهُمْ عَلَى خَطَئِهِمْ فِي حَقِّ أَنْفُسِهِمْ حَيْثُ كَانُوا يَأْمُرُونَ بِالْخَيْرِ وَلاَ يَفْعَلُونَهُ، وَلَيْسَ الْمُرَادُ ذَمَّهُمْ عَلَى أَمْرِهِمْ بِالْبِرِّ مَعَ تَرْكِهِمْ لَهُ، [بَلْ عَلَى تَرْكِهِمْ لَهُ] فَإِنَّ الْأَمْرَ بِالْمَعْرُوفِ مَعْرُوفٌ، وَهُوَ وَاجِبٌ عَلَى الْعَالِمِ، وَلَكِنَّ الْوَاجِبَ وَالْأَوْلَى بِالْعَالِمِ أَنْ يَفْعَلَهُ مَعَ مَنْ أَمَرَهُمْ بِهِ، وَلاَ يَتَخَلَّفَ عَنْهُمْ، كَمَا قَالَ شُعَيْبٌ عَلَيْهِ السَّلاَمُ: {وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ إِنْ أُرِيدُ إِلاَّ الإِصْلاَحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلاَّ بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ} [هود: 88] فَكُلٌّ مِنَ الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَفِعْلِهِ وَاجِبٌ، لاَ يَسْقُطُ أَحَدُهُمَا بِتَرْكِ الاْخَرِ عَلَى أَصَحِّ قَوْلَيِ الْعُلَمَاءِ مِنَ السَّلَفِ وَالْخَلَفِ. قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ عَنْ أَبِي وَائِلٍ، قَالَ: قِيلَ لِأُسَامَةَ وَأَنَا رَدِيفُهُ: أَلاَ تُكَلِّمُ عُثْمَانَ؟ فَقَالَ: إِنَّكُمْ تَرَوْنَ أَنِّي لاَ أُكَلِّمُهُ إِلاَّ أُسْمِعُكُمْ، إِنِّي لَأُكَلِّمُهُ فِيمَا بَيْنِي وَبَيْنَهُ دُونَ أَنْ أَفْتَتِحَ أَمْرًا لاَ أُحِبُّ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنِ افْتَتَحَهُ، وَاللهِ لاَ أَقُولُ لِرَجُلٍ: إِنَّكَ خَيْرُ النَّاسِ، وَإِنْ كَانَ عَلَيَّ أَمِيرًا، بَعْدَ أَنْ سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: قَالُوا: وَمَا سَمِعْتَهُ يَقُولُ؟ قَالَ: سَمِعْتُهُ يَقُولُ: «يُجَاءُ بِالرَّجُلِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَيُلْقَى فِي النَّارِ فَتَنْدَلِقُ بِهِ أَقْتَابُهُ، فَيَدُورُ بِهَا فِي النَّارِ كَمَا يَدُورُ الْحِمَارُ بِرَحَاهُ، فَيُطِيفُ بِهِ أَهْلُ النَّارِ فَيَقُولُون: يَا فُلاَنُ، مَا أَصَابَكَ؟ أَلَمْ تَكُنْ تَأْمُرُنَا بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَانَا عَنِ الْمُنْكَرِ؟ فَيَقُولُ: كُنْتُ آمُرُكُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَلاَ آتِيهِ، وَأَنْهَاكُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَآتِيهِ»[303]. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ[304]. [303] (أحمد 5/205) [304] (فتح الباري 6/381، ومسلم 4/2291) وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ: إِنِّي لَأَكْرَهُ الْقِصَصَ لِثَلاَثِ آيَاتٍ: قَوْلِهِ تَعَالَى: {أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ} وَقَوْلِهِ: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لاَ تَفْعَلُونَ *كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لاَ تَفْعَلُونَ} [الصف: 2،3] [305]وَقَوْلِهِ إِخْبَارًا عَنْ شُعَيْبٍ: {وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ إِنْ أُرِيدُ إِلاَّ الإِصْلاَحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلاَّ بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ} [هود: 88]. [305] (القرطبي 1/367) {وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاَةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلاَّ عَلَى الْخَاشِعِينَ *الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاَقُو رَبِّهِمْ وَأَنَّهُمْ إِلَيهِ رَاجِعُونَ} [اَلاِسْتِعَانَةُ بِالصَّبْرِ وَالصَّلاَةِ] يَقُولُ تَعَالَى آمِرًا عَبِيدَهُ فِيمَا يُؤَمِّلُونَ مِنْ خَيْرِ الدُّنْيَا وَالاْخِرَةِ بِالاِسْتِعَانَةِ بِالصَّبْرِ وَالصَّلاَةِ، كَمَا قَالَ مُقَاتِلُ بْنُ حَيَّانَ فِي تَفْسِيرِ هَذِهِ الْآيَةِ: اِسْتَعِينُوا عَلَى طَلَبِ الاْخِرَةِ بِالصَّبْرِ عَلَى الْفَرَائِضِ وَالصَّلاَةِ، فَأَمَّا الصَّبْرُ فَقِيلَ: إِنَّهُ الصِّيَامُ[306]. نَصَّ عَلَيْهِ مُجَاهِدٌ. [306] (ابن أبي حاتم 1/154 إسناده ضعيف فيه عمران بن خالد ضعيف الحديث) قَالَ الْقُرْطُبِيُّ وَغَيْرُهُ: وَلِهَذَا يُسَمَّى رَمَضَانُ شَهْرَ الصَّبْرِ[307]. كَمَا نَطَقَ بِهِ الْحَدِيثُ[308]. وَقِيلَ: اَلْمُرَادُ بِالصَّبْرِ الْكَفُّ عَنِ الْمَعَاصِي، وَلِهَذَا قَرَنَهُ بِأَدَاءِ الْعِبَادَاتِ، وَأَعْلاَهَا فِعْلُ الصَّلاَةِ. رَوَى ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ[309]رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، قَالَ: الصَّبْرُ صَبْرَانِ: صَبْرٌ عِنْدَ الْمُصِيبَةِ حَسَنٌ، وَأَحْسَنُ مِنْهُ الصَّبْرُ عَنْ مَحَارِمِ اللهِ. قَالَ: وَرُوِيَ عَنِ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ نَحْوُ قَوْلِ عُمَرَ[310]. [307] (القرطبي 1/372) [308] (إسناده ضعيف فيه علي بن زيد بن جدعان وهو ضعيف) [309] (هذا منقطع أبو سنان سعيد بن سنان لم سمع من عمر) [310] (ابن أبي حاتم 1/155) وَأَمَّا قَوْلُهُ: {وَالصَّلاَةِ} فَإِنَّ الصَّلاَةَ مِنْ أَكْبَرِ الْعَوْنِ عَلَى الثَّبَاتِ فِي الْأَمْرِ كَمَا قَالَ تَعَالَى: {اتْلُ مَا أُوْحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ وَأَقِمِ الصَّلاَةَ إِنَّ الصَّلاَةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ}... الْآيَةَ [العنكبوت: 45]. وَالضَّمِيرُ فِي قَوْلِهِ: {وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ} عَائِدٌ إِلَى الصَّلاَةِ، نَصَّ عَلَيْهِ مُجَاهِدٌ، َواخْتَاَرُه ابْنُ جَرِيرٍ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ عَائِدًا عَلَى مَا يَدُلُّ عَلَيْهِ الْكَلاَمُ وَهُوَ الْوَصِيَّةُ بِذَلِكَ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى فِي قِصَّةِ قَارُونَ: {وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَيْلَكُمْ ثَوَابُ اللَّهِ خَيْرٌ لِمَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا وَلاَ يُلْقَّاهَا إِلاَّ الصَّابِرُونَ} [القصص: 80] وَقَالَ تَعَالَى: {وَلاَ تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلاَ السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ *وَمَا يُلَقَّاهَا إِلاَّ الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلاَّ ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ} [فصلت: 34، 35] أَيْ وَمَا يُلَقَّى هَذِهِ الْوَصِيَّةَ إِلاَّ الَّذِينَ صَبَرُوا، وَمَا يُلَقَّاهَا أَيْ يُؤتَاهَا وَيُلْهَمُهَا إِلاَّ ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ. وَعَلَى كُلِّ تَقْدِيرٍ فَقَوْلُهُ تَعَالَى: {وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ} أَيْ: مَشَقَّـةٌ ثَقِيلَةٌ {إِلاَّ عَلَى الْخَاشِعِينَ} قَالَ ابْنُ أَبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: يَعْنِي الْمُصَدِّقِينَ بِمَا أَنْزَلَ اللهُ.[311]. [311] (الطبري 2/16) وَقَوْلُهُ تَعَالَى: {الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاَقُو رَبِّهِمْ وَأَنَّهُمْ إِلَيهِ رَاجِعُونَ} هَذَا مِنْ تَمَامِ الْكَلاَمِ الَّذِي قَبْلَهُ، أَيْ وَإِنَّ الصَّلاَةَ أَوِ الْوَصَاةَ لَثَقِيلَةٌ {إِلاَّ عَلَى الْخَاشِعِينَ * الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاَقُو رَبِّهِمْ} أَيْ يَعْلَمُونَ أَنَّهُمْ مَحْشُورُونَ إِلَيْهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَعْرُوضُونَ عَلَيْهِ، {وَأَنَّهُمْ إِلَيهِ رَاجِعُونَ} أَيْ أُمُورُهُمْ رَاجِعَةٌ إِلَى مَشِيئَتِهِ، يَحْكُمُ فِيهَا مَا يَشَاءُ بِعَدْلِهِ، فَلِهَذَا لَمَّا أَيْقَنُوا بِالْمَعَادِ وَالْجَزَاءِ سَهُلَ عَلَيْهِمْ فِعْلُ الطَّاعَاتِ وَتَرْكُ الْمُنْكَرَاتِ. [الظن بمعنى اليقين] فَأَمَّا قَوْلُهُ {يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاَقُو رَبِّهِمْ} قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ، رَحِمَهُ اللهُ: الْعَرَبُ قَدْ تُسَمِّي الْيَقِينَ ظَنًّا، وَالشَّكَّ ظَنًّا، نَظِيرَ تَسْمِيَتِهِمُ الظُّلْمَةَ سُدْفَةً، وَالضِّيَاءَ سُدْفَةً، وَالْمُغِيثَ صَارِخًا، وَالْمُسْتَغِيثَ صَارِخًا، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ مِنَ الْأَسْمَاءِ الَّتِي يُسَمَّى بِهَا الشَّيْءُ وَضِدُّهُ، وَمِنْهُ قَوْلُ اللهِ تَعَالَى: {وَرَأَى الْمُجْرِمُونَ النَّارَ فَظَنُّوا أَنَّهُمْ مُوَاقِعُوهَا} [الكهف: 53][312]. وروى ابن جرير عن مجاهد قال: كل ظن في القرآن فهو وهذا سنده صحيح. [312] (الطبري 2/17) (قُلْتُ) وَفِي الصَّحِيحِ: «أَنَّ اللهَ تَعَالَى يَقُولُ لِلْعَبْدِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ: أَلَمْ أُزَوِّجْكَ؟ أَلَمْ أُكْرِمْكَ؟ أَلَمْ أُسَخِّرْ لَكَ الْخَيْلَ وَالْإِبِلَ وَأَذَرْكَ تَرْأَسُ وَتَرْبَعُ؟ فَيَقُولُ: بَلى، فَيَقُولُ اللهُ تَعَالَى: أَظَنَنْتَ أَنَّكَ مُلاَقِيَّ؟ فَيَقُولُ: لاَ، فَيَقُولُ اللهُ: الْيَوْمَ أَنْسَاكَ كَمَا نَسِيتَنِي»[313]. [313] (مسلم 4/2279) {يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ} [تَذْكِيرُ بَنِي إِسْرَائِيلَ بِتَفْضِيلِهِمْ عَلَى الْأُمَمِ] يُذَكِّرُهُمْ تَعَالَى بِسَالِفِ نِعَمِهِ إِلَى آبَائِهِمْ وَأَسْلاَفِهِمْ، وَمَا كَانَ فَضَّلَهُمْ بِهِ مِنْ إِرْسَالِ الرُّسُلِ مِنْهُمْ، وَإِنْزَالِ الْكُتُبِ عَلَيْهِمْ، عَلَى سَائِرِ الْأُمَمِ مِنْ أَهْلِ زَمَانِهِمْ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: {وَلَقَدْ اخْتَرْنَاهُمْ عَلَى عِلْمٍ عَلَى الْعَالَمِينَ} [الدخان: 32] وَقَالَ تَعَالَى: {وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِيَاءَ وَجَعَلَكُمْ مُلُوكًا وَآتَاكُمْ مَا لَمْ يُؤْتِ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ} [المائدة: 20] قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ الرَّازِيُّ عَنِ الرَّبِيعِ بْنِ أَنَسٍ عَنْ أَبِي الْعَالِيَةِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ} قَالَ: بِمَا أُعْطُوا مِنَ الْمُلْكِ وَالرُّسُلِ وَالْكُتُبِ عَلَى عَالَمِ مَنْ كَانَ فِي ذَلِكَ الزَّمَانِ، فَإِنَّ لِكُلِّ زَمَانٍ عَالَمًا[314]. وَرُوِيَ عَنْ مُجَاهِدٍ وَالرَّبِيعِ بْنِ أَنَسٍ وَقَتَادَةَ وَإِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ نَحْوُ ذَلِكَ[315]. [314] (الطبري 2/24) [315] (ابن أبي حاتم 1/158) [أُمَّةُ مُحَمَّدٍ ﷺ أَفْضَلُ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ] وَيَجِبُ الْحَمْلُ عَلَى هَذَا، لِأَنَّ هَذِهِ الْأُمَّةَ أَفْضَلُ مِنْهُمْ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى خِطَابًا لِهَذِهِ الْأُمَّةِ: {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ} [آل عمران: 110] وَفِي الْمَسَانِيدِ والسُّنَنِ عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ حَيْدَةَ الْقُشَيْرِيِّ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «أَنْتُمْ تُوفُونَ سَبْعِينَ أُمَّةً أَنْتُمْ خَيْرُهَا وَأَكْرَمُهَا عَلَى اللهِ».[316] والْأَحَادِيثُ فِي هَذَا كَثِيرَةٌ تُذْكَرُ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعَالَى: {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ} [آل عمران: 110]. [316] (أحمد 4/447 و5/3، وتحفة الأحوذي 8/352، وابن ماجه 2/1433) {وَاتَّقُوا يَوْمًا لاَ تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا وَلاَ يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ وَلاَ يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلاَ هُمْ يُنْصَرُونَ} لَمَّا ذَكَّرَهُمْ تَعَالَى بِنِعَمِهِ أَوَّلاً، عَطَفَ عَلَى ذَلِكَ التَّحْذِيرَ مِنْ طُولِ نِقَمِهِ بِهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فَقَالَ: {وَاتَّقُوا يَوْمًا} يَعْنِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ {لاَ تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا} أَيْ لاَ يُغْنِي أَحَدٌ عَنْ أَحَدٍ، كَمَا قَالَ: {وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى} [الإسراء: 15 الأنعام: 164] وَقَالَ: {لِكُلِّ امْرِىءٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ} [عبس: 37] وَقَالَ: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ وَاخْشَوْا يَوْمًا لاَ يَجْزِي وَالِدٌ عَنْ وَلَدِهِ وَلاَ مَوْلُودٌ هُوَ جَازٍ عَنْ وَالِدِهِ شَيْئًا} [لقمان: 33] فَهَذَا أَبْلَغُ الْمَقَامَاتِ أَنَّ كُلًّا مِنَ الْوَالِدِ وَوَلَدِهِ لاَ يُغْنِي أَحَدُهُمَا عَنِ الاْخَرِ شَيْئًا. [لاَ يُقْبَلُ مِنَ الْكُفَّارِ شَفَاعَةٌ وَلاَ فِدَاءٌ، وَلاَ يُنْصَرُونَ] وَقَوْلُهُ تَعَالَى: {وَلاَ يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ} يَعْنِي مِنَ الْكَافِرِينَ، كَمَا قَالَ: {فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ} [المدثر: 48] وَكَمَا قَالَ عَنْ أَهْلِ النَّارِ {فَمَا لَنَا مِنْ شَافِعِينَ *وَلاَ صَدِيقٍ حَمِيمٍ} [الشعراء 100، 101] وَقَوْلُهُ تَعَالَى: {وَلاَ يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ} أَيْ لاَ يُقْبَلُ مِنْهَا فِدَاءٌ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِمْ مِلْءُ الأَرْضِ ذَهَبًا وَلَوِ افْتَدَى بِهِ} [آل عمران: 91] وَقَالَ: {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ أَنَّ لَهُمْ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ لِيَفْتَدُوا بِهِ مِنْ عَذَابِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَا تُقُبِّلَ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} [المائدة: 36] وَقَالَ تَعَالَى: {وَإِنْ تَعْدِلْ كُلَّ عَدْلٍ لاَ يُؤْخَذْ مِنْهَا} [الأنعام: 70] وَقَالَ: {فَالْيَوْمَ لاَ يُؤْخَذُ مِنْكُمْ فِدْيَةٌ وَلاَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مَأْوَاكُمُ النَّارُ هِيَ مَوْلاَكُمْ}... الْآيَةَ [الحديد: 15]. فَأَخْبَرَ تَعَالَى أَنَّهُمْ إِنْ لَمْ يُؤمِنُوا بِرَسُولِهِ، وَيُتَابِعُوهُ عَلَى مَا بَعَثَهُ بِهِ، وَوَافَوُا اللهَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى مَا هُمْ عَلَيْهِ فَإِنَّهُ لاَ يَنْفَعُهُمْ قَرَابَةُ قَرِيبٍ وَلاَ شَفَاعَةُ ذِي جَاهٍ، وَلاَ يُقْبَلُ مِنْهُمْ فِدَاءٌ وَلَوْ بِمِلْءِ الْأَرْضِ ذَهَبًا، كَمَا قَالَ تَعَالَى: {مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لاَ بَيْعٌ فِيهِ وَلاَ خُلَّةٌ وَلاَ شَفَاعَةٌ} [البقرة: 254] وَقَالَ: {لاَ بَيْعٌ فِيهِ وَلاَ خِلاَلٌ} [إبراهيم: 31]. وَقَوْلُهُ تَعَالَى: {وَلاَ هُمْ يُنْصَرُونَ} أَيْ وَلاَ أَحَدٌ يَغْضَبُ لَهُمْ فَيَنْصُرَهُمْ وَيُنْقِذَهُمْ مِنْ عَذَابِ اللهِ، كَمَا تَقَدَّمَ مِنْ أَنَّهُ لاَ يَعْطِفُ عَلَيْهِمْ ذُو قَرَابَةٍ وَلاَ ذُو جَاهٍ، وَلاَ يُقْبَلُ مِنْهُمْ فِدَاءٌ، هَذَا كُلُّهُ مِنْ جَانِبِ التَّلَطُّفِ، وَلاَ لَهُمْ نَاصِرٌ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَلاَ مِنْ غَيْرِهِمْ، كَمَا قَالَ: {فَمَا لَهُ مِنْ قُوَّةٍ وَلاَ نَاصِرٍ} [الطارق: 10] أَيْ إِنَّهُ تَعَالَى لاَ يَقْبَلُ فِيمَنْ كَفَرَ بِهِ فِدْيَةً وَلاَ شَفَاعَةً، وَلاَ يُنْقِذُ أَحَدًا مِنْ عَذَابِهِ مُنْقِذٌ، وَلاَ يُخَلِّصُ مِنْهُ أَحَدٌ، وَلاَ يُجِيرُ مِنْهُ أَحَدٌ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: {وَهُوَ يُجِيرُ وَلاَ يُجَارُ عَلَيْهِ} [المؤمنون: 88] وقَالَ: {فَيَوْمَئِذٍ لاَ يُعَذِّبُ عَذَابَهُ أَحَدٌ *وَلاَ يُوثِقُ وَثَاقَهُ أَحَدٌ} [الفجر: 25، 26] وَقَالَ: {مَا لَكُمْ لاَ تَنَاصَرُونَ *بَلْ هُمُ الْيَوْمَ مُسْتَسْلِمُونَ} [الصافات: 25، 26] وَقَالَ: {فَلَوْلاَ نَصَرَهُمُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ قُرْبَاناً آلِهَةً بَلْ ضَلُّوا عَنْهُمْ}... الْآيَةَ [الأحقاف: 28]، وَقَالَ الضَّحَّاكُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {مَا لَكُمْ لاَ تَنَاصَرُونَ} [الصافات: 25] مَالَكُمُ الْيَوْمَ لاَ تُمَانِعُونَ مِنَّا، هَيْهَاتَ لَيْسَ ذَلِكَ لَكُمُ الْيَوْمَ[317]. قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: وَتَأْوِيلُ قَوْلِهِ: {وَلاَ هُمْ يُنْصَرُونَ} يَعْنِي أَنَّهُمْ يَوْمَئِذٍ لاَ يَنْصُرُهُمْ نَاصِرٌ كَمَا لاَ يَشْفَعُ لَهُمْ شَافِعٌ، وَلاَ يُقْبَلُ مِنْهُمْ عَدْلٌ وَلاَ فِدْيَةٌ، بَطَلَتْ هُنَالِكَ الْمُحَابَاةُ، وَاضْمَحَلَّتِ الرِّشَا وَالشَّفَاعَاتُ، وَارْتَفَعَ مِنَ الْقَوْمِ التَّنَاصُرُ وَالتَّعَاوُنُ، وَصَارَ الْحُكْمُ إِلَى الْجَبَّارِ الْعَدْلِ الَّذِي لاَ يَنْفَعُ لَدَيْهِ الشُّفَعَاءُ وَالنُّصَرَاءُ، فَيَجْزِي بِالسَّيِّـئَـةِ مِثْلَهَا، وَبِالْحَسَنَـةِ أَضْعَافَهَا، وَذَلِكَ نَظِيرُ قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْؤُولُونَ *مَا لَكُمْ لاَ تَنَاصَرُونَ *بَلْ هُمُ الْيَوْمَ مُسْتَسْلِمُونَ} [الصافات: 24-26][318]. [317] (الطبري 2/36 إسناده ضعيف) [318] (الطبري 2/35) {وَإِذْ نَجَّيْنَاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ يُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيْسَتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ وَفِي ذَلِكُمْ بَلاَءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ *وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ الْبَحْرَ فَأَنْجَيْنَاكُمْ وَأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَوْنَ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ} [تَنْجِيَةُ بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنْ فِرْعَوْنَ وَإِغْرَاقُ آلِ فِرْعَوْنَ] يَقُولُ تَعَالَى: اُذْكُرُوا يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ {وَإِذْ نَجَّيْنَاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ} أَيْ خَلَّصْتُكُمْ مِنْهُمْ، وَأَنْقَذْتُكُمْ مِنْ أَيْدِيهِمْ صُحْبَةَ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلاَمُ، وَقَدْ كَانُوا يَسُومُونَكُمْ، أَيْ يُورِدُونَكُمْ وَيُذِيقُونَكُمْ وَيُولُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ، وَذَلِكَ أَنَّ فِرْعَوْنَ لَعَنَهُ اللهُ كَانَ قَدْ رَأَى رُؤيَا هَالَتْهُ، رَأَى نَارًا خَرَجَتْ مِنْ بَيْتِ الْمَقْدِسِ، فَدَخَلَتْ بُيُوتَ الْقِبْطِ بِبِلاَدِ مِصْرَ، إِلاَّ بُيُوتَ بَنِي إِسْرَائِيلَ، مَضْمُونُهَا: أَنَّ زَوَالَ مُلْكِهِ يَكُونُ عَلَى يَدَيْ رَجُلٍ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ. وَيُقَالُ: بَلْ تَحَدَّثَ سُمَّارُهُ عِنْدَهُ بِأَنَّ بَنِي إِسْرَائِيلَ يَتَوَقَّعُونَ خُرُوجَ رَجُلٍ مِنْهُمْ يَكُونُ لَهُمْ بِهِ دَوْلَةٌ وَرِفْعَةٌ، فَعِنْدَ ذَلِكَ أَمَرَ فِرْعَوْنُ لَعَنَهُ اللهُ بِقَتْلِ كُلِّ ذَكَرٍ يُولَدُ بَعْدَ ذَلِكَ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ، وَأَنْ تُتْرَكَ الْبَنَاتُ، وَأَمَرَ بِاسْتِعْمَالِ بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي مَشَاقِّ الْأَعْمَالِ وَأَرْذَلِهَا. وَهَهُنَا فُسِّرَ الْعَذَابُ بِذَبْحِ الْأَبْنَاءِ، وَفِي سُورَةِ إِبْرَاهِيمَ عُطِفَ عَلَيْهِ كَمَا قَالَ: {يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ وَيُذْبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ} [إبراهيم: 6] وَسَيَأْتِي تَفْسِيرُ ذَلِكَ فِي أَوَّلِ سُورَةِ الْقَصَصِ إِنْ شَاءَ اللهُ تَعَالَى، وَبِهِ الثِّقَةُ وَالْمَعُونَةُ وَالتَّأْيِيدُ. وَمَعْنَى {يَسُومُونَكُمْ} يُولُونَكُمْ، قَالَهُ أَبُو عُبَيْدَةَ. كَمَا يُقَالُ سَامَهُ خُطَّةَ خَسْفٍ، إِذَا أَوْلاَهُ إِيَّاهَا. وَقِيلَ: مَعْنَاهُ: يُدِيمُونَ عَذابَكُمْ، كَمَا يُقَالُ: سَائِمَةُ الْغَنَمِ: مِنْ إِدَامَتِهَا الرَّعْيَ. نَقَلَهُ الْقُرْطُبِيُّ، وَإِنَّمَا قَالَ هَهُنَا: {يُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيْسَتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ} لِيَكُونَ ذَلِكَ تَفْسِيرًا لِلنِّعْمَةِ عَلَيْهِمْ فِي قَوْلِهِ: {يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ} ثُمَّ فَسَّرَهُ بِهَذَا لِقَوْلِهِ هَهُنَا: {اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيكُمْ} وَأَمَّا فِي سُورَةِ إِبْرَاهِيمَ فَلَمَّا قَالَ: {وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللَّهِ} أَيْ بِأَيَادِيهِ وَنِعَمِهِ عَلَيْهِمْ فَنَاسَبَ أَنْ يَقُولَ هُنَاكَ: {يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ وَيُذْبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ} فَعَطَفَ عَلَيْهِ الذَّبْحَ لِيَدُلَّ عَلَى تَعَدُّدِ النِّعَمِ وَالْأَيَادِي عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ. وَ"فِرْعَوْنُ" عَلَمٌ عَلَى كُلِّ مَنْ مَلَكَ مِصْرَ كَافِرًا مِنَ الْعَمَالِيقِ وَغَيْرِهِمْ، كَمَا أَنَّ "قَيْصَرَ" عَلَمٌ عَلَى كُلِّ مَنْ مَلَكَ الرُّومَ مَعَ الشَّامِ كَافِرًا، وَ"كِسْرَى" لِمَنْ مَلَكَ الْفُرْسَ، وَ"تُبَّعَ" لِمَنْ مَلَكَ الْيَمَنَ كَافِرًا، وَالنَّجَاشِيَّ لِمَنْ مَلَكَ الْحَبَشَةَ. وَقَوْلُهُ تَعَالَى: {وَفِي ذَلِكُمْ بَلاَءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ} قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: وَفِي الَّذِي فَعَلْنَا بِكُمْ مِنْ إِنْجَائِنَا آبَاءَكُمْ مِمَّا كُنْتُمْ فِيهِ مِنْ عَذَابِ آلِ فِرْعَونَ بَلاَءٌ لَكُمْ مِنْ رَبِّـكُمْ عَظِيمٌ، أَيْ نِعْمَةٌ عَظِيمَةٌ عَلَيْكُمْ فِي ذَلِكَ[319]. وَأَصْلُ الْبَلاَءِ الاِخْتِبَارُ، وَقَدْ يَكُونُ بِالْخَيْرِ وَالشَّرِّ كَمَا قَالَ تَعَالَى: {وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً} [الأنبياء: 35] وَقَالَ: {وَبَلَوْنَاهُمْ بِالْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ} [الأعراف: 168] قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: وَأَكْثَرُ مَا يُقَالُ فِي الشَّرِّ: بَلَوْتُهُ أَبْلُوهُ بَلاَءً[320]. وَفِي الْخَيْرِ أُبْلِيهِ إِبْلاَءً وَبَلاَءً. [319] (الطبري 2/48) [320] (الطبري 2/49) وَقَوْلُهُ تَعَالَى: {وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ الْبَحْرَ فَأَنْجَيْنَاكُمْ وَأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَوْنَ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ}، مَعْنَاهُ: وَبَعْدَ أَنْ أَنْقَذْنَاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ وَخَرَجْتُمْ مَعَ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلاَمُ، خَرَجَ فِرْعَوْنُ فِي طَلَبِكُمْ فَفَرَقْنَا بِكُمُ الْبَحْرَ، كَمَا أَخْبَرَ تَعَالَى عَنْ ذَلِكَ مُفَصَّلاً، كَمَا سَيَأْتِي فِي مَوَاضِعِهِ، وَمِنْ أَبْسَطِهَا مَا فِي سُورَةِ الشُّعَرَاءِ إِنْ شَاءَ اللهُ، {فَأَنْجَيْنَاكُمْ} أَيْ خَلَّصْنَاكُمْ مِنْهُمْ، وَحَجَزْنَا بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ، وَأَغْرَقْنَاهُمْ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ، لِيَكُونَ ذَلِكَ أَشْفَى لِصُدُورِكُمْ وَأَبْلَغَ فِي إِهَانَةِ عَدُوِّكُمْ. [صَوْمُ يَوْمِ عَاشُورَاءَ] وَقَدْ وَرَدَ أَنَّ هَذَا الْيَوْمَ كَانَ يَوْمُ عَاشُورَاءَ، كَمَا رَوَى الْإِمَامُ أَحْمَدُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: قَدِمَ رَسُولُ اللهِ ﷺ الْمَدِينَةَ فَرَأَى الْيَهُودَ يَصُومُونَ يَوْمَ عَاشُورَاءَ، فَقَالَ: «مَا هَذَا الْيَومُ الَّذِي تَصُومُونَ؟» قَالُوا: هَذَا يَوْمٌ صَالِحٌ، هَذَا يَوْمٌ نَجَّى اللهُ عَزَّ وَجَلَّ فِيهِ بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنْ عَدُوِّهِمْ، فَصَامَهُ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلاَمُ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «أَنَا أَحَقُّ بِمُوسَى مِنْكُمْ» فَصَامَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ وَأَمَرَ بِصَوْمِهِ[321]. وَرَوَى هَذَا الْحَدِيثَ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ[322]. [321] (أحمد 1/291) [322] (فتح الباري 4/287، ومسلم 2/796، والنسائي في الكبرى 2/157، وابن ماجه 1/553) {وَإِذْ وَاعَدْنَا مُوسَى أَرْبَعِينَ لَيْلَةً ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَنْتُمْ ظَالِمُونَ *ثُمَّ عَفَوْنَا عَنْكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ *وَإِذْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَالْفُرْقَانَ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ} [اِتِّخَاذُ بَنِي إِسْرَائِيلَ الْعِجْلَ] يَقُولُ تَعَالَى: وَاذْكُرُوا نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ فِي عَفْوِي عَنْكُمْ، لَمَّا عَبَدْتُمُ الْعِجْلَ بَعْدَ ذَهَابِ مُوسَى لِمِيقَاتِ رَبِّهِ عِنْدَ انْقِضَاءِ أَمَدِ الْمُوَاعَدَةِ، وَكَانَتْ أَرْبَعِينَ يَوْمًا، وَهِيَ الْمَذْكُورَةُ فِي الْأَعْرَافِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَوَاعَدْنَا مُوسَى ثَلاَثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ} [الأعراف: 142] قِيلَ إِنَّهَا: ذُو الْقَعْدَةِ بِكَمَالِهِ وَعَشْرٌ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ. وَكَانَ ذَلِكَ بَعْدَ خَلاَصِهِمْ مِنْ فِرْعَوْنَ وَإِنْجَائِهِمْ مِنَ الْبَحْرِ، وَقَوْلُهُ تَعَالَى: {وَإِذْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ} يَعْنِي التَّوْرَاةَ {وَالْفُرْقَانَ} وَهُوَ مَا يُفَرِّقُ بَيْنَ الْحَقِّ وَالْبَاطِلِ وَالْهُدَى وَالضَّلاَلِ {لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ} وَكَانَ ذَلِكَ أَيْضًا بَعْدَ خُرُوجِهِمْ مِنَ الْبَحْرِ، كَمَا دَلَّ عَلَيْهِ سِيَاقُ الْكَلاَمِ فِي سُورَةِ الْأَعْرَافِ، وَلِقَولِهِ تَعَالَى: {وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ مِن بَعْدِ مَا أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ الأُولَى بَصَائِرَ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَرَحْمَةً لَّعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُون}[القصص: 43]. {وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنفُسَكُمْ بِاتِّخَاذِكُمُ الْعِجْلَ فَتُوبُواْ إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُواْ أَنفُسَكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ عِندَ بَارِئِكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيم} [تَوْبَةُ بَنِي إِسْرَائِيلَ بِقَتْلِ أَنْفُسِهِمْ] هَذِهِ صِفَةُ تَوْبَتِهِ تَعَالَى عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنْ عِبَادَةِ الْعِجْلِ، قَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ رَحِمَهُ اللهُ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ بِاتِّخَاذِكُمُ الْعِجْلَ} [البقرة: 54] فَقَالَ: ذَلِكَ حِينَ وَقَعَ فِي قُلُوبِهِمْ مِنْ شَأْنِ عِبَادَتِهِمُ الْعِجْلَ مَا وَقَعَ حَتَّى قَالَ تَعَالَى: {وَلَمَّا سُقِطَ فِي أَيْدِيهِمْ وَرَأَوْا أَنَّهُمْ قَدْ ضَلُّوا قَالُوا لَئِنْ لَمْ يَرْحَمْنَا رَبُّنَا وَيَغْفِرْ لَنَا}... الْآيَةَ [الأعراف: 149]. قَالَ: فَذَلِكَ حِينَ يَقُولُ مُوسَى: {يَا قَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ بِاتِّخَاذِكُمُ الْعِجْلَ} [323]وَقَالَ أَبُو الْعَالِيَةِ وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيرٍ وَالرَّبِيعُ بْنُ أَنَسٍ: {فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ} أَيْ إِلَى خَالِقِكُمْ[324]. قُلْتُ: وَفِي قَوْلِهِ هَهُنَا {إِلَى بَارِئِكُمْ} تَنْبِيهٌ عَلَى عِظَمِ جُرْمِهِمْ، أَيْ فَتُوبُوا إِلَى الَّذِي خَلَقَكُمْ وَقَدْ عَبَدْتُمْ مَعَهُ غَيْرَهُ. [323] (ابن أبي حاتم 1/167) [324] (ابن أبي حاتم 1/167، 168) وَقَدْ رَوَى النَّسَائِيُّ وَابْنُ جَرِيرٍ وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: فَقَالَ اللهُ تَعَالَى: إِنَّ تَوْبَتَهُمْ أَنْ يَقْتُلَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ مَنْ لَقِيَ مِنْ وَالِدٍ وَوَلَدٍ، فَيَقْتُلَهُ بِالسَّيْفِ، وَلاَ يُبَالِي مَنْ قَتَلَ فِي ذَلِكَ الْمَوْطِنِ، فَتَابَ أُولئِكَ الَّذِينَ كَانُوا خَفِيَ عَلَى مُوسَى وَهَارُونَ مَا اطَّلَعَ اللهُ مِنْ ذُنُوبِهِمْ، فَاعْتَرَفُوا بِهَا، وَفَعَلُوا مَا أُمِرُوا بِهِ، فَغَفَرَ اللهُ لِلْقَاتِلِ وَالْمَقْتُولِ[325]. [325] (النسائي في الكبرى 6/404، و405، والطبري 18/306، وابن أبي حاتم 1/168) وَرَوَى ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ: {فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بَارِئِكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ} قَالَ: أَمَرَ مُوسَى قَوْمَهُ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ عَزَّ وَجَلَّ أَنْ يَقْتُلُوا أَنْفُسَهُمْ، قَالَ: وَأَخْبَرَ الَّذِينَ عَبَدُوا الْعِجْلَ، فَجَلَسُوا، وَقَامَ الَّذِينَ لَمْ يَعْكِفُوا عَلَى الْعِجْلِ، فَأَخَذُوا الْخَنَاجِرَ بِأَيْدِيهِمْ، وَأَصَابَتْهُمْ ظُلْمَةٌ شَدِيدَةٌ، فَجَعَلَ يَقْتُلُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا، فَانْجَلَتِ الظُّلْمَةُ عَنْهُمْ وَقَدْ جَلَوْا عَنْ سَبْعِينَ أَلْفَ قَتِيلٍ، كُلُّ مَنْ قُتِلَ مِنْهُمْ كَانَتْ لَهُ تَوْبَةٌ، وَكُلُّ مَنْ بَقِيَ كَانَتْ لَهُ تَوْبَةٌ[326]. [326] (الطبري 2/73) {وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ *ثُمَّ بَعَثْنَاكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} [طَلَبُ خِيَارِهِمْ رُؤيَةَ اللهِ وَإِمَاتَتُهُمْ وَإِحْيَاؤُهُمْ] يَقُولُ تَعَالَى: وَاذْكُرُوا نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ فِي بَعْثِي لَكُمْ بَعْدَ الصَّعْقِ إِذْ سَأَلْتُمْ رُؤْيَتِي جَهْرَةً عِيَانًا مِمَّا لاَ يُسْتَطَاعُ لَكُمْ وَلاَ لِأَمْثَالِكُمْ، كَمَا قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي هَذِهِ الْآيَةِ: {وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ} [55] قَالَ: عَلاَنِيَةً[327]. وَزَادَ فِي رِوَايَةٍ: أَيْ حَتَّى نَرَى اللهَ[328]. وَقَالَ عُرْوَةُ ابْنُ رُوَيْمٍ فِي قَوْلِهِ: {وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ} قَالَ: صَعِقَ بَعْضُهُمْ وَبَعْضٌ يَنْظُرُونَ[329]، ثُمَّ بُعِثَ هَؤُلاَءِ، وَصَعِقَ هَؤُلاَءِ. [327] (الطبري 2/81) [328] (ابن أبي حاتم 1/170) [329] (ابن أبي حاتم 1/172) وَقَالَ السُّدِّيُّ: {فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ} فَمَاتُوا، فَقَامَ مُوسَى يَبْكِي وَيَدْعُو اللهَ، وَيَقُولُ: رَبِّ مَاذَا أَقُولُ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ إِذَا أَتَيْتُهُمْ، وَقَدْ أَهْلَكْتَ خِيَارَهُمْ {لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُمْ مِنْ قَبْلُ وَإِيَّايَ أَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ السُّفَهَاءُ مِنَّا} [الأعراف: 155] فَأَوْحَى اللهُ إِلَى مُوسَى أَنَّ هَؤُلاَءِ السَّبْعِينَ مِمَّنِ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ، ثُمَّ إِنَّ اللهَ أَحْيَاهُمْ فَقَامُوا وَعَاشُوا [رَجُلاً رَجُلاً]، يَنْظُرُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ كَيْفَ يُحْيَوْنَ؟ قَالَ: فَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: {ثُمَّ بَعَثْنَاكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ}[330]. [330] (ابن أبي حاتم 1/173) وَقَالَ الرَّبِيعُ بْنُ أَنَسٍ كَانَ مَوْتُهُمْ عُقُوبَةً لَهُمْ، فَبُعِثُوا مِنْ بَعْدِ الْمَوْتِ لِيَسْتَوْفُوا آجَالَهُمْ[331]. وَكَذَا قَالَ قَتَادَةُ[332]. [331] (ابن أبي حاتم 1/173) [332] (ابن أبي حاتم 1/173) قَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ فِي تَفْسِيرِ هَذِهِ الْآيَةِ: قَالَ لَهُمْ مُوسَى - لَمَّا رَجَعَ مِن عِنْدِ رَبِّهِ بِالْأَلْوَاحِ، قَدْ كُتِبَ فِيهَا التَّوْرَاةُ، فَوَجَدَهُمْ يَعْبُدُونَ الْعِجْلَ، فَأَمَرَهُمْ بِقَتْلِ أَنْفُسِهِمْ فَفَعَلُوا، فَتَابَ اللهُ عَلَيْهِمْ، فَقَالَ -: إِنَّ هَذِهِ الْأَلْوَاحَ فِيهَا كِتَابُ اللهِ، فِيهِ أَمْرُكُمُ الَّذِي أَمَرَكُمْ بِهِ، وَنَهْيُكُمُ الَّذِي نَهَاكُمْ عَنْهُ. فَقَالُوا: وَمَنْ يَأْخُذُهُ بِقَوْلِكَ أَنْتَ؟ لاَ وَاللهِ حَتَّى نَرَى اللهَ جَهْرَةً، حَتَّى يَطَّلِعَ اللهُ عَلَيْنَا فَيَقُولَ: هَذَا كِتَابِي فَخُذُوهُ، فَمَا لَهُ لاَ يُكَلِّمُنَا كَمَا يُكَلِّمُكَ أَنْتَ يَا مُوسَى؟ وَقَرَأَ قَوْلَ اللهِ: {لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً} قَالَ: فَجَاءَتْ غَضْبَةٌ مِنَ اللهِ، فَجَاءَتْهُمْ صَاعِقَةٌ بَعْدَ التَّوْبَةِ، فَصَعِقَتْهُمْ فَمَاتُوا أَجْمَعُونَ، قَالَ: ثُمَّ أَحْيَاهُمُ اللهُ مِنْ بَعْدِ مَوْتِهِمْ، وَقَرَأَ قَوْلَ اللهِ: {ثُمَّ بَعَثْنَاكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} فَقَالَ لَهُمْ مُوسَى: خُذُوا كِتَابَ اللهِ، فَقَالُوا: لاَ، فَقَالَ: أَيُّ شَيْءٍ أَصَابَكُمْ؟ فَقَالُوا: أَصَابَنَا أَنَّا مُتْنَا ثُمَّ أُحْيِينَا، قَالَ: خُذُوا كِتَابَ اللهِ، قَالُوا: لاَ، فَبَعَثَ اللهُ مَلاَئِكَةً فَنَتَقَتِ الْجَبَلَ فَوْقَهُمْ[333]. [333] (الطبري 2/88) وَهَذَا السِّيَاقُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُمْ كُلِّفُوا بَعْدَ مَا أُحْيُوا. وَقَدْ حَكَى الْمَاوَرْدِيُّ فِي ذَلِكَ قَوْلَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ سَقَطَ التَّكْلِيفُ عَنْهُمْ لِمُعَايَنَتِهِمُ الْأَمْرَ جَهْرَةً حَتَّى صَارُوا مُضْطَرِّينَ إِلَى التَّصْدِيقِ. وَالثَّانِي: أَنَّهُمْ مُكَلَّفُونَ؛ لِئَلاَّ يَخْلُوَ عَاقِلٌ مِنْ تَكْلِيفٍ. قَالَ الْقُرْطُبِيُّ: وَهَذَا هُوَ الصَّحِيحُ، لِأَنَّ مُعَايَنَتَهُمْ لِلْأُمُورِ الْفَظِيعَةِ لاَ تَمْنَعُ تَكْلِيفَهُمْ، لِأَنَّ بَنِي إِسْرَائِيلَ قَدْ شَاهَدُوا أُمُورًا عِظَامًا مِنْ خَوَارِقِ الْعَادَاتِ، وَهُمْ فِي ذَلِكَ مُكَلَّفُونَ، وَهَذَا وَاضِحٌ، وَاللهُ أَعْلَمُ. {وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْغَمَامَ وَأَنْزَلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَمَا ظَلَمُونَا وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ} [تَظْلِيلُهُمْ بِالْغَمَامِ وَإِنْزَالُ الْمَنِّ وَالسَّلْوى عَلَيْهِمْ] لَمَّا ذَكَرَ تَعَالَى مَا دَفَعَهُ عَنْهُمْ مِنَ النِّـقَمِ، شَرَعَ يُذَكِّرُهُمْ أَيْضًا بِمَا أَسْبَغَ عَلَيْهِمْ مِنَ النِّعَمِ، فَقَالَ: {وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْغَمَامَ} [البقرة: 57] وَهُوَ جَمْعُ غَمَامَةٍ، سُمِّيَ بِذَلِكَ لِأَنَّهُ يَغُمُّ السَّمَاءَ، أَيْ يُوَارِيهَا وَيَسْتُرُهَا. وَهُوَ السَّحَابُ الْأَبْيَضُ، ظُلِّلُوا بِهِ فِي التِّيهِ لِيَقِيَهُمْ حَرَّ الشَّمْسِ. كَمَا رَوَاهُ النَّسَائِيُّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ. قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ وَالرَّبِيعِ بْنِ أَنَسٍ وَأَبِي مِجْلَزٍ وَالضَّحَّاكِ وَالسُّدِّيِّ نَحْوُ قَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ[334]. وَقَالَ الْحَسَنُ وَقَتَادَةُ: {وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْغَمَامَ} كَانَ هَذَا فِي الْبَرِّيَّةِ، ظُلِّلَ عَلَيْهِمُ الْغَمَامُ مِنَ الشَّمْسِ[335]. وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: قَالَ آخَرُونَ: وَهُوَ غَمَامٌ أَبْرَدُ مِنْ هَذَا وَأَطْيَبُ[336]. كَمَا رَوَى عَنْ مُجَاهِدٍ: لَيْسَ بِسَحَابٍ. وَفِي رِوَايَةٍ عَنْهُ: لَيْسَ مِنْ زِيِّ هذَا السَّحَابِ، بَلْ أَحْسَنُ مِنْهُ وَأَطْيَبُ وَأَبْهَى مَنْظَرًا. [334] (ابن أبي حاتم 1/174) [335] (ابن أبي حاتم 1/174) [336] (الطبري 2/91) وَقَوْلُهُ تَعَالَى: {وَأَنْزَلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ} [البقرة: 57] قَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: كَانَ الْمَنُّ يَنْزِلُ عَلَيْهِمْ عَلَى الْأَشْجَارِ، فَيَغْدُونَ إِلَيْهِ، فَيَأْكُلُونَ مِنْهُ مَا شَاءُوا. وَقَالَ قَتَادَةُ: كَانَ الْمَنُّ يَنْزِلُ عَلَيْهِمْ فِي مَحَلَّتِهِمْ سُقُوطَ الثَّلْجِ، أَشَدُّ بَيَاضًا مِنَ اللَّبَنِ، وَأَحْلَى مِنَ الْعَسَلِ، يَسْقُطُ عَلَيْهِمْ مِنْ طُلُوعِ الْفَجْرِ إِلَى طُلُوعِ الشَّمْسِ، يَأْخُذُ الرَّجُلُ مِنْهُمْ قَدْرَ مَا يَكْفِيهِ يَوْمَهُ ذَلِكَ، فَإِذَا تَعَدَّى ذَلِكَ فَسَدَ وَلَمْ يَبْقَ، حَتَّى إِذَا كَانَ يَوْمُ سَادِسِهِ، لِيَوْمِ جُمُعَتِهِ، أَخَذَ مَا يَكْفِيهِ لِيَوْمِ سَادِسِهِ وَيَوْمِ سَابِعِهِ، لِأَنَّهُ كَانَ يَوْمَ عِيدٍ لاَ يَشْخَصُ فِيهِ لَأَمْرِ مَعِيشَتِهِ، وَلاَ يَطْلُبُهُ لِشَيْءٍ، وَهَذَا كُلُّهُ فِي الْبَرِّيَّةِ[337]. [337] (ابن أبي حاتم 1/176) فَالْمَنُّ الْمَشْهُورُ إِنْ أُكِلَ وَحْدَهُ كَانَ طَعَامًا وَحَلاَوَةً، وَإِنْ مُزِجَ مَعَ الْمَاءِ صَارَ شَرَابًا طَيِّبًا، وَإِنْ رُكِّبَ مَعَ غَيْرِهِ صَارَ نَوْعًا آخَرَ. وَلَكِنْ لَيْسَ هُوَ الْمُرَادُ مِنَ الْآيَةِ وَحْدَهُ، وَالدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ رِوَايَةُ الْبُخَارِيِّ عَنْ سَعِيدِ بْنِ زَيْدٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «الْكَمْأَةُ مِنَ الْمَنِّ وَمَاؤُهَا شِفَاءٌ لِلْعَيْنِ»[338]. وَهَذَا الْحَدِيثُ رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ[339]. وَأَخْرَجَهُ الْجَمَاعَةُ فِي كُتُبِهِمْ إِلاَّ أَبَا دَاوُدَ، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: حَسَنٌ صَحِيحٌ[340]. وَرَوَى التِّرْمِذِيُّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «الْعَجْوَةُ مِنَ الْجَنَّةِ، وَفِيهَا شِفَاءٌ مِنَ السُّمِّ، والْكَمْأَةُ مِنَ الْمَنِّ، وَماؤُهَا شِفَاءٌ لِلْعَيْنِ»[341]. تَفَرَّدَ بِإِخْرَاجِهِ التِّرْمِذِيُّ[342]. [338] (فتح الباري 8/14) [339] (أحمد 1/187) [340] (فتح الباري 8/14، وملم 3/1619، وتحفة الأحوذي 6/235، والنسائي في الكبرى 4/370، وابن ماجه 2/1143) [341] (تحفة الأحوذي 6/233) [342] (تحفة الأحوذي 6/235) وَأَمَّا السَّلْوَى، فَقَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: السَّلْوَى طَائِرٌ شَبِيهٌ بِالسُّمَّانَى، كَانُوا يَأْكُلُونَ مِنْهُ. وَرَوَى السُّدِّيُّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَابْنِ مَسْعُودٍ وَعَنْ نَاسٍ مِنَ الصَّحَابَةِ: اَلسَّلْوَى طَائِرٌ يُشْبِهُ السُّمَّانَى[343]. وَكَذَا قَالَ مُجَاهِدٌ وَالشَّعْبِيُّ وَالضَّحَّاكُ وَالْحَسَنُ وَعِكْرِمَةُ وَالرَّبِيعُ بْنُ أَنَسٍ رَحِمَهُمُ اللهُ تَعَالَى[344]. وَعَنْ عِكْرِمَةَ: أَمَّا السَّلْوَى فَطَيْرٌ كَطَيْرٍ يَكُونُ بِالْجَنَّةِ، أَكْبَرُ مِنَ الْعُصْفُورِ أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ[345]. وَقَالَ قَتَادَةُ: السَّلْوَى كَانَ مِنْ طَيْرٍ أَقْرَبَ إِلَى الْحُمَّرَةِ، تَحْشُرُهَا عَلَيْهِمُ الرِّيحُ الْجَنُوبُ، وَكَانَ الرَّجُلُ يَذْبَحُ مِنْهَا قَدْرَ مَا يَكْفِيهِ يَوْمَهُ ذَلِكَ، فَإِذَا تَعَدَّى فَسَدَ وَلَمْ يَبْقَ عِنْدَهُ، حَتَّى إِذَا كَانَ يَوْمُ سَادِسِهِ، لِيَوْمِ جُمُعَتِهِ، أَخَذَ مَا يَكْفِيهِ لِيَوْمِ سَادِسِهِ وَيَوْمِ سَابِعِهِ، لِأَنَّهُ كَانَ يَوْمَ عِبَادَةٍ لاَ يَشْخَصُ فِيهِ لِشَيْءٍ وَلاَ يَطْلُبُهُ[346]. [343] (الطبري 2/96) [344] (ابن أبي حاتم 1/178) [345] (ابن أبي حاتم 1/179) [346] (ابن أبي حاتم 1/179) وَقَوْلُهُ تَعَالَى: {كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ} [57] أَمْرُ إِبَاحَةٍ وَإِرْشَادٍ وَامْتِنَانٍ، وَقَوْلُهُ تَعَالَى: {وَمَا ظَلَمُونَا وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ} [57] أَيْ أَمَرْنَاهُمْ بِالْأَكْلِ مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ، وَأَنْ يَعْبُدُوا، كَمَا قَالَ: {كُلُوا مِنْ رِزْقِ رَبِّكُمْ وَاشْكُرُوا لَهُ} [سبأ: 15] فَخَالَفُوا وَكَفَرُوا، فَظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ. هَذَا مَعَ مَا شَاهَدُوهُ مِنَ الْآيَاتِ الْبَيِّنَاتِ، وَالْمُعْجِزَاتِ الْقَاطِعَاتِ، وَخَوَارِقِ الْعَادَاتِ. [فَضِيلَةُ صَحَابَةِ مُحَمَّدٍ ﷺ عَلَى سَائِرِ أَصْحَابِ الْأَنْبِيَاءِ] وَمِنْ هَهُنَا تَتَبَيَّنُ فَضِيلَةُ أَصْحَابِ مُحَمَّدٍ ﷺ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ عَلَى سَائِرِ أَصْحَابِ الْأَنْبِيَاءِ، فِي صَبْرِهِمْ وَثَبَاتِهِمْ وَعَدَمِ تَعَنُّتِهِمْ، مَعَ مَا كَانُوا مَعَهُ فِي أَسْفَارِهِ وَغَزَوَاتِهِ، مِنْهَا عَامُ تَبُوكَ، فِي ذَلِكَ الْقَيْظِ وَالْحَرِّ الشَّدِيدِ وَالْجَهْدِ، لَمْ يَسْأَلُوا خَرْقَ عَادَةٍ، وَلاَ إِيجَادَ أَمْرٍ، مَعَ أَنَّ ذَلِكَ كَانَ سَهْلاً عَلَى النَّبِيِّ ﷺ، لَكِنْ لَمَّا أَجْهَدَهُمُ الْجُوعُ سَأَلُوهُ فِي تَكْثِيرِ طَعَامِهِمْ، فَجَمَعُوا مَا مَعَهُمْ، فَجَاءَ قَدْرَ مَبْرَكِ الشَّاةِ، فَدَعَا اللهَ فِيهِ، وَأَمَرَهُمْ فَمَلَؤُوا كُلَّ وِعَاءٍ مَعَهُمْ. وَكَذَا لَمَّا احْتَاجُوا إِلَى الْمَاءِ سَأَلَ اللهَ تَعَالَى، فَجَاءَتْهُمْ سَحَابَةٌ فَأَمْطَرَتْهُمْ، فَشَرِبُوا وَسَقَوُا الْإِبِلَ وَمَلَؤُوا أَسْقِيَتَهُمْ، ثُمَّ نَظَرُوا فَإِذَا هِيَ لَمْ تُجَاوِزِ الْعَسْكَرَ. فَهَذَا هُوَ الْأَكْمَلُ فِي اتِّبَاعِ الشَّيْءِ. مَعَ قَدْرِ اللهِ، مَعَ مُتَابَعَةِ الرَّسُولِ ﷺ. {وَإِذْ قُلْنَا ادْخُلُوا هَذِهِ الْقَرْيَةَ فَكُلُوا مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَدًا وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا وَقُولُوا حِطَّةٌ نَغْفِرْ لَكُمْ خَطَايَاكُمْ وَسَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ *فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلاً غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ فَأَنْزَلْنَا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا رِجْزًا مِنَ السَّمَاءِ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ} [تعَنُّتُ الْيَهُودِ بَعْدَ الْفَتْحِ بَدَلاً مِنْ شُكْرِ اللهِ تَعَالَى] يَقُولُ تَعَالَى لاَئِمًا عَلَى نُكُولِهِمْ عَنِ الْجِهَادِ وَعَنْ دُخُولِهِمُ الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ، لَمَّا قَدِمُوا مِنْ بِلاَدِ مِصْرَ صُحْبَةَ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلاَمُ فَأُمِرُوا بِدُخُولِ الْأَرْضِ الْمُقَدَّسَةِ، وَقِتَالِ مَنْ فِيهَا مِنَ الْعَمَالِيقِ الْكَفَرَةِ، فَنَكَلُوا عَنْ قِتَالِهِمْ وَضَعُفُوا وَاسْتَحْسَرُوا، فَرَمَاهُمُ اللهُ فِي التِّيهِ عُقُوبَةً لَهُمْ، كَمَا ذَكَرَهُ تَعَالَى فِي سُورَةِ الْمَائِدَةِ، وَلِهَذَا كَانَ أَصَحُّ الْقَوْلَيْنِ: أَنَّ هَذِهِ الْبَلْدَةَ هِيَ بَيْتُ الْمَقْدِسِ، كَمَا نَصَّ عَلَى ذَلِكَ السُّدِّيُّ وَالرَّبِيعُ بْنُ أَنَسٍ[347]وَقَتَادَةُ وَأَبُو مُسْلِمٍ الْأَصْفَهَانِيُّ وَغَيْرُ وَاحِدٍ. وَقَدْ قَالَ اللهُ تَعَالَى حَاكِيًا عَنْ مُوسَى: {يَاقَوْمِ ادْخُلُوا الأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَلاَ تَرْتَدُّوا}... الْآيَاتِ [المائدة: 21]. وَقَالَ آخَرُونَ: هِيَ أَرِيحَاءُ[348]. وَيُحْكَى عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ زَيْدٍ. [347] (ابن أبي حاتم 1/181) [348] (الرازي 3/82) وَهَذَا كَانَ لَمَّا خَرَجُوا مِنَ التِّيهِ بَعْدَ أَرْبَعِينَ سَنَةً مَعَ يُوشَعَ بْنِ نُونٍ عَلَيْهِ السَّلاَمُ، وَفَتَحَهَا اللهُ عَلَيْهِمْ عَشِيَّـةَ جُمُعَةٍ، وَقَدْ حُبِسَتْ لَهُمُ الشَّمْسُ يَوْمَئِذٍ قَلِيلاً حَتَّى أَمْكَنَ الْفَتْحُ، وَلَمَّا فَتَحُوهَا أُمِرُوا أَنْ يَدْخُلُوا الْبَابَ بَابَ الْبَلَدِ {سُجَّدًا} أَيْ شُكْرًا للهِ تَعَالَى عَلَى مَا أَنْعَمَ بِهِ عَلَيْهِمْ مِنَ الْفَتْحِ وَالنَّصْرِ، وَرَدِّ بَلَدِهِمْ عَلَيْهِمْ، وَإِنْقَاذِهِمْ مِنَ التِّيهِ وَالضَّلاَلِ، قَالَ الْعَوْفِيُّ فِي تَفْسِيرِهِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا} أَيْ رُكَّعًا. وَرَوَى ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ: {وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا} قَالَ: رُكَّعًا مِنْ بَابٍ صَغِيرٍ[349]، وَرَوَاهُ الْحَاكِمُ وَزَادَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: فَدَخَلُوا مِنْ قِبَلِ أَسْتَاهِهِمْ. [349] (الطبري 2/113) وَقَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ: أُمِرُوا أَنْ يَسْجُدُوا عَلَى وُجُوهِهِمْ حَالَ دُخُولِهِمْ. وَاسْتَبْعَدَهُ الرَّازِيُّ، وَحَكَى عَنْ بَعْضِهِمْ: أَنَّ الْمُرَادَ هَهُنَا بِالسُّجُودِ الْخُضُوعُ؛ لِتَعَذُّرِ حَمْلِهِ عَلَى حَقِيقَتِهِ. وَقَالَ خُصَيفٌ: قَالَ عِكْرِمَةُ: قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: كَانَ الْبَابُ قِبَلَ الْقِبْلَةِ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَمُجَاهِدٌ وَالسُّدِّيُّ وَقَتَادَةُ وَالضَّحَّاكُ: هُوَ بَابُ الْحِطَّةِ مِنْ بَابِ إِيلِيَاءَ: بَيْتِ الْمَقْدِسِ. وَحَكَى الرَّازِيُّ عَنْ بَعْضِهِمْ: أَنَّهُ عُنِيَ بِالْبَابِ جِهَةٌ مِنْ جِهَاتِ الْقِبْلَةِ. وَقَالَ خُصَيفٌ: قَالَ عِكْرِمَةُ: قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: فَدَخَلُوا عَلَى شِقٍّ. وَقَالَ السُّدِّيُّ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْأَزْدِيِّ عَنْ أَبِي الْكَنُودِ عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ: قِيلَ لَهُمْ: {وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا} فَدَخَلُوا مُقْنِعِي رُؤُوسِهِمْ أَيْ رَافِعِي رُؤُوسِهِمْ[350]خِلاَفَ مَا أُمِرُوا. [350] (ابن أبي حاتم 1/183 ضعيف أبو سعيد الأزدي لا يعرف) وَقَوْلُهُ تَعَالَى: {وَقُولُوا حِطَّةٌ} عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ {وَقُولُوا حِطَّةٌ} قَالَ: مَغْفِرَةٌ - اِسْتَغْفِرُوا-[351]. وَقَالَ الْحَسَنُ وَقَتَادَةُ: أَيْ اُحْطُطْ عَنَّا خَطَايَانَا[352]{نَغْفِرْ لَكُمْ خَطَايَاكُمْ وَسَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ}. وَقَالَ: هَذَا جَوَابُ الْأَمْرِ، أَيْ إِذَا فَعَلْتُمْ مَا أَمَرْنَاكُمْ غَفَرْنَا لَكُمُ الْخَطِيئَاتِ، وَضَاعَفْنَا لَكُمُ الْحَسَنَاتِ. [351] (ابن أبي حاتم 1/183 إسناده ضعيف العوفي مع عائلته من الضعفاء) [352] (ابن أبي حاتم 1/185) وَحَاصِلُ الْأَمْرِ: أَنَّهُمْ أُمِرُوا أَنْ يَخْضَعُوا للهِ تَعَالَى عَنْدَ الْفَتْحِ بِالْفِعْلِ وَالْقَوْلِ، وَأَنْ يَعْتَرِفُوا بِذُنُوبِهِمْ، وَيَسْتَغْفِرُوا مِنْهَا. وَالشُّكْرُ عَلَى النِّعْمَةِ عِنْدَهَا، وَالْمُبَادَرَةُ إِلَى ذَلِكَ مِنَ الْمَحْبُوبِ عِنْدَ اللهِ تَعَالَى. كَمَا قَالَ تَعَالَى: {إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ *وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا *فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا} [النصر: 1-3]. وَقَوْلُهُ تَعَالَى: {فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلاً غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ} رَوَى الْبُخَارِيُّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «قِيلَ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ: ادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا وَقُولُوا: حِطَّةٌ، فَدَخَلُوا يَزْحَفُونَ عَلَى أَسْتَاهِهِمْ، فَبَدَّلُوا وَقَالُوا، حَبَّةٌ فِي شَعْرَةٍ»[353]. وَرَوَاهُ النَّسَائِيُّ مَوْقُوفًا وَبِبَعْضِهِ مُسْنَدًا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {حِطَّةٌ} قَالَ: فَبَدَّلُوا وَقَالُوا: حَبَّةٌ[354]. وَرَوَى نَحْوَهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ وَعَنْ طَرِيقِهِ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَالتِّرْمِذِيُّ[355]. وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: حَسَنٌ صَحِيحٌ. [353] (فتح الباري 8/14) [354] (النسائي في الكبرى 6/286) [355] (تحفة الأحوذي 8/291) وَحَاصِلُ مَا ذَكَرَهُ الْمُفَسِّرُونَ وَمَا دَلَّ عَلَيْهِ السِّيَاقُ: أَنَّهُمْ بَدَّلُوا أَمْرَ اللهِ لَهُمْ مِنَ الْخُضُوعِ بِالْقَوْلِ وَالْفِعْلِ، فَأُمِرُوا أَنْ يَدْخُلُوا سُجَّدًا، فَدَخَلُوا يَزْحَفُونَ عَلَى أَسْتَاهِهِمْ، مِنْ قِبَلِ أَسْتَاهِهِمْ، رَافِعِي رُؤُوسِهِمْ، وَأُمِرُوا أَنْ يَقُولُوا: حِطَّةٌ، أَيْ اُحْطُطْ عَنَّا ذُنُوبَنَا وَخَطَايَانَا، فَاسْتَهْزَءُوا فَقَالُوا: حِنْطَةٌ فِي شَعِيرِةٍ، وَهَذَا فِي غَايَةِ مَا يَكُونُ مِنَ الْمُخَالَفَةِ وَالْمُعَانَدَةِ، وَلِهَذَا أَنْزَلَ اللهُ بِهِمْ بَأْسَهُ وَعَذَابَهُ بِفِسْقِهِمْ، وَهُوَ خُرُوجُهُمْ عَنْ طَاعَتِهِ. وَلِهَذَا قَالَ: {فَأَنْزَلْنَا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا رِجْزًا مِنَ السَّمَاءِ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ} وَقَالَ الضَّحَّاكُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: كُلُّ شَيْءٍ فِي كِتَابِ اللهِ مِنَ الرِّجْزِ يَعْنِي بِهِ الْعَذَابَ[356]. وَهَكَذَا رُوِيَ عَنْ مُجَاهِدٍ وَأَبِي مَالِكٍ وَالسُّدِّيِّ وَالْحَسَنِ وَقَتَادَةَ: أَنَّهُ الْعَذَابُ[357]. وَرَوَى ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ عَنْ سَعْدِ بْنِ مَالِكٍ وَأُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ وَخُزَيْمَةَ بْنِ ثَابِتٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ، قَالُوا: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «الطَّاعُونُ رِجْزٌ، عَذَابٌ عُذِّبَ بِهِ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ»[358]وَهَكَذَا رَوَاهُ النَّسَائِيُّ[359]، وَأَصْلُ الْحَدِيثِ فِي الصَّحِيحَيْنِ: «إِذا سَمِعْتُمُ الطَّاعُونَ بِأَرْضٍ فَلاَ تَدْخُلُوهَا»[360]اَلْحَدِيثَ. رَوَى ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ قَالَ: «إِنَّ هَذَا الْوَجَعَ وَالسَّقَمَ رِجْزٌ عُذِّبَ بِهِ بَعْضُ الْأُمَم قَبْلَكُمْ»[361]وَهَذَا الْحَدِيثُ أَصْلُهُ مُخَرَّجٌ فِي الصَّحِيحَيْنِ[362]. [356] (الطبري 2/118 ضعيف الضحاك لم يسمع من ابن عباس) [357] (ابن أبي حاتم 1/187) [358] (ابن أبي حاتم 1/186) [359] (النسائي في الكبرى 4/362) [360] (فتح الباري 10/189، ومسلم 4/1739) [361] (الطبري 2/116) [362] (فتح الباري 6/512، ومسلم 4/1737) {وَإِذِ اسْتَسْقَى مُوسَى لِقَومِهِ فَقُلْنَا اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْحَجَرَ فَانْفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْناً قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَشْرَبَهُمْ كُلُوا وَاشْرَبُوا مِنْ رِزْقِ اللَّهِ وَلاَ تَعْثَوْا فِي الأَرْضِ مُفْسِدِينَ} [اِنْفِجَارُ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ عَيْنًا] يَقُولُ تَعَالَى: وَاذْكُرُوا نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ فِي إِجَابَتِي لِنَبِيِّكُمْ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلاَمُ حِينَ اسْتَسْقَانِي لَكُمْ، وَتَيْسِيرِي لَكُمُ الْمَاءَ وَإِخْرَاجِهِ لَكُمْ مِنْ حَجَرٍ مَعَكُمْ، وَتَفْجِيرِي الْمَاءَ لَكُمْ مِنْهُ مِنِ اثْنَتَي عَشْرَةَ عَيْنًا، لِكُلِّ سِبْطٍ مِنْ أَسْبَاطِكُمْ عَيْنٌ قَدْ عَرَفُوهَا، فَكُلُوا مِنَ الْمَنِّ وَالسَّلْوَى، وَاشْرَبُوا مِنْ هَذَا الْمَاءِ الَّذِي أَنْبَعْتُهُ لَكُمْ بِلاَ سَعْيٍ مِنْكُمْ وَلاَ كَدٍّ، وَاعْبُدُوا الَّذِي سَخَّرَ لَكُمْ ذَلِكَ {وَلاَ تَعْثَوْا فِي الأَرْضِ مُفْسِدِينَ} وَلاَ تُقَابِلُوا النِّعَمَ بِالْعِصْيَانِ فَتُسْلَبُوهَا. وَقَدْ بَسَطَهُ الْمُفَسِّرُونَ فِي كَلاَمِهِمْ، كَمَا قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا: وَجُعِلَ بَيْنَ ظَهْرَانَيْهِمْ حَجَرٌ مُرَبَّعٌ، وَأُمِرَ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلاَمُ فَضَرَبَهُ بِعَصَاهُ، فَانْفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا، فِي كُلِّ نَاحِيَةٍ مِنْهُ ثَلاَثُ عُيُونٍ، وَأَعْلَمَ كُلَّ سِبْطٍ عَيْنَهُمْ، يَشْرَبُونَ مِنْهَا، لاَ يَرْتَحِلُونَ مِنْ مَنْقَلَةٍ إِلاَّ وَجَدُوا ذَلِكَ مَعَهُمْ بِالْمَكَانِ الَّذِي كَانَ مِنْهُمْ بِالْمَنْزِلِ الْأَوَّلِ[363]. [363] (الطبري 2/120) وَهَذِهِ الْقِصَّةُ شَبِيهَةٌ بِالْقِصَّةِ الَّتِي فِي سُورَةِ الْأَعْرَافِ، وَلَكِنْ تِلْكَ مَكِّيَّةٌ، فَلِذَلِكَ كَانَ الْإِخْبَارُ عَنْهُمْ بِضَمِيرِ الْغَائِبِ، لِأَنَّ اللهَ تَعَالَى يَقُصُّ عَلَى رَسُولِهِ ﷺ مَا فَعَلَ لَهُمْ. وَأَمَّا فِي هَذِهِ السُّورَةِ - وَهِيَ الْبَقَرَةُ - فَهِيَ مَدَنِيَّةٌ، فَلِهَذَا كَانَ الْخِطَابُ فِيهَا مُتَوَجِّهًا إِلَيْهِمْ، وَأَخْبَرَ هُنَاكَ بِقَوْلِهِ: {فَانْبَجَسَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْناً} [الأعراف: 160] وَهُوَ أَوَّلُ الاِنْفِجَارِ، وَأَخْبَرَ هَهُنَا بِمَا آلَ إِلَيْهِ الْحَالُ آخِرًا، وَهُوَ الاِنْفِجَارُ، فَنَاسَبَ ذِكْرُ الاِنْفِجَارِ ههُنَا وَذَاكَ هُنَاكَ، وَاللهُ أَعْلَمُ. {وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَنْ نَصْبِرَ عَلَى طَعَامٍ وَاحِدٍ فَادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنَا مِمَّا تُنْبِتُ الأَرْضُ مِنْ بَقْلِهَا وَقِثَّائِهَا وَفُومِهَا وَعَدَسِهَا وَبَصَلِهَا قَالَ أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ اهْبِطُوا مِصْرًا فَإِنَّ لَكُمْ مَا سَأَلْتُمْ} [طَلَبُهُمُ الطَّعَامَ الدَّنِيءَ بَدَلَ الْمَنِّ وَالسَّلْوىَ] يَقُولُ تَعَالَى: وَاذْكُرُوا نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ فِي إِنْزَالِي عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى طَعَامًا طَيِّبًا نَافِعًا هَنِيئًا سَهْلاً، وَاذْكُرُوا دُبُرَكُمْ وَضَجَرَكُمْ مِمَّا رَزَقْنَاكُمْ، وَسُؤَالَكُمْ مُوسَى اسْتِبْدَالَ ذَلِكَ بِالْأَطْعِمَةِ الدَّنِيئَةِ مِنَ الْبُقُولِ وَنَحْوِهَا مِمَّا سَأَلْتُمْ. قَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ: فَبَطِرُوا ذَلِكَ فَلَمْ يَصْبِرُوا عَلَيْهِ، وَذَكَرُوا عَيْشَهُمُ الَّذِي كَانُوا فِيهِ، وَكَانُوا قَوْمًا أَهْلَ أَعْدَاسٍ وَبَصَلٍ وَبُقُولٍ وَفُومٍ فَقَالُوا: {يَا مُوسَى لَنْ نَصْبِرَ عَلَى طَعَامٍ وَاحِدٍ فَادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنَا مِمَّا تُنْبِتُ الأَرْضُ مِنْ بَقْلِهَا وَقِثَّائِهَا وَفُومِهَا وَعَدَسِهَا وَبَصَلِهَا} وَإِنَّمَا قَالُوا {عَلَى طَعَامٍ وَاحِدٍ} وَهُمْ يَأْكُلُونَ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى، لِأَنَّهُ لاَ يَتَبَدَّلُ وَلاَ يَتَغَيَّرُ كُلَّ يَوْمٍ، فَهُوَ مَأْكَلٌ وَاحِدٌ. فَالْبُقُولُ وَالْقِثَّاءُ وَالْعَدَسُ وَالْبَصَلُ كُلُّهَا مَعْرُوفَةٌ، وَأَمَّا الْفُومُ فَوَقَعَ فِي قِرَاءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ: وَثُومِهَا، بِالثَّاءِ. وَرَوَى ابْنُ أَبِي حَاتِم عَنِ الْحَسَنِ، فِي قَوْلِهِ: {وَفُومِهَا} قَالَ: قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: اَلثُّومُ[364]. قَـالَ: وَفِي اللُّـغَـةِ الْقَدِيمَةِ: فَوِّمُوا لَنَا بِمَعْنَى اخْتَبِزُوا. قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: فَإِنْ كَانَ ذَلِكَ صَحِيحًا، فَإِنَّهُ مِنَ الْحُرُوفِ الْمُبْدَلَةِ كَقَوْلِهِمْ: «وَقَعُوا فِي عَاثُورِ شَرٍّ، وَعَافُورِ شَرٍّ، وَأَثَافِي وَأَثَاثِي، وَمَغَافِيرُ وَمَغَاثِيرُ»، وَأَشْبَاهُ ذَلِكَ مِمَّا تُقْلَبُ الْفَاءُ ثَاءً وَالثَّاءُ فَاءً لِتَقَارُبِ مَخْرَجَيْهِمَا[365]. وَاللهُ أَعْلَمُ. وَقَالَ آخَرُونَ: الْفُومُ: الْحِنْطَةُ. وَهُوَ الْبُرُّ الَّذِي يُعْمَلُ مِنْهُ الْخُبْزُ. قَالَ الْبُخَارِيُّ: وَقَالَ بَعْضُهُمْ: اَلْحُبُوبُ الَّتِي تُؤكَلُ كُلُّهَا فُومٌ. [364] (ابن أبي حاتم 1/193) [365] (الطبري 2/130) وَقَوْلُهُ تَعَالَى: {قَالَ أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ} فِيهِ تَقْرِيعٌ لَهُمْ وَتَوْبِيخٌ عَلَى مَا سَألُوا مِنْ هَذِهِ الْأَطْعِمَةِ الدَّنِيئَةِ، مَعَ مَا هُمْ فِيهِ مِنَ الْعَيْشِ الرَّغِيدِ وَالطَّعَامِ الْهَنِيءِ الطَّيِّبِ النَّافِعِ، وَقَوْلُهُ تَعَالَى: {اهْبِطُوا مِصْرًا}. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: مِصْرًا مِنَ الْأَمْصَارِ[366]. وَرَوَى ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ أَبِي الْعَالِيَةِ وَالرَّبِيعِ بْنِ أَنَسٍ أَنَّهُمَا فَسَّرَا ذَلِكَ بِمِصْرِ فِرْعَوْنَ[367]. وَالْحَقُّ أَنَّ الْمُرَادَ: مِصْرٌ مِنَ الْأَمْصَارِ، كَمَا رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَغَيْرِهِ، وَالْمَعْنَى عَلَى ذَلِكَ، لِأَنَّ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلاَمُ يَقُولُ لَهُمْ: هَذَا الَّذِي سَأَلْتُمْ لَيْسَ بِأَمْرٍ عَزِيزٍ، بَلْ هُوَ كَثِيرٌ فِي أَيِّ بَلَدٍ دَخَلْتُمُوهَا وَجَدْتُمُوهُ، فَلَيْسَ يُسَاوِي مَعَ دَنَاءَتِهِ وَكَثْرَتِهِ فِي الْأَمْصَارِ أَنْ أَسْأَلَ اللهَ فِيهِ. وَلِهَذَا قَالَ: {أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ اهْبِطُوا مِصْرًا فَإِنَّ لَكُمْ مَا سَأَلْتُمْ} أَيْ مَا طَلَبْتُمْ، وَلَمَّا كَانَ سُؤَالُهُمْ هَذَا مِنْ بَابِ الْبَطَرِ وَالْأَشَرِ، وَلاَ ضَرُورَةَ فِيهِ، لَمْ يُجَابُوا إِلَيْهِ، وَاللهُ أَعْلَمُ. [366] (ابن أبي حاتم 1/194) [367] (الطبري 2/134) {وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ الْنَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ} [ضَرْبُ الذِّلَّةِ وَالْمَسْكَنَةِ عَلَى الْيَهُودِ] يَقُولُ تَعَالَى: {وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ} أَيْ وُضِعَتْ عَلَيْهِمْ، وَأُلْزِمُوا بِهَا شَرْعًا وَقَدَرًا، أَيْ لاَ يَزَالُونَ مُسْتَذَلِّينَ، مَنْ وَجَدَهُمُ اسْتَذَلَّهُمْ وَأَهَانَهُمْ، وَضَرَبَ عَلَيْهِمُ الصَّغَارَ. وَهُمْ مَعَ ذَلِكَ فِي أَنْفُسِهِمْ أَذِلاَّءُ مُتَـمَسْكِنُونَ. وَقَالَ الْحَسَنُ: أَذَلَّهُمُ اللهُ فَلاَ مَنَعَةَ لَهُمْ، وَجَعَلَهُمْ تَحْتَ أَقْدَامِ الْمُسْلِمِينَ، وَلَقَدْ أَدْرَكَتْهُمْ هَذِهِ الْأُمَّةُ وَإِنَّ الْمَجُوسَ لَتَجْبِيهِمُ الْجِزْيَةَ[368]. وَقَالَ أَبُو الْعَالِيَةِ وَالرَّبِيعُ بْنُ أَنَسٍ وَالسُّدِّيُّ: اَلْمَسْكَنَةُ: الْفَاقَةُ[369]. وَقَالَ عَطِيَّةُ الْعَوْفِيُّ: الْخَرَاجُ[370]. وَقَوْلُهُ تَعَالَى: {وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ} قَالَ الضَّحَّاكُ: اسْتَحَقُّوا الْغَضَبَ مِنَ اللهِ[371]. وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: يَعْنِي بِقَوْلِهِ: {وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ} اِنْصَرَفُوا وَرَجَعُوا. وَلاَ يُقَالُ: بَاءَ إِلاَّ مَوْصُولاً إِمَّا بِخَيْرٍ وَإِمَّا بِشَرٍّ، يُقَالُ مِنْهُ: بَاءَ فُلاَنٌ بِذَنْبِهِ، يَبُوءُ بِهِ بَوْءًا وَبَوَاءً، وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: {إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ} [المائدة: 29] يَعْنِي تَنْصَرِفَ مُتَحَمِّلَهُمَا، وَتَرْجِعَ بِهِمَا قَدْ صَارَا عَلَيْكَ دُونِي. فَمَعْنَى الْكَلاَمِ إِذَنْ: رَجَعُوا مُنْصَرِفِينَ مُتَحَمِّلِينَ غَضَبَ اللهِ، قَدْ صَارَ عَلَيْهِمْ مِنَ اللهِ غَضَبٌ، وَوَجَبَ عَلَيْهِمْ مِنَ اللهِ سَخَطٌ[372]. [368] (ابن أبي حاتم 1/195، 196) [369] (ابن أبي حاتم 1/196) [370] (ابن أبي حاتم 1/196) [371] (الطبري 2/138) [372] (الطبري 2/138) وَقَوْلُهُ تَعَالَى: {ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ الْنَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ} يَقُولُ تَعَالَى: هَذَا الَّذِي جَازَينَاهُمْ مِنَ الذِّلَّةِ وَالْمَسْكَنَةِ. وَإِحْلاَلُ الْغَضَبِ بِهِمْ مِنَ الذِّلَّةِ: بِسَبَبِ اسْتِكْبَارِهِمْ عَنِ اتِّبَاعِ الْحَقِّ، وَكُفْرِهِمْ بِآيَاتِ اللهِ، وَإِهَانَتِهِمْ حَمَلَةَ الشَّرْعِ، وَهُمُ الْأَنْبِيَاءُ وَأَتْبَاعُهُمْ، فَانْتَقَصُوهُمْ إِلَى أَنْ أَفْضَى بِهِمُ الْحَالُ إِلَى أَنْ قَتَلُوهُمْ، فَلاَ كُفْرَ أَعْظَمُ مِنْ هَذَا، إِنَّهُمْ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللهِ، وَقَتَلُوا أَنْبِيَاءَ اللهِ بِغَيْرِ الْحَقِّ. [تَعْرِيفُ الْكِبْرِ] وَلِهَذَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ الْمُتَّفَقِ عَلَى صِحَّتِهِ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «الْكِبْرُ بَطَرُ الْحَقِّ وَغَمْطُ النَّاسِ»[373]. وَقَدْ رَوَى الْإِمَامُ أَحْمَدُ عَنْ عَبْدِ اللهِ يَعْنِي ابْنَ مَسْعُودٍ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «أَشَدُّ النَّاسِ عَذَابًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ رَجُلٌ قَتَلَهُ نَبِيٌّ أَوْ قَتَلَ نَبِيًّا، وَإِمَامُ ضَلاَلَةٍ. وَمُمَثِّلٌ مِنَ الْمُمَثِّلِينَ»[374]. وَقَوْلُهُ تَعَالَى: {ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ} وَهَذِهِ عِلَّةٌ أُخْرَى فِي مُجَازَاتِهِمْ بِمَا جُوزُوا بِهِ أَنَّهُمْ كَانُوا يَعْصُونَ وَيَعْتَدُونَ، فَالْعِصْيَانُ فِعْلُ الْمَنَاهِي، وَالاِعْتِدَاءُ: الْمُجَاوَزَةُ فِي حَدِّ الْمَأْذُونِ فِيهِ وَالْمَأْمُورِ بِهِ، وَاللهُ أَعْلَمُ. [373] (مسلم 1/93) [374] (أحمد 1/407) {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ} [الْإِيمَانُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ هُوَ مَدَارُ النَّجَاةِ فِي كُلِّ زَمَانٍ] لَمَّا بَيَّنَ تَعَالَى حَالَ مَنْ خَالَفَ أَوَامِرَهُ، وَارْتَكَبَ زَوَاجِرَهُ، وَتَعَدَّى فِي فِعْلِ مَا لاَ إِذْنَ فِيهِ، وَانْتَهَكَ الْمَحَارِمَ، وَمَا أَحَلَّ بِهِمْ مِنَ النَّكَالِ، نَبَّهَ تَعَالَى عَلَى أَنَّ مَنْ أَحْسَنَ مِنَ الْأُمَمِ السَّالِفَةِ، وَأَطَاعَ فَإِنَّ لَهُ جَزَاءً الْحُسْنَى، وَكَذَلِكَ الْأَمْرُ إِلَى قِيَامِ السَّاعَةِ، كُلُّ مَنِ اتَّبَعَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ فَلَهُ السَّعَادَةُ الْأَبَدِيَّةُ، وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ فِيمَا يَسْتَقْبِلُونَهُ، وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ عَلَى مَا يَتْرُكُونَهُ وَيُخَلِّفُونَهُ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: {أَلاَ إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ} [يونس: 62] وَكَمَا تَقُولُ الْمَلاَئِكَةُ لِلْمُؤمِنِينَ عِنْدَ الاِحْتِضَارِ فِي قَوْلِهِ: {إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلاَئِكَةُ أَلاَّ تَخَافُوا وَلاَ تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ} [فصلت: 30]. [تَعْرِيفُ الْمُؤْمِنِ] رَوَى عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ} [375]- قَالَ - فَأَنْزَلَ اللهُ بَعْدَ ذَلِكَ {وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلاَمِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ} [آل عمران: 85]. فَإِنَّ هَذَا الَّذِي قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ إِخْبَارٌ عَنْ أَنَّهُ لاَ يَقْبَلُ مِنْ أَحَدٍ طَرِيقَةً وَلاَ عَمَلاً إِلاَّ مَا كَانَ مُوَافِقًا لِشَرِيعَةِ مُحَمَّدٍ ﷺ بَعْدَ أَنْ بَعَثَهُ بِمَا بَعَثَهُ بِهِ، فَأَمَّا قَبْلَ ذَلِكَ فَكُلُّ مَنِ اتَّبِعَ الرَّسُولَ فِي زَمَانِهِ فَهُوَ عَلَى هُدًى وَسَبِيلِ نَجَاةٍ. فَالْيَهُودُ أَتْبَاعُ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلاَمُ الَّذِينَ كَانُوا يَتَحَاكَمُونَ إِلَى التَّوْرَاةِ فِي زَمَانِهِمْ. [375] (ابن أبي حاتم 1/198) [وَجْهُ تَسْمِيَةِ الْيَهُودِ] وَالْيَهُودُ مِنَ الْهَوَادَةِ - وَهِيَ الْمَوَدَّةُ - أَوِ التَّهَوُّدِ، وَهِيَ التَّوْبَةُ، كَقَوْلِ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلاَمُ: {إِنَّا هُدْنَا إِلَيْكَ} [الأعراف: 156] أَيْ تُبْنَا. فَكَأَنَّهُمْ سُمُّوا بِذَلِكَ فِي الْأَصْلِ لِتَوْبَتِهِمْ وَمَوَدَّتِهِمْ فِي بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ. وَقِيلَ: لِنِسْبَتِهِمْ إِلَى يَهُودَا أَكْبَرِ أَوْلاَدِ يَعْقُوبَ. وَقَالَ أَبُو عَمْرِو بْنُ الْعَلاَءِ: لِأَنَّهُمْ يَتَهَوَّدُونَ، أَيْ يَتَحَرَّكُونَ عِنْدَ قِرَاءَةِ التَّوْرَاةِ. [وَجْهُ تَسْمِيَةِ النَّصَارَى] فَلَمَّا بُعِثَ عِيسَى ﷺ وَجَبَ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ اتِّبَاعُهُ وَالاِنْقِيَادُ لَهُ، فَأَصْحَابُهُ وَأَهْلُ دِينِهِ هُمُ النَّصَارَى، سُمُّوا بِذَلِكَ لِتَنَاصُرِهِمْ فِيمَا بَيْنَهُمْ. وَقَدْ يُقَالُ لَهُمْ أَنْصَارٌ أَيْضًا، كَمَا قَالَ عِيسَى عَلَيْهِ السَّلاَمُ: {مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ} آل عمران: 52، الصف: 14]. وَقِيلَ: إِنَّهُمْ إِنَّمَا سُمُّوا بِذَلِكَ مِنْ أَجْلِ أَنَّهُمْ نَزَلُوا أَرْضًا يُقَالُ لَهَا: "نَاصِرَةُ". قَالَهُ قَتَادَةُ وَابْنُ جُرَيْجٍ. وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَيْضًا[376]. وَاللهُ أَعْلَمُ. وَالنَّصَارَى جَمْعُ نَصْرَانٍ، كَنَشَاوَى جَمْعُ نَشْوَانٍ، وَسُكَارَى جَمْعُ سَكْرَانٍ، وَيُقَالُ لِلْمَرْأَةِ: نَصْرَانَةٌ. [376] (الرازي 3/97) [الْمُؤْمِنُونَ] فَلَمَّا بَعَثَ اللهُ مُحَمَّدًا ﷺ خَاتَمًا لِلنَّبِيِّينَ، وَرَسُولاً إِلَى بَنِي آدَمَ عَلَى الْإِطْلاَقِ، وَجَبَ عَلَيْهِمْ تَصْدِيقُهُ فِيمَا أَخْبَرَ. وَطَاعَتُهُ فِيمَا أَمَرَ، وَالْاِنْكِفَافُ عَمَّا عَنْهُ زَجَرَ، وَهَؤُلاَءِ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا، وَسُمِّيَتْ أُمَّةُ مُحَمَّدٍ ﷺ مُؤْمِنِينَ لِكَثْرَةِ إِيمَانِهِمْ، وَشِدَّةِ إِيقَانِهِمْ، وَلِأَنَّهُمْ يُؤْمِنُونَ بِجَمِيعِ الْأَنْبِيَاءِ الْمَاضِيَةِ وَالْغُيُوبِ الاْتِيَةِ. [اَلصَّابِئُونَ] وَأَمَّا الصَّابِئُونَ فَقَدِ اخْتُلِفَ فِيهِمْ، فَقَالَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ عَنْ لَيْثِ بْنِ أَبِي سُلَيْمٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، قَالَ: اَلصَّابِئُونَ قَوْمٌ بَيْنَ الْمَجُوسِ وَالْيَهُودِ وَالنَّصَارَى، وَلَيْسَ لَهُمْ دِينٌ[377]. وَكَذَا رَوَاهُ ابْنُ أَبِي نَجِيحٍ عَنْهُ[378]. وَرُوِيَ عَنْ عَطَاءٍ وَسَعِيدِ ابْنِ جُبَيْرٍ نَحْوُ ذَلِكَ[379]. وَقِيلَ: فِرْقَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ يَقْرَأُونَ الزَّبُورَ. وَقِيلَ: قَوْمٌ يَعْبُدُونَ الْمَلاَئِكَةَ. وَقِيلَ: قَوْمٌ يَعْبُدُونَ الْكَوَاكِبَ. وَأَظْهَرُ الْأَقْوَالِ وَاللهُ أَعْلَمُ، قَوْلُ مُجَاهِدٍ وَمُتَابِعِيهِ وَوَهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ: أَنَّهُمْ قَوْمٌ لَيْسُوا عَلَى دِينِ الْيَهُودِ وَلاَ النَّصَارَى وَلاَ الْمَجُوسِ وَلاَ الْمُشْرِكِينَ، وَإِنَّمَا هُمْ بَاقُونَ عَلَى فِطْرَتِهِمْ وَلاَ دِينٌ مُقَرَّرٌ لَهُمْ يَتَّبِعُونَهُ وَيَقْتَنُونَهُ، وَلِهَذَا كَانَ الْمُشْرِكُونَ يَنْبِزُونَ مَنْ أَسْلَمَ بِالصَّابِىءِ. أَيْ إِنَّهُ قَدْ خَرَجَ عَنْ سَائِرِ أَدْيَانِ أَهْلِ الْأَرْضِ إِذْ ذَاكَ. وَقَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ: اَلصَّابِئُونَ الَّذِينَ لَمْ تَبْلُغْهُمْ دَعْوَةُ نَبِيٍّ، وَاللهُ أَعْلَمُ. [377] (الطبري 2/146) [378] (الطبري 2/146) [379] (ابن أبي حاتم 1/199، 200) {وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الْطُّورَ خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ وَاذْكُرُوا مَا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ *ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَلَوْلاَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَكُنْتُمْ مِنَ الْخَاسِرِينَ} [أَخْذُ الْمِيثَاقِ مِنَ الْيَهُودِ مَعَ رَفْعِ الطُّورِ عَلَيْهِمْ وَتَوَلِّيهِمْ بَعْدَ ذَلِكَ] يَقُولُ تَعَالَى مُذَكِّرًا بَنِي إِسْرَائِيلَ مَا أَخَذَ عَلَيْهِمْ مِنَ الْعُهُودِ وَالْمَوَاثِيقِ بِالْإِيمَانِ بِهِ وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ، وَاتِّبَاعِ رُسُلِهِ، وَأَخْبَرَ تَعَالَى أَنَّهُ لَمَّا أَخَذَ عَلَيْهِمُ الْمِيثَاقَ رَفَعَ الْجَبَلَ فَوْقَ رُؤُوسِهِمْ، لِيُقِرُّوا بِمَا عُوهِدُوا عَلَيْهِ، وَيَأْخُذُوهُ بِقُوَّةٍ وَجَزْمٍ وَهِمَّةٍ وَامْتِثَالٍ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: {وَإِذْ نَتَقْنَا الْجَبَلَ فَوْقَهُمْ كَأَنَّهُ ظُلَّةٌ وَظَنُّوا أَنَّهُ وَاقِعٌ بِهِمْ خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ وَاذْكُرُوا مَا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} [الأعراف: 171] فَالطُّورُ هُوَ الْجَبَلُ، كَمَا فَسَّرَهُ بِهِ فِي الْأَعْرَافِ، وَنَصَّ عَلَى ذَلِكَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَمُجَاهِدٌ وَعَطَاءٌ وَعِكْرِمَةُ وَالْحَسَنُ وَالضَّحَّاكَ وَالرَّبِيعُ بْنُ أَنَسٍ وَغَيْرُ وَاحِدٍ[380]. وَهَذَا ظَاهِرٌ، وَفِي رِوَايَةٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: اَلطُّورُ مَا أَنْبَتَ مِنَ الْجِبَالِ، وَمَا لَمْ يُنْبِتْ فَلَيْسَ بِطُورٍ[381]. وَقَالَ الْحَسَنُ فِي قَوْلِهِ: {خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ} يَعْنِي التَّوْرَاةَ[382]. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: {بِقُوَّةٍ} بِعَمَلِ مَا فِيهِ[383]. وَقَالَ أَبُو الْعَالِيَةِ وَالرَّبِيعُ {وَاذْكُرُوا مَا فِيهِ} يَقُولُ: اِقْرَأُوا مَا فِي التَّوْرَاةِ وَاعْمَلُوا بِهِ[384]. وَقَوْلُهُ تَعَالَى: {ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَلَوْلاَ فَضْلُ اللَّهِ} يَقُولُ تَعَالَى: ثُمَّ بَعْدَ هَذَا الْمِيثَاقِ الْمُؤَكَّدِ الْعَظِيمِ تَوَلَّيْتُمْ عَنْهُ وَانْثَنَيْتُمْ وَنَقَضْتُمُوهُ {فَلَوْلاَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ} أَيْ بِتَوْبَتِهِ عَلَيْكُمْ، وَإِرْسَالِهِ النَّبِيِّينَ وَالْمُرْسَلِينَ إِلَيْكُمْ {لَكُنْتُمْ مِنَ الْخَاسِرِينَ} بِنَقْضِكُمْ ذَلِكَ الْمِيثَاقَ، فِي الدُّنْيَا وَالاْخِرَةِ. [380] (ابن أبي حاتم 1/203) [381] (ابن أبي حاتم 1/203 إسناده ضعيف لوجوه 1- من معلقات المؤلف. 2- الضحاك عن ابن عباس مرسل. 3- بشر بن عمارة الخثعمي ضعيف) [382] (ابن أبي حاتم 1/204) [383] (ابن أبي حاتم 1/205) [384] (ابن أبي حاتم 1/205) {وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ *فَجَعَلْنَاهَا نَكَالاً لِمَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا خَلْفَهَا وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ} [اِعْتِدَاؤُهُمْ فِي السَّبْتِ وَمَسْخُهُمْ قِرَدَةً وَخَنَازِيرَ] يَقُولُ تَعَالَى: {وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ} يَا مَعْشَرَ الْيَهُودِ مَا أَحَلَّ مِنَ الْبَأْسِ بِأَهْلِ الْقَرْيَةِ الَّتِي عَصَتْ أَمْرَ اللهِ، وَخَالَفُوا عَهْدَهُ وَمِيثَاقَهُ فِيمَا أَخَذَهُ عَلَيْهِمْ مِنْ تَعْظِيمِ السَّبْتِ وَالْقِيَامِ بِأَمْرِهِ، إِذْ كَانَ مَشْرُوعًا لَهُمْ، فَتَحَيَّلُوا عَلَى اصْطِيَادِ الْحِيتَانِ فِي يَوْمِ السَّبْتِ بِمَا وَضَعُوا لَهَا مِنَ الشُّصُوصِ وَالْحَبَائِلِ وَالْبِرَكِ قَبْلَ يَوْمِ السَّبْتِ، فَلَمَّا جَاءَتْ يَوْمَ السَّبْتِ عَلَى عَادَتِهَا فِي الْكَثْرَةِ نَشِبَتْ بِتِلْكَ الْحَبَائِلِ وَالْحِيَلِ، فَلَمْ تَخْلُصْ مِنْهَا يَوْمَهَا ذَلِكَ، فَلَمَّا كَانَ اللَّيْلُ أَخَذُوهَا بَعْدَ انْقِضَاءِ السَّبْتِ، فَلَمَّا فَعَلُوا ذَلِكَ، مَسَخَهُمُ اللهُ إِلَى صُورَةِ الْقِرَدَةِ، وَهِيَ أَشْبَهُ شَيْءٍ بِالْأَنَاسِيِّ فِي الشَّكْلِ الظَّاهِرِ، وَلَيْسَتْ بِإِنْسَانٍ حَقِيقَةً، فَكَذَلِكَ أَعْمَالُ هَؤُلاَءِ وَحِيلَتُهُمْ لَمَّا كَانَتْ مُشَابِهَةً لِلْحَقِّ فِي الظَّاهِرِ، وَمُخَالِفَةً لَهُ فِي الْبَاطِنِ، كَانَ جَزَاؤُهُمْ مِنْ جِنْسِ عَمَلِهِمْ. وَهَذِهِ الْقِصَّةُ مَبْسُوطَةٌ فِي سُورَةِ الْأَعْرَافِ حَيْثُ يَقُولُ تَعَالَى: {وَاسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعًا وَيَوْمَ لاَ يَسْبِتُونَ لاَ تَأْتِيهِمْ كَذَلِكَ نَبْلُوهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ} [الأعراف: 163] اَلْقِصَّةَ بِكَمَالِهَا، وَقَالَ الْعَوْفِيُّ فِي تَفْسِيرِهِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ {فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ} فَجَعَلَ اللهُ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ، فَزَعَمَ: أَنَّ شَبَابَ الْقَوْمِ صَارُوا قِرَدَةً، وَأَنَّ الْمَشْيَخَةَ صَارُوا خَنَازِيرَ[385]. وَقَالَ شَيْبَانُ النَّحْوِيُّ عَنْ قَتَادَةَ: {فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ} فَصَارَ الْقَوْمُ قِرَدَةً تَعَاوَى، لَهَا أَذْنَابٌ بَعْدَ مَا كَانُوا رِجَالاً وَنِسَاءً[386]. [385] (ابن أبي حاتم 1/210 إسناده ضعيف العوفي مع عائلته من جملة الضعفاء) [386] (ابن أبي حاتم 1/209) [اَلْقِرَدَةُ وَالْخَنَازِيرُ الْمَوْجَودَةُ لَيْسَتْ مِنْ نَسْلِ الْمَمْسُوخَةِ] وَرَوَى ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: إِنَّمَا كَانَ الَّذِينَ اعْتَدَوْا فِي السَّبْتِ فَجُعِلُوا قِرَدَةً - فُوَاقًا - ثُمَّ هَلَكُوا، مَا كَانَ لِلْمَسْخِ نَسْلٌ[387]. وَقَالَ الضَّحَّاكُ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: فَمَسَخَهُمُ اللهُ قِرَدَةً بِمَعْصِيَتِهِمْ، يَقُولُ: إِذْ لاَ يَحْيَوْنَ فِي الْأَرْضِ إِلاَّ ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ، قَالَ: وَلَمْ يَعِشْ مَسْخٌ قَطُّ فَوْقَ ثَلاَثَةِ أَيَّامٍ، وَلَمْ يَأْكُلْ وَلَمْ يَشْرَبْ وَلَمْ يَنْسِلُوا، وَقَدْ خَلَقَ اللهُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ وَسَائِرَ الْخَلْقِ فِي السِّتَّةِ الْأَيَّامِ الَّتِي ذَكَرَهَا اللهُ فِي كِتَابِهِ، فَمَسَخَ هَؤُلاَءِ الْقَوْمَ فِي صُورَةِ الْقِرَدَةِ، وَكَذَلِكَ يَفْعَلُ بِمَنْ يَشَاءُ كَمَا يَشَاءُ، وَيُحَوِّلُهُ كَمَا يَشَاءُ[388]. [387] (ابن أبي حاتم 1/209 إسناده ضعيف فيه عبدالملك بن محمد شبه المتروك ومحمد بن مسلم الطائفي ضعيف) [388] (الطبري 2/167 إسناده ضعيف الضحاك لم يسمع من ابن عباس) وَقَوْلُهُ تَعَالَى: {فَجَعَلْنَاهَا نَكَالاً} أَيْ فَجَعَلَ اللهُ هَذِهِ الْقَرْيَةَ، وَالْمُرَادُ أَهْلُهَا، بِسَبَبِ اعْتِدَائِهِمْ فِي سَبْتِهِمْ {نَكَالاً} أَيْ عَاقَبْنَاهُمْ عُقُوبَةً فَجَعَلْنَاهَا عِبْرَةً. كَمَا قَالَ اللهُ عَنْ فِرْعَوْنَ {فَأَخَذَهُ اللَّهُ نَكَالَ الآخِرَةِ وَالأُولَى} [النازعات: 25] وَقَوْلُهُ تَعَالَى: {لِمَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا خَلْفَهَا} أَيْ مِنَ الْقُرَى، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: يَعْنِي جَعَلْنَاهَا بِمَا أَحْلَلْنَا بِهَا مِنَ الْعُقُوبَةِ عِبْرَةً لِمَا حَوْلَهَا مِنَ الْقُرَى، كَمَا قَالَ تَعَالَى: {وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا مَا حَوْلَكُمْ مِنَ الْقُرَى وَصَرَّفْنَا الآيَاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ} [الأحقاف: 27] فَجَعَلَهُمْ عِبْرَةً وَنَكَالاً لِمَنْ فِي زَمَانِهِمْ، وَمَوْعِظَةً لِمَنْ يَأْتِي بَعْدَهُمْ بِالْخَبَرِ الْمُتَوَاتِرِ عَنْهُمْ، وَلِهَذَا قَالَ: {وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ} اَلْمُرَادُ بِالْمَوْعِظَةِ ههُنَا الزَّاجِرُ أَيْ جَعَلْنَا مَا أَحْلَلْنَا بِهَؤُلاَءِ مِنَ الْبَأْسِ وَالنَّكَالِ فِي مُقَابَلَةِ مَا ارْتَكَبُوهُ مِنْ مَحَارِمِ اللهِ، وَمَا تَحَيَّلُوا بِهِ مِنَ الْحِيَلِ، فَلْيَحْذَرِ الْمُتَّقُونَ صَنِيعَهُمْ لِئَلاَّ يُصِيبَهُمْ مَا أَصَابَهُمْ، كَمَا رَوَى الإْمَامُ أَبُو عَبْدِ اللهِ بْنُ بَطَّةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «لاَ تَرْتَكِبُوا مَا ارْتَكَبَتِ الْيَهُودُ فَتَسْتَحِلُّوا مَحَارِمَ اللهِ بِأَدْنَى الْحِيَلِ»[389]وَهَذَا إِسْنَادٌ جَيِّدٌ، وَاللهُ أَعْلَمُ. [389] (إرواء الغليل 5/375) {وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً قَالُوا أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا قَالَ أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ} [قِصَّةُ مَقْتُولِ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَالْبَقَرَةِ] يَقُولُ تَعَالَى: وَاذْكُرُوا يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ فِي خَرْقِ الْعَادَةِ لَكُمْ فِي شَأْنِ الْبَقَرَةِ، وَبَيَانِ الْقَاتِلِ مَنْ هُوَ بِسَبَبِهَا، وَإِحْيَاءِ اللهِ الْمَقْتُولَ، وَنَصِّهِ عَلَى مَنْ قَتَلَهُ مِنْهُمْ. رَوَى ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ عَنْ عَبِيدَةَ السَّلْمَانِيِّ، قَالَ: كَانَ رَجُلٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَقِيمًا لاَ يُولَدُ لَهُ، وَكَانَ لَهُ مَالٌ كَثِيرٌ، وَكَانَ ابْنُ أَخِيهِ وَارِثَهُ، فَقَتَلَهُ ثُمَّ احْتَمَلَهُ لَيْلاً، فَوَضَعَهُ عَلَى بَابِ رَجُلٍ مِنْهُمْ، ثُمَّ أَصْبَحَ يَدَّعِيهِ، حَتَّى تَسَلَّحُوا، وَرَكِبَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ. فَقَالَ ذَوُو الرَّأْيِ مِنْهُمْ وَالنُّهَى: عَلاَمَ يَقْتُلُ بَعْضُكُمْ بَعْضًا، وَهَذَا رَسُولُ اللهِ فِيكُمْ؟ فَأَتَوْا مُوسَى عَلَيْهِ السَّلاَمُ، فَذَكَرُوا ذَلِكَ لَهُ، فَقَالَ: {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً قَالُوا أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا قَالَ أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ} قَالَ: َفَلَو لَمْ يَعْتَرِضُوا لَأَجْزَأَتْ عَنْهُمْ أَدْنَى بَقَرَةٍ، وَلَكِنَّهُمْ شَدَّدُوا، فَشُدِّدَ عَلَيْهِمْ حَتَّى انْتَهُوا إِلَى الْبَقَرَةِ الَّتِي أُمِرُوا بِذَبْحِهَا، فَوَجَدُوهَا عِنْدَ رَجُلٍ لَيْسَ لَهُ بَقَرَةٌ غَيْرُهَا، فَقَالَ: وَاللهِ لاَ أَنْقُصُهَا مِنْ مِلْءِ جِلْدِهَا ذَهَبًا، فَأَخَذُوهَا بِمِلْءِ جِلْدِهَا ذَهَبًا، فَذَبَحُوهَا، فَضَرَبُوهُ بِبِعْضِهَا، فَقَامَ. فَقَالُوا: مَنْ قَتَلَكَ؟ فَقَالَ: هَذَا - لاِبْنِ أَخِيهِ- ثُمَّ مَالَ مَيِّتًا، فَلَمْ يُعْطَ مِنْ مَالِهِ شَيْئًا، فَلَمْ يُوَرَّثْ قَاتِلٌ بَعْدُ[390]. وَرَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ بِنَحْوٍ مِنْ ذَلِكَ، وَاللهُ أَعْلَمُ[391]. [390] (ابن أبي حاتم 1/114) [391] (الطبري 2/183) {قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِيَ قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لاَ فَارِضٌ وَلاَ بِكْرٌ عَوَانٌ بَيْنَ ذَلِكَ فَافْعَلُوا مَا تُؤْمَرُونَ *قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا لَوْنُهَا قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ صَفْرَاءُ فَاقِعٌ لَوْنُهَا تَسُرُّ النَّاظِرِينَ *قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِيَ إِنَّ الْبَقَرَ تَشَابَهَ عَلَيْنَا وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللَّهُ لَمُهْتَدُونَ *قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لاَ ذَلُولٌ تُثِيرُ الأَرْضَ وَلاَ تَسْقِي الْحَرْثَ مُسَلَّمَةٌ لاَ شِيَةَ فِيهَا قَالُوا الآنَ جِئْتَ بِالْحَقِّ فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ} [تَعَنُّتُهُمْ فِي السُّؤَالِ عَنِ الْبَقَرَةِ وَتَضْيِيقُ اللهِ عَلَيْهِمْ] أَخْبَرَ تَعَالَى عَنْ تَعَنُّتِ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَكَثْرَةِ سُؤَالِهِمْ لِرَسُولِهِمْ، لِهَذَا لَمَّا ضَيَّقُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ ضَيَّقَ اللهُ عَلَيْهِمْ، وَلَوْ أَنَّهُمْ ذَبَحُوا أَيَّ بَقَرَةٍ كَانَتْ، لَوَقَعَتِ الْمَوْقِعَ عَنْهُمْ، كَمَا قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَعَبِيدَةُ وَغَيْرُ وَاحِدٍ، وَلَكِنَّهُمْ شَدَّدُوا فَشُدِّدَ عَلَيْهِمْ، فَقَالُوا: {ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِيَ} أَيْ مَا هَذِهِ الْبَقَرَةُ، وَأَيُّ شَيْءٍ صِفَتُهَا؟ قَالَ: {إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لاَ فَارِضٌ وَلاَ بِكْرٌ} أَيْ لاَ كَبِيرَةٌ هَرِمَةٌ وَلاَ صَغِيرَةٌ لَمْ يَلْحَقْهَا الْفَحْلُ. كَمَا قَالَهُ أَبُو الْعَالِيَةِ وَالسُّدِّيُّ وَمُجَاهِدٌ وَعِكْرِمَةُ وَعَطِيَّةُ الْعَوْفِيُّ وَعَطَاءُ الْخُرَاسَانِيُّ وَوَهْبُ بْنُ مُنَبِّهٍ وَالضَّحَّاكُ وَالْحَسَنُ وَقَتَادَةُ، وَقَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ أَيْضًا[392]. وَقَالَ الضَّحَّاكُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: {عَوَانٌ بَيْنَ ذَلِكَ}، يَقُولُ: نِصْفٌ بَيْنَ الْكَبِيرَةِ وَالصَّغِيرَةِ، وَهِيَ أَقْوَى مَا يَكُونُ مِنَ الدَّوَابِّ وَالْبَقَرِ، وَأَحْسَنُ مَا تَكُونُ[393]. [392] (ابن أبي حاتم 1/216) [393] (ابن أبي حاتم 1/217 الضحاك عن ابن عباس مرسل) وقال مجاهد: إنها كانت صفراء[394]، وروى ابن أبي حاتم عن الحسن في قوله تعالى: {بَقَرَةٌ صَفْرَاءُ فَاقِعٌ لَوْنُهَا} قال: سوداء شديدة السواد، وهذا غريب والصحيح الأول ولهذا أكد صفرتها بأنه {فَاقِعٌ لَوْنُهَا}[395]. [394] (ابن أبي حاتم 706 "1/139"، والطبري 1228) [395] (ابن أبي حاتم "709" 1/139 وقول الحسن هذا استفربه المصنف ورده الطبري ابن جرير 1/387، 388 وابن قتيبة في غريب القرآن ص53) وَقَالَ الْعَوْفِيُّ فِي تَفْسِيرِهِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ {فَاقِعٌ لَوْنُهَا} شَدِيدَةُ الصُّفْرَةِ، تَكَادُ مِنْ صُفْرَتِهَا تَبْيَضُّ[396]. وَقَالَ السُّدِّيُّ {تَسُرُّ النَّاظِرِينَ} أَيْ تُعْجِبُ النَّاظِرِينَ[397]. وَكَذَا قَالَ أَبُو الْعَالِيَةِ وَقَتَادَةُ وَالرَّبِيعُ بْنُ أَنَسٍ[398]. وَقَالَ وَهْبُ بْنُ مُنَبِّهٍ: إِذَا نَظَرْتَ إِلَى جِلْدِهَا تَخَيَّلْتَ أَنَّ شُعَاعَ الشَّمْسِ يَخْرُجُ مِنْ جِلْدِهَا[399]. وَفِي التَّوْرَاةِ: أَنَّهَا كَانَتْ حَمْرَاءَ. فَلَعَلَّ هَذَا خَطَأٌ فِي التَّعْرِيبِ، أَوْ كَمَا قَالَ الْأَوَّلُ: إِنَّهَا كَانَتْ شَدِيدَةَ الصُّفْرَةِ تَضْرِبُ إِلَى حُمْرَةٍ وَسَوَادٍ، وَاللهُ أَعْلَمُ. [396] (ابن أبي حاتم 1/221 إسناده ضعيف العوفي تقدم حكمه) [397] (ابن أبي حاتم 1/22) [398] (ابن أبي حاتم 1/222) [399] (الطبري 2/202) وَقَوْلُهُ تَعَالَى: {إِنَّ الْبَقَرَ تَشَابَهَ عَلَيْنَا} أَيْ لِكَثْرَتِهَا، فَمَيِّزْ لَنَا هَذِهِ الْبَقَرَةَ وَصِفْهَا وَجَلِّهَا لَنَا {وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللَّهُ} إِذَا بَيَّنْتَهَا لَنَا {لَمُهْتَدُونَ} إِلَيْهَا. {قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لاَ ذَلُولٌ تُثِيرُ الأَرْضَ وَلاَ تَسْقِي الْحَرْثَ} أَيْ إِنَّهَا لَيْسَتْ مُذَلَّلَةً بِالْحِرَاثَةِ، وَلاَ مُعَدَّةً لِلسَّقْيِ فِي السَّاقِيَةِ، بَلْ هِيَ مُكَرَّمَةٌ، حَسَنَةٌ. وَقَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ قَتَادَةَ: {مُسَلَّمَةٌ} يَقُولُ: لاَ عَيْبَ فِيهَا[400]. وَكَذا قَالَ أَبُو الْعَالِيَةِ وَالرَّبِيعُ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: مُسَلَّمَةٌ مِنَ الشِّيَةِ[401]. وَقَالَ عَطَاءٌ الْخُرَاسَانِيُّ: مُسَلَّمَةُ الْقَوَائِمِ وَالْخَلْقِ[402]. {لاَ شِيَةَ فِيهَا}، قَالَ مُجاهِدٌ: لاَ بَيَاضَ وَلاَ سواد. وَقَالَ أَبُو الْعَالِيَةَ والرَّبيعُ، وَالْحَسَنُ وَقَتَادَةُ: لَيْسَ فيهَا بَيَاضٌ. وَقَالَ عَطَاءٌ الْخُرَاسَانِيُّ: {لاَ شِيَةَ فِيهَا} قَالَ: لَونُهَا وَاحِدٌ بَهِيمٌ. {قَالُوا الآنَ جِئْتَ بِالْحَقِّ} قال قتادة: الآن بينت لنا[403]{فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ} قَالَ الضَّحَّاكُ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: كَادُوا أَنْ لاَ يَفْعَلُوا: وَلَمْ يَكُنْ ذَلِكَ الَّذِي أَرَادُوا، لِأَنَّهُمْ أَرَادُوا أَنْ لاَ يَذْبَحُوهَا[404]. يَعْنِي أَنَّهُمْ مَعَ هَذَا الْبَيَانِ وَهَذِهِ الْأَسْئِلَةِ وَالْأَجْوِبَةِ وَالْإِيضَاحِ مَا ذَبَحُوهَا إِلاَّ بَعْدَ الْجُهْدِ، وَفِي هَذَا ذَمٌّ لَهُمْ، وَذَلِكَ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ غَرَضُهُمْ إِلاَّ التَّعَنُّتَ، فَلِهَذَا مَا كَادُوا يَذْبَحُونَهَا. وَقَالَ عَبِيدَةُ وَمُجَاهِدٌ وَوَهْبُ بْنُ مُنَبِّهٍ وَأَبُو الْعَالِيَةِ وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ: أَنَّهُمُ اشْتَرَوْهَا بِمَالٍ كَثِيرٍ، وَفِيهِ اخْتِلاَفٌ.[405]. [400] (الطبري 2/214) [401] (ابن أبي حاتم 1/225) [402] (ابن أبي حاتم 1/226) [403] (ابن أبي حاتم "739" 1/143) [404] (الطبري 2/219) [405] (الطبري 2/221) {وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا فَادَّارَأْتُمْ فِيهَا وَاللَّهُ مُخْرِجٌ مَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ *فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا كَذَلِكَ يُحْيِي اللَّهُ الْمَوْتَى وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلونَ} [إِحْيَاءُ الْمَقْتُولِ وَتَعْيِينُ الْقَاتِلِ] قَالَ الْبُخَارِيُّ: {فَادَّارَأْتُمْ فِيهَا} اخْتَلَفْتُمْ[406]. وَهَكَذا قَالَ مُجَاهِدٌ. وَقَالَ عَطَاءٌ الْخُرَاسَانِيُّ وَالضَّحَّاكُ: اخْتَصَمْتُمْ فِيهَا[407]. وَقَالَ ابْنُ جُرَيجٍ {وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا فَادَّارَأْتُمْ فِيهَا} قَالَ بَعْضُهُمْ: أَنْتُمْ قَتَلْتُمُوهُ، وَقَالَ آخَرُونَ: بَلْ أَنْتُمْ قَتَلْتُمُوهُ[408]. وَكَذَا قَالَ عَبْدُ الرَّحْمنِ بْنُ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ. [406] (فتح الباري 6/506) [407] (ابن أبي حاتم 1/229) [408] (الطبري 2/225) {وَاللَّهُ مُخْرِجٌ مَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ} [409] قَالَ مُجَاهِدٌ: َما تُغَيِّبُونَ[410]. [409] (الطبري 2/225) [410] (ابن أبي حاتم 1/229) {فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا} هَذا "الْبَعْضُ" أَيُّ شَيْءٍ كَانَ مِنْ أَعْضَاءِ هَذِهِ الْبَقَرَةِ، فَالْمُعْجِزَةُ حَاصِلَةٌ بِهِ، وَخَرْقُ الْعَادَةِ بِهِ كَائِنٌ، وَقَدْ كَانَ مُعَيَّنًا فِي نَفْسِ الْأَمْرِ، فَلَوْ كَانَ فِي تَعْيِينِهِ لَنَا فَائِدَةٌ تَعُودُ عَلَيْنَا فِي أَمْرِ الدِّينِ أَوِ الدُّنْيَا لَبَيَّنَهُ اللهُ تَعَالَى لَنَا، وَلَكِنَّهُ أَبْهَمَهُ وَلَمْ يَجِيءْ مِنْ طَرِيقٍ صَحِيحٍ عَنْ مَعْصُومِ بَيَانُهُ، فَنَحْنُ نُبْهِمُهُ كَمَا أَبْهَمَهُ اللهُ، وَقَوْلُهُ تَعَالَى: {كَذَلِكَ يُحْيِي اللَّهُ الْمَوْتَى} أَيْ فَضَرَبُوهُ فَحَيِيَ، وَنَبَّهَ تَعَالَى عَلَى قُدْرَتِهِ وَإِحْيَائِهِ الْمَوْتَى بِمَا شَاهَدُوهُ مِنْ أَمْرِ الْقَتِيلِ، جَعَلَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى ذَلِكَ الصَّنِيعَ حُجَّةً لَهُمْ عَلَى الْمَعَادِ، وَفَاصِلاً مَا كَانَ بَيْنَهُمْ مِنَ الْخُصُومَةِ وَالْعِنَادِ. وَاللهُ تَعَالَى قَدْ ذَكَرَ فِي هَذِهِ السُّورَةِ مِمَّا خَلَقَهُ مِنْ إِحْيَاءِ الْمَوْتَى فِي خَمْسَةِ مَوَاضِعَ {ثُمَّ بَعَثْنَاكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ} وَهذِهِ الْقِصَّةُ، وَقِصَّةُ الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ، [البقرة:243] وَقِصَّةُ الَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا، [البقرة:259] وَقِصَّةُ إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلاَمُ وَالطُّيُورِ الْأَرْبَعَةِ، [البقرة:260] وَنَبَّهَ تَعَالَى بِإِحْيَاءِ الْأَرْضِ بَعْدَ مَوْتِهَا عَلَى إِعَادَةِ الْأَجْسَامِ بَعْدَ صَيْرُورَتِهَا رميمًا. وَشَاهِدُ هَذَا قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَآيَةٌ لَهُمُ الأَرْضُ الْمَيْتَةُ أَحْيَيْنَاهَا وَأَخْرَجْنَا مِنْهَا حَبًّا فَمِنْهُ يَأْكُلُونَ *وَجَعَلْنَا فِيهَا جَنَّاتٍ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ وَفَجَّرْنَا فِيهَا مِنَ الْعُيُونِ *لِيَأْكُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ وَمَا عَمِلَتْهُ أَيْدِيهِمْ أَفَلاَ يَشْكُرُونَ} [يس: 33-35]. {ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الأَنْهَارُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَاءُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ} [بَيَانُ قَسْوَةِ قُلُوبِ الْيَهُودِ] يَقُولُ تَعَالَى تَوْبِيخًا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ وَتَقْرِيعًا لَهُمْ عَلَى مَا شَاهَدُوهُ مِنْ آيَاتِ اللهِ تَعَالَى وَإِحْيَائِهِ الْمَوْتَى: {ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ} كُلِّهِ، فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ الَّتِي لاَ تَلِينُ أَبَدًا، وَلِهَذَا نَهَى اللهُ الْمُؤمِنِينَ عَنْ مِثْلِ حَالِهِمْ، فَقَالَ: {أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلاَ يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ} [الحديد: 16] قَالَ الْعَوْفِيُّ فِي تَفْسِيرِهِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: لَمَّا ضُرِبَ الْمَقْتُولُ بِبَعْضِ الْبَقَرَةِ جَلَسَ أَحْيَا مَا كَانَ قَطُّ، فَقِيلَ لَهُ: مَنْ قَتَلَكَ؟ قَالَ: بَنُو أَخِي قَتَلُونِي، ثُمَّ قُبِضَ. فَقَالَ بَنُو أَخِيهِ حِينَ قَبَضَهُ اللهُ: وَاللهِ مَا قَتَلْنَاهُ، فَكَذَّبُوا بِالْحَقِّ بَعْدَ أَنْ رَأَوْهُ، فَقَالَ اللهُ {ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ}، يَعَنِي أَبْنَاءَ أَخِي الشَّيْخِ {فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً} [411]. فَصَارَتْ قُلُوبُ بَنِي إِسْرَائِيلَ مَعَ طُولِ الْأَمَدِ قَاسِيَةً بَعِيدَةً عَنِ الْمَوْعِظَةِ بَعْدَ مَا شَاهَدُوهُ مِنَ الْآيَاتِ وَالْمُعْجِزَاتِ، فَهِيَ فِي قَسْوَتِهَا كَالْحِجَارَةِ الَّتِي لاَ عِلاَجَ لِلِينِهَا، أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً مِنَ الْحِجَارَةِ، فَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ مَا يَتَفَجَّرُ مِنْهَا الْعُيُونُ بِالْأَنْهَارِ الْجَارِيَةِ، وَمِنْهَا مَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَاءُ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ جَارِيًا، وَمِنْهَا مَا يَهْبِطُ مِنْ رَأْسِ الْجَبَلِ مِنْ خَشْيَةِ اللهِ وَفِيهِ إِدْرَاكٌ لِذَلِكَ بِحَسَبِهِ. كما قال: {تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالأَرْضُ وَمَن فِيهِنَّ وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَـكِن لاَّ تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا} وَرَوَى مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ {وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الأَنْهَارُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَاءُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ} أَيْ وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَأَلْيَنَ مِنْ قُلُوبِكُمْ عَمَّا تُدْعَوْنَ إِلَيْهِ مِنَ الْحَقِّ {وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ}[412]. [411] (الطبري 2/234 العوفي معا عائلته ضعفاء) [412] (ابن أبي حاتم 1/233 إسناده ضعيف لتدليس محمد بن إسحاق وجهالة محمد بن أبي محمد) [وُجُودُ قُوَّةِ الْإِدْرَاكِ فِي الْجَمَادَاتِ] وَقَدْ زَعَمَ بَعْضُهُمْ أَنَّ هَذَا مِنْ بَابِ الْمَجَازِ، وَهُوَ إِسْنَادُ الْخُشُوعِ إِلَى الْحِجَارَةِ، كَمَا أُسْنِدَتِ الْإِرَادَةُ إِلَى الْجِدَارِ فِي قَوْلِهِ: {يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ} [الكهف: 77] قَالَ الرَّازِيُّ وَالْقُرْطُبِيُّ وَغَيْرُهُمَا مِنَ الْأَئِمَّةِ. وَلاَ حَاجَةَ إِلَى هَذَا، فَإِنَّ اللهَ تَعَالَى يَخْلُقُ فِيهَا هَذِهِ الصِّفَةَ، كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {إِنَّا عَرَضْنَا الأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا} [الأحزاب: 72] وَقَالَ: {تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ} الْآيَةَ. [الإسراء: 44] وَقَالَ: {وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدَانِ} [الرحمن: 6] {أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى مَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ يَتَفَيَّأُ ظِلاَلُهُ} الْآيَةَ [النحل: 48] {قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ} [فصلت: 11] {لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ} الْآية [الحشر: 21] : {وَقَالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُّمْ عَلَيْنَا قَالُوا أَنْطَقَنَا اللَّهُ} الْآيَةَ [فصلت: 21]، وَفِي الصَّحِيحِ: «هَذَا جَبَلٌ يُحِبُّنَا وَنُحِبُّهُ»[413]. [413] (فتح الباري 6/98 وانظر الفخر الرازي 3/130) وَكَحَنِينِ الْجِذْعِ الْمُتَوَاتِرِ خَبَرُهُ، وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ: «إِنِّي لَأَعْرِفُ حَجَرًا بِمَكَّةَ كَانَ يُسَلِّمُ عَلَيَّ قَبْلَ أَنْ أُبْعَثَ، إِنِّي لَأَعْرِفُهُ الاْنَ»[414]. وَفِي صِفَةِ الْحَجَرِ الْأَسْوَدِ: «إِنَّهُ يَشْهَدُ لِمَنِ اسْتَلَمَ بِحَقٍّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ»[415]. وَغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا فِي مَعْنَاهُ [414] (مسلم 4/1782) [415] (أحمد 1/226) (تَنْبِيهٌ) اِخْتَلَفَ عُلَمَاءُ الْعَرَبِيَّةِ فِي مَعْنَى قَوْلِهِ تَعَالَى: {فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً} [البقرة: 74] بَعْدَ الْإِجْمَاعِ عَلَى اسْتِحَالَةِ كَوْنِهَا لِلشَّكِّ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: أَوْ ههُنَا بِمَعْنَى الْوَاوِ، تَقْدِيرُهُ: فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ وَأَشَدُّ قَسْوَةً، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَلاَ تُطِعْ مِنْهُمْ آثِمًا أَوْ كَفُورًا} [الإنسان: 24] {عُذْرًا أَوْ نُذْرًا} [المرسلات: 6] وَقَالَ آخَرُونَ: أَوْ هَهُنَا بِمَعْنَى بَلْ، فَتَقْدِيرُهُ: فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ بَلْ أَشَدُّ قَسْوَةً، وَكَقَوْلِهِ: {إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَخشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللَّهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً} [النساء: 77]، {وَأَرْسَلْنَاهُ إِلَى مِئَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ} [الصافات: 147]، {فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى} [النجم: 9]. وَقَالَ آخَرُونَ: مَعْنَى ذَلِكَ: {فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً} عِنْدَكُمْ، حَكَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: مَعْنَى ذَلِكَ فَقُلُوبُكُمْ لاَ تَخْرُجُ عَنْ أَحَدِ هَذَيْنِ الْمَثَلَيْنِ، إِمَّا أَنْ تَكُونَ مِثْلَ الْحِجَارَةِ فِي الْقَسْوَةِ، وَإِمَّا أَنْ تَكُونَ أَشَدَّ مِنْهَا فِي الْقَسْوَةِ. قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: وَمَعْنَى ذَلِكَ عَلَى هَذَا التَّأْوِيلِ، فَبَعْضُهَا كَالْحِجَارَةِ قَسْوَةً، وَبَعْضُهَا أَشَدُّ قَسْوَةً مِنَ الْحِجَارَةِ[416]؛ وَقَدْ رَجَّحَهُ ابْنُ جَرِيرٍ مَعَ تَوْجِيهِ غَيْرِهِ. [416] (الطبري 2/236) (قُلْتُ): وَهَذَا الْقَوْلُ الْأَخِيرُ يَبْقَى شَبِيهًا بِقَوْلِهِ تَعَالَى: {مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اُسْتَوْقَدَ نَارًا} [البقرة: 17] مَعَ قَوْلِهِ: {أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّمَاءِ} [البقرة: 19] وَكَقَوْلِهِ: {وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ} مَعَ قَوْلِهِ: {أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ} الْآيَةَ [النور: 39، 40]، أَيْ إِنَّ مِنْهُمْ مَنْ هُوَ هَكَذَا، وَمِنْهُمْ مَنْ هُوَ هَكَذَا، وَاللهُ أَعْلَمُ. {أَفَتَطْمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلاَمَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ *وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلاَ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ قَالُوا أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِمَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ لِيُحَآجُّوكُمْ بِهِ عِنْدَ رَبِّكُمْ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ *أَوَلاَ يعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ} [قَطْعُ الطَّمَعِ فِي إِيمَانِ يَهُودَ زَمَنَ النَّبِيِّ ﷺ] يَقُولُ تَعَالَى: {أَفَتَطْمَعُونَ} أَيُّهَا الْمُؤمِنُونَ {أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ} أَيْ يَنْقَادُ لَكُمْ بِالطَّاعَةِ هَؤُلاَءِ الْفِرْقَةُ الضَّالَّةُ مِنَ الْيَهُودِ الَّذِينَ شَاهَدَ آبَاؤُهُمْ مِنَ الآيَاتِ الْبَيِّنَاتِ مَا شَاهَدُوهُ، ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ {وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلاَمَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ} أَيْ يَتَأَوَّلُونَهُ عَلَى غَيْرِ تَأْوِيلِهِ {مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ} أَيْ فَهِمُوهُ عَلَى الْجَلِيَّةِ، وَمَعَ هَذَا يُخَالِفُونَهُ عَلَى بَصِيرَةٍ {وَهُمْ يَعْلَمُونَ} أَنَّهُمْ مُخْطِئُونَ فِيمَا ذَهَبُوا إِلَيْهِ مِنْ تَحْرِيفِهِ وَتَأْوِيلِهِ؟ وَهَذَا الْمَقَامُ شَبِيهٌ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: {فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ} [المائدة: 13] قَالَ قَتَادَةُ فِي قَوْلِهِ: {ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ} قَالَ: هُمُ الْيَهُودُ كَانُوا يَسْمَعُونَ كَلاَمَ اللهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَوَعَوْهُ[417]. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: اَلَّذِينَ يُحَرِّفُونَهُ وَالَّذِينَ يَكْتُمُونَهُ هُمُ الْعُلَمَاءُ مِنْهُمْ[418]. وَقَالَ ابْنُ وَهْبٍ: قَالَ ابْنُ زَيْدٍ فِي قَوْلِهِ: {يَسْمَعُونَ كَلاَمَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ} قَالَ: اَلتَّوْرَاةَ الَّتِي أَنْزَلَهَا اللهُ عَلَيْهِمْ يُحَرِّفُونَهَا، يَجْعَلُونَ الْحَلاَلَ فِيهَا حَرَامًا وَالْحَرَامَ فِيهَا حَلاَلاً، وَالْحَقَّ فِيهَا بَاطِلاً وَالْبَاطِلَ فِيهَا حَقًّا، إِذَا جَاءَهُمُ الْمُحِقُّ بِرِشْوَةٍ أَخْرَجُوا لَهُ كِتَابَ اللهِ، وَإِذَا جَاءَهُمُ الْمُبْطِلُ بِرِشْوَةٍ أَخْرَجُوا لَهُ ذَلِكَ الْكِتَابَ، فَهُوَ فِيهِ مُحِقٌّ، وَإِذَا جَاءَهُمْ أَحَدٌ يَسْأَلُهُمْ شَيْئًا لَيْسَ فِيهِ حَقٌّ وَلاَ رِشْوَةٌ وَلاَ شَيْءٌ أَمَرُوهُ بِالْحَقِّ. فَقَالَ اللهُ لَهُمْ: {أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ} [البقرة:44] [419] [417] (ابن أبي حاتم 1/236) [418] (الطبري 2/245) [419] (الطبري 2/246) [اَلْيَهُودُ كَانُوا يُقِرُّونَ بِنُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ وَلاَ يُؤمِنُونَ] وَقَوْلُهُ تَعَالَى: {وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلاَ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ} الْآيَةَ، رَوَى مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ {وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا} أَيْ أَنَّ صَاحِبَكُمْ رَسُولُ اللهِ، وَلَكِنَّهُ إِلَيْكُمْ خَاصَّةً[420]. وَإِذَا خَلاَ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ قَالُوا: لاَ تُحَدِّثُوا الْعَرَبَ بِهَذَا، فَإِنَّكُمْ قَدْ كُنْتُمْ تَسْتَفْتِحُونَ بِه عَلَيْهِمْ، فَكَانَ مِنْهُمْ، فَأَنْزَلَ اللهُ {وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلاَ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ قَالُوا أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِمَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ لِيُحَآجُّوكُمْ بِهِ عِنْدَ رَبِّكُمْ} أَيْ تُقِرُّونَ بِأَنَّهُ نَبِيٌّ، وَقَدْ عَلِمْتُمْ أَنَّهُ قَدْ أَخَذَ لَهُ الْمِيثَاقَ عَلَيْكُمْ بِاتِّبَاعِهِ. وَهُوَ يُخْبِرُهُمْ أَنَّهُ النَّبِيُّ الَّذِي كُنَّا نَنْتَظِرُ وَنَجِدُ فِي كِتَابِنَا، اِجْحَدُوهُ وَلاَ تُقِرُّوا بِهِ. يَقُولُ اللهُ تَعَالَى: {أَوَلاَ يعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ} [البقرة: 76] روى عبدالرزاق عن قتادة:{ أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِمَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ لِيُحَآجُّوكُمْ بِهِ عِنْدَ رَبِّكُمْ} قال: كانوا يقولون: سيكون نبي فخلا بعضهم ببعض فقالوا { أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِمَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ}[421]. [420] (الطبري 2/250 إسناده ضعيف لتدليس ابن إسحاق ووجوه أخرى) [421] (تفسير عبدالرزاق 1/50 وسنده صحيح) وَقَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ: هَؤُلاَءِ الْيَهُودُ كَانُوا إِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا: آمَنَّا، وَإِذَا خَلاَ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ قَالَ بَعْضُهُمْ: لاَ تُحَدِّثُوا أَصْحَابَ مُحَمَّدٍ بِمَا فَتَحَ اللهُ عَلَيْكُمْ، مِمَّا فِي كِتَابِكُمْ، لِيُحَاجُّوكُمْ بِهِ عِنْدَ رَبِّكُمْ فَيَخْصِمُوكُمْ[422]. وَقَوْلُهُ تَعَالَى: {أَوَلاَ يعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ} قَالَ أَبُو الْعَالِيَةِ: يَعْنِي مَا أَسَرُّوا مِنْ كُفْرِهِمْ بِمُحَمَّدٍ ﷺ وَتَكْذِيبِهِمْ بِهِ، وَهُمْ يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ. وَكَذَا قَالَ قَتَادَةُ، وَقَالَ الْحَسَنُ: {أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ} قَالَ: كَانَ مَا أَسَرُّوا أَنَّهُمْ كَانُوا إِذَا تَوَلَّوْا عَنْ أَصْحَابِ مُحَمَّدٍ ﷺ وَخَلاَ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ: تَنَاهَوْا أَنْ يُخْبِرَ أَحَدٌ مِنْهُمْ أَصْحَابَ مُحَمَّدٍ ﷺ بِمَا فَتَحَ اللهُ عَلَيْهِمْ مِمَّا فِي كِتَابِهِمْ خَشْيَةَ أَنْ يُحَاجَّهُمْ أَصْحَابُ مُحَمَّدٍ ﷺ بِمَا فِي كِتَابِهِمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ[423] {وَمَا يُعْلِنُونَ} يَعْنِي حِينَ قَالُوا لِأَصْحَابِ مُحَمَّدٍ ﷺ: {آمَنَّا}. كَذَا قَالَ أَبُو الْعَالِيَةِ وَالرَّبِيعُ وَقَتَادَةُ[424]. [422] (ابن أبي حاتم 1/239) [423] (ابن أبي حاتم 1/240) [424] (ابن أبي حاتم 1/240) {وَمِنْهُمْ أُمِيُّونَ لاَ يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلاَّ أَمَانِيَّ وَإِنْ هُمْ إِلاَّ يَظُنُّونَ *فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيدِيهِمْ وَوَيلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ} [مَعْنَى الْأُمِّيِّ] يَقُولُ تَعَالَى: {وَمِنْهُمْ أُمِيُّونَ} أَيْ وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ. قَالَهُ مُجَاهِدٌ. وَالْأُمِّيُّونَ جَمْعُ أُمِّيٍّ، وَهُوَ الرَّجُلُ الَّذِي لاَ يُحْسِنُ الْكِتَابَةَ. قَالَهُ أَبُو الْعَالِيَةِ وَالرَّبِيعُ وَقَتَادَةُ وَإِبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ وَغَيْرُ وَاحِدٍ. وَهُوَ ظَاهِرٌ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {لاَ يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ} أَيْ لاَ يَدْرُونَ مَا فِيهِ[425]. وَلِهَذَا فِي صِفَاتِ النَّبِيِّ ﷺ: أَنَّهُ أُمِّيٌّ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ يُحْسِنُ الْكِتَابَةَ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: {وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلاَ تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذًا لاَرْتَابَ الْمُبْطِلُونَ} [العنكبوت: 48] وَقَالَ عَلَيْهِ الصَّلاَةُ السَّلاَمُ: «إِنَّا أُمَّةٌ أُمِّيَّةٌ لاَ نَكْتُبُ وَلاَ نَحْسُبُ، الشَّهْرُ هكَذَا وَهكَذَا وَهكَذَا» اَلْحَدِيثَ[426]. أَيْ لاَ نَفْتَقِرُ فِي عِبَادَاتِنَا وَمَوَاقِيتِهَا إِلَى كِتَابٍ وَلاَ حِسَابٍ، وَقَالَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: {هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِنْهُمْ} [الجمعة: 2]. [425] (ابن أبي حاتم 1/241) [426] (فتح الباري 4/151) [تَفْسِيرُ الْأَمَانِيِّ] وقَوْلُهُ تَعَالَى: {إِلاَّ أَمَانِيَّ} قَالَ ابن أبي طلحة عَنِ ابن عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {إِلاَّ أَمَانِيَّ} يَقُولُ: إِلاَّ قَوْلاً يَقُولُونَ بِأَفْوَاهِهِمْ كَذِبًا[427]. وَقِيلَ: إِلاَّ أَمَانِيَّ يَتَمَنَّوْنَهَا. قَالَ مُجَاهِدٌ: إِنَّ الْأُمِّيِّينَ الَّذِينَ وَصَفَهُمُ اللهُ تَعَالَى أَنَّهُمْ لاَ يَفْقَهُونَ مِنَ الْكِتَابِ الَّذِي أَنْزَلَهُ اللهُ تَعَالَى عَلَى مُوسَى شَيْئًا، وَلَكِنَّهُمْ يَتَخَرَّصُونَ الْكَذِبَ، وَيَتَخَرَّصُونَ الْأَبَاطِيلَ كَذِبًا وَزُورًا[428]. وَالتَّمَنِّي فِي هَذَا الْمَوْضِعِ هُوَ تَخَلُّقُ الْكَذِبِ وَتَخَرُّصُهُ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: {وَإِنْ هُمْ إِلاَّ يَظُنُّونَ} يَكْذِبُونَ[429]. وَقَالَ قَتَادَةُ وَأَبُو الْعَالِيَةِ وَالرَّبِيعُ: يَظُنُّونَ بِاللهِ الظُّنُّونَ بِغَيْرِ الْحَقِّ[430]. [427] (الطبري 2/261) [428] (الطبري 2/262) [429] (ابن أبي حاتم 1/242) [430] (ابن أبي حاتم 1/242) [وَيْلٌ لِهَؤُلاَءِ الْيَهُودِ الْمُحَرِّفِينَ] قَوْلُهُ تَعَالَى: {فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً}... الْآيَةَ، هَؤُلاَءِ صِنْفٌ آخَرُ مِنَ الْيَهُودِ، وَهُمُ الدُّعَاةُ إِلَى الضَّلاَلِ بِالزُّورِ وَالْكَذِبِ عَلَى اللهِ، وَأَكَلِ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ. وَالْوَيْلُ: اَلْهَلاَكُ وَالدَّمَارُ، وَهِيَ كَلِمَةٌ مَشْهُورَةٌ فِي اللُّغَةِ. وَقَالَ الزُّهْرِيُّ: أَخْبَرَنِي عُبَيْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ اللهِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّهُ قَالَ: يَا مَعْشَرَ الْمُسْلِمِينَ كَيْفَ تَسْأَلُونَ أَهْلَ الْكِتَابِ عَنْ شَيْءٍ، وَكِتَابُ اللهِ الَّذِي أَنْزَلَهُ عَلَى نَبِيِّهِ أَحْدَثُ أَخْبَارِ اللهِ، تَقْرَؤُونَهُ غَضًّا لَمْ يُشَبْ، وَقَدْ حَدَّثَكُمُ اللهُ تَعَالَى: أَنَّ أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ بَدَّلُوا كِتَابَ اللهِ وَغَيَّرُوهُ، وَكَتَبُوا بِأَيْدِيهِمُ الْكِتَابَ وَقَالُوا: هُوَ مِنْ عِنْدَ اللهِ، لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلاً، أَفَلاَ يَنْهَاكُمْ مَا جَاءَكُمْ مِنَ الْعِلْمِ عَنْ مُسَاءَلَتِهِمْ، وَلاَ وَاللهِ مَا رَأَيْنَا مِنْهُمْ أَحَدًا قَطُّ سَأَلَكُمْ عَنِ الَّذِي أُنْزِلَ عَلَيْكُمْ[431]. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ[432]. وَقَالَ الْحَسَنُ بْنُ أَبِي الْحَسَنِ الْبَصْرِيُّ: اَلثَّمَنُ الْقَلِيلُ: اَلدُّنْيَا بِحَذَافِيرِهَا[433]. [431] (ابن أبي حاتم 1/245) [432] (فتح الباري 5/344 و13/345، و555) [433] (ابن أبي حاتم 1/247) وَقَوْلُهُ تَعَالَى: {فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيدِيهِمْ وَوَيلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ} أَيْ فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبُوا بِأَيْدِيهِمْ مِنَ الْكَذِبِ وَالْبُهْتَانِ وَالْاِفْتِرَاءِ، وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا أَكَلُوا بِهِ مِنَ السُّحْتِ، كَمَا قَالَ الضَّحَّاكُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا {فَوَيْلٌ لَهُمْ} يَقُولُ: فَالْعَذَابُ عَلَيْهِمْ مِنَ الَّذِي كَتَبُوا بِأَيْدِيهِمْ مِنْ ذَلِكَ الْكَذِبِ، {وَوَيلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ} يَقُولُ: مِمَّا يَأْكُلُونَ بِهِ النَّاسَ السَّفَلَةَ وَغَيْرَهُمْ[434]. [434] (الطبري 2/273 الضحاك عن ابن عباس مرسل) {وَقَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلاَّ أَيَّامًا مَعْدُودَةً قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللَّهِ عَهْدًا فَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ عَهْدَهُ أَمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ} [مِنْ أَمَانِيِّ الْيَهُودِ أَنَّهُمْ لاَ يَمْكُثُونَ فِي النَّارِ إِلاَّ أَيَّامًا مَعْدُودَةً] يَقُولُ تَعَالَى إِخْبَارًا عَنِ الْيَهُودِ فِيمَا نَقَلُوهُ وَادَّعَوْهُ لِأَنْفُسِهِمْ مِنْ: أَنَّهُمْ لَنْ تَمَسَّهُمُ النَّارُ إِلاَّ أَيَّامًا مَعْدُودَةً، ثُمَّ يَنْجُونَ مِنْهَا. فَرَدَّ اللهُ عَلَيْهِمْ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: {قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللَّهِ عَهْدًا} أَيْ بِذَلِكَ، فَإِنْ كَانَ قَدْ وَقَعَ عَهْدٌ فَهُوَ لاَ يُخْلِفُ عَهْدَهُ، وَلَكِنْ هَذَا مَا جَرَى وَلاَ كَانَ، وَلِهَذَا أُتِىَ بِـ«أَمْ» الَّتِي بِمَعْنَى بَلْ، أَيْ بَلْ تَقُولُونَ عَلَى اللهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ مِنَ الْكَذِبِ وَالاِفْتِرَاءِ عَلَيْهِ، وَقَالَ الْعَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: {وَقَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلاَّ أَيَّامًا مَعْدُودَةً} اَلْيَهُودُ قَالُوا: لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلاَّ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً[435]. زَادَ غَيْرُهُ: وَهِيَ مُدَّةُ عِبَادَتِهِمُ الْعِجْلَ. [435] (الطبري 2/276 ضعف للعوفي وعائلته) وَقَالَ الْحَافِظُ أَبُو بَكْرِ بْنُ مَرْدُويَهْ رَحِمَهُ اللهُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: لَمَا فُتِحَتْ خَيْبَرُ أُهْدِيَتْ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ، شَاةٌ فِيهَا سُمٌّ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «اِجْمَعُوا لِي مَنْ كَانَ مِنَ الْيَهُودِ ههُنَا». فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «مَنْ أَبُوكُمْ؟» قَالُوا: فُلاَنٌ، قَالَ: «كَذَبْتُمْ، بَلْ أَبُوكُمْ فُلاَنٌ». فَقَالُوا: صَدَقْتَ وَبَرِرْتَ، ثُمَّ قَالَ لَهُمْ: «هَلْ أَنْتُمْ صَادِقِيَّ عَنْ شَيْءٍ إِنْ سَأَلْتُكُمْ عَنْهُ»؟ قَالُوا: نَعَمْ يَا أَبَا الْقَاسِمِ، وَإِنْ كَذَبْنَاكَ عَرَفْتَ كَذِبَنَا كَمَا عَرَفْتَهُ فِي أَبِينَا، فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «مَنْ أَهْلُ النَّارِ؟» فَقَالُوا: نَكُونُ فِيهَا يَسِيرًا ثُمَّ تَخْلُفُونَا فِيهَا، فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللهِ :ﷺ «اخْسَئُوا وَاللهِ لاَ نَخْلُفُكُمْ فِيهَا أَبَدًا». ثُمَّ قَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «هَلْ أَنْتُمْ صَادِقِيَّ عَنْ شَيْءٍ إِنْ سَأَلْتُكُمْ عَنْهُ؟» قَالُوا: نَعَمْ يَا أَبَا الْقَاسِمِ، قَالَ: «هَلْ جَعَلْتُمْ فِي هَذِهِ الشَّاةِ سُمًّا؟» فَقَالُوا: نَعَمْ، قَالَ: «فَمَا حَمَلَكُمْ عَلَى ذَلِكَ؟» فَقَالُوا: أَرَدْنَا إِنْ كُنْتَ كَاذِبًا أَنْ نَسْتَرِيحَ مِنْكَ، وَإِنْ كُنْتَ نَبِيًّا لَمْ يَضُرَّكَ[436]. وَرَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ وَالْبُخَارِيُّ وَالنَّسَائِيُّ بِنَحْوِهِ[437]. [436] (دلائل النبوة 4/256) [437] (أحمد 2/451، وفتح الباري 6/314، والنسائي في الكبرى 6/413) {بَلَى مَنْ كَسَبَ سَيّئَةً وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ *وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} يَقُولُ تَعَالَى: لَيْسَ الْأَمْرُ كَمَا تَمَنَّيتُمْ وَلاَ كَمَا تَشْتَهُونَ، بَلِ الْأَمْرُ أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ سَيِّئَةً، وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ، وَهُوَ مَنْ وَافَى يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَيْسَتْ لَهُ حَسَنَةٌ، بَلْ جَمِيعُ أَعْمَالِهِ سَيِّئَاتٌ، فَهَذَا مِنْ أَهْلِ النَّارِ، {وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ} أَيْ آمَنُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ، وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ، مِنَ الْعَمَلِ الْمُوَافِقِ لِلشَّرِيعَةِ، فَهُمْ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ، وَهَذَا الْمَقَامُ شَبِيهٌ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: {لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلاَ أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ وَلاَ يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلاَ نَصِيرًا *وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلاَ يُظْلَمُونَ نَقِيرًا} [النساء: 123، 124] وَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ وَأَبُو وَائِلٍ وَعَطَاءٌ وَالْحَسَنُ: {وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ} قَالَ: أَحَاطَ بِهِ شِرْكُهُ[438]. وَقَالَ الْأَعْمَشُ عَنْ أَبِي رَزِينٍ عَنِ الرَّبِيعِ بْنِ خُثَيمٍ {وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ} قَالَ: الَّذِي يَمُوتُ عَلَى خَطَايَاهُ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتُوبَ[439]. وَعَنِ السُّدِّيِّ وَأَبِي رَزِينٍ نَحْوُهُ[440]. وَقَالَ أَبُو الْعَالِيَةِ وَمُجَاهِدٌ وَالْحَسَنُ فِي رِوَايَةٍ عَنْهُمَا، وَقَتَادَةُ وَالرَّبِيعُ بْنُ أَنَسٍ: {وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ} الْمُوجِبَةُ الْكَبِيرَةُ[441]. وَكُلُّ هَذِهِ الْأَقْوَالِ مُتَقَارِبَةٌ فِي الْمَعْنَى، وَاللهُ أَعْلَمُ. [438] (ابن أبي حاتم 1/252) [439] (ابن أبي حاتم 1/252) [440] (ابن أبي حاتم 1/253) [441] (ابن أبي حاتم 1/253) [مُحَقَّرَاتُ الذُّنُوبِ إِذَا اجْتَمَعْنَ يُهْلِكْنَ] وَيُذْكَرُ هَهُنَا الْحَدِيثُ الَّذِي رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ عَنْ عَبْدِ اللهِ ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «إِيَّاكُمْ وَمُحَقَّرَاتِ الذُّنُوبِ فَإِنَّهُنَّ يَجْتَمِعْنَ عَلَى الرَّجُلِ حَتَّى يُهْلِكْنَهُ» وَإِنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ ضَرَبَ لَهُمْ مَثَلاً «كَمَثَلِ قَوْم نَزَلُوا بِأَرْضِ فَلاَةٍ، فَحَضَرَ صَنِيعُ الْقَوْمِ، فَجَعَلَ الرَّجُلُ يَنْطَلِقُ فَيَجِيءُ بِالْعُودِ، وَالرَّجُلُ يَجِيءُ بِالْعُودِ، حَتَّى جَمَعُوا سَوَادًا، وَأَجَّجُوا نَارًا فَأَنْضَجُوا مَا قَذَفُوا فِيهَا»[442]. وَرَوَى مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: {وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} أَيْ مَنْ آمَنَ بِمَا كَفَرْتُمْ وَعَمِلَ بِمَا تَرَكْتُمْ مِنْ دِينِهِ، فَلَهُمُ الْجَنَّةُ {خَالِدِينَ فِيهَا}، يُخْبِرُهُمْ: أَنَّ الثَّوَابَ بِالْخَيْرِ وَالشَّرِّ مُقِيمٌ عَلَى أَهْلِهِ أَبَدًا لاَ انْقِطَاعَ لَهُ[443]. [442] (أحمد 1/402) [443] (ابن أبي حاتم 1/254 إسناده ضعيف لتدليس ابن إسحاق وجهالة محمد بن أبي محمد) {وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لاَ تَعْبُدُونَ إِلاَّ اللَّهَ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً وَذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْناً وَأَقِيمُوا الصَّلاَةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ إِلاَّ قَلِيلاً مِنْكُمْ وَأَنْتُمْ مُعْرِضُونَ} [مِيثَاقُ بَنِي إِسْرَائِيلَ] يُذَكِّرُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى بَنِي إِسْرَائِيلَ بِمَا أَمَرَهُمْ بِهِ مِنَ الْأَوَامِرِ، وَأَخْذِهِ مِيثَاقَهُمْ عَلَى ذَلِكَ، وَأَنَّهُمْ تَوَلَّوْا عَنْ ذَلِكَ كُلِّهِ، وَأَعْرَضُوا قَصْدًا وَعَمْدًا، وَهُمْ يَعْرِفُونَهُ، وَيَذْكُرُونَهُ، فَأَمَرَهُمْ تَعَالَى أَنْ يَعْبُدُوهُ وَلاَ يُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا، وَبِهَذَا أَمَرَ جَمِيعَ خَلْقِهِ، وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلاَّ نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ أَنَا فَاعْبُدُونِ} [الأنبياء: 25] وَقَالَ تَعَالَى: {وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ} [النحل: 36] وَهَذَا هُوَ أَعْلَى الْحُقُوقِ وَأَعْظَمُهَا، وَهُوَ حَقُّ اللهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى أَنْ يُعْبَدَ وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ. ثُمَّ بَعْدَهُ حَقُّ الْمَخْلُوقِينَ، وَآكَدُهُمْ وَأَوْلاَهُمْ بِذَلِكَ حَقُّ الْوَالِدَيْنِ، وَلِهَذَا يَقْرِنُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى بَيْنَ حَقِّهِ وَحَقِّ الْوَالِدَيْنِ كَمَا قَالَ تَعَالَى: {أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ} [لقمان: 14] وَقَالَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: {وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً} إِلَى أَنْ قَالَ {وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ} [الإسراء:23-26] وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ أَيُّ الْعَمَلِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: «الصَّلاَةُ عَلَى وَقْتِهَا» قُلْتُ: ثُمَّ أَيٌّ؟ قَالَ: «بِرُّ الْوَالِدَيْنِ» قُلْتُ: ثُمَّ أَيٌّ؟ قَالَ: «الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللهِ»[444]. [444] (فتح الباري 6/5، ومسلم 1/89) قَالَ: {وَالْيَتَامَى} وَهُمُ الصِّغَارُ الَّذِينَ لاَ كَاسِبَ لَهُمْ مِنَ الاْبَاءِ، {وَالْمَسَاكِينِ} الَّذِينَ لاَ يَجِدُونَ مَا يُنْفِقُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَأَهْلِيهِمْ، وَسَيَأْتِي الْكَلاَمُ عَلَى هَذِهِ الْأَصْنَافِ عِنْدَ آيَةِ النِّسَاءِ الَّتِي أَمَرَنَا اللهُ تَعَالَى بِهَا صَرِيحًا فِي قَوْلِهِ: {وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلاَ تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً}... الْآيَةَ [النساء: 36]. وَقَوْلُهُ تَعَالَى: {وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْناً} أَيْ كَلِّمُوهُمْ طَيِّبًا، وَلَيِّنُوا لَهُمْ جَانِبًا، وَيَدْخُلُ فِي ذَلِكَ الْأَمْرُ بِالْمَعْرُوفِ، وَالنَّهْيُ عَنِ الْمُنْكَرِ بِالْمَعْرُوفِ، كَمَا قَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْناً} : فَالْحَسَنُ مِنَ الْقَوْلِ: يَأْمُرُ بِالْمَعْرُوفِ، وَيَنْهَى عَنِ الْمُنْكَرِ، وَيَحْلُمُ وَيَعْفُو وَيَصْفَحُ، وَيَقُولُ لِلنَّاسِ حُسْنًا، كَمَا قَالَ اللهُ، وَهُوَ كُلُّ خُلُقٍ حَسَنٍ رَضِيَهُ اللهُ[445]. وَرَوَى الْإِمَامُ أَحْمَدُ عَنْ أَبِي ذَرٍّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «لاَ تَحْقِرَنَّ مِنَ الْمَعْرُوفِ شَيْئًا، وَإِنْ لَمْ تَجِدْ فَالْقَ أَخَاكَ بِوَجْهٍ مُنْطَلِقٍ». وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَصَحَّحَهُ[446]. [445] (ابن أبي حاتم 1/258) [446] (أحمد 5/173، ومسلم 4/2026، وتحفة الأحوذي 5/562) وَنَاسَبَ أَنْ يَأْمُرَهُمْ بِأَنْ يَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا بَعْدَ مَا أَمَرَهُمْ بِالْإِحْسَانِ إِلَيْهِمْ بِالْفِعْلِ، فَجَمَعَ بَيْنَ طَرَفَيِ الْإِحْسَانِ الْفِعْلِيِّ وَالْقَوْلِيِّ. ثُمَّ أَكَّدَ الْأَمْرَ بِعِبَادَتِهِ وَالْإِحْسَانِ إِلَى النَّاسِ بِالْمُتَعَيَّنِ مِنْ ذَلِكَ وَهُوَ الصَّلاَةُ وَالزَّكَاةُ، فَقَالَ: {وَأَقِيمُوا الصَّلاَةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ}. وَأَخْبَرَ أَنَّهُمْ تَوَلَّوْا عَنْ ذَلِكَ كُلِّهِ، أَيْ تَرَكُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ، وَأَعْرَضُوا عَنْهُ عَلَى عَمْدٍ بَعْدَ الْعِلْمِ بِهِ إِلاَّ الْقَلِيلَ مِنْهُمْ، وَقَدْ أَمَرَ اللهُ هَذِهِ الْأُمَّةَ بِنَظِيرِ ذَلِكَ فِي سُورَةِ النِّسَاءِ بِقَوْلِهِ {وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلاَ تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لاَ يُحِبُّ مَنْ كَانَ مُخْتَالاً فَخُورًا} [النساء: 36] فَقَامَتْ هَذِهِ الْأُمَّةُ مِنْ ذَلِكَ بِمَا لَمْ تَقُمْ بِهِ أُمَّةٌ مِنَ الْأُمَمِ قَبْلَهَا، وَللهِ الْحَمْدُ وَالْمِنَّـةُ. {وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ لاَ تَسْفِكُونَ دِمَاءَكُمْ وَلاَ تُخْرِجُونَ أَنْفُسَكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ *ثُمَّ أَنْتُمْ هَؤُلاَءِ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ وَتُخْرِجُونَ فَرِيقًا مِنْكُمْ مِنْ دِيَارِهِمْ تَظَاهَرُونَ عَلَيْهِمْ بِالإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَإِنْ يَأْتُوكُمْ أُسَارَى تُفَادُوهُمْ وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ إِخْرَاجُهُمْ أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ إِلاَّ خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ *أُوْلَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالآخِرَةِ فَلاَ يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلاَ هُمْ يُنْصَرُونَ} [بُنُودُ الْمِيثَاقِ، وَنَقْضُهُمْ لَهُ] يَقُولُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى مُنْـكِرًا عَلَى الْيَهُودِ الَّذِينَ كَانُوا فِي زَمَانِ رَسُولِ اللهِ ﷺ بِالْمَدِينَةِ، وَمَا كَانُوا يُعَانُونَهُ مِنَ الْقِتَالِ مَعَ الْأَوْسِ وَالْخَزْرَجِ، وَذَلِكَ أَنَّ الْأَوْسَ وَالْخَزْرَجَ، وَهُمُ الْأَنْصَارُ، كَانُوا فِي الْجَاهِلِيَّةِ عُبَّادَ أَصْنَامٍ، وَكَانَتْ بَيْنَهُمْ حُرُوبٌ كَثِيرَةٌ، وَكَانَتْ يَهُودُ الْمَدِينَةِ ثَلاَثَ قَبَائِلَ: بَنُو قَيْنُقَاعٍ. وَبَنُو النَّضِيرِ: حُلَفَاءُ الْخَزْرَجِ. وَبَنُو قُرَيْظَةَ: حُلَفَاءُ الْأَوْسِ. فَكَانَتِ الْحَرْبُ إِذَا نَشِبَتْ بَيْنَهُمْ، قَاتَلَ كُلُّ فَرِيقٍ مَعَ حُلَفَائِهِ، فَيَقْتُلُ الْيَهُودِيُّ أَعْدَاءَهُ، وَقَدْ يَقْتُلُ الْيَهُودِيُّ الاْخَرَ - مِنَ الْفَرِيقِ الاْخَرِ - وَذَلِكَ حَرَامٌ عَلَيْهِمْ فِي دِينِهِمْ وَنَصِّ كِتَابِهِمْ، وَيُخْرِجُونَهُمْ مِنْ بُيُوتِهِمْ، وَيَنْتَهِبُونَ مَا فِيهَا مِنَ الْأَثَاثِ وَالْأَمْتِعَةِ وَالْأَمْوَالِ، ثُمَّ إِذَا وَضَعَتِ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا اِسْتَفَكُّوا الْأُسَارَى مِنَ الْفَرِيقِ الْمَغْلُوبِ - عَمَلاً بِحُكْمِ التَّوْرَاةِ - وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى: {أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ} وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى: {وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ لاَ تَسْفِكُونَ دِمَاءَكُمْ وَلاَ تُخْرِجُونَ أَنْفُسَكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ} أَيْ لاَ يَقْتُلُ بَعْضُكُمْ بَعْضًا، وَلاَ يُخْرِجُهُ مِنْ مَنْزِلِهِ، وَلاَ يُظَاهِرُ عَلَيْهِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: {فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بَارِئِكُمْ} وَذَلِكَ أَنَّ أَهْلَ الْمِلَّةِ الْوَاحِدَةِ بِمَنْزِلَةِ النَّفْسِ الْوَاحِدَةِ، كَمَا قَالَ عَلَيْهِ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ: «مَثَلُ الْمُؤْمِنِينَ فِي تَوَادِّهِمْ وَتَرَاحُمِهِمْ وَتَوَاصُلِهِمْ بِمَنْزِلَةِ الْجَسَدِ الْوَاحِدِ، إِذَا اشْتَكَى مِنْهُ عُضْوٌ تَدَاعَى لَهُ سَائِرُ الْجَسَدِ بِالْحُمّْى وَالسَّهَرِ[447] [447] (مسلم 4/1999)» وَقَوْلُهُ تَعَالَى: {ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ} أَيْ ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ بِمَعْرِفَةِ هَذَا الْمِيثَاقِ وَصِحَّتِهِ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ بِهِ {ثُمَّ أَنْتُمْ هَؤُلاَءِ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ وَتُخْرِجُونَ فَرِيقًا مِنْكُمْ مِنْ دِيَارِهِمْ}... الْآيَةَ، رَوَى مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ بْنِ يَسَارٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: {ثُمَّ أَنْتُمْ هَؤُلاَءِ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ وَتُخْرِجُونَ فَرِيقًا مِنْكُمْ مِنْ دِيَارِهِمْ}... الْآيَةَ[448]. قَالَ: أَنْبَأَهُمُ اللهُ بِذَلِكَ مِنْ فِعْلِهِمْ، وَقَدْ حَرَّمَ عَلَيْهِمْ فِي التَّوْرَاةِ سَفْكَ دِمَائِهِمْ، وَافْتَرَضَ عَلَيْهِمْ فِيهَا فِدَاءَ أَسْرَاهُمْ، فَكَانُوا فَرِيقَيْنِ: طَائِفَةٌ مِنْهُمْ بَنُو قَيْنُقَاعٍ، وَهُمْ حُلَفَاءُ الْخَزْرَجِ. وَالنَّضِيرُ، وَقُرَيْـظَةُ، وَهُمْ حُلَـفَاءُ الْأَوْسِ. فَكَانُوا إِذَا كَانَتْ بَيْنَ الْأَوْسِ وَالْخَزْرَجِ حَرْبٌ خَرَجَتْ بَنُو قَيْنُقَاعٍ مَعَ الْخَزْرَجِ، وَخَرَجَتِ النَّضِيرُ وَقُرَيْظَةُ مَعَ الْأَوْسِ، يُظَاهِرُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنَ الْفَرِيقَيْنِ حُلَفَاءَهُ عَلَى إِخْوَانِهِ، حَتَّى تَسَافَكُوا دِمَاءَهُمْ بَيْنَهُمْ، وَبِأَيدِيهِمُ التَّوْرَاةُ يَعْرِفُونَ فِيهَا مَا عَلَيْهِمْ وَمَا لَهُمْ، وَالْأَوْسُ وَالْخَزْرَجُ أَهْلُ شِرْكٍ يَعْبُدُونَ الْأَوْثَانَ، وَلاَ يَعْرِفُونَ جَنَّةً وَلاَ نَارًا وَلاَ بَعْثًا وَلاَ قِيَامَةً، وَلاَ كِتَابًا، وَلاَ حَلاَلاً وَلاَ حَرَامًا، فَإِذَا وَضَعَتِ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا، اِفْتَدَوْا أَسْرَاهُمْ، تَصْدِيقًا لِمَا فِي التَّوْرَاةِ وَأَخْذًا بِهِ، بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ، يَفْتَدِي بَنُو قَيْنُقَاعٍ مَا كَانَ مِنْ أَسْرَاهُمْ فِي أَيْدِي الْأَوْسِ، وَيَفْتَدِي النَّضِيرُ وَقُرَيْظَةُ مَا كَانَ فِي أَيْدِي الْخَزْرَجِ مِنْهُمْ، وَيَطْلُبُونَ مَا أَصَابُوا مِنْ دِمَائِهِمْ، وَقَتَلُوا مَنْ قَتَلُوا مِنْهُمْ فِيمَا بَيْنَهُمْ مُظَاهَرَةً لِأَهْلِ الشِّرْكِ عَلَيْهِمْ، يَقُولُ اللهُ - تَعَالَى ذِكْرُهُ - حَيْثُ أَنْبَأَهُمْ بِذَلِكَ: {أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ} أَيْ تُفَادُونَهُمْ بِحُكْمِ التَّوْرَاةِ، وَتَقْتُلُونَهُمْ، وَفِي حُكْمِ التَّوْرَاةِ: أَنْ لاَ يُقْتَلَ وَلاَ يُخْرَجَ مِنْ دَارِهِ، وَلاَ يُظَاهَرَ عَلَيْهِ مَنْ يُشْرِكُ بِاللهِ وَيَعْبُدُ الْأَوْثَانَ مِنْ دُونِهِ، اِبْتِغَاءَ عَرَضِ الدُّنْيَا؟ فَفِي ذَلِكَ مِنْ فِعْلِهِمْ مَعَ الْأَوْسِ وَالْخَزْرَجِ - فِيمَا بَلَغَنِي - نَزَلَتْ هَذِهِ الْقِصَّةُ. [448] (ابن أبي حاتم 1/261 إسناده ضعيف لتدليس ابن إسحاق وجهالة شيخه) وَالَّذِي أَرْشَدَتْ إِلَيْهِ الآيَةُ الْكَرِيمَةُ، وَهَذَا السِّيَاقُ: ذَمُّ الْيَهُودِ فِي قِيَامِهِمْ بِأَمْرِ التَّوْرَاةِ الَّتِي يَعْتَقِدُونَ صِحَّتَهَا، وَمُخَالَفَةِ شَرْعِهَا، مَعَ مَعْرِفَتِهِمْ بِذَلِكَ وَشَهَادَتِهِمْ لَهُ بِالصِّحَّةِ، فَلِهَذَا لاَ يُؤْتَمَنُونَ عَلَى مَا فِيهَا وَلاَ عَلَى نَقْلِهَا، وَلاَ يُصَدَّقُونَ فِيمَا كَتَمُوهُ مِنْ صِفَةِ رَسُولِ اللهِ ﷺ وَنَعْتِهِ وَمَبْعَثِهِ، وَمُخْرَجِهِ وَمُهَاجَرِهِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ شُؤُونِهِ الَّتِي أَخْبَرَتْ بِهَا الْأَنْبِيَاءُ قَبْلَهُ عَلَيْهِمُ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ، وَالْيَهُودُ عَلَيْهِمْ لَعَائِنُ اللهِ يَتَكَاتَمُونَهُ بَيْنَهُمْ، وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى: {فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ إِلاَّ خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا} أَيْ بِسَبَبِ مُخَالَفَتِهِمْ شَرْعَ اللهِ وَأَمْرَهُ {وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ} [85] جَزَاءً عَلَى مُخَالَفَتِهِمْ كِتَابَ اللهِ الَّذِي بِأَيْدِيهِمْ { وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ *أُوْلَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالآخِرَةِ} أَيْ اِسْتَحَبُّوها عَلَى الاْخِرَةِ َواخْتَارُوهَا {فَلاَ يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ} أَيْ لاَ يُفَتَّرُ عَنْهُمْ سَاعَةً وَاحِدَةً {وَلاَ هُمْ يُنْصَرُونَ} أَيْ وَلَيْسَ لَهُمْ نَاصِرٌ يُنْقِذُهُمْ مِمَّا هُمْ فِيهِ مِنَ الْعَذَابِ الدَّائِمِ السَّرْمَدِيِّ، وَلاَ يُجِيرُهُمْ مِنْهُ. {وَلَقَدۡ ءَاتَيۡنَا مُوسَى ٱلۡكِتَٰبَ وَقَفَّيۡنَا مِنۢ بَعۡدِهِۦ بِٱلرُّسُلِۖ وَءَاتَيۡنَا عِيسَى ٱبۡنَ مَرۡيَمَ ٱلۡبَيِّنَٰتِ وَأَيَّدۡنَٰهُ بِرُوحِ ٱلۡقُدُسِۗ أَفَكُلَّمَا جَآءَكُمۡ رَسُولُۢ بِمَا لَا تَهۡوَىٰٓ أَنفُسُكُمُ ٱسۡتَكۡبَرۡتُمۡ فَفَرِيقٗا كَذَّبۡتُمۡ وَفَرِيقٗا تَقۡتُلُونَ} [اِسْتِكْبَارُ الْيَهُودِ وَتَكْذِيبُهُمُ الْأَنْبِيَاءَ وَقَتْلُهُمْ إِيَّاهُمْ] يَنْعَتُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى بَنِي إِسْرَائِيلَ بِالْعُتُوِّ وَالْعِنَادِ وَالْمُخَالَفَةِ وَالاِسْتِكْبَارِ عَلَى الْأَنْبِيَاءِ، وَأَنَّهُمْ إِنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ، فَذَكَرَ تَعَالَى أَنَّهُ آتَى مُوسَى الْكِتَابَ وَهُوَ التَّوْرَاةُ، فَحَرَّفُوهَا وَبَدَّلُوهَا، وَخَالَفُوا أَوَامِرَهَا وَأَوَّلُوهَا، وَأَرْسَلَ الرُّسُلَ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ الَّذِينَ يَحْكُمُونَ بِشَرِيعَتِهِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: {إِنَّا أَنزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُواْ لِلَّذِينَ هَادُواْ وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُواْ مِن كِتَابِ اللّهِ وَكَانُواْ عَلَيْهِ شُهَدَاء}الْآيَةَ [المائدة: 44]. وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى: {وَقَفَّيْنَا مِنْ بَعْدِهِ بِالرُّسُلِ} قَالَ السُّدِّيُّ عَنْ أَبِي مَالِكٍ: أَتْبَعْنَا[449]. وَقَالَ غَيْرُهُ: أَرْدَفْنَا. وَالْكُلُّ قَرِيبٌ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: {ثُمَّ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا تَتْرَا} [المؤمنون: 44]. [449] (ابن أبي حاتم 1/268) حَتَّى خَتَمَ أَنْبِيَاءَ بَنِي إِسْرَائِيلَ بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ، فَجَاءَ بِمُخَالَفَةِ التَّوْرَاةِ فِي بَعْضِ الْأَحْكَامِ، وَلِهَذَا أَعْطَاهُ اللهُ مِنَ الْبَـيِّـنَاتِ، وَهِيَ الْمُعْجِزَاتُ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: مِنْ إِحْيَاءِ الْمَوْتَى، وَخَلْقِهِ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَيَنْفُخُ فِيهَا فَتَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللهِ، وَإِبْرَاءِ الْأَسْقَامِ، وَإِخْبَارِهِ بِالْغُيُوبِ[450]، وَتَأْيِيدِهِ بِرُوحِ الْقُدُسِ، وَهُوَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلاَمُ - مَا يَدُلُّهُمْ عَلَى صِدْقِهِ فِيمَا جَاءَهُمْ بِهِ. فَاشْتَدَّ تَكْذِيبُ بَنِي إِسْرَائِيلَ لَهُ، وَحَسَدُهُمْ وَعِنَادُهُمْ لِمُخَالَفَةِ التَّوْرَاةِ فِي الْبَعْضِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى إِخْبَارًا عَنْ عِيسَى: {وَلأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ وَجِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ}... الْآيَةَ [آل عمران:50]، فَكَانَتْ بَنُو إِسْرَائِيلَ تُعَامِلُ الْأَنْبِيَاءَ أَسْوَأَ الْمُعَامَلَةِ، فَفَرِيقًا يُكَذِّبُونَهُ، وَفَرِيقًا يَقْتُلُونَهُ، وَمَا ذَاكَ إِلاَّ لِأَنَّهُمْ يَأْتُونَهُمْ بِالْأُمُورِ الْمُخَالِفَةِ لِأَهْوَائِهِمْ وَآرَائِهِمْ، وَبِالإِلْزَامِ بِأَحْكَامِ التَّوْرَاةِ الَّتِي قَدْ تَصَرَّفُوا فِي مُخَالَفَتِهَا، فَلِهَذَا كَانَ ذَلِكَ يَشُقُّ عَلَيْهِمْ، فَكَذَّبُوهُمْ، وَرُبَّمَا قَتَلُوا بَعْضَهُمْ، وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى: {أَفَكُلَّمَا جَاءَكُمْ رَسُولٌ بِمَا لاَ تَهْوَى أَنْفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقًا تَقْتُلُونَ}. [450] (ابن أبي حاتم 1/268 إسناده ضعيف لجهالة محمد بن أبي محمد) [رُوحُ الْقُدُسِ هُوَ جِبْرِيلُ] وَالدَّلِيلُ عَلَى أَنَّ رُوحَ الْقُدُسِ هُوَ جِبْرِيلُ - كَمَا نَصَّ عَلَيْهِ ابْنُ مَسْعُودٍ فِي تَفْسِيرِ هَذِهِ الْآيَةِ[451]، وَتَابَعَهُ عَلَى ذَلِكَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَمُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ وَإِسْمَاعِيلُ بْنُ خَالِدٍ وَالسُّدِّيُّ وَالرَّبِيعُ بْنُ أَنَسٍ وَعَطِيَّةُ الْعَوْفِيُّ وَقَتَادَةُ[452] مَعَ قَوْلِهِ تَعَالَى: {نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأَمِينُ *عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ} [الشعراء: 193، 194] -: مَا رَوَى الْبُخَارِيُّ عَنْ عَائِشَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ، وَضَعَ لِحَسَّانَ بْنِ ثَابِتٍ مِنْبَرًا فِي الْمَسْجِدِ، فَكَانَ يُنَافِحُ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «اللَّهُمَّ أَيِّدْ حَسَّانَ بِرُوحِ الْقُدُسِ كَمَا نَافَحَ عَنْ نَبِيِّكَ»[453]. وَقَدْ رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ فِي سُنَنِهِ[454] وَالتِّرْمِذِيُّ[455]، وَقَالَ: حَسَنٌ صَحِيحٌ. وَفِي صَحِيحِ ابْنِ حِبَّانَ[456]، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «إِنَّ رُوحَ الْقُدُسِ نَفَثَ فِي رُوعِي أَنَّهُ لَنْ تَمُوتَ نَفْسٌ حَتَّى تَسْتَكْمِلَ رِزْقَهَا وَأَجَلَهَا. فَاتَّقُوا اللهَ وَأَجْمِلُوا فِي الطَّلَبِ»[457]. [451] (ابن أبي حاتم 1/269) [452] (ابن أبي حاتم 1/270) [453] (فتح الباري 10/562) [454] (أبو داود 5/279) [455] (تحفة الأحوذي 8/137) [456] (لم يروه ابن حبان عن ابن مسعود كما ظن المصنف بل هو عند ابن حبان من حديث جابر بمعناه) [457] (السنة 14/304) [اِسْتِمْرَارُ الْيَهُودِ فِي مُحَاوَلَةِ قَتْلِ الْأَنْبِيَاءِ] وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقًا تَقْتُلُونَ} إِنَّمَا لَمْ يَقُلْ: وَفَرِيقًا قَتَلْتُمْ، لِأَنَّهُ أَرَادَ بِذَلِكَ وَصْفَهُمْ فِي الْمُسْتَقْبَلِ أَيضًا، لِأَنَّهُمْ حَاوَلُوا قَتْلَ النَّبِيِّ ﷺ بِالسُّمِّ وَالسِّحْرِ، وَقَدْ قَالَ عَلَيْهِ السَّلاَمُ فِي مَرَضِ مَوْتِهِ: «مَا زَالَتْ أَكْلَةُ خَيْبَرَ تُعَاوِدُنِي فَهَذَا أَوَانُ انْقِطَاعِ أَبْهَرِي[458]. [458] (ابن عدي 3/1239)» (قُلْتُ): وَهَذَا الْحَدِيثُ فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ[459] وَغَيْرِهِ[460]. [459] (إنما رواه البخاري معلقاً فكان ينبغي تقييده) [460] (فتح الباري 7/737) {وَقَالُوا قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَلْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَقَلِيلاً مَا يُؤْمِنُونَ} رَوَى مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ {وَقَالُوا قُلُوبُنَا غُلْفٌ} أَيْ فِي أَكِنَّـةٍ[461]. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: {وَقَالُوا قُلُوبُنَا غُلْفٌ} [عَلَيْهَا] غِشَاوَةٌ[462] وَقَالَ عِكْرِمَةُ: عَلَيْهَا طَابِعٌ[463]. وَقَالَ أَبُو الْعَالِيَةِ: أَيْ لاَ تَفْقَهُ[464]. قَالَ مُجَاهِدٌ وَقَتَادَةُ: وَقَرَأَ ابْنُ عَبَّاسٍ (غُلُفٌ)، بِضَمِّ اللاَّمِ، وَهُوَ جَمْعُ غِلاَفٍ، أَيْ قُلُوبُنَا أَوْعِيَـةُ كُلِّ عِلْمٍ، فَلاَ نَحْتَاجُ إِلَى عِلْمِكَ[465]. قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ وَعَطَاءٌ {بَلْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ} أَيْ طَرَدَهُمُ اللهُ وَأَبْعَدَهُمْ مِنْ كُلِّ خَيْرٍ {فَقَلِيلاً مَا يُؤْمِنُونَ} قَالَ قَتَادَةُ: مَعْنَاهُ: لاَ يُؤمِنُ مِنْهُمْ إِلاَّ الْقَلِيلُ[466]. {وَقَالُوا قُلُوبُنَا غُلْفٌ} هُوَ كَقَوْلِهِ: {وَقَالُوا قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ} [فصلت: 5] وهذا الذي رجحه ابن جرير وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى: {بَلْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَقَلِيلاً مَا يُؤْمِنُونَ} أَيْ لَيْسَ الْأَمْرُ كَمَا ادَّعَوْا، بَلْ قُلُوبُهُمْ مَلْعُونَةٌ مَطْبُوعٌ عَلَيْهَا، كَمَا قَالَ فِي سُورَةِ النِّسَاءِ: {وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ فَلاَ يُؤْمِنُونَ إِلاَّ قَلِيلاً} [النساء: 155]. [461] (الطبري 2/326 إسناده ضعيف لضعف ابن حميد وسلمة بن الفضل وجهالة محمد بن أبي محمد) [462] (الطبري 2/326) [463] (ابن أبي حاتم 1/247) [464] (ابن أبي حاتم 1/273) [465] (القرطبي 2/25) [466] (ابن أبي حاتم 1/274) وَقَدِ اخْتَلَفُوا فِي مَعْنَى قَوْلِهِ: {فَقَلِيلاً مَا يُؤْمِنُونَ} وقَوْلِهِ: {فَلاَ يُؤْمِنُونَ إِلاَّ قَلِيلاً} [النساء: 155] فَقَالَ بَعْضُهُمْ: فَقَلِيلٌ مَنْ يُؤمِنُ مِنْهُمْ. وَقِيلَ: فَقَلِيلٌ إِيمَانُهُمْ. بِمَعْنَى أَنَّهُمْ يُؤْمِنُونَ بِمَا جَاءَهُمْ بِهِ مُوسَى مِنْ أَمْرِ الْمَعَادِ وَالثَّوَابِ وَالْعِقَابِ، وَلَكِنَّهُ إِيمَانٌ لاَ يَنْفَعُهُمْ، لِأَنَّهُ مَغْمُورٌ بِمَا كَفَرُوا بِهِ مِنَ الَّذِي جَاءَهُمْ بِهِ مُحَمَّدٌ ﷺ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: إِنَّمَا كَانُوا غَيْرَ مُؤمِنِينَ بِشَيْءٍ، وَإِنَّمَا قَالَ: فَقَلِيلاً مَا يُؤْمِنُونَ وَهُمْ بِالْجَمِيعِ كَافِرُونَ؟ كَمَا تَقُولُ الْعَرَبُ: قَلَّمَا رَأَيْتُ مِثْلَ هَذَا قَطُّ. تُرِيدُ: مَا رَأَيْتُ مِثْلَ هَذَا قَطُّ. {وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ} [كَانَتِ الْيَهُودُ تَنْتَظِرُ بِعْثَةَ النَّبِيِّ ﷺ فَلَمَّا بُعِثَ كَفَرُوا بِهِ] يَقُولُ تَعَالَى: {وَلَمَّا جَاءَهُمْ}، يَعْنِي الْيَهُودَ، {كِتَابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ} وَهُوَ الْقُرْآنُ الَّذِي أُنْزِلَ عَلَى مُحَمَّدٍ ﷺ {مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ} يَعْنِي مِنَ التَّوْرَاةِ. وَقَوْلُهُ: {وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا} أَيْ وَقَدْ كَانُوا مِنْ قَبْلِ مَجِيءِ هَذَا الرَّسُولِ بِهَذَا الْكِتَابِ يَسْتَنْصِرُونَ بِمَجِيئِهِ عَلَى أَعْدَائِهِمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ إِذَا قَاتَلُوهُمْ، يَقُولُونَ: إِنَّهُ سَيُبْعَثُ نَبِيٌّ فِي آخِرِ الزَّمَانِ نَقْتُلُكُمْ مَعَهُ قَتْلَ عَادٍ وَإِرَمَ. وَرَوَى مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّ يَهُودَ كَانُوا يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الْأَوْسِ وَالْخَزْرَجِ بِرَسُولِ اللهِ ﷺ قَبْلَ مَبْعَثِهِ، فَلَمَّا بَعَثَهُ اللهُ مِنَ الْعَرَبِ، كَفَرُوا بِهِ وَجَحَدُوا مَا كَانُوا يَقُولُونَ فِيهِ، فَقَالَ لَهُمْ مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ وَبِشْرُ بْنُ الْبَرَاءِ بْنِ مَعْرُورٍ أَخُو بَنِي سَلِمَةَ: يَا مَعْشَرَ يَهُودَ، اِتَّقُوا اللهَ وَأَسْلِمُوا، فَقَدْ كُنْتُمْ تَسْتَفْتِحُونَ عَلَيْنَا بِمُحَمَّدٍ ﷺ، وَنَحْنُ أَهْلُ شِرْكٍ، وَتُخْبِرُونَنَا بِأَنَّهُ مَبْعُوثٌ، وَتَصِفُونَهُ بِصِفَتِهِ، فَقَالَ سَلاَّمُ بْنُ مِشْكَمٍ أَخُو بَنِي النَّضِيرِ: مَا جَاءَنَا بِشَيْءٍ نَعْرِفُهُ، مَا هُوَ الَّذِي كُنَّا نَذْكُرُ لَكُمْ، فَأَنْزَلَ اللهُ فِي ذَلِكَ مِنْ قَوْلِهِمْ: {وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ}... الْآيَةَ[467]. وَقَالَ أَبُو الْعَالِيَةِ: كَانَتِ الْيَهُودُ تَسْتَنْصِرُ بِمُحَمَّدٍ ﷺ عَلَى مُشْرِكِي الْعَرَبِ، يَقُولُونَ: اَللَّهُمَّ ابْعَثْ هَذَا النَّبِيَّ الَّذِي نَجِدُهُ مَكْتُوبًا عِنْدَنَا حَتَّى نُعَذِّبَ الْمُشْرِكِينَ وَنَقْتُلَهُمْ. فَلَمَّا بَعَثَ اللهُ مُحَمَّدًا ﷺ، وَرَأَوْا أَنَّهُ مِنْ غَيْرِهِمْ، كَفَرُوا بِهِ، حَسَدًا لِلْعَرَبِ، وَهُمْ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ، فَقَالَ اللهُ تَعَالَى: {فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ} [468]. [467] (الطبري 2/333 إسناده ضعيف لجهالة محمد بن أبي محمد وضعف ابن حميد وسلمة بن الفضل) [468] (ابن أبي حاتم 1/276) {بِئْسَمَا اشْتَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ أَنْ يَكْفُرُوا بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ بَغْيًا أَنْ يُنَزِّلَ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ فَبَاءُوا بِغَضَبٍ عَلَى غَضَبٍ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ مُهِينٌ} قَالَ مُجَاهِدٌ: {بِئْسَمَا اشْتَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ} [البقرة: 90] يَهُودُ شَرَوُا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَكِتْمَانِ مَا جَاءَ بِهِ مُحَمَّدٌ ﷺ بِأَنْ يُبَيِّنُوهُ[469]. وَقَالَ السُّدِّيُّ: {بِئْسَمَا اشْتَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ} [البقرة: 90] يَقُولُ: بَاعُوا بِهِ أَنْفُسَهُمْ[470]. يَقُولُ: بِئْسَمَا اعْتَاضُوا لِأَنْفُسِهِمْ، فَرَضُوا بِهِ وَعَدَلُوا إِلَيْهِ مِنَ الْكُفْرِ بِمَا أَنْزَلَ اللهُ عَلَى مُحَمَّدٍ ﷺ عَنْ تَصْدِيقِهِ وَمُوَازَرَتِهِ وَنُصْرَتِهِ، وَإِنَّمَا حَمَلَهُمْ عَلَى ذَلِكَ الْبَغْيُ وَالْحَسَدُ وَالْكَرَاهِيَةُ {أَنْ يُنَزِّلَ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ} وَلاَ حَسَدَ أَعْظَمُ مِنْ هَذَا {فَبَاءُوا بِغَضَبٍ عَلَى غَضَبٍ} قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ فِي الْغَضَبِ عَلَى الْغَضَبِ: فَغَضَبٌ عَلَيْهِمْ فِيمَا كَانُوا ضَيَّعُوا مِنَ التَّوْرَاةِ وَهِيَ مَعَهُمْ، وَغَضَبٌ بِكُفْرِهِمْ بِهَذَا النَّبِيِّ الَّذِي بَعَثَ اللهُ إِلَيْهِمْ[471]. [469] (الطبري 2/340) [470] (ابن أبي حاتم 1/277) [471] (ابن أبي حاتم 1/279 شيخ ابن إسحاق مجهول) (قُلْتُ): وَمَعْنَى "بَـآءُوا" اسْتَوْجَبُوا وَاسْتَحَقُّوا وَاسْتَقَرُّوا بِغَضَبٍ عَلَى غَضَبٍ. وَقَالَ أَبُو الْعَالِيَـةِ: غَضِبَ اللهُ عَلَيْهِمْ بِكُفْرِهِمْ بِالْإِنْجِيلِ وَعِيسَى، ثُمَّ غَضِبَ اللهُ عَلَيْهِمْ بِكُفْرِهِمْ بِمُحَمَّدٍ ﷺ وَبِالْقُرْآنِ[472]. وَعَنْ عِكْرِمَةَ وَقَتَادَةَ مِثْلُهُ[473]. وَقَوْلُهُ تَعَالَى: {وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ مُهِينٌ} لَمَّا كَانَ ُكفْرُهُمْ سَبَبُهُ الْبَغْيُ وَالْحَسَدُ، وَمَنْشَأُ ذَلِكَ التَّكَبُّرُ، قُوبِلُوا بِالْإِهَانَةِ وَالصَّغَارِ فِي الدُّنْيَا وَالاْخِرَةِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: {إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ} [غافر:60] أَيْ صَاغِرِينَ حَقِيرِينَ ذَلِيلِينَ رَاغِمِينَ، وَقَدْ رَوَى الْإِمَامُ أَحْمَدُ عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، قَالَ: «يُحْشَرُ الْمُتَكَبِّرُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَمْثَالَ الذَّرِّ فِي صُوَرِ النَّاسِ، يَعْلُوهُمْ كُلُّ شَيْءٍ مِنَ الصَّغَارِ، حَتَّى يَدْخُلُوا سِجْنًا فِي جَهَنَّمَ يُقَالُ لَهُ: بُولَسُ، تَعْلُوهُمْ نَارُ الْأَنْيَارِ، يُسْقَوْنَ مِنْ طِينَةِ الْخَبَالِ: عُصَارَةِ أَهْلِ النَّارِ[474]. [472] (ابن أبي حاتم 1/278) [473] (ابن أبي حاتم 1/279) [474] (أحمد 2/179) {وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا نُؤْمِنُ بِمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا وَيَكْفُرُونَ بِمَا وَرَاءَهُ وَهُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقًا لِمَا مَعَهُمْ قُلْ فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِيَاءَ اللَّهِ مِنْ قَبْلُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ *وَلَقَدْ جَاءَكُمْ مُوسَى بِالْبَيِّنَاتِ ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَنْتُمْ ظَالِمُونَ} [اِدِّعَاءُ الْيَهُودِ الْإِيمَانَ مَعَ كُفْرِهِمْ بِالْحَقِّ] يَقُولُ تَعَالَى: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ} أَيْ لِلْيَهُودِ وَأَمْثَالِهِمْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ {آمِنُوا بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ} عَلَى مُحَمَّدٍ ﷺ، وَصَدِّقُوهُ وَاتَّبِعُوهُ {قَالُوا نُؤْمِنُ بِمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا} أَيْ يَكْفِينَا الْإِيمَانُ بِمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا مِنَ التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ، وَلاَ نُقِرُّ إِلاَّ بِذَلِكَ {وَيَكْفُرُونَ بِمَا وَرَاءَهُ} يَعْنِي بِمَا بَعْدَهُ {وَهُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقًا لِمَا مَعَهُمْ} أَيْ وَهُمْ يَعْلَمُونَ أَنَّ مَا أُنْزِلَ عَلَى مُحَمَّدٍ ﷺ الحق {مُصَدِّقًا لِمَا مَعَهُمْ} مَنْصُوبًا عَلَى الْحَالِ، أَيْ فِي حَالِ تَصْدِيقِهِ لِمَا مَعَهُمْ مِنَ التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ، فَالْحُجَّةُ قَائِمَةٌ عَلَيْهِمْ بِذَلِكَ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: {الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ} [البقرة:146] ثُمَّ قَالَ تَعَالَى: {فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِيَاءَ اللَّهِ مِنْ قَبْلُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ} أَيْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ فِي دَعْوَاكُمُ الْإِيمَانَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ، فَلِمَ قَتَلْتُمُ الْأَنْبِيَاءَ الَّذِينَ جَاءُوكُمْ بِتَصْدِيقِ التَّوْرَاةِ الَّتِي بِأَيْدِيكُمْ وَالْحُكْمِ بِهَا وَعَدَمِ نَسْخِهَا، وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ صِدْقَهُمْ؟ قَتَلْتُمُوهُمْ بَغْيًا وَعِنَادًا وَاسْتِكْبَارًا عَلَى رُسُلِ اللهِ، فَلَسْتُمْ تَتَّبِعُونَ إِلاَّ مُجَرَّدَ الْأَهْوَاءِ وَالآْرَاءِ وَالتَّشَهِّي، كَمَا قَالَ تَعَالَى: {أَفَكُلَّمَا جَاءَكُمْ رَسُولٌ بِمَا لاَ تَهْوَى أَنْفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقًا تَقْتُلُونَ} وَقَالَ السُّدِّيُّ: فِي هذِهِ الْآيَةِ يُعَيِّرُهُمُ اللهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: {قُلْ فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِيَاءَ اللَّهِ مِنْ قَبْلُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ} [475]. [475] (ابن أبي حاتم 1/281) {وَلَقَدْ جَاءَكُمْ مُوسَى بِالْبَيِّنَاتِ} أَيْ بِالْآيَاتِ الْوَاضِحَاتِ وَالدَّلاَئِلِ الْقَاطِعَاتِ عَلَى أَنَّهُ رَسُولُ اللهِ، وَأَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ، وَالْآيَاتُ الْبَيِّنَاتُ هِيَ: الطُّوفَانُ وَالْجَرَادُ وَالْقُمَّلُ وَالضَّفَادِعُ، وَالدَّمُ، وَالْعَصَا، وَالْيَدُ، وَفَرْقُ الْبَحْرِ، وَتَظْلِيلُهُمْ بِالْغَمَامِ وَالْمَنُّ وَالسَّلْوَى، وَالْحَجَرُ، وَغَيْرُ ذَلِكَ مِنَ الْآيَاتِ الَّتِي شَاهَدُوهَا، { ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ} أَيْ مَعْبُودًا مِنْ دُونِ اللهِ فِي زَمَانِ مُوسَى وَأَيَّامِهِ، وَقَوْلُهُ: {مِنْ بَعْدِهِ} أَيْ مِنْ بَعْدِ مَا ذَهَبَ عَنْكُمْ إِلَى الطُّورِ لِمُنَاجَاةِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: {وَاتَّخَذَ قَوْمُ مُوسَى مِن بَعْدِهِ مِنْ حُلِيِّهِمْ عِجْلاً جَسَدًا لَّهُ خُوَارٌ} [الأعراف:148]، {وَأَنْتُمْ ظَالِمُونَ} أَيْ وَأَنْتُمْ ظَالِمُونَ فِي هَذَا الصَّنِيعِ الَّذِي صَنَعْتُمُوهُ مِنْ عِبَادَتِكُمُ الْعِجْلَ. وَاَنْتُمْ تَعْلَمُونَ: أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: {وَلَمَّا سُقِطَ فِي أَيْدِيهِمْ وَرَأَوْا أَنَّهُمْ قَدْ ضَلُّوا قَالُوا لَئِنْ لَمْ يَرْحَمْنَا رَبُّنَا وَيَغْفِرْ لَنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ} [الأعراف: 149]. {وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ وَاسْمَعُوا قَالُوا سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ بِكُفْرِهِمْ قُلْ بِئْسَمَا يَأْمُرُكُمْ بِهِ إِيمَانُكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ} [عِصْيَانُ الْيَهُودِ بَعْدَ أَخْذِ مِيثَاقِهِمْ وَرُؤْيَتِهِمُ الطُّورَ فَوْقَ رُؤُسِهِمْ] يُعَدِّدُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَلَيْهِمْ خَطَأَهُمْ، وَمُخَالَفَتَهُمْ لِلْمِيثَاقِ، وَعُتُوَّهُمْ وَإِعْرَاضَهُمْ عَنْهُ، حَتَّى رَفَعَ الطُّورَ عَلَيْهِمْ حَتَّى قَبِلُوهُ ثُمَّ خَالَفُوهُ، وَلِهَذَا {قَالُوا سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا} وَقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ ذَلِكَ {وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ بِكُفْرِهِمْ} قَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ قَتَادَةَ {وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ بِكُفْرِهِمْ} قَالَ: أُشْرِبُوا حُبَّهُ حَتَّى خَلَصَ ذَلِكَ إِلَى قُلُوبِهِمْ[476]. وَكَذَا قَالَ أَبُو الْعَالِيَةِ وَالرَّبِيعُ بْنُ أَنَسٍ[477]. وَقَوْلُهُ: {قُلْ بِئْسَمَا يَأْمُرُكُمْ بِهِ إِيمَانُكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ} أَيْ بِئْسَمَا تَعْتَمِدُونَهُ فِي قَدِيمِ الدَّهْرِ وَحَدِيثِهِ مِنْ كُفْرِكُمْ بِآيَاتِ اللهِ، وَمُخَالَفَتِكُمُ الْأَنْبِيَاءَ، ثُمَّ اعْتِمَادُكُمْ فِي كُفْرِكُمْ بِمُحَمَّدٍ ﷺ، وَهَذَا أَكْبَرُ ذُنُوبِكُمْ، وَأَشَدُّ الْأَمْرِ عَلَيْكُمْ، إِذْ كَفَرْتُمْ بِخَاتَمِ الرُّسُلِ وَسَيِّدِ الْأَنْبِيَاءِ وَالْمُرْسَلِينَ، الْمَبْعُوثِ إِلَى النَّاسِ أَجْمَعِينَ، فَكَيْفَ تَدَّعُونَ لِأَنْفُسِكُمُ الْإِيمَانَ، وَقَدْ فَعَلْتُمْ هَذِهِ الْأَفَاعِيلَ الْقَبِيحَةَ: مِنْ نَقْضِكُمُ الْمَوَاثِيقَ، وَكُفْرِكُمْ بِآيَاتِ اللهِ، وَعِبَادَتِكُمُ الْعِجْلَ مِنْ دُونِ اللهِ؟ [476] (عبدالرزاق 1/52) [477] (ابن أبي حاتم 1/283) {قُلْ إِنْ كَانَتْ لَكُمُ الْدَّارُ الآخِرَةُ عِنْدَ اللَّهِ خَالِصَةً مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ *وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ *وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَى حَيَاةٍ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ وَمَا هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ الْعَذَابِ أَنْ يُعَمَّرَ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ} [دَعْوَةُ الْيَهُودِ إِلَى الْمُبَاهَلَةِ] رَوَى مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا، يَقُولُ اللهُ تَعَالَى لِنَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ ﷺ: {قُلْ إِنْ كَانَتْ لَكُمُ الْدَّارُ الآخِرَةُ عِنْدَ اللَّهِ خَالِصَةً مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ} أَيِ اُدْعُوا بِالْمَوْتِ عَلَى أَيِّ الْفَرِيقَيْنِ أَكْذَبَ، فَأَبَوْا ذَلِكَ عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ [478]. {وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ} أَيْ بِعِلْمِهِمْ بِمَا عِنْدَهُمْ مِنَ الْعِلْمِ بِكَ وَالْكُفْرِ بِذَلِكَ، وَلَوْ تَمَنَّوْهُ يَوْمَ قَالَ لَهُمْ ذَلِكَ مَا بَقِيَ عَلَى الْأَرْضِ يَهُودِيٌّ إِلاَّ مَاتَ. وَقَالَ الضَّحَّاكُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: {فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ} فَسَلُوا الْمَوْتَ[479]. وَرَوَى عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنْ عِكْرِمَةَ قَوْلَهُ: {فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ} [البقرة: 94]. قَالَ: قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: لَوْ تَمَنَّى يَهُودُ الْمَوْتَ، لَمَاتُوا[480]. وَرَوَى ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: لَوْ تَمَـنَّـوُا الْمَوْتَ لَشَرِقَ أَحَدُهُمْ بِرِيقِهِ[481]. وَهَذِهِ أَسَانِيدُ صَحِيحَةٌ إِلَى ابْنِ عَبَّاسٍ. وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ فِي تَفْسِيرِهِ: وَبَلَغَنَا أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «لَوْ أَنَّ الْيَهُودَ تَمَنَّوُا الْمَوْتَ لَمَاتُوا، وَلَرَأَوْا مَقَاعِدَهُمْ مِنَ النَّارِ، وَلَوْ خَرَجَ الَّذِينَ يُبَاهِلُونَ رَسُولَ اللهِ ﷺ لَرَجَعُوا لاَ يَجِدُونَ أَهْلاً وَلاَ مَالاً»[482] [478] (ابن أبي حاتم 1/284ابن إسحاق مدلس وشيخه مجهول) [479] (الطبري 2/366 الضحاك لم يسمع من ابن عباس) [480] (ابن أبي حاتم 1/285) [481] (ابن أبي حاتم 1/284) [482] (الطبري 2/362) وَنَظِيرُ هَذِهِ الْآيَةِ قَوْلُهُ تَعَالَى فِي سُورَةِ الْجُمُعَةِ {قُلْ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ هَادُوا إِنْ زَعَمْتُمْ أَنَّكُمْ أَوْلِيَاءُ لِلَّهِ مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ *وَلاَ يَتَمَنَّوْنَهُ أَبَدًا بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ *قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلاَقِيكُمْ ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ} [الجمعة: 6-8] فَهُمْ عَلَيْهِمْ لَعَائِنُ اللهِ تَعَالَى، لَمَّا زَعَمُوا أَنَّهُمْ أَبْنَاءُ اللهِ وَأَحِبَّاؤُهُ، وَقَالُوا: لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّـةَ إِلاَّ مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى، دُعُوا إِلَى الْمُبَاهَلَةِ وَالدُّعَاءِ عَلَى أَكْذَبِ الطَّائِفَتَيْنِ: مِنْهُمْ أَوْ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، فَلَمَّا نَكَلُوا عَنْ ذَلِكَ، عَلِمَ كُلُّ أَحَدٍ أَنَّهُمْ ظَالِمُونَ. لِأَنَّهُمْ لَوْ كَانُوا جَازِمِينَ بِمَا هُمْ فِيهِ، لَكَانُوا أَقْدَمُوا عَلَى ذَلِكَ، فَلَمَّا تَأَخَّرُوا عُلِمَ كَذِبُهُمْ. وَهَذَا كَمَا دَعَا رَسُولُ اللهِ وَفْدَ نَجْرَانَ مِنَ النَّصَارَى بَعْدَ قِيَامِ الْحُجَّةِ عَلَيْهِمْ فِي الْمُنَاظَرَةِ، وَعُتُوِّهِمْ وَعِنَادِهِمْ، إِلَى الْمُبَاهَلَةِ، فَقَالَ: {فَمَنْ حَآجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَةَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ} [آل عمران: 61] فَلَمَّا رَأَوْا ذَلِكَ، قَالَ بَعْضُ الْقَوْمِ لِبَعْضٍ: وَاللهِ لَئِنْ بَاهَلْتُمْ هَذَا النَّبِيَّ لاَ يَبْقَى مِنْكُمْ عَيْنٌ تَطْرِفُ، فَعِنْدَ ذَلِكَ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ، وَبَذَلُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ، فَضَرَبَهَا عَلَيْهِمْ، وَبَعَثَ مَعَهُمْ أَبَا عُبَيْدَةَ بْنَ الْجَرَّاحِ أَمِينًا. وَمِثْلُ هَذَا الْمَعْنَى أَوْ قَرِيبٍ مِنْهُ قَوْلُ اللهِ تَعَالَى لِنَبِيِّهِ أَنْ يَقُولَ لِلْمُشْرِكِينَ: {قُلْ مَنْ كَانَ فِي الضَّلاَلَةِ فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمَانُ مَدًّا} [مريم: 75] أَيْ مَنْ كَانَ فِي الضَّلاَلَةِ مِنَّا وَمِنْكُمْ فَزَادَهُ اللهُ مِمَّا هُوَ فِيهِ، وَمَدَّ لَهُ، وَاسْتَدْرَجَهُ، كَمَا سَيَأْتِي تَقْرِيرُهُ فِي مَوْضِعِهِ، إِنْ شَاءَ اللهُ تَعَالَى، وَقَدْ فُسِّرَتِ الْآيَةُ بِتَمَنِّي الْمَوْتِ دُونَ التَّعَرُّضِ لِلْمُبَاهَلَةِ. وَالْأَوَّلُ أَوْلَى. وَسُمِّيَتْ هَذِهِ الْمُبَاهَلَةُ تَمَنِّـيًا، لِأَنَّ كُلَّ مُحِقٍّ يَوَدُّ لَوْ أَهْلَكَ اللهُ الْمُبْطِلَ الْمُنَاظِرَ لَهُ، وَلاَ سِيَّـمَا إِذَا كَانَ فِي ذَلِكَ حُجَّةٌ لَهُ فِي بَيَانِ حَقِّهِ وَظُهُورِهِ، وَكَانَتِ الْمُبَاهَلَةُ بِالْمَوْتِ، لِأَنَّ الْحَيَاةَ عِنْدَهُمْ عَزِيزَةٌ عَظِيمَةٌ لِمَا يَعْلَمُونَ مِنْ سُوءِ مَآلِهِمْ بَعْدَ الْمَوْتِ. [حِرْصُهُمْ عَلَى طُولِ الْعُمُرِ] وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى: {وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ *وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَى حَيَاةٍ} أَيْ عَلَى طُولِ الْعُمُرِ، لِمَا يَعْلَمُونَ مِنْ مَآلِهِمُ السَّيِّءِ، وَعَاقِبَتِهِمْ عِنْدَ اللهِ الْخَاسِرَةِ، لِأَنَّ الدُّنْيَا سِجْنُ الْمُؤْمِنِ، وَجَنَّةُ الْكَافِرِ، فَهُمْ يَوَدُّونَ لَوْ تَأَخَّرُوا عَنْ مَقَامِ الاْخِرَةِ بِكُلِّ مَا أَمْكَنَهُمْ، - وَمَا يُحَاذِرُونَ مِنْهُ وَاقِعٌ بِهِمْ لاَ مَحَالَةَ - حَتَّى وَ هُمْ أَحْرَصُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ الَّذِينَ لاَ كِتَابَ لَهُمْ. رَوَى ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ {وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا} قَالَ: الْأَعَاجِمُ[483]. وَكَذَا رَوَاهُ الْحَاكِمُ فِي مُسْتَدْرَكِهِ وَقَالَ: صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِهِمَا، وَلَمْ يُخْرِجَاهُ[484]. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: {يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ} قَالَ: حَبَّبَتْ إِلَيْهِمُ الْخَطِيئَةُ طُولَ الْعُمُرِ[485]. [483] (ابن أبي حاتم 1/286) [484] (الحاكم 2/263) [485] (ابن أبي حاتم 1/287) وَرَوَى مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ {وَمَا هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ الْعَذَابِ أَنْ يُعَمَّرَ} أَيْ وَمَا هُوَ بِمُنَجِّيهِ مِنَ الْعَذَابِ، وَذَلِكَ أَنَّ الْمُشْرِكَ لاَ يَرْجُو بَعْثًا بَعْدَ الْمَوْتِ، فَهُوَ يُحِبُّ طُولَ الْحَيَاةِ، وَأَنَّ الْيَهُودِيَّ قَدْ عَرَفَ مَا لَهُ فِي الاْخِرَةِ مِنَ الْخِزْيِ، بِمَا ضَيَّعَ مَا عِنْدَهُ مِنَ الْعِلْمِ[486]. وَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ: يَهُودُ أَحْرَصُ عَلَى الْحَيَاةِ مِنْ هَؤُلاَءِ، وَقَدْ وَدَّ هَؤُلاَءِ لَوْ يُعَمَّرُ أَحَدُهُمْ أَلْفَ سَنَةٍ، وَلَيْسَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ الْعَذَابِ لَوْ عُمِّرَ، كَمَا أَنَّ عُمُرَ إِبْلِيسَ لَمْ يَنْفَعْهُ إِذْ كَانَ كَافِرًا[487]. {وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ} أَيْ خَبِيرٌ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُ عِبَادُهُ مِنْ خَيْرٍ وَشَرٍّ، وَسَيُجَازِي كُلَّ عَامِلٍ بِعَمَلِهِ. [486] (ابن أبي حاتم 1/288 شيخ ابن إسحاق مجهول كما تقدم) [487] (الطبري 2/376) {قُلْ مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَهُدىً وَبُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ *مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلاَئِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَ} [عَدَاوَةُ الْيَهُودِ لِجِبْرِيلَ] قَالَ الْإِمَامُ أَبُو جَعْفَرِ بْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ رَحِمَهُ اللهُ: أَجْمَعَ أَهْلُ الْعِلْمِ بِالتَّأْوِيلِ جَمِيعًا أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ نَزَلَتْ جَوَابًا لِلْيَهُودِ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ، إِذْ زَعَمُوا أَنَّ جِبْرِيلَ عَدُوٌّ لَهُمْ، وَأَنَّ مِيكَائِيلَ وَلِيٌّ لَهُمْ[488]. قَالَ الْبُخَارِيُّ: قَوْلُهُ تَعَالَى: {مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ} قَالَ عِكْرِمَةُ: جِبْرُ وَمِيكُ وَإِسْرَافُ: عَبْدٌ. إِيلُ: اَللهُ، ثُمَّ رَوَى عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: سَمِعَ عَبْدُ اللهِ بْنُ سَلاَمٍ بِمَقْدَمِ رَسُولِ اللهِ ﷺ وَهُوَ فِي أَرْضٍ يَخْتَرِفُ، فَأَتَى النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ: إِنِّي سَائِلُكَ عَنْ ثَلاَثٍ لاَ يَعْلَمُهُنَّ إِلاَّ نَبِيٌّ: مَا أَوَّلُ أَشْرَاطِ السَّاعَةِ؟ وَمَا أَوَّلُ طَعَامِ أَهْلِ الْجَنَّةِ؟ وَمَا يَنْزِعُ الْوَلَدَ إِلَى أَبِيهِ أَوْ إِلَى أُمِّهِ؟ قَالَ: «أَخْبَرَنِي بِهِنَّ جِبْرِيلُ آنِفًا» قَالَ: جِبْرِيلُ؟ قَالَ: «نَعَمْ» قَالَ: ذَاكَ عَدُوُّ الْيَهُودِ مِنَ الْمَلاَئِكَةِ، فَقَرَأَ هَذِهِ الْآيَةَ: {مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ} «أَمَّا أَوَّلُ أَشْرَاطِ السَّاعَةِ، فَنَارٌ تَحْشُرُ النَّاسَ مِنَ الْمَشْرِقِ إِلَى الْمَغْرِبِ. وَأَمَّا أَوَّلُ طَعَامٍ يَأْكُلُهُ أَهْلُ الْجَنَّةِ، فَزِيَادَةُ كَبِدِ الْحُوتِ، وَإِذَا سَبَقَ مَاءُ الرَّجُلِ مَاءَ الْمَرْأَةِ، نَزَعَ الْوَلَدَ، وَإِذَا سَبَقَ مَاءُ الْمَرْأَةِ نَزَعَتْ» قَالَ: أَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ وَأَنَّكَ رَسُولُ اللهِ. يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّ الْيَهُودَ قَوْمٌ بُهُتٌ، وَإِنَّهُمْ إِنْ يَعْلَمُوا بِإِسْلاَمِي قَبْلَ أَنْ تَسْأَلَهُمْ يَبْهَتُونِي، فَجَاءَتِ الْيَهُودُ، فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «أَيُّ رَجُلٍ عَبْدُ اللهِ بْنُ سَلاَمٍ فِيكُمْ؟» قَالُوا: خَيْرُنَا وَابْنُ خَيْرِنَا، وَسَيِّدُنَا وَابْنُ سَيِّدِنَا، قَالَ: «أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَسْلَمَ» قَالُوا: أَعَاذَهُ اللهُ مِنْ ذَلِكَ، فَخَرَجَ عَبْدُ اللهِ فَقَالَ: أَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ. قَالُوا: هُوَ شَرُّنَا وَابْنُ شَرِّنَا، وَانْتَقَصُوهُ، فَقَالَ: هَذَا الَّذِي كُنْتُ أَخَافُ يَا رَسُولَ اللهِ. اِنْفَرَدَ بِهِ الْبُخَارِيُّ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ[489]، وَقَدْ أَخْرَجَاهُ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ أَنَسٍ[490]. [488] (الطبري 2/377) [489] (فتح الباري 8/15، و7/319) [490] (البخاري 3329/ 3911، 3938، ومسلم 315) وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ: إِيلُ عِبَارَةٌ عَنْ عَبْدٍ، وَالْكَلِمَةُ الْأُخْرى هِيَ اسْمُ اللهِ، لِأَنَّ كَلِمَةَ «إِيلُ» لاَ تَتَغَيَّرُ فِي الْجَمِيعِ، فَوِزَانُهُ: عَبْدُ اللهِ عَبْدُ الرَّحْمنِ عَبْدُ الْمَلِكِ عَبْدُ الْقُدُّوسِ، عَبْدُ السَّلاَمِ عَبْدُ الْكَافِي، عَبْدُ الْجَلِيلِ، فَعَبْدٌ مَوْجُودَةٌ فِي هَذَا كُلِّهِ، وَاخْتَلَفَتِ الْأَسْمَاءُ الْمُضَافُ إِلَيْهَا، وَكَذَلِكَ جِبْرَائِيلُ وَمِيكَائِيلُ وَعِزْرَائِيلُ وَإِسْرَافِيلُ وَنَحْوُ ذَلِكَ، وَفِي كَلاَمِ غَيْرِ الْعَرَبِ يُقَدِّمُونَ الْمُضَافَ إِلَيْهِ عَلَى الْمُضَافِ. وَاللهُ أَعْلَمُ. [اَلتَّفْرِيقُ بَيْنَ الْمَلاَئِكَةِ كَالتَّفْرِيقِ بَيْنَ الْأَنْبِيَاءِ] وَأَمَّا تَفْسِيرُ الْآيَةِ فَقَوْلُهُ تَعَالَى: {قُلْ مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ} أَيْ مَنْ عَادَى جِبْرَائِيلَ فَلْيَعْلَمْ أَنَّهُ الرُّوحُ الْأَمِينُ الَّذِي نَزَلَ بِالذِّكْرِ الْحَكِيمِ عَلَى قَلْبِكَ مِنَ اللهِ، بِإِذْنِهِ لَهُ فِي ذَلِكَ، فَهُوَ رَسُولٌ مِنْ رُسُلِ اللهِ مَلَكِيٌّ، وَمَنْ عَادَى رَسُولاً فَقَدْ عَادَى جَمِيعَ الرُّسُلِ، كَمَا أَنَّ مَنْ آمَنَ بِرَسُولٍ يَلْزَمُهُ الْإِيمَانُ بِجَمِيعِ الرُّسُلِ، وَكَمَا أَنَّ مَنْ كَفَرَ بِرَسُولٍ فَإِنَّهُ يَلْزَمُهُ الْكُفْرُ بِجَمِيعِ الرُّسُلِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: {إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ} [النساء: 150] اَلْآيَتَيْنِ، فَحَكَمَ عَلَيْهِمْ بِالْكُفْرِ الْمُحَقَّقِ إِذْ آمَنُوا بِبَعْضِ الرُّسُلِ وَكَفَرُوا بِبَعْضِهِمْ، وَكَذَلِكَ مَنْ عَادَى جِبْرَائِيلَ فَإِنَّهُ عَدُوٌّ لِلّْهِ، لِأَنَّ جِبْرَائِيلَ لاَ يَنْزِلُ بِالْأَمْرِ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِهِ، وَإِنَّمَا يَنْزِلُ بِأَمْرِ رَبِّهِ، كَمَا قَالَ: {وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلاَّ بِأَمْرِ رَبِّكَ}... الْآيَةَ [مريم: 64]، وَقَالَ تَعَالَى: {وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ *نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأَمِينُ *عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ} [الشعراء: 192-194]، وَقَدْ رَوَى الْبُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «مَنْ عَادَى لِي وَلِيًّا فَقَدْ بَارَزَنِي بِالْحَرْبِ»[491]. وَلِهَذَا غَضِبَ اللهُ لِجِبْرَائِيلَ عَلَى مَنْ عَادَاهُ، فَقَالَ تَعَالَى: {مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ} أَيْ مِنَ الْكُتُبِ الْمُتَقَدِّمَةِ: {وَهُدىً وَبُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ} أَيْ هُدًى لِقُلُوبِهِمْ وَبُشْرَى لَهُمْ بِالْجَنَّةِ، وَلَيْسَ ذَلِكَ إِلاَّ لِلْمُؤْمِنِينَ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: {قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدىً وَشِفَاءٌ}... الْآيَةَ [فصلت: 44] وَقَالَ تَعَالَى: {وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ}... الْآيَةَ [الإسراء: 82]. [491] (فتح الباري 11/348) ثُمَّ قَالَ تَعَالَى: {مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلاَئِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَ} يَقُولُ تَعَالَى: مَنْ عَادَانِي وَمَلاَئِكَتِي وَرُسُلِي - وَرُسُلُهُ تَشْمَلُ رُسُلَهُ مِنَ الْمَلاَئِكَةِ وَالْبَشَرِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: {اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلاَئِكَةِ رُسُلاً وَمِنَ النَّاسِ} [الحج: 75] - {وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ} وَهَذَا مِنْ بَابِ عَطْفِ الْخَاصِّ عَلَى الْعَامِّ، فَإِنَّهُمَا دَخَلاَ فِي الْمَلاَئِكَةِ فِي عُمُومِ الرُّسُلِ، ثُمَّ خُصِّصَا بِالذِّكْرِ لِأَنَّ السِّيَاقَ فِي الاِنْتِصَارِ لِجِبْرَائِيلَ، وَهُوَ السَّفِيرُ بَيْنَ اللهِ وَأَنْبِيَائِهِ، وَقَرَنَ مَعَهُ مِيكَائِيلَ فِي اللَّفْظِ، لِأَنَّ الْيَهُودَ زَعَمُوا أَنَّ جِبْرَائِيلَ عَدُوُّهُمْ، وَمِيكَائِيلَ وَلِيُّهُمْ، فَأَعْلَمَهُمُ اللهُ تَعَالَى أَنَّ مَنْ عَادَى وَاحِدًا مِنْهُمَا فَقَدْ عَادَى الاْخَرَ، وَعَادَى اللهَ أَيْضًا. وَلِأَنَّهُ أَيْضًا يَنْزِلُ عَلَى أَنْبِيَاءِ اللهِ بَعْضَ الْأَحْيَانِ، وَلَكِنَّ جِبْرَائِيلَ أَكْثَرُ، وَهِيَ وَظِيفَتُهُ، كَمَا أَنَّ إِسْرَافِيلَ مُوَكَّلٌ بِالنَّفْخِ فِي الصُّورِ لِلْبَعْثِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَلِهَذَا جَاءَ فِي الصَّحِيحِ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ كَانَ إِذَا قَامَ مِنَ اللَّيْلِ يَقُولُ: «اللَّهُمَّ رَبَّ جِبْرَائِيلَ وَمِيكَائِيلَ وَإِسْرَافِيلَ، فَاطِرَ السَّموَاتِ وَالْأَرْضِ، عَالِمَ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ، أَنْتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبَادِكَ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ، اهْدِنِي لِمَا اخْتُلِفَ فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِكَ، إِنَّكَ تَهْدِي مَنْ تَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ»[492]. وَقَوْلُهُ تَعَالَى: {فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَ} فِيهِ إِيقَاعُ الْمُظْهَرِ مَكَانَ الْمُضْمَرِ حَيْثُ لَمْ يَقُلْ: فَإِنَّهُ عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَ، بَلْ قَالَ: {فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَ}. وَإِنَّمَا أَظْهَرَ اللهُ هَذَا الْاِسْمَ هَهُنَا لِتَقْرِيرِ هَذَا الْمَعْنَى وَإِظْهَارِهِ، وَإِعْلاَمِهِمْ أَنَّ مَنْ عَادَى وَلِيًّا للهِ فَقَدْ عَادَى اللهَ، وَمَنْ عَادَى اللهَ فَإِنَّ اللهَ عَدُوٌّ لَهُ، وَمَنْ كَانَ اللهُ عَدُوَّهُ فَقَدْ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالاْخِرَةِ، كَمَا تَقَدَّمَ الْحَدِيثُ «مَنْ عَادَى لِي وَلِيًّا فَقَدْ آذَنْتُهُ بِالْمُحَارَبَةِ».[493]. [492] (مسلم 1/534) [493] (فتح الباري 11/348) {وَلَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ وَمَا يَكْفُرُ بِهَا إِلاَّ الْفَاسِقُونَ *أَوَ كُلَّمَا عَاهَدُوا عَهْدًا نَبَذَهُ فَرِيقٌ مِنْهُمْ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ *وَلَمَّا جَاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ نَبَذَ فَرِيقٌ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ كِتَابَ اللَّهِ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ كَأَنَّهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ *وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُوا الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولاَ إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلاَ تَكْفُرْ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ وَمَا هُمْ بِضَآرِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلاَّ بِإِذْنِ اللَّهِ وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلاَ يَنْفَعُهُمْ وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اُشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنْ خَلاَقٍ وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ *وَلَوْ أَنَّهُمْ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَمَثُوبَةٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ خَيْرٌ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ} [دَلاَئِلُ نُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ] قَالَ الْإِمَامُ أَبُو جَعْفَرِ بْنُ جَرِيرٍ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَلَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ} الْآيَةَ...، أَيْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ يَا مُحَمَّدُ عَلاَمَاتٍ وَاضِحَاتٍ، دَالاَّتٍ عَلَى نُبُوَّتِكَ، وَتِلْكَ الْآيَاتُ هِيَ مَا حَوَاهُ كِتَابُ اللهِ مِنْ خَفَايَا عُلُومِ الْيَهُودِ، وَمَكْنُونَاتِ سَرَائِرِ أَخْبَارِهِمْ، وَأَخْبَارِ أَوَائِلِهِمْ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ، وَالنَّبَأِ عَمَّا تَضَمَّنَتْهُ كُتُبُهُمُ الَّتِي لَمْ يَكُنْ يَعْلَمُهَا إِلاَّ أَحْبَارُهُمْ وَعُلَمَاؤُهُمْ، وَمَا حَرَّفَهُ أَوَائِلُهُمْ وَأَوَاخِرُهُمْ وَبَدَّلُوهُ مِنْ أَحْكَامِهِمُ الَّتِي كَانَتْ فِي التَّوْرَاةِ، فَأَطْلَعَ اللهُ فِي كِتَابِهِ الَّذِي أُنْزِلَ عَلَى نَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ ﷺ، فَكَانَ فِي ذَلِكَ مِنْ أَمْرِهِ الْآيَاتُ الْبَيِّنَاتُ لِمَنْ أَنْصَفَ نَفْسَهُ، وَلَمْ يَدْعُهَا إِلَى هَلاَكِهَا الْحَسَدُ وَالْبَغْيُ، إِذْ كَانَ فِي فِطْرَةِ كُلِّ ذِي فِطْرَةٍ صَحِيحَةٍ تَصْدِيقُ مَنْ أَتَى بِمِثْلِ مَا جَاءَ بِهِ مُحَمَّدٌ ﷺ مِنَ الْآيَاتِ الْبَيِّنَاتِ الَّتِي وَصَفَ - مِنْ غَيْرِ تَعَلُّمٍ تَعَلَّمَهُ مِنْ بَشَرِيٍّ، وَلاَ أَخَذَ شَيْئًا مِنْهُ عَنْ آدَمِيٍّ - كَمَا قَالَ الضَّحَّاكُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ {وَلَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ} يَقُولُ: فَأَنْتَ تَتْلُوهُ عَلَيْهِمْ، وَتُخْبِرُهُمْ بِهِ غُدْوَةً وَعَشِيَّـةً، وَبَيْنَ ذَلِكَ، وَأَنْتَ عِنْدَهُمْ أُمِّيٌّ لَمْ تَقْرَأْ كِتَابًا، وَأَنْتَ تُخْبِرُهُمْ بِمَا فِي أَيْدِيهِمْ عَلَى وَجْهِهِ، يَقُولُ اللهُ تَعَالَى فِي ذَلِكَ عِبْرَةٌ وَبَيَانٌ، وَعَلَيْهِمْ حُجَّةٌ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ[494]. [494] (الطبري 2/397 الضحاك عن ابن عباس مرسل) [نَقْضُ الْعُهُودِ مِنْ عَادَةِ الْيَهُودِ] وَقَالَ مَالِكُ بْنُ الصَّيْفِ - حِينَ بُعِثَ رَسُولُ اللهِ ﷺ، وَذَكَّرَهُمْ مَا أَخَذَ عَلَيْهِمْ مِنَ الْمِيثَاقِ، وَمَا عَهِدَ إِلَيْهِمْ فِي مُحَمَّدٍ ﷺ -: وَاللهِ مَا عَهِدَ إِلَيْنَا فِي مُحَمَّدٍ، وَمَا أَخَذَ عَلَيْنَا مِيثَاقًا، فَأَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى: {أَوَ كُلَّمَا عَاهَدُوا عَهْدًا نَبَذَهُ فَرِيقٌ مِنْهُمْ} [495] وَقَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ: فِي قَوْلِهِ {بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ} قَالَ: نَعَمْ، لَيْسَ فِي الْأَرْضِ عَهْدٌ يُعَاهِدُونَ عَلَيْهِ إِلاَّ نَقَضُوهُ وَنَبَذُوهُ، يُعَاهِدُونَ الْيَوْمَ وَيَنْقُضُونَ غَدًا[496]. [495] (الطبري 2/400 إسناده ضعيف بجهالة محمد بن أبي محمد مولى زيد بن ثابت) [496] (ابن أبي حاتم 1/295) [اَلْيَهُودُ طَرَحُوا كِتَابَ اللهِ وَأَقْبَلُوا عَلَى السِّحْرِ] قَالَ السُّدِّيُّ: {وَلَمَّا جَاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ} قَالَ: لَمَّا جَاءَهُمْ مُحَمَّدٌ ﷺ عَارَضُوهُ بِالتَّوْرَاةِ، فَخَاصَمُوهُ بِهَا، فَاتَّفَقَتِ التَّوْرَاةُ وَالْقُرْآنُ، فَنَبَذُوا التَّوْرَاةَ، وَأَخَذُوا بِكِتَابِ آصِفَ، وَسِحْرِ هَارُوتَ وَمَارُوتَ، فَلَمْ يُوَافِقِ الْقُرْآنَ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: {كَأَنَّهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ} [497]. [497] (الطبري 2/404) وَقَالَ قَتَادَةُ فِي قَوْلِهِ: {كَأَنَّهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ} قَالَ: إِنَّ الْقَوْمَ كَانُوا يَعْلَمُونَ، وَلَكِنَّهُمْ نَبَذُوا عِلْمَهُمْ وَكَتَمُوهُ وَجَحَدُوا بِهِ[498]. [498] (الطبري 2/404) [كَانَ السِّحْرُ قَبْلَ عَهْدِ سُلَيْمَانَ عَلَيْهِ السَّلاَمُ] وَقَالَ السُّدِّيُّ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُوا الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ} أَيْ عَلَى عَهْدِ سُلَيْمَانَ، قَالَ: كَانَتِ الشَّيَاطِينُ تَصْعَدُ إِلَى السَّمَاءِ، فَتَقْعُدُ مِنْهَا مَقَاعِدَ لِلسَّمْعِ، فَيَسْتَمِعُونَ مِنْ كَلاَمِ الْمَلاَئِكَةِ مَا يَكُونُ فِي الْأَرْضِ مِنْ مَوْتٍ أَوْ غَيْبٍ أَوْ أَمْرٍ، فَيَأْتُونَ الْكَهَنَـةَ فَـيُخْبِرُونَهُمْ، فَتُحَدِّثُ الْكَهَنَةُ النَّاسَ، فَيَجِدُونَهُ كَمَا قَالُوا، فَلَمَّا أَمِنَتْهُمُ الْكَهَنَةُ كَذَبُوا لَهُمْ، وَأَدْخَلُوا فِيهِ غَيْرَهُ، فَزَادُوا مَعَ كُلِّ كَلِمَةٍ سَبْعِينَ كَلِمَةً، فَاكْتَتَبَ النَّاسُ ذَلِكَ الْحَدِيثَ فِي الْكُتُبِ، وَفَشِىَ ذَلِكَ فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ: أَنَّ الْجِنَّ تَعْلَمُ الْغَيْبَ، فَبَعَثَ سُلَيْمَانُ فِي النَّاسِ، فَجَمَعَ تِلْكَ الْكُتُبَ فَجَعَلَهَا فِي صُنْدُوقٍ، ثُمَّ دَفَنَهَا تَحْتَ كُرْسِيِّهِ، وَلَمْ يَكُنْ أَحَدٌ مِنَ الشَّيَاطِينِ يَسْتَطِيعُ أَنْ يَدْنُوَ مِنَ الْكُرْسِيِّ إِلاَّ احْتَرَقَ، وَقَالَ: لاَ أَسْمَعُ أَحَدًا يَذْكُرُ أَنَّ الشَّيَاطِينَ يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ إِلاَّ ضَرَبْتُ عُنُقَهُ. فَلَمَّا مَاتَ سُلَيْمَانُ، وَذَهَبَتِ الْعُلَمَاءُ الَّذِينَ كَانُوا يَعْرِفُونَ أَمْرَ سُلَيْمَانَ، وَخَلَفَ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ خَلْفٌ، تَمَثَّلَ الشَّيْطَانُ فِي صُورَةِ إِنْسَانٍ، ثُمَّ أَتَى نَفَرًا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ، فَقَالَ لَهُمْ: هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى كَنْزٍ لاَ تَأْكُلُونَهُ أَبَدًا؟ قَالُوا: نَعَمْ، قَالَ: فَاحْفِرُوا تَحْتَ الْكُرْسِيِّ، فَذَهَبَ مَعَهُمْ وَأَرَاهُمُ الْمَكَانَ وَقَامَ نَاحِيَتَهُ، فَقَالُوا لَهُ: فَادْنُ، فَقَالَ: لاَ، وَلَكِنَّنِي هَهُنَا فِي أَيدِيكُمْ، فَإِنْ لَمْ تَجِدُوهُ فَاقْتُلُونِي، فَحَفَرُوا فَوَجَدُوا تِلْكَ الْكُتُبَ، فَلَمَّا أَخْرَجُوهَا قَالَ الشَّيْطَانُ: إِنَّ سُلَيْمَانَ إِنَّمَا كَانَ يَضْبِطُ الْإِنْسَ وَالشَّيَاطِينَ وَالطَّيْرَ بِهَذَا السِّحْرِ، ثُمَّ طَارَ وَذَهَبَ، وَفَشَا فِي النَّاسِ أَنَّ سُلَيْمَانَ كَانَ سَاحِرًا، وَاتَّخَذَتْ بَنُو إِسْرَائِيلَ تِلْكَ الْكُتُبَ، فَلَمَّا جَاءَ مُحَمَّدٌ ﷺ خَاصَمُوهُ بِهَا، فَذَلِكَ حِينَ يَقُولُ اللهُ تَعَالَى: {وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا} [499]. [499] (الطبري 2/405) [قِصَّةُ هَارُوتَ وَمَارُوتَ وَتَفْسِيرُ الْمَلَكَيْنِ] وَقَوْلُهُ تَعَالَى: {وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولاَ إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلاَ تَكْفُرْ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ} اِخْتَلَفَ النَّاسُ فِي هَذَا الْمَقَامِ، فَذَهَبَ بَعْضُهُمْ إِلَى أَنَّ «مَا» نَافِيَةٌ أَعْنِي الَّتِي فِي قَوْلِهِ: {وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ} قَالَ الْقُرْطُبِيُّ: "مَا" نَافِيَةٌ وَمَعْطُوفٌ عَلَى قَوْلِهِ: {وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ} ثُمَّ قَالَ: {وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ} وَذَلِكَ أَنَّ الْيَهُودَ كَانُوا يَزْعُمُونَ أَنَّهُ نَزَلَ بِهِ جِبْرِيلُ وَمِيكَائِيلُ فَأَكْذَبَهُمُ اللهُ، وَجَعَلَ قَوْلَهُ {هَارُوتَ وَمَارُوتَ} بَدَلاً مِنَ الشَّيَاطِينِ، قَالَ: وَصَحَّ ذَلِكَ إِمَّا لِأَنَّ الْجَمْعَ يُطْلَقُ عَلَى الاِثْنَيْنِ، كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ} [النساء: 11] [500] أَوْ لِكَوْنِهِمَا لَهُمَا أَتْبَاعٌ، أَوْ ذُكِرَا مِنْ بَيْنِهِمْ لِتَمَرُّدِهِمَا، وَتَقْدِيرُ الْكَلاَمِ عِنْدَهُ: يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ. ثُمَّ قَالَ: وَهَذَا أَوْلَى مَا حُمِلَتْ عَلَيْهِ الْآيَةُ وَأَصَحُّ، وَلاَ يُلْتَفَتُ إِلَى مَا سِوَاهُ. [500] (القرطبي 2/50) وَرَوَى ابْنُ جَرِيرٍ بِإِسْنَادِهِ مِنْ طَرِيقِ الْعَوفِيِّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ: {وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ}... الْآيَةَ، يَقُولُ: لَمْ يُنْزِلِ اللهُ السِّحْرَ[501]. وَبِإِسْنَادِهِ عَنِ الرَّبِيعِ ابْنِ أَنَسٍ فِي قَوْلِهِ: {وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ} قَالَ: مَا أَنْزَلَ اللهُ عَلَيْهِمَا السِّحْرَ[502]. قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: فَتَأْوِيلُ الْآيَةِ عَلَى هَذَا {وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُوا الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ} مِنَ السِّحْرِ {وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ} وَلاَ أَنْزَلَ اللهُ السِّحْرَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ {وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ} بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ، فَيَكُونُ قَوْلُهُ {بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ} مِنَ الْمُؤَخَّرِ الَّذِي مَعْنَاهُ الْمُقَدَّمُ. [501] (الطبري 2/419 حكم العوفي تقدم) [502] (الطبري 2/419) قَالَ: فَإِنْ قَالَ لَنَا قَائِلٌ: كَيْفَ وَجْهُ تَقْدِيمِ ذَلِكَ؟ قِيلَ وَجْهُ تَقْدِيمِهِ أَنْ يُقَالَ: {وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُوا الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ} مِنَ السِّحْرِ {وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ} وَمَا أَنْزَلَ اللهُ السِّحْرَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ {وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ} بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ، فَيَكُونُ مَعْنِيًّا «بِالْمَلَكَيْنِ» جِبْرِيلُ وَمِيكَائِيلُ عَلَيْهِمَا السَّلاَمُ، لِأَنَّ سَحَرَةَ الْيَهُودِ، فِيمَا ذُكِرَ كَانَتْ تَزْعُمُ أَنَّ اللهَ أَنْزَلَ السِّحْرَ عَلَى لِسَانِ جِبْرِيلَ وَمِيكَائِيلَ إِلَى سُلَيْمَانَ بْنِ دَاوُدَ. فَأَكْذَبَهُمُ اللهُ بِذَلِكَ، وَأَخْبَرَ نَبِيَّهُ مُحَمَّدًا ﷺ أَنَّ جِبْرِيلَ وَمِيكَائِيلَ لَمْ يَنْزِلاَ بِسِحْرٍ، وَبَرَّأَ سُلَيْمَانَ عَلَيْهِ السَّلاَمُ مِمَّا نَحَلُوهُ مِنَ السِّحْرَ، وَأَخْبَرَهُمْ أَنَّ السِّحْرَ مِنْ عَمَلِ الشَّيَاطِينِ، وَأَنَّهَا تُعَلِّمُ النَّاسَ ذَلِكَ بِبَابِلَ، وَأَنَّ الَّذِينَ يُعَلِّمُونَهُمْ ذَلِكَ رَجُلاَنِ: اِسْمُ أَحَدِهِمَا هَارُوتُ، وَاِسْمُ الاْخَرِ مَارُوتُ، فَيَكُونُ {هَارُوتَ وَمَارُوتَ} عَلَى هَذَا التَّأوِيلِ تَرْجَمَةً عَنِ {النَّاسَ} وَرَدًّا عَلَيْهِمْ[503]. هَذَا لَفْظُهُ بِحُرُوفِهِ، وَهَذَا التَّأْوِيلُ فِيهِ مِنَ التَّكَلُّفِ مَالاَ يَخْفَى. [503] (الطبري 2/419) وَذَهَبَ كَثِيرٌ مِنَ السَّلَفِ إِلَى أَنَّهُمَا كَانَا مَلَكَيْنِ مِنَ السَّمَاءِ، وَأَنَّهُمَا أُنْزِلاَ إِلَى الْأَرْضِ، فَكَانَ مِنْ أَمْرِهِمَا مَا كَانَ، وَعَلَى هَذَا فَيَكُونُ الْجَمْعُ بَيْنَ هَذَا وَبَيْنَ مَا وَرَدَ مِنَ الدَّلاَئِلِ عَلَى عِصْمَةِ الْمَلاَئِكَةِ: أَنَّ هَذَيْنِ سَبَقَ فِي عِلْمِ اللهِ لَهُمَا هَذَا، فَيَكُونُ تَخْصِيصًا لَهُمَا، فَلاَ تَعَارُضَ حِينَئِذٍ، كَمَا سَبَقَ فِي عِلْمِهِ مِنْ أَمْرِ إِبْلِيسَ مَا سَبَقَ، وَفِي قَوْلِهِ: إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمَلاَئِكَةِ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلاَئِكَةِ اسْجُدُوا لآِدَمَ فَسَجَدُوا إِلاَّ إِبْلِيسَ أَبَى} [طه: 116] إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْآيَاتِ الدَّالَّةِ عَلَى ذَلِكَ، مَعَ أَنَّ شَأْنَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ عَلَى مَا ذُكِرَ أَخَفُّ مِمَّا وَقَعَ مِنْ إِبْلِيسَ لَعَنَهُ اللهُ تَعَالَى. وَقَدْ حَكَاهُ الْقُرْطُبِيُّ عَنْ عَلِيٍّ وَابْنِ مَسْعُودٍ وَابْنِ عَبَّاسٍ وَابْنِ عُمَرَ وَكَعْبِ الْأَحْبَارِ وَالسُّدِّيِّ وَالْكَلْبِيِّ. وَأَمَّا قِصَّةُ الزُّهَرَةِ فَمَوْضُوعَةٌ بِلاَ مِرْيَةٍ.[504]. [504] (القرطبي 2/51) قَالَ أَصْحَابُ الْهَيْئَةِ: وَبُعْدُ مَا بَيْنَ بَابِلَ، وَهِيَ مِنْ إِقْلِيمِ الْعِرَاقِ، عَنِ الْبَحْرِ الْمُحِيطِ الْغَرْبِيِّ - وَيُقَالُ لَهُ: أُوقِيَانُوسُ -: سَبْعُونَ دَرَجَةً، وَيُسَمُّونَ هَذَا طُولاً، وَأَمَّا عَرْضُهَا، وَهُوَ بُعْدُ مَا بَيْنَهَا وَبَيْنَ وَسْطِ الْأَرْضِ مِنْ نَاحِيَةِ الْجَنُوبِ، وَهُوَ الْمُسَامِتُ لِخَطِّ الاِسْتِوَاءِ: اثْنَانِ وَثَلاَثُونَ دَرَجَةً. وَاللهُ أَعْلَمُ. [تَعَلُّمُ السِّحْرِ كُفْرٌ] وَقَوْلُهُ تَعَالَى: {وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولاَ إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلاَ تَكْفُرْ} قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ الرَّازِيُّ، عَنِ الرَّبِيعِ بْنِ أَنَسٍ عَنْ قَيْسِ ابْنِ عَبَّادٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: فَإِذَا أَتَاهُمَا الاْتِي يُرِيدُ السِّحْرَ نَهَيَاهُ أَشَدَّ النَّهْيِ، وَقَالاَ لَهُ: إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلاَ تَكْفُرْ، وَذَلِكَ أَنَّهُمَا عَلِمَا الْخَيْرَ وَالشَّرَّ وَالْكُفْرَ وَالْإِيمَانَ، فَعَرَفَا أَنَّ السِّحْرَ مِنَ الْكُفْرِ، قَالَ: فَإِذَا أَبَى عَلَيْهِمَا أَمَرَاهُ أَنْ يَأْتِيَ مَكَانَ كَذَا وَكَذَا، فَإِذَا أَتَاهُ عَايَنَ الشَّيْطَانَ فَعَلَّمَهُ، فَإِذَا تَعَلَّمَهُ خَرَجَ مِنْهُ النُّورُ، فَنَظَرَ إِلَيْهِ سَاطِعًا فِي السَّمَاءِ فَيَقُولُ: يَا حَسْرَتَاهْ، يَا وَيْلَهْ مَاذَا أَصْنَعُ[505]؟! وَعَنِ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ أَنَّهُ قَالَ فِي تَفْسِيرِ هَذِهِ الْآيَةِ: نَعَمْ أُنْزِلَ الْمَلَكَانِ بِالسِّحْرِ، لِيُعَلِّمَا النَّاسَ الْبَلاَءَ الَّذِي أَرَادَ اللهُ أَنْ يَبْتَلِيَ بِهِ النَّاسَ، فَأَخَذَ عَلَيْهِمُ الْمِيثَاقَ أَنْ لاَ يُعَلِّمَا أَحَدًا حَتَّى يَقُولاَ: إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلاَ تَكْفُرْ[506] رَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ. وَقَالَ قَتَادَةُ: كَانَ أَخَذَ عَلَيْهِمَا أَنْ لاَ يُعَلِّمَا أَحَدًا حَتَّى يَقُولاَ: إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ، أَيْ بَلاَءٌ اُبْتُلِينَا بِهِ، فَلاَ تَكْفُرْ[507]. [505] (ابن أبي حاتم 1/312) [506] (ابن أبي حاتم 1/310) [507] (الطبري 2/443) وَقَالَ السُّدِّيُّ: إِذَا أَتَاهُمَا إِنْسَانٌ يُرِيدُ السِّحْرِ وَعَظَاهُ، وَقَالاَ لَهُ: لاَ تَكْفُرْ إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ، فَإِذَا أَبَى قَالاَ لَهُ: اِئْتِ هَذَا الرَّمَادَ فَبُلْ عَلَيْهِ، فَإِذَا بَالَ عَلَيْهِ خَرَجَ مِنْهُ نُورٌ فَسَطَعَ حَتَّى يَدْخُلَ السَّمَاءَ، وَذَلِكَ الْإِيمَانُ، وَأَقْبَلَ شَيْءٌ أَسْوَدُ كَهَيْئَةِ الدُّخَانِ حَتَّى يَدْخُلَ فِي مَسَامِعِهِ وَكُلِّ شَيْءٍ، وَذَلِكَ غَضَبُ اللهِ. فَإِذَا أَخْبَرَهُمَا بِذَلِكَ عَلَّمَاهُ السِّحْرَ، فَذَلِكَ قَوْلُ اللهِ تَعَالَى: {وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولاَ إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلاَ تَكْفُرْ} الْآيَةَ[508]. وَقَالَ سُنَيْدٌ عَنْ حَجَّاجٍ عَنِ ابْنِ جُرَيجٍ فِي هَذِهِ الْآيَةِ: لاَ يَجْتَرِىءُ عَلَى السِّحْرِ إِلاَّ كَافِرٌ، وَأَمَّا الْفِتْنَةُ فَهِيَ الْمِحْنَةُ وَالاِخْتِبَارُ[509]. وَقَدِ اسْتُدِلَّ بِهَذِهِ الْآيَةِ عَلَى تَكْفِيرِ مَنْ تَعَلَّمَ السِّحْرَ، وَاسْتُشْهِدَ لَهُ بِالْحَدِيثِ الَّذِي رَوَاهُ الْحَافِظُ أَبُو بَكْرٍ الْبَزَّارُ عَنْ عَبْدِ اللهِ، قَالَ: «مَنْ أَتَى كَاهِنًا أَوْ سَاحِرًا فَصَدَّقَهُ بِمَا يَقُولُ، فَقَدْ كَفَرَ بِمَا أُنْزِلَ عَلَى مُحَمَّدٍ ﷺ [510] وَهَذَا إِسْنَادٌ صَحِيحٌ وَلَهُ شَوَاهِدُ أُخَرُ. [508] (الطبري 2/443) [509] (الطبري 2/443) [510] (كشف الأستار 2/443) [مِنَ السِّحْرِ مَا يُفَرَّقُ بِهِ بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ] وَقَوْلُهُ تَعَالَى: {فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ} أَيْ فَيَتَعَلَّمُ النَّاسُ مِنْ هَارُوتَ وَمَارُوتَ مِنْ عِلْمِ السِّحْرِ، مَا يَتَصَرَّفُونَ بِهِ فِيمَا يَتَصَرَّفُونَ [فِيهِ] مِنَ الْأَفَاعِيلِ الْمَذْمُومَةِ، مَا إِنَّهُمْ لَيُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ، مَعَ مَا بَيْنَهُمَا مِنَ الْخِلْطَةِ وَالاِئْتِلاَفِ. وَهَذَا مِنْ صَنِيعِ الشَّيَاطِينِ، كَمَا رَوَاهُ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إِنَّ الشَّيْطَانَ لَيَضَعُ عَرْشَهُ عَلَى الْمَاءِ، ثُمَّ يَبْعَثُ سَرَايَاهُ فِي النَّاسِ، فَأَقْرَبُهُمْ عِنْدَهُ مَنْزِلَةً أَعْظَمُهُمْ عِنْدَهُ فِتْنَةً، وَيَجِيءُ أَحَدُهُمْ فَيَقُولُ: مَا زِلْتُ بِفُلاَنٍ حَتَّى تَرَكْتُهُ وَهُوَ يَقُولُ كَذَا وَكَذَا، فَيَقُولُ إِبْلِيسُ: لاَ وَاللهِ مَا صَنَعْتَ شَيْئًا وَيَجِيءُ أَحَدُهُمْ فَيَقُولُ: مَا تَرَكْتُهُ حَتَّى فَرَّقْتُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَهْلِهِ، قَالَ: فَيُقَرِّبُهُ وَيُدْنِيهِ وَيَلْتَزِمُهُ وَيَقُولُ: نِعْمَ أَنْتَ[511]. [511] (مسلم 4/2167)» وَسَبَبُ التَّفْرِيقِ بَيْنَ الزَّوْجَينِ بِالسِّحْرِ مَا يُخَيَّلُ إِلَى الرَّجُلِ أَوِ الْمَرْأَةِ مِنَ الاْخَرِ مِنْ سُوءِ مَنْظَرٍ أَوْ خُلُقٍ أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ، أَوْ حِقْدٍ أَوْ بَغْضَةٍ أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ مِنَ الْأَسْبَابِ الْمُقْتَضِيَةِ لِلْفُرْقَةِ، وَالْمَرْءُ عِبَارَةٌ عَنِ الرَّجُلِ وَتَأْنِيثُهُ امْرَأَةٌ، وَيُثَنَّى كُلٌّ مِنْهُمَا وَلاَ يُجْمَعَانِ، وَاللهُ أَعْلَمُ. [قَضَاءُ اللهِ فَوْقَ كُلِّ شَيْءٍ] وَقَوْلُهُ تَعَالَى: {وَمَا هُمْ بِضَآرِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلاَّ بِإِذْنِ اللَّهِ} قَالَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ: إِلاَّ بِقَضَاءِ اللهِ[512]. وَقَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ: {وَمَا هُمْ بِضَآرِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلاَّ بِإِذْنِ اللَّهِ} قَالَ: نَعَمْ، مَنْ شَاءَ اللهُ سَلَّطَهُمْ عَلَيْهِ، وَمَنْ لَمْ يَشَأِ اللهُ لَمْ يُسَلِّطْ، وَلاَ يَسْتَطِيعُونَ ضَرَّ أَحَدٍ إِلاَّ بِإِذْنِ اللهِ، كَمَا قَالَ اللهُ تَعَالَى[513]. وَقَوْلُهُ تَعَالَى: {وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلاَ يَنْفَعُهُمْ} أَيْ يَضُرُّهُمْ فِي دِينِهِمْ وَلَيْسَ لَهُ نَفْعٌ يُوَازِي ضَرَرَهُ {وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اُشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنْ خَلاَقٍ} أَيْ وَلَقَدْ عَلِمَ الْيَهُودُ الَّذِينَ اسْتَبْدَلُوا بِالسِّحْرِ عَنْ مُتَابَعَةِ الرَّسُولِ ﷺ لَمَنْ فَعَلَ فِعْلَهُمْ ذَلِكَ، أَنَّهُ {مَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنْ خَلاَقٍ}، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَمُجَاهِدٌ وَالسُّدِّيُّ: مِنْ نَصِيبٍ[514]. [512] (ابن أبي حاتم 1/312) [513] (ابن أبي حاتم 1/311) [514] (ابن أبي حاتم 1/314) وَقَوْلُهُ تَعَالَى: {وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ *وَلَوْ أَنَّهُمْ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَمَثُوبَةٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ خَيْرٌ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ} يَقُولُ تَعَالَى: {وَلَبِئْسَ} الْبَدِيلُ مَا اسْتَبْدَلُوا بِهِ مِنَ السِّحْرِ عِوَضًا عَنِ الْإِيمَانِ وَمُتَابَعَةِ الرَّسُولِ لَوْ كَانَ لَهُمْ عِلْمٌ بِمَا وُعِظُوا بِهِ {وَلَوْ أَنَّهُمْ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَمَثُوبَةٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ خَيْرٌ} أَيْ وَلَوْ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِاللهِ وَرُسُلِهِ وَاتَّقُوا الْمَحَارِمَ، لَكَانَ مَثُوبَةُ اللهِ عَلَى ذَلِكَ خَيْرًا لَهُمْ مِمَّا اسْتَخَارُوا لِأَنْفُسِهِمْ وَرَضُوا بِهِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: {وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَيْلَكُمْ ثَوَابُ اللَّهِ خَيْرٌ لِمَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا وَلاَ يُلْقَّاهَا إِلاَّ الصَّابِرُونَ} [القصص: 80]. {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انْظُرْنَا وَاسْمَعُوا وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ *مَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَلاَ الْمُشْرِكِينَ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْكُمْ مِنْ خَيْرٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَاللَّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ} [الْأَدَبُ فِي اخْتِيَارِ الْكَلِمَاتِ] نَهَى اللهُ تَعَالَى عِبَادَهُ الْمُؤمِنِينَ أَنْ يَتَشَبَّهُوا بِالْكَافِرِينَ فِي مَقَامِهِمْ وَفِعَالِهِمْ، وَذَلِكَ أَنَّ الْيَهُودَ كَانُوا يُعَانُونَ مِنَ الْكَلاَمِ مَا فِيهِ تَوْرِيَةٌ لِمَا يَقْصِدُونَهُ مِنَ التَّنْقِيصِ، عَلَيْهِمْ لَعَائِنُ اللهِ، فَإِذَا أَرَادُوا أَنْ يَقُولُوا: اِسْمَعْ لَنَا، يَقُولُونَ: رَاعِنَا - وَيُوَرُّونَ بِالرُّعُونَةِ - كَمَا قَالَ تَعَالَى: {مِنَ الَّذِينَ هَادُوا يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَيَقُولُونَ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ وَرَاعِنَا لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ وَطَعْناً فِي الدِّينِ وَلَوْ أَنَّهُمْ قَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَاسْمَعْ وَانْظُرْنَا لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَقْوَمَ وَلَكِنْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَلاَ يُؤْمِنُونَ إِلاَّ قَلِيلاً} [النساء: 46]، وَكَذَلِكَ جَاءَتِ الْأَحَادِيثُ بِالْإِخْبَارِ عَنْهُمْ بِأَنَّهُمْ كَانُوا إِذَا سَلَّمُوا إِنَّمَا يَقُولُونَ: السَّامُ عَلَيْكُمْ. وَالسَّامُ هُوَ الْمَوْتُ، وَلِهَذَا أَمَرَنَا أَنْ نَرُدَّ عَلَيْهِمِ بِـ «وَعَلَيْكُمْ» وَإِنَّمَا يُسْتَجَابُ لَنَا فِيهِمْ، وَلاَ يُسْتَجَابُ لَهُمْ فِينَا. وَالْغَرَضُ أَنَّ اللهَ تَعَالَى نَهَى الْمُؤمِنِينَ عَنْ مُشَابَهَةِ الْكَافِرِينَ قَوْلاً وَفِعْلًا، فَقَالَ: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انْظُرْنَا وَاسْمَعُوا وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ}. وَرَوَى الْإِمَامُ أَحْمَدُ عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «بُعِثْتُ بَيْنَ يَدَيِ السَّاعَةِ بِالسَّيْفِ حَتَّى يُعْبَدَ اللهُ وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ، وَجُعِلَ رِزْقِي تَحْتَ ظِلِّ رُمْحِي، وَجُعِلَتِ الذِّلَّةُ وَالصَّغَارُ عَلَى مَنْ خَالَفَ أَمْرِي، وَمَنْ تَشَبَّهَ بِقَوْمٍ فَهُوَ مِنْهُمْ»[515]. وَرَوَى أَبُو دَاوُدَ عَنْهُ: «مَنْ تَشَبَّهَ بِقَوْمٍ فَهُوَ مِنْهُمْ»[516] فَفِيهِ دِلاَلَةٌ عَلَى النَّهْيِ الشَّدِيدِ وَالتَّهْدِيدِ وَالْوَعِيدِ عَلَى التَّشَبُّهِ بِالْكُفَّارِ فِي أَقْوَالِهِمْ وَأَفْعَالِهِمْ، وَلِبَاسِهِمْ وَأَعْيَادِهِمْ وَعِبَادَاتِهِمْ، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ أُمُورِهِمُ الَّتِي لَمْ تُشْرَعْ لَنَا وَلَمْ نُقَرَّرْ عَلَيْهَا. [515] (أحمد 2/50) [516] (أبو داود 4/314) وَقَالَ الضَّحَّاكُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَقُولُوا رَاعِنَا} قَالَ: كَانُوا يَقُولُونَ لِلنَّبِيِّ ﷺ: أَرْعِنَا سَمْعَكَ. وَإِنَّمَا {رَاعِنَا} كَقَوْلِكَ عَاطِنَا[517]. وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: وَرُوِيَ عَنْ أَبِي الْعَالِيَةِ وَأَبِي مَالِكٍ وَالرَّبِيعِ بْنِ أَنَسٍ، وَعَطِيَّةَ الْعَوْفِيِّ وَقَتَادَةَ نَحْوُ ذَلِكَ[518]. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: {لاَ تَقُولُوا رَاعِنَا} لاَ تَقُولُوا خِلاَفًا[519]. وَفِي رِوَايَةٍ: لاَ تَقُولُوا: اِسْمَعْ مِنَّا، وَنَسْمَعُ مِنْكَ. وَقَالَ عَطَاءٌ: لاَ تَقُولُوا {رَاعِنَا} كَانَتْ لُغَةً تَقُولُهَا الْأَنْصَارُ، فَنَهَى اللهُ عَنْهَا[520]: وَقَالَ السُّدِّيُّ: كَانَ رَجُلٌ مِنَ الْيَهُودِ مِنْ بَنِي قَيْنُقَاعٍ، يُدْعَى رِفَاعَةَ بْنَ زَيْدٍ، يَأْتِي النَّبِيَّ ﷺ فَإِذَا لَقِيَهُ فَكَلَّمَهُ قَالَ: أَرْعِنِي سَمْعَكَ، وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ، وَكَانَ الْمُسْلِمُونَ يَحْسَبُونَ أَنَّ الْأَنْبِيَاءَ كَانَتْ تُفَخَّمُ بِهَذَا، فَكَانَ نَاسٌ مِنْهُمْ يَقُولُونَ: اِسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ غَيْرَ صَاغِرٍ. وَهِيَ كَالَّتِي فِي سُورَةِ النِّسَاءِ، فَتَقَدَّمَ اللهُ إِلَى الْمُؤمِنِينَ أَنْ لاَ يَقُولُوا: رَاعِنَا[521]. وَكَذَا قَالَ عَبْدُ الرَّحْمنِ بْنُ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ بِنَحْوٍ مِنْ هَذَا[522]. [517] (الطبري 2/461 الضحاك لم يسمع من ابن عباس) [518] (ابن أبي حاتم 1/317) [519] (ابن أبي حاتم 1/318) [520] (ابن أبي حاتم 1/318) [521] (الطبري 2/462) [522] (ابن أبي حاتم 3/965) [شِدَّةُ عَدَاوَةِ الْكَافِرِينَ وَأَهْلِ الْكِتَابِ لِلْمُسْلِمِينَ] وَقَوْلُهُ تَعَالَى: {مَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَلاَ الْمُشْرِكِينَ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْكُمْ مِنْ خَيْرٍ مِنْ رَبِّكُمْ} يُبَيِّنُ بِذَلِكَ تَعَالَى شِدَّةَ عَدَاوَةِ الْكَافِرِينَ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ، الَّذِينَ حَذَّرَ اللهُ تَعَالَى مِنْ مُشَابَهَتِهِمْ لِلْمُؤمِنِينَ، لِيَقْطَعَ الْمَوَدَّةَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَهُمْ، وَنَبَّهَ تَعَالَى عَلَى مَا أَنْعَمَ بِهِ عَلَى الْمُؤمِنِينَ مِنَ الشَّرْعِ التَّامِّ الْكَامِلِ الَّذِي شَرَعَهُ لِنَبِيِّهِمْ مُحَمَّدٍ ﷺ، حَيْثُ يَقُولُ تَعَالَى: {وَاللَّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ}. {مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ *أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلاَ نَصِيرٍ} [اَلنَّسْخُ وَتَعْرِيفُهُ] قَالَ ابْنُ أَبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا: {مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ} : مَا نُبَدِّلْ مِنْ آيَةٍ[523]. وَقَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ عَنْ مُجَاهِدٍ: {مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ} أَيْ مَا نَمْحُو مِنْ آيَةٍ[524]. وَقَالَ ابْنُ أَبِي نَجِيحٍ عَنْ مُجَاهِدٍ {مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ} قَالَ: نُثْبِتْ خَطَّهَا وَنُبَدِّلْ حُكْمَهَا. حَدَّثَ بِهِ عَنْ أَصْحَابِ عَبْدِ اللهِ ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ[525]. وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: وَرُوِيَ عَنْ أَبِي الْعَالِيَةِ وَمُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ الْقُرَظِيِّ نَحْوُ ذَلِكَ[526]. وَقَالَ السُّدِّيُّ: {مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ} نَسْخُهَا: قَبْضُهَا[527]. وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: يَعْنِي قَبْضَهَا وَرَفْعَهَا، مِثْلُ قَوْلِهِ: (الشَّيْخُ وَالشَّيْخَةُ إِذَا زَنَيَا فَارْجُمُوهُمَا الْبَتَّةَ). وَقَوْلِهِ: (لَوْ كَانَ لاِبْنِ آدَمَ وَادِيَانِ مِنْ ذَهَبٍ لاَبْتَغَى لَهُمَا ثَالِثًا)[528]. [523] (الطبري 2/473) [524] (ابن أبي حاتم 1/321) [525] (ابن أبي حاتم 1/322) [526] (ابن أبي حاتم 1/322) [527] (ابن أبي حاتم 1/322) [528] (ابن أبي حاتم 1/324) وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: {مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ}، مَا نَنْقُلْ مِنْ حُكْمِ آيَةٍ إِلَى غَيْرِهِ، فَنُبَدِّلَهُ وَنُغَيِّرَهُ، وَذَلِكَ أَنْ نُحَوِّلَ الْحَلاَلَ حَرَامًا، وَالْحَرَامَ حَلاَلاً، وَالْمُبَاحَ مَحْظُورًا، وَالْمَحْظُورَ مُبَاحًا. وَلاَ يَكُونُ ذَلِكَ إِلاَّ فِي الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ وَالْحَظْرِ وَالْإِطْلاَقِ وَالْمَنْعِ وَالْإِبَاحَةِ، فَأمَّا الْأَخْبَارُ فَلاَ يَكُونُ فِيهَا نَاسِخٌ وَلاَ مَنْسُوخٌ، وَأَصْلُ النَّسْخِ مِنْ نَسْخِ الْكِتَابِ، وَهُوَ: نَقْلُهُ مِنْ نُسْخَةٍ إِلَى أُخْرَى غَيْرِهَا، فَكَذَلِكَ مَعْنَى نَسْخِ الْحُكْمِ إِلَى غَيْرِهِ إِنَّمَا هُوَ تَحْوِيلُهُ وَنَقْلُ عِبَارَةٍ إِلَى غَيْرِهَا. وَسَوَاءٌ نُسِخَ حُكْمُهَا أَوْ خَطُّهَا، إِذْ هِيَ فِي كِلْتَا حَالَتَيْهَا مَنْسُوخَةٌ[529]. [529] (الطبري 1/472) وَقَوْلُهُ تَعَالَى: {أَوْ نُنْسِهَا}، فَقُرِئَ عَلَى وَجْهَيْنِ، (نَنْسَأْهَا) وَ{نُنْسِهَا}. فَأَمَّا مَنْ قَرَأَهَا بِفَتْحِ النُّونِ وَالْهَمْزَةِ بَعْدَ السِّينِ فَمَعْنَاهُ: نُؤَخِّرْهَا. قَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: {مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا}، يَقُولُ: مَا نُبَدِّلْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نَتْرُكْهَا، لاَ نُبَدِّلْهَا[530]. وَقَالَ مُجَاهِدٌ عَنْ أَصْحَابِ ابْنِ مَسْعُودٍ: (أَوْ نَنْسَأْهَا): نُثْبِتْ خَطَّهَا وَنُبَدِّلْ حُكْمَهَا[531]. وَقَالَ عُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ وَمُجَاهِدٌ وَعَطَاءٌ: (أَوْ نُنْسَأْهَا): نُؤَخِّرْهَا وَنُرْجِئْهَا[532]. وَقَالَ عَطِيَّةُ الْعَوْفِيُّ: (أَوْ نَنْسَأْهَا): نُؤَخِّرْهَا فَلاَ نَنْسَخْهَا[533]. وَقَالَ السُّدِّيُّ مِثْلَهُ أَيْضًا، وَكَذَا الرَّبِيعُ بْنُ أَنَسٍ[534]. وَأَمَّا عَلَى قِرَاءَةِ {أَوْ نُنْسِهَا}، فَقَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ قَتَادَةَ فِي قَوْلِهِ: {مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا}، قَالَ: كَانَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ يُنْسِي نَبِيَّهُ ﷺ مَا يَشَاءُ، وَيَنْسَخُ مَا يَشَاءُ [530] (الطبري 2/476) [531] (الطبري 2/473) [532] (الطبري 2/477) [533] (الطبري 2/477) [534] (ابن أبي حاتم 1/326) وَقَوْلُهُ: {نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا}، أَيْ فِي الْحُكْمِ بِالنِّسْبَةِ إِلَى مَصْلَحَةِ الْمُكَلَّفِينَ، كَمَا قَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: {نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا} يَقُولُ: خَيْرٌ لَكُمْ فِي الْمَنْفَعَةِ، وَأَرْفَقُ بِكُمْ[535]. وَقَالَ أَبُو الْعَالِيَةِ: {مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ}: فَلاَ نَعْمَلَ بِهَا (أَوْ نَنْسَأْهَا) أَيْ نُرْجِئْهَا عِنْدَنَا، نَأْتِ بِهَا أَوْ نَظِيرِهَا[536]. وَقَالَ السُّدِّيُّ: {نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا} يَقُولُ: نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنَ الَّذِي نَسَخْنَاهُ أَوْ مِثْلَ الَّذِي تَرَكْنَاهُ[537]. وَقَالَ قَتَادَةُ: {نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا} يَقُولُ: آيَةٌ فِيهَا تَخْفِيفٌ، فِيهَا رُخْصَةٌ، فِيهَا أَمْرٌ، فِيهَا نَهْيٌ[538]. [535] (الطبري 2/481) [536] (ابن أبي حاتم 1/326) [537] (ابن أبي حاتم 1/327) [538] (ابن أبي حاتم 1/327) [بَيَانُ صِحَّةِ النَّسْخِ وَالرَّدُّ عَلَى الْيَهُودِ فِي اسْتِحَالَتِهِمْ ذَلِكَ] وَقَوْلُهُ: {أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ *أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلاَ نَصِيرٍ}، يُرْشِدُ عِبَادَهُ تَعَالَى بِهَذَا إِلَى أَنَّهُ الْمُتَصَرِّفُ فِي خَلْقِهِ بِمَا يَشَاءُ، فَلَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ، وَهُوَ الْمُتَصَرِّفُ، فَكَمَا [يَخْلُقُهُمْ] كَمَا يَشَاءُ، وَيُسْعِدُ مَنْ يَشَاءُ، وَيُشْقِي مَنْ يَشَاءُ، وَيُصِحُّ مِنْ يَشَاءُ، وَيُمْرِضُ مَنْ يَشَاءُ، وَيُوَفِّقُ مَنْ يَشَاءُ، وَيَخْذُلُ مَنْ يَشَاءُ: كَذَلِكَ يَحْكُمُ فِي عِبَادِهِ بِمَا يَشَاءُ، فَيُحِلُّ مَا يَشَاءُ وَيُحَرِّمُ مَا يَشَاءُ، وَيُبِيحُ مَا يَشَاءُ، وَيَحْظُرُ مَا يَشَاءُ، وَهُوَ الَّذِي يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ، لاَ مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ، وَلاَ يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ، وَهُمْ يُسْأَلُونَ. وَيَخْتَبِرُ عِبَادَهُ وَطَاعَتَهُمْ لِرُسُلِهِ بِالنَّسْخِ، فَيَأْمُرُ بِالشَّيْءِ لِمَا فِيهِ مِنَ الْمُصَاحَبَةِ الَّتِي يَعْلَمُهَا تَعَالَى، ثُمَّ يَنْهَى عَنْهُ لِمَا يَعْلَمُهُ تَعَالَى، فَالطَّاعَةُ كُلُّ الطَّاعَةِ فِي امْتِثَالِ أَمْرِهِ، وَاتِّبَاعِ رُسُلِهِ فِي تَصْدِيقِ مَا أَخْبَرُوا، وَامْتِثَالِ مَا أَمَرُوا، وَتَرْكِ مَا عَنْهُ زَجَرُوا. وَفِي هَذَا الْمَقَامِ رَدٌّ عَظِيمٌ وَبَيَانٌ بَلِيغٌ لِكُفْرِ الْيَهُودِ، وَتَزْيِيفُ شُبْهَتِهِمْ، لَعَنَهُمُ اللهُ، فِي دَعْوَى اسْتِحَالَةِ النَّسْخِ، إِمَّا عَقْلاً كَمَا زَعَمَهُ بَعْضُهُمْ جَهْلاً وَكُفْرًا، وَإِمَّا نَقْلاً كَمَا تَخَرَّصَهُ آخَرُونَ مِنْهُمُ افْتِرَاءً وَإِفْكًا. قَالَ الْإِمَامُ أَبُو جَعْفَرِ بْنُ جَرِيرٍ رَحِمَهُ اللهُ: فَتَأْوِيلُ الْآيَةِ: أَلَمْ تَعْلَمْ يَا مُحَمَّدُ، أَنَّ لِي مُلْكَ السَّموَاتِ وَالْأَرْضِ وَسُلْطَانَهَا دُونَ غَيْرِي، أَحْكُمُ فِيهِمَا وَفِيمَا فِيهِمَا بِمَا أَشَاءُ، وَآمُرُ فِيهِمَا وَفِيمَا فِيهِمَا بِمَا أَشَاءُ، وَأَنْهى عَمَّا أَشَاءُ، وَأَنْسَخُ وَأُبَدِّلُ وَأُغَيِّرُ مِنْ أَحْكَامِي الَّتِي أَحْكُمُ بِهَا فِي عِبَادِي، بِمَا أَشَاءُ إِذَا أَشَاءُ، وَأُقِرُّ فِيهِمَا مَا أَشَاءُ. ثُمَّ قَالَ: وَهَذَا الْخَبَرُ وَإِنْ كَانَ خِطَابًا مِنَ اللهِ تَعَالَى لِنَـبِـيِّهِ ﷺ عَلَى وَجْهِ الْخَبَرِ عَنْ عَظَمَتِهِ؛ فَإِنَّهُ مِنْهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ تَكْذِيبٌ لِلْيَهُودِ، الَّذِينَ أَنْكَرُوا نَسْخَ أَحْكَامِ التَّوْرَاةِ، وَجَحَدُوا نُبُوَّةَ عِيْسَى وَمُحَمَّدٍ عَلَيْهِمَا الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ، لِمَجِيئِهِمَا بِمَا جَاءَا بِهِ مِنْ عِنْدِ اللهِ، بِتَغْيِيرِ مَا غَيَّرَ اللهُ مِنْ حُكْمِ التَّوْرَاةِ، فَأَخْبَرَهُمُ اللهُ أَنَّ لَهُ مُلْكَ السَّموَاتِ وَالْأَرْضِ وَسُلْطَانَهُمَا، وَأَنَّ الْخَلْقَ أَهْلُ مَمْلَكَتِهِ، وَطَاعَتِهِ وَعَلَيْهِمُ السَّمْعُ وَالطَّاعَةُ لِأَمْرِهِ وَنَهْيِهِ. وَأَنَّ لَهُ أَمْرَهُمْ بِمَا يَشَاءُ، وَنَهْيَهُمْ عَمَّا يَشَاءُ، وَنَسْخَ مَا يَشَاءُ، وَإِقْرَارَ مَا يَشَاءُ، وَإِنْشَاءَ مَا يَشَاءُ مِنْ إِقْرَارِهِ وَأَمْرِهِ وَنَهْيِهِ[539]. [539] (الطبري 2/488) (قُلْتُ): الَّذِيْ يَحْمِلُ الْيَهُودَ عَلَى الْبَحْثِ فِي مَسْأَلَةِ النَّسْخِ، إِنَّمَا هُوَ الْكُفْرُ وَالْعِنَادُ، فَإِنَّهُ لَيْسَ فِي الْعَقْلِ مَا يَدُلُّ عَلَى امْتِنَاعِ النَّسْخِ فِي أَحْكَامِ اللهِ تَعَالَى، لِأَنَّهُ يَحْكُمُ مَا يَشَاءُ، كَمَا أَنَّهُ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ، مَعَ أَنَّهُ قَدْ وَقَعَ ذَلِكَ فِي كُتُبِهِ الْمُتَقَدِّمَةِ وَشَرَائِعِهِ الْمَاضِيَةِ، كَمَا أَحَلَّ لآِدَمَ تَزْوِيجَ بَنَاتِهِ مِنْ بَنِيهِ، ثُمَّ حَرَّمَ ذَلِكَ. وَكَمَا أَبَاحَ لِنُوحٍ، بَعْدَ خُرُوجِهِ مِنَ السَّفِينَةِ أَكْلَ جَمِيعِ الْحَيْوَانَاتِ، ثُمَّ نَسَخَ حِلَّ بَعْضِهَا. وَكَانَ نِكَاحُ الْأُخْتَينِ مُبَاحًا لِإِسْرَائِيلَ وَبَنِيهِ، وَقَدْ حَرَّمَ ذَلِكَ فِي شَرِيعَةِ التَّوْرَاةِ وَمَا بَعْدَهَا. وَأَمَرَ إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلاَمُ بِذَبْحِ وَلَدِهِ، ثُمَّ نَسَخَهُ قَبْلَ الْفِعْلِ. وَأَمَرَ جُمْهُورَ بَنِي إِسْرَائِيلَ بِقَتْلِ مَنْ عَبَدَ الْعِجْلَ مِنْهُمْ، ثُمَّ رَفَعَ عَنْهُمُ الْقَتْلَ كَيْلاَ يَسْتَأْصِلَهُمُ الْقَتْلُ. وَأَشْيَاءُ كَثِيرَةٌ يَطُولُ ذِكْرُهَا. وَهُمْ يَعْتَرِفُونَ بِذَلِكَ وَيَصْدِفُونَ عَنْهُ. وَمَا يُجَابُ بِهِ عَنْ هَذِهِ الْأَدِلَّةِ بِأَجْوِبَةٍ لَفْظِيَّةٍ فَلاَ يَصْرِفُ الدَّلاَلَةَ فِي الْمَعْنَى، إِذْ هُوَ الْمَقْصُودُ، وَكَمَا فِي كُتُبِهِمْ مَشْهُورًا مِنَ الْبِشَارَةِ بِمُحَمَّدٍ ﷺ، وَالْأَمْرِ بِاتِّبَاعِهِ، فَإِنَّهُ يُفِيدُ وُجُوبَ مُتَابَعَتِهِ عَلَيْهِ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ، وَأَنَّهُ لاَ يُقْبَلُ عَمَلٌ إِلاَّ عَلَى شَرِيعَتِهِ، وَسَوَاءٌ قِيلَ: إِنَّ الشَّرَائِعَ الْمُتَقَدِّمَةَ مُغَيَّاةٌ إِلَى بِعْثَتِهِ عَلَيْهِ السَّلاَمُ، فَلاَ يُسَمَّى ذَلِكَ نَسْخًا لِقَوْلِهِ: {ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ} وَقِيلَ: إِنَّهَا مُطْلَقَةٌ، وَإِنَّ شَرِيعَةَ مُحَمَّدٍ ﷺ نَسَخَتْهَا، فَعَلَى كُلِّ تَقْدِيرٍ، فَوُجُوبُ مُتَابَعَتِهِ مُتَعَيِّنٌ، لِأَنَّهُ جَاءَ بِكِتَابٍ هُوَ آخِرُ الْكُتُبِ عَهْدًا بِاللهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى. فَفِي هَذَا الْمَقَامِ بَيَّنَ تَعَالَى جَوَازَ النَّسْخِ، رَدًّا عَلَى الْيَهُودِ عَلَيْهِمْ لَعْنَـةُ اللهِ، حَيْثُ قَالَ تَعَالَى:{أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ *أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ}... الْآيَةَ، فَكَمَا أَنَّ لَهُ الْمُلْكَ بِلاَ مُنَازِعٍ، فَكَذَلِكَ لَهُ الْحُكْمُ بِمَا يَشَاءُ، {أَلاَ لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ} [الأعراف: 54] وَ[قُرِّرَ] فِي سُورَةِ آلِ عِمْرَانَ، الَّتِي نَزَلَ فِي صَدْرِهَا - خِطَابًا مَعَ أَهْلِ الْكِتَابِ - وُقُوعُ النَّسْخِ عِنْدَ الْيَهُودِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {كُلُّ الطَّعَامِ كَانَ حِلاًّ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ إِلاَّ مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ}... الْآيَةَ [النساء: 93]، كَمَا سَيَأْتِي تَفْسِيرُهُ. وَالْمُسْلِمُونَ كُلُّهُمْ مُتَّفِقُونَ عَلَى جَوَازِ النَّسْخِ فِي أَحْكَامِ اللهِ تَعَالَى، لِمَا لَهُ فِي ذَلِكَ مِنَ الْحِكْمَةِ الْبَالِغَةِ. وَكُلُّهُمْ قَالَ بِوُقُوعِهِ. {أَمْ تُرِيدُونَ أَنْ تَسْأَلُوا رَسُولَكُمْ كَمَا سُئِلَ مُوسَى مِنْ قَبْلُ وَمَنْ يَتَبَدَّلِ الْكُفْرَ بِالإِيمَانِ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيْلِ} [اَلنَّهْيُ عَنْ كَثْرَةِ السُّؤَالِ] نَهَى اللهُ تَعَالَى الْمُؤْمِنِينَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ، عَنْ كَثْرَةِ سُؤَالِ النَّبِيِّ ﷺ عَنِ الْأَشْيَاءِ قَبْلَ كَوْنِهَا، كَمَا قَالَ تَعَالَى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ وَإِنْ تَسْأَلُوا عَنْهَا حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ} [المائدة: 101] أَيْ وَإِنْ تَسْأَلُوا عَنْ تَفْصِيلِهَا بَعْدَ نُزُولِهَا تُـبَـيَّنْ لَكُمْ، وَلاَ تَسْأَلُوا عَنِ الشَّيْءِ قَبْلَ كَوْنِهِ، فَلَعَلَّهُ أَنْ يُحَرَّمَ مِنْ أَجْلِ تِلْكَ الْمَسْأَلَةِ، وَلِهَذَا جَاءَ فِي الصَّحِيحِ: «إِنَّ أَعْظَمَ الْمُسْلِمِينَ جُرْمًا مَنْ سَأَلَ عَنْ شَيْءٍ لَمْ يُحَرَّمْ، فَحُرِّمَ مِنْ أَجْلِ مَسْأَلَتِهِ». وَلَمَّا سُئِلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ عَنِ الرَّجُلِ يَجِدُ مَعَ امْرَأَتِهِ رَجُلاً، فَإِنْ تَكَلَّمَ تَكَلَّمَ بِأَمْرٍ عَظِيمٍ، وَإِنْ سَكَتَ سَكَتَ عَلَى مِثْلِ ذَلِكَ، فَكَرِهَ رَسُولُ اللهِ ﷺ الْمَسَائِلَ وَعَابَهَا، ثُمَّ أَنْزَلَ اللهُ حُكْمَ الْمُلاَعَنَةِ، وَلِهَذَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ، مِنْ حَدِيثِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ كَانَ يَنْهى عَنْ قِيلَ وَقَالَ، وَإِضَاعَةِ الْمَالِ، وَكَثْرَةِ السُّؤَالِ[540]. [540] (فتح الباري 3/398، ومسلم 3/1341) وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ: «ذَرُونِي مَا تَرَكْتُكُمْ، فَإِنَّمَا هَلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ بِكَثْرَةِ سُؤَالِهِمْ، وَاخْتِلاَفِهِمْ عَلَى أَنْبِيَائِهِمْ، فَإِذَا أَمَرْتُـكُمْ بِأَمْرٍ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ، وَإِنْ نَهَيْتُكُمْ عَنْ شَيْءٍ فَاجْتَنِبُوهُ» وَهَذَا إِنَّمَا قَالَهُ بَعْدَ مَا أَخْبَرَهُمْ: أَنَّ اللهَ كَتَبَ عَلَيْهِمُ الْحَجَّ. فَقَالَ رَجُلٌ: أَكُلَّ عَامٍ يَا رَسُولَ اللهِ؟ فَسَكَتَ عَنْهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ ثَلاَثًا، ثُمَّ قَالَ عَلَيْهِ السَّلاَمُ: «لاَ، وَلَوْ قُلْتُ: نَعَمْ، لَوَجَبَتْ، وَلَوْ وَجَبَتْ لَمَا اسْتَطَعْتُمْ»، ثُمَّ قَالَ: «ذَرُونِي مَا تَرَكْتُكُمْ» اَلْحَدِيثَ[541]. [541] (مسلم 2/975) وَلِهَذَا قَالَ أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ: نُهِينَا أَنْ نَسْأَلَ رَسُولَ اللهِ ﷺ عَنْ شَيْءٍ، فَكَانَ يُعْجِبُنَا أَنْ يَأْتِيَ الرَّجُلُ مِنْ أَهْلِ الْبَادِيَةِ فَيَسْأَلُهُ وَنَحْنُ نَسْمَعُ.[542]. [542] (مسلم 1/41) وَقَوْلُهُ تَعَالَى: {أَمْ تُرِيدُونَ أَنْ تَسْأَلُوا رَسُولَكُمْ كَمَا سُئِلَ مُوسَى مِنْ قَبْلُ} أَيْ بَلْ تُرِيدُونَ، أَوْ هِيَ عَلَى بَابِهَا فِي الاِسْتِفْهَامِ، وَهُوَ إِنْكَارِيٌّ، وَهُوَ يَعُمُّ الْمُؤْمِنِينَ وَالْكَافِرِينَ، فَإِنَّهُ عَلَيْهِ السَّلاَمُ رَسُولُ اللهِ إِلَى الْجَمِيعِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: {يَسْأَلُكَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتَابًا مِنَ السَّمَاءِ فَقَدْ سَأَلُوا مُوسَى أَكْبَرَ مِنْ ذَلِكَ فَقَالُوا أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ بِظُلْمِهِمْ} [النساء:153] [543]. قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي مُحَمَّدٍ عَنْ عِكْرِمَةَ أَوْ سَعِيدُ [بْنُ جُبَيْرٍ] عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: قَالَ رَافِعُ بْنُ حُرَيْمِلَةَ أَوْ وَهْبُ بْنُ زَيْدٍ: يَا مُحَمَّدُ، اِئْتِنَا بِكِتَابٍ تُنَزِّلُهُ عَلَيْنَا مِنَ السَّمَاءِ نَقْرَؤُهُ، وَفَجِّرْ لَنَا أَنْهَارًا نَتَّبِعْكَ وَنُصَدِّقْكَ، فَأَنْزَلَ اللهُ مِنْ قَوْلِهِمْ، {أَمْ تُرِيدُونَ أَنْ تَسْأَلُوا رَسُولَكُمْ كَمَا سُئِلَ مُوسَى مِنْ قَبْلُ وَمَنْ يَتَبَدَّلِ الْكُفْرَ بِالإِيمَانِ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيْلِ}[544]. [543] (الدرامي 1/48 والمجمع 1/158) [544] (الطبري 2/490 إسناده ضعيف لجهالة محمد بن أبي محمد) وَالْمُرَادُ: أَنَّ اللهَ ذَمَّ مَنْ سَأَلَ الرَّسُولَ ﷺ عَنْ شَيْءٍ عَلَى وَجْهِ التَّعَنُّتِ وَالاِقْتِرَاحِ، كَمَا سَأَلَتْ بَنُو إِسْرَائِيلَ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلاَمُ تَعَنُّتًا وَتَكْذِيبًا وَعِنَادًا. قَالَ اللهُ تَعَالَى: {وَمَنْ يَتَبَدَّلِ الْكُفْرَ بِالإِيمَانِ}، أَيْ وَمَنْ يَشْتَرِ الْكُفْرَ بِالْإِيمَانِ {فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيْلِ} أَيْ فَقَدْ خَرَجَ عَنِ الطَّرِيقِ الْمُسْتَقِيمِ إِلَى الْجَهْلِ وَالضَّلاَلِ. وَهكَذَا حَالُ الَّذِينَ عَدَلُوا عَنْ تَصْدِيقِ الْأَنْبِيَاءِ، وَاتِّبَاعِهِمْ وَالاِنْقِيَادِ لَهُمْ إِلَى مُخَالَفَتِهِمْ وَتَكْذِيبِهِمْ، وَالاِقْتِرَاحِ عَلَيْهِمْ بِالْأَسْئِلَةِ الَّتِي لاَ يَحْتَاجُونَ إِلَيْهَا؛ عَلَى وَجْهِ التَّعَنُّتِ وَالْكُفْرِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَةَ اللَّهِ كُفْرًا وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ *جَهَنَّمَ يَصْلُوْنَهَا وَبِئْسَ الْقَرَارُ} [إبراهيم:28،29] وَقَالَ أَبُو الْعَالِيَةِ: يَتَبَدَّلِ الشِّدَّةَ بِالرَّخَاءِ.[545]. [545] (ابن أبي حاتم 1/330) {وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ *وَأَقِيمُوا الصَّلاَةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ} [اَلنَّهْيُ عَنْ سُلُوكِ طَرِيقَةِ أَهْلِ الْكِتَابِ] يُحَذِّرُ تَعَالَى عِبَادَهُ الْمُؤْمِنِينَ عَنْ سُلُوكِ طَرِيقِ الْكُفَّارِ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ، وَيُعَلِّمُهُمْ بِعَدَاوَتِهِمْ لَهُمْ فِي الْبَاطِنِ وَالظَّاهِرِ، وَمَا هُمْ مُشْتَمِلُونَ عَلَيْهِ مِنَ الْحَسَدِ لِلْمُؤْمِنِينَ، مَعَ عِلْمِهِمْ بِفَضْلِهِمْ وَفَضْلِ نَبِيِّهِمْ. وَيَأْمُرُ عِبَادَهُ الْمُؤْمِنِينَ بِالصَّفْحِ وَالْعَفْوِ وَالاِحْتِمَالِ، حَتَّى يَأْتِيَ أَمْرُ اللهِ مِنَ النَّصْرِ وَالْفَتْحِ، وَيَأْمُرُهُمْ بِإِقَامَةِ الصَّلاَةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ، وَيَحُثُّهُمْ عَلَى ذَلِكَ وَيُرَغِّبُهُمْ فِيهِ وَرَوَى ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ: أَنَّ كَعْبَ بْنَ الْأَشْرَفِ الْيَهُودِيَّ كَانَ شَاعِرًا، وَكَانَ يَهْجُو النَّبِيَّ ﷺ، وَفِيهِ أَنْزَلَ اللهُ {وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ} إِلَى قَوْلِهِ {فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا} [546]. [546] (ابن بي حاتم: 1/330) وَقَالَ الضَّحَّاكُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّ رَسُولاً أُمِّيًّا يُخْبِرُهُمْ بِمَا فِي أَيْدِيهِمْ مِنَ الْكُتُبِ وَالرُّسُلِ وَالْآيَاتِ، ثُمَّ يُصَدِّقُ بِذَلِكَ كُلِّهِ مِثْلَ تَصْدِيقِهِمْ، وَلَكِنَّهُمْ جَحَدُوا ذَلِكَ كُفْرًا وَحَسَدًا وَبَغْيًا، وَلِذَلِكَ قَالَ اللهُ تَعَالَى: {كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ} يَقُولُ: مِنْ بَعْدِ مَا أَضَاءَ لَهُمُ الْحَقُّ، لَمْ يَجْهَلُوا مِنْهُ شيئًا، وَلَكِنَّ الْحَسَدَ حَمَلَهُمْ عَلَى الْجُحُودِ، فَعَيَّرَهُمْ وَوَبَّخَهُمْ وَلاَمَهُمْ أَشَدَّ الْمَلاَمَةِ[547]. وَشَرَعَ لِنَبِيِّهِ ﷺ وَلِلْمُؤْمِنِينَ، مَا هُمْ عَلَيْهِ مِنَ التَّصْدِيقِ وَالْإِيمَانِ وَالْإِقْرَارِ بِمَا أَنْزَلَ اللهُ عَلَيْهِمْ، وَمَا أَنْزَلَ مِنْ قَبْلِهِمْ، بِكَرَامَتِهِ وَثَوَابِهِ الْجَزِيلِ وَمَعُونَتِهِ لَهُمْ. [547] (ابن أبي حاتم: 1/331) وَقَالَ الرَّبِيعُ بْنُ أَنَسٍ: {مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ} مِنْ قِبَلِ أَنْفُسِهِمْ[548]. وَقَالَ أَبُو الْعَالِيَةِ: {مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ} مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ، يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ، فَكَفَرُوا بِهِ حَسَدًا وَبَغْيًا، إِذْ كَانَ مِنْ غَيْرِهِمْ[549]. وَكَذَا قَالَ قَتَادَةُ وَالرَّبِيعُ بْنُ أَنَسٍ. وَقَوْلُهُ: {فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ} [550]، مِثْلُ قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذىً كَثِيرًا}... الْآيَةَ [آل عمران:186]، قَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ: {فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ}، نَسَخَ ذَلِكَ قَوْلُهُ: {فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ} [التوبة: 5] وَقَوْلُهُ: {قَاتِلُوا الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلاَ بِالْيَوْمِ الآخِرِ} إِلَى قَوْلِهِ: {وَهُمْ صَاغِرُونَ} [التوبة: 29] فَنَسَخَ هَذَا عَفْوَهُ عَنِ الْمُشْرِكِينَ[551]. وَكَذَا قَالَ أَبُو الْعَالِيَةِ وَالرَّبِيعُ بْنَ أَنَسٍ وَقَتَادَةُ وَالسُّدِّيُّ[552]: إِنَّهَا مَنْسُوخَةٌ بِآيَةِ السَّيْفِ. وَيُرْشِدُ إِلَى ذَلِكَ أَيْضًا قَوْلُهُ تَعَالَى: {حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ}. [548] (الطبري: 2/502 إسناده ضعيف الضحاك لم يسمع من ابن عباس) [549] (ابن أبي حاتم: 1/332) [550] (ابن أبي حاتم: 1/335) [551] (ابن أبي حاتم: 1/334) [552] (ابن أبي حاتم: 1/335) وَرَوَى ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ وَأَصْحَابُهُ يَعْفُونَ عَنِ الْمُشْرِكِينَ وَأَهْلِ الْكِتَابِ، كَمَا أَمَرَهُمُ اللهُ وَيَصْبِرُونَ عَلَى الْأَذى. قَالَ اللهُ تَعَالَى: {فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} وَكَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَتَأَوَّلُ مِنَ الْعَفْوِ مَا أَمَرَهُ اللهُ بِهِ، حَتَّى أَذِنَ اللهُ فِيهِمْ بِالْقَتْلِ، فَقَتَلَ اللهُ بِهِ مَنْ قَتَلَ مِنْ صَنَادِيدِ قُرَيْشٍ[553]. وَهَذَا إِسْنَادُهُ صَحِيحٌ وَلَمْ أَرَهُ فِي شَيْءٍ مِنَ الْكُتُبِ السِّتَّةِ، وَلَكِنْ لَهُ أَصْلٌ فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ[554] [553] (ابن أبي حاتم: 1/333) [554] (فتح الباري: 8/87، ومسلم: 3/1422) [اَلتَّرْغِيبُ فِي الْأَعْمَالِ الْحَسَنَةِ] وَقَوْلُهُ تَعَالَى: {وَأَقِيمُوا الصَّلاَةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ}، يَحُثُّهُمْ تَعَالَى عَلَى الاِشْتِغَالِ بِمَا يَنْفَعُهُمْ، وَتَعُودُ عَلَيْهِمْ عَاقِبَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، مِنْ إِقَامِ الصَّلاَةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ، حَتَّى يُمَكِّنَ لَهُمُ اللهُ النَّصْرَ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ، {يَوْمَ لاَ يَنْفَعُ الظَّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ وَلَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ} [غافر: 52]، وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى: {إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ}، يَعْنِي أَنَّهُ تَعَالَى لاَ يَغْفَلُ عَنْ عَمَلِ عَامِلٍ، وَلاَ يَضِيعُ لَدَيْهِ، سَوَاءً كَانَ خَيْرًا أَوْ شَرًّا، فَإِنَّهُ سَيُجَازِي كُلَّ عَامِلٍ بِعَمَلِهِ. وَرَوَى ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ، وَهُوَ يَقْرَأُ هَذِهِ الآيَةَ: {سَمِيعٌ بَصِيرٌ} [الحج: 61] يَقُولُ: «بِكُلِّ شَيءٍ بَصِيرٌ»[555]. [555] (إسناده ضعيف فيه ابن لهيعة) {وَقَالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلاَّ مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ *بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ *وَقَالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصَارَى عَلَى شَيْءٍ وَقَالَتِ النَّصَارَى لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلَى شَيْءٍ وَهُمْ يَتْلُونَ الْكِتَابَ كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ مِثْلَ قَوْلِهِمْ فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ} [أَمَانِيُّ أَهْلِ الْكِتَابِ] يُبَيِّنُ تَعَالَى اغْتِرَارَ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى بِمَا هُمْ فِيهِ، حَيْثُ ادَّعَتْ كُلُّ طَائِفَةٍ مِنَ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى أَنَّهُ لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلاَّ مَنْ كَانَ عَلَى مِلَّتِهَا، كَمَا أَخْبَرَ اللهُ عَنْهُمْ فِي سُورَةِ الْمَائِدَةِ أَنَّهُمْ قَالُوا: {نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ} [المائدة: 18] فَأَكْذَبَهُمُ اللهُ تَعَالَى بِمَا أَخْبَرَهُمْ أَنَّهُ مُعَذِّبُهُمْ بِذُنُوبِهِمْ، وَلَوْ كَانُوا كَمَا ادَّعَوْا لَمَا كَانَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ، وَكَمَا تَقَدَّمَ مِنْ دَعْوَاهُمْ أَنَّهُ لَنْ تَمَسَّهُمُ النَّارُ إِلاَّ أَيَّامًا مَعْدُودَةً، ثُمَّ يَنْـتَـقِـلُونَ إِلَى الْجَنَّةِ. وَرَدَّ عَلَيْهِمْ تَعَالَى فِي ذَلِكَ، وَهَكَذا قَالَ لَهُمْ فِي هَذِهِ الدَّعْوى الَّتِي اِدَّعَوْهَا بِلاَ دَلِيلٍ وَلاَ حُجَّةٍ وَلاَ بَيِّنَةٍ، فَقَالَ: {تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ} قَالَ أَبُو الْعَالِيَةِ: أَمَانِيُّ تَمَنَّوْهَا عَلَى اللهِ بِغَيْرِ حَقٍّ[556]. وَكَذَا قَالَ قَتَادَةُ وَالرَّبِيعُ بْنُ أَنَسٍ[557]. ثُمَّ قَالَ تَعَالَى: {قُلْ} أَيْ يَا مُحَمَّدُ {هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ} قَالَ أَبُو الْعَالِيَةِ وَمُجَاهِدٌ وَالسُّدِّيُّ وَالرَّبِيعُ بْنُ أَنَسٍ: حُجَّتَكُمْ[558]. وَقَالَ قَتَادَةُ: بَيِّنَتَكُمْ عَلَى ذَلِكَ {إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ} [559] أَيْ فِيمَا تَدَّعُونَهُ. [556] (ابن أبي حاتم: 1/336) [557] (ابن أبي حاتم: 1/336) [558] (ابن أبي حاتم: 1/337) [559] (ابن أبي حاتم 1/337) ثُمَّ قَالَ تَعَالَى: {بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ} أَيْ مَنْ أَخْلَصَ الْعَمَلَ للهِ وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: {فَإِنْ حَآجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ وَمَنِ اتَّبَعَنِ}... الْآيَةَ [آل عمران:20]. وَقَالَ أَبُو الْعَالِيَةِ وَالرَّبِيعُ: {بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ} يَقُولُ: مَنْ أَخْلَصَ للهِ[560]. وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيرٍ: {بَلَى مَنْ أَسْلَمَ} أَخْلَصَ {وَجْهَهُ}، قَالَ: دِينَهُ[561]. {وَهُوَ مُحْسِنٌ} أَيْ اِتَّبَعَ فِيهِ الرَّسُولَ ﷺ، فَإِنَّ لِلْعَمَلِ الْمُتَقَبَّلِ شَرْطَيْنِ: أَحَدُهُمَا أَنْ يَكُونَ خَالِصًا للهِ وَحْدَهُ، وَالاْخَرُ أَنْ يَكُونَ صَوَابًا مُوَافِقًا لِلشَّرِيعَةِ، فَمَتى كَانَ خَالِصًا وَلَمْ يَكُنْ صَوَابًا لَمْ يُتَقَبَّلْ، وَلِهَذَا قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «مَنْ عَمِلَ عَمَلاً لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ»، رَوَاهُ مُسْلِمٌ[562]. [560] (ابن أبي حاتم 1/337) [561] (ابن أبي حاتم 1/338) [562] (مسلم 3/1344) فَعَمَلُ الرُّهْبَانِ وَمَنْ شَابَهَهُمْ، وَإِنْ فُرِضَ أَنَّهُمْ مُخْلِصُونَ فِيهِ للهِ، فَإِنَّهُ لاَ يُتَقَبَّلُ مِنْهُمْ، حَتَّى يَكُونَ ذَلِكَ مُتَابِعًا لِلرَّسُولِ ﷺ، الْمَبْعُوثِ إِلَيْهِمْ وَإِلَى النَّاسِ كَافَّةً، وَفِيهِمْ وَأَمْثَالِهِمْ قَالَ اللهُ تَعَالَى: {وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا} [الفرقان:23] وَقَالَ تَعَالَى: {وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا} [النور: 39]، وَقَالَ تَعَالَى: {وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خَاشِعَةٌ *عَامِلَةٌ نَاصِبَةٌ *تَصْلَى نَارًا حَامِيَةً *تُسْقَى مِنْ عَيْنٍ آنِيَةٍ} [الغاشية: 2-5]. وَأَمَّا إِنْ كَانَ الْعَمَلُ مُوَافِقًا لِلشَّرِيعَةِ، فِي الصُّورَةِ الظَّاهِرَةِ، وَلَكِنْ لَمْ يُخْلِصْ عَامِلُهُ الْقَصْدَ للهِ، فَهُوَ أَيْضًا مَرْدُودٌ عَلَى فَاعِلِهِ، وَهَذَا حَالُ الْمُرَائِينَ وَالْمُنَافِقِينَ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: {إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلاَةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاؤُونَ النَّاسَ وَلاَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلاَّ قَلِيلاً} [النساء: 142]، وَقَالَ تَعَالَى: {فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ *الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلاَتِهِمْ سَاهُونَ *الَّذِينَ هُمْ يُرَاءُونَ *وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ} [الماعون: 4-7] وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى: {فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحًا وَلاَ يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا} [الكهف: 110] وَقَالَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ: {بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ} وَقَوْلُهُ: "فله أجره عند ربه ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون" ضَمِنَ لَهُمْ تَعَالَى عَلَى ذَلِكَ تَحْصِيلَ الْأُجُورِ، وَآمَنَهُمْ مِمَّا يَخَافُونَهُ مِنَ الْمَحْذُورِ، فَـ{لاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ } فِيمَا يَسْتَقْبِلُونَهُ، {وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ} عَلَى مَا مَضى مِمَّا يَتْرُكُونَهُ، كَمَا قَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، فَـ{لاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ} يَعْنِي فِي الاْخِرَةِ، {وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ} يَعْنِي لاَ يَحْزَنُونَ لِلْمَوْتِ.[563] [563] ( ابن أبي حاتم: 1/338) [تَنَازُعُ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى فِيمَا بَيْنَهُمْ كُفْرًا وَعِنَادًا] وَقَوْلُهُ تَعَالَى: {وَقَالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصَارَى عَلَى شَيْءٍ وَقَالَتِ النَّصَارَى لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلَى شَيْءٍ وَهُمْ يَتْلُونَ الْكِتَابَ}، بَيَّنَ بِهِ تَعَالَى تَنَاقُضَهُمْ وَتَبَاغُضَهُمْ وَتَعَادِيهِمْ وَتَعَانُدَهُمْ، كَمَا رَوَى مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: لَمَّا قَدِمَ أَهْلُ نَجْرَانَ مِنَ النَّصَارَى، عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ، أَتَتْهُمْ أَحْبَارُ يَهُودَ، فَتَنَازَعُوا عِنْدَ رَسُولِ اللهِ ﷺ، فَقَالَ رَافِعُ بْنُ حُرَيْمِلَةَ: مَا أَنْتُمْ عَلَى شَيْءٍ وَكَفَرَ بِعِيسَى وَبِالْإِنْجِيلِ. وَقَالَ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ نَجْرَانَ مِنَ النَّصَارَى لِلْيَهُودِ: مَا أَنْتُمْ عَلَى شَيْءٍ. وَجَحَدَ نُبُوَّةَ مُوسَى وَكَفَرَ بِالتَّوْرَاةِ. فَأَنْزَلَ اللهُ فِي ذَلِكَ مِنْ قَوْلِهِمَا: {وَقَالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصَارَى عَلَى شَيْءٍ وَقَالَتِ النَّصَارَى لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلَى شَيْءٍ وَهُمْ يَتْلُونَ الْكِتَابَ}[564]. قَالَ: إِنَّ كُلًّا يَتْلُو فِي كِتَابِهِ تَصْدِيقَ مَنْ كَفَرَ بِهِ، أَيْ يَكْفُرُ الْيَهُودُ بِعِيسَى وَعِنْدَهُمُ التَّوْرَاةُ، فِيهَا مَا أَخَذَ اللهُ عَلَيْهِمْ عَلَى لِسَانِ مُوسَى بِالتَّصْدِيقِ بِعِيسَى، وَفِي الْإِنْجِيلِ مَا جَاءَ بِهِ عِيسَى بِتَصْدِيقِ مُوسَى، وَمَا جَاءَ مِنَ التَّوْرَاةِ مِنْ عِنْدِ اللهِ، وَكُلٌّ يَكْفُرُ بِمَا فِي يَدِ صَاحِبِهِ. [564] ( ابن أبي حاتم 1/339 ضعيف لجهالة محمد بن أبي محمد مولى زيد بن ثابت) وَقَوْلُهُ: {كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ مِثْلَ قَوْلِهِمْ}، بَيَّنَ بِهَذَا جَهْلَ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى فِيمَا تَقَابَلُوا مِنَ الْقَوْلِ، وَهَذَا مِنْ بَابِ الْإِيمَاءِ وَالْإِشَارَةِ. وَقَدِ اخْتُلِفَ فِيمَنْ عُنِـيَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: {الَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ} فَقَالَ الرَّبِيعُ بْنُ أَنَسٍ وَقَتَادَةُ: {كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ} قَالاَ: وَقَالَتِ النَّصَارَى مِثْلَ قَوْلِ الْيَهُودِ وَقِيلِهِمْ[565]. وَقَالَ ابْنُ جُرَيجٍ: قُلْتُ لِعَطَاءٍ: مَنْ هَؤُلاَءِ الَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ؟ قَالَ أُمَمٌ كَانَتْ قَبْلَ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى وَقَبْلَ التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ[566]. وَقَالَ السُّدِّيُّ: {كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ}، فَهُمُ الْعَرَبُ، قَالُوا لَيْسَ مُحَمَّدٌ عَلَى شَيْءٍ[567]. وَاخْتَارَ أَبُو جَعْفَرِ بْنُ جَرِيرٍ أَنَّهَا عَامَّةٌ تَصْلُحُ لِلْجَمِيعِ، وَلَيْسَ ثَمَّ دَلِيلٌ قَاطِعٌ يُعَيِّنُ وَاحِدًا مِنْ هَذِهِ الْأَقْوَالِ، فَالْحَمْلُ عَلَى الْجَمِيعِ أَوْلَى، وَاللهُ أَعْلَمُ. [565] (ابن أبي حاتم 1/341) [566] (ابن أبي حاتم: 1/340) [567] (ابن أبي حاتم 1/340) وَقَوْلُهُ تَعَالَى: {فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ}، أَيْ إِنَّهُ تَعَالَى يَجْمَعُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْمَعَادِ، وَيَفْصِلُ بَيْنَهُمْ بِقَضَائِهِ الْعَدْلِ، الَّذِي لاَ يَجُورُ فِيهِ وَلاَ يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ، وَهَذِهِ الْآيَةُ كَقَوْلِهِ تَعَالَى فِي سُورَةِ الْحَجِّ: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئِينَ وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوسَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا إِنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ} [الحج: 17]، وَكَمَا قَالَ تَعَالَى: {قُلْ يَجْمَعُ بَيْنَنَا رَبُّنَا ثُمَّ يَفْتَحُ بَيْنَنَا بِالْحَقِّ وَهُوَ الْفَتَّاحُ الْعَلِيمُ} [سبأ: 26]. {وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعَى فِي خَرَابِهَا أُولَئِكَ مَا كَانَ لَهُمْ أَنْ يَدْخُلُوهَا إِلاَّ خَائِفِينَ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ} [ظُلْمُ مَنْ مَنَعَ عَنِ الْمَسَاجِدِ وَسَعَى فِي خَرَابِهَا] الْمُرَادُ مِنَ الَّذِينَ مَنَعُوا مَسَاجِدَ اللهِ وَسَعَوْا فِي خَرَابِهَا، هُمْ مُشْرِكُو قُرَيْشٍ كَمَا رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ زَيْدٍ فِي قَوْلِهِ: {وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعَى فِي خَرَابِهَا}، قَالَ: هَؤُلاَءِ الْمُشْرِكُونَ الَّذِينَ حَالُوا بَيْنَ رَسُولِ اللهِ ﷺ يَوْمَ الْحُدَيْبِيَةِ، وَبَيْنَ أَنْ يَدْخُلُوا مَكَّةَ، حَتَّى نَحَرَ هَدْيَهُ بِذِي طُوًى، وَهَادَنَهُمْ وَقَالَ لَهُمْ: «مَا كَانَ أَحَدٌ يُصَدُّ عَنْ هَذَا الْبَيْتِ، وَقَدْ كَانَ الرَّجُلُ، يَلْقَى قَاتِلَ أَبِيهِ وَأَخِيهِ فَلاَ يَصُدُّهُ» فَقَالُوا: لاَ يَدْخُلُ عَلَيْنَا مَنْ قَتَلَ آبَاءَنَا يَوْمَ بَدْرٍ وَفِينَا بَاقٍ، وَفِي قَوْلِهِ: {وَسَعَى فِي خَرَابِهَا} قَالَ: إِذْ قَطَعُوا مَنْ يَعْمُرُهَا بِذِكْرِهِ، وَيَأْتِيهَا لِلْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ[568]. [568] (الطبري: 2/521) وَرَوَى ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّ قُرَيشًا مَنَعُوا النَّبِيَّ ﷺ الصَّلاَةَ عِنْدَ الْكَعْبَةِ فِي الْمَسْجِدِ الحَرَامِ، فَأَنْزَلَ اللهُ: {وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ} [569]. [569] (ابن أبي حاتم: 1/341 ضعيف لجهالة محمد بن أبي محمد كما مرّ) لَمَّا وَجَّهَ اللهُ تَعَالَى الذَّمَّ فِي حَقِّ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى، شَرَعَ فِي ذَمِّ الْمُشْرِكِينَ الَّذِينَ أَخْرَجُوا الرَّسُولَ ﷺ وَأَصْحَابَهُ مِنْ مَكَّةَ، وَمَنَعُوهُمْ مِنَ الصَّلاَةِ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ، وَاسْتَحْوَذُوا عَلَيْهَا بِأَصْنَامِهِمْ وَأَنْدَادِهِمْ وَشِرْكِهِمْ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: {وَمَا لَهُمْ أَلاَّ يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَمَا كَانُوا أَوْلِيَاءَهُ إِنْ أَوْلِيَاؤُهُ إِلاَّ الْمُتَّقُونَ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ} [الأنفال: 34]، وَقَالَ تَعَالَى: {مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُوا مَسَاجِدَ اللَّهِ شَاهِدِينَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ أُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ وَفِي النَّارِ هُمْ خَالِدُونَ *إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلاَةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلاَّ اللَّهَ فَعَسَى أُولَئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ} [التوبة: 17، 18] وَقَالَ تَعَالَى: {هُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَالْهَدْيَ مَعْكُوفًا أَنْ يَبْلُغَ مَحِلَّهُ وَلَوْلاَ رِجَالٌ مُؤْمِنُونَ وَنِسَاءٌ مُؤْمِنَاتٌ لَمْ تَعْلَمُوهُمْ أَنْ تَطَؤُوهُمْ فَتُصِيبَكُمْ مِنْهُمْ مَعَرَّةٌ بِغَيْرِ عِلْمٍ لِيُدْخِلَ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ لَوْ تَزَيَّلُوا لَعَذَّبْنَا الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا} [الفتح: 25]. فَقَالَ تَعَالَى: {إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلاَةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلاَّ اللَّهَ} [التوبة: 18]، فَإِذَا كَانَ مَنْ هُوَ كَذَلِكَ مَطْرُودًا مِنْهَا، مَصْدُودًا عَنْهَا فَأَيُّ خَرَابٍ لَهَا أَعْظَمُ مِنْ ذَلِكَ؟ وَلَيْسَ الْمُرَادُ مِنْ عِمَارَتِهَا زُخْرُفَـتَـهَا وَإِقَامَةَ صُورَتِهَا فَقَطْ، إِنَّمَا عِمَارَتُهَا بِذِكْرِ اللهِ فِيهَا وَإِقَامَةِ شَرْعِهِ فِيهَا، وَرَفْعِهَا عَنِ الدَّنَسِ وَالشِّرْكِ. [بِشَارَةٌ بِغَلَبَةِ الْإِسْلاَمِ] وَقَوْلُهُ تَعَالَى: {أُولَئِكَ مَا كَانَ لَهُمْ أَنْ يَدْخُلُوهَا إِلاَّ خَائِفِينَ}، هَذَا خَبَرٌ مَعْنَاهُ الطَّلَبُ، أَيْ لاَ تُمَكِّنُوا هَؤُلاَءِ إِذَا قَدِرْتُمْ عَلَيْهِمْ مِنْ دُخُولِهَا، إِلاَّ تَحْتَ الْهُدْنَةِ وَالْجِزْيَةِ، وَلِهَذَا لَمَّا فَتَحَ رَسُولُ اللهِ ﷺ مَكَّةَ، أَمَرَ مِنَ الْعَامِ الْقَابِلِ فِي سَنَةِ تِسْعٍ أَنْ يُنَادَى بِرِحَابِ مِنًى: «أَلاَ لاَ يَحُجَّنَّ بَعْدَ الْعَام مُشْرِكٌ، وَلاَ يَطُوفَنَّ بِالْبَيْتِ عُرْيَانٌ، وَمَنْ كَانَ لَهُ أَجَلٌ فَأَجَلُهُ إِلَى مُدَّتِهِ»[570]. وَهَذَا إِنَّمَا كَانَ تَصْدِيقًا وَعَمَلاً بِقَوْلِهِ تَعَالَى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلاَ يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا} [التوبة: 28]. [570] (فتح الباري: 3/565) وَقِيلَ: إِنَّ هَذَا بِشَارَةٌ مِنَ اللهِ لِلْمُسْلِمِينَ، أَنَّهُ سَيُظْهِرُهُمْ عَلَى الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَعَلَى سَائِرِ الْمَسَاجِدِ، وَأَنَّهُ يُذِلُّ الْمُشْرِكِينِ لَهُمْ، حَتَّى لاَ يَدْخُلَ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ أَحْدٌ مِنْهُمْ إِلاَّ خَائِفًا، يَخَافُ أَنْ يُؤخَذَ فَيَعُاقَبَ أَوْ يُقْتَلَ، إِنْ لَمْ يُسْلِمْ. وَقَدْ أَنْجَزَ اللهُ هَذَا الْوَعْدَ، كَمَا تَقَدَّمَ مِنْ مَنْعِ الْمُشْرِكِينَ مِنْ دُخُولِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ، وَأَوْصَى رَسُولُ اللهِ ﷺ، أَنْ لاَ يَبْقَى بِجَزِيرَةِ الْعَرَبِ دِينَانِ، وَأَنْ يُجْلَى الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى مِنْهَا، وَللهِ الْحَمْدُ وَالْمِنَّـةُ. وَمَا ذَاكَ إِلاَّ لِتَشْرِيفِ أَكْنَافِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ، وَتَطْهِيرِ الْبُقْعَةِ الَّتِي بَعَثَ اللهُ فِيهَا رَسُولَهُ إِلَى النَّاسِ كَافَّةً، بَشِيرًا وَنَذِيرًا، صَلَوَاتُ اللهِ وَسَلاَمُهُ عَلَيْهِ، وَهَذَا هُوَ الْخِزْيُ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا، لِأَنَّ الْجَزَاءَ مِنْ جِنْسِ الْعَمَلِ، فَكَمَا صَدُّوا الْمُؤمِنِينَ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ، صُدُّوا عَنْهُ، وَكَمَا أَجْلَوْهُمْ مِنْ مَكَّةَ أُجْلُوا عَنْهَا، {وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ} عَلَى مَا انْتَهَكُوا مِنْ حُرْمَةِ الْبَيْتِ، وَامْتَهَنُوهُ مِنْ نَصْبِ الْأَصْنَامِ حَوْلَهُ، وَدُعَاءِ غَيْرِ اللهِ عِنْدَهُ، وَالطَّوَافِ بِهِ عُرْيَانًا، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ أَفَاعِيلِهِمُ الَّتِي يَكْرَهُهَا اللهُ وَرَسُولُهُ. وَقَدْ وَرَدَ الْحَدِيثُ بِالاِسْتِعَاذَةِ مِنْ خِزْيِ الدُّنْيَا وَعَذَابِ الاْخِرَةِ، كَمَا رَوَى الْإِمَامُ أَحْمَدُ عَنْ بُسْرِ بْنِ أَرْطَاةَ، قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَدْعُو: «اللَّهُمَّ أَحْسِنْ عَاقِبَتَنَا فِي الْأُمُورِ كُلِّهَا، وَأَجِرْنَا مِنْ خِزْيِ الدُّنْيَا وَعَذَابِ الاْخِرَةِ»[571]. وَهَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ. [571] (أحمد: 4/181) {وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ وَاسِعٌ عَلِيمٌ} [اِسْتِقْبَالُ الْقِبْلَةِ فِي الصَّلَواتِ] وَهَذَا، وَاللهُ أَعْلَمُ، فِيهِ تَسْلِيَةٌ لِلرَّسُولِ ﷺ وَأَصْحَابِهِ، الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ مَكَّةَ، وَفَارَقُوا مَسْجِدَهُمْ وَمُصَلاَّهُمْ، وَقَدْ كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ، يُصَلِّي بِمَكَّةَ إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ وَالْكَعْبَةُ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَلَمَّا قَدِمَ الْمَدِينَةَ، وُجِّهَ إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ سِتَّـةَ عَشَرَ شَهْرًا أَوْ سَبْعَةَ عَشَرَ شَهْرًا، ثُمَّ صَرَفَهُ اللهُ إِلَى الْكَعْبَةِ بَعْدُ، وَلِهَذَا يَقُولُ تَعَالَى: {وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ}، وَقَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: كَانَ أَوَّلَ مَا نُسِخَ مِنَ الْقُرْآنِ الْقِبْلَةُ، وَذَلِكَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ لَمَّا هَاجَرَ إِلَى الْمَدِينَةِ، وَكَانَ أَهْلَهَا الْيَهُودُ، أَمَرَهُ اللهُ أَنْ يَسْتَقْبِلَ بَيْتَ الْمُقَدَّسِ، فَفَرِحَتِ الْيَهُودُ، فَاسْتَقْبَلَهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ بِضْعَةَ عَشَرَ شَهْرًا، وَكَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يُحِبُّ قِبْلَةَ إِبْرَاهِيمَ، وَكَانَ يَدْعُو وَيَنْظُرُ إِلَى السَّمَاءِ، فَأَنْزَلَ اللهُ {قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ} إِلَى قَوْلِهِ {فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ} [البقرة:144] فَارْتَابَ مِنْ ذَلِكَ الْيَهُودُ، وَقَالُوا: مَا وَلاَّهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ اَلَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا، فَأَنْزَلَ اللهُ {قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ} [البقرة:142]، وَقَالَ: {فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ} [572] وَقَالَ عِكْرِمَةُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ {فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ} قَالَ: قِبْلَةُ اللهِ، أَيْنَمَا تَوَجَّهْتَ شَرْقًا أَوْ غَرْبًا[573]. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: {فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ} حَيْثُمَا كَنْتُمْ فَلَكُمْ قِبْلَةٌ تَسْتَقْبِلُونَهَا: الْكَعْبَةُ[574]. [572] (الطبري: 2/527) [573] (ابن أبي حاتم: 1/347) [574] (ابن أبي حاتم: 1/345) قِيلَ: بَلْ أَنْزَلَ اللهُ هَذِهِ الْآيَةَ قَبْلَ أَنْ يَفْرِضَ التَّوَجُّهَ إِلَى الْكَعْبَةِ. قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: وَقَالَ آخَرُونَ: بَلْ نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ إِذْنًا مِنَ اللهِ أَنْ يُصَلِّيَ الْمُتَطَوِّعُ حَيْثُ تَوَجَّهَ، مِنْ شَرْقٍ أَوْ غَرْبٍ، فِي مَسِيرِهِ فِي سَفَرِهِ، وَفِي حَالِ الْمُسَايَفَةِ وَشِدَّةِ الْخَوْفِ[575]. فَعَنِ ابْنِ عُمَرَ، أَنَّهُ كَانَ يُصَلِّي حَيْثُ تَوَجَّهَتْ بِهِ رَاحِلَتُهُ، وَيَذْكُرُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ كَانَ يَفْعَلُ ذَلِكَ، وَيَتَأَوَّلُ هَذِهِ الْآيَةَ: {فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ} [576]. وَرَوَاهُ مُسْلِمٌ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ وَابْنُ مَرْدُويَهْ، وَأَصْلُهُ فِي الصَّحِيحَيْنِ، مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ وَعَامِرِ بْنِ رَبِيعَةَ، مِنْ غَيْرِ ذِكْرِ الْآيَةِ[577]. وَفِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ مِنْ حَدِيثِ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ: أَنَّهُ كَانَ إِذَا سُئِلَ عَنْ صَلاَةِ الْخَوْفِ وَصَفَهَا، ثُمَّ قَالَ: فَإِنْ كَانَ خَوْفٌ أَشَدُّ مِنْ ذَلِكَ، صَلَّوْا رِجَالاً قِيَامًا عَلَى أَقْدَامِهِمْ، وَرُكْبَانًا مُسْتَقْبِلِي الْقِبْلَةِ وَغَيْرَ مُسْتَقْبِلِيهَا، قَالَ نَافِعٌ: وَلاَ أَرَى ابْنَ عُمَرَ ذَكَرَ ذَلِكَ إِلاَّ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ [578]. [575] (الطبري: 2/530) [576] (الطبري: 2/530) [577] (مسلم: 1/486، وتحفة الأحوذي: 8/292، والنسائي: 1/244، وابن أبي حاتم: 1/344، والحاكم: 2/266) [578] (فتح الباري: 8/46) وَقِيلَ: نَزَلَتْ فِيمَنِ اشْتَبَهَتْ عَلَيْهِ الْقِبْلَةُ لِأَجْلِ الظُّلْمَةِ وَالسَّحَابِ وَنَحْوِهِمَا فَصَلَّى لِغَيْرِ الْقِبْلَةِ. [قِبْلَةُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَا بَيْنَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ] وَقَدْ أَوْرَدَ الْحَافِظُ أَبُو بَكْرِ بْنُ مَرْدُويَهْ فِي تَفْسِيرِ هَذِهِ الْآيَةِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «مَا بَيْنَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ قِبْلَةٌ، لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَأَهْلِ الشَّامِ وَأَهْلِ الْعِرَاقِ»[579]. وَلَهُ مُنَاسَبَةٌ هَهُنَا، وَقَدْ أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ بِلَفْظِ «مَا بَيْنَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ قِبْلَةٌ»[580]. قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: وَمَعْنَى قَوْلِهِ {إِنَّ اللَّهَ وَاسِعٌ عَلِيمٌ} يَسَعُ خَلْقَهُ كُلَّهُمْ بِالْكِفَايَةِ وَالْجُودِ وَالْإِفْضَالِ، وَأَمَّا قَوْلُهُ {عَلِيمٌ} فَإِنَّهُ يَعْنِي عَلِيمٌ بِأَعْمَالِهِمْ، مَا يَغِيبُ عَنْهُ مِنْهَا شَيْءٌ، وَلاَ يَعْزُبُ عَنْ عِلْمِهِ، بَلْ هُوَ بِجَمِيعِهَا عَلِيمٌ.[581] [579] (العقيلي: 4/309 إسناده ضعيف لأجل أبي معشر المديني أنظر العقيلي) [580] (تحفة الأحوذي: 2/317، وابن ماجه: 1/323) [581] (الطبري: 2/537) {وَقَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ *بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَإِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ} [الرَّدُّ عَلَى مَنْ يَقُولُ: إِنَّ للهِ وَلَدًا] اِشْتَمَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ الْكَرِيمَةُ، وَالَّتِي تَلِيهَا، عَلَى الرَّدِّ عَلَى النَّصَارَى، عَلَيْهِمْ لَعَائِنُ اللهِ، وَكَذَا مَنْ أَشْبَهَهُمْ مِنَ الْيَهُودِ، وَمِنْ مُشْرِكِي الْعَرَبِ، مِمَّنْ جَعَلَ الْمَلاَئِكَةَ بَنَاتِ اللهِ، فَأَكْذَبَ اللهُ جَمِيعَهُمْ فِي دَعْوَاهُمْ وَقَوْلِهِمْ: إِنَّ للهِ وَلَدًا. فَقَالَ تَعَالَى: {سُبْحَانَهُ} أَيْ تَعَالَى وَتَقَدَّسَ وَتَنَزَّهَ عَنْ ذَلِكَ عُلُوًّا كَبِيرًا {بَلْ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ} أَيْ لَيْسَ الْأَمْرُ كَمَا افْتَرَوْا، وَإِنَّمَا لَهُ مُلْكُ السَّموَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَنْ فِيهِنَّ، وَهُوَ الْمُتَصَرِّفُ فِيهِمْ، وَهُوَ خَالِقُهُمْ وَرَازِقُهُمْ وَمُقَدِّرُهُمْ وَمُسَخِّرُهُمْ، وَمُسَيِّرهُمْ، وَمُصَرِّفُهُمْ كَمَا يَشَاءُ، وَالْجَمِيعُ عَبِيدٌ لَهُ، وَمِلْكٌ لَهُ، فَكَيْفَ يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ مِنْهُمْ، وَالْوَلَدُ إِنَّمَا يَكُونُ مُتَوَلِّدًا مِنْ شَيْئَيْنِ مُتَنَاسِبَيْنِ، وَهُوَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى لَيْسَ لَهُ نَظِيرٌ وَلاَ مُشَارِكٌ فِي عَظَمَتِهِ وَكِبْرِيَائِهِ، وَلاَ صَاحِبَةَ لَهُ، فَكَيْفَ يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ؟ كَمَا قَالَ تَعَالَى: {بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صَاحِبَةٌ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} [الأنعام: 101] وَقَالَ تَعَالَى: {وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَانُ وَلَدًا *لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا *تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا *أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَانِ وَلَدًا *وَمَا يَنْبَغِي لِلرَّحْمَانِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا *إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ إِلاَّ آتِي الرَّحْمَانِ عَبْدًا *لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا *وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا} [مريم: 88-95] وَقَالَ تَعَالَى: {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ *اللَّهُ الصَمَدُ *لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ *وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ} [الإخلاص: 1-4]. فَقَرَّرَ تَعَالَى فِي هَذِهِ الْآيَاتِ الْكَرِيمَةَ أَنَّهُ السَّيِّدُ الْعَظِيمُ الَّذِي لاَ نَظِيرَ لَهُ، وَلاَ شَبِيهَ لَهُ، وَأَنَّ جَمِيعَ الْأَشْيَاءِ غَيْرِهِ مَخْلُوقَةٌ لَهُ مَرْبُوبَةٌ، فَكَيْفَ يَكُونُ لَهُ مِنْهَا وَلَدٌ؟ وَلِهَذَا رَوَى الْبُخَارِيُّ فِي تَفْسِيرِ هَذِهِ الْآيَةِ مِنَ الْبَقَرَةِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «قَالَ اللهُ تَعَالَى: كَذَّبَنِي ابْنُ آدَمَ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ، وَشَتَمَنِي وَلَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ، فَأَمَّا تَكْذِيبُهُ إِيَّايَ فَيَزْعَمُ أَنِّي لاَ أَقْدِرُ أَنْ أُعِيدَهُ كَمَا كَانَ، وَأَمَّا شَتْمُهُ إِيَّايَ فَقَوْلُهُ إِنَّ لِي وَلَدًا، فَسُبْحَانِي أَنْ أَتَّخِذَ صَاحِبَةً أَوْ وَلَدًا»[582]. اِنْفَرَدَ بِهِ الْبُخَارِيُّ من هذا الوجه. وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «لاَ أَحَدَ أَصْبَرُ عَلَى أَذًى سَمِعَهُ، مِنَ اللهِ، إِنَّهُمْ يَجْعَلُونَ لَهُ وَلَدًا، وَهُوَ يَرْزُقُهُمْ وَيُعَافِيهِمْ»[583]. [582] (فتح الباري: 8/18) [583] (فتح الباري: 13/372، ومسلم 4/2160) [كُلُّ شَيْءٍ خَاضِعٌ وَقَانِتٌ للهِ تَعَالَى] وَقَوْلُهُ: {كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ} [قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: أَخْبَرَنَا أَبُو سَعِيدٍ الْأَشَجُّ: أَخْبَرَنَا أَسْبَاطٌ عَنْ مُطَرِّفٍ عَنْ عَطِيَّةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: {قَانِتِينَ} مُصَلِّينَ[584]. وَقَالَ عِكْرِمَةُ وَأَبُو مَالِكٍ: {كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ} مُقِرُّونَ لَهُ بِالْعُبُودِيَّةِ[585]. وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: {كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ} : يَقُولُ: الْإِخْلاَصُ[586]. وَقَالَ الرَّبِيعُ بْنُ أَنَسٍ: يَقُولُ: {كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ} أَيْ قَائِمٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ[587]. وَقَالَ السُّدِّيُّ: {كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ} أَيْ: مُطِيعُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ[588]. وَقَالَ خُصَيْفٌ عَنْ مُجَاهِدٍ: {كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ} قَالَ: مُطِيعُونَ. كُنْ إِنْسَانًا فَكَانَ، وَقَالَ: كُنْ حِمَارًا فَكَانَ[589]. وَقَالَ ابْنُ أَبِي نَجِيحٍ عَنْ مُجَاهِدٍ: {كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ} مُطِيعُونَ، قَالَ: طَاعَةُ الْكَافِرِ فِي سُجُودِ ظِلِّهِ وَهُوَ كَارِهٌ[590]. وَهَذَا الْقَوْلُ عَنْ مُجَاهِدٍ - وَهُوَ اِخْتِيَارُ ابْنِ جَرِيرٍ- يَجْمَعُ الْأَقْوَالَ كُلَّهَا، وَهُوَ أَنَّ الْقُنُوتَ: هُوَ الطَّاعَةُ وَالاِسْتِكَانَةُ إِلَى اللهِ، وَهُوَ شَرْعِيٌّ وَقَدَرِيٌّ، كَمَا قَالَ اللهُ تَعَالَى: {وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَظِلاَلُهُمْ بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ} [الرعد: 15]. [584] (ابن أبي حاتم: 1/349)] [585] (ابن أبي حاتم: 1/349 إسناده ضعيف عطية العوفي ضعيف) [586] (ابن أبي حاتم: 1/350) [587] (ابن أبي حاتم: 1/350) [588] (الطبري: 2/538) [589] (ابن أبي حاتم: 1/349) [590] (ابن أبي حاتم: 1/348) [مَعْنَى الْبَدِيـعِ] وَقَوْلُهُ تَعَالَى: {بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ} أَيْ: خَالِقُهُمَا عَلَى غَيْرِ مِثَالٍ سَبَقَ. [قَالَهُ] مُجَاهِدٌ وَالسُّدِّيُّ. وَهُوَ مَقْتَضَى اللُّغَةِ، وَمِنْهُ يُقَالُ لِلشَّيْءِ الْمُحْدَثِ: بِدْعَةٌ، كَمَا جَاءَ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ: «فَإِنَّ كُلَّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ» وَالْبِدْعَةُ عَلَى قِسْمَيْنِ: تَارَةً تَكُونُ بِدْعَةً شَرْعِيَّةً، كَقَوْلِهِ: «فَإِنَّ كُلَّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ، وَكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلاَلَةٌ»[591]. وَتَارَةً تَكُونُ بِدْعَةً لُغَوِيَّةً، كَقَوْلِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ عَنْ جَمْعِهِ إِيَّاهُمْ عَلَى صَلاَةِ التَّرَاوِيحِ وَاسْتِمْرَارِهِمْ: نِعْمَتِ الْبِدْعَةُ هَذِهِ. [591] (مسلم: 2/592) قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: فَمَعْنَى الْكَلاَمِ: سُبْحَانَ اللهِ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ، وَهُوَ مَالِكُ مَا فِي السَّموَاتِ وَالْأَرْضِ، تَشْهَدُ لَهُ جَمِيعُهَا بِدَلاَلَتِهَا عَلَيْهِ بِالْوَحْدَانِيَّةِ، وَتُقِرُّ لَهُ بِالطَّاعَةِ، وَهُوَ بَارِئُهَا وَخَالِقُهَا وَمُوجِدُهَا، مِنْ غَيْرِ أَصْلٍ وَلاَ مِثَالٍ اِحْتَذَاهَا عَلَيْهِ، وَهَذَا إِعْلاَمٌ مِنَ اللهِ لِعِبَادِهِ أَنَّ مِمَّنْ يَشْهَدُ لَهُ بِذَلِكَ: الْمَسِيحُ - الَّذِي أَضَافُوا إِلَى اللهِ بُنُوَّتَهُ - وَإِخْبَارٌ مِنْهُ لَهُمْ: أَنَّ الَّذِي اِبْتَدَعَ السَّموَاتِ وَالْأَرْضَ مِنْ غَيْرِ أَصْلٍ، وَعَلَى غَيْرِ مِثَالٍ، هُوَ الَّذِي اِبْتَدَعَ الْمَسِيحَ عِيسَى، مِنْ غَيْرِ وَالِدٍ بِقُدْرَتِهِ[592]. [592] (الطبري: 2/550) وَهَذَا مِنِ ابْنِ جَرِيرٍ رَحِمَهُ اللهُ كَلاَمٌ جَيِّدٌ وَعِبَارَةٌ صَحِيحَةٌ. وَقَوْلُهُ تَعَالَى: {وَإِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ} يُبَيِّنُ بِذَلِكَ تَعَالَى كَمَالَ قُدْرَتِهِ، وَعِظيمَ سُلْطَانِهِ، وَأَنَّهُ إِذَا قَدَّرَ أَمْرًا وَأَرَادَ كَوْنَهُ فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ: كُنْ -أَيْ مَرَّةً وَاحِدَةً- فَيَكُونُ، أَيْ فَيُوجَدُ، عَلَى وَفْقِ مَا أَرَادَ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: {إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ} [يس: 82]، وَقَالَ تَعَالَى: {إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ} [النحل: 40]، وَقَالَ تَعَالَى: {وَمَا أَمْرُنَا إِلاَّ وَاحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ} [القمر: 50] وَنَبَّهَ بِذَلِكَ أَيْضًا عَلَى أَنْ خَلْقَ عِيسى بِكَلِمَةِ «كُنْ» فَكَانَ كَمَا أَمَرَهُ اللهُ، قَالَ اللهُ تَعَالَى: {إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ} [آل عمران: 59]. {وَقَالَ الَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ لَوْلاَ يُكَلِّمُنَا اللَّهُ أَوْ تَأْتِينَا آيَةٌ كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِثْلَ قَوْلِهِمْ تَشَابَهَتْ قُلُوبُهُمْ قَدْ بَيَّنَّا الآيَاتِ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ} رَوَى مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: قَالَ رَافِعُ بْنُ حُرَيمِلَةَ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ: يَا مُحَمَّدُ إِنْ كُنْتَ رَسُولاً مِنَ اللهِ كَمَا تَقُولُ، فَقُلْ للهِ فَيُكَلِّمَنَا حَتَّى نَسْمَعَ كَلاَمَهُ. فَأَنْزَلَ اللهُ فِي ذَلِكَ مِنْ قَوْلِهِ: {وَقَالَ الَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ لَوْلاَ يُكَلِّمُنَا اللَّهُ أَوْ تَأْتِينَا آيَةٌ } [593]. وَقَالَ أَبُو الْعَالِيَةِ وَالرَّبِيعُ بْنُ أَنَسٍ وَقَتَادَةُ وَالسُّدِّيُّ فِي تَفْسِيرِ هَذِهِ الْآيَةِ: هَذَا قَوْلُ كُفَّارِ الْعَرَبِ: {كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِثْلَ قَوْلِهِمْ}، قَالَ: هُمُ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى[594]. [593] (ابن أبي حاتم: 1/352 إسناده ضعيف كما مرّ) [594] (ابن أبي حاتم: 1/353) وَيُؤَيِّدُ هَذَا الْقَوْلَ- وَأَنَّ الْقَائِلِينَ ذَلِكَ هُمْ مُشْرِكُو الْعَرَبِ- قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَإِذَا جَاءَتْهُمْ آيَةٌ قَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ حَتَّى نُؤْتَى مِثْلَ مَا أُوتِيَ رُسُلُ اللَّهِ اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ سَيُصِيبُ الَّذِينَ أَجْرَمُوا صَغَارٌ عِنْدَ اللَّهِ وَعَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا كَانُوا يَمْكُرُونَ}... الْآيَةَ [الأنعام: 124]. وَقَوْلُهُ تَعَالَى: {وَقَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الأَرْضِ يَنْبُوعًا} إِلَى قَوْلِهِ: {قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنْتُ إِلاَّ بَشَرًا رَسُولاً} [الإسراء: 90-93]، وَقَوْلُهُ تَعَالَى: {وَقَالَ الَّذِينَ لاَ يَرْجُونَ لِقَاءَنَا لَوْلاَ أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْمَلاَئِكَةُ أَوْ نَرَى رَبَّنَا}... الْآيَةَ [الفرقان: 21] وَقَوْلُهُ تَعَالَى: {بَلْ يُرِيدُ كُلُّ امْرِىءٍ مِنْهُمْ أَنْ يُؤْتَى صُحُفًا مُنَشَّرَةً} [المدثر: 52] ؛ إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْآيَاتِ الدَّالَّةِ عَلَى كُفْرِ مُشْرِكِي الْعَرَبِ، وَعُتُوِّهِمْ وَعِنَادِهِمْ وَسُؤَالِهِمْ مَا لاَ حَاجَةَ لَهُمْ بِهِ، إِنَّمَا هُوَ الْكُفْرُ وَالْمُعَانَدَةُ، كَمَا قَالَ مَنْ قَبْلَهُمْ مِنَ الْأُمَمِ الْخَالِيَةِ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابَيْنِ وَغَيْرِهِمْ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: {يَسْأَلُكَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتَابًا مِنَ السَّمَاءِ فَقَدْ سَأَلُوا مُوسَى أَكْبَرَ مِنْ ذَلِكَ فَقَالُوا أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً} [النساء: 153]، وَقَالَ تَعَالَى: {وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً } [البقرة: 55]. وَقَوْلُهُ تَعَالَى: {تَشَابَهَتْ قُلُوبُهُمْ} ؛ أَيْ أَشْبَهَتْ قُلُوبُ مُشْرِكِي الْعَرَبِ قُلُوبَ مَنْ تَقَدَّمَهُمْ فِي الْكُفْرِ وَالْعِنَادِ وَالْعُتُوِّ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: {كَذَلِكَ مَا أَتَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلاَّ قَالُوا سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ * أَتَوَاصَوْا بِهِ}... الْآيَةَ [الذاريات:52،53] وَقَوْلُهُ تَعَالَى: {قَدْ بَيَّنَّا الآيَاتِ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ} أَيْ قَدْ أَوْضَحْنَا الدَّلاَلاَتِ عَلَى صِدْقِ الرُّسُلِ، بِمَا لاَ يَحْتَاجُ مَعَهَا إِلَى سُؤَالٍ آخَرَ وَزِيَادَةٍ أُخْرى لِمَنْ أَيْقَنَ وَصَدَّقَ وَاتَّبَعَ الرُّسُلَ، وَفَهِمَ مَا جَاءُوا بِهِ عَنِ اللهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى، وَأَمَّا مَنْ خَتَمَ اللهُ عَلَى قَلْبِهِ وَسَمْعِهِ، وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً، فَأُولَئِكَ قَالَ اللهُ فِيهِمْ: {إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ *وَلَوْ جَاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الأَلِيمَ} [يونس: 96، 97]. {إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلاَ تُسْأَلُ عَنْ أَصْحَابِ الْجَحِيمِ} وَقَوْلُهُ: {وَلاَ تُسْأَلُ عَنْ أَصْحَابِ الْجَحِيمِ} لاَ نَسْأَلُكَ عَنْ كُفْرِ مَنْ كَفَرَ بِكَ كقَوْلِهِ: {فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلاَغُ وَعَلَيْنَا الْحِسَابُ} [الرعد: 40]، وَكَقَوْلِهِ تَعَالَى: {فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ *لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ}... الْآيَةَ [الغاشية:21-26]، وَكَقَوْلِهِ تَعَالَى: {نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَقُولُونَ وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِجَبَّارٍ فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَنْ يَخَافُ وَعِيدِ} [ق: 45] ؛ وَأَشْبَاهِ ذَلِكَ مِنَ الْآيَاتِ. [أَوْصَافُهُ ﷺ فِي التَّوْرَاةِ] وَرَوَى الْإِمَامُ أَحْمَدُ عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، قَالَ: لَقِيتُ عَبْدَ اللهِ بْنَ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ، فَقُلْتُ: أَخْبِرْنِي عَنْ صِفَةِ رَسُولِ اللهِ ﷺ فِي التَّوْرَاةِ فَقَالَ: أَجَلْ، وَاللهِ إِنَّهُ لَمَوْصُوفٌ فِي التَّوْرَاةِ بِصِفَتِهِ فِي الْقُرْآنِ؛ يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا، وَحِرْزًا لِلْأُمِّـيِّـينَ، وَأَنْتَ عَبْدِي وَرَسُولِي، سَمَّيْتُكَ الْمُتَوَكِّلَ، لاَ فَظٌّ وَلاَ غَلِيظٌ، وَلاَ صَخَّابٌ فِي الْأَسْوَاقِ، وَلاَ يَدْفَعُ بِالسَّيِّئَةِ السَّيِّئَةَ، وَلَكِنْ يَعْفُو وَيَغْفِرُ، وَلَنْ يَقْبِضَهُ حَتَّى يُقِيمَ بِهِ الْمِلَّةَ الْعَوْجَاءَ، بِأَنْ يَقُولُوا: لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ، فَيَفْتَحُ بِهِ أَعْيُنًا عُمْيًا، وَآذَانًا صُمًّا، وَقُلُوبًا غُلْفًا[595]. اِنْفَرَدَ بِإِخْرَاجِهِ الْبُخَارِيُّ، فَرَوَاهُ فِي الْبُيُوعِ وَفِي التَّفْسِيرِ[596]. [595] (أحمد: 2/174) [596] (فتح الباري: 4/402، و 8/449، والأدب المفرد: 72) {وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلاَ النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلاَ نَصِيرٍ *الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاَوَتِهِ أُوْلَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ} قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: يَعْنِي بِقَوْلِهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: {وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلاَ النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ} وَلَيْسَتِ الْيَهُودُ يَا مُحَمَّدُ وَلاَ النَّصَارَى بِرَاضِيَةٍ عَنْكَ أَبَدًا، فَدَعْ طَلَبَ مَا يُرْضِيهِمْ وَيُوَافِقُهُمْ، وَأَقْبِلْ عَلَى طَلَبِ رِضَا اللهِ فِي دُعَائِهِمْ إِلَى مَا بَعَثَكَ اللهُ بِهِ مِنَ الْحَقِّ، وَقَوْلُهُ تَعَالَى: {قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى} أَيْ: قُلْ يَا مُحَمَّدُ: إِنَّ هُدَى اللهِ الَّذِي بَعَثَنِي بِهِ هُوَ الْهُدى، يَعْنِي هُوَ الدِّينُ الْمُسْتَقِيمُ[597] الصَّحِيحُ الْكَامِلُ الشَّامِلُ، قَالَ قَتَادَةُ فِي قَوْلِهِ: {قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى} قَالَ: خُصُومَةٌ عَلَّمَهَا اللهُ مُحَمَّدًا ﷺ وَأَصْحَابَهُ يُخَاصِمُونَ بِهَا أَهْلَ الضَّلاَلَةِ[598]. قَالَ قَتَادَةُ: وَبَلَغَنَا أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ كَانَ يَقُولُ: «لاَ تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي يُقَاتِلُونَ عَلَى الْحَقِّ، ظَاهِرِينَ، لاَ يَضُرُّهُمْ مَنْ خَالَفَهُمْ حَتَّى يَأْتِيَ أَمْرُ اللهِ»[599] [597] (الطبري: 2/562) [598] (ابن أبي حاتم: 1/356) [599] (ابن أبي حاتم: 1/355) (قُلْتُ): هَذَا الْحَدِيثُ مُخَرَّجٌ فِي الصَّحِيحِ عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو[600]. {وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلاَ نَصِيرٍ} فِيهِ تَهْدِيدٌ وَوَعِيدٌ شَدِيدٌ لِلْأُمَّةِ عَنِ اتِّبَاعِ طَرَائِقِ الْيَهُودِ وَالنَّصَارى بَعْدَ مَا عَلِمُوا مِنَ الْقُرْآنِ وَالسُّنَّـةِ، عِيَاذًا بِاللهِ مِنْ ذَلِكَ، فَإِنَّ الْخِطَابَ مَعَ الرَّسُولِ وَالْأَمْرَ لِأُمَّتِهِ. [600] (مسلم: 1924) [مَعْنَى التِّلاَوَةِ الحَقَّةِ] وَقَوْلُهُ: {الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاَوَتِهِ} قَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ قَتَادَةَ: هُمُ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى، وَهُوَ قَوْلُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، وَاخْتَارَهُ ابْنُ جَرِيرٍ. وَقَالَ سَعِيدٌ عَنْ قَتَادَةَ: هُمْ أَصْحَابُ رَسُولِ اللهِ ﷺ. وَقَالَ أَبُو الْعَالِيَةِ: قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ! إِنَّ حَقَّ تِلاَوَتِهِ أَنْ يُحِلَّ حَلاَلَهُ، وَيُحَرِّمَ حَرَامَهُ، وَيَقْرَأَهُ كَمَا أَنْزَلَهُ اللهُ، وَلاَ يُحَرِّفَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ، وَلاَ يَتَأَوَّلَ مِنْهُ شَيْئًا عَلَى غَيْرِ تَأْوِيلِهِ[601]. قَالَ السُّدِّيُّ عَنْ أَبِي مَالِكٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي هَذِهِ الْآيَةِ، قَالَ: يُحِلُّونَ حَلاَلَهُ وَيُحَرِّمُونَ حَرَامَهُ، وَلاَ يُحَرِّفُونَهُ عَنْ مَوَاضِعِهِ[602]. وَعَنْ عُمَرَ ابْنِ الْخَطَّابِ: هُمُ الَّذِينَ إِذَا مَرُّوا بِآيَةِ رَحْمَةٍ سَأَلُوهَا مِنَ اللهِ، وَإِذَا مَرُّوا بِآيَةِ عَذَابٍ اِسْتَعَاذُوا مِنْهَا[603]. قَالَ: وَقَدْ رُوِيَ هَذَا الْمَعْنَى عَنِ النَّبيِّ ﷺ أَنَّهُ كَانَ إِذَا مَرَّ بِآيَةِ رَحْمَةٍ سَأَلَ، وَإِذَا مَرَّ بِآيَةِ عَذَابٍ تَعَوَّذَ[604]. [601] (الطبري: 2/567) [602] (الطبري: 2/567) [603] (القرطبي: 2/95 إسناده ضعيف زيد بن أسلم لم يسمع من عمر رضي الله عنه) [604] (ابن ماجه: 429) وَقَوْلُهُ: {أُوْلَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ} خَبَرٌ عَنِ {الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاَوَتِهِ} أَيْ: مَنْ أَقَامَ كِتَابَهُ مِنْ أَهْلِ الْكُتُبِ الْمُنَزَّلَةِ عَلَى الْأَنْبِيَاءِ الْمُتَقَدِّمِينَ حَقَّ إِقَامَتِهِ؛ آمَنَ بِمَا أَرْسَلْتُكَ بِهِ يَا مُحَمَّدُ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: {وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ لأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ}... الْآيَةَ [المائدة: 66] {قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَسْتُمْ عَلَى شَيْءٍ حَتَّى تُقِيمُوا التَّوْرَاةَ وَالإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ} [المائدة: 68] أَيْ: إِذَا أَقَمْتُمُوهَا حَقَّ الْإِقَامَةِ، وَآمَنْتُمْ بِهَا حَقَّ الْإِيمَانِ، وَصَدَّقْتُمْ مَا فِيهَا مِنَ الإِخْبَارِ بِمَبْعَثِ مُحَمَّدٍ ﷺ وَنَعْتِهِ وَصِفَتِهِ، وَالْأَمْرِ بِاتِّبَاعِهِ وَنَصْرِهِ وَمُؤَازَرَتِهِ؛ قَادَكُمْ ذَلِكَ إِلَى الْحَقِّ وَاتِّبَاعِ الْخَيْرِ فِي الدُّنْيَا وَالاْخِرَةِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: {الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنْجِيلِ}... الْآيَةَ [الأعراف:157]، وَقَالَ تَعَالَى: {قُلْ آمِنُوا بِهِ أَوْ لاَ تُؤْمِنُوا إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلأَذْقَانِ سُجَّدًا *وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنْ كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولاً} [الإسراء:107،108] أَيْ: إِنْ كَانَ مَا وَعَدَنَا بِهِ - مِنْ شَأْنِ مُحَمَّدٍ ﷺ - لَوَاقِعًا، وَقَالَ تَعَالَى: {الَّذِينَ آتَيْنَاهُمْ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِهِ هُمْ بِهِ يُؤْمِنُونَ *وَإِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ قَالُوا آمَنَّا بِهِ إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّنَا إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ *أُولَئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ بِمَا صَبَرُوا وَيَدْرَأُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ} [القصص:52-54] وَقَالَ تَعَالَى: {وَقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالأُمِيِّينَ أَأَسْلَمْتُمْ فَإِنْ أَسْلَمُوا فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلاَغُ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ} [آل عمران: 20]. وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى: {وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ} كَمَا قَالَ تَعَالَى: {وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ مِنَ الأَحْزَابِ فَالنَّارُ مَوْعِدُهُ} [هود: 17] وَفِي الصَّحِيحِ: «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ! لاَ يَسْمَعُ بِي أَحَدٌ مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ، يَهُودِيٌّ وَلاَ نَصْرَانِيٌّ ثُمَّ لاَ يُؤْمِنُ بِي إِلاَّ دَخَلَ النَّارَ»[605]. [605] (مسلم: 1/134) {يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ *وَاتَّقُوا يَوْمًا لاَ تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا وَلاَ يُقْبَلُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلاَ تَنْفَعُهَا شَفَاعَةٌ وَلاَ هُمْ يُنْصَرُونَ} قَدْ تَقَدَّمَ نَظِيرُ هَذِهِ الْآيَةِ فِي صَدْرِ السُّورَةِ، وَكُرِّرَتْ هَهُنَا لِلتَّأكِيدِ وَالْحَثِّ عَلَى اتِّـبَاعِ الرَّسُولِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يَجِدُونَ صِفَتَهُ فِي كُتُبِهِمْ، وَنَعْتَهُ وَاِسْمَهُ وَأَمْرَهُ وَأُمَّتَهُ، فَحَذَّرَهُمْ مِنْ كِتْمَانِ هَذَا، وَكِتْمَانِ مَا أَنْعَمَ بِهِ عَلَيْهِمْ، وَأَمَرَهُمْ أَنْ يَذْكُرُوا نِعْمَةَ اللهِ عَلَيْهِمْ مِنَ النِّعَمِ الدُّنْيَوِيَّةِ وَالدِّينِيَّةِ، وَلاَ يَحْسُدُوا بَنِي عَمِّهِمْ مِنَ الْعَرَبِ عَلَى مَا رَزَقَهُمُ اللهُ مِنْ إِرْسَالِ الرَّسُولِ الْخَاتَمِ مِنْهُمْ، وَلاَ يَحْمِلُهُمْ ذَلِكَ الْحَسَدُ عَلَى مُخَالَفَتِهِ وَتَكْذِيبِهِ وَالْحَيْدِ عَنْ مُوَافَقَتِهِ، صَلَوَاتُ اللهِ وَسَلاَمُهُ عَلَيْهِ دَائِمًا إِلَى يَوْمِ الدِّينِ. {وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَتِي قَالَ لاَ يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ} [ذِكْرُ إِبْرَاهِيمَ الْخَلِيلِ وَتَوْلِيَتِهِ إِمَامَةَ النَّاسِ] يَقُولُ تَعَالَى مُنَبِّهًا عَلَى شَرَفِ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلِهِ عَلَيْهِ السَّلاَمُ، وَأَنَّ اللهَ تَعَالَى جَعَلَهُ إِمَامًا لِلنَّاسِ يُقْتَدى بِهِ فِي التَّوْحِيدِ حِينَ قَامَ بِمَا كَلَّفَهُ اللهُ تَعَالَى بِهِ مِنَ الْأَوَامِرِ وَالنَّوَاهِي، وَلِهَذَا قَالَ: {وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ} أَيْ وَاذْكُرْ يَا مُحَمَّدُ، لِهؤُلاَءِ الْمُشْرِكِينَ وَأَهْلِ الْكِتَابَيْنِ - الَّذِينَ يَنْتَحِلُونَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ، وَلَيْسُوا عَلَيْهَا، وَإِنَّمَا الَّذِي هُوَ عَلَيْهَا مُسْتَقِيمٌ فَأَنْتَ وَالَّذِينَ مَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ - اُذْكُرْ لِهؤُلاَءِ اِبْتَلاَءَ اللهِ إِبْرَاهِيمَ، أَيْ اِخْتَبَارَهُ لَهُ بِمَا كَلَّفَهُ بِهِ مِنَ الْأَوَامِرِ وَالنَّوَاهِي {فَأَتَمَّهُنَّ} أَيْ قَامَ بِهِنَّ كُلِّهِنَّ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: {وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى} [النجم: 37] أَيْ وَفَّى جَمِيعَ مَا شُرِعَ لَهُ فَعَمِلَ بِهِ صَلَوَاتُ اللهِ عَلَيْهِ، وَقَالَ تَعَالَى: {إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ *شَاكِرًا لِأَنْعُمِهِ اجْتَبَاهُ وَهَدَاهُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ *وَآتَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَإِنَّهُ فِي الآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ *ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ} [النحل: 120-123] وَقَالَ تَعَالَى: {قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ دِيناً قِيَمًا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ} [الأنعام: 161]، وقَالَ تَعَالَى: {مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلاَ نَصْرَانِيًّا وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ *إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ} [آل عمران: 67، 68]. وَقَوْلُهُ تَعَالَى: {بِكَلِمَاتٍ} أَيْ: بِشَرَائِعَ وَأَوَامِرَ وَنَوَاهٍ، فَإِنَّ الْكَلِمَاتِ تُطْلَقُ، وَيُرَادُ بِهَا الْكَلِمَاتُ الْقَدَرِيَّةُ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى عَنْ مَرْيَمَ عَلَيْهَا السَّلاَمُ: {وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا وَكُتُبِهِ وَكَانَتْ مِنَ الْقَانِتِينَ} [التحريم: 12] وَتُطْلَقُ، وَيُرَادُ بِهَا الشَّرْعِيَّةُ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلاً} [الأنعام: 115] أَيْ: كَلِمَاتُهُ الشَّرْعِيَّةُ، وَهِيَ إِمَّا خَبَرُ صِدْقٍ، وَإِمَّا طَلَبُ عَدْلٍ إِنْ كَانَ أَمْرًا أَوْ نَهْيًا، وَمِنْ ذَلِكَ هَذِهِ الْآيَةُ الْكَرِيمَةُ: {وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ}، أَيْ قَامَ بِهِنَّ، قَالَ: {إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا} أَيْ جَزَاءً عَلَى مَا فَعَلَ؛ لمّا قَامَ بِالْأَوَامِرِ، وَتَرَكَ الزَّوَاجِرَ جَعَلَهُ اللهُ لِلنَّاسِ قُدْوَةً، وَإِمَامًا يُقْتَدَى بِهِ وَيُحْتَذى حَذْوُهُ. [مَا هِيَ كَلِمَاتُ الاِبْتِلاَءِ؟] وَقَدِ اخْتُلِفَ فِي تَعْيِينِ الْكَلِمَاتِ الَّتِي اِخْتَبَرَ اللهُ بِهَا إِبْرَاهِيمَ الْخَلِيلَ عَلَيْهِ السَّلاَمُ، فَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي ذَلِكَ رِوَايَاتٌ، فَرَوَى عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: اِبْتَلاَهُ اللهُ بِالْمَنَاسِكِ[606]. وَكَذَا رَوَاهُ أَبُو إِسْحَاقَ[607]. وَرَوَى عَبْدُ الرَّزَّاقِ أَيْضًا عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: {وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ}، قَالَ: اِبْتَلاَهُ بِالطَّهَارَةِ: خَمْسٌ فِي الرَّأْسِ وَخَمْسٌ فِي الْجَسَدِ، فِي الرَّأْسِ. قَصُّ الشَّارِبِ وَالْمَضْمَضَةُ، وَالاِسْتِنْشَاقُ، وَالسِّوَاكُ وَفَرْقُ الرَّأْسِ. وَفِي الْجَسَدِ تَقْلِيمُ الْأَظْفَارِ، وَحَلْقُ الْعَانَةِ، وَالْخِتَانُ، وَنَتْفُ الْإِبْطِ[608]. وَغَسْلُ أَثَرِ الْغَائِطِ وَالْبَوْلِ بِالْمَاءِ. قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: وَرُوِيَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ وَمُجَاهِدٍ وَالشَّعْبِيِّ وَالنَّخَعِيِّ، وَأَبِي صَالِحٍ وَأَبِي الْجَلْدِ نَحْوُ ذَلِكَ[609]. [606] (الطبري: 3/13) [607] (الطبري: 3/13) [608] (عبدالرزاق: 1/57) [609] (ابن أبي حاتم: 1/359) (قُلْتُ): وَقَرِيبٌ مِنْ هَذَا مَا ثَبَتَ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا، قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «عَشْرٌ مِنَ الْفِطْرَةِ: قَصُّ الشَّارِبِ، وَإِعْفَاءُ اللِّحْيَةِ، وَالسِّوَاكُ، وَاسْتِنْشَاقُ الْمَاءِ، وَقَصُّ الْأَظْفَارِ، وَغَسْلُ الْبَرَاجِمِ، وَنَتْفُ الْإِبِطِ، وَحَلْقُ الْعَانَةِ، وَانْتِقَاصُ الْمَاءِ» وَنَسِيتُ الْعَاشِرَةَ إِلاَّ أَنْ تَكُونَ الْمَضْمَضَةَ. قَالَ وَكِيعٌ: انْتِقَاصُ الْمَاءِ، يَعْنِي: الْاِسْتِنْجَاءَ[610]. وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «اَلْفِطْرَةُ خَمْسٌ: الْخِتَانُ، وَالاِسْتِحْدَادُ، وَقَصُّ الشَّارِبِ، وَتَقْلِيمُ الْأَظْفَارِ، وَنَتْفُ الْإِبِطِ»، وَلَفْظُهُ لِمُسْلِمٍ[611]. [610] (مسلم: 1/223) [611] (فتح الباري: 10/347، ومسلم 1/222) وَرَوَى مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: اَلْكَلِمَاتُ الَّتِي ابْتَلَى اللهُ بِهِنَّ إِبْرَاهِيمَ فَأَتَمَّهُنَّ: فِرَاقُ قَوْمِهِ فِي اللهِ حِينَ أُمِرَ بِمُفَارَقَتِهِمْ. وَمُحَاجَّتُهُ نُمْرُوذَ فِي اللهِ حِينَ وَقَفَهُ عَلَى مَا وَقَفَهُ عَلَيْهِ مِنْ خَطَرِ الْأَمْرِ الَّذِي فِيهِ خِلاَفُهُ. وَصَبْرُهُ عَلَى قَذْفِهِ إِيَّاهُ فِي النَّارِ لِيُحْرِقُوهُ فِي اللهِ، عَلَى هَوْلِ ذَلِكَ مِنْ أَمْرِهِمْ. وَالْهِجْرَةُ بَعْدَ ذَلِكَ مِنْ وَطَنِهِ وَبِلاَدِهِ فِي اللهِ حِينَ أَمَرَهُ بِالْخُرُوجِ عَنْهُمْ. وَمَا أَمَرَهُ بِهِ مِنَ الضِّيَافَةِ وَالصَّبْرِ عَلَيْهَا بِنَفْسِهِ وَمَالِهِ. وَمَا ابْتُلِيَ بِهِ مِنْ ذَبْحِ ابْنِهِ حِينَ أَمَرَهُ بِذَبْحِهِ. فَلَمَّا مَضى عَلَى ذَلِكَ مِنَ اللهِ كُلِّهِ، وَأَخْلَصَهُ لِلْبَلاَءِ، قَالَ اللهُ لَهُ: {أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ} عَلَى مَا كَانَ مِنْ خِلاَفِ النَّاسِ وَفِرَاقِهِمْ[612]. [612] (ابن أبي حاتم: 1/360 إسناده ضعيف لجهالة محمد بن أبي محمد كما سبق) [عَهْدُ اللهِ لاَ يَنَالُ الظَّالِمِينَ] وَقَوْلُهُ: {وَمِنْ ذُرِّيَتِي} قَالَ: {لاَ يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ} لَمَّا جَعَلَ اللهُ إِبْرَاهِيمَ إِمَامًا سَأَلَ اللهَ أَنْ تَكُونَ الْأَئِمَّةُ مِنْ بَعْدِهِ مِنْ ذُرِّيَّتِهِ، فَأُجِيبَ إِلَى ذَلِكَ، وَأُخْبِرَ أَنَّهُ سَيَكُونُ مِنْ ذُرِّيَّتِهِ ظَالِمُونَ، وَأَنَّهُ لاَ يَنَالُهُمْ عَهْدُ اللهِ، وَلاَ يَكُونُونَ أَئِمَّةً، فَلاَ يُقْتَدَى بِهِمْ، وَالدَّلِيلُ عَلَى أَنَّهُ أُجِيبَ إِلَى طَلِبَتِهِ قَوْلُهُ تَعَالَى فِي سُورَةِ الْعَنْكَبُوتِ: {وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِ النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ} [العنكبوت: 27] فَكُلُّ نَبِيٍّ أَرْسَلَهُ اللهُ، وَكُلُّ كِتَابٍ أَنْزَلَهُ اللهُ بَعْدَ إِبْرَاهِيمَ؛ فَفِي ذُرِّيَّتِهِ صَلَوَاتُ اللهِ وَسَلاَمُهُ عَلَيْهِ؛ وَأَمَّا قَوْلُهُ تَعَالَى: {قَالَ لاَ يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ} فَيُخْبِرُهُ أَنَّهُ كَائِنٌ فِي ذُرِّيَّتِهِ ظَالِمٌ؛ لاَ يَنَالُ عَهْدَهُ، وَلاَ يَنْبَغِي أَنْ يُوَلِّيَهُ شَيْئًا مِنْ أَمْرِهِ، وَإِنْ كَانَ مِنْ ذُرِّيَةِ خَلِيلِهِ. وَمُحْسِنٌ؛ سَتَنْفُذُ فِيهِ دَعْوَتُهُ، وَتَبْلُغُ لَهُ مَا أَرَادَ مِنْ مَسْأَلَتِهِ. وَاخْتَارَ ابْنُ جَرِيرٍ: أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ وَإِنْ كَانَتْ ظَاهِرَةً فِي الْخَبَرِ، أَنَّهُ لاَ يَنَالُ عَهْدُ اللهِ بِالْإِمَامَةِ ظَالِمًا، فَفِيهَا إِعْلاَمٌ مِنَ اللهِ لِإِبْرَاهِيمَ الْخَلِيلِ عَلَيْهِ السَّلاَمُ، أَنَّهُ سَيُوجَدُ مِنْ ذُرِّيَّتِكَ مَنْ هُوَ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ. وَقَالَ ابْنُ خُوَيْزٍ مِنْدَادُ الْمَالِكِيُّ: اَلظَّالِمُ لاَ يَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ خَلِيفَةً، وَلاَ حَاكِمًا، وَلاَ مُفْتِيًا، وَلاَ شَاهِدًا وَلاَ رَاوِيًا. {وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْناً وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلّىً وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَنْ طَهِّرَا بَيْتِي لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ} [فَضْلُ بَيْتِ اللهِ] قَالَ الْعَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ} يَقُولُ: لاَ يَقْضُونَ فِيهِ وَطَرًا، يَأْتُونَهُ ثُمَّ يَرْجِعُونَ إِلَى أَهْلِيهِمْ، ثُمَّ يَعُودُونَ إِلَيْهِ[613]. وَقَالَ أَبُو جَعْفَرٍ الرَّازِيُّ عَنِ الرَّبِيعِ بْنِ أَنَسٍ عَنْ أَبِي الْعَالِيَةِ {وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْناً} يَقُولُ: وَأَمْنًا مِنَ الْعَدُوِّ وَأَنْ يُحْمَلَ فِيهِ السِّلاَحُ، وَقَدْ كَانُوا فِي الْجَاهِلِيَّةِ يُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ وَهُمْ آمِنُونَ لاَ يُسْبَوْنَ[614]. وَرُوِيَ عَنْ مُجَاهِدٍ وَعَطَاءٍ وَالسُّدِّيِّ وَقَتَادَةَ وَالرَّبِيعِ بْنِ أَنَسٍ قَالُوا: مَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا[615]. [613] (الطبري (1969) إسناده ضعيف العوفي ضعيف كما مرّ) [614] (الطبري: 3/29) [615] (ابن أبي حاتم: 1/370) وَمَضْمُونُ هَذِهِ الْآيَةِ: أَنَّ اللهَ تَعَالَى يَذْكُرُ شَرَفَ الْبَيْتِ، وَمَا جَعَلَهُ مَوْصُوفًا بِهِ شَرْعًا وَقَدْرًا، مِنْ كَوْنِهِ مَثَابَةً لِلنَّاسِ، أَيْ جَعَلَهُ مَحَلًّا تَشْتَاقُ إِلَيْهِ الْأَرْوَاحُ، وَتَحِنُّ إِلَيْهِ، وَلاَ تَقْضِي مِنْهُ وَطَرًا وَلَوْ تَرَدَّدَتْ إِلَيْهِ كُلَّ عَامٍ، اِسْتِجَابَةً مِنَ اللهِ تَعَالَى، لِدُعَاءِ خَلِيلِهِ إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلاَمُ، فِي قَوْلِهِ {فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ} إِلَى أَنْ قَالَ: {وَتَقَبَّلْ دُعَاءِ} [إبراهيم:37-40] وَيَصِفُهُ تَعَالَى بِأَنَّهُ جَعَلَهُ آمِنًا، مَنْ دَخَلَهُ أَمِنَ. وَلَوْ كَانَ قَدْ فَعَلَ مَا فَعَلَ، ثُمَّ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا، وَمَا هَذَا الشَّرَفُ إِلاَّ لِشَرَفِ بَانِيهِ أَوَّلاً، وَهُوَ خَلِيلُ الرَّحْمنِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: {وَإِذْ بَوَّأْنَا لإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ أَنْ لاَ تُشْرِكْ بِي شَيْئًا} [الحج: 26]. وقَالَ تَعَالَى: {إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدىً لِلْعَالَمِينَ *فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِناً} [آل عمران: 96،97] وَفِي هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ، نَبَّهَ عَلَى مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مَعَ الْأَمْرِ بِالصَّلاَةِ عِنْدَهُ. فَقَالَ: {وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلّىً}. [مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ] وَقَالَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ عن عبدالله بن مسلم عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ {وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلّىً} قَالَ: الْحَجَرُ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ نَبِيِّ اللهِ، قَدْ جَعَلَهُ اللهُ رَحْمَةً، فَكَانَ يَقُومُ عَلَيْهِ وَيُنَاوِلُهُ إِسْمَاعِيلُ الْحِجَارَةَ. وَلَوْ غَسَلَ رَأْسَهُ -كَمَا يَقُولُونَ- لاَخْتَلَفَ رِجْلاَهُ![616]. وَقَالَ السُّدِّيُّ: الْمَقَامُ الْحَجَرُ الَّذِي وَضَعَتْهُ زَوْجَةُ إِسْمَاعِيلَ تَحْتَ قَدَمِ إِبْرَاهِيمَ حَتَّى غَسَلَتْ رَأْسَهُ[617]. حَكَاهُ الْقُرْطُبِيُّ وَضَعَّفَهُ، وَرَجَّحَهُ غَيْرُهُ. وَحَكَاهُ الرَّازِيُّ فِي تَفْسِيرِهِ عَنِ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ وَقَتَادَةَ وَالرَّبِيعِ ابْنِ أَنَسٍ[618]. [616] (ابن أبي حاتم: 1/371) [617] (الطبري: 3/35) [618] (الرازي: 4/45) وَرَوَى ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ عَنْ جَابِرٍ يُحَدِّثُ عَنْ حِجَّةِ النَّبِيِّ ﷺ، قَالَ: لَمَّا طَافَ النَّبِيُّ ﷺ، قَالَ لَهُ عُمَرُ: هَذَا مَقَامُ أَبِينَا؟ قَالَ: «نَعَمْ». قَالَ: أَفَلاَ نَـتَّخِذُهُ مُصَلًّى؟ فَأَنْزَلَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ: {وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلّىً} [619]. وَقَالَ الْبُخَارِيُّ: بَابُ قَوْلِهِ: {وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلّىً} مَثَابَةً، يَثُوبُونَ: يَرْجِعُونَ. ثُمَّ رَوَى عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ: وَافَقْتُ رَبِّي فِي ثَلاَثٍ أَوْ وَافَقَنِي رَبِّي فِي ثَلاَثٍ، قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، لَوِ اتَّخَذْتَ مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى فَنَزَلَتْ: {وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلّىً}. وَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، يَدْخُلُ عَلَيْكَ الْبَرُّ وَالْفَاجِرُ، فَلَوْ أَمَرْتَ أُمَّهَاتِ الْمُؤْمِنِينَ بِالْحِجَابِ، فَأَنْزَلَ اللهُ آيَةَ الْحِجَابِ. قَالَ: وَبَلَغَنِي مُعَاتَبَةُ النَّبِيِّ ﷺ بَعْضَ نِسَائِهِ، فَدَخَلْتُ عَلَيْهِنَّ فَقُلْتُ: إ ِنِ انْتَهَيْتُنَّ أَوْ لَيُبَدِّلَنَّ اللهُ رَسُولَهُ خَيْرًا مِنْكُنَّ، حَتَّى أَتَيْتُ إِحْدى نِسَائِهِ، قَالَتْ: يَا عُمَرُ، أَمَا فِي رَسُولِ اللهِ مَا يَعِظُ نِسَاءَهُ حَتَّى تَعِظَهُنَّ أَنْتَ!؟ فَأَنْزَلَ اللهُ {عَسَى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْوَاجًا خَيْرًا مِنْكُنَّ مُسْلِمَاتٍ}... الْآيَةَ [التحريم: 5]. [619] (ابن أبي حاتم: 1/370) وَرَوَى ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ جَابِرٍ، قَالَ: اسْتَلَمَ رَسُولُ اللهِ ﷺ الرُّكْنَ، فَرَمَلَ ثَلاَثًا وَمَشَى أَرْبَعًا، ثُمَّ نَفَذَ إِلَى مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ فَقَرَأَ {وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلّىً} فَجَعَلَ الْمَقَامَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْبَيْتِ، فَصَلّْى رَكْعَتَيْنِ[620]. وَهَذَا قِطْعَةٌ مِنَ الْحَدِيثِ الطَّوِيلِ الَّذِي رَوَاهُ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ[621]. وَرَوَى الْبُخَارِيُّ بِسَنَدِهِ عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ عُمَرَ يَقُولُ: قَدِمَ رَسُولُ اللهِ ﷺ فَطَافَ بِالْبَيْتِ سَبْعًا، وَصَلَّى خَلْفَ الْمَقَامِ رَكْعَتَيْنِ[622]. [620] (الطبري: 3/36) [621] (مسلم: 2/920) [622] (فتح الباري: 3/586) فَهَذَا كُلُّهُ مِمَّا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِالْمَقَامِ إِنَّمَا هُوَ الْحَجَرُ الَّذِي كَانَ إِبْرَاهِيمُ عَلَيْهِ السَّلاَمُ يَقُومُ عَلَيْهِ لِبِنَاءِ الْكَعْبَةِ، لَمَّا ارْتَفَعَ الْجِدَارُ أَتَاهُ إِسْمَاعِيلُ عَلَيْهِ السَّلاَمُ بِهِ لِيَقُومَ فَوْقَهُ، وَيُنَاوِلُهُ الْحِجَارَةَ، فَيَضَعُهَا بِيَدِهِ لِرَفْعِ الْجِدَارِ، وَكُلَّمَا كَمَّلَ نَاحِيَةً انْتَقَلَ إِلَى النَّاحِيَةِ الْأُخْرى يَطُوفُ حَوْلَ الْكَعْبَةِ، وَهُوَ وَاقِفٌ عَلَيْهِ كُلَّمَا فَرَغَ مِنْ جِدَارٍ نَقَلَهُ إِلَى النَّاحِيَةِ الَّتِي تَلِيهَا، وَهَكَذَا حَتَّى تَمَّ جُدْرَانُ الْكَعْبَةِ كَمَا سَيَأْتِي بَيَانُهُ فِي قِصَّةِ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ فِي بِنَاءِ الْبَيْتِ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ عَبَّاسٍ عِنْدَ الْبُخَارِيِّ، وَكَانَتْ آثَارُ قَدَمَيْهِ ظَاهِرَةً فِيهِ، وَلَمْ يَزَلْ هَذَا مَعْرُوفًا تَعْرِفُهُ الْعَرَبُ فِي جَاهِلِيَّتِهَا، وَلِهَذَا قَالَ أَبُو طَالِبٍ فِي قَصِيدَتِهِ الْمَعْرُوفَةِ اللاَّمِيَّةِ: وَمَوطِىءُ إِبْرَاهِيمَ فِي الصَّخْرِ رَطْبَةٌ ** عَلَى قَدَمَيْهِ حَافِيًا غَيْرَ نَاعِلِ وَقَدْ أَدْرَكَ الْمُسْلِمُونَ ذَلِكَ فِيهِ، فَعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: رَأَيْتُ الْمَقَامَ فِيهِ أَصَابِعُهُ عَلَيْهِ السَّلاَمُ وَأَخْمَصُ قَدَمَيْهِ، غَيْرَ أَنَّهُ أَذْهَبَهُ مَسْحُ النَّاسِ بِأَيْدِيهِمْ. (قُلْتُ) : وَقَدْ كَانَ هَذَا الْمَقَامُ مُلْصَقًا بِجِدَارِ الْكَعْبَةِ قَدِيمًا وَمَكَانُهُ مَعْرُوفٌ الْيَوْمَ، إِلَى جَانِبِ الْبَابِ مِمَّا يَلِي الْحَجَرَ يُمْنَةَ الدَّاخِلِ مِنَ الْبَابِ فِي الْبُقْعَةِ الْمُسْتَقِلَّةِ هُنَاكَ[623]. وَكَانَ الْخَلِيلُ عَلَيْهِ السَّلاَمُ لَمَّا فَرَغَ مِنْ بِنَاءِ الْبَيْتِ وَضَعَهُ إِلَى جِدَارِ الْكَعْبَةِ أَوْ أَنَّهُ انْتَهى عِنْدَهُ الْبِنَاءُ فَتَرَكَهُ هُنَاكَ وَلِهَذَا، وَاللهُ أَعْلَمُ، أُمِرَ بِالصَّلاَةِ هُنَاكَ عِنْدَ الْفَرَاغِ مِنَ الطَّوَافِ، وَنَاسَبَ أَنْ يَكُونَ عِنْدَ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ حَيْثُ انْتَهى بِنَاءُ الْكَعْبَةِ فِيهِ، وَإِنَّمَا أَخَّرَهُ عَنْ جِدَارِ الْكَعْبَةِ أَمِيرُ الْمُؤمِنِينَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ أَحَدُ الْأَئِمَّةِ الْمَهْدِيِّينَ وَالْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ الَّذِينَ أُمِرْنَا بِاتِّبَاعِهِمْ، وَهُوَ أَحَدُ الرَّجُلَيْنِ اللَّذَيْنِ قَالَ فِيهِمَا رَسُولُ اللهِ ﷺ: «اقْتَدُوْا بِاللَّذَيْنِ مِنْ بَعْدِي أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ»[624]. وَهُوَ الَّذِي نَزَلَ الْقُرْآنُ بِوِفَاقِهِ فِي الصَّلاَةِ عِنْدَهُ، وَلِهَذَا لَمْ يُنْكِرْ ذَلِكَ أَحَدٌ مِنْ أَصْحَابِهِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ أَجْمَعِينَ. [623] (قد أزيلت هذه البقعة، ووضع مقام إبراهيم في عمود قصير من الزجاج والسياج) [624] (الترمذي: 3662) قَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ: حَدَّثَنِي عَطَاءٌ وَغَيْرُهُ مِنْ أَصْحَابِنَا، قَالَ: أَوَّلُ مَا نَقَلَهُ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ[625]. وَرَوَى عَبْدُ الرَّزَّاقِ أَيْضًا عَنْ مُجَاهِدٍ، قَالَ: أَوَّلُ مَنْ أَخَّرَ الْمَقَامَ إِلَى مَوْضِعِهِ الاْنَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ[626]. وَرَوَى الْحَافِظُ أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ الْبَيْهَقِيُّ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا: أَنَّ الْمَقَامَ كَانَ زَمَانَ رَسُولِ اللهِ ﷺ، وَزَمَانَ أَبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، مُلْتَصِقًا بِالْبَيْتِ، ثُمَّ أَخَّرَهُ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، وَهَذَا إِسْنَادٌ صَحِيحٌ مَعَ مَا تَقَدَّمَ. [625] (المصنف (8955) 5/48) [626] (المصنف (8953) 5/47-48) {وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَنْ طَهِّرَا بَيْتِي لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ *وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آمِناً وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ قَالَ وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلاً ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَى عَذَابِ النَّارِ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ *وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ *رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ} [الْأَمْرُ بِتَطْهِيرِ بَيْتِ اللهِ] قَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ قَوْلُهُ: {وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ} قَالَ: أَمَرَهُمَا اللهُ أَنْ يُطَهِّرَاهُ مِنَ الْأَذَى وَالنَّجَسِ، وَلاَ يُصِيبُهُ مِنْ ذَلِكَ شَيْءٌ[627]. وَقَالَ ابْنُ جُرَيجٍ: قُلْتُ لِعَطَاءٍ: مَا عَهْدُهُ؟ قَالَ: أَمْرُهُ. وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَوْلُهُ: {أَنْ طَهِّرَا بَيْتِي لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ} قَالَ: مِنَ الْأَوْثَانِ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: {طَهِّرَا بَيْتِي لِلطَّائِفِينَ} أَنَّ ذَلِكَ مِنَ الْأَوْثَانِ وَالرَّفَثِ وَقَوْلِ الزُّورِ وَالرِّجْسِ. [627] (ابن أبي حاتم: 1/373) وَأَمَّا قَوْلُهُ تَعَالَى: {لِلطَّائِفِينَ} فَالطَّوَافُ بِالْبَيْتِ مَعْرُوفٌ وَعَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ أَنَّهُ قَالَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {لِلطَّائِفِينَ} يَعْنِي مَنْ أَتَاهُ مِنْ غُرْبَةٍ[628]. {وَالْعَاكِفِينَ} اَلْمُقِيمِينَ فِيهِ، وَهَكَذَا رُوِيَ عَنْ قَتَادَةَ وَالرَّبِيعِ بْنِ أَنَسٍ، أَنَّهُمَا فَسَّرَا الْعَاكِفِينَ بِأَهْلِهِ الْمُقِيمِينَ فِيهِ، كَمَا قَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيرٍ[629]. وَأَمَّا قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ} فَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: {وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ}، قَالَ: إِذَا كَانَ مُصَلِّيًا فَهُوَ مِنَ الرُّكَّعِ السُّجُودِ[630]. وَكَذَا قَالَ عَطَاءٌ وَقَتَادَةُ[631]. [628] (ابن أبي حاتم: 1/375) [629] (ابن أبي حاتم: 1/375) [630] (ابن أبي حاتم: 1/376) [631] (ابن أبي حاتم: 1/376) وَتَطْهِيرُ الْمَسَاجِدِ مَأْخُوذٌ مِنْ هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ، وَمِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: {فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ} [النور: 36] وَمِنَ السُّنَّةِ مِنْ أَحَادِيثَ كَثِيرَةٍ مِنَ الْأَمْرِ بِتَطْهِيرِهَا وَتَطْيِـيـبِهَا وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ صِيَانَتِهَا مِنَ الْأَذى وَالنَّجَاسَاتِ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ. وَلِهَذَا قَالَ عَلَيْهِ السَّلاَمُ: «إِنَّمَا بُنِيَتِ الْمَسَاجِدُ لِمَا بُنِيَتْ لَهُ»[632]. وَقَدْ جَمَعْتُ فِي ذَلِكَ جُزْءًا عَلَى حِدَةٍ، وَللهِ الْحَمْدُ وَالْمِنَّـةُ. [632] (مسلم: 1/397) [تَحْرِيمُ مَكَّةَ] وَقَوْلُهُ تَعَالَى: {وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آمِناً وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ} [البقرة: 126] رَوَى الْإِمَامُ أَبُو جَعْفَرِ بْنُ جَرِيرٍ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «إِنَّ إِبْرَاهِيمَ حَرَّمَ بَيْتَ اللهِ وَأَمَّنَهُ، وَإِنِّي حَرَّمْتُ الْمَدِينَةَ مَا بَيْنَ لاَبَتَيْهَا، فَلاَ يُصَادُ صَيْدُهَا، وَلاَ يُقْطَعُ عِضَاهُهَا»[633] هَكَذَا رَوَاهُ النَّسَائِيُّ[634]،وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ[635]. [633] (الطبري: 3/48)و [634] (النسائي في الكبرى: 2/487) [635] (مسلم: 2/992) وَقَدْ وَرَدَتْ أَحَادِيثُ أُخَرُ تَدُلُّ عَلَى أَنَّ اللهَ تَعَالَى حَرَّمَ مَكَّةَ قَبْلَ خَلْقِ السَّموَاتِ وَالْأَرْضِ كَمَا جَاءَ فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ: «إِنَّ هَذَا الْبَلَدَ حَرَّمَهُ اللهُ يَوْمَ خَلَقَ السَّموَاتِ وَالْأَرْضَ، فَهُوَ حَرامٌ بِحُرْمَةِ اللهِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَإِنَّهُ لَمْ يَحِلَّ الْقِتَالُ فِيهِ لِأَحَدٍ قَبْلِي، وَلَمْ يَحِلَّ لِي إِلاَّ سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ، فَهُوَ حَرَامٌ بِحُرْمَةِ اللهِ إِلَى يَوْم الْقِيَامَةِ، لاَ يُعْضَدُ شَوْكُهُ، وَلاَ يُنَفَّرُ صَيْدُهُ، وَلاَ يَلْتَقِطُ لُـقَطَتَهُ إِلاَّ مَنْ عَرَّفَهَا، وَلاَ يُخْتَلَى خَلاَهَا» فَقَالَ الْعَبَّاسُ: يَا رَسُولَ اللهِ: إِلاَّ الْإِذْخِرَ، فَإِنَّهُ لِقَيْنِهِمْ وَلِبُيُوتِهِمْ، فَقَالَ: «إِلاَّ الإِذْخِرَ»[636]. وَهَذَا لَفْظُ مُسْلِمٍ، وَلَهُمَا عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ نَحْوٌ مِنْ ذَلِكَ، ثُمَّ رَوَى الْبُخَارِيُّ بَعْدَ ذَلِكَ عَنْ صَفِيَّةَ بِنْتِ شَيْبَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ مِثْلَهُ[637]. [636] (فتح الباري: 4/56، ومسلم: 2/986) [637] (فتح الباري: 3/253) وَعَنْ أَبِي شُرَيحٍ الْعَدَوِيِّ أَنَّهُ قَالَ لِعَمْرِو بْنِ سَعِيدٍ وَهُوَ يَبْعَثُ الْبُعُوثَ إِلَى مَكَّةَ: اِئْذَنْ لِي أَيُّهَا الْأَمِيرُ أَنْ أُحَدِّثَكَ قَوْلاً قَامَ بِهِ رَسُولُ اللهِ ﷺ الْغَدَ مِنْ يَوْمِ الْفَتْحِ، سَمِعَتْهُ أُذُنَايَ، وَوَعَاهُ قَلْبِي، وَأَبْصَرَتْهُ عَيْنَايَ حِينَ تَكَلَّمَ بِهِ، إِنَّهُ حَمِدَ اللهَ وَأَثْنى عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ: «إِنَّ مَكَّةَ حَرَّمَهَا اللهُ وَلَمْ يُحَرِّمْهَا النَّاسُ، فَلاَ يَحِلُّ لاِمْرِئٍ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الاْخِرِ أَنْ يَسْفِكَ بِهَا دَمًا، وَلاَ يَعْضِدَ بِهَا شَجَرَةً، فَإِنْ أَحَدٌ تَرَخَّصَ بِقِتَالِ رَسُولِ اللهِ ﷺ فَقُولُوا: إِنَّ اللهَ أَذِنَ لِرَسُولِهِ وَلَمْ يَأْذَنْ لَكُمْ، وَإِنَّمَا أَذِنَ لِي فِيهَا سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ، وَقَدْ عَادَتْ حُرْمَتُهَا الْيَوْمَ كَحُرْمَتِهَا بِالْأَمْسِ، فَلْيُبَلِّغِ الشَّاهِدُ الْغَائِبَ» فَقِيلَ لِأَبِي شُرَيْحٍ: مَا قَالَ لَكَ عَمْرٌو؟ قَالَ: أَنَا أَعْلَمُ بِذَلِكَ مِنْكَ يَا أَبَا شُرَيحٍ، إِنَّ الْحَرَمَ لاَ يُعِيذُ عَاصِيًا وَلاَ فَارًّا بِدَمٍ، وَلاَ فَارًّا بِخَرْبَةٍ. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ ومُسْلِمٌ وَهَذَا لَفْظُهُ[638]. [638] (فتح الباري: 4/50، ومسلم: 2/987) فَإِذَا عُلِمَ هَذَا فَلاَ مُنَافَاةَ بَيْنَ هَذِهِ الْأَحَادِيثِ الدَّالَّةِ عَلَى أَنَّ اللهَ حَرَّمَ مَكَّةَ يَوْمَ خَلَقَ السَّموَاتِ وَالْأَرْضَ، وَبَيْنَ الْأَحَادِيثِ الدَّالَّةِ عَلَى أَنَّ إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلاَمُ حَرَّمَهَا، لِأَنَّ إِبْرَاهِيمَ بَلَّغَ عَنِ اللهِ حُكْمَهُ فِيهَا وَتَحْرِيمَهُ إيَّاهَا، وَأَنَّهَا لَمْ تَزَلْ بَلَدًا حَرَامًا عِنْدَ اللهِ قَبْلَ بِنَاءِ إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلاَمُ لَهَا، كَمَا أَنَّهُ قَدْ كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ مَكْتُوبًا عِنْدَ اللهِ خَاتَمَ النَّبِيِّينَ، وَإِنَّ آدَمَ لَمُنْجَدِلٌ فِي طِينَتِهِ، وَمَعَ هَذَا قَالَ إِبْرَاهِيمُ عَلَيْهِ السَّلاَمُ: {رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولاً مِنْهُمْ}... الْآيَةَ، وَقَدْ أَجَابَ اللهُ دُعَاءَهُ بِمَا سَبَقَ فِي عِلْمِهِ وَقَدَرِهِ. وَلِهَذَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ أَنَّهُمْ قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، أَخْبِرْنَا عَنْ بَدْءِ أَمْرِكَ. فَقَالَ: «دَعْوَةُ أَبِي إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلاَمُ، وَبُشْرَى عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ، وَرَأَتْ أُمِّي كَأَنَّهُ خَرَجَ مِنْهَا نُورٌ أَضَاءَتْ لَهُ قُصُورُ الشَّامِ»[639] أَيْ أَخْبِرْنَا عَنْ بَدْءِ ظُهُورِ أَمْرِكَ، كَمَا سَيَأْتِي قَرِيبًا إِنْ شَاءَ اللهُ. [639] (أحمد: 5/262) [دُعَاءُ الْخَلِيلِ لِمَكَّةَ بِالْأَمْنِ وَالرِّزْقِ] وَقَوْلُهُ تَعَالَى إِخْبَارًا عَنِ الْخَلِيلِ أَنَّهُ قَالَ: {رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آمِناً} أَيْ مِنَ الْخَوْفِ، أَيْ لاَ يُرْعَبُ أَهْلُهُ، وَقَدْ فَعَلَ اللهُ ذَلِكَ شَرْعًا وَقَدَرًا، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِناً} [آل عمران: 96] وَقَوْلِهِ: {أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آمِناً وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ} [العنكبوت: 67] إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْآيَاتِ. وَقَدْ تَقَدَّمَتِ الْأَحَادِيثُ فِي تَحْرِيمِ الْقِتَالِ فِيهِ. وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ جَابِرٍ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: «لاَ يَحِلُّ لِأَحَدٍ أَنْ يَحْمِلَ بِمَكَّةَ السِّلاَحَ»[640]. وَقَالَ فِي هَذِهِ السُّورَةِ: {رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آمِناً} أَيْ اِجْعَلْ هَذِهِ الْبُقْعَةَ بَلَدًا آمِنًا. وَنَاسَبَ هَذَا لِأَنَّهُ قَبْلَ بِنَاءِ الْكَعْبَةِ. وَقَالَ تَعَالَى فِي سُورَةِ إِبْرَاهِيمَ: {وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِناً} [إبراهيم: 35] وَنَاسَبَ هَذَا هُنَاكَ لِأَنَّهُ، وَاللهُ أَعْلَمُ، كَأَنَّهُ وَقَعَ دُعَاءٌ مَرَّةً ثَانِيَةً بَعْدَ بِنَاءِ الْبَيْتِ وَاِسْتِقْرَارِ أَهْلِهِ بِهِ، وَبَعْدَ مَوْلِدِ إِسْحَاقَ الَّذِي هُوَ أَصْغَرُ سِنًّا مِنْ إِسْمَاعِيلَ بِثَلاَثَ عَشْرَةَ سَنَةً، وَلِهَذَا قَالَ فِي آخِرِ الدُّعَاءِ: {الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَقَ إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعَاء} [إبراهيم: 39]. [640] (مسلم: 2/989) وَقَوْلُهُ تَعَالَى: {وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ قَالَ وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلاً ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَى عَذَابِ النَّارِ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ} رَوَى ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ: {قَالَ وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلاً ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَى عَذَابِ النَّارِ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ} قَالَ: هُوَ قَوْلُ اللهِ تَعَالَى[641]. وَهَذَا قَوْلُ مُجَاهِدٍ وَعِكْرِمَةَ[642]. وَرَوَى ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آمِناً وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ} قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: كَانَ إِبْرَاهِيمُ يُحَجِّرُهَا عَلَى الْمُؤْمِنِينَ دُونَ النَّاسِ، فَأَنْزَلَ اللهُ: وَمَنْ كَفَرَ أَيْضًا أَرْزُقُهُمْ كَمَا أَرْزُقُ الْمُؤمِنِينَ، أَأَخْلُقُ خَلْقًا لاَ أَرْزُقُهُمْ؟ أُمَتِّعُهُمْ قَلِيلاً ثُمَّ أَضْطَرُّهُمْ إِلَى عَذَابِ النَّارِ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ[643]. ثُمَّ قَرَأَ ابْنُ عَبَّاسٍ: {كُلاًّ نُمِدُّ هَؤُلاَءِ وَهَؤُلاَءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا} [الإسراء: 20] رَوَاهُ ابْنُ مَرْدُويَهْ. وَرُوِيَ عَنْ عِكْرِمَةَ وَمُجَاهِدٍ نَحْوُ ذَلِكَ أَيْضًا، وَهَذَا كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لاَ يُفْلِحُونَ * مَتَاعٌ فِي الدُّنْيَا ثُمَّ إِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ ثُمَّ نُذِيقُهُمُ الْعَذَابَ الشَّدِيدَ بِمَا كَانُوا يَكْفُرُونَ} [يونس: 69،70] وَقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَمَنْ كَفَرَ فَلاَ يَحْزُنْكَ كُفْرُهُ إِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ فَنُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ *نُمَتِّعُهُمْ قَلِيلاً ثُمَّ نَضْطَرُّهُمْ إِلَى عَذَابٍ غَلِيظٍ} [لقمان: 23،24] وَقَوْلِهِ: {وَلَوْلاَ أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً لَجَعَلْنَا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمَانِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا مِنْ فِضَّةٍ وَمَعَارِجَ عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ *وَلِبُيُوتِهِمْ أَبْوَابًا وَسُرُرًا عَلَيْهَا يَتَّكِئُونَ *وَزُخْرُفًا وَإِنْ كُلُّ ذَلِكَ لَمَّا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالآخِرَةُ عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ} [الزخرف:33-35]. [641] (الطبري: 3/53) [642] (الطبري: 3/54) [643] (ابن أبي حاتم: 1/377) وَقَوْلُهُ: {ثُمَّ أَضْطَرُّهُ } أَيْ ثُمَّ أُلْجِئُهُ بَعْدَ مَتَاعِهِ فِي الدُّنْيَا، وَبَسْطِنَا عَلَيْهِ مِنْ ظِلِّهَا، إِلَى عَذَابِ النَّارِ، وَبِئْسَ الْمَصِيرُ، وَمَعْنَاهُ: أَنَّ اللهَ تَعَالَى يُنْظِرُهُمْ وَيُمْهِلُهُمْ ثُمَّ يَأْخُذُهُمْ أَخْذَ عَزِيزٍ مُقْتَدِرٍ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَمْلَيْتُ لَهَا وَهِيَ ظَالِمَةٌ ثُمَّ أَخَذْتُهَا وَإِلَيَّ الْمَصِيرُ} [الحج: 48] وَفِي الصَّحِيحَيْنِ «لاَ أَحَدَ أَصْبَرُ عَلَى أَذًى سَمِعَهُ، مِنَ اللهِ، إِنَّهُمْ يَجْعَلُونَ لَهُ وَلَدًا وَهُوَ يَرْزُقُهُمْ وَيُعَافِيهِمْ»[644]. وَفِي الصَّحِيحِ أَيْضًا «إِنَّ اللهَ لَيُمْلِي لِلظَّالِمِ حَتَّى إِذَا أَخَذَهُ لَمْ يُفْلِتْهُ»[645] ثُمَّ قَرَأَ قَوْلَهُ تَعَالَى: {وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ} [هود: 102]. [644] (فتح الباري: 13/372، ومسلم: 4/2160) [645] (فتح الباري: 8/205) [بِنَاءُ الْكَعْبَةِ وَالدُّعَاءُ بِقَبُولِ ذَلِكَ الْعَمَلِ] وَأَمَّا قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ *رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ} فَالْقَوَاعِدُ جَمْعُ قَاعِدَةٍ وَهِيَ السَّارِيَةُ وَالْأَسَاسُ. يَقُولُ تَعَالَى: وَاذْكُرْ يَا مُحَمَّدُ لِقَوْمِكَ بِنَاءَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ عَلَيْهِمَا السَّلاَمُ الْبَيْتَ، وَرَفْعِهِمَا الْقَوَاعِدَ مِنْهُ، وَهُمَا يَقُولاَنِ: {رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ} وَحَكَى الْقُرْطُبِيُّ وَغَيْرُهُ عَنْ أُبَيٍّ وَابْنِ مَسْعُودٍ أَنَّهُمَا كَانَا يَقْرَآنِ (وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ وَيَقُولاَنِ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ)[646]. [646] (القرطبي: 2/126) (قُلْتُ) وَيَدُلُّ عَلَى هَذَا قَوْلُهُمَا بَعْدَهُ: {رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ}... الْآيَةَ، فَهُمَا فِي عَمَلٍ صَالِحٍ، وَهُمَا يَسْأَلاَنِ اللهَ تَعَالَى أَنْ يَتَقَبَّلَ مِنْهُمَا، كَمَا رَوَى ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ عَنْ وُهَيْبِ بْنِ الْوَرْدِ أَنَّهُ قَرَأَ: {وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا} ثُمَّ يَبْكِي وَيَقُولُ: يَا خَلِيلَ الرَّحْمنِ تَرْفَعُ قَوَائِمَ بَيْتِ الرَّحْمنِ وَأَنْتَ مُشْفِقٌ أَنْ لاَ يُتَقَبَّلَ مِنْكَ[647]. وَهَذَا كَمَا حَكَى اللهُ تَعَالَى عَنْ حَالِ الْمُؤْمِنِينَ الْخُلَّصِ فِي قَوْلِهِ: {وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا} أَيْ يُعْطُونَ مَا أَعْطَوا مِنَ الصَّدَقَاتِ وَالنَّفَقَاتِ وَالْقُرُبَاتِ {وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ} [المؤمنون: 60] أَيْ خَائِفَةٌ أَنْ لاَ يُتَقَبَّلَ مِنْهُمْ، كَمَا جَاءَ بِهِ الْحَدِيثُ الصَّحِيحُ عَنْ عَائِشَةَ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ، كَمَا سَيَأْتِي فِي مَوْضِعِهِ. [647] (ابن أبي حاتم: 1/384) وَقَدْ رَوَى الْبُخَارِيُّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا، قَالَ: أَوَّلُ مَا اتَّخَذَ النِّسَاءُ الْمِنْطَقَ مِنْ قِبَلِ أُمِّ إِسْمَاعِيلَ، اتَّخَذَتْ مِنْطَقًا لِتُعَفِّيَ أَثَرَهَا عَلَى سَارَةَ، ثُمَّ جَاءَ بِهَا إِبْرَاهِيمُ وَبِابْنِهَا إِسْمَاعِيلَ، وَهِيَ تُرْضِعُهُ، حَتَّى وَضَعَهَا عِنْدَ الْبَيْتِ، عِنْدَ دَوْحَةٍ فَوْقَ زَمْزَمَ فِي أَعْلَى الْمَسْجِدِ، وَلَيْسَ بِمَكَّةَ يَوْمَئِذٍ أَحَدٌ، وَلَيْسَ بِهَا مَاءٌ، فَوَضَعَهُمَا هُنَالِكَ، وَوَضَعَ عِنْدَهُمَا جِرَابًا فِيهِ تَمْرٌ، وَسِقَاءً فِيهِ مَاءٌ، ثُمَّ قَفَّى إِبْرَاهِيمُ مُنْطَلِقًا، فَتَبِعَتْهُ أُمُّ إِسْمَاعِيلَ، فَقَالَتْ: يَا إِبْرَاهِيمُ أَيْنَ تَذْهَبُ وَتَتْرُكُنَا بِهَذَا الْوَادِي الَّذِي لَيْسَ فِيهِ أَنِيسٌ وَلاَ شَيْءٌ؟ فَقَالَتْ لَهُ ذَلِكَ مِرَارًا، وَجَعَلَ لاَ يَلْتَفِتُ إِلَيْهَا، فَقَالَتْ: آللهُ أَمَرَكَ بِهَذَا؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَتْ: إِذًا لاَ يُضَيِّعُنَا. ثُمَّ رَجَعَتْ. فَانْطَلَقَ إِبْرَاهِيمُ حَتَّى إِذَا كَانَ عِنْدَ الثَّـنِـيَّـةِ؟ حَيْثُ لاَ يَرَوْنَهُ اسْتَقْبَلَ بِوَجْهِهِ الْبَيْتَ، ثُمَّ دَعَا بِهَذِهِ الدَّعَوَاتِ وَرَفَعَ يَدَيْهِ، فَقَالَ: {رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ} حَتَّى بَلَغَ {يَشْكُرُونَ} [إبراهيم: 37]. وَجَعَلَتْ أُمُّ إِسْمَاعِيلَ تُرْضِعُ إِسْمَاعِيلَ، وَتَشْرَبُ مِنْ ذَلِكَ الْمَاءِ، حَتَّى إِذَا نَفِدَ مَا فِي السِّقَاءِ عَطِشَتْ وَعَطِشَ ابْنُهَا، وَجَعَلَتْ تَنْظُرُ إِلَيْهِ يَتَلَوَّى - أَوْ قَالَ: يَتَلَبَّطُ - فَانْطَلَقَتْ كَرَاهِيَةَ أَنْ تَنْظُرَ إِلَيْهِ، فَوَجَدَتِ الصَّفَا أَقْرَبَ جَبَلٍ فِي الْأَرْضِ يَلِيهَا، فَقَامَتْ عَلَيْهِ، ثُمَّ اسْتَقْبَلَتِ الْوَادِي تَنْظُرُ هَلْ تَرَى أَحَدًا، فَلَمْ تَرَ أَحَدًا، فَهَبَطَتْ مِنَ الصَّفَا حَتَّى إِذَا بَلَغَتِ الْوَادِيَ رَفَعَتْ طَرَفَ دِرْعِهَا، ثُمَّ سَعَتْ سَعْيَ الْإِنْسَانِ الْمَجْهُودِ حَتَّى جَاوَزَتِ الْوَادِيَ، ثُمَّ أَتَتِ الْمَرْوَةَ فَقَامَتْ عَلَيْهَا، فَنَظَرَتْ هَلْ تَرَى أَحَدًا، فَلَمْ تَرَ أَحَدًا، فَفَعَلَتْ ذَلِكَ سَبْعَ مَرَّاتٍ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «فَلِذَلِكَ سَعَى النَّاسُ بَيْنَهُمَا». فَلَمَّا أَشْرَفَتْ عَلَى الْمَرْوَةِ سَمِعَتْ صَوْتًا فَقَالَت: «صَهٍ» - تُرِيدُ نَفْسَهَا - ثُمَّ تَسَمَّعَتْ فَسَمِعَتْ أَيْضًا، فَقَالَتْ: قَدْ أَسْمَعْتَ إِنْ كَانَ عِنْدَكَ غُوَاثٌ، فَإِذَا هِيَ بِالْمَلَكِ عِنْدَ مَوْضِعِ زَمْزَمَ، فَبَحَثَ بِعَقِبِهِ، أَوْ قَالَ بِجَنَاحِهِ، حَتَّى ظَهَرَ الْمَاءُ، فَجَعَلَتْ تَحُوضُهُ، وَتَقُولُ بِيَدِهَا هَكَذَا، وَجَعَلَتْ تَغْرِفُ مِنَ الْمَاءِ فِي سِقَائِهَا، وَهُوَ يَفُورُ بَعْدَ مَا تَغْرِفُ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «يَرْحَمُ اللهُ أُمَّ إِسْمَاعِيلَ لَوْ تَرَكَتْ زَمْزَمَ - أَوْ قَالَ: لَوْ لَمْ تَغْرِفْ مِنَ الْمَاءِ - لَكَانَتْ زَمْزَمُ عَيْنًا مَعِينًا» قَالَ: فَشَرِبَتْ وَأَرْضَعَتْ وَلَدَهَا، فَقَالَ لَهَا الْمَلَكُ: لاَ تَخَافِي الضَّيْعَةَ، فَإِنَّ هَهُنَا بَيْتًا للهِ يَبْنِيهِ هَذَا الْغُلاَمُ وَأَبُوهُ، وَإِنَّ اللهَ لاَ يُضَيِّعُ أَهْلَهُ، وَكَانَ الْبَيْتُ مُرْتَفِعًا مِنَ الْأَرْضِ كَالرَّابِيَةِ، تَأْتِيهِ السُّيُولُ فَتَأْخُذُ عَنْ يَمِينِهِ وَشِمَالِهِ. فَكَانَتْ كَذَلِكَ حَتَّى مَرَّتْ بِهِمْ رُفْقَةٌ مِنْ جُرهُمٍ أَوْ أَهْلُ بَيْتٍ مِنْ جُرْهُمٍ مُقْبِلِينَ مِنْ طَرِيقِ كَدَاءَ، فَنَزَلُوا فِي أَسْفَلِ مَكَّةَ، فَرَأَوْا طَائِرًا عَائِفًا، فَقَالُوا: إِنَّ هَذَا الطَّائِرَ لَيَدُورُ عَلَى مَاءٍ، لَعَهْدُنَا بِهَذَا الْوَادِي وَمَا فِيهِ مَاءٌ، فَأَرْسَلُوا جَرِيًّا أَوْ جَرَيَّـيْـنِ، فَإِذَا هُمْ بِالْمَاءِ، فَرَجَعُوا فَأَخْبَرُوهُمْ بِالْمَاءِ، فَأَقْبَلُوا، قَالَ: وَأُمُّ إِسْمَاعِيلَ عِنْدَ الْمَاءِ، فَقَالُوا أَتَأْذَنِينَ لَنَا أَنْ نَنْزِلَ عِنْدَكِ؟ قَالَتْ: نَعَمْ، وَلَكِنْ لاَ حَقَّ لَكُمْ فِي الْمَاءِ عِنْدَنَا، قَالُوا: نَعَمْ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «فَأَلْفَى ذَلِكَ أُمَّ إِسْمَاعِيلَ وَهِيَ تُحِبُّ الْأُنْسَ» فَنَزَلُوا وَأَرْسَلُوا إِلَى أَهْلِيهِمْ فَنَزَلُوا مَعَهُمْ، حَتَّى إِذَا كَانَ بِهَا أَهْلُ أَبْيَاتٍ مِنْهُمْ، وَشَبَّ الْغُلاَمُ وَتَعَلَّمَ الْعَرَبِيَّةَ مِنْهُمْ، وَأَنْفَسَهُمْ وَأَعْجَبَهُمْ حِينَ شَبَّ، فَلَمَّا أَدْرَكَ زَوَّجُوهُ امْرَأَةً مِنْهُمْ، وَمَاتَتْ أُمُّ إِسْمَاعِيلَ. فَجَاءَ إِبْرَاهِيمُ بَعْدَمَا تَزَوَّجَ إِسْمَاعِيلُ لِيُطَالِعَ تَرِكَتَهُ، فَلَمْ يَجِدْ إِسْمَاعِيلَ، فَسَأَلَ امْرَأَتَهُ عَنْهُ فَقَالَتْ: خَرَجَ يَبْتَغِي لَنَا، ثُمَّ سَأَلَهَا عَنْ عَيْشِهِمْ وَهَيْئَتِهِمْ، فَقَالَتْ: نَحْنُ بِشَرٍّ، نَحْنُ فِي ضِيقٍ وَشِدَّةٍ، فَشَكَتْ إِلَيْهِ، قَالَ: فَإِذَا جَاءَ زَوْجُكِ فَاقْرَئِي عَلَيْهِ السَّلاَمُ، وَقُولِي لَهُ يُغَيِّرْ عَتَبَةَ بَابِهِ، فَلَمَّا جَاءَ إِسْمَاعِيلُ، كَأَنَّهُ أَنَسَ شَيْئًا، فَقَالَ: هَلْ جَاءَكُمْ مِنْ أَحَدٍ؟ قَالَتْ: نَعَمْ، جَاءَنَا شَيْخٌ كَذَا وَكَذَا، فَسَأَلَنَا عَنْكَ فَأَخْبَرْتُهُ، وَسَأَلَنِي كَيْفَ عَيْشُنَا؟ فَأَخْبَرْتُهُ أَنَّنَا فِي جَهْدٍ وَشِدَّةِ، قَالَ: فَهَلْ أَوْصَاكِ بِشَيْءٍ؟ قَالَتْ: نَعَمْ، أَمَرَنِي أَنْ أَقْرَأَ عَلَيْكَ السَّلاَمَ، وَيَقُولُ: غَيِّرْ عَتَبَةَ بَابِكَ، قَالَ: ذَاكَ أَبِي، وَقَدْ أَمَرَنِي أَنْ أُفَارِقَكِ، فَالْحَقِي بِأَهْلِكِ، وَطَلَّقَهَا، وَتَزَوَّجَ مِنْهُمْ بِأُخْرى. فَلَبِثَ عَنْهُمْ إِبْرَاهِيمُ مَا شَاءَ اللهُ ثُمَّ أَتَاهُمْ بَعْدُ، فَلَمْ يَجِدْهُ، فَدَخَلَ عَلَى امْرَأَتِهِ فَسَأَلَهَا عَنْهُ، فَقَالَتْ: خَرَجَ يَبْتَغِي لَنَا، قَالَ: كَيْفَ أَنْتُمْ؟ وَسَأَلَهَا عَنْ عَيْشِهِمْ وَهَيْئَتِهِمْ، فَقَالَتْ: نَحْنُ بِخَيْرٍ وَسَعَةٍ، وَأَثْنَتْ عَلَى اللهِ عَزَّ وَجَلَّ، قَالَ: مَا طَعَامُكُمْ؟ قَالَتِ: اللَّحْمُ، قَالَ: فَمَا شَرَابُكُمْ؟ قَالَتِ: الْمَاءُ. قَالَ: اَللَّهُمَّ بَارِكْ لَهُمْ فِي اللَّحْمِ وَالْمَاءِ، قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ يَوْمَئِذٍ حَبٌّ وَلَوْ كَانَ لَهُمْ لَدَعَا لَهُمْ فِيهِ» قَالَ: فَهُمَا لاَ يَخْلُو عَلَيْهِمَا أَحَدٌ بِغَيْرِ مَكَّةَ إِلاَّ لَمْ يُوَافِقَاهُ، قَالَ: فَإِذَا جَاءَ زَوْجُكِ فَاقْرَئِي عَلَيْهِ السَّلاَمَ وَمُرِيهِ يُثْبِتْ عَتَبَةَ بَابِهِ، فَلَمَّا جَاءَ إِسْمَاعِيلُ قَالَ: هَلْ أَتَاكُمْ مِنْ أَحَدٍ؟ قَالَتْ: نَعَمْ، أَتَانَا شَيْخٌ حَسَنُ الْهَيْئَةِ، وَأَثْنَتْ عَلَيْهِ، فَسَأَلَنِي عَنْكَ فَأَخْبَرْتُهُ، فَسَأَلَنِي كَيْفَ عَيْشُنَا؟ فَأَخْبَرْتُهُ أَنَّا بِخَيْرٍ، قَالَ: فَأَوْصَاكِ بِشَيءٍ؟ قَالَتْ: نَعَمْ، وَهُوَ يَقْرَأُ عَلَيْكَ السَّلاَمَ، وَيَأْمُرُكَ أَنْ تُثْبِتَ عَتَبَةَ بَابِكَ، قَالَ: ذَاكَ أَبِي، وَأَنْتِ الْعَتَبَةُ، أَمَرَنِي أَنْ أُمْسِكَكِ. ثُمَّ لَبِثَ عَنْهُمْ مَا شَاءَ اللهُ، ثُمَّ جَاءَ بَعْدَ ذَلِكَ، وَإِسْمَاعِيلُ يَبْرِي نَبْلاً لَهُ تَحْتَ دَوْحَةٍ قَرِيبًا مِنْ زَمْزَمَ، فَلَمَّا رَآهُ قَامَ إِلَيْهِ، وَصَنَعَا كَمَا يَصْنَعُ الْوَالِدُ بِالْوَلَدِ وَالْوَلَدُ بِالْوَالِدِ، ثُمَّ قَالَ: يَا إِسْمَاعِيلُ، إِنَّ اللهَ أَمَرَنِي بِأَمْرٍ، قَالَ: فَاصْنَعْ مَا أَمَرَكَ رَبُّكَ، قَالَ: وَتُعِينُنِي؟ قَالَ: وَأُعِينُكَ، قَالَ: فَإِنَّ اللهَ أَمَرَنِي أَنْ أَبْنِيَ هَهُنَا بَيْتًا، وَأَشَارَ إِلَى أَكَمَةِ مُرْتَفِعَةٍ عَلَى مَا حَوْلَهَا، قَالَ: فَعِنْدَ ذَلِكَ رَفَعَا الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ، فَجَعَلَ إِسْمَاعِيلُ يَأْتِي بِالْحِجَارَةِ وَإِبْرَاهِيمُ يَبْنِي، حَتَّى إِذَا ارْتَفَعَ الْبِنَاءُ جَاءَ بِهَذَا الْحَجَرِ فَوَضَعَهُ لَهُ، فَقَامَ عَلَيْهِ، وَهُوَ يَبْنِي وَإِسْمَاعِيلُ يُنَاوِلُهُ الْحِجَارَةَ، وَهُمَا يَقُولاَنِ: {رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ} [648]. قَالَ: فَجَعَلاَ يَبْنِيَانِ حَتَّى يَدُورَا حَوْلَ الْبَيْتِ وَهُمَا يَقُولاَنِ: {رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ} [البقرة: 127]. [648] (فتح الباري: 6/456) ذِكْرُ بِنَاءِ قُرَيْشٍ الْكَعْبَةَ بَعْدَ إِبْرَاهِيمَ الْخَلِيلِ عَلَيْهِ السَّلاَمُ بِمُدَدٍ طَوِيلَةٍ، قَبْلَ مَبْعَثِ رَسُولِ اللهِ ﷺ بِخَمْسِ سِنِينَ وَقَدْ نَقَلَ مَعَهُمْ فِي الْحِجَارَةِ وَلَهُ مِنَ الْعُمُرِ خَمْسٌ وَثَلاَثُونَ سَنَةً صَلَوَاتُ اللهِ وَسَلاَمُهُ عَلَيْهِ دَائِمًا إِلَى يَوْمِ الدِّينِ. قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ بْنِ يَسَارٍ فِي السِّيرَةِ: وَلَمَّا بَلَغَ رَسُولُ اللهِ ﷺ خَمْسًا وَثَلاَثِينَ سَنَةً، اِجْتَمَعَتْ قُرَيْشٌ لِبُنْيَانِ الْكَعْبَةِ، وَكَانُوا يَهُمُّونَ بِذَلِكَ لِيُسَقِّفُوهَا، وَيَهَابُونَ هَدْمَهَا، وَإِنَّمَا كَانَتْ رَضْمًا فَوْقَ الْقَامَةِ، فَأَرَادُوا رَفْعَهَا وَتَسْقِيفَهَا، وَذَلِكَ أَنَّ نَفَرًا سَرَقُوا كَنْزَ الْكَعْبَةِ، وَإِنَّمَا كَانَ يَكُونُ فِي بِئْرٍ فِي جَوْفِ الْكَعْبَةِ، وَكَانَ الَّذِي وُجِدَ عِنْدَهُ الْكَنْزُ [دُوَيْكَا][649] - مَوْلَى بَنِي مُلَيْحِ بْنِ عَمْرٍو مِنْ خُزَاعَةَ - فَقَطَعَتْ قُرَيْشٌ يَدَهُ، وَيَزْعُمُ النَّاسُ أَنَّ الَّذِينَ سَرَقُوهُ: وَضَعُوهُ عِنْدَ دُوَيْكٍ، وَكَانَ الْبَحْرُ قَدْ رَمَى بِسَفِينَةٍ إِلَى جُدَّةَ لِرَجُلٍ مِنْ تُجَّارِ الرُّومِ، فَتَحَطَّمَتْ، فَأَخَذُوا خَشَبَهَا، فَأَعَدُّوهُ لِتَسْقِيفِهَا، وَكَانَ بِمَكَّةَ رَجُلٌ قِبْطِيٌّ نَجَّارٌ، فَهَيَّأَ لَهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ بَعْضَ مَا يُصْلِحُهَا. [649] (في النسخ: دُويك: بدون علامة النصب والمثبت عن السيرة لابن هشام (1/231). (الناشر)) وَكَانَتْ حَيَّةٌ تَخْرُجُ مِنْ بِئْرِ الْكَعْبَةِ الَّتِي كَانَتْ تُطْرَحُ فِيهَا مَا يُهْدَى لَهَا كُلَّ يَوْمٍ، [فَتَشَرَّقُ][650] عَلَى جِدَارِ الْكَعْبَةِ، وَكَانَتْ مِمَّا يَهَابُونَ، وَذَلِكَ أَنَّهُ كَانَ لاَ يَدْنُو مِنْهَا أَحَدٌ إِلاَّ احْزَأَلَّتْ وَكَشَّتْ وَفَتَحَتْ فَاهَا، فَكَانُوا يَهَابُونَهَا[651]. فَبَينَا هِيَ يَوْمًا تَشَرَّفُ عَلَى جِدَارِ الْكَعْبَةِ كَمَا كَانَتْ تَصْنَعُ، بَعَثَ اللهُ إِلَيْهَا طَائِرًا فَاخْتَطَفَهَا فَذَهَبَ بِهَا، فَقَالَتْ قُرَيْشٌ: إِنَّا لَنَرْجُو أَنْ يَكُونَ اللهُ قَدْ رَضِيَ مَا أَرَدْنَا، عِنْدَنَا عَامِلٌ رَفِيقٌ، وَعِنْدَنَا خَشَبٌ، وَقَدْ كَفَانَا اللهُ الْحَيَّةَ. [650] (فتشرق: كذا أثبتناه من السيرة أي تبرُز الشمس. وفي الأصل: فَتَشَرَّفُ وهو قريب المراد) [651] (كيف سرقوا كنز الكعبة ما دامت الحبة قد كانت على هذا الحال؟) فَلَمَّا أَجْمَعُوا أَمْرَهُمْ فِي هَدْمِهَا وَبُنْيَانِهَا، قَامَ أَبُو وَهْبِ ابْنُ عَمْرِو بْنِ عَائِذِ بْنِ عَبْدِ بْنِ عِمْرَانَ بْنِ مَخْزُومٍ، فَتَنَاوَلَ مِنَ الْكَعْبَةِ حَجَرًا فَوَثَبَ مِنْ يَدِهِ، حَتَّى رَجَعَ إِلَى مَوْضِعِهِ، فَقَالَ: يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ، لاَ تُدْخِلُوا فِي بُنْيَانِهَا مِنْ كَسْبِكُمْ إِلاَّ طَيِّبًا، لاَ يُدْخَلُ فِيهَا مَهْرُ بَغِيٍّ، وَلاَ بَيْعُ رِبًا، وَلاَ مَظْلِمَةُ أَحَدٍ مِنَ النَّاسِ. قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: وَالنَّاسُ يَنْتَحِلُونَ هَذَا الْكَلاَمَ لِلْوَلِيدِ بْنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ مَخْزُومٍ[652]. [652] (ابن هشام: 1/204) قَالَ: ثُمَّ إِنَّ قُرَيشًا تَجَزَّأَتِ الْكَعْبَةَ، فَكَانَ شِقُّ الْبَابِ لِبَنِي عَبْدِ مَنَافٍ وَزُهْرَةَ، وَكَانَ مَا بَيْنَ الرُّكْنِ الْأَسْوَدِ، وَالرُّكْنِ الْيَمَانِيِّ لِبَنِي مَخْزُومٍ، وَقَبَائِلُ مِنْ قُرَيْشٍ انْضَمُّوا إِلَيْهِمْ، وَكَانَ ظَهْرُ الْكَعْبَةِ، لِبَنِي جُمَحٍ وَسَهْمٍ، وَكَانَ شِقُّ الْحِجْرِ لِبَنِي عَبْدِ الدَّارِ بْنِ قُصَيٍّ وَلِبَنِي أَسَدِ بْنِ عَبْدِ الْعُزَّى بْنِ قُصَيٍّ وَلِبَنِي عَدِيِّ بْنِ كَعْبِ ابْنِ لُؤَيٍّ، وَهُوَ الْحَطِيمُ. ثُمَّ إِنَّ النَّاسَ هَابُوا هَدْمَهَا وَفَرِقُوا مِنْهُ، فَقَالَ الْوَلِيدُ بْنُ الْمُغِيرَةِ: أَنَا أَبْدَؤُكُمْ فِي هَدْمِهَا، فَأَخَذَ الْمِعْوَلَ ثُمَّ قَامَ عَلَيْهَا وَهُوَ يَقُولُ: اَللَّهُمَّ لَمْ تُرَعْ، اَللَّهُمَّ إِنَّا لاَ نُرِيدُ إِلاَّ الْخَيْرَ، ثُمَّ هَدَمَ مِنْ نَاحِيَةِ الرُّكْنَيْنِ، فَتَرَبَّصَ النَّاسُ تِلْكَ اللَّيْلَةَ، وَقَالُوا: نَنْظُرُ، فَإِنْ أُصِيبَ لَمْ نَهْدِمْ مِنْهَا شَيْئًا، وَرَدَدْنَاهَا كَمَا كَانَتْ، وَإِنْ لَمْ يُصِبْهُ شَيْءٌ فَقَدْ رَضِيَ اللهُ مَا صَنَعْنَا، فَأَصْبَحَ الْوَلِيدُ مِنْ لَيْلَتِهِ غَادِيًا عَلَى عَمَلِهِ، فَهَدَمَ وَهَدَمَ النَّاسُ مَعَهُ، حَتَّى إِذَا انْتَهَى الْهَدْمُ بِهِمْ إِلَى الْأَسَاسِ، أَسَاسِ إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلاَمُ، أَفْضَوْا إِلَى حِجَارَةٍ خُضْرٍ كَالْأَسِنَّةِ آخِذٍ بَعْضُهَا بَعْضًا، قَالَ: فَحَدَّثَنِي بَعْضُ مَنْ يَرْوِي الْحَدِيثَ: أَنَّ رَجُلاً مِنْ قُرَيْشٍ مِمَّنْ كَانَ يَهْدِمُهَا، أَدْخَلَ عَتَلَةً بَيْنَ حَجَرَيْنِ مِنْهَا لِيَقْلِعَ بِهَا أَيْضًا أَحَدَهُمَا، فَلَمَّا تَحَرَّكَ الْحَجَرُ تَنَقَّضَتْ مَكَّةُ بِأَسْرِهَا، فَانْتَهَوْا عَنْ ذَلِكَ الْأَسَاسِ[653]. [653] (ابن هشام: 1/207) [اَلنِّزَاعُ فِي وَضْعِ الْحَجَرِ الْأَسْوَدِ. وَقَضَاءُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللهِ ﷺ الْقَضَاءَ الْعَادِلَ] قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: ثُمَّ إِنَّ الْقَبَائِلَ مِنْ قُرَيْشٍ جَمَعَتِ الْحِجَارَةَ لِبِنَائِهَا، كُلُّ قَبِيلَةٍ تَجْمَعُ عَلَى حِدَةٍ، ثُمَّ بَنَوْهَا حَتَّى بَلَغَ الْبُنْيَانُ مَوْضِعَ الرُّكْنِ، يَعْنِي الْحَجَرَ الْأَسْوَدَ، فَاخْتَصَمُوا فِيهِ، كُلُّ قَبِيلَةٍ تُرِيدُ أَنْ تَرْفَعَهُ إِلَى مَوْضِعِهِ دُونَ الْأُخْرى، حَتَّى تَحَاوَرُوا وَتَخَالَفُوا وَأَعَدُّوا لِلْقِتَالِ، فَقَرَّبَتْ بَنُو عَبْدِ الدَّارِ جَفْنَةً مَمْلُوءَةً دَمًا، ثُمَّ تَعَاقَدُوا هُمْ وَبَنُو عَدِيِّ ابْنِ كَعْبِ بْنِ لُؤَيٍّ عَلَى الْمَوْتِ، وَأَدْخَلُوا أَيْدِيَهُمْ فِي ذَلِكَ الدَّمِ فِي تِلْكَ الْجَفْنَةِ، فَسُمُّوا «لَعَقَةَ الدَّمِ» فَمَكَثَتْ قُرَيْشٌ عَلَى ذَلِكَ أَرْبَعَ لَيَالٍ أَوْ خَمْسًا، ثُمَّ إِنَّهُمْ اِجْتَمَعُوا فِي الْمَسْجِدِ فَتَشَاوَرُوا وَتَنَاصَفُوا، فَزَعَمَ بَعْضُ أَهْلِ الرِّوَايَةِ أَنَّ أَبَا أُمَيَّةَ بْنَ الْمُغِيرَةِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ مَخْزُومٍ، وَكَانَ عَامَئِذٍ أَسَنَّ قُرَيْشٍ كُلِّهِمْ، قَالَ: يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ، اِجْعَلُوا بَيْنَكُمْ فِيمَا تَخْتَلِفُونَ فِيهِ أَوَّلَ مَنْ يَدْخُلُ مِنْ بَابِ هَذَا الْمَسْجِدِ يَقْضِي بَيْنَكُمْ فِيهِ، فَفَعَلُوا، فَكَانَ أَوَّلَ دَاخِلٍ رَسُولُ اللهِ ﷺ، فَلَمَّا رَأَوْهُ قَالُوا: هَذَا الْأَمِينُ رَضِينَا، هَذَا مُحَمَّدٌ. فَلَمَّا انْتَهى إِلَيْهِمْ وَأَخْبَرُوهُ الْخَبَرَ قَالَ ﷺ: هَلُمَّ إِلَيَّ ثَوْبًا، فَأُتِيَ بِهِ فَأَخَذَ الرُّكْنَ، يَعْنِي الْحَجَرَ الْأَسْوَدَ، فَوَضَعَهُ فِيهِ بِيَدِهِ، ثُمَّ قَالَ: لِتَأْخُذْ كُلُّ قَبِيلَةٍ بِنَاحِيَةٍ مِنَ الثَّوْبِ ثُمَّ ارْفَعُوهُ جَمِيعًا، فَفَعَلُوا حَتَّى إِذَا بَلَغُوا بِهِ مَوْضِعَهُ، وَضَعَهُ هُوَ بِيَدِهِ ﷺ، ثُمَّ بَنَى عَلَيْهِ، وَكَانَتْ قُرَيْشٌ تُسَمِّي رَسُولَ اللهِ ﷺ قَبْلَ أَنْ يَنْزِلَ الْوَحْيُ «الْأَمِينَ». فَلَمَّا فَرَغُوا مِنَ الْبُنْيَانِ وَبَنَوْهَا عَلَى مَا أَرَادُوا، قَالَ الزُّبَيْرُ بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، فِيمَا كَانَ مِنْ أَمْرِ الْحَيَّةِ الَّتِي كَانَتْ قُرَيْشٌ تَهَابُ بُنْيَانَ الْكَعْبَةِ لَهَا: عَجِبْتُ لَمَّا تَصَوَّبَتِ الْعُقَابُ ** إِلَى الثُّعْبَانِ وَهْيَ لَهَا اضْطِرَابُ وَقَدْ كَانَتْ يَكُونُ لَهَا كَشِيشٌ ** وَأَحْيَانًا يَكُونُ لَهَا وِثَابُ إِذَا قُمْنَا إِلَى التَّأْسِيسِ شَدَّتْ ** تُهَيِّبُنَا الْبِنَاءَ وَقَدْ تُهَابُ فَلَمَّا أَنْ خَشِينَا الزِّجْرَ جَاءَتْ ** عُقَابُ تَتْلَئِبُّ لَهَا انْصِبَابُ فَضَمَّتْهَا إِلَيْهَا ثُمَّ خَلَّتْ ** لَنَا الْبُنْيَانَ لَيْسَ لَهُ حِجَابُ فَقُمْنَا حَاشِدِينَ إِلَى بِنَاءٍ ** لَنَا مِنْهُ الْقَوَاعِدُ وَالتُّرَابُ غَدَاةَ نُرَفِّعُ التَّأْسِيسَ مِنْهُ ** وَلَيْسَ عَلَى مُسَوِّينَا ثِيَابُ أَعَزَّ بِهِ الْمَلِيكُ بَنِي لُؤَيٍّ ** فَلَيْسَ لِأَصْلِهِ مِنْهُمْ ذَهَابُ وَقَدْ حَشَدَتْ هُنَاكَ بَنُو عَدِيٍّ ** وَمُرَّةُ قَدْ تَقَدَّمَهَا كِلاَبُ فَبَوَّأَنَا الْمَلِيكُ بِذَاكَ عِزًّا ** وَعِنْدَ اللهِ يُلْتَمَسُ الثَّوَابُ [654] [654] (ابن هشام: 1/209) [بِنَاءُ ابْنِ الزُّبَيْرِ الْكَعْبَةَ عَلَى مَا كَانَ يُرِيدُهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ] قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: وَكَانَتِ الْكَعْبَةُ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ ﷺ ثَمَانِيَ عَشَرَ ذِرَاعًا، وَكَانَتْ تُكْسى الْقُبَاطِيَّ، ثُمَّ كُسِيَتْ بَعْدُ الْبُرُودَ، وَأَوَّلُ مَنْ كَسَاهَا الدِّيبَاجَ الْحَجَّاجُ بْنُ يُوسُفَ[655] [655] (ابن هشام: 1/211) (قُلْتُ) وَلَمْ تَزَلْ عَلَى بِنَاءِ قُرَيْشٍ حَتَّى احْتَرَقَتْ فِي أَوَّلِ إِمَارَةِ عَبْدِاللهِ بْنِ الزُّبَيْرِ بَعْدَ سَنَةِ سِتِّينَ وَفِي آخِرِ وِلاَيَةِ يَزِيدَ ابْنِ مُعَاوِيَةَ، لَمَّا حَاصَرُوا ابْنَ الزُّبَيْرِ، فَحِينَئِذٍ نَقَضَهَا ابْنُ الزُّبَيْرِ إِلَى الْأَرْضِ وَبَنَاهَا عَلَى قَوَاعِدِ إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلاَمُ، وَأَدْخَلَ فِيهَا الْحِجْرَ، وَجَعَلَ لَهَا بَابًا شَرْقِيًّا وَبَابًا غَرْبِيًّا مُلْصَقَيْنِ بِالْأَرْضِ، كَمَا سَمِعَ ذَلِكَ مِنْ خَالَتِهِ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ، وَلَمْ تَزَلْ كَذَلِكَ مُدَّةَ إِمَارَتِهِ، حَتَّى قَتَلَهُ الْحَجَّاجُ، فَرَدَّهَا إِلَى مَا كَانَتْ عَلَيْهِ بِأَمْرِ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ مَرْوَانَ لَهُ بِذَلِكَ. رَوَى مُسْلِمُ بْنُ الْحَجَّاجِ فِي صَحِيحِهِ عَنْ عَطَاءٍ، قَالَ: لَمَّا احْتَرَقَ الْبَيْتُ زَمَنَ يَزِيدَ بْنِ مُعَاوِيَةَ حِينَ غَزَاهَا أَهْلُ الشَّامِ، فَكَانَ مِنْ أَمْرِهِ مَا كَانَ، تَرَكَهُ ابْنُ الزُّبَيْرِ حَتَّى قَدِمَ النَّاسُ الْمَوْسِمَ، يُرِيدُ أَنْ يُجَرِّئَهُمْ أَوْ يُحَزِّبَهُمْ عَلَى أَهْلِ الشَّامِ، فَلَمَّا صَدَرَ النَّاسُ قَالَ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ، أَشِيرُوا عَلَيَّ فِي الْكَعْبَةِ أَنْقُضُهَا ثُمَّ أَبْنِي بِنَاءَهَا، أَوْ أُصْلِحُ مَا وَهَى مِنْهَا؟ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: فَإِنِّي قَدْ خَرَقَ لِي رَأْيٌ فِيهَا، أَرَى أَنْ تُصْلِحَ مَا وَهَى مِنْهَا، وَتَدَعُ بَيْتًا أَسْلَمَ النَّاسُ عَلَيْهِ، وَأَحْجَارًا أَسْلَمَ النَّاسُ عَلَيْهَا، وَبُعِثَ عَلَيْهَا ﷺ، فَقَالَ ابْنُ الزُّبَيْرِ: لَوْ كَانَ أَحَدُهُمْ اِحْتَرَقَ بَيْتُهُ مَا رَضِيَ حَتَّى يُجَدِّدَهُ، فَكَيْفَ بَيْتُ رَبِّكُمْ عَزَّ وَجَلَّ؟ إِنِّي مُسْتَخِيرٌ رَبِّي ثَلاَثًا، ثُمَّ عَازِمٌ عَلَى أَمْرِي، فَلَمَّا مَضَتْ ثَلاَثٌ، أَجْمَعَ رَأْيَهُ عَلَى أَنْ يَنْقُضَهَا، فَتَحَامَاهَا النَّاسُ أَنْ يَنْزِلَ بِأَوَّلِ النَّاسِ يَصْعَدُ فِيهِ أَمْرٌ مِنَ السَّمَاءِ، حَتَّى صَعِدَهُ رَجُلٌ، فَأَلْقى مِنْهُ حِجَارَةً، فَلَمَّا لَمْ يَرَهُ النَّاسُ أَصَابَهُ شَيْءٌ تَتَابَعُوا، فَنَقَضُوهُ حَتَّى بَلَغُوا بِهِ الْأَرْضَ، فَجَعَلَ ابْنُ الزُّبَيْرِ أَعْمِدَةً يَسْتُرُ عَلَيْهَا السُّتُورَ حَتَّى ارْتَفَعَ بِنَاؤُهُ، وَقَالَ ابْنُ الزُّبَيْرِ: إِنِّي سَمِعْتُ عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا تَقُولُ: إِنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «لَوْلاَ أَنَّ النَّاسَ حَدِيثُ عَهْدِهِمْ بِكُفْرٍ، وَلَيْسَ عِنْدِي مِنَ النَّفَقَةِ مَا يُقَوِّينِي عَلَى بِنَائِهِ لَكُنْتُ أَدْخَلْتُ فِيهِ مِنَ الْحِجْرِ خَمْسَةَ أَذْرُعٍ، وَلَجَعَلْتُ لَهُ بَابًا يَدْخُلُ النَّاسُ مِنْهُ، وَبَابًا يَخْرُجُونَ مِنْهُ» قَالَ: فَأَنَا أَجِدُ مَا أُنْفِقُ، وَلَسْتُ أَخَافُ النَّاسَ، قَالَ: فَزَادَ فِيهِ خَمْسَةَ أَذْرُعٍ مِنَ الْحِجْرِ، حَتَّى أَبْدَى لَهُ أُسًّا نَظَرَ النَّاسُ إِلَيْهِ، فَبَنى عَلَيْهِ الْبِنَاءَ، وَكَانَ طُولُ الْكَعْبَةِ ثَمَانِيَةَ عَشَرَ ذِرَاعًا، فَلَمَّا زَادَ فِيهِ اِسْتَقْصَرَهُ فَزَادَ فِي أَوَّلِهِ عَشَرَةَ أَذْرُعٍ وَجَعَلَ لَهُ بَابَيْنِ: أَحَدُهُمَا يُدْخَلُ مِنْهُ، وَالاْخَرُ يُخْرَجُ مِنْهُ. فَلَمَّا قُتِلَ ابْنُ الزُّبَيْرِ، كَتَبَ الْحَجَّاجُ إِلَى عَبْدِ الْمَلِكِ يَسْتَجِيزُهُ بِذَلِكَ وَيُخْبِرُهُ أَنَّ ابْنَ الزُّبَيْرِ قَدْ وَضَعَ الْبِنَاءَ عَلَى أُسٍّ نَظَرَ إِلَيْهِ الْعُدُولُ مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ، فَكَتَبَ إِلَيْهِ عَبْدُ الْمَلِكِ: إِنَّا لَسْنَا مِنْ تَلْطِيخِ ابْنِ الزُّبَيْرِ فِي شَيْءٍ، أَمَّا مَا زَادَهُ فِي طُولِهِ فَأَقِرَّهُ، وَأَمَّا مَا زَادَ فِيهِ مِنَ الْحِجْرِ فَرُدَّهُ إِلَى بِنَائِهِ، وَسُدَّ الْبَابَ الَّذِي فَتَحَهُ، فَنَقَضَهُ وَأَعَادَهُ إِلَى بِنَائِهِ[656]. وَقَدْ رَوَاهُ النَّسَائِيُّ فِي سُنَنِهِ عَنْ عَائِشَةَ بِالْمَرْفُوعِ مِنْهُ[657] وَلَمْ يَذْكُرِ الْقِصَّةَ. [656] (مسلم: 2/970) [657] (88النسائي: 5/218) وَقَدْ كَانَتِ السُّنَّـةُ إِقْرَارًا مَا فَعَلَهُ عَبْدُ اللهِ بْنُ الزُّبَيْرِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا، لِأَنَّهُ هُوَ الَّذِي وَدَّهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ، وَلَكِنْ خَشِيَ أَنْ تُنْكِرَهُ قُلُوبُ بَعْضِ النَّاسِ لِحَدَاثَةِ عَهْدِهِمْ بِالْإِسْلاَمِ، وَقُرْبِ عَهْدِهِمْ مِنَ الْكُفْرِ، وَلكِنْ خَفِيَتْ هَذِهِ السُّنَّةُ عَلَى عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ مَرْوَانَ، وَلِهَذَا لَمَّا تَحَقَّقَ ذَلِكَ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا رَوَتْ ذَلِكَ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ قَالَ: وَدِدْنَا أَنَّا تَرَكْنَاهُ وَمَا تَوَلَّى. كَمَا رَوَى مُسْلِمٌ عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُبَيْدٍ قَالَ: وَفَدَ الْحَارِثُ بْنُ عَبْدِ اللهِ عَلَى عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ مَرْوَانَ فِي خِلاَفَتِهِ، فَقَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ: مَا أَظُنُّ أَبَا خُبَيْبٍ، يَعْنِي ابْنَ الزُّبَيْرِ، سَمِعَ مِنْ عَائِشَةَ مَا كَانَ يَزْعُمُ أَنَّهُ سَمِعَهُ مِنْهَا، قَالَ الْحَارِثُ: بَلى، أَنَا سَمِعْتُهُ مِنْهَا. قَالَ: سَمِعْتَهَا تَقُولُ مَاذَا؟ قَالَ: قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «إِنَّ قَوْمَكِ اسْتَقْصَرُوا مِنْ بُنْيَانِ الْبَيْتِ، وَلَوْلاَ حَدَاثَةُ عَهْدِهِمْ بِالشِّرْكِ أَعَدْتُ مَا تَرَكُوا مِنْهُ، فَإِنْ بَدَا لِقَوْمِكِ مِنْ بَعْدِي أَنْ يَبْنُوهُ فَهَلُمِّي لِأُرِيَكِ مَا تَرَكُوهُ مِنْهُ» فَأَرَاهَا قَرِيبًا مِنْ سَبْعَةِ أَذْرُعٍ، زَادَ الْوَلِيدُ بْنُ عَطَاءٍ - أَحَدُ رُوَاتِهِ - قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «وَلَجَعَلْتُ لَهَا بَابَيْنِ مَوْضُوعَيْنِ فِي الْأَرْضِ: شَرْقِيًّا وَغَرْبِيًّا، وَهَلْ تَدْرِينَ لِمَ كَانَ قَوْمُكِ رَفَعُوا بَابَهَا؟» قَالَتْ: قُلْتُ: لاَ. قَالَ: «تَعَزُّزًا أَنْ لاَ يَدْخُلَهَا إِلاَّ مَنْ أَرَادُوا، فَكَانَ الرَّجُلُ إِذَا هُوَ أَرَادَ أَنْ يَدْخُلَهَا يَدَعُونَهُ حَتَّى يَرْتَقِيَ، حَتَّى إِذَا كَادَ أَنْ يَدْخُلَ دَفَعُوهُ فَسَقَطَ» قَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ: فَقُلْتُ لِلْحَارِثِ: أَنْتَ سَمِعْتَهَا تَقُولُ هَذَا؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: فَنَكَتَ سَاعَةً بِعَصَاهُ، ثُمَّ قَالَ: وَدِدْتُ أَنِّي تَرَكْتُ وَمَا تَحَمَّلَ[658]. [658] (مسلم: 2/971) [حَبَشِيٌّ يَهْدِمُ الْكَعْبَةَ قُرْبَ الْقِيَامَةِ] وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «يُخَرِّبُ الْكَعْبَةَ ذُو السُّوَيْقَتَيْنِ مِنَ الْحَبَشَةِ» أَخْرَجَاهُ[659]. وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «كَأَنِّي بِهِ أَسْوَدَ أَفْحَجَ، يَقْلَعُهَا حَجَرًا حَجَرًا» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ[660]. وَرَوَى الْإِمَامُ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ فِي مُسْنَدِهِ عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: «يُخَرِّبُ الْكَعْبَةَ ذُو السُّوَيْقَتَيْنِ مِنَ الْحَبَشَةِ، وَيَسْلُبُهَا حِلْيَتَهَا، وَيُجَرِّدُهَا مِنْ كِسْوَتِهَا، وَلَكَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَيْهِ أُصَيْلِعَ أُفَيْدِعَ، يَضْرِبُ عَلَيْهَا بِمِسْحَاتِهِ وَمِعْوَلِهِ»[661] - اَلْفَدَعُ: زَيْغٌ بَيْنَ الْقَدَمِ وَعَظْمِ السَّاقِ - وَهَذا، وَاللهُ أَعْلَمُ، إِنَّمَا يَكُونُ بَعْدَ خُرُوجِ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ، لِمَا جَاءَ فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ «لَيُحَجَّنَّ الْبَيْتُ وَلَيُعْتَمَرَنَّ بَعْدَ خُرُوجِ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ»[662]. [659] (فتح الباري: 3/538، والبخاري 1595، ومسلم: 4/2232) [660] (فتح الباري: 3/538) [661] (أحمد: 2/220) [662] (فتح الباري: 3/531) [دُعَاءُ الْخَلِيلِ] وَقَوْلُهُ تَعَالَى حِكَايَةً لِدُعَاءِ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ عَلَيْهِمَا السَّلاَمُ: {رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ} قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: يَعْنِيَانِ بِذَلِكَ وَاجْعَلْنَا مُسْتَسْلِمَينِ لِأَمْرِكَ، خَاضِعَيْنِ لِطَاعَتِكَ، وَلاَ نُشْرِكُ مَعَكَ فِي الطَّاعَةِ أَحَدًا سِوَاكَ، وَلاَ فِي الْعِبَادَةِ غَيْرَكَ[663]. وَقَالَ عِكْرِمَةُ: {رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ} قَالَ اللهُ: قَدْ فَعَلْتُ، {وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ} قَالَ اللهُ: قَدْ فَعَلْتُ. [663] (الطبري: 3/73) وَهَذَا الدُّعَاءُ مِنْ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ عَلَيْهِمَا السَّلاَمُ كَمَا أَخْبَرَنَا اللهُ تَعَالَى عَنْ عِبَادِهِ الْمُتَّقِينَ الْمُؤْمِنِينَ فِي قَوْلِهِ: {وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا} [الفرقان:74] وَهَذَا الْقَدْرُ مَرْغُوبٌ فِيهِ شَرْعًا، فَإِنَّ مِنْ تَمَامِ مَحَبَّةِ عِبَادَةِ اللهِ تَعَالَى: أَنْ يُحِبَّ أَنْ يَكُونَ مِنْ صُلْبِهِ مَنْ يَعْبُدُ اللهَ وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ. وَلِهَذَا لَمَّا قَالَ اللهُ تَعَالَى لِإِبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلاَمُ: {إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا} قَالَ: {وَمِنْ ذُرِّيَتِي قَالَ لاَ يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ} وَهُوَ قَوْلُهُ: {وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الأَصْنَامَ} [إبراهيم:35] وَقَدْ ثَبَتَ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، أَنَّهُ قَالَ: «إِذَا مَاتَ ابْنُ آدَمَ انْقَطَعَ عَمَلُهُ إِلاَّ مِنْ ثَلاَثٍ: صَدَقَةٍ جَارِيَةٍ، أَوْ عِلْمٍ يُنْتَفَعُ بِهِ، أَوْ وَلَدٍ صَالِحٍ يَدْعُو لَهُ»[664]. [664] (مسلم: 3/1255) [تَفْسِيرُ الْمَنَاسِكِ] {وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا} قَالَ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ: أَخْبَرَنَا عَتَّابُ بْنُ بَشِيرِ عَنْ خُصَيْفٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، قَالَ: قَالَ إِبْرَاهِيمُ {وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا} فَأَتَاهُ جِبْرَائِيلُ َفَأَتى بِهِ الْبَيْتَ، فَقَالَ: ارْفَعِ الْقَوَاعِدَ، فَرَفَعَ الْقَوَاعِدَ وَأَتَمَّ الْبُنْيَانَ، ثُمَّ أَخَذَ بِيَدِهِ فَأَخْرَجَهُ فَانْطَلَقَ بِهِ إِلَى الصَّفَا، قَالَ: هَذَا مِنْ شَعَائِرِ اللهِ، ثُمَّ انْطَلَقَ بِهِ إِلَى الْمَرْوَةِ، فَقَالَ: وَهَذَا مِنْ شَعَائِرِ اللهِ، ثُمَّ انْطَلَقَ بِهِ نَحْوَ مِنًى، فَلَمَّا كَانَ مِنَ الْعَقَبَةِ إِذَا إِبْلِيسُ قَائِمٌ عِنْدَ الشَّجَرَةِ، فَقَالَ: كَبِّرْ وَارْمِهِ، فَكَبَّرَ وَرَمَاهُ، ثُمَّ انْطَلَقَ إِبْلِيسُ فَقَامَ عِنْدَ الْجَمْرَةِ الْوُسْطى، فَلَمَّا جَازَ بِهِ جِبْرِيلُ وَإِبْرَاهِيمُ، قَالَ لَهُ: كَبِّرْ وَارْمِهِ، فَكَبَّرَ وَرَمَاهُ، فَذَهَبَ الْخَبِيثُ إِبْلِيسُ. وَكَانَ الْخَبِيثُ أَرَادَ أَنْ يُدْخِلَ فِي الْحَجِّ شَيْئًا، فَلَمْ يَسْتَطِعْ. فَأَخَذَ بِيَدِ إِبْرَاهِيمَ حَتَّى أَتَى بِهِ الْمَشْعَرَ الْحَرَامَ، فَقَالَ: هَذَا الْمَشْعَرُ الْحَرَامُ، فَأَخَذَ بِيَدِ إِبْرَاهِيمَ حَتَّى أَتَى بِهِ عَرَفَاتٍ، قَالَ: قَدْ عَرَفْتَ مَا أَرَيْتُكَ؟ قَالَهَا ثَلاَثَ مَرَّاتٍ، قَالَ: «نَعَمْ»[665]. وَرُوِيَ عَنْ أَبِي مِجْلَزٍ وَقَتَادَةَ نَحْوُ ذَلِكَ.[666]. [665] (سعيد بن منصور: 2/615) [666] (ابن أبي حاتم: 1/390) {رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيْهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} [دُعَاءُ الْخَلِيلِ بِبِعْثَةِ النَّبِيِّ ﷺ] يَقُولُ تَعَالَى إِخْبَارًا عَنْ تَمَامِ دَعْوَةِ إِبْرَاهِيمَ لِأَهْلِ الْحَرَمِ أَنْ يَبْعَثَ اللهُ فِيهِمْ رَسُولاً مِنْهُمْ، أَيْ مِنْ ذُرِّيَّةِ إِبْرَاهِيمَ، وَقَدْ وَافَقَتْ هَذِهِ الدَّعْوَةُ الْمُسْتَجَابَةُ قَدَرَ اللهِ السَّابِقَ فِي تَعْيِينِ مُحَمَّدٍ صَلَوَاتُ اللهِ وَسَلاَمُهُ عَلَيْهِ رَسُولاً فِي الْأُمِّيِّينَ إِلَيْهِمْ، وَإِلَى سَائِرِ الْأَعْجَمِيِّينَ مِنَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ. وَالْمُرَادُ أَنَّ أَوَّلَ مَنْ نَوَّهَ بِذِكْرِهِ وَشَهَرَهُ فِي النَّاسِ إِبْرَاهِيمُ عَلَيْهِ السَّلاَمُ، وَلَمْ يَزَلْ ذِكْرُهُ فِي النَّاسِ مَذْكُورًا مَشْهُورًا سَائِرًا حَتَّى أَفْصَحَ بِاسْمِهِ خَاتَمُ أَنْبِيَاءِ بَنِي إِسْرَائِيلَ نَسَبًا، وَهُوَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ عَلَيْهِ السَّلاَمُ، حَيْثَ قَامَ فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ خَطِيبًا، وَقَالَ: {إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ} [الصف:6] وَعَنْ أَبِي أُمَامَةَ رَضِي اللهُ عَنْهُ قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، مَا كَانَ أَوَّلُ بَدْءِ أَمْرِكَ؟ قَالَ: «دَعْوَةُ أَبِي إِبْرَاهِيمَ وَبُشْرَى عِيسَى بِي، وَرَأَتْ أُمِّي أَنَّهُ خَرَجَ مِنْهَا نُورٌ أَضَاءَتْ لَهُ قُصُورُ الشَّامِ»[667]. [667] (أحمد: 5/262) وَقَوْلُهُ: «وَرَأَتْ أُمِّي أَنَّهُ خَرَجَ مِنْهَا نُورٌ أَضَاءَتْ لَهُ قُصُورُ الشَّامِ»، قِيلَ: كَانَ مَنَامًا رَأَتْهُ حِينَ حَمَلَتْ بِهِ، وَقَصَّتْهُ عَلَى قَوْمِهَا، فَشَاعَ فِيهِمْ وَاشْتَهَرَ بَيْنَهُمْ، وَكَانَ ذَلِكَ تَوْطِئَةً. وَتَخْصِيصُ الشَّامِ بِظُهُورِ نُورِهِ إِشَارَةٌ إِلَى اسْتِقْرَارِ دِينِهِ وَنُبُوَّتِهِ بِبِلاَدِ الشَّامِ. وَلِهَذَا تَكُونُ الشَّامُ فِي آخِرِ الزَّمَانِ مَعْقِلاً لِلْإِسْلاَمِ وَأَهْلِهِ، وَبِهَا يَنْزِلُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ، إِذَا نَزَلَ بِدِمَشْقَ بِالْمَنَارَةِ الشَّرْقِيَّةِ الْبَيْضَاءِ مِنْهَا. وَلِهَذَا جَاءَ فِي الصَّحِيحَيْنِ: «لاَ تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي ظَاهِرِينَ عَلَى الْحَقِّ، لاَ يَضُرُّهُمْ مَنْ خَذَلَهُمْ وَلاَ مَنْ خَالَفَهُمْ حَتَّى يَأْتِيَ أَمْرُ اللهِ وَهُمْ كَذَلِكَ». وَفِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ: «وَهُمْ بِالشَّامِ»[668]. [668] (فتح الباري: 6/731، ومسلم: 2/1524) [تَفْسِيرُ الْكِتَابِ وَالْحِكْمَةِ] وَقَوْلُهُ تَعَالَى: {وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ} يَعْنِي الْقُرْآنَ، {وَالْحِكْمَةَ} يَعْنِي السُّنَّةَ، قَالَهُ الْحَسَنُ وَقَتَادَةُ وَمَقَاتِلُ بْنُ حَيَّانَ وَأَبُو مَالِكٍ وَغَيْرُهُمْ[669]. وَقِيلَ: اَلْفَهْمُ فِي الدِّينِ. وَلاَ مُنَافَاةَ. {وَيُزَكِّيْهِمْ} قَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: يَعْنِي طَاعَةَ اللهِ[670]. وَقَوْلُهُ: {إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} أَيِ الْعَزِيزُ الَّذِي لاَ يُعْجِزُهُ شَيْءٌ، وَهُوَ قَادِرٌ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ، الْحَكِيمُ فِي أَفْعَالِهِ وَأَقْوَالِهِ، فَيَضَعُ الْأَشْيَاءَ فِي مَحَالِّهَا لِعِلْمِهِ وَحِكْمَتِهِ وَعَدْلِهِ. [669] (ابن أبي حاتم: 1/390) [670] (ابن أبي حاتم: 1/391) {وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلاَّ مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ وَلَقَدِ اصْطَفَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ *إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ *وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَابَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ} [مِلَّةُ إِبْرَاهِيمَ، لاَ يَرْغَبُ عَنْهَا إِلاَّ السَّفِيهُ] يَقُولُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى رَدًّا عَلَى الْكُفَّارِ فِيمَا ابْتَدَعُوهُ وَأَحْدَثُوهُ مِنَ الشِّرْكِ بِاللهِ، الْمُخَالِفِ لِمِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ الْخَلِيلِ إِمَامِ الْحُنَفَاءِ، فَإِنَّهُ جَرَّدَ تَوْحِيدَ رَبِّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى، فَلَمْ يَدْعُ مَعَهُ غَيْرَهُ، وَلاَ أَشْرَكَ بِهِ طَرْفَةَ عَيْنٍ، وَتَبَرَّأَ مِنْ كُلِّ مَعْبُودٍ سِوَاهُ، وَخَالَفَ فِي ذَلِكَ سَائِرَ قَوْمِهِ، حَتَّى تَبَرَّأَ مِنْ أَبِيهِ، فَقَالَ: {يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ *إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِي لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ} [الأنعام: 78، 79] وَقَالَ تَعَالَى: {وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ *إِلاَّ الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ} [الزخرف: 26، 27] وَقَالَ تَعَالَى: {وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ إِلاَّ عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لأَوَّاهٌ حَلِيمٌ} [التوبة: 14] وَقَالَ تَعَالَى: {إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ *شَاكِرًا لِأَنْعُمِهِ اجْتَبَاهُ وَهَدَاهُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ * وَآتَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَإِنَّهُ فِي الآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ} [النحل: 120-122]. وَلِهَذَا وَأَمْثَالِهِ قَالَ تَعَالَى: {وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ} عَنْ طَرِيقَتِهِ وَمَنْهَجِهِ، فَيُخَالِفُهَا وَيَرْغَبُ عَنْهَا {إِلاَّ مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ} أَيْ ظَلَمَ نَفْسَهُ بِسَفَهِهِ وَسُوءِ تَدْبِيرِهِ، بِتَرْكِهِ الْحَقَّ إِلَى الضَّلاَلِ، حَيْثُ خَالَفَ طَرِيقَ مَنِ اصْطُفِيَ فِي الدُّنْيَا لِلْهِدَايَةِ وَالرَّشَادِ، مِنْ حَدَاثَةِ سِنِّهِ إِلَى أَنِ اتَّخَذَهُ اللهُ خَلِيلاً، وَهُوَ فِي الاْخِرَةِ مِنَ الصَّالِحِينَ السُّعَدَاءِ، فَمَنْ تَرَكَ طَرِيقَهُ هَذَا وَمَسْلَكَهُ وَمِلَّتَهُ، وَاتَّبَعَ طُرُقَ الضَّلاَلَةِ وَالْغَيِّ، فَأَيُّ سَفَهٍ أَعْظَمُ مِنْ هَذَا؟ أَمْ أَيُّ ظُلْمٍ أَكْبَرُ مِنْ هَذَا؟ كَمَا قَالَ تَعَالَى: {إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيم} [لقمان: 13]، قَالَ أَبُو الْعَالِيَةِ وَقَتَادَةُ: نَزَلَتْ هَذَهِ الْآيَةُ فِي الْيَهُودِ، أَحْدَثُوا طَرِيقًا لَيْسَتْ مِنْ عِنْدِ اللهِ، وَخَالَفُوا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ فِيمَا أَخَذُوهُ[671]. وَيَشْهَدُ لِصِحَّةِ هَذَا الْقَوْلِ قَوْلُ اللهِ تَعَالَى: {مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلاَ نَصْرَانِيًّا وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ *إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ} [آل عمران: 67، 68]. [671] (ابن أبي حاتم: 1/392) وَقَوْلُهُ تَعَالَى: {إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ} أَيْ أَمَرَهُ اللهُ بِالْإِخْلاَصِ لَهُ، وَالْاِسْتِسْلاَمِ وَالاِنْقِيَادِ، فَأَجَابَ إِلَى ذَلِكَ شَرْعًا وَقَدَرًا، وَقَوْلُهُ: {وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ} أَيْ وَصّْى بِهذَهِ الْمِلَّةِ، وَهِيَ الْإِسْلاَمُ للهِ، أَوْ: يَعُودُ الضَّمِيرُ عَلَى الْكَلِمَةِ، وَهِيَ قَوْلُهُ: {أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ} لِحِرْصِهِمْ عَلَيْهَا وَمَحَبَّتِهِمْ لَهَا: حَافَظُوا عَلَيْهَا إِلَى حِينِ الْوَفَاةِ، وَوَصَّوْا أَبْنَاءَهُمْ بِهَا مِنْ بَعْدِهِمْ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ} [الزخرف: 28]. وَقَدْ قَرَأَ بَعْضُ السَّلَفِ: (وَيَعْقُوبَ) بِالنَّصْبِ عَطْفًا عَلَى بَنِيهِ، كَأَنَّ إِبْرَاهِيمَ وَصَّى بَنِيهِ وَابْنَ ابْنِهِ يَعْقُوبَ بْنَ إِسْحَاقَ، وَكَانَ حَاضِرًا ذَلِكَ. وَالظَّاهِرُ، وَاللهُ أَعْلَمُ، أَنَّ إِسْحَاقَ وُلِدَ لَهُ يَعْقُوبُ فِي حَيَاةِ الْخَلِيلِ وَسَارَةَ، لِأَنَّ الْبِشَارَةَ وَقَعَتْ بِهِمَا فِي قَوْلِهِ: {فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ} [هود: 71] وَقَدْ قُرِئُ بِنَصْبِ (يَعْقُوبَ) ههُنَا عَلَى نَزْعِ الْخَافِضِ، فَلَوْ لَمْ يُوجَدْ يَعْقُوبُ فِي حَيَاتِهِمَا لَمَا كَانَ لِذِكْرِهِ مِنْ بَيْنِ ذُرِّيَّةِ إِسْحَاقَ كَبِيرُ فَائِدَةٍ، وَأَيْضًا فَقَدْ قَالَ اللهُ تَعَالَى فِي سُورَةِ الْعَنْكَبُوتِ: {وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِ النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ} الْآيَةَ [العنكبوت: 27]، وَقَالَ فِي الْآيَةِ الأُخْرى {وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ نَافِلَةً} [الأنبياء: 72] وَهَذَا يَقْتَضِي: أَنَّهُ وُجِدَ فِي حَيَاتِهِ، وَأَيْضًا فَإِنَّهُ بَانِي بَيْتِ الْمَقْدِسِ، كَمَا نَطَقَتْ بِذَلِكَ الْكُتُبُ الْمُتَقَدِّمَةُ، وَثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي ذَرٍّ، قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَيُّ مَسْجِدٍ وُضِعَ أَوَّلُ؟ قَالَ: «الْمَسْجِدُ الْحَرَامُ» قُلْتُ: ثُمَّ أَيٌّ؟ قَالَ: «بَيْتُ الْمَقْدِسِ»، قُلْتُ: كَمْ بَيْنَهُمَا؟ قَالَ: «أَرْبَعُونَ سَنَةً» الْحَدِيثَ[672]. وَأَيْضًا فَإِنَّ وَصِيَّةَ يَعْقُوبَ لِبَنِيهِ سَيَأْتِي ذِكْرُهَا قَرِيبًا، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ ههُنَا مِنْ جُمْلَةِ الْمُوَصَّيْنَ. [672] (فتح الباري: 6/469، ومسلم: 1/370) [وُجُوبُ الاِلْتِزَامِ بِالتَّوْحِيدِ حَتَّى الْمَمَاتِ] وَقَوْلُهُ: {يَابَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ} أَيْ أَحْسِنُوا فِي حَالِ الْحَيَاةِ، وَالْزَمُوا هَذَا لِيَرْزُقَكُمُ اللهُ الْوَفَاةَ عَلَيْهِ، فَإِنَّ الْمَرْءَ يَمُوتُ غَالِبًا عَلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ، وَيُبْعَثُ عَلَى مَا مَاتَ عَلَيْهِ، وَقَدْ أَجْرَى اللهُ الْكَرِيمُ عَادَتَهُ بِأَنَّ مَنْ قَصَدَ الْخَيْرَ وَفَّقَ لَهُ وَيَسَّرَ عَلَيْهِ، وَمَنْ نَوَى صَالِحًا ثَـبَّتَ عَلَيْهِ. وَهَذَا لاَ يُعَارِضُ مَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ: «إِنَّ الرَّجُلَ لَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ الْجَنَّةِ حَتَّى مَا يَكُونَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا إِلاَّ بَاعٌ أَوْ ذِرَاعٌ، فَيَسْبِقُ عَلَيْهِ الْكِتَابُ فَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ فَيَدْخُلُهَا[673]. وَإِنَّ الرَّجُلَ لَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ حَتَّى مَا يَكُونَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا إِلاَّ بَاعٌ أَوْ ذِرَاعٌ، فَيَسْبِقُ عَلَيْهِ الْكِتَابُ فَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ الْجَنَّةِ فَيَدْخُلُهَا» لِأَنَّهُ قَدْ جَاءَ فِي بَعْضِ رِوَايَاتِ هَذَا الْحَدِيثِ «لَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ الْجَنَّةِ فِيمَا يَبْدُو لِلنَّاسِ... وَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ فِيمَا يَبْدُو لِلنَّاسِ» وَقَدْ قَالَ اللهُ تَعَالَى: {فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى *وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى *فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى *وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى *وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى *فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى} [الليل: 5-10]. [673] (فتح الباري: 6/105) {أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي قَالُوا نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِلَهًا وَاحِدًا وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ *تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ وَلاَ تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ} [عَهْدُ يَعْقُوبَ لِبَنِيهِ عِنْدَ الْمَوْتِ] يَقُولُ تَعَالَى مُحْتَجًّا عَلَى الْمُشْرِكِينَ مِنَ الْعَرَبِ أَبْنَاءِ إِسْمَاعِيلَ وَعَلَى الْكُفَّارِ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ - وَهُوَ يَعْقُوبُ بْنُ إِسْحَاقَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِمُ السَّلاَمُ - بِأَنَّ يَعْقُوبَ لَمَّا حَضَرَتْهُ الْوَفَاةُ، وَصّْى بَنِيهِ بِعِبَادَةِ اللهِ وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ، فَقَالَ لَهُمْ: {مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي قَالُوا نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ} وَهَذَا مِنْ بَابِ التَّغْلِيبِ، لِأَنَّ إِسْمَاعِيلَ عَمُّهُ. قَالَ نَحَّاسٌ: وَالْعَرَبُ تُسَمِّي الْعَمَّ أَبًا. نَقَلَهُ الْقُرْطُبِيُّ[674]. [674] (القرطبي: 2/138) وَقَدِ اسْتَدَلَّ بِهَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ مَنْ جَعَلَ الْجَدَّ أَبًا وَحَجَبَ بِهِ الْإِخْوَةَ، كَمَا هُوَ قَوْلُ الصِّدِّيقِ، حَكَاهُ الْبُخَارِيُّ عَنْهُ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَابْنِ الزُّبَيْرِ، ثُمَّ قَالَ الْبُخَارِيُّ: وَلَمْ يُخْتَلَفْ عَلَيْهِ[675]. وَإِلَيْهِ ذَهَبَتْ عَائِشَةُ أُمُّ الْمُؤْمِنِينَ، وَبِهِ يَقُولُ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ وَطَاوُسٌ وَعَطَاءٌ. وَقَالَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ فِي الْمَشْهُورِ عَنْهُ: إِنَّهُ يُقَاسِمُ الْإِخْوَةَ، وَحُكِيَ ذَلِكَ عَنْ عُمَرَ وَعُثْمَانَ وَعَلِيٍّ وَابْنِ مَسْعُودٍ وَزَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ وَجَمَاعَةٍ مِنَ السَّلَفِ وَالْخَلَفِ. [675] (فتح الباري: 12/19) وَقَوْلُهُ: {إِلَهًا وَاحِدًا} أَيْ نُوَحِّدُهُ بِالْأُلُوهِيَّةِ، وَلاَ نُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا غَيْرَهُ، {وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ} أَيْ مُطِيعُونَ َخاضِعُونَ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: {وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ} [آل عمران: 83] وَالإِسْلاَمُ هُوَ مِلَّةُ الْأَنْبِيَاءِ قَاطِبَةً وَإِنْ تَنَوَّعَتْ شَرَائِعُهُمْ وَاخْتَلَفَتْ مَنَاهِجُهُمْ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلاَّ نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ أَنَا فَاعْبُدُونِ} [الأنبياء: 25]، وَالآْيَاتُ فِي هَذَا كَثِيرَةٌ وَالْأَحَادِيثُ، فَمِنْهَا قَوْلُهُ ﷺ: «نَحْنُ مَعْشَرَ الْأَنْبِيَاءِ أَوْلاَدُ عَلاَّتٍ، دِينُنَا وَاحِدٌ»[676]. [676] (أحمد: 2/319) وَقَوْلُهُ تَعَالَى: {تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ} أَيْ مَضَتْ، {لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ} أَيْ إِنَّ السَّلَفَ الْمَاضِينَ مِنْ آبَائِكُمْ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ وَالصَّالِحِينَ، لاَ يَنْفَعُكُمْ اِنْتِسَابُكُمْ إِذَا لَمْ تَفْعَلُوا خَيْرًا يَعُودُ نَفْعُهُ عَلَيْكُمْ، فَإِنَّ لَهُمْ أَعْمَالَهُمُ الَّتِي عَمِلُوهَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ {وَلاَ تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ} وَلِهَذَا جَاءَ فِي الْأَثَرِ: «مَنْ بَطَّأَ بِهِ عَمَلُهُ لَمْ يُسْرِعْ بِهِ نَسَبُهُ»[677]. [677] (مسلم: 4/2074) {وَقَالُوا كُونُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى تَهْتَدُوا قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ} رَوَى مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: قَالَ عَبْدُ اللهِ ابْنُ صُورِيَّا الْأَعْوَرُ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ: مَا الْهُدى إِلاَّ مَا نَحْنُ عَلَيْهِ، فَاتَّبِعْنَا يَا مُحَمَّدُ تَهْتَدِ. وَقَالَتِ النَّصَارَى مِثْلَ ذَلِكَ. فَأَنْزَلَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ: {وَقَالُوا كُونُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى تَهْتَدُوا} [678]. [678] (ابن أبي حاتم: 1/396 إسناده ضعيف لجهالة محمد بن أبي محمد) وَقَوْلُهُ: {قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا} أَيْ لاَ نُرِيدُ مَا دَعَوْتُمْ إِلَيْهِ مِنَ الْيَهُودِيَّةِ وَالنَّصْرَانِيَّةِ، بَلْ نَتَّبِعُ {مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا} أَيْ مُسْتَقِيمًا، قَالَهُ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ الْقُرَظِيُّ وَعِيسَى بْنُ جَارِيَةَ[679]. وَقَالَ مُجَاهِدٌ وَالرَّبِيعُ بْنُ أَنَسٍ: حَنِيفًا أَي مُتَّبِعًا[680]. وَقَالَ أَبُو قِلاَبَةَ: الْحَنِيفُ الَّذِي يُؤمِنُ بِالرُّسُلِ كُلِّهِمْ مِنْ أَوَّلِهِمْ إِلَى آخِرِهِمْ[681]. [679] (ابن أبي حاتم: 1/397) [680] (ابن أبي حاتم: 1/397) [681] (ابن أبي حاتم: 1/397) {قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيْسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ} [اَلْمُسْلِمُ يُؤْمِنُ بِجَمِيعِ مَا أَنْزَلَ اللهُ وَلاَ يُفَرِّقُ بَيْنَ نَبِيٍّ وَنَبِيٍّ] أَرْشَدَ اللهُ تَعَالَى عِبَادَهُ الْمُؤمِنِينَ إِلَى الْإِيمَانِ بِمَا أَنْزَلَ إِلَيْهِمْ بِوَاسِطَةِ رَسُولِهِ مُحَمَّدٍ ﷺ مُفَصَّلاً، وَمَا أَنْزَلَ عَلَى الْأَنْبِيَاءِ الْمُتَقَدِّمِينَ مُجْمَلاً، وَنَصَّ عَلَى أَعْيَانٍ مِنَ الرُّسُلِ، وَأَجْمَلَ ذِكْرَ بَقِيَّةِ الْأَنْبِيَاءِ، وَأَنْ لاَ يُفَرِّقُوا بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ بَلْ يُؤْمِنُوا بِهِمْ كُلِّهِمْ، وَلاَ يَكُونُوا كَمَنْ قَالَ اللهُ فِيهِمْ: {وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلاً * أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا}... الْآيَةَ [النساء: 150، 151]. وَرَوَى الْبُخَارِيُّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: كَانَ أَهْلُ الْكِتَابِ يَقْرَأُونَ التَّوْرَاةَ بِالْعِبْرَانِيَّةِ وَيُفَسِّرُونَهَا بِالْعَرَبِيَّةِ لِأَهْلِ الْإِسْلاَمِ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «لاَ تُصَدِّقُوا أَهْلَ الْكِتَابِ وَلاَ تُكَذِّبُوهُمْ، وَقُولُوا: آمَنَّا بِاللهِ وَما أُنْزِلَ إِلَيْنَا»[682]. [682] (فتح الباري: 8/20) وَرَوَى مُسْلِمٌ وَأَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ أَكْثَرَ مَا يُصَلِّي الرَّكْعَتَيْنِ اللَّتَيْنِ قَبْلَ الْفَجْرِ بِـ {آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا} الْآيَةَ، وَالْأُخْرَى بِـ {آمَنَّا بِاللَّهِ وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ} [آل عمران: 52] [683]. [683] (مسلم: 1/502، وأبو داود: 2/46، والنسائي في الكبرى: 6/339) وَقَالَ أَبُو الْعَالِيَةِ وَالرَّبِيعُ وَقَتَادَةُ: الْأَسْبَاطُ بَنُو يَعْقُوبَ اِثْنَا عَشَرَ رَجُلاً، وَلَدَ كُلُّ رَجُلٍ مِنْهُمْ أُمَّةً مِنَ النَّاسِ، فَسُمُّوا الْأَسْبَاطَ[684]. وَقَالَ الْخَلِيلُ بْنُ أَحْمَدَ وَغَيْرُهُ: الْأَسْبَاطُ فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ كَالْقَبَائِلِ فِي بَنِي إِسْمَاعِيلَ، وَهَذَا يَقْتَضِي أَنَّ الْمُرَادَ بِالْأَسْبَاطِ ههُنَا شُعُوبُ بَنِي إِسْرَائِيلَ، وَمَا أَنْزَلَ اللهُ مِنَ الْوَحْيِ عَلَى الْأَنْبِيَاءِ الْمَوْجُودِينَ مِنْهُمْ، كَمَا قَالَ مُوسى لَهُمْ: {اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِيَاءَ وَجَعَلَكُمْ مُلُوكًا}... الْآيَةَ [المائدة: 20]، وَقَالَ تَعَالَى: {وَقَطَّعْنَاهُمُ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ أَسْبَاطًا} [الأعراف: 160] قَالَ الْقُرْطُبِيُّ: وَالسِّبْطُ الْجَمَاعَةُ وَالْقَبِيلَةُ الرَّاجِعُونَ إِلَى أَصْلٍ وَاحِدٍ.[685]. [684] (ابن أبي حاتم: 1/399) [685] (القرطبي/ 2/141) وَقَالَ قَتَادَةُ: أَمَرَ اللهُ الْمُؤمِنِينَ أَنْ يُؤمِنُوا بِهِ وَيُصَدِّقُوا بِكُتُبِهِ كُلِّهَا وَبِرُسُلِهِ[686]. وَقَالَ سُلَيْمَانُ بْنُ حَبِيبٍ: إِنَّمَا أُمِرْنَا أَنْ نُؤمِنَ بِالتَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ، وَلاَ نَعْمَلَ بِمَا فِيهِمَا[687]. وَرَوَى ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ عَنْ مَعْقِلِ بْنِ يَسَارٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ:«آمِنُوا بِالتَّوْرَاةِ وَالزَّبُورِ وَالْإِنْجِيلِ وَلْيَسَعْكُمُ الْقُرْآنُ»[688]. [686] (ابن أبي حاتم: 1/400) [687] (ابن أبي حاتم: 1/400) [688] (إسناده ضعيف فيه عبيد الله بن أبي حميد متفق على ضعفه قال ابن حجر: متروك الحديث "تقريب") {فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ *صِبْغَةَ اللَّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً وَنَحْنُ لَهُ عَابِدُونَ} يَقُولُ تَعَالَى: {فَإِنْ آمِنُوا}، يَعْنِي الْكُفَّارَ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَغَيْرِهِمْ، بِمِثْلِ مَا آمَنْتُمْ بِهِ أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ مِنَ الْإِيمَانِ بِجَمِيعِ كُتُبِ اللهِ وَرُسُلِهِ، وَلَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ {فَقَدِ اهْتَدَوْا} أَيْ فَقَدْ أَصَابُوا الْحَقَّ وَأُرْشِدُوا إِلَيْهِ {وَإِنْ تَوَلَّوْا} أَيْ عَنِ الْحَقِّ إِلَى الْبَاطِلِ بَعْدَ قِيَامِ الْحُجَّةِ عَلَيْهِمْ {فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ}، أَيْ فَسَيَنْصُرُكَ عَلَيْهِمْ وَيُظْفِرُكَ بِهِمْ {وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ}. رَوَى ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: أَخْبَرَنَا زِيَادُ بْنُ يُونُسَ: حَدَّثَنَا نَافِعُ ابْنُ أَبِي نُعَيْمٍ، قَالَ: أَرْسَلَ إِلَيَّ بَعْضُ الْخُلَفَاءِ مُصْحَفَ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ - لِيُصْلِحَهُ - قَالَ زِيَادٌ: فَقُلْتُ لَهُ: إِنَّ النَّاسَ لَيَقُولُونَ: إِنَّ مُصْحَفَهُ كَانَ فِي حِجْرِهِ حِينَ قُتِلَ فَوَقَعَ الدَّمُ عَلَى: {فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ} فَقَالَ نَافِعٌ: بَصُرَتْ عَيْنِي بِالدَّمِ عَلَى هَذِهِ الْآيَةِ، وَقَدْ قَدُمَ[689]. [689] (ابن أبي حاتم:1/402) وَقَوْلُهُ: {صِبْغَةَ اللَّهِ}، قَالَ الضَّحَّاكُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: دِينَ اللهِ[690]. وَكَذَا رُوِيَ عَنْ مُجَاهِدٍ وَأَبِي الْعَالِيَةِ وَعِكْرِمَةَ وَإِبْرَاهِيمَ وَالْحَسَنِ وَقَتَادَةَ وَالضَّحَّاكِ، وَعَبْدِ اللهِ بْنِ كَثِيرٍ وَعَطِيَّةَ الْعَوْفِيِّ وَالرَّبِيعِ بْنِ أَنَسٍ وَالسُّدِّيِّ نَحْوُ ذَلِكَ[691]. وَانْتِصَابُ {صِبْغَةَ اللَّهِ} إِمَّا عَلَى الْإِغْرَاءِ كَقَولِهِ: {فِطْرَتَ اللَّهِ} [الروم: 30] أَيْ اِلْزَمُوا ذَلِكَ، عَلَيْكُمُوهُ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ بَدَلاً مِنْ قَوْلِهِ: {مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ} [البقرة:135]. [690] (ابن أبي حاتم:1/402، ضعيف مرسل) [691] (ابن أبي حاتم:1/403) {قُلْ أَتُحَآجُّونَنَا فِي اللَّهِ وَهُوَ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ وَلَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُخْلِصُونَ *أَمْ تَقُولُونَ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالأَسْبَاطَ كَانُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى قُلْ أَأَنْتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللَّهُ وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَنْ كَتَمَ شَهَادَةً عِنْدَهُ مِنَ اللَّهِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ *تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ وَلاَ تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ} يَقُولُ اللهُ تَعَالَى مُرْشِدًا نَبِيَّهُ صَلَوَاتُ اللهِ وَسَلاَمُهُ عَلَيْهِ إِلَى دَرْءِ مُجَادَلَةِ الْمُشْرِكِينَ: {قُلْ أَتُحَآجُّونَنَا فِي اللَّهِ} أَيْ تُنَاظِرُونَنَا فِي تَوْحِيدِ اللهِ وَالْإِخْلاَصِ لَهُ وَالاِنْقِيَادِ، وَاتِّبَاعِ أَوَامِرِهِ وَتَرْكِ زَوَاجِرِهِ {وَهُوَ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ} اَلْمُتَصَرِّفُ فِينَا وَفِيكُمْ، اَلْمُسْتَحِقُّ لِإخْلاَصِ الْإِلهِيَّةِ لَهُ وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ {وَلَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ} أَيْ نَحْنُ بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ، وَأَنْتُمْ بُرَآءُ مِنَّا، كَمَا قَالَ فِي الْآيَةِ الْأُخْرى: {وَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ لِي عَمَلِي وَلَكُمْ عَمَلُكُمْ أَنْتُمْ بَرِيئُونَ مِمَّا أَعْمَلُ وَأَنَا بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ} [يونس: 41] وَقَالَ تَعَالَى: {فَإِنْ حَآجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ وَمَنِ اتَّبَعَنِ} إِلَى آخِرِ الْآيَةِ [آل عمران:20]، وَقَالَ تَعَالَى إِخْبَارًا عَنْ إِبْرَاهِيمَ: {وَحَآجَّهُ قَوْمُهُ قَالَ أَتُحَآجُّونِّي فِي اللَّهِ}... إِلَى آخِرِ الْآيَةِ [الأنعام: 80]، وَقَالَ تَعَالَى: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَآجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ}... الْآيَةَ [البقرة: 258]، وَقَالَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ: {وَلَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُخْلِصُونَ} أَيْ نَحْنُ بُرَآءُ مِنْكُمْ كَمَا أَنْتُمْ بُرَآءُ مِنَّا، {وَنَحْنُ لَهُ مُخْلِصُونَ} أَيْ فِي الْعِبَادَةِ وَالتَّوَجُّهِ. ثُمَّ أَنْكَرَ تَعَالَى عَلَيْهِمْ فِي دَعْوَاهُمْ أَنَّ إِبْرَاهِيمَ وَمَنْ ذُكِرَ بَعْدَهُ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ وَالْأَسْبَاطِ كَانُوا عَلَى مِلَّتِهِمْ، إِمَّا الْيَهُودِيَّةِ وَإِمَّا النَّصْرَانِيَّةِ، فَقَالَ: {قُلْ أَأَنْتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللَّهُ} يَعْنِي بَلِ اللهُ أَعْلَمُ، وَقَدْ أَخْبَرَ أَنَّهُمْ لَمْ يَكُونُوا هُودًا وَلاَ نَصَارى، كَمَا قَالَ تَعَالَى: {مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلاَ نَصْرَانِيًّا وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ} الْآيَةَ وَالَّتِي بَعْدَهَا [آل عمران: 67، 68]. وَقَوْلُهُ: {وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَنْ كَتَمَ شَهَادَةً عِنْدَهُ مِنَ اللَّهِ} قَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ: كَانُوا يَقْرَءُونَ فِي كِتَابِ اللهِ الَّذِي آتَاهُمْ: إِنَّ الدِّينَ الْإِسْلاَمُ، وَإِنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ، وَإِنَّ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطَ كَانُوا بُرَاءَ مِنَ الْيَهُودِيَّةِ وَالنَّصْرَانِيَّةِ، فَشَهِدُوا للهِ بِذَلِكَ، وَأَقَرُّوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ للهِ، فَكَتَمُوا شَهَادَةَ اللهِ عِنْدَهُمْ مِنْ ذَلِكَ، وَقَوْلُهُ: {وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ} [692] تَهْدِيدٌ وَوَعِيدٌ شَدِيدٌ، أَيْ إِنَّ عِلْمَهُ مُحِيطٌ بِعَمَلِكُمْ، وَسَيَجْزِيكُمْ عَلَيْهِ. [692] (ابن أبي حاتم:1/405) ثُمَّ قَالَ تَعَالَى: {تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ} أَيْ قَدْ مَضَتْ، {لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ} أَيْ لَهُمْ أَعْمَالُهُمْ وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ {وَلاَ تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ} وَلَيْسَ يُغْنِي عَنْكُمْ اِنْتِسَابُكُمْ إِلَيْهِمْ مِنْ غَيْرِ مُتَابَعَةٍ مِنْكُمْ لَهُمْ، وَلاَ تَغْتَرُّوا بِمُجَرَّدِ النِّسْبَةِ إِلَيْهِمْ حَتَّى تَكُونُوا مِثْلَهُمْ مُنْقَادِينَ لِأَوَامِرِ اللهِ وَاتِّبَاعِ رُسُلِهِ، الَّذِينَ بُعِثُوا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ، فَإِنَّهُ مَنْ كَفَرَ بِنَبِيٍّ وَاحِدٍ فَقَدْ كَفَرَ بِسَائِرِ الرُّسُلِ، وَلاَ سِيَّمَا بِسَيِّدِ الْأَنْبِيَاءِ وَخَاتَمِ الْمُرْسَلِينَ، وَرَسُولِ رَبِّ الْعَالَمِينَ إِلَى جَمِيعِ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ مِنَ الْمُكَلَّفِينَ، صَلَوَاتُ اللهِ وَسَلاَمُهُ عَلَيْهِ وَعَلَى سَائِرِ أَنْبِيَاءِ اللهِ أَجْمَعِينَ.
سُورَةُ الْفَاتِحَةِ {بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَانِ الرَّحِيمِ} [أَسْمَاءُ الْفَاتِحَةِ وَمَعْنَاهَا] يُقَالُ لَهَا: الْفَاتِحَةُ، أَيْ فَاتِحَةُ الْكِتَابِ خَطًّا، وَبِهَا تُفْتَتَحُ الْقِرَاءَةُ فِي الصَّلَوَاتِ، وَيُقَالُ لَهَا أَيْضًا: أُمُّ الْكِتَابِ عِنْدَ الْجُمْهُورِ. وَقَدْ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ عِنْدَ التِّرْمِذِيِّ وَصَحَّحَهُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: {الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} [الفاتحة: 1] أُمُّ الْقُرْآنِ، وَأُمُّ الْكِتَابِ، وَالسَّبْعُ الْمَثَانِي، وَالْقُرْآنُ الْعَظِيمُ» وَيُقَالُ لَهَا: (اَلْحَمْدُ) وَيُقَالُ لَهَا: (الصَّلاَةُ) لِقَوْلِهِ ﷺ عَنْ رَبِّهِ: «قَسَمْتُ الصَّلاَةَ بَيْنِي وَبَيْنَ عَبْدِي نِصْفَيْنِ، فَإِذَا قَالَ الْعَبْدُ: الْحَمْدُ لله رَبِّ الْعَالَمِينَ قَالَ اللهُ: حَمِدَنِي عَبْدِي» [25] الْحَدِيثَ؛ فَسُمِّيَتِ الْفَاتِحَةُ صَلاَةً لِأَنَّهَا شَرْطٌ فِيهَا. [25] (تحفة الأحوذي:8/283) وَيُقَالُ لَهَا: (الرُّقْيَةُ) لِحَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ فِي الصَّحِيحِ حِينَ رَقى بِهَا الرَّجُلَ السَّلِيمَ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ «وَمَا يُدْرِيكَ أَنَّهَا رُقْيَةٌ؟»[26]. [26] (فتح الباري 4/529) وَهِيَ مَكِّـيَّـةٌ قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ وَقَتَادَةُ وَأَبُو الْعَالِيَةِ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي} [الحجر 87] وَاللهُ تَعَالَى أَعْلَمُ. [عَدَدُ آيَاتِهَا] وَهِيَ سَبْعُ آيَاتٍ بِلاَ خِلاَفٍ. وَالْبَسْمَلَةُ آيَةٌ مُسْتَقِلَّةٌ مِنْ أَوَّلِهَا، كَمَا هُوَ عِنْدَ جُمْهُورِ قُرَّاءِ الْكُوفَةِ، وَقَوْلُ جَمَاعَةٍ مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وَخَلْقٍ مِنَ الْخَلَفِ. [عَدَدُ كَلِمَاتِهَا وَحُرُوفِهَا] قَالُوا: وَكَلِمَاتُهَا خَمْسٌ وَعِشْرُونَ كَلِمَةً، وَحُرُوفُهَا مِائَةٌ وَثَلاَثَةَ عَشَرَ حَرْفًا. [لِمَاذَا سُمِّيَتْ أُمَّ الْكِتَابِ] قَالَ الْبُخَارِيُّ فِي أَوَّلِ كِتَابِ التَّفْسِيرِ: وَسُمِّيَتْ أُمَّ الْكِتَابِ لِأَنَّهُ يُبْدَأُ بِكِتَابَتِهَا فِي الْمَصَاحِفِ، وَيُبْدَأُ بِقِرَاءَتِهَا فِي الصَّلاَةِ[27]. وَقِيلَ: إِنَّمَا سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِرُجُوعِ مَعَانِي الْقُرْآنِ كُلِّهِ إِلَى مَا تَضَمَّنَتْهُ. قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: وَالْعَرَبُ تُسَمِّي كُلَّ جَامِعِ أَمْرٍ أَوْ مُقَدَّمٍ لِأَمْرٍ إِذَا كَانَتْ لَهُ تَوَابِعُ تَتْبَعُهُ، هُوَ لَهَا إِمَامٌ جَامِعٌ: أُمًّا، فَتَقُولُ لِلْجِلْدَةِ الَّتِي تَجْمَعُ الدِّمَاغَ: أُمُّ الرَّأْسِ، وَيُسَمُّونَ لِوَاءَ الْجَيْشِ وَرَايَتَهُمُ الَّتِي يَجْتَمِعُونَ تَحْتَهَا: أُمًّا. قَالَ: وَسُمِّيَتْ مَكَّةُ أُمَّ الْقُرى لِتَقَدُّمِهَا أَمَامَ جَمِيعِهَا وَجَمْعِهَا مَا سِوَاهَا، وَقِيلَ: لِأَنَّ الْأَرْضَ دُحِيَتْ مِنْهَا[28]. [27] (فتح الباري 8/6) [28] (الطبري 1/107) رَوَى الْإِمَامُ أَحْمَدُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ فِي أُمِّ الْقُرْآنِ: «هِيَ أُمُّ الْقُرْآنِ، وَهِيَ السَّبْعُ الْمَثَانِي، وَهِيَ الْقُرْآنُ الْعَظِيمُ»[29]. وَرَوَى أَبُو جَعْفَرٍ مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ قَالَ: «هِيَ أُمُّ الْقُرْآنِ، وَهِيَ فَاتِحَةُ الْكِتَابِ، وَهِيَ السَّبْعُ الْمَثَانِي»[30]. [29] (أحمد 2/448) [30] (الطبري 1/107) [ذِكْرُ مَا وَرَدَ فِي فَضْلِ الْفَاتِحَةِ] رَوَى الْإِمَامُ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى فِي مُسْنَدِهِ عَنْ أَبِي سَعِيدِ بْنِ الْمُعَلّْى رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ: كُنْتُ أُصَلِّي فَدَعَانِي رَسُولُ اللهِ ﷺ فَلَمْ أُجِبْهُ حَتَّى صَلَّيْتُ، قَالَ: فَأَتَيْتُهُ فَقَالَ: «مَا مَنَعَكَ أَنْ تَأْتِيَنِي»؟ قَالَ قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ إِنِّي كُنْتُ أُصَلِّي، قَالَ: «أَلَمْ يَقُلِ اللهُ تَعَالَى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ} [الأنفال: 24] ثُمَّ قَالَ: «لَأُعَلِّمَنَّكَ أَعْظَمَ سُورَةٍ فِي الْقُرْآنِ قَبْلَ أَنْ تَخْرُجَ مِنَ الْمَسْجِدِ» قَالَ: فَأَخَذَ بِيَدِي فَلَمَّا أَرَادَ أَنْ يَخْرُجَ مِنَ الْمَسْجِدِ قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّكَ قُلْتَ: «لَأُعَلِّمَنَّكَ أَعْظَمَ سُورَةٍ فِي الْقُرْآنِ» قَالَ: «نَعَمْ {الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} هِيَ السَّبْعُ الْمَثَانِي، وَالْقُرْآنُ الْعَظِيمُ الَّذِي أُوتِيتُهُ»[31]. وَهكَذَا رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ[32]وَأَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ[33]. [31] (أحمد 4/211) [32] (فتح الباري 8/6، 671) [33] (أبو داود 2/150، والنسائي 2/193، وابن ماجه 2/1244) (حَدِيثٌ آخَرُ) رَوَى الْبُخَارِيُّ فِي فَضَائِلِ الْقُرْآنِ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيٍّ، قَالَ: كُنَّا فِي مَسِيرٍ لَنَا، فَنَزَلْنَا فَجَاءَتْ جَارِيَةٌ فَقَالَتْ: إِنَّ سَيِّدَ الْحَيِّ سَلِيمٌ، وَإِنَّ نَفَرَنَا غُيَّبٌ، فَهَلْ مِنْكُمْ رَاقٍ؟ فَقَامَ مَعَهَا رَجُلٌ مَا كُنَّا نَأْبِنُهُ بِرُقْيَةٍ، فَرَقَاهُ فَبَرَأَ، فَأَمَرَ لَهُ بِثَلاَثِينَ شَاةً وَسَقَانَا لَبَنًا. فَلَمَّا رَجَعَ قُلْنَا لَهُ: أَكُنْتَ تُحْسِنُ رُقْيَةً أَوْ كُنْتَ تَرْقِي؟ فَقَالَ: لاَ مَا رَقِيتُ إِلاَّ بِأُمِّ الْكِتَابِ، قُلْنَا: لاَ تُحْدِثُوا شَيْئًا حَتَّى نَأْتِيَ وَنَسْأَلَ رَسُولَ اللهِ ﷺ، فَلَمَّا قَدِمْنَا الْمَدِينَةَ ذَكَرْنَاهُ لِلنَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: «وَمَا كَانَ يُدْرِيهِ أَنَّهَا رُقْيَةٌ، اقْسِمُوا، وَاضْرِبُوا لِي بِسَهْمٍ»[34]. [34] (فتح الباري 8/671) (حَدِيثٌ آخَرُ) : رَوَى مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ وَالنَّسَائِيُّ فِي سُنَنِهِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: بَيْنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ وَعِنْدَهُ جِبْرَائِيلُ، إِذْ سَمِعَ نَقِيضًا فَوْقَهُ، فَرَفَعَ جِبْرِيلُ بَصَرَهُ إِلَى السَّمَاءِ فَقَالَ: هَذَا بَابٌ قَدْ فُتِحَ مِنَ السَّمَاءِ مَا فُتِحَ قَطُّ، قَالَ: فَنَزَلَ مِنْهُ مَلَكٌ، فَأَتَى النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ: أَبْشِرْ بِنُورَيْنِ قَدْ أُوتِيتَهُمَا لَمْ يُؤْتَهُمَا نَبِيٌّ قَبْلَكَ: فَاتِحَةِ الْكِتَابِ وَخَوَاتِيمِ سُورَةِ الْبَقَرَةِ، لَمْ تَقْرَأْ حَرْفًا مِنْهُمَا إِلاَّ أُوتِيتَهُ. وَهَذَا لَفْظُ النَّسَائِيِّ وَلِمُسْلِمٍ نَحْوُهُ[35]. [35] (مسلم 1/554، والنسائي في الكبرى 5/12) [قِرَاءَةُ الْفَاتِحَةِ فِي الصَّلاَةِ] (حَدِيثٌ آخَرُ) رَوَى مُسْلِمٌ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَنْ صَلَّى صَلاَةً لَمْ يَقْرَأْ فِيهَا أُمَّ الْقُرْآنِ فَهِيَ خِدَاجٌ - ثَلاَثًا - غَيْرُ تَمَامٍ» فَقِيلَ لِأَبِي هُرَيْرَةَ: إِنَّا نَكُونُ خَلْفَ الْإِمَامِ، فَقَالَ: اِقْرَأْ بِهَا فِي نَفْسِكَ، فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: «قَالَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ: قَسَمْتُ الصَّلاَةَ بَيْنِي وَبَيْنَ عَبْدِي نِصْفَيْنِ، وَلِعَبْدِي مَا سَأَلَ، فَإِذَا قَالَ: {الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} قَالَ اللهُ: حَمِدَنِي عَبْدِي، وَإِذَا قَالَ: {الرَّحْمـنِ الرَّحِيم} قَالَ اللهُ: أَثْنى عَلَيَّ عَبْدِي، فَإِذَا قَالَ: {مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ} قَالَ اللهُ: مَجَّدَنِي عَبْدِي، وَقَالَ مَرَّةً: فَوَّضَ إِلَيَّ عَبْدِي، فَإِذَا قَالَ: {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} قَالَ: هَذَا بَيْنِي وَبَيْنَ عَبْدِي، وَلِعَبْدِي مَا سَأَلَ، فَإِذَا قَالَ: {اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ *صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلاَ الضَّالِّينَ} قَالَ اللهُ: هَذَا لِعَبْدِي، وَلِعَبْدِي مَا سَأَلَ». وَهكَذَا رَوَاهُ النَّسَائِيُّ، وَفِي لَفْظٍ عِنْدَ مُسْلِمٍ وَالنَّسَائِيِّ: «فَنِصْفُهَا لِي وَنِصْفُهَا لِعَبْدِي، وَلِعَبْدِي مَا سَأَلَ»[36]. [36] (مسلم 1/296، والنسائي في الكبرى 5/11، 12) اَلْكَلاَمُ عَلَى مَا يَتَعَلَّقُ بِهَذَا الْحَدِيثِ مِمَّا يَخْتَصُّ بِالْفَاتِحَةِ مِنْ وُجُوهٍ وَهُوَ: أَنَّهُ قَدْ أُطْلِقَ فِيهِ لَفْظُ الصَّلاَةِ، وَالْمُرَادُ الْقِرَاءَةُ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَلاَ تَجْهَرْ بِصَلاَتِكَ وَلاَ تُخَافِتْ بِهَا وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلاً} [الإسراء:110] أَيْ بِقِرَاءَتِكَ، كَمَا جَاءَ مُصَرَّحًا بِهِ فِي الصَّحِيحِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ[37]. وَهكَذَا قَالَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ: «قَسَمْتُ الصَّلاَةَ بَيْنِي وَبَيْنَ عَبْدِي نِصْفَيْنِ، فَنِصْفُهَا لِي وَنِصْفُهَا لِعَبْدِي، وَلِعَبْدِي مَا سَأَلَ» ثُمَّ بَيَّنَ تَفْصِيلَ هَذِهِ الْقِسْمَةِ فِي قِرَاءَةِ الْفَاتِحَةِ، فَدَلَّ عَلَى عَظَمَةِ الْقِرَاءَةِ فِي الصَّلاَةِ، وَأَنَّهَا مِنْ أَكْبَرِ أَرْكَانِهَا؛ إِذْ أُطْلِقَتِ الْعِبَادَةُ وَأُرِيدَ بِهَا جُزْءٌ وَاحِدٌ مِنْهَا. وَهُوَ الْقِرَاءَةُ، كَمَا أُطْلِقَ لَفْظُ الْقِرَاءَةِ وَالْمُرَادُ بِهِ الصَّلاَةُ فِي قَوْلِهِ: {وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا} [الإسراء:78] وَالْمُرَادُ صَلاَةُ الْفَجْرِ، كَمَا جَاءَ مُصَرَّحًا بِهِ فِي الصَّحِيحَينِ: «أَنَّهُ يَشْهَدُهَا مَلاَئِكَةُ اللَّيْلِ وَمَلاَئِكَةُ النَّهَارِ»[38]. [37] (فتح الباري 8/257) [38] (فتح الباري 8/251، ومسلم 1/439) [وُجُوبُ قِرَاءَةِ الْفَاتِحَةِ فِي الصَّلَوَاتِ كُلِّهَا إِمَامًا كَانَ أَوْ مَأْمُومًا أَوْ مُنْفَرِدًا] فَدَلَّ هَذَا كُلُّهُ عَلَى أَنَّهُ لاَ بُدَّ مِنَ الْقِرَاءَةِ فِي الصَّلاَةِ، وَهُوَ اتِّفَاقٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ. وَقَدْ دَلَّ عَلَيْهِ الْحَدِيثُ الْمَذْكُورُ حَيْثُ قَالَ صَلَوَاتُ اللهِ وَسَلاَمُهُ عَلَيْهِ: «مَنْ صَلَّى صَلاَةً لَمْ يَقْرَأْ فِيهَا بِأُمِّ الْقُرْآنِ فَهِيَ خِدَاجٌ»[39]. وَالْخِدَاجُ هُوَ النَّاقِصُ، كَمَا فُسِّرَ بِهِ فِي الْحَدِيثِ «غَيْرُ تَمَامٍ». وَأَيْضًا قَدْ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «لاَ صَلاَةَ لِمَنْ لَمْ يَقْرَأْ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ»[40]. وَفِي صَحِيحَيِ ابْنِ خُزَيْمَةَ وَابْنِ حِبَّانَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ للهِ ﷺ: «لاَ تُجْزِيءُ صَلاَةٌ لاَ يُقْرَأُ فِيهَا بِأُمِّ الْقُرْآنِ»[41]. وَالْأَحَادِيثُ فِي هَذَا الْبَابِ كَثِيرَةٌ[42]. [39] (أحمد 2/250) [40] (فتح الباري 2/276، ومسلم 1/295) [41] (ابن خزيمة 1/248، وابن حبان 3/139) [42] ]فَعَلَى الْمُصَلِّي أَنْ يقْرَأَ فَاتِحَةَ الْكِتَابِ إِمَامًا كَانَ أَوْ مَأْمُومًا أَوْ مُنْفَرِنَا فِي جَمِيعِ الصَّلَوَاتِ وَفِي كُلِّ رَكْعَةٍ وَلَا بُدَّ[ [تَفْسِيرُ الاِسْتِعَاذَةِ وَأَحْكَامُهَا] قَالَ اللهُ تَعَالَى: {خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ *وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} [الأعراف:199،200] وَقَالَ تَعَالَى: {ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ السَّيِّئَةَ نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَصِفُونَ *وَقُلْ رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ *وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَنْ يَحْضُرُونِ} [المؤمنون:96-98] وَقَالَ تَعَالَى: [فصّلت: 34-36] فَهَذِهِ ثَلاَثُ آيَاتٍ لَيْسَ لَهُنَّ رَابِعَةٌ فِي مَعْنَاهَا، وَهُوَ أَنَّ اللهَ تَعَالَى يَأْمُرُ بِمُصَانَعَةِ الْعَدُوِّ الْإِنْسِيِّ وَالْإِحْسَانِ إِلَيْهِ، لِيَرُدَّهُ عَنْهُ طَبْعُهُ الطَّيِّبُ الْأَصْلِ إِلَى الْمُوَالاَةِ وَالْمُصَافَاةِ، وَيَأْمُرُ بِالْاِسْتِعَاذَةِ بِهِ مِنَ الْعَدُوِّ الشَّيْطَانِي لاَ مَحَالَةَ، إِذْ لاَ يَقْبَلُ مُصَانَعَةً وَلاَ إِحْسَانًا، وَلاَ يَبْتَغِي غَيْرَ هَلاَكِ ابْنِ آدَمَ، لِشِدَّةِ الْعَدَاوَةِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَبِيهِ آدَمَ مِنْ قَبْلُ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: {يَا بَنِي آدَمَ لاَ يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ} [الأعراف:27] وَقَالَ تَعَالَى: {إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ} [فاطر: 6]. وَقَالَ:{أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلاً} [الكهف:50] وَقَدْ أَقْسَمَ لِلْوَالِدِ - آدَمَ عَلَيْهِ السَّلاَمُ - أَنَّهُ لَهُ لَمِنَ النَّاصِحِينَ، وَكَذَبَ، فَكَيْفَ مُعَامَلَتُهُ لَنَا وَقَدْ قَالَ: {فَبِعِزَّتِكَ لأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِين * إِلاَّ عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِين} [ص: 82، 83] وقَالَ تَعَالَى: {فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ *إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ *إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ} [النحل: 98-100]. [اَلْاِسْتِعَاذَةُ تَكُونُ قَبْلَ التِّلاَوَةِ] وَمَعْنى قَوْلِهِ: {فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ} [النحل: 98] أَيْ إِذَا أَرَدْتَ الْقِرَاءَةَ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاَةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ} الْآيَةَ [المائدة:6]. أَيْ إِذَا أَرَدْتُمُ الْقِيَامَ، وَالدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ الْأَحَادِيثُ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ بِذَلِكَ. رَوَى الْإِمَامُ أَحْمَدُ ابْنُ حَنْبَلٍ رَحِمَهُ اللهُ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيٍّ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إِذَا قَامَ مِنَ اللَّيْلِ فَاسْتَفْتَحَ صَلاَتَهُ وَكَبَّرَ قَالَ: «سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ، وَتَبَارَكَ اسْمُكَ وَتَعَالَى جَدُّكَ، وَلاَ إِلَهَ غَيْرُكَ. ثُمَّ يَقُولُ: لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ ثَلاَثًا - ثُمَّ يَقُولُ: - أَعُوذُ بِاللهِ السَّمِيعِ الْعَلِيمِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ مِنْ هَمْزِهِ وَنَفْخِهِ وَنَفْثِهِ». وَرَوَاهُ أَهْلُ السُّنَنِ الْأَرْبَعَةِ، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: هُوَ أَشْهَرُ شَيْءٍ فِي هَذَا الْبَابِ[43]. [43] (أحمد 3/69، وأبو داود 1/490، وتحفة الأحوذي 2/47، والنسائي 2/132، وابن ماجه 1/264) وَقَدْ فُسِّرَ «الْهَمْزُ» بِالْمُوتَةِ، وَهِيَ الْخَنْقُ، وَ«النَّفْخُ» بِالْكِبْرِ، وَ«النَّفْثُ» بِالشِّعْرِ، كَمَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَابْنُ مَاجَه عَنْ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ الله ﷺ حِينَ دَخَلَ فِي الصَّلاَةِ قَالَ: «اللهُ أَكْبَرُ كَبِيرًا - ثَلاَثًا - الْحَمْدُ للهِ كَثِيرًا - ثَلاَثًا - سُبْحَانَ اللهِ بُكْرَةً وَأَصِيلاً - ثَلاَثًا - اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ مِنْ هَمْزِهِ وَنَفْخِهِ وَنَفْثِهِ» قَالَ عَمْرٌو: هَمْزُهُ: الْمُوتَةُ وَنَفْخُهُ: الْكِبْرُ وَنَفْثُهُ: الشِّعْرُ[44]. وَقَالَ ابْنُ مَاجَهْ: حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ الْمُنْذِرِ: حَدَّثَنَا ابْنُ فُضَيْلٍ: حَدَّثَنَا عَطَاءُ بْنُ السَّائِبِ عَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمنِ السُّلَمِيِّ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ وَهَمْزِهِ وَنَفْخِهِ وَنَفْثِهِ» قَالَ: هَمْزُهُ الْمُوتَةُ، وَنَفْخُهُ الْكِبْرُ، وَنَفْثُهُ الشِّعْرُ.[45] [44] (أبو داود 1/486، وابن ماجه 1/265) [45] (ابن ماجه 1/266) [اَلتَّعَوُّذُ عِنْدَ الْغَضَبِ] وَرَوَى الْحَافِظُ أَبُو يَعْلَى أَحْمَدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ الْمُثَنّْى الْمَوْصِلِيُّ فِي مُسْنَدِهِ، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ: تَلاَحَى رَجُلاَنِ عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ، فَتَمَزَّعَ أَنْفُ أَحَدِهِمَا غَضَبًا، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «إِنِّي لَأَعْلَمُ شَيْئًا لَوْ قَالَهُ لَذَهَبَ عَنْهُ مَا يَجِدُ: أَعُوذُ بِاللهِ ِمِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ» وَكَذَا رَوَاهُ النَّسَائِيُّ فِي «الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ»[46]. [46] (النسائي في الكبرى رقم 10233) وَرَوَى الْبُخَارِيُّ عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ صُرَدٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ: اِسْتَبَّ رَجُلاَنِ عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ وَنَحْنُ عِنْدَهُ جُلُوسٌ، فَأَحَدُهُمَا يَسُبُّ صَاحِبَهُ مُغْضَبًا قَدِ احْمَرَّ وَجْهُهُ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «إِنِّي لَأَعْلَمُ كَلِمَةً لَوْ قَالَهَا لَذَهَبَ عَنْهُ مَا يَجِدُ، لَوْ قَالَ: أَعُوذُ بِاللهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ» فَقَالُوا لِلرَّجُلِ: أَلاَ تَسْمَعُ مَا يَقُولُ رَسُولُ اللهِ ﷺ؟ قَالَ: إِنِّي لَسْتُ بِمَجْنُونٍ. وَقَدْ رَوَاهُ أَيْضًا مَعَ مُسْلِمٍ وَأَبِي دَاوُدَ وَالنَّسَائِيِّ[47]. [47] (فتح الباري 6/388، ومسلم 4/2015، وأبو داود 5/140، والنسائي في الكبرى 6/104) وَقَدْ جَاءَ فِي الاِسْتِعَاذَةِ أَحَادِيثُ كَثِيرَةٌ يَطُولُ ذِكْرُهَا ههُنَا، وَمَوْطِنُهَا كِتَابُ الْأَذْكَارِ وَفَضَائِلُ الْأَعْمَالِ، وَاللهُ أَعْلَمُ. [اَلاِسْتِعَاذَةُ وَاجِبَةٌ أَوْ مُسْتَحَبَّةٌ؟] (مَسْأَلَةٌ) وَجُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ عَلَى أَنَّ الاِسْتِعَاذَةَ مُسْتَحَبَّةٌ، لَيْسَتْ بِمُتَحَتَّمَةٍ يَأْثَمُ تَارِكُهَا. وَحَكَى الرَّازِيُّ عَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ وُجُوبَهَا فِي الصَّلاَةِ وَخَارِجِهَا كُلَّمَا أَرَادَ الْقِرَاءَةَ. وَاحْتَجَّ الرَّازِيُّ لِعَطَاءٍ بِظَاهِرِ الْآيَةِ {فَاسْتَعِذْ} [النحل: 98] وَهُوَ أَمْرٌ ظَاهِرُهُ الْوُجُوبُ، وَبِمُوَاظَبَةِ النَّبِيِّ ﷺ عَلَيْهَا، وَلِأَنَّهَا تَدْرَأُ شَرَّ الشَّيْطَانِ، وَمَا لاَ يَتِمُّ الْوَاجِبُ إِلاَّ بِهِ فَهُوَ وَاجِبٌ، وَلِأَنَّ الاِسْتِعَاذَةَ أَحْوَطُ، فَإِذَا قَالَ الْمُسْتَعِيذُ: "أَعُوذُ بِاللهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ" كَفَى ذَلِكَ. [مِنْ لَطَائِفِ الاِسْتِعَاذَةِ] وَمِنْ لَطَائِفِ الاِسْتِعَاذَةِ أَنَّهَا طَهَارَةٌ لِلْفَمِ مِمَّا كَانَ يَتَعَاطَاهُ مِنَ اللَّغْوِ وَالرَّفَثِ، وَتَطْيِيبٌ لَهُ، وَهُوَ لِتِلاَوَةِ كَلاَمِ اللهِ، وَهِيَ اسْتِعَانَةٌ بِاللهِ، وَاعْتِرَافٌ لَهُ بِالْقُدْرَةِ، وَلِلْعَبْدِ بِالضُّعْفِ وَالْعَجْزِ عَنْ مُقَاوَمَةِ هَذَا الْعَدُوِّ الْمُبِينِ الْبَاطِنِيِّ، الَّذِي لاَ يَقْدِرُ عَلَى مَنْعِهِ وَدَفْعِهِ إِلاَّ اللهُ الَّذِي خَلَقَهُ، وَلاَ يَقْبَلُ مُصَانَعَةً وَلاَ يُدَارَى بِالْإِحْسَانِ، بِخِلاَفِ الْعَدُوِّ مِنْ نَوْعِ الْإِنْسَانِ، كَمَا دَلَّتْ عَلَى ذَلِكَ آيَاتٌ مِنَ الْقُرْآنِ فِي ثَلاَثٍ مِنَ الْمَثَانِي. وَقَالَ تَعَالَى: {إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ وَكَفَى بِرَبِّكَ وَكِيلاً} [الإسراء:65] وَقَدْ نَزَلَتِ الْمَلاَئِكَةُ لِمُقَاتَلَةِ الْعَدُوِّ الْبَشَرِيِّ، فَمَنْ قَتَلَهُ الْعَدُوُّ الظَّاهِرُ الْبَشَرِيُّ كَانَ شَهِيدًا، وَمَنْ قَتَلَهُ الْعَدُوُّ الْبَاطِنِيُّ كَانَ طَرِيدًا، وَمَنْ غَلَبَهُ الْعَدُوُّ الظَّاهِرِيُّ كَانَ مَأْجُورًا، وَمَنْ قَهَرَهُ الْعَدُوُّ الْبَاطِنِيُّ كَانَ مَفْتُونًا أَوْ مَوْزُورًا، وَلَمَّا كَانَ الشَّيْطَانُ يَرَى الْإِنْسَانَ مِنْ حَيْثُ لاَ يَرَاهُ اسْتَعَاذَ مِنْهُ بِالَّذِي يَرَاهُ وَلاَ يَرَاهُ الشَّيْطَانُ. (فَصْلٌ) وَالاِسْتِعَاذَةُ هِيَ الاِلْتِجَاءُ إِلَى اللهِ تَعَالَى وَالاِلْتِصَاقُ بِجَنَابِهِ مِنْ شَرِّ كُلِّ ذِي شَرٍّ، وَالْعِيَاذَةُ تَكُونُ لِدَفْعِ الشَّرِّ، وَاللِّيَاذُ يَكُونُ لِطَلَبِ جَلْبِ الْخَيْرِ. [مَعْنَى الاِسْتِعَاذَةِ] وَمَعْنى أَعُوذُ بِاللهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ، أَيْ أَسْتَجِيرُ بِجَنَابِ اللهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ أَنْ يَضُرَّنِي فِي دِينِي أَوْ دُنْيَايَ أَوْ يَصُدَّنِي عَنْ فِعْلِ مَا أُمِرْتُ بِهِ، أَوْ يَحُثَّنِي عَلَى فِعْلِ مَا نُهِيتُ عَنْهُ، فَإِنَّ الشَّيْطَانَ لاَ يَكُفُّهُ عَنِ الْإِنْسَانِ إِلاَّ اللهُ، وَلِهَذَا أَمَرَ تَعَالَى بِمُصَانَعَةِ شَيْطَانِ الْإِنْسِ وَمُدَارَاتِهِ بِإِسْدَاءِ الْجَمِيلِ إِلَيْهِ، لِيَرُدَّهُ طَبْعُهُ عَمَّا هُوَ فِيهِ مِنَ الْأَذَى، وَأَمَرَ بِالاِسْتِعَاذَةِ بِهِ مِنْ شَيْطَانِ الْجِنِّ، لِأَنَّهُ لاَ يَقْبَلُ رِشْوَةً، وَلاَ يُؤَثِّرُ فِيهِ جَمِيلٌ، لِأَنَّهُ شِرِّيرٌ بِالطَّبْعِ، وَلاَ يَكُفُّهُ عَنْكَ إِلاَّ الَّذِي خَلَقَهُ. وَهَذَا الْمَعْنى فِي ثَلاَثِ آيَاتٍ مِنَ الْقُرْآنِ لاَ أَعْلَمُ لَهُنَّ رَابِعَةً، قَوْلُهُ فِي الْأَعْرَافِ: {خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ} [الآية:199] فَهَذَا فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِمُعَامَلَةِ الْأَعْدَاءِ مِنَ الْبَشَرِ، ثُمَّ قَالَ: {وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} [الآية:200] وَقَالَ تَعَالَى فِي سُورَةِ { قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُون}، {ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ السَّيِّئَةَ نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَصِفُونَ *وَقُلْ رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ *وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَنْ يَحْضُرُونِ} [المؤمنون:96-98] وَقَالَ تَعَالَى فِي سُورَةِ حَم السَّجْدَةِ: {وَلاَ تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلاَ السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ *وَمَا يُلَقَّاهَا إِلاَّ الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلاَّ ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ *وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ} [فصلت:34-36]. [تَسْمِيَةُ الشَّيْطَانِ] اَلشَّيْطَانُ فِي لُغَةِ الْعَرَبِ مُشْتَقٌّ مِنْ شَطَنَ إِذَا بَعُدَ، فَهُوَ بَعِيدٌ بِطَبْعِهِ عَنْ طِبَاعِ الْبَشَرِ، وَبَعِيدٌ بِفِسْقِهِ عَنْ كُلِّ خَيْرٍ، وَقِيلَ: مُشْتَقٌّ مِنْ شَاطَ، لِأَنَّهُ مَخْلُوقٌ مِنْ نَارٍ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ: كِلاَهُمَا صَحِيحٌ فِي الْمَعْنى وَلَكِنَّ الْأَوَّلَ أَصَحُّ. وَقَالَ سِيبَوَيْهِ: اَلْعَرَبُ تَقُولُ: تَشَيْطَنَ فُلاَنٌ إِذَا فَعَلَ فِعْلَ الشَّيَاطِينِ، وَلَوْ كَانَ مِنْ شَاطَ لَقَالُوا: تَشَيَّطَ. فَالشَّيْطَانُ مُشْتَقٌّ مِنَ الْبُعْدِ عَلَى الصَّحِيحِ، وَلِهَذَا يُسَمُّونَ كُلَّ مَنْ تَمَرَّدَ مِنْ جِنِّيٍّ وَإِنْسِيٍّ وَحَيْوَانٍ شَيْطَانًا. قَالَ اللهُ تَعَالَى: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا} [الأنعام:112] وَفِي مُسْنَدِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ عَنْ أَبِي ذَرٍّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «يَا أَبَا ذَرٍّ تَعَوَّذْ بِاللهِ مِنْ شَيَاطِينِ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ» فَقُلْتُ: أَوَ لِلْإِنْسِ شَيَاطِينُ؟ قَالَ: «نَعَمْ»[48]. وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ أَبِي ذَرٍّ أَيْضًا قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «يَقْطَعُ الصَّلاَةَ الْمَرْأَةُ وَالْحِمَارُ وَالْكَلْبُ الْأَسْوَدُ». فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ مَا بَالُ الْكَلْبِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْأَحْمَرِ وَالْأَصْفَرِ؟ فَقَالَ: «الْكَلْبُ الْأَسْوَدُ شَيْطَانٌ»[49]. وَرَوَى ابْنُ جَرِيرٍ أَنْ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، رَكِبَ بِرْذَوْنًا فَجَعَلَ يَتَبَخْتَرُ بِهِ فَجَعَلَ يَضْرِبُهُ، فَلاَ يَزْدَادُ إِلاَّ تَبَخْتُرًا فَنَزَلَ عَنْهُ وَقَالَ: مَا حَمَلْتُمُونِي إِلاَّ عَلَى شَيْطَانٍ، مَا نَزَلْتُ عَنْهُ حَتَّى أَنْكَرْتُ نَفْسِي[50]إِسْنَادُهُ صَحِيحٌ. [48] (أحمد 5/178) [49] (مسلم 1/365) [50] (الطبري 1/111) [مَعْنَى الرَّجِيمِ] وَالرَّجِيمُ فَعِيلٌ بِمَعْنى مَفْعُولٍ أَيْ: إِنَّهُ مَرْجُومٌ مَطْرُودٌ عَنِ الْخَيْرِ كُلِّهِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: {وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَجَعَلْنَاهَا رُجُومًا لِلشَّيَاطِينِ} [الملك: 5] وَقَالَ تَعَالَى: {إِنَّا زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِزِينَةٍ الْكَوَاكِبِ *وَحِفْظًا مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ مَارِدٍ *لاَ يَسَّمَّعُونَ إِلَى الْمَلَإِ الأَعْلَى وَيُقْذَفُونَ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ *دُحُورًا وَلَهُمْ عَذَابٌ وَاصِبٌ *إِلاَّ مَنْ خَطِفَ الْخَطْفَةَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ ثَاقِبٌ} [الصافات: 6-10] وَقَاَلَ تَعَالَى: {وَلَقَدْ جَعَلْنَا فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا وَزَيَّنَّاهَا لِلنَّاظِرِينَ *وَحَفِظْنَاهَا مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ رَجِيمٍ *إِلاَّ مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ مُبِينٌ} [الحجر: 16-18] إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْآيَاتِ. وَقِيلَ: رَجِيمٌ بِمَعْنى رَاجِمٍ لِأَنَّهُ يَرْجُمُ النَّاسَ بِالْوَسَاوِسِ وَالرَّبَائِثِ. وَالْأَوَّلُ أَشْهَرُ وَأَصَحُّ [اَلْبَسْمَلَةُ أَوَّلُ آيَةٍ مِنْ سُورَةِ الْفَاتِحَةِ] {بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} اِفْتَتَحَ بِهَا الصَّحَابَةُ كِتَابَ اللهِ، وَاتَّفَقَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّهَا بَعْضُ آيَةٍ مِنْ سُورَةِ النَّمْلِ ثُمَّ اخْتَلَفُوا هَلْ هِيَ آيَةٌ مُسْتَقِلَّةٌ فِي أَوَّلِ كُلِّ سُورَةٍ، أَوْ مِنْ أَوَّلِ كُلِّ سُورَةٍ كُتِبَتْ فِي أَوَّلِهَا، أَوْ أَنَّهَا بَعْضُ آيَةٍ مِنْ كُلِّ سُورَةٍ؟ وَمِمَّنْ حُكِيَ عَنْهُ أَنَّهَا آيَةٌ مِنْ كُلِّ سُورَةٍ إِلاَّ بَرَاءَةٌ: ابْنُ عَبَّاسٍ وَابْنُ عُمَرَ، وَابْنُ الزُّبَيْرِ، وَأَبُو هُرَيْرَةَ وَعَلِيٌّ، وَمِنَ التَّابِعِينَ عَطَاءٌ وَطَاوُسٌ وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وَمَكْحُولٌ وَالزُّهْرِيُّ، وَبِهِ يَقُولُ عَبْدُ اللهِ بْنُ الْمُبَارَكِ، وَالشَّافِعِيُّ، وَأَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ فِي رِوَايَةٍ عَنْهُ، وَإِسْحَاقُ بْنُ رَاهَوَيْهِ وَأَبُو عُبَيْدٍ الْقَاسِمُ بْنُ سَلاَّمٍ رَحِمَهُمُ اللهُ. وَقَالَ مَالِكٌ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُمَا: لَيْسَتْ آيَةً مِنَ الْفَاتِحَةِ وَلاَ مِنْ غَيْرِهَا مِنَ السُّوَرِ، وَقَالَ دَاوُدُ: هِيَ آيَةٌ مُسْتَقِلَّةٌ فِي أَوَّلِ كُلِّ سُورَةٍ لاَ مِنْهَا، وَهَذِهِ رِوَايَةٌ عَنِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ. [اَلْجَهْرُ وَالْإِسْرَارُ بِالْبَسْمَلَةِ فِي الصَّلاَةِ الْجَهْرِيَّةِ] فَأَمَّا الْجَهْرُ بِهَا فِي الصَّلاَةِ فَمَنْ رَأى أَنَّهَا لَيْسَتْ مِنَ الْفَاتِحَةِ فَلاَ يَجْهَرُ بِهَا، وَكَذَا مَنْ قَالَ: إِنَّهَا آيَةٌ مِنْ أَوَّلِهَا، وَأَمَّا مَنْ قَالَ بِأَنَّهَا مِنْ أَوَائِلِ السُّوَرِ فَاخْتَلَفُوا، فَذَهَبَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللهُ إِلَى أَنَّهُ يُجْهَرُ بِهَا مَعَ الْفَاتِحَةِ وَالسُّورَةِ، وَهُوَ مَذْهَبُ طَوَائِفَ مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وَأَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ سَلَفًا وَخَلَفًا، فَجَهَرَ بِهَا مِنَ الصَّحَابَةِ أَبُو هُرَيْرَةَ وَابْنُ عُمَرَ وَابْنُ عَبَّاسٍ وَمُعَاوِيَةُ، وَحَكَاهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ وَالْبَيْهَقِيُّ عَنْ عُمَرَ وَعَلِيٍّ، وَنَقَلَهُ الْخَطِيبُ عَنِ الْخُلَفَاءِ الْأَرْبَعَةِ، وَهُمْ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ وَعُثْمَانُ وَعَلِيٌّ، وَهُوَ غَرِيبٌ، وَمِنَ التَّابِعِينَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ وَعِكْرِمَةَ وَأَبِي قِلاَبَةَ وَالزُّهْرِيِّ وَعَلِيِّ بْنِ الْحَسَنِ وَابْنِهِ مُحَمَّدٍ وَسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ، وَعَطَاءٍ وَطَاوُسٍ وَمُجَاهِدٍ وَسَالِمٍ وَمُحَمَّدِ بْنِ كَعْبِ الْقُرَظِيِّ، وَأَبِي بَكْرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ، وَأَبِي وَائِلٍ وَابْنِ سِيرِينَ وَمُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ وَعَلِيِّ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبَّاسٍ، وَابْنِهِ مُحَمَّدٍ وَنَافِعٍ مَوْلَى ابْنِ عُمَرَ وَزَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ وَعُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ وَالْأَزْرَقِ بْنِ قَيْسٍ، وَحَبِيبِ بْنِ أَبِي ثَابِتٍ وَأَبِي الشَّعْثَاءِ وَمَكْحُولٍ وَعَبْدِ اللهِ بْنِ مَعْقِلِ بْنِ مُقَرِّنٍ - زَادَ الْبَيْهَقِيُّ-: وَعَبْدِ اللهِ بْنِ صَفْوَانٍ وَمُحَمَّدِ ابْنِ الْحَنَفِيَّةِ - زَادَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ -: وَعَمْرِو بْنِ دِينَارٍ. وَالْحُجَّةُ فِي ذَلِكَ أَنَّهَا بَعْضُ الْفَاتِحَةِ، فَيُجْهَرُ بِهَا كَسَائِرِ أَبْعَاضِهَا، وَأَيْضًا فَقَدْ رَوَى النَّسَائِيُّ فِي سُنَنِهِ وَابْنُ خُزَيْمَةَ وَابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحَيهِمَا وَالحَاكِمُ فِي مُسْتَدْرَكِهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ صَلَّى فَجَهَرَ فِي قِرَاءَتِهِ بِالْبَسْمَلَةِ، وَقَالَ بَعْدَ أَنْ فَرَغَ: إِنِّي لَأَشْبَهُكُمْ صَلاَةً بِرَسُولِ اللهِ ﷺ. وَصَحَّحَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ وَالْخَطِيبُ وَالْبَيْهَقِيُّ وَغَيْرُهُمْ[51]. وَفِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ قِرَاءَةِ النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: كَانَتْ قِرَاءَتُهُ مَدًّا، ثُمَّ قَرَأَ بِبِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ يَمُدُّ بِسْمِ اللهِ وَيَمُدُّ الرَّحْمنِ وَيَمُدُّ الرَّحِيمِ[52]. وَفِي مُسْنِدِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ وَسُنَنِ أَبِي دَاوُدَ وَصَحِيحِ ابْنِ خُزَيْمَةَ وَمُسْتَدْرَكِ الْحَاكِمِ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَقْطَعُ قِرَاءَتَهُ: {بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ *الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ *الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ *مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ} وَقَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ إِسْنَادُهُ صَحِيحٌ[53]. وَرَوَى الْإِمَامُ أَبُو عَبْدِ اللهِ الشَّافِعِيُّ وَالْحَاكِمُ فِي مُسْتَدْرَكِهِ عَنْ أَنَسٍ؛ أَنَّ مُعَاوِيَةَ صَلَّى بِالْمَدِينَةِ فَتَرَكَ الْبَسْمَلَةَ فَأَنْكَرَ عَلَيْهِ مَنْ حَضَرَهُ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ ذَلِكَ، فَلَمَّا صَلَّى الْمَرَّةَ الثَّانِيَةَ بَسْمَلَ[54]. [51] (النسائي 2/134، وابن خزيمة 1/251، وصحيح ابن حبان 3/143، والحاكم 1/232، والدارقطني 1/305، والبيهقي 2/46) [52] (فتح الباري 8/709) [53] (أحمد 6/302، وأبو داود 4/294، وابن خزيمة 1/248، والحاكم 2/231، والدارقطني 1/307) [54] (مسند الإمام الشافعي 1/80، والحاكم 1/233) وَفِي هَذِهِ الْأَحَادِيثِ وَالاْثَارِ الَّتِي أَوْرَدْنَاهَا كِفَايَةٌ وَمَقْنَعٌ فِي الاِحْتِجَاجِ لِهَذَا الْقَوْلِ عَمَّا عَدَاهَا. فَأَمَّا الْمُعَارِضَاتُ وَالرِّوَايَاتُ الْغَرِيبَةُ وَتَطْرِيقُهَا، وَتَعْلِيلُهَا وَتَضْعِيفُهَا وَتَقْرِيرُهَا فَلَهُ مَوْضِعٌ آخَرُ. وَذَهَبَ آخَرُونَ إِلَى أَنَّهُ لاَ يُجْهَرُ بِالْبَسْمَلَةِ فِي الصَّلاَةِ، وَهَذَا هُوَ الثَّابِتُ عَنِ الْخُلَفَاءِ الْأَرْبَعَةِ وَعَبْدِ اللهِ بْنِ مُغَفَّلٍ، وَطَوَائِفَ مِنْ سَلَفِ التَّابِعِينَ وَالْخَلَفِ، وَهُوَ مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ وَالثَّوْرِيِّ وَأَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ. وَعِنْدَ الْإِمَامِ مَالِكٍ أَنَّهُ لاَ يَقْرَأُ الْبَسْمَلَةَ بِالْكُلِّيَّةِ لاَ جَهْرًا وَلاَ سِرًّا، وَاحْتَجُّوا بِمَا فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَفْتَتِحُ الصَّلاَةَ بِالتَّكْبِيرِ وَالْقِرَاءَةَ بِالْحَمْدُ لِلّْهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ[55]. وَبِمَا فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: صَلَّيْتُ خَلْفَ النَّبِيِّ ﷺ وَأَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعُثْمَانَ فَكَانُوا يَفْتَتِحُونَ بِالْحَمْدُ لِلّْهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، وَلِمُسْلِمٍ: وَلاَ يَذْكُرُونَ بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ فِي أَوَّلِ قِرَاءَةٍ وَلاَ فِي آخِرِهَا[56]. وَنَحْوُهُ فِي السُّنَنِ عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مُغَفَّلٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ[57]. فَهَذِهِ مَآخِذُ الْأَئِمَّةِ رَحِمَهُمُ اللهُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ، وَهِيَ قَرِيبَةٌ، لِأَنَّهُمْ أَجْمَعُوا عَلَى صِحَّةِ مَنْ جَهَرَ بِالْبَسْمَلَةِ وَمَنْ أَسَرَّ. وَلِلّْهِ الْحَمْدُ وَالْمِنَّةُ. [55] (ابن أبي حاتم 1/12) [56] (فتح الباري 2/265، ومسلم 1/299، قال الحافظ في بلوغ المرام: وفي رواية أحمد والنسائي وابن خزيمة "لا يجهرون ببسم الله الرحمن الرحيم" وفي أخرى لابن خزيمة "كانوا يسرون" وعلى هذا يحمل النفي في رواية مسلم أ.ه) [57] (الترمذي 244) فَصْلٌ فِي فَضْلِهَا وَرَوَى الْإِمَامُ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ فِي مُسْنَدِهِ عَنْ رَدِيفِ النَّبِيِّ ﷺ: قَالَ عُثِرَ بِالنَّبِيِّ ﷺ فَقُلْتُ: تَعِسَ الشَّيْطَانُ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «لاَ تَقُلْ: تَعِسَ الشَّيْطَانُ، فَإِنَّكَ إِذَا قُلْتَ: تَعِسَ الشَّيْطَانُ، تَعَاظَمَ وَقَالَ: بِقُوَّتِي صَرَعْتُهُ، وَإِذَا قُلْتَ: بِاسْمِ اللهِ، تَصَاغَرَ حَتَّى يَصِيرَ مِثْلَ الذُّبَابِ»[58]. وَقَدْ رَوَى النَّسَائِيُّ فِي «الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ» وَابْنُ مَرْدُوَيْهِ فِي تَفْسِيرِهِ عَنْ أُسَامَةَ بْنِ عُمَيْرٍ قَالَ: كُنْتُ رَدِيفَ النَّبِيِّ ﷺ فَذَكَرَهُ وَقَالَ: «لاَ تَقُلْ هكَذَا، فَإِنَّهُ يَتَعَاظَمُ حَتَّى يَكُونَ كَالْبَيْتِ، وَلكِنْ قُلْ: بِسْمِ اللهِ، فَإِنَّهُ يَصْغُرُ حَتَّى يَكُونَ كَالذُّبَابَةِ»[59]. فَهَذَا مِنْ تَأْثِيرِ بَرَكَةِ بِسْمِ اللهِ. [58] (أحمد 5/59) [59] (النسائي في الكبرى 6/142) [اِسْتِحْبَابُهَا فِي بِدَايَةِ كُلِّ عَمَلٍ] وَلِهَذَا تُسْتَحَبُّ فِي أَوَّلِ كُلِّ عَمَلٍ وَقَوْلٍ، فَتُسْتَحَبُّ فِي أَوَّلِ الْخُطْبَةِ، وَتُسْتَحَبُّ الْبَسْمَلَةُ عِنْدَ دُخُولِ الْخَلاَءِ لِمَا وَرَدَ مِنَ الْحَدِيثِ فِي ذَلِكَ[60]. وَتُسْتَحَبُّ فِي أَوَّلِ الْوُضُوءِ لِمَا جَاءَ فِي مُسْنَدِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ وَالسُّنَنِ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي هُرَيْرَةَ وَسَعِيدِ بْنِ زَيْدٍ وَأَبِي سَعِيدٍ مَرْفُوعًا: «لاَ وُضُوءَ لِمَنْ لَمْ يَذْكُرِ اسْمَ اللهِ عَلَيْهِ»[61]. وَهُوَ حَدِيثٌ حَسَنٌ، وَهكَذَا تُسْتَحَبُّ عِنْدَ الْأَكْلِ، لِمَا فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ لِرَبِيبِهِ عُمَرَ بْنِ أَبِي سَلَمَةَ: «قُلْ: بِسْمِ اللهِ، وَكُلْ بِيَمِينِكَ، وَكُلْ مِمَّا يَلِيكَ»[62]. وَمِنَ الْعُلَمَاءِ مَنْ أَوْجَبَهَا وَالْحَالَةُ هَذِهِ، وَكَذَلِكَ تُسْتَحَبُّ عِنْدَ الْجِمَاعِ، لِمَا فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «لَوْ أَنَّ أَحَدَكُمْ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَأْتِيَ أَهْلَهُ قَالَ: بِسْم اللهِ، اللَّهُمَّ جَنِّبْنَا الشَّيْطَانَ وَجَنِّبِ الشَّيْطَانَ مَا رَزَقْتَنَا، فَإِنَّهُ إِنْ يُقَدَّرْ بَيْنَهُمَا وَلَدٌ لَمْ يَضُرَّهُ الشَّيْطَانُ أَبَدًا»[63]. [60] (عون المعبود 1/6) [61] (أحمد 3/41، وأبو داود 1/75، وتحفة الأحوذي 1/115، والنسائي 1/61، وابن ماجه 1/140) [62] (مسلم 3/1600) [63] (فتح الباري 9/136، ومسلم 2/1508) [بِمَاذَا يَتَعَلَّقُ بِسْمِ اللهِ] وَمِنْ ههُنَا يَنْكَشِفُ لَكَ أَنَّ الْقَوْلَيْنِ عِنْدَ النُّحَاةِ - فِي تَقْدِيرِ الْمُتَعَلَّقِ بِالْبَاءِ فِي قَوْلِكَ بِسْمِ اللهِ، هَلْ هُوَ اسْمٌ أَوْ فِعْلٌ - مُتَقَارِبَانِ، وَكُلٌّ قَدْ وَرَدَ بِهِ الْقُرْآنُ، أَمَّا مَنْ قَدَّرَهُ بِاسْمٍ تَقْدِيرُهُ: بِسْمِ اللهِ ابْتِدَائِي، فَلِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَقَالَ ارْكَبُوا فِيهَا بِسْمِ اللَّهِ مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا إِنَّ رَبِّي لَغَفُورٌ رَحِيمٌ} [هود: 41] وَمَنْ قَدَّرَهُ بِالْفِعْلِ أَمْرًا أَوْ خَبَرًا نَحْوُ: ابْدَأْ بِسْمِ اللهِ أَوِ ابْتَدَأْتُ بِاسْمِ اللهِ فَلِقَوْلِهِ تَعَالَى: {اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ} [العلق: 11] وَكِلاَهُمَا صَحِيحٌ، فَإِنَّ الْفِعْلَ لاَ بُدَّ لَهُ مِنْ مَصْدَرٍ، فَلَكَ أَنْ تُقَدِّرَ الْفِعْلَ وَمَصْدَرَهُ، وَذَلِكَ بِحَسَبِ الْفِعْلِ الَّذِي سَمَّيْتَ قَبْلَهُ إِنْ كَانَ قِيَامًا أَوْ قَعُودًا، أَوْ أَكْلاً أَوْ شُرْبًا، أَوْ قِرَاءَةً، أَوْ وُضُوءًا أَوْ صَلاَةً، فَالْمَشْرُوعُ ذِكْرُ اسْمِ اللهِ فِي الشُّرُوعِ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ تَبَرُّكًا وَتَيَمُّنًا وَاسْتِعَانَةً عَلَى الْإِتْمَامِ وَالتَّقَبُّلِ. وَاللهُ أَعْلَمُ. [مَعْنى لَفْظِ الْجَلاَلَةِ «اَللهُ»] [اَللهُ] عَلَمٌ عَلَى الرَّبِّ تَبَارَكَ وَتَعَالَى، يُقَالُ: إِنَّهُ الاِسْمُ الْأَعْظَمُ لِأَنَّهُ يُوصَفُ بِجَمْيعِ الصِّفَاتِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: {هُوَ اللَّهُ الَّذِي لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ هُوَ الرَّحْمَانُ الرَّحِيمُ *هُوَ اللَّهُ الَّذِي لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلاَمُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ *هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِيءُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} [الحشر: 22-24] فَأَجْرَى الْأَسْمَاءَ الْبَاقِيَةَ كُلَّهَا صِفَاتٍ لَهُ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: {وَلِلَّهِ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا} [الأعراف: 180] وَقَالَ تَعَالَى: {قُلْ ادْعُوا اللَّهَ أَوْ ادْعُوا الرَّحْمَانَ أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى} [الإسراء: 110] وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «إِنَّ للهِ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ اسْمًا، مِائَةً إِلاَّ وَاحِدًا، مَنْ أَحْصَاهَا دَخَلَ الْجَنَّةَ»[64]. [64] (فتح الباري 11/218، ومسلم 4/2062) [تَفْسِيرُ: الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ] {الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ} اِسْمَانِ مُشْتَقَّانِ مِنَ الرَّحْمَةِ عَلَى وَجْهِ الْمُبَالَغَةِ، وَرَحْمنُ أَشَدُّ مُبَالَغَةً مِنْ رَحِيمٍ، وَفِي كَلاَمِ ابْنِ جَرِيرٍ مَا يُفْهَمُ مِنْهُ حِكَايَةُ الاِتِّفَاقِ عَلَى هَذَا، وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ: وَالدَّلِيلُ عَلَى أَنَّهُ مُشْتَقٌّ: مَا خَرَّجَهُ التِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمنِ بْنِ عَوْفٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: «قَالَ اللهُ تَعَالَى: أَنَا الرَّحْمنُ، خَلَقْتُ الرَّحِمَ وَشَقَقْتُ لَهَا اسْمًا مِنِ اسْمِي، فَمَنْ وَصَلَهَا وَصَلْتُهُ، وَمَنْ قَطَعَهَا قَطَعْتُهُ»[65]. قَالَ: وَهَذَا نَصٌّ فِي الاِشْتِقَاقِ، وَإِنْكَارُ الْعَرَبِ لاِسْمِ الرَّحْمنِ، لِجَهْلِهِمْ بِاللهِ وَبِمَا وَجَبَ لَهُ. [65] (تحفة الأحوذي 6/33) قَالَ الْقُرْطُبِيُّ: ثُمَّ قِيلَ: هُمَا بِمَعْنًى وَاحِدٍ كَنَدْمَانٍ وَنَدِيمٍ، قَالَهُ أَبُو عُبَيْدٍ. وَقِيلَ: لَيْسَ بِنَاءُ فَعْلاَنَ كَفَعِيلٍ، فَإِنَّ فَعْلاَنَ لاَ يَقَعُ إِلاَّ عَلَى مُبَالَغَةِ الْفِعْلِ، نَحْوُ قَوْلِكَ رَجُلٌ غَضْبَانُ - لِلرَّجُلِ الْمُمْتَلِئِ غَضَبًا - وَفَعِيلٌ قَدْ يَكُونُ بِمَعْنَى الْفَاعِلِ وَالْمَفْعُولِ، قَالَ أَبُو عَلِيٍّ الْفَارِسِيُّ: الرَّحْمنُ اسْمٌ عَامٌّ فِي جَمِيعِ أَنْوَاعِ الرَّحْمَةِ يَخْتَصُّ بِهِ اللهُ تَعَالَى، وَالرَّحِيمُ إِنَّمَا هُوَ مِنْ جِهَةِ الْمُؤْمِنِينَ، قَالَ اللهُ تَعَالَى: {وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا} [الأحزاب: 43] وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: هُمَا اسْمَانِ رَقِيقَانِ أَحَدُهُمَا أَرَقُّ مِنَ الاْخَرِ أَيْ: أَكْثَرُ رَحْمَةً[66]. [66] (القرطبي 1/105) وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنَا السَّرِيُّ بْنُ يَحْيَى التَّمِيمِيُّ: حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ زُفَرَ: سَمِعْتُ الْعَزْرَمِيَّ يَقُولُ: اَلرَّحْمنُ الرَّحِيمُ قَالَ: اَلرَّحْمنُ لِجَمِيعِ الْخَلْقِ، اَلرَّحِيمُ قَالَ: بِالْمُؤْمِنِينَ[67]. قَالُوا: وَلِهَذَا قَالَ: {ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ الرَّحْمَانُ} [الفرقان: 59] وَقَالَ {الرَّحْمَانُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى} [طه:5] فَذَكَرَ الاِسْتِوَاءَ بِاسْمِهِ الرَّحْمنِ لِيَعُمَّ جَمِيعَ خَلْقِهِ بِرَحْمَتِهِ، وَقَالَ: {وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا} [الأحزاب:43] فَخَصَّهُمْ بِاسْمِهِ الرَّحِيمِ، قَالُوا: فَدَلَّ عَلَى أَنَّ الرَّحْمنَ أَشَدُّ مُبَالَغَةً فِي الرَّحْمَةِ لِعُمُومِهَا فِي الدَّارَيْنِ لِجَمِيعِ خَلْقِهِ، وَالرَّحِيمُ خَاصَّةٌ بِالْمُؤْمِنِينَ، لكِنْ جَاءَ فِي الدُّعَاءِ الْمَأْثُورِ: «رَحْمنَ الدُّنْيَا وَالاْخِرَةِ وَرَحِيمَهُمَا». [67] (الطبري 1/127 العزرمي هو محمد بن عبيدالله بن أبي سلمان العزرمي أبو عبدالرحمن الكوفي متروك كما قال ابن حجر في التقريب لكم السند إليه حسن) وَاسْمُهُ تَعَالَى الرَّحْمنُ خَاصٌّ بِهِ، لَمْ يُسَمَّ بِهِ غَيْرُهُ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: {قُلْ ادْعُوا اللَّهَ أَوْ ادْعُوا الرَّحْمَانَ أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى} [الإسراء:110] وَقَالَ تَعَالَى: {وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنَا أَجَعَلْنَا مِنْ دُونِ الرَّحْمَانِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ} [الزخرف: 45] وَلَمَّا تَجَهْرَمَ مُسَيْلِمَةُ الْكَذَّابُ وَتَسَمَّى بِرَحْمنِ الْيَمَامَةِ كَسَاهُ اللهُ جِلْبَابَ الْكَذِبِ وَشُهِرَ بِهِ، فَلاَ يُقَالُ إِلاَّ مُسَيْلِمَةُ الْكَذَّابُ، فَصَارَ يُضْرَبُ بِهِ الْمَثَلُ فِي الْكَذِبِ بَيْنَ أَهْلِ الْحَضَرِ مِنْ أَهْلِ الْمَدَرِ، وَأَهْلِ الْوَبَرِ مِنْ أَهْلِ الْبَادِيَةِ وَالْأَعْرَابِ. وَعَلَى هَذَا فَيَكُونُ تَقْدِيمُ اسْم «اللهِ» الَّذِي لَمْ يُسَمَّ بِهِ أَحَدٌ غَيْرُهُ، وَوَصْفُهُ أَوَّلاً بِالرَّحْمنِ الَّذِي مُنِعَ مِنَ التَّسْمِيَةِ بِهِ لِغَيْرِهِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: {قُلْ ادْعُوا اللَّهَ أَوْ ادْعُوا الرَّحْمَانَ أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى} وَإِنَّمَا تَجَهْرَمَ مُسَيْلِمَةُ الْيَمَامَةِ فِي التَّسَمِّي بِهِ، وَلَمْ يُتَابِعْهُ عَلَى ذَلِكَ إِلاَّ مَنْ كَانَ مَعَهُ فِي الضَّلاَلَةِ. وَأَمَّا الرَّحِيمُ فَإِنَّهُ تَعَالَى وَصَفَ بِهِ غَيْرَهُ قَالَ: {لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ} [التوبة: 128] كَمَا وَصَفَ غَيْرَهُ بِذَلِكَ مِنْ أَسْمَائِهِ كَمَا قَالَ تَعَالَى: {إِنَّا خَلَقْنَا الإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا} [الإنسان: 2] وَالْحَاصِلُ أَنَّ مِنْ أَسْمَائِهِ تَعَالَى مَا يُسَمّْى بِهِ غَيْرُهُ، وَمِنْهَا مَا لاَ يُسَمّْى بِهِ غَيْرُهُ، كَاسْمِ: اللهِ، وَالرَّحْمنِ، وَالْخَالِقِ، وَالرَّازِقِ، وَنَحْوِ ذَلِكَ، فَلِهَذَا بَدَأَ بِاسْمِ اللهِ وَوَصَفَهُ بِالرَّحْمنِ، لِأَنَّهُ أَخَصُّ وَأَعْرَفُ مِنَ الرَّحِيمِ، لِأَنَّ التَّسْمِيَةَ أَوَّلاً إِنَّمَا تَكُونُ بِأَشْرَفِ الْأَسْمَاءِ، فَلِهَذَا ابْتَدَأَ بِالْأَخَصِّ فَالْأَخَصِّ. وَقَدْ جَاءَ فِي حَدِيثِ أُمِّ سَلَمَةَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ كَانَ يُقَطِّعُ قِرَاءَتَهُ حَرْفًا حَرْفًا {بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ *الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ *الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ *مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ} [الفاتحة: 1-4] [68]فَقَرَأَ بَعْضُهُمْ كَذَلِكَ وَهُمْ طَائِفَةٌ، وَمِنْهُمْ مَنْ وَصَلَهَا بِقَوْلِهِ: {الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ}. [68] (مسند أحمد 26042 لكن بلفظ "آية آية") {الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} [مَعْنَى الْحَمْدِ] قَالَ أَبُو جَعْفَرِ بْنُ جَرِيرٍ: مَعْنَى {الْحَمْدُ لِلَّهِ} اَلشُّكْرُ للهِ خَالِصًا دُونَ سَائِرِ مَا يُعْبَدُ مِنْ دُونِهِ، وَدُونَ كُلِّ مَا بَرَأَ مِنْ خَلْقِهِ، بِمَا أَنْعَمَ عَلَى عِبَادِهِ مِنَ النِّعَمِ الَّتِي لاَ يُحْصِيهَا الْعَدَدُ، وَلاَ يُحِيطُ بِعَدَدِهَا غَيْرُهُ أَحَدٌ: فِي تَصْحِيحِ الْآلاَتِ لِطَاعَتِهِ، وَتَمْكِينِ جَوَارِحِ أَجْسَامِ الْمُكَلَّفِينَ لِأَدَاءِ فَرَائِضِهِ، مَعَ مَا بَسَطَ لَهُمْ فِي دُنْيَاهُمْ مِنَ الرِّزْقِ، وَغَذَّاهُمْ مِنْ نَعِيمِ الْعَيْشِ مِنْ غَيْرِ اسْتِحْقَاقٍ مِنْهُمْ ذَلِكَ عَلَيْهِ، وَمَعَ مَا نَبَّهَهُمْ عَلَيْهِ وَدَعَاهُمْ إِلَيْهِ مِنَ الْأَسْبَابِ الْمُؤَدِّيَةِ إِلَى دَوَامِ الْخُلُودِ فِي دَارِ الْمُقَامِ فِي النَّعِيمِ الْمُقِيمِ، فَلِرَبِّنَا الْحَمْدُ عَلَى ذَلِكَ كُلِّهِ أَوَّلاً وَآخِرًا[69]. [69] (الطبري 1/135) وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ رَحِمَهُ اللهُ: {الْحَمْدُ لِلَّهِ} ثَنَاءٌ أَثْنى بِهِ عَلَى نَفْسِهِ، وَفِي ضِمْنِهِ أَمَرَ عِبَادَهُ أَنْ يُثْنُوا عَلَيْهِ، فَكَأَنَّهُ قَالَ: قُولُوا: الْحَمْدُ للهِ. قَالَ: وَقَدْ قِيلَ: إِنَّ قَوْلَ الْقَائِلِ: {الْحَمْدُ لِلَّهِ} ثَنَاءٌ عَلَيْهِ بِأَسْمَائِهِ الْحُسْنى وَصِفَاتِهِ الْعُلى، وَقَوْلُهُ: «الشُّكْرُ للهِ»: ثَنَاءٌ عَلَيْهِ بِنِعَمِهِ وَأَيَادِيهِ.[70]. [70] (الطبري 1/137) [اَلْفَرْقُ بَيْنَ الْحَمْدِ وَالشُّكْرِ] وَالتَّحْقِيقُ أَنَّ بَيْنَهُمَا عُمُومًا وَخُصُوصًا، فَالْحَمْدُ أَعَمُّ مِنَ الشُّكْرِ مِنْ حَيْثُ مَا يَقَعَانِ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ يَكُونُ عَلَى الصِّفَاتِ اللاَّزِمَةِ وَالْمُتَعَدِّيَةِ، تَقُولُ: حَمِدْتُهُ لِفُرُوسِيَّتِهِ، وَحَمِدْتُهُ لِكَرَمِهِ، وَهُوَ أَخَصُّ لِأَنَّهُ لاَ يَكُونُ إِلاَّ بِالْقَوْلِ، وَالشُّكْرُ أَعَمُّ مِنْ حَيْثُ مَا يَقَعَانِ [بِهِ]؛ لِأَنَّهُ يَكُونُ بِالْقَوْلِ وَالْفِعْلِ وَالنِّيَّةِ. وَهُوَ أَخَصُّ لِأَنَّهُ لاَ يَكُونُ إِلاَّ عَلَى الصِّفَاتِ الْمُتَعَدِّيَةِ لاَ يُقَالُ: شَكَرْتُهُ لِفُرُوسِيَّتِهِ، وَتَقُولُ: شَكَرْتُهُ عَلَى كَرَمِهِ وَإِحْسَانِهِ إِلَيَّ. هَذَا حَاصِلُ مَا حَرَّرَهُ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ. وَاللهُ أَعْلَمُ. وَقَالَ أَبُو نَصْرٍ إِسْمَاعِيلُ بْنُ حَمَّادٍ الْجَوْهَرِيُّ: اَلْحَمْدُ نَقِيضُ الذَّمِّ، تَقُولُ: حَمِدْتُ الرَّجُلَ أَحْمَدُهُ حَمْدًا، وَمَحْمَدَةً، فَهُوَ حَمِيدٌ وَمَحْمُودٌ، وَالتَّحْمِيدُ أَبْلَغُ مِنَ الْحَمْدِ. وَالْحَمْدُ أَعَمُّ مِنَ الشُّكْرِ؛ وَقَالَ فِي الشُّكْرِ: هُوَ الثَّنَاءُ عَلَى الْمُحْسِنِ بِمَا أَوْلاَهُ مِنَ الْمَعْرُوفِ، يُقَالُ: شَكَرْتُهُ وَشَكَرْتُ لَهُ، وَبِاللاَّمِ أَفْصَحُ. وَأَمَّا الْمَدْحُ فَهُوَ أَعَمُّ مِنَ الْحَمْدِ، لِأَنَّهُ يَكُونُ لِلْحَيِّ وَلِلْمَيِّتِ وَلِلْجَمَادِ أَيْضًا، كَمَا يُمْدَحُ الطَّعَامُ وَالْمَكَانُ وَنَحْوُ ذَلِكَ، وَيَكُونُ قَبْلَ الْإِحْسَانِ وَبَعْدَهُ، وَعَلَى الصِّفَاتِ الْمُتَعَدِّيَةِ وَاللاَّزِمَةِ أَيْضًا، فَهُوَ أَعَمُّ. ذِكْرُ أَقْوَالِ السَّلَفِ فِي الْحَمْدِ قَالَ ابْنُ أبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبُو مَعْمَرٍ الْقَطِيعِيُّ: حَدَّثَنَا حَفْصٌ وَرَوَاهُ غَيْرُ أَبِي مَعْمَرٍ عَنْ حَفْصٍ فَقَالَ: قَالَ عُمَرُ لِعَلِيٍّ - وَأَصْحَابُهُ عِنْدَهُ -: لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ، وَسُبْحَانَ اللهِ، وَاللهُ أَكْبَرُ، قَدْ عَرَفْنَاهَا. فَمَا الْحَمْدُ للهِ؟ قَالَ عَلِيٌّ: كَلِمَةٌ أَحَبَّهَا اللهُ تَعَالَى لِنَفْسِهِ، وَرَضِيَهَا لِنَفْسِهِ، وَأَحَبَّ أَنْ تُقَالَ[71]. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ[72]: اَلْحَمْدُ للهِ كَلِمَةُ الشُّكْرِ، وَإِذَا قَالَ الْعَبْدُ: اَلْحَمْدُ للهِ، قَالَ: شَكَرَنِي عَبْدِي. رَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ.[73]. [71] (ابن أبي حاتم 1/15) [72] (هذا القول لم يثبت عن ابن عباس في إسناده علي بن زيد بن جُدعان وهو ضعيف انظر تقريب التهذيب لابن حجر رقم الترجمة 4734) [73] (ابن أبي حاتم 1/13) [فَضَائِلُ الْحَمْدِ] وَقَدْ رَوَى الْإِمَامُ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ عَنِ الْأَسْوَدِ بْنِ سَرِيعٍ، قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَلاَ أُنْشِدُكَ مَحَامِدَ حَمِدْتُ بِهَا رَبِّي تَبَارَكَ وَتَعَالَى؟ فَقَالَ: «أَمَا إِنَّ رَبَّكَ يُحِبُّ الْحَمْدَ» وَرَوَاهُ النَّسَائِيُّ[74]. [74] (أحمد 3/435، والنسائي في الكبرى 4/416) وَرَوَى أَبُو عِيسَى الْحَافِظُ التِّرْمِذِيُّ، وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ مِنْ حَدِيثِ مُوسَى بْنِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ كَثِيرٍ، عَنْ طَلْحَةَ ابْنِ خِرَاشٍ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «أَفْضَلُ الذِّكْرِ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ، وَأَفْضَلُ الدُّعَاءِ الْحَمْدُ ِلله» وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: حَسَنٌ غَرِيبٌ[75]. [75] (تحفة الأحوذي 9/324، والنسائي في الكبرى 6/208، وابن ماجه 2/1249) وَرَوَى ابْنُ مَاجَهْ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «مَا أَنْعَمَ اللهُ عَلَى عَبْدٍ نِعْمَةً فَقَالَ: الْحَمْدُ _ِ ِلله، إِلاَّ كَانَ الَّذِي أَعْطَى أَفْضَلَ مِمَّا أَخَذَ»[76]. [76] (ابن ماجه 2/1250) وَفِي سُنَنِ ابْنِ مَاجَه عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ حَدَّثَهُمْ: «أَنَّ عَبْدًا مِنْ عِبَادِ اللهِ قَالَ: يَا رَبِّ لَكَ الْحَمْدُ كَمَا يَنْبَغِي لِجَلاَلِ وَجْهِكَ وَعَظِيم سُلْطَانِكَ. فَعَضَّلَتْ بِالْمَلَكَيْنِ فَلَمْ يَدْرِيَا كَيْفَ يَكْتُبَانِهَا، فَصَعِدَا إِلَى اللهِ فَقَالاَ: يَا رَبَّنَا إِنَّ عَبْدًا قَدْ قَالَ مَقَالَةً لاَ نَدْرِي كَيْفَ نَكْتُبُهَا، قَالَ اللهُ - وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَا قَالَ عَبْدُهُ -: مَاذَا قَالَ عَبْدِي؟ قَالاَ: يَا رَبِّ إِنَّهُ قَالَ: لَكَ الْحَمْدُ يَا رَبِّ كَمَا يَنْبَغِي لِجَلاَلِ وَجْهِكَ وَعَظِيم سُلْطَانِكَ. فَقَالَ اللهُ لَهُمَا: «اكْتُبَاهَا كَمَا قَالَ عَبْدِي، حَتَّى يَلْقَانِي فَأَجْزِيَهُ بِهَا»[77]. [77] (ابن ماجه 2/1249) [الْأَلِفُ وَاللاَّمُ فِي الْحَمْدِ لِلاِسْتِغْرَاقِ] وَالْأَلِفُ وَاللاَّمُ فِي الْحَمْدِ لاِسْتِغْرَاقِ جَمِيعِ أَجْنَاسِ الْحَمْدِ وَصُنُوفِهِ للهِ تَعَالَى، كَمَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ «اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ كُلُّهُ، وَلَكَ الْمُلْكُ كُلُّهُ، وَبِيَدِكَ الْخَيْرُ كُلُّهُ، وَإِلَيْكَ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ» اَلْحَدِيثَ[78]. [78] (الترغيب والتهريب 2/253) [مَعْنَى الرَّبِّ] وَالرَّبُّ هُوَ الْمَالِكُ الْمُتَصَرِّفُ، وَيُطْلَقُ فِي اللُّغَةِ عَلَى السَّيِّدِ، وَعَلَى الْمُتَصَرِّفِ لِلإِصْلاَحِ، وَكُلُّ ذَلِكَ صَحِيحٌ فِي حَقِّ اللهِ، وَلاَ يُسْتَعْمَلُ الرَّبُّ لِغَيْرِ اللهِ بَلْ بِالْإِضَافَةِ تَقُولُ: رَبُّ الدَّارِ، رَبُّ كَذَا، وَأَمَّا الرَّبُ فَلاَ يُقَالُ إِلاَّ للهِ عَزَّ وَجَلَّ. وَقَدْ قِيلَ: إِنَّهُ الاِسْمُ الْأَعْظَمُ. [مَعْنَى الْعَالَمِينَ] وَالْعَالَمِينَ جَمْعُ عَالَمٍ وَهُوَ كُلُّ مَوْجُودٍ سِوَى اللهِ عَزَّ وَجَلَّ، وَالْعَالَمُ جَمْعٌ لاَ وَاحِدَ لَهُ مِنْ لَفْظِهِ، وَالْعَوَالِمُ أَصْنَافُ الْمَخْلُوقَاتِ فِي السَّموَاتِ وَفِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ، وَكُلُّ قَرْنٍ مِنْهَا وَجِيلٍ يُسَمّْى عَالَمًا أَيْضًا. قَالَ الْفَرَّاءُ وَأَبُو عُبَيْدٍ: اَلْعَالَمُ عِبَارَةٌ عَمَّا يَعْقِلُ، وَهُمُ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ وَالْمَلاَئِكَةُ وَالشَّيَاطِينُ، وَلاَ يُقَالُ لِلْبَهَائِمِ عَالَمٌ. وَعَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ وَأَبِي مُحَيصِنٍ: اَلْعَالَمُ كُلُّ مَا لَهُ رُوحٌ تُرَفْرِفُ. وَقَالَ قَتَادَةُ: كُلُّ صِنْفٍ عَالَمٌ، وَقَالَ الزُّجَاجُ: اَلْعَالَمُ كُلُّ مَا خَلَقَ اللهُ فِي الدُّنْيَا وَالاْخِرَةِ. قَالَ الْقُرْطُبِيُّ: وَهَذَا هُوَ الصَّحِيحُ، إِنَّهُ شَامِلٌ لِكُلِّ الْعَالَمِينَ كَقَوْلِهِ: {قَالَ فِرْعَوْنُ وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ *قَالَ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ} [الشعراء: 23، 24]. [وَجْهُ تَسْمِيَةِ الْعَالَمِ] وَالْعَالَمُ مُشْتَقٌّ مِنَ الْعَلاَمَةِ (قُلْتُ) لِأَنَّهُ عَلَمٌ دَالٌّ عَلَى وُجُودِ خَالِقِهِ وَصَانِعِهِ وَوَحْدَانِيَّتِهِ[79]. [79] (القرطبي 1/139) {الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} وَقَوْلُهُ تَعَالَى: {الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ} تَقَدَّمَ الْكَلاَمُ عَلَيْهِ فِي الْبَسْمَلَةِ بِمَا أَغْنى عَنِ الْإِعَادَةِ. قَالَ الْقُرْطُبِيُّ: إِنَّمَا وَصَفَ نَفْسَهُ بِالرَّحْمنِ الرَّحِيمِ بَعْدَ قَوْلِهِ: {رَبِّ الْعَالَمِينَ}، لِيَكُونَ مِنْ بَابِ قَرْنِ التَّرْغِيبِ بَعْدَ التَّرْهِيبِ كَمَا قَالَ تَعَالَى: {نَبِّيءْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ *وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الأَلِيمُ} [الحجر: 49، 50] [80]وَقَوْلِهِ تَعَالَى: {إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ الْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ} [الأنعام:165] قَالَ: فَالرَّبُّ فِيهِ تَرْهِيبٌ، وَ{الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ} تَرْغِيبٌ. وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «لَوْ يَعْلَمُ الْمُؤْمِنُ مَا عِنْدَ اللهِ مِنَ الْعُقُوبَةِ مَا طَمِعَ فِي جَنَّتِهِ أَحَدٌ، وَلَوْ يَعْلَمُ الْكَافِرُ مَا عِنْدَ اللهِ مِنَ الرَّحْمَةِ مَا قَنِطَ مِنْ رَحْمَتِهِ أَحَدٌ»[81]. [80] (القرطبي 1/139) [81] (مسلم 4/2109) {مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ} [معنى مالك وملك] ومالك مأخوذ من المِلْك، كما قال تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَرِثُ الْأَرْضَ وَمَنْ عَلَيْهَا وَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ﴾ [مريم: 40] وقال: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ * مَلِكِ النَّاسِ﴾ [الناس: 1،2] وملك مأخوذ من الـمُلْك، كما قال تعالى: ﴿لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ﴾ [غافر: 16] وقال: ﴿قَوْلُهُ الْحَقُّ وَلَهُ الْمُلْكُ﴾ [الأنعام: 73] وقال: ﴿الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ لِلرَّحْمَنِ وَكَانَ يَوْمًا عَلَى الْكَافِرِينَ عَسِيرًا﴾ [الفرقان: 26]. [مَعْنى تَخْصِيصِ الْمُلْكِ بِيَوْمِ الدِّينِ] وَتَخْصِيصُ الْمُلْكِ بِيَوْمِ الدِّينِ لاَ يَنْفِيهِ عَمَّا عَدَاهُ، لِأَنَّهُ قَدْ تَقَدَّمَ الْإِخْبَارُ بِأَنَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ، وَذَلِكَ عَامٌّ فِي الدُّنْيَا وَالاْخِرَةِ، وَإِنَّمَا أُضِيفَ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ لِأَنَّهُ لاَ يَدَّعِي أَحَدٌ هُنَالِكَ شَيْئًا، وَلاَ يَتَكَلَّمُ أَحَدٌ إِلاَّ بِإِذْنِهِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: {يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلاَئِكَةُ صَفًّا لاَ يَتَكَلَّمُونَ إِلاَّ مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَانُ وَقَالَ صَوَابًا} [النبأ: 38] وَقَالَ تَعَالَى: {وَخَشَعَتِ الأَصْوَاتُ لِلرَّحْمَانِ فَلاَ تَسْمَعُ إِلاَّ هَمْسًا} [طه: 108] وَقَالَ تَعَالَى: {يَوْمَ يَأْتِ لاَ تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلاَّ بِإِذْنِهِ فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ} [هود: 105] وَقَالَ الضَّحَّاكُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ {مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ} [4] يَقُولُ: لاَ يَمْلِكُ أَحَدٌ مَعَهُ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ حُكْمًا، كَمُلْكِهِمْ فِي الدُّنْيَا[82]. [82] (ابن جرير 166، وابن أبي حاتم 24، وسنده ضعيف جداً وبشر بن عماره واهٍ والضحاك لم يسمع من ابن عباس) [مَعْنَى يَوْمِ الدِّينِ] قَالَ ابن عباس: وَيَوْمُ الدِّينِ يَوْمُ الْحِسَابِ لِلْخَلاَئِقِ، وَهُوَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ، يَدِينُهُمْ بِأَعْمَالِهِمْ إِنْ خَيْرًا فَخَيْرٌ وَإِنْ شَرًّا فَشَرٌّ إِلاَّ مَنْ عَفَا عَنْهُ[83]. وَكَذَلِكَ قَالَ غَيْرُهُ مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وَالسَّلَفِ وَهُوَ ظَاهِرٌ [83] (ابن أبي حاتم 1/19) [اَلْمَلِكُ وَمَلِكُ الْأَمْلاَكِ هُوَ اللهُ] وَالْمَلِكُ فِي الْحَقِيقَةِ هُوَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ، قَالَ اللهُ تَعَالَى: {هُوَ اللَّهُ الَّذِي لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلاَمُ} [الحشر: 23] وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ مَرْفُوعًا: «أَخْنَعُ اسْم عِنْدَ اللهِ رَجُلٌ تَسَمَّى بِمَلِكِ الْأَمْلاَكِ، وَلاَ مَالِكَ إِلاَّ اللهُ» [84]وَفِيهِمَا عَنْهُ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ قَالَ: «يَقْبِضُ اللهُ الْأَرْضَ وَيَطْوِي السَّمَاءَ بِيَمِينِهِ ثُمَّ يَقُولُ: أَنَا الْمَلِكُ، أَيْنَ مُلُوكُ الْأَرْضِ؟ أَيْنَ الْجَبَّارُونَ؟ أَيْنَ الْمُتَكَبِّرُونَ؟»[85]. وَفِي الْقُرْآنِ الْعَظِيمِ: {لِّمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّار} [غافر: 16] فَأَمَّا تَسْمِيَةُ غَيْرِهِ فِي الدُّنْيَا بِمَلِكٍ فَعَلَى سَبِيلِ الْمَجَازِ كَمَا قَالَ تَعَالَى: {إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكًا} [البقرة: 247] {وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ} [الكهف: 79] {إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِيَاءَ وَجَعَلَكُمْ مُلُوكًا} [المائدة:20] وَفِي الصَّحِيحَيْنِ: «مِثْلُ الْمُلُوكِ عَلَى الْأَسِرَّةِ»[86]. [84] (فتح الباري 1/604، ومسلم 3/1688) [85] (فتح الباري 13/404 ومسلم 4/2148) [86] (فتح الباري 6/89، ومسلم 3/1518) [تَفْسِيرُ الدِّينِ] وَالدِّينُ: الْجَزَاءُ وَالْحِسَابُ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: {يَوْمَئِذٍ يُوَفِّيهِمُ اللَّهُ دِينَهُمُ الْحَقَّ} [النور: 25] وَقَالَ: {أَإِنَّا لَمَدِينُونَ} [الصافات: 53] أَيْ: مَجْزِيُّونَ مُحَاسَبُونَ، وَفِي الْحَدِيثِ: «الْكَيِّسُ مَنْ دَانَ نَفْسَهُ وَعَمِلَ لِمَا بَعْدَ الْمَوْتِ»[87]أَيْ: حَاسَبَ نَفْسَهُ، كَمَا قَالَ عُمَرُ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ: حَاسِبُوا أَنْفُسَكُمْ قَبْلَ أَنْ تُحَاسَبُوا، وَزِنُوا أَنْفُسَكُمْ قَبْلَ أَنْ تُوزَنُوا، وَتَأَهَّبُوا لِلْعَرْضِ الْأَكْبَرِ عَلَى مَنْ لاَ تَخْفى عَلَيْهِ أَعْمَالُكُمْ[88]{يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لاَ تَخْفَى مِنْكُمْ خَافِيَةٌ} [الحاقة: 18]. [87] (ابن ماجه 2/1423) [88] (فيه انقطاع بين ثابت ابن حجاج وعمر رضي الله عنه) {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} [مَعْنَى الْعِبَادَةِ لُغَةً وَشَرْعًا] وَالْعِبَادَةُ فِي اللُّغَةِ مِنَ الذِّلَّةِ، يُقَالُ: طَرِيقٌ مُعَبَّدٌ وَبَعِيرٌ مُعَبَّدٌ أَيْ: مُذَلَّلٌ وَفِي الشَّرْعِ عِبَارَةٌ عَمَّا يَجْمَعُ كَمَالَ الْمَحَبَّةِ وَالْخُضُوعِ وَالْخَوْفِ. [فَوَائِدُ تَقْدِيمِ الْمَفْعُولِ وَالاِلْتِفَاتِ] وَقُدِّمَ الْمَفْعُولُ، وَهُوَ إِيَّاكَ، وَكُرِّرَ لِلاِهْتِمَامِ وَالْحَصْرِ، أَيْ: لاَ نَعْبُدُ إِلاَّ إِيَّاكَ، وَلاَ نَتَوَكَّلُ إِلاَّ عَلَيْكَ، وَهَذَا هُوَ كَمَالُ الطَّاعَةِ، وَالدِّينُ كُلُّهُ يَرْجِعُ إِلَى هذَيْنِ الْمَعْنَيـَـيْنِ. وَهَذَا كَمَا قَالَ بَعْضُ السَّلَفِ: اَلْفَاتِحَةُ سِرُّ الْقُرْآنِ، وَسِرُّهَا هَذِهِ الْكَلِمَةُ {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} [الفاتحة: 5] فَالْأَوَّلُ تَبَرُّؤٌ مِنَ الشِّرْكِ، وَالثَّانِي تَبَرُّؤٌ مِنَ الْحَوْلِ وَالْقُوَّةِ، وَتَفْوِيضٌ إِلَى اللهِ عَزَّ وَجَلَّ، وَهَذَا الْمَعْنى فِي غَيْرِ آيَةٍ مِنَ الْقُرْآنِ كَمَا قَالَ تَعَالَى: {فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ} [هود: 123]، {قُلْ هُوَ الرَّحْمَانُ آمَنَّا بِهِ وَعَلَيْهِ تَوَكَّلْنَا} [الملك:29]، {رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ فَاتَّخِذْهُ وَكِيلاً} [المزمل:9] وَكَذَلِكَ هَذِهِ الْآيَةُ الْكَرِيمَةُ {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} [الفاتحة: 5]. وَتَحَوَّلَ الْكَلاَمُ مِنَ الْغَيْبَةِ إِلَى الْمُوَاجَهَةِ بِكَافِ الْخِطَابِ، لِأَنَّهُ لَمَّا أَثْنى عَلَى اللهِ فَكَأَنَّهُ اقْتَرَبَ وَحَضَرَ بَيْنَ يَدَي اللهِ تَعَالَى فَلِهَذَا قَالَ: {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} [الفاتحة: 5]. [اَلْفَاتِحَةُ إِرْشَادٌ إِلَى الثَّنَاءِ فَتَجِبُ قِرَاءَتُهَا فِي الصَّلاَةِ] وَفِي هَذَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ أَوَّلَ السُّورَةِ خَبَرٌ مِنَ اللهِ تَعَالَى بِالثَّنَاءِ عَلَى نَفْسِهِ الْكَرِيمَةِ بِجَمِيلِ صِفَاتِهِ الْحُسْنى، وَإِرْشَادٌ لِعِبَادِهِ بِأَنْ يُثْنُوا عَلَيْهِ بِذَلِكَ. وَلِهَذَا لاَ تَصِحُّ صَلاَةُ مَنْ لَمْ يَقُلْ ذَلِكَ وَهُوَ قَادِرٌ عَلَيْهِ، كَمَا جَاءَ فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «لاَ صَلاَةَ لِمَنْ لَمْ يَقْرَأْ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ»[89]. [89] (فتح الباري 2/276، ومسلم 1/295) [تَوْحِيدُ الْأُلُوهِيَّةِ] قَالَ الضَّحَّاكُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا {إِيَّاكَ نَعْبُدُ} يَعْنِي إِيَّاكَ نُوَحِّدُ وَنَخَافُ وَنَرْجُوكَ، يَا رَبَّـنَا، لاَ غَيْرَكَ[90]. [90] (إسناده منقطع الضحاك لم يسمع من ابن عباس رضي الله عنهما ]جامع التحصيل للعلائي 199، 200[) [تَوْحِيدُ الرُّبُوبِيَّةِ] {وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} عَلَى طَاعَتِكَ وَعَلَى أُمُورِنَا كُلِّهَا[91]. وَقَالَ قَتَادَةُ: {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُخْلِصُوا لَهُ الْعِبَادَةَ وَأَنْ تَسْتَعِينُوهُ عَلَى أُمُورِكُمْ[92]. وَإِنَّمَا قُدِّمَ {إِيَّاكَ نَعْبُدُ} عَلَى {وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} [الفاتحة: 5] لأَنَّ الْعِبَادَةَ لَهُ هِيَ الْمَقْصُودَةُ، وَالاِسْتِعَانَةُ وَسِيلَةٌ إِلَيْهَا. وَالاِهْتِمَامُ وَالْحَزْمُ تَقْدِيمُ مَا هُوَ الْأَهَمُّ فَالْأَهَمُّ. وَاللهُ أَعْلَمُ. [91] (ابن أبي حاتم 1/19) [92] (ابن أبي حاتم 1/20) [تَسْمِيَةُ اللهِ نَبِيَّهُ عَبْدًا فِي أَشْرَفِ الْمَقَامَاتِ] وَقَدْ سَمَّى اللهُ رَسُولَهُ ﷺ بِعَبْدِهِ فِي أَشْرَفِ مَقَامَاتِهِ فَقَالَ: {الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ} [الكهف: 1] {وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ} [الجن: 19]، {سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً} [الإسراء: 1] فَسَمَّاهُ عَبْدًا عِنْدَ إِنْزَالِهِ عَلَيْهِ، وَعِنْدَ قِيَامِهِ فِي الدَّعْوَةِ، وَإِسْرَائِهِ بِهِ. [الْإِرْشَادُ إِلَى الْعِبَادَةِ عِنْدَ ضِيقِ الصَّدْرِ] وَأَرْشَدَهُ إِلَى الْقِيَامِ بِالْعِبَادَةِ فِي أَوْقَاتٍ يَضِيقُ صَدْرُهُ مِنْ تَكْذِيبِ الْمُخَالِفِينَ حَيْثُ يَقُولُ: ﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ * فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُن مِّنَ السَّاجِدِينَ * وَاعْبُدُ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ﴾ [النحل: 97-99]. {اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ} [سِرُّ تَأْخِيرِ الدُّعَاءِ بَعْدَ الْحَمْدِ وَالْوَصْفِ] لَمَّا تَقَدَّمَ الثَّنَاءُ عَلَى الْمَسْؤُولِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى نَاسَبَ أَنْ يُعَقَّبَ بِالسُّؤَالِ كَمَا قَالَ: «فَنِصْفُهَا لِي وَنِصْفُهَا لِعَبْدِي، وَلِعَبْدِي مَا سَأَلَ» وَهَذَا أَكْمَلُ أَحْوَالِ السَّائِلِ أَنْ يَمْدَحَ مَسْؤُولَهُ ثُمَّ يَسْأَلُ حَاجَتَهُ وَحَاجَةَ إِخْوَانِهِ الْمُؤْمِنِينَ بِقَوْلِهِ: {اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ} [الفاتحة: 6] لِأَنَّهُ أَنْجَحُ لِلْحَاجَةِ وَأَنْجَعُ لِلْإِجَابَةِ، وَلِهَذَا أَرْشَدَ اللهُ إِلَيْهِ، لِأَنَّهُ الْأَكْمَلُ. وَقَدْ يَكُونُ السُّؤَالُ بِالْإِخْبَارِ عَنْ حَالِ السَّائِلِ وَاحْتِيَاجِهِ، كَمَا قَالَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلاَمُ: {رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ} [القصص: 24]. وَقَدْ يَتَقَدَّمُهُ مَعَ ذَلِكَ وَصْفُ الْمَسْئُولِ كَقَوْلِ ذِي النُّونِ: {لاَ إِلَهَ إِلاَّ أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ} [الأنبياء: 87] وَقَدْ يَكُونُ بِمُجَرَّدِ الثَّنَاءِ عَلَى الْمَسْئُولِ كَقَوْلِ الشَّاعِرِ: أَأَذْكُرُ حَاجَتِي أَمْ قَدْ كَفَانِي ** حَيَاؤُكَ إِنَّ شِيمَتَكَ الْحَيَاءُ إِذَا أَثْنى عَلَيْكَ الْمَرْءُ يَوْمًا ** كَفَاهُ مِنْ تَعَرُّضِهِ الثَّنَاءُ [مَعْنَى الْهِدَايَةِ] اَلْهِدَايَةُ هاهُنَا الْإِرْشَادُ وَالتَّوْفِيقُ، وَقَدْ تَعَدَّى الْهِدَايَةُ بِنَفْسِهَا كَمَا هُنَا {اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ} فَتَضَمَّنُ مَعْنى أَلْهِمْنَا أَوْ وَفِّقْنَا أَوِ ارْزُقْنَا أَوْ أَعْطِنَا: {وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ} [البلد: 10] أَيْ: بَيَّنَّا لَهُ الْخَيْرَ وَالشَّرَّ. وَقَدْ تَعَدَّى بِإِلَى كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {اجْتَبَاهُ وَهَدَاهُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} [النحل:121] {فَاهْدُوهُمْ إِلَى صِرَاطِ الْجَحِيم} [الصافات: 24] وَذَلِكَ بِمَعْنَى الْإِرْشَادِ وَالدِّلاَلَةِ، وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ: {وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقَيمٍ} [الشورى: 52]. وَقَدْ تَعَدَّى بِاللاَّمِ كَقَوْلِ أَهْلِ الْجَنَّةِ: {الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا} أَيْ: وَفَّقَنَا لِهَذَا وَجَعَلَنَا لَهُ أَهْلاً. [مَعْنَى الصِّرَاطِ الْمُسْتَقِيمِ] وَأَمَّا الصِّرَاطُ الْمُسْتَقِيمُ فَقَالَ الْإِمَامُ أَبُو جَعْفَرِ بْنُ جَرِيرٍ: أَجْمَعَتِ الْأُمَّةُ مِنْ أَهْلِ التَّأْوِيلِ جَمِيعًا عَلَى أَنَّ الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ هُوَ الطَّرِيقُ الْوَاضِحُ الَّذِي لاَ اعْوِجَاجَ فِيهِ، وَذَلِكَ فِي لُغَةِ جَمِيعِ الْعَرَبِ، فَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُ جَرِيرِ بْنِ عَطِيَّةَ الْخَطَفِيِّ: أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى صِرَاطٍ ** إِذَا اعْوَجَّ الْمَوَارِدُ مُسْتَقِيمِ [93] [93] (الطبري 1/170) قَالَ: وَالشَّوَاهِدُ عَلَى ذَلِكَ أَكْثَرُ مِنْ أَنْ تُحْصَرَ، قَالَ: ثُمَّ تَسْتَعِيرُ الْعَرَبُ الصِّرَاطَ فَتَسْتَعْمِلُهُ فِي كُلِّ قَوْلٍ وَعَمَلٍ وُصِفَ بِاسْتِقَامَةٍ أَوِ اعْوِجَاجٍ، فَتَصِفُ «الْمُسْتَقِيمَ» بِاسْتِقَامَتِهِ وَ«الْمُعْوَجَّ» بِاعْوِجَاجِهِ. وَالْمُرَادُ بِهِ الْإِسْلاَمُ. رَوَى الْإِمَامُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ عَنِ النَّوَّاسِ بْنِ سَمْعَانَ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ قَالَ: «ضَرَبَ اللهُ مَثَلاً صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا، وَعَلَى جَنْبَتَيِ الصِّرَاطِ سُورَانِ، فِيهِمَا أَبْوَابٌ مُفَتَّحَةٌ، وَعَلَى الْأَبْوَابِ سُتُورٌ مُرْخَاةٌ، وَعَلَى بَابِ الصِّرَاطِ دَاعٍ يَقُولُ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ ادْخُلُوا الصِّرَاطَ جَمِيعًا وَلاَ تَعْوَجُّوا، وَدَاع يَدْعُو مِنْ فَوْقِ الصِّرَاطِ، فَإِذَا أَرَادَ الْإِنسَانُ أَنْ يَفْتَحَ شَيْئًا مِنْ تِلْكَ الْأَبْوَابِ قَالَ: وَيْحَكَ لاَ تَفْتَحْهُ فَإِنَّكَ إِنْ فَتَحْتَهُ تَلِجْهُ، فَالصِّرَاطُ: الْإِسْلاَمُ، وَالسُّورَانِ: حُدُودُ اللهِ، وَالْأَبْوَابُ الْمُفَتَّحَةُ: مَحَارِمُ اللهِ، وَذَلِكَ الدَّاعِي عَلَى رَأْسِ الصِّرَاطِ كِتَابُ اللهِ، وَالدَّاعِي مِنْ فَوْقِ الصِّرَاطِ وَاعِظُ اللهِ فِي قَلْبِ كُلِّ مُسْلِمٍ»[94]. [94] (أحمد 4/182) [سُؤَالُ الْمُؤْمِنِ الْهِدَايَةَ مَعَ اتِّصَافِهِ بِهَا] فَإِنْ قِيلَ: فَكَيْفَ يَسْأَلُ الْمُؤْمِنُ الْهِدَايَةَ فِي كُلِّ وَقْتٍ مِنْ صَلاَةٍ وَغَيْرِهَا وَهُوَ مُتَّصِفٌ بِذَلِكَ؟ فَهَلْ هَذَا مِنْ بَابِ تَحْصِيلِ الْحَاصِلِ أَمْ لاَ؟ فَالْجَوَابُ أَنْ لاَ، وَلَوْلاَ احْتِيَاجُهُ لَيْلاً وَنَهَارًا إِلَى سُؤَالِ الْهِدَايَةِ لَمَا أَرْشَدَهُ اللهُ تَعَالَى إِلَى ذَلِكَ، فَإِنَّ الْعَبْدَ مُفْتَقِرٌ فِي كُلِّ سَاعَةٍ وَحَالَةٍ إِلَى اللهِ تَعَالَى فِي تَثْبِيتِهِ عَلَى الْهِدَايَةِ وَرُسُوخِهِ فِيهَا وَتَبَصُّرِهِ وَازْدِيَادِهِ مِنْهَا وَاسْتِمْرَارِهِ عَلَيْهَا، فَإِنَّ الْعَبْدَ لاَ يَمْلِكُ لِنَفْسِهِ نَفْعًا وَلاَ ضَرًّا إِلاَّ مَا شَاءَ اللهُ، فَأَرْشَدَهُ تَعَالَى إِلَى أَنْ يَسْأَلَهُ فِي كُلِّ وَقْتٍ أَنْ يُمِدَّهُ بِالْمَعُونَةِ وَالثَّبَاتِ وَالتَّوْفِيقِ، فَالسَّعِيدُ مَنْ وَفَّقَهُ اللهُ تَعَالَى لِسُؤَالِهِ فَإِنَّهُ قَدْ تَكَفَّلَ بِإِجَابَةِ الدَّاعِي إِذَا دَعَاهُ وَلاَ سِيَّمَا الْمُضْطَرُّ الْمُحْتَاجُ الْمُفْتَقِرُ إِلَيْهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَأَطْرَافَ النَّهَارِ، وَقَدْ قَالَ تَعَالَى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ}... اَلآيَةَ [النساء: 136]. فَقَدْ أَمَرَ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْإِيمَانِ، وَلَيْسَ ذَلِكَ مِنْ بَابِ تَحْصِيلِ الْحَاصِلِ، لِأَنَّ الْمُرَادَ الثَّبَاتُ وَالْاِسْتِمْرَارُ وَالْمُدَاوَمَةُ عَلَى الْأَعْمَالِ الْمُعِينَةِ عَلَى ذَلِكَ وَاللهُ أَعْلَمُ. وَقَالَ تَعَالَى آمِرًا لِعِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ أَنْ يَقُولُوا: {رَبَّنَا لاَ تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ} [آل عمران: 8] فَمَعْنَى قَوْلِهِ تَعَالَى: {اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ} اسْتَمِرَّ بِنَا عَلَيْهِ وَلاَ تَعْدِلْ بِنَا إِلَى غَيْرِهِ. {صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلاَ الضَّالِّينَ} وَقَدْ تَقَدَّمَ الْحَدِيثُ فِيمَا إِذَا قَالَ الْعَبْدُ: {اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ} إِلَى آخِرِهَا أَنَّ اللهَ يَقُولُ: «هَذَا لِعَبْدِي، وَلِعَبْدِي مَا سَأَلَ» وَقَوْلُهُ تَعَالَى: {صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ} [7] مُفَسِّرٌ ِللصِّرَاطِ الْمُسْتَقِيمِ وَهُوَ بَدَلٌ مِنْهُ عِنْدَ النُّحَاةِ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ عَطْفَ بَيَانٍ وَاللهُ أَعْلَمُ. وَالَّذِينَ أَنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِمْ هُمُ الْمَذْكُورُونَ فِي سُورَةِ النِّسَاءِ حَيْثُ قَالَ تَعَالَى: {وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا *ذَلِكَ الْفَضْلُ مِنَ اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ عَلِيمًا} [النساء: 69، 70]. وَقَوْلُهُ تَعَالَى: {غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلاَ الضَّالِّينَ} الْمَعْنى {اِهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ} مِمَّنْ تَقَدَّمَ وَصْفُهُمْ وَنَعْتُهُمْ وَهُمْ أَهْلُ الْهِدَايَةِ وَالاِسْتِقَامَةِ وَالطَّاعَةِ للهِ وَرُسُلِهِ، وَامْتِثَالِ أَوَامِرِهِ وَتَرْكِ نَوَاهِيهِ وَزَوَاجِرِهِ، غَيْرَ صِرَاطِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ، وَهُمُ الَّذِينَ فَسَدَتْ إِرَادَتُهُمْ فَعَلِمُوا الْحَقَّ وَعَدَلُوا عَنْهُ، وَلاَ صِرَاطَ الضَّالِّينَ، وَهُمُ الَّذِينَ فَقَدُوا الْعِلْمَ فَهُمْ هَائِمُونَ فِي الضَّلاَلَةِ لا يَهْتَدُونَ إِلَى الْحَقِّ. وَأَكَّدَ الْكَلاَمَ بِلاَ؛ لِيَدُلَّ عَلَى أَنَّ ثَمَّ مَسْلَكَيْنِ فَاسِدَيْنِ وَهُمَا طَرِيقَتَا الْيَهُودِ وَالنَّصَارى، لِيُجْتَنَبَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا، فَإِنَّ طَرِيقَةَ أَهْلِ الْإِيمَانِ مُشْتَمِلَةٌ عَلَى الْعِلْمِ بِالْحَقِّ وَالْعَمَلِ بِهِ، وَالْيَهُودُ فَقَدُوا الْعَمَلَ، وَالنَّصَارَى فَقَدُوا الْعِلْمَ. وَلِهَذَا كَانَ الْغَضَبُ لِلْيَهُودِ وَالضَّلاَلُ لِلنَّصَارَى، لِأَنَّ مَنْ عَلِمَ وَتَرَكَ اسْتَحَقَّ الْغَضَبَ، بِخِلاَفِ مَنْ لَمْ يَعْلَمْ، وَالنَّصَارَى لَمَّا كَانُوا قَاصِدِينَ شَيْئًا لَكِنَّهُمْ لاَ يَهْتَدُونَ إِلَى طَرِيقِهِ، لِأَنَّهُمْ لَمْ يَأْتُوا الْأَمْرَ مِنْ بَابِهِ، وَهُوَ اتِّبَاعُ الْحَقِّ، ضَلُّوا، وَكُلٌّ مِنَ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى ضَالٌّ مَغْضُوبٌ عَلَيْهِ، لكِنْ أَخَصُّ أَوْصَافِ الْيَهُودِ الْغَضَبُ، كَمَا قَالَ تَعَالَى عَنْهُمْ: {مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ} [المائدة:60] وَأَخَصُّ أَوْصَافِ النَّصَارَى الضَّلاَلُ، كَمَا قَالَ تَعَالَى عَنْهُمْ: {قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيرًا وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ} [المائدة:77] وَبِهَذَا جَاءَتِ الْأَحَادِيثُ والاْثَارُ، وَذَلِكَ وَاضِحٌ بَيِّنٌ. رَوَى الْإِمَامُ أَحْمَدُ عَنْ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ، قَالَ: جَاءَتْ خَيْلُ رَسُولِ اللهِ ﷺ فَأَخَذُوا عَمَّتِي وَنَاسًا، فَلَمَّا أَتَوْا بِهِمْ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ صَفُّوا لَهُ فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ، نَأَى الْوَافِدُ، وَانْقَطَعَ الْوَلَدُ، وَأَنَا عَجُوزٌ كَبِيرَةٌ، مَا بِي مِنْ خِدْمَةٍ، فَمُنَّ عَلَيَّ مَنَّ اللهُ عَلَيْكَ، قَالَ: «مَنْ وَافِدُكِ؟» قَالَتْ: عَدِيُّ بْنُ حَاتِمٍ، قَالَ: «الَّذِي فَرَّ مِنَ اللهِ وَرَسُولِهِ؟» قَالَتْ: فَمَنَّ عَلَيَّ، فَلَمَّا رَجَعَ وَرَجُلٌ إِلَى جَنْبِهِ - تَرَى أَنَّهُ عَلِيٌّ - قَالَ: سَلِيهِ حُمْلاَنًا، فَسَأَلَتْهُ فَأَمَرَ لَهَا، قَالَ: فَأَتَتْنِي فَقَالَتْ: لَقَدْ فَعَلَ فِعْلَةً مَا كَانَ أَبُوكَ يَفْعَلُهَا، فَإِنَّهُ قَدْ أَتَاهُ فُلاَنٌ فَأَصَابَ مِنْهُ، وَأَتَاهُ فُلاَنٌ فَأَصَابَ مِنْهُ، فَأَتَيْتُهُ فَإِذَا عِنْدَهُ امْرَأَةٌ وَصِبْيَانٌ، وَذَكَرَ قُرْبَهُمْ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: فَعَرَفْتُ أَنَّهُ لَيْسَ بَمَلِكِ كِسْرى وَلاَ قَيْصَرَ، فَقَالَ: «يَا عَدِيُّ مَا أَفَرَّكَ أَنْ يُقَالَ: لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ؟ فَهَلْ مِنْ إِلَهٍ إِلاَّ اللهُ؟. مَا أَفَرَّكَ أَنْ يُقَالَ: اللهُ أَكْبَرُ؟ فَهَلْ شَيْءٌ أَكْبَرُ مِنَ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ؟» قَالَ: فَأَسْلَمْتُ، فَرَأَيْتُ وَجْهَهُ اسْتَبْشَرَ وَقَالَ: «إِنَّ الْمَغْضُوبَ عَلَيْهِمُ: الْيَهُودُ، وَإِنَّ الضَّالِّينَ: النَّصَارَى»... وَذَكَرَ الْحَدِيثَ. وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: حَسَنٌ غَرِيبٌ[95]. [95] (أحمد 4/378، وتحفة الأحوذي 8/289) وَفِي السِّيرةِ عَنْ زَيْدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ نُفَيلٍ أَنَّهُ لَمَّا خَرَجَ هُوَ وَجَمَاعَةٌ مِنْ أَصْحَابِهِ إِلَى الشَّامِ يَطْلُبُونَ الدِّينَ الْحَنِيفَ قَالَتْ لَهُ الْيَهُودُ: إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ الدُّخُولَ مَعَنَا حَتَّى تَأْخُذَ بِنَصِيبِكَ مِنْ غَضَبِ اللهِ، فَقَالَ: أَنَا مِنْ غَضَبِ اللهِ أَفِرُّ، وَقَالَتْ لَهُ النَّصَارَى: إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ الدُّخُولَ مَعَنَا حَتَّى تَأْخُذَ بِنَصِيبِكَ مِنْ سَخَطِ اللهِ، فَقَالَ لاَ أَسْتَطِيعُهُ، فَاسْتَمَرَّ عَلَى فِطْرَتِهِ، وَجَانَبَ عِبَادَةَ الْأَوْثَانِ وَدِينَ الْمُشْرِكِينَ، وَلَمْ يَدْخُلْ مَعَ أَحَدٍ مِنَ الْيَهُودِ وَلاَ النَّصَارَى، وَأَمَّا أَصْحَابُهُ فَتَنَصَّرُوا وَدَخَلُوا فِي دِينِ النَّصْرَانِيَّةِ، لِأَنَّهُمْ وَجَدُوهُ أَقْرَبَ مِنْ دِينِ الْيَهُودِ إِذْ ذَاكَ، وَكَانَ مِنْهُمْ وَرَقَةُ بْنُ نَوْفَلٍ حَتَّى هَدَاهُ اللهُ بِنَبِيِّهِ لَمَّا بَعَثَهُ، آمَنَ بِمَا وَجَدَ مِنَ الْوَحْيِ. رَضِيَ اللهُ عَنْهُ.[96]. [96] (صحيح البخاري مع الفتح 7/142، 143) [مُشْتَمَلاَتُ الْفَاتِحَةِ] (فَصْلٌ) اِشْتَمَلَتْ هَذِهِ السُّورَةُ الْكَرِيمَةُ، وَهِيَ سَبْعُ آيَاتٍ، عَلَى حَمْدِ اللهِ وَتَمْجِيدِهِ وَالثَّنَاءِ عَلَيْهِ بِذِكْرِ أَسْمَائِهِ الْحُسْنَى الْمُسْتَلْزِمَةِ لِصِفَاتِهِ الْعُلْيَا، وَعَلَى ذِكْرِ الْمَعَادِ وَهُوَ يَوْمُ الدِّينِ، وَعَلَى إِرْشَادِهِ عَبِيدَهُ إِلَى سُؤَالِهِ وَالتَّضَرُّعِ إِلَيْهِ، وَ[التَّبَرُّؤِ] مِنْ حَوْلِهِمْ وَقُوَّتِهِمْ، وَإِلَى إِخْلاَصِ الْعِبَادَةِ لَهُ، وَتَوْحِيدِهِ بِالْأُلُوهِيَّةِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى، وَتَنْزِيهِهِ أَنْ يَكُونَ لَهُ شَرِيكٌ أَوْ نَظِيرٌ أَوْ مُمَاثِلٌ، وَإِلَى سُؤَالِهِمْ إِيَّاهُ الْهِدَايَةَ إِلَى الصِّرَاطِ الْمُسْتَقِيمِ، وَهُوَ الدِّينُ الْقَوِيمُ، وَتَثْبِيتَهُمْ عَلَيْهِ حَتَّى [يُفْضِيَ بِهِمْ ذَلِكَ] إِلَى جَوَازِ الصِّرَاطِ [الْحِسِّيِّ] يَوْمَ الْقِيَامَةِ، اَلْمُفْضِي بِهِمْ إِلَى جَنَّاتِ النَّعِيمِ؛ فِي جِوَارِ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ، وَاشْتَمَلَتْ عَلَى التَّرْغِيبِ فِي الْأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ لِيَكُونُوا مَعَ أَهْلِهَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَالتَّحْذِيرِ مِنْ مَسَالِكِ الْبَاطِلِ لِئَلاَّ يُحْشَرُوا مَعَ سَالِكِيهَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَهُمُ الْمَغْضُوبُ عَلَيْهِمْ وَالضَّالُّونَ. [إِسْنَادُ الْإِنْعَامِ إِلَى اللهِ دُونَ الْإِضْلاَلِ. وَالرَّدُّ عَلَى الْقَدَرِيَّةِ] وَمَا أَحْسَنَ مَا جَاءَ إِسْنَادُ الْإِنْعَامِ إِلَيْهِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ} وَحُذِفَ الْفَاعِلُ فِي الْغَضَبِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ} [الفاتحة: 7] وَإِنْ كَانَ هُوَ الْفَاعِلُ لِذَلِكَ فِي الْحَقِيقَةِ كَمَا قَالَ تَعَالَى: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ تَوَلَّوْا قَوْمًا غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ} [المجادلة: 14] الآيَةَ. وَكَذَلِكَ إِسْنَادُ الضَّلاَلِ إِلَى مَنْ قَامَ بِهِ وَإِنْ كَانَ هُوَ الَّذِي أَضَلَّهُمْ بِقَدَرِهِ كَمَا قَالَ تَعَالَى: {مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِدًا} [الكهف: 17] وَقَالَ: {مَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلاَ هَادِيَ لَهُ وَيَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ} [الأعراف: 186] إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْآيَاتِ الدَّالَّةِ عَلَى أَنَّهُ سُبْحَانَهُ هُوَ الْمُنْفَرِدُ بِالْهِدَايَةِ وَالْإِضْلاَلِ، لاَ كَمَا تَقُولُ الْفِرْقَةُ الْقَدَرِيَّةُ وَمَنْ حَذَا حَذْوَهُمْ مِنْ أَنَّ الْعِبَادَ هُمُ الَّذِينَ يَخْتَارُونَ ذَلِكَ وَيَفْعَلُونَ، وَيَحْتَجُّونَ عَلَى بِدْعَتِهِمْ بِمُتَشَابِهٍ مِنَ الْقُرْآنِ، وَيَتْرُكُونَ مَا يَكُونُ فِيهِ صَرِيحًا فِي الرَّدِّ عَلَيْهِمْ. وَهَذَا حَالُ أَهْلِ الضَّلاَلِ وَالْغَيِّ، وَقَدْ وَرَدَ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ: «إِذَا رَأَيْتُمُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ فَأُولئِكَ الَّذِينَ سَمَّى اللهُ، فَاحْذَرُوهُمْ»[97]يَعْنِي فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ} [آل عمران: 7] فَلَيْسَ، بِحَمْدِ اللهِ، لِمُبْتَدِعٍ فِي الْقُرْآنِ حُجَّةٌ صَحِيحَةٌ، لِأَنَّ الْقُرْآنَ جَاءَ لِيَفْصِلَ الْحَقَّ مِنَ الْبَاطِلِ مُفَرِّقًا بَيْنَ الْهُدَى وَالضَّلاَلِ، وَلَيْسَ فِيهِ تَنَاقُضٌ وَلاَ اخْتِلاَفٌ، لِأَنَّهُ مِنْ عِنْدِ اللهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ. [97] (فتح الباري 8/57) [اَلتَّأْمِينُ بَعْدَ الْفَاتِحَةِ] (فَصْلٌ) يُسْتَحَبُّ لِمَنْ يَقْرَأُ الْفَاتِحَةَ أَنْ يَقُولَ بَعْدَهَا: آمِينَ مِثْلَ يس، وَيُقَالُ: أَمِينَ بِالْقَصْرِ أَيْضًا [مِثْلَ يَمِينٍ] وَمَعْنَاهُ: اَللَّهُمَّ اسْتَجِبْ، وَالدَّلِيلُ عَلَى اسْتِحْبَابِ التَّأْمِينِ مَا رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ عَنْ وَائِلِ بْنِ حُجْرٍ قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ قَرَأَ: {غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلاَ الضَّالِّينَ} فَقَالَ: آمِينَ، مَدَّ بِهَا صَوْتَهُ[98]. وَلِأَبِي دَاوُدَ: رَفَعَ بِهَا صَوْتَهُ، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ، وَرُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ وَابْنِ مَسْعُودٍ وَغَيْرِهِمْ[99]. وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إِذَا تَلاَ {غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلاَ الضَّالِّينَ} [الفاتحة: 7] قَالَ: «آمِينَ» حَتَّى يَسْمَعَ مَنْ يَلِيهِ مِنَ الصَّفِّ الْأَوَّلِ[100]. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَابْنُ مَاجَهْ وَزَادَ فِيهِ: فَيَرْتَجُّ بِهَا الْمَسْجِدُ[101]. وَالدَّارَقُطْنِيُّ وَقَالَ: هَذَا إِسْنَادٌ حَسَنٌ[102]. وَعَنْ بِلاَلٍ أَنَّهُ قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، لاَ تَسْبِقْنِي بِآمِينَ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ[103]. [98] (أحمد 4/315، وأبو داود 1/574، وتحفة الأحوذي 2/65) [99] (تحفة الأحوذي 2/67) [100] (أبو داود 1/575) [101] (أبو داود 1/575، وابن ماجه 1/279) [102] (الدارقطني 1/335) [103] (أبو داود 1/576) وَنَقَلَ أَبُو نَصْرٍ الْقُشَيْرِيُّ عَنِ الْحَسَنِ وَجَعْفَرٍ الصَّادِقِ أَنَّهُمَا شَدَّدَا الْمِيمَ مِنْ آمِينَ مِثْلَ {آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ} [المائدة: 2]. قَالَ أَصْحَابُنَا وَغَيْرُهُمْ: وَيُسْتَحَبُّ ذَلِكَ لِمَنْ هُوَ خَارِجَ الصَّلاَةِ، وَيَتَأَكَّدُ فِي حَقِّ الْمُصَلِّي، وَسَوَاءً كَانَ مُنْفَرِدًا أَوْ إِمَامًا أَوْ مَأْمُومًا وَفِي جَمِيعِ الْأَحْوَالِ، لِمَا جَاءَ فِي الصَّحِيحَينِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «إِذَا أَمَّنَ الْإِمَامُ فَأَمِّنُوا، فَإِنَّهُ مَنْ وَافَقَ تَأْمِينُهُ تَأْمِينَ الْمَلاَئِكَةِ غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ»[104]وَلِمُسْلِمٍ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «إِذَا قَالَ أَحَدُكُمْ فِي الصَّلاَةِ: آمِينَ، وَالْمَلاَئِكَةُ فِي السَّمَاءِ: آمِينَ، فَوَافَقَتْ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ»[105]. قِيلَ: بِمَعْنَى «مَنْ وَافَقَ تَأْمِينُهُ تَأْمِينَ الْمَلاَئِكَةِ» فِي الزَّمَانِ. وَقِيلَ: فِي الْإِجَابَةِ. وَقِيلَ: فِي صِفَةِ الْإِخْلاَصِ. وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ أَبِي مُوسَى مَرْفُوعًا «إِذَا قَالَ - يَعْنِي الْإِمَامُ - وَلاَ الضَّالِّينَ فَقُولُوا: آمِينَ، يُجِبْكُمُ اللهُ»[106] وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ مَعْنَاهُ: لاَ تُخَيِّبْ رَجَاءَنَا. وَقَالَ الْأَكْثَرُونَ مَعْنَاهُ: اَللَّهُمَّ اسْتَجِبْ لَنَا. [104] (فتح الباري 11/203، ومسلم 1/307) [105] (مسلم 1/307) [106] (مسلم 1/303) {بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَانِ الرَّحِيمِ} رَبِّ يَسِّرْ وَأَعِنْ يَا كَرِيمُ تَفْسِيرُ سُورَةِ الْبَقَرَةِ (ذِكْرُ مَا وَرَدَ فِـي فَضْلِهَا) فِي مُسْنَدِ أَحْمَدَ وَصَحِيحِ مُسْلِمٍ وَالتِّرْمِذِيِّ وَالنَّسَائِيِّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «لاَ تَجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قُبُورًا، فَإِنَّ الْبَيْتَ الَّذِي تُقْرَأُ فِيهِ سُورَةُ الْبَقَرَةِ لاَ يَدْخُلُهُ الشَّيْطَانُ». وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: حَسَنٌ صَحِيحٌ[107]. [107] (أحمد 2/284، ومسلم 1/539، وتحفة الأحوذي 8/180، والنسائي في الكبرى 5/13) وَعَنْ عَبْدِ اللهِ - يَعْنِي ابْنَ مَسْعُودٍ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، قَالَ: إِنَّ الشَّيْطَانَ يَفِرُّ مِنَ الْبَيْتِ الَّذِي يَسْمَعُ فِيهِ سُورَةَ الْبَقَرَةِ. وَرَوَاهُ النَّسَائِيُّ فِي الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ[108]. وَأَخْرَجَهُ الْحَاكِمُ فِي مُسْتَدْرَكِهِ ثُمَّ قَالَ: صَحِيحُ الْإِسْنَادِ وَلَمْ يُخَرِّجَاهُ[109]. وَرَوَى الدَّارِمِيُّ فِي مُسْنَدِهِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: مَا مِنْ بَيْتٍ تُقْرَأُ فِيهِ سُورَةُ الْبَقَرَةِ إِلاَّ خَرَجَ مِنْهُ الشَّيْطَانُ وَلَهُ ضُرَاطٌ. وَرُوِيَ أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ الشَّعْبِيِّ قَالَ: قَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْعُودٍ: مَنْ قَرَأَ عَشْرَ آيَاتٍ مِنْ سُورَةِ الْبَقَرَةِ فِي لَيْلَةٍ لَمْ يَدْخُلْ ذَلِكَ الْبَيْتَ شَيْطَانٌ تِلْكَ اللَّيْلَةَ: أَرْبَعٌ مِنْ أَوَّلِهَا، وَآيَةُ الْكُرْسِيِّ، وَآيَتَانِ بَعْدَهَا، وَثَلاَثُ آيَاتٍ مِنْ آخِرِهَا، وَفِي رِوَايَةٍ: لَمْ يَقْرَبْهُ وَلاَ أَهْلَهُ يَوْمَئِذٍ شَيْطَانٌ، وَلاَ شَيْءٌ يَكْرَهُهُ، وَلاَ يُقْرَأْنَ عَلَى مَجْنُونٍ إِلاَّ أَفَاقَ[110]. وَعَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «إِنَّ لِكُلِّ شَيْءٍ سَنَامًا، وَإِنَّ سَنَامَ الْقُرْآنِ الْبَقَرَةُ، وَإِنَّ مَنْ قَرَأَهَا فِي بَيْتِهِ لَيْلَةً لَمْ يَدْخُلْهُ الشَّيْطَانُ ثَلاَثَ لَيَالٍ، وَمَنْ قَرَأَهَا فِي بَيْتِهِ نَهَارًا لَمْ يَدْخُلْهُ الشَّيْطَانُ ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ». رَوَاهُ أَبُو الْقَاسِمِ الطَّبَرَانِيُّ وَأَبُو حَاتِمٍ ابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ وَابْنُ مَرْدُويَة[111]. [108] (النسائي في الكبرى 6/240) [109] (الحاكم 2/260) [110] (الدارمي 2/322) [111] (الطبراني 6/163، وابن حيان 2/78) وَقَدْ رَوَى التِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ: بَعَثَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بَعْثًا، وَهُمْ ذَوُو عَدَدٍ، فَاسْتَقْرَأَهُمْ، فَاسْتَقْرَأَ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ مَا مَعَهُ مِنَ الْقُرْآنِ، فَأَتَى عَلَى رَجُلٍ مِنْ أَحْدَثِهِمْ سِنًّا فَقَالَ: «مَا مَعَكَ يَا فُلاَنُ؟» فَقَالَ: مَعِي كَذَا وَكَذَا وَسُورَةُ الْبَقَرَةِ. فَقَالَ: «أَمَعَكَ سُورَةُ الْبَقَرَةِ؟» قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: «اذْهَبْ فَأَنْتَ أَمِيرُهُمْ» فَقَالَ رَجُلٌ مِنْ أَشْرَافِهِمْ: وَاللهِ مَا مَنَعَنِي أَنْ أَتَعَلَّمَ سُورَةَ الْبَقَرَةِ إِلاَّ أَنِّي خَشِيتُ أَنْ لاَ أَقُومَ بِهَا. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «تَعَلَّمُوا الْقُرْآنَ وَاقْرَأُوهُ، فَإِنَّ مَثَلَ الْقُرْآنِ لِمَنْ تَعَلَّمَهُ فَقَرَأَ وَقَامَ بِهِ كَمَثَلِ جِرَابٍ مَحْشُوٍّ مِسْكًا يَفُوحُ رِيحُهُ فِي كُلِّ مَكَانٍ، وَمَثَلَ مَنْ تَعَلَّمَهُ فَيَرْقُدُ وَهُوَ فِي جَوْفِهِ كَمَثَلِ جِرَابٍ أُوكِيَ عَلَى مِسْكٍ». هَذَا لَفْظُ رِوَايَةِ التِّرْمِذِيِّ ثُمَّ قَالَ: هَذَا حَدِيْثٌ حَسَنٌ. ثُمَّ رَوَاهُ مُرْسَلاً، فَاللهُ أَعْلَمُ[112]. [112] (تحفة الأحوذي 8/186، والنسائي في الكبرى 5/227، وابن ماجه 1/78) وَرَوَى الْبُخَارِيُّ: عَنْ أُسَيْدِ بْنِ حُضَيْرٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ: بَيْنَمَا هُوَ يَقْرَأُ مِنَ اللَّيْلِ سُورَةُ الْبَقَرَةِ - وَفَرَسُهُ مَرْبُوطَةٌ عِنْدَهُ - إِذْ جَالَتِ الْفَرَسُ، فَسَكَتَ فَسَكَنَتْ، فَقَرَأَ فَجَالَتِ الْفَرَسُ، فَسَكَتَ فَسَكَنَتْ، ثُمَّ قَرَأَ فَجَالَتِ الْفَرَسُ، فَانْصَرَفَ، وَكَانَ ابْنُهُ يَحْيَى قَرِيبًا مِنْهَا - فَأَشْفَقَ أَنْ تُصِيبَهُ، فَلَمَّا أَخَذَهُ رَفَعَ رَأْسَهُ إِلَى السَّمَاءِ حَتَّى مَا يَرَاهَا، فَلَمَّا أَصْبَحَ حَدَّثَ النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ: «اقْرَأْ يَا ابْنَ حُضَيْرٍ» قَالَ: قَدْ أَشْفَقْتُ يَا رَسُولَ اللهِ أَنْ تَطَأَ يَحْيَى وَكَانَ مِنْهَا قَرِيبًا، فَرَفَعْتُ رَأْسِي وَانْصَرَفْتُ إِلَيْهِ، فَرَفَعْتُ رَأْسِي إِلَى السَّمَاءِ فَإِذَا مِثْلُ الظُّلَّةِ فِيهَا أَمْثَالُ الْمَصَابِيحِ، فَخَرَجْتُ حَتَّى لاَ أَرَاهَا. قَالَ: «وَتَدْرِي مَا ذَاكَ؟» قَالَ: لاَ. قَالَ: «تِلْكَ الْمَلاَئِكَةُ دَنَتْ لِصَوْتِكَ، وَلَوْ قَرَأْتَ لَأَصْبَحْتَ يَنْظُرُ النَّاسُ إِلَيْهَا، لاَ تَتَوَارَى مِنْهُمْ»[113]وَهكَذَا رَوَاهُ الْإِمَامُ الْعَالِمُ أَبُو عُبَيْدٍ الْقَاسِمُ بْنُ سَلاَّمٍ فِي كِتَابِ فَضَائِلِ الْقُرْآنِ. وَاللهُ أَعْلَمُ. [113] (فتح الباري 8/680) ذِكْرُ مَا وَرَدَ فِي فَضْلِهَا مَعَ آلِ عِمْرَانَ روى الْإِمَامُ أَحْمَدُ: عن بُرَيْدَةَ قَالَ: كُنْتُ جَالِسًا عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ فَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: «تَعَلَّمُوا سُورَةَ الْبَقَرَةِ فَإِنَّ أَخْذَهَا بَرَكَةٌ، وَتَرْكَهَا حَسْرَةٌ، وَلاَ تَسْتَطِيعُهَا الْبَطَلَةُ» قَالَ: ثُمَّ سَكَتَ سَاعَةً ثُمَّ قَالَ: «تَعَلَّمُوا سُورَةَ الْبَقَرَةِ وَآلَ عِمْرَانَ فَإِنَّهُمَا الزَّهْرَاوَانِ، يُظِلاَّنِ صَاحِبَهُمَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَأَنَّهُمَا غَمَامَتَانِ، أَوْ غَيَايَتَانِ، أَوْ فِرْقَانِ مِنْ طَيْرٍ صَوَافَّ، وَإِنَّ الْقُرْآنَ يَلْقَى صَاحِبَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حِينَ يَنْشَقُّ عَنْهُ قَبْرُهُ كَالرَّجُلِ الشَّاحِبِ فَيَقُولُ لَهُ: هَلْ تَعْرِفُنِي؟ فَيَقُولُ: مَا أَعْرِفُكَ. فَيَقُولُ: أَنَا صَاحِبُكَ الْقُرْآنُ الَّذِي أَظْمَأْتُكَ فِي الْهَوَاجِرِ وَأَسْهَرْتُ لَيْلَكَ، وَإِنَّ كُلَّ تَاجِرٍ مِنْ وَرَاءِ تِجَارَتِهِ، وَإِنَّكَ الْيَوْمَ مِنْ وَرَاءِ كُلِّ تِجَارَةٍ، فَيُعْطَى الْمُلْكَ بِيَمِينِهِ وَالْخُلْدَ بِشِمَالِهِ، وَيُوضَعُ عَلَى رَأْسِهِ تَاجُ الْوَقَارِ، وَيُكْسَى وَالِدَاهُ حُلَّتَيْنِ لاَ يَقُومُ لَهُمَا أَهْلُ الدُّنْيَا، فَيَقُولاَنِ: بِمَا كُسِينَا هَذَا؟ فَيُقَالُ: بِأَخْذِ وَلَدِكُمَا الْقُرْآنَ، ثُمَّ يُقَالُ: اقْرَأْ وَاصْعَدْ فِي دَرَجِ الْجَنَّةِ وَغُرَفِهَا، فَهُوَ فِي صُعُودٍ مَا دَامَ يَقْرَأُ، هَذًّا كَانَ أَوْ تَرْتِيلاً»[114]. [114] (أحمد 5/352) وَرَوَى ابْنُ مَاجَهْ مِنْ حَدِيثِ بِشْرِ بْنِ الْمُهَاجِرِ بَعْضَهُ[115]. وَهَذَا إِسْنَادٌ حَسَنٌ عَلَى شَرْطِ مُسْلِمٍ [115] (ابن ماجه 2/1242) وَلِبَعْضِهِ شَوَاهِدُ، فَمِنْ ذَلِكَ حَدِيثُ أَبِي أُمَامَةَ الْبَاهِلِيِّ رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ عَنْهُ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: «اقْرَأُوا الْقُرْآنَ فَإِنَّهُ شَافِعٌ لِأَهْلِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، اقْرَأُوا الزَّهْرَاوَيْنِ الْبَقَرَةَ وَآلَ عِمْرَانَ، فَإِنَّهُمَا يَأْتِيَانِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَأَنَّهُمَا غَمَامَتَانِ، أَوْ كَأَنَّهُمَا غَيَايَتَانِ، أَوْ كَأَنَّهُمَا فِرْقَانِ مِنْ طَيْرٍ صَوَافَّ يُحَاجَّانِ عَنْ أَهْلِهِمَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ، ثُمَّ قَالَ: اقْرَأُوا الْبَقَرَةَ فَإِنَّ أَخْذَهَا بَرَكَةٌ، وَتَرْكَهَا حَسْرَةٌ، وَلاَ تَسْتَطِيعُهَا الْبَطَلَةُ»[116]. وَقَدْ رَوَاهُ مُسْلِمٌ فِي الصَّلاَةِ[117]. [116] (أحمد 5/249) [117] (مسلم 1/553) (اَلزَّهْرَاوَانِ): الْمُنِيرَتَانِ، وَ(الْغَيَايَةُ): مَا أَظَلَّكَ مِنْ فَوْقِكَ، وَ(الْفِرْقُ): الْقِطْعَةُ مِنَ الشَّيْءِ، وَ(الصَّوَافُّ): الْمُصْطَفَّةُ الْمُتَضَامَّةُ، وَ(الْبَطَلَةُ) اَلسَّحَرَةُ، وَمَعْنَى (لاَ تَسْتَطِيعُهَا) أَيْ: لاَ يُمْكِنُهُمْ حِفْظُهَا وَقِيلَ: لاَ تَسْتَطِيعُ النُّفُوذَ فِي قَارِئِهَا. وَاللهُ أعْلَمُ. وَمِنْ ذَلِكَ حَدِيثُ النَّوَّاسِ بْنِ سَمْعَانَ رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ عَنْهُ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: «يُؤْتَى بِالْقُرْآنِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَأَهْلِهِ الَّذِينَ كَانُوا يَعْمَلُونَ بِهِ، تَقْدُمُهُمْ سُورَةُ الْبَقَرَةِ وَآلُ عِمْرَانَ» وَضَرَبَ لَهُمَا رَسُولُ اللهِ ﷺ ثَلاَثَةَ أَمْثَالٍ مَا نَسِيتُهُنَّ بَعْدُ قَالَ: «كَأَنَّهُمَا غَمَامَتَانِ، أَوْ ظُلَّتَانِ سَوْدَاوَانِ بَيْنَهُمَا شَرْقٌ، أَوْ كَأَنَّهُمَا فِرْقَانِ مِنْ طَيْرٍ صَوَافَّ يُحَاجَّانِ عَنْ صَاحِبِهِمَا»[118]وَرَوَاهُ مُسْلِمٌ[119]، وَالتِّرْمِذِيُّ وَقَالَ حَسَنٌ غَرِيبٌ.[120]. [118] (أحمد 4/183) [119] (مسلم 1/554) [120] (تحفة الأحوذي 8/191) [سُورَةُ الْبَقَرَةِ مَدَنِيَّةٌ بِلاَ خِلاَفٍ] (فَصْلٌ) وَالْبَقَرَةُ جَمِيعُهَا مَدَنِيَّةٌ بِلاَ خِلاَفٍ، وَهِيَ مِنْ أَوَائِلِ مَا نَزَلَ بِهَا، لكِنَّ قَوْلَهُ تَعَالَى فِيهِ: {وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ}... الْآيَةَ [البقرة: 281] يُقَالُ: إِنَّهَا آخِرُ مَا نَزَلَ مِنَ الْقُرْآنِ - وَيَحْتَمِلُ أَنْ تَكُونَ مِنْهَا - وَكَذَلِكَ آيَاتُ الرِّبَا مِنْ آخِرِ مَا نَزَلَ. وَكَانَ خَالِدُ بْنُ مَعْدَانَ يُسَمِّي الْبَقَرَةَ فُسْطَاطَ الْقُرْآنِ، قَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ: وَهِيَ مُشْتَمِلَةٌ عَلَى أَلْفِ خَبَرٍ، وَأَلْفِ أَمْرٍ، وَأَلْفِ نَهْيٍ. وَقَالَ الْعَادُّونَ: آيَاتُهَا: مِائَتَانِ وَثَمَانُونَ وَسَبْعُ آيَاتٍ، وَكَلِمَاتُهَا: سِتَّةُ آلاَفِ كَلِمَةٍ وَمِائَتَانِ وَإِحْدَى وَعِشْرُونَ كَلِمَةً، وَحُرُوفُهَا: خَمْسَةٌ وَعِشْرُونَ أَلْفًا وَخَمْسُمِائَةِ حَرْفٍ، فَاللهُ أَعْلَمُ. قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ عَنْ عَطَاءٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: نَزَلَتْ بِالْمَدِينَةِ سُورَةُ الْبَقَرَةِ[121]. وَقَالَ خُصَيْفٌ عَنْ مُجَاهِدٍ عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ الزُّبَيْرِ قَالَ: نَزَلَتْ بِالْمَدِينَةِ سُورَةُ الْبَقَرَةِ[122]. وَهكَذَا قَالَ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنَ الْأَئِمَّةِ وَالْعُلَمَاءِ وَالْمُفَسِّرِينَ وَلاَ خِلاَفَ فِيهِ. [121] (الدرر المنثور 1/47) [122] (الدرر المنثور 1/47) وَرَوَى ابْنُ مَرْدُويَةِ مِنْ حَدِيثِ شُعْبَةَ عَنْ عَقِيلِ بْنِ طَلْحَةَ، عَنْ عُتْبَةَ بْنِ مَرْثَدٍ: رَأَى النَّبِيُّ ﷺ فِي أَصْحَابِهِ تَأَخُّرًا فَقَالَ: «يَا أَصْحَابَ سُورَةِ الْبَقَرَةِ» وَأَظُنُّ هَذَا كَانَ يَوْمَ حُنَيْنٍ، يَوْمَ وَلَّوْا مُدْبِرِينَ، أَمَرَ الْعَبَّاسَ فَنَادَاهُمْ: «يَا أَصْحَابَ الشَّجَرَةِ» يَعْنِي أَهْلَ بَيْعَةِ الرِّضْوَانِ، وَفِي رِوَايَةٍ «يَا أَصْحَابَ سُورَةِ الْبَقَرَةِ» لِيُنَشِّطَهُمْ بِذَلِكَ، فَجَعَلُوا يُقْبِلُونَ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ. وَكَذَلِكَ يَوْمَ الْيَمَامَةِ مَعَ أَصْحَابِ مُسَيْلِمَةَ جَعَلَ الصَّحَابَةُ يَفِرُّونَ لِكَثَافَةِ جَيْشِ بَنِي حَنِيفَةَ فَجَعَلَ الْمُهَاجِرُونَ وَالْأَنْصَارُ يَتَنَادَوْنَ: يَا أَصْحَابَ سُورَةِ الْبَقَرَةِ، حَتَّى فَتَحَ اللهُ عَلَيْهِم، رَضِيَ اللهُ عَنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللهِ أَجْمَعِينَ[123]. [123] (المجمع 6/180) {بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} {الم} [اَلْكَلاَمُ حَوْلَ الْحُرُوفِ الْمُقَطَّعَةِ] اَلْحُرُوفُ الْمُقَطَّعَةُ الَّتِي فِي أَوَائِلِ السُّوَرِ هِيَ مِمَّا اسْتَأْثَرَ اللهُ بِعِلْمِهِ. رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعُثْمَانَ وَعَلِيٍّ وَابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ أَجْمَعِينَ. وَقِيلَ: هِيَ أَسْمَاءُ السُّوَرِ. وَقِيلَ: هِيَ فَوَاتِحُ، افْتَتَحَ اللهُ بِهَا الْقُرْآنَ. وَقَالَ خُصَيْفٌ عَنْ مُجَاهِدٍ أَنَّهُ قَالَ: فَوَاتِحُ السُّوَرِ كُلُّهَا: (ق وَ ص وَحم وَطسم وَالر) وَغَيْرُ ذَلِكَ هِجَاءٌ مَوْضُوعٌ، وَقَالَ بَعْضُ أَهْلِ الْعَرَبِيَّةِ: هِيَ حُرُوفٌ مِنْ حُرُوفِ الْمُعْجَمِ، اسْتُغْنِيَ بِذِكْرِ مَا ذُكِرَ مِنْهَا فِي أَوَائِلِ السُّوَرِ عَنْ ذِكْرِ بَوَاقِيهَا الَّتِي هِيَ تَتِمَّةُ الثَّمَانِيَةِ وَالْعِشْرِينَ حَرْفًا، كَمَا يَقُولُ الْقَائِلُ: ابْنِي يَكْتُبُ فِي - ا ب ت ث - أَيْ فِي حُروُفِ الْمُعْجَمِ الثَّمَانِيَةِ وَالْعِشْرِينَ، فَيَسْتَغْنِي بِذِكْرِ بَعْضِهَا عَنْ مَجْمُوعِهَا. حَكَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ[124]. [124] (الطبري 1/208) قُلْتُ: مَجْمُوعُ الْحُرُوفِ الْمَذْكُورَةِ فِي أَوَائِلِ السُّوَرِ بِحَذْفِ الْمُكَرَّرِ مِنْهَا أَرْبَعَةَ عَشَرَ حَرْفًا، وَهِيَ - ا ل م ص ر ك هـ ي ع ط س ح ق ن - يَجْمَعُهَا قَوْلُكَ: نَصُّ حَكِيمٍ قَاطِعٍ لَهُ سِرٌّ. وَهِيَ نِصْفُ الْحُروُفِ عَدَدًا، وَالْمَذْكُورُ مِنْهَا أَشْرَفُ مِنَ الْمَتْرُوكِ، وَبَيَانُ ذَلِكَ مِنْ صِنَاعَةِ التَّصْرِيفِ: قَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وَهَذِهِ الْحُرُوفُ الْأَرْبَعَةَ عَشَرَ مُشْتَمِلَةٌ عَلَى أَصْنَافِ أَجْنَاسِ الْحُرُوفِ، يَعْنِي مِنَ الْمَهْمُوسَةِ وَالْمَجْهُورَةِ، وَمِنَ الرِّخْوَةِ وَالشَّدِيدَةِ، وَمِنَ الْمُطْبَقَةِ وَالْمَفْتُوحَةِ، وَمِنَ الْمُسْتَعْلِيَةِ وَالْمُنْخَفِضَةِ، وَمِنْ حُرُوفِ الْقَلْقَلَةِ. وَقَدْ سَرَدَهَا مُفَصَّلَةً ثُمَّ قَالَ: فَسُبْحَانَ الَّذِي دَقَّتْ فِي كُلِّ شَيْءٍ حِكْمَتُهُ. وَهَذِهِ الْأَجْنَاسُ الْمَعْدُودَةُ مَكْثُورَةٌ بِالْمَذْكُورَةِ مِنْهَا، وَقَدْ عَلِمْتَ أَنَّ مُعْظَمَ الشَّيْءِ وَجُلَّهُ يَنْزِلُ مَنْزِلَةَ كُلِّهِ. وَمِنْ ههُنَا لَحَظَ بَعْضُهُمْ فِي هَذَا الْمُقَامِ كَلاَمًا فَقَالَ: لاَ شَكَّ أَنَّ هَذِهِ الْحُرُوفَ لَمْ يُنَزِّلْهَا سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَبَثًا وَلاَ سُدًى، وَمَنْ قَالَ مِنَ الْجَهَلَةِ: إِنَّ فِي الْقُرْآنِ مَا هُوَ تَعَبُّدٌ لاَ مَعْنَى لَهُ بِالْكُلِّيَّةِ فَقَدْ أَخْطَأَ خَطَأً كَبِيرًا، فَتَعَيَّنَ أَنَّ لَهَا مَعْنًى فِي نَفْسِ الْأَمْرِ، فَإِنْ صَحَّ لَنَا فِيهَا عَنِ الْمَعْصُومِ شَيْءٌ قُلْنَا بِهِ، وَإِلاَّ وَقَفْنَا حَيْثُ وَقَّفَنَا، وَقُلْنَا: {آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا} [آل عمران: 7] وَلَمْ يُجْمِعِ الْعُلَمَاءُ فِيهَا عَلَى شَيْءٍ مُعَيَّنٍ وَإِنَّمَا اخْتَلَفُوا، فَمَنْ ظَهَرَ لَهُ بَعْضُ الْأَقْوَالِ بِدَلِيلٍ فَعَلَيْهِ اتِّبَاعُهُ وَإِلاَّ فَالْوَقْفُ حَتَّى يَتَبَيَّنَ هَذَا الْمَقَامُ. [اَلْحُرُوفُ الْمُقَطَّعَةُ دَالَّـةٌ عَلَى إِعْجَازِ الْقُرْآنِ] اَلْمَقَامُ الاْخَرُ فِي الْحِكْمَةِ الَّتِي اقْتَضَتْ إِيرَادَ هَذِهِ الْحُرُوفِ فِي أَوَائِلِ السُّوَرِ، مَا هِيَ - مَعَ قَطْعِ النَّظَرِ عَنْ مَعَانِيهَا فِي أَنْفُسِهَا؟ فَقِيلَ: إِنَّمَا ذُكِرَتْ هَذِهِ الْحُرُوفُ - فِي أَوَائِلِ السُّوَرِ الَّتِي ذُكِرَتْ فِيهَا - بَيَانًا لِإِعْجَازِ الْقُرْآنِ، وَأَنَّ الْخَلْقَ عَاجِزُونَ عَنْ مُعَارَضَتِهِ بِمِثْلِهِ، هَذَا مَعَ أَنَّهُ مُرَكَّبٌ مِنْ هَذِهِ الْحُرُوفِ الْمُقَطَّعَةِ الَّتِي يَتَخَاطَبُونَ بِهَا. وَقَدْ حَكَى هَذَا الْمَذْهَبَ الرَّازِيُّ فِي تَفْسِيرِهِ عَنِ الْمُبَرَّدِ وَجَمْعٍ مِنَ الْمُحَقِّقِينَ، وَحَكَى الْقُرْطُبِيُّ عَنِ الْفَرَّاءِ وَقُطْرُبٍ نَحْوَ هَذَا، وَقَرَّرَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ فِي كَشَّافِهِ وَنَصَرَهُ أَتَمَّ نَصْرٍ، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ الشَّيْخُ الْإِمَامُ الْعَلاَّمَةُ أَبُو الْعَبَّاسِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ وَشَيْخُنَا الْحَافِظُ الْمُجْتَهِدُ أَبُو الْحَجَّاجِ الْمِزِّيُّ، وَحَكَاهُ لِي عَنِ ابْنِ تَيْمِيَّةَ. قَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ وَلَمْ تَرِدْ كُلُّهَا مَجْمُوعَةً فِي أَوَّلِ الْقُرْآنِ، وَإِنَّمَا كُرِّرَتْ لِيَكُونَ أَبْلَغَ فِي التَّحَدِّي وَالتَّبْكِيتِ، كَمَا كُرِّرَتْ قِصَصٌ كَثِيرَةٌ، وَكُرِّرَ التَّحَدِّي بِالصَّرِيحِ فِي أَمَاكِنَ، قَالَ: وَجَاءَ مِنْهَا عَلَى حَرْفٍ وَاحِدٍ كَقَوْلِهِ - ص ن ق - وَحَرْفَيْنِ، مِثْلُ: {حم} وَثَلاَثَةٍ، مِثْلُ: {الم}، وَأَرْبَعَةٍ: مِثْلُ {المر} وَ {المص} وَخَمْسَةٍ، مِثْلُ: {كهيعص}- وَ - {حم *عسق} لِأَنَّ أَسَالِيبَ كَلاَمِهِمْ عَلَى هَذَا مِنَ الْكَلِمَاتِ مَا هُوَ عَلَى حَرْفٍ، وَعَلَى حَرْفَيْنِ، وَعَلَى ثَلاَثَةٍ وَعَلَى أَرْبَعَةٍ، وَعَلَى خَمْسَةٍ لاَ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ. (قُلْتُ) وَلِهَذَا كُلُّ سُورَةٍ افْتُتِحَتْ بِالْحُرُوفِ فَلاَ بُدَّ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا الاِنْتِصَارُ لِلْقُرْآنِ وَبَيَانُ إِعْجَازِهِ وَعَظَمَتِهِ، وَهَذَا مَعْلُومٌ بِالاِسْتِقْرَاءِ، وَهُوَ الْوَاقِعُ فِي تِسْعٍ وَعِشْرِينَ سُورَةً، وَلِهَذَا يَقُولُ تَعَالَى {الم * ذَلِكَ الْكِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ} {اللّهُ لا إِلَـهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّوم * نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ} {المص * كِتَابٌ أُنزِلَ إِلَيْكَ فَلاَ يَكُن فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِّنْهُ} {الر كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ}، {الم *تَنْزِيلُ الْكِتَابِ لاَ رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ}، {حم * تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} {حم *عسق * كَذَلِكَ يُوحِي إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} وَغَيْرُ ذَلِكَ مِنَ الْآيَاتِ الدَّالَّةِ عَلَى صِحَّةِ مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ هؤُلاَءِ لِمَنْ أمْعَنَ النَّظَرَ. وَاللهُ أَعْلَمُ. {ذَلِكَ الْكِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ هُدَىً لِلْمُتَّقِينَ} [لاَ رَيْبَ فِي الْقُرْآنِ] (اَلْكِتَابُ): الْقُرْآنُ، وَ(الرَّيْبُ): الشَّكُّ، قَالَ السُّدِّيُّ عَنْ أَبِي مَالِكٍ وَعَنْ أَبِي صَالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَعَنْ مُرَّةَ الْهَمْدَانِيِّ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، وَعَنْ أُنَاسٍ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللهِ ﷺ: {لاَ رَيْبَ فِيهِ} لاَ شَكَّ فِيهِ.[125] َوقَالَهُ أَبُو الدَّرْدَاءِ َوابْنُ عَبَّاسٍ َومُجَاهِدٌ وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وَأَبُو مَالِكٍ، وَنَافِعٌ مَوْلَى ابْنِ عُمَرَ وَعَطَاءٌ، وَأَبُو الْعَالِيَةِ، وَالرَّبِيعُ بْنُ أَنَسٍ وَمَقَاتِلُ بْنُ حَيَّانَ، وَالسُّدِّيُّ وَقَتَادَةُ وَإِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي خَالِدٍ. وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: لاَ أَعْلَمُ فِي هَذِهِ خِلاَفًا[126]. وَمَعْنَى الْكَلاَمِ هُنَا أَنَّ هَذَا الْكِتَابَ هُوَ الْقُرْآنُ لاَ شَكَّ فِيهِ أَنَّهُ نَزَلَ مِنْ عِنْدِ اللهِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى فِي السَّجْدَةِ: {الم * تَنْزِيلُ الْكِتَابِ لاَ رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ} [السجدة: 1،2] وَقَالَ بَعْضُهُمْ هَذَا خَبَرٌ وَمَعْنَاهُ النَّهْيُ، أَيْ لاَ تَرْتَابُوا فِيهِ. [125] (الطبري 1/228) [126] (ابن أبي حاتم 1/31) وَمِنَ الْقُرَّاءِ مَنْ يَقِفُ عَلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: {لاَ رَيْبَ} وَيَـبْـتَدِيءُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: {فِيهِ هُدَىً لِلْمُتَّقِينَ} وَالْوَقْفُ عَلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: {لاَ رَيْبَ فِيهِ} أَوْلى لِلْآيَةِ الَّتِي ذَكَرْنَاهَا وَلِأَنَّهُ يَصِيرُ قَوْلُهُ تَعَالَى: {هُدَىً} صِفَةً لِلْقُرْآنِ، وَذَلِكَ أَبْلَغُ مِنْ كَوْنِ {فِيهِ هُدَىً} وَهُدًى يَحْتَمِلُ مِنْ حَيْثُ الْعَرَبِيَّةِ أَنْ يَكُونَ مَرْفُوعًا عَلَى النَّعْتِ، وَمَنْصُوبًا عَلَى الْحَالِ. [اِخْتِصَاصُ الْهِدَايَةِ بِالْمُتَّقِينَ] َوخُصَّتِ الْهِدَايَةُ لِلْمُتَّقِينَ كَمَا قَالَ: {قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدىً وَشِفَاءٌ وَالَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ فِي آذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمىً أُولَئِكَ يُنَادَوْنَ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ} [فصلت: 44] {وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلاَ يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلاَّ خَسَارًا} [الإسراء: 82] إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْآيَاتِ الدَّالَّةِ عَلَى اخْتِصَاصِ الْمُؤْمِنِينَ بِالنَّفْعِ بِالْقُرْآنِ، لِأَنَّهُ هُوَ فِي نَفْسِهِ هُدًى، وَلكِنْ لاَ يَنَالُهُ إِلاَّ الْأَبْرَارُ كَمَا قَالَ تَعَالَى: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدىً وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ} [يونس: 57] وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَابْنِ مَسْعُودٍ، وَعَنْ أُنَاسٍ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللهِ ﷺ: {هُدَىً لِلْمُتَّقِينَ} يَعْنِي نُورًا لِلْمُتَّقِينَ. [مَعْنَى الْمُتَّقِينَ] عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: {هُدَىً لِلْمُتَّقِينَ} قَالَ: هُمُ الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ يَتَّقُونَ الشِّرْكَ بِي، وَيَعْمَلُونَ بِطَاعَتِي[127]. وَعَنْهُ {لِلْمُتَّقِينَ} قَالَ: الَّذِينَ يَحْذَرُونَ مِنَ اللهِ عُقُوبَتَهُ فِي تَرْكِ مَا يَعْرِفُونَ مِنَ الْهُدَى، وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ فِي التَّصْدِيقِ بِمَا جَاءَ بِهِ. وَقَالَ قَتَادَةُ: {لِلْمُتَّقِينَ} هُمُ الَّذِينَ نَعَتَهُمُ اللهُ بِقَوْلِهِ: {الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاَةَ} وَالَّتِي بَعْدَهَا، وَاخْتِيَارُ ابْنِ جَرِيرٍ أَنَّ الْآيَةَ تَعُمُّ ذَلِكَ كُلَّهُ، وَهُوَ كَمَا قَالَ. [127] (الطبري 265 إسناده ضعيف: الضحاك لم يسمع من ابن عباس وبشر بن عمارة الخثعمي ضعيف) وَقَدْ رَوَى التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ عَنْ عَطِيَّةَ السَّعْدِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «لاَ يَبْلُغُ الْعَبْدُ أَنْ يَكُونَ مِنَ الْمُتَّقِينَ حَتَّى يَدَعَ مَالاَ بَأْسَ بِهِ حَذَرًا مِمَّا بِهِ بَأْسٌ» ثُمَّ قَالَ التِّرْمِذِيُّ: حَسَنٌ غَرِيبٌ[128] [128] (تحفة الأحوذي 7/147، وابن ماجه 2/1409) [اَلْهِدَايَةُ نَوْعَانِ] وَيُطْلَقُ الْهُدى وَيُرَادُ بِهِ مَا يَقِرُّ فِي الْقَلْبِ مِنَ الْإِيمَانِ، وَهَذَا لاَ يَقْدِرُ عَلَى خَلْقِهِ فِي قُلُوبِ الْعِبَادِ إِلاَّ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ، قَالَ اللهُ تَعَالَى: {إِنَّكَ لاَ تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ} [القصص: 56] وَقَالَ: {لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ} [البقرة: 272] وَقَالَ: {مَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلاَ هَادِيَ لَهُ} [الأعراف: 186] وَقَالَ: {مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِدًا} [الكهف: 17] إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْآيَاتِ، وَيُطْلَقُ وَيُرَادُ بِهِ بَيَانُ الْحَقِّ وَتَوْضِيحُهُ وَالدَّلاَلَةُ عَلَيْهِ وَالْإِرْشَادُ، قَالَ اللهُ تَعَالَى: {وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقَيمٍ} [الشورى: 52] وَقَالَ: {إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ} وَقَالَ تَعَالَى: {وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى} [فصلت: 17] وَقَالَ: {وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ} [البلد: 10] عَلَى تَفْسِيرِ مَنْ قَالَ: الْمُرَادُ بِهِمَا: الْخَيْرُ وَالشَّرُّ. وَهُوَ الْأَرْجَحُ. وَاللهُ أَعْلَمُ. [مَعْنَى التَّقْوَى] وَأَصْلُ التَّقْوَى: التَّوَقِّي مِمَّا يُكْرَهُ، لِأَنَّ أَصْلَهَا وَقْوَى مِنَ الْوِقَايَةِ، وَقَدْ قِيلَ: إِنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ سَأَلَ أُبَيَّ بْنَ كَعْبٍ عَنِ التَّقوَى فَقَالَ لَهُ: أَمَا سَلَكْتَ طَرِيقًا ذَا شَوْكٍ؟ قَالَ: بَلى، قَالَ: فَمَا عَمِلْتَ؟ قَالَ شَمَّرْتُ وَاجْتَهَدْتُ، قَالَ: فذَلِكَ التَّقْوى. {الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ} [مَعْنَى الْإِيمَانِ] قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ الرَّازِيُّ عَنِ الْعَلاَءِ بْنِ الْمُسَيَّبِ بْنِ رَافِعٍ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ أَبِي الْأَحْوَصِ، عَنْ عَبْدِ اللهِ قَالَ: الْإِيمَانُ التَّصْدِيقُ[129]. وَقَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ وَغَيْرَهُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا: {يُؤْمِنُونَ} يُصَدِّقُونَ[130]. وَقَالَ مَعْمَرٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ: الْإِيمَانُ: الْعَمَلُ[131]. وَقَالَ أَبُو جَعْفَرِ الرَّازِيُّ عَنْ الرَّبِيعِ بْنِ أَنَسٍ: {يُؤْمِنُونَ}: يَخْشَوْنَ[132]. [129] (الطبري 1/235 هذا منقطع من معلقات الطبري وأيضا أبو إسحاق مدلس مختلط) [130] (الطبري 1/235) [131] (الطبري 1/235) [132] (الطبري 1/235) قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: وَالْأَوْلَى أَنْ يَكُونُوا مَوْصُوفِينَ بِالْإِيمَانِ بِالْغَيْبِ قَوْلاً وَعَمَلاً وَاعْتِقَادًا، وَقَدْ تَدْخُلُ الْخَشْيَةُ للهِ فِي مَعْنَى الْإِيمَانِ الَّذِي هُوَ تَصْدِيقُ الْقَوْلِ بِالْعَمَلِ. وَالْإِيمَانُ كَلِمَةٌ جَامِعَةٌ لِلْإِقْرَارِ بِاللهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَتَصْدِيقِ الْإِقْرَارِ بِالْفِعْلِ. (قُلْتُ) أَمَّا الْإِيمَانُ فِي اللُّغَةِ فَيُطْلَقُ عَلَى التَّصْدِيقِ الْمَحْضِ، وَقَدْ يُسْتَعْمَلُ فِي الْقُرْآنِ وَالْمُرَادُ بِهِ ذَلِكَ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: {يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ} [التوبة: 61] وَكَمَا قَالَ إِخْوَةُ يُوسُفَ لِأَبِيهِمْ: {وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ} [يوسف: 17] وَكَذَلِكَ إِذَا اسْتُعْمِلَ مَقْرُونًا مَعَ الْأَعْمَالِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ} [الشعراء: 227] فَأَمَّا إِذَا اسْتُعْمِلَ مُطْلَقًا فَالْإِيمَانُ الشَّرْعِيُّ الْمَطْلُوبُ لاَ يَكُونُ إِلاَّ اعْتِقَادًا وَقَوْلاً وَعَمَلاً[133]. وَهُوَ يَزِيدُ وَيَنْقُصُ. وَقَدْ وَرَدَ فِيهِ آثَارٌ كَثِيرَةٌ وَأَحَادِيثُ أَفْرَدْنَا الْكَلاَمَ فِيهَا فِي أَوَّلِ شَرْحِ الْبُخَارِيِّ، وَللهِ الْحَمْدُ وَالْمِنَّةُ. وَمِنْهُمْ مَنْ فَسَّرَهُ بِالْخَشْيَةِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {إِنَّ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ} [الملك: 12] وَقَوْلِهِ: {مَنْ خَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ وَجَاءَ بِقَلْبٍ مُنِيبٍ} [ق: 33] وَالْخَشْيَةُ: خُلاَصَةُ الْإِيمَانِ وَالْعِلْمِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: {إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ} [فاطر: 28]. [133] (ابن أبي حاتم 1/35) [اَلْمُرَادُ بِالْغَيْبِ] وَأَمَّا الْغَيْبُ الْمُرَادُ ههُنَا، فَقَدِ اخْتَلَفَتْ عِبَارَاتُ السَّلَفِ فِيهِ، وَكُلُّهَا صَحِيحَةٌ تَرْجِعُ إِلَى أَنَّ الْجَمِيعَ مُرَادٌ، قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ الرَّازِيُّ عَنِ الرَّبِيعِ بْنِ أَنَسٍ عَنْ أَبِي الْعَالِيَةِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ} قَالَ: يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَمَلاَئِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ، وَالْيَوْمِ الاْخِرِ، وَجَنَّتِهِ وَنَارِهِ، وَلِقَائِهِ، وَيُؤمِنُونَ بِالْحَيَاةِ بَعْدَ الْمَوْتِ وَبِالْبَعْثِ، فَهَذَا غَيْبٌ كُلُّهُ. وَكَذَا قَالَ قَتَادَةُ بْنُ دِعَامَةَ[134]. [134] (الطبري 1/236) وَرَوَى سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمنِ بْنِ يَزِيدَ قَالَ: كُنَّا عِنْدَ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ جُلُوسًا، فَذَكَرْنَا أَصْحَابَ النَّبِيِّ ﷺ وَمَا سَبَقُونَا بِهِ، فَقَالَ عَبْدُ اللهِ: إِنَّ أَمْرَ مُحَمَّدٍ ﷺ كَانَ بَيِّنًا لِمَنْ رَآهُ، وَالَّذِي لاَ إِلَهَ غَيْرُهُ مَا آمَنَ أَحَدٌ قَطٌّ إِيمَانًا أَفْضَلَ مِنْ إِيمَانٍ بِغَيْبٍ ثُمَّ قَرَأَ إِلَى قَوْلِهِ {الْمُفْلِحُونَ}[135]. وَهكَذَا رَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ وَابْنُ مَرْدُوَيْهِ وَالْحَاكِمُ فِي مُسْتَدْرَكِهِ[136]. وَقَالَ الْحَاكِمُ صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ الشَّيْخَيْنِ وَلَمْ يُخَرِّجَاهُ. [135] (سعيد بن منصور 2/544) [136] (ابن أبي حاتم 1/34، والحاكم 2/260) وَفِي مَعْنَى هَذَا: الْحَدِيثُ الَّذِي رَوَاهُ أَحْمَدُ عَنِ ابْنِ مُحَيْرِيزٍ قَالَ: قُلْتُ لِأَبِي جُمُعَةَ: حَدِّثْنَا حَدِيثًا سَمِعْتَهُ مِنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ. قَالَ: نَعَمْ أُحَدِّثُكَ حَدِيثًا جَيِّدًا: تَغَدَّيْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ وَمَعَنَا أَبُو عُبَيْدَةَ بْنُ الْجَرَّاحِ، قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، هَلْ أَحَدٌ خَيْرٌ مِنَّا؟ أَسْلَمْنَا مَعَكَ وَجَاهَدْنَا مَعَكَ. قَالَ: «نَعَمْ قَوْمٌ مِنْ بَعْدِكُمْ يُؤْمِنُونَ بِي وَلَمْ يَرَوْنِي»[137]. [137] (أحمد 4/106) {وَيُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ} [مَعْنَى إِقَامَةِ الصَّلاَةِ] قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: {وَيُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ} أَيْ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ بِفُرُوضِهَا[138].وَقَالَ الضَّحَّاكُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: إِقَامَةُ الصَّلاَةِ: إِتْمَامُ الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ، وَالتِّلاَوَةُ، وَالْخُشُوعُ، وَالْإِقْبَالُ عَلَيْهَا فِيهَا[139]. وَقَالَ قَتَادَةُ: إِقَامَةُ الصَّلاَةِ: الْمُحَافَظَةُ عَلَى مَوَاقِيتِهَا. وَوُضُوئِهَا وَرُكُوعِهَا وَسُجُودِهَا[140]. وَقَالَ مُقَاتِلُ بْنُ حَيَّانَ: إِقَامَتُهَا الْمُحَافَظَةُ عَلَى مَوَاقِيتِهَا وَإِسْبَاغُ الطُّهُورِ بِهَا، وَتَمَامُ رُكُوعِهَا وَسُجُودِهَا، وَتِلاَوَةُ الْقُرْآنِ فِيهَا، وَالتَّشَهُّدُ، وَالصَّلاَةُ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ، فَهَذَا إِقَامَتُهَا[141]. [138] (الطبري 1/241) [139] (الطبري 1/241) [140] (ابن أبي حاتم 1/37) [141] (ابن أبي حاتم 1/37) [اَلْمُرَادُ بِالْإِنْفَاقِ] وَقَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ وَغَيْرُهُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: {وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ} قَالَ: زَكَاةُ أَمْوَالِهِمْ[142]. وَقَالَ السُّدِّيُّ عَنْ أَبِي مَالِكٍ وَعَنْ أَبِي صَالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَعَنْ مُرَّةَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، وَعَنْ أُنَاسٍ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللهِ ﷺ: {وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ} قَالَ: نَفَقَةُ الرَّجُلِ عَلَى أَهْلِهِ، وَهَذَا قَبْلَ أَنْ تَنْزِلَ الزَّكَاةُ[143]. وَقَالَ جُوَيْبِرٌ عَنِ الضَّحَّاكِ: كَانَتِ النَّفَقَاتُ قُرْبَانًا يَتَقَرَّبُونَ بِهَا إِلَى اللهِ عَلَى قَدْرِ مَيْسَرَتِهِمْ وَجُهْدِهِمْ حَتَّى نَزَلَتْ فَرَائِضُ الصَّدَقَاتِ: سَبْعُ آيَاتٍ فِي سُورَةِ بَرَاءَةَ مِمَّا يُذْكَرُ فِيهِنَّ الصَّدَقَاتُ، هُنَّ النَّاسِخَاتُ الْمُثْبَتَاتُ[144]. [142] (الطبري 1/243) [143] (الطبري 1/243) [144] (الطبري 1/243 إسناده ضعيف جُويبر ضعيف جداً "تقريب") (قُلْتُ): كَثِيرًا مَا يَقْرِنُ اللهُ تَعَالَى بَيْنَ الصَّلاَةِ وَالإِنْفَاقِ مِنَ الْأَمْوَالِ، فَإِنَّ الصَّلاَةَ حَقُّ اللهِ وَعِبَادَتُهُ، وَهِيَ مُشْتَمِلَةٌ عَلَى تَوْحِيدِهِ وَالثَّنَاءِ عَلَيْهِ وَتَمْجِيدِهِ وَالاِبْتِهَالِ إِلَيْهِ، وَدُعَائِهِ، وَالتَّوَكُّلِ عَلَيْهِ. وَالْإِنْفَاقُ هُوَ الْإِحْسَانُ إِلَى الْمَخْلُوقِينَ بِالنَّفْعِ الْمُتَعَدِّي إِلَيْهِمْ، وَأَوْلَى النَّاسِ بِذَلِكَ الْقَرَابَاتُ وَالْأَهْلُونَ وَالْمَمَالِيكُ، ثُمَّ الْأَجَانِبُ، فَكُلٌّ مِنَ النَّفَقَاتِ الْوَاجِبَةِ وَالزَّكَاةِ الْمَفْرُوضَةِ دَاخِلٌ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ} وَلِهَذَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «بُنِيَ الْإِسْلاَمُ عَلَى خَمْسٍ: شَهَادَةِ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ، وَإِقَامِ الصَّلاَةِ، وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ، وَصَوْمِ رَمَضَانَ، وَحَجِّ الْبَيْتِ»[145]. وَالْأَحَادِيثُ فِي هَذَا كَثِيرَةٌ. [145] (الفتح 1/64، ومسلم 1/45) [مَعْنَى الصَّلاَةِ] وَأَصْلُ الصَّلاَةِ فِي كَلاَمِ الْعَرَبِ الدُّعَاءُ. ثُمَّ اسْتُعْمِلَتِ الصَّلاَةُ فِي الشَّرْعِ فِي ذَاتِ الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ، وَالْأَفْعَالِ الْمَخْصُوصَةِ فِي الْأَوْقَاتِ الْمَخْصُوصَةِ، بِشُرُوطِهَا الْمَعْرُوفَةِ وَصِفَاتِهَا وَأَنْوَاعِهَا الْمَشْهُورَةِ. {وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ} قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: {وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ} أَيْ يُصَدِّقُونَ بِمَا جِئْتَ بِهِ مِنَ اللهِ، وَمَا جَاءَ بِهِ مِنْ قَبْلِكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ، لاَ يُفَرِّقُونَ بَيْنَهُمْ، وَلاَ يَجْحَدُونَ مَا جَاءُوهُمْ بِهِ مِنْ رَبِّهِمْ[146]. { وَبِالآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ} أَيْ بِالْبَعْثِ وَالْقِيَامَةِ، وَالْجَنَّةِ وَالنَّارِ، وَالْحِسَابِ وَالْمِيزَانِ.[147] وَإِنَّمَا سُمِّيَتِ الاْخِرَةَ؛ لِأَنَّهَا بَعْدَ الدُّنْيَا. [146] (الطبري 1/244) [147] (ابن أبي حاتم 1/39) [أَوْصَافُ الْمُؤْمِنِينَ] وَالْمَوصُوفُونَ هُنَا هُمُ الْمَوْصُوفُونَ بِمَا تَقَدَّمَ مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: {الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ} عَنْ مُجَاهِدٍ أَنَّهُ قَالَ: أَرْبَعُ آيَاتٍ مِنْ أَوَّلِ سُورَةِ الْبَقَرَةِ فِي نَعْتِ الْمُؤْمِنِينَ، وَآيَتَانِ فِي نَعْتِ الْكَافِرِينَ، وَثَلاَثَ عَشْرَةَ فِي الْمُنَافِقِينَ[148]. فَهَذِهِ الْآيَاتُ الْأَرْبَعُ عَامَّاتٌ فِي كُلِّ مُؤْمِنٍ اتَّصَفَ بِهَا مِنْ عَرَبِيٍّ وَعَجَمِيٍّ، وَكِتَابِيٍّ، مِنْ إِنْسِيٍّ وَجِنِّيٍّ. وَلَيْسَ تَصِحُّ وَاحِدَةٌ مِنْ هَذِهِ الصِّفَاتِ بِدُونِ الْأُخْرَى، بَلْ كُلُّ وَاحِدَةٍ مُسْتَلْزِمَةٌ لِلْأُخْرَى وَشَرْطٌ مَعَهَا، فَلاَ يَصِحُّ الْإِيمَانُ بِالْغَيْبِ وَإِقَامِ الصَّلاَةِ وَالزَّكَاةِ إِلاَّ مَعَ الْإِيمَانِ بِمَا جَاءَ بِهِ الرَّسُولُ ﷺ، وَمَا جَاءَ بِهِ مَنْ قَبْلَهُ مِنَ الرُّسُلِ صَلَوَاتُ اللهِ وَسَلاَمُهُ عَلَيْهِمْ أَجْمَعِينَ، وَالْإِيقَانِ بِالْآخِرَةِ. [148] (الطبري 1/239) كَمَا أَنَّ هَذَا لاَ يَصِحُّ إِلاَّ بِذَاكَ، وَقَدْ أَمَرَ اللهُ الْمُؤْمِنِينَ بِذَلِكَ - كَمَا قَالَ: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ}... الْآيَةَ [النساء: 136] وَقَالَ تَعَالَى: {وَلاَ تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلاَّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلاَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ وَقُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَأُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلَهُنَا وَإِلَهُكُمْ وَاحِدٌ}... الْآيَةَ [العنكبوت: 46]. وَقَالَ تَعَالَى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ آمِنُواْ بِمَا نَزَّلْنَا مُصَدِّقًا لِّمَا مَعَكُم} [النساء: 47] وَقَالَ تَعَالَى: {قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَسْتُمْ عَلَى شَيْءٍ حَتَّى تُقِيمُوا التَّوْرَاةَ وَالإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ} [المائدة: 68] وَأَخْبَرَ تَعَالَى عَنِ الْمُؤمِنِينَ كُلِّهِمْ بِذَلِكَ، فَقَالَ تَعَالَى: {آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلاَئِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ} [البقرة: 285] وَقَالَ تَعَالَى: {وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ} [النساء: 152] إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْآيَاتِ الدَّالَّةِ عَلَى جَمِيعِ أَمْرِ الْمُؤْمِنِينَ بِالْإِيمَانِ بِاللهِ وَرُسُلِهِ وَكُتُبِهِ - لكِنْ لِمُؤْمِنِي أَهْلِ الْكِتَابِ خُصُوصِيَّةٌ، وَذَلِكَ أَنَّهُمْ يُؤْمِنُونَ بِمَا بِأَيْدِيهِمْ مُفَصَّلاً، فَإِذَا دَخَلُوا فِي الْإِسْلاَمِ وَآمَنُوا بِهِ مُفَصَّلاً كَانَ لَهُمْ عَلَى ذَلِكَ الْأَجْرُ مَرَّتَيْنِ، وَأَمَّا غَيْرُهُمْ فَإِنَّمَا يَحْصُلُ لَهُ الْإِيمَانُ بِمَا تَقَدَّمَ مُجْمَلاً، كَمَا جَاءَ فِي الصَّحِيحِ: «إِذَا حَدَّثَكُمْ أَهْلُ الْكِتَابِ فَلاَ تُكَذِّبُوهُمْ وَلاَ تُصَدِّقُوهُمْ، وَلكِنْ قُولُوا: آمَنَّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَأُنْزِلَ إِلَيْكُمْ»[149]. وَلَكِنْ قَدْ يَكُونُ إِيمَانُ كَثِيرٍ مِنَ الْعَرَبِ بِالْإسْلاَمِ الَّذِي بُعِثَ بِهِ مُحَمَّدٌ ﷺ أَتَمَّ وَأَكْمَلَ وَأَعَمَّ وَأَشْمَلَ، مِنْ إِيمَانِ مَنْ دَخَلَ مِنْهُمْ فِي الْإِسْلاَمِ، فَهُمْ وَإِنْ حَصَلَ لَهُمْ أَجْرَانِ مِنْ تِلْكَ الْحَيْثِيَّةِ، فَغَيْرُهُمْ يَحْصُلُ لَهُ مِنَ التَّصْدِيقِ مَا يُنِيفُ ثَوَابَهُ عَلَى الْأَجْرَيْنِ اللَّذَينِ حَصَلاَ لَهُمْ. وَاللهُ أَعْلَمُ. [149] (أبو داود 4/59) {أُولَئِكَ عَلَى هُدَىً مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} [اَلْهِدَايَةُ وَالْفَلاَحُ مِنْ نَصِيبِ الْمُؤْمِنِينَ] يَقـُـولُ اللهُ تَعَالَى: {أُولَئِكَ} أَي اَلْمُتَّصِفُونَ بِمَا تَقَدَّمَ مِنَ الْإِيمَانِ بِالْغَيْبِ وَإِقَامِ الصَّلاَةِ، وَالْإِنْفَاقِ مِنَ الَّذِي رَزَقَهُمُ اللهُ، وَالْإِيمَانِ بِمَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ وَمَنْ قَبْلَهُ مِنَ الرُّسُلِ وَالْإِيقَانِ بِالدَّارِ الاْخِرَةِ، وَهُوَ مُسْتَلْزِمٌ الاِسْتِعْدَادَ لَهَا مِنَ الْأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ وَتَرْكِ الْمُحَرَّمَاتِ {عَلَى هُدَىً} أَيْ عَلَى نُورٍ وَبَيَانٍ وَبَصِيرَةٍ مِنَ اللهِ تَعَالَى: {وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} أَيْ فِي الدُّنْيَا وَالاْخِرَةِ بِأَنْ أَدْرَكُوا مَا طَلَبُوا وَنَجَوْا مِنْ شَرِّ مَا مِنْهُ هَرَبُوا، فَفَازُوا بِالثَّوَابِ وَالْخُلُودِ فِي الْجَنَّاتِ، وَالنَّجَاةِ مِمَّا أَعَدَّ اللهُ لِأعْدَائِهِ مِنَ الْعِقَابِ. {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ} يَقُولُ تَعَالَى: {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا} أَي غَطَّوُا الْحَقَّ وَسَتَرُوهُ، وَقَدْ كَتَبَ اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِمْ ذَلِكَ: سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ إِنْذَارُكَ وَعَدَمُهُ فَإِنَّهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ بِمَا جِئْتَهُمْ بِهِ. كَمَا قَالَ تَعَالَى: {إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ *وَلَوْ جَاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الأَلِيمَ} [يونس: 96، 97] وَقَالَ تَعَالَى فِي حَقِّ الْمُعَانِدِينَ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ: {وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ بِكُلِّ آيَةٍ مَا تَبِعُوا قِبْلَتَكَ} [البقرة: 145]، أَيْ إِنَّ مَنْ كَتَبَ اللهُ عَلَيْهِ الشَّقَاوَةَ فَلاَ مُسْعِدَ لَهُ، وَمَنْ أَضَلَّهُ فَلاَ هَادِيَ لَهُ، فَلاَ تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ، وَبَلِّغْهُمُ الرِّسَالَةَـ، فَمَنِ اسْتَجَابَ لَكَ فَلَهُ الْحَظُّ الْأَوْفَرُ، وَمَنْ تَوَلَّى فَلاَ تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلاَ يُهِمَّنَّكَ ذَلِكَ {فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلاَغُ وَعَلَيْنَا الْحِسَابُ} [الرعد: 40] {إِنَّمَا أَنْتَ نَذِيرٌ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ} [هود: 12] وَقَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ} قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَحْرِصُ أَنْ يُؤْمِنَ جَمِيعُ النَّاسِ وَيُتَابِعُوهُ عَلَى الْهُدَى، فَأَخْبَرَهُ اللهُ تَعَالَى أَنَّهُ لاَ يُؤْمِنُ إِلاَّ مَنْ سَبَقَ لَهُ مِنَ اللهِ السَّعَادَةُ فِي الذِّكْرِ الْأَوَّلِ، وَلاَ يَضِلُّ إِلاَّ مَنْ سَبَقَ لَهُ مِنَ اللهِ الشَّقَاوَةُ فِي الذِّكْرِ الْأَوَّلِ[150] [150] (الطبري 1/252) {خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ} [مَعْنَى الْخَتْمِ] قَالَ السُّدِّيُّ: {خَتَمَ اللَّهُ} أَيْ طَبَعَ اللهُ[151]. وَقَالَ قَتَادَةُ فِي هَذِهِ الْآيَةِ: اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطَانُ إِذْ أَطَاعُوهُ فَخَتَمَ اللهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ، فَهُمْ لاَ يُبْصِرُونَ هُدًى وَلاَ يَسْمَعُونَ وَلاَ يَفْقَهُونَ وَلاَ يَعْقِلُونَ[152]. وَقَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: قَالَ مُجَاهِدٌ {خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ} قَالَ: الطَّبْعُ. ثَبَتَتِ الذُّنُوبُ عَلَى الْقَلْبِ فَحَفَّتْ بِهِ مِنْ كُلِّ نَوَاحِيهِ حَتَّى تَلْتَقِيَ عَلَيْهِ، فَالْتِقَاؤُهَا عَلَيْهِ الطَّبْعُ، وَالطَّبْعُ الْخَتْمُ[153]. قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: اَلْخَتْمُ عَلَى الْقَلْبِ وَالسَّمْعِ[154]. قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: وَحَدَّثَنِي عَبْدُ اللهِ بْنُ كَثِيرٍ أَنَّهُ سَمِعَ مُجَاهِدًا يَقُولُ: اَلرَّانُ أَيْسَرُ مِنَ الطَّبْعِ، وَالطَّبْعُ أَيْسَرُ مِنَ الْإِقْفَالِ، وَالْإِقْفَالُ أَشَدُّ مِنْ ذَلِكَ كُلِّهِ[155]. وَقَالَ الْأَعْمَشُ: أَرَانَا مُجَاهِدٌ بِيَدِهِ فَقَالَ: كَانُوا يَرَوْنَ أَنَّ الْقَلْبَ فِي مِثْلِ هَذِهِ يَعْنِي الْكَفَّ، فَإِذَا أَذْنَبَ الْعَبْدُ ذَنْبًا ضُمَّ مِنْهُ، وَقَالَ بِأُصْبُعِهِ الْخِنْصَرِ هكَذَا، فَإِذَا أَذْنَبَ ضُمَّ، وَقَالَ بِأُصْبُعٍ أُخْرَى، فَإِذَا أَذْنَبَ ضُمَّ، وَقَالَ بِأُصْبُعٍ أُخْرَى هكَذَا، حَتَّى ضَمَّ أَصَابِعَهُ كُلَّهَا، ثُمَّ قَالَ: يُطْبَعُ عَلَيْهِ بِطَابِعٍ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: كَانُوا يُرَوْنَ أَنَّ ذَلِكَ الرَّيْنُ[156]. [151] (ابن أبي حاتم 1/44) [152] (ابن أبي حاتم 1/44) [153] (ابن أبي حاتم 1/44) [154] (الطبري 1/259) [155] (الطبري 1/259) [156] (الطبري 1/258) قَالَ الْقُرْطُبِيُّ: وَأَجْمَعَتِ الْأُمَّةُ عَلَى أَنَّ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ قَدْ وَصَفَ نَفْسَهُ بِالْخَتْمِ وَالطَّبْعِ عَلَى قُلُوبِ الْكَافِرِينَ مُجَازَاةً لِكُفْرِهِمْ، كَمَا قَالَ: {بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ} [النساء: 155][157]. وَذَكَرَ حَدِيثَ تَقْلِيبِ الْقُلُوبِ «يَا مُقَلِّبَ الْقُلُوبِ ثَبِّتْ قُلُوبَنَا عَلَى دِينِكَ»[158] وَذَكَرَ حَدِيثَ حُذَيْفَةَ الَّذِي فِي الصَّحِيحِ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ. قَالَ: «تُعْرَضُ الْفِتَنُ عَلَى الْقُلُوبِ كَالْحَصِيرِ عُودًا عُودًا، فَأَيُّ قَلْبٍ أُشْرِبَهَا نُكِتَ فِيهِ نُكْتَةٌ سَوْدَاءُ، وَأَيُّ قَلْبٍ أَنْكَرَهَا نُكِتَ فِيهِ نُكْتَةٌ بَيْضَاءُ حَتَّى تَصِيرَ عَلَى قَلْبَيْنِ، عَلَى أَبْيَضَ مِثْلِ الصَّفَا، فَلاَ تَضُرُّهُ فِتْنَةٌ مَا دَامَتِ السَّموَاتُ وَالْأَرْضُ، وَالاْخَرُ أَسْوَدُ مُرْبَادًّا كَالْكُوزِ مُجَخِّيًا، لاَ يَعْرِفُ مَعْرُوفًا وَلاَ يُنْكِرُ مُنْكَرًا»[159]... اَلْحَدِيثَ. [157] (القرطبي 1/187) [158] (الترمذي 2140، وابن ماجه 3834) [159] (مسلم 1/128) قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: وَالْحَقُّ عِنْدِي فِي ذَلِكَ مَا صَحَّ بِنَظِيرِهِ الْخَبَرُ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ، وَهُوَ مَا رَوَاهُ أَبُو هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «إِنَّ الْمُؤْمِنَ إِذَا أَذْنَبَ ذَنْبًا كَانَتْ نُكْتَةٌ سَوْدَاءُ فِي قَلْبِهِ، فَإِنْ تَابَ وَنَزَعَ وَاسْتَعْتَبَ صُقِلَ قَلْبُهُ، وَإِنْ زَادَ زَادَتْ حَتَّى تَعْلُوَ قَلْبَهُ، فَذَلِكَ الرَّانُ الَّذِي قَالَ اللهُ تَعَالَى: {كَلاَّ بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ}» [المطففين: 14][160]. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: حَسَنٌ صَحِيحٌ[161]. [160] (الطبري 1/260) [161] (تحفة الأحوذي 9/254، والنسائي في الكبرى 6/509، وابن ماجه 2/1418) [إِعْرَابُ غِشَاوَةٍ وَمَعْنَاهَا] وَاعْلَمْ أَنَّ الْوَقْفَ التَّامَّ عَلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: {خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ} وَقَوْلُهُ: {وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ} جُمْلَةٌ تَامَّةٌ، فَإِنَّ الطَّبْعَ يَكُونُ عَلَى الْقَلْبِ وَعَلَى السَّمْعِ، وَالْغِشَاوَةُ وَهِيَ الْغِطَاءُ يَكُونُ عَلَى الْبَصَرِ، كَمَا قَالَ السُّدِّيُّ فِي تَفْسِيرِهِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، وَعَنْ أُنَاسٍ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللهِ ﷺ فِي قَوْلِهِ: {خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ} [7] يَقُولُ: فَلاَ يَعْقِلُونَ وَلاَ يَسْمَعُونَ، يَقُولُ: وَجَعَلَ عَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةً، يَقُولُ: عَلَى أَعْيُنِهِمْ فَلاَ يُبْصِرُونَ[162]. [162] (الطبري 1/266) [ذِكْرُ الْمُنَافِقِينَ] لَمَّا تَقَدَّمَ وَصْفُ الْمُؤْمِنِينَ فِي صَدْرِ السُّورَةِ بِأَرْبَعِ آيَاتٍ ثُمَّ عَرَّفَ حَالَ الْكَافِرِينَ بِهَاتَيْنِ الْآيَتَيْنِ شَرَعَ تَعَالَى فِي بَيَانِ حَالِ الْمُنَافِقِينَ الَّذِينَ يُظْهِرُونَ الْإِيمَانَ وَيُبْطِنُونَ الْكُفْرَ، وَلَمَّا كَانَ أَمْرُهُمْ يَشْتَبِهُ عَلَى كَثِيرٍ مِنَ النَّاسِ أَطْنَبَ فِي ذِكْرِهِمْ بِصِفَاتٍ مُتَعَدِّدَةٍ كُلٌّ مِنْهَا نِفَاقٌ، كَمَا أَنْزَلَ سُورَةَ بَرَاءَةَ فِيهِمْ، وَسُورَةَ الْمُنَافِقِينَ فِيهِمْ، وَذَكَرَهُمْ فِي سُورَةِ النُّورِ وَغَيْرِهَا مِنَ السُّوَرِ تَعْرِيفًا لِأحْوَالِهِمْ لِتُجْتَنَبَ، وَيَجْتَنِبَ مَنْ تَلَبَّسَ بِهَا أَيْضًا، فَقَالَ تَعَالَى: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ *يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلاَّ أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ} [مَعْنَى النِّفَاقِ] اَلنِّفَاقُ، هُوَ: إِظْهَارُ الْخَيْرِ وَإِسْرَارُ الشَّرِّ. وَهُوَ أَنْوَاعٌ: اِعْتِقَادِيٌّ، وَهُوَ الَّذِي يُخَلَّدُ صَاحِبُهُ فِي النَّارِ. وَعَمَلِيٌّ وَهُوَ مِنْ أَكْبَرِ الذُّنُوبِ، كَمَا سَيَأْتِي تَفْصِيلُهُ فِي مَوْضِعِهِ إِنْ شَاءَ اللهُ تَعَالَى، وَهَذَا كَمَا قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: اَلْمُنَافِقُ يُخَالِفُ قَوْلُهُ فِعْلَهُ، وَسِرُّهُ عَلاَنِيَتَهُ، وَمَدْخَلُهُ مَخْرَجَهُ، وَمَشْهَدُهُ مَغِيبَهُ.[163] [163] (الطبري 1/270) [بِدَايَةُ النِّفَاقِ] وَإِنَّمَا نَزَلَتْ صِفَاتُ الْمُنَافِقِينَ فِي السُّوَرِ الْمَدَنِيَّةِ لِأَنَّ مَكَّةَ لَمْ يَكُنْ فِيهَا نِفَاقٌ، بَلْ كَانَ خِلاَفُهُ، مِنَ النَّاسِ مَنْ كَانَ يُظْهِرُ الْكُفْرَ مُسْتَكْرَهًا وَهُوَ فِي الْبَاطِنِ مُؤْمِنٌ، فَلَمَّا هَاجَرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إِلَى الْمَدِينَةِ وَكَانَ بِهَا الْأَنْصَارُ مِنَ الْأَوْسِ وَالْخَزْرَجِ، وَكَانُوا فِي جَاهِلِيَّتِهِمْ يَعْبُدُونَ الْأَصْنَامَ عَلَى طَرِيقَةِ مُشْرِكِي الْعَرَبِ، وَبِهَا الْيَهُودُ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ عَلَى طَرِيقَةِ أَسْلاَفِهِمْ، وَكَانُوا ثَلاَثَ قَبَائِلَ: بَنُو قَيْنُـقَاعٍ حُلَفَاءُ الْخَزْرَجِ، وَبَنُو النَّضِيرِ وَبَنُو قُرَيْظَةَ حُلَفَاءُ الْأَوْسِ، فَلَمَّا قَدِمَ رَسُولُ اللهِ ﷺ الْمَدِينَةَ، وَأَسْلَمَ مَنْ أَسْلَمَ مِنَ الْأَنْصَارِ مِنْ قَبِيلَتَيِ الْأَوْسِ وَالْخَزْرَجِ، وَقَلَّ مَنْ أَسْلَمَ مِنَ الْيَهُودِ إِلاَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ سَلاَمٍ رَضِيَ اللهُ عَنْه، وَلَمْ يَكُنْ إِذْ ذَاكَ نِفَاقٌ أَيْضًا، لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ لِلْمُسْلِمِينَ بَعْدُ شَوْكَةٌ تُخَافُ، بَلْ قَدْ كَانَ عَلَيْهِ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ وَادَعَ الْيَهُودَ وَقَبَائِلَ كَثِيرَةً مِنْ أَحْيَاءِ الْعَرَبِ حَوَالَيِ الْمَدِينَةِ، فَلَمَّا كَانَتْ وَقْعَةُ بَدْرٍ وَأَظْهَرَ اللهُ كَلِمَتَهُ وَأَعَزَّ الْإِسْلاَمَ وَأَهْلَهُ قَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ أُبَيٍّ ابْنُ سَلُولَ، وَكَانَ رَأْسًا فِي الْمَدِينَةِ، وَهُوَ مِنَ الْخَزْرَجِ، وَكَانَ سَيِّدَ الطَّائِفَتَيْنِ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، وَكَانُوا قَدْ عَزَمُوا عَلَى أَنْ يُمَلِّكُوهُ عَلَيْهِمْ، فَجَاءَهُمُ الْخَيْرُ وَأَسْلَمُوا وَاشْتَغَلُوا عَنْهُ، فَبَقِيَ فِي نَفْسِهِ مِنَ الْإِسْلاَمِ وَأَهْلِهِ، فَلَمَّا كَانَتْ وَقْعَةُ بَدْرٍ قَالَ: هَذَا أَمْرُ اللهِ قَدْ تَوَجَّهَ، فَأَظْهَرَ الدُّخُولَ فِي الْإِسْلاَمِ، وَدَخَلَ مَعَهُ طَوَائِفُ مِمِّنْ هُوَ عَلَى طَرِيقَتِهِ وَنِحْلَتِهِ، وَآخَرُونَ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ، فَمِنْ ثَمَّ وُجِدَ النِّفَاقُ فِي أَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهَا مِنَ الْأَعْرَابِ، فَأَمَّا الْمُهَاجِرُونَ فَلَمْ يَكُنْ فِيهِمْ أَحَدٌ نَافَقَ، لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ أَحَدٌ يُهَاجِرُ مُكْرَهًا، بَلْ يُهَاجِرُ فَيَتْرُكُ مَالَهُ وَوَلَدَهُ وَأَرْضَهُ رَغْبَةً فِيمَا عَنْدَ اللهِ فِي الدَّارِ الاْخِرَةِ [تَفْسِيرُ الْآيَةِ] رَوَى مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ} يَعْنِي الْمُنَافِقِينَ مِنَ الْأَوْسِ وَالْخَزْرَجِ وَمَنْ كَانَ عَلَى أَمْرِهِمْ[164]. وَكَذَا فَسَّرَهَا بِالْمُنَافِقِينَ مِنَ الْأَوْسِ وَالْخَزْرَجِ أَبُو الْعَالِيَةِ وَالْحَسَنُ وَقَتَادَةُ وَالسُّدِّيُّ، وَلِهَذَا نَبَّهَ اللهُ سُبْحَانَهُ عَلَى صِفَاتِ الْمُنَافِقِينَ، لِئَلاَّ يَغْتَرَّ بِظَاهِرِ أَمْرِهِمُ الْمُؤْمِنُونَ، فَيَقَعَ بِذَلِكَ فَسَادٌ عَرِيضٌ مِنْ عَدَمِ الاِحْتِرَازِ مِنْهُمْ وَمِنِ اعْتِقَادِ إِيمَانِهِمْ، وَهُمْ كُفَّارٌ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ، وَهَذَا مِنَ الْمَحْذُورَاتِ الْكِبَارِ أَنْ يُظَنَّ بِأَهْلِ الْفُجُورِ خَيْرٌ، فَقَالَ تَعَالَى: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ} أَيْ يَقُولُونَ ذَلِكَ قَوْلاً لَيْسَ وَرَاءَهُ شَيْءٌ آخَرُ كَمَا قَالَ تَعَالَى: {إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ} [المنافقون: 1] أَيْ إِنَّمَا يَقُولُونَ ذَلِكَ إِذَا جَاءُوكَ فَقَطْ لاَ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ، وَلِهَذَا يُؤَكِّدُونَ فِي الشَّهَادَةِ "بِإِنَّ" وَ"لاَمِ التَّأْكِيدِ" فِي خَبَرِهَا. أَكَّدُوا أَمْرَهُمْ قَالُوا: آمَنَّا بِاللهِ وَبِالْيَوْمِ الاْخِرِ. وَلَيْسَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ، كَمَا كَذَّبَهُمُ اللهُ فِي شَهَادَتِهِمْ وَفِي خَبَرِهِمْ هَذَا بِالنِّسْبَةِ إِلَى اعْتِقَادِهِمْ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ} [المنافقون: 1] وَبِقَوْلِهِ: {وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ}. [164] (الطبري 1/269) وَقَوْلُهُ تَعَالَى: {يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا} [9] أَيْ بِإِظْهَارِهِمْ مَا أَظْهَرُوهُ مِنَ الْإِيمَانِ مَعَ إِسْرَارِهِمُ الْكُفْرَ يَعْتَقِدُونَ بِجَهْلِهِمْ أَنَّهُمْ يُخدِعُونَ اللهَ بِذَلِكَ، وَأَنَّ ذَلِكَ نَافِعُهُمْ عِنْدَهُ، وَأَنَّهُ يُرَوَّجُ عَلَيْهِ كَمَا قَدْ يُرَوَّجُ عَلَى بَعْضِ الْمُؤْمِنِينَ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: {يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعًا فَيَحْلِفُونَ لَهُ كَمَا يَحْلِفُونَ لَكُمْ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ عَلَى شَيْءٍ أَلاَ إِنَّهُمْ هُمُ الْكَاذِبُونَ} [المجادلة: 18] وَلِهَذَا قَابَلَهُمْ عَلَى اعْتِقَادِهِمْ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: {وَمَا يَخْدَعُونَ إِلاَّ أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ} يَقُولُ: وَمَا يَغُرُّونَ بِصَنِيعِهِمْ هَذَا، وَلاَ يَخْدَعُونَ إِلاَّ أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ بِذَلِكَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: {إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ} [النساء: 142]. وَرَوَى ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى {يُخَادِعُونَ اللَّهَ} قَالَ: يُظْهِرُونَ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ، يُرِيدُونَ أَنْ يَحْرُزُوا بِذَلِكَ دِمَاءَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ، وَفِي أَنْفُسِهِمْ غَيْرُ ذَلِكَ[165]. [165] (ابن أبي حاتم 1/46) وَقَالَ سَعِيدٌ عَنْ قَتَادَةَ: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ *يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلاَّ أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ} نَعْتُ الْمُنْافِقِ عِنْدَ كَثِيرٍ: خَنِعُ الْأَخْلاَقِ، يُصَدِّقُ بِلِسَانِهِ، وَيُنْكِرُ بِقَلْبِهِ، وَيُخَالِفُ بِعَمَلِهِ، وَيُصْبِحُ عَلَى حَالٍ وَيُمْسِي عَلَى غَيْرِهِ، وَيُمْسِي عَلَى حَالٍ وَيُصْبِحُ عَلَى غَيْرِهِ، وَيَتَـكَـفَّـأُ تَكَفُّؤَ السَّفِينَةِ كُلَّمَا هَبَّتْ رِيحٌ هَبَّ مَعَهَا[166] [166] (ابن أبي حاتم 1/47) {فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ} [اَلْمُرَادُ بِالْمَرَضِ] قَالَ السُّدِّيُّ عَنْ أَبِي مَالِكٍ وَعَنْ أَبِي صَالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَعَنْ مُرَّةَ الْهَمْدَانِيِّ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، وَعَنْ أُنَاسٍ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللهِ ﷺ فِي هَذِهِ الْآيَةِ {فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ} قَالَ: شَكٌّ، {فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا} قَالَ: شَكًّا[167]. وَكَذَلِكَ قَالَ مُجَاهِدٌ وَعِكْرِمَةُ وَالْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ وَأَبُو الْعَالِيَةِ وَالرَّبِيعُ ابْنُ أَنَسٍ وَقَتَادَةُ[168]. وَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمنِ بْنُ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ {فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ} قَالَ: هَذَا مَرَضٌ فِي الدِّينِ، وَلَيْسَ مَرَضًا فِي الْأَجْسَادِ، وَهُمُ الْمُنَافِقُونَ، وَالْمَرَضُ: الشَّكُّ الَّذِي دَخَلَهُمْ فِي الْإِسْلاَمِ {فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا} قَالَ: زَادَهُمْ رِجْسًا[169]. وَقَرَأَ: {فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُواْ فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُون * وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ} [التوبة: 124، 125] : قَالَ: شَرًّا إِلَى شَرِّهِمْ وَضَلاَلَةً إِلَى ضَلاَلَتِهِمْ، وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ عَبْدُ الرَّحْمنِ - رَحِمَهُ اللهُ - حَسَنٌ، وَهُوَ الْجَزَاءُ مِنْ جِنْسِ الْعَمَلِ، وَكَذَلِكَ قَالَهُ الْأَوَّلُونَ، وَهُوَ نَظِيرُ قَوْلِهِ تَعَالَى أَيْضًا: {وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ} [محمد: 17] وَقَوْلُهُ: {بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ} وَقُرِئَ (يُكَذِّبُونَ)، وَقَدْ كَانُوا مُتَّصِفِينَ بِهَذَا وَهَذَا، فَإِنَّهُمْ كَانُوا كَذَبَةً، وَيُكَذِّبُونَ بِالْغَيْبِ، يَجْمَعُونَ بَيْنَ هَذَا وَهَذَا. [167] (الطبري 1/280) [168] (ابن أبي حاتم 1/48) [169] (الطبري 1/280) (تَنْبِيهٌ) قَوْلُ مَنْ قَالَ: كَانَ عَلَيْهِ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ يَعْلَمُ أَعْيَانَ بَعْضِ الْمُنْافِقِينَ، إِنَّمَا مُسْتَنَدُهُ حَدِيثُ حُذَيْفَةَ بْنِ الْيَمَانِ فِي تَسْمِيَةِ أُوْلئِكَ الْأَرْبَعَةَ عَشَرَ مُنْافِقًا فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ الَّذِينَ هَمُّوا أَنْ يَفْتِكُوا بِرَسُولِ اللهِ ﷺ فِي ظَلْمَاءِ اللَّيْلِ عِنْدَ عَقَبَةٍ هُنَاكَ، عَزَمُوا عَلَى أَنْ يُنَفِّرُوا بِهِ النَّاقَةَ لِيَسْقُطَ عَنْهَا، فَأَوْحَى اللهُ إِلَيْهِ أَمْرَهُمْ، فَأَطْلَعَ عَلَى ذَلِكَ حُذَيْفَةَ. فَأَمَّا غَيْرُ هؤُلاَءِ فَقَدْ قَالَ اللهُ تَعَالَى: {وَمِمَنْ حَوْلَكُمْ مِنَ الأَعْرَابِ مُنَافِقُونَ وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ لاَ تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ}... الْآيَةَ [التوبة: 101] وَقَالَ تَعَالَى: {لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ ثُمَّ لاَ يُجَاوِرُونَكَ فِيهَا إِلاَّ قَلِيلاً *مَلْعُونِينَ أَيْنَمَا ثُقِفُوا أُخِذُوا وَقُتِّلُوا تَقْتِيلاً} [الأحزاب: 60، 61] فَفِيهَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ لَمْ [يَعْـرِفْهُمْ]، وَلَمْ يُدْرِكْ عَلَى أَعْيَانِهِمْ، وَإِنَّمَا كَانَ تُذْكَرُ لَهُ صِفَاتُهُمْ فَيَتَوَسَّمُهَا فِي بَعْضِهِمْ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: {وَلَوْ نَشَاءُ لأَرَيْنَاكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُمْ بِسِيمَاهُمْ وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ} [محمد: 30]. وَقَدْ كَانَ مِنْ أَشْهَرِهِمْ بِالنِّفَاقِ عَبْدُ اللهِ بْنُ أُبَيٍّ ابْنُ سَلُولَ، وَقَدْ شَهِدَ عَلَيْهِ زَيْدُ بْنُ أَرْقَمَ، وَمَعَ هَذَا لَمَّا مَاتَ صَلَّى عَلَيْهِ ﷺ وَشَهِدَ دَفْنَهُ كَمَا يَفْعَلُ بِبَقِيَّةِ الْمُسْلِمِينَ. وَقَدْ عَاتَبَهُ ﷺ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ فِيهِ فَقَالَ: «إِنِّي أَكْرَهُ أَنْ تَتَحَدَّثَ الْعَرَبُ أَنَّ مُحَمَّدًا يَقْتُلُ أَصْحَابَهُ»[170]، وَفِي الصَّحِيحِ: «إِنِّي خُيِّرْتُ فَاخْتَرْتُ» وَفِي رِوَايَةٍ «لَوْ أَعْلَمُ أَنِّي لَوْ زِدْتُ عَلَى السَّبْعِينَ يُغْفَرُ لَهُ لَزِدْتُ»[171]. [170] (الطبري 23/406) [171] (فتح الباري 8/184) {وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لاَ تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ *أَلاَ إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِنْ لاَ يَشْعُرُونَ} [اَلْمُرَادُ بِالْفَسَادِ] قَالَ السُّدِّيُّ فِي تَفْسِيرِهِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ وَعَنْ أُنَاسٍ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ {وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لاَ تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ} قَالَ: هُمُ الْمُنَافِقُونَ، أَمَّا { لاَ تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ} قَالَ: اَلْفَسَادُ هُوَ الْكُفْرُ وَالْعَمَلُ بِالْمَعْصِيَةِ[172]. وَقَالَ أَبُو جَعْفَرٍ عَنِ الرَّبِيعِ بْنِ أَنَسٍ عَنْ أَبِي الْعَالِيَةِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لاَ تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ} قَالَ: يَعْنِي لاَ تَعْصُوا فِي الْأَرْضِ. وَكَانَ فَسَادُهُمْ ذَلِكَ مَعْصِيَةَ اللهِ، لِأَنَّهُ مَنْ عَصَى اللهَ فِي الْأَرْضِ أَوْ أَمَرَ بِمَعْصِيَتِهِ فَقَدْ أَفْسَدَ فِي الْأَرْضِ، لِأَنَّ صَلاَحَ الْأَرْضِ وَالسَّمَاءِ بِالطَّاعَةِ[173]. وَهكَذَا قَالَ الرَّبِيعُ بْنُ أَنَسٍ وَقَتَادَةُ[174]. [172] (الطبري 1/288) [173] (ابن أبي حاتم 1/50) [174] (ابن أبي حاتم 1/51) [أَنْوَاعُ فَسَادِ الْمُنَافِقِينَ] قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: فَأَهْلُ النِّفَاقِ مُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ: بِمَعْصِيَتِهِمْ فِيهَا رَبَّهُمْ. وَرُكُوبِهِمْ فِيهَا مَا نَهَاهُمْ عَنْ رُكُوبِهِ. وَتَضْيِيعِهِمْ فَرَائِضَهُ، وَشَكِّهِمْ فِي دِينِهِ الَّذِي لاَ يُقْبَلُ مِنْ أَحَدٍ عَمَلٌ إِلاَّ بِالتَّصْدِيقِ بِهِ وَالْإِيقَانِ بِحَقِيقَتِهِ. وَكَذِبِهِمُ الْمُؤْمِنِينَ بِدَعْوَاهُمْ غَيْرَ مَا هُمْ عَلَيْهِ مُقِيمُونَ مِنَ الشَّكِّ وَالرَّيْبِ. وَمُظَاهَرَتِهِمْ أَهْلَ التَّكْذِيبِ بِاللهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ عَلَى أَوْلِيَاءِ اللهِ إِذَا وَجَدُوا إِلَى ذَلِكَ سَبِيلاً. فَذَلِكَ إِفْسَادُ الْمُنْافِقِينَ فِي الْأَرْضِ، وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ بِفِعْلِهِمْ ذَلِكَ مُصْلِحُونَ فِيهَا[175]. [175] (الطبري 1/289) وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ حَسَنٌ، فَإِنَّ مِنَ الْفَسَادِ فِي الْأَرْضِ اتِّخَاذَ الْمُؤْمِنِينَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: {وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ إِلاَّ تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ} [الأنفال: 73] فَقَطَعَ اللهُ الْمُوَالاَةَ بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْكَافِرِينَ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَتَّخِذُوا الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينِ أَتُرِيدُونَ أَنْ تَجْعَلُوا لِلَّهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَاناً مُبِيناً} [النساء: 144] ثُمَّ قَالَ: {إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا} [النساء: 145] فَالْمُنَافِقُ لَمَّا كَانَ ظَاهِرُهُ الْإِيمَانُ اشْتَبَهَ أَمْرُهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ، فَكَأَنَّ الْفَسَادَ مِنْ جِهَةِ الْمُنْافِقِ حَاصِلٌ، لِأَنَّهُ هُوَ الَّذِي غَرَّ الْمُؤْمِنِينَ بِقَوْلِهِ الَّذِي لاَ حَقِيقَةَ لَهُ، وَوَالَى الْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ، وَلَوْ أَنَّهُ اسْتَمَرَّ عَلَى حَالِهِ الْأَوَّلِ لَكَانَ شَرُّهُ أَخَفَّ، وَلَوْ أَخْلَصَ الْعَمَلَ لِلّْهِ وَتَطَابَقَ قَوْلُهُ وَعَمَلُهُ لَأَفْلَحَ وَنَجَحَ، وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لاَ تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ} أَيْ نُرِيدُ أَنْ نُدَارِيَ الْفَرِيقَيْنِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْكَافِرِينَ، وَنَصْطَلِحَ مَعَ هؤُلاَءِ وَهؤُلاَءِ، كَمَا رَوَى مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ {وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لاَ تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ} أَيْ إِنَّمَا نُرِيدُ الْإِصْلاَحَ بَيْنَ الْفَرِيقَيْنِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَأَهْلِ الْكِتَابِ[176]. فَيَقُولُ اللهُ: {أَلاَ إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِنْ لاَ يَشْعُرُونَ} يَقُولُ: أَلاَ إِنَّ هَذَا الَّذِي يَعْتَمِدُونَهُ وَيَزْعُمُونَ أَنَّهُ إِصْلاَحٌ هُوَ عَيْنُ الْفَسَادِ، وَلكِنْ مِنْ جَهْلِهِمْ لاَ يَشْعُرُونَ بِكَوْنِهِ فَسَادًا. [176] (ابن أبي حاتم 1/52 إسناده ضعيف لأجل تدليس محمد بن إسحاق ولم يصرح وشيخه محمد بن أبي محمد وهو مجهول) {وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا كَمَا آمَنَ النَّاسُ قَالُوا أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ السُّفَهَاءُ أَلاَ إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاءُ وَلَكِنْ لاَ يَعْلَمُونَ} يَقُولُ تَعَالَى: وَإِذَا قِيلَ لِلْمُنَافِقِينَ أَيْ كَإِيمَانِ النَّاسِ بِاللهِ وَمَلاَئِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْبَعْثِ بَعْدَ الْمَوْتِ، وَالْجَنَّةِ وَالنَّارِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا أَخْبَرَ الْمُؤْمِنِينَ بِهِ وَعَنْهُ، وَأَطِيعُوا اللهَ وَرَسُولَهُ فِي امْتِثَالِ الْأَوَامِرِ وَتَرْكِ الزَّوَاجِرِ {قَالُوا أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ السُّفَهَاءُ} يَعْنُونَ - لَعَنَهُمُ اللهُ - أَصْحَابَ رَسُولِ اللهِ ﷺ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ، قَالَهُ أَبُو الْعَالِيَةِ وَالسُّدِّيُّ فِي تَفْسِيرِهِ بِسَنَدِهِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَابْنِ مَسْعُودٍ وَغَيْرِ وَاحِدٍ مِنَ الصَّحَابَةِ[177]. وَبِهِ يَقُولُ الرَّبِيعُ بْنُ أَنَسٍ وَعَبْدُ الرَّحْمنِ بْنُ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ[178]. وَغَيْرُهُمْ. يَقُولُونَ: أَنَصِيرُ نَحْنُ وَهؤُلاَءِ بِمَنْزِلَةٍ وَاحِدَةٍ، وَعَلَى طَرِيقَةٍ وَاحِدَةٍ، وَهُمْ سُفَهَاءُ؟ [177] (الطبري 1/293) [178] (الطبري 1/294) وَالسُّفَهَاءُ جَمْعُ سَفِيهٍ كَمَا أَنَّ الْحُكَمَاءَ جَمْعُ حَكِيمٍ وَالْحُلَمَاءَ جَمْعُ حَلِيمٍ، وَالسَّفِيهُ هُوَ الْجَاهِلُ الضَّعِيفُ الرَّأْيِ، الْقَلِيلُ الْمَعْرِفَةِ بِمَوَاضِعِ الْمَصَالِحِ وَالْمَضَارِّ، وَلِهَذَا سَمَّى اللهُ النِّسَاءَ وَالصِّبْيَانَ سُفَهَاءَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَلاَ تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا} [النساء: 5] قَالَ عَامَّةُ عُلَمَاءِ التَّفْسِيرِ: هُمُ النِّسَاءُ وَالصِّبْيَانُ. وَقَدْ تَوَلَّى اللهُ سُبْحَانَهُ جَوَابَهُمْ فِي هَذِهِ الْمَوَاطِنِ كُلِّهَا فَقَالَ: {أَلاَ إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاءُ} فَأَكَّدَ وَحَصَرَ السَّفَاهَةَ فِيهِمْ {وَلَكِنْ لاَ يَعْلَمُونَ} يَعْنِي وَمِنْ تَمَامِ جَهْلِهِمْ أَنَّهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ بِحَالِهِمْ فِي الضَّلاَلَةِ وَالْجَهْلِ، وَذَلِكَ أَرْدَى لَهُمْ وَأَبْلَغُ فِي الْعَمَى، وَالْبُعْدِ عَنِ الْهُدى. {وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ *اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ} [مَكْرُ الْمُنَافِقِينَ وَخِدَاعُهُمْ] يَقُولُ تَعَالَى: وَإِذَا لَقِيَ هؤُلاَءِ الْمُنَافِقُونَ الْمُؤْمِنِينَ قَالُوا: آمَنَّا، وَأَظْهَرُوا لَهُمُ الْإِيمَانَ وَالْمُوَالاَةَ وَالْمُصَافَاةَ غُرُورًا مِنْهُمْ لِلْمُؤْمِنِينَ، وَنِفَاقًا وَمُصَانَعَةً وَتَقِيَّةً، وَلِيَشْرَكُوهُمْ فِيمَا أَصَابُوا مِنْ خَيْرٍ وَمَغْنَمٍ {وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ} يَعْنِي إِذَا انْصَرَفُوا وَذَهَبُوا وَخَلَصُوا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ - وَشَيَاطِينُهُمْ: سَادَتُهُمْ وَكُبَرَاؤُهُمْ مِنْ أَحْبَارِ الْيَهُودِ وَرُؤُوسِ الْمُشْرِكِينَ وَالْمُنَافِقِينَ. [شَيَاطِينُ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ] قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: وَشَيَاطِينُ كُلِّ شَيْءٍ مَرَدَتُهُ، وَيَكُونُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ كَمَا قَالَ تَعَالَى: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا} [الأنعام: 112]. [مَعْنَى الاِسْتِهْزَاءِ] وَقَولُهُ: {قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ} رَوَى مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَيْ إِنَّا عَلَى مِثْلِ مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ {إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ} أَيْ إِنَّمَا نَحْنُ نَسْتَهْزِئُ بِالْقَوْمِ وَنَلْعَبُ بِهِمْ[179]. وَقَالَ الضَّحَّاكُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالُوا:{إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ} سَاخِرُونَ بِأَصْحَابِ مُحَمَّدٍﷺ[180]، وَكَذَلِكَ قَالَ الرَّبِيعُ بْنُ أَنَسٍ وَقَتَادَةُ[181]. وَقَوْلُهُ تَعَالَى جَوَابًا وَمُقَابَلَةً عَلَى صَنِيعِهِمْ {اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ} وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: أَخْبَرَ تَعَالَى أَنَّهُ فَاعِلٌ بِهِمْ ذَلِكَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {يَوْمَ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ لِلَّذِينَ آمَنُوا انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ قِيلَ ارْجِعُوا وَرَاءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُورًا فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذَابُ}... الْآيَةَ [الحديد: 13]، وَقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَلاَ يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِأَنْفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا}... الْآيَةَ [آل عمران: 178]، قَالَ: فَهَذَا وَمَا أَشْبَهَهُ مِنِ اسْتِهْزَاءِ اللهِ - تَعَالَى ذِكْرُهُ - وَسُخْرِيَّتِهِ وَمَكْرِهِ وَخَدِيعَتِهِ لِلْمُنَافِقِينَ وَأَهْلِ الشِّرْكِ بِهِ. [179] (الطبري 1/300 ضعيف لتدليس ابن إسحاق) [180] (الطبري 1/300 ضعيف الضحاك لم يسمع من ابن عباس) [181] (الطبري 1/300) [مَكْرُ الْمُنَافِقِينَ وَبَالُهُ عَلَيْهِمْ] فَهَذَا إِخْبَارٌ مِنَ اللهِ تَعَالَى أَنَّهُ مُجَازِيهِمْ جَزَاءَ الاِسْتِهْزَاءِ، وَمُعَاقِبُهُمْ عُقُوبَةَ الْخِدَاعِ، فَأَخْرَجَ خَبَرَهُ عَنْ جَزَائِهِ إِيَّاهُمْ وَعِقَابِهِ لَهُمْ مَخْرَجَ خَبَرِهِ عَنْ فِعْلِهِمُ الَّذِي عَلَيْهِ اسْتَحَقُّوا الْعِقَابَ، فِي اللَّفْظِ، وَإِنِ اخْتَلَفَ الْمَعْنَيَانِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: {وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ} [الشورى: 40] وَقَوْلُهُ تَعَالَى: {فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ} [البقرة: 194] فَالْأَوَّلُ ظُلْمٌ وَالثَّانِي عَدْلٌ، فَهُمَا وَإِنِ اتَّفَقَ لَفْظُهُمَا فَقَدِ اخْتَلَفَ مَعْنَاهُمَا، قَالَ: وَإِلَى هَذَا الْمَعْنى وَجَّهُوا كُلَّ مَا فِي الْقُرْآنِ مِنْ نَظَائِرِ ذَلِكَ. لِأَنَّ الْمَكْرَ وَالْخِدَاعَ وَالسُّخْرِيَةَ عَلَى وَجهِ اللَّعِبِ وَالْعَبَثِ مُنْتَفٍ عَنِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ بِالْإِجْمَاعِ، وَأَمَّا عَلَى وَجْهِ الْاِنْتِقَامِ وَالْمُقَابَلَةِ بِالْعَدْلِ وَالْمُجَازَاةِ فَلاَ يَمْتَنِعُ ذَلِكَ. [اَلْمَدُّ وَالطُّغْيَانُ وَالْعَمَهُ] وَقَوْلُهُ تَعَالَى:{وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ} [البقرة: 15] رَوَى السُّدِّيُّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَابْنِ مَسْعُودٍ، وَعَنْ أُنَاسٍ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ: {وَيَمُدُّهُمْ} : يُمْلِي لَهُمْ[182]. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: يَزِيدُهُمْ[183]. وَقَالَ تَعَالَى: {أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مَالٍ وَبَنِينَ *نُسَارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْرَاتِ بَلْ لاَ يَشْعُرُونَ} [المؤمنون: 55، 56] قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: وَالصَّوَابُ نَزِيدُهُمْ عَلَى وَجْهِ الْإِمْلاَءِ وَالتَّرْكِ لَهُمْ فِي عُتُوِّهِمْ وَتَمَرُّدِهِمْ كَمَا قَالَ تَعَالَى: {وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ} [الأنعام: 10] [184]وَالطُّغْيَانُ: هُوَ الْمُجَاوَزَةُ فِي الشَّيْءِ كَمَا قَالَ تَعَالَى: {إِنَّا لَمَّا طَغَى الْمَاءُ حَمَلْنَاكُمْ فِي الْجَارِيَةِ} [الحاقة: 11] قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: وَ(الْعَمَهُ): الضَّلاَلُ. يُقَالَ: عَمِهَ فُلاَنٌ يَعْمَهُ عَمَهًا وُعُمُوهًا إِذَا ضَلَّ، قَالَ: وَقَوْلُهُ: {فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ} فِي ضَلاَلَتِهِمْ وَكُفْرِهِمُ الَّذِي غَمَرَهُمْ دَنَسُهُ وَعَلاَهُمْ رِجْسُهُ، يَتَرَدَّدُونَ حَيَارَى ضُلاَّلاً لاَ يَجِدُونَ إِلَى الْمَخْرَجِ مِنْهُ سَبِيلاً، لِأَنَّ اللهَ قَدْ طَبَعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَخَتَمَ عَلَيْهَا، وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ عَنِ الْهُدى وَأَغْشَاهَا فَلاَ يُبْصِرُونَ رُشْدًا وَلاَ يَهْتَدُونَ سَبِيلاً[185]. [182] (الطبري 1/311) [183] (ابن أبي حاتم 1/57) [184] (الطبري 1/307) [185] (الطبري 1/309) {أُولَئِكَ الَّذِينَ اُشْتَرَوُا الضَّلاَلَةَ بِالْهُدَى فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ} رَوَى السُّدِّيُّ فِي تَفْسِيرِهِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَابْنِ مَسْعُودٍ وَعَنْ نَاسٍ مِنَ الصَّحَابَةِ {أُولَئِكَ الَّذِينَ اُشْتَرَوُا الضَّلاَلَةَ بِالْهُدَى} قَالَ: أَخَذُوا الضَّلاَلَةَ وَتَرَكُوا الْهُدى. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا[186]. وَقَالَ قَتَادَةُ: اسْتَحَبُّوا الضَّلاَلَةَ عَلَى الْهُدى[187]، وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ قَتَادَةُ يُشْبِهُهُ فِي الْمَعْنَى قَوْلُهُ تَعَالَى فِي ثَمُودَ:.{وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى} [فصلت: 17]. [186] (الطبري 383، 384، وابن أبي حاتم 154 وسنده صحيح) [187] (الطبري 382، وابن أبي حاتم 152 وسنده صحيح أيضاً) وَحَاصِلُ قَوْلِ الْمُفَسِّرِينَ فِيمَا تَقَدَّمَ أَنَّ الْمُنَافِقِينَ عَدَلُوا عَنِ الْهُدى إِلَى الضَّلاَلِ وَاعْتَاضُوا عَنِ الْهُدى بِالضَّلاَلَةِ. وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِهِ تَعَالَى: {أُولَئِكَ الَّذِينَ اُشْتَرَوُا الضَّلاَلَةَ بِالْهُدَى} أَيْ بَذَلُوا الْهُدَى ثَمَنًا لِلضَّلاَلَةِ، وَسَوَاءٌ فِي ذَلِكَ مَنْ كَانَ مِنْهُمْ قَدْ حَصَلَ لَهُ الْإِيمَانُ ثُمَّ رَجَعَ عَنْهُ إِلَى الْكُفْرِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى فِيهِمْ: {ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا فَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ} [المنافقون: 3] أَوْ أَنَّهُمُ اسْتَحَبُّوا الضَّلاَلَةَ عَلَى الْهُدَى كَمَا يَكُونُ حَالُ فَرِيقٍ آخَرَ مِنْهُمْ، فَإِنَّهُمْ أَنْوَاعٌ وَأَقْسَامٌ، وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى: {فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ} أَيْ مَا رَبِحَتْ صَفْقَتُهُمْ فِي هَذِهِ الْبَيْعَةِ، وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ أَيْ رَاشِدِينَ فِي صَنِيعِهِمْ ذَلِكَ. وَرَوَى ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ قَتَادَةَ {فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ} قَدْ وَاللهِ رَأَيْتُمُوهُمْ خَرَجُوا مِنَ الْهُدى إِلَى الضَّلاَلَةِ، وَمِنَ الْجَمَاعَةِ إِلَى الْفُرْقَةِ، وَمِنَ الْأَمْنِ إِلَى الْخَوْفِ، وَمِنَ السُّنَّةِ إِلَى الْبِدْعَةِ[188]. وَهكَذَا رَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ بِمِثْلِهِ سَوَاءً[189]. [188] (الطبري 1/316) [189] (ابن أبي حاتم 1/60) {مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اُسْتَوْقَدَ نَارًا فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لاَ يُبْصِرُونَ *صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لاَ يَرْجِعُونَ} [مَثَلُ الْمُنَافِقِينَ] تَقْدِيرُ هَذَا الْمَثَلِ أَنَّ اللهَ سُبْحَانَهُ شَبَّهَهُمْ فِي اشْتِرَائِهِمُ الضَّلاَلَةَ بِالْهُدى، وَصَيْرُورَتِهِمْ بَعْدَ الْبَصِيرَةِ إِلَى الْعَمَى، بِمَنِ اسْتَوْقَدَ نَارًا، فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ وَانْتَفَعَ بِهَا وَأَبْصَرَ بِهَا مَا عَنْ يَمِينِهِ وَشِمَالِهِ، وَتَأَنَّسَ بِهَا، فَبَيْنَا هُوَ كَذَلِكَ إِذْ طَفِئَتْ نَارُهُ، وَصَارَ فِي ظَلاَمٍ شَدِيدٍ لاَ يُبْصِرُ وَلاَ يَهْتَدِي، وَهُوَ مَعَ هَذَا أَصَمُّ لاَ يَسْمَعُ، أَبْكَمُ لاَ يَنْطِقُ، أَعْمَى لَوْ كَانَ ضِيَاءٌ لَمَا أَبْصَرَ، فَلِهَذَا لاَ يَرْجِعُ إِلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ قَبْلَ ذَلِكَ، فَكَذَلِكَ هؤُلاَءِ الْمُنَافِقُونَ فِي اسْتِبْدَالِهِمُ الضَّلاَلَةَ عِوَضًا عَنِ الْهُدى وَاسْتِحْبَابِهِمُ الْغَيَّ عَلَى الرُّشْدِ. وَفِي هَذَا الْمَثَلِ دَلاَلَةٌ عَلَى أَنَّهُمْ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا كَمَا أَخْبَرَ تَعَالَى عَنْهُمْ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ، وَاللهُ أَعْلَمُ. وَقَوْلُهُ تَعَالَى: {ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ} أَيْ ذَهَبَ عَنْهُمْ بِمَا يَنْفَعُهُمْ، وَهُوَ النُّورُ، َوأَبْقَى لَهُمْ مَا يَضُرُّهُمْ، وَهُوَ الْإِحْرَاقُ وَالدُّخَانُ {وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ} وَهُوَ مَا هُمْ فِيهِ مِنَ الشَّكِّ وَالْكُفْرِ وَالنِّفَاقِ {لاَ يُبْصِرُونَ} لاَ يَهْتَدُونَ إِلَى سَبِيلِ خَيْرٍ وَلاَ يَعْرِفُونَهَا، وَهُمْ مَعَ ذَلِكَ {صُمٌّ} لاَ يَسْمَعُونَ خَيْرًا {بُكْمٌ} لاَ يَتَكَلَّمُونَ بِمَا يَنْفَعُهُمْ {عُمْيٌ} فِي ضَلاَلَةٍ وَعَمَايَةِ الْبَصِيرَةِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: {فَإِنَّهَا لاَ تَعْمَى الأَبْصَارُ وَلَكِن تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُور} [الحج:46] فَلِهَذَا لاَ يَرْجِعُونَ إِلَى مَا كَانُوا عَلَيْهِ مِنَ الْهِدَايَةِ الَّتِي بَاعُوهَا بِالضَّلاَلَةِ. {أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّمَاءِ فِيهِ ظُلُمَاتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ مِنَ الصَّوَاعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكَافِرِينَ *يَكَادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ وإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُوا وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وأَبْصَارِهِمْ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيءٍ قَدِيرٌ} [مَثَلٌ آخَرُ لِلْمُنَافِقِينَ] هَذَا مَثَلٌ آخَرُ ضَرَبَهُ اللهُ تَعَالَى لِضَرْبٍ آخَرَ مِنَ الْمُنَافِقِينَ، وَهُمْ قَوْمٌ يَظْهَرُ لَهُمُ الْحَقُّ تَارَةً وَيَشُكُّونَ تَارَةً أُخْرَى، فَقُلُوبُهُمْ فِي حَالِ شَكِّهِمْ وَكُفْرِهِمْ وَتُرَدُّدِهِمْ {كَصَيِّبٍ} وَالصَّيِّبُ: الْمَطَرُ. قَالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ وَابْنُ عَبَّاسٍ، وَنَاسٌ مِنَ الصَّحَابَةِ[190]. وَأَبُو الْعَالِيَةِ وَمُجَاهِدٌ وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وَعَطَاءٌ وَالْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ، وَقَتَادَةُ وَعَطِيَّةُ الْعَوْفِيُّ وَعَطَاءٌ الْخُرَاسَانِيُّ، وَالسُّدِّيُّ وَالرَّبِيعُ بْنُ أَنَسٍ[191]. وَقَالَ الضَّحَّاكُ: هُوَ السَّحَابُ[192]. وَالْأَشْهَرُ هُوَ الْمَطَرُ نَزَلَ مِنَ السَّمَاءِ فِي حَالِ ظُلُمَاتٍ، وَهِيَ: الشُّكُوكُ وَالْكُفْرُ وَالنِّفَاقُ {وَرَعْدٌ} وَهُوَ مَا يُزْعِجُ الْقُلُوبَ مِنَ الْخَوْفِ، فَإِنَّ مِنْ شَأْنِ الْمُنَافِقِينَ الْخَوْفَ الشَّدِيدَ وَالْفَزَعَ كَمَا قَالَ تَعَالَى: {يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ} [المنافقون: 4] وَقَالَ: {وَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنَّهُمْ لَمِنْكُمْ وَمَا هُمْ مِنْكُمْ وَلَكِنَّهُمْ قَوْمٌ يَفْرَقُونَ *لَوْ يَجِدُونَ مَلْجَأً أَوْ مَغَارَاتٍ أَوْ مُدَّخَلاً لَوَلَّوْا إِلَيْهِ وَهُمْ يَجْمَحُونَ} [التوبة: 56، 57] وَ{الْبَرْقُ} هُوَ مَا يَلْمَحُ فِي قُلُوبِ هؤُلاَءِ الضَّرْبِ مِنَ الْمُنَافِقِينَ فِي بَعْضِ الْأَحْيَانِ مِنْ نُورِ الْإِيمَانِ وَلِهَذَا قَالَ: {يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ مِنَ الصَّوَاعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكَافِرِينَ} أَيْ وَلاَ يُجْدِي عَنْهُمْ حَذَرُهُمْ شَيْئًا، لِأَنَّ اللهَ مُحِيطٌ بِقُدْرَتِهِ، وَهُمْ تَحْتَ مَشِيئَتِهِ وَإِرَادَتِهِ، كَمَا قَالَ: {هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْجُنُودِ *فِرْعَوْنَ وَثَمُودَ *بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي تَكْذِيبٍ *وَاللَّهُ مِنْ وَرَائِهِمْ مُحِيطٌ} [البروج: 17-20] بِهِمْ. [190] (الطبري 1/334) [191] (ابن أبي حاتم 1/66) [192] (ابن أبي حاتم 1/67) ثُمَّ قَالَ: {يَكَادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ} أَيْ لِشِدَّتِهِ وَقُوَّتِهِ فِي نَفْسِهِ، وَضُعْفِ بَصَائِرِهِمْ وَعَدَمِ ثَبَاتِهَا لِلْإِيمَانِ. وَقَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ {يَكَادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ} يَقُولُ: يَكَادُ مُحْكَمُ الْقُرْآنِ يَدُلُّ عَلَى عَوْرَاتِ الْمُنَافِقِينَ[193]. وَقَالَ عَلِيُّ ابْنُ أَبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: {كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ} يَقُولُ: كُلَّمَا أَصَابَ الْمُنَافِقِينَ مِنْ عِزِّ الْإِسْلاَمِ اطْمَأَنُّوا إِلَيْهِ، وَإِذَا أَصَابَ الْإِسْلاَمَ نَكْبَةٌ قَامُوا لِيَرْجِعُوا إِلَى الْكُفْرِ[194]. كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ} [الحج:11] وَرَوَى مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ {كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ وإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُوا} أَيْ يَعْرِفُونَ الْحَقَّ وَيَتَكَلَّمُونَ بِهِ، فَهُمْ مِنْ قَوْلِهِمْ بِهِ عَلَى اسْتِقَامَةٍ، فَإِذَا ارْتَكَسُوا مِنْهُ إِلَى الْكُفْرِ قَامُوا أَيْ مُتَحَيِّرِينَ[195]. وَهكَذَا قَالَ أَبُو الْعَالِيَةِ وَالْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ وَقَتَادَةُ وَالرَّبِيعُ بْنُ أَنَسٍ، وَالسُّدِّيُّ بِسَنَدِهِ عَنِ الصَّحَابَةِ، وَهُوَ أَصَحُّ وَأَظْهَرُ وَاللهُ أَعْلَمُ[196]. [193] (الطبري 1/349) [194] (الطبري 1/349) [195] (الطبري 1/346 إسناده ضعيف لوجوه: 1-محمد بن حميد الرازي شيخ الطبري ضعيف. 2-وسلمة بن الفضل أيضاً ضعيف. 3-محمد بن إسحاق مدلس ولم يصرح له. 4- محمد بن أبي محمد مولى زيد بن ثابت مجهول تفرد عنه ابن إسحاق كما في التقريب) [196] (ابن أبي حاتم 1/75) وَهكَذَا يَكُونُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عِنْدَمَا يُعْطَى النَّاسُ النُّورَ بِحَسَبِ إِيمَانِهِمْ، فَمِنْهُمْ مَنْ يُعْطَى مِنَ النُّورِ مَا يُضِيءُ لَهُ مَسِيرَةَ فَرَاسِخَ وَأَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ وَأَقَلَّ مِنْ ذَلِكَ، وَمِنْهُمْ مِنْ يُطْفَأُ نُورُهُ تَارَةً وَيُضِيءُ أُخْرَى، فَيَمْشِي عَلَى الصِّرَاطِ تَارَةً وَيَقِفُ أُخْرَى، وَمِنْهُمْ مَنْ يُطْفَأُ نُورُهُ بِالْكُلِّيَّةِ، وَهُمُ الْخُلَّصُ مِنَ الْمُنَافِقِينَ الَّذِينَ قَالَ تَعَالَى فِيهِمْ: {يَوْمَ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ لِلَّذِينَ آمَنُوا انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ قِيلَ ارْجِعُوا وَرَاءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُورًا} [الحديد:13]. وَقَالَ فِي حَقِّ الْمُؤْمِنِينَ: {يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ يَسْعَى نُورُهُمْ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ بُشْرَاكُمُ الْيَوْمَ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ} الْآيَةَ [الحديد:12]، وَقَالَ تَعَالَى: {يَوْمَ لاَ يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ نُورُهُمْ يَسْعَى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا وَاغْفِرْ لَنَا إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} [التحريم:8]. ذِكْرُ الْحَدِيثِ الْوَارِدِ فِي ذَلِكَ رَوَى ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ {نُورُهُمْ يَسْعَى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ} قَالَ: عَلَى قَدْرِ أَعْمَالِهِمْ يَمُرُّونَ عَلَى الصِّرَاطِ، مِنْهُمْ مَنْ نُورُهُ مِثْلَ الْجَبَلِ، وَمِنْهُمْ مَنْ نُورُهُ مِثْلَ النَّخْلَةِ، وَأَدْنَاهُمْ نُورًا مَنْ نُورُهُ فِي إِبْهَامِهِ يَتَّقِدُ مَرَّةً وَيُطْفَأُ أُخْرَى[197]. وَرَوَى ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ أَيْضًا عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: لَيْسَ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ التَّوْحِيدِ إِلاَّ يُعْطَى نُورًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فَأَمَّا الْمُنَافِقُ فَيُطْفَأُ نُورُهُ، فَالْمُؤْمِنُ مُشْفِقٌ مِمَّا يَرَى مِنْ إِطْفَاءِ نُورِ الْمُنَافِقِينَ، فَهُمْ يَقُولُونَ {رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا} [التحريم:8][198]. وَقَالَ الضَّحَّاكُ بْنُ مُزَاحِمٍ: يُعْطَى كُلُّ مَنْ كَانَ يُظْهِرُ الْإِيمَانَ فِي الدُّنْيَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ نُورًا، فَإِذَا انْتَهَى إِلَى الصِّرَاطِ طُفِئَ نُورُ الْمُنَافِقِينَ، فَلَمَّا رَأَى ذَلِكَ الْمُؤْمِنُونَ أَشْفَقُوا فَقَالُوا {رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا} [التحريم: 8]. [197] (الطبري 23/179) [198] (الحاكم 2/495) [أَقْسَامُ الْمُؤْمِنِينَ وَأَقْسَامُ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ] فَإِذَا تَقَرَّرَ هَذَا صَارَ النَّاسُ أَقْسَامًا، مُؤْمِنُونَ خُلَّصٌ، وَهُمْ الْمَوْصُوفُونَ بِالآيَاتِ الْأَرْبَعِ فِي أَوَّلِ الْبَقَرَةِ، وَكُفَّارٌ خُلَّصٌ، وَهُمُ الْمَوْصُوفُونَ بِالآيَتَيْنِ بَعْدَهَا، وَمُنَافِقُونَ وَهُمْ قِسْمَانِ: خُلَّصٌ، وَهُمُ الْمَضْرُوبُ لَهُمُ الْمَثَلُ النَّارِيُّ، وَمُنَافِقُونَ يَتَرَدَّدُونَ، تَارَةً يَظْهَرُ لَهُمْ لَمْعُ الْإِيمَانِ وَتَارَةً يَخْبُو، وَهُمْ أَصْحَابُ الْمَثَلِ الْمَائِيِّ، وَهُمْ أَخَفُّ حَالاً مِنَ الَّذِينَ قَبْلَهُمْ. ثُمَّ ضَرَبَ مَثَلَ الْعِبَادِ مِنَ الْكُفَّارِ الَّذِينَ يَعْتَقِدُونَ أَنَّهُمْ عَلَى شَيْءٍ وَلَيْسُوا عَلَى شَيْءٍ، وَهُمْ أَصْحَابُ الْجَهْلِ الْمُرَكَّبِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا} الْآيَةَ [النور: 39]، ثُمَّ ضَرَبَ مَثَلَ الْكُفَّارِ الْجُهَّالِ الْجَهْلَ الْبَسِيطَ، وَهُمُ الَّذِينَ قَالَ تَعَالَى فِيهِمْ: {أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ يَغْشَاهُ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ سَحَابٌ ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ} [النور: 40] فَقَسَّمَ الْكُفَّارَ ههُنَا إِلَى قِسْمَيْنِ: دَاعِيَةٍ وَمُقَلِّدٍ، كَمَا ذَكَرَهُمَا فِي أَوَّلِ سُورَةِ الْحَجِّ {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّبِعُ كُلَّ شَيْطَانٍ مَرِيدٍ} وَقَالَ: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلاَ هُدىً وَلاَ كِتَابٍ مُنِيرٍ} [الحج: 3،8]. وَقَدْ قَسَّمَ اللهُ الْمُؤْمِنِينَ فِي أَوَّلِ الْوَاقِعَةِ وَفِي آخِرِهَا، وَفِي سُورَةِ الْإِنْسَانِ إِلَى قِسْمَيْنِ: سَابِقُونَ وَهُمُ الْمُقَرَّبُونَ، وَأَصْحَابُ يَمِينٍ وَهُمُ الْأَبْرَارُ. فَتَلَخَّصَ مِنْ مَجْمُوعِ هَذِهِ الْآيَاتِ الْكَرِيمَاتِ أَنَّ الْمُؤْمِنِينَ صِنْفَانِ: مُقَرَّبُونَ وَأَبْرَارٌ، وَأَنَّ الْكَافِرِينَ صِنْفَانِ: دُعَاةٌ وَمُقَلِّدُونَ، وَأَنَّ الْمُنَافِقِينَ أَيْضًا صِنْفَانِ: مُنَافِقٌ خَالِصٌ، وَمُنَافِقٌ فِيهِ شُعْبَةٌ مِنْ نِفَاقٍ، كَمَا جَاءَ فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: «ثَلاَثٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ كَانَ مُنَافِقًا خَالِصًا، وَمَنْ كَانَتْ فِيهِ وَاحِدَةٌ مِنْهُنَّ كَانَتْ فِيهِ خَصْلَةٌ مِنَ النِّفَاقِ حَتَّى يَدَعَهَا: مَنْ إِذَا حَدَّثَ كَذَبَ، وَإِذَا وَعَدَ أَخْلَفَ، وَإِذَا ائْتُمِنَ خَانَ»[199]. اِسْتَدَلُّوا بِهِ عَلَى أَنَّ الْإِنْسَانَ قَدْ تَكُونُ فِيهِ شُعْبَةٌ مِنْ إِيمَانٍ وَشُعْبَةٌ مِنْ نِفَاقٍ. إِمَّا عَمَلِيٌّ - لِهَذَا الْحَدِيثِ - أَوِ اعْتِقَادِيٌّ، كَمَا دَلَّتْ عَلَيْهِ الْآيَةُ. [199] (فتح الباري 1/111، ومسلم 1/78) [أَقْسَامُ الْقُلُوبِ] رَوَى الْإِمَامُ أَحْمَدُ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «الْقُلُوبُ أَرْبَعَةٌ: قَلْبٌ أَجْرَدُ، فِيهِ مِثْلُ السِّراجِ يُزْهِرُ، وَقَلْبٌ أَغْلَفُ مَرْبُوطٌ عَلَى غِلاَفِهِ، وَقَلْبٌ مَنْكُوسٌ، وَقَلْبٌ مُصْفَحٌ، فَأَمَّا الْقَلْبُ الْأَجْرَدُ فَقَلْبُ الْمُؤْمِنِ، فَسِرَاجُهُ فِيهِ نُورُهُ، وَأَمَّا الْقَلْبُ الْأَغْلَفُ فَقَلْبُ الْكَافِرِ، وَأَمَّا الْقَلْبُ الْمَنْكُوسُ فَقَلْبُ الْمُنَافِقِ الْخَالِصِ، عَرَفَ ثُمَّ أَنْكَرَ، وَأَمَّا الْقَلْبُ الْمُصْفَحُ فَقَلْبٌ فِيهِ إِيمَانٌ وَنِفَاقٌ، وَمَثَلُ الْإِيمَانِ فِيهِ كَمَثَلِ الْبَقْلَةِ يُمِدُّهَا الْمَاءُ الطَّيِّبُ، وَمَثَلُ النِّفَاقِ فِيهِ كَمَثَلِ الْقَرْحَةِ يُمِدُّهَا الْقَيْحُ وَالدَّمُ، فَأَيُّ الْمَادَّتَيْنِ غَلَبَتْ عَلَى الْأُخْرَى غَلَبَتْ عَلَيْهِ»[200]. وَهَذَا إِسْنَادٌ جَيِّدٌ حَسَنٌ.[201]. [200] (أحمد 3/17) [201] (إسناده ضعيف لضعف ليث بن أبي سليم وهو صدوق اختلط أخيراً ولم يتميز حديثه فترك تقريب لابن حجر 5685، ولانقطاعه أبو البختري سعيد بن فيروز لم يدرك أبا سعيد الخدري، انظر للتفصيل تحرير تقريب بالتهذيب 2/41، وجوده ابن كثير والسيوطي!) وَقَوْلُهُ تَعَالَى: {وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وأَبْصَارِهِمْ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيءٍ قَدِيرٌ} رَوَى مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وأَبْصَارِهِمْ} قَالَ: لِمَا تَرَكُوا مِنَ الْحَقِّ بَعْدَ مَعْرِفَتِهِ. {إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيءٍ قَدِيرٌ} قَالَ [ابن إسحاق]: أَيْ إِنَّ اللهَ عَلَى كُلِّ مَا أَرَادَ بِعِبَادِهِ مِنْ نِقْمَةٍ أَوْ عَفْوٍ قَدِيرٌ[202]. وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: إِنَّمَا وَصَفَ اللهُ تَعَالَى نَفْسَهُ بِالْقُدْرَةِ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ، لِأَنَّهُ حَذَّرَ الْمُنَافِقِينَ بَأْسَهُ وَسَطْوَتَهُ، وَأَخْبَرَهُمْ أَنَّهُ بِهِمْ مُحِيطٌ، وَعَلَى إِذْهَابِ أَسْمَاعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ قَدِيرٌ[203]. [202] (ابن أبي حاتم 1/76 إسناده ضعيف ابن إسحاق مدلس ولم يصرح وفيه علل أخرى) [203] (الطبري 1/361) وَذَهَبَ ابْنُ جَرِيرٍ وَمَنْ تَبِعَهُ مِنْ كَثِيرٍ مِنَ الْمُفَسِّرِينَ إِلَى أَنَّ هذَيْنِ الْمَثَلَيْنِ مَضْرُوبَانِ لِصِنْفٍ وَاحِدٍ مِنَ الْمُنَافِقِينَ وَتَكُونُ أَوْ، فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّمَاءِ} بِمَعْنَى الْوَاوِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَلاَ تُطِعْ مِنْهُمْ آثِمًا أَوْ كَفُورًا} [الإنسان: 24] أَوْ تَكُونُ لِلتَّخْيِيرِ أَيِ اضْرِبْ لَهُمْ مَثَلاً بِهَذَا وَإِنْ شِئْتَ بِهَذَا. قَالَ الْقُرْطُبِيُّ. أَوْ لِلتَّسَاوِي مِثْلُ: جَالِسِ الْحَسَنَ أَوِ ابْنَ سِيرِينَ عَلَى مَا وَجَّهَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ: أَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا مُسَاوٍ لِلْآخَرِ فِي إِبَاحَةِ الْجُلُوسِ إِلَيْهِ. وَيَكُونُ مَعْنَاهُ عَلَى قَوْلِهِ: سَوَاءٌ ضَرَبْتَ لَهُمْ مَثَلاً بِهذا أَوْ بِهَذَا فَهُوَ مُطَابِقٌ لِحَالِهِمْ. {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ *الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ فَلاَ تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ} [تَوْحِيدُ الْأُلُوهِيَّةِ] شَرَعَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى فِي بَيَانِ وَحْدَانِيَّةِ أُلُوهِيَّتِهِ، بِأَنَّهُ تَعَالَى هُوَ الْمُنْعِمُ عَلَى عَبِيدِهِ، بِإِخْرَاجِهِمْ مِنَ الْعَدَمِ إِلَى الْوُجُودِ، وَإِسْبَاغِهِ عَلَيْهِمُ النِّعَمَ الظَّاهِرَةَ وَالْبَاطِنَةَ، بِأَنْ جَعَلَ لَهُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا أَيْ مَهْدًا كَالْفِرَاشِ، مُقَرَّرَةً مُوَطَّأَةً مُثَبَّـتَةً بِالرَّوَاسِي الشَّامِخَاتِ {وَالسَّمَاءَ بِنَاءً} وَهُوَ السَّقْفُ، كَمَا قَالَ فِي الْآيَةِ الْأُخْرَى: {وَجَعَلْنَا السَّمَاءَ سَقْفًا مَحْفُوظًا وَهُمْ عَنْ آيَاتِهَا مُعْرِضُونَ} [الأنبياء: 32] وأنزل لهم من السماء ماء، وَالْمُرَادُ بِهِ السَّحَابُ ههُنَا، فِي وَقْتِهِ عِنْدَ احْتِيَاجِهِمْ إِلَيْهِ، فَأَخْرَجَ لَهُمْ بِهِ مِنْ أَنْوَاعِ الزُّرُوعِ وَالثِّمَارِ مَا هُوَ مُشَاهَدٌ، رِزْقًا لَهُمْ وَلِأَنْعَامِهِمْ، كَمَا قَرَّرَ هَذَا فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ مِنَ الْقُرْآنِ. وَمِنْ أَشْبَهِ آيَةٍ بِهَذِهِ الْآيَةِ قَوْلُهُ تَعَالَى: {الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ قَرَارًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ فَتَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ} [غافر: 64] وَمَضْمُونُهُ: أَنَّهُ الْخَالِقُ الرَّازِقُ، مَالِكُ الدَّارِ وَسَاكِنِيهَا، وَرَازِقُهُمْ، فَبِهَذَا يَسْتَحِقُّ أَنْ يُعْبَدَ وَحْدَهُ وَلاَ يُشْرَكَ بِهِ غَيْرُهُ، وَلِهَذَا قَالَ: {فَلاَ تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ} وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَيُّ الذَّنْبِ أَعْظَمُ عِنْدَ اللهِ؟ قَالَ: «أَنْ تَجْعَلَ ِلله نِدًّا وَهُوَ خَلَقَكَ»[204]. اَلْحَدِيثَ. وَكَذَا حَدِيثُ مُعَاذٍ: «أَتَدْرِي مَا حَقُّ اللهِ عَلَى عِبَادِهِ؟ أَنْ يَعْبُدُوهُ وَلاَ يُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا»[205]. اَلْحَدِيثَ، وَفِي الْحَدِيثِ الاْخَرِ: «لاَ يَقُولَنَّ أَحَدُكُمْ مَا شَاءَ اللهُ وَشَاءَ فُلاَنٌ، وَلكِنْ لِيَقُلْ: مَا شَاءَ اللهُ ثُمَّ شَاءَ فُلاَنٌ»[206]. [204] (فتح الباري 8/350، ومسلم 1/90) [205] (فتح الباري 13/359، ومسلم 1/59) [206] (أحمد 5/384، 394، 398) [دَلاَئِلُ وُجُودِ الْبَارِي تَعَالَى] وَقَدِ اسْتَدَلَّ بِهِ كَثِيرٌ مِنَ الْمُفَسِّرِينَ كَالرَّازِيِّ وَغَيْرِهِ عَلَى وُجُودِ الصَّانِعِ تَعَالَى، وَهِيَ دَالَّـةٌ عَلَى ذَلِكَ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى، فَإِنَّ مَنْ تَأَمَّلَ هَذِهِ الْمَوْجُودَاتِ السُّفْلِيَّةَ وَالْعُلْوِيَّةَ وَاخْتِلاَفَ أَشْكَالِهَا وَأَلْوَانِهَا، وَطِبَاعِهَا وَمَنَافِعِهَا، وَوَضْعِهَا فِي مَوَاضِعِ النَّفْعِ بِهَا مُحْكَمَةً، عَلِمَ قُدْرَةَ خَالِقِهَا وَحِكْمَتَهُ، وَعِلْمَهُ وَإِتْقَانَهُ وَعَظِيمَ سُلْطَانِهِ، كَمَا قَالَ بَعْضُ الْأَعْرَابِ، وَقَدْ سُئِلَ: مَا الدَّلِيلُ عَلَى وُجُودِ الرَّبِّ تَعَالَى؟ فَقَالَ: يَا سُبْحَانَ اللهِ، إِنَّ الْبَعْرَ لَيَدُلُّ عَلَى الْبَعِيرِ، وَإِنَّ أَثَرَ الْأَقْدَامِ لَتَدُلُّ عَلَى الْمَسِيرِ، فَسَماءٌ ذَاتُ أَبْرَاجٍ، وَأَرْضٌ ذَاتُ فِجَاجٍ، وَبِحَارٌ ذَاتُ أَمْوَاجٍ؛ أَلاَ يَدُلُّ ذَلِكَ عَلَى وُجُودِ اللَّطِيفِ الْخَبِيرِ؟[207]. [207] (الرازي 2/91) فَمَنْ تَأَمَّلَ هَذِهِ السَّموَاتِ فِي ارْتِفَاعِهَا وَاتِّسَاعِهَا، وَمَا فِيهَا مِنَ الْكَوَاكِبِ الْكِبَارِ وَالصِّغَارِ النَّـيِّرَةِ مِنَ السَّيَّارَةِ وَمِنَ الثَّوَابِتِ، وشاهدها كيف تدور مع الفلك العظيم في كل يوم وليلة دويرة، ولها في أنفسها سير يخصها، وَنَظَرَ إِلَى الْبِحَارِ الْمُكْتَنِفَةِ لِلْأَرْضِ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ، وَالْجِبَالِ الْمَوْضُوعَةِ فِي الْأَرْضِ لِتَقِرَّ وَيَسْكُنَ سَاكِنُوهَا مَعَ اخْتِلاَفِ أَشْكَالِهَا وَأَلْوَانِهَا كَمَا قَالَ تَعَالَى: {وَمِنَ الْجِبَالِ جُدَدٌ بِيْضٌ وَحُمْرٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهَا وَغَرَابِيبُ سُودٌ *وَمِنَ النَّاسِ وَالدَّوَابِ وَالأَنْعَامِ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ كَذَلِكَ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ} [فاطر: 27، 28] وَكَذَلِكَ هَذِهِ الْأَنْهَارُ السَّارِحَةُ مِنْ قُطْرٍ إِلَى قُطْرٍ لِلْمَنَافِعِ، وَمَا ذَرَأَ فِي الْأَرْضِ مِنَ الْحَيْوَانَاتِ الْمُتَنَوِّعَةِ وَالنَّـبَاتِ الْمُخْتَلِفِ الطُّعُومِ وَالْأَرَايِيجِ وَالْأَشْكَالِ وَالْأَلْوَانِ، مَعَ اتِّحَادِ طَبِيعَةِ التُّرْبَةِ وَالْمَاءِ: اسْتَدَلَّ عَلَى وُجُودِ الصَّانِعِ وَقُدْرَتِهِ الْعَظِيمَةِ وَحِكْمَتِهِ وَرَحْمَتِهِ بِخَلْقِهِ، وَلُطْفِهِ بِهِمْ، وَإِحْسَانِهِ إِلَيْهِمْ وَبِرِّهِ بِهِمْ، لاَ إِلَهَ غَيْرُهُ وَلاَ رَبَّ سِوَاهُ، عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ، وَالْآيَاتُ فِي الْقُرْآنِ الدَّالَّةُ عَلَى هَذَا الْمَقَامِ كَثِيرَةٌ جِدًّا. {وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ *فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ} [إِثْبَاتُ رِسَالَةِ الرَّسُولِ ﷺ] ثُمَّ شَرَعَ تَعَالَى فِي تَقْرِيرِ النُّبُوَّةِ بَعْدَ أَنْ قَرَّرَ أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ، فَقَالَ مُخَاطِبًا لِلْكَافِرِينَ: {وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا} يَعْنِي مُحَمَّدًا ﷺ {فَأْتُوا بِسُورَةٍ} مِنْ مِثْلِ مَا جَاءَ بِهِ، إِنْ زَعَمْتُمْ أَنَّهُ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللهِ فَعَارِضُوهُ بِمِثْلِ مَا جَاءَ بِهِ، وَاسْتَعِينُوا عَلَى ذَلِكَ بِمَنْ شِئْتُمْ مِنْ دُونِ اللهِ، فَإِنَّكُمْ لاَ تَسْتَطِيعُونَ ذَلِكَ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: {شُهَدَاءَكُمْ} أَعْوَانَكُمْ[208]. َوقَالَ السُّدِّيُّ عَنْ أَبِي مَالِكٍ: شُرَكَاءَكُمْ، َأيْ قَوْمًا آخَرِينَ يُسَاعِدُونَكُمْ عَلَى ذَلِكَ، أَيِ اسْتَعِينُوا بِآلِهَتِكُمْ فِي ذَلِكَ يَمُدُّونَكُمْ وَيَنْصُرُونَكُمْ[209]. وَقَالَ مُجَاهِدٌ قَالَ: نَاسٌ يَشْهَدُونَ بِهِ[210]. يَعْنِي حُكَّامَ الْفُصَحَاءِ. [208] (الطبري 1/376) [209] (ابن أبي حاتم 1/84) [210] (ابن أبي حاتم 1/85) [اَلتَّحَدِّي وَالْإِعْجَازُ] وَقَدْ تَحَدَّاهُمُ اللهُ تَعَالَى بِهَذَا فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ مِنَ الْقُرْآنِ فَقَالَ فِي سُورَةِ الْقَصَصِ: {قُلْ فَأْتُوا بِكِتَابٍ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ هُوَ أَهْدَى مِنْهُمَا أَتَّبِعْهُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ} [الآية: 49] وَقَالَ فِي سُورَةِ الْإِسْرَاءِ {قُلْ لَئِنْ اجْتَمَعَتْ الإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لاَ يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا} [الإسراء: 88] وَقَالَ فِي سُورَةِ هُودٍ: {أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ} [هود: 13] وَقَالَ فِي سُورَةِ يُونُسَ: {وَمَا كَانَ هَذَا الْقُرْآنُ أَنْ يُفْتَرَى مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ الْكِتَابِ لاَ رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ *أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ} [يونس: 37، 38] وَكُلُّ هَذِهِ الْآيَاتِ مَكِّـيَّـةٌ. ثُمَّ تَحَدَّاهُمْ بذَلِكَ أَيْضًا فِي الْمَدِينَةِ فَقَالَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ: {وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ} أَيْ شَكٍّ {مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا} - يَعْنِي مُحَمَّدًا ﷺ - {فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ} يَعْنِي مِنْ مِثْلِ الْقُرْآنِ، قَالَهُ مُجَاهِدٌ وَقَتَادَةُ وَاخْتَارَهُ ابْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ وَالزَّمَخْشَرِيُّ وَالرَّازِيُّ، وَنَقَلَهُ عَنْ عُمَرَ وَابْنِ مَسْعُودٍ وَابْنِ عَبَّاسٍ وَالْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ، وَأَكْثَرِ الْمُحَقِّقِينَ، وَرَجَّحَ ذَلِكَ بِوُجُوهٍ مِنْ أَحْسَنِهَا أَنَّهُ تَحَدَّاهُمْ كُلَّهُمْ مُتَفَرِّقِينَ وَمُجْتَمِعِينَ، سَوَاءٌ فِي ذَلِكَ أُمِّيُّهُمْ وَكِتَابِيُّهُمْ، وَذَلِكَ أَكْمَلُ التَّحَدِّي، وَأَشْمَلُ مِنْ أَنْ يَتَحَدَّى آحَادَهُمُ الْأُمِّيِّينَ مِمِّنْ لاَ يَكْتُبُ وَلاَ يُعَانِي شَيْئًا مِنَ الْعُلُومِ، وَبِدَلِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ} [هود: 13] وَقَوْلِهِ: {لاَ يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ} [الإسراء: 88] فَهَذَا التَّحَدِّي عَامٌّ لَهُمْ كُلِّهِمْ مَعَ أَنَّهُمْ أَفْصَحُ الْأُمَمِ، وَقَدْ تَحَدَّاهُمْ بِهَذَا فِي مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ مَرَّاتٍ عَدِيدَةٍ مَعَ شِدَّةِ عَدَاوَتِهِمْ لَهُ وَبُغْضِهِمْ لِدِينِهِ، وَمَعَ هَذَا عَجِزُوا عَنْ ذَلِكَ، وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى: {فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا} وَلَنْ لِنَفْيِ التَّأْبِيدِ فِي الْمُسْتَقْبَلِ أَيْ وَلَنْ تَفْعَلُوا ذَلِكَ أَبَدًا، وَهَذِهِ أَيْضًا مُعْجِزَةٌ أُخْرَى، وَهُوَ أَنَّهُ أَخْبَرَ خَبَرًا جَازِمًا قَاطِعًا مُقَدَّمًا غَيْرَ خَائِفٍ وَلاَ مُشْفِقٍ أَنَّ هَذَا الْقُرْآنَ لاَ يُعَارَضُ بِمِثْلِهِ أَبَدَ الاْبِدِينَ وَدَهْرَ الدَّاهِرِينَ، وَكَذَلِكَ وَقَعَ الْأَمْرُ، لَمْ يُعَارَضْ مِنْ لَدُنْهُ إِلَى زَمَانِنَا هَذَا وَلاَ يُمْكِنُ، وَأَنَّى يَتَأَتَّى ذَلِكَ لِأَحَدٍ وَالْقُرْآنُ كَلاَمُ اللهِ خَالِقِ كُلِّ شَيْءٍ؟ وَكَيْفَ يُشْبِهُ كَلاَمَ الْخَالِقِ كَلاَمُ الْمَخْلُوقِينَ؟! [مِنْ وُجُوهِ إِعْجَازِ الْقُرْآنِ] وَمَنْ تَدَبَّرَ الْقُرْآنَ وَجَدَ فِيهِ مِنْ وُجُوهِ الْإِعْجَازِ فُنُونًا ظَاهِرَةً وَخَفِيَّةً مِنْ حَيْثُ اللَّفْظِ وَمِنْ جِهَةِ الْمَعْنَى، قَالَ اللهُ تَعَالَى: {الر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ} [هود: 1] فَأُحْكِمَتْ أَلْفَاظُهُ وَفُصِّلَتْ مَعَانِيهِ، أَوْ بِالْعَكْسِ - عَلَى الْخِلاَفِ - فَكُلٌّ مِنْ لَفْظِهِ وَمَعْنَاهُ فَصِيحٌ لاَ يُحَاذَى وَلاَ يُدَانَى، فَقَدْ أَخْبَرَ عَنْ مُغَـيَّـبَاتٍ مَاضِيَةٍ كَانَتْ، وَوَقَعَتْ طِبْقَ مَا أَخْبَرَ سَوَاءً بِسَوَاءٍ. وَأَمَرَ بِكُلِّ خَيْرٍ، وَنَهَى عَنْ كُلِّ شَرٍّ كَمَا قَالَ تَعَالَى: {وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلاً} [الأنعام: 115] أَيْ صِدْقًا فِي الْأَخْبَارِ وَعَدْلاً فِي الْأَحْكَامِ، فَكُلُّهُ حَقٌّ وَصِدْقٌ وَعَدْلٌ وَهُدًى، لَيْسَ فِيهِ مُجَازَفَةٌ وَلاَ كَذِبٌ وَلاَ افْتِرَاءٌ، كَمَا يُوجَدُ فِي أَشْعَارِ الْعَرَبِ وَغَيْرِهِمْ مِنَ الْأَكَاذِيبِ وَالْمُجَازَفَاتِ الَّتِي لاَ يَحْسُنُ شِعْرُهُمْ إِلاَّ بِهَا، كَمَا قِيلَ فِي الشِّعْرِ: إِنَّ أَعْذَبَهُ أَكْذَبُهُ. وَتَجِدُ الْقَصِيدَةَ الطَّوِيلَةَ الْمَدِيدَةَ قَدِ اسْتُعُمِلَ غَالِبُهَا فِي وَصْفِ النِّسَاءِ أَوِ الْخَيْلِ أَوِ الْخَمْرِ، أَوْ فِي مَدْحِ شَخْصٍ مُعَيَّنٍ أَوْ فَرَسٍ أَوْ نَاقَةٍ أَوْ حَرْبٍ أَوْ كَائِنَةٍ أَوْ مَخَافَةٍ أَوْ سَبُعٍ أَوْ شَيْءٍ مِنَ الْمُشَاهَدَاتِ الْمُتَعَيِّنَةِ الَّتِي لاَ تُفِيدُ شَيْئًا إِلاَّ قُدْرَةُ الْمُتَكَلِّمِ الْمُعَيَّنِ: عَلَى الشَّيْءِ الْخَفِيِّ أَوِ الدَّقِيقِ، أَوْ إِبْرَازُهُ إِلَى الشَّيْءِ الْوَاضِحِ، ثُمَّ تَجِدُ لَهُ فِيهِ بَيْتًا أَوْ بَيْتَيْنِ أَوْ أَكْثَرَ هِيَ بُيُوتُ الْقَصِيدِ، وَسَائِرُهَا هَذَرٌ لاَ طَائِلَ تَحْتَهُ. وَأَمَّا الْقُرْآن فَجَمِيعُهُ فَصِيحٌ فِي غَايَةِ نِهَايَاتِ الْبَلاَغَةِ عِنْدَ مَنْ يَعْرِفُ ذَلِكَ تَفْصِيلاً وَإِجْمَالاً، مِمَّنْ فَهِمَ كَلاَمَ الْعَرَبِ وَتَصَارِيفَ التَّعْبِيرِ، فَإِنَّهُ، إِنْ تَأَمَّلْتَ أَخْبَارَهُ وَجَدْتَهَا فِي غَايَةِ الْحَلاَوَةِ سَوَاءً كَانَتْ مَبْسُوطَةً أَوْ وَجِيزَةً، وَسَوَاءً تَكَرَّرَتْ أَمْ لاَ، وَكُلَّمَا تَكَرَّرَ حَلاَ وَعَلاَ، لاَ يَخْلَقُ عَنْ كَثْرَةِ الرَّدِّ، وَلاَ يَمَلُّ مِنْهُ الْعُلَمَاءُ. وَإِنْ أَخَذَ فِي الْوَعِيدِ وَالتَّهْدِيدِ، جَاءَ مِنْهُ مَا تَقْشَعِرُّ مِنْهُ الْجِبَالُ الصُّمُّ الرَّاسِيَاتُ، فَمَا ظَنُّكَ بِالْقُلُوبِ الْفَاهِمَاتِ. وَإِنْ وَعَدَ؛ أَتَى بِمَا يَفْتَحُ الْقُلُوبَ وَالاْذَانَ، وَيُشَوِّقُ إِلَى دَارِ السَّلاَمِ، وَمُجَاوَرَةِ عَرْشِ الرَّحْمنِ، كَمَا قَالَ فِي التَّرْغِيبِ: {فَلاَ تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} [السجدة: 17] وَقَالَ: {وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الأَنْفُسُ وَتَلَذُّ الأَعْيُنُ وَأَنْتُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} [الزخرف: 71] وَقَالَ فِي التَّرْهِيبِ: {أَفَأَمِنْتُمْ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمْ جَانِبَ الْبَرِّ} [الإسراء: 68] {أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الأَرْضَ فَإِذَا هِيَ تَمُورُ *أَمْ أَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا فَسَتَعْلَمُونَ كَيْفَ نَذِيرِ} [الملك: 16، 17] وَقَالَ فِي الزَّجْرِ: {فَكُلاًّ أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ} [العنكبوت: 40] وَقَالَ فِي الْوَعْظِ: {أَفَرَأَيْتَ إِنْ مَتَّعْنَاهُمْ سِنِينَ *ثُمَّ جَاءَهُمْ مَا كَانُوا يُوعَدُونَ *مَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يُمَتَّعُونَ} [الشعراء: 205-207] إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ أَنْوَاعِ الْفَصَاحَةِ وَالْبَلاَغَةِ وَالْحَلاَوَةِ. وَإِنْ جَاءَتِ الْآيَاتُ فِي الْأَحْكَامِ وَالْأَوَامِرِ وَالنَّوَاهِي، اِشْتَمَلَتْ عَلَى الْأَمْرِ بِكُلِّ مَعْرُوفٍ حَسَنٍ نَافِعٍ طَيِّبٍ مَحْبُوبٍ، وَالنَّهْيِ عَنْ كُلِّ قَبِيحٍ رَذِيلٍ دَنِيءٍ، كَمَا قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ وَغَيْرُهُ مِنَ السَّلَفِ، إِذَا سَمِعْتَ اللهَ تَعَالَى يَقُولُ فِي الْقُرْآنِ: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا} فَأَرْعِهَا َسمْعَكَ، فَإِنَّهَا خَيْرٌ يَأْمُرُ بِهِ أَوْ شَرٌّ يَنْهَى عَنْهُ. وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى: {يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطِّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالأَغْلاَلَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ}... اَلْآيَةَ [الأعراف: 157]. وَإِنْ جَاءَتِ الْآيَاتُ فِي وَصْفِ الْمَعَادِ وَمَا فِيهِ مِنَ الْأَهْوَالِ، وَفِي وَصْفِ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ، وَمَا أَعَدَّ اللهُ فِيهِمَا لِأَوْلِيَائِهِ وَأَعْدَائِهِ مِنَ النَّعِيمِ وَالْجَحِيمِ، وَالْمَلاَذِّ وَالْعَذَابِ الْأَلِيمِ؛ بَشَّرَتْ بِهِ وَحَذَّرَتْ وَأَنْذَرَتْ، وَدَعَتْ إِلَى فِعْلِ الْخَيْرَاتِ وَاجْتِنَابِ الْمُنْكَرَاتِ، وَزَهَّدَتْ فِي الدُّنْيَا وَرَغَّبَتْ فِي الاْخِرَةِ، وَثَبَّتَتْ عَلَى الطَّرِيقَةِ الْمُثْلَى، وَهَدَتْ إِلَى صِرَاطِ اللهِ الْمُسْتَقِيمِ، وَشَرْعِهِ الْقَوِيمِ، وَنَفَتْ عَنِ الْقُلُوبِ رِجْسَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ. [اَلْقُرْآنُ هُوَ الْمُعْجِزَةُ الْعُظْمَى لِنَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ ﷺ] وَلِهَذَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ قَالَ: «مَا مِنْ نَبِيٍّ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ إِلاَّ قَدْ أُعْطِيَ مِنَ الْآيَاتِ مَا آمَنَ عَلَى مِثْلِهِ الْبَشَرُ، وَإِنَّمَا كَانَ الَّذِي أُوتِيتُه وَحْيًا أَوْحَاهُ اللهُ إِلَيَّ، فَأَرْجُو أَنْ أَكُونَ أَكْثَرَهُمْ تَابِعًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ»[211]- لَفْظُ مُسْلِمٍ - وَقَوْلُهُ ﷺ: «وَإِنَّمَا كَانَ الَّذِي أُوتِيتُهُ وَحْيًا» أَيِ الَّذِي اخْتُصِصْتُ بِهِ مِنْ بَيْنِهِمْ هَذَا الْقُرْآنُ الْمُعْجِزُ لِلْبَشَرِ أَنْ يُعَارِضُوهُ، بِخِلاَفِ غَيْرِهِ مِنَ الْكُتُبِ الْإِلهِيَّةِ فَإِنَّهَا لَيْسَتْ مُعْجِزَةً عِنْدَ كَثِيرٍ مِنَ الْعُلَمَاءِ، وَاللهُ أَعْلَمُ، وَلَهُ عَلَيْهِ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ مِنَ الْآيَاتِ الدَّالَّةِ عَلَى نَبُوَّتِهِ وَصِدْقِهِ فِيمَا جَاءَ بِهِ مَا لاَ يَدْخُلُ تَحْتَ حَصْرٍ، وَللهِ الْحَمْدُ وَالْمِنَّةُ. [211] (فتح الباري 8/619، ومسلم 1/134) [اَلْمُرَادُ بِالْحِجَارَةِ] وَقَوْلُهُ تَعَالَى: {فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ} [البقرة: 24] أَمَّا الْوَقُودُ، بِفَتْحِ الْوَاوِ، فَهُوَ مَا يُلْقى فِي النَّارِ لإِضْرَامِهَا كَالْحَطَبِ وَنَحْوِهِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: {وَأَمَّا الْقَاسِطُونَ فَكَانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَبًا} [الجن: 15] وَقَالَ تَعَالَى: {إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ *لَوْ كَانَ هَؤُلاَءِ آلِهَةً مَا وَرَدُوهَا وَكُلٌّ فِيهَا خَالِدُونَ} [الأنبياء: 98، 99] وَالْمُرَادُ بِالْحِجَارَةِ ها هُنَا هِيَ حِجَارَةُ الْكِبْرِيتِ الْعَظِيمَةُ السَّوْدَاءُ الصُّلْبَةُ الْمُنْـتِـنَـةُ، وَهِيَ أَشَدُّ الْأَحْجَارِ حَرًّا إِذَا حَمِيَتْ، أَجَارَنَا اللهُ مِنْهَا. وَقِيلَ: الْمُرَادُ بِهَا حِجَارَةُ الْأَصْنَامِ وَالْأَنْدَادِ الَّتِي كَانَتْ تُعْبَدُ مِنْ دُونِ اللهِ كَمَا قَالَ تَعَالَى: {إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ}... الْآيَةَ [الأنبياء: 98]. وَقَوْلُهُ تَعَالَى: {أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ} الْأَظْهَرُ: أَنَّ الضَّمِيرَ فِي {أُعِدَّتْ} عَائِدٌ إِلَى النَّارِ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ، وَيَحْتَمِلُ عَوْدُهُ إِلَى الْحِجَارَةِ، وَلاَ مُنَافَاةَ بَيْنَ الْقَوْلَيْنِ فِي الْمَعْنَى، لِأَنَّهُمَا مُتَلاَزِمَانِ، وَ{أُعِدَّتْ} أَيْ أُرْصِدَتْ وَحُصِّلَتْ لِلْكَافِرِينَ بِاللهِ وَرَسُولِهِ، كَمَا قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ عَنْ مُحَمَّدٍ عَنْ عِكْرِمَةَ أَوْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ {أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ} أَيْ لِمَنْ كَانَ عَلَى مِثْلِ مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ مِنَ الْكُفْرِ[212]. [212] (الطبري 1/383 إسناده ضعيف لتدليس ابن إسحاق ولوجوه أخرى) [إِنَّ جَهَنَّمَ مَوْجُودَةٌ الاْنَ] وَقَدِ اسْتَدَلَّ كَثِيرٌ مِنْ أَئِمَّةِ السُّنَّةِ بِهَذِهِ الْآيَةِ عَلَى أَنَّ النَّارَ مَوْجُودَةٌ الاْنَ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {أُعِدَّتْ} أَيْ أُرْصِدَتْ وَهُيِّئَتْ، وَقَدْ وَرَدَتْ أَحَادِيثُ كَثِيرَةٌ فِي ذَلِكَ مِنْهَا: «تَحَاجَّتِ الْجَنَّـةُ وَالنَّارُ»[213]. وَمِنْهَا «اسْتَأْذَنَتِ النَّارُ رَبَّهَا فَقَالَتْ: رَبِّ أَكَلَ بَعْضِي بَعْضًا، فَأَذِنَ لَهَا بِنَفَسَيْنِ: نَفَسٍ فِي الشِّتَاءِ وَنَفَسٍ فِي الصَّيْفِ»[214]وَحَدِيثُ ابْنِ مَسْعُودٍ: سَمِعْنَا وَجْبَةً، فَقُلْنَا: مَا هَذِهِ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «هَذَا حَجَرٌ أُلْقِيَ بِهِ مِنْ شَفِيرِ جَهَنَّمَ مُنْذُ سَبْعِينَ سَنَةً، الاْنَ وَصَلَ إِلَى قَعْرِهَا». وَهُوَ عِنْدَ مُسْلِمٍ[215]. وَحَدِيثُ صَلاَةِ الْكُسُوفِ وَلَيْلَةِ الْإِسْرَاءِ، وَغَيْرُ ذَلِكَ مِنَ الْأَحَادِيثِ الْمُتَوَاتِرَةِ فِي هَذَا الْمَعْنى. [213] (مسلم 4/2186) [214] (البخاري 537، وتحفة الأحوذي 7/317) [215] (4/2184) {وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ كُلَّمَا رُزِقُوا مِنْهَا مِنْ ثَمَرَةٍ رِزْقًا قَالُوا هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ وأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَهُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} [جَزَاءُ الْمُؤْمِنِينَ الصَّالِحِينَ] لَمَّا ذَكَرَ تَعَالَى مَا أَعَدَّهُ لِأَعْدَائِهِ مِنَ الْأَشْقِيَاءِ الْكَافِرِينَ بِهِ وَبِرُسُلِهِ مِنَ الْعَذَابِ وَالنَّكَالِ، عَطَفَ بِذِكْرِ حَالِ أَوْلِيَائِهِ مِنَ السُّعَدَاءِ الْمُؤْمِنِينَ بِهِ وَبِرُسُلِهِ الَّذِينَ صَدَّقُوا إِيمَانَهُمْ بِأَعْمَالِهِمُ الصَّالِحَةِ. وَهَذَا مَعْنى تَسْمِيَةِ الْقُرْآنِ "مَثَانِيَ" عَلَى أَصَحِّ أَقْوَالِ الْعُلَمَاءِ كَمَا سَنَبْسُطُهُ فِي مَوْضِعِهِ، وَهُوَ أَنْ يُذْكَرَ الْإِيمَانُ وَيُتْبَعَ بِذِكْرِ الْكُفْرِ أَوْ عَكْسُهُ، أَوْ حَالُ السُّعَدَاءِ ثُمَّ الْأَشْقِيَاءِ أَوْ عَكْسُهُ، وَحَاصِلُهُ ذِكْرُ الشَّيْءِ وَمُقَابِلِهِ. وَأَمَّا ذِكْرُ الشَّيْءِ وَنَظِيرِهِ فَذَاكَ التَّشَابُهُ كَمَا سَنُوَضِّحُهُ إِنْ شَاءَ اللهُ. فَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى: {وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ} فَوَصَفَهَا بِأَنَّهَا تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ، أَيْ مِنْ تَحْتِ أَشْجَارِهَا وَغُرَفِهَا، وَقَدْ جَاءَ فِي الْحَدِيثِ: أَنَّ أَنْهَارَهَا تَجْرِي فِي غَيْرِ أُخْدُودٍ[216]، وَجَاءَ فِي الْكَوْثَرِ أَنَّ حَافَـتَيْهِ قِبَابُ اللُّؤْلُؤِ الْمُجَوَّفِ، وَلاَ مُنَافَاةَ بَيْنَهُمَا، فَطِينُهَا الْمِسْكُ الْأَذْفَرُ، وَحَصْبَاؤُهَا اللُّؤْلُؤُ وَالْجَوْهَرُ، نَسْأَلُ اللهَ مِنْ فَضْلِهِ، إِنَّهُ هُوَ الْبَرُّ الرَّحِيمُ. [216] (في سنده سعيد بن إياس الجرير وهو مختلط وسماع يزيد بن هارون عنه متأخر، وقول سروق، صحيح ثابت) وَرَوَى ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «أَنْهَارُ الْجَنَّةِ تَفَجَّرُ تَحْتَ تِلاَلٍ - أَوْ مِنْ تَحْتِ جِبَالِ - الْمِسْكِ»[217] وَرَوَى أَيْضًا عَنْ مَسْرُوقٍ، قَالَ: قَالَ عَبْدُ اللهِ: أَنْهَارُ الْجَنَّةِ تَفَجَّرُ مِنْ جَبَلِ الْمِسْكِ[218]. [217] (ابن أبي حاتم 1/87) [218] (لبن أبي حاتم 1/88) [مُشَابَهَةُ ثِمَارِ الْجَنَّةِ بَعْضِهَا بِبَعْضٍ] وَقَوْلُهُ تَعَالَى: {كُلَّمَا رُزِقُوا مِنْهَا مِنْ ثَمَرَةٍ رِزْقًا قَالُوا هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ} وَرَوَى ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ عَنْ يَحْيَى ابْنُ أَبِي كَثِيرٍ، قَالَ: عُشُبُ الْجَنَّةِ الزَّعْفَرَانُ، وَكُثْبَانُهَا الْمِسْكُ، وَيَطُوفُ عَلَيْهِمُ الْوِلْدَانُ بِالْفَوَاكِهِ فَيَأْكُلُونَهَا، ثُمَّ يُؤْتَوْنَ بِمِثْلِهَا، فَيَقُولُ لَهُمْ أَهْلُ الْجَنَّةِ: هَذَا؛ الَّذِي أَتَيْتُمُونَا آنِفًا بِهِ، فَتَقُولُ لَهُمُ الْوِلْدَانُ: كُلُوا فَاللَّوْنُ وَاحِدٌ وَالطَّعْمُ مُخْتَلِفٌ، وَهُوَ قَوْلُ اللهِ تَعَالَى: {وأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا}[219]. وَقَالَ أَبُو جَعْفَرٍ الرَّازِيُّ عَنِ الرَّبِيعِ بْنِ أَنَسٍ عَنْ أَبِي الْعَالِيَةِ {وأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا} قَالَ: يُشْبِهُ بَعْضُهُ بَعْضًا، وَيَخْتَلِفُ فِي الطَّعْمِ[220]. وَقَالَ عِكْرِمَةُ: {وأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا} قَالَ يُشْبِهُ ثَمَرَ الدُّنْيَا، غَيْرَ أَنَّ ثَمَرَ الْجَنَّةِ أَطْيَبُ[221]. وَقَالَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ عَنِ الْأَعْمَشِ عَنْ أَبِي ظُبْيَانَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: لاَ يُشْبِهُ شَيْءٌ مِمَّا فِي الْجَنَّةِ مَا فِي الدُّنْيَا إِلاَّ فِي الْأَسْمَاءِ. وَفِي رِوَايَةٍ: لَيْسَ فِي الدُّنْيَا مِمَّا فِي الْجَنَّةِ إِلاَّ الْأَسْمَاءُ.[222]. [219] (ابن أبي حاتم 1/90) [220] (ابن أبي حاتم 1/90) [221] (الطبري 1/391) [222] (الطبري 1/392) [أَزْوَاجُ أَهْلِ الْجَنَّةِ مُطَهَّرَاتٌ] وَقَوْلُهُ تَعَالَى: {وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ} قَالَ ابْنُ أَبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: مُطَهَّرَةٌ مِنَ الْقَذَرِ وَالْأَذَى[223]. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: مِنَ الْحَيْضِ وَالْغَائِطِ وَالْبَوْلِ وَالنُّخَامِ وَالْبُزَاقِ وَالْمَنِيِّ وَالْوَلَدِ[224]. وَقَالَ قَتَادَةُ: مُطَهَّرَةٌ مِنَ الْأَذَى وَالْمَأْثَمِ، وَفِي رِوَايَةٍ عَنْهُ: لاَ حَيْضَ وَلاَ كَلَفَ[225]. وَرُوِيَ عَنْ عَطَاءٍ وَالْحَسَنِ وَالضَّحَّاكِ وَأَبِي صَالِحٍ وَعَطِيَّةَ وَالسُّدِّيِّ نَحْوُ ذَلِكَ[226]. [223] (الطبري 1/395) [224] (الطبري 1/396) [225] (ابن أبي حاتم 1/91) [226] (ابن أبي حاتم 1/92) وَقَوْلُهُ تَعَالَى: {وَهُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} هَذَا هُوَ تَمَامُ السَّعَادَةِ، فَإِنَّهُمْ مَعَ هَذَا النَّعِيمِ فِي مَقَامٍ أَمِينٍ مِنَ الْمَوْتِ وَالاِنْقِطَاعِ، فَلاَ آخِرَ لَهُ وَلاَ انْقِضَاءَ، بَلْ فِي نَعِيمٍ سَرْمَدِيٍّ أَبَدِيٍّ عَلَى الدَّوَامِ، وَاللهُ الْمَسْؤُولُ أَنْ يَحْشُرَنَا فِي زُمْرَتِهِمْ، إِنَّهُ جَوَادٌ كَرِيمٌ بَرٌّ رَحِيمٌ. {إِنَّ اللَّهَ لاَ يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلاً مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا فَأَمَا الَّذِينَ آمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَأَمَا الَّذِينَ كَفَرُوا فَيَقُولُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلاً يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلاَّ الْفَاسِقِينَ *الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الأَرْضِ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ} رَوَى السُّدِّيُّ فِي تَفْسِيرِهِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَابْنِ مَسْعُودٍ، وَعَنْ نَاسٍ مِنَ الصَّحَابَةِ: لَمَّا ضَرَبَ اللهُ هذَيْنِ الْمَثَلَيْنِ لِلْمُنَافِقِينَ، يَعْنِي قَوْلَهُ تَعَالَى: {مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اُسْتَوْقَدَ نَارًا} وَقَوْلَهُ: {أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّمَاءِ} الْآيَاتِ الثَّـلاَثَ [17-20] قَالَ الْمُنَافِقُونَ: اَللهُ أَعْلَى وَأَجَلُّ مِنْ أَنْ يَضْرِبَ هَذِهِ الْأَمْثَالَ، فَأَنْزَلَ اللهُ هَذِهِ الْآيَةَ إِلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: {هُمُ الْخَاسِرُونَ}[227]وَقَالَ سَعِيدٌ عَنْ قَتَادَةَ: أَيْ إِنَّ اللهَ لاَ يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ أَنْ يَذْكُرَ شَيْئًا مِمَّا قَلَّ أَوْ كَثُرَ. وَإِنَّ اللهَ حِينَ ذَكَرَ فِي كِتَابِهِ الذُّبَابَ وَالْعَنْكَبُوتَ، قَالَ أَهْلُ الضَّلاَلَةِ: مَا أَرَادَ اللهُ مِنْ ذِكْرِ هَذَا؟ فَأَنْزَلَ اللهُ: {إِنَّ اللَّهَ لاَ يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلاً مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا}[228]. [227] (الطبري 1/398) [228] (الطبري 1/399) [مَثَلٌ لِلدُّنْيَا] وَقَالَ أَبُو جَعْفَرٍ الرَّازِيُّ عَنِ الرَّبِيعِ بْنِ أَنَسٍ فِي هَذِهِ الْآيَةِ قَالَ: هَذَا مَثَلٌ ضَرَبَهُ اللهُ لِلدُّنْيَا أَنَّ الْبَعُوضَةَ تَحْيَا مَا جَاعَتْ، فَإِذَا سَمِنَتْ مَاتَتْ، وَكَذَلِكَ مَثَلُ هؤُلاَءِ الْقَوْمِ الَّذِينَ ضُرِبَ لَهُمْ هَذَا الْمَثَلُ فِي الْقُرْآنِ إِذَا امْتَلَؤُوا مِنَ الدُّنْيَا رِيًّا أَخَذَهُمُ اللهُ عِنْدَ ذَلِكَ، ثُمَّ تَلاَ: {فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ} [الأنعام: 44] [229]وَمَعْنَى الْآيَةِ أَنَّهُ تَعَالَى أَخْبَرَ أَنَّهُ لاَ يَسْتَحْيِي، أَيْ لاَ يَسْتَنْكِفُ، وَقِيلَ: لاَ يَخْشَى، أَنْ يَضْرِبَ مَثَلاً مَا، أَيْ: أَيَّ مَثَلٍ كَانَ، بِأَيِّ شَيْءٍ كَانَ، صَغِيرًا كَانَ أَوْ كَبِيرًا. [229] (الطبري 1/398) وَقَوْلُهُ تَعَالَى: {فَمَا فَوْقَهَا} أَيْ مَا هُوَ أَكْبَرُ مِنْهَا لِأَنَّهُ لَيْسَ شَيْءٌ أَحْقَرَ وَلاَ أَصْغَرَ مِنَ الْبَعُوضَةِ. رَوَى مُسْلِمٌ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «مَا مِنْ مُسْلِمٍ يُشَاكُ شَوْكَةً فَمَا فَوْقَهَا إِلاَّ كُتِبَ لَهُ بِهَا دَرَجَةٌ، وَمُحِيَتْ عَنْهُ بِهَا خَطِيئَةٌ»[230]فَأَخْبَرَ أَنَّهُ لاَ يَسْتَصْغِرُ شَيْئًا يَضْرِبُ بِهِ مَثَلاً وَلَوْ كَانَ فِي الْحَقَارَةِ وَالصِّغْرِ كَالْبَعُوضَةِ، كَمَا لاَ يَسْتَنْكِفُ عَنْ خَلْقِهَا كَذَلِكَ لاَ يَسْتَنْكِفُ مِنْ ضَرْبِ الْمَثَلِ بِهَا، كَمَا ضَرَبَ الْمَثَلَ بِالذُّبَابِ وَالْعَنْكَبُوتِ فِي قَوْلِهِ: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لاَ يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ} [الحج: 73] وَقَالَ: {مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتًا وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ} [العنكبوت: 41] وَقَالَ تَعَالَى: {أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً كَلِمَةً طِيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ *تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا وَيَضْرِبُ اللَّهُ الأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ *وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ اجْتُثَّتْ مِنْ فَوْقِ الأَرْضِ مَا لَهَا مِنْ قَرَارٍ *يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ} [إبراهيم: 24-27] وَقَالَ تَعَالَى: {ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً عَبْدًا مَمْلُوكًا لاَ يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ}... الْآيَةَ [النحل: 75]، ثُمَّ قَالَ: {وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً رَجُلَيْنِ أَحَدُهُمَا أَبْكَمُ لاَ يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ وَهُوَ كَلٌّ عَلَى مَوْلاَهُ أَيْنَمَا يُوَجِّهْهُ لاَ يَأْتِ بِخَيْرٍ هَلْ يَسْتَوِي هُوَ وَمَنْ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ}... الْآيَةَ [النحل: 76]، كَمَا قَالَ: {ضَرَبَ لَكُمْ مَثَلاً مِنْ أَنْفُسِكُمْ هَلْ لَكُمْ مِن مَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ شُرَكَاءَ فِي مَا رَزَقْنَاكُمْ}... الْآيَةَ [الروم: 28]. [230] (مسلم 4/1991) وَقَالَ مُجَاهِدٌ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {إِنَّ اللَّهَ لاَ يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلاً مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا} الْأَمْثَالُ صَغِيرُهَا وَكَبِيرُهَا يُؤْمِنُ بِهَا الْمُؤْمِنُونَ، وَيَعْلَمُونَ أَنَّهَا الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ، وَيَهْدِيهِمُ اللهُ بِهَا[231]. [231] (ابن أبي حاتم 1/93) رَوَى السُّدِّيُّ فِي تَفْسِيرِهِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَابْنِ مَسْعُودٍ وَعَنْ نَاسٍ مِنَ الصَّحَابَةِ {يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا} يَعْنِي بِهِ الْمُنَافِقِينَ، وَيَهْدِي بِهِ الْمُؤْمِنِينَ، فَيَزِيدُ هؤُلاَءِ ضَلاَلَةً إِلَى ضَلاَلَتِهِمْ لِتَكْذِيبِهِمْ بِمَا قَدْ عَلِمُوهُ حَقًّا يَقِينًا مِنَ الْمَثَلِ الَّذِي ضَرَبَهُ اللهُ بِمَا ضَرَبَ لَهُمْ، وَأَنَّهُ لِمَا ضُرِبَ لَهُ مُوَافِقٌ، فَذَلِكَ إِضْلاَلُ اللهِ إِيَّاهُمْ بِهِ[232]. {وَيَهْدِي بِهِ} يَعْنِي الْمَثَلَ {كَثِيرًا} مِنْ أَهْلِ الْإِيمَانِ وَالتَّصْدِيقِ، فَيَزِيدُهُمْ هُدًى إِلَى ُهدَاهُمْ، وَإِيمَانًا إِلَى إِيمَانِهِمْ، لِتَصْدِيقِهِمْ بِمَا قَدْ عَلِمُوهُ حَقًّا يَقِينًا أَنَّهُ مَوَافِقٌ لِمَا ضَرَبَهُ اللهُ لَهُ مَثَلاً، وَإِقْرَارِهِمْ بِهِ، وَذَلِكَ هِدَايَةٌ مِنَ اللهِ لَهُمْ بِهِ {وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلاَّ الْفَاسِقِينَ} قَالَ: هُمُ الْمُنَافِقُونَ. [232] (الطبري 1/408) وَالْفَاسِقُ فِي اللُّغَةِ هُوَ الْخَارِجُ عَنِ الطَّاعَةِ، وَتَقُولُ الْعَرَبُ: فَسَقَتِ الرُّطَبَةُ: إِذَا خَرَجَتْ مِنْ قِشْرَتِهَا. وَلِهَذَا يُقَالُ لِلْفَأْرَةِ فُوَيْسِقَةٌ لِخُرُوجِهَا عَنْ جُحْرِهَا لِلْفَسَادِ. وَثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «خَمْسٌ فَوَاسِقُ يُقْتَلْنَ فِي الْحِلِّ وَالْحَرَمِ: الْغُرَابُ وَالْحِدَأَةُ وَالْعَقْرَبُ وَالْفَأْرَةُ وَالْكَلْبُ الْعَقُورُ»[233]. [233] (فتح الباري 6/408، ومسلم 2/856) فَالْفَاسِقُ يَشْمَلُ الْكَافِرَ وَالْعَاصِيَ، وَلكِنْ فِسْقُ الْكَافِرِ أَشَدُّ وَأَفْحَشُ، وَالْمُرَادُ بِهِ فِي الْآيَةِ الْفَاسِقُ الْكَافِرُ، وَاللهُ أَعْلَمُ بِدَلِيلِ أَنَّهُ وَصَفَهُمْ بِقَوْلِهِ تَعَالَى{الَّذِينَ يَنقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِن بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَن يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الأَرْضِ أُولَـئِكَ هُمُ الْخَاسِرُون} وَهَذِهِ الصِّفَاتُ صِفَاتُ الْكُفَّارِ الْمُبَايِنَةُ لِصِفَاتِ الْمُؤْمِنِينَ كَمَا قَالَ تَعَالَى فِي سُورَةِ الرَّعْدِ {أَفَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَى إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الأَلْبَابِ *الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَلاَ يَنْقُضُونَ الْمِيثَاقَ *وَالَّذِينَ يَصِلُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ وَيَخَافُونَ سُوءَ الْحِسَابِ} الْآيَاتِ، إِلَى أَنْ قَالَ: {وَالَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الأَرْضِ أُولَئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ} [الرعد: 19-25] وَالْعَهْدُ الَّذِي وَصَفَ هؤُلاَءِ الْفَاسِقِينَ بِنَقْضِهِ، هُوَ: وَصِيَّةُ اللهِ إِلَى خَلْقِهِ، وَأَمْرُهُ إِيَّاهُمْ بِمَا أَمَرَهُمْ بِهِ مِنْ طَاعَتِهِ، وَنَهْيُهُ إِيَّاهُمْ عَمَّا نَهَاهُمْ عَنْهُ مِنْ مَعْصِيَتِهِ، فِي كُتُبِهِ وَعَلَى لِسَانِ رُسُلِهِ، وَنَقْضُهُمْ ذَلِكَ هُوَ تَرْكُهُمُ الْعَمَلَ بِهِ. وَقِيلَ: بَلْ هِيَ فِي كُفَّارِ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُنَافِقِينَ مِنْهُمْ، وَالْعَهْدُ الَّذِي نَقَضَهُ أَهْلُ الْكِتَابِ هُوَ مَا أَخَذَ اللهُ عَلَيْهِمْ فِي التَّوْرَاةِ مِنَ الْعَمَلِ بِمَا فِيهَا، وَاتِّبَاعِ مُحَمَّدٍ ﷺ إِذَا بُعِثَ، وَالتَّصْدِيقِ بِهِ وَبِمَا جَاءَ بِهِ مِنْ عِنْدِ رَبِّهِمْ، وَنَقْضُهُمْ ذَلِكَ، هُوَ: جُحُودُهُمْ بِهِ بَعْدَ مَعْرِفَتِهِمْ بِحَقِيقَتِهِ وَإِنْكَارُهُمْ ذَلِكَ، وَكِتْمَانُهُمْ عِلْمَ ذَلِكَ عَنِ النَّاسِ، بَعْدَ إِعْطَائِهِمُ اللهَ مِنْ أَنْفُسِهِمُ الْمِيثَاقَ: لَيُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلاَ يَكْتُمُونَهُ، فَأَخْبَرَ تَعَالَى أَنَّهُمْ نَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلاً. وهذا اختيار ابن جرير رحمه الله وهو قول مقاتل بن حيان. وَقِيلَ: بَلْ عُنِيَ بِهَذِهِ الْآيَةِ جَمِيعُ أَهلِ الْكُفْرِ وَالشِّرْكِ وَالنِّفَاقِ، وَعَهْدُهُ إِلَى جَمِيعِهِمْ فِي تَوْحِيدِهِ: مَا وَضَعَ لَهُمْ مِنَ الْأَدِلَّةِ الدَّالَّةِ عَلَى رُبُوبِيَّتِهِ. وَعَهْدُهُ إِلَيْهِمْ فِي أَمْرِهِ وَنَهْيِهِ: مَا احْتَجَّ بِهِ لِرُسُلِهِ مِنَ الْمُعْجِزَاتِ الَّتِي لاَ يَقْدِرُ أَحَدٌ مِنَ النَّاسِ غَيْرُهُمْ: أَنْ يَأْتِيَ [بِمِثْلِهَا]، الشَّاهِدَةِ لَهُمْ عَلَى صِدْقِهِمْ، قَالُوا: وَنَقْضُهُمْ ذَلِكَ: تَرْكُهُمُ الْإِقْرَارَ بِمَا قَدْ تَبَيَّنَتْ لَهُمْ صِحَّتُهُ بِالْأَدِلَّةِ، وَتَكْذِيبُهُمُ الرُّسُلَ وَالْكُتُبَ، مَعَ عِلْمِهِمْ أَنَّ مَا أَتَوْا بِهِ حَقٌّ. وَرُوِيَ عَنْ مُقَاتِلِ بْنِ حَيَّانَ أَيْضًا نَحْوُ هَذَا وَهُوَ حَسَنٌ، وَإِلَيْهِ مَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ. وَقَوْلُهُ: {وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ} قِيلَ: الْمُرَادُ بِهِ صِلَةُ الْأَرْحَامِ وَالْقَرَابَاتِ، كَمَا فَسَّرَهُ قَتَادَةُ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ} [محمد: 22] [234]وَرَجَّحَهُ ابْنُ جَرِيرٍ. [234] (الطبري 1/416) وَقِيلَ: الْمُرَادُ أَعَمُّ مِنْ ذَلِكَ. فَكُلُّ مَا أَمَر اللهُ بِوَصْلِهِ وَفِعْلِهِ فَقَطَعُوهُ وَتَرَكُوهُ. [اَلْمُرَادُ بِالْخُسْرَانِ] وَقَالَ مُقَاتِلُ بْنُ حَيَّانَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ} قَالَ: فِي الآْخِرَةِ[235]. وَهَذَا كَمَا قَالَ تَعَالَى: {أُولَئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ} [الرعد: 25] وَقَالَ الضَّحَّاكُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: كُلُّ شَيْءٍ نَسَبَهُ اللهُ إِلَى غَيْرِ أَهْلِ الْإِسْلاَمِ مِنِ اسْمٍ مِثْلَ خَاسِرٍ، فَإِنَّمَا يَعْنِي بِهِ: الْكُفْرَ، وَمَا نَسَبَهُ إِلَى أَهْلِ الْإِسْلاَمِ، فَإِنَّمَا يَعْنِي بِهِ: الذَّنْبَ[236]. وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ} الْخَاسِرُونَ جَمْعُ خَاسِرٍ، وَهُمُ النَّاقِصُونَ أَنْفُسَهُمْ حُظُوظَهُمْ - بِمَعْصِيَتِهِمُ اللهَ مِنْ رَحْمَتِهِ، كَمَا يَخْسَرُ الرَّجُلُ فِي تِجَارَتِهِ بِأَنْ يُوضَعَ مِنْ رَأْسِ مَالِهِ فِي بَيْعِهِ، وَكَذَلِكَ الْمُنَافِقُ وَالْكَافِرُ خَسِرَ بِحِرْمَانِ اللهِ إِيَّاهُ رَحْمَتَهُ الَّتِي خَلَقَهَا لِعِبَادَهِ فِي الْقِيَامَةِ أَحْوَجَ مَا كَانُوا إِلَى رَحْمَتِهِ. يُقَالُ مِنْهُ خَسِرَ الرَّجُلُ يَخْسَرُ خَسْرًا وَخُسَرانًا، كَمَا قَالَ جَرِيرُ بْنُ عَطِيَّـةَ: [235] (ابن أبي حاتم 1/101) [236] (الطبري 1/417 إسناده ضعيف منقطع الضحاك لم يسمع من ابن عباس) إِنَّ سَلِيطًا فِي الْخَسَارِ إِنَّهْ ** أَوْلاَدُ قَـوْمٍ خُلِقُوا أَقِنَّهْ [237] [237] (الطبري 1/417) {كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} يَقُولُ تَعَالَى مُحْتَجًّا عَلَى وُجُودِهِ وَقُدْرَتِهِ وَأَنَّهُ الْخَالِقُ الْمُتَصَرِّفُ فِي عِبَادِهِ: {كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ} أَيْ كَيْفَ تَجْحَدُونَ وُجُودَهُ أَوْ تَعْبُدُونَ مَعَهُ غَيْرَهُ {وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ} أَيْ وَقَدْ كُنْتُمْ عَدَمًا فَأَخْرَجَكُمْ إِلَى الْوُجُودِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: {أَمْ خَلَقُوا السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ بَلْ لاَ يُوقِنُونَ} [الطور: 35، 36] وَقَالَ تَعَالَى: {هَلْ أَتَى عَلَى الإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا} [الإنسان: 1] وَالآْيَاتُ فِي هَذَا كَثِيرَةٌ، وَقَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ عَنْ عَطَاءٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: {وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ} أَمْوَاتًا فِي أَصْلاَبِ آبَائِكُمْ لَمْ تَكُونُوا شَيْئًا حَتَّى خَلَقَكُمْ، ثُمَّ يُمِيتُكُمْ مَوْتَةَ الْحَقِّ، ثُمَّ يُحْيِيكُمْ حِينَ يَبْعَثُكُمْ، قَالَ: وَهِيَ مِثْلُ قَوْلِهِ تَعَالَى: {أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ} [غافر: 11][238]. [238] (الطبري 1/419) {هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيءٍ عَلِيمٌ} [بَيَانُ دَلاَئِلِ الْقُدْرَةِ] لَمَّا ذَكَرَ تَعَالَى دَلاَلَةً مِنْ خَلْقِهِمْ وَمَا يُشَاهِدُونَهُ مِنْ أَنْفُسِهِمْ ذَكَرَ دَلِيلاً آخَرَ مِمَّا يُشَاهِدُونَهُ مِنْ خَلْقِ السَّموَاتِ وَالْأَرْضِ فَقَالَ: {هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ} أَيْ قَصَدَ إِلَى السَّمَاءِ. والاستواء ههنا تضمن معنى القصد والإقبال لأنه عُدّي بإلى أَيْ {فَسَوَّاهُنَّ} فَخَلَقَ السَّمَاءَ سَبْعًا، وَالسَّمَاءُ ههُنَا اسْمُ جِنْسٍ فَلِهَذَا قَالَ: {فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ}. {وَهُوَ بِكُلِّ شَيءٍ عَلِيمٌ} أَيْ وَعِلْمُهُ مُحِيطٌ بِجَمِيعِ مَا خَلَقَ، كَمَا قَالَ: {أَلاَ يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ} [الملك: 14]. [بِدَايَةُ الْخَلْقِ] وَتَفْصِيلُ هَذِهِ الْآيَةِ فِي سُورَةِ حم السَّجْدَةِ وَهُوَ قَوْلُهُ تَعَالَى: {قُلْ أَإِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْدَادًا ذَلِكَ رَبُّ الْعَالَمِينَ *وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِنْ فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاءً لِلسَّائِلِينَ *ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ *فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ وَأَوْحَى فِي كُلِّ سَمَاءٍ أَمْرَهَا وَزَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَحِفْظًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ} [فصلت: 9-12] فَفِي هَذَا دَلاَلَةٌ عَلَى أَنَّهُ تَعَالَى ابْتَدَأَ بِخَلْقِ الْأَرْضِ أَوَّلاً، ثُمَّ خَلَقَ السَّموَاتِ سَبْعًا، وَهَذَا شَأْنُ الْبِنَاءِ أَنْ يُبْدَأَ بِعِمَارَةِ أَسَافِلِهِ ثُمَّ أَعَالِيهِ بَعْدَ ذَلِكَ، وَقَدْ صَرَّحَ الْمُفَسِّرُونَ بِذَلِكَ كَمَا سَنَذْكُرُهُ بَعْدَ هَذَا. إِنْ شَاءَ اللهُ. فَأَمَّا قَوْلُهُ تَعَالَى: {أَأَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمِ السَّمَاءُ بَنَاهَا *رَفَعَ سَمْكَهَا فَسَوَّاهَا *وَأَغْطَشَ لَيْلَهَا وَأَخْرَجَ ضُحَاهَا *وَالأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا *أَخْرَجَ مِنْهَا مَاءَهَا وَمَرْعَاهَا *وَالْجِبَالَ أَرْسَاهَا *مَتَاعًا لَكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ} [النازعات: 27-33] فَقَدْ قِيلَ: إِنَّ {ثُمَّ} ها هُنَا إِنَّمَا هِيَ لِعَطْفِ الْخَبَرِ عَلَى الْخَبَرِ، لاَ لِعَطْفِ الْفِعْلِ عَلَى الْفِعْلِ. رَوَاهُ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ[239]. كَمَا قَالَ الشَّاعِرُ: [239] (الطبري 1/437) قُلْ لِمَنْ سَادَ ثُمَّ سَادَ أَبُوهُ ** ثُمَّ قَدْ سَادَ - وَقَبْلَ ذَلِكَ - جَدُّهُ [خُلِقَتِ الْأَرْضُ قَبْلَ السَّمَاوَاتِ] وَقَالَ مُجَاهِدٌ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا} قَالَ: خَلَقَ اللهُ الْأَرْضَ قَبْلَ السَّمَاءِ، فَلَمَّا خَلَقَ الْأَرْضَ ثَارَ مِنْهَا دُخَانٌ، فَذَلِكَ حِينَ يَقُولُ: {ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ} [فصلت:11] {فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ} قَالَ: بَعْضَهُنَّ فَوقَ بَعْضٍ، وَسَبْعَ أَرَضِينَ يَعْنِي بَعْضَهَا تَحْتَ بَعْضٍ[240]. وَهَذِهِ الْآيَةُ دَالَّةٌ عَلَى أَنَّ الْأَرْضَ خُلِقَتْ قَبْلَ السَّمَاءِ، كَمَا قَالَ فِي آيَاتِ سُورَةِ السَّجْدَةِ الْمَاضِيَةِ. فَهَذِهِ وَهَذِهِ دَالَّتَانِ عَلَى أَنَّ الْأَرْضَ خُلِقَتْ قَبْلَ السَّمَاءِ. [240] (الطبري 1/436) [دُحِيَتِ الْأَرْضُ بَعْدَ خَلْقِ السَّمَاوَاتِ] وَفِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ سُئِلَ عَنْ هَذَا بِعَيْنِهِ فَأَجَابَ بِأَنَّ الْأَرْضَ خُلِقَتْ قَبْلَ السَّمَاءِ، وَأَنَّ الْأَرْضَ إِنَّمَا دُحِيَتْ بَعْدَ خَلْقِ السَّمَاءِ[241]. وَكَذَلِكَ أَجَابَ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ عُلَمَاءِ التَّفْسِيرِ قَدِيمًا وَحَدِيثًا، وَقَدْ حَرَّرْنَا ذَلِكَ فِي سُورَةِ النَّازِعَاتِ، وَحَاصِلُ ذَلِكَ أَنَّ الدَّحْيَ مُفَسَّرٌ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَالأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا *أَخْرَجَ مِنْهَا مَاءَهَا وَمَرْعَاهَا *وَالْجِبَالَ أَرْسَاهَا} فَفُسِّرَ الدَّحْيُ بِإِخْرَاجِ مَا كَانَ مُودَعًا فِيهَا بِالْقُوَّةِ إِلَى الْفِعْلِ، لَمَّا أُكْمِلَتْ صُورَةُ الْمَخْلُوقَاتِ الْأَرَضِيَّةِ ثُمَّ السَّمَاوِيَّةِ دَحَى بَعْدَ ذَلِكَ الْأَرْضَ، فَأَخْرَجَتْ مَا كَانَ مُودَعًا فِيهَا مِنَ الْمِيَاهِ، فَنَبَتَتِ النَّبَاتَاتُ عَلَى اخْتِلاَفِ أَصْنَافِهَا وَصِفَاتِهَا وَأَلْوَانِهَا وَأَشْكَالِهَا، وَكَذَلِكَ جَرَتْ هَذِهِ الْأَفْلاَكُ فَدَارَتْ بِمَا فِيهَا مِنَ الْكَوَاكِبِ الثَّوَابِتِ وَالسَّيَّارَةِ، وَاللهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أَعْلَمُ. [241] (فتح الباري 8/417) {وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُواْ أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاء وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُون * وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاء كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلاَئِكَةِ فَقَالَ أَنبِئُونِي بِأَسْمَاء هَـؤُلاء إِن كُنتُمْ صَادِقِين * قَالُواْ سُبْحَانَكَ لاَ عِلْمَ لَنَا إِلاَّ مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيم * قَالَ يَا آدَمُ أَنبِئْهُم بِأَسْمَائِهِمْ فَلَمَّا أَنبَأَهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ قَالَ أَلَمْ أَقُل لَّكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنتُمْ تَكْتُمُون * وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلاَئِكَةِ اسْجُدُواْ لآدَمَ فَسَجَدُواْ إِلاَّ إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِين * وَقُلْنَا يَا آدَمُ اسْكُنْ أَنتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلاَ مِنْهَا رَغَداً حَيْثُ شِئْتُمَا وَلاَ تَقْرَبَا هَـذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الْظَّالِمِين * فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ وَقُلْنَا اهْبِطُواْ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِين * فَتَلَقَّى آدَمُ مِن رَّبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيم}. {وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ} [اِسْتِخْلاَفُ آدَمَ وَبَنِيهِ لِلْمَلاَئِكَةِ وَمَا قَالُوهُ] يُخْبِرُ تَعَالَى بِامْتِنَانِهِ عَلَى بَنِي آدَمَ بِتَنْوِيهِهِ بِذِكْرِهِمْ فِي الْمَلَأِ الْأَعْلَى قَبْلَ إِيجَادِهِمْ، فَقَالَ تَعَالَى: {وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ} [30] أَيْ وَاذْكُرْ يَا مُحَمَّدُ إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ، وَاقْصُصْ عَلَى قَوْمِكَ ذَلِكَ. {إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً} أَيْ قَوْمًا يَخْلُفُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا، قَرْنًا بَعْدَ قَرْنٍ وَجِيلاً بَعْدَ جِيلٍ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: {وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلاَئِفَ الأَرْضِ} [الأنعام: 165] وَقَالَ: {وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الأَرْضِ} [النمل: 62] وَقَالَ: {وَلَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَا مِنْكُمْ مَلاَئِكَةً فِي الأَرْضِ يَخْلُفُونَ} [الزخرف: 60] وَقَالَ: {فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ} [الأعراف: 169، ومريم: 59] وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ لَمْ يُرِدْ آدَمَ عَيْنًا، إِذْ لَوْ كَانَ كَذَلِكَ لَمَا حَسُنَ قَوْلُ الْمَلاَئِكَةِ: {أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ} فَإِنَّهُمْ أَرَادُوا أَنَّ مِنْ هَذَا الْجِنْسِ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ، وَكَأَنَّهُمْ عَلِمُوا ذَلِكَ بِعِلْمٍ خَاصٍّ. أَوْ بِمَا فَهِمُوهُ مِنَ الطَّبِيعَةِ الْبَشَرِيَّةِ، فَإِنَّهُ أَخْبَرَهُمْ أَنَّهُ يَخْلُقُ هَذَا الصِّنْفَ مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ. أَوْ فَهِمُوا مِنَ الْخَلِيفَةِ أَنَّهُ الَّذِي يَفْصِلُ بَيْنَ النَّاسِ مَا يَقَعُ بَيْنَهُمْ مِنَ الْمَظَالِمِ، وَيَرْدَعُهُمْ عَنِ الْمَحَارِمِ وَالْمَآثِمِ، قَالَهُ الْقُرْطُبِيُّ. وَقَوْلُ الْمَلاَئِكَةِ هَذَا لَيْسَ عَلَى وَجْهِ الاِعْتِرَاضِ عَلَى اللهِ، وَلاَ عَلَى وَجْهِ الْحَسَدِ لِبَنِي آدَمَ كَمَا قَدْ يَتَوَهَّمُهُ بَعْضُ الْمُفَسِّرِينَ، وَقَدْ وَصَفَهُمُ اللهُ تَعَالَى بِأَنَّهُمْ لاَ يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ، أَيْ: لاَ يَسْأَلُونَهُ شَيْئًا لَمْ يَأْذَنْ لَهُمْ فِيهِ، وَههُنَا لَمَّا أَعْلَمَهُمْ بِأَنَّهُ سَيَخْلُقُ فِي الْأَرْضِ خَلْقًا - قَالَ قَتَادَةُ: وَقَدْ تَقَدَّمَ إِلَيْهِمْ أَنَّهُمْ يُفْسِدُونَ فِيهَا - فَقَالُوا: {أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ} الْآيَةَ...، وَإِنَّمَا هُوَ سُؤَالُ اسْتِعْلاَمٍ وَاسْتِكْشَافٍ عَنِ الْحِكْمَةِ فِي ذَلِكَ، يَقُولُونَ: يَا رَبَّنَا مَا الْحِكْمَةُ فِي خَلْقِ هؤُلاَءِ مَعَ أَنَّ مِنْهُمْ مَنْ يُفْسِدُ فِي الْأَرْضِ وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ[242]؟ فَإِنْ كَانَ الْمُرَادُ عِبَادَتَكَ فَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ، أَيْ نُصَلِّي لَكَ، كَمَا سَيَأْتِي. أَيْ وَلاَ يَصْدُرُ مِنَّا شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ، وَهَلاَّ وَقَعَ الاِقْتِصَارُ عَلَيْنَا؟ [242] (الطبري 1/464) قَالَ اللهُ تَعَالَى مُجِيبًا لَهُمْ عَنْ هَذَا السُّؤَالِ: {إِنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ} أَيْ إِنِّي أَعْلَمُ مِنَ الْمَصْلَحَةِ الرَّاجِحَةِ فِي خَلْقِ هَذَا الصِّنْفِ عَلَى الْمَفَاسِدِ الَّتِي ذَكَرْتُمُوهَا مَالاَ تَعْلَمُونَ أَنْتُمْ، فَإِنِّي جَاعِلٌ فِيهِمُ الْأَنْبِيَاءَ، وَأُرْسِلُ فِيهِمُ الرُّسُلَ، وَيُوجَدُ مِنْهُمُ الصِّدِّيقُونَ وَالشُّهَدَاءُ وَالصَّالِحُونَ، وَالْعُبَّادُ وَالزُّهَادُ وَالْأَوْلِيَاءُ وَالْأَبْرَارُ، وَالْمُقَرَّبُونَ وَالْعُلَمَاءُ الْعَامِلُونَ، وَالْخَاشِعُونَ وَالْمُحِبُّونَ لَهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى، الْمُتَّبِعُونَ رُسُلَهُ صَلَوَاتُ اللهِ وَسَلاَمُهُ عَلَيْهِمْ. وَقَدْ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ أَنَّ الْمَلاَئِكَةَ إِذَا صَعِدَتْ إِلَى الرَّبِّ تَعَالَى بِأَعْمَالِ عِبَادِهِ يَسْأَلُهُمْ وَهُوَ أَعْلَمُ: كَيْفَ تَرَكْتُمْ عِبَادِي؟ فَيَقُولُونَ: أَتَيْنَاهُمْ وَهُمْ يُصَلُّونَ، وَتَرَكْنَاهُمْ وَهُمْ يُصَلُّونَ[243]. وَذَلِكَ لِأَنَّهُمْ يَتَعَاقَبُونَ فِينَا، وَيَجْتَمِعُونَ فِي صَلاَةِ الصُّبْحِ وَفِي صَلاَةِ الْعَصْرِ، فَيَمْكُثُ هؤُلاَءِ وَيَصْعَدُ أُولَئِكَ بِالْأَعْمَالِ، كَمَا قَالَ عَلَيْهِ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ: «يُرْفَعُ إِلَيْهِ عَمَلُ اللَّيْلِ قَبْلَ النَّهَارِ، وَعَمَلُ النَّهَارِ قَبْلَ اللَّيْلِ»[244]. فَقَولُهُمْ: أَتَيْنَاهُمْ وَهُمْ يُصَلُّونَ وَتَرَكْنَاهُمْ وَهُمْ يُصَلُّونَ مِنْ تَفْسِيرِ قَوْلِهِ لَهُمْ: {إِنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ}. [243] (فتح الباري 13/426) [244] (مسلم 179، ومسند أبي عوانة 1/145) وَقِيلَ: مَعْنَى قَوْلِهِ تَعَالَى جَوَابًا لَهُمْ: {إِنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ} إِنَّ لِي حِكْمَةً مُفَصَّلَةً فِي خَلْقِ هؤُلاَءِ، وَالْحَالَةُ مَا ذَكَرْتُمْ، لاَ تَعْلَمُونَهَا، وَقِيلَ: إِنَّهُ جَوَابٌ {وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ} فَقَالَ: {إِنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ} أَيْ مِنْ وُجُودِ إِبْلِيسَ بَيْنَكُمْ، وَلَيْسَ هُوَ كَمَا وَصَفْتُمْ أَنْفُسَكُمْ بِهِ. وَقِيلَ: بَلْ تَضَمَّنَ قَوْلُهُمْ: {أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ} طَلَبًا مِنْهُمْ أَنْ يَسْكُنُوا الْأَرْضَ بَدَلَ بَنِي آدَمَ، فَقَالَ اللهُ تَعَالَى لَهُمْ: {إِنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ} مِنْ أَنَّ بَقَاءَكُمْ فِي السَّمَاءِ أَصْلَحُ لَكُمْ وَأَلْيَقُ بِكُمْ. ذَكَرَهَا الرَّازِيُّ مَعَ غَيْرِهَا مِنَ الْأَجْوِبَةِ، وَاللهُ أَعْلَمُ. [وُجُوبُ نَصْبِ الْخَلِيفَةِ، وَبَعْضُ مَسَائِلِ الْخِلاَفَةِ] وَقَدِ اسْتَدَلَّ الْقُرْطُبِيُّ وَغَيْرُهُ بِهَذِهِ الْآيَةِ عَلَى وُجُوبِ نَصْبِ الْخَلِيفَةِ لِيَفْصِلَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ، وَيَقْطَعَ تَنَازُعَهُمْ، وَيَنْتَصِرَ لِمُظْلُومِهِمْ مِنْ ظَالِمِهِمْ، وَيُقِيمَ الْحُدُودَ، وَيَزْجُرَ عَنْ تَعَاطِي الْفَوَاحِشِ، إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْأُمُورِ الْمُهِمَّةِ الَّتِي لاَ تُمْكِنُ إِقَامَتُهَا إِلاَّ بِالْإِمَامِ، وَمَا لاَ يَتِمُّ الْوَاجِبُ إِلاَّ بِهِ فَهُوَ وَاجِبٌ. وَالْإِمَامَةُ تُنَالُ بِالنَّصِّ كَمَا يَقُولُهُ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ السُّنَّةِ فِي أَبِي بَكْرٍ، أَوْ بِالْإِيمَاءِ إِلَيْهِ كَمَا يَقُولُ آخَرُونَ مِنْهُمْ، أَوْ بِاسْتِخْلاَفِ الْخَلِيفَةِ آخَرَ بَعْدَهُ، كَمَا فَعَلَ الصِّدِّيقُ بِعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، أَوْ بِتَرْكِهِ شُورَى فِي جَمَاعَةٍ صَالِحِينَ كَذَلِكَ، كَمَا فَعَلَهُ عُمَرُ، أَوْ بِاجْتِمَاعِ أَهْلِ الْحَلِّ وَالْعَقْدِ عَلَى مُبَايَعَتِهِ، أَوْ بِمُبَايَعَةِ وَاحِدٍ مِنْهُمْ لَهُ فَيَجِبُ الْتِزَامُهَا عِنْدَ الْجُمْهُورِ. وَيَجِبُ أَنْ يَكُونَ ذَكَرًا حُرًّا بِالِغًا عَاقِلاً مُسْلِمًا عَدْلاً مُجْتَهِدًا بَصِيرًا، سَلِيمَ الْأَعْضَاءِ خَبِيرًا بِالْحُرُوبِ وَالآْرَاءِ، قُرَشِيًّا عَلَى الصَّحِيحِ - وَلاَ يُشْتَرَطُ الْهَاشِمِيُّ وَلاَ الْمَعْصُومُ مِنَ الْخَطَأِ خِلاَفًا لِغُلاَةِ الرَّوَافِضِ - وَلَوْ فَسَقَ الْإِمَامُ هَلْ يُنْعَزَلُ أَمْ لاَ؟ فِيهِ خِلاَفٌ، وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ لاَ يُنْعَزَلُ لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ: «إِلاَّ أَنْ تَرَوْا كُفْرًا َبوَاحًا، عِنْدَكُمْ مِنَ اللهِ فِيهِ بُرْهَانٌ»[245]. وَهَلْ لَهُ أَنْ يَعْزِلَ نَفْسَهُ؟ فِيهِ خِلاَفٌ، وَقَدْ عَزَلَ الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ نَفْسَهُ، وَسَلَّمَ الْأَمْرَ إِلَى مُعَاوِيَةَ، لَكِنْ كَانَ هَذَا لِعُذْرٍ وَقَدْ مُدِحَ عَلَى ذَلِكَ. فَأَمَّا نَصْبُ إِمَامَيْنِ فِي الْأَرْضِ أَوْ أَكْثَرَ فَلاَ يَجُوزُ لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ: «مَنْ جَاءَكُمْ، وَأَمْرُكُمْ جَمِيعٌ يُرِيدُ أَنْ يُفَرِّقَ بَيْنَكُمْ فَاقْتُلُوهُ، كَائِنًا مَنْ كَانَ»[246]وَهَذَا قَوْلُ الْجُمْهُورِ، وَحَكَى إِمَامُ الْحَرَمَيْنِ عَنِ الْأُسْتَاذِ أَبِي إِسْحَاقَ أَنَّهُ جَوَّزَ نَصْبَ إِمَامَيْنِ فَأَكْثَرَ إِذَا تَبَاعَدَتِ الْأَقْطَارُ وَاتَّسَعَتِ الْأَقَالِيمُ بَيْنَهُمَا، وَتَرَدَّدَ إِمَامُ الْحَرَمَيْنِ فِي ذَلِكَ. [245] (البخاري 7056، والطبري 1/477) [246] (مسلم 3/1470) {وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلاَئِكَةِ فَقَالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلاَءِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ *قَالُوا سُبْحَانَكَ لاَ عِلْمَ لَنَا إِلاَّ مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ *قَالَ يَا آدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ فَلَمَّا أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ} [فَضْلُ آدَمَ عَلَى الْمَلاَئِكَةِ] هَذَا مَقَامٌ ذَكَرَ اللهُ تَعَالَى فِيهِ شَرَفَ آدَمَ عَلَى الْمَلاَئِكَةِ بِمَا اخْتَصَّهُ مِنْ عِلْمِ أَسْمَاءِ كُلِّ شَيْءٍ دُونَهُمْ، وَهَذَا كَانَ بَعْدَ سُجُودِهِمْ لَهُ، وَإِنَّمَا قَدَّمَ هَذَا الْفَصْلَ عَلَى ذَلِكَ لِمُنَاسَبَةِ مَا بَيْنَ الْمَقَامِ وَعَدَمِ عِلْمِهِمْ بِحِكْمَةِ خَلْقِ الْخَلِيفَةِ - حِينَ سَأَلُوا عَنْ ذَلِكَ، فَأَخْبَرَهُمْ تَعَالَى بِأَنَّهُ يَعْلَمُ مَا لاَ يَعْلَمُونَ - وَلِهَذَا ذَكَرَ اللهُ هَذَا الْمَقَامَ عَقِيبَ هَذَا، لِيُبَيِّنَ لَهُمْ شَرَفَ آدَمَ بِمَا فُضِّلَ بِهِ عَلَيْهِمْ فِي الْعِلْمِ، فَقَالَ تَعَالَى: {وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاءَ كُلَّهَا} قَالَ الضَّحَّاكُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ {وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاءَ كُلَّهَا} قَالَ: هِيَ هَذِهِ الْأَسْمَاءُ الَّتِي يَتَعَارَفُ بِهَا النَّاسُ، إِنْسَانٌ وَدَابَّةٌ وَسَمَاءٌ وَأَرْضٌ وَسَهْلٌ وَبَحْرٌ وَخَيْلٌ وَحِمَارٌ وَأَشْبَاهُ ذَلِكَ مِنَ الْأُمَمِ وَغَيْرِهَا[247]. وَرَوَى ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ وَابْنُ جَرِيرٍ مِنْ حَدِيثِ عَاصِمِ بْنِ كُلَيْبٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ مَعْبَدٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ {وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاءَ كُلَّهَا} قَالَ: عَلَّمَهُ اسْمَ الصَّحْفَةِ وَالْقِدْرِ؟ قَالَ: نَعَمْ حَتَّى الْفَسْوَةِ وَالْفُسَيَّةِ[248]. وَقِيلَ: أَسْمَاءَ النُّجُومِ، وَقِيلَ: أَسْمَاءَ ذُرِّيِّتِهِ كُلِّهِمْ. وَاخْتَارَ ابْنُ جَرِير: أَنَّهُ عَلَّمَهُ أَسْمَاءَ الْمَلاَئِكَةِ وَأَسْمَاءَ الذُّرِّيَّةِ. وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ عَلَّمَهُ أَسْمَاءَ الْأَشْيَاءِ كُلِّهَا ذَوَاتِهَا وَصِفَاتِهَا وَأَفْعَالَهَا، كَمَا قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: حَتَّى الْفَسْوَةِ وَالْفُسَيَّـةِ، يَعْنِي أَسْمَاءَ الذَّوَاتِ وَالْأَفْعَالِ - الْمُكَبَّرِ وَالْمُصَغَّرِ -. [247] (الطبري 1/458 إسناده ضعيف الضحاك لم يسمع من ابن عباس) [248] (الطبري 1/485) وَرَوَى الْبُخَارِيُّ فِي تَفْسِيرِ هَذِهِ الْآيَةِ فِي كِتَاب التَّفْسِيرِ مِنْ صَحِيحِهِ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: وَقَالَ لِي خَلِيفَةُ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ: حَدَّثَنَا سَعِيدٌ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ أَنَسٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «يَجْتَمِعُ الْمُؤْمِنُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فَيَقُولُونَ: لَوِ اسْتَشْفَعْنَا إِلَى رَبِّنَا، فَيَأْتُونَ آدَمَ فَيَقُولُونَ: أَنْتَ أَبُو النَّاسِ، خَلَقَكَ اللهُ بِيَدِهِ، وَأَسْجَدَ لَكَ مَلاَئِكَتَهُ، وَعَلَّمَكَ أَسْمَاءَ كُلِّ شَيْءٍ، فَاشْفَعْ لَنَا عِنْدَ رَبِّكَ حَتَّى يُرِيحَنَا مِنْ مَكَانِنَا هَذَا، فَيَقُولُ: لَسْتُ هُناكُمْ، وَيَذْكُرُ ذَنْبَهُ فَيَسْتَحْيِي. ائْتُوا نُوحًا فَإِنَّهُ أَوَّلُ رَسُولٍ بَعَثَهُ الله إِلَى أَهْلِ الْأَرْضِ، فَيَأْتُونَهُ فَيَقُولُ: لَسْتُ هُنَاكُمْ، وَيَذْكُرُ سُؤَالَهُ رَبَّهُ مَا لَيْسَ لَهُ بِهِ عِلْمٌ، فَيَسْتَحْيِي، فَيَقُولُ: ائْتُوا خَلِيلَ الرَّحْمن، فَيَأْتُونَهُ فَيَقُولُ: لَسْتُ هُنَاكُمْ، فَيَقُولُ: ائْتُوا مُوسَى عَبْدًا كَلَّمَهُ اللهُ، وَأَعْطَاهُ التَّوْرَاةَ، فَيَقُولُ: لَسْتُ هُنَاكُمْ. فَيَذْكُرُ قَتْلَ النَّفْسِ بِغَيْرِ نَفْسٍ فَيَسْتَحْيِي مِنْ رَبِّهِ. فَيَقُولُ: ائْتُوا عِيسَى عَبْدَ اللهِ وَرَسُولَهُ وَكَلِمَةَ اللهِ وَرُوحَهُ، فَيَأْتُونَهُ فَيَقُولُ: لَسْتُ هُنَاكُمْ، ائْتُوا مُحَمَّدًا عَبْدًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ وَمَا تَأَخَّرَ، فَيَأْتُونِي فَأَنْطَلِقُ حَتَّى أَسْتَأْذِنَ عَلَى رَبِّي فَيَأْذَنُ لِي، فَإِذَا رَأَيْتُ رَبِّي وَقَعْتُ سَاجِدًا فَيَدَعُنِي مَا شَاءَ اللهُ ثُمَّ يُقَالُ: ارْفَعْ رَأْسَكَ وَسَلْ تُعْطَهْ وَقُلْ يُسْمَعْ وَاشْفَعْ تُشَفَّعْ، فَأَرْفَعُ رَأْسِي فَأَحْمَدُهُ بِتَحْمِيدٍ يُعَلِّمُنِيهِ، ثُمَّ أَشْفَعُ فَيَحُدُّ لِي حَدًّا فَأُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ، ثُمَّ أَعُودُ إِلَيْهِ فَإِذا رَأَيْتُ رَبِّي - مِثْلَهُ - ثُمَّ أَشْفَعُ فَيَحُدُّ لِي حَدًّا فَأُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ، ثُمَّ أَعُودُ الثَّالِثَةَ ثُمَّ أَعُودُ الرَّابِعَةَ فَأَقُولُ: مَا بَقِيَ فِي النَّارِ إِلاَّ مَنْ حَبَسَهُ الْقُرْآنُ وَوَجَبَ عَلَيْهِ الْخُلُودُ»[249]. وَقَدْ رَوَى هَذَا الْحَدِيثَ مُسْلِمٌ وَالنَّسَائِيُّ[250] وَابْنُ مَاجَهْ. [249] (فتح الباري 8/10) [250] (مسلم 1/181، والنسائي في الكبرى 6/284، وابن ماجه 4312) وَوَجْهُ إِيْرَادِهِ ههُنَا، وَالْمَقْصُودُ مِنْهُ قَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ: «فَيَأْتُونَ آدَمَ فَيَقُولُونَ: أَنْتَ أَبُو النَّاسِ خَلَقَكَ اللهُ بِيَدِهِ وَأَسْجَدَ لَكَ مَلاَئِكَتَهُ وَعَلَّمَكَ أَسْمَاءَ كُلِّ شَيْءٍ». فَدَلَّ هَذَا عَلَى أَنَّهُ عَلَّمَهُ أَسْمَاءَ جَمِيعِ الْمَخْلُوقَاتِ[251]. وَلِهَذَا قَالَ: {ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلاَئِكَةِ} يَعْنِي الْمُسَمَّيَاتِ كَمَا قَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ قَتَادَةَ، قَالَ: ثُمَّ عَرَضَ تِلْكَ الْأَسْمَاءَ عَلَى الْمَلاَئِكَةِ: {فَقَالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلاَءِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ} [252] وَمَعْنَى ذَلِكَ فَقَالَ: أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ مَنْ عَرَضْتُهُ عَلَيْكُمْ أَيُّهَا الْمَلاَئِكَةُ الْقَائِلُونَ: {أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاء} مِنْ غَيْرِنَا أَمْ مِنَّا - فَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ؟ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ فِي قِيلِكُمْ: إِنِّي إِنْ جَعَلْتُ خَلِيفَتِي فِي الْأَرْضِ مِنْ غَيْرِكُمْ عَصَانِي وَذُرِّيَّتُهُ، وَأَفْسَدُوا وَسَفَكُوا الدِّمَاءَ، وَإِنْ جَعَلْتُكُمْ فِيهَا أَطَعْتُمُونِي وَاتَّبَعْتُمْ أَمْرِي بِالتَّعْظِيمِ لِي وَالتَّقْدِيسِ، فَإِذَا كُنْتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ أَسْمَاءَ هَؤُلاَءِ الَّذِينَ عَرَضْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ تُشَاهِدُونَهُمْ، فَأَنْتُمْ بِمَا هُوَ غَيْرُ مَوْجُودٍ مِنَ الْأُمُورِ الْكَائِنَةِ الَّتِي لَمْ تُوجَدْ؛ أَحْرَى أَنْ تَكُونُوا غَيْرَ عَالِمِينَ. [251] (مسلم 1/181، والنسائي في الكبرى 6/264، وابن ماجه 2/1442) [252] (عبدالرزاق 1/42) {قَالُوا سُبْحَانَكَ لاَ عِلْمَ لَنَا إِلاَّ مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ} هَذَا تَقْدِيسٌ وَتَنْزِيهٌ مِنَ الْمَلاَئِكَةِ للهِ تَعَالَى أَنْ يُحِيطَ أَحَدٌ بِشَيءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلاَّ بِمَا شَاءَ، وَأَنْ يَعْلَمُوا شَيْئًا إِلاَّ مَا عَلَّمَهُمُ اللهُ تَعَالَى وَلِهَذَا قَالُوا: {سُبْحَانَكَ لاَ عِلْمَ لَنَا إِلاَّ مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ} أَيِ الْعَلِيمُ بِكُلِّ شَيْءٍ الْحَكِيمُ فِي خَلْقِكَ وَأَمْرِكَ، وَفِي تَعْلِيمِكَ مَنْ تَشَاءُ، وَمَنْعِكَ مَنْ تَشَاءُ، لَكَ الْحِكْمَةُ فِي ذَلِكَ وَالْعَدْلُ التَّامُّ. [إِظْهَارُ فَضْلِ آدَمَ بِعِلْمِهِ] قَوْلُهُ تَعَالَى: {قَالَ يَا آدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ فَلَمَّا أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ} قَالَ زَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ: قَالَ: أَنْتَ جِبْرَائِيلُ، أَنْتَ مِيكَائِيلُ، أَنْتَ إِسْرَافِيلُ، حَتَّى عَدَّدَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا حَتَّى بَلَغَ الْغُرَابَ[253]. وَقَالَ مُجَاهِدٌ فِي قَوْلِ اللهِ: {قَالَ يَا آدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ} قَالَ: اِسْمِ الْحَمَامَةِ وَالْغُرَابِ وَاسْمِ كُلِّ شَيْءٍ[254]. وَرُوِيَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ وَالْحَسَنِ وَقَتَادَةَ نَحْوُ ذَلِكَ[255]. فَلَمَّا ظَهَرَ آدَمُ عَلَيْهِ السَّلاَمُ عَلَى الْمَلاَئِكَةِ عَلَيْهِمُ السَّلاَمُ فِي سَرْدِهِ مَا عَلَّمَهُ اللهُ تَعَالَى مِنْ أَسْمَاءِ الْأَشْيَاءِ، قَالَ اللهُ تَعَالَى لِلْمَلاَئِكَةِ: {أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ} أَيْ أَلَمْ أَتَقَدَّمْ إِلَيْكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ الْغَيْبَ الظَّاهِرَ وَالْخَفِيَّ كَمَا قَالَ تَعَالَى: {وَإِنْ تَجْهَرْ بِالْقَوْلِ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى} [طه: 7] وَكَمَا قَالَ إِخْبَارًا عَنِ الْهُدْهُدِ أَنَّهُ قَالَ لِسُلَيْمَانَ: {أَلاَّ يَسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَيَعْلَمُ مَا تُخْفُونَ وَمَا تُعْلِنُونَ *اللَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ} [النمل: 25، 26]. [253] (ابن أبي حاتم 1/119) [254] (ابن أبي حاتم 1/119) [255] (ابن أبي حاتم 1/119) وَقِيلَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ} غَيْرُ مَا ذَكَرْنَاهُ، فَرَوَى الضَّحَّاكُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ {وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ} قَالَ يَقُولُ: أَعْلَمُ السِّرَّ كَمَا أَعْلَمُ الْعَلاَنِيَةَ، يَعْنِي مَا كَتَمَ إِبْلِيسُ فِي نَفْسِهِ مِنَ الْكِبْرِ وَالْاِغْتِرَارِ[256]. وَقَالَ أَبُو جَعْفَرٍ الرَّازِيُّ عَنِ الرَّبِيعِ بْنِ أَنَسٍ: {وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ} فَكَانَ الَّذِي أَبْدَوْا هُوَ قَوْلُهُمْ: أَتَجْعَلُ فِيهَا مِنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ، وَكَانَ الَّذِي كَتَمُوا بَيْنَهُمْ هُوَ قَوْلُهُمْ: لَنْ يَخْلُقَ رَبُّنَا خَلْقًا إِلاَّ كُنَّا نَحْنُ أَعْلَمَ مِنْهُ وَأَكْرَمَ، فَعَرَفُوا أَنَّ اللهَ فَضَّلَ عَلَيْهِمْ آدَمَ فِي الْعِلْمِ وَالْكَرَمِ. [256] (الطبري 1/498 الضحاك لم يسمع من ابن عباس) {وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلاَئِكَةِ اسْجُدُوا لآِدَمَ فَسَجَدُوا إِلاَّ إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ} [تَكْرِيمُ آدَمَ بِسُجُودِ الْمَلاَئِكَةِ لَهُ] وَهَذِهِ كَرَامَةٌ عَظِيمَةٌ مِنَ اللهِ تَعَالَى لآِدَمَ، اِمْتَنَّ بِهَا عَلَى ذُرِّيَّتِهِ حَيْثُ أَخْبَرَ أَنَّهُ تَعَالَى أَمَرَ الْمَلاَئِكَةَ بِالسُّجُودِ لآِدَمَ، وَقَدْ دَلَّ عَلَى ذَلِكَ أَحَادِيثُ أَيْضًا كَثِيرَةٌ، مِنْهَا حَدِيثُ الشَّفَاعَةِ الْمُتَقَدِّمُ، وَحَدِيثُ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلاَمُ: «رَبِّ أَرِنِي آدَمَ الَّذِي أَخْرَجَنَا وَنَفْسَهُ مِنَ الْجَنَّةِ، فَلَمَّا اجْتَمَعَ بِهِ قَالَ: أَنْتَ آدَمُ الَّذِي خَلَقَهُ اللهُ بِيَدِهِ، وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ، وَأَسْجَدَ لَهُ مَلاَئِكَتَهُ».[257] [257] (أبو داود 5/28) [دُخُولُ إِبْلِيسَ فِيمَنْ أُمِرَ بِالسُّجُودِ. وَلَمْ يَكُنْ مِنَ الْمَلاَئِكَةِ] وَلَمَّا أَمَرَ اللهُ تَعَالَى الْمَلاَئِكَةَ بِالسُّجُودِ لآِدَمَ، دَخَلَ إِبْلِيسُ فِي خِطَابِهِمْ، لِأَنَّهُ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مِنْ عُنْصُرِهِمْ إِلاَّ أَنَّهُ كَانَ قَدْ تَشَبَّهَ بِهِمْ وَتَوَسَّمَ بِأَفْعَالِهِمْ، فَلِهَذَا دَخَلَ فِي الْخِطَابِ لَهُمْ، وَذُمَّ فِي مُخَالَفَةِ الْأَمْرِ، وَسَنَبْسُطُ الْمَسْأَلَةَ إِنْ شَاءَ اللهُ تَعَالَى عِنْدَ قَوْلِهِ: {إِلاَّ إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ} [الكهف: 50] وَلِذَا رَوَى مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: كَانَ إِبْلِيسُ قَبْلَ أَنْ يَرْكَبَ الْمَعْصِيَةَ مِنَ الْمَلاَئِكَةِ اسْمُهُ «عَزَازِيلُ»، وَكَانَ مِنْ سُكَّانِ الْأَرْضِ، وَكَانَ مِنْ أَشَدِّ الْمَلاَئِكَةِ اجْتِهَادًا، وَأَكْثَرِهِمْ عِلْمًا، فَذَلِكَ دَعَاهُ إِلَى الْكِبْرِ، وَكَانَ مِنْ حَيٍّ يُسَمُّونَهُ جِنًّا[258]. [258] (الطبري 1/502 إسناده ضعيف لتدليس ابن إسحاق) [كَانَتِ الطَّاعَةُ لِلّْهِ وَالسَّجْدَةُ لآِدَمَ] وَقَالَ قَتَادَةُ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلاَئِكَةِ اسْجُدُوا لآِدَمَ} فَكَانَتِ الطَّاعَةُ لِلّْهِ وَالسَّجْدَةُ لآِدَمَ، أَكْرَمَ اللهُ آدَمَ أَنْ أَسْجَدَ لَهُ مَلاَئِكَتَهُ[259]. وَقَالَ بَعْضُ النَّاسِ: كَانَ هَذَا سُجُودَ تَحِيَّةٍ وَسَلاَمٍ وَإِكْرَامٍ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: {وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ وَخَرُّواْ لَهُ سُجَّدًا وَقَالَ يَا أَبَتِ هَـذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِن قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقًّا}[يوسف: 100] وَقَدْ كَانَ هَذَا مَشْرُوعًا فِي الْأُمَمِ الْمَاضِيَةِ وَلَكِنَّهُ نُسِخَ فِي مِلَّتِنَا، قَالَ مُعَاذٌ: قَدِمْتُ الشَّامَ فَرَأَيْتُهُمْ يَسْجُدُونَ لِأَسَاقِفَتِهِمْ وَعُلَمَائِهِمْ، فَأَنْتَ يَا رَسُولَ اللهِ أَحَقُّ أَنْ يُسْجَدَ لَكَ، فَقَالَ: «لاَ، لَوْ كُنْتُ آمِرًا بَشَرًا أَنْ يَسْجُدَ لِبَشَرٍ لَأَمَرْتُ الْمَرْأَةَ أَنْ تَسْجُدَ لِزَوْجِهَا مِنْ عِظَمِ حَقِّهِ عَلَيْهَا»[260]وَرَجَّحَهُ الرَّازِيُّ. [259] (الطبري 1/512) [260] (الترمذي 1159 والمجمع 4/310) [اِسْتِكْبَارُ إِبْلِيسَ] وَقَالَ قَتَادَةُ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {فَسَجَدُوا إِلاَّ إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ} حَسَدَ عَدُوُّ اللهِ إِبْلِيسُ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلاَمُ مَا أَعْطَاهُ مِنَ الْكَرَامَةِ، وَقَالَ: أَنَا نَارِيٌّ، وَهَذَا طِينِيٌّ، وَكَانَ بَدْءُ الذُّنُوبِ الْكِبْرَ، اِسْتَكْبَرَ عَدُوُّ اللهِ أَنْ يَسْجُدَ لآِدَمَ عَلَيْهِ السَّلاَمُ[261]. قُلْتُ: وَقَدْ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ «لاَ يَدْخُلُ الْجَنَّـةَ مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ مِنْ كِبْرٍ»[262]. وَقَدْ كَانَ فِي إِبْلِيسَ مِنَ الْكِبْرِ - وَالْكُفْرِ - وَالْعِنَادِ مَا اقْتَضَى طَرْدَهُ وَإِبْعَادَهُ عَنْ جَنَابِ الرَّحْمَةِ وَحَضْرَةِ الْقُدُسِ. [261] (ابن أبي حاتم 1/123) [262] (مسلم 1/93) {وَقُلْنَا يَا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلاَ مِنْهَا رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُمَا وَلاَ تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ * فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ وَقُلْنَا اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ} [تَكْرِيمٌ آخَرُ لآِدَمَ] يَقُولُ اللهُ تَعَالَى إِخْبَارًا عَمَّا أَكْرَمَ بِهِ آدَمَ بَعْدَ أَنْ أَمَرَ الْمَلاَئِكَةَ بِالسُّجُودِ لَهُ فَسَجَدُوا إِلاَّ إِبْلِيسَ، إِنَّهُ أَبَاحَ لَهُ الْجَنَّةَ يَسْكُنُ مِنْهَا حَيْثُ يَشَاءُ، وَيَأْكُلُ مِنْهَا مَا شَاءَ رَغَدًا، أَيْ: هَنِيئًا وَاسِعًا طَيِّبًا: وَرَوَى الْحَافِظُ أَبُو بَكْرِ بْنُ مَرْدُوَيْهِ عَنْ أَبِي ذَرٍّ، قَالَ: قُلْتُ يَا رَسُولَ اللهِ، أَرَأَيْتَ آدَمَ أَنَبِيًّا كَانَ؟ قَالَ: «نَعَمْ نَبِيًّا رَسُولاً كَلَّمَهُ اللهُ قُبُلاً» - يَعْنِي عِيَانًا - فَقَالَ: {اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ}[263]. [263] (العظمة 5/1553) [خُلِقَتْ حَوَّاءُ قَبْلَ دُخُولِ آدَمَ الْجَنَّـةَ] وَسِيَاقُ الْآيَةِ يَقْتَضِي أَنَّ حَوَّاءَ خُلِقَتْ قَبْلَ دُخُولِ آدَمَ الْجَنَّـةَ، وَقَدْ صَرَّحَ بِذَلِكَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ حَيْثُ قَالَ: لَمَّا فَرَغَ اللهُ مِنْ مُعَاتَبَةِ إِبْلِيسَ أَقْبَلَ عَلَى آدَمَ وَقَدْ عَلَّمَهُ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا فَقَالَ: {قَالَ يَا آدَمُ أَنبِئْهُم بِأَسْمَائِهِمْ} إِلَى قَوْلِهِ: {إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ} [32، 33] قَالَ: ثُمَّ أُلْقِيَتِ السِّنَةُ عَلَى آدَمَ فِيمَا بَلَغَنَا عَنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ أهْلِ التَّوْرَاةِ، وَغَيْرِهِمْ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَغَيْرِهِ: «..ثُمَّ أَخَذَ ضِلْعًا مِنْ أَضْلاَعِهِ مِنْ شِقَّهِ الْأَيْسَرِ وَلَأَمَ مَكَانَهُ لَحْمًا، وَآدَمُ نَائِمٌ لَمْ يَهُبَّ مِنْ نَوْمِهِ، حَتَّى خَلَقَ اللهُ مِنْ ضِلْعِهِ تِلْكَ زَوْجَتَهُ حَوَّاءَ، فَسَوَّاهَا امْرَأَةً لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا، فَلَمَّا كُشِفَ عَنْهُ السِّنَةُ وَهَبَّ مِنْ نَوْمِهِ رَآهَا إِلَى جَنْبِهِ فَقَالَ: - فِيمَا يَزْعُمُونَ وَاللهُ أَعْلَمُ -: «لَحْمِي وَدَمِي وَزَوْجَتِي» فَسَكَنَ إِلَيْهَا، فَلَمَّا زَوَّجَهُ اللهُ وَجَعَلَ لَهُ سَكَنًا مِنْ نَفْسِهِ، قَالَ لَهُ قِبَلاً: {يَا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلاَ مِنْهَا رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُمَا وَلاَ تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ}[264]. [264] (الطبري 1/514) [اِخْتِبَارُ آدَمَ بِالشَّجَرَةِ وَنَوْعُهَا] وَأَمَّا قَوْلُهُ: {وَلاَ تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ} [35] فَهُوَ اخْتِبَارٌ مِنَ اللهِ تَعَالَى وَامْتِحَانٌ لآِدَمَ، وَقَدِ اخْتُلِفَ فِي هَذِهِ الشَّجَرَةِ مَا هِيَ؟ فَقِيلَ: الْكَرْمُ. وَقِيلَ: الْحِنْطَةُ. وَقِيلَ: النَّخْلَةُ. وَقِيلَ: التِّينَةُ. وَقِيلَ: شَجَرَةٌ مَنْ أَكَلَ مِنْهَا أَحْدَثَ، وَقِيلَ: شَجَرَةٌ تَأْكُلُ ثَمَرَهَا الْمَلاَئِكَةُ لِخُلْدِهِمْ. قَالَ الْإِمَامُ أَبُو جَعْفَرِ بْنُ جَرِيرٍ رَحِمَهُ اللهُ: وَالصَّوَابُ فِي ذَلِكَ أَنْ يُقَالَ: إِنَّ اللهَ - عَزَّ وَجَلَّ ثَنَاؤُهُ - نَهَى آدَمَ وَزَوْجَتَهُ عَنْ أَكْلِ شَجَرَةٍ بِعَيْنِهَا مِنْ أَشْجَارِ الْجَنَّةِ دُونَ سَائِرِ أَشْجَارِهَا، فَأَكَلاَ مِنْهَا، وَلاَ عِلْمَ عِنْدَنَا بِأَيِّ شَجَرَةٍ كَانَتْ عَلَى التَّعْيِينِ، لِأَنَّ اللهَ لَمْ يَضَعْ لِعِبَادِهِ دَلِيلاً عَلَى ذَلِكَ فِي الْقُرْآنِ وَلاَ مِنَ السُّنَّةِ الصَّحِيحَةِ، وَقَدْ قِيلَ: كَانَتْ شَجَرَةَ الْبُرِّ، وَقِيلَ: كَانَتْ شَجَرَةَ الْعِنَبِ، وَقِيلَ: كَانَتْ شَجَرَةَ التِّينِ، وَجَائِزٌ أَنْ تَكُونَ وَاحِدَةً مِنْهَا، وَذَلِكَ عِلْمٌ إِذَا عُلِمَ لَمْ يَنْفَعِ الْعَالِمَ بِهِ عِلْمُهُ، وَإِنْ جَهِلَهُ جَاهِلٌ لَمْ يَضُرَّهُ جَهْلُهُ بِهِ، وَاللهُ أَعْلَمُ[265]. وَكَذَلِكَ رَجَّحَ [الْإِبْهَامَ] الْإِمَامُ الرَّازِيُّ فِي تَفْسِيرِهِ، وَغَيْرُهُ. وَهُوَ الصَّوَابُ. [265] (الطبري 1/520) وَقَوْلُهُ تَعَالَى: {فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا} يَصِحُّ أَنْ يَكُونَ الضَّمِيرُ فِي قَوْلِهِ {عَنْهَا} عَائِدًا إِلَى الْجَنَّةِ فَيَكُونَ مَعْنَى الْكَلاَمِ كَمَا قَرَأَ عَاصِمُ بْنُ بَهْدَلَةَ، وَهُوَ ابْنُ أَبِي النَّجُودِ (فَأَزَالَهُمَا) أَيْ: فَنَحَّاهُمَا[266]. وَيَصِحُّ أَنْ يَكُونَ عَائِدًا عَلَى أَقْرَبِ الْمَذْكُورَينِ وَهُوَ الشَّجَرَةُ، فَيَكُونَ مَعْنَى الْكَلاَمِ كَمَا قَالَ الْحَسَنُ وَقَتَادَةُ: {فَأَزَلَّهُمَا}: أَيْ مِنْ قِبَلِ الزَّلَلِ[267]. فَعَلَى هَذَا يَكُونُ تَقْدِيرُ الْكَلاَمِ {فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا} أَيْ بِسَبَبِهَا، كَمَا قَالَ تَعَالَى: {يُؤْفَكُ عَنْهُ مَنْ أُفِكَ} [الذاريات: 9] أَيْ يُصْرَفُ بِسَبَبِهِ مَنْ هُوَ مَأْفُوكٌ، وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى {فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ} أَيْ مِنَ اللِّبَاسِ وَالْمَنْزِلِ الرَّحْبِ وَالرِّزْقِ الْهَنِيءِ وَالرَّاحَةِ {وَقُلْنَا اهْبِطُواْ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِين} أَيْ قَرَارٌ وَأَرْزَاقٌ وَآجَالٌ - إلى حِينٍ - أَيْ إِلَى وَقْتٍ وَمِقْدَارٍ مُعَيَّنٍ، ثُمَّ تَقُومُ الْقِيَامَةُ. [266] (ابن أبي حاتم 1/128) [267] (ابن أبي حاتم 1/128، 129) [بَعْضُ صِفَاتِ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلاَمُ] وَرَوَى ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «إِنَّ اللهَ خَلَقَ آدَمَ رَجُلاً طُوَالاً، كَثِيرَ شَعْرِ الرَّأْسِ، كَأَنَّهُ نَخْلَةٌ سَحُوقٌ، فَلَمَّا ذَاقَ الشَّجَرَةَ سَقَطَ عَنْهُ لِبَاسُهُ، فَأَوَّلُ مَا بَدَا مِنْهُ عَوْرَتُهُ، فَلَمَّا نَظَرَ إِلَى عَوْرَتِه جَعَلَ يَشْتَدُّ فِي الْجَنَّةِ، فَأَخَذَتْ شَعْرَهُ شَجَرَةٌ، فَنَازَعَهَا، فَنَادَاهُ الرَّحْمنُ: يَا آدَمُ مِنِّي تَفِرُّ؟! فَلَمَّا سَمِعَ كَلاَمَ الرَّحْمنِ قَالَ: يَا رَبِّ لاَ، وَلكِنِ اسْتِحْيَاءً»[268]. [268] (ابن أبي حاتم 1/129) [لَبْثُ آدَمَ فِي الْجَنَّـةِ وَهُبُوطُهُ مِنْهَا] وَرَوَى الْحَاكِمُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: مَا أُسْكِنَ آدَمُ الْجَنَّةَ إِلاَّ مَا بَيْنَ صَلاَةِ الْعَصْرِ إِلَى غُرُوبِ الشَّمْسِ. ثُمَّ قَالَ: صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ الشَّيْخَيْنِ وَلَمْ يُخَرِّجَاهُ[269]. [269] (الحاكم 2/542) وَرَوَى ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: أُهْبِطَ آدَمُ عَلَيْهِ السَّلاَمُ إِلَى أَرْضٍ يُقَالُ لَهَا «دَحْنَا» بَيْنَ مَكَّةَ وَالطَّائِفِ[270]. وَعَنِ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ قَالَ: أُهْبِطَ آدَمُ بِالْهِنْدِ، وَحَوَّاءُ بِجُدَّةَ، وَإِبْلِيسُ بِدَسْتُمِيسَانَ مِنَ الْبَصْرَةِ عَلَى أَمْيَالٍ، وَأُهْبِطَتِ الْحَيَّةُ بِأَصْبَهَانَ، رَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ[271]. وَرَوَى مُسْلِمٌ وَالنَّسَائِيُّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «خَيْرُ يَوْم طَلَعَتْ فِيهِ الشَّمْسُ يَوْمُ الْجُمُعَةِ، فِيهِ خُلِقَ آدَمُ، وَفِيهِ أُدْخِلَ الْجَنَّةَ، وَفِيهِ أُخْرِجَ مِنْهَا»[272]. [270] (ابن أبي حاتم 1/131 إسناده ضعيف سماع جرير عن عطاء بعد الاختلاط) [271] (ابن أبي حاتم 1/132 إسناده ضعيف لأجل عباد بن ميسرة وهو لين الحديث وصدقة بن عمرو الغساني مجهول) [272] (=مسلم 2/585، والنسائي 3/90) [شُبْهَةٌ وَجَوَابُهَا] فَإِنْ قِيلَ: فَإِذَا كَانَتْ جَنَّةُ آدَمَ الَّتِي أُخْرِجَ مِنْهَا فِي السَّمَاءِ كَمَا يَقُولُهُ الْجُمْهُورُ مِنَ الْعُلَمَاءِ، فَكَيْفَ تَمَكَّنَ إِبْلِيسُ مِنْ دُخُولِ الْجَنَّـةِ، وَقَدْ طُرِدَ مِنْ هُنَالِكَ طَرْدًا قَدَرِيًّا، وَالْقَدَرِيُّ لاَ يُخَالَفَ وَلاَ يُمَانَعُ؟ فَالْجَوَابُ: أَنَّ هَذَا بِعَيْنِهِ اسْتَدَلَّ بِهِ مَنْ يَقُولُ: إِنَّ الْجَنَّةَ الَّتِي كَانَ فِيهَا آدَمُ فِي الْأَرْضِ لاَ فِي السَّمَاءِ، كَمَا قَدْ بَسَطْنَا هَذَا فِي أَوَّلِ كِتَابِنَا «الْبِدَايَةُ وَالنِّـهَـايَةُ». وَأَجَابَ الْجُمْهُورُ بِأَجْوِبَةٍ، أَحَدُهَا: أَنَّهُ مُنِعَ مِنْ دُخُولِ الْجَنَّةِ مُكْرَمًا، فَأَمَّا عَلَى وَجْهِ السَّرِقَةِ وَالْإِهَانَةِ، فَلاَ يَمْتَنِعُ، وَلِهَذَا قَالَ بَعْضُهُمْ - كَمَا جَاءَ فِي التَّوْرَاةِ -: أَنَّـهُ دَخَلَ فِي فَمِ الْحَيَّةِ إِلَى الْجَنَّةِ. وَقَدْ قَالَ بَعْضُهُمْ: يَحْتَمِلُ أَنَّهُ وَسْوَسَ لَهُمَا وَهُوَ خَارِجُ بَابِ الْجَنَّةِ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: يَحْتَمِلُ أَنَّهُ وَسْوَسَ لَهُمَا وَهُوَ فِي الْأَرْضِ، وَهُمَا فِي السَّمَاءِ، ذَكَرَهَا الزَّمَخْشَرِيُّ وَغَيْرُهُ. {فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ} [تَوْبَةُ آدَمَ وَدُعَاؤُهُ] قِيلَ: إِنَّ هَذِهِ الْكَلِمَاتِ مُفَسَّرَةٌ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: {قَالاَ رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ} [الأعراف: 23] وَرُوِيَ هَذَا عَنْ مُجَاهِدٍ وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ وَأَبِي الْعَالِيَةِ وَالرَّبِيعِ بْنِ أَنَسٍ، وَالْحَسَنِ وَقَتَادَةَ، وَمُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ الْقُرَظِيِّ وَخَالِدِ بْنِ مَعْدَانَ وَعَطَاءٍ الْخُرَاسَانِيِّ وَعَبْدِ الرَّحْمنِ بْنِ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ[273]. وَقَالَ السُّدِّيُّ عَمَّنْ حَدَّثَهُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ {فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ} قَالَ: قَالَ آدَمُ عَلَيْهِ السَّلاَمُ: َيا رَبِّ أَلَمْ تَخْلُقْنِي بِيَدِكَ؟ قِيلَ لَهُ: بَلى، وَنَفَخْتَ فِيَّ مِنْ رُوحِكَ؟ قِيلَ لَهُ: بَلى، وَعَطَسْتُ فَقُلْتَ: يَرْحَمُكَ اللهُ، وَسَبَقَتْ رَحْمَتُكَ غَضَبَكَ؟ قِيلَ لَهُ: بَلى، وَكَتَبْتَ عَلَيَّ أَنْ أَعْمَلَ هَذَا؟ قِيلَ لَهُ: بَلى، قَالَ: أَرَأَيْتَ إِنْ تُبْتُ هَلْ أَنْتَ رَاجِعِي إِلَى الْجَـنّـَةِ؟ قَالَ: نَعَمْ[274]. وَهكَذَا رَوَاهُ الْعَوْفِيُّ وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وَسَعِيدُ بْنِ مَعْبَدٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ بِنَحْوِهِ[275]. وَرَوَاهُ الْحَاكِمُ فِي مُسْتَدْرَكِهِ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَقَالَ: صَحِيحُ الْإِسْنَادِ وَلَمْ يُخَرِّجَاهُ[276]. [273] (ابن أبي حاتم 1/136، والطبري 1/543 و546) [274] (الطبري 1/543) [275] (الطبري 1/542) [276] (الحاكم 2/545) وَقَوْلُهُ تَعَالَى: {إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ} أَيْ ِإنَّهُ يَتُوبُ عَلَى مَنْ تَابَ إِلَيْهِ وَأَنَابَ، كَقَوْلِهِ: {أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ} [التوبة: 104] وَقَوْلِهِ: {وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ}... الْآيَةَ [النساء: 110]، وَقَوْلِهِ: {وَمَنْ تَابَ وَعَمِلَ صَالِحًا} [الفرقان: 7] وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْآيَاتِ الدَّالَّةِ عَلَى أَنَّهُ تَعَالَى يَغْفِرُ الذُّنُوبَ، وَيَتُوبُ عَلَى مَنْ يَتُوبُ. وَهَذَا مِنْ لُطْفِهِ بِخَلْقِهِ وَرَحْمَتِهِ بِعَبِيدِهِ، لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ. {قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدَىً فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلاَ خَوْفٌ عَلَيهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ *وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} يَقُولُ تَعَالَى مُخْبِرًا عَمَّا أَنْذَرَ بِهِ آدَمَ وَزَوْجَتَهُ وَإِبْلِيسَ حِينَ أَهْبَطَهُمْ مِنَ الْجَنَّةِ، وَالْمُرَادُ الذُّرِّيَّـةُ: إِنَّهُ سَيُنْزِلُ الْكُتُبَ وَيَبْعَثُ الْأَنْبِيَاءَ وَالرُّسُلَ كَمَا قَالَ أَبُو الْعَالِيَةِ: اَلْهُدَى: الْأَنْبِيَاءُ وَالرُّسُلُ؛ وَالْبَيِّنَاتُ وَالْبَيَانُ[277]{فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ} أَيْ مَنْ أَقْبَلَ عَلَى مَا أَنْزَلْتُ بِهِ الْكُتُبَ وَأَرْسَلْتُ بِهِ الرُّسُلَ {فَلاَ خَوْفٌ عَلَيهِمْ} أَيْ فِيمَا يَسْتَقْبِلُونَهُ مِنْ أَمْرِ الاْخِرَةِ {وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ} عَلَى مَا فَاتَهُمْ مِنْ أُمُورِ الدُّنْيَا، كَمَا قَالَ فِي سُورَةِ طه: {قَالَ اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعًا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدىً فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلاَ يَضِلُّ وَلاَ يَشْقَى} [طه: 123] قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: فَلاَ يَضِلُّ فِي الدُّنْيَا، وَلاَ يَشْقَى فِي الاْخِرَةِ[278]{وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى} [طه: 123، 124] كَمَا قَالَ ههُنَا: {وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} أَيْ مُخَلَّدُونَ فِيهَا لاَ مَحِيدَ لَهُمْ عَنْها وَلاَ مَحِيصَ. [277] (ابن أبي حاتم 1/139) [278] (الطبري 18/389) {يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيكُمْ وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ *وَآمِنُوا بِمَا أَنْزَلْتُ مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ وَلاَ تَكُونُوا أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ وَلاَ تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَناً قَلِيلاً وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِ} [حَضُّ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى الدُّخُولِ فِي الْإِسْلاَمِ] يَقُولُ تَعَالَى آمِرًا بَنِي إِسْرَائِيلَ بِالدُّخُولِ فِي الْإِسْلاَمِ، وَمُتَابَعَةِ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ مِنَ اللهِ أَفْضَلُ الصَّلاَةِ وَالسَّلاَمِ، وَمُهَيِّجًا لَهُمْ بِذِكْرِ أَبِيهِمْ إِسْرَائِيلَ وَهُوَ نَبِيُّ اللهِ يَعْقُوبُ عَلَيْهِ السَّلاَمُ، وَتَقْدِيرُهُ: يَا بَنِي الْعَبْدِ الصَّالِحِ الْمُطِيعِ لِلّْهِ، كُونُوا مِثْلَ أَبِيكُمْ فِي مُتَابَعَةِ الْحَقِّ، كَمَا تَقُولُ: يَا ابْنَ الْكَرِيمِ اِفْعَلْ كَذَا، يَا ابْنَ الشُّجَاعِ بَارِزِ الْأَبْطَالَ، يَا ابْنَ الْعَالِمِ اطْلُبِ الْعِلْمَ، وَنَحْوَ ذَلِكَ. وَمِنْ ذَلِكَ أَيْضًا قَوْلُهُ تَعَالَى: {ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ إِنَّهُ كَانَ عَبْدًا شَكُورًا} [الإسراء: 3]. [إِسْرَائِيلُ لَقَبُ يَعْقُوبَ عَلَيْهِ السَّلاَمُ] فَإِسْرَائِيلُ هُوَ يَعْقُوبُ بِدَلِيلِ مَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ الطِّيَالِسِيُّ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: حَضَرَتْ عِصَابَةٌ مِنَ الْيَهُودِ نَبِيَّ اللهِ ﷺ، فَقَالَ لَهُمْ: «هَلْ تَعْلَمُونَ أَنَّ إِسْرَائِيلَ يَعْقُوبُ؟» قَالُوا: اللَّهُمَّ نَعَمْ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «اَللَّهُمَّ اشْهَدْ»[279]وَرَوَى الطَّبَرِيُّ عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّ إِسْرَائِيلَ كَقَوْلِكَ: عَبْدُ اللهِ[280]. [279] (أبو داود الطيالسي 356) [280] (الطبري 1/553) [نِعَمُ اللهِ عَلَى الْيَهُودِ] وَقَوْلُهُ تَعَالَى: {اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيكُمْ} قَالَ مُجَاهِدٌ: نِعْمَةَ اللهِ الَّتِي أَنْعَمَ بِهَا عَلَيْهِمْ فِيمَا سَمَّى، وَفِيمَا سِوَى ذَلِكَ أَنْ فَجَّرَ لَهُمُ الْحَجَرَ، وَأَنْزَلَ عَلَيْهِمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوى، وَنَجَّاهُمْ مِنْ عُبُودِيَّةِ آلِ فِرْعَونَ[281]. وَقَالَ أَبُو الْعَالِيَةِ: نِعْمَتُهُ أَنْ جَعَلَ مِنْهُمُ الْأَنْبِيَاءَ وَالرُّسُلَ، وَأَنْزَلَ عَلَيْهِمُ الْكُتُبَ[282]. قُلْتُ: وَهَذَا كَقَوْلِ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلاَمُ لَهُمْ: {يَا قَوْمِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِيَاءَ وَجَعَلَكُمْ مُلُوكًا وَآتَاكُمْ مَا لَمْ يُؤْتِ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ} [المائدة: 20] يَعْنِي فِي زَمَانِهِمْ، وَرَوَى مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيكُمْ} أَيْ بَلاَئِي عِنْدَكُمْ وَعِنْدَ آبَائِكُمْ لَمَّا كَانَ نَجَّاهُمْ مِنْ فِرْعَوْنَ وَقَوْمِهِ[283]. [281] (الطبري 1/556) [282] (الطبري 1/556) [283] (إسناده ضعيف لتدليس ابن إسحاق وجهالة شيخه محمد بن أبي محمد كما تقدم) [تَذْكِيرُ الْيَهُودِ بِعَهْدِ اللهِ إِلَيْهِمْ] {وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ} قَالَ: بِعَهْدِي الَّذِي أَخَذْتُ فِي أَعَنْاقِكُمْ لِلنَّبِيِّ ﷺ إِذَا جَاءَكُمْ، أُنْجِزْ لَكُمْ مَا وَعَدْتُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ تَصْدِيقِهِ وَاتِّبَاعِهِ بِوَضْعِ مَا كَانَ عَلَيْكُمْ مِنَ الاْصَارِ وَالْأَغْلاَلِ الَّتِي كَانَتْ فِي أَعْنَاقِكُمْ بِذُنُوبِكُمُ الَّتِي كَانَتْ مِنْ إِحْدَاثِكُمْ[284]. وَقَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ[285]: هَوُ قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَلَقَدْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَبَعَثْنَا مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا وَقَالَ اللَّهُ إِنِّي مَعَكُمْ لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلاَةَ وَآتَيْتُمُ الزَّكَاةَ وَآمَنْتُمْ بِرُسُلِي وَعَزَّرْتُمُوهُمْ وَأَقْرَضْتُمُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَناً لَأُكَفِّرَنَّ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَلَأُدْخِلَنَّكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ}... الْآيَةَ [المائدة: 12]. [284] (الطبري 1/555 و558 ضعيف محمد بن أبي محمد الأنصاري مولى زيد بن ثابت مجهول ومحمد بن إسحاق صدوق مدلس، ولم يصرح، سلمة بن الفضل ومحمد بن حسن ضعيفان) [285] (الطبري 1/109) وَقَالَ آخَرُونَ: هُوَ الَّذِي أَخَذَ اللهُ عَلَيْهِمْ فِي التَّوْرَاةِ أَنَّهُ سَيَبْعَثُ مِنْ بَنِي إِسْمَاعِيلَ نَبِيًّا عَظِيمًا يُطِيعُهُ جَمِيعُ الشُّعُوبِ، وَالْمُرَادُ بِهِ مُحَمَّدٌ ﷺ، فَمَنِ اتَّبَعَهُ غَفَرَ اللهُ لَهُ ذَنْبَهُ، وَأَدْخَلَهُ الْجَنَّةَ، وَجَعَلَ لَهُ أَجْرَيْنِ. وَقَدْ أَوْرَدَ الرَّازِي بِشَارَاتٍ كَثِيرَةٍ عَنِ الْأَنْبِيَاءِ عَلَيْهِمُ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ بِمُحَمَّدٍ ﷺ، وَقَالَ أَبُو الْعَالِيَةِ: {وَأَوْفُوا بِعَهْدِي} قَالَ عَهْدُهُ إِلَى عِبَادِهِ: دِينُ الْإِسْلاَمِ أَنْ يَتَّبِعُوهُ[286]. وَقَالَ الضَّحَّاكُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أُوفِ بِعَهْدِكُمْ؟ قَالَ: أَرْضَ عَنْكُمْ وَأُدْخِلُكُمُ الْجَنَّةَ[287]. وَكَذَا قَالَ السُّدِّيُّ وَالضَّحَّاكُ وَأَبُو الْعَالِيَةِ وَالرَّبِيعُ ابْنُ أَنَسٍ [286] (الطبري 1/558) [287] (ابن أبي حاتم 1/143 إسناده ضعيف لعدم سماع ضحاك من ابن عباس) وَقَولُهُ تَعَالَى: {وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ} أَيْ فَاخْشَوْنِ[288]. قَالَهُ أَبُو الْعَالِيَةِ وَالسُّدِّيُّ وَالرَّبِيعُ بْنُ أَنَسٍ وَقَتَادَةُ، وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ} أَيْ أَنْ نَزَلَ بِكُمْ مَا أَنْزَلْتُ بِمَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ مِنْ آبَائِكُمْ مِنَ النِّقَمَاتِ الَّتِي قَدْ عَرَفْتُمْ مِنَ الْمَسْخِ وَغَيْرِهِ[289]. وَهَذَا انْتِقَالٌ مِنَ التَّرْغِيبِ إِلَى التَّرْهِيبِ، فَدَعَاهُمْ إِلَيْهِ بِالرَّغْبَةِ وَالرَّهْبَةِ، لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ إِلَى الْحَقِّ، وَاتِّبَاعِ الرَّسُولِ ﷺ، وَالاِتِّعَاظِ بِالْقُرْآنِ وَزَوَاجِرِهِ، وَامْتِثَالِ أَوَامِرِهِ، وَتَصْدِيقِ أَخْبَارِهِ، وَاللهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ. [288] (الطبري 1/560) [289] (ابن أبي حاتم 1/144) وَلِهَذَا قَالَ: {وَآمِنُوا بِمَا أَنْزَلْتُ مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ} يَعْنِي بِهِ الْقُرْآنَ الَّذِي أُنْزِلَ عَلَى مُحَمَّدٍ ﷺ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الْعَرَبِيِّ، بَشِيرًا وَنَذِيرًا، وَسِرَاجًا مُنِيرًا، مُشْتَمِلاً عَلَى الْحَقِّ مِنَ اللهِ تَعَالَى، مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ، قَالَ أَبُو الْعَالِيَةِ رَحِمَهُ اللهُ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَآمِنُوا بِمَا أَنْزَلْتُ مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ} يَقُولُ: يَا مَعْشَرَ أَهْلِ الْكِتَابِ آمِنُوا بِمَا أَنْزَلْتُ مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ، يَقُولُ: لِأَنَّهُمْ يَجِدُونَ مُحَمَّدًا ﷺ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ. وَرُوِيَ عَنْ مُجَاهِدٍ وَالرَّبِيعِ بْنِ أَنَسٍ وَقَتَادَةَ نَحْوُ ذَلِكَ[290]. [290] (ابن أبي حاتم 1/145) وَقَوْلُهُ: {وَلاَ تَكُونُوا أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ} قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: وَلاَ تَكُونُوا أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ وَعِنْدَكُمْ فِيهِ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَيْسَ عِنْدَ غَيْرِكُمْ[291]. قَالَ أَبُو الْعَالِيَةِ: يَقُولُ: وَلاَ تَكُونُوا أَوَّلَ مَنْ كَفَرَ بِمُحَمَّدٍ ﷺ[292]، يَعْنِي مِنْ جِنْسِكُمْ أَهْلِ الْكِتَابِ بَعْدَ سَمَاعِكُمْ بِمَبْعَثِهِ. وَكَذَا قَالَ الْحَسَنُ وَالسُّدِّيُّ وَالرَّبِيعُ بْنُ أَنَسٍ[293]. وَاخْتَارَ ابْنُ جَرِيرٍ أَنَّ الضَّمِيرَ فِي قَوْلِهِ «بِـهِ» عَائِدٌ عَلَى الْقُرْآنِ الَّذِي تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ فِي قَوْلِهِ: {بِمَا أَنْزَلْتُ} وَكِلاَ الْقَوْلَيْنِ صَحِيحٌ لِأَنَّهُمَا مُتَلاَزِمَانِ، لِأَنَّ مَنْ كَفَرَ بِالْقُرْآنِ فَقَدْ كَفَرَ بِمُحَمَّدٍ ﷺ، وَمَنْ كَفَرَ بِمُحَمَّدٍ ﷺ فَقَدْ كَفَرَ بِالْقُرْآنِ، وَأَمَّا قَوْلُهُ: {أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ} فَيَعْنِي بِهِ أَوَّلَ مَنْ كَفَرَ بِهِ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ، لِأَنَّهُ قَدْ تَقَدَّمَهُمْ مِنْ كُفَّارِ قُرَيشٍ وَغَيْرِهِمْ مِنَ الْعَرَبِ بَشَرٌ كَثِيرٌ، وَإِنَّمَا الْمُرَادُ أَوَّلُ مَنْ كَفَرَ بِهِ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ مُبَاشَرَةً، فَإِنَّ يَهُودَ الْمَدِينَةِ أَوَّلُ بَنِي إِسْرَائِيلَ خُوطِبُوا بِالْقُرْآنِ، فَكُفْرُهُمْ بِهِ يَسْتَلْزِمُ أَنَّهُمْ أَوَّلُ مَنْ كَفَرَ بِهِ مِنْ جِنْسِهِمْ. [291] (ابن أبي حاتم 1/145) [292] (ابن أبي حاتم 1/145) [293] (ابن أبي حاتم 1/145) وَقَوْلُهُ تَعَالَى: {وَلاَ تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَناً قَلِيلاً} يَقُولُ: لاَ تَعْتَاضُوا عَنِ الْإِيمَانِ بِآيَاتِي وَتَصْدِيقِ رَسُولِي بِالدُّنْيَا وَشَهَوَاتِهَا، فَإِنَّهَا قَلِيلَةٌ فَانِيَةٌ، وَقَوْلُهُ: {وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِ} رَوَى ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ عَنْ طَلْقِ بْنِ حَبِيبٍ، قَالَ: اَلتَّقْوَى أَنْ تَعْمَلَ بِطَاعَةِ اللهِ رَجَاءَ رَحْمَةِ اللهِ عَلَى نُورٍ مِنَ اللهِ، وَأَنْ تَتْرُكَ مَعْصِيَةَ اللهِ عَلَى نُورٍ مِنَ اللهِ تَخَافُ عِقَابَ اللهِ[294]. وَمَعْنَى قَوْلِهِ: {وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِ} أَنَّهُ تَعَالَى يَتَوَعَّدُهُمْ فِيمَا يَتَعَمَّدُونَهُ مِنْ كِتْمَانِ الْحَقِّ وَإِظْهَارِ خِلاَفِهِ وَمُخَالَفَتِهِمُ الرَّسُولَ صَلَوَاتُ اللهِ وَسَلاَمُهُ عَلَيْهِ. [294] (ابن أبي حاتم 1/147) {وَلاَ تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ *وَأَقِيمُوا الصَّلاَةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ} [اَلنَّهْيُ عَنْ لَبْسِ الْحَقِّ وَكِتْمَانِهِ] يَقُولُ تَعَالَى نَاهِيًا لِلْيَهُودِ عَمَّا كَانُوا يَتَعَمَّدُونَهُ مِنْ تَلْبِيسِ الْحَقِّ بِالْبَاطِلِ، وَتَمْوِيهِهِ بِهِ، وَكِتْمَانِهِمُ الْحَقَّ، وَإِظْهَارِهِمُ الْبَاطِلَ: {وَلاَ تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ} فَنَهَاهُمْ عَنِ الشَّيْئَيْنِ مَعًا، وَأَمَرَهُمْ بِإِظْهَارِ الْحَقِّ وَالتَّصْرِيحِ بِهِ، وَلِهَذَا قَالَ الضَّحَّاكُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: {وَلاَ تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ} لاَ تَخْلِطُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ، وَالصِّدْقَ بِالْكَذِبِ[295]. وَقَالَ قَتَادَةُ: {وَلاَ تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ} وَلاَ تَلْبِسُوا الْيَهُودِيَّةَ وَالنَّصْرَانِيَّةَ بِالْإِسْلاَمِ { وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ} أَنَّ دِينَ اللهِ الْإِسْلاَمُ، وَأَنَّ الْيَهُودِيَّةَ وَالنَّصْرَانِيَّةَ بِدْعَةٌ لَيْسَتْ مِنَ اللهِ[296]. وَرُوِيَ عَنِ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ نَحْوُ ذَلِكَ[297]. [295] (الطبري 1/569 إسناده ضعيف الضحاك لم يسمع من ابن عباس) [296] (ابن أبي حاتم 1/147) [297] (ابن أبي حاتم 1/147) وَرَوَى مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ {وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ} أَيْ لاَ تَكْتُمُوا مَا عِنْدَكُمْ مِنَ الْمَعْرِفَةِ بِرَسُولِي وَبِمَا جَاءَ بِهِ، وَأَنْتُمْ تَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَكُمْ فِيمَا تَعْلَمُونَ مِنَ الْكُتُبِ الَّتِي بِأَيْدِيكُمْ[298]. [298] (ابن أبي حاتم 1/148 إسناده ضعيف لتدليس ابن إسحاق كما تقدم) (قُلْتُ) وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْمَعْنَى: وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ مَا فِي ذَلِكَ مِنَ الضَّرَرِ الْعَظِيمِ عَلَى النَّاسِ مِنْ إِضْلاَلِهِمْ عَنِ الْهُدَى الْمُفْضِي بِهِمْ إِلَى النَّارِ، إِلَى أَنْ سَلَكُوا مَا تُبْدُونَهُ لَهُمْ مِنَ الْبَاطِلِ الْمَشُوبِ بِنَوْعٍ مِنَ الْحَقِّ لِتُرَوِّجُوهُ عَلَيْهِمْ. وَالْبَيَانُ: الْإِيضَاحُ، وَعَكْسُهُ: الْكِتْمَانُ وَخَلْطُ الْحَقِّ بِالْبَاطِلِ. {وَأَقِيمُوا الصَّلاَةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ} قَالَ مُقَاتِلٌ: قَوْلُهُ تَعَالَى لِأَهْلِ الْكِتَابِ {وَأَقِيمُوا الصَّلاَةَ} أَمَرَهُمْ أَنْ ُيصَلُّوا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ {وَآتُوا الزَّكَاةَ} أَمَرَهُمْ أَنْ يُؤتُوا الزَّكَاةَ أَيْ يَدْفَعُونَهَا إِلَى النَّبِيِّ ﷺ {وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ} أَمَرَهُمْ أَنْ يَرْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ مِنْ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ، يَقُولُ: كُونُوا مَعَهُمْ وَمِنْهُمْ[299]. وَقَوْلُهُ تَعَالَى: {وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ} أَيْ وَكُونُوا مَعَ الْمُؤْمِنِينَ فِي أَحْسَنِ أَعْمَالِهِمْ، وَمِنْ أَخَصِّ ذَلِكَ وَأَكْمَلِهِ الصَّلاَةُ، وَقدِ اسْتَدَلَّ كَثِيرٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ بِهَذِهِ الْآيَةِ عَلَى وُجُوبِ الْجَمَاعَةِ. [299] (الكشاف 1/133) {أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ} [اَلتَّوْبِيخُ عَلَى تَرْكِ الطَّاعَاتِ لِمَنْ يَأْمُرُ النَّاسَ بِالْمَعْرُوفِ] يَقُولُ تَعَالَى: كَيْفَ يَلِيقُ بِكُمْ يَا مَعْشَرَ أَهْلِ الْكِتَابِ، وَأَنْتُمْ تَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَهُوَ جِمَاعُ الْخَيْرِ: أَنْ تَنْسَوْا أَنْفُسَكُمْ فَلاَ تَأْتَمِرُوا بِمَا تَأْمُرُونَ النَّاسَ بِهِ، وَأَنْتُمْ مَعَ ذَلِكَ تَتْلُونَ الْكِتَابَ وَتَعْلَمُونَ مَا فِيهِ عَلَى مَنْ قَصَّرَ فِي أَوَامِرِ اللهِ؟ {أَفَلاَ تَعْقِلُونَ} مَا أَنْتُمْ صَانِعُونَ بِأَنْفُسِكُمْ، فَتَنْتَبِهُوا مِنْ رِقْدَتِكُمْ، وَتَتَبَصَّرُوا مِنْ عَمَايَتِكُمْ، وَهَذَا كَمَا قَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ قَتَادَةَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ} قَالَ: كَانَ بَنُو إِسْرَائِيلَ يَأْمُرُونَ النَّاسَ بِطَاعَةِ اللهِ وَبِتَقْوَاهُ وَبِالْبِرِّ، وَيُخَالِفُونَ، فَعَيَّرَهُمُ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ[300]. وَكَذَلِكَ قَالَ السُّدِّيُّ وَقَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: {أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ} أَهْلُ الْكِتَابِ وَالْمُنَافِقُونَ كَانُوا يَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالصَّوْمِ وَالصَّلاَةِ، وَيَدَعُونَ الْعَمَلَ بِمَا يَأْمُرُونَ بِهِ النَّاسَ، فَعَيَّرَهُمُ اللهُ بِذَلِكَ، فَمَنْ أَمَرَ بِخَيْرٍ فَلْيَكُنْ أَشَدَّ النَّاسِ فِيهِ مُسَارَعَةً[301]. وَرَوَى مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: {وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ} أَيْ تَتْرُكُونَ أَنْفُسَكُمْ {وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ} أَيْ تَنْهَوْنَ النَّاسَ عَنِ الْكُفْرِ بِمَا عِنْدَكُمْ مِنَ النُّبُوَّةِ َوالْعَهْدِ مِنَ التَّوْرَاةِ، وَتَتْرُكُونَ أَنْفُسَكُمْ، أَيْ وَأَنْتُمْ تَكْفُرُونَ بِمَا فِيهَا مِنْ عَهْدِي إِلَيْكُمْ فِي تَصْدِيقِ رَسُولِي، وَتَنْقُضُونَ مِيثَاقِي، وَتَجْحَدُونَ مَا تَعْلَمُونَ مِنْ كِتَابِي[302]. [300] (عبدالرزاق 1/44) [301] (الطبري 2/8) [302] (الطبري 2/7) وَالْغَرَضُ: أَنَّ اللهَ تَعَالَى ذَمَّهُمْ عَلَى هَذَا الصَّنِيعِ، وَنَبَّهَهُمْ عَلَى خَطَئِهِمْ فِي حَقِّ أَنْفُسِهِمْ حَيْثُ كَانُوا يَأْمُرُونَ بِالْخَيْرِ وَلاَ يَفْعَلُونَهُ، وَلَيْسَ الْمُرَادُ ذَمَّهُمْ عَلَى أَمْرِهِمْ بِالْبِرِّ مَعَ تَرْكِهِمْ لَهُ، [بَلْ عَلَى تَرْكِهِمْ لَهُ] فَإِنَّ الْأَمْرَ بِالْمَعْرُوفِ مَعْرُوفٌ، وَهُوَ وَاجِبٌ عَلَى الْعَالِمِ، وَلَكِنَّ الْوَاجِبَ وَالْأَوْلَى بِالْعَالِمِ أَنْ يَفْعَلَهُ مَعَ مَنْ أَمَرَهُمْ بِهِ، وَلاَ يَتَخَلَّفَ عَنْهُمْ، كَمَا قَالَ شُعَيْبٌ عَلَيْهِ السَّلاَمُ: {وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ إِنْ أُرِيدُ إِلاَّ الإِصْلاَحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلاَّ بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ} [هود: 88] فَكُلٌّ مِنَ الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَفِعْلِهِ وَاجِبٌ، لاَ يَسْقُطُ أَحَدُهُمَا بِتَرْكِ الاْخَرِ عَلَى أَصَحِّ قَوْلَيِ الْعُلَمَاءِ مِنَ السَّلَفِ وَالْخَلَفِ. قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ عَنْ أَبِي وَائِلٍ، قَالَ: قِيلَ لِأُسَامَةَ وَأَنَا رَدِيفُهُ: أَلاَ تُكَلِّمُ عُثْمَانَ؟ فَقَالَ: إِنَّكُمْ تَرَوْنَ أَنِّي لاَ أُكَلِّمُهُ إِلاَّ أُسْمِعُكُمْ، إِنِّي لَأُكَلِّمُهُ فِيمَا بَيْنِي وَبَيْنَهُ دُونَ أَنْ أَفْتَتِحَ أَمْرًا لاَ أُحِبُّ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنِ افْتَتَحَهُ، وَاللهِ لاَ أَقُولُ لِرَجُلٍ: إِنَّكَ خَيْرُ النَّاسِ، وَإِنْ كَانَ عَلَيَّ أَمِيرًا، بَعْدَ أَنْ سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: قَالُوا: وَمَا سَمِعْتَهُ يَقُولُ؟ قَالَ: سَمِعْتُهُ يَقُولُ: «يُجَاءُ بِالرَّجُلِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَيُلْقَى فِي النَّارِ فَتَنْدَلِقُ بِهِ أَقْتَابُهُ، فَيَدُورُ بِهَا فِي النَّارِ كَمَا يَدُورُ الْحِمَارُ بِرَحَاهُ، فَيُطِيفُ بِهِ أَهْلُ النَّارِ فَيَقُولُون: يَا فُلاَنُ، مَا أَصَابَكَ؟ أَلَمْ تَكُنْ تَأْمُرُنَا بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَانَا عَنِ الْمُنْكَرِ؟ فَيَقُولُ: كُنْتُ آمُرُكُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَلاَ آتِيهِ، وَأَنْهَاكُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَآتِيهِ»[303]. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ[304]. [303] (أحمد 5/205) [304] (فتح الباري 6/381، ومسلم 4/2291) وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ: إِنِّي لَأَكْرَهُ الْقِصَصَ لِثَلاَثِ آيَاتٍ: قَوْلِهِ تَعَالَى: {أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ} وَقَوْلِهِ: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لاَ تَفْعَلُونَ *كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لاَ تَفْعَلُونَ} [الصف: 2،3] [305]وَقَوْلِهِ إِخْبَارًا عَنْ شُعَيْبٍ: {وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ إِنْ أُرِيدُ إِلاَّ الإِصْلاَحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلاَّ بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ} [هود: 88]. [305] (القرطبي 1/367) {وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاَةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلاَّ عَلَى الْخَاشِعِينَ *الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاَقُو رَبِّهِمْ وَأَنَّهُمْ إِلَيهِ رَاجِعُونَ} [اَلاِسْتِعَانَةُ بِالصَّبْرِ وَالصَّلاَةِ] يَقُولُ تَعَالَى آمِرًا عَبِيدَهُ فِيمَا يُؤَمِّلُونَ مِنْ خَيْرِ الدُّنْيَا وَالاْخِرَةِ بِالاِسْتِعَانَةِ بِالصَّبْرِ وَالصَّلاَةِ، كَمَا قَالَ مُقَاتِلُ بْنُ حَيَّانَ فِي تَفْسِيرِ هَذِهِ الْآيَةِ: اِسْتَعِينُوا عَلَى طَلَبِ الاْخِرَةِ بِالصَّبْرِ عَلَى الْفَرَائِضِ وَالصَّلاَةِ، فَأَمَّا الصَّبْرُ فَقِيلَ: إِنَّهُ الصِّيَامُ[306]. نَصَّ عَلَيْهِ مُجَاهِدٌ. [306] (ابن أبي حاتم 1/154 إسناده ضعيف فيه عمران بن خالد ضعيف الحديث) قَالَ الْقُرْطُبِيُّ وَغَيْرُهُ: وَلِهَذَا يُسَمَّى رَمَضَانُ شَهْرَ الصَّبْرِ[307]. كَمَا نَطَقَ بِهِ الْحَدِيثُ[308]. وَقِيلَ: اَلْمُرَادُ بِالصَّبْرِ الْكَفُّ عَنِ الْمَعَاصِي، وَلِهَذَا قَرَنَهُ بِأَدَاءِ الْعِبَادَاتِ، وَأَعْلاَهَا فِعْلُ الصَّلاَةِ. رَوَى ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ[309]رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، قَالَ: الصَّبْرُ صَبْرَانِ: صَبْرٌ عِنْدَ الْمُصِيبَةِ حَسَنٌ، وَأَحْسَنُ مِنْهُ الصَّبْرُ عَنْ مَحَارِمِ اللهِ. قَالَ: وَرُوِيَ عَنِ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ نَحْوُ قَوْلِ عُمَرَ[310]. [307] (القرطبي 1/372) [308] (إسناده ضعيف فيه علي بن زيد بن جدعان وهو ضعيف) [309] (هذا منقطع أبو سنان سعيد بن سنان لم سمع من عمر) [310] (ابن أبي حاتم 1/155) وَأَمَّا قَوْلُهُ: {وَالصَّلاَةِ} فَإِنَّ الصَّلاَةَ مِنْ أَكْبَرِ الْعَوْنِ عَلَى الثَّبَاتِ فِي الْأَمْرِ كَمَا قَالَ تَعَالَى: {اتْلُ مَا أُوْحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ وَأَقِمِ الصَّلاَةَ إِنَّ الصَّلاَةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ}... الْآيَةَ [العنكبوت: 45]. وَالضَّمِيرُ فِي قَوْلِهِ: {وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ} عَائِدٌ إِلَى الصَّلاَةِ، نَصَّ عَلَيْهِ مُجَاهِدٌ، َواخْتَاَرُه ابْنُ جَرِيرٍ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ عَائِدًا عَلَى مَا يَدُلُّ عَلَيْهِ الْكَلاَمُ وَهُوَ الْوَصِيَّةُ بِذَلِكَ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى فِي قِصَّةِ قَارُونَ: {وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَيْلَكُمْ ثَوَابُ اللَّهِ خَيْرٌ لِمَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا وَلاَ يُلْقَّاهَا إِلاَّ الصَّابِرُونَ} [القصص: 80] وَقَالَ تَعَالَى: {وَلاَ تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلاَ السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ *وَمَا يُلَقَّاهَا إِلاَّ الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلاَّ ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ} [فصلت: 34، 35] أَيْ وَمَا يُلَقَّى هَذِهِ الْوَصِيَّةَ إِلاَّ الَّذِينَ صَبَرُوا، وَمَا يُلَقَّاهَا أَيْ يُؤتَاهَا وَيُلْهَمُهَا إِلاَّ ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ. وَعَلَى كُلِّ تَقْدِيرٍ فَقَوْلُهُ تَعَالَى: {وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ} أَيْ: مَشَقَّـةٌ ثَقِيلَةٌ {إِلاَّ عَلَى الْخَاشِعِينَ} قَالَ ابْنُ أَبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: يَعْنِي الْمُصَدِّقِينَ بِمَا أَنْزَلَ اللهُ.[311]. [311] (الطبري 2/16) وَقَوْلُهُ تَعَالَى: {الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاَقُو رَبِّهِمْ وَأَنَّهُمْ إِلَيهِ رَاجِعُونَ} هَذَا مِنْ تَمَامِ الْكَلاَمِ الَّذِي قَبْلَهُ، أَيْ وَإِنَّ الصَّلاَةَ أَوِ الْوَصَاةَ لَثَقِيلَةٌ {إِلاَّ عَلَى الْخَاشِعِينَ * الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاَقُو رَبِّهِمْ} أَيْ يَعْلَمُونَ أَنَّهُمْ مَحْشُورُونَ إِلَيْهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَعْرُوضُونَ عَلَيْهِ، {وَأَنَّهُمْ إِلَيهِ رَاجِعُونَ} أَيْ أُمُورُهُمْ رَاجِعَةٌ إِلَى مَشِيئَتِهِ، يَحْكُمُ فِيهَا مَا يَشَاءُ بِعَدْلِهِ، فَلِهَذَا لَمَّا أَيْقَنُوا بِالْمَعَادِ وَالْجَزَاءِ سَهُلَ عَلَيْهِمْ فِعْلُ الطَّاعَاتِ وَتَرْكُ الْمُنْكَرَاتِ. [الظن بمعنى اليقين] فَأَمَّا قَوْلُهُ {يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاَقُو رَبِّهِمْ} قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ، رَحِمَهُ اللهُ: الْعَرَبُ قَدْ تُسَمِّي الْيَقِينَ ظَنًّا، وَالشَّكَّ ظَنًّا، نَظِيرَ تَسْمِيَتِهِمُ الظُّلْمَةَ سُدْفَةً، وَالضِّيَاءَ سُدْفَةً، وَالْمُغِيثَ صَارِخًا، وَالْمُسْتَغِيثَ صَارِخًا، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ مِنَ الْأَسْمَاءِ الَّتِي يُسَمَّى بِهَا الشَّيْءُ وَضِدُّهُ، وَمِنْهُ قَوْلُ اللهِ تَعَالَى: {وَرَأَى الْمُجْرِمُونَ النَّارَ فَظَنُّوا أَنَّهُمْ مُوَاقِعُوهَا} [الكهف: 53][312]. وروى ابن جرير عن مجاهد قال: كل ظن في القرآن فهو وهذا سنده صحيح. [312] (الطبري 2/17) (قُلْتُ) وَفِي الصَّحِيحِ: «أَنَّ اللهَ تَعَالَى يَقُولُ لِلْعَبْدِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ: أَلَمْ أُزَوِّجْكَ؟ أَلَمْ أُكْرِمْكَ؟ أَلَمْ أُسَخِّرْ لَكَ الْخَيْلَ وَالْإِبِلَ وَأَذَرْكَ تَرْأَسُ وَتَرْبَعُ؟ فَيَقُولُ: بَلى، فَيَقُولُ اللهُ تَعَالَى: أَظَنَنْتَ أَنَّكَ مُلاَقِيَّ؟ فَيَقُولُ: لاَ، فَيَقُولُ اللهُ: الْيَوْمَ أَنْسَاكَ كَمَا نَسِيتَنِي»[313]. [313] (مسلم 4/2279) {يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ} [تَذْكِيرُ بَنِي إِسْرَائِيلَ بِتَفْضِيلِهِمْ عَلَى الْأُمَمِ] يُذَكِّرُهُمْ تَعَالَى بِسَالِفِ نِعَمِهِ إِلَى آبَائِهِمْ وَأَسْلاَفِهِمْ، وَمَا كَانَ فَضَّلَهُمْ بِهِ مِنْ إِرْسَالِ الرُّسُلِ مِنْهُمْ، وَإِنْزَالِ الْكُتُبِ عَلَيْهِمْ، عَلَى سَائِرِ الْأُمَمِ مِنْ أَهْلِ زَمَانِهِمْ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: {وَلَقَدْ اخْتَرْنَاهُمْ عَلَى عِلْمٍ عَلَى الْعَالَمِينَ} [الدخان: 32] وَقَالَ تَعَالَى: {وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِيَاءَ وَجَعَلَكُمْ مُلُوكًا وَآتَاكُمْ مَا لَمْ يُؤْتِ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ} [المائدة: 20] قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ الرَّازِيُّ عَنِ الرَّبِيعِ بْنِ أَنَسٍ عَنْ أَبِي الْعَالِيَةِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ} قَالَ: بِمَا أُعْطُوا مِنَ الْمُلْكِ وَالرُّسُلِ وَالْكُتُبِ عَلَى عَالَمِ مَنْ كَانَ فِي ذَلِكَ الزَّمَانِ، فَإِنَّ لِكُلِّ زَمَانٍ عَالَمًا[314]. وَرُوِيَ عَنْ مُجَاهِدٍ وَالرَّبِيعِ بْنِ أَنَسٍ وَقَتَادَةَ وَإِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ نَحْوُ ذَلِكَ[315]. [314] (الطبري 2/24) [315] (ابن أبي حاتم 1/158) [أُمَّةُ مُحَمَّدٍ ﷺ أَفْضَلُ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ] وَيَجِبُ الْحَمْلُ عَلَى هَذَا، لِأَنَّ هَذِهِ الْأُمَّةَ أَفْضَلُ مِنْهُمْ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى خِطَابًا لِهَذِهِ الْأُمَّةِ: {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ} [آل عمران: 110] وَفِي الْمَسَانِيدِ والسُّنَنِ عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ حَيْدَةَ الْقُشَيْرِيِّ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «أَنْتُمْ تُوفُونَ سَبْعِينَ أُمَّةً أَنْتُمْ خَيْرُهَا وَأَكْرَمُهَا عَلَى اللهِ».[316] والْأَحَادِيثُ فِي هَذَا كَثِيرَةٌ تُذْكَرُ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعَالَى: {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ} [آل عمران: 110]. [316] (أحمد 4/447 و5/3، وتحفة الأحوذي 8/352، وابن ماجه 2/1433) {وَاتَّقُوا يَوْمًا لاَ تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا وَلاَ يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ وَلاَ يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلاَ هُمْ يُنْصَرُونَ} لَمَّا ذَكَّرَهُمْ تَعَالَى بِنِعَمِهِ أَوَّلاً، عَطَفَ عَلَى ذَلِكَ التَّحْذِيرَ مِنْ طُولِ نِقَمِهِ بِهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فَقَالَ: {وَاتَّقُوا يَوْمًا} يَعْنِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ {لاَ تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا} أَيْ لاَ يُغْنِي أَحَدٌ عَنْ أَحَدٍ، كَمَا قَالَ: {وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى} [الإسراء: 15 الأنعام: 164] وَقَالَ: {لِكُلِّ امْرِىءٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ} [عبس: 37] وَقَالَ: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ وَاخْشَوْا يَوْمًا لاَ يَجْزِي وَالِدٌ عَنْ وَلَدِهِ وَلاَ مَوْلُودٌ هُوَ جَازٍ عَنْ وَالِدِهِ شَيْئًا} [لقمان: 33] فَهَذَا أَبْلَغُ الْمَقَامَاتِ أَنَّ كُلًّا مِنَ الْوَالِدِ وَوَلَدِهِ لاَ يُغْنِي أَحَدُهُمَا عَنِ الاْخَرِ شَيْئًا. [لاَ يُقْبَلُ مِنَ الْكُفَّارِ شَفَاعَةٌ وَلاَ فِدَاءٌ، وَلاَ يُنْصَرُونَ] وَقَوْلُهُ تَعَالَى: {وَلاَ يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ} يَعْنِي مِنَ الْكَافِرِينَ، كَمَا قَالَ: {فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ} [المدثر: 48] وَكَمَا قَالَ عَنْ أَهْلِ النَّارِ {فَمَا لَنَا مِنْ شَافِعِينَ *وَلاَ صَدِيقٍ حَمِيمٍ} [الشعراء 100، 101] وَقَوْلُهُ تَعَالَى: {وَلاَ يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ} أَيْ لاَ يُقْبَلُ مِنْهَا فِدَاءٌ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِمْ مِلْءُ الأَرْضِ ذَهَبًا وَلَوِ افْتَدَى بِهِ} [آل عمران: 91] وَقَالَ: {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ أَنَّ لَهُمْ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ لِيَفْتَدُوا بِهِ مِنْ عَذَابِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَا تُقُبِّلَ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} [المائدة: 36] وَقَالَ تَعَالَى: {وَإِنْ تَعْدِلْ كُلَّ عَدْلٍ لاَ يُؤْخَذْ مِنْهَا} [الأنعام: 70] وَقَالَ: {فَالْيَوْمَ لاَ يُؤْخَذُ مِنْكُمْ فِدْيَةٌ وَلاَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مَأْوَاكُمُ النَّارُ هِيَ مَوْلاَكُمْ}... الْآيَةَ [الحديد: 15]. فَأَخْبَرَ تَعَالَى أَنَّهُمْ إِنْ لَمْ يُؤمِنُوا بِرَسُولِهِ، وَيُتَابِعُوهُ عَلَى مَا بَعَثَهُ بِهِ، وَوَافَوُا اللهَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى مَا هُمْ عَلَيْهِ فَإِنَّهُ لاَ يَنْفَعُهُمْ قَرَابَةُ قَرِيبٍ وَلاَ شَفَاعَةُ ذِي جَاهٍ، وَلاَ يُقْبَلُ مِنْهُمْ فِدَاءٌ وَلَوْ بِمِلْءِ الْأَرْضِ ذَهَبًا، كَمَا قَالَ تَعَالَى: {مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لاَ بَيْعٌ فِيهِ وَلاَ خُلَّةٌ وَلاَ شَفَاعَةٌ} [البقرة: 254] وَقَالَ: {لاَ بَيْعٌ فِيهِ وَلاَ خِلاَلٌ} [إبراهيم: 31]. وَقَوْلُهُ تَعَالَى: {وَلاَ هُمْ يُنْصَرُونَ} أَيْ وَلاَ أَحَدٌ يَغْضَبُ لَهُمْ فَيَنْصُرَهُمْ وَيُنْقِذَهُمْ مِنْ عَذَابِ اللهِ، كَمَا تَقَدَّمَ مِنْ أَنَّهُ لاَ يَعْطِفُ عَلَيْهِمْ ذُو قَرَابَةٍ وَلاَ ذُو جَاهٍ، وَلاَ يُقْبَلُ مِنْهُمْ فِدَاءٌ، هَذَا كُلُّهُ مِنْ جَانِبِ التَّلَطُّفِ، وَلاَ لَهُمْ نَاصِرٌ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَلاَ مِنْ غَيْرِهِمْ، كَمَا قَالَ: {فَمَا لَهُ مِنْ قُوَّةٍ وَلاَ نَاصِرٍ} [الطارق: 10] أَيْ إِنَّهُ تَعَالَى لاَ يَقْبَلُ فِيمَنْ كَفَرَ بِهِ فِدْيَةً وَلاَ شَفَاعَةً، وَلاَ يُنْقِذُ أَحَدًا مِنْ عَذَابِهِ مُنْقِذٌ، وَلاَ يُخَلِّصُ مِنْهُ أَحَدٌ، وَلاَ يُجِيرُ مِنْهُ أَحَدٌ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: {وَهُوَ يُجِيرُ وَلاَ يُجَارُ عَلَيْهِ} [المؤمنون: 88] وقَالَ: {فَيَوْمَئِذٍ لاَ يُعَذِّبُ عَذَابَهُ أَحَدٌ *وَلاَ يُوثِقُ وَثَاقَهُ أَحَدٌ} [الفجر: 25، 26] وَقَالَ: {مَا لَكُمْ لاَ تَنَاصَرُونَ *بَلْ هُمُ الْيَوْمَ مُسْتَسْلِمُونَ} [الصافات: 25، 26] وَقَالَ: {فَلَوْلاَ نَصَرَهُمُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ قُرْبَاناً آلِهَةً بَلْ ضَلُّوا عَنْهُمْ}... الْآيَةَ [الأحقاف: 28]، وَقَالَ الضَّحَّاكُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {مَا لَكُمْ لاَ تَنَاصَرُونَ} [الصافات: 25] مَالَكُمُ الْيَوْمَ لاَ تُمَانِعُونَ مِنَّا، هَيْهَاتَ لَيْسَ ذَلِكَ لَكُمُ الْيَوْمَ[317]. قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: وَتَأْوِيلُ قَوْلِهِ: {وَلاَ هُمْ يُنْصَرُونَ} يَعْنِي أَنَّهُمْ يَوْمَئِذٍ لاَ يَنْصُرُهُمْ نَاصِرٌ كَمَا لاَ يَشْفَعُ لَهُمْ شَافِعٌ، وَلاَ يُقْبَلُ مِنْهُمْ عَدْلٌ وَلاَ فِدْيَةٌ، بَطَلَتْ هُنَالِكَ الْمُحَابَاةُ، وَاضْمَحَلَّتِ الرِّشَا وَالشَّفَاعَاتُ، وَارْتَفَعَ مِنَ الْقَوْمِ التَّنَاصُرُ وَالتَّعَاوُنُ، وَصَارَ الْحُكْمُ إِلَى الْجَبَّارِ الْعَدْلِ الَّذِي لاَ يَنْفَعُ لَدَيْهِ الشُّفَعَاءُ وَالنُّصَرَاءُ، فَيَجْزِي بِالسَّيِّـئَـةِ مِثْلَهَا، وَبِالْحَسَنَـةِ أَضْعَافَهَا، وَذَلِكَ نَظِيرُ قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْؤُولُونَ *مَا لَكُمْ لاَ تَنَاصَرُونَ *بَلْ هُمُ الْيَوْمَ مُسْتَسْلِمُونَ} [الصافات: 24-26][318]. [317] (الطبري 2/36 إسناده ضعيف) [318] (الطبري 2/35) {وَإِذْ نَجَّيْنَاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ يُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيْسَتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ وَفِي ذَلِكُمْ بَلاَءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ *وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ الْبَحْرَ فَأَنْجَيْنَاكُمْ وَأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَوْنَ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ} [تَنْجِيَةُ بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنْ فِرْعَوْنَ وَإِغْرَاقُ آلِ فِرْعَوْنَ] يَقُولُ تَعَالَى: اُذْكُرُوا يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ {وَإِذْ نَجَّيْنَاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ} أَيْ خَلَّصْتُكُمْ مِنْهُمْ، وَأَنْقَذْتُكُمْ مِنْ أَيْدِيهِمْ صُحْبَةَ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلاَمُ، وَقَدْ كَانُوا يَسُومُونَكُمْ، أَيْ يُورِدُونَكُمْ وَيُذِيقُونَكُمْ وَيُولُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ، وَذَلِكَ أَنَّ فِرْعَوْنَ لَعَنَهُ اللهُ كَانَ قَدْ رَأَى رُؤيَا هَالَتْهُ، رَأَى نَارًا خَرَجَتْ مِنْ بَيْتِ الْمَقْدِسِ، فَدَخَلَتْ بُيُوتَ الْقِبْطِ بِبِلاَدِ مِصْرَ، إِلاَّ بُيُوتَ بَنِي إِسْرَائِيلَ، مَضْمُونُهَا: أَنَّ زَوَالَ مُلْكِهِ يَكُونُ عَلَى يَدَيْ رَجُلٍ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ. وَيُقَالُ: بَلْ تَحَدَّثَ سُمَّارُهُ عِنْدَهُ بِأَنَّ بَنِي إِسْرَائِيلَ يَتَوَقَّعُونَ خُرُوجَ رَجُلٍ مِنْهُمْ يَكُونُ لَهُمْ بِهِ دَوْلَةٌ وَرِفْعَةٌ، فَعِنْدَ ذَلِكَ أَمَرَ فِرْعَوْنُ لَعَنَهُ اللهُ بِقَتْلِ كُلِّ ذَكَرٍ يُولَدُ بَعْدَ ذَلِكَ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ، وَأَنْ تُتْرَكَ الْبَنَاتُ، وَأَمَرَ بِاسْتِعْمَالِ بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي مَشَاقِّ الْأَعْمَالِ وَأَرْذَلِهَا. وَهَهُنَا فُسِّرَ الْعَذَابُ بِذَبْحِ الْأَبْنَاءِ، وَفِي سُورَةِ إِبْرَاهِيمَ عُطِفَ عَلَيْهِ كَمَا قَالَ: {يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ وَيُذْبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ} [إبراهيم: 6] وَسَيَأْتِي تَفْسِيرُ ذَلِكَ فِي أَوَّلِ سُورَةِ الْقَصَصِ إِنْ شَاءَ اللهُ تَعَالَى، وَبِهِ الثِّقَةُ وَالْمَعُونَةُ وَالتَّأْيِيدُ. وَمَعْنَى {يَسُومُونَكُمْ} يُولُونَكُمْ، قَالَهُ أَبُو عُبَيْدَةَ. كَمَا يُقَالُ سَامَهُ خُطَّةَ خَسْفٍ، إِذَا أَوْلاَهُ إِيَّاهَا. وَقِيلَ: مَعْنَاهُ: يُدِيمُونَ عَذابَكُمْ، كَمَا يُقَالُ: سَائِمَةُ الْغَنَمِ: مِنْ إِدَامَتِهَا الرَّعْيَ. نَقَلَهُ الْقُرْطُبِيُّ، وَإِنَّمَا قَالَ هَهُنَا: {يُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيْسَتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ} لِيَكُونَ ذَلِكَ تَفْسِيرًا لِلنِّعْمَةِ عَلَيْهِمْ فِي قَوْلِهِ: {يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ} ثُمَّ فَسَّرَهُ بِهَذَا لِقَوْلِهِ هَهُنَا: {اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيكُمْ} وَأَمَّا فِي سُورَةِ إِبْرَاهِيمَ فَلَمَّا قَالَ: {وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللَّهِ} أَيْ بِأَيَادِيهِ وَنِعَمِهِ عَلَيْهِمْ فَنَاسَبَ أَنْ يَقُولَ هُنَاكَ: {يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ وَيُذْبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ} فَعَطَفَ عَلَيْهِ الذَّبْحَ لِيَدُلَّ عَلَى تَعَدُّدِ النِّعَمِ وَالْأَيَادِي عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ. وَ"فِرْعَوْنُ" عَلَمٌ عَلَى كُلِّ مَنْ مَلَكَ مِصْرَ كَافِرًا مِنَ الْعَمَالِيقِ وَغَيْرِهِمْ، كَمَا أَنَّ "قَيْصَرَ" عَلَمٌ عَلَى كُلِّ مَنْ مَلَكَ الرُّومَ مَعَ الشَّامِ كَافِرًا، وَ"كِسْرَى" لِمَنْ مَلَكَ الْفُرْسَ، وَ"تُبَّعَ" لِمَنْ مَلَكَ الْيَمَنَ كَافِرًا، وَالنَّجَاشِيَّ لِمَنْ مَلَكَ الْحَبَشَةَ. وَقَوْلُهُ تَعَالَى: {وَفِي ذَلِكُمْ بَلاَءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ} قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: وَفِي الَّذِي فَعَلْنَا بِكُمْ مِنْ إِنْجَائِنَا آبَاءَكُمْ مِمَّا كُنْتُمْ فِيهِ مِنْ عَذَابِ آلِ فِرْعَونَ بَلاَءٌ لَكُمْ مِنْ رَبِّـكُمْ عَظِيمٌ، أَيْ نِعْمَةٌ عَظِيمَةٌ عَلَيْكُمْ فِي ذَلِكَ[319]. وَأَصْلُ الْبَلاَءِ الاِخْتِبَارُ، وَقَدْ يَكُونُ بِالْخَيْرِ وَالشَّرِّ كَمَا قَالَ تَعَالَى: {وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً} [الأنبياء: 35] وَقَالَ: {وَبَلَوْنَاهُمْ بِالْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ} [الأعراف: 168] قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: وَأَكْثَرُ مَا يُقَالُ فِي الشَّرِّ: بَلَوْتُهُ أَبْلُوهُ بَلاَءً[320]. وَفِي الْخَيْرِ أُبْلِيهِ إِبْلاَءً وَبَلاَءً. [319] (الطبري 2/48) [320] (الطبري 2/49) وَقَوْلُهُ تَعَالَى: {وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ الْبَحْرَ فَأَنْجَيْنَاكُمْ وَأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَوْنَ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ}، مَعْنَاهُ: وَبَعْدَ أَنْ أَنْقَذْنَاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ وَخَرَجْتُمْ مَعَ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلاَمُ، خَرَجَ فِرْعَوْنُ فِي طَلَبِكُمْ فَفَرَقْنَا بِكُمُ الْبَحْرَ، كَمَا أَخْبَرَ تَعَالَى عَنْ ذَلِكَ مُفَصَّلاً، كَمَا سَيَأْتِي فِي مَوَاضِعِهِ، وَمِنْ أَبْسَطِهَا مَا فِي سُورَةِ الشُّعَرَاءِ إِنْ شَاءَ اللهُ، {فَأَنْجَيْنَاكُمْ} أَيْ خَلَّصْنَاكُمْ مِنْهُمْ، وَحَجَزْنَا بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ، وَأَغْرَقْنَاهُمْ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ، لِيَكُونَ ذَلِكَ أَشْفَى لِصُدُورِكُمْ وَأَبْلَغَ فِي إِهَانَةِ عَدُوِّكُمْ. [صَوْمُ يَوْمِ عَاشُورَاءَ] وَقَدْ وَرَدَ أَنَّ هَذَا الْيَوْمَ كَانَ يَوْمُ عَاشُورَاءَ، كَمَا رَوَى الْإِمَامُ أَحْمَدُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: قَدِمَ رَسُولُ اللهِ ﷺ الْمَدِينَةَ فَرَأَى الْيَهُودَ يَصُومُونَ يَوْمَ عَاشُورَاءَ، فَقَالَ: «مَا هَذَا الْيَومُ الَّذِي تَصُومُونَ؟» قَالُوا: هَذَا يَوْمٌ صَالِحٌ، هَذَا يَوْمٌ نَجَّى اللهُ عَزَّ وَجَلَّ فِيهِ بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنْ عَدُوِّهِمْ، فَصَامَهُ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلاَمُ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «أَنَا أَحَقُّ بِمُوسَى مِنْكُمْ» فَصَامَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ وَأَمَرَ بِصَوْمِهِ[321]. وَرَوَى هَذَا الْحَدِيثَ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ[322]. [321] (أحمد 1/291) [322] (فتح الباري 4/287، ومسلم 2/796، والنسائي في الكبرى 2/157، وابن ماجه 1/553) {وَإِذْ وَاعَدْنَا مُوسَى أَرْبَعِينَ لَيْلَةً ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَنْتُمْ ظَالِمُونَ *ثُمَّ عَفَوْنَا عَنْكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ *وَإِذْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَالْفُرْقَانَ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ} [اِتِّخَاذُ بَنِي إِسْرَائِيلَ الْعِجْلَ] يَقُولُ تَعَالَى: وَاذْكُرُوا نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ فِي عَفْوِي عَنْكُمْ، لَمَّا عَبَدْتُمُ الْعِجْلَ بَعْدَ ذَهَابِ مُوسَى لِمِيقَاتِ رَبِّهِ عِنْدَ انْقِضَاءِ أَمَدِ الْمُوَاعَدَةِ، وَكَانَتْ أَرْبَعِينَ يَوْمًا، وَهِيَ الْمَذْكُورَةُ فِي الْأَعْرَافِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَوَاعَدْنَا مُوسَى ثَلاَثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ} [الأعراف: 142] قِيلَ إِنَّهَا: ذُو الْقَعْدَةِ بِكَمَالِهِ وَعَشْرٌ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ. وَكَانَ ذَلِكَ بَعْدَ خَلاَصِهِمْ مِنْ فِرْعَوْنَ وَإِنْجَائِهِمْ مِنَ الْبَحْرِ، وَقَوْلُهُ تَعَالَى: {وَإِذْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ} يَعْنِي التَّوْرَاةَ {وَالْفُرْقَانَ} وَهُوَ مَا يُفَرِّقُ بَيْنَ الْحَقِّ وَالْبَاطِلِ وَالْهُدَى وَالضَّلاَلِ {لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ} وَكَانَ ذَلِكَ أَيْضًا بَعْدَ خُرُوجِهِمْ مِنَ الْبَحْرِ، كَمَا دَلَّ عَلَيْهِ سِيَاقُ الْكَلاَمِ فِي سُورَةِ الْأَعْرَافِ، وَلِقَولِهِ تَعَالَى: {وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ مِن بَعْدِ مَا أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ الأُولَى بَصَائِرَ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَرَحْمَةً لَّعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُون}[القصص: 43]. {وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنفُسَكُمْ بِاتِّخَاذِكُمُ الْعِجْلَ فَتُوبُواْ إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُواْ أَنفُسَكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ عِندَ بَارِئِكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيم} [تَوْبَةُ بَنِي إِسْرَائِيلَ بِقَتْلِ أَنْفُسِهِمْ] هَذِهِ صِفَةُ تَوْبَتِهِ تَعَالَى عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنْ عِبَادَةِ الْعِجْلِ، قَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ رَحِمَهُ اللهُ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ بِاتِّخَاذِكُمُ الْعِجْلَ} [البقرة: 54] فَقَالَ: ذَلِكَ حِينَ وَقَعَ فِي قُلُوبِهِمْ مِنْ شَأْنِ عِبَادَتِهِمُ الْعِجْلَ مَا وَقَعَ حَتَّى قَالَ تَعَالَى: {وَلَمَّا سُقِطَ فِي أَيْدِيهِمْ وَرَأَوْا أَنَّهُمْ قَدْ ضَلُّوا قَالُوا لَئِنْ لَمْ يَرْحَمْنَا رَبُّنَا وَيَغْفِرْ لَنَا}... الْآيَةَ [الأعراف: 149]. قَالَ: فَذَلِكَ حِينَ يَقُولُ مُوسَى: {يَا قَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ بِاتِّخَاذِكُمُ الْعِجْلَ} [323]وَقَالَ أَبُو الْعَالِيَةِ وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيرٍ وَالرَّبِيعُ بْنُ أَنَسٍ: {فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ} أَيْ إِلَى خَالِقِكُمْ[324]. قُلْتُ: وَفِي قَوْلِهِ هَهُنَا {إِلَى بَارِئِكُمْ} تَنْبِيهٌ عَلَى عِظَمِ جُرْمِهِمْ، أَيْ فَتُوبُوا إِلَى الَّذِي خَلَقَكُمْ وَقَدْ عَبَدْتُمْ مَعَهُ غَيْرَهُ. [323] (ابن أبي حاتم 1/167) [324] (ابن أبي حاتم 1/167، 168) وَقَدْ رَوَى النَّسَائِيُّ وَابْنُ جَرِيرٍ وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: فَقَالَ اللهُ تَعَالَى: إِنَّ تَوْبَتَهُمْ أَنْ يَقْتُلَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ مَنْ لَقِيَ مِنْ وَالِدٍ وَوَلَدٍ، فَيَقْتُلَهُ بِالسَّيْفِ، وَلاَ يُبَالِي مَنْ قَتَلَ فِي ذَلِكَ الْمَوْطِنِ، فَتَابَ أُولئِكَ الَّذِينَ كَانُوا خَفِيَ عَلَى مُوسَى وَهَارُونَ مَا اطَّلَعَ اللهُ مِنْ ذُنُوبِهِمْ، فَاعْتَرَفُوا بِهَا، وَفَعَلُوا مَا أُمِرُوا بِهِ، فَغَفَرَ اللهُ لِلْقَاتِلِ وَالْمَقْتُولِ[325]. [325] (النسائي في الكبرى 6/404، و405، والطبري 18/306، وابن أبي حاتم 1/168) وَرَوَى ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ: {فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بَارِئِكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ} قَالَ: أَمَرَ مُوسَى قَوْمَهُ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ عَزَّ وَجَلَّ أَنْ يَقْتُلُوا أَنْفُسَهُمْ، قَالَ: وَأَخْبَرَ الَّذِينَ عَبَدُوا الْعِجْلَ، فَجَلَسُوا، وَقَامَ الَّذِينَ لَمْ يَعْكِفُوا عَلَى الْعِجْلِ، فَأَخَذُوا الْخَنَاجِرَ بِأَيْدِيهِمْ، وَأَصَابَتْهُمْ ظُلْمَةٌ شَدِيدَةٌ، فَجَعَلَ يَقْتُلُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا، فَانْجَلَتِ الظُّلْمَةُ عَنْهُمْ وَقَدْ جَلَوْا عَنْ سَبْعِينَ أَلْفَ قَتِيلٍ، كُلُّ مَنْ قُتِلَ مِنْهُمْ كَانَتْ لَهُ تَوْبَةٌ، وَكُلُّ مَنْ بَقِيَ كَانَتْ لَهُ تَوْبَةٌ[326]. [326] (الطبري 2/73) {وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ *ثُمَّ بَعَثْنَاكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} [طَلَبُ خِيَارِهِمْ رُؤيَةَ اللهِ وَإِمَاتَتُهُمْ وَإِحْيَاؤُهُمْ] يَقُولُ تَعَالَى: وَاذْكُرُوا نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ فِي بَعْثِي لَكُمْ بَعْدَ الصَّعْقِ إِذْ سَأَلْتُمْ رُؤْيَتِي جَهْرَةً عِيَانًا مِمَّا لاَ يُسْتَطَاعُ لَكُمْ وَلاَ لِأَمْثَالِكُمْ، كَمَا قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي هَذِهِ الْآيَةِ: {وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ} [55] قَالَ: عَلاَنِيَةً[327]. وَزَادَ فِي رِوَايَةٍ: أَيْ حَتَّى نَرَى اللهَ[328]. وَقَالَ عُرْوَةُ ابْنُ رُوَيْمٍ فِي قَوْلِهِ: {وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ} قَالَ: صَعِقَ بَعْضُهُمْ وَبَعْضٌ يَنْظُرُونَ[329]، ثُمَّ بُعِثَ هَؤُلاَءِ، وَصَعِقَ هَؤُلاَءِ. [327] (الطبري 2/81) [328] (ابن أبي حاتم 1/170) [329] (ابن أبي حاتم 1/172) وَقَالَ السُّدِّيُّ: {فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ} فَمَاتُوا، فَقَامَ مُوسَى يَبْكِي وَيَدْعُو اللهَ، وَيَقُولُ: رَبِّ مَاذَا أَقُولُ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ إِذَا أَتَيْتُهُمْ، وَقَدْ أَهْلَكْتَ خِيَارَهُمْ {لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُمْ مِنْ قَبْلُ وَإِيَّايَ أَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ السُّفَهَاءُ مِنَّا} [الأعراف: 155] فَأَوْحَى اللهُ إِلَى مُوسَى أَنَّ هَؤُلاَءِ السَّبْعِينَ مِمَّنِ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ، ثُمَّ إِنَّ اللهَ أَحْيَاهُمْ فَقَامُوا وَعَاشُوا [رَجُلاً رَجُلاً]، يَنْظُرُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ كَيْفَ يُحْيَوْنَ؟ قَالَ: فَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: {ثُمَّ بَعَثْنَاكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ}[330]. [330] (ابن أبي حاتم 1/173) وَقَالَ الرَّبِيعُ بْنُ أَنَسٍ كَانَ مَوْتُهُمْ عُقُوبَةً لَهُمْ، فَبُعِثُوا مِنْ بَعْدِ الْمَوْتِ لِيَسْتَوْفُوا آجَالَهُمْ[331]. وَكَذَا قَالَ قَتَادَةُ[332]. [331] (ابن أبي حاتم 1/173) [332] (ابن أبي حاتم 1/173) قَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ فِي تَفْسِيرِ هَذِهِ الْآيَةِ: قَالَ لَهُمْ مُوسَى - لَمَّا رَجَعَ مِن عِنْدِ رَبِّهِ بِالْأَلْوَاحِ، قَدْ كُتِبَ فِيهَا التَّوْرَاةُ، فَوَجَدَهُمْ يَعْبُدُونَ الْعِجْلَ، فَأَمَرَهُمْ بِقَتْلِ أَنْفُسِهِمْ فَفَعَلُوا، فَتَابَ اللهُ عَلَيْهِمْ، فَقَالَ -: إِنَّ هَذِهِ الْأَلْوَاحَ فِيهَا كِتَابُ اللهِ، فِيهِ أَمْرُكُمُ الَّذِي أَمَرَكُمْ بِهِ، وَنَهْيُكُمُ الَّذِي نَهَاكُمْ عَنْهُ. فَقَالُوا: وَمَنْ يَأْخُذُهُ بِقَوْلِكَ أَنْتَ؟ لاَ وَاللهِ حَتَّى نَرَى اللهَ جَهْرَةً، حَتَّى يَطَّلِعَ اللهُ عَلَيْنَا فَيَقُولَ: هَذَا كِتَابِي فَخُذُوهُ، فَمَا لَهُ لاَ يُكَلِّمُنَا كَمَا يُكَلِّمُكَ أَنْتَ يَا مُوسَى؟ وَقَرَأَ قَوْلَ اللهِ: {لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً} قَالَ: فَجَاءَتْ غَضْبَةٌ مِنَ اللهِ، فَجَاءَتْهُمْ صَاعِقَةٌ بَعْدَ التَّوْبَةِ، فَصَعِقَتْهُمْ فَمَاتُوا أَجْمَعُونَ، قَالَ: ثُمَّ أَحْيَاهُمُ اللهُ مِنْ بَعْدِ مَوْتِهِمْ، وَقَرَأَ قَوْلَ اللهِ: {ثُمَّ بَعَثْنَاكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} فَقَالَ لَهُمْ مُوسَى: خُذُوا كِتَابَ اللهِ، فَقَالُوا: لاَ، فَقَالَ: أَيُّ شَيْءٍ أَصَابَكُمْ؟ فَقَالُوا: أَصَابَنَا أَنَّا مُتْنَا ثُمَّ أُحْيِينَا، قَالَ: خُذُوا كِتَابَ اللهِ، قَالُوا: لاَ، فَبَعَثَ اللهُ مَلاَئِكَةً فَنَتَقَتِ الْجَبَلَ فَوْقَهُمْ[333]. [333] (الطبري 2/88) وَهَذَا السِّيَاقُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُمْ كُلِّفُوا بَعْدَ مَا أُحْيُوا. وَقَدْ حَكَى الْمَاوَرْدِيُّ فِي ذَلِكَ قَوْلَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ سَقَطَ التَّكْلِيفُ عَنْهُمْ لِمُعَايَنَتِهِمُ الْأَمْرَ جَهْرَةً حَتَّى صَارُوا مُضْطَرِّينَ إِلَى التَّصْدِيقِ. وَالثَّانِي: أَنَّهُمْ مُكَلَّفُونَ؛ لِئَلاَّ يَخْلُوَ عَاقِلٌ مِنْ تَكْلِيفٍ. قَالَ الْقُرْطُبِيُّ: وَهَذَا هُوَ الصَّحِيحُ، لِأَنَّ مُعَايَنَتَهُمْ لِلْأُمُورِ الْفَظِيعَةِ لاَ تَمْنَعُ تَكْلِيفَهُمْ، لِأَنَّ بَنِي إِسْرَائِيلَ قَدْ شَاهَدُوا أُمُورًا عِظَامًا مِنْ خَوَارِقِ الْعَادَاتِ، وَهُمْ فِي ذَلِكَ مُكَلَّفُونَ، وَهَذَا وَاضِحٌ، وَاللهُ أَعْلَمُ. {وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْغَمَامَ وَأَنْزَلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَمَا ظَلَمُونَا وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ} [تَظْلِيلُهُمْ بِالْغَمَامِ وَإِنْزَالُ الْمَنِّ وَالسَّلْوى عَلَيْهِمْ] لَمَّا ذَكَرَ تَعَالَى مَا دَفَعَهُ عَنْهُمْ مِنَ النِّـقَمِ، شَرَعَ يُذَكِّرُهُمْ أَيْضًا بِمَا أَسْبَغَ عَلَيْهِمْ مِنَ النِّعَمِ، فَقَالَ: {وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْغَمَامَ} [البقرة: 57] وَهُوَ جَمْعُ غَمَامَةٍ، سُمِّيَ بِذَلِكَ لِأَنَّهُ يَغُمُّ السَّمَاءَ، أَيْ يُوَارِيهَا وَيَسْتُرُهَا. وَهُوَ السَّحَابُ الْأَبْيَضُ، ظُلِّلُوا بِهِ فِي التِّيهِ لِيَقِيَهُمْ حَرَّ الشَّمْسِ. كَمَا رَوَاهُ النَّسَائِيُّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ. قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ وَالرَّبِيعِ بْنِ أَنَسٍ وَأَبِي مِجْلَزٍ وَالضَّحَّاكِ وَالسُّدِّيِّ نَحْوُ قَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ[334]. وَقَالَ الْحَسَنُ وَقَتَادَةُ: {وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْغَمَامَ} كَانَ هَذَا فِي الْبَرِّيَّةِ، ظُلِّلَ عَلَيْهِمُ الْغَمَامُ مِنَ الشَّمْسِ[335]. وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: قَالَ آخَرُونَ: وَهُوَ غَمَامٌ أَبْرَدُ مِنْ هَذَا وَأَطْيَبُ[336]. كَمَا رَوَى عَنْ مُجَاهِدٍ: لَيْسَ بِسَحَابٍ. وَفِي رِوَايَةٍ عَنْهُ: لَيْسَ مِنْ زِيِّ هذَا السَّحَابِ، بَلْ أَحْسَنُ مِنْهُ وَأَطْيَبُ وَأَبْهَى مَنْظَرًا. [334] (ابن أبي حاتم 1/174) [335] (ابن أبي حاتم 1/174) [336] (الطبري 2/91) وَقَوْلُهُ تَعَالَى: {وَأَنْزَلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ} [البقرة: 57] قَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: كَانَ الْمَنُّ يَنْزِلُ عَلَيْهِمْ عَلَى الْأَشْجَارِ، فَيَغْدُونَ إِلَيْهِ، فَيَأْكُلُونَ مِنْهُ مَا شَاءُوا. وَقَالَ قَتَادَةُ: كَانَ الْمَنُّ يَنْزِلُ عَلَيْهِمْ فِي مَحَلَّتِهِمْ سُقُوطَ الثَّلْجِ، أَشَدُّ بَيَاضًا مِنَ اللَّبَنِ، وَأَحْلَى مِنَ الْعَسَلِ، يَسْقُطُ عَلَيْهِمْ مِنْ طُلُوعِ الْفَجْرِ إِلَى طُلُوعِ الشَّمْسِ، يَأْخُذُ الرَّجُلُ مِنْهُمْ قَدْرَ مَا يَكْفِيهِ يَوْمَهُ ذَلِكَ، فَإِذَا تَعَدَّى ذَلِكَ فَسَدَ وَلَمْ يَبْقَ، حَتَّى إِذَا كَانَ يَوْمُ سَادِسِهِ، لِيَوْمِ جُمُعَتِهِ، أَخَذَ مَا يَكْفِيهِ لِيَوْمِ سَادِسِهِ وَيَوْمِ سَابِعِهِ، لِأَنَّهُ كَانَ يَوْمَ عِيدٍ لاَ يَشْخَصُ فِيهِ لَأَمْرِ مَعِيشَتِهِ، وَلاَ يَطْلُبُهُ لِشَيْءٍ، وَهَذَا كُلُّهُ فِي الْبَرِّيَّةِ[337]. [337] (ابن أبي حاتم 1/176) فَالْمَنُّ الْمَشْهُورُ إِنْ أُكِلَ وَحْدَهُ كَانَ طَعَامًا وَحَلاَوَةً، وَإِنْ مُزِجَ مَعَ الْمَاءِ صَارَ شَرَابًا طَيِّبًا، وَإِنْ رُكِّبَ مَعَ غَيْرِهِ صَارَ نَوْعًا آخَرَ. وَلَكِنْ لَيْسَ هُوَ الْمُرَادُ مِنَ الْآيَةِ وَحْدَهُ، وَالدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ رِوَايَةُ الْبُخَارِيِّ عَنْ سَعِيدِ بْنِ زَيْدٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «الْكَمْأَةُ مِنَ الْمَنِّ وَمَاؤُهَا شِفَاءٌ لِلْعَيْنِ»[338]. وَهَذَا الْحَدِيثُ رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ[339]. وَأَخْرَجَهُ الْجَمَاعَةُ فِي كُتُبِهِمْ إِلاَّ أَبَا دَاوُدَ، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: حَسَنٌ صَحِيحٌ[340]. وَرَوَى التِّرْمِذِيُّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «الْعَجْوَةُ مِنَ الْجَنَّةِ، وَفِيهَا شِفَاءٌ مِنَ السُّمِّ، والْكَمْأَةُ مِنَ الْمَنِّ، وَماؤُهَا شِفَاءٌ لِلْعَيْنِ»[341]. تَفَرَّدَ بِإِخْرَاجِهِ التِّرْمِذِيُّ[342]. [338] (فتح الباري 8/14) [339] (أحمد 1/187) [340] (فتح الباري 8/14، وملم 3/1619، وتحفة الأحوذي 6/235، والنسائي في الكبرى 4/370، وابن ماجه 2/1143) [341] (تحفة الأحوذي 6/233) [342] (تحفة الأحوذي 6/235) وَأَمَّا السَّلْوَى، فَقَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: السَّلْوَى طَائِرٌ شَبِيهٌ بِالسُّمَّانَى، كَانُوا يَأْكُلُونَ مِنْهُ. وَرَوَى السُّدِّيُّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَابْنِ مَسْعُودٍ وَعَنْ نَاسٍ مِنَ الصَّحَابَةِ: اَلسَّلْوَى طَائِرٌ يُشْبِهُ السُّمَّانَى[343]. وَكَذَا قَالَ مُجَاهِدٌ وَالشَّعْبِيُّ وَالضَّحَّاكُ وَالْحَسَنُ وَعِكْرِمَةُ وَالرَّبِيعُ بْنُ أَنَسٍ رَحِمَهُمُ اللهُ تَعَالَى[344]. وَعَنْ عِكْرِمَةَ: أَمَّا السَّلْوَى فَطَيْرٌ كَطَيْرٍ يَكُونُ بِالْجَنَّةِ، أَكْبَرُ مِنَ الْعُصْفُورِ أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ[345]. وَقَالَ قَتَادَةُ: السَّلْوَى كَانَ مِنْ طَيْرٍ أَقْرَبَ إِلَى الْحُمَّرَةِ، تَحْشُرُهَا عَلَيْهِمُ الرِّيحُ الْجَنُوبُ، وَكَانَ الرَّجُلُ يَذْبَحُ مِنْهَا قَدْرَ مَا يَكْفِيهِ يَوْمَهُ ذَلِكَ، فَإِذَا تَعَدَّى فَسَدَ وَلَمْ يَبْقَ عِنْدَهُ، حَتَّى إِذَا كَانَ يَوْمُ سَادِسِهِ، لِيَوْمِ جُمُعَتِهِ، أَخَذَ مَا يَكْفِيهِ لِيَوْمِ سَادِسِهِ وَيَوْمِ سَابِعِهِ، لِأَنَّهُ كَانَ يَوْمَ عِبَادَةٍ لاَ يَشْخَصُ فِيهِ لِشَيْءٍ وَلاَ يَطْلُبُهُ[346]. [343] (الطبري 2/96) [344] (ابن أبي حاتم 1/178) [345] (ابن أبي حاتم 1/179) [346] (ابن أبي حاتم 1/179) وَقَوْلُهُ تَعَالَى: {كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ} [57] أَمْرُ إِبَاحَةٍ وَإِرْشَادٍ وَامْتِنَانٍ، وَقَوْلُهُ تَعَالَى: {وَمَا ظَلَمُونَا وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ} [57] أَيْ أَمَرْنَاهُمْ بِالْأَكْلِ مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ، وَأَنْ يَعْبُدُوا، كَمَا قَالَ: {كُلُوا مِنْ رِزْقِ رَبِّكُمْ وَاشْكُرُوا لَهُ} [سبأ: 15] فَخَالَفُوا وَكَفَرُوا، فَظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ. هَذَا مَعَ مَا شَاهَدُوهُ مِنَ الْآيَاتِ الْبَيِّنَاتِ، وَالْمُعْجِزَاتِ الْقَاطِعَاتِ، وَخَوَارِقِ الْعَادَاتِ. [فَضِيلَةُ صَحَابَةِ مُحَمَّدٍ ﷺ عَلَى سَائِرِ أَصْحَابِ الْأَنْبِيَاءِ] وَمِنْ هَهُنَا تَتَبَيَّنُ فَضِيلَةُ أَصْحَابِ مُحَمَّدٍ ﷺ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ عَلَى سَائِرِ أَصْحَابِ الْأَنْبِيَاءِ، فِي صَبْرِهِمْ وَثَبَاتِهِمْ وَعَدَمِ تَعَنُّتِهِمْ، مَعَ مَا كَانُوا مَعَهُ فِي أَسْفَارِهِ وَغَزَوَاتِهِ، مِنْهَا عَامُ تَبُوكَ، فِي ذَلِكَ الْقَيْظِ وَالْحَرِّ الشَّدِيدِ وَالْجَهْدِ، لَمْ يَسْأَلُوا خَرْقَ عَادَةٍ، وَلاَ إِيجَادَ أَمْرٍ، مَعَ أَنَّ ذَلِكَ كَانَ سَهْلاً عَلَى النَّبِيِّ ﷺ، لَكِنْ لَمَّا أَجْهَدَهُمُ الْجُوعُ سَأَلُوهُ فِي تَكْثِيرِ طَعَامِهِمْ، فَجَمَعُوا مَا مَعَهُمْ، فَجَاءَ قَدْرَ مَبْرَكِ الشَّاةِ، فَدَعَا اللهَ فِيهِ، وَأَمَرَهُمْ فَمَلَؤُوا كُلَّ وِعَاءٍ مَعَهُمْ. وَكَذَا لَمَّا احْتَاجُوا إِلَى الْمَاءِ سَأَلَ اللهَ تَعَالَى، فَجَاءَتْهُمْ سَحَابَةٌ فَأَمْطَرَتْهُمْ، فَشَرِبُوا وَسَقَوُا الْإِبِلَ وَمَلَؤُوا أَسْقِيَتَهُمْ، ثُمَّ نَظَرُوا فَإِذَا هِيَ لَمْ تُجَاوِزِ الْعَسْكَرَ. فَهَذَا هُوَ الْأَكْمَلُ فِي اتِّبَاعِ الشَّيْءِ. مَعَ قَدْرِ اللهِ، مَعَ مُتَابَعَةِ الرَّسُولِ ﷺ. {وَإِذْ قُلْنَا ادْخُلُوا هَذِهِ الْقَرْيَةَ فَكُلُوا مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَدًا وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا وَقُولُوا حِطَّةٌ نَغْفِرْ لَكُمْ خَطَايَاكُمْ وَسَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ *فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلاً غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ فَأَنْزَلْنَا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا رِجْزًا مِنَ السَّمَاءِ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ} [تعَنُّتُ الْيَهُودِ بَعْدَ الْفَتْحِ بَدَلاً مِنْ شُكْرِ اللهِ تَعَالَى] يَقُولُ تَعَالَى لاَئِمًا عَلَى نُكُولِهِمْ عَنِ الْجِهَادِ وَعَنْ دُخُولِهِمُ الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ، لَمَّا قَدِمُوا مِنْ بِلاَدِ مِصْرَ صُحْبَةَ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلاَمُ فَأُمِرُوا بِدُخُولِ الْأَرْضِ الْمُقَدَّسَةِ، وَقِتَالِ مَنْ فِيهَا مِنَ الْعَمَالِيقِ الْكَفَرَةِ، فَنَكَلُوا عَنْ قِتَالِهِمْ وَضَعُفُوا وَاسْتَحْسَرُوا، فَرَمَاهُمُ اللهُ فِي التِّيهِ عُقُوبَةً لَهُمْ، كَمَا ذَكَرَهُ تَعَالَى فِي سُورَةِ الْمَائِدَةِ، وَلِهَذَا كَانَ أَصَحُّ الْقَوْلَيْنِ: أَنَّ هَذِهِ الْبَلْدَةَ هِيَ بَيْتُ الْمَقْدِسِ، كَمَا نَصَّ عَلَى ذَلِكَ السُّدِّيُّ وَالرَّبِيعُ بْنُ أَنَسٍ[347]وَقَتَادَةُ وَأَبُو مُسْلِمٍ الْأَصْفَهَانِيُّ وَغَيْرُ وَاحِدٍ. وَقَدْ قَالَ اللهُ تَعَالَى حَاكِيًا عَنْ مُوسَى: {يَاقَوْمِ ادْخُلُوا الأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَلاَ تَرْتَدُّوا}... الْآيَاتِ [المائدة: 21]. وَقَالَ آخَرُونَ: هِيَ أَرِيحَاءُ[348]. وَيُحْكَى عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ زَيْدٍ. [347] (ابن أبي حاتم 1/181) [348] (الرازي 3/82) وَهَذَا كَانَ لَمَّا خَرَجُوا مِنَ التِّيهِ بَعْدَ أَرْبَعِينَ سَنَةً مَعَ يُوشَعَ بْنِ نُونٍ عَلَيْهِ السَّلاَمُ، وَفَتَحَهَا اللهُ عَلَيْهِمْ عَشِيَّـةَ جُمُعَةٍ، وَقَدْ حُبِسَتْ لَهُمُ الشَّمْسُ يَوْمَئِذٍ قَلِيلاً حَتَّى أَمْكَنَ الْفَتْحُ، وَلَمَّا فَتَحُوهَا أُمِرُوا أَنْ يَدْخُلُوا الْبَابَ بَابَ الْبَلَدِ {سُجَّدًا} أَيْ شُكْرًا للهِ تَعَالَى عَلَى مَا أَنْعَمَ بِهِ عَلَيْهِمْ مِنَ الْفَتْحِ وَالنَّصْرِ، وَرَدِّ بَلَدِهِمْ عَلَيْهِمْ، وَإِنْقَاذِهِمْ مِنَ التِّيهِ وَالضَّلاَلِ، قَالَ الْعَوْفِيُّ فِي تَفْسِيرِهِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا} أَيْ رُكَّعًا. وَرَوَى ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ: {وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا} قَالَ: رُكَّعًا مِنْ بَابٍ صَغِيرٍ[349]، وَرَوَاهُ الْحَاكِمُ وَزَادَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: فَدَخَلُوا مِنْ قِبَلِ أَسْتَاهِهِمْ. [349] (الطبري 2/113) وَقَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ: أُمِرُوا أَنْ يَسْجُدُوا عَلَى وُجُوهِهِمْ حَالَ دُخُولِهِمْ. وَاسْتَبْعَدَهُ الرَّازِيُّ، وَحَكَى عَنْ بَعْضِهِمْ: أَنَّ الْمُرَادَ هَهُنَا بِالسُّجُودِ الْخُضُوعُ؛ لِتَعَذُّرِ حَمْلِهِ عَلَى حَقِيقَتِهِ. وَقَالَ خُصَيفٌ: قَالَ عِكْرِمَةُ: قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: كَانَ الْبَابُ قِبَلَ الْقِبْلَةِ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَمُجَاهِدٌ وَالسُّدِّيُّ وَقَتَادَةُ وَالضَّحَّاكُ: هُوَ بَابُ الْحِطَّةِ مِنْ بَابِ إِيلِيَاءَ: بَيْتِ الْمَقْدِسِ. وَحَكَى الرَّازِيُّ عَنْ بَعْضِهِمْ: أَنَّهُ عُنِيَ بِالْبَابِ جِهَةٌ مِنْ جِهَاتِ الْقِبْلَةِ. وَقَالَ خُصَيفٌ: قَالَ عِكْرِمَةُ: قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: فَدَخَلُوا عَلَى شِقٍّ. وَقَالَ السُّدِّيُّ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْأَزْدِيِّ عَنْ أَبِي الْكَنُودِ عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ: قِيلَ لَهُمْ: {وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا} فَدَخَلُوا مُقْنِعِي رُؤُوسِهِمْ أَيْ رَافِعِي رُؤُوسِهِمْ[350]خِلاَفَ مَا أُمِرُوا. [350] (ابن أبي حاتم 1/183 ضعيف أبو سعيد الأزدي لا يعرف) وَقَوْلُهُ تَعَالَى: {وَقُولُوا حِطَّةٌ} عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ {وَقُولُوا حِطَّةٌ} قَالَ: مَغْفِرَةٌ - اِسْتَغْفِرُوا-[351]. وَقَالَ الْحَسَنُ وَقَتَادَةُ: أَيْ اُحْطُطْ عَنَّا خَطَايَانَا[352]{نَغْفِرْ لَكُمْ خَطَايَاكُمْ وَسَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ}. وَقَالَ: هَذَا جَوَابُ الْأَمْرِ، أَيْ إِذَا فَعَلْتُمْ مَا أَمَرْنَاكُمْ غَفَرْنَا لَكُمُ الْخَطِيئَاتِ، وَضَاعَفْنَا لَكُمُ الْحَسَنَاتِ. [351] (ابن أبي حاتم 1/183 إسناده ضعيف العوفي مع عائلته من الضعفاء) [352] (ابن أبي حاتم 1/185) وَحَاصِلُ الْأَمْرِ: أَنَّهُمْ أُمِرُوا أَنْ يَخْضَعُوا للهِ تَعَالَى عَنْدَ الْفَتْحِ بِالْفِعْلِ وَالْقَوْلِ، وَأَنْ يَعْتَرِفُوا بِذُنُوبِهِمْ، وَيَسْتَغْفِرُوا مِنْهَا. وَالشُّكْرُ عَلَى النِّعْمَةِ عِنْدَهَا، وَالْمُبَادَرَةُ إِلَى ذَلِكَ مِنَ الْمَحْبُوبِ عِنْدَ اللهِ تَعَالَى. كَمَا قَالَ تَعَالَى: {إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ *وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا *فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا} [النصر: 1-3]. وَقَوْلُهُ تَعَالَى: {فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلاً غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ} رَوَى الْبُخَارِيُّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «قِيلَ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ: ادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا وَقُولُوا: حِطَّةٌ، فَدَخَلُوا يَزْحَفُونَ عَلَى أَسْتَاهِهِمْ، فَبَدَّلُوا وَقَالُوا، حَبَّةٌ فِي شَعْرَةٍ»[353]. وَرَوَاهُ النَّسَائِيُّ مَوْقُوفًا وَبِبَعْضِهِ مُسْنَدًا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {حِطَّةٌ} قَالَ: فَبَدَّلُوا وَقَالُوا: حَبَّةٌ[354]. وَرَوَى نَحْوَهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ وَعَنْ طَرِيقِهِ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَالتِّرْمِذِيُّ[355]. وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: حَسَنٌ صَحِيحٌ. [353] (فتح الباري 8/14) [354] (النسائي في الكبرى 6/286) [355] (تحفة الأحوذي 8/291) وَحَاصِلُ مَا ذَكَرَهُ الْمُفَسِّرُونَ وَمَا دَلَّ عَلَيْهِ السِّيَاقُ: أَنَّهُمْ بَدَّلُوا أَمْرَ اللهِ لَهُمْ مِنَ الْخُضُوعِ بِالْقَوْلِ وَالْفِعْلِ، فَأُمِرُوا أَنْ يَدْخُلُوا سُجَّدًا، فَدَخَلُوا يَزْحَفُونَ عَلَى أَسْتَاهِهِمْ، مِنْ قِبَلِ أَسْتَاهِهِمْ، رَافِعِي رُؤُوسِهِمْ، وَأُمِرُوا أَنْ يَقُولُوا: حِطَّةٌ، أَيْ اُحْطُطْ عَنَّا ذُنُوبَنَا وَخَطَايَانَا، فَاسْتَهْزَءُوا فَقَالُوا: حِنْطَةٌ فِي شَعِيرِةٍ، وَهَذَا فِي غَايَةِ مَا يَكُونُ مِنَ الْمُخَالَفَةِ وَالْمُعَانَدَةِ، وَلِهَذَا أَنْزَلَ اللهُ بِهِمْ بَأْسَهُ وَعَذَابَهُ بِفِسْقِهِمْ، وَهُوَ خُرُوجُهُمْ عَنْ طَاعَتِهِ. وَلِهَذَا قَالَ: {فَأَنْزَلْنَا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا رِجْزًا مِنَ السَّمَاءِ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ} وَقَالَ الضَّحَّاكُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: كُلُّ شَيْءٍ فِي كِتَابِ اللهِ مِنَ الرِّجْزِ يَعْنِي بِهِ الْعَذَابَ[356]. وَهَكَذَا رُوِيَ عَنْ مُجَاهِدٍ وَأَبِي مَالِكٍ وَالسُّدِّيِّ وَالْحَسَنِ وَقَتَادَةَ: أَنَّهُ الْعَذَابُ[357]. وَرَوَى ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ عَنْ سَعْدِ بْنِ مَالِكٍ وَأُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ وَخُزَيْمَةَ بْنِ ثَابِتٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ، قَالُوا: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «الطَّاعُونُ رِجْزٌ، عَذَابٌ عُذِّبَ بِهِ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ»[358]وَهَكَذَا رَوَاهُ النَّسَائِيُّ[359]، وَأَصْلُ الْحَدِيثِ فِي الصَّحِيحَيْنِ: «إِذا سَمِعْتُمُ الطَّاعُونَ بِأَرْضٍ فَلاَ تَدْخُلُوهَا»[360]اَلْحَدِيثَ. رَوَى ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ قَالَ: «إِنَّ هَذَا الْوَجَعَ وَالسَّقَمَ رِجْزٌ عُذِّبَ بِهِ بَعْضُ الْأُمَم قَبْلَكُمْ»[361]وَهَذَا الْحَدِيثُ أَصْلُهُ مُخَرَّجٌ فِي الصَّحِيحَيْنِ[362]. [356] (الطبري 2/118 ضعيف الضحاك لم يسمع من ابن عباس) [357] (ابن أبي حاتم 1/187) [358] (ابن أبي حاتم 1/186) [359] (النسائي في الكبرى 4/362) [360] (فتح الباري 10/189، ومسلم 4/1739) [361] (الطبري 2/116) [362] (فتح الباري 6/512، ومسلم 4/1737) {وَإِذِ اسْتَسْقَى مُوسَى لِقَومِهِ فَقُلْنَا اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْحَجَرَ فَانْفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْناً قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَشْرَبَهُمْ كُلُوا وَاشْرَبُوا مِنْ رِزْقِ اللَّهِ وَلاَ تَعْثَوْا فِي الأَرْضِ مُفْسِدِينَ} [اِنْفِجَارُ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ عَيْنًا] يَقُولُ تَعَالَى: وَاذْكُرُوا نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ فِي إِجَابَتِي لِنَبِيِّكُمْ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلاَمُ حِينَ اسْتَسْقَانِي لَكُمْ، وَتَيْسِيرِي لَكُمُ الْمَاءَ وَإِخْرَاجِهِ لَكُمْ مِنْ حَجَرٍ مَعَكُمْ، وَتَفْجِيرِي الْمَاءَ لَكُمْ مِنْهُ مِنِ اثْنَتَي عَشْرَةَ عَيْنًا، لِكُلِّ سِبْطٍ مِنْ أَسْبَاطِكُمْ عَيْنٌ قَدْ عَرَفُوهَا، فَكُلُوا مِنَ الْمَنِّ وَالسَّلْوَى، وَاشْرَبُوا مِنْ هَذَا الْمَاءِ الَّذِي أَنْبَعْتُهُ لَكُمْ بِلاَ سَعْيٍ مِنْكُمْ وَلاَ كَدٍّ، وَاعْبُدُوا الَّذِي سَخَّرَ لَكُمْ ذَلِكَ {وَلاَ تَعْثَوْا فِي الأَرْضِ مُفْسِدِينَ} وَلاَ تُقَابِلُوا النِّعَمَ بِالْعِصْيَانِ فَتُسْلَبُوهَا. وَقَدْ بَسَطَهُ الْمُفَسِّرُونَ فِي كَلاَمِهِمْ، كَمَا قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا: وَجُعِلَ بَيْنَ ظَهْرَانَيْهِمْ حَجَرٌ مُرَبَّعٌ، وَأُمِرَ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلاَمُ فَضَرَبَهُ بِعَصَاهُ، فَانْفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا، فِي كُلِّ نَاحِيَةٍ مِنْهُ ثَلاَثُ عُيُونٍ، وَأَعْلَمَ كُلَّ سِبْطٍ عَيْنَهُمْ، يَشْرَبُونَ مِنْهَا، لاَ يَرْتَحِلُونَ مِنْ مَنْقَلَةٍ إِلاَّ وَجَدُوا ذَلِكَ مَعَهُمْ بِالْمَكَانِ الَّذِي كَانَ مِنْهُمْ بِالْمَنْزِلِ الْأَوَّلِ[363]. [363] (الطبري 2/120) وَهَذِهِ الْقِصَّةُ شَبِيهَةٌ بِالْقِصَّةِ الَّتِي فِي سُورَةِ الْأَعْرَافِ، وَلَكِنْ تِلْكَ مَكِّيَّةٌ، فَلِذَلِكَ كَانَ الْإِخْبَارُ عَنْهُمْ بِضَمِيرِ الْغَائِبِ، لِأَنَّ اللهَ تَعَالَى يَقُصُّ عَلَى رَسُولِهِ ﷺ مَا فَعَلَ لَهُمْ. وَأَمَّا فِي هَذِهِ السُّورَةِ - وَهِيَ الْبَقَرَةُ - فَهِيَ مَدَنِيَّةٌ، فَلِهَذَا كَانَ الْخِطَابُ فِيهَا مُتَوَجِّهًا إِلَيْهِمْ، وَأَخْبَرَ هُنَاكَ بِقَوْلِهِ: {فَانْبَجَسَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْناً} [الأعراف: 160] وَهُوَ أَوَّلُ الاِنْفِجَارِ، وَأَخْبَرَ هَهُنَا بِمَا آلَ إِلَيْهِ الْحَالُ آخِرًا، وَهُوَ الاِنْفِجَارُ، فَنَاسَبَ ذِكْرُ الاِنْفِجَارِ ههُنَا وَذَاكَ هُنَاكَ، وَاللهُ أَعْلَمُ. {وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَنْ نَصْبِرَ عَلَى طَعَامٍ وَاحِدٍ فَادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنَا مِمَّا تُنْبِتُ الأَرْضُ مِنْ بَقْلِهَا وَقِثَّائِهَا وَفُومِهَا وَعَدَسِهَا وَبَصَلِهَا قَالَ أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ اهْبِطُوا مِصْرًا فَإِنَّ لَكُمْ مَا سَأَلْتُمْ} [طَلَبُهُمُ الطَّعَامَ الدَّنِيءَ بَدَلَ الْمَنِّ وَالسَّلْوىَ] يَقُولُ تَعَالَى: وَاذْكُرُوا نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ فِي إِنْزَالِي عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى طَعَامًا طَيِّبًا نَافِعًا هَنِيئًا سَهْلاً، وَاذْكُرُوا دُبُرَكُمْ وَضَجَرَكُمْ مِمَّا رَزَقْنَاكُمْ، وَسُؤَالَكُمْ مُوسَى اسْتِبْدَالَ ذَلِكَ بِالْأَطْعِمَةِ الدَّنِيئَةِ مِنَ الْبُقُولِ وَنَحْوِهَا مِمَّا سَأَلْتُمْ. قَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ: فَبَطِرُوا ذَلِكَ فَلَمْ يَصْبِرُوا عَلَيْهِ، وَذَكَرُوا عَيْشَهُمُ الَّذِي كَانُوا فِيهِ، وَكَانُوا قَوْمًا أَهْلَ أَعْدَاسٍ وَبَصَلٍ وَبُقُولٍ وَفُومٍ فَقَالُوا: {يَا مُوسَى لَنْ نَصْبِرَ عَلَى طَعَامٍ وَاحِدٍ فَادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنَا مِمَّا تُنْبِتُ الأَرْضُ مِنْ بَقْلِهَا وَقِثَّائِهَا وَفُومِهَا وَعَدَسِهَا وَبَصَلِهَا} وَإِنَّمَا قَالُوا {عَلَى طَعَامٍ وَاحِدٍ} وَهُمْ يَأْكُلُونَ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى، لِأَنَّهُ لاَ يَتَبَدَّلُ وَلاَ يَتَغَيَّرُ كُلَّ يَوْمٍ، فَهُوَ مَأْكَلٌ وَاحِدٌ. فَالْبُقُولُ وَالْقِثَّاءُ وَالْعَدَسُ وَالْبَصَلُ كُلُّهَا مَعْرُوفَةٌ، وَأَمَّا الْفُومُ فَوَقَعَ فِي قِرَاءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ: وَثُومِهَا، بِالثَّاءِ. وَرَوَى ابْنُ أَبِي حَاتِم عَنِ الْحَسَنِ، فِي قَوْلِهِ: {وَفُومِهَا} قَالَ: قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: اَلثُّومُ[364]. قَـالَ: وَفِي اللُّـغَـةِ الْقَدِيمَةِ: فَوِّمُوا لَنَا بِمَعْنَى اخْتَبِزُوا. قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: فَإِنْ كَانَ ذَلِكَ صَحِيحًا، فَإِنَّهُ مِنَ الْحُرُوفِ الْمُبْدَلَةِ كَقَوْلِهِمْ: «وَقَعُوا فِي عَاثُورِ شَرٍّ، وَعَافُورِ شَرٍّ، وَأَثَافِي وَأَثَاثِي، وَمَغَافِيرُ وَمَغَاثِيرُ»، وَأَشْبَاهُ ذَلِكَ مِمَّا تُقْلَبُ الْفَاءُ ثَاءً وَالثَّاءُ فَاءً لِتَقَارُبِ مَخْرَجَيْهِمَا[365]. وَاللهُ أَعْلَمُ. وَقَالَ آخَرُونَ: الْفُومُ: الْحِنْطَةُ. وَهُوَ الْبُرُّ الَّذِي يُعْمَلُ مِنْهُ الْخُبْزُ. قَالَ الْبُخَارِيُّ: وَقَالَ بَعْضُهُمْ: اَلْحُبُوبُ الَّتِي تُؤكَلُ كُلُّهَا فُومٌ. [364] (ابن أبي حاتم 1/193) [365] (الطبري 2/130) وَقَوْلُهُ تَعَالَى: {قَالَ أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ} فِيهِ تَقْرِيعٌ لَهُمْ وَتَوْبِيخٌ عَلَى مَا سَألُوا مِنْ هَذِهِ الْأَطْعِمَةِ الدَّنِيئَةِ، مَعَ مَا هُمْ فِيهِ مِنَ الْعَيْشِ الرَّغِيدِ وَالطَّعَامِ الْهَنِيءِ الطَّيِّبِ النَّافِعِ، وَقَوْلُهُ تَعَالَى: {اهْبِطُوا مِصْرًا}. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: مِصْرًا مِنَ الْأَمْصَارِ[366]. وَرَوَى ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ أَبِي الْعَالِيَةِ وَالرَّبِيعِ بْنِ أَنَسٍ أَنَّهُمَا فَسَّرَا ذَلِكَ بِمِصْرِ فِرْعَوْنَ[367]. وَالْحَقُّ أَنَّ الْمُرَادَ: مِصْرٌ مِنَ الْأَمْصَارِ، كَمَا رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَغَيْرِهِ، وَالْمَعْنَى عَلَى ذَلِكَ، لِأَنَّ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلاَمُ يَقُولُ لَهُمْ: هَذَا الَّذِي سَأَلْتُمْ لَيْسَ بِأَمْرٍ عَزِيزٍ، بَلْ هُوَ كَثِيرٌ فِي أَيِّ بَلَدٍ دَخَلْتُمُوهَا وَجَدْتُمُوهُ، فَلَيْسَ يُسَاوِي مَعَ دَنَاءَتِهِ وَكَثْرَتِهِ فِي الْأَمْصَارِ أَنْ أَسْأَلَ اللهَ فِيهِ. وَلِهَذَا قَالَ: {أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ اهْبِطُوا مِصْرًا فَإِنَّ لَكُمْ مَا سَأَلْتُمْ} أَيْ مَا طَلَبْتُمْ، وَلَمَّا كَانَ سُؤَالُهُمْ هَذَا مِنْ بَابِ الْبَطَرِ وَالْأَشَرِ، وَلاَ ضَرُورَةَ فِيهِ، لَمْ يُجَابُوا إِلَيْهِ، وَاللهُ أَعْلَمُ. [366] (ابن أبي حاتم 1/194) [367] (الطبري 2/134) {وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ الْنَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ} [ضَرْبُ الذِّلَّةِ وَالْمَسْكَنَةِ عَلَى الْيَهُودِ] يَقُولُ تَعَالَى: {وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ} أَيْ وُضِعَتْ عَلَيْهِمْ، وَأُلْزِمُوا بِهَا شَرْعًا وَقَدَرًا، أَيْ لاَ يَزَالُونَ مُسْتَذَلِّينَ، مَنْ وَجَدَهُمُ اسْتَذَلَّهُمْ وَأَهَانَهُمْ، وَضَرَبَ عَلَيْهِمُ الصَّغَارَ. وَهُمْ مَعَ ذَلِكَ فِي أَنْفُسِهِمْ أَذِلاَّءُ مُتَـمَسْكِنُونَ. وَقَالَ الْحَسَنُ: أَذَلَّهُمُ اللهُ فَلاَ مَنَعَةَ لَهُمْ، وَجَعَلَهُمْ تَحْتَ أَقْدَامِ الْمُسْلِمِينَ، وَلَقَدْ أَدْرَكَتْهُمْ هَذِهِ الْأُمَّةُ وَإِنَّ الْمَجُوسَ لَتَجْبِيهِمُ الْجِزْيَةَ[368]. وَقَالَ أَبُو الْعَالِيَةِ وَالرَّبِيعُ بْنُ أَنَسٍ وَالسُّدِّيُّ: اَلْمَسْكَنَةُ: الْفَاقَةُ[369]. وَقَالَ عَطِيَّةُ الْعَوْفِيُّ: الْخَرَاجُ[370]. وَقَوْلُهُ تَعَالَى: {وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ} قَالَ الضَّحَّاكُ: اسْتَحَقُّوا الْغَضَبَ مِنَ اللهِ[371]. وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: يَعْنِي بِقَوْلِهِ: {وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ} اِنْصَرَفُوا وَرَجَعُوا. وَلاَ يُقَالُ: بَاءَ إِلاَّ مَوْصُولاً إِمَّا بِخَيْرٍ وَإِمَّا بِشَرٍّ، يُقَالُ مِنْهُ: بَاءَ فُلاَنٌ بِذَنْبِهِ، يَبُوءُ بِهِ بَوْءًا وَبَوَاءً، وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: {إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ} [المائدة: 29] يَعْنِي تَنْصَرِفَ مُتَحَمِّلَهُمَا، وَتَرْجِعَ بِهِمَا قَدْ صَارَا عَلَيْكَ دُونِي. فَمَعْنَى الْكَلاَمِ إِذَنْ: رَجَعُوا مُنْصَرِفِينَ مُتَحَمِّلِينَ غَضَبَ اللهِ، قَدْ صَارَ عَلَيْهِمْ مِنَ اللهِ غَضَبٌ، وَوَجَبَ عَلَيْهِمْ مِنَ اللهِ سَخَطٌ[372]. [368] (ابن أبي حاتم 1/195، 196) [369] (ابن أبي حاتم 1/196) [370] (ابن أبي حاتم 1/196) [371] (الطبري 2/138) [372] (الطبري 2/138) وَقَوْلُهُ تَعَالَى: {ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ الْنَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ} يَقُولُ تَعَالَى: هَذَا الَّذِي جَازَينَاهُمْ مِنَ الذِّلَّةِ وَالْمَسْكَنَةِ. وَإِحْلاَلُ الْغَضَبِ بِهِمْ مِنَ الذِّلَّةِ: بِسَبَبِ اسْتِكْبَارِهِمْ عَنِ اتِّبَاعِ الْحَقِّ، وَكُفْرِهِمْ بِآيَاتِ اللهِ، وَإِهَانَتِهِمْ حَمَلَةَ الشَّرْعِ، وَهُمُ الْأَنْبِيَاءُ وَأَتْبَاعُهُمْ، فَانْتَقَصُوهُمْ إِلَى أَنْ أَفْضَى بِهِمُ الْحَالُ إِلَى أَنْ قَتَلُوهُمْ، فَلاَ كُفْرَ أَعْظَمُ مِنْ هَذَا، إِنَّهُمْ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللهِ، وَقَتَلُوا أَنْبِيَاءَ اللهِ بِغَيْرِ الْحَقِّ. [تَعْرِيفُ الْكِبْرِ] وَلِهَذَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ الْمُتَّفَقِ عَلَى صِحَّتِهِ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «الْكِبْرُ بَطَرُ الْحَقِّ وَغَمْطُ النَّاسِ»[373]. وَقَدْ رَوَى الْإِمَامُ أَحْمَدُ عَنْ عَبْدِ اللهِ يَعْنِي ابْنَ مَسْعُودٍ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «أَشَدُّ النَّاسِ عَذَابًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ رَجُلٌ قَتَلَهُ نَبِيٌّ أَوْ قَتَلَ نَبِيًّا، وَإِمَامُ ضَلاَلَةٍ. وَمُمَثِّلٌ مِنَ الْمُمَثِّلِينَ»[374]. وَقَوْلُهُ تَعَالَى: {ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ} وَهَذِهِ عِلَّةٌ أُخْرَى فِي مُجَازَاتِهِمْ بِمَا جُوزُوا بِهِ أَنَّهُمْ كَانُوا يَعْصُونَ وَيَعْتَدُونَ، فَالْعِصْيَانُ فِعْلُ الْمَنَاهِي، وَالاِعْتِدَاءُ: الْمُجَاوَزَةُ فِي حَدِّ الْمَأْذُونِ فِيهِ وَالْمَأْمُورِ بِهِ، وَاللهُ أَعْلَمُ. [373] (مسلم 1/93) [374] (أحمد 1/407) {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ} [الْإِيمَانُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ هُوَ مَدَارُ النَّجَاةِ فِي كُلِّ زَمَانٍ] لَمَّا بَيَّنَ تَعَالَى حَالَ مَنْ خَالَفَ أَوَامِرَهُ، وَارْتَكَبَ زَوَاجِرَهُ، وَتَعَدَّى فِي فِعْلِ مَا لاَ إِذْنَ فِيهِ، وَانْتَهَكَ الْمَحَارِمَ، وَمَا أَحَلَّ بِهِمْ مِنَ النَّكَالِ، نَبَّهَ تَعَالَى عَلَى أَنَّ مَنْ أَحْسَنَ مِنَ الْأُمَمِ السَّالِفَةِ، وَأَطَاعَ فَإِنَّ لَهُ جَزَاءً الْحُسْنَى، وَكَذَلِكَ الْأَمْرُ إِلَى قِيَامِ السَّاعَةِ، كُلُّ مَنِ اتَّبَعَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ فَلَهُ السَّعَادَةُ الْأَبَدِيَّةُ، وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ فِيمَا يَسْتَقْبِلُونَهُ، وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ عَلَى مَا يَتْرُكُونَهُ وَيُخَلِّفُونَهُ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: {أَلاَ إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ} [يونس: 62] وَكَمَا تَقُولُ الْمَلاَئِكَةُ لِلْمُؤمِنِينَ عِنْدَ الاِحْتِضَارِ فِي قَوْلِهِ: {إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلاَئِكَةُ أَلاَّ تَخَافُوا وَلاَ تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ} [فصلت: 30]. [تَعْرِيفُ الْمُؤْمِنِ] رَوَى عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ} [375]- قَالَ - فَأَنْزَلَ اللهُ بَعْدَ ذَلِكَ {وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلاَمِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ} [آل عمران: 85]. فَإِنَّ هَذَا الَّذِي قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ إِخْبَارٌ عَنْ أَنَّهُ لاَ يَقْبَلُ مِنْ أَحَدٍ طَرِيقَةً وَلاَ عَمَلاً إِلاَّ مَا كَانَ مُوَافِقًا لِشَرِيعَةِ مُحَمَّدٍ ﷺ بَعْدَ أَنْ بَعَثَهُ بِمَا بَعَثَهُ بِهِ، فَأَمَّا قَبْلَ ذَلِكَ فَكُلُّ مَنِ اتَّبِعَ الرَّسُولَ فِي زَمَانِهِ فَهُوَ عَلَى هُدًى وَسَبِيلِ نَجَاةٍ. فَالْيَهُودُ أَتْبَاعُ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلاَمُ الَّذِينَ كَانُوا يَتَحَاكَمُونَ إِلَى التَّوْرَاةِ فِي زَمَانِهِمْ. [375] (ابن أبي حاتم 1/198) [وَجْهُ تَسْمِيَةِ الْيَهُودِ] وَالْيَهُودُ مِنَ الْهَوَادَةِ - وَهِيَ الْمَوَدَّةُ - أَوِ التَّهَوُّدِ، وَهِيَ التَّوْبَةُ، كَقَوْلِ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلاَمُ: {إِنَّا هُدْنَا إِلَيْكَ} [الأعراف: 156] أَيْ تُبْنَا. فَكَأَنَّهُمْ سُمُّوا بِذَلِكَ فِي الْأَصْلِ لِتَوْبَتِهِمْ وَمَوَدَّتِهِمْ فِي بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ. وَقِيلَ: لِنِسْبَتِهِمْ إِلَى يَهُودَا أَكْبَرِ أَوْلاَدِ يَعْقُوبَ. وَقَالَ أَبُو عَمْرِو بْنُ الْعَلاَءِ: لِأَنَّهُمْ يَتَهَوَّدُونَ، أَيْ يَتَحَرَّكُونَ عِنْدَ قِرَاءَةِ التَّوْرَاةِ. [وَجْهُ تَسْمِيَةِ النَّصَارَى] فَلَمَّا بُعِثَ عِيسَى ﷺ وَجَبَ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ اتِّبَاعُهُ وَالاِنْقِيَادُ لَهُ، فَأَصْحَابُهُ وَأَهْلُ دِينِهِ هُمُ النَّصَارَى، سُمُّوا بِذَلِكَ لِتَنَاصُرِهِمْ فِيمَا بَيْنَهُمْ. وَقَدْ يُقَالُ لَهُمْ أَنْصَارٌ أَيْضًا، كَمَا قَالَ عِيسَى عَلَيْهِ السَّلاَمُ: {مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ} آل عمران: 52، الصف: 14]. وَقِيلَ: إِنَّهُمْ إِنَّمَا سُمُّوا بِذَلِكَ مِنْ أَجْلِ أَنَّهُمْ نَزَلُوا أَرْضًا يُقَالُ لَهَا: "نَاصِرَةُ". قَالَهُ قَتَادَةُ وَابْنُ جُرَيْجٍ. وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَيْضًا[376]. وَاللهُ أَعْلَمُ. وَالنَّصَارَى جَمْعُ نَصْرَانٍ، كَنَشَاوَى جَمْعُ نَشْوَانٍ، وَسُكَارَى جَمْعُ سَكْرَانٍ، وَيُقَالُ لِلْمَرْأَةِ: نَصْرَانَةٌ. [376] (الرازي 3/97) [الْمُؤْمِنُونَ] فَلَمَّا بَعَثَ اللهُ مُحَمَّدًا ﷺ خَاتَمًا لِلنَّبِيِّينَ، وَرَسُولاً إِلَى بَنِي آدَمَ عَلَى الْإِطْلاَقِ، وَجَبَ عَلَيْهِمْ تَصْدِيقُهُ فِيمَا أَخْبَرَ. وَطَاعَتُهُ فِيمَا أَمَرَ، وَالْاِنْكِفَافُ عَمَّا عَنْهُ زَجَرَ، وَهَؤُلاَءِ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا، وَسُمِّيَتْ أُمَّةُ مُحَمَّدٍ ﷺ مُؤْمِنِينَ لِكَثْرَةِ إِيمَانِهِمْ، وَشِدَّةِ إِيقَانِهِمْ، وَلِأَنَّهُمْ يُؤْمِنُونَ بِجَمِيعِ الْأَنْبِيَاءِ الْمَاضِيَةِ وَالْغُيُوبِ الاْتِيَةِ. [اَلصَّابِئُونَ] وَأَمَّا الصَّابِئُونَ فَقَدِ اخْتُلِفَ فِيهِمْ، فَقَالَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ عَنْ لَيْثِ بْنِ أَبِي سُلَيْمٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، قَالَ: اَلصَّابِئُونَ قَوْمٌ بَيْنَ الْمَجُوسِ وَالْيَهُودِ وَالنَّصَارَى، وَلَيْسَ لَهُمْ دِينٌ[377]. وَكَذَا رَوَاهُ ابْنُ أَبِي نَجِيحٍ عَنْهُ[378]. وَرُوِيَ عَنْ عَطَاءٍ وَسَعِيدِ ابْنِ جُبَيْرٍ نَحْوُ ذَلِكَ[379]. وَقِيلَ: فِرْقَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ يَقْرَأُونَ الزَّبُورَ. وَقِيلَ: قَوْمٌ يَعْبُدُونَ الْمَلاَئِكَةَ. وَقِيلَ: قَوْمٌ يَعْبُدُونَ الْكَوَاكِبَ. وَأَظْهَرُ الْأَقْوَالِ وَاللهُ أَعْلَمُ، قَوْلُ مُجَاهِدٍ وَمُتَابِعِيهِ وَوَهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ: أَنَّهُمْ قَوْمٌ لَيْسُوا عَلَى دِينِ الْيَهُودِ وَلاَ النَّصَارَى وَلاَ الْمَجُوسِ وَلاَ الْمُشْرِكِينَ، وَإِنَّمَا هُمْ بَاقُونَ عَلَى فِطْرَتِهِمْ وَلاَ دِينٌ مُقَرَّرٌ لَهُمْ يَتَّبِعُونَهُ وَيَقْتَنُونَهُ، وَلِهَذَا كَانَ الْمُشْرِكُونَ يَنْبِزُونَ مَنْ أَسْلَمَ بِالصَّابِىءِ. أَيْ إِنَّهُ قَدْ خَرَجَ عَنْ سَائِرِ أَدْيَانِ أَهْلِ الْأَرْضِ إِذْ ذَاكَ. وَقَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ: اَلصَّابِئُونَ الَّذِينَ لَمْ تَبْلُغْهُمْ دَعْوَةُ نَبِيٍّ، وَاللهُ أَعْلَمُ. [377] (الطبري 2/146) [378] (الطبري 2/146) [379] (ابن أبي حاتم 1/199، 200) {وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الْطُّورَ خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ وَاذْكُرُوا مَا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ *ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَلَوْلاَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَكُنْتُمْ مِنَ الْخَاسِرِينَ} [أَخْذُ الْمِيثَاقِ مِنَ الْيَهُودِ مَعَ رَفْعِ الطُّورِ عَلَيْهِمْ وَتَوَلِّيهِمْ بَعْدَ ذَلِكَ] يَقُولُ تَعَالَى مُذَكِّرًا بَنِي إِسْرَائِيلَ مَا أَخَذَ عَلَيْهِمْ مِنَ الْعُهُودِ وَالْمَوَاثِيقِ بِالْإِيمَانِ بِهِ وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ، وَاتِّبَاعِ رُسُلِهِ، وَأَخْبَرَ تَعَالَى أَنَّهُ لَمَّا أَخَذَ عَلَيْهِمُ الْمِيثَاقَ رَفَعَ الْجَبَلَ فَوْقَ رُؤُوسِهِمْ، لِيُقِرُّوا بِمَا عُوهِدُوا عَلَيْهِ، وَيَأْخُذُوهُ بِقُوَّةٍ وَجَزْمٍ وَهِمَّةٍ وَامْتِثَالٍ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: {وَإِذْ نَتَقْنَا الْجَبَلَ فَوْقَهُمْ كَأَنَّهُ ظُلَّةٌ وَظَنُّوا أَنَّهُ وَاقِعٌ بِهِمْ خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ وَاذْكُرُوا مَا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} [الأعراف: 171] فَالطُّورُ هُوَ الْجَبَلُ، كَمَا فَسَّرَهُ بِهِ فِي الْأَعْرَافِ، وَنَصَّ عَلَى ذَلِكَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَمُجَاهِدٌ وَعَطَاءٌ وَعِكْرِمَةُ وَالْحَسَنُ وَالضَّحَّاكَ وَالرَّبِيعُ بْنُ أَنَسٍ وَغَيْرُ وَاحِدٍ[380]. وَهَذَا ظَاهِرٌ، وَفِي رِوَايَةٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: اَلطُّورُ مَا أَنْبَتَ مِنَ الْجِبَالِ، وَمَا لَمْ يُنْبِتْ فَلَيْسَ بِطُورٍ[381]. وَقَالَ الْحَسَنُ فِي قَوْلِهِ: {خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ} يَعْنِي التَّوْرَاةَ[382]. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: {بِقُوَّةٍ} بِعَمَلِ مَا فِيهِ[383]. وَقَالَ أَبُو الْعَالِيَةِ وَالرَّبِيعُ {وَاذْكُرُوا مَا فِيهِ} يَقُولُ: اِقْرَأُوا مَا فِي التَّوْرَاةِ وَاعْمَلُوا بِهِ[384]. وَقَوْلُهُ تَعَالَى: {ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَلَوْلاَ فَضْلُ اللَّهِ} يَقُولُ تَعَالَى: ثُمَّ بَعْدَ هَذَا الْمِيثَاقِ الْمُؤَكَّدِ الْعَظِيمِ تَوَلَّيْتُمْ عَنْهُ وَانْثَنَيْتُمْ وَنَقَضْتُمُوهُ {فَلَوْلاَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ} أَيْ بِتَوْبَتِهِ عَلَيْكُمْ، وَإِرْسَالِهِ النَّبِيِّينَ وَالْمُرْسَلِينَ إِلَيْكُمْ {لَكُنْتُمْ مِنَ الْخَاسِرِينَ} بِنَقْضِكُمْ ذَلِكَ الْمِيثَاقَ، فِي الدُّنْيَا وَالاْخِرَةِ. [380] (ابن أبي حاتم 1/203) [381] (ابن أبي حاتم 1/203 إسناده ضعيف لوجوه 1- من معلقات المؤلف. 2- الضحاك عن ابن عباس مرسل. 3- بشر بن عمارة الخثعمي ضعيف) [382] (ابن أبي حاتم 1/204) [383] (ابن أبي حاتم 1/205) [384] (ابن أبي حاتم 1/205) {وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ *فَجَعَلْنَاهَا نَكَالاً لِمَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا خَلْفَهَا وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ} [اِعْتِدَاؤُهُمْ فِي السَّبْتِ وَمَسْخُهُمْ قِرَدَةً وَخَنَازِيرَ] يَقُولُ تَعَالَى: {وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ} يَا مَعْشَرَ الْيَهُودِ مَا أَحَلَّ مِنَ الْبَأْسِ بِأَهْلِ الْقَرْيَةِ الَّتِي عَصَتْ أَمْرَ اللهِ، وَخَالَفُوا عَهْدَهُ وَمِيثَاقَهُ فِيمَا أَخَذَهُ عَلَيْهِمْ مِنْ تَعْظِيمِ السَّبْتِ وَالْقِيَامِ بِأَمْرِهِ، إِذْ كَانَ مَشْرُوعًا لَهُمْ، فَتَحَيَّلُوا عَلَى اصْطِيَادِ الْحِيتَانِ فِي يَوْمِ السَّبْتِ بِمَا وَضَعُوا لَهَا مِنَ الشُّصُوصِ وَالْحَبَائِلِ وَالْبِرَكِ قَبْلَ يَوْمِ السَّبْتِ، فَلَمَّا جَاءَتْ يَوْمَ السَّبْتِ عَلَى عَادَتِهَا فِي الْكَثْرَةِ نَشِبَتْ بِتِلْكَ الْحَبَائِلِ وَالْحِيَلِ، فَلَمْ تَخْلُصْ مِنْهَا يَوْمَهَا ذَلِكَ، فَلَمَّا كَانَ اللَّيْلُ أَخَذُوهَا بَعْدَ انْقِضَاءِ السَّبْتِ، فَلَمَّا فَعَلُوا ذَلِكَ، مَسَخَهُمُ اللهُ إِلَى صُورَةِ الْقِرَدَةِ، وَهِيَ أَشْبَهُ شَيْءٍ بِالْأَنَاسِيِّ فِي الشَّكْلِ الظَّاهِرِ، وَلَيْسَتْ بِإِنْسَانٍ حَقِيقَةً، فَكَذَلِكَ أَعْمَالُ هَؤُلاَءِ وَحِيلَتُهُمْ لَمَّا كَانَتْ مُشَابِهَةً لِلْحَقِّ فِي الظَّاهِرِ، وَمُخَالِفَةً لَهُ فِي الْبَاطِنِ، كَانَ جَزَاؤُهُمْ مِنْ جِنْسِ عَمَلِهِمْ. وَهَذِهِ الْقِصَّةُ مَبْسُوطَةٌ فِي سُورَةِ الْأَعْرَافِ حَيْثُ يَقُولُ تَعَالَى: {وَاسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعًا وَيَوْمَ لاَ يَسْبِتُونَ لاَ تَأْتِيهِمْ كَذَلِكَ نَبْلُوهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ} [الأعراف: 163] اَلْقِصَّةَ بِكَمَالِهَا، وَقَالَ الْعَوْفِيُّ فِي تَفْسِيرِهِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ {فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ} فَجَعَلَ اللهُ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ، فَزَعَمَ: أَنَّ شَبَابَ الْقَوْمِ صَارُوا قِرَدَةً، وَأَنَّ الْمَشْيَخَةَ صَارُوا خَنَازِيرَ[385]. وَقَالَ شَيْبَانُ النَّحْوِيُّ عَنْ قَتَادَةَ: {فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ} فَصَارَ الْقَوْمُ قِرَدَةً تَعَاوَى، لَهَا أَذْنَابٌ بَعْدَ مَا كَانُوا رِجَالاً وَنِسَاءً[386]. [385] (ابن أبي حاتم 1/210 إسناده ضعيف العوفي مع عائلته من جملة الضعفاء) [386] (ابن أبي حاتم 1/209) [اَلْقِرَدَةُ وَالْخَنَازِيرُ الْمَوْجَودَةُ لَيْسَتْ مِنْ نَسْلِ الْمَمْسُوخَةِ] وَرَوَى ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: إِنَّمَا كَانَ الَّذِينَ اعْتَدَوْا فِي السَّبْتِ فَجُعِلُوا قِرَدَةً - فُوَاقًا - ثُمَّ هَلَكُوا، مَا كَانَ لِلْمَسْخِ نَسْلٌ[387]. وَقَالَ الضَّحَّاكُ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: فَمَسَخَهُمُ اللهُ قِرَدَةً بِمَعْصِيَتِهِمْ، يَقُولُ: إِذْ لاَ يَحْيَوْنَ فِي الْأَرْضِ إِلاَّ ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ، قَالَ: وَلَمْ يَعِشْ مَسْخٌ قَطُّ فَوْقَ ثَلاَثَةِ أَيَّامٍ، وَلَمْ يَأْكُلْ وَلَمْ يَشْرَبْ وَلَمْ يَنْسِلُوا، وَقَدْ خَلَقَ اللهُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ وَسَائِرَ الْخَلْقِ فِي السِّتَّةِ الْأَيَّامِ الَّتِي ذَكَرَهَا اللهُ فِي كِتَابِهِ، فَمَسَخَ هَؤُلاَءِ الْقَوْمَ فِي صُورَةِ الْقِرَدَةِ، وَكَذَلِكَ يَفْعَلُ بِمَنْ يَشَاءُ كَمَا يَشَاءُ، وَيُحَوِّلُهُ كَمَا يَشَاءُ[388]. [387] (ابن أبي حاتم 1/209 إسناده ضعيف فيه عبدالملك بن محمد شبه المتروك ومحمد بن مسلم الطائفي ضعيف) [388] (الطبري 2/167 إسناده ضعيف الضحاك لم يسمع من ابن عباس) وَقَوْلُهُ تَعَالَى: {فَجَعَلْنَاهَا نَكَالاً} أَيْ فَجَعَلَ اللهُ هَذِهِ الْقَرْيَةَ، وَالْمُرَادُ أَهْلُهَا، بِسَبَبِ اعْتِدَائِهِمْ فِي سَبْتِهِمْ {نَكَالاً} أَيْ عَاقَبْنَاهُمْ عُقُوبَةً فَجَعَلْنَاهَا عِبْرَةً. كَمَا قَالَ اللهُ عَنْ فِرْعَوْنَ {فَأَخَذَهُ اللَّهُ نَكَالَ الآخِرَةِ وَالأُولَى} [النازعات: 25] وَقَوْلُهُ تَعَالَى: {لِمَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا خَلْفَهَا} أَيْ مِنَ الْقُرَى، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: يَعْنِي جَعَلْنَاهَا بِمَا أَحْلَلْنَا بِهَا مِنَ الْعُقُوبَةِ عِبْرَةً لِمَا حَوْلَهَا مِنَ الْقُرَى، كَمَا قَالَ تَعَالَى: {وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا مَا حَوْلَكُمْ مِنَ الْقُرَى وَصَرَّفْنَا الآيَاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ} [الأحقاف: 27] فَجَعَلَهُمْ عِبْرَةً وَنَكَالاً لِمَنْ فِي زَمَانِهِمْ، وَمَوْعِظَةً لِمَنْ يَأْتِي بَعْدَهُمْ بِالْخَبَرِ الْمُتَوَاتِرِ عَنْهُمْ، وَلِهَذَا قَالَ: {وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ} اَلْمُرَادُ بِالْمَوْعِظَةِ ههُنَا الزَّاجِرُ أَيْ جَعَلْنَا مَا أَحْلَلْنَا بِهَؤُلاَءِ مِنَ الْبَأْسِ وَالنَّكَالِ فِي مُقَابَلَةِ مَا ارْتَكَبُوهُ مِنْ مَحَارِمِ اللهِ، وَمَا تَحَيَّلُوا بِهِ مِنَ الْحِيَلِ، فَلْيَحْذَرِ الْمُتَّقُونَ صَنِيعَهُمْ لِئَلاَّ يُصِيبَهُمْ مَا أَصَابَهُمْ، كَمَا رَوَى الإْمَامُ أَبُو عَبْدِ اللهِ بْنُ بَطَّةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «لاَ تَرْتَكِبُوا مَا ارْتَكَبَتِ الْيَهُودُ فَتَسْتَحِلُّوا مَحَارِمَ اللهِ بِأَدْنَى الْحِيَلِ»[389]وَهَذَا إِسْنَادٌ جَيِّدٌ، وَاللهُ أَعْلَمُ. [389] (إرواء الغليل 5/375) {وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً قَالُوا أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا قَالَ أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ} [قِصَّةُ مَقْتُولِ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَالْبَقَرَةِ] يَقُولُ تَعَالَى: وَاذْكُرُوا يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ فِي خَرْقِ الْعَادَةِ لَكُمْ فِي شَأْنِ الْبَقَرَةِ، وَبَيَانِ الْقَاتِلِ مَنْ هُوَ بِسَبَبِهَا، وَإِحْيَاءِ اللهِ الْمَقْتُولَ، وَنَصِّهِ عَلَى مَنْ قَتَلَهُ مِنْهُمْ. رَوَى ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ عَنْ عَبِيدَةَ السَّلْمَانِيِّ، قَالَ: كَانَ رَجُلٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَقِيمًا لاَ يُولَدُ لَهُ، وَكَانَ لَهُ مَالٌ كَثِيرٌ، وَكَانَ ابْنُ أَخِيهِ وَارِثَهُ، فَقَتَلَهُ ثُمَّ احْتَمَلَهُ لَيْلاً، فَوَضَعَهُ عَلَى بَابِ رَجُلٍ مِنْهُمْ، ثُمَّ أَصْبَحَ يَدَّعِيهِ، حَتَّى تَسَلَّحُوا، وَرَكِبَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ. فَقَالَ ذَوُو الرَّأْيِ مِنْهُمْ وَالنُّهَى: عَلاَمَ يَقْتُلُ بَعْضُكُمْ بَعْضًا، وَهَذَا رَسُولُ اللهِ فِيكُمْ؟ فَأَتَوْا مُوسَى عَلَيْهِ السَّلاَمُ، فَذَكَرُوا ذَلِكَ لَهُ، فَقَالَ: {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً قَالُوا أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا قَالَ أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ} قَالَ: َفَلَو لَمْ يَعْتَرِضُوا لَأَجْزَأَتْ عَنْهُمْ أَدْنَى بَقَرَةٍ، وَلَكِنَّهُمْ شَدَّدُوا، فَشُدِّدَ عَلَيْهِمْ حَتَّى انْتَهُوا إِلَى الْبَقَرَةِ الَّتِي أُمِرُوا بِذَبْحِهَا، فَوَجَدُوهَا عِنْدَ رَجُلٍ لَيْسَ لَهُ بَقَرَةٌ غَيْرُهَا، فَقَالَ: وَاللهِ لاَ أَنْقُصُهَا مِنْ مِلْءِ جِلْدِهَا ذَهَبًا، فَأَخَذُوهَا بِمِلْءِ جِلْدِهَا ذَهَبًا، فَذَبَحُوهَا، فَضَرَبُوهُ بِبِعْضِهَا، فَقَامَ. فَقَالُوا: مَنْ قَتَلَكَ؟ فَقَالَ: هَذَا - لاِبْنِ أَخِيهِ- ثُمَّ مَالَ مَيِّتًا، فَلَمْ يُعْطَ مِنْ مَالِهِ شَيْئًا، فَلَمْ يُوَرَّثْ قَاتِلٌ بَعْدُ[390]. وَرَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ بِنَحْوٍ مِنْ ذَلِكَ، وَاللهُ أَعْلَمُ[391]. [390] (ابن أبي حاتم 1/114) [391] (الطبري 2/183) {قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِيَ قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لاَ فَارِضٌ وَلاَ بِكْرٌ عَوَانٌ بَيْنَ ذَلِكَ فَافْعَلُوا مَا تُؤْمَرُونَ *قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا لَوْنُهَا قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ صَفْرَاءُ فَاقِعٌ لَوْنُهَا تَسُرُّ النَّاظِرِينَ *قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِيَ إِنَّ الْبَقَرَ تَشَابَهَ عَلَيْنَا وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللَّهُ لَمُهْتَدُونَ *قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لاَ ذَلُولٌ تُثِيرُ الأَرْضَ وَلاَ تَسْقِي الْحَرْثَ مُسَلَّمَةٌ لاَ شِيَةَ فِيهَا قَالُوا الآنَ جِئْتَ بِالْحَقِّ فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ} [تَعَنُّتُهُمْ فِي السُّؤَالِ عَنِ الْبَقَرَةِ وَتَضْيِيقُ اللهِ عَلَيْهِمْ] أَخْبَرَ تَعَالَى عَنْ تَعَنُّتِ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَكَثْرَةِ سُؤَالِهِمْ لِرَسُولِهِمْ، لِهَذَا لَمَّا ضَيَّقُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ ضَيَّقَ اللهُ عَلَيْهِمْ، وَلَوْ أَنَّهُمْ ذَبَحُوا أَيَّ بَقَرَةٍ كَانَتْ، لَوَقَعَتِ الْمَوْقِعَ عَنْهُمْ، كَمَا قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَعَبِيدَةُ وَغَيْرُ وَاحِدٍ، وَلَكِنَّهُمْ شَدَّدُوا فَشُدِّدَ عَلَيْهِمْ، فَقَالُوا: {ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِيَ} أَيْ مَا هَذِهِ الْبَقَرَةُ، وَأَيُّ شَيْءٍ صِفَتُهَا؟ قَالَ: {إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لاَ فَارِضٌ وَلاَ بِكْرٌ} أَيْ لاَ كَبِيرَةٌ هَرِمَةٌ وَلاَ صَغِيرَةٌ لَمْ يَلْحَقْهَا الْفَحْلُ. كَمَا قَالَهُ أَبُو الْعَالِيَةِ وَالسُّدِّيُّ وَمُجَاهِدٌ وَعِكْرِمَةُ وَعَطِيَّةُ الْعَوْفِيُّ وَعَطَاءُ الْخُرَاسَانِيُّ وَوَهْبُ بْنُ مُنَبِّهٍ وَالضَّحَّاكُ وَالْحَسَنُ وَقَتَادَةُ، وَقَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ أَيْضًا[392]. وَقَالَ الضَّحَّاكُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: {عَوَانٌ بَيْنَ ذَلِكَ}، يَقُولُ: نِصْفٌ بَيْنَ الْكَبِيرَةِ وَالصَّغِيرَةِ، وَهِيَ أَقْوَى مَا يَكُونُ مِنَ الدَّوَابِّ وَالْبَقَرِ، وَأَحْسَنُ مَا تَكُونُ[393]. [392] (ابن أبي حاتم 1/216) [393] (ابن أبي حاتم 1/217 الضحاك عن ابن عباس مرسل) وقال مجاهد: إنها كانت صفراء[394]، وروى ابن أبي حاتم عن الحسن في قوله تعالى: {بَقَرَةٌ صَفْرَاءُ فَاقِعٌ لَوْنُهَا} قال: سوداء شديدة السواد، وهذا غريب والصحيح الأول ولهذا أكد صفرتها بأنه {فَاقِعٌ لَوْنُهَا}[395]. [394] (ابن أبي حاتم 706 "1/139"، والطبري 1228) [395] (ابن أبي حاتم "709" 1/139 وقول الحسن هذا استفربه المصنف ورده الطبري ابن جرير 1/387، 388 وابن قتيبة في غريب القرآن ص53) وَقَالَ الْعَوْفِيُّ فِي تَفْسِيرِهِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ {فَاقِعٌ لَوْنُهَا} شَدِيدَةُ الصُّفْرَةِ، تَكَادُ مِنْ صُفْرَتِهَا تَبْيَضُّ[396]. وَقَالَ السُّدِّيُّ {تَسُرُّ النَّاظِرِينَ} أَيْ تُعْجِبُ النَّاظِرِينَ[397]. وَكَذَا قَالَ أَبُو الْعَالِيَةِ وَقَتَادَةُ وَالرَّبِيعُ بْنُ أَنَسٍ[398]. وَقَالَ وَهْبُ بْنُ مُنَبِّهٍ: إِذَا نَظَرْتَ إِلَى جِلْدِهَا تَخَيَّلْتَ أَنَّ شُعَاعَ الشَّمْسِ يَخْرُجُ مِنْ جِلْدِهَا[399]. وَفِي التَّوْرَاةِ: أَنَّهَا كَانَتْ حَمْرَاءَ. فَلَعَلَّ هَذَا خَطَأٌ فِي التَّعْرِيبِ، أَوْ كَمَا قَالَ الْأَوَّلُ: إِنَّهَا كَانَتْ شَدِيدَةَ الصُّفْرَةِ تَضْرِبُ إِلَى حُمْرَةٍ وَسَوَادٍ، وَاللهُ أَعْلَمُ. [396] (ابن أبي حاتم 1/221 إسناده ضعيف العوفي تقدم حكمه) [397] (ابن أبي حاتم 1/22) [398] (ابن أبي حاتم 1/222) [399] (الطبري 2/202) وَقَوْلُهُ تَعَالَى: {إِنَّ الْبَقَرَ تَشَابَهَ عَلَيْنَا} أَيْ لِكَثْرَتِهَا، فَمَيِّزْ لَنَا هَذِهِ الْبَقَرَةَ وَصِفْهَا وَجَلِّهَا لَنَا {وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللَّهُ} إِذَا بَيَّنْتَهَا لَنَا {لَمُهْتَدُونَ} إِلَيْهَا. {قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لاَ ذَلُولٌ تُثِيرُ الأَرْضَ وَلاَ تَسْقِي الْحَرْثَ} أَيْ إِنَّهَا لَيْسَتْ مُذَلَّلَةً بِالْحِرَاثَةِ، وَلاَ مُعَدَّةً لِلسَّقْيِ فِي السَّاقِيَةِ، بَلْ هِيَ مُكَرَّمَةٌ، حَسَنَةٌ. وَقَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ قَتَادَةَ: {مُسَلَّمَةٌ} يَقُولُ: لاَ عَيْبَ فِيهَا[400]. وَكَذا قَالَ أَبُو الْعَالِيَةِ وَالرَّبِيعُ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: مُسَلَّمَةٌ مِنَ الشِّيَةِ[401]. وَقَالَ عَطَاءٌ الْخُرَاسَانِيُّ: مُسَلَّمَةُ الْقَوَائِمِ وَالْخَلْقِ[402]. {لاَ شِيَةَ فِيهَا}، قَالَ مُجاهِدٌ: لاَ بَيَاضَ وَلاَ سواد. وَقَالَ أَبُو الْعَالِيَةَ والرَّبيعُ، وَالْحَسَنُ وَقَتَادَةُ: لَيْسَ فيهَا بَيَاضٌ. وَقَالَ عَطَاءٌ الْخُرَاسَانِيُّ: {لاَ شِيَةَ فِيهَا} قَالَ: لَونُهَا وَاحِدٌ بَهِيمٌ. {قَالُوا الآنَ جِئْتَ بِالْحَقِّ} قال قتادة: الآن بينت لنا[403]{فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ} قَالَ الضَّحَّاكُ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: كَادُوا أَنْ لاَ يَفْعَلُوا: وَلَمْ يَكُنْ ذَلِكَ الَّذِي أَرَادُوا، لِأَنَّهُمْ أَرَادُوا أَنْ لاَ يَذْبَحُوهَا[404]. يَعْنِي أَنَّهُمْ مَعَ هَذَا الْبَيَانِ وَهَذِهِ الْأَسْئِلَةِ وَالْأَجْوِبَةِ وَالْإِيضَاحِ مَا ذَبَحُوهَا إِلاَّ بَعْدَ الْجُهْدِ، وَفِي هَذَا ذَمٌّ لَهُمْ، وَذَلِكَ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ غَرَضُهُمْ إِلاَّ التَّعَنُّتَ، فَلِهَذَا مَا كَادُوا يَذْبَحُونَهَا. وَقَالَ عَبِيدَةُ وَمُجَاهِدٌ وَوَهْبُ بْنُ مُنَبِّهٍ وَأَبُو الْعَالِيَةِ وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ: أَنَّهُمُ اشْتَرَوْهَا بِمَالٍ كَثِيرٍ، وَفِيهِ اخْتِلاَفٌ.[405]. [400] (الطبري 2/214) [401] (ابن أبي حاتم 1/225) [402] (ابن أبي حاتم 1/226) [403] (ابن أبي حاتم "739" 1/143) [404] (الطبري 2/219) [405] (الطبري 2/221) {وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا فَادَّارَأْتُمْ فِيهَا وَاللَّهُ مُخْرِجٌ مَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ *فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا كَذَلِكَ يُحْيِي اللَّهُ الْمَوْتَى وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلونَ} [إِحْيَاءُ الْمَقْتُولِ وَتَعْيِينُ الْقَاتِلِ] قَالَ الْبُخَارِيُّ: {فَادَّارَأْتُمْ فِيهَا} اخْتَلَفْتُمْ[406]. وَهَكَذا قَالَ مُجَاهِدٌ. وَقَالَ عَطَاءٌ الْخُرَاسَانِيُّ وَالضَّحَّاكُ: اخْتَصَمْتُمْ فِيهَا[407]. وَقَالَ ابْنُ جُرَيجٍ {وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا فَادَّارَأْتُمْ فِيهَا} قَالَ بَعْضُهُمْ: أَنْتُمْ قَتَلْتُمُوهُ، وَقَالَ آخَرُونَ: بَلْ أَنْتُمْ قَتَلْتُمُوهُ[408]. وَكَذَا قَالَ عَبْدُ الرَّحْمنِ بْنُ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ. [406] (فتح الباري 6/506) [407] (ابن أبي حاتم 1/229) [408] (الطبري 2/225) {وَاللَّهُ مُخْرِجٌ مَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ} [409] قَالَ مُجَاهِدٌ: َما تُغَيِّبُونَ[410]. [409] (الطبري 2/225) [410] (ابن أبي حاتم 1/229) {فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا} هَذا "الْبَعْضُ" أَيُّ شَيْءٍ كَانَ مِنْ أَعْضَاءِ هَذِهِ الْبَقَرَةِ، فَالْمُعْجِزَةُ حَاصِلَةٌ بِهِ، وَخَرْقُ الْعَادَةِ بِهِ كَائِنٌ، وَقَدْ كَانَ مُعَيَّنًا فِي نَفْسِ الْأَمْرِ، فَلَوْ كَانَ فِي تَعْيِينِهِ لَنَا فَائِدَةٌ تَعُودُ عَلَيْنَا فِي أَمْرِ الدِّينِ أَوِ الدُّنْيَا لَبَيَّنَهُ اللهُ تَعَالَى لَنَا، وَلَكِنَّهُ أَبْهَمَهُ وَلَمْ يَجِيءْ مِنْ طَرِيقٍ صَحِيحٍ عَنْ مَعْصُومِ بَيَانُهُ، فَنَحْنُ نُبْهِمُهُ كَمَا أَبْهَمَهُ اللهُ، وَقَوْلُهُ تَعَالَى: {كَذَلِكَ يُحْيِي اللَّهُ الْمَوْتَى} أَيْ فَضَرَبُوهُ فَحَيِيَ، وَنَبَّهَ تَعَالَى عَلَى قُدْرَتِهِ وَإِحْيَائِهِ الْمَوْتَى بِمَا شَاهَدُوهُ مِنْ أَمْرِ الْقَتِيلِ، جَعَلَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى ذَلِكَ الصَّنِيعَ حُجَّةً لَهُمْ عَلَى الْمَعَادِ، وَفَاصِلاً مَا كَانَ بَيْنَهُمْ مِنَ الْخُصُومَةِ وَالْعِنَادِ. وَاللهُ تَعَالَى قَدْ ذَكَرَ فِي هَذِهِ السُّورَةِ مِمَّا خَلَقَهُ مِنْ إِحْيَاءِ الْمَوْتَى فِي خَمْسَةِ مَوَاضِعَ {ثُمَّ بَعَثْنَاكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ} وَهذِهِ الْقِصَّةُ، وَقِصَّةُ الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ، [البقرة:243] وَقِصَّةُ الَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا، [البقرة:259] وَقِصَّةُ إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلاَمُ وَالطُّيُورِ الْأَرْبَعَةِ، [البقرة:260] وَنَبَّهَ تَعَالَى بِإِحْيَاءِ الْأَرْضِ بَعْدَ مَوْتِهَا عَلَى إِعَادَةِ الْأَجْسَامِ بَعْدَ صَيْرُورَتِهَا رميمًا. وَشَاهِدُ هَذَا قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَآيَةٌ لَهُمُ الأَرْضُ الْمَيْتَةُ أَحْيَيْنَاهَا وَأَخْرَجْنَا مِنْهَا حَبًّا فَمِنْهُ يَأْكُلُونَ *وَجَعَلْنَا فِيهَا جَنَّاتٍ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ وَفَجَّرْنَا فِيهَا مِنَ الْعُيُونِ *لِيَأْكُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ وَمَا عَمِلَتْهُ أَيْدِيهِمْ أَفَلاَ يَشْكُرُونَ} [يس: 33-35]. {ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الأَنْهَارُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَاءُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ} [بَيَانُ قَسْوَةِ قُلُوبِ الْيَهُودِ] يَقُولُ تَعَالَى تَوْبِيخًا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ وَتَقْرِيعًا لَهُمْ عَلَى مَا شَاهَدُوهُ مِنْ آيَاتِ اللهِ تَعَالَى وَإِحْيَائِهِ الْمَوْتَى: {ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ} كُلِّهِ، فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ الَّتِي لاَ تَلِينُ أَبَدًا، وَلِهَذَا نَهَى اللهُ الْمُؤمِنِينَ عَنْ مِثْلِ حَالِهِمْ، فَقَالَ: {أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلاَ يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ} [الحديد: 16] قَالَ الْعَوْفِيُّ فِي تَفْسِيرِهِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: لَمَّا ضُرِبَ الْمَقْتُولُ بِبَعْضِ الْبَقَرَةِ جَلَسَ أَحْيَا مَا كَانَ قَطُّ، فَقِيلَ لَهُ: مَنْ قَتَلَكَ؟ قَالَ: بَنُو أَخِي قَتَلُونِي، ثُمَّ قُبِضَ. فَقَالَ بَنُو أَخِيهِ حِينَ قَبَضَهُ اللهُ: وَاللهِ مَا قَتَلْنَاهُ، فَكَذَّبُوا بِالْحَقِّ بَعْدَ أَنْ رَأَوْهُ، فَقَالَ اللهُ {ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ}، يَعَنِي أَبْنَاءَ أَخِي الشَّيْخِ {فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً} [411]. فَصَارَتْ قُلُوبُ بَنِي إِسْرَائِيلَ مَعَ طُولِ الْأَمَدِ قَاسِيَةً بَعِيدَةً عَنِ الْمَوْعِظَةِ بَعْدَ مَا شَاهَدُوهُ مِنَ الْآيَاتِ وَالْمُعْجِزَاتِ، فَهِيَ فِي قَسْوَتِهَا كَالْحِجَارَةِ الَّتِي لاَ عِلاَجَ لِلِينِهَا، أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً مِنَ الْحِجَارَةِ، فَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ مَا يَتَفَجَّرُ مِنْهَا الْعُيُونُ بِالْأَنْهَارِ الْجَارِيَةِ، وَمِنْهَا مَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَاءُ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ جَارِيًا، وَمِنْهَا مَا يَهْبِطُ مِنْ رَأْسِ الْجَبَلِ مِنْ خَشْيَةِ اللهِ وَفِيهِ إِدْرَاكٌ لِذَلِكَ بِحَسَبِهِ. كما قال: {تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالأَرْضُ وَمَن فِيهِنَّ وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَـكِن لاَّ تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا} وَرَوَى مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ {وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الأَنْهَارُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَاءُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ} أَيْ وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَأَلْيَنَ مِنْ قُلُوبِكُمْ عَمَّا تُدْعَوْنَ إِلَيْهِ مِنَ الْحَقِّ {وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ}[412]. [411] (الطبري 2/234 العوفي معا عائلته ضعفاء) [412] (ابن أبي حاتم 1/233 إسناده ضعيف لتدليس محمد بن إسحاق وجهالة محمد بن أبي محمد) [وُجُودُ قُوَّةِ الْإِدْرَاكِ فِي الْجَمَادَاتِ] وَقَدْ زَعَمَ بَعْضُهُمْ أَنَّ هَذَا مِنْ بَابِ الْمَجَازِ، وَهُوَ إِسْنَادُ الْخُشُوعِ إِلَى الْحِجَارَةِ، كَمَا أُسْنِدَتِ الْإِرَادَةُ إِلَى الْجِدَارِ فِي قَوْلِهِ: {يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ} [الكهف: 77] قَالَ الرَّازِيُّ وَالْقُرْطُبِيُّ وَغَيْرُهُمَا مِنَ الْأَئِمَّةِ. وَلاَ حَاجَةَ إِلَى هَذَا، فَإِنَّ اللهَ تَعَالَى يَخْلُقُ فِيهَا هَذِهِ الصِّفَةَ، كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {إِنَّا عَرَضْنَا الأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا} [الأحزاب: 72] وَقَالَ: {تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ} الْآيَةَ. [الإسراء: 44] وَقَالَ: {وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدَانِ} [الرحمن: 6] {أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى مَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ يَتَفَيَّأُ ظِلاَلُهُ} الْآيَةَ [النحل: 48] {قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ} [فصلت: 11] {لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ} الْآية [الحشر: 21] : {وَقَالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُّمْ عَلَيْنَا قَالُوا أَنْطَقَنَا اللَّهُ} الْآيَةَ [فصلت: 21]، وَفِي الصَّحِيحِ: «هَذَا جَبَلٌ يُحِبُّنَا وَنُحِبُّهُ»[413]. [413] (فتح الباري 6/98 وانظر الفخر الرازي 3/130) وَكَحَنِينِ الْجِذْعِ الْمُتَوَاتِرِ خَبَرُهُ، وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ: «إِنِّي لَأَعْرِفُ حَجَرًا بِمَكَّةَ كَانَ يُسَلِّمُ عَلَيَّ قَبْلَ أَنْ أُبْعَثَ، إِنِّي لَأَعْرِفُهُ الاْنَ»[414]. وَفِي صِفَةِ الْحَجَرِ الْأَسْوَدِ: «إِنَّهُ يَشْهَدُ لِمَنِ اسْتَلَمَ بِحَقٍّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ»[415]. وَغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا فِي مَعْنَاهُ [414] (مسلم 4/1782) [415] (أحمد 1/226) (تَنْبِيهٌ) اِخْتَلَفَ عُلَمَاءُ الْعَرَبِيَّةِ فِي مَعْنَى قَوْلِهِ تَعَالَى: {فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً} [البقرة: 74] بَعْدَ الْإِجْمَاعِ عَلَى اسْتِحَالَةِ كَوْنِهَا لِلشَّكِّ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: أَوْ ههُنَا بِمَعْنَى الْوَاوِ، تَقْدِيرُهُ: فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ وَأَشَدُّ قَسْوَةً، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَلاَ تُطِعْ مِنْهُمْ آثِمًا أَوْ كَفُورًا} [الإنسان: 24] {عُذْرًا أَوْ نُذْرًا} [المرسلات: 6] وَقَالَ آخَرُونَ: أَوْ هَهُنَا بِمَعْنَى بَلْ، فَتَقْدِيرُهُ: فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ بَلْ أَشَدُّ قَسْوَةً، وَكَقَوْلِهِ: {إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَخشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللَّهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً} [النساء: 77]، {وَأَرْسَلْنَاهُ إِلَى مِئَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ} [الصافات: 147]، {فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى} [النجم: 9]. وَقَالَ آخَرُونَ: مَعْنَى ذَلِكَ: {فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً} عِنْدَكُمْ، حَكَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: مَعْنَى ذَلِكَ فَقُلُوبُكُمْ لاَ تَخْرُجُ عَنْ أَحَدِ هَذَيْنِ الْمَثَلَيْنِ، إِمَّا أَنْ تَكُونَ مِثْلَ الْحِجَارَةِ فِي الْقَسْوَةِ، وَإِمَّا أَنْ تَكُونَ أَشَدَّ مِنْهَا فِي الْقَسْوَةِ. قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: وَمَعْنَى ذَلِكَ عَلَى هَذَا التَّأْوِيلِ، فَبَعْضُهَا كَالْحِجَارَةِ قَسْوَةً، وَبَعْضُهَا أَشَدُّ قَسْوَةً مِنَ الْحِجَارَةِ[416]؛ وَقَدْ رَجَّحَهُ ابْنُ جَرِيرٍ مَعَ تَوْجِيهِ غَيْرِهِ. [416] (الطبري 2/236) (قُلْتُ): وَهَذَا الْقَوْلُ الْأَخِيرُ يَبْقَى شَبِيهًا بِقَوْلِهِ تَعَالَى: {مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اُسْتَوْقَدَ نَارًا} [البقرة: 17] مَعَ قَوْلِهِ: {أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّمَاءِ} [البقرة: 19] وَكَقَوْلِهِ: {وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ} مَعَ قَوْلِهِ: {أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ} الْآيَةَ [النور: 39، 40]، أَيْ إِنَّ مِنْهُمْ مَنْ هُوَ هَكَذَا، وَمِنْهُمْ مَنْ هُوَ هَكَذَا، وَاللهُ أَعْلَمُ. {أَفَتَطْمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلاَمَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ *وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلاَ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ قَالُوا أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِمَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ لِيُحَآجُّوكُمْ بِهِ عِنْدَ رَبِّكُمْ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ *أَوَلاَ يعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ} [قَطْعُ الطَّمَعِ فِي إِيمَانِ يَهُودَ زَمَنَ النَّبِيِّ ﷺ] يَقُولُ تَعَالَى: {أَفَتَطْمَعُونَ} أَيُّهَا الْمُؤمِنُونَ {أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ} أَيْ يَنْقَادُ لَكُمْ بِالطَّاعَةِ هَؤُلاَءِ الْفِرْقَةُ الضَّالَّةُ مِنَ الْيَهُودِ الَّذِينَ شَاهَدَ آبَاؤُهُمْ مِنَ الآيَاتِ الْبَيِّنَاتِ مَا شَاهَدُوهُ، ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ {وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلاَمَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ} أَيْ يَتَأَوَّلُونَهُ عَلَى غَيْرِ تَأْوِيلِهِ {مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ} أَيْ فَهِمُوهُ عَلَى الْجَلِيَّةِ، وَمَعَ هَذَا يُخَالِفُونَهُ عَلَى بَصِيرَةٍ {وَهُمْ يَعْلَمُونَ} أَنَّهُمْ مُخْطِئُونَ فِيمَا ذَهَبُوا إِلَيْهِ مِنْ تَحْرِيفِهِ وَتَأْوِيلِهِ؟ وَهَذَا الْمَقَامُ شَبِيهٌ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: {فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ} [المائدة: 13] قَالَ قَتَادَةُ فِي قَوْلِهِ: {ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ} قَالَ: هُمُ الْيَهُودُ كَانُوا يَسْمَعُونَ كَلاَمَ اللهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَوَعَوْهُ[417]. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: اَلَّذِينَ يُحَرِّفُونَهُ وَالَّذِينَ يَكْتُمُونَهُ هُمُ الْعُلَمَاءُ مِنْهُمْ[418]. وَقَالَ ابْنُ وَهْبٍ: قَالَ ابْنُ زَيْدٍ فِي قَوْلِهِ: {يَسْمَعُونَ كَلاَمَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ} قَالَ: اَلتَّوْرَاةَ الَّتِي أَنْزَلَهَا اللهُ عَلَيْهِمْ يُحَرِّفُونَهَا، يَجْعَلُونَ الْحَلاَلَ فِيهَا حَرَامًا وَالْحَرَامَ فِيهَا حَلاَلاً، وَالْحَقَّ فِيهَا بَاطِلاً وَالْبَاطِلَ فِيهَا حَقًّا، إِذَا جَاءَهُمُ الْمُحِقُّ بِرِشْوَةٍ أَخْرَجُوا لَهُ كِتَابَ اللهِ، وَإِذَا جَاءَهُمُ الْمُبْطِلُ بِرِشْوَةٍ أَخْرَجُوا لَهُ ذَلِكَ الْكِتَابَ، فَهُوَ فِيهِ مُحِقٌّ، وَإِذَا جَاءَهُمْ أَحَدٌ يَسْأَلُهُمْ شَيْئًا لَيْسَ فِيهِ حَقٌّ وَلاَ رِشْوَةٌ وَلاَ شَيْءٌ أَمَرُوهُ بِالْحَقِّ. فَقَالَ اللهُ لَهُمْ: {أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ} [البقرة:44] [419] [417] (ابن أبي حاتم 1/236) [418] (الطبري 2/245) [419] (الطبري 2/246) [اَلْيَهُودُ كَانُوا يُقِرُّونَ بِنُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ وَلاَ يُؤمِنُونَ] وَقَوْلُهُ تَعَالَى: {وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلاَ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ} الْآيَةَ، رَوَى مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ {وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا} أَيْ أَنَّ صَاحِبَكُمْ رَسُولُ اللهِ، وَلَكِنَّهُ إِلَيْكُمْ خَاصَّةً[420]. وَإِذَا خَلاَ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ قَالُوا: لاَ تُحَدِّثُوا الْعَرَبَ بِهَذَا، فَإِنَّكُمْ قَدْ كُنْتُمْ تَسْتَفْتِحُونَ بِه عَلَيْهِمْ، فَكَانَ مِنْهُمْ، فَأَنْزَلَ اللهُ {وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلاَ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ قَالُوا أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِمَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ لِيُحَآجُّوكُمْ بِهِ عِنْدَ رَبِّكُمْ} أَيْ تُقِرُّونَ بِأَنَّهُ نَبِيٌّ، وَقَدْ عَلِمْتُمْ أَنَّهُ قَدْ أَخَذَ لَهُ الْمِيثَاقَ عَلَيْكُمْ بِاتِّبَاعِهِ. وَهُوَ يُخْبِرُهُمْ أَنَّهُ النَّبِيُّ الَّذِي كُنَّا نَنْتَظِرُ وَنَجِدُ فِي كِتَابِنَا، اِجْحَدُوهُ وَلاَ تُقِرُّوا بِهِ. يَقُولُ اللهُ تَعَالَى: {أَوَلاَ يعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ} [البقرة: 76] روى عبدالرزاق عن قتادة:{ أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِمَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ لِيُحَآجُّوكُمْ بِهِ عِنْدَ رَبِّكُمْ} قال: كانوا يقولون: سيكون نبي فخلا بعضهم ببعض فقالوا { أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِمَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ}[421]. [420] (الطبري 2/250 إسناده ضعيف لتدليس ابن إسحاق ووجوه أخرى) [421] (تفسير عبدالرزاق 1/50 وسنده صحيح) وَقَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ: هَؤُلاَءِ الْيَهُودُ كَانُوا إِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا: آمَنَّا، وَإِذَا خَلاَ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ قَالَ بَعْضُهُمْ: لاَ تُحَدِّثُوا أَصْحَابَ مُحَمَّدٍ بِمَا فَتَحَ اللهُ عَلَيْكُمْ، مِمَّا فِي كِتَابِكُمْ، لِيُحَاجُّوكُمْ بِهِ عِنْدَ رَبِّكُمْ فَيَخْصِمُوكُمْ[422]. وَقَوْلُهُ تَعَالَى: {أَوَلاَ يعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ} قَالَ أَبُو الْعَالِيَةِ: يَعْنِي مَا أَسَرُّوا مِنْ كُفْرِهِمْ بِمُحَمَّدٍ ﷺ وَتَكْذِيبِهِمْ بِهِ، وَهُمْ يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ. وَكَذَا قَالَ قَتَادَةُ، وَقَالَ الْحَسَنُ: {أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ} قَالَ: كَانَ مَا أَسَرُّوا أَنَّهُمْ كَانُوا إِذَا تَوَلَّوْا عَنْ أَصْحَابِ مُحَمَّدٍ ﷺ وَخَلاَ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ: تَنَاهَوْا أَنْ يُخْبِرَ أَحَدٌ مِنْهُمْ أَصْحَابَ مُحَمَّدٍ ﷺ بِمَا فَتَحَ اللهُ عَلَيْهِمْ مِمَّا فِي كِتَابِهِمْ خَشْيَةَ أَنْ يُحَاجَّهُمْ أَصْحَابُ مُحَمَّدٍ ﷺ بِمَا فِي كِتَابِهِمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ[423] {وَمَا يُعْلِنُونَ} يَعْنِي حِينَ قَالُوا لِأَصْحَابِ مُحَمَّدٍ ﷺ: {آمَنَّا}. كَذَا قَالَ أَبُو الْعَالِيَةِ وَالرَّبِيعُ وَقَتَادَةُ[424]. [422] (ابن أبي حاتم 1/239) [423] (ابن أبي حاتم 1/240) [424] (ابن أبي حاتم 1/240) {وَمِنْهُمْ أُمِيُّونَ لاَ يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلاَّ أَمَانِيَّ وَإِنْ هُمْ إِلاَّ يَظُنُّونَ *فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيدِيهِمْ وَوَيلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ} [مَعْنَى الْأُمِّيِّ] يَقُولُ تَعَالَى: {وَمِنْهُمْ أُمِيُّونَ} أَيْ وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ. قَالَهُ مُجَاهِدٌ. وَالْأُمِّيُّونَ جَمْعُ أُمِّيٍّ، وَهُوَ الرَّجُلُ الَّذِي لاَ يُحْسِنُ الْكِتَابَةَ. قَالَهُ أَبُو الْعَالِيَةِ وَالرَّبِيعُ وَقَتَادَةُ وَإِبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ وَغَيْرُ وَاحِدٍ. وَهُوَ ظَاهِرٌ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {لاَ يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ} أَيْ لاَ يَدْرُونَ مَا فِيهِ[425]. وَلِهَذَا فِي صِفَاتِ النَّبِيِّ ﷺ: أَنَّهُ أُمِّيٌّ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ يُحْسِنُ الْكِتَابَةَ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: {وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلاَ تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذًا لاَرْتَابَ الْمُبْطِلُونَ} [العنكبوت: 48] وَقَالَ عَلَيْهِ الصَّلاَةُ السَّلاَمُ: «إِنَّا أُمَّةٌ أُمِّيَّةٌ لاَ نَكْتُبُ وَلاَ نَحْسُبُ، الشَّهْرُ هكَذَا وَهكَذَا وَهكَذَا» اَلْحَدِيثَ[426]. أَيْ لاَ نَفْتَقِرُ فِي عِبَادَاتِنَا وَمَوَاقِيتِهَا إِلَى كِتَابٍ وَلاَ حِسَابٍ، وَقَالَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: {هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِنْهُمْ} [الجمعة: 2]. [425] (ابن أبي حاتم 1/241) [426] (فتح الباري 4/151) [تَفْسِيرُ الْأَمَانِيِّ] وقَوْلُهُ تَعَالَى: {إِلاَّ أَمَانِيَّ} قَالَ ابن أبي طلحة عَنِ ابن عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {إِلاَّ أَمَانِيَّ} يَقُولُ: إِلاَّ قَوْلاً يَقُولُونَ بِأَفْوَاهِهِمْ كَذِبًا[427]. وَقِيلَ: إِلاَّ أَمَانِيَّ يَتَمَنَّوْنَهَا. قَالَ مُجَاهِدٌ: إِنَّ الْأُمِّيِّينَ الَّذِينَ وَصَفَهُمُ اللهُ تَعَالَى أَنَّهُمْ لاَ يَفْقَهُونَ مِنَ الْكِتَابِ الَّذِي أَنْزَلَهُ اللهُ تَعَالَى عَلَى مُوسَى شَيْئًا، وَلَكِنَّهُمْ يَتَخَرَّصُونَ الْكَذِبَ، وَيَتَخَرَّصُونَ الْأَبَاطِيلَ كَذِبًا وَزُورًا[428]. وَالتَّمَنِّي فِي هَذَا الْمَوْضِعِ هُوَ تَخَلُّقُ الْكَذِبِ وَتَخَرُّصُهُ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: {وَإِنْ هُمْ إِلاَّ يَظُنُّونَ} يَكْذِبُونَ[429]. وَقَالَ قَتَادَةُ وَأَبُو الْعَالِيَةِ وَالرَّبِيعُ: يَظُنُّونَ بِاللهِ الظُّنُّونَ بِغَيْرِ الْحَقِّ[430]. [427] (الطبري 2/261) [428] (الطبري 2/262) [429] (ابن أبي حاتم 1/242) [430] (ابن أبي حاتم 1/242) [وَيْلٌ لِهَؤُلاَءِ الْيَهُودِ الْمُحَرِّفِينَ] قَوْلُهُ تَعَالَى: {فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً}... الْآيَةَ، هَؤُلاَءِ صِنْفٌ آخَرُ مِنَ الْيَهُودِ، وَهُمُ الدُّعَاةُ إِلَى الضَّلاَلِ بِالزُّورِ وَالْكَذِبِ عَلَى اللهِ، وَأَكَلِ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ. وَالْوَيْلُ: اَلْهَلاَكُ وَالدَّمَارُ، وَهِيَ كَلِمَةٌ مَشْهُورَةٌ فِي اللُّغَةِ. وَقَالَ الزُّهْرِيُّ: أَخْبَرَنِي عُبَيْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ اللهِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّهُ قَالَ: يَا مَعْشَرَ الْمُسْلِمِينَ كَيْفَ تَسْأَلُونَ أَهْلَ الْكِتَابِ عَنْ شَيْءٍ، وَكِتَابُ اللهِ الَّذِي أَنْزَلَهُ عَلَى نَبِيِّهِ أَحْدَثُ أَخْبَارِ اللهِ، تَقْرَؤُونَهُ غَضًّا لَمْ يُشَبْ، وَقَدْ حَدَّثَكُمُ اللهُ تَعَالَى: أَنَّ أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ بَدَّلُوا كِتَابَ اللهِ وَغَيَّرُوهُ، وَكَتَبُوا بِأَيْدِيهِمُ الْكِتَابَ وَقَالُوا: هُوَ مِنْ عِنْدَ اللهِ، لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلاً، أَفَلاَ يَنْهَاكُمْ مَا جَاءَكُمْ مِنَ الْعِلْمِ عَنْ مُسَاءَلَتِهِمْ، وَلاَ وَاللهِ مَا رَأَيْنَا مِنْهُمْ أَحَدًا قَطُّ سَأَلَكُمْ عَنِ الَّذِي أُنْزِلَ عَلَيْكُمْ[431]. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ[432]. وَقَالَ الْحَسَنُ بْنُ أَبِي الْحَسَنِ الْبَصْرِيُّ: اَلثَّمَنُ الْقَلِيلُ: اَلدُّنْيَا بِحَذَافِيرِهَا[433]. [431] (ابن أبي حاتم 1/245) [432] (فتح الباري 5/344 و13/345، و555) [433] (ابن أبي حاتم 1/247) وَقَوْلُهُ تَعَالَى: {فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيدِيهِمْ وَوَيلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ} أَيْ فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبُوا بِأَيْدِيهِمْ مِنَ الْكَذِبِ وَالْبُهْتَانِ وَالْاِفْتِرَاءِ، وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا أَكَلُوا بِهِ مِنَ السُّحْتِ، كَمَا قَالَ الضَّحَّاكُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا {فَوَيْلٌ لَهُمْ} يَقُولُ: فَالْعَذَابُ عَلَيْهِمْ مِنَ الَّذِي كَتَبُوا بِأَيْدِيهِمْ مِنْ ذَلِكَ الْكَذِبِ، {وَوَيلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ} يَقُولُ: مِمَّا يَأْكُلُونَ بِهِ النَّاسَ السَّفَلَةَ وَغَيْرَهُمْ[434]. [434] (الطبري 2/273 الضحاك عن ابن عباس مرسل) {وَقَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلاَّ أَيَّامًا مَعْدُودَةً قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللَّهِ عَهْدًا فَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ عَهْدَهُ أَمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ} [مِنْ أَمَانِيِّ الْيَهُودِ أَنَّهُمْ لاَ يَمْكُثُونَ فِي النَّارِ إِلاَّ أَيَّامًا مَعْدُودَةً] يَقُولُ تَعَالَى إِخْبَارًا عَنِ الْيَهُودِ فِيمَا نَقَلُوهُ وَادَّعَوْهُ لِأَنْفُسِهِمْ مِنْ: أَنَّهُمْ لَنْ تَمَسَّهُمُ النَّارُ إِلاَّ أَيَّامًا مَعْدُودَةً، ثُمَّ يَنْجُونَ مِنْهَا. فَرَدَّ اللهُ عَلَيْهِمْ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: {قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللَّهِ عَهْدًا} أَيْ بِذَلِكَ، فَإِنْ كَانَ قَدْ وَقَعَ عَهْدٌ فَهُوَ لاَ يُخْلِفُ عَهْدَهُ، وَلَكِنْ هَذَا مَا جَرَى وَلاَ كَانَ، وَلِهَذَا أُتِىَ بِـ«أَمْ» الَّتِي بِمَعْنَى بَلْ، أَيْ بَلْ تَقُولُونَ عَلَى اللهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ مِنَ الْكَذِبِ وَالاِفْتِرَاءِ عَلَيْهِ، وَقَالَ الْعَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: {وَقَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلاَّ أَيَّامًا مَعْدُودَةً} اَلْيَهُودُ قَالُوا: لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلاَّ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً[435]. زَادَ غَيْرُهُ: وَهِيَ مُدَّةُ عِبَادَتِهِمُ الْعِجْلَ. [435] (الطبري 2/276 ضعف للعوفي وعائلته) وَقَالَ الْحَافِظُ أَبُو بَكْرِ بْنُ مَرْدُويَهْ رَحِمَهُ اللهُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: لَمَا فُتِحَتْ خَيْبَرُ أُهْدِيَتْ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ، شَاةٌ فِيهَا سُمٌّ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «اِجْمَعُوا لِي مَنْ كَانَ مِنَ الْيَهُودِ ههُنَا». فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «مَنْ أَبُوكُمْ؟» قَالُوا: فُلاَنٌ، قَالَ: «كَذَبْتُمْ، بَلْ أَبُوكُمْ فُلاَنٌ». فَقَالُوا: صَدَقْتَ وَبَرِرْتَ، ثُمَّ قَالَ لَهُمْ: «هَلْ أَنْتُمْ صَادِقِيَّ عَنْ شَيْءٍ إِنْ سَأَلْتُكُمْ عَنْهُ»؟ قَالُوا: نَعَمْ يَا أَبَا الْقَاسِمِ، وَإِنْ كَذَبْنَاكَ عَرَفْتَ كَذِبَنَا كَمَا عَرَفْتَهُ فِي أَبِينَا، فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «مَنْ أَهْلُ النَّارِ؟» فَقَالُوا: نَكُونُ فِيهَا يَسِيرًا ثُمَّ تَخْلُفُونَا فِيهَا، فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللهِ :ﷺ «اخْسَئُوا وَاللهِ لاَ نَخْلُفُكُمْ فِيهَا أَبَدًا». ثُمَّ قَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «هَلْ أَنْتُمْ صَادِقِيَّ عَنْ شَيْءٍ إِنْ سَأَلْتُكُمْ عَنْهُ؟» قَالُوا: نَعَمْ يَا أَبَا الْقَاسِمِ، قَالَ: «هَلْ جَعَلْتُمْ فِي هَذِهِ الشَّاةِ سُمًّا؟» فَقَالُوا: نَعَمْ، قَالَ: «فَمَا حَمَلَكُمْ عَلَى ذَلِكَ؟» فَقَالُوا: أَرَدْنَا إِنْ كُنْتَ كَاذِبًا أَنْ نَسْتَرِيحَ مِنْكَ، وَإِنْ كُنْتَ نَبِيًّا لَمْ يَضُرَّكَ[436]. وَرَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ وَالْبُخَارِيُّ وَالنَّسَائِيُّ بِنَحْوِهِ[437]. [436] (دلائل النبوة 4/256) [437] (أحمد 2/451، وفتح الباري 6/314، والنسائي في الكبرى 6/413) {بَلَى مَنْ كَسَبَ سَيّئَةً وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ *وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} يَقُولُ تَعَالَى: لَيْسَ الْأَمْرُ كَمَا تَمَنَّيتُمْ وَلاَ كَمَا تَشْتَهُونَ، بَلِ الْأَمْرُ أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ سَيِّئَةً، وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ، وَهُوَ مَنْ وَافَى يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَيْسَتْ لَهُ حَسَنَةٌ، بَلْ جَمِيعُ أَعْمَالِهِ سَيِّئَاتٌ، فَهَذَا مِنْ أَهْلِ النَّارِ، {وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ} أَيْ آمَنُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ، وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ، مِنَ الْعَمَلِ الْمُوَافِقِ لِلشَّرِيعَةِ، فَهُمْ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ، وَهَذَا الْمَقَامُ شَبِيهٌ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: {لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلاَ أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ وَلاَ يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلاَ نَصِيرًا *وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلاَ يُظْلَمُونَ نَقِيرًا} [النساء: 123، 124] وَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ وَأَبُو وَائِلٍ وَعَطَاءٌ وَالْحَسَنُ: {وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ} قَالَ: أَحَاطَ بِهِ شِرْكُهُ[438]. وَقَالَ الْأَعْمَشُ عَنْ أَبِي رَزِينٍ عَنِ الرَّبِيعِ بْنِ خُثَيمٍ {وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ} قَالَ: الَّذِي يَمُوتُ عَلَى خَطَايَاهُ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتُوبَ[439]. وَعَنِ السُّدِّيِّ وَأَبِي رَزِينٍ نَحْوُهُ[440]. وَقَالَ أَبُو الْعَالِيَةِ وَمُجَاهِدٌ وَالْحَسَنُ فِي رِوَايَةٍ عَنْهُمَا، وَقَتَادَةُ وَالرَّبِيعُ بْنُ أَنَسٍ: {وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ} الْمُوجِبَةُ الْكَبِيرَةُ[441]. وَكُلُّ هَذِهِ الْأَقْوَالِ مُتَقَارِبَةٌ فِي الْمَعْنَى، وَاللهُ أَعْلَمُ. [438] (ابن أبي حاتم 1/252) [439] (ابن أبي حاتم 1/252) [440] (ابن أبي حاتم 1/253) [441] (ابن أبي حاتم 1/253) [مُحَقَّرَاتُ الذُّنُوبِ إِذَا اجْتَمَعْنَ يُهْلِكْنَ] وَيُذْكَرُ هَهُنَا الْحَدِيثُ الَّذِي رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ عَنْ عَبْدِ اللهِ ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «إِيَّاكُمْ وَمُحَقَّرَاتِ الذُّنُوبِ فَإِنَّهُنَّ يَجْتَمِعْنَ عَلَى الرَّجُلِ حَتَّى يُهْلِكْنَهُ» وَإِنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ ضَرَبَ لَهُمْ مَثَلاً «كَمَثَلِ قَوْم نَزَلُوا بِأَرْضِ فَلاَةٍ، فَحَضَرَ صَنِيعُ الْقَوْمِ، فَجَعَلَ الرَّجُلُ يَنْطَلِقُ فَيَجِيءُ بِالْعُودِ، وَالرَّجُلُ يَجِيءُ بِالْعُودِ، حَتَّى جَمَعُوا سَوَادًا، وَأَجَّجُوا نَارًا فَأَنْضَجُوا مَا قَذَفُوا فِيهَا»[442]. وَرَوَى مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: {وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} أَيْ مَنْ آمَنَ بِمَا كَفَرْتُمْ وَعَمِلَ بِمَا تَرَكْتُمْ مِنْ دِينِهِ، فَلَهُمُ الْجَنَّةُ {خَالِدِينَ فِيهَا}، يُخْبِرُهُمْ: أَنَّ الثَّوَابَ بِالْخَيْرِ وَالشَّرِّ مُقِيمٌ عَلَى أَهْلِهِ أَبَدًا لاَ انْقِطَاعَ لَهُ[443]. [442] (أحمد 1/402) [443] (ابن أبي حاتم 1/254 إسناده ضعيف لتدليس ابن إسحاق وجهالة محمد بن أبي محمد) {وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لاَ تَعْبُدُونَ إِلاَّ اللَّهَ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً وَذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْناً وَأَقِيمُوا الصَّلاَةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ إِلاَّ قَلِيلاً مِنْكُمْ وَأَنْتُمْ مُعْرِضُونَ} [مِيثَاقُ بَنِي إِسْرَائِيلَ] يُذَكِّرُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى بَنِي إِسْرَائِيلَ بِمَا أَمَرَهُمْ بِهِ مِنَ الْأَوَامِرِ، وَأَخْذِهِ مِيثَاقَهُمْ عَلَى ذَلِكَ، وَأَنَّهُمْ تَوَلَّوْا عَنْ ذَلِكَ كُلِّهِ، وَأَعْرَضُوا قَصْدًا وَعَمْدًا، وَهُمْ يَعْرِفُونَهُ، وَيَذْكُرُونَهُ، فَأَمَرَهُمْ تَعَالَى أَنْ يَعْبُدُوهُ وَلاَ يُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا، وَبِهَذَا أَمَرَ جَمِيعَ خَلْقِهِ، وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلاَّ نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ أَنَا فَاعْبُدُونِ} [الأنبياء: 25] وَقَالَ تَعَالَى: {وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ} [النحل: 36] وَهَذَا هُوَ أَعْلَى الْحُقُوقِ وَأَعْظَمُهَا، وَهُوَ حَقُّ اللهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى أَنْ يُعْبَدَ وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ. ثُمَّ بَعْدَهُ حَقُّ الْمَخْلُوقِينَ، وَآكَدُهُمْ وَأَوْلاَهُمْ بِذَلِكَ حَقُّ الْوَالِدَيْنِ، وَلِهَذَا يَقْرِنُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى بَيْنَ حَقِّهِ وَحَقِّ الْوَالِدَيْنِ كَمَا قَالَ تَعَالَى: {أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ} [لقمان: 14] وَقَالَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: {وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً} إِلَى أَنْ قَالَ {وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ} [الإسراء:23-26] وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ أَيُّ الْعَمَلِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: «الصَّلاَةُ عَلَى وَقْتِهَا» قُلْتُ: ثُمَّ أَيٌّ؟ قَالَ: «بِرُّ الْوَالِدَيْنِ» قُلْتُ: ثُمَّ أَيٌّ؟ قَالَ: «الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللهِ»[444]. [444] (فتح الباري 6/5، ومسلم 1/89) قَالَ: {وَالْيَتَامَى} وَهُمُ الصِّغَارُ الَّذِينَ لاَ كَاسِبَ لَهُمْ مِنَ الاْبَاءِ، {وَالْمَسَاكِينِ} الَّذِينَ لاَ يَجِدُونَ مَا يُنْفِقُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَأَهْلِيهِمْ، وَسَيَأْتِي الْكَلاَمُ عَلَى هَذِهِ الْأَصْنَافِ عِنْدَ آيَةِ النِّسَاءِ الَّتِي أَمَرَنَا اللهُ تَعَالَى بِهَا صَرِيحًا فِي قَوْلِهِ: {وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلاَ تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً}... الْآيَةَ [النساء: 36]. وَقَوْلُهُ تَعَالَى: {وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْناً} أَيْ كَلِّمُوهُمْ طَيِّبًا، وَلَيِّنُوا لَهُمْ جَانِبًا، وَيَدْخُلُ فِي ذَلِكَ الْأَمْرُ بِالْمَعْرُوفِ، وَالنَّهْيُ عَنِ الْمُنْكَرِ بِالْمَعْرُوفِ، كَمَا قَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْناً} : فَالْحَسَنُ مِنَ الْقَوْلِ: يَأْمُرُ بِالْمَعْرُوفِ، وَيَنْهَى عَنِ الْمُنْكَرِ، وَيَحْلُمُ وَيَعْفُو وَيَصْفَحُ، وَيَقُولُ لِلنَّاسِ حُسْنًا، كَمَا قَالَ اللهُ، وَهُوَ كُلُّ خُلُقٍ حَسَنٍ رَضِيَهُ اللهُ[445]. وَرَوَى الْإِمَامُ أَحْمَدُ عَنْ أَبِي ذَرٍّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «لاَ تَحْقِرَنَّ مِنَ الْمَعْرُوفِ شَيْئًا، وَإِنْ لَمْ تَجِدْ فَالْقَ أَخَاكَ بِوَجْهٍ مُنْطَلِقٍ». وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَصَحَّحَهُ[446]. [445] (ابن أبي حاتم 1/258) [446] (أحمد 5/173، ومسلم 4/2026، وتحفة الأحوذي 5/562) وَنَاسَبَ أَنْ يَأْمُرَهُمْ بِأَنْ يَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا بَعْدَ مَا أَمَرَهُمْ بِالْإِحْسَانِ إِلَيْهِمْ بِالْفِعْلِ، فَجَمَعَ بَيْنَ طَرَفَيِ الْإِحْسَانِ الْفِعْلِيِّ وَالْقَوْلِيِّ. ثُمَّ أَكَّدَ الْأَمْرَ بِعِبَادَتِهِ وَالْإِحْسَانِ إِلَى النَّاسِ بِالْمُتَعَيَّنِ مِنْ ذَلِكَ وَهُوَ الصَّلاَةُ وَالزَّكَاةُ، فَقَالَ: {وَأَقِيمُوا الصَّلاَةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ}. وَأَخْبَرَ أَنَّهُمْ تَوَلَّوْا عَنْ ذَلِكَ كُلِّهِ، أَيْ تَرَكُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ، وَأَعْرَضُوا عَنْهُ عَلَى عَمْدٍ بَعْدَ الْعِلْمِ بِهِ إِلاَّ الْقَلِيلَ مِنْهُمْ، وَقَدْ أَمَرَ اللهُ هَذِهِ الْأُمَّةَ بِنَظِيرِ ذَلِكَ فِي سُورَةِ النِّسَاءِ بِقَوْلِهِ {وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلاَ تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لاَ يُحِبُّ مَنْ كَانَ مُخْتَالاً فَخُورًا} [النساء: 36] فَقَامَتْ هَذِهِ الْأُمَّةُ مِنْ ذَلِكَ بِمَا لَمْ تَقُمْ بِهِ أُمَّةٌ مِنَ الْأُمَمِ قَبْلَهَا، وَللهِ الْحَمْدُ وَالْمِنَّـةُ. {وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ لاَ تَسْفِكُونَ دِمَاءَكُمْ وَلاَ تُخْرِجُونَ أَنْفُسَكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ *ثُمَّ أَنْتُمْ هَؤُلاَءِ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ وَتُخْرِجُونَ فَرِيقًا مِنْكُمْ مِنْ دِيَارِهِمْ تَظَاهَرُونَ عَلَيْهِمْ بِالإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَإِنْ يَأْتُوكُمْ أُسَارَى تُفَادُوهُمْ وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ إِخْرَاجُهُمْ أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ إِلاَّ خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ *أُوْلَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالآخِرَةِ فَلاَ يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلاَ هُمْ يُنْصَرُونَ} [بُنُودُ الْمِيثَاقِ، وَنَقْضُهُمْ لَهُ] يَقُولُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى مُنْـكِرًا عَلَى الْيَهُودِ الَّذِينَ كَانُوا فِي زَمَانِ رَسُولِ اللهِ ﷺ بِالْمَدِينَةِ، وَمَا كَانُوا يُعَانُونَهُ مِنَ الْقِتَالِ مَعَ الْأَوْسِ وَالْخَزْرَجِ، وَذَلِكَ أَنَّ الْأَوْسَ وَالْخَزْرَجَ، وَهُمُ الْأَنْصَارُ، كَانُوا فِي الْجَاهِلِيَّةِ عُبَّادَ أَصْنَامٍ، وَكَانَتْ بَيْنَهُمْ حُرُوبٌ كَثِيرَةٌ، وَكَانَتْ يَهُودُ الْمَدِينَةِ ثَلاَثَ قَبَائِلَ: بَنُو قَيْنُقَاعٍ. وَبَنُو النَّضِيرِ: حُلَفَاءُ الْخَزْرَجِ. وَبَنُو قُرَيْظَةَ: حُلَفَاءُ الْأَوْسِ. فَكَانَتِ الْحَرْبُ إِذَا نَشِبَتْ بَيْنَهُمْ، قَاتَلَ كُلُّ فَرِيقٍ مَعَ حُلَفَائِهِ، فَيَقْتُلُ الْيَهُودِيُّ أَعْدَاءَهُ، وَقَدْ يَقْتُلُ الْيَهُودِيُّ الاْخَرَ - مِنَ الْفَرِيقِ الاْخَرِ - وَذَلِكَ حَرَامٌ عَلَيْهِمْ فِي دِينِهِمْ وَنَصِّ كِتَابِهِمْ، وَيُخْرِجُونَهُمْ مِنْ بُيُوتِهِمْ، وَيَنْتَهِبُونَ مَا فِيهَا مِنَ الْأَثَاثِ وَالْأَمْتِعَةِ وَالْأَمْوَالِ، ثُمَّ إِذَا وَضَعَتِ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا اِسْتَفَكُّوا الْأُسَارَى مِنَ الْفَرِيقِ الْمَغْلُوبِ - عَمَلاً بِحُكْمِ التَّوْرَاةِ - وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى: {أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ} وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى: {وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ لاَ تَسْفِكُونَ دِمَاءَكُمْ وَلاَ تُخْرِجُونَ أَنْفُسَكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ} أَيْ لاَ يَقْتُلُ بَعْضُكُمْ بَعْضًا، وَلاَ يُخْرِجُهُ مِنْ مَنْزِلِهِ، وَلاَ يُظَاهِرُ عَلَيْهِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: {فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بَارِئِكُمْ} وَذَلِكَ أَنَّ أَهْلَ الْمِلَّةِ الْوَاحِدَةِ بِمَنْزِلَةِ النَّفْسِ الْوَاحِدَةِ، كَمَا قَالَ عَلَيْهِ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ: «مَثَلُ الْمُؤْمِنِينَ فِي تَوَادِّهِمْ وَتَرَاحُمِهِمْ وَتَوَاصُلِهِمْ بِمَنْزِلَةِ الْجَسَدِ الْوَاحِدِ، إِذَا اشْتَكَى مِنْهُ عُضْوٌ تَدَاعَى لَهُ سَائِرُ الْجَسَدِ بِالْحُمّْى وَالسَّهَرِ[447] [447] (مسلم 4/1999)» وَقَوْلُهُ تَعَالَى: {ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ} أَيْ ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ بِمَعْرِفَةِ هَذَا الْمِيثَاقِ وَصِحَّتِهِ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ بِهِ {ثُمَّ أَنْتُمْ هَؤُلاَءِ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ وَتُخْرِجُونَ فَرِيقًا مِنْكُمْ مِنْ دِيَارِهِمْ}... الْآيَةَ، رَوَى مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ بْنِ يَسَارٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: {ثُمَّ أَنْتُمْ هَؤُلاَءِ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ وَتُخْرِجُونَ فَرِيقًا مِنْكُمْ مِنْ دِيَارِهِمْ}... الْآيَةَ[448]. قَالَ: أَنْبَأَهُمُ اللهُ بِذَلِكَ مِنْ فِعْلِهِمْ، وَقَدْ حَرَّمَ عَلَيْهِمْ فِي التَّوْرَاةِ سَفْكَ دِمَائِهِمْ، وَافْتَرَضَ عَلَيْهِمْ فِيهَا فِدَاءَ أَسْرَاهُمْ، فَكَانُوا فَرِيقَيْنِ: طَائِفَةٌ مِنْهُمْ بَنُو قَيْنُقَاعٍ، وَهُمْ حُلَفَاءُ الْخَزْرَجِ. وَالنَّضِيرُ، وَقُرَيْـظَةُ، وَهُمْ حُلَـفَاءُ الْأَوْسِ. فَكَانُوا إِذَا كَانَتْ بَيْنَ الْأَوْسِ وَالْخَزْرَجِ حَرْبٌ خَرَجَتْ بَنُو قَيْنُقَاعٍ مَعَ الْخَزْرَجِ، وَخَرَجَتِ النَّضِيرُ وَقُرَيْظَةُ مَعَ الْأَوْسِ، يُظَاهِرُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنَ الْفَرِيقَيْنِ حُلَفَاءَهُ عَلَى إِخْوَانِهِ، حَتَّى تَسَافَكُوا دِمَاءَهُمْ بَيْنَهُمْ، وَبِأَيدِيهِمُ التَّوْرَاةُ يَعْرِفُونَ فِيهَا مَا عَلَيْهِمْ وَمَا لَهُمْ، وَالْأَوْسُ وَالْخَزْرَجُ أَهْلُ شِرْكٍ يَعْبُدُونَ الْأَوْثَانَ، وَلاَ يَعْرِفُونَ جَنَّةً وَلاَ نَارًا وَلاَ بَعْثًا وَلاَ قِيَامَةً، وَلاَ كِتَابًا، وَلاَ حَلاَلاً وَلاَ حَرَامًا، فَإِذَا وَضَعَتِ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا، اِفْتَدَوْا أَسْرَاهُمْ، تَصْدِيقًا لِمَا فِي التَّوْرَاةِ وَأَخْذًا بِهِ، بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ، يَفْتَدِي بَنُو قَيْنُقَاعٍ مَا كَانَ مِنْ أَسْرَاهُمْ فِي أَيْدِي الْأَوْسِ، وَيَفْتَدِي النَّضِيرُ وَقُرَيْظَةُ مَا كَانَ فِي أَيْدِي الْخَزْرَجِ مِنْهُمْ، وَيَطْلُبُونَ مَا أَصَابُوا مِنْ دِمَائِهِمْ، وَقَتَلُوا مَنْ قَتَلُوا مِنْهُمْ فِيمَا بَيْنَهُمْ مُظَاهَرَةً لِأَهْلِ الشِّرْكِ عَلَيْهِمْ، يَقُولُ اللهُ - تَعَالَى ذِكْرُهُ - حَيْثُ أَنْبَأَهُمْ بِذَلِكَ: {أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ} أَيْ تُفَادُونَهُمْ بِحُكْمِ التَّوْرَاةِ، وَتَقْتُلُونَهُمْ، وَفِي حُكْمِ التَّوْرَاةِ: أَنْ لاَ يُقْتَلَ وَلاَ يُخْرَجَ مِنْ دَارِهِ، وَلاَ يُظَاهَرَ عَلَيْهِ مَنْ يُشْرِكُ بِاللهِ وَيَعْبُدُ الْأَوْثَانَ مِنْ دُونِهِ، اِبْتِغَاءَ عَرَضِ الدُّنْيَا؟ فَفِي ذَلِكَ مِنْ فِعْلِهِمْ مَعَ الْأَوْسِ وَالْخَزْرَجِ - فِيمَا بَلَغَنِي - نَزَلَتْ هَذِهِ الْقِصَّةُ. [448] (ابن أبي حاتم 1/261 إسناده ضعيف لتدليس ابن إسحاق وجهالة شيخه) وَالَّذِي أَرْشَدَتْ إِلَيْهِ الآيَةُ الْكَرِيمَةُ، وَهَذَا السِّيَاقُ: ذَمُّ الْيَهُودِ فِي قِيَامِهِمْ بِأَمْرِ التَّوْرَاةِ الَّتِي يَعْتَقِدُونَ صِحَّتَهَا، وَمُخَالَفَةِ شَرْعِهَا، مَعَ مَعْرِفَتِهِمْ بِذَلِكَ وَشَهَادَتِهِمْ لَهُ بِالصِّحَّةِ، فَلِهَذَا لاَ يُؤْتَمَنُونَ عَلَى مَا فِيهَا وَلاَ عَلَى نَقْلِهَا، وَلاَ يُصَدَّقُونَ فِيمَا كَتَمُوهُ مِنْ صِفَةِ رَسُولِ اللهِ ﷺ وَنَعْتِهِ وَمَبْعَثِهِ، وَمُخْرَجِهِ وَمُهَاجَرِهِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ شُؤُونِهِ الَّتِي أَخْبَرَتْ بِهَا الْأَنْبِيَاءُ قَبْلَهُ عَلَيْهِمُ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ، وَالْيَهُودُ عَلَيْهِمْ لَعَائِنُ اللهِ يَتَكَاتَمُونَهُ بَيْنَهُمْ، وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى: {فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ إِلاَّ خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا} أَيْ بِسَبَبِ مُخَالَفَتِهِمْ شَرْعَ اللهِ وَأَمْرَهُ {وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ} [85] جَزَاءً عَلَى مُخَالَفَتِهِمْ كِتَابَ اللهِ الَّذِي بِأَيْدِيهِمْ { وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ *أُوْلَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالآخِرَةِ} أَيْ اِسْتَحَبُّوها عَلَى الاْخِرَةِ َواخْتَارُوهَا {فَلاَ يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ} أَيْ لاَ يُفَتَّرُ عَنْهُمْ سَاعَةً وَاحِدَةً {وَلاَ هُمْ يُنْصَرُونَ} أَيْ وَلَيْسَ لَهُمْ نَاصِرٌ يُنْقِذُهُمْ مِمَّا هُمْ فِيهِ مِنَ الْعَذَابِ الدَّائِمِ السَّرْمَدِيِّ، وَلاَ يُجِيرُهُمْ مِنْهُ. {وَلَقَدۡ ءَاتَيۡنَا مُوسَى ٱلۡكِتَٰبَ وَقَفَّيۡنَا مِنۢ بَعۡدِهِۦ بِٱلرُّسُلِۖ وَءَاتَيۡنَا عِيسَى ٱبۡنَ مَرۡيَمَ ٱلۡبَيِّنَٰتِ وَأَيَّدۡنَٰهُ بِرُوحِ ٱلۡقُدُسِۗ أَفَكُلَّمَا جَآءَكُمۡ رَسُولُۢ بِمَا لَا تَهۡوَىٰٓ أَنفُسُكُمُ ٱسۡتَكۡبَرۡتُمۡ فَفَرِيقٗا كَذَّبۡتُمۡ وَفَرِيقٗا تَقۡتُلُونَ} [اِسْتِكْبَارُ الْيَهُودِ وَتَكْذِيبُهُمُ الْأَنْبِيَاءَ وَقَتْلُهُمْ إِيَّاهُمْ] يَنْعَتُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى بَنِي إِسْرَائِيلَ بِالْعُتُوِّ وَالْعِنَادِ وَالْمُخَالَفَةِ وَالاِسْتِكْبَارِ عَلَى الْأَنْبِيَاءِ، وَأَنَّهُمْ إِنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ، فَذَكَرَ تَعَالَى أَنَّهُ آتَى مُوسَى الْكِتَابَ وَهُوَ التَّوْرَاةُ، فَحَرَّفُوهَا وَبَدَّلُوهَا، وَخَالَفُوا أَوَامِرَهَا وَأَوَّلُوهَا، وَأَرْسَلَ الرُّسُلَ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ الَّذِينَ يَحْكُمُونَ بِشَرِيعَتِهِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: {إِنَّا أَنزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُواْ لِلَّذِينَ هَادُواْ وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُواْ مِن كِتَابِ اللّهِ وَكَانُواْ عَلَيْهِ شُهَدَاء}الْآيَةَ [المائدة: 44]. وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى: {وَقَفَّيْنَا مِنْ بَعْدِهِ بِالرُّسُلِ} قَالَ السُّدِّيُّ عَنْ أَبِي مَالِكٍ: أَتْبَعْنَا[449]. وَقَالَ غَيْرُهُ: أَرْدَفْنَا. وَالْكُلُّ قَرِيبٌ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: {ثُمَّ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا تَتْرَا} [المؤمنون: 44]. [449] (ابن أبي حاتم 1/268) حَتَّى خَتَمَ أَنْبِيَاءَ بَنِي إِسْرَائِيلَ بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ، فَجَاءَ بِمُخَالَفَةِ التَّوْرَاةِ فِي بَعْضِ الْأَحْكَامِ، وَلِهَذَا أَعْطَاهُ اللهُ مِنَ الْبَـيِّـنَاتِ، وَهِيَ الْمُعْجِزَاتُ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: مِنْ إِحْيَاءِ الْمَوْتَى، وَخَلْقِهِ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَيَنْفُخُ فِيهَا فَتَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللهِ، وَإِبْرَاءِ الْأَسْقَامِ، وَإِخْبَارِهِ بِالْغُيُوبِ[450]، وَتَأْيِيدِهِ بِرُوحِ الْقُدُسِ، وَهُوَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلاَمُ - مَا يَدُلُّهُمْ عَلَى صِدْقِهِ فِيمَا جَاءَهُمْ بِهِ. فَاشْتَدَّ تَكْذِيبُ بَنِي إِسْرَائِيلَ لَهُ، وَحَسَدُهُمْ وَعِنَادُهُمْ لِمُخَالَفَةِ التَّوْرَاةِ فِي الْبَعْضِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى إِخْبَارًا عَنْ عِيسَى: {وَلأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ وَجِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ}... الْآيَةَ [آل عمران:50]، فَكَانَتْ بَنُو إِسْرَائِيلَ تُعَامِلُ الْأَنْبِيَاءَ أَسْوَأَ الْمُعَامَلَةِ، فَفَرِيقًا يُكَذِّبُونَهُ، وَفَرِيقًا يَقْتُلُونَهُ، وَمَا ذَاكَ إِلاَّ لِأَنَّهُمْ يَأْتُونَهُمْ بِالْأُمُورِ الْمُخَالِفَةِ لِأَهْوَائِهِمْ وَآرَائِهِمْ، وَبِالإِلْزَامِ بِأَحْكَامِ التَّوْرَاةِ الَّتِي قَدْ تَصَرَّفُوا فِي مُخَالَفَتِهَا، فَلِهَذَا كَانَ ذَلِكَ يَشُقُّ عَلَيْهِمْ، فَكَذَّبُوهُمْ، وَرُبَّمَا قَتَلُوا بَعْضَهُمْ، وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى: {أَفَكُلَّمَا جَاءَكُمْ رَسُولٌ بِمَا لاَ تَهْوَى أَنْفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقًا تَقْتُلُونَ}. [450] (ابن أبي حاتم 1/268 إسناده ضعيف لجهالة محمد بن أبي محمد) [رُوحُ الْقُدُسِ هُوَ جِبْرِيلُ] وَالدَّلِيلُ عَلَى أَنَّ رُوحَ الْقُدُسِ هُوَ جِبْرِيلُ - كَمَا نَصَّ عَلَيْهِ ابْنُ مَسْعُودٍ فِي تَفْسِيرِ هَذِهِ الْآيَةِ[451]، وَتَابَعَهُ عَلَى ذَلِكَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَمُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ وَإِسْمَاعِيلُ بْنُ خَالِدٍ وَالسُّدِّيُّ وَالرَّبِيعُ بْنُ أَنَسٍ وَعَطِيَّةُ الْعَوْفِيُّ وَقَتَادَةُ[452] مَعَ قَوْلِهِ تَعَالَى: {نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأَمِينُ *عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ} [الشعراء: 193، 194] -: مَا رَوَى الْبُخَارِيُّ عَنْ عَائِشَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ، وَضَعَ لِحَسَّانَ بْنِ ثَابِتٍ مِنْبَرًا فِي الْمَسْجِدِ، فَكَانَ يُنَافِحُ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «اللَّهُمَّ أَيِّدْ حَسَّانَ بِرُوحِ الْقُدُسِ كَمَا نَافَحَ عَنْ نَبِيِّكَ»[453]. وَقَدْ رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ فِي سُنَنِهِ[454] وَالتِّرْمِذِيُّ[455]، وَقَالَ: حَسَنٌ صَحِيحٌ. وَفِي صَحِيحِ ابْنِ حِبَّانَ[456]، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «إِنَّ رُوحَ الْقُدُسِ نَفَثَ فِي رُوعِي أَنَّهُ لَنْ تَمُوتَ نَفْسٌ حَتَّى تَسْتَكْمِلَ رِزْقَهَا وَأَجَلَهَا. فَاتَّقُوا اللهَ وَأَجْمِلُوا فِي الطَّلَبِ»[457]. [451] (ابن أبي حاتم 1/269) [452] (ابن أبي حاتم 1/270) [453] (فتح الباري 10/562) [454] (أبو داود 5/279) [455] (تحفة الأحوذي 8/137) [456] (لم يروه ابن حبان عن ابن مسعود كما ظن المصنف بل هو عند ابن حبان من حديث جابر بمعناه) [457] (السنة 14/304) [اِسْتِمْرَارُ الْيَهُودِ فِي مُحَاوَلَةِ قَتْلِ الْأَنْبِيَاءِ] وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقًا تَقْتُلُونَ} إِنَّمَا لَمْ يَقُلْ: وَفَرِيقًا قَتَلْتُمْ، لِأَنَّهُ أَرَادَ بِذَلِكَ وَصْفَهُمْ فِي الْمُسْتَقْبَلِ أَيضًا، لِأَنَّهُمْ حَاوَلُوا قَتْلَ النَّبِيِّ ﷺ بِالسُّمِّ وَالسِّحْرِ، وَقَدْ قَالَ عَلَيْهِ السَّلاَمُ فِي مَرَضِ مَوْتِهِ: «مَا زَالَتْ أَكْلَةُ خَيْبَرَ تُعَاوِدُنِي فَهَذَا أَوَانُ انْقِطَاعِ أَبْهَرِي[458]. [458] (ابن عدي 3/1239)» (قُلْتُ): وَهَذَا الْحَدِيثُ فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ[459] وَغَيْرِهِ[460]. [459] (إنما رواه البخاري معلقاً فكان ينبغي تقييده) [460] (فتح الباري 7/737) {وَقَالُوا قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَلْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَقَلِيلاً مَا يُؤْمِنُونَ} رَوَى مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ {وَقَالُوا قُلُوبُنَا غُلْفٌ} أَيْ فِي أَكِنَّـةٍ[461]. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: {وَقَالُوا قُلُوبُنَا غُلْفٌ} [عَلَيْهَا] غِشَاوَةٌ[462] وَقَالَ عِكْرِمَةُ: عَلَيْهَا طَابِعٌ[463]. وَقَالَ أَبُو الْعَالِيَةِ: أَيْ لاَ تَفْقَهُ[464]. قَالَ مُجَاهِدٌ وَقَتَادَةُ: وَقَرَأَ ابْنُ عَبَّاسٍ (غُلُفٌ)، بِضَمِّ اللاَّمِ، وَهُوَ جَمْعُ غِلاَفٍ، أَيْ قُلُوبُنَا أَوْعِيَـةُ كُلِّ عِلْمٍ، فَلاَ نَحْتَاجُ إِلَى عِلْمِكَ[465]. قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ وَعَطَاءٌ {بَلْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ} أَيْ طَرَدَهُمُ اللهُ وَأَبْعَدَهُمْ مِنْ كُلِّ خَيْرٍ {فَقَلِيلاً مَا يُؤْمِنُونَ} قَالَ قَتَادَةُ: مَعْنَاهُ: لاَ يُؤمِنُ مِنْهُمْ إِلاَّ الْقَلِيلُ[466]. {وَقَالُوا قُلُوبُنَا غُلْفٌ} هُوَ كَقَوْلِهِ: {وَقَالُوا قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ} [فصلت: 5] وهذا الذي رجحه ابن جرير وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى: {بَلْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَقَلِيلاً مَا يُؤْمِنُونَ} أَيْ لَيْسَ الْأَمْرُ كَمَا ادَّعَوْا، بَلْ قُلُوبُهُمْ مَلْعُونَةٌ مَطْبُوعٌ عَلَيْهَا، كَمَا قَالَ فِي سُورَةِ النِّسَاءِ: {وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ فَلاَ يُؤْمِنُونَ إِلاَّ قَلِيلاً} [النساء: 155]. [461] (الطبري 2/326 إسناده ضعيف لضعف ابن حميد وسلمة بن الفضل وجهالة محمد بن أبي محمد) [462] (الطبري 2/326) [463] (ابن أبي حاتم 1/247) [464] (ابن أبي حاتم 1/273) [465] (القرطبي 2/25) [466] (ابن أبي حاتم 1/274) وَقَدِ اخْتَلَفُوا فِي مَعْنَى قَوْلِهِ: {فَقَلِيلاً مَا يُؤْمِنُونَ} وقَوْلِهِ: {فَلاَ يُؤْمِنُونَ إِلاَّ قَلِيلاً} [النساء: 155] فَقَالَ بَعْضُهُمْ: فَقَلِيلٌ مَنْ يُؤمِنُ مِنْهُمْ. وَقِيلَ: فَقَلِيلٌ إِيمَانُهُمْ. بِمَعْنَى أَنَّهُمْ يُؤْمِنُونَ بِمَا جَاءَهُمْ بِهِ مُوسَى مِنْ أَمْرِ الْمَعَادِ وَالثَّوَابِ وَالْعِقَابِ، وَلَكِنَّهُ إِيمَانٌ لاَ يَنْفَعُهُمْ، لِأَنَّهُ مَغْمُورٌ بِمَا كَفَرُوا بِهِ مِنَ الَّذِي جَاءَهُمْ بِهِ مُحَمَّدٌ ﷺ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: إِنَّمَا كَانُوا غَيْرَ مُؤمِنِينَ بِشَيْءٍ، وَإِنَّمَا قَالَ: فَقَلِيلاً مَا يُؤْمِنُونَ وَهُمْ بِالْجَمِيعِ كَافِرُونَ؟ كَمَا تَقُولُ الْعَرَبُ: قَلَّمَا رَأَيْتُ مِثْلَ هَذَا قَطُّ. تُرِيدُ: مَا رَأَيْتُ مِثْلَ هَذَا قَطُّ. {وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ} [كَانَتِ الْيَهُودُ تَنْتَظِرُ بِعْثَةَ النَّبِيِّ ﷺ فَلَمَّا بُعِثَ كَفَرُوا بِهِ] يَقُولُ تَعَالَى: {وَلَمَّا جَاءَهُمْ}، يَعْنِي الْيَهُودَ، {كِتَابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ} وَهُوَ الْقُرْآنُ الَّذِي أُنْزِلَ عَلَى مُحَمَّدٍ ﷺ {مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ} يَعْنِي مِنَ التَّوْرَاةِ. وَقَوْلُهُ: {وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا} أَيْ وَقَدْ كَانُوا مِنْ قَبْلِ مَجِيءِ هَذَا الرَّسُولِ بِهَذَا الْكِتَابِ يَسْتَنْصِرُونَ بِمَجِيئِهِ عَلَى أَعْدَائِهِمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ إِذَا قَاتَلُوهُمْ، يَقُولُونَ: إِنَّهُ سَيُبْعَثُ نَبِيٌّ فِي آخِرِ الزَّمَانِ نَقْتُلُكُمْ مَعَهُ قَتْلَ عَادٍ وَإِرَمَ. وَرَوَى مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّ يَهُودَ كَانُوا يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الْأَوْسِ وَالْخَزْرَجِ بِرَسُولِ اللهِ ﷺ قَبْلَ مَبْعَثِهِ، فَلَمَّا بَعَثَهُ اللهُ مِنَ الْعَرَبِ، كَفَرُوا بِهِ وَجَحَدُوا مَا كَانُوا يَقُولُونَ فِيهِ، فَقَالَ لَهُمْ مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ وَبِشْرُ بْنُ الْبَرَاءِ بْنِ مَعْرُورٍ أَخُو بَنِي سَلِمَةَ: يَا مَعْشَرَ يَهُودَ، اِتَّقُوا اللهَ وَأَسْلِمُوا، فَقَدْ كُنْتُمْ تَسْتَفْتِحُونَ عَلَيْنَا بِمُحَمَّدٍ ﷺ، وَنَحْنُ أَهْلُ شِرْكٍ، وَتُخْبِرُونَنَا بِأَنَّهُ مَبْعُوثٌ، وَتَصِفُونَهُ بِصِفَتِهِ، فَقَالَ سَلاَّمُ بْنُ مِشْكَمٍ أَخُو بَنِي النَّضِيرِ: مَا جَاءَنَا بِشَيْءٍ نَعْرِفُهُ، مَا هُوَ الَّذِي كُنَّا نَذْكُرُ لَكُمْ، فَأَنْزَلَ اللهُ فِي ذَلِكَ مِنْ قَوْلِهِمْ: {وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ}... الْآيَةَ[467]. وَقَالَ أَبُو الْعَالِيَةِ: كَانَتِ الْيَهُودُ تَسْتَنْصِرُ بِمُحَمَّدٍ ﷺ عَلَى مُشْرِكِي الْعَرَبِ، يَقُولُونَ: اَللَّهُمَّ ابْعَثْ هَذَا النَّبِيَّ الَّذِي نَجِدُهُ مَكْتُوبًا عِنْدَنَا حَتَّى نُعَذِّبَ الْمُشْرِكِينَ وَنَقْتُلَهُمْ. فَلَمَّا بَعَثَ اللهُ مُحَمَّدًا ﷺ، وَرَأَوْا أَنَّهُ مِنْ غَيْرِهِمْ، كَفَرُوا بِهِ، حَسَدًا لِلْعَرَبِ، وَهُمْ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ، فَقَالَ اللهُ تَعَالَى: {فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ} [468]. [467] (الطبري 2/333 إسناده ضعيف لجهالة محمد بن أبي محمد وضعف ابن حميد وسلمة بن الفضل) [468] (ابن أبي حاتم 1/276) {بِئْسَمَا اشْتَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ أَنْ يَكْفُرُوا بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ بَغْيًا أَنْ يُنَزِّلَ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ فَبَاءُوا بِغَضَبٍ عَلَى غَضَبٍ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ مُهِينٌ} قَالَ مُجَاهِدٌ: {بِئْسَمَا اشْتَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ} [البقرة: 90] يَهُودُ شَرَوُا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَكِتْمَانِ مَا جَاءَ بِهِ مُحَمَّدٌ ﷺ بِأَنْ يُبَيِّنُوهُ[469]. وَقَالَ السُّدِّيُّ: {بِئْسَمَا اشْتَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ} [البقرة: 90] يَقُولُ: بَاعُوا بِهِ أَنْفُسَهُمْ[470]. يَقُولُ: بِئْسَمَا اعْتَاضُوا لِأَنْفُسِهِمْ، فَرَضُوا بِهِ وَعَدَلُوا إِلَيْهِ مِنَ الْكُفْرِ بِمَا أَنْزَلَ اللهُ عَلَى مُحَمَّدٍ ﷺ عَنْ تَصْدِيقِهِ وَمُوَازَرَتِهِ وَنُصْرَتِهِ، وَإِنَّمَا حَمَلَهُمْ عَلَى ذَلِكَ الْبَغْيُ وَالْحَسَدُ وَالْكَرَاهِيَةُ {أَنْ يُنَزِّلَ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ} وَلاَ حَسَدَ أَعْظَمُ مِنْ هَذَا {فَبَاءُوا بِغَضَبٍ عَلَى غَضَبٍ} قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ فِي الْغَضَبِ عَلَى الْغَضَبِ: فَغَضَبٌ عَلَيْهِمْ فِيمَا كَانُوا ضَيَّعُوا مِنَ التَّوْرَاةِ وَهِيَ مَعَهُمْ، وَغَضَبٌ بِكُفْرِهِمْ بِهَذَا النَّبِيِّ الَّذِي بَعَثَ اللهُ إِلَيْهِمْ[471]. [469] (الطبري 2/340) [470] (ابن أبي حاتم 1/277) [471] (ابن أبي حاتم 1/279 شيخ ابن إسحاق مجهول) (قُلْتُ): وَمَعْنَى "بَـآءُوا" اسْتَوْجَبُوا وَاسْتَحَقُّوا وَاسْتَقَرُّوا بِغَضَبٍ عَلَى غَضَبٍ. وَقَالَ أَبُو الْعَالِيَـةِ: غَضِبَ اللهُ عَلَيْهِمْ بِكُفْرِهِمْ بِالْإِنْجِيلِ وَعِيسَى، ثُمَّ غَضِبَ اللهُ عَلَيْهِمْ بِكُفْرِهِمْ بِمُحَمَّدٍ ﷺ وَبِالْقُرْآنِ[472]. وَعَنْ عِكْرِمَةَ وَقَتَادَةَ مِثْلُهُ[473]. وَقَوْلُهُ تَعَالَى: {وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ مُهِينٌ} لَمَّا كَانَ ُكفْرُهُمْ سَبَبُهُ الْبَغْيُ وَالْحَسَدُ، وَمَنْشَأُ ذَلِكَ التَّكَبُّرُ، قُوبِلُوا بِالْإِهَانَةِ وَالصَّغَارِ فِي الدُّنْيَا وَالاْخِرَةِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: {إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ} [غافر:60] أَيْ صَاغِرِينَ حَقِيرِينَ ذَلِيلِينَ رَاغِمِينَ، وَقَدْ رَوَى الْإِمَامُ أَحْمَدُ عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، قَالَ: «يُحْشَرُ الْمُتَكَبِّرُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَمْثَالَ الذَّرِّ فِي صُوَرِ النَّاسِ، يَعْلُوهُمْ كُلُّ شَيْءٍ مِنَ الصَّغَارِ، حَتَّى يَدْخُلُوا سِجْنًا فِي جَهَنَّمَ يُقَالُ لَهُ: بُولَسُ، تَعْلُوهُمْ نَارُ الْأَنْيَارِ، يُسْقَوْنَ مِنْ طِينَةِ الْخَبَالِ: عُصَارَةِ أَهْلِ النَّارِ[474]. [472] (ابن أبي حاتم 1/278) [473] (ابن أبي حاتم 1/279) [474] (أحمد 2/179) {وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا نُؤْمِنُ بِمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا وَيَكْفُرُونَ بِمَا وَرَاءَهُ وَهُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقًا لِمَا مَعَهُمْ قُلْ فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِيَاءَ اللَّهِ مِنْ قَبْلُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ *وَلَقَدْ جَاءَكُمْ مُوسَى بِالْبَيِّنَاتِ ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَنْتُمْ ظَالِمُونَ} [اِدِّعَاءُ الْيَهُودِ الْإِيمَانَ مَعَ كُفْرِهِمْ بِالْحَقِّ] يَقُولُ تَعَالَى: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ} أَيْ لِلْيَهُودِ وَأَمْثَالِهِمْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ {آمِنُوا بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ} عَلَى مُحَمَّدٍ ﷺ، وَصَدِّقُوهُ وَاتَّبِعُوهُ {قَالُوا نُؤْمِنُ بِمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا} أَيْ يَكْفِينَا الْإِيمَانُ بِمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا مِنَ التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ، وَلاَ نُقِرُّ إِلاَّ بِذَلِكَ {وَيَكْفُرُونَ بِمَا وَرَاءَهُ} يَعْنِي بِمَا بَعْدَهُ {وَهُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقًا لِمَا مَعَهُمْ} أَيْ وَهُمْ يَعْلَمُونَ أَنَّ مَا أُنْزِلَ عَلَى مُحَمَّدٍ ﷺ الحق {مُصَدِّقًا لِمَا مَعَهُمْ} مَنْصُوبًا عَلَى الْحَالِ، أَيْ فِي حَالِ تَصْدِيقِهِ لِمَا مَعَهُمْ مِنَ التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ، فَالْحُجَّةُ قَائِمَةٌ عَلَيْهِمْ بِذَلِكَ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: {الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ} [البقرة:146] ثُمَّ قَالَ تَعَالَى: {فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِيَاءَ اللَّهِ مِنْ قَبْلُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ} أَيْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ فِي دَعْوَاكُمُ الْإِيمَانَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ، فَلِمَ قَتَلْتُمُ الْأَنْبِيَاءَ الَّذِينَ جَاءُوكُمْ بِتَصْدِيقِ التَّوْرَاةِ الَّتِي بِأَيْدِيكُمْ وَالْحُكْمِ بِهَا وَعَدَمِ نَسْخِهَا، وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ صِدْقَهُمْ؟ قَتَلْتُمُوهُمْ بَغْيًا وَعِنَادًا وَاسْتِكْبَارًا عَلَى رُسُلِ اللهِ، فَلَسْتُمْ تَتَّبِعُونَ إِلاَّ مُجَرَّدَ الْأَهْوَاءِ وَالآْرَاءِ وَالتَّشَهِّي، كَمَا قَالَ تَعَالَى: {أَفَكُلَّمَا جَاءَكُمْ رَسُولٌ بِمَا لاَ تَهْوَى أَنْفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقًا تَقْتُلُونَ} وَقَالَ السُّدِّيُّ: فِي هذِهِ الْآيَةِ يُعَيِّرُهُمُ اللهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: {قُلْ فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِيَاءَ اللَّهِ مِنْ قَبْلُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ} [475]. [475] (ابن أبي حاتم 1/281) {وَلَقَدْ جَاءَكُمْ مُوسَى بِالْبَيِّنَاتِ} أَيْ بِالْآيَاتِ الْوَاضِحَاتِ وَالدَّلاَئِلِ الْقَاطِعَاتِ عَلَى أَنَّهُ رَسُولُ اللهِ، وَأَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ، وَالْآيَاتُ الْبَيِّنَاتُ هِيَ: الطُّوفَانُ وَالْجَرَادُ وَالْقُمَّلُ وَالضَّفَادِعُ، وَالدَّمُ، وَالْعَصَا، وَالْيَدُ، وَفَرْقُ الْبَحْرِ، وَتَظْلِيلُهُمْ بِالْغَمَامِ وَالْمَنُّ وَالسَّلْوَى، وَالْحَجَرُ، وَغَيْرُ ذَلِكَ مِنَ الْآيَاتِ الَّتِي شَاهَدُوهَا، { ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ} أَيْ مَعْبُودًا مِنْ دُونِ اللهِ فِي زَمَانِ مُوسَى وَأَيَّامِهِ، وَقَوْلُهُ: {مِنْ بَعْدِهِ} أَيْ مِنْ بَعْدِ مَا ذَهَبَ عَنْكُمْ إِلَى الطُّورِ لِمُنَاجَاةِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: {وَاتَّخَذَ قَوْمُ مُوسَى مِن بَعْدِهِ مِنْ حُلِيِّهِمْ عِجْلاً جَسَدًا لَّهُ خُوَارٌ} [الأعراف:148]، {وَأَنْتُمْ ظَالِمُونَ} أَيْ وَأَنْتُمْ ظَالِمُونَ فِي هَذَا الصَّنِيعِ الَّذِي صَنَعْتُمُوهُ مِنْ عِبَادَتِكُمُ الْعِجْلَ. وَاَنْتُمْ تَعْلَمُونَ: أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: {وَلَمَّا سُقِطَ فِي أَيْدِيهِمْ وَرَأَوْا أَنَّهُمْ قَدْ ضَلُّوا قَالُوا لَئِنْ لَمْ يَرْحَمْنَا رَبُّنَا وَيَغْفِرْ لَنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ} [الأعراف: 149]. {وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ وَاسْمَعُوا قَالُوا سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ بِكُفْرِهِمْ قُلْ بِئْسَمَا يَأْمُرُكُمْ بِهِ إِيمَانُكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ} [عِصْيَانُ الْيَهُودِ بَعْدَ أَخْذِ مِيثَاقِهِمْ وَرُؤْيَتِهِمُ الطُّورَ فَوْقَ رُؤُسِهِمْ] يُعَدِّدُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَلَيْهِمْ خَطَأَهُمْ، وَمُخَالَفَتَهُمْ لِلْمِيثَاقِ، وَعُتُوَّهُمْ وَإِعْرَاضَهُمْ عَنْهُ، حَتَّى رَفَعَ الطُّورَ عَلَيْهِمْ حَتَّى قَبِلُوهُ ثُمَّ خَالَفُوهُ، وَلِهَذَا {قَالُوا سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا} وَقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ ذَلِكَ {وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ بِكُفْرِهِمْ} قَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ قَتَادَةَ {وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ بِكُفْرِهِمْ} قَالَ: أُشْرِبُوا حُبَّهُ حَتَّى خَلَصَ ذَلِكَ إِلَى قُلُوبِهِمْ[476]. وَكَذَا قَالَ أَبُو الْعَالِيَةِ وَالرَّبِيعُ بْنُ أَنَسٍ[477]. وَقَوْلُهُ: {قُلْ بِئْسَمَا يَأْمُرُكُمْ بِهِ إِيمَانُكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ} أَيْ بِئْسَمَا تَعْتَمِدُونَهُ فِي قَدِيمِ الدَّهْرِ وَحَدِيثِهِ مِنْ كُفْرِكُمْ بِآيَاتِ اللهِ، وَمُخَالَفَتِكُمُ الْأَنْبِيَاءَ، ثُمَّ اعْتِمَادُكُمْ فِي كُفْرِكُمْ بِمُحَمَّدٍ ﷺ، وَهَذَا أَكْبَرُ ذُنُوبِكُمْ، وَأَشَدُّ الْأَمْرِ عَلَيْكُمْ، إِذْ كَفَرْتُمْ بِخَاتَمِ الرُّسُلِ وَسَيِّدِ الْأَنْبِيَاءِ وَالْمُرْسَلِينَ، الْمَبْعُوثِ إِلَى النَّاسِ أَجْمَعِينَ، فَكَيْفَ تَدَّعُونَ لِأَنْفُسِكُمُ الْإِيمَانَ، وَقَدْ فَعَلْتُمْ هَذِهِ الْأَفَاعِيلَ الْقَبِيحَةَ: مِنْ نَقْضِكُمُ الْمَوَاثِيقَ، وَكُفْرِكُمْ بِآيَاتِ اللهِ، وَعِبَادَتِكُمُ الْعِجْلَ مِنْ دُونِ اللهِ؟ [476] (عبدالرزاق 1/52) [477] (ابن أبي حاتم 1/283) {قُلْ إِنْ كَانَتْ لَكُمُ الْدَّارُ الآخِرَةُ عِنْدَ اللَّهِ خَالِصَةً مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ *وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ *وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَى حَيَاةٍ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ وَمَا هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ الْعَذَابِ أَنْ يُعَمَّرَ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ} [دَعْوَةُ الْيَهُودِ إِلَى الْمُبَاهَلَةِ] رَوَى مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا، يَقُولُ اللهُ تَعَالَى لِنَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ ﷺ: {قُلْ إِنْ كَانَتْ لَكُمُ الْدَّارُ الآخِرَةُ عِنْدَ اللَّهِ خَالِصَةً مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ} أَيِ اُدْعُوا بِالْمَوْتِ عَلَى أَيِّ الْفَرِيقَيْنِ أَكْذَبَ، فَأَبَوْا ذَلِكَ عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ [478]. {وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ} أَيْ بِعِلْمِهِمْ بِمَا عِنْدَهُمْ مِنَ الْعِلْمِ بِكَ وَالْكُفْرِ بِذَلِكَ، وَلَوْ تَمَنَّوْهُ يَوْمَ قَالَ لَهُمْ ذَلِكَ مَا بَقِيَ عَلَى الْأَرْضِ يَهُودِيٌّ إِلاَّ مَاتَ. وَقَالَ الضَّحَّاكُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: {فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ} فَسَلُوا الْمَوْتَ[479]. وَرَوَى عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنْ عِكْرِمَةَ قَوْلَهُ: {فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ} [البقرة: 94]. قَالَ: قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: لَوْ تَمَنَّى يَهُودُ الْمَوْتَ، لَمَاتُوا[480]. وَرَوَى ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: لَوْ تَمَـنَّـوُا الْمَوْتَ لَشَرِقَ أَحَدُهُمْ بِرِيقِهِ[481]. وَهَذِهِ أَسَانِيدُ صَحِيحَةٌ إِلَى ابْنِ عَبَّاسٍ. وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ فِي تَفْسِيرِهِ: وَبَلَغَنَا أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «لَوْ أَنَّ الْيَهُودَ تَمَنَّوُا الْمَوْتَ لَمَاتُوا، وَلَرَأَوْا مَقَاعِدَهُمْ مِنَ النَّارِ، وَلَوْ خَرَجَ الَّذِينَ يُبَاهِلُونَ رَسُولَ اللهِ ﷺ لَرَجَعُوا لاَ يَجِدُونَ أَهْلاً وَلاَ مَالاً»[482] [478] (ابن أبي حاتم 1/284ابن إسحاق مدلس وشيخه مجهول) [479] (الطبري 2/366 الضحاك لم يسمع من ابن عباس) [480] (ابن أبي حاتم 1/285) [481] (ابن أبي حاتم 1/284) [482] (الطبري 2/362) وَنَظِيرُ هَذِهِ الْآيَةِ قَوْلُهُ تَعَالَى فِي سُورَةِ الْجُمُعَةِ {قُلْ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ هَادُوا إِنْ زَعَمْتُمْ أَنَّكُمْ أَوْلِيَاءُ لِلَّهِ مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ *وَلاَ يَتَمَنَّوْنَهُ أَبَدًا بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ *قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلاَقِيكُمْ ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ} [الجمعة: 6-8] فَهُمْ عَلَيْهِمْ لَعَائِنُ اللهِ تَعَالَى، لَمَّا زَعَمُوا أَنَّهُمْ أَبْنَاءُ اللهِ وَأَحِبَّاؤُهُ، وَقَالُوا: لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّـةَ إِلاَّ مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى، دُعُوا إِلَى الْمُبَاهَلَةِ وَالدُّعَاءِ عَلَى أَكْذَبِ الطَّائِفَتَيْنِ: مِنْهُمْ أَوْ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، فَلَمَّا نَكَلُوا عَنْ ذَلِكَ، عَلِمَ كُلُّ أَحَدٍ أَنَّهُمْ ظَالِمُونَ. لِأَنَّهُمْ لَوْ كَانُوا جَازِمِينَ بِمَا هُمْ فِيهِ، لَكَانُوا أَقْدَمُوا عَلَى ذَلِكَ، فَلَمَّا تَأَخَّرُوا عُلِمَ كَذِبُهُمْ. وَهَذَا كَمَا دَعَا رَسُولُ اللهِ وَفْدَ نَجْرَانَ مِنَ النَّصَارَى بَعْدَ قِيَامِ الْحُجَّةِ عَلَيْهِمْ فِي الْمُنَاظَرَةِ، وَعُتُوِّهِمْ وَعِنَادِهِمْ، إِلَى الْمُبَاهَلَةِ، فَقَالَ: {فَمَنْ حَآجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَةَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ} [آل عمران: 61] فَلَمَّا رَأَوْا ذَلِكَ، قَالَ بَعْضُ الْقَوْمِ لِبَعْضٍ: وَاللهِ لَئِنْ بَاهَلْتُمْ هَذَا النَّبِيَّ لاَ يَبْقَى مِنْكُمْ عَيْنٌ تَطْرِفُ، فَعِنْدَ ذَلِكَ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ، وَبَذَلُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ، فَضَرَبَهَا عَلَيْهِمْ، وَبَعَثَ مَعَهُمْ أَبَا عُبَيْدَةَ بْنَ الْجَرَّاحِ أَمِينًا. وَمِثْلُ هَذَا الْمَعْنَى أَوْ قَرِيبٍ مِنْهُ قَوْلُ اللهِ تَعَالَى لِنَبِيِّهِ أَنْ يَقُولَ لِلْمُشْرِكِينَ: {قُلْ مَنْ كَانَ فِي الضَّلاَلَةِ فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمَانُ مَدًّا} [مريم: 75] أَيْ مَنْ كَانَ فِي الضَّلاَلَةِ مِنَّا وَمِنْكُمْ فَزَادَهُ اللهُ مِمَّا هُوَ فِيهِ، وَمَدَّ لَهُ، وَاسْتَدْرَجَهُ، كَمَا سَيَأْتِي تَقْرِيرُهُ فِي مَوْضِعِهِ، إِنْ شَاءَ اللهُ تَعَالَى، وَقَدْ فُسِّرَتِ الْآيَةُ بِتَمَنِّي الْمَوْتِ دُونَ التَّعَرُّضِ لِلْمُبَاهَلَةِ. وَالْأَوَّلُ أَوْلَى. وَسُمِّيَتْ هَذِهِ الْمُبَاهَلَةُ تَمَنِّـيًا، لِأَنَّ كُلَّ مُحِقٍّ يَوَدُّ لَوْ أَهْلَكَ اللهُ الْمُبْطِلَ الْمُنَاظِرَ لَهُ، وَلاَ سِيَّـمَا إِذَا كَانَ فِي ذَلِكَ حُجَّةٌ لَهُ فِي بَيَانِ حَقِّهِ وَظُهُورِهِ، وَكَانَتِ الْمُبَاهَلَةُ بِالْمَوْتِ، لِأَنَّ الْحَيَاةَ عِنْدَهُمْ عَزِيزَةٌ عَظِيمَةٌ لِمَا يَعْلَمُونَ مِنْ سُوءِ مَآلِهِمْ بَعْدَ الْمَوْتِ. [حِرْصُهُمْ عَلَى طُولِ الْعُمُرِ] وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى: {وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ *وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَى حَيَاةٍ} أَيْ عَلَى طُولِ الْعُمُرِ، لِمَا يَعْلَمُونَ مِنْ مَآلِهِمُ السَّيِّءِ، وَعَاقِبَتِهِمْ عِنْدَ اللهِ الْخَاسِرَةِ، لِأَنَّ الدُّنْيَا سِجْنُ الْمُؤْمِنِ، وَجَنَّةُ الْكَافِرِ، فَهُمْ يَوَدُّونَ لَوْ تَأَخَّرُوا عَنْ مَقَامِ الاْخِرَةِ بِكُلِّ مَا أَمْكَنَهُمْ، - وَمَا يُحَاذِرُونَ مِنْهُ وَاقِعٌ بِهِمْ لاَ مَحَالَةَ - حَتَّى وَ هُمْ أَحْرَصُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ الَّذِينَ لاَ كِتَابَ لَهُمْ. رَوَى ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ {وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا} قَالَ: الْأَعَاجِمُ[483]. وَكَذَا رَوَاهُ الْحَاكِمُ فِي مُسْتَدْرَكِهِ وَقَالَ: صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِهِمَا، وَلَمْ يُخْرِجَاهُ[484]. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: {يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ} قَالَ: حَبَّبَتْ إِلَيْهِمُ الْخَطِيئَةُ طُولَ الْعُمُرِ[485]. [483] (ابن أبي حاتم 1/286) [484] (الحاكم 2/263) [485] (ابن أبي حاتم 1/287) وَرَوَى مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ {وَمَا هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ الْعَذَابِ أَنْ يُعَمَّرَ} أَيْ وَمَا هُوَ بِمُنَجِّيهِ مِنَ الْعَذَابِ، وَذَلِكَ أَنَّ الْمُشْرِكَ لاَ يَرْجُو بَعْثًا بَعْدَ الْمَوْتِ، فَهُوَ يُحِبُّ طُولَ الْحَيَاةِ، وَأَنَّ الْيَهُودِيَّ قَدْ عَرَفَ مَا لَهُ فِي الاْخِرَةِ مِنَ الْخِزْيِ، بِمَا ضَيَّعَ مَا عِنْدَهُ مِنَ الْعِلْمِ[486]. وَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ: يَهُودُ أَحْرَصُ عَلَى الْحَيَاةِ مِنْ هَؤُلاَءِ، وَقَدْ وَدَّ هَؤُلاَءِ لَوْ يُعَمَّرُ أَحَدُهُمْ أَلْفَ سَنَةٍ، وَلَيْسَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ الْعَذَابِ لَوْ عُمِّرَ، كَمَا أَنَّ عُمُرَ إِبْلِيسَ لَمْ يَنْفَعْهُ إِذْ كَانَ كَافِرًا[487]. {وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ} أَيْ خَبِيرٌ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُ عِبَادُهُ مِنْ خَيْرٍ وَشَرٍّ، وَسَيُجَازِي كُلَّ عَامِلٍ بِعَمَلِهِ. [486] (ابن أبي حاتم 1/288 شيخ ابن إسحاق مجهول كما تقدم) [487] (الطبري 2/376) {قُلْ مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَهُدىً وَبُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ *مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلاَئِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَ} [عَدَاوَةُ الْيَهُودِ لِجِبْرِيلَ] قَالَ الْإِمَامُ أَبُو جَعْفَرِ بْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ رَحِمَهُ اللهُ: أَجْمَعَ أَهْلُ الْعِلْمِ بِالتَّأْوِيلِ جَمِيعًا أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ نَزَلَتْ جَوَابًا لِلْيَهُودِ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ، إِذْ زَعَمُوا أَنَّ جِبْرِيلَ عَدُوٌّ لَهُمْ، وَأَنَّ مِيكَائِيلَ وَلِيٌّ لَهُمْ[488]. قَالَ الْبُخَارِيُّ: قَوْلُهُ تَعَالَى: {مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ} قَالَ عِكْرِمَةُ: جِبْرُ وَمِيكُ وَإِسْرَافُ: عَبْدٌ. إِيلُ: اَللهُ، ثُمَّ رَوَى عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: سَمِعَ عَبْدُ اللهِ بْنُ سَلاَمٍ بِمَقْدَمِ رَسُولِ اللهِ ﷺ وَهُوَ فِي أَرْضٍ يَخْتَرِفُ، فَأَتَى النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ: إِنِّي سَائِلُكَ عَنْ ثَلاَثٍ لاَ يَعْلَمُهُنَّ إِلاَّ نَبِيٌّ: مَا أَوَّلُ أَشْرَاطِ السَّاعَةِ؟ وَمَا أَوَّلُ طَعَامِ أَهْلِ الْجَنَّةِ؟ وَمَا يَنْزِعُ الْوَلَدَ إِلَى أَبِيهِ أَوْ إِلَى أُمِّهِ؟ قَالَ: «أَخْبَرَنِي بِهِنَّ جِبْرِيلُ آنِفًا» قَالَ: جِبْرِيلُ؟ قَالَ: «نَعَمْ» قَالَ: ذَاكَ عَدُوُّ الْيَهُودِ مِنَ الْمَلاَئِكَةِ، فَقَرَأَ هَذِهِ الْآيَةَ: {مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ} «أَمَّا أَوَّلُ أَشْرَاطِ السَّاعَةِ، فَنَارٌ تَحْشُرُ النَّاسَ مِنَ الْمَشْرِقِ إِلَى الْمَغْرِبِ. وَأَمَّا أَوَّلُ طَعَامٍ يَأْكُلُهُ أَهْلُ الْجَنَّةِ، فَزِيَادَةُ كَبِدِ الْحُوتِ، وَإِذَا سَبَقَ مَاءُ الرَّجُلِ مَاءَ الْمَرْأَةِ، نَزَعَ الْوَلَدَ، وَإِذَا سَبَقَ مَاءُ الْمَرْأَةِ نَزَعَتْ» قَالَ: أَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ وَأَنَّكَ رَسُولُ اللهِ. يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّ الْيَهُودَ قَوْمٌ بُهُتٌ، وَإِنَّهُمْ إِنْ يَعْلَمُوا بِإِسْلاَمِي قَبْلَ أَنْ تَسْأَلَهُمْ يَبْهَتُونِي، فَجَاءَتِ الْيَهُودُ، فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «أَيُّ رَجُلٍ عَبْدُ اللهِ بْنُ سَلاَمٍ فِيكُمْ؟» قَالُوا: خَيْرُنَا وَابْنُ خَيْرِنَا، وَسَيِّدُنَا وَابْنُ سَيِّدِنَا، قَالَ: «أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَسْلَمَ» قَالُوا: أَعَاذَهُ اللهُ مِنْ ذَلِكَ، فَخَرَجَ عَبْدُ اللهِ فَقَالَ: أَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ. قَالُوا: هُوَ شَرُّنَا وَابْنُ شَرِّنَا، وَانْتَقَصُوهُ، فَقَالَ: هَذَا الَّذِي كُنْتُ أَخَافُ يَا رَسُولَ اللهِ. اِنْفَرَدَ بِهِ الْبُخَارِيُّ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ[489]، وَقَدْ أَخْرَجَاهُ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ أَنَسٍ[490]. [488] (الطبري 2/377) [489] (فتح الباري 8/15، و7/319) [490] (البخاري 3329/ 3911، 3938، ومسلم 315) وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ: إِيلُ عِبَارَةٌ عَنْ عَبْدٍ، وَالْكَلِمَةُ الْأُخْرى هِيَ اسْمُ اللهِ، لِأَنَّ كَلِمَةَ «إِيلُ» لاَ تَتَغَيَّرُ فِي الْجَمِيعِ، فَوِزَانُهُ: عَبْدُ اللهِ عَبْدُ الرَّحْمنِ عَبْدُ الْمَلِكِ عَبْدُ الْقُدُّوسِ، عَبْدُ السَّلاَمِ عَبْدُ الْكَافِي، عَبْدُ الْجَلِيلِ، فَعَبْدٌ مَوْجُودَةٌ فِي هَذَا كُلِّهِ، وَاخْتَلَفَتِ الْأَسْمَاءُ الْمُضَافُ إِلَيْهَا، وَكَذَلِكَ جِبْرَائِيلُ وَمِيكَائِيلُ وَعِزْرَائِيلُ وَإِسْرَافِيلُ وَنَحْوُ ذَلِكَ، وَفِي كَلاَمِ غَيْرِ الْعَرَبِ يُقَدِّمُونَ الْمُضَافَ إِلَيْهِ عَلَى الْمُضَافِ. وَاللهُ أَعْلَمُ. [اَلتَّفْرِيقُ بَيْنَ الْمَلاَئِكَةِ كَالتَّفْرِيقِ بَيْنَ الْأَنْبِيَاءِ] وَأَمَّا تَفْسِيرُ الْآيَةِ فَقَوْلُهُ تَعَالَى: {قُلْ مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ} أَيْ مَنْ عَادَى جِبْرَائِيلَ فَلْيَعْلَمْ أَنَّهُ الرُّوحُ الْأَمِينُ الَّذِي نَزَلَ بِالذِّكْرِ الْحَكِيمِ عَلَى قَلْبِكَ مِنَ اللهِ، بِإِذْنِهِ لَهُ فِي ذَلِكَ، فَهُوَ رَسُولٌ مِنْ رُسُلِ اللهِ مَلَكِيٌّ، وَمَنْ عَادَى رَسُولاً فَقَدْ عَادَى جَمِيعَ الرُّسُلِ، كَمَا أَنَّ مَنْ آمَنَ بِرَسُولٍ يَلْزَمُهُ الْإِيمَانُ بِجَمِيعِ الرُّسُلِ، وَكَمَا أَنَّ مَنْ كَفَرَ بِرَسُولٍ فَإِنَّهُ يَلْزَمُهُ الْكُفْرُ بِجَمِيعِ الرُّسُلِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: {إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ} [النساء: 150] اَلْآيَتَيْنِ، فَحَكَمَ عَلَيْهِمْ بِالْكُفْرِ الْمُحَقَّقِ إِذْ آمَنُوا بِبَعْضِ الرُّسُلِ وَكَفَرُوا بِبَعْضِهِمْ، وَكَذَلِكَ مَنْ عَادَى جِبْرَائِيلَ فَإِنَّهُ عَدُوٌّ لِلّْهِ، لِأَنَّ جِبْرَائِيلَ لاَ يَنْزِلُ بِالْأَمْرِ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِهِ، وَإِنَّمَا يَنْزِلُ بِأَمْرِ رَبِّهِ، كَمَا قَالَ: {وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلاَّ بِأَمْرِ رَبِّكَ}... الْآيَةَ [مريم: 64]، وَقَالَ تَعَالَى: {وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ *نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأَمِينُ *عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ} [الشعراء: 192-194]، وَقَدْ رَوَى الْبُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «مَنْ عَادَى لِي وَلِيًّا فَقَدْ بَارَزَنِي بِالْحَرْبِ»[491]. وَلِهَذَا غَضِبَ اللهُ لِجِبْرَائِيلَ عَلَى مَنْ عَادَاهُ، فَقَالَ تَعَالَى: {مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ} أَيْ مِنَ الْكُتُبِ الْمُتَقَدِّمَةِ: {وَهُدىً وَبُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ} أَيْ هُدًى لِقُلُوبِهِمْ وَبُشْرَى لَهُمْ بِالْجَنَّةِ، وَلَيْسَ ذَلِكَ إِلاَّ لِلْمُؤْمِنِينَ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: {قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدىً وَشِفَاءٌ}... الْآيَةَ [فصلت: 44] وَقَالَ تَعَالَى: {وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ}... الْآيَةَ [الإسراء: 82]. [491] (فتح الباري 11/348) ثُمَّ قَالَ تَعَالَى: {مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلاَئِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَ} يَقُولُ تَعَالَى: مَنْ عَادَانِي وَمَلاَئِكَتِي وَرُسُلِي - وَرُسُلُهُ تَشْمَلُ رُسُلَهُ مِنَ الْمَلاَئِكَةِ وَالْبَشَرِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: {اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلاَئِكَةِ رُسُلاً وَمِنَ النَّاسِ} [الحج: 75] - {وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ} وَهَذَا مِنْ بَابِ عَطْفِ الْخَاصِّ عَلَى الْعَامِّ، فَإِنَّهُمَا دَخَلاَ فِي الْمَلاَئِكَةِ فِي عُمُومِ الرُّسُلِ، ثُمَّ خُصِّصَا بِالذِّكْرِ لِأَنَّ السِّيَاقَ فِي الاِنْتِصَارِ لِجِبْرَائِيلَ، وَهُوَ السَّفِيرُ بَيْنَ اللهِ وَأَنْبِيَائِهِ، وَقَرَنَ مَعَهُ مِيكَائِيلَ فِي اللَّفْظِ، لِأَنَّ الْيَهُودَ زَعَمُوا أَنَّ جِبْرَائِيلَ عَدُوُّهُمْ، وَمِيكَائِيلَ وَلِيُّهُمْ، فَأَعْلَمَهُمُ اللهُ تَعَالَى أَنَّ مَنْ عَادَى وَاحِدًا مِنْهُمَا فَقَدْ عَادَى الاْخَرَ، وَعَادَى اللهَ أَيْضًا. وَلِأَنَّهُ أَيْضًا يَنْزِلُ عَلَى أَنْبِيَاءِ اللهِ بَعْضَ الْأَحْيَانِ، وَلَكِنَّ جِبْرَائِيلَ أَكْثَرُ، وَهِيَ وَظِيفَتُهُ، كَمَا أَنَّ إِسْرَافِيلَ مُوَكَّلٌ بِالنَّفْخِ فِي الصُّورِ لِلْبَعْثِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَلِهَذَا جَاءَ فِي الصَّحِيحِ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ كَانَ إِذَا قَامَ مِنَ اللَّيْلِ يَقُولُ: «اللَّهُمَّ رَبَّ جِبْرَائِيلَ وَمِيكَائِيلَ وَإِسْرَافِيلَ، فَاطِرَ السَّموَاتِ وَالْأَرْضِ، عَالِمَ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ، أَنْتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبَادِكَ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ، اهْدِنِي لِمَا اخْتُلِفَ فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِكَ، إِنَّكَ تَهْدِي مَنْ تَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ»[492]. وَقَوْلُهُ تَعَالَى: {فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَ} فِيهِ إِيقَاعُ الْمُظْهَرِ مَكَانَ الْمُضْمَرِ حَيْثُ لَمْ يَقُلْ: فَإِنَّهُ عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَ، بَلْ قَالَ: {فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَ}. وَإِنَّمَا أَظْهَرَ اللهُ هَذَا الْاِسْمَ هَهُنَا لِتَقْرِيرِ هَذَا الْمَعْنَى وَإِظْهَارِهِ، وَإِعْلاَمِهِمْ أَنَّ مَنْ عَادَى وَلِيًّا للهِ فَقَدْ عَادَى اللهَ، وَمَنْ عَادَى اللهَ فَإِنَّ اللهَ عَدُوٌّ لَهُ، وَمَنْ كَانَ اللهُ عَدُوَّهُ فَقَدْ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالاْخِرَةِ، كَمَا تَقَدَّمَ الْحَدِيثُ «مَنْ عَادَى لِي وَلِيًّا فَقَدْ آذَنْتُهُ بِالْمُحَارَبَةِ».[493]. [492] (مسلم 1/534) [493] (فتح الباري 11/348) {وَلَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ وَمَا يَكْفُرُ بِهَا إِلاَّ الْفَاسِقُونَ *أَوَ كُلَّمَا عَاهَدُوا عَهْدًا نَبَذَهُ فَرِيقٌ مِنْهُمْ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ *وَلَمَّا جَاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ نَبَذَ فَرِيقٌ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ كِتَابَ اللَّهِ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ كَأَنَّهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ *وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُوا الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولاَ إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلاَ تَكْفُرْ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ وَمَا هُمْ بِضَآرِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلاَّ بِإِذْنِ اللَّهِ وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلاَ يَنْفَعُهُمْ وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اُشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنْ خَلاَقٍ وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ *وَلَوْ أَنَّهُمْ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَمَثُوبَةٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ خَيْرٌ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ} [دَلاَئِلُ نُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ] قَالَ الْإِمَامُ أَبُو جَعْفَرِ بْنُ جَرِيرٍ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَلَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ} الْآيَةَ...، أَيْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ يَا مُحَمَّدُ عَلاَمَاتٍ وَاضِحَاتٍ، دَالاَّتٍ عَلَى نُبُوَّتِكَ، وَتِلْكَ الْآيَاتُ هِيَ مَا حَوَاهُ كِتَابُ اللهِ مِنْ خَفَايَا عُلُومِ الْيَهُودِ، وَمَكْنُونَاتِ سَرَائِرِ أَخْبَارِهِمْ، وَأَخْبَارِ أَوَائِلِهِمْ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ، وَالنَّبَأِ عَمَّا تَضَمَّنَتْهُ كُتُبُهُمُ الَّتِي لَمْ يَكُنْ يَعْلَمُهَا إِلاَّ أَحْبَارُهُمْ وَعُلَمَاؤُهُمْ، وَمَا حَرَّفَهُ أَوَائِلُهُمْ وَأَوَاخِرُهُمْ وَبَدَّلُوهُ مِنْ أَحْكَامِهِمُ الَّتِي كَانَتْ فِي التَّوْرَاةِ، فَأَطْلَعَ اللهُ فِي كِتَابِهِ الَّذِي أُنْزِلَ عَلَى نَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ ﷺ، فَكَانَ فِي ذَلِكَ مِنْ أَمْرِهِ الْآيَاتُ الْبَيِّنَاتُ لِمَنْ أَنْصَفَ نَفْسَهُ، وَلَمْ يَدْعُهَا إِلَى هَلاَكِهَا الْحَسَدُ وَالْبَغْيُ، إِذْ كَانَ فِي فِطْرَةِ كُلِّ ذِي فِطْرَةٍ صَحِيحَةٍ تَصْدِيقُ مَنْ أَتَى بِمِثْلِ مَا جَاءَ بِهِ مُحَمَّدٌ ﷺ مِنَ الْآيَاتِ الْبَيِّنَاتِ الَّتِي وَصَفَ - مِنْ غَيْرِ تَعَلُّمٍ تَعَلَّمَهُ مِنْ بَشَرِيٍّ، وَلاَ أَخَذَ شَيْئًا مِنْهُ عَنْ آدَمِيٍّ - كَمَا قَالَ الضَّحَّاكُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ {وَلَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ} يَقُولُ: فَأَنْتَ تَتْلُوهُ عَلَيْهِمْ، وَتُخْبِرُهُمْ بِهِ غُدْوَةً وَعَشِيَّـةً، وَبَيْنَ ذَلِكَ، وَأَنْتَ عِنْدَهُمْ أُمِّيٌّ لَمْ تَقْرَأْ كِتَابًا، وَأَنْتَ تُخْبِرُهُمْ بِمَا فِي أَيْدِيهِمْ عَلَى وَجْهِهِ، يَقُولُ اللهُ تَعَالَى فِي ذَلِكَ عِبْرَةٌ وَبَيَانٌ، وَعَلَيْهِمْ حُجَّةٌ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ[494]. [494] (الطبري 2/397 الضحاك عن ابن عباس مرسل) [نَقْضُ الْعُهُودِ مِنْ عَادَةِ الْيَهُودِ] وَقَالَ مَالِكُ بْنُ الصَّيْفِ - حِينَ بُعِثَ رَسُولُ اللهِ ﷺ، وَذَكَّرَهُمْ مَا أَخَذَ عَلَيْهِمْ مِنَ الْمِيثَاقِ، وَمَا عَهِدَ إِلَيْهِمْ فِي مُحَمَّدٍ ﷺ -: وَاللهِ مَا عَهِدَ إِلَيْنَا فِي مُحَمَّدٍ، وَمَا أَخَذَ عَلَيْنَا مِيثَاقًا، فَأَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى: {أَوَ كُلَّمَا عَاهَدُوا عَهْدًا نَبَذَهُ فَرِيقٌ مِنْهُمْ} [495] وَقَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ: فِي قَوْلِهِ {بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ} قَالَ: نَعَمْ، لَيْسَ فِي الْأَرْضِ عَهْدٌ يُعَاهِدُونَ عَلَيْهِ إِلاَّ نَقَضُوهُ وَنَبَذُوهُ، يُعَاهِدُونَ الْيَوْمَ وَيَنْقُضُونَ غَدًا[496]. [495] (الطبري 2/400 إسناده ضعيف بجهالة محمد بن أبي محمد مولى زيد بن ثابت) [496] (ابن أبي حاتم 1/295) [اَلْيَهُودُ طَرَحُوا كِتَابَ اللهِ وَأَقْبَلُوا عَلَى السِّحْرِ] قَالَ السُّدِّيُّ: {وَلَمَّا جَاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ} قَالَ: لَمَّا جَاءَهُمْ مُحَمَّدٌ ﷺ عَارَضُوهُ بِالتَّوْرَاةِ، فَخَاصَمُوهُ بِهَا، فَاتَّفَقَتِ التَّوْرَاةُ وَالْقُرْآنُ، فَنَبَذُوا التَّوْرَاةَ، وَأَخَذُوا بِكِتَابِ آصِفَ، وَسِحْرِ هَارُوتَ وَمَارُوتَ، فَلَمْ يُوَافِقِ الْقُرْآنَ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: {كَأَنَّهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ} [497]. [497] (الطبري 2/404) وَقَالَ قَتَادَةُ فِي قَوْلِهِ: {كَأَنَّهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ} قَالَ: إِنَّ الْقَوْمَ كَانُوا يَعْلَمُونَ، وَلَكِنَّهُمْ نَبَذُوا عِلْمَهُمْ وَكَتَمُوهُ وَجَحَدُوا بِهِ[498]. [498] (الطبري 2/404) [كَانَ السِّحْرُ قَبْلَ عَهْدِ سُلَيْمَانَ عَلَيْهِ السَّلاَمُ] وَقَالَ السُّدِّيُّ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُوا الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ} أَيْ عَلَى عَهْدِ سُلَيْمَانَ، قَالَ: كَانَتِ الشَّيَاطِينُ تَصْعَدُ إِلَى السَّمَاءِ، فَتَقْعُدُ مِنْهَا مَقَاعِدَ لِلسَّمْعِ، فَيَسْتَمِعُونَ مِنْ كَلاَمِ الْمَلاَئِكَةِ مَا يَكُونُ فِي الْأَرْضِ مِنْ مَوْتٍ أَوْ غَيْبٍ أَوْ أَمْرٍ، فَيَأْتُونَ الْكَهَنَـةَ فَـيُخْبِرُونَهُمْ، فَتُحَدِّثُ الْكَهَنَةُ النَّاسَ، فَيَجِدُونَهُ كَمَا قَالُوا، فَلَمَّا أَمِنَتْهُمُ الْكَهَنَةُ كَذَبُوا لَهُمْ، وَأَدْخَلُوا فِيهِ غَيْرَهُ، فَزَادُوا مَعَ كُلِّ كَلِمَةٍ سَبْعِينَ كَلِمَةً، فَاكْتَتَبَ النَّاسُ ذَلِكَ الْحَدِيثَ فِي الْكُتُبِ، وَفَشِىَ ذَلِكَ فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ: أَنَّ الْجِنَّ تَعْلَمُ الْغَيْبَ، فَبَعَثَ سُلَيْمَانُ فِي النَّاسِ، فَجَمَعَ تِلْكَ الْكُتُبَ فَجَعَلَهَا فِي صُنْدُوقٍ، ثُمَّ دَفَنَهَا تَحْتَ كُرْسِيِّهِ، وَلَمْ يَكُنْ أَحَدٌ مِنَ الشَّيَاطِينِ يَسْتَطِيعُ أَنْ يَدْنُوَ مِنَ الْكُرْسِيِّ إِلاَّ احْتَرَقَ، وَقَالَ: لاَ أَسْمَعُ أَحَدًا يَذْكُرُ أَنَّ الشَّيَاطِينَ يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ إِلاَّ ضَرَبْتُ عُنُقَهُ. فَلَمَّا مَاتَ سُلَيْمَانُ، وَذَهَبَتِ الْعُلَمَاءُ الَّذِينَ كَانُوا يَعْرِفُونَ أَمْرَ سُلَيْمَانَ، وَخَلَفَ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ خَلْفٌ، تَمَثَّلَ الشَّيْطَانُ فِي صُورَةِ إِنْسَانٍ، ثُمَّ أَتَى نَفَرًا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ، فَقَالَ لَهُمْ: هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى كَنْزٍ لاَ تَأْكُلُونَهُ أَبَدًا؟ قَالُوا: نَعَمْ، قَالَ: فَاحْفِرُوا تَحْتَ الْكُرْسِيِّ، فَذَهَبَ مَعَهُمْ وَأَرَاهُمُ الْمَكَانَ وَقَامَ نَاحِيَتَهُ، فَقَالُوا لَهُ: فَادْنُ، فَقَالَ: لاَ، وَلَكِنَّنِي هَهُنَا فِي أَيدِيكُمْ، فَإِنْ لَمْ تَجِدُوهُ فَاقْتُلُونِي، فَحَفَرُوا فَوَجَدُوا تِلْكَ الْكُتُبَ، فَلَمَّا أَخْرَجُوهَا قَالَ الشَّيْطَانُ: إِنَّ سُلَيْمَانَ إِنَّمَا كَانَ يَضْبِطُ الْإِنْسَ وَالشَّيَاطِينَ وَالطَّيْرَ بِهَذَا السِّحْرِ، ثُمَّ طَارَ وَذَهَبَ، وَفَشَا فِي النَّاسِ أَنَّ سُلَيْمَانَ كَانَ سَاحِرًا، وَاتَّخَذَتْ بَنُو إِسْرَائِيلَ تِلْكَ الْكُتُبَ، فَلَمَّا جَاءَ مُحَمَّدٌ ﷺ خَاصَمُوهُ بِهَا، فَذَلِكَ حِينَ يَقُولُ اللهُ تَعَالَى: {وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا} [499]. [499] (الطبري 2/405) [قِصَّةُ هَارُوتَ وَمَارُوتَ وَتَفْسِيرُ الْمَلَكَيْنِ] وَقَوْلُهُ تَعَالَى: {وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولاَ إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلاَ تَكْفُرْ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ} اِخْتَلَفَ النَّاسُ فِي هَذَا الْمَقَامِ، فَذَهَبَ بَعْضُهُمْ إِلَى أَنَّ «مَا» نَافِيَةٌ أَعْنِي الَّتِي فِي قَوْلِهِ: {وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ} قَالَ الْقُرْطُبِيُّ: "مَا" نَافِيَةٌ وَمَعْطُوفٌ عَلَى قَوْلِهِ: {وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ} ثُمَّ قَالَ: {وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ} وَذَلِكَ أَنَّ الْيَهُودَ كَانُوا يَزْعُمُونَ أَنَّهُ نَزَلَ بِهِ جِبْرِيلُ وَمِيكَائِيلُ فَأَكْذَبَهُمُ اللهُ، وَجَعَلَ قَوْلَهُ {هَارُوتَ وَمَارُوتَ} بَدَلاً مِنَ الشَّيَاطِينِ، قَالَ: وَصَحَّ ذَلِكَ إِمَّا لِأَنَّ الْجَمْعَ يُطْلَقُ عَلَى الاِثْنَيْنِ، كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ} [النساء: 11] [500] أَوْ لِكَوْنِهِمَا لَهُمَا أَتْبَاعٌ، أَوْ ذُكِرَا مِنْ بَيْنِهِمْ لِتَمَرُّدِهِمَا، وَتَقْدِيرُ الْكَلاَمِ عِنْدَهُ: يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ. ثُمَّ قَالَ: وَهَذَا أَوْلَى مَا حُمِلَتْ عَلَيْهِ الْآيَةُ وَأَصَحُّ، وَلاَ يُلْتَفَتُ إِلَى مَا سِوَاهُ. [500] (القرطبي 2/50) وَرَوَى ابْنُ جَرِيرٍ بِإِسْنَادِهِ مِنْ طَرِيقِ الْعَوفِيِّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ: {وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ}... الْآيَةَ، يَقُولُ: لَمْ يُنْزِلِ اللهُ السِّحْرَ[501]. وَبِإِسْنَادِهِ عَنِ الرَّبِيعِ ابْنِ أَنَسٍ فِي قَوْلِهِ: {وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ} قَالَ: مَا أَنْزَلَ اللهُ عَلَيْهِمَا السِّحْرَ[502]. قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: فَتَأْوِيلُ الْآيَةِ عَلَى هَذَا {وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُوا الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ} مِنَ السِّحْرِ {وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ} وَلاَ أَنْزَلَ اللهُ السِّحْرَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ {وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ} بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ، فَيَكُونُ قَوْلُهُ {بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ} مِنَ الْمُؤَخَّرِ الَّذِي مَعْنَاهُ الْمُقَدَّمُ. [501] (الطبري 2/419 حكم العوفي تقدم) [502] (الطبري 2/419) قَالَ: فَإِنْ قَالَ لَنَا قَائِلٌ: كَيْفَ وَجْهُ تَقْدِيمِ ذَلِكَ؟ قِيلَ وَجْهُ تَقْدِيمِهِ أَنْ يُقَالَ: {وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُوا الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ} مِنَ السِّحْرِ {وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ} وَمَا أَنْزَلَ اللهُ السِّحْرَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ {وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ} بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ، فَيَكُونُ مَعْنِيًّا «بِالْمَلَكَيْنِ» جِبْرِيلُ وَمِيكَائِيلُ عَلَيْهِمَا السَّلاَمُ، لِأَنَّ سَحَرَةَ الْيَهُودِ، فِيمَا ذُكِرَ كَانَتْ تَزْعُمُ أَنَّ اللهَ أَنْزَلَ السِّحْرَ عَلَى لِسَانِ جِبْرِيلَ وَمِيكَائِيلَ إِلَى سُلَيْمَانَ بْنِ دَاوُدَ. فَأَكْذَبَهُمُ اللهُ بِذَلِكَ، وَأَخْبَرَ نَبِيَّهُ مُحَمَّدًا ﷺ أَنَّ جِبْرِيلَ وَمِيكَائِيلَ لَمْ يَنْزِلاَ بِسِحْرٍ، وَبَرَّأَ سُلَيْمَانَ عَلَيْهِ السَّلاَمُ مِمَّا نَحَلُوهُ مِنَ السِّحْرَ، وَأَخْبَرَهُمْ أَنَّ السِّحْرَ مِنْ عَمَلِ الشَّيَاطِينِ، وَأَنَّهَا تُعَلِّمُ النَّاسَ ذَلِكَ بِبَابِلَ، وَأَنَّ الَّذِينَ يُعَلِّمُونَهُمْ ذَلِكَ رَجُلاَنِ: اِسْمُ أَحَدِهِمَا هَارُوتُ، وَاِسْمُ الاْخَرِ مَارُوتُ، فَيَكُونُ {هَارُوتَ وَمَارُوتَ} عَلَى هَذَا التَّأوِيلِ تَرْجَمَةً عَنِ {النَّاسَ} وَرَدًّا عَلَيْهِمْ[503]. هَذَا لَفْظُهُ بِحُرُوفِهِ، وَهَذَا التَّأْوِيلُ فِيهِ مِنَ التَّكَلُّفِ مَالاَ يَخْفَى. [503] (الطبري 2/419) وَذَهَبَ كَثِيرٌ مِنَ السَّلَفِ إِلَى أَنَّهُمَا كَانَا مَلَكَيْنِ مِنَ السَّمَاءِ، وَأَنَّهُمَا أُنْزِلاَ إِلَى الْأَرْضِ، فَكَانَ مِنْ أَمْرِهِمَا مَا كَانَ، وَعَلَى هَذَا فَيَكُونُ الْجَمْعُ بَيْنَ هَذَا وَبَيْنَ مَا وَرَدَ مِنَ الدَّلاَئِلِ عَلَى عِصْمَةِ الْمَلاَئِكَةِ: أَنَّ هَذَيْنِ سَبَقَ فِي عِلْمِ اللهِ لَهُمَا هَذَا، فَيَكُونُ تَخْصِيصًا لَهُمَا، فَلاَ تَعَارُضَ حِينَئِذٍ، كَمَا سَبَقَ فِي عِلْمِهِ مِنْ أَمْرِ إِبْلِيسَ مَا سَبَقَ، وَفِي قَوْلِهِ: إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمَلاَئِكَةِ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلاَئِكَةِ اسْجُدُوا لآِدَمَ فَسَجَدُوا إِلاَّ إِبْلِيسَ أَبَى} [طه: 116] إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْآيَاتِ الدَّالَّةِ عَلَى ذَلِكَ، مَعَ أَنَّ شَأْنَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ عَلَى مَا ذُكِرَ أَخَفُّ مِمَّا وَقَعَ مِنْ إِبْلِيسَ لَعَنَهُ اللهُ تَعَالَى. وَقَدْ حَكَاهُ الْقُرْطُبِيُّ عَنْ عَلِيٍّ وَابْنِ مَسْعُودٍ وَابْنِ عَبَّاسٍ وَابْنِ عُمَرَ وَكَعْبِ الْأَحْبَارِ وَالسُّدِّيِّ وَالْكَلْبِيِّ. وَأَمَّا قِصَّةُ الزُّهَرَةِ فَمَوْضُوعَةٌ بِلاَ مِرْيَةٍ.[504]. [504] (القرطبي 2/51) قَالَ أَصْحَابُ الْهَيْئَةِ: وَبُعْدُ مَا بَيْنَ بَابِلَ، وَهِيَ مِنْ إِقْلِيمِ الْعِرَاقِ، عَنِ الْبَحْرِ الْمُحِيطِ الْغَرْبِيِّ - وَيُقَالُ لَهُ: أُوقِيَانُوسُ -: سَبْعُونَ دَرَجَةً، وَيُسَمُّونَ هَذَا طُولاً، وَأَمَّا عَرْضُهَا، وَهُوَ بُعْدُ مَا بَيْنَهَا وَبَيْنَ وَسْطِ الْأَرْضِ مِنْ نَاحِيَةِ الْجَنُوبِ، وَهُوَ الْمُسَامِتُ لِخَطِّ الاِسْتِوَاءِ: اثْنَانِ وَثَلاَثُونَ دَرَجَةً. وَاللهُ أَعْلَمُ. [تَعَلُّمُ السِّحْرِ كُفْرٌ] وَقَوْلُهُ تَعَالَى: {وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولاَ إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلاَ تَكْفُرْ} قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ الرَّازِيُّ، عَنِ الرَّبِيعِ بْنِ أَنَسٍ عَنْ قَيْسِ ابْنِ عَبَّادٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: فَإِذَا أَتَاهُمَا الاْتِي يُرِيدُ السِّحْرَ نَهَيَاهُ أَشَدَّ النَّهْيِ، وَقَالاَ لَهُ: إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلاَ تَكْفُرْ، وَذَلِكَ أَنَّهُمَا عَلِمَا الْخَيْرَ وَالشَّرَّ وَالْكُفْرَ وَالْإِيمَانَ، فَعَرَفَا أَنَّ السِّحْرَ مِنَ الْكُفْرِ، قَالَ: فَإِذَا أَبَى عَلَيْهِمَا أَمَرَاهُ أَنْ يَأْتِيَ مَكَانَ كَذَا وَكَذَا، فَإِذَا أَتَاهُ عَايَنَ الشَّيْطَانَ فَعَلَّمَهُ، فَإِذَا تَعَلَّمَهُ خَرَجَ مِنْهُ النُّورُ، فَنَظَرَ إِلَيْهِ سَاطِعًا فِي السَّمَاءِ فَيَقُولُ: يَا حَسْرَتَاهْ، يَا وَيْلَهْ مَاذَا أَصْنَعُ[505]؟! وَعَنِ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ أَنَّهُ قَالَ فِي تَفْسِيرِ هَذِهِ الْآيَةِ: نَعَمْ أُنْزِلَ الْمَلَكَانِ بِالسِّحْرِ، لِيُعَلِّمَا النَّاسَ الْبَلاَءَ الَّذِي أَرَادَ اللهُ أَنْ يَبْتَلِيَ بِهِ النَّاسَ، فَأَخَذَ عَلَيْهِمُ الْمِيثَاقَ أَنْ لاَ يُعَلِّمَا أَحَدًا حَتَّى يَقُولاَ: إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلاَ تَكْفُرْ[506] رَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ. وَقَالَ قَتَادَةُ: كَانَ أَخَذَ عَلَيْهِمَا أَنْ لاَ يُعَلِّمَا أَحَدًا حَتَّى يَقُولاَ: إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ، أَيْ بَلاَءٌ اُبْتُلِينَا بِهِ، فَلاَ تَكْفُرْ[507]. [505] (ابن أبي حاتم 1/312) [506] (ابن أبي حاتم 1/310) [507] (الطبري 2/443) وَقَالَ السُّدِّيُّ: إِذَا أَتَاهُمَا إِنْسَانٌ يُرِيدُ السِّحْرِ وَعَظَاهُ، وَقَالاَ لَهُ: لاَ تَكْفُرْ إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ، فَإِذَا أَبَى قَالاَ لَهُ: اِئْتِ هَذَا الرَّمَادَ فَبُلْ عَلَيْهِ، فَإِذَا بَالَ عَلَيْهِ خَرَجَ مِنْهُ نُورٌ فَسَطَعَ حَتَّى يَدْخُلَ السَّمَاءَ، وَذَلِكَ الْإِيمَانُ، وَأَقْبَلَ شَيْءٌ أَسْوَدُ كَهَيْئَةِ الدُّخَانِ حَتَّى يَدْخُلَ فِي مَسَامِعِهِ وَكُلِّ شَيْءٍ، وَذَلِكَ غَضَبُ اللهِ. فَإِذَا أَخْبَرَهُمَا بِذَلِكَ عَلَّمَاهُ السِّحْرَ، فَذَلِكَ قَوْلُ اللهِ تَعَالَى: {وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولاَ إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلاَ تَكْفُرْ} الْآيَةَ[508]. وَقَالَ سُنَيْدٌ عَنْ حَجَّاجٍ عَنِ ابْنِ جُرَيجٍ فِي هَذِهِ الْآيَةِ: لاَ يَجْتَرِىءُ عَلَى السِّحْرِ إِلاَّ كَافِرٌ، وَأَمَّا الْفِتْنَةُ فَهِيَ الْمِحْنَةُ وَالاِخْتِبَارُ[509]. وَقَدِ اسْتُدِلَّ بِهَذِهِ الْآيَةِ عَلَى تَكْفِيرِ مَنْ تَعَلَّمَ السِّحْرَ، وَاسْتُشْهِدَ لَهُ بِالْحَدِيثِ الَّذِي رَوَاهُ الْحَافِظُ أَبُو بَكْرٍ الْبَزَّارُ عَنْ عَبْدِ اللهِ، قَالَ: «مَنْ أَتَى كَاهِنًا أَوْ سَاحِرًا فَصَدَّقَهُ بِمَا يَقُولُ، فَقَدْ كَفَرَ بِمَا أُنْزِلَ عَلَى مُحَمَّدٍ ﷺ [510] وَهَذَا إِسْنَادٌ صَحِيحٌ وَلَهُ شَوَاهِدُ أُخَرُ. [508] (الطبري 2/443) [509] (الطبري 2/443) [510] (كشف الأستار 2/443) [مِنَ السِّحْرِ مَا يُفَرَّقُ بِهِ بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ] وَقَوْلُهُ تَعَالَى: {فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ} أَيْ فَيَتَعَلَّمُ النَّاسُ مِنْ هَارُوتَ وَمَارُوتَ مِنْ عِلْمِ السِّحْرِ، مَا يَتَصَرَّفُونَ بِهِ فِيمَا يَتَصَرَّفُونَ [فِيهِ] مِنَ الْأَفَاعِيلِ الْمَذْمُومَةِ، مَا إِنَّهُمْ لَيُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ، مَعَ مَا بَيْنَهُمَا مِنَ الْخِلْطَةِ وَالاِئْتِلاَفِ. وَهَذَا مِنْ صَنِيعِ الشَّيَاطِينِ، كَمَا رَوَاهُ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إِنَّ الشَّيْطَانَ لَيَضَعُ عَرْشَهُ عَلَى الْمَاءِ، ثُمَّ يَبْعَثُ سَرَايَاهُ فِي النَّاسِ، فَأَقْرَبُهُمْ عِنْدَهُ مَنْزِلَةً أَعْظَمُهُمْ عِنْدَهُ فِتْنَةً، وَيَجِيءُ أَحَدُهُمْ فَيَقُولُ: مَا زِلْتُ بِفُلاَنٍ حَتَّى تَرَكْتُهُ وَهُوَ يَقُولُ كَذَا وَكَذَا، فَيَقُولُ إِبْلِيسُ: لاَ وَاللهِ مَا صَنَعْتَ شَيْئًا وَيَجِيءُ أَحَدُهُمْ فَيَقُولُ: مَا تَرَكْتُهُ حَتَّى فَرَّقْتُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَهْلِهِ، قَالَ: فَيُقَرِّبُهُ وَيُدْنِيهِ وَيَلْتَزِمُهُ وَيَقُولُ: نِعْمَ أَنْتَ[511]. [511] (مسلم 4/2167)» وَسَبَبُ التَّفْرِيقِ بَيْنَ الزَّوْجَينِ بِالسِّحْرِ مَا يُخَيَّلُ إِلَى الرَّجُلِ أَوِ الْمَرْأَةِ مِنَ الاْخَرِ مِنْ سُوءِ مَنْظَرٍ أَوْ خُلُقٍ أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ، أَوْ حِقْدٍ أَوْ بَغْضَةٍ أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ مِنَ الْأَسْبَابِ الْمُقْتَضِيَةِ لِلْفُرْقَةِ، وَالْمَرْءُ عِبَارَةٌ عَنِ الرَّجُلِ وَتَأْنِيثُهُ امْرَأَةٌ، وَيُثَنَّى كُلٌّ مِنْهُمَا وَلاَ يُجْمَعَانِ، وَاللهُ أَعْلَمُ. [قَضَاءُ اللهِ فَوْقَ كُلِّ شَيْءٍ] وَقَوْلُهُ تَعَالَى: {وَمَا هُمْ بِضَآرِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلاَّ بِإِذْنِ اللَّهِ} قَالَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ: إِلاَّ بِقَضَاءِ اللهِ[512]. وَقَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ: {وَمَا هُمْ بِضَآرِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلاَّ بِإِذْنِ اللَّهِ} قَالَ: نَعَمْ، مَنْ شَاءَ اللهُ سَلَّطَهُمْ عَلَيْهِ، وَمَنْ لَمْ يَشَأِ اللهُ لَمْ يُسَلِّطْ، وَلاَ يَسْتَطِيعُونَ ضَرَّ أَحَدٍ إِلاَّ بِإِذْنِ اللهِ، كَمَا قَالَ اللهُ تَعَالَى[513]. وَقَوْلُهُ تَعَالَى: {وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلاَ يَنْفَعُهُمْ} أَيْ يَضُرُّهُمْ فِي دِينِهِمْ وَلَيْسَ لَهُ نَفْعٌ يُوَازِي ضَرَرَهُ {وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اُشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنْ خَلاَقٍ} أَيْ وَلَقَدْ عَلِمَ الْيَهُودُ الَّذِينَ اسْتَبْدَلُوا بِالسِّحْرِ عَنْ مُتَابَعَةِ الرَّسُولِ ﷺ لَمَنْ فَعَلَ فِعْلَهُمْ ذَلِكَ، أَنَّهُ {مَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنْ خَلاَقٍ}، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَمُجَاهِدٌ وَالسُّدِّيُّ: مِنْ نَصِيبٍ[514]. [512] (ابن أبي حاتم 1/312) [513] (ابن أبي حاتم 1/311) [514] (ابن أبي حاتم 1/314) وَقَوْلُهُ تَعَالَى: {وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ *وَلَوْ أَنَّهُمْ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَمَثُوبَةٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ خَيْرٌ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ} يَقُولُ تَعَالَى: {وَلَبِئْسَ} الْبَدِيلُ مَا اسْتَبْدَلُوا بِهِ مِنَ السِّحْرِ عِوَضًا عَنِ الْإِيمَانِ وَمُتَابَعَةِ الرَّسُولِ لَوْ كَانَ لَهُمْ عِلْمٌ بِمَا وُعِظُوا بِهِ {وَلَوْ أَنَّهُمْ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَمَثُوبَةٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ خَيْرٌ} أَيْ وَلَوْ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِاللهِ وَرُسُلِهِ وَاتَّقُوا الْمَحَارِمَ، لَكَانَ مَثُوبَةُ اللهِ عَلَى ذَلِكَ خَيْرًا لَهُمْ مِمَّا اسْتَخَارُوا لِأَنْفُسِهِمْ وَرَضُوا بِهِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: {وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَيْلَكُمْ ثَوَابُ اللَّهِ خَيْرٌ لِمَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا وَلاَ يُلْقَّاهَا إِلاَّ الصَّابِرُونَ} [القصص: 80]. {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انْظُرْنَا وَاسْمَعُوا وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ *مَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَلاَ الْمُشْرِكِينَ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْكُمْ مِنْ خَيْرٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَاللَّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ} [الْأَدَبُ فِي اخْتِيَارِ الْكَلِمَاتِ] نَهَى اللهُ تَعَالَى عِبَادَهُ الْمُؤمِنِينَ أَنْ يَتَشَبَّهُوا بِالْكَافِرِينَ فِي مَقَامِهِمْ وَفِعَالِهِمْ، وَذَلِكَ أَنَّ الْيَهُودَ كَانُوا يُعَانُونَ مِنَ الْكَلاَمِ مَا فِيهِ تَوْرِيَةٌ لِمَا يَقْصِدُونَهُ مِنَ التَّنْقِيصِ، عَلَيْهِمْ لَعَائِنُ اللهِ، فَإِذَا أَرَادُوا أَنْ يَقُولُوا: اِسْمَعْ لَنَا، يَقُولُونَ: رَاعِنَا - وَيُوَرُّونَ بِالرُّعُونَةِ - كَمَا قَالَ تَعَالَى: {مِنَ الَّذِينَ هَادُوا يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَيَقُولُونَ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ وَرَاعِنَا لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ وَطَعْناً فِي الدِّينِ وَلَوْ أَنَّهُمْ قَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَاسْمَعْ وَانْظُرْنَا لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَقْوَمَ وَلَكِنْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَلاَ يُؤْمِنُونَ إِلاَّ قَلِيلاً} [النساء: 46]، وَكَذَلِكَ جَاءَتِ الْأَحَادِيثُ بِالْإِخْبَارِ عَنْهُمْ بِأَنَّهُمْ كَانُوا إِذَا سَلَّمُوا إِنَّمَا يَقُولُونَ: السَّامُ عَلَيْكُمْ. وَالسَّامُ هُوَ الْمَوْتُ، وَلِهَذَا أَمَرَنَا أَنْ نَرُدَّ عَلَيْهِمِ بِـ «وَعَلَيْكُمْ» وَإِنَّمَا يُسْتَجَابُ لَنَا فِيهِمْ، وَلاَ يُسْتَجَابُ لَهُمْ فِينَا. وَالْغَرَضُ أَنَّ اللهَ تَعَالَى نَهَى الْمُؤمِنِينَ عَنْ مُشَابَهَةِ الْكَافِرِينَ قَوْلاً وَفِعْلًا، فَقَالَ: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انْظُرْنَا وَاسْمَعُوا وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ}. وَرَوَى الْإِمَامُ أَحْمَدُ عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «بُعِثْتُ بَيْنَ يَدَيِ السَّاعَةِ بِالسَّيْفِ حَتَّى يُعْبَدَ اللهُ وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ، وَجُعِلَ رِزْقِي تَحْتَ ظِلِّ رُمْحِي، وَجُعِلَتِ الذِّلَّةُ وَالصَّغَارُ عَلَى مَنْ خَالَفَ أَمْرِي، وَمَنْ تَشَبَّهَ بِقَوْمٍ فَهُوَ مِنْهُمْ»[515]. وَرَوَى أَبُو دَاوُدَ عَنْهُ: «مَنْ تَشَبَّهَ بِقَوْمٍ فَهُوَ مِنْهُمْ»[516] فَفِيهِ دِلاَلَةٌ عَلَى النَّهْيِ الشَّدِيدِ وَالتَّهْدِيدِ وَالْوَعِيدِ عَلَى التَّشَبُّهِ بِالْكُفَّارِ فِي أَقْوَالِهِمْ وَأَفْعَالِهِمْ، وَلِبَاسِهِمْ وَأَعْيَادِهِمْ وَعِبَادَاتِهِمْ، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ أُمُورِهِمُ الَّتِي لَمْ تُشْرَعْ لَنَا وَلَمْ نُقَرَّرْ عَلَيْهَا. [515] (أحمد 2/50) [516] (أبو داود 4/314) وَقَالَ الضَّحَّاكُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَقُولُوا رَاعِنَا} قَالَ: كَانُوا يَقُولُونَ لِلنَّبِيِّ ﷺ: أَرْعِنَا سَمْعَكَ. وَإِنَّمَا {رَاعِنَا} كَقَوْلِكَ عَاطِنَا[517]. وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: وَرُوِيَ عَنْ أَبِي الْعَالِيَةِ وَأَبِي مَالِكٍ وَالرَّبِيعِ بْنِ أَنَسٍ، وَعَطِيَّةَ الْعَوْفِيِّ وَقَتَادَةَ نَحْوُ ذَلِكَ[518]. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: {لاَ تَقُولُوا رَاعِنَا} لاَ تَقُولُوا خِلاَفًا[519]. وَفِي رِوَايَةٍ: لاَ تَقُولُوا: اِسْمَعْ مِنَّا، وَنَسْمَعُ مِنْكَ. وَقَالَ عَطَاءٌ: لاَ تَقُولُوا {رَاعِنَا} كَانَتْ لُغَةً تَقُولُهَا الْأَنْصَارُ، فَنَهَى اللهُ عَنْهَا[520]: وَقَالَ السُّدِّيُّ: كَانَ رَجُلٌ مِنَ الْيَهُودِ مِنْ بَنِي قَيْنُقَاعٍ، يُدْعَى رِفَاعَةَ بْنَ زَيْدٍ، يَأْتِي النَّبِيَّ ﷺ فَإِذَا لَقِيَهُ فَكَلَّمَهُ قَالَ: أَرْعِنِي سَمْعَكَ، وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ، وَكَانَ الْمُسْلِمُونَ يَحْسَبُونَ أَنَّ الْأَنْبِيَاءَ كَانَتْ تُفَخَّمُ بِهَذَا، فَكَانَ نَاسٌ مِنْهُمْ يَقُولُونَ: اِسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ غَيْرَ صَاغِرٍ. وَهِيَ كَالَّتِي فِي سُورَةِ النِّسَاءِ، فَتَقَدَّمَ اللهُ إِلَى الْمُؤمِنِينَ أَنْ لاَ يَقُولُوا: رَاعِنَا[521]. وَكَذَا قَالَ عَبْدُ الرَّحْمنِ بْنُ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ بِنَحْوٍ مِنْ هَذَا[522]. [517] (الطبري 2/461 الضحاك لم يسمع من ابن عباس) [518] (ابن أبي حاتم 1/317) [519] (ابن أبي حاتم 1/318) [520] (ابن أبي حاتم 1/318) [521] (الطبري 2/462) [522] (ابن أبي حاتم 3/965) [شِدَّةُ عَدَاوَةِ الْكَافِرِينَ وَأَهْلِ الْكِتَابِ لِلْمُسْلِمِينَ] وَقَوْلُهُ تَعَالَى: {مَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَلاَ الْمُشْرِكِينَ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْكُمْ مِنْ خَيْرٍ مِنْ رَبِّكُمْ} يُبَيِّنُ بِذَلِكَ تَعَالَى شِدَّةَ عَدَاوَةِ الْكَافِرِينَ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ، الَّذِينَ حَذَّرَ اللهُ تَعَالَى مِنْ مُشَابَهَتِهِمْ لِلْمُؤمِنِينَ، لِيَقْطَعَ الْمَوَدَّةَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَهُمْ، وَنَبَّهَ تَعَالَى عَلَى مَا أَنْعَمَ بِهِ عَلَى الْمُؤمِنِينَ مِنَ الشَّرْعِ التَّامِّ الْكَامِلِ الَّذِي شَرَعَهُ لِنَبِيِّهِمْ مُحَمَّدٍ ﷺ، حَيْثُ يَقُولُ تَعَالَى: {وَاللَّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ}. {مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ *أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلاَ نَصِيرٍ} [اَلنَّسْخُ وَتَعْرِيفُهُ] قَالَ ابْنُ أَبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا: {مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ} : مَا نُبَدِّلْ مِنْ آيَةٍ[523]. وَقَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ عَنْ مُجَاهِدٍ: {مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ} أَيْ مَا نَمْحُو مِنْ آيَةٍ[524]. وَقَالَ ابْنُ أَبِي نَجِيحٍ عَنْ مُجَاهِدٍ {مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ} قَالَ: نُثْبِتْ خَطَّهَا وَنُبَدِّلْ حُكْمَهَا. حَدَّثَ بِهِ عَنْ أَصْحَابِ عَبْدِ اللهِ ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ[525]. وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: وَرُوِيَ عَنْ أَبِي الْعَالِيَةِ وَمُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ الْقُرَظِيِّ نَحْوُ ذَلِكَ[526]. وَقَالَ السُّدِّيُّ: {مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ} نَسْخُهَا: قَبْضُهَا[527]. وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: يَعْنِي قَبْضَهَا وَرَفْعَهَا، مِثْلُ قَوْلِهِ: (الشَّيْخُ وَالشَّيْخَةُ إِذَا زَنَيَا فَارْجُمُوهُمَا الْبَتَّةَ). وَقَوْلِهِ: (لَوْ كَانَ لاِبْنِ آدَمَ وَادِيَانِ مِنْ ذَهَبٍ لاَبْتَغَى لَهُمَا ثَالِثًا)[528]. [523] (الطبري 2/473) [524] (ابن أبي حاتم 1/321) [525] (ابن أبي حاتم 1/322) [526] (ابن أبي حاتم 1/322) [527] (ابن أبي حاتم 1/322) [528] (ابن أبي حاتم 1/324) وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: {مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ}، مَا نَنْقُلْ مِنْ حُكْمِ آيَةٍ إِلَى غَيْرِهِ، فَنُبَدِّلَهُ وَنُغَيِّرَهُ، وَذَلِكَ أَنْ نُحَوِّلَ الْحَلاَلَ حَرَامًا، وَالْحَرَامَ حَلاَلاً، وَالْمُبَاحَ مَحْظُورًا، وَالْمَحْظُورَ مُبَاحًا. وَلاَ يَكُونُ ذَلِكَ إِلاَّ فِي الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ وَالْحَظْرِ وَالْإِطْلاَقِ وَالْمَنْعِ وَالْإِبَاحَةِ، فَأمَّا الْأَخْبَارُ فَلاَ يَكُونُ فِيهَا نَاسِخٌ وَلاَ مَنْسُوخٌ، وَأَصْلُ النَّسْخِ مِنْ نَسْخِ الْكِتَابِ، وَهُوَ: نَقْلُهُ مِنْ نُسْخَةٍ إِلَى أُخْرَى غَيْرِهَا، فَكَذَلِكَ مَعْنَى نَسْخِ الْحُكْمِ إِلَى غَيْرِهِ إِنَّمَا هُوَ تَحْوِيلُهُ وَنَقْلُ عِبَارَةٍ إِلَى غَيْرِهَا. وَسَوَاءٌ نُسِخَ حُكْمُهَا أَوْ خَطُّهَا، إِذْ هِيَ فِي كِلْتَا حَالَتَيْهَا مَنْسُوخَةٌ[529]. [529] (الطبري 1/472) وَقَوْلُهُ تَعَالَى: {أَوْ نُنْسِهَا}، فَقُرِئَ عَلَى وَجْهَيْنِ، (نَنْسَأْهَا) وَ{نُنْسِهَا}. فَأَمَّا مَنْ قَرَأَهَا بِفَتْحِ النُّونِ وَالْهَمْزَةِ بَعْدَ السِّينِ فَمَعْنَاهُ: نُؤَخِّرْهَا. قَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: {مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا}، يَقُولُ: مَا نُبَدِّلْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نَتْرُكْهَا، لاَ نُبَدِّلْهَا[530]. وَقَالَ مُجَاهِدٌ عَنْ أَصْحَابِ ابْنِ مَسْعُودٍ: (أَوْ نَنْسَأْهَا): نُثْبِتْ خَطَّهَا وَنُبَدِّلْ حُكْمَهَا[531]. وَقَالَ عُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ وَمُجَاهِدٌ وَعَطَاءٌ: (أَوْ نُنْسَأْهَا): نُؤَخِّرْهَا وَنُرْجِئْهَا[532]. وَقَالَ عَطِيَّةُ الْعَوْفِيُّ: (أَوْ نَنْسَأْهَا): نُؤَخِّرْهَا فَلاَ نَنْسَخْهَا[533]. وَقَالَ السُّدِّيُّ مِثْلَهُ أَيْضًا، وَكَذَا الرَّبِيعُ بْنُ أَنَسٍ[534]. وَأَمَّا عَلَى قِرَاءَةِ {أَوْ نُنْسِهَا}، فَقَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ قَتَادَةَ فِي قَوْلِهِ: {مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا}، قَالَ: كَانَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ يُنْسِي نَبِيَّهُ ﷺ مَا يَشَاءُ، وَيَنْسَخُ مَا يَشَاءُ [530] (الطبري 2/476) [531] (الطبري 2/473) [532] (الطبري 2/477) [533] (الطبري 2/477) [534] (ابن أبي حاتم 1/326) وَقَوْلُهُ: {نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا}، أَيْ فِي الْحُكْمِ بِالنِّسْبَةِ إِلَى مَصْلَحَةِ الْمُكَلَّفِينَ، كَمَا قَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: {نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا} يَقُولُ: خَيْرٌ لَكُمْ فِي الْمَنْفَعَةِ، وَأَرْفَقُ بِكُمْ[535]. وَقَالَ أَبُو الْعَالِيَةِ: {مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ}: فَلاَ نَعْمَلَ بِهَا (أَوْ نَنْسَأْهَا) أَيْ نُرْجِئْهَا عِنْدَنَا، نَأْتِ بِهَا أَوْ نَظِيرِهَا[536]. وَقَالَ السُّدِّيُّ: {نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا} يَقُولُ: نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنَ الَّذِي نَسَخْنَاهُ أَوْ مِثْلَ الَّذِي تَرَكْنَاهُ[537]. وَقَالَ قَتَادَةُ: {نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا} يَقُولُ: آيَةٌ فِيهَا تَخْفِيفٌ، فِيهَا رُخْصَةٌ، فِيهَا أَمْرٌ، فِيهَا نَهْيٌ[538]. [535] (الطبري 2/481) [536] (ابن أبي حاتم 1/326) [537] (ابن أبي حاتم 1/327) [538] (ابن أبي حاتم 1/327) [بَيَانُ صِحَّةِ النَّسْخِ وَالرَّدُّ عَلَى الْيَهُودِ فِي اسْتِحَالَتِهِمْ ذَلِكَ] وَقَوْلُهُ: {أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ *أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلاَ نَصِيرٍ}، يُرْشِدُ عِبَادَهُ تَعَالَى بِهَذَا إِلَى أَنَّهُ الْمُتَصَرِّفُ فِي خَلْقِهِ بِمَا يَشَاءُ، فَلَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ، وَهُوَ الْمُتَصَرِّفُ، فَكَمَا [يَخْلُقُهُمْ] كَمَا يَشَاءُ، وَيُسْعِدُ مَنْ يَشَاءُ، وَيُشْقِي مَنْ يَشَاءُ، وَيُصِحُّ مِنْ يَشَاءُ، وَيُمْرِضُ مَنْ يَشَاءُ، وَيُوَفِّقُ مَنْ يَشَاءُ، وَيَخْذُلُ مَنْ يَشَاءُ: كَذَلِكَ يَحْكُمُ فِي عِبَادِهِ بِمَا يَشَاءُ، فَيُحِلُّ مَا يَشَاءُ وَيُحَرِّمُ مَا يَشَاءُ، وَيُبِيحُ مَا يَشَاءُ، وَيَحْظُرُ مَا يَشَاءُ، وَهُوَ الَّذِي يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ، لاَ مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ، وَلاَ يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ، وَهُمْ يُسْأَلُونَ. وَيَخْتَبِرُ عِبَادَهُ وَطَاعَتَهُمْ لِرُسُلِهِ بِالنَّسْخِ، فَيَأْمُرُ بِالشَّيْءِ لِمَا فِيهِ مِنَ الْمُصَاحَبَةِ الَّتِي يَعْلَمُهَا تَعَالَى، ثُمَّ يَنْهَى عَنْهُ لِمَا يَعْلَمُهُ تَعَالَى، فَالطَّاعَةُ كُلُّ الطَّاعَةِ فِي امْتِثَالِ أَمْرِهِ، وَاتِّبَاعِ رُسُلِهِ فِي تَصْدِيقِ مَا أَخْبَرُوا، وَامْتِثَالِ مَا أَمَرُوا، وَتَرْكِ مَا عَنْهُ زَجَرُوا. وَفِي هَذَا الْمَقَامِ رَدٌّ عَظِيمٌ وَبَيَانٌ بَلِيغٌ لِكُفْرِ الْيَهُودِ، وَتَزْيِيفُ شُبْهَتِهِمْ، لَعَنَهُمُ اللهُ، فِي دَعْوَى اسْتِحَالَةِ النَّسْخِ، إِمَّا عَقْلاً كَمَا زَعَمَهُ بَعْضُهُمْ جَهْلاً وَكُفْرًا، وَإِمَّا نَقْلاً كَمَا تَخَرَّصَهُ آخَرُونَ مِنْهُمُ افْتِرَاءً وَإِفْكًا. قَالَ الْإِمَامُ أَبُو جَعْفَرِ بْنُ جَرِيرٍ رَحِمَهُ اللهُ: فَتَأْوِيلُ الْآيَةِ: أَلَمْ تَعْلَمْ يَا مُحَمَّدُ، أَنَّ لِي مُلْكَ السَّموَاتِ وَالْأَرْضِ وَسُلْطَانَهَا دُونَ غَيْرِي، أَحْكُمُ فِيهِمَا وَفِيمَا فِيهِمَا بِمَا أَشَاءُ، وَآمُرُ فِيهِمَا وَفِيمَا فِيهِمَا بِمَا أَشَاءُ، وَأَنْهى عَمَّا أَشَاءُ، وَأَنْسَخُ وَأُبَدِّلُ وَأُغَيِّرُ مِنْ أَحْكَامِي الَّتِي أَحْكُمُ بِهَا فِي عِبَادِي، بِمَا أَشَاءُ إِذَا أَشَاءُ، وَأُقِرُّ فِيهِمَا مَا أَشَاءُ. ثُمَّ قَالَ: وَهَذَا الْخَبَرُ وَإِنْ كَانَ خِطَابًا مِنَ اللهِ تَعَالَى لِنَـبِـيِّهِ ﷺ عَلَى وَجْهِ الْخَبَرِ عَنْ عَظَمَتِهِ؛ فَإِنَّهُ مِنْهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ تَكْذِيبٌ لِلْيَهُودِ، الَّذِينَ أَنْكَرُوا نَسْخَ أَحْكَامِ التَّوْرَاةِ، وَجَحَدُوا نُبُوَّةَ عِيْسَى وَمُحَمَّدٍ عَلَيْهِمَا الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ، لِمَجِيئِهِمَا بِمَا جَاءَا بِهِ مِنْ عِنْدِ اللهِ، بِتَغْيِيرِ مَا غَيَّرَ اللهُ مِنْ حُكْمِ التَّوْرَاةِ، فَأَخْبَرَهُمُ اللهُ أَنَّ لَهُ مُلْكَ السَّموَاتِ وَالْأَرْضِ وَسُلْطَانَهُمَا، وَأَنَّ الْخَلْقَ أَهْلُ مَمْلَكَتِهِ، وَطَاعَتِهِ وَعَلَيْهِمُ السَّمْعُ وَالطَّاعَةُ لِأَمْرِهِ وَنَهْيِهِ. وَأَنَّ لَهُ أَمْرَهُمْ بِمَا يَشَاءُ، وَنَهْيَهُمْ عَمَّا يَشَاءُ، وَنَسْخَ مَا يَشَاءُ، وَإِقْرَارَ مَا يَشَاءُ، وَإِنْشَاءَ مَا يَشَاءُ مِنْ إِقْرَارِهِ وَأَمْرِهِ وَنَهْيِهِ[539]. [539] (الطبري 2/488) (قُلْتُ): الَّذِيْ يَحْمِلُ الْيَهُودَ عَلَى الْبَحْثِ فِي مَسْأَلَةِ النَّسْخِ، إِنَّمَا هُوَ الْكُفْرُ وَالْعِنَادُ، فَإِنَّهُ لَيْسَ فِي الْعَقْلِ مَا يَدُلُّ عَلَى امْتِنَاعِ النَّسْخِ فِي أَحْكَامِ اللهِ تَعَالَى، لِأَنَّهُ يَحْكُمُ مَا يَشَاءُ، كَمَا أَنَّهُ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ، مَعَ أَنَّهُ قَدْ وَقَعَ ذَلِكَ فِي كُتُبِهِ الْمُتَقَدِّمَةِ وَشَرَائِعِهِ الْمَاضِيَةِ، كَمَا أَحَلَّ لآِدَمَ تَزْوِيجَ بَنَاتِهِ مِنْ بَنِيهِ، ثُمَّ حَرَّمَ ذَلِكَ. وَكَمَا أَبَاحَ لِنُوحٍ، بَعْدَ خُرُوجِهِ مِنَ السَّفِينَةِ أَكْلَ جَمِيعِ الْحَيْوَانَاتِ، ثُمَّ نَسَخَ حِلَّ بَعْضِهَا. وَكَانَ نِكَاحُ الْأُخْتَينِ مُبَاحًا لِإِسْرَائِيلَ وَبَنِيهِ، وَقَدْ حَرَّمَ ذَلِكَ فِي شَرِيعَةِ التَّوْرَاةِ وَمَا بَعْدَهَا. وَأَمَرَ إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلاَمُ بِذَبْحِ وَلَدِهِ، ثُمَّ نَسَخَهُ قَبْلَ الْفِعْلِ. وَأَمَرَ جُمْهُورَ بَنِي إِسْرَائِيلَ بِقَتْلِ مَنْ عَبَدَ الْعِجْلَ مِنْهُمْ، ثُمَّ رَفَعَ عَنْهُمُ الْقَتْلَ كَيْلاَ يَسْتَأْصِلَهُمُ الْقَتْلُ. وَأَشْيَاءُ كَثِيرَةٌ يَطُولُ ذِكْرُهَا. وَهُمْ يَعْتَرِفُونَ بِذَلِكَ وَيَصْدِفُونَ عَنْهُ. وَمَا يُجَابُ بِهِ عَنْ هَذِهِ الْأَدِلَّةِ بِأَجْوِبَةٍ لَفْظِيَّةٍ فَلاَ يَصْرِفُ الدَّلاَلَةَ فِي الْمَعْنَى، إِذْ هُوَ الْمَقْصُودُ، وَكَمَا فِي كُتُبِهِمْ مَشْهُورًا مِنَ الْبِشَارَةِ بِمُحَمَّدٍ ﷺ، وَالْأَمْرِ بِاتِّبَاعِهِ، فَإِنَّهُ يُفِيدُ وُجُوبَ مُتَابَعَتِهِ عَلَيْهِ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ، وَأَنَّهُ لاَ يُقْبَلُ عَمَلٌ إِلاَّ عَلَى شَرِيعَتِهِ، وَسَوَاءٌ قِيلَ: إِنَّ الشَّرَائِعَ الْمُتَقَدِّمَةَ مُغَيَّاةٌ إِلَى بِعْثَتِهِ عَلَيْهِ السَّلاَمُ، فَلاَ يُسَمَّى ذَلِكَ نَسْخًا لِقَوْلِهِ: {ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ} وَقِيلَ: إِنَّهَا مُطْلَقَةٌ، وَإِنَّ شَرِيعَةَ مُحَمَّدٍ ﷺ نَسَخَتْهَا، فَعَلَى كُلِّ تَقْدِيرٍ، فَوُجُوبُ مُتَابَعَتِهِ مُتَعَيِّنٌ، لِأَنَّهُ جَاءَ بِكِتَابٍ هُوَ آخِرُ الْكُتُبِ عَهْدًا بِاللهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى. فَفِي هَذَا الْمَقَامِ بَيَّنَ تَعَالَى جَوَازَ النَّسْخِ، رَدًّا عَلَى الْيَهُودِ عَلَيْهِمْ لَعْنَـةُ اللهِ، حَيْثُ قَالَ تَعَالَى:{أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ *أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ}... الْآيَةَ، فَكَمَا أَنَّ لَهُ الْمُلْكَ بِلاَ مُنَازِعٍ، فَكَذَلِكَ لَهُ الْحُكْمُ بِمَا يَشَاءُ، {أَلاَ لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ} [الأعراف: 54] وَ[قُرِّرَ] فِي سُورَةِ آلِ عِمْرَانَ، الَّتِي نَزَلَ فِي صَدْرِهَا - خِطَابًا مَعَ أَهْلِ الْكِتَابِ - وُقُوعُ النَّسْخِ عِنْدَ الْيَهُودِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {كُلُّ الطَّعَامِ كَانَ حِلاًّ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ إِلاَّ مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ}... الْآيَةَ [النساء: 93]، كَمَا سَيَأْتِي تَفْسِيرُهُ. وَالْمُسْلِمُونَ كُلُّهُمْ مُتَّفِقُونَ عَلَى جَوَازِ النَّسْخِ فِي أَحْكَامِ اللهِ تَعَالَى، لِمَا لَهُ فِي ذَلِكَ مِنَ الْحِكْمَةِ الْبَالِغَةِ. وَكُلُّهُمْ قَالَ بِوُقُوعِهِ. {أَمْ تُرِيدُونَ أَنْ تَسْأَلُوا رَسُولَكُمْ كَمَا سُئِلَ مُوسَى مِنْ قَبْلُ وَمَنْ يَتَبَدَّلِ الْكُفْرَ بِالإِيمَانِ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيْلِ} [اَلنَّهْيُ عَنْ كَثْرَةِ السُّؤَالِ] نَهَى اللهُ تَعَالَى الْمُؤْمِنِينَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ، عَنْ كَثْرَةِ سُؤَالِ النَّبِيِّ ﷺ عَنِ الْأَشْيَاءِ قَبْلَ كَوْنِهَا، كَمَا قَالَ تَعَالَى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ وَإِنْ تَسْأَلُوا عَنْهَا حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ} [المائدة: 101] أَيْ وَإِنْ تَسْأَلُوا عَنْ تَفْصِيلِهَا بَعْدَ نُزُولِهَا تُـبَـيَّنْ لَكُمْ، وَلاَ تَسْأَلُوا عَنِ الشَّيْءِ قَبْلَ كَوْنِهِ، فَلَعَلَّهُ أَنْ يُحَرَّمَ مِنْ أَجْلِ تِلْكَ الْمَسْأَلَةِ، وَلِهَذَا جَاءَ فِي الصَّحِيحِ: «إِنَّ أَعْظَمَ الْمُسْلِمِينَ جُرْمًا مَنْ سَأَلَ عَنْ شَيْءٍ لَمْ يُحَرَّمْ، فَحُرِّمَ مِنْ أَجْلِ مَسْأَلَتِهِ». وَلَمَّا سُئِلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ عَنِ الرَّجُلِ يَجِدُ مَعَ امْرَأَتِهِ رَجُلاً، فَإِنْ تَكَلَّمَ تَكَلَّمَ بِأَمْرٍ عَظِيمٍ، وَإِنْ سَكَتَ سَكَتَ عَلَى مِثْلِ ذَلِكَ، فَكَرِهَ رَسُولُ اللهِ ﷺ الْمَسَائِلَ وَعَابَهَا، ثُمَّ أَنْزَلَ اللهُ حُكْمَ الْمُلاَعَنَةِ، وَلِهَذَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ، مِنْ حَدِيثِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ كَانَ يَنْهى عَنْ قِيلَ وَقَالَ، وَإِضَاعَةِ الْمَالِ، وَكَثْرَةِ السُّؤَالِ[540]. [540] (فتح الباري 3/398، ومسلم 3/1341) وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ: «ذَرُونِي مَا تَرَكْتُكُمْ، فَإِنَّمَا هَلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ بِكَثْرَةِ سُؤَالِهِمْ، وَاخْتِلاَفِهِمْ عَلَى أَنْبِيَائِهِمْ، فَإِذَا أَمَرْتُـكُمْ بِأَمْرٍ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ، وَإِنْ نَهَيْتُكُمْ عَنْ شَيْءٍ فَاجْتَنِبُوهُ» وَهَذَا إِنَّمَا قَالَهُ بَعْدَ مَا أَخْبَرَهُمْ: أَنَّ اللهَ كَتَبَ عَلَيْهِمُ الْحَجَّ. فَقَالَ رَجُلٌ: أَكُلَّ عَامٍ يَا رَسُولَ اللهِ؟ فَسَكَتَ عَنْهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ ثَلاَثًا، ثُمَّ قَالَ عَلَيْهِ السَّلاَمُ: «لاَ، وَلَوْ قُلْتُ: نَعَمْ، لَوَجَبَتْ، وَلَوْ وَجَبَتْ لَمَا اسْتَطَعْتُمْ»، ثُمَّ قَالَ: «ذَرُونِي مَا تَرَكْتُكُمْ» اَلْحَدِيثَ[541]. [541] (مسلم 2/975) وَلِهَذَا قَالَ أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ: نُهِينَا أَنْ نَسْأَلَ رَسُولَ اللهِ ﷺ عَنْ شَيْءٍ، فَكَانَ يُعْجِبُنَا أَنْ يَأْتِيَ الرَّجُلُ مِنْ أَهْلِ الْبَادِيَةِ فَيَسْأَلُهُ وَنَحْنُ نَسْمَعُ.[542]. [542] (مسلم 1/41) وَقَوْلُهُ تَعَالَى: {أَمْ تُرِيدُونَ أَنْ تَسْأَلُوا رَسُولَكُمْ كَمَا سُئِلَ مُوسَى مِنْ قَبْلُ} أَيْ بَلْ تُرِيدُونَ، أَوْ هِيَ عَلَى بَابِهَا فِي الاِسْتِفْهَامِ، وَهُوَ إِنْكَارِيٌّ، وَهُوَ يَعُمُّ الْمُؤْمِنِينَ وَالْكَافِرِينَ، فَإِنَّهُ عَلَيْهِ السَّلاَمُ رَسُولُ اللهِ إِلَى الْجَمِيعِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: {يَسْأَلُكَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتَابًا مِنَ السَّمَاءِ فَقَدْ سَأَلُوا مُوسَى أَكْبَرَ مِنْ ذَلِكَ فَقَالُوا أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ بِظُلْمِهِمْ} [النساء:153] [543]. قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي مُحَمَّدٍ عَنْ عِكْرِمَةَ أَوْ سَعِيدُ [بْنُ جُبَيْرٍ] عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: قَالَ رَافِعُ بْنُ حُرَيْمِلَةَ أَوْ وَهْبُ بْنُ زَيْدٍ: يَا مُحَمَّدُ، اِئْتِنَا بِكِتَابٍ تُنَزِّلُهُ عَلَيْنَا مِنَ السَّمَاءِ نَقْرَؤُهُ، وَفَجِّرْ لَنَا أَنْهَارًا نَتَّبِعْكَ وَنُصَدِّقْكَ، فَأَنْزَلَ اللهُ مِنْ قَوْلِهِمْ، {أَمْ تُرِيدُونَ أَنْ تَسْأَلُوا رَسُولَكُمْ كَمَا سُئِلَ مُوسَى مِنْ قَبْلُ وَمَنْ يَتَبَدَّلِ الْكُفْرَ بِالإِيمَانِ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيْلِ}[544]. [543] (الدرامي 1/48 والمجمع 1/158) [544] (الطبري 2/490 إسناده ضعيف لجهالة محمد بن أبي محمد) وَالْمُرَادُ: أَنَّ اللهَ ذَمَّ مَنْ سَأَلَ الرَّسُولَ ﷺ عَنْ شَيْءٍ عَلَى وَجْهِ التَّعَنُّتِ وَالاِقْتِرَاحِ، كَمَا سَأَلَتْ بَنُو إِسْرَائِيلَ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلاَمُ تَعَنُّتًا وَتَكْذِيبًا وَعِنَادًا. قَالَ اللهُ تَعَالَى: {وَمَنْ يَتَبَدَّلِ الْكُفْرَ بِالإِيمَانِ}، أَيْ وَمَنْ يَشْتَرِ الْكُفْرَ بِالْإِيمَانِ {فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيْلِ} أَيْ فَقَدْ خَرَجَ عَنِ الطَّرِيقِ الْمُسْتَقِيمِ إِلَى الْجَهْلِ وَالضَّلاَلِ. وَهكَذَا حَالُ الَّذِينَ عَدَلُوا عَنْ تَصْدِيقِ الْأَنْبِيَاءِ، وَاتِّبَاعِهِمْ وَالاِنْقِيَادِ لَهُمْ إِلَى مُخَالَفَتِهِمْ وَتَكْذِيبِهِمْ، وَالاِقْتِرَاحِ عَلَيْهِمْ بِالْأَسْئِلَةِ الَّتِي لاَ يَحْتَاجُونَ إِلَيْهَا؛ عَلَى وَجْهِ التَّعَنُّتِ وَالْكُفْرِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَةَ اللَّهِ كُفْرًا وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ *جَهَنَّمَ يَصْلُوْنَهَا وَبِئْسَ الْقَرَارُ} [إبراهيم:28،29] وَقَالَ أَبُو الْعَالِيَةِ: يَتَبَدَّلِ الشِّدَّةَ بِالرَّخَاءِ.[545]. [545] (ابن أبي حاتم 1/330) {وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ *وَأَقِيمُوا الصَّلاَةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ} [اَلنَّهْيُ عَنْ سُلُوكِ طَرِيقَةِ أَهْلِ الْكِتَابِ] يُحَذِّرُ تَعَالَى عِبَادَهُ الْمُؤْمِنِينَ عَنْ سُلُوكِ طَرِيقِ الْكُفَّارِ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ، وَيُعَلِّمُهُمْ بِعَدَاوَتِهِمْ لَهُمْ فِي الْبَاطِنِ وَالظَّاهِرِ، وَمَا هُمْ مُشْتَمِلُونَ عَلَيْهِ مِنَ الْحَسَدِ لِلْمُؤْمِنِينَ، مَعَ عِلْمِهِمْ بِفَضْلِهِمْ وَفَضْلِ نَبِيِّهِمْ. وَيَأْمُرُ عِبَادَهُ الْمُؤْمِنِينَ بِالصَّفْحِ وَالْعَفْوِ وَالاِحْتِمَالِ، حَتَّى يَأْتِيَ أَمْرُ اللهِ مِنَ النَّصْرِ وَالْفَتْحِ، وَيَأْمُرُهُمْ بِإِقَامَةِ الصَّلاَةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ، وَيَحُثُّهُمْ عَلَى ذَلِكَ وَيُرَغِّبُهُمْ فِيهِ وَرَوَى ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ: أَنَّ كَعْبَ بْنَ الْأَشْرَفِ الْيَهُودِيَّ كَانَ شَاعِرًا، وَكَانَ يَهْجُو النَّبِيَّ ﷺ، وَفِيهِ أَنْزَلَ اللهُ {وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ} إِلَى قَوْلِهِ {فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا} [546]. [546] (ابن بي حاتم: 1/330) وَقَالَ الضَّحَّاكُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّ رَسُولاً أُمِّيًّا يُخْبِرُهُمْ بِمَا فِي أَيْدِيهِمْ مِنَ الْكُتُبِ وَالرُّسُلِ وَالْآيَاتِ، ثُمَّ يُصَدِّقُ بِذَلِكَ كُلِّهِ مِثْلَ تَصْدِيقِهِمْ، وَلَكِنَّهُمْ جَحَدُوا ذَلِكَ كُفْرًا وَحَسَدًا وَبَغْيًا، وَلِذَلِكَ قَالَ اللهُ تَعَالَى: {كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ} يَقُولُ: مِنْ بَعْدِ مَا أَضَاءَ لَهُمُ الْحَقُّ، لَمْ يَجْهَلُوا مِنْهُ شيئًا، وَلَكِنَّ الْحَسَدَ حَمَلَهُمْ عَلَى الْجُحُودِ، فَعَيَّرَهُمْ وَوَبَّخَهُمْ وَلاَمَهُمْ أَشَدَّ الْمَلاَمَةِ[547]. وَشَرَعَ لِنَبِيِّهِ ﷺ وَلِلْمُؤْمِنِينَ، مَا هُمْ عَلَيْهِ مِنَ التَّصْدِيقِ وَالْإِيمَانِ وَالْإِقْرَارِ بِمَا أَنْزَلَ اللهُ عَلَيْهِمْ، وَمَا أَنْزَلَ مِنْ قَبْلِهِمْ، بِكَرَامَتِهِ وَثَوَابِهِ الْجَزِيلِ وَمَعُونَتِهِ لَهُمْ. [547] (ابن أبي حاتم: 1/331) وَقَالَ الرَّبِيعُ بْنُ أَنَسٍ: {مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ} مِنْ قِبَلِ أَنْفُسِهِمْ[548]. وَقَالَ أَبُو الْعَالِيَةِ: {مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ} مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ، يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ، فَكَفَرُوا بِهِ حَسَدًا وَبَغْيًا، إِذْ كَانَ مِنْ غَيْرِهِمْ[549]. وَكَذَا قَالَ قَتَادَةُ وَالرَّبِيعُ بْنُ أَنَسٍ. وَقَوْلُهُ: {فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ} [550]، مِثْلُ قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذىً كَثِيرًا}... الْآيَةَ [آل عمران:186]، قَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ: {فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ}، نَسَخَ ذَلِكَ قَوْلُهُ: {فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ} [التوبة: 5] وَقَوْلُهُ: {قَاتِلُوا الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلاَ بِالْيَوْمِ الآخِرِ} إِلَى قَوْلِهِ: {وَهُمْ صَاغِرُونَ} [التوبة: 29] فَنَسَخَ هَذَا عَفْوَهُ عَنِ الْمُشْرِكِينَ[551]. وَكَذَا قَالَ أَبُو الْعَالِيَةِ وَالرَّبِيعُ بْنَ أَنَسٍ وَقَتَادَةُ وَالسُّدِّيُّ[552]: إِنَّهَا مَنْسُوخَةٌ بِآيَةِ السَّيْفِ. وَيُرْشِدُ إِلَى ذَلِكَ أَيْضًا قَوْلُهُ تَعَالَى: {حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ}. [548] (الطبري: 2/502 إسناده ضعيف الضحاك لم يسمع من ابن عباس) [549] (ابن أبي حاتم: 1/332) [550] (ابن أبي حاتم: 1/335) [551] (ابن أبي حاتم: 1/334) [552] (ابن أبي حاتم: 1/335) وَرَوَى ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ وَأَصْحَابُهُ يَعْفُونَ عَنِ الْمُشْرِكِينَ وَأَهْلِ الْكِتَابِ، كَمَا أَمَرَهُمُ اللهُ وَيَصْبِرُونَ عَلَى الْأَذى. قَالَ اللهُ تَعَالَى: {فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} وَكَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَتَأَوَّلُ مِنَ الْعَفْوِ مَا أَمَرَهُ اللهُ بِهِ، حَتَّى أَذِنَ اللهُ فِيهِمْ بِالْقَتْلِ، فَقَتَلَ اللهُ بِهِ مَنْ قَتَلَ مِنْ صَنَادِيدِ قُرَيْشٍ[553]. وَهَذَا إِسْنَادُهُ صَحِيحٌ وَلَمْ أَرَهُ فِي شَيْءٍ مِنَ الْكُتُبِ السِّتَّةِ، وَلَكِنْ لَهُ أَصْلٌ فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ[554] [553] (ابن أبي حاتم: 1/333) [554] (فتح الباري: 8/87، ومسلم: 3/1422) [اَلتَّرْغِيبُ فِي الْأَعْمَالِ الْحَسَنَةِ] وَقَوْلُهُ تَعَالَى: {وَأَقِيمُوا الصَّلاَةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ}، يَحُثُّهُمْ تَعَالَى عَلَى الاِشْتِغَالِ بِمَا يَنْفَعُهُمْ، وَتَعُودُ عَلَيْهِمْ عَاقِبَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، مِنْ إِقَامِ الصَّلاَةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ، حَتَّى يُمَكِّنَ لَهُمُ اللهُ النَّصْرَ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ، {يَوْمَ لاَ يَنْفَعُ الظَّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ وَلَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ} [غافر: 52]، وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى: {إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ}، يَعْنِي أَنَّهُ تَعَالَى لاَ يَغْفَلُ عَنْ عَمَلِ عَامِلٍ، وَلاَ يَضِيعُ لَدَيْهِ، سَوَاءً كَانَ خَيْرًا أَوْ شَرًّا، فَإِنَّهُ سَيُجَازِي كُلَّ عَامِلٍ بِعَمَلِهِ. وَرَوَى ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ، وَهُوَ يَقْرَأُ هَذِهِ الآيَةَ: {سَمِيعٌ بَصِيرٌ} [الحج: 61] يَقُولُ: «بِكُلِّ شَيءٍ بَصِيرٌ»[555]. [555] (إسناده ضعيف فيه ابن لهيعة) {وَقَالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلاَّ مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ *بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ *وَقَالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصَارَى عَلَى شَيْءٍ وَقَالَتِ النَّصَارَى لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلَى شَيْءٍ وَهُمْ يَتْلُونَ الْكِتَابَ كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ مِثْلَ قَوْلِهِمْ فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ} [أَمَانِيُّ أَهْلِ الْكِتَابِ] يُبَيِّنُ تَعَالَى اغْتِرَارَ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى بِمَا هُمْ فِيهِ، حَيْثُ ادَّعَتْ كُلُّ طَائِفَةٍ مِنَ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى أَنَّهُ لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلاَّ مَنْ كَانَ عَلَى مِلَّتِهَا، كَمَا أَخْبَرَ اللهُ عَنْهُمْ فِي سُورَةِ الْمَائِدَةِ أَنَّهُمْ قَالُوا: {نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ} [المائدة: 18] فَأَكْذَبَهُمُ اللهُ تَعَالَى بِمَا أَخْبَرَهُمْ أَنَّهُ مُعَذِّبُهُمْ بِذُنُوبِهِمْ، وَلَوْ كَانُوا كَمَا ادَّعَوْا لَمَا كَانَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ، وَكَمَا تَقَدَّمَ مِنْ دَعْوَاهُمْ أَنَّهُ لَنْ تَمَسَّهُمُ النَّارُ إِلاَّ أَيَّامًا مَعْدُودَةً، ثُمَّ يَنْـتَـقِـلُونَ إِلَى الْجَنَّةِ. وَرَدَّ عَلَيْهِمْ تَعَالَى فِي ذَلِكَ، وَهَكَذا قَالَ لَهُمْ فِي هَذِهِ الدَّعْوى الَّتِي اِدَّعَوْهَا بِلاَ دَلِيلٍ وَلاَ حُجَّةٍ وَلاَ بَيِّنَةٍ، فَقَالَ: {تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ} قَالَ أَبُو الْعَالِيَةِ: أَمَانِيُّ تَمَنَّوْهَا عَلَى اللهِ بِغَيْرِ حَقٍّ[556]. وَكَذَا قَالَ قَتَادَةُ وَالرَّبِيعُ بْنُ أَنَسٍ[557]. ثُمَّ قَالَ تَعَالَى: {قُلْ} أَيْ يَا مُحَمَّدُ {هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ} قَالَ أَبُو الْعَالِيَةِ وَمُجَاهِدٌ وَالسُّدِّيُّ وَالرَّبِيعُ بْنُ أَنَسٍ: حُجَّتَكُمْ[558]. وَقَالَ قَتَادَةُ: بَيِّنَتَكُمْ عَلَى ذَلِكَ {إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ} [559] أَيْ فِيمَا تَدَّعُونَهُ. [556] (ابن أبي حاتم: 1/336) [557] (ابن أبي حاتم: 1/336) [558] (ابن أبي حاتم: 1/337) [559] (ابن أبي حاتم 1/337) ثُمَّ قَالَ تَعَالَى: {بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ} أَيْ مَنْ أَخْلَصَ الْعَمَلَ للهِ وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: {فَإِنْ حَآجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ وَمَنِ اتَّبَعَنِ}... الْآيَةَ [آل عمران:20]. وَقَالَ أَبُو الْعَالِيَةِ وَالرَّبِيعُ: {بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ} يَقُولُ: مَنْ أَخْلَصَ للهِ[560]. وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيرٍ: {بَلَى مَنْ أَسْلَمَ} أَخْلَصَ {وَجْهَهُ}، قَالَ: دِينَهُ[561]. {وَهُوَ مُحْسِنٌ} أَيْ اِتَّبَعَ فِيهِ الرَّسُولَ ﷺ، فَإِنَّ لِلْعَمَلِ الْمُتَقَبَّلِ شَرْطَيْنِ: أَحَدُهُمَا أَنْ يَكُونَ خَالِصًا للهِ وَحْدَهُ، وَالاْخَرُ أَنْ يَكُونَ صَوَابًا مُوَافِقًا لِلشَّرِيعَةِ، فَمَتى كَانَ خَالِصًا وَلَمْ يَكُنْ صَوَابًا لَمْ يُتَقَبَّلْ، وَلِهَذَا قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «مَنْ عَمِلَ عَمَلاً لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ»، رَوَاهُ مُسْلِمٌ[562]. [560] (ابن أبي حاتم 1/337) [561] (ابن أبي حاتم 1/338) [562] (مسلم 3/1344) فَعَمَلُ الرُّهْبَانِ وَمَنْ شَابَهَهُمْ، وَإِنْ فُرِضَ أَنَّهُمْ مُخْلِصُونَ فِيهِ للهِ، فَإِنَّهُ لاَ يُتَقَبَّلُ مِنْهُمْ، حَتَّى يَكُونَ ذَلِكَ مُتَابِعًا لِلرَّسُولِ ﷺ، الْمَبْعُوثِ إِلَيْهِمْ وَإِلَى النَّاسِ كَافَّةً، وَفِيهِمْ وَأَمْثَالِهِمْ قَالَ اللهُ تَعَالَى: {وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا} [الفرقان:23] وَقَالَ تَعَالَى: {وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا} [النور: 39]، وَقَالَ تَعَالَى: {وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خَاشِعَةٌ *عَامِلَةٌ نَاصِبَةٌ *تَصْلَى نَارًا حَامِيَةً *تُسْقَى مِنْ عَيْنٍ آنِيَةٍ} [الغاشية: 2-5]. وَأَمَّا إِنْ كَانَ الْعَمَلُ مُوَافِقًا لِلشَّرِيعَةِ، فِي الصُّورَةِ الظَّاهِرَةِ، وَلَكِنْ لَمْ يُخْلِصْ عَامِلُهُ الْقَصْدَ للهِ، فَهُوَ أَيْضًا مَرْدُودٌ عَلَى فَاعِلِهِ، وَهَذَا حَالُ الْمُرَائِينَ وَالْمُنَافِقِينَ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: {إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلاَةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاؤُونَ النَّاسَ وَلاَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلاَّ قَلِيلاً} [النساء: 142]، وَقَالَ تَعَالَى: {فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ *الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلاَتِهِمْ سَاهُونَ *الَّذِينَ هُمْ يُرَاءُونَ *وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ} [الماعون: 4-7] وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى: {فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحًا وَلاَ يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا} [الكهف: 110] وَقَالَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ: {بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ} وَقَوْلُهُ: "فله أجره عند ربه ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون" ضَمِنَ لَهُمْ تَعَالَى عَلَى ذَلِكَ تَحْصِيلَ الْأُجُورِ، وَآمَنَهُمْ مِمَّا يَخَافُونَهُ مِنَ الْمَحْذُورِ، فَـ{لاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ } فِيمَا يَسْتَقْبِلُونَهُ، {وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ} عَلَى مَا مَضى مِمَّا يَتْرُكُونَهُ، كَمَا قَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، فَـ{لاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ} يَعْنِي فِي الاْخِرَةِ، {وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ} يَعْنِي لاَ يَحْزَنُونَ لِلْمَوْتِ.[563] [563] ( ابن أبي حاتم: 1/338) [تَنَازُعُ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى فِيمَا بَيْنَهُمْ كُفْرًا وَعِنَادًا] وَقَوْلُهُ تَعَالَى: {وَقَالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصَارَى عَلَى شَيْءٍ وَقَالَتِ النَّصَارَى لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلَى شَيْءٍ وَهُمْ يَتْلُونَ الْكِتَابَ}، بَيَّنَ بِهِ تَعَالَى تَنَاقُضَهُمْ وَتَبَاغُضَهُمْ وَتَعَادِيهِمْ وَتَعَانُدَهُمْ، كَمَا رَوَى مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: لَمَّا قَدِمَ أَهْلُ نَجْرَانَ مِنَ النَّصَارَى، عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ، أَتَتْهُمْ أَحْبَارُ يَهُودَ، فَتَنَازَعُوا عِنْدَ رَسُولِ اللهِ ﷺ، فَقَالَ رَافِعُ بْنُ حُرَيْمِلَةَ: مَا أَنْتُمْ عَلَى شَيْءٍ وَكَفَرَ بِعِيسَى وَبِالْإِنْجِيلِ. وَقَالَ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ نَجْرَانَ مِنَ النَّصَارَى لِلْيَهُودِ: مَا أَنْتُمْ عَلَى شَيْءٍ. وَجَحَدَ نُبُوَّةَ مُوسَى وَكَفَرَ بِالتَّوْرَاةِ. فَأَنْزَلَ اللهُ فِي ذَلِكَ مِنْ قَوْلِهِمَا: {وَقَالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصَارَى عَلَى شَيْءٍ وَقَالَتِ النَّصَارَى لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلَى شَيْءٍ وَهُمْ يَتْلُونَ الْكِتَابَ}[564]. قَالَ: إِنَّ كُلًّا يَتْلُو فِي كِتَابِهِ تَصْدِيقَ مَنْ كَفَرَ بِهِ، أَيْ يَكْفُرُ الْيَهُودُ بِعِيسَى وَعِنْدَهُمُ التَّوْرَاةُ، فِيهَا مَا أَخَذَ اللهُ عَلَيْهِمْ عَلَى لِسَانِ مُوسَى بِالتَّصْدِيقِ بِعِيسَى، وَفِي الْإِنْجِيلِ مَا جَاءَ بِهِ عِيسَى بِتَصْدِيقِ مُوسَى، وَمَا جَاءَ مِنَ التَّوْرَاةِ مِنْ عِنْدِ اللهِ، وَكُلٌّ يَكْفُرُ بِمَا فِي يَدِ صَاحِبِهِ. [564] ( ابن أبي حاتم 1/339 ضعيف لجهالة محمد بن أبي محمد مولى زيد بن ثابت) وَقَوْلُهُ: {كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ مِثْلَ قَوْلِهِمْ}، بَيَّنَ بِهَذَا جَهْلَ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى فِيمَا تَقَابَلُوا مِنَ الْقَوْلِ، وَهَذَا مِنْ بَابِ الْإِيمَاءِ وَالْإِشَارَةِ. وَقَدِ اخْتُلِفَ فِيمَنْ عُنِـيَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: {الَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ} فَقَالَ الرَّبِيعُ بْنُ أَنَسٍ وَقَتَادَةُ: {كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ} قَالاَ: وَقَالَتِ النَّصَارَى مِثْلَ قَوْلِ الْيَهُودِ وَقِيلِهِمْ[565]. وَقَالَ ابْنُ جُرَيجٍ: قُلْتُ لِعَطَاءٍ: مَنْ هَؤُلاَءِ الَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ؟ قَالَ أُمَمٌ كَانَتْ قَبْلَ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى وَقَبْلَ التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ[566]. وَقَالَ السُّدِّيُّ: {كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ}، فَهُمُ الْعَرَبُ، قَالُوا لَيْسَ مُحَمَّدٌ عَلَى شَيْءٍ[567]. وَاخْتَارَ أَبُو جَعْفَرِ بْنُ جَرِيرٍ أَنَّهَا عَامَّةٌ تَصْلُحُ لِلْجَمِيعِ، وَلَيْسَ ثَمَّ دَلِيلٌ قَاطِعٌ يُعَيِّنُ وَاحِدًا مِنْ هَذِهِ الْأَقْوَالِ، فَالْحَمْلُ عَلَى الْجَمِيعِ أَوْلَى، وَاللهُ أَعْلَمُ. [565] (ابن أبي حاتم 1/341) [566] (ابن أبي حاتم: 1/340) [567] (ابن أبي حاتم 1/340) وَقَوْلُهُ تَعَالَى: {فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ}، أَيْ إِنَّهُ تَعَالَى يَجْمَعُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْمَعَادِ، وَيَفْصِلُ بَيْنَهُمْ بِقَضَائِهِ الْعَدْلِ، الَّذِي لاَ يَجُورُ فِيهِ وَلاَ يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ، وَهَذِهِ الْآيَةُ كَقَوْلِهِ تَعَالَى فِي سُورَةِ الْحَجِّ: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئِينَ وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوسَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا إِنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ} [الحج: 17]، وَكَمَا قَالَ تَعَالَى: {قُلْ يَجْمَعُ بَيْنَنَا رَبُّنَا ثُمَّ يَفْتَحُ بَيْنَنَا بِالْحَقِّ وَهُوَ الْفَتَّاحُ الْعَلِيمُ} [سبأ: 26]. {وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعَى فِي خَرَابِهَا أُولَئِكَ مَا كَانَ لَهُمْ أَنْ يَدْخُلُوهَا إِلاَّ خَائِفِينَ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ} [ظُلْمُ مَنْ مَنَعَ عَنِ الْمَسَاجِدِ وَسَعَى فِي خَرَابِهَا] الْمُرَادُ مِنَ الَّذِينَ مَنَعُوا مَسَاجِدَ اللهِ وَسَعَوْا فِي خَرَابِهَا، هُمْ مُشْرِكُو قُرَيْشٍ كَمَا رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ زَيْدٍ فِي قَوْلِهِ: {وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعَى فِي خَرَابِهَا}، قَالَ: هَؤُلاَءِ الْمُشْرِكُونَ الَّذِينَ حَالُوا بَيْنَ رَسُولِ اللهِ ﷺ يَوْمَ الْحُدَيْبِيَةِ، وَبَيْنَ أَنْ يَدْخُلُوا مَكَّةَ، حَتَّى نَحَرَ هَدْيَهُ بِذِي طُوًى، وَهَادَنَهُمْ وَقَالَ لَهُمْ: «مَا كَانَ أَحَدٌ يُصَدُّ عَنْ هَذَا الْبَيْتِ، وَقَدْ كَانَ الرَّجُلُ، يَلْقَى قَاتِلَ أَبِيهِ وَأَخِيهِ فَلاَ يَصُدُّهُ» فَقَالُوا: لاَ يَدْخُلُ عَلَيْنَا مَنْ قَتَلَ آبَاءَنَا يَوْمَ بَدْرٍ وَفِينَا بَاقٍ، وَفِي قَوْلِهِ: {وَسَعَى فِي خَرَابِهَا} قَالَ: إِذْ قَطَعُوا مَنْ يَعْمُرُهَا بِذِكْرِهِ، وَيَأْتِيهَا لِلْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ[568]. [568] (الطبري: 2/521) وَرَوَى ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّ قُرَيشًا مَنَعُوا النَّبِيَّ ﷺ الصَّلاَةَ عِنْدَ الْكَعْبَةِ فِي الْمَسْجِدِ الحَرَامِ، فَأَنْزَلَ اللهُ: {وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ} [569]. [569] (ابن أبي حاتم: 1/341 ضعيف لجهالة محمد بن أبي محمد كما مرّ) لَمَّا وَجَّهَ اللهُ تَعَالَى الذَّمَّ فِي حَقِّ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى، شَرَعَ فِي ذَمِّ الْمُشْرِكِينَ الَّذِينَ أَخْرَجُوا الرَّسُولَ ﷺ وَأَصْحَابَهُ مِنْ مَكَّةَ، وَمَنَعُوهُمْ مِنَ الصَّلاَةِ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ، وَاسْتَحْوَذُوا عَلَيْهَا بِأَصْنَامِهِمْ وَأَنْدَادِهِمْ وَشِرْكِهِمْ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: {وَمَا لَهُمْ أَلاَّ يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَمَا كَانُوا أَوْلِيَاءَهُ إِنْ أَوْلِيَاؤُهُ إِلاَّ الْمُتَّقُونَ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ} [الأنفال: 34]، وَقَالَ تَعَالَى: {مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُوا مَسَاجِدَ اللَّهِ شَاهِدِينَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ أُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ وَفِي النَّارِ هُمْ خَالِدُونَ *إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلاَةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلاَّ اللَّهَ فَعَسَى أُولَئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ} [التوبة: 17، 18] وَقَالَ تَعَالَى: {هُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَالْهَدْيَ مَعْكُوفًا أَنْ يَبْلُغَ مَحِلَّهُ وَلَوْلاَ رِجَالٌ مُؤْمِنُونَ وَنِسَاءٌ مُؤْمِنَاتٌ لَمْ تَعْلَمُوهُمْ أَنْ تَطَؤُوهُمْ فَتُصِيبَكُمْ مِنْهُمْ مَعَرَّةٌ بِغَيْرِ عِلْمٍ لِيُدْخِلَ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ لَوْ تَزَيَّلُوا لَعَذَّبْنَا الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا} [الفتح: 25]. فَقَالَ تَعَالَى: {إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلاَةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلاَّ اللَّهَ} [التوبة: 18]، فَإِذَا كَانَ مَنْ هُوَ كَذَلِكَ مَطْرُودًا مِنْهَا، مَصْدُودًا عَنْهَا فَأَيُّ خَرَابٍ لَهَا أَعْظَمُ مِنْ ذَلِكَ؟ وَلَيْسَ الْمُرَادُ مِنْ عِمَارَتِهَا زُخْرُفَـتَـهَا وَإِقَامَةَ صُورَتِهَا فَقَطْ، إِنَّمَا عِمَارَتُهَا بِذِكْرِ اللهِ فِيهَا وَإِقَامَةِ شَرْعِهِ فِيهَا، وَرَفْعِهَا عَنِ الدَّنَسِ وَالشِّرْكِ. [بِشَارَةٌ بِغَلَبَةِ الْإِسْلاَمِ] وَقَوْلُهُ تَعَالَى: {أُولَئِكَ مَا كَانَ لَهُمْ أَنْ يَدْخُلُوهَا إِلاَّ خَائِفِينَ}، هَذَا خَبَرٌ مَعْنَاهُ الطَّلَبُ، أَيْ لاَ تُمَكِّنُوا هَؤُلاَءِ إِذَا قَدِرْتُمْ عَلَيْهِمْ مِنْ دُخُولِهَا، إِلاَّ تَحْتَ الْهُدْنَةِ وَالْجِزْيَةِ، وَلِهَذَا لَمَّا فَتَحَ رَسُولُ اللهِ ﷺ مَكَّةَ، أَمَرَ مِنَ الْعَامِ الْقَابِلِ فِي سَنَةِ تِسْعٍ أَنْ يُنَادَى بِرِحَابِ مِنًى: «أَلاَ لاَ يَحُجَّنَّ بَعْدَ الْعَام مُشْرِكٌ، وَلاَ يَطُوفَنَّ بِالْبَيْتِ عُرْيَانٌ، وَمَنْ كَانَ لَهُ أَجَلٌ فَأَجَلُهُ إِلَى مُدَّتِهِ»[570]. وَهَذَا إِنَّمَا كَانَ تَصْدِيقًا وَعَمَلاً بِقَوْلِهِ تَعَالَى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلاَ يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا} [التوبة: 28]. [570] (فتح الباري: 3/565) وَقِيلَ: إِنَّ هَذَا بِشَارَةٌ مِنَ اللهِ لِلْمُسْلِمِينَ، أَنَّهُ سَيُظْهِرُهُمْ عَلَى الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَعَلَى سَائِرِ الْمَسَاجِدِ، وَأَنَّهُ يُذِلُّ الْمُشْرِكِينِ لَهُمْ، حَتَّى لاَ يَدْخُلَ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ أَحْدٌ مِنْهُمْ إِلاَّ خَائِفًا، يَخَافُ أَنْ يُؤخَذَ فَيَعُاقَبَ أَوْ يُقْتَلَ، إِنْ لَمْ يُسْلِمْ. وَقَدْ أَنْجَزَ اللهُ هَذَا الْوَعْدَ، كَمَا تَقَدَّمَ مِنْ مَنْعِ الْمُشْرِكِينَ مِنْ دُخُولِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ، وَأَوْصَى رَسُولُ اللهِ ﷺ، أَنْ لاَ يَبْقَى بِجَزِيرَةِ الْعَرَبِ دِينَانِ، وَأَنْ يُجْلَى الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى مِنْهَا، وَللهِ الْحَمْدُ وَالْمِنَّـةُ. وَمَا ذَاكَ إِلاَّ لِتَشْرِيفِ أَكْنَافِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ، وَتَطْهِيرِ الْبُقْعَةِ الَّتِي بَعَثَ اللهُ فِيهَا رَسُولَهُ إِلَى النَّاسِ كَافَّةً، بَشِيرًا وَنَذِيرًا، صَلَوَاتُ اللهِ وَسَلاَمُهُ عَلَيْهِ، وَهَذَا هُوَ الْخِزْيُ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا، لِأَنَّ الْجَزَاءَ مِنْ جِنْسِ الْعَمَلِ، فَكَمَا صَدُّوا الْمُؤمِنِينَ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ، صُدُّوا عَنْهُ، وَكَمَا أَجْلَوْهُمْ مِنْ مَكَّةَ أُجْلُوا عَنْهَا، {وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ} عَلَى مَا انْتَهَكُوا مِنْ حُرْمَةِ الْبَيْتِ، وَامْتَهَنُوهُ مِنْ نَصْبِ الْأَصْنَامِ حَوْلَهُ، وَدُعَاءِ غَيْرِ اللهِ عِنْدَهُ، وَالطَّوَافِ بِهِ عُرْيَانًا، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ أَفَاعِيلِهِمُ الَّتِي يَكْرَهُهَا اللهُ وَرَسُولُهُ. وَقَدْ وَرَدَ الْحَدِيثُ بِالاِسْتِعَاذَةِ مِنْ خِزْيِ الدُّنْيَا وَعَذَابِ الاْخِرَةِ، كَمَا رَوَى الْإِمَامُ أَحْمَدُ عَنْ بُسْرِ بْنِ أَرْطَاةَ، قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَدْعُو: «اللَّهُمَّ أَحْسِنْ عَاقِبَتَنَا فِي الْأُمُورِ كُلِّهَا، وَأَجِرْنَا مِنْ خِزْيِ الدُّنْيَا وَعَذَابِ الاْخِرَةِ»[571]. وَهَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ. [571] (أحمد: 4/181) {وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ وَاسِعٌ عَلِيمٌ} [اِسْتِقْبَالُ الْقِبْلَةِ فِي الصَّلَواتِ] وَهَذَا، وَاللهُ أَعْلَمُ، فِيهِ تَسْلِيَةٌ لِلرَّسُولِ ﷺ وَأَصْحَابِهِ، الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ مَكَّةَ، وَفَارَقُوا مَسْجِدَهُمْ وَمُصَلاَّهُمْ، وَقَدْ كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ، يُصَلِّي بِمَكَّةَ إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ وَالْكَعْبَةُ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَلَمَّا قَدِمَ الْمَدِينَةَ، وُجِّهَ إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ سِتَّـةَ عَشَرَ شَهْرًا أَوْ سَبْعَةَ عَشَرَ شَهْرًا، ثُمَّ صَرَفَهُ اللهُ إِلَى الْكَعْبَةِ بَعْدُ، وَلِهَذَا يَقُولُ تَعَالَى: {وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ}، وَقَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: كَانَ أَوَّلَ مَا نُسِخَ مِنَ الْقُرْآنِ الْقِبْلَةُ، وَذَلِكَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ لَمَّا هَاجَرَ إِلَى الْمَدِينَةِ، وَكَانَ أَهْلَهَا الْيَهُودُ، أَمَرَهُ اللهُ أَنْ يَسْتَقْبِلَ بَيْتَ الْمُقَدَّسِ، فَفَرِحَتِ الْيَهُودُ، فَاسْتَقْبَلَهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ بِضْعَةَ عَشَرَ شَهْرًا، وَكَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يُحِبُّ قِبْلَةَ إِبْرَاهِيمَ، وَكَانَ يَدْعُو وَيَنْظُرُ إِلَى السَّمَاءِ، فَأَنْزَلَ اللهُ {قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ} إِلَى قَوْلِهِ {فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ} [البقرة:144] فَارْتَابَ مِنْ ذَلِكَ الْيَهُودُ، وَقَالُوا: مَا وَلاَّهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ اَلَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا، فَأَنْزَلَ اللهُ {قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ} [البقرة:142]، وَقَالَ: {فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ} [572] وَقَالَ عِكْرِمَةُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ {فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ} قَالَ: قِبْلَةُ اللهِ، أَيْنَمَا تَوَجَّهْتَ شَرْقًا أَوْ غَرْبًا[573]. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: {فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ} حَيْثُمَا كَنْتُمْ فَلَكُمْ قِبْلَةٌ تَسْتَقْبِلُونَهَا: الْكَعْبَةُ[574]. [572] (الطبري: 2/527) [573] (ابن أبي حاتم: 1/347) [574] (ابن أبي حاتم: 1/345) قِيلَ: بَلْ أَنْزَلَ اللهُ هَذِهِ الْآيَةَ قَبْلَ أَنْ يَفْرِضَ التَّوَجُّهَ إِلَى الْكَعْبَةِ. قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: وَقَالَ آخَرُونَ: بَلْ نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ إِذْنًا مِنَ اللهِ أَنْ يُصَلِّيَ الْمُتَطَوِّعُ حَيْثُ تَوَجَّهَ، مِنْ شَرْقٍ أَوْ غَرْبٍ، فِي مَسِيرِهِ فِي سَفَرِهِ، وَفِي حَالِ الْمُسَايَفَةِ وَشِدَّةِ الْخَوْفِ[575]. فَعَنِ ابْنِ عُمَرَ، أَنَّهُ كَانَ يُصَلِّي حَيْثُ تَوَجَّهَتْ بِهِ رَاحِلَتُهُ، وَيَذْكُرُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ كَانَ يَفْعَلُ ذَلِكَ، وَيَتَأَوَّلُ هَذِهِ الْآيَةَ: {فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ} [576]. وَرَوَاهُ مُسْلِمٌ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ وَابْنُ مَرْدُويَهْ، وَأَصْلُهُ فِي الصَّحِيحَيْنِ، مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ وَعَامِرِ بْنِ رَبِيعَةَ، مِنْ غَيْرِ ذِكْرِ الْآيَةِ[577]. وَفِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ مِنْ حَدِيثِ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ: أَنَّهُ كَانَ إِذَا سُئِلَ عَنْ صَلاَةِ الْخَوْفِ وَصَفَهَا، ثُمَّ قَالَ: فَإِنْ كَانَ خَوْفٌ أَشَدُّ مِنْ ذَلِكَ، صَلَّوْا رِجَالاً قِيَامًا عَلَى أَقْدَامِهِمْ، وَرُكْبَانًا مُسْتَقْبِلِي الْقِبْلَةِ وَغَيْرَ مُسْتَقْبِلِيهَا، قَالَ نَافِعٌ: وَلاَ أَرَى ابْنَ عُمَرَ ذَكَرَ ذَلِكَ إِلاَّ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ [578]. [575] (الطبري: 2/530) [576] (الطبري: 2/530) [577] (مسلم: 1/486، وتحفة الأحوذي: 8/292، والنسائي: 1/244، وابن أبي حاتم: 1/344، والحاكم: 2/266) [578] (فتح الباري: 8/46) وَقِيلَ: نَزَلَتْ فِيمَنِ اشْتَبَهَتْ عَلَيْهِ الْقِبْلَةُ لِأَجْلِ الظُّلْمَةِ وَالسَّحَابِ وَنَحْوِهِمَا فَصَلَّى لِغَيْرِ الْقِبْلَةِ. [قِبْلَةُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَا بَيْنَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ] وَقَدْ أَوْرَدَ الْحَافِظُ أَبُو بَكْرِ بْنُ مَرْدُويَهْ فِي تَفْسِيرِ هَذِهِ الْآيَةِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «مَا بَيْنَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ قِبْلَةٌ، لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَأَهْلِ الشَّامِ وَأَهْلِ الْعِرَاقِ»[579]. وَلَهُ مُنَاسَبَةٌ هَهُنَا، وَقَدْ أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ بِلَفْظِ «مَا بَيْنَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ قِبْلَةٌ»[580]. قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: وَمَعْنَى قَوْلِهِ {إِنَّ اللَّهَ وَاسِعٌ عَلِيمٌ} يَسَعُ خَلْقَهُ كُلَّهُمْ بِالْكِفَايَةِ وَالْجُودِ وَالْإِفْضَالِ، وَأَمَّا قَوْلُهُ {عَلِيمٌ} فَإِنَّهُ يَعْنِي عَلِيمٌ بِأَعْمَالِهِمْ، مَا يَغِيبُ عَنْهُ مِنْهَا شَيْءٌ، وَلاَ يَعْزُبُ عَنْ عِلْمِهِ، بَلْ هُوَ بِجَمِيعِهَا عَلِيمٌ.[581] [579] (العقيلي: 4/309 إسناده ضعيف لأجل أبي معشر المديني أنظر العقيلي) [580] (تحفة الأحوذي: 2/317، وابن ماجه: 1/323) [581] (الطبري: 2/537) {وَقَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ *بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَإِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ} [الرَّدُّ عَلَى مَنْ يَقُولُ: إِنَّ للهِ وَلَدًا] اِشْتَمَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ الْكَرِيمَةُ، وَالَّتِي تَلِيهَا، عَلَى الرَّدِّ عَلَى النَّصَارَى، عَلَيْهِمْ لَعَائِنُ اللهِ، وَكَذَا مَنْ أَشْبَهَهُمْ مِنَ الْيَهُودِ، وَمِنْ مُشْرِكِي الْعَرَبِ، مِمَّنْ جَعَلَ الْمَلاَئِكَةَ بَنَاتِ اللهِ، فَأَكْذَبَ اللهُ جَمِيعَهُمْ فِي دَعْوَاهُمْ وَقَوْلِهِمْ: إِنَّ للهِ وَلَدًا. فَقَالَ تَعَالَى: {سُبْحَانَهُ} أَيْ تَعَالَى وَتَقَدَّسَ وَتَنَزَّهَ عَنْ ذَلِكَ عُلُوًّا كَبِيرًا {بَلْ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ} أَيْ لَيْسَ الْأَمْرُ كَمَا افْتَرَوْا، وَإِنَّمَا لَهُ مُلْكُ السَّموَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَنْ فِيهِنَّ، وَهُوَ الْمُتَصَرِّفُ فِيهِمْ، وَهُوَ خَالِقُهُمْ وَرَازِقُهُمْ وَمُقَدِّرُهُمْ وَمُسَخِّرُهُمْ، وَمُسَيِّرهُمْ، وَمُصَرِّفُهُمْ كَمَا يَشَاءُ، وَالْجَمِيعُ عَبِيدٌ لَهُ، وَمِلْكٌ لَهُ، فَكَيْفَ يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ مِنْهُمْ، وَالْوَلَدُ إِنَّمَا يَكُونُ مُتَوَلِّدًا مِنْ شَيْئَيْنِ مُتَنَاسِبَيْنِ، وَهُوَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى لَيْسَ لَهُ نَظِيرٌ وَلاَ مُشَارِكٌ فِي عَظَمَتِهِ وَكِبْرِيَائِهِ، وَلاَ صَاحِبَةَ لَهُ، فَكَيْفَ يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ؟ كَمَا قَالَ تَعَالَى: {بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صَاحِبَةٌ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} [الأنعام: 101] وَقَالَ تَعَالَى: {وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَانُ وَلَدًا *لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا *تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا *أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَانِ وَلَدًا *وَمَا يَنْبَغِي لِلرَّحْمَانِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا *إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ إِلاَّ آتِي الرَّحْمَانِ عَبْدًا *لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا *وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا} [مريم: 88-95] وَقَالَ تَعَالَى: {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ *اللَّهُ الصَمَدُ *لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ *وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ} [الإخلاص: 1-4]. فَقَرَّرَ تَعَالَى فِي هَذِهِ الْآيَاتِ الْكَرِيمَةَ أَنَّهُ السَّيِّدُ الْعَظِيمُ الَّذِي لاَ نَظِيرَ لَهُ، وَلاَ شَبِيهَ لَهُ، وَأَنَّ جَمِيعَ الْأَشْيَاءِ غَيْرِهِ مَخْلُوقَةٌ لَهُ مَرْبُوبَةٌ، فَكَيْفَ يَكُونُ لَهُ مِنْهَا وَلَدٌ؟ وَلِهَذَا رَوَى الْبُخَارِيُّ فِي تَفْسِيرِ هَذِهِ الْآيَةِ مِنَ الْبَقَرَةِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «قَالَ اللهُ تَعَالَى: كَذَّبَنِي ابْنُ آدَمَ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ، وَشَتَمَنِي وَلَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ، فَأَمَّا تَكْذِيبُهُ إِيَّايَ فَيَزْعَمُ أَنِّي لاَ أَقْدِرُ أَنْ أُعِيدَهُ كَمَا كَانَ، وَأَمَّا شَتْمُهُ إِيَّايَ فَقَوْلُهُ إِنَّ لِي وَلَدًا، فَسُبْحَانِي أَنْ أَتَّخِذَ صَاحِبَةً أَوْ وَلَدًا»[582]. اِنْفَرَدَ بِهِ الْبُخَارِيُّ من هذا الوجه. وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «لاَ أَحَدَ أَصْبَرُ عَلَى أَذًى سَمِعَهُ، مِنَ اللهِ، إِنَّهُمْ يَجْعَلُونَ لَهُ وَلَدًا، وَهُوَ يَرْزُقُهُمْ وَيُعَافِيهِمْ»[583]. [582] (فتح الباري: 8/18) [583] (فتح الباري: 13/372، ومسلم 4/2160) [كُلُّ شَيْءٍ خَاضِعٌ وَقَانِتٌ للهِ تَعَالَى] وَقَوْلُهُ: {كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ} [قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: أَخْبَرَنَا أَبُو سَعِيدٍ الْأَشَجُّ: أَخْبَرَنَا أَسْبَاطٌ عَنْ مُطَرِّفٍ عَنْ عَطِيَّةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: {قَانِتِينَ} مُصَلِّينَ[584]. وَقَالَ عِكْرِمَةُ وَأَبُو مَالِكٍ: {كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ} مُقِرُّونَ لَهُ بِالْعُبُودِيَّةِ[585]. وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: {كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ} : يَقُولُ: الْإِخْلاَصُ[586]. وَقَالَ الرَّبِيعُ بْنُ أَنَسٍ: يَقُولُ: {كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ} أَيْ قَائِمٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ[587]. وَقَالَ السُّدِّيُّ: {كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ} أَيْ: مُطِيعُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ[588]. وَقَالَ خُصَيْفٌ عَنْ مُجَاهِدٍ: {كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ} قَالَ: مُطِيعُونَ. كُنْ إِنْسَانًا فَكَانَ، وَقَالَ: كُنْ حِمَارًا فَكَانَ[589]. وَقَالَ ابْنُ أَبِي نَجِيحٍ عَنْ مُجَاهِدٍ: {كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ} مُطِيعُونَ، قَالَ: طَاعَةُ الْكَافِرِ فِي سُجُودِ ظِلِّهِ وَهُوَ كَارِهٌ[590]. وَهَذَا الْقَوْلُ عَنْ مُجَاهِدٍ - وَهُوَ اِخْتِيَارُ ابْنِ جَرِيرٍ- يَجْمَعُ الْأَقْوَالَ كُلَّهَا، وَهُوَ أَنَّ الْقُنُوتَ: هُوَ الطَّاعَةُ وَالاِسْتِكَانَةُ إِلَى اللهِ، وَهُوَ شَرْعِيٌّ وَقَدَرِيٌّ، كَمَا قَالَ اللهُ تَعَالَى: {وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَظِلاَلُهُمْ بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ} [الرعد: 15]. [584] (ابن أبي حاتم: 1/349)] [585] (ابن أبي حاتم: 1/349 إسناده ضعيف عطية العوفي ضعيف) [586] (ابن أبي حاتم: 1/350) [587] (ابن أبي حاتم: 1/350) [588] (الطبري: 2/538) [589] (ابن أبي حاتم: 1/349) [590] (ابن أبي حاتم: 1/348) [مَعْنَى الْبَدِيـعِ] وَقَوْلُهُ تَعَالَى: {بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ} أَيْ: خَالِقُهُمَا عَلَى غَيْرِ مِثَالٍ سَبَقَ. [قَالَهُ] مُجَاهِدٌ وَالسُّدِّيُّ. وَهُوَ مَقْتَضَى اللُّغَةِ، وَمِنْهُ يُقَالُ لِلشَّيْءِ الْمُحْدَثِ: بِدْعَةٌ، كَمَا جَاءَ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ: «فَإِنَّ كُلَّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ» وَالْبِدْعَةُ عَلَى قِسْمَيْنِ: تَارَةً تَكُونُ بِدْعَةً شَرْعِيَّةً، كَقَوْلِهِ: «فَإِنَّ كُلَّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ، وَكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلاَلَةٌ»[591]. وَتَارَةً تَكُونُ بِدْعَةً لُغَوِيَّةً، كَقَوْلِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ عَنْ جَمْعِهِ إِيَّاهُمْ عَلَى صَلاَةِ التَّرَاوِيحِ وَاسْتِمْرَارِهِمْ: نِعْمَتِ الْبِدْعَةُ هَذِهِ. [591] (مسلم: 2/592) قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: فَمَعْنَى الْكَلاَمِ: سُبْحَانَ اللهِ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ، وَهُوَ مَالِكُ مَا فِي السَّموَاتِ وَالْأَرْضِ، تَشْهَدُ لَهُ جَمِيعُهَا بِدَلاَلَتِهَا عَلَيْهِ بِالْوَحْدَانِيَّةِ، وَتُقِرُّ لَهُ بِالطَّاعَةِ، وَهُوَ بَارِئُهَا وَخَالِقُهَا وَمُوجِدُهَا، مِنْ غَيْرِ أَصْلٍ وَلاَ مِثَالٍ اِحْتَذَاهَا عَلَيْهِ، وَهَذَا إِعْلاَمٌ مِنَ اللهِ لِعِبَادِهِ أَنَّ مِمَّنْ يَشْهَدُ لَهُ بِذَلِكَ: الْمَسِيحُ - الَّذِي أَضَافُوا إِلَى اللهِ بُنُوَّتَهُ - وَإِخْبَارٌ مِنْهُ لَهُمْ: أَنَّ الَّذِي اِبْتَدَعَ السَّموَاتِ وَالْأَرْضَ مِنْ غَيْرِ أَصْلٍ، وَعَلَى غَيْرِ مِثَالٍ، هُوَ الَّذِي اِبْتَدَعَ الْمَسِيحَ عِيسَى، مِنْ غَيْرِ وَالِدٍ بِقُدْرَتِهِ[592]. [592] (الطبري: 2/550) وَهَذَا مِنِ ابْنِ جَرِيرٍ رَحِمَهُ اللهُ كَلاَمٌ جَيِّدٌ وَعِبَارَةٌ صَحِيحَةٌ. وَقَوْلُهُ تَعَالَى: {وَإِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ} يُبَيِّنُ بِذَلِكَ تَعَالَى كَمَالَ قُدْرَتِهِ، وَعِظيمَ سُلْطَانِهِ، وَأَنَّهُ إِذَا قَدَّرَ أَمْرًا وَأَرَادَ كَوْنَهُ فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ: كُنْ -أَيْ مَرَّةً وَاحِدَةً- فَيَكُونُ، أَيْ فَيُوجَدُ، عَلَى وَفْقِ مَا أَرَادَ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: {إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ} [يس: 82]، وَقَالَ تَعَالَى: {إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ} [النحل: 40]، وَقَالَ تَعَالَى: {وَمَا أَمْرُنَا إِلاَّ وَاحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ} [القمر: 50] وَنَبَّهَ بِذَلِكَ أَيْضًا عَلَى أَنْ خَلْقَ عِيسى بِكَلِمَةِ «كُنْ» فَكَانَ كَمَا أَمَرَهُ اللهُ، قَالَ اللهُ تَعَالَى: {إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ} [آل عمران: 59]. {وَقَالَ الَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ لَوْلاَ يُكَلِّمُنَا اللَّهُ أَوْ تَأْتِينَا آيَةٌ كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِثْلَ قَوْلِهِمْ تَشَابَهَتْ قُلُوبُهُمْ قَدْ بَيَّنَّا الآيَاتِ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ} رَوَى مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: قَالَ رَافِعُ بْنُ حُرَيمِلَةَ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ: يَا مُحَمَّدُ إِنْ كُنْتَ رَسُولاً مِنَ اللهِ كَمَا تَقُولُ، فَقُلْ للهِ فَيُكَلِّمَنَا حَتَّى نَسْمَعَ كَلاَمَهُ. فَأَنْزَلَ اللهُ فِي ذَلِكَ مِنْ قَوْلِهِ: {وَقَالَ الَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ لَوْلاَ يُكَلِّمُنَا اللَّهُ أَوْ تَأْتِينَا آيَةٌ } [593]. وَقَالَ أَبُو الْعَالِيَةِ وَالرَّبِيعُ بْنُ أَنَسٍ وَقَتَادَةُ وَالسُّدِّيُّ فِي تَفْسِيرِ هَذِهِ الْآيَةِ: هَذَا قَوْلُ كُفَّارِ الْعَرَبِ: {كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِثْلَ قَوْلِهِمْ}، قَالَ: هُمُ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى[594]. [593] (ابن أبي حاتم: 1/352 إسناده ضعيف كما مرّ) [594] (ابن أبي حاتم: 1/353) وَيُؤَيِّدُ هَذَا الْقَوْلَ- وَأَنَّ الْقَائِلِينَ ذَلِكَ هُمْ مُشْرِكُو الْعَرَبِ- قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَإِذَا جَاءَتْهُمْ آيَةٌ قَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ حَتَّى نُؤْتَى مِثْلَ مَا أُوتِيَ رُسُلُ اللَّهِ اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ سَيُصِيبُ الَّذِينَ أَجْرَمُوا صَغَارٌ عِنْدَ اللَّهِ وَعَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا كَانُوا يَمْكُرُونَ}... الْآيَةَ [الأنعام: 124]. وَقَوْلُهُ تَعَالَى: {وَقَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الأَرْضِ يَنْبُوعًا} إِلَى قَوْلِهِ: {قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنْتُ إِلاَّ بَشَرًا رَسُولاً} [الإسراء: 90-93]، وَقَوْلُهُ تَعَالَى: {وَقَالَ الَّذِينَ لاَ يَرْجُونَ لِقَاءَنَا لَوْلاَ أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْمَلاَئِكَةُ أَوْ نَرَى رَبَّنَا}... الْآيَةَ [الفرقان: 21] وَقَوْلُهُ تَعَالَى: {بَلْ يُرِيدُ كُلُّ امْرِىءٍ مِنْهُمْ أَنْ يُؤْتَى صُحُفًا مُنَشَّرَةً} [المدثر: 52] ؛ إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْآيَاتِ الدَّالَّةِ عَلَى كُفْرِ مُشْرِكِي الْعَرَبِ، وَعُتُوِّهِمْ وَعِنَادِهِمْ وَسُؤَالِهِمْ مَا لاَ حَاجَةَ لَهُمْ بِهِ، إِنَّمَا هُوَ الْكُفْرُ وَالْمُعَانَدَةُ، كَمَا قَالَ مَنْ قَبْلَهُمْ مِنَ الْأُمَمِ الْخَالِيَةِ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابَيْنِ وَغَيْرِهِمْ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: {يَسْأَلُكَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتَابًا مِنَ السَّمَاءِ فَقَدْ سَأَلُوا مُوسَى أَكْبَرَ مِنْ ذَلِكَ فَقَالُوا أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً} [النساء: 153]، وَقَالَ تَعَالَى: {وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً } [البقرة: 55]. وَقَوْلُهُ تَعَالَى: {تَشَابَهَتْ قُلُوبُهُمْ} ؛ أَيْ أَشْبَهَتْ قُلُوبُ مُشْرِكِي الْعَرَبِ قُلُوبَ مَنْ تَقَدَّمَهُمْ فِي الْكُفْرِ وَالْعِنَادِ وَالْعُتُوِّ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: {كَذَلِكَ مَا أَتَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلاَّ قَالُوا سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ * أَتَوَاصَوْا بِهِ}... الْآيَةَ [الذاريات:52،53] وَقَوْلُهُ تَعَالَى: {قَدْ بَيَّنَّا الآيَاتِ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ} أَيْ قَدْ أَوْضَحْنَا الدَّلاَلاَتِ عَلَى صِدْقِ الرُّسُلِ، بِمَا لاَ يَحْتَاجُ مَعَهَا إِلَى سُؤَالٍ آخَرَ وَزِيَادَةٍ أُخْرى لِمَنْ أَيْقَنَ وَصَدَّقَ وَاتَّبَعَ الرُّسُلَ، وَفَهِمَ مَا جَاءُوا بِهِ عَنِ اللهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى، وَأَمَّا مَنْ خَتَمَ اللهُ عَلَى قَلْبِهِ وَسَمْعِهِ، وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً، فَأُولَئِكَ قَالَ اللهُ فِيهِمْ: {إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ *وَلَوْ جَاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الأَلِيمَ} [يونس: 96، 97]. {إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلاَ تُسْأَلُ عَنْ أَصْحَابِ الْجَحِيمِ} وَقَوْلُهُ: {وَلاَ تُسْأَلُ عَنْ أَصْحَابِ الْجَحِيمِ} لاَ نَسْأَلُكَ عَنْ كُفْرِ مَنْ كَفَرَ بِكَ كقَوْلِهِ: {فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلاَغُ وَعَلَيْنَا الْحِسَابُ} [الرعد: 40]، وَكَقَوْلِهِ تَعَالَى: {فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ *لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ}... الْآيَةَ [الغاشية:21-26]، وَكَقَوْلِهِ تَعَالَى: {نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَقُولُونَ وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِجَبَّارٍ فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَنْ يَخَافُ وَعِيدِ} [ق: 45] ؛ وَأَشْبَاهِ ذَلِكَ مِنَ الْآيَاتِ. [أَوْصَافُهُ ﷺ فِي التَّوْرَاةِ] وَرَوَى الْإِمَامُ أَحْمَدُ عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، قَالَ: لَقِيتُ عَبْدَ اللهِ بْنَ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ، فَقُلْتُ: أَخْبِرْنِي عَنْ صِفَةِ رَسُولِ اللهِ ﷺ فِي التَّوْرَاةِ فَقَالَ: أَجَلْ، وَاللهِ إِنَّهُ لَمَوْصُوفٌ فِي التَّوْرَاةِ بِصِفَتِهِ فِي الْقُرْآنِ؛ يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا، وَحِرْزًا لِلْأُمِّـيِّـينَ، وَأَنْتَ عَبْدِي وَرَسُولِي، سَمَّيْتُكَ الْمُتَوَكِّلَ، لاَ فَظٌّ وَلاَ غَلِيظٌ، وَلاَ صَخَّابٌ فِي الْأَسْوَاقِ، وَلاَ يَدْفَعُ بِالسَّيِّئَةِ السَّيِّئَةَ، وَلَكِنْ يَعْفُو وَيَغْفِرُ، وَلَنْ يَقْبِضَهُ حَتَّى يُقِيمَ بِهِ الْمِلَّةَ الْعَوْجَاءَ، بِأَنْ يَقُولُوا: لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ، فَيَفْتَحُ بِهِ أَعْيُنًا عُمْيًا، وَآذَانًا صُمًّا، وَقُلُوبًا غُلْفًا[595]. اِنْفَرَدَ بِإِخْرَاجِهِ الْبُخَارِيُّ، فَرَوَاهُ فِي الْبُيُوعِ وَفِي التَّفْسِيرِ[596]. [595] (أحمد: 2/174) [596] (فتح الباري: 4/402، و 8/449، والأدب المفرد: 72) {وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلاَ النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلاَ نَصِيرٍ *الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاَوَتِهِ أُوْلَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ} قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: يَعْنِي بِقَوْلِهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: {وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلاَ النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ} وَلَيْسَتِ الْيَهُودُ يَا مُحَمَّدُ وَلاَ النَّصَارَى بِرَاضِيَةٍ عَنْكَ أَبَدًا، فَدَعْ طَلَبَ مَا يُرْضِيهِمْ وَيُوَافِقُهُمْ، وَأَقْبِلْ عَلَى طَلَبِ رِضَا اللهِ فِي دُعَائِهِمْ إِلَى مَا بَعَثَكَ اللهُ بِهِ مِنَ الْحَقِّ، وَقَوْلُهُ تَعَالَى: {قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى} أَيْ: قُلْ يَا مُحَمَّدُ: إِنَّ هُدَى اللهِ الَّذِي بَعَثَنِي بِهِ هُوَ الْهُدى، يَعْنِي هُوَ الدِّينُ الْمُسْتَقِيمُ[597] الصَّحِيحُ الْكَامِلُ الشَّامِلُ، قَالَ قَتَادَةُ فِي قَوْلِهِ: {قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى} قَالَ: خُصُومَةٌ عَلَّمَهَا اللهُ مُحَمَّدًا ﷺ وَأَصْحَابَهُ يُخَاصِمُونَ بِهَا أَهْلَ الضَّلاَلَةِ[598]. قَالَ قَتَادَةُ: وَبَلَغَنَا أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ كَانَ يَقُولُ: «لاَ تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي يُقَاتِلُونَ عَلَى الْحَقِّ، ظَاهِرِينَ، لاَ يَضُرُّهُمْ مَنْ خَالَفَهُمْ حَتَّى يَأْتِيَ أَمْرُ اللهِ»[599] [597] (الطبري: 2/562) [598] (ابن أبي حاتم: 1/356) [599] (ابن أبي حاتم: 1/355) (قُلْتُ): هَذَا الْحَدِيثُ مُخَرَّجٌ فِي الصَّحِيحِ عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو[600]. {وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلاَ نَصِيرٍ} فِيهِ تَهْدِيدٌ وَوَعِيدٌ شَدِيدٌ لِلْأُمَّةِ عَنِ اتِّبَاعِ طَرَائِقِ الْيَهُودِ وَالنَّصَارى بَعْدَ مَا عَلِمُوا مِنَ الْقُرْآنِ وَالسُّنَّـةِ، عِيَاذًا بِاللهِ مِنْ ذَلِكَ، فَإِنَّ الْخِطَابَ مَعَ الرَّسُولِ وَالْأَمْرَ لِأُمَّتِهِ. [600] (مسلم: 1924) [مَعْنَى التِّلاَوَةِ الحَقَّةِ] وَقَوْلُهُ: {الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاَوَتِهِ} قَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ قَتَادَةَ: هُمُ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى، وَهُوَ قَوْلُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، وَاخْتَارَهُ ابْنُ جَرِيرٍ. وَقَالَ سَعِيدٌ عَنْ قَتَادَةَ: هُمْ أَصْحَابُ رَسُولِ اللهِ ﷺ. وَقَالَ أَبُو الْعَالِيَةِ: قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ! إِنَّ حَقَّ تِلاَوَتِهِ أَنْ يُحِلَّ حَلاَلَهُ، وَيُحَرِّمَ حَرَامَهُ، وَيَقْرَأَهُ كَمَا أَنْزَلَهُ اللهُ، وَلاَ يُحَرِّفَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ، وَلاَ يَتَأَوَّلَ مِنْهُ شَيْئًا عَلَى غَيْرِ تَأْوِيلِهِ[601]. قَالَ السُّدِّيُّ عَنْ أَبِي مَالِكٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي هَذِهِ الْآيَةِ، قَالَ: يُحِلُّونَ حَلاَلَهُ وَيُحَرِّمُونَ حَرَامَهُ، وَلاَ يُحَرِّفُونَهُ عَنْ مَوَاضِعِهِ[602]. وَعَنْ عُمَرَ ابْنِ الْخَطَّابِ: هُمُ الَّذِينَ إِذَا مَرُّوا بِآيَةِ رَحْمَةٍ سَأَلُوهَا مِنَ اللهِ، وَإِذَا مَرُّوا بِآيَةِ عَذَابٍ اِسْتَعَاذُوا مِنْهَا[603]. قَالَ: وَقَدْ رُوِيَ هَذَا الْمَعْنَى عَنِ النَّبيِّ ﷺ أَنَّهُ كَانَ إِذَا مَرَّ بِآيَةِ رَحْمَةٍ سَأَلَ، وَإِذَا مَرَّ بِآيَةِ عَذَابٍ تَعَوَّذَ[604]. [601] (الطبري: 2/567) [602] (الطبري: 2/567) [603] (القرطبي: 2/95 إسناده ضعيف زيد بن أسلم لم يسمع من عمر رضي الله عنه) [604] (ابن ماجه: 429) وَقَوْلُهُ: {أُوْلَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ} خَبَرٌ عَنِ {الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاَوَتِهِ} أَيْ: مَنْ أَقَامَ كِتَابَهُ مِنْ أَهْلِ الْكُتُبِ الْمُنَزَّلَةِ عَلَى الْأَنْبِيَاءِ الْمُتَقَدِّمِينَ حَقَّ إِقَامَتِهِ؛ آمَنَ بِمَا أَرْسَلْتُكَ بِهِ يَا مُحَمَّدُ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: {وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ لأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ}... الْآيَةَ [المائدة: 66] {قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَسْتُمْ عَلَى شَيْءٍ حَتَّى تُقِيمُوا التَّوْرَاةَ وَالإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ} [المائدة: 68] أَيْ: إِذَا أَقَمْتُمُوهَا حَقَّ الْإِقَامَةِ، وَآمَنْتُمْ بِهَا حَقَّ الْإِيمَانِ، وَصَدَّقْتُمْ مَا فِيهَا مِنَ الإِخْبَارِ بِمَبْعَثِ مُحَمَّدٍ ﷺ وَنَعْتِهِ وَصِفَتِهِ، وَالْأَمْرِ بِاتِّبَاعِهِ وَنَصْرِهِ وَمُؤَازَرَتِهِ؛ قَادَكُمْ ذَلِكَ إِلَى الْحَقِّ وَاتِّبَاعِ الْخَيْرِ فِي الدُّنْيَا وَالاْخِرَةِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: {الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنْجِيلِ}... الْآيَةَ [الأعراف:157]، وَقَالَ تَعَالَى: {قُلْ آمِنُوا بِهِ أَوْ لاَ تُؤْمِنُوا إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلأَذْقَانِ سُجَّدًا *وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنْ كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولاً} [الإسراء:107،108] أَيْ: إِنْ كَانَ مَا وَعَدَنَا بِهِ - مِنْ شَأْنِ مُحَمَّدٍ ﷺ - لَوَاقِعًا، وَقَالَ تَعَالَى: {الَّذِينَ آتَيْنَاهُمْ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِهِ هُمْ بِهِ يُؤْمِنُونَ *وَإِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ قَالُوا آمَنَّا بِهِ إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّنَا إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ *أُولَئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ بِمَا صَبَرُوا وَيَدْرَأُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ} [القصص:52-54] وَقَالَ تَعَالَى: {وَقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالأُمِيِّينَ أَأَسْلَمْتُمْ فَإِنْ أَسْلَمُوا فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلاَغُ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ} [آل عمران: 20]. وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى: {وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ} كَمَا قَالَ تَعَالَى: {وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ مِنَ الأَحْزَابِ فَالنَّارُ مَوْعِدُهُ} [هود: 17] وَفِي الصَّحِيحِ: «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ! لاَ يَسْمَعُ بِي أَحَدٌ مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ، يَهُودِيٌّ وَلاَ نَصْرَانِيٌّ ثُمَّ لاَ يُؤْمِنُ بِي إِلاَّ دَخَلَ النَّارَ»[605]. [605] (مسلم: 1/134) {يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ *وَاتَّقُوا يَوْمًا لاَ تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا وَلاَ يُقْبَلُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلاَ تَنْفَعُهَا شَفَاعَةٌ وَلاَ هُمْ يُنْصَرُونَ} قَدْ تَقَدَّمَ نَظِيرُ هَذِهِ الْآيَةِ فِي صَدْرِ السُّورَةِ، وَكُرِّرَتْ هَهُنَا لِلتَّأكِيدِ وَالْحَثِّ عَلَى اتِّـبَاعِ الرَّسُولِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يَجِدُونَ صِفَتَهُ فِي كُتُبِهِمْ، وَنَعْتَهُ وَاِسْمَهُ وَأَمْرَهُ وَأُمَّتَهُ، فَحَذَّرَهُمْ مِنْ كِتْمَانِ هَذَا، وَكِتْمَانِ مَا أَنْعَمَ بِهِ عَلَيْهِمْ، وَأَمَرَهُمْ أَنْ يَذْكُرُوا نِعْمَةَ اللهِ عَلَيْهِمْ مِنَ النِّعَمِ الدُّنْيَوِيَّةِ وَالدِّينِيَّةِ، وَلاَ يَحْسُدُوا بَنِي عَمِّهِمْ مِنَ الْعَرَبِ عَلَى مَا رَزَقَهُمُ اللهُ مِنْ إِرْسَالِ الرَّسُولِ الْخَاتَمِ مِنْهُمْ، وَلاَ يَحْمِلُهُمْ ذَلِكَ الْحَسَدُ عَلَى مُخَالَفَتِهِ وَتَكْذِيبِهِ وَالْحَيْدِ عَنْ مُوَافَقَتِهِ، صَلَوَاتُ اللهِ وَسَلاَمُهُ عَلَيْهِ دَائِمًا إِلَى يَوْمِ الدِّينِ. {وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَتِي قَالَ لاَ يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ} [ذِكْرُ إِبْرَاهِيمَ الْخَلِيلِ وَتَوْلِيَتِهِ إِمَامَةَ النَّاسِ] يَقُولُ تَعَالَى مُنَبِّهًا عَلَى شَرَفِ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلِهِ عَلَيْهِ السَّلاَمُ، وَأَنَّ اللهَ تَعَالَى جَعَلَهُ إِمَامًا لِلنَّاسِ يُقْتَدى بِهِ فِي التَّوْحِيدِ حِينَ قَامَ بِمَا كَلَّفَهُ اللهُ تَعَالَى بِهِ مِنَ الْأَوَامِرِ وَالنَّوَاهِي، وَلِهَذَا قَالَ: {وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ} أَيْ وَاذْكُرْ يَا مُحَمَّدُ، لِهؤُلاَءِ الْمُشْرِكِينَ وَأَهْلِ الْكِتَابَيْنِ - الَّذِينَ يَنْتَحِلُونَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ، وَلَيْسُوا عَلَيْهَا، وَإِنَّمَا الَّذِي هُوَ عَلَيْهَا مُسْتَقِيمٌ فَأَنْتَ وَالَّذِينَ مَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ - اُذْكُرْ لِهؤُلاَءِ اِبْتَلاَءَ اللهِ إِبْرَاهِيمَ، أَيْ اِخْتَبَارَهُ لَهُ بِمَا كَلَّفَهُ بِهِ مِنَ الْأَوَامِرِ وَالنَّوَاهِي {فَأَتَمَّهُنَّ} أَيْ قَامَ بِهِنَّ كُلِّهِنَّ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: {وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى} [النجم: 37] أَيْ وَفَّى جَمِيعَ مَا شُرِعَ لَهُ فَعَمِلَ بِهِ صَلَوَاتُ اللهِ عَلَيْهِ، وَقَالَ تَعَالَى: {إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ *شَاكِرًا لِأَنْعُمِهِ اجْتَبَاهُ وَهَدَاهُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ *وَآتَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَإِنَّهُ فِي الآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ *ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ} [النحل: 120-123] وَقَالَ تَعَالَى: {قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ دِيناً قِيَمًا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ} [الأنعام: 161]، وقَالَ تَعَالَى: {مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلاَ نَصْرَانِيًّا وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ *إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ} [آل عمران: 67، 68]. وَقَوْلُهُ تَعَالَى: {بِكَلِمَاتٍ} أَيْ: بِشَرَائِعَ وَأَوَامِرَ وَنَوَاهٍ، فَإِنَّ الْكَلِمَاتِ تُطْلَقُ، وَيُرَادُ بِهَا الْكَلِمَاتُ الْقَدَرِيَّةُ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى عَنْ مَرْيَمَ عَلَيْهَا السَّلاَمُ: {وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا وَكُتُبِهِ وَكَانَتْ مِنَ الْقَانِتِينَ} [التحريم: 12] وَتُطْلَقُ، وَيُرَادُ بِهَا الشَّرْعِيَّةُ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلاً} [الأنعام: 115] أَيْ: كَلِمَاتُهُ الشَّرْعِيَّةُ، وَهِيَ إِمَّا خَبَرُ صِدْقٍ، وَإِمَّا طَلَبُ عَدْلٍ إِنْ كَانَ أَمْرًا أَوْ نَهْيًا، وَمِنْ ذَلِكَ هَذِهِ الْآيَةُ الْكَرِيمَةُ: {وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ}، أَيْ قَامَ بِهِنَّ، قَالَ: {إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا} أَيْ جَزَاءً عَلَى مَا فَعَلَ؛ لمّا قَامَ بِالْأَوَامِرِ، وَتَرَكَ الزَّوَاجِرَ جَعَلَهُ اللهُ لِلنَّاسِ قُدْوَةً، وَإِمَامًا يُقْتَدَى بِهِ وَيُحْتَذى حَذْوُهُ. [مَا هِيَ كَلِمَاتُ الاِبْتِلاَءِ؟] وَقَدِ اخْتُلِفَ فِي تَعْيِينِ الْكَلِمَاتِ الَّتِي اِخْتَبَرَ اللهُ بِهَا إِبْرَاهِيمَ الْخَلِيلَ عَلَيْهِ السَّلاَمُ، فَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي ذَلِكَ رِوَايَاتٌ، فَرَوَى عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: اِبْتَلاَهُ اللهُ بِالْمَنَاسِكِ[606]. وَكَذَا رَوَاهُ أَبُو إِسْحَاقَ[607]. وَرَوَى عَبْدُ الرَّزَّاقِ أَيْضًا عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: {وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ}، قَالَ: اِبْتَلاَهُ بِالطَّهَارَةِ: خَمْسٌ فِي الرَّأْسِ وَخَمْسٌ فِي الْجَسَدِ، فِي الرَّأْسِ. قَصُّ الشَّارِبِ وَالْمَضْمَضَةُ، وَالاِسْتِنْشَاقُ، وَالسِّوَاكُ وَفَرْقُ الرَّأْسِ. وَفِي الْجَسَدِ تَقْلِيمُ الْأَظْفَارِ، وَحَلْقُ الْعَانَةِ، وَالْخِتَانُ، وَنَتْفُ الْإِبْطِ[608]. وَغَسْلُ أَثَرِ الْغَائِطِ وَالْبَوْلِ بِالْمَاءِ. قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: وَرُوِيَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ وَمُجَاهِدٍ وَالشَّعْبِيِّ وَالنَّخَعِيِّ، وَأَبِي صَالِحٍ وَأَبِي الْجَلْدِ نَحْوُ ذَلِكَ[609]. [606] (الطبري: 3/13) [607] (الطبري: 3/13) [608] (عبدالرزاق: 1/57) [609] (ابن أبي حاتم: 1/359) (قُلْتُ): وَقَرِيبٌ مِنْ هَذَا مَا ثَبَتَ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا، قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «عَشْرٌ مِنَ الْفِطْرَةِ: قَصُّ الشَّارِبِ، وَإِعْفَاءُ اللِّحْيَةِ، وَالسِّوَاكُ، وَاسْتِنْشَاقُ الْمَاءِ، وَقَصُّ الْأَظْفَارِ، وَغَسْلُ الْبَرَاجِمِ، وَنَتْفُ الْإِبِطِ، وَحَلْقُ الْعَانَةِ، وَانْتِقَاصُ الْمَاءِ» وَنَسِيتُ الْعَاشِرَةَ إِلاَّ أَنْ تَكُونَ الْمَضْمَضَةَ. قَالَ وَكِيعٌ: انْتِقَاصُ الْمَاءِ، يَعْنِي: الْاِسْتِنْجَاءَ[610]. وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «اَلْفِطْرَةُ خَمْسٌ: الْخِتَانُ، وَالاِسْتِحْدَادُ، وَقَصُّ الشَّارِبِ، وَتَقْلِيمُ الْأَظْفَارِ، وَنَتْفُ الْإِبِطِ»، وَلَفْظُهُ لِمُسْلِمٍ[611]. [610] (مسلم: 1/223) [611] (فتح الباري: 10/347، ومسلم 1/222) وَرَوَى مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: اَلْكَلِمَاتُ الَّتِي ابْتَلَى اللهُ بِهِنَّ إِبْرَاهِيمَ فَأَتَمَّهُنَّ: فِرَاقُ قَوْمِهِ فِي اللهِ حِينَ أُمِرَ بِمُفَارَقَتِهِمْ. وَمُحَاجَّتُهُ نُمْرُوذَ فِي اللهِ حِينَ وَقَفَهُ عَلَى مَا وَقَفَهُ عَلَيْهِ مِنْ خَطَرِ الْأَمْرِ الَّذِي فِيهِ خِلاَفُهُ. وَصَبْرُهُ عَلَى قَذْفِهِ إِيَّاهُ فِي النَّارِ لِيُحْرِقُوهُ فِي اللهِ، عَلَى هَوْلِ ذَلِكَ مِنْ أَمْرِهِمْ. وَالْهِجْرَةُ بَعْدَ ذَلِكَ مِنْ وَطَنِهِ وَبِلاَدِهِ فِي اللهِ حِينَ أَمَرَهُ بِالْخُرُوجِ عَنْهُمْ. وَمَا أَمَرَهُ بِهِ مِنَ الضِّيَافَةِ وَالصَّبْرِ عَلَيْهَا بِنَفْسِهِ وَمَالِهِ. وَمَا ابْتُلِيَ بِهِ مِنْ ذَبْحِ ابْنِهِ حِينَ أَمَرَهُ بِذَبْحِهِ. فَلَمَّا مَضى عَلَى ذَلِكَ مِنَ اللهِ كُلِّهِ، وَأَخْلَصَهُ لِلْبَلاَءِ، قَالَ اللهُ لَهُ: {أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ} عَلَى مَا كَانَ مِنْ خِلاَفِ النَّاسِ وَفِرَاقِهِمْ[612]. [612] (ابن أبي حاتم: 1/360 إسناده ضعيف لجهالة محمد بن أبي محمد كما سبق) [عَهْدُ اللهِ لاَ يَنَالُ الظَّالِمِينَ] وَقَوْلُهُ: {وَمِنْ ذُرِّيَتِي} قَالَ: {لاَ يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ} لَمَّا جَعَلَ اللهُ إِبْرَاهِيمَ إِمَامًا سَأَلَ اللهَ أَنْ تَكُونَ الْأَئِمَّةُ مِنْ بَعْدِهِ مِنْ ذُرِّيَّتِهِ، فَأُجِيبَ إِلَى ذَلِكَ، وَأُخْبِرَ أَنَّهُ سَيَكُونُ مِنْ ذُرِّيَّتِهِ ظَالِمُونَ، وَأَنَّهُ لاَ يَنَالُهُمْ عَهْدُ اللهِ، وَلاَ يَكُونُونَ أَئِمَّةً، فَلاَ يُقْتَدَى بِهِمْ، وَالدَّلِيلُ عَلَى أَنَّهُ أُجِيبَ إِلَى طَلِبَتِهِ قَوْلُهُ تَعَالَى فِي سُورَةِ الْعَنْكَبُوتِ: {وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِ النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ} [العنكبوت: 27] فَكُلُّ نَبِيٍّ أَرْسَلَهُ اللهُ، وَكُلُّ كِتَابٍ أَنْزَلَهُ اللهُ بَعْدَ إِبْرَاهِيمَ؛ فَفِي ذُرِّيَّتِهِ صَلَوَاتُ اللهِ وَسَلاَمُهُ عَلَيْهِ؛ وَأَمَّا قَوْلُهُ تَعَالَى: {قَالَ لاَ يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ} فَيُخْبِرُهُ أَنَّهُ كَائِنٌ فِي ذُرِّيَّتِهِ ظَالِمٌ؛ لاَ يَنَالُ عَهْدَهُ، وَلاَ يَنْبَغِي أَنْ يُوَلِّيَهُ شَيْئًا مِنْ أَمْرِهِ، وَإِنْ كَانَ مِنْ ذُرِّيَةِ خَلِيلِهِ. وَمُحْسِنٌ؛ سَتَنْفُذُ فِيهِ دَعْوَتُهُ، وَتَبْلُغُ لَهُ مَا أَرَادَ مِنْ مَسْأَلَتِهِ. وَاخْتَارَ ابْنُ جَرِيرٍ: أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ وَإِنْ كَانَتْ ظَاهِرَةً فِي الْخَبَرِ، أَنَّهُ لاَ يَنَالُ عَهْدُ اللهِ بِالْإِمَامَةِ ظَالِمًا، فَفِيهَا إِعْلاَمٌ مِنَ اللهِ لِإِبْرَاهِيمَ الْخَلِيلِ عَلَيْهِ السَّلاَمُ، أَنَّهُ سَيُوجَدُ مِنْ ذُرِّيَّتِكَ مَنْ هُوَ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ. وَقَالَ ابْنُ خُوَيْزٍ مِنْدَادُ الْمَالِكِيُّ: اَلظَّالِمُ لاَ يَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ خَلِيفَةً، وَلاَ حَاكِمًا، وَلاَ مُفْتِيًا، وَلاَ شَاهِدًا وَلاَ رَاوِيًا. {وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْناً وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلّىً وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَنْ طَهِّرَا بَيْتِي لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ} [فَضْلُ بَيْتِ اللهِ] قَالَ الْعَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ} يَقُولُ: لاَ يَقْضُونَ فِيهِ وَطَرًا، يَأْتُونَهُ ثُمَّ يَرْجِعُونَ إِلَى أَهْلِيهِمْ، ثُمَّ يَعُودُونَ إِلَيْهِ[613]. وَقَالَ أَبُو جَعْفَرٍ الرَّازِيُّ عَنِ الرَّبِيعِ بْنِ أَنَسٍ عَنْ أَبِي الْعَالِيَةِ {وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْناً} يَقُولُ: وَأَمْنًا مِنَ الْعَدُوِّ وَأَنْ يُحْمَلَ فِيهِ السِّلاَحُ، وَقَدْ كَانُوا فِي الْجَاهِلِيَّةِ يُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ وَهُمْ آمِنُونَ لاَ يُسْبَوْنَ[614]. وَرُوِيَ عَنْ مُجَاهِدٍ وَعَطَاءٍ وَالسُّدِّيِّ وَقَتَادَةَ وَالرَّبِيعِ بْنِ أَنَسٍ قَالُوا: مَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا[615]. [613] (الطبري (1969) إسناده ضعيف العوفي ضعيف كما مرّ) [614] (الطبري: 3/29) [615] (ابن أبي حاتم: 1/370) وَمَضْمُونُ هَذِهِ الْآيَةِ: أَنَّ اللهَ تَعَالَى يَذْكُرُ شَرَفَ الْبَيْتِ، وَمَا جَعَلَهُ مَوْصُوفًا بِهِ شَرْعًا وَقَدْرًا، مِنْ كَوْنِهِ مَثَابَةً لِلنَّاسِ، أَيْ جَعَلَهُ مَحَلًّا تَشْتَاقُ إِلَيْهِ الْأَرْوَاحُ، وَتَحِنُّ إِلَيْهِ، وَلاَ تَقْضِي مِنْهُ وَطَرًا وَلَوْ تَرَدَّدَتْ إِلَيْهِ كُلَّ عَامٍ، اِسْتِجَابَةً مِنَ اللهِ تَعَالَى، لِدُعَاءِ خَلِيلِهِ إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلاَمُ، فِي قَوْلِهِ {فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ} إِلَى أَنْ قَالَ: {وَتَقَبَّلْ دُعَاءِ} [إبراهيم:37-40] وَيَصِفُهُ تَعَالَى بِأَنَّهُ جَعَلَهُ آمِنًا، مَنْ دَخَلَهُ أَمِنَ. وَلَوْ كَانَ قَدْ فَعَلَ مَا فَعَلَ، ثُمَّ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا، وَمَا هَذَا الشَّرَفُ إِلاَّ لِشَرَفِ بَانِيهِ أَوَّلاً، وَهُوَ خَلِيلُ الرَّحْمنِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: {وَإِذْ بَوَّأْنَا لإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ أَنْ لاَ تُشْرِكْ بِي شَيْئًا} [الحج: 26]. وقَالَ تَعَالَى: {إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدىً لِلْعَالَمِينَ *فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِناً} [آل عمران: 96،97] وَفِي هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ، نَبَّهَ عَلَى مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مَعَ الْأَمْرِ بِالصَّلاَةِ عِنْدَهُ. فَقَالَ: {وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلّىً}. [مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ] وَقَالَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ عن عبدالله بن مسلم عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ {وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلّىً} قَالَ: الْحَجَرُ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ نَبِيِّ اللهِ، قَدْ جَعَلَهُ اللهُ رَحْمَةً، فَكَانَ يَقُومُ عَلَيْهِ وَيُنَاوِلُهُ إِسْمَاعِيلُ الْحِجَارَةَ. وَلَوْ غَسَلَ رَأْسَهُ -كَمَا يَقُولُونَ- لاَخْتَلَفَ رِجْلاَهُ![616]. وَقَالَ السُّدِّيُّ: الْمَقَامُ الْحَجَرُ الَّذِي وَضَعَتْهُ زَوْجَةُ إِسْمَاعِيلَ تَحْتَ قَدَمِ إِبْرَاهِيمَ حَتَّى غَسَلَتْ رَأْسَهُ[617]. حَكَاهُ الْقُرْطُبِيُّ وَضَعَّفَهُ، وَرَجَّحَهُ غَيْرُهُ. وَحَكَاهُ الرَّازِيُّ فِي تَفْسِيرِهِ عَنِ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ وَقَتَادَةَ وَالرَّبِيعِ ابْنِ أَنَسٍ[618]. [616] (ابن أبي حاتم: 1/371) [617] (الطبري: 3/35) [618] (الرازي: 4/45) وَرَوَى ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ عَنْ جَابِرٍ يُحَدِّثُ عَنْ حِجَّةِ النَّبِيِّ ﷺ، قَالَ: لَمَّا طَافَ النَّبِيُّ ﷺ، قَالَ لَهُ عُمَرُ: هَذَا مَقَامُ أَبِينَا؟ قَالَ: «نَعَمْ». قَالَ: أَفَلاَ نَـتَّخِذُهُ مُصَلًّى؟ فَأَنْزَلَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ: {وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلّىً} [619]. وَقَالَ الْبُخَارِيُّ: بَابُ قَوْلِهِ: {وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلّىً} مَثَابَةً، يَثُوبُونَ: يَرْجِعُونَ. ثُمَّ رَوَى عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ: وَافَقْتُ رَبِّي فِي ثَلاَثٍ أَوْ وَافَقَنِي رَبِّي فِي ثَلاَثٍ، قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، لَوِ اتَّخَذْتَ مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى فَنَزَلَتْ: {وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلّىً}. وَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، يَدْخُلُ عَلَيْكَ الْبَرُّ وَالْفَاجِرُ، فَلَوْ أَمَرْتَ أُمَّهَاتِ الْمُؤْمِنِينَ بِالْحِجَابِ، فَأَنْزَلَ اللهُ آيَةَ الْحِجَابِ. قَالَ: وَبَلَغَنِي مُعَاتَبَةُ النَّبِيِّ ﷺ بَعْضَ نِسَائِهِ، فَدَخَلْتُ عَلَيْهِنَّ فَقُلْتُ: إ ِنِ انْتَهَيْتُنَّ أَوْ لَيُبَدِّلَنَّ اللهُ رَسُولَهُ خَيْرًا مِنْكُنَّ، حَتَّى أَتَيْتُ إِحْدى نِسَائِهِ، قَالَتْ: يَا عُمَرُ، أَمَا فِي رَسُولِ اللهِ مَا يَعِظُ نِسَاءَهُ حَتَّى تَعِظَهُنَّ أَنْتَ!؟ فَأَنْزَلَ اللهُ {عَسَى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْوَاجًا خَيْرًا مِنْكُنَّ مُسْلِمَاتٍ}... الْآيَةَ [التحريم: 5]. [619] (ابن أبي حاتم: 1/370) وَرَوَى ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ جَابِرٍ، قَالَ: اسْتَلَمَ رَسُولُ اللهِ ﷺ الرُّكْنَ، فَرَمَلَ ثَلاَثًا وَمَشَى أَرْبَعًا، ثُمَّ نَفَذَ إِلَى مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ فَقَرَأَ {وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلّىً} فَجَعَلَ الْمَقَامَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْبَيْتِ، فَصَلّْى رَكْعَتَيْنِ[620]. وَهَذَا قِطْعَةٌ مِنَ الْحَدِيثِ الطَّوِيلِ الَّذِي رَوَاهُ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ[621]. وَرَوَى الْبُخَارِيُّ بِسَنَدِهِ عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ عُمَرَ يَقُولُ: قَدِمَ رَسُولُ اللهِ ﷺ فَطَافَ بِالْبَيْتِ سَبْعًا، وَصَلَّى خَلْفَ الْمَقَامِ رَكْعَتَيْنِ[622]. [620] (الطبري: 3/36) [621] (مسلم: 2/920) [622] (فتح الباري: 3/586) فَهَذَا كُلُّهُ مِمَّا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِالْمَقَامِ إِنَّمَا هُوَ الْحَجَرُ الَّذِي كَانَ إِبْرَاهِيمُ عَلَيْهِ السَّلاَمُ يَقُومُ عَلَيْهِ لِبِنَاءِ الْكَعْبَةِ، لَمَّا ارْتَفَعَ الْجِدَارُ أَتَاهُ إِسْمَاعِيلُ عَلَيْهِ السَّلاَمُ بِهِ لِيَقُومَ فَوْقَهُ، وَيُنَاوِلُهُ الْحِجَارَةَ، فَيَضَعُهَا بِيَدِهِ لِرَفْعِ الْجِدَارِ، وَكُلَّمَا كَمَّلَ نَاحِيَةً انْتَقَلَ إِلَى النَّاحِيَةِ الْأُخْرى يَطُوفُ حَوْلَ الْكَعْبَةِ، وَهُوَ وَاقِفٌ عَلَيْهِ كُلَّمَا فَرَغَ مِنْ جِدَارٍ نَقَلَهُ إِلَى النَّاحِيَةِ الَّتِي تَلِيهَا، وَهَكَذَا حَتَّى تَمَّ جُدْرَانُ الْكَعْبَةِ كَمَا سَيَأْتِي بَيَانُهُ فِي قِصَّةِ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ فِي بِنَاءِ الْبَيْتِ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ عَبَّاسٍ عِنْدَ الْبُخَارِيِّ، وَكَانَتْ آثَارُ قَدَمَيْهِ ظَاهِرَةً فِيهِ، وَلَمْ يَزَلْ هَذَا مَعْرُوفًا تَعْرِفُهُ الْعَرَبُ فِي جَاهِلِيَّتِهَا، وَلِهَذَا قَالَ أَبُو طَالِبٍ فِي قَصِيدَتِهِ الْمَعْرُوفَةِ اللاَّمِيَّةِ: وَمَوطِىءُ إِبْرَاهِيمَ فِي الصَّخْرِ رَطْبَةٌ ** عَلَى قَدَمَيْهِ حَافِيًا غَيْرَ نَاعِلِ وَقَدْ أَدْرَكَ الْمُسْلِمُونَ ذَلِكَ فِيهِ، فَعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: رَأَيْتُ الْمَقَامَ فِيهِ أَصَابِعُهُ عَلَيْهِ السَّلاَمُ وَأَخْمَصُ قَدَمَيْهِ، غَيْرَ أَنَّهُ أَذْهَبَهُ مَسْحُ النَّاسِ بِأَيْدِيهِمْ. (قُلْتُ) : وَقَدْ كَانَ هَذَا الْمَقَامُ مُلْصَقًا بِجِدَارِ الْكَعْبَةِ قَدِيمًا وَمَكَانُهُ مَعْرُوفٌ الْيَوْمَ، إِلَى جَانِبِ الْبَابِ مِمَّا يَلِي الْحَجَرَ يُمْنَةَ الدَّاخِلِ مِنَ الْبَابِ فِي الْبُقْعَةِ الْمُسْتَقِلَّةِ هُنَاكَ[623]. وَكَانَ الْخَلِيلُ عَلَيْهِ السَّلاَمُ لَمَّا فَرَغَ مِنْ بِنَاءِ الْبَيْتِ وَضَعَهُ إِلَى جِدَارِ الْكَعْبَةِ أَوْ أَنَّهُ انْتَهى عِنْدَهُ الْبِنَاءُ فَتَرَكَهُ هُنَاكَ وَلِهَذَا، وَاللهُ أَعْلَمُ، أُمِرَ بِالصَّلاَةِ هُنَاكَ عِنْدَ الْفَرَاغِ مِنَ الطَّوَافِ، وَنَاسَبَ أَنْ يَكُونَ عِنْدَ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ حَيْثُ انْتَهى بِنَاءُ الْكَعْبَةِ فِيهِ، وَإِنَّمَا أَخَّرَهُ عَنْ جِدَارِ الْكَعْبَةِ أَمِيرُ الْمُؤمِنِينَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ أَحَدُ الْأَئِمَّةِ الْمَهْدِيِّينَ وَالْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ الَّذِينَ أُمِرْنَا بِاتِّبَاعِهِمْ، وَهُوَ أَحَدُ الرَّجُلَيْنِ اللَّذَيْنِ قَالَ فِيهِمَا رَسُولُ اللهِ ﷺ: «اقْتَدُوْا بِاللَّذَيْنِ مِنْ بَعْدِي أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ»[624]. وَهُوَ الَّذِي نَزَلَ الْقُرْآنُ بِوِفَاقِهِ فِي الصَّلاَةِ عِنْدَهُ، وَلِهَذَا لَمْ يُنْكِرْ ذَلِكَ أَحَدٌ مِنْ أَصْحَابِهِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ أَجْمَعِينَ. [623] (قد أزيلت هذه البقعة، ووضع مقام إبراهيم في عمود قصير من الزجاج والسياج) [624] (الترمذي: 3662) قَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ: حَدَّثَنِي عَطَاءٌ وَغَيْرُهُ مِنْ أَصْحَابِنَا، قَالَ: أَوَّلُ مَا نَقَلَهُ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ[625]. وَرَوَى عَبْدُ الرَّزَّاقِ أَيْضًا عَنْ مُجَاهِدٍ، قَالَ: أَوَّلُ مَنْ أَخَّرَ الْمَقَامَ إِلَى مَوْضِعِهِ الاْنَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ[626]. وَرَوَى الْحَافِظُ أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ الْبَيْهَقِيُّ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا: أَنَّ الْمَقَامَ كَانَ زَمَانَ رَسُولِ اللهِ ﷺ، وَزَمَانَ أَبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، مُلْتَصِقًا بِالْبَيْتِ، ثُمَّ أَخَّرَهُ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، وَهَذَا إِسْنَادٌ صَحِيحٌ مَعَ مَا تَقَدَّمَ. [625] (المصنف (8955) 5/48) [626] (المصنف (8953) 5/47-48) {وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَنْ طَهِّرَا بَيْتِي لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ *وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آمِناً وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ قَالَ وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلاً ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَى عَذَابِ النَّارِ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ *وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ *رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ} [الْأَمْرُ بِتَطْهِيرِ بَيْتِ اللهِ] قَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ قَوْلُهُ: {وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ} قَالَ: أَمَرَهُمَا اللهُ أَنْ يُطَهِّرَاهُ مِنَ الْأَذَى وَالنَّجَسِ، وَلاَ يُصِيبُهُ مِنْ ذَلِكَ شَيْءٌ[627]. وَقَالَ ابْنُ جُرَيجٍ: قُلْتُ لِعَطَاءٍ: مَا عَهْدُهُ؟ قَالَ: أَمْرُهُ. وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَوْلُهُ: {أَنْ طَهِّرَا بَيْتِي لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ} قَالَ: مِنَ الْأَوْثَانِ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: {طَهِّرَا بَيْتِي لِلطَّائِفِينَ} أَنَّ ذَلِكَ مِنَ الْأَوْثَانِ وَالرَّفَثِ وَقَوْلِ الزُّورِ وَالرِّجْسِ. [627] (ابن أبي حاتم: 1/373) وَأَمَّا قَوْلُهُ تَعَالَى: {لِلطَّائِفِينَ} فَالطَّوَافُ بِالْبَيْتِ مَعْرُوفٌ وَعَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ أَنَّهُ قَالَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {لِلطَّائِفِينَ} يَعْنِي مَنْ أَتَاهُ مِنْ غُرْبَةٍ[628]. {وَالْعَاكِفِينَ} اَلْمُقِيمِينَ فِيهِ، وَهَكَذَا رُوِيَ عَنْ قَتَادَةَ وَالرَّبِيعِ بْنِ أَنَسٍ، أَنَّهُمَا فَسَّرَا الْعَاكِفِينَ بِأَهْلِهِ الْمُقِيمِينَ فِيهِ، كَمَا قَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيرٍ[629]. وَأَمَّا قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ} فَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: {وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ}، قَالَ: إِذَا كَانَ مُصَلِّيًا فَهُوَ مِنَ الرُّكَّعِ السُّجُودِ[630]. وَكَذَا قَالَ عَطَاءٌ وَقَتَادَةُ[631]. [628] (ابن أبي حاتم: 1/375) [629] (ابن أبي حاتم: 1/375) [630] (ابن أبي حاتم: 1/376) [631] (ابن أبي حاتم: 1/376) وَتَطْهِيرُ الْمَسَاجِدِ مَأْخُوذٌ مِنْ هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ، وَمِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: {فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ} [النور: 36] وَمِنَ السُّنَّةِ مِنْ أَحَادِيثَ كَثِيرَةٍ مِنَ الْأَمْرِ بِتَطْهِيرِهَا وَتَطْيِـيـبِهَا وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ صِيَانَتِهَا مِنَ الْأَذى وَالنَّجَاسَاتِ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ. وَلِهَذَا قَالَ عَلَيْهِ السَّلاَمُ: «إِنَّمَا بُنِيَتِ الْمَسَاجِدُ لِمَا بُنِيَتْ لَهُ»[632]. وَقَدْ جَمَعْتُ فِي ذَلِكَ جُزْءًا عَلَى حِدَةٍ، وَللهِ الْحَمْدُ وَالْمِنَّـةُ. [632] (مسلم: 1/397) [تَحْرِيمُ مَكَّةَ] وَقَوْلُهُ تَعَالَى: {وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آمِناً وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ} [البقرة: 126] رَوَى الْإِمَامُ أَبُو جَعْفَرِ بْنُ جَرِيرٍ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «إِنَّ إِبْرَاهِيمَ حَرَّمَ بَيْتَ اللهِ وَأَمَّنَهُ، وَإِنِّي حَرَّمْتُ الْمَدِينَةَ مَا بَيْنَ لاَبَتَيْهَا، فَلاَ يُصَادُ صَيْدُهَا، وَلاَ يُقْطَعُ عِضَاهُهَا»[633] هَكَذَا رَوَاهُ النَّسَائِيُّ[634]،وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ[635]. [633] (الطبري: 3/48)و [634] (النسائي في الكبرى: 2/487) [635] (مسلم: 2/992) وَقَدْ وَرَدَتْ أَحَادِيثُ أُخَرُ تَدُلُّ عَلَى أَنَّ اللهَ تَعَالَى حَرَّمَ مَكَّةَ قَبْلَ خَلْقِ السَّموَاتِ وَالْأَرْضِ كَمَا جَاءَ فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ: «إِنَّ هَذَا الْبَلَدَ حَرَّمَهُ اللهُ يَوْمَ خَلَقَ السَّموَاتِ وَالْأَرْضَ، فَهُوَ حَرامٌ بِحُرْمَةِ اللهِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَإِنَّهُ لَمْ يَحِلَّ الْقِتَالُ فِيهِ لِأَحَدٍ قَبْلِي، وَلَمْ يَحِلَّ لِي إِلاَّ سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ، فَهُوَ حَرَامٌ بِحُرْمَةِ اللهِ إِلَى يَوْم الْقِيَامَةِ، لاَ يُعْضَدُ شَوْكُهُ، وَلاَ يُنَفَّرُ صَيْدُهُ، وَلاَ يَلْتَقِطُ لُـقَطَتَهُ إِلاَّ مَنْ عَرَّفَهَا، وَلاَ يُخْتَلَى خَلاَهَا» فَقَالَ الْعَبَّاسُ: يَا رَسُولَ اللهِ: إِلاَّ الْإِذْخِرَ، فَإِنَّهُ لِقَيْنِهِمْ وَلِبُيُوتِهِمْ، فَقَالَ: «إِلاَّ الإِذْخِرَ»[636]. وَهَذَا لَفْظُ مُسْلِمٍ، وَلَهُمَا عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ نَحْوٌ مِنْ ذَلِكَ، ثُمَّ رَوَى الْبُخَارِيُّ بَعْدَ ذَلِكَ عَنْ صَفِيَّةَ بِنْتِ شَيْبَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ مِثْلَهُ[637]. [636] (فتح الباري: 4/56، ومسلم: 2/986) [637] (فتح الباري: 3/253) وَعَنْ أَبِي شُرَيحٍ الْعَدَوِيِّ أَنَّهُ قَالَ لِعَمْرِو بْنِ سَعِيدٍ وَهُوَ يَبْعَثُ الْبُعُوثَ إِلَى مَكَّةَ: اِئْذَنْ لِي أَيُّهَا الْأَمِيرُ أَنْ أُحَدِّثَكَ قَوْلاً قَامَ بِهِ رَسُولُ اللهِ ﷺ الْغَدَ مِنْ يَوْمِ الْفَتْحِ، سَمِعَتْهُ أُذُنَايَ، وَوَعَاهُ قَلْبِي، وَأَبْصَرَتْهُ عَيْنَايَ حِينَ تَكَلَّمَ بِهِ، إِنَّهُ حَمِدَ اللهَ وَأَثْنى عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ: «إِنَّ مَكَّةَ حَرَّمَهَا اللهُ وَلَمْ يُحَرِّمْهَا النَّاسُ، فَلاَ يَحِلُّ لاِمْرِئٍ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الاْخِرِ أَنْ يَسْفِكَ بِهَا دَمًا، وَلاَ يَعْضِدَ بِهَا شَجَرَةً، فَإِنْ أَحَدٌ تَرَخَّصَ بِقِتَالِ رَسُولِ اللهِ ﷺ فَقُولُوا: إِنَّ اللهَ أَذِنَ لِرَسُولِهِ وَلَمْ يَأْذَنْ لَكُمْ، وَإِنَّمَا أَذِنَ لِي فِيهَا سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ، وَقَدْ عَادَتْ حُرْمَتُهَا الْيَوْمَ كَحُرْمَتِهَا بِالْأَمْسِ، فَلْيُبَلِّغِ الشَّاهِدُ الْغَائِبَ» فَقِيلَ لِأَبِي شُرَيْحٍ: مَا قَالَ لَكَ عَمْرٌو؟ قَالَ: أَنَا أَعْلَمُ بِذَلِكَ مِنْكَ يَا أَبَا شُرَيحٍ، إِنَّ الْحَرَمَ لاَ يُعِيذُ عَاصِيًا وَلاَ فَارًّا بِدَمٍ، وَلاَ فَارًّا بِخَرْبَةٍ. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ ومُسْلِمٌ وَهَذَا لَفْظُهُ[638]. [638] (فتح الباري: 4/50، ومسلم: 2/987) فَإِذَا عُلِمَ هَذَا فَلاَ مُنَافَاةَ بَيْنَ هَذِهِ الْأَحَادِيثِ الدَّالَّةِ عَلَى أَنَّ اللهَ حَرَّمَ مَكَّةَ يَوْمَ خَلَقَ السَّموَاتِ وَالْأَرْضَ، وَبَيْنَ الْأَحَادِيثِ الدَّالَّةِ عَلَى أَنَّ إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلاَمُ حَرَّمَهَا، لِأَنَّ إِبْرَاهِيمَ بَلَّغَ عَنِ اللهِ حُكْمَهُ فِيهَا وَتَحْرِيمَهُ إيَّاهَا، وَأَنَّهَا لَمْ تَزَلْ بَلَدًا حَرَامًا عِنْدَ اللهِ قَبْلَ بِنَاءِ إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلاَمُ لَهَا، كَمَا أَنَّهُ قَدْ كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ مَكْتُوبًا عِنْدَ اللهِ خَاتَمَ النَّبِيِّينَ، وَإِنَّ آدَمَ لَمُنْجَدِلٌ فِي طِينَتِهِ، وَمَعَ هَذَا قَالَ إِبْرَاهِيمُ عَلَيْهِ السَّلاَمُ: {رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولاً مِنْهُمْ}... الْآيَةَ، وَقَدْ أَجَابَ اللهُ دُعَاءَهُ بِمَا سَبَقَ فِي عِلْمِهِ وَقَدَرِهِ. وَلِهَذَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ أَنَّهُمْ قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، أَخْبِرْنَا عَنْ بَدْءِ أَمْرِكَ. فَقَالَ: «دَعْوَةُ أَبِي إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلاَمُ، وَبُشْرَى عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ، وَرَأَتْ أُمِّي كَأَنَّهُ خَرَجَ مِنْهَا نُورٌ أَضَاءَتْ لَهُ قُصُورُ الشَّامِ»[639] أَيْ أَخْبِرْنَا عَنْ بَدْءِ ظُهُورِ أَمْرِكَ، كَمَا سَيَأْتِي قَرِيبًا إِنْ شَاءَ اللهُ. [639] (أحمد: 5/262) [دُعَاءُ الْخَلِيلِ لِمَكَّةَ بِالْأَمْنِ وَالرِّزْقِ] وَقَوْلُهُ تَعَالَى إِخْبَارًا عَنِ الْخَلِيلِ أَنَّهُ قَالَ: {رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آمِناً} أَيْ مِنَ الْخَوْفِ، أَيْ لاَ يُرْعَبُ أَهْلُهُ، وَقَدْ فَعَلَ اللهُ ذَلِكَ شَرْعًا وَقَدَرًا، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِناً} [آل عمران: 96] وَقَوْلِهِ: {أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آمِناً وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ} [العنكبوت: 67] إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْآيَاتِ. وَقَدْ تَقَدَّمَتِ الْأَحَادِيثُ فِي تَحْرِيمِ الْقِتَالِ فِيهِ. وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ جَابِرٍ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: «لاَ يَحِلُّ لِأَحَدٍ أَنْ يَحْمِلَ بِمَكَّةَ السِّلاَحَ»[640]. وَقَالَ فِي هَذِهِ السُّورَةِ: {رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آمِناً} أَيْ اِجْعَلْ هَذِهِ الْبُقْعَةَ بَلَدًا آمِنًا. وَنَاسَبَ هَذَا لِأَنَّهُ قَبْلَ بِنَاءِ الْكَعْبَةِ. وَقَالَ تَعَالَى فِي سُورَةِ إِبْرَاهِيمَ: {وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِناً} [إبراهيم: 35] وَنَاسَبَ هَذَا هُنَاكَ لِأَنَّهُ، وَاللهُ أَعْلَمُ، كَأَنَّهُ وَقَعَ دُعَاءٌ مَرَّةً ثَانِيَةً بَعْدَ بِنَاءِ الْبَيْتِ وَاِسْتِقْرَارِ أَهْلِهِ بِهِ، وَبَعْدَ مَوْلِدِ إِسْحَاقَ الَّذِي هُوَ أَصْغَرُ سِنًّا مِنْ إِسْمَاعِيلَ بِثَلاَثَ عَشْرَةَ سَنَةً، وَلِهَذَا قَالَ فِي آخِرِ الدُّعَاءِ: {الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَقَ إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعَاء} [إبراهيم: 39]. [640] (مسلم: 2/989) وَقَوْلُهُ تَعَالَى: {وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ قَالَ وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلاً ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَى عَذَابِ النَّارِ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ} رَوَى ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ: {قَالَ وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلاً ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَى عَذَابِ النَّارِ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ} قَالَ: هُوَ قَوْلُ اللهِ تَعَالَى[641]. وَهَذَا قَوْلُ مُجَاهِدٍ وَعِكْرِمَةَ[642]. وَرَوَى ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آمِناً وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ} قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: كَانَ إِبْرَاهِيمُ يُحَجِّرُهَا عَلَى الْمُؤْمِنِينَ دُونَ النَّاسِ، فَأَنْزَلَ اللهُ: وَمَنْ كَفَرَ أَيْضًا أَرْزُقُهُمْ كَمَا أَرْزُقُ الْمُؤمِنِينَ، أَأَخْلُقُ خَلْقًا لاَ أَرْزُقُهُمْ؟ أُمَتِّعُهُمْ قَلِيلاً ثُمَّ أَضْطَرُّهُمْ إِلَى عَذَابِ النَّارِ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ[643]. ثُمَّ قَرَأَ ابْنُ عَبَّاسٍ: {كُلاًّ نُمِدُّ هَؤُلاَءِ وَهَؤُلاَءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا} [الإسراء: 20] رَوَاهُ ابْنُ مَرْدُويَهْ. وَرُوِيَ عَنْ عِكْرِمَةَ وَمُجَاهِدٍ نَحْوُ ذَلِكَ أَيْضًا، وَهَذَا كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لاَ يُفْلِحُونَ * مَتَاعٌ فِي الدُّنْيَا ثُمَّ إِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ ثُمَّ نُذِيقُهُمُ الْعَذَابَ الشَّدِيدَ بِمَا كَانُوا يَكْفُرُونَ} [يونس: 69،70] وَقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَمَنْ كَفَرَ فَلاَ يَحْزُنْكَ كُفْرُهُ إِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ فَنُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ *نُمَتِّعُهُمْ قَلِيلاً ثُمَّ نَضْطَرُّهُمْ إِلَى عَذَابٍ غَلِيظٍ} [لقمان: 23،24] وَقَوْلِهِ: {وَلَوْلاَ أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً لَجَعَلْنَا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمَانِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا مِنْ فِضَّةٍ وَمَعَارِجَ عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ *وَلِبُيُوتِهِمْ أَبْوَابًا وَسُرُرًا عَلَيْهَا يَتَّكِئُونَ *وَزُخْرُفًا وَإِنْ كُلُّ ذَلِكَ لَمَّا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالآخِرَةُ عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ} [الزخرف:33-35]. [641] (الطبري: 3/53) [642] (الطبري: 3/54) [643] (ابن أبي حاتم: 1/377) وَقَوْلُهُ: {ثُمَّ أَضْطَرُّهُ } أَيْ ثُمَّ أُلْجِئُهُ بَعْدَ مَتَاعِهِ فِي الدُّنْيَا، وَبَسْطِنَا عَلَيْهِ مِنْ ظِلِّهَا، إِلَى عَذَابِ النَّارِ، وَبِئْسَ الْمَصِيرُ، وَمَعْنَاهُ: أَنَّ اللهَ تَعَالَى يُنْظِرُهُمْ وَيُمْهِلُهُمْ ثُمَّ يَأْخُذُهُمْ أَخْذَ عَزِيزٍ مُقْتَدِرٍ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَمْلَيْتُ لَهَا وَهِيَ ظَالِمَةٌ ثُمَّ أَخَذْتُهَا وَإِلَيَّ الْمَصِيرُ} [الحج: 48] وَفِي الصَّحِيحَيْنِ «لاَ أَحَدَ أَصْبَرُ عَلَى أَذًى سَمِعَهُ، مِنَ اللهِ، إِنَّهُمْ يَجْعَلُونَ لَهُ وَلَدًا وَهُوَ يَرْزُقُهُمْ وَيُعَافِيهِمْ»[644]. وَفِي الصَّحِيحِ أَيْضًا «إِنَّ اللهَ لَيُمْلِي لِلظَّالِمِ حَتَّى إِذَا أَخَذَهُ لَمْ يُفْلِتْهُ»[645] ثُمَّ قَرَأَ قَوْلَهُ تَعَالَى: {وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ} [هود: 102]. [644] (فتح الباري: 13/372، ومسلم: 4/2160) [645] (فتح الباري: 8/205) [بِنَاءُ الْكَعْبَةِ وَالدُّعَاءُ بِقَبُولِ ذَلِكَ الْعَمَلِ] وَأَمَّا قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ *رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ} فَالْقَوَاعِدُ جَمْعُ قَاعِدَةٍ وَهِيَ السَّارِيَةُ وَالْأَسَاسُ. يَقُولُ تَعَالَى: وَاذْكُرْ يَا مُحَمَّدُ لِقَوْمِكَ بِنَاءَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ عَلَيْهِمَا السَّلاَمُ الْبَيْتَ، وَرَفْعِهِمَا الْقَوَاعِدَ مِنْهُ، وَهُمَا يَقُولاَنِ: {رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ} وَحَكَى الْقُرْطُبِيُّ وَغَيْرُهُ عَنْ أُبَيٍّ وَابْنِ مَسْعُودٍ أَنَّهُمَا كَانَا يَقْرَآنِ (وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ وَيَقُولاَنِ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ)[646]. [646] (القرطبي: 2/126) (قُلْتُ) وَيَدُلُّ عَلَى هَذَا قَوْلُهُمَا بَعْدَهُ: {رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ}... الْآيَةَ، فَهُمَا فِي عَمَلٍ صَالِحٍ، وَهُمَا يَسْأَلاَنِ اللهَ تَعَالَى أَنْ يَتَقَبَّلَ مِنْهُمَا، كَمَا رَوَى ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ عَنْ وُهَيْبِ بْنِ الْوَرْدِ أَنَّهُ قَرَأَ: {وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا} ثُمَّ يَبْكِي وَيَقُولُ: يَا خَلِيلَ الرَّحْمنِ تَرْفَعُ قَوَائِمَ بَيْتِ الرَّحْمنِ وَأَنْتَ مُشْفِقٌ أَنْ لاَ يُتَقَبَّلَ مِنْكَ[647]. وَهَذَا كَمَا حَكَى اللهُ تَعَالَى عَنْ حَالِ الْمُؤْمِنِينَ الْخُلَّصِ فِي قَوْلِهِ: {وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا} أَيْ يُعْطُونَ مَا أَعْطَوا مِنَ الصَّدَقَاتِ وَالنَّفَقَاتِ وَالْقُرُبَاتِ {وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ} [المؤمنون: 60] أَيْ خَائِفَةٌ أَنْ لاَ يُتَقَبَّلَ مِنْهُمْ، كَمَا جَاءَ بِهِ الْحَدِيثُ الصَّحِيحُ عَنْ عَائِشَةَ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ، كَمَا سَيَأْتِي فِي مَوْضِعِهِ. [647] (ابن أبي حاتم: 1/384) وَقَدْ رَوَى الْبُخَارِيُّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا، قَالَ: أَوَّلُ مَا اتَّخَذَ النِّسَاءُ الْمِنْطَقَ مِنْ قِبَلِ أُمِّ إِسْمَاعِيلَ، اتَّخَذَتْ مِنْطَقًا لِتُعَفِّيَ أَثَرَهَا عَلَى سَارَةَ، ثُمَّ جَاءَ بِهَا إِبْرَاهِيمُ وَبِابْنِهَا إِسْمَاعِيلَ، وَهِيَ تُرْضِعُهُ، حَتَّى وَضَعَهَا عِنْدَ الْبَيْتِ، عِنْدَ دَوْحَةٍ فَوْقَ زَمْزَمَ فِي أَعْلَى الْمَسْجِدِ، وَلَيْسَ بِمَكَّةَ يَوْمَئِذٍ أَحَدٌ، وَلَيْسَ بِهَا مَاءٌ، فَوَضَعَهُمَا هُنَالِكَ، وَوَضَعَ عِنْدَهُمَا جِرَابًا فِيهِ تَمْرٌ، وَسِقَاءً فِيهِ مَاءٌ، ثُمَّ قَفَّى إِبْرَاهِيمُ مُنْطَلِقًا، فَتَبِعَتْهُ أُمُّ إِسْمَاعِيلَ، فَقَالَتْ: يَا إِبْرَاهِيمُ أَيْنَ تَذْهَبُ وَتَتْرُكُنَا بِهَذَا الْوَادِي الَّذِي لَيْسَ فِيهِ أَنِيسٌ وَلاَ شَيْءٌ؟ فَقَالَتْ لَهُ ذَلِكَ مِرَارًا، وَجَعَلَ لاَ يَلْتَفِتُ إِلَيْهَا، فَقَالَتْ: آللهُ أَمَرَكَ بِهَذَا؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَتْ: إِذًا لاَ يُضَيِّعُنَا. ثُمَّ رَجَعَتْ. فَانْطَلَقَ إِبْرَاهِيمُ حَتَّى إِذَا كَانَ عِنْدَ الثَّـنِـيَّـةِ؟ حَيْثُ لاَ يَرَوْنَهُ اسْتَقْبَلَ بِوَجْهِهِ الْبَيْتَ، ثُمَّ دَعَا بِهَذِهِ الدَّعَوَاتِ وَرَفَعَ يَدَيْهِ، فَقَالَ: {رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ} حَتَّى بَلَغَ {يَشْكُرُونَ} [إبراهيم: 37]. وَجَعَلَتْ أُمُّ إِسْمَاعِيلَ تُرْضِعُ إِسْمَاعِيلَ، وَتَشْرَبُ مِنْ ذَلِكَ الْمَاءِ، حَتَّى إِذَا نَفِدَ مَا فِي السِّقَاءِ عَطِشَتْ وَعَطِشَ ابْنُهَا، وَجَعَلَتْ تَنْظُرُ إِلَيْهِ يَتَلَوَّى - أَوْ قَالَ: يَتَلَبَّطُ - فَانْطَلَقَتْ كَرَاهِيَةَ أَنْ تَنْظُرَ إِلَيْهِ، فَوَجَدَتِ الصَّفَا أَقْرَبَ جَبَلٍ فِي الْأَرْضِ يَلِيهَا، فَقَامَتْ عَلَيْهِ، ثُمَّ اسْتَقْبَلَتِ الْوَادِي تَنْظُرُ هَلْ تَرَى أَحَدًا، فَلَمْ تَرَ أَحَدًا، فَهَبَطَتْ مِنَ الصَّفَا حَتَّى إِذَا بَلَغَتِ الْوَادِيَ رَفَعَتْ طَرَفَ دِرْعِهَا، ثُمَّ سَعَتْ سَعْيَ الْإِنْسَانِ الْمَجْهُودِ حَتَّى جَاوَزَتِ الْوَادِيَ، ثُمَّ أَتَتِ الْمَرْوَةَ فَقَامَتْ عَلَيْهَا، فَنَظَرَتْ هَلْ تَرَى أَحَدًا، فَلَمْ تَرَ أَحَدًا، فَفَعَلَتْ ذَلِكَ سَبْعَ مَرَّاتٍ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «فَلِذَلِكَ سَعَى النَّاسُ بَيْنَهُمَا». فَلَمَّا أَشْرَفَتْ عَلَى الْمَرْوَةِ سَمِعَتْ صَوْتًا فَقَالَت: «صَهٍ» - تُرِيدُ نَفْسَهَا - ثُمَّ تَسَمَّعَتْ فَسَمِعَتْ أَيْضًا، فَقَالَتْ: قَدْ أَسْمَعْتَ إِنْ كَانَ عِنْدَكَ غُوَاثٌ، فَإِذَا هِيَ بِالْمَلَكِ عِنْدَ مَوْضِعِ زَمْزَمَ، فَبَحَثَ بِعَقِبِهِ، أَوْ قَالَ بِجَنَاحِهِ، حَتَّى ظَهَرَ الْمَاءُ، فَجَعَلَتْ تَحُوضُهُ، وَتَقُولُ بِيَدِهَا هَكَذَا، وَجَعَلَتْ تَغْرِفُ مِنَ الْمَاءِ فِي سِقَائِهَا، وَهُوَ يَفُورُ بَعْدَ مَا تَغْرِفُ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «يَرْحَمُ اللهُ أُمَّ إِسْمَاعِيلَ لَوْ تَرَكَتْ زَمْزَمَ - أَوْ قَالَ: لَوْ لَمْ تَغْرِفْ مِنَ الْمَاءِ - لَكَانَتْ زَمْزَمُ عَيْنًا مَعِينًا» قَالَ: فَشَرِبَتْ وَأَرْضَعَتْ وَلَدَهَا، فَقَالَ لَهَا الْمَلَكُ: لاَ تَخَافِي الضَّيْعَةَ، فَإِنَّ هَهُنَا بَيْتًا للهِ يَبْنِيهِ هَذَا الْغُلاَمُ وَأَبُوهُ، وَإِنَّ اللهَ لاَ يُضَيِّعُ أَهْلَهُ، وَكَانَ الْبَيْتُ مُرْتَفِعًا مِنَ الْأَرْضِ كَالرَّابِيَةِ، تَأْتِيهِ السُّيُولُ فَتَأْخُذُ عَنْ يَمِينِهِ وَشِمَالِهِ. فَكَانَتْ كَذَلِكَ حَتَّى مَرَّتْ بِهِمْ رُفْقَةٌ مِنْ جُرهُمٍ أَوْ أَهْلُ بَيْتٍ مِنْ جُرْهُمٍ مُقْبِلِينَ مِنْ طَرِيقِ كَدَاءَ، فَنَزَلُوا فِي أَسْفَلِ مَكَّةَ، فَرَأَوْا طَائِرًا عَائِفًا، فَقَالُوا: إِنَّ هَذَا الطَّائِرَ لَيَدُورُ عَلَى مَاءٍ، لَعَهْدُنَا بِهَذَا الْوَادِي وَمَا فِيهِ مَاءٌ، فَأَرْسَلُوا جَرِيًّا أَوْ جَرَيَّـيْـنِ، فَإِذَا هُمْ بِالْمَاءِ، فَرَجَعُوا فَأَخْبَرُوهُمْ بِالْمَاءِ، فَأَقْبَلُوا، قَالَ: وَأُمُّ إِسْمَاعِيلَ عِنْدَ الْمَاءِ، فَقَالُوا أَتَأْذَنِينَ لَنَا أَنْ نَنْزِلَ عِنْدَكِ؟ قَالَتْ: نَعَمْ، وَلَكِنْ لاَ حَقَّ لَكُمْ فِي الْمَاءِ عِنْدَنَا، قَالُوا: نَعَمْ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «فَأَلْفَى ذَلِكَ أُمَّ إِسْمَاعِيلَ وَهِيَ تُحِبُّ الْأُنْسَ» فَنَزَلُوا وَأَرْسَلُوا إِلَى أَهْلِيهِمْ فَنَزَلُوا مَعَهُمْ، حَتَّى إِذَا كَانَ بِهَا أَهْلُ أَبْيَاتٍ مِنْهُمْ، وَشَبَّ الْغُلاَمُ وَتَعَلَّمَ الْعَرَبِيَّةَ مِنْهُمْ، وَأَنْفَسَهُمْ وَأَعْجَبَهُمْ حِينَ شَبَّ، فَلَمَّا أَدْرَكَ زَوَّجُوهُ امْرَأَةً مِنْهُمْ، وَمَاتَتْ أُمُّ إِسْمَاعِيلَ. فَجَاءَ إِبْرَاهِيمُ بَعْدَمَا تَزَوَّجَ إِسْمَاعِيلُ لِيُطَالِعَ تَرِكَتَهُ، فَلَمْ يَجِدْ إِسْمَاعِيلَ، فَسَأَلَ امْرَأَتَهُ عَنْهُ فَقَالَتْ: خَرَجَ يَبْتَغِي لَنَا، ثُمَّ سَأَلَهَا عَنْ عَيْشِهِمْ وَهَيْئَتِهِمْ، فَقَالَتْ: نَحْنُ بِشَرٍّ، نَحْنُ فِي ضِيقٍ وَشِدَّةٍ، فَشَكَتْ إِلَيْهِ، قَالَ: فَإِذَا جَاءَ زَوْجُكِ فَاقْرَئِي عَلَيْهِ السَّلاَمُ، وَقُولِي لَهُ يُغَيِّرْ عَتَبَةَ بَابِهِ، فَلَمَّا جَاءَ إِسْمَاعِيلُ، كَأَنَّهُ أَنَسَ شَيْئًا، فَقَالَ: هَلْ جَاءَكُمْ مِنْ أَحَدٍ؟ قَالَتْ: نَعَمْ، جَاءَنَا شَيْخٌ كَذَا وَكَذَا، فَسَأَلَنَا عَنْكَ فَأَخْبَرْتُهُ، وَسَأَلَنِي كَيْفَ عَيْشُنَا؟ فَأَخْبَرْتُهُ أَنَّنَا فِي جَهْدٍ وَشِدَّةِ، قَالَ: فَهَلْ أَوْصَاكِ بِشَيْءٍ؟ قَالَتْ: نَعَمْ، أَمَرَنِي أَنْ أَقْرَأَ عَلَيْكَ السَّلاَمَ، وَيَقُولُ: غَيِّرْ عَتَبَةَ بَابِكَ، قَالَ: ذَاكَ أَبِي، وَقَدْ أَمَرَنِي أَنْ أُفَارِقَكِ، فَالْحَقِي بِأَهْلِكِ، وَطَلَّقَهَا، وَتَزَوَّجَ مِنْهُمْ بِأُخْرى. فَلَبِثَ عَنْهُمْ إِبْرَاهِيمُ مَا شَاءَ اللهُ ثُمَّ أَتَاهُمْ بَعْدُ، فَلَمْ يَجِدْهُ، فَدَخَلَ عَلَى امْرَأَتِهِ فَسَأَلَهَا عَنْهُ، فَقَالَتْ: خَرَجَ يَبْتَغِي لَنَا، قَالَ: كَيْفَ أَنْتُمْ؟ وَسَأَلَهَا عَنْ عَيْشِهِمْ وَهَيْئَتِهِمْ، فَقَالَتْ: نَحْنُ بِخَيْرٍ وَسَعَةٍ، وَأَثْنَتْ عَلَى اللهِ عَزَّ وَجَلَّ، قَالَ: مَا طَعَامُكُمْ؟ قَالَتِ: اللَّحْمُ، قَالَ: فَمَا شَرَابُكُمْ؟ قَالَتِ: الْمَاءُ. قَالَ: اَللَّهُمَّ بَارِكْ لَهُمْ فِي اللَّحْمِ وَالْمَاءِ، قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ يَوْمَئِذٍ حَبٌّ وَلَوْ كَانَ لَهُمْ لَدَعَا لَهُمْ فِيهِ» قَالَ: فَهُمَا لاَ يَخْلُو عَلَيْهِمَا أَحَدٌ بِغَيْرِ مَكَّةَ إِلاَّ لَمْ يُوَافِقَاهُ، قَالَ: فَإِذَا جَاءَ زَوْجُكِ فَاقْرَئِي عَلَيْهِ السَّلاَمَ وَمُرِيهِ يُثْبِتْ عَتَبَةَ بَابِهِ، فَلَمَّا جَاءَ إِسْمَاعِيلُ قَالَ: هَلْ أَتَاكُمْ مِنْ أَحَدٍ؟ قَالَتْ: نَعَمْ، أَتَانَا شَيْخٌ حَسَنُ الْهَيْئَةِ، وَأَثْنَتْ عَلَيْهِ، فَسَأَلَنِي عَنْكَ فَأَخْبَرْتُهُ، فَسَأَلَنِي كَيْفَ عَيْشُنَا؟ فَأَخْبَرْتُهُ أَنَّا بِخَيْرٍ، قَالَ: فَأَوْصَاكِ بِشَيءٍ؟ قَالَتْ: نَعَمْ، وَهُوَ يَقْرَأُ عَلَيْكَ السَّلاَمَ، وَيَأْمُرُكَ أَنْ تُثْبِتَ عَتَبَةَ بَابِكَ، قَالَ: ذَاكَ أَبِي، وَأَنْتِ الْعَتَبَةُ، أَمَرَنِي أَنْ أُمْسِكَكِ. ثُمَّ لَبِثَ عَنْهُمْ مَا شَاءَ اللهُ، ثُمَّ جَاءَ بَعْدَ ذَلِكَ، وَإِسْمَاعِيلُ يَبْرِي نَبْلاً لَهُ تَحْتَ دَوْحَةٍ قَرِيبًا مِنْ زَمْزَمَ، فَلَمَّا رَآهُ قَامَ إِلَيْهِ، وَصَنَعَا كَمَا يَصْنَعُ الْوَالِدُ بِالْوَلَدِ وَالْوَلَدُ بِالْوَالِدِ، ثُمَّ قَالَ: يَا إِسْمَاعِيلُ، إِنَّ اللهَ أَمَرَنِي بِأَمْرٍ، قَالَ: فَاصْنَعْ مَا أَمَرَكَ رَبُّكَ، قَالَ: وَتُعِينُنِي؟ قَالَ: وَأُعِينُكَ، قَالَ: فَإِنَّ اللهَ أَمَرَنِي أَنْ أَبْنِيَ هَهُنَا بَيْتًا، وَأَشَارَ إِلَى أَكَمَةِ مُرْتَفِعَةٍ عَلَى مَا حَوْلَهَا، قَالَ: فَعِنْدَ ذَلِكَ رَفَعَا الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ، فَجَعَلَ إِسْمَاعِيلُ يَأْتِي بِالْحِجَارَةِ وَإِبْرَاهِيمُ يَبْنِي، حَتَّى إِذَا ارْتَفَعَ الْبِنَاءُ جَاءَ بِهَذَا الْحَجَرِ فَوَضَعَهُ لَهُ، فَقَامَ عَلَيْهِ، وَهُوَ يَبْنِي وَإِسْمَاعِيلُ يُنَاوِلُهُ الْحِجَارَةَ، وَهُمَا يَقُولاَنِ: {رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ} [648]. قَالَ: فَجَعَلاَ يَبْنِيَانِ حَتَّى يَدُورَا حَوْلَ الْبَيْتِ وَهُمَا يَقُولاَنِ: {رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ} [البقرة: 127]. [648] (فتح الباري: 6/456) ذِكْرُ بِنَاءِ قُرَيْشٍ الْكَعْبَةَ بَعْدَ إِبْرَاهِيمَ الْخَلِيلِ عَلَيْهِ السَّلاَمُ بِمُدَدٍ طَوِيلَةٍ، قَبْلَ مَبْعَثِ رَسُولِ اللهِ ﷺ بِخَمْسِ سِنِينَ وَقَدْ نَقَلَ مَعَهُمْ فِي الْحِجَارَةِ وَلَهُ مِنَ الْعُمُرِ خَمْسٌ وَثَلاَثُونَ سَنَةً صَلَوَاتُ اللهِ وَسَلاَمُهُ عَلَيْهِ دَائِمًا إِلَى يَوْمِ الدِّينِ. قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ بْنِ يَسَارٍ فِي السِّيرَةِ: وَلَمَّا بَلَغَ رَسُولُ اللهِ ﷺ خَمْسًا وَثَلاَثِينَ سَنَةً، اِجْتَمَعَتْ قُرَيْشٌ لِبُنْيَانِ الْكَعْبَةِ، وَكَانُوا يَهُمُّونَ بِذَلِكَ لِيُسَقِّفُوهَا، وَيَهَابُونَ هَدْمَهَا، وَإِنَّمَا كَانَتْ رَضْمًا فَوْقَ الْقَامَةِ، فَأَرَادُوا رَفْعَهَا وَتَسْقِيفَهَا، وَذَلِكَ أَنَّ نَفَرًا سَرَقُوا كَنْزَ الْكَعْبَةِ، وَإِنَّمَا كَانَ يَكُونُ فِي بِئْرٍ فِي جَوْفِ الْكَعْبَةِ، وَكَانَ الَّذِي وُجِدَ عِنْدَهُ الْكَنْزُ [دُوَيْكَا][649] - مَوْلَى بَنِي مُلَيْحِ بْنِ عَمْرٍو مِنْ خُزَاعَةَ - فَقَطَعَتْ قُرَيْشٌ يَدَهُ، وَيَزْعُمُ النَّاسُ أَنَّ الَّذِينَ سَرَقُوهُ: وَضَعُوهُ عِنْدَ دُوَيْكٍ، وَكَانَ الْبَحْرُ قَدْ رَمَى بِسَفِينَةٍ إِلَى جُدَّةَ لِرَجُلٍ مِنْ تُجَّارِ الرُّومِ، فَتَحَطَّمَتْ، فَأَخَذُوا خَشَبَهَا، فَأَعَدُّوهُ لِتَسْقِيفِهَا، وَكَانَ بِمَكَّةَ رَجُلٌ قِبْطِيٌّ نَجَّارٌ، فَهَيَّأَ لَهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ بَعْضَ مَا يُصْلِحُهَا. [649] (في النسخ: دُويك: بدون علامة النصب والمثبت عن السيرة لابن هشام (1/231). (الناشر)) وَكَانَتْ حَيَّةٌ تَخْرُجُ مِنْ بِئْرِ الْكَعْبَةِ الَّتِي كَانَتْ تُطْرَحُ فِيهَا مَا يُهْدَى لَهَا كُلَّ يَوْمٍ، [فَتَشَرَّقُ][650] عَلَى جِدَارِ الْكَعْبَةِ، وَكَانَتْ مِمَّا يَهَابُونَ، وَذَلِكَ أَنَّهُ كَانَ لاَ يَدْنُو مِنْهَا أَحَدٌ إِلاَّ احْزَأَلَّتْ وَكَشَّتْ وَفَتَحَتْ فَاهَا، فَكَانُوا يَهَابُونَهَا[651]. فَبَينَا هِيَ يَوْمًا تَشَرَّفُ عَلَى جِدَارِ الْكَعْبَةِ كَمَا كَانَتْ تَصْنَعُ، بَعَثَ اللهُ إِلَيْهَا طَائِرًا فَاخْتَطَفَهَا فَذَهَبَ بِهَا، فَقَالَتْ قُرَيْشٌ: إِنَّا لَنَرْجُو أَنْ يَكُونَ اللهُ قَدْ رَضِيَ مَا أَرَدْنَا، عِنْدَنَا عَامِلٌ رَفِيقٌ، وَعِنْدَنَا خَشَبٌ، وَقَدْ كَفَانَا اللهُ الْحَيَّةَ. [650] (فتشرق: كذا أثبتناه من السيرة أي تبرُز الشمس. وفي الأصل: فَتَشَرَّفُ وهو قريب المراد) [651] (كيف سرقوا كنز الكعبة ما دامت الحبة قد كانت على هذا الحال؟) فَلَمَّا أَجْمَعُوا أَمْرَهُمْ فِي هَدْمِهَا وَبُنْيَانِهَا، قَامَ أَبُو وَهْبِ ابْنُ عَمْرِو بْنِ عَائِذِ بْنِ عَبْدِ بْنِ عِمْرَانَ بْنِ مَخْزُومٍ، فَتَنَاوَلَ مِنَ الْكَعْبَةِ حَجَرًا فَوَثَبَ مِنْ يَدِهِ، حَتَّى رَجَعَ إِلَى مَوْضِعِهِ، فَقَالَ: يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ، لاَ تُدْخِلُوا فِي بُنْيَانِهَا مِنْ كَسْبِكُمْ إِلاَّ طَيِّبًا، لاَ يُدْخَلُ فِيهَا مَهْرُ بَغِيٍّ، وَلاَ بَيْعُ رِبًا، وَلاَ مَظْلِمَةُ أَحَدٍ مِنَ النَّاسِ. قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: وَالنَّاسُ يَنْتَحِلُونَ هَذَا الْكَلاَمَ لِلْوَلِيدِ بْنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ مَخْزُومٍ[652]. [652] (ابن هشام: 1/204) قَالَ: ثُمَّ إِنَّ قُرَيشًا تَجَزَّأَتِ الْكَعْبَةَ، فَكَانَ شِقُّ الْبَابِ لِبَنِي عَبْدِ مَنَافٍ وَزُهْرَةَ، وَكَانَ مَا بَيْنَ الرُّكْنِ الْأَسْوَدِ، وَالرُّكْنِ الْيَمَانِيِّ لِبَنِي مَخْزُومٍ، وَقَبَائِلُ مِنْ قُرَيْشٍ انْضَمُّوا إِلَيْهِمْ، وَكَانَ ظَهْرُ الْكَعْبَةِ، لِبَنِي جُمَحٍ وَسَهْمٍ، وَكَانَ شِقُّ الْحِجْرِ لِبَنِي عَبْدِ الدَّارِ بْنِ قُصَيٍّ وَلِبَنِي أَسَدِ بْنِ عَبْدِ الْعُزَّى بْنِ قُصَيٍّ وَلِبَنِي عَدِيِّ بْنِ كَعْبِ ابْنِ لُؤَيٍّ، وَهُوَ الْحَطِيمُ. ثُمَّ إِنَّ النَّاسَ هَابُوا هَدْمَهَا وَفَرِقُوا مِنْهُ، فَقَالَ الْوَلِيدُ بْنُ الْمُغِيرَةِ: أَنَا أَبْدَؤُكُمْ فِي هَدْمِهَا، فَأَخَذَ الْمِعْوَلَ ثُمَّ قَامَ عَلَيْهَا وَهُوَ يَقُولُ: اَللَّهُمَّ لَمْ تُرَعْ، اَللَّهُمَّ إِنَّا لاَ نُرِيدُ إِلاَّ الْخَيْرَ، ثُمَّ هَدَمَ مِنْ نَاحِيَةِ الرُّكْنَيْنِ، فَتَرَبَّصَ النَّاسُ تِلْكَ اللَّيْلَةَ، وَقَالُوا: نَنْظُرُ، فَإِنْ أُصِيبَ لَمْ نَهْدِمْ مِنْهَا شَيْئًا، وَرَدَدْنَاهَا كَمَا كَانَتْ، وَإِنْ لَمْ يُصِبْهُ شَيْءٌ فَقَدْ رَضِيَ اللهُ مَا صَنَعْنَا، فَأَصْبَحَ الْوَلِيدُ مِنْ لَيْلَتِهِ غَادِيًا عَلَى عَمَلِهِ، فَهَدَمَ وَهَدَمَ النَّاسُ مَعَهُ، حَتَّى إِذَا انْتَهَى الْهَدْمُ بِهِمْ إِلَى الْأَسَاسِ، أَسَاسِ إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلاَمُ، أَفْضَوْا إِلَى حِجَارَةٍ خُضْرٍ كَالْأَسِنَّةِ آخِذٍ بَعْضُهَا بَعْضًا، قَالَ: فَحَدَّثَنِي بَعْضُ مَنْ يَرْوِي الْحَدِيثَ: أَنَّ رَجُلاً مِنْ قُرَيْشٍ مِمَّنْ كَانَ يَهْدِمُهَا، أَدْخَلَ عَتَلَةً بَيْنَ حَجَرَيْنِ مِنْهَا لِيَقْلِعَ بِهَا أَيْضًا أَحَدَهُمَا، فَلَمَّا تَحَرَّكَ الْحَجَرُ تَنَقَّضَتْ مَكَّةُ بِأَسْرِهَا، فَانْتَهَوْا عَنْ ذَلِكَ الْأَسَاسِ[653]. [653] (ابن هشام: 1/207) [اَلنِّزَاعُ فِي وَضْعِ الْحَجَرِ الْأَسْوَدِ. وَقَضَاءُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللهِ ﷺ الْقَضَاءَ الْعَادِلَ] قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: ثُمَّ إِنَّ الْقَبَائِلَ مِنْ قُرَيْشٍ جَمَعَتِ الْحِجَارَةَ لِبِنَائِهَا، كُلُّ قَبِيلَةٍ تَجْمَعُ عَلَى حِدَةٍ، ثُمَّ بَنَوْهَا حَتَّى بَلَغَ الْبُنْيَانُ مَوْضِعَ الرُّكْنِ، يَعْنِي الْحَجَرَ الْأَسْوَدَ، فَاخْتَصَمُوا فِيهِ، كُلُّ قَبِيلَةٍ تُرِيدُ أَنْ تَرْفَعَهُ إِلَى مَوْضِعِهِ دُونَ الْأُخْرى، حَتَّى تَحَاوَرُوا وَتَخَالَفُوا وَأَعَدُّوا لِلْقِتَالِ، فَقَرَّبَتْ بَنُو عَبْدِ الدَّارِ جَفْنَةً مَمْلُوءَةً دَمًا، ثُمَّ تَعَاقَدُوا هُمْ وَبَنُو عَدِيِّ ابْنِ كَعْبِ بْنِ لُؤَيٍّ عَلَى الْمَوْتِ، وَأَدْخَلُوا أَيْدِيَهُمْ فِي ذَلِكَ الدَّمِ فِي تِلْكَ الْجَفْنَةِ، فَسُمُّوا «لَعَقَةَ الدَّمِ» فَمَكَثَتْ قُرَيْشٌ عَلَى ذَلِكَ أَرْبَعَ لَيَالٍ أَوْ خَمْسًا، ثُمَّ إِنَّهُمْ اِجْتَمَعُوا فِي الْمَسْجِدِ فَتَشَاوَرُوا وَتَنَاصَفُوا، فَزَعَمَ بَعْضُ أَهْلِ الرِّوَايَةِ أَنَّ أَبَا أُمَيَّةَ بْنَ الْمُغِيرَةِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ مَخْزُومٍ، وَكَانَ عَامَئِذٍ أَسَنَّ قُرَيْشٍ كُلِّهِمْ، قَالَ: يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ، اِجْعَلُوا بَيْنَكُمْ فِيمَا تَخْتَلِفُونَ فِيهِ أَوَّلَ مَنْ يَدْخُلُ مِنْ بَابِ هَذَا الْمَسْجِدِ يَقْضِي بَيْنَكُمْ فِيهِ، فَفَعَلُوا، فَكَانَ أَوَّلَ دَاخِلٍ رَسُولُ اللهِ ﷺ، فَلَمَّا رَأَوْهُ قَالُوا: هَذَا الْأَمِينُ رَضِينَا، هَذَا مُحَمَّدٌ. فَلَمَّا انْتَهى إِلَيْهِمْ وَأَخْبَرُوهُ الْخَبَرَ قَالَ ﷺ: هَلُمَّ إِلَيَّ ثَوْبًا، فَأُتِيَ بِهِ فَأَخَذَ الرُّكْنَ، يَعْنِي الْحَجَرَ الْأَسْوَدَ، فَوَضَعَهُ فِيهِ بِيَدِهِ، ثُمَّ قَالَ: لِتَأْخُذْ كُلُّ قَبِيلَةٍ بِنَاحِيَةٍ مِنَ الثَّوْبِ ثُمَّ ارْفَعُوهُ جَمِيعًا، فَفَعَلُوا حَتَّى إِذَا بَلَغُوا بِهِ مَوْضِعَهُ، وَضَعَهُ هُوَ بِيَدِهِ ﷺ، ثُمَّ بَنَى عَلَيْهِ، وَكَانَتْ قُرَيْشٌ تُسَمِّي رَسُولَ اللهِ ﷺ قَبْلَ أَنْ يَنْزِلَ الْوَحْيُ «الْأَمِينَ». فَلَمَّا فَرَغُوا مِنَ الْبُنْيَانِ وَبَنَوْهَا عَلَى مَا أَرَادُوا، قَالَ الزُّبَيْرُ بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، فِيمَا كَانَ مِنْ أَمْرِ الْحَيَّةِ الَّتِي كَانَتْ قُرَيْشٌ تَهَابُ بُنْيَانَ الْكَعْبَةِ لَهَا: عَجِبْتُ لَمَّا تَصَوَّبَتِ الْعُقَابُ ** إِلَى الثُّعْبَانِ وَهْيَ لَهَا اضْطِرَابُ وَقَدْ كَانَتْ يَكُونُ لَهَا كَشِيشٌ ** وَأَحْيَانًا يَكُونُ لَهَا وِثَابُ إِذَا قُمْنَا إِلَى التَّأْسِيسِ شَدَّتْ ** تُهَيِّبُنَا الْبِنَاءَ وَقَدْ تُهَابُ فَلَمَّا أَنْ خَشِينَا الزِّجْرَ جَاءَتْ ** عُقَابُ تَتْلَئِبُّ لَهَا انْصِبَابُ فَضَمَّتْهَا إِلَيْهَا ثُمَّ خَلَّتْ ** لَنَا الْبُنْيَانَ لَيْسَ لَهُ حِجَابُ فَقُمْنَا حَاشِدِينَ إِلَى بِنَاءٍ ** لَنَا مِنْهُ الْقَوَاعِدُ وَالتُّرَابُ غَدَاةَ نُرَفِّعُ التَّأْسِيسَ مِنْهُ ** وَلَيْسَ عَلَى مُسَوِّينَا ثِيَابُ أَعَزَّ بِهِ الْمَلِيكُ بَنِي لُؤَيٍّ ** فَلَيْسَ لِأَصْلِهِ مِنْهُمْ ذَهَابُ وَقَدْ حَشَدَتْ هُنَاكَ بَنُو عَدِيٍّ ** وَمُرَّةُ قَدْ تَقَدَّمَهَا كِلاَبُ فَبَوَّأَنَا الْمَلِيكُ بِذَاكَ عِزًّا ** وَعِنْدَ اللهِ يُلْتَمَسُ الثَّوَابُ [654] [654] (ابن هشام: 1/209) [بِنَاءُ ابْنِ الزُّبَيْرِ الْكَعْبَةَ عَلَى مَا كَانَ يُرِيدُهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ] قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: وَكَانَتِ الْكَعْبَةُ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ ﷺ ثَمَانِيَ عَشَرَ ذِرَاعًا، وَكَانَتْ تُكْسى الْقُبَاطِيَّ، ثُمَّ كُسِيَتْ بَعْدُ الْبُرُودَ، وَأَوَّلُ مَنْ كَسَاهَا الدِّيبَاجَ الْحَجَّاجُ بْنُ يُوسُفَ[655] [655] (ابن هشام: 1/211) (قُلْتُ) وَلَمْ تَزَلْ عَلَى بِنَاءِ قُرَيْشٍ حَتَّى احْتَرَقَتْ فِي أَوَّلِ إِمَارَةِ عَبْدِاللهِ بْنِ الزُّبَيْرِ بَعْدَ سَنَةِ سِتِّينَ وَفِي آخِرِ وِلاَيَةِ يَزِيدَ ابْنِ مُعَاوِيَةَ، لَمَّا حَاصَرُوا ابْنَ الزُّبَيْرِ، فَحِينَئِذٍ نَقَضَهَا ابْنُ الزُّبَيْرِ إِلَى الْأَرْضِ وَبَنَاهَا عَلَى قَوَاعِدِ إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلاَمُ، وَأَدْخَلَ فِيهَا الْحِجْرَ، وَجَعَلَ لَهَا بَابًا شَرْقِيًّا وَبَابًا غَرْبِيًّا مُلْصَقَيْنِ بِالْأَرْضِ، كَمَا سَمِعَ ذَلِكَ مِنْ خَالَتِهِ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ، وَلَمْ تَزَلْ كَذَلِكَ مُدَّةَ إِمَارَتِهِ، حَتَّى قَتَلَهُ الْحَجَّاجُ، فَرَدَّهَا إِلَى مَا كَانَتْ عَلَيْهِ بِأَمْرِ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ مَرْوَانَ لَهُ بِذَلِكَ. رَوَى مُسْلِمُ بْنُ الْحَجَّاجِ فِي صَحِيحِهِ عَنْ عَطَاءٍ، قَالَ: لَمَّا احْتَرَقَ الْبَيْتُ زَمَنَ يَزِيدَ بْنِ مُعَاوِيَةَ حِينَ غَزَاهَا أَهْلُ الشَّامِ، فَكَانَ مِنْ أَمْرِهِ مَا كَانَ، تَرَكَهُ ابْنُ الزُّبَيْرِ حَتَّى قَدِمَ النَّاسُ الْمَوْسِمَ، يُرِيدُ أَنْ يُجَرِّئَهُمْ أَوْ يُحَزِّبَهُمْ عَلَى أَهْلِ الشَّامِ، فَلَمَّا صَدَرَ النَّاسُ قَالَ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ، أَشِيرُوا عَلَيَّ فِي الْكَعْبَةِ أَنْقُضُهَا ثُمَّ أَبْنِي بِنَاءَهَا، أَوْ أُصْلِحُ مَا وَهَى مِنْهَا؟ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: فَإِنِّي قَدْ خَرَقَ لِي رَأْيٌ فِيهَا، أَرَى أَنْ تُصْلِحَ مَا وَهَى مِنْهَا، وَتَدَعُ بَيْتًا أَسْلَمَ النَّاسُ عَلَيْهِ، وَأَحْجَارًا أَسْلَمَ النَّاسُ عَلَيْهَا، وَبُعِثَ عَلَيْهَا ﷺ، فَقَالَ ابْنُ الزُّبَيْرِ: لَوْ كَانَ أَحَدُهُمْ اِحْتَرَقَ بَيْتُهُ مَا رَضِيَ حَتَّى يُجَدِّدَهُ، فَكَيْفَ بَيْتُ رَبِّكُمْ عَزَّ وَجَلَّ؟ إِنِّي مُسْتَخِيرٌ رَبِّي ثَلاَثًا، ثُمَّ عَازِمٌ عَلَى أَمْرِي، فَلَمَّا مَضَتْ ثَلاَثٌ، أَجْمَعَ رَأْيَهُ عَلَى أَنْ يَنْقُضَهَا، فَتَحَامَاهَا النَّاسُ أَنْ يَنْزِلَ بِأَوَّلِ النَّاسِ يَصْعَدُ فِيهِ أَمْرٌ مِنَ السَّمَاءِ، حَتَّى صَعِدَهُ رَجُلٌ، فَأَلْقى مِنْهُ حِجَارَةً، فَلَمَّا لَمْ يَرَهُ النَّاسُ أَصَابَهُ شَيْءٌ تَتَابَعُوا، فَنَقَضُوهُ حَتَّى بَلَغُوا بِهِ الْأَرْضَ، فَجَعَلَ ابْنُ الزُّبَيْرِ أَعْمِدَةً يَسْتُرُ عَلَيْهَا السُّتُورَ حَتَّى ارْتَفَعَ بِنَاؤُهُ، وَقَالَ ابْنُ الزُّبَيْرِ: إِنِّي سَمِعْتُ عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا تَقُولُ: إِنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «لَوْلاَ أَنَّ النَّاسَ حَدِيثُ عَهْدِهِمْ بِكُفْرٍ، وَلَيْسَ عِنْدِي مِنَ النَّفَقَةِ مَا يُقَوِّينِي عَلَى بِنَائِهِ لَكُنْتُ أَدْخَلْتُ فِيهِ مِنَ الْحِجْرِ خَمْسَةَ أَذْرُعٍ، وَلَجَعَلْتُ لَهُ بَابًا يَدْخُلُ النَّاسُ مِنْهُ، وَبَابًا يَخْرُجُونَ مِنْهُ» قَالَ: فَأَنَا أَجِدُ مَا أُنْفِقُ، وَلَسْتُ أَخَافُ النَّاسَ، قَالَ: فَزَادَ فِيهِ خَمْسَةَ أَذْرُعٍ مِنَ الْحِجْرِ، حَتَّى أَبْدَى لَهُ أُسًّا نَظَرَ النَّاسُ إِلَيْهِ، فَبَنى عَلَيْهِ الْبِنَاءَ، وَكَانَ طُولُ الْكَعْبَةِ ثَمَانِيَةَ عَشَرَ ذِرَاعًا، فَلَمَّا زَادَ فِيهِ اِسْتَقْصَرَهُ فَزَادَ فِي أَوَّلِهِ عَشَرَةَ أَذْرُعٍ وَجَعَلَ لَهُ بَابَيْنِ: أَحَدُهُمَا يُدْخَلُ مِنْهُ، وَالاْخَرُ يُخْرَجُ مِنْهُ. فَلَمَّا قُتِلَ ابْنُ الزُّبَيْرِ، كَتَبَ الْحَجَّاجُ إِلَى عَبْدِ الْمَلِكِ يَسْتَجِيزُهُ بِذَلِكَ وَيُخْبِرُهُ أَنَّ ابْنَ الزُّبَيْرِ قَدْ وَضَعَ الْبِنَاءَ عَلَى أُسٍّ نَظَرَ إِلَيْهِ الْعُدُولُ مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ، فَكَتَبَ إِلَيْهِ عَبْدُ الْمَلِكِ: إِنَّا لَسْنَا مِنْ تَلْطِيخِ ابْنِ الزُّبَيْرِ فِي شَيْءٍ، أَمَّا مَا زَادَهُ فِي طُولِهِ فَأَقِرَّهُ، وَأَمَّا مَا زَادَ فِيهِ مِنَ الْحِجْرِ فَرُدَّهُ إِلَى بِنَائِهِ، وَسُدَّ الْبَابَ الَّذِي فَتَحَهُ، فَنَقَضَهُ وَأَعَادَهُ إِلَى بِنَائِهِ[656]. وَقَدْ رَوَاهُ النَّسَائِيُّ فِي سُنَنِهِ عَنْ عَائِشَةَ بِالْمَرْفُوعِ مِنْهُ[657] وَلَمْ يَذْكُرِ الْقِصَّةَ. [656] (مسلم: 2/970) [657] (88النسائي: 5/218) وَقَدْ كَانَتِ السُّنَّـةُ إِقْرَارًا مَا فَعَلَهُ عَبْدُ اللهِ بْنُ الزُّبَيْرِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا، لِأَنَّهُ هُوَ الَّذِي وَدَّهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ، وَلَكِنْ خَشِيَ أَنْ تُنْكِرَهُ قُلُوبُ بَعْضِ النَّاسِ لِحَدَاثَةِ عَهْدِهِمْ بِالْإِسْلاَمِ، وَقُرْبِ عَهْدِهِمْ مِنَ الْكُفْرِ، وَلكِنْ خَفِيَتْ هَذِهِ السُّنَّةُ عَلَى عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ مَرْوَانَ، وَلِهَذَا لَمَّا تَحَقَّقَ ذَلِكَ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا رَوَتْ ذَلِكَ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ قَالَ: وَدِدْنَا أَنَّا تَرَكْنَاهُ وَمَا تَوَلَّى. كَمَا رَوَى مُسْلِمٌ عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُبَيْدٍ قَالَ: وَفَدَ الْحَارِثُ بْنُ عَبْدِ اللهِ عَلَى عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ مَرْوَانَ فِي خِلاَفَتِهِ، فَقَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ: مَا أَظُنُّ أَبَا خُبَيْبٍ، يَعْنِي ابْنَ الزُّبَيْرِ، سَمِعَ مِنْ عَائِشَةَ مَا كَانَ يَزْعُمُ أَنَّهُ سَمِعَهُ مِنْهَا، قَالَ الْحَارِثُ: بَلى، أَنَا سَمِعْتُهُ مِنْهَا. قَالَ: سَمِعْتَهَا تَقُولُ مَاذَا؟ قَالَ: قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «إِنَّ قَوْمَكِ اسْتَقْصَرُوا مِنْ بُنْيَانِ الْبَيْتِ، وَلَوْلاَ حَدَاثَةُ عَهْدِهِمْ بِالشِّرْكِ أَعَدْتُ مَا تَرَكُوا مِنْهُ، فَإِنْ بَدَا لِقَوْمِكِ مِنْ بَعْدِي أَنْ يَبْنُوهُ فَهَلُمِّي لِأُرِيَكِ مَا تَرَكُوهُ مِنْهُ» فَأَرَاهَا قَرِيبًا مِنْ سَبْعَةِ أَذْرُعٍ، زَادَ الْوَلِيدُ بْنُ عَطَاءٍ - أَحَدُ رُوَاتِهِ - قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «وَلَجَعَلْتُ لَهَا بَابَيْنِ مَوْضُوعَيْنِ فِي الْأَرْضِ: شَرْقِيًّا وَغَرْبِيًّا، وَهَلْ تَدْرِينَ لِمَ كَانَ قَوْمُكِ رَفَعُوا بَابَهَا؟» قَالَتْ: قُلْتُ: لاَ. قَالَ: «تَعَزُّزًا أَنْ لاَ يَدْخُلَهَا إِلاَّ مَنْ أَرَادُوا، فَكَانَ الرَّجُلُ إِذَا هُوَ أَرَادَ أَنْ يَدْخُلَهَا يَدَعُونَهُ حَتَّى يَرْتَقِيَ، حَتَّى إِذَا كَادَ أَنْ يَدْخُلَ دَفَعُوهُ فَسَقَطَ» قَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ: فَقُلْتُ لِلْحَارِثِ: أَنْتَ سَمِعْتَهَا تَقُولُ هَذَا؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: فَنَكَتَ سَاعَةً بِعَصَاهُ، ثُمَّ قَالَ: وَدِدْتُ أَنِّي تَرَكْتُ وَمَا تَحَمَّلَ[658]. [658] (مسلم: 2/971) [حَبَشِيٌّ يَهْدِمُ الْكَعْبَةَ قُرْبَ الْقِيَامَةِ] وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «يُخَرِّبُ الْكَعْبَةَ ذُو السُّوَيْقَتَيْنِ مِنَ الْحَبَشَةِ» أَخْرَجَاهُ[659]. وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «كَأَنِّي بِهِ أَسْوَدَ أَفْحَجَ، يَقْلَعُهَا حَجَرًا حَجَرًا» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ[660]. وَرَوَى الْإِمَامُ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ فِي مُسْنَدِهِ عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: «يُخَرِّبُ الْكَعْبَةَ ذُو السُّوَيْقَتَيْنِ مِنَ الْحَبَشَةِ، وَيَسْلُبُهَا حِلْيَتَهَا، وَيُجَرِّدُهَا مِنْ كِسْوَتِهَا، وَلَكَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَيْهِ أُصَيْلِعَ أُفَيْدِعَ، يَضْرِبُ عَلَيْهَا بِمِسْحَاتِهِ وَمِعْوَلِهِ»[661] - اَلْفَدَعُ: زَيْغٌ بَيْنَ الْقَدَمِ وَعَظْمِ السَّاقِ - وَهَذا، وَاللهُ أَعْلَمُ، إِنَّمَا يَكُونُ بَعْدَ خُرُوجِ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ، لِمَا جَاءَ فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ «لَيُحَجَّنَّ الْبَيْتُ وَلَيُعْتَمَرَنَّ بَعْدَ خُرُوجِ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ»[662]. [659] (فتح الباري: 3/538، والبخاري 1595، ومسلم: 4/2232) [660] (فتح الباري: 3/538) [661] (أحمد: 2/220) [662] (فتح الباري: 3/531) [دُعَاءُ الْخَلِيلِ] وَقَوْلُهُ تَعَالَى حِكَايَةً لِدُعَاءِ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ عَلَيْهِمَا السَّلاَمُ: {رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ} قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: يَعْنِيَانِ بِذَلِكَ وَاجْعَلْنَا مُسْتَسْلِمَينِ لِأَمْرِكَ، خَاضِعَيْنِ لِطَاعَتِكَ، وَلاَ نُشْرِكُ مَعَكَ فِي الطَّاعَةِ أَحَدًا سِوَاكَ، وَلاَ فِي الْعِبَادَةِ غَيْرَكَ[663]. وَقَالَ عِكْرِمَةُ: {رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ} قَالَ اللهُ: قَدْ فَعَلْتُ، {وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ} قَالَ اللهُ: قَدْ فَعَلْتُ. [663] (الطبري: 3/73) وَهَذَا الدُّعَاءُ مِنْ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ عَلَيْهِمَا السَّلاَمُ كَمَا أَخْبَرَنَا اللهُ تَعَالَى عَنْ عِبَادِهِ الْمُتَّقِينَ الْمُؤْمِنِينَ فِي قَوْلِهِ: {وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا} [الفرقان:74] وَهَذَا الْقَدْرُ مَرْغُوبٌ فِيهِ شَرْعًا، فَإِنَّ مِنْ تَمَامِ مَحَبَّةِ عِبَادَةِ اللهِ تَعَالَى: أَنْ يُحِبَّ أَنْ يَكُونَ مِنْ صُلْبِهِ مَنْ يَعْبُدُ اللهَ وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ. وَلِهَذَا لَمَّا قَالَ اللهُ تَعَالَى لِإِبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلاَمُ: {إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا} قَالَ: {وَمِنْ ذُرِّيَتِي قَالَ لاَ يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ} وَهُوَ قَوْلُهُ: {وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الأَصْنَامَ} [إبراهيم:35] وَقَدْ ثَبَتَ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، أَنَّهُ قَالَ: «إِذَا مَاتَ ابْنُ آدَمَ انْقَطَعَ عَمَلُهُ إِلاَّ مِنْ ثَلاَثٍ: صَدَقَةٍ جَارِيَةٍ، أَوْ عِلْمٍ يُنْتَفَعُ بِهِ، أَوْ وَلَدٍ صَالِحٍ يَدْعُو لَهُ»[664]. [664] (مسلم: 3/1255) [تَفْسِيرُ الْمَنَاسِكِ] {وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا} قَالَ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ: أَخْبَرَنَا عَتَّابُ بْنُ بَشِيرِ عَنْ خُصَيْفٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، قَالَ: قَالَ إِبْرَاهِيمُ {وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا} فَأَتَاهُ جِبْرَائِيلُ َفَأَتى بِهِ الْبَيْتَ، فَقَالَ: ارْفَعِ الْقَوَاعِدَ، فَرَفَعَ الْقَوَاعِدَ وَأَتَمَّ الْبُنْيَانَ، ثُمَّ أَخَذَ بِيَدِهِ فَأَخْرَجَهُ فَانْطَلَقَ بِهِ إِلَى الصَّفَا، قَالَ: هَذَا مِنْ شَعَائِرِ اللهِ، ثُمَّ انْطَلَقَ بِهِ إِلَى الْمَرْوَةِ، فَقَالَ: وَهَذَا مِنْ شَعَائِرِ اللهِ، ثُمَّ انْطَلَقَ بِهِ نَحْوَ مِنًى، فَلَمَّا كَانَ مِنَ الْعَقَبَةِ إِذَا إِبْلِيسُ قَائِمٌ عِنْدَ الشَّجَرَةِ، فَقَالَ: كَبِّرْ وَارْمِهِ، فَكَبَّرَ وَرَمَاهُ، ثُمَّ انْطَلَقَ إِبْلِيسُ فَقَامَ عِنْدَ الْجَمْرَةِ الْوُسْطى، فَلَمَّا جَازَ بِهِ جِبْرِيلُ وَإِبْرَاهِيمُ، قَالَ لَهُ: كَبِّرْ وَارْمِهِ، فَكَبَّرَ وَرَمَاهُ، فَذَهَبَ الْخَبِيثُ إِبْلِيسُ. وَكَانَ الْخَبِيثُ أَرَادَ أَنْ يُدْخِلَ فِي الْحَجِّ شَيْئًا، فَلَمْ يَسْتَطِعْ. فَأَخَذَ بِيَدِ إِبْرَاهِيمَ حَتَّى أَتَى بِهِ الْمَشْعَرَ الْحَرَامَ، فَقَالَ: هَذَا الْمَشْعَرُ الْحَرَامُ، فَأَخَذَ بِيَدِ إِبْرَاهِيمَ حَتَّى أَتَى بِهِ عَرَفَاتٍ، قَالَ: قَدْ عَرَفْتَ مَا أَرَيْتُكَ؟ قَالَهَا ثَلاَثَ مَرَّاتٍ، قَالَ: «نَعَمْ»[665]. وَرُوِيَ عَنْ أَبِي مِجْلَزٍ وَقَتَادَةَ نَحْوُ ذَلِكَ.[666]. [665] (سعيد بن منصور: 2/615) [666] (ابن أبي حاتم: 1/390) {رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيْهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} [دُعَاءُ الْخَلِيلِ بِبِعْثَةِ النَّبِيِّ ﷺ] يَقُولُ تَعَالَى إِخْبَارًا عَنْ تَمَامِ دَعْوَةِ إِبْرَاهِيمَ لِأَهْلِ الْحَرَمِ أَنْ يَبْعَثَ اللهُ فِيهِمْ رَسُولاً مِنْهُمْ، أَيْ مِنْ ذُرِّيَّةِ إِبْرَاهِيمَ، وَقَدْ وَافَقَتْ هَذِهِ الدَّعْوَةُ الْمُسْتَجَابَةُ قَدَرَ اللهِ السَّابِقَ فِي تَعْيِينِ مُحَمَّدٍ صَلَوَاتُ اللهِ وَسَلاَمُهُ عَلَيْهِ رَسُولاً فِي الْأُمِّيِّينَ إِلَيْهِمْ، وَإِلَى سَائِرِ الْأَعْجَمِيِّينَ مِنَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ. وَالْمُرَادُ أَنَّ أَوَّلَ مَنْ نَوَّهَ بِذِكْرِهِ وَشَهَرَهُ فِي النَّاسِ إِبْرَاهِيمُ عَلَيْهِ السَّلاَمُ، وَلَمْ يَزَلْ ذِكْرُهُ فِي النَّاسِ مَذْكُورًا مَشْهُورًا سَائِرًا حَتَّى أَفْصَحَ بِاسْمِهِ خَاتَمُ أَنْبِيَاءِ بَنِي إِسْرَائِيلَ نَسَبًا، وَهُوَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ عَلَيْهِ السَّلاَمُ، حَيْثَ قَامَ فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ خَطِيبًا، وَقَالَ: {إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ} [الصف:6] وَعَنْ أَبِي أُمَامَةَ رَضِي اللهُ عَنْهُ قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، مَا كَانَ أَوَّلُ بَدْءِ أَمْرِكَ؟ قَالَ: «دَعْوَةُ أَبِي إِبْرَاهِيمَ وَبُشْرَى عِيسَى بِي، وَرَأَتْ أُمِّي أَنَّهُ خَرَجَ مِنْهَا نُورٌ أَضَاءَتْ لَهُ قُصُورُ الشَّامِ»[667]. [667] (أحمد: 5/262) وَقَوْلُهُ: «وَرَأَتْ أُمِّي أَنَّهُ خَرَجَ مِنْهَا نُورٌ أَضَاءَتْ لَهُ قُصُورُ الشَّامِ»، قِيلَ: كَانَ مَنَامًا رَأَتْهُ حِينَ حَمَلَتْ بِهِ، وَقَصَّتْهُ عَلَى قَوْمِهَا، فَشَاعَ فِيهِمْ وَاشْتَهَرَ بَيْنَهُمْ، وَكَانَ ذَلِكَ تَوْطِئَةً. وَتَخْصِيصُ الشَّامِ بِظُهُورِ نُورِهِ إِشَارَةٌ إِلَى اسْتِقْرَارِ دِينِهِ وَنُبُوَّتِهِ بِبِلاَدِ الشَّامِ. وَلِهَذَا تَكُونُ الشَّامُ فِي آخِرِ الزَّمَانِ مَعْقِلاً لِلْإِسْلاَمِ وَأَهْلِهِ، وَبِهَا يَنْزِلُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ، إِذَا نَزَلَ بِدِمَشْقَ بِالْمَنَارَةِ الشَّرْقِيَّةِ الْبَيْضَاءِ مِنْهَا. وَلِهَذَا جَاءَ فِي الصَّحِيحَيْنِ: «لاَ تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي ظَاهِرِينَ عَلَى الْحَقِّ، لاَ يَضُرُّهُمْ مَنْ خَذَلَهُمْ وَلاَ مَنْ خَالَفَهُمْ حَتَّى يَأْتِيَ أَمْرُ اللهِ وَهُمْ كَذَلِكَ». وَفِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ: «وَهُمْ بِالشَّامِ»[668]. [668] (فتح الباري: 6/731، ومسلم: 2/1524) [تَفْسِيرُ الْكِتَابِ وَالْحِكْمَةِ] وَقَوْلُهُ تَعَالَى: {وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ} يَعْنِي الْقُرْآنَ، {وَالْحِكْمَةَ} يَعْنِي السُّنَّةَ، قَالَهُ الْحَسَنُ وَقَتَادَةُ وَمَقَاتِلُ بْنُ حَيَّانَ وَأَبُو مَالِكٍ وَغَيْرُهُمْ[669]. وَقِيلَ: اَلْفَهْمُ فِي الدِّينِ. وَلاَ مُنَافَاةَ. {وَيُزَكِّيْهِمْ} قَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: يَعْنِي طَاعَةَ اللهِ[670]. وَقَوْلُهُ: {إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} أَيِ الْعَزِيزُ الَّذِي لاَ يُعْجِزُهُ شَيْءٌ، وَهُوَ قَادِرٌ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ، الْحَكِيمُ فِي أَفْعَالِهِ وَأَقْوَالِهِ، فَيَضَعُ الْأَشْيَاءَ فِي مَحَالِّهَا لِعِلْمِهِ وَحِكْمَتِهِ وَعَدْلِهِ. [669] (ابن أبي حاتم: 1/390) [670] (ابن أبي حاتم: 1/391) {وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلاَّ مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ وَلَقَدِ اصْطَفَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ *إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ *وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَابَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ} [مِلَّةُ إِبْرَاهِيمَ، لاَ يَرْغَبُ عَنْهَا إِلاَّ السَّفِيهُ] يَقُولُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى رَدًّا عَلَى الْكُفَّارِ فِيمَا ابْتَدَعُوهُ وَأَحْدَثُوهُ مِنَ الشِّرْكِ بِاللهِ، الْمُخَالِفِ لِمِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ الْخَلِيلِ إِمَامِ الْحُنَفَاءِ، فَإِنَّهُ جَرَّدَ تَوْحِيدَ رَبِّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى، فَلَمْ يَدْعُ مَعَهُ غَيْرَهُ، وَلاَ أَشْرَكَ بِهِ طَرْفَةَ عَيْنٍ، وَتَبَرَّأَ مِنْ كُلِّ مَعْبُودٍ سِوَاهُ، وَخَالَفَ فِي ذَلِكَ سَائِرَ قَوْمِهِ، حَتَّى تَبَرَّأَ مِنْ أَبِيهِ، فَقَالَ: {يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ *إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِي لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ} [الأنعام: 78، 79] وَقَالَ تَعَالَى: {وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ *إِلاَّ الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ} [الزخرف: 26، 27] وَقَالَ تَعَالَى: {وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ إِلاَّ عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لأَوَّاهٌ حَلِيمٌ} [التوبة: 14] وَقَالَ تَعَالَى: {إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ *شَاكِرًا لِأَنْعُمِهِ اجْتَبَاهُ وَهَدَاهُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ * وَآتَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَإِنَّهُ فِي الآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ} [النحل: 120-122]. وَلِهَذَا وَأَمْثَالِهِ قَالَ تَعَالَى: {وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ} عَنْ طَرِيقَتِهِ وَمَنْهَجِهِ، فَيُخَالِفُهَا وَيَرْغَبُ عَنْهَا {إِلاَّ مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ} أَيْ ظَلَمَ نَفْسَهُ بِسَفَهِهِ وَسُوءِ تَدْبِيرِهِ، بِتَرْكِهِ الْحَقَّ إِلَى الضَّلاَلِ، حَيْثُ خَالَفَ طَرِيقَ مَنِ اصْطُفِيَ فِي الدُّنْيَا لِلْهِدَايَةِ وَالرَّشَادِ، مِنْ حَدَاثَةِ سِنِّهِ إِلَى أَنِ اتَّخَذَهُ اللهُ خَلِيلاً، وَهُوَ فِي الاْخِرَةِ مِنَ الصَّالِحِينَ السُّعَدَاءِ، فَمَنْ تَرَكَ طَرِيقَهُ هَذَا وَمَسْلَكَهُ وَمِلَّتَهُ، وَاتَّبَعَ طُرُقَ الضَّلاَلَةِ وَالْغَيِّ، فَأَيُّ سَفَهٍ أَعْظَمُ مِنْ هَذَا؟ أَمْ أَيُّ ظُلْمٍ أَكْبَرُ مِنْ هَذَا؟ كَمَا قَالَ تَعَالَى: {إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيم} [لقمان: 13]، قَالَ أَبُو الْعَالِيَةِ وَقَتَادَةُ: نَزَلَتْ هَذَهِ الْآيَةُ فِي الْيَهُودِ، أَحْدَثُوا طَرِيقًا لَيْسَتْ مِنْ عِنْدِ اللهِ، وَخَالَفُوا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ فِيمَا أَخَذُوهُ[671]. وَيَشْهَدُ لِصِحَّةِ هَذَا الْقَوْلِ قَوْلُ اللهِ تَعَالَى: {مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلاَ نَصْرَانِيًّا وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ *إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ} [آل عمران: 67، 68]. [671] (ابن أبي حاتم: 1/392) وَقَوْلُهُ تَعَالَى: {إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ} أَيْ أَمَرَهُ اللهُ بِالْإِخْلاَصِ لَهُ، وَالْاِسْتِسْلاَمِ وَالاِنْقِيَادِ، فَأَجَابَ إِلَى ذَلِكَ شَرْعًا وَقَدَرًا، وَقَوْلُهُ: {وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ} أَيْ وَصّْى بِهذَهِ الْمِلَّةِ، وَهِيَ الْإِسْلاَمُ للهِ، أَوْ: يَعُودُ الضَّمِيرُ عَلَى الْكَلِمَةِ، وَهِيَ قَوْلُهُ: {أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ} لِحِرْصِهِمْ عَلَيْهَا وَمَحَبَّتِهِمْ لَهَا: حَافَظُوا عَلَيْهَا إِلَى حِينِ الْوَفَاةِ، وَوَصَّوْا أَبْنَاءَهُمْ بِهَا مِنْ بَعْدِهِمْ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ} [الزخرف: 28]. وَقَدْ قَرَأَ بَعْضُ السَّلَفِ: (وَيَعْقُوبَ) بِالنَّصْبِ عَطْفًا عَلَى بَنِيهِ، كَأَنَّ إِبْرَاهِيمَ وَصَّى بَنِيهِ وَابْنَ ابْنِهِ يَعْقُوبَ بْنَ إِسْحَاقَ، وَكَانَ حَاضِرًا ذَلِكَ. وَالظَّاهِرُ، وَاللهُ أَعْلَمُ، أَنَّ إِسْحَاقَ وُلِدَ لَهُ يَعْقُوبُ فِي حَيَاةِ الْخَلِيلِ وَسَارَةَ، لِأَنَّ الْبِشَارَةَ وَقَعَتْ بِهِمَا فِي قَوْلِهِ: {فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ} [هود: 71] وَقَدْ قُرِئُ بِنَصْبِ (يَعْقُوبَ) ههُنَا عَلَى نَزْعِ الْخَافِضِ، فَلَوْ لَمْ يُوجَدْ يَعْقُوبُ فِي حَيَاتِهِمَا لَمَا كَانَ لِذِكْرِهِ مِنْ بَيْنِ ذُرِّيَّةِ إِسْحَاقَ كَبِيرُ فَائِدَةٍ، وَأَيْضًا فَقَدْ قَالَ اللهُ تَعَالَى فِي سُورَةِ الْعَنْكَبُوتِ: {وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِ النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ} الْآيَةَ [العنكبوت: 27]، وَقَالَ فِي الْآيَةِ الأُخْرى {وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ نَافِلَةً} [الأنبياء: 72] وَهَذَا يَقْتَضِي: أَنَّهُ وُجِدَ فِي حَيَاتِهِ، وَأَيْضًا فَإِنَّهُ بَانِي بَيْتِ الْمَقْدِسِ، كَمَا نَطَقَتْ بِذَلِكَ الْكُتُبُ الْمُتَقَدِّمَةُ، وَثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي ذَرٍّ، قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَيُّ مَسْجِدٍ وُضِعَ أَوَّلُ؟ قَالَ: «الْمَسْجِدُ الْحَرَامُ» قُلْتُ: ثُمَّ أَيٌّ؟ قَالَ: «بَيْتُ الْمَقْدِسِ»، قُلْتُ: كَمْ بَيْنَهُمَا؟ قَالَ: «أَرْبَعُونَ سَنَةً» الْحَدِيثَ[672]. وَأَيْضًا فَإِنَّ وَصِيَّةَ يَعْقُوبَ لِبَنِيهِ سَيَأْتِي ذِكْرُهَا قَرِيبًا، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ ههُنَا مِنْ جُمْلَةِ الْمُوَصَّيْنَ. [672] (فتح الباري: 6/469، ومسلم: 1/370) [وُجُوبُ الاِلْتِزَامِ بِالتَّوْحِيدِ حَتَّى الْمَمَاتِ] وَقَوْلُهُ: {يَابَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ} أَيْ أَحْسِنُوا فِي حَالِ الْحَيَاةِ، وَالْزَمُوا هَذَا لِيَرْزُقَكُمُ اللهُ الْوَفَاةَ عَلَيْهِ، فَإِنَّ الْمَرْءَ يَمُوتُ غَالِبًا عَلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ، وَيُبْعَثُ عَلَى مَا مَاتَ عَلَيْهِ، وَقَدْ أَجْرَى اللهُ الْكَرِيمُ عَادَتَهُ بِأَنَّ مَنْ قَصَدَ الْخَيْرَ وَفَّقَ لَهُ وَيَسَّرَ عَلَيْهِ، وَمَنْ نَوَى صَالِحًا ثَـبَّتَ عَلَيْهِ. وَهَذَا لاَ يُعَارِضُ مَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ: «إِنَّ الرَّجُلَ لَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ الْجَنَّةِ حَتَّى مَا يَكُونَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا إِلاَّ بَاعٌ أَوْ ذِرَاعٌ، فَيَسْبِقُ عَلَيْهِ الْكِتَابُ فَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ فَيَدْخُلُهَا[673]. وَإِنَّ الرَّجُلَ لَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ حَتَّى مَا يَكُونَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا إِلاَّ بَاعٌ أَوْ ذِرَاعٌ، فَيَسْبِقُ عَلَيْهِ الْكِتَابُ فَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ الْجَنَّةِ فَيَدْخُلُهَا» لِأَنَّهُ قَدْ جَاءَ فِي بَعْضِ رِوَايَاتِ هَذَا الْحَدِيثِ «لَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ الْجَنَّةِ فِيمَا يَبْدُو لِلنَّاسِ... وَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ فِيمَا يَبْدُو لِلنَّاسِ» وَقَدْ قَالَ اللهُ تَعَالَى: {فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى *وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى *فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى *وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى *وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى *فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى} [الليل: 5-10]. [673] (فتح الباري: 6/105) {أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي قَالُوا نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِلَهًا وَاحِدًا وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ *تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ وَلاَ تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ} [عَهْدُ يَعْقُوبَ لِبَنِيهِ عِنْدَ الْمَوْتِ] يَقُولُ تَعَالَى مُحْتَجًّا عَلَى الْمُشْرِكِينَ مِنَ الْعَرَبِ أَبْنَاءِ إِسْمَاعِيلَ وَعَلَى الْكُفَّارِ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ - وَهُوَ يَعْقُوبُ بْنُ إِسْحَاقَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِمُ السَّلاَمُ - بِأَنَّ يَعْقُوبَ لَمَّا حَضَرَتْهُ الْوَفَاةُ، وَصّْى بَنِيهِ بِعِبَادَةِ اللهِ وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ، فَقَالَ لَهُمْ: {مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي قَالُوا نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ} وَهَذَا مِنْ بَابِ التَّغْلِيبِ، لِأَنَّ إِسْمَاعِيلَ عَمُّهُ. قَالَ نَحَّاسٌ: وَالْعَرَبُ تُسَمِّي الْعَمَّ أَبًا. نَقَلَهُ الْقُرْطُبِيُّ[674]. [674] (القرطبي: 2/138) وَقَدِ اسْتَدَلَّ بِهَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ مَنْ جَعَلَ الْجَدَّ أَبًا وَحَجَبَ بِهِ الْإِخْوَةَ، كَمَا هُوَ قَوْلُ الصِّدِّيقِ، حَكَاهُ الْبُخَارِيُّ عَنْهُ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَابْنِ الزُّبَيْرِ، ثُمَّ قَالَ الْبُخَارِيُّ: وَلَمْ يُخْتَلَفْ عَلَيْهِ[675]. وَإِلَيْهِ ذَهَبَتْ عَائِشَةُ أُمُّ الْمُؤْمِنِينَ، وَبِهِ يَقُولُ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ وَطَاوُسٌ وَعَطَاءٌ. وَقَالَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ فِي الْمَشْهُورِ عَنْهُ: إِنَّهُ يُقَاسِمُ الْإِخْوَةَ، وَحُكِيَ ذَلِكَ عَنْ عُمَرَ وَعُثْمَانَ وَعَلِيٍّ وَابْنِ مَسْعُودٍ وَزَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ وَجَمَاعَةٍ مِنَ السَّلَفِ وَالْخَلَفِ. [675] (فتح الباري: 12/19) وَقَوْلُهُ: {إِلَهًا وَاحِدًا} أَيْ نُوَحِّدُهُ بِالْأُلُوهِيَّةِ، وَلاَ نُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا غَيْرَهُ، {وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ} أَيْ مُطِيعُونَ َخاضِعُونَ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: {وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ} [آل عمران: 83] وَالإِسْلاَمُ هُوَ مِلَّةُ الْأَنْبِيَاءِ قَاطِبَةً وَإِنْ تَنَوَّعَتْ شَرَائِعُهُمْ وَاخْتَلَفَتْ مَنَاهِجُهُمْ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلاَّ نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ أَنَا فَاعْبُدُونِ} [الأنبياء: 25]، وَالآْيَاتُ فِي هَذَا كَثِيرَةٌ وَالْأَحَادِيثُ، فَمِنْهَا قَوْلُهُ ﷺ: «نَحْنُ مَعْشَرَ الْأَنْبِيَاءِ أَوْلاَدُ عَلاَّتٍ، دِينُنَا وَاحِدٌ»[676]. [676] (أحمد: 2/319) وَقَوْلُهُ تَعَالَى: {تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ} أَيْ مَضَتْ، {لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ} أَيْ إِنَّ السَّلَفَ الْمَاضِينَ مِنْ آبَائِكُمْ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ وَالصَّالِحِينَ، لاَ يَنْفَعُكُمْ اِنْتِسَابُكُمْ إِذَا لَمْ تَفْعَلُوا خَيْرًا يَعُودُ نَفْعُهُ عَلَيْكُمْ، فَإِنَّ لَهُمْ أَعْمَالَهُمُ الَّتِي عَمِلُوهَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ {وَلاَ تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ} وَلِهَذَا جَاءَ فِي الْأَثَرِ: «مَنْ بَطَّأَ بِهِ عَمَلُهُ لَمْ يُسْرِعْ بِهِ نَسَبُهُ»[677]. [677] (مسلم: 4/2074) {وَقَالُوا كُونُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى تَهْتَدُوا قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ} رَوَى مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: قَالَ عَبْدُ اللهِ ابْنُ صُورِيَّا الْأَعْوَرُ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ: مَا الْهُدى إِلاَّ مَا نَحْنُ عَلَيْهِ، فَاتَّبِعْنَا يَا مُحَمَّدُ تَهْتَدِ. وَقَالَتِ النَّصَارَى مِثْلَ ذَلِكَ. فَأَنْزَلَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ: {وَقَالُوا كُونُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى تَهْتَدُوا} [678]. [678] (ابن أبي حاتم: 1/396 إسناده ضعيف لجهالة محمد بن أبي محمد) وَقَوْلُهُ: {قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا} أَيْ لاَ نُرِيدُ مَا دَعَوْتُمْ إِلَيْهِ مِنَ الْيَهُودِيَّةِ وَالنَّصْرَانِيَّةِ، بَلْ نَتَّبِعُ {مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا} أَيْ مُسْتَقِيمًا، قَالَهُ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ الْقُرَظِيُّ وَعِيسَى بْنُ جَارِيَةَ[679]. وَقَالَ مُجَاهِدٌ وَالرَّبِيعُ بْنُ أَنَسٍ: حَنِيفًا أَي مُتَّبِعًا[680]. وَقَالَ أَبُو قِلاَبَةَ: الْحَنِيفُ الَّذِي يُؤمِنُ بِالرُّسُلِ كُلِّهِمْ مِنْ أَوَّلِهِمْ إِلَى آخِرِهِمْ[681]. [679] (ابن أبي حاتم: 1/397) [680] (ابن أبي حاتم: 1/397) [681] (ابن أبي حاتم: 1/397) {قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيْسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ} [اَلْمُسْلِمُ يُؤْمِنُ بِجَمِيعِ مَا أَنْزَلَ اللهُ وَلاَ يُفَرِّقُ بَيْنَ نَبِيٍّ وَنَبِيٍّ] أَرْشَدَ اللهُ تَعَالَى عِبَادَهُ الْمُؤمِنِينَ إِلَى الْإِيمَانِ بِمَا أَنْزَلَ إِلَيْهِمْ بِوَاسِطَةِ رَسُولِهِ مُحَمَّدٍ ﷺ مُفَصَّلاً، وَمَا أَنْزَلَ عَلَى الْأَنْبِيَاءِ الْمُتَقَدِّمِينَ مُجْمَلاً، وَنَصَّ عَلَى أَعْيَانٍ مِنَ الرُّسُلِ، وَأَجْمَلَ ذِكْرَ بَقِيَّةِ الْأَنْبِيَاءِ، وَأَنْ لاَ يُفَرِّقُوا بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ بَلْ يُؤْمِنُوا بِهِمْ كُلِّهِمْ، وَلاَ يَكُونُوا كَمَنْ قَالَ اللهُ فِيهِمْ: {وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلاً * أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا}... الْآيَةَ [النساء: 150، 151]. وَرَوَى الْبُخَارِيُّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: كَانَ أَهْلُ الْكِتَابِ يَقْرَأُونَ التَّوْرَاةَ بِالْعِبْرَانِيَّةِ وَيُفَسِّرُونَهَا بِالْعَرَبِيَّةِ لِأَهْلِ الْإِسْلاَمِ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «لاَ تُصَدِّقُوا أَهْلَ الْكِتَابِ وَلاَ تُكَذِّبُوهُمْ، وَقُولُوا: آمَنَّا بِاللهِ وَما أُنْزِلَ إِلَيْنَا»[682]. [682] (فتح الباري: 8/20) وَرَوَى مُسْلِمٌ وَأَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ أَكْثَرَ مَا يُصَلِّي الرَّكْعَتَيْنِ اللَّتَيْنِ قَبْلَ الْفَجْرِ بِـ {آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا} الْآيَةَ، وَالْأُخْرَى بِـ {آمَنَّا بِاللَّهِ وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ} [آل عمران: 52] [683]. [683] (مسلم: 1/502، وأبو داود: 2/46، والنسائي في الكبرى: 6/339) وَقَالَ أَبُو الْعَالِيَةِ وَالرَّبِيعُ وَقَتَادَةُ: الْأَسْبَاطُ بَنُو يَعْقُوبَ اِثْنَا عَشَرَ رَجُلاً، وَلَدَ كُلُّ رَجُلٍ مِنْهُمْ أُمَّةً مِنَ النَّاسِ، فَسُمُّوا الْأَسْبَاطَ[684]. وَقَالَ الْخَلِيلُ بْنُ أَحْمَدَ وَغَيْرُهُ: الْأَسْبَاطُ فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ كَالْقَبَائِلِ فِي بَنِي إِسْمَاعِيلَ، وَهَذَا يَقْتَضِي أَنَّ الْمُرَادَ بِالْأَسْبَاطِ ههُنَا شُعُوبُ بَنِي إِسْرَائِيلَ، وَمَا أَنْزَلَ اللهُ مِنَ الْوَحْيِ عَلَى الْأَنْبِيَاءِ الْمَوْجُودِينَ مِنْهُمْ، كَمَا قَالَ مُوسى لَهُمْ: {اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِيَاءَ وَجَعَلَكُمْ مُلُوكًا}... الْآيَةَ [المائدة: 20]، وَقَالَ تَعَالَى: {وَقَطَّعْنَاهُمُ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ أَسْبَاطًا} [الأعراف: 160] قَالَ الْقُرْطُبِيُّ: وَالسِّبْطُ الْجَمَاعَةُ وَالْقَبِيلَةُ الرَّاجِعُونَ إِلَى أَصْلٍ وَاحِدٍ.[685]. [684] (ابن أبي حاتم: 1/399) [685] (القرطبي/ 2/141) وَقَالَ قَتَادَةُ: أَمَرَ اللهُ الْمُؤمِنِينَ أَنْ يُؤمِنُوا بِهِ وَيُصَدِّقُوا بِكُتُبِهِ كُلِّهَا وَبِرُسُلِهِ[686]. وَقَالَ سُلَيْمَانُ بْنُ حَبِيبٍ: إِنَّمَا أُمِرْنَا أَنْ نُؤمِنَ بِالتَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ، وَلاَ نَعْمَلَ بِمَا فِيهِمَا[687]. وَرَوَى ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ عَنْ مَعْقِلِ بْنِ يَسَارٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ:«آمِنُوا بِالتَّوْرَاةِ وَالزَّبُورِ وَالْإِنْجِيلِ وَلْيَسَعْكُمُ الْقُرْآنُ»[688]. [686] (ابن أبي حاتم: 1/400) [687] (ابن أبي حاتم: 1/400) [688] (إسناده ضعيف فيه عبيد الله بن أبي حميد متفق على ضعفه قال ابن حجر: متروك الحديث "تقريب") {فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ *صِبْغَةَ اللَّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً وَنَحْنُ لَهُ عَابِدُونَ} يَقُولُ تَعَالَى: {فَإِنْ آمِنُوا}، يَعْنِي الْكُفَّارَ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَغَيْرِهِمْ، بِمِثْلِ مَا آمَنْتُمْ بِهِ أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ مِنَ الْإِيمَانِ بِجَمِيعِ كُتُبِ اللهِ وَرُسُلِهِ، وَلَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ {فَقَدِ اهْتَدَوْا} أَيْ فَقَدْ أَصَابُوا الْحَقَّ وَأُرْشِدُوا إِلَيْهِ {وَإِنْ تَوَلَّوْا} أَيْ عَنِ الْحَقِّ إِلَى الْبَاطِلِ بَعْدَ قِيَامِ الْحُجَّةِ عَلَيْهِمْ {فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ}، أَيْ فَسَيَنْصُرُكَ عَلَيْهِمْ وَيُظْفِرُكَ بِهِمْ {وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ}. رَوَى ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: أَخْبَرَنَا زِيَادُ بْنُ يُونُسَ: حَدَّثَنَا نَافِعُ ابْنُ أَبِي نُعَيْمٍ، قَالَ: أَرْسَلَ إِلَيَّ بَعْضُ الْخُلَفَاءِ مُصْحَفَ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ - لِيُصْلِحَهُ - قَالَ زِيَادٌ: فَقُلْتُ لَهُ: إِنَّ النَّاسَ لَيَقُولُونَ: إِنَّ مُصْحَفَهُ كَانَ فِي حِجْرِهِ حِينَ قُتِلَ فَوَقَعَ الدَّمُ عَلَى: {فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ} فَقَالَ نَافِعٌ: بَصُرَتْ عَيْنِي بِالدَّمِ عَلَى هَذِهِ الْآيَةِ، وَقَدْ قَدُمَ[689]. [689] (ابن أبي حاتم:1/402) وَقَوْلُهُ: {صِبْغَةَ اللَّهِ}، قَالَ الضَّحَّاكُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: دِينَ اللهِ[690]. وَكَذَا رُوِيَ عَنْ مُجَاهِدٍ وَأَبِي الْعَالِيَةِ وَعِكْرِمَةَ وَإِبْرَاهِيمَ وَالْحَسَنِ وَقَتَادَةَ وَالضَّحَّاكِ، وَعَبْدِ اللهِ بْنِ كَثِيرٍ وَعَطِيَّةَ الْعَوْفِيِّ وَالرَّبِيعِ بْنِ أَنَسٍ وَالسُّدِّيِّ نَحْوُ ذَلِكَ[691]. وَانْتِصَابُ {صِبْغَةَ اللَّهِ} إِمَّا عَلَى الْإِغْرَاءِ كَقَولِهِ: {فِطْرَتَ اللَّهِ} [الروم: 30] أَيْ اِلْزَمُوا ذَلِكَ، عَلَيْكُمُوهُ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ بَدَلاً مِنْ قَوْلِهِ: {مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ} [البقرة:135]. [690] (ابن أبي حاتم:1/402، ضعيف مرسل) [691] (ابن أبي حاتم:1/403) {قُلْ أَتُحَآجُّونَنَا فِي اللَّهِ وَهُوَ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ وَلَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُخْلِصُونَ *أَمْ تَقُولُونَ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالأَسْبَاطَ كَانُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى قُلْ أَأَنْتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللَّهُ وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَنْ كَتَمَ شَهَادَةً عِنْدَهُ مِنَ اللَّهِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ *تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ وَلاَ تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ} يَقُولُ اللهُ تَعَالَى مُرْشِدًا نَبِيَّهُ صَلَوَاتُ اللهِ وَسَلاَمُهُ عَلَيْهِ إِلَى دَرْءِ مُجَادَلَةِ الْمُشْرِكِينَ: {قُلْ أَتُحَآجُّونَنَا فِي اللَّهِ} أَيْ تُنَاظِرُونَنَا فِي تَوْحِيدِ اللهِ وَالْإِخْلاَصِ لَهُ وَالاِنْقِيَادِ، وَاتِّبَاعِ أَوَامِرِهِ وَتَرْكِ زَوَاجِرِهِ {وَهُوَ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ} اَلْمُتَصَرِّفُ فِينَا وَفِيكُمْ، اَلْمُسْتَحِقُّ لِإخْلاَصِ الْإِلهِيَّةِ لَهُ وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ {وَلَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ} أَيْ نَحْنُ بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ، وَأَنْتُمْ بُرَآءُ مِنَّا، كَمَا قَالَ فِي الْآيَةِ الْأُخْرى: {وَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ لِي عَمَلِي وَلَكُمْ عَمَلُكُمْ أَنْتُمْ بَرِيئُونَ مِمَّا أَعْمَلُ وَأَنَا بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ} [يونس: 41] وَقَالَ تَعَالَى: {فَإِنْ حَآجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ وَمَنِ اتَّبَعَنِ} إِلَى آخِرِ الْآيَةِ [آل عمران:20]، وَقَالَ تَعَالَى إِخْبَارًا عَنْ إِبْرَاهِيمَ: {وَحَآجَّهُ قَوْمُهُ قَالَ أَتُحَآجُّونِّي فِي اللَّهِ}... إِلَى آخِرِ الْآيَةِ [الأنعام: 80]، وَقَالَ تَعَالَى: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَآجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ}... الْآيَةَ [البقرة: 258]، وَقَالَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ: {وَلَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُخْلِصُونَ} أَيْ نَحْنُ بُرَآءُ مِنْكُمْ كَمَا أَنْتُمْ بُرَآءُ مِنَّا، {وَنَحْنُ لَهُ مُخْلِصُونَ} أَيْ فِي الْعِبَادَةِ وَالتَّوَجُّهِ. ثُمَّ أَنْكَرَ تَعَالَى عَلَيْهِمْ فِي دَعْوَاهُمْ أَنَّ إِبْرَاهِيمَ وَمَنْ ذُكِرَ بَعْدَهُ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ وَالْأَسْبَاطِ كَانُوا عَلَى مِلَّتِهِمْ، إِمَّا الْيَهُودِيَّةِ وَإِمَّا النَّصْرَانِيَّةِ، فَقَالَ: {قُلْ أَأَنْتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللَّهُ} يَعْنِي بَلِ اللهُ أَعْلَمُ، وَقَدْ أَخْبَرَ أَنَّهُمْ لَمْ يَكُونُوا هُودًا وَلاَ نَصَارى، كَمَا قَالَ تَعَالَى: {مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلاَ نَصْرَانِيًّا وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ} الْآيَةَ وَالَّتِي بَعْدَهَا [آل عمران: 67، 68]. وَقَوْلُهُ: {وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَنْ كَتَمَ شَهَادَةً عِنْدَهُ مِنَ اللَّهِ} قَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ: كَانُوا يَقْرَءُونَ فِي كِتَابِ اللهِ الَّذِي آتَاهُمْ: إِنَّ الدِّينَ الْإِسْلاَمُ، وَإِنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ، وَإِنَّ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطَ كَانُوا بُرَاءَ مِنَ الْيَهُودِيَّةِ وَالنَّصْرَانِيَّةِ، فَشَهِدُوا للهِ بِذَلِكَ، وَأَقَرُّوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ للهِ، فَكَتَمُوا شَهَادَةَ اللهِ عِنْدَهُمْ مِنْ ذَلِكَ، وَقَوْلُهُ: {وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ} [692] تَهْدِيدٌ وَوَعِيدٌ شَدِيدٌ، أَيْ إِنَّ عِلْمَهُ مُحِيطٌ بِعَمَلِكُمْ، وَسَيَجْزِيكُمْ عَلَيْهِ. [692] (ابن أبي حاتم:1/405) ثُمَّ قَالَ تَعَالَى: {تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ} أَيْ قَدْ مَضَتْ، {لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ} أَيْ لَهُمْ أَعْمَالُهُمْ وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ {وَلاَ تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ} وَلَيْسَ يُغْنِي عَنْكُمْ اِنْتِسَابُكُمْ إِلَيْهِمْ مِنْ غَيْرِ مُتَابَعَةٍ مِنْكُمْ لَهُمْ، وَلاَ تَغْتَرُّوا بِمُجَرَّدِ النِّسْبَةِ إِلَيْهِمْ حَتَّى تَكُونُوا مِثْلَهُمْ مُنْقَادِينَ لِأَوَامِرِ اللهِ وَاتِّبَاعِ رُسُلِهِ، الَّذِينَ بُعِثُوا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ، فَإِنَّهُ مَنْ كَفَرَ بِنَبِيٍّ وَاحِدٍ فَقَدْ كَفَرَ بِسَائِرِ الرُّسُلِ، وَلاَ سِيَّمَا بِسَيِّدِ الْأَنْبِيَاءِ وَخَاتَمِ الْمُرْسَلِينَ، وَرَسُولِ رَبِّ الْعَالَمِينَ إِلَى جَمِيعِ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ مِنَ الْمُكَلَّفِينَ، صَلَوَاتُ اللهِ وَسَلاَمُهُ عَلَيْهِ وَعَلَى سَائِرِ أَنْبِيَاءِ اللهِ أَجْمَعِينَ.
[تَحْوِيلُ الْقِبْلَةِ] رَوَى الْبُخَارِيُّ عَنِ الْبَرَاءِ رَضِيَ اللهُ عَنْه: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ صَلَّى إِلَى بَيْتِ الْمُقَدَّسِ سِتَّةَ عَشَرَ شَهْرًا، أَوْ سَبْعَةَ عَشَرَ شَهْرًا، وَكَانَ يُعْجِبُهُ أَنْ تَكُونَ قِبْلَتُهُ قِبَلَ الْبَيْتِ، وَأَنَّهُ صَلَّى أَوَّلَ صَلاَةٍ صَلاَّهَا صَلاَةَ الْعَصْرِ، وَصَلَّى مَعَهُ قَوْمٌ فَخَرَجَ رَجُلٌ مِمَّنْ كَانَ [صَلّى] مَعَهُ، فَمَرَّ عَلَى أَهْلِ الْمَسْجِدِ وَهُمْ رَاكِعُونَ، قَالَ: أَشْهَدُ بِاللهِ لَقَدْ صَلَّيْتُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ قِبَلَ مَكَّةَ، فَدَارُوا كَمَا هُمْ قِبَلَ الْبَيْتِ، وَكَانَ الَّذِي مَاتَ عَلَى الْقِبْلَةِ - قَبْلَ أَنْ تُحَوَّلَ قِبَلَ الْبَيْتِ - رِجَالاً قُتِلُوا لَمْ نَدْرِ مَا نَقُولُ فِيهِمْ، فَأَنْزَلَ اللهُ: {وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ إِنْ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَؤُوفٌ رَحِيمٌ}. اِنْفَرَدَ بِهِ الْبُخَارِيُّ[693] من هذا الوجه، وَرَوَاهُ مُسْلِمٌ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ[694]. [693] (فتح الباري:8/20) [694] (مسلم:1/375) وَقَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: إِنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ لَمَّا هَاجَرَ إِلَى الْمَدِينَةِ أَمَرَهُ اللهُ أَنْ يَسْتَقْبِلَ بَيْتَ الْمَقْدِسِ، فَفَرِحَتِ الْيَهُودُ، فَاسْتَقْبَلَهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ بِضْعَةَ عَشَرَ شَهْرًا وَكَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يُحِبُّ قِبْلَةَ إِبْرَاهِيمَ، فَكَانَ يَدْعُو اللهَ وَيَنْظُرُ إِلَى السَّمَاءِ، فَأَنْزَلَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ: {فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ} أَيْ نَحْوَهُ، فَارْتَابَ مِنْ ذَلِكَ الْيَهُودُ وَقَالُوا: مَا وَلاَّهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا؟ فَأَنْزَلَ اللهُ: {قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} [695]. [695] (الطبري:3/133) وَقَدْ جَاءَ فِي هَذَا الْبَابِ أَحَادِيثُ كَثِيرَةٌ، وَحَاصِلُ الْأَمْرِ: أَنَّهُ قَدْ كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ أُمِرَ بِاسْتِقْبَالِ الصَّخْرَةِ مِنْ بَيْتِ الْمُقَدَّسِ، فَكَانَ بِمَكَّةَ يُصَلِّي بَيْنَ الرُّكْنَيْنِ، فَتَكُونُ بَيْنَ يَدَيْهِ الْكَعْبَةُ وَهُوَ مُسْتَقْبِلُ صَخْرَةِ بَيْتِ الْمُقَدَّسِ[696]. فَلَمَّا هَاجَرَ إِلَى الْمَدِينَةِ تَعَذَّرَ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا، فَأَمَرَهُ اللهُ بِالتَّوَجُّهِ إِلَى بَيْتِ الْمُقَدَّسِ. قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ وَالْجُمْهُورُ. [696] (يعارضه ما ثبت في صحيح البخاري من صلاته ( في الحطيم حينما كان بمكة ـ انظر حديث:3856) وَفِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ: أَنَّ الْخَبَرَ وَصَلَ قَوْمًا مِنَ الْأَنْصَارِ وَهُمْ فِي صَلاَةِ الْعَصْرِ نَحْوَ بَيْتِ الْمَقْدِسِ فَتَوَجَّهُوا نَحْوَ الْكَعْبَةِ[697]. وَفِي الصَّحِيحَيْنِ أَيْضًا عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا، أَنَّهُ قَالَ: بَيْنَمَا النَّاسُ بِقُبَاءَ فِي صَلاَةِ الصُّبْحِ، إِذْ جَاءَهُمْ آتٍ فَقَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَدْ أُنْزِلَ عَلَيْهِ اللَّيْلَةَ قُرْآنٌ وَقَدْ أُمِرَ أَنْ يَسْتَقْبِلَ الْكَعْبَةَ فَاسْتَقْبِلُوهَا، وَكَانَتْ وُجُوهُهُمْ إِلَى الشَّامِ فَاسْتَدَارُوا إِلَى الْكَعْبَةِ[698]. [697] (البخاري:399، وكان هؤلاء بني سلمة، وكانوا ساكنين عند مسجد القبلتين) [698] (فتح الباري:8/24، ومسلم:1/375) وَفِي هَذَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ النَّاسِخَ لاَ يَلْزَمُ حُكْمُهُ إِلاَّ بَعْدَ الْعِلْمِ بِهِ، وَإِنْ تَقَدَّمَ نُزُولُهُ وَإِبْلاَغُهُ، لِأَنَّهُمْ لَمْ يُؤْمَرُوا بِإِعَادَةِ الْعَصْرِ وَالْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ، وَاللهُ أَعْلَمُ. وَلَمَّا وَقَعَ هَذَا، حَصَلَ لِبَعْضِ النَّاسِ - مِنْ أَهْلِ النِّفَاقِ وَالرَّيْبِ وَالْكَفَرَةِ مِنَ الْيَهُودِ - ارْتِيَابٌ، وَزَيْغٌ عَنِ الْهُدى، وَتَخْبِيطٌ وَشَكٌّ، وَقَالُوا: {مَا ولاَّهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا} أَيْ قَالُوا: مَا لِهؤُلاَءِ تَارَةً يَسْتَقْبِلُونَ كَذَا وَتَارَةً يَسْتَقْبِلُونَ كَذَا؟ فَأَنْزَلَ اللهُ جَوَابَهُمْ فِي قَوْلِهِ {قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ} أَيِ الْحُكْمُ وَالتَّصَرُّفُ وَالْأَمْرُ كُلُّهُ للهِ {فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ} وَ{لَيْسَ الْبِرُّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ} [البقرة: 177] أَيِ الشَّأْنُ كُلُّهُ فِي امْتِثَالِ أَوَامِرِ اللهِ، فَحَيْثُمَا وَجَّهَنَا تَوَجَّهْنَا، فَالطَّاعَةُ فِي امْتِثَالِ أَمْرِهِ، وَلَوْ وَجَّهَنَا فِي كُلِّ يَوْمٍ مَرَّاتٍ إِلَى جِهَاتٍ مُتَعَدِّدَةٍ فَنَحْنُ عَبِيدُهُ وَفِي تَصَرُّفِهِ وَخُدَّامُهُ، حَيْثُمَا وَجَّهَنَا تَوَجَّهْنَا، وَهُوَ تَعَالَى لَهُ بِعَبْدِهِ وَرَسُولِهِ مُحَمَّدٍ صَلَوَاتُ اللهِ وَسَلاَمُهُ عَلَيْهِ وَأُمَّتِهِ عِنَايَةٌ عَظِيمَةٌ إِذْ هَدَاهُمْ إِلَى قِبْلَةِ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلِ الرَّحْمنِ، وَجَعَلَ تَوَجُّهَهُمْ إِلَى الْكَعْبَةِ الْمَبْنِيَّةِ عَلَى اسْمِهِ تَعَالَى وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ، أَشْرَفِ بُيُوتِ اللهِ فِي الْأَرْضِ، إِذْ هِيَ بِنَاءُ إِبْرَاهِيمَ الْخَلِيلِ عَلَيْهِ السَّلاَمُ، وَلِهَذَا قَالَ: {قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ}. وَقَدْ رَوَى الْإِمَامُ أَحْمَدُ عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ، يَعْنِي فِي أَهْلِ الْكِتَابِ: «إِنَّهُمْ لاَ يَحْسُدُونَنَا عَلَى شَيْءٍ كَمَا يَحْسُدُونَنَا عَلَى يَوْمِ الْجُمُعَةِ الَّتِي هَدَانَا اللهُ لَهَا وَضَلُّوا عَنْهَا، وَعَلَى الْقِبْلَةِ الَّتِي هَدَانَا اللهُ لَهَا وَضَلُّوا عَنْهَا، وَعَلَى قَوْلِنَا خَلْفَ الْإِمَامِ: آمِينَ»[699]. [699] (أحمد:6/134) [فَضْلُ الْأُمَّةِ الْمُحَمَّدِيَّةِ] وَقَوْلُهُ تَعَالَى: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا} يَقُولُ تَعَالَى: ِإِنَّمَا حَوَّلْنَاكُمْ إِلَى قِبْلَةِ إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلاَمُ، َواخْتَرْنَاهَا لَكُمْ لِنَجْعَلَكُمْ خِيَارَ الْأُمَمِ، لِتَكُونُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ شُهَدَاءَ عَلَى الْأُمَمِ، لِأَنَّ الْجَمِيعَ مُعْتَرِفُونَ لَكُمْ بِالْفَضْلِ، وَالْوَسَطُ ههُنَا: الْخِيَارُ وَالْأَجْوَدُ، كَمَا يُقَالُ: قُرَيْشٌ أَوْسَطُ الْعَرَبِ نَسَبًا وَدَارًا، أَيْ خَيْرُهَا. وَكَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ وَسَطًا فِي قَوْمِهِ، أَيْ أَشْرَفَهُمْ نَسَبًا، وَمِنْهُ الصَّلاَةُ الْوُسْطَى الَّتِي هِيَ أَفْضَلُ الصَّلَوَاتِ، وَهِيَ الْعَصْرُ: كَمَا ثَبَتَ فِي الصِّحَاحِ وَغَيْرِهَا، وَلَمَّا جَعَلَ اللهُ هَذِهِ الْأُمَّةَ وَسَطًا خَصَّهَا بِأَكْمَلِ الشَّرَائِعِ وَأَقْوَمِ الْمَنَاهِجِ وَأَوْضَحِ الْمَذَاهِبِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: {هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ وَفِي هَذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ} [الحج: 78]. وَرَوَى الْإِمَامُ أَحْمَدُ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «يُدْعَى نُوحٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فَيُقَالُ لَهُ: هَلْ بَلَّغْتَ؟ فَيَقُولُ: نَعَمْ، فَيُدْعَى قَوْمُهُ فَيُقَالُ لَهُمْ: هَلْ بَلَّغَكُمْ فَيَقُولُون: مَا أَتَانَا مِنْ نَذِيرٍ وَمَا أَتَانَا مِنْ أَحَدٍ. فَيُقَالُ لِنُوحٍ: مَنْ يَشْهَدُ لَكَ؟ فَـيَـقُولُ: مُحَمَّدٌ وَأُمَّتُهُ. قَالَ: فَذَلِكَ قَوْلُهُ: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا} قَالَ: وَالْوَسَطُ الْعَدْلُ، فَتُدْعَوْنَ فَتَشْهَدُونَ لَهُ بِالْبَلاَغِ، ثُمَّ أَشْهَدُ عَلَيْكُمْ»[700]. وَرَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ [701]. [700] (أحمد:3/32) [701] (فتح الباري:8/21، وتحفة الأحوذي:8/297، والنسائي في الكبرى:6م292، وابن ماجه:2/1432) وَرَوَى الْإِمَامُ أَحْمَدُ أَيْضًا عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «يَجِيءُ النَّبِيُّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَمَعَهُ الرَّجُلاَنِ وَأَكْثَرُ مِنْ ذَلِكَ، فَيُدْعَى قَوْمُهُ، فَيُقَالُ: هَلْ بَلَّغَكُمْ هَذَا؟ فَيَقُولُونَ: لاَ، فَيُقَاَلُ لَهُ: هَلْ بَلَّغْتَ قَوْمَكَ؟ فَيَقُولُ: نَعَمْ، فَيُقَالُ: مَنْ يَشْهَدُ لَكَ؟ فَيَقُولُ: مُحَمَّدٌ وَأُمَّتُهُ، فَيُدْعَى مُحَمَّدٌ وَأُمَّتُهُ، فَيُقَالُ لَهُمْ: هَلْ بَلَّغَ هَذَا قَوْمَهُ؟ فَيَقُولُونَ: نَعَمْ، فَيُقَالُ: وَمَا عِلْمُكُمْ؟ فَيَقُولُونَ: جَاءَنَا نَبِيُّنَا ﷺ فَأَخْبَرَنَا أَنَّ الرُّسُلَ قَدْ بَلَّغُوا، فَذَلِكَ قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا} قَالَ: عَدْلاً {لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا}»[702]. [702] (أحمد:3/58) وَرَوَى الْإِمَامُ أَحْمَدُ عَنْ أَبِي الْأَسْوَدِ أَنَّهُ قَالَ: أَتَيْتُ الْمَدِينَةَ فَوَافَقْتُهَا وَقَدْ وَقَعَ بِهَا مَرَضٌ فَهُمْ يَمُوتُونَ مَوْتًا ذَرِيعًا، فَجَلَسْتُ إِلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ فَمَرَّتْ بِهِ جَنَازَةٌ فَأُثْنِيَ عَلَى صَاحِبِهَا خَيْرٌ، فَقَالَ: وَجَبَتْ وَجَبَتْ، ثُمَّ مُرَّ بِأُخْرى فَأُثْنِيَ عَلَيْهَا شَرٌّ، فَقَالَ عُمَرُ: وَجَبَتْ. فَقَالَ أَبُو الْأَسْوَدِ: مَا وَجَبَتْ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ قَالَ، قُلْتُ كَمَا قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «أَيُّمَا مُسْلِمٍ شَهِدَ لَهُ أَرْبَعَةٌ بِخَيْرٍ أَدْخَلَهُ اللهُ الْجَنَّـةَ» قَالَ: فَقُلْنَا وَثَلاَثَةٌ قَالَ: فَقَالَ: «وَثَلاَثَةٌ» قَالَ: فَقُلْنَا وَاثْنَانِ: قَالَ «وَاثْنَانِ». ثُمَّ لَمْ نَسْأَلْهُ عَنِ الْوَاحِدِ[703]. وَكَذَا رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ[704]. [703] (أحمد:1/21) [704] (فتح الباري:3/271، وتحفة الأحوذي:4/166، والنسائي:4/51) [مِنْ حِكْمَةِ تَحْوِيلِ الْقِبْلَةِ] وَقَوْلُهُ تَعَالَى: {وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا إِلاَّ لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَنْ يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ وَإِنْ كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلاَّ عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ} يَقُولُ تَعَالَى: إِنَّمَا شَرَعْنَا لَكَ يَا مُحَمَّدُ التَّوَجُّهَ أَوَّلاً إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ، ثُمَّ صَرَفْنَاكَ عَنْهَا إِلَى الْكَعْبَةِ لِيَظْهَرَ حَالُ مَنْ يَـتَّـبِعُكَ وَيُطِيعُكَ، وَيَسْتَقْبِلُ مَعَكَ حَيْثُمَا تَوَجَّهْتَ { مِمَنْ يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ}، أَيْ مُرْتَدًّا عَنْ دِيِنِهِ {وَإِنْ كَانَتْ لَكَبِيرَةً} أَيْ هَذِهِ الْفِعْلَةُ وَهُوَ صَرْفُ التَّوَجُّهِ عَنْ بَيْتِ الْمَقْدِسِ إِلَى الْكَعْبَةِ، أَيْ وَإِنْ كَانَ هَذَا الْأَمْرُ عَظِيمًا فِي النُّفُوسِ إِلاَّ عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللهُ قُلُوبَهُمْ، وَأَيْقَنُوا بِتَصْدِيقِ الرَّسُولِ، وَأَنَّ كُلَّ مَا جَاءَ بِهِ فَهُوَ الْحَقُّ الَّذِي لاَ مِرْيَةَ فِيهِ، وَأَنَّ اللهَ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ وَيَحْكُمُ مَا يُرِيدُ، فَلَهُ أَنْ يُكَلِّفَ عِبَادَهُ بِمَا شَاءَ وَيَنْسَخَ مَا يَشَاءُ، وَلَهُ الْحِكْمَةُ التَّامَّةُ وَالْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ فِي جَمِيعِ ذَلِكَ، بِخِلاَفِ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ، فَإِنَّهُ كُلَّمَا حَدَثَ أَمْرٌ أَحْدَثَ لَهُمْ شَكًّا، كَمَا يَحْصُلُ لِلَّذِينَ آمَنُوا إِيقَانٌ وَتَصْدِيقٌ، كَمَا قَالَ اللهُ تَعَالَى: {وَإِذَا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَانًا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَاناً وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ *وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ } [التوبة: 124، 125]، وَقَالَ تَعَالَىَ: {وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلاَ يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلاَّ خَسَارًا} [الإسراء: 82] وَلِهَذَا كَانَ مَنْ ثَبَتَ عَلَى تَصْدِيقِ الرَّسُولِ ﷺ وَاتِّبَاعِهِ فِي ذَلِكَ وَتَوَجَّهَ حَيْثُ أَمَرَهُ اللهُ مِنْ غَيْرِ شَكٍّ وَلاَ رَيْبٍ؛ مِنْ سَادَاتِ الصَّحَابَةِ، وَقَدْ ذَهَبَ بَعْضُهُمْ إِلَى أَنَّ السَّابِقِينَ الْأَوَّلِينَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ؛ هُمُ الَّذِينَ صَلَّوْا إِلَى الْقِبْلَتَيْنِ. وَرَوَى الْبُخَارِيُّ فِي تَفْسِيرِ هَذِهِ الْآيَةِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: بَيْنَا النَّاسُ يُصَلُّونَ الصُّبْحَ فِي مَسْجِدِ قُبَاءَ إِذْ جَاءَ رَجُلٌ فَقَالَ: قَدْ أُنْزِلَ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ قُرْآنٌ، وَقَدْ أُمِرَ أَنْ يَسْتَقْبِلَ الْكَعْبَةَ فَاسْتَقْبِلُوهَا، فَتَوَجَّهُوا إِلَى الْكَعْبَةِ[705]. وَرَوَاهُ مُسْلِمٌ[706] وَالتِّرْمِذِيُّ، وَعِنْدَ التِّرْمِذِيِّ: أَنَّهُمْ كَانُوا رُكُوعًا فَاسْتَدَارُوا كَمَا هُمْ إِلَى الْكَعْبَةِ وَهُمْ رُكُوعٌ[707]. وَكَذَا رَوَاهُ مُسْلِمٌ عَنْ أَنَسٍ مِثْلَهُ[708]. وَهَذَا يَدُلُّ عَلىَ كَمَالِ طَاعَتِهِمْ لِلّْهِ وَلِرَسُولِهِ، وَانْقِيَادِهِمْ لِأَوَامِرِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ، رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ أَجْمَعِينَ. [705] (فتح الباري:8/22) [706] (مسلم:1/375) [707] (تحفة الأحوذي:8/300) [708] (مسلم:1/375) وَقَوْلُهُ: {وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ} أَيْ صَلاَتُكُمْ إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ قَبْلَ ذَلِكَ، مَا كَانَ يَضِيعُ ثَوَابُهَا عِنْدَ اللهِ، وَفِي الصَّحِيحِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي إِسْحَاقَ السَّبِيعِيِّ عَنِ الْبَرَاءِ قَالَ: مَاتَ قَوْمٌ كَانُوا يُصَلُّونَ نَحْوَ بَيْتِ الْمَقْدِسِ، فَقَالَ النَّاسُ: مَا حَالُهُمْ فِي ذَلِكَ؟ فَأَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى: {وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ} وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَصَحَّحَهُ[709]. [709] (فتح الباري:8م20، وتحفة الأحوذي:8/300) رَوَى ابْنُ إِسْحَاقَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ {وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ} أَيْ بِالْقِبْلَةِ الْأُولى، وَتَصْدِيقَكُمْ نَبِيَّـكُمْ، وَاتِّبَاعَهُ إِلَى الْقِبْلَةِ الْأُخْرى، أَيْ لَيُعْطِيكُمْ أَجْرَهُمَا جَمِيعًا {إِنْ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَؤُوفٌ رَحِيمٌ} [710]. [710] (ابن أبي حاتم:1/99، إسناده ضعيف كما مرّ) وَفِي الصَّحِيحِ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ رَأَى امْرَأَةً مِنَ السَّبْيِ قَدْ فُرِّقَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ وَلَدِهَا، فَجَعَلَتْ كُلَّمَا وَجَدَتْ صَبِيًّا مِنَ السَّبْيِ أَخَذَتْهُ فَأَلْصَقَتْهُ بِصَدْرِهَا، وَهِيَ تَدُورُ عَلَى وَلَدِهَا، فَلَمَّا وَجَدَتْهُ ضَمَّتْهُ إِلَيْهَا وَأَلْقَمَتْهُ ثَدْيَهَا، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «أَتُرَوْنَ هَذِهِ طَارِحَةً وَلَدَهَا فِي النَّارِ وَهِيَ تَقْدِرُ عَلَى أَنْ لاَ تَطْرَحَهُ»؟ قَالُوا: لاَ يَا رَسُولَ اللهِ. قَالَ: «فَوَاللهِ لَلّْهُ أَرْحَمُ بِعِبَادِهِ مِنْ هَذِهِ بِوَلَدِهَا»[711]. [711] (مسلم:4/2109) {قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ} [أَوَّلُ مَا نُسِخَ مِنَ الْقُرْآنِ الْقِبْلَةُ] قَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: كَانَ أَوَّلُ مَا نُسِخَ مِنَ الْقُرْآنِ الْقِبْلَةُ، وَذَلِكَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ، لَمَّا هَاجَرَ إِلَى الْمَدِينَةِ وَكَانَ أَكْثَرَ أَهْلِهَا الْيَهُودُ فَأَمَرَهُ اللهُ أَنْ يَسْتَقْبِلَ بَيْتَ الْمَقْدِسِ، فَفَرِحَتِ الْيَهُودُ فَاسْتَقْبَلَهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ بِضْعَةَ عَشَرَ شَهْرًا، وَكَانَ يُحِبُّ قِبْلَةَ إِبْرَاهِيمَ، فَكَانَ يَدْعُو إِلَى اللهِ وَيَنْظُرُ إِلَى السَّمَاءِ، فَأَنْزَلَ اللهُ: {قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ} إِلَى قَوْلِهِ: {فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ} فَارْتَابَ مِنْ ذَلِكَ الْيَهُودُ، وَقَالُوا: {مَا ولاَّهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ} [712] [البقرة: 142] وَقَالَ: {فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ} [البقرة: 115] وَقَالَ اللهُ تَعَالَى: {وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا إِلاَّ لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَنْ يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ} [البقرة: 143]. [712] (ابن أبي حاتم غ:1/103) [هَلِ الْقِبْلَةُ عَيْنُ الْكَعْبَةِ أَمْ جِهَةُ الْكَعْبَةِ؟] رَوَى الْحَاكِمُ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللهُ عَنْه {فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ} قَالَ: شَطْرَهُ: قِبَلَهُ[713]. ثُمَّ قَالَ: صَحِيحُ الْإِسْنَادِ، وَلَمْ يُخَرِّجَاهُ، وَهَذَا قَوْلُ أَبِي الْعَالِيَةِ ومُجَاهِدٍ وَعِكْرِمَةَ وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ وَقَتَادَةَ وَالرَّبِيعِ بْنِ أَنَسٍ وَغَيْرِهِمْ[714]. [713] (الحاكم:2/269) [714] (ابن أبي حاتم غ:1/107-109) وَقَوْلُهُ: {وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ} أَمَرَ تَعَالَى بِاسْتِقْبَالِ الْكَعْبَةِ مِنْ جَمِيعِ جِهَاتِ الْأَرْضِ شَرْقًا وَغَرْبًا وَشِمَالاً وَجَنُوبًا، وَلاَ يُسْتَثْنى مِنْ هَذَا شَيْءٌ سِوَى النَّافِلَةِ فِي حَالِ السَّفَرِ، فَإِنَّهُ يُصَلِّيهَا حَيْثُمَا تَوَجَّهَ قَالِبُهُ، وَقَلْبُهُ نَحْوَ الْكَعْبَةِ. وَكَذَا فِي حَالِ الْمُسَايَفَةِ فِي الْقِتَالِ يُصَلِّي عَلَى كُلِّ حَالٍ. وَكَذَا مَنْ جَهِلَ جِهَةَ الْقِبْلَةِ يُصَلِّي بِاجْتِهَادِهِ، وَإِنْ كَانَ مُخْطِئًا فِي نَفْسِ الْأَمْرِ، لِأَنَّ اللهَ تَعَالَى لاَ يُكَلِّفُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا. [مَسْأَلَةُ تَحْوِيلِ الْقِبْلَةِ كَانَتْ مَعْلُومَةً عِنْدَ الْيَهُودِ] وَقَوْلُهُ: {وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ} أَيِ الْيَهُودُ الَّذِينَ أَنْكَرُوا اسْتِقْبَالَكُمْ وَانْصِرَافَكُمْ عَنِ بَيْتِ الْمَقْدِسِ، يَعْلَمُونَ أَنَّ اللهَ تَعَالَى سَيُوَجِّهُكَ إِلَيْهَا، بِمَا فِي كُتُبِهِمْ عَنْ أَنْبِيَائِهِمْ مِنَ النَّعْتِ وَالصِّفَةِ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ وَأُمَّتِهِ، وَمَا خَصَّهُ اللهُ تَعَالَى بِهِ وَشَرَّفَهُ مِنَ الشَّرِيعَةِ الْكَامِلَةِ الْعَظِيمَةِ، وَلَكِنَّ أَهْلَ الْكِتَابِ يَتَكَاتَمُونَ ذَلِكَ بَيْنَهُمْ حَسَدًا وَكُفْرًا وَعِنَادًا، وَلِهَذَا تَهَدَّدَهُمْ تَعَالَى بِقَوْلِهِ: {وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ}. {وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ بِكُلِّ آيَةٍ مَا تَبِعُوا قِبْلَتَكَ وَمَا أَنْتَ بِتَابِعٍ قِبْلَتَهُمْ وَمَا بَعْضُهُمْ بِتَابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ إِنَّكَ إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ} [عِنَادُ الْيَهُودِ وَجُحُودُهُمْ] يُخْبِرُ تَعَالَى عَنْ كُفْرِ الْيَهُودِ وَعِنَادِهِمْ وَمُخَالَفَتِهِمْ مَا يَعْرِفُونَهُ مِنْ شَأْنِ رَسُولِ اللهِ ﷺ، وَأَنَّهُ لَوْ أَقَامَ عَلَيْهِمْ كُلَّ دَلِيلٍ عَلَى صِحَّةِ مَا جَاءَهُمْ بِهِ لَمَا اتَّبَعُوهُ وَتَرَكُوا أَهْوَاءَهُمْ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: {إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ *وَلَوْ جَاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الأَلِيمَ} [يونس: 96،97] وَلِهَذَا قَالَ ههُنَا: {وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ بِكُلِّ آيَةٍ مَا تَبِعُوا قِبْلَتَكَ} وَقَوْلُهُ: {وَمَا أَنْتَ بِتَابِعٍ قِبْلَتَهُمْ} إِخْبَارٌ عَنْ شِدَّةِ مُتَابَعَةِ الرَّسُولِ ﷺ لِمَا أَمَرَهُ اللهُ تَعَالَى بِهِ، وَأَنَّهُ كَمَا هُمْ مُسْتَمْسِكُونَ بِآرَائِهِمْ وَأَهْوَائِهِمْ فَهُوَ أَيْضًا مُسْتَمْسِكٌ بِأَمْرِ اللهِ وَطَاعَتِهِ وَاتِّبَاعِ مَرْضَاتِهِ، وَأَنَّهُ لاَ يَتَّبِـعُ أَهْوَاءَهُمْ فِي جَمِيعِ أَحْوَالِهِ، وَلاَ كَوْنِهِ مُتَوَجِّهًا إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ لِكَوْنِهَا قِبْلَةَ الْيَهُودِ، وَإِنَّمَا ذَلِكَ عَنْ أَمْرِ اللهِ تَعَالَى. ثُمَّ حَذَّرَ تَعَالَى عَنْ مُخَالَفَةِ الْحَقِّ الَّذِي يَعْلَمُهُ الْعَالِمُ إِلَى الْهَوَى، فَإِنَّ الْعَالِمَ الْحُجَّةُ عَلَيْهِ أَقْوَمُ مِنْ غَيْرِهِ، وَلِهَذَا قَالَ مُخَاطِبًا لِلرَّسُولِ وَالْمُرَادُ بِهِ الْأُمَّةُ: {وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ إِنَّكَ إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ}. {الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ *الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ} [مَعْرِفَةُ الْيَهُودِ بِالنَّبِيِّ مُحَمَّدٍ ﷺ وَكِتْمَانُهُمُ الْحَقَّ] يُخْبِرُ تَعَالَى أَنَّ عُلَمَاءَ أَهْلِ الْكِتَابِ، يَعْرِفُونَ صِحَّةَ مَا جَاءَهُمْ بِهِ الرَّسُولُ ﷺ كَمَا يَعْرِفُ أَحَدُهُمْ وَلَدَهُ، وَالْعَرَبُ كَانَتْ تَضْرِبُ الْمَثَلَ فِي صِحَّةِ الشَّيْءِ بِهَذَا، كَمَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ لِرَجُلٍ مَعَهُ صَغِيرٌ: «ابْنُكَ هَذَا»؟ قَالَ: نَعَمْ يَا رَسُولَ اللهِ أَشْهَدُ بِهِ، قَالَ «أَمَا إِنَّهُ لاَ يَجْنِي عَلَيْكَ وَلاَ تَجْنِي عَلَيْهِ»[715]. قَالَ الْقُرْطُبِيُّ: وَيُرْوَى عَنْ عُمَرَ أَنَّهُ قَالَ لِعَبْدِ اللهِ بْنِ سَلاَمٍ: أَتَعْرِفُ مُحَمَّدًا كَمَا تَعْرِفُ وَلَدَكَ؟ قَالَ: نَعَمْ وَأَكْثَرَ، نَزَلَ الْأَمِينُ مِنَ السَّمَاءِ عَلَى الْأَمِينِ فِي الْأَرْضِ بِنَعْتِهِ فَعَرَفْتُهُ، وَإِنِّي لاَ أَدْرِي مَا كَانَ مِنْ أُمِّهِ[716]. [715] (أحمد:4/163) [716] (القرطبي:2/163، أخرجه الثعلبي، وفيه الكلبي وهو كذاب انظر الوسيط للواحدي أيضاً) ثُمَّ أَخْبَرَ تَعَالَى أَنَّهُمْ مَعَ هَذَا التَّحَقُّقِ وَالْإِتْقَانِ الْعِلْمِيِّ {لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ} أَيْ لَيَكْتُمُونَ النَّاسَ مَا فِي كُتُبِهِمْ مِنْ صِفَةِ النَّبِيِّ ﷺ {وَهُمْ يَعْلَمُونَ}، ثُمَّ ثَبَّتَ تَعَالَى نَبِيَّهُ ﷺ وَالْمُؤْمِنِينَ، وَأَخْبَرَهُمْ بِأَنَّ مَا جَاءَ بِهِ الرَّسُولُ ﷺ هُوَ الْحَقُّ الَّذِي لاَ مِرْيَةَ فِيهِ وَلاَ شَكَّ، فَقَالَ: {الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ}. {وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ أَيْنَ مَا تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللَّهُ جَمِيعًا إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} [لِكُلِّ أُمَّةٍ قِبْلَةٌ] قَالَ الْعَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: {وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا} يَعْنِي بِذَلِكَ أَهْلَ الْأَدْيَانِ، يَقُولُ: لِكُلِّ قَبِيلَةٍ قِبْلَةٌ يَرْضَوْنَهَا، وَوِجْهَةُ اللهِ حَيْثُ تَوَجَّهَ الْمُؤْمِنُونَ[717]. وَقَالَ أَبُو الْعَالِيَةِ: لِلْيَهُودِيِّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا، وَلِلنَّصْرَانِيِّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا، وَهَدَاكُمْ أَنْتُمْ أَيَّتُهَا الْأُمَّةُ لِلْقِبْلَةِ الَّتِي هِيَ الْقِبْلَةُ[718]. وَرُوِيَ عَنْ مُجَاهِدٍ وَعَطَاءٍ وَالضَّحَّاكِ وَالرَّبِيعِ بْنِ أَنَسٍ وَالسُّدِّىِّ نَحْوُ هَذَا[719]. [717] (الطبري:3/193 إسناده ضعيف عطية العوفي ضعيف) [718] (ابن أبي حاتم غ:1/121) [719] (ابن أبي حاتم غ:1/121-122) وَهَذِهِ الْآيَةُ شَبِيهَةٌ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: {لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا} [المائدة: 48] وَقَالَ ههُنَا: {أَيْنَ مَا تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللَّهُ جَمِيعًا إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} أَيْ هُوَ قَادِرٌ عَلَى جَمْعِكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَإِنْ تَفَرَّقَتْ أَجْسَادُكُمْ وَأَبْدَانُكُمْ. {وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِنَّهُ لَلْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ *وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ إِلاَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ فَلاَ تَخْشَوْهُمْ وَاخْشُوْنِي وَلأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ} [لِمَاذَا تَكَرَّرَ ذِكْرُ نَسْخِ الْقِبْلَةِ ثَلاَثَ مَرَّاتٍ؟] هَذَا أَمْرٌ ثَالِثٌ مِنَ اللهِ تَعَالَى بِاسْتِقْبَالِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ مِنْ جَمِيعِ أَقْطَارِ الْأَرْضِ، قِيلَ: إِنَّمَا ذُكِرَ ذَلِكَ لِتَعَلُّقِهِ بِمَا قَبْلَهُ أَوْ بَعْدَهُ مِنَ السِّيَاقِ، فَقَالَ أَوَّلاً: {قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا} إِلَى قَوْلِهِ {وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ} [البقرة: 144] فَذَكَرَ فِي هَذَا الْمَقَامِ إِجَابَتَهُ إِلَى طَلِبَتِهِ، وَأَمَرَهُ بِالْقِبْلَةِ الَّتِي كَانَ يَوَدُّ التَّوَجُّهَ إِلَيْهَا وَيَرْضَاهَا، وَقَالَ فِي الْأَمْرِ الثَّانِي: {وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِنَّهُ لَلْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ} فَذَكَرَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنَ اللهِ، وَارْتَقَى عَنِ الْمَقَامِ الْأَوَّلِ - حَيْثُ كَانَ مُوَافِقًا لِرَضَا الرَّسُولِ ﷺ، فَبَيَّنَ أَنَّهُ الْحَقُّ أَيْضًا مِنَ اللهِ يُحِبُّهُ وَيَرْتَضِيهِ - وَذَكَرَ فِي الْأَمْرِ الثَّالِثِ حِكْمَةَ قَطْعِ حُجَّةِ الْمُخَالِفِ مِنَ الْيَهُودِ الَّذِينَ كَانُوا [يَحْتَجُّونَ] بِاسْتِقْبَالِ الرَّسُولِ إِلَى قِبْلَتِهِمْ، وَقَدْ كَانُوا يَعْلَمُونَ بِمَا فِي كُتُبِهِمْ أَنَّهُ سَيُصْرَفُ إِلَى قِبْلَةِ إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلاَمُ، إِلَى الْكَعْبَةِ، وَكَذَلِكَ مُشْرِكُو الْعَرَبِ اِنْقَطَعَتْ حُجَّتُهُمْ لَمَّا صُرِفَ الرَّسُولُ ﷺ عَنْ قِبْلَةِ الْيَهُودِ إِلَى قِبْلَةِ إِبْرَاهِيمَ الَّتِي هِيَ أَشْرَفُ، وَقَدْ كَانُوا يُعَظِّمُونَ الْكَعْبَةَ، وَأَعْجَبَهُمْ اِسْتِقْبَالُ الرَّسُولِ إِلَيْهَا. [حِكْمَةُ نَسْخِ الْقِبْلَةِ] وَقَوْلُهُ: {لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ} أَيْ أَهْلِ الْكِتَابِ، فَإِنَّهُمْ يَعْلَمُونَ مِنْ صِفَةِ هَذِهِ الْأُمَّةِ التَّوَجُّهَ إِلَى الْكَعْبَةِ، فَإِذَا فَقَدُوا ذَلِكَ مِنْ صِفَتِهَا رُبَّمَا احْتَجُّوا بِهَا عَلَى الْمُسْلِمِينَ، وَلِئَلاَّ يَحْتَجُّوا بِمُوَافَقَةِ الْمُسْلِمِينَ إِيَّاهُمْ فِي التَّوَجُّهِ إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ. وَقَوْلُهُ: {إِلاَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ} يَعْنِي مُشْرِكِي قُرَيْشٍ. وَوَجَّهَ بَعْضُهُمْ حُجَّةَ الظَّلَمَةِ، وَهِيَ دَاحِضَةٌ، أَنْ قَالُوا: إِنَّ هَذَا الرَّجُلَ يَزْعُمُ أَنَّهُ عَلَى دِينِ إِبْرَاهِيمَ، فَإِنْ كَانَ تَوَجُّهُهُ إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ عَلَى مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ فَلِمَ يَرْجِعُ عَنْهُ؟ وَالْجَوَابُ: أَنَّ اللهَ تَعَالَى اِخْتَارَ لَهُ التَّوَجُّهَ إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ أَوَّلاً، لِمَا لَهُ تَعَالَى فِي ذَلِكَ مِنَ الْحِكْمَةِ، فَأَطَاعَ رَبَّهُ تَعَالَى فِي ذَلِكَ، ثُمَّ صَرَفَهُ إِلَى قِبْلَةِ إِبْرَاهِيمَ وَهِيَ الْكَعْبَةُ، فَامْتَثَلَ أَمْرَ اللهِ فِي ذَلِكَ أَيْضًا، فَهُوَ صَلَوَاتُ اللهِ وَسَلاَمُهُ عَلَيْهِ مُطِيعٌ للهِ فِي جَمِيعِ أَحْوَالِهِ، لاَ يَخْرُجُ عَنْ أَمْرِ اللهِ طَرْفَةَ عَيْنٍ، وَأُمَّتُهُ تَـبَعٌ لَهُ. وَقَوْلُهُ: {فَلاَ تَخْشَوْهُمْ وَاخْشُوْنِي} أَيْ لاَ تَخْشَوْا شُبَهَ الظَّلَمَةِ الْمُتَعَنِّتِينَ، وَأَفْرِدُوا الْخَشْيَةَ لِي، فَإِنَّهُ تَعَالَى هُوَ أَهْلُ أَنْ يُخْشى مِنْهُ وَقَوْلُهُ: {وَلأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ} عَطْفٌ عَلَى {لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ} أَيْ لِأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ فِيمَا شَرَعْتُ لَكُمْ مِنْ اِسْتِقْبَالِ الْكَعْبَةِ، لِتَكْمُلَ لَكُمْ الشَّرِيعَةُ مِنْ جَمِيعِ وُجُوهِهَا {وَلَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ} أَيْ إِلَى مَا ضَلَّتْ عَنْهُ الْأُمَمُ، هَدَيْنَاكُمْ إِلَيْهِ وَخَصَّصْنَاكُمْ بِهِ، وَلِهَذَا كَانَتْ هَذِهِ الْأُمَّةُ أَشْرَفَ الْأُمَمِ وَأَفْضَلَهَا. {كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولاً مِنْكُمْ يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِنَا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ *فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلاَ تَكْفُرُونِ} [بِعْثَةُ نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ ﷺ نِعْمَةٌ عَظِيمَةٌ تُوجِبُ ذِكْرَ اللهِ وَشُكْرَهُ] يُذَكِّرُ تَعَالَى عِبَادَهُ الْمُؤْمِنِينَ مَا أَنْعَمَ بِهِ عَلَيْهِمْ مِنْ بِعْثَةِ الرَّسُولِ مُحَمَّدٍ ﷺ إِلَيْهِمْ، يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِ اللهِ مُبَيِّنَاتٍ، وَيُزَكِّيهِمْ، أَيْ يُطَهِّرُهُمْ مِنْ رَذَائِلِ الْأَخْلاَقِ وَدَنَسِ النُّفُوسِ وَأَفْعَالِ الْجَاهِلِيَّةِ، وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ، وَيُعَلِّمُهُمُ { الْكِتَابَ}، وَهُوَ الْقُرْآنُ، {وَالْحِكْمَةَ}، وَهِيَ السُّنَّةُ، وَيُعَلِّمُهُمْ مَالَمْ يَكُونُوا يَعْلَمُونَ، فَكَانُوا فِي الْجَاهِلِيَّةِ الْجَهْلاَءِ يُسَفَّهُونَ بِالْقَوْلِ الْفَرِيِّ، فَانْتَقَلُوا بِبَرَكَةِ رِسَالَتِهِ، وَيُمْنِ سَفَارَتِهِ، إِلَى حَالِ الْأَوْلِيَاءِ، وَسَجَايَا الْعُلَمَاءِ. فَصَارُوا أَعْمَقَ النَّاسِ عِلْمًا، وَأَبَرَّهُمْ قُلُوبًا، وَأَقَلَّهُمْ تَكَلُّفًا، وَأَصْدَقَهُمْ لَهْجَةً. وَقَالَ تَعَالَى: {لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ}... الْآيَةَ [آل عمران: 164]، وَذَمَّ مَنْ لَمْ يَعْرِفْ قَدْرَ هَذِهِ النِّعْمَةِ، فَقَالَ تَعَالَى: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَةَ اللَّهِ كُفْرًا وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ} [إبراهيم:28] قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: يَعْنِي بِنِعْمَةِ اللهِ مُحَمَّدًا ﷺ [720].وَلِهَذَا نَدَبَ اللهُ الْمُؤْمِنِينَ إِلَى الاِعْتِرَافِ بِهَذِهِ النِّعْمَةِ وَمُقَابَلَتِهَا بِذِكْرِهِ وَشُكْرِهِ، فَقَالَ: {فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلاَ تَكْفُرُونِ} قَالَ مُجَاهِدٌ فِي قَوْلِهِ: {كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولاً مِنْكُمْ} يَقُولُ: كَمَا فَعَلْتُ فَاذْكُرُونِي[721]. [720] (البخاري:3977) [721] (الطبري:3/210) وَقَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ فِي قَوْلِهِ: {فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ} قَالَ: اُذْكُرُونِي فِيمَا افْتَرَضْتُ عَلَيْكُمْ أَذْكُرْكُمْ فِيمَا أَوْجَبْتُ لَكُمْ عَلَى نَفْسِي[722]. وَفِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ: «يَقُولُ اللهُ تَعَالَى: مَنْ ذَكَرَنِي فِي نَفْسِهِ ذَكَرْتُهُ فِي نَفْسِي، وَمَنْ ذَكَرَنِي فِي مَلَأٍ ذَكَرْتُهُ فِي مَلَأٍ خَيْرٍ مِنْهُ»[723]. وَرَوَى الْإِمَامُ أَحْمَدُ عَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «قَالَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ: يَا ابْنَ آدَمَ، إِنْ ذَكَرْتَنِي فِي نَفْسِكَ ذَكَرْتُكَ فِي نَفْسِي، إِنْ ذَكَرْتَنِي فِي مَلَأٍ ذَكَرْتُكَ فِي مَلَأٍ مِنَ الْمَلاَئِكَةِ - أَوْ قَالَ: فِي مَلَأٍ خَيْرٍ مِنْهُ - وَإِنْ دَنَوْتَ مِنِّي شِبْرًا دَنَوْتُ مِنْكَ ذِرَاعًا، وَإِنْ دَنَوْتَ مِنِّي ذِرَاعًا دَنَوْتُ مِنْكَ بَاعًا، وَإِنْ أَتَيْتَنِي تَمْشِي أَتَيْتُكَ هَرْوَلَةً» صَحِيحُ الْإِسْنَادِ، أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ[724]. [722] (ابن أبي حاتم غ:1/141) [723] (فتح الباري:13/395) [724] (أحمد 3/138، وفتح الباري:13/521) وَقَوْلُهُ: {وَاشْكُرُوا لِي وَلاَ تَكْفُرُونِ} أَمَرَ اللهُ تَعَالَى بِشُكْرِهِ، وَوَعَدَ عَلَى شُكْرِهِ بِمَزِيدِ الْخَيْرِ فَقَالَ: {وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ} [إبراهيم: 7] وَرَوَى الْإِمَامُ أَحْمَدُ عَنْ أَبِي رَجَاءٍ الْعُطَارِدِيٍّ، قَالَ: خَرَجَ عَلَيْنَا عِمْرَانُ بْنُ حُصَيْنٍ وَعَلَيْهِ مِطْرَفٌ مِنْ خَزٍّ لَمْ نَرَهُ عَلَيْهِ قَبْلَ ذَلِكَ وَلاَ بَعْدَهُ، فَقَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «مَنْ أَنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِ نِعْمَةً فَإِنَّ اللهَ يُحِبُّ أَنْ يُرَى أَثَرُ نِعْمَتِهِ عَلَى خَلْقِهِ» وَقَالَ رَوْحٌ مَرَّةً: «عَلَى عَبْدِهِ»[725]. [725] (أحمد:4/438) {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِيْنُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاَةِ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ *وَلاَ تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاءٌ وَلَكِنْ لاَ تَشْعُرُونَ} [فَضْلُ الصَّبْرِ وَالصَّلاَةِ] لَمَّا فَرَغَ تَعَالَى مِنْ بَيَانِ الْأَمْرِ بِالشُّكْرِ شَرَعَ فِي بَيَانِ الصَّبْرِ، وَالْإِرْشَادِ إِلَى الاِسْتِعَانَةِ بِالصَّبْرِ وَالصَّلاَةِ، فَإِنَّ الْعَبْدَ إِمَّا أَنْ يَكُونَ فِي نِعْمَةٍ فَيَشْكُرُ عَلَيْهَا، أَوْ فِي نِقْمَةٍ فَيَصْبِرُ عَلَيْهَا، كَمَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ: «عَجَبًا لِلْمُؤْمِنِ لاَ يَقْضِي اللهُ لَهُ قَضَاءً إِلاَّ كَانَ خَيْرًا لَهُ: إِنْ أَصَابَتْهُ سَرَّاءُ فَشَكَرَ كَانَ خَيْرًا لَهُ، وَإِنْ أَصَابَتْهُ ضَرَّاءُ فَصَبَرَ كَانَ خَيْرًا لَهُ»[726]. وَبَيَّنَ تَعَالَى أَنَّ أَجْوَدَ مَا يُسْتَعَانُ بِهِ عَلَى تَحَمُّلِ الْمَصَائِبِ: الصَّبْرُ وَالصَّلاَةُ، كَمَا تَقَدَّمَ فِي قَوْلِهِ: {وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاَةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلاَّ عَلَى الْخَاشِعِينَ} [البقرة:45]. [726] (مسلم:4/2292) وَالصَّبْرُ صَبْرَانِ: فَصَبْرٌ عَلَى تَرْكِ الْمَحَارِمِ وَالْمَآثِمِ. وَصَبْرٌ عَلَى فِعْلِ الطَّاعَاتِ وَالْقُرُبَاتِ. وَالثَّانِي أَكْثَرُ ثَوَابًا لِأَنَّهُ الْمَقْصُودُ. وَأَمَّا الصَّبْرُ الثَّالِثُ، وَهُوَ: الصَّبْرُ عَلَى الْمَصَائِبِ وَالنَّوَائِبِ، فَذَلِكَ أَيْضًا وَاجِبٌ، كَالاِسْتِغْفَارِ مِنَ الْمَعَايِبِ. كَمَا قَالَ عَبْدُ الرَّحْمنِ بْنُ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ: اَلصَّبْرُ فِي بَابَيْنِ: اَلصَّبْرُ للهِ بِمَا أَحَبَّ وَإِنْ ثَقُلَ عَلَى الْأَنْفُسِ وَالْأَبْدَانِ، وَالصَّبْرُ للهِ عَمَّا كَرِهَ وَإِنْ نَازَعَتْ إِلَيْهِ الْأَهْوَاءُ، فَمَنْ كَانَ هكَذَا فَهُوَ مِنَ الصَّابِرِينَ الَّذِينَ يُسَلَّمُ عَلَيْهِمْ إِنْ شَاءَ اللهُ[727]. [727] (ابن أبي حاتم غ:1/144) [حَيَاةُ الشُّهَدَاءِ] وَقَوْلُهُ تَعَالَى: {وَلاَ تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاءٌ} يُخْبِرُ تَعَالَى أَنَّ الشُّهَدَاءَ فِي بَرْزَخِهِمْ أَحْيَاءٌ يُرْزَقُونَ، كَمَا جَاءَ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ: «أَنَّ أَرْواحَ الشُّهَدَاءِ فِي حَوَاصِلَ طَيْرٍ خُضْرٍ، تَسْرَحُ فِي الْجَنَّةِ حَيْثُ شَاءَتْ، ثُمَّ تَأْوِي إِلَى قَنَادِيلَ مُعَلَّقَةٍ تَحْتَ الْعَرْشِ، فَاطَّلَعَ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ اطِّلاَعَةً، فَقَالَ: مَاذَا تَبْغُونَ؟ فَقَالُوا: يا رَبَّنَا وَأَيُّ شَيْءٍ نَبْغِي، وَقَدْ أَعْطَيْتَنَا مَا لَمْ تُعْطِ أَحَدًا مِنْ خَلْقِكَ؟ ثُمَّ عَادَ إِلَيْهِمْ بِمِثْلِ هَذَا، فَلَمَّا رَأَوْا أَنَّهُم لاَ يُتْرَكُونَ مِنْ أَنْ يُسْأَلُوا، قَالُوا: نُرِيدُ أَن تَرُدَّنَا إِلَى الدَّارِ الدُّنْيَا فَنُقَاتِلَ فِي سَبِيلِكَ حَتَّى نُقْتَلَ فِيكَ مَرَّةً أُخْرَى[728] - لِمَا يَرَوْنَ مِنْ ثَوابِ الشَّهَادَةِ - فَيَقُولُ الرَّبُّ جَلَّ جَلاَلُهُ: إِنِّي كَتَبْتُ أَنَّهُمْ إِلَيْهَا لاَ يَرْجِعُونَ». [728] (مسلم:3/1502) وَفِي الْحَدِيثِ الَّذِي رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ عَنِ الإْمَامِ الشَّافِعِيِّ عَنِ الْإِمَامِ مَالِكٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمنِ بْنِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «نَسَمَةُ الْمُؤْمِنِ طَائِرٌ تَعْلُقُ فِي شَجَرِ الْجَنَّةِ حَتَّى يَرْجِعَهُ اللهُ إِلَى جَسَدِهِ يَوْمَ يَبْعَثُهُ»[729]. فَفِيهِ دَلاَلَةٌ لِعُمُومِ الْمُؤمِنِينِ أَيْضًا، وَإِنْ كَانَ الشُّهَدَاءُ قَدْ خُصِّصُوا بِالذِّكْرِ فِي الْقُرْآنِ تَشْرِيفًا لَهُمْ وَتَكْرِيمًا وَتَعْظِيمًا. [729] (أحمد:3/455) {وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الأَمْوَالِ وَالأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ *الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ *أُوْلَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ} [يُبْتَلَى الْمُؤمِنُ فَيَصْبِرُ وَيُؤْجَرُ] أَخْبَرَنَا تَعَالَى أَنَّهُ يَبْتَلِي عِبَادَهُ، أَيْ يَخْتَبِرُهُمْ وَيَمْتَحِنُهُمْ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: {وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ} [محمد: 31] فَتَارَةً بِالسَّرَّاءِ وَتَارَةً بِالضَّرَّاءِ مِنْ خَوْفٍ وَجُوعٍ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: {فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ} [النحل: 112] فَإِنَّ الْجَائِعَ وَالْخَائِفَ كُلٌّ مِنْهُمَا يَظْهَرُ ذَلِكَ عَلَيْهِ، وَلِهَذَا قَالَ: {لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ}. وَقَالَ ههُنَا: {بِشَيءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ} أَيْ بِقَلِيلٍ مِنْ ذَلِكَ {وَنَقْصٍ مِنَ الأَمْوَالِ} أَيْ ذَهَابِ بَعْضِهَا {وَالأَنْفُسِ} كَمَوْتِ الْأَصْحَابِ وَالْأَقَارِبِ وَالْأَحْبَابِ {وَالثَّمَرَاتِ} أَيْ لاَ تُغِلُّ الْحَدَائِقُ وَالْمَزَارِعُ كَعَادَتِهَا. وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى: {وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ} ثُمَّ بَيَّنَ تَعَالَى مَنِ الصَّابِرُونَ الَّذِينَ شَكَرَهُمْ فَقَالَ: {الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ} أَيْ تَسَلَّوْا بِقَوْلِهِمْ هَذَا عَمَّا أَصَابَهُمْ، وَعَلِمُوا: أَنَّهُمْ مِلْكٌ للهِ يَتَصَرَّفُ فِي عَبِيدِهِ بِمَا يَشَاءُ، وَعَلِمُوا: أَنَّهُ لاَ يَضِيعُ لِدَيْهِ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فَأَحْدَثَ لَهُمْ ذَلِكَ: اعْتِرَافَهُمْ بِأَنَّهُمْ عَبِيدُهُ، وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ فِي الدَّارِ الاْخِرَةِ. وَلِهَذَا أَخْبَرَ تَعَالَى عَمَّا أَعْطَاهُمْ عَلَى ذَلِكَ، فَقَالَ: {أُوْلَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ} أَيْ ثَنَاءٌ مِنَ اللهِ عَلَيْهِمْ وَرَحْمَةٌ. قَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: أَيْ أَمَنَةٌ مِنَ الْعَذَابِ[730]. {وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ} قَالَ أَمِيرُ الْمُؤمِنِينَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ: نِعْمَ الْعِدْلاَنِ وَنِعْمَتِ الْعِلاَوَةُ {أُوْلَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ} فَهَذَانِ الْعِدْلاَنِ {وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ} فَهَذِهِ الْعِلاَوَةُ[731]. وَهِيَ مَا تُوضَعُ بَيْنَ الْعِدْلَيْنِ، وَهِيَ زِيَادَةٌ فِي الْحَمْلِ، فَكَذَلِكَ هؤُلاَءِ أُعْطُوا ثَوَابَهُمْ وَزِيدُوا أَيْضًا. [730] (ابن أبي حاتم غ:1/158 إسناده ضعيف فيه عبدالله بن لهيعة) [731] (الحاكم:2/270، وعلقه البخاري) [فَضْلُ الاِسْتِرْجَاعِ عِنْدَ الْمُصِيبَةِ] وَقَدْ وَرَدَ فِي ثَوَابِ الاِسْتِرْجَاعِ، وَهُوَ قَوْلُ: {إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ} عِنْدَ الْمَصَائِبِ، أَحَادِيثُ كَثِيرَةٌ. فَمِنْ ذَلِكَ مَا رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ قَالَت: أَتَانِي أَبُو سَلَمَةَ يَوْمًا مِنْ عِنْدِ رَسُولِ اللهِ ﷺ فَقَالَ: لَقَدْ سَمِعْتُ مِنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ قَوْلاً سُرِرْتُ بِهِ. قَالَ: «لاَ يُصِيبُ أَحَدًا مِنَ الْمُسْلِمِينَ مُصِيبَةٌ فَيَسْتَرْجِعُ عِنْدَ مُصِيبَتِهِ ثُمَّ يَقُولُ: اللَّهُمَّ أْجُرْنِي فِي مُصِيبَتِي وَأَخْلِفْ لِي خَيْرًا مِنْهَا، إِلاَّ فُعِلَ ذَلِكَ بِهِ» قَالَتْ أَمُّ سَلَمَةَ: فَحَفِظْتُ ذَلِكَ مِنْهُ، فَلَمَّا تُوُفِّيَ أَبُو سَلَمَةَ اِسْتَرْجَعْتُ وَقُلْتُ: اَللَّهُمَّ أْجُرْنِي فِي مُصِيبَتِي وَأَخْلِفْ لِي خَيْرًا مِنْهَا. ثُمَّ رَجَعْتُ إِلَى نَفْسِي، فَقُلْتُ: مِنْ أَيْنَ لِي خَيْرٌ مِنْ أَبِي سَلَمَةَ؟ فَلَمَّا انْقَضَتْ عِدَّتِي اِسْتَأْذَنَ عَلَيَّ رَسُولُ اللهِ ﷺ، وَأَنَا أَدْبُغُ إِهَابًا لِي، فَغَسَلْتُ يَدَيَّ مِنَ الْقَرَظِ، وَأَذِنْتُ لَهُ، فَوَضَعْتُ لَهُ وِسَادَةَ أَدْمٍ حَشْوُهَا لِيفٌ، فَقَعَدَ عَلَيْهَا، فَخَطَبَنِي إِلَى نَفْسِي، فَلَمَّا فَرَغَ مِنْ مَقَالَتِهِ قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ مَا بِي أَنْ لاَ يَكُونَ بِكَ الرَّغْبَةُ، لَكِنِّي امْرَأَةٌ فِي غَيْرَةٍ شَدِيدَةٍ، فَأَخَافُ أَنْ تَرى مِنِّي شَيْئًا يُعَذِّبُنِي اللهُ بِهِ، وَأَنَا امْرَأَةٌ قَدْ دَخَلْتُ فِي السِّنِّ، وَأَنَا ذَاتُ عِيَالٍ، فَقَالَ: «أَمَّا ما ذَكَرْتِ مِنَ الْغَيْرَةِ فَسَوْفَ يُذْهِبُهَا اللهُ عَزَّ وَجَلَّ عَنْكِ، وَأَمَّا مَا ذَكَرْتِ مِنَ السِّنِّ فَقَدْ أَصَابَنِي مِثْلُ الَّذِي أَصَابَكِ، وَأَمَّا مَا ذَكَرْتِ مِنَ العِيَالِ فَإِنَّمَا عِيَالُكِ عِيَالِي». قَالَت: فَقَدْ سَلَّمْتُ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ - فَتَزَوَّجَهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ - فَقَالَتْ أُمُّ سَلَمَةَ بَعْدُ: أَبْدَلَنِيَ اللهُ بِأَبِي سَلَمَةَ خَيْرًا مِنْهُ، رَسُولَ اللهِ ﷺ.[732] وَنَحْوُهُ ِفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ مُخْتَصَرًا[733]. [732] (أحمد:4/27) [733] (مسلم:2/633) {إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ} [مَعْنَى نَفْيِ الْجُنَاحِ فِي الطَّوَافِ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ] رَوَى الْإِمَامُ أَحْمَدُ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: قُلْتُ: أَرَأَيْتَ قَوْلَ اللهِ تَعَالَى: {إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا}؟ قُلْتُ: فَوَاللهِ مَا عَلَى أَحَدٍ جُنَاحٌ أَنْ لاَ يَطَّوَّفَ بِهِمَا، فَقَالَتْ عَائِشَةُ: بِئْسَمَا قُلْتَ يَا ابْنَ أُخْتِي، إِنَّهَا لَوْ كَانَتْ عَلَى مَا أَوَّلْتَهَا عَلَيْهِ كَانَتْ (فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ لاَ يَطَّوَّفَ بِهِمَا)، وَلَكِنَّهَا إِنَّمَا أُنْزِلَتْ أَنَّ الْأَنْصَارَ كَانُوا قَبْلَ أَنْ يُسْلِمُوا كَانُوا يُهِلُّونَ لِمَنَاةَ الطَّاغِيَةِ الَّتِي كَانُوا يَعْبُدُونَهَا عِنْدَ الْمُشَلَّلِ، وَكَانَ مَنْ أَهَلَّ لَهَا يَتَحَرَّجُ أَنْ يَطَّوَّفَ بِالصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، فَسَأَلُوا عَنْ ذَلِكَ رَسُولَ اللهِ ﷺ فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّا كُنَّا نَتَحَرَّجُ أَنْ نَطَّوَّفَ بِالصَّفَا وَالْمَرْوَةِ فِي الْجَاهِلِيَّةِ. فَأَنْزَلَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ: {إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا} قَالَتْ عَائِشَةُ: ثُمَّ قَدْ سَنَّ رَسُولُ اللهِ ﷺ الطَّوَافَ بِهِمَا، فَلَيْس لِأَحَدٍ أَنْ يَدَعَ الطَّوَافَ بِهِمَا[734]. أَخْرَجَاهُ فِي الصَّحِيحَيْنِ. [734] (أحمد:6/144) وَفِي رِوَايَةٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ أَنَّهُ قَالَ: فَحَدَّثْتُ بِهَذَا الْحَدِيثِ أَبَا بَكْرِ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمنِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ هِشَام. فَقَالَ: إِنَّ هَذَا الْعِلْمُ. مَا كُنْتُ سَمِعْتُهُ. وَلَقَدْ سَمِعْتُ رِجَالاً مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ يَقُولُونَ: إِنَّ النَّاسَ - إِلاَّ مَنْ ذَكَرَتْ عَائِشَةُ - كَانُوا يَقُولُونَ: إِنَّ طَوَافَنَا بَيْنَ هذَيْنِ الْحَجَرَيْنِ مِنْ أَمْرِ الْجَاهِلِيَّةِ. وَقَالَ آخَرُونَ مِنَ الْأَنْصَارِ: إِنَّمَا أُمِرْنَا بِالطَّوَافِ بِالْبَيْتِ، وَلَمْ نُؤْمَرْ بِالطَّوَافِ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، فَأَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى: {إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ} قَالَ أَبُو بَكْرِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمنِ: فَلَعَلَّهَا نَزَلَتْ فِي هؤُلاَءِ وَهؤُلاَءِ[735]. وَقَدْ رَوَى الْبُخَارِيُّ نَحْوَ ذَلِكَ عَنْ أَنَسٍ. [735] (فتح الباري:ب3/581، ومسلم:2/929) وَقَالَ الشَّعْبِيُّ: كَانَ إِسَافٌ عَلَى الصَّفَا وَكَانَتْ نَائِلَةُ عَلَى الْمَرْوَةِ، وَكَانُوا يَسْتَلِمُونَهُمَا فَتَحَرَّجُوا بَعْدَ الْإِسْلاَمِ مِنَ الطَّوَافِ بَيْنَهُمَا، فَنَزَلَتْ هذَهِ الْآيَةُ[736]. [736] (الطبري:2336،2334، نحوه) [حُكْمُ السَّعْيِ وَأَصْلُهُ] وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ الطَّوِيلِ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ لَمَّا فَرَغَ مِنْ طَوَافِهِ بِالْبَيْتِ عَادَ إِلَى الرُّكْنِ فَاسْتَلَمَهُ، ثُمَّ خَرَجَ مِنْ بَابِ الصَّفَا وَهُوَ يَقُولُ: {إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ} ثُمَّ قَالَ: «أَبْدَأُ بِمَا بَدَأَ اللهُ بِهِ» وَفِي رِوَايَةِ النَّسَائِيِّ «اِبْدَأُوا بِمَا بَدَأَ اللهُ بِهِ»[737]. [737] (مسلم:2/886، والنسائي:5/239) وَرَوَى الْإِمَامُ أَحْمَدُ عَنْ حَبِيبَةَ بِنْتِ أَبِي تَجْرَاةَ قَالَت: رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَطُوفُ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، وَالنَّاسُ بَيْنَ يَدَيْهِ، وَهُوَ وَرَاءَهُمْ، وَهُوَ يَسْعى، حَتَّى أَرَى رُكْبَتَيْهِ مِنْ شِدَّةِ السَّعْيِ يَدُورُ بِهِ إِزَارُهُ وَهُوَ يَقُولُ: «اسْعَوْا فَإِنَّ اللهَ كَتَبَ عَلَيْكُمُ السَّعْيَ»[738]. [738] (أحمد:6/421) وَاسْتُدِلَّ بِهَذَا الْحَدِيثِ عَلَى أَنَّ السَّعْيَ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ رُكْنٌ فِي الْحَجِّ. وَقِيلَ: إِنَّهُ وَاجِبٌ وَلَيْسَ بِرُكْنٍ، فَإِنْ تَرَكَهُ عَمْدًا أَوْ سَهْوًا جَبَرَهُ بِدَمٍ. وَقِيلَ: مُسْتَحَبٌّ. وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ رُكْنٌ أَوْ وَاجِبٌ. فَقَدْ بَيَّنَ اللهُ تَعَالَى أَنَّ الطَّوَافَ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ مِنْ شَعَائِرِ اللهِ، أَيْ مِمَّا شَرَعَ اللهُ تَعَالَى لِإِبْرَاهِيمَ فِي مَنَاسِكِ الْحَجِّ. وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ أَصْلَ ذَلِكَ مَأْخُوذٌ مِنْ تَطْوَافِ هَاجَرَ وَتَرْدَادِهَا بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ فِي طَلَبِ الْمَاءِ لِوَلَدِهَا، لَمَّا نَفِدَ مَاؤُهُمَا وَزَادُهُمَا حِينَ تَرَكَهُمَا إِبْرَاهِيمُ عَلَيْهِ السَّلاَمُ هُنَالِكَ، وَلَيْسَ عِنْدَهُمَا أَحَدٌ مِنَ النَّاسِ، فَلَمَّا خَافَتِ الضَّيْعَةَ عَلَى وَلَدِهَا هُنَالِكَ، وَنَفِدَ مَا عِنْدَهُمَا، قَامَتْ تَطْلُبُ الْغَوْثَ مِنَ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ، فَلَمْ تَزَلْ تَتَرَدَّدُ فِي هَذِهِ الْبُقْعَةِ الْمُشَرَّفَةِ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، مُتَذَلِّلَةً خَائِفَةً وَجِلَةً مُضْطَرَّةً فَقِيرَةً إِلَى اللهِ عَزَّ وَجَلَّ، حَتَّى كَشَفَ اللهُ كُرْبَتَهَا، وَآنَسَ غُرْبَتَهَا، وَفَرَّجَ شِدَّتَهَا، وَأَنْبَعَ لَهَا زَمْزَمَ الَّتِي مَاؤُهَا «طَعَامُ طُعْمٍ، وَشِفَاءُ سُقْمٍ» فَالسَّاعِي بَيْنَهُمَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَسْتَحْضِرَ فَقْرَهُ وَذُلَّهُ وَحَاجَتَهُ إِلَى اللهِ، فِي هِدَايَةِ قَلْبِهِ َوصَلاَحِ حَالِهِ وَغُفْرَانِ ذَنْبِهِ، وَأَنْ يَلْتَجِئَ إِلَى اللهِ عَزَّ وَجَلَّ لِيُزِيحَ مَا هُوَ بِهِ مِنَ النَّقَائِصِ وَالْعُيُوبِ، وَأَنْ يَهْدِيَهُ إِلَى الصِّرَاطِ الْمُسْتَقِيمِ، وَأَن يُثَـبِّـتَهُ عَلَيْهِ إِلَى مَمَاتِهِ وَأَنْ يُحَوِّلَهُ مِنْ حَالِهِ الَّذِي هُوَ عَلَيْهِ مِنَ الذُّنُوبِ وَالْمَعَاصِي، إِلَى حَالِ الْكَمَالِ وَالْغُفْرَانِ وَالسَّدَادِ وَالاِسْتِقَامَةِ، كَمَا فُعِلَ بِهَاجَرَ عَلَيْهَا السَّلاَمُ. وَقَوْلُهُ: {وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا} قِيلَ: زَادَ فِي طَوَافِهِ بَيْنَهُمَا عَلَى قَدْرِ الْوَاجِبِ، ثَامِنَةً وَتَاسِعَةً وَنَحْوَ ذَلِكَ. وَقِيلَ: يَطُوفُ بَيْنَهُمَا فِي حَجَّةِ تَطَوُّعٍ أَوْ عُمْرَةِ تَطَوُّعٍ، وَقِيلَ: الْمُرَادُ: {تَطَوَّعَ خَيْرًا} فِي سَائِرِ الْعِبَادَاتِ، حَكَى ذَلِكَ الرَّازِيُّ، وَعَزَى الثَّالِثَ إِلَى الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ[739]. وَاللهُ أَعْلَمُ. وَقَوْلُهُ: {فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ} أَيْ يُثِيبُ عَلَى الْقَلِيلِ بِالْكَثِيرِ، عَلِيمٌ بِقَدْرِ الْجَزَاءِ فَلاَ يَبْخَسُ أَحَدًا ثَوَابَهُ، وَ {لاَ يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا} [النساء: 40]. [739] (الرازي:4/146) {إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُوْلَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللاَّعِنُونَ *إِلاَّ الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا فَأُولَئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ *إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلاَئِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ *خَالِدِينَ فِيهَا لاَ يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلاَ هُمْ يُنْظَرُونَ} [اَللَّعْنُ الدَّائِمُ لِمَنْ كَتَمَ الْأَحْكَامَ الدِّينِيَّةَ] هَذَا وَعِيدٌ شَدِيدٌ لِمَنْ كَتَمَ مَا جَاءَتْ بِهِ الرُّسُلُ مِنَ الدَّلاَلاَتِ الْبَيِّنَةِ عَلَى الْمَقَاصِدِ الصَّحِيحَةِ، وَالْهَدْيِ النَّافِعِ لِلْقُلُوبِ، مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَهُ اللهُ تَعَالَى لِعِبَادِهِ مِنْ كُتُبُهِ الَّتِي أَنْزَلَهَا عَلَى رُسُلِهِ، قَالَ أَبُو الْعَالِيَةِ: نَزَلَتْ فِي أَهْلِ الْكِتَابِ، كَتَمُوا صِفَةَ مُحَمَّدٍ ﷺ [740]. ثُمَّ أَخْبَرَ أَنَّهُمْ يَلْعَنُهُمْ كُلُّ شَيءٍ عَلَى صَنِيعِهِمْ ذَلِكَ، فَكَمَا أَنَّ الْعَالِمَ يَسْتَغْفِرُ لَهُ كُلُّ شَيءٍ حَتَّى الْحُوتُ فِي الْمَاءِ، وَالطَّيْرُ فِي الْهَوَاءِ، فَهؤُلاَءِ بِخِلاَفِ الْعُلَمَاءِ، فَيَلْعَنُهُمُ اللهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللاَّعِنُونَ. [740] (ابن أبي حاتم غ:1/170) وَقَدْ وَرَدَ فِي الْحَدِيثِ الْمُسْنَدِ مِنْ طُرُقٍ يَشُدُّ بَعْضُهَا بَعْضًا عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَغَيْرِهِ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ، قَالَ: «مَنْ سُئِلَ عَنْ عِلْمٍ فَكَتَمَهُ، أُلْجِمَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِلِجَامٍ مِنْ نَارٍ»[741]. وَفِي الصَّحِيحِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ قَالَ: لَوْلاَ آيَةٌ فِي كِتَابِ اللهِ، مَا حَدَّثْتُ أَحَدًا شَيْئًا {إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى}... الْآيَةَ[742]. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: إِذَا أَجْدَبَتِ الْأَرْضُ، قَالَتِ الْبَهَائِمُ: هَذَا مِنْ أَجْلِ عُصَاةِ بَنِي آدَمَ، لَعَنَ اللهُ عُصَاةَ بَنِي آدَمَ[743]. وَقَالَ أَبُو الْعَالِيَةِ وَالرَّبِيعُ بْنُ أَنَسٍ وَقَتَادَةُ: {وَيَلْعَنُهُمُ اللاَّعِنُونَ} يَعْنِي تَلْعَنُهُمُ الْمَلاَئِكَةُ وَالْمُؤمِنُونَ[744]. وَقَدْ جَاءَ فِي الْحَدِيثِ: «أَنَّ الْعَالِمَ يَسْتَغْفِرُ لَهُ كُلُّ شَيْءٍ، حَتَّى الْحِيتَانُ فِي الْبَحْرِ». وَجَاءَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ أَنَّ كَاتِمَ الْعِلْمِ يَلْعَنُهُ اللهُ وَالْمَلاَئِكَةُ وَالنَّاسُ أَجْمَعُونَ. وَاللاَّعِنُونَ أَيْضًا، وَهُمْ: كُلُّ فَصِيحٍ وَأَعْجَمِيٍّ، إِمَّا بِلِسَانِ الْمَقَالِ، أَوِ الْحَالِ، أَن لَوْ كَانَ لَهُ عَقْلٌ. [أَوْ] يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَاللهُ أَعْلَمُ. [741] (أحمد:2/495) [742] (فتح الباري:1/258) [743] (ابن أبي حاتم غ:1/175) [744] (ابن أبي حاتم غ:1/174) ثُمَّ اسْتَثْنَى اللهُ تَعَالَى مِنْ هؤَلاَءِ مَنْ تَابَ إِلَيْهِ، فَقَالَ: {إِلاَّ الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا} أَيْ رَجَعُوا عَمَّا كَانُوا فِيهِ، وَأَصْلَحُوا أَعْمَالَهُمْ وَأَحْوَالَهُمْ، وَبَيَّنُوا لِلنَّاسِ مَا كَانُوا يَكْتُمُونَهُ {فَأُولَئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ} وَفِي هَذَا دَلاَلَةٌ عَلَى أَنَّ الدَّاعِيَةَ إِلَى كُفْرٍ أَوْ بِدْعَةٍ إِذَا تَابَ إِلَى اللهِ تَابَ اللهُ عَلَيْهِ. ثُمَّ أَخْبَرَ تَعَالَى عَمَّنْ كَفَرَ بِهِ وَاسْتَمَرَّ بِهِ الْحَالُ إِلَى مَمَاتِهِ بِأَنَّ {عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلاَئِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ * خَالِدِينَ فِيهَا} أَيْ فِي اللَّعْنَةِ التَّابِعَةِ لَهُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، ثُمَّ الْمُصَاحِبَةِ لَهُمْ فِي نَارِ جَهَنَّمَ الَّتِي {لاَ يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ} فِيهَا أَيْ لاَ يُنْقَصُ عَمَّا هُمْ فِيهِ {وَلاَ هُمْ يُنْظَرُونَ} أَيْ لاَ يُغَيَّرُ عَنْهُمْ سَاعَةً وَاحِدَةً وَلاَ يُفَتَّـرُ، بَلْ هُوَ مُتَوَاصِلٌ دَائِمٌ، فَنَعُوذُ بِاللهِ مِنْ ذَلِكَ. [جَوَازُ لَعْنِ الْكَفَرَةِ] (فصل) لاَ خِلاَفَ فِي جَوَازِ لَعْنِ الْكُفَّارِ، وَقَدْ كَانَ عُمَرُ ابْنُ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ وَمَنْ بَعْدَهُ مِنَ الْأَئِمَّةِ يَلْعَنُونَ الْكَفَرَةَ فِي الْقُنُوتِ وَغَيْرِهِ، فَأَمَّا الْكَافِرُ الْمُعَيَّنُ فَقَدْ ذَهَبَ جَمَاعَةٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ إِلَى أَنَّهُ لاَ يُلْعَنُ، لِأَنَّا لاَ نَدْرِي بِمَا يَخْتِمُ اللهُ لَهُ، وَقَالَتْ طَائِفَةٌ أُخْرى: بَلْ يَجُوزُ لَعْنُ الْكَافِرِ الْمُعَيَّنِ، وَفِي قِصَّةِ الَّذِي كَانَ يُؤْتَى بِهِ سَكْرَانَ فَيَحُدُّهُ، فَقَالَ رَجُلٌ: لَعَنَهُ اللهُ؛ مَا أَكْثَرَ مَا يُؤْتى بِهِ! فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «لاَ تَلْعَنْهُ فَإِنَّهُ يُحِبُّ اللهَ وَرَسُولَهُ»[745]. فَدَلَّ عَلَى أَنَّ مَنْ لاَ يُحِبُّ اللهَ وَرَسُولَهُ يُلْعَنُ، وَاللهُ أَعْلَمُ. [745] (عبدالرزاق:7/381) {وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الرَّحْمَانُ الرَّحِيمُ} يُخْبِرُ تَعَالَى عَنْ تَفَرُّدِهِ بِالْإِلهِيَّةِ، وَأَنَّهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ وَلاَ عَدِيلَ لَهُ، بَلْ هُوَ اللهُ الْوَاحِدُ الْأَحَدُ الْفَرْدُ الصَّمَدُ الَّذِي لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ، وَأَنَّهُ الرَّحْمنُ الرَّحِيمُ، وَقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ هذَيْنِ الاِسْمَيْنِ فِي أَوَّلِ الْفَاتِحَةِ، وَفِي الْحَدِيثِ عَنْ شَهْرِ بْنِ حَوْشَبٍ عَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ يَزِيدَ بْنِ السَّكَنِ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ، أَنَّهُ قَالَ: «اسْمُ اللهِ الْأَعْظَمُ فِي هَاتَيْنِ الآْيَتَيْنِ {وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الرَّحْمَانُ الرَّحِيمُ} و{الم *اللَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ} » [آل عمران:1،2] [746]. ثُمَّ ذَكَرَ الدَّلِيلَ عَلَى تَفَرُّدِهِ بِالْإِلهِيَّةِ بِخَلْقِ السَّموَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا فِيهِمَا، وَمَا بَيْنَ ذَلِكَ مِمَّا ذَرَأَ وَبَرَأَ، مِنَ الْمَخْلُوقَاتِ الدَّالَّةِ عَلَى وَحْدَانِيَّتِهِ، فَقَالَ: [746] (أبو داود:2/168) {إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلاَفِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَآبَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ لآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ} [دَلاَئِلُ التَّوْحِيدِ] يَقُولُ تَعَالَى: {إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ} تِلْكَ فِي ارْتِفَاعِهَا وَلَطَافَتِهَا وَاتِّسَاعِهَا وَكَوَاكِبِهَا السَّيَّارَةِ وَالثَّوَابِتِ، وَدَوَرَانِ فَلَكِهَا، وَهَذِهِ الْأَرْضُ فِي كَثَافَتِهَا وَانْخِفَاضِهَا وَجِبَالِهَا وَبِحَارِهَا وَقِفَارِهَا وَوِهَادِهَا وَعُمْرَانِهَا وَمَا فِيهَا مِنَ الْمَنَافِعِ. {وَاخْتِلاَفِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ}. هَذَا يَجِيءُ ثُمَّ يَذْهَبُ، وَيَخْلُفُهُ الاْخَرُ وَيَعْقُبُهُ، لاَ يَتَأَخَّرُ عَنْهُ لَحْظَةً، كَمَا قَالَ تَعَالَى: {لاَ الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلاَ اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ} [يس: 40] وَتَارَةً يَطُولُ هَذَا وَيَقْصُرُ هَذَا، وَتَارَةً يَأْخُذُ هَذَا مِنْ هَذَا ثُمَّ يَتَقَارَضَانِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: {يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ} [لقمان: 29] أَيْ يَزِيدُ مِنْ هَذَا فِي هَذَا، وَمِنْ هَذَا فِي هَذَا. {وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ} أَيْ فِي تَسْخِيرِ الْبَحْرِ لِحَمْلِ السُّفُنِ مِنْ جَانِبٍ إِلَى جَانِبٍ لِمَعَايِشِ النَّاسِ وَالاِنْتِفَاعِ بِمَا عِنْدَ أَهْلِ ذَلِكَ الْإِقْلِيمِ، وَنَقْلِ هَذَا إِلَى هؤُلاَءِ، وَمَا عِنْدَ أُوْلَئِكَ إِلَى هؤُلاَءِ. {وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا} كَمَا قَالَ تَعَالَى: {وَآيَةٌ لَهُمُ الأَرْضُ الْمَيْتَةُ أَحْيَيْنَاهَا وَأَخْرَجْنَا مِنْهَا حَبًّا فَمِنْهُ يَأْكُلُونَ} إِلَى قَوْلِهِ {وَمِمَّا لاَ يَعْلَمُون} [يس: 33-36]. {وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَآبَّةٍ} أَيْ عَلَى اخْتِلاَفِ أَشْكَالِهَا وَأَلْوَانِهَا وَمَنَافِعِهَا وَصِغَرِهَا وَكِبَرِهَا، وَهُوَ يَعْلَمُ ذَلِكَ كُلَّهُ وَيَرْزُقُهُ، لاَ يَخْفى عَلَيْهِ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: {وَمَا مِنْ دَآبَّةٍ فِي الأَرْضِ إِلاَّ عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ} [هود: 6]. {وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ} أَيْ فَتَارَةً تَأْتِي بِالرَّحْمَةِ، وَتَارَةً تَأْتِي بِالْعَذَابِ، وَتَارَةً تَأْتِي مُبَشِّرَةً بَيْنَ يَدَيِ السَّحَابِ، وَتَارَةً تَسُوقُهُ، وَتَارَةً تَجْمَعُهُ، وَتَارَةً تُفَرِّقُهُ، وَتَارَةً تُصَرِّفُهُ، ثُمَّ تَارَةً تَأْتِي مِنَ الشِّمَالِ وَهِيَ الشَّامِيَّةُ، وَتَارَةً تَأْتِي مِنْ نَاحِيَةِ الْيَمَنِ، وَتَارَةً صَبَا، وَهِيَ الشَّرْقِيَّةُ الَّتِي تَصْدِمُ وَجْهَ الْكَعْبَةِ، وَتَارَةً دَبُورًا، وَهِيَ غَرْبِيَّةٌ تَنْفُذُ مِنْ نَاحِيَةِ دُبُرِ الْكَعْبَةِ. وَقَدْ صَنَّفَ النَّاسُ فِي الرِّيَاحِ وَالْمَطَرِ وَالْأَنْوَاءِ كُتُبًا كَثِيرَةً فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِلُغَاتِهَا وَأَحْكَامِهَا، وَبَسْطُ ذَلِكَ يَطُولُ ههُنَا، وَاللهُ أَعْلَمُ. {وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ} أَيْ سَائِرٍ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ، يُسَخَّرُ إِلَى مَا يَشَاءُ اللهُ مِنَ الْأَرَاضِي وَالْأَمَاكِنِ، كَمَا يُصَرِّفُهُ تَعَالَى. {لآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ} أَيْ فِي هَذِهِ الْأَشْيَاءِ دَلاَلاَتٌ بَيِّنَةٌ عَلَى وَحْدَانِيَّةِ اللهِ تَعَالَى، كَمَا قَالَ تَعَالَى: {إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلاَفِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لآَيَاتٍ لِأُولِي الأَلْبَابِ *الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ} [آل عمران: 190،191]. {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا وَأَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعَذَابِ *إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوُا الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الأَسْبَابُ *وَقَالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَمَا تَبَرَّأُوا مِنَّا كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ} [أَحْوَالُ الْمُشْرِكِينَ فِي الدُّنْيَا وَالاْخِرَةِ، وَتَبَرُّؤُ الْمَتْبُوعِينَ مِنْ تَابِعِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ] يَذْكُرُ تَعَالَى حَالَ الْمُشْرِكِينَ بِهِ فِي الدُّنْيَا، وَمَآلَهُمْ فِي الدَّارِ الاْخِرَةِ، حَيْثُ جَعَلُوا لَهُ أَنْدَادًا أَيْ أَمْثَالاً وَنُظَرَاءَ، يَعْبُدُونَهُمْ مَعَهُ، وَيُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّهِ، وَهُوَ اللهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ، وَلاَ ضِدَّ لَهُ، وَلاَ نِدَّ لَهُ، وَلاَ شَرِيكَ مَعَهُ. وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ، قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَيُّ الذَّنْبِ أَعْظَمُ؟ قَالَ: «أَنْ تَجْعَلَ ِلله نِدًّا وَهُوَ خَلَقَكَ»[747]. وَقَوْلُهُ: {وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ} وَلِحُبِّهِمْ للهِ، وَتَمَامِ مَعْرِفَتِهِمْ بِهِ، وَتَوْقِيرِهِمْ وَتَوْحِيدِهِمْ لَهُ، لاَ يُشْرِكُونَ بِهِ شَيْئًا بَلْ يَعْبُدُونَهُ وَحْدَهُ، وَيَتَوَكَّلُونَ عَلَيْهِ، وَيَلْجَأُونَ فِي جَمِيعِ أُمُورِهِمْ إِلَيْهِ. [747] (فتح الباري:8/3، ومسلم:1/90) ثُمَّ تَوَعَّدَ تَعَالَى الْمُشْرِكِينَ بِهِ، الظَّالِمِينَ لِأَنْفُسِهِمْ بِذَلِكَ، فَقَالَ: {وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا} يَقُولُ: لَوْ يَعْلَمُونَ مَا يُعَايِنُونَهُ هُنَالِكَ، وَمَا يَحِلُّ بِهِمْ مِنَ الْأَمْرِ الْفَظِيعِ الْمُنْكَرِ الْهَائِلِ عَلَى شِرْكِهِمْ وَكُفْرِهِمْ: لاَنْتَهَوْا عَمَّا هُمْ فِيهِ مِنَ الضَّلاَلِ. ثُمَّ أَخْبَرَ عَنْ كُفْرِهِمْ بِأَوْثَانِهِمْ وَتَبَرُّىء الْمَتْبُوعِينَ مِنَ التَّابِعِينَ، فَقَالَ: {إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا} تَبَرَّأَتْ مِنْهُمُ الْمَلاَئِكَةُ الَّذِينَ كَانُوا يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ يَعْبُدُونَهُمْ فِي الدَّارِ الدُّنْيَا، فَتَقُولُ الْمَلاَئِكَةُ: {تَبَرَّأْنَا إِلَيْكَ مَا كَانُوا إِيَّانَا يَعْبُدُونَ} [القصص:63] وَيَقُولُونَ: {سُبْحَانَكَ أَنْتَ وَلِيُّنَا مِنْ دُونِهِمْ بَلْ كَانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ أَكْثَرُهُمْ بِهِمْ مُؤْمِنُونَ} [سبأ:41] وَالْجِنُّ أَيْضًا تَتَبَرَّأُ مِنْهُمْ، وَيَتَنَصَّلُونَ مِنْ عِبَادَتِهِمْ لَهُمْ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: {وَمَنْ أَضَلُّ مِمَنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لاَ يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ *وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاءً وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ} [الأحقاف: 5، 6] وَقَالَ تَعَالَى: {وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لِيَكُونُوا لَهُمْ عِزًّا *كَلاَّ سَيَكْفُرُونَ بِعِبَادَتِهِمْ وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا} [مريم: 81، 82] وَقَالَ الْخَلِيلُ لِقَوْمِهِ: {إِنَّمَا اتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثَاناً مَوَدَّةَ بَيْنِكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضًا وَمَأْوَاكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ نَاصِرِينَ} [العنكبوت: 25] وَقَالَ تَعَالَى: { وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ مَوْقُوفُونَ عِندَ رَبِّهِمْ يَرْجِعُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ الْقَوْلَ يَقُولُ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لَوْلاَ أَنتُمْ لَكُنَّا مُؤْمِنِين * قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا أَنَحْنُ صَدَدْنَاكُمْ عَنِ الْهُدَى بَعْدَ إِذْ جَاءَكُمْ بَلْ كُنْتُمْ مُجْرِمِينَ *وَقَالَ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ إِذْ تَأْمُرُونَنَا أَنْ نَكْفُرَ بِاللَّهِ وَنَجْعَلَ لَهُ أَنْدَادًا وَأَسَرُّوا النَّدَامَةَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذَابَ وَجَعَلْنَا الأَغْلاَلَ فِي أَعْنَاقِ الَّذِينَ كَفَرُوا هَلْ يُجْزَوْنَ إِلاَّ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} [سبأ: 31-33] وَقَالَ تَعَالَى: {وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُّكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلاَّ أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلاَ تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ مَا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِ مِنْ قَبْلُ إِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} [إبراهيم:22]. وَقَوْلُهُ: {وَرَأَوُا الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الأَسْبَابُ} أَيْ عَايَنُوا عَذَابَ اللهِ، وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْحِيَلُ وَأَسْبَابُ الْخَلاَصِ، وَلَمْ يَجِدُوا عَنِ النَّارِ مَعْدِلاً وَلاَ مَصْرِفًا. قَالَ عَطَاءٌ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ {وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الأَسْبَابُ} قَالَ: اَلْمَوَدَّةُ. وَكَذَا قَالَ مُجَاهِدٌ فِي رِوَايَةِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ[748]. [748] (الطبري:3/290) وَقَوْلُهُ: {وَقَالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَمَا تَبَرَّأُوا مِنَّا} أَيْ: لَوْ أَنَّ لَنَا عَوْدَةً إِلَى الدَّارِ الدُّنْيَا حَتَّى نَتَبَرَّأَ مِنْ هؤُلاَءِ وَمِنْ عِبَادَتِهِمْ، فَلاَ نَلْتَفِتَ إِلَيْهِمْ، بَلْ نُوَحِّدَ اللهَ تَعَالَى بِالْعِبَادَةِ، وَهُمْ كَاذِبُونَ فِي هَذَا، بَلْ {لَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوْا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ} [الأنعام:28]، كَمَا أَخْبَرَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُمْ بِذَلِكَ. وَلِهَذَا قَالَ: {كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ} أَيْ تَذْهَبُ وَتَضْمَحِلُّ كَمَا قَالَ تَعَالَى: {وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا} [الفرقان: 23] وَقَالَ تَعَالَى: {مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ أَعْمَالُهُمْ كَرَمَادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيْحُ فِي يَوْمٍ عَاصِفٍ}... الْآيَةَ [إبراهيم: 18]، وَقَالَ تَعَالَى: {وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً}... الْآيَةَ [النور: 39]، وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى: {وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ}. {يَا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الأَرْضِ حَلاَلاً طَيِّبًا وَلاَ تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ *إِنَّمَا يَأْمُرُكُمْ بِالسُّوءِ وَالْفَحْشَاءِ وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ} [الْأَمْرُ بِأَكْلِ الْحَلاَلِ، وَالنَّهْيُ عَنِ اتِّبَاعِ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ] لَمَّا بَيَّنَ تَعَالَى أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ، وَأَنَّهُ الْمُسْتَقِلُّ بِالْخَلْقِ، شَرَعَ يُبَيِّنُ أَنَّهُ الرَّزَّاقُ لِجَمِيعِ خَلْقِهِ، فَذَكَرَ فِي مَقَامِ الاِمْتِنَانِ أَنَّهُ أَبَاحَ لَهُمْ أَنْ يَأْكُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ فِي حَالِ كَوْنِهِ حَلاَلاً مِنَ اللهِ طَيِّبًا، أَيْ مُسْتَطَابًا فِي نَفْسِهِ، غَيْرَ ضَارٍّ لِلْأَبْدَانِ وَلاَ لِلْعُقُولِ، وَنَهَاهُمْ عَنِ اتِّبَاعِ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ. وَهِيَ طَرَائِقُهُ وَمَسَالِكُهُ فِيمَا أَضَلَّ أَتْبَاعَهُ فِيهِ مِنْ تَحْرِيمِ الْبَحَائِرِ وَالسَّوَائِبِ وَالْوَصَائِلِ وَنَحْوِهَا، مِمَّا كَانَ زَيَّنَهُ لَهُمْ فِي جَاهِلِيَّتِهِمْ، كَمَا فِي حَدِيثِ عِيَاضِ بْنِ حِمَارٍ الَّذِي فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «يَقُولُ اللهُ تَعَالَى: إِنَّ كُلَّ مَالٍ مَنَحْتُهُ عِبَادِي فَهُوَ لَهُمْ حَلاَلٌ - وَفِيهِ - وَإِنِّي خَلَقْتُ عِبَادِي حُنَفَاءَ، فَجَاءَتْهُمُ الشَّيَاطِينُ فَاجْتَالَتْهُمْ عَنْ دِينِهِمْ، وَحَرَّمَتْ عَلَيْهِمْ مَا أَحْلَلْتُ لَهُمْ»[749]. [749] (مسلم:4/2197) وَقَوْلُهُ: {إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ} تَنْفِيرٌ عَنْهُ وَتَحْذِيرٌ مِنْهُ، كَمَا قَالَ: {إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ} [فاطر: 6] وَقَالَ تَعَالَى: {أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلاً} [الكهف: 50] وَقَالَ قَتَادَةُ وَالسُّدِّيُّ فِي قَوْلِهِ: {وَلاَ تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ} : كُلُّ مَعْصِيَةٍ ِلله فَهِيَ مِنْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ[750]. وَرَوَى عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: مَا كَانَ مِنْ يَمِينٍ أَوْ نَذْرٍ فِي غَضَبٍ، فَهُوَ مِنْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ، وَكَفَّارَتُهُ كَفَّارَةُ يَمِينٍ. وَقَوْلُهُ: {إِنَّمَا يَأْمُرُكُمْ بِالسُّوءِ وَالْفَحْشَاءِ وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ} أَيْ إِنَّمَا يَأْمُرُكُمْ عَدُوُّكُمُ الشَّيْطَانُ بِالْأَفْعَالِ السَّيِّـئَـةِ، وَأَغْلَظُ مِنْهَا الْفَاحِشَةُ كَالزِّنَا وَنَحْوِهِ، وَأَغْلَظُ مِنْ ذَلِكَ وَهُوَ الْقَوْلُ عَلَى اللهِ بِلاَ عِلْمٍ، فَيَدْخُلُ فِي هَذَا كُلُّ كَافِرٍ وَكُلُّ مُبْتَدِعٍ أَيْضًا. [750] (ابن أبي حاتم غ: 1/221) {وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلاَ يَهْتَدُونَ *وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لاَ يَسْمَعُ إِلاَّ دُعَاءً وَنِدَاءً صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ} [اَلْمُشْرِكُ مُقَلِّدٌ] يَقُولُ تَعَالَى: وَإِذَا قِيلَ لِهؤُلاَءِ الْكَفَرَةِ مِنَ الْمُشْرِكِينَ: اِتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللهُ عَلَى رَسُولِهِ، وَاتْرُكُوا مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ مِنَ الضَّلاَلِ وَالْجَهْلِ، قَالُوا فِي جَوَابِ ذَلِكَ: بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَينَا، أَيْ وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا، أَيْ مِنْ عِبَادَةِ الْأَصْنَامِ وَالْأَنْدَادِ، قَالَ اللهُ تَعَالَى مُنْكِرًا عَلَيْهِمْ: {أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ} أَي الَّذِينَ يَقْتَدُونَ بِهِمْ وَيَقْتَفُونَ أَثَرَهُمْ {لاَ يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلاَ يَهْتَدُونَ} أَيْ لَيْسَ لَهُمْ فَهْمٌ وَلاَ هِدَايَةٌ. وَرَوَى ابْنُ إِسْحَاقَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهَا نَزَلَتْ فِي طَائِفَةٍ مِنَ الْيَهُودِ، دَعَاهُمْ رَسُولُ اللهِ ﷺ إِلَى الِإِسْلاَمِ، فَقَالُوا: بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا. فَأَنْزَلَ اللهُ هَذِهِ الْآيَةَ[751]. [751] (الطبري:3م305 إسناده ضعيف فيه محمد بن أبي محمد وهو مجهول) [مَثَلُ الْمُشْرِكِ مَثَلُ الْحَيَوَانِ] ثُمَّ ضَرَبَ لَهُمْ تَعَالَى مَثَلاً كَمَا قَالَ تَعَالَى: {لِلَّذِينَ لاَ يؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ مَثَلُ السَّوْءِ} [النحل:60] فَقَالَ: {وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا} أَيْ فِيمَا هُمْ فِيهِ مِنَ الْغَيِّ وَالضَّلاَلِ وَالْجَهْلِ كَالدَّوَابِّ السَّارِحَةِ الَّتِي لاَ تَفْقَهُ مَا يُقَالُ لَهَا، بَلْ إِذَا نَعَقَ بِهَا رَاعِيهَا، أَيْ دَعَاهَا إِلَى مَا يُرْشِدُهَا لاَ تَفْقَهُ مَا يَقُولُ وَلاَ تَفْهَمُهُ، بَلْ إِنَّمَا تَسْمَعُ صَوْتَهُ فَقَطْ. هكَذَا رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَأَبِي الْعَالِيَةِ وَمُجَاهِدٍ وَعِكْرِمَةَ وَعَطَاءٍ وَالْحَسَنِ وَقَتَادَةَ وَعَطَاءٍ الْخُرَاسَانِيِّ وَالرَّبِيعِ بْنِ أَنَسٍ نَحْوُ هَذَا[752]. [752] (ابن أبي حاتم غ:1/225-228) وَقَوْلُهُ {صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ} أَيْ صُمٌّ عَنْ سَمَاعِ الْحَقِّ، بُكْمٌ لاَ يَتَفَوَّهُونَ بِهِ، عُمْيٌ عَنْ رُؤْيَةِ طَرِيقِهِ وَمَسْلَكِهِ {فَهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ} أَيْ لاَ يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلاَ يَفْهَمُونَهُ. {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ *إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلاَ عَادٍ فَلاَ إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} [الْأَمْرُ بِأَكْلِ الطَّيِّبَاتِ، وَبَيَانُ الْمُحَرَّمَاتِ] يَقُولُ تَعَالَى آمِرًا عِبَادَهُ الْمُؤْمِنِينَ بِالْأَكْلِ مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقَهُمْ تَعَالَى، وَأَنْ يَشْكُرُوهُ -تَعَالَى- عَلَى ذَلِكَ إِنْ كَانُوا عَبِيدَهُ، وَالْأَكْلُ مِنَ الْحَلاَلِ سَبَبٌ لِتَقَبُّلِ الدُّعَاءِ وَالْعِبَادَةِ، كَمَا أَنَّ الْأَكْلَ مِنَ الْحَرَامِ يَمْنَعُ قَبُولَ الدُّعَاءِ وَالْعِبَادَةِ. كَمَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ الَّذِي رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ «أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّ اللهَ طَيِّبٌ، لاَ يَقْبَلُ إِلاَّ طَيِّبًا، وَإِنَّ اللهَ أَمَرَ الْمُؤْمِنِينَ بِمَا أَمَرَ بِهِ الْمُرْسَلِينَ، فَقَالَ: {يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ} [المؤمنون: 51]، وَقَالَ: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ} ثُمَّ ذَكَرَ الرَّجُلَ يُطِيلُ السَّفَرَ أَشْعَثَ أَغْبَرَ يَمُدُّ يَدَيْهِ إِلَى السَّمَاءِ: يَا رَبِّ يَا رَبِّ، وَمَطْعَمُهُ حَرَامٌ. وَمَشْرَبُهُ حَرَامٌ، وَمَلْبَسُهُ حَرَامٌ، وَغُذِّيَ بِالْحَرَامِ فَأَنّى يُسْتَجَابُ لِذَلِكَ؟»[753]. وَرَوَاهُ مُسْلِمٌ وَالتِّرْمِذِيُّ[754]. [753] (أحمد:3/328) [754] (مسلم:2/703، وتحفة الأحوذي:8/333) وَلَمَّا امْتَنَّ تَعَالَى عَلَيْهِمْ بِرِزْقِهِ وَأَرْشَدَهُمْ إِلَى الْأَكْلِ مِنْ طَيِّبِهِ، ذَكَرَ أَنَّهُ لَمْ يُحَرِّمْ عَلَيْهِمْ مِنْ ذَلِكَ إِلاَّ الْمَيْتَةَ، وَهِيَ الَّتِي تَمُوتُ حَتْفَ أَنْفِهَا مِنْ غَيْرِ تَذْكِيَةٍ، وَسَوَاءٌ كَانَتْ مُنْخَنِقَةً أَوْ مَوْقُوذَةً أَوْ مُتَرَدِّيَةً أَوْ نَطِيحَةً أَوْ قَدْ عَدَا عَلَيْهَا السَّبُعُ. وَقَدْ خُصِّصَ مِنْ ذَلِكَ مَيْتَةُ الْبَحْرِ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ} [المائدة:96] عَلَى مَا سَيَأْتِي إِنْ شَاءَ اللهُ، وَلِحَدِيثِ الْعَنْبَرِ فِي الصَّحِيحِ[755]. وَفِي الْمُسْنَدِ وَالْمُوَطَّأِ وَالسُّنَنِ قَوْلُهُ عَلَيْهِ السَّلاَمُ فِي الْبَحْرِ: «هُوَ الطَّهُورُ مَاؤُهُ، اَلْحِلُّ مَيْتَتُهُ»[756]. وَرَوَى الشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ وَابْنُ مَاجَهْ وَالدَّارَقُطْنِيُّ حَدِيثَ ابْنِ عُمَرَ مَرْفُوعًا: «أُحِلَّ لَنَا مَيْتَتَانِ وَدَمَانِ، السَّمَكُ وَالْجَرَادُ وَالْكَبِدُ وَالطِّحَالُ»[757]. وَسَيَأْتِي تَقْرِيرُ ذَلِكَ إِنْ شَاءَ اللهُ فِي سُورَةِ الْمَائِدَةِ. [755] (فتح الباري:6/152) [756] (أحمدك5/365ن والموطأ:1/22، وأبو داود:1/64ن وتحفة الأحوذي:1/224، والنسائي:1/50، وابن ماجه:1/136) [757] (ترتيب مسند الشافعي:2/173، واحمد:2/97، وابن ماجه:2/1073، والدارقطني:4/272) (مَسْأَلَةٌ) وَلَبَنُ الْمَيْتَةِ وَبَيْضُهَا الْمُتَّصِلُ بِهَا نَجَسٌ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ وَغَيْرِهِ، لِأَنَّهُ جُزْءٌ مِنْهَا. وَقَالَ مَالِكٌ فِي رِوَايَةٍ: هُوَ طَاهِرٌ إِلاَّ أَنَّهُ يَنْجُسُ بِالْمُجَاوَرَةِ، وَكَذَلِكَ أَنْفِحَةُ الْمَيْتَةِ فِيهَا الْخِلاَفُ، وَالْمَشْهُورُ عِنْدَهُمْ، أَنَّهَا نَجِسَةٌ. وَقَدْ أَوْرَدُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَكْلَ الصَّحَابَةِ مِنْ جُبْنِ الْمَجُوسِ. فَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ فِي التَّفْسِيرِ ههُنَا: [مَا] يُخَالِطُ اللَّبَنَ مِنْهَا يَسِيرٌ، وَيُعْفى عَنْ قَلِيلِ النَّجَاسَةِ إِذَا خَالَطَ الْكَثِيرَ مِنَ الْمَائِعِ[758]. وَقَدْ رَوَى ابْنُ مَاجَهْ عَنْ سَلْمَانَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ: سُئِلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ عَنِ السَّمْنِ وَالْجُبْنِ وَالْفِرَاءِ، فَقَالَ: «الْحَلاَلُ مَا أَحَلَّ اللهُ فِي كِتَابِهِ، وَالْحَرَامُ مَا حَرَّمَ اللهُ فِي كِتَابِهِ، وَمَا سَكَتَ عَنْهُ فَهُوَ مِمَّا عَفَا عَنْهُ»[759]. [758] (القرطبي:2/221) [759] (ابن ماجه:2/1117) وَكَذَلِكَ حُرِّمَ عَلَيْهِمْ لَحْمُ الْخِنْزِيرِ سَوَاءٌ ذُكِّيَ أَمْ مَاتَ حَتْفَ أَنْفِهِ، وَيَدْخُلُ شَحْمُهُ فِي حُكْمِ لَحْمِهِ إِمَّا تَغْلِيبًا، أَوْ أَنَّ اللَّحْمَ يَشْمَلُ ذَلِكَ، أَوْ بِطَرِيقِ الْقِيَاسِ عَلَى رَأْيٍ. وَكَذَلِكَ حُرِّمَ عَلَيْهِمْ مَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللهِ، وَهُوَ مَا ذُبِحَ عَلَى غَيْرِ اسْمِهِ تَعَالَى مِنَ الْأَنْصَابِ وَالْأَنْدَادِ وَالْأَزْلاَمِ وَنَحْوِ ذَلِكَ مِمَّا كَانَتِ الْجَاهِلِيَّةُ يَنْحَرُونَ لَهُ. وَأَوْرَدَ الْقُرْطُبِيُّ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا: أَنَّهَا سُئِلَتْ عَمَّا يَذْبَحُهُ الْعَجَمُ لِأَعْيَادِهِمْ، فَيُهْدُونَ مِنْهُ لِلْمُسْلِمِينَ، فَقَالَتْ: مَا ذُبِحَ لِذَلِكَ الْيَوْمِ فَلاَ تَأْكُلُوا مِنْهُ، وَكُلُوا مِنْ أَشْجَارِهِمْ[760]. [760] (القرطبي:2/224، ابن أبي شيبة:24856،3334) [إِبَاحَةُ الْحَرَامِ لِلْمُضْطَرِّ] ثُمَّ أَبَاحَ تَعَالَى تَنَاوُلَ ذَلِكَ عِنْدَ الضَّرُورَةِ وَالاِحْتِيَاجِ إِلَيْهَا عِنْدَ فَقْدِ غَيْرِهَا مِنَ الْأَطْعِمَةِ، فَقَالَ: {فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلاَ عَادٍ} أَيْ فِي غَيْرِ بَغْيٍ وَلاَ عُدْوَانٍ وَهُوَ: مُجَاوَزَةُ الْحَدِّ {فَلاَ إِثْمَ عَلَيْهِ} أَيْ فِي أَكْلِ ذَلِكَ {إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ}، وَقَالَ مُجَاهِدٌ: فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلاَ عَادٍ: قَاطِعًا لِلسَّبِيلِ أَوْ مُفَارِقًا لِلْأَئِمَّةِ، أَوْ خَارِجًا فِي مَعْصِيَةِ اللهِ، فَلَهُ الرُّخْصَةُ، وَمَنْ خَرَجَ بَاغِيًا أَوْ عَادِيًا أَوْ فِي مَعْصِيَةِ اللهِ، فَلاَ رُخْصَةَ لَهُ وَإِنِ اضْطُرَّ إِلَيْهِ. وَكَذَا رُوِيَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ. وَقَالَ سَعِيدٌ فِي رِوَايَةٍ عَنْهُ، وَعَنْ مُقَاتِلِ بْنِ حَيَّانَ: غَيْرَ بَاغٍ يَعْنِي غَيْرَ مُسْتَحِلِّهِ[761]. وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ {غَيْرَ بَاغٍ وَلاَ عَادٍ} قَالَ {غَيْرَ بَاغٍ} فِي الْمَيْتَةِ وَلاَ عَادٍ فِي أَكْلِهِ، وَقَالَ قَتَادَةُ: فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلاَ عَادٍ، قَالَ: غَيْرَ بَاغٍ فِي الْمَيْتَةِ، أَيْ فِي أَكْلِهِ: أَنْ يَتَعَدَّى حَلاَلاً إِلَى حَرَامٍ، وَهُوَ يَجِدُ عَنْهُ مَنْدُوحَةً[762]. [761] (ابن ابي حاتم غ:1/236) [762] (الطبري:3/324) (مَسْأَلَةٌ) إِذَا وَجَدَ الْمُضْطَرُّ مَيْتَةً وَطَعَامَ الْغَيْرِ بِحَيْثُ لاَ قَطْعَ فِيهِ وَلاَ أَذًى، فَإِنَّهُ لاَ يَحِلُّ لَهُ أَكْلُ الْمَيْتَةِ، بَلْ يَأْكُلُ طَعَامَ الْغَيْرِ بِغَيْرِ خِلاَفٍ، رَوَى ابْنُ مَاجَهْ عَنْ عَبَّادِ بْنِ شُرَحْبِيلَ الْغُبَرِيِّ قَالَ: أَصَابَتْنَا عَامًا مَخْمَصَةٌ، فَأَتَيْتُ الْمَدِينَةَ، فَأَتَيْتُ حَائِطًا، فَأَخَذْتُ سُنْـبُلاً فَفَرَكْتُهُ وَأَكَلْتُهُ، وَجَعَلْتُ مِنْهُ فِي كِسَائِي، فَجَاءَ صَاحِبُ الْحَائِطِ، فَضَرَبَنِي وَأَخَذَ ثَوْبِي، فَأَتَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ فَأَخْبَرْتُهُ، فَقَالَ لِلرَّجُلِ: «مَا أَطْعَمْتَهُ إِذْ كَانَ جَائِعًا [أَوْ سَاغِبًا]، وَلاَ عَلَّمْتَهُ إِذْ كَانَ جَاهِلاً» فَأَمَرَهُ فَرَدَّ إِلَيْهِ ثَوْبَهُ، فَأَمَرَ لَهُ بِوَسْقٍ مِنْ طَعَامٍ أَوْ نِصْفِ وَسْقٍ[763]. إِسْنَادٌ صَحِيحٌ قَوِيٌّ جَيِّدٌ، وَلَهُ شَوَاهِدُ كَثِيرَةٌ، مِنْ ذَلِكَ حَدِيثُ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ: سُئِلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ عَنِ الثَّمَرِ الْمُعَلَّقِ، فَقَالَ: «مَنْ أَصَابَ مِنْهُ مِن ذِي حَاجَةٍ بِفِيهِ غَيْرَ مُتَّخِذٍ خُبْنَةً، فَلاَ شَيْءَ عَلَيْهِ»[764]. اَلْحَدِيثَ. [763] (ابن ماجه:2/770) [764] (تحفة الأحوذي:4/510) وَقَالَ مُقَاتِلُ بْنُ حَيَّانَ فِي قَوْلِهِ: {فَلاَ إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} : فِيمَا أُكَلَ مِنِ اضْطِرَارٍ[765]. وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: غَفُورٌ لِمَا أَكَلَ مِنَ الْحَرَامِ، رَحِيمٌ إِذْ أَحَلَّ لَهُ الْحَرَامَ فِي الْاِضْطِرَارِ[766]. وَعَنْ مَسْرُوقٍ، قَالَ: مَنِ اضْطُرَّ فَلَمْ يَأْكُلْ وَلَمْ يَشْرَبْ ثُمَّ مَاتَ، دَخَلَ النَّارَ[767]. وَهَذَا يَقْتَضِي أَنَّ أَكْلَ الْمَيْتَةِ لِلْمُضْطَرِّ عَزِيمَةٌ لاَ رُخْصَةٌ. [765] (ابن أبي حاتم غ:1/240) [766] (أيضاً غ:1/240) [767] (البيهقي:9/357) {إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ الْكِتَابِ وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً أُولَئِكَ مَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلاَّ النَّارَ وَلاَ يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلاَ يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ *أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلاَلَةَ بِالْهُدَى وَالْعَذَابَ بِالْمَغْفِرَةِ فَمَا أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ *ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ نَزَّلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِي الْكِتَابِ لَفِي شِقَاقِ بَعِيدٍ} [ذَمُّ الْيَهُودِ عَلَى كِتْمَانِهِمْ مَا أَنْزَلَ اللهُ] يَقُولُ تَعَالَى: {إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ الْكِتَابِ} يَعْنِي الْيَهُودَ الَّذِينَ كَتَمُوا صِفَةَ مُحَمَّدٍ ﷺ فِي كُتُبِهِمُ الَّتِي بِأَيْدِيهِمْ، مِمَّا تَشْهَدُ لَهُ بِالرِّسَالَةِ وَالنُّبُوَّةِ، فَكَتَمُوا ذَلِكَ لِئَلاَّ تَذْهَبَ رِيَاسَتُهُمْ، وَمَا كَانُوا يَأْخُذُونَهُ مِنَ الْعَرَبِ مِنَ الْهَدَايَا وَالتُّحُفِ عَلَى تَعْظِيمِهِمْ إِيَّاهُمْ، فَخَشُوا - لَعَنَهُمُ اللهُ - إِنْ أَظْهَرُوا ذَلِكَ أَن يَتَّبِعَهُ النَّاسُ وَيَتْرُكُوهُمْ، فَكَتَمُوا ذَلِكَ إِبْقَاءً عَلَى مَا كَانَ يَحْصُلُ لَهُمْ مِنْ ذَلِكَ، وَهُوَ نَزْرٌ يَسِيرٌ، فَبَاعُوا أَنْفُسَهُمْ بِذَلِكَ. وَاعْتَاضُوا عَنِ الْهُدى وَاتِّبَاعِ الْحَقِّ وَتَصْدِيقِ الرَّسُولِ وَالْإِيمَانِ بِمَا جَاءَ عَنِ اللهِ، بِذَلِكَ النَّزْرِ الْيَسِيرِ، فَخَابُوا وَخَسِرُوا فِي الدُّنْيَا وَالاْخِرَةِ. أَمَّا فِي الدُّنْيَا فَإِنَّ اللهَ أَظْهَرَ لِعِبَادِهِ صِدْقَ رَسُولِهِ بِمَا نَصَبَهُ وَجَعَلَهُ مَعَهُ مِنَ الْآيَاتِ الظَّاهِرَاتِ، وَالدَّلاَئِلِ الْقَاطِعَاتِ، فَصَدَّقَهُ الَّذِينَ كَانُوا يَخَافُونَ أَن يَتَّبِعُوهُ، وَصَارُوا عَوْنًا لَهُ عَلَى قِتَالِهِمْ، وَبَاءُوا بِغَضَبٍ عَلَى غَضَبٍ، وَذَمَّهُمُ اللهُ فِي كِتَابِهِ فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ، فَمِنْ ذَلِكَ هَذِهِ الْآيَةُ الْكَرِيمَةُ: {إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ الْكِتَابِ وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً} وَهُوَ عَرَضُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا {أُولَئِكَ مَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلاَّ النَّارَ} أَيْ إِنَّمَا يَأْكُلُونَ مَا يَأْكُلُونَهُ فِي مُقَابَلَةِ كِتْمَانِ الْحَقِّ نَارًا تَأَجَّجُ فِي بُطُونِهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: {إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا} [النساء: 10] وَفِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «الَّذِي يَأْكُلُ أَوْ يَشْرَبُ فِي آنِيَةِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ إِنَّمَا يُجَرْجِرُ فِي بَطْنِهِ نَارَ جَهَنَّمَ»[768]. [768] (البخاري:5634، ومسلم:2065) وَقَوْلُهُ: {وَلاَ يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلاَ يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} وَذَلِكَ لِأَنَّهُ تَعَالَى غَضْبَانٌ عَلَيْهِمْ، لِأَنَّهُمْ كَتَمُوا وَقَدْ عَلِمُوا، فَاسْتَحَقُّوا الْغَضَبَ، فَلاَ يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ وَلاَ يُزَكِّيهِمْ، أَيْ لاَ يُثْنِي عَلَيْهِمْ وَلاَ يَمْدَحُهُمْ، بَلْ يُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا، ثُمَّ قَالَ تَعَالَى مُخْبِرًا عَنْهُمْ {أُولَئِكَ الَّذِينَ اُشْتَرَوُا الضَّلاَلَةَ بِالْهُدَى} أَيْ اِعْتَاضُوا عَنِ الْهُدى، وَهُوَ: نَشْرُ مَا فِي كُتُبِهِمْ مِنْ صِفَةِ الرَّسُولِ، وَذِكْرُ مَبْعَثِهِ، وَالْبِشَارَةُ بِهِ مِنْ كُتُبِ الْأَنْبِيَاءِ، وَاتِّبَاعُهُ وَتَصْدِيقُهُ. اِسْتَبْدَلُوا عَنْ ذَلِكَ وَاعْتَاضُوا عَنْهُ بِالضَّلاَلَةِ، وَهُوَ تَكْذِيبُهُ، وَالْكُفْرُ بِهِ، وَكِتْمَانُ صِفَاتِهِ فِي كُتُبِهِمْ. {وَالْعَذَابَ بِالْمَغْفِرَةِ} أَيْ اِعْتَاضُوا عَنِ الْمَغْفِرَةِ بِالْعَذَابِ، وَهُوَ مَا تَعَاطَوْهُ مِنْ أَسْبَابِهِ الْمَذْكُورَةِ، وَقَوْلُهُ تَعَالَى: {فَمَا أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ} يُخْبِرُ تَعَالَى أَنَّهُمْ فِي عَذَابٍ شَدِيدٍ عَظِيمٍ هَائِلٍ، يَتَعَجَّبُ مَنْ رَآهُمْ فِيهَا مِنْ صَبْرِهِمْ عَلَى ذَلِكَ، مَعَ شِدَّةِ مَا هُمْ فِيهِ مِنَ الْعَذَابِ وَالنَّكَالِ وَالْأَغْلاَلِ، عِيَاذًا بِاللهِ مِنْ ذَلِكَ. وَقَوْلُهُ تَعَالَى: {ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ نَزَّلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ} أَيْ إِنَّمَا اسْتَحَقُّوا هَذَا الْعَذَابَ الشَّدِيدَ لِأَنَّ اللهَ تَعَالَى أَنْزَلَ عَلَى رَسُولِهِ مُحَمَّدٍ ﷺ وَعَلَى الْأَنْبِيَاءِ قَبْلَهُ كُتُبَهُ بِتَحْقِيقِ الْحَقِّ وَإِبْطَالِ الْبَاطِلِ، وَهؤُلاَءِ اِتَّخَذُوا آيَاتِ اللهِ هُزُوًا، فَكِتَابُهُمْ أَمَرَهُمْ بِإِظْهَارِ الْعِلْمِ وَنَشْرِهِ، فَخَالَفُوهُ وَكَذَّبُوهُ، وَهَذَا الرَّسُولُ الْخَاتَمُ يَدْعُوهُمْ إِلَى اللهِ تَعَالَى وَيَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ، وَهُمْ يُكَذِّبُونَهُ وَيُخَالِفُونَهُ وَيَجْحَدُونَهُ وَيَكْتُمُونَ صِفَتَهُ، فَاسْتَهْزَءُوا بِآيَاتِ اللهِ الْمُنَزَّلَةِ عَلَى رُسُلِهِ، فَلِهَذَا اسْتَحَقُّوا الْعَذَابَ وَالنَّكَالَ، وَلِهَذَا قَالَ {ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ نَزَّلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِي الْكِتَابِ لَفِي شِقَاقِ بَعِيدٍ}. {لَيْسَ الْبِرُّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَالْمَلاَئِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلاَةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ} [جَامِعُ الْبِرِّ] اِشْتَمَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ عَلَى جُمَلٍ عَظِيمَةٍ وَقَوَاعِدَ عَمِيمَةٍ، وَعَقِيدَةٍ مُسْتَقِيمَةٍ. وَأَمَّا الْكَلاَمُ عَلَى تَفْسِيرِ هَذِهِ الْآيَةِ، فَإِنَّ اللهَ تَعَالَى لَمَّا أَمَرَ الْمُؤْمِنِينَ أَوَّلاً بِالتَّوَجُّهِ إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ، ثُمَّ حَوَّلَهُمْ إِلَى الْكَعْبَةِ، شَقَّ ذَلِكَ عَلَى نُفُوسِ طَائِفَةٍ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَبَعْضِ الْمُسْلِمِينَ، فَأَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى بَيَانَ حِكْمَتِهِ فِي ذَلِكَ، وَهُوَ أَنَّ الْمُرَادَ إِنَّمَا هُوَ طَاعَةُ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ، وَامْتِثَالُ أَوَامِرِهِ، وَالتَّوَجُّهُ حَيْثُمَا وَجَّهَ، وَاتِّبَاعُ مَا شَرَعَ، فَهَذَا هُوَ الْبِرُّ وَالتَّقْوى وَالْإِيمَانُ الْكَامِلُ، وَلَيْسَ فِي لُزُومِ التَّوَجُّهِ إِلَى جِهَةٍ مِنَ الْمَشْرِقِ أَوِ الْمَغْرِبِ بِرٌّ وَلاَ طَاعَةٌ إِنْ لَمْ يَكُنْ عَنْ أَمْرِ اللهِ وَشَرْعِهِ، وَلِهَذَا قَالَ:{لَيْسَ الْبِرُّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ}... الْآيَةَ، كَمَا قَالَ فِي الْأَضَاحِي وَالْهَدَايَا: {لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلاَ دِمَاؤُهَا وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ} [الحج:37] وَقَالَ أَبُو الْعَالِيَةِ: كَانَتِ الْيَهُودُ تُقْبِلُ قِبَلَ الْمَغْرِبِ، وَكَانَتِ النَّصَارى تُقْبِلُ قِبَلَ الْمَشْرِقِ، فَقَالَ اللهُ تَعَالَى: {لَيْسَ الْبِرُّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ} يَقُولُ: هَذَا كَلاَمُ الْإِيمَانِ، وَحَقِيقَتُهُ الْعَمَلُ. وَرُوِيَ عَنِ الْحَسَنِ وَالرَّبِيعِ بْنِ أَنَسٍ مِثْلُهُ[769]. وَقَالَ الثَّوْرِيُّ: {وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ}... الْآيَةَ، قَالَ: هَذِهِ أَنْوَاعُ الْبِرِّ كُلُّهَا[770]. وَصَدَقَ رَحِمَهُ اللهُ، فَإِنَّ مَنِ اتَّصَفَ بِهَذِهِ الْآيَةِ فَقَدْ دَخَلَ فِي عُرَى الْإِسْلاَمِ كُلِّهَا، وَأَخَذَ بِمَجَامِعِ الْخَيْرِ كُلِّهِ، وَهُوَ الْإِيمَانُ بِاللهِ وَأَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ، وَصَدَّقَ بِوُجُودِ الْمَلاَئِكَةِ الَّذِينَ هُمْ سَفَرَةٌ بَيْنَ اللهِ وَرُسُلِهِ. [769] (ابن أبي حاتم غ:1/251) [770] (ابن أبي حاتم غ:1/253) {وَالْكِتَابِ} وَهُوَ اسْمُ جِنْسٍ يَشْمَلُ الْكُتُبَ الْمُنَزَّلَةَ مِنَ السَّمَاءِ عَلَى الْأَنْبِيَاءِ، حَتَّى خُتِمَتْ بِأَشْرَفِهَا، وَهُوَ الْقُرْآنُ الْمُهَيْمِنُ عَلَى مَا قَبْلَهُ مِنَ الْكُتُبِ، الَّذِي انْتَهى إِلَيْهِ كُلُّ خَيْرٍ، وَاشْتَمَلَ عَلَى كُلِّ سَعَادَةٍ فِي الدُّنْيَا وَالاْخِرَةِ، وَنُسِخَ بِهِ كُلُّ مَا سِوَاهُ مِنَ الْكُتُبِ قَبْلَهُ، وَآمَنَ بِأَنْبِيَاءِ اللهِ كُلِّهِمْ مِنْ أَوَّلِهِمْ إِلَى خَاتَمِهِمْ مُحَمَّدٍ صَلَوَاتُ اللهِ وَسَلاَمُهُ عَلَيْهِ وَعَلَيْهِمْ أَجْمَعِينَ. وَقَوْلُهُ: {وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ} أَيْ أَخْرَجَهُ وَهُوَ مُحِبٌّ لَهُ رَاغِبٌ فِيهِ، كَمَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا: «أَفْضَلُ الصَّدَقَةِ أَنْ تَصَدَّقَ وَأَنْتَ صَحِيحٌ شَحِيحٌ، تَأْمُلُ الْغِنَى وَتَخْشَى الْفَقْرَ»[771]. وَقَالَ تَعَالَى: {وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِيناً وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا *إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لاَ نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلاَ شُكُورًا} [الإنسان: 8،9] وَقَالَ تَعَالَى: {لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ} [آل عمران:92] وَقَوْلُهُ: {وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ} [الحشر:9] نَمَطٌ آخَرُ أَرْفَعُ مِنْ هَذَا، وَهُوَ أَنَّهُمْ آثَرُوا بِمَا هُمْ مُضْطَرُّونَ إِلَيْهِ، وَهؤُلاَءِ أَعْطَوْا وَأَطْعَمُوا مَا هُمْ مُحِبُّونَ لَهُ. [771] (فتح الباري:3/334، ومسلم:2/716) وَقَوْلُهُ: {ذَوِي الْقُرْبَى} وَهُمْ قَرَابَاتُ الرَّجُلِ، وَهُمْ أَوْلى مَنْ أُعْطِيَ مِنَ الصَّدَقَةِ، كَمَا ثَبَتَ فِي الْحَدِيثِ: «الصَّدَقَةُ عَلَى الْمَسَاكِينِ صَدَقَةٌ، وَعَلَى ذِي الرَّحِمِ اثْنَتَانِ: صَدَقَةٌ وَصِلَةٌ[772]. فَهُمْ أَوْلَى النَّاسِ بِكَ وَبِبِرِّكَ وَإِعْطَائِكَ» وَقَدْ أَمَرَ اللهُ تَعَالَى بِالْإِحْسَانِ إِلَيْهِمْ فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ مِنْ كِتَابِهِ الْعَزِيزِ. [772] (أحمد:4/214) {وَالْيَتَامَى} هُمُ الَّذِينَ لاَ كَاسِبَ لَهُمْ، وَقَدْ مَاتَ آبَاؤُهُمْ وَهُمْ ضُعَفَاءُ صِغَارٌ، دُونَ الْبُلُوغِ وَالْقُدْرَةِ عَلَى التَّكَسُّبِ. وَقَدْ رَوَى عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنْ عَلِيٍّ، عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ قَالَ: «لاَ يُتْمَ بَعْدَ حُلْمٍ»[773]. [773] (عبدالرزاق:6/416 إسناده ضعيف في جويبر وهو متروك) {وَالْمَسَاكِينَ} وَهُمُ الَّذِينَ لاَ يَجِدُونَ مَا يَكْفِيهِمْ فِي قُوتِهِمْ وَكِسْوَتِهِمْ وَسُكْنَاهُمْ، فَيُعْطَوْنَ مَا تُسَدُّ بِهِ حَاجَتُهُمْ وَخَلَّتُهُمْ، وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ، قَالَ: «لَيْسَ الْمِسْكِينُ بِهَذَا الطَّوَّافِ الَّذِي تَرُدُّهُ التَّمْرَةُ وَالتَّمْرَتَانِ، وَاللُّقْمَةُ وَاللُّقْمَتَانِ، وَلكِنِ الْمِسْكِينُ الَّذِي لاَ يَجِدُ غِنًى يُغْنِيه وَلاَ يُفْطَنُ لَهُ فَيُتَصَدَّقَ عَلَيْهِ»[774]. [774] (فتح الباري:3/399، ومسلم:2/719) {وَابْنَ السَّبِيلِ} وَهُوَ الْمُسَافِرُ الْمُجْتَازُ الَّذِي قَدْ فَرَغَتْ نَفَقَتُهُ، فَيُعْطى مَا يُوصِلُهُ إِلَى بَلَدِهِ، وَكَذَا الَّذِي يُرِيدُ سَفَرًا فِي طَاعَةٍ، فَيُعْطى مَا يَكْفِيهِ فِي ذَهَابِهِ وَإِيَابِهِ، وَيَدْخُلُ فِي ذَلِكَ الضَّيْفُ، كَمَا قَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ: اِبْنُ السَّبِيلِ هُوَ الضَّيْفُ الَّذِي يَنْزِلُ بِالْمُسْلِمِينَ[775]. وَكَذَا قَالَ مُجَاهِدٌ وَسَعِيدُ ابْنُ جُبَيْرٍ وَأَبُو جَعْفَرٍ الْبَاقِرُ وَالْحَسَنُ وَقَتَادَةُ وَالضَّحَّاكُ وَالزُّهْرِيُّ وَالرَّبِيعُ بْنُ أَنَسٍ وَمُقَاتِلُ بْنُ حَيَّانَ[776] [775] (ابن أبي حاتم غ:1/259) [776] (أيضاً غ:1/260) {وَالسَّائِلِينَ} وَهُمُ الَّذِينَ يَتَعَرَّضُونَ لِلطَّلَبِ فَيُعْطَوْنَ مِنَ الزَّكَوَاتِ وَالصَّدَقَاتِ، {وَفِي الرِّقَابِ} وَهُمُ الْمُكَاتَبُونَ الَّذِينَ لاَ يَجِدُونَ مَا يُؤَدُّونَهُ فِي كِتَابَتِهِمْ، وَسَيَأْتِي الْكَلاَمُ عَلَى كَثِيرٍ مِنْ هَذِهِ الْأَصْنَافِ فِي آيَةِ الصَّدَقَاتِ مِنْ بَرَاءَةَ إِنْ شَاءَ اللهُ تَعَالَى. وَقَوْلُهُ:{وَأَقَامَ الصَّلاَةَ} أَيْ وَأَتَمَّ أَفْعَالَ الصَّلاَةِ فِي أَوْقَاتِهَا بِرُكُوعِهَا وَسُجُودِهَا وَطُمَأْنِينَتِهَا وَخُشُوعِهَا عَلَى الْوَجْهِ الشَّرْعِيِّ الْمَرْضِيِّ، وَقَوْلُهُ: {وَآتَى الزَّكَاةَ} اَلْمُرَادُ بِهِ زَكَاةُ الْمَالِ، كَمَا قَالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وَمُقَاتِلُ بْنُ حَيَّانَ[777]. [777] (ابن أبي حاتم غ:1/264) وَقَوْلُهُ: {وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا} كَقَوْلِهِ: {الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَلاَ يَنْقُضُونَ الْمِيثَاقَ} [الرعد:20] وَعَكْسُ هَذِهِ الصِّفَةِ النِّفَاقُ، كَمَا صَحَّ فِي الْحَدِيثِ: «آيَةُ الْمُنَافِقِ ثَلاَثٌ: إِذَا حَدَّثَ كَذَبَ، وَإِذَا وَعَدَ أَخْلَفَ، وَإِذَا ائْتُمِنَ خَانَ»[778]. وَفِي الْحَدِيثِ الاْخَرِ: «إِذَا حَدَّثَ كَذَبَ، وَإِذَا عَاهَدَ غَدَرَ، وَإِذَا خَاصَمَ فَجَرَ»[779]. [778] (مسلم:1/78) [779] (مسلم:1/78) وَقَوْلُهُ: {وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ} أَيْ فِي حَالِ الْفَقْرِ، وَهُوَ الْبَأْسَاءُ، وَفِي حَالِ الْمَرَضِ وَالْأَسْقَامِ، وَهُوَ الضَّرَّاءُ. {وَحِينَ الْبَأْسِ} أَيْ فِي َحالِ الْقِتَالِ وَالْتِقَاءِ الْأَعْدَاء. قَالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ وَابْنُ عَبَّاسٍ وَأَبُو الْعَالِيَةِ[780] وَمُرَّةُ الْهَمْدَانِيُّ[781] وَمُجَاهِدٌ وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وَالْحَسَنُ وَقَتَادَةُ[782] وَالرَّبِيعُ بْنُ أَنَسٍ وَالسُّدِّيُّ وَمُقَاتِلُ بْنُ حَيَّانَ وَأَبُو مَالِكٍ[783]. وَالضَّحَّاكُ وَغَيْرُهُمْ[784]. وَإِنَّمَا نُصِبَ {الصَّابِرِينَ} عَلَى الْمَدْحِ، وَالْحَثِّ عَلَى الصَّبْرِ فِي هَذِهِ الْأَحْوَالِ، لِشِدَّتِهِ وَصُعُوبَتِهِ، وَاللهُ أَعْلَمُ، وَهُوَ الْمُسْتَعَانُ وَعَلَيْهِ التُّكْلاَنُ. [780] (ابن أبي حاتم غ:1/270) [781] (ابن أبي حاتم غ:1/271) [782] (أيضاً غ:1/270) [783] (ابن أبي حاتم غ:1/271) [784] (الطبري:3/355) وَقَوْلُهُ: {أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا}، أَيْ هؤُلاَءِ الَّذِينَ اتَّصَفُوا بِهَذَا الصِّفَاتِ هُمُ الَّذِينَ صَدَقُوا فِي إِيمَانِهِمْ، لِأَنَّهُمْ حَقَّقُوا الْإِيمَانَ الْقَلْبِيَّ بِالْأَقْوَالِ وَالْأَفْعَالِ، فَهؤُلاَءِ هُمُ الَّذِينَ صَدَقُوا {وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ} لِأَنَّهُمُ اتَّقُوا الْمَحَارِمَ وَفَعَلُوا الطَّاعَاتِ. {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالأُنْثَى بِالأُنْثَى فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ *وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} [الْأَمْرُ بِالْقِصَاصِ، وَبَيَانُ مَا فِيهِ مِنَ الْمَصْلَحَةِ] يَقُولُ تَعَالَى: كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْعَدْلُ فِي الْقِصَاصِ أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ، حُرُّكُمْ بِحُرِّكُمْ، وَعَبْدُكُمْ بِعَبْدِكُمْ، وَأُنْثَاكُمْ بِأُنْثَاكُمْ، وَلاَ تَتَجَاوَزُوا وَتَعْتَدُوا كَمَا اعْتَدَى مَنْ قَبْلَكُمْ، وَغَيَّرُوا حُكْمَ اللهِ فِيهِمْ، وَسَبَبُ ذَلِكَ قُرَيْظَةُ وَالنَّضِيرُ، كَانَتْ بَنُو النَّضِيرِ قَدْ غَزَتْ قُرَيْظَةَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، وَقَهَرُوهُمْ، فَكَانَ إِذَا قَتَل النَّضْرِيُّ الْقُرَظِيَّ لاَ يُقْتَلُ بِهِ، بَلْ يُفَادَى بِمِائَةِ وَسْقٍ مِنَ التَّمْرِ، وَإِذَا قَتَلَ الْقُرَظِيُّ النَّضْرِيَّ قُتِلَ بِهِ، وَإِنْ فَادَوْهُ فَدَوْهُ بِمِائَتَيْ وَسْقٍ مِنَ التَّمْرِ، ضِعْفَ دِيَةِ قُرَيظَةَ، فَأَمَرَ اللهُ بِالْعَدْلِ فِي الْقِصَاصِ، وَلاَ يُتَّبَعُ سَبِيلُ الْمُفْسِدِينَ الْمُحَرِّفِينَ الْمُخَالِفِينَ لِأَحْكَامِ اللهِ فِيهِمْ كُفْرًا وَبَغْيًا، فَقَالَ تَعَالَى: {كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالأُنْثَى بِالأُنْثَى} وَقَوْلُهُ: {الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالأُنْثَى بِالأُنْثَى} مِنْهَا مَنْسُوخَةٌ، نَسَخَتْهَا: {النَّفْسَ بِالنَّفْسِ} [المائدة:45]، وَذَهَبَ الْجُمْهُورُ إِلَى أَنَّ الْمُسْلِمَ لاَ يُقْتَلُ بِالْكَافِرِ، لِمَا ثَبَتَ فِي الْبُخَارِيِّ عَنْ عَلِيٍّ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «وَلاَ يُقْتَلُ مُسْلِمٌ بِكَافِرٍ».[785] وَلاَ يَصِحُّ حَدِيثٌ وَلاَ تَأْوِيلٌ يُخَالِفُ هَذَا، وَأَمَّا أَبُو حَنِيفَةَ فَذَهَبَ إِلَى أَنَّهُ يُقْتَلُ بِهِ لِعُمُومِ آيَةِ الْمَائِدَةِ. [785] (البخاري:111) (مَسْأَلَةٌ) وَمَذْهَبُ الْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ وَالْجُمْهُورِ أَنَّ الْجَمَاعَةَ يُقْتَلُونَ بِالْوَاحِدِ، قَالَ عُمَرُ فِي غُلاَمٍ قَتَلَهُ سَبْعَةٌ فَقَتَلَهُمْ، وَقَالَ: لَوْ تَمَالَأَ عَلَيْهِ أَهْلُ صَنْعَاءَ لَقَتَلْتُهُمْ، وَلاَ يُعْرَفُ لَهُ فِي زَمَانِهِ مُخَالِفٌ مِنَ الصَّحَابَةِ، وَذَلِكَ كَالْإِجْمَاعِ. وَحُكِيَ عَنِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ رِوَايَةٌ: أَنَّ الْجَمَاعَةَ لاَ يُقْتَلُونَ بِالْوَاحِدِ، وَلاَ يُقْتَلُ بِالنَّفْسِ إِلاَّ نَفْسٌ وَاحِدَةٌ. وَحَكَاهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ عَنْ مُعَاذٍ وَابْنِ الزُّبَيْرِ وَعَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ مَرْوَانَ، وَالزُّهْرِيِّ وَابْنِ سِيرِينَ، وَحَبِيبِ بْنِ أَبِي ثَابِتٍ. وَقَوْلُهُ: {فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ} فَالْعَفْوُ أَنْ يَقْبَلَ الدِّيَةَ فِي الْعَمْدِ، وَكَذَا رُوِيَ عَنْ أَبِي الْعَالِيَةِ وَأَبِي الشَّعْثَاءِ وَمُجَاهِدٍ وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيرٍ وَعَطَاءٍ وَالْحَسَنِ[786] وَقَتَادَةَ[787] وَمُقَاتِلِ بْنِ حَيَّانَ[788]. وَقَالَ الضَّحَّاكُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ {فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيءٌ} يَعْنِي: فَمَنْ تُرِكَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ، يَعْنِي أَخَذَ الدِّيَةَ بَعْدَ اسْتِحْقَاقِ الدَّمِ، وَذَلِكَ الْعَفْوُ[789]. {فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ} يَقُولُ: فَعَلَى الطَّالِبِ اِتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ إِذَا قَبِلَ الدِّيَةَ، {وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ} يَعْنِي مِنَ الْقَاتِلِ مِنْ غَيْرِ ضَرَرٍ وَلاَ مَعْكٍ، يَعْنِي الْمُدَافَعَةَ. [786] (ابن أبي حاتم غ:1/279،278) [787] (الطبري:3/368) [788] (ابن أبي حاتم غ:1/279) [789] (ابن أبي حاتم غ:1/280 إسناده ضعيف الضحاك عن ابن عباس مرسل) [لِوَلِيِّ الدَّمِ إِحْدى ثَلاَثِ خِصَالٍ] وَقَوْلُهُ: {ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ} يَقُولُ تَعَالَى: إِنَّمَا شُرِعَ لَكُمْ أَخْذُ الدِّيَةِ فِي الْعَمْدِ تَخْفِيفًا مِنَ اللهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةً بِكُمْ مِمَّا كَانَ مَحْتُومًا عَلَى الْأُمَمِ قَبْلَكُمْ مِنَ الْقَتْلِ أَوِ الْعَفْوِ، كَمَا رَوَى سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: كُتِبَ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى، وَلَمْ يَكُنْ فِيهِمُ الْعَفْوُ، فَقَالَ اللهُ لَهَذِهِ الْأُمَّةِ: {كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالأُنْثَى بِالأُنْثَى فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيءٌ} فَالْعَفْوُ أَن يُقْبَلَ الدِّيَةُ فِي الْعَمْدِ[790]. وَأَخْرَجُهُ ابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ[791]. وَقَالَ قَتَادَةُ: {ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ} رَحِمَ اللهُ هَذِهِ الْأُمَّةَ، وَأَطْعَمَهُمُ الدِّيَةَ، وَلَمْ تَحِلَّ لِأَحَدٍ قَبْلَهُمْ، فَكَانَ أَهْلُ التَّوْرَاةِ إِنَّمَا هُوَ الْقِصَاصُ وَعَفْوٌ لَيْسَ بَيْنَهُمْ أَرْشٌ، وَكَانَ أَهْلُ الْإِنْجِيلِ إِنَّمَا هُوَ عَفْوٌ أُمِرُوا بِهِ، وَجَعَلَ لِهَذِهِ الْأُمَّةِ الْقِصَاصَ وَالْعَفْوَ وَالْأَرْشَ. وَهكَذَا رُوِيَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ وَمُقَاتِلِ بْنِ حَيَّانَ وَالرَّبِيعِ بْنِ أَنَسٍ نَحْوُ هَذَا[792]. [790] (سنن سعيد بن منصور:2/652) [791] (صحيح ابن حبان:7/601) [792] (ابن أبي حاتم غ:1/285) وَقَوْلُهُ: {فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ} يَقُولُ تَعَالَى: فَمَنْ قَتَلَ بَعْدَ أَخْذِ الدِّيَةِ أَوْ قَبُولِهَا، فَلَهُ عَذَابٌ مِنَ اللهِ أَلِيمٌ مُوجِعٌ شَدِيدٌ، وَهكَذَا رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ. وَمُجَاهِدٍ وَعَطَاءٍ وَعِكْرِمَةَ وَالْحَسَنِ وَقَتَادَةَ وَالرَّبِيعِ بْنِ أَنَسٍ وَالسُّدِّيِّ وَمُقَاتِلِ بْنِ حَيَّانٍ: أَنَّهُ هُوَ الَّذِي يَقْتُلُ بَعْدَ أَخْذِ الدِّيَةِ[793]. [793] (أيضاً:1/287-289) [فَائِدَةُ الْقِصَاصِ وَحِكْمَتُهُ] وَقَوْلُهُ: {وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ} يَقُولُ تَعَالَى: وَفِي شَرْعِ الْقِصَاصِ لَكُمْ - وَهُوَ قَتْلُ الْقَاتِلِ- حِكْمَةٌ عَظِيمَةٌ لَكُمْ، وَهِيَ بَقَاءُ الْمُهَجِ وَصَوْنُهَا، لِأَنَّهُ إِذَا عَلِمَ الْقَاتِلُ أَنَّهُ يُقْتَلُ اِنْكَفَّ عَنْ صَنِيعِهِ، فَكَانَ فِي ذَلِكَ حَيَاةٌ لِلنُّفُوسِ، وَفِي الْكُتُبِ الْمُتَقَدِّمَةِ: اَلْقَتْلُ أَنْفى لِلْقَتْلِ. فَجَاءَتْ هَذِهِ الْعِبَارَةُ فِي الْقُرْآنِ أَفْصَحَ وَأَبْلَغَ وَأَوْجَزَ {وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ} قَالَ أَبُو الْعَالِيَةِ: جَعَلَ اللهُ الْقِصَاصَ حَيَاةً، فَكَمْ مِنْ رَجُلٍ يُرِيدُ أَنْ يَقْتُلَ فَتَمْنَعُهُ مَخَافَةَ أَن يُقْتَلَ. وَكَذَا رُوِيَ عَنْ مُجَاهِدٍ وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ وَأَبِي مَالِكٍ وَالْحَسَنِ وَقَتَادَةَ وَالرَّبِيعِ بْنِ أَنَسٍ وَمُقَاتِلِ بْنِ حَيَّانِ[794]. {يَا أُولِي الأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} يَقُولُ: يَا أُولِي الْعُقُولِ وَالْأَفْهَامِ وَالنُّهى، لَعَلَّكُمْ تَنْزَجِرُونَ وَتَتْرُكُونَ مَحَارِمَ اللهِ وَمَآثِمَهُ، وَالتَّقْوى اِسْمٌ جَامِعٌ لِفِعْلِ الطَّاعَاتِ وَتَرْكِ الْمُنْكَرَاتِ. [794] (ابن أبي حاتم غ:1/290-292) {كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ *فَمَنْ بَدَّلَهُ بَعْدَمَا سَمِعَهُ فَإِنَّمَا إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ *فَمَنْ خَافَ مِنْ مُوصٍ جَنَفًا أَوْ إِثْمًا فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ فَلاَ إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} [الْأَمْرُ بِالْوَصِيَّةِ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ، ثُمَّ نَسْخُهَا فِي حَقِّ الْوَرَثَةِ] اِشْتَمَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ الْكَرِيمَةُ عَلَى الْأَمْرِ بِالْوَصِيَّةِ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ، وَقَدْ كَانَ ذَلِكَ وَاجِبًا عَلَى أَصَحِّ الْقَوْلَيْنِ قَبْلَ نُزُولِ آيَةِ الْمَوَارِيثِ، فَلَمَّا نَزَلَتْ آيَةُ الْفَرَائِضِ نُسِخَتْ هَذِهِ، وَصَارَتِ الْمَوَارِيثُ الْمُقَدَّرَةُ فَرِيضَةً مِنَ اللهِ يَأْخُذُهَا أَهْلُوهَا، حَتْمًا مِنْ غَيْرِ وَصِيَّةٍ، وَلاَ تَحَمُّلِ مِنَّةِ الْمُوصِي، وَلِهَذَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ الَّذِي فِي السُّنَنِ وَغَيْرِهَا عَنْ عَمْرِو بْنِ خَارِجَةَ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَخْطُبُ وَهُوَ يَقُولُ: «إِنَّ اللهَ قَدْ أَعْطَى كُلَّ ذِي حَقٍّ حَقَّهُ، فَلاَ وَصِيَّةَ لِوَارِثٍ»[795]. [795] (تحفة الأحوذي:6/313، والنسائي:6م247، وابن ماجه:2/905) وَرَوَى الْإِمَامُ أَحْمَدُ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ، قَالَ: جَلَسَ ابْنُ عَبَّاسٍ فَقَرَأَ سُورَةَ الْبَقرَةِ حَتَّى أَتى عَلَى هَذِهِ الْآيَةِ: {إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ} فَقَالَ: نُسِخَتْ هَذِهِ الْآيَةُ. وَكَذَا رَوَاهُ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ، وَالْحَاكِمُ فِي مُسْتَدْرَكِهِ[796]. وَقَالَ: صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِهِمَا. وَرَوَى ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، فِي قَوْلِهِ: {الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ} : نَسَخَتْهَا هذِه الْآيَةُ: {لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالأَقْرَبُونَ وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالأَقْرَبُونَ مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا} [النساء:7] ثُمَّ قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ وَأَبِي مُوسى وَسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ وَالْحَسَنِ[797] وَمُجَاهِدٍ وَعَطَاءٍ وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ وَمُحَمَّدِ ابْنِ سِيرِينَ وَعِكْرِمَةَ[798] وَزَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ وَالرَّبِيعِ بْنِ أَنَسٍ[799] وَقَتَادَةَ وَالسُّدِّيِّ وَمُقَاتِلِ بْنِ حَيَّانَ[800] وَطَاؤُسٍ[801] وَإِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ وَشُرَيْحٍ وَالضَّحَّاكِ وَالزُّهْرِيِّ: أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ مَنْسُوخَةٌ، نَسَخَتْهَا آيَةُ الْمِيرَاثِ[802]. [796] (سعيد بن منصور:2/663، والحاكم:2/273) [797] (ابن أبي حاتم غ:1/302،301) [798] (الطبري:3/391) [799] (ابن أبي حاتم غ:1/302) [800] (ابن أبي حاتم غ:1/301) [801] (الطبري:3/389) [802] (ابن أبي حاتم غ:1/303) [اَلْوَصِيَّةُ لِقَرِيبٍ لاَ يَرِثُ] بَقِيَ الْأَقَارِبُ الَّذِينَ لاَ مِيرَاثَ لَهُمْ يُسْتَحَبُّ لَهُ أَنْ يُوصِيَ لَهُمْ مِنَ الثُّلُثِ اِسْتِئْنَاسًا بِآيَةِ الْوَصِيَّةِ وَشُمُولِهَا، وَلِمَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «مَا حَقُّ امْرِىءٍ مُسْلِمٍ لَهُ شَيْءٌ يُوصِي فِيهِ يَبِيتُ لَيْلَتَيْنِ إِلاَّ وَوَصِيَّتُهُ مَكْتُوبَةٌ عِنْدَهُ». قَالَ ابْنُ عُمَرَ: مَا مَرَّتْ عَلَيَّ لَيْلَةٌ مُنْذُ سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ ذَلِكَ إِلاَّ وَعِنْدِي وَصِيَّتِي[803]. وَالْآيَاتُ وَالْأَحَادِيثُ بِالْأَمْرِ بِبِرِّ الْأَقَارِبِ وَالْإِحْسَانِ إِلَيْهِمْ كَثِيرَةٌ جِدًّا. [803] (فتح الباري:5/419، ومسلم:3/1250،1249) [اَلْوَصِيَّةُ بِالْمَعْرُوفِ] وَالْمُرَادُ بِالْمَعْرُوفِ أَن يُوصِيَ لِأَقْرَبِيهِ وَصِيَّةً لاَ تُجْحِفُ بِوَرَثَتِهِ مِنْ غَيْرِ إِسْرَافٍ وَلاَ تَقْتِيرٍ، كَمَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ أَنَّ سَعْدًا قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّ لِي مَالاً وَلاَ يَرِثُنِي إِلاَّ ابْنَةٌ لِي، أَفَأُوصِي بِثُلُثَيْ مَالِي؟ قَالَ: «لاَ» قَالَ: فَبِالشَّطْرِ؟ قَالَ: «لاَ» قَالَ: فَالثُّلُثِ؟ قَالَ: «الثُّلُثِ وَالثُّلُثُ كَثِيرٌ، إِنَّكَ أَنْ تَذَرَ وَرَثَتَكَ أَغْنِيَاءَ خَيْرٌ مِنْ أَنْ تَدَعَهُمْ عَالَةً يَتَكَفَّفُونَ النَّاسَ»[804]. وَفِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ قَالَ: لَوْ أَنَّ النَّاسَ غَضُّوا مِنَ الثُّلُثِ إِلَى الرُّبُعِ، فَإِنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «الثُّلُثُ وَالثُّلُثُ كَثِيرٌ».[805] [804] (فتح الباري:5/724، ومسلم:3/1250) [805] (البخاري:2743) وَقَوْلُهُ: {فَمَنْ بَدَّلَهُ بَعْدَمَا سَمِعَهُ فَإِنَّمَا إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} يَقُولُ تَعَالَى: فَمَنْ بَدَّلَ الْوَصِيَّةَ وَحَرَّفَهَا، فَغَيَّرَ حُكْمَهَا وَزَادَ فِيهَا أَوْ نَقَصَ، وَيَدْخُلُ فِي ذَلِكَ الْكِتْمَانُ لَهَا بِطَرِيقِ الْأَوْلى {فَإِنَّمَا إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ} : قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَغَيْرُ وَاحِدٍ: وَقَدْ وَقَعَ أَجْرُ الْمَيِّتِ عَلَى اللهِ، وَتَعَلَّقَ الْإِثْمُ بِالَّذِينَ بَدَّلُوا ذَلِكَ[806] {إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} أَيْ قَدْ اِطَّلَعَ عَلَى مَا أَوْصَى بِهِ الْمَيِّتُ، وَهُوَ عَلِيمٌ بِذَلِكَ، وَبِمَا بَدَّلَهُ الْمُوصِى إِلَيْهِمْ. [806] (الطبري:3/397) وَقَوْلُهُ تَعَالَى: {فَمَنْ خَافَ مِنْ مُوصٍ جَنَفًا أَوْ إِثْمًا} قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ[807] وَأَبُو الْعَالِيَةِ وَمُجَاهِدٌ وَالضَّحَّاكُ وَالرَّبِيعُ بْنُ أَنَسٍ وَالسُّدِّيُّ: اَلْجَنَفُ: الْخَطَأُ[808]. وَهَذَا يَشْمَلُ أَنْوَاعَ الْخَطَأِ كُلَّهَا: بِأَنْ زَادَ وَارِثًا بِوَاسِطَةٍ أَوْ وَسِيلَةٍ، كَمَا إِذَا أَوْصى بِبَيْعِهِ الشَّيْءَ الْفُلاَنِيَّ مُحَابَاةً، أَوْ أَوْصى لاِبْنِ ابْنَتِهِ لِيَزِيدَهَا، أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ مِنَ الْوَسَائِلِ، إِمَّا مُخْطِئًا غَيْرَ عَامِدٍ، بَلْ بِطَبْعِهِ وَقُوَّةِ شَفَقَتِهِ مِنْ غَيْرِ تَبَصُّرٍ، أَوْ مُتَعَمِّدًا آثِمًا فِي ذَلِكَ، فَلِلْوَصِيِّ - وَالْحَالَةُ هَذِهِ - أَن يُصْلِحَ الْقَضِيَّةَ، وَيَعْدِلَ فِي الْوَصِيَّةِ عَلَى الْوَجْهِ الشَّرْعِيِّ، وَيَعْدِلَ عَنِ الَّذِي أَوْصى بِهِ الْمَيِّتُ إِلَى مَا هُوَ أَقْرَبُ الْأَشْيَاءِ إِلَيْهِ، وَأَشْبَهُ الْأُمُورِ بِهِ، جَمْعًا بَيْنَ مَقْصُودِ الْمُوصِي وَالطَّرِيقِ الشَّرْعِيِّ، وَهَذَا الْإِصْلاَحُ وَالتَّوْفِيقُ لَيْسَ مِنَ التَّبْدِيلِ فِي شَيْءٍ، وَلِهَذَا عَطَفَ هَذَا فَبَيَّنَهُ - عَلَى النَّهْيِ عَنْ ذَلِكَ - لِيُعْلَمَ: أَنَّ هَذَا لَيْسَ مِنْ ذَلِكَ بِسَبِيلٍ، وَاللهُ أَعْلَمُ. [807] (ابن أبي حاتم غ:1/310) [808] (ابن أبي حاتم غ:1/311) [فَضْلُ الْعَدْلِ فِي الْوَصِيَّةِ] رَوى عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «إِنَّ الرَّجُلَ ليَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ الْخَيْرِ سَبْعِينَ سَنَةً، فَإِذَا أَوْصَى حَافَ فِي وَصِيَّتِهِ، فَيُخْتَمُ لَهُ بِشَرِّ عَمَلِهِ، فَيَدْخُلُ النَّارَ. وَإِنَّ الرَّجُلَ لَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ الشَّرِّ سَبْعِينَ سَنَةً، فَيَعْدِلُ فِي وَصِيَّتِهِ، فَيُخْتَمُ لَهُ بِخَيْرِ عَمَلِهِ، فَيَدْخُلُ الْجَنَّةَ». قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: اِقْرَؤُوا إِنْ شِئْتُمْ: {تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلاَ تَعْتَدُوهَا}... الْآيَةَ [البقرة: 229] [809] [809] (عبدالرزاق:9/88) {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ *أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ} [الْأَمْرُ بِالصَّوْمِ] يَقُولُ تَعَالَى مُخَاطِبًا لِلْمُؤمِنِينَ مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ، وَآمِرًا لَهُمْ بِالصِّيَامِ، وَهُوَ الْإِمْسَاكُ عَنِ الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ وَالْوِقَاعِ، بِنِيَّةٍ خَالِصَةٍ للهِ عَزَّ وَجَلَّ، لِمَا فِيهِ مِنْ زَكَاةِ النُّفُوسِ وَطَهَارَتِهَا وَتَنَقِيتَهَا مِنَ الْأَخْلاَطِ الرَّدِيِئَةِ وَالْأَخْلاَقِ الرَّذِيلَةِ، وَذَكَرَ: أَنَّهُ كَمَا أَوْجَبَهُ عَلَيْهِمْ فَقَدْ أَوْجَبَهُ عَلَى مَنْ كَانَ قَبْلَهُمْ، فَلَهُمْ فِيهِ أُسْوَةٌ، وَلِيَجْتَهِدْ هؤُلاَءِ فِي أَدَاءِ هَذَا الْفَرْضِ أَكْمَلَ مِمَّا فَعَلَهُ أُولَئِكَ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: {لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ}... الْآيَةَ [المائدة: 48]، وَلِهَذَا قَالَ ههُنَا: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} لِأَنَّ الصَّوْمَ فِيهِ تَزْكِيَةٌ لِلْبَدَنِ وَتَضْيِيقٌ لِمَسَالَكِ الشَّيْطَانِ، وَلِهَذَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ: «يَا مَعْشَرَ الشَّبَابِ مَنِ اسْتَطَاعَ مِنْكُمُ الْبَاءَةَ فَلْيَتَزَوَّجْ، وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَعَلَيْهِ بِالصَّوْمِ فَإِنَّهُ لَهُ وِجَاءٌ».[810] ثُمَّ بَيَّنَ مِقْدَارَ الصَّوْمِ وَأَنَّهُ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ لِئَلاَّ يَشُقَّ عَلَى النُّفُوسِ فَتَضْعُفَ عَنْ حَمْلِهِ وَأَدَائِهِ. [810] (فتح الباري:9/8، ومسلم:2/1018) وَقَدْ أَخْرَجَ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا قَالَتْ: كَانَ عَاشُورَاءُ يُصَامُ، فَلَمَّا نَزَلَ فَرْضُ رَمَضَانَ كَانَ مَنْ شَاءَ صَامَ وَمَنْ شَاءَ أَفْطَرَ[811]. وَرَوَى الْبُخَارِيُّ عَنِ ابْنِ عُمَرَ وَابْنِ مَسْعُودٍ مِثْلَهُ[812]. [811] (فتح الباري:8/26، ومسلم:2/792) [812] (فتح الباري:8/26) وَقَوْلُهُ تَعَالَى: {وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ} كَمَا قَالَ مُعَاذٌ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ: كَانَ فِي ابْتِدَاءِ الْأَمْرِ مَنْ شَاءَ صَامَ، وَمَنْ شَاءَ أَفْطَرَ وَأَطْعَمَ عَنْ كُلِّ يَوْمٍ مِسْكِينًا، وَهكَذَا رَوَى الْبُخَارِيُّ عَنْ سَلَمَةَ بْنِ الْأَكْوَعِ أَنَّهُ قَالَ لَمَّا نَزَلَتْ: {وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ} : كَانَ مَنْ أَرَادَ أَنْ يُفْطِرَ يَفْتَدِي، حَتَّى نَزَلَتِ الْآيَةُ الَّتِي بَعْدَهَا فَنَسَخَتْهَا[813]. وَرُوِيَ أَيْضًا مِنْ حَدِيثِ عُبَيْدِ اللهِ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: هِيَ مَنْسُوخَةٌ[814]. وَقَالَ السُّدِّيُّ عَنْ مُرَّةَ عَنْ عَبْدِ اللهِ، قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ: {وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ} قَالَ: يَقُولُ: {وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ} أَيْ يَتَجَشَّمُونَهُ، قَالَ عَبْدُ اللهِ: فَكَانَ مَنْ شَاءَ صَامَ، وَمَنْ شَاءَ أَفْطَرَ وَأَطْعَمَ مِسْكِينًا[815]. {فَمَنْ تَطَوَّعَ} يَقُولُ: أَطْعَمَ مِسْكِينًا آخَرَ {فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ} فَكَانُوا كَذَلِكَ حَتَّى نَسَخَتْهَا {فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ}. [813] (فتح الباري:8/29) [814] (فتح الباري:8/29) [815] (فتح الباري:8/28) [فِدْيَةُ الصِّيَامِ لِلْعَجَزَةِ وَكَبِيرِي السِّنِّ] وَرَوَى الْبُخَارِيُّ عَنْ عَطَاءٍ سَمِعَ ابْنَ عَبَّاسٍ يَقْرَأُ:(وَعَلَى الَّذِينَ يُطَوَّقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ) قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: لَيْسَتْ مَنْسُوخَةً، هُوَ لِلشَّيْخِ الْكَبِيرِ وَالْمَرْأَةِ الْكَبِيرَةِ لاَ يَسْتَطِيعَانِ أَنْ يَصُومَا فَيُطْعِمَانِ مَكَانَ كُلِّ يَوْمٍ مِسْكِينًا[816]. وَهكَذَا رَوَى غَيْرُ وَاحِدٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ نَحْوَهُ، فَحَاصِلُ الْأَمْرِ أَنَّ النَّسْخَ ثَابِتٌ فِي حَقِّ الصَّحِيحِ الْمُقِيمِ بِإِيجَابِ الصِّيَامِ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ: {فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ} وَأَمَّا الشَّيْخُ الْفَانِي الْهَرِمُ الَّذِي لاَ يَسْتَطِيعُ الصِّيَامَ، فَلَهُ أَنْ يُفْطِرَ، وَلاَ قَضَاءَ عَلَيْهِ، لِأَنَّهُ لَيْسَتْ لَهُ حَالٌ يَصِيرُ إِلَيْهَا يَتَمَكَّنُ فِيهَا مِنَ الْقَضَاءِ، بَلْ يَجِبُ عَلَيْهِ فِدْيَةٌ عَنْ كُلِّ يَوْمٍ، كَمَا فَسَّرَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ وَغَيْرُهُ مِنَ السَّلَفِ عَلَى قِرَاءَةِ مَنْ قَرَأَ: (وَعَلَى الَّذِينَ يُطَوَّقُونَهُ) أي: يَتَجَشَّمُونَهُ[817]. كَمَا قَالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ وَغَيْرُهُ. وَهُوَ اِخْتِيَارُ الْبُخَارِيِّ فَإِنَّهُ قَالَ: وَأَمَّا الشَّيْخُ الْكَبِيرُ إِذَا لَمْ يُطِقِ الصِّيَامَ، فَقَدْ أَطْعَمَ أَنَسٌ بَعْدَ مَا كَبُرَ عَامًا أَوْ عَامَيْنِ عَنْ كُلِّ يَوْمٍ مِسْكِينًا، خُبْزًا وَلَحْمًا وَأَفْطَرَ.[818]. [816] (فتح الباري:8/218) [817] (الطبري:3/431) [818] (فتح الباري:8/179) وَهَذَا الَّذِي عَلَّقَهُ الْبُخَارِيُّ قَدْ أَسْنَدَهُ الْحَافِظُ أَبُو يَعْلى الْمَوْصِلِيُّ فِي مُسْنَدِهِ عَنْ أَيُّوبَ بْنِ أَبِي تَمِيمَةَ، قَالَ: ضَعُفَ أَنَسٌ عَنِ الصَّوْمِ، فَصَنَعَ جَفْنَةً مِنْ ثَرِيدٍ، فَدَعَا ثَلاَثِينَ مِسْكِينًا فَأَطْعَمَهُمْ[819]. وَمِمَّا يَلْتَحِقُ بِهَذَا الْمَعْنَى: الْحَامِلُ وَالْمُرْضِعُ إِذَا خَافَتَا عَلَى أَنْفُسِهِمَا أَوْ وَلَدَيْهِمَا، يَفْدِيَانِ فَقَطْ وَلاَ قَضَاءَ عَلَيْهِمَا. [819] (مسند أبي يعلى:7/204، طبراني كبير:675) {شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدىً لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} [فَضْلُ رَمَضَانَ وَنُزُولُ الْقُرْآنِ فِيهِ] يَمْدَحُ تَعَالَى شَهْرَ الصِّيَامِ مِنْ بَيْنِ سَائِرِ الشُّهُورِ بِأَنِ اخْتَارَهُ مِنْ بَيْنِهِنَّ ِلإِنْزَالِ الْقُرْآنِ الْعَظِيمِ فِيهِ، وَكَمَا اخْتَصَّهُ بِذَلِكَ قَدْ وَرَدَ الْحَدِيثُ بِأَنَّهُ الشَّهْرُ الَّذِي كَانَتِ الْكُتُبُ الْإِلهِيَّةُ تُنْزَلُ فِيهِ عَلَى الْأَنْبِيَاءِ، رَوَى الْإِمَامُ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ رَحِمَهُ اللهُ عَنْ وَاثِلَةَ يَعْنِي ابْنَ الْأَسْقَعِ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ، قَالَ: «أُنْزِلَتْ صُحُفُ إِبْرَاهِيمَ فِي أَوَّلِ لَيْلَةٍ مِنْ رَمَضَانَ، وَأُنْزِلَتِ التَّورَاةُ لِسِتٍّ مَضَيْنَ مِنْ رَمَضَانَ، وَالْإِنْجِيلُ لِثَلاثَ عَشَرَةَ خَلَتْ مِنْ رَمَضَانَ، وَأَنْزَلَ اللهُ الْقُرْآنَ لِأَرْبَعٍ وَعِشْرِينَ خَلَتْ مِنْ رَمَضَانَ»[820]. [820] (أحمد:4/107) [فَضْلُ الْقُرْآنِ] وَقَوْلُهُ: {هُدىً لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ} هَذَا مَدْحٌ لِلْقُرْآنِ الَّذِي أَنْزَلَهُ اللهُ هُدًى لِقُلُوبِ الْعِبَادِ مِمَّنْ آمَنَ بِهِ وَصَدَّقَهُ وَاتَّبَعَهُ {وَبَيِّنَاتٍ} أَيْ دَلاَئِلَ وَحُجَجًا بَيِّنَةً وَاضِحَةً جَلِيَّةً لِمَنْ فَهِمَهَا وَتَدَبَّرَهَا، دَالَّةً عَلَى صِحَّةِ مَا جَاءَ بِهِ مِنَ الْهُدَى الْمُنَافِي لِلضَّلاَلِ، وَالرُّشْدِ الْمُخَالِفِ لِلْغَيِّ، وَمُفَرِّقًا بَيْنَ الْحَقِّ وَالْبَاطِلِ وَالْحَلاَلِ وَالْحَرَامِ. [إِيجَابُ صَوْمِ شَهْرِ رَمَضَانَ] وَقَوْلُهُ: {فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ} هَذَا إِيجَابُ حَتْمٍ عَلَى مَنْ شَهِدَ اسْتِهْلاَلَ الشَّهْرِ، أَيْ كَانَ مُقِيمًا فِي الْبَلَدِ حِينَ دَخَلَ شَهْرُ رَمَضَانَ، وَهُوَ صَحِيحٌ فِي بَدَنِهِ، أَنْ يَصُومَ لاَ مَحَالَةَ، وَنَسَخَتْ هَذِهِ الْآيَةُ الْإِبَاحَةَ الْمُتَقَدِّمَةَ لِمَنْ كَانَ صَحِيحًا مُقِيمًا أَنْ يُفْطِرَ وَيَفْدِيَ بِإِطْعَامِ مِسْكِينٍ عَنْ كُلِّ يَوْمٍ، كَمَا تَقَدَّمَ بَيَانُهُ، وَلَمَّا حَتَّمَ الصِّيَامَ أَعَادَ ذِكْرَ الرُّخْصَةِ لِلْمَرِيضِ وَلِلْمُسَافِرِ فِي الْإِفْطَارِ، بِشَرْطِ الْقَضَاءِ، فَقَالَ: {وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ} مَعْنَاهُ: وَمَنْ كَانَ بِهِ مَرَضٌ فِي بَدَنِهِ يَشُقُّ عَلَيْهِ الصِّيَامُ مَعَهُ أَوْ يُؤْذِيهِ، أَوْ كَانَ عَلَى سَفَرٍ، أَيْ فِي حَالَةِ السَّفَرِ، فَلَهُ أَنْ يُفْطِرَ، فَإِذَا أَفْطَرَ فَعَلَيْهِ عِدَّةُ مَا أَفْطَرَهُ فِي السَّفَرِ مِنَ الْأَيَّامِ، وَلِهَذَا قَالَ: {يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ} أَيْ إِنَّمَا رَخَّصَ لَكُمْ فِي الْفِطْرِ فِي حَالِ الْمَرَضِ وَفِي السَّفَرِ مَعَ تَحَتُّمِهِ فِي حَقِّ الْمُقِيمِ الصَّحِيحِ تَيْسِيرًا عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةً بِكُمْ. [مَسَائِلُ عَنِ الصَّوْمِ فِي السَّفَرِ] وَقَدْ ثَبَتَتِ السُّنَّةُ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ أَنَّهُ خَرَجَ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ لِغَزْوَةِ الْفَتْحِ، فَسَارَ حَتَّى بَلَغَ الْكَدِيدَ، ثُمَّ أَفْطَرَ، وَأَمَرَ النَّاسَ بِالْفِطْرِ. أَخْرَجَهُ صَاحِبَا الصَّحِيحِ[821]. وَالْأَمْرُ فِي ذَلِكَ عَلَى التَّخْيِيرِ وَلَيْسَ بِحَتْمٍ، لِأَنَّهُمْ كَانُوا يَخْرُجُونَ مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ. قَالَ: فَمِنَّا الصَّائِمُ وَمِنَّا الْمُفْطِرُ، فَلَمْ يَعِبِ الصَّائِمُ عَلَى الْمُفْطِرِ، وَلاَ الْمُفْطِرُ عَلَى الصَّائِمِ، فَلَوْ كَانَ الْإِفْطَارُ هُوَ الْوَاجِبُ لَأَنْكَرَ عَلَيْهِمُ الصِّيَامَ، بَلِ الَّذِي ثَبَتَ مِنْ فِعْلِ رَسُولِ اللهِ ﷺ أَنَّهُ كَانَ فِي مِثْلِ هَذِهِ الْحَالَةِ صَائِمًا، لِمَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ، قَالَ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ فِي حَرٍّ شَدِيدٍ، حَتَّى إِنْ كَانَ أَحَدُنَا لَيَضَعُ يَدَهُ عَلَى رَأْسِهِ مِنْ شِدَّةِ الْحَرِّ، وَمَا فِينَا صَائِمٌ إِلاَّ رَسُولُ اللهِ ﷺ وَعَبْدُ اللهِ ابْنُ رَوَاحَةَ[822]. [821] (فتح الباري:3/213، ومسلم:2/784) [822] (فتح الباري:4/215، ومسلم:2/790) وَالْإِفْطَارُ فِي السَّفَرِ أَفْضَلُ، أَخْذًا بِالرُّخْصَةِ، وَلِمَا ثَبَتَ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ أَنَّهُ سُئِلَ عَنِ الصَّوْمِ فِي السَّفَرِ، فَقَالَ: «مَنْ أَفْطَرَ فَحَسَنٌ، وَمَنْ صَامَ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِ»[823]. وَقَالَ فِي حَدِيثٍ آخَرَ: «عَلَيْكُمْ بِرُخْصَةِ اللهِ الَّتِي رَخَّصَ لَكُمْ»[824]. وَقَالَتْ طَائِفَةٌ: هُمَا سَوَاءٌ، لِحَدِيثِ عَائِشَةَ أَنَّ حَمْزَةَ بْنَ عَمْرٍو الْأَسْلَمِيَّ قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنِّي كَثِيرُ الصِّيَامِ، أَفَأَصُومُ فِي السَّفَرِ؟ فَقَالَ: «إِنْ شِئْتَ فَصُمْ، وَإِنْ شِئْتَ فَأَفْطِرْ». وَهُوَ فِي الصَّحِيحَيْنِ[825]. وَقِيلَ: إِنْ شَقَّ الصِّيَامُ فَالْإِفْطَارُ أَفْضَلُ، لِحَدِيثِ جَابِرٍ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ رَأَى رَجُلاً قَدْ ظُلِّلَ عَلَيْهِ فَقَالَ: «مَا هَذَا»؟ قَالُوا: صَائِمٌ، فَقَالَ: «لَيْسَ مِنَ الْبِرِّ الصِّيَامُ فِي السَّفَرِ». أَخْرَجَاهُ[826]. [823] (مسلم:2/790) [824] (مسلم:2/786) [825] (فتح الباري:4/211، ومسلم:2/789) [826] (فتح الباري:4/216، ومسلم:2/786) فَأَمَّا إِنْ رَغِبَ عَنِ السُّنَّةِ وَرَأَى أَنَّ الْفِطْرَ مَكْرُوهٌ إِلَيْهِ، فَهَذَا يَتَعَيَّنُ عَلَيْهِ الْإِفْطَارُ، وَيَحْرُمُ عَلَيْهِ الصِّيَامُ. وَلاَ يَجِبُ التَّتَابُعُ فِي الْقَضَاءِ، بَلْ إِنْ شَاءَ فَرَّقَ وَإِنْ شَاءَ تَابَعَ، وَعَلَيْهِ ثَبَتَتِ الدَّلاَئِلُ لِأَنَّ التَّتَابُعَ إِنَّمَا وَجَبَ فِي الشَّهْرِ لِضَرُورَةِ أَدَائِهِ فِي الشَّهْرِ، فَأَمَّا بَعْدَ انْقِضَاءِ رَمَضَانَ، فَالْمُرَادُ صِيَامُ أَيَّامٍ عِدَّةَ مَا أَفْطَرَ، وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى: {فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ}. [اَلْيُسْرُ دُونَ الْعُسْرِ] ثُمَّ قَالَ تَعَالَى: {يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ} وَرَوَى الْإِمَامُ أَحْمَدُ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «يَسِّرُوا وَلاَ تُعَسِّرُوا وَسَكِّنُوا وَلاَ تُنَفِّرُوا». أَخْرَجَاهُ فِي الصَّحِيحَيْنِ[827]. وَفِي الصَّحِيحَيْنِ أَيْضًا أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ لِمُعَاذٍ وَأَبِي مُوسى حِينَ بَعَثَهُمَا إِلَى الْيَمَنِ: «بَشِّرَا وَلاَ تُنَفِّرَا، وَيَسِّرَا وَلاَ تُعَسِّرَا، وَتَطَاوَعَا وَلاَ تَخْتَلِفَا»[828]. ومَعْنى قَوْلِهِ: {يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ} أَيْ إِنَّمَا أَرْخَصَ لَكُمْ فِي الْإِفْطَارِ لِلْمَرَضِ وَالسَّفَرِ وَنَحْوِهِمَا مِنَ الْأَعْذَارِ لِإِرَادَتِهِ بِكُمُ الْيُسْرَ، وَإِنَّمَا أَمَرَكُمْ بِالْقَضَاءِ لِتُكْمِلُوا عِدَّةَ شَهْرِكُمْ. [827] (أحمد:3/131و209، وفتح الباري:10/541، ومسلم:3/1359) [828] (فتح الباري:7/660ن ومسلم:3/1587) [ذِكْرُ اللهِ عَلَى إِتْمَامِ الْعِبَادَةِ] وَقَوْلُهُ: {وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ} أَيْ وَلِتَذْكُرُوا اللهَ عِنْدَ انْقِضَاءِ عِبَادَتِكُمْ، كَمَا قَالَ: {فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا} [البقرة: 200] وَقَالَ: {فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلاَةُ فَانْتَشِرُوا فِي الأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} [الجمعة:10] وَقَالَ: {وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوب * وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَأَدْبَارَ السُّجُود} [ق: 39،40] وَلِهَذَا جَاءَتِ السُّنَّةُ بِاسْتِحْبَابِ التَّسْبِيحِ وَالتَّحْمِيدِ وَالتَّـكْبِيرِ بَعْدَ الصَّلَوَاتِ الْمَكْتُوبَاتِ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: مَا كُنَّا نَعْرِفُ انْقِضَاءَ صَلاَةِ رَسُولِ اللهِ ﷺ إِلاَّ بِالتَّكْبِيرِ[829]. وَلِهَذَا أَخَذَ كَثِيرٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ مَشْرُوعِيَّةَ التَّكْبِيرِ فِي عِيدِ الْفِطْرِ مِنْ هَذِهِ الْآيَةِ: {وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ}. [829] (البخاري:842) وَقَوْلُهُ: {وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} أَيْ إِذَا قُمْتُمْ بِمَا أَمَرَكُمُ اللهُ مِنْ طَاعَتِهِ بِأَدَاءِ فَرَائِضِهِ وَتَرْكِ مَحَارِمِهِ وَحِفْظِ حُدُودِهِ، فَلَعَلَّكُمْ أَنْ تَكُونُوا مِنَ الشَّاكِرِينَ بِذَلِكَ. {وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ} [اَللهُ يَسْمَعُ دُعَاءَ عِبَادِهِ] وَرَوَى الْإِمَامُ أَحْمَدُ عَنْ أَبِي مُوسى الْأَشْعَرِيِّ، قَالَ: كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ فِي غَزَاةٍ، فَجَعَلْنَا لاَ نَصْعَدُ شَرَفًا، وَلاَ نَعْلُو شَرَفًا، وَلاَ نَهْبِطُ وَادِيًا، إِلاَّ رَفَعْنَا أَصْوَاتَنَا بِالتَّكْبِيرِ، قَالَ: فَدَنَا مِنَّا، فَقَالَ: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ، ارْبَعُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ، فَإِنَّكُمْ لاَ تَدْعُونَ أَصَمَّ وَلاَ غَائِبًا، إِنَّمَا تَدْعُونَ سَمِيعًا بَصِيرًا، إِنَّ الَّذِي تَدْعُونَ أَقْرَبُ إِلَى أَحَدِكُمْ مِنْ عُنُقِ رَاحِلَتِهِ، يَا عَبْدَ اللهِ بْنَ قَيْسٍ، أَلاَ أُعَلِّمُكَ كَلِمَةً مِنْ كُنُوزِ الْجَنَّةِ؟ لاَ حَوْلَ وَلاَ قُوَّةَ إِلاَّ بِاللهِ»[830]. أَخْرَجَاهُ فِي الصَّحِيحَيْنِ[831]. وَبَقِيَّةُ الْجَمَاعَةِ بِنَحْوِهِ. وَرَوَى الْإِمَامُ أَحْمَدُ عَنْ أَنَسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ. قَالَ: «يَقُولُ اللهُ تَعَالَى: أَنَا عِنْدَ ظَنِّ عَبْدِي بِي وَأَنَا مَعَهُ إِذَا دَعَانِي»[832]. [830] (أحمد:4/402) [831] (فتح الباري:2/509، ومسلم:4/2076) [832] (أحمد:3/210) [اَلدُّعَاءُ يُقْبَلُ وَلاَ يَضِيعُ] وَرَوَى الْإِمَامُ أَحْمَدُ أَيْضًا عَنْ أَبِي سَعِيدٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «مَا مِنْ مُسْلِمٍ يَدْعُو اللهَ عَزَّ وَجَلَّ بِدَعْوَةٍ لَيْسَ فِيهَا إِثْمٌ وَلاَ قَطِيعَةُ رَحِمٍ، إِلاَّ أَعْطَاهُ اللهُ بِهَا إِحْدَى ثَلاَثِ خِصَالٍ: إِمَّا أَنْ يُعَجِّلَ لَه دَعْوَتَهُ، وَإِمَّا أَنْ يَدَّخِرَهَا لَهُ فِي الْأُخْرَى، وَإِمَّا أَنْ يَصْرِفَ عَنْهُ مِنَ السُّوءِ مِثْلَهَا» قَالُوا: إذًا نُكْثِرَ؟ قَالَ: «اللهُ أَكْثَرُ»[833]. [833] (أحمد:3/18) وَرَوَى عَبْدُ اللهِ بْنُ الْإِمَامِ أَحْمَدَ عَنْ جُبَيْرٍ بْنِ نُفَيْرٍ: أَنَّ عُبَادَةَ بْنَ الصَّامِتِ، حَدَثَّهُمْ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «مَا عَلَى ظَهْرِ الْأَرْضِ مِنْ رَجُل مُسْلِمٍ يَدْعُو اللهَ عَزَّ وَجَلَّ بِدَعْوَةٍ إِلاَّ آتَاهُ اللهُ إِيَّاهَا، أَوْ كَفَّ عَنْهُ مِنَ السُّوءِ مِثْلَهَا: مَا لَمْ يَدْعُ بِإِثْمٍ أَوْ قَطِيعَةِ رَحِمٍ»[834]. وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ[835]. [834] (أحمد:5/329) [835] (تحفة الأحوذي:10/24) وَرَوَى الْإِمَامُ مَالِكٌ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ، قَالَ: «يُسْتَجَابُ لِأَحَدِكُمْ مَالَمْ يَعْجَلْ، يَقُولُ: دَعَوْتُ فَلَمْ يُسْتَجَبْ لِي»[836]. أَخْرَجَاهُ فِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ حَدِيثِ مَالِكٍ[837]. وَهَذَا لَفْظُ الْبُخَارِيِّ، رَحِمَهُ اللهُ وَأَثَابَهُ الْجَنَّةَ. [836] (أحمد:2/396) [837] (فتح الباري:11/145، ومسلم:4/2095) وَرَوَى مُسْلِمٌ عَنْهُ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، أَنَّهُ قَالَ: «لاَ يَزَالُ يُسْتَجَابُ لِلْعَبْدِ مَا لَمْ يَدْعُ بِإِثْمٍ أَوْ قَطِيعَةِ رَحِمٍ مَا لَمْ يَسْتَعْجِلْ» قِيلَ: يَا رَسُولَ اللهِ، وَمَا الاِسْتِعْجَالُ؟ قَالَ: «يَقُولُ: قَدْ دَعَوْتُ وَقَدْ دَعَوْتُ، فَلَمْ أَرَ يُسْتَجَابُ لِي، فَيَسْتَحْسِرُ عِنْدَ ذَلِكَ وَيَدَعُ الدُّعَاءَ»[838]. [838] (مسلم:4/2096) [ثَلاَثَةٌ لاَ تُرَدُّ دَعْوَتُهُمْ] وَفِي مُسْنَدِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ وَسُنَنِ التِّرْمِذِيِّ وَالنَّسَائِيِّ وَابْنِ مَاجَه عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «ثَلاَثَةٌ لاَ تُرَدُّ دَعْوَتُهُمْ: الْإِمَامُ الْعَادِلُ، وَالصَّائِمُ حِينَ يُفْطِرُ، وَدَعْوَةُ الْمَظْلُومِ، يَرْفَعُهَا اللهُ دُونَ الْغَمَامِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَتُفْتَحُ لَهَا أَبْوَابُ السَّمَاءِ، يَقُولُ: بِعِزَّتِي لَأَنْصُرَنَّكِ وَلَوْ بَعْدَ حِينٍ»[839]. [839] (أحمد:3/544، وتحفة الأحوذي:7/229، وابن ماجه:1/557) {أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنْكُمْ فَالآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ وَلاَ تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلاَ تَقْرَبُوهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ} [الْإِذْنُ بِالْأَكْلِ وَالشُّرْبِ وَالْجِمَاعِ فِي لَيَالِي رَمَضَانَ] هَذِهِ رُخْصَةٌ مِنَ اللهِ تَعَالَى لِلْمُسْلِمِينَ، وَرَفْعٌ لِمَا كَانَ عَلَيْهِ الْأَمْرُ فِي ابْتِدَاءِ الْإِسْلاَمِ، فَإِنَّهُ كَانَ إِذَا أَفْطَرَ أَحَدُهُمْ إِنَّمَا يَحِلُّ لَهُ الْأَكْلُ وَالشُّرْبُ وَالْجِمَاعُ إِلَى صَلاَةِ الْعِشَاءِ، أَوْ يَنَامُ قَبْلَ ذَلِكَ، فَمَتى نَامَ أَوْ صَلَّى الْعِشَاءَ حَرُمَ عَلَيْهِ الطَّعَامُ وَالشَّرَابُ وَالْجِمَاعُ إِلَى اللَّيْلَةِ الْقَابِلَةِ، فَوَجَدُوا مِنْ ذَلِكَ مَشَقَّةً كَبِيرَةً، وَ{الرَّفَثُ} هُنَا هُوَ الْجِمَاعُ. قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ وَعَطَاءٌ وَمُجَاهِدٌ. وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيرٍ وَطَاوُسٌ وَسَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللهِ، وَعَمْرُو بْنُ دِينَارٍ وَالْحَسَنُ وَقَتَادَةُ وَالزُّهْرِيُّ[840] وَالضَّحَّاكُ وَإِبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ وَالسُّدِّيُّ وَعَطَاءٌ الْخُرَاسَانِيُّ وَمُقَاتِلُ بْنُ حَيَّانَ[841]. وَقَوْلُهُ: {هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ} قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَمُجَاهِدٌ وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيرٍ وَالْحَسَنُ وَقَتَادَةُ وَالسُّدِّيُّ وَمُقَاتِلُ بْنُ حَيَّانَ: يَعْنِي هُنَّ سَكَنٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ سَكَنٌ لَهُنَّ[842]. وَقَالَ الرَّبِيعُ بْنُ أَنَسٍ: هُنَّ لِحَافٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِحَافٌ لَهُنَّ[843]. وَحَاصِلُهُ: أَنَّ الرَّجُلَ وَالْمَرْأَةَ كُلٌّ مِنْهُمَا يُخَالِطُ الاْخَرَ وَيُمَاسُّهُ وَيُضَاجِعُهُ، فَنَاسَبَ أَن يُرَخَّصَ لَهُمْ فِي الْمُجَامَعَةِ فِي لَيْلِ رَمَضَانَ، لِئَلاَّ يَشُقَّ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ وَيُحْرَجُوا. [840] (ابن أبي حاتم غ:1/367-369) [841] (ابن أبي حاتم غ:1/368) [842] (ابن أبي حاتم غ:1/368-371) [843] (ابن أبي حاتم:1/381) وَقَالَ أَبُو إِسْحَاقَ عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ قَالَ: كَانَ أَصْحَابُ النَّبِيِّ ﷺ إِذَا كَانَ الرَّجُلُ صَائِمًا فَنَامَ قَبْلَ أَنْ يُفْطِرَ لَمْ يَأْكُلْ إِلَى مِثْلِهَا، وَإِنَّ قَيْسَ بْنَ صِرْمَةَ الْأَنْصَارِيَّ كَانَ صَائِمًا، وَكَانَ يَوْمَهُ ذَلِكَ يَعْمَلُ فِي أَرْضِهِ، فَلَمَّا حَضَرَ الْإِفْطَارُ أَتَى امْرَأَتَهُ فَقَالَ: هَلْ عِنْدَكِ طَعَامٌ؟ قَالَت: لاَ، وَلَكِنْ أَنْطَلِقُ فَأَطْلُبُ لَكَ، فَغَلَبَتْهُ عَيْنُهُ فَنَامَ، وَجَاءَتِ امْرَأَتُهُ، فَلَمَّا رَأَتْهُ نَائِمًا قَالَت: خَيْبَةً لَكَ، أَنِمْتَ؟ فَلَمَّا انْتَصَفَ النَّهَارُ غُشِيَ عَلَيْهِ، فَذُكِرَ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ ﷺ فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ: {أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ} إِلَى قَوْلِهِ {وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ} فَفَرِحُوا بِهَا فَرَحًا شَدِيدًا[844]. [844] (الطبري:3/495) وَلَفْظُ الْبُخَارِيِّ ههُنَا مِنْ طَرِيقِ أَبِي إِسْحَاقَ: سَمِعْتُ الْبَرَاءَ، قَالَ: لَمَّا نَزَلَ صَوْمُ رَمَضَانَ كَانُوا لاَ يَقْرَبُونَ النِّسَاءَ رَمَضَانَ كُلَّهُ، وَكَانَ رِجَالٌ يَخُونُونَ أَنْفُسَهُمْ، فَأَنْزَلَ اللهُ: {عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنْكُمْ}[845]. [845] (فتح الباري:8/30) وَقَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: كَانَ الْمُسْلِمُونَ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ إِذَا صَلُّوا الْعِشَاءَ، حَرُمَ عَلَيْهِمُ النِّسَاءُ وَالطَّعَامُ إِلَى مِثْلِهَا مِنَ الْقَابِلَةِ، ثُمَّ إِنَّ أُنَاسًا مِنَ الْمُسْلِمِينَ أَصَابُوا مِنَ النِّسَاءِ وَالطَّعَامِ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ بَعْدَ الْعِشَاءِ، مِنْهُمْ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ فَشَكَوْا ذَلِكَ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ، فَأَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى: {عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنْكُمْ فَالآنَ بَاشِرُوهُنَّ} الْآيَةَ، وَكَذَا رَوَى الْعَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ.[846] [846] (الطبري:3/49،498 إسناده ضعيف، حكم العوفي تقدم) وَقَوْلُهُ: {وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ} قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ وَابْنُ عَبَّاسٍ وَأَنَسٌ وَشُرَيْحٌ الْقَاضِي وَمُجَاهِدٌ وَعِكْرِمَةٌ وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وَعَطَاءٌ وَالرَّبِيعُ بْنُ أَنَسٍ وَالسُّدِّيُّ وَزَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ وَالْحَكَمُ بْنُ عُتْبَةَ وَمُقَاتِلُ بْنُ حَيَّانَ وَالْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ وَالضَّحَّاكُ، وَقَتَادَةُ وَغَيْرُهُمْ: يَعْنِي الْوَلَدَ[847]. وَقَالَ قَتَادَةُ: وَابْتَغُوا الرُّخْصَةَ الَّتِي كَتَبَ اللهُ لَكُمْ، وَقَالَ سَعِيدٌ عَنْ قَتَادَةَ: {وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ} يَقُولُ: مَا أَحَلَّ اللهُ لَكُمْ. [847] (ابن أبي حاتم:1/377-378، والطبري:3/507،506) [آخِرُ وَقْتِ السَّحُورِ] قَوْلُهُ: {وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ} أَبَاحَ تَعَالَى الْأَكْلَ وَالشُّرْبَ مَعَ مَا تَقَدَّمَ مِنْ إِبَاحَةِ الْجِمَاعِ فِي أَيِّ اللَّيْلِ شَاءَ الصَّائِمُ إِلَى أَن يَتَبَيَّنَ ضِيَاءُ الصَّبَاحِ مِنْ سَوَادِ اللَّيْلِ، وَعَبَّرَ عَنْ ذَلِكَ بِالْخَيْطِ الْأَبْيَضِ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ، وَرَفَعَ اللَّبْسَ بِقَوْلِهِ: {مِنَ الْفَجْرِ} كمَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ الَّذِي رَوَاهُ الْإِمَامُ أَبُو عَبْدِ اللهِ الْبُخَارِيُّ عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ، قَالَ: أُنْزِلَتْ: {وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ} وَلَمْ يَنْزِلْ: {مِنَ الْفَجْرِ} وَكَانَ رِجَالٌ إِذَا أَرَادُوا الصَّوْمَ رَبَطَ أَحَدُهُمْ فِي رِجْلَيْهِ الْخَيْطَ الْأَبْيَضَ وَالْخَيْطَ الْأَسْوَدَ، فَلاَ يَزَالُ يَأْكُلُ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُ رُؤْيَتُهُمَا، فَأَنْزَلَ اللهُ بَعْدُ: {مِنَ الْفَجْرِ} فَعَلِمُوا أَنَّمَا يَعْنِي اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ. وَرَوَى الْبُخَارِيُّ عَنِ الشَّعْبِيِّ، عَنْ عَدِيٍّ، قَالَ: أَخَذَ عَدِيٌّ عِقَالاً أَبْيَضَ وَعِقَالاً أَسْوَدَ، حَتَّى كَانَ بَعْضُ اللَّيْلِ نَظَرَ فَلَمْ يَسْتَبِينَا، فَلَمَّا أَصْبَحَ قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ جَعَلْتُ تَحْتَ وِسَادَتِي، قَالَ: «إِنَّ وِسَادَكَ إِذًا لَعَرِيضٌ، أَنْ كَانَ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ وَالْأَسْوَدُ تَحْتَ وِسَادَتِكَ». وَجَاءَ فِي بَعْضِ الْأَلْفَاظِ: «إِنَّكَ لَعَرِيضُ الْقَفَا». فَفَسَّرَهُ بَعْضُهُمْ بِالْبَلاَدَةِ، وَهُوَ ضَعِيفٌ، بَلْ يَرْجِعُ إِلَى هَذَا، لِأَنَّهُ إِذَا كَانَ وِسَادُهُ عَرِيضًا فَقَفَاهُ أَيْضًا عَرِيضٌ، وَاللهُ أَعْلَمُ. وَيُفَسِّرُهُ رِوَايَةُ الْبُخَارِيِّ أَيْضًا عَنْ عَدِيِّ ابْنِ حَاتِمٍ قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، مَا الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ. أَهُمَا الْخَيْطَانِ؟ قَالَ: «إِنَّكَ لَعَرِيضُ الْقَفَا إِنْ أَبْصَرْتَ الْخَيْطَيْنِ، ثُمَّ قَالَ: لاَ، بَلْ هُوَ سَوَادُ اللَّيْلِ وَبَيَاضُ النَّهَارِ»[848]. [848] (انظر لجميع هذه الآثار فتح الباري:8/31) [اِسْتِحْبَابُ السَّحُورِ وَبَيَانُ وَقْتِهِ] وَفِي إِبَاحَتِهِ تَعَالَى جَوَازَ الْأَكْلِ إِلَى طُلُوعِ الْفَجْرِ دَلِيلٌ عَلَى اسْتِحْبَابِ السَّحُورِ، لِأَنَّهُ مِنْ بَابِ الرُّخْصَةِ وَالْأَخْذُ بِهَا مَحْبُوبٌ، وَلِهَذا وَرَدَتِ السُّنَّةُ الثَّابِتَةُ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ بِالْحَثِّ عَلَى السَّحُورِ، فَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «تَسَحَّرُوا فَإِنَّ فِي السَّحُورِ بَرَكَةً»[849]. وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «إِنَّ فَصْلَ مَا بَيْنَ صِيَامِنَا وَصِيَامِ أَهْلِ الْكِتَابِ أَكْلَةُ السَّحَرِ»[850]. وَرَوَى الْإِمَامُ أَحْمَدُ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «السَّحُورُ أَكْلُهُ بَرَكَةٌ فَلاَ تَدَعُوهُ، وَلَوْ أَنَّ أَحَدَكُمْ تَّجَرَّعَ جُرْعَةَ مَاءٍ، فَإِنَّ اللهَ وَمَلاَئِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى الْمُتَسَحِّرِينَ»[851]. وَقَدْ وَرَدَ فِي التَّرْغِيبِ فِي السَّحُورِ أَحَادِيثُ كَثِيرَةٌ. حَتَّى وَلَوْ بِجُرْعَةٍ مِنْ مَاءٍ تَشَبُّهًا بِالْآكِلِينَ. [849] (فتح الباري:4/165، ومسلم:2/770) [850] (مسلم:2/771) [851] (أحمد:3/44) وَيُسْتَحَبُّ تَأْخِيرُهُ إِلَى وَقْتِ انْفِجَارِ الْفَجْرِ، كَمَا جَاءَ فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ قَالَ: تَسَحَّرْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ ثُمَّ قُمْنَا إِلَى الصَّلاَةِ، قَالَ أَنَسٌ: قُلْتُ لِزَيْدٍ: كَمْ كَانَ بَيْنَ الْأَذَانِ وَالسَّحُورِ؟ قَالَ: قَدْرُ خَمْسِينَ آيَةً[852]. [852] (فتح الباري:4/164، ومسلم:2/771) وَقَدْ رُوِيَ عَنْ طَائِفَةٍ كَثِيرَةٍ مِنَ السَّلَفِ أَنَّهُمْ تَسَامَحُوا فِي السَّحُورِ عِنْدَ مُقَارَبَةِ الْفَجْرِ، رُوِيَ مِثْلُ هَذَا عَنْ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعَلِيٍّ وَابْنِ مَسْعُودٍ وَحُذَيْفَةَ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ وَابْنِ عُمَرَ، وَابْنِ عَبَّاسٍ وَزَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ، وَعَنْ طَائِفَةٍ كَثِيرَةٍ مِنَ التَّابِعِينَ، مِنْهُمْ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَينِ، وَأَبُو مِجْلَزٍ وَإِبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ، وَأَبُو الضُّحَى، وَأَبُو وَائِلٍ وَغَيْرُهُ مِنْ أَصْحَابِ ابْنِ مَسْعُودٍ، وَعَطَاءٌ وَالْحَسَنُ، وَالْحَكَمُ بْنُ عُيَيْنَةَ، وَمُجَاهِدٌ وَعُروَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ، وَأَبُو الشَّعْثَاءِ جَابِرُ بْنُ زَيْدٍ، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ الْأَعْمَشُ وَمَعْمَرُ بْنُ رَاشِدٍ، وَقَدْ حَرَّرْنَا أَسَانِيدَ ذَلِكَ فِي كِتَاب الصِّيَامِ الْمُفْرَدِ، وَللهِ الْحَمْدُ. وَقَدْ وَرَدَ فِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ حَدِيثِ الْقَاسِمِ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «لاَ يَمْنَعْكُمْ أَذَانُ بِلاَلٍ عَنْ سَحُورِكُمْ، فَإِنَّهُ يُنَادِي بِلَيْلٍ، فَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى تَسْمَعُوا أَذَانَ ابْنِ أُمِّ مَكْتُومٍ، فَإِنَّهُ لاَ يُؤَذِّنُ حَتَّى يَطْلُعَ الْفَجْرُ»[853]. لَفْظُ الْبُخَارِيِّ. [853] (فتح الباري:4/162، ومسلم:2/768) وَرَوَى الْإِمَامُ أَحْمَدُ عَنْ قَيْسِ بْنِ طَلْقٍ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «لَيْسَ الْفَجْرَ الْمُسْتَطِيلُ فِي الْأُفُقِ وَلكِنِ الْمُعْتَرِضُ الْأَحْمَرُ»[854]. وَرَوَاهُ أَبُودَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ وَلَفْظُهُمَا: «كُلُوا وَاشْرَبُوا، وَلاَ يَهِيدَنَّكُمُ السَّاطِعُ الْمُصْعِدُ، فَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَعْتَرِضَ لَكُمُ الْأَحْمَرُ»[855]. [854] (أحمد:4/23) [855] (تحفة الأحوذي:3/389) وَرَوَى ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «لاَ يَغُرَّنَّكُمْ أَذَانُ بِلاَلٍ وَلاَ هَذَا الْبَيَاضُ - لِعَمُودِ الصُّبْحِ - حَتَّى يَسْتَطِيرَ»[856]. وَرَوَاهُ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ مِثْلَهُ سَوَاءً[857]. [856] (الطبري:3/517) [857] (مسلم:2/769) [مَنْ أَصْبَحَ جُنُبًا فَلاَ حَرَجَ فِي صِيَامِهِ] (مَسْأَلَةٌ) وَمِنْ جَعْلِهِ تَعَالَى الْفَجْرَ غَايَةً لِإِبَاحَةِ الْجِمَاعِ وَالطَّعَامِ وَالشَّرَابِ - لِمَنْ أَرَادَ الصِّيَامَ - يُسْتَدَلُّ عَلَى أَنَّهُ مَنْ أَصْبَحَ جُنُبًا فَلْيَغْتَسِلْ وَلِيُتِمَّ صَوْمَهُ، وَلاَ حَرَجَ عَلَيْهِ، وَهَذَا مَذْهَبُ الْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ وَجُمْهُورِ الْعُلَمَاءِ سَلَفًا وَخَلَفًا، لِمَا رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ وَأُمِّ سَلَمَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا أَنَّهُمَا قَالَتَا: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يُصْبِحُ جُنُبًا مِنْ جِمَاعٍ غَيْرِ اِحْتِلاَمٍ، ثُمَّ يَغْتَسِلُ وَيَصُومُ. وَفِي حَدِيثِ أُمِّ سَلَمَةَ عِنْدَهُمَا: ثُمَّ لاَ يُفْطِرُ وَلاَ يَقْضِي[858]. [858] (فتح الباري:4/182، ومسلم:2/781) وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ عَائِشَةَ، أَنَّ رَجُلاً قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، تُدْرِكُنِي الصَّلاَةُ وَأَنَا جُنُبٌ فَأَصُومُ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «وَأَنَا تُدْرِكُنِي الصَّلاَةُ وَأَنا جُنُبٌ فَأَصُومُ». فَقَالَ: لَسْتَ مِثْلَنَا يَا رَسُولَ اللهِ، فَقَدْ غَفَرَ اللهُ لَكَ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ، فَقَالَ: «وَاللهِ إِنِّي لَأَرْجُو أَنْ أَكُونَ أَخْشَاكُمْ للهِ وَأَعْلَمَكُمْ بِمَا أَتَّقِي»[859]. [859] (مسلم:2/781) [اَلصِّيَامُ يَنْتَهِي بِدُخُولِ اللَّيْلِ فَيُشْرَعُ الْإِفْطَارُ عَلَى الْفَوْرِ] وَقَوْلُهُ تَعَالَى: {ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ} يَقْتَضِي الْإِفْطَارَ عِنْد غُرُوبِ الشَّمْسِ حُكْمًا شَرْعِيًّا، كَمَا جَاءَ فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «إِذَا أَقْبَلَ اللَّيْلُ مِنْ ههُنَا، وَأَدْبَرَ النَّهارُ مِنْ ههُنَا فَقَدْ أَفْطَرَ الصَّائِمُ»[860]. وَعَنْ سَهْلِ ابْنَ سَعْدٍ السَّاعَدِيِّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «لاَ يَزَالُ النَّاسُ بِخَيْرٍ مَا عَجَّلُوا الْفِطْرَ» أَخْرَجَاهُ[861]. [860] (فتح الباري:4/231، ومسلم:2/772) [861] (فتح الباري:4/234، ومسلم:2/771) وَرَوَى الْإِمَامُ أَحْمَدُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: «يَقُولُ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ: إِنَّ أَحَبَّ عِبَادِي إِلَيَّ أَعْجَلُهُمْ فِطْرًا»[862]. وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ[863]، وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ. [862] (أحمد:2/237) [863] (تحفة الأحوذي:3/386) [اَلنَّهْيُ عَنْ صَوْمِ الْوِصَالِ] وَلِهَذَا وَرَدَ فِي الْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ النَّهْيُ عَنِ الْوِصَالِ، وَهُوَ أَنْ يَصِلَ يَوْمًا بِيَوْمٍ وَلاَ يَأْكُلَ بَيْنَهُمَا شَيْئًا. رَوَى الْإِمَامُ أَحْمَدُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «لاَ تُوَاصِلُوا» قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ إِنَّكَ تُوَاصِلُ، قَالَ: «فَإِنِّي لَسْتُ مِثْلَكُمْ إِنِّي أَبِيتُ يُطْعِمُنِي رَبِّي وَيَسْقِينِي». قَالَ: فَلَمْ يَنْتَهُوا عَنِ الْوِصَالِ فَوَاصَلَ بِهِمُ النَّبِيُّ ﷺ يَوْمَيْنِ وَلَيْلَتَيْنِ ثُمَّ رَأَوُا الْهِلاَلَ، فَقَالَ: «لَوْ تَأَخَّرَ الْهِلاَلُ لَزِدْتُكُمْ» كَالْمُنَـكِّلِ لَهُمْ. وَأَخْرَجَاهُ فِي الصَّحِيحَيْنِ[864] [864] (أحمد:2/281، وفتح الباري:4/238، ومسلم:2/774) وَقَدْ ثَبَتَ النَّهْيُ عَنْهُ مِنْ غَيْرِ وَجْهٍ، وَثَبَتَ أَنَّهُ مِنْ خَصَائِصِ النَّبِيِّ ﷺ، وَأَنَّهُ كَانَ يَقْوى عَلَى ذَلِكَ وَيُعَانُ، وَالْأَظْهَرُ أَنَّ ذَلِكَ الطَّعَامَ وَالشَّرَابَ فِي حَقِّهِ إِنَّمَا كَانَ مَعْنَوِيًّا لاَ حِسِّيًّا، وَإِلاَّ فَلاَ يَكُونُ مُوَاصِلاً مَعَ الْحِسِّيِّ. وَأَمَّا مَنْ أَحَبَّ أَنْ يُمْسِكَ بَعْدَ غُرُوبِ الشَّمْسِ إِلَى وَقْتِ السَّحَرِ فَلَهُ ذَلِكَ، كَمَا فِي حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «لاَ تُوَاصِلُوا، فَأَيُّكُمْ أَرَادَ أَنْ يُوَاصِلَ فَلْيُوَاصِلْ إِلَى السَّحَرِ» قَالُوا: فَإِنَّكَ تُوَاصِلُ يَا رَسُولَ اللهِ، قَالَ: «إِنِّي لَسْتُ كَهَيْئَتِكُمْ، إِنِّي أَبِيتُ لِي مُطْعِمٌ يُطْعِمُنِي وَسَاقٍ يَسْقِينِي». أَخْرَجَاهُ فِي الصَّحِيحَيْنِ أَيْضًا[865]. [865] (فتح الباري:4/338) [أَحْكَامُ الاِعْتِكَافِ] وَقَوْلُهُ تَعَالَى: {وَلاَ تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ} قَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: هَذَا فِي الرَّجُلِ يَعْتَكِفُ فِي الْمَسْجِدِ فِي رَمَضَانَ أَوْ فِي غَيْرِ رَمَضَانَ، فَحَرَّمَ اللهُ عَلَيْهِ أَنْ يَنْكِحَ النِّسَاءَ لَيْلاً أَوْ نَهَارًا حَتَّى يَقْضِيَ اعْتِكَافَهُ[866]. وَقَالَ الضَّحَّاكُ: كَانَ الرَّجُلُ إِذَا اعْتَكَفَ فَخَرَجَ مِنَ الْمَسْجِدِ جَامَعَ إِنْ شَاءَ، فَقَالَ اللهُ تَعَالَى: {وَلاَ تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ} أَيْ لاَ تَقْرَبُوهُنَّ مَا دُمْتُمْ عَاكِفِينَ فِي الْمَسْجِدِ وَلاَ فِي غَيْرِهِ[867]. وَكَذَا قَالَ مُجَاهِدٌ وَقَتَادَةُ وَغَيْرُ وَاحِدٍ: أَنَّهُمْ كَانُوا يَفْعَلُونَ ذَلِكَ حَتَّى نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ[868]. قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: رُوِيَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ وَمُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ وَمُجَاهِدٍ وَعَطَاءٍ وَالْحَسَنِ وقَتَادَةَ وَالضَّحَّاكِ، وَالسُّدِّيِّ وَالرَّبِيعِ بْنِ أَنَسٍ وَمُقَاتِلٍ، قَالُوا: لاَ يَقْرَبُهَا وَهُوَ مُعْتَكِفٌ[869] [866] (الطبري:3/540) [867] (الطبري:3/541) [868] (الطبري:3/541) [869] (ابن أبي حاتم غ:1/385-387) وَهذَا الَّذِي حَكَاهُ عَنْ هؤُلاَءِ هُوَ الْأَمْرُ الْمُتَّفَقُ عَلَيْهِ عِنْدَ الْعُلَمَاءِ: أَنَّ الْمُعْتَكِفَ يَحْرُمُ عَلَيْهِ النِّسَاءُ مَا دَامَ مُعْتَكِفًا فِي مَسْجِدِهِ، وَلَوْ ذَهَبَ إِلَى مِنْزِلِهِ لِحَاجَةٍ لاَ بُدَّ لَهُ مِنْهَا فَلاَ يَحِلُّ لَهُ أَنْ يَتَلَبَّثَ فِيهِ إِلاَّ بِمِقْدَارِ مَا يَفْرُغُ مِنْ حَاجَتِهِ تِلْكَ مِنْ قَضَاءِ الْغَائِطِ أَوِ الْأَكْلِ، وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يُقَبِّلَ امْرَأَتَهُ وَلاَ أَن يَضُمَّهَا إِلَيْهِ. وَلاَ يَشْتَغِلُ بِشَيْءٍ سِوَى اعْتِكَافِهِ، وَلاَ يَعُودُ الْمَرِيضَ لَكِنْ يَسْأَلُ عَنْهُ وَهُوَ مَارٌّ فِي طَرِيقِهِ. وَلِـلاِعْتِكَافِ أَحْكَامٌ مُفَصَّلَةٌ فِي بَابِهِ، وَقَدْ ذَكَرْنَا قِطْعَةً صَالِحَةً مِنْ ذَلِكَ فِي آخِرِ كِتَابِ الصِّيَامِ، وَللهِ الْحَمْدُ وَالْمِنَّةُ، وَلِهَذَا كَانَ الْفُقَهَاءُ الْمُصَنِّفُونَ يُتْبِعُونَ كِتَابَ الصِّيَامِ بِكِتَابِ الاِعْتِكَافِ اقْتِدَاءً بِالْقُرْآنِ الْعَظِيمِ، فَإِنَّهُ نَبَهَّ عَلَى ذِكْرِ الاِعْتِكَافِ بَعْدَ ذِكْرِ الصَّوْمِ. وَفِي ذِكْرِهِ تَعَالَى الاِعْتِكَافَ بَعْدَ الصِّيَامِ إِرْشَادٌ وَتَنْبِيهٌ عَلَى الاِعْتِكَافِ فِي الصِّيَامِ أَوْ فِي آخِرِ شَهْرِ الصِّيَامِ، كَمَا فِي السُّنَّةِ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ أَنَّهُ كَانَ يَعْتَكِفُ الْعَشْرَ الْأَوَاخِرَ مِنْ شَهْرِ رَمَضَانَ حَتَّى تَوَفَّاهُ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ، ثُمَّ اعْتَكَفَ أَزْوَاجُهُ مِنْ بَعْدِهِ، أَخْرَجَاهُ مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا[870]. [870] (فتح الباري:4/318، ومسلم:2/831) وَفِي الصَّحِيحَيْنِ أَنَّ صَفِيَّةَ بِنْتَ حُيَيٍّ كَانَتْ تَزُورُ النَّبِيَّ ﷺ وَهُوَ مُعْتَكِفٌ فِي الْمَسْجِدِ، فَتَحَدَّثَتْ عِنْدَهُ سَاعَةً، ثُمَّ قَامَتْ لِتَرْجِعَ إِلَى مَنْزِلِهَا، وَكَانَ ذَلِكَ لَيْلاً، فَقَامَ النَّبِيُّ ﷺ لِيَمْشِيَ مَعَهَا حَتَّى تَبْلُغَ دَارَهَا، وَكَانَ مَنْزِلُهَا فِي دَارِ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ فِي جَانِبِ الْمَدِينَةِ، فَلَمَّا كَانَ بِبَعْضِ الطَّرِيقِ لَقِيَهُ رَجُلاَنِ مِنَ الْأَنْصَارِ، فَلَمَّا رَأَيَا النَّبِيَّ ﷺ أَسْرَعَا. وَفِي رِوَايَةٍ: تَوَارَيَا. أَيْ حَيَاءً مِنَ النَّبِيِّ ﷺ لِكَوْنِ أَهْلِهِ مَعَهُ، فَقَالَ لَهُمَا النَّبِيُّ ﷺ: «عَلَى رِسْلِكُمَا، إِنَّهَا صَفِيَّةُ بِنْتُ حُيَيٍّ»، أَيْ لاَ تُسْرِعَا وَاعْلَمَا أَنَّهَا صَفِيَّةُ بِنْتُ حُيَيٍّ أَيْ زَوْجَتِي، فَقَالاَ: سُبْحَانَ اللهِ يَا رَسُولَ اللهِ، فَقَالَ ﷺ: «إِنَّ الشَّيْطَانَ يَجْرِي مِنِ ابْنِ آدَمَ مَجْرَى الدَّمِ، وَإِنِّي خَشِيتُ أَنْ يَقْذِفَ فِي قُلُوبِكُمَا شَيْئًا» - أَوْ قَالَ -: «شَرًّا»[871]. قَالَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللهُ: أَرَادَ عَلَيْهِ السَّلاَمُ أَن يُعَلِّمَ أُمَّتَهُ التَّبَرِّيَ مِنَ التُّهْمَةِ فِي مَحَلِّهَا، لِئَلاَّ يَقَعَا فِي مَحْذُورٍ، وَهُمَا كَانَا أَتْقى للهِ مِنْ أَن يَظُنَّا بِالنَّبِيِّ ﷺ شَيْئًا، وَاللهُ أَعْلَمُ. [871] (فتح الباري:4/326، ومسلم:4/1712) ثُمَّ الْمُرَادُ بِالْمُبَاشَرَةِ إِنَّمَا هُوَ الْجِمَاعُ وَدَوَاعِيهِ مِنْ تَقْبِيلٍ وَمُعَانَقَةٍ وَنَحْوِ ذَلِكَ، فَأَمَّا مُعَاطَاةُ الشَّيْءِ وَنَحْوُهُ فَلاَ بَأْسَ بِهِ، فَقَدْ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا أَنَّهَا قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يُدْنِي إِلَيَّ رَأْسَهُ فَأُرَجِّلُهُ وَأَنَا حَائِضٌ، وَكَانَ لاَ يَدْخُلُ الْبَيْتَ إِلاَّ لِحَاجَةِ الْإِنْسَانِ، قَالَتْ عَائِشَةُ: وَلَقَدْ كَانَ الْمَرِيضُ يَكُونُ فِي الْبَيْتِ، فَمَا أَسْأَلُ عَنْهُ، إِلاَّ وَأَنَا مَارَّةٌ[872]. [872] (فتح الباري:4/320، ومسلم:1/244) وَقَوْلُهُ: {تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ} أَيْ هَذَا الَّذِي بَـيَّـنَّاهُ وَفَرَضْنَاهُ وَحَدَّدْنَاهُ مِنَ الصِّيَامِ وَأَحْكَامِهِ، وَمَا أَبَحْنَا فِيهِ وَمَا حَرَّمْنَا وَذَكَرْنَا غَايَاتِهِ وَرُخَصَهُ وَعَزَائِمَهُ: حُدُودُ اللهِ. أَيْ شَرَعَهَا اللهُ وَبَيَّنَهَا بِنَفْسِهِ، {فَلاَ تَقْرَبُوهَا} أَيْ: لاَ تَجَاوَزُوهَا وَتَتَعَدَّوْهَا. وَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمنِ بْنُ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ: يَعْنِي هَذِهِ الْحُدُودَ الْأَرْبَعَةَ، وَيَقْرَأُ: {أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ} حَتَّى بَلَغَ {ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ} قَالَ: وَكَانَ أَبِي وَغَيْرُهُ مِنْ مَشْيَخَتِنَا يَقُولُونَ هَذَا وَيَتْلُونَهُ عَلَيْنَا. {كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ} أَيْ كَمَا بَيَّنَ الصِّيَامَ وَأَحْكَامَهُ وَشَرَائِعَهُ وَتَفَاصِيلَهُ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ سَائِرَ الْأَحْكَامِ عَلَى لِسَانِ عَبْدِهِ وَرَسُولِهِ مُحَمَّدٍ ﷺ {لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ} أَيْ يَعْرِفُونَ كَيْفَ يَهْتَدُونَ وَكَيْفَ يُطِيعُونَ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: {هُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ عَلَى عَبْدِهِ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَإِنَّ اللَّهَ بِكُمْ لَرَؤُوفٌ رَحِيمٌ} [الحديد: 9]. {وَلاَ تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالإِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ} [اَلرِّشْوَةُ حَرَامٌ] قَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: هَذَا فِي الرَّجُلِ يَكُونُ عَلَيْهِ مَالٌ، وَلَيْسَ عَلَيْهِ فِيهِ بَيِّنَةٌ، فَيَجْحَدُ الْمَالَ، وَيُخَاصِمُ إِلَى الْحُكَّامِ، وَهُوَ يَعْرِفُ أَنَّ الْحَقَّ عَلَيْهِ، وَهُوَ يَعْلَمُ أَنَّهُ آثِمٌ آكِلُ الْحَرَامِ[873]. وَكَذَا رُوِيَ عَنْ مُجَاهِدٍ وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ وَعِكْرِمَةَ وَالْحَسَنِ وَقَتَادَةَ وَالسُّدِّيِّ وَمُقَاتِلِ ابْنِ حَيَّانَ وَعَبْدِ الرَّحْمنِ بْنِ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ أَنَّهُمْ قَالُوا: لاَ تُخَاصِمْ وَأَنْتَ تَعْلَمُ أَنَّكَ ظَالِمٌ[874]. [873] (الطبري:3/550) [874] (ابن أبي حاتم:1/394،394، والطبري:3/551،550) [قَضَاءُ الْقَاضِي لاَ يُحِلُّ حَرَامًا وَلاَ يُحَرِّمُ حَلاَلاً] وَقَدْ وَرَدَ فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «أَلاَ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ، وَإِنَّمَا يَأْتِينِي الْخَصْمُ، فَلَعَلَّ بَعْضَكُمْ أَنْ يَكُونَ أَلْحَنَ بِحُجَّتِهِ مِنْ بَعْضٍ فَأَقْضِيَ لَهُ، فَمَنْ قَضَيْتُ لَهُ بِحَقِّ مُسْلِمٍ فَإِنَّمَا هِيَ قِطْعَةٌ مِنْ نَارٍ، فَلْيَحْمِلْهَا أَوْ لِيَذَرْهَا»[875]. فَدَلَّتْ هَذِهِ الْآيَةُ الْكَرِيمَةُ وَهَذَا الْحَدِيثُ عَلَى أَنَّ حُكْمَ الْحَاكِمِ لاَ يُغَيِّرُ الشَّيْءَ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ، فَلاَ يُحِلُّ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ حَرَامًا هُوَ حَرَامٌ، وَلاَ يُحَرِّمُ حَلاَلاً هُوَ حَلاَلٌ، وَإِنَّمَا هُوَ مُلْزِمٌ فِي الظَّاهِرِ، فَإِنْ طَابَقَ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ فَذَاكَ، وَإِلاَّ فَلِلْحَاكِمِ أَجْرُهُ، وَعَلَى الْمُحْتَالِ وِزْرُهُ. [875] (فتح الباري:13/190ن ومسلم:3/1373) وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى: {وَلاَ تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالإِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ} أَيْ تَعْلَمُونَ بُطْلاَنَ مَا تَدَّعُونَهُ وَتُرَوِّجُونَهُ فِي كَلاَمِكُمْ. قَالَ قَتَادَةُ: اِعْلَمْ يَا ابْنَ آدَمَ أَنَّ قَضَاءَ الْقَاضِي لاَ يُحِلُّ لَكَ حَرَامًا، وَلاَ يُحِقُّ لَكَ بَاطِلاً، وَإِنَّمَا يَقْضِي الْقَاضِي بِنَحْوِ مَا يَرَى وَيَشْهَدُ بِهِ الشُّهُودُ، وَالْقَاضِي بَشَرٌ يُخْطِىءُ وَيُصِيبُ، وَاعْلَمُوا أَنَّ مَنْ قُضِيَ لَهُ بِبَاطِلٍ أَنَّ خُصُومَتَهُ لَمْ تَنْقَضِ حَتَّى يَجْمَعَ اللهُ بَيْنَهُمَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فَيَقْضِيَ عَلَى الْمُبْطِلِ لِلْمُحِقِّ بِأَجْوَدَ مِمَّا قُضِيَ بِهِ لِلْمُبْطِلِ عَلَى الْمُحِقِّ فِي الدُّنْيَا[876]. [876] (الطبري:3/550) {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهَا وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقَى وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} [اَلسُّؤَالُ عَنِ الْأَهِلَّةِ] قَالَ الْعَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: سَأَلَ النَّاسُ رَسُولَ اللهِ ﷺ عَنِ الْأَهِلَّةِ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ} يَعْلَمُونَ بِهَا حَلَّ دَيْنِهِمْ وَعِدَّةَ نِسَائِهِمْ وَوَقْتَ حَجِّهِمْ[877]. وَرَوَى عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «جَعَلَ اللهُ الْأَهِلَّةَ مَوَاقِيتَ لِلنَّاسِ، فَصُومُوا لِرُؤْيَتِهِ، وَأَفْطِرُوا لِرُؤْيَتِهِ، فَإِنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ فَعُدُّوا ثَلاَثِينَ يَوْمًا»[878]. وَرَوَاهُ الْحَاكِمُ فِي مُسْتَدْرَكِهِ وَقَالَ: صَحِيحُ الْإِسْنَادِ، وَلَمْ يُخْرِجَاهُ[879]. [877] (الطبري:3/554 إسناده ضعيف العوفي مع عائلته كلهم ضعفاء) [878] (عبدالرزاق:4/156) [879] (الحاكم:1/423) [مَدَارُ الْبِرِّ عَلَى التَّقْوى] وَقَوْلُهُ: {وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهَا وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقَى وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا} رَوَى الْبُخَارِيُّ عَنِ الْبَرَاءِ قَالَ: كَانُوا إِذَا أَحْرَمُوا فِي الْجَاهِلِيَّةِ أَتَوُا الْبَيْتَ مِنْ ظَهْرِهِ، فَأَنْزَلَ اللهُ: {وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهَا وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقَى وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا}[880] وَكَذَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ الطَّيَالِسِيُّ عَنِ الْبَرَاءِ قَالَ: كَانَتِ الْأَنْصَارُ إِذَا قَدِمُوا مِنْ سَفَرِهِمْ، لَمْ يَدْخُلِ الرَّجُلُ مِنْ قِبَلِ بَابِهِ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ[881]. [880] (الفتح:8/31) [881] (مسند الطيالسي:98) وَقَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ: كَانَ أَقْوَامٌ مِنْ أَهْلِ الْجَاهِلِيَّةِ إِذَا أَرَادَ أَحَدُهُمْ سَفَرًا، وَخَرَجَ مِنْ بَيْتِهِ يُرِيدُ سَفَرَهُ الَّذِي خَرَجَ لَهُ، ثُمَّ بَدَا لَهُ بَعْدَ خُرُوجِهِ أَنْ يُقِيمَ وَيَدَعَ سَفَرَهُ، لَمْ يَدْخُلِ الْبَيْتَ مِنْ بَابِهِ وَلَكِنْ يَتَسَوَّرُهُ مِنْ قِبَلِ ظَهْرِهِ، فَقَالَ اللهُ تَعَالَى: {وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهَا}... الْآيَةَ[882]. وَقَوْلُهُ: {وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} أَيْ اِتَّقُوا اللهَ، فَافْعَلُوا مَا أَمَرَكُمْ بِهِ وَاتْرُكُوا مَا نَهَاكُمْ عَنْهُ {لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} غَدًا، إِذَا وُقِفْتُمْ بَيْنَ يَدَيْهِ فَيُجَازِيكُمْ عَلَى التَّمَامِ وَالْكَمَالِ. [882] (ابن أبي حاتم غ:1/401) {وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلاَ تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لاَ يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ *وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأَخْرِجُوهُمْ مِنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ وَلاَ تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِنْ قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ كَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ *فَإِنِ انْتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ *وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ فَإِنِ انْتَهَوْا فَلاَ عُدْوَانَ إِلاَّ عَلَى الظَّالِمِينَ} [الْأَمْرُ بِقِتَالِ مَنْ يُقَاتِلُ، وَبِقَتْلِهِ حَيْثُ وُجِدَ] قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ الرَّازِيُّ عَنِ الرَّبِيعِ بْنِ أَنَسٍ، عَنْ أَبِي الْعَالِيَةِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ} قَالَ: هَذِهِ أَوَّلُ آيَةٍ نَزَلَتْ فِي الْقِتَالِ بِالْمَدِينَةِ، فَلَمَّا نَزَلَتْ كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يُقَاتِلُ مَنْ قَاتَلَهُ، وَيَكُفُّ عَمَّنْ كَفَّ عَنْهُ، حَتَّى نَزَلَتْ سُورَةُ بَرَاءَةَ[883]. وَكَذَا قَالَ عَبْدُ الرَّحْمنِ بْنُ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، حَتَّى قَالَ: هَذِهِ مَنْسُوخَةٌ بِقَوْلِهِ: {فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ} [التوبة: 5] وَفِي هَذَا نَظَرٌ، لِأَنَّ قَوْلَهُ: {الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ} إِنَّمَا هُوَ تَهْيِيجٌ وَإِغْرَاءٌ بِالْأَعْدَاءِ الَّذِينَ هِمَّتُهُمْ قِتَالُ الْإِسْلاَمِ وَأَهْلِهِ، أَيْ كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ أَنْتُمْ، كَمَا قَالَ: {وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً} [التوبة: 36] [884] وَلِهَذَا قَالَ فِي الْآيَةِ: {وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأَخْرِجُوهُمْ مِنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ} أَيْ لِتَكُنْ هِمَّتُكُمْ مُنْبَعِثَةً عَلَى قِتَالِهِمْ، كَمَا هِمَّتُهُمْ مُنْبَعِثَةٌ عَلَى قِتَالِكُمْ، وَعَلَى إِخْرَاجِهِمْ مِنْ بِلاَدِهِمُ الَّتِي أَخْرَجُوكُمْ مِنْهَا قِصَاصًا. [883] (الطبري:3/561) [884] (الطبري:3/562) [اَلنَّهْيُ عَنِ الاِعْتِدَاءِ كَالْمُثْلَةِ وَالْغُلُولِ] وَقَوْلُهُ: {وَلاَ تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لاَ يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ} أَيْ قَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللهِ، وَلاَ تَعْتَدُوا فِي ذَلِكَ، وَيَدْخُلُ فِي ذَلِكَ ارْتِكَابُ الْمَنَاهِي - كَمَا قَالَهُ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ - مِنَ الْمُثْلَةِ وَالْغُلُولِ وَقَتْلِ النِّسَاءِ وَالصِّبْيَانِ وَالشُّيُوخِ، الَّذِينَ لاَ رَأْيَ لَهُمْ وَلاَ قِتَالَ فِيهِمْ، وَالرُّهْبَانِ وَأَصْحَابِ الصَّوَامِعِ، وَتَحْرِيقِ الْأَشْجَارِ، وَقَتْلِ الْحَيَوَانِ لِغَيْرِ مَصْلَحَةٍ. كَمَا قَالَ ذَلِكَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَعُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ وَمُقَاتِلُ بْنُ حَيَّانَ وَغَيْرُهُمْ. وَلِهَذَا جَاءَ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ، عَنْ بُرَيْدَةَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ كَانَ يَقُولُ: «اغْزُوا فِي سَبِيلِ اللهِ، قَاتِلُوا مَنْ كَفَر بِاللهِ، اغْزُوا وَلاَ تَغُلُّوا، وَلاَ تَغْدِرُوا، وَلاَ تَمُثِّلُوا، وَلاَ تَقْتُلُوا وَلِيدًا وَلاَ أَصْحَابَ الصَّوامِعِ»[885]. وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: وُجِدَتِ امْرَأَةٌ فِي بَعْضِ مَغَازِي النَّبِيِّ ﷺ مَقْتُولَةً، فَأَنْكَرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ قَتْلَ النِّسَاءِ وَالصِّبْيَانِ[886]. وَالْأَحَادِيثُ وَالاْثَارُ فِي هذا كَثِيرَةٌ جِدًّا. [885] (مسلم:3/1357) [886] (فتح الباري:6/172، ومسلم:3/1364) [اَلشِّرْكُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ] وَلَمَّا كَانَ الْجِهَادُ فِيهِ إِزْهَاقُ النُّفُوسِ وَقَتْلُ الرِّجَالِ، نَبَّهَ تَعَالَى عَلَى أَنَّ مَا هُمْ مُشْتَمِلُونَ عَلَيْهِ مِنَ الْكُفْرِ بِاللهِ، وَالشِّرْكِ بِهِ، وَالصَّدِّ عَنْ سَبِيلِهِ، أَبْلَغُ وَأَشَدُّ وَأَعْظَمُ وَأَطَمُّ مِنَ الْقَتْلِ، وَلِهَذَا قَالَ: {وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ} قَالَ أَبُو مَالِكٍ: أَيْ مَا أَنْتُمْ مُقِيمُونَ عَلَيْهِ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ[887]. وَقَالَ أَبُو الْعَالِيَةِ، وَمُجَاهِدٌ، وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وَعِكْرِمَةُ، وَالْحَسَنُ وَقَتَادَةُ، وَالضَّحَّاكُ، وَالرَّبِيعُ بْنُ أَنَسٍ فِي قَوْلِهِ: {وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ} يَقُولُ: اَلشِّرْكُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ. [887] (ابن أبي حاتم غ:1/412) [حُرْمَةُ الْقِتَالِ فِي الْحَرَمِ، وَجَوَازُ دَفْعِ الصَّائِلِ] وَقَوْلُهُ: {وَلاَ تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ} كَمَا جَاءَ فِي الصَّحِيحَيْنِ: «إِنَّ هَذَا الْبَلَدَ حَرَّمَهُ اللهُ يَوْمَ خَلَقَ السَّموَاتِ وَالْأَرْضَ، فَهُوَ حَرَامٌ بِحُرْمَةِ اللهِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَلَمْ يَحِلَّ لِي إِلاَّ سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ، وَإِنَّهَا سَاعَتِي هَذِهِ حَرَامٌ بِحُرْمَةِ اللهِ إِلَى يَوْمِ الْقِيامَةِ، لاَ يُعْضَدُ شَجَرُهُ، وَلاَ يُخْتَلى خَلاَهُ، فَإِنْ أَحَدٌ تَرَخَّصَ بِقِتَالِ رَسُولِ اللهِ ﷺ، فَقُولُوا: إِنَّ اللهَ أَذِنَ لِرَسُولِهِ وَلَمْ يَأْذَنْ لَكُمْ»[888]. يَعْنِي بِذَلِكَ صَلَوَاتُ اللهِ وَسَلاَمُهُ عَلَيْهِ قِتَالَهُ أَهْلَهَا يَوْمَ فَتَحَ مَكَّةَ، فَإِنَّهُ فَتَحَهَا عَنْوَةً، وَقُتِلَتْ رِجَالٌ مِنْهُمْ عِنْدَ الْخَنْدَمَةِ، وَقَدْ آمَنَهُمْ بِقَوْلِهِ: «مَنْ أَغْلَقَ بَابَهُ فَهُوَ آمِنٌ، وَمَنْ دَخَلَ الْمَسْجِدَ فَهُوَ آمِنٌ، وَمَنْ دَخَلَ دَارَ أَبِي سُفْيَانَ فَهُوَ آمِنٌ»[889]. [888] (فتح الباري:6/327، ومسلم:2/987،987) [889] (أحمد:2/292) وَقَوْلُهُ: {حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِنْ قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ كَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ} يَقُولُ تَعَالَى: وَلاَ تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلاَّ أَن يَبْدَأُوكُمْ بِالْقِتَالِ فِيهِ، فَلَكُمْ حِينَئِذٍ قِتَالُهُمْ وَقَتْلُهُمْ دَفْعًا لِلصَّائِلِ، كَمَا بَايَعَ النَّبِيُّ ﷺ أَصْحَابَهُ يَوْمَ الْحُدَيْبِيَةِ تَحْتَ الشَّجَرَةِ عَلَى الْقِتَالِ، لَمَّا تَأَلَّبَتْ عَلَيْهِ بُطُونُ قُرَيْشٍ وَمَنْ وَالاَهُمْ مِنْ أَحْيَاءِ ثَقِيفٍ وَالْأَحَابِيشِ عَامَئِذٍ، ثُمَّ كَفَّ اللهُ الْقِتَالَ بَيْنَهُمْ فَقَالَ: {وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ بِبَطْنِ مَكَّةَ مِنْ بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ} [الفتح:24] وَقَالَ: {وَلَوْلاَ رِجَالٌ مُؤْمِنُونَ وَنِسَاءٌ مُؤْمِنَاتٌ لَمْ تَعْلَمُوهُمْ أَنْ تَطَؤُوهُمْ فَتُصِيبَكُمْ مِنْهُمْ مَعَرَّةٌ بِغَيْرِ عِلْمٍ لِيُدْخِلَ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ لَوْ تَزَيَّلُوا لَعَذَّبْنَا الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا} [الفتح:25] وَقَوْلُهُ: {فَإِنِ انْتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} أَيْ فَإِنْ تَرَكُوا الْقِتَالَ فِي الْحَرَمِ، وَأَنَابُوا إِلَى الْإِسْلاَمِ وَالتَّوْبَةِ، فَإِنَّ اللهَ يَغْفِرُ ذُنُوبَهُمْ، وَلَوْ كَانُوا قَدْ قَتَلُوا الْمُسْلِمِينَ فِي حَرَمِ اللهِ، فَإِنَّهُ تَعَالَى لاَ يَتَعَاظَمُهُ ذَنْبٌ أَن يَغْفِرَهُ لِمَنْ تَابَ مِنْهُ إِلَيْهِ. [الْأَمْرُ بِالْقِتَالِ حَتَّى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ] ثُمَّ أَمَرَ اللهُ بِقِتَالِ الْكُفَّارِ {حَتَّى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ} أَيْ شِرْكٌ. قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ وَأَبُو الْعَالِيَةِ وَمُجَاهِدٌ وَالْحَسَنُ وَقَتَادَةُ وَالرَّبِيعُ وَمُقَاتِلُ ابْنُ حَيَّانَ وَالسُّدِّيُّ وَزَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ[890]. {وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ} أَيْ يَكُونُ دِينُ اللهِ هُوَ الظَّاهِرَ الْعَالِيَ عَلَى سَائِرِ الْأَدْيَانِ، كَمَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ قَالَ: سُئِلَ النَّبِيُّ ﷺ عَنِ الرَّجُلِ يُقَاتِلُ شَجَاعَةً وَيُقَاتِلُ حَمِيَّةً وَيُقَاتِلُ رِيَاءً، أَيُّ ذَلِكَ فِي سَبِيلِ اللهِ؟ فَقَالَ: «مَنْ قَاتَلَ لِتَكُونَ كَلِمَةُ اللهِ هِيَ الْعُلْيَا فَهُوَ فِي سَبِيلِ اللهِ»[891]. وَفِي الصَّحِيحَيْنِ: «أُمِرتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَقُولُوا: لاَ إِلَه إِلاَّ اللهُ، فَإِذَا قَالُوهَا عَصَمُوا مِنّي دِمَاءَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ إِلاَّ بِحَقِّها وحِسَابُهُمْ عَلَى اللهِ»[892]. [890] (ابن أبي حاتم غ:1/415-416) [891] (فتح الباريك13/450، ومسلم:3/1513) [892] (فتح الباري:1/592، ومسلم:1/53) وَقَوْلُهُ: {فَإِنِ انْتَهَوْا فَلاَ عُدْوَانَ إِلاَّ عَلَى الظَّالِمِينَ} يَقُولُ تَعَالَى: فَإِنِ انْتَهَوْا عَمَّا هُمْ فِيهِ مِنَ الشِّرْكِ وَقِتَالِ الْمُؤْمِنِينَ فَكُفُّوا عَنْهُمْ، فَإِنَّ مَنْ قَاتَلَهُمْ بَعْدَ ذَلِكَ فَهُوَ ظَالِمٌ، وَلاَ عُدْوَانَ إِلاَّ عَلَى الظَّالِمِينَ، وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِ مُجَاهِدٍ أَنْ لاَ يُقَاتَلَ إِلاَّ مَنْ قَاتَلَ[893]. أَوْ يَكُونُ تَقْدِيرُهُ: فَإِنِ انْتَهَوْا فَقَدْ تَخَلَّصُوا مِنَ الظُّلْمِ، وَهُوَ الشِّرْكُ، فَلاَ عُدْوَانَ عَلَيْهِمْ بَعْدَ ذَلِكَ، وَالْمُرَادُ بِالْعُدْوَانِ ههُنَا الْمُعَاقَبَةُ وَالْمُقَاتَلَةُ، كَقَوْلِهِ: {فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ} [194] وَقَوْلِهِ: {وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا} [الشورى: 40] {وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ} [النحل: 126] وَلِهَذَا قَالَ عِكْرِمَةُ وَقَتَادَةُ: اَلظَّالِمُ الَّذِي أَبى أَنْ يَقُولَ: لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ[894]. [893] (الطبري:3/584) [894] (الطبري:3/573) وَرَوَى الْبُخَارِيُّ تَحْتَ قَوْلِهِ: {وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ}... الْآيَةَ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: أَتَاهُ رَجُلاَنِ فِي فِتْنَةِ ابْنِ الزُّبَيْرِ فَقَالاَ: إِنَّ النَّاسَ قَدْ ضُيِّعُوا، وَأَنْتَ ابْنُ عُمَرَ وَصَاحِبُ النَّبِيِّ ﷺ فَمَا يَمْنَعُكَ أَنْ تَخْرُجَ؟ فَقَالَ يَمْنَعُنِي أَنَّ اللهَ حَرَّمَ دَمَ أَخِي، قَالاَ: أَلَمْ يَقُلِ اللهُ: {وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ} ؟ فَقَالَ: قَاتَلْنَا حَتَّى لَمْ تَكُنْ فِتْنَةٌ، وَكَانَ الدِّينُ لِلّْهِ، وَأَنْتُمْ تُرِيدُونَ أَنْ تُقَاتِلُوا حَتَّى تَكُونَ فِتْنَةٌ، وَيَكُونُ الدِّينُ لِغَيْرِ اللهِ. وَزَادَ عُثْمَانُ بْنُ صَالِحٍ أَنَّ رَجُلاً أَتَى ابْنَ عُمَرَ فَقَالَ: يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمنِ مَا حَمَلَكَ عَلَى أَنْ تَحُجَّ عَامًا وَتَعْتَمِرَ عَامًا، وَتَتْرُكَ الْجِهَادَ فِي سَبِيلِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ، وَقَدْ عَلِمْتَ مَا رَغَّبَ اللهُ فِيهِ؟ فَقَالَ: يَا ابْنَ أَخِي، بُنِيَ الْإِسْلاَمُ عَلَى خَمْسٍ: الْإِيمَانُ بِاللهِ وَرَسُولِهِ، وَالصَّلَوَاتُ الْخَمْسُ، وَصِيَامُ رَمَضَانَ، وَأَدَاءُ الزَّكَاةِ، وَحَجُّ الْبَيْتِ. قَالُوا: يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمنِ، أَلاَ تَسْمَعُ مَا ذَكَرَ اللهُ فِي كِتَابِهِ: [الحجرات:9] {وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ} قَالَ: فَعَلْنَا عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ ﷺ وَكَانَ الْإِسْلاَمُ قَلِيلاً، فَكَانَ الرَّجُلُ يُفْتَنُ فِي دِينِهِ، إِمَّا قَتَلُوهُ أَوْ عَذَّبُوهُ، حَتَّى كَثُرَ الْإِسْلاَمُ، فَلَمْ تَكُنْ فِتْنَةٌ. قَالَ: فَمَا قَوْلُكَ فِي عَلِيٍّ وَعُثْمَانَ؟ قَالَ: أَمَّا عُثْمَانُ فَكَانَ اللهُ عَفَا عَنْهُ، وَأَمَّا أَنْتُمْ فَكَرِهْتُمْ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُ. وَأَمَّا عَلِيٌّ فَابْنُ عَمِّ رَسُولِ اللهِ ﷺ وَخَتَنُهُ، وَأَشَارَ بِيَدِهِ، فَقَالَ: هَذَا بَيْتُهُ حَيْثُ تَرَوْنَ[895]. [895] (فتح الباري:8/32، وهو عند أحمد:3/345) {الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ} [حُرْمَةُ الْقِتَالِ فِي الْأَشْهُرِ الْحُرُمِ إِلاَّ إِذَا بَدَأَ الْعَدُوُّ بِالْقِتَالِ فِيهَا] قَالَ عِكْرِمَةُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَالضَّحَّاكُ وَالسُّدِّيُّ وَقَتَادَةُ وَمِقْسَمٌ وَالرَّبِيعُ بْنُ أَنَسٍ وَعَطَاءٌ وَغَيْرُهُمْ: لَمَّا سَارَ رَسُولُ اللهِ ﷺ مُعْتَمِرًا فِي سَنَةِ سِتٍّ مِنَ الْهِجْرَةِ، وَحَبَسَهُ الْمُشْرِكُونَ عَنِ الدُّخُولِ وَالْوُصُولِ إِلَى الْبَيْتِ، وَصَدُّوهُ بِمَنْ مَعَهُ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، فِي ذِي الْقَعْدَةِ، وَهُوَ شَهْرٌ حَرَامٌ، حَتَّى قَاضَاهُمْ عَلَى الدُّخُولِ مِنْ قَابِلٍ، فَدَخَلَهَا فِي السَّنَةِ الاْتِيَةِ هُوَ وَمَنْ كَانَ مَعَهُ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، وَأَقَصَّهُ اللهُ مِنْهُمْ، فَنَزَلَتْ فِي ذَلِكَ هَذِهِ الْآيَةُ: {الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ} [896]. وَرَوَى الْإِمَامُ أَحْمَدُ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ قَالَ: لَمْ يَـكُنْ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَغْزُو فِي الشَّهْرِ الْحَرَامِ، إِلاَّ أَنْ يُغْزى - [أوْ] يُغْزَوْا - فَإِذَا حَضَرَهُ أَقَامَ حَتَّى يَنْسَلِخَ. هَذَا إِسْنَادٌ صَحِيحٌ[897]. [896] (الطبري:3/579،577،576،575) [897] (أحمد:3/345) وَلِهَذَا لَمَّا بَلَغَ النَّبِيَّ ﷺ، وَهُوَ مُخَيِّمٌ بِالْحُدَيبِيَةِ أَنَّ عُثْمَانَ قُتِلَ، وَكَانَ قَدْ بَعَثَهُ فِي رِسَالَةٍ إِلَى الْمُشْرِكِينَ، بَايَعَ أَصْحَابَهُ، وَكَانُوا أَلْفًا وَأَرْبَعَمِائَةٍ، تَحْتَ الشَّجَرَةِ، عَلَى قِتَالِ الْمُشْرِكِينَ، فَلَمَّا بَلَغَهُ أَنَّ عُثْمَانَ لَمْ يُقْتَلْ، كَفَّ عَنْ ذَلِكَ، وَجَنَحَ إِلَى الْمُسَالَمَةِ وَالْمُصَالَحَةِ، فَكَانَ مَا كَانَ. وَكَذَلِكَ لَمَّا فَرَغَ مِنْ قِتَالِ هَوَازِنَ يَوْمَ حُنَيْنٍ، وَتَحَصَّنَ فَلُّهُمْ بِالطَّائِفِ، عَدَلَ إِلَيْهَا فَحَاصَرَهَا، وَدَخَلَ ذُو الْقَعْدَةِ وَهُوَ مُحَاصِرٌ لَهَا بِالْمِنْجَنِيقِ، وَاسْتَمَرَّ عَلَيْهَا إِلَى كَمَالِ أَرْبَعِينَ يَوْمًا[898]. كَمَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ أَنَسٍ، فَلَمَّا كَثُرَ الْقَتْلُ فِي أَصْحَابِهِ انْصَرَفَ عَنْهَا وَلَمْ تُفْتَحْ، ثُمَّ كَرَّ رَاجِعًا إِلَى مَكَّةَ وَاعْتَمَرَ مِنِ الْجِعْرَانَةِ حَيْثُ قَسَمَ غَنَائِمَ حُنَيْنٍ، وَكَانَتْ عُمْرَتُهُ هَذِهِ فِي ذِي الْقَعْدَةِ أَيْضًا عَامَ ثَمَانٍ. صَلَوَاتُ اللهِ وَسَلاَمُهُ عَلَيْهِ[899]. [898] (إنما كمل أربعون يومًا من يوم وقعة حنين إلى يوم رجوعه ( من الجعرانة إلى المدينة) [899] (فتح الباري:3/701، ومسلم:2/916) وَقَوْلُهُ: {فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ} أَمَرَ بِالْعَدْلِ حَتَّى فِي الْمُشْرِكِينَ، كَمَا قَالَ: {وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ} [النحل: 126] وَقَوْلُهُ: {وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ} أَمْرٌ لَهُمْ بِطَاعَةِ اللهِ وَتَقْوَاهُ، وَإِخْبَارٌ بِأَنَّهُ تَعَالَى مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا بِالنَّصْرِ وَالتَّأْيِيدِ فِي الدُّنْيَا وَالاْخِرَةِ. {وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلاَ تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ} [الْأَمْرُ بِالْإِنْفَاقِ فِي سَبِيلِ اللهِ] رَوَى الْبُخَارِيُّ عَنْ حُذَيْفَةَ {وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلاَ تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ} قَالَ: نَزَلَتْ فِي النَّفَقَةِ[900]. وَرَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِثْلَهُ، قَالَ: وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَمُجَاهِدٍ وَعِكْرِمَةَ وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ وَعَطَاءٍ، وَالضَّحَّاكِ وَالْحَسَنِ، وَقَتَادَةَ وَالسُّدِّيِّ، وَمُقَاتِلِ بْنِ حَيَّانَ نَحْوُ ذَلِكَ. [900] (فتح الباري:8/33) وَقَالَ اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ عَن يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ عَنْ أَسْلَمَ أَبِي عِمْرَانَ، قَالَ: حَمَلَ رَجُلٌ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ بِالْقُسْطَنْطِينِيَّةِ عَلَى صَفِّ الْعَدُوِّ حَتَّى خَرَقَهُ، وَمَعَنَا أَبُو أَيُّوبَ الْأَنْصَارِيُّ، فَقَالَ نَاسٌ: أَلْقى بِيَدِهِ إِلَى التَّهْلُكَةِ، فَقَالَ أَبُو أَيُّوبَ: نَحْنُ أَعْلَمُ بِهَذِهِ الْآيَةِ، إِنَّمَا نَزَلَتْ فِينَا، صَحِبْنَا رَسُولَ اللهِ ﷺ وَشَهِدْنَا مَعَهُ الْمَشَاهِدَ وَنَصَرْنَاهُ، فَلَمَّا فَشَا الْإِسْلاَمُ وَظَهَرَ، اجْتَمَعْنَا مَعْشَرَ الْأَنْصَارِ نَجِيًّا فَقُلْنَا: قَدْ أَكْرَمَنَا اللهُ بِصُحْبَةِ نَبِيِّهِ ﷺ وَنَصْرِهِ، حَتَّى فَشَا الْإِسْلاَمُ وَكَثُرَ أَهْلُهُ، وَكُنَّا قَدْ آثَرْنَاهُ عَلَى الْأَهْلِينَ وَالْأَمْوَالِ وَالْأَوْلاَدِ، وَقَدْ وَضَعَتِ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا، فَنَرْجِعُ إِلَى أَهْلِينَا وَأَوْلاَدِنَا، فَنُقِيمُ فِيهِمَا، فَنَزَلَ فِينَا: {وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلاَ تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ}، فَكَانَتِ التَّهْلُكَةُ الْإِقَامَةَ فِي الْأَهْلِ وَالْمَالِ وَتَرْكِ الْجِهَادِ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، فِي تَفْسِيرِهِ، وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ وَابْنُ جَرِيرٍ وَابْنُ مَرْدُويَهْ وَالْحَافِظُ أَبُو يَعْلى فِي مُسْنَدِهِ، وَابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ وَالْحَاكِمُ فِي مُسْتَدْرَكِهِ[901]. وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: حَسَنٌ صَحِيحٌ غَرِيبٌ، وَقَالَ الْحَاكِمُ: عَلَى شَرْطِ الشَّيْخَيْنِ وَلَمْ يُخْرِجَاهُ. [901] (تحفة الأحوذي:8/311، والنسائي في الكبرى:6/299، وابن أبي حاتم غ:1/424، والطبري:3/590، وصحيح ابن حيان:7/105، والحاكم:2/775) وَلَفْظُ أَبِي دَاوُدَ عَنْ أَسْلَمَ أَبِي عِمْرَانَ: كُنَّا بِالْقُسْطَنْطِينِيَّةِ، وَعَلَى أَهْلِ مِصْرَ عُقْبَةُ بْنُ عَامِرٍ، وَعَلَى أَهْلِ الشَّامِ رَجُلٌ - يُرِيدُ: فَضَالَةَ بْنَ عُبَيْدٍ - فَخَرَجَ مِنَ الْمَدِينَةِ صَفٌّ عَظِيمٌ مِنَ الرُّومِ، فَصَفَفْنَا لَهُمْ، فَحَمَلَ رَجُلٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ عَلَى الرُّومِ حَتَّى دَخَلَ فِيهِمْ، ثُمَّ خَرَجَ إِلَيْنَا، فَصَاحَ النَّاسُ إِلَيْهِ، فَقَالُوا: سُبْحَانَ اللهِ أَلْقَى بِيَدِهِ إِلَى التَّهْلُكَةِ، فَقَالَ أَبُو أَيُّوبَ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّكُمْ لَتَتَأَوَّلُونَ هَذِهِ الْآيَةَ عَلَى غَيْرِ التَّأْوِيلِ، وَإِنَّمَا نَزَلَتْ فِينَا مَعْشَرَ الْأَنْصَارِ، إِنَّا لَمَّا أَعَزَّ اللهُ دِينَهُ وَكَثُرَ نَاصِرُوهُ، قُلْنَا فِيمَا بَيْنَنَا: لَوْ أَقْبَلْنَا عَلَى أَمْوَالِنَا فَأَصْلَحْنَاهَا، فَأَنْزَلَ اللهُ هَذِهِ الْآيَةَ[902]. [902] (أبو دداود:3/27) وَقَالَ أَبُو بَكْرِ بْنُ عَيَّاشٍ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ السَّبِيعِيِّ، قَالَ: قَالَ رَجُلٌ لِلْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ: إِنْ حَمَلْتُ عَلَى الْعَدُوِّ وَحْدِي فَقَتَلُونِي، أَكُنْتُ أَلْقَيْتُ بِيَدِي إِلَى التَّهْلُكَةِ؟ قَالَ: لاَ، قَالَ اللهُ لِرَسُولِهِ: {فَقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لاَ تُكَلَّفُ إِلاَّ نَفْسَكَ} [النساء:84] وَإِنَّمَا هَذِهِ فِي النَّفَقَةِ. رَوَاهُ ابْنُ مَرْدُويَهْ وَأَخْرَجَهُ الْحَاكِمُ فِي مُسْتَدْرَكِهِ، وَقَالَ: صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ الشَّيْخَيْنِ وَلَمْ يُخْرِجَاهُ، وَرَوَاهُ الثَّوْرِيُّ وَقَيْسُ بْنُ الرَّبِيعِ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ عَنِ الْبَرَاءِ. فَذَكَرَهُ، وَقَالَ بَعْدَ قَوْلِهِ: {لاَ تُكَلَّفُ إِلاَّ نَفْسَكَ} [النساء:84]، وَلَكِنِ التَّهْلُكَةُ أَنْ يُذْنِبَ الرَّجُلُ الذَّنْبَ فَيُلْقِيَ بِيَدِهِ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَلاَ يَتُوبَ. وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلاَ تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ}، قَالَ: لَيْسَ ذَلِكَ فِي الْقِتَالِ، إِنَّمَا هُوَ فِي النَّفَقَةِ: أَنْ تُمْسِكَ بِيَدِكَ عَنِ النَّفَقَةِ فِي سَبِيلِ اللهِ - وَلاَ تُلْقِ بِيَدِكَ إِلَى التَّهْلُكَةِ -. وَمَضْمُونُ الْآيَةِ الْأَمْرُ بِالْإِنْفَاقِ فِي سَبِيلِ اللهِ، فِي سَائِرِ وُجُوهِ الْقُرُبَاتِ وَوُجُوهِ الطَّاعَاتِ، وَخَاصَّةً صَرْفُ الْأَمْوَالِ فِي قِتَالِ الْأَعْدَاءِ، وَبَذْلُهَا فِيمَا يَقْوى بِهِ الْمُسْلِمُونَ عَلَى عَدُوِّهِمْ. وَالْإِخْبَارُ عَنْ تَرْكِ فِعْلِ ذَلِكَ بِأَنَّهُ: هَلاَكٌ وَدَمَارٌ، لِمَنْ لَزِمَهُ وَاعْتَادَهُ. ثُمَّ عَطَفَ بِالْأَمْرِ بِالْإِحْسَانِ، وَهُوَ أَعْلَى مَقَامَاتِ الطَّاعَةِ، فَقَالَ: {وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ}. {وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالَعُمْرَةَ لِلَّهِ فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ وَلاَ تَحْلِقُوا رُؤُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذىً مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ فَإِذَا أَمِنْتُمْ فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاَثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمْوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ} [الْأَمْرُ بِإِتْمَامِ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ] لَمَّا ذَكَرَ تَعَالَى أَحْكَامَ الصِّيَامِ، وَعَطَفَ بِذِكْرِ الْجِهَادِ، شَرَعَ فِي بَيَانِ الْمَنَاسِكِ فَأَمَرَ بِإِتْمَامِ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ، وَظَاهِرُ السِّيَاقِ إِكْمَالُ أَفْعَالِهِمَا بَعْدَ الشُّرُوعِ فِيهِمَا، وَلِهَذَا قَالَ بَعْدَهُ: {فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ} أَيْ صُدِدْتُمْ عَنِ الْوُصُولِ إِلَى الْبَيْتِ، وَمُنِعْتُمْ مِنْ إِتْمَامِهِمَا، وَلِهَذَا اتَّفَقَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّ الشُّرُوعَ فِي الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ مُلْزِمٌ. وَقَالَ مَكْحُولٌ: إِتْمَامُهُمَا: إِنْشَاؤُهُمَا جَمِيعًا مِنَ الْمِيقَاتِ[903]. وَقَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ: أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ، قَالَ: بَلَغَنَا أَنَّ عُمَرَ قَالَ فِي قَوْلِ اللهِ: {وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالَعُمْرَةَ لِلَّهِ} مِنْ تَمَامِهِمَا: أَنْ تُفْرِدَ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِنَ الاْخَرِ، وَأَنْ تَعْتَمِرَ فِي غَيْرِ أَشْهُرِ الْحَجِّ، إِنَّ اللهَ تَعَالَى يَقُولُ: {الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَّعْلُومَاتٌ} [904] [البقرة: 197]. [903] (ابن أبي حاتم غ:1/437) [904] (ابن أبي حاتم غ:1/437) وَقَالَ السُّدِّيُّ فِي قَوْلِهِ: {وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالَعُمْرَةَ لِلَّهِ} أَيْ أَقِيمُوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ[905]. وَقَالَ قَتَادَةُ عَنْ زُرَارَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ: اَلْحَجُّ: عَرَفَةُ، وَالْعُمْرَةُ الطَّوَافُ[906]. وَكَذَا رَوَى الْأَعْمَشُ عَنْ إِبْرَاهِيمَ عَنْ عَلْقَمَةَ فِي قَوْلِهِ: {وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالَعُمْرَةَ لِلَّهِ}، قَالَ: هِيَ قِرَاءَةُ عَبْدِ اللهِ: (وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ إِلَى الْبَيْتِ) لاَ يُجَاوِزُ بِالْعُمْرَةِ الْبَيْتَ. قَالَ إِبْرَاهِيمُ: فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، فَقَالَ: كَذَلِكَ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ[907]. وَقَالَ سُفْيَانُ عَنِ الْأَعْمَشِ عَنْ إِبْرَاهِيمَ عَنْ عَلْقَمَةَ أَنَّهُ قَالَ: (وَأَقِيمُوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ إِلَى الْبَيْتِ)[908]. وَكَذَا رَوَى الثَّوْرِيُّ أَيْضًا، عَنْ إِبْرَاهِيمَ عَنْ مَنْصُورٍ عَنْ إِبْرَاهِيمَ، أَنَّهُ قَرَأَ: (وَأَقِيمُوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ إِلَى الْبَيْتِ). [905] (أيضًا:1/437) [906] (الطبري:4/12) [907] (ابن أبي حاتم:1/439) [908] (الطبري:4/7) [إِذَا أُحْصِرَ الْمُحْرِمُ فِي الطَّرِيقِ فَلْيَذْبَحْ وَلْيَحْلِقْ رَأْسَهُ وَيَتَحَلَّلْ] وَقَوْلُهُ: {فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ} ذَكَرُوا أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ نَزَلَتْ فِي سَنَةِ سِتٍّ، أَيْ عَامَ الْحُدَيْبِيَةِ حِينَ حَالَ الْمُشْرِكُونَ بَيْنَ رَسُولِ اللهِ ﷺ وَبَيْنَ الْوُصُولِ إِلَى الْبَيْتِ، وَأَنْزَلَ اللهُ فِي ذَلِكَ سُورَةَ الْفَتْحِ بِكَمَالِهَا، وَأَنْزَلَ لَهُمْ رُخْصَةً أَنْ يَذْبَحُوا مَا مَعَهُمْ مِنَ الْهَدْيِ، وَكَانَ سَبْعِينَ بَدَنَةً، وَأَنْ يَحْلِقُوا رُؤُوسَهُمْ، وَأَنْ يَتَحَلَّلُوا مِنْ إِحْرَامِهِمْ، فَعِنْدَ ذَلِكَ أَمَرَهُمْ عَلَيْهِ السَّلاَمُ بِأَن يَحْلِقُوا رُؤُوسَهُمْ وَيَتَحَلَّلُوا، فَلَمْ يَفْعَلُوا اِنْتِظَارًا لِلنَّسْخِ، حَتَّى خَرَجَ فَحَلَقَ رَأْسَهُ فَفَعَلَ النَّاسُ، وَكَانَ مِنْهُمْ مَنْ قَصَّرَ رَأْسَهُ وَلَمْ يَحْلِقْهُ، فَلِذَلِكَ قَالَ ﷺ: «رَحِمَ اللهُ الْمُحَلِّقِينَ» قَالُوا: وَالْمُقَصِّرِينَ يَا رَسُولَ اللهِ؟ فَقَالَ فِي الثَّالِثَةِ: «وَالْمُقَصِّرِينَ»[909]. وَقَدْ كَانُوا اشْتَرَكُوا فِي هَدْيِهِمْ ذَلِكَ كُلُّ سَبْعَةٍ فِي بَدَنَةٍ، وَكَانُوا أَلْفًا وَأَرْبَعَمِائَةٍ، وَكَانَ مَنْزِلُهُمْ بِالْحُدَيْبِيَةِ خَارِجَ الْحَرَمِ، وَقِيلَ: بَلْ كَانُوا عَلَى طَرَفِ الْحَرَمِ، فَاللهُ أَعْلَمُ. [909] (الطبري:4/7) وَالْحَصْرُ أَعَمُّ مِنْ أَنْ يَكُونَ بِعَدُوٍّ أَوْ مَرَضٍ أَوْ ضَلاَلٍ - وَهُوَ التَّوَهَانُ عَنِ الطَّرِيقِ - أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ، رَوَى الْإِمَامُ أَحْمَدُ عَنِ الْحَجَّاجِ بْنِ عَمْرٍو الْأَنْصَارِيِّ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: «مَنْ كُسِرَ أَوْ عَرِجَ فَقَدْ حَلَّ وَعَلَيْهِ حَجَّةٌ أُخْرَى» قَالَ: فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لاِبْنِ عَبَّاسٍ وَأَبِي هُرَيْرَةَ فَقَالاَ: صَدَقَ[910]. وَأَخْرَجَهُ أَصْحَابُ الْكُتُبِ الْأَرْبَعَةِ[911]. وَفِي رِوَايَةٍ لِأَبِي دَاوُدَ وَابْنِ مَاجَه: «مَنْ عَرِجَ أَوْ كُسِرَ أَوْ مَرِضَ»... فَذَكَرَ مَعْنَاهُ[912]. وَرَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ[913] ثُمَّ قَالَ: وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ وَابْنِ الزُّبَيْرِ وَعَلْقَمَةَ، وَسَعِيدِ ابْنِ الْمُسَيَّبِ وَعُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ وَمُجَاهِدٍ وَالنَّخَعِيِّ، وَعَطَاءٍ وَمُقَاتِلِ بْنِ حَيَّانَ أَنَّهُمْ قَالُوا: الْإِحْصَارُ مِنْ عَدُوٍّ أَوْ مَرَضٍ أَوْ كَسْرٍ[914]. وَقَالَ الثَّوْرِيُّ: الْإِحْصَارُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ آذَاهُ[915]. [910] (أحمد:3/450) [911] (تحفة الأحوذي:4/8، والنسائي:5/198) [912] (أبو داود:2/434، وابن ماجه:2/1028) [913] (ابن أبي حاتم غ:1/444) [914] (ابن أبي حاتم غ:1/445) [915] (أيضاً:1/445) وَثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ دَخَلَ عَلَى ضُبَاعَةَ بِنْتِ الزُّبَيْرِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنِّي أُرِيدُ الْحَجَّ وَأَنَا شَاكِيَةٌ، فَقَالَ: «حُجِّي وَاشْتَرِطِي أَنَّ مَحِلِّي حَيْثُ حَبَسْتَنِي»[916]. وَرَوَاهُ مُسْلِمٌ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ بِمِثْلِهِ[917]. فَصَحَّ الاِشْتِرَاطُ فِي الْحَجِّ لِهَذَا الْحَدِيثِ [916] (فتح الباري:9/34) [917] (مسلم:2/868) وَقَوْلُهُ: {فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ} رَوَى الْإِمَامُ مَالِكٌ عَنْ عَلِيِّ ابْنِ أَبِي طَالِبٍ، أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: :{فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ} شَاةٌ[918]. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: اَلْهَدْيُ مِنَ الْأَزْوَاجِ الثَّمَانِيَةِ مِنَ الْإِبِلِ وَالْبَقَرِ وَالْمَعْزِ وَالضَّأْنِ[919]. وَرَوَى عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ: {فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ} قَالَ: بِقَدْرِ يَسَارَتِهِ[920]. وَقَالَ الْعَوْفِيُّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: إِنْ كَانَ مُوسِرًا فَمِنَ الإِبِلِ، وَإِلاَّ فَمِنَ الْبَقَرِ، وَإِلاَّ فَمِنَ الْغَنَمِ[921]. وَقَالَ هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ {فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ} قَالَ: إِنَّمَا ذَلِكَ فِيمَا بَيْنَ الرَّخْصِ وَالْغَلاَءِ[922]. [918] (الموطأ:1/385) [919] (ابن أبي حاتم غ:1/450) [920] (ابن أبي حاتم غ:1/451) [921] (الطبري:4/30) [922] (ابن أبي حاتم غ:1/452) وَالدَّلِيلُ عَلَى صِحَّةِ إِجْزَاءِ ذَبْحِ الشَّاةِ فِي الْإِحْصَارِ أَنَّ اللهَ أَوْجَبَ ذَبْحَ مَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ، أَيْ مَهْمَا تَيَسَّرَ مِمَّا يُسَمّْى هَدْيًا، وَالْهَدْيُ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ، وَهِيَ الْإِبِلُ وَالْبَقَرُ وَالْغَنَمُ، كَمَا قَالَهُ الْحَبْرُ الْبَحْرُ تَرْجُمَانُ الْقُرْآنِ وَابْنُ عَمِّ رَسُولِ اللهِ ﷺ، وَقَدْ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا قَالَتْ: أَهْدَى النَّبِيُّ ﷺ مَرَّةً غَنَمًا[923]. [923] (فتح الباري:3/639، ومسلم:2/958) وَقَوْلُهُ: {وَلاَ تَحْلِقُوا رُؤُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ} مَعْطُوفٌ عَلَى قَوْلِهِ: {وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالَعُمْرَةَ لِلَّهِ} وَلَيْسَ مَعْطُوفًا عَلَى قَوْلِهِ: {فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ} كَمَا زَعَمَهُ ابْنُ جَرِيرٍ رَحِمَهُ اللهُ، لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ وَأَصْحَابَهُ عَامَ الْحُدَيْبِيَةِ لَمَّا حَصَرَهُمْ كُفَّارُ قُرَيْشٍ عَنِ الدُّخُولِ إِلَى الْحَرَمِ، حَلَقُوا وَذَبَحُوا هَدْيَهُمْ خَارِجَ الْحَرَمِ، فَأَمَّا فِي حَالِ الْأَمْنِ وَالْوُصُولِ إِلَى الْحَرَمِ فَلاَ يَجُوزُ الْحَلْقُ {حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ} وَيَفْرُغَ النَّاسِكُ مِنْ أَفْعَالِ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ إِنْ كَانَ قَارِنًا، أَوْ مِنْ فِعْلِ أَحَدِهِمَا إِنْ كَانَ مُفْرِدًا أَوْ مُتَمَتِّعًا، كَمَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ حَفْصَةَ أَنَّهَا قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ، مَا شَأْنُ النَّاسِ حَلُّوا مِنَ الْعُمْرَةِ، وَلَمْ تَحِلَّ أَنْتَ مِنْ عُمْرَتِكَ؟ فَقَالَ: «إِنِّي لَبَّدْتُ رَأْسِي وَقَلَّدْتُ هَدْيِي، فَلاَ أَحِلُّ حَتَّى أَنْحَرَ»[924]. [924] (فتح الباري:3/493، ومسلم:2/902) [مَنْ حَلَقَ رَأْسَهُ مُحْرِمًا وَجَبَتْ عَلَيْهِ الْفِدْيَةُ] وَقَوْلُهُ: {فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذىً مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ} رَوَى الْبُخَارِيُّ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمنِ بْنِ الْأَصْبَهَانِيِّ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللهِ بْنَ مَعْقِلٍ قَالَ: قَعَدْتُ إِلَى كَعْبِ ابْنِ عُجْرَةَ فِي هَذَا الْمَسْجِدِ - يَعْنِي مَسْجِدَ الْكُوفَةِ - فَسَأَلْتُهُ عَنْ فِدْيَةٍ مِنْ صِيَامٍ، فَقَالَ: حُمِلْتُ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ، وَالْقَمْلُ يَتَنَاثَرُ عَلَى وَجْهِي، فَقَالَ: «مَا كُنْتُ أُرَى أَنَّ الْجَهْدَ بَلَغَ بِكَ هَذَا، أَمَا تَجِدُ شَاةً»؟ قُلْتُ: لاَ، قَالَ: «صُمْ ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ أَوْ أَطْعِمْ سِتَّةَ مَسَاكِينَ، لِكُلِّ مِسْكِينٍ نِصْفُ صَاعٍ مِنْ طَعامٍ، وَاحْلِقْ رَأْسَكَ» فَنَزَلَتْ فِيَّ خَاصَّةً وَهِيَ لَكُمْ عَامَّةً[925]. [925] (فتح الباري:8/34) وَرَوَى الْإِمَامُ أَحْمَدُ عَنْ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ، قَالَ: أَتَى عَلَيَّ النَّبِيُّ ﷺ وَأَنَا أُوقِدُ تَحْتَ قِدْرٍ، وَالْقَمْلُ يَتَنَاثَرُ عَلَى وَجْهِي، أَوْ قَالَ: حَاجِبِي، فَقَالَ: «يُؤْذِيكَ هَوَامُّ رَأْسِك؟» قُلْتُ: نَعَمْ، قَالَ: «فَاحْلِقْهُ، وَصُمْ ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ، أَوْ أَطْعِمْ سِتَّةَ مَسَاكِينَ، أَوِ انْسُكْ نَسِيكَةً»، قَالَ أَيُّوبُ: لاَ أَدْرِي بِأَيَّتِهِنَّ بَدَأَ[926]. وَلَمَّا كَانَ لَفْظُ الْقُرْآنِ فِي بَيَانِ الرُّخْصَةِ جَاءَ بِالْأَسْهَلِ فَالْأَسْهَلِ {فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ} وَلَمَّا أَمَرَ النَّبِيُّ ﷺ كَعْبَ بْنَ عُجْرَةَ بِذَلِكَ أَرْشَدَهُ إِلَى الْأَفْضَلِ فَالْأَفْضَلِ، فَقَالَ: انْسُكْ شَاةً، أَوْ أَطْعِمْ سِتَّةَ مَسَاكِينَ، أَوْ صُمْ ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ، فَكُلٌّ حَسَنٌ فِي مُقَامِهِ، وِلِلّْهِ الْحَمْدُ وَالْمِنَّةُ. [926] (أحمد:4/241) [بَيَانُ التَّمَتُّعِ فِي الْحَجِّ] وَقَوْلُهُ: {فَإِذَا أَمِنْتُمْ فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ} أَيْ إِذَا تَمَكَّنْتُمْ مِنْ أَدَاءِ الْمَنَاسِكِ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مُتَمَتِّعًا بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ، وَهُوَ يَشْمَلُ مَنْ أَحْرَمَ بِهِمَا، أَوْ أَحْرَمَ بِالْعُمْرَةِ أَوَّلاً، فَلَمَّا فَرَغَ مِنْهَا أَحْرَمَ بِالْحَجِّ، وَهَذَا هُوَ التَّمَتُّعُ الْخَاصُّ، وَهُوَ الْمَعْرُوفُ فِي كَلاَمِ الْفُقَهَاءِ، وَالتَّمَتُّعُ الْعَامُّ يَشْمَلُ الْقِسْمَيْنِ، كَمَا دَلَّتْ عَلَيْهِ الْأَحَادِيثُ الصِّحَاحُ، فَإِنَّ مِنَ الرُّوَاةِ مَنْ يَقُولُ: تَمَتَّعَ رَسُولُ اللهِ ﷺ. وَآخَرُ يَقُولُ: قَرَنَ. وَلاَ خِلاَفَ أَنَّهُ سَاقَ الْهَدْيَ. وَقَالَ تَعَالَى: {فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ} أَيْ فَلْيَذْبَحْ مَا قَدَرَ عَلَيْهِ مِنَ الْهَدْيِ، وَأَقَلُّهُ شَاةٌ، وَلَهُ أَنْ يَذْبَحَ الْبَقَرَ، لِأَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ ذَبَحَ عَنْ نِسَائِهِ الْبَقَرَ. وَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ ذَبَحَ الْبَقَرَ عَنْ نِسَائِهِ وَكُنَّ مُتَمَتِّعَاتٍ[927]. رَوَاهُ أَبُو بَكْرِ ابْنُ مَرْدُويَهْ. [927] (أبو داود:2/362) وَفِي هَذَا دَلِيلٌ عَلَى مَشْرُوعِيِّةِ التَّمَتُّعِ، كَمَا جَاءَ فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ، قَالَ: نَزَلَتْ آيَةُ الْمُتْعَةِ فِي كِتَابِ اللهِ، وَفَعَلْنَاهَا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ، وَلَمْ يَنْزِلْ قُرْآنٌ يُحَرِّمُهَا وَلَمْ يَنْهَ عَنْهَا، حَتَّى مَاتَ، قَالَ رَجُلٌ بِرَأْيِهِ مَا شَاءَ. قَالَ الْبُخَارِيُّ: يُقَالُ: إِنَّهُ عُمَرُ[928]. [928] (فتح الباري:8/34، ومسلم:2/900) وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ الْبُخَارِيُّ قَدْ جَاءَ مُصَرَّحًا بِهِ أَنَّ عُمَرَ كَانَ يَنْهَى النَّاسَ عَنِ التَّمَتُّعِ وَيَقُولُ: إِنْ نَأْخُذْ بِكِتَابِ اللهِ يَأْمُرْ بِالتَّمَامِ، يَعْنِي قَوْلَهُ: {وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالَعُمْرَةَ لِلَّهِ} وَفِي نَفْسِ الْأَمْرِ لَمْ يَكُنْ عُمَرُ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ يَنْهى عَنْهَا مُحَرِّمًا لَهَا، إِنَّمَا كَانَ يَنْهى عَنْهَا لِيَكْثُرَ قَصْدُ النَّاسِ لِلْبَيْتِ حَاجِّينَ وَمُعْتَمِرِينَ، كَمَا قَدْ صَرَّحَ بِهِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ. [إِذَا لَمْ يَجِدِ الْمُتَمَتِّعُ الْهَدْيَ فَلْيَصُمْ عَشَرَةَ أَيَّامٍ] وَقَوْلُهُ: {فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاَثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ} يَقُولُ تَعَالَى: فَمَن لَمْ يَجِدْ هَدْيًا فَلْيَصُمْ ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ، أَيْ فِي أَيَّامِ الْمَنَاسِكِ، وَقَالَ الْعَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: إِذَا لَمْ يَجِدْ هَدْيًا فَعَلَيْهِ صِيَامُ ثَلاَثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ قَبْلَ يَوْمِ عَرَفَةَ، فَإِذَا كَانَ يَوْمُ عَرَفَةَ الثَّالِثُ، فَقَدْ تَمَّ صَوْمُهُ، وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعَ إِلَى أَهْلِهِ[929]. وَكَذَا رَوَى أَبُو إِسْحَاقَ عَنْ وَبْرَةَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: يَصُومُ يَوْمًا قَبْلَ التَّرْوِيَةِ، وَيَوْمَ التَّرْوِيَةِ، وَيَوْمَ عَرَفَةَ[930]. وَكَذَا رَوَى جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَلِيٍّ أَيْضًا[931]. [929] (الطبري:4/97) [930] (لطبري:4/95) [931] (الطبري:4/94) فَلَوْ لَمْ يَصُمْهَا أَوْ بَعْضَهَا قَبْلَ الْعِيدِ، يَجُوزُ أَنْ يَصُومَهَا فِي أَيَّامِ التَّشْرِيقِ، لِقَولِ عَائِشَةَ وَابْنِ عُمَرَ فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ: لَمْ يُرَخَّصْ فِي أَيَّامِ التَّشْرِيقِ أَنْ يُصَمْنَ إِلاَّ لِمَنْ لَمْ يَجِدِ الْهَدْيَ. وَرَوَى سُفْيَانُ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَلِيٍّ، أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: مَنْ فَاتَهُ صِيَامُ ثَلاَثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ، صَامَهُنَّ أَيَّامَ التَّشْرِيقِ، وَبِهَذَا يَقُولُ عُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ اللَّيْثِيُّ وَعِكْرِمَةُ وَالْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ وَعُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ[932]. وَإِنَّمَا قَالُوا ذَلِكَ لِعُمُومِ قَوْلِهِ: {فَصِيَامُ ثَلاَثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ} وَأَمَّا مَا رَوَاهُ مُسْلِمٌ عَنْ قُتَيْبَةَ الْهُذَلِيِّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «أَيَّامُ التَّشْرِيقِ أَيَّامُ أَكْلٍ وَشُرْبٍ، وَذِكْرِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ»[933] فَهَذَا عَامٌّ وَرِوَايَةُ عَائِشَةَ وَابْنُ عُمَرَ مَخْصُوصَةٌ مِنْهُ. [932] (الطبري:4/98-99) [933] (مسلم:2/800) وَقَوْلُهُ: {وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ} فِيهِ قَوْلاَنِ: أَحَدُهُمَا إِذَا رَجَعْتُمْ إِلَى رِحَالِكُمْ، الثَّانِي: إِذَا رَجَعْتُمْ إِلَى أَوْطَانِكُمْ، رَوَى عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنْ سَالِمٍ، سَمِعْتُ ابْنَ عُمَرَ قَالَ: {فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاَثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ} قَالَ: إِذَا رَجَعَ إِلَى أَهْلِهِ[934]. وَكَذَا رُوِيَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ وَأَبِي الْعَالِيَةِ وَمُجَاهِدٍ وَعَطَاءٍ وَعِكْرِمَةَ وَالْحَسَنِ وَقَتَادَةَ وَالزُّهْرِيِّ وَالرَّبِيعِ ابْنِ أَنَسٍ[935]. [934] (عبدالرزاق:1/76) [935] (ابن أبي حاتم غ:2/498) وَقَدْ رَوَى الْبُخَارِيُّ عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، أَنَّ ابْنَ عُمَرَ قَالَ: تَمَتَّعَ رَسُولُ اللهِ ﷺ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ، وَأَهْدى، فَسَاقَ مَعَهُ الْهَدْيَ مِنْ ذِي الْحُلَيْفَةِ، وَبَدَأَ رَسُولُ اللهِ ﷺ فَأَهَلَّ بِالْعُمْرَةِ، ثُمَّ أَهَلَّ بِالْحَجِّ، فَتَمَتَّعَ النَّاسُ مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ، فَكَانَ مِنَ النَّاسِ مَنْ أَهْدى فَسَاقَ الْهَدْيَ، وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ يُهْدِ، فَلَمَّا قَدِمَ النَّبِيُّ ﷺ مَكَّةَ قَالَ لِلنَّاسِ: «مَنْ كَانَ مِنْكُمْ أَهْدَى فَإِنَّهُ لاَ يَحِلُّ مِن شَيْءٍ حَرُمَ مِنْهُ حَتَّى يَقْضِيَ حَجَّهُ، وَمَنْ لَمْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَهْدَى فَلْيَطُفْ بِالْبَيْتِ وَبِالصَّفَا وَالْمَرْوَةِ وَلْيُقَصِّرْ وَلْيَحْلِلْ، ثُمَّ لْيُهِلَّ بِالْحَجِّ، فَمَنْ لَمْ يَجِدْ هَدْيًا فَلْيَصُمْ ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ، وَسَبْعَةً إِذَا رَجَعَ إِلَى أَهْلِهِ». وَذَكَرَ تَمَامَ الْحَدِيثِ، وَالْحَدِيثُ مُخَرَّجٌ فِي الصَّحِيحَيْنِ[936]. [936] (فتح الباري:3/630، ومسلم:2/901) وَقَوْلُهُ: {تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ} قِيلَ: تَأْكِيدٌ، كَمَا تَقُولُ الْعَرَبُ: رَأَيتُ بِعَيْنِي، وَسَمِعْتُ بِأُذُنِي، وَكَتَبْتُ بِيَدِي، وَقَالَ اللهُ تَعَالَى: {وَلاَ طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ} [الأنعام:38] وَقَالَ: {وَلاَ تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ} [العنكبوت:48] وَقَالَ: {وَوَاعَدْنَا مُوسَى ثَلاَثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ فَتَمَّ مِيقَاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً} [الأعراف: 142] وَقِيلَ: مَعْنى {كَامِلَةٌ}، الْأَمْرُ بِإِكْمَالِهَا وَإِتْمَامِهَا. [لاَ يَتَمَتَّعُ أَهْلُ مَكَّةَ] وَقَوْلُهُ: {ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ} حَاضِرُوهُ: هُمْ أَهْلُ الْحَرَمِ، فَلاَ مُتْعَةَ لَهُمْ. وَرَوَى عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنْ طَاوُسٍ قَالَ: الْمُتْعَةُ لِلنَّاسِ - لاَ لِأَهْلِ مَكَّةَ - مَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ مِنَ الْحَرَمِ. وَكَذَا قَوْلُ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ: {ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ} قَالَ: وَبَلَغَنِي عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ مِثْلُ قَوْلِ طَاوُسٍ[937]. [937] (الطبري:4/111) وَقَوْلُهُ: {وَاتَّقُوا اللَّهَ} أَيْ فِيمَا أَمَرَكُمْ وَمَا نَهَاكُمْ. {وَاعْلَمْوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ} أَيْ لِمَنْ خَالَفَ أَمْرَهُ، وَارْتَكَبَ مَا عَنْهُ زَجَرَهُ. {الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلاَ رَفَثَ وَلاَ فُسُوقَ وَلاَ جِدَالَ فِي الْحَجِّ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِ يَاأُولِي الأَلْبَابِ} [مَتى يُحْرَمُ لِلْحَجِّ؟] قَوْلُهُ: {الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ} أَيْ لاَ يَصِحُّ الْإِحْرَامُ بِالْحَجِّ إِلاَّ فِي أَشْهُرِهِ، وَهُوَ مَرْوِيٌّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ[938] وَجَابِرٍ، وَبِهِ يَقُولُ عَطَاءٌ وَطَاوُسٌ وَمُجَاهِدٌ رَحِمَهُمُ اللهُ. وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ أَنَّ تَخْصِيصَ وَقْتِ الْحَجِّ بِأَشْهُرٍ مَعْلُومَاتٍ مِنْ بَيْنِ سَائِرِ شُهُورِ السَّنَةِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لاَ يَصِحُّ قَبْلَهَا، كَمِيقَاتِ الصَّلاَةِ. [938] (الطبري:4/115) وَرَوَى الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللهُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ: لاَ يَنْبَغِي لِأَحَدٍ أَنْ يُحْرِمَ بِالْحَجِّ إِلاَّ فِي شُهُورِ الْحَجِّ مِنْ أَجْلِ قَوْلِ اللهِ تَعَالَى: {الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ} [939]. وَرَوَى ابْنُ خُزَيْمَةَ فِي صَحِيحِهِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: لاَ يُحْرَمُ بِالْحَجِّ إِلاَّ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ، فَإِنَّ مِنْ سُنَّةِ الْحَجِّ أَنْ يُحْرِمَ بِالْحَجِّ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ[940]. وَهَذَا إِسْنَادٌ صَحِيحٌ، وَقَوْلُ الصَّحَابِيِّ: مِنَ السُّنَّةِ كَذَا، فِي حُكْمِ الْمَرْفُوعِ عِنْدَ الْأَكْثَرِينَ، وَلاَ سِيَّمَا قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ تَفْسِيرًا لِلْقُرْآنِ، وَهُوَ تَرْجُمَانُهُ. [939] (الأم:2/132) [940] (ابن خزيمة:4/162) وَقَدْ وَرَدَ فِيهِ حَدِيثٌ مَرْفُوعٌ، رَوَى ابْنُ مَرْدُويَهْ عَنْ جَابِرٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «لاَ يَنْبَغِي لِأَحَدٍ أَنْ يُحْرِمَ بِالْحَجِّ إِلاَّ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ»[941]. وَإِسْنَادُهُ لاَ بَأْسَ بِهِ، لَكِنْ رَوَاهُ الشَّافِعِيُّ وَالْبَيْهَقِيُّ مِنْ طُرُقٍ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرَ ابْنَ عَبْدِ اللهِ يُسْأَلُ: أَيُهَلُّ بِالْحَجِّ قَبْلَ أَشْهُرِ الْحَجِّ؟ فَقَالَ: لاَ[942]. وَهَذَا الْمَوْقُوفُ أَصَحُّ وَأَثْبَتُ مِنَ الْمَرْفُوعِ، وَيَبْقى حِينَئِذٍ مَذْهَبُ صَحَابِيٍّ يَتَقَوَّى بِقَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ، مِنَ السُّنَّةِ: أَن لاَ يُحْرَمَ بِالْحَجِّ إِلاَّ فِي أَشْهُرِهِ، وَاللهُ أَعْلَمُ. [941] (ابن أبي شيبة: الجزء المفقود/361) [942] (الأم:2/132، والبيهقي:4/343) [أَشْهُرُ الْحَجِّ] وَقَوْلُهُ: {أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ} قَالَ الْبُخَارِيُّ: قَالَ ابْنُ عُمَرَ: هِيَ شَوَّالٌ وَذُو الْقَعْدَةِ وَعَشْرٌ مِنْ ذِي الْحَجَّةِ[943]. وَهَذَا الَّذِي عَلَّقَهُ الْبُخَارِيُّ عَنْهُ بِصِيغَةِ الْجَزْمِ، رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ مَوْصُولاً عَنِ ابْنِ عُمَرَ: {الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ} قَالَ: شَوَّالٌ وَذُو الْقَعْدَةِ وَعَشْرٌ مِنْ ذِي الْحَجَّةِ. إِسْنَادٌ صَحِيحٌ[944]. وَقَدْ رَوَاهُ الْحَاكِمُ أَيْضًا فِي مُسْتَدْرَكِهِ وَقَالَ: هُوَ عَلَى شَرْطِ الشَّيْخَيْنِ[945]. [943] (فتح الباري:3/490) [944] (الطبري:4/116) [945] (الحاكم:2/276) (قُلْتُ) وَهُوَ مَرْوِيٌّ عَنْ عُمَرَ وَعَلِيٍّ وَابْنِ مَسْعُودٍ وَعَبْدِ اللهِ بْنِ الزُّبَيْرِ، وَابْنِ عَبَّاسٍ، وَعَطَاءٍ وَطَاوُسٍ وَمُجَاهِدٍ وَإِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ وَالشَّعْبِيِّ وَالْحَسَنِ وَابْنِ سِيرِينَ، وَمَكْحُولٍ وَقَتَادَةَ وَالضَّحَّاكِ بْنِ مُزَاحِمٍ وَالرَّبِيعِ بْنِ أَنَسٍ وَمُقَاتِلِ بْنِ حَيَّانَ[946]. وَاخْتَارَ هَذَا الْقَوْلَ ابْنُ جَرِيرٍ، قَالَ: وَصَحَّ إِطْلاَقُ الْجَمْعِ عَلَى شَهْرَيْنِ وَبَعْضِ الثَّالِثِ لِلتَّغْلِيبِ، كَمَا تَقُولُ الْعَرَبُ: زُرْتُهُ الْعَامَ وَرَأَيْتُهُ الْيَوْمَ، وَإِنَّمَا وَقَعَ ذَلِكَ فِي بَعْضِ الْعَامِ وَالْيَوْمِ، قَالَ اللهُ تَعَالَى: {فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلاَ إِثْمَ عَلَيْهِ} [البقرة:203] وَإِنَّمَا تَعَجَّلَ فِي يَوْمٍ وَنِصْفِ يَوْمٍ[947]. [946] (ابن أبي حاتم غ:2/488،487،486) [947] (الطبري:4/120) وَقَوْلُهُ: {فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ} أَيْ أَوْجَبَ بِإِحْرَامِهِ حَجًّا، فِيهِ دَلاَلَةٌ عَلَى لُزُومِ الْإِحْرَامِ بِالْحَجِّ وَالْمُضِيِّ فِيهِ، قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ مِنَ الْفَرْضِ ههُنَا الْإِيجَابُ وَالْإِلْزَامُ[948]. وَقَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ {فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ} يَقُولُ: مَنْ أَحْرَمَ بِحَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ، وَقَالَ عَطَاءٌ: اَلْفَرْضُ الْإِحْرَامُ[949]. وَكَذَا قَالَ إِبْرَاهِيمُ وَالضَّحَّاكُ وَغَيْرُهُمْ[950]. [948] (الطبري:4/121) [949] (الطبري:4/123) [950] (الطبري:4/123) [اَلنَّهْيُ عَنِ الرَّفَثِ فِي الْحَجِّ] وَقَوْلُهُ: {فَلاَ رَفَثَ} أَيْ مَنْ أَحْرَمَ بِالْحَجِّ أَوِ الْعُمْرَةِ فَلْيَجْتَنِبِ الرَّفَثَ، وَهُوَ الْجِمَاعُ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: {أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ} [البقرة: 187] وَكَذَلِكَ يَحْرُمُ تَعَاطِي دَوَاعِيهِ مِنَ الْمُبَاشَرَةِ وَالتَّقْبِيلِ وَنَحْوِ ذَلِكَ، وَكَذَلِكَ التَّكَلُّمُ بِهِ بِحَضْرَةِ النِّسَاءِ. رَوَى ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ نَافِعٍ أَنَّ عَبْدَ اللهِ ابْنَ عُمَرَ كَانَ يَقُولُ: اَلرَّفَثُ: إِتْيَانُ النِّسَاءِ، وَالتَّكَلُّمُ بِذَلِكَ لِلرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ إِذَا ذَكَرُوا ذَلِكَ بِأَفْوَاهِهِمْ. وَقَالَ عَطَاءُ بْنُ أَبِي رَبَاحٍ: اَلرَّفَثُ: الْجِمَاعُ وَمَا دُونَهُ مِنْ قَوْلِ الْفُحْشِ. وَكَذَا قَالَ عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ. وَقَالَ عَطَاءٌ: كَانُوا يَكْرَهُونَ الْعَرَابَةَ - وَهُوَ التَّعْرِيضُ - وَهُوَ مُحْرِمٌ. وَقَالَ طَاوُسٌ: هُوَ أَنْ تَقُولَ لِلْمَرْأَةِ إِذَا حَلَلْتِ أَصَبْتُكِ. وَكَذَا قَالَ أَبُو الْعَالِيَةِ. وَقَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: اَلرَّفَثُ: غِشْيَانُ النِّسَاءِ وَالْقُبَلُ وَالْغَمزُ، وَأَنْ يُعَرِّضَ لَهَا بِالْفُحْشِ مِنَ الْكَلاَمِ وَنَحْوِ ذَلِكَ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ أَيْضًا وَابْنُ عُمَرَ: اَلرَّفَثُ غِشْيَانُ النِّسَاءِ[951]. وَكَذَا قَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وَعِكْرِمَةُ وَمُجَاهِدٌ وَإِبْرَاهِيمُ وَأَبُو الْعَالِيَةِ [وَ] عَطَاءٌ، وَمَكْحُولٌ، وَعَطَاءٌ الْخُرَاسَانِيُّ، وَعَطَاءُ ابْنُ يَسَارٍ، وَعَطِيِّةُ وَإِبْرَاهِيمُ النَّخْعِيُّ، وَالرَّبِيعُ وَالزُّهْرِيُّ وَالسُّدِّيُّ، وَمَالِكُ ابْنُ أَنَسٍ وَمُقَاتِلُ بْنُ حَيَّانَ، وَعَبْدُ الْكَرِيمِ بْنُ مَالِكٍ، وَالْحَسَنُ، وَقَتَادَةُ وَالضَّحَّاكُ وَغَيْرُهُمْ. [951] (الطبري:4/126-129) [اَلنَّهْيُ عَنِ الْفُسُوقِ فِي الْحَجِّ] وَقَوْلُهُ: {وَلاَ فُسُوقَ} قَالَ مِقْسَمٌ وَغَيْرُ وَاحِدٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، هِيَ: الْمَعَاصِي. وَكَذَا قَالَ عَطَاءٌ وَمُجَاهِدٌ، وَطَاوُسٌ وَعِكْرِمَةُ وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وَمُحَمَّدُ ابْنُ كَعْبٍ وَالْحَسَنُ، وَقَتَادَةُ وَإِبْرَاهِيمُ النَّخْعِيُّ وَالزُّهْرِيُّ وَمَكْحُولٌ، وَابْنُ أَبَانٍ وَالرَّبِيعُ بْنُ أَنَسٍ وَعَطَاءُ بْنُ يَسَارٍ وَعَطَاءٌ الْخُرَاسَانِيُّ، وَمُقَاتِلُ بْنَ حَيَّانَ. وَرَوَى ابْنُ وَهْبٍ عَنْ يُونُسَ عَنْ نَافِعٍ أَنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ عُمَرَ كَانَ يَقُولُ: اَلْفُسُوقُ: إِتْيَانُ مَعَاصِي اللهِ فِي الْحَرَمِ[952]. [952] (ابن أبي حاتم:2/497-500) وَقَالَ آخَرُونَ: اَلْفُسُوقُ ههُنَا السِّبَابُ. وَقَدْ يُتَمَسَّكُ لِهؤُلاَءِ بِمَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ: «سِبَابُ الْمُسْلِمِ فُسُوقٌ وَقِتَالُهُ كُفْرٌ»[953] [953] (فتح الباري:1/135) وَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمنِ بْنُ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ: اَلْفُسُوقُ ههُنَا الذَّبْحُ لِلْأَصْنَامِ، قَالَ اللهُ تَعَالَى: {أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ} [الأنعام:145]. وَقَالَ الضَّحَّاكُ: اَلْفُسُوقُ: التَّنَابُزُ بِالْأَلْقَابِ. وَالَّذِينَ قَالُوا: اَلْفُسُوقُ ههُنَا هُوَ جَمِيعُ الْمَعَاصِي الصَّوَابُ مَعَهُمْ، كَمَا نَهى تَعَالَى عَنِ الظُّلْمِ فِي الْأَشْهُرِ الْحُرُمِ، وَإِنْ كَانَ فِي جَمِيعِ السَّنَةِ مَنْهِيًّا عَنْهُ، إِلاَّ أَنَّهُ فِي الْأَشْهُرِ الْحُرُمِ آكَدُ، وَلِهَذَا قَالَ: {مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلاَ تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ} [التوبة:36] وَقَالَ فِي الْحَرَمِ: {وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ} [الحج:25] وَقَدْ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي حَازِمٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «مَنْ حَجَّ هَذَا الْبَيْتَ، فَلَمْ يَرْفُثْ وَلَمْ يَفْسُقْ خَرَجَ مِنْ ذُنُوبِهِ كَيَوْمَ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ»[954]. [954] (فتح الباري:4/25، ومسلم:2/983) [اَلنَّهْيُ عَنِ الْجِدَالِ فِي الْحَجِّ] وَقَوْلُهُ: {وَلاَ جِدَالَ فِي الْحَجِّ} اَلْمُرَادُ بِالْجِدَالِ الْمُخَاصَمَةُ. رَوَى ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ فِي قَوْلِهِ: {وَلاَ جِدَالَ فِي الْحَجِّ} قَالَ: أَنْ تُمَارِيَ صَاحِبَكَ حَتَّى تُغْضِبَهُ[955]. وَكَذَلِكَ رَوَى مِقْسَمٌ وَالضَّحَّاكُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ[956]. وَكَذَا قَالَ أَبُو الْعَالِيَةِ وَعَطَاءٌ وَمُجَاهِدٌ وَسَعِيدُ ابْنُ جُبَيْرٍ وَعِكْرِمَةُ وَجَابِرُ بْنُ زَيْدٍ وَعَطَاءٌ الْخُرَاسَانِيُّ وَمَكْحُولٌ وَالسُّدِّيُّ وَمُقَاتِلُ بْنُ حَيَّانِ وَعَمْرُو بْنُ دِينَارٍ وَالضَّحَّاكُ وَالرَّبِيعُ بْنُ أَنَسٍ، وَإِبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ وَعَطَاءُ بْنُ يَسَارٍ وَالْحَسَنُ وَقَتَادَةُ وَالزُّهْرِيُّ[957]. [955] (الطبري:4/141) [956] (الطبري:4/141) [957] (ابن أبي حاتم غ:2/503-505) [اَلتَّرْغِيبُ فِي فِعْلِ الْخَيْرَاتِ وَأَخْذُ الزَّادِ فِي الْحَجِّ] وَقَوْلُهُ: {وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ} لَمَّا نَهَاهُمْ عَنْ إِتْيَانِ الْقَبِيحِ قَوْلاً وَفِعْلاً، حَثَّهُمْ عَلَى فِعْلِ الْجَمِيلِ وَأَخْبَرَهُمْ أَنَّهُ عَالِمٌ بِهِ، وَسَيَجْزِيهِمْ عَلَيْهِ أَوْفَرَ الْجَزَاءِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ. وَقَوْلُهُ: {وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى} رَوَى الْبُخَارِيُّ وَأَبُودَاوُدَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: كَانَ أَهْلُ الْيَمَنِ يَحُجُّونَ وَلاَ يَتَزَوَّدُونَ وَيَقُولُونَ: نَحْنُ الْمُتَوَكِّلُونَ، فَأَنْزَلَ اللهُ: {وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى} [958]. وَرَوَى ابْنُ جَرِيرٍ وَابْنُ مَرْدُويَهْ عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: كَانُوا إِذَا أَحْرَمُوا وَمَعَهُمْ أَزْوَادُهُمْ رَمَوْا بِهَا وَاسْتَأْنَفُوا زَادًا آخَرَ، فَأَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى: {وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى} فَنُهُوا عَنْ ذَلِكَ، وَأُمِرُوا أَنْ يَتَزَوَّدُوا الدَّقِيقَ وَالسَّوِيقَ وَالْكَعْكَ.[959]. [958] (فتح الباري:3/449، وأبو داود:2/349) [959] (الطبري:4/156) [زَادُ سَفَرِ الاْخِرَةِ] وَقَوْلُهُ: {فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى} لَمَّا أَمَرَهُمْ بِالزَّادَ لِلسَّفَرِ فِي الدُّنْيَا أَرْشَدَهُمْ إِلَى زَادِ الاْخِرَةِ، وَهُوَ اسْتِصْحَابُ التَّقْوَى إِلَيْهَا، كَمَا قَالَ: {وَرِيشًا وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ} [الأعراف:26] لَمَّا ذَكَرَ اللِّبَاسَ الْحِسِّيَّ نَبَّهَ مُرْشِدًا إِلَى اللِّبَاسِ الْمَعْنَوِيِّ، وَهُوَ الْخُشُوعُ وَالطَّاعَةُ وَالتَّقْوَى، وَذَكَرَ أَنَّهُ خَيْرٌ مِنْ هَذَا وَأَنْفَعُ. وَقَوْلُهُ: {وَاتَّقُونِ يَا أُولِي الأَلْبَابِ} يَقُولُ: وَاتَّقُوا عِقَابِي وَنَكَالِي وَعَذَابِي لِمَنْ خَالَفَنِي وَلَمْ يَأْتَمِرْ بِأَمْرِي، يَا ذَوِي الْعُقُولِ وَالْأَفْهَامِ. {لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلاً مِنْ رَبِّكُمْ فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ وَإِنْ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّآلِّينَ} [اَلتِّجَارَةُ فِي الْحَجِّ] رَوَى الْبُخَارِيُّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: كَانَتْ عُكَاظُ وَمِجَنَّةُ وَذُو الْمَجَازِ أَسْوَاقًا فِي الْجَاهِلِيَّةِ، فَتَأَثَّمُوا أَنْ يَتَّجِرُوا فِي الْمَوْسِمِ، فَنَزَلَتْ: (لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَبْتَغُوا فَضْلاً مِّن رَّبِّكُمْ فِي مَوَاسِمِ الْحَجِّ)[960]. وَرَوَى أَبُو دَاوُدَ وَغَيْرُهُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: كَانُوا يَتَّقُونَ الْبُيُوعَ وَالتِّجَارَةَ فِي الْمَوْسِمِ وَالْحَجِّ، يَقُولُونَ: أَيَّامُ ذِكْرٍ، فَأَنْزَلَ اللهُ: {لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلاً مِنْ رَبِّكُمْ} [961]. وَهكَذَا فَسَّرَهَا مُجَاهِدٌ وَسَعِيدُ ابْنُ جُبَيْرٍ، وَعِكْرِمَةُ وَمَنْصُورُ بْنُ الْمُعْتَمِرِ، وَقَتَادَةُ وَإِبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ وَالرَّبِيعُ بْنُ أَنَسٍ وَغَيْرُهُمْ، وَرَوَى ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ أَبِي أُمَيْمَةَ قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ عُمَرَ سُئِلَ عَنِ الرَّجُلِ يَحُجُّ وَمَعَهُ تِجَارَةٌ، فَقَرَأَ ابْنُ عُمَرَ: {لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلاً مِنْ رَبِّكُمْ} [962] وَهَذَا مَوْقُوفٌ، وَهُوَ قَوِيٌّ جَيِّدٌ. وَقَدْ رُوِيَ مَرْفُوعًا، رَوَى أَحْمَدُ عَنْ أَبِي أُمَامَةَ التَّيْمِيِّ، قَالَ: قُلْتُ لاِبْنِ عُمَرَ: إِنَّا نُكْرِى فَهَلْ لَنَا مِنْ حَجٍّ؟ قَالَ: أَلَيْسَ تَطُوفُونَ بِالْبَيْتِ، وَتَأْتُونَ الْمُعَرَّفَ، وَتَرْمُونَ الْجِمَارَ، وَتَحْلِقُونَ رُؤُوسَكُمْ؟ قَالَ: قُلْنَا: بَلى، فَقَالَ ابْنُ عُمَرَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ، فَسَأَلَهُ عَنِ الَّذِي سَأَلْتَنِي، فَلَمْ يُجِبْهُ حَتَّى نَزَلَ عَلَيْهِ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلاَمُ بِهَذِهِ الْآيَةِ: {لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلاً مِنْ رَبِّكُمْ} فَدَعَاهُ النَّبِيُّ ﷺ، فَقَالَ: «أَنْتُمْ حُجَّاجٌ»[963]. وَرَوَى ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ أَبِي صَالِحٍ مَوْلَى عُمَرَ قَالَ: قُلْتُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤمِنِينَ، كُنْتُمْ تَتَّجِرُونَ فِي الْحَجِّ؟ قَالَ: وَهَلْ كَانَتْ مَعَايِشُهُمْ إِلاَّ فِي الْحَجِّ؟[964]. [960] (فتح الباري:8/34) [961] (أبو داود:2/350) [962] (الطبري:4/165) [963] (أحمد:2/155) [964] (الطبري:4/168) [اَلْوُقُوفُ بِعَرَفَةَ] وَقَوْلُهُ تَعَالَى: {فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ} إِنَّمَا صُرِفَ عَرَفَاتٌ وَإِنْ كَانَ عَلَمًا عَلَى مُؤَنَّثٍ، لِأَنَّهُ فِي الْأَصْلِ جَمْعٌ، كَمُسْلِمَاتٍ وَمُؤمِنَاتٍ، سُمِّيَ بِهِ بُقْعَةٌ مُعَيَّنَةٌ فَرُوعِيَ فِيهِ الْأَصْلُ فَصُرِفَ، اِخْتَارَهُ ابْنُ جَرِيرٍ[965]. [965] (الطبري:4/171) وَعَرَفَةُ مَوْضِعُ الْوُقُوفِ فِي الْحَجِّ، وَهِيَ عُمْدَةُ أَفْعَالِ الْحَجِّ، وَلِهَذَا رَوَى الْإِمَامُ أَحْمَدُ وَأَهْلُ السُّنَنِ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَعْمَرَ الدِّيلِيِّ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: «الْحَجُّ عَرَفَاتٌ - ثَلاَثًا - فَمَنْ أَدْرَكَ عَرَفَةَ قَبْلَ أَنْ يَطْلُعَ الْفَجْرُ فَقَدْ أَدْرَكَ، وَأَيَّامُ مِنًى ثَلاَثَةٌ، فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلاَ إِثْمَ عَلَيْهِ، وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلاَ إِثْمَ عَلَيْهِ»[966]. [966] (أحمد:4/310، وأبو داود:2/485، وتحفة الأحوذي:3/633، والنسائي:5/256، وابن ماجه:2/1003) وَوَقْتُ الْوُقُوفِ مِنَ الزَّوَالِ يَوْمَ عَرَفَةَ إِلَى طُلُوعِ الْفَجْرِ الثَّانِي مِنْ يَوْمِ النَّحْرِ، لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ وَقَفَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ بَعْدَ أَنْ صَلَّى الظُّهْرَ إِلَى أَنْ غَرَبَتِ الشَّمْسُ، وَقَالَ: «لِتَأْخُذُوا عَنِّي مَنَاسِكَكُمْ»[967]. وَقَالَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ: «فَمَنْ أَدْرَكَ عَرَفَةَ قَبْلَ أَنْ يَطْلُعَ الْفَجْرُ فَقَدْ أَدْرَكَ». [967] (مسلم:2/943) وَعَنْ عُرْوَةَ بْنِ مُضَرِّسِ بْنِ حَارِثَةَ بْنِ لاَمٍ الطَّائِيِّ، قَالَ: أَتَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ بِالْمُزْدَلِفَةِ حِينَ خَرَجَ إِلَى الصَّلاَةِ فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنِّي جِئْتُ مِنْ جَبَلَيْ طَيِّءٍ، أَكْلَلْتُ رَاحِلَتِي، وَأَتْعَبْتُ نَفْسِي، وَاللهِ مَا تَرَكْتُ مِنْ جَبَلٍ إِلاَّ وَقَفْتُ عَلَيْهِ، فَهَلْ لِي مِنْ حَجٍّ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «مَنْ شَهِدَ صَلاَتَنَا هَذِهِ، فَوَقَفَ مَعَنَا حَتَّى نَدْفَعَ، وَقَد وَقَفَ بعَرَفَةَ قَبْلَ ذَلِكَ لَيْلاً أَوْ نَهارًا فَقَدْ تَمَّ حَجُّهُ وَقَضَى تَفَثَهُ» رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ وَأَهْلُ السُّنَنِ، وَصَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ[968]. ثُمَّ قِيلَ: إِنَّمَا سُمِّيَتْ عَرَفَاتٌ لِمَارَوَاهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ: أَخْبَرَنِي ابْنُ جُرَيْجٍ، قَالَ: قَالَ ابْنُ الْمُسَيَّبِ: قَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ: بَعَثَ اللهُ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلاَمُ إِلَى إِبْرَاهِيمَ ﷺ فَحَجَّ بِهِ، حَتَّى إِذَا أَتَى عَرَفَةَ قَالَ: عَرَفْتُ -وَكَانَ قَدْ أَتَاهَا مَرَّةً قَبْلَ ذَلِكَ-، فَلِذَلِكَ سُمِّيَتْ عَرَفَةَ[969]. وَقَالَ ابْنُ الْمُبَارَكِ عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ أَبِي سُلَيْمَانَ، عَنْ عَطَاءٍ، قَالَ: إِنَّمَا سُمِّيَتْ عَرَفَةَ لِأَنَّ جِبْرِيلَ كَانَ يُرِي إِبْرَاهِيمَ الْمَنَاسِكَ فَيَقُولُ: عَرَفْتُ عَرَفْتُ، فَسُمِّيَتْ عَرَفَاتٍ[970]. وَرُوِيَ نَحْوُهُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ[971] وَابْنِ عُمَرَ وَأَبِي مِجْلَزٍ[972]. فَاللهُ أَعْلَمُ [968] (أحمد:4/261، وأبو داود:2/486، وتحفة الأحوذي:3/635، والنسائي:5/264، وابن ماجه:2/1004) [969] (عبدالرزاق:5/96) [970] (الطبري:4/174) [971] (الطبري:4/173) [972] (ابن أبي حاتم غ:2/519) وَتُسَمَّى عَرَفَاتٌ: الْمَشْعَرَ الْحَرَامَ، وَالْمَشْعَرَ الْأَقْصَى، وَ[إِلاَلاً] عَلَى وَزْنِ هِلاَلٍ، وَيُقَالُ لِلْجَبَلِ فِي وَسَطِهَا: جَبَلُ الرَّحْمَةِ. [وَقْتُ الْإِفَاضَةِ مِنْ عَرَفَاتٍ وَمُزْدَلِفَةَ] وَرَوَى ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: كَانَ أَهْلُ الْجَاهِلِيَّةِ يَقِفُونَ بِعَرَفَةَ، حَتَّى إِذَا كَانَتِ الشَّمْسُ عَلَى رُؤُوسِ الْجِبَالِ كَأَنَّهَا الْعَمَائِمُ عَلَى رُؤُوسِ الرِّجَالِ دَفَعُوا، فَأَخَّرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ الدَّفْعَةَ مِنْ عَرَفَةَ حَتَّى غَرَبَتِ الشَّمْسُ[973]. وَرَوَاهُ ابْنُ مَرْدُويَهْ وَزَادَ: ثُمَّ وَقَفَ بِالْمُزْدَلِفَةِ وَصَلَّى الْفَجْرَ بِغَلَسٍ، حَتَّى إِذَا أَسْفَرَ كُلُّ شَيْءٍ وَكَانَ فِي الْوَقْتِ الاْخِرِ، دَفَعَ. وَهَذَا حَسَنُ الْإِسْنَادِ. وَفِي حَدِيثِ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ الطَّوِيلِ الَّذِي فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ، قَالَ فِيهِ: فَلَمْ يَزَلْ وَاقِفًا - يَعْنِي بِعَرَفَةَ - حَتَّى غَرَبَتِ الشَّمْسُ، وَذَهَبَتِ الصُّفْرَةُ قَلِيلاً حَتَّى غَابَ الْقُرْصُ، وَأَرْدَفَ أُسَامَةَ خَلْفَهُ، وَدَفَعَ رَسُولُ اللهِ ﷺ وَقَدْ شَنَقَ لِلْقَصْوَاءِ الزِّمَامَ، حَتَّى إِنَّ رَأْسَهَا لَيُصِيبُ مَوْرِكَ رَحْلِهِ، وَيَقُولُ بِيَدِهِ الْيُمْنى: «أَيُّهَا النَّاسُ السَّكِينَةَ السَّكِينَةَ» كُلَّمَا أَتَى حَبْلاً مِنَ الْحِبَالِ[974] أَرْخَى لَهَا قَلِيلاً حَتَّى تَصْعَدَ حَتَّى أَتَى الْمُزْدَلِفَةَ، فَصَلَّى بِهَا الْمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ بِأَذَانٍ وَاحِدٍ وَإِقَامَتَيْنِ، وَلَمْ يُسَبِّحْ بَيْنَهُمَا شَيْئًا، ثُمَّ اضْطَجَعَ حَتَّى طَلَعَ الْفَجْرُ، فَصَلَّى الْفَجْرَ حِينَ تَبَيَّنَ لَهُ الصُّبْحُ بِأَذَانٍ وَإِقَامَةٍ، ثُمَّ رَكِبَ الْقَصْوَاءَ حَتَّى أَتَى الْمَشْعَرَ الْحَرَامَ، فَاسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ، فَدَعَا اللهَ وَكَبَّرَهُ وَهَلَّلَهُ وَوَحَّدَهُ، فَلَمْ يَزَلْ وَاقِفًا حَتَّى أَسْفَرَ جِدًّا، فَدَفَعَ قَبْلَ أَنْ تَطْلُعَ الشَّمْسُ[975]. [973] (ابن أبي حاتم غ:2/517) [974] (الكلمتان بالحاء المهملة. وهو التل اللطيف من الرمل الضخم. وفي النهاية: قيل: الحبال في الرمل كالجبال في غير الرمل.) [975] (مسلم:2/886) وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ أَنَّهُ سُئِلَ: كَيْفَ كَانَ يَسِيرُ رَسُولُ اللهِ ﷺ حِينَ دَفَعَ؟ قَالَ: كَانَ يَسِيرُ الْعَنَقَ، فَإِذَا وَجَدَ فَجْوَةً نَصَّ. وَالْعَنَقُ هُوَ انْبِسَاطُ السَّيْرِ، وَالنَّصُّ فَوْقَهُ[976]. [976] (فتح الباري:3/605، ومسلم:2/936) [اَلْمَشْعَرُ الْحَرَامُ] وَرَوَى عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنْ سَالِمٍ، قَالَ: قَالَ ابْنُ عُمَرَ: الْمَشْعَرُ الْحَرَامُ الْمُزْدَلِفَةُ كُلُّهَا[977]. وَقَالَ هُشَيْمٌ عَنْ حَجَّاجٍ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ: أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ قَوْلِهِ: {فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ} قَالَ: فَقَالَ: هُوَ الْجَبَلُ وَمَا حَوْلَهُ[978]. وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، وَعِكْرِمَةَ وَمُجَاهِدٍ وَالسُّدِّيِّ، وَالرَّبِيعِ بْنِ أَنَسٍ، وَالْحَسَنِ، وَقَتَادَةَ أَنَّهُمْ قَالُوا: هُوَ مَا بَيْنَ الْجَبَلَيْنِ[979]. [977] (ابن أبي حاتم غ:2/521) [978] (الطبري:4/176) [979] (ابن أبي حاتم غ:2/522،521) وَقَدْ رَوَى الْإِمَامُ أَحْمَدُ عَنْ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، قَالَ: «كُلُّ عَرَفَاتٍ مَوْقِفٌ، وَارْفَعُوا عَنْ عُرَنَةَ، وَكُلُّ مُزْدَلِفَةَ مَوْقِفٌ، وَارْفَعُوا عَنْ مُحَسِّرٍ، وَكُلُّ فِجَاجِ مَكَّةَ مَنْحَرٌ، وَكُلُّ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ ذَبْحٌ»[980]. [980] (أحمد:4/82) وَقَوْلُهُ: {وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ} تَنْبِيهٌ لَهُمْ عَلَى مَا أَنْعَمَ اللهُ بِهِ عَلَيْهِم، مِنَ الْهِدَايَةِ وَالْبَيَانِ وَالْإِرْشَادِ، إِلَى مَشَاعِرِ الْحَجِّ، عَلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ مِنَ الْهِدَايَةِ إِبْرَاهِيمُ الْخَلِيلُ عَلَيْهِ السَّلاَمُ، وَلِهَذَا قَالَ: {وَإِنْ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّآلِّينَ} قِيلَ: مِنْ قَبْلِ هَذَا الْهُدَى. وَقَبْلِ الْقُرْآنِ. وَقَبْلِ الرَّسُولِ. وَالْكُلُّ مُتَقَارِبٌ وَمُتَلاَزِمٌ وَصَحِيحٌ. {ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} [الْأَمْرُ بِالْتِزَامِ الْوُقُوفِ بِعَرَفَةَ وَالْإِفَاضَةُ مِنْهَا: لِمَنْ لَمْ يَكُنْ يَقِفُ بِهَا فِي الْجَاهِلِيَّةِ] ثُمَّ - هَهُنَا - لِعَطْفِ خَبَرٍ عَلَى خَبَرٍ، وَتَرْتِيبِهِ عَلَيْهِ، كَأَنَّهُ تَعَالَى أَمَرَ الْوَاقِفَ بِعَرَفَاتٍ أَنْ يَدْفَعَ إِلَى الْمُزْدَلِفَةِ لِيَذْكُرَ اللهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ، وَأَمَرَهُ أَن يَكُونَ وُقُوفُهُ مَعَ جُمْهُورِ النَّاسِ بِعَرَفَاتٍ، كَمَا كَانَ جُمْهُورُ النَّاسِ يَصْنَعُونَ، يَقِفُونَ بِهَا إِلاَّ قُرَيْشًا، فَإِنَّهُمْ لَمْ يَكُونُوا يَخْرُجُونَ مِنَ الْحَرَمِ، فَيَقِفُونَ فِي طَرَفِ الْحَرَمِ عِنْدَ أَدْنَى الْحِلِّ، وَيَقُولُونَ: نَحْنُ أَهْلُ اللهِ فِي بَلْدَتِهِ وَقُطَّانُ بَيْتِهِ، رَوَى الْبُخَارِيُّ عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: كَانَتْ قُرَيْشٌ وَمَنْ دَانَ دِينَهَا يَقِفُونَ بِالْمُزْدَلِفَةِ، وَكَانُوا يُسَمُّونَ الْحُمْسَ، وَكَانَ سَائِرُ الْعَرَبِ يَقِفُونَ بِعَرَفَاتٍ، فَلَمَّا جَاءَ الْإِسْلاَمُ أَمَرَ اللهُ نَبِيَّهُ ﷺ أَن يَأْتِيَ عَرَفَاتٍ، ثُمَّ يَقِفَ بِهَا، ثُمَّ يُفِيضَ مِنْهَا، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: {مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ} [981]. وَكَذَا قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَمُجَاهِدٌ وَعَطَاءٌ وَقَتَادَةُ وَالسُّدِّيُّ، وَغَيْرُهُمْ[982]. وَاخْتَارَهُ ابْنُ جَرِيرٍ وَحَكَى عَلَيْهِ الْإِجْمَاعَ. [981] (فتح الباري:8/35) [982] (الطبري:4/187،186) وَرَوَى الْإِمَامُ أَحْمَدُ عَنْ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ قَالَ: أَضْلَلْتُ بَعِيرًا لِي بِعَرَفَةَ، فَذَهَبْتُ أَطْلُبُهُ، فَإِذَا النَّبِيُّ ﷺ وَاقِفٌ، قُلْتُ: إِنَّ هَذَا مِنَ الْحُمْسِ، مَا شَأْنُهُ هَهُنَا[983]؟. أَخْرَجَاهُ فِي الصَّحِيحَيْنِ[984]. [983] (أحمد:4/80) [984] (فتح الباري:3/602، ومسلم:2/894) ثُمَّ رَوَى الْبُخَارِيُّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ مَا يَقْتَضِي أَنَّ الْمُرَادَ بِالْإِفَاضَةِ هَهُنَا، هِيَ: الْإِفَاضَةُ مِنَ الْمُزْدَلِفَةِ إِلَى مِنًى لِرَمْيِ الْجِمَارِ[985]. فَاللهُ أَعْلَمُ. [985] (فتح الباري:8/35) [الْأَمْرُ بِالاِسْتِغْفَارِ وَبَعْضُ أَدْعِيَةِ الاِسْتِغْفَارِ] وَقَوْلُهُ: {وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} كَثِيرًا مَا يَأْمُرُ اللهُ بِذِكْرِهِ بَعْدَ قَضَاءِ الْعِبَادَاتِ، وَلِهَذَا ثَبَتَ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ كَانَ إِذَا فَرَغَ مِنَ الصَّلاَةِ يَسْتَغْفِرُ اللهَ ثَلاَثًا[986]. وَفِي الصَّحِيحَيْنِ أَنَّهُ نَدَبَ إِلَى التَّسْبِيحِ وَالتَّحْمِيدِ وَالتَّكْبِيرِ ثَلاَثًا وَثَلاَثِينَ[987]. وَقَدْ أَوْرَدْنَاهُ فِي جُزْءٍ جَمَعْنَاهُ فِي فَضْلِ يَوْمِ عَرَفَةَ. [986] (مسلم:1/414) [987] (فتح الباري:2/378، ومسلم:1/417) وَأَوْرَدَ ابْنُ مَرْدُويَهْ هَهُنَا الْحَدِيثَ الَّذِي رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ عَنْ شَدَّادِ بْنِ أَوْسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «سَيِّدُ الاِسْتِغْفَارِ أَنْ يَقُولَ الْعَبْدُ: اللَّهُمَّ أَنْتَ رَبِّي، لاَ إِلَهَ إِلاَّ أَنْتَ، خَلَقْتَنِي وَأَنَا عَبْدُكَ، وَأَنَا عَلَى عَهْدِكَ وَوَعْدِكَ مَا اسْتَطَعْتُ، أَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّ مَا صَنَعْتُ، أَبُوءُ لَكَ بِنِعْمَتِكَ عَلَيَّ، وَأَبُوءُ بِذَنْبِي، فَاغْفِرْ لِي فَإِنَّهُ لاَ يَغْفِرُ الذُّنوبَ إِلاَّ أَنْتَ، مَنْ قَالَهَا فِي لَيْلَةٍ فَمَاتَ فِي لَيْلَتِهِ دَخَلَ الْجَنَّةَ، وَمَنْ قَالَهَا فِي يَوْمِهِ فَمَات دَخَلَ الْجَنَّةَ»[988]. [988] (فتح الباري:11/100) وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو أَنَّ أَبَا بَكْرٍ قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، عَلِّمْنِي دُعَاءً أَدْعُو بِهِ فِي صَلاَتِي، فَقَالَ: «قُلْ: اللَّهُمَّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي ظُلْمًا كَثِيرًا وَلاَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلاَّ أَنْتَ، فَاغْفِرْ لِي مَغْفِرَةً مِنْ عِنْدِكَ، وَارْحَمْنِي إِنَّكَ أَنْتَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ».[989] وَالْأَحَادِيثُ فِي الاِسْتِغْفَارِ كَثِيرَةٌ. [989] (فتح الباري:13/484، ومسلم:4/2078) {فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا فَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا وَمَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنْ خَلاَقٍ *وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ *أُولَئِكَ لَهُمْ نَصِيبٌ مِمَّا كَسَبُوا وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ} [الْأَمْرُ بِكَثْرَةِ الذِّكْرِ وَطَلَبِ خَيْرَيِ الدُّنْيَا وَالاْخِرَةِ بَعْدَ قَضَاءِ النُّسُكِ] يَأْمُرُ تَعَالَى بِذِكْرِهِ وَالْإِكْثَارِ مِنْهُ بَعْدَ قَضَاءِ الْمَنَاسِكِ وَفَرَاغِهَا، وَقَوْلُهُ: {كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ} قَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: كَانَ أَهْلُ الْجَاهِلِيَّةِ يَقِفُونَ فِي الْمَوْسِمِ. فَيَقُولُ الرَّجُلُ مِنْهُمْ: كَانَ أَبِي يُطْعِمُ وَيَحْمِلُ الْحَمَالاَتِ، وَيَحْمِلُ الدِّيَاتِ، لَيْسَ لَهُمْ ذِكْرٌ غَيْرُ فِعَالِ آبَائِهِمْ، فَأَنْزَلَ اللهُ عَلَى مُحَمَّدٍ ﷺ: {فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا}.[990]. وَالْمَقْصُودُ مِنْهُ الْحَثُّ عَلَى كَثْرَةِ الذِّكْرِ لِلّْهِ عَزَّ وَجَلَّ، وَلِهَذَا كَانَ انْتِصَابُ قَوْلِهِ: {أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا} عَلَى التَّمْيِيزِ، تَقْدِيرُهُ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ [مِنْهُ] ذِكْرًا، وَ«أَوْ» - ههُنَا - لِتَحْقِيقِ الْمُمَاثَلَةِ فِي الْخَبَرِ كَقَوْلِهِ: {فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً} [البقرة:74] وَقَوْلُهُ: {يَخشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللَّهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً} [النساء:77] {وَأَرْسَلْنَاهُ إِلَى مِئَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ} [الصافات:147] {فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى} [النجم:9] فَلَيْسَتْ ههُنَا لِلشَّكِّ قَطْعًا، وَإِنَّمَا هِيَ لِتَحْقِيقِ الْمُخْبَرِ عَنْهُ [بِأَنَّهُ] كَذَلِكَ أَوْ أَزْيَدُ مِنْهُ. [990] (ابن أبي حاتم غ:2/530) ثُمَّ إِنَّهُ تَعَالَى أَرْشَدَ إِلَى دُعَائِهِ بَعْدَ كَثْرَةِ ذِكْرِهِ فَإِنَّهُ مَظَنَّةُ الْإِجَابَةِ، وَذَمَّ مَنْ لاَ يَسْأَلُهُ إِلاَّ فِي أَمْرِ دُنْيَاهُ وَهُوَ مُعْرِضٌ عَنْ أُخْرَاهُ، فَقَالَ: {فَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا وَمَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنْ خَلاَقٍ} أَيْ مِنْ نَصِيبٍ وَلاَ حَظٍّ، وَتَضَمَّنَ هَذَا الذَّمُّ التَّنْفِيرَ عَنِ التَّشَبُّهِ بِمَنْ هُوَ كَذَلِكَ. قَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: كَانَ قَوْمٌ مِنَ الْأَعْرَابِ يَجِيئُونَ إِلَى الْمَوْقِفِ فَيَقُولُونَ: اَللَّهُمَّ اجْعَلْهُ عَامَ غَيْثٍ، وَعَامَ خِصْبٍ، وَعَامَ وِلاَدٍ حَسَنٍ، لاَ يَذْكُرُونَ مِنْ أَمْرِ الاْخِرَةِ شَيْئًا، فَأَنْزَلَ اللهُ فِيهِمْ: {فَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا وَمَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنْ خَلاَقٍ} وَكَانَ يَجِيءُ بَعْدَهُمْ آخَرُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فَيَقُولُونَ: {رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ} فَأَنْزَلَ اللهُ: {أُولَئِكَ لَهُمْ نَصِيبٌ مِمَّا كَسَبُوا وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ} وَلِهَذَا مَدَحَ مَنْ يَسْأَلُهُ الدُّنْيَا وَالْأُخْرَى، فَقَالَ: {وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ}. فَجَمَعَتْ هَذِهِ الدَّعْوَةُ كُلَّ خَيْرٍ فِي الدُّنْيَا، وَصَرَفَتْ كُلَّ شَرٍّ، فَإِنَّ الْحَسَنَةَ فِي الدُّنْيَا تَشْمَلُ كُلَّ مَطْلُوبٍ دُنْيَوِيٍّ مِنْ عَافِيَةٍ، وَدَارٍ رَحْبَةٍ، وَزَوْجَةٍ حَسَنَةٍ، وَرِزْقٍ وَاسِعٍ، وَعِلْمٍ نَافِعٍ، وَعَمَلٍ صَالِحٍ، وَمَرْكَبٍ هَنِيءٍ، وَثَنَاءٍ جَمِيلٍ إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ عِبَارَاتُ الْمُفَسِّرِينَ، وَلاَ مُنَافَاةَ بَيْنَهَا، فَإِنَّهَا كُلَّهَا مُنْدَرَجَةٌ فِي الْحَسَنَةِ فِي الدُّنْيَا. وَأَمَّا الْحَسَنَةُ فِي الاْخِرَةِ، فَأَعْلَى ذَلِكَ دُخُولُ الْجَنَّةِ وَتَوَابِعُهُ مِنَ الْأَمْنِ مِنَ الْفَزَعِ الْأَكْبَرِ فِي الْعَرَصَاتِ، وَتَيْسِيرِ الْحِسَابِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ أُمُورِ الاْخِرَةِ الصَّالِحَةِ. وَأَمَّا النَّجَاةُ مِنَ النَّارِ فَهُوَ يَقْتَضِي تَيْسِيرَ أَسْبَابِهِ فِي الدُّنْيَا مِنِ اجْتِنَابِ الْمَحَارِمِ وَالآثَامِ، وَتَرْكِ الشُّبُهَاتِ وَالْحَرَامِ. وَقَالَ الْقَاسِمُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمنِ: مَنْ أُعْطِيَ قَلْبًا شَاكِرًا، وَلِسَانًا ذَاكِرًا، وَجَسَدًا صَابِرًا، فَقَدْ أُوتِيَ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً، وَفِي الاْخِرَةِ حَسَنَةً، وَوُقِيَ عَذَابَ النَّارِ.[991] [991] (ابن أبي حاتم غ:2/542) وَلِهَذَا وَرَدَتِ السُّنَّةُ بِالتَّرْغِيبِ فِي هَذَا الدُّعَاءِ، رَوَى الْبُخَارِيُّ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَقُولُ: «اَللَّهُمَّ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً، وَفِي الاْخِرَةِ حَسَنَةً، وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ»[992]. [992] (فتح الباري:8/35) وَرَوَى أَحْمَدُ عَنْ أَنَسٍ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ عَادَ رَجُلاً مِنَ الْمُسْلِمِينَ قَدْ صَارَ مِثْلَ الْفَرْخِ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «هَلْ كُنْتَ تَدْعُو بِشَيْءٍ أَوْ تَسْأَلُهُ إِيَّاهُ؟» قَالَ: نَعَمْ، كُنْتُ أَقُولُ: اَللَّهُمَّ مَا كُنْتَ مُعَاقِبِي بِهِ فِي الاْخِرَةِ فَعَجِّلْهُ لِي فِي الدُّنْيَا، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «سُبْحَانَ اللهِ لاَ تُطِيقُهُ - أَوْ لاَ تَسْتَطِيعُهُ - فَهَلاَّ قُلْتَ: { رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ} قَالَ: فَدَعَا اللهَ فَشَفَاهُ[993]. اِنْفَرَدَ بِإِخْرَاجِهِ مُسْلِمٌ[994]. [993] (أحمد:3/107) [994] (مسلم:4/2068) وَرَوَى الْحَاكِمُ فِي مُسْتَدْرَكِهِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى ابْنِ عَبَّاسٍ فَقَالَ. إِنِّي أَجَرْتُ نَفْسِي مِنْ قَوْمٍ عَلَى أَنْ يَحْمِلُونِي، وَوَضَعْتُ لَهُمْ مِنْ أُجْرَتِي عَلَى أَنْ يَدَعُونِي أَحُجُّ مَعَهُمْ، أَفَيُجْزِئُ ذَلِكَ؟ فَقَالَ: أَنْتَ مِنَ الَّذِينَ قَالَ اللهُ: {أُولَئِكَ لَهُمْ نَصِيبٌ مِمَّا كَسَبُوا وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ} [995] ثُمَّ قَالَ الْحَاكِمُ: صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ الشَّيْخَيْنِ، وَلَمْ يُخَرِّجَاهُ. [995] (الحاكم:2/277) {وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلاَ إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلاَ إِثْمَ عَلَيْهِ لِمَنِ اتَّقَى وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ} [اَلذِّكْرُ فِي أَيَّامِ التَّشْرِيقِ، وَهِيَ أَيَّامُ أَكْلٍ وَشُرْبٍ] قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: الْأَيَّامُ الْمَعْدُودَاتُ: أَيَّامُ التَّشْرِيقِ، وَالْأَيَّامُ الْمَعْلُومَاتُ: أَيَّامُ الْعَشْرِ[996]. وَقَالَ عِكْرِمَةُ: {وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ} يَعْنِي التَّكْبِيرَ فِي أَيَّامِ التَّشْرِيقِ بَعْدَ الصَّلَوَاتِ الْمَكْتُوبَاتِ: اَللهُ أَكْبَرُ اَللهُ أَكْبَرُ[997]. [996] (القرطبي:3/3) [997] (ابن أبي حاتم غ:2/545) وَرَوَى الْإِمَامُ أَحْمَدُ عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «يَوْمُ عَرَفَةَ، وَيَوْمُ النَّحْرِ، وأَيَّامُ التَّشْرِيقِ، عِيدُنَا أَهْلَ الْإِسْلاَمِ، وَهِيَ أَيَّامُ أَكْلٍ وَشُرْبٍ»[998]. [998] (أحمد:4/152) وَرَوَى أَحْمَدُ أَيْضًا عَنْ نُبَيْشَةَ الْهُذَلِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «أَيَّامُ التَّشْرِيقِ أَيَّامُ أَكْلٍ وَشُرْبٍ وَذِكْرِ اللهِ» وَرَوَاهُ مُسْلِمٌ أَيْضًا[999]. [999] (أحمد:5/75، ومسلم:2/800) وَتَقَدَّمَ حَدِيثُ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ: «عَرَفَةُ كُلُّهَا مَوْقِفٌ، وَأَيَّامُ التَّشْرِيقِ كُلُّهَا ذَبْحٌ»[1000]. [1000] (أحمد:4/82) وَتَقَدَّمَ أَيْضًا حَدِيثُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَعْمَرَ الدِّيلِيِّ: «وَأَيَّامُ مِنًى ثَلاثَةٌ؛ فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلاَ إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلاَ إِثْمَ عَلَيْهِ»[1001] [1001] (أبو داود:2/485) وَرَوَى ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «أَيَّامُ التَّشْرِيقِ أَيَّامُ طُعْمٍ وَذِكْرِ اللهِ»[1002]. [1002] (الطبري:4/211) وَرَوَى ابْنُ جَرِيرٍ أَيْضًا عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ بَعَثَ عَبْدَ اللهِ بْنَ حُذَافَةَ يَطُوفُ فِي مِنًى: «لاَ تَصُومُوا هَذِهِ الْأَيَّامَ، فَإِنَّها أَيَّامُ أَكْلٍ وَشُرْبٍ وَذِكْرِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ».[1003]. [1003] (الطبري:4/211) [بَيَانُ الْأَيَّامِ الْمَعْدُودَاتِ] وقَالَ مِقْسَمٌ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: الْأَيَّامُ الْمَعْدُودَاتُ أَيَّامُ التَّشْرِيقِ، أَرْبَعَةُ أَيَّامٍ: يَوْمُ النَّحْرِ، وَثَلاَثَةٌ بَعْدَهُ[1004]. [1004] (الطبري:4/213) وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ وَابْنِ الزُّبَيْرِ وَأَبِي مُوسَى وَعَطَاءٍ وَمُجَاهِدٍ وَعِكْرِمَةَ وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، وَأَبِي مَالِكٍ وَإِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ، وَيَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ وَالْحَسَنِ وَقَتَادَةَ وَالسُّدِّيِّ وَالزُّهْرِيِّ وَالرَّبِيعِ ابْنِ أَنَسٍ وَالضَّحَّاكِ وَمُقَاتِلِ بْنِ حَيَّانَ وَعَطَاءٍ الْخُرَاسَانِيِّ، وَمَالِكِ بْنِ أَنَسٍ وَغَيْرِهِمْ مِثْلُ ذَلِكَ[1005]. وَعَلَيْهِ دَلَّ ظَاهِرُ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ حَيْثُ قَالَ: {فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلاَ إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلاَ إِثْمَ عَلَيْهِ} فَدَلَّ عَلَى ثَلاَثَةٍ بَعْدَ النَّحْرِ. [1005] (ابن أبي حاتم غ:2/547-549) وَيَتَعَلَّقُ بِقَوْلِهِ: {وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ} ذِكْرُ اللهِ عَلَى الْأَضَاحِي، وَالذِّكْرُ الْمُؤَقَّتُ خَلْفَ الصَّلَوَاتِ، وَالْمُطْلَقُ فِي سَائِرِ الْأَحْوَالِ، وَيَتَعَلَّقُ بِذَلِكَ أَيْضًا التَّكْبِيرُ وَذِكْرُ اللهِ عِنْدَ رَمْيِ الْجَمَرَاتِ كُلَّ يَوْمٍ مِنْ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ، وَقَدْ جَاءَ فِي الْحَدِيثِ الَّذِي رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَغَيْرُهُ: «إِنَّمَا جُعِلَ الطَّوَافُ بِالْبَيْتِ، وَالسَّعْيُ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، وَرَمْيُ الْجِمَارِ لإِقَامَةِ ذِكْرِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ»[1006]. [1006] (أبو داود:2/447) وَلَمَّا ذَكَرَ اللهُ تَعَالَى النَّفْرَ الْأَوَّلَ وَالثَّانِيَ وَهُوَ تَفَرُّقُ النَّاسِ مِنْ مَوْسِمِ الْحَجِّ إِلَى سَائِرِ الْأَقَالِيمِ وَالاْفَاقِ بَعْدَ اجْتِمَاعِهِمْ فِي الْمَشَاعِرِ وَالْمَوَاقِفِ، قَالَ: {وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ} كَمَا قَالَ: {وَهُوَ الَّذِي ذَرَأَكُمْ فِي الأَرْضِ وَإِلَيْهِ تُحْشَرُونَ} [المؤمنون: 79]. {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ *وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لاَ يُحِبُّ الْفَسَادَ *وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالإِثْمِ فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ وَلَبِئْسَ الْمِهَادُ *وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ وَاللَّهُ رَؤُوفٌ بِالْعِبَادِ} [بَيَانُ أَحْوَالِ الْمُنَافِقِينَ] قَالَ السُّدِّيُّ: نَزَلَتْ فِي الْأَخْنَسِ بْنِ شُرَيقٍ الثَّقَفِيِّ، جَاءَ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ، وَأَظْهَرَ الْإِسْلاَمَ وَفِي بَاطِنِهِ خِلاَفُ ذَلِكَ[1007]. [1007] (الطبري:4/229) وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّهَا نَزَلَتْ فِي نَفَرٍ مِنَ المُنَافِقِينَ تَكَلَّمُوا فِي خُبَيْبٍ وَأَصْحَابِهِ الَّذِينَ قُتِلُوا بِالرَّجِيعِ وَعَابُوهُمْ، فَأَنْزَلَ اللهُ فِي ذَمِّ الْمُنَافِقِينَ وَمَدْحِ خُبَيْبٍ وَأَصْحَابِهِ {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ} وَقِيلَ: بَلْ ذَلِكَ عَامٌّ فِي الْمُنَافِقِينَ كُلِّهِمْ وَفِي الْمُؤْمِنِينَ كُلِّهِمْ[1008]. وَهَذَا قَوْلُ قَتَادَةَ وَمُجَاهِدٍ وَالرَّبِيعِ بْنِ أَنَسٍ وَغَيْرِ وَاحِدٍ، وَهُوَ الصَّحِيحُ. [1008] (الطبري:4/230) وَرَوَى ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ الْقُرَظِيِّ، عَنْ نَوْفٍ - وَهُوَ الْبِكَالِيُّ وَكَانَ مِمَّنْ يَقْرَأُ الْكُتُبَ - قَالَ: إِنِّي لَأَجِدُ صِفَةَ نَاسٍ مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ فِي كِتَابِ اللهِ الْمُنَزَّلِ: قَوْمٌ يَحْتَالُونَ عَلَى الدُّنْيَا بِالدِّينِ، أَلْسِنَتُهُمْ أَحْلَى مِنَ الْعَسَلِ، وَقُلُوبُهُمْ أَمَرُّ مِنَ الصَّبِرِ، يَلْبَسُونَ لِلنَّاسِ مُسُوكَ الضَّأْنِ، وَقُلُوبُهُمْ قُلُوبُ الذِّئَابِ، يَقُولُ اللهُ تَعَالَى: فَعَلَيَّ يَجْتَرِئُونَ؟! وَبِي يَغْتَرُّونَ؟! حَلَفْتُ بِنَفْسِي لَأَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ فِتْنَةً تَتْرُكُ الْحَلِيمَ فِيهَا حَيْرَانَ. قَالَ الْقُرَظِيُّ: تَدَبَّرْتُهَا فِي الْقُرْآنِ فَإِذَا هُمُ الْمُنَافِقُونَ، فَوَجَدْتُهَا {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ} [1009]... الْآيَةَ. وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ الْقُرَظِيُّ حَسَنٌ صَحِيحٌ. [1009] (الطبري:4/232) وَأَمَّا قَوْلُهُ: {وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ} مَعْنَاهُ أَنَّهُ يُظْهِرُ لِلنَّاسِ الْإِسْلاَمَ، وَيُبَارِزُ اللهَ بِمَا فِي قَلْبِهِ مِنَ الْكُفْرِ وَالنِّفَاقِ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلاَ يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ}... الْآيَةَ [النساء: 108]، هَذَا مَعْنَى مَا رَوَاهُ ابْنُ إِسْحَاقَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ[1010]. وَقِيلَ: مَعْنَاهُ أَنَّهُ إِذَا أَظْهَرَ لِلنَّاسِ الْإِسْلاَمَ حَلَفَ، وَأَشْهَدَ اللهَ لَهُمْ: أَنَّ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مُوَافِقٌ لِلِسَانِهِ. وَهَذَا الْمَعْنَى صَحِيحٌ، وَقَالَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ ابْنُ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ[1011]. وَاخْتَارَهُ ابْنُ جَرِيرٍ، وَعَزَاهُ إِلَى ابْنِ عَبَّاسٍ، وَحَكَاهُ عَنْ مُجَاهِدٍ. وَاللهُ أَعْلَمُ. [1010] (الطبري:4/230) [1011] (الطبري:4/233) وَقَوْلُهُ: {وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ} الْأَلَدُّ فِي اللُّغَةِ: الْأَعْوَجُ {وَتُنْذِرَ بِهِ قَوْمًا لُدًّا} [طه: 97] أَيْ عُوجًا. وَهَكَذَا الْمُنَافِقُ فِي حَالِ خُصُومَتِهِ يَكْذِبُ وَيَزْوَرُّ عَنِ الْحَقِّ، وَلاَ يَسْتَقِيمُ مَعَهُ، بَلْ يَفْتَرِي وَيَفْجُرُ، كَمَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «آيَةُ الْمُنَافِقِ ثَلاَثٌ: إِذَا حَدَّثَ كَذَبَ، وَإِذَا عَاهَدَ غَدَرَ، وَإِذَا خَاصَمَ فَجَرَ»[1012]. وَرَوَى الْبُخَارِيُّ عَنْ عَائِشَةَ تَرْفَعُهُ، قَالَ: «إِنَّ أَبْغَضَ الرِّجَالِ إِلَى اللهِ الْأَلَدُّ الْخَصِمُ»[1013]. [1012] (فتح الباري:1/111) [1013] (فتح الباري:8/36) وَقَوْلُهُ: {وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لاَ يُحِبُّ الْفَسَادَ} أَيْ هُوَ أَعْوَجُ الْمَقَالِ سَيِّءُ الْفِعَالِ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ، وَهَذَا فِعْلُهُ، كَلاَمُهُ كَذِبٌ، وَاعْتِقَادُهُ فَاسِدٌ، وَأَفْعَالُهُ قَبِيحَةٌ، وَالسَّعْيُ - هَهُنَا - هُوَ الْقَصْدُ، كَمَا قَالَ إِخْبَارًا عَنْ فِرْعَوْنَ: {ثُمَّ أَدْبَرَ يَسْعَى *فَحَشَرَ فَنَادَى *فَقَالَ أَنَا رَبُّكُمُ الأَعْلَى *فَأَخَذَهُ اللَّهُ نَكَالَ الآخِرَةِ وَالأُولَى *إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِمَنْ يَخْشَى} [النازعات:22-26] وَقَالَ تَعَالَى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاَةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ} [الجمعة:9] أَيْ اُقْصُدُوا وَاعْمَدُوا نَاوِينَ بِذَلِكَ صَلاَةَ الْجُمُعَةِ، فَإِنَّ السَّعْيَ الْحِسِّيَّ إِلَى الصَّلاَةِ مَنْهِيٌّ عَنْهُ بِالسُّنَّةِ النَّبَوِيَّةِ: «إِذَا أَتَيْتُم الصَّلاَةَ فَلاَ تَأْتُوهَا وَأَنْتُم تَسْعَوْنَ، وَأْتُوهَا وَعَلَيْكُمُ السَّكِينَةُ وَالْوَقَارُ»[1014]. [1014] (مسلم:1/420) فَهَذَا الـمُنَافِقُ لَيْسَ لَهُ هِمَّةٌ إِلاَّ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ وَإِهْلاَكَ {الْحَرْثِ}، وَهُوَ مَحِلُّ نَمَاءِ الزُّرُوعِ وَالثِّمَارِ، {وَالنَّسْلِ}، وَهُوَ نِتَاجُ الْحَيْوَانَاتِ الَّذِينَ لاَ قِوَامَ لِلنَّاسِ إِلاَّ بِهِمَا، وَقَالَ مُجَاهِدٌ: إِذَا سَعَى فِي الْأَرْضِ فَسَادًا مَنَعَ اللهُ الْقَطْرَ، فَهَلَكَ الْحَرْثُ وَالنَّسْلُ {وَاللَّهُ لاَ يُحِبُّ الْفَسَادَ} أَيْ لاَ يُحِبُّ مَنْ هَذِهِ صِفَتُهُ، وَلاَ مَنْ يَصْدُرُ مِنْهُ ذَلِكَ. [مِنْ صِفَاتِ الْمُنَافِقِ رَدُّ النَّصِيحَةِ] وَقَوْلُهُ: {وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالإِثْمِ} أَيْ إِذَا وُعِظَ هَذَا الْفَاجِرُ فِي مَقَالِهِ وَفِعَالِهِ، وَقِيلَ لَهُ: اتَّقِ اللهَ وَانْزَعْ عَنْ قَوْلِكَ وَفِعْلِكَ، وَارْجِعْ إِلَى الْحَقِّ؛ اِمْتَنَعَ وَأَبَى، وَأَخَذَتْهُ الْحَمِيَّةُ وَالْغَضَبُ بِالْإثْمِ، أَيْ بِسَبَبِ مَا اشْتَمَلَ عَلَيْهِ [قَلْبُهُ] مِنَ الْآثَامِ، وَهَذَهِ الْآيَةُ شَبِيهَةٌ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ تَعْرِفُ فِي وُجُوهِ الَّذِينَ كَفَرُوا الْمُنْكَرَ يَكَادُونَ يَسْطُونَ بِالَّذِينَ يَتْلُونَ عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا قُلْ أَفَأُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكُمُ النَّارُ وَعَدَهَا اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَبِئْسَ الْمَصِيرُ} [الحج: 72] وَلِهَذَا قَالَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ: {فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ وَلَبِئْسَ الْمِهَادُ} أَيْ هِيَ كَافِيَتُهُ عُقُوبَةً فِي ذَلِكَ. [مِنْ صِفَاتِ الْمُؤْمِنِ الْمُخْلِصِ إِيثَارُ مَرْضَاةِ اللهِ] وَقَوْلُهُ: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ} لَمَّا أَخْبَرَ عَنِ الْمُنَافِقِينَ بِصِفَاتِهِمُ الذَّمِيمَةِ، ذَكَرَ صِفَاتِ الْمُؤمِنِينَ الْحَمِيدَةَ فَقَالَ: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ}. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَأَنَسٌ وَسَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ وَأَبُو عُثْمَانَ النَّهْدِيُّ وَعِكْرِمَةُ وَجَمَاعَةٌ: نَزَلَتْ فِي صُهَيْبِ بْنِ سِنَانٍ الرُّومِيِّ، وَذَلِكَ أَنَّهُ لَمَّا أَسْلَمَ بِمَكَّةَ وَأَرَادَ الْهِجْرَةَ، مَنَعَهُ النَّاسُ أَن يُهَاجِرَ بِمَالِهِ، وَإِنْ أَحَبَّ أَن يَتَجَرَّدَ مِنْهُ وَيُهَاجِرَ فَعَلَ، فَتَخَلَّصَ مِنْهُمْ وَأَعْطَاهُمْ مَالَهُ، فَأَنْزَلَ اللهُ فِيهِ هَذِهِ الْآيَةَ، فَتَلَقَّاهُ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ وَجَمَاعَةٌ إِلَى طَرَفِ الْحَرَّةِ وَقَالُوا لَهُ: رَبِحَ الْبَيْعُ، فَقَالَ: وَأَنْتُمْ فَلاَ أَخْسَرَ اللهُ تِجَارَتَكُمْ، وَمَا ذَاكَ؟ فَأَخْبَرَهُ أَنَّ اللهَ أَنْزَلَ فِيهِ هَذِهِ الْآيَةَ، وَيُرْوَى أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ لَهُ: «رَبِحَ الْبَيْعُ صُهَيْبُ»[1015]. [1015] (فتح القدير:1/210) وَمَعْنَى الْآيَةِ عَامٌّ يَدْخُلُ فِيهَا كُلُّ مُجَاهِدٍ فِي سَبِيلِ اللهِ كَمَا قَالَ تَعَالَى: {إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ} [التوبة: 111] وَلَمَّا حَمَلَ هِشَامُ بْنُ عَامِرٍ بَيْنَ الصَّفَّيْنِ أَنْكَرَ عَلَيْهِ بَعْضُ النَّاسِ، فَرَدَّ عَلَيْهِمْ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ وَأَبُو هُرَيْرَةَ وَغَيْرُهُمَا، وَتَلَوْا هَذِهِ الْآيَةَ: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ وَاللَّهُ رَؤُوفٌ بِالْعِبَادِ}. {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً وَلاَ تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ *فَإِنْ زَلَلْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْكُمُ الْبَيِّنَاتُ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} [وُجُوبُ الْأَخْذِ بِالْإِسْلاَمِ كَامِلاً] يَقُولُ اللهُ تَعَالَى آمِرًا عِبَادَهُ الْمُؤمِنِينَ بِهِ، الْمُصَدِّقِينَ بِرَسُولِهِ، أَن يَأْخُذُوا بِجَمِيعِ عُرَى الْإِسْلاَمِ وَشَرَائِعِهِ، وَالْعَمَلَ بِجَمِيعِ أَوَامِرِهِ، وَتَرْكَ جَمِيعِ زَوَاجِرِهِ، مَا اسْتَطَاعُوا مِنْ ذَلِكَ. قَالَ الْعَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَمُجَاهِدٌ وَطَاوُسٌ وَالضَّحَّاكُ وَعِكْرِمَةُ وَقَتَادَةُ وَالسُّدِّيُّ وَابْنُ زَيْدٍ فِي قَوْلِهِ: {ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ} يَعْنِي الْإِسْلاَمَ[1016]. وَقَوْلُهُ: {كَافَّةً} قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَمُجَاهِدٌ وَأَبُو الْعَالِيَةِ وَعِكْرِمَةُ وَالرَّبِيعُ بْنُ أَنَسٍ، وَالسُّدِّيُّ وَمُقَاتِلُ بْنُ حَيَّانَ وَقَتَادَةُ وَالضَّحَّاكُ: جَمِيعًا[1017]. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: أَيْ اِعْمَلُوا بِجَمِيعِ الْأَعْمَالِ وَوُجُوهِ الْبِرِّ[1018] خَاصَّةً مَنْ آمَنَ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ. [1016] (الطبري:4/252، وابن أبي حاتم غ:2/585،584) [1017] (ابن أبي حاتم غ :2/586-588) [1018] (ابن أبي حاتم غ:2/585) كَمَا رَوَى ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً} - كَذَا قَرَأَهَا بِالنَّصَبِ - يَعْنِي: مُؤمِنِي أَهْلِ الْكِتَابِ، فَإِنَّهُمْ كَانُوا مَعَ الْإِيمَانِ بِاللهِ مُسْتَمْسِكِينَ بِبَعْضِ أُمُورِ التَّوْرَاةِ وَالشَّرَائِعِ الَّتِي أُنْزِلَتْ فِيهِمْ، فَقَالَ اللهُ: {ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً}[1019] يَقُولُ: اُدْخُلُوا فِي شَرَائِعِ دِينِ مُحَمَّدٍ ﷺ، وَلاَ تَدَعُوا مِنْهَا شَيْئًا، وَحَسْبُكُمُ الْإِيمَانُ بِالتَّوْرَاةِ وَمَا فِيهَا. [1019] (ابن أبي حاتم غ:2/582) وَقَوْلُهُ: {وَلاَ تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ} أَيْ اِعْمَلُوا الطَّاعَاتِ َواجْتَنِبُوا مَا يَأْمُرُكُمْ بِهِ الشَّيْطَانُ فَـ {إِنَّمَا يَأْمُرُكُمْ بِالسُّوءِ وَالْفَحْشَاءِ وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ} [البقرة:169]، وَ {إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ} [فاطر:6] وَلِهَذَا قَالَ: {إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ} وَقَوْلُهُ: {فَإِنْ زَلَلْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْكُمُ الْبَيِّنَاتُ} أَيْ عَدَلْتُمْ عَنِ الْحَقِّ بَعْدَ مَا قَامَتْ عَلَيْكُمُ الْحُجَجُ، {فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ} أَيْ فِي انْتِقَامِهِ لاَ يَفُوتُهُ هَارِبٌ، وَلاَ يَغْلِبُهُ غَالِبٌ { حَكِيمٌ} فِي أَحْكَامِهِ وَنَقْضِهِ وَإِبْرَامِهِ، وَلِهَذَا قَالَ أَبُو الْعَالِيَةِ وَقَتَادَةُ وَالرَّبِيعُ بْنُ أَنَسٍ: فِي نِقْمَتِهِ فِي أَمْرِهِ[1020]. [1020] (ابن أبي حاتم غ:2/591) {هَلْ يَنْظُرُونَ إِلاَّ أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ وَالْمَلاَئِكَةُ وقُضِيَ الأَمْرُ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الأُمُورُ} [اَلْحَثُّ عَلَى عَدَمِ التَّأْخِيرِ فِي الْإِيمَانِ] يَقُولُ تَعَالَى مُهَدِّدًا لِلْكَافِرِينَ بِمُحَمَّدٍ صَلَوَاتُ اللهِ وَسَلاَمُهُ عَلَيْهِ: {هَلْ يَنْظُرُونَ إِلاَّ أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ وَالْمَلاَئِكَةُ} يَعْنِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ لِفَصْلِ الْقَضَاءِ بَيْنَ الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ، فَيَجْزِي كُلَّ عَامِلٍ بِعَمَلِهِ إِنْ خَيْرًا فَخَيْرٌ، وَإِنْ شَرًّا فَشَرٌّ، وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى: {وقُضِيَ الأَمْرُ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الأُمُورُ} كَمَا قَالَ اللهُ تَعَالَى: {كَلاَّ إِذَا دُكَّتِ الأَرْضُ دَكًّا دَكًّا *وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا *وَجِيىءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الإِنْسَانُ وَأَنَّى لَهُ الذِّكْرَى} [الفجر:21-23] وَقَالَ: {هَلْ يَنْظُرُونَ إِلاَّ أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلاَئِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ}... الْآيَةَ [الأنعام:158]. وَقَالَ أَبُو جَعْفَرٍ الرَّازِيُّ عَنِ الرَّبِيعِ بْنِ أَنَسٍ عَنْ أَبِي الْعَالِيَةِ: {هَلْ يَنْظُرُونَ إِلاَّ أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ وَالْمَلاَئِكَةُ} يَقُولُ: وَالْمَلاَئِكَةُ يَجِيئُونَ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ، وَاللهُ تَعَالَى يَجِيءُ فِيمَا يَشَاءُ[1021]. وَهِيَ فِي بَعْضِ الْقِرَاءَاتِ (هَلْ يَنْظُرُونَ إِلاَّ أَنْ يَأْتِيَهُمْ اللهُ وَالْمَلاَئِكَةُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ) وَهِيَ كَقَوْلِهِ: {وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّمَاءُ بِالْغَمَامِ وَنُزِّلَ الْمَلاَئِكَةُ تَنْزِيلاً} [الفرقان:25]. [1021] (الطبري:4/264) {سَلْ بَنِي إِسْرَائِيلَ كَمْ آتَيْنَاهُمْ مِنْ آيَةٍ بَيِّنَةٍ وَمَنْ يُبَدِّلْ نِعْمَةَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ *زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَيَسْخَرُونَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ اتَّقَوْا فَوْقَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ} [عِقَابُ تَبْدِيلِ نِعْمَةِ اللهِ وَالسُّخْرِيَّةِ مِنَ الْمُؤمِنِينَ] يَقُولُ تَعَالَى مُخْبِرًا عَنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ: كَمْ شَاهَدُوا مَعَ مُوسَى مِنْ آيَةٍ بَيِّنَةٍ، أَيْ حُجَّةٍ قَاطِعَةٍ عَلَى صِدْقِهِ فِيمَا جَاءَهُمْ بِهِ، كَيَدِهِ وَعَصَاهُ، وَفَلْقِهِ الْبَحْرَ، وَضَرْبِ الْحَجَرِ، وَمَا كَانَ مِنْ تَظْلِيلِ الْغَمَامِ عَلَيْهِمْ فِي شِدَّةِ الْحَرِّ، وَمِنْ إِنْزَالِ الْمَنِّ وَالسَّلْوَى، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْآيَاتِ الدَّالاَّتِ عَلَى وُجُودِ الْفَاعِلِ الْمُخْتَارِ، وَصِدْقِ مَنْ جَرَتْ هَذِهِ الْخَوَارِقُ عَلَى يَدَيْهِ، وَمَعَ هَذَا أَعْرَضَ كَثِيرٌ مِنْهُمْ عَنْهَا، وَبَدَّلُوا نِعْمَةَ اللهِ كُفْرًا، أَيْ اِسْتَبْدَلُوا بِالْإِيمَانِ بِهَا الْكُفْرَ بِهَا وَالْإِعْرَاضَ عَنْهَا {وَمَنْ يُبَدِّلْ نِعْمَةَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ} كَمَا قَالَ تَعَالَى إِخْبَارًا عَنْ كُفَّارِ قُرَيْشٍ {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَةَ اللَّهِ كُفْرًا وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ * جَهَنَّمَ يَصْلُوْنَهَا وَبِئْسَ الْقَرَارُ} [إبراهيم:28،29]. ثُمَّ أَخْبَرَ تَعَالَى عَنْ تَزْيِينِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا لِلْكَافِرِينَ الَّذِينَ رَضُوا بِهَا، وَاطْمَأَنُّوا إِلَيْهَا، وَجَمَعُوا الْأَمْوَالَ وَمَنَعُوهَا عَنْ مَصَارِفِهَا - الَّتِي أُمِرُوا بِهَا، مِمَّا يُرْضِي اللهَ عَنْهُمْ - وَسَخِرُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا- الَّذِينَ أَعْرَضُوا عَنْهَا، وَأَنْفَقُوا مَا حَصَلَ لَهُمْ مِنْهَا فِي طَاعَةِ رَبِّهِمْ، وَبَذَلُوا ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللهِ - فَلِهَذَا فَازُوا بِالْمَقَامِ الْأَسْعَدِ وَالْحَظِّ الْأَوْفَرِ يَوْمَ مَعَادِهِمْ، فَكَانُوا فَوْقَ أُولَئِكَ فِي مَحْشَرِهِمْ وَمَنْشَرِهِمْ وَمَسِيرِهِمْ وَمَأْوَاهُمْ، فَاسْتَقَرُّوا فِي الدَّرَجَاتِ فِي أَعْلَى عِلِّيِّينَ، وَخَلَدَ أُولَئِكَ فِي الدَّرَكَاتِ فِي أَسْفَلِ سَافِلِينَ. وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى: {وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ} أَيْ يَزْرُقُ مَنْ يَشَاءُ مِنْ خَلْقِهِ وَيُعْطِيهِ عَطَاءً كَثِيرًا جَزِيلاً بِلاَ حَصْرٍ وَلاَ تَعْدَادٍ فِي الدُّنْيَا وَالاْخِرَةِ، كَمَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ: «ابْنَ آدَمَ أَنْفِقْ أُنْفِقْ عَلَيْكَ»[1022]. وَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «أَنْفِقْ بِلاَلُ، وَلاَ تَخْشَ مِنْ ذِي الْعَرْشِ إِقْلاَلاً»[1023] وَقَالَ تَعَالَى: {وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ} [سباء:39]. [1022] (الحميدي:2/459) [1023] (الطبراني:10/192) وَفِي الصَّحِيحِ: «أَنَّ مَلَكَيْنِ يَنْزِلاَنِ مِنَ السَّمَاءِ صَبِيحَةَ كُلِّ يَوْم فَيَقُولُ أَحَدُهُمَا: اللَّهُمَّ أَعْطِ مُنْفِقًا خَلَفًا، وَيَقُولُ الاْخَرُ: اللَّهُمَّ أَعْطِ مُمْسِكًا تَلَفًا»[1024]. [1024] (فتح الباري:3/357) وَفِي الصَّحِيحِ: «يَقُولُ ابْنُ آدَمَ: مَالِي مَالِي. وَهَلْ لَكَ مِنْ مَالِكَ إِلاَّ مَا أَكَلْتَ فَأَفْنَيْتَ، وَمَا لَبِسْتَ فَأَبْلَيْتَ، وَمَا تَصَدَّقْتَ فَأَمْضَيْتَ، وَمَا سِوَى ذَلِكَ فَذَاهِبٌ وَتَارِكُهُ لِلنَّاسِ»[1025]. [1025] (مسلم:4/2273) وَفِي مُسْنَدِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «الدُّنْيَا دَارُ مَنْ لاَ دَارَ لَهُ، وَمَالُ مَنْ لاَ مَالَ لَهُ، وَلَهَا يَجْمَعُ مَنْ لاَ عَقْلَ لَهُ»[1026]. [1026] (أحمد:6/71) {كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلاَّ الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} [اَلاِخْتِلاَفُ بَعْدَ مَجِيءِ الْعِلْمِ دَلِيلٌ عَلَى الْبَغْيِ وَالضَّلاَلِ] رَوَى ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: كَانَ بَيْنَ نُوحٍ وَآدَمَ عَشَرَةُ قُرُونٍ، كُلُّهُمْ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنَ الْحَقِّ، فَاخْتَلَفُوا، فَبَعَثَ اللهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ، قَالَ: وَكَذَلِكَ هِيَ فِي قِرَاءَةِ عَبْدِ اللهِ: (كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَاخْتَلَفُوا)[1027]. وَرَوَاهُ الْحَاكِمُ فِي مُسْتَدْرَكِهِ[1028] ثُمَّ قَالَ: صَحِيحُ الْإِسْنَادِ، وَلَمْ يُخْرِجَاهُ، كَذَا رَوَى أَبُو جَعْفَرٍ الرَّازِيُّ عَنْ أَبِي الْعَالِيَةِ عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ أَنَّهُ كَانَ يَقْرَؤُهَا: (كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَاخْتَلَفُوا فَبَعَثَ اللهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ)[1029]. [1027] (الطبري:4/275) [1028] (الحاكم:2/546) [1029] (الطبري:4/78) وَقَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ: أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ عَنْ قَتَادَةَ فِي قَوْلِهِ: {كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً} قَالَ: كَانُوا عَلَى الْهُدَى جَمِيعًا {فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ} فَكَانَ أَوَّلَ مَنْ بُعِثَ نُوحًا[1030]. [1030] (عبدالرزاق:1/82) وَرَوَى عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي قَوْلِهِ: {فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ}... الْآيَةَ، قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «نَحْنُ الاْخِرُونَ الْأَوَّلُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، نَحْنُ أَوَّلُ النَّاسِ دُخُولاً الْجَنَّةَ، بَيْدَ أَنَّهُم أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِنا وأُوتِينَاهُ مِنْ بَعْدِهِمْ، فَهَدَانَا اللهُ لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ، فَهَذَا الْيَوْمُ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ، فَهَدَانَا اللهُ لَهُ، فَالنَّاسُ لَنَا فِيهِ تَبَعٌ، فَغَدًا لِلْيَهُودِ، وبَعْدَ غَدٍ لِلنَّصَارَى»[1031]. [1031] (عبدالرزاق:1/82) وَقَالَ ابْنُ وَهْبٍ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ أَبِيهِ فِي قَوْلِهِ: {فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ} فَاخْتَلَفُوا فِي يَوْمِ الْجُمُعَةِ، فَاتَّخَذَ الْيَهُودُ يَوْمَ السَّبْتِ، وَالنَّصَارَى يَوْمَ الْأَحَدِ، فَهَدَى اللهُ أُمَّةَ مُحَمَّدٍ ﷺ لِيَوْمِ الْجُمُعَةِ. وَاخْتَلَفُوا فِي الْقِبْلَةِ فَاسْتَقْبَلَتِ النَّصَارَى الْمَشْرِقَ، وَالْيَهُودُ بَيْتَ الْمَقْدِسِ، فَهَدَى اللهُ أُمَّةَ مُحَمَّدٍ ﷺ لِلْقِبْلَةِ. وَاخْتَلَفُوا فِي الصَّلاَةِ، فَمِنْهُمْ مَنْ يَرْكَعُ وَلاَ يَسْجُدُ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْجُدُ وَلاَ يَرْكَعُ، وَمِنْهُمْ مَنْ يُصَلِّي وَهُوَ يَتَكَلَّمُ، وَمِنْهُمْ مَنْ يُصَلِّي وَهُوَ يَمْشِي، فَهَدَى اللهُ أُمَّةَ مُحَمَّدٍ ﷺ لِلْحَقِّ مِنْ ذَلِكَ. وَاخْتَلَفُوا فِي الصِّيَامِ، فَمِنْهُمْ مَنْ يَصُومُ بَعْضَ النَّهَارِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَصُومُ عَنْ بَعْضِ الطَّعَامِ، فَهَدَى اللهُ أُمَّةَ مُحَمَّدٍ ﷺ لِلْحَقِّ مِنْ ذَلِكَ. وَاخْتَلَفُوا فِي إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلاَمُ، فَقَالَتِ الْيَهُودُ: كَانَ يَهُودِيًّا، وَقَالَتِ: النَّصَارَى كَانَ نَصْرَانِيًّا، وَجَعَلَهُ اللهُ حَنِيفًا مُسْلِمًا، فَهَدَى اللهُ أُمَّةَ مُحَمَّدٍ ﷺ لِلْحَقِّ مِنْ ذَلِكَ. وَاخْتَلَفُوا فِي عِيسَى عَلَيْهِ السَّلاَمُ، فَكَذَّبَتْ بِهِ الْيَهُودُ، وَقَالُوا لِأُمِّهِ بُهْتَانًا عَظِيمًا، وَجَعَلَتْهُ النَّصَارَى إِلهًا وَوَلَدًا، وَجَعَلَهُ اللهُ رُوحَهُ وَكَلِمَتَهُ، فَهَدَى اللهُ أُمَّةَ مُحَمَّدٍ ﷺ لِلْحَقِّ مِنْ ذَلِكَ[1032]. [1032] (الطبري:4/284) وَقَوْلُهُ: {بِإِذْنِهِ} أَيْ بِعِلْمِهِ بِهِمْ وَبِمَا هَدَاهُمْ لَهُ. قَالَهُ ابْنُ جَرِيرٍ[1033]. {وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ} أَيْ مِنْ خَلْقِهِ {إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} أَيْ وَلَهُ الْحُكْمُ وَالْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ، وَفِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ وَمُسْلِم عَنْ عَائِشَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ، كَانَ إِذَا قَامَ مِنَ اللَّيْلِ يُصَلِّي يَقُـولُ: «اللّْهُـمَّ رَبَّ جِبْرَائِيلَ وَمِيكَائِيلَ وَإِسْرَافِيلَ، فَاطِرَ السَّمواتِ وَالْأَرْضِ، عَالِمَ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ، أَنْتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبَادِكَ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ، اهْدِني لِمَا اخْتُلِفَ فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِكَ، إِنَّكَ تَهْدِي مَنْ تَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيم»[1034] وَفِي الدُّعَاءِ الْمَأْثُورِ: «اللَّهُمَّ أَرِنَا الْحَقَّ حَقًّا، وَارْزُقْنَا اتِّبَاعَهُ، وَأَرِنَا الْبَاطِلَ بَاطِلاً، وَارْزُقْنَا اجْتِنَابَهُ، وَلاَ تَجْعَلْهُ مُلْتَبِسًا عَلَيْنَا فَنَضِلَّ، وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا»[1035]. [1033] (الطبري:4/286) [1034] (انفرد بإخراجه مسلم:1/534) [1035] (تخريج الإحياء:3/1418) {أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلاَ إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ} [لاَ يَحْصُلُ النَّصْرُ وَدُخُولُ الْجَنَّةِ إِلاَّ بَعْدَ الاِخْتِبَارِ وَالتَّمْيِيزِ] يَقُولُ تَعَالَى: {أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ} قَبْلَ أَنْ تُبْتَلُوا وَتُخْتَبَرُوا وَتُمْتَحَنُوا كَمَا فُعِلَ بِالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ مِنَ الْأُمَمِ، وَلِهَذَا قَالَ: {وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ} وَهِيَ الْأَمْرَاضُ وَالْأَسْقَامُ وَالاْلاَمُ وَالْمَصَائِبُ وَالنَّوَائِبُ. قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ وَابْنُ عَبَّاسٍ وَأَبُو الْعَالِيَةِ وَمُجَاهِدٌ وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وَمُرَّةُ الْهَمْدَانِيُّ وَالْحَسَنُ وَقَتَادَةُ وَالضَّحَّاكُ وَالرَّبِيعُ وَالسُّدِّيُّ وَمُقَاتِلُ بْنُ حَيَّانَ: {الْبَأْسَاءِ} اَلْفَقْرُ[1036]. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: {وَالضَّرَّاءِ} اَلسَّقَمُ. [1036] (ابن أبي حاتم غ:2/616) {وَزُلْزِلُوا} خَوْفًا مِنَ الْأَعْدَاءِ زِلْزَالاً شَدِيدًا، وَامْتُحِنُوا اِمْتِحَانًا عَظِيمًا، كَمَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ عَنْ خَبَّابِ ابْنِ الْأَرَتِّ، قَالَ: قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللهِ، أَلاَ تَسْتَنْصِرُ لَنَا، أَلاَ تَدْعُو اللهَ لَنَا؟ فَقَالَ: «إِنَّ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ كَانَ أَحَدُهُمْ يُوضَعُ الْمِنْشَارُ عَلَى مَفْرِقِ رَأْسِهِ فَيَخْلُصُ إِلَى قَدَمَيْهِ، لاَ يَصْرِفُهُ ذَلِكَ عَنْ دِينِهِ، وَيُمْشَطُ بِأَمْشَاطِ الْحَدِيدِ مَا بَيْنَ لَحْمِهِ وَعَظْمِهِ، لاَ يَصْرِفُهُ ذَلِكَ عَنْ دِينِهِ». ثُمَّ قَالَ: «وَاللهِ لَيُتِمَّنَّ اللهُ هَذَا الْأَمْرَ حَتَّى يَسِيرَ الرَّاكِبُ مِنْ َصنْعَاءَ إِلَى حَضْرَمَوْتَ، لاَ يَخَافُ إِلاَّ اللهَ وَالذِّئْبَ عَلَى غَنَمِهِ، وَلَكِنَّكُمْ قَوْمٌ تَسْتَعْجِلُونَ»[1037]. [1037] (فتح الباري:6/716) وَقَالَ اللهُ تَعَالَى: {الم *أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لاَ يُفْتَنُونَ *وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ} [العنكبوت:1-3]. وَقَدْ حَصَلَ مِنْ هَذَا جَانِبٌ عَظِيمٌ لِلصَّحَابَةِ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُمْ فِي يَوْمِ الْأَحْزَابِ، كَمَا قَالَ اللهُ تَعَالَى: {إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا *هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالاً شَدِيدًا *وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلاَّ غُرُورًا}... الْآيَاتِ [الأحزاب:10-12]. وَلَمَّا سَأَلَ هِرَقْلُ أَبَا سُفْيَانَ هَلْ قَاتَلْتُمُوهُ؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ فَكَيْفَ كَانَتِ الْحَرْبُ بَيْنَكُمْ؟ قَالَ سِجَالاً، يُدَالُ عَلَيْنَا وَنُدَالُ عَلَيْهِ. قَالَ: كَذَلِكَ الرُّسُلُ تُبْتَلَى ثُمَّ تَكُونُ لَهَا الْعَاقِبَةُ[1038]. [1038] (فتح الباري:9/25) وَقَوْلُهُ: {مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ} أَيْ سَنَّـتُهُمْ كَمَا قَالَ تَعَالَى: {فَأَهْلَكْنَا أَشَدَّ مِنْهُمْ بَطْشًا وَمَضَى مَثَلُ الأَوَّلِينَ} [الزخرف:8] وَقَوْلُهُ: {وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلاَ إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ} أَيْ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى أَعْدَائِهِمْ وَيَدْعُونَ بِقُرْبِ الْفَرَجِ وَالْمَخْرَجِ عِنْدَ ضِيقِ الْحَالِ وَالشِّدَّةِ، قَالَ اللهُ تَعَالَى: {أَلاَ إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ} كَمَا قَالَ: {فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا *إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا} [الشرح:5،6] وَكَمَا تَكُونُ الشِّدَّةُ: يَنْزِلُ مِنَ النَّصْرِ مِثْلُهَا، وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى: {أَلاَ إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ}. {يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلْ مَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ} [مَنْ يُنْفَقُ عَلَيْهِ؟] قَالَ مُقَاتِلُ بْنُ حَيَّانَ: هَذِهِ الْآيَةُ فِي نَفَقَةِ التَّطَوُّعِ[1039]. وَمَعْنَى الْآيَةِ: يَسْأَلُونَكَ كَيْفَ يُنْفِقُونَ؟ قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ وَمُجَاهِدٌ. فَبَيَّنَ لَهُمْ تَعَالَى ذَلِكَ، فَقَالَ: {قُلْ مَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ} أَيْ اِصْرِفُوهَا فِي هَذِهِ الْوُجُوهِ، كَمَا جَاءَ الْحَدِيثُ: «أُمَّكَ وَأَبَاكَ وَأُخْتَكَ وَأَخَاكَ، ثُمَّ أَدْنَاكَ أَدْنَاكَ»[1040]. [1039] (ابن أبي حاتم غ:2/619) [1040] (الحاكم:3/611) وَتَلاَ مَيْمُونُ بْنُ مِهْرَانَ هَذِهِ الْآيَةَ، ثُمَّ قَالَ: هَذِهِ مَوَاضِعُ النَّفَقَةِ، مَا ذَكَرَ فِيهَا طَبْلاً وَلاَ مِزْمَارًا وَلاَ تَصَاوِيرَ الْخُشُبِ وَلاَ كِسْوَةَ الْحِيطَانِ[1041]. [1041] (ابن أبي حاتم غ:2/620) ثُمَّ قَالَ تَعَالَى: {وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ} أَيْ مَهْمَا صَدَرَ مِنْكُمْ مِنْ فِعْلٍ مَعْرُوفٍ، فَإِنَّ اللهَ يَعْلَمُهُ، وَسَيَجْزِيكُمْ عَلَى ذَلِكَ أَوْفَرَ الْجَزَاءِ، فَإِنَّهُ لاَ يَظْلِمُ أَحَدًا مِثْقَالَ ذَرَّةٍ. {كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ} [إِيجَابُ الْجِهَادِ] هَذَا إِيجَابٌ مِنَ اللهِ تَعَالَى لِلْجِهَادِ عَلَى الْمُسْلِمِينَ أَن يَكُفُّوا شَرَّ الْأَعْدَاءِ عَنْ حَوْزَةِ الْإِسْلاَمِ، وَقَالَ الزُّهْرِيُّ: اَلْجِهَادُ وَاجِبٌ عَلَى كُلِّ أَحَدٍ غَزَا أَوْ قَعَدَ، فَالْقَاعِدُ، عَلَيْهِ إِذَا اسْتُعِينَ أَن يُعِينَ، وَإِذَا اسْتُغِيثَ أَن يُغِيثَ، وَإِذَا اسْتُنْفِرَ أَن يَنْفِرَ، وَإِن لَمْ يُحْتَجْ إِلَيْهِ قَعَدَ. (قُلْتُ) وَلِهَذَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ: «مَنْ مَاتَ وَلَمْ يَغْزُ، وَلَمْ يُحَدِّثْ نَفْسَهُ بِالْغَزْوِ، مَاتَ مِيتَةً جَاهِلِيَّةً»[1042]. وَقَالَ عَلَيْهِ السَّلاَمُ يَوْمَ الْفَتْحِ: «لاَ هِجْرَةَ بَعْدَ الفَتْحِ، وَلكِنْ جِهَادٌ وَنِيَّةٌ، وَإِذَا اسْتُنْفِرْتُمْ فَانْفِرُوا»[1043]. [1042] (مسلم:3/1517) [1043] (فتح الباري:4/56) وَقَوْلُهُ: {وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ} أَيْ شَدِيدٌ عَلَيْكُمْ وَمَشَقَّةٌ. وَهُوَ كَذَلِكَ، فَإِنَّهُ إِمَّا أَن يُقْتَلَ أَوْ يُجْرَحَ مَعَ مَشَقَّةِ السَّفَرِ وَمُجَالَدَةِ الْأَعْدَاءِ. ثُمَّ قَالَ تَعَالَى: {وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ} أَيْ لِأَنَّ الْقِتَالَ يَعْقُبُهُ النَّصْرُ وَالظَّفَرُ عَلَى الْأَعْدَاءِ، وَالاِسْتِيلاَءُ عَلَى بِلاَدِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ وَذَرَارِيِّهِمْ وَأَوْلاَدِهِمْ. {وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌ لَكُمْ} وَهَذَا عَامٌّ فِي الْأُمُورِ كُلِّهَا، قَدْ يُحِبُّ الْمَرْءُ شَيْئًا وَلَيْسَ لَهُ فِيهِ خِيَرَةٌ وَلاَ مَصْلَحَةٌ، وَمِنْ ذَلِكَ الْقُعُودُ عَنِ الْقِتَالِ قَدْ يَعْقُبُهُ اسْتِيلاَءُ الْعَدُوِّ عَلَى الْبِلاَدِ وَالْحُكْمِ. ثُمَّ قَالَ تَعَالَى: {وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ} أَيْ هُوَ أَعْلَمُ بِعَوَاقِبِ الْأُمُورِ مِنْكُمْ، وَأَخْبَرُ بِمَا فِيهِ صَلاَحُكُمْ فِي دُنْيَاكُمْ وَأُخْرَاكُمْ، فَاسْتَجِيبُوا لَهُ وَانْقَادُوا لِأَمْرِهِ، لَعَلَّكُمْ تَرْشُدُونَ. {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ وَلاَ يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ *إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَةَ اللَّهِ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ} [سَرِيَّةُ نَخْلَةَ، وَحُكْمُ الْقِـتَالِ فِي الشَّهْرِ الْحَـرَامِ] رَوَى ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ عَنْ جُنْدُبِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ بَعَثَ رَهْطًا، وَبَعَثَ عَلَيْهِمْ أَبَا عُبَيْدَةَ بْنَ الْجَرَّاحِ، فَلَمَّا ذَهَبَ يَنْطَلِقُ بَكَى صَبَابَةً إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ فَحَبَسَهُ، فَبَعَثَ عَلَيْهِمْ مَكَانَهُ عَبْدَ اللهِ بْنَ جَحْشٍ، وَكَتَبَ لَهُ كِتَابًا، وَأَمَرَهُ أَن لاَ يَقْرَأَ الْكِتَابَ حَتَّى يَبْلُغَ مَكَانَ كَذَا وَكَذَا، وَقَالَ: «لاَ تُكْرِهَنَّ أَحَدًا عَلَى السَّيْرِ مَعَكَ مِنْ أَصْحَابِكَ». فَلَمَّا قَرَأَ الْكِتَابَ اِسْتَرْجَعَ، وَقَالَ: سَمْعًا وَطَاعَةً للهِ وَلِرَسُولِهِ، فَخَبَّرَهُمُ الْخَبَرَ، وَقَرَأَ عَلَيْهِمُ الْكِتَابَ، فَرَجَعَ رَجُلاَنِ وَبَقِيَ بَقِيَّتُهُمْ، فَلَقُوا ابْنَ الْحَضْرَمِيِّ فَقَتَلُوهُ، وَلَمْ يَدْرُوا أَنَّ ذَلِكَ الْيَوْمَ مِن رَجَبٍ أَوْ مِنْ جُمَادَى، فَقَالَ الْمُشْرِكُونَ لِلْمُسْلِمِينَ: قَتَلْتُمْ فِي الشَّهْرِ الْحَرَامِ، فَأَنْزَلَ اللهُ: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ}... الْآيَةَ[1044]. [1044] (ابن أبي حاتم غ:2/628) وَقَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ هِشَامٍ رَاوِي السِّيرَةِ، عَنْ زِيَادِ بْنِ عَبْدِ اللهِ الْبَكَّائِيِّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ بْنِ يَسَارٍ الْمَدَنِيِّ رَحِمَهُ اللهُ، فِي كِتَابِ السِّيرَةِ لَهُ، أَنَّهُ قَالَ: وَبَعَثَ رَسُولُ اللهِ ﷺ عَبْدَ اللهِ بْنَ جَحْشِ بْنِ رِئَابٍ الْأَسَدِيَّ فِي رَجَبٍ مَقْفَلَهُ مِنْ بَدْرٍ الْأُولَى، وَبَعَثَ مَعَهُ ثَمَانِيَةَ رَهْطٍ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ، لَيْسَ فِيهِمْ مِنَ الْأَنْصَارِ أَحَدٌ، وَكَتَبَ لَهُ كِتَابًا وَأَمَرَهُ أَن لاَ يَنْظُرَ فِيهِ حَتَّى يَسِيرَ يَوْمَيْنِ، ثُمَّ يَنْظُرَ فِيهِ فَيَمْضِيَ لِمَا أَمَرَهُ بِهِ، وَلاَ يَسْتَكْرِهَ مِنْ أَصْحَابِهِ أَحَدًا. وَكَانَ أَصْحَابُ عَبْدِ اللهِ بْنِ جَحْشٍ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ، ثُمَّ مِنْ بَنِي عَبْدِ شَمْسِ بْنِ عَبْدِ مَنَافٍ: أَبُو حُذَيْفَةَ بْنُ عُتْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ بْنِ عَبْدِ شَمْسِ بْنِ عَبْدِ مَنَافٍ وَمِنْ حُلَفَائِهِمْ: عَبْدُ اللهِ ابْنُ جَحْشٍ، وَهُوَ أَمِيرُ الْقَوْمِ، وَعُكَّاشَةُ بْنُ مِحْصَنٍ أَحَدُ بَنِي أَسَدِ بْنِ خُزَيْمَةَ، وَمِنْ بَنِي نَوْفَلِ بْنِ عَبْدِ مَنَافٍ: عُتْبَةُ بْنُ غَزْوَانَ بْنِ جَابِرٍ، حَلِيفٌ لَهُمْ، وَمِنْ بَنِي زُهْرَةَ بْنِ كِلاَبٍ: سَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ، وَمِنْ بَنِي عَدِيِّ بْنِ كَعْبٍ: عَامِرُ بْنُ رَبِيعَةَ، حَلِيفٌ لَهُمْ مِنْ عَنْزِ بْنِ وَائِلٍ، وَوَاقِدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ مَنَافِ بْنِ عَرِينِ بْنِ ثَعْلَبَةَ بْنِ يَرْبُوعٍ، أَحَدُ بَنِي تَمِيمٍ - حَلِيفٌ لَهُمْ - وَخَالِدُ بْنُ الْبُكَيْرِ أَحَدُ بَنِي سَعْدِ بْنِ لَيْثٍ، حَلِيفٌ لَهُمْ، وَمِنْ بَنِي الْحَارِثِ بْنِ فِهْرٍ: سُهَيْلُ بْنُ بَيْضَاءَ. فَلَمَّا سَارَ عَبْدُ اللهِ بْنُ جَحْشٍ يَوْمَيْنِ، فَتَحَ الْكِتَابَ فَنَظَرَ فَإِذَا فِيهِ: إِذَا نَظَرْتَ فِي كِتَابِي هَذَا، فَامْضِ حَتَّى تَنْزِلَ نَخْلَةَ بَيْنَ مَكَّةَ وَالطَّائِفِ، تَرْصُدُ بِهَا قُرَيْشًا، وَتَعْلَمُ لَنَا مِنْ أَخْبَارِهِمْ. فَلَمَّا نَظَرَ عَبْدُ اللهِ بْنُ جَحْشٍ الْكِتَابَ، قَالَ: سَمْعًا وَطَاعَةً، ثُمَّ قَالَ لِأَصْحَابِهِ: قَدْ أَمَرَنِي رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ أَمْضِيَ إِلَى نَخْلَةَ، أَرْصُدُ بِهَا قُرَيْشًا، حَتَّى آتِيَهُ مِنْهُمْ بِخَبَرٍ، وَقَدْ نَهَانِي أَنْ أَسْتَكْرِهَ أَحَدًا مِنْكُمْ، فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ يُرِيدُ الشَّهَادَةَ وَيَرْغَبُ فِيهَا فَلْيَنْطَلِقْ، وَمَنْ كَرِهَ ذَلِكَ فَلْيَرْجِعْ، فَأَمَّا أَنَا فَمَاضٍ لِأَمْرِ رَسُولِ اللهِ ﷺ، فَمَضَى وَمَضَى مَعَهُ أَصْحَابُهُ، لَمْ يَتَخَلَّفْ عَنْهُ مِنْهُمْ أَحَدٌ. فَسَلَكَ عَلَى الْحِجَازِ، حَتَّى إِذَا كَانَ بِمَعْدِنٍ فَوْقَ الْفُرْعِ يُقَالُ لَهُ بَحْرَانُ، أَضَلَّ سَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ وَعُتْبَةُ بْنُ غَزْوَانَ بَعِيرًا لَهُمَا كَانَا يَعْتَقِبَانِهِ، فَتَخَلَّفَا عَلَيْهِ فِي طَلَبِهِ، وَمَضَى عَبْدُ اللهِ بْنُ جَحْشٍ وَبَقِيَّةُ أَصْحَابِهِ حَتَّى نَزَلَ بِنَخْلَةَ، فَمَرَّتْ بِهِ عِيرٌ لِقُرَيْشٍ تَحْمِلُ زَبِيبًا وَأُدُمًا وَتِجَارَةً مِنْ تِجَارَةِ قُرَيْشٍ، فِيهَا عَمْرُو بْنُ الْحَضْرَمِيِّ، وَاسْمُ الْحَضْرَمِيِّ عَبْدُ اللهِ بْنُ عَبَّادٍ أَحَدُ الصَّدَفِ، وَعُثْمَانُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ الْمُغِيرَةِ وَأَخُوهُ نَوْفَلُ بْنُ عَبْدِ اللهِ الْمَخْزُومِيَّانِ، وَالْحَكَمُ بْنُ كَيْسَانَ مَوْلَى هِشَامِ بْنِ الْمُغِيرَةِ، فَلَمَّا رَآهُمُ الْقَوْمُ هَابُوهُمْ، وَقَدْ نَزَلُوا قَرِيبًا مِنْهُمْ، فَأَشْرَفَ لَهُمْ عُكَّاشَةُ بْنُ مِحْصَنٍ، وَكَانَ قَدْ حَلَقَ رَأْسَهُ، فَلَمَّا رَأَوْهُ أَمِنُوا وَقَالُوا: عُمَّارٌ، لاَ بَأْسَ عَلَيْكُمْ مِنْهُمْ. وَتَشَاوَرَ الْقَوْمُ فِيهِمْ، وَذَلِكَ فِي آخِرِ يَوْمٍ مِنْ رَجَبٍ، فَقَالَ الْقَوْمُ: وَاللهِ لَئِنْ تَرَكْتُمُ الْقَوْمَ هَذِهِ اللَّيْلَةَ لَيَدْخُلُنَّ الْحَرَمَ، فَلْيَمْتَنِعُنَّ مِنْكُمْ بِهِ، وَلَئِنْ قَتَلْتُمُوهُمْ لَتَقْتُلُنَّهُمْ فِي الشَّهْرِ الْحَرَامِ، فَتَرَدَّدَ الْقَوْمُ وَهَابُوا الْإِقْدَامَ عَلَيْهِمْ، ثُمَّ شَجَّعُوا أَنْفُسَهُمْ عَلَيْهِمْ، وَأَجْمَعُوا عَلَى قَتْلِ مَنْ قَدَرُوا عَلَيْهِ مِنْهُمْ وَأَخْذِ مَا مَعَهُمْ، فَرَمَى وَاقِدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ التَّمِيمِيُّ عَمْرَو بْنَ الْحَضْرَمِيِّ بِسَهْمٍ فَقَتَلَهُ، وَاسْتَأْسَرَ عُثْمَانَ بْنَ عَبْدِ اللهِ وَالْحَكَمَ بْنَ كَيْسَانَ، وَأَفْلَتَ الْقَوْمَ نَوْفَلُ بْنُ عَبْدِ اللهِ فَأَعْجَزَهُمْ. وَأَقْبَلَ عَبْدُ اللهِ بْنُ جَحْشٍ وَأَصْحَابُهُ بِالْعِيرِ وَالْأَسِيرَيْنِ حَتَّى قَدِمُوا عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ الْمَدِينَةَ. قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: وَقَدْ ذَكَرَ بَعْضُ آلِ عَبْدِ اللهِ بْنِ جَحْشٍ: أَنَّ عَبْدَ اللهِ قَالَ لِأَصْحَابِهِ: إِنَّ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ مِمَّا غَنِمْنَا الْخُمُسَ. وَذَلِكَ قَبْلَ أَن يَفْرِضَ اللهُ الْخُمُسَ مِنَ الْمَغَانِمِ، فَعَزَلَ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ خُمُسَ الْعِيرِ، وَقَسَمَ سَائِرَهَا بَيْنَ أَصْحَابِهِ. قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: فَلَمَّا قَدِمُوا عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ، قَالَ: «مَا أَمَرْتُكُمْ بِقِتَالٍ فِي الشَّهْرِ الْحَرَامِ» فَوَقَّفَ الْعِيرَ وَالْأَسِيرَيْنِ، وَأَبَى أَن يَأْخُذَ مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا. فَلَمَّا قَالَ ذَلِكَ رَسُولُ اللهِ ﷺ، أُسْقِطَ فِي أَيْدِي الْقَوْمِ، وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ هَلَكُوا، وَعَنَّفَهُمْ إِخْوَانُهُمْ مِنَ الْمَسْلِمِينَ فِيمَا صَنَعُوا، وَقَالَتْ قُرَيْشٌ: قَدِ اسْتَحَلَّ مُحَمَّدٌ وَأَصْحَابُهُ الشَّهْرَ الْحَرَامَ، وَسَفَكُوا فِيهِ الدَّمَ، وَأَخَذُوا فِيهِ الْأَمْوَالَ، وَأَسَرُوا فِيهِ الرِّجَالَ؛ فَقَالَ مَنْ يَرُدُّ عَلَيْهِمْ مِنَ الْمُسْلِمِينَ مِمَّنْ كَانَ بِمَكَّةَ: إِنَّمَا أَصَابُوا مَا أَصَابُوا فِي شَعْبَانَ. وَقَالَتِ الْيَهُودُ - تَفَاءَلُوا بِذَلِكَ عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ -: عَمْرُو بْنُ الْحَضْرَمِيِّ قَتَلَهُ وَاقِدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ، عَمْرٌو: عَمَرَتِ الْحَرْبُ، وَالْحَضْرَمِيُّ: حَضَرَتِ الْحَرْبُ، وَوَاقِدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ: وَقَدَتِ الْحَرْبُ، فَجَعَلَ اللهُ عَلَيْهِمْ ذَلِكَ لاَ لَهُمْ. فَلَمَّا أَكْثَرَ النَّاسُ فِي ذَلِكَ أَنْزَلَ اللهُ عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ} أَيْ إِنْ كُنْتُمْ قَتَلْتُمْ فِي الشَّهْرِ الْحَرَامِ. فَقَدْ صَدُّوكُمْ عَنْ سَبِيلِ اللهِ مَعَ الْكُفْرِ بِهِ، وَعَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ. وَإِخْرَاجُكُمْ مِنْهُ - وَأَنْتُمْ أَهْلُهُ - {أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ} مِنْ قَتْلِ مَنْ قَتَلْتُمْ مِنْهُمْ {وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ} أَيْ قَدْ كَانُوا يَفْتِنُونَ الْمُسْلِمَ فِي دِينِهِ حَتَّى يَرُدُّوهُ إِلَى الْكُفْرِ بَعْدَ إِيمَانِهِ، فَذَلِكَ أَكْبَرُ عِنْدَ اللهِ مِنَ الْقَتْلِ {وَلاَ يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا} أَيْ ثُمَّ هُمْ مُقِيمُونَ عَلَى أَخْبَثِ ذَلِكَ وَأَعْظَمِهِ، غَيْرَ تَائِبِينَ وَلاَ نَازِعِينَ. قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: فَلَمَّا نَزَلَ الْقُرْآنُ بِهَذَا مِنَ الْأَمْرِ، وَفَرَّجَ اللهُ عَنِ الْمُسْلِمِينَ مَا كَانُوا فِيهِ مِنَ الشَّفَقِ، قَبَضَ رَسُولُ اللهِ ﷺ الْعِيرَ وَالْأَسِيرَيْنِ، وَبَعَثَتْ إِلَيْهِ قُرَيْشٌ فِي فِدَاءِ عُثْمَانَ بْنِ عَبْدِ اللهِ وَالْحَكَمِ بْنِ كَيْسَانَ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «لاَ نُفْدِيكُمُوهُمَا حَتَّى يَقْدُمَ صَاحِبَانَا - يَعْني سَعْدَ ابْنَ أَبِي وَقَّاصٍ وَعُتْبَةَ بْنَ غَزْوَانَ - فَإِنَّا نَخْشَاكُمْ عَلَيْهِمَا، فَإِنْ تَقْتُلُوهُمَا نَقْتُلْ صَاحِبَيْكُمْ» فَقَدِمَ سَعْدٌ وَعُتْبَةُ، [فَأَفْدَاهُمَا] رَسُولُ اللهِ ﷺ مِنْهُمْ، فَأَمَّا الْحَكَمُ بْنُ كَيْسَانَ فَأَسْلَمَ وَحَسُنَ إِسْلاَمُهُ، وَأَقَامَ عِنْدَ رَسُولِ اللهِ ﷺ حَتَّى قُتِلَ يَوْمَ بِئْرِ مَعُونَةَ شَهِيدًا، وَأَمَّا عُثْمَانُ بْنُ عَبْدِ اللهِ فَلَحِقَ بِمَكَّةَ فَمَاتَ بِهَا كَافِرًا. قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: فَلَمَّا تَجَلَّى عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ جَحْشٍ وَأَصْحَابِهِ مَا كَانُوا فِيهِ حِينَ نَزَلَ الْقُرْآنُ طَمَعُوا فِي الْأَجْرِ، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، أَنَطْمَعُ أَنْ تَكُونَ لَنَا غَزْوَةٌ نُعْطَى فِيهَا أَجْرَ الْمُجَاهِدِينَ؟ فَأَنْزَلَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَةَ اللَّهِ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ} فَوَضَعَهُمُ اللهُ مِنْ ذَلِكَ عَلَى أَعْظَمِ الرَّجَاءِ[1045]. [1045] (ابن هشام:2/252-255) {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ *فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى قُلْ إِصْلاَحٌ لَهُمْ خَيْرٌ وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لأَعْنَتَكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} [اَلتَّدَرُّجُ فِي تَحْرِيمِ الْخَمْرِ] رَوَى الْإِمَامُ أَحْمَدُ عَنْ أَبِي مَيْسَرَةَ، عَنْ عُمَرَ أَنَّهُ قَالَ: لَمَّا أُنْزِلَ تَحْرِيمُ الْخَمْرِ، قَالَ: اَللَّهُمَّ بَيِّنْ لَنَا فِي الْخَمْرِ بَيَانًا شَافِيًا، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ الَّتِي فِي الْبَقَرَةِ: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ} فَدُعِيَ عُمَرُ، فَقُرِئَتْ عَلَيْهِ فَقَالَ: اَللَّهُمَّ بَيِّنْ لَنَا فِي الْخَمْرِ بَيَانًا شَافِيًا، فَنَزَلَتِ الْآيَةُ الَّتِي فِي النِّسَاءِ {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَقْرَبُوا الصَّلاَةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى} فَكَانَ مُنَادِي رَسُولِ اللهِ ﷺ إِذَا أَقَامَ الصَّلاَةَ نَادَى: أَن لاَ يَقْرَبَنَّ الصَّلاَةَ سَكْرَانُ، فَدُعِيَ عُمَرُ، فَقُرِئَتْ عَلَيْهِ، فَقَالَ: اَللَّهُمَّ بَيِّنْ لَنَا فِي الْخَمْرِ بَيَانًا شَافِيًا، فَنَزَلَتِ الْآيَةُ الَّتِي فِي الْمَائِدَةِ، فَدُعِيَ عُمَرُ، فَقُرِئَتْ عَلَيْهِ فَلَمَّا بَلَغَ {فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ} قَالَ عُمَرُ: اِنْتَهَيْنَا اِنْتَهَيْنَا[1046]. هَكَذَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ[1047]، وَقَالَ عَلِيُّ بْنُ الْمَدِينِيِّ: هَذَا الْإِسْنَادُ صَالِحٌ صَحِيحٌ، وَصَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ، وَسَيَأْتِي هَذَا الْحَدِيثُ أَيْضًا مَعَ مَا رَوَاهُ أَحْمَدُ مِنْ طَرِيقِ أَبِي هُرَيْرَةَ أَيْضًا عِنْدَ قَوْلِهِ فِي سُورَةِ الْمَائِدَةِ: {إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنْصَابُ وَالأَزْلاَمُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ}... الْآيَاتِ[1048] [1046] (أحمد:1/531) [1047] (أبو داود:4/79، وتحفة الأحوذي:8/415ن والنسائي:8/287) [1048] (أحمد:2/351) فَقَوْلُهُ: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ} أَمَّا الْخَمْرُ، فَكَمَا قَالَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ: إِنَّهُ كُلُّ مَا خَامَرَ الْعَقْلَ. كَمَا سَيَأْتِي بَيَانُهُ فِي سُورَةِ الْمَائِدَةِ، وَكَذَا الْمَيْسِرُ، وَهُوَ الْقِمَارُ. وَقَوْلُهُ: {قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ} أَمَّا إِثْمُهُمَا فَهُوَ فِي الدِّينِ، وَأَمَّا الْمَنَافِعُ فَدُنْيَوِيَّةٌ، مِنْ حَيْثُ إِنَّ فِيهَا نَفْعَ الْبَدَنِ وَتَهْضِيمَ الطَّعَامِ - وَإِخْرَاجَ الْفُضْلاَتِ، وَتَشْحِيذَ بَعْضِ الْأَذْهَانِ وَلَذَّةَ الشِّدَّةِ الْمُطْرِبَةِ الَّتِي فِيهَا، وَكَذَا بَيْعُهَا وَالاِنْتِفَاعُ بِثَمَنِهَا. وَمَا كَانَ يُقَمِّشُهُ بَعْضُهُمْ مِنَ الْمَيْسِرِ فَيُنْفِقُهُ عَلَى نَفْسِهِ أَوْ عِيَالِهِ. وَلَكِنْ هَذِهِ الْمَصَالِحُ لاَ تُوَازِي مَضَرَّتَهُ وَمَفْسَدَتَهُ الرَّاجِحَةَ، لِتَعَلُّقِهَا بِالْعَقْلِ وَالدِّينِ، وَلِهَذَا قَالَ اللهُ تَعَالَى: {وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا}، وَلِهَذَا كَانَتْ هَذِهِ الْآيَةُ مُمَهِّدَةً لِتَحْرِيمِ الْخَمْرِ عَلَى الْبَتَاتِ، وَلَمْ تَكُنْ مُصَرِّحَةً بَلْ مُعَرِّضَةً، وَلِهَذَا قَالَ عُمَرُ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ لَمَّا قُرِئَتْ عَلَيْهِ: اَللَّهُمَّ بَيِّنْ لَنَا فِي الْخَمْرِ بَيَانًا شَافِيًا. حَتَّى نَزَلَ التَّصْرِيحُ بِتَحْرِيمِهَا فِي سُورَةِ الْمَائِدَةِ: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنْصَابُ وَالأَزْلاَمُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ *إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسَرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلاَةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ} [1049] وَسَيَأْتِي الْكَلاَمُ عَلَى ذَلِكَ فِي سُورَةِ الْمَائِدَةِ إِنْ شَاءَ اللهُ تَعَالَى وَبِهِ الثِّقَةُ. [1049] (ابن أبي حاتم غ:2/636) قَالَ ابْنُ عُمَرَ وَالشَّعْبِيُّ وَمُجَاهِدٌ وَقَتَادَةُ وَالرَّبِيعُ بْنُ أَنَسٍ وَعَبْدُ الرَّحْمنِ بْنُ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ: إِنَّ هَذِهِ أَوَّلُ آيَةٍ نَزَلَتْ فِي الْخَمْرِ: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ}، ثُمَّ نَزَلَتِ الْآيَةُ الَّتِي فِي سُورَةِ النِّسَاءِ، ثُمَّ نَزَلَتِ الْآيَةُ الَّتِي فِي الْمَائِدَةِ فَحُرِّمَتِ الْخَمْرُ[1050]. [1050] (الطبري:4/331-336) [الْأَمْرُ بِإِنْفَاقِ مَا فَضُلَ مِنَ الْمَالِ] وَقَوْلُهُ: {وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ} قُرِىءَ بِالنَّصْبِ وَبِالرَّفْعِ، وَكِلاَهُمَا حَسَنٌ مُتَّجِهٌ قَرِيبٌ. وَقَالَ الْحَكَمُ عَنْ مِقْسَمٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: {وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ} قَالَ: مَا يَفْضُلُ عَنْ أَهْلِكَ[1051]. كَذَا رُوِيَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ وَمُجَاهِدٍ وَعَطَاءٍ وَعِكْرِمَةَ وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، وَمُحَمَّدٍ بْنِ كَعْبٍ، وَالْحَسَنِ وَقَتَادَةَ وَالْقَاسِمِ، وَسَالِمٍ، وَعَطَاءٍ الْخُرَاسَانِيِّ، وَالرَّبِيعِ بْنِ أَنَسٍ وَغَيْرِ وَاحِدٍ[1052]. [1051] (ابن أبي حاتم غ:2/656) [1052] (ابن أبي حاتم غ:2/657،656) وَرَوَى ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللهِ، عِنْدِي دِينَارٌ، قَالَ: «أَنْفِقْهُ عَلَى نَفْسِكَ». قَالَ: عِنْدِي آخَرُ، قَالَ: «أَنْفِقْهُ عَلَى أَهْلِكَ». قَالَ: عِنْدِي آخَرُ: قَالَ: «أَنْفِقْهُ عَلَى وَلَدِكَ». قَالَ: عِنْدِي آخَرُ، قَالَ: «فَأَنْتَ أَبْصَرُ»[1053]؛ وَقَدْ رَوَاهُ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ. [1053] (الطبري:4/340) وَأَخْرَجَ مُسْلِمٌ أَيْضًا عَنْ جَابِرٍ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ لِرَجُلٍ: «ابْدَأْ بِنَفْسِكَ فَتَصَدَّقْ عَلَيْهَا، فَإِنْ فَضَلَ شَيْءٌ فَلِأَهْلِكَ، فَإِنْ فَضَلَ شَيْءٌ عَنْ أَهْلِكَ فَلِذِي قَرَابَتِكَ، فَإِنْ فَضَلَ عَنْ ذِي قَرَابَتِكَ شَيْءٌ فَهكَذَا وَهكَذَا»[1054]. [1054] (مسلم:2/692) وَفِي الْحَدِيثِ أَيْضًا: «ابْنَ آدَمَ إِنَّكَ أَنْ تَبْذُلَ الْفَضْلَ خَيْرٌ لَكَ، وَأَنْ تُمْسِكَهُ شَرٌّ لَكَ. وَلاَ تُلاَمُ عَلَى كَفَافٍ»[1055]. [1055] (مسلم:1036) وَقَوْلُهُ: { كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ * فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ} أَيْ كَمَا فَصَّلَ لَكُمْ هَذِهِ الْأَحْكَامَ وَبَيَّنَهَا وَأَوْضَحَهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ لَكُمْ سَائِرَ الْآيَاتِ فِي أَحْكَامِهِ وَوَعْدِهِ وَوَعِيدِهِ، {لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ فِي الدُّنْيَا وَالاْخِرَةِ}: قَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: يَعْنِي فِي زَوَالِ الدُّنْيَا وَفَنَائِهَا، وَإِقْبَالِ الاْخِرَةِ وَبَقَائِهَا[1056]. [1056] (الطبري:4/348) [إِصْلاَحُ أَمْوَالِ الْيَتَامَى] وَقَوْلُهُ: {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى قُلْ إِصْلاَحٌ لَهُمْ خَيْرٌ وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لأَعْنَتَكُمْ}... الْآيَةَ، رَوَى ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ {وَلاَ تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلاَّ بِالَّتِي هِيَ أْحْسَنُ} [الإسراء:34] وَ {إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا} [النساء:10] اِنْطَلَقَ مَنْ كَانَ عِنْدَهُ يَتِيمٌ فَعَزَلَ طَعَامَهُ مِنْ طَعَامِهِ وَشَرَابَهُ مِنْ شَرَابِهِ، فَجَعَلَ يَفْضُلُ لَهُ الشَّيْءُ مِنْ طَعَامِهِ فَيُحْبَسُ لَهُ حَتَّى يَأْكُلَهُ أَوْ يَفْسُدَ، فَاشْتَدَّ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ، فَذَكَرُوا ذَلِكَ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ فَأَنْزَلَ اللهُ: {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى قُلْ إِصْلاَحٌ لَهُمْ خَيْرٌ وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ} فَخَلَطُوا طَعَامَهُمْ بِطَعَامِهِمْ وَشَرَابَهُمْ بِشَرَابِهِمْ[1057]. وَهَكَذَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ[1058] وَالْحَاكِمُ فِي مُسْتَدْرَكِهِ[1059]. وَهَكَذَا ذَكَرَ غَيْرُ وَاحِدٍ فِي سَبَبِ نُزُولِ هَذِهِ الْآيَةِ، كَمُجَاهِدٍ وَعَطَاءٍ وَالشَّعْبِيِّ، وَابْنِ أَبِي لَيْلَى وَقَتَادَةَ وَغَيْرِ وَاحِدٍ مِنَ السَّلَفَ وَالْخَلَفِ[1060]. [1057] (الطبري:4/350 إسناده ضعيف لاختلاط عطاء بن السائب) [1058] (أبو داود:3/291، والنسائي:6م256) [1059] (الحاكم:2/103) [1060] (الطبري:4/350-353) وَرَوَى وَكِيعُ بْنُ الْجَرَّاحِ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا قَالَتْ: إِنِّي لَأَكْرَهُ أَن يَكُونَ مَالُ الْيَتِيمِ عِنْدِي عُرَّةً، حَتَّى أَخْلُطَ طَعَامَهُ بِطَعَامِي، وَشَرَابَهُ بِشَرَابِي[1061]. [1061] (4/355) فَقَوْلُهُ: {قُلْ إِصْلاَحٌ لَهُمْ خَيْرٌ} أَيْ عَلَى حِدَةٍ، {وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ} أَيْ وَإِنْ خَلَطْتُمْ طَعَامَكُمْ بِطَعَامِهِمْ وَشَرَابَكُمْ بِشَرَابِهِمْ فَلاَ بَأْسَ عَلَيْكُمْ، لِأَنَّهُمْ إِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ، وَلِهَذَا قَالَ: {وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ} أَيْ يَعْلَمُ مَنْ قَصْدُهُ وَنِيَّتُهُ الْإِفْسَادُ أَوِ الْإِصْلاَحُ، وَقَوْلُهُ: {وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لأَعْنَتَكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} أَيْ وَلَوْ شَاءَ اللهُ لَضَيَّقَ عَلَيْكُمْ وَأَحْرَجَكُمْ، وَلَكِنَّهُ وَسَّعَ عَلَيْكُمْ، وَخَفَّفَ عَنْكُمْ، وَأَبَاحَ لَكُمُ مُخَالَطَتَهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: {وَلاَ تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلاَّ بِالَّتِي هِيَ أْحْسَنُ} بَلْ قَدْ جَوَّزَ الْأَكْلَ مِنْهُ لِلْفَقِيرِ بِالْمَعْرُوفِ، إِمَّا بِشَرْطِ ضَمَانِ الْبَدَلِ لِمَنْ أَيْسَرَ، أَوْ مَجَّانًا، كَمَا سَيَأْتِي بَيَانُهُ فِي سُورَةِ النِّسَاءِ، إِنْ شَاءَ اللهُ وَبِهِ الثِّقَةُ. {وَلاَ تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ وَلأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ وَلاَ تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ أُولَئِكَ يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى الْجَنَّةِ وَالْمَغْفِرَةِ بِإِذْنِهِ وَيُبَيِّنُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ} [تَحْرِيمُ نِكَاحِ الْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ] هَذَا تَحْرِيمٌ مِنَ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ عَلَى الْمُؤمِنِينَ أَن يَتَزَوَّجُوا الْمُشْرِكَاتِ مِنْ عَبَدَةِ الْأَوْثَانِ، ثُمَّ إِنْ كَانَ عُمُومُهَا مُرَادًا، وَأَنَّهُ يَدْخُلُ فِيهَا كُلُّ مُشْرِكَةٍ مِنْ كِتَابِيَّةٍ وَوَثَنِيَّةٍ، فَقَدْ خَصَّ مِنْ ذَلِكَ نِسَاءَ أَهْلِ الْكِتَابِ بِقَوْلِهِ: {وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ} قَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ: {وَلاَ تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ}: اِسْتَثْنَى اللهُ مِنْ ذَلِكَ نِسَاءَ أَهْلِ الْكِتَابِ[1062]. وَهَكَذَا قَالَ مُجَاهِدٌ وَعِكْرِمَةُ وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وَمَكْحُولٌ وَالْحَسَنُ وَالضَّحَّاكُ وَزَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ وَالرَّبِيعُ بْنُ أَنَسٍ وَغَيْرُهُمْ[1063]. وَقِيلَ: بَلِ الْمُرَادُ بِذَلِكَ الْمُشْرِكُونَ مِنْ عَبَدَةِ الْأَوْثَانِ، وَلَمْ يُرِدْ أَهْلَ الْكِتَابِ بِالْكُلِّيَّةِ. وَالْمَعْنَى قَرِيبٌ مِنَ الْأَوَّلِ، وَاللهُ أَعْلَمُ. [1062] (الطبري:4/362) [1063] (ابن أبي حاتم غ:2/669-671) قَالَ أَبُو جَعْفَرِ بْنُ جَرِيرٍ رَحِمَهُ اللهُ بَعْدَ حِكَايَتِهِ الْإِجْمَاعَ عَلَى إِبَاحَةِ تَزْوِيجِ الْكِتَابِيَّاتِ: وَإِنَّمَا كَرِهَ عُمَرُ ذَلِكَ لِئَلاَّ يَزْهَدَ النَّاسُ فِي الْمُسْلِمَاتِ، أَوْ لِغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْمَعَانِي. كَمَا رَوَى أَبُو كُرَيبٍ عَنْ شَقِيقٍ، قَالَ: تَزَوَّجَ حُذَيفَةُ يَهُودِيَّةً، فَكَتَبَ إِلَيْهِ عُمَرُ: خَلِّ سَبِيلَهَا، فَكَتَبَ إِلَيْهِ: أَتَزْعُمُ أَنَّهَا حَرَامٌ، فَأُخَلِّيَ سَبِيلَهَا؟ فَقَالَ: لاَ أَزْعُمُ أَنَّهَا حَرَامٌ، وَلَكِنِّي أَخَافُ أَنْ تَعَاطَوُا الْمُومِسَاتِ مِنْهُنَّ[1064]. وَهَذَا إِسْنَادُهُ صَحِيحٌ. [1064] (الطبري:4/366) وَرَوَى ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ زَيْدِ بْنِ وَهْبٍ، قَالَ: قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ: الْمُسْلِمُ يَتَزَوَّجُ النَّصْرَانِيَّةَ، وَلاَ يَتَزَوَّجُ النَّصْرَانِيُّ الْمُسْلِمَةَ[1065]. قَالَ: وَهَذَا أَصَحُّ إِسْنَادًا مِنَ الْأَوَّلِ. [1065] (الطبري:4/366 فيه يزيد بن أبي زياد الكوفي ضعيف كبر فتغير صار يتلقن، وكان شيعيًّا ـ "تق") وَقَدْ رَوَى ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ، أَنَّهُ كَرِهَ نِكَاحَ أَهْلِ الْكِتَابِ، وَتَأَوَّلَ: {وَلاَ تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ} [1066]. وَقَالَ الْبُخَارِيُّ: قَالَ ابْنُ عُمَرَ: لاَ أَعْلَمُ شِرْكًا أَعْظَمَ مِنْ أَنْ تَقُولَ: رَبُّهَا عِيسَى[1067]. [1066] (ابن أبي حاتم غ:2/671) [1067] (فتح الباري:9/326) وَقَدْ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، قَالَ: «تُنْكَحُ الْمَرْأَةُ لِأَرْبَعٍ: لِمَالِهَا وَلِحَسَبِهَا وَلِجَمَالِهَا وَلِدِينِهَا، فَاظْفَرْ بِذَاتِ الدِّينِ، تَرِبَتْ يَدَاكَ»[1068]. وَلِمُسْلِمٍ عَنْ جَابِرٍ مِثْلُهُ[1069]. وَلَهُ عَنِ ابْنِ عَمْرٍو: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «الدُّنْيَا مَتَاعٌ، وَخَيْرُ مَتَاعِ الدُّنْيَا الْمَرْأَةُ الصَّالِحَةُ»[1070]. [1068] (فتح الباري:9/35، ومسلم:2/1087) [1069] (مسلم:2/1087) [1070] (مسلم:2/1090) وَقَوْلُهُ: {وَلاَ تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا} أَيْ لاَ تُزَوِّجُوا الرِّجَالَ الْمُشْرِكِينَ النِّسَاءَ الْمُؤْمِنَاتِ، كما قَالَ تَعَالَى: {لاَ هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلاَ هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ} ثُمَّ قَالَ تَعَالَى: {وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ} أَيْ وَلَرَجُلٌ مُؤْمِنٌ - وَلَوْ كَانَ عَبْدًا حَبَشِيًّا - خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ، وَإِنْ كَانَ رَئِيسًا سَرِيًّا. {أُولَئِكَ يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ} أَيْ مُعَاشَرَتُهُمْ وَمُخَالَطَتُهُمْ تَبْعَثُ عَلَى حُبِّ الدُّنْيَا وَاقْتِنَائِهَا وَإِيثَارِهَا عَلَى الدَّارِ الاْخِرَةِ، وَعَاقِبَةُ ذَلِكَ وَخِيمَةٌ {وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى الْجَنَّةِ وَالْمَغْفِرَةِ بِإِذْنِهِ} أَيْ بِشَرْعِهِ وَمَا أَمَرَ بِهِ وَمَا نَهَى عَنْهُ {وَيُبَيِّنُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ}. {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيْضِ قُلْ هُوَ أَذىً فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلاَ تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ *نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ وَقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ مُلاَقُوهُ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ} [الْأَمْرُ بِاعْتِزَالِ النِّسَاءِ فِي الْمَحِيضِ] رَوَى الْإِمَامُ أَحْمَدُ عَنْ أَنَسٍ: أَنَّ الْيَهُودَ كَانُوا إِذَا حَاضَتِ الْمَرْأَةُ مِنْهُمْ لَمْ يُوَاكِلُوهَا وَلَمْ يُجَامِعُوهَا فِي الْبُيُوتِ، فَسَأَلَ أَصْحَابُ النَّبِيِّ ﷺ، فَأَنْزَل اللهُ عَزَّ وَجَلَّ: {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيْضِ قُلْ هُوَ أَذىً فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلاَ تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ} حَتَّى فَرَغَ مِنَ الْآيَةِ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «اصْنَعُوا كُلَّ شَيْءٍ إِلاَّ النِّـكَاحَ». فَبَلَغَ ذَلِكَ الْيَهُودَ فَقَالُوا: مَا يُرِيدُ هَذَا الرَّجُلُ أَنْ يَدَعَ مِنْ أَمْرِنَا شَيْئًا، إِلاَّ خَالَفَنَا فِيهِ، فَجَاءَ أُسَيْدُ بْنُ حُضَيْرٍ وَعَبَّادُ بْنُ بِشْرٍ، فَقَالاَ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّ الْيَهُودَ قَالَتْ كَذَا وَكَذَا، أَفَلاَ نُجَامِعُهُنَّ؟ فَتَغَيَّرَ وَجْهُ رَسُولِ اللهِ ﷺ حَتَّى ظَنَنَّا أَنْ قَدْ وَجَدَ عَلَيْهِمَا، فَخَرَجَا فَاسْتَقْبَلَهُمَا هَدِيَّةٌ مِن لَبَنٍ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ، فَأَرْسَلَ فِي آثَارِهِمَا فَسَقَاهُمَا، فَعَرَفَا أَن لَمْ يَجِدْ عَلَيْهِمَا[1071]. وَرَوَاهُ مُسْلِمٌ. [1071] (أحمد:3/132) فَقَوْلُهُ: {فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ} يَعْنِي الْفَرْجَ، لِقَوْلِهِ: «اصْنَعُوا كُلَّ شَيْءٍ إِلاَّ النِّكَاحَ»[1072]. وَلِهَذَا ذَهَبَ كَثِيرٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ أَوْ أَكْثَرُهُمْ، إِلَى أَنَّهُ يَجُوزُ مُبَاشَرَةُ الْحَائِضِ فِيمَا عَدَا الْفَرْجِ، رَوَى أَبُو دَاوُدَ عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنْ بَعْضِ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ ﷺ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ إِذَا أَرَادَ مِنَ الْحَائِضِ شَيْئًا أَلْقَى عَلَى فَرْجِهَا ثَوْبًا[1073]. [1072] (مسلم:1/246) [1073] (أبو داود:1/286) وَرَوَى أَبُو جَعْفَرِ بْنُ جَرِيرٍ أَنَّ مَسْرُوقًا رَكِبَ إِلَى عَائِشَةَ فَقَالَ: اَلسَّلاَمُ عَلَى النَّبِيِّ وَعَلَى أَهْلِهِ، فَقَالَتْ عَائِشَةُ: أَبُو عَائِشَةَ؟ مَرْحَبًا مَرْحَبًا، فَأْذَنُوا لَهُ، فَدَخَلَ فَقَالَ: إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أَسْأَلَكِ عَنْ شَيْءٍ وَأَنَا أَسْتَحْيِي، فَقَالَتْ: إِنَّمَا أَنَا أُمُّكَ وَأَنْتَ ابْنِي، فَقَالَ: مَا لِلرَّجُلِ مِنِ امْرَأَتِهِ وَهِيَ حَائِضٌ؟ فَقَالَتْ: لَهُ كُلُّ شَيْءٍ إِلاَّ فَرْجَهَا[1074]. وَهَذَا قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ وَمُجَاهِدٍ وَالْحَسَنِ وَعِكْرِمَةَ. [1074] (الطبري:4/378) (قُلْتُ) وَيَحِلُّ مُضَاجَعَتُهَا وَمُوَاكَلَتُهَا بِلاَ خِلاَفٍ، قَالَتْ عَائِشَةُ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ، يَأْمُرُنِي فَأَغْسِلُ رَأْسَهُ وَأَنَا حَائِضٌ، وَكَانَ يَتَّكِىءُ فِي حُجْرِي وَأَنَا حَائِضٌ فَيَقْرَأُ الْقُرْآنَ[1075]. وَفِي الصَّحِيحِ عَنْهَا، قَالَتْ: كُنْتُ أَتَعَرَّقُ الْعَرْقَ وَأَنَا حَائِضٌ فَأُعْطِيهِ النَّبِيَّ ﷺ، فَيَضَعُ فَمَهُ فِي الْمَوْضِعِ الَّذِي وَضَعْتُ فَمِي فِيهِ، وَأَشْرَبُ الشَّرَابَ فَأُنَاوِلُهُ فَيَضَعُ فَمَهُ فِي الْمَوْضِعِ الَّذِي كُنْتُ أَشْرَبُ مِنْهُ[1076]. [1075] (فتح الباري:1/479) [1076] (مسلم:1/245) وَثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ مَيْمُونَةَ بِنْتِ الْحَارِثِ الْهِلاَلِيَّةِ قَالَتْ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا أَرَادَ أَنْ يُبَاشِرَ امْرَأَةً مِنْ نِسَائِهِ أَمَرَهَا فَاتَّزَرَتْ وَهِيَ حَائِضٌ. وَهَذَا لَفْظُ الْبُخَارِيِّ[1077]. وَلَهُمَا عَنْ عَائِشَةَ نَحْوُهُ[1078]. وَرَوَى الْإِمَامُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ سَعْدٍ الْأَنْصَارِيِّ أَنَّهُ سَأَلَ رَسُولَ اللهِ ﷺ: مَا يَحِلُّ لِي مِنِ امْرَأَتيِ وَهِيَ حَائِضٌ؟ قَالَ: «مَا فَوْقَ الْإِزَارِ»[1079]. فَقَوْلُهُ تَعَالَى: {وَلاَ تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ} تَفْسِيرٌ لِقَوْلِهِ: {فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ} وَنَهَى عَنْ قُرْبَانِهِنَّ بِالْجِمَاعِ مَا دَامَ الْحَيْضُ مَوْجُودًا، وَمَفْهُومُهُ: حِلُّهُ إِذَا انْقَطَعَ. [1077] (فتح الباري:1/483، ومسلم:1/243) [1078] (فتح الباري:1/480، ومسلم:1/242) [1079] (أحمد:4/342، وأبو داود:1/145، وتحفة الأحوذي:1/415، وابن ماجه:1/213) وَقَوْلُهُ: {فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ} فِيهِ نَدْبٌ وَإِرْشَادٌ إِلَى غِشْيَانِهِنَّ بَعْدَ الاِغْتِسَالِ. وَقَدِ اتَّفَقَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّ الْمَرْأَةَ إِذَا انْقَطَعَ حَيْضُهَا لاَ تَحِلُّ حَتَّى تَغْتَسِلَ بِالْمَاءِ أَوْ تَتَيَمَّمَ إِنْ تَعَذَّرَ ذَلِكَ عَلَيْهَا بِشَرْطِهِ، وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: {حَتَّى يَطْهُرْنَ} أَيْ مِنَ الدَّمِ {فَإِذَا تَطَهَّرْنَ} أَيْ بِالْمَاءِ. وَكَذَا قَالَ مُجَاهِدٌ وَعِكْرِمَةُ وَالْحَسَنُ وَمُقَاتِلُ بْنُ حَيَّانَ وَاللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ وَغَيْرُهُمْ[1080]. [1080] (ابن أبي حاتم غ:2/683،682) [تَحْرِيمُ الْوَطْءِ فِي الدُّبُـرِ] وَقَوْلُهُ: {مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ} قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَمُجَاهِدٌ وَغَيْرُ وَاحِدٍ: يَعْنِي الْفَرْجَ[1081].وَفِيهِ دَلاَلَةٌ عَلَى تَحْرِيمِ الْوَطْءِ فِي الدُّبُرِ، كَمَا سَيَأْتِي تَقْرِيرُهُ قَرِيبًا إِنْ شَاءَ اللهُ تَعَالَى. وَقَالَ أَبُو رَزِينٍ وَعِكْرِمَةُ وَالضَّحَّاكُ وَغَيْرُ وَاحِدٍ: {فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ} يَعْنِي طَاهِرَاتٍ غَيْرَ حُيَّضٍ[1082]. وَلِهَذَا قَالَ: {إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ} أَيْ مِنَ الذَّنْبِ وَإِنْ تَكَرَّرَ غِشْيَانُهُ {وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ} أَيِ الْمُتَنَزِّهِينَ عَنِ الْأَقْذَارِ وَالْأَذَى، وَهُوَ مَا نُهُوا عَنْهُ مِنْ إِتْيَانِ الْحَائِضِ أَوْ فِي غَيْرِ الْمَأْتَى. [1081] (ابن أبي حاتم غ:2/684) [1082] (ابن أبي حاتم غ:2/685،684) [سَبَبُ نُزُولِ قَوْلِهِ {نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ} ] وَقَوْلُهُ: {نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ} قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: اَلْحَرْثُ مَوْضِعُ الْوَلَدِ[1083]. {فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ} أَيْ كَيْفَ شِئْتُمْ، مُقْبِلَةً وَمُدْبِرَةً فِي صِمَامٍ وَاحِدٍ، كَمَا ثَبَتَتْ بِذَلِكَ الْأَحَادِيثُ: [1083] (الطبري:4/397) رَوَى الْبُخَارِيُّ عَنِ ابْنِ الْمُنْكَدِرِ قَالَ: سَمِعْتُ جَابِرًا قَالَ: كَانَتِ الْيَهُودُ تَقُولُ: إِذَا جَامَعَهَا مِنْ وَرَائِهَا جَاءَ الْوَلَدُ أَحْوَلَ، فَنَزَلَتْ: {نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ}[1084]. وَرَوَاهُ مُسْلِمٌ وَأَبُو دَاوُدَ[1085] [1084] (فتح الباري:8/37) [1085] (مسلم:2/1058، وأبو داود:2/618) وَرَوَى ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ أَنَّ جَابِرَ ابْنَ عَبْدِ اللهِ أَخْبَرَهُ أَنَّ الْيَهُودَ قَالُوا لِلْمُسْلِمِينَ: مَنْ أَتَى امْرَأَةً، وَهِيَ مُدْبِرَةٌ، جَاءَ الْوَلَدُ أَحْوَلَ، فَأَنْزَلَ اللهُ: {نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ} قَالَ ابْنُ جُرَيجٍ فِي الْحَدِيثِ: فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «مُقْبِلَةً وَمُدْبِرَةً إِذَا كَانَ ذَلِكَ فِي الْفَرْجِ»[1086]. [1086] (ابن أبي حاتم غ:2/693) وَرَوَى الْإِمَامُ أَحْمَدُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: أُنْزِلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ {نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ} فِي أُنَاسٍ مِنَ الْأَنْصَارِ أَتَوُا النَّبِيَّ ﷺ فَسَأَلُوهُ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «ائْتِهَا عَلَى كُلِّ حَالٍ، إِذَا كَانَ فِي الْفَرْجِ»[1087]. [1087] (أحمد:1/268) وَرَوَى الْإِمَامُ أَحْمَدُ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَابِطٍ، قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى حَفْصَةَ ابْنَةِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ، فَقُلْتُ: إِنِّي سَائِلُكِ عَنْ أَمْرٍ، وَأَنَا أَسْتَحْيِي أَنْ أَسْأَلَكِ عَنْهُ، قَالَتْ: فَلاَ تَسْتَحْيِ يَا ابْنَ أَخِي، قَالَ: عَنْ إِتْيَانِ النِّسَاءِ فِي أَدْبَارِهِنَّ؟ قَالَتْ: حَدَّثَتْنِي أُمُّ سَلَمَةَ أَنَّ الْأَنْصَارَ كَانُوا لاَ يَجُبُّونَ النِّسَاءَ، وَكَانَتِ الْيَهُودُ تَقُولُ: إِنَّهُ مَنْ جَبَّى امْرَأَتَهُ كَانَ وَلَدُهُ أَحْوَلَ، فَلَمَّا قَدِمَ الْمُهَاجِرُونَ الْمَدِينَةَ نَكَحُوا فِي نِسَاءِ الْأَنْصَارِ فَجَبَّوْهُنَّ، فَأَبَتِ امْرَأَةٌ أَنْ تُطِيعَ زَوْجَهَا، وَقَالَتْ: لَنْ تَفْعَلَ ذَلِكَ حَتَّى آتِيَ رَسُولَ اللهِ ﷺ، فَدَخَلَتْ عَلَى أُمِّ سَلَمَةَ فَذَكَرَتْ لَهَا ذَلِكَ، فَقَالَتْ: اِجْلِسِي حَتَّى يَأْتِيَ رَسُولُ اللهِ ﷺ، فَلَمَّا جَاءَ رَسُولُ اللهِ ﷺ، اِسْتَحْيَتِ الْأَنْصَارِيَّةُ أَنْ تَسْأَلَ رَسُولَ اللهِ ﷺ، فَخَرَجَتْ، فَحَدَّثَتْ أُمُّ سَلَمَةَ رَسُولَ اللهِ ﷺ، فَقَالَ: «ادْعِي الْأَنْصَارِيَّةَ» فَدُعِيَتْ، فَتَلاَ عَلَيْهَا هَذِهِ الْآيَةَ: {نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ} «صِمَامًا وَاحِدًا»[1088]. وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: حَسَنٌ[1089]. [1088] (أحمد:6/305) [1089] (تحفة الأحوذي:8/322) وَرَوَى النَّسَائِيُّ عَنْ كَعْبِ بْنِ عَلْقَمَةَ، عَنْ أَبِي النَّضْرِ، أَنَّهُ أَخْبَرَهُ، أَنَّهُ قَالَ لِنَافِعٍ مَوْلَى ابْنِ عُمَرَ إِنَّهُ قَدْ أُكْثِرَ عَلَيْكَ الْقَوْلُ، إِنَّكَ تَقُولُ عَنِ ابْنِ عُمَرَ: إِنَّهُ أَفْتَى أَنْ تُؤتَى النِّسَاءُ فِي أَدْبَارِهِنَّ، قَالَ: كَذَبُوا عَلَيَّ، وَلَكِنْ سَأُحَدِّثُكَ كَيْفَ كَانَ الْأَمْرُ، إِنَّ ابْنَ عُمَرَ عَرَضَ الْمُصْحَفَ يَوْمًا وَأَنَا عِنْدَهُ حَتَّى بَلَغَ: {نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ} فَقَالَ: يَا نَافِعُ، هَلْ تَعْلَمُ مِنْ أَمْرِ هَذِهِ الْآيَةِ؟ قُلْتُ: لاَ. قَالَ، إِنَّا كُنَّا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ نُجَبِّي النِّسَاءَ، فَلَمَّا دَخَلْنَا الْمَدِينَةَ وَنَكَحْنَا نِسَاءَ الْأَنْصَارِ أَرَدْنَا مِنْهَا مِثْلَ مَا كُنَّا نُرِيدُ، فَإِذَا هُنَّ قَدْ كَرِهْنَ ذَلِكَ وَأَعْظَمْنَهُ، وَكَانَتْ نِسَاءُ الْأَنْصَارِ قَدْ أَخَذْنَ بِحَالِ الْيَهُودِ، إِنَّمَا يُؤْتَيْنَ عَلَى جُنُوبِهِنَّ، فَأَنْزَلَ اللهُ: {نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ} [1090] وَهَذَا إِسْنَادٌ صَحِيحٌ. [1090] (النسائي في الكبرى:5/315) رَوَى أَحْمَدُ عَنْ خُزَيْمَةَ بْنِ ثَابِتٍ الْخَطْمِيِّ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ، قَالَ: «لاَ يَسْتَحْيِى اللهُ مِنَ الْحَقِّ - ثَلاَثًا - لاَ تَأْتُوا النِّسَاءَ فِي أَعْجَازِهِنَّ»[1091]. رَوَاهُ النَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ[1092]. [1091] (أحمد:5/215) [1092] (النسائي في الكبرى:5/316، وابن ماجه:1/619) وَرَوَى أَبُو عِيسَى التِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «لاَ يَنْظُرُ اللهُ إِلَى رَجُلٍ أَتَى رَجُلاً أَوِ امْرَأَةً فِي الدُّبُرِ»[1093]. ثُمَّ قَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ، وَهَكَذَا أَخْرَجَهُ ابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ حَزْمٍ أَيْضًا [1093] (تحفة الأحوذي:4/329ن والنسائي في الكبرى:5/320، وصحيح ابن حبان:6/202) وَرَوَى الْإِمَامُ أَحْمَدُ عَنْ عَلِيِّ بْنِ طَلْقٍ، قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللهِ ﷺ أَنْ تُؤتَى النِّسَاءُ فِي أَدْبَارِهِنَّ، فَإِنَّ اللهَ لاَ يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ[1094]. وَأَخْرَجَهُ أَبُو عِيسَى التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: هُوَ حَدِيثٌ حَسَنٌ[1095]. [1094] (ذكره ابن حجر في أطراف المسند:4/384، ولم يوجد في المطبوع) [1095] (تحفة الأحوذي:4/274) وَرَوَى أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الدَّارَمِيُّ فِي مُسْنَدِهِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ يَسَارٍ أَبِي الْحُبَابِ، قَالَ: قُلْتُ: لاِبْنِ عُمَرَ: مَا تَقُولُ فِي الْجَوَارِي حِينَ أُحَمِّضُ لَهُنَّ؟ قَالَ: وَمَا التَّحْمِيضُ؟ فَذَكَرْتُ الدُّبُرَ، فَقَالَ: وَهَلْ يَفْعَلُ ذَلِكَ أَحَدٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ[1096]؟ وَهَذَا إِسْنَادٌ صَحِيحٌ وَنَصٌّ صَرِيحٌ مِنْه بِتَحْرِيمِ ذَلِكَ. [1096] (الدارمي:1/277،ح1143) وَقَالَ أَبُو بَكْرِ بْنُ زِيَادٍ النَّـيْسَابُورِيُّ: حَدَّثَنِي إِسْمَاعِيلُ ابْنُ حِصْنٍ: حَدَّثَنِي إِسْمَاعِيلُ بْنُ رَوْحٍ، سَأَلْتُ مَالِكَ بْنَ أَنَسٍ: مَا تَقُولُ فِي إِتْيَانِ النِّسَاءِ فِي أَدْبَارِهِنَّ؟ قَالَ: مَا أَنْتُمْ قَوْمٌ عَرَبٌ؛ هَلْ يَكُونُ الْحَرْثُ إِلاَّ مَوْضِعَ الزَّرْعِ؟ لاَ تَعْدُوا الْفَرْجَ، قُلْتُ: يَا أَبَا عَبْدِ اللهِ، إِنَّهُمْ يَقُولُونَ: إِنَّكَ تَقُولُ ذَلِكَ. قَالَ: يَكْذِبُونَ عَلَيَّ يَكْذِبُونَ عَلَيَّ. فَهَذَا هُوَ الثَّابِتُ عَنْهُ، وَهُوَ قَوْلُ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ وَأَبِي سَلَمَةَ وَعِكْرِمَةَ وَطَاوُسٍ وَعَطَاءٍ وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ وَعُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، وَمُجَاهِدِ بْنِ جَبْرٍ وَالْحَسَنِ، وَغَيْرِهِمْ مِنَ السَّلَفِ: إِنَّهُمْ أَنْكَرُوا ذَلِكَ أَشَدَّ الْإِنْكَارِ، وَمِنْهُمْ مِنْ يُطْلِقُ عَلَى فَاعِلِهِ الْكُفْرَ، وَهُوَ مَذْهَبُ جُمْهُورِ الْعُلَمَاءِ. وَقَوْلُهُ: {وَقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ} أَيْ مِنْ فِعْلِ الطَّاعَاتِ مَعَ امْتِثَالِ مَا نَهَاكُمْ عَنْهُ مِنْ تَرْكِ الْمُحَرَّمَاتِ، وَلِهَذَا قَالَ: {وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ مُلاَقُوهُ} أَيْ فَيُحَاسِبُكُمْ عَلَى أَعْمَالِكُمْ جَمِيعِهَا {وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ} أَيِ الْمُطِيعِينَ اللهَ فِيمَا أَمَرَهُمْ، اَلتَّارِكِينَ مَا عَنْهُ زَجَرَهُمْ. وَرَوَى ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ عَطَاءٍ، قَالَ: أَرَاهُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ {وَقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ} قَالَ: تَقُولُ: «بِاسْمِ اللهِ» التَّسْمِيَةَ عِنْدَ الْجِمَاعِ[1097]. وَقَدْ ثَبَتَ فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «لَوْ أَنَّ أَحَدَكُمْ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَأْتِيَ أَهْلَهُ قَالَ: بِاسْمِ اللهِ، اللَّهُمَّ جَنِّبْنَا الشَّيْطَانَ وَجَنِّبِ الشَّيْطَانَ مَا رَزَقْتَنَا، فَإِنَّهُ إِنْ يُقَدَّرْ بَيْنَهُمَا وَلَدٌ فِي ذَلِكَ، لَمْ يَضُرَّهُ الشَّيْطَانُ أَبَدًا»[1098]. [1097] (الطبري:4/417) [1098] (فتح الباري:9/136) {وَلاَ تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمَانِكُمْ أَنْ تَبَرُّوا وَتَتَّقُوا وَتُصْلِحُوا بَيْنَ النَّاسِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ *لاَ يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ} [اَلنَّهْيُ عَنِ الْيَمِينِ بِتَرْكِ الْأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ] يَقُولُ تَعَالَى: لاَ تَجْعَلُوا أَيْمَانَكُمْ بِاللهِ تَعَالَى مَانِعَةً لَكُمْ مِنَ الْبِرِّ وَصِلَةِ الرَّحِمِ إِذَا حَلَفْتُمْ عَلَى تَرْكِهَا، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَلاَ يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلاَ تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ} [النور: 22] فَالاِسْتِمْرَارُ عَلَى الْيَمِينِ آثَمُ لِصَاحِبِهَا مِنَ الْخُرُوجِ مِنْهَا بِالتَّكْفِيرِ، كَمَا رَوَى الْبُخَارِيُّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «نَحْنُ الاْخِرُونَ السَّابِقُون يَوْمَ الْقِيَامَةِ»[1099]، وَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «وَاللهِ لَأَنْ يَلِجَّ أَحَدُكُمْ بِيَمينِهِ فِي أَهْلِهِ، آثَمُ لَهُ عِنْدَ اللهِ مِنْ أَنْ يُعْطِيَ كَفَّارَتَهُ الَّتِي افْتَرَضَ اللهُ عَلَيْهِ»، وَهَكَذَا رَوَاهُ مُسْلِمٌ[1100] وَأَحْمَدُ[1101]. [1099] (فتح الباري:12/441) [1100] (مسلم:3/1276) [1101] (أحمد:2/317) وَقَالَ عَلِيُّ بْنُ [أَبِي] طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ: {وَلاَ تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمَانِكُمْ} قَالَ: لاَ تَجْعَلَنَّ عُرْضَةً لِيَمِينِكَ أَنْ لاَ تَصْنَعَ الْخَيْرَ، وَلَكِنْ كَفِّرْ عَنْ يَمِينِكَ وَاصْنَعِ الْخَيْرَ[1102]. وَكَذَا قَالَ مَسْرُوقٌ وَالشَّعْبِيُّ وَإِبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ وَمُجَاهِدٌ وَطَاوُسٌ وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وَعَطَاءٌ وَعِكْرِمَةُ وَمَكْحُولٌ وَالزُّهْرِيُّ وَالْحَسَنُ وَقَتَادَةُ وَمُقَاتِلُ بْنُ حَيَّانَ، وَالرَّبِيعُ بْنُ أَنَسٍ وَالضَّحَّاكُ وَعَطَاءٌ الْخُرَاسَانِيُّ وَالسُّدِّيُّ رَحِمَهُمُ اللهُ[1103]. [1102] (الطبري:4/422) [1103] (ابن أبي حاتم غ:2/700-702) وَيُؤَيِّدُ مَا قَالَهُ هَؤُلاَءِ الْجُمْهُورُ مَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «إِنِّي وَاللهِ إِنْ شَاءَ اللهُ، لاَ أَحْلِفُ عَلَى يَمِينٍ فَأَرَى غَيْرَهَا خَيْرًا مِنْهَا، إِلاَّ أَتَيْتُ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ وَتَحَلَّلْتُهَا»[1104]. وَرَوَى مُسْلِمٌ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ، قَالَ: «مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِين فَرَأَى غَيْرَهَا خَيْرًا مِنْهَا فَلْيُكَفِّرْ عَنْ يَمِينِهِ، وَلْيَفْعَلِ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ».[1105]. [1104] (فتح الباري:11/525، ومسلم:3/1268) [1105] (مسلم:3/1272) [لَغْوُ الْيَمِينِ] وَقَوْلُهُ: {لاَ يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ} أَيْ لاَ يُعَاقِبُكُمْ وَلاَ يَلْزَمُكُمْ بِمَا صَدَرَ مِنْكُمْ مِنَ الْأَيْمَانِ اللاَّغِيَةِ، وَهِيَ الَّتِي لاَ يَقْصُدُهَا الْحَالِفُ، بَلْ تَجْرِي عَلَى لِسَانِهِ عَادَةً مِنْ غَيْرِ تَعْقِيدٍ وَلاَ تَأْكِيدٍ، كَمَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ، قَالَ: «مَنْ حَلَفَ فَقَالَ فِي حَلِفِهِ: بِاللاَّتِ وَالْعُزّْى، فَلْيَقُلْ: لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ»[1106]. فَهَذَا قَالَهُ لِقَوْمٍ حَدِيثِي عَهْدٍ بِجَاهِلِيَّةٍ، قَدْ أَسْلَمُوا، وَأَلْسِنَتُهُمْ قَدْ أَلِفَتْ مَا كَانَتْ عَلَيْهِ مِنَ الْحَلِفِ بِاللاَّتِ مِنْ غَيْرِ قَصْدٍ، فَأُمِرُوا أَن يَتَلَفَّظُوا بِكَلمِةِ الْإِخْلاَصِ كَمَا تَلَفَّظُوا بِتِلْكَ الْكَلِمَةِ مِنْ غَيْرِ قَصْدٍ، لِتَكُونَ هَذِهِ بِهَذِهِ، وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى: {وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ}... الْآيَةَ، وَفِي الْآيَةِ الْأُخْرى {بِمَا عَقَّدْتُّمُ الأَيْمَانَ} [المائدة:98]. [1106] (فتح الباري:11/545، ومسلم:2/1268) قَالَ أَبُو دَاوُدَ: (بَابُ لَغْوِ الْيَمِينِ) ثُمَّ رَوَى عَنْ عَطَاءٍ فِي اللَّغْوِ فِي الْيَمِينِ، قَالَ: قَالَتْ عَائِشَةُ: إِنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «اللَّغْوُ فِي الْيَمِينِ هُوَ كَلاَمُ الرَّجُلِ فِي بَيْتِهِ: كَلاَّ وَاللهِ، وَبَلَى وَاللهِ»[1107]. [1107] (أبو داود:3/572) وَرَوَى ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: لَغْوُ الْيَمِينِ أَنْ تَحْلِفَ وَأَنْتَ غَضْبَانُ[1108] [1108] (ابن أبي حاتم غ:2/716) وَرَوَى أَيْضًا عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: لَغْوُ الْيَمِينِ أَنْ تُحَرِّمَ مَا أَحَلَّ اللهُ لَكَ، فَذَلِكَ مَا لَيْسَ عَلَيْكَ فِيهِ كَفَّارَةٌ[1109]. وَكَذا رُوِيَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ[1110]. [1109] (ابن أبي حاتم غ:2/715) [1110] (ابن أبي حاتم غ:2/715) وَقَالَ أَبُو دَاوُدَ: (بَابُ الْيَمِينِ فِي الْغَضَبِ) ثُمَّ رَوَى عَنْ سَعِيدِ ابْنِ الْمُسَيَّبِ: أَنَّ أَخَوَيْنِ مِنَ الْأَنْصَارِ كَانَ بَيْنَهُمَا مِيرَاثٌ، فَسَأَلَ أَحَدُهُمَا صَاحِبَهُ الْقِسْمَةَ، فَقَالَ: إِنْ عُدْتَ تَسْأَلُنِي عَنِ الْقِسْمَةِ فَكُلُّ مَالِي فِي رِتَاجِ الْكَعْبَةِ، فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: إِنَّ الْكَعْبَةَ غَنِيَّةٌ عَنْ مَالِكَ، كَفِّرْ عَنْ يَمِينِكَ، وَكَلِّمْ أَخَاكَ، سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: «لاَ يَمِينَ عَلَيْكَ، وَلاَ نَذْرَ فِي مَعْصِيَةِ الرَّبِّ عَزَّ وَجَلَّ، وَفِي قَطِيعَةِ الرَّحِمِ، وَفِيمَا لاَ تَمْلِكُ»[1111]. [1111] (أبو داود:3/581) وَقَوْلُهُ: {وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ} قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَمُجَاهِدٌ وَغَيْرُ وَاحِدٍ: هُوَ أَن يَحْلِفَ عَلَى الشَّيْءِ وَهُوَ يَعْلَمُ أَنَّهُ كَاذِبٌ، قَالَ مُجَاهِدٌ وَغَيْرُهُ، وَهِيَ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُّمُ الأَيْمَانَ}... الْآيَةَ [المائدة: 89]. {وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ} أَيْ َغَفُورٌ لِعِبَادِهِ حَلِيمٌ عَلَيْهِمْ. {لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ *وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلاَقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} [الْإِيـلاَءُ وَحُكْمُـهُ] الْإِيلاَءُ: الْحَلِفُ، فَإِذَا حَلَفَ الرَّجُلُ أَن لاَ يُجَامِعَ زَوْجَتَهُ مُدَّةً، فَلاَ يَخْلُو إِمَّا أَن يَكُونَ أَقَلَّ مِنْ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ أَوْ أَكْثَرَ مِنْهَا، فَإِنْ كَانَتْ أَقَلَّ، فَلَهُ أَن يَنْتَظِرَ انْقِضَاءَ الْمُدَّةِ ثُمَّ يُجَامِعَ امْرَأَتَهُ، وَعَلَيْهَا أَنْ تَصْبِرَ، وَلَيْسَ لَهَا مُطَالَبَتُهُ بِالْفَيْئَةِ فِي هَذِهِ الْمُدَّةِ، وَهَذَا كَمَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ، آلَى مِنْ نِسَائِهِ شَهْرًا، فَنَزَلَ لِـتِسْعٍ وَعِشْرِينَ، وَقَالَ: «الشَّهْرُ تِسْعٌ وَعِشْرُونَ»[1112]. وَلَهُمَا عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ نَحْوُهُ[1113]. فَأَمَّا إِنْ زَادَتِ الْمُدَّةُ عَلَى أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَلِلزَّوْجَةِ مُطَالَبَةُ الزَّوْجِ عِنْدَ انْقِضَاءِ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ، إِمَّا أَن يَفِيءَ أَيْ يُجَامِعَ، وَإِمَّا أَن يُطَلِّقَ، فَيُجْبِرَهُ الْحَاكِمُ عَلَى هَذَا، وَهَذَا لِئَلاَّ يَضُرَّ بِهَا، وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى: {لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ} أَيْ: يَحْلِفُونَ عَلَى تَرْكِ الْجِمَاعِ مِنْ نِسَائِهِمْ. وَفِيهِ دَلاَلَةٌ عَلَى أَنَّ الْإِيلاَءَ يَخْتَصُّ بِالزَّوْجَاتِ دُونَ الْإِمَاءِ، كَمَا هُوَ مَذْهَبُ الْجُمْهُورِ {تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ} أَيْ يَنْتَظِرُ الزَّوْجُ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ مِنْ حِينِ الْحَلِفِ، ثُمَّ يُوقَفُ وَيُطَالَبُ بِالْفَيْئَةِ أَوِ الطَّلاَقِ، وَلِهَذَا قَالَ: {فَإِنْ فَاءُوا} أَيْ رَجَعُوا إِلَى مَا كَانُوا عَلَيْهِ، وَهُوَ كِنَايَةٌ عَنِ الْجِمَاعِ. قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ وَمَسْرُوقٌ وَالشَّعْبِيُّ وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وَغَيْرُ وَاحِدٍ. وَمِنْهُمُ ابْنُ جَرِيرٍ رَحِمَهُ اللهُ[1114]. {فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} لِمَا سَلَفَ مِنَ التَّقْصِيرِ فِي حَقِّهِنَّ بِسَبَبِ الْيَمِينِ. [1112] (فتح الباري:8/380، ومسلم:2/1113) [1113] (فتح الباري:4/143، ومسلم:2/1110) [1114] (الطبري:4/467،466) وَقَوْلُهُ: {وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلاَقَ} فِيهِ دَلاَلَةٌ عَلَى أَنَّ الطَّلاَقَ لاَ يَقَعُ بِمُجَرَّدِ مُضِيِّ الْأَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ، كَمَا رَوَى مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّهُ قَالَ: إِذَا آلَى الرَّجُلُ مِنِ امْرَأَتِهِ لَمْ يَقَعْ عَلَيْهِ طَلاَقٌ وَإِنْ مَضَتْ أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ، حَتَّى يُوقَفَ، فَإِمَّا أَن يُطَلِّقَ وَإِمَّا أَنْ يَفِيءَ[1115]. وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ[1116]. وَرَوَى ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ سُهَيْلِ ابْنِ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: سَأَلْتُ اثْنَيْ عَشَرَ رَجُلاً مِنَ الصَّحَابَةِ عَنِ الرَّجُلِ يُولِي مِنِ امْرَأَتِهِ، فَكُلُّهُمْ يَقُولُ: لَيْسَ عَلَيْهِ شَيْءٌ حَتَّى تَمْضِيَ أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ فَيُوقَفُ، فَإِنْ فَاءَ وَإِلاَّ طَلَّقَ[1117]. وَرَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ مِنْ طَرِيقِ سُهَيْلٍ[1118]. [1115] (الموطأ:2/556) [1116] (فتح الباري:9/335) [1117] (الطبري:4/493) [1118] (الدارقطني:4/61) (قُلْتُ) وَهُوَ يُرْوَى عَنْ عُمَرَ وَعُثْمَانَ وَعَلِيٍّ وَأَبِي الدَّرْدَاءِ وَعَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤمِنِينَ، وَابْنِ عُمَرَ وَابْنِ عَبَّاسٍ، وَبِهِ يَقُولُ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ وَعُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ، وَمُجَاهِدٌ وَطَاوُسٌ وَمُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ وَالْقَاسِمُ {وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاَثَةَ قُرُوءٍ وَلاَ يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ إِنْ كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ إِنْ أَرَادُوا إِصْلاَحًا وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} [بَيَانُ عِدَّةِ الْمُطَلَّقَةِ] هَذَا أَمْرٌ مِنَ اللهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى لِلْمُطَلَّقَاتِ الْمَدْخُولِ بِهِنَّ مِنْ ذَوَاتِ الْأَقْرَاءِ، بِأَن يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاَثَةَ قُرُوءٍ، أَيْ بِأَنْ تَمْكُثَ إِحْدَاهُنَّ بَعْدَ طَلاَقِ زَوْجِهَا لَهَا ثَلاَثَةَ قُرُوءٍ، ثُمَّ تَتَزَوَّجَ إِنْ شَاءَتْ. [مَعْنَى الْقَرْءِ] رَوَى الثَّوْرِيُّ عَنْ عَلْقَمَةَ قَالَ: كُنَّا عِنْدَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ فَجَاءَتْهُ امْرَأَةٌ فَقَالَتْ: إِنَّ زَوْجِي فَارَقَنِي بِوَاحِدَةٍ أَوِ اثْنَتَيْنِ، فَجَاءَنِي وَقَدْ وَضَعْتُ مَائِي وَنَزَعْتُ ثِيَابِي وَأَغْلَقْتُ بَابِي، فَقَالَ عُمَرُ لِعَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ: مَا تَرَى؟ قَالَ: أَرَاهَا امْرَأَتَهُ مَا دُونَ أَنْ تَحِلَّ لَهَا الصَّلاَةُ، قَالَ عُمَرُ: وَأَنَا أَرَى ذَلِكَ[1119]. وَهَكَذَا رُوِيَ عَنْ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ وَعُمَرَ وَعُثْمَانَ وَعَلِيٍّ، وَأَبِي الدَّرْدَاءِ وَعُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ، وَأَنَسِ بْنِ مَالِكٍ وَابْنِ مَسْعُودٍ وَمُعَاذٍ، وَأُبَيِّ ابْنِ كَعْبٍ وَأَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ وَابْنِ عَبَّاسٍ وَسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ وَعَلْقَمَةَ وَالْأَسْوَدِ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُجَاهِدٍ وَعَطَاءٍ وَطَاوُسٍ وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ وَعِكْرِمَةَ وَمُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ وَالْحَسَنِ وَقَتَادَةَ وَالشَّعْبِيِّ وَالرَّبِيعِ وَمُقَاتِلِ ابْنِ حَيَّانَ وَالسُّدِّيِّ وَمَكْحُولٍ وَالضَّحَّاكِ وَعَطَاءٍ الْخُرَاسَانِيِّ أَنَّهُمْ قَالُوا: الْأَقْرَاءُ الْحِيَضُ. وَيُؤَيِّدُ هَذَا مَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ الَّذِي رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ عَنْ فَاطِمَةَ بِنْتِ أَبِي حُبَيْشٍ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ لَهَا: «دَعِي الصَّلاَةَ أَيَّامَ أَقْرَائِكِ»[1120]. فَهَذَا لَوْ صَحَّ لَكَانَ صَرِيحًا فِي أَنَّ الْقَرْءَ هُوَ الْحَيْضُ، وَلَكِنَّ الْمُنْذِرَ - أَحَدَ رُوَاتِهِ - قَالَ فِيهِ أَبُو حَاتِمٍ: مَجْهُولٌ لَيْسَ بِمَشْهُورٍ، وَذَكَرَهُ ابْنُ حِبَّانَ فِي الثِّقَاتِ. [1119] (الطبري:4/502) [1120] (أبو داود:1/191، والنسائي:6/211) [يُقْبَلُ كَلاَمُ النِّسَاءِ فِي الْحَيْضِ وَالطُّهْرِ] وَقَوْلُهُ: {وَلاَ يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ} أَيْ مِنْ حَبَلٍ أَوْ حَيْضٍ. قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ وَابْنُ عُمَرَ، وَمُجَاهِدٌ وَالشَّعْبِيُّ وَالْحَكَمُ بْنُ عُتَيْبَةَ، وَالرَّبِيعُ بْنُ أَنَسٍ، وَالضَّحَّاكُ وَغَيْرُ وَاحِدٍ[1121]. وَقَوْلُهُ: {إِنْ كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ} تَهْدِيدٌ لَهُنَّ عَلَى خِلاَفِ الْحَقِّ، وَدَلَّ هَذَا عَلَى أَنَّ الْمَرْجِعَ فِي هَذَا إِلَيْهِنَّ، لِأَنَّهُ أَمْرٌ لاَ يُعْلَمُ إِلاَّ مِنْ جِهَتِهِنَّ، وَتَتَعَذَّرُ إِقَامَةُ الْبَيِّنَةِ غَالِبًا عَلَى ذَلِكَ، فَرُدَّ الْأَمْرُ إِلَيْهِنَّ، وَتُوُعِّدْنَ فِيهِ لِئَلاَّ يُخْبِرْنَ بِغَيْرِ الْحَقِّ، إِمَّا اسْتِعْجَالاً مِنْهَا لاِنْقِضَاءِ الْعِدَّةِ أَوْ رَغْبَةً مِنْهَا فِي تَطْوِيلِهَا لِمَا لَهَا فِي ذَلِكَ مِنَ الْمَقَاصِدِ، فَأُمِرَتْ أَنْ تُخْبِرَ بِالْحَقِّ فِي ذَلِكَ، مِنْ غَيْرِ زِيَادَةٍ وَلاَ نُقْصَانٍ. [1121] (ابن أبي حاتم غ:2/745،744) [اَلزَّوْجُ أَحَقُّ بِالرَّجْعَةِ] وَقَوْلُهُ: {وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ إِنْ أَرَادُوا إِصْلاَحًا} أَيْ وَزَوْجُهَا الَّذِي طَلَّقَهَا أَحَقُّ بِرَدِّهَا، مَا دَامَتْ فِي عِدَّتِهَا، إِذَا كَانَ مُرَادُهُ بِرَدِّهَا الْإِصْلاَحَ وَالْخَيْرَ، وَهَذَا فِي الرَّجْعِيَّاتِ، فَأَمَّا الْمُطَلَّقَاتُ الْبَوَائِنُ، فَلَمْ يَكُنْ حَالَ نُزُولِ هَذِهِ الْآيَةِ مُطَلَّقَةٌ بَائِنٌ، وَإِنَّمَا صَارَ ذَلِكَ لَمَّا حُصِرُوا فِي الطَّلَقَاتِ الثَّلاَثِ، فَأَمَّا حَالَ نُزُولِ هَذِهِ الْآيَةِ، فَكَانَ الرَّجُلُ أَحَقَّ بِرَجْعَةِ امْرَأَتِهِ وَإِنْ طَلَّقَهَا مِائَةَ مَرَّةٍ، فَلَمَّا قُصِرُوا فِي الْآيَةِ الَّتِي بَعْدَهَا عَلَى ثَلاَثِ تَطْلِيقَاتٍ، صَارَ لِلنَّاسِ مُطَلَّقَةٌ بَائِنٌ، وَغَيْرُ بَائِنٍ. [حُقُـوقُ الزَّوْجَـيْنِ] وَقَوْلُهُ: {وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ} أَيْ وَلَهُنَّ عَلَى الرِّجَالِ مِنَ الْحَقِّ مِثْلُ مَا لِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ، فَلْيُؤَدِّ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا إِلَى الاْخَرِ، مَا يَجِبُ عَلَيْهِ بِالْمَعْرُوفِ، كَمَا ثَبَتَ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ جَابِرٍ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ، قَالَ فِي خُطْبَتِهِ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ: «فَاتَّقُوا اللهَ فِي النِّسَاءِ، فَإِنَّكُمْ أَخَذْتُمُوهُنَّ بِأَمَانَةِ اللهِ، وَاسْتَحْلَلْتُمْ فُرُوجَهُنَّ بِكَلِمَةِ اللهِ، وَلَكُمْ عَلَيْهِنَّ أَنْ لاَ يُوطِئْنَ فُرُشَكُمْ أَحَدًا تَكْرَهُونَهُ، فَإِنْ فَعَلْنَ ذَلِكَ فَاضْرِبُوهُنَّ ضَرْبًا غَيْرَ مُبَرِّحٍ، وَلَهُنَّ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ»[1122]. وَفِي حَدِيثِ بَهْزِ بْنِ حَكِيمٍ عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ حَيْدَةَ الْقُشَيْرِيِّ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ أَنَّهُ قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، مَا حَقُّ زَوْجَةِ أَحَدِنَا؟ قَالَ: «أَنْ تُطْعِمَهَا إِذَا طَعِمْتَ، وَتَكْسُوَهَا إِذَا اكْتَسَيْتَ، وَلاَ تَضْرِبِ الْوَجْهَ، وَلاَ تُقَبِّحْ، وَلاَ تَهْجُرْ إِلاَّ فِي الْبَيْتِ»[1123]. [1122] (مسلم:2/886) [1123] (أبو داود:2/606) وَقَالَ وَكِيعٌ عَنْ بَشِيرِ بْنِ سُلَيْمَانَ، عَنْ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: إِنِّي لَأُحِبُّ أَنْ أَتَزَيَّنَ لِلْمَرْأَةِ كَمَا أُحِبُّ أَنْ تَتَزَيَّنَ لِيَ الْمَرْأَةُ، لِأَنَّ اللهَ يَقُولُ: {وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ}. رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ[1124]. [1124] (الطبري:4/532، وابن أبي حاتم غ:2/750، ابن أبي شيبه:19608) [فَضْلُ الرِّجَالِ عَلَى النِّسَاءِ] وَقَوْلُهُ: {وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ} أَيْ فِي الْفَضِيلَةِ فِي الْخَلْقِ وَالْخُلُقِ، وَالْمَنْزِلَةِ، وَطَاعَةِ الْأَمْرِ وَالْإِنْفَاقِ، وَالْقِيَامِ بِالْمَصَالِحِ وَالْفَضْلِ فِي الدُّنْيَا وَالاْخِرَةِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: {الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ} [النساء:34]. وَقَوْلُهُ: {وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} أَيْ عَزِيزٌ فِي انْتِقَامِهِ مِمَّنْ عَصَاهُ وَخَالَفَ أَمْرَهُ، حَكِيمٌ فِي أَمْرِهِ وَشَرْعِهِ وَقَدَرِهِ. {اَلطَّلاَقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ وَلاَ يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلاَّ أَنْ يَخَافَا أَلاَّ يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلاَ تَعْتَدُوهَا وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ *فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلاَ تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يَتَرَاجَعَا إِنْ ظَنَّا أَنْ يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ يُبَيِّنُهَا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ} [قَصْرُ الطَّلَقَاتِ عَلَى الثَّلاَثِ، وَبَيَانُ الرَّجْعِيَّةِ وَالْبَائِنَةِ] هَذَهِ الْآيَةُ الْكَرِيمَةُ رَافِعَةٌ لِمَا كَانَ عَلَيْهِ الْأَمْرُ فِي ابْتِدَاءِ الْإِسْلاَمِ مِنْ أَنَّ الرَّجُلَ كَانَ أَحَقَّ بِرَجْعَةِ امْرَأَتِهِ وَإِنْ طَلَّقَهَا مِائَةَ مَرَّةٍ، مَا دَامَتْ فِي الْعِدَّةِ، فَلَمَّا كَانَ هَذَا فِيهِ ضَرَرٌ عَلَى الزَّوْجَاتِ قَصَرَهُمُ اللهُ إِلَى ثَلاَثِ طَلَقَاتٍ، وَأَبَاحَ الرَّجْعَةَ فِي الْمَرَّةِ وَالثِّنْتَيْنِ، وَأَبَانَهَا بِالْكُلِّيَّةِ فِي الثَّالِثَةِ، فَقَالَ: {اَلطَّلاَقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ}. قَالَ أَبُو دَاوُدَ رَحِمَهُ اللهُ فِي سُنَنِهِ: (بَابُ نَسْخِ الْمُرَاجَعَةِ بَعْدَ الطَّلَقَاتِ الثَّلاَثِ): ثُمَّ رَوَى عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ {وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاَثَةَ قُرُوءٍ وَلاَ يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ}... الْآيَةَ، وَذَلِكَ أَنَّ الرَّجُلَ كَانَ إِذَا طَلَّقَ امْرَأَتَهُ فَهُوَ أَحَقُّ بِرَجْعَتِهَا وَإِنْ طَلَّقَهَا ثَلاَثًا، فَنَسَخَ ذَلِكَ فَقَالَ: {اَلطَّلاَقُ مَرَّتَانِ}... الْآيَةَ[1125]. وَرَوَاهُ النَّسَائِيُّ[1126]. وَرَوَى ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ عَنْ عُرْوَةَ، أَنَّ رَجُلاً قَالَ لاِمْرَأَتِهِ: لاَ أُطَلِّقُكِ أَبَدًا، وَلاَ آوِيكِ أَبَدًا. قَالَتْ: وَكَيْفَ ذَلِكَ؟ قَالَ: أُطَلِّقُكِ حَتَّى إِذَا دَنَا أَجَلُكِ رَاجَعْتُكِ، فَأَتَتْ رَسُولَ اللهِ ﷺ، فَذَكَرَتْ ذَلِكَ لَهُ، فَأَنْزَلَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ: {اَلطَّلاَقُ مَرَّتَانِ} [1127]. وَهَكَذَا رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ فِي تَفْسِيرِهِ[1128]. [1125] (أبو داود:2/644) [1126] (النسائي:6/212) [1127] (ابن أبي حاتم غ:2/754) [1128] (الطبري:4/539) وَقَوْلُهُ: {فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ} أَيْ إِذَا طَلَّقْتَهَا وَاحِدَةً أَوِ اثْنَتَيْنِ فَأَنْتَ مُخَيَّرٌ فِيهَا، مَا دَامَتْ عِدَّتُهَا بَاقِيَةً، بَيْنَ أَنْ تَرُدَّهَا إِلَيْكَ، نَاوِيًا الْإِصْلاَحَ بِهَا وَالْإِحْسَانَ إِلَيْهَا، وَبَيْنَ أَنْ تَتْرُكَهَا حَتَّى تَنْقَضِيَ عِدَّتُهَا، فَتَبِينَ مِنْكَ، أَوْ تُطْلِقَ سَرَاحَهَا مُحْسِنًا إِلَيْهَا، لاَ تَظْلِمْهَا مِنْ حَقِّهَا شَيْئًا وَلاَ تُضَارَّ بِهَا. وَقَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: إِذَا طَلَّقَ الرَّجُلُ امْرَأَتَهُ تَطْلِيقَتَيْنِ، فَلْيَتَّقِ اللهَ فِي ذَلِكَ، أَيْ فِي الثَّالِثَةِ، فَإِمَّا أَنْ يُمْسِكَهَا بِمَعْرُوفٍ فَيُحْسِنَ صَحَابَتَهَا، أَوْ يُسَرِّحَهَا بِإِحْسَانٍ فَلاَ يَظْلِمْهَا مِنْ حَقِّهَا شَيْئًا[1129]. [1129] (الطبري:4/543) [اَلنَّهْيُ عَنِ اسْتِرْجَاعِ الْمَهْرِ] وَقَوْلُهُ: {وَلاَ يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا} أَيْ لاَ يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تُضَاجِرُوهُنَّ وَتُضَيِّقُوا عَلَيْهِنَّ، لِيَفْتَدِينَ مِنْكُمْ بِمَا أَعْطَيْتُمُوهُنَّ مِنَ الْأَصْدِقَةِ أَوْ بِبَعْضِهِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: {وَلاَ تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ إِلاَّ أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ} [النساء:19] فَأَمَّا إِنْ وَهَبَتْهُ الْمَرْأَةُ شَيْئًا عَنْ طِيبِ نَفْسٍ مِنْهَا فَقَدْ قَالَ تَعَالَى: {فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا} [النساء:4]. [الْإِذْنُ بِالْخُلْعِ وَاسْتِرْجَاعُ الْمَهْرِ فِيهِ] وَأَمَّا إِذَا تَشَاقَقَ الزَّوْجَانِ، وَلَمْ تَقُمِ الْمَرْأَةُ بِحُقُوقِ الرَّجُلِ، وَأَبْغَضَتْهُ، وَلَمْ تَقْدِرْ عَلَى مُعَاشَرَتِهِ، فَلَهَا أَنْ تَفْتَدِيَ مِنْهُ بِمَا أَعْطَاهَا، وَلاَ حَرَجَ عَلَيْهَا فِي بَذْلِهَا لَهُ، وَلاَ حَرَجَ عَلَيْهِ فِي قَبُولِ ذَلِكَ مِنْهَا، وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى: {وَلاَ يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلاَّ أَنْ يَخَافَا أَلاَّ يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ}... الْآيَةَ. فَأَمَّا إِذَا لَمْ يَكُنْ لَهَا عُذْرٌ، وَسَأَلَتِ الاِفْتِدَاءَ مِنْهُ، فَقَدْ رَوَى ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ ثَوْبَانَ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ، قَالَ: «أَيُّمَا امْرَأَةٍ سَأَلَتْ زَوْجَهَا طَلاَقًا فِي غَيْرِ مَا بَأْسٍ، فَحَرَامٌ عَلَيْهَا رَائِحَةُ الْجَنَّةِ»[1130]. وَهَكَذَا رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: حَسَنٌ[1131]. [1130] (الطبري:4/569) [1131] (تحفة الأحوذي:4/367) وَقَدْ ذَكَرَ ابْنُ جَرِيرٍ رَحِمَهُ اللهُ أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ نَزَلَتْ فِي شَأْنِ ثَابِتِ بْنِ قَيْسِ بْنِ شَمَّاسٍ وَامْرَأَتِهِ حَبِيبِةَ بِنْتِ عَبْدِ اللهِ ابْنِ أُبَيٍّ ابْنِ سَلُولَ[1132]. وَرَوَى الْإِمَامُ مَالِك فِي مُوَطَّأِهِ عَنْ حَبِيبَةَ بِنْتِ سَهْلٍ الْأَنْصَارِيَّةِ، أَنَّهَا كَانَتْ تَحْتَ ثَابِتِ بْنِ قَيْسِ بْنِ شَمَّاسٍ، وَأَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ، خَرَجَ إِلَى الصُّبْحِ، فَوَجَدَ حَبِيبَةَ بِنْتَ سَهْلٍ عِنْدَ بَابِهِ فِي الْغَلَسِ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «مَنْ هَذِهِ؟» قَالَتْ: أَنَا حَبِيبَةُ بِنْتُ سَهْلٍ يَا رَسُولَ اللهِ. «قَالَ: مَا شَأْنُكِ»؟ فَقَالَتْ: لاَ أَنَا وَلاَ ثَابِتُ بْنُ قَيْسٍ - لِزَوْجِهَا - فَلَمَّا جَاءَ زَوْجُهَا ثَابِتُ بْنُ قَيْسٍ قَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «هَذِهِ حَبِيبَةُ بِنْتُ سَهْلٍ قَدْ ذَكَرَتْ مَا شَاءَ اللهُ أَنْ تَذْكُرَ». فَقَالَتْ حَبِيبَةُ: يَا رَسُولَ اللهِ كُلُّ مَا أَعْطَانِي عِنْدِي، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «خُذْ مِنْهَا»، فَأَخَذَ مِنْهَا وَجَلَسَتْ فِي بَيْتِ أَهْلِهَا[1133]. وَهكَذَا رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ[1134]، وَأَبُو دَاوُدَ[1135] وَالنَّسَائِيُّ[1136]. [1132] (الطبري:4/556) [1133] (الموطأ:2/564) [1134] (أحمد:6/433) [1135] (أبو داود:2/667) [1136] (النسائي:6/169) وَرَوَى الْبُخَارِيُّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّ امْرَأَةَ ثَابِتِ بْنِ قَيْسِ بْنِ شَمَّاسٍ أَتَتِ النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ مَا أَعْتِبُ عَلَيْهِ فِي خُلُقٍ وَلاَ دِينٍ، وَلَكِنِّي أَكْرَهُ الْكُفْرَ فِي الْإِسْلاَمِ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «أَتَرُدِّينَ عَلَيْهِ حَدِيقَتَهُ؟» قَالَتْ: نَعَمْ، قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «اقْبَلِ الْحَدِيقَةَ وَطَلِّقْهَا تَطْلِيقَةً»[1137]. وَكَذَا رَوَاهُ النَّسَائِيُّ[1138]. [1137] (فتح الباري:9/306) [1138] (النسائي:6/169) [عـِـدَّةُ الْمُخْتَلِعـَـةِ] رَوَى التِّرْمِذِيُّ عَنِ الرُّبَيِّعِ بِنْتِ مُعَوِّذِ بْنِ عَفْرَاءَ، أَنَّهَا اخْتَلَعَتْ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ ﷺ، فَأَمَرَهَا النَّبِيُّ ﷺ، أَوْ أُمِرَتْ أَنْ تَعْتَدَّ بِحَيْضَةٍ[1139]. [1139] (تحفة الأحوذي:4/363) [اِعْتِدَاءُ حُدُودِ اللهِ ظُلْمٌ] وَقَوْلُهُ: {تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلاَ تَعْتَدُوهَا وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ} أَيْ هَذِهِ الشَّرَائِعُ الَّتِي شَرَعَهَا لَكُمْ هِيَ حُدُودُهُ فَلاَ تَتَجَاوَزُوهَا، كَمَا ثَبَتَ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ: «إِنَّ اللهَ حَدَّ حُدُودًا فَلاَ تَعْتَدُوهَا، وفَرَضَ فَرَائِضَ فَلاَ تُضَيِّعُوهَا، وَحَرَّمَ مَحَارِمَ فَلاَ تَنْتَهِكُوهَا، وَسَكَتَ عَنْ أَشْيَاءَ رَحْمَةً لَكُمْ مِنْ غَيْرِ نِسْيَانٍ فَلاَ تَسْأَلُوا عَنْهَا»[1140]. [1140] (الدارقطني:4/298) [اَلطَّلَقَاتُ الثَّلاَثُ فِي مَجْلِسٍ وَاحِدٍ حَرَامٌ] وَقَدِ اسْتُدِلَّ بِهَذِهِ الْآيَةِ عَلَى أَنَّ جَمْعَ الطَّلَقَاتِ الثَّلاَثِ بِكَلِمَةٍ وَاحِدَةٍ حَرَامٌ، وَيَدُلُّ لَهُ حَدِيثُ مَحْمُودِ بنِ لَبِيدٍ الَّذِي رَوَاهُ النَّسَائِيُّ فِي سُنَنِه أَنَّهُ قَالَ: أُخْبِرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ عَنْ رَجُلٍ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ ثَلاَثَ تَطْلِيقَاتٍ جَمِيعًا، فَقَامَ غَضْبَانَ ثُمَّ قَالَ: «أَيُلْعَبُ بِكِتَابِ اللهِ وَأَنَا بَيْنَ أَظْهُرِكُمْ؟» حَتَّى قَامَ رَجُلٌ فَقَالَ: يا رَسُولَ اللهِ، أَلاَ أَقْتُلُهُ؟[1141]. [1141] (النسائي:6/142) [لاَ رَجْعَةَ بَعْدَ الطَّلاَقِ الثَّالِثِ] وَقَوْلُهُ تَعَالَى: {فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلاَ تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ} أَيْ إِذَا طَلَّقَ الرَّجُلُ امْرَأَتَهُ طَلْقَةً ثَالِثَةً بَعْدَ مَا أَرْسَلَ عَلَيْهَا الطَّلاَقَ مَرَّتَيْنِ، فَإِنَّهَا تَحْرُمُ عَلَيْهِ {حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ}، أَيْ حَتَّى يَطَأَهَا زَوْجٌ آخَرُ فِي نِكَاحٍ صَحِيحٍ، فَلَوْ وَطِئَهَا وَاطِىءٌ فِي غَيْرِ نِكَاحٍ وَلَوْ فِي مِلْكِ الْيَمِينِ، لَمْ تَحِلَّ لِلْأَوَّلِ، لِأَنَّهُ لَيْسَ بِزَوْجٍ، وَهَكَذَا لَوْ تَزَوَّجَتْ وَلَكِنْ لَمْ يَدْخُلْ بِهَا الزَّوْجُ لَمْ تَحِلَّ لِلْأَوَّلِ، رَوَى مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ، سُئِلَ عَنِ الْمَرْأَةِ يَتَزَوَّجُهَا الرَّجُلُ فَيُطَلِّقُهَا، فَتَتَزَوَّجُ رَجُلاً فَيُطَلِّقُهَا قَبْلَ أَنْ يَدْخُلَ بِهَا، أَتَحِلُّ لِزَوْجِهَا الْأَوَّلِ؟ قَالَ: «لاَ، حَتَّى يَذُوقَ عُسَيْلَتَهَا»[1142]. وَرَوَاهُ الْبُخَارِيُّ أَيْضًا[1143]. [1142] (مسلم:2/1057) [1143] (فتح الباري:9/284) وَرَوَى الْإِمَامُ أَحْمَدُ عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: دَخَلْتِ امْرَأَةُ رِفَاعَةَ الْقُرَظِيِّ وَأَنَا وَأَبُو بَكْرٍ عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ، فَقَالَتْ: إِنَّ رِفَاعَةَ طَلَّقَنِي الْبَتَّةَ، وَإِنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ الزَّبِيرِ تَزَوَّجَنِي، وَإِنَّمَا عِنْدَهُ مِثْلُ الْهُدْبَةِ، وَأَخَذَتْ هُدْبَةً مِنْ جِلْبَابِهَا، وَخَالِدُ ابْنُ سَعِيدِ بْنِ الْعَاصِ بِالْبَابِ لَمْ يُؤْذَنْ لَهُ، فَقَالَ: يَا أَبَا بَكْرٍ، أَلاَ تَنْهِي هَذِهِ عَمَّا تَجْهَرُ بِهِ بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ اللهِ ﷺ، فَمَا زَادَ رَسُولُ اللهِ ﷺ عَلَى التَّبَسُّمِ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «كَأَنَّكِ تُرِيدِينَ أَنْ تَرْجِعِي إِلَى رِفَاعَةَ، لاَ، حَتَّى تَذُوقِي عُسَيْلَتَه، وَيَذُوقَ عُسَيْلَتَكِ» [1144]. وَهَكَذَا رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ [1145] وَمُسْلِمٌ[1146] وَالنَّسَائِيُّ وَعِنْدَ مُسْلِمٍ: أَنَّ رِفَاعَةَ طَلَّقَهَا آخِرَ ثَلاَثِ تَطْلِيقَاتٍ[1147]. [1144] (أحمد:6/34) [1145] (فتح الباري:10/518) [1146] (مسلم:2/1057) [1147] (النسائي:6/146) وَالْمُرَادُ بِالْعُسَيْلَةِ الْجِمَاعُ، لِمَا رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ وَالنَّسَائِيُّ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «أَلاَ إِنَّ الْعُسَيْلَةَ: الْجِمَاعُ»[1148]. [1148] (أحمد:6/62، وفيه أبو عبدالملك المكي وهو مجهول وقد اختلف في وقفه ورفعه وإرساله، ولم أقف على الحديث عند النسائي) [اَللَّعْنَةُ عَلَى الْمُحَلِّلِ وَالْمُحَلَّلِ لَهُ] (فَصْلٌ) وَالْمَقْصُودُ مِنَ الزَّوْجِ الثَّانِي أَن يَكُونَ رَاغِبًا فِي الْمَرْأَةِ، قَاصِدًا لِدَوَامِ عِشْرَتِهَا، كَمَا هُوَ الْمَشْرُوعُ مِنَ التَّزْوِيجِ، فَأَمَّا إِذَا كَانَ الثَّانِي إِنَّمَا قَصْدُهُ أَن يُحِلَّهَا لِلْأَوَّلِ، فَهَذَا هُوَ الْمُحَلِّلُ الَّذِي وَرَدَتِ الْأَحَادِيثُ بِذَمِّهِ وَلَعْنِهِ، وَمَتَى صَرَّحَ بِمَقْصُودِهِ فِي الْعَقْدِ بَطَلَ النِّكَاحُ عِنْدَ جُمْهُورِ الْأَئِمَّةِ. رَوَى الْإِمَامُ أَحْمَدُ عَنْ عَبْدِ اللهِ قَالَ: لَعَنَ رَسُولُ اللهِ ﷺ اَلْوَاشِمَةَ وَالْمُسْتَوْشِمَةَ، وَالْوَاصِلَةَ وَالْمُسْتَوْصِلَةَ، وَالْمُحَلِّلَ وَالْمُحَلَّلَ لَهُ، وَآكِلَ الرِّبَا وَمُوكِلَهُ[1149]. وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ[1150]. قَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ. قَالَ: وَالْعَمَلُ عَلَى هَذَا عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ مِنَ الصَّحَابَةِ مِنْهُمْ عُمَرُ وَعُثْمَانُ وَابْنُ عُمَرَ، وَهُوَ قَوْلُ الْفُقَهَاءِ مِنَ التَّابِعِينَ، وَيُرْوَى ذَلِكَ عَنْ عَلِيٍّ وَابْنِ مَسْعُودٍ وَابْنِ عَبَّاسٍ. [1149] (أحمد:1/448) [1150] (أحمد:1/448، وتحفة الأحوذي:4/264، والنسائي:6/149) وَرَوَى الْحَاكِمُ فِي مُسْتَدْرَكِهِ عَنْ نَافِعٍ أَنَّهُ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى ابْنِ عُمَرَ فَسَأَلَهُ عَنْ رَجُلٍ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ ثَلاَثًا، فَتَزَوَّجَهَا أَخٌ لَهُ مِنْ غَيْرِ مُؤَامَرَةٍ مِنْهُ لِيُحِلَّهَا لِأَخِيهِ، هَلْ تَحِلُّ لِلْأَوَّلِ؟ فَقَالَ: لاَ إِلاَّ نِكَاحَ رَغْبَةٍ، كُنَّا نَعُدُّ هَذَا سَفَاحًا عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ ﷺ. ثُمَّ قَالَ: هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحُ الْإِسْنَادِ وَلَمْ يُخْرِجَاهُ[1151]. وَهَذِهِ الصِّيغَةُ مُشْعِرَةٌ بِالرَّفْعِ. [1151] (الحاكم:2/199) وَهَكَذَا رَوَى أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَالْجَوْزَجَانِيُّ وَحَرْبٌ الْكِرْمَانِيُّ وَأَبُو بَكْرٍ الْأَثْرَمُ عَنْ قَبِيصَةَ بْنِ جَابِرٍ، عَنْ عُمَرَ أَنَّهُ قَالَ: لاَ أُوتَى بِمُحَلِّلٍ وَلاَ مُحَلَّلٍ لَهُ إِلاَّ رَجَمْتُهُمَا.[1152]. [1152] (ابن أبي شيبة:4/294) [مَتَى تَحِلُّ الْمُطَلَّقَةُ ثَلاَثًا لِزَوْجِهَا الْأَوَّلِ] وَقَوْلُهُ: {فَإِنْ طَلَّقَهَا} أَيِ الزَّوْجُ الثَّانِي بَعْدَ الدُّخُولِ بِهَا {فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يَتَرَاجَعَا} أَيِ الْمَرْأَةُ وَالزَّوْجُ الْأَوَّلُ {إِنْ ظَنَّا أَنْ يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ} أَيْ يَتَعَاشَرَا بِالْمَعْرُوفِ. قَالَ مُجَاهِدٌ: إِنْ ظَنَّا أَنَّ نِكَاحَهُمَا عَلَى غَيْرِ دَلْسَةٍ[1153]. {وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ} أَيْ شَرَائِعُهُ وَأَحْكَامُهُ {يُبَيِّنُهَا} أَيْ يُوَضِّحُهَا {لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ}. [1153] (الطبري:4/598) {وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَلاَ تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِتَعْتَدُوا وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ وَلاَ تَتَّخِذُوا آيَاتِ اللَّهِ هُزُوًا وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمَا أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنَ الْكِتَابِ وَالْحِكْمَةِ يَعِظُكُمْ بِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} [الْأَمْرُ بِحُسْنِ الْمُعَامَلَةِ مَعَ الْمُطَلَّقَةِ] هَذَا أَمْرٌ مِنَ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ لِلرِّجَالِ إِذَا طَلَّقَ أَحَدُهُمُ الْمَرْأَةَ طَلاَقًا لَهُ عَلَيْهَا فِيهِ رَجْعَةٌ: أَنْ يُحْسِنَ فِي أَمْرِهَا إِذَا انْقَضَتْ عِدَّتُهَا، وَلَمْ يَبْقَ مِنْهَا إِلاَّ مِقْدَارُ مَا يُمْكِنُهُ فِيهِ رَجْعَتُهَا، فَإِمَّا أَن يُمْسِكَهَا، أَيْ يَرْتَجِعَهَا، إِلَى عِصْمَةِ نِكَاحِهِ، بِمَعْرُوفٍ، وَهُوَ أَن يُشْهِدَ عَلَى رَجْعَتِهَا، وَيَنْوِيَ عِشْرَتَهَا بِالْمَعْرُوفِ، أَوْ يُسَرِّحَهَا، أَيْ يَتْرُكَهَا حَتَّى تَنْقَضِيَ عِدَّتُهَا، وَيُخْرِجَهَا مِنْ مَنْزِلِهِ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ، مِنْ غَيْرِ شِقَاقٍ وَلاَ مُخَاصَمَةٍ وَلاَ تَقَابُحٍ. قَالَ اللهُ تَعَالَى: {وَلاَ تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِتَعْتَدُوا}، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَمُجَاهِدٌ وَمَسْرُوقٌ وَالْحَسَنُ وَقَتَادَةُ وَالضَّحَّاكُ وَالرَّبِيعُ، وَمُقَاتِلُ بْنُ حَيَّانَ وَغَيْرُ وَاحِدٍ: كَانَ الرَّجُلُ يُطَلِّقُ الْمَرْأَةَ، فَإِذَا قَارَبَتِ انْقِضَاءَ الْعِدَّةِ رَاجَعَهَا ضِرَارًا، لِئَلاَّ تَذْهَبَ إِلَى غَيْرِهِ، ثُمَّ يُطَلِّقَهَا فَتَعْتَدُّ، فَإِذَا شَارَفَتْ عَلَى انْقِضَاءِ الْعِدَّةِ طَلَّقَ لِتَطُولَ عَلَيْهَا الْعِدَّةُ، فَنَهَاهُمُ اللهُ عَنْ ذَلِكَ[1154]. وَتَوَعَّدَهُمْ عَلَيْهِ، فَقَالَ: {وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ} أَيْ بِمُخَالَفَتِهِ أَمْرَ اللهِ تَعَالَى. [1154] (ابن أبي حاتم غ:2/772-774، والطبري:49201) وَقَوْلُهُ تَعَالَى: {وَلاَ تَتَّخِذُوا آيَاتِ اللَّهِ هُزُوًا} رَوَى ابْنُ جَرِيرٍ عِنْدَ هَذِهِ الْآيَةِ عَنْ أَبِي مُوسَى: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ غَضِبَ عَلَى الْأَشْعَرِيِّينَ، فَأَتَاهُ أَبُو مُوسَى قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَغَضِبْتَ عَلَى الْأَشْعَرِيِّينَ؟ فَقَالَ: «يَقُولُ أَحَدُكُمْ: قَدْ طَلَّقْتُ، قَدْ رَاجَعْتُ، لَيْسَ هَذَا طَلاَقَ الْمُسْلِمِينَ، طَلِّقُوا الْمَرْأَةَ فِي قُبُلِ عِدَّتِهَا»[1155]. وَقَالَ مَسْرُوقٌ: هُوَ الَّذِي يُطَلِّقُ فِي غَيْرِ كُنْهِهِ، وَيُضَارُّ امْرَأَتَهُ بِطَلاَقِهَا وَارْتِجَاعِهَا، لِتَطُولَ عَلَيْهَا الْعِدَّةُ[1156]. وَقَالَ الْحَسَنُ وَقَتَادَةُ وَعَطَاءٌ الْخُرَاسَانِيُّ وَالرَّبِيعُ وَمُقَاتِلُ بْنُ حَيَّانَ: هُوَ الرَّجُلُ يُطَلِّقُ وَيَقُولُ: كُنْتُ لاَعِبًا. أَوْ يُعْتِقُ أَوْ يَنْكِحُ وَيَقُولُ: كُنْتُ لاَعِبًا، فَأَنْزَلَ اللهُ: {وَلاَ تَتَّخِذُوا آيَاتِ اللَّهِ هُزُوًا} [1157] فَأَلْزَمَ اللهُ بِذَلِكَ. [1155] (الطبري:5/14) [1156] (الطبري:5/8) [1157] (ابن أبي حاتم غ:2/776،775) وَقَوْلُهُ: {وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ} أَيْ فِي إِرْسَالِهِ الرَّسُولَ بِالْهُدَى وَالْبَيِّنَاتِ إِلَيْكُمْ {وَمَا أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنَ الْكِتَابِ وَالْحِكْمَةِ} أَيِ السُّنَّةِ {يَعِظُكُمْ بِهِ} أَيْ يَأْمُرُكُمْ وَيَنْهَاكُمْ وَيَتَوَعَّدُكُمْ عَلَى ارْتِكَابِ الْمَحَارِمِ، {وَاتَّقُوا اللَّهَ} أَيْ فِيمَا تَأْتُونَ وَفِيمَا تَذَرُونَ، {وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} أَيْ فَلاَ يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ مِنْ أُمُورِكُمُ السِّرِّيَّةِ وَالْجَهْرِيَّةِ، وَسَيُجَازِيكُمْ عَلَى ذَلِكَ. {وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلاَ تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ إِذَا تَرَاضَوْا بَيْنَهُمْ بِالْمَعْرُوفِ ذَلِكَ يُوعَظُ بِهِ مَنْ كَانَ مِنْكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَومِ الآخِرِ ذَلِكُمْ أَزْكَى لَكُمْ وَأَطْهَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ} [نَهْيُ الْوَلِيِّ عَنْ مَنْعِ الْمَرْأَةِ أَنْ تَنْكِحَ زَوْجَهَا الْمُطَلِّقَ] قَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ فِي الرَّجُلِ يُطَلِّقُ امْرَأَتَهُ طَلْقَةً أَوْ طَلْقَتَيْنِ، فَتَنْقَضِي عِدَّتُهَا، ثُمَّ يَبْدُو لَهُ أَن يَتَزَوَّجَهَا وَأَن يُرَاجِعَهَا، وَتُرِيدُ الْمَرْأَةُ ذَلِكَ، فَيَمْنَعُهَا أَوْلِيَاؤُهَا مِنْ ذَلِكَ، فَنَهَى اللهُ أَن يَمْنَعُوهَا[1158]. وَكَذَا رَوَى الْعَوْفِيُّ عَنْهُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَيْضًا[1159]. وَكَذَا قَالَ مَسْرُوقٌ وَإِبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ وَالزُّهْرِيُّ وَالضَّحَّاكُ: إِنَّهَا أُنْزِلَتْ فِي ذَلِكَ[1160]. وَهَذَا الَّذِي قَالُوهُ ظَاهِرٌ مِنَ الْآيَةِ. [1158] (الطبري:5/22) [1159] (الطبري:5/22) [1160] (الطبري:5/23،22) [لاَ نِكَاحَ إِلاَّ بِوَلِيٍّ] وَفِيهَا دَلاَلَةٌ عَلَى أَنَّ الْمَرْأَةَ لاَ تَمْلِكُ أَنْ تُزَوِّجَ نَفْسَهَا، وَأَنَّهُ لاَ بُدَّ فِي تَزْوِيجِهَا مِنْ وَلِيٍّ، كَمَا قَالَهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ جَرِيرٍ عِنْدَ هَذِهِ الْآيَةِ، كَمَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ: «لاَ تُزَوِّجِ المَرْأَةُ الْمَرْأَةَ، وَلاَ تُزَوِّجِ المَرْأَةُ نَفْسَهَا، فَإِنَّ الزَّانِيَةَ هِيَ الَّتِي تُزَوِّجُ نَفْسَهَا»[1161]. وَفِي الْأَثَرِ الاْخَرِ: «لاَ نِكَاحَ إِلاَّ بِوَلِيٍّ مُرْشِدٍ وَشَاهِدَيْ عَدْلٍ»[1162]. [1161] (ابن ماجه:1/606) [1162] (الأم للشافعي:5/22، والبيهقي:7/124،112 عن ابن عباس موقوفاً) [سَبَبُ نُزُولِ الْآيَةِ] وَقَدْ رُوِيَ أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ نَزَلَتْ فِي مَعْقِلِ بْنِ يَسَارٍ الْمُزَنِيِّ وَأُخْتِهِ، فَقَدْ رَوَى الْبُخَارِيُّ رَحِمَهُ اللهُ فِي كِتَابِهِ الصَّحِيحِ عِنْدَ تَفْسِيرِ هَذِهِ الْآيَةِ أَنَّ أُخْتَ مَعْقِلِ بْنِ يَسَارٍ طَلَّقَهَا زَوْجُهَا، فَتَرَكَهَا حَتَّى انْقَضَتْ عِدَّتُهَا فَخَطَبَهَا، فَأَبَى مَعْقِلٌ، فَنَزَلَتْ: {فَلاَ تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ} [1163]. وَهَكَذَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَه وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ، وَابْنُ جَرِيرٍ، وَابْنُ مَرْدُوَيْهِ مِنْ طُرُقٍ مُتَعَدِّدَةٍ عَنِ الْحَسَنِ، عَنْ مَعْقِلِ بْنِ يَسَارٍ[1164] بِهِ. وَصَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ أَيْضًا، وَلَفْظُهُ عَنْ مَعْقِلِ بْنِ يَسَارٍ. أَنَّهُ زَوَّجَ أُخْتَهُ رَجُلاً مِنَ الْمُسْلِمِينَ، عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ ﷺ، فَكَانَتْ عِنْدَهُ مَا كَانَتْ، ثُمَّ طَلَّقَهَا تَطْلِيقَةً لَمْ يُرَاجِعْهَا حَتَّى انْقَضَتِ الْعِدَّةُ، فَهَوِيَهَا وَهَوِيَتْهُ، ثُمَّ خَطَبَهَا مَعَ الْخُطَّابِ، فَقَالَ لَهُ: [يَا لُكَعُ]، أَكْرَمْتُكَ بِهَا وَزَوَّجْتُكَ فَطَلَّقْتَهَا، وَاللهِ لاَ تَرْجِعُ إِلَيْكَ أَبَدًا. آخِرُ مَا عَلَيْكَ. قَالَ: فَعَلِمَ اللهُ حَاجَتَهُ إِلَيْهَا، وَحَاجَتَهَا إِلَى بَعْلِهَا، فَأَنْزَلَ اللهُ: {وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ} إِلَى قَوْلِهِ {وَأَنْتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ} فَلَمَّا سَمِعَهَا مَعْقِلٌ قَالَ: سَمْعًا لِرَبِّي وَطَاعَةً، ثُمَّ دَعَاهُ فَقَالَ: أُزَوِّجُكَ وَأُكْرِمُكَ[1165]. زَادَ ابْنُ مَرْدُوَيْهِ: وَكَفَّرْتُ عَنْ يَمِينِي[1166]. [1163] (فتح الباري:8/40) [1164] (أبو داود:2/569، وتحفة الأحوذي:8/325، وابن أبي حاتم غ:2/778، والطبري:5م17-19، والبيهقي:7/104) [1165] (تحفة الأحوذي:8/324) [1166] (البيهقي:7/104) وَقَوْلُهُ: {ذَلِكَ يُوعَظُ بِهِ مَنْ كَانَ مِنْكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَومِ الآخِرِ} أَيْ هَذَا الَّذِي نَهَيْنَاكُمْ عَنْهُ مِنْ مَنْعِ الْوَلاَيَا أَن يَتَزَوَّجْنَ أَزْوَاجَهُنَّ إِذَا تَرَاضَوْا بَيْنَهُمْ بِالْمَعْرُوفِ يَأْتَمِرُ بِهِ، وَيَتَّعِظُ بِهِ، وَيَنْفَعِلُ لَهُ {مَنْ كَانَ مِنْكُمْ} أَيُّهَا النَّاسُ. { يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَومِ الآخِرِ} أَيْ يُؤمِنُ بِشَرْعِ اللهِ، وَيَخَافُ وَعِيدَ اللهِ وَعَذَابَهُ، فِي الدَّارِ الاْخِرَةِ، وَمَا فِيهَا مِنَ الْجَزَاءِ {ذَلِكُمْ أَزْكَى لَكُمْ وَأَطْهَرُ} أَيْ اِتِّبَاعُكُمْ شَرْعَ اللهِ، فِي رَدِّ الْمَوْلِيَّاتِ إِلَى أَزْوَاجِهِنَّ، وَتَرْكُ الْحَمِيَّةِ فِي ذَلِكَ أَزْكَى لَكُمْ وَأَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ {وَاللَّهُ يَعْلَمُ} أَيْ مِنَ الْمَصَالِحِ، فِيمَا يَأْمُرُ بِهِ وَيَنْهَى عَنْهُ {وَأَنْتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ} أَيِ الْخِيَرَةَ فِيمَا تَأْتُونَ، وَلاَ فِيمَا تَذَرُونَ. {وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلاَدَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ وَعَلَى الْمَولُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ لاَ تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلاَّ وُسْعَهَا لاَ تُضَآرَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا وَلاَ مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ فَإِنْ أَرَادَا فِصَالاً عَنْ تَرَاضٍ مِنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا وَإِنْ أَرَدْتُّمْ أَنْ تَسْتَرْضِعُوا أَوْلاَدَكُمْ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِذَا سَلَّمْتُمْ مَا آتَيْتُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ} [لاَ رَضَاعَةَ إِلاَّ فِي مُدَّةِ الرَّضَاعَةِ] هَذَا إِرْشَادٌ مِنَ اللهِ تَعَالَى لِلْوَالِدَاتِ أَن يُرْضِعْنَ أَوْلاَدَهُنَّ كَمَالَ الرَّضَاعَةِ، وَهِيَ سَنَتَانِ، فَلاَ اعْتِبَارَ بِالرَّضَاعَةِ بَعْدَ ذَلِكَ، وَلِهَذَا قَالَ: {لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ} فَلاَ يُحَرِّمُ مِنَ الرَّضَاعَةِ إِلاَّ مَا كَانَ دُونَ الْحَوْلَيْنِ، فَلَوِ ارْتَضَعَ الْمَوْلُودُ وَعُمْرُهُ فَوْقَهُمَا لَمْ يُحَرِّمْ. قَالَ التِّرِمِذِيُّ: (بَابُ مَا جَاءَ أَنَّ الرَّضَاعَةَ لاَ تَحْرُمُ إِلاَّ فِي الصِّغَرِ دُونَ الْحَوْلَيْنِ) ثُمَّ رَوَى عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ، قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «لاَ يَحْرُمُ مِنَ الرَّضَاعِ إِلاَّ مَا فَتَقَ الْأَمْعَاءَ فِي الثَّدْيِ، وَكَانَ قَبْلَ الْفِطَامِ»[1167]. وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ، وَالْعَمَلُ عَلَى هَذَا عِنْدَ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللهِ ﷺ وَغَيْرِهِمْ، أَنَّ الرَّضَاعَةَ لاَ تَحْرُمُ إِلاَّ مَا كَانَ دُونَ الْحَوْلَيْنِ، وَمَا كَانَ بَعْدَ الْحَوْلَيْنِ الْكَامِلَيْنِ، فَإِنَّهُ لاَ يُحَرِّمُ شَيْئًا. [1167] (تحفة الأحوذي:4/313) (قُلْتُ) تَفَرَّدَ التِّرْمِذِيُّ بِرِوَايَةِ هَذَا الْحَدِيثِ، وَرِجَالُهُ عَلَى شَرْطِ الصَّحِيحَيْنِ. وَمَعْنَى قَوْلِهِ: إِلاَّ مَا كَانَ «فِي الثَّدْيِ» أَيْ فِي مَحِلِّ الرَّضَاعَةِ قَبْلَ الْحَوْلَيْنِ، كَمَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ الَّذِي رَوَاهُ أَحْمَدُ عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ، قَالَ: لَمَّا مَاتَ إِبْرَاهِيمُ ابْنُ النَّبِيِّ ﷺ، قَالَ: «إِنَّ ابْنِي مَاتَ فِي الثَّدْيِ؛ إِنَّ لَهُ مُرْضِعًا فِي الْجَنَّةِ»[1168]. [1168] (عمدة التفسير:1/126) وَيُؤَيِّدُهُ مَا رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «لاَ يَحْرُمُ مِنَ الرَّضَاعِ إِلاَّ مَا كَانَ فِي الْحَوْلَيْنِ»[1169]. (قُلْتُ) وَقَدْ رَوَاهُ الْإِمَامُ مَالِكٌ فِي الْمُوَطَّأِ عَنْ ثَوْرِ بْنِ زَيْدٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ مَرْفُوعًا[1170]. وَرَوَاهُ الدَّرَاوَرْدِيُّ عَنْ ثَوْرٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَزَادَ: «وَمَا كَانَ بَعْدَ الْحَوْلَيْنِ فَلَيْسَ بِشَيْءٍ». وَهَذَا أَصَحُّ. [1169] (الدارقطني:4/174) [1170] (الموطأ:2/602) [رَضَاعَةُ الْكَبِيرِ] وَقَدْ رُوِيَ فِي الصَّحِيحِ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا، أَنَّهَا كَانَتْ تَرَى رَضَاعَ الْكَبِيرِ يُؤَثِّرُ فِي التَّحْرِيمِ[1171]. وَهُوَ قَوْلُ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ وَاللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ، وَكَانَتْ عَائِشَةُ تَأْمُرُ بِمَنْ تَخْتَارُ أَنْ يَدْخُلَ عَلَيْهَا مِنَ الرِّجَالِ لِبَعْضِ نِسَائِهَا، فَتُرْضِعُهُ، وَتَحْتَجُّ فِي ذَلِكَ بِحَدِيثِ سَالِمٍ مَوْلَى أَبِي حُذَيْفَةَ حَيْثُ أَمَرَ النَّبِيُّ ﷺ امْرَأَةَ أَبِي حُذَيْفَةَ أَنْ تُرْضِعَهُ وَكَانَ كَبِيرًا، فَكَانَ يَدْخُلُ عَلَيْهَا بِتِلْكَ الرَّضَاعَةِ، وَأَبَى ذَلِكَ سَائِرُ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ ﷺ، وَرَأَيْنَ ذَلِكَ مِنَ الْخَصَائِصِ[1172]. وَهُوَ قَوْلُ الْجُمْهُورِ. [1171] (مسلم:2/1077) [1172] (أبو داود:2/550،549) [أُجْرَةُ الرَّضَاعَةِ] وَقَوْلُهُ: {وَعَلَى الْمَولُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ} أَيْ وَعَلَى وَالِدِ الطِّفْلِ نَفَقَةُ الْوَالِدَاتِ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ، أَيْ بِمَا جَرَتْ بِهِ عَادَةُ أَمْثَالِهِنَّ فِي بَلَدِهِنَّ مِنْ غَيْرِ إِسْرَافٍ وَلاَ إِقْتَارٍ، بِحَسَبِ قُدْرَتِهِ فِي يَسَارِهِ، وَتَوَسُّطِهِ وَإِقْتَارِهِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: {لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ لاَ يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلاَّ مَا آتَاهَا سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرًا} [الطلاق:7] قَالَ الضَّحَّاكُ: إِذَا طَلَّقَ زَوْجَتَهُ وَلَهُ مِنْهَا وَلَدٌ، فَأَرْضَعَتْ لَهُ وَلَدَهُ، وَجَبَ عَلَى الْوَالِدِ نَفَقَتُهَا وَكِسْوَتُهَا بِالْمَعْرُوفِ[1173]. [1173] (الطبري:5/39) [لاَ ضَرَرَ وَلاَ ضِرَارَ] وَقَوْلُهُ: {لاَ تُضَآرَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا} أَيْ بِأَنْ تَدْفَعَهُ عَنْهَا لِتَضُرَّ أَبَاهُ بِتَرْبِيَتِهِ، وَلَكِنْ لَيْسَ لَهَا دَفْعُهُ إِذَا وَلَدَتْهُ حَتَّى تَسْقِيَهُ اللِّبَأَ الَّذِي لاَ يَعِيشُ بِدُونِ تَنَاوُلِهِ غَالِبًا، ثُمَّ بَعْدَ هَذَا لَهَا دَفْعُهُ عَنْهَا إِنْ شَاءَتْ، وَلَكِنْ إِنْ كَانَتْ مُضَارَّةً لِأَبِيهِ فَلاَ يَحِلُّ لَهَا ذَلِكَ، كَمَا لاَ يَحِلُّ لَهُ اِنْتِزَاعُهُ مِنْهَا لِمُجَرَّدِ الضِّرَارِ لَهَا، وَلِهَذَا قَالَ: {وَلاَ مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ} أَيْ بِأَن يُرِيدَ أَن يَنْتَزِعَ الْوَلَدَ مِنْهَا إِضْرَارًا بِهَا. قَالَهُ مُجَاهِدٌ وَقَتَادَةُ وَالضَّحَّاكُ وَالزُّهْرِيُّ وَالسُّدِّيُّ، وَالثَّوْرِيُّ وَابْنُ زَيْدٍ وَغَيْرُهُمْ[1174]. [1174] (الطبري:5/50،49) وَقَوْلُهُ تَعَالَى: {وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ} قِيلَ: فِي عَدَمِ الضِّرَارِ لِقَرِيبِهِ. قَالَهُ مُجَاهِدٌ وَالشَّعْبِيُّ وَالضَّحَّاكُ. وَقِيلَ: عَلَيْهِ مِثْلُ مَا عَلَى وَالِدِ الطِّفْلِ مِنَ الْإِنْفَاقِ عَلَى وَالِدَةِ الطِّفْلِ، وَالْقِيَامِ بِحُقُوقِهَا، وَعَدَمِ الْإِضْرَارِ بِهَا، وَهُوَ قَوْلُ الْجُمْهُورِ. وَقَدِ اسْتَقْصَى ذَلِكَ ابْنُ جَرِيرٍ فِي تَفْسِيرِهِ، وَقَدْ ذَكَرَ أَنَّ الرَّضَاعَةَ بَعْدَ الْحَوْلَيْنِ رُبَّمَا ضَرَّتِ الْوَلَدَ إِمَّا فِي بَدَنِهِ أَوْ عَقْلِهِ. وَقَالَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَلْقَمَةَ: أَنَّهُ رَأَى امْرَأَةً تُرْضِعُ بَعْدَ الْحَوْلَيْنِ، فَقَالَ: لاَ تُرْضِعِيهِ[1175]. [1175] (الطبري:5/36) [اَلْفِطَامُ عَنْ تَرَاضٍ مِنْهُمَا] وَقَوْلُهُ: {فَإِنْ أَرَادَا فِصَالاً عَنْ تَرَاضٍ مِنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا} أَيْ فَإِنِ اتَّفَقَ وَالِدَا الطِّفْلِ عَلَى فِطَامِهِ قَبْلَ الْحَوْلَيْنِ، وَرَأَيَا فِي ذَلِكَ مَصْلَحَةً لَهُ، وَتَشَاوَرَا فِي ذَلِكَ وَأَجْمَعَا عَلَيْهِ، فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِي ذَلِكَ، فَيُؤخَذُ مِنْهُ أَنَّ انْفِرَادَ أَحْدِهِمَا بِذَلِكَ دُونَ الاْخَرِ لاَ يَكْفِي، وَلاَ يَجُوزُ لِوَاحِدٍ مِنْهُمَا أَن يَسْتَبِدَّ بِذَلِكَ مِنْ غَيْرِ مُشَاوَرَةِ الاْخَرِ. قَالَهُ الثَّوْرِيُّ وَغَيْرُهُ. وَهَذَا فِيهِ احْتِيَاطٌ لِلطِّفْلِ وَإِلْزَامٌ لِلنَّظَرِ فِي أَمْرِهِ، وَهُوَ مِنْ رَحْمَةِ اللهِ بِعِبَادِهِ حَيْثُ حَجَرَ عَلَى الْوَالِدَيْنِ فِي تَرْبِيَةِ طِفْلِهِمَا، وَأَرْشَدَهُمَا إِلَى مَا يُصْلِحُهُمَا وَيُصْلِحُهُ، كَمَا قَالَ فِي سُورَةِ الطَّلاَقِ: {فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ وَأْتَمِرُوا بَيْنَكُمْ بِمَعْرُوفٍ وَإِنْ تَعَاسَرْتُمْ فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرَى} [الطلاق: 6]. وَقَوْلُهُ تَعَالَى: {وَإِنْ أَرَدْتُّمْ أَنْ تَسْتَرْضِعُوا أَوْلاَدَكُمْ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِذَا سَلَّمْتُمْ مَا آتَيْتُمْ بِالْمَعْرُوفِ} أَيْ إِذَا اتَّفَقَتِ الْوَالِدَةُ وَالْوَالِدُ عَلَى أَن يَسْتَلِمَ مِنْهَا الْوَلَدَ إِمَّا لِعُذْرٍ مِنْهَا أَوْ لِعُذْرٍ لَهُ، فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِي بَذْلِهِ، وَلاَ عَلَيْهِ فِي قَبُولِهِ مِنْهَا، إِذَا سَلَّمَهَا أُجْرَتَهَا الْمَاضِيَةَ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ، وَاسْتَرْضَعَ لِوَلِدِهِ غَيْرَهَا بِالْأُجْرَةِ بِالْمَعْرُوفِ. قَالَهُ غَيْرُ وَاحِدٍ. وَقَوْلُهُ: {وَاتَّقُوا اللَّهَ} أَيْ فِي جَمِيعِ أَحْوَالِكُمْ {وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ} أَيْ فَلاَ يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ مِنْ أَحْوَالِكُمْ وَأَقْوَالِكُمْ. {وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ} [عِدَّةُ الْمُتَوَفَّى عَنْهَا زَوْجُهَا] هَذَا أَمْرٌ مِنَ اللهِ لِلنِّسَاءِ اللاَّتِي يُتَوَفَّى عَنْهُنَّ أَزْوَاجُهُنَّ أَنْ يَعْتَدِدْنَ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرَ لَيَالٍ، وَهَذَا الْحُكْمُ يَشْمَلُ الزَّوْجَاتِ الْمَدْخُولَ بِهِنَّ وَغَيْرَ الْمَدْخُولِ بِهِنَّ بِالْإِجْمَاعِ. وَمُسْتَنَدُهُ فِي غَيْرِ الْمَدْخُولِ بِهَا عُمُومُ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ، وَهَذَا الْحَدِيثُ الَّذِي رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ وَأَهْلُ السُّنَنِ وَصَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ: أَنَّ ابْنَ مَسْعُودٍ سُئِلَ عَنْ رَجُلٍ تَزَوَّجَ امْرَأَةً فَمَاتَ عَنْهَا، وَلَمْ يَدْخُلْ بِهَا، وَلَمْ يَفْرِضْ لَهَا، فَتَرَدَّدُوا إِلَيْهِ مِرَارًا فِي ذَلِكَ، فَقَالَ: أَقُولُ فِيهَا بِرَأْيِي، فَإِن يَكُ صَوَابًا فَمِنَ اللهِ، وَإِن يَكُ خَطَأً فَمِنِّي وَمِنَ الشَّيْطَانِ، وَاللهُ وَرَسُولُهُ بَرِيئَان مِنْهُ: لَهَا الصَّدَاقُ كَامِلاً، وَفِي لَفْظٍ: لَهَا صَدَاقُ مِثْلِهَا، لاَ وَكْسَ وَلاَ شَطَطَ، وَعَلَيْهَا الْعِدَّةُ، وَلَهَا الْمِيرَاثُ، فَقَامَ مَعْقِلُ بْنُ يَسَارٍ الْأَشْجَعِيُّ فَقَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ، قَضَى بِهِ فِي بِرْوَعَ بِنْتِ وَاشِقٍ، فَفَرِحَ عَبْدُ اللهِ بِذَلِكَ فَرَحًا شَدِيدًا. وَفِي رِوَايَةٍ: فَقَامَ رِجَالٌ مِنْ أَشْجَعَ فَقَالُوا: نَشْهَدُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَضَى بِهِ فِي بِرْوَعَ بِنْتِ وَاشِقٍ[1176]. [1176] (أحمد:3/480، وأبو داود:2/588، وتحفة الأحوذي:4/299، والنسائي:6/198، وابن ماجه:1/609) وَلاَ يُخْرَجُ مِنْ ذَلِكَ إِلاَّ الْمُتَوَفَّى عَنْهَا زَوْجُهَا وَهِيَ حَامِلٌ، فَإِنَّ عِدَّتَهَا بِوَضْعِ الْحَمْلِ، وَلَوْ لَمْ تَمْكُثْ بَعْدَهُ سِوَى لَحْظَةٍ، لِعُمُومِ قَوْلِهِ: {وَأُولاَتُ الأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ} [الطلاق:4] وَلِمَا ثَبَتَتْ بِهِ السُّنَّةُ فِي حَدِيثِ سُبَيْعَةَ الْأَسْلَمِيَّةِ الْمُخْرَجِ فِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ غَيْرِ وَجْهٍ: أَنَّهُ تُوُفِّيَ عَنْهَا زَوْجُهَا سَعْدُ بْنُ خَوْلَةَ وَهِيَ حَامِلٌ، فَلَمْ تَنْشَبْ أَنْ وَضَعَتْ حَمْلَهَا بَعْدَ وَفَاتِهِ، وَفِي رِوَايَةٍ: فَوَضَعَتْ حَمْلَهَا بَعْدَهُ بِلَيَالٍ، فَلَمَّا تَعَلَّتْ مِنْ نِفَاسِهَا، تَجَمَّلَتْ لِلْخُطَّابِ، فَدَخَلَ عَلَيْهَا أَبُو السَّنَابِلِ بْنُ بَعْكَكٍ، فَقَالَ لَهَا: مَا لِي أَرَاكِ مُتَجَمِّلَةً، لَعَلَّكِ تَرْجِينَ النِّكَاحَ؟ وَاللهِ مَا أَنْتِ بِنَاكِحٍ حَتَّى يَمُرَّ عَلَيْكِ أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ وَعَشْرٌ. قَالَتْ سُبَيْعَةُ: فَلَمَّا قَالَ لِي ذَلِكَ، جَمَعْتُ عَلَيَّ ثِيَابِي حِينَ أَمْسَيْتُ، فَأَتَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ فَسَأَلْتُهُ عَنْ ذَلِكَ، فَأَفْتَانِي بِأَنِّي قَدْ حَلَلْتُ حِينَ وَضَعْتُ حَمْلِي، وَأَمَرَنِي بِالتَّزْوِيجِ إِنْ بَدَا لِي[1177]. [1177] (فتح الباري:9/379، ومسلم:2/1122) [حِكْمَةُ هَذَهِ الْعِدَّةِ] وَقَدْ ذَكَرَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ، وَأَبُو الْعَالِيَةِ وَغَيْرُهُمَا: أَنَّ الْحِكْمَةَ فِي جَعْلِ عِدَّةِ الْوَفَاةِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرِ وَعَشْرًا، لِأَحْتِمَالِ اِشْتِمَالِ الرَّحِمِ عَلَى حَمْلٍ، فَإِذَا انْتُظِرَ بِهِ هَذِهِ الْمُدَّةَ، ظَهَرَ إِنْ كَانَ مَوْجُودًا، كَمَا جَاءَ فِي حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ الَّذِي فِي الصَّحِيحَيْنِ وَغَيْرِهِمَا: «إِنَّ خَلْقَ أَحَدِكُمْ يُجْمَعُ فِي بَطْنِ أُمِّهِ أَرْبَعِينَ يَوْمًا نُطْفَةً، ثُمَّ يَكُونُ عَلَقَةً مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ يَكُونُ مُضْغَةً مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ يُبْعَثُ إِلَيْهِ الْمَلَكُ فَيَنْفُخُ فِيهِ الرُّوحَ»[1178]. فَهَذِهِ ثَلاَثُ أَرْبَعِينَاتٍ بِأَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ، وَالاِحْتِيَاطُ بِعَشْرٍ بَعْدَهَا، لِمَا قَدْ يَنْقُصُ بَعْضُ الشُّهُورِ. ثُمَّ لِظُهُورِ الْحَرَكَةِ بَعْدَ نَفْخِ الرُّوحِ فِيهِ. وَاللهُ أَعْلَمُ. [1178] (فتح الباري:13/449، ومسلم:4/2036) [عِدَّةُ أُمِّ الْوَلَدِ الْمُتَوَفَّى عَنْهَا سَيِّدُهَا] وَمِنْ هُنَا ذَهَبَ الإمام أحمد في رواية عنه إِلَى أَنَّ عِدَّةَ أُمِّ الْوَلَدِ عِدَّةُ الْحُرَّةِ هَهُنَا، وَيُؤَيِّدُهُمْ مَا رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ عَنْ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ أَنَّهُ قَالَ: لاَ تَلْبِسُوا عَلَيْنَا سُنَّةَ نَبِيِّنَا، عِدَّةُ أُمِّ الْوَلَدِ، إِذَا تُوُفِّيَ عَنْهَا سَيِّدُهَا، أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ وَعَشْرٌ[1179]. وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَابْنُ مَاجَه[1180]. [1179] (أحمد:4/302، وأبو داود:2/370) [1180] (ابن ماجه:1/673) [وُجُوبُ الْإِحْدَادِ فِي هَذِهِ الْعِدَّةِ] وَقَوْلُهُ: {فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ} يُسْتَفَادُ مِنْ هَذَا وُجُوبُ الْإِحْدَادِ عَلَى الْمُتَوَفَّى عَنْهَا زَوْجُهَا مُدَّةَ عِدَّتِهَا، لِمَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ غَيْرِ وَجْهٍ عَنْ أُمِّ حَبِيبَةَ وَزَيْنَبَ بِنْتِ جَحْشٍ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ، قَالَ: «لاَ يَحِلُّ لاِمْرَأَةٍ تُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الاْخِرِ أَنْ تُحِدَّ عَلَى مَيِّتٍ فَوْقَ ثَلاَثٍ، إِلاَّ َعلى زَوْجٍ، أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا»[1181]. [1181] (فتح الباري:9/394، ومسلم:2/1123) وَفِي الصَّحِيحَيْنِ أَيْضًا عَنْ أُمِّ سَلَمَـةَ أَنَّ امْرَأَةً قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّ ابْنَتِي تُوُفِّيَ عَنْهَا زَوْجُهَا وَقَدِ اشْتَكَتْ عَيْنُهَا أَفَنَكْحُلُهَا؟ فَقَالَ: «لاَ» كُلَّ ذَلِكَ يَقُولُ: «لاَ» - مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلاَثًا - ثُمَّ قَالَ: «إِنَّمَا هِيَ أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ وَعَشْرٌ، وَقَدْ كَانَتْ إِحْدَاكُنَّ فِي الْجَاهِلِيَّةِ تَمْكُثُ سَنَةً»[1182]. قَالَتْ زَيْنَبُ بِنْتُ أُمِّ سَلَمَةَ: كَانَتِ الْمَرْأَةُ إِذَا تُوُفِّيَ عَنْهَا زَوْجُهَا دَخَلَتْ حِفْشًا، وَلَبِسَتْ شَرَّ ثِيَابِهَا، وَلَمْ تَمَسَّ طِيبًا وَلاَ شَيْئًا حَتَّى تَمُرَّ بِهَا سَنَةٌ، ثُمَّ تَخْرُجُ فَتُعْطَى بَعْرَةً، فَتَرْمِي بِهَا، ثُمَّ تُؤْتَى بِدَابَّةٍ: حِمَارٍ أَوْ شَاةٍ أَوْ طَيْرٍ فَتَفْتَضُّ بِهِ. فَقَلَّمَا تَفْتَضُّ بِشَيْءٍ إِلاَّ مَاتَ. [1182] (مسلم:2/1124) وَالْغَرْضُ أَنَّ الْإِحْدَادَ هُوَ عِبَارَةٌ عَنْ تَرْكِ الزِّينَةِ مِنَ الطِّيبِ وَلُبْسِ مَا يَدْعُوهَا إِلَى الْأَزْوَاجِ مِنْ ثِيَابٍ وَحُلِيٍّ وَغَيْرِ ذَلِكَ، وَهُوَ وَاجِبٌ فِي عِدَّةِ الْوَفَاةِ قَوْلاً وَاحِدًا، وَيَجِبُ الْإِحْدَادُ عَلَى جَمِيعِ الزَّوْجَاتِ الْمُتَوَفَّى عَنْهُنَّ أَزْوَاجُهُنَّ، سَوَاءٌ فِي ذَلِكَ الصَّغِيرَةُ وَالْآيِسَةُ وَالْحُرَّةُ وَالْأَمَةُ وَالْمُسْلِمَةُ وَالْكَافِرَةُ، لِعُمُومِ الْآيَةِ. وَقَوْلُهُ: {فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ} أَيِ انْقَضَتْ عِدَّتُهُنّ. قَالَهُ الضَّحَّاكُ وَالرَّبِيعُ بْنِ أَنَسٍ. {فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ} قَالَ الزُّهْرِيُّ: أَيْ عَلَى أَوْلِيَائِهَا[1183]. {فِيمَا فَعَلْنَ} يَعْنِي النِّسَاءَ اللاَّتِي اِنْقَضَتْ عِدَّتُهُنَّ[1184]. قَالَ الْعَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: إِذَا طُلِّقَتِ الْمَرْأَةُ أَوْ مَاتَ عَنْهَا زَوْجُهَا، فَإِذَا انْقَضَتْ عِدَّتُهَا فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهَا أَنْ تَتَزَيَّنَ وَتَتَصَنَّعَ وَتَتَعَرَّضَ لِلتَّزْوِيجِ، فَذَلِكَ الْمَعْرُوفُ[1185]. وَرُوِيَ عَنْ مُقَاتِلِ بْنِ حَيَّانَ نَحْوُهُ[1186]. وَقَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ عَنْ مُجَاهِدٍ: {فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ} قَالَ: النِّكَاحُ الْحَلاَلُ الطَّيِّبُ[1187]. وَرُوِيَ عَنِ الْحَسَنِ وَالزُّهْرِيِّ وَالسُّدِّيِّ نَحْوُ ذَلِكَ[1188]. [1183] (ابن أبي حاتم غ:2/812، وعند ابن أبي حاتم عن علي بن أبي طلحة عن ابن عباس ما وجدت فيه رواية العوفي عن ابن عباس) [1184] (ابن أبي حاتم غ:1/813) [1185] (ابن أبي حاتم غ:2/813) [1186] (ابن أبي حاتم غ:2/812) [1187] (الطبري:5/93) [1188] (ابن أبي حاتم غ:2/8140) {وَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ أَوْ أَكْنَنْتُمْ فِي أَنْفُسِكُمْ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ سَتَذْكُرُونَهُنَّ وَلَكِنْ لاَ تُوَاعِدُوهُنَّ سِرًّا إِلاَّ أَنْ تَقُولُوا قَوْلاً مَعْرُوفًا وَلاَ تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي أَنْفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ} [إِبَاحَةُ التَّعْرِيضِ بِالْخِطْبَةِ فِي الْعِدَّةِ، وَالنَّهْيُ عَنِ النِّكَاحِ فِيهَا] يَقُولُ تَعَالَى: {وَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ} أَنْ تُعَرِّضُوا بِخِطْبَةِ النِّسَاءِ فِي عِدَّتِهِنَّ مِنْ وَفَاةِ أَزْوَاجِهِنَّ مِنْ غَيْرِ تَصْرِيحٍ، قَالَ الثَّوْرِيُّ وَشُعْبَةُ وَجَرِيرٌ وَغَيْرُهُمْ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ: {وَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ} قَالَ: اَلتَّعْرِيضُ أَن يَقُولَ: إِنِّي أُرِيدُ التَّزْوِيجَ، وَإِنِّي أُحِبُّ امْرَأَةً مِنْ أَمْرِهَا وَمِنْ أَمْرِهَا... يُعَرِّضُ لَهَا بِالْقَوْلِ بِالْمَعْرُوفِ[1189]. وَفِي رِوَايَةٍ: وَدِدْتُ أَنَّ اللهَ رَزَقَنِي امْرَأَةً.. [صالحة]. وَنَحْوَ هَذَا. وَلاَ يَنْصِبُ لِلْخِطْبَةِ[1190]. وَرَوَاهُ الْبُخَارِيُّ تَعْلِيقًا عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: {وَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ} هُوَ أَن يَقُولَ: إِنِّي أُرِيدُ التَّزْوِيجَ، وَإِنَّ النِّسَاءَ لَمِنْ حَاجَتِي، وَلَوَدِدْتُ أَن يُيَسَّرَ لِي امْرَأَةٌ صَالِحَةٌ[1191]. وَهَكَذَا قَالَ مُجَاهِدٌ وَطَاوُسٌ وَعِكْرِمَةُ وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وَإِبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ، وَالشَّعْبِيُّ وَالْحَسَنُ وَقَتَادَةُ. وَالزُّهْرِيُّ وَيَزِيدُ بْنُ قُسَيْطٍ وَمُقَاتِلُ بْنُ حَيَّانَ وَالْقَاسِمُ بْنُ مُحَمَّدٍ[1192] وَغَيْرُ وَاحِدٍ مِنَ السَّلَفِ وَالْأَئِمَّةِ فِي التَّعْرِيضِ: إِنَّهُ يَجُوزُ لِلْمُتَوَفَّى عَنْهَا زَوْجُهَا مِنْ غَيْرِ تَصْرِيحٍ لَهَا بِالْخِطْبَةِ. [1189] (الطبري:5/95) [1190] (الطبري:5/96) [1191] (فتح الباري:9/84) [1192] (ابن أبي حاتم غ:2/818،817) وَهَكَذَا حُكْمُ الْمُطَلَّقَةِ الْمَبْتُوتَةِ يَجُوزُ التَّعْرِيضُ لَهَا، كَمَا قَالَ النَّبِيُّ ﷺ لِفَاطِمَةَ بِنْتِ قَيْسٍ حَينَ طَلَّقَهَا زَوْجُهَا أَبُو عَمْرِو بْنُ حَفْصٍ آخِرَ ثَلاَثٍ تَطْلِيقَاتٍ، فَأَمَرَهَا أَنْ تَعْتَدَّ فِي بَيْتِ ابْنِ أُمِّ مَكْتُومٍ، وَقَالَ لَهَا: «فَإِذَا حَلَلْتِ فَآذِنِينِي» فَلَمَّا حَلَّتْ، خَطَبَ عَلَيْهَا أُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ مَوْلاَهُ، فَزَوَّجَهَا إِيَّاهُ[1193]. فَأَمَّا الْمُطَلَّقَةُ فَلاَ خَلاَفَ فِي أَنَّهُ لاَ يَجُوزُ لِغَيْرِ زَوْجِهَا التَّصْرِيحُ بِخِطْبَتِهَا وَلاَ التَّعْرِيضُ لَهَا، وَاللهُ أَعْلَمُ. [1193] (مسلم:2/1114) وَقَوْلُهُ: {أَوْ أَكْنَنْتُمْ فِي أَنْفُسِكُمْ} أَيْ أَضْمَرْتُمْ فِي أَنْفُسِكُمْ مِنْ خِطْبَتِهِنَّ، وَهَذَا كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَرَبُّكَ يَعْلَمُ مَا تُكِنُّ صُدُورُهُمْ وَمَا يُعْلِنُونَ} [القصص:69] وَكَقَوْلِهِ: {وَأَنَا أَعْلَمُ بِمَا أَخْفَيْتُمْ وَمَا أَعْلَنْتُمْ} [الممتحنة:1] وَلِهَذَا قَالَ: {عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ سَتَذْكُرُونَهُنَّ} أَيْ فِي أَنْفُسِكُمْ، فَرُفِعَ الْحَرَجُ عَنْكُمْ فِي ذَلِكَ. ثُمَّ قَالَ: {وَلَكِنْ لاَ تُوَاعِدُوهُنَّ سِرًّا} قَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: {وَلَكِنْ لاَ تُوَاعِدُوهُنَّ سِرًّا} لاَ تَقُلْ لَهَا: إِنِّي عَاشِقٌ، وَعَاهِدِينِي أَنْ لاَ تَتَزَوَّجِي غَيْرِي، وَنَحْوَ هَذَا[1194]. وَكَذَا رُوِيَ عَنْ سَعِيدٍ بْنِ جُبَيْرٍ وَالشَّعْبِيِّ وَعِكْرِمَةَ وَأَبِي الضُّحَى وَالضَّحَّاكِ وَالزُّهْرِيِّ[1195] وَمُجَاهِدٍ وَالثَّوْرِيِّ، هُوَ: أَنْ يَأْخُذَ مِيثَاقَهَا أَنْ لاَ تَتَزَوَّجَ غَيْرَهُ[1196]. [1194] (الطبري:5/107) [1195] (ابن أبي حاتم غ:2/821) [1196] (الطبري:5/109) وَقَوْلُهُ {إِلاَّ أَنْ تَقُولُوا قَوْلاً مَعْرُوفًا} قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَمُجَاهِدٌ وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ[1197] وَالسُّدِّيُّ وَالثَّوْرِيُّ وَابْنُ زَيْدٍ: يَعْنِي بِهِ مَا تَقَدَّمَ مِنْ إِبَاحَةِ التَّعْرِيضِ، كَقَوْلِهِ: إِنِّي فِيكِ لَرَاغِبٌ. وَنَحْوِ ذَلِكَ[1198]. وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ سِيرِينَ: قُلْتُ لِعُبَيْدَةَ: مَا مَعْنَى قَوْلِهِ: {إِلاَّ أَنْ تَقُولُوا قَوْلاً مَعْرُوفًا}؟ قَالَ: يَقُولُ لِوَلِيِّهَا: لاَ تَسْبِقْنِي بِهَا، يَعْنِي لاَ تُزَوِّجْهَا حَتَّى تُعْلِمَنِي[1199]. رَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ [1197] (ابن أبي حاتم غ:2/824) [1198] (الطبري:5/114) [1199] (ابن أبي حاتم غ:2/826) وَقَوْلُهُ: {وَلاَ تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ} يَعْنِي وَلاَ تَعْقِدُوا الْعُقْدَةَ بِالنِّكَاحِ حَتَّى تَنْقَضِيَ الْعِدَّةُ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَمُجَاهِدٌ وَالشَّعْبِيُّ وَقَتَادَةُ. وَالرَّبِيعُ ابْنُ أَنَسٍ. وَأَبُو مَالِكٍ وَزَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ وَمُقَاتِلُ بْنُ حَيَّانَ، وَالزُّهْرِيُّ وعَطَاءٌ الْخُرَاسَانِيُّ والسُّدِّيُّ وَالثَّوْرِيُّ، والضَّحَّاكُ: {حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ} يَعْنِي وَلاَ تَعْقِدُوا الْعَقْدَ بِالنِّكَاحِ حَتَّى تَنْقَضِيَ الْعِدَّةُ[1200]. وَقَدْ أَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّهُ لاَ يَصِحُّ الْعَقْدُ فِي مُدَّةِ الْعِدَّةِ. [1200] (ابن أبي حاتم غ:2/829،828) وَقَوْلُهُ: {وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي أَنْفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ} تَوَعَّدَهُمْ عَلَى مَا يَقَعُ فِي ضَمَائِرِهِمْ مِنْ أُمُورِ النِّسَاءِ، وَأَرْشَدَهُمْ إِلَى إِضْمَارِ الْخَيْرِ دُونَ الشَّرِّ، ثُمَّ لَمْ يُؤْيِسْهُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ، وَلَمْ يُقْنِطْهُمْ مِنْ عَائِدَتِهِ، فَقَالَ: {وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ}. {لاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ مَتَاعًا بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ} [اَلطَّلاَقُ قَبْلَ الدُّخُولِ] أَبَاحَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى طَلاَقَ الْمَرْأَةِ بَعْدَ الْعَقْدِ عَلَيْهَا، وَقَبْلَ الدُّخُولِ بِهَا. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَطَاوُسٌ وَإِبْرَاهِيمُ وَالْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ: اَلْمَسُّ النِّكَاحُ[1201]. بَلْ وَيَجُوزُ أَن يُطَلِّقَهَا قَبْلَ الدُّخُولِ بِهَا وَالْفَرْضِ لَهَا - إِنْ كَانَتْ مُفَوِّضَةً - وَإِنْ كَانَ فِي هَذَا اِنْكِسَارٌ لِقَلْبِهَا. [1201] (ابن أبي حاتم غ:2/831) [مُتْعَةُ الطَّلاَقِ] وَلِهَذَا أَمَرَ تَعَالَى بِاِمْتَاعِهَا، وَهُوَ تَعْوِيضُهَا عَمَّا فَاتَهَا بِشَيْءٍ تُعْطَاهُ مِنْ زَوْجِهَا بِحَسَبِ حَالِهِ، عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ، وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ. وَقَدْ رَوَى الْبُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ. عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ وَأَبِي أُسَيْدٍ، أَنَّهُمَا قَالاَ: تَزَوَّجَ رَسُولُ اللهِ ﷺ أَمَيْمَةَ بِنْتَ شُرَاحِيلَ، فَلَمَّا أُدْخِلَتْ عَلَيْهِ، بَسَطَ يَدَهُ إِلَيْهَا، فَكَأَنَّهَا كَرِهَتْ ذَلِكَ، فَأَمَرَ أَبَا أُسَيْدٍ أَن يُجَهِّزَهَا، وَيَكْسُوَهَا ثَوْبَيْنِ رَازِقِيَّيْنِ[1202] [1202] (فتح الباري:9/269) {وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ إِلاَّ أَنْ يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَلاَ تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ} [لِلْمَرْأَةِ نِصْفُ الْمَهْرِ إِذَا طُلِّقَتْ قَبْلَ الدُّخُولِ] وَهَذِهِ الْآيَةُ الْكَرِيمَةُ مِمَّا يَدُلُّ عَلَى اخْتِصَاصِ الْمُتْعَةِ بِمَا دَلَّتْ عَلَيْهِ الْآيَةُ الْأُولَى، حَيْثُ إِنَّمَا أَوْجَبَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ نِصْفَ الْمَهْرِ الْمَفْرُوضِ إِذَا طَلَّقَ الزَّوْجُ قَبْلَ الدُّخُولِ، فَإِنَّهُ لَوْ كَانَ ثَمَّ وَاجِبٌ آخَرُ مِنْ مُتْعَةٍ لَبَيَّنَهَا، لاَ سِيَّمَا وَقَدْ قَرَنَهَا بِمَا قَبْلَهَا مِنَ اخْتِصَاصِ الْمَتْعَةِ بِتِلْكَ الْآيَةِ، وَاللهُ أَعْلَمُ. وَتَشْطِيرُ الصَّدَاقِ وَالْحَالَةُ هَذِهِ أَمْرٌ مُجْمَعٌ عَلَيْهِ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ، لاَ خَلاَفَ بَيْنَهُمْ فِي ذَلِكَ، فَإِنَّهُ مَتَى كَانَ قَدْ سَمَّى لَهَا صَدَاقًا ثُمَّ فَارَقَهَا قَبْلَ دُخُولِهِ بِهَا، فَإِنَّهُ يَجِبُ لَهَا نِصْفُ مَا سَمَّى مِنَ الصَّدَاقِ. وَقَوْلُهُ: {إِلاَّ أَنْ يَعْفُونَ} أَيِ النِّسَاءُ، عَمَّا وَجَبَ لَهَا عَلَى زَوْجِهَا مِنَ النِّصْفِ، فَلاَ يَجِبُ لَهَا عَلَيْهِ شَيْءٌ. قَالَ السُّدِّيُّ عَنْ أَبِي صَالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ: {إِلاَّ أَنْ يَعْفُونَ} قَالَ: إِلاَّ أَنْ تَعْفُوَ الثَّيِّبُ فَتَدَعَ حَقَّهَا[1203]. قَالَ الْإِمَامُ أَبُو مُحَمَّدِ بْنُ أَبِي حَاتِمٍ رَحِمَهُ اللهُ: وَرُوِيَ عَنْ شُرَيْحٍ وَسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ وَعِكْرِمَةَ وَمُجَاهِدٍ وَالشَّعْبِيِّ، وَالْحَسَنِ، وَنَافِعٍ وَقَتَادَةَ وَجَابِرِ بْنِ زَيْدٍ وَعَطَاءٍ الْخُرَاسَانِيِّ وَالضَّحَّاكِ وَالزُّهْرِيِّ وَمُقَاتِلِ بْنِ حَيَّانَ وَابْنِ سِيرِينَ وَالرَّبِيعِ ابْنِ أَنَسٍ وَالسُّدِّيِّ نَحْوُ ذَلِكَ[1204]. [1203] (ابن أبي حاتم غ:2/839) [1204] (ابن أبي حاتم غ:2/840-842) وَقَوْلُهُ: {أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ} قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: رَوَى عَمْرٌو بْنُ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، قَالَ: «وَلِيُّ عُقْدَةِ النِّكَاحِ الزَّوْجُ»[1205]. وَهَكَذَا أَسْنَدَهُ ابْنُ مَرْدُويَهْ، وَاخْتَارَهُ ابْنُ جَرِيرٍ، وَمَأْخَذُ هَذَا الْقَوْلِ أَنَّ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ حَقِيقَةً الزَّوْجُ، فَإِنَّ بِيَدِهِ عَقْدَهَا وَإِبْرَامَهَا وَنَقْضَهَا وَانْهِدَامَهَا، وَكَمَا أَنَّهُ لاَ يَجُوزُ لِلوَلِيِّ أَن يَهِبَ شَيْئًا مِنْ مَالِ الْمَوْلِيَّةِ لِلْغَيْرِ، فَكَذَلِكَ فِي الصَّدَاقِ. [1205] (ابن أبي حاتم غ:2/842، ورواه الدار قطني في سننه:3718، والبيهقي في السنن الكبرى:8/251، وقال: هذا غير محفوظ وابن لهيعة غير محتجِّ به والله أعلم. ورواه الطبري:5344 بطريق ابن لهيعة مرسلًا وهذا هو المحفوظ) وَقَوْلُهُ: {وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى}. قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: قَالَ بَعْضُهُمْ: خُوطِبَ بِهِ الرِّجَالُ وَالنِّسَاءُ[1206]. وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ {وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى} قَالَ: أَقْرَبُهُمَا لِلتَّقْوَى: الَّذِي يَعْفُو[1207]. وَكَذَا رُوِيَ عَنِ الشَّعْبِيِّ وَغَيْرِهِ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ وَالنَّخَعِيُّ وَالضَّحَّاكُ وَمُقَاتِلُ بْنُ حَيَّانَ، وَالرَّبِيعُ بْنُ أَنَسٍ وَالثَّوْرِيُّ: اَلْفَضْلُ - هَهُنَا - أَنْ تَعْفُوَ الْمَرْأَةُ عَنْ شَطْرِهَا، أَوْ إِتْمَامُ الرَّجُلِ الصَّدَاقَ لَهَا[1208]. وَلِهَذَا قَالَ: {وَلاَ تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ} أَيِ الْإِحْسَانُ. قَالَهُ سَعِيدٌ[1209]. {إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ} أَيْ لاَ يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ مِنْ أُمُورِكُمْ وَأَحْوَالِكُمْ، وَسَيَجْزِي كُلَّ عَامِلٍ بِعَمَلِهِ. [1206] (الطبري:5/162) [1207] (لطبري:5/162) [1208] (الطبري:5/166،165) [1209] (الطبري:5/166) {حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاَةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ *فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالاً أَوْ رُكْبَاناً فَإِذَا أَمِنْتُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَمَا عَلَّمَكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ} يَأْمُرُ تَعَالَى بِالْمُحَافَظَةِ عَلَى الصَّلَوَاتِ فِي أَوْقَاتِهَا، وَحِفْظِ حُدُودِهَا، وَأَدَائِهَا فِي أَوْقَاتِهَا، كَمَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: سَأَلْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ: أَيُّ الْعَمَلِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: «الصَّلاَةُ عَلَى وَقْتِهَا». قُلْتُ: ثُمَّ أَيٌّ؟ قَالَ: «الجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللهِ». قُلْتُ: ثُمَّ أَيٌّ؟ قَالَ: «بِرُّ الْوَالِدَيْنِ»، قَالَ: حَدَّثَنِي بِهِنَّ رَسُولُ اللهِ ﷺ وَلَوِ اسْتَزَدْتُهُ لَزَادَنِي[1210]. [1210] (فتح الباري:2/12، ومسلم:1/90) [اَلصَّلاَةُ الْوُسْطَى] وَخَصَّ تَعَالَى مِنْ بَيْنِهَا بِمَزِيدِ التَّأْكِيدِ الصَّلاَةَ الْوُسْطَى، وَهِيَ صَلاَةُ الْعَصْرِ. قَالَ التِّرْمِذِيُّ وَالْبَغَوِيُّ رَحِمَهُمَا اللهُ: وَهُوَ قَوْلُ أَكْثَرِ عُلَمَاءِ الصَّحَابَةِ وَغَيْرِهِمْ. وَقَالَ الْقَاضِي الْمَاوَرْدِيُّ: وَهُوَ قَوْلُ جُمْهُورِ التَّابِعِينَ: وَقَالَ الْحَافِظُ أَبُو عُمَرَ بْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: هُوَ قَوْلُ أَكْثَرِ أَهْلِ الْأَثَرِ. وَقَالَ أَبُو مُحَمَّدِ ابْنُ عَطِيَّةَ فِي تَفْسِيرِهِ: وَهُوَ قَوْلُ جُمْهُورِ النَّاسِ. وَقَالَ الْحَافِظُ أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ الْمُؤْمِنِ بْنُ خَلَفٍ الدِّمْيَاطِيُّ فِي كِتَابِهِ الْمُسَمَّى بِـ«كَشْفِ الْمُغَطَّى فِي تَبْيِينِ الصَّلاَةِ الْوُسْطَى» وَقَدْ نَصَّ فِيهِ: أَنَّهَا الْعَصْرُ. وَحَكَاهُ عَنْ عُمَرَ وَعَلِيٍّ وَابْنِ مَسْعُودٍ وَأَبِي أَيُّوبَ وَعَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو وَسَمُرَةَ ابْنِ جُنْدُبٍ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ وَأَبِي سَعِيدٍ وَحَفْصَةَ وَأُمِّ حَبِيبَةَ وَأُمِّ سَلَمَةَ - وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ وَ ابْنِ عَبَّاسٍ وَعَائِشَةَ عَلَى الصَّحِيحِ عَنْهُمْ - وَبِهِ قَالَ عُبَيْدَةُ وَإِبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ، وَرَزِينٌ، وَزِرُّ بْنُ حُبَيْشٍ، وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وَابْنُ سِيرِينَ، وَالْحَسَنُ وَقَتَادَةُ وَالضَّحَّاكُ، وَالْكَلْبِيُّ وَمُقَاتِلٌ وَعُبَيْدُ بْنُ أَبِي مَرْيَمَ وَغَيْرُهُمْ. ذِكْرُ الدَّلِيلِ عَلَى ذَلِكَ: رَوَى الْإِمَامُ أَحْمَدُ عَنْ عَلِيٍّ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَوْمَ الْأَحْزَابِ: «شَغَلُونَا عَنِ الصَّلاَةِ الْوُسْطَى، صَلاَةِ الْعَصْرِ، مَلَأَ اللهُ قُلُوبَهُم وَبُيُوتَهُمْ نَارًا»، ثُمَّ صَلاَّهَا بَيْنَ الْعِشَاءَيْنِ الْمَغرِبِ وَالْعِشَاءِ[1211]. وَكَذَا رَوَاهُ مُسْلِمٌ[1212]، وَالنَّسَائِيُّ[1213]. وَأَخْرَجَهُ الشَّيْخَانِ وَأَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وَغَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ أَصْحَابِ الْمَسَانِيدِ وَالسُّنَنِ وَالصِّحَاحِ مِنْ طُرُقٍ عَنْ عَلِيٍّ[1214]. وَحَدِيثُ يَوْمِ الْأَحْزَابِ، وَشَغْلِ الْمُشْرِكِينَ رَسُولَ اللهِ ﷺ وَأَصْحَابَهُ عَنْ أَدَاءِ صَلاَةِ الْعَصْرِ يَوْمَئِذٍ، مَرْوِيٌّ عَنْ جَمَاعَةٍ مِنَ الصَّحَابَةِ يَطُولُ ذِكْرُهُمْ، وَإِنَّمَا الْمَقْصُودُ: رِوَايَةُ مَنْ نَصَّ مِنْهُمْ فِي رِوَايَتِهِ أَنَّ الصَّلاَةَ الْوُسْطَى هِيَ صَلاَةُ الْعَصْرِ. وَقَدْ رَوَاهُ مُسْلِمٌ أَيْضًا مِنْ حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ وَالْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا[1215]. [1211] (أحمد:1/113) [1212] (مسلم:1/437) [1213] (النسائي في الكبرى:6/303) [1214] (فتح الباري:6/124 و7/467 و8/43 و11/197، ومسلم:1/436، وأبو داود:1/287، وتحفة الأحوذي:8/328، والنسائي:1/236ن وأحمد:1/137) [1215] (مسلم:1/438،438) وَرَوَى الْإِمَامُ أَحْمَدُ عَنْ سَمُرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «صَلاَةُ الْوُسْطَى: صَلاَةُ الْعَصْرِ»[1216]. وَفِي لَفْظٍ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: {حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاَةِ الْوُسْطَى} وَسَمَّاهَا لَنَا أَنَّهَا هِيَ صَلاَةُ الْعَصْرِ[1217]. وَفِي لَفْظٍ آخَرَ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «هِيَ الْعَصْرُ». قَالَ ابْنُ جَعْفَرٍ: سُئِلَ عَنْ صَلاَةِ الْوُسْطَى[1218]. وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: حَسَنٌ صَحِيحٌ[1219]. وَرَوَى أَبُو حَاتِمِ بْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ، عَنْ عَبْدِ اللهِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «صَلاَةُ الْوُسْطَى صَلاَةُ الْعَصْرِ»[1220]. وَقَدْ رَوَى التِّرْمِذِيُّ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «صَلاَةُ الْوُسْطَى صَلاَةُ الْعَصْرِ»، ثُمَّ قَالَ: حَسَنٌ صَحِيحٌ[1221]. وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ وَلَفْظُهُ: «شَغَلُونَا عَنِ الصَّلاَةِ الْوُسْطَى صَلاَةِ الْعَصْرِ»[1222]. اَلْحَدِيثَ. [1216] (أحمد:5/22) [1217] (أحمد:5/8) [1218] (أحمد:5/7) [1219] (تحفة الأحوذي:8/328) [1220] (ابن حبان:3/121) [1221] (تحفة الأحوذي:8/329) [1222] (مسلم:1/437) فَهَذِهِ نُصُوصٌ فِي الْمَسْأَلَةِ لاَ تَحْتَمِلُ شَيئًا، وَيُؤَكِّدُ ذَلِكَ: الْأَمْرُ بِالْمُحَافَظَةِ عَلَيْهَا: قَوْلُهُ ﷺ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «مَنْ فَاتَتْهُ صَلاَةُ الْعَصْرِ فَكَأَنَّمَا وُتِرَ أَهْلَهُ وَمَالَهُ»[1223]، وَفِي الصَّحِيحِ عَنْ بُرَيْدَةَ بْنِ الْحُصَيْبِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «بَكِّرُوا بِالصَّلاَةِ فِي يَوْم الْغَيْمِ، فَإِنَّهُ مَنْ تَرَكَ صَلاَةَ الْعَصْرِ، فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ»[1224]. [1223] (مسلم:1/436) [1224] (ابن ماجه:1/224) [اَلنَّهْيُ عَنِ الْكَلاَمِ فِي الصَّلاَةِ] وَقَوْلُهُ تَعَالَى: {وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ} أَيْ خَاشِعِينَ ذَلِيلِينَ مُسْتَكِينِينَ بَيْنَ يَدَيْهِ، وَهَذَا الْأَمْرُ مُسْتَلْزِمٌ تَرْكَ الْكَلاَمِ فِي الصَّلاَةِ لِمُنَافَاتِهِ إِيَّاهَا، وَلِهَذَا لَمَّا اِمْتَنَعَ النَّبِيُّ ﷺ مِنَ الرَّدِّ عَلَى ابْنِ مَسْعُودٍ حِينَ سَلَّمَ عَلَيْهِ وَهُوَ فِي الصَّلاَةِ، اِعْتَذَرَ إِلَيْهِ بِذَلِكَ، وَقَالَ: «إِنَّ فِي الصَّلاَةِ لَشُغْلاً»[1225]. [1225] (مسلم:1/382) وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ أَنَّهُ ﷺ قَالَ لِمُعَاوِيَةَ بْنِ الْحَكَمِ السُّلَمِيِّ حِينَ تَكَلَمَّ فِي الصَّلاَةِ: «إِنَّ هَذِهِ الصَّلاَةَ لاَ يَصْلُحُ فِيهَا شَيْءٌ مِنْ كَلاَمِ النَّاسِ، إِنَّمَا هِيَ التَّسْبِيحُ وَالتَّكْبِيرُ وَذِكْرُ اللهِ»[1226]. [1226] (مسلم:1/381) وَرَوَى الْإِمَامُ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ، قَالَ: كَانَ الرَّجُلُ يُكَلِّمُ صَاحِبَهُ فِي عَهْدِ النَّبِيِّ ﷺ فِي الْحَاجَةِ فِي الصَّلاَةِ، حَتَّى نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ: {وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ}. فَأُمِرْنَا بِالسُّكُوتِ[1227]. رَوَاهُ الْجَمَاعَةُ سِوَى ابْنِ مَاجَهْ[1228]. [1227] (أحمد:4/368) [1228] (فتح الباري:3/88، ومسلم:1/383، وأبو داود:1/583، وتحفة الأحوذي:8/330، والنسائي:3/18) [صَلاَةُ الْخَوْفِ] وَقَوْلُهُ: {فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالاً أَوْ رُكْبَاناً فَإِذَا أَمِنْتُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَمَا عَلَّمَكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ}، لَمَّا أَمَرَ تَعَالَى عِبَادَهُ بِالْمُحَافَظَةِ عَلَى الصَّلَوَاتِ، وَالْقِيَامِ بِحُدُودِهَا، وَشَدَّدَ الْأَمْرَ بِتَأْكِيدِهَا، ذَكَرَ الْحَالَ الَّتِي يَشْتَغِلُ الشَّخْصُ فِيهَا عَنْ أَدَائِهَا عَلَى الْوَجْهِ الْأَكْمَلِ، وَهِيَ حَالُ الْقِتَالِ وَالْتِحَامِ الْحَرْبِ، فَقَالَ: {فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالاً أَوْ رُكْبَاناً} أَيْ فَصَلُّوا عَلَى أَيِّ حَالٍ كَانَ، رِجَالاً أَوْ رُكْبَانًا، يَعْنِي مُسْتَقْبِلِي الْقِبْلَةِ وَغَيْرَ مُسْتَقْبِلِيهَا، كَمَا قَالَ مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ: أَنَّ ابْنَ عُمَرَ كَانَ إِذَا سُئِلَ عَنْ صَلاَةِ الْخَوْفِ وَصَفَهَا. ثُمَّ قَالَ: فَإِنْ كَانَ خَوْفٌ أَشَدَّ مِنْ ذَلِكَ صَلَّوْا رِجَالاً عَلَى أَقْدَامِهِمْ، أَوْ رُكْبَانًا، مُسْتَقْبِلِي الْقِبْلَةِ أَوْ غَيْرَ مُسْتَقْبِلِيهَا، قَالَ نَافِعٌ: لاَ أَرَى ابْنَ عُمَرَ ذَكَرَ ذَلِكَ إِلاَّ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ.[1229] وَرَوَاهُ الْبُخَارِيُّ - وَهَذَا لَفْظُهُ - وَمُسْلِمٌ[1230]. [1229] (الموطأ:1/184) [1230] (فتح الباري:8/46، ومسلم:1/574) وَرَوَى مُسْلِمٌ وَأَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ وَابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: فَرَضَ اللهُ الصَّلاَةَ عَلَى لِسَانِ نَبِيِّكُمْ ﷺ فِي الْحَضَرِ أَرْبَعًا، وَفِي السَّفَرِ رَكْعَتَيْنِ، وَفِي الْخَوْفِ رَكْعَةً[1231]. وَبِهِ قَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ وَقَتَادَةُ وَالضَّحَّاكُ، وَغَيْرُهُمْ[1232]. [1231] (مسلم:1/478 و479، وأبو داود:2/40، والنسائي:3/169، وابن ماجه:1/339، والطبري:5/247) [1232] (الطبري:5/241،240) وَقَالَ الْبُخَارِيُّ: (بَابُ الصَّلاَةِ عِنْدَ مُنَاهَضَةِ الْحُصُونِ وَلِقَاءِ الْعَدُوِّ). وَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ: إِنْ كَانَ تَهَيَّأَ الْفَتْحُ، وَلَمْ يَقْدِرُوا عَلَى الصَّلاَةِ صَلَّوْا إِيمَاءً، كُلُّ امْرِىءٍ لِنَفْسِهِ، فَإِنْ لَمْ يَقْدِرُوا عَلَى الْإِيمَاءِ أَخَّرُوا الصَّلاَةَ حَتَّى يَنْكَشِفَ الْقِتَالُ، أَوْ يَأْمَنُوا، فَيُصَلُّوا رَكْعَتَيْنِ، فَإِنْ لَمْ يَقْدِرُوا صَلَّوْا رَكْعَةً وَسَجْدَتَيْنِ، فَإِنْ لَمْ يَقْدِرُوا لاَ يُجْزِيهِمُ التَّكْبِيرُ، وَيُؤَخِّرُونَهَا حَتَّى يَأْمَنُوا. وَبِهِ قَالَ مَكْحُولٌ. وَقَالَ أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ: حَضَرْتُ مُنَاهَضَةَ حِصْنِ تُسْتَـرَ عِنْدَ إِضَاءَةِ الْفَجْرِ وَاشْتَدَّ اِشْتِعَالُ الْقِتَالِ، فَلَمْ يَقْدِرُوا عَلَى الصَّلاَةِ، فَلَمْ نُصَلِّ إِلاَّ بَعْدَ ارْتِفَاعِ النَّهَارِ، فَصَلَّيْنَاهَا وَنَحْنُ مَعَ أَبِي مُوسَى، فَفُتِحَ لَنَا. قَالَ أَنَسٌ: وَمَا يَسُرُّنِي بِتِلْكَ الصَّلاَةِ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا. هَذَا لَفْظُ الْبُخَارِيِّ[1233]. [1233] (فتح الباري:2/503) [الْأَمْرُ بِإِتْمَامِ الصَّلاَةِ فِي حَالَةِ الْأَمْنِ] وَقَوْلُهُ: {فَإِذَا أَمِنْتُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ} أَيْ أَقِيمُوا صَلاَتَكُمْ كَمَا أُمِرْتُمْ، فَأَتِمُّوا رُكُوعَهَا وَسُجُودَهَا وَقِيَامَهَا وَقُعُودَهَا وَخُشُوعَهَا وَهُجُودَهَا، {كَمَا عَلَّمَكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ} أَيْ مِثْلَ مَا أَنْعَمَ عَلَيْكُمْ وَهَدَاكُمْ، وَعَلَّمَكُمْ مَا يَنْفَعُكُمْ فِي الدُّنْيَا وَالاْخِرَةِ فَقَابِلُوهُ بِالشُّكْرِ وَالذِّكْرِ، كَقَوْلِهِ بَعْدَ صَلاَةِ الْخَوْفِ: {فَإِذَا اطْمَأْنَنْتُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلاَةَ إِنَّ الصَّلاَةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا} [النساء:103] وَسَتَأْتِي الْأَحَادِيثُ الْوَارِدَةُ فِي صَلاَةِ الْخَوْفِ وَصِفَاتِهَا فِي سُورَةِ النِّسَاءِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاَةَ}... الْآيَةَ [النساء:102] {وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا وَصِيَّةً لِأَزْوَاجِهِمْ مَتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ فَإِنْ خَرَجْنَ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِي مَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ مِنْ مَعْرُوفٍ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ *وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ *كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ} [نَسْخُ هَذِهِ الْآيَةِ] قَالَ الْأَكْثَرُونَ: هَذِهِ الْآيَةُ مَنْسُوخَةٌ بِالَّتِي قَبْلَهَا، وَهِيَ قَوْلُهُ: {يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا} [البقرة:234] رَوَى الْبُخَارِيُّ عَنِ ابْنِ الزُّبَيْرِ قَالَ: قُلْتُ لِعُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ: {وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا} قَدْ نَسَخَتْهَا الْآيَةُ الْأُخْرَى، فَلِمَ تَكْتُبُهَا؟ - أَوْ تَدَعُهَا - قَالَ: يَا ابْنَ أَخِي، لاَ أُغَيِّرُ شَيْئًا مِنْهُ مِنْ مَكَانِهِ[1234]. [1234] (فتح الباري:8/48) وَمَعْنَى هَذَا الْإِشْكَالِ الَّذِي قَالَهُ ابْنُ الزُّبَيْرِ لِعُثْمَانَ: إِذَا كَانَ حُكْمُهَا قَدْ نُسِخَ بِالْأَرْبَعَةِ الْأَشْهُرِ فَمَا الْحِكْمَةُ فِي إِبْقَاءِ رَسْمِهَا مَعَ زَوَالِ حُكْمِهَا، وَبَقَاءُ رَسْمِهَا بَعْدَ الَّتِي نَسَخَتْهَا يُوهِمُ بَقَاءَ حُكْمِهَا؟ فَأَجَابَهُ أَمِيرُ الْمُؤمِنِينَ، بِأَنَّ هَذَا أَمْرٌ تَوْقِيفِيٌّ، وَأَنَا وَجَدْتُهَا مُثْبَتَةً فِي الْمُصْحَفِ كَذَلِكَ بَعْدَهَا، فَأَثْبَتُّهَا حَيْثُ وَجَدْتُهَا. رَوَى ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ: {وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا وَصِيَّةً لِأَزْوَاجِهِمْ مَتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ} فَكَانَ لِلْمُتَوَفَّى عَنْهَا زَوْجُهَا: نَفْقَتُهَا وَسُكْنَاهَا فِي الدَّارِ سَنَـةً، فَنَسَخَتْهَا آيَةُ الْمَوَارِيثِ، فَجُعِلَ لَهُنَّ الرُّبُعُ أَوِ الثُّمُنُ، مِمَّا تَرَكَ الزَّوْجُ[1235]. [1235] (ابن أبي حاتم غ:2/871) وَرُوِيَ مِنْ طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: كَانَ الرَّجُلُ إِذَا مَاتَ وَتَرَكَ امْرَأَتَهُ اعْتَدَّتْ سَنَةً فِي بَيْتِهِ، يُنْفَقُ عَلَيْهَا مِنْ مَالِهِ، ثُمَّ أَنْزَلَ اللهُ بَعْدُ: {وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا} فَهَذِهِ عِدَّةُ الْمُتَوَفَّى عَنْهَا زَوْجُهَا، إِلاَّ أَنْ تَكُونَ حَامِلاً، فَعِدَّتُهَا أَنْ تَضَعَ مَا فِي بَطْنِهَا، وَقَالَ: {وَلَهُنَّ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَكُمْ وَلَدٌ فَإِنْ كَانَ لَكُمْ وَلَدٌ فَلَهُنَّ الثُّمُنُ مِمَّا تَرَكْتُمْ} فَبَيَّنَ مِيرَاثَ الْمَرْأَةِ، وَتَرَكَ الْوَصِيَّةَ وَالنَّفَقَةَ[1236]. [1236] (الطبري:5/255) قَالَ: وَرُوِيَ عَنْ مُجَاهِدٍ وَالْحَسَنِ وَعِكْرِمَةَ، وَقَتَادَةَ، وَالضَّحَّاكِ وَالرَّبِيعِ، وَمُقَاتِلِ بْنِ حَيَّانَ، قَالُوا: نَسَخَتْهَا {أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا} [1237]. [1237] (ابن أبي حاتم غ:2/876،875) وَرَوَى الْبُخَارِيُّ عَنْ مُجَاهِدٍ: {وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا} قَالَ: كَانَتْ هَذِهِ الْعِدَّةُ، تَعْتَدُّ عِنْدَ أَهْلِ زَوْجِهَا، وَاجِبٌ. فَأَنْزَلَ اللهُ: {وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا وَصِيَّةً لِأَزْوَاجِهِمْ مَتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ فَإِنْ خَرَجْنَ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِي مَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ مِنْ مَعْرُوفٍ} قَالَ: جَعَلَ اللهُ لَهَا تَمَامَ السَّنَةِ: سَبْعَةَ أَشْهُرٍ وَعِشْرِينَ لَيْلَةً وَصِيَّةً، إِنْ شَاءَتْ سَكَنَتْ فِي وَصِيَّتِهَا، وَإِنْ شَاءَتْ خَرَجَتْ، وَهُوَ قَوْلُ اللهِ: {غَيْرَ إِخْرَاجٍ فَإِنْ خَرَجْنَ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ} فَالْعِدَّةُ كَمَا هِيَ، وَاجِبٌ عَلَيْهَا، زُعِمَ ذَلِكَ عَنْ مُجَاهِدٍ رَحِمَهُ اللهُ. وَقَالَ عَطَاءٌ: قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: نَسَخَتْ هَذِهِ الْآيَةُ عِدَّتَهَا عِنْدَ أَهْلِهَا، فَتَعْتَدُّ حَيْثُ شَاءَتْ، وَهُوَ قَوْلُ اللهِ تَعَالَى: {غَيْرَ إِخْرَاجٍ}. قَالَ عَطَاءٌ: إِنْ شَاءَتِ اعْتَدَّتْ عِنْدَ أَهْلِهَا، وَسَكَنَتْ فِي وَصِيَّتِهَا، وَإِنْ شَاءَتْ خَرَجَتْ، لِقَوْلِ اللهِ: {فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا فَعَلْنَ} قَالَ عَطَاءٌ: ثُمَّ جَاءَ الْمِيرَاثُ فَنَسَخَ السُّكْنَى، فَتَعْتَدُّ حَيْثُ شَاءَتْ، وَلاَ سُكْنَى لَهَا[1238]. [1238] (البخاري:5344،4531) وَقَوْلُ عَطَاءٍ وَمَنْ تَابَعَهُ، عَلَى أَنَّ ذَلِكَ مَنْسُوخٌ بِآيَةِ الْمِيرَاثِ، إِنْ أَرَادُوا مَا زَادَ عَلَى الْأَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ وَالْعَشْرِ فَمُسَلَّمٌ، وَإِنْ أَرَادُوا أَنَّ سُكْنَى الْأَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ وَعَشْرٍ لاَ تَجِبُ فِي تَرِكَةِ الْمَيِّتِ، فَهَذَا مَحَلُّ خِلاَفٍ بَيْنَ الْأَئِمَّةِ، وَقَدِ اسْتَدَلُّوا عَلَى وَجُوبِ السُّكْنَى فِي مَنْزِلِ الزَّوْجِ، بِمَا رَوَاهُ مَالِكٌ فِي مُوَطَّئِهِ عَنْ زَيْنَبَ بِنْتِ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ: أَنَّ الْفُرَيْعَةَ بِنْتَ مَالِكِ بْنِ سِنَانٍ، وَهِيَ أُخْتُ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا أَخْبَرَتْهَا أَنَّهَا جَاءَتْ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ تَسْأَلُهُ أَنْ تَرْجِعَ إِلَى أَهْلِهَا فِي بَنِي خُدْرَةَ، فَإِنَّ زَوْجَهَا خَرَجَ فِي طَلَبِ أَعْبُدٍ لَهُ أَبَقُوا، حَتَّى إِذَا كَانُوا بِطَرَفِ الْقَدُومِ لَحِقَهُمْ فَقَتَلُوهُ، قَالَتْ: فَسَأَلْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ أَنْ أَرْجِعَ إِلَى أَهْلِي فِي بَنِي خُدْرَةَ، فَإِنَّ زَوْجِي لَمْ يَتْرُكْنِي فِي مَسْكَنٍ يَمْلِكُهُ وَلاَ نَفَقَةٍ؟ قَالَتْ: فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «نَعَمْ»: قَالَتْ: فَانْصَرَفْتُ حَتَّى إِذَا كُنْتُ فِي الْحُجْرَةِ نَادَانِي رَسُولُ اللهِ ﷺ أَوْ أَمَرَ بِي فَنُودِيتُ لَهُ فَقَالَ: «كَيْفَ قُلْتِ؟» فَرَدَدْتُ عَلَيْهِ الْقِصَّةَ الَّتِي ذَكَرْتُ لَهُ مِنْ شَأْنِ زَوْجِي، فَقَالَ: «امْكُثِي فِي بَيْتِكِ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ» قَالَتْ: فَاعْتَدَدْتُ فِيهِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا، قَالَتْ: فَلَمَّا كَانَ عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ أَرْسَلَ إِلَيَّ فَسَأَلَنِي عَنْ ذَلِكَ، فَأَخْبَرْتُهُ فَاتَّبَعَهُ وَقَضَى بِهِ[1239]. وَكَذَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ[1240]. وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: حَسَنٌ صَحِيحٌ. [1239] (الموطأ:2/591) [1240] (أبو داود:2/773، وتحفة الأحوذي:4/390،319، والنسائي:6/200، وابن ماجه:1/654) [وُجُوبُ مُتْعَةِ الطَّلاَقِ] وَقَوْلُهُ: {وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ} قَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ: لَمَّا نَزَلَ قَوْلُهُ تَعَالَى: {مَتَاعًا بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ} قَالَ رَجُلٌ: إِنْ شِئْتُ أَحْسَنْتُ فَفَعَلْتُ، وَإِنْ شِئْتُ لَمْ أَفْعَلْ، فَأَنْزَلَ اللهُ هَذِهِ الْآيَةَ: {وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ} [1241]. وَقَدِ اسْتَدَلَّ بِهَذِهِ الْآيَةِ مَنْ ذَهَبَ مِنَ الْعُلَمَاءِ إِلَى وُجُوبِ الْمُتْعَةِ لِكُلِّ مُطَلَّقَةٍ، سَوَاءٌ كَانَتْ مُفَوِّضَةً، أَوْ مَفْرُوضًا لَهَا، أَوْ مُطَلِّقًا قَبْلَ الْمَسِيسِ، أَوْ مَدْخُولاً بِهَا، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وَغَيْرُهُ مِنَ السَّلَفِ[1242]. وَاخْتَارَهُ ابْنُ جَرِيرٍ. وَقَوْلُهُ تَعَالَى: {لاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ مَتَاعًا بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ} [البقرة: 236] مِنْ بَابِ ذِكْرِ بَعْضِ أَفْرَادِ الْعُمُومِ. [1241] (الطبري:5/264) [1242] (الطبري:5/263) وَقَوْلُهُ: {كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ} أَيْ فِي إِحْلاَلِهِ وَتَحْرِيمِهِ، وَفُرُوضِهِ وَحُدُودِهِ، فِيمَا أَمَرَكُمْ بِهِ وَنَهَاكُمْ عَنْهُ، بَيَّنَهُ وَوَضَّحَهُ وَفَسَّرَهُ، وَلَمْ يَتْرُكْهُ مُجْمَلاً فِي وَقْتِ اِحْتِيَاجِكُمْ إِلَيْهِ {لَعَلَّكُمْ تَعْقِلونَ} أَيْ تَفْهَمُونَ وَتَتَدَبَّرُونَ. {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ فَقَالَ لَهُمُ اللَّهُ مُوتُوا ثُمَّ أَحْيَاهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَشْكُرُونَ *وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ *مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَناً فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً وَاللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} [قِصَّةُ هَؤُلاَءِ الْأَمْوَاتِ] رَوَى ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: كَانُوا أَهْلَ قَرْيَةٍ يُقَالُ لَهَا: دَاوَرْدَانُ. وَقَالَ عَلِيُّ بْنُ عَاصِمٍ: كَانُوا مِنْ أَهْلِ دَاوَرْدَانَ - قَرْيَةٌ عَلَى فَرْسَخٍ مِنْ قِبَلِ وَاسِطَ-. وَرَوَى وَكِيعُ بْنُ الْجَرَّاحِ فِي تَفْسِيرِهِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ} قَالَ: كَانُوا أَرْبَعَةَ آلاَفٍ، خَرَجُوا فِرَارًا مِنَ الطَّاعُونِ، قَالُوا: نَأْتِي أَرْضًا لَيْسَ بِهَا مَوْتٌ، حَتَّى إِذَا كَانُوا بِمَوْضِعِ كَذَا وَكَذَا، قَالَ اللهُ لَهُمْ: {مُوتُوا} فَمَاتُوا، فَمَرَّ عَلَيْهِمْ نَبِيٌّ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ، فَدَعَا رَبَّهُ أَنْ يُحْيِيَهُمْ فَأَحْيَاهُمْ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ}... الْآيَةَ. وَذَكَرَ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنَ السَّلَفِ، أَنَّ هؤُلاَءِ الْقَوْمَ كَانُوا أَهْلَ بَلْدَةٍ فِي زَمَانِ بَنِي إِسْرَائِيلَ، اِسْتَوْخَمُوا أَرْضَهُمْ، وَأَصَابَهُمْ بِهَا وَبَاءٌ شَدِيدٌ، فَخَرَجُوا فِرَارًا مِنَ الْمَوْتِ، هَارِبِينَ إِلَى الْبَرِّيَّةِ، فَنَزَلُوا وَادِيًا أَفِيَحَ، فَمَلَأُوا مَا بَيْنَ عُدْوَتَيْهِ، فَأَرْسَلَ اللهُ إِلَيْهِمْ مَلَكَيْنِ، أَحَدُهُمَا مِنْ أَسْفَلِ الْوَادِي، وَالاْخَرُ مِنْ أَعْلاَهُ، فَصَاحَا بِهِمْ صَيْحَةً وَاحِدَةً، فَمَاتُوا عَنْ آخِرِهِمْ مَوْتَةَ رَجُلٍ وَاحِدٍ، فَحِيزُوا إِلَى حَظَائِرَ، وَبُنِيَ عَلَيْهِمْ جُدْرَانٌ وَقُبُورٌ، وَفُنُوا وَتَمَزَّقُوا وَتَفَرَّقُوا فَلَمَّا كَانَ بَعْدَ دَهْرٍ، مَرَّ بِهِمْ نَبِيٌّ مِنْ أَنْبِيَاءِ بَنِي إِسْرَائِيلَ، يُقَالُ لَهُ: حِزْقِيلُ، فَسَأَلَ اللهَ أَنْ يُحْيِيَهُمْ عَلَى يَدَيْهِ، فَأَجَابَهُ إِلَى ذَلِكَ، وَأَمَرَهُ أَن يَقُولَ: أَيَّتُهَا الْعِظَامُ الْبَالِيَةُ، إِنَّ اللهَ يَأْمُرُكِ أَنْ تَجْتَمِعِي، فَاجْتَمَعَ عِظَامُ كُلِّ جَسَدٍ بَعْضُهَا إِلَى بَعْضٍ، ثُمَّ أَمَرَهُ فَنَادَى: أَيَّتُهَا الْعِظَامُ، إِنَّ اللهَ يَأْمُرُكِ أَنْ تَكْتَسِي لَحْمًا وَعَصَبًا وَجِلْدًا، فَكَانَ ذَلِكَ، وَهُوَ يُشَاهِدُهُ، ثُمَّ أَمَرَهُ فَنَادَى: أَيَّتُهَا الْأَرْوَاحُ، إِنَّ اللهَ يَأْمُرُكِ أَنْ تَرْجِعَ كُلُّ رُوحٍ إِلَى الْجَسَدِ الَّذِي كَانَتْ تَعْمُرُهُ، فَقَامُوا أَحْيَاءً يَنْظُرُونَ، قَدْ أَحْيَاهُمُ اللهُ بَعْدَ رَقْدَتِهِمُ الطَّوِيلَةِ، وَهُمْ يَقُولُونَ: سُبْحَانَكَ لاَ إِلَهَ إِلاَّ أَنْتَ. وَكَانَ فِي إِحْيَائِهِمْ عِبْرَةٌ وَدَلِيلٌ قَاطِعٌ عَلَى وُقُوعِ الْمَعَادِ الْجِسْمَانِيِّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَلِهَذَا قَالَ: {إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ} أَيْ فِيمَا يُرِيهِمْ مِنَ الْآيَاتِ الْبَاهِرَةِ، وَالْحُجَجِ الْقَاطِعَةِ، وَالدَّلاَلاَتِ الدَّامِغَةِ {وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَشْكُرُونَ} [1243] أَيْ لاَ يَقُومُونَ بِشُكْرِ مَا أَنْعَمَ اللهُ بِهِ عَلَيْهِمْ فِي دِينِهِمْ وَدُنْيَاهُمْ. [1243] (الطبري:5/266) وَفِي هَذِهِ الْقِصَّةِ عِبْرَةٌ وَدَلِيلٌ، عَلَى أَنَّهُ لَنْ يُغْنِيَ حَذَرٌ مِنْ قَدَرِ، وَأَنَّهُ لاَ مَلْجَأَ مِنَ اللهِ إِلاَّ إِلَيْهِ، فَإِنَّ هَؤُلاَءِ خَرَجُوا فِرَارًا مِنَ الْوَبَاءِ، طَلَبًا لِطُولِ الْحَيَاةِ، فَعُومِلُوا بِنَقِيضِ قَصْدِهِمْ، وَجَاءَهُمُ الْمَوْتُ سَرِيعًا فِي آنٍ وَاحِدٍ. وَمِنْ هَذَا الْقَبِيلِ الْحَدِيثُ الصَّحِيحُ الَّذِي رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّ عَمُرَ بْنَ الْخَطَّابِ خَرَجَ إِلَى الشَّامِ، حَتَّى إِذَا كَانَ بِسَرْغَ لَقِيَهُ أُمَرَاءُ الْأَجْنَادِ: أَبُو عُبَيْدَةَ بْنُ الْجَرَّاحِ وَأَصْحَابُهُ، فَأَخْبَرُوهُ أَنَّ الْوَبَاءَ قَدْ وَقَعَ بِالشَّامِ... فَذَكَرَ الْحَدِيثَ. فَجَاءَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ، وَكَانَ مُتَغَيِّبًا لِبَعْضِ حَاجَتِهِ فَقَالَ: إِنَّ عِنْدِي مِنْ هَذَا عِلْمًا، سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: «إِذَا كَانَ بِأَرْضٍ وَأَنْتُمْ بِهَا فَلاَ تَخْرُجُوا فِرَارًا مِنْهُ، وَإِذَا سَمِعْتُمْ بِهِ بِأَرْضٍ فَلاَ تَقْدَمُوا عَلَيهِ» فَحَمِدَ اللهَ عُمَرُ ثُمَّ انْصَرَفَ[1244]. وَأَخْرَجَاهُ فِي الصَّحِيحَيْنِ[1245]. [1244] (أحمد:1/194) [1245] (فتح الباري:10/189 و190و12/361، ومسلم:4/1740) [اَلْفِرَارُ مِنَ الْجِهَادِ لاَ يُقَرِّبُ الْأَجَلَ وَلاَ يُبَعِّدُهُ] وَقَوْلُهُ: {وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} أَيْ كَمَا أَنَّ الْحَذَرَ لاَ يُغْنِي مِنَ الْقَدَرِ، كَذَلِكَ الْفِرَارُ مِنَ الْجِهَادِ وَتَجَنُّبُهُ لاَ يُقَرِّبُ أَجَلاً وَلاَ يُبَعِّدُهُ، بَلِ الْأَجَلُ الْمَحْتُومُ وَالرِّزْقُ الْمَقْسُومُ مُقَدَّرٌ مُقَنَّنٌ لاَ يُزَادُ فِيهِ وَلاَ يُنْقَصُ مِنْهُ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: {الَّذِينَ قَالُوا لإِخْوَانِهِمْ وَقَعَدُوا لَوْ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُوا قُلْ فَادْرَأُوا عَنْ أَنْفُسِكُمُ الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ} [آل عمران:168] وقَالَ تَعَالَى: {وَقَالُوا رَبَّنَا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتَالَ لَوْلاَ أَخَّرْتَنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ وَالآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقَى وَلاَ تُظْلَمُونَ فَتِيلاً *أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكْكُّمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ} [النساء:77،78]. وَرُوِينَا عَنْ أَمِيرِ الْجُيُوشِ، وَمُقَدَّمِ الْعَسَاكِرِ، وَحَامِي حَوْزَةِ الْإِسْلاَمِ، وَسَيْفِ اللهِ الْمَسْلُولِ عَلَى أَعْدَائِهِ: أَبِي سُلَيْمَانَ خَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، أَنَّهُ قَالَ وَهُوَ فِي سِيَاقِ الْمَوْتِ: لَقَدْ شَهِدتُ كَذَا وَكَذَا مَوْقِفًا، وَمَا مِنْ عُضْوٍ مِنْ أَعْضَائِي إِلاَّ وَفِيهِ رَمْيَةٌ أَوْ طَعْنَةٌ أَوْ ضَرْبَةٌ، وَهَا أَنَا ذَا أَمُوتُ عَلَى فِرَاشِي كَمَا يَمُوتُ الْعِيرُ!! فَلاَ نَامَتْ أَعْيُنُ الْجُبَنَاءِ. يَعْنِي أَنَّهُ يَتَأَلَّمُ لِكَوْنِهِ مَا مَاتَ قَتِيلاً فِي الْحَرْبِ، وَيَتَأَسَّفُ عَلَى ذَلِكَ، وَيَتَأَلَّمُ أَنْ يَمُوتَ عَلَى فِرَاشِهِ[1246]. [1246] (تهذيب التهذيب:3/124) [اَلْقَرْضُ الْحَسَنُ وَثَوَابُهُ] وَقَوْلُهُ: {مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَناً فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً} يَحُثُّ تَعَالَى عِبَادَهُ عَلَى الْإِنْفَاقِ فِي سَبِيلِ اللهِ، وَقَدْ كَرَّرَ تَعَالَى هَذِهِ الْآيَةَ فِي كِتَابِهِ الْعَزِيزِ فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ، وَفِي حَدِيثِ النُّزُولِ أَنَّهُ يَقُولُ تَعَالَى: «مَنْ يُقْرِضُ غَيْرَ عَدِيم وَلاَ ظَلُومٍ»[1247]. [1247] (مسلم:758) وَقَوْلُهُ: {فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً} كَمَا قَالَ تَعَالَى: {مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِئَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ}... الْآيَةَ، [البقرة:26] وَسَيَأْتِي الْكَلاَمُ عَلَيْهَا. وَقَوْلُهُ: {وَاللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ} أَيْ أَنْفِقُوا وَلاَ تُبَالُوا، فَاللهُ هُوَ الرَّزَّاقُ، يُضَيِّقُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ فِي الرِّزْقِ، وَيُوَسِّعُهُ عَلَى آخَرِينَ، لَهُ الْحِكْمَةُ الْبَالِغَةُ فِي ذَلِكَ {وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} أَيْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ. {أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلَإِ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى إِذْ قَالُوا لِنَبِيٍّ لَهُمُ ابْعَثْ لَنَا مَلِكًا نُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ قَالَ هَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ أَلاَّ تُقَاتِلُوا قَالُوا وَمَا لَنَا أَلاَّ نُقَاتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَدْ أُخْرِجْنَا مِنْ دِيَارِنَا وَأَبْنَائِنَا فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ تَوَلَّوْا إِلاَّ قَلِيلاً مِنْهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ} [قِصَّةُ الْيَهُودِ فِي طَلَبِهِمُ الْمَلِكَ وَالْقِتَالَ مَعَهُ، وَاسْتِقَامَةُ الْقَلِيلِ مِنْهُمْ وَانْتِصَارُهُمْ] قَالَ مُجَاهِدٌ: هُوَ شَمْوِيلُ عَلَيْهِ السَّلاَمُ[1248]. وَقَالَ وَهْبُ ابْنُ مُنَبِّهٍ وَغَيْرُهُ: كَانَ بَنُو إِسْرَائِيلَ بَعْدَ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلاَمُ عَلَى طَرِيقِ الاِسْتِقَامَةِ مُدَّةً مِنَ الزَّمَانِ، ثُمَّ أَحْدَثُوا الْأَحْدَاثَ، وَعَبَدَ بَعْضُهُمُ الْأَصْنَامَ، وَلَمْ يَزَلْ بَيْنَ أَظْهُرِهِمْ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ مَنْ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ، وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ، وَيُقِيمُهُمْ عَلَى مَنْهَجِ التَّوْرَاةِ، إِلَى أَنْ فَعَلُوا مَا فَعَلُوا، فَسَلَّطَ اللهُ عَلَيْهِمْ أَعْدَاءَهُمْ، فَقَتَلُوا مِنْهُمْ مَقْتَلَةً عَظِيمَةً، وَأَسَرُوا خَلْقًا كَثِيرًا، وَأَخَذُوا مِنْهُمْ بِلاَدًا كَثِيرَةً. وَلَمْ يَكُنْ أَحَدٌ يُقَاتِلُهُمْ إِلاَّ غَلَبُوهُ، وَذَلِكَ أَنَّهُمْ كَانَ عِنْدَهُمُ التَّوْرَاةُ، وَالتَّابُوتُ الَّذِي كَانَ فِي قَدِيمِ الزَّمَانِ، وَكَانَ ذَلِكَ مَوْرُوثًا لِخَلَفِهِمْ عَنْ سَلَفِهِمْ إِلَى مُوسَى الْكَلِيمِ عَلَيْهِ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ. [1248] (الطبري:5/293) فَلَمْ يَزَلْ بِهِمْ تَمَادِيهِمْ عَلَى الضَّلاَلِ حَتَّى اسْتَلَبَهُ مِنْهُمْ بَعْضُ الْمُلُوكِ فِي بَعْضِ الْحُرُوبِ، وَأَخَذَ التَّوْرَاةَ مِنْ أَيْدِيهِمْ، وَلَمْ يَبْقَ مَنْ يَحْفَظُهَا فِيهِمْ إِلاَّ الْقَلِيلُ، وَانْقَطَعَتِ النُّـبُوَّةُ مِنْ أَسْبَاطِهِمْ، وَلَمْ يَبْقَ مِنْ سِبْطِ لاَوِيٍّ الَّذِي يَكُونُ فِيهِ الْأَنْبِيَاءُ إِلاَّ امْرَأَةٌ حَامِلٌ مِنْ بَعْلِهَا وَقَدْ قُتِلَ، فَأَخَذُوهَا فَحَبَسُوهَا فِي بَيْتٍ، وَاحْتَفَظُوا بِهَا، لَعَلَّ اللهَ يَرْزُقُهَا غُلاَمًا يَكُونُ نَبِيًّا لَهُمْ، وَلَمْ تَزَلِ الْمَرْأَةُ تَدْعُو اللهَ عَزَّ وَجَلَّ أَنْ يَرْزُقَهَا غُلاَمًا، فَسَمِعَ اللهُ لَهَا وَوَهَبَهَا غُلاَمًا، فَسَمَّتْهُ شَمْوِيلُ. أَيْ سَمِعَ اللهُ دُعَائِي. وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ: شَمْعُونَ، وَهُوَ بِمَعْنَاهُ. فَشَبَّ ذَلِكَ الْغُلاَمُ، وَنَشَأَ فِيهِمْ، أَنْبَتَهُ اللهُ نَبَاتًا حَسَنًا، فَلَمَّا بَلَغَ سِنَّ الْأَنْبِيَاءِ أَوْحَى اللهُ إِلَيْهِ، وَأَمَرَهُ بِالدَّعْوَةِ إِلَيْهِ وَتَوْحِيدِهِ، فَدَعَا بَنِي إِسْرَائِيلَ، فَطَلَبُوا مِنْهُ أَن يُقِيمَ لَهُمْ مَلِكًا يُقَاتِلُونَ مَعَهُ أَعْدَاءَهُمْ، وَكَانَ الْمُلْكُ أَيْضًا قَدْ بَادَ فِيهِمْ، فَقَالَ لَهُمُ النَّبِيُّ: فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِن أَقَامَ اللهُ لَكُمْ مَلِكًا أَلاَّ تَفُوا بِمَا الْتَزَمْتُمْ مِنَ الْقِتَالِ مَعَهُ. {قَالُوا وَمَا لَنَا أَلاَّ نُقَاتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَدْ أُخْرِجْنَا مِنْ دِيَارِنَا وَأَبْنَائِنَا} أَيْ وَقَدْ أُخِذَتْ مِنَّا الْبِلاَدُ، وَسُبِيَتِ الْأَوْلاَدُ، قَالَ اللهُ تَعَالَى: {فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ تَوَلَّوْا إِلاَّ قَلِيلاً مِنْهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ} أَيْ مَا وَفَوْا بِمَا وَعَدُوا، بَلْ نَكَلَ عَنِ الْجِهَادِ أَكْثَرُهُمْ، وَاللهُ عَلِيمٌ بِهِمْ. {وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكًا قَالُوا أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِنَ الْمَالِ قَالَ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ وَاللَّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ} أَيْ: لَمَّا طَلَبُوا مِنْ نَبِيِّهِمْ أَن يُعَيِّنَ لَهُمْ مَلِكًا مِنْهُمْ، فَعَيَّنَ لَهُمْ طَالُوتَ، وَكَانَ رَجُلاً مِنْ أَجْنَادِهِمْ، وَلَمْ يَكُنْ مِنْ بَيْتِ الْمَلِكِ فِيهِمْ، لِأَنَّ الْمُلْكَ فِيهِمْ كَانَ فِي سِبْطِ يَهُوذَا، وَلَمْ يَكُنْ هَذَا مِنْ ذَلِكَ السِّبْطِ، فَلِهَذَا قَالُوا: {أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا}، أَيْ كَيْفَ يَكُونُ مَلِكًا عَلَيْنَا {وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِنَ الْمَالِ} أَيْ هُوَ مَعَ هَذَا فَقِيرٌ لاَ مَالَ لَهُ يَقُومُ بِالْمُلْكِ، وَقَدْ ذَكَرَ بَعْضُهُمْ أَنَّهُ كَانَ سَقَّاءً. وَقِيلَ: دَبَّاغًا. وَهَذَا اعْتِرَاضٌ مِنْهُمْ عَلَى نَبِيِّهِمْ وَتَعَنُّتٌ، وَكَانَ الْأَوْلَى بِهِمْ: طَاعَةٌ وَقَوْلٌ مَعْرُوفٌ ثُمَّ قَدْ أَجَابَهُمُ النَّبِيُّ قَائِلاً: {إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ} أَيِ اِخْتَارَهُ لَكُمْ مِنْ بَيْنِكُمْ، وَاللهُ أَعْلَمُ بِهِ مِنْكُمْ، يَقُولُ: لَسْتُ أَنَا الَّذِي عَيَّنْتُهُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِي، بَلِ اللهُ أَمَرَنِي بِهِ لَمَّا طَلَبْتُمْ مِنِّي ذَلِكَ، {وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ} أَيْ وَهُوَ مَعَ هَذَا أَعْلَمُ مِنْكُمْ وَأَنْبَلُ، وَأَشْكَلُ مِنْكُمْ، وَأَشَدُّ قُوَّةً وَصَبْرًا فِي الْحَرْبِ وَمَعْرِفَةً بِهَا. أَيْ أَتَمُّ عِلْمًا وَ قَامَةً مِنْكُمْ. وَمِنْ هَهُنَا يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ الْمَلِكُ ذَا عِلْمٍ وَشَكْلٍ حَسَنٍ، وَقُوَّةٍ شَدِيدَةٍ فِي بَدَنِهِ وَنَفْسِهِ؛ ثُمَّ قَالَ: {وَاللَّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَنْ يَشَاءُ} أَيْ هُوَ الْحَاكِمُ الَّذِي مَا شَاءَ فَعَلَ، وَلاَ يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ، وَهُمْ يُسْأَلُونَ، لِعِلْمِهِ وَحِكْمَتِهِ وَرَأْفَتِهِ بِخَلْقِهِ، وَلِهَذَا قَالَ: {وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ} أَيْ هُوَ وَاسِعُ الْفَضْلِ، يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ، عَلِيمٌ بِمَنْ يَسْتَحِقُّ الْمُلْكَ مِمَّنْ لاَ يَسْتَحِقُّهُ. {وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ فِيهِ سَكِينَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَبَقِيَّةٌ مِمَّا تَرَكَ آلُ مُوسَى وَآلُ هَارُونَ تَحْمِلُهُ الْمَلاَئِكَةُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآَيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ} يَقُولُ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ: إِنَّ عَلاَمَةَ بَرَكَةِ مُلْكِ طَالُوتَ عَلَيْكُمْ أَن يَرُدَّ اللهُ عَلَيْكُمُ التَّابُوتَ الَّذِي كَانَ أُخِذَ مِنْكُمْ {فِيهِ سَكِينَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ} قِيلَ: مَعْنَاهُ وَقَارٌ وَجَلاَلَةٌ. قَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ قَتَادَةَ {فِيهِ سَكِينَةٌ} أَيْ وَقَارٌ[1249]. وَقَالَ الرَّبِيعُ: رَحْمَةٌ. وَكَذَا رُوِيَ عَنِ الْعَوْفِيِّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ. [1249] (عبدالرزاق:1/98) وَقَوْلُهُ: {وَبَقِيَّةٌ مِمَّا تَرَكَ آلُ مُوسَى وَآلُ هَارُونَ} رَوَى ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، فِي هَذِهِ الْآيَةِ: {وَبَقِيَّةٌ مِمَّا تَرَكَ آلُ مُوسَى وَآلُ هَارُونَ} قَالَ: عَصَاهُ، وَرُضَاضُ الْأَلْوَاحِ[1250]. وَكَذَا قَالَ قَتَادَةُ وَالسُّدِّيُّ وَالرَّبِيعُ ابْنُ أَنَسٍ وَعِكْرِمَةُ، وَزَادَ: وَالتَّوْرَاةُ[1251]. وَقَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ: سَأَلْتُ الثَّوْرِيَّ عَنْ قَوْلِهِ {وَبَقِيَّةٌ مِمَّا تَرَكَ آلُ مُوسَى وَآلُ هَارُونَ} ؟ فَقَالَ: مِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ: قَفِيزٌ مِنْ مَنٍّ، وَرُضَاضُ الْأَلْوَاحِ. وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ: الْعَصَا وَالنَّعْلاَنِ[1252]. [1250] (الطبري:5/331) [1251] (الطبري:5/332،331) [1252] (الطبري:5/333) وَقَوْلُهُ: {تَحْمِلُهُ الْمَلاَئِكَةُ} قَالَ ابْنُ جُرَيجٍ: قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: جَاءَتِ الْمَلاَئِكَةُ تَحْمِلُ التَّابُوتَ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ حَتَّى وَضَعَتْهُ بَيْنَ يَدَيْ طَالُوتَ وَالنَّاسُ يَنْظُرُونَ[1253]. قَالَ السُّدِّيُّ: أَصْبَحَ التَّابُوتُ فِي دَارِ طَالُوتَ، فَآمَنُوا بِنُبُوَّةِ شَمْعُونَ، وَأَطَاعُوا طَالُوتَ[1254]. [1253] (الطبري:5/335) [1254] (الطبري:5/335) وَقَوْلُهُ: {إِنَّ فِي ذَلِكَ لآَيَةً لَكُمْ} أَيْ عَلَى صِدْقِي فِيمَا جِئْتُكُمْ بِهِ مِنَ النُّـبُوَّةِ، وَفِيمَا أَمَرْتُكُمْ بِهِ مِنْ طَاعَةِ طَالُوتَ {إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ} أَيْ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الاْخِرِ. {فَلَمَّا فَصَلَ طَالُوتُ بِالْجُنُودِ قَالَ إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي إِلاَّ مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ فَشَرِبُوا مِنْهُ إِلاَّ قَلِيلاً مِنْهُمْ فَلَمَّا جَاوَزَهُ هُوَ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ قَالُوا لاَ طَاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ قَالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاَقُو اللَّهِ كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ} يَقُولُ تَعَالَى مُخْبِرًا عَنْ طَالُوتَ مَلِكِ بَنِي إِسْرَائِيلَ حِينَ خَرَجَ فِي جُنُودِهِ، وَمَنْ أَطَاعَهُ مِنْ مَلَأِ بَنِي إِسْرَائِيلَ، وَكَانَ جَيْشُهُ يَوْمَئِذٍ فِيمَا ذَكَرَهُ السُّدِّيُّ ثَمَانِينَ أَلْفًا[1255] - فَاللهُ أَعْلَمْ - أَنَّهُ قَالَ: {إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ} أَيْ مُخْتَبِرُكُمْ بِنَهَرٍ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَغَيْرُهُ: وَهُوَ نَهْرٌ بَيْنَ الْأُرْدُنِّ وَفِلَسْطِينَ[1256]. يَعْنِي نَهْرَ الشَّرِيعَةِ الْمَشْهُورَ، {فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي} أَيْ فَلاَ يَصْحَبْنِي الْيَوْمَ فِي هَذَا الْوَجْهِ {وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي إِلاَّ مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ}، أَيْ فَلاَ بَأْسَ عَلَيْهِ، قَالَ اللهُ تَعَالَى: {فَشَرِبُوا مِنْهُ إِلاَّ قَلِيلاً مِنْهُمْ} قَالَ ابْنُ جُرَيجٍ: قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: مَنِ اغْتَرَفَ مِنْهُ بِيَدِهِ رَوِيَ، وَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ لَمْ يَرْوَ[1257]. [1255] (الطبري:5/339) [1256] (الطبري:5/340) [1257] (الطبري:5/345) وَقَدْ رَوَى ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ قَالَ: كُنَّا نَتَحَدَّثُ أَنَّ أَصْحَابَ مُحَمَّدٍ ﷺ، الَّذِينَ كَانُوا يَوْمَ بَدْرٍ ثَلاَثَمِائَةٍ وَبِضْعَةَ عَشَرَ، عَلَى عِدَّةِ أَصْحَابِ طَالُوتَ الَّذِينَ جَازُوا مَعَهُ النَّهَرَ، وَمَا جَازَهُ مَعَهُ إِلاَّ مُؤْمِنٌ[1258]. وَرَوَاهُ الْبُخَارِيُّ بِنَحْوِهِ[1259]. [1258] (الطبري:5/347،346) [1259] (فتح الباري:7/339) وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى: {فَلَمَّا جَاوَزَهُ هُوَ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ قَالُوا لاَ طَاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ} أَيِ اسْتَقَلُّوا أَنْفُسَهُمْ عَنْ لِقَاءِ عَدُوِّهِمْ لِكَثْرَتِهِمْ، فَشَجَّعَهُمْ عُلَمَاؤُهُمْ، وَهُمُ الْعَالِمُونَ بِأَنَّ وَعْدَ اللهِ حَقٌّ، فَإِنَّ النَّصْرَ مِنْ عِنْدِ اللهِ. لَيْسَ عَنْ كَثْرَةِ عَدَدٍ وَلاَ عُدَدٍ. وَلِهَذَا قَالُوا: {كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ}. {وَلَمَّا بَرَزُوا لِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ قَالُوا رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ *فَهَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ اللَّهِ وَقَتَلَ دَاوُودُ جَالُوتَ وَآتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاءُ وَلَوْلاَ دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الأَرْضُ وَلَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ *تِلْكَ آيَاتُ اللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ} أَيْ لَمَّا وَاجَهَ حِزْبُ الْإِيمَانِ، وَهُمْ قَلِيلٌ مِنْ أَصْحَابِ طَالُوتَ، لِعَدُوِّهِمْ أَصْحَابِ جَالُوتَ، وَهُمْ عَدَدٌ كَثِيرٌ {قَالُوا رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا} أَيْ أَنْزِلْ عَلَيْنَا صَبْرًا مِنْ عِنْدِكَ {وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا} أَيْ فِي لِقَاءِ الْأَعْدَاءِ، وَجَنِّبْنَا الْفِرَارَ وَالْعَجْزَ {وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ}. قَالَ اللهُ تَعَالَى: {فَهَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ اللَّهِ} أَيْ غَلَبُوهُمْ وَقَهَرُوهُمْ بِنَصْرِ اللهِ لَهُمْ {وَقَتَلَ دَاوُودُ جَالُوتَ} ذَكَرُوا فِي الْإِسْرَائِيلِيَّاتِ: أَنَّهُ قَتَلَهُ بِمِقْلاَعٍ كَانَ فِي يَدِهِ، رَمَاهُ بِهِ فَأَصَابَهُ فَقَتَلَهُ، وَكَانَ طَالُوتُ قَدْ وَعَدَهُ إِنْ قَتَلَ جَالُوتَ أَن يُزَوِّجَهُ ابْنَتَهُ، وَيُشَاطِرَهُ نِعْمَتَهُ، وَيُشْرِكَهُ فِي أَمْرِهِ، فَوَفَّى لَهُ، ثُمَّ آلَ الْمُلْكُ إِلَى دَاوُدَ عَلَيْهِ السَّلاَمُ مَعَ مَا مَنَحَهُ اللهُ بِهِ مِنَ النُّبُوَّةِ الْعَظِيمَةِ، وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى: {وَآتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ} الَّذِي كَانَ بِيَدِ طَالُوتَ {وَالْحِكْمَةَ} أَيِ النَّـبُوَّةَ بَعْدَ شَمْوِيلَ {وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاءُ} أَيْ مِمَّا يَشَاءُ اللهُ مِنَ الْعِلْمِ الَّذِي اخْتَصَّهُ بِهِ ﷺ. ثُمَّ قَالَ تَعَالَى: {وَلَوْلاَ دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الأَرْضُ} أَيْ لَوْلاَ اللهُ يَدْفَعُ عَنْ قَوْمٍ بِآخَرِينَ، كَمَا دَفَعَ عَنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ بِمُقَاتَلَةِ طَالُوتَ وَشَجَاعَةِ دَاوُدَ لَهَلَكُوا، كَمَا قَالَ تَعَالَى: {وَلَوْلاَ دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا}... الْآيَةَ [الحج: 40]. وَقَوْلُهُ: {وَلَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ} أَيْ مَنٍّ عَلَيْهِمْ وَرَحْمَةٍ بِهِمْ، يَدْفَعُ عَنْهُمْ بِبَعْضِهِمْ بَعْضًا، وَلَهُ الْحُكْمُ وَالْحِكْمَةُ وَالْحُجَّةُ عَلَى خَلْقِهِ فِي جَمِيعِ أَفْعَالِهِ وَأَقْوَالِهِ. ثُمَّ قَالَ تَعَالَى: {تِلْكَ آيَاتُ اللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ} أَيْ هَذِهِ آيَاتُ اللهِ الَّتِي قَصَصْنَاهَا عَلَيْكَ مِنْ أَمْرِ الَّذِينَ ذَكَرْنَاهُمْ بِالْحَقِّ، أَيْ بِالْوَاقِعِ الَّذِي كَانَ عَلَيْهِ الْأَمْرُ الْمُطَابِقُ لِمَا بِأَيْدِي أَهْلِ الْكِتَابِ مِنَ الْحَقِّ الَّذِي يَعْلَمُهُ عُلَمَاءُ بَنِي إِسْرَائِيلَ {وَإِنَّكَ} يَا مُحَمَّدُ {لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ} وَهَذَا تَوْكِيدٌ وَتَوْطِئَةٌ لِلْقَسَمِ.