الصلاة التي علمها النبي ﷺ الصحابة رضي الله عنهم

الصلاة التي علمها النبي ﷺ الصحابة رضي الله عنهم

الصلاة التي علمها النبي ﷺ الصحابة رضي الله عنهم

Language: English
Prepared by: د. محمد مقعد العصيمي
Version: 1.0
Translations 0
Attachments 7
PDF
Audio
Video
+3

الصلاة التي علمها النبي ﷺ الصحابة رضي الله عنهم

(70) طريقة نبوية يحتاجها الفقيه في تعليم الصلاة

د. محمد مقعد العصيمي

المشرف على مدرسة خولة بنت حكيم

لتحفيظ القرآن الكريم

مقدمة:

إن الحمد لله، نحمده، ونستعينه، ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيِّئات أعمالنا، من يهده الله؛ فلا مُضِلَّ له، ومن يضلل؛ فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله.

أما بعد: فلا يختلف اثنان في فضل تعليم الناس ما ينفعهم خاصة في أمور دينهم، وأن معلم الناس الخير فضله عظيم عند الله تعالى، فالله وملائكته وأهل السماوات والأرض، حتى النملة في جحرها، وحتى الحوت في الماء؛ ليصلون على معلم الناس الخير، وذلك لما يحدثه من أثر كبير في الأمة بدعوتهم إلى الهدى فيناله أجر من تبعه في ذلك.

وكان من هديه ﷺ أنه لا يتوانى عن تعليم الناس دينهم، وإن كان مشغولًا في الأمور المهمة، لما رُوي أنه ﷺ ترك خطبته، وجلس يعلم رجلًا جاءه يسأله عن أمور دينه، ثم أتم خطبته[1]، وثبت أنه ﷺ قام يومًا كاملًا يعلم أصحابه رضي الله عنهم، مما يبين حرصه على إبلاغ الرسالة[2]، فحريٌّ بكل مسلم أن يجتهد في تعليم الناس شريعة ربهم، كلٍّ بحسب علمه وطاقته. [1]صحيح مسلم (876). [2]صحيح مسلم (2892).

لماذا نُعلِّم الناس الصلاة؟

1- عمود الإسلام: لقوله ﷺ: «رَأْسُ الْأَمْرِ الْإِسْلَامُ وَعَمُودُهُ الصَّلَاةُ، وَذِرْوَةُ سَنَامِهِ الْجِهَادُ،...»[3]، فالإسلام هو أصل الدين، فإذا صلى المسلم وداوم قوي دينه[4]. [3]مسند أحمد (22016). وصححه الترمذي وقال الدارقطني: وهو صحيح من حديث الحكم، وحبيب، عن ميمون. وصححه الألباني، علل الدارقطني (6/ 75)، إتحاف الخيرة المهرة بزوائد المسانيد العشرة (1/ 85)، صحيح الجامع الصغير وزيادته (2/ 913). [4]انظر: تحفة الأحوذي بشرح جامع الترمذي للمباركفوري (7/305).

2- الركن الثاني من أركان الإسلام: لقوله ﷺ: «بُنِيَ الْإِسْلَامُ عَلَى خَمْسٍ...»، أي دعائم، وذكر منها: «وَإِقَامِ الصَّلَاةِ»[5]. [5]صحيح البخاري (8).

3- أول ما يحاسب به العبد يوم القيامة: لقول النبي ﷺ: «إِنَّ أَوَّلَ مَا يُحَاسَبُ النَّاسُ بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنْ أَعْمَالِهِمُ الصَّلَاةُ»[6]. [6]سنن أبي داود (864). وصححه ابن القطان والحاكم والألباني. فتح الغفار الجامع لأحكام سنة نبينا المختار (1/ 496)، صحيح وضعيف سنن أبي داود (ص: 2).

4- منهاة عن الفحشاء والمنكر: لقوله تعالى: ﴿...إِنَّ ٱلصَّلَوٰةَ تَنۡهَىٰ عَنِ ٱلۡفَحۡشَآءِ وَٱلۡمُنكَرِ...﴾[7] ، وهذا من أعظم مقاصدها وثمراتها[8]. [7][العنكبوت: 45]. [8]تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان للسعدي (ص632).

5- تركها يعد كفرًا: لقوله ﷺ: «بَيْنَ الرَّجُلِ وَبَيْنَ الشِّرْكِ وَالْكُفْرِ تَرْكُ الصَّلَاةِ»[9]، وقوله ﷺ أيضًا: «إِنَّ الْعَهْدَ الَّذِي بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمُ الصَّلاَةُ، فَمَنْ تَرَكَهَا فَقَدْ كَفَرَ»[10]. [9]صحيح مسلم (82). [10]سنن الترمذي (2621). وصححه النسائي والعراقي والألباني وإسناده على شرط مسلم. فتح الغفار الجامع لأحكام سنة نبينا المختار (1/ 182)، صحيح وضعيف سنن الترمذي (6/ 121).

وهذان الحديثان يدلان على أن تارك الصلاة كافر خارج عن الملة[11]. [11]انظر: شرح رياض الصالحين لابن عثيمين (5/100)، وتارك الصلاة على حالين: إحداهما: أن يترك الصلاة مع الجحد للوجوب، فيرى أنها غير واجبة عليه وهو مكلف، فهذا يكون كافرًا كفرًا أكبر بإجماع أهل العلم، ثانيها: من تركها تهاونًا وكسلًا وهو يعلم أنها واجبة، فهذا فيه خلاف بين أهل العلم، فمنهم من كفره كفرًا أكبرا، ومنهم من كفره كفرا أصغرا؛ والصواب القول الأول، لأن الصلاة شأنها عظيم. انظر: مجموع فتاوى العلامة ابن باز (29/163).

6- فرضها مباشرة في السماء بدون واسطة: لقوله ﷺ: «ثُمَّ عَرَجَ بِي حَتَّى ظَهَرْتُ لِمُسْتَوًى أَسْمَعُ فِيهِ صَرِيفَ الْأَقْلَامِ، فَفَرَضَ اللهُ عَلَيَّ خَمْسِينَ صَلَاةً،...»[12]. [12]صحيح البخاري (3342).

7- الهمُّ بتحريق بيوت من لم يشهدها مع الجماعة: لما رُوي أنه ﷺ همَّ بالذهاب إلى المتخلفين عن الجماعة فيحرق عليهم بيوتهم، مما يدل على أهمية هذه الفريضة العظيمة، والتي تساهل كثير من المسلمين في المحافظة عليها في المساجد.

كيف نعلم أن الشخص لا يحسن الصلاة؟

1- أن يلاحظ المعلم ذلك بنفسه: لقوله ﷺ للمسيء في صلاته: «ارْجِعْ فَصَلِّ فَإِنَّكَ لَمْ تُصَلِّ...»[13] ، ولما رُوي أنه ﷺ لمح بمؤخر عينه رجلًا، لا يقيم صلاته، -يعني صلبه- في الركوع والسجود، فقال: «يَا مَعْشَرَ الْمُسْلِمِينَ، لَا صَلَاةَ لِمَنْ لَا يُقِيمُ صُلْبَهُ فِي الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ»[14]. [13]صحيح البخاري (757). [14]سنن ابن ماجة (871). قال البوصيري: هذا إسناد صحيح رجاله ثقات. وصححه الألباني. مصباح الزجاجة في زوائد ابن ماجه (1/ 108)، صحيح وضعيف سنن ابن ماجة (1/ 13).

2- أن يعلم بذلك من شخص آخر: لحديث معاوية بن الحكم السلمي رضي الله عنه، أنه صلى مع رسول الله ﷺ، فعطس رجل من القوم، فشمته، فجعل الصحابة رضي الله عنهم ينظرون إليه بغضب، فقال له النبي ﷺ معلمًا: «إِنَّ هَذِهِ الصَّلَاةَ لَا يَصْلُحُ فِيهَا شَيْءٌ مِنْ كَلَامِ النَّاسِ، إِنَّمَا هِيَ التَّسْبِيحُ وَالتَّكْبِيرُ وَالتَّهْلِيلُ وَقِرَاءَةُ الْقُرْآنِ»[15]. [15]صحيح مسلم (537)، قوله: (واثكل أمياه) الثكل: المصيبة والفجيعة، وقوله: (ما كهرني) الكهر: الانتهار. كشف المشكل من حديث الصحيحين (4/233).

3- أن يكون الشخص حديث عهد بإسلام: فكان من هديه ﷺ الحرص على تعليم المسلم الجديد ما يجب عليه في أمر الصلاة من القيام بأركانها وواجباتها والبعد عن مبطلاتها.

الفصل الأول

ويشتمل على:

الإفصاح عن محبته ﷺ للصلاة.

غرس المعلم الشغف عند المتعلمين بالاقتداء بهدي النبي ﷺ في الصلاة.

الاقتداء بالصحابة في تعليم الناس صلاة رسول الله ﷺ.

الإقبال على المخاطبين لتعليمهم.

الأخذ بيد المتعلم في تعليم الصلاة.

التمهيد بين يدي التعليم.

التشويق إلى المعلومة.

التقديم والتلطف بين يدي التعليم.

1- التعليم بالإفصاح عن محبته ﷺ للصلاة؛ ومن صور ذلك في السيرة ما يلي:

أ- الصلاة قرة عين:

عن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «حُبِّبَ إِلَيَّ مِنَ الدُّنْيَا: النِّسَاءُ، وَالطِّيبُ، وَجُعِلَ قُرَّةُ عَيْنِي فِي الصَّلَاةِ»[16]. [16]سنن النسائي (3939). وصححه ابن حجر والألباني. فتح الباري لابن حجر (11/ 345)، صحيح وضعيف سنن النسائي (9/ 11).

فجعل الله لنبيه ﷺ الصلاة قرة عينه؛ لما فيها من العبادة والمناجاة لربه، والمثول بين يديه[17]. [17]انظر: التنوير شرح الجامع الصغير للصنعاني (5/270).

ب- الصلاة راحة للنفس:

عن عبد الله بن محمد بن الحنفية، قال: انطلقت أنا وأبي، إلى صهر لنا من الأنصار نعوده فحضرت الصلاة، فقال لبعض أهله: يا جارية ائتوني بوضوء لعلي أصلي فأستريح، قال: فأنكرنا ذلك عليه، فقال: سمعت رسول الله ﷺ، يقول: «قُمْ يَا بِلَالُ، فَأَرِحْنَا بِالصَّلَاةِ»[18]. [18]سنن أبي داود (4986). سنن أبي داود ( 4986). قال الزيلعي: وهذا الإسناد على شرط البخاري. وصححه الألباني. تخريج أحاديث الكشاف (1/ 63)، صحيح وضعيف سنن أبي داود (ص: 2).

فكان اشتغال النبي ﷺ بالصلاة راحة له؛ وكان يعدُّ غيرها من الأعمال الدنيوية تعبًا.

ج- الصلاة أحب من الدنيا جميعًا:

عن عائشة رضي الله عنها، عن النبي ﷺ أنه قال في شأن الركعتين عند طلوع الفجر: «لَهُمَا أَحَبُّ إِلَيَّ مِنَ الدُّنْيَا جَمِيعًا»[19]. [19]صحيح مسلم (725).

فأخبر النبي ﷺ أن الركعتين عند طلوع الفجر أحبُّ إليه من الدنيا وما فيها[20]. [20]شرح رياض الصالحين لابن عثيمين (5/125).

وعن جابر بن عبدالله رضي الله عنهما، قال: «غزونا مع رسول الله ﷺ قومًا من جهينة...؛ قال المشركون:..... إنه ستأتيهم صلاة هي أحب إليهم من الأولاد،...»[21]. [21]صحيح مسلم (840).

فبلغت محبة النبي ﷺ وأصحابه رضي الله عنهم للصلاة مبلغًا عظيمًا بحيث شهد لهم أعداءهم بذلك.

د- الوصية عند الموت بالصلاة:

عن أم سلمة رضي الله عنها زوج النبي ﷺ، أنه كان عامة وصية نبي الله ﷺ عند موته: «الصَّلَاةَ الصَّلَاةَ، وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ»، حتى جعل نبي الله ﷺ يلجلجها في صدره، وما يفيض بها لسانه[22]. [22]مسند أحمد (26684)، ومعنى يلجلجها: يحركها في صدره. النهاية في غريب الحديث والأثر لابن الأثير (4/234). والحديث صححه الحاكم والذهبي والألباني. سلسلة الأحاديث الصحيحة وشيء من فقهها وفوائدها (2/ 525).

فأوصى النبي ﷺ بالصلاة عند موته، مما يدل على عظم تلك الوصية وأهميتها.

2- غرس المعلم الشغف عند المتعلمين بالاقتداء بهدي النبي ﷺ في الصلاة:

لقد كان الصحابة رضي الله عنهم أشد حرصا على اتباع أقوال النبي ﷺ؛ وتتبع حركاته وسكناته، لأنه السبيل للفلاح والهدى، قال الله سبحانه وتعالى: ﴿...إِن تُطِيعُوهُ تَهۡتَدُواْ...﴾ [النور:54]، ولذلك بادر الصحابة رضي الله عنهم إلى الاقتداء بهﷺ، ومن ذلك ما يلي:

أ- شدة النظر إليه والتتبع لأفعاله وأقواله ﷺ:

عن البراء بن عازب رضي الله عنه، قال: "رَمَقْتُ الصَّلَاةَ مَعَ مُحَمَّدٍ ﷺ، فَوَجَدْتُ قِيَامَهُ فَرَكْعَتَهُ، فَاعْتِدَالَهُ بَعْدَ رُكُوعِهِ، فَسَجْدَتَهُ، فَجَلْسَتَهُ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ، فَسَجْدَتَهُ، فَجَلْسَتَهُ مَا بَيْنَ التَّسْلِيمِ وَالِانْصِرَافِ، قَرِيبًا مِنَ السَّوَاءِ"[23]. [23]صحيح مسلم (471)، وقوله: «رمقت»؛ أي: نظرت، والمعنى: ترمقت هنا المبالغة في النظر وشدة التتبع لأفعاله وأقواله ﷺ. رياض الأفهام في شرح عمدة الأحكام للفاكهاني (2/215).

وعن ابن عمر رضي الله عنهما، قال: "رَمَقْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عِشْرِينَ مَرَّةً يَقْرَأُ فِي الرَّكْعَتَيْنِ بَعْدَ الْمَغْرِبِ وَفِي الرَّكْعَتَيْنِ قَبْلَ الْفَجْرِ قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ، وَقُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ"[24]. [24]سنن النسائي (992). وحسنه الألباني. صحيح وضعيف سنن النسائي (3/ 136).

وعن السعدي، عن أبيه، أو عن عمه رضي الله عنه، قال: "رَمَقْتُ النَّبِيَّ ﷺ فِي صَلَاتِهِ، فَكَانَ يَتَمَكَّنُ فِي رُكُوعِهِ وَسُجُودِهِ قَدْرَ مَا يَقُولُ: سُبْحَانَ اللَّهِ وَبِحَمْدِهِ ثَلَاثًا" [25]. [25]سنن أبي داود (885). وصححه الألباني، صحيح وضعيف سنن أبي داود (ص: 2).

ويستفاد مما سبق الحث على مراعاة أفعال العالم وأقواله؛ للاقتداء به.

ب- فطنة الصحابة رضي الله عنهم لأحوال الرسول ﷺ في حركاته وسكناته:

عن أبي هريرة رضي الله عنه، قال: كان رسول الله ﷺ يسكت بين التكبير وبين القراءة إسكاتة -قال: أحسبه قال: هُنَيَّةً- فقلت: بأبي وأمي يا رسول الله، إسكاتك بين التكبير والقراءة ما تقول؟، قال: «أَقُولُ: اللَّهُمَّ بَاعِدْ بَيْنِي وَبَيْنَ خَطَايَايَ، كَمَا بَاعَدْتَ بَيْنَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ، اللَّهُمَّ نَقِّنِي مِنْ خَطَايَايَ، كَالثَّوْبِ الْأَبْيَضِ مِنَ الدَّنَسِ، اللَّهُمَّ اغْسِلْنِي مِنْ خَطَايَايَ بِالْمَاءِ وَالثَّلْجِ وَالْبَرَدِ»[26]. [26]صحيح البخاري (744)، وهُنَيَّة: أي؛ قليلًا من الزمان. شرح النووي على مسلم (5/96).

ولقد كان دأب الصحابة رضي الله عنهم مع النبي ﷺ؛ الحرص على الاقتداء به ﷺ في كل حركة وسكون، وذلك من نعم الله -عز وجل- على هذه الأمة؛ إذ هم الذين نقلوا الشريعة إلينا، ولو تساهلوا في ذلك لاختل هذا النظام[27]. [27]الإعلام بفوائد عمدة الأحكام لابن الملقن (3/7).

وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه، قال: "كُنَّا نَحْزِرُ قِيَامَ رَسُولِ اللهِ ﷺ فِي الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ فَحَزَرْنَا قِيَامَهُ فِي الرَّكْعَتَيْنِ الْأُولَيَيْنِ مِنَ الظُّهْرِ قَدْرَ قِرَاءَةِ الم تَنْزِيلُ السَّجْدَةِ وَحَزَرْنَا قِيَامَهُ فِي الْأُخْرَيَيْنِ قَدْرَ النِّصْفِ مِنْ ذَلِكَ، وَحَزَرْنَا قِيَامَهُ فِي الرَّكْعَتَيْنِ الْأُولَيَيْنِ مِنَ الْعَصْرِ عَلَى قَدْرِ قِيَامِهِ فِي الْأُخْرَيَيْنِ مِنَ الظُّهْرِ وَفِي الْأُخْرَيَيْنِ مِنَ الْعَصْرِ عَلَى النِّصْفِ مِنْ ذَلِكَ" [28]. [28]صحيح مسلم (452)، وقوله: (حزرنا) الحزر: التقدير، والخرص. شرح سنن أبي داود للعيني (3/465).

وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه، قال: "لَقَدْ كَانَتْ صَلَاةُ الظُّهْرِ تُقَامُ فَيَذْهَبُ الذَّاهِبُ إِلَى الْبَقِيعِ فَيَقْضِي حَاجَتَهُ. ثُمَّ يَتَوَضَّأُ. ثُمَّ يَأْتِي وَرَسُولُ اللهِ ﷺ فِي الرَّكْعَةِ الْأُولَى مِمَّا يُطَوِّلُهَا" [29]. [29]المرجع السابق (454).

وعن أبي برزة رضي الله عنه، قال: " كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُصَلِّي الصُّبْحَ وَأَحَدُنَا يَعْرِفُ جَلِيسَهُ، وَيَقْرَأُ فِيهَا مَا بَيْنَ السِّتِّينَ إِلَى المِائَةِ، وَيُصَلِّي الظُّهْرَ إِذَا زَالَتِ الشَّمْسُ، وَالعَصْرَ وَأَحَدُنَا يَذْهَبُ إِلَى أَقْصَى المَدِينَةِ، رَجَعَ وَالشَّمْسُ حَيَّةٌ" [30]. [30]صحيح البخاري (541).

ومما سبق نلاحظ أن الصحابة رضي الله عنهم كانوا يعرفون ما يقرأ رسول الله ﷺ في الجهرية على التحديد، ويعرفون ما يقرأ في السرية على سبيل التقدير، وكانوا يهتمون بهذه المعرفة للاقتداء به ﷺ والتبليغ عنه لمن لم يبلغه.

ج- مبادرة الصحابة إلى الاقتداء بأفعاله ﷺ:

عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه، أن رسول الله ﷺ صلى فخلع نعليه، فخلع الناس نعالهم، فلما انصرف، قال: «لِمَ خَلَعْتُمْ نِعَالَكُمْ؟» فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، رَأَيْنَاكَ خَلَعْتَ فَخَلَعْنَا، قَالَ: «إِنَّ جِبْرِيلَ أَتَانِي فَأَخْبَرَنِي أَنَّ بِهِمَا خَبَثًا فَإِذَا جَاءَ أَحَدُكُمُ الْمَسْجِدَ، فَلْيَقْلِبْ نَعْلَهُ، فَلْيَنْظُرْ فِيهَا، فَإِنْ رَأَى بِهَا خَبَثًا فَلْيُمِسَّهُ بِالْأَرْضِ، ثُمَّ لِيُصَلِّ فِيهِمَا»[31]. [31]مسند أحمد (11153) وفي رواية له برقم: (11877) (فليمسحهما وليصل فيهما). قال النووي: حديث حسن رواه أبو داود بإسناد صحيح. وصححه الألباني. المجموع شرح المهذب (2/ 179)، إرواء الغليل في تخريج أحاديث منار السبيل (1/ 314).

ويستفاد من الحديث أن الائتساء برسول الله ﷺ في أفعاله واجب كما هو في أقواله، وهو أنهم لما رأوا رسول الله ﷺ خلع نعليه خلعوا نعالهم[32]، فما أقر عليه استمروا عليه، وما أنكره امتنعوا منه[33]. [32]انظر: معالم السنن للخطابي (1/182). [33]فتح الباري لابن حجر (10/321).

وعن جابر بن سمرة رضي الله عنه، قال: قال عمر رضي الله عنه لسعد رضي الله عنه: لقد شكوك في كل شيء حتى الصلاة، قال: «أَمَّا أَنَا فَأَمُدُّ فِي الأُولَيَيْنِ وَأَحْذِفُ فِي الآخِرَيْنِ، وَلَا آلُو مَا اقْتَدَيْتُ بِهِ مِنْ صَلَاةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ»، قَالَ: صَدَقْتَ، ذَاكَ الظَّنُّ بِكَ أَوْ ظَنِّي بِكَ [34]. [34]صحيح البخاري (770).

والشاهد من الحديث قول سعد: (لا آلو)، ومعناه لا أقصر، ولا أدع جهدًا في الاقتداء بصلاة رسول الله ﷺ [35]. [35]فتح الباري لابن رجب (7/49).

وعن أبي معمر، قال: قلنا لخباب رضي الله عنه: "قُلْنَا لِخَبَّابٍ أَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَقْرَأُ فِي الظُّهْرِ وَالعَصْرِ؟، قَالَ: نَعَمْ، قُلْنَا: بِمَ كُنْتُمْ تَعْرِفُونَ ذَاكَ؟ قَالَ: بِاضْطِرَابِ لِحْيَتِهِ"[36]. [36]صحيح البخاري (761).

فكان الصحابة رضي الله عنهم يشاهدون اضطراب لحية النبي ﷺ فِي صلاته بمدهم بصرهم إليه في قيامه، وهذا قد يقال: إنه يختص بالصلاة خلف النبي ﷺ، لما يترتب على ذلك من معرفة أفعاله في صلاته فيقتدي به[37]. [37]فتح الباري لابن رجب (6/438).

د- تأكيد ضبط الصحابي لما حفظه عن رسول الله ﷺ:

عن عمارة بن رؤيبة رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله ﷺ، يقول: «لَنْ يَلِجَ النَّارَ أَحَدٌ صَلَّى قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ، وَقَبْلَ غُرُوبِهَا» - يَعْنِي الْفَجْرَ وَالْعَصْرَ -، فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْبَصْرَةِ: آنْتَ سَمِعْتَ هَذَا مِنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ الرَّجُلُ: وَأَنَا أَشْهَدُ أَنِّي سَمِعْتُهُ مِنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ، سَمِعَتْهُ أُذُنَايَ، وَوَعَاهُ قَلْبِي[38]. [38]صحيح مسلم (634).

وفي قوله رضي الله عنه: "سمعته أذناي ووعاه قلبي": المبالغة في تحقيق حفظه إياه وتيقنه زمانه ومكانه[39]. [39]المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج للنووي (9/127).

وعن أبي هريرة رضي الله عنه، قال: "فِي كُلِّ صَلاَةٍ يُقْرَأُ، فَمَا أَسْمَعَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَسْمَعْنَاكُمْ، وَمَا أَخْفَى عَنَّا أَخْفَيْنَا عَنْكُمْ، وَإِنْ لَمْ تَزِدْ عَلَى أُمِّ القُرْآنِ أَجْزَأَتْ وَإِنْ زِدْتَ فَهُوَ خَيْرٌ" [40]. [40]صحيح البخاري (772).

ومراد أبي هريرة رضي الله عنه: أن ما جهر فيه بالقراءة جهرنا به، وما أسر أسررنا به، وهذا يدل على دقة وصف الصحابي لصلاة النبي ﷺ.

3- الاقتداء بالصحابة في تعليم الناس صلاة رسول الله ﷺ:

كان الصحابة رضي الله عنهم مشتغلين بالعمل بما علموا من رسول الله ﷺ، وأيضًا تبليغ هذا العلم للناس، إلى جانب جهادهم في سبيل الله، ومما ورد من أخبار الصحابة رضي الله عنهم في تعليمهم الصلاة للناس تطبيقًا لما تعلموه من النبي ﷺ ما يأتي:

أ- إعلام الصحابي من خلفه أن صلاته أشبه بصلاة رسول الله ﷺ:

عن أبي هريرة رضي الله عنه، «أنه كَانَ يُكَبِّرُ فِي كُلِّ صَلاَةٍ مِنَ المَكْتُوبَةِ، وَغَيْرِهَا فِي رَمَضَانَ وَغَيْرِهِ، فَيُكَبِّرُ حِينَ يَقُومُ، ثُمَّ يُكَبِّرُ حِينَ يَرْكَعُ، ثُمَّ يَقُولُ: سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ، ثُمَّ يَقُولُ: رَبَّنَا وَلَكَ الحَمْدُ قَبْلَ أَنْ يَسْجُدَ، ثُمَّ يَقُولُ: اللَّهُ أَكْبَرُ حِينَ يَهْوِي سَاجِدًا، ثُمَّ يُكَبِّرُ حِينَ يَرْفَعُ رَأْسَهُ مِنَ السُّجُودِ، ثُمَّ يُكَبِّرُ حِينَ يَسْجُدُ، ثُمَّ يُكَبِّرُ حِينَ يَرْفَعُ رَأْسَهُ مِنَ السُّجُودِ، ثُمَّ يُكَبِّرُ حِينَ يَقُومُ مِنَ الجُلُوسِ فِي الِاثْنَتَيْنِ، وَيَفْعَلُ ذَلِكَ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ حَتَّى يَفْرُغَ مِنَ الصَّلاَةِ، ثُمَّ يَقُولُ حِينَ يَنْصَرِفُ: وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، إِنِّي لَأَقْرَبُكُمْ شَبَهًا بِصَلاَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إِنْ كَانَتْ هَذِهِ لَصَلاَتَهُ حَتَّى فَارَقَ الدُّنْيَا» [41]. [41]صحيح البخاري (803)، صحيح مسلم (392).

فأراد أبو هريرة رضي الله عنه إعلامُهم أنه يصلي كصلاة رسول الله ﷺ، وهذه الكلمة مع الفعل المأتي به نازلة منزلة حكاية فعله ﷺ [42]، وإنما أقسم رضي الله عنه حثًّا للناس وترغيبًا لهم أن يفعلوا مثل فعله؛ لأن القسم مما يزيد طمأنينة وقبولًا. [42]انظر: شرح مسند الشافعي للقزويني (1/335).

ب- تطبيق الصحابي لصلاة النبي ﷺ أمام التابعين:

عن أبي قلابة، قال: «جَاءَنَا مَالِكُ بْنُ الحُوَيْرِثِ - فِي مَسْجِدِنَا هَذَا - فَقَالَ: إِنِّي لَأُصَلِّي بِكُمْ وَمَا أُرِيدُ الصَّلاَةَ، أُصَلِّي كَيْفَ رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ يُصَلِّي، فَقُلْتُ لِأَبِي قِلاَبَةَ: كَيْفَ كَانَ يُصَلِّي؟ قَالَ: مِثْلَ شَيْخِنَا هَذَا، قَالَ: وَكَانَ شَيْخًا، يَجْلِسُ إِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ السُّجُودِ، قَبْلَ أَنْ يَنْهَضَ فِي الرَّكْعَةِ الأُولَى» [43]. [43]صحيح البخاري (677).

ومما نجده في فعل مالك بن الحويرث رضي الله عنه أن الباعث له على الصلاة في غير وقت صلاة قصد التعليم، فرأى أن التعليم بالفعل أوضح من القول، فدل على جواز مثل ذلك[44]. [44]فتح الباري لابن حجر (2/163)، وقوله: (صلاة شيخنا هذا) يريد به: عمرو بن سلمة الجرمي. فتح الباري لابن رجب (7/209).

ج- تغليظ الصحابي على التابعي:

1- تغليظ أم المؤمنين على من تكلف السؤال عن الحِكَم في الصلاة:

عن معاذة، أَنَّ امْرَأَةً سَأَلَتْ عَائِشَةَ فَقَالَتْ: «أَتَقْضِي إِحْدَانَا الصَّلاَةَ أَيَّامَ مَحِيضِهَا؟ فَقَالَتْ عَائِشَةُ: أَحَرُورِيَّةٌ أَنْتِ؟ قَدْ كَانَتْ إِحْدَانَا تَحِيضُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ ﷺ، ثُمَّ لاَ تُؤْمَرُ بِقَضَاءٍ» [45]. [45]صحيح مسلم (335)، قال الهروي: الحرورية منسوبة إلى حروراء قرية تعاقدوا فيها، وهي على ميلين من الكوفة، كان أول اجتماع الخوارج به. المعلم بفوائد مسلم (1/379).

وإنما قالت لها عائشة هذا؛ لأن الحرورية يتنطعون ويتعمقون في الفروع؛ وإن كانوا قد ضيعوا الأصول[46]، فأجابتها عائشة بالنص، ولم تتعرض للمعنى؛ لأنه أبلغ وأقوى في الردع [47]، وفيه: أن أمر النبي ﷺ ونهيه حجة بمجرده، ولا يفتقر إلى معرفة علته، أو حكمته[48]. [46]كشف المشكل من حديث الصحيحين لابن الجوزي (4/371). [47]انظر: إحكام الأحكام شرح عمدة الأحكام لابن دقيق العيد (1/161). [48]العدة في شرح العمدة في أحاديث الأحكام لابن العطار (1/276).

2- تغليظ أبي برزة الأسلمي على من أنكر عليه قطع الصلاة:

عن الأزرق بن قيس، قال: «كُنَّا بِالأَهْوَازِ نُقَاتِلُ الحَرُورِيَّةَ، فَبَيْنَا أَنَا عَلَى جُرُفِ نَهَرٍ إِذَا رَجُلٌ يُصَلِّي، وَإِذَا لِجَامُ دَابَّتِهِ بِيَدِهِ، فَجَعَلَتِ الدَّابَّةُ تُنَازِعُهُ وَجَعَلَ يَتْبَعُهَا - قَالَ شُعْبَةُ: هُوَ أَبُو بَرْزَةَ الأَسْلَمِيُّ - فَجَعَلَ رَجُلٌ مِنَ الخَوَارِجِ يَقُولُ: اللَّهُمَّ افْعَلْ بِهَذَا الشَّيْخِ، فَلَمَّا انْصَرَفَ الشَّيْخُ، قَالَ: إِنِّي سَمِعْتُ قَوْلَكُمْ وَإِنِّي غَزَوْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ سِتَّ غَزَوَاتٍ - أَوْ سَبْعَ غَزَوَاتٍ - وَثَمَانِيَ وَشَهِدْتُ تَيْسِيرَهُ، وَإِنِّي إِنْ كُنْتُ أَنْ أُرَاجِعَ مَعَ دَابَّتِي أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أَدَعَهَا تَرْجِعُ إِلَى مَأْلَفِهَا فَيَشُقُّ عَلَيَّ» [49]. [49]صحيح البخاري (1211).

قوله رضي الله عنه: (ورأيت تيسيره) فيه رد على من شدد عليه في أن يترك دابته تذهب، ولا يقطع صلاته، وفيه حجة للفقهاء في قولهم: إن كل شيء يخشى إتلافه من متاع وغيره يجوز قطع الصلاة لأجله[50]. [50]فتح الباري لابن حجر (3/82).

والصلاة إن كانت نافلة فالأمر أوسع، لا مانع من قطعها لمعرفة من يدق الباب، أما الفريضة فلا يجوز قطعها إلا إذا كان هناك شيء مهم يخشى فواته، وإذا أمكن التنبيه بالتسبيح في حق الرجل، والتصفيق في حق المرأة كفى ذلك عن قطع الصلاة.

د- سؤال التابعي عن صفة صلاة النبي ﷺ:

عن سيار بن سلامة، قال: «دَخَلْتُ أَنَا وَأَبِي عَلَى أَبِي بَرْزَةَ الأَسْلَمِيِّ، فَقَالَ لَهُ أَبِي: كَيْفَ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُصَلِّي المَكْتُوبَةَ؟ فَقَالَ: كَانَ يُصَلِّي الهَجِيرَ، الَّتِي تَدْعُونَهَا الأُولَى، حِينَ تَدْحَضُ الشَّمْسُ، وَيُصَلِّي العَصْرَ، ثُمَّ يَرْجِعُ أَحَدُنَا إِلَى رَحْلِهِ فِي أَقْصَى المَدِينَةِ، وَالشَّمْسُ حَيَّةٌ - وَنَسِيتُ مَا قَالَ فِي المَغْرِبِ - وَكَانَ يَسْتَحِبُّ أَنْ يُؤَخِّرَ العِشَاءَ، الَّتِي تَدْعُونَهَا العَتَمَةَ، وَكَانَ يَكْرَهُ النَّوْمَ قَبْلَهَا، وَالحَدِيثَ بَعْدَهَا، وَكَانَ يَنْفَتِلُ مِنْ صَلاَةِ الغَدَاةِ حِينَ يَعْرِفُ الرَّجُلُ جَلِيسَهُ، وَيَقْرَأُ بِالسِّتِّينَ إِلَى المِائَةِ» [51]. [51]صحيح البخاري (547)، وقوله: (حين تدحض الشمس)، أي تزول عن وسط السماء إلى جهة المغرب. النهاية في غريب الحديث والأثر لابن الأثير (2/104).

وفي هذا دليل على حرص التابعين على لقي الصحابة، وسؤالهم عن الأمور المشكلة[52]. [52]انظر: شرح سنن أبي داود للعباد (527/5).

هـ- سؤال التابعي عن صفة صلاة النبي ﷺ في بيته بالليل:

عن الأسود، قال: سَأَلْتُ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا، كَيْفَ كَانَتْ صَلاَةُ النَّبِيِّ ﷺ بِاللَّيْلِ؟ قَالَتْ: «كَانَ يَنَامُ أَوَّلَهُ وَيَقُومُ آخِرَهُ، فَيُصَلِّي، ثُمَّ يَرْجِعُ إِلَى فِرَاشِهِ، فَإِذَا أَذَّنَ المُؤَذِّنُ وَثَبَ، فَإِنْ كَانَ بِهِ حَاجَةٌ، اغْتَسَلَ وَإِلَّا تَوَضَّأَ وَخَرَجَ» [53]. [53]صحيح البخاري (1146)، وقوله: (فإذا أذن المؤذن وثب) أي: نهض. إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري للقسطلاني (2/324).

عن مسروق، قال: سَأَلْتُ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا، عَنْ صَلاَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِاللَّيْلِ؟ فَقَالَتْ: «سَبْعٌ، وَتِسْعٌ، وَإِحْدَى عَشْرَةَ، سِوَى رَكْعَتِي الفَجْرِ» [54]. [54]صحيح البخاري (1139).

ومما نجده فيما سبق شدة اعتناء الصحابة رضي الله عنهم والسلف الصالح بالسؤال عن أحوال النبي ﷺ وعباداته في العلانية والسر[55]. [55]شرح سنن أبي داود لابن رسلان (6/586).

و- سؤال التابعي عن صلاة النبي ﷺ في رمضان:

عن أبي سلمة بن عبد الرحمن: أَنَّهُ سَأَلَ عَائِشَةَ، كَيْفَ كَانَتْ صَلَاةُ رَسُولِ اللهِ ﷺ فِي رَمَضَانَ؟ قَالَتْ: «مَا كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَزِيدُ فِي رَمَضَانَ، وَلَا فِي غَيْرِهِ عَلَى إِحْدَى عَشْرَةَ رَكْعَةً، يُصَلِّي أَرْبَعًا، فَلَا تَسْأَلْ عَنْ حُسْنِهِنَّ وَطُولِهِنَّ، ثُمَّ يُصَلِّي أَرْبَعًا، فَلَا تَسْأَلْ عَنْ حُسْنِهِنَّ وَطُولِهِنَّ، ثُمَّ يُصَلِّي ثَلَاثًا» [56]. [56]صحيح البخاري (1147).

وتخصيص أبو سلمة رضي الله عنه السؤال عن الصلاة في رمضان، لما علم من حثه ﷺ على الصلاة فيه، فظن أبو سلمة أنه كان يخصه بصلاة، فأخبرته عائشة رضي الله عنها بأن فعله ﷺ في رمضان وغيره سواء[57]. [57]المنهل العذب المورود شرح سنن أبي داود للسبكي (7/269).

ز- سؤال التابعي عن وقت القيام لصلاة الليل:

عن مسروق، قال: «سَأَلْتُ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا، أَيُّ العَمَلِ كَانَ أَحَبَّ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ؟ قَالَتْ: الدَّائِمُ، قُلْتُ: مَتَى كَانَ يَقُومُ؟ قَالَتْ: كَانَ يَقُومُ إِذَا سَمِعَ الصَّارِخَ» [58]. [58]صحيح البخاري (1132).

وقول عائشة رضي الله عنها: كان يقوم إذا سمع الصارخ؛ فهو في حدود ثلث الليل الآخر، ليتحرى وقت تنزُّل الله تعالى، ثم يرجع إلى الاضطجاع للراحة من نصب القيام، ولما يستقبله من طول قيام صلاة الصبح[59]. [59]شرح صحيح البخاري لابن بطال (3/123).

ح- سؤال التابعي عن عدد ركعات الضحى:

عن معاذة، أَنَّهَا سَأَلَتْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا، كَمْ كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يُصَلِّي صَلَاةَ الضُّحَى؟ قَالَتْ: أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ وَيَزِيدُ مَا شَاءَ [60]. [60]صحيح مسلم (719)، وأما الجمع بين حديثي عائشة رضي الله عنها في نفي صلاته ﷺ الضحى إلا أن يجيء من مغيبه وإثباتها، فهو أن النبي ﷺ كان يصليها بعض الأوقات لفضلها، ويتركها في بعضها خشية أن تفرض كما ذكرته عائشة رضي الله عنها. المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج للنووي (5/230).

ويستفاد من الحديث حرص التابعين على معرفة النوافل التي كان يداوم عليها النبي ﷺ؛ ومن ذلك صلاة الضحى، وصلاة الضحى أقلها ركعتان، وأما أكثرها فما شاء الله.

ط- سؤال التابعي عن صلاة التطوع:

عن عبد الله بن شقيق، قال: سَأَلْتُ عَائِشَةَ عَنْ صَلَاةِ رَسُولِ اللهِ ﷺ، عَنْ تَطَوُّعِهِ؟ فَقَالَتْ: كَانَ يُصَلِّي فِي بَيْتِي قَبْلَ الظُّهْرِ أَرْبَعًا، ثُمَّ يَخْرُجُ فَيُصَلِّي بِالنَّاسِ، ثُمَّ يَدْخُلُ فَيُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ، وَكَانَ يُصَلِّي بِالنَّاسِ الْمَغْرِبَ، ثُمَّ يَدْخُلُ فَيُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ، وَيُصَلِّي بِالنَّاسِ الْعِشَاءَ، وَيَدْخُلُ بَيْتِي فَيُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ، وَكَانَ يُصَلِّي مِنَ اللَّيْلِ تِسْعَ رَكَعَاتٍ فِيهِنَّ الْوِتْرُ، وَكَانَ يُصَلِّي لَيْلًا طَوِيلًا قَائِمًا، وَلَيْلًا طَوِيلًا قَاعِدًا، وَكَانَ إِذَا قَرَأَ وَهُوَ قَائِمٌ رَكَعَ وَسَجَدَ وَهُوَ قَائِمٌ، وَإِذَا قَرَأَ قَاعِدًا رَكَعَ وَسَجَدَ وَهُوَ قَاعِدٌ، وَكَانَ إِذَا طَلَعَ الْفَجْرُ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ [61]. [61]صحيح مسلم (730).

وفي الحديث حرص التابعي على السؤال عن هديه ﷺ في صلاة التطوع، والحكمة في شرعية النوافل تكميل الفرائض بها إن عرض فيها نقص.

ومما سبق يتبين أن كل ما ذكرته عائشة رضي الله عنها من فعل النبي ﷺ في أوقات متعددة وأحوال مختلفة فهو صحيح، حسب النشاط والتيسير، وليُعْلَم أن كل ذلك جائز[62]. [62]المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم للقرطبي (2/367).

4- الإقبال على المخاطبين لتعليمهم:

للإقبال على المتعلمين عند تعليمهم أثر كبير في جذب انتباههم وحسن إصغائهم، ومما نجده في السنة ما يأتي:

عن البراء رضي الله عنه، قال: خرج النبي ﷺ يوم أضحى إلى البقيع، فصلى ركعتين، ثم أقبل علينا بوجهه، وقال: «إِنَّ أَوَّلَ نُسُكِنَا فِي يَوْمِنَا هَذَا، أَنْ نَبْدَأَ بِالصَّلاَةِ، ثُمَّ نَرْجِعَ، فَنَنْحَرَ، فَمَنْ فَعَلَ ذَلِكَ فَقَدْ وَافَقَ سُنَّتَنَا، وَمَنْ ذَبَحَ قَبْلَ ذَلِكَ، فَإِنَّمَا هُوَ شَيْءٌ عَجَّلَهُ لِأَهْلِهِ لَيْسَ مِنَ النُّسُكِ فِي شَيْءٍ....» [63]. [63]صحيح البخاري (2/21).

والسنة استقبال الإمام الناس في خطبة العيد والجمعة وغيرها؛ فإنه يخاطبهم ليفهموا عنه، وليكونوا أوعى لموعظته[64]. [64]شرح صحيح البخاري لابن بطال (2/569).

وعن البراء رضي الله عنه، قال: كنا إذا صلينا خلف رسول الله ﷺ، أحببنا أن نكون عن يمينه، يقبل علينا بوجهه، قال: فسمعته يقول: «رَبِّ قِنِي عَذَابَكَ يَوْمَ تَبْعَثُ -أَوْ تَجْمَعُ- عِبَادَكَ»[65]. [65]صحيح مسلم (709).

ولقد كان من عادته ﷺ أن يستقبل جميعهم بوجهه، وذلك بعد قيامه من مصلاه، وفي الحديث أن الإمام لا يبقى على حالته في مصلاه، فإما أن يقوم أو ينحرف عن موضعه.

وعن أنس رضي الله عنه قال: كان رسول الله ﷺ يقبل علينا بوجهه، قبل أن يكبر فيقول: «تَرَاصُّوا، وَاعْتَدِلُوا، فَإِنِّي أَرَاكُمْ مِنْ وَرَاءِ ظَهْرِي»[66]. [66]مسند أحمد (12255). قال الحافظ ابن حجر: وسنده صحيح. وصححه الألباني. المطالب العالية محققا (3/ 642)، صحيح وضعيف سنن النسائي (2/ 458).

وفي الحديث: جواز الكلام بين الإقامة والدخول في الصلاة، وأما بعد انقضاء الصلاة والتسليم، فقد وردت أحاديث باستحباب إقبال الإمام على المأمومين بعد التسليم، وأن ذلك كان من هدي النبي ﷺ:

فمنها: حديث سمرة بن جندب رضي الله عنه، قال: كان رسول الله ﷺ إذا صلى صلاة أقبل علينا بوجهه[67]. [67]صحيح البخاري (845).

ومنها: حديث زيد بن خالد الجُهَنيّ رضي الله عنه، قال: صَلَّى بِنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ صَلَاةَ الصُّبْحِ بِالْحُدَيْبِيَةِ فِي إِثْرِ السَّمَاءِ كَانَتْ مِنَ اللَّيْلِ، فَلَمَّا انْصَرَفَ أَقْبَلَ عَلَى النَّاسِ [68]. [68]صحيح البخاري (846). وقوله: «صلى بنا في إثر سماء من الليل»، أي إثر مطر. النهاية في غريب الحديث والأثر (2/406).

ومنها: حديث أنس رضي الله عنه، قال: أَخَّرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الصَّلاَةَ ذَاتَ لَيْلَةٍ إِلَى شَطْرِ اللَّيْلِ، ثُمَّ خَرَجَ عَلَيْنَا، فَلَمَّا صَلَّى أَقْبَلَ عَلَيْنَا بِوَجْهِهِ،... الحديث[69]. [69]صحيح البخاري (847).

فهذه الأحاديث تدل على استحباب استقبال الإمام للمأمومين بعد الفراغ من الصلاة، والحكمة في استقبالهم أن يعلِّمهم ما يحتاجون إليه، وقيل: الحكمة أن يعرف الداخل انقضاء الصلاة.

5- الأخذ بيد المتعلم في تعليم الصلاة:

تنوعت أساليب النبي ﷺ في التعليم، ومن تلك الأساليب أنه ﷺ كان إذا أراد من المتعلم زيادة يقظة أو انتباهًا أخذ بيده، أو وضع يده على ناصيته، وغير ذلك، ومما ورد في السيرة ما يأتي:

أ- وضع النبي ﷺ كفَّي ابن مسعود رضي الله عنه بين كفيه:

عن ابن مسعود رضي الله عنه، قال: عَلَّمَنِي رَسُولُ اللهِ ﷺ التَّشهُّدَ، كَفِّي بَيْنَ كَفَّيْهِ كَمَا يُعلِّمُنِي السُّورَةَ مِنَ الْقُرْآنِ [70]. [70]صحيح البخاري (6265), صحيح مسلم (402).

وفعله ﷺ ذلك ليس من المصافحة في شيء، بل هو من باب الأخذ باليد عند التعليم لمزيد الاعتناء والاهتمام به، وحكمة ذلك: ما فيه من التأنيس والتنبيه والتذكير.

ب- أخذ النبي ﷺ بيد معاذ رضي الله عنه:

عن معاذ بن جبل رضي الله عنه، أن رسول الله ﷺ أخذ بيده، وقال: «يَا مُعَاذُ، وَاللَّهِ إِنِّي لَأُحِبُّكَ، وَاللَّهِ إِنِّي لَأُحِبُّكَ»، فَقَالَ: «أُوصِيكَ يَا مُعَاذُ لَا تَدَعَنَّ فِي دُبُرِ كُلِّ صَلَاةٍ» تَقُولُ: «اللَّهُمَّ أَعِنِّي عَلَى ذِكْرِكَ، وَشُكْرِكَ، وَحُسْنِ عِبَادَتِكَ»[71]. [71]سنن أبي داود (1522). قال النووي: إسناده صحيح. وصححه الألباني. خلاصة الأحكام (1/ 468)، صحيح وضعيف سنن أبي داود (ص: 2).

مما نجده في الحديث أخذ الكبير بيد الصغير تأنيسًا له وتلطُّفًا به، ويكون كلامه أوقع في نفس السامع[72]. [72]شرح سنن أبي داود لابن رسلان (7/333).

ج- وضع يده ﷺ على ناصية أبي محذورة رضي الله عنه:

عن أبي محذورة رضي الله عنه في قصة تعليم النبي ﷺ له الأذان، قال: ثم دعاني حين قضيت التأذين، فأعطاني صرة فيها شيء من فضة، ثم وضع يده على ناصية أبي محذورة، ثم أمارها على وجهه مرتين، ثم مر بين يديه، ثم على كبده، ثم بلغت يد رسول الله ﷺ سرة أبي محذورة، ثم قال رسول الله ﷺ: «بَارَكَ اللهُ فِيْكَ»، فقلت: يا رسول الله مرني بالتأذين بمكة، فقال: «قَدْ أَمَرْتُكَ بِهِ»، وذهب كل شيء كان لرسول الله ﷺ من كراهية، وعاد ذلك محبة لرسول الله ﷺ، فقدمت على عتاب بن أسيد عامل رسول الله ﷺ بمكة، فأذنت معه بالصلاة عن أمر رسول الله ﷺ [73]. [73]مسند أحمد (15380). وصححه البوصيري والألباني. مصباح الزجاجة في زوائد ابن ماجه (1/ 89)، صحيح وضعيف سنن ابن ماجة (2/ 280).

وفعله ﷺ ذلك مع أبي محذورة رضي الله عنهكان تلطُّفًا منه، واستمالة له، فأذهب الله ببركته الكراهية عن قلبه، وحبب إليه التأذين حتى استدعى القيام به بمكة[74]، وفيه؛ دليل على بركة دعائه، وأن ذلك من معجزاته. [74]شرح مسند الشافعي للقزويني (1/280).

6- التمهيد بين يدي التعليم:

لا شك أن شد انتباه السامع إلى ما يريد المعلم أن يطرحه بين يدي المتعلمين أمر جدير بالاهتمام والعناية في جميع المواضع، ومواضع الصلاة من باب أولى، ولذلك راعى النبيﷺ ذلك في أمر الصلاة، ومن تلك الصور:

أ- التمهيد بالتشويق إلى رؤية الله تعالى عند المحافظة على الصلاة:

عن جرير بن عبد الله رضي الله عنه، قال: كنا جلوسًا ليلة مع النبي ﷺ، فنظر إلى القمر ليلة أربع عشرة، فقال: «إِنَّكُمْ سَتَرَوْنَ رَبَّكُمْ كَمَا تَرَوْنَ هَذَا لا تُضَامُونَ فِي رُؤْيَتِهِ؛ فَإِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ لا تُغْلَبُوا عَلَى صَلاةٍ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا، فَافْعَلُوا. ثُمَّ قَرَأَ هَذِهِ الآيَةَ: ﴿...وَسَبِّحۡ بِحَمۡدِ رَبِّكَ قَبۡلَ طُلُوعِ ٱلشَّمۡسِ وَقَبۡلَ ٱلۡغُرُوب﴾[75]،[76]. [75][ق: 39]. [76]صحيح البخاري (4851)، وقوله: لا تضامون: أي؛ لا يلحقكم ضيم، ولا مشقة في رؤيته. معالم السنن (4/329).

مما نجده في هذا الحديث: أن رؤية الله تعالى يرجى نيلها بالمحافظة على هاتين الصلاتين، وفيه إشارة إلى عظم قدر هاتين الصلاتين، وأنهما أشرف الصوات الخمس، وقيل: إنما خصصتا بالذكر دون ما عداهما، مع أن الكل واحد في الوجوب؛ لكونهما واقعتين في زمان الغفلة، أما صلاة الصبح، فلأن زمانها زمان استراحة النوم، وصلاة العصر زمانها زمان الاشتغال بالتجارات والأكساب، فقطع لذة النوم ولذة تحصيل الأموال موجب لهذا النعيم المقيم[77]. [77]انظر: المفاتيح في شرح المصابيح للمظهري (6/2526).

ب- التمهيد عند الهمِّ بإيقاع العقوبة لمن لا يشهد الصلاة:

عن أبي هريرة رضي الله عنه، أن رسول الله ﷺ، قال: «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَقَدْ هَمَمْتُ أَنْ آمُرَ بِحَطَبٍ يُحْتَطَبُ، ثُمَّ آمُرَ بِالصَّلاَةِ فَيُؤَذَّنَ لَهَا، ثُمَّ آمُرَ رَجُلًا فَيَؤُمَّ النَّاسَ، ثُمَّ أُخَالِفَ إِلَى رِجَالٍ فَأُحَرِّقَ عَلَيْهِمْ بُيُوتَهُمْ، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْ يَعْلَمُ أَحَدُكُمْ أَنَّهُ يَجِدُ عَرْقًا سَمِينًا، أَوْ مِرْمَاتَيْنِ حَسَنَتَيْنِ لَشَهِدَ العِشَاءَ»[78]. [78]صحيح البخاري (7224)، صحيح مسلم (651).

وهذا الحديث ظاهر في وجوب شهود الجماعة في المسجد، فإن النبي ﷺ أخبر أنه همّ بتحريق بيوت المتخلفين عن الجماعة، ومثل هذه العقوبة الشديدة لا تكون إلا على ترك واجب[79]. [79]فتح الباري لابن رجب (5/453).

ج- التمهيد عند ذكر سبب تأخير الصلاة:

عن عروة رضي الله عنه أن عائشة رضي الله عنها أخبرته، قالت: أعتم رسول الله ﷺ ليلة بالعشاء، وذلك قبل أن يفشو الإسلام، فلم يخرج حتى قال عمر: نام النساء والصبيان، فخرج، فقال لأهل المسجد: «مَا يَنْتَظِرُهَا أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ الْأَرْضِ غَيْرَكُمْ»[80]. [80]صحيح البخاري (566)، صحيح مسلم (638).

وعنها أيضًا قالت: أعتم النبي ﷺ ذات ليلة حتى ذهب عامة الليل، وحتى نام أهل المسجد، ثم خرج فصلى، فقال: «إِنَّهُ لَوَقْتُهَا لَوْلَا أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي»[81]. [81]صحيح مسلم (638).

عن عبد الله بن عمر، قال: مكثنا ذات ليلة ننتظر رسول الله ﷺ لصلاة العشاء الآخرة، فخرج إلينا حين ذهب ثلث الليل، أو بعده، فلا ندري أشيء شغله في أهله، أو غير ذلك؟ فقال حين خرج: «إِنَّكُمْ لَتَنْتَظِرُونَ صَلَاةً مَا يَنْتَظِرُهَا أَهْلُ دِينٍ غَيْرُكُمْ. وَلَوْلَا أَنْ يَثْقُلَ عَلَى أُمَّتِي لَصَلَّيْتُ بِهِمْ هَذِهِ السَّاعَةَ»، ثم أمر المؤذن فأقام الصلاة، وصلى[82]. [82]صحيح مسلم (639).

فالنبي ﷺ لما أخّر الصلاة ذكر أنه فعل ذلك لسبب، وهو أنها صلاة قلَّ من يصليها في هذا الوقت، وأن هذا هو الوقت الأفضل لأدائها إذا لم يشق ذلك على المأمومين، والحكمة في ذلك قلة من يذكر الله في تلك الأوقات، ولذلك نجد الغفلة كثيرًا ما تحصل بالليل، وخصوصًا آخره، ومن أعظم صفات الصالحين أنهم كانوا قليلًا من الليل ما يهجعون، لأنهم يتحرون بذلك التنزل الإلهي حيث يقول المولى سبحانه وتعالى: هل من سائل فأعطيه؟ هل من مستغفر فأغفر له؟.

د- التمهيد عند وصف المتثاقل عن الصلاة:

عن أبي هريرة رضي الله عنه، قال: قال رسول الله ﷺ: «إِنَّ أَثْقَلَ صَلَاةٍ عَلَى الْمُنَافِقِينَ صَلَاةُ الْعِشَاءِ، وَصَلَاةُ الْفَجْرِ، وَلَوْ يَعْلَمُونَ مَا فِيهِمَا لَأَتَوْهُمَا وَلَوْ حَبْوًا»[83]. [83]صحيح مسلم (651).

وإنما ثقلت هاتان الصلاتان على المنافقين لإيثارهم النوم، وكراهتهم الخروج والمشي في الظلمة[84]، ولأن المنافق لا ينشط للصلاة إلا إذا رآه الناس، كما قال تعالى: ﴿...وَإِذَا قَامُوٓاْ إِلَى ٱلصَّلَوٰةِ قَامُواْ كُسَالَىٰ يُرَآءُونَ ٱلنَّاسَ وَلَا يَذۡكُرُونَ ٱللَّهَ إِلَّا قَلِيلٗا﴾، وصلاة العشاء والصبح يقعان في ظلمة، فلا ينشط للمشي إليهما إلا كل مخلص. [84]كشف المشكل من حديث الصحيحين لابن الجوزي (3/455).

7- التشويق إلى المعلومة:

مما يجذب الناس للمعلومة، هو التقديم لها بشكل مشوق، مما يبعث على الرغبة، ويثير الحماسة، ويشد الانتباه إلى الموضوع، ومما ورد في السنة ما يلي:

عن أبي هريرة رضي الله عنه، أن رسول الله ﷺ قال: «أَلَا أَدُلُّكُمْ عَلَى مَا يَمْحُو اللَّهُ بِهِ الْخَطَايَا، وَيَرْفَعُ بِهِ الدَّرَجَاتِ؟» قَالُوا: بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ. قَالَ: «إِسْبَاغُ الْوُضُوءِ عَلَى الْمَكَارِهِ، وَكَثْرَةُ الْخُطَا إِلَى الْمَسَاجِدِ، وَانْتِظَارُ الصَّلَاةِ بَعْدَ الصَّلَاةِ. فَذَلِكُمُ الرِّبَاطُ، فَذَلِكُمُ الرِّبَاطُ»[85]. [85]صحيح مسلم (251).

مما نجده في قوله: «ألا أدلكم» أن ألا: أداة استفتاح وتنبيه للمخاطب يستفتح بها الكلام، والغرض منها التنبيه للسامع ليتشوق لما بعدها، وتتوق نفسه إليه، فيكون ذلك أدعى لقبول ما يسمعه، فكأنها طرق للباب على القلب ليأذن في دخول الكلام[86]. [86]انظر: شرح سنن النسائي للشنقيطي (2/452).

8- التقديم والتلطف بين يدي التعليم:

من أنجح الأساليب في التعليم التقدمة، وحسن الدخول إلى قلب المتعلم، ومما ورد في السنة ما يأتي:

عن معاذ بن جبل رضي الله عنه، أن رسول الله ﷺ أخذ بيده، وقال: «يَا مُعَاذُ، وَاللَّهِ إِنِّي لَأُحِبُّكَ، وَاللَّهِ إِنِّي لَأُحِبُّكَ»، فَقَالَ: «أُوصِيكَ يَا مُعَاذُ لَا تَدَعَنَّ فِي دُبُرِ كُلِّ صَلَاةٍ تَقُولُ: اللَّهُمَّ أَعِنِّي عَلَى ذِكْرِكَ، وَشُكْرِكَ، وَحُسْنِ عِبَادَتِكَ»، وأوصى بذلك معاذٌ الصنابحيَّ[87]، وأوصى به الصنابحيُّ أبا عبدِ الرحمن[88]. [87]هو عبد الرحمن بن عسيلة بن عسل بن عسال المرادي، أبو عبد الله الصنابحي، رحل إلى النبي ﷺ فوجده قد مات قبله بخمس ليال أو ست، ثم نزل الشام، روى عن النبي ﷺ مرسلًا. مات في خلافة عبد الملك. تهذيب التهذيب لابن حجر (6/229). [88]سنن أبي داود (1522). تقدم الكلام عليه ص(38).

مما نجده في الحديث: اهتمامه ﷺ بمعاذ وترغيبه له فيما يريد أن يلقيه عليه لأنه من جوامع الدعاء[89]. [89]المنهل العذب المورود شرح سنن أبي داود للسبكي (8/185).

الفصل الثاني

ويشتمل على:

الترغيب.

ضرب الأمثال.

القصص.

الرفق.

9- الترغيب في أمور الصلاة:

أ- الترغيب ببناء المساجد:

عن عثمان بن عفان رضي الله عنه، قال: سمعت رسول الله ﷺ، يقول: «مَنْ بَنَى مَسْجِدًا لِلَّهِ بَنَى اللَّهُ لَهُ فِي الْجَنَّةِ مِثْلَهُ»[90]. [90]صحيح مسلم (533).

مما نجده في هذا الحديث: أنه يرجع إلى قاعدة الجزاء على العمل من جنسه، كما أن من أعتق رقبة أعتق الله بكل عضو منه عضوًا منها من النار، ومن نفس عن مسلم كربة من كرب الدنيا نفس الله عنه كربة من كرب الآخرة، فمن بنى لله مسجدًا يذكر فيه اسم الله في الدنيا بنى الله له في الجنة بيتًا[91]. [91]فتح الباري لابن رجب (3/320).

وعن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما، أن رسول الله ﷺ قال: «مَنْ بَنَى مَسْجِدًا لِلَّهِ كَمَفْحَصِ قَطَاةٍ، أَوْ أَصْغَرَ، بَنَى اللَّهُ لَهُ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ»[92]. [92]سنن ابن ماجة (738). قال النووي: رواه ابن ماجه بإسناد صحيح. وصححه الألباني. خلاصة الأحكام (1/ 303)،صحيح وضعيف سنن ابن ماجة (2/ 310).

والشاهد من الحديث قوله ﷺ «كمفحص قطاة»، فمع أن مفحص القطاة لا يكون مسجدًا، ولكن مقام الترغيب في بناء المساجد اقتضى ذلك[93]. [93]نيل الأوطار للشوكاني (7/151).

ب- الترغيب بنظافة المساجد:

عن أبي هريرة رضي الله عنه، أن امرأة سوداء كانت تقُمُّ المسجد، ففقدها رسول الله ﷺ، فسأل عنها، فقالوا: ماتت، قال: «أَفَلَا كُنْتُمْ آذَنْتُمُونِي» قَالَ: فَكَأَنَّهُمْ صَغَّرُوا أَمْرَهَا - أَوْ أَمْرَهُ - فَقَالَ: «دُلُّونِي عَلَى قَبْرِهِ» فَدَلُّوهُ، فَصَلَّى عَلَيْهَا، ثُمَّ قَالَ: «إِنَّ هَذِهِ الْقُبُورَ مَمْلُوءَةٌ ظُلْمَةً عَلَى أَهْلِهَا، وَإِنَّ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ يُنَوِّرُهَا لَهُمْ بِصَلَاتِي عَلَيْهِمْ»[94]. [94]صحيح مسلم (956)، وقوله: (تقُمُّ المسجد) أي؛ تكنُسُهُ، والـمِقَمَّة الـمِكْنسة. المعلم بفوائد مسلم (1/490).

تنظيف المساجد من أجلِّ القربات، قال تعالى: ﴿...وَطَهِّرۡ بَيۡتِيَ لِلطَّآئِفِينَ وَٱلۡقَآئِمِينَ وَٱلرُّكَّعِ ٱلسُّجُودِ﴾[95]، وهذه المساجد هي بيوت الله، وفي الحديث: جواز تولي المرأة لتنظيف المسجد فيما لا يكون فيه فتنة لها، وأنه لا يحجر ذلك على الرجال فقط؛ ويؤخذ من هذا الحديث محبة الرسول ﷺ لتنظيف المسجد، لأنه سأل عنها حين فقد هذا القمم من هذه المرأة[96]. [95][الحج: 26]. [96]فتح ذي الجلال والإكرام بشرح بلوغ المرام لابن عثيمين (2/545).

ج- الترغيب في الأذان:

عن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي صعصعة الأنصاري، أن أبا سعيد الخدري رضي الله عنه قال له: إني أراك تحب الغنم والبادية، فإذا كنت في غنمك وباديتك، فأذنت بالصلاة، فارفع صوتك بالنداء، فإنه «لا يسمع مدى صوت المؤذن جن ولا إنس ولا شيء إلا شهد له يوم القيامة». قال أبو سعيد: سمعته من رسول الله ﷺ[97]. [97]صحيح البخاري (3296).

وعن طلحة بن يحيى، عن عمه، قال: كنت عند معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه، فجاءه المؤذن يدعوه إلى الصلاة، فقال معاوية: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «الْمُؤَذِّنُونَ أطْوَلُ النَّاسِ أعْنَاقاً يَوْمَ الْقِيامَةِ»[98]. [98]صحيح مسلم (387).

وعن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي ﷺ، قال: «الْمُؤَذِّنُ يُغْفَرُ لَهُ مَدَى صَوْتِهِ، وَيَشْهَدُ لَهُ كُلُّ رَطْبٍ وَيَابِسٍ، وَشَاهِدُ الصَّلَاةِ يُكْتَبُ لَهُ خَمْسٌ وَعِشْرُونَ حَسَنَةً، وَيُكَفَّرُ عَنْهُ مَا بَيْنَهُمَ»[99]. [99]سنن أبي داود (515). صححه ابن الملقن والألباني. البدر المنير (3/ 383)، صحيح وضعيف سنن أبي داود (ص: 2).

وعن عقبة بن عامر رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «يَعْجَبُ رَبُّكُمْ مِنْ رَاعِي غَنَمٍ فِي رَأْسِ شَظِيَّةٍ بِجَبَلٍ، يُؤَذِّنُ بِالصَّلَاةِ، وَيُصَلِّي، فَيَقُولُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: انْظُرُوا إِلَى عَبْدِي هَذَا يُؤَذِّنُ، وَيُقِيمُ الصَّلَاةَ، يَخَافُ مِنِّي، قَدْ غَفَرْتُ لِعَبْدِي وَأَدْخَلْتُهُ الْجَنَّةَ»[100]. [100]المرجع السابق (1203). قال المنذري: رجال إسناده ثقات. وصححه الألباني. مختصر سنن أبي داود للمنذري ت حلاق (1/ 344)،صحيح وضعيف سنن أبي داود (ص: 2).

ومما يلاحظ في هذه الأحاديث أن المؤذنين لهم من الفضل ما لا يعلمه كثير من الناس، ومن تلك الفضائل:

1- أنهم أطول الناس أعناقًا يوم القيامة. 2- أنه لا يسمع أحدٌ مدَّ صوت المؤذن إلا شهد له يوم القيامة، وهذا يدل على فضيلة رفع الصوت بالأذان.

3- أن الأذان سبب لمغفرة الذنوب. 4- أن الأذان يدل على وجود الإسلام في المكان الذي أنت فيه، فعن أنس رضي الله عنه، قال: «كان رسول الله ﷺ إذا غزا قومًا لم يغر حتى يصبح، فإن سمع أذانًا أمسك، وإن لم يسمع أذانًا أغار بعد ما يصبح»[101]. [101]صحيح البخاري (2943).

5- أن الشيطان يفر من الأذان، ولا يمكن أن يكون عند الأذان، فعن جابر رضي الله عنه، قال: سمعت النبي ﷺ يقول: «إِنَّ الشَّيْطَانَ إِذَا سَمِعَ النِّدَاءَ بِالصَّلَاةِ ذَهَبَ حَتَّى يَكُونَ مَكَانَ الرَّوْحَاءِ» قَالَ سُلَيْمَانُ: فَسَأَلْتُهُ عَنِ الرَّوْحَاءِ فَقَالَ: «هِيَ مِنَ الْمَدِينَةِ سِتَّةٌ وَثَلَاثُونَ مِيلًا»[102]. [102]صحيح مسلم (388).

د- ثواب الترديد خلف المؤذن:

عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما، أنه سمع النبي ﷺ يقول: «إِذَا سَمِعْتُمُ الْمُؤَذِّنَ، فَقُولُوا مِثْلَ مَا يَقُولُ ثُمَّ صَلُّوا عَلَيَّ، فَإِنَّهُ مَنْ صَلَّى عَلَيَّ صَلَاةً صَلَّى الله عَلَيْهِ بِهَا عَشْرًا، ثُمَّ سَلُوا اللهَ لِيَ الْوَسِيلَةَ، فَإِنَّهَا مَنْزِلَةٌ فِي الْجَنَّةِ، لَا تَنْبَغِي إِلَّا لِعَبْدٍ مِنْ عِبَادِ اللهِ، وَأَرْجُو أَنْ أَكُونَ أَنَا هُوَ، فَمَنْ سَأَلَ لِي الْوَسِيلَةَ حَلَّتْ لَهُ الشَّفَاعَةُ»[103]. [103]صحيح مسلم (384).

عن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه، عن رسول الله ﷺ أنه قال: «مَنْ قَالَ حِينَ يَسْمَعُ الْمُؤَذِّنَ أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، رَضِيتُ بِاللهِ رَبًّا وَبِمُحَمَّدٍ رَسُولًا، وَبِالْإِسْلَامِ دِينًا، غُفِرَ لَهُ ذَنْبُهُ»[104]. [104]المرجع السابق (386).

عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما، أن رسول الله ﷺ قال: «مَنْ قَالَ حِينَ يَسْمَعُ النِّدَاءَ: اللَّهُمَّ رَبَّ هَذِهِ الدَّعْوَةِ التَّامَّةِ، وَالصَّلَاةِ الْقَائِمَةِ، آتِ مُحَمَّدًا الْوَسِيلَةَ، وَالْفَضِيلَةَ، وَابْعَثْهُ مَقَامًا مَحْمُودًا الَّذِي وَعَدْتَهُ، إِلَّا حَلَّتْ لَهُ الشَّفَاعَةُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ»[105]. [105]صحيح البخاري (614).

عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما، أن رجلًا قال: يا رسول الله، إن المؤذنين يفضلوننا، فقال رسول الله ﷺ: «قُلْ كَمَا يَقُولُونَ فَإِذَا انْتَهَيْتَ فَسَلْ تُعْطَهْ»[106]. [106]سنن أبي داود (524). حسنه الحافظ ابن حجر. وصححه الألباني. نتائج الأفكار في تخريج أحاديث الأذكار (1/368)، صحيح وضعيف سنن أبي داود (ص: 2).

مما نجده في هذه الأحاديث: أنه يستحب لسامع المؤذن خمسٌ عبادات:

1- أن يقول مثل ما يقول المؤذن إلا في الحيعلتين، فإنه يقول: لا حول ولا قوة إلا بالله.

2- أن يقول حين يسمع المؤذن: أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدًا عبده ورسوله، رضيت بالله ربًّا، وبمحمد رسولًا، وبالإسلام دينًا.

3- أن يصلي على النبي ﷺ بعد الأذان.

4- أن يقول: اللهم رب هذه الدعوة التامة، والصلاة القائمة، آتِ محمدًا الوسيلة والفضيلة، وابعثه مقامًا محمودًا الذي وعدته.

5- الدعاء بعد الأذان؛ فهو مظنة الإجابة.

ه- الترغيب في وصل الصفوف:

عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما، أن رسول الله ﷺ قال: «وَمَنْ وَصَلَ صَفًّا وَصَلَهُ اللَّهُ، وَمَنْ قَطَعَ صَفًّا قَطَعَهُ اللَّهُ»[107]. [107]سنن أبي داود (666). قال النووي: رواه أبو داود بإسناد صحيح. وصححه الألباني. خلاصة الأحكام (2/ 707)، صحيح وضعيف سنن أبي داود (ص: 2).

مما نجده في الحديث: أنه تضمن أبلغ حث على وصل الصفوف بسد فروجها وتكميلها، وأبلغ زجر عن قطعها بأن يقف في صف وبين يديه صف آخر ناقص أو فيه فرجة، ومن تأمل بركة دعائه ﷺ للواصل، وخطر دعائه المقبول الذي لا يرد على القاطع، وكان عنده أدنى ذرة من الإيمان بادر إلى الوصل، وفر عن القطع ما أمكنه[108]، ولذا عده ابن حجر من الكبائر في كتابه الزواجر[109]. [108]دليل الفالحين لطرق رياض الصالحين لابن علان (6/573). [109]مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح للقاري (3/854).

و- الترغيب في مشابهة الملائكة في تسوية الصفوف:

عن جابر بن سمرة رضي الله عنه، قال: خرج علينا رسول الله ﷺ فقال: «أَلَا تَصُفُّونَ كَمَا تَصُفُّ الْمَلَائِكَةُ عِنْدَ رَبِّهَا؟» قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ! كَيْفَ تَصُفُّ الْمَلَائِكَةُ عِنْدَ رَبِّهَا؟ قَالَ: «يُتِمُّونَ الصُّفُوفَ الْأُوَلَ، وَيَتَرَاصُّونَ فِي الصَّفِّ»[110]. [110]صحيح مسلم (430).

كل ما رغب فيه النبي ﷺ فهو من الأمور التي ينبغي أن يتزاحم الناس عليها، ومن ذلك؛ تسوية الصفوف، فنحن إذا صففنا بين يدي الله في صلاتنا فإننا نقتدي في ذلك بالملائكة الذين يكملون الأول فالأول، ويتراصون الأول فالأول.

وكان ابن عمر رضي الله عنهما إذا أقيمت الصلاة استقبل الناس بوجهه، ثم قال: أقيموا صفوفكم، استووا قيامًا، يريد الله بكم هدي الملائكة، ثم يقول: ﴿وَإِنَّا لَنَحۡنُ ٱلصَّآفُّونَ165﴾[111]، تأخرْ فلانُ، تقدمْ فلانُ، ثم يتقدم فيكبر[112]. [111][الصافات:165]. [112]فتح الباري لابن رجب (6/269).

ز- ترغيب المتعلم للصلاة بذكر أجرها:

ذكر الأجر هو وقود النشاط في العبادة، ولهذا حرص النبي ﷺ أشد الحرص على ذكره، والتنبيه على الأجر المترتب عليها، حتى يحفز الصادقين في توجههم لله، ومن ذلك:

1- التنبيه على أن كثرة الصلاة من أسباب مرافقة النبي ﷺ:

عن ربيعة بن كعب الأسلمي رضي الله عنه، قال: كنت أبيت مع رسول الله ﷺ فأتيته بوضوئه وحاجته، فقال لي: «سَلْ»، فقلت: أسألك مرافقتك في الجنة، قال: «أَوَ غَيْرَ ذَلِكَ»، قلت: هو ذاك، قال: «فَأَعِنِّي عَلَى نَفْسِكَ بِكَثْرَةِ السُّجُودِ»[113]. [113]صحيح مسلم (489).

وقوله: «أعني على ذلك بكثرة السجود» ليزداد من القرب ورفعة الدرجات حتى يقرب من منزلته، وإن لم يساوه فيها، فإن السجود معارج القرب، ومدارج رفعة الدرجات، قال الله تعالى: ﴿...وَٱسۡجُدۡۤ وَٱقۡتَرِب﴾، وقال ﷺ في الحديث الآخر: «فَإِنَّكَ لَا تَسْجُدُ للهِ سَجْدَةً إِلَّا رَفَعَكَ اللهُ بِهَا دَرَجَة»[114]. [114]صحيح مسلم (488).

2- التنبيه على أن قيام الليل منجاة من النار:

عن ابن عمر رضي الله عنهما، قال: رأيت على عهد النبي ﷺ كأن بيدي قطعة إستبرق، فكأني لا أريد مكانًا من الجنة إلا طارت إليه، ورأيت كأن اثنين أتياني أرادا أن يذهبا بي إلى النار، فتلقاهما ملك، فقال: لم تُرَعْ خَلِّيَا عنه، فقصت حفصة رضي الله عنها على النبي ﷺ إحدى رؤياي، فقال النبي ﷺ: «نِعْمَ الرَّجُلُ عَبْدُ اللهِ لَوْ كَانَ يُصَلِّي مِنَ اللَّيْلِ»، فكان عبد الله رضي الله عنه يصلي من الليل[115]. [115]صحيح البخاري (1156)، صحيح مسلم (2479).

فذَكَّره النبي ﷺ بقيام الليل لأنه من أسباب النجاة من النار.

3- التنبيه على فضل ركعتي الفجر، وأنهما خير من الدنيا وما فيها:

عن عائشة رضي الله عنها، عن النبي ﷺ قال: «رَكْعَتَا الْفَجْرِ خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا»[116]. [116]صحيح مسلم (725).

وقوله ﷺ: «خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا» أي من الأموال، لا من الأعمال الصالحة الصادرة من عباده تعالى[117]، قال أبو هريرة رضي الله عنه: لا تدع ركعتي الفجر ولو طرقتك الخيل، وقال عمر رضي الله عنه: هما أحب إلى من حمر النعم[118]. [117]شرح مصابيح السنة للكرماني (2/136). [118]شرح صحيح البخاري لابن بطال (3/149).

ح- الترغيب في تعليم أذكار الصلاة وذلك بذكر ثوابها:

لا يخفى على كل مسلم أهمية الذكر وعظيمُ فائدته، إذ هو من أنفع الأعمال المقرِّبة إلى الله تعالى، وقد أمر الله به في القرآن الكريم في مواطن كثيرة، ورغَّب فيه، ومدح أهله، وأثنى عليهم أحسن الثناء، يقول تعالى: ﴿فَٱذۡكُرُونِيٓ أَذۡكُرۡكُمۡ وَٱشۡكُرُواْ لِي وَلَا تَكۡفُرُونِ152﴾[119]، ويقول تعالى: ﴿ٱلَّذِينَ يَذۡكُرُونَ ٱللَّهَ قِيَٰمٗا وَقُعُودٗا وَعَلَىٰ جُنُوبِهِمۡ...﴾[120]. [119]]البقرة: 152[. [120]]آل عمران: 191[.

ومما شُرع للمسلم من أذكار ما يكون قبل الصلاة، وأثناءها، وبعدها، ومن هذه الأذكار والثواب الوارد فيها ما يلي:

1- الترغيب في الذكر عند دخول المسجد:

عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما، عن النبي ﷺ أنه كان إذا دخل المسجد قال: «أعوذُ باللهِ العظيمِ، وبوجهِهِ الكريم، وسُلطانِه القديم، من الشَّيطانِ الرَّجيم» قال: أَقَطْ؟ قلتُ: نعم، قال: «فإذا قالَ ذلك قالَ الشَّيطانُ: حُفِظَ منِّي سائرَ اليَومِ»[121]. [121]سنن أبي داود (466)، ومعنى قوله: "أقط"؟ أما بلغك إلا هذا خاصة. شرح سنن النسائي للأثيوبي (9/155) والحديث قال النووي: حديث حسن، رواه أبو داود بإسناد جيد. وصححه الألباني. خلاصة الأحكام (1/ 314)، صحيح وضعيف سنن أبي داود (ص: 2).

فوصف الصحابي حال النبي ﷺ عند دخول المسجد، ولنا في رسول الله ﷺ أسوة، والشيطان حريص على صدّ المسلم عن صلاته، ليفوّت عليه خيرها، وحريص غاية الحرص عند خروجه من المسجد على أن يسوقه إلى أماكن الحرام، وقد صحَّ في الحديث أن النبي ﷺ قال: «إِنَّ الشَّيْطَانَ قَعَدَ لِابْنِ آدَمَ بِأَطْرُقِهِ»، أي: في كل طريق يسلكه الإنسان سواء كان طريق خير أو طريق شر.

2- الترغيب في قول (الله أكبر كبيرًا....):

عن ابن عمر رضي الله عنهما، قال: بينما نحن نصلي مع رسول الله ﷺ إذ قال رجل من القوم: الله أكبر كبيرًا، والحمد لله كثيرًا، وسبحان الله بكرة وأصيلًا، فقال رسول الله ﷺ: «مِنَ الْقَائِلُ كَلِمَةَ كَذَا وَكَذَا؟» قَالَ رَجُلٌ مَنِ الْقَوْمِ: أَنَا، يَا رَسُولَ اللهِ قَالَ: «عَجِبْتُ لَهَا، فُتِحَتْ لَهَا أَبْوَابُ السَّمَاءِ» قَالَ ابْنُ عُمَرَ: فَمَا تَرَكْتُهُنَّ مُنْذُ سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ ذَلِكَ[122]. [122]صحيح مسلم (601).

والحديث يدل على عظم هذا الذكر حيث تفتح له أبواب السماء لعظم قدره، وهذا مما يزيد في نشاط الذاكر لهذا الذكر، وأن يقع في قلبه موقعًا يحرص عليه أشد الحرص.

3- الترغيب في التأمين في الصلاة:

عن أبي هريرة رضي الله عنه، أن رسول الله ﷺ قال: «إِذَا قَالَ أَحَدُكُمْ: آمِينَ، وَقَالَتِ المَلاَئِكَةُ فِي السَّمَاءِ: آمِينَ، فَوَافَقَتْ إِحْدَاهُمَا الأُخْرَى غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ»[123]. [123]صحيح البخاري (781).

والمراد بالذنب: الصغائر فقط، فإذا اجتنب الكبائر غُفرت الصغائر، فإذا كانت الصلوات الخمس- وهي أعظم أركان الإسلام- لا تقوى على تكفير الكبائر فما دونها من باب أولى؛ لأنه لا شك أن الفرض أحب إلى الله تعالى وأعظم أثرًا في قلب المؤمن وأعظم أجرًا، فإذا كانت الفرائض العظيمة لا تكفر بها الكبائر فهذا من باب أولى، وهذا أقرب[124]. [124]فتح ذي الجلال والإكرام بشرح بلوغ المرام لابن عثيمين (3/291).

4- الترغيب في قول (ربنا ولك الحمد...) بعد الرفع من الركوع:

عن رفاعة بن رافع الزرقي رضي الله عنه قال: «كنا يومًا نصلي وراء النبي ﷺ، فلما رفع رأسه من الركعة قال: «سَمِعَ اللهُ لِمَنْ حَمِدَهُ»، قال رجل وراءه: ربنا ولك الحمد حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه، فلما انصرف، قال: «مَنِ المُتْكَلِّمُ؟» قال: أنا، قال: «رَأَيْتُ بِضْعَةً وَثَلَاثِيْنَ مَلَكَاً يَبْتَدِرُونَهَا أَيُّهُمْ يَكْتُبُهَا أَوَّل»[125]. [125]صحيح البخاري (799).

وقوله ﷺ: «يبتدرونها أيهم يكتبها أول» دليل على عظيم ثوابها، ورفعة درجة صاحبها، وأن لكاتبها أولًا مزية وإن كان جميعهم يكتبها[126]. [126]المنتقى شرح الموطأ للباجي (1/356).

5- الترغيب في الذكر بعد الصلاة:

أ- ما جاء في عدم خيبة من قالهن:

عن كعب بن عجرة رضي الله عنه، عن رسول الله ﷺ قال: «مُعَقِّبَاتٌ لَا يَخِيبُ قَائِلُهُنَّ - أَوْ فَاعِلُهُنَّ - دُبُرَ كُلِّ صَلَاةٍ مَكْتُوبَةٍ، ثَلَاثٌ وَثَلَاثُونَ تَسْبِيحَةً، وَثَلَاثٌ وَثَلَاثُونَ تَحْمِيدَةً، وَأَرْبَعٌ وَثَلَاثُونَ تَكْبِيرَةً»[127]. [127]صحيح مسلم (596).

ويستفاد من قوله: «لا يخيب» أنه لا يصير محرومًا عما يريد[128]، والخيبة هي الحرمان والخسران، أي لا يحرم الثواب[129]. [128]انظر: المفاتيح في شرح المصابيح للمظهري (2/177). [129]التنوير شرح الجامع الصغير للصنعاني (9/557).

ب - ما جاء في أن الذكر يغفر الذنوب وإن كانت مثل زبد البحر:

عن أبي هريرة رضي الله عنه، عن رسول الله ﷺ قال: «مَنْ سَبَّحَ اللهَ فِي دُبُرِ كُلِّ صَلَاةٍ ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ، وَحَمِدَ اللهَ ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ، وَكَبَّرَ اللهَ ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ، فَتْلِكَ تِسْعَةٌ وَتِسْعُونَ، وَقَالَ: تَمَامَ الْمِائَةِ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ غُفِرَتْ خَطَايَاهُ وَإِنْ كَانَتْ مِثْلَ زَبَدِ الْبَحْرِ»[130]. [130]صحيح مسلم (597).

قوله ﷺ: «غفرت خطاياه وإن كانت مثل زبد البحر» معناه في كثرتها، وزبد البحر كثير لا يحصيه إلا الله -عز وجل-، ففي هذا دليل على فضيلة هذا الذكر دبر الصلوات[131]. [131]فتح ذي الجلال والإكرام بشرح بلوغ المرام لابن عثيمين (2/182).

ج- ما جاء في تسابق الصحابة في أجور الذكر:

عن أبي هريرة رضي الله عنه، أن فقراء المهاجرين أتوا رسول الله ﷺ، فقالوا: ذهب أهل الدثور بالدرجات العلى، والنعيم المقيم، فقال: «وَمَا ذَاكَ؟» قالوا: يصلون كما نصلي، ويصومون كما نصوم، ويتصدقون ولا نتصدق، ويعتقون ولا نعتق، فقال رسول الله ﷺ: «أَفَلَا أُعَلِّمُكُمْ شَيْئًا تُدْرِكُونَ بِهِ مَنْ سَبَقَكُمْ وَتَسْبِقُونَ بِهِ مَنْ بَعْدَكُمْ؟ وَلَا يَكُونُ أَحَدٌ أَفْضَلَ مِنْكُمْ إِلَّا مَنْ صَنَعَ مِثْلَ مَا صَنَعْتُمْ» قَالُوا: بَلَى، يَا رَسُولُ اللهِ قَالَ: «تُسَبِّحُونَ، وَتُكَبِّرُونَ، وَتَحْمَدُونَ، دُبُرَ كُلِّ صَلَاةٍ ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ مَرَّةً» قَالَ أَبُو صَالِحٍ: فَرَجَعَ فُقَرَاءُ الْمُهَاجِرِينَ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ، فَقَالُوا: سَمِعَ إِخْوَانُنَا أَهْلُ الْأَمْوَالِ بِمَا فَعَلْنَا، فَفَعَلُوا مِثْلَهُ، فَقَالَ رَسُولِ اللهِ ﷺ: «ذَلِكَ فَضْلُ اللهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ» وَزَادَ غَيْرُ قُتَيْبَةَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ عَنِ اللَّيْثِ، عَنِ ابْنِ عَجْلَانَ، قَالَ سُمَيٌّ: فَحَدَّثْتُ بَعْضَ أَهْلِي هَذَا الْحَدِيثَ، فَقَالَ: وَهِمْتَ، إِنَّمَا قَالَ: «تُسَبِّحُ اللهَ ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ، وَتَحْمَدُ اللهَ ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ، وَتُكَبِّرُ اللهَ ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ» فَرَجَعْتُ إِلَى أَبِي صَالِحٍ فَقُلْتُ لَهُ ذَلِكَ، فَأَخَذَ بِيَدِي فَقَالَ: اللهُ أَكْبَرُ، وَسُبْحَانَ اللهِ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ، اللهُ أَكْبَرُ، وَسُبْحَانَ اللهِ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ، حَتَّى تَبْلُغَ مِنْ جَمِيعِهِنَّ ثَلَاثَةً وَثَلَاثِينَ)[132](. [132]صحيح مسلم (595).

وفي الحديث أن قوله: «تدركون به من سبقكم» يحتمل أن يراد به السبق المعنوي، وهو السبق في الفضيلة، وقوله: «من بعدكم» أي من بعدكم في الفضيلة ممن لا يعمل هذا العمل، وقوله: «لا يكون أحد أفضل منكم» يدل على ترجيح هذه الأذكار على فضيلة المال، وعلى أن تلك الفضيلة للأغنياء مشروطة بأن لا يفعلوا هذا الفعل الذي أمر به الفقراء[133]. [133]إحكام الأحكام شرح عمدة الأحكام لابن دقيق العيد (1/326).

د- الترغيب في الذكر الوارد وأنه أثقل في الميزان من غيره:

عن ابن عباس رضي الله عنهما، عن جويرية رضي الله عنها، أن النبي ﷺ خرج من عندها بكرة حين صلى الصبح، وهي في مسجدها، ثم رجع بعد أن أضحى، وهي جالسة، فقال: «مَا زِلْتِ عَلَى الْحَالِ الَّتِي فَارَقْتُكِ عَلَيْهَا؟» قَالَتْ: نَعَمْ، قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «لَقَدْ قُلْتُ بَعْدَكِ أَرْبَعَ كَلِمَاتٍ، ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، لَوْ وُزِنَتْ بِمَا قُلْتِ مُنْذُ الْيَوْمِ لَوَزَنَتْهُنَّ: سُبْحَانَ اللهِ وَبِحَمْدِهِ، عَدَدَ خَلْقِهِ وَرِضَا نَفْسِهِ وَزِنَةَ عَرْشِهِ وَمِدَادَ كَلِمَاتِهِ»[134]. [134]صحيح مسلم (2726).

مما نجده في الحديث: أن قوله: «لوزنتهن» معناه لترجحت تلك الكلمات على جميع أذكارك وزادت عليهن في الأجر والثواب، وقوله: «بما قلت» فيه تنبيه على أنها كلمات كثيرة المعنى لو قوبلت بما قلت لساوتهن[135]. [135]مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح للقاري (4/1595).

هـ- الترغيب في قراءة آية الكرسي بعد الصلاة:

عن أبي أمامة رضي الله عنه، قال: قال رسول الله ﷺ: «من قَرَأَ آيَة الْكُرْسِيّ فِي دبر كل صَلَاة مَكْتُوبَة لم يمنعهُ من دُخُول الْجنَّة إِلَّا أَن يَمُوت»[136]. [136]السنن الكبرى للنسائي (9848)، وصححه الألباني في صحيح الجامع الصغير وزيادته (2/ 1103).

قوله ﷺ: «لم يمنعه من دخول الجنة إلا أن يموت» معناه أنه إذا مات دخل الجنة، فالأحياء لا يدخلون الجنة، لكن إذا مات دخل الجنة، وهذا دليل على فضلها، وأنه ينبغي للإنسان أن يقرأها خلف كل صلاة مكتوبة[137]. [137]فتح ذي الجلال والإكرام بشرح بلوغ المرام لابن عثيمين (2/191)، والمهم أن يحرص الإنسان على ما ورد عن النبي عليه الصلاة والسلام في هذا الباب، ومنه التسبيح، والتحميد، والتكبير، وغير ذلك.

10- ضرب الأمثال لتعليم الصلاة:

ضرب الأمثال من أحسن طرق التعليم ووسائل العلم، فهو يساعد على زيادة الفهم، وتصوير المعني ليترسخ في الذهن، ولقد كان النبي ﷺ يستخدم ضرب الأمثال في مواقف كثيرة، ومن ذلك في الصلاة ما يلي:

أ- ضرب المثل لمن صلى وهو معقوص بالرجل المكتوف:

عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما، أنه رأى عبد الله بن الحارث يصلي ورأسه معقوص من ورائه، فقام فجعل يحله، فلما انصرف أقبل إلى ابن عباس، فقال: ما لك ورأسي؟ فقال: إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إِنَّمَا مَثَلُ هَذَا، مَثَلُ الَّذِي يُصَلِّي وَهُوَ مَكْتُوفٌ»[138]. [138]صحيح مسلم (492)، والكفت: الضم والجمع، ومنه قوله تعالى: ﴿أَلَمۡ نَجۡعَلِ ٱلۡأَرۡضَ كِفَاتًا 25 أَحۡيَآءٗ وَأَمۡوَٰتٗا26﴾، أي تجمع وتضم الناس في حياتهم وموتهم، والكف بمعناه، ومنه كافة الناس أي جماعتهم، وهو كله مثل قوله: (معقوص الشعر) وهو ضمه في الصلاة. شرح صحيح مسلم للقاضي عياض (2/405).

المشروع للمؤمن إسدال كميه وعمامته وغُترته، كلها يتركها، لا يكفتها في الصلاة، والنبي ﷺ قد نهانا عن كف الشعر والثوب، فعن ابن عباس رضي الله عنهما، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «أُمِرْتُ أَنْ أَسْجُدَ عَلَى سَبْعَةِ أَعْظُمٍ، وَلَا أَكُفَّ ثَوْبًا وَلَا شَعْرًا»[139]، قال العلماء: والحكمة في النهي عنه أن الشعر يسجد معه، ولهذا مثَّله بالذي يصلي وهو مكتوف. [139]صحيح البخاري (816)، صحيح مسلم (490).

ب- ضرب المثل بالجائع لا يأكل إلا تمرة أو تمرتين لا تغني عنه شيئًا:

عن أبي عبد الله الأشعري رضي الله عنه، قال: صلى رسول الله ﷺ بأصحابه، ثم جلس في طائفة منهم، فدخل رجل فقام يصلي، فجعل لا يركع، وينقر في سجوده، ورسول الله ﷺ ينظر إليه، فقال: «أَتَرَوْنَ هَذَا لَوْ مَاتَ مَاتَ عَلَى غَيْرِ مِلَّةِ مُحَمَّدٍ؟ يَنْقُرُ صَلَاتَهُ كَمَا يَنْقُرُ الْغُرَابُ الدَّمَ، إِنَّمَا مَثَلُ الَّذِي يُصَلِّي وَلَا يَرْكَعُ، وَيَنْقُرُ فِي سُجُودِهِ كَالْجَائِعِ لَا يَأْكُلُ إِلَّا تَمْرَةً أَوْ تَمْرَتَيْنِ، فَمَاذَا تُغْنِيَانِ عَنْهُ فَأَسْبِغُوا الْوُضُوءَ، وَيْلٌ لِلْأَعْقَابِ مِنَ النَّارِ، وَأَتِمُّوا الرُّكُوعَ وَالسُّجُودَ»[140]. [140]السنن الكبرى للبيهقي (2609) وهو حديث حسن الإسناد. الأمثال في الحديث النبوي لأبي الشيخ الأصبهاني (صــ 327).

فشبَّه ﷺ عدم استفادة الذي ينقر الصلاة من صلاته بالرجل الجائع يأكل تمرة أو تمرتين لا تسد جوعه، ولا تبل ريقه، ولا تغنيه عن شيء، فكذلك الصلاة إذا كان غير مطمئن فيها فإنها لا تنفعه.

ج- ضرب المثل بالحمار يحمل أسفارًا:

عن ابن عباس رضي الله عنهما، قال: قال رسول الله ﷺ: «مَنْ تَكَلَّمَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَالْإِمَامُ يَخْطُبُ، فَهُوَ كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا، وَالَّذِي يَقُولُ لَهُ: أَنْصِتْ، لَيْسَ لَهُ جُمُعَةٌ»[141]. [141]مسند أحمد (2033). قال احافظ ابن حجر: رواه أحمد، بإسناد لا بأس به. بلوغ المرام من أدلة الأحكام (ص: 196).

وتشبيهه ﷺ له بالحمار الذي يحمل أسفارًا، لأن الحمار لا ينتفع من حمله الأسفار (أي الكتب) بشيء، فكذلك من يحضر الجمعة ثم لا يستمع للإمام لا ينتفع بأجر الجمعة، وضرب المثل هو من حسن تعليم النبي ﷺ حتى يبلغ المعنى المراد فيه مبلغه.

11- التعليم بأسلوب القصص:

إن من أفضل أساليب التعليم استعمالَ الأسلوب القصصي، لأن النفس البشرية مجبولة على محبة القصص، والميل إليها، والانتباه إلى الأمثال، وربطها بالواقع، فبمجرد سردها تُقبل الأسماع عليها، وقد استعمل النبي ﷺ أسلوب القصص مع أصحابه، ومما جاء في ذلك:

عن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي ﷺ، قال: «لَمْ يَتَكَلَّمْ فِي الْمَهْدِ إِلاَّ ثَلاَثَةٌ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ، وَصَاحِبُ جُرَيْجٍ، وَكَانَ جُرَيْجٌ رَجُلاً عَابِدًا، فَاتَّخَذَ صَوْمَعَةً [142]، فَكَانَ فِيهَا، فَأَتَتْهُ أُمُّهُ وَهُوَ يُصَلِّي، فَقَالَتْ: يَا جُرَيْجُ فَقَالَ: يَا رَبِّ أُمِّي وَصَلاَتِي، فَأَقْبَلَ عَلَى صَلاَتِهِ، فَانْصَرَفَتْ، فَلَمَّا كَانَ مِنَ الْغَدِ أَتَتْهُ وَهُوَ يُصَلِّي، فَقَالَتْ: يَا جُرَيْجُ فَقَالَ: يَا رَبِّ أُمِّي وَصَلاَتِي، فَأَقْبَلَ عَلَى صَلاَتِهِ، فَانْصَرَفَتْ، فَلَمَّا كَانَ مِنَ الْغَدِ أَتَتْهُ وَهُوَ يُصَلِّي فَقَالَتْ: يَا جُرَيْجُ فَقَالَ: أَيْ رَبِّ أُمِّي وَصَلاَتِي، فَأَقْبَلَ عَلَى صَلاَتِهِ، فَقَالَتْ: اللَّهُمَّ لاَ تُمِتْهُ حَتَّى يَنْظُرَ إِلَى وُجُوهِ الْمُومِسَاتِ [143]، فَتَذَاكَرَ بَنُو إِسْرَائِيلَ جُرَيْجًا وَعِبَادَتَهُ وَكَانَتِ امْرَأَةٌ بَغِيٌّ يُتَمَثَّلُ بِحُسْنِهَا، فَقَالَتْ: إِنْ شِئْتُمْ لأَفْتِنَنَّهُ لَكُمْ، قَالَ: فَتَعَرَّضَتْ لَهُ، فَلَمْ يَلْتَفِتْ إِلَيْهَا، فَأَتَتْ رَاعِيًا كَانَ يَأْوِي إِلَى صَوْمَعَتِهِ، فَأَمْكَنَتْهُ مِنْ نَفْسِهَا، فَوَقَعَ عَلَيْهَا فَحَمَلَتْ، فَلَمَّا وَلَدَتْ قَالَتْ: هُوَ مِنْ جُرَيْجٍ، فَأَتَوْهُ فَاسْتَنْزَلُوهُ وَهَدَمُوا صَوْمَعَتَهُ وَجَعَلُوا يَضْرِبُونَهُ فَقَالَ: مَا شَأْنُكُمْ؟ قَالُوا: زَنَيْتَ بِهَذِهِ الْبَغِيِّ، فَوَلَدَتْ مِنْكَ، فَقَالَ: أَيْنَ الصَّبِيُّ؟ فَجَاؤُوا بِهِ، فَقَالَ: دَعُونِي حَتَّى أُصَلِّيَ، فَصَلَّى، فَلَمَّا انْصَرَفَ أَتَى الصَّبِيَّ فَطَعَنَ فِي بَطْنِهِ، وَقَالَ: يَا غُلاَمُ مَنْ أَبُوكَ؟ قَالَ: فُلاَنٌ الرَّاعِي، قَالَ: فَأَقْبَلُوا عَلَى جُرَيْجٍ يُقَبِّلُونَهُ وَيَتَمَسَّحُونَ بِهِ، وَقَالُوا: نَبْنِي لَكَ صَوْمَعَتَكَ مِنْ ذَهَبٍ، قَالَ: لاَ، أَعِيدُوهَا مِنْ طِينٍ كَمَا كَانَتْ، فَفَعَلُوا...»[144]. [142]الصومعة: مكان عبادة النصارى. [143]المومسات؛ جمع المومس، وهي المرأة: الفاجرة. النهاية في غريب الحديث والأثر لابن الأثير (4/373). [144]صحيح مسلم (2550).

ومما يستفاد من الحديث أن النبي ﷺ لم يذكر مثل هذا سمرًا قط، بل ليُعمل به، فكانت هذه القصة جامعة لفضل الوالدة، ولكونها أجيب دعاؤها في مثل الولد الصالح مع كونه لم يشتغل عنها بمنكر ولا بمحرم، وإنما اشتغل بعبادة، فجرى في حقه هذا.

والمعلم يمكن أن يستعين بالقصص في جذب انتباه المتعلمين، كأن يذكر مسائل فقهية طريفة، أو يتكلم في قصة مما ورد في الأحاديث من القصص، كأن يقول: الرسول قص علينا كذا وكذا، قص علينا قصة ثلاثة أبرص وأعمى وأقرع، أو ثلاثة انطبقت عليهم صخرة في غار، فيُدخل العلم على الناس بلا ملل بما أعطاه الله من حكمة[145]. [145]انظر: فتح ذي الجلال والإكرام بشرح بلوغ المرام لابن عثيمين (6/283).

12- الرفق في التعليم:

جعل الله تعالى نبيه ﷺ للمؤمنين ليِّنًا رؤوفًا رحيمًا، قال الله -عز وجل-: ﴿فَبِمَا رَحۡمَةٖ مِّنَ ٱللَّهِ لِنتَ لَهُمۡ...﴾[146]، وقال سبحانه وتعالى: ﴿لَقَدۡ جَآءَكُمۡ رَسُولٞ مِّنۡ أَنفُسِكُمۡ عَزِيزٌ عَلَيۡهِ مَا عَنِتُّمۡ حَرِيصٌ عَلَيۡكُم بِٱلۡمُؤۡمِنِينَ رَءُوفٞ رَّحِيمٞ128﴾[147]، ولهذا كان ﷺ يتعامل مع طلابه برأفة وشفقة ولطف ولين، ومما جاء في الرفق في التعليم في السنة ما يلي: [146][آل عمران: 159]. [147][التوبة: 128].

أ- الرفق في تعليم حديث العهد بالإسلام:

عن معاوية بن الحكم السلمي رضي الله عنه، قال: بينا أنا أصلي مع رسول الله ﷺ، إذ عطس رجل من القوم، فقلت: يرحمك الله. فرماني القوم بأبصارهم، فقلت: واثكل أمياه! ما شأنكم تنظرون إلي؟ فجعلوا يضربون بأيديهم على أفخاذهم، فلما رأيتهم يصمتونني، لكني سكت، فلما صلى رسول الله ﷺ، فبأبي هو وأمي، ما رأيت معلمًا قبله ولا بعده أحسن تعليمًا منه، فوالله، ما كهرني ولا ضربني ولا شتمني، قال: «إِنَّ هَذِهِ الصَّلَاةَ لَا يَصْلُحُ فِيهَا شَيْءٌ مِنْ كَلَامِ النَّاسِ هَذَا، إِنَّمَا هِيَ التَّسْبِيحُ وَالتَّكْبِيرُ وَقِرَاءَةُ الْقُرْآنِ» أَوْ كَمَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّا قَوْمٌ حَدِيثُ عَهْدٍ بِالْجَاهِلِيَّةِ، وَقَدْ جَاءَ اللَّهُ بِالْإِسْلَامِ، وَإِنَّ مِنَّا قَوْمًا يَأْتُونَ الْكُهَّانَ قَالَ: «فَلَا تَأْتُوهُمْ»[148]. [148]صحيح مسلم (537)، الكاهن: هو الذي يخبر عن المغيبات في المستقبل. انظر: تيسير العزيز الحميد لـسليمان بن عبدالله بن محمد بن عبد الوهاب (صـ 351).

قوله رضي الله عنه: «فبأبي هو وأمي ما رأيت قبله ولا بعده معلمًا أحسن تعليمًا منه» فيه؛ بيان ما كان عليه رسول الله ﷺ من عظيم الخلق الذي شهد الله تعالى له به، من رفقه بالجاهل، وحسن تعليمه، واللطف به، وتقريب الصواب إلى فهمه، وترك الغضب عليه إذا لم يقصد مخالفة، ورأفته بأمته، وشفقته عليهم.

وقد صلى الإمام أحمد يومًا خلف رجل، فكان إذا سجد جمع ثوبه بيديه، فلما فرغ قال الإمام أحمد لرجل إلى جانبه -وخفض صوته- قال النبي ﷺ: «إذا قام أحدكم إلى الصلاة فلا يكف شعرًا ولا ثوبًا»، ففطن الإمام بذلك، وعلم أنه أراده[149]. [149]الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لأبي بكر الخَلَّال (صـ 25).

ب- الرفق في تعليم الجاهل أحكام المساجد:

عن أنس بن مالك رضي الله عنه، قال: بينما نحن في المسجد مع رسول الله ﷺ إذ جاء أعرابي فقام يبول في المسجد، فقال أصحاب رسول الله ﷺ: مَهْ مَهْ![150] ، قال: قال رسول الله ﷺ: «لَا تُزْرِمُوهُ دَعُوهُ» فَتَرَكُوهُ حَتَّى بَالَ، ثُمَّ إِنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ دَعَاهُ فَقَالَ لَهُ: «إِنَّ هَذِهِ الْمَسَاجِدَ لَا تَصْلُحُ لِشَيْءٍ مِنْ هَذَا الْبَوْلِ، وَلَا الْقَذَرِ إِنَّمَا هِيَ لِذِكْرِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ، وَالصَّلَاةِ وَقِرَاءَةِ الْقُرْآنِ» أَوْ كَمَا قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ قَالَ: فَأَمَرَ رَجُلًا مِنَ الْقَوْمِ فَجَاءَ بِدَلْوٍ مِنْ مَاءٍ فَشَنَّهُ عَلَيْهِ[151]. [150]مَهْ مَهْ: هي كلمة زجر وكَفِّ. المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج للنووي (6/34). [151]صحيح البخاري (6025)، صحيح مسلم (285)، قوله: "لا تزرموه" يعني؛ لا تقطعوا عليه بوله. المسالك في شرح موطأ مالك (2/289).

مما نجده في الحديث: أن النبي ﷺ رفق بالأعرابي الجاهل حين بال في مسجده الشريف -والذي فيه الصلاة أفضل من ألف صلاة فيما سواه إلا المسجد الحرام-، وأمر أن لا يُهاج حتى يفرغ من بوله تأنيسًا له، ورفقًا به، وهذا يدل على حسن رعاية النبي ﷺ للأمة.

الفصل الثالث

الحاجات.

علاج الأخطاء.

التأكيد.

رفع التوهم.

آثار التعليم على المتعلم.

13- الوصية بالصلاة عند الحاجات والنوائب:

المسلم يعرض له ما يعرض لغيره في حياته من حاجات ومصائب، فليس هناك أحسن ولا أفضل من الصلاة لكشف تلك الكربات وقضاء هذه الحاجات، ولا أدل على ذلك من قول حذيفة رضي الله عنه: كَانَ النَبِيُّ ﷺ إِذَا حَزَبَه أَمْرٌ؛ صَلَّى.[152] [152]سنن أبي داود (1319)، وفي إسناده ضعف، لجهالة محمد بن عبد الله الحنفي. وقوله: «كان إذا حزبه أمر صلى» أي إذا نزل به همٌّ أو أصابه غمٌّ. النهاية في غريب الحديث والأثر (1/377).

ومما يلتقي مع دلالة هذا الحديث قوله تعالى: ﴿وَٱسۡتَعِينُواْ بِٱلصَّبۡرِ وَٱلصَّلَوٰةِ...﴾، أي استعينوا على البلايا والنوائب بالصبر عليها، والالتجاء إلى الصلاة عند وقوعها، وروي عن ابن عباس: أنه نعي إليه أخوه قُثَم -وهو في سفر- فاسترجع وتنحى عن الطريق فصلى ركعتين، ثم قرأ: ﴿وَٱسۡتَعِينُواْ بِٱلصَّبۡرِ وَٱلصَّلَوٰةِ...﴾[153]. [153]شرح المشكاة للطيبي الكاشف عن حقائق السنن (4/1247).

أ- قصد الصلاة عند التردد في الأمر:

عن جابر رضي الله عنه، قال: كان النبي ﷺ يعلمنا الاستخارة في الأمور كلها، كالسورة من القرآن: «إِذَا هَمَّ بِالأَمْرِ فَلْيَرْكَعْ رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ يَقُولُ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْتَخِيرُكَ بِعِلْمِكَ، وَأَسْتَقْدِرُكَ بِقُدْرَتِكَ، وَأَسْأَلُكَ مِنْ فَضْلِكَ العَظِيمِ، فَإِنَّكَ تَقْدِرُ وَلاَ أَقْدِرُ، وَتَعْلَمُ وَلاَ أَعْلَمُ، وَأَنْتَ عَلَّامُ الغُيُوبِ، اللَّهُمَّ إِنْ كُنْتَ تَعْلَمُ أَنَّ هَذَا الأَمْرَ خَيْرٌ لِي فِي دِينِي وَمَعَاشِي وَعَاقِبَةِ أَمْرِي - أَوْ قَالَ: فِي عَاجِلِ أَمْرِي وَآجِلِهِ - فَاقْدُرْهُ لِي، وَإِنْ كُنْتَ تَعْلَمُ أَنَّ هَذَا الأَمْرَ شَرٌّ لِي فِي دِينِي وَمَعَاشِي وَعَاقِبَةِ أَمْرِي - أَوْ قَالَ: فِي عَاجِلِ أَمْرِي وَآجِلِهِ - فَاصْرِفْهُ عَنِّي وَاصْرِفْنِي عَنْهُ، وَاقْدُرْ لِي الخَيْرَ حَيْثُ كَانَ، ثُمَّ رَضِّنِي بِهِ، وَيُسَمِّي حَاجَتَهُ»[154]. [154]صحيح البخاري (6382).

ومما يؤخذ من الحديث: أنه يجب على المؤمن رد الأمور كلها إلى الله، وصرف أزمتها والتبرؤ من الحول والقوة إليه، وينبغي له أن لا يطلب شيئًا من دقيق الأمور وجليلها، حتى يستخير الله فيه ويسأله أن يحمله فيه على الخير، ويصرف عنه الشر؛ إذعانًا بالافتقار إليه في كل أمر، والتزامًا لذلة العبودية له، وتبركًا باتباع سنة نبيه ﷺ في الاستخارة، ولذلك كان النبي ﷺ يعلمهم هذا الدعاء كما يعلمهم السورة من القرآن لشدة حاجتهم إلى الاستخارة في الحالات كلها كشدة حاجتهم إلى القراءة في كل الصلوات[155] ). [155]شرح صحيح البخاري لابن بطال (10/123).

ب- الصلاة هي الملجأ عند المهمات والكرب:

عن أبي هريرة رضي الله عنه، قال: لم يكذب إبراهيم عليه السلام إلا ثلاث كذبات، ثنتين منهن في ذات الله -عز وجل-، قوله: ﴿...إِنِّي سَقِيمٞ﴾[156]، وقوله: ﴿...بَلۡ فَعَلَهُۥ كَبِيرُهُمۡ هَٰذَا...﴾[157] ، وقال: بينا هو ذات يوم وسارة، إذ أتى على جبار من الجبابرة، فقيل له: إن ها هنا رجلًا معه امرأة من أحسن الناس، فأرسل إليه فسأله عنها، فقال: من هذه؟ قال: أختي، فأتى سارة، قال: يا سارة: ليس على وجه الأرض مؤمن غيري وغيرك، وإن هذا سألني فأخبرته أنك أختي، فلا تكذبيني، فأرسل إليها، فلما دخلت عليه ذهب يتناولها بيده فأخذ، فقال: ادعي الله لي ولا أضرك، فدعت الله فأطلق، ثم تناولها الثانية فأخذ مثلها أو أشد، فقال: ادعي الله لي ولا أضرك، فدعت فأطلق، فدعا بعض حجبته، فقال: إنكم لم تأتوني بإنسان، إنما أتيتموني بشيطان، فأخدمها هاجر، فأتته وهو قائم يصلي، فأومأ بيده: مهيا، قالت: رد الله كيد الكافر، أو الفاجر، في نحره، وأخدم هاجر، قال أبو هريرة رضي الله عنه: تلك أمكم يا بني ماء السماء[158]. [156][الصافات: 89]. [157][الأنبياء: 63]. [158]صحيح البخاري (3358)، صحيح مسلم (2371)، وقوله: «أمكم هاجر يا بني ماء السماء» يريد العرب، لأنهم كانوا يتبعون قطر السماء. النهاية في غريب الحديث والأثر لابن الأثير (4/291).

ومما يستفاد من الحديث: أن من نابه أمر مهم من الكرب ينبغي له أن يفزع إلى الصلاة، وفيه: إجابة الدعاء بإخلاص النية وكفاية الرب لمن أخلص في الدعاء بالعمل الصالح.

وعن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي ﷺ، قال: «لَمْ يَتَكَلَّمْ فِي المَهْدِ إِلَّا ثَلاَثَةٌ: عِيسَى، وَكَانَ فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ رَجُلٌ يُقَالُ لَهُ جُرَيْجٌ، كَانَ يُصَلِّي، جَاءَتْهُ أُمُّهُ فَدَعَتْهُ، فَقَالَ: أُجِيبُهَا أَوْ أُصَلِّي، فَقَالَتْ: اللَّهُمَّ لاَ تُمِتْهُ حَتَّى تُرِيَهُ وُجُوهَ المُومِسَاتِ، وَكَانَ جُرَيْجٌ فِي صَوْمَعَتِهِ، فَتَعَرَّضَتْ لَهُ امْرَأَةٌ وَكَلَّمَتْهُ فَأَبَى، فَأَتَتْ رَاعِيًا فَأَمْكَنَتْهُ مِنْ نَفْسِهَا، فَوَلَدَتْ غُلاَمًا، فَقَالَتْ: مِنْ جُرَيْجٍ فَأَتَوْهُ فَكَسَرُوا صَوْمَعَتَهُ وَأَنْزَلُوهُ وَسَبُّوهُ، فَتَوَضَّأَ وَصَلَّى ثُمَّ أَتَى الغُلاَمَ، فَقَالَ: مَنْ أَبُوكَ يَا غُلاَمُ؟ قَالَ [ص:166]: الرَّاعِي، قَالُوا: نَبْنِي صَوْمَعَتَكَ مِنْ ذَهَبٍ؟ قَالَ: لاَ، إِلَّا مِنْ طِينٍ»[159]. [159]صحيح البخاري (3436).

ومن فوائد هذا الحديث: أن الله تعالى يجعل لأوليائه مخرجًا عند ابتلائهم بالشدائد غالبًا، وقد يجري عليهم الشدائد بعض الأوقات زيادة في أحوالهم وتهذيبًا لهم فيكون لطفًا[160]. [160]المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج للنووي (16/108).

ج- حثه ﷺ لمن فزع بالليل بالصلاة:

يعد الفزع أحد الاضطرابات النفسية، وهي حالة تحدث عند بعض الناس، وعلى شكل نوبات شديدة من التوتر والخوف، وقد وجهنا النبي ﷺ إلى اللجوء للصلاة عند حدوثها، ومن تلك المواقف:

1- اللجوء للصلاة عند رؤية النائم ما يكره:

عن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي ﷺ قال: «إِذَا اقْتَرَبَ الزَّمَانُ لَمْ تَكَدْ رُؤْيَا الْمُسْلِمِ تَكْذِبُ، وَأَصْدَقُكُمْ رُؤْيَا أَصْدَقُكُمْ حَدِيثًا، وَرُؤْيَا الْمُسْلِمِ جُزْءٌ مِنْ خَمْسٍ وَأَرْبَعِينَ جُزْءًا مِنَ النُّبُوَّةِ، وَالرُّؤْيَا ثَلَاثَةٌ: فَرُؤْيَا الصَّالِحَةِ بُشْرَى مِنَ اللهِ، وَرُؤْيَا تَحْزِينٌ مِنَ الشَّيْطَانِ، وَرُؤْيَا مِمَّا يُحَدِّثُ الْمَرْءُ نَفْسَهُ، فَإِنْ رَأَى أَحَدُكُمْ مَا يَكْرَهُ فَلْيَقُمْ فَلْيُصَلِّ، وَلَا يُحَدِّثْ بِهَا النَّاسَ»[161]. [161]صحيح البخاري (7017)، صحيح مسلم (2263).

قوله ﷺ: «وليقم فليصل» لأن في الصلاة التحذيرَ من المكاره، والالتجاء من كل أمر ينوبه ويقلقه[162]، وقد أمر النبي ﷺ من رأى في منامه شيئًا يكرهه أن: [162]انظر: التوشيح شرح الجامع الصحيح للسيوطي (9/4092).

1- ينفث عن يساره إذا استيقظ ثلاث مرات.

2- يستعيذ بالله من الشيطان، ومن شر ما رأى.

3- ينقلب على جنبه الآخر، فإنها لا تضره.

4- لا يخبر بها أحدًا.

5- يقوم فيصلي، فمن فعل ذلك فإنها لا تضره، أما إذا رأى في منامه ما يسره فإنه يحمد الله على ذلك، ولا يخبر به إلا من يحب، كما صح بذلك الحديث عن رسول الله ﷺ[163]. [163]انظر: مجموع فتاوى العلامة ابن باز (26/83).

2- وصيته ﷺ لابن عمر رضي الله عنهما عندما رأى ما يوجب الخوف والرعب:

عن ابن عمر رضي الله عنهما، قال: رأيت على عهد النبي ﷺ كأن بيدي قطعة إستبرق، فكأني لا أريد مكانًا من الجنة إلا طارت إليه، ورأيت كأن اثنين أتياني أرادا أن يذهبا بي إلى النار، فتلقاهما ملك، فقال: لم تُرَعْ، خليا عنه، فقصت حفصة على النبي ﷺ إحدى رؤياي، فقال النبي ﷺ: «نِعْمَ الرَّجُلُ عَبْدُ اللهِ لَوْ كَانَ يُصَلِّي مِنَ اللَّيْلِ». فكان عبد الله رضي الله عنه يصلي من الليل[164]. [164]صحيح البخاري (1156).

ومما يستنبط من الحديث: أنه لو كان يصلي بالليل لم يكن يرى ما يوجب الخوف والرعب؛ فإن صلاة الليل تكون حرزًا له؛ لأن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر اللذين هما من مقدمات النَّار وطلابها[165]. [165]الكوثر الجاري إلى رياض أحاديث البخاري للكوراني (3/190).

3- الفزع للصلاة عند رؤية الفتن في المنام:

عن أم سلمة رضي الله عنها، قالت: استيقظ النبي ﷺ فقال: «سُبْحَانَ اللَّهِ، مَاذَا أُنْزِلَ مِنَ الخَزَائِنِ، وَمَاذَا أُنْزِلَ مِنَ الفِتَنِ، مَنْ يُوقِظُ صَوَاحِبَ الحُجَرِ - يُرِيدُ بِهِ أَزْوَاجَهُ حَتَّى يُصَلِّينَ - رُبَّ كَاسِيَةٍ فِي الدُّنْيَا عَارِيَةٌ فِي الآخِرَةِ»[166]. [166]صحيح البخاري (6218).

قوله ﷺ: «من يوقظ صواحب الحجر» يريد أزواجه ﷺ، يعني من يوقظهن للصلاة بالليل، وهذا يدل أن الصلاة تنجي من شر الفتن، ويُعتصم بها من المحن[167]، وأخبرنا ﷺ أنه حين نزول البلاء ينبغي الفزع إلى الصلاة والدعاء[168]. [167]شرح صحيح البخاري لابن بطال (3/116). [168]المرجع السابق (10/15).

قوله ﷺ «من يوقظ»: للاستفهام، يعني هل أحد ينبه أزواجي من النوم حتى يصلين ليجدن الرحمة ويفررن من العذاب؟[169]. [169]المفاتيح في شرح المصابيح للمظهري (2/272).

14- التعليم بعلاج أخطاء المصلين التي تعرض لهم في صلاتهم:

مما نجده في السنة أن المصلين يعرض لهم في صلاتهم أخطاء، فكان النبي ﷺ يذكر الخطأ الذي حصل لهم، والعلاج الصحيح النافع، ومن ذلك:

أ- علاج التباس صلاة الفريضة بالنافلة:

عن عمر بن عطاء بن أبي الخوار، أن نافع بن جبير، أرسله إلى السائب -ابن أخت نمر- يسأله عن شيء رآه منه معاوية في الصلاة، فقال: نعم، صليت معه الجمعة في المقصورة، فلما سلم الإمام قمت في مقامي، فصليت، فلما دخل أرسل إلي، فقال: لا تعد لما فعلت، إذا صليت الجمعة، فلا تصِلْها بصلاة حتى تَكَلَّمَ أو تخرج، فإن رسول الله ﷺ أمرنا بذلك، أن لا توصل صلاة بصلاة حتى نتكلم أو نخرج[170]. [170]صحيح مسلم (883).

مما نجده في الحديث: أن النافلة الراتبة وغيرها يستحب أن يتحول لها عن موضع الفريضة إلى موضع آخر، وأفضله التحول إلى بيته، وإلا فموضع آخر من المسجد أو غيره ليكثر مواضع سجوده، ولتنفصل صورة النافلة عن صورة الفريضة[171]. [171]مرعاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح للمباركفوري (4/163).

ولهذا قال العلماء: يسن الفصل بين الفرض وسنته بكلام أو انتقال من موضعه، والحكمة من ذلك ألا يوصل الفرض بالنفل، فليكن الفرض وحده، والنفل وحده حتى لا يختلط[172]. [172]شرح رياض الصالحين لابن عثيمين (5/142).

عن نافع، أن ابن عمر رضي الله عنهما رأى رجلًا يصلي ركعتين يوم الجمعة في مقامه، فدفعه، وقال: أتصلي الجمعة أربعًا؟ وكان عبد الله يصلي يوم الجمعة ركعتين في بيته، ويقول: هكذا فعل رسول الله ﷺ[173]. [173]سنن أبي داود (1127). وأصله في صحيح مسلم برقم (882).

وقول ابن عمر رضي الله عنهما: (أتصلي الجمعة أربعًا؟) استفهام إنكار؛ لعدم فصله بين الفرض والنفل، ولئلا يشبه بالظهر إذا وصلت، يعني ركعتي الجمعة بركعتي النفل كما قال: «آلصُّبْحَ أربعًا».

قال العلامة ابن عثيمين -رحمه الله-: وللشارع نظرٌ في الفرق بين الفرض والسنة[174] حتى لا يلتبس الأمر على العامل، فلا يحاول أحد أن يزيد في فرائض الله، بل يكون أمره واضحًا متميزًا، ولهذا قال النبي ﷺ: «لا تقدموا رمضان بصوم يوم أو يومين إلا رجل كان يصوم صومًا فليصمه»، لأجل أن يبقى رمضان متميزًا عن الفرض، إلا من كان له صوم نافلة معتاد عليه كالاثنين والخميس، ووافق قبل رمضان، أو عليه قضاء من رمضان السابق فإنه لا بأس[175]. [174]هناك توسع أكثر في معرفة الفروق بين الفريضة والنافلة سنتكلم عنه عند فقرة التعليم بالفروق. [175]انظر: فتح ذي الجلال والإكرام بشرح بلوغ المرام لابن عثيمين (2/357).

ب- علاج استمرارية صلاة النافلة عند إقامة الفريضة:

عن عبد الله بن سرجس رضي الله عنه، قال: دخل رجل المسجد ورسول الله ﷺ في صلاة الغداة، فصلى ركعتين في جانب المسجد، ثم دخل مع رسول الله ﷺ، فلما سلم رسول الله ﷺ، قال: «يَا فُلَانُ بِأَيِّ الصَّلَاتَيْنِ اعْتَدَدْتَ؟ أَبِصَلَاتِكَ وَحْدَكَ، أَمْ بِصَلَاتِكَ مَعَنَا؟»[176]. [176]صحيح مسلم (712).

فقوله ﷺ «يا فلان بأي الصلاتين اعتددت؟»: استفهام إنكار على الرجل الذي فعل ذلك، وهذا الإنكار حجة على من ذهب إلى جواز ركعتي الفجر في المسجد والإمام يصلي، وكذا تحية المسجد[177]، وفيه دليل على أنه لا يصلي بعد الإقامة نافلة وإن كان يدرك الصلاة مع الإمام[178]، فإن كان الذي يصلي النافلة في الركعة الثانية أتمها خفيفة، وإن كان في الركعة الأولى قطعها. [177]شرح سنن أبي داود لابن رسلان (6/317). [178]المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج للنووي (5/224).

ج- علاج الوسواس في الصلاة:

عن عثمان بن أبي العاص رضي الله عنه، أنه أتى النبي ﷺ، فقال: يا رسول الله، إن الشيطان قد حال بيني وبين صلاتي وقراءتي يلبسها علي، فقال رسول الله ﷺ: «ذَاكَ شَيْطَانٌ يُقَالُ لَهُ خَنْزَبٌ، فَإِذَا أَحْسَسْتَهُ فَتَعَوَّذْ بِاللهِ مِنْهُ، وَاتْفِلْ عَلَى يَسَارِكَ ثَلَاثًا» قَالَ: فَفَعَلْتُ ذَلِكَ فَأَذْهَبَهُ اللهُ عَنِّي[179]. [179]صحيح مسلم (2203).

والوسوسة من الشيطان، ولا خلاص منها إلا بحول الله، وقوته، وحفظه، ومعونته[180]، وفي الحديث أن التفل في الصلاة للضرورة لا يفسدها[181]. [180]للشيخ محمد صالح المنجد رسالة مفيدة بعنوان (33 سببًا للخشوع في الصلاة)، فلتراجع لمن أراد الاستزادة. [181]وقد سبق بيان التفصيل في ذلك عند الحديث عن التحذير من وسوسة الشيطان.

د- علاج الشك في عدد ركعات الصلاة:

عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه، قال: قال رسول الله ﷺ: «إِذَا شَكَّ أَحَدُكُمْ فِي صَلَاتِهِ، فَلَمْ يَدْرِ كَمْ صَلَّى ثَلَاثًا أَمْ أَرْبَعًا، فَلْيَطْرَحِ الشَّكَّ وَلْيَبْنِ عَلَى مَا اسْتَيْقَنَ، ثُمَّ يَسْجُدُ سَجْدَتَيْنِ قَبْلَ أَنْ يُسَلِّمَ، فَإِنْ كَانَ صَلَّى خَمْسًا شَفَعْنَ لَهُ صَلَاتَهُ، وَإِنْ كَانَ صَلَّى إِتْمَامًا لِأَرْبَعٍ كَانَتَا تَرْغِيمًا لِلشَّيْطَانِ»[182]. [182]صحيح مسلم (571).

مما نجده في هذا الحديث: أن الإنسان إذا شك في صلاته في عدد الركعات، ولم يترجح عنده شيء، فإنه يأخذ باليقين، وهو الأقل فيكمل عليه، ثم يسجد سجدتين قبل أن يسلم[183]. [183]انظر: فتح ذي الجلال والإكرام بشرح بلوغ المرام لابن عثيمين (2/205).

وبين الرسول ﷺ الحكمة من هاتين السجدتين، فقال «فإن كان صلى خمسًا شفعن صلاته»، كيف صلى خمسًا؟ لأنه شك ثلاثًا أو أربعًا؟ قلنا: يجعلها ثلاثًا فيه احتمال أن تكون أربعًا إذا أتى بركعة فقد صلى خمسًا إذا كان الواقع أنها أربعٌ في الأول، قال ﷺ: «شفعن صلاته» يعني: جعلنها شفعًا فصارت هاتان السجدتان عوضًا عن ركعة كاملة، وإن كان صلى إتمامًا كانت ترغيمًا للشيطان، يعني: ذلًا واحتقارًا له؛ لأن الشيطان هو الذي يوقع عليك الشك في عبادتك، فإذا أتيت بما يجبر ذلك الشك رغِم أنفُه[184]. [184]فتح ذي الجلال والإكرام بشرح بلوغ المرام لابن عثيمين (2/205).

هـ- علاج انشغال البال بالأكل عند إرادة الصلاة:

عن عائشة رضي الله عنها، عن النبي ﷺ قال: «إِذَا أُقِيمَتِ الصَّلاَةُ وَحَضَرَ العَشَاءُ، فَابْدَءُوا بِالعَشَاءِ»[185]. [185]صحيح البخاري (5465).

وعن ابن أبي عتيق، قال: تحدثت أنا والقاسم، عند عائشة رضي الله عنها، حديثًا، وكان القاسم رجلًا لـحّانة، وكان لأم ولد، فقالت له عائشة: ما لك لا تحدث كما يتحدث ابن أخي هذا، أما إني قد علمت من أين أتيت!؟ هذا أدبته أمه، وأنت أدبتك أمك، قال: فغضب القاسم وأضَبَّ عليها، فلما رأى مائدة عائشة، قد أتي بها قام، قالت: أين؟ قال: أصلي، قالت: اجلس، قال: إني أصلي، قالت: اجلس غُدَرُ، إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: «لَا صَلَاةَ بِحَضْرَةِ الطَّعَامِ، وَلَا هُوَ يُدَافِعُهُ الْأَخْبَثَانِ»[186]. [186]صحيح مسلم (560)، وقوله: «وكان لـحّانة» أي كثير اللحن في كلامه، وقوله: «فغضب وأَضَبَّ» أي حقد، قولها: «اجلس غُدَر» أي يا غادر، قال أهل اللغة: الغَدْر ترك الوفاء، وأكثر ما يستعمل في النداء بالشتم، وإنما قالت له غُدَر، لأنه مأمور باحترامها لأنها أم المؤمنين، وعمته، وأكبر منه، وناصحة له ومؤدبة، فكان حقه أن يحتملها ولا يغضب. انظر: المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج للنووي (5/46).

والعلة في قوله ﷺ: «ابدؤوا بالعَشاء» أنها لما يخاف من شغل البال بالأكل فيفارقه الخشوع، وربما نقص من حدود الصلاة، أو سها فيها، وقد بين هذا المعنى أبو الدرداء رضي الله عنه في قوله: (من فقه المرء إقباله على طعامه حتى يقبل على صلاته وقلبه فارغ)، وإنما استحب أن يكون المصلي فارغ البال من خواطر الدنيا؛ ليتفرغ لمناجاة ربه، وقد اشترط بعض الأنبياء على من يغزو معه أن لا يتبعه من ملك بُضع امرأة ولم يبن بها[187]، ولا من بنى دارًا ولم يكملها؛ ليتفرغ قلبه من شواغل الدنيا، فهذا في الغزو، فكيف في الصلاة التي هي أفضل الأعمال، والمصلي واقف بين يدي الله!؟. [187]يبن بها: عقد عليها ولم يدخل بعد بها.

و- علاج رفع المصلين أصواتهم بالقراءة في الصلاة:

عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه، قال: اعتكف النبي ﷺ في المسجد فسمعهم يجهرون بالقراءة وهو في قبة له، فكشف المستورة وقال: «أَلَا إِنَّ كُلَّكُمْ يُنَاجِي رَبَّهُ، فَلَا يُؤْذِيَنَّ بَعْضُكُمْ بَعْضًا، وَلَا يَرْفَعَنَّ بَعْضُكُمْ عَلَى بَعْضٍ فِي الْقِرَاءَةِ فِي الصَّلَاةِ»[188]. [188]السنن الكبرى للبيهقي (4765). صححه ابن عبد البر والألباني. التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد (23/ 319)، سلسلة الأحاديث الصحيحة وشيء من فقهها وفوائدها (7/ 455).

وقد نهي عن الجهر فيما لا حاجة إلى الجهر فيه، فإن كان فيه أذى لغيره ممن يشتغل بالطاعات كمن يصلي لنفسه ويجهر بقراءته حتى يغلط من يقرأ إلى جانبه؛ أن يصلي فإنه منهي عنه[189]، ويستفاد من الحديث أن رفع الصوت بالقراءة بحيث يؤذي رفيقه مكروه، وأن التهدي والسكون أفضل[190].فينبغي أن يراعي القارئ عدم التشويش على من حوله من المصلين والقراء، سواء كان في صلاة الليل في بيته، أو في المساجد، هذه السنة[191]. [189]فتح الباري لابن رجب (3/398). [190]شرح أبي داود للعيني (5/238). [191]فتاوى نور على الدرب لابن باز (10/87).

ز- علاج ما يعرض للمصلي من كلام الناس عند خروجه من الصلاة:

عن عائشة رضي الله عنها، قالت: قال النبي ﷺ: «إِذَا أَحْدَثَ أَحَدُكُمْ فِي صَلَاتِهِ فَلْيَأْخُذْ بِأَنْفِهِ، ثُمَّ لِيَنْصَرِفْ»[192]. [192]سنن أبي داود (1114). صححه عبد الحق الإشبيلي والألباني. الأحكام الوسطى (2/ 13)، صحيح وضعيف سنن أبي داود (ص: 2).

وفي هذا باب من الأخذ بالأدب في ستر العورة، واخفاء القبيح من الأمر، والتورية بما هو أحسن منه، وليس يدخل في هذا الباب الرياء والكذب، وإنما هو من باب التجمل، واستعمال الحياء، وطلب السلامة من الناس، ولذا أمره أن يأخذ بأنفه ليوهم القوم أن به رعافًا[193]. [193]معالم السنن للخطابي (1/248).

ح- علاج ما يشغل المصلي في الصلاة:

عن أنس بن مالك رضي الله عنه، قال: كان قرام لعائشة سترت به جانب بيتها، فقال النبي ﷺ: «أَمِيطِي عَنَّا قِرَامَكِ هَذَا، فَإِنَّهُ لاَ تَزَالُ تَصَاوِيرُهُ تَعْرِضُ فِي صَلاَتِي»[194]. [194]صحيح البخاري (374).

مما نجده في هذا الحديث: أنه ﷺ إنما أمر باجتناب مثل هذا لإحضار الخشوع في الصلاة، وقطع دواعي الشغل[195]. [195]والقِرام: ثوب صوف ملون. شرح صحيح البخاري لابن بطال (2/38).

وعن عائشة رضي الله عنها، أن النبي ﷺ صلى في خميصة لها أعلام، فنظر إلى أعلامها نظرة، فلما انصرف قال: «اذْهَبُوا بِخَمِيصَتِي هَذِهِ إِلَى أَبِي جَهْمٍ وَأْتُونِي بِأَنْبِجَانِيَّةِ أَبِي جَهْمٍ، فَإِنَّهَا أَلْهَتْنِي آنِفًا عَنْ صَلاَتِي»[196]. [196]صحيح البخاري (373)، والخميصة: ثوب أسود أو أحمر له أعلام.

فالمسلم مأمور بحفظ البصر في الصلاة، وترك النظر إلى ما يفتنه في صلاته أو يشغله عنها.

ط- علاج ما يعرض للمصلي من مؤذيات في الصلاة:

عن أبي هريرة رضي الله عنه، قال: قال رسول الله ﷺ: «اقْتُلُوا الْأَسْوَدَيْنِ فِي الصَّلَاةِ: الْحَيَّةَ، وَالْعَقْرَبَ»[197]. [197]سنن أبي داود (921). صححه الترمذي والألباني. سنن الترمذي (2/ 234)، صحيح وضعيف سنن أبي داود (ص: 2).

ولا بأس للمصلي أن يقتل الحية، والعقرب، وكل مؤذٍ للإنسان في صلاته ونحوها، لأن فيه إزالة الشغل، وفيه دلالة على جواز العمل اليسير في الصلاة، وذلك لأن قتل الحية غالبًا إنما يكون بالضربة والضربتين، فإذا تتابع العمل وصار في حد الكثرة بطلت الصلاة.

ي- علاج ما يمر بين يدي المصلي في الصلاة:

عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده رضي الله عنه قال: هبطنا مع رسول الله ﷺ من ثنية أذاخر، فحضرت الصلاة -يعني فصلى إلى جدار-، فاتخذه قبلة ونحن خلفه، فجاءت بهمة تمر بين يديه فما زال يدارئها حتى لصق بطنه بالجدار، ومرت من ورائه[198]. [198]سنن أبي داود (708). قال النووي: رواه أبو داود، بإسناد صحيح. وصححه الألباني. خلاصة الأحكام (1/ 523)، صحيح وضعيف سنن أبي داود (ص: 2)، والبهمة: ولد الشاة أول ما يولد، يقال ذلك للذكر والأنثى سواء، وقوله: (يدارئها) هو من الدرء، أي يدافعها. معالم السنن للخطابي (1/191).

والحديث يدل على أن المصلي يمنع ما يمر بين يديه، سواءٌ أكان إنسانًا أم حيوانًا، ومرور الحيوان بين يدي المصلي لا يقطع الصلاة، لأن البهمة وإن كانت مرت من خلف النبي ﷺ، ولكنها من بين يدي القوم، وسترته سترتهم[199]. [199]شرح أبي داود للعيني (3/275).

ك- علاج ما يشتت ذهن المصلي في الصلاة:

عن عائشة رضي الله عنها، قالت: جئت ورسول الله ﷺ يصلي في البيت، والباب عليه مغلق، فمشى حتى فتح لي، ثم رجع إلى مكانه، ووصفت الباب في القبلة[200]. [200]سنن الترمذي (601)، وحسنه الألباني صحيح وضعيف سنن الترمذي (2/ 101).

ومشيه ﷺ ثم رجوعه إلى مصلاه يدل على أن المشي اليسير في الصلاة لا تبطل به الصلاة.

ل- علاج ما ينوب الإمام في صلاته من أخطاء:

عن سهل بن سعد الساعدي رضي الله عنه، أن رسول الله ﷺ قال: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ، مَا لَكُمْ حِينَ نَابَكُمْ شَيْءٌ فِي الصَّلاَةِ أَخَذْتُمْ بِالتَّصْفِيحِ؟ إِنَّمَا التَّصْفِيحُ لِلنِّسَاءِ، مَنْ نَابَهُ شَيْءٌ فِي صَلاَتِهِ فَلْيَقُلْ: سُبْحَانَ اللَّهِ»[201]. [201]صحيح البخاري (1234).

وسنةَ الرجال فيما ينوبهم في الصلاة من حادث أو أمرٍ؛ التسبيحُ، وسنة النساء التصفيق، وهو صفق إحدى اليدين بالأخرى لا ببطونها، ولكن بظهور أصابع اليمنى على الراحة من اليد اليسرى[202]. [202]أعلام الحديث (شرح صحيح البخاري) للخطابي (1/657).

م- علاج النوم عن صلاة الصبح:

عن أبي برزة الأسلمي رضي الله عنه، أن النبي ﷺ كان يستحب أن يؤخر العشاء، قال: وكان يكره النوم قبلها، والحديث بعدها[203]. [203]صحيح البخاري (599).

وإنما كره ﷺ السهر بعد العشاء، لئلا يزاحم بقية الليل بالنوم، فتفوته صلاة الصبح في جماعة[204]، أو لئلا يفوته التهجد بالليل. [204]شرح صحيح البخاري لابن بطال (2/221).

ن- علاج الاسترسال في ذكر الأمور الدنيوية في الصلاة:

عن عمر بن أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث، عن أبيه، أن عمارًا رضي الله عنه صلى ركعتين، فقال له عبد الرحمن بن الحارث: يا أبا اليقظان، لا أراك إلا قد خففتهما، قال: هل نقصت من حدودها شيئًا؟ قال: لا، ولكن خففتهما، قال: إني بادرت بهما السهو، إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إِنَّ الرَّجُلَ لَيُصَلِّي، وَلَعَلَّهُ أَنْ لَا يَكُونَ لَهُ مِنْ صَلَاتِهِ إِلَّا عُشْرُهَا، وَتُسْعُهَا، أَوْ ثُمُنُهَا، أَوْ سُبُعُهَا» حَتَّى انْتَهَى إِلَى آخِرِ الْعَدَدِ[205]. [205]مسند أحمد (18879)، وصححه الألباني في صلاة التراويح الألباني (ص: 119).

والناس تختلف أحوالهم في ثواب صلواتهم على حسب حالاتهم في إقامتها، فمنهم من يحصل له ثواب عُشْر صلاة، ومنهم تسعها، ومنهم ثمنها إلى نصفها، فالرجل السعيد يحصل له ثوابها كلها[206]، وذلك يختلف باختلاف الأشخاص بحسب الخشوع والتدبر ونحوه مما يقتضي الكمال[207]. [206]انظر: شرح أبي داود للعيني (3/455). [207]التيسير بشرح الجامع الصغير للمناوي (1/283)، فإن قيل: ما وجه ما رواه أبو عثمان النهدي عن عمر بن الخطاب أنه قال: إني لأجهز جيشي وأنا في الصلاة!؟ وروى عروة بن الزبير عن عمر قال: إني لأحسب جزية البحرين وأنا في الصلاة؛ فكيف يجتمع الخشوع مع هذا!؟ والجواب: أن المصلي لا يمكنه دفع الخواطر العارضة في الصلاة، والغالب على الإنسان الفكرة فيما يهمه، وكان عمر رضي الله عنه إذا عرض له تجهيز جيش ونحوه من أمور المسلمين أهمه ذلك، فربما عرض له ذلك في الصلاة، واسترسل فيه من غير أن يقصد ذلك، قال ابن بطال: فإن قال قائل: فإن الخشوع فرض في الصلاة؛ قيل له: بحسب الإنسان أن يقبل على صلاته بقلبه ونيته، ويريد بذلك وجه الله عز وجل، ولا طاقة له بما اعترضه من الخواطر.

س- علاج تأخير الصلاة عن وقتها:

عن أبي ذر رضي الله عنه، قال: قال لي رسول الله: «كَيْفَ أَنْتَ إِذَا كَانَتْ عَلَيْكَ أُمَرَاءُ يُؤَخِّرُونَ الصَّلَاةَ عَنْ وَقْتِهَا؟ - أَوْ - يُمِيتُونَ الصَّلَاةَ عَنْ وَقْتِهَا؟» قَالَ: قُلْتُ: فَمَا تَأْمُرُنِي؟ قَالَ: «صَلِّ الصَّلَاةَ لِوَقْتِهَا، فَإِنْ أَدْرَكْتَهَا مَعَهُمْ، فَصَلِّ، فَإِنَّهَا لَكَ نَافِلَةٌ»[208]. [208]صحيح مسلم (648).

مما نجده في هذا الحديث أن الإنسان إذا صلى، ثم رأى أميره يصلي، فإنه يعيد الصلاة معه، ولا يقل: إني قد صليت؛ لئلا يتوهم أنه لا يرى الصلاة خلفه ومعه، وفيه أيضًا: أنه إذا كان من الأمراء من يؤخر الصلاة عن وقتها، فإنه يصلي الصلاة لوقتها، فإن أدركها معه صلاها ثانيًا[209]. [209]الإفصاح عن معاني الصحاح لابن هبيرة (2/191).

ع- علاج مظنة انكشاف العورة في الصلاة:

عن سلمة بن الأكوع رضي الله عنه، قال: قلت: يا رسول الله، إني أكون في الصيد فأصلي وليس علي إلا قميص واحد، قال: «فَزُرَّهُ وَإِنْ لَمْ تَجِدْ إِلَّا شَوْكَةً»[210]. [210]مسند أحمد (16522)، وحسنه الألباني في الثمر المستطاب في فقه السنة والكتاب (1/ 296).

والمراد بقوله: «فزره...»؛ شد القميص، والجمع بين طرفيه لئلا تبدو عورته، والحديث يدل على جواز الصلاة في الثوب الواحد وفي القميص منفردًا عن غيره مقيدًا بعقد الزرار.

15- التعليم بأسلوب التأكيد على ما يغفل الناس عنه من الصلوات:

يحتاج المعلم إلى أن يبين في كثير من الأحيان أهمية المعلومة بشكل كافٍ، فيحتاج حين عرضها إلى تأكيدها، حتى تصل إلى ذهن المتعلم بكل وضوح، وفي موضوع الصلاة نجد أن النبي ﷺ استعمل أسلوب التأكيد في كثير من الأحيان، ومن ذلك:

أ- التأكيد على صلاة الفجر وراتبتها:

عن نعيم بن همار رضي الله عنه، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «يَقُولُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: يَا ابْنَ آدَمَ، لَا تُعْجِزْنِي مِنْ أَرْبَعِ رَكَعَاتٍ فِي أَوَّلِ نَهَارِكَ، أَكْفِكَ آخِرَهُ»[211]. [211]سنن أبي داود (1289)، وصححه الألباني في صحيح وضعيف سنن أبي داود (ص: 2).

والمعنى: لا تفوِّتْ صلاة أربع ركعات لي في أول النهار أكفِك شرَّ آخره من الهموم والبلايا، وأحفظْك من الذنوب، وأعفُ عما وقع منها، وأكفِك شغلك وحوائجك، وأدفعْ عنك ما تكرهه بعد صلاتك إلى آخر النهار[212]. [212]المنهل العذب المورود شرح سنن أبي داود للسبكي (7/192).

ب- التأكيد على صلاتي الفجر والعصر:

عن جرير بن عبد الله رضي الله عنه، قال: كنا جلوسًا ليلة مع النبي ﷺ، فنظر إلى القمر ليلة أربع عشرة، فقال: «إِنَّكُمْ سَتَرَوْنَ رَبَّكُمْ كَمَا تَرَوْنَ هَذَا لَا تُضَامُّونَ فِي رُؤْيَتِهِ، فَإِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ لَا تُغْلَبُوا عَلَى صَلَاةٍ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا فَافْعَلُوا» ثُمَّ قَرَأَ هَذِهِ الْآيَةَ: ﴿...وَسَبِّحۡ بِحَمۡدِ رَبِّكَ قَبۡلَ طُلُوعِ ٱلشَّمۡسِ وَقَبۡلَ ٱلۡغُرُوبِ﴾[213] [214]. [213][ق: 39]. [214]صحيح البخاري (4851)، صحيح مسلم (633).

وعن أبي بكر بن أبي موسى الأشعري، عن أبيه رضي الله عنه، أن رسول الله ﷺ قال: «مَنْ صَلَّى الْبَرْدَيْنِ، دَخَلَ الْجَنَّةَ»[215]. [215]صحيح البخاري (574).

وعن أبي بكر بن عمارة بن رويبة، عن أبيه رضي الله عنه، قال: سمعت رسول الله ﷺ، يقول: «لَنْ يَلِجَ النَّارَ أَحَدٌ صَلَّى قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ، وَقَبْلَ غُرُوبِهَا» - يَعْنِي الْفَجْرَ وَالْعَصْرَ -[216]. [216]صحيح مسلم (634).

وخص الصلاتين بالذكر؛ لأن الصبح لذيذ الكرى، أي: النوم، والعصر وقت الاشتغال بالتجارة، فمن حافظ عليهما مع المشاكل كان الظاهر من حاله المحافظة على غيرهما، والصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر، وأيضًا هذان الوقتان مشهودان يشهدهما ملائكة الليل وملائكة النهار، ويرفعون فيهما أعمال العباد، فبالحري أن يقع مكفرًا فيغفر له، ويدخل الجنة[217]. [217]مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح للقاري (2/540).

ج- التأكيد على صلاتي الفجر والعشاء:

عن أبي هريرة رضي الله عنه، قال: قال النبي ﷺ: «لَيْسَ صَلاَةٌ أَثْقَلَ عَلَى المُنَافِقِينَ مِنَ الفَجْرِ وَالعِشَاءِ، وَلَوْ يَعْلَمُونَ مَا فِيهِمَا لَأَتَوْهُمَا وَلَوْ حَبْوًا، لَقَدْ هَمَمْتُ أَنْ آمُرَ المُؤَذِّنَ، فَيُقِيمَ، ثُمَّ آمُرَ رَجُلًا يَؤُمُّ النَّاسَ، ثُمَّ آخُذَ شُعَلًا مِنْ نَارٍ، فَأُحَرِّقَ عَلَى مَنْ لاَ يَخْرُجُ إِلَى الصَّلاَةِ بَعْدُ»[218]. [2178]صحيح البخاري (657).

وصلاة العشاء والفجر ثقيلتان على المنافقين، فأكد النبي ﷺ على فضلهما لما لهما من الأجر العظيم، وترغيبا للمسلم لأدائهما في أوقاتهما[219]. [219]شرح رياض الصالحين لابن عثيمين (5/82).

وعن عبد الرحمن بن أبي عمرة، قال: دخل عثمان بن عفان رضي الله عنه المسجد بعد صلاة المغرب، فقعد وحده، فقعدت إليه فقال، يا ابن أخي سمعت رسول الله ﷺ، يقول: «مَنْ صَلَّى الْعِشَاءَ فِي جَمَاعَةٍ فَكَأَنَّمَا قَامَ نِصْفَ اللَّيْلِ، وَمَنْ صَلَّى الصُّبْحَ فِي جَمَاعَةٍ فَكَأَنَّمَا صَلَّى اللَّيْلَ كُلَّهُ»[220]. [220]صحيح مسلم (656).

مما نجده في الحديث: أن فيه بيان اختصاص بعض الصلوات من الفضل بما لا يختص به غيرها[221]. [221]شرح صحيح مسلم للقاضي عياض (2/629).

وعن أنس بن سيرين، قال: سمعت جندب بن عبد الله رضي الله عنه، يقول: قال رسول الله ﷺ: «مَنْ صَلَّى الصُّبْحَ فَهُوَ فِي ذِمَّةِ اللهِ، فَلَا يَطْلُبَنَّكُمُ اللهُ مِنْ ذِمَّتِهِ بِشَيْءٍ فَيُدْرِكَهُ فَيَكُبَّهُ فِي نَارِ جَهَنَّمَ»[222]. [222]صحيح مسلم (657).

وخص الصبح لأن فيها كلفة لا يواظب عليها إلا خالص الإيمان، فيستحق الأمان[223]. [223]فيض القدير شرح الجامع الصغير للمناوي (6/165).

16- التعليم برفع التوهم عما يتصور أنه خطأ في الصلاة:

أ - ترك سجود التلاوة لبيان الجواز:

عن زيد بن ثابت رضي الله عنه، قال: قرأت على النبي ﷺ والنجم، فلم يسجد فيها[224]. [224]صحيح البخاري (1073).

وحديث زيد هذا يبين حديث ابن مسعود أن النبي ﷺ، حين سجد في (والنجم) بمكة[225]، أن ذلك كان إعلامًا منه لأمته أن قارئ السجدة بالخيار، إن شاء سجد فيها، وإن شاء لم يسجد[226]. [225]عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه، عن النبي ﷺ: أنه قرأ: والنجم؛ فسجد بها، وسجد من معه.صحيح البخاري (3972)، صحيح مسلم (576). [226]شرح صحيح البخاري لابن بطال (3/58).

وعن عمر بن الخطاب رضي الله عنه، أنه قَرَأَ يَوْمَ الجُمُعَةِ عَلَى المِنْبَرِ بِسُورَةِ النَّحْلِ حَتَّى إِذَا جَاءَ السَّجْدَةَ نَزَلَ، فَسَجَدَ وَسَجَدَ النَّاسُ حَتَّى إِذَا كَانَتِ الجُمُعَةُ القَابِلَةُ قَرَأَ بِهَا، حَتَّى إِذَا جَاءَ السَّجْدَةَ، قَالَ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا نَمُرُّ بِالسُّجُودِ، فَمَنْ سَجَدَ، فَقَدْ أَصَابَ وَمَنْ لَمْ يَسْجُدْ، فَلاَ إِثْمَ عَلَيْهِ وَلَمْ يَسْجُدْ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَزَادَ نَافِعٌ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، إِنَّ اللَّهَ لَمْ يَفْرِضِ السُّجُودَ إِلَّا أَنْ نَشَاءَ[227]. [227]صحيح البخاري (1077).

ب- ترك الترتيب بين السور لبيان الجواز:

عن حذيفة رضي الله عنه، قال: صَلَّيْتُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ ذَاتَ لَيْلَةٍ، فَافْتَتَحَ الْبَقَرَةَ، فَقُلْتُ: يَرْكَعُ عِنْدَ الْمِائَةِ، ثُمَّ مَضَى، فَقُلْتُ: يُصَلِّي بِهَا فِي رَكْعَةٍ، فَمَضَى، فَقُلْتُ: يَرْكَعُ بِهَا، ثُمَّ افْتَتَحَ النِّسَاءَ، فَقَرَأَهَا، ثُمَّ افْتَتَحَ آلَ عِمْرَانَ، فَقَرَأَهَا، يَقْرَأُ مُتَرَسِّلًا، إِذَا مَرَّ بِآيَةٍ فِيهَا تَسْبِيحٌ سَبَّحَ، وَإِذَا مَرَّ بِسُؤَالٍ سَأَلَ، وَإِذَا مَرَّ بِتَعَوُّذٍ تَعَوَّذَ، ثُمَّ رَكَعَ، فَجَعَلَ يَقُولُ: «سُبْحَانَ رَبِّيَ الْعَظِيمِ»، فَكَانَ رُكُوعُهُ نَحْوًا مِنْ قِيَامِهِ، ثُمَّ قَالَ: «سَمِعَ اللهُ لِمَنْ حَمِدَهُ»، ثُمَّ قَامَ طَوِيلًا قَرِيبًا مِمَّا رَكَعَ، ثُمَّ سَجَدَ، فَقَالَ: «سُبْحَانَ رَبِّيَ الْأَعْلَى»، فَكَانَ سُجُودُهُ قَرِيبًا مِنْ قِيَامِهِ[228]. [228]صحيح مسلم (772).

والشاهد من الحديث قوله: (ثم افتتح النساء، فقرأها، ثم افتتح آل عمران) وقد فعله ﷺ لبيان الجواز[229]. [229]دليل الفالحين لطرق رياض الصالحين لابن علان (2/320).

والسنة ترتيب السور في القراءة في أثناء الصلاة، كما رتب الصحابة رضي الله عنهم المصحف، هذا هو الأفضل، ومن نكس فلا حرج، لو قرأ (آل عمران)، ثم قرأ من (البقرة) فلا حرج، وقد جاء عن عمر رضي الله عنه أنه قرأ في الأولى بسورة (النحل) من صلاة الفجر، وفي الثانية بسورة (يوسف)، وهي قبلها، وقرأ النبي ﷺ في بعض الليالي بـ(البقرة) ثم (النساء) ثم (آل عمران)[230]. [230]فتاوى نور على الدرب لابن باز (8/249).

ج- ترك المواظبة على القيام للركعة الثانية مباشرة في بعض الأحيان لبيان الجواز:

عن مالك بن الحويرث الليثي رضي الله عنه، أنه رأى النبي ﷺ يصلي، فإذا كان في وتر من صلاته لم ينهض حتى يستوي قاعدًا[231]. [231]صحيح البخاري (823).

والإنسان ينبغي له أن يجلس إذا كان في وتر من صلاته اقتداء بالنبي ﷺ، لكن هذا يعارض أحاديث كثيرة تدل على عدم الجلوس، فكيف نجمع بينهما؟، نقول: من احتاج إليها لكبر أو مرض أو وجع في الركبتين أو ما أشبه ذلك فليجلس، ومن لا؛ فلا[232]، ويمكن حمل حديث مالك بن الحويرث رضي الله عنه على بيان الجواز، للجمع بين الروايات[233]. [232]فتح ذي الجلال والإكرام بشرح بلوغ المرام لابن عثيمين (2/126). [233]مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح للقاري (2/661).

د- حمل الطفل في الصلاة لبيان الجواز:

عن أبي قتادة الأنصاري رضي الله عنه، أن رسول الله ﷺ كان يصلي وهو حامل أمامة بنت زينب بنت رسول الله ﷺ، ولأبي العاص بن ربيعة بن عبد شمس، فإذا سجد وضعها، وإذا قام حملها[234]. [234]صحيح البخاري (516).

وفعله ﷺ لبيان الجواز، والحديث نص صريح في جواز مثل هذا العمل في الصلاة المكتوبة، وأن ذلك لا يُكره فيها، فضلًا عن أن يبطلها[235]. [235]فتح الباري لابن رجب (3/387) (4/144).

ه- الصلاة بحضرة الحائض لبيان الجواز:

عن عائشة رضي الله عنها، قالت: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُصَلِّي مِنَ اللَّيْلِ وَأَنَا إِلَى جَنْبِهِ، وَأَنَا حَائِضٌ وَعَلَيَّ مِرْطٌ وَعَلَيْهِ بَعْضُهُ إِلَى جَنْبِهِ[236]. [236]صحيح مسلم (514)، والمرط: كساء من قماش كان يؤتزر به. معالم السنن للخطابي (4/189).

وكون المرأة بجانب المصلي واقفة أو نائمة أو جالسة لا يبطل صلاته، وفيه: أن ثياب الحائض طاهرة إلا موضعًا ترى عليه دمًا أو نجاسة أخرى، وجواز الصلاة في ثوب بعضه على المصلي، وبعضه على حائض، أو غيرها[237]. [237]انظر: المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج للنووي (4/230).

و- الصلاة في الثوب الواحد لبيان الجواز:

عن محمد بن المنكدر، قال: قَالَ: صَلَّى جَابِرٌ فِي إِزَارٍ قَدْ عَقَدَهُ مِنْ قِبَلِ قَفَاهُ وَثِيَابُهُ مَوْضُوعَةٌ عَلَى المِشْجَبِ، قَالَ لَهُ قَائِلٌ: تُصَلِّي فِي إِزَارٍ وَاحِدٍ؟، فَقَالَ: إِنَّمَا صَنَعْتُ ذَلِكَ لِيَرَانِي أَحْمَقُ مِثْلُكَ وَأَيُّنَا كَانَ لَهُ ثَوْبَانِ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ ﷺ[238]. [238]صحيح البخاري (352).

إذا صلى الإنسان في ثوب واحد فصلاته صحيحة طالما سُترت عورته، وفعل جابر رضي الله عنهكأنه قال: صنعته عمدًا لبيان الجواز، ليقتدي بي الجاهل ابتداء، أو ينكر علي فأعلمه أن ذلك جائز، وإنما أغلظ لهم في الخطاب زجرًا عن الإنكار على العلماء، وليحثهم على البحث عن الأمور الشرعية[239]. [239]فتح الباري لابن حجر (1/467).

ز- قطع الصلاة لإدراك ما يُخشى ضياعه لبيان الجواز:

عن الأزرق بن قيس، قال: كُنَّا بِالأَهْوَازِ نُقَاتِلُ الحَرُورِيَّةَ، فَبَيْنَا أَنَا عَلَى جُرُفِ نَهَرٍ إِذَا رَجُلٌ يُصَلِّي، وَإِذَا لِجَامُ دَابَّتِهِ بِيَدِهِ، فَجَعَلَتِ الدَّابَّةُ تُنَازِعُهُ وَجَعَلَ يَتْبَعُهَا - قَالَ شُعْبَةُ: هُوَ أَبُو بَرْزَةَ الأَسْلَمِيُّ - فَجَعَلَ رَجُلٌ مِنَ الخَوَارِجِ يَقُولُ: اللَّهُمَّ افْعَلْ بِهَذَا الشَّيْخِ، فَلَمَّا انْصَرَفَ الشَّيْخُ، قَالَ: إِنِّي سَمِعْتُ قَوْلَكُمْ وَإِنِّي غَزَوْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ سِتَّ غَزَوَاتٍ - أَوْ سَبْعَ غَزَوَاتٍ - وَثَمَانِيَ وَشَهِدْتُ تَيْسِيرَهُ، وَإِنِّي إِنْ كُنْتُ أَنْ أُرَاجِعَ مَعَ دَابَّتِي أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أَدَعَهَا تَرْجِعُ إِلَى مَأْلَفِهَا فَيَشُقُّ عَلَيَّ [240]. [240]صحيح البخاري (1211)، واللجام: هو الحديدة التي توضع في فم الحصان وما يتصل بها لقيادته.

وهذا الحديث حجة للفقهاء في قولهم: أن كل شيء يخشى إتلافه من متاع وغيره يجوز قطع الصلاة لأجله[241]. [241]فتح الباري لابن حجر (3/82).

17- الحث على الاستعداد للصلاة:

الصلاة عمود الدين، ولذا يجب الاعتناء بها، والاستعداد لها، والحرص على إقامتها بتمام شروطها وأركانها وواجباتها، والاستعداد المبكر للصلاة يعين على تمام إقامتها، ولذا يسبقها أعمال من حافظ عليها أعانته على أدائها على الصورة الأكمل، ومن صور الاستعداد لها ما يأتي:

أ- الاستعداد للصلاة بوضع ما ينبه على دخول وقتها:

عن أبي هريرة رضي الله عنه، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ حِينَ قَفَلَ مِنْ غَزْوَةِ خَيْبَرَ، سَارَ لَيْلَهُ حَتَّى إِذَا أَدْرَكَهُ الْكَرَى عَرَّسَ، وَقَالَ لِبِلَالٍ: «اكْلَأْ لَنَا اللَّيْلَ»، فَصَلَّى بِلَالٌ مَا قُدِّرَ لَهُ، وَنَامَ رَسُولُ اللهِ ﷺ وَأَصْحَابُهُ، فَلَمَّا تَقَارَبَ الْفَجْرُ اسْتَنَدَ بِلَالٌ إِلَى رَاحِلَتِهِ مُوَاجِهَ الْفَجْرِ، فَغَلَبَتْ بِلَالًا عَيْنَاهُ وَهُوَ مُسْتَنِدٌ إِلَى رَاحِلَتِهِ، فَلَمْ يَسْتَيْقِظْ رَسُولُ اللهِ ﷺ، وَلَا بِلَالٌ، وَلَا أَحَدٌ مِنْ أَصْحَابِهِ حَتَّى ضَرَبَتْهُمُ الشَّمْسُ، فَكَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ أَوَّلَهُمُ اسْتِيقَاظًا، فَفَزِعَ رَسُولُ اللهِ ﷺ، فَقَالَ: «أَيْ بِلَالُ» فَقَالَ بِلَالُ: أَخَذَ بِنَفْسِي الَّذِي أَخَذَ - بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي يَا رَسُولَ اللهِ - بِنَفْسِكَ، قَالَ: «اقْتَادُوا»، فَاقْتَادُوا رَوَاحِلَهُمْ شَيْئًا، ثُمَّ تَوَضَّأَ رَسُولُ اللهِ ﷺ، وَأَمَرَ بِلَالًا فَأَقَامَ الصَّلَاةَ، فَصَلَّى بِهِمُ الصُّبْحَ، فَلَمَّا قَضَى الصَّلَاةَ قَالَ: «مَنْ نَسِيَ الصَّلَاةَ فَلْيُصَلِّهَا إِذَا ذَكَرَهَا»، فَإِنَّ اللهَ قَالَ: ﴿...وَأَقِمِ ٱلصَّلَوٰةَ لِذِكۡرِيٓ﴾[242] [243]. [242][طه:14]. [243]صحيح مسلم (680)، ومعنى التعريس: نزول آخر الليل للنوم والراحة. شرح صحيح مسلم للقاضي عياض (2/665).

وقوله ﷺ: «اكلأ» أي احفظ واحرس لنا الليل، أي: كن مستيقظًا إلى آخر الليل حتى لا تفوتنا صلاة الصبح[244]، ولعله خصّ بلالًا رضي الله عنه بذلك لأنه كان المؤذن، فكان أعرف بالوقت[245]. [244]بذل المجهود في حل سنن أبي داود للسهارنفوري (3/122). [245]المنهل العذب المورود شرح سنن أبي داود للسبكي (4/21).

وعن عبيد الله بن عبد الله، قال: دَخَلْتُ عَلَى عَائِشَةَ فَقُلْتُ لَهَا أَلاَ تُحَدِّثِينِي عَنْ مَرَضِ رَسُولِ اللهِ ﷺ؟ قَالَتْ: بَلَى ثَقُلَ النَّبِيُّ ﷺ فَقَالَ: «أَصَلَّى النَّاسُ؟» قُلْنَا: لاَ، وَهُمْ يَنْتَظِرُونَكَ يَا رَسُولَ اللهِ، قَالَ: «ضَعُوا لِي مَاءً فِي الْمِخْضَبِ» فَفَعَلْنَا فَاغْتَسَلَ ثُمَّ ذَهَبَ لِيَنُوءَ فَأُغْمِيَ عَلَيْهِ ثُمَّ أَفَاقَ فَقَالَ: «أَصَلَّى النَّاسُ؟» قُلْنَا: لاَ، وَهُمْ يَنْتَظِرُونَكَ يَا رَسُولَ اللهِ، فَقَالَ: «ضَعُوا لِي مَاءً فِي الْمِخْضَبِ» فَفَعَلْنَا فَاغْتَسَلَ، ثُمَّ ذَهَبَ لِيَنُوءَ فَأُغْمِيَ عَلَيْهِ ثُمَّ أَفَاقَ، فَقَالَ: «أَصَلَّى النَّاسُ؟» قُلْنَا: لاَ، وَهُمْ يَنْتَظِرُونَكَ يَا رَسُولَ اللهِ، فَقَالَ: «ضَعُوا لِي مَاءً فِي الْمِخْضَبِ» فَفَعَلْنَا فَاغْتَسَلَ ثُمَّ ذَهَبَ لِيَنُوءَ فَأُغْمِيَ عَلَيْهِ، ثُمَّ أَفَاقَ فَقَالَ: «أَصَلَّى النَّاسُ؟» فَقُلْنَا: لاَ، وَهُمْ يَنْتَظِرُونَكَ يَا رَسُولَ اللهِ، قَالَتْ: وَالنَّاسُ عُكُوفٌ فِي الْمَسْجِدِ يَنْتَظِرُونَ رَسُولَ اللهِ ﷺ لِصَلاَةِ الْعِشَاءِ الآخِرَةِ،...[246]. [246]صحيح مسلم (418)، والمخضب: هو إناء يغتسل منه، ومعنى (لينوء) يتحامل على القيام.

قوله ﷺ: «أصلى الناس؟» استفهام منه ﷺ، وهو دليل على شدة حرصه على الصلاة واهتمامه لها، والشاهد من الحديث قوله ﷺ: «ضعوا لي ماء في المخضب» أي؛ ليغتسل به لعل الغسل يسبب له نشاطًا فيصلي بالناس[247]، وهذا مما يجعلنا نتخذ الوسائل المعينة لنا للقيام للصلاة مثل الساعات المنبهة، أو ضبط التوقيت في الجوالات، ونحو ذلك. [247]شرح سنن النسائي للشنقيطي (5/1719).

ب- الاستعداد للصلاة بالمشي إليها بسكينة:

عن أبي هريرة رضي الله عنه، أن رسول الله ﷺ، قال: «إِذَا ثُوِّبَ لِلصَّلَاةِ فَلَا تَأْتُوهَا وَأَنْتُمْ تَسْعَوْنَ، وَأْتُوهَا وَعَلَيْكُمُ السَّكِينَةُ، فَمَا أَدْرَكْتُمْ فَصَلُّوا، وَمَا فَاتَكُمْ فَأَتِمُّوا، فَإِنَّ أَحَدَكُمْ إِذَا كَانَ يَعْمِدُ إِلَى الصَّلَاةِ فَهُوَ فِي صَلَاةٍ»[248]. [248]صحيح مسلم (602).

والحديث يدل على تعظيم شأن الصلاة، وأن الإنسان ينبغي أن يأتي إليها بأدب وخشوع وسكينة ووقار[249]. [249]شرح رياض الصالحين لابن عثيمين (4/96).

ج- الاستعداد للصلاة بالتبكير لها:

عن أبي هريرة رضي الله عنه، أن رسول الله ﷺ قال: «لَوْ يَعْلَمُ النَّاسُ مَا فِي النِّدَاءِ وَالصَّفِّ الْأَوَّلِ، ثُمَّ لَمْ يَجِدُوا إِلَّا أَنْ يَسْتَهِمُوا عَلَيْهِ لَاسْتَهَمُوا وَلَوْ يَعْلَمُونَ مَا فِي التَّهْجِيرِ، لَاسْتَبَقُوا إِلَيْهِ، وَلَوْ يَعْلَمُونَ مَا فِي الْعَتَمَةِ وَالصُّبْحِ، لَأَتَوْهُمَا وَلَوْ حَبْوًا»[250]. [250]صحيح البخاري (615).

والمراد بالتهجير في الحديث: التبكير إلى المساجد لصلاة الظهر، ويدخل فيه المسارعة إلى الصلوات كلها قبل دخول أوقاتها؛ ليحصل له فضل الانتظار قبل الصلاة[251]. [251]انظر: فتح الباري لابن رجب (6/27)، شرح صحيح البخاري لابن بطال (2/280).

د-الاستعداد للجمعة، ويكون ذلك بعدة أمور:

(أ) الاغتسال ولبس أفضل الثياب مع وضع الطِّيب، فعن سلمان الفارسي رضي الله عنه، قال: قال رسول الله ﷺ: «مَنِ اغْتَسَلَ يَوْمَ الجُمُعَةِ، وَتَطَهَّرَ بِمَا اسْتَطَاعَ مِنْ طُهْرٍ، ثُمَّ ادَّهَنَ أَوْ مَسَّ مِنْ طِيبٍ، ثُمَّ رَاحَ فَلَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَ اثْنَيْنِ، فَصَلَّى مَا كُتِبَ لَهُ، ثُمَّ إِذَا خَرَجَ الإِمَامُ أَنْصَتَ، غُفِرَ لَهُ مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الجُمُعَةِ الأُخْرَى»[252]. [252]صحيح البخاري (910).

وعن عائشة رضي الله عنها، أن النبي ﷺ خطب الناس يوم الجمعة، فرأى عليهم ثياب النمار، فقال رسول الله ﷺ: «مَا عَلَى أَحَدِكُمْ إِنْ وَجَدَ سَعَةً أَنْ يَتَّخِذَ ثَوْبَيْنِ لِجُمُعَتِهِ سِوَى ثَوْبَيْ مَِهْنَتِهِ»[253]. [253]سنن ابن ماجة (1096)، النمار: كساء فيه خطوط بيض وسود، قال ابن الأثير: كأنها أخذت من لون النمر. شرح الزرقاني على الموطأ (1/406) والحديث قال البوصيري: هذا إسناد صحيح رجاله ثقات. وصححه الألباني. مصباح الزجاجة في زوائد ابن ماجه (1/ 131)، صحيح وضعيف سنن ابن ماجة (3/ 96).

وعن أبي سعيد الخدري، وأبي هريرة رضي الله عنهما، قالا: قال رسول الله ﷺ: «مَنْ اغْتَسَلَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَلَبِسَ مِنْ أَحْسَنِ ثِيَابِهِ، وَمَسَّ مِنْ طِيبٍ إِنْ كَانَ عِنْدَهُ، ثُمَّ أَتَى الْجُمُعَةَ فَلَمْ يَتَخَطَّ أَعْنَاقَ النَّاسِ، ثُمَّ صَلَّى مَا كَتَبَ اللَّهُ لَهُ، ثُمَّ أَنْصَتَ إِذَا خَرَجَ إِمَامُهُ حَتَّى يَفْرُغَ مِنْ صَلَاتِهِ كَانَتْ كَفَّارَةً لِمَا بَيْنَهَا وَبَيْنَ جُمُعَتِهِ الَّتِي قَبْلَهَا» قَالَ: وَيَقُولُ أَبُو هُرَيْرَةِ: «وَزِيَادَةٌ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ» وَيَقُولُ: «إِنَّ الْحَسَنَةَ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا»[254]. [254]سنن أبي داود (343). حسنه النووي في خلاصة الأحكام (2/ 780)، والألباني في صحيح وضعيف سنن أبي داود (ص: 2).

(ب) الذهاب مبكرًا إلى المسجد، فعن أبي هريرة رضي الله عنه: أن رسول الله ﷺ قال: «مَنِ اغْتَسَلَ يَوْمَ الجُمُعَةِ غُسْلَ الجَنَابَةِ ثُمَّ رَاحَ، فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ بَدَنَةً، وَمَنْ رَاحَ فِي السَّاعَةِ الثَّانِيَةِ، فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ بَقَرَةً، وَمَنْ رَاحَ فِي السَّاعَةِ الثَّالِثَةِ، فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ كَبْشًا أَقْرَنَ، وَمَنْ رَاحَ فِي السَّاعَةِ الرَّابِعَةِ، فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ دَجَاجَةً، وَمَنْ رَاحَ فِي السَّاعَةِ الخَامِسَةِ، فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ بَيْضَةً، فَإِذَا خَرَجَ الإِمَامُ حَضَرَتِ المَلاَئِكَةُ يَسْتَمِعُونَ الذِّكْرَ»[255]. [255]صحيح البخاري (881).

(ج) المشي إلى المسجد وعدم الركوب والدنو من الإمام، فعن أوس بن أوس رضي الله عنه، قال: قال رسول الله ﷺ: «مَنْ غَسَّلَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَاغْتَسَلَ، ثُمَّ بَكَّرَ وَابْتَكَرَ، وَمَشَى وَلَمْ يَرْكَبْ، وَدَنَا مِنَ الْإِمَامِ فَاسْتَمَعَ وَلَمْ يَلْغُ كَانَ لَهُ بِكُلِّ خُطْوَةٍ عَمَلُ سَنَةٍ أَجْرُ صِيَامِهَا وَقِيَامِهَا»[256]. [256]سنن أبي داود (345). تقدم ص (89).

ومما يستحب فعله أيضا في هذا اليوم:

1- قراءة سورة الكهف، فعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه، أن رسول الله ﷺ قال: «إِنَّ مَنْ قَرَأَ سُورَةَ الْكَهْفِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ أَضَاءَ لَهُ مِنَ النُّورِ مَا بَيْنَ الْجُمُعَتَيْنِ»[257]. [257]المستدرك على الصحيحين للحاكم (3392) حسنه الحافظ ابن حجر. وصححه الألباني. تخريج أحاديث إحياء علوم الدين (1/447)، الجامع الصغير وزيادته (ص: 11416). لكن الأحاديث الواردة في ذلك مختلف في صحتها، جاءت من رواية نعيم بن حماد الخزاعي ونحوه، ونعيم بن حماد الخزاعي سيء الحفظ قد قال عنه أبو داود له عشرون حديثًا ليس لها أصل، وقال النسائي كثر تفرده عن الأئمة المعروفين فصار إلى حد من لا يحتجُ بخبر.

2- الإكثار من الدعاء والصلاةِ على النبي ﷺ، فعن أبي هريرة رضي الله عنه، أن رسول الله ﷺ ذكر يوم الجمعة فقال: «فِيهِ سَاعَةٌ، لَا يُوَافِقُهَا عَبْدٌ مُسْلِمٌ، وَهُوَ يُصَلِّي، يَسْأَلُ اللهَ شَيْئًا، إِلَّا أَعْطَاهُ إِيَّاهُ»[258]، وعن أوس بن أوس رضي الله عنه، قال: قال رسول الله ﷺ: «إِنَّ مِنْ أَفْضَلِ أَيَّامِكُمْ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، فِيهِ خُلِقَ آدَمُ، وَفِيهِ النَّفْخَةُ، وَفِيهِ الصَّعْقَةُ، فَأَكْثِرُوا عَلَيَّ مِنَ الصَّلَاةِ فِيهِ، فَإِنَّ صَلَاتَكُمْ مَعْرُوضَةٌ عَلَيَّ» فَقَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ كَيْفَ تُعْرَضُ صَلَاتُنَا عَلَيْكَ وَقَدْ أَرِمْتَ - يَعْنِي - بَلِيتَ، قَالَ: «إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَ عَلَى الْأَرْضِ أَنْ تَأْكُلَ أَجْسَادَ الْأَنْبِيَاءِ»[259]. [258]صحيح البخاري (935). [259]سنن أبي داود (1047). صححه النووي وابن حجر والألباني. خلاصة الأحكام (1/441)، المطالب العالية (15/647)، صحيح وضعيف سنن أبي داود (ص: 2).

3- سُنِّية قراءة بعض السور، فعن ابن عباس رضي الله عنهما، أن النبي ﷺ كان يقرأ في صلاة الفجر يوم الجمعة: "آلم تنزيل السجدة"، و "هل أتى على الإنسان حين من الدهر"، وأن النبي ﷺ كان يقرأ في صلاة الجمعة سورة "الجمعة" و"المنافقين".[260] [260]صحيح مسلم (879).

4- سنية الاستياك تتأكد يوم الجمعة، فعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله ﷺ: «إِنَّ هَذَا يَوْمُ عِيدٍ، جَعَلَهُ اللَّهُ لِلْمُسْلِمِينَ، فَمَنْ جَاءَ إِلَى الْجُمُعَةِ فَلْيَغْتَسِلْ، وَإِنْ كَانَ طِيبٌ فَلْيَمَسَّ مِنْهُ، وَعَلَيْكُمْ بِالسِّوَاكِ"»[261]. [261]سنن ابن ماجه (1098). حسنه المنذري والألباني. الترغيب والترهيب للمنذري (1/286)، صحيح وضعيف سنن ابن ماجة (3/ 98).

5- عدم تخطي رقاب الناس؛ إلا إن كان يرى فرجة ليجلس فيها، ويجلس حيث انتهى به المكان، فعن عبدالله بن بسر رضي الله عنه، قال: جاء رجلٌ يتخطى رقاب الناس يوم الجمعة والنبي ﷺ يخطُب، فقال له النبي ﷺ: «اجْلِسْ فَقَدْ آذَيْتَ»[262]. [262]سنن أبي داود (1118). حسنه الحافظ ابن حجر. وصححه الألباني. المطالب العالية محققا (5/ 52)، صحيح وضعيف سنن أبي داود (ص: 2).

6- الإنصات للإمام وهو يخطب، وعدم الكلام مع أحد حتى إن كان لإسكات المتكلم، فعن أبي هريرة رضي الله عنه، أن النبي ﷺ قال: «إِذَا قُلْتَ لِصَاحِبِكَ وَالْإِمَامُ يَخْطُبُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ: أَنْصِتْ، فَقَدْ لَغَوْتَ»[263]. [263]صحيح البخاري (934)، صحيح مسلم (851).

7- يستحب أن يصلي تطوعًا قبل خطبة الجمعة ما تيسر، وقد ذكرنا فيه حديث سلمان الفارسي رضي الله عنه سابقًا وفيه: «ثُمَّ يُصَلِّي مَا كُتِبَ لَهُ»[264]. [264]صحيح البخاري (883).

8- تغيير المكان حال النعاس، فعن عبدالله بن عمر رضي الله عنهما، قال: قال رسول الله ﷺ: «إِذَا نَعَسَ أَحَدُكُمْ يَوْمَ الجُمُعَةِ فَلْيَتَحَوَّلْ مِنْ مَجْلِسِهِ ذَلِكَ»[265]. [265]سنن الترمذي ت شاكر (526) وصححه الألباني في صحيح وضعيف سنن الترمذي (2/ 26).

18- آثار تعليمه ﷺ في المتعلمين:

كان تأثير النبي ﷺ في المتعلمين ممن تعلموا منه ﷺ واضحًا، وفي هذا قدوة للمعلمين في أن ينهجوا منهج نبي الله ﷺ في ذلك، ومن الآثار التي كانت واضحة على الصحابة ما يلي:

أ- الأثر في ابن عمر رضي الله عنهما من بعد وصيته ﷺ له:

عن ابن عمر رضي الله عنهما، قال: كان الرجل في حياة النبي ﷺ إذا رأى رؤيا قصها على النبي ﷺ، فتمنيت أن أرى رؤيا أقصها على النبي ﷺ، وكنت غلامًا شابًا أعزب، وكنت أنام في المسجد على عهد النبي ﷺ، فرأيت في المنام كأن ملكين أخذاني فذهبا بي إلى النار، فإذا هي مطوية كطي البئر، وإذا لها قرنان كقرني البئر، وإذا فيها ناس قد عرفتهم فجعلت أقول: أعوذ بالله من النار، أعوذ بالله من النار، فلقيهما ملك آخر، فقال لي: لن تراع. فقصصتها على حفصة، فقصتها حفصة على النبي ﷺ، فقال: «نِعْمَ الرَّجُلُ عَبْدُ اللَّهِ لَوْ كَانَ يُصَلِّي مِنَ اللَّيْلِ!». قال سالم: فكان عبد الله لا ينام من الليل إلا قليلًا[266]. [266]صحيح البخاري (3739).

فحصل لعبد الله من تفسير رؤياه تنبيه على أن قيام الليل مما يتقي به النار والدنو منها، فلذلك لم يترك قيام الليل بعد ذلك[267]. [267]فتح الباري لابن حجر (3/7).

ب- الأثر في أبي هريرة رضي الله عنه في صلاته بصلاة رسول الله ﷺ:

عن أبي هريرة رضي الله عنه، أنه كان يكبر في كل صلاة من المكتوبة، وغيرها في رمضان وغيره، فيكبر حين يقوم، ثم يكبر حين يركع، ثم يقول: سمع الله لمن حمده، ثم يقول: ربنا ولك الحمد قبل أن يسجد، ثم يقول: الله أكبر حين يهوي ساجدًا، ثم يكبر حين يرفع رأسه من السجود، ثم يكبر حين يسجد، ثم يكبر حين يرفع رأسه من السجود، ثم يكبر حين يقوم من الجلوس في الاثنتين، ويفعل ذلك في كل ركعة حتى يفرغ من الصلاة، ثم يقول حين ينصرف: والذي نفسي بيده، إني لأقربكم شبهًا بصلاة رسول الله ﷺ إن كانت هذه لصلاته حتى فارق الدنيا[268]. [268]صحيح البخاري (803).

مما نجده في هذا الحديث: تأثر أبي هريرة رضي الله عنه بصلاة رسول الله ﷺ حتى حدا به إلى أن يحلف بأن صلاته هي صلاة رسول الله ﷺ، وذلك حرصًا منه على تعليم التابعين؛ وأنها هي الصلاة التي كان رسول الله ﷺ عليها حتى فارق الدنيا.

الفصل الرابع

الإجمال.

الحصر.

الاستفهام.

التشبيه.

التكرار.

19- التعليم بالإجمال أولًا، ثم التفصيل لما بعده:

إن من عوامل جذب انتباه المتعلمين وإثارة الشوق لديهم وترسيخ المعلومات في أذهانهم إجمال المعلم الكلام أولًا، ثم التفسير والتفصيل بعده، ومن ذلك:

أ- الإجمال في الأوامر الشرعية، ثم التفصيل بعد ذلك:

عن ابن عباس رضي الله عنهما، قال: قدم وفد عبد القيس على رسول الله ﷺ، فقالوا: إنا من هذا الحي من ربيعة، ولسنا نصل إليك إلا في الشهر الحرام، فمرنا بشيء نأخذه عنك وندعو إليه من وراءنا، فقال: «آمُرُكُمْ بِأَرْبَعٍ، وَأَنْهَاكُمْ عَنْ أَرْبَعٍ: الْإِيمَانِ بِاللهِ، ثُمَّ فَسَّرَهَا لَهُمْ، فَقَالَ: «شَهَادَةِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ، وَإِقَامِ الصَّلَاةِ، وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ، وَأَنَّ تُؤَدُّوا خُمُسَ مَا غَنِمْتُمْ، وَأَنْهَاكُمْ عَنِ الدُّبَّاءِ، وَالْحَنْتَمِ، وَالنَّقِيرِ، وَالْمُقَيَّرِ»[269]. [269]صحيح البخاري (523)، صحيح مسلم (17)، والدُّباء: هي القرعة كان ينتبذ فيها فيشتد، والحنتم: جرار مطلية بالحنتم المعمول من الزجاج، كانت الخمر تحمل فيها، ونهوا عن الانتباذ فيها؛ لأنها تعجل إسكار النبيذ كالدباء، والنقير أصله النخلة ينقر جوفها، ثم يشدخ فيه الرطب والبسر، ثم يدعونه حتى يَهْدِر ثم يموت، والمقير ما طُلِي بالقار وهو الزفت. انظر: المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم للقرطبي (1/176)، المعلم بفوائد مسلم للمازري (1/281282).

والحكمة في الإجمال بالعدد قبل التفسير أن تتشوف النفس إلى التفصيل، ثم تسكن إليه، وأن يحصل حفظها للسامع، فإذا نسي شيئًا من تفاصيلها طالب نفسه بالعدد، فإذا لم يستوف العدد الذي في حفظه علم أنه قد فاته بعض ما سمع[270]. [270]فتح الباري لابن حجر (1/133).

ب- الإجمال في فضل صلاة الجماعة، ثم التفصيل في سبب ذلك:

عن أبي هريرة رضي الله عنه، قال: قال رسول الله ﷺ: «صَلَاةُ الرَّجُلِ فِي جَمَاعَةٍ تَزِيدُ عَلَى صَلَاتِهِ فِي بَيْتِهِ، وَصَلَاتِهِ فِي سُوقِهِ، بِضْعًا وَعِشْرِينَ دَرَجَةً، وَذَلِكَ أَنَّ أَحَدَهُمْ إِذَا تَوَضَّأَ فَأَحْسَنَ الْوُضُوءَ، ثُمَّ أَتَى الْمَسْجِدَ لَا يَنْهَزُهُ إِلَّا الصَّلَاةُ، لَا يُرِيدُ إِلَّا الصَّلَاةَ، فَلَمْ يَخْطُ خَطْوَةً إِلَّا رُفِعَ لَهُ بِهَا دَرَجَةٌ، وَحُطَّ عَنْهُ بِهَا خَطِيئَةٌ، حَتَّى يَدْخُلَ الْمَسْجِدَ، فَإِذَا دَخَلَ الْمَسْجِدَ كَانَ فِي الصَّلَاةِ مَا كَانَتِ الصَّلَاةُ هِيَ تَحْبِسُهُ، وَالْمَلَائِكَةُ يُصَلُّونَ عَلَى أَحَدِكُمْ مَا دَامَ فِي مَجْلِسِهِ الَّذِي صَلَّى فِيهِ، يَقُولُونَ: اللهُمَّ ارْحَمْهُ، اللهُمَّ اغْفِرْ لَهُ، اللهُمَّ تُبْ عَلَيْهِ، مَا لَمْ يُؤْذِ فِيهِ، مَا لَمْ يُحْدِثْ فِيهِ»[271]. [271]صحيح مسلم (649).

وقوله ﷺ: «وذلك أن أحدهم إذا توضأ فأحسن الوضوء، ثم...»، فيه الإشارة إلى أن هذه المعاني أسباب رفع الدرجات، وتضعيف عدد هذه الصلوات[272]، ويتفاوت ثواب صلاة الجماعة بما يقترن بها من المشي إلى المسجد وبعده، وكثرة الجماعة فيه، وكونه عتيقًا، وكون المشي على طهارة، والتبكير إلى المساجد، والمسابقة إلى الصف الأول عن يمين الإمام أو وراءه، وإدراك تكبيرة الإحرام مع الإمام، والتأمين معه، وانتظار الصلاة بعد الصلاة، وغير ذلك[273]. [272]انظر: شرح صحيح مسلم للقاضي عياض (2/620). [273]انظر: فتح الباري لابن رجب (6/16).

ج- الإجمال في المحافظة على الصلوات، ثم تفصيل ذلك:

عن أبي الدرداء رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «خَمْسٌ مَنْ جَاءَ بِهِنَّ مَعَ إِيمَانٍ دَخَلَ الْجَنَّةَ: مَنْ حَافَظَ عَلَى الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ عَلَى وُضُوئِهِنَّ وَرُكُوعِهِنَّ وَسُجُودِهِنَّ وَمَوَاقِيتِهِنَّ، وَصَامَ رَمَضَانَ، وَحَجَّ الْبَيْتَ إِنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا، وَأَعْطَى الزَّكَاةَ طَيِّبَةً بِهَا نَفْسُهُ، وَأَدَّى الْأَمَانَةَ» قَالُوا: يَا أَبَا الدَّرْدَاءِ، وَمَا أَدَاءُ الْأَمَانَةِ قَالَ: الْغُسْلُ مِنَ الْجَنَابَةِ[274]. [274]سنن أبي داود (429). قال الهيثمي: إسناده جيد. وحسنه الألباني. مجمع الزوائد ومنبع الفوائد (1/ 47)، صحيح وضعيف سنن أبي داود (ص: 2).

وقوله ﷺ: «خمس...» أي: خمس خصال من واظب عليهن مع إذعان وتصديق، دخل الجنة بلا سابقة عذاب[275]، وقد فصَّل النبي ﷺ في كلامه حتى لا يظن الإنسان أنه يصلي صلاة سريعة، صلاة لا يذكر الله -عز وجل- فيها إلا قليلًا، وفي آخر وقتها، ويتكاسل عنها، ويظن أنه داخل تحت هذا الحديث[276]. [275]المرجع نفسه. [276]شرح الترغيب والترهيب للمنذري (6/3).

د- الإجمال في ذكر خصائص النبي ﷺ، ثم تفصيل ذلك:

عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما، أن النبي ﷺ قال: «أُعْطِيتُ خَمْسًا لَمْ يُعْطَهُنَّ أَحَدٌ قَبْلِي، كَانَ كُلُّ نَبِيٍّ يُبْعَثُ إِلَى قَوْمِهِ خَاصَّةً، وَبُعِثْتُ إِلَى كُلِّ أَحْمَرَ وَأَسْوَدَ، وَأُحِلَّتْ لِيَ الْغَنَائِمُ، وَلَمْ تُحَلَّ لِأَحَدٍ قَبْلِي، وَجُعِلَتْ لِيَ الْأَرْضُ طَيِّبَةً طَهُورًا وَمَسْجِدًا، فَأَيُّمَا رَجُلٍ أَدْرَكَتْهُ الصَّلَاةُ صَلَّى حَيْثُ كَانَ، وَنُصِرْتُ بِالرُّعْبِ بَيْنَ يَدَيْ مَسِيرَةِ شَهْرٍ، وَأُعْطِيتُ الشَّفَاعَةَ»[277]. [277]صحيح البخاري (335).

وقوله ﷺ: «أعطيت خمسًا» إجمال فصّله قوله: «نصرت بالرعب مسيرة شهر...إلخ».

هـ- الإجمال في ذكر هيئة السجود، ثم التفصيل بعد ذلك:

عن أبي هريرة رضي الله عنه، قال: قال رسول الله ﷺ: «إِذَا سَجَدَ أَحَدُكُمْ فَلَا يَبْرُكْ كَمَا يَبْرُكُ الْبَعِيرُ، وَلْيَضَعْ يَدَيْهِ قَبْلَ رُكْبَتَيْهِ»[278]. [278]سنن أبي داود (840). قال النووي: رواه أبو داود، والنسائي بإسناد جيد. وصححه الألباني. خلاصة الأحكام (1/ 403)، صحيح وضعيف سنن أبي داود (ص: 2).

وفي الحديث تفصيل بعد إجمال، وهذا من حسن تعليمه ﷺ، فالنص إذا ورد مجملًا تطلعت النفس إلى معرفته، فإذا جاء التفصيل صار واردًا على محلٍّ قابل، بل متطلع له.

20- أسلوب الحصر في التعليم:

يعد أسلوب الحصر في التعليم من الأمور التي تجمع تقاسيم وفروع الموضوعات حتى لا تتشتت على المتعلم، وقد عُني النبيﷺ بهذا الأسلوب في أحاديث كثيرة، ومنها على سبيل المثال في الصلاة:

أ- حصر من يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله:

عن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي ﷺ قال: «سَبْعَةٌ يُظِلُّهُمُ اللَّهُ تَعَالَى فِي ظِلِّهِ يَوْمَ لاَ ظِلَّ إِلَّا ظِلُّهُ: إِمَامٌ عَدْلٌ، وَشَابٌّ نَشَأَ فِي عِبَادَةِ اللَّهِ، وَرَجُلٌ قَلْبُهُ مُعَلَّقٌ فِي المَسَاجِدِ، وَرَجُلاَنِ تَحَابَّا فِي اللَّهِ، اجْتَمَعَا عَلَيْهِ وَتَفَرَّقَا عَلَيْهِ، وَرَجُلٌ دَعَتْهُ امْرَأَةٌ ذَاتُ مَنْصِبٍ وَجَمَالٍ فَقَالَ: إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ، وَرَجُلٌ تَصَدَّقَ بِصَدَقَةٍ فَأَخْفَاهَا حَتَّى لاَ تَعْلَمَ شِمَالُهُ مَا تُنْفِقُ يَمِينُهُ، وَرَجُلٌ ذَكَرَ اللَّهَ خَالِيًا، فَفَاضَتْ عَيْنَاهُ»[279]. [279]صحيح البخاري (1423).

واستعمال النبي ﷺ لأسلوب الحصر في الحديث هو من حسن تعليمه للصحابة رضي الله عنهم، ومن ذلك قوله ﷺ: «سبعة يظلهم الله في ظله»، وأمثلة هذا كثيرة، يحصرها النبي ﷺ من أجل التقريب؛ لأن الشيء إذا عدد وحصر سهل حفظه وبعد نسيانه[280]. [280]فتح ذي الجلال والإكرام بشرح بلوغ المرام لابن عثيمين (5/45).

ب- حصر الاقتداء في الصلاة بالإمام.

عن عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها، أنها قالت: صلى رسول الله ﷺ في بيته وهو شاكٍ، فصلى جالسًا وصلى وراءه قوم قيامًا، فأشار إليهم: أن اجلسوا، فلما انصرف قال: «إنما جعل الإمام ليؤتم به، فإذا ركع فاركعوا، وإذا رفع فارفعوا، وإذا صلى جالسًا فصلوا جلوسًا»[281]. [281]صحيح البخاري (688).

وطريقة الحصر قد ذكرت هنا بلفظ «إنما»، يعني: ما جعل إلا لهذا السبب ولهذه الحكمة.

21- التعليم بأسلوب الاستفهام:

من وسائل الجذب التي يحتاجها المعلم هو استخدام أسلوب الاستفهام في التعليم، ولقد كان النبي ﷺ يسأل من يجده لا يحسن الصلاة، وربما كان يشوِّقه إلى السؤال، حتى يجذب انتباه المتعلم، ويحثه على استحضار الذهن، ومن ذلك:

أ- الاستفهام عمَّا يقوله المصلي في الصلاة.

عن أبي صالح، عن بعض أصحاب النبي ﷺ، قال: قال النبي ﷺ لرجل: «كَيْفَ تَقُولُ فِي الصَّلَاةِ»، قَالَ: أَتَشَهَّدُ وَأَقُولُ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ الْجَنَّةَ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنَ النَّارِ أَمَا إِنِّي لَا أُحْسِنُ دَنْدَنَتَكَ وَلَا دَنْدَنَةَ مُعَاذٍ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «حَوْلَهَا نُدَنْدِنُ»[282]. [282]سنن أبي داود (792). قال النووي: رواه أبو داود بإسناد صحيح. وصححه الألباني. خلاصة الأحكام (1/ 443)، صحيح وضعيف سنن أبي داود (ص: 2).

وقوله ﷺ: «كيف تقول في الصلاة؟» فيه خطاب للرجل، وسؤال عن كيفية صلاته وقراءته في صلاته؛ أي: أي شيء تقرأ في قيامك في الصلاة؟[283]. [283]شرح سنن ابن ماجة للأثيوبي (23/16).

ب- الاستفهام عن بعض حركات المصلين:

عن جابر بن سمرة رضي الله عنه، قال: صليت مع رسول الله ﷺ فكنا إذا سلمنا قلنا بأيدينا: السلام عليكم، السلام عليكم، فنظر إلينا رسول الله ﷺ فقال: «مَا شَأْنُكُمْ تُشِيرُونَ بِأَيْدِيكُمْ كَأَنَّهَا أَذْنَابُ خَيْلٍ شُمْسٍ؟ إِذَا سَلَّمَ أَحَدُكُمْ فَلْيَلْتَفِتْ إِلَى صَاحِبِهِ، وَلَا يُومِئْ بِيَدِهِ»[284]، وفي رواية أنه ﷺ قال: «مَا لِي أَرَاكُمْ رَافِعِي أَيْدِيكُمْ كَأَنَّهَا أَذْنَابُ خَيْلٍ شُمْسٍ؟ أُسْكُنُوا فِي الصَّلَاةِ»[285]. [284]صحيح مسلم (431). [285]المرجع السابق (430).

فقوله ﷺ: «مالي أراكم؟» وإن كان في صورته استفهامًا عن رؤية نفسه، وتعجبًا من هذه الرؤية، إلا أن المقصود التعجب من حالهم وكان حقه أن يقول: مالكم تفعلون كذا؟ لكنه آثر أسلوب التعريض[286]. [286]فتح المنعم شرح صحيح مسلم لموسى لاشين (2/593).

ج- الاستفهام لبيان أن الصلاة تمحو الذنوب:

عن أبي هريرة رضي الله عنه، أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: «أَرَأَيْتُمْ لَوْ أَنَّ نَهَرًا بِبَابِ أَحَدِكُمْ يَغْتَسِلُ فِيهِ كُلَّ يَوْمٍ خَمْسًا، مَا تَقُولُ: ذَلِكَ يُبْقِي مِنْ دَرَنِهِ» قَالُوا: لاَ يُبْقِي مِنْ دَرَنِهِ شَيْئًا، قَالَ: «فَذَلِكَ مِثْلُ الصَّلَوَاتِ الخَمْسِ، يَمْحُو اللَّهُ بِهِ الخَطَايَا»[287]. [287]صحيح البخاري (528)، صحيح مسلم (667).

واعلم أن همزة الاستفهام «أرأيتم»؛ لها معان كثيرة منها: إثارة انتباه السامع لأهمية موضوع الصلاة والاستعداد لها بالطهارة والغسل، ومنها: إفادة التقرير والثبوت، فليس المرادُ بالاستفهام الإجابة عن السؤال فحسب، بل المراد أيضًا أن هذه التربية البدنية، والقيم الخلقية والاجتماعية، أمر ثابت ومقرر، لمن أدى الصلاة بعد الاغتسال والوضوء خمس مرات في اليوم والليلة[288]. [288]التصوير النبوي للقيم الخلقية والتشريعية في الحديث الشريف لـعلي علي صبح (صـ 33).

د- الاستفهام عما يُستغرب في الصلاة:

عن أبي قتادة رضي الله عنه، قال: بَيْنَمَا نَحْنُ نُصَلِّي مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ، فَسَمِعَ جَلَبَةً، فَقَالَ: «مَا شَأْنُكُمْ؟» قَالُوا: اسْتَعْجَلْنَا إِلَى الصَّلَاةِ، قَالَ: «فَلَا تَفْعَلُوا، إِذَا أَتَيْتُمُ الصَّلَاةَ فَعَلَيْكُمُ السَّكِينَةُ، فَمَا أَدْرَكْتُمْ فَصَلُّوا، وَمَا سَبَقَكُمْ فَأَتِمُّوا»[289]. [289]صحيح البخاري (635).

قَالَ عَبْدُ اللهِ: صَلَّى بِنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ خَمْسًا، فَلَمَّا انْفَتَلَ تَوَشْوَشَ الْقَوْمُ بَيْنَهُمْ، فَقَالَ: «مَا شَأْنُكُمْ؟» قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ هَلْ زِيدَ فِي الصَّلَاةِ؟ قَالَ: «لَا»، قَالُوا: فَإِنَّكَ قَدْ صَلَّيْتَ خَمْسًا، فَانْفَتَلَ، ثُمَّ سَجَدَ سَجْدَتَيْنِ، ثُمَّ سَلَّمَ، ثُمَّ قَالَ: «إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ أَنْسَى كَمَا تَنْسَوْنَ»[290]. [290]صحيح مسلم (572).

عن مالك ابن بحينة رضي الله عنه، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ رَأَى رَجُلًا وَقَدْ أُقِيمَتِ الصَّلاَةُ يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ، فَلَمَّا انْصَرَفَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لاَثَ بِهِ النَّاسُ، وَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «الصُّبْحَ أَرْبَعًا، الصُّبْحَ أَرْبَعًا»[291]. [291]صحيح البخاري (663).

عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ صَلَّى فَخَلَعَ نَعْلَيْهِ، فَخَلَعَ النَّاسُ نِعَالَهُمْ فَلَمَّا انْصَرَفَ، قَالَ: «لِمَ خَلَعْتُمْ نِعَالَكُمْ؟» فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، رَأَيْنَاكَ خَلَعْتَ فَخَلَعْنَا، قَالَ: «إِنَّ جِبْرِيلَ أَتَانِي فَأَخْبَرَنِي أَنَّ بِهِمَا خَبَثًا فَإِذَا جَاءَ أَحَدُكُمُ الْمَسْجِدَ، فَلْيَقْلِبْ نَعْلَهُ، فَلْيَنْظُرْ فِيهَا، فَإِنْ رَأَى بِهَا خَبَثًا فَلْيُمِسَّهُ بِالْأَرْضِ، ثُمَّ لِيُصَلِّ فِيهِمَا»[292]. [292]مسند أحمد (11153). تقدم الكلام عليه ص(27).

عن جابر بن سمرة رضي الله عنه، قال: صَلَّيْتُ مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ فَكُنَّا إِذَا سَلَّمْنَا قُلْنَا بِأَيْدِينَا: السَّلَامُ عَلَيْكُمْ، السَّلَامُ عَلَيْكُمْ، فَنَظَرَ إِلَيْنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ فَقَالَ: «مَا شَأْنُكُمْ تُشِيرُونَ بِأَيْدِيكُمْ كَأَنَّهَا أَذْنَابُ خَيْلٍ شُمْسٍ؟ إِذَا سَلَّمَ أَحَدُكُمْ فَلْيَلْتَفِتْ إِلَى صَاحِبِهِ، وَلَا يُومِئْ بِيَدِهِ»[293]، وفي رواية أنه ﷺ قال: «مَا لِي أَرَاكُمْ رَافِعِي أَيْدِيكُمْ كَأَنَّهَا أَذْنَابُ خَيْلٍ شُمْسٍ؟ أُسْكُنُوا فِي الصَّلَاةِ»[294]. [293]صحيح مسلم (431). [294]المرجع السابق (430).

مما نجده في هذه الأحاديث: أن النبي ﷺ سأل الصحابة عن السبب الذي حملهم على هذه الأفعال، ولا شك أن النبي ﷺ يرى ذلك من الصحابة ولكن يريد منهم لفت الانتباه إلى ما يريد أن يوضحه لهم ﷺ من التنبيه على الفعل الخطأ، وتصويبه إلى الفعل الصحيح الذي لا يصلحه إلا هو في ذلك الموقف.

22- التعليم بالتشبيه والمقايسة:

قد ثبت في سيرة النبي ﷺ أنه لم يكن يذكر الإجابة أحيانًا للسائل مباشرة، بل كان يجيبه على سبيل التشبيه والمقايسة، ولا يخفى ما لهذا الأسلوب من أثر كبير في إقناع السائل[295]، ومن شواهد ذلك: [295]النبي الكريم ﷺ معلمًا لفضل إلهي (ص 148).

أ- تشبيه من صلى الصلوات الخمس بالمغتسل كل يوم خمس مرات:

عن أبي هريرة رضي الله عنه، أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: «أَرَأَيْتُمْ لَوْ أَنَّ نَهْرًا بِبَابِ أَحَدِكُمْ يَغْتَسِلُ مِنْهُ كُلَّ يَوْمٍ خَمْسَ مَرَّاتٍ، هَلْ يَبْقَى مِنْ دَرَنِهِ شَيْءٌ؟» قَالُوا: لَا يَبْقَى مِنْ دَرَنِهِ شَيْءٌ، قَالَ: «فَذَلِكَ مَثَلُ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ، يَمْحُو اللهُ بِهِنَّ الْخَطَايَا»[296]. [296]صحيح البخاري (528)، صحيح مسلم (667) واللفظ له.

فأقام رسول الله ﷺ الصلوات الخمس في غسل الذنوب مقام الماء في غسل الأوساخ، وإنما ضرب المثل بالنهر؛ لأن النهر لجريته لا يقف فيه الماء الأول الذي اغتسل به في المرة الأولى، وإنما يتجدد عند كل مرة من الاغتسال ماء جديد، وضرب المثل بالماء؛ لأن الماء هو الماحي للكتابة، وقد علم أن الكاتبين يكتبان حركات العبد وأنفاسه، فكانت الصلوات مزيلة ما يرقمانه كما يزيل الماء أثر الكتابة المكتوبة بالمداد[297]. [297]الإفصاح عن معاني الصحاح لابن هبيرة (6/199).

ب- تشبيه صلاة أنس رضي الله عنه بصلاة رسول الله ﷺ:

عن ثابت، عن أنس رضي الله عنه، قال: إِنِّي لَا آلُو أَنْ أُصَلِّيَ بِكُمْ كَمَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يُصَلِّي بِنَا، قَالَ: فَكَانَ أَنَسٌ يَصْنَعُ شَيْئًا لَا أَرَاكُمْ تَصْنَعُونَهُ، كَانَ إِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ الرُّكُوعِ انْتَصَبَ قَائِمًا، حَتَّى يَقُولَ الْقَائِلُ قَدْ نَسِيَ، وَإِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ السَّجْدَةِ مَكَثَ، حَتَّى يَقُولَ الْقَائِلُ قَدْ نَسِيَ[298]. [298]صحيح البخاري (821)، صحيح مسلم (472).

والشاهد من الحديث قول أنس رضي الله عنه: (أصلي بكم كما رأيت رسول الله ﷺ يصلي بنا)، وقوله: (لا آلو) أي: لا أقصر[299]. [299]فتح الباري لابن حجر (2/288).

ج- تشبيه صلاة عمرو بن سلمة بصلاة رسول الله ﷺ:

عن أبي قلابة[300]، قال: جَاءَنَا مَالِكُ بْنُ الحُوَيْرِثِ - فِي مَسْجِدِنَا هَذَا - فَقَالَ: إِنِّي لَأُصَلِّي بِكُمْ وَمَا أُرِيدُ الصَّلاَةَ، أُصَلِّي كَيْفَ رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ يُصَلِّي، فَقُلْتُ لِأَبِي قِلاَبَةَ: كَيْفَ كَانَ يُصَلِّي؟ قَالَ: مِثْلَ شَيْخِنَا هَذَا، قَالَ: وَكَانَ شَيْخًا، يَجْلِسُ إِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ السُّجُودِ، قَبْلَ أَنْ يَنْهَضَ فِي الرَّكْعَةِ الأُولَى[301]. [300]قوله: (فقلت لأبي قلابة) القائل: هو أيوب بن أبي تميمة، سيد شباب أهل البصرة، وهذا الشيخ هو عمرو بن سَلِمَة. التوضيح لشرح الجامع الصحيح لابن الملقن (6/493). [301]صحيح البخاري (677).

ومما يؤخذ من هذا الحديث: أنه يجوز للإنسان أن يعلِّم غيره الصلاة والوضوء عيانًا وعملًا، كما فعل جبريل عليه السلام في إمامته بالرسول ﷺ حين أراه كيفية الصلاة عيانًا[302]، ولا بأس بالصلاة لأجل التعليم، ولو لم يكن له نية للصلاة قبل، فيفعل للتعليم مع قصد الصلاة. [302]شرح صحيح البخاري لابن بطال (2/297).

23- التكرار في تعليم الصلاة:

التكرار أسلوب نبوي لابد منه للمعلم حتى يحفظ عنه ما يريده، وخصوصًا فيما تمس الحاجة إليه، ولا أهم من أمر الصلاة التي تتكرر على الإنسان في يومه وليلته خمس مرات، قال الإمام أحمد: كنت أسائل إبراهيم عن الشيء فيعرف في وجهي أني لم أفهم، فيعيده حتى أفهم، وللبخاري عن أنس رضي الله عنه، عن النبي ﷺ، أنه كان: «إذا تَكَلَّمَ بِكَلِمَةٍ أَعَادَهَا ثَلاثًا حَتَّى تَفْهَمَ عَنْهُ، فَإِذَا أَتَى عَلَى قَوْمٍ فَسَلَّمَ عَلَيْهِمْ سَلاَمًا ثَلاثًا»[303] ، ومما ورد في السيرة ما يلي: [303]الآداب الشرعية والمنح المرعية لابن مفلح (2/156).

أ- التكرار في تعليم التشهد:

عن ابن عباس رضي الله عنهما، قال: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يُعَلِّمُنَا التَّشَهُّدَ كَمَا يُعَلِّمُنَا السُّورَةَ مِنَ الْقُرْآنِ[304]. [304]صحيح مسلم (403).

وقوله ﷺ: (كما يعلمنا السورة) يدل على أنه كان يهتم بتعليمهم ألفاظ التشهد، كاهتمامه بتعليمهم القرآن، وفيه تعظيم شأن التشهد؛ لأنه جزء من أجزاء الصلاة، فينبغي الاهتمام بتعلمه وتعليمه[305]. [305]شرح سنن النسائي للأثيوبي (14/120).

وقال ابن عمر رضي الله عنهما: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يُعَلِّمُنَا التَّشَهُّدَ، وفي بعض الروايات عنه: عَلَى الْمِنْبَرِ كَمَا يُعَلِّمُ المكتب الوَلَدَانِ[306]. [306]الاستذكار للقرطبي (2/319).

وعن ابن عمر رضي الله عنهما، قال: أَنَّ أَبَا بَكْرٍ، كَانَ يُعلِّمُهُمُ التَّشَهُّدَ عَلَى الْمِنْبَرِ كَمَا يُعَلِّمُ الصِّبْيَانَ فِي الْكِتَابِ، وَكَانَ عُمَر رضي الله عنه يُعَلِّمُ التَّشَهُّدَ النَّاسَ وَهُوَ عَلَى المِنْبَرِ[307]. [307]شرح مشكل الآثار للطحاوي (3803).

فالنبي ﷺ علّمهم التشهد، كما يعلم معلم القرآن السورة، وكرر ذلك عليهم حتى يحفظ.

ب- التكرار في تعليم التعوذ من فتنة الدنيا في الصلاة:

عن مصعب بن سعد بن أبي وقاص، عن أبيه رضي الله عنه، قال: كان النبي ﷺ يعلمنا هؤلاء الكلمات، كما تعلم الكتابة: «اللهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْبُخْلِ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنَ الْجُبْنِ، وَأَعُوذُ بِكَ أَنْ أَرُدَّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ فِتْنَةِ الدُّنْيَا، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ»[308]. [308]صحيح البخاري (8/83).

وقوله ﷺ: (يعلمنا هؤلاء الكلمات، كما تعلم الكتابة) بحيث يكون محفوظا، ولا يُنسى مع إتقانه تمامًا، وفيه؛ حرص النبي ﷺ على تعليم الناس جوامع الدعاء.

ج- التكرار في تعليم الاستخارة كما تعلم السورة من القرآن:

عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما، قال: كان رسول الله ﷺ يعلمنا الاستخارة في الأمور كلها، كما يعلمنا السورة من القرآن، يقول: «إِذَا هَمَّ أَحَدُكُمْ بِالْأَمْرِ فَلْيَرْكَعْ رَكْعَتَيْنِ مِنْ غَيْرِ الْفَرِيضَةِ، ثُمَّ لِيَقُلْ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْتَخِيرُكَ بِعِلْمِكَ وَأَسْتَقْدِرُكَ بِقُدْرَتِكَ وَأَسْأَلُكَ مِنْ فَضْلِكَ الْعَظِيمِ، فَإِنَّكَ تَقْدِرُ وَلَا أَقْدِرُ، وَتَعْلَمُ وَلَا أَعْلَمُ، وَأَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ، اللَّهُمَّ إِنْ كُنْتَ تَعْلَمُ هَذَا الْأَمْرَ - فَيُسَمِّيهِ، مَا كَانَ مِنْ شَيْءٍ - خَيْرًا لِي فِي دِينِي وَمَعَاشِي وَعَاقِبَةِ أَمْرِي - أَوْ خَيْرًا لِي فِي عَاجِلِ أَمْرِي وَآجِلِهِ - فَاقْدُرْهُ لِي وَيَسِّرْهُ لِي وَبَارِكْ لِي فِيهِ، وَإِنْ كُنْتَ تَعْلَمُ - يَقُولُ مِثْلَ مَا قَالَ فِي الْمَرَّةِ الْأُولَى - وَإِنْ كَانَ شَرًّا لِي، فَاصْرِفْهُ عَنِّي وَاصْرِفْنِي عَنْهُ، وَاقْدُرْ لِي الْخَيْرَ حَيْثُمَا كَانَ، ثُمَّ رَضِّنِي بِهِ»[309]. [309]صحيح البخاري (2/57).

مما نجده في الحديث: أن قوله «كما يعلمنا السورة من القرآن» يدل على الاعتناء التام البالغ حده بتعليم الصلاة والدعاء، وأنهما تلوان للفريضة والقرآن[310]. [310]شرح المشكاة للطيبي الكاشف عن حقائق السنن (4/1245).

د- التكرار في بعض الألفاظ لتأكيد الاستحباب:

عن عبد الله بن مغفل المزني رضي الله عنه، أن رسول الله ﷺ قال: «بَيْنَ كُلِّ أَذَانَيْنِ صَلَاةٌ لِمَنْ شَاءَ»[311]. [311]صحيح البخاري (624).

وعنه رضي الله عنه، أن رسول الله ﷺ قال: «صَلُّوا قَبْلَ الْمَغْرِبِ رَكْعَتَيْنِ»، ثُمَّ قَالَ: «صَلُّوا قَبْلَ الْمَغْرِبِ رَكْعَتَيْنِ»، ثُمَّ قَالَ عِنْدَ الثَّالِثَةِ: «لِمَنْ شَاءَ كَرَاهِيَةَ أَنْ يَتَّخِذَهَا النَّاسُ سُنَّةً»[312]. [312]مسند أحمد (20552). وهو في صحيح البخاري برقم (1183).

مما نجده في الحديث: أنه قال بعد الثلاث: «لمن شاء» ليدل على أن التكرار لتأكيد الاستحباب[313]. [313]شرح صحيح مسلم للأثيوبي (16/673).

هـ- التكرار للتأكيد على نفي صحة صلاة من لم يقرأ بالفاتحة:

عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «مَنْ صَلَّى صَلَاةً لَمْ يَقْرأْ فِيهَا بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ، فَهِيَ خِدَاجٌ» يَقُولُهَا ثَلَاثًا بِمِثْلِ حَدِيثِهِمْ [314]. [314]صحيح مسلم (1/297).

مما نجده في الحديث أن قوله ﷺ: «هي خداج، هي خداج» ذكره ثلاثًا للتأكيد[315]، والخداج هو الشيء الفاسد، وهذا يدل دلالة واضحة على أن المراد بالنفي نفي الصحة، وهو كذلك[316]. [315]شرح الزرقاني على الموطأ للإمام مالك (1/322). [316]الشرح الصوتي لزاد المستقنع لابن عثيمين (1/1836).

الفصل الخامس

الفروق.

التقاسيم.

سد الذرائع.

24- أسلوب التعليم بالفروق:

تعد الفروق الفقهية من مكملات العلوم إن لم تكن من ضرورياتها، إذ بها يقع التمييز بين المتشابهات، والتفريق بينها في الأحكام، وعليها يعتمد العلماء في كثير من القضايا والوقائع، وفي أحاديث رسول الله ﷺ في الصلاة أيضًا شيء من هذا، وإليك بعض الأمثلة:

أ- الفرق بين صلاة الفريضة وصلاة النافلة.

ذكر العلماء عدة فروق بين صلاة الفريضة وصلاة النافلة:

1- الفريضة يأثم تاركها، بخلاف النافلة.

2- صلاة الفريضة تكون في المسجد، بخلاف النافلة، فهي في البيت أفضل إلا ما استثني.

3- جواز صلاة النافلة على الراحلة بلا ضرورة، بخلاف الفريضة.

4- النافلة في السفر لا يشترط لها استقبال القبلة، بخلاف الفريضة.

5- النافلة لا يكفر بتركها بالإجماع، وأما الفريضة فيكفر على القول الصحيح.

6- القيام ركن في الفريضة، بخلاف النافلة.

7- الفريضة تقصر في السفر، أما النافلة فلا تقصر لا في السفر ولا في الحضر.

وعلم الفروق علم غزير ينبغي لطالب العلم أن يحرص عليه، وينمي هذه المهارة حتى يفرق بين المتشابهات، وكتاب الصلاة مليء بها، ومن تلك الفروق:

(أ) الفرق بين سجود التلاوة وسجود الصلاة.

(ب) الفرق بين الركعة الأولى والثانية.

(ج) الفرق بين صلاة الجمعة وصلاة الظهر.

(د) الفرق بين السجود قبل السلام وبعده في سجود السهو.

(هـ) التفريق بين ما يقال في الصلاة وبعدها من الأدعية والأذكار.

ب- الفرق بين صلاة الجماعة وصلاة الفرد:

عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ:، قَالَ: «صَلَاةُ الْجَمَاعَةِ أَفْضَلُ مِنْ صَلَاةِ الْفَذِّ بِسَبْعٍ وَعِشْرِينَ دَرَجَةً»[317]. [317]صحيح البخاري (645)، صحيح مسلم (650).

وصلاة الجماعة تتميز عن صلاة الفرد بعدة أمور منها: إجابة النداء إلى الصلاة، والدعاء عند دخوله المسجد، وعند خروجه، وإجابة الدعاء بحضرة النداء للصلاة، واعتدال الصفوف، وإقامتها، واستماع قراءة الإمام والتدبر لها، وقوله: ربنا ولك الحمد إذا قال الإمام: سمع الله لمن حمده، وشهادة الملائكة لمن حضر الجماعة، وتحري موافقة الإمام في الجماعة، وفضل تسليمه على الإمام وعلى من بجنبه، وفضل دعاء الجماعة، والاعتصام بالجماعة من سهو الشيطان، وغير ذلك[318]. [318]انظر: شرح صحيح البخاري لابن بطال (2/273276).

ج- الفرق بين الفجر الصادق والفجر الكاذب:

عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما، قال: قال رسول الله ﷺ: «الْفَجْرُ فَجْرَانِ: فَأَمَّا الْفَجْرُ الَّذِي يَكُونُ كَذَنَبِ السَّرْحَانِ فَلاَ تَحِلُّ الصَّلاَةُ فِيهِ وَلاَ يَحْرُمُ الطَّعَامُ، وَأَمَّا الَّذِي يَذْهَبُ مُسْتَطِيلاً فِي الْأُفُقِ فَإِنَّهُ يُحِلُّ الصَّلاَةَ، وَيُحَرِّمُ الطَّعَامَ»[319]. [319]المستدرك على الصحيحين للحاكم (688)، والسِّرحان بالكسر: الذئب، وذنب السِّرحان: كناية عن الفجر الكاذب. انظر: القاموس المحيط الفيروزآبادي (ص286). ). والحديث قال ابن الملقن: رواه الحاكم والدارقطني وقالا: إسناده صحيح. وصححه الألباني. البدر المنير (3/ 198)، صحيح الجامع الصغير وزيادته (2/ 788).

والفجر فجران، فجر صادق، وفجر كاذب، فأما الصادق فهو الذي تتعلق به الأحكام، فيدخل فيه وقت الصلاة، ويحرم فيه الطعام على الصائم، وأما الكاذب فهو الذي لا يتعلق به حكم[320]. [320]التوضيح لشرح الجامع الصحيح لابن الملقن (6/363364)، وقد ذكر العلماء أن بين الفجر الصادق والكاذب ثلاثة فروق؛ الأول: أن الفجر الصادق يكون ممتدًّا من الجنوب إلى الشمال عرضًا، والفجر الكاذب يكون طولًا من الشرق إلى الغرب، الثاني: أن الفجر الصادق يكون فيه الضياء متصلًا بالأفق، وأما الفجر الكاذب فالضياء منقطع، أي: بينه وبين الأفق ظلمة، الثالث: أن الفجر الكاذب يظلم بعد ذلك وينمحي، والفجر الصادق لا يظلم بل يزداد نورًا. انظر: فتح ذي الجلال والإكرام بشرح بلوغ المرام لابن عثيمين (3/185).

د- الفرق بين الرجل والمرأة في صلاة الجماعة:

1- تأخر صف المرأة عن صف الرجل:

عن أبي هريرة رضي الله عنه، قال: قال رسول الله ﷺ: «خيرُ صُفوفِ الرّجالِ أوَّلُها، وشَرُّها آخِرُها، وخيرُ صُفوفِ النساء آخِرُها، وشَرها أوَلُها»[321]. [321]صحيح مسلم (440).

وعن أنس بن مالك رضي الله عنه، قال: صَلَّى النَّبِيُّ ﷺ فِي بَيْتِ أُمِّ سُلَيْمٍ، فَقُمْتُ وَيَتِيمٌ خَلْفَهُ وَأُمّ سُلَيْمٍ خَلْفَنَا[322]. [322]صحيح البخاري (871).

مما نجده في هذه الأحاديث: أن سنة صلاة النساء أن يقمن خلف الرجال، وذلك -والله أعلم- خشية الفتنة بهن، واشتغال النفوس بما جبلت عليه من أمورهن عن الخشوع في الصلاة، والإقبال عليها، وإخلاص الفكر فيها لله؛ إذ النساء مزينات في القلوب، ومقدمات على جميع الشهوات، وهذا أصل في قطع الذرائع[323]. [323]شرح صحيح البخاري لابن بطال (2/472).

2- التسبيح للرجال والتصفيق النساء:

عن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي ﷺ قال: «التَّسْبِيحُ لِلرِّجَالِ، وَالتَّصْفِيقُ لِلنِّسَاءِ»[324]. [324]صحيح البخاري (1203)، صحيح مسلم (422).

عن سهل بن سعد رضي الله عنه، قال: قال رسول الله ﷺ: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ، مَا لَكُمْ حِينَ نَابَكُمْ شَيْءٌ فِي الصَّلاَةِ أَخَذْتُمْ بِالتَّصْفِيحِ؟ إِنَّمَا التَّصْفِيحُ لِلنِّسَاءِ، مَنْ نَابَهُ شَيْءٌ فِي صَلاَتِهِ فَلْيَقُلْ: سُبْحَانَ اللَّهِ»[325]. [325]صحيح البخاري (1234).

وحكمة الشريعة الإسلامية في التفريق بين الرجال والنساء حسب ما تقتضيه الحكمة، والحكم هنا: أن صوت المرأة ينبغي ألا يسمعه الرجال إلا للحاجة، والمرأة لو سبحت لسمعها الرجال، وربما تكون رخيمة الصوت فيفتتن بها السامع؛ فلهذا أمرت بالتصفيق دون التسبيح، وأمر الرجال بالتسبيح؛ لأن صوت الرجال مع الرجال لا يتأثر به النساء[326]. [326]فتح ذي الجلال والإكرام بشرح بلوغ المرام لابن عثيمين (1/540).

3- الطيب للرجال وعدمه للنساء:

عن زينب -امرأة عبد الله-، قالت: قال لنا رسول الله ﷺ: «إِذَا شَهِدَتْ إِحْدَاكُنَّ الْمَسْجِدَ، فَلَا تَمَسَّ طِيبًا»[327]. [327]صحيح مسلم (443)، و(زينب) هي امرأة عبد الله بن مسعود.

ويلحق بالطيب ما في معناه؛ لأن سبب المنع منه ما فيه من تحريك داعية الشهوة كحسن الملبس، والحلي الذي يظهر، والزينة الفاخرة، وكذا الاختلاط بالرجال.[328] ، ولذا نهي النبي ﷺ النساء عن الخروج إلى المساجد إذا تطيبن أو تبخَّرن؛ لأجل منع فتنة الرجال بطيب ريحهن وتحريك قلوبهم وشهواتهم بذلك، وذلك لغير المساجد أحرى. [328]فتح الباري لابن حجر (2/349).

4- وجوب صلاة الجماعة على الرجال دون النساء:

عن أبي هريرة رضي الله عنه، أن رسول الله ﷺ قال: «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَقَدْ هَمَمْتُ أَنْ آمُرَ بِحَطَبٍ يُحْتَطَبُ، ثُمَّ آمُرَ بِالصَّلاَةِ فَيُؤَذَّنَ لَهَا، ثُمَّ آمُرَ رَجُلًا فَيَؤُمَّ النَّاسَ، ثُمَّ أُخَالِفَ إِلَى رِجَالٍ فَأُحَرِّقَ عَلَيْهِمْ بُيُوتَهُمْ، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْ يَعْلَمُ أَحَدُكُمْ أَنَّهُ يَجِدُ عَرْقًا سَمِينًا، أَوْ مِرْمَاتَيْنِ حَسَنَتَيْنِ لَشَهِدَ العِشَاءَ»[329]. [329]صحيح البخاري (644).

قوله ﷺ: «لقد هممت أن آمر بحطب...» دليل على تأكيد الجماعة، وعظيم أمرها، لأن النبي ﷺ لا يهم هذا الهم إلا لترك أمر واجب، وقد أمر الله تعالى بالمحافظة على الصلوات بقوله: ﴿حَٰفِظُواْ عَلَى ٱلصَّلَوَٰتِ...﴾[330] ، ومن تمام محافظتها صلاتها في جماعة[331]. [330][البقرة: 238]. [331]شرح صحيح البخاري لابن بطال (2/269).

وأما بالنسبة للنساء، فقد روى ابن عمر عن النبي ﷺ أنه قال: «لَا تَمْنَعُوا نِسَاءَكُمُ الْمَسَاجِدَ، وَبُيُوتُهُنَّ خَيْرٌ لَهُنَّ»[332]. [332]سنن أبي داود (567). صححه النووي والألباني. خلاصة الأحكام (2/ 678)، صحيح وضعيف سنن أبي داود (ص: 2).

فصلاتها في البيت أفضل من صلاتها في المسجد، لكنها لا تُمنع من ذلك لنهي النبي ﷺ، إلا أن يخشى فتنة أو ضرر فيُنهى عن ذلك، من باب تقديم درء المفاسد على جلب المصالح.

5- الأذان والإقامة:

عن مالك بن الحويرث رضي الله عنه، قال: أتَيتُ النبيَّ ﷺ في نَفَرٍ مِن قَومِى، فأَقَمْنا عندَه عِشرينَ لَيلَةً، وكانَ رَحيمًا رَقيقًا، فلَمّا رأَى شَوقَنا إلى أهلينا قال: «ارجِعوا فكونوا فيهِم وعَلِّموهُم وصَلُّوا، فإِذا حَضَرَتِ الصَّلاةُ فليُؤَذِّنْ لَكُم أحَدُكُم، وليَؤُمَّكُم أكبَرُكُم»[333]. [333]صحيح البخاري (628)، صحيح مسلم (674).

فأما الأذان والإقامة فهما بالنسبة للرجال فرضا كفاية، لأنهما من أعلام الدين الظاهرة، لأن النبي ﷺ أمر بهما، ولملازمته عليه الصلاة والسلام لهما في الحضر والسفر، ولأنه لا يتم العلم بالوقت إلا بهما غالبًا.

وأما للنساء فقال ابن عمر رضي الله عنهما: «لَيسَ على النِّساءِ أذانٌ ولا إقامَةٌ»[334]. [334]السنن الكبرى للبيهقي (1920).

وأما عدم وجوب ذلك على النساء فلأنه مطلوب منهن خفض الصوت والتستر، ولسن من أهل الجماعة المطلوب لها الاجتماع[335]. [335]تيسير العلام شرح عمدة الأحكام للبسام (ص115).

25- التعليم بأسلوب التقاسيم:

التقسيم من الأساليب التي تجعل المعلومة حاضرة في ذهن المتعلم، قريبة في الفهم، سهلة في الاستيعاب، وقد استعمل النبي ﷺ هذا الأسلوب في موضوع الصلاة، ومما ورد في ذلك:

أ- تقسيم الأجر فيمن بكّر لصلاة الجمعة:

عن أبي هريرة رضي الله عنه، أن رسول الله ﷺ قال: «مَنِ اغْتَسَلَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ غُسْلَ الْجَنَابَةِ، ثُمَّ رَاحَ، فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ بَدَنَةً، وَمَنْ رَاحَ فِي السَّاعَةِ الثَّانِيَةِ، فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ بَقَرَةً، وَمَنْ رَاحَ فِي السَّاعَةِ الثَّالِثَةِ، فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ كَبْشًا أَقْرَنَ، وَمَنْ رَاحَ فِي السَّاعَةِ الرَّابِعَةِ، فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ دَجَاجَةً، وَمَنْ رَاحَ فِي السَّاعَةِ الْخَامِسَةِ، فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ بَيْضَةً، فَإِذَا خَرَجَ الْإِمَامُ حَضَرَتِ الْمَلَائِكَةُ يَسْتَمِعُونَ الذِّكْرَ»[336]. [336]صحيح البخاري (881).

مما نجده في ظاهر الحديث: أنه يدل على تقسيم نهار الجمعة إلى اثنتي عشر ساعة مع طول النهار وقصره، فلا يكون المراد به الساعات المعروفة من تقسيم الليل والنهار إلى أربع وعشرين ساعة؛ فإن ذلك يختلف باختلاف طول النهار وقصره، ويدل على هذا حديث جابر رضي الله عنهما، عن النبي ﷺ، قال: « يومَ الجمعةِ ثَنتَ عشرةَ -يُريدُ- ساعةً، لا يوجدُ مسلمٌ يَسألُ اللهَ -عزَّ وجلَّ- شيئًا، إلا آتاهُ اللهُ -عزَّ وجلَّ-، فَالتَمِسُواها آخرَ ساعةٍ بعدَ العصرِ »[337]. [337]خرَّجه أبو داود والنسائي بإسناد كلهم ثقات. انظر: فتح الباري لابن رجب (8/100)

ب- تقسيم مراتب المصلين في قيام الليل:

عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما، قال: قال رسول الله ﷺ: «مَنْ قَامَ بِعَشْرِ آيَاتٍ لَمْ يُكْتَبْ مِنَ الْغَافِلِينَ، وَمَنْ قَامَ بِمِائَةِ آيَةٍ كُتِبَ مِنَ الْقَانِتِينَ، وَمَنَ قَرَأَ بِأَلْفِ آيَةٍ كُتِبَ مِنَ الْمُقَنْطِرِينَ»[338]. [338]سنن أبي داود (1398). حسنه الحافظ ابن حجر. وصححه الألباني. عجالة الراغب المتمني في تخريج كتاب «عمل اليوم والليلة» لابن السني (2/ 812)، صحيح وضعيف سنن أبي داود (ص: 2).

وفي الحديث: التفاوت بين المراتب الثلاث، فصاحب العشر آيات إذا قام بها خرج من زمرة الغفلة من العامة، ودخل في زمرة ﴿رِجَالٞ لَّا تُلۡهِيهِمۡ تِجَٰرَةٞ وَلَا بَيۡعٌ عَن ذِكۡرِ ٱللَّهِ...﴾[339] ، وصاحب المئة داخل في جملة من قيل في حقهم: ﴿...وَكَانَتۡ مِنَ ٱلۡقَٰنِتِينَ﴾[340]، ﴿...أُمَّةٗ قَانِتٗا لِّلَّهِ حَنِيفٗا...﴾[341] ، وأعلاها صاحب الألف؛ لأنه داخل في غمار عمال الله في أرضه، الذين بلغوا في حيازة المثوبات مبلغ المقنطرين في حيازة الأموال. [339][النور:37]. [340][التحريم:12]. [341][النحل:120].

ج- استحضار المصلي أن الفاتحة قسمت نصفين:

عن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي ﷺ قال: «قَالَ اللهُ تَعَالَى: قَسَمْتُ الصَّلَاةَ بَيْنِي وَبَيْنَ عَبْدِي نِصْفَيْنِ، وَلِعَبْدِي مَا سَأَلَ، فَإِذَا قَالَ الْعَبْدُ: (الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ)، قَالَ اللهُ تَعَالَى: حَمِدَنِي عَبْدِي، وَإِذَا قَالَ: (الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ)، قَالَ اللهُ تَعَالَى: أَثْنَى عَلَيَّ عَبْدِي، وَإِذَا قَالَ: (مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ)، قَالَ: مَجَّدَنِي عَبْدِي - وَقَالَ مَرَّةً فَوَّضَ إِلَيَّ عَبْدِي - فَإِذَا قَالَ: (إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ) قَالَ: هَذَا بَيْنِي وَبَيْنَ عَبْدِي، وَلِعَبْدِي مَا سَأَلَ، فَإِذَا قَالَ: (اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ صِرَاطَ الَّذينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ) قَالَ: هَذَا لِعَبْدِي وَلِعَبْدِي مَا سَأَلَ»[342]. [342]صحيح مسلم (395).

قوله تعالى: «قسمت الصلاة...» يعني أم القرآن، سماها صلاة؛ لأن الصلاة لا تتم -أو لا تصح- إلا بها، ومعنى القسمة هنا من جهة المعاني؛ لأن نصفها الأول في حمد الله وتمجيده والثناء عليه وتوحيده، والنصف الثاني في اعتراف العبد بعجزه وحاجته إليه وسؤاله في تثبيته لهدايته ومعونته على ذلك[343]. [343]المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم للقرطبي (2/26).

26- التعليم بسد الذرائع:

سد الذرائع هو منع كل وسيلة يتوصل بها إلى الشيء الممنوع الذي يشتمل على مفسدة، فهناك وسائل يتوصل بها إلى الشيء المحرم، وقد تكون هذه الوسائل متعلقة بالصلاة، ولذلك يُنهى عن الصلاة إذا كانت فيها سبب يتوصل بها إلى هذا السبب المحرم، ومن تلك الذرائع:

أ - سد كل ذريعة توصل إلى الشرك:

عن عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها، أن أم حبيبة، وأم سلمة رضي الله عنهما، ذكرتا كنيسة رأينها بالحبشة فيها تصاوير، فذكرتا للنبي ﷺ فقال: «إِنَّ أُولَئِكَ، إِذَا كَانَ فِيهِمُ الرَّجُلُ الصَّالِحُ، فَمَاتَ، بَنَوْا عَلَى قَبْرِهِ مَسْجِدًا، وَصَوَّرُوا فِيهِ تِلْكِ الصُّوَرَ، أُولَئِكِ شِرَارُ الْخَلْقِ عِنْدَ اللهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ»[344]. [344]صحيح البخاري (427).

مما نجده في الحديث: النهي عن اتخاذ القبور مساجد، وعن فعل التصاوير، وإنما نهى عن ذلك -والله أعلم- قطعًا للذريعة، ولقرب عبادتهم الأصنام، واتخاذ القبور والصور آلهة[345]. [345]شرح صحيح البخاري لابن بطال (2/82).

وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «لاَ صَلاَةَ بَعْدَ الصُّبْحِ حَتَّى تَرْتَفِعَ الشَّمْسُ، وَلاَ صَلاَةَ بَعْدَ العَصْرِ حَتَّى تَغِيبَ الشَّمْسُ»[346]. [346]صحيح البخاري (1995).

- ولفظ مسلم: «لَا صَلَاةَ بَعْدَ صَلَاةِ الْفَجْرِ»[347]. [347]صحيح مسلم (827).

أصل الرسالة مبنية على التوحيد، فكل طريق يمكن أن ينفذ الشيطان إلى قلب الإنسان فيوقع في الشرك، فإن النبي ﷺ سده سدًا محكمًا.

ب- سد كل ذريعة توصل إلى زخرفة المساجد:

عن ابن عباس رضي الله عنهما، قال: قال رسول الله ﷺ: «ما أُمِرتُ بتَشييدِ المساجِدِ» قال ابنُ عباس: «لتُزَخرِفُنَّها كما زَخرَفَتِ اليهودُ والنَّصارى»[348]. [348]سنن أبي داود (448). صححه النووي والألباني. خلاصة الأحكام (1/ 305)، صحيح وضعيف سنن أبي داود (ص: 2).

والسنة في بنيان المساجد: القصد، وترك الغلو في تشييدها خشية الفتنة والمباهاة ببنائها[349]. [349]شرح صحيح البخاري لابن بطال (2/97).

ج- سد كل ذريعة تشغل المصلي عن صلاته:

عن أنس بن مالك رضي الله عنه، أن رسول الله ﷺ قال: «إِذَا قُرِّبَ الْعَشَاءُ، وَحَضَرَتِ الصَّلَاةُ، فَابْدَءُوا بِهِ قَبْلَ أَنْ تُصَلُّوا صَلَاةَ الْمَغْرِبِ، وَلَا تَعْجَلُوا عَنْ عَشَائِكُمْ»[350]. [350]صحيح البخاري (672)، صحيح مسلم (557).

مما نجده في الحديث سد الذرائع، والابتعاد عما يشغل الإنسان عن واجبات دينه[351]. [351]انظر: المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم للقرطبي (2/163).

وعن عائشة رضي الله عنها، قالت: صَلَّى النَّبِيَّ ﷺ فِي خَمِيصَةٍ لَهَا أَعْلاَمٌ، فَنَظَرَ إِلَى أَعْلاَمِهَا نَظْرَةً، فَلَمَّا انْصَرَفَ قَالَ: «اذْهَبُوا بِخَمِيصَتِي هَذِهِ إِلَى أَبِي جَهْمٍ وَأْتُونِي بِأَنْبِجَانِيَّةِ أَبِي جَهْمٍ، فَإِنَّهَا أَلْهَتْنِي آنِفًا عَنْ صَلاَتِي»[352]. [352]صحيح البخاري (5817).

ورسول الله ﷺ بشر، يشغله ما يشغل البشر، لكنه يبادر إلى سد الذرائع، وإغلاق أبواب الشر ومداخل الشيطان.

د- سد كل ذريعة توصل إلى اختلاط الرجال بالنساء:

عن عائشة رضي الله عنها، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يُصَلِّي الصُّبْحَ بِغَلَسٍ، فَيَنْصَرِفْنَ نِسَاءُ المُؤْمِنِينَ لاَ يُعْرَفْنَ مِنَ الغَلَسِ - أَوْ لاَ يَعْرِفُ بَعْضُهُنَّ بَعْضًا -[353]. [353]صحيح البخاري (873)، الغلس: اختلاط ضياء الصبح بظلمة الليل. معالم السنن للخطابي (1/132)

والسنة أن تنصرف النساء في الغلس قبل الرجال، وهذا كله من باب قطع الذرائع، والمباعدة بين الرجال والنساء خوف الفتنة ودخول الحرج، ومواقعة الإثم في الاختلاط بهن[354]. [354]انظر: شرح صحيح البخاري لابن بطال (2/473).

وعن ابن عمر رضي الله عنهما، قال: قال رسول الله ﷺ: «لَوْ تَرَكْنَا هَذَا الْبَابَ لِلنِّسَاءِ»، قال نافع: فلم يدخل منه ابن عمر حتى مات[355]. [355]سنن أبي داود (462). صححه الألباني. صحيح وضعيف سنن أبي داود (ص: 2).

وفيه دليل على أنه لا يجوز اختلاط الرجال بالنساء في مسجد ولا غيره لما فيه من المفسدة العظيمة، والله أعلم[356]. [356]شرح سنن أبي داود لابن رسلان (3/597).

الفصل السادس

الوعيد.

التحديد.

الوصية.

التيسير.

الأولوية.

27- استعمال أسلوب الوعيد في التعليم:

من منهج القرآن والسنة الترغيب بالثواب والترهيب بالعقاب، ومما توعد الله به على ما يتعلق بأمر الصلاة ما يأتي:

أ- الوعيد على ترك الصلاة:

عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما، عن النبي ﷺ أنه: ذكر الصلاة يومًا فقال: «مَنْ حَافَظَ عَلَيْهَا كَانَتْ لَهُ نُورًا وَبُرْهَانًا وَنَجَاةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَمَنْ لَمْ يُحَافِظْ عَلَيْهَا لَمْ تَكُنْ لَهُ نُورًا وَلَا بُرْهَانًا وَلَا نَجَاةً، وَكَانَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَعَ فِرْعَوْنَ، وَقَارُونَ، وَهَامَانَ، وَأُبَيٍّ صَاحِبِ الْعِظَامِ»[357]. [357]مسند أحمد (6576). قال الهيثمي: رجاله ثقات. مجمع الزوائد ومنبع الفوائد (1/ 292).

وفي هذا الحديث وعيد عظيم على من ترك الصلاة كسلًا وإن لم يجحد وجوبها بل كان مقرًا بها، ويُحشر يوم القيامة مع فرعون، وهامان، وقارون، وأُبَيِّ بن خلف.

وعن أبي المليح، قال: كنا مع بريدة في غزوة في يوم ذي غيم، فقال: بكِّروا بصلاة العصر، فإن النبي ﷺ قال: «مَنْ تَرَكَ صَلاَةَ العَصْرِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ»[358]. [358]صحيح البخاري (553).

وقوله ﷺ: (فقد حبط عمله) أي ثواب عمله، أورده على سبيل التغليظ، أو فكأنما حبط عمله لأن الأعمال لا يحبطها إلا الشرك، قال تعالى: ﴿...وَمَن يَكۡفُرۡ بِٱلۡإِيمَٰنِ فَقَدۡ حَبِطَ عَمَلُهُۥ...﴾[359]. [359][المائدة: 5].

وعن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما، أن رسول الله ﷺ قال: «الَّذِي تَفُوتُهُ صَلَاةُ الْعَصْرِ، كَأَنَّمَا وُتِرَ أَهْلَهُ وَمَالَهُ»[360]. [360]صحيح البخاري (552).

ومعنى قوله ﷺ: «وُتِر» أي نقص أو سلب فبقي وترًا فردًا بلا أهل ولا مال، أي: فليكن حذره من فوتها كحذره من ذهاب أهله وماله[361]، وإنما مثله عليه السلام فيما يفوته من عظيم الثواب بالذي حرم أهله وماله، فبقي لا أهل له ولا مال[362]. [361]معالم السنن للخطابي (1/131). [362]شرح صحيح البخاري لابن بطال (2/176).

ب- التأخر عن الصفوف الأولى يؤول بالإنسان إلى التأخر في جميع أموره:

عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ رَأَى فِي أَصْحَابِهِ تَأَخُّرًا فَقَالَ لَهُمْ: «تَقَدَّمُوا فَأْتَمُّوا بِي، وَلْيَأْتَمَّ بِكُمْ مَنْ بَعْدَكُمْ، لَا يَزَالُ قَوْمٌ يَتَأَخَّرُونَ حَتَّى يُؤَخِّرَهُمُ اللهُ»[363]. [363]صحيح مسلم (438).

وقوله ﷺ: «لا يزال قوم يتأخرون» أي عن الصفوف الأُوَل حتى يؤخرهم الله تعالى عن رحمته أو عظيم فضله ورفع المنزلة وعن العلم[364]. [364]المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج للنووي (4/159).

ج- التنفير من فعل المخالفة في الصلاة بذكر الوعيد عليها:

1- التنبيه بأن النقص في أفعال الصلاة يعد سرقة أعظم من سرقة أموال الناس:

عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه، أن رسول الله ﷺ قال: «إِنَّ أَسْوَأَ النَّاسِ سَرِقَةً الَّذِي يَسْرِقُ صَلاَتَهُ قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، وَكَيْفَ يَسْرِقُ صَلاَتَهُ، قَالَ: لاَ يُتِمُّ رُكُوعَهَا وَسُجُودَهَا»[365]. [365]مسند أحمد (11532)، وصححه الألباني في صحيح الجامع الصغير وزيادته (1/ 229).

وفي الحديث أن النبي ﷺ قصد أن يعلمهم أن الإخلال بإتمام الركوع والسجود كبيرة من الكبائر، وإنما كان أسوأ الناس سرقة؛ لأن السارق إذا أخذ مال الغير بما ينتفع به في الدنيا، ويستحل من صاحبه، أو تقطع يده، فيتخلص من عقاب الآخرة، بخلاف هذا السارق، فإنه سرق حق نفسه من الثواب، وأبدل منه العقاب في الآخرة.

2- التهديد بخطف بصر من يرفع بصره إلى السماء في الصلاة:

عن جابر بن سمرة رضي الله عنه، قال: قال رسول الله ﷺ: «لَيَنْتَهِيَنَّ أَقْوَامٌ يَرْفَعُونَ أَبْصَارَهُمْ إِلَى السَّمَاءِ فِي الصَّلَاةِ، أَوْ لَا تَرْجِعُ إِلَيْهِمْ»[366]. [366]صحيح مسلم (428).

وعن أبي هريرة رضي الله عنه، أن رسول الله ﷺ قال: «لَيَنْتَهِيَنَّ أَقْوَامٌ عَنْ رَفْعِهِمْ أَبْصَارَهُمْ عِنْدَ الدُّعَاءِ فِي الصَّلَاةِ إِلَى السَّمَاءِ، أَوْ لَتُخْطَفَنَّ أَبْصَارُهُمْ»[367]. [367]صحيح مسلم (429).

وفيما سبق؛ الوعيد بإعماء من رفع رأسه إلى السماء في الصلاة، وكلمة (أو): للتخيير تهديدًا، ففيه النهي الأكيد والوعيد الشديد[368]، ويُؤخذ منه حرمة رفع البصر إلى السماء حال الصلاة لأن العقوبة بالعمى لا تكون إلا عن محرّم. [368]انظر: إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري للقسطلاني (2/81).

3- التحذير من مسابقة الإمام:

عن أبي هريرة رضي الله عنه، قال: قال رسول الله ﷺ: «أَمَّا يَخْشَى الَّذِي يَرْفَعُ رَأْسَهُ قَبْلَ الْإِمَامِ أَنْ يُحَوِّلَ اللَّهُ رَأْسَهُ رَأْسَ حِمَارٍ»[369]. [369]صحيح مسلم (427).

وفي الحديث: الوعيد والتهديد لمن رفع رأسه قبل الإمام[370]، ونظر ابن مسعود إلى من سبق إمامه فقال: «لا وحدك صليت، ولا بإمامك اقتديت»[371]. [370]التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد لابن عبد البر (24/365). [371]شرح سنن ابن ماجه لمغلطاي (صـ 1615).

4- التعليم بذكر الوعيد على من أخر الصلاة عن وقتها:

عن سمرة بن جندب رضي الله عنه، عن النبي ﷺ في الرؤيا، قال: «أَمَّا الَّذِي يُثْلَغُ رَأْسُهُ بِالحَجَرِ، فَإِنَّهُ يَأْخُذُ القُرْآنَ، فَيَرْفِضُهُ، وَيَنَامُ عَنِ الصَّلاَةِ المَكْتُوبَةِ»[372]. [372]صحيح البخاري (1143)، وقوله: "يُثْلَغُ رأسُهُ" أي: يُشق ويُشدخ ويُفضخ. مطالع الأنوار على صحاح الآثار (2/54).

والشاهد من الحديث هو قوله «ينام عن الصلاة المكتوبة» وقد جعلت العقوبة في رأسه لنومه عن الصلاة وذلك أن النوم موضعه الرأس[373]. [373]انظر: شرح صحيح البخاري للقسطلاني (10/ 165).

وعن أنس بن مالك رضي الله عنه، قال: سمعت رسول الله ﷺ، يقول: «تِلْكَ صَلَاةُ الْمُنَافِقِ، يَجْلِسُ يَرْقُبُ الشَّمْسَ حَتَّى إِذَا كَانَتْ بَيْنَ قَرْنَيِ الشَّيْطَانِ، قَامَ فَنَقَرَهَا أَرْبَعًا، لَا يَذْكُرُ اللهَ فِيهَا إِلَّا قَلِيلًا»[374]. [374]صحيح مسلم (622).

وقوله ﷺ: «تلك صلاة المنافق» فيه تصريح بذم تأخير صلاة العصر إلى أن تصفر الشمس بلا عذر لقوله ﷺ: «يجلس يرقب الشمس».

5- التنفير من المرور بين يدي المصلي:

عن أبي جهيم رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «لوْ يَعلَمُ المارُّ بينَ يدَي المصلِّي ماذا عليهِ؟ لكانَ أنْ يقِفَ أربعينَ؛ خَيْراً له منْ أنْ يمُرَّ بينَ يديهَ». قالَ أبو النَّضْر: لا أدري أقالَ أربعينَ يوماً، أو شهراً، أو سنَةً [375]. [375]صحيح البخاري (510).

وفي الحديث دليل على تحريم المرور بين يدي المصلي، فإن معنى الحديث النهي الأكيد والوعيد الشديد على ذلك، ومقتضى ذلك أن يعد في الكبائر[376]. [376]فتح الباري لابن حجر (1/586).

6- التنفير من العجلة ونقر الصلاة:

عن أنس بن مالك رضي الله عنه، قال: سمعت رسول الله ﷺ، يقول: «تِلْكَ صَلَاةُ المُنَافِقِ يَجْلِسُ يَرْقُبُ الشَّمْسَ، حَتَّى إِذَا كَانَتْ بَيْنَ قَرْنَيِ الشَّيْطَانِ قَامَ فَنَقَرَ أَرْبَعًا لَا يَذْكُرُ اللَّهَ فِيهَا إِلَّا قَلِيلًا»[377]. [377]صحيح مسلم (622).

فذم النبي ﷺ من صلَّى مسرعًا بحيث لا يكمل الخشوع والطمأنينة والأذكار، والمراد بالنقر سرعة الحركات كنقر الطائر[378]. [378]المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج للنووي (5/124).

7- التنفير من التشبه بالحيوان في هيئات الصلاة:

عن أبي هريرة رضي الله عنه، قال: قال رسول الله ﷺ: «إِذَا سَجَدَ أَحَدُكُمْ فَلَا يَبْرُكْ كَمَا يَبْرُكُ الْبَعِيرُ، وَلْيَضَعْ يَدَيْهِ قَبْلَ رُكْبَتَيْهِ»[379]. [379]سنن أبي داود (840).

وعن جابر بن سمرة رضي الله عنه، قال: صَلَّيْتُ مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ فَكُنَّا إِذَا سَلَّمْنَا قُلْنَا بِأَيْدِينَا: السَّلَامُ عَلَيْكُمْ، السَّلَامُ عَلَيْكُمْ، فَنَظَرَ إِلَيْنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ فَقَالَ: «مَا شَأْنُكُمْ تُشِيرُونَ بِأَيْدِيكُمْ كَأَنَّهَا أَذْنَابُ خَيْلٍ شُمْسٍ؟ إِذَا سَلَّمَ أَحَدُكُمْ فَلْيَلْتَفِتْ إِلَى صَاحِبِهِ، وَلَا يُومِئْ بِيَدِهِ»[380]. [380]المرجع السابق (430).

وعن أنس بن مالك رضي الله عنه، عن النبي ﷺ قال: «اعتَدِلوا في السُّجودِ، ولا يَبسُطُ أحدُكم ذِراعَيهِ انبساطَ الكلْبِ»[381]. [381]صحيح البخاري (822).

وعن عليرضي الله عنه، قال: قال النبي ﷺ: «يَا عَلِيُّ، لَا تُقْعِ إِقْعَاءَ الْكَلْبِ»[382]. [382]سنن ابن ماجة (895).

وفي الحديث النهى عن التشبُّه بالحيوان ولاسيما في العبادة، ولم يأت التشبه بالحيوان إلا في مقام الذم، وقد كرم الله -عز وجل- بني آدم، وفضلهم على كثير ممن خلق، فلا ينبغي أن يضعوا أنفسهم موضعًا غير لائق بهم[383]. [383]فتح ذي الجلال والإكرام بشرح بلوغ المرام لابن عثيمين (2/27).

د- الترهيب من المخالفة في أمور المساجد:

1- الترهيب من زخرفة المساجد:

عن أنس رضي الله عنه، أن النبي ﷺ قال: «لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يَتَبَاهَى النَّاسُ فِي الْمَسَاجِدِ»[384]. [384]سنن أبي داود (449). صححه النووي والألباني. خلاصة الأحكام (1/ 305)، صحيح وضعيف سنن أبي داود (ص: 2).

وعن ابن عباس رضي الله عنهما، قال: قال رسول الله ﷺ: «مَا أُمِرْتُ بِتَشْيِيدِ الْمَسَاجِدِ»[385]، وقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: «لَتُزَخْرِفُنَّهَا كَمَا زَخْرَفَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى»[386]. [385]المرجع السابق (448). تقدم الكلام عليه ص(124). [386]صحيح البخاري (1/97).

وقوله ﷺ: «ما أمرت بتشييد المساجد» فيه توبيخ وتأنيب، فزخرفتها خلاف مقصود الشارع؛ وقد كانت اليهود والنصارى تزخرف المساجد عندما حرفوا وبدلوا أمر دينهم.

2- التنفير من البصاق في المسجد:

عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يُحِبُّ الْعَرَاجِينَ وَلَا يَزَالُ فِي يَدِهِ مِنْهَا، فَدَخَلَ الْمَسْجِدَ فَرَأَى نُخَامَةً فِي قِبْلَةِ الْمَسْجِدِ فَحَكَّهَا، ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَى النَّاسِ مُغْضَبًا، فَقَالَ: «أَيَسُرُّ أَحَدَكُمْ أَنْ يُبْصَقَ فِي وَجْهِهِ؟ إِنَّ أَحَدَكُمْ إِذَا اسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ فَإِنَّمَا يَسْتَقْبِلُ رَبَّهُ عَزَّ وَجَلَّ، وَالْمَلَكُ عَنْ يَمِينِهِ، فَلَا يَتْفُلْ عَنْ يَمِينِهِ، وَلَا فِي قِبْلَتِهِ، وَلْيَبْصُقْ عَنْ يَسَارِهِ، أَوْ تَحْتَ قَدَمِهِ، فَإِنْ عَجِلَ بِهِ أَمْرٌ فَلْيَقُلْ هَكَذَا»[387]. [387]سنن أبي داود (480)، والعرجون: هو العذق الذي يحمل التمر مثل عنقود العنب، وقد كان النبي ﷺ يحب العرجون، ويحب أن يتكئ عليها، ويجعلها مثل العصا وابن طَابْ نَوعٌ من الرُّطب الطيب. والحديث صححه الألباني. صحيح وضعيف سنن أبي داود (ص: 2).

قوله ﷺ: «أيسرّ أحدكم...!؟» استفهام إنكاري بمعنى النفي، أي: لا يسرُّ أحدَكم البصاقُ في وجهه، والغرض منه التوبيخ والتحذير من مثل ذلك[388]. [388]المنهل العذب المورود شرح سنن أبي داود للسبكي (4/100).

عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما، قال: أتينا جابراً -يعني ابنَ عبد الله- وهو في مَسجِدِه، فقال: أتانا رسولُ الله ﷺ في مَسجِدِنا هذا، وفي يَدِه عُرجونُ ابنِ طابٍ، فنظر فرأى في قِبلةِ المسجدِ نُخامةً، فأقبَلَ عليها فحتها بالعُرجونِ، ثمَّ قال: "أيكم يُحِب أن يُعرِضَ اللهُ عنه؟ إنَّ أحدَكم إذا قامَ يُصلي فإن اللهَ عز وجل قِبَلَ وجهِه، فلا يَبصُقَنَّ قِبَلَ وجهِه، ولا عن يمينه، وليَبصُقْ عن يَسارِه تحتَ رِجلِه اليُسرى، فإن عَجِلَت به بادرةٌ فليَقُل بثَوبِه هكذا، -ووَضَعَه على فيه ثمَّ دَلَكَه- أروني عبيراً" فقامَ فتى من الحَيِّ يَشتَدُّ إلى أهله فجاءَ بخَلوقٍ في راحتِه، فأخذَه رسولُ الله ﷺ فجعلَه على رأسِ العُرجونِ ثمَّ لَطَخَ به على أَثَرِ النخامةِ. قال جابر: فمِن هناك جعلتُم الخَلوقَ في مساجِدِكم[389]. [389]صحيح مسلم (3008)، سنن أبي داود (485)، قوله: "فأتى بخلوق": هو طيب يخلط بزعفران وهو العنبر. إكمال المعلم بفوائد مسلم (8/564).

قوله ﷺ: «أيكم يحب أن يعرض الله عنه بوجهه!؟» أي إلقاء النخامة في جدار القبلة سبب لأن يعرض الله عنه بوجهه، والاستفهام للتوبيخ والتهديد[390]. [390]بذل المجهود في حل سنن أبي داود للسهارنفوري (3/213).

هـ- تذكير المصلي بأن صلاته إنما يصليها لنفسه:

عن أبي هريرة رضي الله عنه، قال: صَلَّى رَسُولُ اللهِ ﷺ يَوْمًا ثُمَّ انْصَرَفَ فَقَالَ: «يَا فُلَانُ، أَلَا تُحْسِنُ صَلَاتَكَ؟ أَلَا يَنْظُرُ الْمُصَلِّي إِذَا صَلَّى كَيْفَ يُصَلِّي؟ فَإِنَّمَا يُصَلِّي لِنَفْسِهِ، إِنِّي وَاللهِ لَأُبْصِرُ مِنْ وَرَائِي كَمَا أُبْصِرُ مِنْ بَيْنِ يَدَيَّ»[391]. [391]صحيح مسلم (423).

وقوله ﷺ: «ألا ينظر المصلي منكم كيف يصلي!؟ وإنما يصلي لنفسه»، يشير إلى أن نفع صلاته يعود إلى نفسه، كما قال تعالى: ﴿مَّنۡ عَمِلَ صَٰلِحٗا فَلِنَفۡسِهِۦۖ وَمَنۡ أَسَآءَ فَعَلَيۡهَا...﴾[392]، فمن علم أنه يعمل لنفسه، وأنه ملاق عمله، ثم قصّر في عمله وأساء كان مسيئًا في حق نفسه، غير ناظر لها ولا ناصح[393]. [392][فصلت:46]. [393]فتح الباري لابن رجب (3/148).

و- الغضب عند صدور الخطأ ممن لا يخفى عليه مثل ذلك:

1- الغضب ممن نفّر المصلين بإطالة الصلاة:

عن جابر بن عبد الله الأنصاري رضي الله عنه، قال: «أَقْبَلَ رَجُلٌ بِنَاضِحَيْنِ وَقَدْ جَنَحَ اللَّيْلُ، فَوَافَقَ مُعَاذًا يُصَلِّي، فَتَرَكَ نَاضِحَهُ وَأَقْبَلَ إِلَى مُعَاذٍ، فَقَرَأَ بِسُورَةِ البَقَرَةِ - أَوِ النِّسَاءِ - فَانْطَلَقَ الرَّجُلُ وَبَلَغَهُ أَنَّ مُعَاذًا نَالَ مِنْهُ، فَأَتَى النَّبِيَّ ﷺ، فَشَكَا إِلَيْهِ مُعَاذًا، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «يَا مُعَاذُ، أَفَتَّانٌ أَنْتَ» - أَوْ «أَفَاتِنٌ» - ثَلاَثَ مِرَارٍ: «فَلَوْلاَ صَلَّيْتَ بِسَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ، وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا، وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى، فَإِنَّهُ يُصَلِّي وَرَاءَكَ الكَبِيرُ وَالضَّعِيفُ وَذُو الحَاجَةِ»[394]. [394]صحيح البخاري (705).

قوله ﷺ: «أفتان أنت يا معاذ!؟» استفهام على وجه التوبيخ؛ أي: منفِّر عن الدين وصاد عنه، ففيه الإنكار على من ارتكب ما يُنهى عنه، وإن كان مكروهًا غير محرم.

وعن أبي مسعود رضي الله عنه، قال: قال رجل: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي لَأَتَأَخَّرُ فِي صَلَاةِ الْغَدَاةِ مِنْ أَجْلِ فُلَانٍ لِمَا يُطِيلُ بِنَا فِيهَا، قَالَ: فَمَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَطُّ فِي مَوْعِظَةٍ أَشَدَّ غَضَبًا مِنْهُ يَوْمَئِذٍ، فَقَالَ: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ مِنْكُمْ مُنَفِّرِينَ، فَأَيُّكُمْ مَا صَلَّى بِالنَّاسِ، فَلْيُجَوِّزْ؛ فَإِنَّ فِيهِمُ الضَّعِيفَ، وَالْكَبِيرَ، وَذَا الْحَاجَةِ»[395]. [395]صحيح البخاري (704).

وقوله ﷺ: «إن منكم منفرين» يعني؛ ينفرون الناس عن دين الله، وهذا الرجل لم يقل للناس: لا تصلوا صلاة الفجر، لكنه نفّرهم بفعله؛ بالتطويل الذي هو خارج عن السنة، ولذا غضب النبي ﷺ من هذا الفعل الذي فعله هذا الإمام.

والأئمة في هذه المسألة ينقسمون إلى ثلاثة أقسام:

(1) قسم مُفرِّط: يسرع سرعة تمنع المأمومين فعل ما يسن، وهذا مخطئ آثم، ولم يؤد الأمانة.

(2) قسم مُفرِط: أي زائد، يثقل بالناس، وكأنه يصلي لنفسه، وهذا أيضًا مخطئ ظالمٌ.

(3) قسم وسط: يصلي بهم كصلاة النبي ﷺ، فهذا قام بالأمانة على الوجه الأكمل[396]. [396]انظر: شرح رياض الصالحين لابن عثيمين (3/618619).

2- الغضب عند رؤية النخامة في المسجد:

عن عبد الله رضي الله عنه، قال: بَيْنَا النَّبِيُّ ﷺ يُصَلِّي، رَأَى فِي قِبْلَةِ المَسْجِدِ نُخَامَةً، فَحَكَّهَا بِيَدِهِ، فَتَغَيَّظَ، ثُمَّ قَالَ: «إِنَّ أَحَدَكُمْ إِذَا كَانَ فِي الصَّلاَةِ، فَإِنَّ اللَّهَ حِيَالَ وَجْهِهِ، فَلاَ يَتَنَخَّمَنَّ حِيَالَ وَجْهِهِ فِي الصَّلاَةِ»[397]. [397]صحيح البخاري (6111)، والنخامة: ما يخرجه الإنسان من حلقه من البلغم.

مما نجده في هذا الحديث: تغيُّظه ﷺ حين رأى النخامة في المسجد فحكّها بيده ونهى عنها.

3- الغضب على من بصق في القبلة:

عن أبي سهلة السائب بن خلاد رضي الله عنه مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ، أَنَّ رَجُلًا أَمَّ قَوْمًا، فَبَصَقَ فِي الْقِبْلَةِ، وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَنْظُرُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهﷺ حِينَ فَرَغَ: «لَا يُصَلِّي لَكُمْ»، فَأَرَادَ بَعْدَ ذَلِكَ أَنْ يُصَلِّيَ لَهُمْ فَمَنَعُوهُ وَأَخْبَرُوهُ بِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَذَكَرَ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: «نَعَمْ»، وَحَسِبْتُ أَنَّهُ قَالَ: «إِنَّكَ آذَيْتَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ»[398]. [398]سنن أبي داود (481). قال العراقي: "إسناده جيد. وحسنه الألباني. صحيح سنن أبي داود (2/ 384).

وقوله ﷺ: «لا يصلي لكم» أن أصل الكلام (لا تصل لهم)، فعدل إلى النفي ليؤذن بأنه لا يصلي للإمامة، وفي الإعراض عنه غضب شديد عليه، حيث لم يجعله محلًا للخطاب، وذلك لسوء أدبه بين يدي ربه[399]، وهذا زجر عظيم وتهديد بليغ، وقد قال الله تعالى: ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ يُؤۡذُونَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ لَعَنَهُمُ ٱللَّهُ فِي ٱلدُّنۡيَا وَٱلۡأٓخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمۡ عَذَابٗا مُّهِينٗا57﴾[400]. [399]انظر: شرح المشكاة للطيبي الكاشف عن حقائق السنن (3/958). [400][الأحزاب: 57].

4- الغضب على من تقالَّ سنة النبي ﷺ ورغب عنها:

عن أنس بن مالك رضي الله عنه، قال: جَاءَ ثَلاَثَةُ رَهْطٍ إِلَى بُيُوتِ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ ﷺ، قَدْ غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ وَمَا تَأَخَّرَ؟ قَالَ أَحَدُهُمْ: أَمَّا أَنَا؛ فَإِنِّى أُصَلِّى اللَّيْلَ أَبَدًا، وَقَالَ آخَرُ: أَنَا أَصُومُ الدَّهْرَ وَلاَ أُفْطِرُ، وَقَالَ آخَرُ: أَنَا أَعْتَزِلُ النِّسَاءَ فَلاَ أَتَزَوَّجُ أَبَدًا، فَجَاءَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: «أَنْتُمُ الَّذِينَ قُلْتُمْ كَذَا وَكَذَا؟ أَمَا وَاللَّهِ؛ إِنِّى لأَخْشَاكُمْ لِلَّهِ، وَأَتْقَاكُمْ لَهُ، لَكِنِّى أَصُومُ وَأُفْطِرُ، وَأُصَلِّى وَأَرْقُدُ، وَأَتَزَوَّجُ النِّسَاءَ، فَمَنْ رَغِبَ عَنْ سُنَّتِى؛ فَلَيْسَ مِنِّى»[401]. [401]صحيح البخاري (5063).

مما نجده في الحديث أن قوله ﷺ: «فليس مني» يكون للزجر والوعيد، ويكون معناه: فليس من المقتدين والعاملين بسنتي[402]. [402]المفاتيح في شرح المصابيح للمظهري (1/245246).

ز- الدعاء على من آذى المسلمين وأشغلهم عن الصلاة:

عن علي رضي الله عنه، قال: لما كان يوم الأحزاب قال رسول الله ﷺ: «مَلَأَ اللهُ بُيُوتَهُمْ وَقُبُورَهُمْ نَارًا كَمَا شَغَلُونَا عَنِ الصَّلَاةِ الْوُسْطَى حَتَّى غَابَتِ الشَّمْسُ»[403]. [403]صحيح البخاري (2931).

ويؤخذ من الحديث جواز الدعاء على المشركين، خاصة من تعدى شره إلى المسلمين.

وعن أبي الدرداء رضي الله عنه، قال: قَامَ رَسُولُ اللهِ ﷺ فَسَمِعْنَاهُ يَقُولُ: «أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْكَ»، ثُمَّ قَال: «أَلْعَنُكَ بِلَعْنَةِ اللهِ ثَلاَثًا»، وَبَسَطَ يَدَهُ كَأَنَّهُ يَتَنَاوَلُ شَيْئًا، فَلَمَّا فَرَغَ مِنَ الصَّلاَةِ قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللهِ، قَدْ سَمِعْنَاكَ تَقُولُ فِي الصَّلاَةِ شَيْئًا لَمْ نَسْمَعْكَ تَقُولُهُ قَبْلَ ذَلِكَ، وَرَأَيْنَاكَ بَسَطْتَ يَدَكَ، قَالَ: «إِنَّ عَدُوَّ اللهِ إِبْلِيسَ، جَاءَ بِشِهَابٍ مِنْ نَارٍ لِيَجْعَلَهُ فِي وَجْهِي، فَقُلْتُ: أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْكَ، ثَلاَثَ مَرَّاتٍ، ثُمَّ قُلْتُ: أَلْعَنُكَ بِلَعْنَةِ اللهِ التَّامَّةِ، فَلَمْ يَسْتَأْخِرْ، ثَلاَثَ مَرَّاتٍ، ثُمَّ أَرَدْتُ أَخْذَهُ، وَاللَّهِ لَوْلاَ دَعْوَةُ أَخِينَا سُلَيْمَانَ لأَصْبَحَ مُوثَقًا يَلْعَبُ بِهِ وِلْدَانُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ»[404]. [404]صحيح مسلم (542).

وقوله ﷺ: «ألعنك بلعنة الله» يشير إلى قوله تعالى مخاطبًا إبليس: ﴿وَإِنَّ عَلَيۡكَ ٱللَّعۡنَةَ إِلَىٰ يَوۡمِ ٱلدِّينِ35﴾[405]، وأمكن الله رسوله من هذا المتمرد، فقبض عليه وخنقه خنقًا شديدًا، وهمَّ أن يربطه في أحد أعمدة المسجد حتى يراه الناس، ويلعب به صبيان المدينة[406]. [405][الحجر: 35]. [406]فتح المنعم شرح صحيح مسلم لموسى لاشين (3/155).

ح- الترهيب بعدم قبول الصلاة:

1- ترهيب العبد الآبق بأنه لا تقبل صلاته:

عن جرير بن عبد الله رضي الله عنه، أنه يحدث عن النبي ﷺ قال: «إِذَا أَبَقَ الْعَبْدُ لَمْ تُقْبَلْ لَهُ صَلَاةٌ»[407]. [407]صحيح مسلم (70)، والعبد الآبق هو الذي هرب وخرج عن طاعة سيده.

وفي الحديث: التغليظ في تحريم إباق العبد، أي هربه من سيده، وقد ورد الوعيد في هذا بأنه يكون في سخط الله، وأن الذمة بريئة منه، وأنه لا تقبل صلاته، فهذه ثلاث عقوبات.

2 - ترهيب من أَمَّ قومًا وهم له كارهون بأنه لا تقبل صلاته:

عن أبي أمامة رضي الله عنه، قال: قال رسول الله ﷺ: «ثَلاَثَةٌ لاَ تُجَاوِزُ صَلاَتُهُمْ آذَانَهُمْ: العَبْدُ الآبِقُ حَتَّى يَرْجِعَ، وَامْرَأَةٌ بَاتَتْ وَزَوْجُهَا عَلَيْهَا سَاخِطٌ، وَإِمَامُ قَوْمٍ وَهُمْ لَهُ كَارِهُونَ»[408]. [408]سنن الترمذي (360). حسنه النووي وصححه الألباني خلاصة الأحكام (2/ 704)، سنن الترمذي ت شاكر (2/ 193).

قوله ﷺ: «لا تجاوز صلاتهم آذانهم» وظاهر الحديث لا تقبل لا في الفرض ولا في النفل، أو أنه يحرم أجرها وثوابها، فلذلك ينبغي أن لا يؤمهم.

3 - ترهيب المرأة التي باتت وزوجها عليها ساخط بأنها لا تقبل لها صلاة:

عن أبي أمامة رضي الله عنه، قال: قال رسول الله ﷺ: «ثَلاَثَةٌ لاَ تُجَاوِزُ صَلاَتُهُمْ آذَانَهُمْ: العَبْدُ الآبِقُ حَتَّى يَرْجِعَ، وَامْرَأَةٌ بَاتَتْ وَزَوْجُهَا عَلَيْهَا سَاخِطٌ....» الحديث[409]. [409]المرجع السابق (360). هو نفس الحديث الذي قبله.

وقوله ﷺ: «وامرأة باتت وزوجها عليها ساخط» فالزوج إذا دعا امرأته إلى فراشه وأبت سخط عليها، فإذا قامت تتطوع فإن هذه الصلاة لا تقبل لأنها مأمورة بأن تجيب زوجها.

4 - ترهيب من أتى عرافًا بأنه لا تقبل صلاته:

عن صفية رضي الله عنها، عن بعض أزواج النبي ﷺ عن النبي ﷺ قال: «مَنْ أَتَى عَرَّافًا فَسَأَلَهُ عَنْ شَيْءٍ، لَمْ تُقْبَلْ لَهُ صَلَاةٌ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً»[410]. [410]صحيح مسلم (2230)، العراف: اسم للكاهن والمنجم والرمال ونحوهم ممن يتكلم في معرفة المستقبل. انظر: مجموع الفتاوى لابن تيمية (35/173)، والكاهن: هو الذي له صاحب من الجن يخبره عن المغيبات وعن بعض ما يقع في البلدان. انظر: مجموع فتاوى العلامة ابن باز (8/105).

وهذا الوعيد مرتب على مجيئه وسؤاله سواء صدّقه، أو شكّ في خبره، لأن إتيان الكهان منهي عنه، كما في حديث معاوية بن الحكم السلمي رضي الله عنه: إن منا رجالًا يأتون الكهان، قال: «فلا تأتهم»[411]. [411]صحيح مسلم (537).

5- ترهيب من شرب الخمر بأنه لا تقبل صلاته:

عن ابن عمر رضي الله عنهما، قال: مَنْ شَرِبَ الْخَمْرَ فَلَمْ يَنْتَشِ لَمْ تُقْبَلْ لَهُ صَلَاةٌ مَا دَامَ فِي جَوْفِهِ أَوْ عُرُوقِهِ مِنْهَا شَيْءٌ وَإِنْ مَاتَ مَاتَ كَافِرًا وَإِنْ انْتَشَى لَمْ تُقْبَلْ لَهُ صَلَاةٌ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً وَإِنْ مَاتَ فِيهَا مَاتَ كَافِرًا[412]. [412]سنن النسائي (5668)، وقوله: "فلم ينتش": من الانتشاء؛ قيل: هو أول السُّكْر ومقدماته، وقيل: هو السُّكْر نفسه، قلت: والظاهر أن الثاني هو المراد. حاشية السندي على سنن النسائي (8/316).

وقوله رضي الله عنه: «لم تقبل له صلاة»، أي لم يكن له ثواب، وإن برئت الذمة، وسقط القضاء بأداء أركانه مع شرائطه[413]. [413]شرح سنن ابن ماجة للسيوطي وغيره (ص242).

ط- التعليم بالتنفير من التشبه بأعداء الدين:

1- التنفير من التشبه بأفعال المنافقين:

عن أبي هريرة رضي الله عنه، قال: قال رسول الله ﷺ: «إِنَّ أَثْقَلَ صَلَاةٍ عَلَى الْمُنَافِقِينَ صَلَاةُ الْعِشَاءِ، وَصَلَاةُ الْفَجْرِ، وَلَوْ يَعْلَمُونَ مَا فِيهِمَا لَأَتَوْهُمَا وَلَوْ حَبْوًا»[414]. [414]صحيح مسلم (651).

والتخلف عن الجماعة من صفات المنافقين، ويدل عليه قول ابن مسعود رضي الله عنه: (لقد رأيتنا وما يتخلف عن الجماعة إلا منافق)[415]. [415]فتح الباري لابن حجر (2/127).

وعن أنس بن مالك رضي الله عنه، قال: سمعت رسول الله ﷺ، يقول: «تِلْكَ صَلَاةُ الْمُنَافِقِ، يَجْلِسُ يَرْقُبُ الشَّمْسَ حَتَّى إِذَا كَانَتْ بَيْنَ قَرْنَيِ الشَّيْطَانِ، قَامَ فَنَقَرَهَا أَرْبَعًا، لَا يَذْكُرُ اللهَ فِيهَا إِلَّا قَلِيلًا»[416]. [416]صحيح مسلم (622).

وفي الحديث ذمٌّ لمن أخر صلاته ذاكرًا إلى ذلك الوقت، وتحذيرًا من التشبه بأفعال المنافقين الذين كانوا لا يأتون الصلاة إلا كسالى[417]. [417]الاستذكار للقرطبي (1/111).

2- التنفير من التشبه بأفعال اليهود والنصارى:

عن شداد بن أوس، عن أبيه رضي الله عنه، قال: قال رسول الله ﷺ: «خَالِفُوا الْيَهُودَ فَإِنَّهُمْ لَا يُصَلُّونَ فِي خِفَافِهِمْ وَلَا نِعَالِهِمْ»[418]. [418]سنن أبي داود (652). حسنه الحافظ ابن حجر وصححه الألباني. المطالب العالية محققا (3/ 604)، صحيح وضعيف سنن أبي داود (ص: 2).

وفي الحديث: جواز الصلاة في النعل والخف إذا كانا طاهرَين، ويكون استحباب ذلك من جهة قصد المخالفة المذكورة[419]. [419]شرح أبي داود للعيني (3/197)، فتح الباري لابن حجر (1/494).

وعن أبي هريرة رضي الله عنه، قال: نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ يُصَلِّيَ الرَّجُلُ مُخْتَصِرًا[420]. [420]صحيح البخاري (1220).

وعن عائشة رضي الله عنها، أنها كَانَتْ تَكْرَهُ أَنْ يَجْعَلَ يَدَهُ فِي خَاصِرَتِهِ وَتَقُولُ: إِنَّ اليَهُودَ تَفْعَلُهُ[421]. [421]صحيح البخاري (3458).

فنهى النبي ﷺ عن الاختصار في الصلاة، لما فيه من التشبه باليهود[422]. [422]فتح ذي الجلال والإكرام بشرح بلوغ المرام لابن عثيمين (1/575).

وعن عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها، أَنَّ أُمَّ حَبِيبَةَ، وَأُمَّ سَلَمَةَ ذَكَرَتَا كَنِيسَةً رَأَيْنَهَا بِالْحَبَشَةِ فِيهَا تَصَاوِيرُ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «إِنَّ أُولَئِكَ، إِذَا كَانَ فِيهِمُ الرَّجُلُ الصَّالِحُ، فَمَاتَ، بَنَوْا عَلَى قَبْرِهِ مَسْجِدًا، وَصَوَّرُوا فِيهِ تِلْكِ الصُّوَرَ، أُولَئِكِ شِرَارُ الْخَلْقِ عِنْدَ اللهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ»[423]. [423]صحيح البخاري (427).

وعن عائشة رضي الله عنها وعبد الله بن عباس رضي الله عنهما، قالا: لَمَّا نُزِلَ بِرَسُولِ اللهِ ﷺ، طَفِقَ يَطْرَحُ خَمِيصَةً لَهُ عَلَى وَجْهِهِ، فَإِذَا اغْتَمَّ كَشَفَهَا عَنْ وَجْهِهِ، فَقَالَ: وَهُوَ كَذَلِكَ «لَعْنَةُ اللهِ عَلَى الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى، اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ» يُحَذِّرُ مِثْلَ مَا صَنَعُوا[424]. [424]صحيح البخاري (435).

فوصف النبي ﷺ الذين يبنون المساجد على القبور بأنهم شرار الخلق، والبناء على القبور فيه تشبه باليهود والنصارى، فيكون هذا الواقع في هذه الأمة مصداقًا لقول النبي ﷺ: «لتركبن سنن من كان قبلكم»، قالوا: اليهود والنصارى؟ قال: «فمن؟».

28- أسلوب التحديد في عرض المعلومات:

يعد أسلوب التحديد من الأساليب التي تضبط المعلومة، وتعين على فهمها ومعرفة حدودها، ولكن لا بد عند تحديد الحكم من دليل، والقاعدة (أن كل تحديد بمكان أو زمان أو عدد، فإنه لا بد له من دليل)؛ لأن التحديد يحتاج إلى توقيف، ومما ورد تحديده في الصلاة:

أ- بيان تحديد أوقات الصلوات الخمس:

عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه، عن رسول الله ﷺ، أَتَاهُ سَائِلٌ يَسْأَلُهُ عَنْ مَوَاقِيتِ الصَّلَاةِ، فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيْهِ شَيْئًا، قَالَ: فَأَقَامَ الْفَجْرَ حِينَ انْشَقَّ الْفَجْرُ، وَالنَّاسُ لَا يَكَادُ يَعْرِفُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا، ثُمَّ أَمَرَهُ فَأَقَامَ بِالظُّهْرِ، حِينَ زَالَتِ الشَّمْسُ، وَالْقَائِلُ يَقُولُ قَدِ انْتَصَفَ النَّهَارُ، وَهُوَ كَانَ أَعْلَمَ مِنْهُمْ، ثُمَّ أَمَرَهُ فَأَقَامَ بِالْعَصْرِ وَالشَّمْسُ مُرْتَفِعَةٌ، ثُمَّ أَمَرَهُ فَأَقَامَ بِالْمَغْرِبِ حِينَ وَقَعَتِ الشَّمْسُ، ثُمَّ أَمَرَهُ فَأَقَامَ الْعِشَاءَ حِينَ غَابَ الشَّفَقُ، ثُمَّ أَخَّرَ الْفَجْرَ مِنَ الْغَدِ حَتَّى انْصَرَفَ مِنْهَا، وَالْقَائِلُ يَقُولُ قَدْ طَلَعَتِ الشَّمْسُ، أَوْ كَادَتْ، ثُمَّ أَخَّرَ الظُّهْرَ حَتَّى كَانَ قَرِيبًا مِنْ وَقْتِ الْعَصْرِ بِالْأَمْسِ، ثُمَّ أَخَّرَ الْعَصْرَ حَتَّى انْصَرَفَ مِنْهَا، وَالْقَائِلُ يَقُولُ قَدِ احْمَرَّتِ الشَّمْسُ، ثُمَّ أَخَّرَ الْمَغْرِبَ حَتَّى كَانَ عِنْدَ سُقُوطِ الشَّفَقِ، ثُمَّ أَخَّرَ الْعِشَاءَ حَتَّى كَانَ ثُلُثُ اللَّيْلِ الْأَوَّلُ، ثُمَّ أَصْبَحَ فَدَعَا السَّائِلَ، فَقَالَ: «الْوَقْتُ بَيْنَ هَذَيْنِ»[425]. [425]صحيح مسلم (614).

وعن ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي ﷺ قال: «أَمَّنِي جِبْرِيلُ عِنْدَ البَيْتِ مَرَّتَيْنِ، فَصَلَّى الظُّهْرَ فِي الأُولَى مِنْهُمَا حِينَ كَانَ الفَيْءُ[426] مِثْلَ الشِّرَاكِ [427]، ثُمَّ صَلَّى العَصْرَ حِينَ كَانَ كُلُّ شَيْءٍ مِثْلَ ظِلِّهِ، ثُمَّ صَلَّى المَغْرِبَ حِينَ وَجَبَتِ الشَّمْسُ وَأَفْطَرَ الصَّائِمُ، ثُمَّ صَلَّى العِشَاءَ حِينَ غَابَ الشَّفَقُ، ثُمَّ صَلَّى الفَجْرَ حِينَ بَرَقَ الفَجْرُ، وَحَرُمَ الطَّعَامُ عَلَى الصَّائِمِ، وَصَلَّى المَرَّةَ الثَّانِيَةَ الظُّهْرَ حِينَ كَانَ ظِلُّ كُلِّ شَيْءٍ مِثْلَهُ لِوَقْتِ العَصْرِ بِالأَمْسِ، ثُمَّ صَلَّى العَصْرَ حِينَ كَانَ ظِلُّ كُلِّ شَيْءٍ مِثْلَيْهِ، ثُمَّ صَلَّى المَغْرِبَ لِوَقْتِهِ الأَوَّلِ، ثُمَّ صَلَّى العِشَاءَ الآخِرَةَ حِينَ ذَهَبَ ثُلُثُ اللَّيْلِ، ثُمَّ صَلَّى الصُّبْحَ حِينَ أَسْفَرَتِ الأَرْضُ، ثُمَّ التَفَتَ إِلَيَّ جِبْرِيلُ، فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ، هَذَا وَقْتُ الأَنْبِيَاءِ مِنْ قَبْلِكَ، وَالوَقْتُ فِيمَا بَيْنَ هَذَيْنِ الوَقْتَيْنِ»[428]. [426]الفيء: هو الظل الذي يكون بعد الزوال إلى غروب الشمس. [427]الشراك: هو الظل الذي يكون كمثل الشاخص، وهو وقت دخول العصر، وهو كون الظل كمثله بالإضافة الى فيء الزوال. [428]سنن الترمذي (149)، وصححه الألباني في صحيح وضعيف سنن الترمذي (1/ 149).

ومواقيت الصلاة عبارة عن أوقات الصلوات الخمس المحددة لها أولًا وآخرًا بداية ونهاية، وهي وقت الصبح والظهر والعصر والمغرب والعشاء، ودخول الوقت شرط لوجوب الصلاة وصحتها معًا، لقوله تعالى: ﴿...إِنَّ ٱلصَّلَوٰةَ كَانَتۡ عَلَى ٱلۡمُؤۡمِنِينَ كِتَٰبٗا مَّوۡقُوتٗا﴾، ولأن جبريل عليه السلام نزل صبيحة يوم الإِسراء، فبيّن لنبينا ﷺ أوقات هذه الصلوات الخمس بداية ونهاية، ثم قال له: «الصلاة ما بين هذين»، وهذا يدل على أنها لا تجب ولا تصح إلّا في أوقاته[429]. [429]منار القاري شرح مختصر صحيح البخاري لحمزة محمد قاسم (2/63).

ب- تحديد وقت الصلاة عند عدم معرفة وقتها:

عن النواس بن سمعان رضي الله عنه، قال: ذكر رسول الله ﷺ الدجال ذات غداة... الحديث، وفيه: قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللهِ وَمَا لَبْثُهُ فِي الْأَرْضِ؟ قال: «أَرْبَعُونَ يَوْمًا، يَوْمٌ كَسَنَةٍ، وَيَوْمٌ كَشَهْرٍ، وَيَوْمٌ كَجُمُعَةٍ، وَسَائِرُ أَيَّامِهِ كَأَيَّامِكُمْ» قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللهِ فَذَلِكَ الْيَوْمُ الَّذِي كَسَنَةٍ، أَتَكْفِينَا فِيهِ صَلَاةُ يَوْمٍ؟ قَالَ: «لَا، اقْدُرُوا لَهُ قَدْرَهُ»[430]. [430]صحيح مسلم (2937).

وقوله ﷺ: «اقدروا له قدره» هو حكم مخصوص بذلك اليوم شُرع لنا، ولولا ذلك ووكلنا فيه إلى اجتهادنا لكانت الصلاة فيه عند الأوقات المعروفة في غيره من الأيام.[431] ، فيكون اليوم الذي كسنة لا يكفي فيه خمس صلوات بل صلاة سنة كاملة، واليوم الذي كشهر لا يكفي فيه صلاة خمس صلوات بل لا بد من مائة وخمسين صلاة، وكذلك الأسبوع وهذا ما أفتى به اللجنة الدائمة برئاسة الإمام ابن باز رحمه الله في الأراضي التي لا تغيب عنها الشمس أشهر. [431]شرح صحيح مسلم للقاضي عياض (8/483).

ج- بيان حد أول الصلاة وآخرها:

عن علي رضي الله عنه، قال: قال رسول الله ﷺ: «مِفْتَاحُ الصَّلَاةِ الطُّهُور، وَتَحْرِيْمُهَا التَّكْبِيْر، وَتَحْلِيْلُهَا التَّسْلِيْم»[432]. [432]سنن أبي داود (61). حسنه النووي وصححه الألباني. خلاصة الأحكام (1/ 348)، صحيح وضعيف سنن الترمذي (1/ 238).

فالصلاة الواحدة تدخل فيها بالتكبير وهو افتتاحها، وتخرج منها بالتسليم وهو ختامها.

د- بيان حد ما تدرك به صلاة الجمعة:

عن أبي هريرة رضي الله عنه، أن النبي ﷺ قال: «مَنْ أَدْرَكَ مِنَ الجُمُعَةِ رَكْعَةً فَلْيُصَلِّ إِلَيْهَا أُخْرَى»[433]. [433]سنن ابن ماجة (1121). صححه الألباني. صحيح وضعيف سنن ابن ماجة (3/ 121 ).

وفي الحديث: أن من أدرك ركعة من صلاة الجمعة وأضاف إليها أخرى فقد تمت صلاته؛ لأنه صلى ركعتين، وأما من أدرك أقل من ركعة فلا يجوز أن يصلي ركعتين، بل يُصلي أربعًا[434]. [434]فتح ذي الجلال والإكرام بشرح بلوغ المرام لابن عثيمين (2/328).

هـ- بيان حد تكبيرات صلاة العيد:

عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما، قال: قال نبي الله ﷺ: «التَّكْبِيرُ فِي الْفِطْرِ سَبْعٌ فِي الْأُولَى، وَخَمْسٌ فِي الْآخِرَةِ، وَالْقِرَاءَةُ بَعْدَهُمَا كِلْتَيْهِمَا»[435]. [435]سنن أبي داود (1151). صححه النووي وحسنه الألباني.خلاصة الأحكام (2/ 831)، صحيح وضعيف سنن أبي داود (ص: 2).

والتكبير في صلاة العيد ست في الأولى بعد تكبيرة الإحرام، وفي الثانية خمس بعد تكبيرة النقل، يكبر في الأولى تكبيرة الإحرام، ثم يتبعها بست تكبيرات متوالية، وفي الثانية خمس بعد تكبيرة النقل، إذا رفع من السجود وانتصب يكبر خمسًا واحدة بعد واحدة[436]. [436]فتاوى نور على الدرب لابن باز (13/356).

و- بيان تحديد عدد من يشفع للميت في صلاة الجنازة:

عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما، أنه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «مَا مِنْ مُسْلِمٍ يَمُوتُ، فَيَقُومُ عَلَى جِنَازَتِهِ أَرْبَعُونَ رَجُلًا لَا يُشْرِكُونَ بِاللهِ شَيْئًا، إِلَّا شَفَّعَهُمُ اللهُ فِيهِ»[437]. [437]صحيح مسلم (948).

قوله ﷺ: «أربعون رجلًا» الأصل: أنها على سبيل التحديد، إلا إذا قامت قرائن تدل على أن المراد: المبالغة؛ فإنه يعمل بها، وبناء على ذلك فإنه يفهم من قوله ﷺ: «أربعون رجلًا» أنه لو صلى عليه تسعة وثلاثون فإن شفاعتهم غير مضمونة لكنها ليست ممنوعة.

29- التعليم بأسلوب الوصية:

أسلوب الوصية له وقع في النفس، وتأثير في القلب يفهم منه السامع حرص المعلم عليه، فيقع في قلب المتعلم والسامع موقعًا بما لا يظن أن يتركه أبدًا ما دام حيًا، وفي موضوع الصلاة نجد وصايا للنبي ﷺ، ومنها:

أ- وصية النبي سبحانه وتعالى لمعاذ:

عن معاذ بن جبل رضي الله عنه، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَخَذَ بِيَدِهِ يَوْمًا، ثُمَّ قَالَ: «يَا مُعَاذُ إِنِّي لَأُحِبُّكَ». فَقَالَ لَهُ مُعَاذٌ: بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي يَا رَسُولَ اللَّهِ وَأَنَا أُحِبُّكَ. قَالَ: «أُوصِيكَ يَا مُعَاذُ لَا تَدَعَنَّ فِي دُبُرِ كُلِّ صَلَاةٍ أَنْ تَقُولَ: اللَّهُمَّ أَعِنِّي عَلَى ذِكْرِكَ وَشُكْرِكَ وَحُسْنِ عِبَادَتِكَ»[438]. [438]سنن أبي داود (1522). تقدم الكلام عليه ص(38).

قوله ﷺ «أوصيك» أي آمرك، وفي هذا مزيد اهتمامه ﷺ بمعاذ رضي الله عنه، وترغيب له فيما يريد أن يلقيه عليه لأنه من جوامع الدعاء[439]. [439]المنهل العذب المورود شرح سنن أبي داود للسبكي (8/185).

ب- وصية النبي ﷺ لأبي هريرة:

عن أبي هريرة رضي الله عنه، قال: أوصاني خليلي ﷺ بثلاث: «بِصِيَامِ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ، وَرَكْعَتَيِ الضُّحَى، وَأَنْ أُوتِرَ قَبْلَ أَنْ أَرْقُدَ»[440]. [440]صحيح مسلم (721).

وفي الحديث: دليل على تأكيد تلك الأمور الموصى بها، ولما كان هذا الحديث في الوصية متناهيًا، وللزجر عن رذائل الأخلاق جامعًا، وَضَع خليلي مكان رسول الله ﷺ إظهارًا لغاية تعطفه، وشفقته عليه[441]. [441]انظر: إحكام الأحكام شرح عمدة الأحكام لابن دقيق العيد (2/32)، شرح المشكاة للطيبي الكاشف عن حقائق السنن (3/874).

ج- وصية النبي سبحانه وتعالى بالصلاة حين حضرته الوفاة:

عن أنس بن مالك قال: كانت عامة وصية رسول الله ﷺ حين حضرته الوفاة، وهو يغرغر بنفسه «الصَّلَاةَ، وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ»[442]. [442]سنن ابن ماجه (2697)، وصححه الألباني في صحيح وضعيف سنن ابن ماجة (6/ 197).

والمقصود بذلك الحث والاهتمام والعناية بالصلاة، وذلك بالمحافظة عليها وإقامتها وأدائها كما شرع الله عز وجل وكما أوجب، وكون النبي ﷺ يوصي بها، دل على عظم شأنها.

30- التيسير في التعليم:

التيسير في الشريعة من أصول هذه الملة المحمدية، ولذلك كان ﷺ يوصي أصحابه بذلك، ومن التيسير في الشريعة التيسيرُ في أمور الصلاة، ومن ذلك:

أ- التيسير على المصلي أن يصلي في الثوب الواحد:

عن سعيد بن الحارث، قال: سَأَلْنَا جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ عَنِ الصَّلاَةِ فِي الثَّوْبِ الوَاحِدِ، فَقَالَ: خَرَجْتُ مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي بَعْضِ أَسْفَارِهِ، فَجِئْتُ لَيْلَةً لِبَعْضِ أَمْرِي، فَوَجَدْتُهُ يُصَلِّي، وَعَلَيَّ ثَوْبٌ وَاحِدٌ، فَاشْتَمَلْتُ بِهِ وَصَلَّيْتُ إِلَى جَانِبِهِ، فَلَمَّا انْصَرَفَ قَالَ: «مَا السُّرَى يَا جَابِرُ» فَأَخْبَرْتُهُ بِحَاجَتِي، فَلَمَّا فَرَغْتُ قَالَ: «مَا هَذَا الِاشْتِمَالُ الَّذِي رَأَيْتُ»، قُلْتُ: كَانَ ثَوْبٌ - يَعْنِي ضَاقَ - قَالَ: «فَإِنْ كَانَ وَاسِعًا فَالْتَحِفْ بِهِ، وَإِنْ كَانَ ضَيِّقًا فَاتَّزِرْ بِهِ»[443]. [443]صحيح البخاري (361)، وقوله: "فاشتملت به"، أي جعلته على بدني وأنا أصلي، والسرى: سير الليل ومشيه، ولا يقال لسير النهار: سرى، ومنه المثل السائر: عند الصباح يحمد القوم السرى. الاستذكار للقرطبي (1/75).

وانظر كرم أخلاقه ﷺ، وحسن معاملته وملاطفته؛ حيث لم يبدأ جابرًا بالإنكار عليه في الاشتمال المذكور، وإنما سأله أولًا عن حاجته التي بعثه على المجيء في الليل، حتى إذا فرغ منها، التفت إلى إرشاده وتعليمه ﷺ [444]. [444]مصابيح الجامع للدماميني (2/82).

وعن محمد بن المنكدر، قال: صَلَّى جَابِرٌ فِي إِزَارٍ قَدْ عَقَدَهُ مِنْ قِبَلِ قَفَاهُ وَثِيَابُهُ مَوْضُوعَةٌ عَلَى المِشْجَبِ، قَالَ لَهُ قَائِلٌ: تُصَلِّي فِي إِزَارٍ وَاحِدٍ؟، فَقَالَ: إِنَّمَا صَنَعْتُ ذَلِكَ لِيَرَانِي أَحْمَقُ مِثْلُكَ وَأَيُّنَا كَانَ لَهُ ثَوْبَانِ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ ﷺ[445]. [445]صحيح البخاري (352).

وفيه: أن العالم يأخذ بأيسر الشيء مع قدرته على أكثر منه توسعة على العامة ليُقتدى به، وقوله رضي الله عنه: (وأينا) استفهام يفيد النفي، وقصده أن الفعل متقرر في زمنه ﷺ، فلا يُنكر.

ب- التيسير على من لم يتمكن من حفظ الفاتحة:

عن عبد الله بن أبي أوفى رضي الله عنه، قال: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: إِنِّي لَا أَسْتَطِيعُ أَنْ آخُذَ مِنَ الْقُرْآنِ شَيْئًا فَعَلِّمْنِي مَا يُجْزِئُنِي مِنْهُ، قَالَ: «قُلْ: سُبْحَانَ اللَّهِ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ، وَلَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَاللَّهُ أَكْبَرُ، وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ الْعَلِيِّ الْعَظِيمِ»، قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، هَذَا لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ فَمَا لِي، قَالَ: «قُلْ: اللَّهُمَّ ارْحَمْنِي وَارْزُقْنِي وَعَافِنِي وَاهْدِنِي»، فَلَمَّا قَامَ قَالَ: هَكَذَا بِيَدِهِ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «أَمَّا هَذَا فَقَدْ مَلَأَ يَدَهُ مِنَ الْخَيْرِ»[446]. [446]سنن أبي داود (832). قال المنذري: إسناده جيد. وقال ابن القيم: صحح الدارقطني هذا الحديث. الترغيب (2/ 247)، التهذيب (1/ 395 ).

وفي الحديث: أن غير المستطيع لا يكلف، لأن الاستطاعة شرط في التكليف، وأما من تعذَّر عليه تعلُّم الفاتحة؛ إما لضيق الوقت أو لبلادته، ولم يعلم شيئا من القرآن، وجب عليه أن يأتي بالتسبيح والتهليل بدل الفاتحة، فإذا فرغ من تلك الصلاة لزمه أن يتعلَّمها[447]. [447]شرح مصابيح السنة للكرماني (1/511).

ج- التيسير على من لم يجد سترة بأن يخط خطًا:

عن أبي هريرة رضي الله عنه، أن رسول الله ﷺ قال: «إِذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ فَلْيَجْعَلْ تِلْقَاءَ وَجْهِهِ شَيْئاً، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ، فَلْيَنْصِبْ عَصاً، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ عَصاً، فَلْيَخُطَّ خَطاً ثُمَّ لا يَضُرُّهُ مَنْ مَرَّ بَيْنَ يَدَيْهِ»[448]. [448]سنن أبي داود (689)، قال ابن حجر: وصححه ابن حبان، ولم يصب من زعم أنه مضطرب، بل هو حسن. بلوغ المرام من أدلة الأحكام لابن حجر (صـ 123).

قوله ﷺ: «فليجعل تلقاء وجهه شيئًا»؛ فيه أن السترة لا تختص بنوع، بل كل شيء ينصبه المصلي تلقاء وجهه يحصل به الامتثال[449]. [449]عون المعبود شرح سنن أبي داود للعظيم آبادي (2/270).

د- التيسير على من نسي صلاة:

عن أنس بن مالك رضي الله عنه، عن النبي ﷺ قال: «مَنْ نَسِيَ صَلاَةً فَلْيُصَلِّ إِذَا ذَكَرَهَا، لاَ كَفَّارَةَ لَهَا إِلَّا ذَلِكَ ﴿...وَأَقِمِ ٱلصَّلَوٰةَ لِذِكۡرِيٓ﴾[450]»[451]. [450][طه: 14]. [451]صحيح البخاري (597).

قال الخطابي: هذا يحتمل على وجهين: أحدهما أنه لا يكفرها غير قضائها، والآخر: أنه لا يلزمه في نسيانها غرامة، ولا صدقة ولا زيادة تضعيف لها، إنما يصلي ما ترك[452]. [452]عمدة القاري شرح صحيح البخاري للعيني (5/93).

31- ترتيب الأولوية في أمور الصلاة:

اهتم النبي ﷺ غاية الاهتمام بترتيب الأولويات في أمور الصلاة، فقد راعى الأولوية بالإمامة، وراعى الأولوية في الأجر يوم الجمعة لمن بكّر إليها، وراعى الأولوية فيما يستر به الإنسان نفسه في الصلاة وغيرها، وفيما يأتي بعض الشواهد على ذلك:

أ- ترتيب الأولوية في تقديم العشاء على الصلاة:

عن أنس بن مالك رضي الله عنه، أنَّ جدته مُلَيكةَ دَعَت رسولَ الله ﷺ لطعامٍ صَنَعَتْهُ، فأكلَ منه، ثمَّ قال: «قوموا فلأصَلِّيَ لكم» قال أنس: فقُمتُ إلى حَصيرٍ لنا قد اسوَدَّ من طُولِ ما لُبِسَ، فنَضَحتُه بماءٍ، فقامَ عليه رسولُ الله ﷺ، وصَفَفتُ أنا واليتيمُ وراءَه، والعَجوزُ من ورائنا، فصلّى لنا ركعتين، ثمَّ انصَرَفَ[453]. [453]صحيح البخاري (380)، صحيح مسلم (658).

وفي الحديث أنه ﷺ بدأ بالأكل، ثم صلى؛ لأنها دعته للطعام، فبدأ بالأهم[454]. [454]اللامع الصبيح بشرح الجامع الصحيح (3/178).

وفي حديث عتبان بن مالك رضي الله عنه وَهُوَ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِمَّنْ شَهِدَ بَدْرًا مِنَ الأَنْصَارِ:.....، فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَكَبَّرَ، فَقُمْنَا فَصَفَّنَا فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ سَلَّمَ، قَالَ وَحَبَسْنَاهُ عَلَى خَزِيرَةٍ صَنَعْنَاهَا لَهُ..."[455]. [455]صحيح البخاري (425)، والخزيرة: لحم يقطع صغيرًا يطبخ بماء، فإذا نضج ذُرَّ عليه دقيق. اللامع الصبيح بشرح الجامع الصحيح (3/178).

فدل الحديث على أن النبي ﷺ كان يبدأ بالأهم، فلما دعاه عتبان للصلاة بدأ بالصلاة، ولما دعته مليكة للطعام بدأ بالطعام[456]. [456]انظر: عمدة القاري شرح صحيح البخاري للعيني (4/168).

ب- ترتيب الأولوية في الإمامة:

عن أبي مسعود الأنصاري رضي الله عنه، قال: قال رسول الله ﷺ: «يَؤُمُّ الْقَوْمَ أَقْرَؤُهُمْ لِكِتَابِ اللهِ، فَإِنْ كَانُوا فِي الْقِرَاءَةِ سَوَاءً، فَأَعْلَمُهُمْ بِالسُّنَّةِ، فَإِنْ كَانُوا فِي السُّنَّةِ سَوَاءً، فَأَقْدَمُهُمْ هِجْرَةً، فَإِنْ كَانُوا فِي الْهِجْرَةِ سَوَاءً، فَأَقْدَمُهُمْ سِلْمًا، وَلَا يَؤُمَّنَّ الرَّجُلُ الرَّجُلَ فِي سُلْطَانِهِ، وَلَا يَقْعُدْ فِي بَيْتِهِ عَلَى تَكْرِمَتِهِ إِلَّا بِإِذْنِهِ»[457]. [457]صحيح مسلم (673).

المرجع في الأولوية في الإمامة أن السلطان مقدم على كل إمام؛ ثم المالك للموضع؛ فإن لم تكن ولاية ولا مالك فالذي يختص بالصلاة الأقرأ والأفقه.

ج- ترتيب الأولوية في أجر التبكير إلى الجمعة:

عن أبي هريرة رضي الله عنه، أن رسول الله ﷺ قال: «مَنِ اغْتَسَلَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ غُسْلَ الْجَنَابَةِ، ثُمَّ رَاحَ، فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ بَدَنَةً، وَمَنْ رَاحَ فِي السَّاعَةِ الثَّانِيَةِ، فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ بَقَرَةً، وَمَنْ رَاحَ فِي السَّاعَةِ الثَّالِثَةِ، فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ كَبْشًا أَقْرَنَ، وَمَنْ رَاحَ فِي السَّاعَةِ الرَّابِعَةِ، فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ دَجَاجَةً، وَمَنْ رَاحَ فِي السَّاعَةِ الْخَامِسَةِ، فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ بَيْضَةً، فَإِذَا خَرَجَ الْإِمَامُ حَضَرَتِ الْمَلَائِكَةُ يَسْتَمِعُونَ الذِّكْرَ»[458]. [458]صحيح البخاري (881).

وذِكْر الساعات إنما كان للحث في التبكير إليها، والترغيب في فضيلة السبق، وتحصيل الصف الأول وانتظارها والاشتغال بالتنفل والذكر ونحوه[459]. [459]المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج للنووي (6/136).

د- ترتيب الأولوية فيما يلبسه المصلي في الصلاة:

عن سعيد بن الحارث، قال: سألنا جابر بن عبد الله رضي الله عنهما عن الصلاة في الثوب الواحد، فقال: خَرَجْتُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فِي بَعْضِ أَسْفَارِهِ، فَجِئْتُ لَيْلَةً لِبَعْضِ أَمْرِي، فَوَجَدْتُهُ يُصَلِّي، وَعَلَيَّ ثَوْبٌ وَاحِدٌ، فَاشْتَمَلْتُ بِهِ وَصَلَّيْتُ إِلَى جَانِبِهِ، فَلَمَّا انْصَرَفَ قَالَ: «مَا السُّرَى يَا جَابِرُ» فَأَخْبَرْتُهُ بِحَاجَتِي، فَلَمَّا فَرَغْتُ قَالَ: «مَا هَذَا الِاشْتِمَالُ الَّذِي رَأَيْتُ»، قُلْتُ: كَانَ ثَوْبٌ - يَعْنِي ضَاقَ - قَالَ: «فَإِنْ كَانَ وَاسِعًا فَالْتَحِفْ بِهِ، وَإِنْ كَانَ ضَيِّقًا فَاتَّزِرْ بِهِ»[460]. [460]صحيح البخاري (361).

وفي الحديث أن الثوب إذا أمكن أن يشتمل به فالاشتمال به أولى من الاتزار، لأن الاشتمال أستر للعورة منه، ولذلك لم يؤمر الذين عقدوا بالاتزار[461]. [461]الكواكب الدراري في شرح صحيح البخاري للكرماني (4/20).

هـ- ترتيب الأولوية في سترة المصلي:

عن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي ﷺ قال: «إِذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ، فَلْيَجْعَلْ تِلْقَاءَ وَجْهِهِ شَيْئًا، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ، فَلْيَنْصِبْ عَصًا، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ، فَلْيَخُطَّ خَطًّا، ثُمَّ لَا يَضُرُّهُ مَا مَرَّ بَيْنَ يَدَيْهِ»[462]. [462]سنن ابن ماجة (943)، قال ابن حجر: ولم يصب من زعم أنه مضطرب، بل هو حسن. بلوغ المرام من أدلة الأحكام لابن حجر (ص70).

والحديث دليل على جواز الاقتصار على الخط، وإليه ذهب أحمد وغيره، فجعلوا الخط عند العجز عن السترة سترةً.[463] ، وقوله ﷺ: «...فإن لم يجد فلينصب عصًا،...» وهذا جرى على الغالب وإلا فهو وما قبله في رتبة واحدة. [463]مرعاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح للمباركفوري (2/501).

و- ترتيب الأولوية في قضاء الفوائت:

عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما؛ قال: جَاءَ عُمَرُ يَوْمَ الخَنْدَقِ، فَجَعَلَ يَسُبُّ كُفَّارَ قُرَيْشٍ، وَيَقُولُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا صَلَّيْتُ العَصْرَ حَتَّى كَادَتِ الشَّمْسُ أَنْ تَغِيبَ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «وَأَنَا وَاللَّهِ مَا صَلَّيْتُهَا بَعْدُ» قَالَ: فَنَزَلَ إِلَى بُطْحَانَ، فَتَوَضَّأَ وَصَلَّى العَصْرَ بَعْدَ مَا غَابَتِ الشَّمْسُ، ثُمَّ صَلَّى المَغْرِبَ بَعْدَهَا[464]. [464]صحيح البخاري (945).

والصلوات إذا فاتت على الإنسان بسبب النسيان؛ فيجب عليه أن يقضيها، بل أجمع العلماء على ذلك بهذا الحديث، فقالوا: من فاتته صلوات كثيرة، وأيقن أنه يقضيها، ويصلي التي حضر وقتها قبل فواتها، أنه يبدأ بالأُولى فالأُولى[465]. [465]شرح صحيح البخاري لابن بطال (2/219).

ز- ترتيب الأولوية في القيام في الصلاة حسب الاستطاعة:

عن عمران بن حصين رضي الله عنه، قال: كَانَتْ بِي بَوَاسِيرُ، فَسَأَلْتُ النَّبِيَّ ﷺ عَنِ الصَّلاَةِ، فَقَالَ: «صَلِّ قَائِمًا، فَإِنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَقَاعِدًا، فَإِنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَعَلَى جَنْبٍ»[466]. [466]صحيح البخاري (1117).

والشاهد من الحديث أن هذه الأحوال على الترتيب، فلا ينتقل من حالة إلى الحالة التي تليها إلا بالعجز عن الحالة التي قبلها، فلا يجوز الانتقال إلى القعود إلا بعد العجز عن القيام.

الفصل السابع

ويشتمل على:

تعليم المسلم الجديد.

تعليم الأهل.

تعليم الصبي.

تعليم الصاحب.

تعليم الشباب.

تعليم الرجل الراشد.

تعليم النساء.

تعليم ذوي الأعذار والرخص.

32- تعليم المسلم الجديد:

الواجب على المعلم استشعار الحاجة الملحة للمسلم الجديد لتعلم أمور دينه، والسعي بكل ما يستطيع لتثقيفه وتعليمه حتى يثبت على الحق، وأهم الأركان العملية في الإسلام الصلاة، ولهذا نجد النبي ﷺ قد اهتم بالمسلم الجديد وتعليمه شرائع الدين، ومما ورد في السنة ما يأتي:

أ- تعليم المسلم الجديد ما ينفعه:

عن أبي مالك الأشجعي، عن أبيه رضي الله عنه، قال: كَانَ الرَّجُلُ إِذَا أَسْلَمَ، عَلَّمَهُ النَّبِيُّ ﷺ الصَّلَاةَ، ثُمَّ أَمَرَهُ أَنْ يَدْعُوَ بِهَؤُلَاءِ الْكَلِمَاتِ: «اللهُمَّ اغْفِرْ لِي، وَارْحَمْنِي، وَاهْدِنِي، وَعَافِنِي وَارْزُقْنِي»[467]. [467]صحيح مسلم (2697).

وفي الحديث: أن النبي ﷺ لم يتوانَ في أن يعلم من أسلم الصلاة لأنها الركن العملي الأعظم بعد الشهادتين، فعلمه الصلاة أولًا، لأن الصلاة هي أهم أركان الإسلام بعد الشهادتين.

ب- تعليم المسلم الجديد البديل عن الفاتحة إذا لم يحفظها:

عن عبد الله بن أبي أوفى رضي الله عنه؛ قال: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: إِنِّي لَا أَسْتَطِيعُ أَنْ آخُذَ مِنَ الْقُرْآنِ شَيْئًا فَعَلِّمْنِي مَا يُجْزِئُنِي مِنْهُ، قَالَ: «قُلْ: سُبْحَانَ اللَّهِ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ، وَلَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَاللَّهُ أَكْبَرُ، وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ الْعَلِيِّ الْعَظِيمِ»، قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، هَذَا لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ فَمَا لِي، قَالَ: «قُلْ: اللَّهُمَّ ارْحَمْنِي وَارْزُقْنِي وَعَافِنِي وَاهْدِنِي»، فَلَمَّا قَامَ قَالَ: هَكَذَا بِيَدِهِ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «أَمَّا هَذَا فَقَدْ مَلَأَ يَدَهُ مِنَ الْخَيْرِ»[468]. [468]سنن أبي داود (832). تقدم الكلام عليه ص(156).

والمسلم الجديد إن لم يكن في وسعه أن يتعلم شيئًا من القرآن لعجز في طبعه، أو سوء حفظه، أو عجمة لسان، أو آفة تعرض له؛ كان أولى الذكر بعد القرآن ما علمه النبي ﷺ من التسبيح والتحميد والتهليل والتكبير[469]، فإن لم يحسن شيئًا وقف بقدر القراءة، والأصل في ذلك قول النبي ﷺ: «إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم»[470]. [469]معالم السنن للخطابي (1/207). [470]النفح الشذي شرح جامع الترمذي لابن سيد الناس (4/351).

33- تعليم الأهل:

أوجب الله على المسلم أن يرعى أهله حق الرعاية، فهو مسؤول عن ذلك، ومن أعظم ما يرعى به الإنسان أهلُه أن يعلمهم أمور دينهم، والتي من أظهرها أمر الصلاة، ولذلك نجد النبي ﷺ يُنبِّه على ذلك في عدة أمور:

أ- أمر الزوجة بالصلاة:

عن أم سلمة رضي الله عنها قالت: اسْتَيْقَظَ النَّبِيُّ ﷺ ذَاتَ لَيْلَةٍ فَقَالَ: «سُبْحَانَ اللَّهِ، مَاذَا أُنْزِلَ اللَّيْلَةَ مِنَ الفِتَنِ، وَمَاذَا فُتِحَ مِنَ الخَزَائِنِ، أَيْقِظُوا صَوَاحِبَاتِ الحُجَرِ، فَرُبَّ كَاسِيَةٍ فِي الدُّنْيَا عَارِيَةٍ فِي الآخِرَةِ»[471]. [471]صحيح البخاري (6218).

والواجب على الرجل أن يوقظ أهله ليلًا للصلاة، ولاسيما عند آية تحدث، أو إثر رؤيا مخوفة، وقد أمر ﷺ من رأى رؤيا مخوفة يكرهها أن ينفث عن يساره ويستعيذ من شرها[472]. [472]التوضيح لشرح الجامع الصحيح لابن الملقن (3/599).

وعن أبي سعيد الخدري، وأبي هريرة رضي الله عنهما قالا: قال رسول الله ﷺ: «مَنِ اسْتَيْقَظَ مِنَ اللَّيْلِ وَأَيْقَظَ امْرَأَتَهُ، فَصَلَّيَا رَكْعَتَيْنِ جَمِيعًا، كُتِبَا مِنَ الذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا، وَالذَّاكِرَاتِ»[473]. [473]سنن أبي داود (1451). صححه السيوطي والعراقي. السراج المنير (2/1107)، ( تخريج الإحياء ص422).

وتخصيص الرجل بالإيقاظ؛ لأن الأغلب أن الرجال أحرص على الطاعات من النساء.

ب- صلاة الرجل النافلة في البيت ليقتدي به أهله:

عن ابن عمر رضي الله عنهما عن النبي ﷺ، قال: «اجْعَلُوا مِنْ صَلَاتِكُمْ فِي بُيُوتِكُمْ، وَلَا تَتَّخِذُوهَا قُبُورًا»[474]. [474]صحيح مسلم (777).

وعن زيد بن ثابت رضي الله عنه أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ اتَّخَذَ حُجْرَةً - قَالَ: حَسِبْتُ أَنَّهُ قَالَ مِنْ حَصِيرٍ - فِي رَمَضَانَ، فَصَلَّى فِيهَا لَيَالِيَ، فَصَلَّى بِصَلاَتِهِ نَاسٌ مِنْ أَصْحَابِهِ، فَلَمَّا عَلِمَ بِهِمْ جَعَلَ يَقْعُدُ، فَخَرَجَ إِلَيْهِمْ فَقَالَ: «قَدْ عَرَفْتُ الَّذِي رَأَيْتُ مِنْ صَنِيعِكُمْ، فَصَلُّوا أَيُّهَا النَّاسُ فِي بُيُوتِكُمْ، فَإِنَّ أَفْضَلَ الصَّلاَةِ صَلاَةُ المَرْءِ فِي بَيْتِهِ إِلَّا المَكْتُوبَةَ»[475]. [475]صحيح البخاري (731).

وتعليم الأهل حدود الصلاة معاينة هو أثبت أحيانًا من التعليم بالقول[476]، فينبغي على المسلم أن يجعل من صلاته في بيته ليقتدي به أهله، فيألفوا الصلاة ويتعلموها، وهذا متعلق بالنافلة لا الفرض، لأن الفرض يُصلى في المسجد لا البيت. [476]التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد لابن عبد البر (22/332).

ج- صلاة النافلة جماعة في البيت من غير ترتيب:

عن أنس بن مالك رضي الله عنه أن جدته مُلَيْكَةَ دَعَتْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لِطَعَامٍ صَنَعَتْهُ فَأَكَلَ مِنْهُ، ثُمَّ قَالَ: «قُومُوا فَلَأُصَلِّيَ لَكُمْ»، قَالَ أَنَسٌ: فَقُمْتُ إِلَى حَصِيرٍ لَنَا قَدِ اسْوَدَّ مِنْ طُولِ مَا لُبِسَ فَنَضَحْتُهُ بِمَاءٍ فَقَامَ عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَصَفَفْتُ أَنَا وَالْيَتِيمُ وَرَاءَهُ، وَالْعَجُوزُ مِنْ وَرَائِنَا فَصَلَّى لَنَا رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ انْصَرَفَ ﷺ[477]. [477]صحيح البخاري (380)، صحيح مسلم (658).

ويظهر لنا في الحديث السابق أن النبي ﷺ أراد تعليمهم أفعال الصلاة بالمشاهدة لأجل المرأة، فإنها قد يخفى عليها بعض التفاصيل لبعد موقفها[478]، وقد صلى ابن عباس رضي الله عنهما مع النبي ﷺ وصلى معه ابن مسعود من غير اعتياد لهذه الجماعة، ولا مناداة الناس لها. [478]فتح الباري لابن حجر (1/490).

34- تعليم الصبي:

يحتاج الصبي في بداية مراحل عمره إلى أن تنمَّى فيه الوظائف والقدرات التي تؤهله ليصبح إنسانًا كاملًا، والسنة تحفل بالكثير من المواقف والأمثلة التي تؤيد ذلك وتدعمه، ومن ذلك:

أ- أمر الأولاد بالصلاة وهم أبناء سبع:

عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «مُرُوا أَوْلَادَكُمْ بِالصَّلَاةِ وَهُمْ أَبْنَاءُ سَبْعِ سِنِينَ، وَاضْرِبُوهُمْ عَلَيْهَا، وَهُمْ أَبْنَاءُ عَشْرٍ وَفَرِّقُوا بَيْنَهُمْ فِي الْمَضَاجِعِ»[479]. [479]سنن أبي داود (495). حسنه النووي والألباني.خلاصة الأحكام (1/ 252)، صحيح وضعيف سنن أبي داود (ص: 2).

والأمر بالصلاة يكون بتعليمه إياها وكيفيتها، وكذا ما يسبقها من وضوء، وما إلى ذلك[480]. [480]شرح سنن أبي داود للعباد (69/6).

ب- تعليم الأطفال بالإشارة:

عن جابر بن عبد الله رضي الله عنه قال: قَامَ رَسُولُ اللهِ ﷺ لِيُصَلِّيَ، وَكَانَتْ عَلَيَّ بُرْدَةٌ ذَهَبْتُ أَنْ أُخَالِفَ بَيْنَ طَرَفَيْهَا فَلَمْ تَبْلُغْ لِي، وَكَانَتْ لَهَا ذَبَاذِبُ فَنَكَّسْتُهَا، ثُمَّ خَالَفْتُ بَيْنَ طَرَفَيْهَا، ثُمَّ تَوَاقَصْتُ عَلَيْهَا، ثُمَّ جِئْتُ حَتَّى قُمْتُ عَنْ يَسَارِ رَسُولِ اللهِ ﷺ، فَأَخَذَ بِيَدِي فَأَدَارَنِي حَتَّى أَقَامَنِي عَنْ يَمِينِهِ، ثُمَّ جَاءَ جَبَّارُ بْنُ صَخْرٍ فَتَوَضَّأَ، ثُمَّ جَاءَ فَقَامَ عَنْ يَسَارِ رَسُولِ اللهِ ﷺ، فَأَخَذَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِيَدَيْنَا جَمِيعًا، فَدَفَعَنَا حَتَّى أَقَامَنَا خَلْفَهُ، فَجَعَلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَرْمُقُنِي وَأَنَا لَا أَشْعُرُ، ثُمَّ فَطِنْتُ بِهِ، فَقَالَ: هَكَذَا، بِيَدِهِ - يَعْنِي شُدَّ وَسَطَكَ - فَلَمَّا فَرَغَ رَسُولُ اللهِ ﷺ، قَالَ: «يَا جَابِرُ» قُلْتُ: لَبَّيْكَ، يَا رَسُولَ اللهِ قَالَ: «إِذَا كَانَ وَاسِعًا فَخَالِفْ بَيْنَ طَرَفَيْهِ، وَإِذَا كَانَ ضَيِّقًا فَاشْدُدْهُ عَلَى حَقْوِكَ»[481]. [481]صحيح مسلم (3010)، والذباذب: أسافل الثَّوب، قال ابن عرفة: الـمُذَبذَب المضطرب الذي لا يبقى على حالة مستقيمة، يقال: تذبذب الشيء إذا اضطرب، ومنه قيل لأسَافِل الثوب: ذباذب. المعلم بفوائد مسلم للمازري (3/392).

وقوله: «فقال: هكذا بيده»: يعني شد وسطك، وفيه جواز الإشارة في الصلاة، لا سيما بما يعود بالنفع على من معه فيها، وكذلك العمل الخفيف فيها، كرده لجابر وجبار خلفه.

ج- تعليم الحفيد ما يقول في الوتر:

عن أبي الحوراء، قال: قال الحسن رضي الله عنه: عَلَّمَنِي جَدِّي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ كَلِمَاتٍ أَقُولُهُنَّ فِي قُنُوتِ الْوِتْرِ: «اللَّهُمَّ عَافِنِي فِيمَنْ عَافَيْتَ، وَتَوَلَّنِي فِيمَنْ تَوَلَّيْتَ، وَاهْدِنِي فِيمَنْ هَدَيْتَ، وَقِنِي شَرَّ مَا قَضَيْتَ، وَبَارِكْ لِي فِيمَا أَعْطَيْتَ، إِنَّكَ تَقْضِي وَلَا يُقْضَى عَلَيْكَ، إِنَّهُ لَا يَذِلُّ مَنْ وَالَيْتَ، سُبْحَانَكَ رَبَّنَا تَبَارَكْتَ وَتَعَالَيْت»[482]. [482]سنن النسائي (3/248). صححه العراقي في تخريج الإحياء (ص183).

والحديث يدل على مشروعية الدعاء في الوتر، وأن هذا الذي علمه النبي ﷺ هو أولى ما يقال، وخير ما يقال؛ لأنه تعليم الذي لا ينطق عن الهوى ﷺ، وهو دعاء عظيم مشتمل على دعاء لله عز وجل، وسؤال منه أمورًا عظيمة، ومشتمل على ثناء على الله في آخره.

د- تعليم الطفل بإحضاره لصلاة العيد:

عن ابن عباس رضي الله عنهما، أنه قيل له: أَشَهِدْتَ العِيدَ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ؟ قَالَ: نَعَمْ، وَلَوْلاَ مَكَانِي مِنَ الصِّغَرِ مَا شَهِدْتُهُ حَتَّى أَتَى العَلَمَ الَّذِي عِنْدَ دَارِ كَثِيرِ بْنِ الصَّلْتِ، فَصَلَّى، ثُمَّ خَطَبَ، ثُمَّ أَتَى النِّسَاءَ وَمَعَهُ بِلاَلٌ، فَوَعَظَهُنَّ، وَذَكَّرَهُنَّ، وَأَمَرَهُنَّ بِالصَّدَقَةِ، فَرَأَيْتُهُنَّ يَهْوِينَ بِأَيْدِيهِنَّ يَقْذِفْنَهُ فِي ثَوْبِ بِلاَلٍ، ثُمَّ انْطَلَقَ هُوَ وَبِلاَلٌ إِلَى بَيْتِهِ[483]. [483]صحيح البخاري (977).

قول ابن عباس رضي الله عنهما: «ولولا مكاني من الصغر ما شهدته» يريد بذلك حين أتى النساء ووعظهن وابن عباس معه[484]، ولذا يُشرع إخراج الصبيان إلى المصلى للتعلم، وإظهار شعار الإسلام بكثرة من يحضر منهم. [484]شرح صحيح البخاري لابن بطال (2/469).

هـ- الحرص على تعليم الأبناء ما يقولون في الصلاة:

عن عمرو بن ميمون الأودي، قال: كَانَ سَعْدٌ يُعَلِّمُ بَنِيهِ هَؤُلاَءِ الكَلِمَاتِ كَمَا يُعَلِّمُ المُعَلِّمُ الغِلْمَانَ الكِتَابَةَ وَيَقُولُ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يَتَعَوَّذُ مِنْهُنَّ دُبُرَ الصَّلاَةِ: «اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الجُبْنِ، وَأَعُوذُ بِكَ أَنْ أُرَدَّ إِلَى أَرْذَلِ العُمُرِ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ فِتْنَةِ الدُّنْيَا، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ عَذَابِ القَبْرِ»[485]. [485]صحيح البخاري (2822).

وفي هذا الحديث من الفقه: شرف هذه الكلمات، والحض على تعلمهن، فإنهن يفحصن عن معانٍ إذا فكر فيها المؤمن تعوذ من كل شيء من ذلك[486]. [486]الإفصاح عن معاني الصحاح لابن هبيرة (1/341).

35- تعليم الصاحب:

اهتم النبي ﷺ بأصحابه، فقد كان يجيب عن أسئلتهم الخاصة التي يلقونها عليه ﷺ، وكان يرشدهم ويدلهم إلى ما ينفعهم، وخاصة ما يتعلق بصلاتهم، ومن ذلك:

أ- تعليم النبي ﷺ أبا بكر رضي الله عنه الدعاء في آخر الصلاة:

عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه أَنَّهُ قَالَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ: عَلِّمْنِي دُعَاءً أَدْعُو بِهِ فِي صَلاتِي، قَالَ: «قُلِ اللَّهُمَّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي ظُلْمًا كَثِيرًا، وَلا يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا أَنْتَ، فَاغْفِرْ لِي مَغْفِرَةً مِنْ عِنْدِكَ، وَارْحَمْنِي إِنَّكَ أَنْتَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ»[487]. [487]صحيح البخاري (834)، صحيح مسلم (2705).

قوله رضي الله عنه: «علمني دعاءً أدعو به في صلاتي» في هذا دليل على طلب العلم حتى من الكبراء، فلا ينبغي للإنسان أن يأنف من طلب العلم، فهذا أبو بكر رضي الله عنه أعلم الصحابة، ومع ذلك سأل النبي ﷺ أن يعلمه دعاء[488]. [488]فتح ذي الجلال والإكرام بشرح بلوغ المرام لابن عثيمين (2/170).

ب- تعليم النبي ﷺ أبا هريرة رضي الله عنه الاستفتاح في الصلاة:

عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ، إِذَا كَبَّرَ فِي الصَّلَاةِ، سَكَتَ هُنَيَّةً قَبْلَ أَنْ يَقْرَأَ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي أَرَأَيْتَ سُكُوتَكَ بَيْنَ التَّكْبِيرِ وَالْقِرَاءَةِ، مَا تَقُولُ؟ قَالَ «أَقُولُ: اللهُمَّ بَاعِدْ بَيْنِي وَبَيْنَ خَطَايَايَ كَمَا بَاعَدْتَ بَيْنَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ، اللهُمَّ نَقِّنِي مِنْ خَطَايَايَ كَمَا يُنَقَّى الثَّوْبُ الْأَبْيَضُ مِنَ الدَّنَسِ، اللهُمَّ اغْسِلْنِي مِنْ خَطَايَايَ بِالثَّلْجِ وَالْمَاءِ وَالْبَرَدِ»[489]. [489]صحيح مسلم (598).

وهذا الدعاء صدر منه عليه الصلاة والسلام على سبيل التعليم لأمته.

36- تعليم الشباب:

الشباب هم عماد الأمة وعزها ومستقبلها الزاهر، والاهتمام بهم وتعليمهم واجب شرعي، وقد كان ذلك واضحًا جليًّا في سيرة النبي ﷺ، ومن ذلك اهتمامه بالوفود الشبابية القادمة عليه لأخذ العلم منه ﷺ.

عن مالك بن الحويرث رضي الله عنه قال: أَتَيْنَا إِلَى النَّبِيِّ ﷺ وَنَحْنُ شَبَبَةٌ مُتَقَارِبُونَ، فَأَقَمْنَا عِنْدَهُ عِشْرِينَ يَوْمًا وَلَيْلَةً، وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ رَحِيمًا رَفِيقًا، فَلَمَّا ظَنَّ أَنَّا قَدِ اشْتَهَيْنَا أَهْلَنَا - أَوْ قَدِ اشْتَقْنَا - سَأَلَنَا عَمَّنْ تَرَكْنَا بَعْدَنَا، فَأَخْبَرْنَاهُ، قَالَ: «ارْجِعُوا إِلَى أَهْلِيكُمْ، فَأَقِيمُوا فِيهِمْ وَعَلِّمُوهُمْ وَمُرُوهُمْ - وَذَكَرَ أَشْيَاءَ أَحْفَظُهَا أَوْ لاَ أَحْفَظُهَا - وَصَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي، فَإِذَا حَضَرَتِ الصَّلاَةُ فَلْيُؤَذِّنْ لَكُمْ أَحَدُكُمْ، وَلْيَؤُمَّكُمْ أَكْبَرُكُمْ»[490]. [490]صحيح البخاري (631)، صحيح مسلم (674).

ومما يستفاد من الحديث: أنه ينبغي لولي الأمر ‌تعليم الرعية والوفود ثم يوصيهم بتعليم من وراءهم، وهكذا شيخ القبيلة، ومن عنده علم[491]. [491]«الحلل الإبريزية من التعليقات البازية على صحيح البخاري» (1/ 221).

37 - تعليم الرجل الراشد:

مما نجده في السيرة النبوية أن النبي ﷺ كان يحسن عرض المعلومة على الرجل الكبير، فتجد الرفق معه، والعرض الحسن للمسألة التي يريد أن يقنعه بها، والنداء بالاسم الحسن للمتعلم، ومما ثبت عنه ﷺ في ذلك:

أ- الرفق في تعليمهم:

عن معاوية بن الحكم السلمي رضي الله عنه قال: بَيْنَا أَنَا أُصَلِّي مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ، إِذْ عَطَسَ رَجُلٌ مِنَ الْقَوْمِ، فَقُلْتُ: يَرْحَمُكَ اللهُ فَرَمَانِي الْقَوْمُ بِأَبْصَارِهِمْ، فَقُلْتُ: وَاثُكْلَ أُمِّيَاهْ، مَا شَأْنُكُمْ؟ تَنْظُرُونَ إِلَيَّ، فَجَعَلُوا يَضْرِبُونَ بِأَيْدِيهِمْ عَلَى أَفْخَاذِهِمْ، فَلَمَّا رَأَيْتُهُمْ يُصَمِّتُونَنِي لَكِنِّي سَكَتُّ، فَلَمَّا صَلَّى رَسُولُ اللهِ ﷺ، فَبِأَبِي هُوَ وَأُمِّي، مَا رَأَيْتُ مُعَلِّمًا قَبْلَهُ وَلَا بَعْدَهُ أَحْسَنَ تَعْلِيمًا مِنْهُ، فَوَاللهِ، مَا كَهَرَنِي وَلَا ضَرَبَنِي وَلَا شَتَمَنِي، قَالَ: «إِنَّ هَذِهِ الصَّلَاةَ لَا يَصْلُحُ فِيهَا شَيْءٌ مِنْ كَلَامِ النَّاسِ، إِنَّمَا هُوَ التَّسْبِيحُ وَالتَّكْبِيرُ وَقِرَاءَةُ الْقُرْآنِ»[492]. [492]صحيح مسلم (537).

ومتى كان المسيء في صلاته جاهلا بما أساء فيه تعين الرفق في تعليمه، كما رفق النبي ﷺ بالذي قال له: والذي بعثك بالحق، لا أحسن غير هذه الصلاة، فعلمني، فعلمه.

ب- أن لا يكون التعليم مباشرًا حتى لا يأنفه المتعلم:

عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ لِرَجُلٍ: «مَا تَقُولُ فِي الصَّلَاةِ؟» قَالَ: أَتَشَهَّدُ، ثُمَّ أَسْأَلُ اللَّهَ الْجَنَّةَ، وَأَعُوذُ بِهِ مِنَ النَّارِ، أَمَا وَاللَّهِ مَا أُحْسِنُ دَنْدَنَتَكَ، وَلَا دَنْدَنَةَ مُعَاذٍ، فَقَالَ: «حَوْلَهَا نُدَنْدِنُ»[493]. [493]سنن ابن ماجة (3847).تقدم الكلام عليه ص(101).

فالنبي سبحانه وتعالى لم يباشره بعرض المعلومة، وإنما كان متلطفًا في السؤال، وهكذا ينبغي أن يكون المعلم والناصح والمربي، ومما يشبه ذلك أن تقول له: كأني لاحظت أمرًا ما في صلاتك؛ فهل لك أن تُسمعني قراءتك للفاتحة، أو التشهد، ونحو ذلك من الأساليب الحسنة.

ج- أن لا يشعر المتعلم بأنك تتهمه بالتقصير:

عن معاوية رضي الله عنه أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ خَرَجَ عَلَى حَلْقَةٍ مِنْ أَصْحَابِهِ، فَقَالَ: «مَا أَجْلَسَكُمْ؟» قَالُوا: جَلَسْنَا نَذْكُرُ اللهَ وَنَحْمَدُهُ عَلَى مَا هَدَانَا لِلْإِسْلَامِ، وَمَنَّ بِهِ عَلَيْنَا، قَالَ: «آللَّهِ مَا أَجْلَسَكُمْ إِلَّا ذَاكَ؟» قَالُوا: وَاللهِ مَا أَجْلَسَنَا إِلَّا ذَاكَ، قَالَ: «أَمَا إِنِّي لَمْ أَسْتَحْلِفْكُمْ تُهْمَةً لَكُمْ، وَلَكِنَّهُ أَتَانِي جِبْرِيلُ فَأَخْبَرَنِي، أَنَّ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ يُبَاهِي بِكُمُ الْمَلَائِكَةَ»[494]. [494]صحيح مسلم (2701).

ومما يستفاد من الحديث في قوله: «أما إني لم أستحلفكم تهمة لكم»: أن الأصل حسن الظن بالمؤمنين[495]، فالإنسان الذي لا يحسن صلاته تقول له مثلًا: لا أقصد أن صلاتك باطلة، أو أنك مقصر، ولكن أحب لك ما أحبه لنفسي، وهو أن تكون صلاتك مثل صلاة الرسول ﷺ. [495]انظر: مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح للقاري (4/1558).

د- الدعاء له أثناء التعليم:

عن أبي بكرة رضي الله عنه أَنَّهُ انْتَهَى إِلَى النَّبِيِّ ﷺ وَهُوَ رَاكِعٌ، فَرَكَعَ قَبْلَ أَنْ يَصِلَ إِلَى الصَّفِّ، فَذَكَرَ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: «زَادَكَ اللَّهُ حِرْصًا وَلاَ تَعُدْ»[496]. [496]صحيح البخاري (783).

ومما نجده في قوله: «زادك الله حرصًا»: الدعاء لمن فعل فعلًا أراد به فعل الخير ولم يصب في فعله؛ تحريضًا وحثًّا على أفعال الخير[497]، كأن تقول له في أثناء التعليم: الله يرضى عليك، ويبارك فيك، وغيرها من الدعوات، ثم تبدأ بذكر الأمر الذي تريد أن تبلغه اياه. [497]شرح سنن أبي داود لابن رسلان (4/192).

38- تعليم النساء:

اهتم النبي ﷺ بتعليم النساء ما ينفعهن من أمور دينهن، فأرشدهن، وحذرهن، وخصص لهن موعظة خاصة، وغير ذلك من صور الاهتمام، ومنها:

أ- تحذير النساء مما قد يؤدي إلى النظر إلى عورات الرجال:

عن سهل بن سعد رضي الله عنه قال: رَأَيْتُ الرِّجَالَ عَاقِدِي أُزُرِهِمْ فِي أَعْنَاقِهِمْ أَمْثَالَ الصِّبْيَانِ، مِنْ ضِيقِ الأُزُرِ خَلْفَ رَسُولِ اللهِ ﷺ فِي الصَّلاَةِ، فَقَالَ قَائِلٌ: يَا مَعْشَرَ النِّسَاءِ، لاَ تَرْفَعْنَ رُؤُوسَكُنَّ حَتَّى يَرْفَعَ الرِّجَالُ[498]. [498]صحيح مسلم (441).

ومما نجده في الحديث: أنه ﷺ أمر النساء بألا يرفعن رؤوسهن حتى يرفع الرجال لئلا يكون عند حركة الرجل انفلات من ثوبه أو انكشاف من بعضه عنه لضيقه، فيطلع النساء على عورته من ورائه[499]. [499]شرح صحيح مسلم للقاضي عياض (2/352).

ب- أمر النساء بالخروج لصلاة العيد:

عن أم عطية رضي الله عنها قالت: أُمِرْنَا أَنْ نُخْرِجَ الحُيَّضَ يَوْمَ العِيدَيْنِ، وَذَوَاتِ الخُدُورِ فَيَشْهَدْنَ جَمَاعَةَ المُسْلِمِينَ، وَدَعْوَتَهُمْ وَيَعْتَزِلُ الحُيَّضُ عَنْ مُصَلَّاهُنَّ، قَالَتِ امْرَأَةٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِحْدَانَا لَيْسَ لَهَا جِلْبَابٌ؟ قَالَ: «لِتُلْبِسْهَا صَاحِبَتُهَا مِنْ جِلْبَابِهَا»[500]. [500]صحيح البخاري (351).

وفي الحديث: التأكيد على خروج النساء إلى العيدين؛ لأنه إذا أمرت المرأة أن تُلبِس من لا جلباب لها، فمن لها جلباب أولى أن تخرج وتشهد دعوة المؤمنين رجاء بركة ذلك اليوم.[501] [501]شرح صحيح البخاري لابن بطال (2/569).

ج- النهي عن منع النساء من الصلاة في المساجد:

عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله ﷺ قال: «لاَ تَمْنَعُوا إِمَاءَ اللَّهِ مَسَاجِدَ اللَّهِ وَلَكِنْ لِيَخْرُجْنَ وَهُنَّ تَفِلاَتٌ»[502]. [502]سنن أبي داود (565). صححه النووي في المجموع (4/ 199)، وقوله: «وليخرجن وهن تفلات»؛ التفل: ترك الطيب. لسان العرب لابن منظور(11/77).

وعن ابن عمر رضي الله عنما قال: كَانَتِ امْرَأَةٌ لِعُمَرَ تَشْهَدُ صَلاَةَ الصُّبْحِ وَالعِشَاءِ فِي الجَمَاعَةِ فِي المَسْجِدِ، فَقِيلَ لَهَا: لِمَ تَخْرُجِينَ وَقَدْ تَعْلَمِينَ أَنَّ عُمَرَ يَكْرَهُ ذَلِكَ وَيَغَارُ؟ قَالَتْ: وَمَا يَمْنَعُهُ أَنْ يَنْهَانِي؟ قَالَ: يَمْنَعُهُ قَوْلُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ: «لاَ تَمْنَعُوا إِمَاءَ اللَّهِ مَسَاجِدَ اللَّهِ»[503]. [503]صحيح البخاري (900).

وفي ما سبق بيان شهود النساء المساجد على عهد رسول الله ﷺ، فلا يجوز أن تمنع النساء من الحضور إلى المساجد، فربما كان ذلك منهن أدعى إلى حفظهن لأمر الصلاة[504]. [504]انظر: الإفصاح عن معاني الصحاح لابن هبيرة (4/33).

د- نهي النساء عن التطيب عند الخروج إلى المسجد:

عن زينب -امرأة عبد الله رضي الله عنه- قالت: قال لنا رسول الله ﷺ: «إِذَا شَهِدَتْ إِحْدَاكُنَّ الْمَسْجِدَ، فَلَا تَمَسَّ طِيبًا»[505]. [505]صحيح مسلم (443).

وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «أَيُّمَا امْرَأَةٍ أَصَابَتْ بَخُورًا، فَلَا تَشْهَدَنَّ عِشَاءَ الْآخِرَةِ»[506]. [506]صحيح مسلم (444).

يحرم على المرأة الطيب للخروج إلى المسجد، ويلتحق بالطيب ما في معناه، فإن الطيب إنما مُنع منه لما فيه من تحريك داعية الرجال وشهوتهم، فيلحق به حسن الملابس، ولبس الحلي، وإظهار الوجه واليدين مما يسبب افتتان الناس بهذه المرأة وهي لا تشعر.

هـ- التنبيه على أن صلاة المرأة في بيتها -وإن كانت لوحدها- أفضل من صلاتها في المسجد:

عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه عن النبي ﷺ، قال: «صَلَاةُ الْمَرْأَةِ فِي بَيْتِهَا أَفْضَلُ مِنْ صَلَاتِهَا فِي حُجْرَتِهَا، وَصَلَاتُهَا فِي مَخْدَعِهَا أَفْضَلُ مِنْ صَلَاتِهَا فِي بَيْتِهَا»[507]. [507]سنن أبي داود (570)، والمخدع: بضم الميم وفتحها، هو البيت الصغير الذي يكون داخل البيت الكبير. النهاية في غريب الحديث والأثر لابن الأثير (2/14)، والحديث صححه ابن خزيمة والحاكم، وقال الهيثمي: رجاله ثقات. مجمع الزوائد: (2/35).

عن عبد الله بن سويد الأنصاري، عَنْ عَمَّتِهِ أُمِّ حُمَيْدٍ امْرَأَةِ أَبِي حُمَيْدٍ السَّاعِدِيِّ، أَنَّهَا جَاءَتِ النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنِّي أُحِبُّ الصَّلاَةَ مَعَكَ، قَالَ: «قَدْ عَلِمْتُ أَنَّكِ تُحِبِّينَ الصَّلاَةَ مَعِي، وَصَلاَتُكِ فِي بَيْتِكِ خَيْرٌ لَكِ مِنْ صَلاَتِكِ فِي حُجْرَتِكِ، وَصَلاَتُكِ فِي حُجْرَتِكِ خَيْرٌ مِنْ صَلاَتِكِ فِي دَارِكِ، وَصَلاَتُكِ فِي دَارِكِ خَيْرٌ لَكِ مِنْ صَلاَتِكِ فِي مَسْجِدِ قَوْمِكِ، وَصَلاَتُكِ فِي مَسْجِدِ قَوْمِكِ خَيْرٌ لَكِ مِنْ صَلاَتِكِ فِي مَسْجِدِي»، قَالَ: فَأَمَرَتْ فَبُنِيَ لَهَا مَسْجِدٌ فِي أَقْصَى شَيْءٍ مِنْ بَيْتِهَا وَأَظْلَمِهِ، فَكَانَتْ تُصَلِّي فِيهِ حَتَّى لَقِيَتِ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ[508]. [508]مسند أحمد (٢٧٠٩٠). قال الحافظ ابن حجر: إسناده حسن. فتح الباري لابن حجر (2/ 349).

والمرأة إذا كانت في المخدع تكون أستر من أن تكون في البيت، وفي البيت أستر من أن تكون في الحجرة، وإذا كانت أستر فصلاتها أفضل[509]، ووجه كون صلاتها في الخفاء أفضل لتحقق الأمن فيه من الفتنة، ويتأكد ذلك بعد ما أحدث النساء من التبرج والزينة[510]. [509]المفاتيح في شرح المصابيح للمظهري (2/219). [510]فتح الباري لابن حجر (2/349).

39- تعليم ذوي الأعذار والرخص:

قد يعرض للإنسان عوارض في حياته كمرض وغيره، فلا يستطيع أن يؤدي العبادة على الوجه الأكمل، ومن ذلك ما يتعلق بالصلاة، وقد حصل للنبي ﷺ شيء من ذلك، ولذا جاءت الشريعة بمراعاة أهل الأعذار، ومن صور ذلك:

أ- تعليم الإمام العاجز عن القيام لمن يصلي خلفه:

عن عائشة رضي الله عنها، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ دَخَلَ عَلَيْهِ نَاسٌ يَعُودُونَهُ فِي مَرَضِهِ، فَصَلَّى بِهِمْ جَالِسًا، فَجَعَلُوا يُصَلُّونَ قِيَامًا، فَأَشَارَ إِلَيْهِمْ: «اجْلِسُوا» فَلَمَّا فَرَغَ قَالَ: «إِنَّ الإِمَامَ لَيُؤْتَمُّ بِهِ، فَإِذَا رَكَعَ فَارْكَعُوا، وَإِذَا رَفَعَ فَارْفَعُوا، وَإِنْ صَلَّى جَالِسًا فَصَلُّوا جُلُوسًا»[511]. [511]صحيح البخاري (5658).

والإمام إذا صلى قاعدًا فعلينا أن نصلي خلفه قعودًا وإن كنا قادرين على القيام، لكن لو ابتدأ بنا الصلاة قائمًا، ثم حصلت له علة وجلس ما كمل الصلاة قائمًا، ففي هذه الحال يجب علينا أن نصلي قيامًا، بدليل حديث عائشة رضي الله عنها وفيه: فجاء رسول الله ﷺ حتى جلس عن يسار أبي بكر، فكان أبو بكر يصلي قائمًا، وكان رسول الله ﷺ يصلي قاعدًا، يقتدي أبو بكر بصلاة رسول الله ﷺ، والناس مقتدون بصلاة أبي بكر رضي الله عنه[512]. [512]المرجع السابق (713).

ب- تعليم المريض الذي لا يستطيع القيام:

عن عمران بن حصين رضي الله عنه قال: كَانَتْ بِي بَوَاسِيرُ، فَسَأَلْتُ النَّبِيَّ ﷺ عَنِ الصَّلاَةِ، فَقَالَ: «صَلِّ قَائِمًا، فَإِنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَقَاعِدًا، فَإِنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَعَلَى جَنْبٍ»[513]. [513]صحيح البخاري (1117).

القيام ركن من أركان الصلاة، وشرط في صحة الفرض منها مع القدرة عليها، والدليل على ذلك قوله تعالى: ﴿...وَقُومُواْ لِلَّهِ قَٰنِتِينَ﴾[514]، إلا أن حديث عمران بن حصين رضي الله عنه السابق قد خص من الآية من لم يستطع القيام، وبقيت الآية على عمومها في المستطيعين[515]، والمريض الذي لا يستطيع القيام يصلي قاعدا، فإن عجز صلى على جنبه، فإن عجز صلى مستلقيًا؛ لأن الله يقول: ﴿فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ مَا ٱسۡتَطَعۡتُمۡ...﴾[516]. [514][البقرة: 238]. [515]المنتقى شرح الموطأ للباجي (1/241). [516]فتاوى نور على الدرب لابن باز (7/182).

ج- تعليم المريض الذي لا يستطيع السجود:

عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَادَ مَرِيضًا، فَرَآهُ يُصَلِّى عَلَى وِسَادَةٍ، فَأَخَذَهَا فَرَمَى بِهَا، فَأَخَذَ عُودًا لَيُصَلِّىَ عَلَيْهِ فَأَخَذَهُ فَرَمَى بِهِ وَقَالَ: «صَلِّ عَلَى الأَرْضِ إِنِ اسْتَطَعْتَ، وَإِلاَّ فَأَوْمِئْ إِيمَاءً، وَاجْعَلْ سُجُودَكَ أَخْفَضَ مِنْ رُكُوعِكَ»[517]. [517]السنن الكبرى للبيهقي (3718). صححه الحافظ ابن حجر في الدراية (1/ 209).

وهذا فيه دليل على أنه لا ينبغي للمريض إذا عجز عن الوصول إلى الأرض أن يُصنع له وسادة يسجد عليها؛ لأن هذا من التكلُّف، فالله سبحانه وتعالى هو الذي أمر بالصلاة، والرسول ﷺ هو الذي أُمر ببيانها، وأخذ الوسادة وألقاها.

د- تعليم المسافر جواز القصر في غير الخوف:

عن يعلى بن أمية، قال: قُلْتُ لِعُمَرَ بْنِ الخَطَّاب رضي الله عنه: ﴿فَلَيۡسَ عَلَيۡكُمۡ جُنَاحٌ أَن تَقۡصُرُواْ مِنَ ٱلصَّلَوٰةِ إِنۡ خِفۡتُمۡ أَن يَفۡتِنَكُمُ ٱلَّذِينَ كَفَرُوٓاْ...﴾[518] ، فَقَدْ أَمِنَ النَّاسُ، فَقَالَ: عَجِبْتُ مِمَّا عَجِبْتُ مِنْهُ، فَسَأَلْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ عَنْ ذَلِكَ، فَقَالَ: «صَدَقَةٌ تَصَدَّقَ اللهُ بِهَا عَلَيْكُمْ، فَاقْبَلُوا صَدَقَتَهُ»[519]. [518][النساء: 101]. [519]صحيح مسلم (686).

والقصر في السفر ليس بواجب، وإنما هو سنة صدقة تصدق الله بها على عباده، وفيه دليل على أن بيان أصل الحكم في التشريع أبلغ، وأن الإنسان إذا ‌علم أن الأمر من الله ورسوله وجب عليه التسليم والرضى.

هـ- تعليم الخائف:

عن جابر بن عبد الله رضي الله عنه قال: شَهِدْتُ مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ صَلَاةَ الْخَوْفِ، فَصَفَّنَا صَفَّيْنِ، صَفٌّ خَلْفَ رَسُولِ اللهِ ﷺ، وَالْعَدُوُّ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْقِبْلَةِ، فَكَبَّرَ النَّبِيُّ ﷺ، وَكَبَّرْنَا جَمِيعًا، ثُمَّ رَكَعَ، وَرَكَعْنَا جَمِيعًا، ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ الرُّكُوعِ، وَرَفَعْنَا جَمِيعًا، ثُمَّ انْحَدَرَ بِالسُّجُودِ، وَالصَّفُّ الَّذِي يَلِيهِ، وَقَامَ الصَّفُّ الْمُؤَخَّرُ فِي نَحْرِ الْعَدُوِّ، فَلَمَّا قَضَى النَّبِيُّ ﷺ السُّجُودَ، وَقَامَ الصَّفُّ الَّذِي يَلِيهِ، انْحَدَرَ الصَّفُّ الْمُؤَخَّرُ بِالسُّجُودِ، وَقَامُوا، ثُمَّ تَقَدَّمَ الصَّفُّ الْمُؤَخَّرُ، وَتَأَخَّرَ الصَّفُّ الْمُقَدَّمُ، ثُمَّ رَكَعَ النَّبِيُّ ﷺ وَرَكَعْنَا جَمِيعًا، ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ الرُّكُوعِ وَرَفَعْنَا جَمِيعًا، ثُمَّ انْحَدَرَ بِالسُّجُودِ وَالصَّفُّ الَّذِي يَلِيهِ الَّذِي كَانَ مُؤَخَّرًا فِي الرَّكْعَةِ الْأُولَى، وَقَامَ الصَّفُّ الْمُؤَخَّرُ فِي نُحُورِ الْعَدُوِّ، فَلَمَّا قَضَى النَّبِيُّ ﷺ السُّجُودَ وَالصَّفُّ الَّذِي يَلِيهِ، انْحَدَرَ الصَّفُّ الْمُؤَخَّرُ بِالسُّجُودِ، فَسَجَدُوا، ثُمَّ سَلَّمَ النَّبِيُّ ﷺ وَسَلَّمْنَا جَمِيعًا[520]. [520]صحيح مسلم (840).

ولقد صلى النبي ﷺ صلاة الخوف مرارًا، في أحوال مختلفة، بأنواع متباينة لتعليم أمته.

و- تعليم العاجز عن الصلاة في جماعة عند الوحل:

عن عبد الله بن الحارث، قال: خَطَبَنَا ابْنُ عَبَّاسٍ فِي يَوْمٍ رَدْغٍ، فَلَمَّا بَلَغَ المُؤَذِّنُ حَيَّ عَلَى الصَّلاَةِ، فَأَمَرَهُ أَنْ يُنَادِيَ: الصَّلاَةُ فِي الرِّحَالِ، فَنَظَرَ القَوْمُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ، فَقَالَ: فَعَلَ هَذَا مَنْ هُوَ خَيْرٌ مِنْهُ وَإِنَّهَا عَزْمَةٌ[521]. [521]صحيح البخاري (616).

وفي الحديث: دليل على تخفيف أمر الجماعة في المطر ونحوه من الأعذار[522]. [522]المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج للنووي (5/207)، وقوله (في يوم ذي ردغ): الغيم البارد، وقيل: المطر. مصابيح الجامع (2/279).

ز- تعليم العاجز عن الحضور لصلاة الجماعة:

عن عتبان بن مالك الأنصاري رضي الله عنه قال: كُنْتُ أُصَلِّي لِقَوْمِي بَنِي سَالِمٍ، فَأَتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ، فَقُلْتُ: إِنِّي أَنْكَرْتُ بَصَرِي، وَإِنَّ السُّيُولَ تَحُولُ بَيْنِي وَبَيْنَ مَسْجِدِ قَوْمِي، فَلَوَدِدْتُ أَنَّكَ جِئْتَ، فَصَلَّيْتَ فِي بَيْتِي مَكَانًا حَتَّى أَتَّخِذَهُ مَسْجِدًا، فَقَالَ: «أَفْعَلُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ»، فَغَدَا عَلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَأَبُو بَكْرٍ مَعَهُ بَعْدَ مَا اشْتَدَّ النَّهَارُ، فَاسْتَأْذَنَ النَّبِيُّ ﷺ، فَأَذِنْتُ لَهُ، فَلَمْ يَجْلِسْ حَتَّى قَالَ: «أَيْنَ تُحِبُّ أَنْ أُصَلِّيَ مِنْ بَيْتِكَ؟»، فَأَشَارَ إِلَيْهِ مِنَ المَكَانِ الَّذِي أَحَبَّ أَنْ يُصَلِّيَ فِيهِ، فَقَامَ، فَصَفَفْنَا خَلْفَهُ، ثُمَّ سَلَّمَ وَسَلَّمْنَا حِينَ سَلَّمَ[523]. [523]صحيح البخاري (840).

وفي الحديث: إجابة أهل الفضل لما رغب إليهم فيه من ذلك، تعاونًا على طاعة الله، وتنشيطًا على عبادته، وفيه إباحة التخلف عن الجماعة لضعف البصر والمطر وشبهه[524]. [524]إكمال المعلم بفوائد مسلم (2/ 631).

ح- تعليم الأسير:

عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: بَعَثَ رَسُولُ اللهِ ﷺ خَيْلًا قِبَلَ نَجْدٍ، فَجَاءَتْ بِرَجُلٍ مِنْ بَنِي حَنِيفَةَ يُقَالُ لَهُ: ثُمَامَةُ بْنُ أُثَالٍ، سَيِّدُ أَهْلِ الْيَمَامَةِ، فَرَبَطُوهُ بِسَارِيَةٍ مِنْ سَوَارِي الْمَسْجِدِ، فَخَرَجَ إِلَيْهِ رَسُولُ اللهِ ﷺ، فَقَالَ: «مَاذَا عِنْدَكَ يَا ثُمَامَةُ؟»[525]. [525]صحيح البخاري (2422).

والغرض من ربطه أن يشاهد صلاة المسلمين، فيطلع على صلاتهم، ويتعرف على الإسلام كيف هو؟ وكيف العبادات؟.

الفصل الثامن

ويشمل على ذلك:

التعليم بالقول.

التعليم بالفعل.

التعليم بالإشارة.

تعليم الصلاة في كل وقت ملائم.

تعليم الصلاة في كل مكان مناسب.

40- التعليم بالقول:

درج النبي ﷺ على ‌تعليم أصحابه كل ما لا يحسنون فعله ‌بالقول والفعل ولو تطلب ذلك منه إعادته عدة مرات، وكان الأكثر في طريقة تعليمه ﷺ لأصحابه هو تعليمهم بالقول، ومن ذلك:

1- تعليمه ﷺ معاوية بن الحكم عدم الكلام في الصلاة.

2- تعليمه ﷺ لمعاذ التخفيف عند إمامة الناس في الصلاة.

3- تعليمه ﷺ أبا بكر الدعاء في الصلاة.

4- تعليمه ﷺ أبا هريرة دعاء الاستفتاح.

5- تعليمه ﷺ جابر بن عبد الله كيفية اللباس في الصلاة.

6- تعليمه ﷺ الحسن بن علي دعاء القنوت في الوتر.

7- تعليمه ﷺ ابن مسعود التشهد في الصلاة.

وغير ذلك من المواقف التي علم فيها النبي ﷺ الصحابة الصلاة بالقول، والذي كان من أشهرها في تفصيل ما يجب في الصلاة؛ تعليمه ﷺ المسيء في صلاته، فعن أبي هريرة رضي الله عنه أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ دَخَلَ الْمَسْجِدَ فَدَخَلَ رَجُلٌ فَصَلَّى، ثُمَّ جَاءَ فَسَلَّمَ عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ فَرَدَّ رَسُولُ اللهِ ﷺ السَّلَامَ قَالَ: «ارْجِعْ فَصَلِّ فَإِنَّكَ لَمْ تُصَلِّ» فَرَجَعَ الرَّجُلُ فَصَلَّى كَمَا كَانَ صَلَّى، ثُمَّ جَاءَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَسَلَّمَ عَلَيْهِ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «وَعَلَيْكَ السَّلَامُ» ثُمَّ قَالَ: «ارْجِعْ فَصَلِّ فَإِنَّكَ لَمْ تُصَلِّ» حَتَّى فَعَلَ ذَلِكَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ. فَقَالَ الرَّجُلُ: وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ مَا أُحْسِنُ غَيْرَ هَذَا عَلِّمْنِي، قَالَ: «إِذَا قُمْتَ إِلَى الصَّلَاةِ فَكَبِّرْ، ثُمَّ اقْرَأْ مَا تَيَسَّرَ مَعَكَ مِنَ الْقُرْآنِ، ثُمَّ ارْكَعْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ رَاكِعًا، ثُمَّ ارْفَعْ حَتَّى تَعْدِلَ قَائِمًا، ثُمَّ اسْجُدْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ سَاجِدًا، ثُمَّ ارْفَعْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ جَالِسًا، ثُمَّ افْعَلْ ذَلِكَ فِي صَلَاتِكَ كُلِّهَا»[526]. [526]صحيح البخاري (757).

وهذا حديث جليل يسميه العلماء حديث المسيء في صلاته، حيث جاء من النبي ﷺ موضع الاستقصاء في التعليم والتبيين لأعمال الصلاة، التي يجب الإتيان بها[527]. [527]تيسير العلام شرح عمدة الأحكام للبسام (ص167).

41- التعليم بالفعل:

على المعلم أن يقرن القول بالفعل، لأنه أوقع في النفس، وأثبت من القول، وأبلغ في إيصال رسالته إلى المتعلمين، لذا اهتم النبي ﷺ بهذه الوسيلة لما لها من أهمية في التعليم، فقال ﷺ يومًا لأصحابه رضي الله عنهم: «صلوا كما رأيتموني أصلي»، وغير ذلك من المواقف المتعلقة بأمور الصلاة، ومن ذلك:

أ- المشاركة في بناء المسجد:

عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: كَانَ مَوْضِعُ مَسْجِدِ النَّبِيِّ ﷺ لِبَنِي النَّجَّارِ، وَكَانَ فِيهِ نَخْلٌ، وَمَقَابِرُ لِلْمُشْرِكِينَ، فَقَالَ لَهُمُ النَّبِيُّ ﷺ: «ثَامِنُونِي بِهِ» قَالُوا: لَا نَأْخُذُ لَهُ ثَمَنًا أَبَدًا، قَالَ، فَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَبْنِيهِ وَهُمْ يُنَاوِلُونَهُ، وَالنَّبِيُّ ﷺ يَقُولُ: «أَلَا إِنَّ الْعَيْشَ عَيْشُ الْآخِرَهْ، فَاغْفِرْ لِلْأَنْصَارِ، وَالْمُهَاجِرَهْ» قَالَ: وَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُصَلِّي قَبْلَ أَنْ يَبْنِيَ الْمَسْجِدَ حَيْثُ أَدْرَكَتْهُ الصَّلَاة[528]. [528]مسند أحمد (12178). وأصله في البخاري (6413)، ومسلم (1805).

قول أنس رضي الله عنه: (فكان النبي ﷺ يبنيه)؛ أي: يبني المسجد بنفسه، ظاهره أنه كان مباشرًا للبناء بيده الشريفة، والنبي ﷺ يقول: « أَلَا إِنَّ الْعَيْشَ عَيْشُ الْآخِرَهْ، فَاغْفِرْ لِلْأَنْصَارِ، وَالْمُهَاجِرَهْ»، تنشيطًا لهم على العمل، وتبشيرًا لهم بما أعد الله لهم من الخير في مقابلة ما هم فيه من صالح الأعمال رضي الله عنهم[529]. [529]شرح سنن ابن ماجة للأثيوبي (5/214).

ب- نقل كيفية صلاة الرسول ﷺ:

عن مالك بن الحويرث رضي الله عنه قال: أَتَيْنَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، وَنَحْنُ شَبَبَةٌ مُتَقَارِبُونَ، فَأَقَمْنَا عِنْدَهُ عِشْرِينَ لَيْلَةً، قَالَ: وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ رَحِيمًا رَفِيقًا، فَظَنَّ أَنَّا قَدِ اشْتَقْنَا أَهْلَنَا، فَسَأَلَنَا عَمَّنْ تَرَكْنَا فِي أَهْلِنَا، فَأَخْبَرْنَاهُ، فَقَالَ: «ارْجِعُوا إِلَى أَهْلِيكُمْ، فَأَقِيمُوا فِيهِمْ، وَعَلِّمُوهُمْ، وَمُرُوهُمْ إِذَا حَضَرَتِ الصَّلَاةُ، فَلْيُؤَذِّنْ لَكُمْ أَحَدُكُمْ، ثُمَّ لِيَؤُمَّكُمْ أَكْبَرُكُم»[530]. [530]صحيح البخاري (631).

مما يُستفاد من الحديث: أن الإنسان مأمور بأن يتعلم كيفية صلاة الرسول ﷺ؛ لأنه إذا أمرنا أن نصلي كما صلى فلا طريق لنا إلى أن نصلي كما صلى إلا بالعلم.

ج- التعليم من مكان مرتفع:

1- التعليم من على المنبر:

عن سهل بن سعد الساعدي رضي الله عنه قال: أَرْسَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَى فُلاَنَةَ - امْرَأَةٍ مِنَ الأَنْصَارِ قَدْ سَمَّاهَا سَهْلٌ - «مُرِي غُلاَمَكِ النَّجَّارَ، أَنْ يَعْمَلَ لِي أَعْوَادًا، أَجْلِسُ عَلَيْهِنَّ إِذَا كَلَّمْتُ النَّاسَ» فَأَمَرَتْهُ فَعَمِلَهَا مِنْ طَرْفَاءِ الغَابَةِ، ثُمَّ جَاءَ بِهَا، فَأَرْسَلَتْ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَأَمَرَ بِهَا فَوُضِعَتْ هَا هُنَا، ثُمَّ رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ صَلَّى عَلَيْهَا وَكَبَّرَ وَهُوَ عَلَيْهَا، ثُمَّ رَكَعَ وَهُوَ عَلَيْهَا، ثُمَّ نَزَلَ القَهْقَرَى، فَسَجَدَ فِي أَصْلِ المِنْبَرِ ثُمَّ عَادَ، فَلَمَّا فَرَغَ أَقْبَلَ عَلَى النَّاسِ، فَقَالَ: «أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّمَا صَنَعْتُ هَذَا لِتَأْتَمُّوا وَلِتَعَلَّمُوا صَلاَتِي»[531]. [531]صحيح البخاري (917).

مما نجده في الحديث: أن الحكمة في صلاته في أعلى المنبر ليراه من قد يخفى عليه رؤيته إذا صلى على الأرض، وفيه جواز قصد تعليم المأمومين أفعال الصلاة بالفعل[532]. [532]مرعاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح للمباركفوري (4/40).

وعن عبد الرحمن بن عبدٍ القاري، أَنَّهُ سَمِعَ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ، يُعَلِّمُ النَّاسَ التَّشَهُّدَ عَلَى الْمِنْبَرِ فَيَقُولُ: التَّحِيَّاتُ لِلَّهِ، الزَّاكِيَاتُ لِلَّهِ، الطَّيِّبَاتُ لِلَّهِ، السَّلَامُ عَلَيْكَ أَيُّهَا النَّبِيُّ، وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ، السَّلَامُ عَلَيْنَا وَعَلَى عَبَّادِ اللَّهِ الصَّالِحِينَ، أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ[533]. [533]المستدرك على الصحيحين للحاكم (979). صححه الزيلعي والنووي. "نصب الراية" (1/ 422)، خلاصة الأحكام (1/ 432).

هذا الحديث يدل على اهتمام التابعين ومن قبلهم بهيئة الجلوس، وأن بعضهم كان يأخذ ذلك عن بعضٍ بالقول والفعل[534]. [534]المنتقى شرح الموطأ للباجي (1/167).

2- التعليم من على الكرسي:

عن أبي رفاعة رضي الله عنه قال: انْتَهَيْتُ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ وَهُوَ يَخْطُبُ، قَالَ: فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ رَجُلٌ غَرِيبٌ، جَاءَ يَسْأَلُ عَنْ دِينِهِ، لَا يَدْرِي مَا دِينُهُ، قَالَ: فَأَقْبَلَ عَلَيَّ رَسُولُ اللهِ ﷺ، وَتَرَكَ خُطْبَتَهُ حَتَّى انْتَهَى إِلَيَّ، فَأُتِيَ بِكُرْسِيٍّ، حَسِبْتُ قَوَائِمَهُ حَدِيدًا، قَالَ: فَقَعَدَ عَلَيْهِ رَسُولُ اللهِ ﷺ، وَجَعَلَ يُعَلِّمُنِي مِمَّا عَلَّمَهُ اللهُ، ثُمَّ أَتَى خُطْبَتَهُ، فَأَتَمَّ آخِرَهَا [535]. [535]صحيح مسلم (876).

مما نجده في الحديث: أن النبي ﷺ قعد على الكرسي ليسمع الباقون كلامه، ويروا شخصه الكريم، وفيه المبادرة إلى جواب المستفتي وتقديم أهم الأمور فأهمها.

د- تعليمه ﷺ الصحابة تسوية الصفوف:

لما كانت تسوية الصف من السنة المندوب إليها التي يستحق فاعلها المدح عليها، دل ذلك أن تاركها يستحق الذم والعتب[536]، ولهذا بوب البخاري في صحيحه باب: (إثم من لم يتم الصفوف)، ثم ذكر حديث أنس: (ما أنكرتُ شيئًا إلا أنَّكم لا تُقيمون الصُّفوف)، مما يعني أن تسوية الصفوف واجب، والواجب لا بد من تعلمه وتعليمه حتى لا يقع الناس في الإثم، [536]شرح صحيح البخاري لابن بطال (2/347).

ويتلخص اهتمام النبي بتسوية الصف في الصلاة في أمور:

1- تسوية الصفوف كما تسوى القداح:

عن النعمان بن بشير رضي الله عنه قال: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يُسَوِّي صُفُوفَنَا حَتَّى كَأَنَّمَا يُسَوِّي بِهَا الْقِدَاحَ حَتَّى رَأَى أَنَّا قَدْ عَقَلْنَا عَنْهُ، ثُمَّ خَرَجَ يَوْمًا فَقَامَ، حَتَّى كَادَ يُكَبِّرُ فَرَأَى رَجُلًا بَادِيًا صَدْرُهُ مِنَ الصَّفِّ، فَقَالَ: «عِبَادَ اللهِ لَتُسَوُّنَّ صُفُوفَكُمْ، أَوْ لَيُخَالِفَنَّ اللهُ بَيْنَ وُجُوهِكُمْ»[537]. [537]صحيح البخاري (717)، صحيح مسلم (436)، والقداح بكسر القاف هي خشب السهام حين تنحت وتبرى، واحدها: قدح بكسر القاف ومعناه: يبالغ في تسويتها حتى تصير كأنما يقوم بها السهام لشدة استوائها واعتدالها. ‏ شرح صحيح مسلم للقاضي عياض (2/346).

قوله رضي الله عنه: (كان رسول الله ﷺ يسوي صفوفنا كما يسوي القداح)، دلالة على أن ذلك سنة، وقد عمل بها الخلفاء بعده، ووكلوا من يقيم الصفوف، وشددوا في ذلك، حتى إذا استوت كبّروا[538]، وقد رُوي عن عمر: أنه كان يوكل رجالًا بإقامة الصفوف، ولا يكبر حتى يخبر أن الصفوف قد استوت، قال عمرو بن ميمون: وإني لقائم ما بيني وبينه إلا عبد الله بن عباس غداة أصيب، وكان إذا مر بين الصفين قام بينهما، فإذا رأى خللًا قال: استووا، حتى إذا لم ير فيهم خللًا؛ تقدم فكبر)[539]، وروي عن علي، وعثمان، أنهما كانا يتعاهدان ذلك، ويقولان: (استووا)، وكان علي يقول: (تقدم يا فلان، تأخر يا فلان)[540]. [538]شرح صحيح مسلم للقاضي عياض (2/347). [539]صحيح ابن حبان (6917). [540]سنن الترمذي (1/439).

2- مسح المناكب عند تسوية الصفوف:

عن أبي مسعود رضي الله عنه قال: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَمْسَحُ مَنَاكِبَنَا فِي الصَّلَاةِ، وَيَقُولُ: «اسْتَوُوا، وَلَا تَخْتَلِفُوا، فَتَخْتَلِفَ قُلُوبُكُمْ، لِيَلِنِي مِنْكُمْ أُولُو الْأَحْلَامِ وَالنُّهَى ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ»[541]. [541]صحيح مسلم (432).

وقوله: (كان يمسح مناكبنا في الصلاة) أي: كان يسويهم في الوقوف، فيرد الخارج ليقع الاستواء، والمناكب: مجتمع رأس العضد في الكتف.

هـ- تعليم البزاق في الثوب في الصلاة:

عن أنس بن مالك رضي الله عنه أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ رَأَى نُخَامَةً فِي القِبْلَةِ، فَشَقَّ ذَلِكَ عَلَيْهِ حَتَّى رُئِيَ فِي وَجْهِهِ، فَقَامَ فَحَكَّهُ بِيَدِهِ، فَقَالَ: «إِنَّ أَحَدَكُمْ إِذَا قَامَ فِي صَلاَتِهِ فَإِنَّهُ يُنَاجِي رَبَّهُ، أَوْ إِنَّ رَبَّهُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ القِبْلَةِ، فَلاَ يَبْزُقَنَّ أَحَدُكُمْ قِبَلَ قِبْلَتِهِ، وَلَكِنْ عَنْ يَسَارِهِ أَوْ تَحْتَ قَدَمَيْهِ» ثُمَّ أَخَذَ طَرَفَ رِدَائِهِ، فَبَصَقَ فِيهِ ثُمَّ رَدَّ بَعْضَهُ عَلَى بَعْضٍ، فَقَالَ: «أَوْ يَفْعَلُ هَكَذَا»[542]. [542]صحيح البخاري (405).

ويؤخذ من الحديث: التعليم بالفعل؛ لأنه ﷺ أخذ طرف ردائه، فبصق فيه، ثم رد بعضه على بعض، وفيه؛ أنه لا حرج على الإنسان أن يبصق أمام الناس، ولا سيما إذا كان للتعليم[543]. [543]انظر: شرح رياض الصالحين لابن عثيمين (3/623).

و- حمل الجارية الصغيرة في الصلاة:

عن أبي قتادة الأنصاري رضي الله عنه، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يُصَلِّي وَهُوَ حَامِلٌ أُمَامَةَ بِنْتَ زَيْنَبَ بِنْتِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وَلِأَبِي العَاصِ بْنِ رَبِيعَةَ بْنِ عَبْدِ شَمْسٍ فَإِذَا سَجَدَ وَضَعَهَا، وَإِذَا قَامَ حَمَلَهَا[544]. [544]صحيح البخاري (516).

والسر في حمله أمامة في الصلاة دفعًا لما كانت العرب تألفه من كراهة البنات وحملهن، فخالفهم في ذلك حتى في الصلاة للمبالغة في ردعهم، والبيان بالفعل قد يكون أقوى من القول[545]. [545]فتح الباري لابن حجر (1/592).

ز- التعليم بالجهر ببعض القراءة والأذكار في الصلاة:

1- التعليم بالجهر في دعاء الاستفتاح:

عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنَّهُ كَانَ يَجْهَرُ بِهَؤُلَاءِ الْكَلِمَاتِ يَقُولُ: سُبْحَانَكَ اللهُمَّ وَبِحَمْدِكَ، تَبَارَكَ اسْمُكَ، وَتَعَالَى جَدُّكَ، وَلَا إِلَهَ غَيْرُكَ[546]. [546]صحيح مسلم (399).

وجهر عمر رضي الله عنه بهذا الذكر أحيانًا بمحضر من الصحابة لتعليمه الناس مع أن السنة إخفاؤه هو الأفضل، وهذا الذي كان النبي ﷺ يداوم عليه غالبًا[547]. [547]نيل الأوطار للشوكاني (2/228).

2- التعليم بالجهر في الصلاة السرية:

عن أبي قتادة رضي الله عنه قال: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَقْرَأُ فِي الرَّكْعَتَيْنِ الْأُولَيَيْنِ مِنَ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ، بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ وَسُورَةٍ وَيُسْمِعُنَا الْآيَةَ أَحْيَانًا[548]. [548]صحيح البخاري (762).

قوله رضي الله عنه: «كان يسمعنا الآية أحيانًا» ظاهره: أنه كان يقصد ذلك، وقد يكون فعله ليعلمهم أنه يقرأ في الظهر والعصر، وقد يكون فعله ليعلمهم هذه السورة المعينة؛ أو ليبين جواز الجهر في قراءة النهار، وأن الصلاة لا تبطل به[549]. [549]فتح الباري لابن رجب (7/86).

3- التعليم بالجهر بالأذكار بعد الصلاة:

عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: مَا كُنَّا نَعْرِفُ انْقِضَاءَ صَلَاةِ رَسُولِ اللهِ ﷺ إِلَّا بِالتَّكْبِيرِ[550]، وفي رواية أنه قال: أنَّ رفْعَ الصوْتِ بالذِّكرِ حينَ ينصرفُ الناسُ منَ المكتوبةِ كانَ على عهدِ النبيِّ ﷺ، وفيه: كُنْتُ أَعْلَمُ إِذَا انْصَرَفُوا بِذَلِكَ، إِذَا سَمِعْتُهُ[551]. [550]صحيح مسلم (583). [551]صحيح البخاري (841)، صحيح مسلم (583).

وهذا الحديث قد حمله الشافعي -رحمه الله- على أنهم جهروا به وقتًا يسيرًا لأجل تعليم صفة الذكر لا أنهم داوموا على الجهر به، والمختار أن الإمام والمأموم يخفيان الذكر إلا إن احتيج إلى التعليم[552]. [552]فتح الباري لابن حجر (2/326).

4- التعليم بالجهر في صلاة الجنازة:

عن طلحة بن عبد الله بن عوف، قال: صَلَّيْتُ خَلْفَ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا عَلَى جَنَازَةٍ فَقَرَأَ بِفَاتِحَةِ الكِتَابِ قَالَ: لِيَعْلَمُوا أَنَّهَا سُنَّةٌ[553]. [553]صحيح البخاري (1335).

مما نجده في هذا الأثر: أنه ينبغي للقدوة والأسوة في عباد الله أن يجهر بما يخفى على الناس؛ لأن ابن عباس رضي الله عنهما جهر بالفاتحة في صلاة الجنازة، وقال: (ليعلموا أنها سنة)[554]. [554]فتح ذي الجلال والإكرام بشرح بلوغ المرام لابن عثيمين (2/47).

ح- التعليم بالمداومة والمواظبة على فعل العبادة:

1- التعليم بالمداومة على الاستعاذة من عذاب القبر جهرًا:

عن عائشة رضي الله عنها أَنَّ يَهُودِيَّةً دَخَلَتْ عَلَيْهَا، فَذَكَرَتْ عَذَابَ القَبْرِ، فَقَالَتْ لَهَا: أَعَاذَكِ اللَّهُ مِنْ عَذَابِ القَبْرِ، فَسَأَلَتْ عَائِشَةُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنْ عَذَابِ القَبْرِ، فَقَالَ: «نَعَمْ، عَذَابُ القَبْرِ» قَالَتْ عَائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا: فَمَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بَعْدُ صَلَّى صَلاَةً إِلَّا تَعَوَّذَ مِنْ عَذَابِ القَبْرِ[555]. [555]صحيح البخاري (1372).

وسماع عائشة دعاء النبي ﷺ في صلاته يدل على أنه كان أحيانًا يسمع من يليه دعاءه، كما كان أحيانًا يسمع من يليه الآية من القرآن[556]، وبالغ ﷺ في الاستعاذة من عذاب القبر، تعليمًا لأمته، وإرشادًا[557]. [556]فتح الباري لابن رجب (7/339). [557]عمدة القاري شرح صحيح البخاري للعيني (8/203).

2- التعليم بالمداومة على الاستعاذة من المغرم:

عن عائشة رضي الله عنها، أن رسول الله ﷺ كَانَ يَدْعُو فِي الصَّلَاةِ: «اللهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ فِتْنَةِ الْمَسِيحِ الدَّجَّالِ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ فِتْنَةِ الْمَحْيَا وَالْمَمَاتِ، اللهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْمَأْثَمِ وَالْمَغْرَمِ» قَالَتْ: فَقَالَ لَهُ قَائِلٌ: مَا أَكْثَرَ مَا تَسْتَعِيذُ مِنَ الْمَغْرَمِ يَا رَسُولَ اللهِ فَقَالَ: «إِنَّ الرَّجُلَ إِذَا غَرِمَ، حَدَّثَ فَكَذَبَ، وَوَعَدَ فَأَخْلَفَ[558]. [558]صحيح البخاري (832).

وهذا الدعاء صدر منه عليه الصلاة والسلام على سبيل التعليم لأمته، وإلا فهو عليه الصلاة والسلام معصوم من ذلك.

42- التعليم بالإشارة:

قد يحتاج المعلم إلى الإشارة في التعليم، وذلك لانشغاله بأمر ما، أو للإيضاح وزيادة البيان، وقد تكون الإشارة أحيانًا أقوى من الكلام، ومما يدل على ذلك في السنة ما يأتي:

أ- تعليم أوقات الصلاة:

عن سمرة بن جندب رضي الله عنه، قال: قال رسول الله ﷺ: «لَا يَغُرَّنَّكُمْ مِنْ سَحُورِكُمْ أَذَانُ بِلَالٍ، وَلَا بَيَاضُ الْأُفُقِ الْمُسْتَطِيلُ هَكَذَا، حَتَّى يَسْتَطِيرَ هَكَذَا»، وحكاه حماد بيديه، قال: يعني معترضًا[559]. [559]صحيح مسلم (1094).

مما نجده في الحديث: أن قوله: (ولا بياض الأفق المستطيل هكذا، حتى يستطير هكذا...)، فيه البيان بالإشارة، وأنها تقوم مقام النطق، والمستطير أي المنتشر[560]. [560]شرح صحيح مسلم للقاضي عياض (4/31).

ب- التعليم بضبط اللباس في الصلاة:

عن جابر بن عبد الله رضي الله عنه قال: قَامَ رَسُولُ اللهِ ﷺ لِيُصَلِّيَ، وَكَانَتْ عَلَيَّ بُرْدَةٌ ذَهَبْتُ أَنْ أُخَالِفَ بَيْنَ طَرَفَيْهَا فَلَمْ تَبْلُغْ لِي، وَكَانَتْ لَهَا ذَبَاذِبُ فَنَكَّسْتُهَا، ثُمَّ خَالَفْتُ بَيْنَ طَرَفَيْهَا، ثُمَّ تَوَاقَصْتُ عَلَيْهَا، ثُمَّ جِئْتُ حَتَّى قُمْتُ عَنْ يَسَارِ رَسُولِ اللهِ ﷺ، فَأَخَذَ بِيَدِي فَأَدَارَنِي حَتَّى أَقَامَنِي عَنْ يَمِينِهِ، ثُمَّ جَاءَ جَبَّارُ بْنُ صَخْرٍ فَتَوَضَّأَ، ثُمَّ جَاءَ فَقَامَ عَنْ يَسَارِ رَسُولِ اللهِ ﷺ، فَأَخَذَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِيَدَيْنَا جَمِيعًا، فَدَفَعَنَا حَتَّى أَقَامَنَا خَلْفَهُ، فَجَعَلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَرْمُقُنِي وَأَنَا لَا أَشْعُرُ، ثُمَّ فَطِنْتُ بِهِ، فَقَالَ: هَكَذَا، بِيَدِهِ - يَعْنِي شُدَّ وَسَطَكَ - فَلَمَّا فَرَغَ رَسُولُ اللهِ ﷺ، قَالَ: «يَا جَابِرُ» قُلْتُ: لَبَّيْكَ، يَا رَسُولَ اللهِ قَالَ: «إِذَا كَانَ وَاسِعًا فَخَالِفْ بَيْنَ طَرَفَيْهِ، وَإِذَا كَانَ ضَيِّقًا فَاشْدُدْهُ عَلَى حَقْوِكَ»[561]. [561]صحيح مسلم (3010)، البردة: كساء أو قماش يلتحف الإنسان به.

مما نجده في الحديث: جواز الإشارة في الصلاة، ولا سيما بما يعود على من معه فيها من الفائدة، حيث وجّه النبي ﷺ جابرًا إلى رفع الإزار إلى السرة، وهذا هو المأمور به.

ج- تعليم المصلي بالإشارة لمن كان خارج الصلاة:

عن أم سلمة رضي الله عنها قالت - في الركعتين بعد العصر-: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَنْهَى عَنْهُمَا، ثُمَّ رَأَيْتُهُ يُصَلِّيهِمَا، أَمَّا حِينَ صَلَّاهُمَا فَإِنَّهُ صَلَّى الْعَصْرَ، ثُمَّ دَخَلَ وَعِنْدِي نِسْوَةٌ مِنْ بَنِي حَرَامٍ مِنَ الْأَنْصَارِ فَصَلَّاهُمَا، فَأَرْسَلْتُ إِلَيْهِ الْجَارِيَةَ، فَقُلْتُ: قُومِي بِجَنْبِهِ فَقُولِي لَهُ تَقُولُ أُمُّ سَلَمَةَ: يَا رَسُولَ اللهِ إِنِّي أَسْمَعُكَ تَنْهَى عَنْ هَاتَيْنِ الرَّكْعَتَيْنِ، وَأَرَاكَ تُصَلِّيهِمَا، فَإِنْ أَشَارَ بِيَدِهِ فَاسْتَأْخِرِي عَنْهُ، قَالَ: فَفَعَلَتِ الْجَارِيَةُ، فَأَشَارَ بِيَدِهِ فَاسْتَأْخَرَتْ عَنْهُ، فَلَمَّا انْصَرَفَ، قَالَ: «يَا بِنْتَ أَبِي أُمَيَّةَ سَأَلْتِ عَنِ الرَّكْعَتَيْنِ بَعْدَ الْعَصْرِ، إِنَّهُ أَتَانِي نَاسٌ مِنْ عَبْدِ الْقَيْسِ بِالْإِسْلَامِ مِنْ قَوْمِهِمْ، فَشَغَلُونِي عَنِ الرَّكْعَتَيْنِ اللَّتَيْنِ بَعْدَ الظُّهْرِ، فَهُمَا هَاتَانِ»[562]. [562]صحيح مسلم (834).

ومما يؤخذ من الحديث: أن الإشارة في الصلاة لا بأس بها، ولا حرج فيها، ولا تبطل بها الصلاة، فقد فعلها النبي ﷺ وهو سيد الخلق ومعلمهم، وقد فعلها أصحابه رضي الله عنهم من بعده.

د- تعليم أبي بكر بالإشارة أن يبقى في الإمامة:

عن سهل بن سعد الساعدي رضي الله عنه: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بَلَغَهُ أَنَّ بَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ، كَانَ بَيْنَهُمْ شَيْءٌ، فَخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُصْلِحُ بَيْنَهُمْ فِي أُنَاسٍ مَعَهُ، فَحُبِسَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، وَحَانَتِ الصَّلاَةُ، فَجَاءَ بِلاَلٌ إِلَى أَبِي بَكْرٍ رضي الله عنه، فَقَالَ: يَا أَبَا بَكْرٍ، إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَدْ حُبِسَ، وَقَدْ حَانَتِ الصَّلاَةُ، فَهَلْ لَكَ أَنْ تَؤُمَّ النَّاسَ؟ قَالَ: نَعَمْ إِنْ شِئْتَ، فَأَقَامَ بِلاَلٌ، وَتَقَدَّمَ أَبُو بَكْرٍ رضي الله عنه، فَكَبَّرَ لِلنَّاسِ وَجَاءَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَمْشِي فِي الصُّفُوفِ، حَتَّى قَامَ فِي الصَّفِّ، فَأَخَذَ النَّاسُ فِي التَّصْفِيقِ، وَكَانَ أَبُو بَكْرٍ رضي الله عنه لاَ يَلْتَفِتُ فِي صَلاَتِهِ، فَلَمَّا أَكْثَرَ النَّاسُ التَفَتَ، فَإِذَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، فَأَشَارَ إِلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، يَأْمُرُهُ: «أَنْ يُصَلِّيَ» فَرَفَعَ أَبُو بَكْرٍ رضي الله عنه يَدَيْهِ، فَحَمِدَ اللَّهَ وَرَجَعَ القَهْقَرَى وَرَاءَهُ حَتَّى قَامَ فِي الصَّفِّ، فَتَقَدَّمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، فَصَلَّى لِلنَّاسِ، فَلَمَّا فَرَغَ أَقْبَلَ عَلَى النَّاسِ، فَقَالَ: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ مَا لَكُمْ حِينَ نَابَكُمْ شَيْءٌ فِي الصَّلاَةِ، أَخَذْتُمْ فِي التَّصْفِيقِ إِنَّمَا التَّصْفِيقُ لِلنِّسَاءِ، مَنْ نَابَهُ شَيْءٌ فِي صَلاَتِهِ فَلْيَقُلْ: سُبْحَانَ اللَّهِ، فَإِنَّهُ لاَ يَسْمَعُهُ أَحَدٌ حِينَ يَقُولُ: سُبْحَانَ اللَّهِ إِلَّا التَفَتَ، يَا أَبَا بَكْرٍ، مَا مَنَعَكَ أَنْ تُصَلِّيَ لِلنَّاسِ حِينَ أَشَرْتُ إِلَيْكَ» فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ رضي الله عنه: مَا كَانَ يَنْبَغِي لِابْنِ أَبِي قُحَافَةَ أَنْ يُصَلِّيَ بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ[563]. [563]صحيح البخاري (1234).

وإشارة النبي ﷺ لأبي بكر رضي الله عنه هي تعليم له ولغيره في مثل هذه الظروف إذا عرض للإمام فيها عوارض، والإشارة أقل شغلًا لبال المصلي من خطابه بالقول، وفيه جواز الشكر برفع اليدين في الصلاة وأما سجود الشكر في الصلاة فإنه مبطل لأنه زيادة ليس عليها دليل.

هـ- بيان أعضاء السجود:

عن ابن عباس رضي الله عنهما، قال: قال النبي ﷺ: «أُمِرْتُ أَنْ أَسْجُدَ عَلَى سَبْعَةِ أَعْظُمٍ الْجَبْهَةِ، وَأَشَارَ بِيَدِهِ عَلَى أَنْفِهِ وَالْيَدَيْنِ، وَالرِّجْلَيْنِ، وَأَطْرَافِ الْقَدَمَيْنِ، وَلَا نَكْفِتَ الثِّيَابَ، وَلَا الشَّعْرَ»[564]. [564]صحيح البخاري (812).

قوله ﷺ: «أمرت أن أسجد....» المأمور هو النبي عليه الصلاة والسلام، وفي حكمه أمته؛ لأن المسألة مسألة شرعية، ونحن مأمورون بالاقتداء به عليه الصلاة والسلام.

و- تعليم الإمام مَنْ خلفه لكي يقتدوا به في الصلاة:

عن عائشة رضي الله عنها، زوج النبي ﷺ أنها قالت: صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي بَيْتِهِ وَهُوَ شَاكٍ، فَصَلَّى جَالِسًا وَصَلَّى وَرَاءَهُ قَوْمٌ قِيَامًا، فَأَشَارَ إِلَيْهِمْ أَنِ اجْلِسُوا، فَلَمَّا انْصَرَفَ قَالَ: «إِنَّمَا جُعِلَ الإِمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ، فَإِذَا رَكَعَ فَارْكَعُوا، وَإِذَا رَفَعَ فَارْفَعُوا»[565]. [565]صحيح البخاري (1236).

يؤخذ من الحديث: جواز الإشارة والعمل القليل في الصلاة للحاجة، وفيه وجوب متابعة المأموم للإمام إذا لم يأت بما يبطل الصلاة.

ز- تعليم المصلي رد السلام:

عن صهيب رضي الله عنه قال: مَرَرْتُ عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ وَهُوَ يُصَلِّي فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ فَرَدَّ إِلَيَّ إِشَارَةً[566]. [566]سنن الترمذي (367). حسن اسناده الشيخ شعيب الأرناؤوط في سنن ابن ماجه (2/145)

مما نجده في الحديث: جواز رد السلام بالإشارة في الصلاة، وفيه؛ أن الحركة من غير جنس الصلاة للحاجة لا بأس بها، ووجهه: أن النبي ﷺ أشار بيده للسلام للحاجة، ورد السلام باليد أصح من الإشارة بالرأس وهو أن يرفع يده كما رأيناها من الإمام ابن باز رحمه الله.

وعن أنس بن مالك رضي الله عنه، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يُشِيرُ فِي الصَّلَاةِ [567]. [567]سنن أبي داود (943).صححه السيوطي ومقبل الوادعي. السراج المنير (1/233)، الصحيح المسند (2/149).

وقوله رضي الله عنه: «كان يشير في الصلاة»، أي يومئ باليد، يعني يأمر وينهى ويرد السلام، وذلك فعل قليل لا يضر، أو المراد يشير بأصبعه فيها عند الدعاء[568]. [568]التيسير بشرح الجامع الصغير للمناوي (2/276).

43- تعليم الصلاة في كل وقت ملائم:

من الأساليب الناجحة في التعليم اختيار الوقت المناسب للوعظ والإرشاد، وهذا جزء من الحكمة، ولذا فقد كان النبي ﷺ يحرص على ذلك، ولا يفوِّت الوقت اليسير للتوجيه والتعليم سواء كان ذلك في النهار أو في الليل، ومن شواهد ذلك ما يأتي:

أ- التعليم عند الخطأ مباشرة:

كما في حديث المسيء صلاته، وحديث معاوية بن الحكم السلمي، وحديث أبي بكرة رضي الله عنهم[569]. [569]راجع ما سبق.

ب- التعليم عند وقت السؤال:

1- إجابة الصحابة رضي الله عنهم بعد سؤالهم مباشرة:

عن كعب بن عجرة رضي الله عنه قال: قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَدْ عَلِمْنَا كَيْفَ نُسَلِّمُ عَلَيْكَ، فَكَيْفَ نُصَلِّي عَلَيْكَ؟ قَالَ: «فَقُولُوا: اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ، كَمَا صَلَّيْتَ عَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ، إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ، اللَّهُمَّ بَارِكْ عَلَى مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ، كَمَا بَارَكْتَ عَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ، إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ»[570]. [570]صحيح البخاري (6357).

مما نجده في الحديث: أن التعليم عن رسول اللَّه ﷺ ‌تعليم عن اللَّه، فإنه لا ينطق إلا عنه.

2- إجابة أبي هريرة رضي الله عنه بعد سؤاله مباشرة:

عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ، إِذَا كَبَّرَ فِي الصَّلَاةِ، سَكَتَ هُنَيَّةً قَبْلَ أَنْ يَقْرَأَ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي أَرَأَيْتَ سُكُوتَكَ بَيْنَ التَّكْبِيرِ وَالْقِرَاءَةِ، مَا تَقُولُ؟ قَالَ «أَقُولُ: اللهُمَّ بَاعِدْ بَيْنِي وَبَيْنَ خَطَايَايَ كَمَا بَاعَدْتَ بَيْنَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ، اللهُمَّ نَقِّنِي مِنْ خَطَايَايَ كَمَا يُنَقَّى الثَّوْبُ الْأَبْيَضُ مِنَ الدَّنَسِ، اللهُمَّ اغْسِلْنِي مِنْ خَطَايَايَ بِالثَّلْجِ وَالْمَاءِ وَالْبَرَدِ»[571]. [571]صحيح مسلم (598).

قوله رضي الله عنه: «أرأيت سكوتك بين التكبير والقراءة ما تقول؟»؛ يعني: أخبرني عن هذا السكوت ما تقول؟ والمراد بالسكوت هنا: عدم الرفع بالصوت، وهذا كله ‌تعليم للأمة، وزيادة رفع له في درجاته ﷺ.

3- إجابة أبي بكر الصديق رضي الله عنه بعد سؤاله مباشرة:

عَنْ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ رضي الله عنه أَنَّهُ قَالَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ: عَلِّمْنِي دُعَاءً أَدْعُو بِهِ فِي صَلَاتِي، قَالَ: «قُلْ: اللَّهُمَّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي ظُلْمًا كَثِيرًا، وَلَا يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا أَنْتَ، فَاغْفِرْ لِي مَغْفِرَةً مِنْ عِنْدِكَ، وَارْحَمْنِي إِنَّكَ أَنْتَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ»[572]. [572]صحيح البخاري (834).

مما نجده في هذا الحديث: مشروعية طلب تعليم العلم من العلماء، خصوصًا في الدعوات المتعلقة بالصلوات، وفيه: إجابة العالم للمتعلم سؤاله، خصوصًا إذا كان المسؤول علمًا عمليًا، وافتقارًا وتوحيدًا أو تنزيهًا[573]. [573]العدة في شرح العمدة في أحاديث الأحكام لابن العطار (2/627).

ج- التعليم عند الفرص والمناسبات:

عن جرير بن عبد الله رضي الله عنه قال: كُنَّا جُلُوسًا لَيْلَةً مَعَ النَّبِيِّ ﷺ، فَنَظَرَ إِلَى القَمَرِ لَيْلَةَ أَرْبَعَ عَشْرَةَ، فَقَالَ: «إِنَّكُمْ سَتَرَوْنَ رَبَّكُمْ كَمَا تَرَوْنَ هَذَا لاَ تُضَامُونَ فِي رُؤْيَتِهِ، فَإِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ لاَ تُغْلَبُوا عَلَى صَلاَةٍ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا، فَافْعَلُوا»، ثُمَّ قَرَأَ: ﴿...وَسَبِّحۡ بِحَمۡدِ رَبِّكَ قَبۡلَ طُلُوعِ ٱلشَّمۡسِ وَقَبۡلَ ٱلۡغُرُوب﴾[574].[575] [574][ق: 39]. [575]صحيح البخاري (4851)، صحيح مسلم (633).

وإنما خصَّ هذين الوقتين-الصبح والعصر- لاجتماع الملائكة فيهما، ولرفعهم أعمالهم فيها، لئلا يفوتهم هذا الفضل العظيم[576]، ولأن الصبح يغلب الناسَ النومُ عليها، وأن العصر يغلبون عليها بالكسل والسآمة لما كانوا عليه من اشتغالهم ونظرهم في معاشهم. [576]شرح صحيح البخاري لابن بطال (2/178).

د- التعليم عند تسوية الصفوف:

عن النعمان بن بشير رضي الله عنه قال: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يُسَوِّي صُفُوفَنَا حَتَّى كَأَنَّمَا يُسَوِّي بِهَا الْقِدَاحَ حَتَّى رَأَى أَنَّا قَدْ عَقَلْنَا عَنْهُ، ثُمَّ خَرَجَ يَوْمًا فَقَامَ، حَتَّى كَادَ يُكَبِّرُ فَرَأَى رَجُلًا بَادِيًا صَدْرُهُ مِنَ الصَّفِّ، فَقَالَ: «عِبَادَ اللهِ لَتُسَوُّنَّ صُفُوفَكُمْ، أَوْ لَيُخَالِفَنَّ اللهُ بَيْنَ وُجُوهِكُمْ»[577]. [577]صحيح مسلم (436).

مما نجده في الحديث أن النبي ﷺ لم يكن يدع تعليم الصحابة رضي الله عنهم حتى في هذا الوقت اليسير الذي بين إقامة الصلاة والتكبير.

هـ- التعليم أثناء الصلاة:

1- تعليم اتجاه القبلة:

عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما، قال: بَيْنَمَا النَّاسُ فِي صَلَاةِ الصُّبْحِ بِقُبَاءٍ إِذْ جَاءَهُمْ آتٍ فَقَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَدِ اُنْزِلَ عَلَيْهِ اللَّيْلَةَ، وَقَدْ أُمِرَ أَنْ يَسْتَقْبِلَ الْكَعْبَةَ فَاسْتَقْبِلُوهَا، وَكَانَتْ وُجُوهُهُمْ إِلَى الشَّامِ، فَاسْتَدَارُوا إِلَى الْكَعْبَةِ [578]. [578]صحيح البخاري (403).

مما نجده في الحديث: أنه يجوز تعليم من ليس في الصلاة من هو فيها، وفيه: قبول خبر الواحد والعمل به؛ لأن الصحابة قد استعملوه وقضوا به وتركوا قبلتهم بخبر الواحد، ولم ينكر ذلك رسول الله ﷺ[579]. [579]شرح صحيح البخاري لابن بطال (2/6768).

طرق معرفة القبلة:

(1) معرفة القبلة بواسطة الآلات المخترعة، أو الأجهزة المعاصرة الحديثة كالبوصلة وجوجل إيرث (Google Earth) وجي بي إس GPS)).

والدليل على جواز هذه الطريقة: أن الشارع الحكيم لم يحدد وسائل معينة لمعرفة القبلة، ولم يحظر استخدام وسائل تدل على جهة القبلة.

(2) معرفة القبلة بواسطة خبر العدل الذي يُقبل قوله:

والدليل ما رُوي عن ابن عمر رضي الله عنهما، قال: بينا الناس بقباء في صلاة الصبح، إذ جاءهم آت، فقال: إن رسول الله ﷺ قد أنزل عليه الليلة قرآن، وقد أُمر أن يستقبل الكعبة، فاستقبلوها، وكانت وجوههم إلى الشام، فاستداروا إلى الكعبة[580]. [580]صحيح البخاري (403).

(3) معرفة القبلة بواسطة النجوم في الليل:

قال الله تعالى: ﴿...وَبِٱلنَّجۡمِ هُمۡ يَهۡتَدُونَ﴾[581]، وقال: ﴿وَهُوَ ٱلَّذِي جَعَلَ لَكُمُ ٱلنُّجُومَ لِتَهۡتَدُواْ بِهَا فِي ظُلُمَٰتِ ٱلۡبَرِّ وَٱلۡبَحۡرِۗ قَدۡ فَصَّلۡنَا ٱلۡأٓيَٰتِ لِقَوۡمٖ يَعۡلَمُونَ97﴾[582]. [581][النحل: 17]. [582][الأنعام: 97].

فمثلًا: عن طريق نجم الجدي لأنه دائمًا يكون في جهة الشمال، ولمعرفة أين يكون نجم الجدي: ترفع رأسك للسماء وتبحث عن الدب الأكبر (بنات نعش) (السبع)، وهي سبع نجوم نيرة تأخذ شكل حرف السين المعكوسة أو على شكل المغراف، ثم تبحث نجوم (ذات الكرسي) أو ما تسمى سنام البعير، وهي عبارة عن خمس نجوم نيرة، تأخذ شكل الرقم أربعة العربية أو الهندية على الأصح، أو على شكل حرف دبليو بالإنجليزية، ولتحديد جهة الشمال ارسم خطًا وهميًا بين نجوم (السبع) ونجوم (سنام البعير) ترى نجم (الجدي) وهو جهة الشمال دومًا نجم متوحد ليس معه أحد، وإذا عرفت الشمال عرفت باقي الجهات.

(4) معرفة القبلة عن طريق الشمس، وذلك بطريقتين:

(أ) عن طريق معرفة الجهة التي تشرق منها الشمس أو تغرب فيها.

(ب) معرفة القبلة عن طريق ظاهرة تعامد الشمس على مكة المكرمة:

وبيان ذلك: أن الشمس تتحرك شمال خط الاستواء وجنوبه في فصلي الصيف والشتاء، ومكة تقع شمال خط الاستواء (بين خط الاستواء وبين مدار السرطان)، ومعنى هذا، أن الشمس ستمر بمكة مرتين كل سنة، مرة في أثناء حركتها شمال خط الاستواء، والأخرى في أثناء رجوعها، وعند دخول وقت صلاة الظهر حسب التوقيت المحلي لمكة تكون الشمس عمودية تمامًا على مكة المكرمة، فمن ينظر إلى الشمس في هذه اللحظة يكون مستقبلًا لجهة القبلة تمامًا، لأن الشمس في تلك اللحظة تكون فوق مكة مباشرة، ويكفي استقبال جهة الكعبة والانحراف اليسير عن جهة الكعبة لا يضر لأنه غير متعمد، قال ﷺ: «مَا بَيْنَ المَشْرِقِ وَالمَغْرِبِ قِبْلَةٌ»[583]. [583]رواه الترمذي (373) وابن ماجة (1011) وهو صحيح.

2- تعليم موقف المأموم من الإمام:

عن جابر رضي الله عنه في حديثه الطويل وقصة أبي اليسر، وفيه؛ قال:... فَأَخَذَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِيَدَيْنَا جَمِيعًا، فَدَفَعَنَا حَتَّى أَقَامَنَا خَلْفَهُ، فَجَعَلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَرْمُقُنِي وَأَنَا لَا أَشْعُرُ، ثُمَّ فَطِنْتُ بِهِ، فَقَالَ هَكَذَا، بِيَدِهِ - يَعْنِي شُدَّ وَسَطَكَ - فَلَمَّا فَرَغَ رَسُولُ اللهِ ﷺ، قَالَ: «يَا جَابِرُ» قُلْتُ: لَبَّيْكَ، يَا رَسُولَ اللهِ قَالَ: «إِذَا كَانَ وَاسِعًا فَخَالِفْ بَيْنَ طَرَفَيْهِ، وَإِذَا كَانَ ضَيِّقًا فَاشْدُدْهُ عَلَى حَقْوِكَ».

مما نجده في الحديث: أن النبي ﷺ فعل أربعة أمور في الصلاة؛ الأول: أدار جابرًا رضي الله عنه من جهة يساره حتى أقامه عن يمينه، والثاني: أخذ بيد جابر وجبار رضي الله عنهم فدفعهما حتى أقامهما خلفه، والثالث: جعل يرمق جابرًا رضي الله عنه، والرابع: أنه أشار إليه كيف يشد الثوب في وسطه في الصلاة، وفي حديث ابن عباس رضي الله عنهما: فقمت عن يساره، فحولني، فجعلني عن يمينه، ثم صلى ما شاء الله....[584]. [584]صحيح البخاري (859)، صحيح مسلم (763).

3- تعليم جواز إنكار المصلي على المصلي:

في حديث معاوية بن الحكم رضي الله عنه؛ وفيه: «فَرَمَانِي الْقَوْمُ بِأَبْصَارِهِمْ، فَقُلْتُ: وَاثُكْلَ أُمِّيَاهْ، مَا شَأْنُكُمْ؟ تَنْظُرُونَ إِلَيَّ، فَجَعَلُوا يَضْرِبُونَ بِأَيْدِيهِمْ عَلَى أَفْخَاذِهِمْ، فَلَمَّا رَأَيْتُهُمْ يُصَمِّتُونَنِي لَكِنِّي سَكَتُّ[585]. [585]صحيح مسلم (537).

مما نجده في الحديث: أن الصحابة رضي الله عنهم نبهوا معاوية بن الحكم رضي الله عنه وهم في الصلاة، ولم ينكر عليهم النبي ﷺ، فدل ذلك على جواز إنكار المصلي على المصلي في أثناء الصلاة، وذلك بالحركة الخفيفة التي لا تخرج عرفًا عن معنى الصلاة، ويكون ذلك بدون كلام.

4- التعليم بالإشارة لما يُفهم من المصلي:

عَنْ كُرَيْب، أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ، وَالمِسْوَرَ بْنَ مَخْرَمَةَ، وَعَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ أَزْهَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ، أَرْسَلُوهُ إِلَى عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا، فَقَالُوا: اقْرَأْ عَلَيْهَا السَّلاَمَ مِنَّا جَمِيعًا، وَسَلْهَا عَنِ الرَّكْعَتَيْنِ بَعْدَ صَلاَةِ العَصْرِ، وَقُلْ لَهَا: إِنَّا أُخْبِرْنَا عَنْكِ أَنَّكِ تُصَلِّينَهُمَا، وَقَدْ بَلَغَنَا أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَهَى عَنْهَا، وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَكُنْتُ أَضْرِبُ النَّاسَ مَعَ عُمَرَ بْنِ الخَطَّابِ عَنْهَا، فَقَالَ كُرَيْبٌ: فَدَخَلْتُ عَلَى عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا، فَبَلَّغْتُهَا مَا أَرْسَلُونِي، فَقَالَتْ: سَلْ أُمَّ سَلَمَةَ، فَخَرَجْتُ إِلَيْهِمْ، فَأَخْبَرْتُهُمْ بِقَوْلِهَا، فَرَدُّونِي إِلَى أُمِّ سَلَمَةَ بِمِثْلِ مَا أَرْسَلُونِي بِهِ إِلَى عَائِشَةَ، فَقَالَتْ أُمُّ سَلَمَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَنْهَى عَنْهَا، ثُمَّ رَأَيْتُهُ يُصَلِّيهِمَا حِينَ صَلَّى العَصْرَ، ثُمَّ دَخَلَ عَلَيَّ وَعِنْدِي نِسْوَةٌ مِنْ بَنِي حَرَامٍ مِنَ الأَنْصَارِ، فَأَرْسَلْتُ إِلَيْهِ الجَارِيَةَ، فَقُلْتُ: قُومِي بِجَنْبِهِ فَقُولِي لَهُ: تَقُولُ لَكَ أُمُّ سَلَمَةَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، سَمِعْتُكَ تَنْهَى عَنْ هَاتَيْنِ، وَأَرَاكَ تُصَلِّيهِمَا، فَإِنْ أَشَارَ بِيَدِهِ، فَاسْتَأْخِرِي عَنْهُ، فَفَعَلَتِ الجَارِيَةُ، فَأَشَارَ بِيَدِهِ، فَاسْتَأْخَرَتْ عَنْهُ، فَلَمَّا انْصَرَفَ قَالَ: «يَا بِنْتَ أَبِي أُمَيَّةَ، سَأَلْتِ عَنِ الرَّكْعَتَيْنِ بَعْدَ العَصْرِ، وَإِنَّهُ أَتَانِي نَاسٌ مِنْ عَبْدِ القَيْسِ، فَشَغَلُونِي عَنِ الرَّكْعَتَيْنِ اللَّتَيْنِ بَعْدَ الظُّهْرِ فَهُمَا هَاتَانِ»[586]. [586]صحيح البخاري (1233)، صحيح مسلم (834).

مما نجده في الحديث: جواز تكليم المصلي بالغرض الذي يعرض له، وذلك لتقريره ﷺ على ذلك وجواز الرد بالإشارة[587]، وهذه من طرق التعليم، ثم لما قضى صلاته ﷺ بيَّن ذلك أتم البيان. [587]انظر: نيل الأوطار للشوكاني (2/383).

و- التعليم بعد الفراغ من الصلاة:

1- ذكر سبب خلع النعال في الصلاة:

عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ رضي الله عنه أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ صَلَّى فَخَلَعَ نَعْلَيْهِ، فَخَلَعَ النَّاسُ نِعَالَهُمْ، فَلَمَّا انْصَرَفَ قَالَ: «لِمَ خَلَعْتُمْ نِعَالَكُمْ؟» قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، رَأَيْنَاكَ خَلَعْتَ فَخَلَعْنَا، قَالَ: «إِنَّ جِبْرِيلَ أَتَانِي فَأَخْبَرَنِي أَنَّ بِهِمَا خَبَثًا، فَإِذَا جَاءَ أَحَدُكُمُ الْمَسْجِدَ فَلْيَقْلِبْ نَعْلَيْهِ فَلْيَنْظُرْ فِيهِمَا خَبَثٌ، فَإِنْ وَجَدَ فِيهِمَا خَبَثًا فَلْيَمْسَحْهُمَا بِالْأَرْضِ، ثُمَّ لِيُصَلِّ فِيهِمَا»[588]. [588]مسند أحمد (11153). تقدم الكلام عليه ص(27).

لقد كان من هدي النبي ﷺ أن يبادر إلى تعليم الناس في كل ما من شأنه إصلاح الصلاة، ومن تلك الأوقات التي يوجه ويعلم فيها النبي ﷺ أدبار الصلاة المكتوبة، حيث ينبه على حدوث خلل يحتاج معه إلى توجيه أصحابه رضي الله عنهم، فرآهم مرة قد خلعوا نعالهم، واستغرب ذلك منهم، فقال: «لم خلعتم نعالكم؟»، فكأنهم رأوا وجوب الاقتداء به ﷺ لأنه خلع نعليه، فأخبرهم بالسبب الذي جعله يصنع ذلك، وهو الأذى الذي بهما ولم يعلمه.

وهناك أحاديث وردت في تعليم الناس عند الفراغ من الصلاة مثل:

عن جابر بن سمرة رضي الله عنه قال: صَلَّيْتُ مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ فَكُنَّا إِذَا سَلَّمْنَا قُلْنَا بِأَيْدِينَا: السَّلَامُ عَلَيْكُمْ، السَّلَامُ عَلَيْكُمْ، فَنَظَرَ إِلَيْنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ فَقَالَ: «مَا شَأْنُكُمْ تُشِيرُونَ بِأَيْدِيكُمْ كَأَنَّهَا أَذْنَابُ خَيْلٍ شُمْسٍ؟ إِذَا سَلَّمَ أَحَدُكُمْ فَلْيَلْتَفِتْ إِلَى صَاحِبِهِ، وَلَا يُومِئْ بِيَدِهِ»[589]. [589]صحيح مسلم (431).

قوله ﷺ: (كأنها أذناب خيل شمس) وهي التي لا تستقر، بل تضطرب وتتحرك بأذنابها وأرجلها، والمراد بالرفع المنهي عنه هنا رفعهم أيديهم عند السلام مشيرين إلى السلام من الجانبين[590]. [590]المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج للنووي (4/152).

وعن سعيد بن الحارث، قال: سَأَلْنَا جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ عَنِ الصَّلاَةِ فِي الثَّوْبِ الوَاحِدِ، فَقَالَ: خَرَجْتُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فِي بَعْضِ أَسْفَارِهِ، فَجِئْتُ لَيْلَةً لِبَعْضِ أَمْرِي، فَوَجَدْتُهُ يُصَلِّي، وَعَلَيَّ ثَوْبٌ وَاحِدٌ، فَاشْتَمَلْتُ بِهِ وَصَلَّيْتُ إِلَى جَانِبِهِ، فَلَمَّا انْصَرَفَ قَالَ: «مَا السُّرَى يَا جَابِرُ» فَأَخْبَرْتُهُ بِحَاجَتِي، فَلَمَّا فَرَغْتُ قَالَ: «مَا هَذَا الِاشْتِمَالُ الَّذِي رَأَيْتُ»، قُلْتُ: كَانَ ثَوْبٌ - يَعْنِي ضَاقَ - قَالَ: «فَإِنْ كَانَ وَاسِعًا فَالْتَحِفْ بِهِ، وَإِنْ كَانَ ضَيِّقًا فَاتَّزِرْ بِهِ»[591]. [591]صحيح البخاري (361).

وإنما سأله أولًا عن حاجته التي بعثه على المجيء في الليل، حتى إذا فرغ منها، التفت ﷺ إلى إرشاده وتعليمه[592]. [592]مصابيح الجامع للدماميني (2/82).

وعن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها أنها قالت: صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي بَيْتِهِ وَهُوَ شَاكٍ، فَصَلَّى جَالِسًا وَصَلَّى وَرَاءَهُ قَوْمٌ قِيَامًا، فَأَشَارَ إِلَيْهِمْ أَنِ اجْلِسُوا، فَلَمَّا انْصَرَفَ قَالَ: «إِنَّمَا جُعِلَ الإِمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ، فَإِذَا رَكَعَ فَارْكَعُوا، وَإِذَا رَفَعَ فَارْفَعُوا»[593]. [593]صحيح البخاري (688).

قوله: (فصلينا وراءه قعودًا، فلما انصرف) أي: بالسلام من صلاته[594]. [594]مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح للقاري (3/876).

وعن رفاعة بن رافع الزرقي رضي الله عنه قال: كُنَّا يَوْمًا نُصَلِّي وَرَاءَ النَّبِيِّ ﷺ، فَلَمَّا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ الرَّكْعَةِ قَالَ: «سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ»، قَالَ رَجُلٌ وَرَاءَهُ: رَبَّنَا وَلَكَ الحَمْدُ حَمْدًا كَثِيرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ، فَلَمَّا انْصَرَفَ، قَالَ: «مَنِ المُتَكَلِّمُ» قَالَ: أَنَا، قَالَ: «رَأَيْتُ بِضْعَةً وَثَلاَثِينَ مَلَكًا يَبْتَدِرُونَهَا أَيُّهُمْ يَكْتُبُهَا أَوَّلُ»[595]. [595]صحيح البخاري (799).

وهذا يدل على أن التعليم بعد الصلاة مباشرة كان من أكثر الأحوال التي يحرص عليها النبي ﷺ في تبيين الأخطاء بأسلوب تعليمي مشوق.

وعن عبد الله رضي الله عنه قال: كُنَّا إِذَا صَلَّيْنَا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ قُلْنَا: السَّلاَمُ عَلَى اللَّهِ قَبْلَ عِبَادِهِ، السَّلاَمُ عَلَى جِبْرِيلَ، السَّلاَمُ عَلَى مِيكَائِيلَ، السَّلاَمُ عَلَى فُلاَنٍ وَفُلاَنٍ، فَلَمَّا انْصَرَفَ النَّبِيُّ ﷺ، أَقْبَلَ عَلَيْنَا بِوَجْهِهِ، فَقَالَ: «إِنَّ اللَّهَ هُوَ السَّلاَمُ، فَإِذَا جَلَسَ أَحَدُكُمْ فِي الصَّلاَةِ فَلْيَقُلْ: التَّحِيَّاتُ لِلَّهِ، وَالصَّلَوَاتُ، وَالطَّيِّبَاتُ، السَّلاَمُ عَلَيْكَ أَيُّهَا النَّبِيُّ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ، السَّلاَمُ عَلَيْنَا وَعَلَى عِبَادِ اللَّهِ الصَّالِحِينَ، فَإِنَّهُ إِذَا قَالَ ذَلِكَ أَصَابَ كُلَّ عَبْدٍ صَالِحٍ فِي السَّمَاءِ وَالأَرْضِ، أَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، ثُمَّ يَتَخَيَّرْ بَعْدُ مِنَ الكَلاَمِ مَا شَاءَ»[596]. [596]صحيح البخاري (6230).

وفي الحديث أن النبي ﷺ لما سمع الصحابة في الصلاة يقولون هذه الجملة ويسلمون على المولى سبحانه أنكر عليهم، فقال: إن الله هو السلام، أي: فكيف تقولون السلام على من يعطينا السلام؟ –جل وعلا-.

وعن مالك بن بحينة رضي الله عنه أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ رَأَى رَجُلًا وَقَدْ أُقِيمَتِ الصَّلاَةُ يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ، فَلَمَّا انْصَرَفَ رَسُولُ اللَّه ﷺ لاَثَ بِهِ النَّاسُ، وَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «الصُّبْحَ أَرْبَعًا، الصُّبْحَ أَرْبَعًا»[597]. [597]صحيح البخاري (663).

وعند مسلم عن ابن بحينة، قال: أُقِيمَتْ صَلَاةُ الصُّبْحِ، فَرَأَى رَسُولُ اللهِ ﷺ رَجُلًا يُصَلِّي وَالْمُؤَذِّنُ يُقِيمُ، فَقَالَ: «أَتُصَلِّي الصُّبْحَ أَرْبَعًا؟»[598]. [598]صحيح مسلم (711)، وقوله: (لاث به الناس): أي؛ أحاطوا به واجتمعوا. كشف المشكل من حديث الصحيحين لابن الجوزي (4/68)

وفائدة التكرار تأكيد الإنكار، والحكمة فيه: أن يتفرغ للفريضة من أولها، فيشرع فيها عقب شروع الإمام، والمحافظة على مكملات الفريضة أولى من التشاغل بالنافلة[599]. [599]تطريز رياض الصالحين لفيصل المبارك (ص989).

ح- التعليم فيما يسع فيه الخلاف:

عن عبد الرحمن بن يزيد، قال: صَلَّى عُثْمَانُ بِمِنًى أَرْبَعًا فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ: صَلَّيْتُ مَعَ النَّبِىِّ ﷺ رَكْعَتَيْنِ وَمَعَ أَبِى بَكْرٍ رَكْعَتَيْنِ وَمَعَ عُمَرَ رَكْعَتَيْنِ زَادَ عَنْ حَفْصٍ وَمَعَ عُثْمَانَ صَدْرًا مِنْ إِمَارَتِهِ ثُمَّ أَتَمَّهَا. زَادَ مِنْ هَا هُنَا عَنْ أَبِى مُعَاوِيَةَ ثُمَّ تَفَرَّقَتْ بِكُمُ الطُّرُقُ فَلَوَدِدْتُ أَنَّ لِى مِنْ أَرْبَعِ رَكَعَاتٍ رَكْعَتَيْنِ مُتَقَبَّلَتَيْنِ. قَالَ الأَعْمَشُ فَحَدَّثَنِى مُعَاوِيَةُ بْنُ قُرَّةَ عَنْ أَشْيَاخِهِ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ صَلَّى أَرْبَعًا قَالَ فَقِيلَ لَهُ عِبْتَ عَلَى عُثْمَانَ ثُمَّ صَلَّيْتَ أَرْبَعًا قَالَ الْخِلاَفُ شَرٌّ[600]. [600]سنن أبي داود (1960).

مما نجده في هذا الأثر أن التعليم إذا كان مدعاة للاختلاف والتنازع فلا بأس أن يؤخر تبليغه إذا كان من المسائل التي يسع فيها الخلاف.

44- تعليم الصلاة في كل مكان مناسب:

إن المتأمل لسيرة النبي ﷺ يجد أنه لم يجعل التعليم محصورًا في مكان دون غيره، بل كان يعلِّم الصحابة الكرام في كل مكان وجد فيه فرصة للتعليم، وفيما يأتي بعض الشواهد الدالة على هذه الأمور:

أ- التعليم في السفر:

عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ، أَنَّهُ سَمِعَهُ يَقُولُ: دَفَعَ رَسُولُ اللهِ ﷺ مِنْ عَرَفَةَ حَتَّى إِذَا كَانَ بِالشِّعْبِ نَزَلَ فَبَالَ ثُمَّ تَوَضَّأَ وَلَمْ يُسْبِغِ الْوُضُوءَ، فَقُلْتُ لَهُ: الصَّلَاةَ، قَالَ: «الصَّلَاةُ أَمَامَكَ» فَرَكِبَ، فَلَمَّا جَاءَ الْمُزْدَلِفَةَ نَزَلَ فَتَوَضَّأَ، فَأَسْبَغَ الْوُضُوءَ، ثُمَّ أُقِيمَتِ الصَّلَاةُ فَصَلَّى الْمَغْرِبَ، ثُمَّ أَنَاخَ كُلُّ إِنْسَانٍ بَعِيرَهُ فِي مَنْزِلِهِ، ثُمَّ أُقِيمَتِ الْعِشَاءُ فَصَلَّاهَا، وَلَمْ يُصَلِّ بَيْنَهُمَا شَيْئًا[601]. [601]صحيح مسلم (1280).

وفي الحديث دليل على أنه لا ينبغي في ليلة المزدلفة أن يشتغل الناس بالذكر أو بالقرآن أو بالصلاة؛ لأن النبي ﷺ اضطجع حتى طلع الفجر، وهذا من حسن رعايته لنفسه -عليه الصلاة والسلام-؛ لأنه بعد التعب في المسير من عرفة إلى مزدلفة، وفي النهار كان مشتغلًا بالدعاء وبتعليم الناس وتوجيههم، والنفس تحتاج إلى راحة، فنام كل الليل، ولم يذكر جابر ولا غيره فيما أعلم: هل أوتر النبي ﷺ أو لا؟ والظاهر أنه أوتر؛ لأنه لم يكن يدع الوتر لا حضرًا ولا سفرًا[602]. [602]فتح ذي الجلال والإكرام بشرح بلوغ المرام لابن عثيمين (3/407).

وعن المغيرة بن شعبة رضي الله عنه أَنَّهُ غَزَا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ تَبُوكَ قَالَ الْمُغِيرَةُ فَتَبَرَّزَ رَسُولُ اللهِ ﷺ قِبَلَ الْغَائِطِ فَحَمَلْتُ مَعَهُ إِدَاوَةً قَبْلَ صَلاَةِ الْفَجْرِ، فَلَمَّا رَجَعَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إِلَيَّ أَخَذْتُ أُهَرِيقُ عَلَى يَدَيْهِ مِنَ الإِدَاوَةِ وَغَسَلَ يَدَيْهِ ثَلاَثَ مَرَّاتٍ ثُمَّ غَسَلَ وَجْهَهُ، ثُمَّ ذَهَبَ يُخْرِجُ جُبَّتَهُ عَنْ ذِرَاعَيْهِ، فَضَاقَ كُمَّا جُبَّتِهِ فَأَدْخَلَ يَدَيْهِ فِي الْجُبَّةِ، حَتَّى أَخْرَجَ ذِرَاعَيْهِ مِنْ أَسْفَلِ الْجُبَّةِ، وَغَسَلَ ذِرَاعَيْهِ إِلَى الْمِرْفَقَيْنِ، ثُمَّ تَوَضَّأَ عَلَى خُفَّيْهِ، ثُمَّ أَقْبَلَ.

قَالَ الْمُغِيرَةُ: فَأَقْبَلْتُ مَعَهُ حَتَّى نَجِدُ النَّاسَ قَدْ قَدَّمُوا عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ فَصَلَّى لَهُمْ فَأَدْرَكَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إِحْدَى الرَّكْعَتَيْنِ فَصَلَّى مَعَ النَّاسِ الرَّكْعَةَ الآخِرَةَ، فَلَمَّا سَلَّمَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ قَامَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يُتِمُّ صَلاَتَهُ فَأَفْزَعَ ذَلِكَ الْمُسْلِمِينَ فَأَكْثَرُوا التَّسْبِيحَ فَلَمَّا قَضَى النَّبِيُّ ﷺ صَلاَتَهُ أَقْبَلَ عَلَيْهِمْ، ثُمَّ قَالَ: «أَحْسَنْتُمْ، أَوْ قَالَ: قَدْ أَصَبْتُمْ» يَغْبِطُهُمْ أَنْ صَلَّوُا الصَّلاَةَ لِوَقْتِهَا[603]. [603]صحيح مسلم (274).

وعن أبي أيوب رضي الله عنه أَنَّ أَعْرَابِيًّا عَرَضَ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ وَهُوَ فِي سَفَرٍ، فَأَخَذَ بِخِطَامِ نَاقَتِهِ - أَوْ بِزِمَامِهَا ثُمَّ قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ - أَوْ يَا مُحَمَّدُ - أَخْبِرْنِي بِمَا يُقَرِّبُنِي مِنَ الْجَنَّةِ، وَمَا يُبَاعِدُنِي مِنَ النَّارِ، قَالَ: فَكَفَّ النَّبِيُّ ﷺ، ثُمَّ نَظَرَ فِي أَصْحَابِهِ، ثُمَّ قَالَ: «لَقَدْ وُفِّقَ، أَوْ لَقَدْ هُدِيَ»، قَالَ: كَيْفَ قُلْتَ؟ قَالَ: فَأَعَادَ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «تَعْبُدُ اللهَ لَا تُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا، وَتُقِيمُ الصَّلَاةَ، وَتُؤْتِي الزَّكَاةَ، وَتَصِلُ الرَّحِمَ، دَعِ النَّاقَةَ»[604]. [604]المرجع السابق (13).

نجد في هذه الأحاديث: أن التعليم كان حاضرًا في السفر كما كان في الحضر، ولم يكن يمنعه ﷺ كونه مسافرًا أن يترك تعليم الناس، بل ربما كانت الحاجة أمس إلى التعليم في السفر، لما يعرض فيه من العوارض والأحداث أكثر من غيره من الأماكن.

ب- التعليم في المسجد:

كصلاته ﷺ على المنبر، وحديث المسيء صلاته[605]. [605]راجع ما سبق.

ج- التعليم في البيت:

عن ابن عباس رضي الله عنهما، قال: بِتُّ عِنْدَ خَالَتِي مَيْمُونَةَ، فَقُلْتُ: لَأَنْظُرَنَّ إِلَى صَلاَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَطُرِحَتْ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ وِسَادَةٌ، فَنَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي طُولِهَا، فَجَعَلَ يَمْسَحُ النَّوْمَ عَنْ وَجْهِهِ، ثُمَّ قَرَأَ الآيَاتِ العَشْرَ الأَوَاخِرَ مِنْ آلِ عِمْرَانَ، حَتَّى خَتَمَ ثُمَّ أَتَى شَنًّا مُعَلَّقًا، فَأَخَذَهُ فَتَوَضَّأَ ثُمَّ قَامَ يُصَلِّي فَقُمْتُ فَصَنَعْتُ مِثْلَ مَا صَنَعَ، ثُمَّ جِئْتُ فَقُمْتُ إِلَى جَنْبِهِ فَوَضَعَ يَدَهُ عَلَى رَأْسِي، ثُمَّ أَخَذَ بِأُذُنِي فَجَعَلَ يَفْتِلُهَا، ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ أَوْتَرَ[606]. [606]صحيح البخاري (4570).

وفي رواية: فَقُمْتُ عَنْ يَسَارِهِ، فَحَوَّلَنِي، فَجَعَلَنِي عَنْ يَمِينِهِ، ثُمَّ صَلَّى مَا شَاءَ اللَّهُ[607]. [607]المرجع السابق (859).

فعلم النبي ﷺ ابن عباس في صلاته أمورًا لم يكن يعرفها إلا في هذا الحديث.

د- التعليم عند زيارة المريض:

1- تعليم جابر رضي الله عنه السجود في الصلاة:

عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ عَادَ مَرِيضًا فَرَآهُ يُصَلِّي عَلَى وِسَادَةٍ فَأَخَذَهَا فَرَمَى بِهَا، فَأَخَذَ عُودًا لِيُصَلِّيَ عَلَيْهِ فَأَخَذَهُ فَرَمَى بِهِ وَقَالَ: «صَلِّ عَلَى الْأَرْضِ إِنِ اسْتَطَعْتَ وَإِلَّا فَأَوْمِ إِيمَاءً وَاجْعَلْ سُجُودَكَ أَخْفَضَ مِنْ رُكُوعِكَ»[608]. [608]السنن الكبرى للبيهقي (3718). تقدم الكلام عليه ص(180).

مما نجده في الحديث: أن النبي ﷺ رمى بالوسادة التي لا تصلح أن تكون محلًّا للسجود، وجعل مرجع ذلك إلى الاستطاعة، فإن استطاع المريض السجود وإلا فلا حاجة لهذه الوسادة.

2- تعليم عمران رضي الله عنه القيام في الصلاة:

عن عمران بن حصين رضي الله عنه، قال: كَانَتْ بِي بَوَاسِيرُ، فَسَأَلْتُ النَّبِيَّ ﷺ عَنِ الصَّلاَةِ، فَقَالَ: «صَلِّ قَائِمًا، فَإِنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَقَاعِدًا، فَإِنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَعَلَى جَنْبٍ»[609]. [609]صحيح البخاري (1117).

فأرشده النبي سبحانه وتعالى عندما علم بمرضه إلى أن يصلي قائمًا، فإن لم يستطع ينتقل إلى الجلوس، فإن لم يستطع ينتقل إلى الصلاة على السرير، ويتجه بوجهه وصدره إلى القبلة.

الفصل التاسع

ويشمل على ذلك:

إتاحة الفرصة للسؤال.

الثناء على المتعلم.

الإجابة بأكثر مما سأل السائل.

السماح بالمراجعة والمناقشة لزيادة الفهم.

سماح المعلم لطالبه بتنبيهه عند احتمال الخطأ.

إعطاء الفرصة للتلميذ للتحدث.

استفسار المعلم عند احتمال الخطأ.

إجابة المتعلمين بحسب أحوالهم.

تفقد المتعلمين.

مراعاة الفروق الفردية بين المتعلمين.

وصيته للدعاة بتعليم من وراءهم أمور الصلاة.

45- إتاحة الفرصة للسؤال:

مما نجده في السنة أن النبي ﷺ كان يعطي الفرصة لطرح السؤال عليه، ويجيب عن السؤال من غير تضجر أو تململ من المسائل، ومن تلك الأسئلة في موضوع الصلاة ما يأتي:

أ- السؤال عن أحب الأعمال إلى الله:

عن عبد الله رضي الله عنه قال: سَأَلْتُ النَّبِيَّ ﷺ: أَيُّ العَمَلِ أَحَبُّ إِلَى اللَّهِ؟ قَالَ: «الصَّلاَةُ عَلَى وَقْتِهَا»، قَالَ: ثُمَّ أَيٌّ؟ قَالَ: «ثُمَّ بِرُّ الوَالِدَيْنِ» قَالَ: ثُمَّ أَيٌّ؟ قَالَ: «الجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ» قَالَ: حَدَّثَنِي بِهِنَّ، وَلَوِ اسْتَزَدْتُهُ[610]. [610]صحيح البخاري (527).

وهذا السائل عن أفضل الأعمال إنما سأل طلبًا لمعرفة ما ينبغي تقديمه منها، وحرصًا على علم الأصل، ليتأكد القصد إليه، وتشتد المحافظة عليه[611]. [611]إحكام الأحكام شرح عمدة الأحكام لابن دقيق العيد (1/162).

وقد رغب ابن مسعود رضي الله عنه في الاسترسال في السؤال حرصًا على الاستزادة من العلم ومعرفة أبواب الخير، لكنه استشعر، أو خاف ملل الرسول ﷺ فسكت شفقة منه عليه، وهو يعلم أنه لو سأل زيادة لأجيب[612]. [612]المنهل الحديث في شرح الحديث لموسى لاشين (1/121).

ب- السؤال عن أول مسجد وضع في الأرض:

عن أبي ذر رضي الله عنه قال: قُلْتُ يَا رَسُولَ اللهِ: أَيُّ مَسْجِدٍ وُضِعَ فِي الْأَرْضِ أَوَّلُ؟ قَالَ: «الْمَسْجِدُ الْحَرَامُ» قُلْتُ: ثُمَّ أَيٌّ؟ قَالَ: «الْمَسْجِدُ الْأَقْصَى» قُلْتُ: كَمْ بَيْنَهُمَا؟ قَالَ: «أَرْبَعُونَ سَنَةً، وَأَيْنَمَا أَدْرَكَتْكَ الصَّلَاةُ فَصَلِّ فَهُوَ مَسْجِدٌ» وَفِي حَدِيثِ أَبِي كَامِلٍ «ثُمَّ حَيْثُمَا أَدْرَكَتْكَ الصَّلَاةُ فَصَلِّهِ، فَإِنَّهُ مَسْجِدٌ»[613]. [613]صحيح مسلم (520).

وقوله ﷺ: «حيثما أدركتك الصلاة» إشارة إلى المحافظة على الصلاة في وقتها.

ج- السؤال عن أركان الإسلام:

عن طلحة بن عبيد الله رضي الله عنه أَنَّ أَعْرَابِيًّا جَاءَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ثَائِرَ الرَّأْسِ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَخْبِرْنِي مَاذَا فَرَضَ اللَّهُ عَلَيَّ مِنَ الصَّلاَةِ؟ فَقَالَ: «الصَّلَوَاتِ الخَمْسَ إِلَّا أَنْ تَطَّوَّعَ شَيْئًا»، فَقَالَ: أَخْبِرْنِي مَا فَرَضَ اللَّهُ عَلَيَّ مِنَ الصِّيَامِ؟ فَقَالَ: «شَهْرَ رَمَضَانَ إِلَّا أَنْ تَطَّوَّعَ شَيْئًا»، فَقَالَ: أَخْبِرْنِي بِمَا فَرَضَ اللَّهُ عَلَيَّ مِنَ الزَّكَاةِ؟ فَقَالَ: فَأَخْبَرَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ شَرَائِعَ الإِسْلاَمِ، قَالَ: وَالَّذِي أَكْرَمَكَ، لاَ أَتَطَوَّعُ شَيْئًا، وَلاَ أَنْقُصُ مِمَّا فَرَضَ اللَّهُ عَلَيَّ شَيْئًا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «أَفْلَحَ إِنْ صَدَقَ، أَوْ دَخَلَ الجَنَّةَ إِنْ صَدَقَ»[614]. [614]صحيح البخاري (1891).

وهذا السائل كان مسترشدًا طالب هدىً؛ والمرشد والهادي ينبغي له أن يوصل السائل إلى الغرض، بألطف وجه، وأقرب طريق بما هو أنفع للسائل، وأحسن عنده وقعًا، وأن يرفق به، وأن يكون جوابه على حسب حال السائل[615]. [615]الشافي في شرح مسند الشافعي لابن الأثير (1/339).

46- الثناء على المتعلم:

أصناف المتعلمين كثيرة؛ فمنهم الحاذق ومنهم دون ذلك، فهم متفاوتون تفاوتًا كبيرًا، ولذا ينبغي للمعلم أن يستثمر النبوغ الذي يظهر عند المتعلم ويثني عليه، وقد ورد في السنة في مقام الصلاة شيء من ذلك:

أ- الثناء على السائل إذا وُفِّق وهُدي في طرحه:

عن أبي أيوب رضي الله عنه أَنَّ أَعْرَابِيًّا عَرَضَ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ وَهُوَ فِي سَفَرٍ، فَأَخَذَ بِخِطَامِ نَاقَتِهِ - أَوْ بِزِمَامِهَا ثُمَّ قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ - أَوْ يَا مُحَمَّدُ - أَخْبِرْنِي بِمَا يُقَرِّبُنِي مِنَ الْجَنَّةِ، وَمَا يُبَاعِدُنِي مِنَ النَّارِ، قَالَ: فَكَفَّ النَّبِيُّ ﷺ، ثُمَّ نَظَرَ فِي أَصْحَابِهِ، ثُمَّ قَالَ: «لَقَدْ وُفِّقَ، أَوْ لَقَدْ هُدِيَ»، قَالَ: كَيْفَ قُلْتَ؟ قَالَ: فَأَعَادَ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «تَعْبُدُ اللهَ لَا تُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا، وَتُقِيمُ الصَّلَاةَ، وَتُؤْتِي الزَّكَاةَ، وَتَصِلُ الرَّحِمَ، دَعِ النَّاقَةَ»[616]. [616]صحيح مسلم (13).

وقوله ﷺ: «لقد وفق، أو لقد هدي» يدل على استحسانه لهذا السؤال، وثناءه على السائل، حيث شهد له بالتوفيق والهداية لما ينبغي أن يسأل عنه، ثم أجابه النبي ﷺ بما يتعين عليه في تلك الحال[617]. [617]انظر: المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم للقرطبي (6/530).

ب- الثناء على السائل بذكر عاقبته الحسنة:

عن أبي هريرة رضي الله عنه أَنَّ أَعْرَابِيًّا جَاءَ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ، فَقَالَ: يَا رَسُولِ اللهِ، دُلَّنِي عَلَى عَمَلٍ إِذَا عَمِلْتُهُ دَخَلْتُ الْجَنَّةَ، قَالَ: «تَعْبُدُ اللهَ لَا تُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا، وَتُقِيمُ الصَّلَاةَ الْمَكْتُوبَةَ، وَتُؤَدِّي الزَّكَاةَ الْمَفْرُوضَةَ، وَتَصُومُ رَمَضَانَ»، قَالَ: وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَا أَزِيدُ عَلَى هَذَا شَيْئًا أَبَدًا، وَلَا أَنْقُصُ مِنْهُ، فَلَمَّا وَلَّى قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «مَنْ سَرَّهُ أَنَّ يَنْظُرَ إِلَى رَجُلٍ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ، فَلْيَنْظُرْ إِلَى هَذَا»[618]، وفي رواية «أَفْلَحَ إِنْ صَدَقَ»[619]. [618]صحيح البخاري (1397). [619]المرجع السابق (46).

فعلِم النبي ﷺ أنه يوفي بما التزم، وأنه سيداوم على ذلك ويدخل الجنة، وأما قوله ﷺ: «أفلح إن صدق»؛ فيه تعليق الفلاح على صدقه.

ج- الثناء على السائل بذكر عظم قدر المسؤول عنه:

عن معاذ بن جبل رضي الله عنه قال: كُنْتُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فِي سَفَرٍ، فَأَصْبَحْتُ يَوْمًا قَرِيبًا مِنْهُ وَنَحْنُ نَسِيرُ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ أَخْبِرْنِي بِعَمَلٍ يُدْخِلُنِي الجَنَّةَ وَيُبَاعِدُنِي عَنِ النَّارِ، قَالَ: «لَقَدْ سَأَلْتَنِي عَنْ عَظِيمٍ، وَإِنَّهُ لَيَسِيرٌ عَلَى مَنْ يَسَّرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ، تَعْبُدُ اللَّهَ وَلاَ تُشْرِكْ بِهِ شَيْئًا، وَتُقِيمُ الصَّلاَةَ، وَتُؤْتِي الزَّكَاةَ، وَتَصُومُ رَمَضَانَ، وَتَحُجُّ البَيْتَ» ثُمَّ قَالَ: «أَلاَ أَدُلُّكَ عَلَى أَبْوَابِ الخَيْرِ: الصَّوْمُ جُنَّةٌ، وَالصَّدَقَةُ تُطْفِئُ الخَطِيئَةَ كَمَا يُطْفِئُ الْمَاءُ النَّارَ، وَصَلاَةُ الرَّجُلِ مِنْ جَوْفِ اللَّيْلِ» قَالَ: ثُمَّ تَلاَ ﴿تَتَجَافَىٰ جُنُوبُهُمۡ عَنِ ٱلۡمَضَاجِعِ...﴾[620] ، حتى بلغ ﴿يَعۡمَلُونَ﴾[621]، ثُمَّ قَالَ: أَلاَ أُخْبِرُكَ بِرَأْسِ الأَمْرِ كُلِّهِ وَعَمُودِهِ، وَذِرْوَةِ سَنَامِهِ؟ قُلْتُ: بَلَى يَا رَسُولَ اللهِ، قَالَ: «رَأْسُ الأَمْرِ الإِسْلاَمُ، وَعَمُودُهُ الصَّلاَةُ، وَذِرْوَةُ سَنَامِهِ الجِهَادُ» ثُمَّ قَالَ: «أَلاَ أُخْبِرُكَ بِمَلاَكِ ذَلِكَ كُلِّهِ؟» قُلْتُ: بَلَى يَا نَبِيَّ اللهِ، فَأَخَذَ بِلِسَانِهِ قَالَ: «كُفَّ عَلَيْكَ هَذَا»، فَقُلْتُ: يَا نَبِيَّ اللهِ، وَإِنَّا لَمُؤَاخَذُونَ بِمَا نَتَكَلَّمُ بِهِ؟ فَقَالَ: «ثَكِلَتْكَ أُمُّكَ يَا مُعَاذُ، وَهَلْ يَكُبُّ النَّاسَ فِي النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ أَوْ عَلَى مَنَاخِرِهِمْ إِلاَّ حَصَائِدُ أَلْسِنَتِهِمْ»[622]. [620][السجدة: 16]. [621][السجدة: 17]. [622]سنن الترمذي (2616). صححه الترمذي والشيخ شعيب الأرناؤوط. تحقيق مسند أحمد (36/345).

وقوله: «لقد سألت عن عظيم»، هو كما قال ﷺ لأن عِظم الـمُسَبَّبات بعظم الأسباب، ودخول الجنة والتباعد عن النار أمر عظيم سببه امتثال كل مأمور، واجتناب كل محظور[623]، فلله در معاذ ما أفصحه! لقد أوجز وأبلغ، وحمد الشارع مسألته، وأعجبه من فصاحته، وقال: «لقد سألت عن عظيم»[624]. [623]التعيين في شرح الأربعين للطوفي (1/220). [624]المعين على تفهم الأربعين لابن الملقن (ص351).

د- الثناء على المصلين بتصويب فعلهم:

1- الثناء على الصحابة رضي الله عنهم حين صلوا الصلاة في وقتها:

عن المغيرة بن شعبة رضي الله عنه أَنَّهُ غَزَا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ تَبُوكَ، فَتَبَرَّزَ رَسُولُ اللهِ ﷺ قِبَلَ الْغَائِطِ فَحَمَلْتُ مَعَهُ إِدَاوَةً قَبْلَ صَلَاةِ الْفَجْرِ، فَلَمَّا رَجَعَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إِلَيَّ أَخَذْتُ أُهَرِيقُ عَلَى يَدَيْهِ مِنَ الْإِدَاوَةِ وَغَسَلَ يَدَيْهِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ ثُمَّ غَسَلَ وَجْهَهُ، ثُمَّ ذَهَبَ يُخْرِجُ جُبَّتَهُ عَنْ ذِرَاعَيْهِ، فَضَاقَ كُمَّا جُبَّتِهِ فَأَدْخَلَ يَدَيْهِ فِي الْجُبَّةِ، حَتَّى أَخْرَجَ ذِرَاعَيْهِ مِنْ أَسْفَلِ الْجُبَّةِ، وَغَسَلَ ذِرَاعَيْهِ إِلَى الْمِرْفَقَيْنِ، ثُمَّ تَوَضَّأَ عَلَى خُفَّيْهِ، ثُمَّ أَقْبَلَ، قَالَ الْمُغِيرَةُ: فَأَقْبَلْتُ مَعَهُ حَتَّى نَجِدُ النَّاسَ قَدْ قَدَّمُوا عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ فَصَلَّى لَهُمْ، فَأَدْرَكَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إِحْدَى الرَّكْعَتَيْنِ فَصَلَّى مَعَ النَّاسِ الرَّكْعَةَ الْآخِرَةَ، فَلَمَّا سَلَّمَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ قَامَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يُتِمُّ صَلَاتَهُ فَأَفْزَعَ ذَلِكَ الْمُسْلِمِينَ فَأَكْثَرُوا التَّسْبِيحَ فَلَمَّا قَضَى النَّبِيُّ ﷺ صَلَاتَهُ أَقْبَلَ عَلَيْهِمْ، ثُمَّ قَالَ: «أَحْسَنْتُمْ» أَوْ قَالَ: «قَدْ أَصَبْتُمْ» يَغْبِطُهُمْ أَنْ صَلَّوُا الصَّلَاةَ لِوَقْتِهَا[625]. [625]صحيح مسلم (274).

ومعنى يغبطهم: يحسن لهم فعلهم، ويمدحهم عليه، ويبين لهم أنه مما يغبط على مثله[626]، وقوله ﷺ: «قد أحسنتم» فيه دليل على أنه ينبغي أن يحمد ويشكر كل من بادر إلى أداء فريضة، أو سارع إلى عمل ما يجب عليه فعله[627]. [626]كشف المشكل من حديث الصحيحين لابن الجوزي (4/101). [627]شرح سنن أبي داود لابن رسلان (2/135).

2- الثناء على معاذ رضي الله عنه حين دخل في الصلاة ثم قضى ما فاته:

عن معاذ بن جبل رضي الله عنه قال: كَان الصَّحَابة يَأْتُونَ الصَّلَاةَ، وَقَدْ سَبَقَهُمْ بِبَعْضِهَا النَّبِيُّ ﷺ قَالَ: فَكَانَ الرَّجُلُ يُشِيرُ إِلَى الرَّجُلِ إِذَا جَاءَ كَمْ صَلَّى؟ فَيَقُولُ: وَاحِدَةً أَوْ اثْنَتَيْنِ فَيُصَلِّيهَا، ثُمَّ يَدْخُلُ مَعَ الْقَوْمِ فِي صَلَاتِهِمْ قَالَ: فَجَاءَ مُعَاذٌ فَقَالَ: لَا أَجِدُهُ عَلَى حَالٍ أَبَدًا إِلَّا كُنْتُ عَلَيْهَا، ثُمَّ قَضَيْتُ مَا سَبَقَنِي. قَالَ: فَجَاءَ وَقَدْ سَبَقَهُ النَّبِيُّ ﷺ بِبَعْضِهَا قَالَ: فَثَبَتَ مَعَهُ، فَلَمَّا قَضَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ صَلَاتَهُ قَامَ فَقَضَى فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إِنَّهُ قَدْ سَنَّ لَكُمْ مُعَاذٌ فَهَكَذَا فَاصْنَعُوا»[628]. [628]مسند أحمد (22124)، سنن أبي داود (506). قال الشوكاني: والحديث وإن كان فيه ضعف كما قال الحافظ لكن يشهد له ما عند أحمد وأبى داود من حديث ابن أبى ليلى عن معاذ. نيل الأوطار (1/230).

وفي الحديث: أن رسول الله ﷺ رضي عن فعل معاذ رضي الله عنه ورغّب الناس عليه، وأسلكهم على هذه الطريقة حيث قال: «إن معاذًا قد سن لكم... إلخ»[629]، ونسب ﷺ هذه السنة إلى معاذ رضي الله عنه ظاهرًا لإجرائها على يديه أولًا، وإلا فهي سنته ﷺ لأنه أقرّها وأمر بها[630]. [629]عون المعبود شرح سنن أبي داود للعظيم أبادي (2/135). [630]المنهل العذب المورود شرح سنن أبي داود للسبكي (4/155).

47- الإجابة بأكثر مما سأل السائل:

من الكرم في إجابة السائلين الإجابة بأكثر مما سأل مما يحتاجه السائل، ولهذا ينبغي للمفتي أن يكون مبينًا في الجواب عما قد يحتاجه السائل أو غيره حتى يكون أكثر عملًا بالنصيحة للمسلمين، ومن ذلك في أمور الصلاة ما يأتي:

أ- إجابة الصحابي بأكثر مما سأل لما قد يحتاجه:

عن عمران بن حصين رضي الله عنه -وكان مبسورًا- قال: سَأَلْتُ النَّبِيَّ ﷺ عَنْ صَلاَةِ الرَّجُلِ وَهُوَ قَاعِدٌ، فَقَالَ: «مَنْ صَلَّى قَائِمًا فَهُوَ أَفْضَلُ، وَمَنْ صَلَّى قَاعِدًا فَلَهُ نِصْفُ أَجْرِ القَائِمِ، وَمَنْ صَلَّى نَائِمًا فَلَهُ نِصْفُ أَجْرِ القَاعِدِ»[631]. [631]صحيح البخاري (1116).

وقد بوب البخاري في صحيحه: (باب من أجاب السائل بأكثر مما سأله): إشارة منه إلى أنه بلغ الغاية في الجواب عملًا بالنصيحة، واعتمادًا على النية الصحيحة، والعالم والمفتي إذا سئل عن شيء فأجاب عنه وهو يعلم أن بالسائل حاجة إلى ما وراءه من الأمور التي تتضمنها مسألته أو تتصل بمسألته، كان مستحبًا له تعليمه إياه، والزيادة في الجواب عن مسألته.

ب- تعليم من أخطأ في الصلاة خطأه وزيادة مما قد تمس الحاجة إلى تعلمه:

عن أبي هريرة رضي الله عنه أَنَّ رَجُلًا دَخَلَ المَسْجِدَ، وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ جَالِسٌ فِي نَاحِيَةِ المَسْجِدِ، فَصَلَّى ثُمَّ جَاءَ فَسَلَّمَ عَلَيْهِ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «وَعَلَيْكَ السَّلاَمُ، ارْجِعْ فَصَلِّ فَإِنَّكَ لَمْ تُصَلِّ» فَرَجَعَ فَصَلَّى ثُمَّ جَاءَ فَسَلَّمَ، فَقَالَ: «وَعَلَيْكَ السَّلاَمُ، فَارْجِعْ فَصَلِّ، فَإِنَّكَ لَمْ تُصَلِّ» فَقَالَ فِي الثَّانِيَةِ، أَوْ فِي الَّتِي بَعْدَهَا: عَلِّمْنِي يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَقَالَ: «إِذَا قُمْتَ إِلَى الصَّلاَةِ فَأَسْبِغِ الوُضُوءَ، ثُمَّ اسْتَقْبِلِ القِبْلَةَ فَكَبِّرْ، ثُمَّ اقْرَأْ بِمَا تَيَسَّرَ مَعَكَ مِنَ القُرْآنِ، ثُمَّ ارْكَعْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ رَاكِعًا، ثُمَّ ارْفَعْ حَتَّى تَسْتَوِيَ قَائِمًا، ثُمَّ اسْجُدْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ سَاجِدًا، ثُمَّ ارْفَعْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ جَالِسًا، ثُمَّ اسْجُدْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ سَاجِدًا، ثُمَّ ارْفَعْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ جَالِسًا، ثُمَّ افْعَلْ ذَلِكَ فِي صَلاَتِكَ كُلِّهَا» وَقَالَ أَبُو أُسَامَةَ، فِي الأَخِيرِ: «حَتَّى تَسْتَوِيَ قَائِمًا»[632]. [632]صحيح البخاري (6251).

مما نجده في الحديث: أن المفتي إذا سُئل عن شيء وكان هناك شيء آخر يحتاج إليه السائل ولم يسأله عنه يستحب له أن يذكره له، ويكون هذا من النصيحة لا من الكلام فيما لا يعني، وموضع الدلالة أنه قال: علمني يا رسول الله؛ أي: علمني الصلاة، فعلمه الصلاة، واستقبال القبلة والوضوء وليسا من الصلاة، لكنهما شرطان لها[633]. [633]المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج للنووي (4/108).

48- السماح بالمراجعة والمناقشة لزيادة الفهم:

تختلف أفهام الناس ومداركهم، ولربما يحتاج المتعلم إلى زيادة في طرح ما يريد السؤال عنه ليفهم ما قد بلغه من المعلم، ولذلك ينبغي على المعلم أن يكون على صبر في مناقشة المتعلمين له ومراجعته اقتداء برسول الله ﷺ، ومن ذلك:

أ- استفسار النساء عما ذكر في حقهن من نقصان العقل والدين:

عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي أَضْحَى أَوْ فِطْرٍ إِلَى المُصَلَّى، فَمَرَّ عَلَى النِّسَاءِ، فَقَالَ: «يَا مَعْشَرَ النِّسَاءِ تَصَدَّقْنَ فَإِنِّي أُرِيتُكُنَّ أَكْثَرَ أَهْلِ النَّارِ» فَقُلْنَ: وَبِمَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: «تُكْثِرْنَ اللَّعْنَ، وَتَكْفُرْنَ العَشِيرَ، مَا رَأَيْتُ مِنْ نَاقِصَاتِ عَقْلٍ وَدِينٍ أَذْهَبَ لِلُبِّ الرَّجُلِ الحَازِمِ مِنْ إِحْدَاكُنَّ»، قُلْنَ: وَمَا نُقْصَانُ دِينِنَا وَعَقْلِنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: «أَلَيْسَ شَهَادَةُ المَرْأَةِ مِثْلَ نِصْفِ شَهَادَةِ الرَّجُلِ» قُلْنَ: بَلَى، قَالَ: «فَذَلِكِ مِنْ نُقْصَانِ عَقْلِهَا، أَلَيْسَ إِذَا حَاضَتْ لَمْ تُصَلِّ وَلَمْ تَصُمْ» قُلْنَ: بَلَى، قَالَ: «فَذَلِكِ مِنْ نُقْصَانِ دِينِهَا»[634]. [634]صحيح البخاري (304).

ومما نجده في الحديث: حث المتعلم على مراجعة العالم فيما لم يظهر له معناه، وقد خص النبي ﷺ النساء بالموعظة ولم يفرد أحدا بعينه بل خاطبهن جميعًا تسلية لهن وتسهيلا.

ب- استفسار النساء عن شهود صلاة العيد لمن ليس لها جلباب:

عن أم عطية رضي الله عنها قالت: أُمِرْنَا أَنْ نُخْرِجَ الحُيَّضَ يَوْمَ العِيدَيْنِ، وَذَوَاتِ الخُدُورِ فَيَشْهَدْنَ جَمَاعَةَ المُسْلِمِينَ، وَدَعْوَتَهُمْ وَيَعْتَزِلُ الحُيَّضُ عَنْ مُصَلَّاهُنَّ، قَالَتِ امْرَأَةٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِحْدَانَا لَيْسَ لَهَا جِلْبَابٌ؟ قَالَ: «لِتُلْبِسْهَا صَاحِبَتُهَا مِنْ جِلْبَابِهَا»[635]، وفي رواية للبخاري: أَعَلَى إِحْدَانَا بَأْسٌ إِذَا لَمْ يَكُنْ لَهَا جِلْبَابٌ أَنْ لاَ تَخْرُجَ؟[636]. [635]صحيح البخاري (351). [636]المرجع السابق (324).

قولها: (إحدانا ليس لها جلباب) أي: كيف تشهد ولا جلباب لها؟ وذلك بعد نزول الحجاب[637]، وقد أمر النبي ﷺ جميع النساء بحضور المصلى يوم العيد لتصلي وتشهد الخير. [637]مرعاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح للمباركفوري (5/31).

ج- الاستفسار عن النقص الذي حصل في الصلاة:

عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: صَلَّى بِنَا النَّبِيُّ ﷺ الظُّهْرَ رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ سَلَّمَ، ثُمَّ قَامَ إِلَى خَشَبَةٍ فِي مُقَدَّمِ المَسْجِدِ، وَوَضَعَ يَدَهُ عَلَيْهَا، وَفِي القَوْمِ يَوْمَئِذٍ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ، فَهَابَا أَنْ يُكَلِّمَاهُ، وَخَرَجَ سَرَعَانُ النَّاسِ، فَقَالُوا: قَصُرَتِ الصَّلاَةُ. وَفِي القَوْمِ رَجُلٌ، كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَدْعُوهُ ذَا اليَدَيْنِ، فَقَالَ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ، أَنَسِيتَ أَمْ قَصُرَتْ؟ فَقَالَ: «لَمْ أَنْسَ وَلَمْ تَقْصُرْ» قَالُوا: بَلْ نَسِيتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: «صَدَقَ ذُو اليَدَيْنِ» فَقَامَ فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ سَلَّمَ، ثُمَّ كَبَّرَ فَسَجَدَ مِثْلَ سُجُودِهِ أَوْ أَطْوَلَ، ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ وَكَبَّرَ، ثُمَّ وَضَعَ مِثْلَ سُجُودِهِ أَوْ أَطْوَلَ، ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ وَكَبَّر[638]. [638]صحيح البخاري (6051).

مما نجده في قوله: (يا نبي الله، أنسيت أم قصرت؟) أنه لم يهب السؤال، لأنه غلب عليه حرصه على تعلم الدين، فاستصحب حكم الإتمام، وأن الوقت قابل للنسخ، وهاب الشيخان أن يكلماه لأنه غلب عليهما احترامه وتعظيمه مع علمهما أنه يبين بعد ذلك[639]. [639]شرح الزرقاني على الموطأ للإمام مالك (1/349).

د- الاستفسار عن الحكمة في كون الكلب الأسود يقطع الصلاة:

عن أبي ذر رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «إِذَا قَامَ أَحَدُكُمْ يُصَلِّي، فَإِنَّهُ يَسْتُرُهُ إِذَا كَانَ بَيْنَ يَدَيْهِ مِثْلُ آخِرَةِ الرَّحْلِ، فَإِذَا لَمْ يَكُنْ بَيْنَ يَدَيْهِ مِثْلُ آخِرَةِ الرَّحْلِ، فَإِنَّهُ يَقْطَعُ صَلَاتَهُ الْحِمَارُ، وَالْمَرْأَةُ، وَالْكَلْبُ الْأَسْوَدُ» قُلْتُ: يَا أَبَا ذَرٍّ، مَا بَالُ الْكَلْبِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْكَلْبِ الْأَحْمَرِ مِنَ الْكَلْبِ الْأَصْفَرِ؟ قَالَ: يَا ابْنَ أَخِي، سَأَلْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ كَمَا سَأَلْتَنِي فَقَالَ: «الْكَلْبُ الْأَسْوَدُ شَيْطَانٌ»[640]. [640]صحيح مسلم (510).

ومما نجده في هذا الحديث: حرص الصحابة رضي الله عنهم على معرفة الحكم والأسرار في التشريع؛ لأن أبا ذر رضي الله عنه سأل النبي ﷺ عن الحكمة في كون الأسود يقطع الصلاة وغيره لا يقطع[641]. [641]فتح ذي الجلال والإكرام بشرح بلوغ المرام لابن عثيمين (1/561).

هـ- الاستفسار عن سبب قصر الصلاة في السفر مع أمن الناس:

عن يعلى بن أمية، قال: قُلْتُ لِعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رضي الله عنه: ﴿....فَلَيۡسَ عَلَيۡكُمۡ جُنَاحٌ أَن تَقۡصُرُواْ مِنَ ٱلصَّلَوٰةِ إِنۡ خِفۡتُمۡ أَن يَفۡتِنَكُمُ ٱلَّذِينَ كَفَرُوٓاْۚ...﴾؛ فَقَدْ أَمِنَ النَّاسُ، فَقَالَ: عَجِبْتُ مِمَّا عَجِبْتُ مِنْهُ، فَسَأَلْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ عَنْ ذَلِكَ، فَقَالَ: «صَدَقَةٌ تَصَدَّقَ اللهُ بِهَا عَلَيْكُمْ، فَاقْبَلُوا صَدَقَتَهُ»[642]. [642]صحيح مسلم (686).

قال الإمام ابن القيم: قد أشكلت على عمر وعلى غيره، فسأل عنها رسول الله ﷺ فأجابه، بأن هذه صدقة من الله، وشرع شرعه للأمة.

49- سماح المعلم لطالبه بتنبيهه عند احتمال الخطأ:

مما نجد في السيرة أن النبي ﷺ كان حسن الخلق كريم النفس، ومن كرمه ﷺ أنه يقبل الحق ولو من طالبه، ومن ذلك:

أ- طلب المعلم بتذكيره عند النسيان:

عن المسور بن يزيد الأسدي المالكي رضي الله عنه، قال: شَهِدْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقْرَأُ فِي الصَّلَاةِ فَتَرَكَ شَيْئًا لَمْ يَقْرَأْهُ، فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، تَرَكْتَ آيَةَ كَذَا وَكَذَا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «هَلَّا أَذْكَرْتَنِيهَا»[643]. [643]سنن أبي داود (907). قال النووي: رواه أبو داود بإسناد صحيح كامل الصحة. المجموع (4/ 241).

قوله ﷺ: «هلا أذكرتنيها» أي هلا ذكرتني الآية التي تركتها[644]، وفيه: التعاون على ما يصلح شأن الصلاة، فإن التذكير بالآية يعين الإمام على الاستمرار في قراءته. [644]المنهل العذب المورود شرح سنن أبي داود للسبكي (6/3).

ب- طلب المعلم من النبيه الفتح عليه عند النسيان:

عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ صَلَّى صَلَاةً، فَقَرَأَ فِيهَا فَلُبِسَ عَلَيْهِ، فَلَمَّا انْصَرَفَ قَالَ لِأُبَيٍّ: «أَصَلَّيْتَ مَعَنَا؟» قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: «فَمَا مَنَعَكَ»[645]. [645]سنن أبي داود (907). تقدم الكلام عليه ص(230).

مما نجده في الحديث: الدلالة على مشروعية الفتح على الإمام[646]، وهذا مندوب للمأموم حتى يتمكن الإمام من الاستمرار في القراءة. [646]نيل الأوطار للشوكاني (2/379).

ج- تذكير المتعلم لمعلمه:

عن أسامة بن زيد رضي الله عنهما، أنه قال: رَدِفْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ مِنْ عَرَفَاتٍ، فَلَمَّا بَلَغَ رَسُولُ اللهِ ﷺ الشِّعْبَ الْأَيْسَرَ، الَّذِي دُونَ الْمُزْدَلِفَةِ أَنَاخَ فَبَالَ، ثُمَّ جَاءَ فَصَبَبْتُ عَلَيْهِ الْوَضُوءَ، فَتَوَضَّأَ وُضُوءًا خَفِيفًا، ثُمَّ قُلْتُ: الصَّلَاةَ يَا رَسُولَ اللهِ، فَقَالَ: «الصَّلَاةُ أَمَامَكَ» فَرَكِبَ رَسُولُ اللهِ ﷺ، حَتَّى أَتَى الْمُزْدَلِفَةَ، فَصَلَّى، ثُمَّ رَدِفَ الْفَضْلُ رَسُولَ اللهِ ﷺ غَدَاةَ جَمْعٍ[647]. [647]صحيح البخاري (1669).

قوله رضي الله عنه: (الصلاة يا رسول الله) فيه من الفقه أن الأدون قد يذكر الأعلى بما تركه خلاف العادة ليفعله، أو يعتذر عنه، أو يبين له وجه صوابه، وأن مخالفته للعادة سببها كذا وكذا[648]. [648]المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج للنووي (9/26).

د- تذكير الإمام عند احتمال النسيان:

عن عائشة رضي الله عنها قَالَتْ: أَعْتَمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَيْلَةً بِالعِشَاءِ، وَذَلِكَ قَبْلَ أَنْ يَفْشُوَ الإِسْلاَمُ، فَلَمْ يَخْرُجْ حَتَّى قَالَ عُمَرُ: نَامَ النِّسَاءُ وَالصِّبْيَانُ، فَخَرَجَ، فَقَالَ لِأَهْلِ المَسْجِدِ: «مَا يَنْتَظِرُهَا أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ الأَرْضِ غَيْرَكُمْ»[649]. [649]صحيح البخاري (566).

وعند مسلم: (فقام عمر بن الخطاب رضي الله عنه، فقال: الصلاة)[650] ، وتذكير عمر له ظن أنه بما شُغل به سها عن وقتها، ولم يعذره لشغله فذكَّره به، ويدل أنه لم يؤخرها عن وقت الاختيار[651]. [650]صحيح مسلم (642). [651]شرح صحيح مسلم للقاضي عياض (2/602).

عن أبي هريرة رضي الله عنه أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ انْصَرَفَ مِنَ اثْنَتَيْنِ، فَقَالَ لَهُ ذُو اليَدَيْنِ: أَقَصُرَتِ الصَّلاَةُ، أَمْ نَسِيتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «أَصَدَقَ ذُو اليَدَيْنِ» فَقَالَ النَّاسُ: نَعَمْ، فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، فَصَلَّى اثْنَتَيْنِ أُخْرَيَيْنِ، ثُمَّ سَلَّمَ، ثُمَّ كَبَّرَ، فَسَجَدَ مِثْلَ سُجُودِهِ أَوْ أَطْوَل[652]. [652]صحيح البخاري (714).

وفي حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه أن النبي ﷺ صَلَّى يَوْمًا فَلَمَّا سَلَّمَ قِيلَ لَهُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَحَدَثَ فِي الصَّلاَةِ شَيْءٌ؟ قَالَ: «وَمَا ذَاكَ»، قَالُوا: صَلَّيْتَ كَذَا وَكَذَا، فَثَنَى رِجْلَيْهِ، وَاسْتَقْبَلَ القِبْلَةَ، وَسَجَدَ سَجْدَتَيْنِ، ثُمَّ سَلَّمَ، فَلَمَّا أَقْبَلَ عَلَيْنَا بِوَجْهِهِ، قَالَ: «إِنَّهُ لَوْ حَدَثَ فِي الصَّلاَةِ شَيْءٌ لَنَبَّأْتُكُمْ بِهِ، وَلَكِنْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ، أَنْسَى كَمَا تَنْسَوْنَ، فَإِذَا نَسِيتُ فَذَكِّرُونِي، وَإِذَا شَكَّ أَحَدُكُمْ فِي صَلاَتِهِ، فَلْيَتَحَرَّ الصَّوَابَ فَلْيُتِمَّ عَلَيْهِ، ثُمَّ لِيُسَلِّمْ، ثُمَّ يَسْجُدُ سَجْدَتَيْنِ»[653]. [653]المرجع السابق (401).

فالواجب على المأمومين أن ينبهوا الإمام إذا أخطأ؛ لقوله: «فإذا نسيت فذكروني»، والأصل في الأمر الوجوب، وهذا فيما إذا كان الخطأ مفسدًا للصلاة فإنه يجب، أما إذا كان الخطأ لا يفسد الصلاة فإنه لا يجب، لكن يستحب[654]، والمأموم صلاته مرتبطة بإمامه، فإذا لم يذكره، صار الخلل في صلاة الإمام وفي صلاته أيضًا. [654]فتح ذي الجلال والإكرام بشرح بلوغ المرام لابن عثيمين (2/209).

50- إعطاء الفرصة للتلميذ للتحدث:

إعطاء الفرصة للتلميذ للتحدث والاستفسار والسؤال عما يريده من شأنه أن يرسخ المعلومة في الذهن، ويعين على عدم الملل في الدرس حتى يكون أكثر فائدة وأخف ثقلًا، ومن ذلك ما ورد في الصلاة كما سيأتي:

أ- مراجعة المعلم إِذا لم يُقصد بها التعنت:

عن أنس رضي الله عنه قال: قَالَ عُمَرُ بن الخَطَّابِ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! لَوْ اتَّخَذْتَ مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى؟ فَنَزَلَتْ: ﴿...وَٱتَّخِذُواْ مِن مَّقَامِ إِبۡرَٰهِـۧمَ مُصَلّٗى...﴾[655] [656]. [655][البقرة: 125]. [656]سنن الترمذي (2960). أصله في البخاري برقم (4483).

ومما نجده في هذا الحديث: جواز مراجعة الأدنى للأعلى في الشيء المتبين الواضح، وهذه المراجعة إِذا لم يقصد بها التعنت؛ فإنه قد تبين فيها من العلم ما خفي، فإن نزول الآية، وهي قوله تعالى: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ قُل لِّأَزۡوَٰجِكَ وَبَنَاتِكَ...﴾[657] ، كان سببه المراجعة. [657][الأحزاب: 59].

ب- الرجوع إلى أهل العلم عند الاستشكال:

عن أُبَيِّ بن كعب رضي الله عنه قال: كَانَ رَجُلٌ مِنَ الأَنْصَارِ بَيْتُهُ أَقْصَى بَيْتٍ فِي الْمَدِينَةِ، فَكَانَ لاَ تُخْطِئُهُ الصَّلاَةُ مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ، قَالَ: فَتَوَجَّعْنَا لَهُ، فَقُلْتُ لَهُ: يَا فُلاَنُ لَوْ أَنَّكَ اشْتَرَيْتَ حِمَارًا يَقِيكَ مِنَ الرَّمْضَاءِ، وَيَقِيكَ مِنْ هَوَامِّ الأَرْضِ، قَالَ: أَمَ وَاللَّهِ مَا أُحِبُّ أَنَّ بَيْتِي مُطَنَّبٌ بِبَيْتِ مُحَمَّدٍ ﷺ، قَالَ: فَحَمَلْتُ بِهِ حِمْلاً حَتَّى أَتَيْتُ نَبِيَّ اللهِ ﷺ، فَأَخْبَرْتُهُ، قَالَ: فَدَعَاهُ، فَقَالَ لَهُ مِثْلَ ذَلِكَ، وَذَكَرَ لَهُ أَنَّهُ يَرْجُو فِي أَثَرِهِ الأَجْرَ، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ: «إِنَّ لَكَ مَا احْتَسَبْتَ»)[658](. [658]صحيح مسلم (663)، قوله: (ما أحب أن بيتي مطنب ببيت محمد ﷺ) أي: ما أحب أنه مشدود بالأطناب وهي الحبال إلى بيت النبي ﷺ، بل أحب أن يكون بعيدًا منه لتكثير ثوابي وخطاي إليه. شرح النووي على مسلم (5/168).

ومما نجده في الحديث: أنه دلّ على مزيد رحمة الصحابة رضي الله عنهم بعضهم لبعض، وعلى أن من سمع من غيره ما ظاهره النقص يطلب منه أن يرفعه إلى كبير القوم، وعلى أنه ينبغي لكبير القوم إذا بلغه من أحد الرعية ما ظاهره غير موافق أن يتثبت في الأمر ولا يعجل بالعقوبة، وعلى أن كثرة الخطا إلى المسجد فيها زيادة الأجر، وعلى الترغيب في الإخلاص في العمل[659]. [659]المنهل العذب المورود شرح سنن أبي داود للسبكي (4/249).

51- استفسار المعلم عند احتمال الخطأ:

من أساليب تعليم الصلاة أسلوب استفسار المعلم عن الأخطاء التي يراها أو يعلم عنها، ومن تلك الاستفسارات ما جرى للنبي ﷺ مع الصحابة الكرام في أمر الصلاة، ومنها:

أ- الاستفسار عمَّن صلى وهو جنب:

عن عمرو بن العاص رضي الله عنه قال: احْتَلَمْتُ فِي لَيْلَةٍ بَارِدَةٍ فِي غَزْوَةِ ذَاتِ السُّلَاسِلِ فَأَشْفَقْتُ إِنِ اغْتَسَلْتُ أَنْ أَهْلِكَ فَتَيَمَّمْتُ، ثُمَّ صَلَّيْتُ بِأَصْحَابِي الصُّبْحَ فَذَكَرُوا ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: «يَا عَمْرُو صَلَّيْتَ بِأَصْحَابِكَ وَأَنْتَ جُنُبٌ؟» فَأَخْبَرْتُهُ بِالَّذِي مَنَعَنِي مِنَ الِاغْتِسَالِ وَقُلْتُ إِنِّي سَمِعْتُ اللَّهَ يَقُولُ: ﴿...وَلَا تَقۡتُلُوٓاْ أَنفُسَكُمۡۚ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ بِكُمۡ رَحِيمٗا﴾[660]، فَضَحِكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَلَمْ يَقُلْ شَيْئًا[661]. [660][النساء: 29]. [661]سنن أبي داود (334). رواه البخاري تعليقا "باب: اذا خاف الجنب المرض أو الموت" وقال الحافظ في «الفتح»(1/ 454) وإسناده قوي. وصححه الشيخ شعيب الأرناؤوط في سنن ابي داود (1/249).

مما نجده في الحديث: أن الصحابة رضي الله عنهم ذكروا ذلك للنبي ﷺ فسأله فَعَرفه بعُذره[662]، وعدم تعنيفه ﷺ إياه دليل على الجواز، وبه علم عدم إعادة الصلاة التي صلاها بالتيمم. [662]شرح سنن أبي داود لابن رسلان (2/632).

ب- الاستفسار عمن لم يصلِّ مع الجماعة:

عن يزيد بن الأسود، عن أبيه رضي الله عنه، أَنَّهُ صَلَّى مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ غُلَامٌ شَابٌّ، فَلَمَّا صَلَّى إِذَا رَجُلَانِ لَمْ يُصَلِّيَا فِي نَاحِيَةِ الْمَسْجِدِ، فَدَعَا بِهِمَا فَجِئَ بِهِمَا تُرْعَدُ فَرَائِصُهُمَا، فَقَالَ: «مَا مَنَعَكُمَا أَنْ تُصَلِّيَا مَعَنَا؟» قَالَا: قَدْ صَلَّيْنَا فِي رِحَالِنَا، فَقَالَ: «لَا تَفْعَلُوا، إِذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ فِي رَحْلِهِ ثُمَّ أَدْرَكَ الْإِمَامَ وَلَمْ يُصَلِّ، فَلْيُصَلِّ مَعَهُ فَإِنَّهَا لَهُ نَافِلَةٌ»[663]. [663]سنن أبي داود (575). صححه الترمذي في سننه وابن خزيمة،ونقل الحافظ ابن حجر في التلخيص (2/29) تصحيحه عن ابن السكن.

قوله ﷺ: «ما منعكما أن تصليا معنا»؛ استفهام عن المانع الذي حال بينهما وبين الصلاة مع الناس[664]، وفيه أن الصلاة أمانة فيصدق من ذكر أنه صلاها، ولا يطالب ببينة على فعلها[665]. [664]شرح سنن النسائي للشنقيطي (5/1769). [665]شرح سنن أبي داود لابن رسلان (3/611).

وعن زيد بن أسلم، عن رجل من بني الديل يقال له: بسر بن محجن، عن محجن، كَانَ فِي مَجْلِسٍ مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ، فَأُذِّنَ بِالصَّلَاةِ فَقَامَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ثُمَّ رَجَعَ وَمِحْجَنٌ فِي مَجْلِسِهِ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «مَا مَنَعَكَ أَنْ تُصَلِّي؟ أَلَسْتَ بِرَجُلٍ مُسْلِمٍ؟» قَالَ: بَلَى وَلَكِنِّي كُنْتُ قَدْ صَلَّيْتُ فِي أَهْلِي، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «إِذَا جِئْتَ فَصَلِّ مَعَ النَّاسِ، وَإِنْ كُنْتَ قَدْ صَلَّيْتَ»[666]. [666]سنن النسائي (857)، مسند أحمد (16395). حسنه البغوي وقال الحاكم: هذا حديث صحيح. شرح السنة (3/ 430 )، المستدرك (1/ 244).

وقوله ﷺ: «ألست برجل مسلم!؟» استفهام يتضمن تقريرًا وتوبيخًا؛ لأنه استفسار عن العلة التي تترتب عليها الصلاة وهي الإسلام، وفيه إشارة إلى أن الصلاة إنما هي شعار المسلمين، فإن كنت مسلمًا فلِمَ لَـمْ تصل!؟ وأن تارك الصلاة إنما يكون من ليس بمسلم، فأما مع وجود الإسلام فلا وجه لترك الصلاة إلا من عذر[667]. [667]الشافي في شرح مسند الشافعي لابن الأثير (2/74).

ج- الاستفسار عن سبب المداومة على قراءة سورة الإخلاص:

عن عائشة رضي الله عنها أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ بَعَثَ رَجُلًا عَلَى سَرِيَّةٍ، وَكَانَ يَقْرَأُ لِأَصْحَابِهِ فِي صَلاَتِهِمْ فَيَخْتِمُ بـ ﴿قُلۡ هُوَ ٱللَّهُ أَحَدٌ﴾، فَلَمَّا رَجَعُوا ذَكَرُوا ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ ﷺ، فَقَالَ: «سَلُوهُ لِأَيِّ شَيْءٍ يَصْنَعُ ذَلِكَ؟»، فَسَأَلُوهُ، فَقَالَ: لِأَنَّهَا صِفَةُ الرَّحْمَنِ، وَأَنَا أُحِبُّ أَنْ أَقْرَأَ بِهَا، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «أَخْبِرُوهُ أَنَّ اللَّهَ يُحِبُّهُ»[668]. [668]صحيح البخاري (7375).

وفي الحديث استفهام عن الباعث له في التزام ما لا يلزم من قراءة سورة: ﴿قُلۡ هُوَ ٱللَّهُ أَحَدٌ﴾ في كل ركعة؟، ويشرع لمن فعل فعلًا؛ عبادة، أو غيرها، أن يسأل بعد فعله العلماء، ثم ينبغي للعالم أن يسأل السائل عن قصده، وسبب فعله[669]. [669]العدة في شرح العمدة في أحاديث الأحكام لابن العطار (1/519).

د- الاستفسار عن سبب الخروج من صلاة الجماعة:

عن جابر رضي الله عنه قال: جَاءَ رَجُلٌ مِنْ الْأَنْصَارِ وَقَدْ أُقِيمَتْ الصَّلَاةُ فَدَخَلَ الْمَسْجِدَ فَصَلَّى خَلْفَ مُعَاذٍ فَطَوَّلَ بِهِمْ فَانْصَرَفَ الرَّجُلُ فَصَلَّى فِي نَاحِيَةِ الْمَسْجِدِ ثُمَّ انْطَلَقَ فَلَمَّا قَضَى مُعَاذٌ الصَّلَاةَ قِيلَ لَهُ إِنَّ فُلَانًا فَعَلَ كَذَا وَكَذَا فَقَالَ مُعَاذٌ: لَئِنْ أَصْبَحْتُ لَأَذْكُرَنَّ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَأَتَى مُعَاذٌ النَّبِيَّ ﷺ فَذَكَرَ ذَلِكَ لَهُ، فَأَرْسَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَيْهِ، فَقَالَ: «مَا حَمَلَكَ عَلَى الَّذِي صَنَعْتَ؟» فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ عَمِلْتُ عَلَى نَاضِحِي مِنْ النَّهَارِ، فَجِئْتُ وَقَدْ أُقِيمَتْ الصَّلَاةُ، فَدَخَلْتُ الْمَسْجِدَ، فَدَخَلْتُ مَعَهُ فِي الصَّلَاةِ، فَقَرَأَ سُورَةَ كَذَا وَكَذَا فَطَوَّلَ، فَانْصَرَفْتُ فَصَلَّيْتُ فِي نَاحِيَةِ الْمَسْجِدِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «أَفَتَّانٌ يَا مُعَاذُ أَفَتَّانٌ يَا مُعَاذُ أَفَتَّانٌ يَا مُعَاذُ؟»[670]. [670]سنن النسائي (831)، النواضح: الإبل التي يستقى عليها، واحدها: ناضح. النهاية في غريب الحديث والأثر لابن الأثير (5/69). والحديث أصله في البخاري برقم (6106) ومسلم (465).

مما نجده في الحديث أن قوله: «ما حملك» استفهام معناه: أي سبب لك أن تفعل هذا الفعل المخالف لفعل المأمومين في الصلاة؟[671]. [671]انظر: شرح سنن النسائي للشنقيطي (5/1704).

52- إجابة المتعلمين بحسب أحوالهم:

المتعلمون ليسوا على درجة واحدة، ولذلك فالمعلم الحكيم يجيب كل متعلم على حسب حاله وما يناسبه، ومن ذلك ما يتعلق الصلاة ما يلي:

أ- الاختصار والإيجاز في إجابة بعض الصحابة:

عن أبي أيوب رضي الله عنه قال: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، عَلِّمْنِي، وَأَوْجِزْ، قَالَ: «إِذَا قُمْتَ فِي صَلاَتِكَ فَصَلِّ صَلاَةَ مُوَدِّعٍ، وَلاَ تَكَلَّمْ بِكَلاَمٍ تَعْتَذِرُ مِنْهُ، وَأَجْمِعِ الْيَأْسَ عَمَّا فِي أَيْدِي النَّاسِ»[672]. [672]إسناده ضعيف لجهالة عثمان بن جبير، وقد اضطرب في إسناده. سنن ابن ماجة (4171).

وقوله رضي الله عنه: (وأوجز)؛ أي: اقتصر على خلاصة ذلك الأمر؛ ليكون أسهل علي في الضبط والحفظ، أو: أدِّ ذلك العلم المطلوب لي بكلام مختصر موجزٍ لفظًا، جامعٍ للعلم الكثير معنى، فـ(قال) لي رسول الله ﷺ في تعليم ذلك الأمر لي بكلام موجز[673]. [673]شرح سنن ابن ماجة للأثيوبي (25/290).

ب- إجابة أبي بكر الصديق رضي الله عنه عن سؤاله:

عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه أَنَّهُ قَالَ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ: عَلِّمْنِي دُعَاءً أَدْعُو بِهِ فِي صَلَاتِي، قَالَ: «قُلِ اللهُمَّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي ظُلْمًا كَبِيرًا - وَقَالَ قُتَيْبَةُ: كَثِيرًا - وَلَا يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا أَنْتَ، فَاغْفِرْ لِي مَغْفِرَةً مِنْ عِنْدِكَ، وَارْحَمْنِي إِنَّكَ أَنْتَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ»[674]. [674]صحيح البخاري (834).

فتأمل ما علّمه النبي ﷺ للصديقَ الذي هو أفضل هذه الأمة، وفي الحديث: استحباب طلب التعليم من العالم خصوصًا في الدعوات المطلوب فيها جوامع الكلم.

ج- إجابة عمرو بن عبسة رضي الله عنه عن سؤاله:

عن عمرو بن عبسة رضي الله عنه قال: قلت: يَا نَبِيَّ اللهِ أَخْبِرْنِي عَمَّا عَلَّمَكَ اللَّهُ وَأَجْهَلُهُ، أَخْبِرْنِي عَنِ الصَّلاَةِ، قَالَ: «صَلِّ صَلاَةَ الصُّبْحِ، ثُمَّ أَقْصِرْ عَنِ الصَّلاَةِ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ حَتَّى تَرْتَفِعَ، فَإِنَّهَا تَطْلُعُ حِينَ تَطْلُعُ بَيْنَ قَرْنَيْ شَيْطَانٍ، وَحِينَئِذٍ يَسْجُدُ لَهَا الْكُفَّارُ، ثُمَّ صَلِّ فَإِنَّ الصَّلاَةَ مَشْهُودَةٌ مَحْضُورَةٌ حَتَّى يَسْتَقِلَّ الظِّلُّ بِالرُّمْحِ، ثُمَّ أَقْصِرْ عَنِ الصَّلاَةِ، فَإِنَّ حِينَئِذٍ تُسْجَرُ جَهَنَّمُ، فَإِذَا أَقْبَلَ الْفَيْءُ فَصَلِّ، فَإِنَّ الصَّلاَةَ مَشْهُودَةٌ مَحْضُورَةٌ حَتَّى تُصَلِّيَ الْعَصْرَ، ثُمَّ أَقْصِرْ عَنِ الصَّلاَةِ حَتَّى تَغْرُبَ الشَّمْسُ، فَإِنَّهَا تَغْرُبُ بَيْنَ قَرْنَيْ شَيْطَانٍ، وَحِينَئِذٍ يَسْجُدُ لَهَا الْكُفَّارُ»[675]. [675]صحيح مسلم (832).

مما نجده في الحديث أن قوله: أخبرني عن الصلاة: سؤال عن تعيين الوقت الذي يجوز التنفل فيه من الوقت الذي لا يجوز، وإنما قُلنا ذلك؛ لأنه ﷺ فهم عنه ذلك، فأجابه به، ولو كان سؤاله عن غير ذلك لما كان يكون جوابه مطابقًا للسؤال[676]. [676]المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم للقرطبي (2/461).

53- تفقد المصلين:

تفقد الشخص هو السؤال عنه ومعرفة سبب غيابه وتقديم العون له، ولقد كان من هدي النبي ﷺ أنه كان يتفقد أصحابه ويعتني بهم، ومن ذلك ما يلي:

أ- تفقده لأصحابه في صلاة الجماعة:

عن أُبَيِّ بن كعب رضي الله عنه، قال: صَلَّى بِنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَوْمًا الصُّبْحَ، فَقَالَ: «أَشَاهِدٌ فُلَانٌ»، قَالُوا: لَا، قَالَ: «أَشَاهِدٌ فُلَانٌ»، قَالُوا: لَا، قَالَ: «إِنَّ هَاتَيْنِ الصَّلَاتَيْنِ أَثْقَلُ الصَّلَوَاتِ عَلَى الْمُنَافِقِينَ، وَلَوْ تَعْلَمُونَ مَا فِيهِمَا لَأَتَيْتُمُوهُمَا، وَلَوْ حَبْوًا عَلَى الرُّكَبِ وَإِنَّ الصَّفَّ الْأَوَّلَ عَلَى مِثْلِ صَفِّ الْمَلَائِكَةِ وَلَوْ عَلِمْتُمْ مَا فَضِيلَتُهُ لَابْتَدَرْتُمُوهُ، وَإِنَّ صَلَاةَ الرَّجُلِ مَعَ الرَّجُلِ أَزْكَى مِنْ صَلَاتِهِ وَحْدَهُ، وَصَلَاتُهُ مَعَ الرَّجُلَيْنِ أَزْكَى مِنْ صَلَاتِهِ مَعَ الرَّجُلِ، وَمَا كَثُرَ فَهُوَ أَحَبُّ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى»[677]. [677]سنن أبي داود (554). وأصله حديث أبي هريرة عند البخاري (615) و (654) و (657)، ومسلم (437) و (439) و (651) (252).

مما نجده في هذا الحديث: أن النبي ﷺ كان يتفقد أصحابه، فمن غاب عن الصلاة سأل عنه النبي ﷺ، وهذا يدل على أنه ﷺ رحيم بالمسلمين يسأل عنهم لأنه ربما يكون مريضًا فيعوده ﷺ، أو لعل له عذرًا لا يدري عنه، أو متخلف كسلان بدون عذر فيعاتبه ﷺ على ذلك.

ب- تفقده للمرأة التي كانت تقم المسجد:

وعن أبي هريرة رضي الله عنه، أَنَّ امْرَأَةً سَوْدَاءَ كَانَتْ تَقُمُّ الْمَسْجِدَ - أَوْ شَابًّا - فَفَقَدَهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ، فَسَأَلَ عَنْهَا - أَوْ عَنْهُ - فَقَالُوا: مَاتَ، قَالَ: «أَفَلَا كُنْتُمْ آذَنْتُمُونِي» قَالَ: فَكَأَنَّهُمْ صَغَّرُوا أَمْرَهَا - أَوْ أَمْرَهُ - فَقَالَ: «دُلُّونِي عَلَى قَبْرِهِ» فَدَلُّوهُ، فَصَلَّى عَلَيْهَا، ثُمَّ قَالَ: «إِنَّ هَذِهِ الْقُبُورَ مَمْلُوءَةٌ ظُلْمَةً عَلَى أَهْلِهَا، وَإِنَّ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ يُنَوِّرُهَا لَهُمْ بِصَلَاتِي عَلَيْهِمْ»[678]. [678]صحيح مسلم (956).

وفي الحديث: ما كان عليه النبي ﷺ من تفقد أحوال ضعفاء المسلمين، وما جُبل عليه من التواضع والرأفة والرحمة بأمته[679]. [679]شرح صحيح مسلم للقاضي عياض (3/420).

54- مراعاة الفروق الفردية بين المتعلمين:

كان النبي ﷺ شديد المراعاة للفروق الفردية بين المتعلِّمين من المخاطبين والسائلين، فكان يخاطب كل واحد بقدر فَهمه وبما يلائم منزلته، وكان يجيب كل سائل عن سؤاله بما يَهُمُّه ويناسب حاله، ومن ذلك ما يأتي:

أ- مراعاة التجربة فيما يناسب أحوال المتعلمين:

في حديث الإسراء: قال النبي ﷺ: «ثُمَّ فُرِضَتْ عَلَيَّ خَمْسُونَ صَلَاةً، فَأَتَيْتُ عَلَى مُوسَى، فَقَالَ: مَا صَنَعْتَ؟ قُلْتُ: فُرِضَتْ عَلَيَّ خَمْسُونَ صَلَاةً، فَقَالَ: إِنِّي أَعْلَمُ بِالنَّاسِ مِنْكَ، إِنِّي عَالَجْتُ بَنِي إِسْرَائِيلَ، أَشَدَّ الْمُعَالَجَةِ، وَإِنَّ أُمَّتَكَ لَنْ يُطِيقُوا ذَلِكَ، فَارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَاسْأَلْهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكَ،..»[680]. [680]صحيح البخاري (2307).

وفي الحديث: أن المعلم ينبغي له مراعاة أفهام من أمامه من المتعلمين في أمر الصلاة، فبعضهم لديه فهم سريع، وتديُّن أكثر من غيره؛ فهذا ربما تعرض له مسائل لا تعرض على غيره ممن كان أقل من ذلك في الفهم والصبر على طلب العلم.

وفيه: أن التجربة أقوى في تحصيل المطلوب من المعرفة الكثيرة، فموسى عليه السلام أخبر النبي ﷺ بأنه عالج الناس من قبله على أقل من ذلك فما وافقوه[681]. [681]فتح الباري لابن حجر (7/218).

ب- مراعاة أفهام المتعلمين عند اختلاف اجتهادهم:

عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه، قال: خَرَجَ رَجُلَانِ فِي سَفَرٍ، فَحَضَرَتِ الصَّلَاةُ وَلَيْسَ مَعَهُمَا مَاءٌ، فَتَيَمَّمَا صَعِيدًا طَيِّبًا فَصَلَّيَا، ثُمَّ وَجَدَا الْمَاءَ فِي الْوَقْتِ، فَأَعَادَ أَحَدُهُمَا الصَّلَاةَ وَالْوُضُوءَ وَلَمْ يُعِدِ الْآخَرُ، ثُمَّ أَتَيَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَذَكَرَا ذَلِكَ لَهُ فَقَالَ لِلَّذِي لَمْ يُعِدْ: «أَصَبْتَ السُّنَّةَ، وَأَجْزَأَتْكَ صَلَاتُكَ». وَقَالَ لِلَّذِي تَوَضَّأَ وَأَعَادَ: «لَكَ الْأَجْرُ مَرَّتَيْنِ»[682]. [682]سنن أبي داود (338). صححه الحاكم وابن القطان. المستدرك (1 / 178 – 179 )، بيان الوهم والإيهام ( 2/ 432 – 434).

والمجتهد إذا أخطأ لا يلام على خطئه؛ لأنه مجتهد، وهذه هي قاعدة الشريعة، فإن الحاكم إذا حكم فاجتهد فأصاب فله أجران، وإن أخطأ فله أجر، وفيه؛ حلم النبي ﷺ وعدم توبيخه لمن اجتهد ولو أخطأ؛ لأن النبي ﷺ قال للذي أعاد: «لك الأجر مرتين» مع أنه خالف السنة لكنه مجتهد[683]. [683]فتح ذي الجلال والإكرام بشرح بلوغ المرام لابن عثيمين (1/308،370).

ج- مراعاة تباين أحوال المتعلمين في النوافل:

1- عدم تطرق المعلم لقيام الليل:

عن طلحة بن عبيد الله رضي الله عنه، أَنَّ أَعْرَابِيًّا جَاءَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ثَائِرَ الرَّأْسِ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَخْبِرْنِي مَاذَا فَرَضَ اللَّهُ عَلَيَّ مِنَ الصَّلاَةِ؟ فَقَالَ: «الصَّلَوَاتِ الخَمْسَ إِلَّا أَنْ تَطَّوَّعَ شَيْئًا»، فَقَالَ: أَخْبِرْنِي مَا فَرَضَ اللَّهُ عَلَيَّ مِنَ الصِّيَامِ؟... قَالَ: وَالَّذِي أَكْرَمَكَ، لاَ أَتَطَوَّعُ شَيْئًا، وَلاَ أَنْقُصُ مِمَّا فَرَضَ اللَّهُ عَلَيَّ شَيْئًا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «أَفْلَحَ إِنْ صَدَقَ، أَوْ دَخَلَ الجَنَّةَ إِنْ صَدَقَ»[684]. [684]صحيح البخاري (1891).

مما نجده في هذا الحديث أن النبي سبحانه وتعالى لم يتعرض لقيام الليل لكون الرجل حديث عهد بالإسلام، فلا يتناسب مع تعليمه الإكثار عليه، ولأنه لم يسأل إلا عن الواجبات وقيام الليل ليس منها.

2- اكتفاء المعلم بالوصية بالوتر قبل النوم:

عن أبي هريرة رضي الله عنه، قال: أَوْصَانِي خَلِيلِي ﷺ بِثَلاَثٍ: «صِيَامِ ثَلاَثَةِ أَيَّامٍ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ، وَرَكْعَتَيِ الضُّحَى، وَأَنْ أُوتِرَ قَبْلَ أَنْ أَنَامَ»[685]. [685]المرجع السابق (1981).

قيل: سببه أنه رضي الله عنهكان يشتغل أول ليله باستحضاره لمحفوظاته من الأحاديث الكثيرة التي لم يسايره في حفظ مثلها أكثر الصحابة، فكان يمضي عليه جزء كبير من أول الليل، فلم يكد يطمع في استيقاظ آخره، فأمره -عليه السلام- بتقديم الوتر لذلك لاشتغاله بما هو أولى، ويمكن أن يكون لسبب آخر، والله أعلم[686]. [686]مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح (3/944).

3- إشارة المعلم للمتعلم إلى إحياء ثلث الليل بالصلاة:

عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ لَهُ: «أَحَبُّ الصَّلاَةِ إِلَى اللَّهِ صَلاَةُ دَاوُدَ عَلَيْهِ السَّلاَمُ، وَأَحَبُّ الصِّيَامِ إِلَى اللَّهِ صِيَامُ دَاوُدَ، وَكَانَ يَنَامُ نِصْفَ اللَّيْلِ وَيَقُومُ ثُلُثَهُ، وَيَنَامُ سُدُسَهُ، وَيَصُومُ يَوْمًا، وَيُفْطِرُ يَوْمًا»[687]. [687]المرجع السابق (1131).

والنبي ﷺ كان يحرص على مراعاة أحوال المتعلمين، ولذا أوصى عبدالله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما بأحسن القيام وأفضله، وهي صلاة نبي الله داود عليه السلام أنه كان ينام نصف الليل ويقوم ثلثه، وينام سدسه، وهذا أفضل، فلم يجعل له قيام جميع الليل لأن فيه إرهاقًا للنفس، وتمليلًا لها، وربما حصل بها نفور من العبادة، ونوم عن جميع الليل.

55- وصيته للدعاة بتعليم من وراءهم أمور الصلاة:

لقد كان اهتمام النبي ﷺ واضحا بالصلاة، وهذا يبدو جليًّا في وصيته للدعاة الذين يرسلهم إلى الأمصار لتعليم الناس الإسلام، فكان أمر الصلاة واضحًا في أوامره ووصاياه، ومن ذلك:

أ- وصيته ﷺ لمالك بن الحويرثرضي الله عنه:

عن مالك بن الحويرث رضي الله عنه قال: أَتَيْنَا إِلَى النَّبِيِّ ﷺ وَنَحْنُ شَبَبَةٌ مُتَقَارِبُونَ، فَأَقَمْنَا عِنْدَهُ عِشْرِينَ يَوْمًا وَلَيْلَةً، وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ رَحِيمًا رَفِيقًا، فَلَمَّا ظَنَّ أَنَّا قَدِ اشْتَهَيْنَا أَهْلَنَا - أَوْ قَدِ اشْتَقْنَا - سَأَلَنَا عَمَّنْ تَرَكْنَا بَعْدَنَا، فَأَخْبَرْنَاهُ، قَالَ: «ارْجِعُوا إِلَى أَهْلِيكُمْ، فَأَقِيمُوا فِيهِمْ وَعَلِّمُوهُمْ وَمُرُوهُمْ - وَذَكَرَ أَشْيَاءَ أَحْفَظُهَا أَوْ لاَ أَحْفَظُهَا - وَصَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي، فَإِذَا حَضَرَتِ الصَّلاَةُ فَلْيُؤَذِّنْ لَكُمْ أَحَدُكُمْ، وَلْيَؤُمَّكُمْ أَكْبَرُكُمْ»[688]. [688]صحيح البخاري (631)، صحيح مسلم (674).

فأمرهم النبي ﷺ بتعليم الصلاة لمن هم وراءهم، وفي ذلك من الرفق بأمته وشفقته عليهم.

ب- وصيته ﷺ لمعاذ رضي الله عنه:

عن ابن عباس رضي الله عنهما، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ بَعَثَ مُعَاذًا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ إِلَى اليَمَنِ، فَقَالَ: «ادْعُهُمْ إِلَى شَهَادَةِ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَنِّي رَسُولُ اللَّهِ، فَإِنْ هُمْ أَطَاعُوا لِذَلِكَ، فَأَعْلِمْهُمْ أَنَّ اللَّهَ قَدِ افْتَرَضَ عَلَيْهِمْ خَمْسَ صَلَوَاتٍ فِي كُلِّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ، فَإِنْ هُمْ أَطَاعُوا لِذَلِكَ، فَأَعْلِمْهُمْ أَنَّ اللَّهَ افْتَرَضَ عَلَيْهِمْ صَدَقَةً فِي أَمْوَالِهِمْ تُؤْخَذُ مِنْ أَغْنِيَائِهِمْ وَتُرَدُّ عَلَى فُقَرَائِهِمْ»[689]. [689]صحيح البخاري (1395).

فأوصاه النبي ﷺ بالبدء أولًا بالتوحيد، ثم الصلاة، ثم الصدقة، فبدأ بالأهم فالمهم، وفيه؛ وجوب بعث الدعاة إلى الله، وهذا من خصائص ولي الأمر.

ج- وصيته ﷺ لوفد عبد القيس:

عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: إِنَّ وَفْدَ عَبْدِ القَيْسِ لَمَّا أَتَوُا النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «مَنِ القَوْمُ؟ - أَوْ مَنِ الوَفْدُ؟ -» قَالُوا: رَبِيعَةُ. قَالَ: «مَرْحَبًا بِالقَوْمِ، أَوْ بِالوَفْدِ، غَيْرَ خَزَايَا وَلاَ نَدَامَى»، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّا لاَ نَسْتَطِيعُ أَنْ نَأْتِيكَ إِلَّا فِي الشَّهْرِ الحَرَامِ، وَبَيْنَنَا وَبَيْنَكَ هَذَا الحَيُّ مِنْ كُفَّارِ مُضَرَ، فَمُرْنَا بِأَمْرٍ فَصْلٍ، نُخْبِرْ بِهِ مَنْ وَرَاءَنَا، وَنَدْخُلْ بِهِ الجَنَّةَ، وَسَأَلُوهُ عَنِ الأَشْرِبَةِ: فَأَمَرَهُمْ بِأَرْبَعٍ، وَنَهَاهُمْ عَنْ أَرْبَعٍ، أَمَرَهُمْ: بِالإِيمَانِ بِاللَّهِ وَحْدَهُ، قَالَ: «أَتَدْرُونَ مَا الإِيمَانُ بِاللَّهِ وَحْدَهُ» قَالُوا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: «شَهَادَةُ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، وَإِقَامُ الصَّلاَةِ، وَإِيتَاءُ الزَّكَاةِ، وَصِيَامُ رَمَضَانَ، وَأَنْ تُعْطُوا مِنَ المَغْنَمِ الخُمُسَ» وَنَهَاهُمْ عَنْ أَرْبَعٍ: «عَنِ الحَنْتَمِ وَالدُّبَّاءِ وَالنَّقِيرِ وَالمُزَفَّتِ»، وَرُبَّمَا قَالَ: «المُقَيَّرِ» وَقَالَ: «احْفَظُوهُنَّ وَأَخْبِرُوا بِهِنَّ مَنْ وَرَاءَكُمْ»[690]. [690]صحيح البخاري (87)، صحيح مسلم (19).

ومما نجده في الحديث: أن من عَلِمَ علمًا أنه يلزمه تبليغه لمن لا يعلمه، وهو اليوم من فروض الكفاية لظهور الإسلام وانتشاره، وأما في أول الإسلام فإنه كان فرضًا معينًا أن يبلغه حتى يكمل الإسلام، ويبلغ مشارق الأرض ومغاربها، وفي الحديث أنه يلزم تعليم أهل الفرائض لعموم لفظ: «من وراءكم»[691]. [691]عمدة القاري شرح صحيح البخاري للعيني (2/100).

الفصل العاشر

يشمل على ذلك:

التعليل بالتخفيف في الصلاة مخافة الملل في أدائها.

التعليل بعدم المشقة في الصلاة.

التعليل بمراعاة حقوق النفس والأهل والضيف.

التعليل بذكر المانع لما يفهم بالخطأ.

التعليل بتحذير المصلي من أفعال الشيطان.

التعليل بفضل موافقة الملائكة.

التعليل بتأذي الملائكة ممن به رائحة كريهة.

التعليل بالمقصد من بناء المساجد.

التعليل عند الأمر بالوتر.

التعليل عند الأمر بتخفيف صلاة الجماعة.

التعليل بعظم الأجر.

التعليل باستشعار المصلي بأنه يناجي ربه في الصلاة.

التعليل بإبعاد كل ما يشغل المصلي عن صلاته.

التعليل بأن الإنسان في قصده للصلاة أنه في صلاة.

التعليل بأن تسوية الصف من إقامة الصلاة.

التعليل بالتخويف من التأخير عن الخير والفضل.

التعليل بأربع فوائد للحث على قيام الليل.

التعليل بأن الله هو السلام.

56- التعليل بالتخفيف في الصلاة مخافة الملل في أدائها:

مما يلاحظ في أحاديث النبي ﷺ أسلوب التخفيف والبعد عن التكلف، وهذا واضح فيما يتعلق بالصلاة، فمع محبته الشديدة للصلاة؛ وأنها قرة عينه؛ إلا أنه ينبه على الأمر بالتخفيف إذا خشيت المشقة على النفس في ذلك كما يأتي:

أ- جواب النبي ﷺ على من ذُكر عنده أنه يكثر الصلاة:

عن عائشة رضي الله عنها أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ دَخَلَ عَلَيْهَا وَعِنْدَهَا امْرَأَةٌ، قَالَ: «مَنْ هَذِهِ؟» قَالَتْ: فُلاَنَةُ، تَذْكُرُ مِنْ صَلاَتِهَا، قَالَ: «مَهْ، عَلَيْكُمْ بِمَا تُطِيقُونَ، فَوَاللَّهِ لاَ يَمَلُّ اللَّهُ حَتَّى تَمَلُّوا» وَكَانَ أَحَبَّ الدِّينِ إِلَيْهِ مَادَامَ عَلَيْهِ صَاحِبُهُ[692]. [692]صحيح البخاري (43).

وعن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: أَنَّهَا قَالَتْ: كَانَ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ حَصِيرٌ، وَكَانَ يُحَجِّرُهُ مِنَ اللَّيْلِ فَيُصَلِّي فِيهِ، فَجَعَلَ النَّاسُ يُصَلُّونَ بِصَلَاتِهِ، وَيَبْسُطُهُ بِالنَّهَارِ، فَثَابُوا ذَاتَ لَيْلَةٍ، فَقَالَ: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ عَلَيْكُمْ مِنَ الْأَعْمَالِ مَا تُطِيقُونَ، فَإِنَّ اللهَ لَا يَمَلُّ حَتَّى تَمَلُّوا، وَإِنَّ أَحَبَّ الْأَعْمَالِ إِلَى اللهِ مَا دُووِمَ عَلَيْهِ، وَإِنْ قَلَّ». وَكَانَ آلُ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا عَمِلُوا عَمَلًا أَثْبَتُوهُ[693]. [693]صحيح مسلم (782).

وقوله ﷺ: «عليكم من الأعمال ما تطيقون» حضٌّ على التخفيف في أعمال النوافل، ويتضمن الزجر عن التشديد، والغلوّ فيها.

ب- الأمر بأن يصلي الإنسان نشاطه ولا يتكلف في ذلك:

عن أنس بن مالك رضي الله عنه، قال: دَخَلَ النَّبِيُّ ﷺ فَإِذَا حَبْلٌ مَمْدُودٌ بَيْنَ السَّارِيَتَيْنِ، فَقَالَ: «مَا هَذَا الحَبْلُ؟» قَالُوا: هَذَا حَبْلٌ لِزَيْنَبَ فَإِذَا فَتَرَتْ تَعَلَّقَتْ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «لاَ حُلُّوهُ لِيُصَلِّ أَحَدُكُمْ نَشَاطَهُ، فَإِذَا فَتَرَ فَلْيَقْعُدْ»[694]. [694]صحيح البخاري (1150).

ومما يؤخذ من الحديث: أنه لا ينبغي للإنسان أن يتعمق، وأن يتنطع في العبادة، بأن يكلف نفسه ما لا تطيق، بل يصلي ما دام نشيطًا، فإذا تعب فليرقد، فلهذا أمر النبي ﷺ بحل هذا الحبل، وهذا وإن ورد في الصلاة؛ فإنه يشمل جميع الأعمال.

ج- استفتاح صلاة الليل بركعتين خفيفتين ليحصل بهما نشاط الصلاة:

عن عائشة رضي الله عنها، قالت: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إِذَا قَامَ مِنَ اللَّيْلِ لِيُصَلِّيَ، افْتَتَحَ صَلَاتَهُ بِرَكْعَتَيْنِ خَفِيفَتَيْنِ[695]. [695]صحيح مسلم (197767).

وفي الحديث: إشارة إلى أن من أراد أمرًا يشرع فيه قليلًا ليتدرج، قال الطيبي: ليحصل بهما نشاط الصلاة ويعتاد بهما، ثم يزيد عليهما بعد ذلك[696]. [696]انظر: مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح للقاري (3/903).

57- التعليل بعدم المشقة في الصلاة:

أ- تأخير الظهر عند اشتداد الحر للمشقة:

عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أَنَّهُمَا حَدَّثَاهُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «إِذَا اشْتَدَّ الحَرُّ فَأَبْرِدُوا عَنِ الصَّلاَةِ، فَإِنَّ شِدَّةَ الحَرِّ مِنْ فَيْحِ جَهَنَّمَ»[697]. [697]صحيح البخاري (533).

مما نجده في قوله: «فإن شدة الحر من فيح جهنم» أن التعليل بذلك يدل على أن المطلوب التأخير[698]، وهذا الوقت أنشأته الحاجة، ورخصت فيه الشريعة؛ رفعًا للمشقة. [698]فتح الباري لابن حجر (2/16).

ب- تعجيل العشاء في أول وقتها عند مظنة المشقة في التأخير:

عن عائشة رضي الله عنها قالت: أَعْتَمَ النَّبِيُّ ﷺ ذَاتَ لَيْلَةٍ حَتَّى ذَهَبَ عَامَّةُ اللَّيْلِ، وَحَتَّى نَامَ أَهْلُ الْمَسْجِدِ، ثُمَّ خَرَجَ فَصَلَّى، فَقَالَ: «إِنَّهُ لَوَقْتُهَا لَوْلَا أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي»[699]. [699]صحيح مسلم (638).

وإنما اختار لهم ﷺ تأخير العشاء ليقل حظ النوم وتطول مدة انتظار الصلاة، وقد قال ﷺ: «إِنَّ أَحَدَكُم فِي صَلَاةٍ مَادَامَ يَنْتَظِرُ الصَّلَاة»[700]، وفي قوله: «إِنَّهُ لِوَقْتِهَا لَوْلَا أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي»؛ دليل على جواز صلاتها قبل ذلك. [700]معالم السنن للخطابي (1/29).

ج- عدم إيجاب السواك عند الصلاة خوفًا من المشقة:

عن أبي هريرة رضي الله عنه أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «لَوْلاَ أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي أَوْ عَلَى النَّاسِ لَأَمَرْتُهُمْ بِالسِّوَاكِ مَعَ كُلِّ صَلاَةٍ»[701]. [701]صحيح البخاري (887).

وفي الحديث: أنه ﷺ امتنع من أمرهم بذلك لحصول المشقة عند امتثالهم أمره[702]. [702]شرح صحيح البخاري لابن بطال (10/294).

58- التعليل بمراعاة حقوق النفس والأهل والضيف:

مما نجده في السيرة النبوية أن النبي ﷺ اهتم بمراعاة حقوق النفس وحقوق الأهل وحقوق الضيف الزائر، ومن ذلك:

إنكار النبي ﷺ على عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما:

عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما قال: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «يَا عَبْدَ اللَّهِ، أَلَمْ أُخْبَرْ أَنَّكَ تَصُومُ النَّهَارَ وَتَقُومُ اللَّيْلَ؟» قُلْتُ: بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: «فَلاَ تَفْعَلْ، صُمْ وَأَفْطِرْ، وَقُمْ وَنَمْ، فَإِنَّ لِجَسَدِكَ عَلَيْكَ حَقًّا، وَإِنَّ لِعَيْنِكَ عَلَيْكَ حَقًّا، وَإِنَّ لِزَوْجِكَ عَلَيْكَ حَقًّا»[703]. [703]صحيح البخاري (1975).

مما نجده في الحديث: أنه لا ينبغي للعبد أن يجحف نفسه في العبادة حتى يضعف عن القيام بحق أهله من جماعها وطلب الكسب لها[704]، وحق الجسم أن يترك فيه من القوة ما يستديم به العمل، لأنه إذا أجهد نفسه قطعها عن العبادة وفترت[705]. [704]انظر: شرح صحيح البخاري لابن بطال (7/320). [705]المرجع السابق (4/119).

ب- إنكار سلمان رضي الله عنه على أبي ذر رضي الله عنه:

عن عون بن أبي جحيفة، عن أبيه رضي الله عنه، قال: آخَى النَّبِيُّ ﷺ بَيْنَ سَلْمَانَ، وَأَبِي الدَّرْدَاءِ، فَزَارَ سَلْمَانُ أَبَا الدَّرْدَاءِ، فَرَأَى أُمَّ الدَّرْدَاءِ مُتَبَذِّلَةً، فَقَالَ لَهَا: مَا شَأْنُكِ؟ قَالَتْ: أَخُوكَ أَبُو الدَّرْدَاءِ لَيْسَ لَهُ حَاجَةٌ فِي الدُّنْيَا، فَجَاءَ أَبُو الدَّرْدَاءِ فَصَنَعَ لَهُ طَعَامًا، فَقَالَ: كُلْ؟ قَالَ: فَإِنِّي صَائِمٌ، قَالَ: مَا أَنَا بِآكِلٍ حَتَّى تَأْكُلَ، قَالَ: فَأَكَلَ، فَلَمَّا كَانَ اللَّيْلُ ذَهَبَ أَبُو الدَّرْدَاءِ يَقُومُ، قَالَ: نَمْ، فَنَامَ، ثُمَّ ذَهَبَ يَقُومُ فَقَالَ: نَمْ، فَلَمَّا كَانَ مِنْ آخِرِ اللَّيْلِ قَالَ: سَلْمَانُ قُمِ الآنَ، فَصَلَّيَا فَقَالَ لَهُ سَلْمَانُ: إِنَّ لِرَبِّكَ عَلَيْكَ حَقًّا، وَلِنَفْسِكَ عَلَيْكَ حَقًّا، وَلِأَهْلِكَ عَلَيْكَ حَقًّا، فَأَعْطِ كُلَّ ذِي حَقٍّ حَقَّهُ، فَأَتَى النَّبِيَّ ﷺ، فَذَكَرَ ذَلِكَ لَهُ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «صَدَقَ سَلْمَانُ»[706]. [706]صحيح البخاري (6139)، وقوله متبذلة أي غير متزينة. فتح الباري لابن حجر (1/86).

مما نجده في الحديث: أن الإنسان لا ينبغي له أن يكلف نفسه ما لا يطيق بالصيام والقيام، وإنما يصلي ويقوم على وجه يحصل به الخير، ولا يحصل به التعب والمشقة، وفيه جواز النهي عن المستحبات إذا خشي أن ذلك يفضي إلى السآمة والملل، وتفويت الحقوق المطلوبة.

59- التعليل بذكر المانع لما يفهم بالخطأ:

من الأساليب المهمة في التعليم التعليلُ بذكر المانع لما يفهم بالخطأ لبيان الحكمة في ذلك، ومعرفة الحِكَم في الشريعة فيها ثلاث فوائد: الأولى: سمو الشريعة، والثانية: القياس إذا وجدت العلة في الفرع المقيس؛ يعني: إمكان إلحاق غيره به. والثالثة: زيادة اطمئنان المكلف[707]، وإليك جانب من هذه التعليلات المتعلقة بالصلاة: [707]فتح ذي الجلال والإكرام بشرح بلوغ المرام لابن عثيمين (3/197).

أ- ذكر المانع من رد السلام:

عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما، قال: بَعَثَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي حَاجَةٍ لَهُ، فَانْطَلَقْتُ، ثُمَّ رَجَعْتُ وَقَدْ قَضَيْتُهَا، فَأَتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ، فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ، فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيَّ، فَوَقَعَ فِي قَلْبِي مَا اللَّهُ أَعْلَمُ بِهِ، فَقُلْتُ فِي نَفْسِي: لَعَلَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَجَدَ عَلَيَّ أَنِّي أَبْطَأْتُ عَلَيْهِ، ثُمَّ سَلَّمْتُ عَلَيْهِ فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيَّ، فَوَقَعَ فِي قَلْبِي أَشَدُّ مِنَ المَرَّةِ الأُولَى، ثُمَّ سَلَّمْتُ عَلَيْهِ فَرَدَّ عَلَيَّ، فَقَالَ: «إِنَّمَا مَنَعَنِي أَنْ أَرُدَّ عَلَيْكَ أَنِّي كُنْتُ أُصَلِّي»، وَكَانَ عَلَى رَاحِلَتِهِ مُتَوَجِّهًا إِلَى غَيْرِ القِبْلَةِ[708]. [708]صحيح البخاري (1217).

مما نجده في الحديث: أن جابرًا سلَّم على النبي ﷺ ولم ينكر عليه، وإنّما أظهر المانع له من ردّ السلام عليه بأنه كان يصلي، وفيه؛ كراهة ابتداء السلام على المصلي، لكونه ربما شغل ذهنه بذلك، واستدعى منه الرد وهو ممنوع منه.

ب- ذكر المانع من عدم الاستمرار على التراويح:

عن عائشة رضي الله عنها أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ خَرَجَ لَيْلَةً مِنْ جَوْفِ اللَّيْلِ، فَصَلَّى فِي المَسْجِدِ، وَصَلَّى رِجَالٌ بِصَلاَتِهِ، فَأَصْبَحَ النَّاسُ فَتَحَدَّثُوا، فَاجْتَمَعَ أَكْثَرُ مِنْهُمْ فَصَلَّى فَصَلَّوْا مَعَهُ، فَأَصْبَحَ النَّاسُ فَتَحَدَّثُوا، فَكَثُرَ أَهْلُ المَسْجِدِ مِنَ اللَّيْلَةِ الثَّالِثَةِ، فَخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَصَلَّى فَصَلَّوْا بِصَلاَتِهِ، فَلَمَّا كَانَتِ اللَّيْلَةُ الرَّابِعَةُ عَجَزَ المَسْجِدُ عَنْ أَهْلِهِ، حَتَّى خَرَجَ لِصَلاَةِ الصُّبْحِ، فَلَمَّا قَضَى الفَجْرَ أَقْبَلَ عَلَى النَّاسِ، فَتَشَهَّدَ، ثُمَّ قَالَ: «أَمَّا بَعْدُ، فَإِنَّهُ لَمْ يَخْفَ عَلَيَّ مَكَانُكُمْ، وَلَكِنِّي خَشِيتُ أَنْ تُفْتَرَضَ عَلَيْكُمْ، فَتَعْجِزُوا عَنْهَا»، فَتُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَالأَمْرُ عَلَى ذَلِك[709]. [709]صحيح البخاري (2012).

وقد أخبر النبي ﷺ بالعلة التي منعته من الخروج إليهم، وهي خشية أن تفرض عليهم[710]، وذلك لأن الناس يحبون متابعته ﷺ ويستسهلون الصعب فيها، فإذا فعل أمرًا سهل عليهم فعله لمتابعته، فقد يوجبه الله عليهم لعدم المشقة عليهم فيه في ذلك الوقت، فإذا توفي ﷺ زال عنهم ذلك النشاط، وحصل لهم الفتور، فشق عليهم ما كانوا استسهلوه في عهده ﷺ [711]. [710]شرح صحيح البخاري لابن بطال (4/147). [711]انظر: طرح التثريب في شرح التقريب للعراقي (3/67).

ج- ذكر المانع من عدم الشروع في الصلاة:

عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: أُقِيمَتِ الصَّلاَةُ وَعُدِّلَتِ الصُّفُوفُ قِيَامًا، فَخَرَجَ إِلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، فَلَمَّا قَامَ فِي مُصَلَّاهُ، ذَكَرَ أَنَّهُ جُنُبٌ، فَقَالَ لَنَا: «مَكَانَكُمْ» ثُمَّ رَجَعَ فَاغْتَسَلَ، ثُمَّ خَرَجَ إِلَيْنَا وَرَأْسُهُ يَقْطُرُ، فَكَبَّرَ فَصَلَّيْنَا مَعَهُ[712]. [712]صحيح البخاري (275).

وعن أبي بكرة رضي الله عنه أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ اسْتَفْتَحَ الصَّلَاةَ فَكَبَّرَ، ثُمَّ أَوْمَأَ إِلَيْهِمْ أَنْ مَكَانَكُمْ، ثُمَّ دَخَلَ فَخَرَجَ وَرَأْسُهُ يَقْطُرُ، فَصَلَّى بِهِمْ، فَلَمَّا قَضَى الصَّلَاةَ قَالَ: «إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ وَإِنِّي كُنْتُ جُنُبًا»[713]. [713]مسند أحمد (20420). وأصله في صحيح البخاري برقم (275).

وقوله ﷺ: «وإني كنت جنبًا» خرج مخرج الاعتذار والتعليل، لذهابه وتركه إياهم وهم ينتظرونه[714]، وفيه دليل على صدور الجنابة منه ﷺ والنسيان كما في البشر[715]. [714]شرح أبي داود للعيني (1/521). [715]شرح سنن أبي داود لابن رسلان (2/346).

د- ذكر المانع من عدم إجابة الصحابي رضي الله عنه للنبي ﷺ لما دعاه:

عن أبي سعيد بن المعلى رضي الله عنه قال: كُنْتُ أُصَلِّي، فَدَعَانِي النَّبِيُّ ﷺ فَلَمْ أُجِبْهُ، قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي كُنْتُ أُصَلِّي، قَالَ: «أَلَمْ يَقُلِ اللَّهُ: ﴿ ٱسۡتَجِيبُواْ لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمۡ...﴾؟»، ثُمَّ قَالَ: «أَلاَ أُعَلِّمُكَ أَعْظَمَ سُورَةٍ فِي القُرْآنِ قَبْلَ أَنْ تَخْرُجَ مِنَ المَسْجِدِ»، فَأَخَذَ بِيَدِي، فَلَمَّا أَرَدْنَا أَنْ نَخْرُجَ، قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّكَ قُلْتَ: «لَأُعَلِّمَنَّكَ أَعْظَمَ سُورَةٍ مِنَ القُرْآنِ» قَالَ: «الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العَالَمِينَ، هِيَ السَّبْعُ المَثَانِي، وَالقُرْآنُ العَظِيمُ الَّذِي أُوتِيتُهُ»[716]. [716]صحيح البخاري (5006). والآية من سورة [الأنفال:24].

والشاهد من الحديث: أن الصحابي لم يُجب النبي ﷺ، لأنه ظن أن الخطاب في قوله تعالى: ﴿ٱسۡتَجِيبُواْ لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمۡ...﴾ إنما هو لمن هو خارج عن الصلاة[717]. [717]انظر: عمدة القاري شرح صحيح البخاري للعيني (18/81).

60- التعليل بتحذير المصلي من أفعال الشيطان:

أمر الله جل وعلا بالاستعاذة من الشيطان؛ لأنه سبب إغواء بني آدم، ومن أكثر الأوقات التي يحرص الشيطان أن يلبّس فيها على المسلم؛ حال صلاته، والواجب على المسلم الحذر من حيل الشيطان وأحواله، ومن تلك الأحوال والحيل التي ينبغي للمسلم الحذر منها ما يأتي:

أ- تحذير المصلي من مكائد الشيطان قبل الصلاة:

1- عقد الشيطان على قافية رأس النائم:

عن أبي هريرة رضي الله عنه أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «يَعْقِدُ الشَّيْطَانُ عَلَى قَافِيَةِ رَأْسِ أَحَدِكُمْ إِذَا هُوَ نَامَ ثَلاَثَ عُقَدٍ يَضْرِبُ كُلَّ عُقْدَةٍ عَلَيْكَ لَيْلٌ طَوِيلٌ، فَارْقُدْ فَإِنِ اسْتَيْقَظَ فَذَكَرَ اللَّهَ، انْحَلَّتْ عُقْدَةٌ، فَإِنْ تَوَضَّأَ انْحَلَّتْ عُقْدَةٌ، فَإِنْ صَلَّى انْحَلَّتْ عُقْدَةٌ، فَأَصْبَحَ نَشِيطًا طَيِّبَ النَّفْسِ وَإِلَّا أَصْبَحَ خَبِيثَ النَّفْسِ كَسْلاَنَ»[718]. [718]صحيح البخاري (1142).

وفي الحديث: الحذر من الشياطين وحيلهم، لأنها تثبط المسلم عن الخير.

2- وصف من تثاقل عن الصلاة بأنه أصابه بول الشيطان:

عن عبد الله رضي الله عنه، قال: ذُكِرَ عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ رَجُلٌ، فَقِيلَ: مَا زَالَ نَائِمًا حَتَّى أَصْبَحَ، مَا قَامَ إِلَى الصَّلاَةِ، فَقَالَ: «بَالَ الشَّيْطَانُ فِي أُذُنِهِ»[719]. [719]صحيح البخاري (1144).

وقوله ﷺ: «بال الشيطان في أذنيه» كناية عن استهانة الشيطان والاستخفاف والازدراء به، حتى اتخذه كالكنيف المعد للبول.

3- اجتناب الأماكن التي يحضرها الشيطان:

عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: عَرَّسْنَا مَعَ نَبِيِّ اللهِ ﷺ، فَلَمْ نَسْتَيْقِظْ حَتَّى طَلَعَتِ الشَّمْسُ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «لِيَأْخُذْ كُلُّ رَجُلٍ بِرَأْسِ رَاحِلَتِهِ، فَإِنَّ هَذَا مَنْزِلٌ حَضَرَنَا فِيهِ الشَّيْطَانُ»، قَالَ: فَفَعَلْنَا، ثُمَّ دَعَا بِالْمَاءِ فَتَوَضَّأَ، ثُمَّ سَجَدَ سَجْدَتَيْنِ، وَقَالَ يَعْقُوبُ: ثُمَّ صَلَّى سَجْدَتَيْنِ، ثُمَّ أُقِيمَتِ الصَّلاَةُ فَصَلَّى الْغَدَاةَ[720]. [720]صحيح مسلم (680).

وقوله ﷺ: «فإن هذا منزل حضرنا فيه الشيطان»؛ فيه دليلًا على استحباب اجتناب مواضع الشيطان، وهو أظهر المعنيين في النهي عن الصلاة في الحمام، وكل مكان غفل العبد فيه عن الصلاة حتى فات وقتها ينبغي أن لا يصلي فيه، سواء كان بنوم أو غيره[721]. [721]انظر: فتح الباري لابن رجب (5/119).

4- تسلط الشيطان على المصلي عند ترك صلاة الجماعة:

عن أبي الدرداء رضي الله عنه قال: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «مَا مِنْ ثَلَاثَةٍ فِي قَرْيَةٍ وَلَا بَدْوٍ لَا تُقَامُ فِيهِمُ الصَّلَاةُ إِلَّا قَدِ اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطَانُ، فَعَلَيْكَ بِالْجَمَاعَةِ فَإِنَّمَا يَأْكُلُ الذِّئْبُ الْقَاصِيَةَ»[722]. [722]سنن أبي داود (547). صححه الحاكم وابن خزيمة وقال النووي: رواه أبو داود والنسائي بإسناد صحيح. خلاصة الأحكام (2/ 655).

مما نجده في الحديث: أن ترك الشريعة بغير عذر متابعة للشيطان فقوله: (استحوذ عليهم الشيطان)؛ أي: استولى وغلب عليهم[723]. [723]انظر: المفاتيح في شرح المصابيح للمظهري (2/221).

ب- تحذير المصلي من مكائد الشيطان أثناء الصلاة:

1- التحذير من الصلاة في وقت عبادة الشيطان:

عن ابن عمر رضي الله عنهما، قال: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إِذَا طَلَعَ حَاجِبُ الشَّمْسِ فَدَعُوا الصَّلاَةَ حَتَّى تَبْرُزَ، وَإِذَا غَابَ حَاجِبُ الشَّمْسِ فَدَعُوا الصَّلاَةَ حَتَّى تَغِيبَ، وَلاَ تَحَيَّنُوا بِصَلاَتِكُمْ طُلُوعَ الشَّمْسِ وَلاَ غُرُوبَهَا، فَإِنَّهَا تَطْلُعُ بَيْنَ قَرْنَيْ شَيْطَانٍ، أَوِ الشَّيْطَانِ»[724]. [724]صحيح البخاري (3272).

ويستفاد من الحديث: أنه إنما أمرنا بترك الصلاة مع طلوع الشمس، لأنه الوقت الذي كانت فيه عبدة الشمس، يسجدون فيه للشمس، وقد درج كثير من الأمم السالفة على عبادة الشمس والسجود لها، فمن ذلك؛ ما قص الله تبارك وتعالى علينا في نبأ ملكة سبأ: أن الهدهد قال لسليمان عليه السلام: ﴿وَجَدتُّهَا وَقَوۡمَهَا يَسۡجُدُونَ لِلشَّمۡسِ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَزَيَّنَ لَهُمُ ٱلشَّيۡطَٰنُ أَعۡمَٰلَهُمۡ...﴾[725]، وقد كان في العرب قوم يعبدون الشمس، ويعظمونها، ويسمونها (الإلاهة)، فكره لنا رسول الله ﷺ أن نصلي في الوقت الذي يسجد فيه عبدة الشمس للشمس[726]. [725]]النمل: 14[. [726]انظر: تأويل مختلف الحديث لابن قتيبة الدينوري (ص195).

2- التحذير من قطع الشيطان للصلاة:

عن أبي ذر رضي الله عنه قال: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «إِذَا قَامَ أَحَدُكُمْ يُصَلِّي، فَإِنَّهُ يَسْتُرُهُ إِذَا كَانَ بَيْنَ يَدَيْهِ مِثْلُ آخِرَةِ الرَّحْلِ، فَإِذَا لَمْ يَكُنْ بَيْنَ يَدَيْهِ مِثْلُ آخِرَةِ الرَّحْلِ، فَإِنَّهُ يَقْطَعُ صَلَاتَهُ الْحِمَارُ، وَالْمَرْأَةُ، وَالْكَلْبُ الْأَسْوَدُ» قُلْتُ: يَا أَبَا ذَرٍّ، مَا بَالُ الْكَلْبِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْكَلْبِ الْأَحْمَرِ مِنَ الْكَلْبِ الْأَصْفَرِ؟ قَالَ: يَا ابْنَ أَخِي، سَأَلْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ كَمَا سَأَلْتَنِي فَقَالَ: «الْكَلْبُ الْأَسْوَدُ شَيْطَانٌ»[727]. [727]صحيح مسلم (510).

ومما يؤخذ من الحديث: أن مرور الشيطان يبطل الصلاة؛ لأنَّه علة القطع في الكلب الأسود، وقد أعطى الله الشيطان القدرة على التشكل، فيمكن أن يأتي بصورة هذا اللون من الكلاب؛ ليفسد على المسلم صلاته.

وعن أبي سعيد رضي الله عنه قال: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «إِذَا مَرَّ بَيْنَ يَدَيْ أَحَدِكُمْ شَيْءٌ وَهُوَ يُصَلِّي فَلْيَمْنَعْهُ، فَإِنْ أَبَى فَلْيَمْنَعْهُ، فَإِنْ أَبَى فَليُقَاتِلْهُ، فَإِنَّمَا هُوَ شَيْطَانٌ»[728]. [728]صحيح البخاري (3274).

ومعنى قوله ﷺ: «فإنما هو شيطان» أن الشيطان هو الذي يحمله على ذلك ويحركه[729]. [729]أعلام الحديث (شرح صحيح البخاري) للخطابي (1/420).

عن أبي هريرة رضي الله عنه عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إِنَّ عِفْرِيتًا مِنَ الجِنِّ تَفَلَّتَ عَلَيَّ البَارِحَةَ - أَوْ كَلِمَةً نَحْوَهَا - لِيَقْطَعَ عَلَيَّ الصَّلاَةَ فَأَمْكَنَنِي اللَّهُ مِنْهُ، وَأَرَدْتُ أَنْ أَرْبِطَهُ إِلَى سَارِيَةٍ مِنْ سَوَارِي المَسْجِدِ، حَتَّى تُصْبِحُوا وَتَنْظُرُوا إِلَيْهِ كُلُّكُمْ، فَذَكَرْتُ قَوْلَ أَخِي سُلَيْمَانَ: ﴿...رَبِّ ٱغۡفِرۡ لِي وَهَبۡ لِي مُلۡكٗا لَّا يَنۢبَغِي لِأَحَدٖ مِّنۢ بَعۡدِيٓ...﴾»[730]. [730]صحيح البخاري (461)، صحيح مسلم (541).

وقوله ﷺ: (‌ليقطع ‌عليّ ‌الصلاة) إما بالمرور بين يديه أو إلجائه إلى العمل الكثير، فإن المصلي يناجي ربه، وإن ربه بينه وبين القبلة، فإذا مر بين يديه فقد قطع تلك الوصلة حقيقة، وليس معناه أنه يبطل عليه صلاته ويفسدها عليه، لأن مجرد وسوسة الشيطان لا تقطع الصلاة.

3- التحذير من سرقة الشيطان من الصلاة:

عن عائشة رضي الله عنها قالت: سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنِ الِالْتِفَاتِ فِي الصَّلاَةِ؟ فَقَالَ: «هُوَ اخْتِلاَسٌ يَخْتَلِسُهُ الشَّيْطَانُ مِنْ صَلاَةِ العَبْدِ»[731]. [731]صحيح البخاري (751).

مما نجده في الحديث أن في قوله ﷺ: «هو اختلاس يختلسه الشيطان من صلاة العبد» حضًّا على إحضار المصلي ذهنه ونيته لمناجاة ربه، ولا يشتغل بأمر دنياه، وذلك أن العبد لا يستطيع أن يخلص صلاته من الفكر في أمور دنياه؛ والرسول ﷺ قد أخبر أن الشيطان يأتي إليه في صلاته، فيقول له: اذكر كذا، اذكر كذا، فمن جاهد شيطانه ونفسه وجبت له الجنة.

4- التحذير من مشابهة الشيطان في صفة الجلوس:

عن عائشة رضي الله عنها قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَسْتَفْتِحُ الصَّلَاةَ بِالتَّكْبِيرِ، وَالْقِرَاءَةِ، بِ ﴿ٱلۡحَمۡدُ لِلَّهِ رَبِّ ٱلۡعَٰلَمِينَ﴾، وَكَانَ إِذَا رَكَعَ لَمْ يُشْخِصْ رَأْسَهُ، وَلَمْ يُصَوِّبْهُ وَلَكِنْ بَيْنَ ذَلِكَ، وَكَانَ إِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ الرُّكُوعِ لَمْ يَسْجُدْ، حَتَّى يَسْتَوِيَ قَائِمًا، وَكَانَ إِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ السَّجْدَةِ، لَمْ يَسْجُدْ حَتَّى يَسْتَوِيَ جَالِسًا، وَكَانَ يَقُولُ فِي كُلِّ رَكْعَتَيْنِ التَّحِيَّةَ، وَكَانَ يَفْرِشُ رِجْلَهُ الْيُسْرَى وَيَنْصِبُ رِجْلَهُ الْيُمْنَى، وَكَانَ يَنْهَى عَنْ عُقْبَةِ الشَّيْطَانِ. وَيَنْهَى أَنْ يَفْتَرِشَ الرَّجُلُ ذِرَاعَيْهِ افْتِرَاشَ السَّبُعِ، وَكَانَ يَخْتِمُ الصَّلَاةَ بِالتَّسْلِيمِ[732]. [732]صحيح مسلم (498)، والمراد بعقبة الشيطان هو أن يلصق أليتيه بالأرض، وينصب ساقيه، ويضع يديه على الأرض كما يفترش الكلب وغيره. المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج للنووي (4/214).

وفي الحديث: أن النبي ﷺ أضاف العقبة إلى الشيطان تقبيحًا لها، لكونها قعدة الشيطان.

5- التحذير من وسوسة الشيطان:

عن أبي العلاء أَنَّ عُثْمَانَ بْنَ أَبِي الْعَاصِ، أَتَى النَّبِيَّ ﷺ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ إِنَّ الشَّيْطَانَ قَدْ حَالَ بَيْنِي وَبَيْنَ صَلَاتِي وَقِرَاءَتِي يَلْبِسُهَا عَلَيَّ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «ذَاكَ شَيْطَانٌ يُقَالُ لَهُ خَنْزَبٌ، فَإِذَا أَحْسَسْتَهُ فَتَعَوَّذْ بِاللهِ مِنْهُ، وَاتْفِلْ عَلَى يَسَارِكَ ثَلَاثًا» قَالَ: فَفَعَلْتُ ذَلِكَ فَأَذْهَبَهُ اللهُ عَنِّي [733]. [733]صحيح مسلم (2203).

فالشيطان يهاجم المصلي بكل ما يستطيع، فيفتح له من أبواب الوساوس ما لم يخطر له على بال، من أجل أن يضيع المقصود الأعظم في الصلاة وهو الخشوع، ولكن الرسول ﷺ أعطانا طِبًّا لهذا، بأن يتفل الإنسان على يساره ثلاثًا، ويستعيذ بالله من الشيطان الرجيم، فإنه يذهب بإذن الله.

6- التحذير من دخول الشيطان في فم المصلي:

عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «إِذَا تَثَاءَبَ أَحَدُكُمْ فِي الصَّلَاةِ، فَلْيَكْظِمْ مَا اسْتَطَاعَ، فَإِنَّ الشَّيْطَانَ يَدْخُلُ»[734]. [734]صحيح مسلم (2995).

وقد أمر النبي ﷺ بكظم التثاؤب ورده، ووضع اليد على الفم؛ لئلا يبلغ الشيطان العدو أمله في المسلم بكل ما يسوؤه ويكره منه، ومن ذلك؛ التشويش على المصلي في صلاته.

7- التحذير من دخول الشيطان بين الصفوف:

عن أنس بن مالك رضي الله عنه عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «رُصُّوا صُفُوفَكُمْ وَقَارِبُوا بَيْنَهَا وَحَاذُوا بِالْأَعْنَاقِ، فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إِنِّي لَأَرَى الشَّيْطَانَ يَدْخُلُ مِنْ خَلَلِ الصَّفِّ كَأَنَّهَا الْحَذَفُ»[735]. [735]سنن أبي داود (667).

وقوله ﷺ: «فو الذي نفسي بيده إني لأرى الشيطان يدخل من خلل الصف كأنها الحذف»؛ فيه التنبيه بهذا الإقسام العظيم على تأكيد التراص والتقارب لعظم فائدتهما، وهي منع دخول الشيطان بينهم المستلزم لتسلطه وإغوائه ووسوسته حتى يفسد عليهم صلاتهم وخشوعهم الذي هو روح الصلاة.

ج- تحذير المصلي من مكائد الشيطان بعد الصلاة:

1- الحث على عدم الالتفات لوسواس الشيطان:

عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «إِذَا شَكَّ أَحَدُكُمْ فِي صَلَاتِهِ، فَلَمْ يَدْرِ كَمْ صَلَّى ثَلَاثًا أَمْ أَرْبَعًا، فَلْيَطْرَحِ الشَّكَّ وَلْيَبْنِ عَلَى مَا اسْتَيْقَنَ، ثُمَّ يَسْجُدُ سَجْدَتَيْنِ قَبْلَ أَنْ يُسَلِّمَ، فَإِنْ كَانَ صَلَّى خَمْسًا شَفَعْنَ لَهُ صَلَاتَهُ، وَإِنْ كَانَ صَلَّى إِتْمَامًا لِأَرْبَعٍ كَانَتَا تَرْغِيمًا لِلشَّيْطَانِ»[736]. [736]صحيح مسلم (571).

وقوله ﷺ في سجدتي السهو: «كانتا ترغيمًا للشيطان» أي إغاظة له وإذلالًا، ورده خاسئًا عن مراده، وتلافى المصلي ما لبَّس عليه الشيطان فيها بكيده، ووسوسته.

وعن أبي هريرة رضي الله عنه أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ أَدْبَرَ الشَّيْطَانُ لَهُ ضُرَاطٌ، حَتَّى لَا يَسْمَعَ التَّأْذِينَ، فَإِذَا قُضِيَ التَّأْذِينُ أَقْبَلَ حَتَّى إِذَا ثُوِّبَ بِالصَّلَاةِ أَدْبَرَ حَتَّى إِذَا قُضِيَ التَّثْوِيبُ، أَقْبَلَ حَتَّى يَخْطُرَ بَيْنَ الْمَرْءِ وَنَفْسِهِ يَقُولُ لَهُ: اذْكُرْ كَذَا وَاذْكُرْ كَذَا لِمَا لَمْ يَكُنْ يَذْكُرُ مِنْ قَبْلُ حَتَّى يَظَلَّ الرَّجُلُ مَا يَدْرِي كَمْ صَلَّى»[737]. [737]صحيح البخاري (608).

مما نجده في الحديث: أن من نسي شيئًا، وأراد أن يتذكره فليصل ويجهد نفسه فيها من تخليص الوسوسة وأمور الدنيا، فإن الشيطان لابد أن يحاول تسهيته وإذكاره أمور الدنيا؛ ليصده عن إخلاص نيته في الصلاة.

وقال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: لاَ يَجْعَلْ أَحَدُكُمْ لِلشَّيْطَانِ شَيْئًا مِنْ صَلاَتِهِ يَرَى أَنَّ حَقًّا عَلَيْهِ أَنْ لاَ يَنْصَرِفَ إِلَّا عَنْ يَمِينِهِ لَقَدْ رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ كَثِيرًا يَنْصَرِفُ عَنْ يَسَارِهِ[738]. [738]صحيح البخاري (852).

مما نجده في قوله: (لا يجعل أحدكم للشيطان...) أنه ﷺ كان ينصرف إلى جانب يمينه مرة إذا فرغ من صلاته، وإلى جانب يساره مرة، فمن اعتقد أنه حق عليه أن ينصرف عن يمينه دون يساره؛ فقد اعتقد غير ما فعله رسول الله ﷺ، ومن اعتقد شيئًا غير ما فعله رسول الله ﷺ فقد تابع الشيطان في صلاته.

61- التعليل بفضل موافقة الملائكة:

أ- موافقة الملائكة في التأمين:

عن أبي هريرة رضي الله عنه أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «إِذَا أَمَّنَ الْإِمَامُ فَأَمِّنُوا، فَإِنَّهُ مَنْ وَافَقَ تَأْمِينُهُ تَأْمِينَ الْمَلَائِكَةِ، غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ» قَالَ ابْنُ شِهَابٍ كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَقُولُ: «آمِينَ»[739]. [739]صحيح البخاري (780).

وعنه أيضًا رضي الله عنه: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «إِذَا قَالَ الْإِمَامُ سَمِعَ اللهُ لِمَنْ حَمِدَهُ، فَقُولُوا: اللهُمَّ رَبَّنَا لَكَ الْحَمْدُ، فَإِنَّهُ مَنْ وَافَقَ قَوْلُهُ قَوْلَ الْمَلَائِكَةِ، غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ»[740]. [740]المرجع السابق (796).

وقوله: «ومن وافق تأمينه تأمين الملائكة» معناه وافقهم في وقت التأمين، فأمن مع تأمينهم، وهذا هو الصحيح.[741] والحكمة في إيثار الموافقة في القول والزمان أن يكون المأموم على يقظة للإتيان بالوظيفة في محلها لأن الملائكة لا غفلة عندهم فمن وافقهم كان متيقظًا[742]. [741]المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج للنووي (4/130). [742]فتح الباري لابن حجر (2/265).

ب- موافقة الملائكة في صلاة آخر الليل:

عن جابر رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «مَنْ خَافَ أَنْ لَا يَقُومَ مِنْ آخِرِ اللَّيْلِ فَلْيُوتِرْ أَوَّلَهُ، وَمَنْ طَمِعَ أَنْ يَقُومَ آخِرَهُ فَلْيُوتِرْ آخِرَ اللَّيْلِ، فَإِنَّ صَلَاةَ آخِرِ اللَّيْلِ مَشْهُودَةٌ، وَذَلِكَ أَفْضَلُ»)[743](. [743]صحيح مسلم (755).

مما نجده في الحديث: أن صلاة آخر الليل تشهدها ملائكة الرحمة، وفيه دليل صريح على تفضيل صلاة الوتر وغيرها آخر الليل[744]، وكانت الصلاة آخر اللَّيل مشهودة؛ لما فيه من نوم النَّاس وغفلتهم عنه[745]. [744]المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج للنووي (6/35). [745]العدة في شرح العمدة في أحاديث الأحكام لابن العطار (2/898).

62- التعليل بتأذي الملائكة ممن به رائحة كريهة:

خلق الله الملائكة لعبادته، وصورهم في أحسن صورة وأجمل حال، وجعل الإيمان بهم من أركان الإيمان الستة، وهم معنا يأتون إلى المساجد، ولقد نهى النبي ﷺ عن كل ما يؤذيهم، ومن ذلك:

عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما عن النبي ﷺ قال: «مَنْ أَكَلَ مِنْ هَذِهِ الْبَقْلَةِ، الثُّومِ - وقَالَ مَرَّةً: مَنْ أَكَلَ الْبَصَلَ وَالثُّومَ وَالْكُرَّاثَ فَلَا يَقْرَبَنَّ مَسْجِدَنَا، فَإِنَّ الْمَلَائِكَةَ تَتَأَذَّى مِمَّا يَتَأَذَّى مِنْهُ بَنُو آدَمَ»[746]. [746]صحيح مسلم (564).

مما نجده في هذا الحديث: المنع من الدخول بهذه الروائح إلى المسجد وإن كان خاليًا لأنه محل الملائكة[747]، وقد كان ﷺ يترك الثوم دائمًا لأنه يتوقع مجيء الملائكة والوحي كل ساعة[748]. [747]المعلم بفوائد مسلم للمازري (1/417). [748]المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج للنووي (14/9).

وعن معدان بن أبي طلحة، أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه خطب يوم الجمعة فقال: "أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّكُمْ تَأْكُلُونَ مِنْ شَجَرَتَيْنِ لاَ أُرَاهُمَا إِلاَّ خَبِيثَتَيْنِ، لَقَدْ رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ إِذَا وَجَدَ رِيحَهُمَا مِنَ الرَّجُلِ فِي الْمَسْجِدِ، أَمَرَ بِهِ فَأُخِذَ بِيَدِهِ فَأُخْرِجَ إِلَى الْبَقِيعِ وَمَنْ أَكَلَهُمَا، فَلْيُمِتْهُمَا طَبْخًا.."[749]. [749]صحيح مسلم (567).

وهذا يدل على شدة كراهية النبي ﷺ لرائحة الثوم والبصل حتى إنه من شدة كراهيته لهذه الرائحة يأمر من يكون به هذه الرائحة أن يخرج من المسجد.

63- التعليل بالمقصد من بناء المساجد:

عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «مَنْ سَمِعَ رَجُلًا يَنْشُدُ ضَالَّةً فِي الْمَسْجِدِ فَلْيَقُلْ لَا رَدَّهَا اللهُ عَلَيْكَ فَإِنَّ الْمَسَاجِدَ لَمْ تُبْنَ لِهَذَا»[750]. [750]صحيح مسلم (568).

عن سليمان بن بريدة، عن أبيه، قال: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمَّا صَلَّى قَامَ رَجُلٌ فَقَالَ: مَنْ دَعَا إِلَى الْجَمَلِ الْأَحْمَرِ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «لَا وَجَدْتَ، إِنَّمَا بُنِيَتِ الْمَسَاجِدُ لَمَّا بُنِيَتْ لَهُ»[751]. [751]صحيح مسلم (569).

مما نجده في الحديثين أن الأصل ألا يُعمل في المسجد غير الصلوات، والأذكار، وقراءة القرآن؛ ولذلك قال ﷺ: «إذا رأيتم من يبيع في المسجد أو يبتاع فقولوا: لا أربح الله تجارتك»[752]. [752]سنن الترمذي (1321). حسنه الترمذي وصححه الألباني.صحيح وضعيف سنن الترمذي (3/ 321).

وعن أنس بن مالك رضي الله عنه، قال: بَيْنَمَا نَحْنُ فِي الْمَسْجِدِ مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ. إِذْ جَاءَ أَعْرَابِيٌّ فَقَامَ يَبُولُ فِي الْمَسْجِدِ، فَقَالَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللهِ ﷺ: مَهْ مَهْ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «لَا تُزْرِمُوهُ دَعُوهُ» فَتَرَكُوهُ حَتَّى بَالَ، ثُمَّ إِنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ دَعَاهُ فَقَالَ لَهُ: «إِنَّ هَذِهِ الْمَسَاجِدَ لَا تَصْلُحُ لِشَيْءٍ مِنْ هَذَا الْبَوْلِ، وَلَا الْقَذَرِ إِنَّمَا هِيَ لِذِكْرِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ، وَالصَّلَاةِ وَقِرَاءَةِ الْقُرْآنِ» أَوْ كَمَا قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ قَالَ: فَأَمَرَ رَجُلًا مِنَ الْقَوْمِ فَجَاءَ بِدَلْوٍ مِنْ مَاءٍ فَشَنَّهُ عَلَيْهِ[753]. [753]صحيح مسلم (285).

والحديث فيه دليل على وجوب صيانة المساجد وتنزيهها عن الأقذار والنجاسات، ألا ترى إلى تمام الحديث في رواية مسلم: (ثم إن رسول الله ﷺ دعاه) أي: الأعرابي، (فقال له: إن هذه المساجد لا تصلح لشيء من هذا البول، ولا القذر، وإنما هي لذكر الله والصلاة وقراءة القرآن)[754]. [754]عمدة القاري شرح صحيح البخاري للعيني (3/126).

64- التعليل عند الأمر بالوتر:

عن علي رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «يَا أَهْلَ الْقُرْآنِ أَوْتِرُوا، فَإِنَّ اللَّهَ وِتْرٌ يُحِبُّ الْوِتْرَ»[755]. [755]سنن أبي داود (1416). قال الترمذي في سننه: "حديث علي حديث حسن "ونقل الحافظ في "التلخيص" (2/ 14) تصحيح الحاكم له. وشطره الثاني عند البخاري (6410)، ومسلم (2677)، بلفظ: "وهو وتر يحب الوتر" أو "إنه وتر يحب الوتر".

مما نجده في الحديث أن النبي ﷺ خاطب أهل القرآن، وفي هذا تشريف لهم، ثم أمرهم بالوتر، وعلل الحُكم في ذلك بأنه وتر ويحب الوتر، وهو ختام الصلاة بركعة، ولم يُرد الشفع كما اشتهر وانتشر عند بعض الناس، وإنما الوتر هو ختام صلاة الليل.

65- التعليل عند الأمر بتخفيف صلاة الجماعة:

عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال: «إِذَا أَمَّ أَحَدُكُمُ النَّاسَ، فَلْيُخَفِّفْ، فَإِنَّ فِيهِمُ الصَّغِيرَ، وَالْكَبِيرَ، وَالضَّعِيفَ، وَالْمَرِيضَ، فَإِذَا صَلَّى وَحْدَهُ فَلْيُصَلِّ كَيْفَ شَاءَ»[756]. [756]صحيح مسلم (467).

مما نجده في هذا الحديث أمره ﷺ بالتخفيف وقال: «فأيكم صلى بالناس فليخفف فإن فيهم السقيم والضعيف وذا الحاجة»، فالسنة التخفيف، كما أمر به النبي ﷺ للعلة التي بينها[757]. [757]انظر: المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج للنووي (4/174).

وعن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَأْمُرُ بِالتَّخْفِيفِ وَيَؤُمُّنَا بِالصَّافَّاتِ[758]. [758]سنن النسائي (826). صححه الشيخ مقبل الوادعي في الصحيح المسند (6/109).

والصلاة التي كان النبي ﷺ يصليها بالناس هي التخفيف الذي أمر به غيره، وإنما أنكر على من طول تطويلًا زائدًا على ذلك[759]، فصلاته ﷺ بـ"الصافات" مع أمره بالتخفيف يعتبر تخفيفًا، فمن فعل مثل فعله ﷺ فقد عمل بالتخفيف[760]. [759]فتح الباري لابن رجب (6/219). [760]شرح سنن النسائي للأثيوبي (10/349).

66- التعليل بعظم الأجر:

أ- التعليل بعظم أجر إطالة صلاة الفجر:

عن رافع بن خديج رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «أَصبِحُوا بالصُّبحِ فإنه أعظَمُ لأُجُورِكم» أو «أعظَمُ للأجرِ»[761]. [761]سنن أبي داود (424).

ومما يستفاد من الحديث: أن الأجور تختلف في عظمها وصغرها؛ لقوله: «فإنه أعظم»، وفيه دليل على أن تأخير صلاة الفجر إلى الإسفار أفضل.

ب- التعليل بفضيلة تأخير العشاء:

عن معاذ بن جبل رضي الله عنه قال: ارتقبْنا النبيَّ ﷺ في صلاة العَتَمةِ فأخَّرَ حتَّى ظنَّ الظَّانُّ أنه ليس بخارجٍ، والقائلُ منَّا يقولُ: صَلَّى، فإنَّا لكذلك حتَّى خرجَ النبي ﷺ، فقالوا له كما قالوا، فقال: «أَعتِمُوا بهذه الصَّلاةِ، فإنَّكم قد فضِّلتُم بها على سائرِ الأُمَمِ، ولم تُصَلِّها أُمَة قبلَكم»[762]. [762]سنن أبي داود (421). صححه الحافظ ابن حجر والسيوطي. التلخيص (3/ 29)، السراج المنير (1/147).

وقوله ﷺ: «فإنكم قد فضلتم بها على سائر الأمم، ولم تصلها أمة قبلكم» فيه تعليل لفضيلة تأخير صلاة العشاء إلى هذا الوقت، وفيه أيضًا فضيلة تخصيص من انفرد بعبادة لا يشاركه فيها غيره[763]. [763]شرح سنن أبي داود لابن رسلان (3/176).

67- التعليل باستشعار المصلي بأنه يناجي ربه في الصلاة:

وهذا الأسلوب مما يجعل المصلي يجتهد في تحسين صلاته، وحضور قلبه فيها، والتفرغ من جميع الشواغل بين يدي الله سبحانه وتعالى، ومما نجده في السنة في ذلك:

أ- النهي عن البزاق حال الصلاة:

عن أنس بن مالك رضي الله عنه عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «اعْتَدِلُوا فِي السُّجُودِ، وَلاَ يَبْسُطْ ذِرَاعَيْهِ كَالكَلْبِ، وَإِذَا بَزَقَ فَلاَ يَبْزُقَنَّ بَيْنَ يَدَيْهِ، وَلاَ عَنْ يَمِينِهِ، فَإِنَّهُ يُنَاجِي رَبَّهُ»[764]. [764]صحيح البخاري (532).

مما نجده في الحديث: أنه ﷺ أبان أن معنى نهيه عن البزاق في القبلة إنما هو من أجل مناجاته لربه عند استقباله القبلة في صلاته، ومن أعظم الجفاء وسوء الأدب أن تتوجه إلى رب الأرباب وملك الملوك وتتنخم في توجهك؛ وقد أعلمنا الله تعالى بإقباله على من توجه إليه ومراعاته لحركاته[765]. [765]شرح صحيح البخاري لابن بطال (2/68).

ب- النهي عن الالتفات في الصلاة:

عن الحارث الأشعري رضي الله عنه أن نبي الله ﷺ قال: «إِنَّ اللَّهَ خَلَقَكُمْ وَرَزَقَكُمْ، فَاعْبُدُوهُ وَلاَ تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا، وَأَمَرَكُمْ بِالصَّلاَةِ، فَإِنَّ اللَّهَ يَنْصِبُ وَجْهَهُ لِوَجْهِ عَبْدِهِ مَا لَمْ يَلْتَفِتْ، فَإِذَا صَلَّيْتُمْ فَلاَ تَلْتَفِتُوا»[766]. [766]مسند أحمد (17800). صححه الترمذي في سننه والحاكم المستدرك (1/ 362).

والالتفات مما يسرقه الشيطان من صلاة العبد، فتنقص به صلاته، ولذا فإن الشيطان يحمل المصلي على البزاق والالتفات حال الصلاة ليقطع عليه صلاته، بمعنى: أنه ينقص عليه كمالها وثمراتها من خشوعها، وما يتنعم به المصلي، وتقر به عينه من ذكر الله فيها، ومناجاته بتلاوة كتابه[767]. [767]انظر: فتح الباري لابن رجب (4/140).

68- التعليل بإبعاد كل ما يشغل المصلي عن صلاته.

عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: كَانَ قِرَامٌ لِعَائِشَةَ سَتَرَتْ بِهِ جَانِبَ بَيْتِهَا، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «أَمِيطِي عَنَّا قِرَامَكِ هَذَا، فَإِنَّهُ لاَ تَزَالُ تَصَاوِيرُهُ تَعْرِضُ فِي صَلاَتِي»[768]. [768]صحيح البخاري (374).

وفي الحديث: أنه ينبغي التزام الخشوع وتفريغ البال لله تعالى، ألا ترى أن رسول الله ﷺ نبه على هذا المعنى بقوله: «فإنه لا تزال تصاويره تعرض لي في صلاتي». وهذا مثل ما عرض له ﷺ في الخميصة التي أهداها له أبو جهم فقال: «اذهبوا بخميصتي هذه إلى أبي جهم وأتوني بأنبجانية أبي جهم، فإنها ألهتني آنفًا عن صلاتي».

69- التعليل بأن الإنسان في قصده للصلاة أنه في صلاة:

عن أبي هريرة رضي الله عنه أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ، قَالَ: «إِذَا ثُوِّبَ لِلصَّلَاةِ فَلَا تَأْتُوهَا وَأَنْتُمْ تَسْعَوْنَ، وَأْتُوهَا وَعَلَيْكُمُ السَّكِينَةُ، فَمَا أَدْرَكْتُمْ فَصَلُّوا، وَمَا فَاتَكُمْ فَأَتِمُّوا، فَإِنَّ أَحَدَكُمْ إِذَا كَانَ يَعْمِدُ إِلَى الصَّلَاةِ فَهُوَ فِي صَلَاةٍ»[769]. [769]صحيح مسلم (602).

مما نجده في الحديث: أن رسول الله ﷺ أمر بالوقار والسكينة في السير إلى الصلاة؛ والنهي عن إتيانها سعيًا، سواء في صلاة الجمعة وغيرها، والحكمة في إتيانها بسكينة، أنه في حكم المصلي، فينبغي له اعتماد ما ينبغي للمصلي اعتماده، واجتناب ما ينبغي للمصلي اجتنابه[770]. [770]فتح الباري لابن حجر (2/118).

70- التعليل بأن تسوية الصف، من إقامة الصلاة:

عن أنس بن مالك رضي الله عنه عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «سَوُّوا صُفُوفَكُمْ، فَإِنَّ تَسْوِيَةَ الصُّفُوفِ مِنْ إِقَامَةِ الصَّلاَةِ»[771]. [771]صحيح البخاري (723).

مما نجده في الحديث: أن معنى قوله: «سووا صفوفكم» أي اعتدلوا فيها على سمت واحد وسدوا فرجها، ثم عقبه بما هو كالتعليل له حيث قال: «فإن تسوية الصفوف» في رواية الصف بالإفراد، والمراد به الجنس «من إقامة الصلاة» أي من تمامها وكمالها أو من جملة إقامتها، وهي تعديل أركانها وحفظها من أن يقع في مخالفة فرائضها وسننها[772]. [772]فيض القدير شرح الجامع الصغير للمناوي (4/115).

وعن أنس رضي الله عنه أن رسول الله ﷺ قال: «أَتِمُّوا الصَّفَّ الأَوَّلَ، ثُمَّ الَّذِي يَلِيهِ، فَإِنْ كَانَ نَقْصٌ فَلْيَكُنْ فِي الصَّفِّ الْمُؤَخَّرِ»[773]. [773]سنن النسائي (818). صححه النووي. المجموع (4/ 301).

قوله ﷺ: «وما كان من نقص فليكن في الصف المؤخر» يدل على أن من وقف في الثاني قبل تمام الأول ولو كان معه غيره فإنه لم يصب السنة، بل السنة ألا يكون أحد في الثاني حتى يتم الأول ولا في الثالث حتى يتم الثاني[774]. [774]شرح رياض الصالحين لابن عثيمين (5/118).

والخلاصة أننا مأمورون بتسوية الصفوف على النحو الآتي:

1- تسوية الصف بالمحاذاة، وبإكمال الأول فالأول.

2- أن الأولى إذا اجتمع رجال ونساء أن تبتعد النساء عن الرجال.

3- سدُّ الفُرج بألا ندع للشياطين فُرجًا يدخلون من بينها.

4- ومن تمام الصفوف إذا كانوا ثلاثة فإنه يتقدم أحدهم إمامًا ويكون الآخران خلفه، وإن كانا بالغين أو صغيرين أو بالغًا وصغيرًا؛ كلهم يكونون خلفه.

71- التعليل بالتخويف من التأخير عن الخير والفضل:

عن سمرة بن جندب رضي الله عنه أَنَّ نَبِيَّ اللَّهِ ﷺ، قَالَ: «احْضُرُوا الذِّكْرَ، وَادْنُوا مِنَ الْإِمَامِ، فَإِنَّ الرَّجُلَ لَا يَزَالُ يَتَبَاعَدُ حَتَّى يُؤَخَّرَ فِي الْجَنَّةِ، وَإِنْ دَخَلَهَا»[775]. [775]سنن أبي داود (1108). صححه الحاكم، ولم يتعقبه الذهبى. وحسنه السيوطي. السراج المنير (1/259).

فلذلك لما تأخر عن موقف الطاعة أُخِّر عن موقف الجزاء، وفيه توهين أمر المتأخرين وتسفيه رأيهم، حيث وضعوا أنفسهم من أعالي الأمور إلى سفاسفها.

72- التعليل بأربع فوائد للحث على قيام الليل:

عن أبي أمامة رضي الله عنه عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ، قَالَ: «عَلَيْكُمْ بِقِيَامِ اللَّيْلِ فَإِنَّهُ دَأَبُ الصَّالِحِينَ قَبْلَكُمْ، وَهُوَ قُرْبَةٌ لَكُمْ إِلَى رَبِّكُمْ، وَمُكَفِّرٌ لِلسَّيِّئَاتِ، وَمَنْهَاةٌ عَنِ الإِثْمِ»[776]. [776]سنن الترمذي (3549). صححه الحاكم في المستدرك (1/ 308) وقال "هذا حديث صحيح ".

وقوله: «دأب الصالحين» عادتهم، وهو ما يواظبون عليه، ويأتون به في أكثر أحوالهم، والمعنى: أن قيام الليل قربة تقربكم إلى ربكم، وخصلة تكفر سيئاتكم، وتنهاكم عن المحرمات، كما قال تعالى: ﴿...إِنَّ ٱلصَّلَوٰةَ تَنۡهَىٰ عَنِ ٱلۡفَحۡشَآءِ وَٱلۡمُنكَرِ...﴾[777]. [777][العنكبوت: 45].

73- التعليل بأن الله هو السلام:

عن عبد الله رضي الله عنه قال: كُنَّا إِذَا كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فِي الصَّلاَةِ، قُلْنَا: السَّلاَمُ عَلَى اللَّهِ مِنْ عِبَادِهِ، السَّلاَمُ عَلَى فُلاَنٍ وَفُلاَنٍ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «لاَ تَقُولُوا السَّلاَمُ عَلَى اللَّهِ، فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ السَّلاَمُ، وَلَكِنْ قُولُوا: التَّحِيَّاتُ لِلَّهِ وَالصَّلَوَاتُ وَالطَّيِّبَاتُ، السَّلاَمُ عَلَيْكَ أَيُّهَا النَّبِيُّ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ، السَّلاَمُ عَلَيْنَا وَعَلَى عِبَادِ اللَّهِ الصَّالِحِينَ، فَإِنَّكُمْ إِذَا قُلْتُمْ أَصَابَ كُلَّ عَبْدٍ فِي السَّمَاءِ أَوْ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ، أَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، ثُمَّ يَتَخَيَّرُ مِنَ الدُّعَاءِ أَعْجَبَهُ إِلَيْهِ، فَيَدْعُو»[778]. [778]صحيح البخاري (835).

قوله: «لا تقولوا: السلام على الله، فإن الله هو السلام» لأن الله عز وجل هو المرجوع إليه بالمسائل المتوسل إليه بالدعاء، فأنى يدعى له وهو المدعو على الحالات!؟، وفي قوله: «فإن الله هو السلام» تعليل للنهي، أي هو الذي يعطي السلامة ويقررها، فنزهوه عن نعت هو الغني عنه، ونحن الفقراء إليه[779]، وأيضًا فإنك لو قلت: السلام على الله؛ لأوهم هذا أن الرب عز وجل يمكن أن يلحقه نقص وضرر فتدعو له بالسلامة مع أنه -عز وجل- هو السلام السالم من كل نقص[780]. [779]الميسر في شرح مصابيح السنة للتُّوربِشتي (1/253). [780]فتح ذي الجلال والإكرام بشرح بلوغ المرام لابن عثيمين (2/149).

تم الفراغ منه بعد مغرب يوم الثلاثاء 20 محرم 1442هـ

في مدينة الرياض حرسها الله.