شرح الأصول الثلاثة

شرح الأصول الثلاثة

شَرْحُ الأُصُولِ الثَّلَاثَةِ

Language: English
Prepared by: عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بَازٍ
Version: 1.0
Translations 0
Attachments 7
PDF
Audio
Video
+3

شَرْحُ الأُصُولِ الثَّلَاثَةِ

للإمام محمد التميمي رحمه الله

شرح سماحة الشيخ العلامة

عبد العزيز بن عبد الله بن باز

رحمه الله

ترجمة موجزة للشارح سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز

اسمه ونسبه وكنيته ولقبه:

هو سماحة الشَّيخ الإمام المجتهد عبد العزيز بن عبد اللَّه بن عبد الرحمن بن محمَّد بن عبد اللَّه بن باز.

وكنيته: أبو عبد اللَّه أكبر أولاده، لقبه المشهور به: ابن باز رحمه الله.

مولده ونشأته:

ولد في الرياض في اليوم (12) من ذي الحجَّة سنة (1330هـ). ونشأ بها في حجر والدته، فقد توفي والده سنة (1333هـ) وعمره دون الثَّالثة، فأحسنت أمه تربيته وتنشئته رحمها اللَّه، وقد توفيت سنة (1356هـ).

حياته العلميَّة والعملية:

حياته العلمية:

تلقى تعليمه على يد كوكبة من علماء الدَّعوة السَّلفيَّة من أبرزهم:

الشَّيخ: محمَّد بن إبراهيم بن عبداللَّطيف آل الشَّيخ رحمه الله مفتي الدِّيار السُّعوديَّة، فقد أخذ عنه جميع علوم الشريعة.

أمَّا حياته العملية: فقد تولى عدة أعمال منها:

- القضاء في منطقة الخرج بالدّلم من (1357هـ 1371هـ) ثُمَّ.

- التَّعليم في منطقة الرياض والمدينة من (1371هـ 1395هـ).

- ثُمَّ تمَّ تعينه رئيسًا لإدارات البحوث العلميَّة والإفتاء، والدَّعوة والإرشاد برتبة وزير من (14/10/1395هـ حتى 14/01/1414هـ ).

- وقد عُيِّن مفتيًا عامًا للمملكة، ورئيسًا لهيئة كبار العلماء، واللَّجنة الدَّائمة للبحوث العلميَّة والإفتاء في (20/01/1414هـ) وبقي في هذا المنصب إلى أن توفي رحمه الله رحمة واسعة في (27/1/1420هـ).

مؤلفاته:

له العديد من المؤلفات أكثرها قد جمع ضمن كتابه المشهور «مجموع فتاوى ومقالات متنوعة» والبالغ ثلاثون مجلدًا، وحوِّل برنامجه الإذاعي «نور على الدَّرب» إلى كتاب «فتاوى نور على الدَّرب» وقد صدر في (34) مجلدًا، وله غيرها من التَّصانيف والشروح والفتاوى.

كما أصدرت مؤسسة عبدالعزيز ابن باز الخيريَّة بعض تعليقات وشروح سماحته على بعض كتب أهل العلم منها كُتب الإمام المجدد الشيخ/محمَّد التميمي رحمه الله كـكتاب «كشف الشُّبهات، والأصول الثلاثة، والقواعد الأربع، وفضل الإسلام»، و«كتاب الفتوى الحمويَّة، والعقيدة الواسطية» كلاهما لشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، وكتاب «وظائف رمضان» للشَّيخ عبد الرحمن بن محمَّد بن قاسم رحمه الله، وكتاب «التَّبصير في معالم الدِّين» لابن جرير رحمه الله وغيرها.

وفاته:

توفي بالطَّائف قبيل فجر يوم الخميس 27 من شهر محرم الحرام سنة 1420هـ، وَصُلِّيَّ عليه بعد صلاة الجمعة بالمسجد الحرام، ودفن بمقبرة العدل بمكة المكرمة رحمه الله([1]). [1]ينظر ترجمته في: «مجموع فتاوى ومقالات متنوعة» لسماحته (1/9 ـ 12) من جمع وترتيب د. محمَّد بن سعد الشويعر، و«الإنجاز في ترجمة الإمام عبد العزيز بن باز» للشيخ عبد الرحمن بن يوسف الرحمة (ص27، 28، 29، 34، 45، 377) وكتاب «جوانب من سيرة الإمام عبد العزيز بن باز» رواية الشَّيخ محمَّد الموسى، إعداد: د. محمَّد بن إبراهيم الحمد (33) و«الإبريزية في التسعين البازية»، د. حمد بن إبراهيم الشتوي (18، 20، 21، 30، 189) و«ترجمة سماحة الشَّيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز»، من إعداد واعتناء: الشَّيخ عبد العزيز بن إبراهيم ابن قاسم (13، 23، 26، 138) وغيرها.

تعريف الشَّارح بثلاثة الأصول ومؤلفها

هذه رسالة مُهمَّة في العقيدة ألَّفَها الشَّيخُ أبو عبدِ اللَّهِ محمَّد بن عبد الوهَّاب بن سليمان بن عليٍّ التَّميميُّ الحنبليُّ الإمام المشهورُ المجدِّد لما انْدَرَسَ من معالم الإسلام في النِّصف الثَّاني من القرن الثَّاني عشر رحمه الله وأكرم مثواه.

وقد كان رحمه الله يُلقِّنُ الطَّلبة والعامَّة هذه الأصول؛ ليدرسوها ويحفظوها، ولتستقرَّ في قلوبهم؛ لكونها قاعدة في العقيدة.

وكان مولده سنة خمس عشرة ومائة وألف من الهجرة، وقد كانت وفاته سنة ستٍّ ومائتين وألفٍ من الهجرة، فقد عُمِّر إحدى وتسعين سنةً، وكان عُمرًا مَليئًا بالخير والدَّعوة إلى اللَّهِ، والتَّعليم والإرشاد، والصَّبر على ذلك [2]. [2]وقد حاضر، وكتب الشَّارح رحمه الله عن الشَّيخ محمَّد سيرته ودعوته الإصلاحية، وردَّ على شبه بعض المناوئين له. ينظر: «مجموع فتاوى ومقالات متنوعة» (1/354- 384) و«فتاوى نورعلى الدرب» من جمع الطيار والموسى (1/ 19-25، س6، وس7) و«فتاوى نور على الدرب» بعناية الشويعر (3/138-154).

وقد أنقذ اللَّهُ به العباد والبلاد في زمانه في هذه الجزيرة، وانتشرت دعوته بعد ذلك في غيرها من الشَّام، ومصر، والعراق، والهند وغيرها، بسبب الدُّعاة الَّذين حملوا عنه العلم، وانتقلوا إلى تلك البلدان والدُّولِ، وبسبب الكتب الَّتي انتشرت منه رحمه الله ومن أتباعه وأنصاره والدُّعاة التَّابعين له، في الدَّعوة إلى اللَّهِ.

مقدِّمة المؤلِّف

قال الشيخ محمد التميمي:

«اعْلَمْ ـ رَحِمَكَ اللَّهُ ـ أَنَّهُ يَجِبُ عَلَيْنَا تَعَلُّمُ أَرْبعِ مَسَائِلَ:

الأُولَى: العِلْمُ: وَهُوَ مَعْرِفَةُ اللَّهِ، وَمَعْرِفَةُ نَبِيِّهِ، وَمَعْرِفَةُ دِينِ الإِسْلَامِ بِالأَدِلَّةِ.

الثَّانِيَّةُ: العَمَلُ بِهِ.

الْثَّالِثَةُ: الدَّعْوَةُ إِلَيْهِ.

الرَّابِعَةُ: الصَّبْرُ عَلَى الأَذَى فِيهِ، وَالدَّلِيلُ: قَوْلُهُ تَعَالَى: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَانِ الرَّحِيمِ ﴿وَٱلۡعَصۡرِ 1 إِنَّ ٱلۡإِنسَٰنَ لَفِي خُسۡرٍ 2 إِلَّا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ وَتَوَاصَوۡاْ بِٱلۡحَقِّ وَتَوَاصَوۡاْ بِٱلصَّبۡرِ3﴾ [العَصر: 1-3]

قَالَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى[3]: «لَوْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ حُجَّةً عَلَى خَلْقِهِ إلَّا هَذِهِ السُّورَةِ لَكَفَتْهُمْ»[4]. [3]ستأتي ترجمته، وترجمة الإمام البخاري فِي كلام الشَّارح عند شرح كلامهما رحمهما اللَّه تعالى في (17و18). [4]تفسير الشافعي (3/1461).

وَقَالَ البُخَارِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: بَابٌ: العِلْمُ قَبْلَ القَوْلِ وَالعَمَلِ، وَالدَّلِيلُ: قَوْلُهُ تَعَالَى: [محَمَّد: 19] ﴿فَٱعۡلَمۡ أَنَّهُۥ لَآ إِلَٰهَ إِلَّا ٱللَّهُ وَٱسۡتَغۡفِرۡ لِذَنۢبِكَ...﴾ فَبَدَأَ بِالْعِلْمِ قَبْلَ الْقَوْلِ وَالْعَمَلِ»[5]. [5]كتاب العلم، وهو الباب العاشر فيه (ص 38) طبعة بيت الأفكار الدولية.

قال الشيخ عبد العزيز بن باز:

هذه المسائلُ: يجبُ أن يتعلَّمها المؤمنُ والمؤمنةُ الصغير والكبير:

الأولى: العلم: فعلى الإنسان: أن يتعلَّمَ ويتبصَّرَ حتَّى يكون على بيِّنةٍ، ويَعرفَ دينَ اللَّهِ الَّذي خُلِقَ مِن أجلهِ، وهذا العلم هو: معرفةُ اللَّهِ، ومعرفةُ نبيِّه، ومعرفةُ دينِ الإسلامِ بالأدلَّة،

أوَّلُ شيءٍ: أن يتبصَّر العبدُ: مَنْ هو ربُّهُ؟

فيعرف أنَّ ربَّهُ الخالق الَّذي خلقهُ ورزقهُ، وأسدى إليه الِّنعمَ، وخلق مَنْ قَبلهُ، ويخلقُ مَنْ بعدَهُ، وأنَّهُ الإله الحقُّ المعبود، الَّذي لا يستحقُّ العبادةَ سواهُ أحدٌ، لا ملكٌ مُقَرَّبٌ، ولا نبيٌّ مرسلٌ، ولا جنٌّ، ولا إنسٌ، ولا صنمٌ، ولا غير ذلك؛ بل العبادةُ حقٌّ لِلَّه وحده، فهو المعبود بحقٍّ سبحانه وتعالى.

وهو المستحقُّ بأن يُعبدَ، وهو ربُّ العالمينَ، وهو ربُّكَ وخالقُكَ وإلهُكَ الحقُّ سبحانه وتعالى، فهذا هو الأصل الأوَّل: أن تعرف ربَّكَ.

الأصل الثَّاني: أن تعرفَ نبيَّكَ، وهو: محمد بن عبدِ اللَّهِ بن عبدالمطَّلب الهاشميُّ القرشيُّ المكِّيُّ، ثُمَّ المدني عليه الصَّلاة والسَّلام، فتعرفَ أنَّهُ نَبيُّكَ، وأنَّ اللَّهَ أرسلَهُ إليكَ بدين الحقِّ يُعلِّمكَ ويُرشدكَ، فتؤمن بأنَّهُ رسولُ اللَّهِ حقًّا، وأنَّ اللَّهَ أرسله للعالمينَ جميعًا من الجنِّ والإنس، وأنَّ الواجبَ اتِّباعُهُ والسَّيرُ على منهجه.

الأصل الثَّالث: أن تعرف دينَكَ بالأدلَّةِ، قال اللَّهُ وقال الرَّسُول، لا بالرَّأي، ولا بقول فلان؛ بل بالأدلَّةِ من الآيات والأحاديث، وذلك هو دينُ الإسلام الَّذي أنت مأمور بالدُّخولِ فيهِ، والالتزام به.

وهو عبادةُ اللَّهِ الَّذي قال فيها سبحانه وتعالى: ﴿وَمَا خَلَقۡتُ ٱلۡجِنَّ وَٱلۡإِنسَ إِلَّا لِيَعۡبُدُونِ56﴾ [الذّاريَات: 56] هذه العبادةُ: هي الإسلام، وهي طاعةُ اللَّه ورسولِهِ، والقيامُ بأمر اللَّهِ، وتركُ مَحارمِهِ.

هذه هي العبادةُ الَّتي خُلق النَّاسُ لأجلها، وأمرهم اللَّهُ بها في قوله: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱعۡبُدُواْ رَبَّكُمُ...﴾ [البَقَرَة: 21] يعني: اعبدُوهُ بطاعَةِ أوامرِهِ، واجتنابِ نواهِيهِ، وإسلام الوجهِ لَهُ، وتخصيصه بالعبادة سبحانه وتعالى، ـ وسيأتي بيان هذه الأصول الثَّلاثةِ ـ.

الثَّانية: العملُ بهِ: أي: أنْ تعمل بهذا الدِّين من صلاة، وصوم، وجهاد، وحجٍّ، وإيمانٍ وتقوى؛ لأنَّكَ مخلوقٌ لعبادِةِ اللَّهِ، فَعليك أن تعلم ـ دينَ اللَّهِ ـ وتعملَ بِهِ، فَتعبُدَ اللَّهَ وحده، وتُقيم الصَّلاة، وتؤدِّي الزَّكاة، وتصومَ رمضانَ، وتحجَّ البيت، وتؤمنَ باللَّهِ وملائكتِهِ، وكُتبِهِ، ورسلِهِ، وباليومِ الآخرِ، وبالقدَرِ خيره وشرِّهِ، وتأمرَ بالمعروفِ وتنهى عن المنكرِ، وتبرَّ والديكَ، وتصلَ الأرحامَ، إلى غير ذلك، فتعملَ بما أمرك اللَّهُ بِهِ، وتنتهي عمَّا نهاك اللَّه عنهُ وتترك المعاصيَ الَّتي أنت نُهِيتَ عنها، وتفعلَ الواجباتِ الَّتي أُمِرْتَ بِهَا.

الثَّالثةُ: الدَّعوةُ إليه: أي: أن تدعو إلى هذا الدِّين، فتنصحَ النَّاسَ بأنَّ يستقيموا عليه وتُرشدهم، وتَأمرهم بالمعرُوفِ، وتنهاهم عَنِ المنكر، هذه هي الدَّعوةُ إلى دينِ الإسلامِ، فعلى كُلُّ مسلم أن يدعوَ إلى اللَّهِ حسب طاقته وعلمه، فَكُلُّ واحدٍ ـ رجلٍ أو امرأةٍ ـ عليه قِسطٌ من هذا الواجبِ، من التَّبليغ والدَّعوة والإرشاد والنَّصيحةِ.

وأن يدعوَ إلى توحيدِ اللَّهِ، والصَّلاةِ والمُحافظَةِ عليها، والزَّكاةِ وأدائِها، وصَومِ رمضانَ، وحجِّ البيت مع الاستطاعة، وبرِّ الوالديْنِ، وصلة الأرحامِ، وترك المعاصِي كُلِّهَا.

الرَّابعةُ: الصَّبرُ على الأذى فيه: أي: يَصبرُ على الأذى في هذه الأشياء، فقد يحصلُ للإنسانِ أذى، قد يتعبُ من المدعُو أو من غيرِهِ كأهلِهِ، فالواجبُ الصَّبر واحتسابُ الأجرِ عند اللَّهِ.

فالمؤمنُ يَصبرُ على إيمانِهِ باللَّهِ، وعلى العملِ بما أوجبَ اللَّهُ عليه، وترك ما حرَّمَ اللَّهُ عليه، وَيَصبرُ في الدَّعوَةِ إلى اللَّهِ، والتَّعليم والأمرُ بالمعرُوفِ والنَّهي عَنِ المنكَرِ.

فلا بُدَّ من الصَّبر في هذه الأمور كُلِّها، فالدِّين كُلُّه يحتاجُ إلى صبرٍ، صبرٍ على دعوة اللَّهِ وحدَهُ، وصبرٍ على أن تصلِّي، وتزكِّي، وتصومَ، وتحجَّ، وتأمرَ بالمعرُوفِ وتنهى عَنِ المنكَرِ، وصبرٍ عَنِ المَحَارمِ والسَّيِّئاتِ، فتحذَرَ مِنْ قُربهَا، فالإنسانُ إذا لم يصبرْ وقع فيما حرَّم اللَّهُ عليه، أو تركَ ما أوجبَ اللَّهُ عليه؛ ولهذا قال تعالى لرسوله ﷺ: ﴿وَٱصۡبِرۡ كَمَا صَبَرَ أُوْلُواْ ٱلۡعَزۡمِ مِنَ ٱلرُّسُلِ...﴾ [الأحقاف: 35] وقال سُبحانه: ﴿وَٱصۡبِرۡ لِحُكۡمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعۡيُنِنَاۖ...﴾ [الطُّور: 48] وقال تعالى: ﴿وَٱصۡبِرۡ وَمَا صَبۡرُكَ إِلَّا بِٱللَّهِۚ...﴾ [النّحل: 127]، وقال تعالى: ﴿...وَٱصۡبِرُوٓاْۚ إِنَّ ٱللَّهَ مَعَ ٱلصَّٰبِرِينَ﴾ [الأنفَال: 46] يعني: اصبِرُوا على طاعَةِ اللَّهِ، وتركِ معصيتِهِ، واحذرُوا مخالفةَ أمرِهِ وارتكابَ نَهيهِ.

والدَّليلُ على هذه المسائل الأربع، قَوْلُهُ تعالى: ﴿وَٱلۡعَصۡرِ1 إِنَّ ٱلۡإِنسَٰنَ لَفِي خُسۡرٍ 2 إِلَّا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ وَتَوَاصَوۡاْ بِٱلۡحَقِّ وَتَوَاصَوۡاْ بِٱلصَّبۡرِ3﴾ [العَصر: 1-3] ففي هذه السُّورةِ العَظيمةِ، الحُجَّةُ؛ لهذه الأُمُورِ، وهذا هو الدِّينُ كُلُّه، فالدِّينُ كُلُّهُ إيمانٌ وعملٌ ودعوةٌ وصبرٌ.

إيمانٌ بِالحقِّ، وعملٌ به، ودعوةٌ إليهِ، وصَبرٌ على الأَذَى فِيهِ، والنَّاسُ كُلُّهُم في خسارةٍ: ﴿إِلَّا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ وَتَوَاصَوۡاْ بِٱلۡحَقِّ وَتَوَاصَوۡاْ بِٱلصَّبۡرِ3﴾ [العَصر: 3] أي: الَّذين استثناهم اللَّهُ، فجميعُ بني آدمَ في خسرانٍ، وعلى طريق الهلاكِ إلَّا الَّذين آمنوا وعملوا الصَّالحاتِ، وتواصوا بالحقِّ وتواصوا بالصَّبرِ.

وهؤلاء هُمُ الرَّابحُونَ، وهُمُ السُّعداءُ، وقد أقسم اللَّه على هذا بقوله: ﴿وَٱلۡعَصۡرِ1﴾ وهو الصَّادقُ سبحانه وتعالى، وإنْ لم يقسمْ؛ ولكن أقسم لتأكيد المقام.

واللَّه سبحانه وتعالى يُقسم بما شَاءَ من خَلقِهِ، فَلا أحدَ يتحجَّرُ[6] عليه، فأقسم بـ ﴿وَٱلسَّمَآءِ ذَاتِ ٱلۡبُرُوجِ 1﴾ [البُرُوج: 1] وأقسمَ بـ ﴿وَٱلسَّمَآءِ وَٱلطَّارِقِ1﴾ [الطّارق: 1] وبـ ﴿وَٱلضُّحَىٰ1﴾ [الضّحى: 1] وبـ ﴿وَٱلشَّمۡسِ وَضُحَىٰهَا 1﴾ [الشّمس: 1] وبـ ﴿وَٱلَّيۡلِ إِذَا يَغۡشَىٰ1﴾ [الليْل: 1] وبـ ﴿وَٱلنَّٰزِعَٰتِ...﴾ [النَّازعَات: 1] وغير ذلك؛ لأنَّ المخلوقاتِ تدلُّ على عظمتِهِ، وعلى أنَّهُ سُبحَانَهُ هو المُستحقُّ للعبادةِ، وأقسمَ بهَا لبيانِ عِظمِ شأنِ هذهِ المخلوقات الَّتي تدلُّ على وحدانيَّته، وأنَّهُ المستحقُّ للعبادِةِ وحدَهُ. [6]من الحجر، وهو: المنع، حجره، بمعنى: منعه من الشيء، كما في «القاموس المحيط» للفيروز آبادي، مادة: [حجر] باب الرَّاء، فصل الحاء (ص348).

وأمَّا المخلوقُ فليس له أن يقسمَ إلَّا بربِّه، فلا يُقسمَ ولا يحلفَ إلَّا باللَّهِ، ولا يجوزُ له أن يحلِفَ بالأنبياءِ، ولا بالأصنَامِ، ولا بالصَّالحينَ، ولا بالأمانَةِ، ولا بالكعَبةِ، ولا بغيرهَا.

هذا هو الواجب على المسلم؛ لقول النَّبِيِّ ﷺ: «مَنْ حَلَفَ بِشَيْءٍ دُونَ اللَّهِ فَقَدْ أَشْرَكَ» أخرجه الإمام أحمد[7] بإسناد صحيح. [7]أخرجه الإمام أحمد (1/47، 2/34 برقم 329، 4904) عن عمر بن الخطَّاب رضي الله عنه.

وقال عليه الصَّلاة والسَّلام: «مَنْ كَانَ حَالِفًا فَليَحْلِفْ بِاللّهِ أَوْ لِيَصْمُتْ»[8]. [8]أخرجه عن ابن عمر رضي الله عنهما البخاري، برقم (2679) ومسلم، برقم (1646).

فالواجبُ على كلِّ مسلمٍ ومسلمةٍ الحذَرَ من الحلفِ بغيرِ اللَّهِ، وأن تكون أيمانهم كُلُّهَا باللَّهِ وحدَهُ سبحانه وتعالى.

يقولُ الشَّافعيُّ رحمه الله وهو الإمامُ المشهورُ، أحدُ العُلمَاءِ الكبارِ، وأحدُ الأئمةِ الأربعةِ، وهو: محمَّد بن إدريس الشَّافعيِّ المطلبيُّ، المولودُ سنَّة خمسين ومئة، وتوفِيَّ سنة أربع ومئتين هجرية[9] [9]ينظر ترجمته في: «سير أعلام النبلاء» للذهبي (8/379- 429 ترجمة رقم 1539).

يقول رحمه الله: «لَوْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ حُجَّةً عَلَى خَلْقِهِ إلَّا هَذِهِ السُّورَةِ لَكَفَتْهُمْ»، وفي رواية: «لَوْ فَكَّرَ النَّاسُ فِي هَذِهِ السُّورَةِ لَكَفَتْهُمْ» أي: لو نظروا فيها وتأمَّلوها لكانت كافيةً في إلزامهم بالحقِّ، وقيامهم بما أوجبَ اللَّهُ عليهم، وترك ما حرَّمه عليهم؛ لأنَّ اللَّهَ بيَّنَ أنَّ الَّذين آمنوا وعملوا الصَّالحاتِ وتواصوا بالحقِّ، وتواصوا بالصَّبر هُمُ الرَّابحون، ومَنْ سواهم خاسرون.

وهذه حُجَّةٌ قائمةٌ على وجوبِ التَّواصي، والتَّناصح، والإيمانِ، والصَّبر، والصِّدق، وأنَُّهُ لا طريق للسَّعادة والرِّبح إلَّا بهذه الصِّفات الأربع: إيمان صادق باللَّهِ ورسولهِ، وعملٍ صالحٍ، وتواصٍ بالحقِّ، وتواصٍ بالصَّبر.

و قال البُخاريُّ رحمه الله: هو أبو عبداللَّهِ محمَّد بن إسماعيل بن إبراهيم البُخَاريُّ، من بُخارى في الشَّرق الأقصى، ولد سنة أربع وتسعين ومئة في آخر القرن الثَّاني، ومات سنة ستَّ وخمسين ومئتين من الهجرة في وسط القرن الثَّالث، كان عُمرُهُ ـ عند وفاته ـ اثنتين وستين سنة، وهو صاحب "الصَّحيح" وله مؤلَّفاتٌ أخرى عظيمةٌ نافعةٌ رحمه الله[10]. [10]ينظر: للمزيد من ترجمته وسيرته «سير أعلام النبلاء» للذهبي (10/273 ترجمة رقم 2136).

يقول: في «صحيحه[11] » باب: العلمُ قَبلَ القولِ والعملِ؛ لقول اللَّهِ سبحانه: ﴿فَٱعۡلَمۡ أَنَّهُۥ لَآ إِلَٰهَ إِلَّا ٱللَّهُ وَٱسۡتَغۡفِرۡ لِذَنۢبِكَ...﴾ [محَمَّد: 19]. [11]في كتاب العلم (ص 38) وهو الباب العاشر في الكتاب بعد رقم 67 وقبل 68.

فبدأَ بالعلمِ قبلَ القولِ والعملِ، فالإنسانُ عليه أن يتعلَّم أولًا، ثُمَّ يعملَ، فيتعلَّم دينهُ ويعملَ على بصيرةٍ، واللَّهُ أعلمُ.

توطئة للأصل الأوَّل

قال المؤلف:

«اعْلَمْ ـ رَحِمَكَ اللَّهُ ـ أَنَّهُ يَجِبُ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ وَمُسْلِمَةٍ تَعَلُّمُ هَذِهِ الثَّلَاثِ مَسَائِلَ، وَالعَمَلَ بِهِنَّ:

الأُولَى: أنَّ اللَّهَ خَلَقَنَا وَرَزَقَنَا وَلَمْ يَتْرُكْنَا هَمَلًا؛ بَلْ أَرْسَلَ إِلَيْنَا رَسُولًا، فَمَنْ أَطَاعَهُ دَخَلَ الْجَنَّةَ، وَمَنْ عَصَاهُ دَخَلَ النَّارَ، وَالدَّلِيلُ قَولُهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّآ أَرۡسَلۡنَآ إِلَيۡكُمۡ رَسُولٗا شَٰهِدًا عَلَيۡكُمۡ كَمَآ أَرۡسَلۡنَآ إِلَىٰ فِرۡعَوۡنَ رَسُولٗا 15فَعَصَىٰ فِرۡعَوۡنُ ٱلرَّسُولَ فَأَخَذۡنَٰهُ أَخۡذٗا وَبِيلٗا 16﴾ [المُزّمل: 15-16].

الثَّانِيَةُ: أَنَّ اللَّهَ لَا يَرْضَى أَن يُشْرَكَ مَعَهُ فِي عِبَادَتِهِ أَحَدٌ، لَا مَلَكٌ مُقَرَّبٌ، وَلَا نَبِيٌّ مُرْسَلٌ، وَالدَّلِيلُ قوله تعالى: ﴿وَأَنَّ ٱلۡمَسَٰجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدۡعُواْ مَعَ ٱللَّهِ أَحَدٗا 18﴾ [الجنّ: 18].

الثَّالثَةُ: أَنَّ مَنْ أَطَاعَ الرَّسُولَ وَوَحَّدَ اللَّهَ، لا يَجُوزُ لَهُ مُوَالَاةُ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ، وَلَوْ كَانَ أَقْرَبَ قَرِيبٍ، وَالدَّلِيلُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿لَّا تَجِدُ قَوۡمٗا يُؤۡمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلۡيَوۡمِ ٱلۡأٓخِرِ يُوَآدُّونَ مَنۡ حَآدَّ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ وَلَوۡ كَانُوٓاْ ءَابَآءَهُمۡ أَوۡ أَبۡنَآءَهُمۡ أَوۡ إِخۡوَٰنَهُمۡ أَوۡ عَشِيرَتَهُمۡۚ أُوْلَٰٓئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ ٱلۡإِيمَٰنَ وَأَيَّدَهُم بِرُوحٖ مِّنۡهُۖ وَيُدۡخِلُهُمۡ جَنَّٰتٖ تَجۡرِي مِن تَحۡتِهَا ٱلۡأَنۡهَٰرُ خَٰلِدِينَ فِيهَاۚ رَضِيَ ٱللَّهُ عَنۡهُمۡ وَرَضُواْ عَنۡهُۚ أُوْلَٰٓئِكَ حِزۡبُ ٱللَّهِۚ أَلَآ إِنَّ حِزۡبَ ٱللَّهِ هُمُ ٱلۡمُفۡلِحُونَ 22﴾ [المجَادلة: 22].

قال الشارح:

هذه المسائلُ الثَّلاثُ من أهمِّ المسائلِ الَّتي تتعلَّق بالتَّوحيدِ للَّه وَحُقُوقِهِ سبحانه وتعالى.

المسألةُ الأولى: اللَّهُ خلقَ الخلقَ ليعبدُوهُ، فلم يخلُقهم هملًا، ولا سُدًى، ولا عبثًا؛ لكنَّهُ خلَقهم لأمرٍ عظيمٍ، ولحكمةٍ عظيمةٍ، فيهَا سعادَتُهُم، ونجاتُهُم، وهي: أَن يعبدُوا اللَّهَ وحدَهُ لا شريكَ لَهُ، كما قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقۡتُ ٱلۡجِنَّ وَٱلۡإِنسَ إِلَّا لِيَعۡبُدُونِ 56﴾ [الذّاريَات: 56].

وهذه العبادة أمرهم بها في قوله سبحانه: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱعۡبُدُواْ رَبَّكُمُ ...﴾ [البَقَرَة: 21] وقوله: ﴿وَٱعۡبُدُواْ ٱللَّهَ وَلَا تُشۡرِكُواْ بِهِۦ شَيۡـٔٗاۖ ...﴾ [النِّسَاء: 36]، وقوله تعالى: ﴿وَقَضَىٰ رَبُّكَ أَلَّا تَعۡبُدُوٓاْ إِلَّآ إِيَّاهُ...﴾ [الإسرَاء: 23] وفي قوله: ﴿... فَٱعۡبُدِ ٱللَّهَ مُخۡلِصٗا لَّهُ ٱلدِّينَ﴾ [الزُّمَر: 2] وقوله: ﴿وَمَآ أُمِرُوٓاْ إِلَّا لِيَعۡبُدُواْ ٱللَّهَ مُخۡلِصِينَ لَهُ ٱلدِّينَ ...﴾ [البَيّنَة: 5].

أمَرَهم في آياتٍ كثيرةٍ بالعبادَة، وهي توحيدُهُ جلَّ وعلا، وتخصيصه بالعبادَةِ: من دُعاءٍ، وخَوفٍ، ورَجاءٍ، وتوكُّلٍ، ورَغبةٍ، ورَهبةٍ، وصَلاةٍ، وصَومٍ، وغير ذلك.

فهو المستحقُّ للعبادَةِ جلَّ وعلا دون كُلِّ ما سواهُ، ويدخلُ في ذلكَ فِعلُ الأوامرِ، وتركِ النَّواهِي، فأداءُ الأوامِرِ الَّتي أمركَ اللَّهُ بها ورسولُهُ، وتركُ النَّواهِي الَّتي نهَاك اللَّهُ عنها ورسولُهُ، كُلُّ هذا داخلٌ في العبادَةِ، وهذا هو الإسلامُ، وهو الدِّينُ، وهو الإيمانُ وهو الهُدَى.

فلا تُصَلِّ إلَّا لِلَّهِ، ولا تركعْ إلَّا له، ولا تذبحٌ إلَّا له، ولا تدعُ إلَّا إيَّاهُ، ولا تتوكَّلْ إلَّا عليه، إلى غير هذا مِنَ العِبَادَاتِ.

أمَّا الاستعانَةُ بحاضرٍ قادرٍ فِيَما يَقدِرُ عليه، فهذا ليس بعبادةٍ، كما قال سُبحانَه في قصَّة موسى ﴿...فَٱسۡتَغَٰثَهُ ٱلَّذِي مِن شِيعَتِهِۦ عَلَى ٱلَّذِي مِنۡ عَدُوِّهِۦ ...﴾ [القَصَص: 15] فَإنَّ مُوسى قادرٌ على أن يُغيثه.

أمَّا دُعاءُ المِّيتِ، ودُعاءُ الغَائبِ الَّذي لا يَسْمَعُ كلامَك، أو دُعاءُ الصَّنمِ، أو الِجنِّ، أو الأشجارِ ونحوهَا، فهذا شِرْكُ المشركين، وهو الشِّركُ الأَكبرُ الَّذِي قال اللَّهُ فيه: ﴿إِنَّ ٱلشِّرۡكَ لَظُلۡمٌ عَظِيمٞ 13﴾ [لقمَان: 13] ، وقال سبحانه: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ لَا يَغۡفِرُ أَن يُشۡرَكَ بِهِۦ وَيَغۡفِرُ مَا دُونَ ذَٰلِكَ لِمَن يَشَآءُۚ...﴾ [النِّسَاء: 48،116]، وقال تعالى: ﴿... وَلَوۡ أَشۡرَكُواْ لَحَبِطَ عَنۡهُم مَّا كَانُواْ يَعۡمَلُونَ﴾ [الأنعَام: 88] ، وقال سبحانه: ﴿وَلَقَدۡ أُوحِيَ إِلَيۡكَ وَإِلَى ٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِكَ لَئِنۡ أَشۡرَكۡتَ لَيَحۡبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ ٱلۡخَٰسِرِينَ 65﴾ [الزُّمَر: 65].

فاللَّهُ خَلقنَا وَرَزَقنَا، ولم يَتْرُكْنَا هملًا؛ بل أمرنا بتوحيده، وطاعته، وترك معصيته.

وأرسلَ إلينا رسولًا هو: محمَّد عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ بكلِّ ما تقدَّم، وأنزلَ عليه القرآنَ بذلك؛ لِنَسْتَقِيمَ على ما فيه من الهُدَى، ونَعْمَلَ بما فيه من الأوامر، ونَنْتَهِي عمَّا فيه من النَّواهِي، على يدِ مُحمَّدٍ رسُولِ اللَّهِ ﷺ خَاتَمِ النَّبِيِّين والمُرسَلِينَ، جاءَ لِيُعَلِّمَ النَّاسَ دِينَهم، فهو خَاتَمُ الأنبياءِ وإمامُهُم وأفضلُهُم.

فمن أطاعَ هذا الرَّسُول واستقام على دينهِ فله الجنَّةُ، ومَنْ عصى هذا الرَّسولَ، وحَادَ عَنْ دِينِهِ فله النَّارُ، كما قال تعالى: ﴿إِنَّآ أَرۡسَلۡنَآ إِلَيۡكُمۡ رَسُولٗا شَٰهِدًا عَلَيۡكُمۡ...﴾ [المُزّمل: 15] يعني: بأعمالِكُم ـ التي شاهدها ـ: ﴿كَمَآ أَرۡسَلۡنَآ إِلَىٰ فِرۡعَوۡنَ رَسُولٗا﴾ وهو موسى عليه السلام ﴿فَعَصَىٰ فِرۡعَوۡنُ ٱلرَّسُولَ فَأَخَذۡنَٰهُ أَخۡذٗا وَبِيلٗا 16﴾ [المُزّمل: 16] أي: أخذنا فرعونَ أخذًا وبيلًا في الدُّنيا بالغرقِ، وفي الآخرةِ بالنَّار.

المسألةُ الثَّانيةُ: إنَّما هي تحقيقٌ للمسألةِ الأولى ـ وهي ـ: أن تَعْلَمَ أنَّ اللَّهَ لَا يَرْضَى أن يُشْرَكَ مَعَهُ أَحَدٌ فيِ عِبَادَتِهِ، كَمَا أنَّهُ الخَالِقُ الرَّازقُ المُحيي المُميت، الَّذي خَلقكَ، وأعطاك النِّعَمَ، فهو سُبحانَه لا يرضى أن يشرك معه أحدٌ من الخلق؛ لا نبيٌّ مرسلٌ، ولا ملكٌ مقرَّبٌ، ولا غيرهما؛ لأنَّ العبادَةَ حقُّ لِلَّهِ وحدَهُ، كما قال تعالى: ﴿وَقَضَىٰ رَبُّكَ أَلَّا تَعۡبُدُوٓاْ إِلَّآ إِيَّاهُ...﴾ [الإسرَاء: 23] وكما قال تعالى: ﴿إِيَّاكَ نَعۡبُدُ وَإِيَّاكَ نَسۡتَعِينُ 5﴾ [الفَاتِحَة: 5]؛ لأنَّ الإشراكَ به هو أعظمُ الذُّنوبِ.

وقد جاء في الآيات الكثيرةِ، الأمرُ بإخلاص العبادَةِ لِلَّهِ وَحْدَهُ، والنَّهي عن عبادَةِ ما سِواهُ، فتجمع بين أمرين، فتؤمن بأنَّ اللَّهَ هو الخَالقُ الرَّازقُ المُحيي المُميتُ، وتؤمنُ بأنَّه سُبحانَهُ هو المُستحقُّ لِلعَبادَةِ مِنْ ذَبحٍ، وصَلَاةٍ، وصومٍ وغير ذلك مِنَ العبادَاتِ، كما قال سُبحانه: ﴿وَإِلَٰهُكُمۡ إِلَٰهٞ وَٰحِدٞۖ...﴾ [البَقَرَة: 163]، وقال تعالى: ﴿...فَلَا تَدۡعُواْ مَعَ ٱللَّهِ أَحَدٗا﴾ [الجنّ: 18].

المسألةُ الثَّالثةُ: وهي مِن أهمِّ الوَاجبَاتِ، أن يعلم كل مسلم ومسلمة أنَّهُ لا يجوز موالاة المشركين، أو محبتهم، فكلُّ من أطاعَ اللَّه ورسولَه ووحَّد اللَّهَ جلَّ وعلا يلزمه أن يُعادي الكُفَّارَ، ويُبغضَهُم في اللَّهِ، ولا يجوز لَهُ موالاتُهُم ومحبَّتُهُم، لقوله تعالى: ﴿لَّا تَجِدُ قَوۡمٗا...﴾ أي: لَا تَجِدُ يَا مُحَمَّدُ قَومًا أهلَ إِيمَانٍ صادقٍ: ﴿... يُوَآدُّونَ مَنۡ حَآدَّ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ...﴾ [المجَادلة: 22].

وقال تعالى: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَتَّخِذُواْ ٱلۡيَهُودَ وَٱلنَّصَٰرَىٰٓ أَوۡلِيَآءَۘ بَعۡضُهُمۡ أَوۡلِيَآءُ بَعۡضٖۚ وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمۡ فَإِنَّهُۥ مِنۡهُمۡۗ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يَهۡدِي ٱلۡقَوۡمَ ٱلظَّٰلِمِينَ 15﴾ [المَائدة: 51]، وقال عز وجل: ﴿قَدۡ كَانَتۡ لَكُمۡ أُسۡوَةٌ حَسَنَةٞ فِيٓ إِبۡرَٰهِيمَ وَٱلَّذِينَ مَعَهُۥٓ إِذۡ قَالُواْ لِقَوۡمِهِمۡ إِنَّا بُرَءَٰٓؤُاْ مِنكُمۡ وَمِمَّا تَعۡبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ كَفَرۡنَا بِكُمۡ وَبَدَا بَيۡنَنَا وَبَيۡنَكُمُ ٱلۡعَدَٰوَةُ وَٱلۡبَغۡضَآءُ أَبَدًا حَتَّىٰ تُؤۡمِنُواْ بِٱللَّهِ وَحۡدَهُۥٓ...﴾ [المُمتَحنَة: 4].

فَلا بُدَّ من البَغضاءِ والعدَاوَةِ لأعداءِ اللَّهِ، وَمَودَّةِ المؤمنينَ ومحبَّتِهِم، هكذا المؤمنُ يُحِبُّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ، ويواليهم، ويَكرَهُ أعداءَ اللَّهِ، ويُبغضُهُم ويُعادِيهم في اللَّهِ، وإن دَعاهُمْ إلى اللَّهِ، وإن أقرَّهُمْ في بلادِهِ وأخذ منهم الجزيَةَ، كوليَّ الأمرِ؛ لأنَّ الرَّسول ﷺ «أَخَذَ الجِزْيَة مِنَ اليَهُود وَالنَّصَارَى وَالمَجُوس»[12]، وأخذ الجزية منهم فيها عونٌ للمسلمينَ، لَا مَحَبَّة لَهُمْ، وتؤخذ الجزية منهم إذا لم يدخلوا في الإسلام، ولا يُقاتلون؛ بل يُقَرُّونَ مع بُغضِهم في اللَّهِ، وعدمِ مُوالاتِهم. [12]تؤخذ من اليهود والنصارى لقوله: ﴿...وَلَا يَدِينُونَ دِينَ ٱلۡحَقِّ مِنَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلۡكِتَٰبَ حَتَّىٰ يُعۡطُواْ ٱلۡجِزۡيَةَ...﴾ [التّوبَة: 29]، وأما المجوس فلقوله صلى الله عليه وسلم: «سُنُوا بِهِم سُنَّةُ أَهْلِ الكِتَابِ» أخرجه عن عبد الرحمن رضي الله عنه البخاري، برقم (3157-3159) ومسلم، برقم (1731).

فإنْ أَبَوْا الإسلامَ والجزيةَ قُوتِلُوا مع القدرةِ، وهذا خاصٌّ بأهلِ الكتابِ والمجوسِ، أمَّا بقيةُ الكُفَّارِ، فَلَا تُقبَلُ منهم الجزيةُ؛ بل يُقَاتَلُونَ حَتَّى يَدخُلُوا في الإسلامِ، كَالوَثنيِّينَ والشُّيوعيِّينَ وغيرهم من أصنافِ الكفرةِ؛ لقولِ اللَّهِ سُبحَانَهُ: ﴿وَقَٰتِلُوهُمۡ حَتَّىٰ لَا تَكُونَ فِتۡنَةٞ وَيَكُونَ ٱلدِّينُ كُلُّهُۥ لِلَّهِۚ...﴾ [الأنفَال: 39]، وقوله سبحانه: ﴿فَإِذَا ٱنسَلَخَ ٱلۡأَشۡهُرُ ٱلۡحُرُمُ فَٱقۡتُلُواْ ٱلۡمُشۡرِكِينَ حَيۡثُ وَجَدتُّمُوهُمۡ وَخُذُوهُمۡ وَٱحۡصُرُوهُمۡ وَٱقۡعُدُواْ لَهُمۡ كُلَّ مَرۡصَدٖۚ فَإِن تَابُواْ وَأَقَامُواْ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتَوُاْ ٱلزَّكَوٰةَ فَخَلُّواْ سَبِيلَهُمۡۚ إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٞ رَّحِيمٞ5﴾ [التّوبَة: 5]، وقوله سبحانه: ﴿ٱنفِرُواْ خِفَافٗا وَثِقَالٗا وَجَٰهِدُواْ بِأَمۡوَٰلِكُمۡ وَأَنفُسِكُمۡ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِۚ ذَٰلِكُمۡ خَيۡرٞ لَّكُمۡ إِن كُنتُمۡ تَعۡلَمُونَ 41﴾ [التّوبَة: 41]، والآيات في هذا المعنى كثيرةٌ.

وَمُرَادُهُ سُبحَانَهُ قِتَالهم، مع القدرة على ذلك؛ لقوله عز وجل: ﴿لَا يُكَلِّفُ ٱللَّهُ نَفۡسًا إِلَّا وُسۡعَهَاۚ...﴾ [البَقَرَة: 286]، وقوله سبحانه: ﴿فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ مَا ٱسۡتَطَعۡتُمۡ...﴾ [التّغَابُن: 16]، ولأنَّهُ ﷺ لم يقاتل المشركين حتَّى قَوِيَ على ذلك. ثُمَّ قال تعالى في آخر الآية ﴿...أُوْلَٰٓئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ ٱلۡإِيمَٰنَ وَأَيَّدَهُم بِرُوحٖ مِّنۡهُۖ ...﴾ [المجَادلة: 22]، أي: قوَّاهم بقوة منه.

قال المؤلف:

«اعْلَمْ أَرْشَدَكَ اللَّهُ لِطَاعَتِهِ: أَنَّ الْحَنِيفِيَّةَ مِلَةَ إِبْرَاهِيمَ أَنْ تَعْبُدَ اللَّهَ وَحْدَهُ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ، وَبِذَلِكَ أَمَرَ اللَّهُ جَمِيعَ النَّاسِ وَخَلَقَهُمْ لَهَا، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَا خَلَقۡتُ ٱلۡجِنَّ وَٱلۡإِنسَ إِلَّا لِيَعۡبُدُونِ 56﴾ [الذّاريَات: 56]، وَمَعْنَى يَعْبُدُونِ: يُوَحِّدُونِي.

وَأَعْظَمُ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ: التَّوْحِيدُ، وَهُوَ: إِفْرَادُ اللَّهِ بِالْعِبَادَةِ، وَأَعْظَمُ مَا نَهَى عَنْهُ الشِّرْكُ، وَهُوَ دَعْوَةُ غَيْرِهِ مَعَهُ، وَالدَّلِيلُ قَولُهُ تَعَالَى: ﴿وَٱعۡبُدُواْ ٱللَّهَ وَلَا تُشۡرِكُواْ بِهِۦ شَيۡـٔٗاۖ...﴾ [النِّسَاء: 36].

قال الشارح:

قال رحمه الله: «اعْلَمْ أَرْشَدَكَ اللَّهُ لِطَاعَتِهِ» جمع رحمه الله بين التعليم والدُّعاءِ «أَنَّ الْحَنِيفِيَّةَ مِلَةَ إِبْرَاهِيمَ» هي: «أَنْ تَعْبُدَ اللَّه وَحْدَه مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ» وهي الَّتي قال اللَّه فيها لنبيِّه ﷺ: ﴿ثُمَّ أَوۡحَيۡنَآ إِلَيۡكَ أَنِ ٱتَّبِعۡ مِلَّةَ إِبۡرَٰهِيمَ حَنِيفٗاۖ...﴾ [النّحل: 123].

فالحنيفية هي: الملة الَّتي فيها الإخلاص للَّه وموالاته، وترك الإشراك به سبحانه، والحنيفُ: هو الَّذي أقبلَ على اللّه، وأعرض عَمَّا سواه، وأخلص له العبادة، كإبراهيم[13] وأتباعه، وهكذا الأنبياء وأتباعهم. [13]وسمي إبراهيم حنيفًا عن الباطل إلى الحق؛ لأنَّه حنف عمَّا كان يعبد أبوه وقومه عن عبادة غير الآلهة إلى عبادة الله وحده... ينظر: «النهاية في غريب الحديث والأثر» لابن الأثير، مادة: [حنف] باب الحاء مع النون (ص 236).

قال: «وَبِذَلِكَ أَمَرَ اللَّهُ جَمِيعَ النَّاسِ، وَخَلَقَهُمْ لَهَا» فَأَمَرَهُمْ بالتَّوحيد والإخلاص، وخلقهم ليعبدوه، وأمرهم بأنْ يَعبدوه وحده في صلاتهم، وصومهم، ودعائهم، وخوفهم، ورجائهم، وذبحهم، ونذرهم، وغير ذلك من أنواع العبادة، كُلُّه للَّه، كما قال تعالى: ﴿ وَقَضَىٰ رَبُّكَ أَلَّا تَعۡبُدُوٓاْ إِلَّآ إِيَّاهُ...﴾ [الإسرَاء: 23]، وقال: ﴿إِيَّاكَ نَعۡبُدُ وَإِيَّاكَ نَسۡتَعِينُ 5﴾ [الفَاتِحَة: 5]، وقال سبحانه: ﴿... فَٱعۡبُدِ ٱللَّهَ مُخۡلِصٗا لَّهُ ٱلدِّينَ﴾ [الزُّمَر: 2]، وقال سبحانه: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱعۡبُدُواْ رَبَّكُمُ...﴾ [البَقَرَة: 21]، هذه العبادة هي التي خُلق لها الثقلان الإنس والجنُّ، وهي: توحيد اللَّه، وطاعة أوامره، واجتناب نواهيه، قال اللَّه تعالى: ﴿وَمَا خَلَقۡتُ ٱلۡجِنَّ وَٱلۡإِنسَ إِلَّا لِيَعۡبُدُونِ 56﴾ [الذّاريَات: 56]، يعني: يوحدوني في العبادة، ويخصوني بها، بفعل الأوامر، وترك النَّواهي إلى غير ذلك من الآيات.

«وَأَعْظَمُ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ: التَّوْحِيدُ، وَهُوَ: إِفْرَادُ اللَّهِ بِالْعِبَادَةِ» فتقصده بالعبادة دون كل من سواه، فلا تعبد معه صنمًا، ولا نبيًّا، ولا ملكًا، ولا حجرًا، ولا جنيًّا، ولا غير ذلك.

«وَأَعْظَمُ مَا نَهَى عَنْهُ الشِّرْكُ، وَهُوَ دَعْوَةُ غَيْرِهِ مَعَهُ» وقد قال سبحانه: ﴿...وَلَوۡ أَشۡرَكُواْ لَحَبِطَ عَنۡهُم مَّا كَانُواْ يَعۡمَلُونَ﴾ [الأنعَام: 88]، وقال سبحانه: ﴿وَلَقَدۡ أُوحِيَ إِلَيۡكَ وَإِلَى ٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِكَ لَئِنۡ أَشۡرَكۡتَ لَيَحۡبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ ٱلۡخَٰسِرِينَ 65﴾ [الزُّمَر: 65].

وفي «الصَّحيحين» أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ سُئِلَ أَيُّ الذَّنْبِ أَعْظَمُ؟ قَالَ: «أَنْ تَجْعَلَ لِلَّهِ نِدًّا وَهُوَ خَلَقَكَ، قِيِلَ ثُمَّ أَيُّ؟ قَالَ: وَأَنْ تَقْتُلَ وَلَدَكَ خَشْيَةَ أَنْ يَطْعَمَ مَعَكَ، قِيِلَ: ثُمَّ أَيُّ؟ قَالَ: أَنْ تُزَانِيَ حَلِيلَةَ جَارِكَ»[14] فَبَيَّنَ ﷺ أَنَّ الشِّركَ أعظم الذُّنوب وأشدها وأخطرها. [14]أخرجه عن ابن مسعود رضي الله عنه البخاري، برقم (4477) ومسلم، برقم (86).

وفي الحديث الآخر يقول ﷺ: «أَلا أُنَبِّئُكُمْ بِأَكْبَرِ الْكَبَائِرِ؟ قُلنا: بَلَىَ يَا رَسُولَ اللَّهَ؟ قَالَ: الإِشْرَاكُ بِاللَّهِ» الحديث، متفق عليه[15]. [15]أخرجه عن أبي بكرة رضي الله عنه البخاري، برقم (2654) ومسلم، برقم (87).

فالتَّوحيد: هو إفراد اللَّه بالعبادة، والشِّرك: هو دعوة غير اللَّه مع اللَّه، تدعوه، أو تخافه، أو ترجوه، أو تذبح له، أو تنذر له، أو غير ذلك من أنواع العبادة.

هذا هو الشِّرك الأكبر، سواء كان المدعو نبيًّا، أو ملكًا أو وليًّا أو صالحًا أو جنيًّا، أو شجرًا، أو حجرًا، أو غير ذلك؛ ولهذا قال تعالى: ﴿وَٱعۡبُدُواْ ٱللَّهَ وَلَا تُشۡرِكُواْ بِهِۦ شَيۡـٔٗاۖ...﴾ [النِّسَاء: 36]، فـ ﴿وَمَآ أُمِرُوٓاْ إِلَّا لِيَعۡبُدُواْ ٱللَّهَ مُخۡلِصِينَ لَهُ ٱلدِّينَ...﴾ [البَيّنَة:5]، فأعظم ما أمر اللَّه به التَّوحيد: وهو إفراد اللَّه بالعبادة، وأعظم ما نهى اللَّه عنه هو الشِّرك باللَّه عز وجل كما تقدَّم؛ ولهذا أكثر سبحانه وتعالى في القرآن من الأمر بالتَّوحيد، والنَّهي عن الشِّرك.

قال المؤلف:

«فَإِذَا قِيلَ لَكَ: مَا الأُصُولُ الثَّلَاثَة الَّتي يَجِبُ عَلَى الإِنْسَانِ مَعْرِفَتُهَا؟ فَقُلْ: مَعْرِفَةُ الْعَبْدِ رَبَّهُ، وَدِينَهُ، وَنَبِيَّهُ مُحَمَّدًا ﷺ.

فَإِذَا قِيلَ لَكَ: مَنْ رَبُّكَ؟ فَقُلْ: رَبِّيَ اللَّهُ الَّذِي رَبَّانِي، وَرَبَّى جَمِيعَ الْعَالَمِينَ بِنِعْمَتِهِ، هُوَ مَعْبُودِي، لَيْسَ لِي مَعْبُودٌ سِوَاهُ، وَالدَّلِيلُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿ٱلۡحَمۡدُ لِلَّهِ رَبِّ ٱلۡعَٰلَمِينَ 2﴾ [الفَاتِحَة: 2]، وَكُلُّ مَنْ سِوَى اللَّهِ عَالَمٌ، وَأَنَا وَاحِدٌ مِنْ ذَلِكَ الْعَالَمِ».

قال الشارح:

هَذِهِ الأُصُولُ الثلاثة الَّتي تَجْمَعُ الدِّينَ كُلُّهُ: مَنْ رَبُّكَ؟ وَمَا دِينُكَ؟ وَمَنْ نَبِيُّكَ؟ وهي الَّتي يُسْأَلُ عَنْهَا العبدُ فيِ قَبرهِ[16]. [16]يشير إلى حديث البراء رضي الله عنه أبو داود، برقم (4753). قال المنذري في «الترغيب والترهيب» (4/195-197 برقم 5396): «حديث حسن، رواته محتج بهم في الصحيح».

فَإِذَا سَأَلَ سَائِلٌ فَقَالَ: مَنْ رَبُّكَ؟ فَقُلْ: رَبِّيَ اللَّهُ الَّذِي رَبَّانِي، وَرَبَّى جَميعَ العَالَمينَ بِنعمتِهِ، وهو معبودي، ليس لي معبودٌ سِوَاه، فهو ربّ الجميعِ، كما قال تعالى: ﴿ٱلۡحَمۡدُ لِلَّهِ رَبِّ ٱلۡعَٰلَمِينَ 2﴾ [الفَاتِحَة: 2].

والعالَمُونَ: جميعُ المخلوقات، كلُّهم عالَمُون ـ الجنُّ والإنسُ والبهائمُ، والجبالُ والأشجارُ ـ كلُّها عالمٌ، قال تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ ٱللَّهُ ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٖ ثُمَّ ٱسۡتَوَىٰ عَلَى ٱلۡعَرۡشِۖ يُغۡشِي ٱلَّيۡلَ ٱلنَّهَارَ يَطۡلُبُهُۥ حَثِيثٗا وَٱلشَّمۡسَ وَٱلۡقَمَرَ وَٱلنُّجُومَ مُسَخَّرَٰتِۭ بِأَمۡرِهِۦٓۗ أَلَا لَهُ ٱلۡخَلۡقُ وَٱلۡأَمۡرُۗ تَبَارَكَ ٱللَّهُ رَبُّ ٱلۡعَٰلَمِينَ54﴾ [الأعرَاف: 54]، فَهُوَ رَبُّ الجميع، له الخلقُ وله الأمرُ، وهو المستحقُّ بأنْ يُعبَدَ؛ ولهذا قال سبحانه: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱعۡبُدُواْ رَبَّكُمُ...﴾ [البَقَرَة: 21]، وهو معبودي، ليس لي معبودٌ سواه.

والدَّليل قوله تعالى: ﴿ٱلۡحَمۡدُ لِلَّهِ رَبِّ ٱلۡعَٰلَمِينَ2﴾ [الفَاتِحَة: 2]، يعني: الثَّناءُ كُلُّهُ للَّهِ، والثَّناءُ والحمد من العبادة.

وكلُّ ما سوى اللَّه عالمٌ، من الجنِّ والإنسِ والحيواناتِ والجبالِ، كُلُّها عَوَالِمٌ، وأنَا واحد من ذلك العالم الذي خلقه اللَّه وأوجده، وأوجب عليه طاعته، فعلى جميع العالمين من المكلَّفين من الجنِّ والإنسِ أنْ يُطيعُوا اللَّهَ ورسولَهُ، ويُوحِّدُوه جلَّ وعلا.

وهكذا الملائكةُ عليهم أنْ يعبدوا اللَّه وحده؛ ولهذا قال تعالى عن الملائكة: ﴿... لَّا يَعۡصُونَ ٱللَّهَ مَآ أَمَرَهُمۡ وَيَفۡعَلُونَ مَا يُؤۡمَرُونَ﴾ [التّحْريم: 6]، وقال تعالى: ﴿لَا يَسۡبِقُونَهُۥ بِٱلۡقَوۡلِ وَهُم بِأَمۡرِهِۦ يَعۡمَلُونَ 27 يَعۡلَمُ مَا بَيۡنَ أَيۡدِيهِمۡ وَمَا خَلۡفَهُمۡ وَلَا يَشۡفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ٱرۡتَضَىٰ وَهُم مِّنۡ خَشۡيَتِهِۦ مُشۡفِقُونَ28﴾ [الأنبيَاء: 27-28].

بيان الأصل الأول

قال المؤلف:

«فَإِذَا قِيلَ لَكَ: بِمَ عَرَفْتَ رَبَّكَ ؟ فَقُلْ: بِآيَاتِهِ وَمَخلُوقَاتِهِ، وَمِنْ آيَاتِهِ اللَّيلُ وَالنَّهَارُ، وَالشَّمسُ وَالقَمرُ، وَمِنْ مَخْلُوقَاتِهِ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالأَرَضُونَ السَّبْعُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَمَا بَيْنَهُمَا، وَالدَّلِيلُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَمِنۡ ءَايَٰتِهِ ٱلَّيۡلُ وَٱلنَّهَارُ وَٱلشَّمۡسُ وَٱلۡقَمَرُۚ لَا تَسۡجُدُواْ لِلشَّمۡسِ وَلَا لِلۡقَمَرِ وَٱسۡجُدُواْۤ لِلَّهِۤ ٱلَّذِي خَلَقَهُنَّ إِن كُنتُمۡ إِيَّاهُ تَعۡبُدُونَ 37﴾ [فُصّلَت: 37] ، وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ ٱللَّهُ ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٖ ثُمَّ ٱسۡتَوَىٰ عَلَى ٱلۡعَرۡشِۖ يُغۡشِي ٱلَّيۡلَ ٱلنَّهَارَ يَطۡلُبُهُۥ حَثِيثٗا وَٱلشَّمۡسَ وَٱلۡقَمَرَ وَٱلنُّجُومَ مُسَخَّرَٰتِۭ بِأَمۡرِهِۦٓۗ أَلَا لَهُ ٱلۡخَلۡقُ وَٱلۡأَمۡرُۗ تَبَارَكَ ٱللَّهُ رَبُّ ٱلۡعَٰلَمِينَ54﴾ [الأعرَاف: 54].

والرَبُّ: هو المعبودُ، والدليل قوله تعالى: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱعۡبُدُواْ رَبَّكُمُ ٱلَّذِي خَلَقَكُمۡ وَٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِكُمۡ لَعَلَّكُمۡ تَتَّقُونَ21 ٱلَّذِي جَعَلَ لَكُمُ ٱلۡأَرۡضَ فِرَٰشٗا وَٱلسَّمَآءَ بِنَآءٗ وَأَنزَلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءٗ فَأَخۡرَجَ بِهِۦ مِنَ ٱلثَّمَرَٰتِ رِزۡقٗا لَّكُمۡۖ فَلَا تَجۡعَلُواْ لِلَّهِ أَندَادٗا وَأَنتُمۡ تَعۡلَمُونَ22﴾ [البَقَرَة: 21-22].

قال ابن كثير رحمه الله[17] : الخالق لهذه الأشياء هو المستحق للعبادة»[18]. [17]هو أبو الفداء الحافظ عماد الدِّين إسماعيل بن عمر بن كثير القرشي الدمشقي الشافعي صاحب التفسير والتاريخ المشهور بـ«البداية والنهاية» المتوفى سنة [774هـ] ينظر: ترجمته في: «سير أعلام النبلاء» للذهبي (1/29 ترجمه 7) و«الدرر الكامنة في أعيان المائة الثامنة» لابن حجر (1/445 ترجمة رقم 944) و«الأعلام» للزركلي (1/320). [18]ينظر: «تفسير القرآن العظيم» لابن كثير (1/197).

قال الشارح:

يقول رحمه الله: «فَإِذَا قِيلَ لَكَ:» أيُّها المسلم «بِمَ عَرَفْتَ رَبَّكَ ؟ فَقُلْ: بِآيَاتِهِ وَمَخلُوقَاتِهِ»، أي: عرفته بآياته الكثيرة، وبمخلوقاته العظيمة، التي تدل على أنَّهُ الرَّبُّ العظيمُ، الخلاَّقُ العليم، وأنَّهُ المستحقُّ لأنْ يُعبدَ، وأنَّهُ الذي يخلقُ مَا يشاءُ، ويُعطِي وَيَمنعُ، وَيَنفعُ وَيَضُرُّ، بِيَدِهِ كُلُّ شيءٍ سبحانه وتعالى.

فهو الْمُستحقُّ بأَن نعبده بطاعته وَدَعَائِه واستغاثتِه، وَسَائر أعمالنا وعباداتنا؛ لأنَّ اللَّهَ خلقنا لهذا، قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقۡتُ ٱلۡجِنَّ وَٱلۡإِنسَ إِلَّا لِيَعۡبُدُونِ56﴾ [الذّاريَات: 56].

وهذه العبادة، هي: توحيده وطاعته، واتِّباع شريعته، وتعظيم أمره ونهيه قولًا وعملًا.

والدليل على معرفة اللَّه بآياته قوله تعالى: ﴿وَمِنۡ ءَايَٰتِهِ ٱلَّيۡلُ وَٱلنَّهَارُ وَٱلشَّمۡسُ وَٱلۡقَمَرُۚ...﴾ [فُصّلَت: 37]، كُلُّ هذه تَدُلُّ عَلَى أنَّهُ رَبُّ العَالَمينَ وَأَنَّهُ الخَلاَّقُ العَليمُ، يُأْتِي اللَّيلَ بِظَلامِهِ، وَيُذهبُ النَّهارَ بِضِيِائِهِ، ثُمَََّ يَجِئُ بالنَّهارِ ويُذْهَبُ اللَّيلَ.

وهذه الشَّمسُ تَطْلُعُ على النَّاسِ في الدنيَا كُلِّهَا، وينتفعون بها، وهذا القمر في الليل كذلك، وغير هذه من الآيات العظيمة، كالأرض وما فيها من جبال، وأنهار، وبحار، وأشجار، وحيوانات، وهذه السموات التي يراها النَّاسُ، كلُّهَا من آياته الدَّالَّة على عظمته، وأنَّهُ رَبُّ العَالَمِينَ، الخَلاَّقُ الْعَليمُ، الْمُستَحِقُّ للعبادة؛ ولهذا قال: ﴿وَمِنۡ ءَايَٰتِهِ ٱلَّيۡلُ وَٱلنَّهَارُ وَٱلشَّمۡسُ وَٱلۡقَمَرُۚ لَا تَسۡجُدُواْ لِلشَّمۡسِ وَلَا لِلۡقَمَرِ وَٱسۡجُدُواْۤ لِلَّهِۤ ٱلَّذِي خَلَقَهُنَّ إِن كُنتُمۡ إِيَّاهُ تَعۡبُدُونَ 37﴾ [فُصّلَت: 37] ، يعني: لا تَعبدُوا هَذِهِ المخلوقات؛ بل اعبدوا الَّذي خلقها، وأوجدها سبحانه وتعالى، فهو الْمُستَحِقُّ بِأنْ يذلَّ لَهُ العبدُ، ويَخضعَ، ويُطيعَ أوامرَهُ، ويَنتَهِيَ عَن نَوَاهِيهِ سبحانه وتعالى؛ تَعظِيمًا وتَقدِيسًا لهُ، وخوفًا مِنهُ، ورغبةً فِيمَا عِنْدَهُ.

وقال سبحانه: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ ٱللَّهُ...﴾ [الأعرَاف: 54] يعني: إنَّ ربَّكم أيُّها العباد من الجنِّ، والإنسِ هو اللَّه، وربكم، يعني: خالقكم، وهو معبُودُكم الحقّ وحدَهُ لا شريك له: ﴿...ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٖ ثُمَّ ٱسۡتَوَىٰ عَلَى ٱلۡعَرۡشِۖ...﴾ [الأعرَاف: 54]، أي: ثم ارتفع على العرش، وعلا فوقه سبحانه وتعالى.

فَعِلْمُهُ في كلِّ مَكانٍ، وَهُو فَوقَ العَرشِ، فَوقَ جَمِيعِ الْمَخلُوقَاتِ، وَالعَرشُ: سَقْفُ المخلوقاتِ، وهو أَعْلَى المخلوقاتِ، وَاللَّهُ فَوقَهُ جَلَّ وَعَلا، اسْتَوَى عَلَيْهِ، اسْتِوَاءً يَلِيقُ بِجَلالِهِ، لَا يُشَابِهُ خَلقَهُ فيِ شَيْءٍ مِنْ صِفَاتِهِ، قال تعالى: ﴿...لَيۡسَ كَمِثۡلِهِۦ شَيۡءٞۖ وَهُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلۡبَصِيرُ﴾ [الشّورى: 11]، وقال تعالى: ﴿وَلَمۡ يَكُن لَّهُۥ كُفُوًا أَحَدُۢ4﴾ [الإخلاص: 4].

وقوله: ﴿...يُغۡشِي ٱلَّيۡلَ ٱلنَّهَارَ يَطۡلُبُهُۥ حَثِيثٗا...﴾ [الأعرَاف: 54]، أي: يُغَطِي هَذَا بِهَذَا، وَهَذَا بِهَذَا، ﴿...يَطۡلُبُهُۥ حَثِيثٗا...﴾ [الأعرَاف: 54] أي: سِرِيعًا، وكلُّ واحدٍ يَطْلُبُ الآخََرَ، إذا انْتَهَى هَذَا دَخَلَ هَذَا، وَهَكَذَا... حَتَّى تَقُومَ السَّاعَةُ، ﴿...وَٱلشَّمۡسَ وَٱلۡقَمَرَ...﴾ [الأعرَاف: 54] أي: وَخَلَقَ الشَّمسَ والقمرَ، ﴿... وَٱلنُّجُومَ مُسَخَّرَٰتِۭ بِأَمۡرِهِۦٓۗ...﴾ [الأعرَاف: 54]، مُطِيعَاتٍ، مُذَلَّلَاتٍ لأَمْرِهِ سُبْحَانَهُ.

ثُمَّ قال سبحانه: ﴿... أَلَا لَهُ ٱلۡخَلۡقُ وَٱلۡأَمۡرُۗ...﴾ [الأعرَاف: 54] فالخلقُ له سبحانه، والأَمرُ له، هو الخَلاَّقُ الَّذي لا يُخالَفُ أَمرُهُ الكَوْنِيُّ الَّذِي هُوَ نَافِذٌ في النَّاسِ، كما قال تعالى: ﴿إِنَّمَآ أَمۡرُهُۥٓ إِذَآ أَرَادَ شَيۡـًٔا أَن يَقُولَ لَهُۥ كُن فَيَكُونُ82﴾ [يس: 82]، وقوله: ﴿وَمَآ أَمۡرُنَآ إِلَّا وَٰحِدَةٞ كَلَمۡحِۭ بِٱلۡبَصَرِ 50﴾ [القَمَر: 50] فَأَمْرُ اللَّهِ الْكَوْنِيُّ الْقَدَرِيُّ لَا رَادَّ لَهُ، وَلِهَذَا قَالَ: ﴿...أَلَا لَهُ ٱلۡخَلۡقُ وَٱلۡأَمۡرُۗ تَبَارَكَ ٱللَّهُ رَبُّ ٱلۡعَٰلَمِينَ﴾ [الأعرَاف: 54].

فـ ﴿تَبَٰرَكَ ٱلَّذِي بِيَدِهِ ٱلۡمُلۡكُ...﴾ [المُلك: 1] وإنَّمَا يُقَالُ لِلْمَخْلُوقِ: بَارَكَ اللَّهُ فيِ فُلَانٍ، أَوْ فُلَانٌ مُبَارَكٌ، أَمَّا تَبَارَكْتَ، فَإِنَّهَا لَا تَصْلُحُ إلَّا للَّهِ وَحْدَهُ.

والرَبُّ: هو المعبودُ، وَ ﴿ٱلۡعَٰلَمِينَ﴾ المخلوقاتُ كُلُّها مِن الجنِّ والإنسِ، والسَّماءِ والأرضِ، هو رَبُّهَا سبحانه وتعالى، وربُّ الجميعِ، وخَالقُ الجَميعِ جَلَّ وَعَلا.

قال تعالى: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱعۡبُدُواْ رَبَّكُمُ ٱلَّذِي خَلَقَكُمۡ وَٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِكُمۡ لَعَلَّكُمۡ تَتَّقُونَ 21﴾ [البَقَرَة: 21]، خَلَقَ الْجَمِيعَ الَّذِينَ قَبْلَنَا، وَالَّذِينَ بَعدَنَا، مِنْ آدم، ومَا قَبْلَهُ، وَمَا بَعْدَهُ، فهو خلق الجميع لِيَعْبُدُوهُ ويَتَّقُوهُ، كما قال تعالى: ﴿...لَعَلَّكُمۡ تَتَّقُونَ﴾ [البَقَرَة: 21] ثُمَّ بَيَّنَ سُبْحَانَهُ بَعْضَ أَفْعَالِهِ، فَقَالَ: ﴿ٱلَّذِي جَعَلَ لَكُمُ ٱلۡأَرۡضَ فِرَٰشٗا وَٱلسَّمَآءَ بِنَآءٗ...﴾ [البَقَرَة: 22] فَجَعَلَ الأَرْضَ فِرَاشًا لِلنَّاسِ، وَمِهَادًا لهم، عليها يسكنون، وعليها يبنون، وعليها ينامون، وعليها يمشون، وأرساها بالجبال.

ثُمَّ قال تعالى: ﴿...وَٱلسَّمَآءَ بِنَآءٗ...﴾ [البَقَرَة: 22]، فجعلها بِنَاءً و ﴿...سَقۡفٗا مَّحۡفُوظٗاۖ وَهُمۡ عَنۡ ءَايَٰتِهَا مُعۡرِضُونَ﴾ [الأنبيَاء: 32]، وزيَّنَهَا بالنَّجُومِ والشَّمسِ والقمرِ ثم قال تعالى: ﴿...وَأَنزَلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءٗ...﴾ [البَقَرَة: 22] أي: مِن السَّحَابِ: ﴿...فَأَخۡرَجَ بِهِۦ مِنَ ٱلثَّمَرَٰتِ رِزۡقٗا لَّكُمۡۖ...﴾ فأنواع الأرزاق في كل مكان، ويحيي اللَّه به الأرض بعد موتها.

ثم قال تعالى: ﴿...فَلَا تَجۡعَلُواْ لِلَّهِ أَندَادٗا وَأَنتُمۡ تَعۡلَمُونَ﴾ [البَقَرَة: 22] أي: أشباهًا ونظراء تعبدونها معه، لا صنمًا، ولا جنًّا، ولا ملكًا، ولا غير ذلك.

فالعبادة: حقُّ اللَّه وحده، ليس له نديد، ولا نظير، ولا مثيل؛ بل هو الإله الحقُّ، وكان المشركون يتخذون له الأنداد، والنظائر، والأمثال من الأصنام والجنّ، والملائكة، ويعبدونهم من دون اللَّه، ويستغيثون بهم، فأنكر اللَّه عليهم ذلك، وبيَّن أنَّ هذه المخلوقات ليس لها حقٌّ في العبادة، ولا قدرة لها على شيء إلَّا بإذن اللَّه سبحانه وتقديره.

قال الحافظ ابن كثير رحمه الله في تفسيره: «الخالق لهذه الأشياء» الخالق لهذه الأشياء من سماء، وأرض، وثمار، وأشجار، ومطر وغير ذلك، «هو المستحق للعبادة» سبحانه وتعالى، وأن يطاع؛ لأنَّه ربُّ الجميع، وخالقهم، كما قال تعالى: ﴿وَإِلَٰهُكُمۡ إِلَٰهٞ وَٰحِدٞۖ لَّآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ ٱلرَّحۡمَٰنُ ٱلرَّحِيمُ163﴾ [البَقَرَة: 163] [19]. [19]تقدم عزوه في حاشية (2) صفحة 29).

معنى العبادة وأنواعها

قال المؤلف:

«وَأَنْوَاعُ الْعِبَادَةِ الَّتي أَمَرَ اللَّهُ بِهَا، مِثْلُ الإِسْلَامِ، وَالإِيمَانِ، وَالإِحسَانِ، وَمِنهُ الدُّعَاءُ، وَالخَوفُ، وَالرَّجَاءُ، وَالتَّوكُّلُ، وَالرَّغْبَةُ، وَالرَّهْبَةُ، وَالخُشُوعُ، وَالخَشْيَةُ، وَالإِنَابَةُ، وَالاسْتِعَانَةُ، وَالاسْتِعَاذَةُ، وَالاسْتِغَاثَةُ، وَالذَّبْحُ، وَالنَّذرُ، وَغَيرُ ذَلِكَ مِنَ الْعِبَادةِ الَّتي أَمَرَ اللَّهُ بِهَا كُلُّهَا للَّهِ والدَّليل قوله تعالى: ﴿وَأَنَّ ٱلۡمَسَٰجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدۡعُواْ مَعَ ٱللَّهِ أَحَدٗا 18﴾ [الجنّ: 18].

فَمَنْ صَرَفَ مِنْهَا شَيْئًا لِغَيْرِ اللَّهِ، فَهُوَ مُشْرِكٌ كَافِرٌ، والدليلُ قولُهُ تعالى: ﴿وَمَن يَدۡعُ مَعَ ٱللَّهِ إِلَٰهًا ءَاخَرَ لَا بُرۡهَٰنَ لَهُۥ بِهِۦ فَإِنَّمَا حِسَابُهُۥ عِندَ رَبِّهِۦٓۚ إِنَّهُۥ لَا يُفۡلِحُ ٱلۡكَٰفِرُونَ117﴾ [المؤمنون: 117].

وفي الحديث: «الدُّعَاءُ مُخُّ الْعِبَادَةِ»[20] والدَّليلُ قَولُهُ تَعَالَى: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ٱدۡعُونِيٓ أَسۡتَجِبۡ لَكُمۡۚ إِنَّ ٱلَّذِينَ يَسۡتَكۡبِرُونَ عَنۡ عِبَادَتِي سَيَدۡخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ60﴾ [غَافر: 60]». [20]أخرجه من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه الترمذي، برقم (3371) وقال: هذا حديث غريب من هذا الوجه، لا نعرفه إلا من حديث ابن لهيعة: وهو ضعيف، إلَّا أنَّ هذا الحديث يشهد له حديث النَّعمان بن بشير رضي الله عنهما: «الدُّعَاءُ هُوَ العِبَادَة» لذا عضد به الشَّيخ في شرحه، كما سيأتي في (ص36).

قال الشارح:

العبادة أنواع: فمنها الإسلام بأركانه، فكل ما أمر اللَّه به من أعمال الإسلام عبادة، من صلاة، وصوم، وغير ذلك، وهكذا الإيمان بأعماله الباطنة، كالإيمان باللَّه، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، والإيمان بالقدر خيره وشره، وكذلك الخوف، والمحبة، والرجاء، إلى غير ذلك، فكل ما يتعلق بالقلوب داخل في العبادة، وهكذا الإحسان: «أَنْ تَعْبُدَ اللَّهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ» [21] وهذا أيضًا من العبادة؛ بل هو أعلى أنواع العبادة وأعظمها. [21]أخرجه عن أبي هريرة رضي الله عنه البخاري، برقم (50) ومسلم، برقم (9).

فالواجب على كلِّ مُكلَّف إخلاص العبادة للَّه وحده، فلا يدعو مع اللَّه الأنبياء، ولا الأولياء، ولا الأصنام، ولا الأشجار، ولا الأحجار، ولا النُّجوم؛ لأنَّ العبادة حقٌّ للَّه وحده، قال تعالى: ﴿وَأَنَّ ٱلۡمَسَٰجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدۡعُواْ مَعَ ٱللَّهِ أَحَدٗا 18﴾ [الجنّ: 18]، وقال سبحانه: ﴿إِيَّاكَ نَعۡبُدُ وَإِيَّاكَ نَسۡتَعِينُ5﴾ [الفَاتِحَة: 5]، وقال تعالى: ﴿وَلَا تَدۡعُ مِن دُونِ ٱللَّهِ مَا لَا يَنفَعُكَ وَلَا يَضُرُّكَۖ فَإِن فَعَلۡتَ فَإِنَّكَ إِذٗا مِّنَ ٱلظَّٰلِمِينَ 106﴾ [يُونس: 106]، وقال سبحانه وتعالى: ﴿وَمَن يَدۡعُ مَعَ ٱللَّهِ إِلَٰهًا ءَاخَرَ لَا بُرۡهَٰنَ لَهُۥ بِهِۦ فَإِنَّمَا حِسَابُهُۥ عِندَ رَبِّهِۦٓۚ إِنَّهُۥ لَا يُفۡلِحُ ٱلۡكَٰفِرُونَ117﴾ [المؤمنون: 117]، وقال عز وجل: ﴿يُولِجُ ٱلَّيۡلَ فِي ٱلنَّهَارِ وَيُولِجُ ٱلنَّهَارَ فِي ٱلَّيۡلِ وَسَخَّرَ ٱلشَّمۡسَ وَٱلۡقَمَرَۖ كُلّٞ يَجۡرِي لِأَجَلٖ مُّسَمّٗىۚ ذَٰلِكُمُ ٱللَّهُ رَبُّكُمۡ لَهُ ٱلۡمُلۡكُۚ وَٱلَّذِينَ تَدۡعُونَ مِن دُونِهِۦ مَا يَمۡلِكُونَ مِن قِطۡمِيرٍ 13 إِن تَدۡعُوهُمۡ لَا يَسۡمَعُواْ دُعَآءَكُمۡ وَلَوۡ سَمِعُواْ مَا ٱسۡتَجَابُواْ لَكُمۡۖ وَيَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ يَكۡفُرُونَ بِشِرۡكِكُمۡۚ وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثۡلُ خَبِيرٖ 14﴾ [فَاطِر: 13-14].

فسمى سبحانَهُ دعاءهم شركًا، فالواجب على جميع المُكلَّفين إخلاص العبادة للّه وحده، رجاءً، وخوفًا، واستعانةً، واستغاثةَ، وذبحًا، ونذرًا، وخشيةً للَّه، وصلاةً، وصومًا، إلى غير ذلك، كُلُّه للَّه وحده، فمن تقرَّب لغير اللَّه من وليٍّ، أو نبي، أو صنم، أو شجر، أو حجر بالدعاء، أو بالذبح، أو بالنذر، أو بالصلاة، أو بالصوم ونحو ذلك، فهو مشرك كافرٌ أشرك باللّه، وعَبَدَ مَعَهُ سواه، كفعل المشركين الأولين، من عُبَّاد القبور، والأشجار، والأحجار، والأصنام؛ ولهذا قال عز وجل: ﴿...وَلَوۡ أَشۡرَكُواْ لَحَبِطَ عَنۡهُم مَّا كَانُواْ يَعۡمَلُونَ﴾ [الأنعَام: 88]، وقال سبحانه وتعالى: ﴿وَلَقَدۡ أُوحِيَ إِلَيۡكَ وَإِلَى ٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِكَ لَئِنۡ أَشۡرَكۡتَ لَيَحۡبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ ٱلۡخَٰسِرِينَ 66﴾ [الزُّمَر:66]، وقال تعالى: ﴿...إِنَّهُۥ مَن يُشۡرِكۡ بِٱللَّهِ فَقَدۡ حَرَّمَ ٱللَّهُ عَلَيۡهِ ٱلۡجَنَّةَ وَمَأۡوَىٰهُ ٱلنَّارُۖ...﴾ [المَائدة: 72].

فكل هذه العبادات يجب إخلاصها للَّه، ومن صرف منها شيئًا لغير اللَّه من صنم، أو شجر، أو حجر، أو قبر، فهو مشركٌ باللَّه؛ لقوله تعالى: ﴿وَمَن يَدۡعُ مَعَ ٱللَّهِ إِلَٰهًا ءَاخَرَ لَا بُرۡهَٰنَ لَهُۥ بِهِۦ فَإِنَّمَا حِسَابُهُۥ عِندَ رَبِّهِۦٓۚ إِنَّهُۥ لَا يُفۡلِحُ ٱلۡكَٰفِرُونَ117﴾ [المؤمنون: 117] ولغيرها من الآيات السابقات، وهذا دليل على ما تقدَّم.

وفي الحديث: «الدُّعَاءُ مُخُّ العِبَادَةِ» [22] وفي لفظ آخر: «الدُّعَاءُ هو العِبَادَةِ» ثُمَّ قرأ ﷺ: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ٱدۡعُونِيٓ أَسۡتَجِبۡ لَكُمۡۚ إِنَّ ٱلَّذِينَ يَسۡتَكۡبِرُونَ عَنۡ عِبَادَتِي سَيَدۡخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ60﴾ [غَافر: 60] [23] فسمَّى الدُّعاء عبادة فِي قوله: ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ يَسۡتَكۡبِرُونَ عَنۡ عِبَادَتِي﴾ يعني: عن دعائي. [22]تقدم تخريجه في (ص 34). [23]أخرجه من حديث النَّعمان بن بشير رضي الله عنهما، أبو داود، برقم (1479) والترمذي، برقم (2969) وقال: «هذا حديث حسن صحيح» وابن ماجه، برقم (3828) وصححه الحاكم ووافقه الذهبي (1/667 برقم 1802).

فالدُّعاء: هو أن يضَّرع إلى اللَّه يدعوه، ويسأله النجاة، ويسأله الرِّزق، كل هذا عبادة، فإذا صرفها للصنم، أو للشجر، أو للحجر، أو لميت، صار مشركًا باللَّه عز وجل، فيجب الحذر من الشِّرك كله دقيقه وجليله، وأن تكون العبادة للَّه وحده؛ لكن دعاء الحي الحاضر القادر، والاستعانة به فِي الشيء المقدور عليه، لا بأس به، ولا يعتبر داخلًا في الشِّرك.

فلو قلتَ لأخيك الحاضر: يا عبد اللَّه، أعنِّي على قطع هذه الشجرة، أو على حفر هذه البئر، فلا بأس بذلك، كما قال سبحانه في قصة موسى: ﴿...فَٱسۡتَغَٰثَهُ ٱلَّذِي مِن شِيعَتِهِۦ عَلَى ٱلَّذِي مِنۡ عَدُوِّهِۦ...﴾ [القَصَص: 15]، استغاثة الإسرائيلي على القبطي؛ لأنَّ موسى قادر على إغاثته، يتكلم ويسمع.

أمَّا إذا اعتمد على المخلوق فيما لا يقدر عليه إلَّا اللَّه، حاضرًا، أو غائبًا، أو ميِّتًا، واعتقد أنَّهُ ينفع مَنْ دعاه، أو يضر، لا بالأسباب الحسيَّة، فهذا من الشِّرك باللَّه، كما قال تعالى عنهم أنَّهم قالوا: ﴿...هَٰٓؤُلَآءِ شُفَعَٰٓؤُنَا عِندَ ٱللَّهِ...﴾ [يُونس: 18]، فيظنون أنَّهُم يستطيعون بعبادتهم إيَّاهم أنْ يشفعوا لهم عند اللَّه في حصول مطالبهم، أو أنَّهم يقربونهم إلى اللَّه زلفى، كما قال اللَّه سبحانه عنهم في الآية الأخرى: ﴿...مَا نَعۡبُدُهُمۡ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَآ إِلَى ٱللَّهِ زُلۡفَىٰٓ...﴾ [الزُّمَر: 3]، وهذا من جهلهم وضلالهم بالشَّافع والمشفوع إليه.

واللَّهُ سبحانه له الشَّفاعة جميعًا، وهو الَّذي يتصرف في عباده كيف يشاء، فلا يأذن بالشَّفاعة إلَّا فيمن يرضى اللَّه عمله، ولا يشفع أحد عنده إلَّا بعد إذنه، كما قال تعالى: ﴿...وَلَا يَشۡفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ٱرۡتَضَىٰ...﴾ [الأنبيَاء: 28]، وقال تعالى: ﴿...مَن ذَا ٱلَّذِي يَشۡفَعُ عِندَهُۥٓ إِلَّا بِإِذۡنِهِۦۚ...﴾ [البَقَرَة: 255].

فالشَّفاعة لا تكون إلَّا بإذنه للشَّافع، ورضاه عن المشفوع فيه، وهو سبحانه لا يرضى بالشَّفاعة إلَّا لأهل التَّوحيد، كما صحَّ عنه ﷺ أنَّه قال: لَمَّا سأله أبو هريرة رضي الله عنه قائلًا: مَنْ أَسْعَدُ النَّاسِ بِشَفَاعَتِكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: «مَنْ قَالَ: لَا إِلَهَ إلَّا اللَّهُ خَالِصًا مِنْ قَلْبِهِ» أخرجه البخاري في «صحيحه»[24]. [24]في كتاب العلم، برقم (99).

ولا تكون الشَّفاعة إلَّا لمن رضي اللَّه قولَه وعملَه من أهل التَّوحيد والإيمان.

ذكر أدلة بعض أنواع العبادة

قال المؤلف:

«وَدَلِيلُ الْخَوْفِ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿...فَلَا تَخَافُوهُمۡ وَخَافُونِ إِن كُنتُم مُّؤۡمِنِينَ...﴾ [آل عِمرَان: 175].

وَدَلِيلُ الرَّجَاءِ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿...فَمَن كَانَ يَرۡجُواْ لِقَآءَ رَبِّهِۦ فَلۡيَعۡمَلۡ عَمَلٗا صَٰلِحٗا وَلَا يُشۡرِكۡ بِعِبَادَةِ رَبِّهِۦٓ أَحَدَۢا﴾ [الكهف: 110].

وَدَلِيلُ التَّوكُّلِ قًوْلُهُ تَعَالَى: ﴿...وَعَلَى ٱللَّهِ فَتَوَكَّلُوٓاْ إِن كُنتُم مُّؤۡمِنِينَ﴾ [المَائدة: 23]، ﴿... وَمَن يَتَوَكَّلۡ عَلَى ٱللَّهِ فَهُوَ حَسۡبُهُۥٓ...﴾ [الطّلَاق: 3].

وَدَلِيلُ الرَّغْبَةِ وَالرَّهْبَةِ وَالْخُشُوعِ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿... إِنَّهُمۡ كَانُواْ يُسَٰرِعُونَ فِي ٱلۡخَيۡرَٰتِ وَيَدۡعُونَنَا رَغَبٗا وَرَهَبٗا...﴾ [الأنبيَاء: 90].

وَدَلِيلُ الخَشْيَّةِ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿... فَلَا تَخۡشَوُاْ ٱلنَّاسَ وَٱخۡشَوۡنِ...﴾ [المَائدة: 44].

وَدَلِيلُ الإِنَابَةِ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَأَنِيبُوٓاْ إِلَىٰ رَبِّكُمۡ وَأَسۡلِمُواْ لَهُۥ...﴾ [الزُّمَر: 54].

وَدَلِيلُ الاسْتِعَانَةِ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿إِيَّاكَ نَعۡبُدُ وَإِيَّاكَ نَسۡتَعِينُ 5﴾ [الفَاتِحَة:5]، في الحديث: «... إِذَا اسْتَعَنْتَ فَاسْتَعِنْ بِاللَّهِ...» [25]. [25]أخرجه عن ابن عباس رضي الله عنهما، الترمذي، برقم (2516)، وقال: «حسن صحيح».

وَدَلِيلُ الاسْتِعَاذَةِ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿قُلۡ أَعُوذُ بِرَبِّ ٱلۡفَلَقِ 1﴾ [الفَلَق: 1]، وقوله تعالى: ﴿قُلۡ أَعُوذُ بِرَبِّ ٱلنَّاسِ 1﴾ [النَّاس: 1].

وَدَلِيلُ الاسْتِغَاثَةِ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿إِذۡ تَسۡتَغِيثُونَ رَبَّكُمۡ فَٱسۡتَجَابَ لَكُمۡ...﴾ [الأنفَال: 9].

وَدَلِيلُ الذَّبْحِ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿قُلۡ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحۡيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ ٱلۡعَٰلَمِينَ 162 لَا شَرِيكَ لَهُۥۖ وَبِذَٰلِكَ أُمِرۡتُ وَأَنَا۠ أَوَّلُ ٱلۡمُسۡلِمِينَ 163﴾ [الأنعَام: 162-163]، ومن السُّنَّة: «لَعَنَ اللَّهُ مَنْ ذَبَحَ لِغَيْرِ اللَّهِ»[26]. [26]أخرجه من حديث علي رضي الله عنه، مسلم برقم (1978).

وَدَلِيلُ النَّذر قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿يُوفُونَ بِٱلنَّذۡرِ وَيَخَافُونَ يَوۡمٗا كَانَ شَرُّهُۥ مُسۡتَطِيرٗا 7﴾ [الإنسَان: 7]».

قال الشارح:

يقول المؤلف رحمه الله ذاكرًا أدلَّة بعض أنواع العبادة، منها: الخوف، وهو أقسام ثلاثة:

الأوَّل: خوف السِّرِّ، وهذا خاص باللّهِ؛ لأَنَّهُ القَادرُ على كلِّ شيءٍ، وهو الَّذِي يُخافُ، وَيُخْشَى، كما قال تعالى: ﴿...فَلَا تَخَافُوهُمۡ وَخَافُونِ إِن كُنتُم مُّؤۡمِنِينَ﴾ [آل عِمرَان: 175]، وقال تعالى: ﴿...وَلَمۡ يَخۡشَ إِلَّا ٱللَّهَ...﴾ [التّوبَة: 18]، وقال تعالى: ﴿... فَلَا تَخۡشَوُاْ ٱلنَّاسَ وَٱخۡشَوۡن ...﴾ [المَائدة: 44].

فالواجب خشيَّةُ اللَّه وخوفه؛ لأنَّه مُصرف القلوب ومقلبها، والقادر على كُلِّ شيءٍ، وهو الَّذي ينفع ويضر، ويعطي ويمنع.

فالواجب تخصيصه بالخوف، وألَّا يخاف هذا الخوف - السِّرِّ - إلَّا من اللَّه في كلِّ الأمور.

وخوف السِّرِّ يختص به سبحانه، وهو كون الإنسان يخاف من أجل قدرة خاصّة سرِّيَّة، ليست حسب الحس، ولذلك يعتقد عُبَّاد القبور أنَّ بعضَ النَّاس له القدرة على التَّصرف فِي الكون مع اللَّه جَلَّ وعَلا، ويعتقدون ذلك أيضًا في الأصنام، والجنّ وغيرها، وهذا هو الشِّرك الأكبر، ويعتقد فيهم أيضًا أنَّ لهم القدرة على العطاء، والمنع، وزيغ القلوب، وموت النُّفوس دون أسباب حسيَّة.

الثَّاني: خوف الأسباب الحسيَّة، كما قال تعالى في قصة أُحُد، لما قيل للنَّبِيِّ ﷺ: إنَّ المشركين قد جمعوا لكم، وسيرجعون إليكم: ﴿إِنَّمَا ذَٰلِكُمُ ٱلشَّيۡطَٰنُ يُخَوِّفُ أَوۡلِيَآءَهُۥ فَلَا تَخَافُوهُمۡ وَخَافُونِ إِن كُنتُم مُّؤۡمِنِينَ 175﴾ [آل عِمرَان: 175].

فالشَّيطَانُ: يُخَوِّفُ النَّاس من أوليائهِ، وَيُعظِّمُهُم في صدورِ النَّاسِ حتِّى يخافوهم، واللَّهُ يقولُ: ﴿فَلَا تَخَافُوهُمۡ﴾ بل اعتمدُوا عليَّ، وأعدوا العُدَّةَ، ولا تُبَالُوا بهم، كما قال تعالى: ﴿وَأَعِدُّواْ لَهُم مَّا ٱسۡتَطَعۡتُم مِّن قُوَّةٖ...﴾ [الأنفَال: 60]، وهذا الخوف الحسِّيُّ لا بأس به؛ لكن الخوف القلبي خوف السِّرِّ، هذا هو المنهي عنه.

أمَّا الخوف الحسِّيُّ: مثل أنْ يخاف اللِّصَّ، أو السَّارقَ، أو العدُوَّ، فَيَعُدُّ العُدَّةَ من السِّلاح اللاَّزمِ، كلُّ هذا لا بُدَّ منه، لهذا قال تعالى: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ خُذُواْ حِذۡرَكُمۡ...﴾ [النِّسَاء: 71]، وقال سبحانه في قصة موسى لما خرج من مصر خائفًا من فرعون وقومه: ﴿فَخَرَجَ مِنۡهَا خَآئِفٗا يَتَرَقَّبُ...﴾ [القَصَص: 21].

فإنَّ هذا الخوفَ خوفٌ حِسِّيٌّ لا بأسَ به؛ لكن لا يَجُوزُ خوفُ العدوِّ خوفًا يَمْنَعُ من جهادِهِ، ونصرِ الحقِّ، وإنَّما يَحْمِلُه هذا الخوفُ على الإعدادِ للعدوِّ، وأخذ الحذرِ.

الثَّالث: الخوفُ الطَّبيعيُّ، الَّذي جُبلَ عليه الإنسانُ، وهذا لا حرجَ فيه، مثلُ خوفِ الإنسانِ الحَيَّةَ، والعقربَ، والسَّبع، فيتباعدُ عنها، ويَقتُلها، ويَتباعدُ عن مظنَّةِ السِّباعِ حتَّى لا يَتَأَذَّى بها.

هذا أمرٌ لا بُدَّ منه، واللَّه جَبَلَ النَّاسَ على الخوفِ ممَّا يُؤْذِي حتَّى يتحرَّزَ منهُ، يخافُ البردَ، فيلبسُ الثِّيابَ الغليظةَ، ويخافُ من الجوعِ فيأكُلُ، ويخافُ العطش فيشربُ، هذه أمورٌ طبيعيَّةٌ لا بأسَ بِهَا.

وهكذا الرجاءُ عبادةٌ للَّهِ، فيرجُو اللَّهَ، ويُحسِنُ به الظَّنَّ، كما قال تعالى: ﴿... فَمَن كَانَ يَرۡجُواْ لِقَآءَ رَبِّهِۦ فَلۡيَعۡمَلۡ عَمَلٗا صَٰلِحٗا وَلَا يُشۡرِكۡ بِعِبَادَةِ رَبِّهِۦٓ أَحَدَۢا﴾ [الكهف: 110].

فالرغبةُ إليه، ورجاءُ ما عندَه، عبادةٌ له سبحانه وتعالى، قال تعالى: ﴿... إِنَّهُمۡ كَانُواْ يُسَٰرِعُونَ فِي ٱلۡخَيۡرَٰتِ وَيَدۡعُونَنَا رَغَبٗا وَرَهَبٗاۖ وَكَانُواْ لَنَا خَٰشِعِينَ﴾ [الأنبيَاء: 90].

فالرَّغَبُ: الرَّجاءُ، والرَّهَبُ: الخوفُ، وكلاهما عبادةٌ، وعلى العبدِ أن يُحْسِنَ ظنَّه بربِّهِ، ويأخد بالأسبابِ الشَّرعيَّةِ، وإنَّ الظَّنَّ الحسنَ مع الأخذِ بالأسبابِ، يَعودُ على العبدِ بالخيرِ، والرَّحمةِ، ودخولِ الجنَّةِ، ومغفرةِ الذُّنُوبِ.

وهكذا التَّوكُّلُ عبادةٌ، وهو التفويضُ إلى اللَّهِ، والاعتمادُ عليه في كلِّ الأمورِ، مع الأخذِ بالأسبابِ، فَتَعْتَمِدُ على اللَّهِ في السَّلامةِ من الشَّرِّ، والعافيةِ من الفتَنِ، وحصولِ الرِِّزقِ، وفِي دخولِ الجنَّةِ، والنجاةِ من النَّارِ، مع الأخذِ بالأسبابِ المشروعةِ، قال تعالى: ﴿... وَعَلَى ٱللَّهِ فَتَوَكَّلُوٓاْ إِن كُنتُم مُّؤۡمِنِينَ﴾ [المَائدة: 23]، وقال تعالى: ﴿... وَمَن يَتَوَكَّلۡ عَلَى ٱللَّهِ فَهُوَ حَسۡبُهُۥٓ...﴾ [الطّلَاق: 3] يعني: كافيهِ.

وهكذا الرَّغبةُ والرَّهبةُ والخشوع كلُّ هذه عباداتٌ، قال تعالى عن الأنبياءِ والصَّالحين: ﴿... إِنَّهُمۡ كَانُواْ يُسَٰرِعُونَ فِي ٱلۡخَيۡرَٰتِ وَيَدۡعُونَنَا رَغَبٗا وَرَهَبٗاۖ وَكَانُواْ لَنَا خَٰشِعِينَ﴾ [الأنبيَاء: 90]، يعني: خائفينَ يَخْشَوْنَ اللَّهَ، ويَخْشَعُونَ لعظمتِهِ؛ أي: يَذِلُّونَ.

[وهكذا الخشية عبادة، قال تعالى: ﴿... فَلَا تَخۡشَوۡهُمۡ وَٱخۡشَوۡنِي...﴾ [البَقَرَة: 150] فيخشى اللَّه ويرجوه، فيضم مع الخشية الرجاء، ويضم إليهما العمل].

وهكذا الإنابةُ عبادةٌ، قال تعالى: ﴿َأَنِيبُوٓاْ إِلَىٰ رَبِّكُمۡ وَأَسۡلِمُواْ لَهُۥ...﴾ [الزُّمَر: 54] والإنابةُ معناها: الرجوعُ إلى اللَّهِ، والتَّوبةُ إليهِ، والاستقامةُ على طاعتِهِ، فهذه عبادةٌ للَّهِ، يَجِبُ على النَّاسِ أن يُنِيبُوا إلى اللَّهِ، ويَرْجِعُوا إِليهِ، ويَتُوبُوا إليهِ، ويَسْتَقِيمُوا عَلَى طاعتِهِ.

وهكذا الاستعانةُ عبادةٌ، كما قال تعالى: ﴿إِيَّاكَ نَعۡبُدُ وَإِيَّاكَ نَسۡتَعِينُ 5﴾ [الفَاتِحَة:5]، وفي الحديث: «إِذَا اسْتَعَنْتَ فَاسْتَعِنْ بِاللَّهِ» فيستعينُ العبدُ باللَّهِ، فتقولُ: اللَّهُمَّ أَعِنِّي على ذكركَ وشكركَ، اللَّهُمَّ أَعِنِّي على طاعتِكَ، اللَّهُمَّ أَعِنِّي على كُلِّ خيرٍ، إلى غيرِ هذا، تَسْتَعِينُ باللَّهِ فِي كلِّ الْمُهِمَّاتِ.

وهكذا الاستعاذةُ عبادةٌ، أن تَسْتَعِيذَ باللَّهِ مِن الشُّرورِ، وتَلجأَ إليهِ، كما قال تعالى: ﴿قُلۡ أَعُوذُ بِرَبِّ ٱلۡفَلَقِ1﴾ [الفَلَق: 1]، وقوله تعالى: ﴿قُلۡ أَعُوذُ بِرَبِّ ٱلنَّاسِ1﴾ [النَّاس: 1] فالاستعاذةُ باللَّهِ، من الشَّيطانِ، ومن كلِّ مُؤذٍ، ومن كلِّ عدُوٍ، أمرٌ مأمورٌ به، كما قال تعالى: ﴿وَإِمَّا يَنزَغَنَّكَ مِنَ ٱلشَّيۡطَٰنِ نَزۡغٞ فَٱسۡتَعِذۡ بِٱللَّهِۚ...﴾ [الأعرَاف: 200].

وهكذا الاستغاثة عبادةٌ، أن تستغيث باللَّه فِي الشَّدائد من عدُّوٍ، أو تطلبه إنزال الغيث المبارك، أو بكشف الضُّرِّ، كما قال تعالى: ﴿إِذۡ تَسۡتَغِيثُونَ رَبَّكُمۡ فَٱسۡتَجَابَ لَكُمۡ...﴾ [الأنفَال: 9].

وهكذا الذَّبحُ عبادةٌ، قال تعالى: ﴿قُلۡ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي﴾؛ أي: يعني: ذبحي ﴿وَمَحۡيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ ٱلۡعَٰلَمِينَ﴾ [الأنعَام: 162].

وفي الحديث: «لَعَنَ اللَّهُ مَنْ ذَبَحَ لِغَيْرِ اللَّهِ»[27] فالذَّبحُ عبادة، فمن صرفه لغير اللَّه يكون مَلعونًا مستحقًا لهذا الذم العظيم، واللَّعن هو الطرد والإبعاد من رحمة اللَّه[28]. [27]سبق تخريجه في (ص 40). [28]وإن كان اللَّعن من النَّاس هو السَّبْ والدُّعاء ينظر: «النهاية في غريب الحديث والأثر» لابن الأثير، مادة: [لعن] باب اللام مع العين.

وهكذا النَّذر عبادةٌ: قال تعالى: ﴿يُوفُونَ بِٱلنَّذۡرِ...﴾ [الإنسَان: 7]، وقال تعالى: ﴿وَمَآ أَنفَقۡتُم مِّن نَّفَقَةٍ أَوۡ نَذَرۡتُم مِّن نَّذۡرٖ فَإِنَّ ٱللَّهَ يَعۡلَمُهُۥ...﴾ [البَقَرَة: 270]، قال ﷺ: «مَنْ نَذَرَ أَنْ يُطِيعَ اللَّهَ، فَلْيُطِعْهُ، وَمَنْ نَذَرَ أَنْ يَعْصِيهُ، فَلَا يَعْصِهِ»[29]. [29]أخرجه من حديث عائشة رضي الله عنها البخاري، برقم (6696).

فالنَّذر: عبادة وطاعة للَّه، إذا فعله الإنسان لزمه الوفاء لقول الرسول ﷺ: «مَنْ نَذَرَ أَنْ يُطِيعَ اللَّهَ فَلْيُطِعْهُ» فَإِذَا نَذَرَ عبادة من صلاة، أو صوم، أو صدقة، أو غيرها لزمه الوفاءُ لما تقدَّم، والنَّذر مكروه؛ لأنَّ فيه التزامًا، ومشقة؛ ولهذا نَهَى النَّبِيُّ ﷺ عن النَّذر وقال: «إِنَّه لَا يَأْتِي بِخَيْرٍ»[30]. [30]أخرجه من حديث ابن عمر رضي الله عنهما، وتمامه: «وإِنَّمَا يُسْتَخْرَجُ بِهِ مِنَ البَخِيلٍ» البخاري، برقم (6608)، ومسلم، برقم (1639)، واللَّفظ له.

الأصل الثَّاني: معرفة العبد دينه

قال المؤلف:

«الأَصْلُ الثَّانِي: مَعْرِفَةُ دِينِ الإِسْلَامِ بِالأَدِلَّةِ، وَهُوَ: الاسْتِسْلَامُ للَّهِ بِالتَّوْحِيدِ، والانْقِيَادُ لَهُ بِالطَّاعَةِ، وَالْخُلُوص مِنَ الشِّرْكِ[31] وَهُوَ ثَلَاثُ مَرَاتِبَ: «الإِسْلَامُ» و«الإِيمَانُ» و«الإِحْسَانُ»، وَكُلُّ مَرْتَبَةٍ لَهَا أَرْكَان: [31]وفي بعض «نسخ ثلاثة الأصول»: [وَالبَرَاءَةُ مِنَ الشِّرْكِ وَأَهْلِهِ].

فأَرْكَانُ الإِسْلَامِ[32] خَمْسَةٌ: شَهَادَةُ أَنْ لَا إِلَهَ إلَّا اللَّهَ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، وَإِقَامُ الصَّلَاةِ، وَإيتَاءُ الزَّكَاةِ، وَصَوْمُ رَمَضَانَ، وَحَجُّ بَيْتِ اللَّهِ الْحَرَامِ. [32]وفي بعض «نسخ ثلاثة الأصول»: [المرتبة الأولى: الإسلام]

فَدَلِيلُ الشَّهَادَةِ: قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿شَهِدَ ٱللَّهُ أَنَّهُۥ لَآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ وَٱلۡمَلَٰٓئِكَةُ وَأُوْلُواْ ٱلۡعِلۡمِ قَآئِمَۢا بِٱلۡقِسۡطِۚ لَآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ ٱلۡعَزِيزُ ٱلۡحَكِيمُ 18﴾ [آل عِمرَان: 18].

وَمَعْنَاهَا: لَا مَعْبُودَ بِحَقٍّ إلَّا اللَّه وَحْدَهُ: «لَا إِلَهَ» نَافِيًا جَمِيعَ مَا يُعْبَدُ مِنْ دُونِ اللَّهِ، «إلَّا اللَّهُ» مُثْبِتًا الْعِبَادَةَ للَّهِ وَحْدَهُ، لَا شَرِيكَ لَهُ فِي عِبَادَتِهِ، كَمَا أَنَّهُ لَيْسَ لَهُ شَرِيكٌ فِي مُلْكِهِ.

وَتَفْسِيرُهَا الَّذِي يُوَضِّحُهَا قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَإِذۡ قَالَ إِبۡرَٰهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوۡمِهِۦٓ إِنَّنِي بَرَآءٞ مِّمَّا تَعۡبُدُونَ 26 إِلَّا ٱلَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُۥ سَيَهۡدِينِ 27 وَجَعَلَهَا كَلِمَةَۢ بَاقِيَةٗ فِي عَقِبِهِۦ لَعَلَّهُمۡ يَرۡجِعُونَ 28﴾ [الزّخرُف: 26-28].

وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿قُلۡ يَٰٓأَهۡلَ ٱلۡكِتَٰبِ تَعَالَوۡاْ إِلَىٰ كَلِمَةٖ سَوَآءِۭ بَيۡنَنَا وَبَيۡنَكُمۡ أَلَّا نَعۡبُدَ إِلَّا ٱللَّهَ وَلَا نُشۡرِكَ بِهِۦ شَيۡـٔٗا وَلَا يَتَّخِذَ بَعۡضُنَا بَعۡضًا أَرۡبَابٗا مِّن دُونِ ٱللَّهِۚ فَإِن تَوَلَّوۡاْ فَقُولُواْ ٱشۡهَدُواْ بِأَنَّا مُسۡلِمُونَ 64﴾ [آل عِمرَان: 64].

وَدَلِيلُ شَهَادَةِ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿لَقَدۡ جَآءَكُمۡ رَسُولٞ مِّنۡ أَنفُسِكُمۡ عَزِيزٌ عَلَيۡهِ مَا عَنِتُّمۡ حَرِيصٌ عَلَيۡكُم بِٱلۡمُؤۡمِنِينَ رَءُوفٞ رَّحِيمٞ 128﴾ [التّوبَة: 128].

وَمَعْنَى شَهَادَةِ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ طَاعَتُهُ فِيمَا أَمَرَ، وَتَصْدِّيقُهُ فِيمَا أَخْبَرَ، وَاجْتِنَابُ مَا عَنْهُ نَهَى وَزَجَرَ، وَأَنْ لَا يُعْبَدَ اللَّهُ إلَّا بِمَا شَرَعَ.

وَدَلِيلُ الصَّلاة، والزَّكاة وتفسير التَّوحيد قوله تعالى: ﴿وَمَآ أُمِرُوٓاْ إِلَّا لِيَعۡبُدُواْ ٱللَّهَ مُخۡلِصِينَ لَهُ ٱلدِّينَ حُنَفَآءَ وَيُقِيمُواْ ٱلصَّلَوٰةَ وَيُؤۡتُواْ ٱلزَّكَوٰةَۚ وَذَٰلِكَ دِينُ ٱلۡقَيِّمَةِ 5﴾ [البَيّنَة: 5].

وَدَلِيلُ الصِّيَامِ قَولُهُ تَعَالَى: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ كُتِبَ عَلَيۡكُمُ ٱلصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى ٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِكُمۡ لَعَلَّكُمۡ تَتَّقُونَ 183﴾ [البَقَرَة: 183].

وَدَلِيلُ الْحَجِّ قُولُهُ تَعَالَى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى ٱلنَّاسِ حِجُّ ٱلۡبَيۡتِ مَنِ ٱسۡتَطَاعَ إِلَيۡهِ سَبِيلٗاۚ وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ ٱللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ ٱلۡعَٰلَمِينَ 97﴾ [آل عِمرَان: 97]».

قال الشارح:

هذا هو الأصل الثَّاني: وهو معرفة دينُ الإسلام، وهو ثَلاثُ مراتِبَ بيَّنهَا الرَّسول ﷺ، فأوَّلُها الإسلام: وهو الإخلاص لِلَّهِ وحده؛ يعني: الاستسلام للَّه بالعبادة، وتخصيصه بها دون كلِّ ما سواه، والبراءة من الشِّرك وأهله.

فَإِذَا فعلَ ذلك فقد أسلم؛ يعني: انقاد وذلَّ، وخضعَ للَّهِ ووحَّدَه بالعبادةِ دون كلِّ ما سواه، وتبرَّأَ من الشِّركِ وأهلِه، قال تعالى: ﴿...فَمَن يَكۡفُرۡ بِٱلطَّٰغُوتِ وَيُؤۡمِنۢ بِٱللَّهِ فَقَدِ ٱسۡتَمۡسَكَ بِٱلۡعُرۡوَةِ ٱلۡوُثۡقَىٰ...﴾ [البَقَرَة: 256]، والكفرُ بالطَّاغوتِ معناهُ: البراءةُ من الشِّركِ وأهلِه، وإنكارُ ذلك، واعتقادُ بطلانِهِ.

وهناك مرتبةُ الإيمانِ، ومرتبةُ الإحسانِ، وكلُّها داخلةٌ في دين الإسلام؛ الدِّين الَّذي شرعه اللَّه لعباده، وأرسل به الرُّسلَ جميعًا ومرتبةُ الإسلامِ تَشْمَلُ الأعمال الظاهرة.

وأركانُهُ خمسةٌ: شهادةُ أَنْ لَا إِلَهَ إلَّا اللَّهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، وإقامُ الصَّلاةِ، وإيتاءُ الزَّكاةِ، وصومُ رمضانَ، وحجُّ البيتِ لِمَن استطاعَ إليهِ سبيلًا، كما ثبت ذلك عن النَّبِيِّ ﷺ فِي قوله: «بُنِيَ الإِسْلَامُ عَلَى خَمْسٍ: شَهَادَةِ أَنْ لَا إِلَهَ إلَّا اللَّهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّه، وَإِقَامِ الصَّلَاةِ، وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ، وَصَوْمِ رَمَضَانَ، وَحجّ الْبَيْتِ»[33]. [33]أخرجه من حديث ابن عمر رضي الله عنهما البخاري، برقم (8) ومسلم، برقم (16).

فأولُ أركانِ الإسلامِ: شهادةُ أنْ لَا إِلَهَ إلَّا اللَّهُ، وبهَا يَدْخُلُ العبدُ فِي الإسلامِ، فيشهدُ أنْ لَا إِلَهَ إلَّا اللَّهُ، أي: لا معبودَ بحقٍّ إلَّا اللَّهُ، وهي نفيٌ، وإثباتٌ، فـ«لا إله»: نَفْيٌ، و«إلَّا اللَّهُ»: إثباتٌ، قال تعالى: ﴿إِيَّاكَ نَعۡبُدُ وَإِيَّاكَ نَسۡتَعِينُ 5﴾ [الفَاتِحَة:5]، وقال تعالى: ﴿وَمَآ أُمِرُوٓاْ إِلَّا لِيَعۡبُدُواْ ٱللَّهَ مُخۡلِصِينَ لَهُ ٱلدِّينَ حُنَفَآءَ...﴾ [البَيّنَة: 5]، وقال تعالى: ﴿ذَٰلِكَ بِأَنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلۡحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدۡعُونَ مِن دُونِهِۦ هُوَ ٱلۡبَٰطِلُ...﴾ [الحَجّ: 62].

أمَّا قولُها بدونِ العملِ بهَا، فلا تَنْفَعُه كَأَنْ يقولَ: لَا إلهَ إلَّا اللَّهُ، ولا يَخُّصُّ اللَّهَ بالعبادةِ، فَإِنَّ شهادتَهُ لَا تَنْفَعُه، كالمنافقين، فَإِنَّهم يَقُولُونَهَا، ولا يَعْتَقِدُونَهَا، فهم فِي الدَّرْكِ الأسفلِ مِن النَّارِ، فالَّذِي يَقُولُ: لَا إلهَ إلَّا اللَّهُ، ويَعْبُدُ القُبورَ والأصنامَ لا تنفعُه؛ بل هي باطلةٌ.

وأمَّا الشَّهادة الثانية: وهي أنَّ مُحَمَّدًا رسولُ اللَّهِ، فدليلُهَا قولُه تعالى: ﴿لَقَدۡ جَآءَكُمۡ رَسُولٞ مِّنۡ أَنفُسِكُمۡ﴾ [التّوبَة: 128] يعني: محمدًا عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ تعرفونه؛ لأنَّه من أنفسكم، وهو من أشرف قبائِلكم من بني هاشمٍ: ﴿عَزِيزٌ عَلَيۡهِ مَا عَنِتُّمۡ﴾ أي: يَشُقُّ عليه مَا يَشُقُّ عليكم: ﴿حَرِيصٌ عَلَيۡكُم﴾ يعني: على هدَايَتِكُمْ، وإنقاذِكُم من النَّار، وقال تعالى: ﴿مُّحَمَّدٞ رَّسُولُ ٱللَّهِۚ...﴾ [الفَتْح: 29].

ومعنى هذهِ الشَّهَادَةِ أن يُطِيعَهُ العبد فيما أمرَ، وأن يُصَدِّقَهُ فيما أخبرَ، وأن يَجْتَنِبَ ما عنهُ نَهَى وزَجَرَ، وأَلَّا يَعبُدَ اللَّهَ إلَّا بِمَا شَرَعَ، فلا بُدَّ مِن هذهِ الأمورِ الأربعةِ:

الأوَّل: طاعتُهُ فيما أمرَ من الصَّلاةِ، والزَّكاةِ، وغيرِها.

الثَّاني: تَصديقُهُ فيما أخبرَ عن الآخرة، والجنَّةِ والنَّارِ، وغيرِ ذلكَ.

الثَّالثُ: اجتنابُ مَا عنه نَهَى وزجَرَ، كالزِّنَا، والرِّبَا وغيرِ ذلكَ مِمَّا نَهَى اللَّهُ عنهُ ورسولُه.

الرَّابع: أن لا يُعْبَدَ اللّه إلَّا بِمَا شَرَعَ، فَلَا يَبْتَدِعُ فِي الدِّينِ مِمَّا لَمْ يَشْرَعْهُ اللَّهُ؛ لقول النَّبِيِّ ﷺ: «مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ» [34] وفي رواية: «مَنْ أَحْدَثَ فِي أَمْرِنَا هَذَا مَا لَيْسَ مِنْهُ فَهُوَ رَدٌّ» [35] أي: هو مردودٌ. [34]أخرجه من حديث عائشة رضي الله عنها مسلم، برقم (1718). [35]أخرجه من حديث عائشة رضي الله عنها البخاري، برقم (2697) ومسلم، برقم (1718).

وَدَلِيلُ الصَّلاةِ، والزَّكَاةِ، وتفسيرِ التَّوحيدِ: قولُه تعالى: ﴿وَمَآ أُمِرُوٓاْ إِلَّا لِيَعۡبُدُواْ ٱللَّهَ مُخۡلِصِينَ لَهُ ٱلدِّينَ حُنَفَآءَ...﴾ هذا تفسير التَّوحيد: ﴿وَيُقِيمُواْ ٱلصَّلَوٰةَ وَيُؤۡتُواْ ٱلزَّكَوٰةَۚ وَذَٰلِكَ دِينُ ٱلۡقَيِّمَةِ﴾ [البَيّنَة: 5]، وهذا دليل الصَّلاة والزَّكاة، وكذا قوله تعالى: ﴿فَإِن تَابُواْ وَأَقَامُواْ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتَوُاْ ٱلزَّكَوٰةَ فَإِخۡوَٰنُكُمۡ فِي ٱلدِّينِ...﴾ [التّوبَة: 11]، وقال تعالى: ﴿... فَإِن تَابُواْ وَأَقَامُواْ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتَوُاْ ٱلزَّكَوٰةَ فَخَلُّواْ سَبِيلَهُمۡ...﴾ [البَيّنَة: 5].

ودليلُ الصِّيامِ: قولُه تعالى: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ كُتِبَ عَلَيۡكُمُ ٱلصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى ٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِكُمۡ...﴾ [البَقَرَة: 183]، الآيات إلى قوله سبحانه: ﴿شَهۡرُ رَمَضَانَ...﴾ [البَقَرَة: 185]، أي: أَنَّ الصَّيَامَ واجبٌ عليكم كُلَّ عامٍ، فِي شهرِ رمضانَ.

وَدَلِيلُ الحجِّ: قولُه تعالى: ﴿... وَلِلَّهِ عَلَى ٱلنَّاسِ حِجُّ ٱلۡبَيۡتِ مَنِ ٱسۡتَطَاعَ إِلَيۡهِ سَبِيلٗا...﴾ [آل عِمرَان: 97]، وهو مَرَّةٌ فِي العُمُرِ؛ لقول النَّبِيِّ ﷺ: «.. الْحَجُّ مَرَّةٌ، فَمَنْ زَادَ فَهُوَ تَطَوُعٌ»[36] ـ فهذه هي أركان الإسلام الخمس-. [36]طرف من حديث ابن عباس رضي الله عنهما في سؤال الأقرع بن حابس للنَّبِيّ صلى الله عليه وسلم أخرجه أبو داود، برقم (1721) والنسائي، برقم (2620) وابن ماجه، برقم (2886) وصححه الحاكم ووافقه الذهبي (2/321 برقم 3155).

قال المؤلف:

«المرتبةُ الثَّانيةُ: الإيمانُ[37]: وَهُوَ بِضْعٌ وَسَبْعُونَ شُعْبَةً، فَأَعْلَاهَا قَوْلُ: لَا إِلَهَ إلَّا اللَّهُ، وَأَدْنَاهَا إِمَاطَةُ الأَذَى عَنِ الطَّرِيقِ، والحَيَاءُ شُعْبَةٌ مِنَ الإِيمَانِ. [37]الإيمان في اللَّغة: التَّصديق، وشرعًا: هو قول باللِّسان، واعتقاد بالقلب، وعمل بالجوارح، يزيد بالطَّاعة وينقص بالعصيان. ينظر: «مجموع فتاوى ومقالات متنوعة» لسماحة الشيخ ابن باز (5/35).

وَأَرْكَانُهُ سِتَةٌ: أَنْ تُؤْمِنَ بِاللَّهِ، وَمَلَائِكَتِهِ، وَكُتُبِهِ، وَرُسِلِهِ، وَاليَوْمِ الآخِرِ، وَبِالقَدَرِ خَيْرِهِ، وَشَرِّهِ. وَالدَلِيلُ عَلَى هَذِهِ الأَرْكَانِ السِّتَةِ: قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿لَّيۡسَ ٱلۡبِرَّ أَن تُوَلُّواْ وُجُوهَكُمۡ قِبَلَ ٱلۡمَشۡرِقِ وَٱلۡمَغۡرِبِ وَلَٰكِنَّ ٱلۡبِرَّ مَنۡ ءَامَنَ بِٱللَّهِ وَٱلۡيَوۡمِ ٱلۡأٓخِرِ وَٱلۡمَلَٰٓئِكَةِ وَٱلۡكِتَٰبِ وَٱلنَّبِيِّـۧنَ...﴾ [البَقَرَة: 177].

وَدَلِيلُ الْقَدَرِ: قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيۡءٍ خَلَقۡنَٰهُ بِقَدَرٖ 49﴾ [القَمَر: 49].

المرتبةُ الثالثةُ: الإحسانُ: رُكْنٌ وَاحِدٌ، وَهُوَ أَنْ تَعْبُدَ اللَّهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاكَ[38]. [38]أخرجه من حديث أبي هريرة رضي الله عنه البخاري، برقم (9) مختصرًا، ومسلم، برقم (35) واللَّفظ له.ولفظ البخاري: «الإِيمَانُ بِضْعٌ وَسِتُونَ شُعْبَةً» وعند مسلم «الإِيمَانُ بِضْعٌ وَسَبْعُونَ أَوْ بِضْعٌ وَسِتُونَ شُعْبَةً».

وَالدَّلِيلُ: قَولهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ مَعَ ٱلَّذِينَ ٱتَّقَواْ وَّٱلَّذِينَ هُم مُّحۡسِنُونَ 128﴾ [النّحل: 128]، وقوله تعالى: ﴿وَتَوَكَّلۡ عَلَى ٱلۡعَزِيزِ ٱلرَّحِيمِ 217 ٱلَّذِي يَرَىٰكَ حِينَ تَقُومُ 218 وَتَقَلُّبَكَ فِي ٱلسَّٰجِدِينَ 219 إِنَّهُۥ هُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلۡعَلِيمُ 220﴾ [الشُّعَرَاء: 217-220]، وقوله تعالى: ﴿وَمَا تَكُونُ فِي شَأۡنٖ وَمَا تَتۡلُواْ مِنۡهُ مِن قُرۡءَانٖ وَلَا تَعۡمَلُونَ مِنۡ عَمَلٍ إِلَّا كُنَّا عَلَيۡكُمۡ شُهُودًا إِذۡ تُفِيضُونَ فِيهِ...﴾ [يُونس: 61]».

«وَالدَّلِيلُ مِنَ السُّنَّةِ[39] حَدِيثُ جِبْرِيل الْمَشْهُورُ، عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رضي الله عنه قَالَ: بَيْنَمَا نَحْنُ جُلُوسٌ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، ذَاتَ يَوْمٍ، إِذْ طَلَعَ عَلَيْنَا رَجُلٌ شَدِيدُ بَيَاضِ الثِّيَابِ شَدِيدُ سَوَادُ الشَّعْرِ، لَا يُرَى عَلَيْهِ أَثَرُ السَّفَرِ، وَلَا يَعْرِفُهُ مِنَّا أَحَدٌ، حَتَّى جَلَسَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ، فَأَسْنَدَ رُكْبَتَيْهِ إِلَى رُكْبَتَيْهِ، وَوَضَعَ كَفَّيْهِ عَلَى فَخِذَيْهِ، وَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ! أَخْبِرْنِي عَنِ الإِسْلَامِ؟ فَقَالَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ: «الإِسْلَامُ: أَنْ تَشْهَدَ أَنْ لَا إِلَهَ إلَّا اللَّهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، وَتُقِيمَ الْصَّلَاةَ، وَتُؤْتِيَ الْزَّكَاةَ، وَتَصُومَ رَمَضَانَ، وَتَحُجَّ الْبَيْتَ إِنْ اسْتَطَعْتَ إِلَيْهِ سَبِيلًا» قَالَ: صَدَقْتَ، قَالَ: فَعَجِبْنَا لَهُ يَسْأَلُهُ وَيُصَدِّقُهُ. [39]وهذا الدَّليلُ من السُّنَّة على مراتب الدِّين الثلاثة: الإسلام، والإيمان، والإحسان وأمارات الساعة وعلاماتها لم يُلعِّق عليه سماحته في هذا الشرح.

قَالَ: فَأَخْبِرْنِي عَنِ الإِيمَانِ؟ قَالَ: «أَنْ تُؤْمِنَ بِاللَّهِ، وَمَلَائِكَتِهِ، وَكُتُبِهِ، وَرُسُلِهِ، وَالْيَوْمِ الآخِرِ، وَتُؤْمِنَ بِالْقَدَرِ خَيْرِهِ وَشَرِّهِ» قَالَ: صَدَقْتَ.

قَالَ: فَأَخْبِرْنِي عَنِ الإِحْسَانِ؟ قَالَ: «أَنْ تَعْبُدَ اللَّهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ، فَإِنَّهُ يَرَاكَ» قَالَ: فَأَخْبِرْنِي عَنِ السَّاعَةِ؟ قَالَ: «مَا المَسْؤُولُ عَنْهَا بِأَعْلَمَ مِنَ السَّائِلِ» قَالَ: فَأَخْبِرْنِي عَنْ أَمَارَاتِهَا؟ قَالَ: «أَنْ تَلِدَ الأَمَةُ رَبَّتَهَا، وَأَنْ تَرَى الْحُفَاةَ الْعُرَاةَ، الْعَالَةَ رِعَاءَ الشَّاء، يَتَطَاوَلُونَ فِي الْبُنْيَانِ» قَالَ: ثُمَّ انْطَلَقَ فَلَبِثْتُ مَلِيًّا، فَقَالَ: «يَا عُمَرُ! أَتَدْرِي مَنِ السَّائِلُ؟ قُلْتُ: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. قَالَ: «هَذَا جِبْرِائيلُ أَتَاكُمْ يُعَلِّمُكُمْ أَمْرَ دِينَكُمْ»[40] ». [40]أخرجه مسلم في «صحيحه» أول حديث في كتاب الإيمان، برقم (8).

قال الشارح:

الإيمانُ: هو ما يتعلَّقُ بالقلوبِ من التصديق باللَّهِ، وأنَّه ربُّ العالَمِينَ، وأنَّه هو المُستَحِقُّ للعبادةِ، والتَّصديقِ بالملائكةِ، وبالكتبِ، وبالرُّسلِ، وبالبعثِ بعدَ الْمَوْتِ، والجنَّةِ والنَّارِ، وبالقَدَرِ خيرِهِ، وشرِّهِ.

كُلُّ هذا يَتعلَّقُ بالقلوبِ، فهو أصلٌ مِن الأصولِ الَّتِي لا بُدَّ منها، فلا إسلامَ إلَّا بإيمانٍ، ولا إِيمانَ إلَّا بإسلامٍ، فَلَا بُدَّ من هذا، وهذا، لا بدَّ من إسلامِ الجوارحِ، ولا بُدَّ من إسلامِ القلوبِ، وإيمانِهَا؛ ولهذا جَمَعَ اللَّهُ بَيْنَ الأَمرَيْنِ فِي كتابِهِ العظيمِ، وهكذا الرسولُ ﷺ ذَكَرَهُمَا جَمِيعًا.

فالإسلامُ: هو الانقيادُ الظَّاهرُ بطاعةِ اللَّهِ وتركِ مَعصيَتِهِ، والإيمانُ يَشملُ الأَعمالَ الباطنةَ مِما يَتَعلَّقُ بالقلوبِ وتصديقِهَا، وَيُطلقُ الإسلامُ على الإيمانِ، ويطلق الإيمانُ على الإسلامِ.

فإذا قيل: الإيمانُ: عَمَّ الجميعَ، وإذا قيل: الإسلامُ: عَمَّ الجميعَ أيضًا، قال تعالى: ﴿إِنَّ ٱلدِّينَ عِندَ ٱللَّهِ ٱلۡإِسۡلَٰمُ...﴾ [آل عِمرَان: 19] فيَعُمَّ مَا يَتَعلَّقُ بالباطنِ والظَّاهرِ.

وهكذا الإيمانُ إذا أُطلِقَ عَمَّ الجميعَ؛ لقولِهِ ﷺ فِي الحديثِ الصَّحيحِ: «الإِيمَانُ: بِضْعٌ وَسَبْعُونَ شُعْبَةً، فَأَفْضَلُهَا قَوْلُ: لَا إِلَهَ إلَّا اللَّهُ، وَأَدْنَاهَا إِمَاطَةُ الأَذَى عَنِ الطَّرِيقِ»[41]. [41]سبق تخريجه ف (ص 50).

فالإيمان هُنَا يَعُمُّ الجميعَ، فَيَعُمُّ أركانَ الإسلامِ، ويَعُمُّ جميعَ الأعمالِ الظَّاهرةِ، كَمَا يَعُمُّ الباطنةَ، كَمَا أنَّهُ يشملُ الإحسانَ.

أمَّا الإحسانُ: فهو إكمالُ العبادةِ ظاهرًا وباطنًا، وهو أن تَعْبُدَ اللَّهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ، فَإِنَّهُ يَرَاكَ، فَمَنْ عَبَدَ اللَّهَ على هذا الاستحضارِ، فقد أدْركَ مرتبةَ الإحسانِ، واجتمعَ لهُ الخيرُ كُلُّه، كَمَا قَالَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ مَعَ ٱلَّذِينَ ٱتَّقَواْ وَّٱلَّذِينَ هُم مُّحۡسِنُونَ 128﴾ [النّحل: 128]، وقَالَ عز وجل: ﴿...إِنَّ رَحۡمَتَ ٱللَّهِ قَرِيبٞ مِّنَ ٱلۡمُحۡسِنِينَ﴾ [الأعرَاف: 56] والآياتُ فِي هَذَا الْمَعْنَى كَثِيرَةٌ.

الأصل الثَّالث: معرفة العبد نبيَّه ﷺ

قال المؤلف:

«الأَصْلُ الثَّالِثُ: مَعْرِفَةُ نَبِيِّكُمْ مُحَمَّد ﷺ، وَهُوَ مُحَمَّدُ بنُ عَبْدِ اللَّهِ بنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ بنُ هَاشِمٍ، وَهَاشِمٌ مِنْ قُرَيْشٍ، وَقُرَيْشٌ مِن الْعَرَبِ، وَالْعَرَبُ مِن ذُرِيَّةِ إِسْمَاعِيلَ بنِ إِبْرَاهِيمَ الخَلِيلِ، عَلَيْهِ وَعَلَى نَبِيِّنَا أَفْضَلُ الصَّلَاةِ والسَّلامِ.

وَلَهُ مِن الْعُمُرِ ثَلَاثٌ وَستُونَ سَنَّةً، مِنْهَا أَرْبَعُونَ قَبْلَ النُّبُوَةِ، وَثَلَاثٌ وَعُشرُون نَبِيًّا وَرَسُولًا، نُبِأَ بـ ﴿ٱقۡرَأۡ﴾ [العَلق: 1] وَأُرْسِلَ بـ ﴿الْمُدَّثِّرُ﴾ [المدَّثِّر: 1] وَبَلَدُهُ مَكَةُ، بَعَثَهُ اللَّهُ بِالنِّذَارَةِ عَنِ الشِّرْكِ، وَيَدْعُوا إِلَى التَّوحِيدِ، والدَّلِيلُ قَولُهُ تَعَالَى: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلۡمُدَّثِّرُ 1 قُمۡ فَأَنذِرۡ 2 وَرَبَّكَ فَكَبِّرۡ 3 وَثِيَابَكَ فَطَهِّرۡ 4 وَٱلرُّجۡزَ فَٱهۡجُرۡ 5 وَلَا تَمۡنُن تَسۡتَكۡثِرُ 6 وَلِرَبِّكَ فَٱصۡبِرۡ 7﴾ [المدَّثِّر: 1-7].

ومعنى ﴿قُمۡ فَأَنذِرۡ 2﴾: يُنْذِرُ عَنِ الشِّرْكِ، وَيَدْعُو إِلَى التَّوْحِيدِ، ﴿وَرَبَّكَ فَكَبِّرۡ 3﴾ أي: عَظِّمْهُ بِالتَّوْحِيدِ ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرۡ 4﴾ أَيْ: طَهِّرْ أَعْمَالَكَ مَن الشِّركِ ُ ﴿وَٱلرُّجۡزَ فَٱهۡجُرۡ 5﴾ الرُّجْزَ: الأَصْنَامُ، وَهَجْرُهَا تَرْكُهَا وَأَهْلِهَا والبراءَةُ مِنهَا وأهلِهَا.

أَخَذَ عَلَى هَذَا عَشرَ سِنِينَ يَدعُو إِلَى التَّوحِيدِ، وَبَعْدَ الْعَشْرِ عُرِجَ بِهِ إِلَى السَّمَاءِ، وَفُرِضَتْ عَلَيْهِ الصَّلَوَاتُ الْخَمْسُ[42] وَصَلَّى فِي مَكَّةَ ثَلَاثَ سِنِينَ، وَبَعْدَهَا أُمِرَ بِالْهِجْرَةِ إِلَى الْمَدِينَةِ. [42]أخرجه عن أنس بن مالك رضي الله عنه البخاري، برقم (349) ومسلم، برقم (163).

«والهِجْرَةُ: الانْتِقَالُ مِنْ بَلِدِ الشِّرْكِ إلَى بَلِدِ الإِسْلَامِ[43]، والهِجْرَةُ فَرِيْضَةٌ عَلَى هَذِه الأُمَّةِ مِنْ بَلِدِ الشِّرْكِ إِلَى بَلِدِ الإِسْلَامِ، وَهِيَ بَاقِيَةٌ إِلَى أَنْ تَقُوْمَ السَّاعَةُ. [43]هذا تعريف الهجرة شرعًا وهي في اللَّغة: الترك والخروج من أرض إلى أخرى. ينظر: «القاموس المحيط» للفيروزآيادي، مادة: [هجر] باب الراء فصل الهاء، (2/460).

والدَّليلُ: قوله تعالى: ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ تَوَفَّىٰهُمُ ٱلۡمَلَٰٓئِكَةُ ظَالِمِيٓ أَنفُسِهِمۡ قَالُواْ فِيمَ كُنتُمۡۖ قَالُواْ كُنَّا مُسۡتَضۡعَفِينَ فِي ٱلۡأَرۡضِۚ قَالُوٓاْ أَلَمۡ تَكُنۡ أَرۡضُ ٱللَّهِ وَٰسِعَةٗ فَتُهَاجِرُواْ فِيهَاۚ فَأُوْلَٰٓئِكَ مَأۡوَىٰهُمۡ جَهَنَّمُۖ وَسَآءَتۡ مَصِيرًا 97 إِلَّا ٱلۡمُسۡتَضۡعَفِينَ مِنَ ٱلرِّجَالِ وَٱلنِّسَآءِ وَٱلۡوِلۡدَٰنِ لَا يَسۡتَطِيعُونَ حِيلَةٗ وَلَا يَهۡتَدُونَ سَبِيلٗا 98 فَأُوْلَٰٓئِكَ عَسَى ٱللَّهُ أَن يَعۡفُوَ عَنۡهُمۡۚ وَكَانَ ٱللَّهُ عَفُوًّا غَفُورٗا 99﴾ [النِّسَاء: 97-99]، وقوله تعالى: ﴿يَٰعِبَادِيَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ إِنَّ أَرۡضِي وَٰسِعَةٞ فَإِيَّٰيَ فَٱعۡبُدُونِ 56﴾ [العَنكبوت: 56].

قال البغوي رحمه الله[44]: سبب نزول هذه الآية في المسلمين الَّذين في مكة لم يهاجروا، ناداهم اللَّه باسم الإيمان[45]. [44]هو: أبو محمَّد الحسين بن مسعود بن محمّد الإمام الفقيه المجتهد محي السُّنَّة، صاحب «معالم التنزيل» في التفسير، و«شرح السُّنَّة» و«التهذيب، والمصباح» في الحديث، وغير ذلك، من التصانيف النافعة، مات بمرو الروز في شوال سنة [516 هـ] عن ثمانين سنة، ينظر: ترجمته في «طبقات الحفاظ» للسيوطي (1/456، 457) ترجمة رقم (1027). [45]ينظر: «معالم التنزيل» للبغوي (2/273).

والدَّليلُ على الهجرة من السُّنَّة، قوله ﷺ: «لَا تَنْقَطِعُ الْهِجْرَةُ حَتَّى تَنْقَطِعَ الْتَّوْبَةُ، وَلَا تَنْقَطِعُ الْتَّوْبَةُ حَتَّى تَطْلُعُ الْشَّمْسُ مِنْ مَغْرِبِهَا»[46]. [46]أخرجه من حديث معاوية رضي الله عنه أبو داود، برقم (2479).

قال الشارح:

هذا هو الأصلُ الثالثُ: وهو معرفةُ نبيِّنا محمَّدٍ ﷺ، فعلى الإنسانِ أن يَعرِفَ نبيَّه الَّذي أَرْسلَه اللَّهُ إليه، وبَلَّغَه الرِّسالةَ، وبَيَّنَ لَه الشَّرائعَ الَّتي أَمَرَهُ اللَّهُ بها، وَأَوْضَحَ لَهُ العِبادةَ الَّتي خلَقَنا اللَّهُ لَهَا.

هذا النَّبِيُّ هو: مُحَمَّدٌ عليهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، خاتمُ الأَنبياءِ ورسولُ اللَّهِ لِهَذِهِ الأُمَّةِ مِن الجنِّ والإِنسِ، أَرْسَلَهُ اللَّهُ للنَّاسِ جَمِيعًا، قَالَ تَعَالَى: ﴿قُلۡ يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِنِّي رَسُولُ ٱللَّهِ إِلَيۡكُمۡ جَمِيعًا...﴾ [الأعرَاف: 158]، وقال سبحانه: ﴿وَمَآ أَرۡسَلۡنَٰكَ إِلَّا كَآفَّةٗ لِّلنَّاسِ بَشِيرٗا وَنَذِيرٗا...﴾ [سَبَإ: 28].

فاسمُه محمَّدٌ، واسمُه أحمدُ، واسمُه الحاشرُ، والماحي[47]، والْمُقَفَّي؛ لأَنَّهُ خَاتَمُ الأَنبياءِ وهو نَبِيُّ التَّوبةِ، ونَبِيُّ الرَّحْمَةِ[48]، ونَبِيُّ الْمَلْحَمَةِ[49]. هَذِهِ كُلُّهَا أسماؤُه عليهِ الصَّلاةُ والسلامُ؛ لكنْ أشهرُهَا وأفضلُهَا وأعظمُها مُحَمَّدٌ، الَّذِي سَمَّاهُ بِهِ أَهْلُه، وَجَاءَ بِهِ الْقُرآنُ، قَالَ تَعَالَى: ﴿مُّحَمَّدٞ رَّسُولُ ٱللَّهِۚ...﴾ [الفَتْح: 29] [50]. [47]أخرجه من حديث جبير بن مطعم وفيهما اسم خامس وهو «العاقب» البخاري، برقم (3532) ومسلم، برقم (2354). [48]أخرجه من حديث أبي موسى الأشعري رضي الله عنه مسلم، برقم (2355). [49]أخرجه من حديث أبي موسى الأشعري رضي الله عنه الإمام أحمد (4/404 برقم 19637). [50]ورد اسم محمد صلى الله عليه وسلم في القرآن في أربعة مواضع: الأول: في قوله تعالى: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٞ...﴾ [آل عِمرَان: 144]. الثاني: ﴿مَّا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَآ أَحَدٖ مِّن رِّجَالِكُمۡ...﴾ [الأحزَاب: 40]. الثالث: قوله تعالى: ﴿... وَءَامَنُواْ بِمَا نُزِّلَ عَلَىٰ مُحَمَّدٖ وَهُوَ ٱلۡحَقُّ مِن رَّبِّهِمۡ...﴾ [محَمَّد: 2]. الرابع: في قوله تعالى: ﴿مُّحَمَّدٞ رَّسُولُ ٱللَّهِ...﴾ [الفَتْح: 29].

وَهَكَذَا أَحْمَدُ، كَمَا بَشَّرَ بِهِ عِيسَى: ﴿... وَمُبَشِّرَۢا بِرَسُولٖ يَأۡتِي مِنۢ بَعۡدِي ٱسۡمُهُۥٓ أَحۡمَدُ...﴾ [الصَّف: 6] فهو محمَّدٌ، وأبوهُ اسمُه عبدُ اللَّهِ، وجدُّه اسمه عبدُ المطلبِ، وعبدُالمطلبِ لَقَبٌ وإلَّا فاسمه شيبة، وأبو جدِّه اسمُه هاشمٌ، وهو سَيِّدٌ من ساداتِ قريشٍ، كَمَا أنَّ عبدَ المطلبِ كَذَلِكَ.

وهاشمٌ من قريشٍ، وقريشٌ قَبيلة عظيمة، وهي أفضلُ العربِ، والنَّبِيُّ ﷺ من خَاصَّتِهم، من بني هاشمٍ، وبنُو هاشم خَاصَّةُ قريشٍ، وهم أفضلُ قريشٍ: واسمُه فِهْرُ بنُ مَالِكٍ.

وقيلَ: قريشٌ هو النَّضْرُ بنُ كِنَانَةَ جَدُّ فِهْر بنُ مَالِكٍ، وقريشٌ مِن العربِ الْمُسْتَعْرِبَةِ الَّتِي استَعرَبَ لِسَانُهَا، فصارَ لَهَا لَسَانٌ عَرَبِيٌّ وَاضِحٌ، فَهِيَ أَكْثَرُ عُرُوبَةً مِن قَحْطَانَ؛ ولهذا يُقالُ لَهم: العربُ العاربة، والعرب الْمُستعرِبةُ، وهُم مِن ذُرِيَّةِ إِسْمَاعِيلَ بنِ إِبْرَاهِيمَ الْخَلِيلِ _ت.

وهذا النَّبيُّ العظيمُ، وهو مُحَمَّدٌ ﷺ نُبِّئَ بـ ﴿ٱقۡرَأۡ﴾ [العَلق: 1] فَأَولُ مَا نَزَلَ عَلَيْهِ: ﴿ٱقۡرَأۡ بِٱسۡمِ رَبِّكَ ٱلَّذِي خَلَقَ 1﴾ [العَلق: 1] وَصَارَ بِهَا نَبِيًّا، وقَد أتاهُ جِبْرِيلُ، وهو فِي الغارِ، غارِ حِرَاءٍ، فَأَقْرَأَهُ هَذِهِ السُّورَةِ[51]. [51]فقد ورد في الصَّحيحين عن عائشة رضي الله عنها في قصة كيفية بدء الوحي عليه صلى الله عليه وسلم أخرجه البخاري، برقم (3) ومسلم، برقم (160).

ثُمَّ بعدَ مُدَّةٍ يَسِيرَةٍ جَاءَهُ بِالْمُدَّثِّرُ[52]، فَصَارَ رَسُولًا بِقَوْلِهِ: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلۡمُدَّثِّرُ 1 قُمۡ فَأَنذِرۡ2﴾ [المدَّثِّر: 1-2] والْمُدَّثِّرُ: الْمُلْتَحِفُ؛ لأَنَّهُ بعدَ مَا جَاءَهُ الوحي، اشْتَدَّ عليه الأمرُ، وقَاَل: زَمِلُونِي، زَمِلُونِي.. دَثِرُونِي، دَثِرُونِي.. مِنْ شِدَّةِ مَا أَصَابَهُ مِن الخوفِ لَمَّا ضَغَطَ عليه جَبْرَائِيلُ عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ مراتٍ. [52]أخرجه من حديث جابر رضي الله عنه البخاري، برقم (4) ومسلم، برقم (161).

ثُمَّ قَالَ: اقْرَأْ، تَمْهِيدًا لأَعْبَاءِ الرِّسَالَةِ وَعَظَمَتِهَا، ثُمَّ قَالَ اللَّهُ: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلۡمُدَّثِّرُ 1 قُمۡ فَأَنذِرۡ2﴾ [المدَّثِّر: 1-2] أَيْ: قُمْ فَأَنْذِرِ النَّاسَ، فَصَارَ رَسُولًا بِأَمْرِهِ بِالنِّذَارَةِ: ﴿وَرَبَّكَ فَكَبِّرۡ3﴾ أَيْ: عَظِّمْهُ بِالتَّوْحِيدِ ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرۡ4﴾ أَيْ: طَهِّرْ أَعْمَالَكَ مِن الشِّرْكِ؛ لأَنَّ تَطْهِيرَ الْمَلَابِسِ غَيرُ مُرَادِهِ فِي هَذَهِ الآيَةِ؛ لأَنَّ الصَّلَاةَ لَمْ تُفْرَضْ فِي ذَلِكَ الوَقْتِ، فَالمُرَادُ هُنَّا الأَعْمَالُ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿...وَلِبَاسُ ٱلتَّقۡوَىٰ ذَٰلِكَ خَيۡرٞ...﴾ [الأعرَاف: 26] فَالْعَمَلُ يُسَمَّى لِبَاسًا.

الرُّجزُ: الأَصْنَامُ، وَهَجْرُهَا تَرْكُهَا، وَالْبَرَاءَةُ مِنْهَا وَأَهْلِهَا، أَخَذَ عَلَى هَذَا الأَمرِ عَشْرَ سِنِينَ، يَدعُو إِلَى التَّوحِيدِ، وَيُحَذِّرُ مِن الشِّرْكِ، وَيَأْمُرُ بِخَلْعِ عِبَادَةِ مَا سِوَى اللَّهِ سُبْحَانَهُ، وَتَرْكِ عِبَادَةِ الأَصْنَامِ وَالأَوْثَانِ، وَيَأْمُرُهُمْ أَنْ يَخُصُّوا اللَّهَ بِالعبادَةِ فِي دُعَائِهِمْ وَنَذْرِهِمْ وَذَبَائِحِهِمْ وَغَيْرِ ذَلِكَ.

ثُمَّ بَعدَ العَشْرِ عُرِجَ[53] بِهِ ﷺ إِلَى السَّمَاءِ مَعَ جَبْرَائِيلَ _ج، وَفُتِحَتْ لَهُ السَّمَوَاتُ إِلَى مَوضعٍ رَفيعٍ فوقَ السَّمَاءِ السَّابِعةِ، حَتَّى سَمِعَ فِيهِ صَرِيفَ الأَقْلَامِ، ثُمَّ نَادَاهُ اللَّهُ جَلَّ وَعَلا وَكَلَّمَهُ وَفَرَضَ عَلَيْهِ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسَ، فَرَضَهَا خَمْسِينَ صَلَاةً، ثُمَّ لَمْ يَزَلْ يَطْلُبُهُ التَّخْفِيفَ حَتَّى جَعَلَهَا اللَّهُ خَمْسًا. [53]العروج هو الصُّعود إلى الأعلى، عرج إذا صعد إلى العلو، بدرج وعجوه ومنه المعارج، المصاعد أو الفواصل الَّتي تصعد بها الملائكة إلى السَّماء. ينظر: «النهاية في غريب الحديث والأثر» لابن الأثير، مادة: [عرج] باب العين فصل الراء (ص 602).

فَقَالَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ: هِيَ خَمْسٌٌ فِي العَدَدِ، وَهِيَ خَمْسُونَ فِي أُمِّ الْكِتَابِ[54]، فَمَنْ حَافَظَ عَلَى الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ وَأَدَّاهَا، كَتَبَ اللَّهُ لَهُ أَجْرَ خَمْسِينَ، فَالْحَسَنَةُ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا. [54]أخرجه عن أنس رضي الله عنه البخاري، برقم (7517) ومسلم، برقم (162).

فَنَزَلَ بِذَلِكَ عليهِ الصَّلَاةُ والسَّلَامُ، فَاسْتَقَرَّتْ الصَّلاةُ خَمْسَ صَلَوَاتٍ فِي الْيَوْمِ وَالْلَيْلَةِ: الظهرُ، والعصرُ، والمغربُ، والعشاءُ، والفجرُ، وَصَلاَّهَا فِي مَكَّةَ ثَلَاثَ سِنِينَ قَبْلَ أَنْ يُهَاجِرَ.

ثُمَّ هَاجَرَ إِلَى المَدِينَةِ بَعْدَ مَا اشْتَدَّ عَلَيْهِ أَذَى قُريشٍ لَهُ ولأصحابِهِ، فَأَذِنَ اللَّهُ لَهُ بِالْهِجْرَةِ مِن مَكَّةَ؛ لأَجْلِ أَذَى وَظُلْمِ قُريشٍ، إِلَى الْمَدِينَةِ إِلَى الأَنْصَارِ، وقَدْ بَايَعُوهُ فِي مُوسِمْ الْحَجِّ عَلَى أَنْ يَنْتَقِلَ إِلَيْهِمْ وَيَنْصُرُوهُ رضي الله عنهم وَأَرْضَاهُمْ[55]. [55]ينظر: سيرة ابن هشام (1/447)، والسيرة النبوية لابن كثير (٢/289،215،209،192)، والبداية والنهاية لابن كثير (3/203،192)، ومختصر سيرة الرسول لمحمد التميمي (ص ١٧٤).أخرجه من حديث جابر رضي الله عنهما الإمام أحمد (3/322، 323). قال ابن كثير: هذا إسناد جيِّد على شرط مسلم، ولم يخرجوه «البداية والنهاية» (4/399).

فَلمَّا تَمَّتْ البَيْعةُ، وَأَذِنَ اللَّهُ لَهُ بِالْهِجرةِ هَاجَرِ إِلَيْهِمْ، وَكَانَ بعضُ أصحابِهِ قَدْ هَاجَرَ قَبلَ ذَلِكَ إلى الحبشةِ، ومَكثُوا عندَ النَّجَاشِيِّ مُدَّةً، ثُمَّ هاجَرَ بَقِيَتُهُم إلى المدينةِ، فَلمَّا اسْتَقَرَّ بِالْمدينةِ جَاءَ الَّذِينَ فِي الْحَبشةِ إِلَى الْمَدينةِ، واسْتَقَرَّ الجميعُ فِي الْمَدينةِ، والحمدُ للَّهِ[56] [56]ولمعرفة المزيد من أحكام الهجرة. ينظر: «مجموع فتاوى ومقالات متنوعة» لسماحته (9/44،299،402، و18/119، 27/328).

قال المؤلف:

«فلما استقر في المدينة أُمر ببقية شرائع الإسلام، مثل الزَّكاة، والصَّوم، والحج، والأذان، والجهاد، والأمر بالمعروف، والنَّهي عن المنكر، وغير ذلك من شرائع الإسلام.

أخذ على هذا عشر سنين، وبعدها توفي، صلوات اللَّه وسلامه عليه، ودينه باقٍ، وهذا دينه لا خير إلَّا دل الأمة عليه، ولا شر إلَّا حذرها منه، والخير الَّذي دلها عليه التَّوحيد، وجميع ما يُحبّه اللَّه ويرضاه، والشَّرِّ الَّذي حذرها منه الشِّرك، وجميع ما يكرهه اللَّه ويأباه.

بعثه اللّه إلى النَّاس كافة، وافترض طاعته على جميع الثقلين: الجن والإنس، والدَّليلُ: قوله تعالى: ﴿قُلۡ يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِنِّي رَسُولُ ٱللَّهِ إِلَيۡكُمۡ جَمِيعًا...﴾ [الأعرَاف: 158].

وكمل اللَّه به الدِّين، والدَّليلُ قوله تعالى: ﴿...ٱلۡيَوۡمَ أَكۡمَلۡتُ لَكُمۡ دِينَكُمۡ وَأَتۡمَمۡتُ عَلَيۡكُمۡ نِعۡمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ ٱلۡإِسۡلَٰمَ دِينٗاۚ...﴾ [المَائدة: 3].

والدَّليلُ على موته ﷺ قوله تعالى: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٞ وَإِنَّهُم مَّيِّتُونَ30 ثُمَّ إِنَّكُمۡ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ عِندَ رَبِّكُمۡ تَخۡتَصِمُونَ31﴾ [الزُّمَر: 30-31].

والنَّاس إذا ماتوا يبعثون، والدَّليلُ قوله تعالى: ﴿مِنۡهَا خَلَقۡنَٰكُمۡ وَفِيهَا نُعِيدُكُمۡ وَمِنۡهَا نُخۡرِجُكُمۡ تَارَةً أُخۡرَىٰ 55﴾ [طه: 55]، وقوله تعالى: ﴿وَٱللَّهُ أَنۢبَتَكُم مِّنَ ٱلۡأَرۡضِ نَبَاتٗا17 ثُمَّ يُعِيدُكُمۡ فِيهَا وَيُخۡرِجُكُمۡ إِخۡرَاجٗا18﴾ [نُوح: 17-18].

وبعدَ البعثِ مُحاسبون ومجزيُّونَ بأعمالهم، والدَّليلُ قولُه تعالى: ﴿وَلِلَّهِ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلۡأَرۡضِ لِيَجۡزِيَ ٱلَّذِينَ أَسَٰٓـُٔواْ بِمَا عَمِلُواْ وَيَجۡزِيَ ٱلَّذِينَ أَحۡسَنُواْ بِٱلۡحُسۡنَى31﴾ [النّجْم: 31].

ومن كذَّبَ بالبعث كفر، والدَّليلُ قوله تعالى: ﴿زَعَمَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوٓاْ أَن لَّن يُبۡعَثُواْۚ قُلۡ بَلَىٰ وَرَبِّي لَتُبۡعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِمَا عَمِلۡتُمۡۚ وَذَٰلِكَ عَلَى ٱللَّهِ يَسِيرٞ 7﴾ [التّغَابُن: 7]».

قال الشارح:

فلما استقر في المدينة بعد الهجرة أمره اللَّه ببقية شرائع الإسلام من الزَّكاة، وصيام رمضان، وحجِّ البيت، والجهاد، والأمر بالمعروف، والنَّهي عن المنكر؛ لأنَّ المدينة صارت دار إسلام، وهي العاصمة الأولى للمسلمين، فلهذا أمروا بهذه الأمور؛ لأنَّهم يتمكنون حينئذ من الأمر بالمعروف، والنَّهي عن المنكر، وهذا من رحمة اللَّه عز وجل، أنْ أَجَّلَ هذه الواجبات إلى أنْ هاجر إلى المدينة.

وكان أصل الزَّكاة مشروعًا في مكة، كما قال تعالى في سورة الأنعام، وهي مكية: ﴿...وَءَاتُواْ حَقَّهُۥ يَوۡمَ حَصَادِهِۦ...﴾ [الأنعَام: 141].

ولكن أنصباؤها ومصارفها وتفاصيل أحكامها، كُلُّ هذا صار في المدينة، وهكذا صيام رمضان شُرِعَ في السَّنة الثَّانية من الهجرة.

وهكذا الحجُّ شُرِعَ في السَّنة التَّاسعة أو العاشرة من الهجرة، وأنزل اللَّه فيه: ﴿...وَلِلَّهِ عَلَى ٱلنَّاسِ حِجُّ ٱلۡبَيۡتِ مَنِ ٱسۡتَطَاعَ إِلَيۡهِ سَبِيلٗاۚ...﴾ [آل عِمرَان: 97] في سورة آل عمران، وهي مدنية.

وهكذا الجهاد أمر به في المدينة، وكان في أوَّل الأمر يجاهد من جاهده، ويكف عن مَنْ كَفَّ عنه، ثُمَّ أُمِرَ بأن يبدأهم بالقتال، وأن يجاهد الكُفَّار، وإن لم يبدأوا، فيدعوهم إلى اللَّه ويرشدهم إليه، فإنْ أجابوا، وإلَّا قاتلهم حتَّى يستجيبوا للحقِّ إلَّا أهل الكتاب، فإنَّه يقبل منهم الجزية.

وسَنَّ اللَّه في المجوس سُنَّة أهل الكتاب، إمَّا إسلام، وإمَّا جزية، وأمَّا بقية الكفرة إمَّا الإسلام، وإمَّا السيف مع القدرة.

وبعد ما أكمل اللَّه به الدِّين، وأتم به النِّعمة كما قال اللَّه تعالى: ﴿...ٱلۡيَوۡمَ أَكۡمَلۡتُ لَكُمۡ دِينَكُمۡ وَأَتۡمَمۡتُ عَلَيۡكُمۡ نِعۡمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ ٱلۡإِسۡلَٰمَ دِينٗا...﴾ [المَائدة: 3]، توفاه اللَّه إليه بعد عشر سنين من الهجرة، بعد ما بَلَّغَ البلاغ المبين، وأكمل اللَّه به الدِّين، وأتم به النِّعمة، وقال جلَّ وعلا: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٞ وَإِنَّهُم مَّيِّتُونَ30 ثُمَّ إِنَّكُمۡ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ عِندَ رَبِّكُمۡ تَخۡتَصِمُونَ31﴾ [الزُّمَر: 30-31].

والنَّاسُ إذَا مَاتُوا يُبعثون، كما قال تعالى: ﴿وَٱللَّهُ أَنۢبَتَكُم مِّنَ ٱلۡأَرۡضِ نَبَاتٗا 17 ثُمَّ يُعِيدُكُمۡ فِيهَا وَيُخۡرِجُكُمۡ إِخۡرَاجٗا 18﴾ [نُوح: 17-18]، وقال سبحانه: ﴿زَعَمَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوٓاْ أَن لَّن يُبۡعَثُواْۚ قُلۡ بَلَىٰ وَرَبِّي لَتُبۡعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِمَا عَمِلۡتُمۡۚ وَذَٰلِكَ عَلَى ٱللَّهِ يَسِيرٞ7﴾ [التّغَابُن: 7]، وقال سبحانه: ﴿وَلِلَّهِ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلۡأَرۡضِ لِيَجۡزِيَ ٱلَّذِينَ أَسَٰٓـُٔواْ بِمَا عَمِلُواْ وَيَجۡزِيَ ٱلَّذِينَ أَحۡسَنُواْ بِٱلۡحُسۡنَى31﴾ [النّجْم: 31].

فهم مُحَاسَبُونَ ومَجْزِيُّونَ يوم القيامة، ويعطون كتبهم بأيمانهم وشمائلهم، فالسَّعيدُ يُعطى كتابه بيمينه، والشَّقيُّ يعطى كتابه بشماله.

السَّعيد: يرجح ميزانه، والكافر: يخف ميزانه، وأصحاب المعاصي على خطر، فقد يرجح ميزانهم بالتَّوبة، أو بعفو اللَّه سبحانه، أو بالحسنات، وقد يخف ميزانهم، فيكونون من أهل النَّار، فيعذَّبون فيها ما شاء اللَّه، ثُمَّ يخرجهم اللَّه من النَّار بسبب موتهم على الإسلام.

فالواجب على كل مُكلَّف أن يحذر سيِّئات العمل، وأن يلزم التَّوبة والاستقامة؛ لأنَّه لا يدري متى يهجم عليه الأجل، فالحزم كلّ الحزم أن يأخذ المسلم بالعزيمة، ويجاهد نفسه حتَّى يستقيم على الحقِّ، والتَّوبة النَّصوح من جميع الذُّنوب، حتَّى إذا هجم عليه الأجل إذا هو على خير عمل، وعلى استقامة، فيفوز بالسّ،عادة والنجاة يوم القيامة.

بيان ما بعث اللَّه به الرُّسُل عليهم السَّلام

قال المؤلف:

«وأرسل اللَّه جميع الرُّسل مبشرين ومنذرين، والدَّليلُ قوله تعالى: ﴿رُّسُلٗا مُّبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى ٱللَّهِ حُجَّةُۢ بَعۡدَ ٱلرُّسُلِ...﴾ [النِّسَاء: 165].

وَأَوَّلُهُمْ نُوحٌ عليه السلام وَآخِرُهُم مُحَمَّدٌ ﷺ، وهو خاتم النَّبِيِّين، والدَّليلُ على أن أولهم نوح قوله تعالى: ﴿إِنَّآ أَوۡحَيۡنَآ إِلَيۡكَ كَمَآ أَوۡحَيۡنَآ إِلَىٰ نُوحٖ وَٱلنَّبِيِّـۧنَ مِنۢ بَعۡدِهِۦ...﴾ [النِّسَاء: 163].

وكُلُّ أُمُّة بعث اللَّه إليهم رسولًا من نوح إلى محمَّدِ يأمرهم بعبادة اللَّه وحده، وينهاهم عن عبادة الطَّاغوت، والدَّليلُ قوله تعالى: ﴿وَلَقَدۡ بَعَثۡنَا فِي كُلِّ أُمَّةٖ رَّسُولًا أَنِ ٱعۡبُدُواْ ٱللَّهَ وَٱجۡتَنِبُواْ ٱلطَّٰغُوتَ...﴾ [النّحل: 36]، وافترض اللَّه على جميع العباد الكفر بالطَّاغوت، والإيمان باللَّه.

قال ابن القيم رحمه الله[57]: «معنى الطَّاغوت ما تجاوز به العبد حده من معبود أو متبوع أو مطاع[58]، والطَّواغيت كثيرون، ورؤوسهم خمسة: إبليس لعنه اللَّه، ومن عُبِدَ وهو راضٍ، ومن دعا النَّاس إلى عبادة نفسه، ومن ادعى شيئًا من علم الغيب، ومن حكم بغير ما أنزل اللَّه، والدَّليلُ قوله تعالى: ﴿لَآ إِكۡرَاهَ فِي ٱلدِّينِۖ قَد تَّبَيَّنَ ٱلرُّشۡدُ مِنَ ٱلۡغَيِّۚ فَمَن يَكۡفُرۡ بِٱلطَّٰغُوتِ وَيُؤۡمِنۢ بِٱللَّهِ فَقَدِ ٱسۡتَمۡسَكَ بِٱلۡعُرۡوَةِ ٱلۡوُثۡقَىٰ لَا ٱنفِصَامَ لَهَاۗ وَٱللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ 256﴾ [البَقَرَة: 256]. [57]هو محمَّد بن أبي بكر بن أيوب بن سعد الدمشقي الحنبلي أبو عبد اللَّه شمس الدين المشهور بابن قيم الجوزية، ولد في 7 صفر سنة [ 691هـ] له مؤلفات كثيرة مفيدة في الأصول والفروع، في العقائد والأحكام، توفي رحمه الله في دمشق في 13 رجب سنة [751هـ] ينظر: «ذيل طبقات الحنابلة» لابن رجب (2/447 - 452) و«البداية والنهاية» لابن كثير (14/234،235) و«شذرات الذهب» لابن العماد الحنبلي (6/168- 170). [58]ينظر: «إعلام الموقعين» لابن القيم (1/40).

وهذا هو معنى لَا إِلَهَ إلَّا اللَّهُ، وفي الحديث: «رَأسُ الأَمْرِ الإِسْلَامُ، وَعَمُودُهُ الصَّلَاةُ، وَذِرْوَةُ سَنَامِهِ الجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ»[59] واللَّه أعلم». [59]جزء من حديث معاذ رضي الله عنه أخرجه الترمذي، برقم (2616) وقال: «هذا حديث حسن صحيح» النسائي، برقم (11394)، وابن ماجه، (3973) والحديث صحيح، وقد سئل سماحة الشيخ عنه، فقال: «الحديث صحيح».

قال الشارح:

والرَّسُولُ ﷺ مُرْسَلٌ إلى جَمِيعِ النَّاسِ، إلى الجنِّ والإِنْسِ، كَمَا قَالَ تَعَالى: ﴿قُلۡ يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِنِّي رَسُولُ ٱللَّهِ إِلَيۡكُمۡ جَمِيعًا...﴾ [الأعرَاف: 158]، وقال تعالى: ﴿وَمَآ أَرۡسَلۡنَٰكَ إِلَّا كَآفَّةٗ لِّلنَّاسِ بَشِيرٗا وَنَذِيرٗا...﴾ [سَبَإ: 28]، وهو خاتم الأنبياء ليس بعده نبي.

وهكذا الرُّسل جميعًا أرسلوا إلى أُممهم مُبَشِّرِينَ ومُنْذِرِينَ، من أولِهم إلى آخرهم، فأولهم نُُُُوحٌ، بَعَثَه اللَّه تعالى لَمَّا وقَعَ الشِّرك في قومه.

وقبله آدم فَإنَّه نَبِيٌّ رسولٌ مُكَلَّفٌ، أَرْسَلَهُ اللَّهُ إلى ذريتِهِ؛ ليعبدوا اللَّهَ بالشَّريعةِ الَّتي جاءَ بِهَا أَبُوهُمْ آدم عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ، واستمرُّوا على الإسلامِ والاستقامةِ، حتَّى وقَعَ الشِّركُ فِي قومِ نُوحٍ، فَلمَّا وقَعَ الشِّركُ فِي قومِ نُوحٍ، أرسلَ اللَّهُ إليهِمْ نُوحًا عليه الصَّلاةُ والسلامُ، وهو أوَّلُ الرُّسُلِ إِلَى أَهلِ الأَرْضِ بعدَ وُقُوعِ الشِّركِ.

وَكُلُّ أُمًّةٍ بَعَثَ اللَّهُ إِلَيهِمْ رَسُولًا، فَعَادٌ أَرسَلَ اللَّهُ إليهِمْ هُودًا، ثُمَّ أرسلَ اللَّهُ صَالحًا إِلَى قَومِهِ ثَمُودَ، ثُمَّ أرسلَ إبراهيمَ، ولُوطًا، وشُعيْبًا، فِي زمانٍ مُتقَاربٍ.

ثُمَّ جَاءَتْ الرُّسُلُ بعدَ ذَلِكَ تَتْرًى، فَفِيهِم مُوسَى وهَارُونُ وعِيسَى وأَيُوبُ ودَاوُدُ وسُليمَانُ، ثُمَّ خُتِمُوا بِمُحَمَّدٍ عَلَيه الصَّلاةُ والسَّلامُ وقال تعالى: ﴿مَّا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَآ أَحَدٖ مِّن رِّجَالِكُمۡ وَلَٰكِن رَّسُولَ ٱللَّهِ وَخَاتَمَ ٱلنَّبِيِّـۧنَ...﴾ [الأحزَاب: 40]، وهو خاتمهم وآخرهم وأفضلهم عَلَيه الصَّلاةُ والسَّلامُ.

قَالَ اللَّهُ جَلَّ وَعَلا: ﴿رُّسُلٗا مُّبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى ٱللَّهِ حُجَّةُۢ بَعۡدَ ٱلرُّسُلِ...﴾ [النِّسَاء: 165]، فقوله: ﴿مُّبَشِّرِينَ﴾ يعني: يُبَشِّرُونَ من أطاعهم بالجنَّة، و ﴿وَمُنذِرِينَ﴾ يعني: يُنْذِرُونَ النَّاسَ مِن الشِّركِ بِاللَّهِ، وَمِنَ النِّارِ والعذابِ الأَليمِ، إذَا خَالَفُوا أَمرَ اللَّهِ.

وهكذا مُحَمَّدٌ ﷺ أرسلَهُ اللَّهُ بَشيرًا ونَذيرًا، كما قال تعالى: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ إِنَّآ أَرۡسَلۡنَٰكَ شَٰهِدٗا وَمُبَشِّرٗا وَنَذِيرٗا 45 وَدَاعِيًا إِلَى ٱللَّهِ بِإِذۡنِهِۦ وَسِرَاجٗا مُّنِيرٗا 46﴾ [الأحزَاب: 45-46].

فالواجبُ عَلَى جَميعِ الأُمَمِ اتِّبَاعُ رُسُلِهُم، فَكُّلُ أُمَّةٍ يَجِبُ عَليهَا أَنْ تَتبعَ رسولَها، وتَنقَادَ لِمَا جَاءَ بِهِ مِن الْهُدَى، وَقَدْ وعَدَهَا اللَّهُ على ذلك السَّعادةَ فِي الدُّنيَا والآخرةِ، وأكثرُ الخلقِ قَد عَصَوا رسلَهُم، وخَالَفُوا مَا جَاءَتْ بِهِ الرُّسلُ، قَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَآ أَكۡثَرُ ٱلنَّاسِ وَلَوۡ حَرَصۡتَ بِمُؤۡمِنِينَ103﴾ [يُوسُف: 103]، وقال تعالى: ﴿وَإِن تُطِعۡ أَكۡثَرَ مَن فِي ٱلۡأَرۡضِ يُضِلُّوكَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ...﴾ [الأنعَام: 116]، وقال تعالى: ﴿... وَقَلِيلٞ مِّنۡ عِبَادِيَ ٱلشَّكُورُ﴾ [سَبَإ: 13]، وقال تعالى: ﴿وَلَقَدۡ صَدَّقَ عَلَيۡهِمۡ إِبۡلِيسُ ظَنَّهُۥ فَٱتَّبَعُوهُ إِلَّا فَرِيقٗا مِّنَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ 20﴾ [سَبَإ: 20].

وكُلُّ رسولٍ يَدعُو أُمتَهُ إلى توحيدِ اللَّهِ، وطاعتِهِ، وتركِ الشِّركِ به ومعصيتِه، قال تعالى: ﴿وَلَقَدۡ بَعَثۡنَا فِي كُلِّ أُمَّةٖ رَّسُولًا أَنِ ٱعۡبُدُواْ ٱللَّهَ وَٱجۡتَنِبُواْ ٱلطَّٰغُوتَ...﴾ [النّحل: 36] ﴿ٱعۡبُدُواْ ٱللَّهَ﴾ يعني: أطيعوه، ووحِّدُوه، واستَقيمُوا على دينِه، واجتنبوا الطَّاغوتِ.

والطَّاغُوتُ: هو كُلُّ مَا عُبِدَ مِن دونِ اللَّهِ، وهُوَ رَاضٍ، وكُلُّ مَنْ حَكَمَ بغيرِ مَا أَنزَل اللَّهُ، أو دعَا إلى ذلك، والطَّاغوت: مأخوذ من الطُّغيان: وهو تَجَاوُزُ الْحَدِّ، يُقَالُ: طَغَى الماء إذَا جَاوَزَ الْحَدَّ[60]. [60]ينظر: «تهذيب اللغة» للأزهري (8/153)، و«لسان العرب» لابن منظور (15/9).

والطَّاغُوتُ: هُوَ الَّذِي يَتَجَاوَزُ الحدَّ، إمَّا بشركِه وكفرِه، وإمَّا بدعوتِه إلى ذلكَ، وشرُّهم ورأسُهم إبليسُ لعَنَه اللَّهُ، وهكذا كُلُّ مَن دَعَا إلى عبادةِ نفسِهِ، أو رضِيَ أنْ يُعبدَ مِن دونِ اللَّهِ كَفرعونَ والنَّمرُودِ، أو ادَّعى شَيئًا مِن عِلمِ الغيبِ، كالكهنةِ والعرَّافِينَ والسَّحَرَةِ فِي الجاهليَّةِ وفِي الإِسلامِ.

وكَذلِكَ مَن حَكَمَ بغيرِ مَا أَنْزَل اللَّهُ مُتَعَمِّدًا، فَهؤلاءِ رُؤوسُ الطَّوَاغِيتِ، وكُلُّ مَنْ جَاوَزَ الحَدَّ، وخَرَجَ عِن طَاعَةِ اللَّهِ، يُسَمَّى طَاغُوتًا.

قَالَ تَعَالَى: ﴿لَآ إِكۡرَاهَ فِي ٱلدِّينِۖ قَد تَّبَيَّنَ ٱلرُّشۡدُ مِنَ ٱلۡغَيِّۚ...﴾ [البَقَرَة: 256] فالرُّشدُ: الإسلامُ ومَا جَاءَ بِهِ النَّبِيُّ ﷺ، والْغَيُّ: الكفرُ بِاللَّهِ والضَّلالُ، قَالَ تَعَالَى: ﴿...فَمَن يَكۡفُرۡ بِٱلطَّٰغُوتِ وَيُؤۡمِنۢ بِٱللَّهِ فَقَدِ ٱسۡتَمۡسَكَ بِٱلۡعُرۡوَةِ ٱلۡوُثۡقَىٰ لَا ٱنفِصَامَ لَهَاۗ وَٱللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ 256﴾ [البَقَرَة: 256] فـ ﴿يَكۡفُرۡ بِٱلطَّٰغُوتِ﴾ يعني: يَتَبَرَّأ مِنْه، ويَعْتَقِد بُطلَانَه، فيَتَبَرَّأ مِن الشِّركِ، ﴿وَيُؤۡمِنۢ بِٱللَّهِ﴾ يعني: يُصَدِّقُ أَنَّ اللَّهَ مَعبُودُه، وإلهُه الحقّ، ويؤمن بِالشَّريعةِ، وبمحمَّدٍ عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ، ويَنْقَاد لِذَلِكَ، هَذَا هُوَ الْمُؤْمِنُ.

ثُمَّ قَالَ: ﴿فَقَدِ ٱسۡتَمۡسَكَ﴾ يعني: اسْتَعْصَمَ ﴿بِٱلۡعُرۡوَةِ ٱلۡوُثۡقَىٰ﴾ وهي: لَا إِلَهَ إلَّا اللَّه كلمةُ التَّوحِيدِ، يعني: فقد اسْتَمْسَكَ بالعروةِ الَّتي لا انقطاعَ لَهَا؛ بل مَن استمسك بها صادقًا، واستقامَ عَليهَا، وَصَلَ إِلَى الجنَّةِ والكرَامةِ؛ لأَنَّ لَهَا حُقُوقًا، وهي توحيدُ اللَّهِ، وطَاعتُه واتِّبَاعُ شَرِيعتِه.

ومحمَّدٌ ﷺ هو خاتمُ الأنبياءِ والمرسَلين، وهو رسولُ اللَّهِ إلى جميعِ أهلِ الأَرضِ، من الجنِّ والإنسِ، فيجبُ عَلى جميعِ الْمُكَلَّفِين طَاعتُه واتِّبَاعُ شَرِيعتِهِ، ولَا يَجُوزُ لأَحَدٍ الخروجُ عنهَا، وجَميعُ الشَّرائعِ الْمَاضيَّةِ كُلُّها نُسخَتْ بِشريعتِه عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿قُلۡ يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِنِّي رَسُولُ ٱللَّهِ إِلَيۡكُمۡ جَمِيعًا...﴾ [الأعرَاف: 158].

وقال قبلَها سُبحانَه: ﴿...فَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ بِهِۦ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَٱتَّبَعُواْ ٱلنُّورَ ٱلَّذِيٓ أُنزِلَ مَعَهُۥٓ أُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡمُفۡلِحُونَ﴾ [الأعرَاف: 157]، وقَالَ سُبحانَه: ﴿...وَمَن يَكۡفُرۡ بِهِۦ مِنَ ٱلۡأَحۡزَابِ فَٱلنَّارُ مَوۡعِدُهُۥ...﴾ [هُود: 17].

وقال عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ فِي الحديثِ الصَّحِيحِ: «وَالَّذِي نَفسِي بِيَدِهِ، لَا يَسْمَعُ بِي أَحَدٌ مِنْ هَذِهِ الأُمَّةِ يَهُودِيٌّ، وَلَا نَصْرَانِيٌ، ثُمَّ يَمُوتُ، وَلَمْ يُؤْمِنْ بِالَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ إلَّا كَانَ مِنْ أَهْلِ النَّارِ» أخرجه مسلم فِي صحيحه[61]. [61]من حديث أبي هريرة رضي الله عنه مسلم، برقم (153).

وَالآيَاتُ والأَحَادِيثُ فِي ذَلِكَ كَثِيرَةٌ، وقد أَجْمَعَ أهلُ العلمِ رَحِمَهم اللَّهُ عَلَى أَنَّهُ لَا يَسَعُ أَحَدًا مِن هذِهِ الأُمَّةِ الخُرُوجُ عَلَى شريعةِ مُحَمَّدٍ ﷺ، وَأَنَّ مَنْ اعْتَقَدَ ذَلِكَ، فَهُوَ كَافِرٌ كُفْرًا أَكْبرَ مُخْرِجًا مِن الْمِلَّةَ[62]، نسأل اللَّه العافية والسَّلامة. [62]ينظر: «مجموع الفتاوى» لابن تيمية (11/52) و(28/475).

وَفِي الحَدِيثِ: «رَأسُ الأَمرِ الإِسلَامُ، وَعَمُودُهُ الصَّلَاةُ، وَذِرْوَةُ سَنَامِهِ الجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ»[63]. [63]سبق تخريجه في (ص 64).

«رَأْسُ الأَمْرِ» يعني: رأسُ الدِّينِ، وهُو الإِسلامُ؛ يعني: شَهَادةُ أنْ لَا إلهَ إلَّا اللَّهُ، وأنَّ مُحَمَّدًا رسولُ اللَّهِ، فَمَن التَزَمَ بِهَا دَخَلَ الإِسْلَامَ.

«وَعَمُودُهُ الصَّلَاة» وهي الرَّكنُ الثَّاني، وهي أعظمُ الأَركَانِ بعدَ الشَّهَادَتَيْنِ، ثُمَّ يَلي ذَلكَ الزَّكَاةُ، والصِّيَامُ، والحجُّ، وبقيَّةُ أَوِامِرِ اللَّهِ.

«وَذِرْوَةُ سَنَامِهِ الجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ» لأنَّ بِهِ صِيَانةَ الدِّينِ وحمايتَه، وبه دعوةُ النَّاسِ إلى دينِ اللَّهِ وإلزامُهم بالحقِّ.

فَهُو ذُروةُ سَنَامِهِ، مِن جِهةِ مَا تَضمَّنه مِن حمايةِ الدِّينِ، والدعوةِ إلى الحقِّ، واللَّهُ أَعلمُ.

فَعَلَى جَمِيعِ المُكَلَّفِين أَنْ يُوَحِّدُوا اللَّهَ، وَيَعْبُدُوه دونَ كُلِّ مَا سِوَاه، وأنْ يَكفِرُوا بِالطَّاغُوتِ، ويُنْكِرُوا عِبَادتَه، ويَلتَزِمُوا بِالتَّوحِيدِ، واتِّبَاعِ شَرِيعَتِهِ سبحانه وتعالى، وتَعظيمِ أَمرِه ونَهيِهِ.