لماذا يحتاج الإنسان إلى دين؟

لماذا يحتاج الإنسان إلى دين؟

لِمَاذَا يَحْتَاجُ الإِنسَانُ إِلَى دِينٍ؟

Language: English
Prepared by: اللَّجْنَةُ الْعِلْمِيَّةُ بِجَمْعِيَّةِ خِدْمَةِ الْمُحْتَوَى الْإِسْلَامِيِّ بِاللُّغَاتِ
Version: 1.0
Translations 0
Attachments 7
PDF
Audio
Video
+3

لِمَاذَا يَحْتَاجُ الإِنسَانُ إِلَى دِينٍ؟

اللَّجْنَةُ الْعِلْمِيَّةُ بِجَمْعِيَّةِ خِدْمَةِ الْمُحْتَوَى الْإِسْلَامِيِّ بِاللُّغَاتِ

العقل السليم والفطرة المستقيمة يدلَّان على تنزُّه الخالق الحكيم عن العبث، ومن تدبر الكون علم أن من أوجد هذا الإحكام والتناسق لا يمكن أن يوجد المخلوقات بلا هدف؛ فلا يمكن أن يخلق هذا الكون العظيم بلا غاية ولا حكمة، ولا أن يترك الإنسان يتخبط في ظلمات الحيرة بلا توجيه، قال الله تعالى: ﴿أَيَحۡسَبُ ٱلۡإِنسَٰنُ أَن يُتۡرَكَ سُدًى36﴾ [القيامة:36]، وقال سبحانه: ﴿أَفَحَسِبۡتُمۡ أَنَّمَا خَلَقۡنَٰكُمۡ عَبَثٗا وَأَنَّكُمۡ إِلَيۡنَا لَا تُرۡجَعُونَ115 فَتَعَٰلَى ٱللَّهُ ٱلۡمَلِكُ ٱلۡحَقُّۖ لَآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ ٱلۡعَرۡشِ ٱلۡكَرِيمِ116﴾. [المؤمنون:155-116] أي: أن الله تعالى لم يخلق الإنسان عبثًا ولا لهوًا، بل لحكمة عظيمة هي عبادته والاستعداد للرجوع إليه للحساب والجزاء، فكما أنّ الدولة لا تترك شعبها بلا قوانين، والشركة لا تترك موظفيها بلا نظام، والمدرسة لا تترك طلابها بلا منهج، فكيف يُتصوّر أن يترك الخالق عباده بلا منهج يعرّفهم بغايتهم ويهديهم إلى طريق سعادتهم ونجاتهم؟

الإيمان بوجود الله دون اتباع أمره لا يحقق المقصود من الخلق، يشبه من يقرّ بوجود طبيب ماهر ثم يرفض أخذ الدواء الذي وصفه له، أو يعترف بوجود صانع للطائرة ثم يقودها بعكس التعليمات فيتلفها، أو يشتري جهازًا دقيقًا ثم يستخدمه وفق هواه لا وفق دليل الصانع.

نرى اليوم مجتمعات بلغت أعلى مراتب التطور العلمي والتقني، لكنها تعيش أزمات عميقة من القلق والاكتئاب والانتحار وتفكك الأسرة وإدمان الشهوات والمخدرات؛ لأن هذا التقدم يخدم الجسد ويلبّي رغباته، لكنه لا يقدّم شيئًا للروح، والإنسان لا يكتفي بالماديات، فإذا شبِع جسده وجاعت روحه عاش حائرًا قلِقًا مهما امتلك من وسائل الراحة، فالقلب لا يملؤه مال ولا شهرة، وإنما يطمئن بذكر وعبادة خالقه وتحقيق الغاية من وجوده في الدنيا، كما قال تعالى: ﴿...أَلَا بِذِكۡرِ ٱللَّهِ تَطۡمَئِنُّ ٱلۡقُلُوبُ﴾ [الرعد:28] وقال سبحانه: ﴿مَنۡ عَمِلَ صَٰلِحٗا مِّن ذَكَرٍ أَوۡ أُنثَىٰ وَهُوَ مُؤۡمِنٞ فَلَنُحۡيِيَنَّهُۥ حَيَوٰةٗ طَيِّبَةٗ ...﴾ [غافر:40].

ومن جمع الدنيا كلها دون أن يعرف غاية وجوده، فهو كمن يركب سفينة فاخرة في بحر هائج لا يدري إلى أين يسير.

والدين ليس إقصاء للعقل ولا قتلًا للفكر، بل هو إرشاد للعقل ليصل إلى الحق، ولو كان الإنسان يكتفي بعقله لتمييز الحقائق الوجودية دون الوحي لما تناقض الفلاسفة في أصل الحياة ومعناها، ولما اختلفت أعظم العقول في تعريف السعادة والفضيلة، فالعقل وحده يدرك وجود الله، لكنه لا يقدر على معرفة تفاصيل ما يحبه الله وما يكرهه، ولا يعلم تفاصيل العبادة، ولا صفات الآخرة، ولا الغيب، ولا النظام الذي يضبط الحياة، وهذا سبب إرسال الأنبياء، ﴿رُّسُلٗا مُّبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى ٱللَّهِ حُجَّةُ...﴾ [النساء:165].

الدين يمنح الإنسان نورًا للبصيرة، وضبطًا للشهوات، وعدلًا في التعامل، وغايةً للحياة، ونجاةً في الآخرة، فليس وجود الله فكرة فلسفية، بل حقيقةٌ تستلزم اتباع أمره والخضوع لشرعه.

الدين يكشف للإنسان الإجابة الكبرى التي تهرب منها الفلسفات: من أنا؟ من خلقني؟ لماذا خُلقت؟ ماذا بعد الموت؟ من غير الوحي ستبقى الإجابات ظنية متناقضة، بينما قال الله بوضوح: ﴿وَمَا خَلَقۡتُ ٱلۡجِنَّ وَٱلۡإِنسَ إِلَّا لِيَعۡبُدُونِ56﴾ [الذاريات:56]. ومن ترك الوحي وتعلق بعقله وحده ضاع، فالعقل جهاز عظيم، لكنه ليس مصدرًا للغيب، مثل من يستعمل عينيه ليقرأ كتابًا في الظلام، لا مشكلة في العين بل في غياب النور، والوحي نور يهدي البصيرة، قال تعالى: ﴿...قَدۡ جَآءَكُم مِّنَ ٱللَّهِ نُورٞ وَكِتَٰبٞ مُّبِينٞ﴾ [المائدة:15].

ويمكن للقارئ أن يسأل: لماذا عليَّ أن أختار الإسلام دون غيره؟ الجواب باختصار: لأن الإسلام ليس فكرة بشرية ولا ثقافة اجتماعية، بل هو الدين الوحيد الذي قام على أدلة واضحة تشهد أن مصدره الله تعالى، وأن ﷺ نبي حقًا مرسَلٌ إلى الناس كافة، فمن نظر بعين الإنصاف وجد أنَّ الإسلام لا يقوم على عواطف فارغة ولا على خرافات متوارثة، بل على أدلة عقلية وبراهين قطعية، ودلائل ذلك تتبين من الآتي:

أولاً: دليل الفطرة؛ فكل إنسان في أعماقه ينجذب إلى التوحيد الذي جاء به الإسلام، ويرفض عبادة البشر والحجر، قال الله تعالى: ﴿...فِطۡرَتَ ٱللَّهِ ٱلَّتِي فَطَرَ ٱلنَّاسَ عَلَيۡهَاۚ..﴾ [الروم:30]، بينما الأديان الأخرى خالطها الشرك والوثنية.

ثانياً: دليل العقل؛ فالإسلام يقدّم تصورًا متماسكًا عن الخالق والغاية من الحياة والعدل والجزاء، بلا تناقض ولا خرافة، يقرر أن الله واحد مستحق للعبادة، وأن الأنبياء كلهم بشر اصطفاهم الله، وأن المخلوق لا يكون إلهًا، وهذا هو الحق الموافق للعقل.

ثالثاً: إعجاز القرآن؛ كتاب المسلمين محفوظ منذ أكثر من ١٤٠٠ سنة، تحدى البشر أن يأتوا بمثله ثم بعشر سور ثم بسورة واحدة فعجزوا، فهو يجمع بين الإعجاز البلاغي واللغوي والعلمي والتشريعي والأخباري، قال تعالى: ﴿...قُلۡ فَأۡتُواْ بِسُورَةٖ مِّثۡلِهِۦ...﴾. [يونس:38] أين مثل هذا في أي دين آخر؟ لا يوجد.

رابعاً: سيرة النبي محمد ﷺ؛ كان يُعرف قبل النبوة بالصادق الأمين، شهد له العدو قبل الصديق، نشأ في قوم يعبدون الأصنام فلم يطلب مالًا ولا منصبًا ولا سلطانًا، عاش حياة زهدٍ وأسس أمة هي خير الأمم على وجه الأرض، وأخبر بكثير من الأمور المستقبلية فوقعت كما أخبر، كل هذا مع شهادة الواقع أنه لم يتعلم من أحد ولم يقرأ كتابًا، ومع ذلك جاء بدين كامل وكتاب معجز ونظام حياة شامل وهذا لا يكون إلا بوحي وتأييد من الخالق سبحانه.

خامساً: سلامة التشريع وكماله؛ الإسلام ليس مجرد طقوس، بل نظام حياة يحكم الأخلاق والأسرة والاقتصاد والقضاء والحرب والسلم، ويؤسس العدل والرحمة وحقوق الإنسان بالرحمة والعدل.

سادساً: بقاء النصوص بلا تحريف؛ كتب غير المسلمين تغيرت وتناقضت واختلفت مخطوطاتها، بينما القرآن بقي كما نزل، بحفظ الله له حرفًا حرفًا: ﴿إِنَّا نَحۡنُ نَزَّلۡنَا ٱلذِّكۡرَ وَإِنَّا لَهُۥ لَحَٰفِظُونَ9﴾ [الحجر:9]. ومتى ضاع الأصل ضاع الدين، والإسلام هو الدين الوحيد الذي بقي أصله كاملًا.

الخلاصة: الإسلام يجمع الفطرة والعقل والوحي والمعجزة، ويجمع بين مصالح الدنيا والآخرة، ويقدم أجوبة واضحة عن الهدف من الحياة وماذا بعد الموت، ويمنح الإنسان توازنًا بين الروح والمادة، من يبحث عن الحق بصدق سيجد الهداية أمامه، قال الله تعالى: ﴿وَمَن يَبۡتَغِ غَيۡرَ ٱلۡإِسۡلَٰمِ دِينٗا فَلَن يُقۡبَلَ مِنۡهُ وَهُوَ فِي ٱلۡأٓخِرَةِ مِنَ ٱلۡخَٰسِرِينَ85﴾ [آل عمران:85] هذه الآية بيانٌ قاطع أن الإسلام هو الدين الحق الذي ارتضاه الله لعباده، وأن من يطلب طريقًا غيره فلن يُقبل منه، مهما أخلص أو اجتهد، لأن القَبول مرتبط باتباع الوحي الذي أنزله الله، لا بما يراه الناس حسنًا بعقولهم، فكل دين بعد بعثة محمد ﷺ منسوخ بالإسلام، ومن أراد النجاة فليُسلم وجهه لله خالصًا ويتبع خاتم الرسل محمد ، فهو السبيل الوحيد للفوز في الدنيا والآخرة.

وطريق الدخول في الإسلام سهل ويسير، وهو أن يشهد الإنسان بصدق فيقول: "أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدًا رسول الله"، ويؤمن بالله وحده ربًّا، وبمحمد ﷺ نبيًّا ورسولًا، ويعمل بما جاء به من أوامر، فيصبح بذلك مسلمًا له ما للمسلمين وعليه ما عليهم.