موسوعة الأسئلة (المجموعة الأولى)
مُوسُوعَةُ الْأَسْئِلَةِ
مُوسُوعَةُ الْأَسْئِلَةِ
(المجموعة الأولى)
اللَّجْنَةُ الْعِلْمِيَّةُ بِجَمْعِيَّةِ خِدْمَةِ الْمُحْتَوَى الْإِسْلَامِيِّ بِاللُّغَاتِ
(قسم الخلق)
السؤال:
كيف بدأت الحياة أو كيف بدأ الخلق؟
الإجــابة:
إن الله تعالى كان ولم يكن شيء قبله، ثم أنشأ خلقه بعد أن كان الكون كله معدومًا أنشأه الله سبحانه وتعالى على غير مثال سابق، قال تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ ٱللَّهُ ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٖ ثُمَّ ٱسۡتَوَىٰ عَلَى ٱلۡعَرۡشِۖ يُغۡشِي ٱلَّيۡلَ ٱلنَّهَارَ يَطۡلُبُهُۥ حَثِيثٗا وَٱلشَّمۡسَ وَٱلۡقَمَرَ وَٱلنُّجُومَ مُسَخَّرَٰتِۭ بِأَمۡرِهِۦٓۗ أَلَا لَهُ ٱلۡخَلۡقُ وَٱلۡأَمۡرُۗ تَبَارَكَ ٱللَّهُ رَبُّ ٱلۡعَٰلَمِينَ٥٤﴾ [الأعراف ٥٤].
وروى البخاري في صحيحه عن عمران بن حصين عن النبي ﷺ قوله: «كَانَ اللهُ وَلَمْ يَكُنْ شَيْءٌ قَبْلَهُ، وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ، ثُمَّ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ، وَكَتَبَ فِي الذِّكْرِ كُلَّ شَيْءٍ».
وخلق الله آدم أبا البشر ففي صحيح مسلم من حديث أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: «خَيْرُ يَوْمٍ طَلَعَتْ عَلَيْهِ الشَّمْسُ يَوْمُ الْجُمُعَةِ، فِيهِ خُلِقَ آدَمُ، وَفِيهِ أُدْخِلَ الْجَنَّةَ. وَفِيهِ أُخْرِجَ مِنْهَا».
وذكر تعالى خلق الإنسان فقال: ﴿وَلَقَدۡ خَلَقۡنَا ٱلۡإِنسَٰنَ مِن سُلَٰلَةٖ مِّن طِينٖ ١٢ ثُمَّ جَعَلۡنَٰهُ نُطۡفَةٗ فِي قَرَارٖ مَّكِينٖ ١٣ ثُمَّ خَلَقۡنَا ٱلنُّطۡفَةَ عَلَقَةٗ فَخَلَقۡنَا ٱلۡعَلَقَةَ مُضۡغَةٗ فَخَلَقۡنَا ٱلۡمُضۡغَةَ عِظَٰمٗا فَكَسَوۡنَا ٱلۡعِظَٰمَ لَحۡمٗا ثُمَّ أَنشَأۡنَٰهُ خَلۡقًا ءَاخَرَۚ فَتَبَارَكَ ٱللَّهُ أَحۡسَنُ ٱلۡخَٰلِقِينَ١٤﴾ [المؤمنون ١٢-١٤].
وقال سبحانه: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱتَّقُواْ رَبَّكُمُ ٱلَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفۡسٖ وَٰحِدَةٖ وَخَلَقَ مِنۡهَا زَوۡجَهَا وَبَثَّ مِنۡهُمَا رِجَالٗا كَثِيرٗا وَنِسَآءٗۚ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ ٱلَّذِي تَسَآءَلُونَ بِهِۦ وَٱلۡأَرۡحَامَۚ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلَيۡكُمۡ رَقِيبٗا١﴾ [النساء ١].
وقد ذكر الله في هذه الآيات أطوار الآدمي وتنقلاته، من ابتداء خلقه إلى آخر ما يصير إليه، فذكر ابتداء خلق أبي النوع البشري آدم عليه السلام، وأنه ﴿مِن سُلَٰلَةٖ مِّن طِينٖ١٢﴾ أي: قد سلت، وأخذت من جميع الأرض، ولذلك جاء بنوه على قدر الأرض، منهم الطيب والخبيث، وبين ذلك، والسهل والحزن، وبين ذلك.
وذكر الله خلق السماوات والأرض وما بينهما: ﴿خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ بِغَيۡرِ عَمَدٖ تَرَوۡنَهَاۖ وَأَلۡقَىٰ فِي ٱلۡأَرۡضِ رَوَٰسِيَ أَن تَمِيدَ بِكُمۡ وَبَثَّ فِيهَا مِن كُلِّ دَآبَّةٖۚ وَأَنزَلۡنَا مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءٗ فَأَنۢبَتۡنَا فِيهَا مِن كُلِّ زَوۡجٖ كَرِيمٍ١٠﴾ [لقمان ١٠].
وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
***
(قسم الإيمان)
السؤال:
من هو الله؟
الإجابة:
الله في الإسلام هو رب العالمين والخلق أجمعين يربيهم بنعمه، قال تعالى: ﴿ٱلۡحَمۡدُ لِلَّهِ رَبِّ ٱلۡعَٰلَمِينَ٢﴾ [الفاتحة ٢].
وهو الخالق المالك الرازق المدبر وحده للمخلوقات لا شريك له، قال تعالى: ﴿رَّبُّ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ وَمَا بَيۡنَهُمَا فَٱعۡبُدۡهُ وَٱصۡطَبِرۡ لِعِبَٰدَتِهِۦۚ هَلۡ تَعۡلَمُ لَهُۥ سَمِيّٗا٦٥﴾ [سورة مريم: ٦٥].
وهو المعبود وحده لا معبود بحقٍّ سواه؛ لما اتصف به من صفات الألوهية والكمال، الذي له الخلق والأمر والحكم والتشريع وحده لا شريك له.
قال تعالى: ﴿...وَلَهُ ٱلۡمَثَلُ ٱلۡأَعۡلَىٰ فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۚ...﴾ [الروم ٢٧].
العظيم الكبير الكامل الذي له الحمد كله والكمال المطلق، وله الأسماء الحسنى والصفات العُلا، قال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ ٱلۡأَسۡمَآءُ ٱلۡحُسۡنَىٰ فَٱدۡعُوهُ بِهَاۖ...﴾ [الأعراف ١٨٠].
السميع الذي كمل في سمعه، والبصير الذي كمل في بصره، والعليم الكامل في علمه، القدير الذي على كل شيء قدير، لا يعجزه شيء سبحانه، الرحمن الرحيم الذي وسعت رحمته كل مخلوق وحي، وكان بالمؤمنين رحيما، الحي الذي لا يموت، الأول فليس قبله شيء والآخر فليس بعده شيء، قال تعالى: ﴿هُوَ ٱلۡأَوَّلُ وَٱلۡأٓخِرُ وَٱلظَّٰهِرُ وَٱلۡبَاطِنُۖ وَهُوَ بِكُلِّ شَيۡءٍ عَلِيمٌ٣﴾ [الحديد ٣].
الحكيم الذي أحكم خلقه، وأتقنه، وأحسنه، وله الحكمة في خلقه وأمره.
ليس له ند، ولا صاحبة ولا ولد ولا والد، ولا يشبهه شيء سُبْحَانَهُ، قال تعالى: ﴿قُلۡ هُوَ ٱللَّهُ أَحَدٌ ١ ٱللَّهُ ٱلصَّمَدُ ٢ لَمۡ يَلِدۡ وَلَمۡ يُولَدۡ ٣ وَلَمۡ يَكُن لَّهُۥ كُفُوًا أَحَدُۢ ٤﴾ [الإخلاص ١-٤]، وقال تعالى: ﴿...لَيۡسَ كَمِثۡلِهِۦ شَيۡءٞۖ وَهُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلۡبَصِيرُ١١﴾ [الشورى ١١].
وهو في السماء فوق العرش، فوق جميع المخلوقات، قال تَعَالَى: ﴿ٱلرَّحۡمَٰنُ عَلَى ٱلۡعَرۡشِ ٱسۡتَوَىٰ٥﴾ [سورة طه: ٥].
وقال: ﴿وَهُوَ ٱلۡقَاهِرُ فَوۡقَ عِبَادِهِۦۚ وَهُوَ ٱلۡحَكِيمُ ٱلۡخَبِيرُ١٨﴾ [سورة الأنعام: ١٨].
***
السؤال:
ما البرهان على وجود الله؟
الإجابة:
إن البرهان على وجود الله تعالى هو العقل الصريح، والفطر السليمة والطرق المستقيمة، ولا ينكره إلا من هو خارج عن مقتضى ما تمليه عليه عقول البشر، فإن لهذه المخلوقات خالقًا خلقها ولا بدّ؛ لأنها إما أن تُوجَدَ هذه المخلوقات من غير خالقٍ ولا محدثٍ، وهذا يجزم العقل ضرورةً ببطلانه فلا يمكن أن يُوجَدَ شيء بلا مُوجِدٍ!
وإما أن تكون هذه المخلوقات خالقةً نفسها! وهذا محال وممتنع، فإن الشيء لا يحدث نفسه من العدم
وإما أن هذه المخلوقات لها خالق خلقها، وهو الله العظيم العليم الخالق الحكيم.
وقد نبه الله إلى هذا التقسيم في أحسن بيانٍ وأوفى إيجاز، فقال: ﴿أَمۡ خُلِقُواْ مِنۡ غَيۡرِ شَيۡءٍ أَمۡ هُمُ ٱلۡخَٰلِقُونَ ٣٥ أَمۡ خَلَقُواْ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضَۚ بَل لَّا يُوقِنُونَ ٣٦﴾ [الطور: ٣٥- ٣٦].
وفي ذلك سُئل بعضهم: بمَ عرفت ربَك؟ فقال: إن البَعْرةَ تدل على البعير، وآثارَ السيرِ تدل على المسير؛ فسماءٌ ذات أبراج، وأرض ذات فِجَاجٍ، وبحارٌ ذات أمواج؛ ألا تدل على اللطيف الخبير؟!
وإن لهذه المخلوقات مدبرًا يدبرها ولا بدّ، فإنك إذا نظرت إلى العالم العلوي والسفلي رأيت فيه التدبير المتقن، وكل شيء قد وُجِد على هيئته اللائقة به، وأن كل المخلوقات قد هديت إلى ما يصلحها ويضمن بقائها.
وهذا الاتقان قد تكرر في جميع المخلوقات في صور وأشكال لا تحصى، ويستحيل معه نظرية الصدفة والعشوائية!
وقد نبه الله تعالى إلى هذا، فقال سبحانه: ﴿...صُنۡعَ ٱللَّهِ ٱلَّذِيٓ أَتۡقَنَ كُلَّ شَيۡءٍۚ...﴾ [النمل: ٨٨].
وقال: ﴿قَالَ رَبُّنَا ٱلَّذِيٓ أَعۡطَىٰ كُلَّ شَيۡءٍ خَلۡقَهُۥ ثُمَّ هَدَىٰ٥٠﴾ [طه: ٥٠].
ويروى أن طائفةً من الملاحدة اجتمعوا بأبي حنيفةَ رحمه الله، فقالوا: ما الدلالةُ على وجودِ الصانع؟ فقال لهم: دعوني فخاطري مشغولٌ بأمر غريب، قالوا: ما هو؟ قال: بلغني أن في دجلةَ سفينةً عظيمةً مملوءة من أصناف الأمتعة العجيبة، وهي ذاهبة وراجعة من غير أحدٍ يحركها، ولا رُبَّانٍ يقوم عليها.
فقالوا له: مجنونٌ أنت؟ قال: وما ذاك؟ قالوا: هذا يصدقه عاقل؟ فقال لهم: فكيف صدقت عقولُكم أن هذا العالمَ؛ بما فيه من الأصناف والأنواع والحوادثِ العجيبة، وهذا الفَلَكَ الدوارَ السيَّارَ يجري وتجري هذه الحوادثُ بغير محدِث، وتتحرك هذه المتحركاتُ بغير محرِّك، فرجعوا على أنفسهم بالملام.
والأدلة الدالة على وجود الرب سبحانه وتعالى أكثر من أن تحصر، منها: الفطرة، والفطرة أمر غريزي يجده الإنسان في نفسه ولا يمكنه مدافعته.
ومنها دلالة كل مخلوق على الخالق سبحانه وتعالى.
ومنها دليل العناية والإتقان والتسخير، وغيرها مما لا يمكن عده ولا حصره فكل شيء يدل على الله تعالى الخالق العظيم المدبر الحكيم.
***
السؤال:
ما البرهان على وجوب توحيد الله تعالى؟
الإجابة:
البرهان على وجوب توحيد الله تعالى في ربوبيته وبأنه الخالق المالك المدبر وحده لا شريك له.
من ذلك قوله تعالى: ﴿مَا ٱتَّخَذَ ٱللَّهُ مِن وَلَدٖ وَمَا كَانَ مَعَهُۥ مِنۡ إِلَٰهٍۚ إِذٗا لَّذَهَبَ كُلُّ إِلَٰهِۭ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلَا بَعۡضُهُمۡ عَلَىٰ بَعۡضٖۚ سُبۡحَٰنَ ٱللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ٩١﴾ [المؤمنون: ٩١].
وهذه الآية اشتملت على ما يسميه العلماء دليل التمانع: ومعناه أنا لو فرضنا مع الله آلهةً أخرى فهي:
إما أن تسلّم له بالألوهية، أو تنازعه إياها فالفرض الأول يلغي ألوهيتها؛ إذ الخاضع مألوه وليس إلهًا، وإما أن تنازعه ملكه وسلطانه فيظهر أثر هذا التنازع في الكون في مغالبة الآلهة، وذهاب كل إله بما خلق، بحيث ينفرد كل واحد من الآلهة بخلقه، ويستبدّ به، ولرأيتم مُلْكَ كل واحد منهم متميزًا عن مُلْكِ الآخرين، ولغلب بعضهم بعضًا كما ترون حال ملوك الدنيا حيث ممالكهم متمايزة، وهم متغالبون، وحين لا ترون أثرًا لتمايز الممالك ولتغالب الآلهة، فاعلموا أنه إله واحد بيده ملكوت كل شيء.
ولو قال قائل: إن نوعًا من التوافق تم بين الآلهة، فانفرد كل إله بما خلق دون شقاق أو تنازع، لكان في ذلك أيضًا أعظم الأدلة على بطلان ألوهيتهم، ذلك أن كل إله سوف تكون ألوهيته ناقصة في حق الطائفة التي لم يخلقها، وهذا يفضي إلى نقص في كل من الآلهة، وهو يستلزم المحال؛ لأن الإلهية تقتضي الكمال لا النقص.
- وأما البرهان على وجوب توحيد الله تعالى في ألوهيته، الذي هو توحيد العبادة بأن يُفْرَدَ الله عز وجل بجميع أنواعها الظاهرة والباطنة، من الصلاة، والدعاء، والذُّلِّ، والتوكل، والخضوع، والخوف والرجاء، والذبح والنذر، والاستعانة والاستعاذة والاستغاثة وغيرها من أنواع العبادة لله وحده لا شريك له.
قال تعالى: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱعۡبُدُواْ رَبَّكُمُ ٱلَّذِي خَلَقَكُمۡ وَٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِكُمۡ لَعَلَّكُمۡ تَتَّقُونَ ٢١﴾ [البقرة ٢١].
فالرب هو المستحق للعبادة، وغيره مخلوق مربوب لا يستحقها.
وقد أبطَل الله تعالى اتخاذ المشركين الآلهةَ من دون الله ببراهينَ عقليَّةٍ كثيرة؛ منها:
أنه ليس في هذه الآلهةِ التي اتَّخذوها شيءٌ من خصائص الألوهيَّة، فهي مخلوقة لا تَخلق، ولا تَجلب نفعًا لعابديها، ولا تَدفع عنهم ضررًا، ولا تَملِك لهم حياة ولا موتًا، ولا يَملكون شيئًا من السماوات والأرض.
ومن ذلك قوله تعالى: ﴿وَٱتَّخَذُواْ مِن دُونِهِۦٓ ءَالِهَةٗ لَّا يَخۡلُقُونَ شَيۡـٔٗا وَهُمۡ يُخۡلَقُونَ وَلَا يَمۡلِكُونَ لِأَنفُسِهِمۡ ضَرّٗا وَلَا نَفۡعٗا وَلَا يَمۡلِكُونَ مَوۡتٗا وَلَا حَيَوٰةٗ وَلَا نُشُورٗا٣﴾ [الفرقان ٣].
وقوله: ﴿قُلِ ٱدۡعُواْ ٱلَّذِينَ زَعَمۡتُم مِّن دُونِ ٱللَّهِ لَا يَمۡلِكُونَ مِثۡقَالَ ذَرَّةٖ فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَلَا فِي ٱلۡأَرۡضِ وَمَا لَهُمۡ فِيهِمَا مِن شِرۡكٖ وَمَا لَهُۥ مِنۡهُم مِّن ظَهِيرٖ ٢٢﴾ [سبأ ٢٢].
وقوله: ﴿أَيُشۡرِكُونَ مَا لَا يَخۡلُقُ شَيۡـٔٗا وَهُمۡ يُخۡلَقُونَ١٩١﴾ [الأعراف ١٩١].
أي: أيشرك هؤلاء المشركون في عبادة الله مخلوقاته، وهي لا تقدر على خَلْق شيء، بل هي مخلوقة؟
وإذا كانت هذه حال تلك الآلهة، فإنّ اتِّخاذها آلهةً من أسْفه السَّفه، وأبطل الباطل.
- وأما البرهان على وجوب توحيد الله تعالى في أسمائه وصفاته، بأنْ نعلم أنّ الخالق غير المخلوق.
قال تعالى: ﴿...لَيۡسَ كَمِثۡلِهِۦ شَيۡءٞۖ وَهُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلۡبَصِيرُ١١﴾ [الشورى ١١].
﴿...لَيۡسَ كَمِثۡلِهِۦ شَيۡءٞۖ...﴾ أي: ليس يماثله شيء من مخلوقاته، لا في ذاته، ولا في أسمائه، ولا في صفاته، ولا في أفعاله، لأن أسماءه كلها حسنى، وصفاته صفات كمال وعظمة، وأفعاله تعالى أوجد بها المخلوقات العظيمة من غير مشارك، فليس كمثله شيء، لانفراده وتوحده بالكمال من كل وجه.
من الدليل العقلي على ثبوت الأسماء والصفات التي دلَّ عليها الشَّرْعُ أن يُقال:
١- هذه المخلوقات العظيمة على تنوعها، واختلافها، وانتظامها في أداء مصالحها، وسيرها في خططها المرسومة لها، تدل على عظمة الله وقُدرته، وعلمه وحكمته، وإرادته ومشيئته.
٢- الإنعام والإحسان، وكشف الضر، وتفريج الكربات؛ هذه الأشياء تدلّ على الرحمة والكرم والجود.
٣- والعقاب والانتقام من العصاة؛ يدلان على غضب الله عليهم وكراهيته لهم.
٤- وإكرامُ الطائعين وإثابتهم؛ يدلان على رضا الله عنهم ومحبته لهم.
قال تعالى: ﴿...وَلَهُ ٱلۡمَثَلُ ٱلۡأَعۡلَىٰ فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۚ وَهُوَ ٱلۡعَزِيزُ ٱلۡحَكِيمُ٢٧﴾ [الروم ٢٧]. أي: وله سبحانه الوصف الأعلى في كل ما يوصف به، ليس كمثله شيء. ويستحيل أن يشترك في المثل الأعلى اثنان؛ لأنهما إن تكافآ لم يكن أحدهما أعلى من الآخر، وإن لم يتكافآ فالموصوف بالمثل الأعلى أحدهما وحده، فيستحيل أن يكون لمن له المثل الأعلى مثيل أو نظير.
***
السؤال:
لماذا خلقنا الله؟ وما الغاية من وجودنا؟
الإجابة:
الحكمة من خلقنا والغاية من إيجادنا قد أخبرنا عنها العليم الخبير، إذ يقول في كتابه العزيز: ﴿وَمَا خَلَقۡتُ ٱلۡجِنَّ وَٱلۡإِنسَ إِلَّا لِيَعۡبُدُونِ ٥٦﴾ [الذاريات ٥٦].
فهذه الغاية التي خلق الله الجن والإنس لها، وبعث جميع الرسل يدعون إليها، وهي عبادته، المتضمنة لمعرفته ومحبته، والإنابة إليه والإقبال عليه، والإعراض عما سواه.
فمن حاد عن هذه الغاية فقد استحق عقاب الله، ومن امتثل استحق النعيم المقيم. قال تعالى: ﴿مَنۡ عَمِلَ صَٰلِحٗا مِّن ذَكَرٍ أَوۡ أُنثَىٰ وَهُوَ مُؤۡمِنٞ فَلَنُحۡيِيَنَّهُۥ حَيَوٰةٗ طَيِّبَةٗۖ وَلَنَجۡزِيَنَّهُمۡ أَجۡرَهُم بِأَحۡسَنِ مَا كَانُواْ يَعۡمَلُونَ ٩٧﴾ [النحل ٩٧].
***
السؤال:
لماذا خُلق الشر؟
الإجابة:
لا ينبغي طرح سؤال لماذا خلق الله الشر أو الاعتراض عليه؛ لأنَّ الله تعالى هو الخالق ولا يُسأل عما يفعل، بل هو الذي يَسأَل، قال تعالى: ﴿لَا يُسۡـَٔلُ عَمَّا يَفۡعَلُ وَهُمۡ يُسۡـَٔلُونَ ٢٣﴾ [الأنبياء ٢٣].
وأمّا بعض الحكمة من وُجود وخلق الخير والشر فهي كما يأتي:
- الابتلاء والاختبار للمُكلف؛ بالخير والشر، فيتبيّن الصابر من غيره، والمؤمن من غيره. قال تعالى: ﴿ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلۡمَوۡتَ وَٱلۡحَيَوٰةَ لِيَبۡلُوَكُمۡ أَيُّكُمۡ أَحۡسَنُ عَمَلٗاۚ وَهُوَ ٱلۡعَزِيزُ ٱلۡغَفُورُ٢﴾ [الملك ٢].
وقال سبحانه: ﴿...وَنَبۡلُوكُم بِٱلشَّرِّ وَٱلۡخَيۡرِ فِتۡنَةٗۖ وَإِلَيۡنَا تُرۡجَعُونَ ٣٥﴾ [الأنبياء ٣٥].
فقد أوجد الله عباده في الدنيا، وأمرهم، ونهاهم، وابتلاهم بالخير والشر، وبالغنى والفقر، والعز والذل والحياة والموت، فتنةً منه تعالى؛ ليبلوهم أيهم أحسن عملًا، ومن يفتتن عند مواقع الفتن ومن ينجو، ﴿وَإِلَيۡنَا تُرۡجَعُونَ ٣٥﴾ فنجازيكم بأعمالكم، إن خيرًا فخير، وإن شرًا فشر ﴿وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّٰمٖ لِّلۡعَبِيدِ ٤٦﴾.[فصلت 64].
- تحقيق ثُنائية الكون؛ فالخير لا يُعرف إلا بمعرفة الشر، فبضدها تتميزُ الأشياءُ، والشر ضروريٌ لوجود الخير لأنه سعي ضده، والخير والشر وتقلّب الإنسان فيهما من طبيعة الحياة في الدُنيا.
- الشرُ أمرٌ نسبيّ؛ فالأمر الذي قد يراه البعض شرًا قد يراهُ آخرون خيرًا، فقطعُ يد السارق على سبيل المثال شرٌ له، ولكنَّ فيه خيرًا للمجتمع، لأنَّ فيه ردعًا للناس من الاعتداء على أموال بعضهم البعض.
- تحقيق المعنى الحقيقيّ للاختبار العادل للمُكلّف؛ فقد بيّن الله تعالى للإنسان طريق الخير والشر، وأعطاه الحُرية في الاختيار بينهما.
قال تعالى: ﴿أَلَمۡ نَجۡعَل لَّهُۥ عَيۡنَيۡنِ ٨ وَلِسَانٗا وَشَفَتَيۡنِ ٩ وَهَدَيۡنَٰهُ ٱلنَّجۡدَيۡنِ١٠﴾ [البلد ٨-١٠]. أي: ألم نجعل له عينين يبصر بهما، ولسانًا وشفتين ينطق بهما، وبينّا له طريق الخير والشر؟
- أنَّ كثيرًا من الشرور التي نراها ليست شرورًا محضة من كل وجه، بل يكون فيها جوانب خير، وكم في ثنايا ما نراه شرًا من خير كبير، فقد يُصاب الإنسان بمرض يكون سببًا صارفًا له عن شرّ أعظمَ منه، وقد يخسر الإنسان صفقة مالية ربما لو كسبها لطغى وتجبر، وقد يموت للإنسان ولد ربما لو عاش لكان وبالًا عليه، وقد يكون الإنسان مستحقًا للنار بعمله وهي الكارثة الحقيقية فيصيبه الله بمصيبةٍ فيصبر عليها فيجزيه على صبره بالجنة وهي الخير الحقيقي الدائم.
فالله سبحانه وتعالى لا يخلُقُ شرًّا مَحضًا، ولا يُنسَب إليه الشر كما في الحديث الصحيح يقول النبي ﷺ: «وَالشَّرُّ لَيْسَ إِلَيْكَ» [رواه مسلم].
- ومن الحِكَمِ في وجود الخير والشر هو ظهورُ قدرة الرب تعالى على خلق المتضادات المتقابلات، وظهورُ آثار أسمائه القهرية أي: أن الله سبحانه وتعالى يُظْهِرُ آثار أسمائه وأفعاله، مثل كونه قهارًا منتقمًا عدلًا إلى غير ذلك. قال تعالى: ﴿ٱللَّهُ ٱلَّذِي خَلَقَ سَبۡعَ سَمَٰوَٰتٖ وَمِنَ ٱلۡأَرۡضِ مِثۡلَهُنَّۖ يَتَنَزَّلُ ٱلۡأَمۡرُ بَيۡنَهُنَّ لِتَعۡلَمُوٓاْ أَنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ قَدِيرٞ وَأَنَّ ٱللَّهَ قَدۡ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيۡءٍ عِلۡمَۢا ١٢﴾ [الطلاق ١٢].
والشرور ليست مقصودة لذاتها ولا هي الغاية التي خُلِقَ لها الخلقُ، فهي مفعولات قدرت لأمر محبوب وجعلت وسيلة إليه، فإذا حصل ما قدرت له اضمحلت وتلاشت وعاد الأمر إلى الخير المحض.
ولا يُمكن أنْ يفهم أحد الحكمة من وجود الشر قبل أنْ يوقن أنّ هذه الدنيا دار مؤقتة، وأنها دار امتحان وابتلاء ونقص، وأن الذي ينتظر رؤية الكمال المـُطلَق فيها فإنه معارِضٌ للحكمة الإلهية التي اقتضت أن تكون الدار الآخرة هي دار الكمال.
قال تعالى عن الذي آمن: ﴿يَٰقَوۡمِ إِنَّمَا هَٰذِهِ ٱلۡحَيَوٰةُ ٱلدُّنۡيَا مَتَٰعٞ وَإِنَّ ٱلۡأٓخِرَةَ هِيَ دَارُ ٱلۡقَرَارِ ٣٩﴾ [غافر ٣٩].
***
السؤال:
ما هو علاج الوسوسة في أمور التوحيد والإيمان؟
الإجابة:
علاج الوسوسة يكون بالأمور التالية:
- أن يُحصن المؤمن نفسه بالعلم، فالجهل مدخل على الإنسان من قبل شياطين الجن والإنس.
- ذكر الله والاستعاذة من الشيطان الرجيم.
- الانتهاء من الاسترسال في الوسوسة وقطعها.
- سؤال أهل العلم، قال تعالى: ﴿...فَسۡـَٔلُوٓاْ أَهۡلَ ٱلذِّكۡرِ إِن كُنتُمۡ لَا تَعۡلَمُونَ ٤٣﴾ [النحل ٤٣].
***
(قسم النبوة)
السؤال:
من هو محمد ﷺ؟
الإجــابة:
محمد ﷺ هو: محمد بن عبد الله بن عبد المطلب القرشي، من ولد إسماعيل بن إبراهيم عليه السلام، وهو خاتم النبيين، وسيد ولد آدم، وهو الشافع المشفع يوم القيامة، قال رسول الله ﷺ: «إِنَّهُ لَمْ يَكُنْ نَبِيٌّ إِلَّا لَهُ دَعْوَةٌ قَدْ تَنَجَّزَهَا فِي الدُّنْيَا، وَإِنِّي قَدِ اخْتَبَأْتُ دَعْوَتِي شَفَاعَةً لِأُمَّتِي، وَأَنَا سَيِّدُ وَلَدِ آدَمَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَلَا فَخْرَ، وَأَنَا أَوَّلُ مَنْ تَنْشَقُّ عَنْهُ الأَرْضُ، وَلَا فَخْرَ، وَبِيَدِي لِوَاءُ الْحَمْدِ، وَلَا فَخْرَ، آدَمُ فَمَنْ دُونَهُ تَحْتَ لِوَائِي، وَلَا فَخْرَ». مسند أحمد ط الرسالة (2546)، وسنن الترمذي (3148)، والرسول محمد ﷺ هو أعظم الرسل، وقد أخذ الله الميثاق على جميع الأنبياء عليهم السلام أن يتبعوه إذا بعثه الله، قال تعالى: ﴿وَإِذۡ أَخَذَ ٱللَّهُ مِيثَٰقَ ٱلنَّبِيِّـۧنَ لَمَآ ءَاتَيۡتُكُم مِّن كِتَٰبٖ وَحِكۡمَةٖ ثُمَّ جَآءَكُمۡ رَسُولٞ مُّصَدِّقٞ لِّمَا مَعَكُمۡ لَتُؤۡمِنُنَّ بِهِۦ وَلَتَنصُرُنَّهُۥۚ قَالَ ءَأَقۡرَرۡتُمۡ وَأَخَذۡتُمۡ عَلَىٰ ذَٰلِكُمۡ إِصۡرِيۖ قَالُوٓاْ أَقۡرَرۡنَاۚ قَالَ فَٱشۡهَدُواْ وَأَنَا۠ مَعَكُم مِّنَ ٱلشَّٰهِدِينَ٨١﴾ [سورة آل عمران:81].
قال ابن كثير رحمه الله: "يخبر تعالى أنه أخذ ميثاق كل نبي بعثه من لدن آدم، عليه السلام، إلى عيسى عليه السلام، لَمَهْمَا آتى الله أحدهم من كتاب وحكمة، وبلغ أي مبلغ، ثم جاءه رسول من بعده، ليؤمنن به ولينصرنه، ولا يمنعه ما هو فيه من العلم والنبوة من اتباع من بعث بعده ونصرته...إلى أن قال: قال علي بن أبي طالب وابن عمه عبد الله بن عباس، رضي الله عنهما: ما بعث الله نبيًا من الأنبياء إلا أخذ عليه الميثاق، لئن بَعَث محمدًا وهو حي ليؤمنن به ولينصرنه، وأمره أن يأخذ الميثاق على أمته: لئن بُعِث محمد ﷺ وهم أحياء ليؤمنن به ولينصرنه". تفسير ابن كثير (2/ 67).
وقد جاء رسول الله محمد ﷺ مصدقًا لما بين يديه من الكتب والرسالات، ودعا إلى الإيمان بمن سبقه من الرسل عليهم السلام، وهو موافق لما جاء به المرسلون عليهم السلام، قال تعالى: ﴿إِنَّآ أَوۡحَيۡنَآ إِلَيۡكَ كَمَآ أَوۡحَيۡنَآ إِلَىٰ نُوحٖ وَٱلنَّبِيِّـۧنَ مِنۢ بَعۡدِهِۦۚ وَأَوۡحَيۡنَآ إِلَىٰٓ إِبۡرَٰهِيمَ وَإِسۡمَٰعِيلَ وَإِسۡحَٰقَ وَيَعۡقُوبَ وَٱلۡأَسۡبَاطِ وَعِيسَىٰ وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَهَٰرُونَ وَسُلَيۡمَٰنَۚ وَءَاتَيۡنَا دَاوُۥدَ زَبُورٗا ١٦٣﴾ [سورة النساء:163]، وقال تعالى: ﴿شَرَعَ لَكُم مِّنَ ٱلدِّينِ مَا وَصَّىٰ بِهِۦ نُوحٗا وَٱلَّذِيٓ أَوۡحَيۡنَآ إِلَيۡكَ وَمَا وَصَّيۡنَا بِهِۦٓ إِبۡرَٰهِيمَ وَمُوسَىٰ وَعِيسَىٰٓۖ أَنۡ أَقِيمُواْ ٱلدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُواْ فِيهِۚ كَبُرَ عَلَى ٱلۡمُشۡرِكِينَ مَا تَدۡعُوهُمۡ إِلَيۡهِۚ ٱللَّهُ يَجۡتَبِيٓ إِلَيۡهِ مَن يَشَآءُ وَيَهۡدِيٓ إِلَيۡهِ مَن يُنِيبُ١٣﴾ [سورة الشورى:13].
وقد رحم الله تعالى العَالَمينَ ببعثته، وُلد بمكة، وبها بُعث للجن والإنس كافة، وكان عمره عند البعثة أربعين سنة، وهاجر إلى المدينة وتوفي بها عن ثلاث وستين سنة.
ومن أدركته بعثة النبي ﷺ فلا سبيل له إلى الجنة إلا بالإيمان به واتِّبَاعِهِ ، قال رسول الله ﷺ: «وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ، لَا يَسْمَعُ بِي أَحَدٌ مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ يَهُودِيٌّ وَلَا نَصْرَانِيٌّ، ثُمَّ يَمُوتُ وَلَمْ يُؤْمِنْ بِالَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ، إِلَّا كَانَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ» [رواه مسلم (153)]، قال تعالى: ﴿نٓۚ وَٱلۡقَلَمِ وَمَا يَسۡطُرُونَ ١ مَآ أَنتَ بِنِعۡمَةِ رَبِّكَ بِمَجۡنُونٖ ٢ وَإِنَّ لَكَ لَأَجۡرًا غَيۡرَ مَمۡنُونٖ ٣ وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٖ ٤﴾ [سورة القلم:1-4]
وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلَامٍ رضي الله عنه قَالَ: «لَمَّا قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْمَدِينَةَ انْجَفَلَ النَّاسُ إِلَيْهِ وَقِيلَ: قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، فَجِئْتُ فِي النَّاسِ لِأَنْظُرَ إِلَيْهِ، فَلَمَّا اسْتَبَنْتُ وَجْهَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَرَفْتُ أَنَّ وَجْهَهُ لَيْسَ بِوَجْهِ كَذَّابٍ» [رواه الترمذي (2485) وابن ماجه (1334)] وهو صحيح، وصلى الله وسلم على نبينا محمد.
ينظر: الفصول في سيرة الرسول لابن كثير، الرحيق المختوم للمباركفوري.
***
السؤال:
كيف أصبح محمد ﷺ نبيًا مرسلًا من قبل الله؟
الإجــابة:
محمد بن عبد الله بن عبد المطلب ﷺ هو خاتم الأنبياء والمرسلين، وخبر نبوته متوافر في كتب أهل الكتاب، وفي القرآن الكريم، وفي السنة النبوية، وفي كتب أهل الإسلام التي عُنيت بسنته وسيرته العطرة ﷺ، ولا يخفى على أحد كيف أصبح نبيًا، وحيث ورد السؤال فنقول بالجواب مستعينين بالله:
الأول: أن نبي الله إبراهيم الخليل عليه السلام حينما بنى البيت العتيق في مكة بأمر من الله، وأسكن زوجه هاجر وابنها إسماعيل عليهما السلام مكة المكرمة؛ دعا الله أن يبعث في ذرية إسماعيل نبيًا منهم قال تعالى: ﴿رَبَّنَا وَٱبۡعَثۡ فِيهِمۡ رَسُولٗا مِّنۡهُمۡ يَتۡلُواْ عَلَيۡهِمۡ ءَايَٰتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ ٱلۡكِتَٰبَ وَٱلۡحِكۡمَةَ وَيُزَكِّيهِمۡۖ إِنَّكَ أَنتَ ٱلۡعَزِيزُ ٱلۡحَكِيمُ١٢٩﴾ [سورة البقرة:129]، فاستجاب الله دعاء الخليل عليه السلام وبعث الله نبيه محمدًا ﷺ نبيًا ورسولًا.
الثاني: أن الله قد أخبر الأنبياء السابقين عليهم السلام أنه سيبعث رسوله الأمين وخاتم المرسلين، وأخذ عليهم الميثاق أن يؤمنوا به ويتبعوه؛ إن بُعث في حياتهم، قال تعالى: ﴿وَإِذۡ أَخَذَ ٱللَّهُ مِيثَٰقَ ٱلنَّبِيِّـۧنَ لَمَآ ءَاتَيۡتُكُم مِّن كِتَٰبٖ وَحِكۡمَةٖ ثُمَّ جَآءَكُمۡ رَسُولٞ مُّصَدِّقٞ لِّمَا مَعَكُمۡ لَتُؤۡمِنُنَّ بِهِۦ وَلَتَنصُرُنَّهُۥۚ قَالَ ءَأَقۡرَرۡتُمۡ وَأَخَذۡتُمۡ عَلَىٰ ذَٰلِكُمۡ إِصۡرِيۖ قَالُوٓاْ أَقۡرَرۡنَاۚ قَالَ فَٱشۡهَدُواْ وَأَنَا۠ مَعَكُم مِّنَ ٱلشَّٰهِدِينَ٨١﴾ [سورة آل عمران:81].
الثالث: ولما كانت رسالة موسى وعيسى عليهما السلام هي أقرب الرسالات الإلهية زمنًا لرسالة نبينا محمد ﷺ توافرت النصوص في كتابيهما، وفي سائر كتب أنبياء بني إسرائيل، واشتملت هذه النصوص على صفته ﷺ، وصفة بلده، وصفة هجرته، وشعائر دينه، وصفة أصحابه، وما سيحقق الله لهم من النصر والتمكين إلى غير ذلك مما اشتملت عليه كتبهم، كما تضمنت البشارة بِمَقْدَمِهِ، وتهيئة النفوس لاستقباله، والأمر بالإيمان به ومتابعته، وكان علماء بني إسرائيل يعرفون هذه النصوص، وقد استقرت صفته ﷺ وصفة أصحابه في أذهان علماء بني إسرائيل، ولدى أحبار النصارى ورهبانهم، والقصص في هذا كثيرة، حفلت بها كتب التاريخ، ويكفينا قوله تعالى: ﴿ٱلَّذِينَ ءَاتَيۡنَٰهُمُ ٱلۡكِتَٰبَ يَعۡرِفُونَهُۥ كَمَا يَعۡرِفُونَ أَبۡنَآءَهُمۡۖ وَإِنَّ فَرِيقٗا مِّنۡهُمۡ لَيَكۡتُمُونَ ٱلۡحَقَّ وَهُمۡ يَعۡلَمُونَ١٤٦﴾ [سورة البقرة:146]. حتى إن العلامة الجسدية التي في جسده الشريف ﷺ كانت مسجلة في كتبهم، وهي موجودة إلى اليوم في كتبهم، وقد ورد وصف هذه العلامة في صحيح البخاري ومسلم قال السائب بن يزيد رضي الله عنه: «ثُمَّ قُمْتُ خَلْفَ ظَهْرِهِ، فَنَظَرْتُ إِلَى خَاتَمِ النُّبُوَّةِ بَيْنَ كَتِفَيْهِ، مِثْلَ زِرِّ الْحَجَلَةِ» صحيح البخاري (190). (وزر الحَجَلة: بيضة الحمامة).
وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلَامٍ رضي الله عنه قَالَ: «لَمَّا قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْمَدِينَةَ انْجَفَلَ النَّاسُ إِلَيْهِ وَقِيلَ: قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، فَجِئْتُ فِي النَّاسِ لِأَنْظُرَ إِلَيْهِ، فَلَمَّا اسْتَبَنْتُ وَجْهَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَرَفْتُ أَنَّ وَجْهَهُ لَيْسَ بِوَجْهِ كَذَّابٍ» [رواه الترمذي (2485) وابن ماجه (1334)]، ولكن لما كان الأنبياء بعد إبراهيم عليه السلام كلهم من ذرية إسرائيل، وهو يعقوب عليه السلام ظنَّ اليهود أن النبي الخَاتَمَ سيكون كذلك منهم، فلما بعثه الله من بني إسماعيل بن إبراهيم عليهما السلام، وهو محمد بن عبد الله، وانطبقت عليه الصفات التي في كتبهم حسدوه وكفروا به، وما آمن به منهم إلا قليل، مع شهادة كثيرٍ منهم له بالنبوة.
الرابع: أما بداية النبوة لنبينا محمد ﷺ فكانت حينما بلغ الأربعين من عمره، وتخبرنا عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها عن هذه البداية قائلة: «أَوَّلُ مَا بُدِئَ بِهِ رَسُولُ اللهِ ﷺ مِنَ الْوَحْيِ الرُّؤْيَا الصَّالِحَةُ فِي النَّوْمِ، فَكَانَ لَا يَرَى رُؤْيَا إِلَّا جَاءَتْ مِثْلَ فَلَقِ الصُّبْحِ، ثُمَّ حُبِّبَ إِلَيْهِ الْخَلَاءُ، وَكَانَ يَخْلُو بِغَارِ حِرَاءٍ فَيَتَحَنَّثُ فِيهِ - وَهُوَ التَّعَبُّدُ - اللَّيَالِيَ ذَواتِ الْعَدَدِ قَبْلَ أَنْ يَنزِعَ إِلَى أَهْلِهِ، وَيَتَزَوَّدُ لِذَلِكَ، ثُمَّ يَرْجِعُ إِلَى خَدِيجَةَ فَيَتَزَوَّدُ لِمِثْلِهَا، حَتَّى جَاءَهُ الْحَقُّ وَهُوَ فِي غَارِ حِرَاءٍ، فَجَاءَهُ الْمَلَكُ فَقَالَ: اقْرَأْ، قَالَ: «مَا أَنَا بِقَارِئٍ»، قَالَ: فَأَخَذَنِي فَغَطَّنِي حَتَّى بَلَغَ مِنِّي الْجُهْدَ، ثُمَّ أَرْسَلَنِي، فَقَالَ: اقْرَأْ، قُلتُ: مَا أَنَا بِقَارِئٍ، فَأَخَذَنِي فَغَطَّنِي الثَّانِيَةَ حَتَّى بَلَغَ مِنِّي الْجُهْدَ، ثُمَّ أَرْسَلَنِي، فَقَالَ: اقْرَأْ، فَقُلتُ: مَا أَنَا بِقَارِئٍ، فَأَخَذَنِي فَغَطَّنِي الثَّالِثَةَ، ثُمَّ أَرْسَلَنِي، فَقَالَ: ﴿ٱقۡرَأۡ بِٱسۡمِ رَبِّكَ ٱلَّذِي خَلَقَ ١ خَلَقَ ٱلۡإِنسَٰنَ مِنۡ عَلَقٍ ٢ ٱقۡرَأۡ وَرَبُّكَ ٱلۡأَكۡرَمُ ٣﴾ [العلق: 1-3] فَرَجَعَ بِهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ يَرْجُفُ فُؤَادُهُ، فَدَخَلَ عَلَى خَدِيجَةَ بِنْتِ خُوَيْلِدٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا، فَقَالَ: «زَمِّلُونِي زَمِّلُونِي»، فَزَمَّلُوهُ حَتَّى ذَهَبَ عَنْهُ الرُّوْعُ، فَقَالَ لِخَدِيجَةَ وَأَخْبَرَهَا الْخَبَرَ: «لَقَدْ خَشِيتُ عَلَى نَفْسِي». فَقَالَتْ خَدِيجَةُ: كَلَّا وَاللَّهِ مَا يُخْزِيكَ اللَّهُ أَبَدًا، إِنَّكَ لَتَصِلُ الرَّحِمَ، وَتَحْمِلُ الْكَلَّ، وَتَكْسِبُ الْمَعْدُومَ، وَتُقْرِي الضَّيْفَ، وَتُعِينُ عَلَى نَوَائِبِ الْحَقِّ، فَانْطَلَقَتْ بِهِ خَدِيجَةُ حَتَّى أَتَتْ بِهِ وَرَقَةَ بْنَ نَوْفَلٍ بْنِ أَسَدٍ بْنِ عَبْدِ الْعُزَّى ابْنِ عَمِّ خَدِيجَةَ وَكَانَ رَجُلًا تَنَصَّرَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، وَكَانَ يَكْتُبُ الْكِتَابَ الْعِبْرَانِيَّ، فَيَكْتُبُ مِنَ الْإِنْجِيلِ بِالعِبْرانِيَّةِ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَكْتُبَ، وَكَانَ شَيْخًا كَبِيرًا قَدْ عَمِيَ، فَقَالَتْ لَهُ خَدِيجَةُ: يَا ابْنَ عَمِّ، اسْمَعْ مِنْ ابْنِ أَخِيكَ، فَقَالَ لَهُ وَرَقَةُ: يَا ابْنَ أَخِي، مَاذَا تَرَى؟ فَأَخْبَرَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ خَبَرَ مَا رَأَى، فَقَالَ لَهُ وَرَقَةُ: هَذَا النَّامُوسُ الَّذِي نَزَّلَ اللَّهُ عَلَى مُوسَى، يَا لَيْتَنِي فِيهَا جَذَعًا، لَيْتَنِي أَكُونُ حَيًّا إِذْ يُخْرِجُكَ قَوْمُكَ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «أَوَمُخْرِجِيَّ هُمْ؟» قَالَ: نَعَمْ، لَمْ يَأْتِ رَجُلٌ قَطُّ بِمِثْلِ مَا جِئْتَ بِهِ إِلَّا عُوديَ، وَإِنْ يُدْرِكْنِي يَوْمُكَ أَنْصُرْكَ نَصْرًا مُؤَزَّرًا». صحيح البخاري (3)، وصحيح مسلم (252).
الخامس: بعد أن كلفه الله بالرسالة أيده بمعجزات وآيات بينات، وكانت آياته منها آيات سماوية كانشقاق القمر والإسراء والمعراج، وآيات أرضية كتكثير الطعام والشراب، وحنين الجذع شوقًا إليه، وغيرها كثير، وآتاه الله الآية العظمى الباقية إلى قيام الساعة وهي القرآن العظيم، وأيَّده بصحابة كرام رضي الله عنهم، كانوا خير حَمَلَةٍ لهذا الدين حتى نشروه في الآفاق، فصحابته رضي الله عنهم وانتشار دينه آية بينة على صدق نبوته.
وهذه الآيات التي جمعها الله له لم يُؤْتَ أَحَدٌ من الأنبياء عليهم السلام مثلها مجتمعة.
السادس: أن نبوة نبينا محمد ﷺ ثبتت كما ثبتت نبوة إبراهيم وموسى وعيسى وسائر النبيين عليهم السلام بالوحي من الله عز وجل لهم بذلك، وما من طريق تثبت به نبوة نبي من الأنبياء إلا وتثبت بمثله النبوة لنبينا محمد ﷺ، فطرق إثبات النبوة للأنبياء السابقين ثبتت: بالكتاب، والآيات، والأتباع المؤمنين به، والتواتر على نقل الرسالة، وكل هذه الطرق ثبتت بها النبوة لنبينا محمد ﷺ، فكتابه أعظم كتاب آتاه الله لنبي، وآياته أعظم الآيات، وصحابته خير أصحاب الأنبياء، والتواتر الذي نقلت به نبوته ﷺ أعظم تواتر نقلت به النبوات، ويكفيه أن الذين حضروا معه حجة الوداع كانوا أكثر من مائة ألف صحابي رضي الله عنهم.
بهذا الذي سبق تبين لك كيف ثبتت نبوته ﷺ، واستمر دينه قائمًا منتشرًا طيلة هذه القرون، وهذه علامة أخرى على نبوته، وسيظل كذلك إلى قيام الساعة بإذن الله، وصلى الله وسلم على نبينا محمد.
***
السؤال:
ماذا قال نبي الله عيسى عليه السلام عن النبي محمد ﷺ؟
الإجــابة:
الأنبياء السابقون أكثرهم بشّر قومَه بِمَقْدَمِ النبي الخَاتَمِ محمد ﷺ، وأخذ على قومه العهد أن يؤمنوا به ويتبعوه إن بعثه الله وهم أحياء، والنصوص في هذا الباب أكثر من أن تحصر، ولما كانت رسالة موسى وعيسى عليهما السلام هي أقرب الرسالات الإلهية زمنًا لرسالة نبينا محمد ﷺ؛ توافرت النصوص في كتابيهما وفي سائر كتب أنبياء بني إسرائيل، واشتملت هذه النصوص على صفته ﷺ، وصفة بلده، وصفة هجرته، وشعائر دينه، وصفة أصحابه، وما سيحقق الله لهم من النصر والتمكين إلى غير ذلك مما اشتملت عليه كتبهم، كما تضمنت البشارة بِمَقْدَمِهِ، وتهيئة النفوس لاستقباله، والأمر بالإيمان به ومتابعته، وكان علماء بني إسرائيل يعرفون هذه النصوص، وقد استقرت صفته ﷺ وصفة أصحابه في أذهان علماء بني إسرائيل ولدى أحبار النصارى ورهبانهم، ولكنهم حرفوا أكثرها، وبقي منها شواهد كثيرة، سواء في العهد القديم وهو كتابات أنبياء اليهود، أو في العهد الجديد وهي مجموع ما كتبه أحبار النصارى، ويرون أنهم نقلوه ممن عاصر المسيح عليه السلام، ومن هذه النصوص ما يلي:
أولًا: أن البشارة أتت موسى عليه السلام بهذا النبي العظيم ﷺ كما في سفْر التثنية: (أُقِيمُ لَهُمْ نَبِيًّا مِنْ وَسَطِ إِخْوَتِهِمْ مِثْلَكَ، وَأَجْعَلُ كَلَامِي فِي فَمِهِ، فَيُكَلِّمُهُمْ بِكُلِّ مَا أُوصِيهِ بِهِ. وَيَكُونُ أَنَّ الإِنْسَانَ الَّذِي لَا يَسْمَعُ لكَلَامِي الَّذِي يَتَكَلَّمُ بِهِ بِاسْمِي أَنَا أُطَالِبُهُ). التثنية 18: 18-19.
وإخوة بني إسرائيل هُم بنو إسماعيل، ولم يخرجْ من بني إسماعيل رسولٌ سوى محمد رسول الله ﷺ. وموسى عليه السلام يذكر في هذا النص وعيدَ الله لمن لم يسمعْ كلامَ رسول الله محمد ﷺ، وهو قوله: (أَنَا أُطَالِبُهُ)، ومَن طلبه اللهُ أدركه.
وقال موسى عليه السلام أيضًا إن النبي الأخير يخرجُ من (فاران)، وفاران هي جبال بمكة المكرمة. ولم يخرج نبيٌّ من مكة المكرمة بعد إسماعيل-عليه السلام-سوى محمد رسول الله ﷺ حيث جاء في سفْر التثنية: (جَاءَ الرَّبُّ مِنْ سَينَاءَ، وَأَشْرَقَ لَهُمْ مِنْ سَعِيرَ، وَتَلأْلأَ مِنْ جَبَلِ فَارَانَ). التثنية 33: 2.
ثانيًا: بشر به داود عليه السلام أيضًا حيث قال: (الْحَجَرُ الَّذِي رَفَضَهُ الْبَنَّاؤُونَ قَدْ صَارَ رَأْسَ الزَّاوِيَةِ. مِنْ قِبَلِ الرَّبِّ كَانَ هذَا، وَهُوَ عَجِيبٌ فِي أَعْيُنِنَا) (مزامير118: 22). ومعنى هذه البشارة: أن الرسالة التي رفض بنو إسرائيل أن تكون من نسل إسماعيل (العرب) قد صارت هي أعظم رسالة؛ لأنها خاتمة الرسالات للبشر بأعظم رسول، وجاء التشبيه بالبناء لأن كل نبي يكمل ما بدأه النبي الذي سبقه، حتى إذا تكاملت بعثة الأنبياء، ولم يبق إلا النبي الأخير، وقارب البناء على الكمال، ولم يتبق منه إلا لبنة واحدة، بعث الله رسوله وخليله محمدًا ﷺ؛ فكمل به الدين، وتمت به النعمة، وختمت النبوات، وتكامل البناء، فكان رسول الله ﷺ هو خاتم الأنبياء والمرسلين عليهم الصلاة والسلام، وهو الذي ضُرِبَ له المثل بالحجر المشار إليه في هذه البشارة.
ثالثًا: قال المسيح عليه السلام كما في متى: (لِذلِكَ أَقُولُ لَكُمْ: إِنَّ مَلَكُوتَ اللهِ يُنْزَعُ مِنْكُمْ وَيُعْطَى لأُمَّةٍ تَعْمَلُ أَثْمَارَهُ). متى42:21. وتَأَمَّلْ هذا الخبر العجيب الذي تضمنته هذه البشارة وهو: أن المسيح عليه السلام أخبر بني إسرائيل أن النبوة ستنتقل عنهم إلى بني إسماعيل عليه السلام؛ وكان النبي الوحيد الذي بعثه الله من ذرية إسماعيل هو خاتم الأنبياء محمد رسول ﷺ.
وقال المسيح عليه السلام أيضا كما في سفر يوحنا: (وَمَتَى جَاءَ الْمُعَزِّي الَّذِي سَأُرْسِلُهُ أَنَا إِلَيْكُمْ مِنَ الآبِ، رُوحُ الْحَقِّ، الَّذِي مِنْ عِنْدِ الآبِ يَنْبَثِقُ، فَهُوَ يَشْهَدُ لِي. وَتَشْهَدُونَ أَنْتُمْ أَيْضًا لأَنَّكُمْ مَعِي مِنَ الابْتِدَاءِ). يوحنا 15: 26-27.
فمَن الذي شهدَ للمسيح بالرسالة، ونزَّهه عمّا افتراه اليهود عليه وعلى أُمِّهِ عليها السلام- سوى محمد رسول الله ﷺ؟ وقال المسيح: (إِنَّ لِي أُمُورًا كَثِيرَةً أَيْضًا لأَقُولَ لَكُمْ، وَلكِنْ لَا تَسْتَطِيعُونَ أَنْ تَحْتَمِلُوا الآنَ. وَأَمَّا مَتَى جَاءَ ذَاكَ، رُوحُ الْحَقِّ، فَهُوَ يُرْشِدُكُمْ إِلَى جَمِيعِ الْحَقِّ، لأَنَّهُ لَا يَتَكَلَّمُ مِنْ نَفْسِهِ، بَلْ كُلُّ مَا يَسْمَعُ يَتَكَلَّمُ بِهِ، وَيُخْبِرُكُمْ بِأُمُورٍ آتِيَةٍ. ذَاكَ يُمَجِّدُنِي، لأَنَّهُ يَأْخُذُ مِمَّا لِي وَيُخْبِرُكُمْ). يوحنا 16: 12 – 14.
وسجل الله على أهل الكتاب معرفتهم به، وأنهم يعرفونه كما يعرفون أبناءهم، فقال تعالى: ﴿ٱلَّذِينَ ءَاتَيۡنَٰهُمُ ٱلۡكِتَٰبَ يَعۡرِفُونَهُۥ كَمَا يَعۡرِفُونَ أَبۡنَآءَهُمۡۖ وَإِنَّ فَرِيقٗا مِّنۡهُمۡ لَيَكۡتُمُونَ ٱلۡحَقَّ وَهُمۡ يَعۡلَمُونَ ١٤٦﴾ [سورة البقرة:146].
كما سجل القرآن على النصارى أن المسيح عليه السلام كما أخبرهم بوصفه ومهمته –كما في النصوص السابقة- فقد نص على اسمه فقال تعالى: ﴿وَإِذۡ قَالَ عِيسَى ٱبۡنُ مَرۡيَمَ يَٰبَنِيٓ إِسۡرَٰٓءِيلَ إِنِّي رَسُولُ ٱللَّهِ إِلَيۡكُم مُّصَدِّقٗا لِّمَا بَيۡنَ يَدَيَّ مِنَ ٱلتَّوۡرَىٰةِ وَمُبَشِّرَۢا بِرَسُولٖ يَأۡتِي مِنۢ بَعۡدِي ٱسۡمُهُۥٓ أَحۡمَدُۖ فَلَمَّا جَآءَهُم بِٱلۡبَيِّنَٰتِ قَالُواْ هَٰذَا سِحۡرٞ مُّبِينٞ٦﴾ [سورة الصف:6].
ولمزيد من نصوص هذه البُشْرَيَاتِ الجميلة فيمكن للقارئ أن يطلع على الكتب التالية:
الدين والدولة في إثبات نبوة نبينا محمد ﷺ، تأليف علي بن ربّن الطبري، تحفة الأريب في الرد على عباد الصليب، تأليف عبد الله الترجمان، وكان اسمه قبل أن يسلم أنسلم تورميدا.
محمد في التوراة والإنجيل والقرآن، تأليف إبراهيم خليل أحمد، وكان اسمه قبل أن يسلم إبراهيم فيلبس.
محمد في الكتاب المقدس، تأليف عبد الأحد داود.
وهذه المؤلفات كان مؤلفوها نصارى ثم أسلموا ولله الحمد.
وليس العجب أن يسأل الإنسان ماذا قال المسيح عليه السلام عن نبينا محمد ﷺ، إنما العجب أن يعرف الإنسان أن الرسل والأنبياء جاءوا من عند الله، لغاية واحدة، وهي عبادة الله وحده دون ما سواه، وأنهم كلهم دعوا إلى الإيمان بالله، والإيمان بالبعث والحساب والجزاء، ثم لا يؤمن بالذي جاءوا به، هذا هو والله الخسران المبين، والهلاك الذي لا مرد له، وصلى الله وسلم على نبينا محمد.
وينظر: حبي العظيم للمسيح عليه السلام قادني إلى الإسلام ص169. وبشارة المسيح عليه السلام، لمحمد بن عبد الله السحيم.
***
السؤال:
هل بعث النبي محمد ﷺ بأي نوع من أنواع المعجزات؟
الإجــابة:
المراد بالمعجزة أنها خارق للعادة يظهرها الله على يد نبي، تكون برهانًا له بين يدي دعوته لقومه، كآية إبراهيم عليه السلام حينما ألقي في النار فكانت بردًا وسلامًا عليه، وكآيات موسى عليه السلام: ومنها العصا واليد والطوفان، وآية عيسى عليه السلام فكان يُبْرِئُ الأكمه والأبرص، ويحيي الموتى بإذن الله، وقد يرسل الله الرسول ولا يجعل معه آية خارقة؛ بل حال النبي واستقامته، وما جاء به من الوحي كافٍ للدلالة على أنه نبي من عند الله، فالناس تَتَبَيَّنُ الصادق من الكاذب؛ ولذا لما قدم النبي ﷺ المدينة قال عبد الله بن سلام: «انْجَفَلَ النَّاسُ عَلَيْهِ، فَكُنْتُ فِيمَنْ انْجَفَلَ، فَلَمَّا تَبَيَّنْتُ وَجْهَهُ عَرَفْتُ أَنَّ وَجْهَهُ لَيْسَ بِوَجْهِ كَذَّابٍ، فَكَانَ أَوَّلَ شَيْءٍ سَمِعْتُهُ يَقُولُ: أَفْشُوا السَّلَامَ، وَأَطْعِمُوا الطَّعَامَ، وَصِلُوا الأَرْحَامَ، وَصَلُّوا وَالنَّاسُ نِيَامٌ؛ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ بِسَلَامٍ» [مسند أحمد (23784) والترمذي (2485) وابن ماجه (1334)].
ولقد أيد الله أنبياءه ورسله عليهم السلام بالآيات البينات والحجج القاهرات، وتفاوتت هذه الآيات وتنوعت، لكن جعل الله آيات كل نبي كافية لأن يؤمن على مثلها البشر، وتقوم بها الحجة عليهم؛ فيعلمون أنه نبي مرسل من الله، قال النبي ﷺ: «مَا مِنَ الأَنْبِيَاءِ نَبِيٌّ إِلَّا أُعْطِيَ مِنَ الآيَاتِ مَا مِثْلُهُ آمَنَ، أَوْ يُؤْمِنُ، عَلَيْهِ الْبَشَرُ، وَإِنَّمَا كَانَ الَّذِي أُوتِيتُ وَحْيًا أَوْحَاهُ اللهُ إِلَيَّ، فَأَرْجُو أَنِّي أَكْثَرُهُمْ تَابِعًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ» [متفق عليه، صحيح البخاري (7274)، وصحيح مسلم (239)].
ولقد بعث نبينا ﷺ بمعجزات كثيرة، قال ابن كثير رحمه الله: «وقد جمع الأئمة في ذلك ما زاد على ألف معجزة، فمن أبهرها وأعظمها القرآن العزيز، الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، تنزيل من حكيم حميد، وإعجازه من جهة لفظه ومعناه، أما لفظه ففي أعلى غايات فصاحة الكلام، وكل من ازدادت معرفته بهذا الشأن ازداد للقرآن تعظيمًا في هذا الباب، وقد تحدى الفصحاء والبلغاء في زمانه مع شدة عداوتهم له، وحرصهم على تكذيبه، بأن يأتوا بمثله أو بعشر سور من مثله، أو بسورة، فعجزوا، وأخبرهم أنهم لا يطيقون ذلك أبدًا، بل قد تحدى الجن والإنس قاطبة على أن يأتوا بمثله فَعَجَزُوا، وأخبرهم بذلك، فقال الله تعالى: ﴿قُل لَّئِنِ ٱجۡتَمَعَتِ ٱلۡإِنسُ وَٱلۡجِنُّ عَلَىٰٓ أَن يَأۡتُواْ بِمِثۡلِ هَٰذَا ٱلۡقُرۡءَانِ لَا يَأۡتُونَ بِمِثۡلِهِۦ وَلَوۡ كَانَ بَعۡضُهُمۡ لِبَعۡضٖ ظَهِيرٗا ٨٨﴾ [سورة الإسراء:88]، إلى غير ذلك من الوجوه المثبتة لإعجازه، وأما معناه فإنه في غاية التعاضد والحكمة، والرحمة والمصلحة، والعاقبة الحميدة والاتفاق، وتحصيل أعلى المقاصد، وتبطيل المفاسد، إلى غير ذلك مما يظهر لمن له لب وعقل صحيح خال من الشبه والأهواء، نعوذ بالله منها ونسأله الهدى.
ومن ذلك أنه نشأ بين قوم يعرفون نسبه ومرباه ومدخله ومخرجه، يتيمًا بين أظهرهم أمينًا صادقًا بارًّا راشدًا، كلهم يعرف ذلك، ولا ينكره إلا من عاند وسفسط وكابر، وكان أُمِّيًّا لا يحسن الكتابة ولا يعانيها ولا أهلها، وليس في بلادهم من علم الأولين، ولا من يعرف شيئًا من ذلك، فجاءهم على رأس أربعين سنة من عمره، يخبر بما مضى مفصَّلًا مبينًا، يشهد له علماء الكتب المتقدمة البصيرون بها المهتدون بالصدق...، ومن ذلك ما أخبر ﷺ به في هذا القرآن، وفيما صح عنه من الأحاديث، من الغيوب المستقبلة المطابقة لخبره حذو القُذَّة بالقُذَّة، مما يطول استقصاؤه ههنا، ومن ذلك ما أظهره الله تعالى على يديه من خوارق العادات الباهرة، فمن ذلك: ما أخبر الله عز وجل عنه في كتابه العزيز من انشقاق القمر، وذلك أن المشركين سألوه آيةً، وكان ذلك ليلًا، فأشار إلى القمر، فصار فرقتين، فسألوا مَن حولهم مِن الأحياء؛ لئلا يكون قد سحرهم، فأخبروهم بمثل ما رأوا، وهذا متواتر عنه عند أهل العلم بالأخبار، وقد رواه غير واحد من الصحابة رضي الله عنهم أجمعين، ومن ذلك ما ظهر ببركة دعائه...، فمن ذلك أنه ﷺ دعا الله تعالى في السَّخْلةِ التي كانت مع ابن مسعود في الرعي، وسمى الله وحلبها، فَدَرَّت عليه، فشرب وسقى أبا بكر، وكذلك فعل في شاة أم معبد، ودعا للطفيل بن عمرو، فصارت آيَةً في طرف سوطه نُورًا يلمع يُرى مِن بُعد، وكذلك حصل لأُسيد بن الحُضير وعَبَّاد بن بِشر الأنصاري، وقد خرجا من عنده في ليلة ظلماء، ودعا الله على السبعة الذين سخروا منه وهو يصلي، فقُتِلوا ببدر، ودعا على ابن أبي لهب، فسلط الله عليه السبع بالشام وِفْقَ دعائه ﷺ، ودعا على سراقة فساخت يدا فرسه في الأرض، ثم دعا الله فأطلقها، ورمى كفار قريش في بدر بقبضة من حصباء فأصاب كلًّا منهم شيءٌ منها وهزمهم الله، وكذلك فعل يوم حنين، وأعطى يوم بدر لعكاشة بن محصن جَذْلًا من حطب فصار في يده سيفًا ماضيًا، وأخبر عمه العباس ـ وهو أسير ـ بما دفن هو وأم الفضل من المال تحت عتبة بابهم، فأقرَّ له بذلك، وأخبر عمير بن وهب بما جاء له من قَتْلِهِ معتذرًا بأنه جاء في فداء أسارى بدر، فاعترف له بذلك، وأسلم من وقته رضي الله عنه، وردَّ يومَ أحد عينَ قتادة بن النعمان الظفري بعد أن سالت على خده ـ وقيل: بعدما صارت في يده ـ فصارت أحسن عينيه، فلم تكن تُعرف من الأخرى، وأطعم يوم الخندق الجمَّ الغفيرَ الذين يقاربون ألفًا من سخلة وصاع شعير ببيت جابر، كما أطعم يومئذٍ من نزر يسير من تمر، جاءت به ابنة بشير، وكذلك أطعم نحو الثمانين من طعام كادت تواريه يده المكرَّمة، وكذلك فعل يوم أصبح عروسًا بزينب بنت جحش، وأما يوم تبوك فكان أمرًا هائلًا، أطعم الجيش ومَلَؤُوا كل وعاء معهم من قَدْرِ ربضة العنز طعامًا، وأعطى أبا هريرة رضي الله عنه مزودًا فأكل منه دهره، وجهَّز منه في سبيل الله شيئًا كثيرًا، ولم يزل معه إلى أيام مقتل عثمان...، ودعا الله تعالى لما قحطوا فلم ينزل عن المنبر حتى تحدر الماء على لحيته ﷺ من سقف المسجد، وقد كان قبله لا يرى في السماء سحابة ولا قزعة ولا قدر الكف، ثم لما استصحى لهم انجاب السحاب عن المدينة حتى صارت المدينة في مثل الإكليل، ودعا الله على قريش فأصابهم من الجهد ما لا يُعبَّر عنه، حتى استرحموه، فعطف عليهم فأفرج عنهم، وأُتي بإناء فيه ماء ليتوضأ به، فرغب إليه أقوام هناك أن يتوضؤوا معه فوضع يده في ذلك الإناء، فما وسعها، ثم دعا الله، فنبع الماء من بين أصابعه ﷺ، وكذلك فعل يوم الحديبية، وكان الجيش ألفًا وأربعمائة، قال جابر: «وَلَوْ كُنَّا مِائَةَ أَلْفٍ لَكَفَانَا»، وكذلك فعل في بعض أسفاره بقطرة من ماء في سقاء، قال الراوي: لما أمرني أن أفرغها في الوعاء خشيت أن يشربها يابس القربة. فوضع يده فيها، ودعا الله تعالى، فنبع الماء من بين أصابعه لأصحابه، حتى توضؤوا وشربوا. وكذلك بعث سهمه إلى عين الحديبية فوضعت فيها فجاشت بالماء حتى كفتهم.. وفيما ذكرنا كفاية إن شاء الله تعالى.
إن من أعظم الدلائل الدالة على نبوته ﷺ بقاء رسالته، كأنما أنزلت اليوم لم يشبها تحريف ولا تبديل، ودينه الذي لا يزال يطبق كما بلغه لأمته ﷺ، لم يتغير منه شيء، فالصلاة التي صلاها النبي ﷺ وكذا الزكاة والصيام والحج وسائر الشعائر الإسلامية يؤديها المسلمون كما أداها الرسول ﷺ، وأتباعه ﷺ لا يزالون محافظين على دينهم، ولا يزال يدخل في هذا الدين كل يوم أفواج من كل جنس ولغة، ويزداد أمره رسوخًا وانتشارًا، ووقوف من يبحث على حقيقته وعلى خيريته وصلاحه العقدي والأخلاقي وفي التعاملات والتشريعات.
وذلك كله ينافي تحذير المسيح عليه السلام عندما قال كما في إنجيل متى: "احترزوا من الأنبياء الكذبة الذين يأتونكم بثياب الحملان، ولكنهم من داخل ذئاب خاطفة، من ثمارهم تعرفونهم. هل يجتنون من الشوك عنبًا، أو من الحسك تينًا؟ هكذا كل شجرة جيدة تصنع أثمارًا جيدة، وأما الشجرة الردية فتصنع أثمارًا رديئة، لا تقدر شجرة جيدة أن تصنع أثمارًا رديئة، ولا شجرة رديئة أن تصنع أثمارًا جيدة. كل شجرة لا تصنع ثمرًا جيدًا تقطع وتلقى في النار. فإذًا من ثمارهم تعرفونهم" (مت7: 15-20).
فهذا والله من أعظم الشواهد والدلائل والمعجزات الدالة على صدق نبوته ﷺ، وكمال رسالته، وبقاء دينه إلى قيام الساعة. وصلى الله وسلم على نبينا محمد.
ينظر: الفصول في السيرة ص: 228-236.
***
السؤال:
هل صحيح أن النبي محمدًا ﷺ آخر الأنبياء والمرسلين؟ لو كان هذا صحيحًا، فما السبب وراء ذلك؟ ألا تعتقد أن البشرية بحاجة إلى المزيد من الأنبياء هذه الأيام؟
الإجــابة:
النبي محمد ﷺ هو خاتم النبيين عليهم الصلاة والسلام، ولما كان الدين الذي بُعث به أكمل الأديان كان من صفاته أنه صالح لكل زمان ومكان، والعلماء الربانيون ينشرون الدين للناس ويبينونه.
والسائل كأنه يقول لله رب العالمين: أنا أعلم منك؛ لِمَ لَمْ تجعل الرسالات متوالية؟ والله أعلم حيث يجعل رسالته، قال تعالى: ﴿وَإِذَا جَآءَتۡهُمۡ ءَايَةٞ قَالُواْ لَن نُّؤۡمِنَ حَتَّىٰ نُؤۡتَىٰ مِثۡلَ مَآ أُوتِيَ رُسُلُ ٱللَّهِۘ ٱللَّهُ أَعۡلَمُ حَيۡثُ يَجۡعَلُ رِسَالَتَهُۥۗ...﴾ [سورة الأنعام: 124].
وأخبرنا الله عز وجل أنه جعل الرسالات السابقة كرسالة إبراهيم وموسى وعيسى عليهم السلام رسالات خاصة لأقوامهم، وجعل لها أمدًا تنتهي بنهايته، ولم يتكفل الله بحفظها؛ بل وَكلَ حفظها إلى البشر فضيعوها، قال تعالى: ﴿إِنَّآ أَنزَلۡنَا ٱلتَّوۡرَىٰةَ فِيهَا هُدٗى وَنُورٞۚ يَحۡكُمُ بِهَا ٱلنَّبِيُّونَ ٱلَّذِينَ أَسۡلَمُواْ لِلَّذِينَ هَادُواْ وَٱلرَّبَّٰنِيُّونَ وَٱلۡأَحۡبَارُ بِمَا ٱسۡتُحۡفِظُواْ مِن كِتَٰبِ ٱللَّهِ وَكَانُواْ عَلَيۡهِ شُهَدَآءَۚ...﴾ [سورة المائدة: 44].
وقد أخبر الله رسله عليهم السلام أن الرسالات الإلهية ستنتهي برسالة نبينا محمد ﷺ، والله عز وجل جعل الرسالات الإلهية يتمم بعضها بعضًا، ويكمل المتأخر ما بناه المتقدم؛ ولذلك أخبر به النبي داود عليه السلام حيث قال: «الْحَجَرُ الَّذِي رَفَضَهُ الْبَنَّاؤُونَ قَدْ صَارَ رَأْسَ الزَّاوِيَةِ. مِنْ قِبَلِ الرَّبِّ كَانَ هذَا، وَهُوَ عَجِيبٌ فِي أَعْيُنِنَا» (مزامير: 118: 22). ومعنى هذه البشارة: أن الرسالات الإلهية أشبه شيء بالبناء، وأن كل نبي يكمل ما بدأه النبي الذي سبقه، حتى إذا تكاملت بعثة الأنبياء، ولم يبق إلا النبي الأخير، وقارب البناء على الكمال، ولم يتبق منه إلا لبنة واحدة، بعث الله رسوله وخليله محمدًا ﷺ؛ فكمل به الدين، وتمت به النعمة، وختمت النبوات، وتكامل البناء، فكان رسول الله ﷺ هو خاتم الأنبياء والمرسلين عليهم الصلاة والسلام، وهو الذي ضرب له المثل بالحجر المشار إليه في كلام داود عليه السلام.
وورد هذا الخبر في الأناجيل أيضًا، حيث جاء في الأناجيل البشارة بالنبي محمد ﷺ خاتم الأنبياء، وبيّن المسيح عليه السلام أن النبي الخاتم محمدًا ﷺ تكتمل ببعثته الرسالات الإلهية، ويكمل الدين، وتتم به النعمة، ولذا قال كما نقله متى: «قَالَ لَهُمْ يَسُوعُ: «أَمَا قَرَأْتُمْ قَطُّ فِي الْكُتُبِ: الْحَجَرُ الَّذِي رَفَضَهُ الْبَنَّاؤُونَ هُوَ قَدْ صَارَ رَأْسَ الزَّاوِيَةِ؟ مِنْ قِبَلِ الرَّبِّ كَانَ هذَا وَهُوَ عَجِيبٌ فِي أَعْيُنِنَا!» (متى: 42:21). وورد أيضًا هذا الخبر في رسالة بطرس الأولى: 7:2.
وبين رسول الله محمد ﷺ كيف أكمل ما بدأه الأنبياء قبله؟ وكيف كان عمله متممًا لعملهم؟ فقال ﷺ: «إِنَّ مَثَلِي وَمَثَلَ الأَنْبِيَاءِ مِنْ قَبْلِي، كَمَثَلِ رَجُلٍ بَنَى بَيْتًا فَأَحْسَنَهُ وَأَجْمَلَهُ، إِلَّا مَوْضِعَ لَبِنَةٍ مِنْ زَاوِيَةٍ، فَجَعَلَ النَّاسُ يَطُوفُونَ بِهِ، وَيَعْجَبُونَ لَهُ، وَيَقُولُونَ هَلَّا وُضِعَتْ هَذِهِ اللَّبِنَةُ؟ قَالَ: فَأَنَا اللَّبِنَةُ وَأَنَا خَاتِمُ النَّبِيِّينَ» [صحيح البخاري (3535) واللفظ له، وصحيح مسلم (2286)].
حتى إذا تم الدين واكتملت النعمة ببعثة نبينا محمد ﷺ؛ قال تعالى: ﴿...ٱلۡيَوۡمَ أَكۡمَلۡتُ لَكُمۡ دِينَكُمۡ وَأَتۡمَمۡتُ عَلَيۡكُمۡ نِعۡمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ ٱلۡإِسۡلَٰمَ دِينٗاۚ...﴾ [سورة المائدة: 3].
أما الرسول محمد ﷺ فقد قضى الله أنه رسول الله إلى الناس كافة، قال تعالى: ﴿وَمَآ أَرۡسَلۡنَٰكَ إِلَّا كَآفَّةٗ لِّلنَّاسِ بَشِيرٗا وَنَذِيرٗا وَلَٰكِنَّ أَكۡثَرَ ٱلنَّاسِ لَا يَعۡلَمُونَ٢٨﴾ [سورة سبأ: 28]، وقال تعالى: ﴿قُلۡ يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِنِّي رَسُولُ ٱللَّهِ إِلَيۡكُمۡ جَمِيعًا...﴾ [سورة الأعراف: 158]؛ ولذا فقد قضى أن تكون رسالة محمد ﷺ باقية إلى قيام الساعة، وكفل لها من التدابير الكونية والشرعية ما يحفظها ويجعلها باقية إلى قيام الساعة، ومن ذلك: أن الذين آمنوا بالرسول ﷺ في حياته وقابلوه وتلقوا عنه ونقلوا رسالته كانوا أكثر من مائة ألف، وهؤلاء حملوا عنه الرسالة لمن بعدهم، في حين كان عدد الحواريين الذين كانوا مع عيسى عليه السلام لم يزيدوا عن سبعين حواريًا، ولم يؤمن بموسى عليه السلام إلا القليل.
إن الرسالة المحمدية الخاتمة نقلت عبر الأجيال نقلًا متواترًا سواء ما يتعلق بالاعتقاد أو العبادات أو المعاملات أو السلوك والأحوال، ولذا يجد الإنسان اليوم أن الشعائر التي يتعبد بها المسلمون اليوم هي التي كان يطبقها صحابة الرسول ﷺ ورضي عنهم. كما أن الوحي الذي جاء به الرسول ﷺ سواء كان القرآن الكريم أو السنة النبوية محفوظ بحفظ الله لم يفقد منه حرف.
وإذا كان ذلك كذلك، والرسالة باقية محفوظة، وهي مناسبة لكل عصر وزمان، ومناسبة لكل بيئة، ويمكن تطبيقها تحت كل ظرف، فالناس في هذه الأيام بحاجة إلى التمسك بدينه ﷺ والعمل بسنته، ويكفيهم ذلك، ولو جاء نبي لكان من أمته ﷺ ولعمِل بشريعته، قال تعالى: ﴿وَإِذۡ أَخَذَ ٱللَّهُ مِيثَٰقَ ٱلنَّبِيِّـۧنَ لَمَآ ءَاتَيۡتُكُم مِّن كِتَٰبٖ وَحِكۡمَةٖ ثُمَّ جَآءَكُمۡ رَسُولٞ مُّصَدِّقٞ لِّمَا مَعَكُمۡ لَتُؤۡمِنُنَّ بِهِۦ وَلَتَنصُرُنَّهُۥۚ قَالَ ءَأَقۡرَرۡتُمۡ وَأَخَذۡتُمۡ عَلَىٰ ذَٰلِكُمۡ إِصۡرِيۖ قَالُوٓاْ أَقۡرَرۡنَاۚ قَالَ فَٱشۡهَدُواْ وَأَنَا۠ مَعَكُم مِّنَ ٱلشَّٰهِدِينَ٨١﴾ [سورة آل عمران: 81]. وصلى الله وسلم على نبينا محمد.
***
السؤال:
هل صحيح أن المسلمين يعبدون النبي محمدًا ﷺ؟
الإجــابة:
غير صحيح، المسلمون يعبدون الله وحده لا شريك له، ومن عبد مع الله غيره أو عبد غير الله فهو كافر، وليس بمسلم، والمسلمون يقولون في صلاتهم: أشهد أن لَا إله إِلَّا الله وأن محمدًا عبده ورسوله ﷺ.
كما أن الكتاب الذي جاء به الرسول محمد ﷺ مملوء بالأدلة العقلية التي تبين بطلان الشرك، وفساد سعي المشرك من مثل قوله تعالى: ﴿لَوۡ كَانَ فِيهِمَآ ءَالِهَةٌ إِلَّا ٱللَّهُ لَفَسَدَتَاۚ فَسُبۡحَٰنَ ٱللَّهِ رَبِّ ٱلۡعَرۡشِ عَمَّا يَصِفُونَ٢٢﴾ [سورة الأنبياء: 22].
فالمسلمون يتبعون النبي ﷺ ولا يعبدونه، وقال النبي ﷺ: «اللَّهُمَّ لَا تَجْعَلْ قَبْرِي وَثَنًا، لَعَنَ اللَّهُ قَوْمًا اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ» [رواه أحمد (7358)]، وهو حديث حسن.
وحذر النبي ﷺ أمته من الغلو فيه ومجاوزة الحد فقال ﷺ: «لَا تُطْرُونِي كَمَا أَطْرَتِ النَّصَارَى ابْنَ مَرْيَمَ، فَإِنَّمَا أَنَا عَبْدُهُ، فَقُولُوا: عَبْدُ اللهِ وَرَسُولُهُ» [صحيح البخاري (3445)].
وبين النبي ﷺ لابنته رضي الله عنها وهي أقرب الناس إليه، ولغيرها من ذوي قرابته أنه لا يغني عنهم من الله شيئًا يوم القيامة، فقال ﷺ: حين أنزل عليه: ﴿وَأَنذِرۡ عَشِيرَتَكَ ٱلۡأَقۡرَبِينَ ٢١٤﴾ [سورة الشعراء: 214] «يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ، اشْتَرُوا أَنْفُسَكُمْ مِنَ اللهِ، لَا أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللهِ شَيْئًا، يَا بَنِي عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، لَا أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللهِ شَيْئًا، يَا عَبَّاسُ بْنَ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، لَا أُغْنِي عَنْكَ مِنَ اللهِ شَيْئًا، يَا صَفِيَّةُ عَمَّةَ رَسُولِ اللهِ، لَا أُغْنِي عَنْكِ مِنَ اللهِ شَيْئًا، يَا فَاطِمَةُ بِنْتَ رَسُولِ اللهِ، سَلِينِي مَا شِئْتِ، لَا أُغْنِي عَنْكِ مِنَ اللهِ شَيْئًا» [متفق عليه، صحيح البخاري، 2753، وصحيح مسلم، 351].
فلو كان الرسول ﷺ يريد منهم أن يعبدوه لما بين لهم أنه لا ينفعهم، ولقد أنزل الله إليه في القرآن العظيم الذي يتلوه المسلمون قوله تعالى: ﴿وَلَقَدۡ أُوحِيَ إِلَيۡكَ وَإِلَى ٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِكَ لَئِنۡ أَشۡرَكۡتَ لَيَحۡبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ ٱلۡخَٰسِرِينَ ٦٥﴾ [سورة الزمر: 65]، فكيف مع هذا كله يُظَنُّ أن المسلمين يعبدونه. وصلى الله وسلم على نبينا محمد.
***
(قسم ما يتعلق بغير المسلمين والشرك والعبادة)
السؤال:
لماذا ينبغي على المرء عبادة الله تعالى؟
الإجــابة:
الجواب على هذا السؤال جواب عظيم يتطلب بسطًا وتفصيلًا كثيرًا، لكننا سنختصر قدر الإمكان، فنقول وبالله التوفيق:
إن التدين أمر ضروري بمعنى أن النفس تطلبه، والروح تهفو إليه، والعقل يفرضه، ولا يقبل أن يعيش الإنسان بلا دين؛ ولذا ترى كل الأمم تتعبد، وكونها تتعبد ليس معنى هذا أن عبادتها صحيحة، بل يدل ذلك على أن التعبد أمر فطري ضروري.
إن الله سبحانه وتعالى له الأسماء الحسنى والصفات العُلا، وهو الرب الرازق المدبر المالك المحيي المميت، وهو المتفضل علينا بكل النعم التي نعرفها والتي لا نعرفها، وإذا كان ذلك كذلك، والإنسان مضطر للعبادة، فيجب أن يعبد من يستحق العبادة وهو الله سبحانه، قال تعالى: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱعۡبُدُواْ رَبَّكُمُ ٱلَّذِي خَلَقَكُمۡ وَٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِكُمۡ لَعَلَّكُمۡ تَتَّقُونَ ٢١ ٱلَّذِي جَعَلَ لَكُمُ ٱلۡأَرۡضَ فِرَٰشٗا وَٱلسَّمَآءَ بِنَآءٗ وَأَنزَلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءٗ فَأَخۡرَجَ بِهِۦ مِنَ ٱلثَّمَرَٰتِ رِزۡقٗا لَّكُمۡۖ فَلَا تَجۡعَلُواْ لِلَّهِ أَندَادٗا وَأَنتُمۡ تَعۡلَمُونَ٢٢﴾ [سورة البقرة:21-22].
إن الإنسان بحاجة إلى الهداية في كل أموره، والله هو الهادي، فإذا كان لا يعبده فكيف يستهديه، والمسلم في كل صلاة يقول كما قال تعالى: ﴿إِيَّاكَ نَعۡبُدُ وَإِيَّاكَ نَسۡتَعِينُ ٥ ٱهۡدِنَا ٱلصِّرَٰطَ ٱلۡمُسۡتَقِيمَ ٦ صِرَٰطَ ٱلَّذِينَ أَنۡعَمۡتَ عَلَيۡهِمۡ غَيۡرِ ٱلۡمَغۡضُوبِ عَلَيۡهِمۡ وَلَا ٱلضَّآلِّينَ ٧﴾ [سورة الفاتحة:5-7]، وإذا لم يهده الله تعسرت أموره.
إن الإنسان بطبعه ينشد الحياة الطيبة الهانئة، والحياة الطيبة لا تتوفر إلا لأهل الإيمان، قال تعالى: ﴿مَنۡ عَمِلَ صَٰلِحٗا مِّن ذَكَرٍ أَوۡ أُنثَىٰ وَهُوَ مُؤۡمِنٞ فَلَنُحۡيِيَنَّهُۥ حَيَوٰةٗ طَيِّبَةٗۖ وَلَنَجۡزِيَنَّهُمۡ أَجۡرَهُم بِأَحۡسَنِ مَا كَانُواْ يَعۡمَلُونَ ٩٧﴾ [سورة النحل:97]، والحياة الطيبة يتحقق للإنسان فيها الطمأنينة والرضى والسلام.
إن طبيعة الحياة فيها المصائب والابتلاء، والإيمان وعبادة الله تمنح صاحبها –بإذن الله- التوازن عند البلاء؛ حتى لا يفقد توازنه عند المصيبة، فالإيمان يكسب المرء الثبات والصبر، قال تعالى: ﴿مَآ أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٖ فِي ٱلۡأَرۡضِ وَلَا فِيٓ أَنفُسِكُمۡ إِلَّا فِي كِتَٰبٖ مِّن قَبۡلِ أَن نَّبۡرَأَهَآۚ إِنَّ ذَٰلِكَ عَلَى ٱللَّهِ يَسِيرٞ ٢٢﴾ [سورة الحديد:22]، وقال تعالى: ﴿مَآ أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذۡنِ ٱللَّهِۗ وَمَن يُؤۡمِنۢ بِٱللَّهِ يَهۡدِ قَلۡبَهُۥۚ وَٱللَّهُ بِكُلِّ شَيۡءٍ عَلِيمٞ ١١﴾ [سورة التغابن:11]
إن الإنسان بحاجة إلى أن ينال رضى ربه وخالقه عنه في الحياة الدنيا وفي الآخرة، ولا يتحقق رضى الرب إلا لمن آمن به وعبده كما أمره، قال تعالى: ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ أُوْلَٰٓئِكَ هُمۡ خَيۡرُ ٱلۡبَرِيَّةِ ٧ جَزَآؤُهُمۡ عِندَ رَبِّهِمۡ جَنَّٰتُ عَدۡنٖ تَجۡرِي مِن تَحۡتِهَا ٱلۡأَنۡهَٰرُ خَٰلِدِينَ فِيهَآ أَبَدٗاۖ رَّضِيَ ٱللَّهُ عَنۡهُمۡ وَرَضُواْ عَنۡهُۚ ذَٰلِكَ لِمَنۡ خَشِيَ رَبَّهُۥ ٨﴾ [سورة البينة:7-8].
إن الإيمان بالله وعبادته تمنح المرء معيارًا يميز به بين الحق والباطل، والهدى والضلال، والإنسان في كل أحواله محتاج لهذا المعيار؛ لئلا يعطي أمرًا فوق ما يستحق، أو يعظم مالا يستحق التعظيم، أو يقصر فيما حقه الإجلال والاتباع.
إن الإنسان له أجلٌ ولا بد أن يلاقيه، وتحضره ساعة الموت، والموت بذاته أمر مريع، ولكن يختلف موت المؤمن العابد لربه، عن موت الكافر، وتأمل هاتين النهايتين للمؤمن والكافر، قال تعالى: ﴿وَجِاْيٓءَ يَوۡمَئِذِۭ بِجَهَنَّمَۚ يَوۡمَئِذٖ يَتَذَكَّرُ ٱلۡإِنسَٰنُ وَأَنَّىٰ لَهُ ٱلذِّكۡرَىٰ ٢٣ يَقُولُ يَٰلَيۡتَنِي قَدَّمۡتُ لِحَيَاتِي ٢٤ فَيَوۡمَئِذٖ لَّا يُعَذِّبُ عَذَابَهُۥٓ أَحَدٞ ٢٥ وَلَا يُوثِقُ وَثَاقَهُۥٓ أَحَدٞ ٢٦ يَٰٓأَيَّتُهَا ٱلنَّفۡسُ ٱلۡمُطۡمَئِنَّةُ ٢٧ ٱرۡجِعِيٓ إِلَىٰ رَبِّكِ رَاضِيَةٗ مَّرۡضِيَّةٗ ٢٨ فَٱدۡخُلِي فِي عِبَٰدِي ٢٩ وَٱدۡخُلِي جَنَّتِي ٣٠﴾ [سورة الفجر:23-30]، وقال تعالى: ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ قَالُواْ رَبُّنَا ٱللَّهُ ثُمَّ ٱسۡتَقَٰمُواْ تَتَنَزَّلُ عَلَيۡهِمُ ٱلۡمَلَٰٓئِكَةُ أَلَّا تَخَافُواْ وَلَا تَحۡزَنُواْ وَأَبۡشِرُواْ بِٱلۡجَنَّةِ ٱلَّتِي كُنتُمۡ تُوعَدُونَ ٣٠﴾ [سورة فصلت:30]، وقال تعالى: ﴿وَلَوۡ تَرَىٰٓ إِذۡ يَتَوَفَّى ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ ٱلۡمَلَٰٓئِكَةُ يَضۡرِبُونَ وُجُوهَهُمۡ وَأَدۡبَٰرَهُمۡ وَذُوقُواْ عَذَابَ ٱلۡحَرِيقِ٥٠﴾ [سورة الأنفال:50].
أخبر الله وخبره الصدق، ووعد ووعده الحق، أن الله سيبعث من في القبور، وأقام على ذلك الشواهد التي لا تحصى، وهي مبسوطة في القرآن العظيم، ولابد للإنسان من يوم يُساق إلى ربه، فمن كان مؤمنًا فله النعيم المقيم، في جنة الخلد، ومن كان عاصيًا فله العذاب المقيم، في نار جهنم.
***
السؤال:
لماذا يرسل الله الرسل ولا يكتفي بأن يعرف الناس خالقهم بعقولهم؟
الإجابة:
إن الله سبحانه وتعالى لم يترك الناس هملًا، بل أرسل إليهم الرسل مبشّرين ومنذرين، ليبينوا للناس طريق الهدى، ويفصّلوا لهم ما أجمله العقل والفطرة. فالعقل السليم والفطرة المستقيمة يدلان على وجود الخالق ووجوب عبادته، لكنهما عاجزان عن تحديد تفاصيل تلك العبادة، ولا يستطيعان بمفردهما أن يحددا ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأفعال، وما يكرهه وينهى عنه.
الرسل هم الوسيط بين الله وخلقه، يحملون الوحي الذي يُعرِّف الناس بصفات ربهم وأسمائه، وبما يجب لهم عليه من حقوق، ويضعون المنهج الصحيح الذي يضبط حياة البشر في عباداتهم ومعاملاتهم وأخلاقهم. قال تعالى: ﴿رُّسُلٗا مُّبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى ٱللَّهِ حُجَّةُۢ بَعۡدَ ٱلرُّسُلِۚ وَكَانَ ٱللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمٗا١٦٥﴾ [النساء: 165]، فالحجة تقوم على الناس بالوحي، ولا يكفي مجرد العقل ليقوم مقام الرسالة.
ومن حكمة إرسال الرسل أيضًا أن عقول الناس متفاوتة، وما يعده بعضهم حسنًا قد يراه غيرهم قبيحًا، فلو تُركوا للعقل وحده لاختلفت الموازين، ولضاعت الغاية، وضل الناس عن الحق. ومن هنا جاء الوحي؛ ليكون المرجع الثابت الذي لا يتغير بتغير الزمان والمكان، ويضبط الفطرة ويهذب العقل، ويبين له حدود عمله.
والرسل ليسوا مجرد مبلغين لأوامر ونواهيَ، بل هم قدوات عملية، يجسدون الدين في حياتهم، ويعطون البشر المثل الأعلى في الطاعة والعبودية. قال تعالى: ﴿لَّقَدۡ كَانَ لَكُمۡ فِي رَسُولِ ٱللَّهِ أُسۡوَةٌ حَسَنَةٞ...﴾. فالرسول لا ينقل العلم فقط، بل يربي النفوس ويرشدها بالفعل والقول معًا.
أما الاعتراض القائل: “لماذا لم يكتف الله بأن يجعل العقل وحده كافيًا؟” فالجواب أن الله لو فعل ذلك لوقع الناس في الحيرة والاختلاف، ولما قامت عليهم الحجة التامة. ثم إن العقل كما هو أداة إدراك، فهو محدود بحدود الحس والتجربة، ولا يستطيع أن يخترق الغيب. ولذا جاء الوحي مكملًا للعقل، هاديًا له، ومخرجًا للبشر من الظلمات إلى النور.
ولذلك فإن إرسال الرسل ضرورة منطقية وشرعية، لتمام هداية الإنسان وتثبيت الفطرة وضبط العقل. فالعقل يدل على الخالق، والرسل يبينون شرعه ومراده، ومن اجتمع له نور العقل ونور الوحي فقد اهتدى إلى الصراط المستقيم.
***
السؤال:
لماذا نعبد إلهًا لا نراه؟
الإجابة:
قد يتساءل بعض الناس: كيف نعبد ربًا لا تدركه أبصارنا؟ أليس الأولى أن يكون محسوسًا مرئيًا حتى نؤمن به؟
أولًا: عدم رؤية الله لا ينفي وجوده
هناك أشياء كثيرة لا نراها ومع ذلك نتيقن وجودها بالعقل والحس والآثار، كالهواء، والكهرباء، وقوة الجاذبية. نرى آثارها فنوقن بها. وكذلك الله سبحانه نرى آثار خلقه وقدرته وعظمته في الكون، فوجوده أظهر من أن يحتاج إلى رؤيته بالعين، قال تعالى: ﴿...أَفِي ٱللَّهِ شَكّٞ فَاطِرِ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۖ...﴾ [إبراهيم: 10].
ثانيًا: الله أعظم من أن تُدركه الأبصار
الله جل وعلا كامل مطلق، لا يشبه المخلوقات، ولا تحيط به الحواس، فالعجز عن رؤيته في الدنيا ليس نقصًا فيه، بل هو لعظمته وعلو شأنه، وقد قال تعالى: ﴿لَّا تُدۡرِكُهُ ٱلۡأَبۡصَٰرُ وَهُوَ يُدۡرِكُ ٱلۡأَبۡصَٰرَۖ وَهُوَ ٱللَّطِيفُ ٱلۡخَبِيرُ١٠٣﴾ [الأنعام: 103].
ثالثًا: الحكمة من الإيمان بالغيب
الإيمان بالغيب من أعظم صفات المتقين، قال تعالى: ﴿ٱلَّذِينَ يُؤۡمِنُونَ بِٱلۡغَيۡبِ...﴾ [البقرة: 3] فالتصديق بالغيب يربي في الإنسان الصدق والإخلاص، ويختبر حقيقته، هل يعبد الله عن يقين وتسليم، أم لا يعبد إلا ما تدركه حواسه؟ وهذا من مقاصد الابتلاء في الدنيا.
رابعًا: وعد الله المؤمنين برؤيته في الآخرة
المؤمنون يُحرمون من رؤية الله في الدنيا امتحانًا لهم، لكن أعظم نعيم في الجنة أن يُكرمهم الله بالنظر إلى وجهه الكريم، كما قال تعالى: ﴿وُجُوهٞ يَوۡمَئِذٖ نَّاضِرَةٌ ٢٢ إِلَىٰ رَبِّهَا نَاظِرَةٞ ٢٣﴾ [القيامة: 22-23].
وقد قال النبي ﷺ: «إِنَّكُمْ سَتَرَوْنَ رَبَّكُمْ كَمَا تَرَوْنَ الْقَمَرَ لَيْلَةَ الْبَدْرِ، لَا تُضَامُونَ فِي رُؤْيَتِهِ». فحرمان الرؤية في الدنيا يقابله أعظم عطية في الآخرة.
إذن عبادتنا لله مع أننا لا نراه في الدنيا ليست غرابة ولا نقصًا، بل هي مقتضى عظمته، وميدان امتحاننا في الإيمان بالغيب. وجوده ثابت بالدلائل العقلية والفطرية والكونية والشرعية، ولو رآه الناس عيانًا لما بقي للاختبار معنى، ولأصبح الإيمان قهرًا لا اختيارًا. وقد اقتضت حكمة الله أن يكون الإيمان في الدنيا غيبًا، حتى يتميز الصادقون من الكاذبين، والمخلصون من المدعين.
ورؤيته أعظم نعيم يدخره الله لعباده في الآخرة، فيكون الإيمان به الآن برهان صدق العبد، ويكون النظر إلى وجهه الكريم يوم القيامة جزاء هذا الصدق.
***
السؤال:
لماذا يدخل غير المسلمين النار حتى لو كانوا طيبين؟
الإجابة:
قد يُثار هذا السؤال كثيرًا: كيف يدخل النار مَن عاش حياة طيبة، يتعامل بالصدق والإحسان، لكنه لم يكن مسلمًا؟ أليس هذا ظلمًا؟
إن أعظم الحقوق هو حق الله في التوحيد فالإنسان قد يُحسن مع الخلق، لكن إذا جحد خالقه الذي أنعم عليه بكل شيء، فقد ضيّع أعظم الحقوق. فحق الله أعظم من حق العباد، وهو أن يُعبد وحده لا شريك له. قال تعالى: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ لَا يَغۡفِرُ أَن يُشۡرَكَ بِهِۦ وَيَغۡفِرُ مَا دُونَ ذَٰلِكَ لِمَن يَشَآءُۚ...﴾ [النساء: 48]. فمن جحد التوحيد، لم يُقبل منه أي عمل مهما كان.
والله لا يقبل عملًا إلا بشرطين: الإيمان به، والإخلاص له. فمن فقد الإيمان، لم يقبل عمله ولو كان فيه خير للناس. قال تعالى: ﴿وَقَدِمۡنَآ إِلَىٰ مَا عَمِلُواْ مِنۡ عَمَلٖ فَجَعَلۡنَٰهُ هَبَآءٗ مَّنثُورًا٢٣﴾ [الفرقان: 23].
ومن فعل خيرًا وهو غير مسلم، فقد يجازيه الله في الدنيا: بالراحة النفسية، أو السمعة الحسنة، أو المال، أو الأولاد. قال النبي ﷺ: «إِنَّ الْكَافِرَ إِذَا عَمِلَ حَسَنَةً أُطْعِمَ بِهَا طُعْمَةً مِنَ الدُّنْيَا». أما في الآخرة فلا ينفعه عمل بلا إيمان.
والله عادل لا يعذب أحدًا إلا بعد أن تبلغه الحجة ويُعرض عنها. قال تعالى: ﴿...وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّىٰ نَبۡعَثَ رَسُولٗا١٥﴾ [الإسراء: 15]. فمَن عاش ولم تصله الدعوة الصحيحة، فحكمه إلى الله يوم القيامة، يُمتحن بما يبيّن عدل الله ورحمته.
والطيبة مع الناس لا تنفع من كفر بخالقه. فهي أشبه بموظف مخلص لزملائه لكنه ينكر وجود مدير الشركة الذي وظّفه. فالمشكلة ليست في معاملته لزملائه، بل في جحوده لصاحب الحق الأكبر.
ودخول النار لمن مات على الكفر ليس ظلمًا، بل هو عدل الله؛ لأن أعظم ذنب هو جحد التوحيد. ومع ذلك، فالله لا يظلم أحدًا: من بلغه الحق فأعرض استحق العقوبة، ومن لم تبلغه الحجة فحكمه إلى الله. والعدل الكامل سيتجلى يوم القيامة حيث لا يُظلم أحد مثقال ذرة.
***
السؤال:
ما موقف الإسلام من غير المسلمين الذين لا يحاربون الإسلام؟
الإجــابة:
موقف الإسلام من غير المسلمين مبيَّنٌ في قول الله تعالى: ﴿لَّا يَنۡهَىٰكُمُ ٱللَّهُ عَنِ ٱلَّذِينَ لَمۡ يُقَٰتِلُوكُمۡ فِي ٱلدِّينِ وَلَمۡ يُخۡرِجُوكُم مِّن دِيَٰرِكُمۡ أَن تَبَرُّوهُمۡ وَتُقۡسِطُوٓاْ إِلَيۡهِمۡۚ إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلۡمُقۡسِطِينَ٨﴾ [الممتحنة: 8]، ويدخل في البر بهم الإحسان إليهم، والصدقة عليهم، وحسن مجاورتهم، وإعانتهم على قضاء حوائجهم، ومشاركتهم مناسباتهم التي لا تكون مرتبطة بدينهم، وإجابة دعوتهم في مناسباتهم كالزواج وغيره، شريطة يأمن المرء فيها على دينه، وألا يظهروا فيها منكرًا كشرب الخمر، فعن أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنهما قالت: قَدِمَتْ عَلَيَّ أُمِّي وَهِيَ مُشْرِكَةٌ فِي عَهْدِ قُرَيْشٍ إِذْ عَاهَدُوهُمْ، فَاسْتَفْتَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، قَدِمَتْ عَلَيَّ أُمِّي وَهِيَ رَاغِبَةٌ، أَفَأَصِلُ أُمِّي؟ قَالَ: «نَعَمْ، صِلِي أُمَّكِ» [رواه البخاري (2620) ومسلم (1003)].
ومن أعظم الإحسان إليهم والبر بهم دعوتهم إلى الإسلام، ولا شك أن الدعوة إلى الإسلام تكون على مراحل كما هو مفصل في كتب الدعوة وكتب الفقه.
والكافر الذمي أو المعاهد له حقوق على المسلمين، فلا تجوز أذيَّتُه فضلًا عن قتله، قال رسول الله ﷺ: «مَنْ قَتَلَ مُعَاهَدًا لَمْ يَرَحْ رَائِحَةَ الْجَنَّةِ، وَإِنَّ رِيحَهَا تُوجَدُ مِنْ مَسِيرَةِ أَرْبَعِينَ عَامًا» [رواه البخاري (3166)]، فالإسلام دين العدل والوسطية والرحمة.
***
(قسم الأديان والفرق)
السؤال:
لماذا ينقسم المسلمون إلى أحزاب ومذاهب فـي حين أنهم يتبعون كتابًا واحدًا؟
الإجــابة:
الإجابة عن هذا السؤال تكون في نقاط خمس، وهي:
أولًا: التفرق والاختلاف سنة كونية خلق الله البشرية عليها، قال تعالى: ﴿وَلَوۡ شَآءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ ٱلنَّاسَ أُمَّةٗ وَٰحِدَةٗۖ وَلَا يَزَالُونَ مُخۡتَلِفِينَ ١١٨ إِلَّا مَن رَّحِمَ رَبُّكَۚ وَلِذَٰلِكَ خَلَقَهُمۡۗ وَتَمَّتۡ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَأَمۡلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ ٱلۡجِنَّةِ وَٱلنَّاسِ أَجۡمَعِينَ ١١٩﴾ [سورة هود: 118-119].
وعن أبي هريرة رضي الله عنه، أن رسول الله ﷺ قال: «تَفَرَّقَتِ الْيَهُودُ عَلَى إِحْدَى وَسَبْعِينَ أَوِ اثْنَتَيْنِ وَسَبْعِينَ فِرْقَةً، وَالنَّصَارَى مِثْلَ ذَلِكَ، وَتَفْتَرِقُ أُمَّتِي عَلَى ثَلَاثٍ وَسَبْعِينَ فِرْقَةً» [أخرجه الترمذي، وقال: حديث حسن صحيح].
ثانيًا: أن الاختلاف لا يعاب به الدين الذي اختلف عليه أتباعه إذا كان حقًا من عند الله، وإنما يذم من فارق الدين الحق وترك الجماعة.
ثالثًا: أن الرسول ﷺ بين لنا من نتبع إذا اختلف الناس؟ ومع من نكون؟ والحق مع من إذا كثر المختلفون؟ وبيّن بعد أن ذكر التفرق أن كل الفرق على ضلالة، إلا فرقة واحدة هي التي على الحق، فقال ﷺ: «كُلُّهُمْ فِي النَّارِ إِلَّا مِلَّةً وَاحِدَةً»، قَالُوا: وَمَنْ هِيَ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: «مَا أَنَا عَلَيْهِ وَأَصْحَابِي» [سنن الترمذي (2641)].
وقال ﷺ: «إِنَّ أَهْلَ الْكِتَابَيْنِ افْتَرَقُوا فِي دِينِهِمْ عَلَى اثْنَتَيْنِ وَسَبْعِينَ مِلَّةً، وَإِنَّ هذِهِ الأُمَّةَ سَتَفْتَرِقُ عَلَى ثَلَاثٍ وَسَبْعِينَ مِلَّةً – يَعْنِي: الأَهْوَاءَ – كُلُّهَا فِي النَّارِ إِلَّا وَاحِدَةً، وَهِيَ الْجَمَاعَةُ» [مسند أحمد (16937) وأبي داود (4597)].
وقال ﷺ: «فَإِنَّهُ مَنْ يَعِشْ مِنْكُمْ فَسَيَرَى اخْتِلَافًا كَثِيرًا، وَإِيَّاكُمْ وَمُحْدَثَاتِ الأُمُورِ، فَإِنَّهَا ضَلَالَةٌ، فَمَنْ أَدْرَكَ ذَلِكَ مِنْكُمْ فَعَلَيْهِ بِسُنَّتِي وَسُنَّةِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ الْمَهْدِيِّينَ، عَضُّوا عَلَيْهَا بِالنَّوَاجِذِ» [سنن الترمذي (2676، وسنن ابن ماجه 43)، وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح].
وهذه الطائفة هي التي تمثل الإسلام الحق، وهو ما كان عليه النبي ﷺ وأصحابه في كل مناحي الحياة، وهم أهل السنة والجماعة.
رابعًا: أن اليهود والنصارى اختلفوا فلم تبق منهم طائفة على الحق، بينما في هذا الدين وفي الأمة الإسلامية لا تزال طائفة من الأمة على الدين الصحيح حتى يأتي أمر الله كما بَشَّر بذلك الرسول ﷺ: «لَا تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي ظَاهِرِينَ عَلَى الْحَقِّ، لَا يَضُرُّهُمْ مَنْ خَذَلَهُمْ، حَتَّى يَأْتِيَ أَمْرُ اللهِ وَهُمْ كَذَلِكَ» [صحيح مسلم (170)].
وكما قال تعالى: ﴿يُرِيدُونَ لِيُطۡفِـُٔواْ نُورَ ٱللَّهِ بِأَفۡوَٰهِهِمۡ وَٱللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِۦ وَلَوۡ كَرِهَ ٱلۡكَٰفِرُونَ ٨ هُوَ ٱلَّذِيٓ أَرۡسَلَ رَسُولَهُۥ بِٱلۡهُدَىٰ وَدِينِ ٱلۡحَقِّ لِيُظۡهِرَهُۥ عَلَى ٱلدِّينِ كُلِّهِۦ وَلَوۡ كَرِهَ ٱلۡمُشۡرِكُونَ٩﴾ [سورة الصف: 8-9].
خامسًا: أن الاختلاف في الإسلام على نوعين: اختلاف سائغ، ولا يعتبر المخالف فيه ضالًّا أو منحرفًا، وذلك كالخلاف في بعض المسائل الفقهية، أي: الأحكام الفرعية العملية، كمسائل الطهارة والصلاة والبيوع والقضاء، ومن أسباب هذا الاختلاف تفاوت الفهوم، فمن الناس من يكون عقله وفهمه واسعًا ودقيقًا فيهتدي لما لا يهتدي له غيره، وقد يكون السبب خفاء الدليل، مع أسباب أخرى، وهذا النوع من المسائل التي وقع فيها الاختلاف هي مما يكون مجالًا لاجتهاد العلماء.
والنوع الثاني: اختلاف محرم، جاء ذَمُّهُ في عدة آيات، منها: قوله تعالى: ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ فَرَّقُواْ دِينَهُمۡ وَكَانُواْ شِيَعٗا لَّسۡتَ مِنۡهُمۡ فِي شَيۡءٍۚ إِنَّمَآ أَمۡرُهُمۡ إِلَى ٱللَّهِ ثُمَّ يُنَبِّئُهُم بِمَا كَانُواْ يَفۡعَلُونَ ١٥٩﴾ [سورة الأنعام: 159]، وقوله تعالى: ﴿مِنَ ٱلَّذِينَ فَرَّقُواْ دِينَهُمۡ وَكَانُواْ شِيَعٗاۖ كُلُّ حِزۡبِۭ بِمَا لَدَيۡهِمۡ فَرِحُونَ ٣٢﴾ [سورة الروم: 32]، وهو الاختلاف في المسائل الكبرى من مسائل الاعتقاد، كالنبوة والإيمان والقدر والصفات والصحابة، فمن الفِرَق ما يُعْتَبَرُ خلافهم في هذه المسائل مُخرِجًا لهم من دائرة الإسلام؛ لمناقضته إجماع السلف، ومنها ما لا يعتبر كذلك.
وصلى الله وسلم على نبينا محمد.
***
السؤال:
هل يقبل الإسلام العقائد الأخرى؟
الإجــابة:
يجب أن نفرق بين العقائد والأشخاص الذين يحملون هذه العقائد، فنقول: كل عقيدة مخالفة لدين الأنبياء والمرسلين كاليهودية والنصرانية والبوذية والهندوسية وما شابهها؛ فهي عقائد باطلة فاسدة، وهي مرذولة ومردودة عند الله، ولا يقبل من أهلها صرفًا ولا عدلًا؛ حتى يؤمنوا بالله وحده ويشهدوا ألا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله ﷺ، وهي كلها أديان باطلة عند الله، قال تعالى: ﴿وَمَن يَبۡتَغِ غَيۡرَ ٱلۡإِسۡلَٰمِ دِينٗا فَلَن يُقۡبَلَ مِنۡهُ وَهُوَ فِي ٱلۡأٓخِرَةِ مِنَ ٱلۡخَٰسِرِينَ٨٥﴾ [سورة آل عمران: 85]، والدين الحق المعتبر عند الله هو الإسلام، قال تعالى: ﴿إِنَّ ٱلدِّينَ عِندَ ٱللَّهِ ٱلۡإِسۡلَٰمُۗ وَمَا ٱخۡتَلَفَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلۡكِتَٰبَ إِلَّا مِنۢ بَعۡدِ مَا جَآءَهُمُ ٱلۡعِلۡمُ بَغۡيَۢا بَيۡنَهُمۡۗ وَمَن يَكۡفُرۡ بِـَٔايَٰتِ ٱللَّهِ فَإِنَّ ٱللَّهَ سَرِيعُ ٱلۡحِسَابِ ١٩﴾ [سورة آل عمران: 19].
أما متبعو هذه الأديان فيجب على المسلم تجاههم أمور:
الأول: دعوتهم إلى الإسلام، بأبلغ الطرق المشروعة، وتبيين دين الله لهم؛ حتى يتخلصوا من هذا الكفر الذي يعيشون فيه، وحتى يسلكوا الطريق المستقيم الموصل إلى الله، ويفوزوا بجنته ويسلموا من العذاب العظيم يوم القيامة، قال تعالى: ﴿ٱدۡعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِٱلۡحِكۡمَةِ وَٱلۡمَوۡعِظَةِ ٱلۡحَسَنَةِۖ وَجَٰدِلۡهُم بِٱلَّتِي هِيَ أَحۡسَنُۚ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعۡلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِۦ وَهُوَ أَعۡلَمُ بِٱلۡمُهۡتَدِينَ ١٢٥﴾ [سورة النحل: 125]، والدعوة إلى الإسلام لا تكون بالإكراه قال تعالى: ﴿لَآ إِكۡرَاهَ فِي ٱلدِّينِۖ قَد تَّبَيَّنَ ٱلرُّشۡدُ مِنَ ٱلۡغَيِّۚ فَمَن يَكۡفُرۡ بِٱلطَّٰغُوتِ وَيُؤۡمِنۢ بِٱللَّهِ فَقَدِ ٱسۡتَمۡسَكَ بِٱلۡعُرۡوَةِ ٱلۡوُثۡقَىٰ لَا ٱنفِصَامَ لَهَاۗ وَٱللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ٢٥٦﴾ [سورة البقرة: 256].
الثاني: يجب على المسلم العدل معهم وعدم ظلمهم أو التقصير في حقهم، قال تعالى: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ كُونُواْ قَوَّٰمِينَ لِلَّهِ شُهَدَآءَ بِٱلۡقِسۡطِۖ وَلَا يَجۡرِمَنَّكُمۡ شَنَـَٔانُ قَوۡمٍ عَلَىٰٓ أَلَّا تَعۡدِلُواْۚ ٱعۡدِلُواْ هُوَ أَقۡرَبُ لِلتَّقۡوَىٰۖ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَۚ إِنَّ ٱللَّهَ خَبِيرُۢ بِمَا تَعۡمَلُونَ٨﴾ [سورة المائدة: 8].
كما يؤمر المسلم بأن يَبَرَّ أصحاب الأديان الأخرى، ويحسنَ إليهم ويرحمَهم، ويحسنَ التعامل معهم، ويكفَّ أذاه عنهم، وأن يقول لهم قولًا حسنًا، ماداموا يحسنون التعامل معه، ولا يظلمونه، ويجب ألا يكون التعامل معهم في أمر محرم شرعًا كبيع الخمور أو التعامل بالربا، وألا يلحق المسلم من التعامل معهم مهانة، وصلى الله وسلم على نبينا محمد.
***
السؤال:
لماذا يجد المرء فـي الإسلام والنصرانية بعض الأمور المتشابهة؟
الإجــابة:
تتفق جميع الرسالات الإلهية على الأصول الاعتقادية وهي: الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والإيمان بالقضاء والقدر، كما تتفق على تحريم الشرك والكفر والنفاق، وتجرم الفواحش كالزنى واللواط والقتل والسحر والحسد والغش وأكل أموال الناس بالباطل وأكل الخنزير وشرب الخمر، وتأمر بكل خلق محمود كالصدق والكرم والحياء والشجاعة والإحسان للخلق وبر الوالدين والنفقة على المحتاجين، وتنهى عن كل خلق ذميم كالبخل والجبن والطمع والكذب والغيبة والنميمة.
فما تراه محل اتفاق بين اليهودية والنصرانية مع الإسلام فهو مما بقي في هذين الدينين مما لم يدخله التحريف والتبديل، وهذا يدل على أن أصل هذه الرسالات واحد، وأنها من عند الله، وهذا يؤكد ويحتم على الإنسان أن يتبع الحق الذي في الإسلام الذي هو امتداد لرسالة موسى وعيسى عليهما السلام، وأن يتخلى عن الكفر والشرك والضلالة.
وما وجد القارئ في هذين الدينين من مفارقة الإسلام كالجُرْأَةِ في اليهودية على الله وعلى أنبيائه وعلى دينه وظلم الخلق وإباحة الربا، فهو من ظلم اليهود وافترائهم، وما وجد القارئ في النصرانية من تثليث وصلب واعتقاد أن المسيح عليه السلام هو الرب المخلص، وأنه ابن الله، وإنكار نبوة نبينا محمد ﷺ، وإباحة الخنزير وشرب الخمر، فهو من تحريف النصارى، وبغيهم، وغلوهم وضلالهم.
ينظر في تأثر النصرانية بالوثنية: هداية الحيارى في أجوبة اليهود والنصارى ط. دار عالم الفوائد (ص: 53)، ذكر المحقق في الحاشية ثمانية مراجع، وانظر كتاب: العقائد الوثنية في الديانة النصرانية، تأليف محمد بن عبد الله التنير.
***
السؤال:
هل الكتاب المقدس هو بالفعل كتاب الله؟
الإجــابة:
الكتابُ المقدَّسُ الموجود اليوم بأيدي اليهود أو النصارى ليس كتابَ الله تعالى في الجملة؛ لأنه محرَّفٌ، وما لم يُحرَّف منه هو ما وافق القرآن الكريم، وهذا الحكم للكتاب بالنظر إلى جملته، أي: من أوله إلى آخره؛ لأن أصل التوراة والإنجيل حق، فالتوراة المنزلة على موسى والإنجيل المنزل على عيسى يجب الإيمان بهما، -لكن الاتباع للقرآن الكريم-، والتحريف وقع فيهما بالزيادة والحذف والتغيير، فإذا تقرر ذلك فلا تجوز إهانة النسخ الموجودة اليوم من التوراة والإنجيل؛ لسببين: أولًا: حفاظًا على القدر الذي لم يحرَّف من الإهانة، وثانيًا: بالنظر لأصل الكتاب، وهذا لا يعني جواز قراءته أو العمل بما فيه، ولكن الإسلام دينُ عدلٍ وإنصاف، فما اختلط فيه الحق والباطل يُحكم فيه بالتفصيل، قال الذهبي: «ونحن نُعظِّم التوراة التي أنزلها الله على موسى عليه السلام ونؤمن بها، فأما هذه الصحف التي بأيدي هؤلاء الضُّلَّال فما ندري ما هي أصلًا، ونقف فلا نعاملها بتعظيم ولا بإهانة، بل نقول: آمنا بالله وملائكته وكتبه ورسله، ويكفينا في ذلك الإيمان المجمل ولله الحمد». ينظر: سير أعلام النبلاء ط الرسالة 2/ 419.
***
السؤال:
هل يكره المسلمون نبي الله عيسى عليه السلام؟
الإجــابة:
المسيح عليه السلام هو عيسى بن مريم عليها السلام، وهو رسول من أعظم الرسل، وهو أحد أولي العزم منهم، وأولو العزم خمسة هم: نوح وإبراهيم وموسى وعيسى ومحمد عليهم الصلاة والسلام، والإيمان بالرسل في الإسلام، من أركان الإيمان ولا يصح إيمان شخصٍ حتى يؤمن بأن عيسى عليه السلام عبد الله ورسوله، وهذا يستوجب تَعظيمَهُ ومحبَتهُ وَتَوقِيرَهُ، والإيمانُ بِهِ ومحبَتُهُ وتَوْقِيرُهُ تمنع من الغلو فيه واتخاذه ربًا وإلهًا.
وليس عيسى ابنًا لله تعالى، كما تعتقده النصارى، فالمسيح عليه السلام عبد الله ورسوله، وكلمته ألقاها إلى مريم، وروحه روح مخلوقة بخلق الله تعالى، وقد ميزها عن غيرها بزيادة تكريم وتشريف.
ولا يصح إسلام شخص حتى يؤمن بالمسيح عليه السلام وبسائر الرسل عليهم السلام، ولا يجوز في الإسلام كراهة نبي من الأنبياء، ومن أبغض نبيًا فقد كفر وخرج من الملة.
***
السؤال:
هل عيسى عليه السلام ابن الله؟
الإجــابة:
الله سبحانه هو رب العالمين، وهو الأول والآخر والظاهر والباطن، وكان الله ولا شيء قبله، ولا شيء معه كما جاء في الأحاديث الصحيحة، وهو الواحد الأحد الصمد، الذي لم يلد ولم يولد، قال تعالى: ﴿قُلۡ هُوَ ٱللَّهُ أَحَدٌ ١ ٱللَّهُ ٱلصَّمَدُ ٢ لَمۡ يَلِدۡ وَلَمۡ يُولَدۡ ٣ وَلَمۡ يَكُن لَّهُۥ كُفُوًا أَحَدُۢ ٤﴾ [سورة الإخلاص: 1-4]، وإذا لم يكن والدًا لأحد، فليس أحد من الخلق ولدًا له سبحانه وتعالى، والذي يتخذ الولد هو المحتاج للأعوان والأنصار، فالإنسان يطلب الولد ليستغني به، ويفرح بمقدمه، وليعينه على شدائد الحياة، أما الرب جل جلاله فله ملك السموات والأرض وما فيهما، فليس بحاجة للولد، قال تعالى: ﴿ٱللَّهُ لَآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ ٱلۡحَيُّ ٱلۡقَيُّومُۚ لَا تَأۡخُذُهُۥ سِنَةٞ وَلَا نَوۡمٞۚ لَّهُۥ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلۡأَرۡضِۗ﴾ [سورة البقرة: 255]، فهو الحي الذي كل حي يستمد وجوده وحياته منه، وهو القيوم الذي كل حي لا قيام له ولا غنى عنه، قال تعالى: ﴿ٱلۡحَمۡدُ لِلَّهِ ٱلَّذِي لَهُۥ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلۡأَرۡضِ وَلَهُ ٱلۡحَمۡدُ فِي ٱلۡأٓخِرَةِۚ وَهُوَ ٱلۡحَكِيمُ ٱلۡخَبِيرُ ١﴾ [سورة سبأ: 1]، فإذا كان له مافي السموات والأرض، وهو المحمود في الدنيا والآخرة لكماله وغناه، فكيف يزعم زاعم أن لله ولدًا؟ تعالى الله عما يقولون علوًا كبيرًا.
ودعوى أن لله ولدًا، وأن الملائكة بنات الله، دعوى فاجرة كافرة، كذبها الله في مواطن من كتابه الكريم، وبين أن هذه المقالة الكفرية هي مقالة الكافرين الأولين، قال تعالى: ﴿وَقَالَتِ ٱلۡيَهُودُ عُزَيۡرٌ ٱبۡنُ ٱللَّهِ وَقَالَتِ ٱلنَّصَٰرَى ٱلۡمَسِيحُ ٱبۡنُ ٱللَّهِۖ ذَٰلِكَ قَوۡلُهُم بِأَفۡوَٰهِهِمۡۖ يُضَٰهِـُٔونَ قَوۡلَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِن قَبۡلُۚ قَٰتَلَهُمُ ٱللَّهُۖ أَنَّىٰ يُؤۡفَكُونَ٣٠﴾ [سورة التوبة: 30]، وقال تعالى: ﴿وَجَعَلُواْ لِلَّهِ شُرَكَآءَ ٱلۡجِنَّ وَخَلَقَهُمۡۖ وَخَرَقُواْ لَهُۥ بَنِينَ وَبَنَٰتِۭ بِغَيۡرِ عِلۡمٖۚ سُبۡحَٰنَهُۥ وَتَعَٰلَىٰ عَمَّا يَصِفُونَ ١٠٠﴾ [سورة الأنعام: 100]، وأبطل الله هذه الدعوى ببراهين كثيرة منها على سبيل المثال لا الحصر ما يلي:
كذَّب الله هذه الدعوى بأنه قادر على أن يهلك الأرض ومن فيها، فلو كان أحد من الخلق إلهًا لدفع أمر الله وسَلِمَ من الهلاك، قال تعالى: ﴿لَّقَدۡ كَفَرَ ٱلَّذِينَ قَالُوٓاْ إِنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلۡمَسِيحُ ٱبۡنُ مَرۡيَمَۚ قُلۡ فَمَن يَمۡلِكُ مِنَ ٱللَّهِ شَيۡـًٔا إِنۡ أَرَادَ أَن يُهۡلِكَ ٱلۡمَسِيحَ ٱبۡنَ مَرۡيَمَ وَأُمَّهُۥ وَمَن فِي ٱلۡأَرۡضِ جَمِيعٗاۗ وَلِلَّهِ مُلۡكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ وَمَا بَيۡنَهُمَاۚ يَخۡلُقُ مَا يَشَآءُۚ وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ قَدِيرٞ١٧﴾ [سورة المائدة: 17]، قال ابن جرير رحمه الله: "وقوله: ﴿إِنۡ أَرَادَ أَن يُهۡلِكَ ٱلۡمَسِيحَ ٱبۡنَ مَرۡيَمَ وَأُمَّهُۥ وَمَن فِي ٱلۡأَرۡضِ جَمِيعٗاۗ﴾، يقول: من ذا الذي يقدر أن يردَّ من أمر الله شيئًا، إن شاء أن يهلك المسيح ابن مريم، بإعدامه من الأرض وإعدام أمه مريم، وإعدام جميع من في الأرض من الخلق جميعًا.
يقول جل ثناؤه لنبيه محمد ﷺ: قل لهؤلاء الجهلة من النصارى: لو كان المسيح كما تزعمون -أنه هو الله، وليس كذلك- لقدر أن يرد أمر الله إذا جاءه بإهلاكه وإهلاك أمه. وقد أهلك أمه فلم يقدر على دفع أمره فيها إذ نزل ذلك. ففي ذلك لكم معتبر إن اعتبرتم، وحجة عليكم إن عقلتم: في أن المسيح، بشر كسائر بني آدم، وأن الله عز وجل هو الذي لا يُغلب ولا يُقهر ولا يُرد له أمر، بل هو الحي الدائم القيوم الذي يحيي ويميت، وينشئ ويفني، وهو حي لا يموت". تفسير الطبري = جامع البيان ت شاكر (10/ 147).
من زعم هذا الزعم الكاذب الجائر هل لديه برهان؟ أم أنها دعوى كاذبة، قال تعالى: ﴿قَالُواْ ٱتَّخَذَ ٱللَّهُ وَلَدٗاۗ سُبۡحَٰنَهُۥۖ هُوَ ٱلۡغَنِيُّۖ لَهُۥ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلۡأَرۡضِۚ إِنۡ عِندَكُم مِّن سُلۡطَٰنِۭ بِهَٰذَآۚ أَتَقُولُونَ عَلَى ٱللَّهِ مَا لَا تَعۡلَمُونَ ٦٨﴾ [سورة يونس: 68]. لا شك أن من أدعى ذلك فليس لديه إلا الخرص والتخمين.
أن الله لو أراد أن يتخذ ولدًا لاصطفى مما يخلق مَن يكون له ولدٌ، ولكن هذا لا يجوز عقلًا ولا شرعًا، قال سبحانه: ﴿لَّوۡ أَرَادَ ٱللَّهُ أَن يَتَّخِذَ وَلَدٗا لَّٱصۡطَفَىٰ مِمَّا يَخۡلُقُ مَا يَشَآءُۚ سُبۡحَٰنَهُۥۖ هُوَ ٱللَّهُ ٱلۡوَٰحِدُ ٱلۡقَهَّارُ ٤﴾ [سورة الزمر: 4].
أن من يتخذ ولدًا فلابد له من زوجة يكون منها الولد، قال تعالى: ﴿بَدِيعُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۖ أَنَّىٰ يَكُونُ لَهُۥ وَلَدٞ وَلَمۡ تَكُن لَّهُۥ صَٰحِبَةٞۖ وَخَلَقَ كُلَّ شَيۡءٖۖ وَهُوَ بِكُلِّ شَيۡءٍ عَلِيمٞ١٠١﴾ [سورة الأنعام: 101]، فالله هو الذي أبدع السماوات والأرض، فلا يكون له ولد.
لو كان للرحمن ولد -تعالى الله عن ذلك علوًا كبيرًا- لكان إلهًا، ولو كان إلهًا فلابد لأحدهما أن يغلب الآخر، والمغلوب حتمًا ليس بإله، قال تعالى: ﴿قُل لَّوۡ كَانَ مَعَهُۥٓ ءَالِهَةٞ كَمَا يَقُولُونَ إِذٗا لَّٱبۡتَغَوۡاْ إِلَىٰ ذِي ٱلۡعَرۡشِ سَبِيلٗا ٤٢﴾ [سورة الإسراء: 42]، ولو كان فيهما آلهة غير الله لفسدت السماوات والأرض، قال تعالى: ﴿لَوۡ كَانَ فِيهِمَآ ءَالِهَةٌ إِلَّا ٱللَّهُ لَفَسَدَتَاۚ فَسُبۡحَٰنَ ٱللَّهِ رَبِّ ٱلۡعَرۡشِ عَمَّا يَصِفُونَ٢٢﴾ [سورة الأنبياء: 22].
ونهى الله أهل الكتاب عن الغلو في المسيح عليه السلام، وعن قولهم عنه أنه ابن الله، أو أنه ثالث ثلاثة، أو أنه هو الله، قال تعالى: ﴿يَٰٓأَهۡلَ ٱلۡكِتَٰبِ لَا تَغۡلُواْ فِي دِينِكُمۡ وَلَا تَقُولُواْ عَلَى ٱللَّهِ إِلَّا ٱلۡحَقَّۚ إِنَّمَا ٱلۡمَسِيحُ عِيسَى ٱبۡنُ مَرۡيَمَ رَسُولُ ٱللَّهِ وَكَلِمَتُهُۥٓ أَلۡقَىٰهَآ إِلَىٰ مَرۡيَمَ وَرُوحٞ مِّنۡهُۖ فَـَٔامِنُواْ بِٱللَّهِ وَرُسُلِهِۦۖ وَلَا تَقُولُواْ ثَلَٰثَةٌۚ ٱنتَهُواْ خَيۡرٗا لَّكُمۡۚ إِنَّمَا ٱللَّهُ إِلَٰهٞ وَٰحِدٞۖ سُبۡحَٰنَهُۥٓ أَن يَكُونَ لَهُۥ وَلَدٞۘ لَّهُۥ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلۡأَرۡضِۗ وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ وَكِيلٗا ١٧١﴾ [سورة النساء: 171].
ومن اعتقد أن عيسى عليه السلام ابن الله فهو كافر، ولا يصح إسلام شخصٍ حتى يؤمن بنبوته عليه السلام، وقد شرح القرآن الكريم قصة مريم وقصة عيسى عليهما السلام في عدة سور، كسورة آل عمران وسورة المائدة وسورة مريم، وجاء التصديق به في السنة في عدة أحاديث.
ينظر: مفتاح دار السعادة 1/ 303، حبي العظيم للمسيح قادني إلى الإسلام ص169.
***
السؤال:
هل صُلب المسيح عيسى عليه السلام؟
الإجــابة:
المسيح عيسى عليه السلام لم يُصلب، بل رُفع إلى السماء، وهو الآن حيٌّ لم يمت في السماء الثانية، قال تعالى: ﴿فَلَمَّآ أَحَسَّ عِيسَىٰ مِنۡهُمُ ٱلۡكُفۡرَ قَالَ مَنۡ أَنصَارِيٓ إِلَى ٱللَّهِۖ قَالَ ٱلۡحَوَارِيُّونَ نَحۡنُ أَنصَارُ ٱللَّهِ ءَامَنَّا بِٱللَّهِ وَٱشۡهَدۡ بِأَنَّا مُسۡلِمُونَ ٥٢ رَبَّنَآ ءَامَنَّا بِمَآ أَنزَلۡتَ وَٱتَّبَعۡنَا ٱلرَّسُولَ فَٱكۡتُبۡنَا مَعَ ٱلشَّٰهِدِينَ ٥٣ وَمَكَرُواْ وَمَكَرَ ٱللَّهُۖ وَٱللَّهُ خَيۡرُ ٱلۡمَٰكِرِينَ ٥٤ إِذۡ قَالَ ٱللَّهُ يَٰعِيسَىٰٓ إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَجَاعِلُ ٱلَّذِينَ ٱتَّبَعُوكَ فَوۡقَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوٓاْ إِلَىٰ يَوۡمِ ٱلۡقِيَٰمَةِۖ ثُمَّ إِلَيَّ مَرۡجِعُكُمۡ فَأَحۡكُمُ بَيۡنَكُمۡ فِيمَا كُنتُمۡ فِيهِ تَخۡتَلِفُونَ ٥٥﴾ [سورة آل عمران: 52-55]، وسينزل قبل يوم القيامة، قال تعالى: ﴿وَإِنَّهُۥ لَعِلۡمٞ لِّلسَّاعَةِ فَلَا تَمۡتَرُنَّ بِهَا وَٱتَّبِعُونِۚ هَٰذَا صِرَٰطٞ مُّسۡتَقِيمٞ ٦١﴾ [سورة الزخرف: 61]، وقال تعالى: ﴿وَإِن مِّنۡ أَهۡلِ ٱلۡكِتَٰبِ إِلَّا لَيُؤۡمِنَنَّ بِهِۦ قَبۡلَ مَوۡتِهِۦۖ وَيَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ يَكُونُ عَلَيۡهِمۡ شَهِيدٗا ١٥٩﴾ [سورة النساء: 159].
وإذا نزل عيسى عليه السلام سيقتل المَسِيحَ الدَّجَّالَ، وسيحكم بالإسلام، ويكسر الصليب، ويقتل الخنزير، ويضع الجزية ولا يقبلها، قال رسول الله ﷺ: «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَيُوشِكَنَّ أَنْ يَنْزِلَ فِيكُمُ ابْنُ مَرْيَمَ حَكَمًا مُقْسِطًا، فَيَكْسِرَ الصَّلِيبَ، وَيَقْتُلَ الْخِنْزِيرَ، وَيَضَعَ الْجِزْيَةَ، وَيَفِيضَ الْمَالُ حَتَّى لَا يَقْبَلَهُ أَحَدٌ» [صحيح البخاري (2222) وصحيح مسلم (242)].
***
السؤال:
الإجــابة:
عيسى عليه السلام من أعظم أنبياء الله تعالى، وهو النبي السابق لنبينا محمد ﷺ، وهو أحد أولي العزم من الرسل عليهم الصلاة والسلام، وقد تحدث عنه القرآن كثيرًا، وذكر شأنه وأنه وجيه عند الله، قال تعالى: ﴿إِذۡ قَالَتِ ٱلۡمَلَٰٓئِكَةُ يَٰمَرۡيَمُ إِنَّ ٱللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٖ مِّنۡهُ ٱسۡمُهُ ٱلۡمَسِيحُ عِيسَى ٱبۡنُ مَرۡيَمَ وَجِيهٗا فِي ٱلدُّنۡيَا وَٱلۡأٓخِرَةِ وَمِنَ ٱلۡمُقَرَّبِينَ٤٥﴾ [سورة آل عمران: 45]، وقد شرح القرآن الكريم قصة مريم وقصة عيسى عليهما السلام في عدة سور، كسورة آل عمران وسورة المائدة وسورة مريم، وجاء في السنة في عدة أحاديث، فيتحصل من مجموع ذلك المكانة العظيمة له عند الله، وفي القرآن الكريم وفي السنة النبوية، وعند المسلمين.
ومما ورد فيه أن الله خلق عيسى بآية خارقة، حيث خلقه من أم بلا أب، بل قال له: «كن»، فكان، قال تعالى: ﴿ إِذۡ قَالَتِ ٱلۡمَلَٰٓئِكَةُ يَٰمَرۡيَمُ إِنَّ ٱللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٖ مِّنۡهُ ٱسۡمُهُ ٱلۡمَسِيحُ عِيسَى ٱبۡنُ مَرۡيَمَ وَجِيهٗا فِي ٱلدُّنۡيَا وَٱلۡأٓخِرَةِ وَمِنَ ٱلۡمُقَرَّبِينَ ٤٥ وَيُكَلِّمُ ٱلنَّاسَ فِي ٱلۡمَهۡدِ وَكَهۡلٗا وَمِنَ ٱلصَّٰلِحِينَ ٤٦ قَالَتۡ رَبِّ أَنَّىٰ يَكُونُ لِي وَلَدٞ وَلَمۡ يَمۡسَسۡنِي بَشَرٞۖ قَالَ كَذَٰلِكِ ٱللَّهُ يَخۡلُقُ مَا يَشَآءُۚ إِذَا قَضَىٰٓ أَمۡرٗا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُۥ كُن فَيَكُونُ٤٧﴾ [سورة آل عمران: 45-47].
وأخبر الله أن هذا الميلاد الخارق للعادة لا يجعل من المسيح عليه السلام إلهًا، ولا ابن إله، بل هو بشر من البشر، وأنه وأمَّه كانا يأكلان الطعام، قال تعالى: ﴿مَّا ٱلۡمَسِيحُ ٱبۡنُ مَرۡيَمَ إِلَّا رَسُولٞ قَدۡ خَلَتۡ مِن قَبۡلِهِ ٱلرُّسُلُ وَأُمُّهُۥ صِدِّيقَةٞۖ كَانَا يَأۡكُلَانِ ٱلطَّعَامَۗ ٱنظُرۡ كَيۡفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ ٱلۡأٓيَٰتِ ثُمَّ ٱنظُرۡ أَنَّىٰ يُؤۡفَكُونَ٧٥﴾ [سورة المائدة: 75]، قال ابن جرير رحمه الله: "قال أبو جعفر: وهذا خبر من الله تعالى ذكره، احتجاجًا لنبيه محمد ﷺ على فرق النصارى في قولهم في المسيح، يقول= مكذبا لليعقوبية (اليعقوبية فرقة نصرانية قديمة) في قيلهم: "هو الله" والآخرين في قيلهم: "هو ابن الله" =: ليس القول كما قال هؤلاء الكفرة في المسيح، ولكنه ابن مريم ولدته ولادة الأمهات أبناءهن، وذلك من صفة البشر لا من صفة خالق البشر، وإنما هو لله رسول كسائر رسله الذين كانوا قبله فمضوا وَخَلَوْا، أجرى على يده ما شاء أن يجريه عليها من الآيات والعبر، حجة له على صدقه، وعلى أنه لله رسول إلى من أرسله إليه من خلقه، كما أجرى على أيدي مَن قبله مِن الرسل من الآيات والعبر، حجة لهم على حقيقة صدقهم في أنهم لله رسل، ﴿وَأُمُّهُۥ صِدِّيقَةٞۖ﴾، يقول تعالى ذكره وأم المسيح صديقة. وقوله: ﴿كَانَا يَأۡكُلَانِ ٱلطَّعَامَۗ﴾، خبر من الله تعالى ذكره عن المسيح وأمه: أنهما كانا أهل حاجة إلى ما يغذوهما وتقوم به أبدانهما من المطاعم والمشارب كسائر البشر من بني آدم، فإن من كان كذلك، فغير كائن إلهًا؛ لأن المحتاج إلى الغذاء قوامه بغيره. وفي قوامه بغيره وحاجته إلى ما يقيمه، دليل واضح على عجزه. والعاجز لا يكون إلا مربوبًا لا ربًا". تفسير الطبري = جامع البيان ت شاكر (10/ 485).
والمسيح عليه السلام آمنت به طائفة وكفرت به طائفة، فنصر الله المؤمنين على الكافرين، ولا يصح إسلام شخصٍ حتى يؤمن بنبوة عيسى عليه السلام، وأنه عبد الله ورسوله، ومن اعتقد أنه إله أو جزء من الآلهة فهو كافر.
والمسيح عليه السلام لم يُصلب بل رُفع إلى السماء، فهو حيٌّ لم يمت في السماء الثانية، قال تعالى: ﴿وَقَوۡلِهِمۡ إِنَّا قَتَلۡنَا ٱلۡمَسِيحَ عِيسَى ٱبۡنَ مَرۡيَمَ رَسُولَ ٱللَّهِ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَٰكِن شُبِّهَ لَهُمۡۚ وَإِنَّ ٱلَّذِينَ ٱخۡتَلَفُواْ فِيهِ لَفِي شَكّٖ مِّنۡهُۚ مَا لَهُم بِهِۦ مِنۡ عِلۡمٍ إِلَّا ٱتِّبَاعَ ٱلظَّنِّۚ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينَۢا ١٥٧ بَل رَّفَعَهُ ٱللَّهُ إِلَيۡهِۚ وَكَانَ ٱللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمٗا ١٥٨ وَإِن مِّنۡ أَهۡلِ ٱلۡكِتَٰبِ إِلَّا لَيُؤۡمِنَنَّ بِهِۦ قَبۡلَ مَوۡتِهِۦۖ وَيَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ يَكُونُ عَلَيۡهِمۡ شَهِيدٗا١٥٩﴾ [سورة النساء: 157-159].
وأنه سينزل قبل يوم القيامة، وسيقتل المسيحَ الدجالَ، ويحكم بالإسلام، ويكسر الصليب، ويقتل الخنزير، قال رسول الله ﷺ: «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَيُوشِكَنَّ أَنْ يَنْزِلَ فِيكُمُ ابْنُ مَرْيَمَ حَكَمًا مُقْسِطًا، فَيَكْسِرَ الصَّلِيبَ، وَيَقْتُلَ الْخِنْزِيرَ، وَيَضَعَ الْجِزْيَةَ، وَيَفِيضَ الْمَالُ حَتَّى لَا يَقْبَلَهُ أَحَدٌ»، [صحيح البخاري (2222) وصحيح مسلم (242)]. ثم يمكث في الأرض أربعين سنة، ثم يموت ويصلي عليه المسلمون.
***
السؤال:
هل أيد الإسلام وجهة نظر القائلين بموت المسيح عليه السلام على الصليب؟
الإجــابة:
الإسلام لا ينكر وقوع حادثة صلب في زمن المسيح عليه السلام، لكن اليهود هموا بقتل المسيح عليه السلام وصلبه، فنجاه الله منهم، ورفعه إليه، فلم ينالوه بأذى، وسلط الشبه على رجل آخر فقبض عليه اليهود بتآمر مع الحاكم الروماني الوثني في وقته، وقتلوه وصلبوه، ظنًا منهم أنهم قتلوا المسيح عليه السلام وصلبوه، قال تعالى: ﴿فَلَمَّآ أَحَسَّ عِيسَىٰ مِنۡهُمُ ٱلۡكُفۡرَ قَالَ مَنۡ أَنصَارِيٓ إِلَى ٱللَّهِۖ قَالَ ٱلۡحَوَارِيُّونَ نَحۡنُ أَنصَارُ ٱللَّهِ ءَامَنَّا بِٱللَّهِ وَٱشۡهَدۡ بِأَنَّا مُسۡلِمُونَ ٥٢ رَبَّنَآ ءَامَنَّا بِمَآ أَنزَلۡتَ وَٱتَّبَعۡنَا ٱلرَّسُولَ فَٱكۡتُبۡنَا مَعَ ٱلشَّٰهِدِينَ٥٣ وَمَكَرُواْ وَمَكَرَ ٱللَّهُۖ وَٱللَّهُ خَيۡرُ ٱلۡمَٰكِرِينَ ٥٤ إِذۡ قَالَ ٱللَّهُ يَٰعِيسَىٰٓ إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَجَاعِلُ ٱلَّذِينَ ٱتَّبَعُوكَ فَوۡقَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوٓاْ إِلَىٰ يَوۡمِ ٱلۡقِيَٰمَةِۖ ثُمَّ إِلَيَّ مَرۡجِعُكُمۡ فَأَحۡكُمُ بَيۡنَكُمۡ فِيمَا كُنتُمۡ فِيهِ تَخۡتَلِفُونَ٥٥﴾ [سورة آل عمران: 52-55]، وقال تعالى: ﴿وَقَوۡلِهِمۡ إِنَّا قَتَلۡنَا ٱلۡمَسِيحَ عِيسَى ٱبۡنَ مَرۡيَمَ رَسُولَ ٱللَّهِ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَٰكِن شُبِّهَ لَهُمۡۚ وَإِنَّ ٱلَّذِينَ ٱخۡتَلَفُواْ فِيهِ لَفِي شَكّٖ مِّنۡهُۚ مَا لَهُم بِهِۦ مِنۡ عِلۡمٍ إِلَّا ٱتِّبَاعَ ٱلظَّنِّۚ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينَۢا ١٥٧ بَل رَّفَعَهُ ٱللَّهُ إِلَيۡهِۚ وَكَانَ ٱللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمٗا ١٥٨ وَإِن مِّنۡ أَهۡلِ ٱلۡكِتَٰبِ إِلَّا لَيُؤۡمِنَنَّ بِهِۦ قَبۡلَ مَوۡتِهِۦۖ وَيَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ يَكُونُ عَلَيۡهِمۡ شَهِيدٗا١٥٩﴾ [سورة النساء: 157-159].
فالمسيح عيسى ابن مريم عليه السلام لم يُصلب ولم يُقتل، وإنما رفعه الله إليه، وهو الآن في السماء الثانية، وسينزل قبل يوم القيامة، ويكون نزوله من علامات الساعة الكبرى، فيقتل المسيحَ الدجالَ، ويكسر الصليب الذي عُبد من دون الله، وافترت النصارى أنه صلب عليه، ويقتل الخنزير، ويحكم بشريعة الإسلام، وقال ﷺ: «لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يَنْزِلَ فِيكُمُ ابْنُ مَرْيَمَ حَكَمًا مُقْسِطًا، فَيَكْسِرَ الصَّلِيبَ، وَيَقْتُلَ الْخِنْزِيرَ، وَيَضَعَ الْجِزْيَةَ، وَيَفِيضَ الْمَالُ حَتَّى لَا يَقْبَلَهُ أَحَدٌ» [صحيح البخاري (2476) ومسلم (155)].
***
السؤال:
هل سيدخل النصارى الجنة؟
الإجــابة:
الله له ملك السموات والأرض يفعل ما يشاء ويختار، وله الدين الخالص، فالخلق خلقه، والملك ملكه، والحكم حكمه، قال تعالى: ﴿وَلَهُۥ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ وَلَهُ ٱلدِّينُ وَاصِبًاۚ أَفَغَيۡرَ ٱللَّهِ تَتَّقُونَ٥٢﴾ [سورة النحل: 52]، وقال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ مُلۡكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۗ وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ قَدِيرٌ٨٩﴾ [سورة آل عمران: 189]، وقال تعالى: ﴿مَٰلِكِ يَوۡمِ ٱلدِّينِ٤﴾ [سورة الفاتحة: 4]، فالله له الملك التام في الدنيا والآخرة، وهو الذي يشرع الدين، ويجازي عليه، وهو الذي قضى أن الإسلام هو الحق، وأن ما سواه من الأديان فهو باطل ومردود على صاحبه، وكذلك الحق سبحانه وتعالى له الدنيا والآخرة فهو الذي يحكم ويقضي، قال تعالى: ﴿وَهُوَ ٱللَّهُ لَآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَۖ لَهُ ٱلۡحَمۡدُ فِي ٱلۡأُولَىٰ وَٱلۡأٓخِرَةِۖ وَلَهُ ٱلۡحُكۡمُ وَإِلَيۡهِ تُرۡجَعُونَ٧٠﴾ [سورة القصص: 70]، وقد حكم الله وحكمه الحق: أن من جعل لله ولدًا فهو مشرك كافر، وحذر المسيحُ عليه السلام النصارى من الشرك بالله، وأن من أشرك بالله فقد حرم الله عليه الجنة، كما قال تعالى: ﴿لَقَدۡ كَفَرَ ٱلَّذِينَ قَالُوٓاْ إِنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلۡمَسِيحُ ٱبۡنُ مَرۡيَمَۖ وَقَالَ ٱلۡمَسِيحُ يَٰبَنِيٓ إِسۡرَٰٓءِيلَ ٱعۡبُدُواْ ٱللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمۡۖ إِنَّهُۥ مَن يُشۡرِكۡ بِٱللَّهِ فَقَدۡ حَرَّمَ ٱللَّهُ عَلَيۡهِ ٱلۡجَنَّةَ وَمَأۡوَىٰهُ ٱلنَّارُۖ وَمَا لِلظَّٰلِمِينَ مِنۡ أَنصَارٖ٧٢﴾ [سورة المائدة: 72].
وكل من كفر بنبي واحد من أنبياء الله ورسله عليهم الصلاة والسلام فهو خالد مخلد في النار، وقال تعالى: ﴿كَذَّبَتۡ عَادٌ ٱلۡمُرۡسَلِينَ١٢٣﴾ [سورة الشعراء: 123]، فأخبر الله أنهم كذبوا المرسلين، وهم لم يكذبوا إلا رسولهم، لكن من كذب نبيًا واحدًا فقد كذب جميع المرسلين؛ لأن رسالتهم واحدة، وقد حكم الله بكفر من كفر بنبي من أنبيائه عليهم السلام، قال تعالى: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ ءَامِنُواْ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦ وَٱلۡكِتَٰبِ ٱلَّذِي نَزَّلَ عَلَىٰ رَسُولِهِۦ وَٱلۡكِتَٰبِ ٱلَّذِيٓ أَنزَلَ مِن قَبۡلُۚ وَمَن يَكۡفُرۡ بِٱللَّهِ وَمَلَٰٓئِكَتِهِۦ وَكُتُبِهِۦ وَرُسُلِهِۦ وَٱلۡيَوۡمِ ٱلۡأٓخِرِ فَقَدۡ ضَلَّ ضَلَٰلَۢا بَعِيدًا١٣٦﴾ [سورة النساء: 136].
وجاء في الحديث ما يخص اليهود والنصارى فعن أبي هريرة، عن رسول الله ﷺ أنه قال: «وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ، لَا يَسْمَعُ بِي أَحَدٌ مِنْ هذِهِ الأُمَّةِ، يَهُودِيٌّ وَلَا نَصْرَانِيٌّ، ثُمَّ يَمُوتُ وَلَمْ يُؤْمِنْ بِالَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ، إِلَّا كَانَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ» [صحيح مسلم (240)]، وقال ﷺ: «لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ إِلَّا نَفْسٌ مُسْلِمَةٌ» [رواه البخاري (6528) ومسلم (221)]، أما النصارى الموحدون الذين لم يُدركوا عصر الإسلام وآمنوا بالله ربًا وبعيسى عليه السلام رسولًا فهؤلاء مؤمنون ومآلهم الجنة.
لكن ينبغي أن يُعلم أن الإنسان الذي لم يسمع برسالة الإسلام، ولم يعلم ما هو دين الله، ولم تقم عليه الحجة، أن الله لا يظلمه؛ لأن الله يحكم بالقسط والعدل، ولا يظلم الناس شيئًا، وإذا صار يوم القيامة وبعث الله الخلائق، فإنه يمتحن الذين لم تبلغهم رسالة الإسلام؛ فإن آمنوا وصدقوا دخلوا الجنة، وإن كذبوا واستكبروا أدخلهم النار؛ لكفرهم وعنادهم واستكبارهم على الله.
***
السؤال:
هل يؤمن المسلمون بأن جميع الأديان تؤدي إلى نفس العاقبة؟
الإجــابة:
الدين الذي شرعه الله لعباده، وكلف به جميع رسله عليهم السلام ليبلغوه لأتباعهم هو الإسلام، فكل الأنبياء كانوا على الإسلام، قال تعالى: ﴿شَرَعَ لَكُم مِّنَ ٱلدِّينِ مَا وَصَّىٰ بِهِۦ نُوحٗا وَٱلَّذِيٓ أَوۡحَيۡنَآ إِلَيۡكَ وَمَا وَصَّيۡنَا بِهِۦٓ إِبۡرَٰهِيمَ وَمُوسَىٰ وَعِيسَىٰٓۖ أَنۡ أَقِيمُواْ ٱلدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُواْ فِيهِۚ كَبُرَ عَلَى ٱلۡمُشۡرِكِينَ مَا تَدۡعُوهُمۡ إِلَيۡهِۚ ٱللَّهُ يَجۡتَبِيٓ إِلَيۡهِ مَن يَشَآءُ وَيَهۡدِيٓ إِلَيۡهِ مَن يُنِيبُ١٣﴾ [سورة الشورى: 13]، وقال تعالى: ﴿وَوَصَّىٰ بِهَآ إِبۡرَٰهِـۧمُ بَنِيهِ وَيَعۡقُوبُ يَٰبَنِيَّ إِنَّ ٱللَّهَ ٱصۡطَفَىٰ لَكُمُ ٱلدِّينَ فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسۡلِمُونَ ١٣٢﴾ [سورة البقرة: 132]، وقال تعالى: ﴿أَمۡ كُنتُمۡ شُهَدَآءَ إِذۡ حَضَرَ يَعۡقُوبَ ٱلۡمَوۡتُ إِذۡ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعۡبُدُونَ مِنۢ بَعۡدِيۖ قَالُواْ نَعۡبُدُ إِلَٰهَكَ وَإِلَٰهَ ءَابَآئِكَ إِبۡرَٰهِـۧمَ وَإِسۡمَٰعِيلَ وَإِسۡحَٰقَ إِلَٰهٗا وَٰحِدٗا وَنَحۡنُ لَهُۥ مُسۡلِمُونَ ١٣٣﴾ [سورة البقرة: 133]، وقال تعالى: ﴿قُولُوٓاْ ءَامَنَّا بِٱللَّهِ وَمَآ أُنزِلَ إِلَيۡنَا وَمَآ أُنزِلَ إِلَىٰٓ إِبۡرَٰهِـۧمَ وَإِسۡمَٰعِيلَ وَإِسۡحَٰقَ وَيَعۡقُوبَ وَٱلۡأَسۡبَاطِ وَمَآ أُوتِيَ مُوسَىٰ وَعِيسَىٰ وَمَآ أُوتِيَ ٱلنَّبِيُّونَ مِن رَّبِّهِمۡ لَا نُفَرِّقُ بَيۡنَ أَحَدٖ مِّنۡهُمۡ وَنَحۡنُ لَهُۥ مُسۡلِمُونَ ١٣٦﴾ [سورة البقرة: 136].
وكل من آمن بدين غير الإسلام فدينه باطل وعمله مردود عليه، قال تعالى: ﴿وَمَن يَبۡتَغِ غَيۡرَ ٱلۡإِسۡلَٰمِ دِينٗا فَلَن يُقۡبَلَ مِنۡهُ وَهُوَ فِي ٱلۡأٓخِرَةِ مِنَ ٱلۡخَٰسِرِينَ٨٥﴾ [سورة آل عمران: 85].
فالمسلم يؤمن بأن جميع الأديان باطلة، وأن الدين الحق واحد، وأن العاقبة الحميدة والمآل العظيم والفوز الكبير في الدار الآخرة لمن لقي الله مسلمًا، وأن من لقي الله كافرًا به مشركًا معه غيره؛ فقد خسر دنياه وأخراه، قال تعالى: ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنۡ أَهۡلِ ٱلۡكِتَٰبِ وَٱلۡمُشۡرِكِينَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَٰلِدِينَ فِيهَآۚ أُوْلَٰٓئِكَ هُمۡ شَرُّ ٱلۡبَرِيَّةِ ٦﴾ [سورة البينة: 6]. قال تعالى: ﴿قُلِ ٱللَّهَ أَعۡبُدُ مُخۡلِصٗا لَّهُۥ دِينِي١٤ فَٱعۡبُدُواْ مَا شِئۡتُم مِّن دُونِهِۦۗ قُلۡ إِنَّ ٱلۡخَٰسِرِينَ ٱلَّذِينَ خَسِرُوٓاْ أَنفُسَهُمۡ وَأَهۡلِيهِمۡ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِۗ أَلَا ذَٰلِكَ هُوَ ٱلۡخُسۡرَانُ ٱلۡمُبِينُ ١٥﴾ [سورة الزمر: 14-15].
والله سبحانه هو الحق، وهو على صراط مستقيم، فمن عدله سبحانه وتعالى أنه إذا كان يوم القيامة جعل عاقبة جميع المؤمنين بالله الذين صدقوا المرسلين عليهم الصلاة والسلام في الجنة، قال تعالى: ﴿وَمَن يُطِعِ ٱللَّهَ وَٱلرَّسُولَ فَأُوْلَٰٓئِكَ مَعَ ٱلَّذِينَ أَنۡعَمَ ٱللَّهُ عَلَيۡهِم مِّنَ ٱلنَّبِيِّـۧنَ وَٱلصِّدِّيقِينَ وَٱلشُّهَدَآءِ وَٱلصَّٰلِحِينَۚ وَحَسُنَ أُوْلَٰٓئِكَ رَفِيقٗا٦٩﴾ [سورة النساء: 69]، وجعل عاقبة الكافرين النار وبئس القرار، قال تعالى: ﴿وَمَن يَهۡدِ ٱللَّهُ فَهُوَ ٱلۡمُهۡتَدِۖ وَمَن يُضۡلِلۡ فَلَن تَجِدَ لَهُمۡ أَوۡلِيَآءَ مِن دُونِهِۦۖ وَنَحۡشُرُهُمۡ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ عَلَىٰ وُجُوهِهِمۡ عُمۡيٗا وَبُكۡمٗا وَصُمّٗاۖ مَّأۡوَىٰهُمۡ جَهَنَّمُۖ كُلَّمَا خَبَتۡ زِدۡنَٰهُمۡ سَعِيرٗا ٩٧ ذَٰلِكَ جَزَآؤُهُم بِأَنَّهُمۡ كَفَرُواْ بِـَٔايَٰتِنَا وَقَالُوٓاْ أَءِذَا كُنَّا عِظَٰمٗا وَرُفَٰتًا أَءِنَّا لَمَبۡعُوثُونَ خَلۡقٗا جَدِيدًا٩٨﴾ [سورة الإسراء: 97-98]، وقال تعالى: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ جَامِعُ ٱلۡمُنَٰفِقِينَ وَٱلۡكَٰفِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعًا ١٤٠﴾ [سورة النساء: 140]، وهذا تمام العدل منه سبحانه وتعالى، أن يجمع المؤمنين في الجنة، ويجمع الكافرين في النار، نسأل الله السلامة من عذاب النار.
***
السؤال:
ما هو موقف الإسلام من الأديان والأقليات الأخرى؟
الإجــابة:
الله سبحانه وتعالى هو الذي له ملك السموات والأرض، وله الحمد في الآخرة، وإليه يرجع الأمر كله، قال تعالى: ﴿ٱلۡحَمۡدُ لِلَّهِ ٱلَّذِي لَهُۥ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلۡأَرۡضِ وَلَهُ ٱلۡحَمۡدُ فِي ٱلۡأٓخِرَةِۚ وَهُوَ ٱلۡحَكِيمُ ٱلۡخَبِيرُ١ يَعۡلَمُ مَا يَلِجُ فِي ٱلۡأَرۡضِ وَمَا يَخۡرُجُ مِنۡهَا وَمَا يَنزِلُ مِنَ ٱلسَّمَآءِ وَمَا يَعۡرُجُ فِيهَاۚ وَهُوَ ٱلرَّحِيمُ ٱلۡغَفُورُ٢﴾ [سورة سبأ: 1-2]، والله هو الخالق الرازق المدبر، وهو الإله المستحق للعبادة وما سواه مربوب مخلوق، وهو الذي فرض الفرائض، وشرع الشرائع، وأنزل الدين، وجعل دينه مهيمنًا على الدين كله، قال تعالى: ﴿هُوَ ٱلَّذِيٓ أَرۡسَلَ رَسُولَهُۥ بِٱلۡهُدَىٰ وَدِينِ ٱلۡحَقِّ لِيُظۡهِرَهُۥ عَلَى ٱلدِّينِ كُلِّهِۦ وَلَوۡ كَرِهَ ٱلۡمُشۡرِكُونَ٣٣﴾ [سورة التوبة: 33]، قال تعالى: ﴿هُوَ ٱلَّذِيٓ أَرۡسَلَ رَسُولَهُۥ بِٱلۡهُدَىٰ وَدِينِ ٱلۡحَقِّ لِيُظۡهِرَهُۥ عَلَى ٱلدِّينِ كُلِّهِۦۚ وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ شَهِيدٗا٢٨﴾ [سورة الفتح: 28]، ولا يكون الدين خالصًا إلا إذا كان لله وحده، قال تعالى: ﴿وَلَهُۥ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ وَلَهُ ٱلدِّينُ وَاصِبًاۚ أَفَغَيۡرَ ٱللَّهِ تَتَّقُونَ٥٢﴾ [سورة النحل: 52]، وقال تعالى: ﴿...أَلَا لِلَّهِ ٱلدِّينُ ٱلۡخَالِصُۚ﴾ [سورة الزمر: 3].
وبلغ الله البلاغ المبين أن الدين المقبول والمرضي عنده هو الإسلام، قال تعالى: ﴿إِنَّ ٱلدِّينَ عِندَ ٱللَّهِ ٱلۡإِسۡلَٰمُۗ...﴾ [سورة آل عمران: 19]، وأنه لا يرضى دينًا سواه، قال تعالى: ﴿وَمَن يَبۡتَغِ غَيۡرَ ٱلۡإِسۡلَٰمِ دِينٗا فَلَن يُقۡبَلَ مِنۡهُ وَهُوَ فِي ٱلۡأٓخِرَةِ مِنَ ٱلۡخَٰسِرِينَ٨٥﴾ [سورة آل عمران: 85].
وحكم سبحانه أن كل من دان بغير دين الإسلام فسعيه ضلال وخسار، وعاقبته هلاك وعذاب عظيم، قال تعالى: ﴿...قُلۡ إِنَّ ٱلۡخَٰسِرِينَ ٱلَّذِينَ خَسِرُوٓاْ أَنفُسَهُمۡ وَأَهۡلِيهِمۡ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِۗ أَلَا ذَٰلِكَ هُوَ ٱلۡخُسۡرَانُ ٱلۡمُبِينُ١٥﴾ [سورة الزمر: 15]، وقال تعالى: ﴿ٱللَّهِ ٱلَّذِي لَهُۥ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلۡأَرۡضِۗ وَوَيۡلٞ لِّلۡكَٰفِرِينَ مِنۡ عَذَابٖ شَدِيدٍ٢ ٱلَّذِينَ يَسۡتَحِبُّونَ ٱلۡحَيَوٰةَ ٱلدُّنۡيَا عَلَى ٱلۡأٓخِرَةِ وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ وَيَبۡغُونَهَا عِوَجًاۚ أُوْلَٰٓئِكَ فِي ضَلَٰلِۭ بَعِيدٖ٣﴾ [سورة إبراهيم: 2-3]، أرأيت كيف حَكَمَ المَلِكُ الحقُّ المبينُ ربُّ العالمينَ؟ أن كل دين سوى الإسلام فهو دين باطل وضلال، وأن مآل أهله في الآخرة النار وبئس القرار.
أما الأقليات وأصحاب الأديان فحكمهم في الإسلام ما داموا غير محاربين للمسلمين فيجب على أهل الإسلام دعوتهم إلى الإسلام، والعدل لهم وعليهم، والمسلمون مأمورون بالبر بهم والإحسان إليهم، ورحمة ضعفائهم، وإن كان الإنسان مسلمًا ووالديه غير مسلمين فيجب عليه البر بهم والإحسان إليهم وصلتهم بالمعروف، وعلى العموم فعلى المسلم أن يعامل الجميع بخُلق حسن، فلا يؤذي ولا يظلم ولا يبخسهم من حقوقهم شيئًا.
أما إن كان غير المسلم في بلاد المسلمين وقَبِلَ أن يعيش بينهم فعليه أن يلتزم بالنظام العام، فالإسلام يحفظ له ماله ودمه وعرضه ونسله وحريته فيما لا يتعارض مع شعائر الإسلام وشرائعه.
أما ما يُنسب إلى الإسلام والمسلمين من ظلم غير المسلمين والإساءة إليهم ومنعهم من حقوقهم وأمثال ذلك، فهذا كله من بغي الإعلام الجائر الموجه ضد الإسلام والمسلمين، ومن عاش بين المسلمين وعرف عظمة دينهم، ويُسْرَ شريعتهم، وسُمُوَّ أخلاقهم؛ أدرك أن ما يقوله الإعلام الموجه المُضلِّل كله كذب ودجل، والله المستعان.
***
(قسم القرآن والكتب السابقة)
السؤال:
ما هو القرآن؟
الإجــابة:
الحمد لله، أما بعد فقد أيّد الله أنبياءه ورسله عليهم الصلاة والسلام بالآيات البينات التي تكون سببًا بعد الله في هداية أقوامهم، وقد اندرست آيات الأنبياء عليهم الصلاة والسلام كناقة صالح وعصا موسى، وإشفاء الأبرص والأبكم وإحياء الموتى على يد عيسى عليه السلام، ولم يبق منها إلا الآية العظمى آية نبينا محمد ﷺ، وكانت آيته العظمى القرآن الكريم هي أعظم آيات الأنبياء، ولذا قال ﷺ: «مَا مِنَ الأَنْبِيَاءِ مِنْ نَبِيٍّ إِلَّا قَدْ أُعْطِيَ مِنَ الآيَاتِ مَا مِثْلُهُ آمَنَ عَلَيْهِ الْبَشَرُ، وَإِنَّمَا كَانَ الَّذِي أُوتِيتُ وَحْيًا أَوْحَاهُ اللهُ إِلَيَّ، فَأَرْجُو أَنْ أَكُونَ أَكْثَرَهُمْ تَابِعًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ» [متفق عليه، صحيح البخاري (4981) وصحيح مسلم (152)].
وهذا الوحي الذي آتاه الله إياه هو: القرآن والسنة النبوية، ولأن السؤال كان عن القرآن فسنفصل الحديث هنا عن القرآن الكريم فنقول:
القرآن الكريم قال عنه الله الذي أنزله: ﴿وَإِنَّهُۥ لَتَنزِيلُ رَبِّ ٱلۡعَٰلَمِينَ ١٩٢ نَزَلَ بِهِ ٱلرُّوحُ ٱلۡأَمِينُ ١٩٣ عَلَىٰ قَلۡبِكَ لِتَكُونَ مِنَ ٱلۡمُنذِرِينَ ١٩٤ بِلِسَانٍ عَرَبِيّٖ مُّبِينٖ ١٩٥ وَإِنَّهُۥ لَفِي زُبُرِ ٱلۡأَوَّلِينَ ١٩٦﴾ [الشعراء: 192-196]، وقال تعالى: ﴿تَنزِيلٞ مِّنَ ٱلرَّحۡمَٰنِ ٱلرَّحِيمِ٢ كِتَٰبٞ فُصِّلَتۡ ءَايَٰتُهُۥقُرۡءَانًا عَرَبِيّٗا لِّقَوۡمٖ يَعۡلَمُونَ٣ بَشِيرٗا وَنَذِيرٗا فَأَعۡرَضَ أَكۡثَرُهُمۡ فَهُمۡ لَا يَسۡمَعُونَ ٤﴾ [فصلت: 2-4]، وقال تعالى: ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِٱلذِّكۡرِ لَمَّا جَآءَهُمۡۖ وَإِنَّهُۥ لَكِتَٰبٌ عَزِيزٞ ٤١ لَّا يَأۡتِيهِ ٱلۡبَٰطِلُ مِنۢ بَيۡنِ يَدَيۡهِ وَلَا مِنۡ خَلۡفِهِۦۖ تَنزِيلٞ مِّنۡ حَكِيمٍ حَمِيدٖ ٤٢﴾ [فصلت: 41-42]، وقال تعالى: ﴿إِنَّهُۥ لَقُرۡءَانٞ كَرِيمٞ ٧٧ فِي كِتَٰبٖ مَّكۡنُونٖ ٧٨ لَّا يَمَسُّهُۥٓ إِلَّا ٱلۡمُطَهَّرُونَ ٧٩ تَنزِيلٞ مِّن رَّبِّ ٱلۡعَٰلَمِينَ٨٠﴾ [الواقعة: 77-80]، والله الذي أنزله هو الذي أنزل التوراة والإنجيل قال تعالى: ﴿نَزَّلَ عَلَيۡكَ ٱلۡكِتَٰبَ بِٱلۡحَقِّ مُصَدِّقٗا لِّمَا بَيۡنَ يَدَيۡهِ وَأَنزَلَ ٱلتَّوۡرَىٰةَ وَٱلۡإِنجِيلَ٣ مِن قَبۡلُ هُدٗى لِّلنَّاسِ وَأَنزَلَ ٱلۡفُرۡقَانَۗ إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِـَٔايَٰتِ ٱللَّهِ لَهُمۡ عَذَابٞ شَدِيدٞۗ وَٱللَّهُ عَزِيزٞ ذُو ٱنتِقَامٍ ٤﴾ [آل عمران: 3-4].
وقال عنه النبي ﷺ: «كِتَابُ اللهِ فِيهِ نَبَأُ مَا قَبْلَكُمْ، وَخَبَرُ مَا بَعْدَكُمْ، وَحُكْمُ مَا بَيْنَكُمْ، وَهُوَ الْفَصْلُ لَيْسَ بِالْهَزْلِ، مَنْ تَرَكَهُ مِنْ جَبَّارٍ قَصَمَهُ اللهُ، وَمَنْ ابْتَغَى الْهُدَى فِي غَيْرِهِ أَضَلَّهُ اللهُ، وَهُوَ حَبْلُ اللهِ الْمَتِينُ، وَهُوَ الذِّكْرُ الْحَكِيمُ، وَهُوَ الصِّرَاطُ الْمُسْتَقِيمُ، هُوَ الَّذِي لَا تَزِيغُ بِهِ الْأَهْوَاءُ، وَلَا تَلْتَبِسُ بِهِ الْأَلْسِنَةُ، وَلَا يَشْبَعُ مِنْهُ الْعُلَمَاءُ، وَلَا يَخْلُقُ عَلَى كَثْرَةِ الرَّدِّ، وَلَا تَنْقَضِي عَجَائِبُهُ، هُوَ الَّذِي لَمْ تَنْتَهِ الْجِنُّ إِذْ سَمِعَتْهُ حَتَّى قَالُوا: ﴿إِنَّا سَمِعۡنَا قُرۡءَانًا عَجَبٗا ١ يَهۡدِيٓ إِلَى ٱلرُّشۡدِ...﴾ [الجن: 2]، مَنْ قَالَ بِهِ صَدَقَ، وَمَنْ عَمِلَ بِهِ أُجِرَ، وَمَنْ حَكَمَ بِهِ عَدَلَ، وَمَنْ دَعَا إِلَيْهِ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ» [سنن الترمذي ت شاكر (2906)، وسنن الدارمي (2650)].
وقال عنه الوليد وهو من كفار قريش بعدما سمعه: «والله لقد سمعت من محمد آنفًا كلامًا ما هو من كلام الإنس ولا من كلام الجن، إن له لحلاوة، وإن عليه لطلاوة، وإن أعلاه لمثمر، وإن أسفله لمغدق، وأنه يعلو ولا يعلى عليه» [مراح لبيد لكشف معنى القرآن المجيد (2/ 580)].
والقرآن كلام الله تعالى المنزل بواسطة جبريل على نبينا محمد ﷺ النبي الأمي، المتعبد بتلاوته، وهو الكتاب الناسخ للكتب السابقة المنزلة على الأنبياء من قبل، كالتوراة والإنجيل، والمصدِّق لها، بمعنى أنها متفقة في أصل الدعوة إلى التوحيد والإيمان بالغيب والبعث وأصول العقيدة عمومًا، نزل خلال ثلاثة وعشرين سنة على نبينا ﷺ، وحفظه الصحابة ونقلوه لمن بعدهم كتابة وحفظًا، فهو محفوظ في الصدور، ومكتوب محفوظ في السطور، واعتنى به المسلمون، وتناقلوه بحروفه وقراءاته جيلًا بعد جيل، وهو ثلاثون جزءًا، وفيه مائة وأربعَ عشرةَ سورة.
وهو كتاب عظيم متضمن للعقيدة والأحكام والآداب، وقصص الأنبياء، وأخبار الأمم السابقة، وذَكَرَ اللهُ فيه كيف أنجى المؤمنين في الدنيا، وكيف عاقب الكافرين والمنافقين في الدنيا، وتضمن بيان مصير المؤمنين ومصير الكفار والمنافقين يوم القيامة، وتحدى الله الإنس والجن ـ ولو اجتمعوا ـ على أن يأتوا بمثله، ولم ولن يتمكن أحد من تحريفه فضلًا عن الإتيان بمثله أو مثل بعضه، وبين الله سبحانه وتعالى أن هذا القرآن شفاءٌ لكل داء من أدواء النفوس والأبدان، وفيه موعظة لمن أراد الاتعاظ بما فيه والاهتداء بهدية، قال تعالى: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ قَدۡ جَآءَتۡكُم مَّوۡعِظَةٞ مِّن رَّبِّكُمۡ وَشِفَآءٞ لِّمَا فِي ٱلصُّدُورِ وَهُدٗى وَرَحۡمَةٞ لِّلۡمُؤۡمِنِينَ ٥٧﴾ [يونس: 57].
ولما كانت رسالة نبينا محمد ﷺ هي الرسالة الخَاتِمة، بمعنى أنه لن يأتي نبي بعده؛ جعل الله آيةَ هذه الرسالة، آيةً باقية إلى يوم القيامة، بمعنى أن كل من اطلع عليه وقرأ فيه تقوم عليه الحجة بصحة الرسالة، ونبوة النبي الذي جاء به وهو نبينا محمد ﷺ، لذلك جعل الله في القرآن من الدلائل البينات والحجج الواضحات والبراهين على أصول الدين ما يبهر العقول، ويأخذ بالألباب؛ ولذا لا يزال يُسلِمُ الآلاف من البشر إذا اطَّلَعُوا عليه أو على ترجمة معانيه، وفيه من الأمثال المضروبة، والأدلة العقلية، والأسئلة التي يواجه بها القرآنُ الكريم الإنسانَ ويلجئه إلى القبول بها؛ إن كان منصفًا، أو المعاندة والمكابرة إن كان جحودًا كنودًا، ومن هذه الأدلة الباهرة قوله تعالى: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِن كُنتُمۡ فِي رَيۡبٖ مِّنَ ٱلۡبَعۡثِ فَإِنَّا خَلَقۡنَٰكُم مِّن تُرَابٖ ثُمَّ مِن نُّطۡفَةٖ ثُمَّ مِنۡ عَلَقَةٖ ثُمَّ مِن مُّضۡغَةٖ مُّخَلَّقَةٖ وَغَيۡرِ مُخَلَّقَةٖ لِّنُبَيِّنَ لَكُمۡۚ وَنُقِرُّ فِي ٱلۡأَرۡحَامِ مَا نَشَآءُ إِلَىٰٓ أَجَلٖ مُّسَمّٗى ثُمَّ نُخۡرِجُكُمۡ طِفۡلٗا ثُمَّ لِتَبۡلُغُوٓاْ أَشُدَّكُمۡۖ وَمِنكُم مَّن يُتَوَفَّىٰ وَمِنكُم مَّن يُرَدُّ إِلَىٰٓ أَرۡذَلِ ٱلۡعُمُرِ لِكَيۡلَا يَعۡلَمَ مِنۢ بَعۡدِ عِلۡمٖ شَيۡـٔٗاۚ وَتَرَى ٱلۡأَرۡضَ هَامِدَةٗ فَإِذَآ أَنزَلۡنَا عَلَيۡهَا ٱلۡمَآءَ ٱهۡتَزَّتۡ وَرَبَتۡ وَأَنۢبَتَتۡ مِن كُلِّ زَوۡجِۭ بَهِيجٖ ٥﴾ [الحج: 5]، وقوله تعالى: ﴿لَوۡ كَانَ فِيهِمَآ ءَالِهَةٌ إِلَّا ٱللَّهُ لَفَسَدَتَاۚ فَسُبۡحَٰنَ ٱللَّهِ رَبِّ ٱلۡعَرۡشِ عَمَّا يَصِفُونَ ٢٢﴾ [الأنبياء: 22]، ومن الأسئلة المُفحِمَة قوله تعالى: ﴿أَفَرَءَيۡتُم مَّا تُمۡنُونَ ٥٨ ءَأَنتُمۡ تَخۡلُقُونَهُۥٓ أَمۡ نَحۡنُ ٱلۡخَٰلِقُونَ ٥٩ نَحۡنُ قَدَّرۡنَا بَيۡنَكُمُ ٱلۡمَوۡتَ وَمَا نَحۡنُ بِمَسۡبُوقِينَ ٦٠ عَلَىٰٓ أَن نُّبَدِّلَ أَمۡثَٰلَكُمۡ وَنُنشِئَكُمۡ فِي مَا لَا تَعۡلَمُونَ ٦١ وَلَقَدۡ عَلِمۡتُمُ ٱلنَّشۡأَةَ ٱلۡأُولَىٰ فَلَوۡلَا تَذَكَّرُونَ ٦٢ أَفَرَءَيۡتُم مَّا تَحۡرُثُونَ٦٣ ءَأَنتُمۡ تَزۡرَعُونَهُۥٓ أَمۡ نَحۡنُ ٱلزَّٰرِعُونَ ٦٤ لَوۡ نَشَآءُ لَجَعَلۡنَٰهُ حُطَٰمٗا فَظَلۡتُمۡ تَفَكَّهُونَ ٦٥﴾ [الواقعة: 58-65].
ومن أمثلة القرآن التي ضربها لإقامة الحجة على فساد عبادة ما يُعْبَدُ من دون الله قوله تعالى: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٞ فَٱسۡتَمِعُواْ لَهُۥٓۚ إِنَّ ٱلَّذِينَ تَدۡعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ لَن يَخۡلُقُواْ ذُبَابٗا وَلَوِ ٱجۡتَمَعُواْ لَهُۥۖ وَإِن يَسۡلُبۡهُمُ ٱلذُّبَابُ شَيۡـٔٗا لَّا يَسۡتَنقِذُوهُ مِنۡهُۚ ضَعُفَ ٱلطَّالِبُ وَٱلۡمَطۡلُوبُ ٧٣﴾ [الحج: 73].
وهو كتاب منزه عن الخطأ والاختلاف قال تعالى: ﴿ذَٰلِكَ ٱلۡكِتَٰبُ لَا رَيۡبَۛ فِيهِۛ هُدٗى لِّلۡمُتَّقِينَ ٢﴾ [البقرة: 2]، وقال تعالى: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ ٱلۡقُرۡءَانَۚ وَلَوۡ كَانَ مِنۡ عِندِ غَيۡرِ ٱللَّهِ لَوَجَدُواْ فِيهِ ٱخۡتِلَٰفٗا كَثِيرٗا٨٢﴾ [النساء: 82].
والقرآن نزل بلسان عربي مبين، أبهر العرب بفصاحته وبيانه، ولا يقدر قدر هذا الإعجاز اللغوي العظيم إلا أهل اللغة الذين نزل بلسانهم، وهو محفوظ باللغة التي نزل بها، ويتلوه المسلمون كما كان يتلوه النبي محمد ﷺ.
وللقرآن الكريم علوم كثيرة، كالتجويد والتفسير وأسباب النزول وغيرها، ألف العلماء فيها كتبًا مشهورةً لا تحصى إلا بالكلفة، ولمعاني القرآن تراجم معتمدة بلغات كثيرة.
فعلى كل من يُقَدِّرُ إنسانيته، ويحترم عقله، أن يجتهد في قراءة هذا الكتاب العظيم الذي ما طرق البشرية كتاب خير منه، أو يقرأ ترجمة معانيه إن كان لا يعرف اللغة العربية، فلو ذُكر لعاقلٍ أن كتابًا كتبه حكيم بالغ الحكمة، وأنه قد أودع فيه كل حكمته؛ لكان حريًا بالإنسان أن يجتهد في الاطلاع عليه، كيف وبين يديك أيها الإنسان كتاب إلهي، لا يزال موجودًا باللغة التي نزل بها، ولا يزال محفوظًا من النقص والزيادة، سالمًا من التحريف والتبديل، فيه خبر من مضى، وشرع من مضى ومن بقى، وبيان مصير كل حي، ثم لا تطلع عليه، إنّ تجاهل الإنسان للقرآن وعدم عنايته به؛ لايضر القرآن الكريم، وإنما يضر المعرض نفسه؛ لأن الله غني عن خلقه قال تعالى: ﴿وَأَنۡ أَتۡلُوَاْ ٱلۡقُرۡءَانَۖ فَمَنِ ٱهۡتَدَىٰ فَإِنَّمَا يَهۡتَدِي لِنَفۡسِهِۦۖ وَمَن ضَلَّ فَقُلۡ إِنَّمَآ أَنَا۠ مِنَ ٱلۡمُنذِرِينَ٩٢﴾ [النمل: 92]، وقال تعالى: ﴿وَمَن جَٰهَدَ فَإِنَّمَا يُجَٰهِدُ لِنَفۡسِهِۦٓۚ إِنَّ ٱللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنِ ٱلۡعَٰلَمِينَ٦﴾ [العنكبوت: 6]. وصلى الله وسلم على نبينا محمد.
***
السؤال:
ما الموضوعات التي يتناولها القرآن؟
الإجــابة:
الحمد لله، القرآن الكريم كلام الله وخاتم الكتب السماوية وناسخها، نزل على نبينا محمد ﷺ، وهو مقسَّمٌ إلى أجزاء، وكل جزء إلى سور، وكل سورة إلى آيات، وقد تكون السورة في موضوع واحد أو في عدة مواضيع.
كما يمتاز القرآن بأنه ليس سردًا تاريخيًا متصلًا إذا قرأته مرة قد لا تقرأه مرة أخرى كما في كتب اليهود والنصارى، وإنما نجد كل موضع فيه يحوي تنوعًا كبيرًا من قصص الأنبياء والعبرة منها، ومن دلالة النظر في آيات الله وبديع صنعه، ويتخلل ذلك أوامر ونواهي وأخلاق وآداب وتشريعات، كل هذا كالبستان يمكن للإنسان الاستفادة منه عند مطالعة القرآن في أي موضع غالبًا، حتى قصة النبي الواحد لا تأتي مرة واحدة وانتهت، ولكن تأتي في أكثر من سورة وفي أكثر من موضع، وفي كل موضع فوائد جديدة وزاوية جديدة للأحداث للتركيز عليها للقارئ المتأمل.
أما المواضيع التي وردت في القرآن الكريم فمنها:
1-أنه كتاب شامل لكل ما يحتاج إليه المرء في أمر دينه ودنياه، وعلاقته بربه، وعلاقته بنفسه، وعلاقته بالناس من حوله. وعلاقته بالكون الذي يعيش فيه.
2-بيان صفات الله تعالى وأسمائه وأفعاله وجزائه ودينه وشرعه وقدره وقضائه، وأنه المنفرد بالخلق والملك والرزق والتدبير والإحياء والإماتة.
3-بيان حق الله تعالى على خلقه، وهو توحيده وعبادته دون ما سواه، وبيان حق الخلق على الخالق إذا عبدوه وأطاعوا أمره، وفيه تفاصيل العبادات والأحكام والمعاملات.
4-أنه بصائر للخلق، وهدى ورحمة وموعظة وكفاية للبشرية في الدلالة إلى الطريق القويم والصراط المستقيم، قال تعالى: ﴿إِنَّ هَٰذَا ٱلۡقُرۡءَانَ يَهۡدِي لِلَّتِي هِيَ أَقۡوَمُ وَيُبَشِّرُ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ ٱلَّذِينَ يَعۡمَلُونَ ٱلصَّٰلِحَٰتِ أَنَّ لَهُمۡ أَجۡرٗا كَبِيرٗا٩﴾ [سورة الإسراء:9]، وقال تعالى: ﴿أَوَلَمۡ يَكۡفِهِمۡ أَنَّآ أَنزَلۡنَا عَلَيۡكَ ٱلۡكِتَٰبَ يُتۡلَىٰ عَلَيۡهِمۡۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَرَحۡمَةٗ وَذِكۡرَىٰ لِقَوۡمٖ يُؤۡمِنُونَ٥١﴾ [العنكبوت: 51]، وقال تعالى: ﴿قَدۡ جَآءَكُم بَصَآئِرُ مِن رَّبِّكُمۡۖ فَمَنۡ أَبۡصَرَ فَلِنَفۡسِهِۦۖ وَمَنۡ عَمِيَ فَعَلَيۡهَاۚ وَمَآ أَنَا۠ عَلَيۡكُم بِحَفِيظٖ١٠٤﴾ [الأنعام: 104]، وقال تعالى: ﴿...قُلۡ إِنَّمَآ أَتَّبِعُ مَا يُوحَىٰٓ إِلَيَّ مِن رَّبِّيۚ هَٰذَا بَصَآئِرُ مِن رَّبِّكُمۡ وَهُدٗى وَرَحۡمَةٞ لِّقَوۡمٖ يُؤۡمِنُونَ٢٠٣﴾ [الأعراف: 203]، قال الطاهر بن عاشور رحمه الله: «والبصائر جمع بصيرة وهي ما به اتضاح الحق... وهذا تنويه بشأن القرآن، وأنه خير من الآيات التي يسألونها؛ لأنه يجمع بين الدلالة على صدق الرسول بواسطة دلالة الإعجاز، وصدوره عن الأمي، وبين الهداية والتعليم والإرشاد، والبقاء على العصور. وإنما جمع «البصائر» لأن القرآن أنواعًا من الهدى على حسب النواحي التي يهدي إليها: من تنوير العقل في إصلاح الاعتقاد، وتسديد الفهم في الدين، ووضع القوانين للمعاملات، والمعاشرة بين الناس، والدلالة على طرق النجاح والنجاة في الدنيا، والتحذير من مهاوي الخسران» [التحرير والتنوير (9/ 238)].
5-الحديث عن الكتب الإلهية وما تضمنته من هداية ودلالة، وحلال وحرام، وتشريع، قال تعالى: ﴿وَقَفَّيۡنَا عَلَىٰٓ ءَاثَٰرِهِم بِعِيسَى ٱبۡنِ مَرۡيَمَ مُصَدِّقٗا لِّمَا بَيۡنَ يَدَيۡهِ مِنَ ٱلتَّوۡرَىٰةِۖ وَءَاتَيۡنَٰهُ ٱلۡإِنجِيلَ فِيهِ هُدٗى وَنُورٞ وَمُصَدِّقٗا لِّمَا بَيۡنَ يَدَيۡهِ مِنَ ٱلتَّوۡرَىٰةِ وَهُدٗى وَمَوۡعِظَةٗ لِّلۡمُتَّقِينَ٤٦﴾ [المائدة: 46].
6-من أعظم الموضوعات التي تناولها القرآن العظيم النبوات والرسالات الإلهية، وما قاله كل نبي لأمته، وما رد عليه الملأ من قومه، وجزاء من آمن به وعقوبة من خالفه وعصاه، وبيان الآيات التي أيد الله بها كل نبي. وبيان حاجة الخلق إلى الرسل، ونذارتهم وبشارتهم، وبيان ما يجب الإيمان به من الكتب المنزلة عليهم، وبيان حال الأمم السابقة وما فعلوه بأنبيائهم؛ لأخذ العبرة والعظة من ذلك.
7-من أعظم الموضوعات التي تناولها القرآن العظيم: اليوم الآخر وهو يوم البعث والنشور والجزاء، وتفصيل جزاء المؤمنين ودخولهم الجنة خالدين فيها أبدًا، وجزاء الكافرين ودخولهم النار خالدين فيها أبدًا، وتفاصيل كل ذلك.
8-الحديث عن العوالم الغيبية كالملائكة والجن والشياطين، كيف خلقت، وما أعمالها، وصفاتها، وطاعة الملائكة لربها، وعصيان الجن والشياطين، وسائر أحوالها، وأن الملائكة تعين المؤمنين على الطاعات، وأن الشياطين تَؤُزُّ الكافرين إلى المعاصي أزًا.
9-بيان العبادات المشروعة كالصلاة والزكاة والصيام والحج والبر والإحسان والولاء والبراء، والمعاملات كالبيوع والمداينات والأنكحة والمواريث، وتزكية النفس بالأخلاق النبيلة وتطهيرها من الأخلاق الرذيلة، وبيان المحرمات والمكروهات والفواحش والآثام.
10-الدعوة إلى النظر والاعتبار في الآيات الكونية في السماء والأرض والشمس والقمر والنجوم، وكذا النظر في الآفاق وما اشتملت عليه الأنفس، والتفكر فيها تفكرًا يقود المرء إلى الإيمان والإسلام والإذعان للخالق وعبادته؛ قال تعالى: ﴿إِنَّ فِي خَلۡقِ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ وَٱخۡتِلَٰفِ ٱلَّيۡلِ وَٱلنَّهَارِ وَٱلۡفُلۡكِ ٱلَّتِي تَجۡرِي فِي ٱلۡبَحۡرِ بِمَا يَنفَعُ ٱلنَّاسَ وَمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مِن مَّآءٖ فَأَحۡيَا بِهِ ٱلۡأَرۡضَ بَعۡدَ مَوۡتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِن كُلِّ دَآبَّةٖ وَتَصۡرِيفِ ٱلرِّيَٰحِ وَٱلسَّحَابِ ٱلۡمُسَخَّرِ بَيۡنَ ٱلسَّمَآءِ وَٱلۡأَرۡضِ لَأٓيَٰتٖ لِّقَوۡمٖ يَعۡقِلُونَ ١٦٤﴾ [البقرة: 164].
وقال تعالى: ﴿إِنَّ فِي خَلۡقِ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ وَٱخۡتِلَٰفِ ٱلَّيۡلِ وَٱلنَّهَارِ لَأٓيَٰتٖ لِّأُوْلِي ٱلۡأَلۡبَٰبِ١٩٠﴾ [آل عمران: 190].
11-قصة خلق هذا الكون وخلق الإنسان الأول واستخلافه في الأرض، وتكليفه بعمارتها، وبيان الشرائع الربانية والسنن الكونية التي تعينه على الاستخلاف فيها، وإيجاد الحضارة الراقية التي يجب أن ينتجها الإنسان في ظل توجيهات القرآن، وبيان كيف ضلت الأمم السابقة وبغت وأفسدت في الأرض كما في قوله تعالى: ﴿أَوَلَمۡ يَسِيرُواْ فِي ٱلۡأَرۡضِ فَيَنظُرُواْ كَيۡفَ كَانَ عَٰقِبَةُ ٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِهِمۡۚ كَانُوٓاْ أَشَدَّ مِنۡهُمۡ قُوَّةٗ وَأَثَارُواْ ٱلۡأَرۡضَ وَعَمَرُوهَآ أَكۡثَرَ مِمَّا عَمَرُوهَا وَجَآءَتۡهُمۡ رُسُلُهُم بِٱلۡبَيِّنَٰتِۖ فَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيَظۡلِمَهُمۡ وَلَٰكِن كَانُوٓاْ أَنفُسَهُمۡ يَظۡلِمُونَ ٩﴾ [الروم: 9]، وقوله تعالى: ﴿يَعۡلَمُونَ ظَٰهِرٗا مِّنَ ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَا وَهُمۡ عَنِ ٱلۡأٓخِرَةِ هُمۡ غَٰفِلُونَ٧ أَوَلَمۡ يَتَفَكَّرُواْ فِيٓ أَنفُسِهِمۗ مَّا خَلَقَ ٱللَّهُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضَ وَمَا بَيۡنَهُمَآ إِلَّا بِٱلۡحَقِّ وَأَجَلٖ مُّسَمّٗىۗ وَإِنَّ كَثِيرٗا مِّنَ ٱلنَّاسِ بِلِقَآيِٕ رَبِّهِمۡ لَكَٰفِرُونَ٨ أَوَلَمۡ يَسِيرُواْ فِي ٱلۡأَرۡضِ فَيَنظُرُواْ كَيۡفَ كَانَ عَٰقِبَةُ ٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِهِمۡۚ كَانُوٓاْ أَشَدَّ مِنۡهُمۡ قُوَّةٗ وَأَثَارُواْ ٱلۡأَرۡضَ وَعَمَرُوهَآ أَكۡثَرَ مِمَّا عَمَرُوهَا وَجَآءَتۡهُمۡ رُسُلُهُم بِٱلۡبَيِّنَٰتِۖ فَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيَظۡلِمَهُمۡ وَلَٰكِن كَانُوٓاْ أَنفُسَهُمۡ يَظۡلِمُونَ ٩ ثُمَّ كَانَ عَٰقِبَةَ ٱلَّذِينَ أَسَٰٓـُٔواْ ٱلسُّوٓأَىٰٓ أَن كَذَّبُواْ بِـَٔايَٰتِ ٱللَّهِ وَكَانُواْ بِهَا يَسۡتَهۡزِءُونَ ١٠ ٱللَّهُ يَبۡدَؤُاْ ٱلۡخَلۡقَ ثُمَّ يُعِيدُهُۥ ثُمَّ إِلَيۡهِ تُرۡجَعُونَ ١١﴾ [الروم: 7-11]، وبين الله أن العاقبة للمتقين قال تعالى: ﴿تِلۡكَ ٱلدَّارُ ٱلۡأٓخِرَةُ نَجۡعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوّٗا فِي ٱلۡأَرۡضِ وَلَا فَسَادٗاۚ وَٱلۡعَٰقِبَةُ لِلۡمُتَّقِينَ٨٣﴾ [القصص: 83].
12-تضمن القرآن من الأدلة العقلية، والأقيسة المنطقية، والأمثال المضروبة، والاسئلة المفحمة ما لا يحاط به إلا بكلفة، وكلها حجج بينة وأدلة قاطعة على المسائل التي أوردها القرآن، وهذه الأدلة إذا تأملها المنصف لا يسعه إلا الإذعان والتسليم لما دلت عليه، حتى إن الملحد الباحث عن الحق بصدق إذا نظر فيها تخلى عن إلحاده، وآمن بما جاء به هذا القرآن العظيم.
13-القيم العالية السامية التي لا يمكن أن تقوم حضارة راشدة، أو مدنية متكاملة إلا بتوافرها والسعي لتحقيقها، فتجد في القرآن الكريم القيم الإيمانية والعدلية والصحية والأمنية والاجتماعية والسلوكية والمالية وغير ذلك من القيم التي يتطلبها الوجود البشري على الأرض.
ومما ينبغي أن يلحظه القارئ للقرآن الكريم أنه لن يجد القرآن مصنفًا تصنيفًا موضوعيًا كسائر كتب البشر؛ وإنما هو كتاب إلهي ترد فيه المسألة الإيمانية ودليلها وجزاؤها مقترنة بسنة كونية لعمارة الأرض، يتبعها بيان حال أمة من الأمم السابقة التي خالفت في هذه المسألة، فمن رام معرفة الموضوعات التي تناولها القرآن العظيم فعليه أن يقرأ القرآن كاملًا؛ ليتعرف على الموضوعات التي تناولها.
فعلى كل من يقدر إنسانيته، ويحترم عقله، أن يجتهد في قراءة هذا الكتاب العظيم الذي ما طرق البشرية كتاب خير منه، أو يقرأ ترجمة معانيه إن كان لا يعرف اللغة العربية، فلو ذُكر لعاقل أن كتابًا كتبه حكيم بالغ الحكمة، وأنه قد أودع فيه كل حكمته؛ لكان حريًا بالإنسان أن يجتهد في الاطلاع عليه، كيف وبين يديك أيها الإنسان كتاب إلهي، لا يزال موجودًا باللغة التي نزل بها، ولا يزال محفوظًا من النقص والزيادة، سالمًا من التحريف والتبديل، فيه خبر من مضى، وشرع من مضى ومن بقى، وبيان مصير كل حي، ثم لا تطلع عليه، إن تجاهل الإنسان للقرآن وعدم عنايته به؛ لا يضر القرآن الكريم، وإنما يضر المعرض نفسه؛ لأن الله غني عن خلقه قال تعالى: ﴿وَأَنۡ أَتۡلُوَاْ ٱلۡقُرۡءَانَۖ فَمَنِ ٱهۡتَدَىٰ فَإِنَّمَا يَهۡتَدِي لِنَفۡسِهِۦۖ وَمَن ضَلَّ فَقُلۡ إِنَّمَآ أَنَا۠ مِنَ ٱلۡمُنذِرِينَ٩٢﴾ [النمل: 92]، وقال تعالى: ﴿وَمَن جَٰهَدَ فَإِنَّمَا يُجَٰهِدُ لِنَفۡسِهِۦٓۚ إِنَّ ٱللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنِ ٱلۡعَٰلَمِينَ٦﴾ [العنكبوت: 6].
وصلى الله وسلم على نبينا محمد.
***
السؤال:
هل يصح أن النبي محمدًا قد كتب القرآن ونسخه من الإنجيل (العهد الجديد Gospel)؟
الإجــابة:
للجواب على هذا السؤال نقول:
الأول: السائل الذي طرح هذا السؤال لا يعرف القرآن ولا يعرف الإنجيل، لأن القرآن مختلف تمامًا عن الإنجيل، والإنجيل ليس إنجيلًا واحدًا بل أناجيل متعددة، وهل يقصد السائل أن الرسول محمدًا ﷺ نقل من مرقص أو لوقا أو متى أو يوحنا أو من رسائل بولس أو رسائل يعقوب؟
الثاني: أن الأناجيل متناقضة فيما بينها في قضايا كثيرة جدًا، ومنها أن إنجيل يوحنا جاء لتأسيس أن المسيح ابن الله، تعالى الله عما يقولون علوًا كبيرًا، بينما الأناجيل الثلاثة لا تصرح بالبنوة، كما أنها متناقضة في قضية الصلب تناقضًا مخيفًا، فأي إنجيل نقل منه الرسول ﷺ؟
الثالث: أن القرآن العظيم جاء مصححًا لبعض القضايا التي يعتقد اليهود والنصارى خلافها، قال تعالى: ﴿إِنَّ هَٰذَا ٱلۡقُرۡءَانَ يَقُصُّ عَلَىٰ بَنِيٓ إِسۡرَٰٓءِيلَ أَكۡثَرَ ٱلَّذِي هُمۡ فِيهِ يَخۡتَلِفُونَ٧٦﴾ [سورة النمل:76]، ومن هذه القضايا طهارة الصديقة مما نسب إليها قال تعالى: ﴿مَّا ٱلۡمَسِيحُ ٱبۡنُ مَرۡيَمَ إِلَّا رَسُولٞ قَدۡ خَلَتۡ مِن قَبۡلِهِ ٱلرُّسُلُ وَأُمُّهُۥ صِدِّيقَةٞۖ كَانَا يَأۡكُلَانِ ٱلطَّعَامَۗ ٱنظُرۡ كَيۡفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ ٱلۡأٓيَٰتِ ثُمَّ ٱنظُرۡ أَنَّىٰ يُؤۡفَكُونَ ٧٥﴾ [سورة المائدة:75]، وكذلك مسألة نزول المسيح عليه السلام آخر الزمان فالنصارى يعتقدون أنه ينزل بصفته ابن الله ليحاسب العباد، بينما القرآن أثبت أنه بشر رسول ينزل كعلامة من علامات الساعة، قال تعالى: ﴿وَإِنَّهُۥ لَعِلۡمٞ لِّلسَّاعَةِ فَلَا تَمۡتَرُنَّ بِهَا وَٱتَّبِعُونِۚ هَٰذَا صِرَٰطٞ مُّسۡتَقِيمٞ٦١﴾ [سورة الزخرف:61].
الرابع: أن القرآن العظيم ذكر أمورًا عن المسيح عليه السلام وأمه عليها السلام لا يعرفها النصارى، فمن ذلك كلام المسيح بعد ولادته ونزول المائدة من السماء، قال تعالى: ﴿قَالَ عِيسَى ٱبۡنُ مَرۡيَمَ ٱللَّهُمَّ رَبَّنَآ أَنزِلۡ عَلَيۡنَا مَآئِدَةٗ مِّنَ ٱلسَّمَآءِ تَكُونُ لَنَا عِيدٗا لِّأَوَّلِنَا وَءَاخِرِنَا وَءَايَةٗ مِّنكَۖ وَٱرۡزُقۡنَا وَأَنتَ خَيۡرُ ٱلرَّٰزِقِينَ١١٤﴾ [سورة المائدة:114].
الخامس: أن القرآن العظيم سالم من الأخطاء التي وردت في الأناجيل، وسالم من التناقضات الكثيرة التي اشتمل عليها الإنجيل.
السادس: أن الرسول ﷺ لم يكن يعرف القراءة والكتابة، وقد ورد ذكرها في القرآن العظيم، قال تعالى: ﴿وَمَا كُنتَ تَتۡلُواْ مِن قَبۡلِهِۦ مِن كِتَٰبٖ وَلَا تَخُطُّهُۥ بِيَمِينِكَۖ إِذٗا لَّٱرۡتَابَ ٱلۡمُبۡطِلُونَ٤٨﴾ [سورة العنكبوت:48]، وأمته أمية لم تكن القراءة شائعة بينهم، ولم تكن كتب أهل الكتاب متداولة في مكة، ولم يكونوا على علم بما لدى أهل الكتاب.
وبعد هذا البيان هل يمكن أن يقول منصف: أن الرسول ﷺ كتب القرآن من الإنجيل واستنسخه منه، ونحن على يقين أن الإنسان المنصف حينما يقرأ ما سطرناه من الجواب سيحكم –حتمًا- أن السائل لم يكن يعرف القرآن العظيم ولا الإنجيل.
أما ما يوجد في الإنجيل من أمور يوافق فيها القرآن الكريم فهي من بقايا الحق الذي جاء به المسيح عليه السلام، مثل الأمر بالدعوة لعبادة الله وحده، والعجب أن الذين يشغبون على القرآن، ويوهمون النصارى بأن الرسول محمدًا ﷺ استنسخ القرآن الكريم من الإنجيل يتجاهلون أن الإنجيل نص صراحة على مجيءِ الرسول محمد ﷺ، وبشر به، وأمر أتباعه بالإيمان بالرسول محمد ﷺ إذا بُعث، ولكنهم لا يذكرونها؛ بل يسعون جاهدين إلى كتمانها وتحريفها.
***
السؤال:
لماذا أنزل الله القرآن الكريم على النبي؟ وهل هذا يعني نسخًا لكل من التوراة والإنجيل؟ وهل هذا يعني أن متبعي التوراة والإنجيل لم يكونوا على هدى من الله لذا أنزل الله القرآن على النبي محمد؟
الإجــابة:
يقال للسائل: فلماذا أنزل الله التوراة مع أنه كان قبلها صحف إبراهيم؟ ولماذا أنزل الله الإنجيل مع وجود التوراة قبله؟ الجواب واحد، وهو أن الله يشرع في كل عصر ما يصلح لأهله، وأما أصول الإيمان فمتفقة بين الرسل، كلهم يدعو إلى عبادة الله تعالى وحده والكفر بالطاغوت، وقد وَكَّلَ الله حفظ التوراة والإنجيل إلى علماء بني إسرائيل، فحرَّفوها وبدَّلوها، وكان في علمهم أن الله تعالى سيبعث في آخر الزمان رسولًا يختم به الرسل، وهو النبي محمدٌ ﷺ، فأنزل الله تعالى عليه الكتاب الناسخ للشرائع السابقة، والصالح لكل زمان ومكان إلى قيام الساعة، والذي سيحكم به عيسى عليه السلام إذا نزل في آخر الزمان، وتولى حفظه الله تعالى، بأسباب كثيرة، فمهما حاول بعض الناس تحريفه افتُضح أمرهم، وبناءً عليه فكل يهودي أو نصراني أدرك الإسلام ولم يدخل فيه فليس على هدى، قال تعالى: ﴿وَدَّ كَثِيرٞ مِّنۡ أَهۡلِ ٱلۡكِتَٰبِ لَوۡ يَرُدُّونَكُم مِّنۢ بَعۡدِ إِيمَٰنِكُمۡ كُفَّارًا حَسَدٗا مِّنۡ عِندِ أَنفُسِهِم مِّنۢ بَعۡدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ ٱلۡحَقُّۖ فَٱعۡفُواْ وَٱصۡفَحُواْ حَتَّىٰ يَأۡتِيَ ٱللَّهُ بِأَمۡرِهِۦٓۗ إِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ قَدِيرٞ١٠٩﴾ [سورة البقرة:109]، وقال رسول الله ﷺ: «وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لَا يَسْمَعُ بِي أَحَدٌ مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ يَهُودِيٌّ وَلَا نَصْرَانِيٌّ ثُمَّ يَمُوتُ وَلَمْ يُؤْمِنْ بِالَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ إِلَّا كَانَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ» [رواه مسلم (153)]، والمراد بهذه الأمة أمة محمد ﷺ، أي: الذين أرسل إليهم، وتسمى أمة الدعوة، ومن آمن به منهم يسمى أمة الإجابة، وبناءً عليه أيضًا من كان يهوديًّا ونصرانيًّا في زمنه مصدِّقًا بالتوراة والإنجيل كما نزلت، غير مبدِّلٍ ولا محرِّفٍ ومات قبل بعثة النبي محمد ﷺ فهو على هدى، وكل من أدرك الإسلام ولم يسلم فهو على ضلالة.
***
(قسم الإسلام)
السؤال:
ماذا يعني الإسلام؟
الإجــابة:
س- ماذا يعني دين الإسلام؟
ج: الإسلام بالمعنى العام: هو الاستسلام لله، والخضوع له والانقياد له وحده، ظاهرًا وباطنًا، وبما شرعه على ألسنة رسله، وذلك بفعل أوامره، وترك نواهيه، هذا هو الإسلام بمعناه العام.
وهو دين الأنبياء جميعًا وإن تنوعت الشريعة في بعضها، فهو استسلام لله وحده، فمن استسلم له ولغيره؛ كان مشركًا، ومن لم يستسلم له؛ كان مستكبرًا.
قال تعالى: ﴿إِنَّ ٱلدِّينَ عِندَ ٱللَّهِ ٱلۡإِسۡلَٰمُۗ...﴾ [آل عمران ١٩].
وقال سبحانه: ﴿وَمَن يَبۡتَغِ غَيۡرَ ٱلۡإِسۡلَٰمِ دِينٗا فَلَن يُقۡبَلَ مِنۡهُ وَهُوَ فِي ٱلۡأٓخِرَةِ مِنَ ٱلۡخَٰسِرِينَ ٨٥﴾ [آل عمران ٨٥].
وفي الصحيح عن النبي محمد ﷺ قوله: «الْأَنْبِيَاءُ إِخْوَةٌ مِنْ عَلَّاتٍ، وَأُمَّهَاتُهُمْ شَتَّى، وَدِينُهُمْ وَاحِدٌ».
العلات: جمع عَلَّة وهي الضَّرة، وبنو العلات: الإخوة من أب واحد وأمهاتهم مختلفة، والمراد أن أصل دين الأنبياء واحد وإن كانت شرائعهم مختلفة.
الإسلام بالمعنى الخاص: هو ما بعد بعثة النبي ﷺ: يُختص بما بُعث به محمد ﷺ؛ لأن ما بعث به النبي ﷺ نسخ جميع الأديان السابقة، فصار من اتبعه مسلمًا ومن خالفه ليس بمسلم،
فأتباع الرسل مسلمون في زمن رسلهم، فاليهود مسلمون في زمن موسى ﷺ، والنصارى مسلمون في زمن عيسى ﷺ.
وأما حين بعث النبي محمد ﷺ، فكفروا به: فليسوا بمسلمين.
والله تعالى يشرع لكل أمة ما يناسب حالها ووقتها، ويكون كفيلًا بإصلاحها، متضمنًا لمصالحها، ثم ينسخ الله ما يشاء من تلك الشرائع لانتهاء أجلها، إلى أن بعث نبيه محمدًا خاتم النبيين إلى جميع الناس على وجه الأرض، وعلى امتداد الزمن إلى يوم القيامة،
وشرع له شريعة شاملة صالحة لكل زمان ومكان؛ لا تبدل ولا تنسخ؛ فلا يسع جميع أهل الأرض إلا اتباعه والإيمان به ﷺ: قال تعالى: ﴿قُلۡ يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِنِّي رَسُولُ ٱللَّهِ إِلَيۡكُمۡ جَمِيعًا...﴾ [الأعراف ١٥٨].
وقال سبحانه: ﴿وَمَآ أَرۡسَلۡنَٰكَ إِلَّا رَحۡمَةٗ لِّلۡعَٰلَمِينَ١٠٧﴾ [الأنبياء ١٠٧].
وقد ختم الله به الدين وأتم به النعمة، وجعل دين الإسلام شاملاً وكاملاً لجميع مناحي الحياة يتضمن حفظ حقوق الله، والقيام بها وأدائها، وحقوق الخلق والالتزام بها، وحقوق المخلوقات من حولنا، ويُلزم المسلم بأن يؤدي لكل ذي حق حقه.
قال تعالى: ﴿...ٱلۡيَوۡمَ أَكۡمَلۡتُ لَكُمۡ دِينَكُمۡ وَأَتۡمَمۡتُ عَلَيۡكُمۡ نِعۡمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ ٱلۡإِسۡلَٰمَ دِينٗاۚ...﴾ [المائدة ٣].
والإسلام دينٌ منسجمٌ مع العلم والعقل والفطرة، ولا يصادم نتائج العلوم التطبيقية والتجريبية الصحيحة في كافة المجالات.
والدخول في الإسلام يتطلب النطق بالشهادتين: أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدًا رسول الله، مع العلم بمعناها والاعتقاد الجازم بها والعمل بمقتضاها، ويتطلب الإيمـان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر، وأن يعبد المرءُ ربه بما شرعه له، فيقيم الصلاة ويؤتي الزكاة ويصوم رمضان ويحج البيت إن استطاع لذلك سبيلًا، وأن يستسلم لله في جميع أمره فيفعل الأمر ويترك النهي.
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
***
السؤال:
ما الحاجة إلى الدين؟
الإجابة:
إن الحاجة إلى الدين أشد من الحاجة إلى الطعام والشراب. فالإنسان بطبعه متدين، فلو لم يهتدِ إلى الدين الحق، فسوف يخترع له دينًا كما حصل في الديانات الوثنية التي ابتدعها البشر. والإنسان محتاج للأمن في الدنيا كما أنه محتاج للأمن في منقلبه وبعد موته.
والدين الحق هو الذي يمنح أتباعه الأمن التام في الدارين. فعلى سبيل المثال:
- لو كنا نسير في طريق ولا نعرف نهايته، وأمامنا خياران، إما أن نتبع التعليمات الموجودة في الطريق على اللافتات، أو نحاول التخمين، مما قد يُسبب لنا الضياع والهلاك.
- لو أردنا أن نشتري جهاز تلفاز ونحاول تشغيله بدون الرجوع إلى تعليمات التشغيل فسوف نفسده. جهاز التلفاز الصادر من نفس المصنع، يصلنا هنا مثلًا مع نفس كتيب التعليمات الذي يصل إلى بلدٍ آخر، فيجب علينا استخدامه بنفس الطريقة.
- إن أراد شخص التواصل مع شخص آخر مثلًا، فعلى الشخص الآخر أن يخبره بالوسيلة الممكنة، كأن يخبره أن يكلمه هاتفيًا وليس عن طريق البريد الإلكتروني، وعليه أن يستخدم رقم الهاتف الذي يزوده به هو شخصيًا، ولا يمكنه استخدام أي رقم آخر.
الأمثلة السابقة تدلنا على أنه لا يمكن للبشر أن يعبدوا الله باتباع أهوائهم، لأنهم سوف يضرون بأنفسهم أولًا قبل أن يضروا بغيرهم. فنجد بعض الشعوب للتواصل مع رب العالمين تقوم بالرقص والغناء في دور العبادة، وغيرها من الشعوب من يُصفق ليُوقِظ الإله حسب عقيدتهم. ومنهم من يعبد الله باتخاذ وسيط، ويتصور أن الله يأتي بصورة بشر أو حجر. فالله يريد أن يحمينا من أنفسنا عندما نعبد ما لا ينفعنا ولا يضرنا، بل ويتسبب في هلاكنا في الآخرة. فعبادة غير الله مع الله تُعد أعظم الكبائر، وعقابها الخلود في النار. إن من عظمة الله أن جعل لنا نظامًا نسير عليه جميعًا، لِيُنظِّمَ علاقتنا به، وعلاقتنا بمن حولنا، وهو ما يُسمَّى بالدين.
***
السؤال:
كيف يصبح المرء مسلمًا؟
الإجــابة:
الدخول في الإسلام لا يتطلب ممن يريد الدخول فيه الذهاب لمسجد أو عالِم، بل كل ما على من أراد الدخول فيه أن يقول: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدًا رسول الله، معتقدًا معناها، وهو أنه لا معبود بحق إلا الله، ومتيقنًا بها، مع البراءة من كل المعبودات والأديان الأخرى، ويعتقد بقلبه الإيمانَ بالله تعالى، وأنه الرب المالك لكل شيءٍ والمتصرف فيه كما يشاء، والإيمانَ بالملائكة، وأنهم خلقٌ مطيعون لله تعالى، والإيمانَ بالكتب التي أنزلها الله على أنبيائه ـ عليهم الصلاة والسلام ـ، كالتوراة والإنجيل، وأن القرآن ناسخٌ لها، وهو الكتاب المنزل على محمد ﷺ، والإيمانَ بالرسل إجمالًا، ومنهم عيسى عليه السلام عبدُ الله ورسولُه خَلَقه بكلمة منه، وهي قوله: (كن) فكان، خاصَّةً إن كان نصرانيًّا، وأن محمدًا ﷺ هو خاتم الأنبياء والمرسلين عليهم السلام، وليس بعده نبي ولا رسول، وأن شريعتَه ناسخةٌ لكل الشرائع السابقة، والإيمانَ باليوم الآخر، والمراد به الغيب المتعلق بما بعد الموت، من العذاب والنعيم والبعث، واليومُ الآخر يومُ القيامة، وهو يوم الجزاء والحساب، والإيمانَ بالقضاء والقدر، وأن كل شيء يحصل في الكون فإن الله يعلمه بالتفصيل قبل وقوعه، وقد كتبه في اللوح المحفوظ، ولا يقع إلا بعلمه ومشيئته وخلقه له، ثم يتعلم بعد ذلك شعائر الإسلام شيئًا فشيئًا، من الطهارة والصلاة، وترك المحرمات.
***
السؤال:
الإجــابة:
نعم يجب على المسلم أداء الصلاة إذا دخل في الإسلام، لأن الصلاة هي الركن الثاني من أركان الإسلام، وهي فريضة الله على كل الأنبياء والمرسلين عليهم الصلاة والسلام، وعلى أتباعهم إلى يوم القيامة، ويجب على المسلم إذا دخل في الإسلام أن يصلي الصلوات الخمس في أوقاتها؛ لأن الصلاة على المؤمنين مؤقتة بأوقاتها، قال تعالى: ﴿...إِنَّ ٱلصَّلَوٰةَ كَانَتۡ عَلَى ٱلۡمُؤۡمِنِينَ كِتَٰبٗا مَّوۡقُوتٗا ١٠٣﴾ [سورة النساء: 103]، والصلاة هي ثاني أمر أمره الله لموسى عليه السلام حينما كلمه رَبُّهُ فقال تعالى: ﴿فَلَمَّآ أَتَىٰهَا نُودِيَ يَٰمُوسَىٰٓ١١ إِنِّيٓ أَنَا۠ رَبُّكَ فَٱخۡلَعۡ نَعۡلَيۡكَ إِنَّكَ بِٱلۡوَادِ ٱلۡمُقَدَّسِ طُوٗى ١٢ وَأَنَا ٱخۡتَرۡتُكَ فَٱسۡتَمِعۡ لِمَا يُوحَىٰٓ١٣ إِنَّنِيٓ أَنَا ٱللَّهُ لَآ إِلَٰهَ إِلَّآ أَنَا۠ فَٱعۡبُدۡنِي وَأَقِمِ ٱلصَّلَوٰةَ لِذِكۡرِيٓ ١٤﴾ [سورة طه: 11-14]. وقال تعالى: ﴿وَأَوۡحَيۡنَآ إِلَىٰ مُوسَىٰ وَأَخِيهِ أَن تَبَوَّءَا لِقَوۡمِكُمَا بِمِصۡرَ بُيُوتٗا وَٱجۡعَلُواْ بُيُوتَكُمۡ قِبۡلَةٗ وَأَقِيمُواْ ٱلصَّلَوٰةَۗ وَبَشِّرِ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ٨٧﴾ [سورة يونس: 87].
والصلاة لها ثمرات عظيمة من أهمها أنها تساعد الإنسان على الاستقامة والبعد عن الفواحش والآثام قال تعالى: ﴿ٱتۡلُ مَآ أُوحِيَ إِلَيۡكَ مِنَ ٱلۡكِتَٰبِ وَأَقِمِ ٱلصَّلَوٰةَۖ إِنَّ ٱلصَّلَوٰةَ تَنۡهَىٰ عَنِ ٱلۡفَحۡشَآءِ وَٱلۡمُنكَرِۗ وَلَذِكۡرُ ٱللَّهِ أَكۡبَرُۗ وَٱللَّهُ يَعۡلَمُ مَا تَصۡنَعُونَ٤٥﴾ [سورة العنكبوت: 45].
وصلى الله وسلم على نبينا محمد.
***
السؤال:
أبلغ من العمر أربعة عشر عامًا وأظن أن عائلتي لن توافق على اعتناقي الإسلام؟
للإجابة عن هذا السؤال جوانب:
الأول: إن قرار اختيار الإنسان لطريق الأنبياء والمرسلين عليهم الصلاة والسلام هو أعظم قرار؛ لأن فيه رضا الله، وفيه الفوز في الدنيا والآخرة، فكل من يحترم إنسانيته ويحترم عقله فعليه أن يتحرر من عبودية الهوى، وأغلال المجتمع التي تمنعه من السير إلى الله، وأن يؤمن بما يدله عليه العقل السليم، والفطرة المستقيمة، والوحي الصحيح.
الثاني: أن الأمر الأهم أن تكون على يقين أنه يجب عليك أن تعتنق الإسلام؛ لأن نجاتك من عذاب الآخرة متوقفٌ على ذلك، وأن تكون جازمًا غير مترددٍ في هذا القرار.
ثالثًا: توقَّع أفضل النتائج، وضع خطةً لأسوإِها، بمعنى: ماذا لو وافقت أسرتك، وقالت: افعل ما تشاء، أو أنت حر، أو نحو ذلك، أليس هذا هو المطلوب، وهو احتمالٌ واردٌ؟ بلى، لكن يحاول الشيطان دائمًا أن يحول بينك وبين الإسلام بمثل هذه الأفكار والاحتمالات، ثم ماذا لو لم توافق على ذلك؟ هل تظن أن الحل الصحيح هو في بقائك على ما أنت عليه، وقد علمت أنه خطأ؟ الجواب لا، ولكن المفترض أن تفكر في الحل المناسب، وكل شخص له ظروفه الزمانية والمكانية التي تناسبه، فمن يناسبه إخفاء إسلامه فهذا لا يضر إن شاء الله، وقد يكون الأفضل لغيرك أن يعلن إسلامه.
رابعًا: إذا كان الأفضل بعد اعتناقك للإسلام البقاء مع أسرتك، ومحاولة دعوتهم، فهذا هو الأفضل، وإذا كنت تُقدِّر عدم مناسبة ذلك وتستطيع أن تستقل فأنت مطالب بذلك، ولا يأمرك الإسلام بهجر عائلتك أو مقاطعتهم حتى لو انفصلت عنهم، مع دعاء الله لهم بالهداية، بل الإسلام يأمرك أن تحسن إليهم وتبرهم، حتى ولو لم يسلموا.
خامسًا: المرء قوي بإخوانه ضعيف بنفسه، فيحسن لك التواصل مع من يمكنه الوقوف إلى جانبك من المسلمين.
***
السؤال:
ماذا يفعل المسلم الذي اعتنق الإسلام بخلاف زوجته؟
الإجــابة:
إذا كانت زوجته يهودية أو نصرانية فلا مانع من استمرار النكاح، قال تعالى: ﴿ٱلۡيَوۡمَ أُحِلَّ لَكُمُ ٱلطَّيِّبَٰتُۖ وَطَعَامُ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلۡكِتَٰبَ حِلّٞ لَّكُمۡ وَطَعَامُكُمۡ حِلّٞ لَّهُمۡۖ وَٱلۡمُحۡصَنَٰتُ مِنَ ٱلۡمُؤۡمِنَٰتِ وَٱلۡمُحۡصَنَٰتُ مِنَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلۡكِتَٰبَ مِن قَبۡلِكُمۡ إِذَآ ءَاتَيۡتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ مُحۡصِنِينَ غَيۡرَ مُسَٰفِحِينَ وَلَا مُتَّخِذِيٓ أَخۡدَانٖۗ وَمَن يَكۡفُرۡ بِٱلۡإِيمَٰنِ فَقَدۡ حَبِطَ عَمَلُهُۥ وَهُوَ فِي ٱلۡأٓخِرَةِ مِنَ ٱلۡخَٰسِرِينَ ٥﴾ [سورة المائدة:5]. وعليه أن يجتهد في دعوتها إلى الإسلام والدعاء لها، لعل الله أن يهديها، وإذا كانت زوجته ليست من أهل الكتاب فإن النكاح ينفسخ بمجرد إسلام الزوج، ويمكن أن يتريث بعض الوقت، لعل الله أن يهديها إلى الإسلام، لكن لا يكون بينهما جماعٌ حتى تسلم.
***
السؤال:
اعتنقت الإسلام قبل زوجها فهل زواجهما صحيح؟
الإجــابة:
إذا أسلم زوجها الذي كان دخل بها قبل أن تنتهي عدتها فزواجهما صحيح، والعدة ثلاث حيض إن كانت تحيض، أو ثلاثة شهور إن كانت لا تحيض، وإذا انتهت عدتها ولم يُسلم انفسخ عقدها، وإذا كان الزوج لم يدخل بها فالفُرقة تقع بمجرد إسلامها، وينفسخ بذلك نكاحهما.
***
السؤال:
أعرف أن الإسلام هو الدين الحق إلا أنني أجد صعوبة فـي ترك الدين الذي نشأت عليه رغم عدم إيماني به حقيقة.
الإجــابة:
هذه المعرفة هي الخطوة الأولى للهداية بإذن الله، والحقيقة أن الإنسان يزري بنفسه، ويظلمها، ويظلم عقله، أن يرى الحق ناصعًا كالشمس، ويرى الباطل مظلمًا كالليل، ثم يتعامى عن الحق، ويظل في الظلمة، إن الإنسان الذي يحترم إنسانيته، يرفض أن يعيش في دين يعلم علم اليقين أنه باطل لمجرد أنه اعتاد عليه منذ الصغر، ويترك دينًا قويمًا، هو دين الله الذي ارتضاه لنفسه، وكلف به رسله ليبلغوه، إن العقل السوي، والقرار الصائب أن يتحول الإنسان للحق الذي يراه، ويترك الباطل الذي يستيقن أنه باطل، وعليه أن يعلم أن الفوز والنجاة في الدنيا والآخرة هي لمن آمن بالله وصدق المرسلين، وليعلم أن الخسارة والبوار والهلاك في الدارين لمن كفر بالله واتبع سبيل الشياطين.
ثم نقول لك إن هذه المعرفة التي توصلتَ إليها رائعة وقيمة؛ لكنها لا تنفع إذا لم تثمر الدخول في الإسلام، ونصيحتنا لك ما يلي:
أولًا: توجَّه بقلبك إلى الله تعالى رب العالمين، واطلب منه أن يشرح صدرك للحق، ثانيًا: تفكر في مصيرك لو مت قبل الدخول في الإسلام، فهذه الصعوبة والمشقة في اتخاذ القرار لا تقارن بصعوبة ما سيلقاه الإنسان بعد موته إذا أعرض عن الإسلام، والعاقل هو من يتفكر في العواقب، ثالثًا: تأمل وحدد الأمر الذي تستصعبه والذي يمنعك من الدخول في الإسلام، وابحث له عن حلٍّ، رابعًا: غيِّر المجتمع الذي حولك قدر المستطاع؛ ليسهل عليك إن شاء الله اتخاذ القرار الصحيح.
***
السؤال:
طبقًا للعقيدة الإسلامية فإن عائلتي غير المسلمة لا تدخل الجنة فـي الآخرة فهل هذا صحيح؟
الإجــابة:
الحمد لله، ينبغي أن يعلم القارئ أن أمر مآل الإنسان في الدار الآخرة إلى الله؛ ذلك لأن الله هو مالك السموات والأرض وما فيهما، وله الحمد على كل حال، قال تعالى: ﴿ٱلۡحَمۡدُ لِلَّهِ ٱلَّذِي لَهُۥ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلۡأَرۡضِ وَلَهُ ٱلۡحَمۡدُ فِي ٱلۡأٓخِرَةِۚ وَهُوَ ٱلۡحَكِيمُ ٱلۡخَبِيرُ ١﴾ [سورة سبأ:1]، وله الحكم وإليه يرجع الخلق كلهم برهم وفاجرهم، مؤمنهم وكافرهم، قال تعالى: ﴿وَهُوَ ٱللَّهُ لَآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَۖ لَهُ ٱلۡحَمۡدُ فِي ٱلۡأُولَىٰ وَٱلۡأٓخِرَةِۖ وَلَهُ ٱلۡحُكۡمُ وَإِلَيۡهِ تُرۡجَعُونَ٧٠﴾ [سورة القصص:70]، وأن الله له الملك التام، وهو مالك يوم القيامة، فلا متصرف معه، ولا ولي ولا شفيع إلا بإذنه، قال تعالى: ﴿مَٰلِكِ يَوۡمِ ٱلدِّينِ٤﴾ [سورة الفاتحة:4]، وإذا عُلم هذا فقد علمنا علم اليقين أن الله فطر الناس على ربوبيته، وأرسل لهم الرسل وأنزل الكتب، وجعل لهم السمع والأبصار والأفئدة؛ لتقوم الحجة على الخلق، وبيّن للناس أن الغاية من خلقهم أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئًا، وكلف رسله عليهم السلام أن ينذروا الخلق من عذاب الله، ويخوفوهم من سوء المصير، ويبشروهم بجنة عرضها السموات والأرض، وما من نبي إلا بشّر قومه وأنذرهم، قال تعالى: ﴿رُّسُلٗا مُّبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى ٱللَّهِ حُجَّةُۢ بَعۡدَ ٱلرُّسُلِۚ وَكَانَ ٱللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمٗا١٦٥﴾ [سورة النساء:165]، وبين الله عز وجل أن مآل الناس يوم القيامة لا يخرج عن هذين الفريقين والمآلين، قال تعالى: ﴿وَكَذَٰلِكَ أَوۡحَيۡنَآ إِلَيۡكَ قُرۡءَانًا عَرَبِيّٗا لِّتُنذِرَ أُمَّ ٱلۡقُرَىٰ وَمَنۡ حَوۡلَهَا وَتُنذِرَ يَوۡمَ ٱلۡجَمۡعِ لَا رَيۡبَ فِيهِۚ فَرِيقٞ فِي ٱلۡجَنَّةِ وَفَرِيقٞ فِي ٱلسَّعِيرِ٧﴾ [سورة الشورى:7]، وقال تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَأٓيَةٗ لِّمَنۡ خَافَ عَذَابَ ٱلۡأٓخِرَةِۚ ذَٰلِكَ يَوۡمٞ مَّجۡمُوعٞ لَّهُ ٱلنَّاسُ وَذَٰلِكَ يَوۡمٞ مَّشۡهُودٞ١٠٣ وَمَا نُؤَخِّرُهُۥٓ إِلَّا لِأَجَلٖ مَّعۡدُودٖ ١٠٤ يَوۡمَ يَأۡتِ لَا تَكَلَّمُ نَفۡسٌ إِلَّا بِإِذۡنِهِۦۚ فَمِنۡهُمۡ شَقِيّٞ وَسَعِيدٞ ١٠٥ فَأَمَّا ٱلَّذِينَ شَقُواْ فَفِي ٱلنَّارِ لَهُمۡ فِيهَا زَفِيرٞ وَشَهِيقٌ ١٠٦ خَٰلِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ ٱلسَّمَٰوَٰتُ وَٱلۡأَرۡضُ إِلَّا مَا شَآءَ رَبُّكَۚ إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٞ لِّمَا يُرِيدُ ١٠٧ وَأَمَّا ٱلَّذِينَ سُعِدُواْ فَفِي ٱلۡجَنَّةِ خَٰلِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ ٱلسَّمَٰوَٰتُ وَٱلۡأَرۡضُ إِلَّا مَا شَآءَ رَبُّكَۖ عَطَآءً غَيۡرَ مَجۡذُوذٖ ١٠٨﴾ [سورة هود:103-108].
وهذا أمر اتفقت عليه كلمة الأنبياء والمرسلين عليهم الصلاة والسلام، وأكّد عليه خاتم الرسل غاية التأكيد، فعن معاذ بن جبل رضي الله عنه قال: بَيْنَا أَنَا رِدْفَ النَّبِيِّ ﷺ لَيْسَ بَيْنِي وَبَيْنَهُ إِلَّا آخِرَةُ الرَّحْلِ، فَقَالَ: «يَا مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ». قُلْتُ: لَبَّيْكَ رَسُولَ اللهِ وَسَعْدَيْكَ. ثُمَّ سَارَ سَاعَةً، ثُمَّ قَالَ: «يَا مُعَاذُ». قُلْتُ: لَبَّيْكَ رَسُولَ اللهِ وَسَعْدَيْكَ. ثُمَّ سَارَ سَاعَةً، ثُمَّ قَالَ: «يَا مُعَاذُ». قُلْتُ: لَبَّيْكَ رَسُولَ اللهِ وَسَعْدَيْكَ. قَالَ: «هَلْ تَدْرِي مَا حَقُّ اللهِ عَلَى عِبَادِهِ؟» قُلْتُ: اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. قَالَ: «حَقُّ اللهِ عَلَى عِبَادِهِ أَنْ يَعْبُدُوهُ وَلَا يُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا». ثُمَّ سَارَ سَاعَةً، ثُمَّ قَالَ: «يَا مُعَاذُ بْنَ جَبَلٍ». قُلْتُ: لَبَّيْكَ رَسُولَ اللهِ وَسَعْدَيْكَ. فَقَالَ: «هَلْ تَدْرِي مَا حَقُّ الْعِبَادِ عَلَى اللهِ إِذَا فَعَلُوا ذَلِكَ؟» قُلْتُ: اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. قَالَ: «حَقُّ الْعِبَادِ عَلَى اللهِ أَنْ لَا يُعَذِّبَهُمْ»، [متفق عليه من حديث معاذ، صحيح البخاري(5967) ومسلم(48)]، وعن جابر، قال: أَتَى النَّبِيَّ ﷺ رَجُلٌ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! مَا الْمُوجِبَتَانِ؟ فَقَالَ: "مَنْ مَاتَ لَا يُشْرِكُ بِاللَّهِ شَيْئًا دَخَلَ الْجَنَّةَ. وَمَنْ مَاتَ يُشْرِكُ بِاللَّهِ شَيْئًا دَخَلَ النَّارَ» [صحيح مسلم(151)].
فهذا الحكم والمآل ليس من ابتداع المسلمين، بل هو كما رأيت وعلمت حكم إلهي، فليس المسلم هو الذي يحكم بأن هؤلاء في الجنة، وهؤلاء في النار، بل الذي له الحكم في الأولى والآخرة هو الله.
والذي يجب على الإنسان إذا هداه الله إلى الإسلام أن يجتهد في دعوة والديه وقرابته إلى الإسلام، لعل الله أن يهديهم إلى الإسلام الذي هو طريق الله المستقيم، وهو طريق المرسلين عليهم السلام، أما إن كانت عائلتك قد ماتوا على غير الإسلام، فنرجو أنها لم تبلغهم دعوة الإسلام، ومن مات ولم تبلغه دعوة الإسلام، ولم يعلم به؛ فإن الله لا يظلمه، بل إذا كان يوم القيامة وبعث الله الخلق جميعًا؛ فإنه يبتلي ويمتحن من لم تبلغه دعوة الإسلام، فإن قبل دخل الجنة، وَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «أَنَّ الْجَنَّةَ لَا يَدْخُلُهَا إِلَّا نَفْسٌ مُسْلِمَةٌ» [رواه البخاري (6528) ومسلم (221)]، وإن عصى واستكبر أدخله النار، لاستكباره وعناده وكفره، وصلى الله وسلم على نبينا محمد.
***
السؤال:
هل يؤيد الإسلام مفهوم الطبقية؟
الإجــابة:
الحمد لله، الطبقية هي تقسيم الناس إلى طبقات بحسب المال أو العرق أو المنصب بحيث لا يمكن أن يغير الإنسانُ طبقته، والإسلام يعتبر الطبقية أثرًا من آثار الجاهلية،
والإسلام يمنع وجود الطبقية في المسلمين؛ لأن الله خلق الناس من ذكر وأنثى لنتعارف لا ليبغي بعضنا على بعض، قال تعالى: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِنَّا خَلَقۡنَٰكُم مِّن ذَكَرٖ وَأُنثَىٰ وَجَعَلۡنَٰكُمۡ شُعُوبٗا وَقَبَآئِلَ لِتَعَارَفُوٓاْۚ إِنَّ أَكۡرَمَكُمۡ عِندَ ٱللَّهِ أَتۡقَىٰكُمۡۚ إِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٞ١٣﴾ [سورة الحجرات:13].
وبين الرسول ﷺ أن النسب لا يقدم الإنسان لذات النسب، وإنما يقدمه عمله، وما قدمه لصالح الناس من خير، قال ﷺ: «مَنْ بَطَّأَ بِهِ عَمَلُهُ، لَمْ يُسْرِعْ بِهِ نَسَبُهُ» [صحيح مسلم (38)].
أما وجود التفاوت بين الخلق بسبب الغنى والمكانة وغيرها فهذه لا تحمد ولا تذم لذاتها، وإنما تحمد إذا سخّر الإنسان ما آتاه الله من جاه ومنصب وغنى لطاعة الله ولخدمة الناس، ويذم إذا عصى ربه، وتكبّر على الناس، وطغى عليهم، وظلمهم بسبب ذلك، وإلا فإن تفاوت الناس في متاع الدنيا سُنة كونية أرادها الله لعمارة الأرض، قال تعالى: ﴿أَهُمۡ يَقۡسِمُونَ رَحۡمَتَ رَبِّكَۚ نَحۡنُ قَسَمۡنَا بَيۡنَهُم مَّعِيشَتَهُمۡ فِي ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَاۚ وَرَفَعۡنَا بَعۡضَهُمۡ فَوۡقَ بَعۡضٖ دَرَجَٰتٖ لِّيَتَّخِذَ بَعۡضُهُم بَعۡضٗا سُخۡرِيّٗاۗ وَرَحۡمَتُ رَبِّكَ خَيۡرٞ مِّمَّا يَجۡمَعُونَ ٣٢ وَلَوۡلَآ أَن يَكُونَ ٱلنَّاسُ أُمَّةٗ وَٰحِدَةٗ لَّجَعَلۡنَا لِمَن يَكۡفُرُ بِٱلرَّحۡمَٰنِ لِبُيُوتِهِمۡ سُقُفٗا مِّن فِضَّةٖ وَمَعَارِجَ عَلَيۡهَا يَظۡهَرُونَ ٣٣ وَلِبُيُوتِهِمۡ أَبۡوَٰبٗا وَسُرُرًا عَلَيۡهَا يَتَّكِـُٔونَ٣٤ وَزُخۡرُفٗاۚ وَإِن كُلُّ ذَٰلِكَ لَمَّا مَتَٰعُ ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَاۚ وَٱلۡأٓخِرَةُ عِندَ رَبِّكَ لِلۡمُتَّقِينَ٣٥﴾ [سورة الزخرف:32-35].
وبين الله أن هذا التفاوت في المتاع من تدبيره، قال الشيخ عبد الرحمن السعدي رحمه الله: "يخبر تعالى بأن الدنيا لا تسوى عنده شيئًا، وأنه لولا لطفه ورحمته بعباده، التي لا يقدم عليها شيئًا، لوسَّع الدنيا على الذين كفروا توسيعًا عظيمًا، ولجعل ﴿...لِبُيُوتِهِمۡ سُقُفٗا مِّن فِضَّةٖ وَمَعَارِجَ...﴾ أي: دُرُجًا من فضة ﴿...عَلَيۡهَا يَظۡهَرُونَ٣٣﴾ على سطوحهم، أي: لزخرف لهم دنياهم بأنواع الزخارف، وأعطاهم ما يشتهون، ولكن منعه من ذلك رحمته بعباده خوفًا عليهم من التسارع في الكفر، وكثرة المعاصي بسبب حب الدنيا، ففي هذا دليل على أنه يمنع العباد بعض أمور الدنيا منعًا عامًا أو خاصًا لمصالحهم، وأن الدنيا لا تزن عند الله جناح بعوضة، وأن كل هذه المذكورات متاع الحياة الدنيا، منغصة، مكدرة، فانية، وأن الآخرة عند الله تعالى خير للمتقين لربهم بامتثال أوامره واجتناب نواهيه؛ لأن نعيمها تام كامل من كل وجه، وفي الجنة ما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين، وهم فيها خالدون، فما أشد الفرق بين الدارين". تفسير السعدي، تيسير الكريم الرحمن (ص: 765).
فالإسلام لا يسعى إلى إلغاء انقسام الناس إلى غني وفقير، بأن يجعلهم كلهم أغنياء أو فقراء مثلًا، لكن شرع للغني مواساة الفقير، أما محاربة الفروق المعتادة الطبيعية بين البشر، ومحاولة إزالتها فهي مخالفة للسنن الكونية، ولذلك جاء الإسلام بالتعامل الصحيح معها، وصلى الله وسلم على نبينا محمد.
***
السؤال:
ما هو مفهوم الاعتدال فـي الإسلام؟
الإجــابة:
الحمد لله، الاعتدال في الإسلام هو التوسط بين الضلالتين: الغلو والجفاء، فهو وسط بين تفريط اليهودية ووقاحتها تجاه الله حينما قالت اليهود: إن الله فقير ونحن أغنياء. وتجاه الأنبياء ففريقًا كذبوهم وفريقًا يقتلون. وبين غلو النصارى الذين ألّهوا المسيح واتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابًا من دون الله.
الاعتدال في الإسلام عام وشامل فهو في الحقوق بمعنى أن تعطي كل ذي حق حقه، وإن خالفك في دينك، أو خاصمك، قال تعالى: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ كُونُواْ قَوَّٰمِينَ لِلَّهِ شُهَدَآءَ بِٱلۡقِسۡطِۖ وَلَا يَجۡرِمَنَّكُمۡ شَنَـَٔانُ قَوۡمٍ عَلَىٰٓ أَلَّا تَعۡدِلُواْۚ ٱعۡدِلُواْ هُوَ أَقۡرَبُ لِلتَّقۡوَىٰۖ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَۚ إِنَّ ٱللَّهَ خَبِيرُۢ بِمَا تَعۡمَلُونَ ٨﴾ [سورة المائدة:8].
وليس كاليهود الذين يقولون ليس علينا في الأميين سبيل، وليس كالنصارى الذين يقولون من صفعك على خدك الأيمن فأدر له الأيسر، لكن أكثرهم لا يطبقون ذلك؛ بل يصفعون الناس ويسلبونهم خيراتهم.
كما أن الاعتدال هو التوسط والعدل، فالإسلام في كل النواحي حسنةٌ بين سيئتين، والمطلوب من المسلم أن يعتدل فلا يغلو ويبالغ، ولا يتساهل ويتهاون، ويطبق الاعتدال في نفسه وفيما تولى من عمل وحقوق، ويعمم ذلك على أقواله وأفعاله، فمن تلك النواحي: أولًا: الإسلام راعى حاجة الروح بالعبادات وتزكية النفوس ونحو ذلك، وراعى حاجة الجسد بتنظيم المعاملات، وضبط الطعام والشراب، والحث على النكاح ونهى عن التبتل، أي الانقطاع للعبادة وترك الزواج، ومن الناس من غلَّب جانب الروح وأهمل الجسد، مع أن الجسد به تُؤدَّى العبادات، فتركوا الاغتسال والتنظف وكلفوا أنفسهم لبسَ الخشن وأكلَ الطعام الذي لا يلائمهم، مع الغلوِّ في العبادة، واعتزالِ الناس ومخالفةِ الفطرة، كرهبان النصارى، وبعض البوذيين والهندوس، والغلاة من المتصوفة، وفي المقابل مِن الناس من غلَّب جانب الجسد وأهمل الروح، فلا يعيش إلا لشهواته وتحقيق رغباته، فلا يتقيد بشرع ولا يبالي بعبادة.
ثانيًا: الإسلام يُجيز التعامل مع الكفار بالبيع والشراء والإهداء ونحو ذلك، ويوجب معاملتهم بالعدل، ويحرِّم إلحاقَ الأذية بهم في غير حالة الجهاد مع عدم التأثر بعقيدتهم وعاداتهم ومع المنع من الموالاة القلبية لهم، ومن الناس مَن يقتل كلَّ من يخالفه في الدين ولا يطيق وجودهم، فيظلمهم لأنهم ليسوا على دينه أو طريقته أو مذهبه، وفي المقابل منهم مَن يتنازل عن دينه لأجل الكفار ويطيعهم في معصية الله تزلُّفًا وطمعًا، ولا يعلم أنهم يحتقرونه بذلك، فلا يُحصِّل دينًا ولا دنيا.
ثالثًا: جاء الإسلام بالإيمان بالله تعالى وصفاته وأفعاله دون تمثيل، ومِن الناس مَن عقيدته الإلحاد ونفي وجود الله تعالى بلسانه، وإن كان في قلبه يخالف قولَه، ومنهم من اعتقده كالعدم فلا يثبت له صفةً ولا فعلًا، وهؤلاء وأمثالهم اشتركوا في التعطيل، وفي المقابل اعتقد بعض الناس أن كل شيءٍ هو الله، واعتقد آخرون الألوهية في بعض المخلوقات كالملائكة والمسيح أو ما هو أقل كالأصنام والأشجار، وسموا بعضها بأسماء مشتقة من أسماء الله تعالى، وهؤلاء وأمثالهم اشتركوا في التمثيل.
رابعًا: أثبت الإسلامُ القدرَ وأن كل شيء يحصل في هذا الكون فهو بإرادة الله تعالى، وما يحصل فيه مما يأمر به فإنه يحبه ويرضاه، وأن العبد له إرادة، وأن أفعاله الإرادية لا تخرج عن إرادة الله تعالى،
ومن الناس من يقول إن الإنسان مجبور على أفعاله ولا إرادة له، وفي المقابل هناك من يقول إن الإنسان يخلق فعله وليس ذلك بمشيئة الله وإرادته.
خامسًا: الإسلام وسط في الاقتصاد بين الاشتراكية والرأسمالية.
سادسًا: الإسلام حقَّق العدل والوسطية في جميع الأمور، في العلاقة بالله تعالى، والعلاقة بالناس، وعلاقة المرء بنفسه، وقد تجد تحقيقًا لبعض هذه الجوانب في غير الإسلام لكن ليس على جهة العموم، وذلك لأن الإسلام دين الله تعالى الذي رضيه وختم به الأديان، وجعله صالحًا لكل زمان ومكان وإنسان، وأعجز العقول عن الإحاطة بسره ومنتهاه، ولا يقبل من أحدٍ دينًا سواه، وصلى الله وسلم على نبينا محمد.
***
السؤال:
ما هي صور التسامح فـي الإسلام؟
الإجــابة:
الحمد لله، التسامح في الإسلام هو أرقى وأكمل تسامح عرفه البشر، ويرادفه في الشرع اليسر، واليسر في الإسلام يأتي في مجالات كثيرة منها:
تيسير الله العبادات في شريعة الإسلام، فلم تكن شريعة آصار وأغلال كما كانت في الشرائع السابقة، قال تعالى: ﴿ٱلَّذِينَ يَتَّبِعُونَ ٱلرَّسُولَ ٱلنَّبِيَّ ٱلۡأُمِّيَّ ٱلَّذِي يَجِدُونَهُۥ مَكۡتُوبًا عِندَهُمۡ فِي ٱلتَّوۡرَىٰةِ وَٱلۡإِنجِيلِ يَأۡمُرُهُم بِٱلۡمَعۡرُوفِ وَيَنۡهَىٰهُمۡ عَنِ ٱلۡمُنكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ ٱلطَّيِّبَٰتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيۡهِمُ ٱلۡخَبَٰٓئِثَ وَيَضَعُ عَنۡهُمۡ إِصۡرَهُمۡ وَٱلۡأَغۡلَٰلَ ٱلَّتِي كَانَتۡ عَلَيۡهِمۡۚ...﴾ [سورة الأعراف:157]، فمثلًا في الشرائع السابقة لا يصلي المصلي إلا في مكان العبادة، بينما هذا الدين يجوز للمسلم أن يصلي في أي مكان أدركته فيه الصلاة في الجو أو البحر أو البر، وكذا الحَدَث كان لا يرفعه في الشرائع السابقة إلا الماء فجاء الله بالتيمم في الإسلام فكان رحمة، وكذا القصر والفطر في السفر والمرض.
ومن يسر الإسلام وتسامحه أن شرع الله التوبة للمذنب، وكانت توبة بني إسرائيل أن يقتل بعضهم بعضًا ليقبل الله منهم توبتهم، قال تعالى: ﴿وَإِذۡ قَالَ مُوسَىٰ لِقَوۡمِهِۦ يَٰقَوۡمِ إِنَّكُمۡ ظَلَمۡتُمۡ أَنفُسَكُم بِٱتِّخَاذِكُمُ ٱلۡعِجۡلَ فَتُوبُوٓاْ إِلَىٰ بَارِئِكُمۡ فَٱقۡتُلُوٓاْ أَنفُسَكُمۡ ذَٰلِكُمۡ خَيۡرٞ لَّكُمۡ عِندَ بَارِئِكُمۡ فَتَابَ عَلَيۡكُمۡۚ إِنَّهُۥ هُوَ ٱلتَّوَّابُ ٱلرَّحِيمُ ٥٤﴾ [سورة البقرة:54].
أما في الإسلام فإن الإنسان إذا تاب، تاب الله عليه، وبدل سيئاته حسنات، قال تعالى: ﴿وَٱلَّذِينَ لَا يَدۡعُونَ مَعَ ٱللَّهِ إِلَٰهًا ءَاخَرَ وَلَا يَقۡتُلُونَ ٱلنَّفۡسَ ٱلَّتِي حَرَّمَ ٱللَّهُ إِلَّا بِٱلۡحَقِّ وَلَا يَزۡنُونَۚ وَمَن يَفۡعَلۡ ذَٰلِكَ يَلۡقَ أَثَامٗا ٦٨ يُضَٰعَفۡ لَهُ ٱلۡعَذَابُ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ وَيَخۡلُدۡ فِيهِۦ مُهَانًا٦٩ إِلَّا مَن تَابَ وَءَامَنَ وَعَمِلَ عَمَلٗا صَٰلِحٗا فَأُوْلَٰٓئِكَ يُبَدِّلُ ٱللَّهُ سَيِّـَٔاتِهِمۡ حَسَنَٰتٖۗ وَكَانَ ٱللَّهُ غَفُورٗا رَّحِيمٗا٧٠ وَمَن تَابَ وَعَمِلَ صَٰلِحٗا فَإِنَّهُۥ يَتُوبُ إِلَى ٱللَّهِ مَتَابٗا ٧١﴾ [سورة الفرقان:68-71].
ومن صور اليسر ما ورد في قول النبي ﷺ: «مَنْ أَحْسَنَ فِي الإِسْلَامِ لَمْ يُؤَاخَذْ بِمَا عَمِلَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، وَمَنْ أَسَاءَ فِي الإِسْلَامِ أُخِذَ بِالأَوَّلِ وَالآخِرِ» [رواه البخاري (6921) ومسلم (120)].
فالإساءة في الحديث تعني الرِّدَّة، وليست معاودة الذنب، فإن ارتد عن الإسلام أخذ بالأول والآخر، أما إن عاد إلى ذنب دون الردة؛ فإنه يؤاخذ بما عاد إليه في الإسلام لا بما فعل قبله؛ لقول رسول الله ﷺ: «أَمَا عَلِمْتَ أَنَّ الإِسْلَامَ يَهْدِمُ مَا كَانَ قَبْلَهُ؟». [رواه مسلم (121)].
ومن يسر الإسلام أنه دين يسر، فليس فيه أغلال ولا آصار، ولذا قال ﷺ: «إِنَّ الدِّينَ يُسْرٌ، وَلَنْ يُشَادَّ الدِّينَ أَحَدٌ إِلَّا غَلَبَهُ، فَسَدِّدُوا وَقَارِبُوا، وَأَبْشِرُوا، وَاسْتَعِينُوا بِالْغَدْوَةِ وَالرَّوْحَةِ وَشَيْءٍ مِنَ الدُّلْجَةِ». صحيح البخاري (39).
ولما بعث النبي ﷺ معاذًا وأبا موسى الأشعري رضي الله عنهما إلى اليمن قال لهما: «يَسِّرَا وَلَا تُعَسِّرَا، وَبَشِّرَا وَلَا تُنَفِّرَا، وَتَطَاوَعَا وَلَا تَخْتَلِفَا» [صحيح البخاري (3038)، ومسلم (7)].
من يسر الإسلام وسماحته أن أوصى الولد بوالديه ولو كانا كافرين، ولو كانا يحاولان صده عن الإسلام، قال تعالى: ﴿وَإِن جَٰهَدَاكَ عَلَىٰٓ أَن تُشۡرِكَ بِي مَا لَيۡسَ لَكَ بِهِۦ عِلۡمٞ فَلَا تُطِعۡهُمَاۖ وَصَاحِبۡهُمَا فِي ٱلدُّنۡيَا مَعۡرُوفٗاۖ وَٱتَّبِعۡ سَبِيلَ مَنۡ أَنَابَ إِلَيَّۚ ثُمَّ إِلَيَّ مَرۡجِعُكُمۡ فَأُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمۡ تَعۡمَلُونَ ١٥﴾ [سورة لقمان:15]، ولما جاءت أم أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنهما لزيارتها استأذنت الرسول ﷺ في أن تصلها، قالت: قَدِمَتْ عَلَيَّ أُمِّي وَهْيَ مُشْرِكَةٌ -فِي عَهْدِ قُرَيْشٍ إِذْ عَاهَدُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَمُدَّتِهِمْ- مَعَ أَبِيهَا، فَاسْتَفْتَتْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فقالتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ أُمِّي قَدِمَتْ عَلَيَّ وَهْيَ رَاغِبَةٌ، أَفَأَصِلُهَا؟ قال: «نَعَمْ، صِلِيهَا» [صحيح البخاري (3183)، وصحيح مسلم(50)].
وكذلك أوصى الزوج بحسن تعامله مع زوجته اليهودية والنصرانية وألا يضايقها أو يعيرها أو يحتقرها لأجل دينها.
من يسر الإسلام وسماحته أن أوصى المسلم بحسن التعاون مع غير المسلمين الذين لم يقاتلوا في الدين، وأوجب عليه العدل معهم، وندبه إلى البر بهم قال تعالى: ﴿لَّا يَنۡهَىٰكُمُ ٱللَّهُ عَنِ ٱلَّذِينَ لَمۡ يُقَٰتِلُوكُمۡ فِي ٱلدِّينِ وَلَمۡ يُخۡرِجُوكُم مِّن دِيَٰرِكُمۡ أَن تَبَرُّوهُمۡ وَتُقۡسِطُوٓاْ إِلَيۡهِمۡۚ إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلۡمُقۡسِطِينَ ٨﴾ [سورة الممتحنة:8].
وصلى الله وسلم على نبينا محمد.
***
السؤال:
ما هي حقوق الإنسان فـي الإسلام؟
الإجــابة:
الحمد لله، حفظ الإسلام حق الخالق، وحق المخلوق، فعن معاذ بن جبل رضي الله عنه، قال: كُنْتُ رِدْفَ النَّبِيِّ ﷺ لَيْسَ بَيْنِي وَبَيْنَهُ إِلَّا مُؤَخِّرَةُ الرَّحْلِ، فَقَالَ: «يَا مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ»، قُلْتُ: لَبَّيْكَ رَسُولَ اللهِ، وَسَعْدَيْكَ، ثُمَّ سَارَ سَاعَةً، ثُمَّ قَالَ: «يَا مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ»، قُلْتُ: لَبَّيْكَ رَسُولَ اللهِ، وَسَعْدَيْكَ، ثُمَّ سَارَ سَاعَةً، ثُمَّ قَالَ: «يَا مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ»، قُلْتُ: لَبَّيْكَ رَسُولَ اللهِ، وَسَعْدَيْكَ، قَالَ: «هَلْ تَدْرِي مَا حَقُّ اللهِ عَلَى الْعِبَادِ؟» قُلْتُ: اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: «فَإِنَّ حَقَّ اللهِ عَلَى الْعِبَادِ أَنْ يَعْبُدُوهُ، وَلَا يُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا»، ثُمَّ سَارَ سَاعَةً، ثُمَّ قَالَ: «يَا مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ»، قُلْتُ: لَبَّيْكَ رَسُولَ اللهِ، وَسَعْدَيْكَ، قَالَ: «هَلْ تَدْرِي مَا حَقُّ الْعِبَادِ عَلَى اللهِ إِذَا فَعَلُوا ذَلِكَ؟» قُلْتُ: اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: «أَنْ لَا يُعَذِّبَهُمْ» [متفق عليه، صحيح البخاري، 6267، ومسلم 48].
والإسلام جاء لحفظ الإنسان في دينه ودنياه، فمن شمولية الإسلام أنه لم يُغفِل حق الإنسان في بعض الجوانب، كما هو الحال في القوانين الوضعية، ومن هذه الجوانب:
أولًا: حق الإنسان في الدين: دعا الإسلام إلى الدين الحق، وبيَّن بطلان الأديان الأخرى، ولكن من غير إكراهٍ على الإسلام، وجعل الدين أهم الضروريات، فيُقَدَّمُ الحفاظُ عليه على كل شيء، وحفظ لغير المسلم إذا عاش في بلاد المسلمين أن يتمسك بدينه، وفق الشروط التي جاء بها الإسلام.
ثانيًا: حق الإنسان في الحياة: حفظ الإسلام كلَّ النفوس المحترمة بتحريم قتلها، حتى في حالة الحرب منع الإسلام قتلَ الأطفال والنساء والشيوخ غير المشاركين في القتال.
ثالثًا: حق النسل والذرية، فقد حفظ الإسلام للإنسان حق النسل، وحرم منعه، أو التضييق على الإنسان في تحصيله.
ورابعًا: حقوق الإنسان الاجتماعية: حفظ الإسلامُ حق الوالدين وحق الأقارب بالإحسان والنفقة عليهم عند الحاجة وبلزوم صلتهم، وحق الجيران بالإحسان وكف الأذية عنهم، وحق الطريق بدلالة التائه وغض البصر وإماطة الأذى وعدم الإزعاج وغير ذلك، ولعموم الناس حقوق محفوظة معروفة في الإسلام.
خامسًا: حقوق الإنسان الاقتصادية: حفظ الإسلام حق التملك للفرد، وحرَّم الربا، وحذَّر من التساهل في الديون مع إباحتها للمحتاج، وأوجب مواساة المحتاجين بالزكاة وحث عليها بالصدقات، ومن كانت حاجته طارئة أباح له أن يسأل الناس حتى تزول حاجته، ونظَّم المصادر والموارد العامة للدولة.
سادسًا: حقوق الإنسان الصحية: التشريعات الصحية في الإسلام كثيرة جدًا، كلها تهدف للمحافظة على الصحة الفردية والصحة العامة، ومن ذلك المنع من الأمور التي تضر بصحة الإنسان في نفسه أو في المجتمع من حوله، كمنع الإسلام من تناول المخدرات والمسكرات، ومنع الزنا والشذوذ لما يتسبب به من أمراض، وبالوقاية من انتقال الأمراض، كمنع الإسلام عند نزول الطاعون ببلد من الخروج من ذلك البلد أو من الدخول إليه؛ لأن الدخول إليه يعرض الإنسان للمرض أو الموت، والخروج منه سبب في نقل ونشر المرض للأصحاء.
سابعًا: حقوق المرأة: حفظ الإسلام حقها أمًّا بلزوم رعايتها وبرها وإسعادها قدر المستطاع، وحفظ حقها أختًا وزوجةً وبنتًا برعايتها وحمايتها والعمل على راحتها والسفر معها؛ لأن السفر مظنة التعب ولغير ذلك، وألزم ولي المرأة بالنفقة عليها؛ لأنها مأمورة بالقرار في البيت إلا للحاجة، ولها حق التصرف فيما تملك من مال أو ميراث أو غيره، ولها حق اختيار الزوج، وحق الحضانة والرعاية لأولادها، وغير ذلك، والفرق بين الإسلام وغيره أن مراعاة الفرد لهذه الحقوق تكون باعتقاد ورغبة في الأجر من الله تعالى، وليس خوفًا من قانون أو نحوه، وتتضح محاسن الإسلام جلية بالمقارنة بما كان عليه الإنسان عمومًا والمرأة خصوصًا قبل الإسلام، وفي الأنظمة المعاصرة.
ثامنًا: حفظ الإسلام حق الجن وحق الحيوان كما هو معلوم في المصنفات الفقهية؛ فإذا كان الإسلام حفظ حق الجن والحيوان، فهل يتصور أن يفرط في حق الإنسان الذي كرمه الله؟ قال تعالى: ﴿وَلَقَدۡ كَرَّمۡنَا بَنِيٓ ءَادَمَ وَحَمَلۡنَٰهُمۡ فِي ٱلۡبَرِّ وَٱلۡبَحۡرِ وَرَزَقۡنَٰهُم مِّنَ ٱلطَّيِّبَٰتِ وَفَضَّلۡنَٰهُمۡ عَلَىٰ كَثِيرٖ مِّمَّنۡ خَلَقۡنَا تَفۡضِيلٗا ٧٠﴾ [سورة الإسراء:70]، فالتكريم في الإسلام شامل لكل الجنس البشري المؤمن والكافر، الأبيض والأسود، العربي وغير العربي. وصلى الله وسلم على نبينا محمد.
***
السؤال:
هل انتشر الإسلام بحد السيف؟ إن كان الأمر كذلك، فكيف يمكن وصفه بأنه دين يدعو إلى السلام؟
الإجــابة:
س: هل انتشر الإسلام بالسيف؟
ج: الأصل في انتشار الإسلام أنه انتشر بالدعوة إلى الله تعالى وأُيِّدَ بالسيف لمن يقف في وجه الدعوة الإسلامية أو يحاربها، فالنبي ﷺ بلغ دعوة الإسلام بمكة ثلاثة عشر عاما، ثم فتحت المدينة بالدعوة قبل أن يؤمر بالقتال، والصحابة والمسلمون انتشروا في الأرض ودعوا إلى الله، ومن أبى وحارب جاهدوه، والإسلام لم يكره أحدًا على الدين يقول تعالى: ﴿لَآ إِكۡرَاهَ فِي ٱلدِّينِۖ...﴾ ، وقد شرعت الجزية لمن لا يريد الدخول في الإسلام، وهي مبلغ زهيد وذلك مقابل حمايتهم.
وقد حمى الإسلامُ الحنيفُ أهلَ الذمة وعاشت في ظلِّه ديانات اليهود والنصارى بعد أن كان يضطهد بعضهم بعضًا، ويقتل بعضهم بعضًا فأقرَّ بينهم السَّكينة والوئام والسَّلام، ومن رحمة الله سبحانه وتعالى بالعباد أن شرع الجهاد حتى تصل الدعوة ويحكم الإسلام وبه يكون سعادة ونجاة كثير من الناس في الدنيا والآخرة، والله الموفق وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
***
السؤال:
تدعي كل الأديان أنها من عند الله، فلماذا ينبغي على المرء اتباع الإسلام وحده؟
الإجــابة:
الحمد لله، فإن الضوابط التي يتميز فيها الدين الحق كالتالي:
أولًا: ليست كل الأديان تدَّعي أنها من عند الله عز وجل، بل بعض الأديان أديان أرضية كالبوذية والهندوسية، أي لا يدعي من أسسها أنه أتى بها من عند الله، بل تدعو هذه الأديان إلى تعظيم بعض البشر وعبادتهم على أنهم آلهة، أو تدعو إلى عبادة بعض الأشياء المحسوسة الموجودة كعبادة الشمس أو القمر أو بعض الكواكب، وتعظيم بعض المخلوقات كالشجر والجبل والحيوانات والنهر، وهذه هي المذاهب الوثنية.
ثانيًا: الدين الحق هو الذي جاء من عند الله، وهو الذي شرعه لعباده، وبلغته الرسل للناس، والرسالات السابقة كاليهودية والنصرانية كانت رسالات إلهية صحيحة، ثم دخلها التحريف والتبديل، ونسخت بمجيء رسول الإسلام محمد ﷺ، وتلك الرسالات قبل تحريفها كان فيها الأمر بوجوب اتباع النبي ﷺ عند ظهوره، ولا تزال بعض النصوص فيها إلى اليوم شاهدة ومبشرة بنبي الإسلام محمد ﷺ، ودعت أصحابَها إلى الانتقال إلى الإسلام، لذلك نجد من عاصر النبي ﷺ من اليهود كانوا ينتظرون ويترقبون ظهوره ليتابعوه، ويهددون المشركين العرب به إذا وقعت بينهم نزاعات، قال سَلَمة بن سَلامة بن وَقْش رضي الله عنه، وكان من أصحاب بدر: كَانَ لَنَا جَارٌ مِنْ يَهُودَ فِي بَنِي عَبْدِ الأَشْهَلِ، فَخَرَجَ عَلَيْنَا يَوْمًا مِنْ بَيْتِهِ قَبْلَ مَبْعَثِ النَّبِيِّ ﷺ بِيَسِيرٍ، فَوَقَفَ عَلَى مَجْلِسِ بَنِي عَبْدِ الأَشْهَلِ، وَأَنَا يَوْمَئِذٍ أَحْدَثُ مَنْ فِيهِ سِنًّا، عَلَيَّ بُرْدَةٌ، مُضْطَجِعٌ فِيهَا، فَذَكَرَ الْبَعْثَ وَالْقِيَامَةَ وَالْحِسَابَ وَالْمِيزَانَ وَالْجَنَّةَ وَالنَّارَ، فَقَالَ ذَلِكَ لِقَوْمٍ أَهْلِ شِرْكٍ أَصْحَابِ أَوْثَانٍ، لَا يَرَوْنَ أَنَّ بَعْثًا كَائِنًا بَعْدَ الْمَوْتِ، فَقَالُوا لَهُ: وَيْحَكَ يَا فُلَانُ، تَرَى هَذَا كَائِنًا؟ إِنَّ النَّاسَ يُبْعَثُونَ بَعْدَ مَوْتِهِمْ إِلَى دَارٍ فِيهَا جَنَّةٌ وَنَارٌ، يُجْزَوْنَ فِيهَا بِأَعْمَالِهِمْ؟ قَالَ: نَعَمْ، وَالَّذِي يُحْلَفُ بِهِ، لَوَدَّ أَنَّ لَهُ بِحَظِّهِ مِنْ تِلْكَ النَّارِ أَعْظَمَ تَنُّورٍ فِي الدُّنْيَا، يُحْمُونَهُ، ثُمَّ يُدْخِلُونَهُ إِيَّاهُ، فَيُطْبَقُ بِهِ عَلَيْهِ، وَأَنْ يَنْجُوَ مِنْ تِلْكَ النَّارِ غَدًا. قَالُوا لَهُ: وَيْحَكَ، وَمَا آيَةُ ذَلِكَ؟ قَالَ: نَبِيٌّ يُبْعَثُ مِنْ نَحْوِ هَذِهِ الْبِلَادِ – وَأَشَارَ بِيَدِهِ نَحْوَ مَكَّةَ وَالْيَمَنِ – قَالُوا: وَمَتَى تَرَاهُ؟ قَالَ: فَنَظَرَ إِلَيَّ، وَأَنَا مِنْ أَحْدَثِهِمْ سِنًّا، فَقَالَ: إِنْ يَسْتَنْفِدْ هَذَا الْغُلَامُ عُمْرَهُ يُدْرِكْهُ. قَالَ سَلَمَةُ: فَوَاللهِ مَا ذَهَبَ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ حَتَّى بَعَثَ اللهُ تَعَالَى رَسُولَهُ ﷺ، وَهُوَ حَيٌّ بَيْنَ أَظْهُرِنَا، فَآمَنَّا بِهِ، وَكَفَرَ بِهِ بَغْيًا وَحَسَدًا، فَقُلْنَا: وَيْلَكَ يَا فُلَانُ، أَلَسْتَ بِالَّذِي قُلْتَ لَنَا فِيهِ مَا قُلْتَ؟ قَالَ: بَلَى، وَلَيْسَ بِهِ. [رواه أحمد (15841) بإسناد حسن]، لكن لما جاء النبي محمد ﷺ وتبين ليهود أنه لم يكن من الجنس اليهودي كفروا به حسدًا، وإلا فإنهم يعلمون أنه نبي من عند الله.
ثالثًا: مما يحتم على الإنسان أن يتبع هذا الدين العظيم؛ أنه دين الله، وما عداه فهو دين الشيطان، وأن الإسلام هو الحق، وما سواه هو الباطل، قال تعالى: ﴿ذَٰلِكَ بِأَنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلۡحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدۡعُونَ مِن دُونِهِ ٱلۡبَٰطِلُ وَأَنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلۡعَلِيُّ ٱلۡكَبِيرُ ٣٠﴾ [سورة لقمان:30].
رابعًا: أن الدين الحق وهو الإسلام يتحقق للإنسان به ثمرتان عاجلة وآجلة، أما العاجلة فإنه ينال الطمأنينة والحياة الطيبة، قال تعالى: ﴿مَنۡ عَمِلَ صَٰلِحٗا مِّن ذَكَرٍ أَوۡ أُنثَىٰ وَهُوَ مُؤۡمِنٞ فَلَنُحۡيِيَنَّهُۥ حَيَوٰةٗ طَيِّبَةٗۖ وَلَنَجۡزِيَنَّهُمۡ أَجۡرَهُم بِأَحۡسَنِ مَا كَانُواْ يَعۡمَلُونَ ٩٧﴾ [سورة النحل:97]، وقال تعالى: ﴿ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَتَطۡمَئِنُّ قُلُوبُهُم بِذِكۡرِ ٱللَّهِۗ أَلَا بِذِكۡرِ ٱللَّهِ تَطۡمَئِنُّ ٱلۡقُلُوبُ٢٨﴾ [سورة الرعد:28]، وأما الآجلة فهي الفوز الأبدي، والنجاة من النار، والفوز برضوان الله، قال تعالى: ﴿كُلُّ نَفۡسٖ ذَآئِقَةُ ٱلۡمَوۡتِۗ وَإِنَّمَا تُوَفَّوۡنَ أُجُورَكُمۡ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِۖ فَمَن زُحۡزِحَ عَنِ ٱلنَّارِ وَأُدۡخِلَ ٱلۡجَنَّةَ فَقَدۡ فَازَۗ وَمَا ٱلۡحَيَوٰةُ ٱلدُّنۡيَآ إِلَّا مَتَٰعُ ٱلۡغُرُورِ١٨٥﴾ [سورة آل عمران:185].
وقال تعالى: ﴿قُلۡ أَؤُنَبِّئُكُم بِخَيۡرٖ مِّن ذَٰلِكُمۡۖ لِلَّذِينَ ٱتَّقَوۡاْ عِندَ رَبِّهِمۡ جَنَّٰتٞ تَجۡرِي مِن تَحۡتِهَا ٱلۡأَنۡهَٰرُ خَٰلِدِينَ فِيهَا وَأَزۡوَٰجٞ مُّطَهَّرَةٞ وَرِضۡوَٰنٞ مِّنَ ٱللَّهِۗ وَٱللَّهُ بَصِيرُۢ بِٱلۡعِبَادِ١٥﴾ [سورة آل عمران:15].
خامسًا: الدين الحق وهو الإسلام يمنح الإنسان ميزانًا يعرف به الحق من الباطل، والهدى من الضلال، ويميز بين الخير والشر، قال تعالى: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ إِن تَتَّقُواْ ٱللَّهَ يَجۡعَل لَّكُمۡ فُرۡقَانٗا وَيُكَفِّرۡ عَنكُمۡ سَيِّـَٔاتِكُمۡ وَيَغۡفِرۡ لَكُمۡۗ وَٱللَّهُ ذُو ٱلۡفَضۡلِ ٱلۡعَظِيمِ ٢٩﴾ [سورة الأنفال:29].
فيجب على كل إنسان رجلًا كان أو امرأة؛ أن يدخل في دين الإسلام؛ لأن الأديان الأخرى إما أنها رسالات سماوية سابقة فحرفت وبدلت فنسخها الإسلام، وإما أنها أديان باطلة من أصلها فلا خير فيها، والتعبد بها خسارة في الدنيا والآخرة، قال تعالى: ﴿وَمَن يَبۡتَغِ غَيۡرَ ٱلۡإِسۡلَٰمِ دِينٗا فَلَن يُقۡبَلَ مِنۡهُ وَهُوَ فِي ٱلۡأٓخِرَةِ مِنَ ٱلۡخَٰسِرِينَ٨٥﴾ [سورة آل عمران:85]، وصلى الله وسلم على نبينا محمد.
***
السؤال:
أين يقف الإسلام من مفهومي الإرادة الحرة مقابل الجبر؟
الإجــابة:
الحمد لله، الله سبحانه وتعالى كتب مقادير كل شيء قبل أن يخلق السماوات والأرض، وأرسل الرسل، وأنزل الكتب، وفطر العباد على محبة الخير، وبُغْضِ الشر، وهدى الخلق لمعرفة الخير والشر، وجعل لهم تمييزًا بين هذا وهذا، قال تعالى: ﴿وَهَدَيۡنَٰهُ ٱلنَّجۡدَيۡنِ١٠﴾ [البلد: 10]، وقال تعالى: ﴿إِنَّا هَدَيۡنَٰهُ ٱلسَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرٗا وَإِمَّا كَفُورًا ٣﴾ [الإنسان: 3]، ولما سأل فرعون موسى عليه السلام: من ربكما؟ فقال كما أخبر الله عنه: ﴿قَالَ رَبُّنَا ٱلَّذِيٓ أَعۡطَىٰ كُلَّ شَيۡءٍ خَلۡقَهُۥ ثُمَّ هَدَىٰ ٥٠﴾ [طه: 50].
فكل إنسان قد خلقه الله وهداه لما فيه صلاحه، وهذا يجده كل إنسان من نفسه، بل الحيوان البهيم قد هداه الله لما يصلح شأنه، ويحفظ جنسه، ويضمن استمرار تناسله وتكاثره.
وقد أقام الله الحجة على الخلق، ويسر أهل السعادة لليسرى وجنبهم العسرى، ويسر أهل الشقاوة للعسرى، قال تعالى: ﴿وَٱلَّيۡلِ إِذَا يَغۡشَىٰهَا ٤ وَٱلسَّمَآءِ وَمَا بَنَىٰهَا ٥ وَٱلۡأَرۡضِ وَمَا طَحَىٰهَا ٦ وَنَفۡسٖ وَمَا سَوَّىٰهَا ٧ فَأَلۡهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقۡوَىٰهَا٨ قَدۡ أَفۡلَحَ مَن زَكَّىٰهَا ٩ وَقَدۡ خَابَ مَن دَسَّىٰهَا١٠﴾ [الشمس: 4-10].
وسأل أحد الصحابة رضوان الله عليهم الرسولَ ﷺ عن موقف المرء من القدر السابق هل نَتَّكِلُ عليه وندع العمل أم نعمل؟ فكان الجواب في هذا الحديث، عن علي رضي الله عنه، قال: كُنَّا فِي جِنَازَةٍ فِي بَقِيعِ الْغَرْقَدِ، فَأَتَانَا رَسُولُ اللهِ ﷺ، فَقَعَدَ وَقَعَدْنَا حَوْلَهُ، وَمَعَهُ مِخْصَرَةٌ، فَنَكَّسَ، فَجَعَلَ يَنْكُتُ بِمِخْصَرَتِهِ، ثُمَّ قَالَ: «مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ، مَا مِنْ نَفْسٍ مَنْفُوسَةٍ، إِلَّا وَقَدْ كَتَبَ اللهُ مَكَانَهَا مِنَ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ، وَإِلَّا وَقَدْ كُتِبَتْ شَقِيَّةً أَوْ سَعِيدَةً» قَالَ: فَقَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَفَلَا نَمْكُثُ عَلَى كِتَابِنَا وَنَدَعُ الْعَمَلَ؟ فَقَالَ: «مَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ السَّعَادَةِ، فَسَيَصِيرُ إِلَى عَمَلِ أَهْلِ السَّعَادَةِ، وَمَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الشَّقَاوَةِ، فَسَيَصِيرُ إِلَى عَمَلِ أَهْلِ الشَّقَاوَةِ». فَقَالَ: «اعْمَلُوا، فَكُلٌّ مُيَسَّرٌ، أَمَّا أَهْلُ السَّعَادَةِ فَيُيَسَّرُونَ لِعَمَلِ أَهْلِ السَّعَادَةِ، وَأَمَّا أَهْلُ الشَّقَاوَةِ فَيُيَسَّرُونَ لِعَمَلِ أَهْلِ الشَّقَاوَةِ»، ثُمَّ قَرَأَ ﷺ: ﴿فَأَمَّا مَنۡ أَعۡطَىٰ وَٱتَّقَىٰ ٥ وَصَدَّقَ بِٱلۡحُسۡنَىٰ ٦ فَسَنُيَسِّرُهُۥ لِلۡيُسۡرَىٰ ٧ وَأَمَّا مَنۢ بَخِلَ وَٱسۡتَغۡنَىٰ ٨ وَكَذَّبَ بِٱلۡحُسۡنَىٰ٩ فَسَنُيَسِّرُهُۥ لِلۡعُسۡرَىٰ ١٠﴾ [صحيح مسلم (2647)].
فالله سبحانه وتعالى غني عن أن يجبر أحدًا؛ لأنه لا تنفعه الطاعات، ولا تضره المعاصي، لكن الله فطر الخلق ويسّرهم، وهو غني عن الجبر.
والله سبحانه وتعالى قد علم ما الخلق عاملون قبل أن يخلقهم، وكتب ذلك في اللوح المحفوظ، ولا يقع شيء إلا بمشيئته، وكل ما يقع فهو خلق الله وإرادته وتدبيره، وله فيه الحكمة البالغة، وللإنسان مشيئة وإرادة وهي خاضعة لمشيئة الله، قال تعالى: ﴿وَمَا تَشَآءُونَ إِلَّآ أَن يَشَآءَ ٱللَّهُ رَبُّ ٱلۡعَٰلَمِينَ ٢٩﴾ [سورة التكوير:29]، وهو يحاسب على ما اختاره وأراده.
وكل إنسان يدرك الفرق بين ما يقوم به بإرادته واختياره، وما يقع عليه رغمًا عنه كالمرض والسقوط، فالإنسان يختار ما يريد، وينصرف عما لا يريد باختياره.
فالإنسان متصرف بإرادته واختياره، وهذا الذي عليه المسؤولية والحساب يوم القيامة، أما ما يقع على الإنسان من قدر لا يستطيع دفعه كالمرض أو العجز عن أداء واجب؛ فهذا لا يؤاخذ عليه يوم القيامة. وصلى الله وسلم على نبينا محمد.
***
السؤال:
ما هي محاسن دين الإسلام أو لماذا أنا على دين الإسلام ولست على غيره من الأديان؟
الإجابة:
محاسن الدين الإسلامي عامة في أصوله وفروعه. قال تعالى: ﴿وَمَنۡ أَحۡسَنُ دِينٗا مِّمَّنۡ أَسۡلَمَ وَجۡهَهُۥ لِلَّهِ وَهُوَ مُحۡسِنٞ...﴾ [النساء ١٢٥].
- فمن محاسن الدين الإسلامي أنه حرر الإنسان من عبودية العباد إلى عبودية رب العباد، فلا يعبد المسلم ولا يسجد ولا يركع ولا يخاف ولا يرجو إلا الله تعالى، كما قال تعالى: ﴿وَإِلَٰهُكُمۡ إِلَٰهٞ وَٰحِدٞۖ لَّآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ ٱلرَّحۡمَٰنُ ٱلرَّحِيمُ ١٦٣﴾ [البقرة ١٦٣].
- ومن محاسن الدين الإسلامي أنه ساوى بين العباد؛ فلا فضل لعربي على عجمي، ولا أبيض على أسود إلا بالتقوى، وأبطل المعايير الجاهلية التي يتفاخر بها الناس؛ كالجاه والمال والمنصب والسلطة، قال تعالى: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِنَّا خَلَقۡنَٰكُم مِّن ذَكَرٖ وَأُنثَىٰ وَجَعَلۡنَٰكُمۡ شُعُوبٗا وَقَبَآئِلَ لِتَعَارَفُوٓاْۚ إِنَّ أَكۡرَمَكُمۡ عِندَ ٱللَّهِ أَتۡقَىٰكُمۡۚ إِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٞ١٣﴾ [الحجرات ١٣].
وقد صح في الحديث أن رَسُول اللهِ ﷺ قال: «إِنَّ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ قَدْ أَذْهَبَ عَنْكُمْ عُبِّيَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ، وَفَخْرَهَا بِالْآبَاءِ، مُؤْمِنٌ تَقِيٌّ، وَفَاجِرٌ شَقِيٌّ، وَالنَّاسُ بَنُو آدَمَ، وَآدَمُ مِنْ تُرَابٍ، لَيَنْتَهِيَنَّ أَقْوَامٌ فَخْرَهُمْ بِرِجَالٍ، أَوْ لَيَكُونُنَّ أَهْوَنَ عِنْدَ اللهِ مِنْ عِدَّتِهِمْ مِنَ الْجِعْلَانِ الَّتِي تَدْفَعُ بِأَنْفِهَا النَّتَنَ».
- ومن محاسن الدين الإسلامي أنه جاء آمرًا بالإيمان بالله تعالى، قال سبحانه: ﴿إِنَّمَا ٱلۡمُؤۡمِنُونَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦ...﴾ [النور ٦٢]، وجاء آمرًا بالتوحيد، قال سبحانه: ﴿وَمَآ أُمِرُوٓاْ إِلَّا لِيَعۡبُدُواْ ٱللَّهَ مُخۡلِصِينَ لَهُ ٱلدِّينَ حُنَفَآءَ...﴾ [البينة ٥]، وجاء آمرًا بالصلاة والزكاة، قال سبحانه: ﴿وَأَقِيمُواْ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتُواْ ٱلزَّكَوٰةَ...﴾ [النور ٥٦]، وجاء آمرًا برعاية الأمانة والعهد، قال سبحانه: ﴿وَٱلَّذِينَ هُمۡ لِأَمَٰنَٰتِهِمۡ وَعَهۡدِهِمۡ رَٰعُونَ ٨﴾ [المؤمنون ٨]، وجاء آمرًا بالوفاء بالعقود، قال سبحانه: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ أَوۡفُواْ بِٱلۡعُقُودِۚ..﴾ [المائدة ١]، وجاء آمرًا بجماع الخير في معاملة الخلق والإحسان إليهم، قال سبحانه: ﴿...وَأَحۡسِنُوٓاْۚ إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلۡمُحۡسِنِينَ ١٩٥﴾ [البقرة ١٩٥]، وجاء آمرًا بلزوم الجماعة، قال سبحانه: ﴿وَٱعۡتَصِمُواْ بِحَبۡلِ ٱللَّهِ جَمِيعٗا وَلَا تَفَرَّقُواْۚ...﴾ [آل عمران ١٠٣]، فهو دين الرحمة والخير والحكمة والعقل والفطرة والصلاح، يدعو إلى الفضائل وينهى عن الرذائل، يدعو إلى العدل وينهى عن الظلم، يدعو إلى الكرم وينهى عن البخل، يدعو إلى محاسن الأخلاق وينهى عن مساوئها، يدعو إلى العفة وينهى عن الفاحشة، يدعو إلى الصدق وينهى عن الكذب، يدعو إلى صلة الأرحام وينهى عن قطعها، يدعو إلى البر وينهى عن الفجور، يدعو إلى الإحسان وينهى عن العدوان، يدعو إلى حفظ الأنفس المعصومة وينهى عن إتلافها، وينهى عن أكل أموال الناس بالباطل، وينهى عن الربا والسرقة، ويدعو إلى البيع والصدقة وجميع أنواع البر، ولذا ما من مصلحة دينية أو دنيوية إلا دلَّ الإسلام عليها، وما من مفسدة إلا نهى عنها الإسلام. يدعو إلى عمارة الأرض وإصلاحها وينهى عن الإفساد فيها، فهو دين الفضائل كلها.
وروى أحمد وغيره قول جعفر بن أبي طالب رضي الله عنه: «كُنَّا قَوْمًا أَهْلَ جَاهِلِيَّةٍ نَعْبُدُ الْأَصْنَامَ وَنَأْكُلُ الْمَيْتَةَ، وَنَأْتِي الْفَوَاحِشَ وَنَقْطَعُ الْأَرْحَامَ، وَنُسِيءُ الْجِوَارَ، يَأْكُلُ الْقَوِيُّ مِنَّا الضَّعِيفَ. فَكُنَّا عَلَى ذَلِكَ حَتَّى بَعَثَ اللَّهُ إِلَيْنَا رَسُولًا مِنَّا، نَعْرِفُ نَسَبَهُ وَصِدْقَهُ وَأَمَانَتَهُ وَعَفَافَهُ، فَدَعَانَا إِلَى اللَّهِ لِنُوَحِّدَهُ وَنَعْبُدَهُ وَنَخْلَعَ مَا كُنَّا نَعْبُدُ نَحْنُ وَآبَاؤُنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ الْحِجَارَةِ وَالْأَوْثَانِ، وَأَمَرَنَا بِصِدْقِ الْحَدِيثِ وَأَدَاءِ الْأَمَانَةِ وَصِلَةِ الرَّحِمِ وَحُسْنِ الْجِوَارِ، وَالْكَفِّ عَنْ الْمَحَارِمِ وَالدِّمَاءِ، وَنَهَانَا عَنْ الْفَوَاحِشِ وَقَوْلِ الزُّورِ، وَأَكْلِ مَالِ الْيَتِيمِ وَقَذْفِ الْمُحْصَنَةِ، وَأَمَرَنَا أَنْ نَعْبُدَ اللَّهَ وَحْدَهُ لَا نُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا، وَأَمَرَنَا بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ وَالصِّيَامِ».
ومن محاسن الدين الإسلامي أنه يدعو إلى الآخرة التي هي أولى من الدنيا، فإن أعظم الأمان هو الأمن والأمان السرمدي الدائم في الدخول في الجنة والنجاة من النار؛ قال تعالى: ﴿وَأُدۡخِلَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ جَنَّٰتٖ تَجۡرِي مِن تَحۡتِهَا ٱلۡأَنۡهَٰرُ خَٰلِدِينَ فِيهَا بِإِذۡنِ رَبِّهِمۡۖ تَحِيَّتُهُمۡ فِيهَا سَلَٰمٌ٢٣﴾ [إبراهيم: ٢٣]، لذلك كان الدين الإسلامي أعظم برهان، وأجل شاهد لله بالتفرد بالكمال المطلق كله، ولنبيه ﷺ بالرسالة والصدق، وذلك بما حوى من المحاسن والكمال والصلاح والرحمة والعدل والحكمة في الدنيا والآخرة، والله الموفق وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
***
(قسم المسلمين)
السؤال:
هل يؤمن المسلمون بعقيدة الخطيئة الأصلية؟
الإجــابة:
ما يسمى بـ(الخطيئة الموروثة) وهمٌ لا حقيقة له، وهي من خرافات الكتاب المعظم لدى اليهود والنصارى، حيث يزعمون أن آدم وحواء ارتكبوا خطيئة عظيمة، وأن حواء هي التي أغوت آدم بالأكل من الشجرة، ونتيجة لزعمهم الكاذب، فقد حمل آدم وزر خطيئته، وأورثها ذريته من بعده، وأن الله عاقب المرأة بأن تحمل وتلد عقوبة لها على إغوائها لزوجها آدم، وعاقب الله الحية بأن تكون تمشي على بطنها وتأكل التراب؛ لأن الشيطان تمثل بها عندما أراد دخول الجنة، ولعن الأرض بسبب خطيئة آدم، إلخ، وهذه الأسطورة المكذوبة التي هي من مفتريات كتاب اليهود المعظم المحرف.
ثم جاءت النصرانية بطامة اقترضتها من الديانات الوثنية وهي: أن الله رحم البشر من خطيئة أبيهم، فأراد أن يضحي بابنه فأنزل ابنه وجعله يتجسد في جسد المسيح، ثم سلط عليه اليهود ليقتلوه ويصلبوه؛ تكفيرًا عن خطيئة آدم.
والحقيقة أن الله لما خلق الخلق، وأتم خلق السموات والأرض والملائكة، أخبر الملائكة أنه سيجعل في الأرض خليفة، فتساءلت الملائكة كيف تجعل فيها من يكون في طبعه الشهوة والفساد، فأخبر الله الملائكة أنه أعلم وأحكم، وأن هذا الخليفة سيتناسل في الأرض، وتكثر ذريته فيها، ويخلف بعضهم بعضًا، ويكون منهم المصلحون، وكتب الله في اللوح المحفوظ قبل أن يخلق آدم وزوجه حواء أنه سيهبطهما إلى الأرض، ليعمرها وليقوم فيها بواجب الخلافة، فلما خلقه أسكنه الجنة ليعلمه درسًا عن نفسه وعن عدوه الشيطان الذي سيلاقيه في الأرض، حيث أباح له كل شجر الجنة ليأكل منه، ونهاه عن الأكل من شجرة واحدة ليس لها ميزة على غيرها، وإنما نهاه عنها ابتلاءً له واختبارًا، فلما خدعه الشيطان وكذب عليه حتى يأكل من الشجرة، علم آدم أنه أخطأ ونسي تحذير الله له، وعلمه الله كيف يتوب من هذا الخطأ، فقال كما أمره الله، ثم تاب الله عليه، وانتهت المسألة.
قال تعالى: ﴿وَإِذۡ قَالَ رَبُّكَ لِلۡمَلَٰٓئِكَةِ إِنِّي جَاعِلٞ فِي ٱلۡأَرۡضِ خَلِيفَةٗۖ قَالُوٓاْ أَتَجۡعَلُ فِيهَا مَن يُفۡسِدُ فِيهَا وَيَسۡفِكُ ٱلدِّمَآءَ وَنَحۡنُ نُسَبِّحُ بِحَمۡدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَۖ قَالَ إِنِّيٓ أَعۡلَمُ مَا لَا تَعۡلَمُونَ ٣٠ وَعَلَّمَ ءَادَمَ ٱلۡأَسۡمَآءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمۡ عَلَى ٱلۡمَلَٰٓئِكَةِ فَقَالَ أَنۢبِـُٔونِي بِأَسۡمَآءِ هَٰٓؤُلَآءِ إِن كُنتُمۡ صَٰدِقِينَ ٣١ قَالُواْ سُبۡحَٰنَكَ لَا عِلۡمَ لَنَآ إِلَّا مَا عَلَّمۡتَنَآۖ إِنَّكَ أَنتَ ٱلۡعَلِيمُ ٱلۡحَكِيمُ ٣٢ قَالَ يَٰٓـَٔادَمُ أَنۢبِئۡهُم بِأَسۡمَآئِهِمۡۖ فَلَمَّآ أَنۢبَأَهُم بِأَسۡمَآئِهِمۡ قَالَ أَلَمۡ أَقُل لَّكُمۡ إِنِّيٓ أَعۡلَمُ غَيۡبَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ وَأَعۡلَمُ مَا تُبۡدُونَ وَمَا كُنتُمۡ تَكۡتُمُونَ ٣٣ وَإِذۡ قُلۡنَا لِلۡمَلَٰٓئِكَةِ ٱسۡجُدُواْ لِأٓدَمَ فَسَجَدُوٓاْ إِلَّآ إِبۡلِيسَ أَبَىٰ وَٱسۡتَكۡبَرَ وَكَانَ مِنَ ٱلۡكَٰفِرِينَ ٣٤ وَقُلۡنَا يَٰٓـَٔادَمُ ٱسۡكُنۡ أَنتَ وَزَوۡجُكَ ٱلۡجَنَّةَ وَكُلَا مِنۡهَا رَغَدًا حَيۡثُ شِئۡتُمَا وَلَا تَقۡرَبَا هَٰذِهِ ٱلشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ ٱلظَّٰلِمِينَ ٣٥ فَأَزَلَّهُمَا ٱلشَّيۡطَٰنُ عَنۡهَا فَأَخۡرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِۖ وَقُلۡنَا ٱهۡبِطُواْ بَعۡضُكُمۡ لِبَعۡضٍ عَدُوّٞۖ وَلَكُمۡ فِي ٱلۡأَرۡضِ مُسۡتَقَرّٞ وَمَتَٰعٌ إِلَىٰ حِينٖ ٣٦ فَتَلَقَّىٰٓ ءَادَمُ مِن رَّبِّهِۦ كَلِمَٰتٖ فَتَابَ عَلَيۡهِۚ إِنَّهُۥ هُوَ ٱلتَّوَّابُ ٱلرَّحِيمُ ٣٧ قُلۡنَا ٱهۡبِطُواْ مِنۡهَا جَمِيعٗاۖ فَإِمَّا يَأۡتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدٗى فَمَن تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوۡفٌ عَلَيۡهِمۡ وَلَا هُمۡ يَحۡزَنُونَ ٣٨﴾ [سورة البقرة:30-38].
فأحداث هذه القصة تدور حول أن الله خلق خليفة للأرض وجعل نشأته الأولى في الجنة، فلما علّمه وتعلّم، أمره ونهاه، فوقع منه خطـأ سماه القرآن (زلة) ولم يسمه خطيئة، قال تعالى: ﴿فَأَزَلَّهُمَا ٱلشَّيۡطَٰنُ عَنۡهَا﴾ [سورة البقرة:36]، ولما وقع في الابتلاء المقدر عليه، وعلمه الله كيف يصلح الخطأ إذا وقع منه، ويتوب إلى ربه، وأن الله تاب عليه وهداه وأكرمه، وأنه بعد التوبة عليه، أنزله إلى الأرض ليكمل المهمة التي خُلق من أجلها.
وفي كتاب اليهود نصوص كثيرة – لا داعي لذكرها- تدحض أن يرث الولد خطيئة والده، أو أن تتوارث البشرية الخطيئة، فكيف افترى اليهود والنصارى تبع لهم هذه الفرية.
وفي القرآن الكريم لا يحمل أحد خطيئة أحد، ولا يرث الولد جريرة والده، قال تعالى: ﴿مَّنِ ٱهۡتَدَىٰ فَإِنَّمَا يَهۡتَدِي لِنَفۡسِهِۦۖ وَمَن ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيۡهَاۚ وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٞ وِزۡرَ أُخۡرَىٰۗ وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّىٰ نَبۡعَثَ رَسُولٗا١٥﴾ [سورة الإسراء:15].
وبعد هذا البيان نقول بيقين: إن مسألة الخطيئة الموروثة أو الأصلية، لا وجود لها، وإنما هي خرافة مبنية على فرية يهودية، عززتها الفرية النصرانية المتعلقة بتجسد المسيح عليه السلام وصلبه فداءً عن خطيئة آدم عليه السلام، وما كان في الحقيقة خرافة، مبنية على فرية فلا قيمة له، بل نستغفر الله من هذا الزعم والافتراء.
والإنسان المتبع لدين الله الذي أدبه ربه، ومنحه فرقانًا يميز به بين الحق والباطل، وشرّفه بدين حق يقوم على الحجة والبرهان، ويكره الزيف والخرافة، لا يُعير لهذه الخرافة أدنى اعتبار، ويعلم أنها فرية مكذوبة، فهي لا تؤثر عليه في ثقافته وأهدافه؛ بل يعتبرها إهانة للأنبياء والمرسلين عليهم الصلاة والسلام؛ لأن مقتضاها أن جميع الأنبياء والمرسلين عليهم الصلاة والسلام كانوا متدنسين بالخطيئة الموروثة المزعومة؛ حتى تطهروا بفداء المسيح لهم، فكيف يتطهر الأنبياء الذين ماتوا قبل زمن المسيح؟؟
والعاقل المتبع لدين الله حريص على تصحيح هذا الخطأ المتداول، وبيان الحق من الباطل المتعلق فيها وفي غيرها، ويحمد الله أن علَّمه دينه الصحيح، وجعله من أتباع الأنبياء والمرسلين عليهم الصلاة والسلام.
***
السؤال:
هل للمسلمين أيُّ إسهامات فـي النهوض بالبشرية؟
الإجــابة:
أسهم المسلمون في النهوض بالبشرية إسهامًا لا يدانيه إسهام أي أمة، وكان إسهامهم عظيمًا شاملًا من خلال الجوانب التالية:
الأول: المكان الذي عمّره إسهامهم.
الثاني: المدة الزمنية التي تشرفت بإسهامهم.
الثالث: محتوى الإسهام الحضاري الذي قدموه.
أما من حيث المكان الذي عمّره إسهامهم الحضاري: فقد استوعبت حضارتهم المعمور من الكرة الأرضية في وقتهم، حتى قال جورج بوش ـ وهو جد الرئيس الأمريكي ـ أستاذ اللغة العبرية في إحدى الجامعات الأمريكية عن دولة الخلافة الإسلامية: "لقد استطاعت في ظرف ثمانين سنة أن تبسط سلطانها على ممالك وبلاد أكثر وأوسع مما استطاعته روما في ثمانمائة سنة، وتزداد دهشتنا أكثر وأكثر إذا تركنا نجاحه السياسي –يقصد النبي محمدا ﷺ- وتحدثنا عن صعود دينه وانتشاره السريع واستمراره ورسوخه الدائم» محمد مؤسس الدين الإسلامي ومؤسس إمبراطورية المسلمين". تأليف جورج بوش، تعريب الأستاذ عبد الله الشيخ.
لا نقر لهذا الكافر على أن الرسول محمدًا ﷺ هو مؤسس دين الإسلام، وليست دولة الخلافة إمبراطورية.
أما من حيث الزمان: فقد امتد حكم المسلمين لأكثر من 1340سنة، تتعاقب عليه الدول الإسلامية ابتداءً من دولة الخلافة الراشدة، ثم دولة بني أمية، ثم دولة بني العباس، ثم أعقبتها الدولة العثمانية ولم تسقط راية الدولة الإسلامية إلا عام 1344هـ الموافق 1923م، بمعنى أن الدولة الإسلامية امتد حكمها لأكثر من ألف وثلاثمائة سنة، ولا يَعرِف التاريخ دولة امتد نفوذها وسلطانها لألف عام، تحمل راية واحدة هي راية الإسلام، وإن اختلفت قبيلة الأسرة الحاكمة، أو جنسها كالعرب أو الترك، أو مكان قيادة الدولة وعاصمتها.
أما محتوى الإسهام الحضاري الذي قدمه المسلمون فهو محتوى مشرق شامل متنوع، متوافق مع العقل والعلم والروح والجسد والفطرة، وسنعرض شيئًا من جوانب هذا المحتوى في الجوانب المشرقة التالية:
الجانب الأول: تضمن الإسهام الحضاري الذي قدمه المسلمون دينًا قيمًا وسطًا لا غلو فيه ولا تفريط، دين هو دين الأنبياء عليهم السلام، دين اليسر والفطرة، دين يغذي القلب والعقل والروح، ويتوافق مع الفطرة، ويحقق متطلبات الجسد، ويحقق متطلبات الروح، دين لا يستغني عنه الإنسان بحال؛ لأن الإنسان متدين بفطرته، ولا ينفك عن أن يتدين بدين، فقدم المسلمون للعالم دينًا إلهيًا، لا تزال البشرية تتدين به، وتقبل عليه ويدخل فيه الآلاف من الناس يوميًا على اختلاف مستوياتهم الفكرية والعلمية والاجتماعية. وكم شقي الإنسان الغربي بحضارته المادية التي أهملت الدين ومتطلبات الروح فشقي بسببها الإنسان، وكم شقي الإنسان الشرقي بأديان بشرية موغلة في تحقيق متطلبات الروح على حساب الحياة والعقل والجسد.
الجانب الثاني: تضمن الإسهام الحضاري الذي قدمه المسلمون العلم، فقدم المسلمون للبشرية العلم المتكامل الذي يجمع العلم الإلهي والعلم البشري، ويسهم في إسعاد البشر، ونقلوا للأمم ما صح من علوم الأمم قبلهم، وتجاوزوا ما عند تلك الأمم من الخرافات والعلوم الزائفة، وزادوا عليها، فقدموا مخترعات في وقتهم كانت عجيبة، ولهم عناية في علم الفلك كالعالم محمد بن إبراهيم الفزاري، المتوفى سنة 180، كان يصنع الإصطرلاب، ومثله محمد بن موسى الخوارزمي، المتوفى سنة 232، عالم الجبر، ولا يزال الذكاء الاصطناعي يعتمد على خوارزميات هذا العالم الفذ.
وقدموا للعالم المنهج التجريبي بمفهومه الحديث، والمنهج التجريبي هو الذي قاد الحضارة الغربية للمنتجات المعاصرة، وكان أبناء نبلاء أوروبا يدرسون العلوم في جامعات المسلمين في قرطبة وبغداد والشام.
الجانب الثالث: تضمن الإسهام الحضاري الذي قدمه المسلمون العدل التام، والتشريع المتكامل الذي حفظ لكل ذي حق حقه، وعاش تحت راية دول الإسلام على مدى 1340 سنة أنواع من الجنس البشري، ينتسبون لديانات متعددة يهود ونصارى وبوذيين وزرادشتيين وهنودسيين....، لم يجد أحد منهم تضييقًا عليه بسبب جنسه أو دينه أو بلده؛ لأن المسلمين يلتزمون بمضمون قوله تعالى: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ كُونُواْ قَوَّٰمِينَ لِلَّهِ شُهَدَآءَ بِٱلۡقِسۡطِۖ وَلَا يَجۡرِمَنَّكُمۡ شَنَـَٔانُ قَوۡمٍ عَلَىٰٓ أَلَّا تَعۡدِلُواْۚ ٱعۡدِلُواْ هُوَ أَقۡرَبُ لِلتَّقۡوَىٰۖ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَۚ إِنَّ ٱللَّهَ خَبِيرُۢ بِمَا تَعۡمَلُونَ ٨﴾ [سورة المائدة: 8]، وحافظت الدولة على أديانهم وممتلكاتهم وأموالهم، وكفلت لهم سائر حقوقهم، وكان التشريع الذي يطبق في كازاخستان أو الأندلس (أسبانيا) هو الذي يطبق في مكة المكرمة والمدينة النبوية، الجميع شملهم شرع واحد، وهذا الشرع شمل الحقوق المدنية والدينية والسياسية والحربية والاجتماعية والميراث وقسمة التركات-لا يوجد نظام متكامل لقسمة المواريث في العالم إلى اليوم يقارب هذا النظام أو يدانيه- ولا يزال الإنسان إلى اليوم في كثير من الدول يستطيع أن يهب ثروته كلها لكلبه ويحرم أولاده منها، وكان هذا الشرع محل قبول الجميع، في حين أننا نجد العالم اليوم كل دولة لها قانونها، فلم يتفقوا على قانون واحد، وفي قوانينهم من الجور والعنصرية والظلم ما لا يخفى على أحد، فهل قامت الحضارة المادية إلا على ملايين العبيد الذين سرقوهم من إفريقيا؟ وهل قامت اقتصادياتهم إلا على ما نهبوه وما زالوا ينهبونه من اقتصاديات الدول الضعيفة واستنزاف خيراتها، واستغلال مناجمها وثرواتها؟ وفوق ذلك كانوا يستهدفون أن تبقى الدول الفقيرة دولًا مستهلكة، فلا يشجعونها إلا على المشاريع الاستهلاكية، ويحاولون أن يحولوا بينها وبين المشاريع التنموية، فهل هذا من العدل؟
الجانب الرابع: تضمن الإسهام الحضاري الذي قدمه المسلمون الطب تعليمًا وممارسة، فكانت المستشفيات في كل مدينة من المدن الإسلامية، واعتنى الأطباء بل بعض الخلفاء بالعلوم الطبيعية، كالمنصور والرشيد، وأسس المسلمون المدارس لدراسة الطب في البصرة والكوفة وبغداد ودمشق، وكانت مصنفاتهم الطبية، وطرائقهم في العلاج لا تزال محفوظة في الكتب، وحينما كانت المدن الإسلامية تتنافس في عدد المستشفيات لم تكن أوربا في ذلك الوقت تعرف المستشفيات.
الجانب الخامس: تضمن الإسهام الحضاري الذي قدمه المسلمون الفكر الراقي والمؤلفات في كل فن وعلم، وتسابق الخلفاء والأمراء في تقديم الجوائز والمنح للعلماء والمؤلفين، وكانت مجالس الخلفاء منتديات فكرية تناقش فيها أصناف الفكر والشعر والمسائل العلمية، وتسابق الخلفاء في بناء المكتبات وتزويدها بالكتب، وتعيين الموظفين فيها، ووقف الأوقاف عليها، وكانت هذه الجوانب: التأليف والمكتبات والأوقاف والمنتديات العلمية والفكرية عظيمة جدًا، وكثيرة، ومتنوعة، لا يعرف قدرها إلا من قرأ تاريخ المسلمين في هذه المجالات وغيرها من المجالات المشرقة.
الجانب السادس: تضمن الإسهام الحضاري الذي قدمه المسلمون: العناية بالمرأة فقد اعتبرها الإسلام شقيقة الرجل، وعليها ما على الرجال من الواجبات، ولها من الحقوق مثل ما للرجل، وإن كان لكل جنس ما يخصه من الأحكام بحسب ما يناسبه، بحسب طبيعته وخلقته، قال تعالى: ﴿وَمَن يَعۡمَلۡ مِنَ ٱلصَّٰلِحَٰتِ مِن ذَكَرٍ أَوۡ أُنثَىٰ وَهُوَ مُؤۡمِنٞ فَأُوْلَٰٓئِكَ يَدۡخُلُونَ ٱلۡجَنَّةَ وَلَا يُظۡلَمُونَ نَقِيرٗا ١٢٤﴾ [سورة النساء: 124]، وكفل لها النفقة على وليها والدًا أو زوجًا، وفرض على الرجل أن يقدم للمرأة عند الزواج بها مهرًا، وإن كان الزواج مصلحة مشتركة للزوجين، وكلفه أيضًا أن يوفر لها السكن اللائق بها، وإن احتاجت خادمًا فيوفر لها من يخدمها، ووصى الرجال بها في آيات وأحاديث كثيرة، في حين أن اليهود والنصارى يعتقدون أن المرأة هي سبب خطيئة آدم، ولذلك يتعاملون معها وفق هذا الأساس، واختلف النصارى إلى عهد قريب هل المرأة لها روح أم لا؟ وتوصلوا أن لها روحًا ولكنها روح شيطانية، وإلى اليوم فراتبها أقل من راتب الرجل وإن اتفقا في المؤهلات والعمل.
الجانب السابع: تضمن الإسهام الحضاري الذي قدمه المسلمون: الرفاهية الراقية التي كان ينعم بها جميع أفراد المجتمعات الإسلامية، وتفننوا في وقف الأوقاف على ما يحقق رفاهية الناس، وكانت توقف الأوقاف على احتياجات الناس وخدمات الفقراء، وكانت تصرف من هذه الأوقاف على المستضعفين والمجانين وعلاج المرضى الذين لا يستطيعون دفع تكاليف العلاج.
الجانب الثامن: تضمن الإسهام الحضاري الذي قدمه المسلمون: النظافة، والنظافة في الإسلام منظومة متكاملة، تبدأ بنظافة القلب من الشرك والكفر والحسد وسائر الأخلاق الذميمة، ونظافة البدن، وأوجب على المسلم أن يغتسل كل أسبوع لصلاة الجمعة، فهل رأيت أمة يوجب عليها دينها أن تغتسل في كل أسبوع، كما أوجب الغسل على الزوجين بعد الجماع، وندب الإسلام إلى نظافة البيوت والفرش والأفنية والطرقات، وكانت مدن الأندلس (أسبانيا) فيها قنوات لتصريف مياه المجاري، في حين كانت هذه المياه تجري في طرقات باريس، وكانت باريس لا تعرف فيها الإنارة في الليل، وتعاني من التلوث البيئي، في حين كانت شوارع فاس مضاءة ومرصوفة ونظيفة، ولما دخل الأسبان إلى المدن الإسلامية وجدوا فيها حمامات البخار ولم يكونوا يعرفونها؛ فكسروها ظنوا أنها من دور العبادة للمسلمين.
الجانب التاسع: تضمن الإسهام الحضاري الذي قدمه المسلمون: السلم والسلام، فلم تنتج حضارة المسلمين الأسلحة النووية، ولا الجرثومية، ولا أسلحة الدمار الشامل، ولم يعرف عن المسلمين أنهم حاصروا بلدًا حتى مات أطفاله ونساؤه جوعًا ومرضًا، ولم يعرف المسلمون المقابر الجماعية، ولا جناية التطهير العرقي كالتي استخدمت لتطهير أمريكا من سكانها الهنود الحمر، أو استخدمتها جيوش الاحتلال التي غزت الدول الأخرى في العصر الحديث.
إن الإسهام الحضاري كما تقدم، وكما عرضنا هو إسهام رَاقٍ شامل متنوع، بَنَّاءٌ وعادل ومتوازن، لا يعرف العنصرية، ولا الظلم، ولا الإبادات الجماعية.
وقد تسأل لماذا هذا التميز في الحضارة الإسلامية؟ فأقول: لأن منطلقات الحضارة الإسلامية وأساسها ومبادئها صادرة عن دين عظيم متكامل شامل، إنه دين رب العالمين، دين الإسلام، الذي شمل في عقائده وفرائضه وشرائعه حقوق الخالق، وحقوق المخلوق، ومصالح الدنيا ومصالح الآخرة، وما يتعلق بالدين، وما يتعلق بالدنيا، وما يختص بالمسلم وما يختص بغير المسلم، وصدق الله حيث يقول: ﴿...مَّا فَرَّطۡنَا فِي ٱلۡكِتَٰبِ مِن شَيۡءٖۚ ثُمَّ إِلَىٰ رَبِّهِمۡ يُحۡشَرُونَ٣٨﴾ [سورة الأنعام: 38].
وقد فُصِّل الحديث عن ذلك في كتب كثيرة، نشير إلى كتب مختصرة منها، وصلى الله وسلم على نبينا محمد.
انظر: الحضارة الإسلامية لعبد الرحمن حبنكة الميداني ص549-579، والقيم الحضارية في الإسلام لمحمد بن عبد الله السحيم.
***
السؤال:
الخالق رحيم بعباده، فلماذا لا يقبل ميول الشخص الشاذ جنسيًا؟
الإجابة:
قال الله تعالى: ﴿وَلُوطًا إِذۡ قَالَ لِقَوۡمِهِۦٓ أَتَأۡتُونَ ٱلۡفَٰحِشَةَ مَا سَبَقَكُم بِهَا مِنۡ أَحَدٖ مِّنَ ٱلۡعَٰلَمِينَ ٨٠ إِنَّكُمۡ لَتَأۡتُونَ ٱلرِّجَالَ شَهۡوَةٗ مِّن دُونِ ٱلنِّسَآءِۚ بَلۡ أَنتُمۡ قَوۡمٞ مُّسۡرِفُونَ ٨١ وَمَا كَانَ جَوَابَ قَوۡمِهِۦٓ إِلَّآ أَن قَالُوٓاْ أَخۡرِجُوهُم مِّن قَرۡيَتِكُمۡۖ إِنَّهُمۡ أُنَاسٞ يَتَطَهَّرُونَ ٨٢﴾ [الأعراف: 80 -82].
هذه الآية تؤكد أن الشذوذ ليس وراثيًا، وليس من أصل تركيب الشفرة الوراثية للإنسان، لأن قوم لوط هم أول من ابتدع هذا النوع من الفاحشة. وهذا يتطابق مع أوسع دراسة علمية، والتي تؤكد أن الشذوذ الجنسي لا علاقة له بالجينات الوراثية. موسوعة الكحيل للإعجاز في القرآن والسنة.
وهل نقبل ونحترم ميول السارق إلى السرقة؟ فهذا أيضًا ميول، ولكنه في الحالتين ميول غير طبيعي، إنه خروج على الفطرة البشرية، واعتداء على الطبيعة، ويجب أن يُقوَّم.
لقد خلق الله الإنسان وهداه إلى الطريق السليم، ولديه حرية الاختيار بين طريق الخير وطريق الشر.
قال الله تعالى: ﴿وَهَدَيۡنَٰهُ ٱلنَّجۡدَيۡنِ١٠﴾ [البلد: 10].
ولذلك نجد أن المجتمعات التي تُحرِّم المثلية نادرًا ما يظهر فيها هذا الشذوذ، والبيئة التي تبيح وتشجع على هذا السلوك، تزداد فيها نسبة المثليين، مما يدل على أن الذي يحدد احتمال الشذوذ لدى الإنسان، هو البيئة والتعاليم المحيطة به.
إن هوية الإنسان تتغير في كل لحظة، حسب مشاهدته للفضائيات، أو استخدامه للتكنولوجيا أو تعصبه لفريق كرة قدم مثلًا، فالعولمة صنعت منه إنسانًا معقدًا. فالخائن أصبح صاحب وجهة نظر، والشاذ أصبح صاحب سلوك طبيعي، وأصبح لديه الصلاحية القانونية للمشاركة في نقاشات علنية، بل وعلينا دعمه والتصالح معه. وأصبحت الغلبة لمن لديه التكنولوجيا، فإذا كان الشاذ هو الطرف الذي يمتلك أسباب القوة، فسيفرض على الطرف الآخر قناعاته، مما يؤدي إلى إفساد علاقة الإنسان بنفسه وبمجتمعه وبخالقه. وبارتباط الفردانية بالشذوذ الجنسي بشكل مباشر، تلاشت هنا الفطرة الآدمية التي ينتمي لها الجنس البشري، وسقطت مفاهيم العائلة الواحدة، فبدأ الغرب بوضع حلول للتخلص من الفردانية، لأن الاستمرار بهذا المفهوم سيُضيع المكاسب التي حققها الإنسان المعاصر، كما أضاع مفهوم العائلة، وبالتالي ما زال الغرب حتى اليوم يعاني من مشكلة تقلص أعداد الأفراد في المجتمع، والذي أدى إلى فتح الأبواب لاستقطاب المهاجرين. فالإيمان بالله واحترام قوانين الكون التي خلقها لنا، والالتزام بأوامره ونواهيه، هو طريق السعادة في الدنيا والآخرة.
***
السؤال:
لماذا يبتلي الله عباده ولا يتركهم في رغد دائم؟
الإجابة:
الابتلاء سنة إلهية ماضية في خلق الله، وهو ليس عبثًا ولا ظلمًا، بل لحكمة بالغة ورحمة واسعة. فالابتلاء في الحياة الدنيا هو الميدان الذي يُختبر فيه صدق الإيمان، ويتميز به الصالح من الطالح، والمؤمن الصابر من الكافر الجاحد. قال الله تعالى: ﴿ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلۡمَوۡتَ وَٱلۡحَيَوٰةَ لِيَبۡلُوَكُمۡ أَيُّكُمۡ أَحۡسَنُ عَمَلٗا...﴾ [الملك:2]. فالحياة كلها دار ابتلاء، والغاية منها ليست المتاع العاجل، وإنما الامتحان الذي يؤهل الناس للجزاء الأبدي في الآخرة.
العقل السليم يقبل أن التمييز بين الناس لا يكون إلا بالاختبار. فلو عاش الجميع في رخاء دائم بلا شدائد ولا محن لما ظهر صدق أحد ولا تميزت عزيمة عن أخرى. كما أن الابتلاء يكشف للإنسان ضعفه وفقره إلى ربه، ويعيده إلى التواضع واللجوء إلى خالقه، فتزكو نفسه ويقوى إيمانه. ولذا قال النبي ﷺ: «أَشَدُّ النَّاسِ بَلَاءً الأَنْبِيَاءُ، ثُمَّ الأَمْثَلُ فَالْأَمْثَلُ». فالابتلاء علامة حب من الله لعبده إذا قابله بالصبر والرضا.
ومن حكم الابتلاء أيضًا أن فيه تمحيصًا للذنوب وتكفيرًا للخطايا، ورفعًا للدرجات. فالمؤمن إذا صبر واحتسب، جعل الله بلاءه رفعة له في الدنيا والآخرة. وفي الحديث: « مَا يُصِيبُ الْمُسْلِمَ مِنْ نَصَبٍ وَلَا وَصَبٍ وَلَا هَمٍّ وَلَا حُزْنٍ وَلَا أَذًى وَلَا غَمٍّ، حَتَّى الشَّوْكَةِ يُشَاكُهَا إِلَّا كَفَّرَ اللهُ بِهَا مِنْ خَطَايَاهُ». فالابتلاء في حق المؤمن خير كله، إما أن يرفعه أو يكفّر سيئاته أو يزيده قربًا من الله.
أما الاعتراض الذي يطرحه بعض الناس: “لو كان الله رحيمًا فلماذا يبتلي عباده؟” فالجواب أن الرحمة الحقيقية ليست في ترك الناس يَلْهُونَ في الدنيا بلا حساب، بل في تذكيرهم بالرجوع إلى خالقهم، وفي إعدادهم للدار الباقية. فالشدائد قد تكون سببًا للهداية والإنابة، بينما الرخاء الدائم قد يُغري الإنسان بالكبر والغفلة. ولذا قال الله تعالى: ﴿وَلَنُذِيقَنَّهُم مِّنَ ٱلۡعَذَابِ ٱلۡأَدۡنَىٰ دُونَ ٱلۡعَذَابِ ٱلۡأَكۡبَرِ لَعَلَّهُمۡ يَرۡجِعُونَ٢١﴾ [السجدة: 21].
الابتلاء أيضًا يكشف حقيقة الدنيا ويبين أنها ليست دار قرار، وإنما دار ممر إلى الآخرة. فلو لم يكن فيها آلام ومصاعب لتعلق الناس بها ونسوا الغاية الكبرى. لكن الله أراد أن تكون الدنيا قصيرة زائلة، وأن يكون النعيم الحقيقي في الجنة، حيث لا تعب ولا نصب ولا حزن.
الخلاصة: إن الابتلاء رحمة وامتحان، به يتميز المؤمن من غيره، وتزكو النفوس، وتكفر السيئات، وتظهر حقيقة الدنيا، ويتهيأ العبد للآخرة. فهو في الحقيقة جزء من عدل الله وحكمته ورحمته، وليس مناقضًا لها.
***
السؤال:
لماذا لا يستجيب الله لكل دعاء ندعوه به؟
الإجابة:
هذا السؤال يتكرر كثيرًا: إذا كان الله سميعًا قادرًا، فلماذا ندعوه أحيانًا فلا نجد استجابة مباشرة لما طلبنا؟ أليس هذا ينافي رحمته ووعده بالإجابة؟
أولًا: الله وعد بالإجابة
قال تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌۖ أُجِيبُ دَعۡوَةَ ٱلدَّاعِ إِذَا دَعَانِۖ...﴾ [البقرة: 186] فالله لا يُخلف وعده، لكن استجابته تكون على الوجه الذي فيه خير للعبد، لا على مراده هو دائمًا. فربما يطلب الإنسان شيئًا فيه هلاكه، والله أعلم بما يصلحه، قال تعالى: ﴿...وَعَسَىٰٓ أَن تَكۡرَهُواْ شَيۡـٔٗا وَهُوَ خَيۡرٞ لَّكُمۡۖ وَعَسَىٰٓ أَن تُحِبُّواْ شَيۡـٔٗا وَهُوَ شَرّٞ لَّكُمۡۚ...﴾ [البقرة: 216].
ثانيًا: صور استجابة الدعاء متعددة
النبي ﷺ بيّن أن الدعاء لا يُرد، بل له إحدى ثلاث صور: «مَا مِنْ مُسْلِمٍ يَدْعُو اللهَ بِدَعْوَةٍ لَيْسَ فِيهَا إِثْمٌ وَلَا قَطِيعَةُ رَحِمٍ، إِلَّا أَعْطَاهُ اللهُ بِهَا إِحْدَى ثَلَاثٍ: إِمَّا أَنْ يُعَجِّلَ لَهُ دَعْوَتَهُ، أَوْ يَدَّخِرَهَا لَهُ فِي الآخِرَةِ، أَوْ يَصْرِفَ عَنْهُ مِنَ السُّوءِ مِثْلَهَا». فكل دعاء مستجاب، لكن قد تكون الاستجابة بالعطاء، أو بدفع الضرر، أو بادخار الأجر للآخرة.
ثالثًا: الدعاء عبادة قبل أن يكون طلبًا
المؤمن حين يرفع يديه بالدعاء إنما يُظهر عبوديته وافتقاره لربه، وهذا في حد ذاته عبادة عظيمة يؤجر عليها، سواء رأى أثر الدعاء عاجلًا أم لا. قال النبي ﷺ: «الدُّعَاءُ هُوَ العِبَادَةُ». فالمسلم لا يخسر أبدًا بالدعاء، بل هو في عبادة مستمرة.
رابعًا: قد يكون تأخير الإجابة خيرًا للعبد
الله يؤخر أحيانًا إجابة الدعاء ليختبر صبر العبد، أو ليزيده تعلقًا به، أو ليعطيه خيرًا أعظم مما سأل. كم من إنسان سأل الله رزقًا بعينه فلم يعطه، ثم أعطاه بدلًا منه ما هو خير له في دينه ودنياه.
الخلاصة: عدم حصول الإنسان على ما دعا به لا يعني أن الله لم يستجب، بل يعني أن الله استجاب على الوجه الأكمل لحكمة يعلمها. فالمؤمن يوقن أن كل دعاء له أثر: إما عطاء عاجل، أو أجر مدخر، أو بلاء مدفوع. وبذلك يكون الدعاء بابًا للرحمة والطمأنينة، لا بابًا للشك والاعتراض.
***
السؤال:
لماذا يوجد في المسلمين من يظلم ويفسد مثل غيرهم؟
الإجابة:
قد يعترض البعض قائلين: إذا كان الإسلام دين الحق، فلماذا نرى بعض المسلمين يظلمون ويخونون ويفسدون كما يفعل الكفار؟ أليس هذا تناقضًا مع دعوى أن الإسلام يهدي للخير؟
لا يُقاس الدين بأفعال أتباعه، بل يُقاس بأصوله وتعاليمه. فالإسلام يدعو إلى العدل والإحسان، وينهى عن الظلم والفساد. قال تعالى: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ يَأۡمُرُ بِٱلۡعَدۡلِ وَٱلۡإِحۡسَٰنِ وَإِيتَآيِٕ ذِي ٱلۡقُرۡبَىٰ وَيَنۡهَىٰ عَنِ ٱلۡفَحۡشَآءِ وَٱلۡمُنكَرِ وَٱلۡبَغۡيِۚ...﴾ [النحل: 90]. فإذا ظلم مسلم أو فسد، فهو خالف تعاليم دينه، لا أن الدين أمره بذلك.
وحتى في الأمم السابقة التي أنزل الله لها شرائع صحيحة، وُجد من عصى وكفر. فوجود ظالمين بين المسلمين أمر بشري طبيعي، لأن الناس يختلفون في التزامهم بالحق. لكن يبقى الإسلام مقياس الصواب والخطأ، لا أفعال بعض المسلمين.
والله تعالى لا يعفي مسلمًا من العقوبة لمجرد اسمه أو نسبه، بل يحاسبه على عمله. قال تعالى: ﴿فَمَن يَعۡمَلۡ مِثۡقَالَ ذَرَّةٍ خَيۡرٗا يَرَهُۥ٧ وَمَن يَعۡمَلۡ مِثۡقَالَ ذَرَّةٖ شَرّٗا يَرَهُۥ٨﴾ [الزلزلة: 7-8]. فإذا ظلم مسلم، فهو آثم عند الله، وقد يُعذَّب في الدنيا أو الآخرة، إلا أن يتوب.
والإسلام لا يبرر خطأ المسلم، بل يقر العقوبات على من يسرق أو يقتل أو يظلم، ولو كان مسلمًا. وقد قال النبي ﷺ: «لَوْ أَنَّ فَاطِمَةَ بِنْتَ مُحَمَّدٍ سَرَقَتْ لَقَطَعْتُ يَدَهَا». وهذا دليل أن الإسلام دين عدل، لا يحابي أتباعه.
فالإسلام يضع المقياس الصحيح، ويوفر منهجًا للإصلاح والتوبة. فمن أخطأ من المسلمين فهو مذنب، لكن الدين باقٍ نقيًا، يأمر بالخير وينهى عن الشر. والعيب ليس في الإسلام، بل في تقصير بعض أتباعه.
***
السؤال:
ما الحكمة من ارتداء المرأة الحجاب؟
الإجــابة:
الواجب في الإسلام أن يتم امتثال الأمر واجتناب النهي حتى لو لم يعرف الإنسان الحكمة؛ لأن الله حكيم في كل ما شرع وقدَّر، والحجاب ليس خاصًا بالإسلام؛ بل ورد في شريعة موسى وعيسى عليهما السلام ما يلزم المرأة بالحجاب، وبعض الأسر اليهودية المتدينة لا تزال تحافظ على هذه الشريعة إلى اليوم وهي من بقايا شريعة موسى عليه السلام.
وقد خلق الله في كلٍّ من الجنسين الرجل والمرأة الميلَ إلى الآخر؛ ليحصل النكاح، وهو الارتباط المباح، ويستمر النسل البشري، ولا شك أن إظهار المرأة لمفاتنها فيه ضررٌ عليها؛ لأنها ستتعرض بذلك للرجال الفاسقين، وفيه ضررٌ على الرجال الذين ينظرون إليها، لأن شهوتهم تثور بذلك غالبًا، فلا شك أن الحجابَ فيه صيانةٌ للجميع، ودلالةٌ على عِفَّة المرأة، واختصاصٌ للزوجِ باطلاعه على محاسنِ زوجته دونَ أن يشاركَه النَّاس، والفطرة السليمة تؤيد هذا الاختصاص، وتدعو للحشمة والسلامة من أضرار الفواحش، ومن الأمراض وانتشار اللقطاء واختلاط الأنساب، وبداية كل ذلك من تفريط النساء في الحجاب، وتساهل الرجال في غض البصر، ولعظم هذا الأمر حذر الشرع من كل ما يؤدي إلى الزنا، قال ربنا عز وجل: ﴿وَلَا تَقۡرَبُواْ ٱلزِّنَىٰٓۖ إِنَّهُۥ كَانَ فَٰحِشَةٗ وَسَآءَ سَبِيلٗا ٣٢﴾ [الإسراء: 32]، وأمر الله الرجال والنساء بغض البصر فقال ربنا عز وجل: ﴿قُل لِّلۡمُؤۡمِنِينَ يَغُضُّواْ مِنۡ أَبۡصَٰرِهِمۡ وَيَحۡفَظُواْ فُرُوجَهُمۡۚ ذَٰلِكَ أَزۡكَىٰ لَهُمۡۚ إِنَّ ٱللَّهَ خَبِيرُۢ بِمَا يَصۡنَعُونَ ٣٠ وَقُل لِّلۡمُؤۡمِنَٰتِ يَغۡضُضۡنَ مِنۡ أَبۡصَٰرِهِنَّ وَيَحۡفَظۡنَ فُرُوجَهُنَّ وَلَا يُبۡدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنۡهَاۖ وَلۡيَضۡرِبۡنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَىٰ جُيُوبِهِنَّۖ وَلَا يُبۡدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوۡ ءَابَآئِهِنَّ أَوۡ ءَابَآءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوۡ أَبۡنَآئِهِنَّ أَوۡ أَبۡنَآءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوۡ إِخۡوَٰنِهِنَّ أَوۡ بَنِيٓ إِخۡوَٰنِهِنَّ أَوۡ بَنِيٓ أَخَوَٰتِهِنَّ أَوۡ نِسَآئِهِنَّ أَوۡ مَا مَلَكَتۡ أَيۡمَٰنُهُنَّ أَوِ ٱلتَّٰبِعِينَ غَيۡرِ أُوْلِي ٱلۡإِرۡبَةِ مِنَ ٱلرِّجَالِ أَوِ ٱلطِّفۡلِ ٱلَّذِينَ لَمۡ يَظۡهَرُواْ عَلَىٰ عَوۡرَٰتِ ٱلنِّسَآءِۖ وَلَا يَضۡرِبۡنَ بِأَرۡجُلِهِنَّ لِيُعۡلَمَ مَا يُخۡفِينَ مِن زِينَتِهِنَّۚ وَتُوبُوٓاْ إِلَى ٱللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ ٱلۡمُؤۡمِنُونَ لَعَلَّكُمۡ تُفۡلِحُونَ ٣١﴾ [النور: 30- 31].
***
السؤال:
كيف كرَّم الإسلام المرأة؟
الإجابة:
- كرَّم الإسلام المرأة عندما أعفاها من وزر خطيئة آدم كما في العقائد الأخرى، بل حرص الإسلام على رفع شأنها.
- ففي الإسلام قد غفر الله لآدم وعلَّمنا كيف نعود إليه متى أخطأنا على مر الحياة. قال الله تعالى: ﴿فَتَلَقَّىٰٓ ءَادَمُ مِن رَّبِّهِۦ كَلِمَٰتٖ فَتَابَ عَلَيۡهِۚ إِنَّهُۥ هُوَ ٱلتَّوَّابُ ٱلرَّحِيمُ٣٧﴾ [البقرة: 37].
- السيدة مريم أُم المسيح عليه السلام هي المرأة الوحيدة التي ذُكرت بالاسم في القرآن الكريم.
- وقد لعبت المرأة دورًا كبيرًا في كثير من القصص التي ذُكرت في القرآن، مثل بلقيس ملكة سبأ وقصتها مع النبي سليمان والتي انتهت بإيمانها واسلامها لرب العالمين. كما ورد في القرآن الكريم: ﴿إِنِّي وَجَدتُّ ٱمۡرَأَةٗ تَمۡلِكُهُمۡ وَأُوتِيَتۡ مِن كُلِّ شَيۡءٖ وَلَهَا عَرۡشٌ عَظِيمٞ٢٣﴾ [النمل: 23].
- يبين لنا التاريخ الإسلامي أن النبي محمدًا استشار النساء وأخذ بآرائهن في كثير من المواقف. كما سمح للنساء بارتياد المساجد كالرجال شريطة الالتزام بالحشمة علمًا بأن صلاتها في بيتها أفضل. وكانت المرأة تشارك الرجال في الحروب والمساعدة في أمور التمريض. كما كانت تشارك في المعاملات التجارية وتنافس في مجالات التعليم والمعرفة.
- إن الإسلام حَسَّن من وضع المرأة كثيرًا مقارنةً مع الثقافات العربية القديمة، حيث نهى عن وأد البنات وجعل للمرأة شخصية مستقلة، كما رتب الأمور التعاقدية فيما يخص الزواج، حيث حفظ للمرأة حقها في المهر، وضمان حقوقها في الميراث وحقها في الملكية الخاصة وإدارة أموالها بنفسها.
قال رسول الله ﷺ: «أَكْمَلُ الْمُؤْمِنِينَ إِيمَانًا أَحْسَنُهُمْ خُلُقًا، وَخِيَارُكُمْ خِيَارُكُمْ لِنِسَائِهِمْ».
قال الله تعالى: ﴿إِنَّ ٱلۡمُسۡلِمِينَ وَٱلۡمُسۡلِمَٰتِ وَٱلۡمُؤۡمِنِينَ وَٱلۡمُؤۡمِنَٰتِ وَٱلۡقَٰنِتِينَ وَٱلۡقَٰنِتَٰتِ وَٱلصَّٰدِقِينَ وَٱلصَّٰدِقَٰتِ وَٱلصَّٰبِرِينَ وَٱلصَّٰبِرَٰتِ وَٱلۡخَٰشِعِينَ وَٱلۡخَٰشِعَٰتِ وَٱلۡمُتَصَدِّقِينَ وَٱلۡمُتَصَدِّقَٰتِ وَٱلصَّٰٓئِمِينَ وَٱلصَّٰٓئِمَٰتِ وَٱلۡحَٰفِظِينَ فُرُوجَهُمۡ وَٱلۡحَٰفِظَٰتِ وَٱلذَّٰكِرِينَ ٱللَّهَ كَثِيرٗا وَٱلذَّٰكِرَٰتِ أَعَدَّ ٱللَّهُ لَهُم مَّغۡفِرَةٗ وَأَجۡرًا عَظِيمٗا٣٥﴾ [الأحزاب: 35].
﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا يَحِلُّ لَكُمۡ أَن تَرِثُواْ ٱلنِّسَآءَ كَرۡهٗاۖ وَلَا تَعۡضُلُوهُنَّ لِتَذۡهَبُواْ بِبَعۡضِ مَآ ءَاتَيۡتُمُوهُنَّ إِلَّآ أَن يَأۡتِينَ بِفَٰحِشَةٖ مُّبَيِّنَةٖۚ وَعَاشِرُوهُنَّ بِٱلۡمَعۡرُوفِۚ فَإِن كَرِهۡتُمُوهُنَّ فَعَسَىٰٓ أَن تَكۡرَهُواْ شَيۡـٔٗا وَيَجۡعَلَ ٱللَّهُ فِيهِ خَيۡرٗا كَثِيرٗا١٩﴾ [النساء: 19].
﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱتَّقُواْ رَبَّكُمُ ٱلَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفۡسٖ وَٰحِدَةٖ وَخَلَقَ مِنۡهَا زَوۡجَهَا وَبَثَّ مِنۡهُمَا رِجَالٗا كَثِيرٗا وَنِسَآءٗۚ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ ٱلَّذِي تَسَآءَلُونَ بِهِۦ وَٱلۡأَرۡحَامَۚ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلَيۡكُمۡ رَقِيبٗا١﴾ [النساء:1].
﴿مَنۡ عَمِلَ صَٰلِحٗا مِّن ذَكَرٍ أَوۡ أُنثَىٰ وَهُوَ مُؤۡمِنٞ فَلَنُحۡيِيَنَّهُۥ حَيَوٰةٗ طَيِّبَةٗۖ وَلَنَجۡزِيَنَّهُمۡ أَجۡرَهُم بِأَحۡسَنِ مَا كَانُواْ يَعۡمَلُونَ٩٧﴾ [النحل: 97].
﴿...هُنَّ لِبَاسٞ لَّكُمۡ وَأَنتُمۡ لِبَاسٞ لَّهُنَّۗ...﴾ [البقرة: 187].
﴿وَمِنۡ ءَايَٰتِهِۦٓ أَنۡ خَلَقَ لَكُم مِّنۡ أَنفُسِكُمۡ أَزۡوَٰجٗا لِّتَسۡكُنُوٓاْ إِلَيۡهَا وَجَعَلَ بَيۡنَكُم مَّوَدَّةٗ وَرَحۡمَةًۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَأٓيَٰتٖ لِّقَوۡمٖ يَتَفَكَّرُونَ٢١﴾ [الروم: 21].
﴿وَيَسۡتَفۡتُونَكَ فِي ٱلنِّسَآءِۖ قُلِ ٱللَّهُ يُفۡتِيكُمۡ فِيهِنَّ وَمَا يُتۡلَىٰ عَلَيۡكُمۡ فِي ٱلۡكِتَٰبِ فِي يَتَٰمَى ٱلنِّسَآءِ ٱلَّٰتِي لَا تُؤۡتُونَهُنَّ مَا كُتِبَ لَهُنَّ وَتَرۡغَبُونَ أَن تَنكِحُوهُنَّ وَٱلۡمُسۡتَضۡعَفِينَ مِنَ ٱلۡوِلۡدَٰنِ وَأَن تَقُومُواْ لِلۡيَتَٰمَىٰ بِٱلۡقِسۡطِۚ وَمَا تَفۡعَلُواْ مِنۡ خَيۡرٖ فَإِنَّ ٱللَّهَ كَانَ بِهِۦ عَلِيمٗا١٢٧ وَإِنِ ٱمۡرَأَةٌ خَافَتۡ مِنۢ بَعۡلِهَا نُشُوزًا أَوۡ إِعۡرَاضٗا فَلَا جُنَاحَ عَلَيۡهِمَآ أَن يُصۡلِحَا بَيۡنَهُمَا صُلۡحٗاۚ وَٱلصُّلۡحُ خَيۡرٞۗ وَأُحۡضِرَتِ ٱلۡأَنفُسُ ٱلشُّحَّۚ وَإِن تُحۡسِنُواْ وَتَتَّقُواْ فَإِنَّ ٱللَّهَ كَانَ بِمَا تَعۡمَلُونَ خَبِيرٗا١٢٨﴾ [النساء: 127-128].
- أمر الله تعالى الرجال بالإنفاق على النساء والمحافظة على أموالهم دون أن يكون للمرأة أي التزامات مالية تجاه الأسرة، كما حافظ الإسلام على شخصية وهوية المرأة حيث سمح لها الاحتفاظ باسم عائلتها حتى بعد الالتحاق بالزوج.
***
السؤال:
هل يمكن للمسلم الزواج من المرأة النصرانية؟ وهل يسمح للمرأة المسلمة بالزواج من النصراني؟
الإجــابة:
يجوز للمسلم التزوج بالنصرانية إذا كانت عفيفة، والدليل قوله تعالى: ﴿ٱلۡيَوۡمَ أُحِلَّ لَكُمُ ٱلطَّيِّبَٰتُۖ وَطَعَامُ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلۡكِتَٰبَ حِلّٞ لَّكُمۡ وَطَعَامُكُمۡ حِلّٞ لَّهُمۡۖ وَٱلۡمُحۡصَنَٰتُ مِنَ ٱلۡمُؤۡمِنَٰتِ وَٱلۡمُحۡصَنَٰتُ مِنَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلۡكِتَٰبَ مِن قَبۡلِكُمۡ إِذَآ ءَاتَيۡتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ مُحۡصِنِينَ غَيۡرَ مُسَٰفِحِينَ وَلَا مُتَّخِذِيٓ أَخۡدَانٖۗ...﴾ [المائدة: 5]، ولا يجوز للمسلمة الزواج بغير المسلم؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَا تَنكِحُواْ ٱلۡمُشۡرِكَٰتِ حَتَّىٰ يُؤۡمِنَّۚ...﴾ [البقرة: 221]، وقوله تعالى: ﴿...فَإِنۡ عَلِمۡتُمُوهُنَّ مُؤۡمِنَٰتٖ فَلَا تَرۡجِعُوهُنَّ إِلَى ٱلۡكُفَّارِۖ لَا هُنَّ حِلّٞ لَّهُمۡ وَلَا هُمۡ يَحِلُّونَ لَهُنَّۖ...﴾ [الممتحنة: 10]، والحكمة في ذلك أن الدين الحق هو الإسلام، فالمسلم قد آمن بالكتب التي أنزلها الله تعالى كلها، ومن ذلك الإنجيل، وآمن بكل الرسل الذين أرسلهم الله تعالى، ومنهم عيسى عليه السلام، بخلاف من كفر ببعض الكتب وكفر ببعض الرسل، فلا يستوون، ومن جهة أخرى فالرجل له القِوامة والسلطة على المرأة؛ لأنها ضعيفة بخِلقتها، والغالب أنها تتبع زوجها في كثير من أمورها، فإذا كان الكافر زوجًا للمسلمة تسبَّب ذلك في كفرها وانتقالها من الحق إلى الباطل.
***
السؤال:
هل يمكن للمرء تحصيل السعادة دون معرفة الهدف والغاية من الحياة؟
الإجــابة:
لا يمكن أن يحصل المرء على السعادة الحقيقة وهو لا يؤمن بالله، ولا يعرف لماذا خلقه الله؟ ولماذا جاء إلى هذا الوجود؟ وإلى أين سيذهب بعد موته؟
فمهما تنعم المرء وتمتع بألوان النعم، وأصناف موجبات السعادة، إلا أنه سيبقى فيه شقاء لا ينفك عنه، وقد يقول السائل: لماذا هذا الجزم لديكم؟ فنقول لأن الله الذي خلق النفس البشرية أخبر بذلك فقال تعالى: ﴿وَمَنۡ أَعۡرَضَ عَن ذِكۡرِي فَإِنَّ لَهُۥ مَعِيشَةٗ ضَنكٗا وَنَحۡشُرُهُۥ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ أَعۡمَىٰ ١٢٤﴾ [سورة طه:124]، وأخبر الله أنه سييسره للعسرى والشقاء المستديم إذا لم يؤمن، قال تعالى: ﴿وَأَمَّا مَنۢ بَخِلَ وَٱسۡتَغۡنَىٰ٨ وَكَذَّبَ بِٱلۡحُسۡنَىٰ ٩ فَسَنُيَسِّرُهُۥ لِلۡعُسۡرَىٰ ١٠ وَمَا يُغۡنِي عَنۡهُ مَالُهُۥٓ إِذَا تَرَدَّىٰٓ ١١﴾ [سورة الليل:8-11]، وهذا الخبر من الحق سبحانه؛ لأنه هو الذي خلق النفس البشرية ويعلم ما يصلحها ويشقيها، قال تعالى: ﴿أَلَا يَعۡلَمُ مَنۡ خَلَقَ وَهُوَ ٱللَّطِيفُ ٱلۡخَبِيرُ ١٤﴾ [سورة الملك:14]، وهو الذي فطرها على محبة الخير والفضيلة والهدى والحق، وكره إليها الباطل والكفر والرذيلة، قال تعالى: ﴿فَأَقِمۡ وَجۡهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفٗاۚ فِطۡرَتَ ٱللَّهِ ٱلَّتِي فَطَرَ ٱلنَّاسَ عَلَيۡهَاۚ لَا تَبۡدِيلَ لِخَلۡقِ ٱللَّهِۚ ذَٰلِكَ ٱلدِّينُ ٱلۡقَيِّمُ وَلَٰكِنَّ أَكۡثَرَ ٱلنَّاسِ لَا يَعۡلَمُونَ٣٠﴾ [سورة الروم:30].
ومن لم يعرف الغاية من وجوده فإنه يحرم لذة الحياة، ولذة الرضا ولذة الإنجاز لما يقدمه من عمل صالح يعلم علم اليقين أنه سينال ثمرته إن لم يكن في الدنيا ففي الآخرة، قال تعالى: ﴿قَالَ ٱللَّهُ هَٰذَا يَوۡمُ يَنفَعُ ٱلصَّٰدِقِينَ صِدۡقُهُمۡۚ لَهُمۡ جَنَّٰتٞ تَجۡرِي مِن تَحۡتِهَا ٱلۡأَنۡهَٰرُ خَٰلِدِينَ فِيهَآ أَبَدٗاۖ رَّضِيَ ٱللَّهُ عَنۡهُمۡ وَرَضُواْ عَنۡهُۚ ذَٰلِكَ ٱلۡفَوۡزُ ٱلۡعَظِيمُ١١٩﴾ [سورة المائدة:119]، وقال تعالى: ﴿مَنۡ عَمِلَ صَٰلِحٗا مِّن ذَكَرٍ أَوۡ أُنثَىٰ وَهُوَ مُؤۡمِنٞ فَلَنُحۡيِيَنَّهُۥ حَيَوٰةٗ طَيِّبَةٗۖ وَلَنَجۡزِيَنَّهُمۡ أَجۡرَهُم بِأَحۡسَنِ مَا كَانُواْ يَعۡمَلُونَ ٩٧﴾ [سورة النحل:97]. فلا يعرف حقيقة السعادة، وطعم الإيمان، ولذة ادخار العمل الصالح ليوم لا ينفع فيه مال ولا بنون- إلا المؤمن بالله تعالى.
قد يقول قائل: إننا نجد أناسًا في قمة السعادة وهم غير مؤمنين بالله، فنقول: نعم، يوجد الغافل الذي لا يعرف الحقيقة، وهو ممن أخبر الله عنهم بقوله تعالى: ﴿ذَرۡهُمۡ يَأۡكُلُواْ وَيَتَمَتَّعُواْ وَيُلۡهِهِمُ ٱلۡأَمَلُۖ فَسَوۡفَ يَعۡلَمُونَ٣﴾ [سورة الحجر:3]، وقوله تعالى: ﴿لَا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ فِي ٱلۡبِلَٰدِ ١٩٦ مَتَٰعٞ قَلِيلٞ ثُمَّ مَأۡوَىٰهُمۡ جَهَنَّمُۖ وَبِئۡسَ ٱلۡمِهَادُ ١٩٧﴾ [سورة آل عمران:196-197]، إن هذا الغافل اللاهي السادر في الجهالة مستمتع بلذة لو علم ما ينتظره عند الموت وبعد الموت؛ لما تنعم بنعمة، ولكن هذه الحال لا تنكشف له إلا عند موته، قال تعالى: ﴿وَلَوۡ تَرَىٰٓ إِذۡ يَتَوَفَّى ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ ٱلۡمَلَٰٓئِكَةُ يَضۡرِبُونَ وُجُوهَهُمۡ وَأَدۡبَٰرَهُمۡ وَذُوقُواْ عَذَابَ ٱلۡحَرِيقِ٥٠﴾ [سورة الأنفال:50]، وعندما تنكشف له الحقيقة –التي يعلمها ويستيقن بها كل مسلم- يقول كما أخبر الله عنه بقوله تعالى: ﴿حَتَّىٰٓ إِذَا جَآءَ أَحَدَهُمُ ٱلۡمَوۡتُ قَالَ رَبِّ ٱرۡجِعُونِ٩٩ لَعَلِّيٓ أَعۡمَلُ صَٰلِحٗا فِيمَا تَرَكۡتُۚ كَلَّآۚ إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَآئِلُهَاۖ وَمِن وَرَآئِهِم بَرۡزَخٌ إِلَىٰ يَوۡمِ يُبۡعَثُونَ١٠٠ فَإِذَا نُفِخَ فِي ٱلصُّورِ فَلَآ أَنسَابَ بَيۡنَهُمۡ يَوۡمَئِذٖ وَلَا يَتَسَآءَلُونَ١٠١ فَمَن ثَقُلَتۡ مَوَٰزِينُهُۥ فَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡمُفۡلِحُونَ١٠٢ وَمَنۡ خَفَّتۡ مَوَٰزِينُهُۥ فَأُوْلَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ خَسِرُوٓاْ أَنفُسَهُمۡ فِي جَهَنَّمَ خَٰلِدُونَ١٠٣﴾ [سورة المؤمنون:99-103].
لهذا نجزم ونستيقن أن من لم يعرف الغاية من الحياة أنه لن ينال السعادة الحقيقية مهما بذل، ومهما حاول، فنسأل الله ألا يشقينا، وأن يهب لنا من لدنه رحمة.
***
(قسم أركان الإسلام)
السؤال:
الإجــابة:
العبادة التذلل والانقياد لله تعالى مع المحبة والتعظيم، ويدخل في مفهوم العبادة كل الأقوال والأعمال الظاهرة والباطنة التي يحبها الله تعالى ويرضاها، فمن الأعمال ما هو عبادة محضة كالصلاة والحج، ومنها ما يؤجر عليه الإنسان إذا احتسب أجرها عند الله، مثل النوم بنية التَّقَوِّي للعبادة، والأكل بمثل هذه النية، فإذا اقترنت بهذه النية كانت محبوبةً لله سبحانه وتعالى، وإذا قصد الإنسان الحلال وترك الحرام احتسابًا فإنه يؤجر على ذلك، فعن أبي ذر، أَنَّ نَاسًا مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ قَالُوا لِلنَّبِيِّ ﷺ: يَا رَسُولَ اللهِ، ذَهَبَ أَهْلُ الدُّثُورِ بِالْأُجُورِ، يُصَلُّونَ كَمَا نُصَلِّي، وَيَصُومُونَ كَمَا نَصُومُ، وَيَتَصَدَّقُونَ بِفُضُولِ أَمْوَالِهِمْ. قَالَ: «أَوَلَيْسَ قَدْ جَعَلَ اللهُ لَكُمْ مَا تَصَدَّقُونَ؟ إِنَّ بِكُلِّ تَسْبِيحَةٍ صَدَقَةٌ، وَكُلِّ تَكْبِيرَةٍ صَدَقَةٌ، وَكُلِّ تَحْمِيدَةٍ صَدَقَةٌ، وَكُلِّ تَهْلِيلَةٍ صَدَقَةٌ، وَأَمْرٌ بِالْمَعْرُوفِ صَدَقَةٌ، وَنَهْيٌ عَنْ مُنْكَرٍ صَدَقَةٌ، وَفِي بُضْعِ أَحَدِكُمْ صَدَقَةٌ». قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، أَيَأْتِي أَحَدُنَا شَهْوَتَهُ وَيَكُونُ لَهُ فِيهَا أَجْرٌ؟ قَالَ: «أَرَأَيْتُمْ لَوْ وَضَعَهَا فِي حَرَامٍ أَكَانَ عَلَيْهِ فِيهَا وِزْرٌ؟ فَكَذَلِكَ إِذَا وَضَعَهَا فِي الْحَلَالِ كَانَ لَهُ أَجْرٌ» [صحيح مسلم (53)].
ومن الأعمال ما هوَ كَفٌّ وتركٌ مع القصد، كالصيام، وأما الأقوال فمثل الذكر وقراءة القرآن، وأما الأعمال الباطنة أي القلبية فالاعتقادات والأمور التي يجزم بها المسلم، كالبعث والإيمان بالغيب والتوحيد، وأما الأعمال القلبية فمثل التوكل والخوف والرجاء، ولا يجوز صرف عبادة لغير الله تعالى، ولا تقبل عبادة إلا بثلاثة شروط: الأول الإسلام، والثاني الإخلاص، والثالث متابعة السُّنَّة.
***
السؤال:
ما هي أركان الإسلام الخمسة؟
الإجــابة:
الإسلام يقوم على خمسة أركان بيّنها الرسول ﷺ بقوله: «بُنِيَ الإِسْلَامُ عَلَى خَمْسٍ: شَهَادَةِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ، وَإِقَامِ الصَّلَاةِ، وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ، وَالْحَجِّ، وَصَوْمِ رَمَضَانَ» [متفق عليه].
الركن الأول: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، أي: اعتقاد أنه لا معبود بحق إلا الله تعالى، مع العلم بمعنى ذلك وبلوازمه من الكفر بالطاغوت، والانقياد لشرع الله تعالى، والإخلاص له سبحانه مع المحبة والتعظيم، وأن يعتقد الإنسان أن الله وحده هو الرب المالك المتصرف الخالق الرزاق، ويثبت له جميع الأسماء الحسنى والصفات العُلا التي أثبتها لنفسه، أو أثبتها له رسوله ويعتقد أن الله وحده هو المستحق للعبادة دون سواه، لأنه هو الخالق وحده لا شريك له، كما قال سبحانه: ﴿بَدِيعُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۖ أَنَّىٰ يَكُونُ لَهُۥ وَلَدٞ وَلَمۡ تَكُن لَّهُۥصَٰحِبَةٞۖ وَخَلَقَ كُلَّ شَيۡءٖۖ وَهُوَ بِكُلِّ شَيۡءٍ عَلِيمٞ ١٠١ ذَٰلِكُمُ ٱللَّهُ رَبُّكُمۡۖ لَآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَۖ خَٰلِقُ كُلِّ شَيۡءٖ فَٱعۡبُدُوهُۚ وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ وَكِيلٞ ١٠٢﴾ [الأنعام ١٠١-١٠٢].
وشهادة أن محمد بن عبد الله بن عبد المطلب الهاشمي القرشي، خاتم النبيين وأشرف المرسلين، مع الالتزام بشرعه وتعظيمه على نحو ما ورد في الشرع دون جفاء ولا غلو، فمن الجفاء عدم العمل بسنته، ومن الغلو عبادته من دون الله تعالى، مثل: الحلف به أو دعائه أو غيرهما مما لا يجوز صرفه لغير الله تعالى.
كما يعتقد الإنسان أن الله أرسل رسوله محمدًا ﷺ وأنزل عليه القرآن وأمره بإبلاغ هذا الدين إلى الناس كافة ويعتقد أن محبة الله ورسوله وطاعتهما واجبة على كل أحد ولا تتحقق محبة الله إلا بمتابعة رسوله ﷺ، قال سبحانه: ﴿قُلۡ إِن كُنتُمۡ تُحِبُّونَ ٱللَّهَ فَٱتَّبِعُونِي يُحۡبِبۡكُمُ ٱللَّهُ وَيَغۡفِرۡ لَكُمۡ ذُنُوبَكُمۡۚ وَٱللَّهُ غَفُورٞ رَّحِيمٞ ٣١﴾ [آل عمران: ٣١].
وأنه تجب طاعته فيما أمر، وتصديقه فيما أخبر، واجتناب ما نهى عنه وزجر، وألا يعبد الله إلا بما شرع، لا بما أحدثه الناس من البدع.
والحكمة من إرسال الرسول توجيه الناس وإرشادهم لما فيه الخير والصلاح لهم في دينهم ودنياهم وإلى ما يرضي ربهم.
الركن الثاني: إقام الصلاة، والصلاة: هي التعبد لله بأقوال وأعمال مخصوصة مفتتحة بالتكبير مختتمة بالتسليم.
وهي خمس صلوات في اليوم والليلة، صلاة الفجر والظهر والعصر والمغرب والعشاء.
والصلاة فريضة على كل مسلم.
قال تعالى: ﴿...إِنَّ ٱلصَّلَوٰةَ كَانَتۡ عَلَى ٱلۡمُؤۡمِنِينَ كِتَٰبٗا مَّوۡقُوتٗا ١٠٣﴾ [سورة النساء ١٠٣].
ومن حِكَمِ الصلاة أنها صلة بين العبد وربه وراحة وطمأنينة، وتنهى عن الفحشاء والمنكر، إلى غير ذلك.
الركن الثالث: إيتاء الزكاة، وهي حق واجب في مال خاص لطائفة مخصوصة في وقت مخصوص. وهي ركن من أركان الإسلام، وصدقة واجبة تؤخذ من الغني وتعطى للفقير.
قال تعالى: ﴿خُذۡ مِنۡ أَمۡوَٰلِهِمۡ صَدَقَةٗ تُطَهِّرُهُمۡ وَتُزَكِّيهِم بِهَا...﴾ [التوبة ١٠٣].
ومن حكم الزكاة أنها تطهر المال وتنميه وتزكي النفوس من الشح والبخل وتقوي المحبة بين الأغنياء والفقراء فيزول الحقد ويسود الأمن وتسعد الأمة.
الركن الرابع: صوم رمضان، وهو الإمساك عن المفطرات، كالأكل والشرب والجماع في نهار الشهر التاسع من السنة الهجرية.
قال تعالى: ﴿شَهۡرُ رَمَضَانَ ٱلَّذِيٓ أُنزِلَ فِيهِ ٱلۡقُرۡءَانُ هُدٗى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَٰتٖ مِّنَ ٱلۡهُدَىٰ وَٱلۡفُرۡقَانِۚ فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ ٱلشَّهۡرَ فَلۡيَصُمۡهُۖ...﴾ [البقرة: ١٨٥].
ومن حكم الصيام: أن الصيام وسيلةٌ لتحقيق تقوى الله عز وجل.
وإشعار الصائم بنعمة الله تعالى عليه.
وتذكير الصائم بإخوانه الفقراء والمساكين.
والصيام يوحد مشاعر المسلمين.
والصيام يكسب البدن الصحة والقوة.
إلى غير ذلك.
الركن الخامس: الحج، وهو زيارة المشاعر المقدسة في مكة المكرمة مرةً في العمر لمن يستطيع، وذلك لأداء مناسك معينة.
قال تعالى: ﴿...وَلِلَّهِ عَلَى ٱلنَّاسِ حِجُّ ٱلۡبَيۡتِ مَنِ ٱسۡتَطَاعَ إِلَيۡهِ سَبِيلٗاۚ وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ ٱللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ ٱلۡعَٰلَمِينَ٩٧﴾ [آل عمران: ٩٧].
ومن حكم الحج: أن فيه تحقيق توحيد الله تعالى، وتحقيق التقوى لله سبحانه، وإقامة ذكر الله عز وجل، وتهذيب النفس البشرية، وتربية الأمة على معاني الوحدة الصحيحة، إلى غير ذلك من الحكم والفوائد والمنافع.
هذا موجز القول، ولكلٍّ من الأركان شروط وأركان وتفاصيل كثيرة.
وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
***
السؤال:
ما هي صفة الوضوء؟
الإجــابة:
صفة الوضوء كاملة تفصيلها كما يلي:
١- أن ينوي الإنسان الطهارة ورفع الحدث، ولا يتلفظ بالنيّة، لأنّ محلها القلب. وكذا سائر العبادات.
٢- يقول: بسم الله
٣- ثم يغسل كفيه ثلاث مرات.
٤- ثم يتمضمض ثلاث مرات. (والمضمضة هي إدارة الماء في الفم)
ويستنشق ثلاث مرات وينثر الماء من أنفه بيساره، والاستنشاق هو إيصال الماء إلى داخل الأنف، والاستنثار هو إخراجه من الأنف.
٥- يغسل وجهه ثلاث مرات، وحد الوجه من منابت شعر الرأس المعتاد إلى ما انحدر من اللحيين والذقن، طولًا، ومن حدّ الأذن اليمنى إلى حد الأذن اليسرى عرضا، والرجل يغسل شعر لحيته لأنه من الوجه، فإن كانت خفيفة وجب غسل ظاهرها وباطنها، وإن كانت كثيفة أي ساترة للجلد، غسل ظاهرها فقط وخللها.
٦- ثم يغسل يديه إلى المرفقين ثلاث مرات، وحَدُّ اليد من رؤوس الأصابع مع الأظافر إلى أول العضد، ولا بد أن يزيل ما علق باليد قبل الغسل من عجين أو طين، وصبغ ونحوه مما يمنع وصول الماء إلى البشرة.
٧- ثم بعد ذلك يمسح رأسه وأذنيه مرة واحدة بماء جديد،
وصفة مسح الرأس أن يضع يديه مبلولتين بالماء على مقدم رأسه ويمرُّهما إلى قفاه ثم يردهما إلى الموضع الذي بدأ منه، ثم يدخل أصبعيه السبابتين في خرقي أذنيه، ويمسح ظاهرهما بإبهاميه.
وبالنسبة لشعر المرأة فإنها تمسح عليه سواء كان نازلا أو ملفوفا من مقدَّم الرأس إلى منابت شعرها على الرقبة، ولا يجب مسح ما طال من شعرها على ظهرها.
٨- ثم يغسل رجليه ثلاث مرات إلى الكعبين، والكعبان هما العظمان الناتئان في أسفل الساق.
- ومن لم يجد الماء فإنه يتيمم، والتيمم: هو استعمال التراب وغيره من صعيد الأرض، عند فقد الماء أو تعذر استعماله.
قال تعالى: ﴿...فَلَمۡ تَجِدُواْ مَآءٗ فَتَيَمَّمُواْ صَعِيدٗا طَيِّبٗا فَٱمۡسَحُواْ بِوُجُوهِكُمۡ وَأَيۡدِيكُمۡۗ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَفُوًّا غَفُورًا٤٣﴾ [النساء: 43].
وصفة التيمم ضرب التراب ضربة واحدة بباطن الكفين، ومسح الوجه وظاهر الكفين مرة واحدة. لقول النبي ﷺ لعمار بن ياسر رضي الله عنه: «إِنَّمَا كَانَ يَكْفِيكَ هَكَذَا». فضرب النبي ﷺ بكفيه الأرض ونفخ فيهما، ثم مسح بهما وجهه وكفيه. رواه البخاري ومسلم.
والدليل على ما تقدّم من حديث حُمْرَانَ مَوْلَى عُثْمَانَ أَنَّ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ «دَعَا بِوَضُوءٍ فَتَوَضَّأَ فَغَسَلَ كَفَّيْهِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ ثُمَّ مَضْمَضَ وَاسْتَنْثَرَ ثُمَّ غَسَلَ وَجْهَهُ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ ثُمَّ غَسَلَ يَدَهُ الْيُمْنَى إِلَى الْمِرْفَقِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ ثُمَّ غَسَلَ يَدَهُ الْيُسْرَى مِثْلَ ذَلِكَ ثُمَّ مَسَحَ رَأْسَهُ ثُمَّ غَسَلَ رِجْلَهُ الْيُمْنَى إِلَى الْكَعْبَيْنِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ ثُمَّ غَسَلَ الْيُسْرَى مِثْلَ ذَلِكَ ثُمَّ قَالَ رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ تَوَضَّأَ نَحْوَ وُضُوئِي هَذَا ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَنْ تَوَضَّأَ نَحْوَ وُضُوئِي هَذَا ثُمَّ قَامَ فَرَكَعَ رَكْعَتَيْنِ لَا يُحَدِّثُ فِيهِمَا نَفْسَهُ غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ» رواه مسلم.
وقوله تعالى: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ إِذَا قُمۡتُمۡ إِلَى ٱلصَّلَوٰةِ فَٱغۡسِلُواْ وُجُوهَكُمۡ وَأَيۡدِيَكُمۡ إِلَى ٱلۡمَرَافِقِ وَٱمۡسَحُواْ بِرُءُوسِكُمۡ وَأَرۡجُلَكُمۡ إِلَى ٱلۡكَعۡبَيۡنِۚ وَإِن كُنتُمۡ جُنُبٗا فَٱطَّهَّرُواْۚ وَإِن كُنتُم مَّرۡضَىٰٓ أَوۡ عَلَىٰ سَفَرٍ أَوۡ جَآءَ أَحَدٞ مِّنكُم مِّنَ ٱلۡغَآئِطِ أَوۡ لَٰمَسۡتُمُ ٱلنِّسَآءَ فَلَمۡ تَجِدُواْ مَآءٗ فَتَيَمَّمُواْ صَعِيدٗا طَيِّبٗا فَٱمۡسَحُواْ بِوُجُوهِكُمۡ وَأَيۡدِيكُم مِّنۡهُۚ مَا يُرِيدُ ٱللَّهُ لِيَجۡعَلَ عَلَيۡكُم مِّنۡ حَرَجٖ وَلَٰكِن يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمۡ وَلِيُتِمَّ نِعۡمَتَهُۥ عَلَيۡكُمۡ لَعَلَّكُمۡ تَشۡكُرُونَ٦﴾ [المائدة ٦].
وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
***
السؤال:
ما هي صفة الصلاة؟
الإجــابة:
كيفية الصلاة كالتالي:
١- أن يستقبل القبلة بجميع بدنه، بدون انحراف ولا التفات.
٢ - ثم ينوي الصلاة التي يريد أن يصليها بقلبه بدون نطق النية.
٣ - ثم يكبر تكبيرة الإحرام فيقول: (الله أكبر)، ويرفع يديه إلى حذو منكبيه عند التكبير.
٤ - ثم يضع كف يده اليمنى على ظهر كف يده اليسرى على صدره.
٥ - ثم يستفتح فيقول: «اللَّهُمَّ بَاعِدْ بَيْنِي وَبَيْنَ خَطَايَايَ كَمَا بَاعَدْتَ بَيْنَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ، اللَّهُمَّ نَقِّنِي مِنْ خَطَايَايَ كَمَا يُنَقَّى الثَّوْبُ الأَبْيَضُ مِنَ الدَّنَسِ، اللَّهُمَّ اغْسِلْنِي مِنْ خَطَايَايَ بِالْمَاءِ وَالثَّلْجِ وَالْبَرَدِ».
أو يقول: «سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ، وَتَبَارَكَ اسْمُكَ، وَتَعَالَىٰ جَدُّكَ، وَلَا إِلَهَ غَيْرُكَ».
٦ - ثم يتعوذ فيقول: «أَعُوذُ بِاللهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ».
٧ - ثم يبسمل ويقرأ الفاتحة فيقول: ﴿بِسۡمِ ٱللَّهِ ٱلرَّحۡمَٰنِ ٱلرَّحِيمِ ١ ٱلۡحَمۡدُ لِلَّهِ رَبِّ ٱلۡعَٰلَمِينَ ٢ ٱلرَّحۡمَٰنِ ٱلرَّحِيمِ ٣ مَٰلِكِ يَوۡمِ ٱلدِّينِ ٤ إِيَّاكَ نَعۡبُدُ وَإِيَّاكَ نَسۡتَعِينُ ٥ ٱهۡدِنَا ٱلصِّرَٰطَ ٱلۡمُسۡتَقِيمَ ٦ صِرَٰطَ ٱلَّذِينَ أَنۡعَمۡتَ عَلَيۡهِمۡ غَيۡرِ ٱلۡمَغۡضُوبِ عَلَيۡهِمۡ وَلَا ٱلضَّآلِّينَ ٧﴾ [سورة الفاتحة:١-٧].
ثم يقول: (آمين) يعني: اللهم استجب.
٨ - ثم يقرأ ما تيسر من القرآن، ويطيل القراءة في صلاة الصبح.
٩ - ثم يركع، أي: يحني ظهره تعظيمًا لله، ويُكبر عند ركوعه، ويرفع يديه إلى حذو منكبيه. والسُّنَّة: أن يمد ظهره، ويجعل رأسه حياله، ويضع يديه على ركبتيه مفرجتي الأصابع.
١٠ - ويقول في ركوعه: «سُبْحَانَ رَبِّيَ الْعَظِيمِ» ثلاث مرات، وإن زاد: «سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ، اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي» فحسن.
١١ - ثم يرفع رأسه من الركوع قائلًا: «سَمِعَ اللهُ لِمَنْ حَمِدَهُ»، ويرفع يديه حينئذ إلى حذو منكبيه. والمأموم لا يقول: «سمع الله لمن حمده»، وإنما يقول بدلها: «رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ».
١٢ - ثم يقول بعد رفعه: «رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ، مِلْءَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ، وَمِلْءَ مَا شِئْتَ مِنْ شَيْءٍ بَعْدُ».
١٣ - ثم يسجد السجدة الأولى، ويقول عند سجوده: «الله أكبر»، ويسجد على أعضائه السبعة: الجبهة والأنف، والكفين، والركبتين، وأطراف القدمين، ويجافي عضديه عن جنبيه، ولا يبسط ذراعيه على الأرض، ويستقبل برؤوس أصابعه القبلة.
١٤ - ويقول في سجوده: «سُبْحَانَ رَبِّيَ الأَعْلَى» ثلاث مرات، وإن زاد: «سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ رَبَّنَا وَبِحَمْدِكَ، اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي» فحسن.
١٥ - ثم يرفع رأسه من السجود قائلًا: «اللهُ أَكْبَرُ».
١٦ - ثم يجلس بين السجدتين على قدمه اليسرى، وينصب قدمه اليمنى، ويضع يديه على فخذيه وركبتيه.
١٧ - ويقول في جلوسه بين السجدتين: «رَبِّ اغْفِرْ لِي، وَارْحَمْنِي، وَاهْدِنِي، وَارْزُقْنِي، وَاجْبُرْنِي، وَعَافِنِي».
١٨ - ثم يسجد السجدة الثانية كالأولى فيما يُقال ويُفعل، ويكبر عند سجوده.
١٩ - ثم يقوم من السجدة الثانية قائلًا: «الله أكبر» ويصلي الركعة الثانية كالأولى فيما يُقال ويفعل، إلا أنه لا يستفتح فيها.
٢٠ - ثم يجلس بعد انتهاء الركعة الثانية قائلًا: «الله أكبر»، ويجلس كما يجلس بين السجدتين سواء.
٢١ - ويقرأ التشهد في هذا الجلوس، فيقول: «التَّحِيَّاتُ لِلَّهِ، وَالصَّلَوَاتُ وَالطَّيِّبَاتُ، السَّلَامُ عَلَيْكَ أَيُّهَا النَّبِيُّ وَرَحْمَةُ اللهِ وَبَرَكَاتُهُ، السَّلَامُ عَلَيْنَا وَعَلَى عِبَادِ اللهِ الصَّالِحِينَ، أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ. اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ، كَمَا صَلَّيْتَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَعَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ، إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ، وَبَارِكْ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ، كَمَا بَارَكْتَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَعَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ، إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ. أَعُوذُ بِاللهِ مِنْ عَذَابِ جَهَنَّمَ، وَمِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ، وَمِنْ فِتْنَةِ الْمَحْيَا وَالْمَمَاتِ، وَمِنْ فِتْنَةِ الْمَسِيحِ الدَّجَّالِ»، ثم يدعو ربه بما أحب من خيري الدنيا والآخرة.
٢٢ - ثم يسلم عن يمينه قائلًا: «السَّلام عليكم ورحمة الله»، وعن يساره كذلك.
٢٣ - وإذا كانت الصلاة ثلاثية أو رباعية؛ وقف عند منتهى التشهد الأول، وهو: «أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ».
٢٤ - ثم ينهض قائمًا قائلًا: «الله أكبر»، ويرفع يديه إلى حذو منكبيه حينئذ.
٢٥ - ثم يصلي ما بقي من صلاته على صفة الركعة الثانية، إلا أنه يقتصر على قراءة الفاتحة.
٢٦ - ثم يجلس متوركًا، فينصب قدمه اليمنى، ويخرج قدمه اليسرى من تحت ساقه اليمنى، ويُمكن مقعدته من الأرض، ويضع يديه على فخذيه على صفة وضعها في التشهد الأول.
٢٧ - ويقرأ في هذا الجلوس التشهد كله.
٢٨ - ثم يسلم عن يمينه قائلًا: «السَّلَامُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللهِ» وعن يساره كذلك، وصلى الله وسلم على نبينا محمد.
***
السؤال:
ما هي الكعبة؟ وهل يعبد المسلمون الكعبة؟
الإجــابة:
الكعبة المشرفة هي قبلة المسلمين في صلواتهم، قال تعالى: ﴿...فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبۡلَةٗ تَرۡضَىٰهَاۚ فَوَلِّ وَجۡهَكَ شَطۡرَ ٱلۡمَسۡجِدِ ٱلۡحَرَامِۚ وَحَيۡثُ مَا كُنتُمۡ فَوَلُّواْ وُجُوهَكُمۡ شَطۡرَهُۥۗ...﴾ [البقرة: ١٤٤].
وحولها يطوفون أثناء أداء فريضة الحج والعمرة. قال تعالى: ﴿...وَلۡيَطَّوَّفُواْ بِٱلۡبَيۡتِ ٱلۡعَتِيقِ﴾ [الحج: ٢٩].
وهي البناء المعظم في مكة المكرمة، الذي أمر الله نبيه وخليله إبراهيم عليه السلام أن يبنيه، قال تعالى: ﴿وَإِذۡ بَوَّأۡنَا لِإِبۡرَٰهِيمَ مَكَانَ ٱلۡبَيۡتِ أَن لَّا تُشۡرِكۡ بِي شَيۡـٔٗا وَطَهِّرۡ بَيۡتِيَ لِلطَّآئِفِينَ وَٱلۡقَآئِمِينَ وَٱلرُّكَّعِ ٱلسُّجُودِ ٢٦﴾ [الحج: ٢٦].
وهو أول بيت وضع في الأرض لعبادة الله تعالى. قال سبحانه: ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيۡتٖ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكٗا وَهُدٗى لِّلۡعَٰلَمِينَ٩٦﴾ [آل عمران: ٩٦].
وأما جواب السؤال الثاني فإن المسلمين لا يعبدون الكعبة، ولا الحجر الأسود، فهم لا يخضعون لهما ولا يذلون، وإنما يقدرون ويحترمون، وهم لا يتلقون شيئا من الأوامر أو النواهي من الكعبة والحجر الأسود؛ لأنهما لا يضران ولا ينفعان ولا يصدر عنهما شيء يمكن أن يكون فيه توجيه أو إرشاد، وإنما كان التقبيل والتقدير، والتوجه للكعبة من مظاهر وحدتهم ووحدة هدفهم، وهم يزورونها ويطوفون حولها امتثالا لأمر الله لهم بذلك، وعبادة لله وحده لا للكعبة، والمسلمون يعلمون أنها حجر لا تضر ولا تنفع، ولكن المسلم يمتثل لأمر الله حتى؛ لأن ذلك من مقتضيات العبودية لله رب العالمين.
ومن ذلك قول عمر رضي الله عنه عندما قبل الحجر الأسود وقال: «إِنِّي أَعْلَمُ أَنَّكَ حَجَرٌ لَا تَضُرُّ وَلَا تَنْفَعُ، وَلَوْلَا أَنِّي رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ يُقَبِّلُكَ مَا قَبَّلْتُكَ» [رواه البخاري ومسلم].
وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
***
(قسم البعث)
السؤال:
ما هو معتقد المسلم فـي الموت؟
الإجــابة:
الحمد لله، كما خلق الله الحياة فقد خلق الموت، قال تعالى: ﴿ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلۡمَوۡتَ وَٱلۡحَيَوٰةَ لِيَبۡلُوَكُمۡ أَيُّكُمۡ أَحۡسَنُ عَمَلٗاۚ وَهُوَ ٱلۡعَزِيزُ ٱلۡغَفُورُ٢﴾ [الملك: 2]، فالموت والحياة، واختلاف الليل والنهار آيات عظيمة دالة على وجود خالق عظيم يدبر هذا الكون بكل ما فيه، قال تعالى: ﴿وَهُوَ ٱلَّذِي يُحۡيِۦ وَيُمِيتُ وَلَهُ ٱخۡتِلَٰفُ ٱلَّيۡلِ وَٱلنَّهَارِۚ أَفَلَا تَعۡقِلُونَ٨٠﴾ [المؤمنون: 80]، فالله هو الذي يحيي، وهو الذي يميت، فالموت كما قلنا من الأدلة الدالة على وجود الرب جل جلاله، قال تعالى: ﴿وَهُوَ ٱلۡقَاهِرُ فَوۡقَ عِبَادِهِۦۖ وَيُرۡسِلُ عَلَيۡكُمۡ حَفَظَةً حَتَّىٰٓ إِذَا جَآءَ أَحَدَكُمُ ٱلۡمَوۡتُ تَوَفَّتۡهُ رُسُلُنَا وَهُمۡ لَا يُفَرِّطُونَ ٦١﴾ [الأنعام: 61].
فالموت أمر إلهي لا يقدر عليه إلا الله، فترى الإنسان في أوج قوته وعنفوان شبابه كالاعب في ملعبه يخطفه الموت أمام جمهوره، والملك في سلطانه وبين حرسه وجيوشه يخطفه الموت ولا يجد من يصرفه عنه، لذا كان هذا الأمر من دلائل وجود الرب جل جلاله.
والموت في القرآن والسنة موتان:
الأول: وهو الموت المعنوي، وهو أن يكون الإنسان كافرًا، وسماه الله موتًا؛ لأن الإنسان يكون ملغيًا عقله وسمعه وبصره، فهو أشبه بالميت، وإلا كيف يأتي الإنسان للحياة ثم يجد أن الله قد أعدّ له المكان، وسخر له السموات والأرض، وجعل له مشربه ومأكله، وخلق له ما يقيه من الحر والبرد والمطر، وهيأه ليعيش على هذه الأرض، ثم يعيش الإنسان في الحياة ويزعم أنه حي وله سمع وبصر وقلب يعقل به، ثم لا يعرف أن لهذا الكون خالقًا خلقه، ولا يعبد ربًا أوجده، أليس يرى جميع أعضائه مدبرة بتدبير خالق حكيم، ثم لا يؤمن به، ما الفرق بين هذا الإنسان الذي لا يعلم خالقه، ولا يدرك ما حوله إدراكًا ينفعه، والميت المدفون في قبره الذي لا يعلم ما يحيط به؟ إن هذا الإنسان -ميت الأحياء- بحسب القرآن العظيم، هو أضل من الحيوان؛ فعلى الأقل الحيوان لا يعتدي على أخيه ولا يحسده ولا يقتله ولا يكذب عليه، هل رأيت حمارًا يحسد حمارًا على ما عنده، أو يغشه أو يظلمه؟ الحيوان يسخّر حواسه فيما ينفعه، ويتجنب بإدراكه ما يضره.
والقرآن الكريم بين أن الكافر لا يستخدم حواسه وقواه فيما خلق له، ولا فيما ينفعه ويخرجه من الشقاء الأبدي، بل يسخر حواسه فيما فيه ضرره وخسارته.
وهنا سؤال: متى يعتبر القرآن الكريم ميت الأحياء حيًا؟ يكون حيًا إذا استخدم قواه العقليه وسمعه وبصره استخدامًا صحيحًا، ثم قادته هذه الحواس والقوى إلى الإيمان بخالقه، قال تعالى: ﴿أَوَمَن كَانَ مَيۡتٗا فَأَحۡيَيۡنَٰهُ وَجَعَلۡنَا لَهُۥ نُورٗا يَمۡشِي بِهِۦ فِي ٱلنَّاسِ كَمَن مَّثَلُهُۥ فِي ٱلظُّلُمَٰتِ لَيۡسَ بِخَارِجٖ مِّنۡهَاۚ كَذَٰلِكَ زُيِّنَ لِلۡكَٰفِرِينَ مَا كَانُواْ يَعۡمَلُونَ١٢٢﴾ [الأنعام: 122].
الثاني: الموت المعروف وهو مفارقة الروح للبدن، وهذا الذي تعرفه كل الثقافات والمجتمعات، وهذا يواجهه المسلم والكافر. فإذا جاء وقت الموت أرسل الله ملائكة الموت لتقبض روح هذا الإنسان الذي حانت وفاته، قال تعالى: ﴿قُلۡ يَتَوَفَّىٰكُم مَّلَكُ ٱلۡمَوۡتِ ٱلَّذِي وُكِّلَ بِكُمۡ ثُمَّ إِلَىٰ رَبِّكُمۡ تُرۡجَعُونَ١١﴾ [السجدة: 11].
فلا أحد يستطيع أن يميت أحدًا إلا بإذن الله، فمن الذي يميت إلا الله، قال تعالى: ﴿هُوَ يُحۡيِۦ وَيُمِيتُ وَإِلَيۡهِ تُرۡجَعُونَ٥٦﴾ [يونس: 56]، فهو الذي إذا قدر الموت على أحد فلا يمكن أن يدفعه عنه أحد، وإذا قضى أن يمد في عمر أحد فلا يستطيع أحد أن يميته، فالموت والحياة بيد الله سبحانه، قال تعالى: ﴿نَحۡنُ قَدَّرۡنَا بَيۡنَكُمُ ٱلۡمَوۡتَ وَمَا نَحۡنُ بِمَسۡبُوقِينَ ٦٠﴾ [الواقعة: 60]، وقال تعالى: ﴿...قُلۡ فَٱدۡرَءُواْ عَنۡ أَنفُسِكُمُ ٱلۡمَوۡتَ إِن كُنتُمۡ صَٰدِقِينَ ١٦٨﴾ [آل عمران: 168].
والموت له وقت محدد لا يتقدم ولا يتأخر قال تعالى: ﴿فَإِذَا جَآءَ أَجَلُهُمۡ لَا يَسۡتَـٔۡخِرُونَ سَاعَةٗ وَلَا يَسۡتَقۡدِمُونَ٦١﴾ [النحل: 61].
وهنا سؤال آخر وهو: هل يختلف موت المؤمن عن موت الكافر بحسب القرآن والسنة؟ فنقول: نعم يختلف اخلافًا كبيرًا، لكن هذا الأمر لا يشعر به إلا من دنت ساعة وفاته، ولأنه حقيقة غيبية ستواجه كل إنسان سواء علم بها أو لم يعلم، آمن بها أو كفر؛ فقد أخبر القرآن الكريم عنها وجلاها؛ لئلا يفاجأ الإنسان بها عند موته، ولئلا يقول لربه يوم القيامة: هلا أخبرتني!
أما موت المؤمن فتبينه هذه الآيات الكريمات من القرآن الكريم، فإنه إذا جاء أجله تنزلت عليه ملائكة الرحمة تبشره برضوان الله عليه قال تعالى: ﴿يَٰٓأَيَّتُهَا ٱلنَّفۡسُ ٱلۡمُطۡمَئِنَّةُ ٢٧ ٱرۡجِعِيٓ إِلَىٰ رَبِّكِ رَاضِيَةٗ مَّرۡضِيَّةٗ ٢٨ فَٱدۡخُلِي فِي عِبَٰدِي ٢٩ وَٱدۡخُلِي جَنَّتِي٣٠﴾ [الفجر: 27-30]، وتبشره أيضًا بأن لا خوف عليه مما هو مقدم عليه، وألا يحزن على ما خلفه من ولد ووالد، قال تعالى: ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ قَالُواْ رَبُّنَا ٱللَّهُ ثُمَّ ٱسۡتَقَٰمُواْ تَتَنَزَّلُ عَلَيۡهِمُ ٱلۡمَلَٰٓئِكَةُ أَلَّا تَخَافُواْ وَلَا تَحۡزَنُواْ وَأَبۡشِرُواْ بِٱلۡجَنَّةِ ٱلَّتِي كُنتُمۡ تُوعَدُونَ ٣٠﴾ [فصلت: 30].
أما موت الكافر فهو موت شنيع، وموقف عصيب، تجتمع عليه فيه سكرات الموت، وحزن مفارقة الدنيا، والحزن على الأهل والولد، والخوف مما أقدم عليه، وما يلاقيه من ملائكة العذاب عند نزع روحه، وهذا الموقف الرهيب توضحه هذه الآيات، قال تعالى: ﴿...وَلَوۡ تَرَىٰٓ إِذِ ٱلظَّٰلِمُونَ فِي غَمَرَٰتِ ٱلۡمَوۡتِ وَٱلۡمَلَٰٓئِكَةُ بَاسِطُوٓاْ أَيۡدِيهِمۡ أَخۡرِجُوٓاْ أَنفُسَكُمُۖ ٱلۡيَوۡمَ تُجۡزَوۡنَ عَذَابَ ٱلۡهُونِ بِمَا كُنتُمۡ تَقُولُونَ عَلَى ٱللَّهِ غَيۡرَ ٱلۡحَقِّ وَكُنتُمۡ عَنۡ ءَايَٰتِهِۦ تَسۡتَكۡبِرُونَ٩٣﴾ [الأنعام: 93]، وقال تعالى: ﴿وَلَوۡ تَرَىٰٓ إِذۡ يَتَوَفَّى ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ ٱلۡمَلَٰٓئِكَةُ يَضۡرِبُونَ وُجُوهَهُمۡ وَأَدۡبَٰرَهُمۡ وَذُوقُواْ عَذَابَ ٱلۡحَرِيقِ٥٠ ذَٰلِكَ بِمَا قَدَّمَتۡ أَيۡدِيكُمۡ وَأَنَّ ٱللَّهَ لَيۡسَ بِظَلَّٰمٖ لِّلۡعَبِيدِ٥١﴾ [الأنفال: 50-51]، وقال تعالى: ﴿فَكَيۡفَ إِذَا تَوَفَّتۡهُمُ ٱلۡمَلَٰٓئِكَةُ يَضۡرِبُونَ وُجُوهَهُمۡ وَأَدۡبَٰرَهُمۡ٢٧﴾ [محمد: 27]. فهو موقف ذل وصغار للكافر قال تعالى: ﴿فَيَوۡمَئِذٖ لَّا يُعَذِّبُ عَذَابَهُۥٓ أَحَدٞ٢٥ وَلَا يُوثِقُ وَثَاقَهُۥٓ أَحَدٞ ٢٦﴾ [الفجر: 25-26].
وجاء في الحديث قول ﷺ في وصف موت الكافر ونزع روحه: «وَإِنَّ الْكَافِرَ إِذَا كَانَ فِي انْقِطَاعٍ مِنَ الدُّنْيَا، وَإِقْبَالٍ مِنَ الْآخِرَةِ، نَزَلَتْ عَلَيْهِ مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ، فَانْتَزَعُوا رُوحَهُ، كَمَا يُنْتَزَعُ السَّفُودُ الْكَثِيرُ الشُّعَبِ مِنَ الصُّوفِ الْمُبْتَلِّ، وَتُنْزَعُ نَفْسُهُ مَعَ الْعُرُوقِ، فَيَلْعَنُهُ كُلُّ مَلَكٍ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ، وَكُلُّ مَلَكٍ فِي السَّمَاءِ» [مسند أحمد (18614)].
وموت الروح مفارقتها للبدن، فالأرواح لا تفنى، بل تنتقل إلى حياة برزخية، ولا تنتقل في الحياة البرزخة من جسد إلى جسد، كما هو اعتقاد تناسخ الأرواح، والحياة البرزخية تختلف عن الحياة الدينا، كما أنها تختلف عن الحياة الأخروية، فالروح يكون لها اتصال بالجسد بعد الموت، ويتنعم الجسد والروح معًا، وكذلك ينالهما العذاب في الحياة البرزخية، على هيئة لا نعلمها، لكن أعلمنا بها الحكيم الخبير الذي لا يخفى عليه شيء. فروح المؤمن تكون في الجنة، وروح الكافر تكون في النار، رغم كون رفاته في مكان موته أو في القبر في هذه الحياة البرزخية، وقد ذكر الله لنا في القرآن العظيم ماذا يعانيه آل فرعون اليوم من العذاب وهم في قبورهم قال تعالى: ﴿ٱلنَّارُ يُعۡرَضُونَ عَلَيۡهَا غُدُوّٗا وَعَشِيّٗاۚ وَيَوۡمَ تَقُومُ ٱلسَّاعَةُ أَدۡخِلُوٓاْ ءَالَ فِرۡعَوۡنَ أَشَدَّ ٱلۡعَذَابِ٤٦﴾ [غافر: 46].
ثم إذا كان يوم القيامة أذن الله بتحول الرفات إلى أجساد من جديد، وتقوم لتعود كل روح إلى جسدها، ومن ثم يكون الحساب الذي يعقبه إما الخلود الأبدي لأهل الإيمان بالجنة، أو الخلود الأبدي للكافرين في النار، قال تعالى: ﴿يَوۡمَ يَجۡمَعُكُمۡ لِيَوۡمِ ٱلۡجَمۡعِۖ ذَٰلِكَ يَوۡمُ ٱلتَّغَابُنِۗ وَمَن يُؤۡمِنۢ بِٱللَّهِ وَيَعۡمَلۡ صَٰلِحٗا يُكَفِّرۡ عَنۡهُ سَيِّـَٔاتِهِۦ وَيُدۡخِلۡهُ جَنَّٰتٖ تَجۡرِي مِن تَحۡتِهَا ٱلۡأَنۡهَٰرُ خَٰلِدِينَ فِيهَآ أَبَدٗاۚ ذَٰلِكَ ٱلۡفَوۡزُ ٱلۡعَظِيمُ٩ وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَكَذَّبُواْ بِـَٔايَٰتِنَآ أُوْلَٰٓئِكَ أَصۡحَٰبُ ٱلنَّارِ خَٰلِدِينَ فِيهَاۖ وَبِئۡسَ ٱلۡمَصِيرُ١٠﴾ [التغابن: 9-10]، وقال تعالى: ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَظَلَمُواْ لَمۡ يَكُنِ ٱللَّهُ لِيَغۡفِرَ لَهُمۡ وَلَا لِيَهۡدِيَهُمۡ طَرِيقًا ١٦٨ إِلَّا طَرِيقَ جَهَنَّمَ خَٰلِدِينَ فِيهَآ أَبَدٗاۚ وَكَانَ ذَٰلِكَ عَلَى ٱللَّهِ يَسِيرٗا١٦٩﴾ [النساء: 168- 169]. وصلى الله وسلم على نبينا محمد.
***
السؤال:
كيف يمكن إثبات البعث بعد الموت؟
الإجــابة:
العجب ممن ينكر البعث، لأنه أمر توجبه الحكمة، وتؤمن به كل الرسالات الإلهية، والغالب أنه لا يوجد دين إلا ويعتقد بالبعث بصورة من الصور أو شكل من الأشكال، والجواب كالتالي:
أولًا: أن بعث الخلق هو مقتضى العدل والحكمة؛ ولو قدرنا أن البعث لا يكون؛ فسيكون وجود الإنسان عبثًا على هذا الكوكب، قال تعالى: ﴿أَفَحَسِبۡتُمۡ أَنَّمَا خَلَقۡنَٰكُمۡ عَبَثٗا وَأَنَّكُمۡ إِلَيۡنَا لَا تُرۡجَعُونَ١١٥﴾ [المؤمنون: 115].
ولو قدرنا عدم البعث فكيف يُقتص للمظلوم من الظالم؟ وكيف يجازى المفسدون في الأرض إذا ماتوا موتًا طبيعيًا قبل أن تدركهم يد العدالة فتقتص منهم، وكيف تكون مجازاة المصلحين الذين قدموا الأعمال الجليلة للمستضعفين ولم يتلقوا مكافأة على أعمالهم في الدنيا، لذا كان لابد من يوم يقوم فيه الناس لرب العالمين فيجازي كلًا بعمله، قال تعالى: ﴿أَفَنَجۡعَلُ ٱلۡمُسۡلِمِينَ كَٱلۡمُجۡرِمِينَ ٣٥﴾ [القلم: 35].
وسنقرب ذلك بالمثال: لو أن إنسانًا طاغية قتل ألف شخص، واغتصب نساءً، وسرق أموالًا، ثم مات موتًا طبيعيًا، ولم تنله يد العدالة ولم تقتص منه، كيف سيأخذ عقابه؟ وكيف سترد هذه المظالم والدماء التي سفكت، والأعراض التي انتهكت، والأموال التي سلبت، كيف سيقتص لأصحابها؟ لم لو يكن البعث لكان هذا أمرًا في غاية السوء، أن ينجو المجرم العاتي الفساد في الأرض من العقوبة، لكن أخبرنا الله أنه سيقتص لكل مظلوم ممن ظلمه، قال تعالى: ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِـَٔايَٰتِنَا سَوۡفَ نُصۡلِيهِمۡ نَارٗا كُلَّمَا نَضِجَتۡ جُلُودُهُم بَدَّلۡنَٰهُمۡ جُلُودًا غَيۡرَهَا لِيَذُوقُواْ ٱلۡعَذَابَۗ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَزِيزًا حَكِيمٗا٥٦﴾ [سورة النساء:56]، فالكافر سيحرق بالنار، وكلما نضج جلده يبدل جلدًا آخر ليذوق العذاب، وحتى يقتص منه من كل مظلمة ظلمها، حتى لو قتل ألف نفس، لقتله الله يوم القيامة ألف قتلة، فهل مثل هذا يكون في الدنيا، إن المجرم لو قدر عليه وقد قتل مائة نفس فكل ما هنالك أن يقتل مرة واحدة فيموت.
ثانيًا: يمكن إثبات البعث بالأدلة التالية:
أن الله القادر على خلق السموات والأرض قادر على أن يعيد خلق الناس مرة أخرى، فالذي خلق هذه الأفلاك العظيمة لا يعجزه خلق الناس مرة أخرى، قال تعالى: ﴿لَخَلۡقُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ أَكۡبَرُ مِنۡ خَلۡقِ ٱلنَّاسِ وَلَٰكِنَّ أَكۡثَرَ ٱلنَّاسِ لَا يَعۡلَمُونَ٥٧﴾ [غافر: 57].
أن الله الذي خلق الإنسان الأول آدم ’ من تراب وجعله إنسانًا سويًا قادر على أن يعيد الإنسان للحياة بعدما كان ترابًا قال تعالى: ﴿وَضَرَبَ لَنَا مَثَلٗا وَنَسِيَ خَلۡقَهُۥۖ قَالَ مَن يُحۡيِ ٱلۡعِظَٰمَ وَهِيَ رَمِيمٞ ٧٨ قُلۡ يُحۡيِيهَا ٱلَّذِيٓ أَنشَأَهَآ أَوَّلَ مَرَّةٖۖ وَهُوَ بِكُلِّ خَلۡقٍ عَلِيمٌ ٧٩﴾ [يس: 78-79].
أن الله الذي يرينا في كل يوم الخلق المتجدد للإنسان من ماء مهين من نطفة يسيرة لا يعجزه أن يعيد خلق الخلق مرة أخرى قال تعالى: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِن كُنتُمۡ فِي رَيۡبٖ مِّنَ ٱلۡبَعۡثِ فَإِنَّا خَلَقۡنَٰكُم مِّن تُرَابٖ ثُمَّ مِن نُّطۡفَةٖ ثُمَّ مِنۡ عَلَقَةٖ ثُمَّ مِن مُّضۡغَةٖ مُّخَلَّقَةٖ وَغَيۡرِ مُخَلَّقَةٖ لِّنُبَيِّنَ لَكُمۡۚ وَنُقِرُّ فِي ٱلۡأَرۡحَامِ مَا نَشَآءُ إِلَىٰٓ أَجَلٖ مُّسَمّٗى ثُمَّ نُخۡرِجُكُمۡ طِفۡلٗا ثُمَّ لِتَبۡلُغُوٓاْ أَشُدَّكُمۡۖ وَمِنكُم مَّن يُتَوَفَّىٰ وَمِنكُم مَّن يُرَدُّ إِلَىٰٓ أَرۡذَلِ ٱلۡعُمُرِ لِكَيۡلَا يَعۡلَمَ مِنۢ بَعۡدِ عِلۡمٖ شَيۡـٔٗاۚ وَتَرَى ٱلۡأَرۡضَ هَامِدَةٗ فَإِذَآ أَنزَلۡنَا عَلَيۡهَا ٱلۡمَآءَ ٱهۡتَزَّتۡ وَرَبَتۡ وَأَنۢبَتَتۡ مِن كُلِّ زَوۡجِۭ بَهِيجٖ٥﴾ [الحج: 5].
أن الله ضرب لنا مثلًا نعايشه كثيرًا في هذه الحياة ألا وهو أن الأرض تكون ميتة جرداء لا حياة فيها، ثم ينزل عليها المطر فتحيا وتنبت من كل زوج بهيج، فإن الذي أحياها لمحيي الموتى قال تعالى: ﴿وَمِنۡ ءَايَٰتِهِۦٓ أَنَّكَ تَرَى ٱلۡأَرۡضَ خَٰشِعَةٗ فَإِذَآ أَنزَلۡنَا عَلَيۡهَا ٱلۡمَآءَ ٱهۡتَزَّتۡ وَرَبَتۡۚ إِنَّ ٱلَّذِيٓ أَحۡيَاهَا لَمُحۡيِ ٱلۡمَوۡتَىٰٓۚ إِنَّهُۥ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ قَدِيرٌ ٣٩﴾ [فصلت: 39].
أن الله أقام لنا دليلًا عجيبًا في القرآن الكريم يدل على البعث، وهو أن النار الحارة تخرج من الشجر الرطب الأخضر، كما نرى في حرائق الغابات، قال تعالى: ﴿أَفَرَءَيۡتُمُ ٱلنَّارَ ٱلَّتِي تُورُونَ ٧١ ءَأَنتُمۡ أَنشَأۡتُمۡ شَجَرَتَهَآ أَمۡ نَحۡنُ ٱلۡمُنشِـُٔونَ ٧٢ نَحۡنُ جَعَلۡنَٰهَا تَذۡكِرَةٗ وَمَتَٰعٗا لِّلۡمُقۡوِينَ٧٣﴾ [الواقعة: 71- 73]، فالذي يخرج النار الحارة من ضدها، وهو الشجر الأخضر، قادر على أن يخرج الحي من الميت.
أن النوم صورة مصغرة للموت والبعث؛ ألسنا نرى الإنسان يكون في أشد أحواله وقوته، ثم يأخذه النوم فتغادر روحه جسده أثناء النوم، فلا يشعر بما حوله، وربما اشتعلت النار بالبيت الذي يسكنه فلا يعلم فيحترق، فالإنسان إذا مات سيبعث كما يستيقظ من نومه، وهذا دليل حسي مشاهد يشهده كل منا في نفسه وفي من حوله، قال تعالى: ﴿وَمِنۡ ءَايَٰتِهِۦ مَنَامُكُم بِٱلَّيۡلِ وَٱلنَّهَارِ وَٱبۡتِغَآؤُكُم مِّن فَضۡلِهِۦٓۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَأٓيَٰتٖ لِّقَوۡمٖ يَسۡمَعُونَ٢٣﴾ [الروم: 23]، وقال تعالى: ﴿ٱللَّهُ يَتَوَفَّى ٱلۡأَنفُسَ حِينَ مَوۡتِهَا وَٱلَّتِي لَمۡ تَمُتۡ فِي مَنَامِهَاۖ فَيُمۡسِكُ ٱلَّتِي قَضَىٰ عَلَيۡهَا ٱلۡمَوۡتَ وَيُرۡسِلُ ٱلۡأُخۡرَىٰٓ إِلَىٰٓ أَجَلٖ مُّسَمًّىۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَأٓيَٰتٖ لِّقَوۡمٖ يَتَفَكَّرُونَ٤٢﴾ [الزمر: 42].
ذكر الله لنا معجزات على يدي أنبيائه عليهم السلام من قيام الموتى وعودتهم للحياة من البشر أو الحيوانات سواء على يد إبراهيم الخليل أو موسى أو عيسى عليهم السلام، وهذا دليل مادي محسوس حفظه التاريخ لمن أراد أن يأخذ العبرة من حوادث الدهر.
أن الإيمان بالبعث من الإيمان بالغيب، وقد أخبرنا الله عنه وعن غيره من الغيوب التي يتوقف على الإيمان بها مصالح الإنسان في دينه ودنياه، وأقام لنا الشواهد الكثيرة التي تمنح المسلم اليقين التام بأن هذه الغيوب حق على حقيقتها، وأنه يعلمها بقلبه كأنه يراها بعينه، كما أن الوحي الذي تضمن الأخبار بالغيب أورد عددًا من الحقائق والقطعيات التي يصدقها العقل، ويجد الإنسان صدقها في الحياة، فصِدقُ ما علم، يؤكد له العلم بما خفي عليه.
أنه لا يصح إسلام أحد ولا إيمانه دون الإيمان بالبعث، ومن أنكر البعث كان كافرًا بالله العظيم مهما قدم من خير وبر، قال تعالى: ﴿زَعَمَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوٓاْ أَن لَّن يُبۡعَثُواْۚ قُلۡ بَلَىٰ وَرَبِّي لَتُبۡعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِمَا عَمِلۡتُمۡۚ وَذَٰلِكَ عَلَى ٱللَّهِ يَسِيرٞ٧﴾ [التغابن: 7].
***
السؤال:
ما هو يوم القيامة؟
الإجــابة:
الحمد لله، يوم القيامة هو اليوم العظيم الذي تعددت أسماؤه في القرآن الكريم، وماذاك إلا لتعدد الأهوال والأحداث التي ستقع فيه، فهو يوم القيامة ويوم التغابن، وهو الصاخة والقارعة والبعث والحشر والنشور والتناد والزلزلة والطامة وغير ذلك من أسمائه الكثيرة.
وهذا اليوم لا أحد يعلم وقته إلا الله، فلا يعلمه نبي مرسل ولا ملك مقرب، قال تعالى: ﴿إِنَّ ٱلسَّاعَةَ ءَاتِيَةٌ أَكَادُ أُخۡفِيهَا لِتُجۡزَىٰ كُلُّ نَفۡسِۭ بِمَا تَسۡعَىٰ١٥﴾ [طه: 15]، وقال تعالى: ﴿يَسۡـَٔلُونَكَ عَنِ ٱلسَّاعَةِ أَيَّانَ مُرۡسَىٰهَاۖ قُلۡ إِنَّمَا عِلۡمُهَا عِندَ رَبِّيۖ لَا يُجَلِّيهَا لِوَقۡتِهَآ إِلَّا هُوَۚ ثَقُلَتۡ فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۚ لَا تَأۡتِيكُمۡ إِلَّا بَغۡتَةٗۗ يَسۡـَٔلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنۡهَاۖ قُلۡ إِنَّمَا عِلۡمُهَا عِندَ ٱللَّهِ وَلَٰكِنَّ أَكۡثَرَ ٱلنَّاسِ لَا يَعۡلَمُونَ ١٨٧﴾ [الأعراف: 187].
ويكون بين يدي الساعة أشراطها، وهي علاماتها، وعلامات الساعة كثيرة منها ما وقع ومضى، ومنها العلامات العشر الكبرى التي ستقع في آخر الزمان، وهي المذكورة في هذا الحديث عن حذيفة بن أسيد الغفاري، قال: اطَّلَعَ النَّبِيُّ ﷺ عَلَيْنَا وَنَحْنُ نَتَذَاكَرُ، فَقَالَ: «مَا تَتَذَاكَرُونَ؟» قَالُوا: نَذْكُرُ السَّاعَةَ، قَالَ: «إِنَّهَا لَنْ تَقُومَ حَتَّى تَرَوْا قَبْلَهَا عَشْرَ آيَاتٍ» - فَذَكَرَ- الدُّخَانَ، وَالدَّجَّالَ، وَالدَّابَّةَ، وَطُلُوعَ الشَّمْسِ مِنْ مَغْرِبِهَا، وَنُزُولَ عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ، وَيَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ، وَثَلَاثَةَ خُسُوفٍ: خَسْفٌ بِالْمَشْرِقِ، وَخَسْفٌ بِالْمَغْرِبِ، وَخَسْفٌ بِجَزِيرَةِ الْعَرَبِ، وَآخِرُ ذَلِكَ نَارٌ تَخْرُجُ مِنَ الْيَمَنِ، تَطْرُدُ النَّاسَ إِلَى مَحْشَرِهِمْ» [صحيح مسلم (39)].
وفي هذا اليوم يُبعث الناسُ حفاةً عراةً غير مختونين، يطول وقوفهم لانتظار الحساب، وتدنو منهم الشمس، ويتصبَّب منهم العرق الغزير، ويجمع الله فيه الأولين والآخرين، ويطلب الناسُ من الأنبياء عليهم السلام الشفاعة ليرتاحوا مما هم فيه، فيُشفع الله في الخلائق نبينا محمد ﷺ، فيشفع إلى ربه في فصل القضاء، وفي ذلك اليوم أهوال وفزع، ومشاهد كثيرة، جاء تفصيلها في الكتاب والسنة الصحيحة.
وفي هذا اليوم تأتي كل أمة مع رسولها فيشهد عليها، وتشهد أمة نبينا محمد ‘ لكل نبي أنه بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، وفي هذا اليوم تنشر دواوين أعمال العباد، قال تعالى: ﴿وَوُضِعَ ٱلۡكِتَٰبُ فَتَرَى ٱلۡمُجۡرِمِينَ مُشۡفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَٰوَيۡلَتَنَا مَالِ هَٰذَا ٱلۡكِتَٰبِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةٗ وَلَا كَبِيرَةً إِلَّآ أَحۡصَىٰهَاۚ وَوَجَدُواْ مَا عَمِلُواْ حَاضِرٗاۗ وَلَا يَظۡلِمُ رَبُّكَ أَحَدٗا٤٩﴾ [الكهف: 49]، وتنصب الموازين لوزن أعمال العباد، قال تعالى: ﴿وَنَضَعُ ٱلۡمَوَٰزِينَ ٱلۡقِسۡطَ لِيَوۡمِ ٱلۡقِيَٰمَةِ فَلَا تُظۡلَمُ نَفۡسٞ شَيۡـٔٗاۖ وَإِن كَانَ مِثۡقَالَ حَبَّةٖ مِّنۡ خَرۡدَلٍ أَتَيۡنَا بِهَاۗ وَكَفَىٰ بِنَا حَٰسِبِينَ٤٧﴾ [الأنبياء: 47]، وتحضر الشهود، ويتفضل الجبار لفصل القضاء، قال تعالى: ﴿وَأَشۡرَقَتِ ٱلۡأَرۡضُ بِنُورِ رَبِّهَا وَوُضِعَ ٱلۡكِتَٰبُ وَجِاْيٓءَ بِٱلنَّبِيِّـۧنَ وَٱلشُّهَدَآءِ وَقُضِيَ بَيۡنَهُم بِٱلۡحَقِّ وَهُمۡ لَا يُظۡلَمُونَ٦٩﴾ [الزمر: 69]، قال تعالى: ﴿وَجَآءَ رَبُّكَ وَٱلۡمَلَكُ صَفّٗا صَفّٗا٢٢﴾ [الفجر: 22].
وهو يوم الجزاء والحساب على الأعمال التي عملها الخلق في الحياة الدنيا، فمن ثقلت موازينه فهو من الفائزين الناجين، ومن خفت موازينه فأولئك هم الخاسرون، قال تعالى: : ﴿فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيۡهِم بِعِلۡمٖۖ وَمَا كُنَّا غَآئِبِينَ ٧ وَٱلۡوَزۡنُ يَوۡمَئِذٍ ٱلۡحَقُّۚ فَمَن ثَقُلَتۡ مَوَٰزِينُهُۥ فَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡمُفۡلِحُونَ ٨ وَمَنۡ خَفَّتۡ مَوَٰزِينُهُۥ فَأُوْلَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ خَسِرُوٓاْ أَنفُسَهُم بِمَا كَانُواْ بِـَٔايَٰتِنَا يَظۡلِمُونَ٩﴾ [الأعراف: 8-9]، وبعد الحساب يساق المؤمنون إلى الجنة، وهي دار النعيم الأبدي الذي لا نهاية له، قال تعالى: ﴿جَنَّٰتُ عَدۡنٖ يَدۡخُلُونَهَا وَمَن صَلَحَ مِنۡ ءَابَآئِهِمۡ وَأَزۡوَٰجِهِمۡ وَذُرِّيَّٰتِهِمۡۖ وَٱلۡمَلَٰٓئِكَةُ يَدۡخُلُونَ عَلَيۡهِم مِّن كُلِّ بَابٖ٢٣﴾ [الرعد: 23]، ويساق المجرمون الكافرون إلى الجحيم، وهي دار العذاب والنكال الأبدي الذي لا نهاية له، قال تعالى: ﴿وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَهُمۡ نَارُ جَهَنَّمَ لَا يُقۡضَىٰ عَلَيۡهِمۡ فَيَمُوتُواْ وَلَا يُخَفَّفُ عَنۡهُم مِّنۡ عَذَابِهَاۚ كَذَٰلِكَ نَجۡزِي كُلَّ كَفُورٖ٣٦﴾ [فاطر: 36].
وبعد أن ينال الكفار جزاءهم، وينال المؤمنون ثوابهم تحمد الملائكة ربها على تمام عدله، وعظيم حكمته قال تعالى: ﴿وَتَرَى ٱلۡمَلَٰٓئِكَةَ حَآفِّينَ مِنۡ حَوۡلِ ٱلۡعَرۡشِ يُسَبِّحُونَ بِحَمۡدِ رَبِّهِمۡۚ وَقُضِيَ بَيۡنَهُم بِٱلۡحَقِّۚ وَقِيلَ ٱلۡحَمۡدُ لِلَّهِ رَبِّ ٱلۡعَٰلَمِينَ٧٥﴾ [الزمر: 75].
وصلى الله وسلم على نبينا محمد.
***
السؤال:
ماذا يحدث فـي الجنة والنار؟
الإجــابة:
الجنة دار جزاء المؤمنين ونعيمهم في الآخرة نعيمًا أبديًّا، والنار دار جزاء الكفار وتعذيبهم في الآخرة عذابًا أبديًّا، ويعذَّبُ فيها عصاة الموحِّدين ثم يُخرجون إلى الجنة، والجنة فيها ما لا عينٌ رأت ولا أذنٌ سمعت ولا خَطَرَ على قلب بشر، وقد بيَّن القرآن الكريم والسنة النبوية كثيرًا مما حدث وسيحدث في الجنة، وفُصِّل تفصيلًا تجعل النفوس تشتاق إليها، وكذلك النار فُصِّل ما فيها من العذاب تفصيلًا يخوِّف النفوس، ويحملها على العمل لتجنبها، قال الله تعالى: ﴿فَلَا تَعۡلَمُ نَفۡسٞ مَّآ أُخۡفِيَ لَهُم مِّن قُرَّةِ أَعۡيُنٖ جَزَآءَۢ بِمَا كَانُواْ يَعۡمَلُونَ١٧﴾ [السجدة: 17]، قال تعالى: ﴿إِنَّ لِلۡمُتَّقِينَ مَفَازًا ٣١﴾ [النبأ: 31].
وقال تعالى: ﴿إِنَّ جَهَنَّمَ كَانَتۡ مِرۡصَادٗا ٢١ لِّلطَّٰغِينَ مَـَٔابٗا ٢٢ لَّٰبِثِينَ فِيهَآ أَحۡقَابٗا ٢٣ لَّا يَذُوقُونَ فِيهَا بَرۡدٗا وَلَا شَرَابًا ٢٤ إِلَّا حَمِيمٗا وَغَسَّاقٗا ٢٥ جَزَآءٗ وِفَاقًا ٢٦ إِنَّهُمۡ كَانُواْ لَا يَرۡجُونَ حِسَابٗا ٢٧ وَكَذَّبُواْ بِـَٔايَٰتِنَا كِذَّابٗا ٢٨ وَكُلَّ شَيۡءٍ أَحۡصَيۡنَٰهُ كِتَٰبٗا ٢٩ فَذُوقُواْ فَلَن نَّزِيدَكُمۡ إِلَّا عَذَابًا ٣٠ إِنَّ لِلۡمُتَّقِينَ مَفَازًا ٣١ حَدَآئِقَ وَأَعۡنَٰبٗا ٣٢ وَكَوَاعِبَ أَتۡرَابٗا ٣٣ وَكَأۡسٗا دِهَاقٗا ٣٤ لَّا يَسۡمَعُونَ فِيهَا لَغۡوٗا وَلَا كِذَّٰبٗا ٣٥ جَزَآءٗ مِّن رَّبِّكَ عَطَآءً حِسَابٗا ٣٦﴾ [النبأ: 21-36]، ﴿مَّثَلُ ٱلۡجَنَّةِ ٱلَّتِي وُعِدَ ٱلۡمُتَّقُونَۖ فِيهَآ أَنۡهَٰرٞ مِّن مَّآءٍ غَيۡرِ ءَاسِنٖ وَأَنۡهَٰرٞ مِّن لَّبَنٖ لَّمۡ يَتَغَيَّرۡ طَعۡمُهُۥ وَأَنۡهَٰرٞ مِّنۡ خَمۡرٖ لَّذَّةٖ لِّلشَّٰرِبِينَ وَأَنۡهَٰرٞ مِّنۡ عَسَلٖ مُّصَفّٗىۖ وَلَهُمۡ فِيهَا مِن كُلِّ ٱلثَّمَرَٰتِ وَمَغۡفِرَةٞ مِّن رَّبِّهِمۡۖ كَمَنۡ هُوَ خَٰلِدٞ فِي ٱلنَّارِ وَسُقُواْ مَآءً حَمِيمٗا فَقَطَّعَ أَمۡعَآءَهُمۡ ١٥﴾ [محمد: 15].
وقال تعالى: ﴿أَصۡحَٰبُ ٱلۡجَنَّةِ يَوۡمَئِذٍ خَيۡرٞ مُّسۡتَقَرّٗا وَأَحۡسَنُ مَقِيلٗا٢٤﴾ [الفرقان: 24]، وقال سبحانه: ﴿وَمَنۡ خَفَّتۡ مَوَٰزِينُهُۥ فَأُوْلَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ خَسِرُوٓاْ أَنفُسَهُمۡ فِي جَهَنَّمَ خَٰلِدُونَ ١٠٣ تَلۡفَحُ وُجُوهَهُمُ ٱلنَّارُ وَهُمۡ فِيهَا كَٰلِحُونَ١٠٤﴾ [المؤمنون: 103- 104]، وقال رسول الله ﷺ: «لَمَّا خَلَقَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ الْجَنَّةَ، قَالَ لِجِبْرِيلَ: اذْهَبْ فَانْظُرْ إِلَيْهَا. فَذَهَبَ فَنَظَرَ إِلَيْهَا، ثُمَّ جَاءَ، فَقَالَ: أَي رَبِّ، وَعِزَّتِكَ، لَا يَسْمَعُ بِهَا أَحَدٌ إِلَّا دَخَلَهَا. ثُمَّ حَفَّهَا بِالْمَكَارِهِ، ثُمَّ قَالَ: يَا جِبْرِيلُ، اذْهَبْ فَانْظُرْ إِلَيْهَا. فَذَهَبَ فَنَظَرَ إِلَيْهَا، ثُمَّ جَاءَ، فَقَالَ: أَي رَبِّ، وَعِزَّتِكَ، لَقَدْ خَشِيتُ أَلَّا يَدْخُلَهَا أَحَدٌ. قَالَ: فَلَمَّا خَلَقَ اللهُ النَّارَ، قَالَ: يَا جِبْرِيلُ، اذْهَبْ فَانْظُرْ إِلَيْهَا. فَذَهَبَ فَنَظَرَ إِلَيْهَا، ثُمَّ جَاءَ، فَقَالَ: أَي رَبِّ، وَعِزَّتِكَ، لَا يَسْمَعُ بِهَا أَحَدٌ فَيَدْخُلَهَا. فَحَفَّهَا بِالشَّهَوَاتِ، ثُمَّ قَالَ: يَا جِبْرِيلُ، اذْهَبْ فَانْظُرْ إِلَيْهَا. فَذَهَبَ فَنَظَرَ إِلَيْهَا، ثُمَّ جَاءَ، فَقَالَ: أَي رَبِّ، وَعِزَّتِكَ، لَقَدْ خَشِيتُ أَلَّا يَبْقَى أَحَدٌ إِلَّا دَخَلَهَا» [المسند(8398)، رواه أبو داود بإسناد حسن (4744)]، وقال رسول الله ﷺ: «يُؤْتَى بِأَنْعَمِ أَهْلِ الدُّنْيَا مِنْ أَهْلِ النَّارِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فَيُصْبَغُ فِي النَّارِ صَبْغَةً، ثُمَّ يُقَالُ: يَا ابْنَ آدَمَ، هَلْ رَأَيْتَ خَيْرًا قَطُّ؟ هَلْ مَرَّ بِكَ نَعِيمٌ قَطُّ؟ فَيَقُولُ: لَا، وَاللهِ يَا رَبِّ. وَيُؤْتَى بِأَشَدِّ النَّاسِ بُؤْسًا فِي الدُّنْيَا مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ، فَيُصْبَغُ صَبْغَةً فِي الْجَنَّةِ، فَيُقَالُ لَهُ: يَا ابْنَ آدَمَ، هَلْ رَأَيْتَ بُؤْسًا قَطُّ؟ هَلْ مَرَّتْ بِكَ شِدَّةٌ قَطُّ؟ فَيَقُولُ: لَا، وَاللهِ يَا رَبِّ، مَا مَرَّ بِي بُؤْسٌ قَطُّ، وَلَا رَأَيْتُ شِدَّةً قَطُّ». [رواه مسلم (2807)].
ينظر للاستزادة: حادي الأرواح إلى بلاد الأفراح لابن قيم الجوزية والجنة والنار لعمر الأشقر.
***
السؤال:
لماذا خلق الله النار؟
الإجــابة:
النار على نوعين: نار الدنيا، ونار الآخرة، فأما نار الدنيا فلها فوائد عظيمة، من أعظمها أنها دالة على البعث يوم القيامة، قال تعالى: ﴿ءَأَنتُمۡ أَنشَأۡتُمۡ شَجَرَتَهَآ أَمۡ نَحۡنُ ٱلۡمُنشِـُٔونَ ٧٢ نَحۡنُ جَعَلۡنَٰهَا تَذۡكِرَةٗ وَمَتَٰعٗا لِّلۡمُقۡوِينَ ٧٣ فَسَبِّحۡ بِٱسۡمِ رَبِّكَ ٱلۡعَظِيمِ٧٤﴾ [سورة الواقعة:72-74]، وقال تعالى: ﴿وَضَرَبَ لَنَا مَثَلٗا وَنَسِيَ خَلۡقَهُۥۖ قَالَ مَن يُحۡيِ ٱلۡعِظَٰمَ وَهِيَ رَمِيمٞ ٧٨ قُلۡ يُحۡيِيهَا ٱلَّذِيٓ أَنشَأَهَآ أَوَّلَ مَرَّةٖۖ وَهُوَ بِكُلِّ خَلۡقٍ عَلِيمٌ ٧٩ ٱلَّذِي جَعَلَ لَكُم مِّنَ ٱلشَّجَرِ ٱلۡأَخۡضَرِ نَارٗا فَإِذَآ أَنتُم مِّنۡهُ تُوقِدُونَ٨٠﴾ [سورة يس:78-80]، فذكّر الله الناس أن الذي يخرج النار الحارة المحرقة من الشجر الأخضر البارد؛ قادر على أن يحيي الموتى بإذنه.
ونار الدنيا من أشهر فوائدها الاستفادة من ضوئها في الظلام، وإنضاج الشراب والطعام، والاستدفاء عند البرد، وإتلاف ما يحتاج الإنسان إلى إتلافه، وتليين المعادن، وتيسير الصناعات وعلاج بعض الأمراض.
وأما نار الآخرة فالله خلقها لحكم تجل عن الحصر لكن نحاول أن نذكر بعضها ومنها:
أولًا: قال رسول الله ﷺ: «احْتَجَّتِ النَّارُ وَالْجَنَّةُ، فَقَالَتْ هذِهِ: يَدْخُلُنِي الْجَبَّارُونَ وَالْمُتَكَبِّرُونَ، وَقَالَتْ هذِهِ: يَدْخُلُنِي الضُّعَفَاءُ وَالْمَسَاكِينُ، فَقَالَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ لِهذِهِ: أَنْتِ عَذَابِي، أُعَذِّبُ بِكِ مَنْ أَشَاءُ – وَرُبَّمَا قَالَ: أُصِيبُ بِكِ مَنْ أَشَاءُ – وَقَالَ لِهذِهِ: أَنْتِ رَحْمَتِي، أَرْحَمُ بِكِ مَنْ أَشَاءُ، وَلِكُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْكُمَا مِلْؤُهَا» [صحيح مسلم(34)]، فهي عذاب الله يعذب فيها من يشاء من الكفرة والمجرمين.
ثانيًا: أن من قلوب الناس من هو أشد صلابة من الحجر، وهذه القلوب العاتية المستكبرة، لا يذيبها ولا يؤدبها إلا هذه النار العظيمة.
ثالثا: أن من حكمة الله ورحمته أن خلق الله النار؛ لأن الله جعل هذه الدنيا دار بلاء وامتحان، وخلق الإنسان وركب فيه الشهوات، وجعل لها ما يقضي فيه شهوته، فجعل منه حلالًا وحرامًا، وحذر عباده من معصيته باقتراب الشهوات المحرمة، كما حذرهم من التقصير بحقه سبحانه وتعالى في عبادته، وتوعد كل من عصاه إما بارتكاب محرم أو تقصير في طاعة؛ بأن يدخلهم النار، فكان وجود النار خير زاجر لأصحاب العقول الراجحة من اقتراف المعاصي والتقصير، قال تعالى: ﴿فَأَنذَرۡتُكُمۡ نَارٗا تَلَظَّىٰ ١٤ لَا يَصۡلَىٰهَآ إِلَّا ٱلۡأَشۡقَى ١٥ ٱلَّذِي كَذَّبَ وَتَوَلَّىٰ ١٦ وَسَيُجَنَّبُهَا ٱلۡأَتۡقَى ١٧ ٱلَّذِي يُؤۡتِي مَالَهُۥ يَتَزَكَّىٰ ١٨﴾ [سورة الليل:14-18]، إذا عرفت هذا أدركتَ أن وجودها سبب في الكف عما يغضب الله تعالى والالتزام بما يأمر به ويحبه، كما أن في عذاب الكافر والظالم في النار انتصارًا للمظلوم الذي ظُلم في الدنيا وإذهابًا لغيظه، وكذلك لينال الكافر عذابه لتمرده على ربه.
***