النفحات المكية في تفسير كتاب رب البرية

النفحات المكية في تفسير كتاب رب البرية

النَّفَحَاتُ المَكِّيَّةُ فِي تَفْسِيرِ كِتَابِ ربِّ البَرِيَّةِ

Language: English
Prepared by: مُحَمَّدِ بْنِ صَالِحِ بْنِ عَبْدِ اللهِ الشَّاوِي
Version: 1.0
Translations 0
Attachments 7
PDF
Audio
Video
+3

النَّفَحَاتُ المَكِّيَّةُ فِي تَفْسِيرِ كِتَابِ ربِّ البَرِيَّةِ

تَألِيفُ فضيلة الشَّيْخِ

مُحَمَّدِ بْنِ صَالِحِ بْنِ عَبْدِ اللهِ الشَّاوِي

غَفَرَ اللهُ لَهُ وَلِوَالِدَيْهِ وَلِجَمِيعِ المُسْلِمِينَ

المقدِّمة

الحمدُ لله، والصلاةُ والسلامُ على رسولِ الله، وعلى آلِهِ وصحبِهِ ومَن والاه.

أمَّا بعدُ:

فإنَّ القرآنَ العظيمَ هو كتابُ الله الذي أنزَلَهُ على نبيِّه محمَّدٍ ﷺ؛ لهدايةِ الخلق، وإخراجِهم مِن الظلمات إلى النور، وفرقانًا بين الحقِّ والباطل، والهدى والضلال؛ قال تعالى: ﴿شَهۡرُ رَمَضَانَ ٱلَّذِيٓ أُنزِلَ فِيهِ ٱلۡقُرۡءَانُ هُدٗى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَٰتٖ مِّنَ ٱلۡهُدَىٰ وَٱلۡفُرۡقَانِۚ﴾ [البقرة:١٨٥]، وقال تعالى: ﴿كِتَٰبٌ أَنزَلۡنَٰهُ إِلَيۡكَ لِتُخۡرِجَ ٱلنَّاسَ مِنَ ٱلظُّلُمَٰتِ إِلَى ٱلنُّورِ بِإِذۡنِ رَبِّهِمۡ إِلَىٰ صِرَٰطِ ٱلۡعَزِيزِ ٱلۡحَمِيدِ﴾ [إبراهيم:١].

وإنَّ مِن أعظمِ الطاعاتِ والقُرُباتِ ملازمةَ هذا الكتاب؛ تلاوةً وحفظًا، وفهمًا وتدبُّرًا؛ لأن فيه: الهُدَى والرحمةَ والبُشْرى والموعظةَ والذِّكْرى لأهلِ الإيمان؛ كما قال تعالى: ﴿وَنَزَّلۡنَا عَلَيۡكَ ٱلۡكِتَٰبَ تِبۡيَٰنٗا لِّكُلِّ شَيۡءٖ وَهُدٗى وَرَحۡمَةٗ وَبُشۡرَىٰ لِلۡمُسۡلِمِينَ﴾ [النحل:٨٩]، وهو طريقُ السعادةِ في الدنيا والآخرة لمن تمسَّك به وعَمِلَ بما فيه، وفيه المَخرَجُ مِن كلِّ فِتْنة، والسلامةُ مِن كلِّ حَيْرة، عند التباسِ الطُّرُقِ واشتباهِ الأمور؛ لذا فإنه حَرِيٌّ بكلِّ مسلمٍ أن يتعاهَدَهُ آناءَ الليل والنهار؛ فقد قال ﷺ: «خَيْرُكُمْ مَنْ تَعَلَّمَ الْقُرْآنَ وَعَلَّمَهُ» [1]، وأن يَحذَرَ كلَّ الحذَرِ مِن هَجْرِهِ والإعراضِ عنه. [1] أخرجه البخاري (5027)؛ عن عثمان بن عفان رضي الله عنه.

وقد أخبرنا ﷺ أن من فضائل هذا القرآن؛ أنه يأتي يومَ القيامةِ منافِحًا عن صاحبه الذي كان يتعاهَدُهُ بالتلاوةِ والتدبُّر؛ فعن أبي أُمامةَ رضي الله عنه، قال: سمعتُ رسولَ الله ﷺ يقولُ: «اقْرَؤُوا القُرْآنَ؛ فَإِنَّهُ يَأْتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ شَفِيعًا لِأَصْحَابِهِ»[2]. [2] أخرجه مسلم (804).

وأخبرنا ﷺ أن منزلةَ صاحبِ القرآنِ يومَ القيامةِ هي مِن أعلى المنازِلِ وأرفَعِها؛ فعن عائشةَ رضي الله عنها، قالت: قال رسولُ الله ﷺ: «الَّذِي يَقْرَأُ القُرْآنَ، وَهُو مَاهِرٌ بِهِ، مَعَ السَّفَرَةِ الْكِرَامِ الْبَرَرَةِ، وَالَّذِي يَقْرَأُ الْقُرْآنَ، وَيَتَتَعْتَعُ فِيهِ، وَهُوَ عَلَيْهِ شَاقٌّ، لَهُ أَجْرَانِ»[3]، وعن عُمَرَ بنِ الخطَّاب رضي الله عنه، أنَّ النبيَّ ﷺ قال: «إِنَّ اللهَ يَرْفَعُ بِهَذَا الْكِتَابِ أَقْوَامًا، وَيَضَعُ بِهِ آخَرِينَ»[4]. [3] أخرجه البخاري (4937)، ومسلم (798). [4] أخرجه مسلم (817).

ومِن هنا كان النبيُّ ﷺ -وهو مَن أُنزِلَ عليه القرآنُ- يُكثِرُ من تلاوتِهِ وتدبُّرِهِ، وكان يدارِسُ جبريلَ القرآنَ في كلِّ ليلةٍ مِن رمضان[5]. [5] أخرجه البخاري (6)، ومسلم (2308)؛ عن عبد الله بن عباس رضي الله عنه.

وكان السلَفُ رحمهم الله يتعاهدون هذا الكتابَ بالتلاوةِ والتدبُّرِ والفهم؛ فهذا ابنُ مسعودٍ رضي الله عنه يقولُ: «لَا تَهُذُّوا الْقُرْآنَ هَذَّ الشِّعْرِ، وَلَا تَنْثُرُوهُ نَثْرَ الدَّقَلِ؛ وَقِفُوا عِنْدَ عَجَائِبِهِ، وَحَرِّكُوا بِهِ الْقُلُوبَ»[6]، وزاد بعضُهم: «وَلَا يَكُنْ هَمُّ أَحَدِكُمْ آخِرَ السُّورَةِ»[7]، ومع ذلك: فقد كان رضي الله عنه يَختِمُ القرآنَ في كلِّ أسبوعٍ مرَّة[8]، وفي رمضانَ في كلِّ ثلاثِ ليالٍ مرَّة[9]. [6] أخرجه ابن أبي شيبة في المصنَّف (8733)، والبيهقي في شُعَب الإيمان (1883). [7] أخرجه بهذه الزيادة البغوي في التفسير (8/251). [8] لحديث أبي الأَحوَصِ، قال: قال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: «اقْرَؤُوا القُرْآنَ فِي سَبْعٍ، وَلَا تَقْرَؤُوهُ فِي أَقَلَّ مِنْ ثَلَاثٍ، وَلْيُحَافِظِ الرَّجُلُ فِي يَوْمِهِ وَلَيْلَتِهِ عَلَى جُزْئِهِ»؛ أخرجه سعيد بن منصور في تفسيره (2/442)، والبيهقي في شعب الإيمان (1985)، وذكره ابن عَلَّانَ في شرح أذكار النوَويّ؛ مِن فعلِ ابن مسعود. ينظر: الفتوحات الربَّانية (3/229). [9] أخرجه ابن أبي شيبة في المصنَّف (8575)؛ عن عُبيد الله بن عتبة. وقال الحافظ العراقي في طَرْح التثريب (3/103): «وممَّن كان يَختِمُهُ في ثلاثٍ: ابنُ مسعود، وقال: مَن قرَأَهُ في أقلَّ مِن ثلاثٍ، فهو راجزٌ».

ولما كان الانتفاعُ بالقرآنِ متوقِّفًا على فهمِ معانيه، شَرُفَ علمُ التفسيرِ على سائرِ العلوم؛ لأنه متعلِّقٌ بفهمِ معاني أعظمِ الكتبِ وأشرَفِها، وتبيينِ أحكامِ الله عز وجل التي أنزَلَها في هذا الكتابِ للناس، وهذه وظيفةُ الرسل صلَواتُ الله عليهم؛ كما قال تعالى: ﴿وَأَنزَلۡنَآ إِلَيۡكَ ٱلذِّكۡرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيۡهِمۡ وَلَعَلَّهُمۡ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [النحل:٤٤]؛ فمَن اشتغَلَ بالقرآنِ وتفسيرِهِ وفهمِ معانيه، حاز قصَبَ سَبْقِ العلوم، ونال شرَفَ الخيريَّةِ التي ذكَرَها رسولُ الله ﷺ لمتعلِّمِ القرآنِ ومعلِّمه.

وإنَّ مِن التحدُّثِ بنعمةِ الله عز وجل: أنْ وفَّقني اللهُ لحفظِ القرآنِ وتجويدِهِ قبل البلوغ، ولكنْ بعد انخراطي في العمَلِ وتدرُّجي في الوظائفِ الحكوميَّةِ، ثم اشتغالي بالتجارةِ بعد ذلك، أُنسِيتُ كثيرًا مِن سُوَرِ القرآن، فقرَّرْتُ بعد ذلك أن أترُكَ ما يَشغَلُني عن القرآن، وأستعيدَ حفظَه، فسكَنْتُ بجوارِ الحرَمِ المَكِّيّ، وأقبَلْتُ على قراءةِ القرآن، وتدبُّرِهِ وفهمِ معانيه، وكنتُ كلَّما أَشْكَلَ عليَّ شيءٌ، راجَعْتُ تفسيرَهُ، وعلَّقتُ على هامشِ مصحفي الذي أقرأُ فيه، فتحصَّل عندي تعليقاتٌ كثيرةٌ مِن معاني الآياتِ، وفوائدِها التربويَّة، ولطائِفِها التفسيريَّة، وخاصَّةً آياتِ الصِّفاتِ ونحو ذلك.

ثم أشار عليَّ بعضُ المحبِّينَ: أن أجمَعَ هذه التعليقاتِ في كتابٍ ليُنتفَعَ بها، وبعد جمعِها ومراجَعَتِها: طُبِعَتْ في كتابٍ أسميتُهُ: «نَفَحَاتٌ قُرْآنيَّةٌ»، ثم طلَبَ مني بعضُ أهلِ العلمِ والزملاءِ والدكاترة: أن تكونَ هذه المعاني والفوائدُ شاملةً لجميعِ آياتِ القرآنِ الكريم، فاستعَنْتُ بالله عز وجل، ومرَرْتُ على جميعِ سُوَرِ وآياتِ القرآن، مبيِّنًا معانِيَها، وبعضَ ما فيها؛ مِن الفوائدِ واللطائفِ، والأحكامِ والتنبيهات؛ فكان هذا المختصَرُ الذي أسميتُهُ: (النَّفَحَاتُ المَكِّيَّةُ في تفسيرِ كتابِ ربِّ البَرِيّةِ).

ثم أشار عليَّ أحد الأبناء حفظه الله: أن يُطبَعَ هذا التفسيرُ على حاشيةِ صفَحاتِ مصحفِ المدينةِ النبويَّةِ، فيُجمَعُ بين القرآنِ والتفسير؛ ليكونَ أكثرَ انتشارًا وقَبُولًا، فتَمَّ ذلك؛ ولله الحمدُ والمِنَّةُ.

وإني لأشكُرُ اللهَ عز وجل على تمكيني مِن إتمامِ هذا العمل، وأسألُهُ سبحانه أن يَجعَلَهُ خالصًا لوجهِه، صوابًا على سُنَّةِ نبيِّه ﷺ، نافعًا لعبادِه؛ كما أشكُرُ كلَّ مَن ساعدني وتعاوَنَ معي في هذا العمَل، وأسألُ الله سبحانه وتعالى أن يَجعَلَهُ لي ولكلِّ مَنْ عَمِلَ فيه زادًا إلى حُسْنِ المصيرِ إليه، وعتادًا إلى يُمْنِ القدومِ عليه؛ إنَّه بكلِّ جميلٍ كَفِيل، وهو حَسْبُنا ونِعْمَ الوكيل، والحمدُ لله أوَّلًا وآخِرًا، ظاهرًا وباطنًا.

وكتَبَهُ

محمَّدُ بْنُ صَالِحِ بْنِ عَبْدِ اللهِ الشَّاوِيُّ

ترجمةٌ مُوجَزةٌ للمؤلِّف[10] [10] هذه الترجمةُ كتَبَها الابنُ صالحٌ حفظه الله؛ ليتعرَّفَ الأبناءُ والأحفادُ على شيءٍ مِن سِيرةِ والِدِهم وجَدِّهم، وهناك ترجمةٌ موسَّعةٌ جمَعْتُها مِن ذِكْرَيَاتي التي كتَبْتُها بخطِّ يدي على مَدَى ستِّين عامًا تقريبًا، وكذلك مِن الوثائقِ والمراسَلاتِ التي كانت عندي.

اسمُه: محمَّدُ بنُ صالحِ بنِ عبد الله بنِ محمَّدِ بنِ عبد الله بنِ سُلَيمانَ بنِ محمَّدِ بنِ غانِمٍ الشاويُّ البَقْميُّ الأَزْديُّ.

مولدُه: وُلِدَ المؤلِّفُ في البُكَيْريَّةِ، بتاريخ: (23/9/1350هـ)، الموافقِ: (31/1/1932م).

نشأتُه: نشأ المؤلِّفُ في البُكَيْريَّةِ بين أبوَيْنِ محافِظَيْنِ ومتديِّنَيْن؛ فقد كان والده فضيلةُ الشيخِ صالحِ بنِ عبد الله الشاويِّ رحمه الله عالمًا مِن علماء البُكَيْرِيَّة، وكان مِن المُوسِرينَ، ولله الحمدُ والمِنَّة؛ ولذلك اعتذَرَ لمَّا كُلِّفَ بالقضاءِ مرَّتَيْن[11]؛ لأنَّ القضاءَ سوف يَشغَلُهُ عن الاستمرارِ في تحصيلِ العلم، وإلقاءِ الدروس، وعن أعمالِهِ التجاريَّة. [11] حيثُ عيَّنه المَلِكُ عبد العزيز رحمه الله قاضيًا في القَصِيمِ، فامتنَعَ واستشفَعَ بالمشايخ، فسمَحَ له، ثم لمَّا تولَّى الملك سعود رحمه الله، عيَّنه قاضيًا في الجنوب، فأرسَلَ للمَلِكِ برقيَّةً قال فيها: (إنه بلَغَ سنَّ التقاعُد، وإنَّ ظروفَهُ الصحِّيَّةَ لا تَسمَحُ له)، فأُعفِيَ؛ رحمه الله رحمةً واسعة، وأسكَنَهُ فسيحَ جناته.

حَفِظَ المؤلِّفُ القرآنَ منذ نعومةِ أَظْفاره؛ حيثُ بدأ بالحفظِ على يد الشيخ عبد الله بن محمد الخُلَيفي رحمه الله، قبل أن يكونَ إمامًا للحرَمِ المكي، ثم أكمَلَ حِفْظَهُ على الشيخِ المقرئِ عبد الرحمن بن سالم الكريديس رحمه الله في مسجد تُرْكي[12]. [12] هكذا يُسمَّى؛ نسبةً إلى مؤسِّسهِ تُرْكي بن منصور التركي رحمه الله. ينظر: مساجد البُكَيْريَّة (ص61).

طلبُهُ للعلم: وبعد أن حَفِظَ القرآنَ بدأ مسيرتَهُ في طلَبِ العلم؛ حيثُ اهتَمَّ به والدُهُ، وأحضَرَهُ إلى مجالسِ العلماء؛ ليتعلَّمَ ويستفيدَ منهم، وكان أوَّلُ ذلك عندما بلَغَ التاسعةَ من عُمُره؛ حيثُ كان يجلسُ مع طلبةِ العلمِ الذين يدرُسُونَ عند والدِهِ فضيلةِ الشيخ صالح بن عبد الله الشاوي رحمه الله؛ في كُتُبِ شيخِ الإسلام ابن تيميَّة، وكتبِ ابن القيِّم، وكتبِ التفسير، وكتبِ السِّيرةِ النبويَّة؛ ولهذا يُعتبَرُ والدُهُ هو شيخَهُ الأوَّلَ الذي تعلَّم عليه بعضَ العلوم الشرعية.

ولما بلَغَ الحاديةَ عَشْرةَ مِن عُمُرِه، رَغِبَ إليه والدُهُ أن ينضمَّ إلى الحَلْقةِ في المسجد الجامع الكبير في البُكَيْريَّة؛ ليدرُسَ على الشيخ محمَّد بن عبد الله السُّبَيِّلِ إمامِ الحرَمِ المكي، والشيخ عبد العزيز بن عبد الله السُّبَيِّل[13]، والشيخِ العلَّامة محمَّد بن مُقبِلِ المُقبِل، وغيرهم مِن علماء ذلك الزمان رحمهم الله. [13] وهو شقيقُ الشيخِ محمَّد بن عبد الله السُّبَيِّل إمامِ الحرَم المكي رحمه الله.

وفي السنةِ الثالثةَ عَشْرةَ مِن عُمُرِهِ، سافر إلى الرياض، وانضمَّ مع طلبةِ العلمِ في مسجد الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ، وأخيه الشيخ عبد اللطيف بن إبراهيم، وغيرِهم من العلماء آنَذَاك رحمهم الله.

ولما قَدِمَ عبد الله ابنُ العمِّ الشيخِ محمَّد بن عثمان الشاوي رحمه الله مِن الطائف، أقنَعَهُ بالالتحاقِ بدارِ التوحيدِ في الطائف؛ فالتحَقَ ودرَسَ بها، وبعد أن أخَذَ شهادةَ المتوسِّطةِ مِن دار التوحيد، عاد إلى الرياض، وأكمَلَ الثانويةَ في المعهدِ العلميِّ بالرياض.

وفي عام (1372هـ) التحَقَ بكلية الشريعة، والتي كانت تسمَّى آنَذَاكَ: «دارَ العُلُومِ الشرعيَّة»، واستمرَّ فيها حتى تخرُّجه عام (1376هـ)، وكان مِن ضمن أوَّلِ دُفْعةٍ تخرَّجت في الكلية، وكان مِن مشايخِهِ وأساتذتِهِ الذين درَسَ عليهم في الكلية: الشيخُ محمَّد الأمين الشِّنْقِيطي، مؤلِّفُ تفسيرِ (أضواء البيان)، والشيخُ عبد العزيز بن باز، والشيخُ عبد الرزَّاق عفيفي، وغيرهم من أهل العلم آنذاك رحمهم الله.

أعمالُه: وبعد تخرُّجه في كلية الشريعة عام 1376هـ، تمَّ تعيينُهُ قاضيًا في المنطقة الشرقية في بَلْدةِ النُّعَيْريَّةِ بتاريخ: (15/2/1377هـ)، وقام بتأسيسِ المحكمةِ الشرعيَّةِ فيها، وعُيِّنَ رئيسًا لها، واستمَرَّ عمَلُهُ في مَجَالِ القضاء حتى تاريخ: (16/8/1379هـ).

وفي أثناء وجوده في النُّعَيْريَّةِ قاضيًا تولَّى إمامةَ جامع النُّعَيرِيَّة، وتولَّى الخَطَابةَ يوم الجمعةِ، وفي الأعياد والمناسَبات.

ومن المهامِّ التي تولَّاها أثناءَ عمله قاضيًا في النُّعَيْريَّة: تأسيسُ هيئاتِ الأمرِ بالمعروف، والنهيِ عن المنكَرِ فيها، ثم عُيِّنَ رئيسًا لها، وتولَّى أعمال الحِسْبةِ فيها لفترةٍ وجيزة، حتى تمَّ تعيينُ رئيسٍ مستقِلٍّ لها.

وبعد عامَيْنِ تقريبًا من عملِهِ في مجالِ القضاءِ: طلَبَ منه سماحة الشيخ محمدُ بنُ إبراهيم رحمه الله الانتقالَ إلى الرياض؛ لتأسيسِ وافتتاحِ كتابةِ العَدْل، والقيامِ بعملِ اللازمِ لها؛ حيثُ لم يكن هناك كتابةُ عَدْلٍ رسميَّةٌ بهذا الاسمِ قبل ذلك في منطقةِ الرياضِ والقَصِيم.

وبعد الانتهاءِ مِن عمليَّةِ تأسيسِ وافتتاحِ كتابةِ العَدْلِ: عُيِّنَ رئيسًا لها؛ فكان أوَّلَ رئيسٍ لكتابةِ العَدْلِ بالرياض، وقد رتَّب فضيلتُهُ ما يَلزَمُ لها مِن الأنظِمةِ والقوانينِ والموظَّفينَ، وباشَرَ العمَلَ فيها بتاريخ: (18/8/1379هـ).

وخلالَ فَتْرةِ عملِهِ رئيسًا لكتابة العَدْلِ: كُلِّفَ بالعمَلِ عضوًا قضائيًّا احتياطيًّا بهيئةِ المنازَعاتِ التجاريَّةِ في الفترةِ المسائيَّةِ في حالةِ تغيُّبِ أحدِ أعضاء الهيئة، وذلك بتاريخ: (28/5/1389هـ)، ثم صار بعد ذلك عضوًا رسميًّا، بعد أن طلَبَ أحدُ الأعضاءِ مِن الشيخِ محمَّد بن جُبَير رحمه الله إعفاءَهُ مِن الهيئة، للتفرُّغِ إلى عملِهِ الرسمي.

ومِن الأعمالِ التي تولَّاها: قيامُهُ بعقودِ الأَنكِحةِ بين الناس؛ حيثُ عَمِل مأذونًا للأنكحة، وقد تم تعيينُهُ في هذا العمل بتاريخ: (5/4/1392هـ)، بجانبِ عملِهِ في كتابةِ العَدْلِ بالرياض.

ومِن الأعمالِ التي تولَّاها أيضًا: تعيينُهُ عضوًا مؤسِّسًا في مؤسَّسةِ الجزيرةِ للصِّحَافةِ والطِّبَاعةِ والنَّشْر، ثم انتُخِبَ أيضًا مِن قِبَلِ زملائِهِ وعُيِّنَ عضوًا إداريًّا بتاريخ: (1/8/1398هـ).

كلُّ ذلك بجانبِ عمَلِهِ في كتابة العَدْل.

ومِن الأعمالِ أيضًا: تعيينُهُ مستشارًا لمعالي وزيرِ العَدْلِ آنذاكَ الشيخ إبراهيم بن محمَّد بن إبراهيم آل الشيخ، بتاريخ: (15/3/1398هـ)، وبعد فترةٍ وجيزةٍ مِن عمَلِهِ مستشارًا طلَبَ الإعفاءَ والتقاعُدَ المبكِّر، فتحقَّق له ما يريد؛ وذلك بتاريخ: (9/2/1399هـ)؛ لأنه كان يريدُ إراحةَ نفسِهِ مِن الأعمالِ الرسميَّة، والتفرُّغَ لكتابةِ البحوث، والعبادةِ، وغير ذلك.

بعد التقاعُد: وبعد التقاعُدِ قرَّر الانتقالَ إلى مكَّةَ المكرَّمةَ حرَسَها الله، وسكَنَ بجوارِ الحرَمِ المكي، وكان يصلِّي فيه الصلواتِ الخمسَ، ويحضُرُ الدروسَ والمحاضَرات، وقد ساعَدَهُ ذلك على استعادةِ حِفْظِهِ لكتاب الله.

ولقد رأيتُ مِن الوالدِ حفظه الله أثناءَ إقامتِهِ في مكَّةَ عنايةً بكتاب الله؛ تلاوةً وحفظًا، وفهمًا وتدبُّرًا؛ حتى إنه ترَكَ لأبنائِهِ جميعَ أعمالِهِ وتجاراتِه، منذ رُبُعِ قَرْنٍ تقريبًا، وسكَنَ بجوارِ الحرَمِ المكي، حتى لا يَشغَلَهُ شيءٌ عن القرآنِ ومدارَسَتِه، وكان ولا يزال: يَختِمُ القرآنَ في كلِّ يومٍ مَرَّةً؛ لا يَثْنِيهِ عن ذلك إلا الضرورةُ القاهرة؛ هذا بخلافِ عباداتِهِ الأخرى مِن الصلاةِ والقيامِ والطواف، وحضورِ دروسِ الحرَمِ المكي.

مؤلَّفاتُه: لم يَشغَلِ الوالدُ نَفْسَهُ كثيرًا بالتأليف؛ لأنه كان مشغولًا في أوَّلِ حياتِهِ بالوظائفِ الحكوميَّةِ والخَطَابةِ وغيرِها مِن الأعمال، وبعد التقاعُدِ شُغِلَ كثيرًا بمجالِ الأعمالِ الحُرَّةِ والتجارةِ، مع الاهتمامِ بالعبادةِ، وغيرِها، ومع ذلك: لم يَغْفُلْ عن تدوينِ بعضِ البحوثِ والكتاباتِ المفيدةِ، والتي جمَعْناها في المؤلَّفات التالية:

1- النَّفَحَاتُ المَكِّيَّةِ فِي تَفْسِيرِ كِتَابِ رَبِّ البَرِيَّةِ.

2- القَضَاءُ وَالقَدَرُ عِنْدَ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالجَمَاعَةِ.

3- الَّلآلِئُ المَكِّيَّةُ مِنْ كَلَامِ خَيْرِ البَرِيَّةِ – شَرْحِ سَبْعُونَ حَدِيثًا نَبَوِيًّا صَحِيحًا.

4- التُّحْفَةُ المَكِّيَّةُ فِي تَوْضِيحِ أَهَمِّ القَوَاعِدِ الفِقْهِيَّةِ.

5- الرَّدُّ الوَارِف عَلَى مَنْ أَبَاحَ رِبَا المَصَارِف.

6- تَرَاجِمُ بَعْضِ عُلَمَاءِ الشَّاوِيِّ.

7- خُطْبةُ المِنْبَر.

8- دُرُوسٌ وقَبَساتٌ مِن الحرَمِ - فوائِدُ ووقَفَاتٌ مُنْتقاةٌ مِنْ دُرُوسِ الحرَمِ المكِّيِّ وغَيْرِهِ.

9- قُطُوفٌ دَانِيَةٌ - مَقَالَاتٌ وَمَوْضُوعَاتٌ مُتَنَوِّعَةٌ.

10- حِكَمٌ مُخْتَارَاتٌ مِنْ عُيُونِ الشِّعْرِ وَالأَدَبِ.

هذا؛ ونَسْألُ اللهَ أن يَجعَلَ هذه الأعمالَ خالصةً لوجهِهِ الكريم، وأن يَحفَظَ الوالد، ويُديمَ عليه الصِّحَّةَ والعافية.

مِيزاتُ هذا التفسير

هذا التفسيرُ: (النَّفَحاتُ المَكِّيَّهْ، في تفسيرِ كتابِ ربِّ البَرِيَّهْ)، يتميَّزُ بمِيزاتٍ علميَّةٍ كثيرة، نذكُرُ منها على سبيلِ المثالِ ما يلي:

1- سلامةُ منهجِ المؤلِّفِ في المسائلِ العَقَديَّة، وحسنُ تعليقِهِ على تلك المواضعِ بعباراتٍ رصينةٍ مختصَرة، أعطت لهذا التفسيرِ مَزِيَّةً على كثيرٍ مِن التفاسيرِ التي لا تهتمُّ بهذه المواضع، أو تفسِّرُها على غيرِ الوجهِ الصحيح.

2- حسنُ اختيارِ المفرَداتِ اللغويَّةِ المفسِّرةِ للنصِّ القرآنيّ، مع سهولةِ العبارة، والتعبيرِ بأسلوبٍ واضحٍ يَفهَمُهُ القارئُ المعاصِرُ بيسرٍ وسهولة.

3- التزامُ المؤلِّفِ بأصحِّ أقوالِ المفسِّرينَ في المواضعِ التي وقَعَ فيها اختلافٌ بينهم.

4- تصحيحُ المؤلِّفِ لكثيرٍ مِن الأوهامِ التي وقَعَتْ في فهمِ بعضِ الآياتِ الكريمة، وإيرادُهُ للمعنى الصحيحِ، مع التنبيهِ على الخطأ.

5- إضافةُ المؤلِّفِ في كثيرٍ مِن المواضعِ لتعليقاتِهِ الشخصيَّةِ في بيانِ بعضِ الآيات؛ ممَّا يقرِّبُ المعنى بشكلٍ أكبَرَ للقارئِ المعاصر، ويُبرِزُ شخصيَّةَ المؤلِّفِ وفَّقه الله وخبرتَهُ العلميَّة.

6- جاء هذا التفسيرُ وجيزًا على حاشيةِ النصِّ القرآنيِّ؛ فكان مِن التفاسيرِ المختصَرةِ المناسِبةِ لمعرِفةِ المعنى بسهولةٍ ويسرٍ، دون مغادَرةِ القراءةِ في المصحف؛ وهذا يلبِّي حاجةَ كثيرٍ مِن القُرَّاءِ المعاصِرينَ الراغِبينَ في الوصولِ إلى المعنى، دون دخولٍ في تفصيلاتٍ علميَّةٍ قد لا يَفهَمُونَها.

7- في التفسيرِ لَفَتاتٌ جميلةٌ في الربطِ بالواقعِ المعاصر:

كما في قولِهِ تعالى: ﴿وَلۡتَكُن مِّنكُمۡ أُمَّةٞ يَدۡعُونَ إِلَى ٱلۡخَيۡرِ وَيَأۡمُرُونَ بِٱلۡمَعۡرُوفِ وَيَنۡهَوۡنَ عَنِ ٱلۡمُنكَرِۚ وَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡمُفۡلِحُونَ﴾ [آل عمران:١٠٤]؛ حيثُ أشار المؤلِّفُ -عند تفسيرِ هذه الآيةِ- إلى إنشاءِ هيئاتِ الأمرِ بالمعروفِ، والنهيِ عن المنكَرِ في المملكةِ العربيَّةِ السعوديَّة.

وكما في قولِهِ تعالى: ﴿ضُرِبَتۡ عَلَيۡهِمُ ٱلذِّلَّةُ أَيۡنَ مَا ثُقِفُوٓاْ إِلَّا بِحَبۡلٖ مِّنَ ٱللَّهِ وَحَبۡلٖ مِّنَ ٱلنَّاسِ﴾ [آل عمران:١١٢]؛ حيثُ أشار المؤلِّفُ إلى دعمِ دُوَلِ الغربِ لليهود.

وغيرِها مِن اللَّفَتاتِ الجميلةِ المفيدة.

8- ذكَرَ المؤلِّفُ بعضَ الأقوالِ في التفسيرِ التي سَمِعَها هو بنفسِهِ مِن شيوخِهِ، ومنهم العلَّامةُ المفسِّرُ الكبيرُ محمَّد الأمينُ الشِّنْقِيطيُّ رحمه الله، وغيرُهُ، وقد لا تُوجَدُ مثلُ هذه الأقوالِ في كُتُبِهِمُ المطبوعة.

9- ساعَدَ حفظُ المؤلِّفِ للقرآنِ والمداوَمةُ على ختمِهِ على استحضارِ آياتِهِ وربطِ الآياتِ بعضِها ببعض، وتفسيرِ القرآنِ بالقرآن؛ وهذا أصحُّ طُرُقِ التفسير.

10- كما لم يَخْلُ التفسيرُ مِن لَفَتاتٍ لُغَويَّة، ولطائفَ بلاغيَّة، وحقائقَ تاريخيَّة؛ ما زاد مِن أهميَّتِهِ وقيمتِهِ العلميَّة.

11- خُلُوُّ هذا التفسيرِ تقريبًا مِن الإسرائيليَّاتِ التي انتشَرَتْ في كتبِ التفسير.

12- خُلُوُّ هذا التفسيرِ مِن الأقوالِ الشاذَّةِ والمنكَرةِ، إلا ما ذكَرَهُ المؤلِّفُ للتنبيهِ على ضعفِهِ، وبيانِ الخطأِ فيه.

أسألُ اللهَ تعالى أن يَنفَعَ بهذا التفسيرِ مؤلِّفَهُ، وقارِئَهُ، وكُلَّ مَن شارَكَ في إخراجِهِ؛ إنه سميعٌ مُجِيبٌ، وصلَّى اللهُ وسلَّم على نبيِّنا محمَّدٍ، وعلى آلِهِ وصَحْبِهِ أجمَعين.

سورة الفاتحة

سورةُ الفاتحةِ مَكِّيَّةٌ، وآياتُها سبعُ آيات.

وهي أمُّ الكتابِ، والسبعُ المَثَاني، وأعظمُ سورةٍ في القرآن؛ يقولُ العلماء: (إنَّ القرآن كلَّه مركَّزٌ في هذه السورة)، أي: أنها خُلاصته، وخُلاصتها قوله: ﴿إِيَّاكَ نَعۡبُدُ وَإِيَّاكَ نَسۡتَعِينُ﴾، ولها عدة أسماء ذكَرها المفسِّرون.

‌أعوذ ‌بِاللَّه ‌من ‌الشَّيْطَان الرَّجِيم

هَذَه الاستِعاذةُ لَيْسَتْ من الْقُرْآن إِجْمَاعًا، وَإِنَّمَا تُذْكرُ هنا لاستحبابِها في أولِ القراءةِ، وقيل بوجوبِها.

ومعنى ‌أعوذُ ‌بالله ‌من ‌الشيطانِ الرَّجيم، أي: أستجيرُ بجنابِ اللهِ من الشيطانِ الرجيم أن يضرَّني في ديني أو دنياي.

[1] ﴿بِسۡمِ ٱللَّهِ ٱلرَّحۡمَٰنِ ٱلرَّحِيمِ 1﴾:

بدأ جل وعلا الفاتحة بالبسملة، فقال تعالى: ﴿بِسۡمِ ٱللَّهِ ٱلرَّحۡمَٰنِ ٱلرَّحِيمِ﴾، ومعناها: أبتدِئُ قراءةَ القرآن باسم الله، مستعينًا به؛ فإنه سبحانه المستحِقُّ لإفراده بالألوهيَّة والعبادة، وهو صاحبُ الرحمةِ الواسعةِ العظيمةِ التي وَسِعَتْ كلَّ شيء.

وقوله: ﴿ٱللَّهِ﴾: عَلَمٌ على الربِّ لا يُطلَقُ على أحدٍ غيرِه، وقيل: إنه اسمُ اللهِ الأعظمُ.

و ﴿ٱلرَّحۡمَٰنِ ٱلرَّحِيمِ﴾: اسمان مِن أسماء الله تعالى، يتضمَّنان صفةَ الرحمةِ اللائقةَ به سبحانه من غيرِ تحريفٍ ولا تعطيل، وغيرِ تكييفِ ولا تمثيل، فإن كل اسم يتضمَّن صفة تليق به، وهكذا يقال في جميع أسماء الله الواردة في الكتاب والسنة.

و ﴿ٱلرَّحۡمَٰنِ﴾: اسمٌ دالٌّ على عموم رحمته لجميع خلقه، مؤمنِهم وكافرِهم.

و ﴿ٱلرَّحِيمِ﴾: اسمٌ دالٌّ على رحمته الخاصَّة بالمؤمنين؛ كما قال تعالى: ﴿وَكَانَ بِٱلۡمُؤۡمِنِينَ رَحِيمٗا﴾ [الأحزاب:43].

والراجح: أن البسملة ليست آية من الفاتحة، ولكنَّها جزء من آية في سورة النمل، وليست آية مستقلَّة من القرآن؛ ولهذا لا يشرع الجهرُ بها في الصلاة الجهريَّة، وجهَر بها الشافعيُّ وغيرُه.

[2] ﴿ٱلۡحَمۡدُ لِلَّهِ رَبِّ ٱلۡعَٰلَمِينَ 2﴾:

ثم أخبَرَ جل وعلا أن له الحمدَ التامَّ الكامل، وأنه المحمود على كل حال، والحمدُ هو: الثناءُ على الله، مع التعظيمِ له والمحبَّة، نحمده سبحانه؛ لأنه ربُّ العالمين، أي: ربُّ كل شيء وخالقهُ ومدبِّرُه ومليكه. والربُّ: اسم من أسماء الله؛ لذا يصح أن يقال: عبد الرب.

[3] ﴿ٱلرَّحۡمَٰنِ ٱلرَّحِيمِ 3﴾:

ثم بيَّن سبحانه أننا نحمده؛ لأنه الرحمنُ الرحيم، أي: صاحبُ الرحمةِ الواسعةِ العظيمة، وقد سبَقَ الإشارة لمعنَيَيْهما.

[4] ﴿مَٰلِكِ يَوۡمِ ٱلدِّينِ 4﴾:

وبيَّن سبحانه أننا نحمده؛ لأنه مالكٌ ليومِ الدِّين، وهو يومُ القيامة، الذي هو يومُ الجزاء والحساب.

[5] ﴿إِيَّاكَ نَعۡبُدُ وَإِيَّاكَ نَسۡتَعِينُ 5﴾:

ولمَّا كان سبحانه بهذه العظَمةِ والملكِ والرحمةِ، استحقَّ من عباده أن يخُصُّوه بالعبادة والاستعانة في كلِّ أمورهم الدنيوية والأخروية؛ وهذا يعني: أنه لا يجوزُ للعبد أن يَصرِفَ شيئًا من أنواع العبادة؛ كالدعاء والاستغاثة والذَّبْح والنَّذْر وغيرها إلا لله وحده.

وكذلك: لا يجوزُ له أن يستعينَ بأحد سوى الله في الأمور التي لا يَقدِرُ عليها إلا الله، وأيضًا: لا يجوزُ له أن يتعلَّق قلبُهُ بأحد سوى الله؛ وهذا لا ينافي الأخذَ بالأسباب.

وقدَّم سبحانه العبادة على الاستعانة؛ لأهميَّتها؛ فهي الغايةُ التي مِن أجلها خُلِقَ الثقلان؛ قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقۡتُ ٱلۡجِنَّ وَٱلۡإِنسَ إِلَّا لِيَعۡبُدُونِ﴾ [الذاريات:56].

قال ابن تيميَّة: (العبادةُ: اسمٌ جامعٌ لكلِّ ما يُحِبُّهُ الله ويرضاه من الأقوال والأعمال، الباطنة والظاهرة).

وكرَّر قوله: ﴿إِيَّاكَ﴾ ؛ لإثباتِ اختصاصِهِ بالعبادة، والإعانةِ عليها.

[6] ﴿ٱهۡدِنَا ٱلصِّرَٰطَ ٱلۡمُسۡتَقِيمَ 6﴾:

ثم بيَّن جل وعلا أعظم مطلوبٍ لعباده، وهو طلَبُ الهداية إلى الطريق الواضح البيِّن، الذي يوصِّلُ إلى الجنة، وهو الإسلام؛ ومع أن المسلِمَ مهتدٍ، وعلى الإسلام: فقد شُرِعَ له طلَبُ الهداية؛ لقصد الاستمرار عليها، وحيثُ إن الصراط تتشعَّبُ منه طرق يَمْنةً ويَسْرة؛ فكان الواجب على العبد أن يطلُبَ من الله أن يثبِّته على الهدى وعلى الصراط المستقيم.

[7] ﴿صِرَٰطَ ٱلَّذِينَ أَنۡعَمۡتَ عَلَيۡهِمۡ غَيۡرِ ٱلۡمَغۡضُوبِ عَلَيۡهِمۡ وَلَا ٱلضَّآلِّينَ 7﴾ :

ثم بيَّن جل وعلا أن الصراط الذي أُمروا أن يسلُكُوهُ هو صراط المنعَمِ عليهم الذين ورَدَ ذكرهم في قوله تعالى: ﴿وَمَن يُطِعِ ٱللَّهَ وَٱلرَّسُولَ فَأُوْلَٰٓئِكَ مَعَ ٱلَّذِينَ أَنۡعَمَ ٱللَّهُ عَلَيۡهِم مِّنَ ٱلنَّبِيِّـۧنَ وَٱلصِّدِّيقِينَ وَٱلشُّهَدَآءِ وَٱلصَّٰلِحِينَۚ وَحَسُنَ أُوْلَٰٓئِكَ رَفِيقٗا﴾ [النساء:٦٩].

وهذا الصراطُ المستقيمُ ليس صراطَ المغضوب عليهم، وهم: اليهود؛ الذين عَلِموا المنزَّلَ فحرَّفوه، وليس صراطَ الضالِّينَ، وهم: النصارى؛ الذين عبَدُوا الله على جهالةٍ.

ولا شك أن كل مَن ينطبِقُ عليه أحد هذَيْنِ الوصفَيْنِ، فهو مقصود بهذه الآية.

والفاتحةُ هي السورةُ الوحيدةُ التي تُقرأ في كلِّ ركعةٍ من ركعاتِ الصَّلاة فرضًا كانت أو نافلةً. اتفق على هذا الأئمة مالك والشافعي وأحمد، فقالوا: (الفاتحةُ ركنٌ من أركان الصلاة، ولا تصحُّ الصلاة إلا بها)؛ واستدلُّوا بحديثِ: «لَا صَلَاةَ لِمَنْ لَمْ يَقْرَأْ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ» [1]. وقال أبو حنيفة: (الفاتحةُ ليست بركن، وتصحُّ الصلاة بما تيسَّر من القرآن)، واستدلَّ بحديثِ المسيءِ صلاتَهُ، الذي قال له النبي ﷺ بعد ما بيَّن له صفةَ الصلاة: «ثُمَّ اقْرَأْ مَا تَيَسَّرَ مَعَكَ مِنَ الْقُرْآنِ» [2]. [1] أخرجه البخاري (757)، ومسلم (397)، عن أبي هريرة رضي الله عنه. [2] أخرجه البخاري (756)، ومسلم (394)، عن عبادة بن الصامت رضي الله عنه.

وبعد قراءة الفاتحة: يجب على المصلِّي -إمامًا، ومأمومًا، ومنفردًا- أن يقول: (آمِين)، وهي اسمُ فعلٍ، بمعنى: اللهُمَّ استجِبْ، وأجمَعوا على أنها ليست من الفاتحة.

سورة البقرة

سورةُ البقَرةِ مَدَنِيَّةٌ، وآياتُها ستٌّ وثمانون ومائتا آيةٍ.

وقد جاء في فضل سورة البقرة بعض الأحاديث؛ ومِن ذلك: ما ورد أن البقرة وآل عمران سُمِّيتا بالزَّهْراوَيْن، وأنهما تكونان يوم القيامة غمامتَيْنِ تظلِّلانِ فوق رأسِ مَن يَحفَظُهما [3]. [3] أخرجه مسلم (804)، عن أبي أمامة الباهلي رضي الله عنه.

[1] ﴿الٓمٓ 1﴾:

ورَدَتْ أقوال كثيرة في الحروف المقطَّعة في أوائل السور، وأفضَلُها قولان:

الأوَّل: أن هذا القرآنَ كلامُ الله؛ وهو مكوَّنٌ من هذه الأحرف العربيَّة.

والثاني: أن الله أعلَمُ بمراده بها؛ حيث قال هؤلاء: إنَّ لكل كتاب سرًّا، وإن هذه الحروف سرُّ القرآن، وقد نسبوا هذا الكلام لأبي بكرٍ الصدِّيقِ رضي الله عنه.

وقد اختار الجمهور -ومنهم شيخُ الإسلام ابن تيميَّة، وابنُ كَثِير، والزَّمَخْشَري-: القولَ الأوَّل: بأنها ذُكِرَتْ لتدُلَّ على أن القرآن العظيمَ نزَلَ باللغة العربية التي تتكوَّن من هذه الأحرف: (أ، ب، ت، ث...)، إلخ.

والمقصودُ: أنها إعلامٌ وتحَدٍّ لمن عارَضَ أو كان عنده شكٌّ أنه من عند الله: بأن يأتي بحديثٍ مثلِه؛ وهذا هو الأرجحُ في هذه المسألة.

والحروفُ المقطَّعة في أوائل السُّوَر يَجمَعُها قولُ: (كلامُهُ سِرٌّ حصينٌ قطَعَ).

[2] ﴿ذَٰلِكَ ٱلۡكِتَٰبُ لَا رَيۡبَۛ فِيهِۛ هُدٗى لِّلۡمُتَّقِينَ 2﴾:

أخبَرَ جل وعلا أن هذا الكتاب العظيمَ -وهو القرآنُ الكريمُ- لا شكَّ فيه ولا ارتياب، وقد أنزله اللهُ هدايةً للمتقين الذين امتثلوا أوامر الله، واجتنبوا نواهيه.

وقوله: ﴿ذَٰلِكَ﴾ ، إشارةٌ للبعيد؛ لفخامةِ القرآن، وعلوِّ مكانته، وأنه عظيم الشأن.

ومعلومٌ أن الكتب التي تُكتَبُ يعتذِرُ كاتبوها عن الأخطاء التي فيها، ويطلُبُونَ من القرَّاء العفوَ والمعذرةَ عما يبدو فيها من نقصٍ أو تقصير، أما القرآن: فلا ريب ولا شك ولا خلل ولا اختلاف فيه، وهذا مِن إعجاز الله ومِن تحدِّيه لمن عارَضَ من أهل الكفر والضلال من قريش، الذين كانوا يفتخرون ويعتزُّون بلغتهم، ويتحَدَّوْنَ أنه لا يستطيعُ أحدٌ أن يُبارِيَهم فيها.

[3] ﴿ٱلَّذِينَ يُؤۡمِنُونَ بِٱلۡغَيۡبِ وَيُقِيمُونَ ٱلصَّلَوٰةَ وَمِمَّا رَزَقۡنَٰهُمۡ يُنفِقُونَ 3﴾:

ثم أخبَرَ جل وعلا أن مِن صفات هؤلاء المتقين: أنهم يؤمنون بالغيب، والغيبُ: هو ما غاب عن الحِسِّ والمشاهدة مما ذكَرَ الله؛ ككيفيَّةِ ذاتِهِ، وأمورِ الآخرةِ، والبرزخ، ومِن ذلك: أخبار الأمم والأنبياء السابقين، والعَرْش، والملائكة، والجِنّ، وغير ذلك.

ومِن صفاتهم: أنهم يحافظون على أداء الصلوات في أوقاتِها المحدَّدة مع جماعة المسلمين، إلا أصحابَ الأعذار الذين عذَرَهم الله، ويؤدُّونها بسكينة ووَقَار وحضور قلب، وخشوع وخضوع، ويُكثِرون من أدائها؛ لأهميتها وعظيم فضلها.

والصلاةُ في اللغة: الدعاءُ؛ ومنها قوله تعالى: ﴿وَصَلِّ عَلَيۡهِمۡۖ إِنَّ صَلَوٰتَكَ سَكَنٞ لَّهُمۡۗ﴾ [التوبة:١٠٣]. وسُمِّيَتِ الفروضُ الخمسةُ صلاةً؛ لاشتمالها على الدعاء.

ومِن صفاتهم: أنهم يُنفِقون مما أعطاهم الله من المال؛ فيُخرِجون الزكاةَ الواجبةَ والصدَقاتِ المستحَبَّةَ قربةً لله عز وجل.

[4] ﴿وَٱلَّذِينَ يُؤۡمِنُونَ بِمَآ أُنزِلَ إِلَيۡكَ وَمَآ أُنزِلَ مِن قَبۡلِكَ وَبِٱلۡأٓخِرَةِ هُمۡ يُوقِنُونَ 4﴾:

ثم ذكَرَ سبحانه أن مِن صفات هؤلاء المتقين: أنهم يصدِّقون بما أُنزِلَ عليك -أيها النبي- وهو القرآن، ويصدِّقون بكل الكتب السماويَّة التي أُنزِلَتْ على الأنبياء مِن قبلك، ويؤمنون باليومِ الآخِرِ، وهو يومُ القيامة، ويعلمون علمَ اليقين أنه حقٌّ لا ريب فيه.

واليقينُ ثلاثةُ أنواع:

يقينُ خَبَر، وهو: علمُ اليقين، وهو التصديقُ التامُّ؛ ودليلُهُ قوله تعالى: ﴿كَلَّا لَوۡ تَعۡلَمُونَ عِلۡمَ ٱلۡيَقِينِ﴾ [التكاثر:٥].

يقينُ مشاهَدةٍ ورؤية، وهو: عَيْنُ اليقين؛ ودليلُهُ قوله تعالى: ﴿ثُمَّ لَتَرَوُنَّهَا عَيۡنَ ٱلۡيَقِينِ﴾ [التكاثر:٧].

يقينُ مباشَرةٍ ووقوعٍ وإحساسٍ بالشيء، وهو: حقُّ اليقين؛ ودليلُهُ قوله تعالى: ﴿إِنَّ هَٰذَا لَهُوَ حَقُّ ٱلۡيَقِينِ﴾ [الواقعة:95].

وصِدْقُ اليقينِ بالآخرة: هو الاستعدادُ لها.

[5] ﴿أُوْلَٰٓئِكَ عَلَىٰ هُدٗى مِّن رَّبِّهِمۡۖ وَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡمُفۡلِحُونَ 5﴾:

ثم أخبَرَ جل وعلا أن هؤلاء المتقين الذين يتَّصفون بهذه الصفات الحميدة: على هُدًى ونُورٍ من ربِّهم، وأنهم المفلحون الفائزون بنعيم الله في الآخرة. والفلاحُ المذكورُ في هذه الآية، قيل معناه: الفوزِ والنجاحِ بالمطلوب، والنجاةِ في الآخرة مِن عذاب الله، وقيل معناه: البقاءُ السَّرْمَديُّ في النعيم.

وهذه الآياتُ الخمسُ الأولى جاءت في ذكر صفات المؤمنين المتقين.

[6-7] ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ سَوَآءٌ عَلَيۡهِمۡ ءَأَنذَرۡتَهُمۡ أَمۡ لَمۡ تُنذِرۡهُمۡ لَا يُؤۡمِنُونَ 6 خَتَمَ ٱللَّهُ عَلَىٰ قُلُوبِهِمۡ وَعَلَىٰ سَمۡعِهِمۡۖ وَعَلَىٰٓ أَبۡصَٰرِهِمۡ غِشَٰوَةٞۖ وَلَهُمۡ عَذَابٌ عَظِيمٞ 7﴾:

أخبَرَ سبحانه أن الذين كفروا لا يؤمنون، وقطعًا ليس المقصود جميع الكفار، وإنما المقصودُ أن هناك صِنْفَيْنِ من الكفارِ وقتَ نزول هاتَيْنِ الآيتَيْن:

الصِّنْفُ الأوَّل: بعض زعماء قريش؛ كأبي جهل، وأبي لهب، وآخرين ممن كرهوا التوحيدَ والداعين إليه، فأصرُّوا على الكفر، وعاندوا وعذَّبوا المسلمين، واضطَرُّوهم للهجرة إلى الحبشة، وهم الذين قالوا: ﴿أَجَعَلَ ٱلۡأٓلِهَةَ إِلَٰهٗا وَٰحِدًاۖ إِنَّ هَٰذَا لَشَيۡءٌ عُجَابٞ﴾ [ص:٥]، وقالوا: ﴿لَن نُّؤۡمِنَ بِهَٰذَا ٱلۡقُرۡءَانِ وَلَا بِٱلَّذِي بَيۡنَ يَدَيۡهِۗ﴾ [سبأ:٣١]، أي: بالرسالاتِ التي قبله، وبلَغَ بهم الكرهُ والحِقْدُ أن قالوا: ﴿ٱللَّهُمَّ إِن كَانَ هَٰذَا هُوَ ٱلۡحَقَّ مِنۡ عِندِكَ فَأَمۡطِرۡ عَلَيۡنَا حِجَارَةٗ مِّنَ ٱلسَّمَآءِ أَوِ ٱئۡتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٖ﴾ [الأنفال:٣٢]؛ مع أن الله خلَقَهم على الفِطْرة، وجعلهم مختارين؛ كسائر الناس، لكنهم اختاروا الضلال، وأصروا على الكفر؛ فسواءٌ عليهم خوَّفتهم -أيها النبي- أم لم تخوِّفْهم، فإنهم لن يؤمنوا أبدًا؛ ولهذا ختَمَ الله على قلوبهم وسمعهم، وجعل على أبصارهم غشاوةً فلا يبصرون الحقَّ، وهذا الختمُ والطبع جاءهم جزاءً لهم على أعمالهم وليس ابتداءً.

والصنفُ الثاني: الذين آمنوا، ثم ارتدُّوا ونافقوا، وهؤلاء هم الذين قال الله عنهم: ﴿ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمۡ ءَامَنُواْ ثُمَّ كَفَرُواْ فَطُبِعَ عَلَىٰ قُلُوبِهِمۡ﴾ [المنافقون:٣].

وأما الكفَّار الآخرون، فهم أيضًا محَلُّ الدعوة ولكنهم سيُسلِمون.

والدليلُ على أن المقصود بهذَيْنِ الصِّنْفَيْنِ السابقَيْنِ مَنْ كان وقتَ نزولِ الآيات: أن جميع الكفَّار في مكة وما حولها أسلموا بعد الفتح، وحاربوا مع المهاجرين والأنصار؛ لإعلاء كلمة الله، بل صار منهم قادةٌ قبلَ الفتح؛ كخالد بن الوليد، وعمرو بن العاص، وغيرهما؛ وبعدَ الفتحِ كعكرمةَ بنِ أبي جهل رضي الله عنهم أجمعين.

ثم ختَمَ سبحانه الآية مخبِرًا أنه أعد لهذَيْنِ الصنفَيْنِ عذابًا أليمًا يوم القيامة، لا يَعلَمُ قَدْرَهُ إلا الله.

ولا شك أن جميع من اتَّصف بصفات هذَيْنِ الصنفَيْن، فإنهم مثلُهم، ويشملهم حُكْمُهم.

[8] ﴿وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَقُولُ ءَامَنَّا بِٱللَّهِ وَبِٱلۡيَوۡمِ ٱلۡأٓخِرِ وَمَا هُم بِمُؤۡمِنِينَ 8﴾:

ثم أخبَرَ جل وعلا عن صنفٍ من الناسِ أشدَّ على الإسلام من الكفَّار، وهم المنافقون الذين يقولون: إنهم آمنوا بالله ورسوله، وباليوم الآخر، فكذَّبهم الله، وأخبَرَ أنهم ليسوا بمؤمنين، وأنهم يُضمِرون الكفر والعداوة للمسلمين.

[9] ﴿يُخَٰدِعُونَ ٱللَّهَ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَمَا يَخۡدَعُونَ إِلَّآ أَنفُسَهُمۡ وَمَا يَشۡعُرُونَ 9﴾:

ثم بيَّن سبحانه أن المنافقين يظُنُّونَ أنهم يخادعون الله والذين آمنوا، فيعتقدون أن أمرَهم كما راجَ عند الناسِ وجرت عليهم أحكامُ الشريعة ظاهرًا، فكذلك يكون حكمُهم يوم القيامةِ عند الله، وأن أمرهم يروجُ عنده. وفي الحقيقةِ: أنهم ما يَخدَعون إلا أنفُسَهم، لأن خداعَهم يكون سببًا في ضلالهم في الدنيا وهلاكهم يوم القيامة، ولكنهم لا يُحِسُّونَ بذلك؛ بسبَبِ جَهْلهم وغَفْلتهم وحِقْدهم على الدعوة والقائمين بها.

[10] ﴿فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٞ فَزَادَهُمُ ٱللَّهُ مَرَضٗاۖ وَلَهُمۡ عَذَابٌ أَلِيمُۢ بِمَا كَانُواْ يَكۡذِبُونَ 10﴾:

ثم أخبَرَ سبحانه أن المنافقين في قلوبهم مرَضٌ، أي: شكٌّ ونفاق؛ كما قال ابن مسعود، فزادهم الله مِن ذلك الشك. وبيَّن أن هؤلاء المنافقين لهم يوم القيامة عذابٌ موجِعٌ شديد بما كانوا يَكذِبون.

وهذه الآية وصَفَتْ جهل المنافقين وضلالهم، ورَفْضَهم اتِّباع النور الذي جاءت به رسلهم؛ وبهذا يسقُطُ اعتراض بعضهم: ما دام أن الله ختَمَ على قلوبهم فمنَعَهم عن الهدى، فكيف يستحِقُّونَ العقوبة؟!؛ وذلك لأنها أثبَتَتْ أن الختم كان بعد رَدِّهم الحقَّ، وإصرارِهم على الكفر.

[11] ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمۡ لَا تُفۡسِدُواْ فِي ٱلۡأَرۡضِ قَالُوٓاْ إِنَّمَا نَحۡنُ مُصۡلِحُونَ 11﴾:

ثم بيَّن سبحانه أن هؤلاء المنافقين إذا قيل لهم: لا تُفسِدوا في الأرض بنَشْرِ الكفر والمعاصي، ردُّوا: بأنهم يريدون الإصلاح والخير.

[12] ﴿أَلَآ إِنَّهُمۡ هُمُ ٱلۡمُفۡسِدُونَ وَلَٰكِن لَّا يَشۡعُرُونَ 12﴾:

ولذلك فضَحهم الله، وأخبَرَ أنهم هم المُفسِدون، ولكنَّهم لا يُحِسُّونَ أنهم أهل الفساد حقيقةً؛ بسبب جهلهم وعنادهم.

[13] ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمۡ ءَامِنُواْ كَمَآ ءَامَنَ ٱلنَّاسُ قَالُوٓاْ أَنُؤۡمِنُ كَمَآ ءَامَنَ ٱلسُّفَهَآءُۗ أَلَآ إِنَّهُمۡ هُمُ ٱلسُّفَهَآءُ وَلَٰكِن لَّا يَعۡلَمُونَ 13﴾:

وكذلك إذا قيل لهؤلاء المنافقين: آمِنوا كما آمَنَ الصحابة رضي الله عنهم بالنبيِّ ﷺ إيمانًا حقيقيًّا؛ جادلوا وقالوا: كيف نَفعَلُ مثل فعل هؤلاء الجهلاء ضعافُ العقول؟! فردَّ الله عليهم مبيِّنًا أنهم هم الجهلاء والسفهاء، ولكنهم لا يعلمون سوءَ ما فعلوه، وقبيحَ ما ارتكبوه؛ مِن العناد والكفر والضلال.

[14] ﴿وَإِذَا لَقُواْ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ قَالُوٓاْ ءَامَنَّا وَإِذَا خَلَوۡاْ إِلَىٰ شَيَٰطِينِهِمۡ قَالُوٓاْ إِنَّا مَعَكُمۡ إِنَّمَا نَحۡنُ مُسۡتَهۡزِءُونَ 14﴾:

ثم أخبَرَ جل وعلا أن المنافقين إذا قابلوا المؤمنين، واختلطوا بهم، أظهروا لهم الإيمان؛ فإذا رجعوا إلى رؤسائهم في الكفر، قالوا: نحن معكم قَلْبًا وقالَبًا، وإنما كنَّا نستخفُّ بالمؤمنين، ونَسخَرُ منهم.

[15] ﴿ٱللَّهُ يَسۡتَهۡزِئُ بِهِمۡ وَيَمُدُّهُمۡ فِي طُغۡيَٰنِهِمۡ يَعۡمَهُونَ 15﴾:

ثم بيَّن سبحانه أنه جزاءً لهم على استهزائهم وسخريتهم بعباد الله المؤمنين، فإنه سبحانه يستهزِئُ بهم؛ فيُمهِلُهم في الدنيا ليزدادوا ضلالًا إلى ضلالهم، ويتخبَّطوا حيارى لا يدري أحدُهم ما يَفعَل.

والاستهزاءُ المذكورُ في هذه الآية، وكذلك المَكْرُ في قوله: ﴿وَيَمۡكُرُونَ وَيَمۡكُرُ ٱللَّهُۖ﴾ [الأنفال:٣٠]، وما شابه ذلك؛ هذه صفاتٌ لكلٍّ منها وجهان: وجهٌ سيِّئٌ، وآخَرُ حسَنٌ؛ فلا يصحُّ أن تُذكَرَ بالنسبة لله إلا مقيَّدة؛ حتى لا يتطرَّق إلى الذهن الوجه السيِّئ؛ فيقال في الاستهزاء: إنه يستهزِئُ بالمجرِمين، المستهزئين بالله وآياته ورسوله، ويقال في المكر: إنه يمكُرُ بحقٍّ بالماكرين.

[16] ﴿أُوْلَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ ٱشۡتَرَوُاْ ٱلضَّلَٰلَةَ بِٱلۡهُدَىٰ فَمَا رَبِحَت تِّجَٰرَتُهُمۡ وَمَا كَانُواْ مُهۡتَدِينَ 16﴾:

ثم بيَّن جل وعلا سبب خُسْران هؤلاء المنافقين وشقائهم؛ فأخبَرَ أنهم استبدلوا الضلالةَ بالهدى، والكفرَ بالإيمان؛ فلم يربحوا في تجارتهم، ولم يكونوا من المهتدين؛ وهذا هو الخُسْرانُ المُبِين.

[17] ﴿مَثَلُهُمۡ كَمَثَلِ ٱلَّذِي ٱسۡتَوۡقَدَ نَارٗا فَلَمَّآ أَضَآءَتۡ مَا حَوۡلَهُۥ ذَهَبَ ٱللَّهُ بِنُورِهِمۡ وَتَرَكَهُمۡ فِي ظُلُمَٰتٖ لَّا يُبۡصِرُونَ 17﴾:

شبَّه جل وعلا حال هؤلاء المنافقين بحال مَن كان في ظُلْمة شديدة، ثم طلَبَ من يُوقِدُ له نارًا يستدفئ ويستضيءُ بها؛ فلما سطَعَتْ وأنارت ما حوله واطمأنَّ واستأنس، أطفأ الله عليه هذه النارَ؛ فبقي في ظلمةٍ لا يَرَى شيئًا، ولا يهتدي إلى طريق ولا مَخرَج؛ فكذلك هؤلاء المنافقون الذين آمنوا ظاهرًا؛ فَحُقِنَتْ دماؤهم، وحُفِظَتْ أموالهم، ولكنهم كفروا باطنًا، فصاروا يتخبَّطون في ظلمة الكفر والضلال، والنفاق والمعاصي؛ فلما فاجأهم الموت، جاءتهم ظُلْمة القبر، وبعدها ظُلْمة النار.

[18] ﴿صُمُّۢ بُكۡمٌ عُمۡيٞ فَهُمۡ لَا يَرۡجِعُونَ 18﴾:

ثم بيَّن سبحانه حال هؤلاء المنافقين، وأنهم كحالِ الصُّمِّ الذين لا يَسمَعون الحق، وكحالِ الخُرْسِ الذين لا يَنطِقون بالحق، وكحالِ العَمْيِ الذين لا يُبصِرون الهدى والنور؛ ولهذا السبب فإنهم لا يَرجِعون عن غيِّهم وضلالهم.

قال عبد الله بن مسعود وبعضُ أصحابه رضي الله عنهم: (إنَّ أناسًا دخلوا في الإسلام، فعَلِموا الحلالَ والحرام، وعاشوا في نور الإسلام، ثم نافقوا؛ فنزَلَتْ هذه الآية)؛ وهي تنطبقُ على كلِّ مَن شاكلهم.

[19] ﴿أَوۡ كَصَيِّبٖ مِّنَ ٱلسَّمَآءِ فِيهِ ظُلُمَٰتٞ وَرَعۡدٞ وَبَرۡقٞ يَجۡعَلُونَ أَصَٰبِعَهُمۡ فِيٓ ءَاذَانِهِم مِّنَ ٱلصَّوَٰعِقِ حَذَرَ ٱلۡمَوۡتِۚ وَٱللَّهُ مُحِيطُۢ بِٱلۡكَٰفِرِينَ 19﴾:

ثم شبَّه جل وعلا حال المنافقين تشبيهًا آخر، وهو أن حالهم يُشبِهُ حال جماعة يمشون في صحراء، فأصابهم مطَرٌ شديدٌ مصحوب بظُلْمة الليل، وظُلْمة السحاب، وظُلْمة المطر، مع رَعْدٍ مُخِيف، وبرقٍ يَخْطَفُ الأبصار، وصواعقَ مُحرِقة، ومِن شدَّة الرعب والخوف وضعوا أصابعهم في آذانهم خوفًا من الهلاك.

وهكذا المنافقون: فإنَّ في قلوبهم ظلماتٍ: ظُلْمة الكفر، وظُلْمة الشك، وظُلْمة النفاق؛ فلما سمعوا القرآن، نفَرُوا من تعاليمه، وسدُّوا آذانهم عن سماعه؛ كفرًا وحقدًا، ونَسُوا أن الله محيطٌ بهم، وقادرٌ عليهم، وأنه لا مَهرَبَ لهم منه.

[20] ﴿يَكَادُ ٱلۡبَرۡقُ يَخۡطَفُ أَبۡصَٰرَهُمۡۖ كُلَّمَآ أَضَآءَ لَهُم مَّشَوۡاْ فِيهِ وَإِذَآ أَظۡلَمَ عَلَيۡهِمۡ قَامُواْۚ وَلَوۡ شَآءَ ٱللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمۡعِهِمۡ وَأَبۡصَٰرِهِمۡۚ إِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ قَدِيرٞ 20﴾:

ثم بيَّن جل وعلا أن هذا البَرْق كاد من شدَّة لمَعَانه أن يَذهَبَ بأبصارهم؛ فكلما أضاء لهم الطريق لحظةً من الزمن، مشَوْا في ضوئه، وإذا ذهب، أظلَمَ عليهم، فيقفون في أماكنهم، ولو شاء سبحانه، لسلَبَ سَمْعَهم بقصفِ الرعد، وسلَبَ أبصارهم بوميضِ البرق؛ فإنه لا يُعْجِزه شيء في الأرض ولا في السماء.

وهكذا المنافقون: ينتفعون بالإسلام ظاهرًا في الحياة الدنيا، ثم لهم العذابُ الأليمُ الدائمُ في نار جهنم.

وهذه الآيات من الآية الثامنة إلى الآية العشرين كلُّها جاءت في وصف المنافقين؛ لأنهم أسوأ من الكفار؛ فهم أظهروا الإسلام، وأبطنوا الكفر؛ لذا كانوا أشدَّ عقوبةً من الكفار الأصليِّين.

[21] ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱعۡبُدُواْ رَبَّكُمُ ٱلَّذِي خَلَقَكُمۡ وَٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِكُمۡ لَعَلَّكُمۡ تَتَّقُونَ 21﴾:

هذا أوَّلُ نداء مِن الله للخلق جميعًا؛ حيثُ أمَرهم سبحانه أن يعبُدُوهُ وحده لا شريك له؛ فهو وحده المستحِقُّ للعبادة، وهذه العبادة هي المقصودُ الأعظمُ مِن الخلق، وأمَرَهم سبحانه بالعبادة؛ لأنه ربُّهم الذي أوجَدَهم، وأوجَدَ الذين مِن قبلهم بعد العَدَم، وأمَرَهم سبحانه بالعبادة؛ ليكونوا من المتقين، الذين يتَّقون سخَطَ الله وعذابه؛ بفعل أوامره، واجتناب نواهيه.

[22] ﴿ٱلَّذِي جَعَلَ لَكُمُ ٱلۡأَرۡضَ فِرَٰشٗا وَٱلسَّمَآءَ بِنَآءٗ وَأَنزَلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءٗ فَأَخۡرَجَ بِهِۦ مِنَ ٱلثَّمَرَٰتِ رِزۡقٗا لَّكُمۡۖ فَلَا تَجۡعَلُواْ لِلَّهِ أَندَادٗا وَأَنتُمۡ تَعۡلَمُونَ 22﴾:

وكذلك أمَرَ جل وعلا الناس بعبادته؛ لأنه هو الذي مهَّد لهم الأرض؛ ليستقروا عليها، وجعَلَ لهم السماء محكَمةَ البناء، وأنزَلَ المطَرَ من السحاب؛ فأخرَجَ لهم به من ألوان الثمرات وأنواع النباتات رزقًا لهم؛ ولهذا يجبُ عليهم ألَّا يُشْرِكوا مع الله أحدًا غيره، وهم يعلمون أن الله ليس له شريكٌ ولا نظيرٌ؛ لا في الخلق، ولا في الرزق، ولا في الألوهيَّة والكمال.

[23] ﴿وَإِن كُنتُمۡ فِي رَيۡبٖ مِّمَّا نَزَّلۡنَا عَلَىٰ عَبۡدِنَا فَأۡتُواْ بِسُورَةٖ مِّن مِّثۡلِهِۦ وَٱدۡعُواْ شُهَدَآءَكُم مِّن دُونِ ٱللَّهِ إِن كُنتُمۡ صَٰدِقِينَ 23﴾:

ثم وجَّه سبحانه الخطابَ لهؤلاء الكفار المعاندين، الذين أشركوا معه غيره، فقال لهم: فإذا كنتم في شكٍّ مِن القرآن الذي أنزلناه على نبينا محمَّد ﷺ، فأتوا بسورةٍ تماثِلُ سورةً من سُوَرِهِ في حسنِ النَّظمِ ودقةِ التركيبِ مع الفصاحةِ والبلاغةِ وغيرِهما، واستعينوا بمَن تَقدِرونَ عليه مِن أعوانكم وفُصَحائكم؛ إن كنتم صادقين أنكم تستطيعون التحدِّي.

[24] ﴿فَإِن لَّمۡ تَفۡعَلُواْ وَلَن تَفۡعَلُواْ فَٱتَّقُواْ ٱلنَّارَ ٱلَّتِي وَقُودُهَا ٱلنَّاسُ وَٱلۡحِجَارَةُۖ أُعِدَّتۡ لِلۡكَٰفِرِينَ 24﴾:

ثم قال لهم سبحانه: فإذا عجَزْتم -أيها الكفار- عن هذا التحدِّي -ولا محالةَ أنكم ستَعْجِزون- فاتقوا النار التي وقودها الناس والحجارة؛ وذلك بالإيمانِ بالله، واتِّباعِ نبيِّه ﷺ، واعلموا أن هذه النار أعدَّها الله للكافرين به وبرسوله ﷺ.

وقولُهُ: ﴿أُعِدَّتۡ لِلۡكَٰفِرِينَ﴾: مما يستدِلُّ به أهل السنة والجماعة على أن الكفَّار ومَن على شاكلتهم كالملاحدة والدَّهْريِّينَ وغيرهم، مخلَّدون في النار، أمَّا العصاة من المؤمنين، فيُخْرَجونَ منها، بعد أن يأخذوا جزاءَهم ويُطَهَّروا.

ويستدلون بها أيضًا على أن الجنة والنار مخلوقتان، وأنهما باقيتان أبدًا بإبقاءِ الله لهما.

ويقالُ: إن هذه الآيةَ من آيات الإعجاز؛ حيثُ إن الذين نزَلَتْ عليهم لم يجرُؤْ أحدٌ منهم على محاولة الإتيان بمثله.

[25] ﴿وَبَشِّرِ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ أَنَّ لَهُمۡ جَنَّٰتٖ تَجۡرِي مِن تَحۡتِهَا ٱلۡأَنۡهَٰرُۖ كُلَّمَا رُزِقُواْ مِنۡهَا مِن ثَمَرَةٖ رِّزۡقٗا قَالُواْ هَٰذَا ٱلَّذِي رُزِقۡنَا مِن قَبۡلُۖ وَأُتُواْ بِهِۦ مُتَشَٰبِهٗاۖ وَلَهُمۡ فِيهَآ أَزۡوَٰجٞ مُّطَهَّرَةٞۖ وَهُمۡ فِيهَا خَٰلِدُونَ 25﴾:

أمَرَ جل وعلا نبيَّه محمدًا ﷺ أن يبشِّرَ أهلَ الإيمانِ والعمَلِ الصالح: أنَّ الله أعدَّ لهم جنَّاتٍ فيها حدائقُ وبساتينُ ذاتُ أشجارٍ وثمارٍ جميلة؛ تجري الأنهار مِن تحت أشجارها ومساكنها، وكلَّما رزَقَهم الله نوعًا من أنواع الثمرات، ظنوا -قبل أن يذوقوه- أنه نَفْسُ النوع الذي أكلوه مِن قبل في الحياةِ الدنيا؛ لأنه يُشبِهُهُ في المنظر؛ فهي ثمارٌ متشابِهة في الألوان، مختلِفة في الطعم.

ثم أخبَرَ سبحانه أنه أعدَّ لأهل الإيمان أيضًا زوجاتٍ جميلاتٍ مطهَّراتٍ مِن كلِّ دنَسٍ وعيبٍ حسِّيٍّ؛ كالبَوْل، والعادة الشهرية، ومعنويٍّ؛ كسوء الخُلُق، والكذب، وغيره.

ومع هذا النعيم: فهم دائمون؛ لا يموتون، ولا ينقطع عنهم نعيمهم، أي: أن أهل الجنة خالدون في الجنة أبَدَ الآباد، لا تَفْنى ولا يَفْنى مَن فيها، وقد أجمع على هذا أهل السنة والجماعة.

[26] ﴿إِنَّ ٱللَّهَ لَا يَسۡتَحۡيِۦٓ أَن يَضۡرِبَ مَثَلٗا مَّا بَعُوضَةٗ فَمَا فَوۡقَهَاۚ فَأَمَّا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ فَيَعۡلَمُونَ أَنَّهُ ٱلۡحَقُّ مِن رَّبِّهِمۡۖ وَأَمَّا ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ فَيَقُولُونَ مَاذَآ أَرَادَ ٱللَّهُ بِهَٰذَا مَثَلٗاۘ يُضِلُّ بِهِۦ كَثِيرٗا وَيَهۡدِي بِهِۦ كَثِيرٗاۚ وَمَا يُضِلُّ بِهِۦٓ إِلَّا ٱلۡفَٰسِقِينَ 26﴾:

ثم أخبَرَ سبحانه وتعالى أنه لا يستحيي من الحق؛ فيَضرِبُ الأمثال بما شاء مِن خلقه، صغيرًا كان أو كبيرًا؛ كالبَعُوضة، والذُّبَاب، والنملة، وغيرها.

ثم بيَّن سبحانه أن المؤمنين يعلمون حِكْمةَ الله في هذه الأمثال، وأنها صدقٌ لا مِرْيةَ فيها؛ فيزدادون إيمانًا على إيمانهم.

وأما الكفَّار: فَيَسْخَرُونَ ويعترِضونَ ويتحيَّرون، ويقولون: ماذا أراد الله بهذا المَثَل؟!؛ فيزدادون كفرًا إلى كفرهم؛ ولهذا فإنه سبحانه يُضِلُّ بهذه الآيات أقوامًا، فيُنكِرونها، ويَسْخَرُونَ منها؛ فيُطبَعُ على قلوبهم، ويهدي بها آخرين؛ فيؤمنون بها، ويعملون بمقتضاها.

ثم بيَّن سبحانه أنه ما يُضِلُّ بهذه الآيات إلا الفاسقين الخارجين عن طاعة الله، المعادِينَ لله ولما جاءت به رسُلُ الله.

وفي هذه الآية: إثباتُ صفة الحَيَاءِ لله تعالى؛ لأن نفيَ الحياءِ لعِلَّة: دليلٌ على ثبوتِهِ عند زوالِ ذلك، وقد ثبَتَ ذلك صريحًا في قوله ﷺ: «إِنَّ رَبَّكُمْ حَيِيٌّ كَرِيمٌ، يَسْتَحْيِي مِنْ عَبْدِهِ إِذَا رَفَعَ يَدَيْهِ إِلَيْهِ أَنْ يَرُدَّهُمَا صِفْرًا» [4]. [4] أخرجه أبو داود (1488)، والتِّرمِذي (3556)، وابن ماجه (3865)، عن سلمان رضي الله عنه. وحسنه الحافظ ابن حجر في فتح الباري (11/143)، وصَّححه الألباني في صحيح أبي داود (1488).

[27] ﴿ٱلَّذِينَ يَنقُضُونَ عَهۡدَ ٱللَّهِ مِنۢ بَعۡدِ مِيثَٰقِهِۦ وَيَقۡطَعُونَ مَآ أَمَرَ ٱللَّهُ بِهِۦٓ أَن يُوصَلَ وَيُفۡسِدُونَ فِي ٱلۡأَرۡضِۚ أُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡخَٰسِرُونَ 27﴾:

ثم بيَّن سبحانه أن هؤلاء الفاسقين الخارجين عن طاعة الله: هم الذين يَهدِمونَ ويُبطِلون العهود والمواثيق التي بينهم وبين الله، وكذلك يَهدِمونَ ويُبطِلون العهود والمواثيق التي بينهم وبين الخَلْق، وذلك مِن بعد توكيدها على أنفسهم.

وأيضًا: يخالفون أَمْرَ الله بوصلِ الأرحام؛ فيقطعون الأرحام، وينشُرُونَ الفساد والضلال في الأرض؛ سواءٌ كان فسادًا معنويًّا؛ كنشر المعاصي، والرذائل، ونحوها، أو كان فسادًا حسِّيًّا؛ كقتلِ الأنفُسِ، وتخريبِ البلادِ بالهَدْمِ والتفجيرِ وغير ذلك. ولذلك: فهم خاسرون في الدنيا والآخرة؛ بسبب نَقْضهم للعهود، وقطعِهم ما أمَرَ الله به أن يُوصَل، وإفسادِهم في الأرض.

[28] ﴿كَيۡفَ تَكۡفُرُونَ بِٱللَّهِ وَكُنتُمۡ أَمۡوَٰتٗا فَأَحۡيَٰكُمۡۖ ثُمَّ يُمِيتُكُمۡ ثُمَّ يُحۡيِيكُمۡ ثُمَّ إِلَيۡهِ تُرۡجَعُونَ 28﴾:

ثم سأل سبحانه على سبيل الإنكار، فقال: كيف تَجحَدون -أيها الكفَّارُ المشركون- وحدانية الله الذي خلَقَكم بعد العَدَم، ووهَبَكم كلَّ هذه النعم، ثم بعد ذلك يميتكم فتُقْبَرُونَ، ثم يُخرِجُكم من قبوركم للحساب، ثم إليه تُرجَعون، فيجازيكم على أعمالكم؛ إنْ خيرًا فخيرٌ، وإنْ شرًّا فشرّ.

وهذه الآية: فيها إثباتُ البعثِ بعد الموت يوم القيامة، والذي أنكره الكفَّارُ والمشركون والملاحدة؛ حتى قال أحدهم: ﴿مَن يُحۡيِ ٱلۡعِظَٰمَ وَهِيَ رَمِيمٞ﴾ [يس:78].

ولأهمِّيةِ هذه المسألة، فقد ذكَرَ سبحانه وتعالى في نهاية سورة يس ثمانيةَ أدلَّةٍ على إمكانية حدوثه، مِن الآية: (79)، إلى الآية: (83).

[29] ﴿هُوَ ٱلَّذِي خَلَقَ لَكُم مَّا فِي ٱلۡأَرۡضِ جَمِيعٗا ثُمَّ ٱسۡتَوَىٰٓ إِلَى ٱلسَّمَآءِ فَسَوَّىٰهُنَّ سَبۡعَ سَمَٰوَٰتٖۚ وَهُوَ بِكُلِّ شَيۡءٍ عَلِيمٞ 29﴾:

ثم أخبَرَ جل وعلا أنه خلَقَ لأجل الناس جميعَ ما على الأرض مِن النِّعَمِ للانتفاع والاستمتاع والاعتبار بها؛ كرامةً ونعمةً منه سبحانه للناسِ أجمعين، ثم قصَدَ سبحانه إلى خلق السموات فأبدَعَهُنَّ، وجعلَهُنَّ سبعَ سموات.

ثم بيَّن سبحانه أنه بكلِّ شيء عليم، وأنَّ علمه محيطٌ شاملٌ جميعَ خلقه جل شأنه.

ولهذا يجب على الإنسان أن يخشى الله ويخافه؛ لأنه سبحانه عليمٌ بكل شيء، وما دام أنه عليمٌ بكل شيء فيجبُ على العبد أن يَحذَرَ مما يُغضِبُ الله في أقواله وأفعاله، وما تُضمِره نفسه.

قال الشيخ ابن عثيمين رحمه الله: (هذه الآية تدُلُّ على أن جميع ما على الأرض مباحٌ للإنسان، ما عدا ما نُصَّ على تحريمه).

[30] ﴿وَإِذۡ قَالَ رَبُّكَ لِلۡمَلَٰٓئِكَةِ إِنِّي جَاعِلٞ فِي ٱلۡأَرۡضِ خَلِيفَةٗۖ قَالُوٓاْ أَتَجۡعَلُ فِيهَا مَن يُفۡسِدُ فِيهَا وَيَسۡفِكُ ٱلدِّمَآءَ وَنَحۡنُ نُسَبِّحُ بِحَمۡدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَۖ قَالَ إِنِّيٓ أَعۡلَمُ مَا لَا تَعۡلَمُونَ 30﴾:

واذكُرْ -أيها النبي- يومَ أن قال ربُّك للملائكة: إنه سوف يَجعَلُ في الأرض خليفةً؛ لإعمارها، وتنفيذ أحكامه؛ ابتلاءً وتكليفًا لآدم عليه السلام وذُرِّيته، وإنه هو وذُرِّيته سوف يخلُفُ بعضهم بعضًا في تعميرها، وإن الملائكة سيوكَّلون بحفظِهِ وكتابةِ أعمالِهِ هو وذُرِّيته، وفي إخبار الله للملائكة بذلك: تعظيمٌ وإظهارٌ لفضل آدم عليه السلام.

ثم سأل الملائكةُ ربَّهم عَزَّوَجَلَّ قائلين: أتَجعَلُ -يا ربَّنا- في الأرض مَن يُفسِدُ فيها بإراقةِ الدماء، وفعلِ المعاصي والفجور، ونحن ننزِّهُكَ عما لا يليق بجلالك، ونعظِّمُكَ، ولا نَعْصِيكَ أبدًا؟! وسؤالهم هذا يدُلُّ على أنهم رأوا خَلْقًا قبل آدم يَسفِكون الدماء، أو أن الله أخبرهم بذلك؛ كما ذكَرَ ذلك بعض المفسِّرين.

فرَدَّ سبحانه عليهم مبيِّنًا لهم أنه يَعلَمُ ما لا يعلمون مِن سِرِّ الخلق وعواقب الأمور.

[31] ﴿وَعَلَّمَ ءَادَمَ ٱلۡأَسۡمَآءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمۡ عَلَى ٱلۡمَلَٰٓئِكَةِ فَقَالَ أَنۢبِـُٔونِي بِأَسۡمَآءِ هَٰٓؤُلَآءِ إِن كُنتُمۡ صَٰدِقِينَ 31﴾:

ثم أخبَرَ جل وعلا أنه علَّم آدمَ الأسماءَ كلَّها، أي: أقدَرَ آدمَ على تسمية كل شيء باسمه المناسب، وجعَلَ عِلْمَ الأسماء ضمنَ خِلْقته: بأنْ خلَقَهُ عارفًا عالمًا بذلك، وأعطاه مفاتيحَ العلومِ والأسماءِ واللغات.

ثم إنه سبحانه عرَضَ المسمَّياتِ على الملائكةِ؛ لاختبارهم إن كانوا صادقين في ظنِّهم أنهم أفضلُ مِن آدمَ وذُرِّيته.

[32] ﴿قَالُواْ سُبۡحَٰنَكَ لَا عِلۡمَ لَنَآ إِلَّا مَا عَلَّمۡتَنَآۖ إِنَّكَ أَنتَ ٱلۡعَلِيمُ ٱلۡحَكِيمُ 32﴾:

فلما تبيَّن للملائكة فضلُ آدَمَ عليهم، قالت: يا ربَّنا، إننا نقدِّسُكَ وننزِّهُكَ من الاعتراضِ عليك، ومخالفةِ أمرك، وليس لنا علم إلا ما علَّمْتَنا؛ فإنك أنت وحدك العليمُ؛ أحاط علمُكَ بكل شيء، وأنت الحكيمُ في تدبير الأمور.

[33] ﴿قَالَ يَٰٓـَٔادَمُ أَنۢبِئۡهُم بِأَسۡمَآئِهِمۡۖ فَلَمَّآ أَنۢبَأَهُم بِأَسۡمَآئِهِمۡ قَالَ أَلَمۡ أَقُل لَّكُمۡ إِنِّيٓ أَعۡلَمُ غَيۡبَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ وَأَعۡلَمُ مَا تُبۡدُونَ وَمَا كُنتُمۡ تَكۡتُمُونَ 33﴾:

ثم أمَرَ جل وعلا آدَمَ أن يذكُرَ للملائكة أسماءَ المسمَّياتِ، لمَّا عجزوا عن معرفتها؛ ليُظهِرَ فضلَهُ وشرَفَه، فلما أنبأ آدمُ عليه السلام الملائكةَ بالأسماء، حينها قال سبحانه للملائكة: ألم أُخبِرْكم -أيها الملائكةُ- أني أَعلَمُ ما خَفِيَ عنكم في السموات والأرض، وأَعلَمُ كلَّ ما تُظهِرونه وما تُخفُونه؟!

[34] ﴿وَإِذۡ قُلۡنَا لِلۡمَلَٰٓئِكَةِ ٱسۡجُدُواْ لِأٓدَمَ فَسَجَدُوٓاْ إِلَّآ إِبۡلِيسَ أَبَىٰ وَٱسۡتَكۡبَرَ وَكَانَ مِنَ ٱلۡكَٰفِرِينَ 34﴾:

ثم أمَرَ جل وعلا الملائكة أن يسجُدُوا لآدم سجودَ تحيَّةٍ واحترام؛ إكرامًا وتعظيمًا له؛ فامتثَلَ الملائكة أَمْرَ الله، وسجدوا له، إلا إبليسَ فلم يسجُدْ تكبُّرًا وعنادًا؛ ولذلك صار من الجاحدين العاصين لأمر الله.

وقد أخبَرَ سبحانه أن إبليس من الجن، وليس من الملائكة؛ كما في قوله تعالى: ﴿وَإِذۡ قُلۡنَا لِلۡمَلَٰٓئِكَةِ ٱسۡجُدُواْ لِأٓدَمَ فَسَجَدُوٓاْ إِلَّآ إِبۡلِيسَ كَانَ مِنَ ٱلۡجِنِّ فَفَسَقَ عَنۡ أَمۡرِ رَبِّهِۦٓۗ﴾ [الكهف:50]، وأَمَرَ جل وعلا إبليس بالسجود لآدَمَ عليه السلام بأمرٍ خاصٍّ به؛ كما في قوله تعالى: ﴿مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسۡجُدَ إِذۡ أَمَرۡتُكَۖ﴾ [الأعراف:12]، وذُكِرَ معهم؛ لأنه أُمِرَ في نفس الوقت الذي أُمِرَتْ فيه الملائكة بالسجود.

[35] ﴿وَقُلۡنَا يَٰٓـَٔادَمُ ٱسۡكُنۡ أَنتَ وَزَوۡجُكَ ٱلۡجَنَّةَ وَكُلَا مِنۡهَا رَغَدًا حَيۡثُ شِئۡتُمَا وَلَا تَقۡرَبَا هَٰذِهِ ٱلشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ ٱلظَّٰلِمِينَ 35﴾:

ثم أمَرَ جل وعلا آدَمَ عليه السلام أن يسكُنَ هو وزوجُهُ حوَّاءُ في الجنة، ويتمتَّعا من ثمارها في أمنٍ وأمان، ونهاهم عن أكلِ ثَمَرةِ شجرةٍ عيَّنها لهما ابتلاء وامتحانًا؛ حتى لا يقعا في المعصية؛ فيكونا من الظالمين بسبَبِ عصيان الله سبحانه وتعالى.

[36] ﴿فَأَزَلَّهُمَا ٱلشَّيۡطَٰنُ عَنۡهَا فَأَخۡرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِۖ وَقُلۡنَا ٱهۡبِطُواْ بَعۡضُكُمۡ لِبَعۡضٍ عَدُوّٞۖ وَلَكُمۡ فِي ٱلۡأَرۡضِ مُسۡتَقَرّٞ وَمَتَٰعٌ إِلَىٰ حِينٖ 36﴾:

ثم بيَّن سبحانه أن الشيطان زيَّن لآدمَ وزوجِهِ الأكلَ من الشجرة، وأخبَرَهما أن الأكلَ منها يُكْسِبهما الخلودَ في الجنة، وأقسَمَ أنه ناصحٌ ومخلِصٌ لهما، فلم يزَلِ الشيطانُ يوسوِسُ لهما حتى حمَلَهما على الخطيئة التي أَزَلَّتْهُمَا وأخرَجَتْهما من الجنة ونعيمها؛ ولهذا أمَرَ سبحانه آدمَ وحوَّاءَ وإبليسَ بالنزول إلى الأرض، وجعَلَ بعضهم يعادي بعضًا؛ كما قال تعالى: ﴿إِنَّ ٱلشَّيۡطَٰنَ لَكُمۡ عَدُوّٞ فَٱتَّخِذُوهُ عَدُوًّاۚ ﴾ [فاطر:٦].

ثم أخبَرَهما سبحانه وتعالى أنه جعَلَ الأرضَ سكنًا ومعاشًا لآدمَ وذُرِّيته حتى يأذنَ الله بقيام الساعة وانتهاء الآجال؛ قال تعالى: ﴿مِنۡهَا خَلَقۡنَٰكُمۡ وَفِيهَا نُعِيدُكُمۡ وَمِنۡهَا نُخۡرِجُكُمۡ تَارَةً أُخۡرَىٰ﴾ [طه:٥٥].

[37] ﴿فَتَلَقَّىٰٓ ءَادَمُ مِن رَّبِّهِۦ كَلِمَٰتٖ فَتَابَ عَلَيۡهِۚ إِنَّهُۥ هُوَ ٱلتَّوَّابُ ٱلرَّحِيمُ 37﴾:

ثم أخبَرَ جل وعلا أن آدمَ تلقَّى كلماتِ التوبةِ والاستغفار التي ألهمه الله إيَّاها، فتاب الله عليه، وغفَرَ له، إنه سبحانه كثيرُ القَبُولِ لتوبةِ مَن تاب وأناب مِن عباده، واسعُ الرحمة بهم.

قال أكثر المفسِّرين: الكلماتُ التي ألهَمَها الله لآدم المذكورةُ في هذه الآية: هي التي في قوله تعالى: ﴿رَبَّنَا ظَلَمۡنَآ أَنفُسَنَا وَإِن لَّمۡ تَغۡفِرۡ لَنَا وَتَرۡحَمۡنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ ٱلۡخَٰسِرِينَ﴾ [الأعراف:23].

[38] ﴿قُلۡنَا ٱهۡبِطُواْ مِنۡهَا جَمِيعٗاۖ فَإِمَّا يَأۡتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدٗى فَمَن تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوۡفٌ عَلَيۡهِمۡ وَلَا هُمۡ يَحۡزَنُونَ 38﴾:

كرَّر جل وعلا أمرَهُ لآدمَ وحوَّاءَ بالنزول إلى الأرض، وبيَّن لهما أنه سيأتيهما وذُرِّيَتهما ما فيه هدايتهم إلى الحق؛ وذلك بإرسال الرسل، وإنزال الكتب؛ فمَن آمن واتَّبع هدى الله، فلا خوفٌ عليهم ولا هم يحزنون.

[39] ﴿وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَكَذَّبُواْ بِـَٔايَٰتِنَآ أُوْلَٰٓئِكَ أَصۡحَٰبُ ٱلنَّارِۖ هُمۡ فِيهَا خَٰلِدُونَ 39﴾:

ثم بيَّن سبحانه أن الذين كفروا وكذَّبوا بالحق، فأولئك جزاؤهم نار جهنَّم خالدين فيها، لا يخرُجُونَ منها أبدًا.

[40] ﴿يَٰبَنِيٓ إِسۡرَٰٓءِيلَ ٱذۡكُرُواْ نِعۡمَتِيَ ٱلَّتِيٓ أَنۡعَمۡتُ عَلَيۡكُمۡ وَأَوۡفُواْ بِعَهۡدِيٓ أُوفِ بِعَهۡدِكُمۡ وَإِيَّٰيَ فَٱرۡهَبُونِ 40﴾:

ثم نادى سبحانه وتعالى بني إسرائيل وهم ذُرِّيَّةُ يعقوب عليه السلام، وأمَرَهم أن يتذكَّروا نِعَمَ الله الكثيرة عليهم، وذلك بالشكر والطاعة، كما أمَرَهم سبحانه أن يُتِمُّوا وصية الله لهم، وهي: الإيمان بالله وبكُتُبِهِ ورُسُله، والعملُ بشرائعه؛ فإنْ فعلوا ذلك، نصَرَهم وأعزَّهم في الدنيا، وأكرمهم في الآخرة، ثم أمَرَهم عَزَّوَجَلَّ ألَّا يخافوا أحدًا سواه.

وإسرائيلُ هو: يعقوبُ حفيدُ أبي الأنبياء إبراهيمَ عليه السلام، وهو أبو الأسباطِ يُوسُفَ وإخوتِهِ عليهم السلام أجمعين.

[41] ﴿وَءَامِنُواْ بِمَآ أَنزَلۡتُ مُصَدِّقٗا لِّمَا مَعَكُمۡ وَلَا تَكُونُوٓاْ أَوَّلَ كَافِرِۭ بِهِۦۖ وَلَا تَشۡتَرُواْ بِـَٔايَٰتِي ثَمَنٗا قَلِيلٗا وَإِيَّٰيَ فَٱتَّقُونِ 41﴾:

ثم أمَرَ المولى عَزَّوَجَلَّ بني إسرائيل أن يؤمنوا بالقرآن الذي أُنزِلَ على محمد ﷺ، الموافقِ لصحيح التوراة، وحذَّرهم أن يكونوا أوَّلَ مَن يكفر بالرسول ﷺ والقرآن، وحذَّرهم أيضًا أن يستبدلوا بآيات الله ثمنًا قليلًا من حُطَام الدنيا الزائل. ثم أمَرَهم أن يكونوا من المتَّقين؛ وذلك بطاعة الله، وترك معصيته.

[42] ﴿وَلَا تَلۡبِسُواْ ٱلۡحَقَّ بِٱلۡبَٰطِلِ وَتَكۡتُمُواْ ٱلۡحَقَّ وَأَنتُمۡ تَعۡلَمُونَ 42﴾:

ثم حذَّر سبحانه بني إسرائيل أن يَخلِطوا الحقَّ بالباطل، وحذَّرهم أيضًا أن يكتموا الحق الذي ظهَرَ وبانت أدلَّته عندهم، وهو الإيمانُ بنبوَّةِ محمد ﷺ، وصدقِ رسالته، وهم يعلمون مِن الكتب التي بين أيديهم: أنه رسولٌ مِن عند الله.

[43] ﴿وَأَقِيمُواْ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتُواْ ٱلزَّكَوٰةَ وَٱرۡكَعُواْ مَعَ ٱلرَّٰكِعِينَ 43﴾:

ثم أمَرَ جل وعلا بني إسرائيل أن يقيموا الصلاة، كما جاء بها النبي ﷺ، وأن يؤتوا الزكاةَ المفروضةَ على الوجه المشروع، وأن يَشهَدوا الصلاةَ جماعةً مع المسلمين.

[44] ﴿أَتَأۡمُرُونَ ٱلنَّاسَ بِٱلۡبِرِّ وَتَنسَوۡنَ أَنفُسَكُمۡ وَأَنتُمۡ تَتۡلُونَ ٱلۡكِتَٰبَۚ أَفَلَا تَعۡقِلُونَ 44﴾:

ثم خاطَبَ عز وجل بني إسرائيلَ على سبيلِ التوبيخ؛ فقال لهم: أتأمُرُونَ الناسَ بالإيمان بالله ورسله، وإقام الصلاة وغيرِها من أعمال الخير، وتترُكُونَ أنفسكم؛ فلا تأمُرونها بذلك؛ في حين أنكم تقرؤون التوراةَ التي فيها الحُجَجُ والبراهينُ الواضحةُ البيِّنة، أفلا تستعملون عقولكم استعمالًا صحيحًا يدعوكم إلى الفضائل، ويزجُرُكم عن الرذائل؟!

[45] ﴿وَٱسۡتَعِينُواْ بِٱلصَّبۡرِ وَٱلصَّلَوٰةِۚ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى ٱلۡخَٰشِعِينَ 45﴾:

ثم أمَرَ جل وعلا بني إسرائيلَ بالاستعانة بالصبرِ بجميع أنواعه في أمورِهم كلِّها، وكذلك بالمداوَمةِ على الصلاة التي تنهى عن الفحشاء والمنكَر، وبيَّن سبحانه أن الصلاة مِن الأعمال الشاقَّة إلا على الخاشعين.

[46] ﴿ٱلَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُم مُّلَٰقُواْ رَبِّهِمۡ وَأَنَّهُمۡ إِلَيۡهِ رَٰجِعُونَ 46﴾:

ثم بيَّن سبحانه صفةَ هؤلاء الخاشعين: أنهم هم الذين يَخشَوْنَ الله ويرجُونَ ما عنده، ويستيقنون أنهم ملاقو ربِّهم، وأنهم إليه راجعون يوم القيامة للحساب والجزاء.

[47] ﴿يَٰبَنِيٓ إِسۡرَٰٓءِيلَ ٱذۡكُرُواْ نِعۡمَتِيَ ٱلَّتِيٓ أَنۡعَمۡتُ عَلَيۡكُمۡ وَأَنِّي فَضَّلۡتُكُمۡ عَلَى ٱلۡعَٰلَمِينَ 47﴾:

ثم كرَّر جل وعلا النداءَ لبني إسرائيل، وأمَرَهم أن يتذكَّروا نِعَمَ الله الكثيرة عليهم، وذلك بالشكر والطاعة.

ومِن النِّعَمِ: أن الله سبحانه فضَّل آباءهم أتباع موسى عليه السلام على عالَمِي زَمَانِهم؛ لأن أتباعَ كل نبيٍّ مفضَّلون على عالَمِي زمانهم.

ولا شك أن تفضيلَ الآباءِ شرَفٌ للأبناء، وتفضيلُ الله لهم كان بإرسالِ الرسل، وإنزالِ الكتب، وأنه جعَلَ منهم سادةً وملوكًا.

وقولُهُ سبحانه هذا لبني إسرائيل جاء بعد اتِّخاذهم العِجْلَ وعبادتِه؛ تبكيتًا ولومًا.

[48] ﴿وَٱتَّقُواْ يَوۡمٗا لَّا تَجۡزِي نَفۡسٌ عَن نَّفۡسٖ شَيۡـٔٗا وَلَا يُقۡبَلُ مِنۡهَا شَفَٰعَةٞ وَلَا يُؤۡخَذُ مِنۡهَا عَدۡلٞ وَلَا هُمۡ يُنصَرُونَ 48﴾:

ثم أمَرَ جل وعلا بني إسرائيل أن يخافوا يومَ القيامة، ذلك اليومَ الذي لا يُغْني فيه أحدٌ عن أحدٍ شيئًا، ولا يَقبَلُ الله في ذلك اليومِ أن يَشفَعَ أحدٌ في الكافرين، ولا يَقبَلُ سبحانه من كافرٍ فِدْية، ولا يملكُ أحدٌ في هذا اليوم أن يُعِينَ كافرًا، أو ينصُرَه، أو ينجِّيَهُ مِن عذاب الله الشديد.

[49] ﴿وَإِذۡ نَجَّيۡنَٰكُم مِّنۡ ءَالِ فِرۡعَوۡنَ يَسُومُونَكُمۡ سُوٓءَ ٱلۡعَذَابِ يُذَبِّحُونَ أَبۡنَآءَكُمۡ وَيَسۡتَحۡيُونَ نِسَآءَكُمۡۚ وَفِي ذَٰلِكُم بَلَآءٞ مِّن رَّبِّكُمۡ عَظِيمٞ 49﴾:

ذكَّر جل وعلا بني إسرائيلَ بنعمتِهِ عليهم يومَ أن أنقَذَهم مِن بطش فرعون وأتباعه، الذين أذاقوهم كلَّ ألوان العذاب؛ ومِن ذلك: ذبحُ كلِّ مولودٍ ذكَر، وتركُ كلِّ مولودٍ أنثى؛ لاستخدامها في بيوت آل فرعون، ثم أعلمهم أن فيما حلَّ بآبائهم من العذاب اختبارًا وامتحانًا عظيمًا لهم من الله؛ لتمييزِ المؤمنِ من الكافر، والبَرِّ من الفاجر.

[50] ﴿وَإِذۡ فَرَقۡنَا بِكُمُ ٱلۡبَحۡرَ فَأَنجَيۡنَٰكُمۡ وَأَغۡرَقۡنَآ ءَالَ فِرۡعَوۡنَ وَأَنتُمۡ تَنظُرُونَ 50﴾:

ثم ذكَّرهم سبحانه بنعمتِهِ عليهم يومَ أن أنقَذَهم من فرعون وجنوده بتجميدِ البحرِ حتى صار طُرُقًا يابسة؛ فأنجاهم، وأغرَقَ فرعونَ وجنوده أمام أعيُنِهم.

[51] ﴿وَإِذۡ وَٰعَدۡنَا مُوسَىٰٓ أَرۡبَعِينَ لَيۡلَةٗ ثُمَّ ٱتَّخَذۡتُمُ ٱلۡعِجۡلَ مِنۢ بَعۡدِهِۦ وَأَنتُمۡ ظَٰلِمُونَ 51﴾ :

ثم ذكَّرهم سبحانه بنعمتِهِ عليهم وذلك بإهلاكِ عدوِّهم ودخولِهم مصرَ آمنين، ثم بذهابِ موسى عليه السلام للموعدِ الذي حدَّده الله، وذلك بعد انقضاءِ أربعينَ ليلةً؛ لكي ينزِّلَ عليه التوراةَ التي فيها الهدى والنورُ لهم، ولكنهم كفَروا باتِّخاذِهم العجل معبودًا مِن دون الله بعد ذَهَابِ موسى، وقد ظلَمُوا أنفُسَهُم بهذه الجريمة الشنيعة.

[52] ﴿ثُمَّ عَفَوۡنَا عَنكُم مِّنۢ بَعۡدِ ذَٰلِكَ لَعَلَّكُمۡ تَشۡكُرُونَ 52﴾:

ثم بيَّن سبحانه أنه مع كلِّ هذه الجرائم التي وقعوا فيها، فإن الله عفا عنهم، وقَبِلَ توبتهم؛ لعلهم يشكُرُونَهُ على هذه النعمة.

[53] ﴿وَإِذۡ ءَاتَيۡنَا مُوسَى ٱلۡكِتَٰبَ وَٱلۡفُرۡقَانَ لَعَلَّكُمۡ تَهۡتَدُونَ 53﴾:

ثم ذكَّرهم سبحانه بنعمتِهِ عليهم يومَ أن أكرَمَ موسى بالتوراةِ الفارِقةِ بين الحق والباطل؛ ليهتدوا ويسترشدوا بها من الضلال.

[54] ﴿وَإِذۡ قَالَ مُوسَىٰ لِقَوۡمِهِۦ يَٰقَوۡمِ إِنَّكُمۡ ظَلَمۡتُمۡ أَنفُسَكُم بِٱتِّخَاذِكُمُ ٱلۡعِجۡلَ فَتُوبُوٓاْ إِلَىٰ بَارِئِكُمۡ فَٱقۡتُلُوٓاْ أَنفُسَكُمۡ ذَٰلِكُمۡ خَيۡرٞ لَّكُمۡ عِندَ بَارِئِكُمۡ فَتَابَ عَلَيۡكُمۡۚ إِنَّهُۥ هُوَ ٱلتَّوَّابُ ٱلرَّحِيمُ 54﴾:

ثم ذكَّرهم سبحانه بنعمتِهِ عليهم يومَ أن قال موسى لهم: لقد ظلَمْتم أنفُسَكم بعبادةِ العِجْل؛ ولذا يجبُ عليكم أن تتوبوا إلى ربِّكم؛ وذلك بأن يقتُلَ بعضكم بعضًا؛ تطهيرًا لكم من هذا الذنب العظيم؛ وهذا مِن الآصارِ التي رُفِعَتْ عن أمَّة محمد ﷺ؛ حيث جعَلَ الله لهذه الأمَّة التوبةَ كفَّارةً للذنب مهما كَبُرَ، مع القِصَاصِ من المعتدي؛ إلا إذا عفا المعتدَى عليه، ثم قال موسى: واعلموا أن طاعتكم وامتثالكم لأمر الله خيرٌ لكم؛ لأن عذابَ الدنيا أهونُ من عذاب الآخرة؛ ولذلك تاب الله عليكم ورَحِمكم لمَّا امتثَلْتم أوامر الله؛ إنه سبحانه هو التوَّابُ الذي يَقبَلُ توبةَ مَن تاب من عباده، الرحيمُ بهم.

[55] ﴿وَإِذۡ قُلۡتُمۡ يَٰمُوسَىٰ لَن نُّؤۡمِنَ لَكَ حَتَّىٰ نَرَى ٱللَّهَ جَهۡرَةٗ فَأَخَذَتۡكُمُ ٱلصَّٰعِقَةُ وَأَنتُمۡ تَنظُرُونَ 55﴾:

ثم ذكَّرهم سبحانه بنعمتِهِ عليهم يومَ أن قال أولئك السبعون الذين اختارهم موسى: لن نصدِّقَ برسالتِكَ -يا موسى- حتى نرى الله عيانًا؛ وقد قالوا ذلك تعجيزًا، وليس شوقًا لرؤية الله، ولشناعةِ هذا المطلبِ أنزَلَ الله عليهم نارًا من السماء رأَوْها بأعينهم؛ فأهلكَتْهم جميعًا.

[56] ﴿ثُمَّ بَعَثۡنَٰكُم مِّنۢ بَعۡدِ مَوۡتِكُمۡ لَعَلَّكُمۡ تَشۡكُرُونَ 56﴾:

ثم أخبَرَ سبحانه أنه أحياهم بعد ذلك؛ تحقيقًا لرغبةِ موسى وشفاعته؛ ليعلموا عظيمَ نعمةِ اللهِ عليهم فيشكُرُوه.

وفي الآية السابقة: سأل بنو إسرائيل موسى رؤيةَ الله، فأنزَل الله عليهم صاعقةً من السماء قتَلَتْهم وأحرَقَتْهم.

وفي آية أخرى: سأل موسى رؤيةَ ربِّه، ولم يُنزِلْ عليه شيئًا، بل وضَّح الله له أن رؤيتَهُ في الدنيا لا يُطِيقها البشر؛ قال تعالى: ﴿وَلَمَّا جَآءَ مُوسَىٰ لِمِيقَٰتِنَا وَكَلَّمَهُۥ رَبُّهُۥ قَالَ رَبِّ أَرِنِيٓ أَنظُرۡ إِلَيۡكَۚ قَالَ لَن تَرَىٰنِي وَلَٰكِنِ ٱنظُرۡ إِلَى ٱلۡجَبَلِ فَإِنِ ٱسۡتَقَرَّ مَكَانَهُۥ فَسَوۡفَ تَرَىٰنِيۚ فَلَمَّا تَجَلَّىٰ رَبُّهُۥ لِلۡجَبَلِ جَعَلَهُۥ دَكّٗا وَخَرَّ مُوسَىٰ صَعِقٗاۚ فَلَمَّآ أَفَاقَ قَالَ سُبۡحَٰنَكَ تُبۡتُ إِلَيۡكَ وَأَنَا۠ أَوَّلُ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ﴾ [الأعراف:١٤٣]؛ فموسى لمَّا رأى انهيارَ الجبل، صَعِقَ، ولكنَّ صعقتَهُ كانت غيبوبة، ولم يمُتْ بدليلِ قوله: ﴿فَلَمَّآ أَفَاقَ﴾.

والفرق بين السؤالين: أن سؤالَ موسى هو سؤالُ حُبٍّ واشتياق، أما سؤالُهم فهو سؤالُ تعنُّت وتعجيز.

وفي هذه السورة -أي: سورة البقرة-: أرى اللهُ عبادَهُ قدرتَهُ على إحياء الموتى في خمسة مواضع؛ هذا أحدها.

والموضعُ الثاني: القتيلُ الذي تَمَارَوْا في قتله؛ فأمَرَ الله موسى بأخذِ عضوٍ مِن بقرةٍ مذبوحةٍ لِيَضرَبَ به الميِّت، فلما ضربه، انتصَبَ قائمًا، وأخبَرَهم بالذي قتله، وذلك في الآيتين: (72، 73).

والموضعُ الثالث: الذين خرَجوا من ديارهم وهم ألوفٌ حذَرَ الموت؛ فأماتهم الله، ثم أحياهم، وذلك في الآية (243).

والموضع الرابع: الذي مر على قرية وهي خاوية على عروشها، قال: أنى يحيي هذه الله بعد موتها، فأماته الله مائة عام ثم بعثه، وذلك في الآية (259).

والموضعُ الخامس: قصةُ إبراهيمَ مع الطَّيْرِ التي مزَّقها إربًا، ثم وزَّعها على الجبال، ثم أمَرَ اللهُ نبيَّه إبراهيم بدعوتهِنَّ، فأتته تسعى؛ وذلك في الآية (260).

[57] ﴿وَظَلَّلۡنَا عَلَيۡكُمُ ٱلۡغَمَامَ وَأَنزَلۡنَا عَلَيۡكُمُ ٱلۡمَنَّ وَٱلسَّلۡوَىٰۖ كُلُواْ مِن طَيِّبَٰتِ مَا رَزَقۡنَٰكُمۡۚ وَمَا ظَلَمُونَا وَلَٰكِن كَانُوٓاْ أَنفُسَهُمۡ يَظۡلِمُونَ 57﴾ :

ثم ذكَرَ جل وعلا نعمتَهُ على بني إسرائيل حين تاهوا في الأرض؛ حيثُ جعَلَ السحابَ عليهم كالمِظَلَّةِ تقيهم حرَّ الشمس، وأنزَلَ عليهم المَنَّ الذي يشبه العسَل، والسَّلْوَى، وهو طيرٌ لذيذُ اللحم يشبه السُّمَانَى؛ وقال اللهُ لهم: كلوا مما رزَقْناكم من هذه الطيِّبات، ولكنهم لم يشكُرُوا نعم الله، ولم يمتثلوا أوامره؛ بل استمرُّوا على كفرهم ومعاصيهم؛ فبيَّن الله أنهم لم يضُرُّوهُ بكفرهم ومعاصيهم التي ارتكبوها، ولكنهم أضرُّوا أنفُسَهم؛ لأنهم عرَّضوها لغضب الله وعذابه.

[58] ﴿وَإِذۡ قُلۡنَا ٱدۡخُلُواْ هَٰذِهِ ٱلۡقَرۡيَةَ فَكُلُواْ مِنۡهَا حَيۡثُ شِئۡتُمۡ رَغَدٗا وَٱدۡخُلُواْ ٱلۡبَابَ سُجَّدٗا وَقُولُواْ حِطَّةٞ نَّغۡفِرۡ لَكُمۡ خَطَٰيَٰكُمۡۚ وَسَنَزِيدُ ٱلۡمُحۡسِنِينَ 58﴾:

ومِن نِعَمِ الله عليكم -يا بني إسرائيل-: أنه أمَرَكم بدخول مدينة بيت المقدس؛ ليكونَ لكم وطنًا ومسكنًا، وأباح لكم أن تأكلوا من خَيْراتها وثمارها هنيئًا مريئًا، وأمَرَكم حين دخولكم أن تكونوا خاشعين خاضعين شاكرين لله، داعين ربَّكم أن يحُطَّ عنكم خطاياكم، ويَغفِرَ ذنوبكم، أي: يستُرَها ويتجاوَزَ عنها؛ فإنه جل وعلا يغفر لمن تاب وأناب، ويزيدُ المحسنين؛ فضلًا منه وكرمًا على إحسانهم.

قال الشيخ محمد بن عثيمين رحمه الله:

(والإحسانُ نوعان:

النوعُ الأوَّل: إحسانٌ في عبادة الله؛ وقد فسَّره رسول الله ﷺ بقوله: «أَنْ تَعْبُدَ اللهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ؛ فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ، فَإِنَّهُ يَرَاكَ» [5]. [5] أخرجه مسلم (8)، عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه.

والنوعُ الثاني: إحسانٌ في معامَلةِ الخَلْق، وهو بذلُ المعروف، وكفُّ الأذى).

[59] ﴿فَبَدَّلَ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ قَوۡلًا غَيۡرَ ٱلَّذِي قِيلَ لَهُمۡ فَأَنزَلۡنَا عَلَى ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ رِجۡزٗا مِّنَ ٱلسَّمَآءِ بِمَا كَانُواْ يَفۡسُقُونَ 59﴾:

ثم بيَّن جل وعلا أن هؤلاء الظالمين السفهاء من بني إسرائيل حرَّفوا كلام الله وغيَّروا وبدَّلوا حسَبَ أهوائهم؛ حيث دخلوا يَزْحَفون على أَسْتاههم، وقالوا: حَبَّةٌ في شعيرة، مستهزئين بدين الله؛ فعاقب سبحانه هؤلاء الظالمين بأن أنزَلَ عليهم عذابًا من السماء نكَّل بهم؛ جزاءَ فعلهم وفسقهم وبغيهم.

[60] ﴿وَإِذِ ٱسۡتَسۡقَىٰ مُوسَىٰ لِقَوۡمِهِۦ فَقُلۡنَا ٱضۡرِب بِّعَصَاكَ ٱلۡحَجَرَۖ فَٱنفَجَرَتۡ مِنۡهُ ٱثۡنَتَا عَشۡرَةَ عَيۡنٗاۖ قَدۡ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٖ مَّشۡرَبَهُمۡۖ كُلُواْ وَٱشۡرَبُواْ مِن رِّزۡقِ ٱللَّهِ وَلَا تَعۡثَوۡاْ فِي ٱلۡأَرۡضِ مُفۡسِدِينَ 60﴾:

وتذكَّروا -يا بني إسرائيل- نعمةَ الله عليكم حين كنتم عِطَاشًا في التِّيه، فطلَبَ موسى من الله أن يَسقِيَكم ماءً لتشربوا منه، فأمَرَهُ سبحانه أن يَضرِبَ الحجَر، فانفجَرَتْ منه اثنتا عَشْرةَ عَيْنًا، لكلِّ سِبْطٍ منكم عينٌ معلومة يَشرَبُ منها.

وفي هذا: دليلٌ على كمال قدرة الله سبحانه وتعالى، وأنه جل وعلا قادرٌ على كل شيء، ومن ذلك: أنه أمَرَ موسى بضربِ الحجَرِ الجامدِ اليابس، فانفجَرَتْ منه اثنتا عَشْرةَ عَيْنًا.

ثم قال لكم سبحانه: كُلُوا واشربوا مِن رزقِ الله، ولا تخرِّبوا في الأرض بالبغي والإفساد فيها.

والإفسادُ في الأرض يكونُ: بنشرِ المعاصي، والرذائلِ، والفتنِ، وافتعالِ الحروب، وقتلِ الناس، وتدميرِ البلاد، ونحوِ ذلك مِن أنواع الإفساد الكثيرة؛ نسأل الله العافية.

وقوله: ﴿فَٱنفَجَرَتۡ﴾ ، يعني: خرَجَ الماء منها بكثرة.

وأما قوله: ﴿فَٱنۢبَجَسَتۡ﴾ [الأعراف:١٦٠]، فالانْبِجاسُ، المرادُ منه: خُروجُ الماء منها بقِلَّة. والمعنى: أنَّ عيون الماء لما كانت قويَّة، عبَّر الله عنها بالانفجار، وكان البدءُ بقلةٍ ثم يَكثُر بالاتِّساعِ. وظاهرُ القرآنِ استعمالُهما بمعنًى واحدٍ، لأن الآيتين قصةٌ واحدةٌ.

[61] ﴿وَإِذۡ قُلۡتُمۡ يَٰمُوسَىٰ لَن نَّصۡبِرَ عَلَىٰ طَعَامٖ وَٰحِدٖ فَٱدۡعُ لَنَا رَبَّكَ يُخۡرِجۡ لَنَا مِمَّا تُنۢبِتُ ٱلۡأَرۡضُ مِنۢ بَقۡلِهَا وَقِثَّآئِهَا وَفُومِهَا وَعَدَسِهَا وَبَصَلِهَاۖ قَالَ أَتَسۡتَبۡدِلُونَ ٱلَّذِي هُوَ أَدۡنَىٰ بِٱلَّذِي هُوَ خَيۡرٌۚ ٱهۡبِطُواْ مِصۡرٗا فَإِنَّ لَكُم مَّا سَأَلۡتُمۡۗ وَضُرِبَتۡ عَلَيۡهِمُ ٱلذِّلَّةُ وَٱلۡمَسۡكَنَةُ وَبَآءُو بِغَضَبٖ مِّنَ ٱللَّهِۚ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمۡ كَانُواْ يَكۡفُرُونَ بِـَٔايَٰتِ ٱللَّهِ وَيَقۡتُلُونَ ٱلنَّبِيِّـۧنَ بِغَيۡرِ ٱلۡحَقِّۚ ذَٰلِكَ بِمَا عَصَواْ وَّكَانُواْ يَعۡتَدُونَ 61﴾ :

ثم ذكَّر جل وعلا بني إسرائيل بنعمته عليهم يوم أن هيَّأ لهم أحسَنَ الطعام، ولكنَّهم تضجَّروا وأصابهم الملل؛ فقالوا: يا موسى، لن نَصبِرَ على نوع واحد من الطعام؛ مع أنه كان طعامًا جامعًا لعناصر التغذية، ولكنْ لدناءتهم طلَبُوا منه أن يدعُوَ الله أن يُخرِجَ لهم من الأرض بعض النباتات؛ مثل: الخِيَار، والثُّومِ، والعدَسِ، والبَصَل؛ فاستنكر موسى طلَبَهم، وقال لهم: كيف تستبدلون هذه الأطعمةَ الرديئةَ بالأطعمةِ الجيِّدةِ النافعةِ التي اختارها الله لكم؟! ولذا عليكم أن تنتقلوا من أرضكم هذه، إلى أي بلدة أخرى؛ لتجدوا فيها ما تُحِبُّونَ وتشتهون من الأطعمة في الحقولِ والأسواق.

فلما انتقلوا، تبيَّن لهم أنهم قدَّموا اختيارهم وشهواتهم على اختيار الله؛ لذلك ضُرِبَتْ عليهم الذِّلَّةُ والمسكنةُ ولَزِمَتْهم، واستحقُّوا غضب الله عليهم؛ بسبَبِ ارتكابهم الكثيرَ من الجرائم والمعاصي، ومِن ذلك: كُفْرُهم بآياتِ الله وتحريفُها، وقَتْلُهم الأنبياء ظلمًا وعدوانًا.

وكان هذا العقابُ الشديدُ الذي أصابهم؛ مِن غضب الله عليهم، ومن الذِّلَّةِ والمسكنة؛ بسبَبِ عصيانهم وتجاوزهم حدود الله.

وفي هذه الآية: إثباتُ صفةِ الغضَبِ لله تعالى في قوله: ﴿وَبَآءُو بِغَضَبٖ مِّنَ ٱللَّهِۚ﴾، ومذهبُ أهل السنة والجماعة: أنَّ الغضَبَ صفةٌ مِن صفاتِ اللهِ تليق بجلاله وعظمته، وهي تدُلُّ على كمال عظمته، وسُلْطانه؛ وهذا هو الحق.

أما الفِرَقُ الأخرى كالأشاعرةِ وغيرها: فإنَّهم يفسِّرون غضَبَ الله: بأنه إرادةُ الانتقام.

[62] ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَٱلَّذِينَ هَادُواْ وَٱلنَّصَٰرَىٰ وَٱلصَّٰبِـِٔينَ مَنۡ ءَامَنَ بِٱللَّهِ وَٱلۡيَوۡمِ ٱلۡأٓخِرِ وَعَمِلَ صَٰلِحٗا فَلَهُمۡ أَجۡرُهُمۡ عِندَ رَبِّهِمۡ وَلَا خَوۡفٌ عَلَيۡهِمۡ وَلَا هُمۡ يَحۡزَنُونَ 62﴾:

أخبَرَ جل وعلا أن الذين آمنوا مِن هذه الأمة -أمة محمد ﷺ- والذين آمنوا مِن الأمم السابقة؛ مِن اليهودِ أتباعِ موسى، ومِن النصارى أتباعِ عيسى، ومِن الصابئينَ الذين كانوا على دِينِ بعض الأنبياء؛ بأنَّ مَن آمَن مِن هؤلاء بالله وبيومِ القيامة، واتَّبعوا رسلهم، وعملوا الصالحات، فإنَّ لهم الأجرَ العظيمَ عند ربهم، ولا خوفٌ عليهم مما ينتظرهم يومَ الجزاءِ والحساب، ولا هم يحزنون على ما فاتهم مِن أمور الدنيا.

وهذه الآيةُ في أهلِ الكتابِ والصابئةِ الذين كانوا قبل بِعْثةِ محمد ﷺ، وأما بعد بعثتِهِ ﷺ، فلا يَقبَلُ الله إلا دِينَ الإسلام الذي جاء به محمد ﷺ؛ لقوله تعالى: ﴿وَمَن يَبۡتَغِ غَيۡرَ ٱلۡإِسۡلَٰمِ دِينٗا فَلَن يُقۡبَلَ مِنۡهُ وَهُوَ فِي ٱلۡأٓخِرَةِ مِنَ ٱلۡخَٰسِرِينَ﴾ [آل عمران:85].

[63] ﴿وَإِذۡ أَخَذۡنَا مِيثَٰقَكُمۡ وَرَفَعۡنَا فَوۡقَكُمُ ٱلطُّورَ خُذُواْ مَآ ءَاتَيۡنَٰكُم بِقُوَّةٖ وَٱذۡكُرُواْ مَا فِيهِ لَعَلَّكُمۡ تَتَّقُونَ 63﴾ :

ثم ذكَّر سبحانه وتعالى بني إسرائيلَ بما أخَذَهُ عليهم من العهد والميثاق بالإيمان برسله، والعمَلِ بما شرعه الله لهم في التوراة، ثم خوَّفهم برفع جبَل الطُّور حتى صار كالمِظَلَّةِ فوق رؤوسهم، وأمَرَهم بالجِدِّ والاجتهادِ في أخذ التوراة؛ وإلا أسقَطَ عليهم الجبل، وأمَرَهم أن يتمسَّكوا بالتوراة قولًا وعملًا، وأن يَحفَظُوها ويعملوا بما فيها؛ لأجل أن يتَّقوا عذاب الله وسَخَطه.

[64] ﴿ثُمَّ تَوَلَّيۡتُم مِّنۢ بَعۡدِ ذَٰلِكَۖ فَلَوۡلَا فَضۡلُ ٱللَّهِ عَلَيۡكُمۡ وَرَحۡمَتُهُۥ لَكُنتُم مِّنَ ٱلۡخَٰسِرِينَ 64﴾ :

ثم بيَّن جل وعلا أن بني إسرائيل نكَثُوا العهد والميثاق الذي أُخِذَ عليهم، وخالفوا أمر الله وعصَوْه، ولولا فضلُهُ سبحانه عليهم ورحمتُهُ بأن أمهَلَهم ولم يعاجلهم بالعقوبة، لصاروا من الخاسرين في الدنيا والآخرة، ولكنَّ بني إسرائيل للأسف نَسُوا أن الذي خوَّفهم برفع الجبل فوق رؤوسهم قادرٌ على أن يُعِيدَ ذلك عليهم مرَّةً أخرى.

ولا شكَّ أن أشدَّ الناس خسارةً هم الكفار؛ فلا هم استفادوا مِن دنياهم، ولا مِن آخرتهم.

[65] ﴿وَلَقَدۡ عَلِمۡتُمُ ٱلَّذِينَ ٱعۡتَدَوۡاْ مِنكُمۡ فِي ٱلسَّبۡتِ فَقُلۡنَا لَهُمۡ كُونُواْ قِرَدَةً خَٰسِـِٔينَ 65﴾:

ثم أخبَرَ جل وعلا عن قصَّةِ أهلِ أَيْلَةَ، فقال سبحانه: ولقد عرَفْتم -يا معشَرَ اليهود- قصَّةَ أهل أَيْلَةَ الذين عصَوْا أمر الله، واحتالوا لاصطياد السَّمَك يوم السبت، الذي حُرِّمَ عليهم الصيدُ فيه؛ حيث احتالوا، فوضَعُوا الشِّبَاكَ وحفَرُوا البِرَكَ للسمك قبل يوم السبت، وفي يوم السبت سقَطَ السمك في الشِّبَاك، فتركوه حتى جاء يوم الأحد فاصطادوه؛ فعاقبهم الله على فعلهم بأن مسَخَهم قِرَدةً منبوذين مقبوحين.

وفي هذه الآية: تحريمُ الحِيَلِ على ما حرَّم الله؛ فاليهودُ احتالوا في يوم السبت، واحتالوا في بيع شحوم المَيْتة، وقد حُرِّمَتْ عليهم؛ ولذا عاقبهم سبحانه وتعالى على أفعالهم وحِيَلهِمُ القبيحةِ، وقد نهى النبيُّ ﷺ عن الحِيَلِ على محارم الله؛ فقال: «لَا تَرْتَكِبُوا مَا ارْتَكَبَتِ الْيَهُودُ؛ فَتَسْتَحِلُّوا مَحَارِمَ اللهِ بِأَدْنَى الْحِيَلِ» [6]. [6] أخرجه ابن بطه في إبطال الحِيَل (ص47)، عن أبي هريرة رضي الله عنه. قال الألباني في آداب الزفاف (ص120): إسناده جيد.

والناظرُ اليوم في حال المسلمين -للأسَفِ- يَجِدُ أنواعًا من الحِيَلِ في الربا، وفي بعض البيوع، وفي غير ذلك؛ بل إن بعض حِيَلِ المسلمين اليومَ تُعَدُّ أشدَّ من حِيَلِ اليهود بالأمس، وهذا بلا شكٍّ مِن أسباب تأخيرِ النَّصْر، وعدَمِ التوفيق، نسأل الله تعالى أن يُرِيَنا الحقَّ حقًّا، ويرزُقَنا اتِّباعه، ويُرِيَنا الباطلَ باطلًا، ويرزُقَنا اجتنابه.

[66] ﴿فَجَعَلۡنَٰهَا نَكَٰلٗا لِّمَا بَيۡنَ يَدَيۡهَا وَمَا خَلۡفَهَا وَمَوۡعِظَةٗ لِّلۡمُتَّقِينَ 66﴾ :

ثم أخبَرَ جل وعلا أنه جعَلَ القريةَ التي حلَّت بها هذه العقوبةُ عِظَةً وعِبْرةً لمن شاهدها وسَمِعَ بها، ولمن يأتي بعدهم ممن أراد أن يَفعَلَ مثلَ هذا الفعل، وهي أيضًا موعظةٌ وتذكرةٌ للصالحينَ المتَّقينَ والبشَرِ أجمعين على مَرِّ العصور والأزمان.

[67] ﴿وَإِذۡ قَالَ مُوسَىٰ لِقَوۡمِهِۦٓ إِنَّ ٱللَّهَ يَأۡمُرُكُمۡ أَن تَذۡبَحُواْ بَقَرَةٗۖ قَالُوٓاْ أَتَتَّخِذُنَا هُزُوٗاۖ قَالَ أَعُوذُ بِٱللَّهِ أَنۡ أَكُونَ مِنَ ٱلۡجَٰهِلِينَ 67﴾:

وذكَّر المولى سبحانه وتعالى بني إسرائيلَ يومَ أن قتَلُوا قتيلًا، واختلفوا في قاتله، وكادت أن تقَعَ بينهم فِتْنة، فاختصموا إلى موسى عليه السلام، فقال لهم: إنَّ الله يأمُرُكم أن تَذبَحوا بقرةً، فكان الواجبُ عليهم المبادَرةَ بامتثالِ الأمرِ، وعدَمِ الاعتراض عليه، ولكنهم ظنوا أنها سخريةٌ منه، فقالوا: أتَهزَأُ وتَسخَرُ منا يا موسى؟!، فردَّ عليهم موسى قائلًا: أعوذُ بالله أن أكونَ مِن الجاهلين؛ فإنَّ الجاهلَ هو الذي يستهزئُ بالناس، ويَسخَرُ منهم، أما العقلاء، فلا يقع منهم ذلك؛ فكيف يقَعُ من الأنبياء والرسل المعصومين؟!

[68] ﴿قَالُواْ ٱدۡعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّن لَّنَا مَا هِيَۚ قَالَ إِنَّهُۥ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٞ لَّا فَارِضٞ وَلَا بِكۡرٌ عَوَانُۢ بَيۡنَ ذَٰلِكَۖ فَٱفۡعَلُواْ مَا تُؤۡمَرُونَ 68﴾ :

فقال بنو إسرائيل: يا موسى، ادع لنا ربَّك أن يبيِّنَ لنا أوصاف هذه البقرة، فقال لهم موسى: إنها بقرةٌ ليست كبيرةً ولا صغيرةً -أي: هي وسَطٌ بين ذلك- فبادِرُوا إلى ما أمَرْتُكم به، واترُكُوا التشدُّدَ والتعنُّتَ في كثرة الأوصاف؛ ولكنهم شدَّدوا؛ فشدَّد الله عليهم.

[69] ﴿قَالُواْ ٱدۡعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّن لَّنَا مَا لَوۡنُهَاۚ قَالَ إِنَّهُۥ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٞ صَفۡرَآءُ فَاقِعٞ لَّوۡنُهَا تَسُرُّ ٱلنَّٰظِرِينَ 69﴾ :

ثم قال بنو إسرائيل: يا موسى، ادع لنا ربَّك أن يبيِّنَ لنا ما لونُ هذه البقرة، فقال لهم: إنَّ الله يقول: إنها بقَرةٌ صفراءُ شديدةُ الصُّفْرة، تُبْهِجُ وتَسُرَّ من ينظُرُ إليها.

[70] ﴿قَالُواْ ٱدۡعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّن لَّنَا مَا هِيَ إِنَّ ٱلۡبَقَرَ تَشَٰبَهَ عَلَيۡنَا وَإِنَّآ إِن شَآءَ ٱللَّهُ لَمُهۡتَدُونَ 70﴾ :

ثم قال بنو إسرائيل: يا موسى، ادعُ لنا ربَّك يوضِّحْ لنا شأن هذه البقرة؛ لأن البقَرَ كثير، وقد اشتبَهَ علينا ما تريدُ منها، وإنا -إن شاء الله- لمهتدون إلى ما تريدُ؛ فنَذبَحُه.

[71] ﴿قَالَ إِنَّهُۥ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٞ لَّا ذَلُولٞ تُثِيرُ ٱلۡأَرۡضَ وَلَا تَسۡقِي ٱلۡحَرۡثَ مُسَلَّمَةٞ لَّا شِيَةَ فِيهَاۚ قَالُواْ ٱلۡـَٰٔنَ جِئۡتَ بِٱلۡحَقِّۚ فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُواْ يَفۡعَلُونَ 71﴾ :

فقال لهم موسى عليه السلام: إن الله يقول: إنها بقَرةٌ ليست مذلَّلةً للعمَلِ في حِرَاثةِ الأرضِ للزراعة، وليست مُعَدَّةً للسَّقْي، وهي خاليةٌ من العيوب، ولها لونٌ واحد فقطْ.

وبعد أن سمعوا هذه المواصفات، قالوا: الآنَ جئتَ بالحق؛ فقد عرَفْنا هذه البقرة.

وهذا يدُلُّ على مدى صَلَفهم وغَطْرَسَتهم؛ وإلا فهل أتى عليه السلام بغيرِ الحقِّ قبل ذلك؟!

ثم بحَثوا عن هذه البقَرةِ بهذه الصفات حتى تحصَّلوا عليها وذبحوها، وكادوا ألَّا يجدوا بقرةً بهذه الصفات بسبَبِ تشدُّدهم وتعنُّتهم وعنادهم.

[72] ﴿وَإِذۡ قَتَلۡتُمۡ نَفۡسٗا فَٱدَّٰرَٰٔتُمۡ فِيهَاۖ وَٱللَّهُ مُخۡرِجٞ مَّا كُنتُمۡ تَكۡتُمُونَ 72﴾ :

ثم ذكَّر جل وعلا بني إسرائيلَ يومَ أن قتلوا نفسًا معصومة، واختلفوا في القاتل، كلٌّ يَدفَعُ عن نفسه تُهَمةَ القتل، ولكنَّ الله سوف يكشف ما كتموا من أمر القاتل.

[73] ﴿فَقُلۡنَا ٱضۡرِبُوهُ بِبَعۡضِهَاۚ كَذَٰلِكَ يُحۡيِ ٱللَّهُ ٱلۡمَوۡتَىٰ وَيُرِيكُمۡ ءَايَٰتِهِۦ لَعَلَّكُمۡ تَعۡقِلُونَ 73﴾ :

فقال موسى لبني إسرائيل: خذوا عضوًا من أعضاء هذه البقرة التي ذبَحْتُموها، واضرِبوا به القتيل؛ فضرَبُوه، فأحياه الله وأخبَرَ بمَن قتله، ثم أخبَرَ سبحانه أنه كما أحيا هذا الميِّت أمام أعينكم، فسوف يحيي الموتى يومَ القيامة؛ لترَوْا كمال قدرة الله تعالى؛ لعلكم تراجعون عقولكم؛ فتمتنعوا وتنزجروا عن معاصيه.

[74] ﴿ثُمَّ قَسَتۡ قُلُوبُكُم مِّنۢ بَعۡدِ ذَٰلِكَ فَهِيَ كَٱلۡحِجَارَةِ أَوۡ أَشَدُّ قَسۡوَةٗۚ وَإِنَّ مِنَ ٱلۡحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنۡهُ ٱلۡأَنۡهَٰرُۚ وَإِنَّ مِنۡهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخۡرُجُ مِنۡهُ ٱلۡمَآءُۚ وَإِنَّ مِنۡهَا لَمَا يَهۡبِطُ مِنۡ خَشۡيَةِ ٱللَّهِۗ وَمَا ٱللَّهُ بِغَٰفِلٍ عَمَّا تَعۡمَلُونَ 74﴾ :

وبعد هذه الآيات الباهرة، والمعجزات الخارقة، التي حدَثَتْ معكم -يا بني إسرائيل- لم تنتفعوا ولم تمتثلوا أوامر الله، بل غَلُظَتْ قلوبُكم، واشتدَّت بعد كل هذه النِّعَمِ العظيمةِ الكثيرة؛ حتى صارت قاسيةً كالحجارة أو أشدَّ قسوةً، بل إن مِن الحجارة ما هو أليَنُ من قلوبكم؛ حيثُ إن منها: ما يتفجَّرُ، فتُصَبُّ منها الأنهار، ومنها: ما يتشقَّقُ فيخرُجُ منه الماء؛ كما هو مشاهَدٌ في كثير من البلدان، ومنها: ما يسقُطُ مِن أعالي الجبال خشيةً ورهبةً منه جل وعلا.

واعلموا أن الله ليس بغافل عن أفعالكم؛ بل هو عالمٌ بها، حافظٌ لها، وسيجازيكم عنها يوم القيامة يوم الحساب والجزاء.

[75] ﴿أَفَتَطۡمَعُونَ أَن يُؤۡمِنُواْ لَكُمۡ وَقَدۡ كَانَ فَرِيقٞ مِّنۡهُمۡ يَسۡمَعُونَ كَلَٰمَ ٱللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُۥ مِنۢ بَعۡدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمۡ يَعۡلَمُونَ 75﴾ :

ثم خاطَبَ جل وعلا المؤمنين، فقال لهم: هل تطمعون -أيها المؤمنون- أن يؤمِنَ اليهودُ بكتابكم، ويتَّبعوا نبيَّكم؛ وقد علمتم كيف كان علماؤهم يسمعون كلام الله مِن التوراة، ثم يحرِّفونه بعد أن عرَفوه، وهم يعلمون أنهم يحرِّفون كلامَ الله على غير مراده؟!

[76] ﴿وَإِذَا لَقُواْ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ قَالُوٓاْ ءَامَنَّا وَإِذَا خَلَا بَعۡضُهُمۡ إِلَىٰ بَعۡضٖ قَالُوٓاْ أَتُحَدِّثُونَهُم بِمَا فَتَحَ ٱللَّهُ عَلَيۡكُمۡ لِيُحَآجُّوكُم بِهِۦ عِندَ رَبِّكُمۡۚ أَفَلَا تَعۡقِلُونَ 76﴾ :

ثم ذكَرَ جل وعلا حالَ المنافقينَ مِن اليهود الذين إذا لَقُوا المؤمنين، قالوا لهم بلسانهم دون أن تُؤمِنَ قلوبُهم: لقد آمَنَّا بدينِكم ورسولِكم المبشَّرِ به في التوراة، فإذا خلا هؤلاء المنافقون مِن اليهودِ بَعضُهم إلى البعضِ، قالوا لهم مستنكرين: أتُظهِرون لهم الإيمان، وتُخبِرُونهم بما بيَّن الله لكم في التوراةِ من أمر محمَّد؛ فيكونَ ذلك حُجَّةً علينا عند الله يوم القيامة؟!

أليست لكم عقولٌ تبيِّنُ لكم خطورةَ ما تفعلون، وما يكون فيه ضرَرٌ عليكم، وتَمنَعُكم مِن أن تحدِّثوا المؤمنين بما يقيم لهم الحُجَّةَ عليكم يوم القيامة؟!

[77] ﴿أَوَلَا يَعۡلَمُونَ أَنَّ ٱللَّهَ يَعۡلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعۡلِنُونَ 77﴾ :

ثم وبَّخ جل وعلا هؤلاءِ اليهودَ على جَهْلهم بحقيقةِ علمه، فقال سبحانه: أَلَا يعلم هؤلاءِ اليهودُ المنافقون مِن بني إسرائيل: أن الله يعلم ما يُخْفُونه من الكفر والحقد على المؤمنين، وما يُظْهِرونه من الإيمان الكاذب الذي لا حقيقةَ له؟!

[78] ﴿وَمِنۡهُمۡ أُمِّيُّونَ لَا يَعۡلَمُونَ ٱلۡكِتَٰبَ إِلَّآ أَمَانِيَّ وَإِنۡ هُمۡ إِلَّا يَظُنُّونَ 78﴾ :

ثم أخبَرَ جل وعلا أنَّ مِن اليهودِ جماعةً عوامَّ مقلِّدين، وليسوا مِن أهل العلم، ولا يَعلَمونَ مِن التوراة إلا التلاوةَ فقطْ، ولا يفهمون شيئًا مما يتلونه، وما عندهم إلا ظنونٌ وتقاليدُ وأكاذيبُ فاسدة.

[79] ﴿فَوَيۡلٞ لِّلَّذِينَ يَكۡتُبُونَ ٱلۡكِتَٰبَ بِأَيۡدِيهِمۡ ثُمَّ يَقُولُونَ هَٰذَا مِنۡ عِندِ ٱللَّهِ لِيَشۡتَرُواْ بِهِۦ ثَمَنٗا قَلِيلٗاۖ فَوَيۡلٞ لَّهُم مِّمَّا كَتَبَتۡ أَيۡدِيهِمۡ وَوَيۡلٞ لَّهُم مِّمَّا يَكۡسِبُونَ 79﴾ :

ثم توعَّد جل وعلا بالهلاكِ والعذابِ أولئك الذين يكتُبُونَ كلامًا من عند أنفسهم، ثم يقولون: هذا مِن عند الله؛ كذبًا وزورًا، وهدَفُهم من هذا الفعل المُشِين: أن يأخذوا مقابِلَ ذلك شيئًا مِن عرَضِ الدنيا الفاني. ولا شكَّ أن الأثمان مِن أولها إلى آخرها مهما كانت كبيرةً، فهي يسيرةٌ بالنسبة لما عند الله في الآخِرةِ مِن الثواب والعقاب. ثم عاد سبحانه وتوعَّدهم بالهلاكِ والعذابِ بسبَبِ ما كتَبَتْ أيديهم مِن الكذب والتزوير، وبسبب ما أكلوا مِن أموال الناس بالباطل.

[80] ﴿ﭐ وَقَالُواْ لَن تَمَسَّنَا ٱلنَّارُ إِلَّآ أَيَّامٗا مَّعۡدُودَةٗۚ قُلۡ أَتَّخَذۡتُمۡ عِندَ ٱللَّهِ عَهۡدٗا فَلَن يُخۡلِفَ ٱللَّهُ عَهۡدَهُۥٓۖ أَمۡ تَقُولُونَ عَلَى ٱللَّهِ مَا لَا تَعۡلَمُونَ 80﴾ :

ومع كل هذه الأفعال القبيحة، فإن اليهود -قبَّحهم الله- يزكُّون أنفسهم ويقولون: لن تَمَسَّنا النارُ إلا الأيَّامَ القليلةَ التي عبَدْنا فيها العجل، فأمَرَ سبحانه نبيه ﷺ أن يقول لهؤلاء اليهودِ على سبيل الإنكار:

هل عندكم عهدٌ مِن الله بهذا؟!

فإن كان عندكم عهدٌ بذلك، فإنَّ الله لا يُخلِفُ العهد، أم أنكم تتقوَّلون على الله؛ فتَكذِبونَ وتفترون عليه؟!

وهذا هو الواقعُ والحالُ أنهم كاذبون وآثمون، وفي النار خالدون.

[81] ﴿بَلَىٰۚ مَن كَسَبَ سَيِّئَةٗ وَأَحَٰطَتۡ بِهِۦ خَطِيٓـَٔتُهُۥ فَأُوْلَٰٓئِكَ أَصۡحَٰبُ ٱلنَّارِۖ هُمۡ فِيهَا خَٰلِدُونَ 81﴾ :

أخبَرَ جل وعلا أنَّ مَن ارتكب الآثام، وأحاطت به حتى أوصَلَتْهُ إلى الشرك، واستَوْلَتْ عليه الذنوبُ والمعاصي مِن جميع الجوانب، فأولئك هم المشركون والكفَّار، وهم أصحابُ النارِ خالدينَ مخلَّدينَ فيها، لا يَخْرُجون منها أبدًا؛ بسبَبِ ما اكتسبوا من الشرك والكبائر.

[82] ﴿وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ أُوْلَٰٓئِكَ أَصۡحَٰبُ ٱلۡجَنَّةِۖ هُمۡ فِيهَا خَٰلِدُونَ 82﴾ :

ثم أخبَرَ سبحانه أن الذين آمنوا بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، وعملوا الصالحاتِ بإخلاصٍ لوجهِ الله مُتَّبِعينَ فيها سُنَّةَ رسُلِ الله، فأولئك هم أصحابُ الجنة خالدينَ مخلَّدينَ فيها أبدًا بفضلِ الله ورحمته.

[83] ﴿وَإِذۡ أَخَذۡنَا مِيثَٰقَ بَنِيٓ إِسۡرَٰٓءِيلَ لَا تَعۡبُدُونَ إِلَّا ٱللَّهَ وَبِٱلۡوَٰلِدَيۡنِ إِحۡسَانٗا وَذِي ٱلۡقُرۡبَىٰ وَٱلۡيَتَٰمَىٰ وَٱلۡمَسَٰكِينِ وَقُولُواْ لِلنَّاسِ حُسۡنٗا وَأَقِيمُواْ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتُواْ ٱلزَّكَوٰةَ ثُمَّ تَوَلَّيۡتُمۡ إِلَّا قَلِيلٗا مِّنكُمۡ وَأَنتُم مُّعۡرِضُونَ 83﴾ :

ثم ذكَّر سبحانه بني إسرائيلَ يومَ أن أخَذَ عليهم العهودَ والمواثيقَ ألَّا يعبُدُوا إلا الله وحده لا شريك له، وأمَرَهم ببِرِّ الوالدَيْنِ والإحسانِ إليهما، وبصِلَةِ الأرحام، والإحسانِ إلى اليتامى الذين فقَدوا آباءهم وهم دون سِنِّ البلوغ، والإحسانِ إلى المحتاجين من المساكين، وأن يقولوا للناسِ حُسْنًا؛ كبذلِ السلامِ، والابتسامة، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ونحو ذلك مِن أعمال الخير، وأمَرَهم أن يقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة، ولكنَّهم أعرَضُوا ونقَضُوا العهودَ والمواثيق، واستمروا على إعراضِهم ونَقْضِهم للعهود، إلا قليلًا منهم عصَمَهم الله وثبَّتهم على الحق.

[84] ﴿وَإِذۡ أَخَذۡنَا مِيثَٰقَكُمۡ لَا تَسۡفِكُونَ دِمَآءَكُمۡ وَلَا تُخۡرِجُونَ أَنفُسَكُم مِّن دِيَٰرِكُمۡ ثُمَّ أَقۡرَرۡتُمۡ وَأَنتُمۡ تَشۡهَدُونَ 84﴾ :

ثم ذكَّر سبحانه بني إسرائيلَ يومَ أن أخَذَ عليهم المواثيقَ والعهودَ الملزِمةَ ألَّا يقتُلَ بعضُهم بعضًا، ولا يُخْرِجَ بعضُهم بعضًا مِن ديارهم، ثم اعترفوا بهذه المواثيقِ، وشَهِدوا على أنفُسِهم بالالتزام والوفاء بها.

[85] ﴿ثُمَّ أَنتُمۡ هَٰٓؤُلَآءِ تَقۡتُلُونَ أَنفُسَكُمۡ وَتُخۡرِجُونَ فَرِيقٗا مِّنكُم مِّن دِيَٰرِهِمۡ تَظَٰهَرُونَ عَلَيۡهِم بِٱلۡإِثۡمِ وَٱلۡعُدۡوَٰنِ وَإِن يَأۡتُوكُمۡ أُسَٰرَىٰ تُفَٰدُوهُمۡ وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيۡكُمۡ إِخۡرَاجُهُمۡۚ أَفَتُؤۡمِنُونَ بِبَعۡضِ ٱلۡكِتَٰبِ وَتَكۡفُرُونَ بِبَعۡضٖۚ فَمَا جَزَآءُ مَن يَفۡعَلُ ذَٰلِكَ مِنكُمۡ إِلَّا خِزۡيٞ فِي ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَاۖ وَيَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ يُرَدُّونَ إِلَىٰٓ أَشَدِّ ٱلۡعَذَابِۗ وَمَا ٱللَّهُ بِغَٰفِلٍ عَمَّا تَعۡمَلُونَ 85﴾ :

ثم وجَّه جل وعلا الخطابَ لبني إسرائيلَ الموجودينَ في عهد النبيِّ ﷺ؛ حيثُ أخبَرَ أنهم خالفوا العهودَ والمواثيقَ التي أقروا بها، وشهدوا عليها، وأنهم الآنَ يقتُلُ بعضُهم بعضًا، ويُخْرِجَ بعضُهم بعضًا مِن ديارهم.

وهذا الأمر وقَعَ بين طوائف اليهود، وهم: بنو النَّضِير، وبنو قُرَيْظة، وبنو قَيْنُقَاع، وذلك قبل بِعْثةِ النبي ﷺ؛ حيثُ إنهم لما نزَلوا المدينةَ، وجدوا الأوسَ والخزرجَ يقتتلون، فقامت كلُّ فرقةٍ مِن فِرَقِ اليهودِ، وحالفت فرقةً مِن أهل المدينة، وكانوا إذا اقتتلوا، تظاهَرَتْ كلُّ فرقة من اليهود، وأعانت حليفها مِن أهل المدينة بالإثمِ والعدوان، فيقتُلُ اليهوديُّ اليهوديَّ، ويُخرِجُهُ مِن دياره، وبعد أن تضعَ الحربُ أوزارَها يَفدِي بعضُهم بعضًا، وهم يعلمون أصلًا أنَّ إخراجهم من ديارهم كان محرَّمًا.

ثم وبَّخهم سبحانه، وأنكَرَ عليهم؛ فقال لهم: أفتؤمنون ببعض ما شرَعَهُ الله في التوراة، وهو فداءُ الأسير، وتكفُرُونَ ببعض، وهو: سفكُ الدماء، وإخراجُ بعضكم بعضًا.

فاعلموا -يا بني إسرائيل- أن عقوبةَ مَن يخالِفُ أوامر الله، فإنَّ له الخزيَ والعارَ في الحياة الدنيا، ويومَ القيامة له أشدُّ العذاب وأعظمُه، وما الله بغافلٍ عن أعمالكم الشنيعة، وستَلْقَوْنَ جزاء ما كنتم تعملون.

[86] ﴿أُوْلَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ ٱشۡتَرَوُاْ ٱلۡحَيَوٰةَ ٱلدُّنۡيَا بِٱلۡأٓخِرَةِۖ فَلَا يُخَفَّفُ عَنۡهُمُ ٱلۡعَذَابُ وَلَا هُمۡ يُنصَرُونَ 86﴾ :

ثم أخبَرَ جل وعلا أن أولئك الذين كفَروا من بني إسرائيل وغيرهم، الذين استحبُّوا الحياة الدنيا على الآخرة، لن يخفَّفَ عنهم العذابُ، وليس لهم ناصرٌ ينصُرُهم مِن عذاب الله يوم القيامة.

[87] ﴿وَلَقَدۡ ءَاتَيۡنَا مُوسَى ٱلۡكِتَٰبَ وَقَفَّيۡنَا مِنۢ بَعۡدِهِۦ بِٱلرُّسُلِۖ وَءَاتَيۡنَا عِيسَى ٱبۡنَ مَرۡيَمَ ٱلۡبَيِّنَٰتِ وَأَيَّدۡنَٰهُ بِرُوحِ ٱلۡقُدُسِۗ أَفَكُلَّمَا جَآءَكُمۡ رَسُولُۢ بِمَا لَا تَهۡوَىٰٓ أَنفُسُكُمُ ٱسۡتَكۡبَرۡتُمۡ فَفَرِيقٗا كَذَّبۡتُمۡ وَفَرِيقٗا تَقۡتُلُونَ 87﴾ :

ثم امتنَّ جل وعلا على بني إسرائيلَ أن أعطى موسى عليه السلام التوراةَ، وأرسَلَ مِن بعده رسلًا يَتْبَعُ بعضهم بعضًا.

وكذلك أعطى عيسى بنَ مريمَ عليه السلام المعجزاتِ الواضحات؛ كإحياءِ الموتى، وإبراءِ الأكمَهِ والأبرَصِ، وأيَّده بالرُّوحِ القُدُس، وهو جبريلُ عليه السلام.

وسُمِّيَ رُوحًا؛ لأنه يَحمِلُ الرسالاتِ للأنبياء التي فيها حياةُ القلوب.

ومع ذلك كلما جاءكم -يا بني إسرائيلَ- رسولٌ مِن عند الله لا يوافِقُ أهواءكم، استعليتم عليه، وكذَّبتم بما جاء به مِن الهدى عنادًا وتكبُّرًا؛ بل وصَلَ بكم الأمرُ أن قتَلْتم بعضَ الأنبياء ظلمًا وعدوانًا.

[88] ﴿وَقَالُواْ قُلُوبُنَا غُلۡفُۢۚ بَل لَّعَنَهُمُ ٱللَّهُ بِكُفۡرِهِمۡ فَقَلِيلٗا مَّا يُؤۡمِنُونَ 88﴾ :

ثم قال بنو إسرائيلَ للرسولِ ﷺ، معتذرين له بأعذارٍ باطلةٍ كاذبة: يا نبيَّ الله، قلوبُنا مغطَّاةٌ بأغشية؛ فلا نَفهَمُ ما تقول؛ يظنُّون أن هذا -بزعمهم- عذرٌ لهم عن قَبُولِ الدعوةِ والإيمانِ بالله تعالى، ولكنَّ الله جل في علاه لعَنَهم؛ بأنْ طرَدَهم من رحمته؛ بسبب كِبْرهم وعنادهم، وكُفْرهم وضلالهم.

وكان هذا اللعنُ سببًا في أنه لم يؤمِنْ منهم إلا نفرٌ قليلٌ؛ كعبدِ اللهِ بنِ سَلَام، وغيره.

[89] ﴿وَلَمَّا جَآءَهُمۡ كِتَٰبٞ مِّنۡ عِندِ ٱللَّهِ مُصَدِّقٞ لِّمَا مَعَهُمۡ وَكَانُواْ مِن قَبۡلُ يَسۡتَفۡتِحُونَ عَلَى ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ فَلَمَّا جَآءَهُم مَّا عَرَفُواْ كَفَرُواْ بِهِۦۚ فَلَعۡنَةُ ٱللَّهِ عَلَى ٱلۡكَٰفِرِينَ 89﴾ :

ثم أخبَرَ سبحانه أنَّ بني إسرائيلَ لما جاءهم القرآنُ المنزَّلُ بحقٍّ على محمَّدٍ ﷺ، مصدِّقًا لما معهم مِن التوراة، وكانوا قبل رسالتِهِ يستنصِرُونَ ويفتخِرونَ به، ويتوعَّدون مشركي العرَبِ بخروجِه، وأنهم سوف يقاتلونهم معه، ولكنْ لما بُعِثَ ﷺ، وعرَفوا صفاتِهِ وصدقَه، كفروا به حسَدًا وبغضًا؛ لأنه لم يُبعَثْ مِن اليهود، ولهذا استحقُّوا لعنةَ الله؛ فلعنةُ الله على كلِّ مَن كفَرَ بمحمد ﷺ، وكفَرَ بما أُنزِلَ عليه من القرآن الكريم.

[90] ﴿بِئۡسَمَا ٱشۡتَرَوۡاْ بِهِۦٓ أَنفُسَهُمۡ أَن يَكۡفُرُواْ بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ بَغۡيًا أَن يُنَزِّلَ ٱللَّهُ مِن فَضۡلِهِۦ عَلَىٰ مَن يَشَآءُ مِنۡ عِبَادِهِۦۖ فَبَآءُو بِغَضَبٍ عَلَىٰ غَضَبٖۚ وَلِلۡكَٰفِرِينَ عَذَابٞ مُّهِينٞ 90﴾ :

ثم وبَّخ جل وعلا بني إسرائيلَ؛ لأنهم باعوا أنفُسَهم بثمنٍ بَخْس؛ فبئس ما اختاروا لأنفسهم؛ حيث اختاروا الكفرَ على الإيمان ظلمًا وحسَدًا بأنَّ القرآنَ نزَلَ على محمد ﷺ، وقد كرهوا أن ينزِّلَ الله الوحي على غيرهم.

ثم بيَّن سبحانه أنه يُنزِلُ فضلَهُ على مَن يشاء مِن عباده؛ فالأمرُ أَمْرُه، والخلقُ خَلْقُه، لكنَّ كبرياءهم حمَلَهم على أن يحسُدُوا الناسَ على ما آتاهم الله مِن فضله؛ ولذا استحقوا غضَبَ الله، بسبَبِ حَسَدهم وبُغْضهم للنبي ﷺ بعد غضَبِ الله عليهم، بسبَبِ تحريفهم التوراة، وكُفْرِهم بعيسى عليه السلام.

ثم بيَّن سبحانه أنَّ للكافرين مِن بني إسرائيلَ خصوصًا، وكلِّ مَن كفَرَ بآيات الله عمومًا: عذابًا أليمًا يُذِلُّهم ويُخْزِيهم يوم القيامة.

[91] ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمۡ ءَامِنُواْ بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ قَالُواْ نُؤۡمِنُ بِمَآ أُنزِلَ عَلَيۡنَا وَيَكۡفُرُونَ بِمَا وَرَآءَهُۥ وَهُوَ ٱلۡحَقُّ مُصَدِّقٗا لِّمَا مَعَهُمۡۗ قُلۡ فَلِمَ تَقۡتُلُونَ أَنۢبِيَآءَ ٱللَّهِ مِن قَبۡلُ إِن كُنتُم مُّؤۡمِنِينَ 91﴾ :

ثم أخبَرَ جل وعلا أن اليهود إذا أُمِرُوا بالإيمانِ بالقرآنِ الذي أُنزِلَ على محمد ﷺ، ردُّوا قائلين: نحنُ لا نؤمِنُ إلا بما أنزَلَ الله علينا في التوراة، ونكفُرُ بكل ما أنزَلَ اللهُ من الكتب السماوية، وخاصَّةً القرآن؛ مع أن القرآنَ حقٌّ، ومصدِّقٌ لما جاء في التوراة.

ثم أمَرَ عَزَّوَجَلَّ نبيَّه ﷺ أن يقولَ لهم: إنْ كنتم صادِقِينَ في دَعْواكم أنكم لن تؤمنوا إلا بما أنزَلَ الله عليكم، فَلِمَ قتَلْتُم أنبياءَ الله مِن قبلُ وهم منكم؟!

[92] ﴿وَلَقَدۡ جَآءَكُم مُّوسَىٰ بِٱلۡبَيِّنَٰتِ ثُمَّ ٱتَّخَذۡتُمُ ٱلۡعِجۡلَ مِنۢ بَعۡدِهِۦ وَأَنتُمۡ ظَٰلِمُونَ 92﴾ :

ثم ذكَّرهم جل وعلا أنَّ موسى عليه السلام جاءهم بالمعجِزات، وبالأدلَّةِ البيِّناتِ الواضحات، ومع ذلك فقد عبَدُوا العجلَ بعد أنْ ذهَبَ موسى إلى ميقاتِ ربِّه؛ ولهذا كانوا ظالمين متجاوزين لحدود الله.

[93] ﴿وَإِذۡ أَخَذۡنَا مِيثَٰقَكُمۡ وَرَفَعۡنَا فَوۡقَكُمُ ٱلطُّورَ خُذُواْ مَآ ءَاتَيۡنَٰكُم بِقُوَّةٖ وَٱسۡمَعُواْۖ قَالُواْ سَمِعۡنَا وَعَصَيۡنَا وَأُشۡرِبُواْ فِي قُلُوبِهِمُ ٱلۡعِجۡلَ بِكُفۡرِهِمۡۚ قُلۡ بِئۡسَمَا يَأۡمُرُكُم بِهِۦٓ إِيمَٰنُكُمۡ إِن كُنتُم مُّؤۡمِنِينَ 93﴾ :

ثم ذكَّر سبحانه بني إسرائيل عندما أخَذَ عليهم العهودَ والمواثيق، ولكنهم نقَضُوها؛ فرفَعَ سبحانه فوقهم الطُّورَ كأنه سحابة؛ ليُسْقِطَهُ عليهم إن عصَوْهُ سبحانه، وليكونَ دليلًا على عظيم قدرته جل في علاه؛ لعلَّهم يخافون ويؤمنون.

ثم قال لهم جل وعلا: خذوا التوراةَ بجِدٍّ وصدق، واسمعوا وأطيعوا، فكان جوابهم: سَمِعْنا بالآذان، وكذَّبنا بالجَنَانِ والأركان؛ لأن قلوبهم شُغِفَتْ بعبادة العجل؛ بسبب كفرهم وعنادهم.

ثم أمَرَ سبحانه نبيه ﷺ أن يقولَ لهؤلاء المجرمين: قُبْحًا لهذا الإيمان الذي يأمُرُكم بالكفرِ والضلال؛ إنْ كنتم صادقين بما أنزَلَ الله عليكم.

قال بعضُ المفسِّرين: إنهم قالوا: (سَمِعْنا وأطَعْنا)، ولكنهم لم يطيعوا، فحكى الله فِعْلَهم، وهو العصيان، وترَكَ قولهم: (أطَعْنا).

[94-95] ﴿قُلۡ إِن كَانَتۡ لَكُمُ ٱلدَّارُ ٱلۡأٓخِرَةُ عِندَ ٱللَّهِ خَالِصَةٗ مِّن دُونِ ٱلنَّاسِ فَتَمَنَّوُاْ ٱلۡمَوۡتَ إِن كُنتُمۡ صَٰدِقِينَ 94 وَلَن يَتَمَنَّوۡهُ أَبَدَۢا بِمَا قَدَّمَتۡ أَيۡدِيهِمۡۚ وَٱللَّهُ عَلِيمُۢ بِٱلظَّٰلِمِينَ 95﴾ :

أمَرَ جل وعلا نبيه ﷺ أن يقولَ لليهود: إن كانت الجَنَّةُ خالصةً لكم مِن دون الناس، فتَمَنُّوُا الموت؛ لتدخُلُوها إن كنتم صادقين في دعواكم؛ ولكنَّ الله بيَّن أنهم لن يتمَنَّوُا الموتَ أبدًا؛ بسبَبِ أفعالهم السيئة، ودعواهم الكاذبة.

ولا شك أن الموتَ مكروه؛ بل هو مصيبةٌ؛ قال تعالى: ﴿فَأَصَٰبَتۡكُم مُّصِيبَةُ ٱلۡمَوۡتِۚ ﴾ [المائدة:١٠٦]؛ فسماه اللهُ مصيبةً، بل إن آدم عليه السلام لم يستطِعْ إبليسُ إغواءه إلا لمَّا ذكَرَ له: أنه إذا أكَلَ مِن الشجرةِ التي نهاه الله عنها، فلن يأتيه الموت؛ قال تعالى: ﴿فَوَسۡوَسَ إِلَيۡهِ ٱلشَّيۡطَٰنُ قَالَ يَٰٓـَٔادَمُ هَلۡ أَدُلُّكَ عَلَىٰ شَجَرَةِ ٱلۡخُلۡدِ﴾ [طه:١٢٠]، أي: عدَمِ الموت.

وقد نهى النبيُّ ﷺ عن تمنِّي الموتِ حتى لو كان المسلِمُ عالمًا أنه برحمةِ الله مِن أهل الجنة؛ بل إنَّ موسى كليمَ الله الذي اختاره الله واصطفاه لنفسه، أي: لحملِ رسالته، لمَّا جاءه ملَكُ الموت على هيئة إنسان، لَطَمَهُ، مع أنَّ موسى لا يشُكُّ في أنه برحمةِ الله مِن أهل الجنة؛ فهذه كلُّها أدلَّةٌ تؤيِّدُ نهي النبي ﷺ عن تمنِّي الموت.

ولكنْ يُستثنى من النهيِ بعض الحالات:

منها: تمنِّي الإنسانِ الشهادةَ في سبيل الله.

ومنها: ما يسمَّى في عصرِنا بـ: (التحدِّي).

وتسمَّى شرعًا: المباهَلةَ؛ سواءٌ كانت بين طرَفَيْن؛ كالتي طلَبَها الرسولُ ﷺ مِن وَفْدِ نصارى نَجْرانَ لمَّا خالفوه في القولِ بعيسىِ بنِ مريمَ عليه السلام، وهي المذكورةُ في قوله تعالى: ﴿فَمَنۡ حَآجَّكَ فِيهِ مِنۢ بَعۡدِ مَا جَآءَكَ مِنَ ٱلۡعِلۡمِ فَقُلۡ تَعَالَوۡاْ نَدۡعُ أَبۡنَآءَنَا وَأَبۡنَآءَكُمۡ وَنِسَآءَنَا وَنِسَآءَكُمۡ وَأَنفُسَنَا وَأَنفُسَكُمۡ ثُمَّ نَبۡتَهِلۡ فَنَجۡعَل لَّعۡنَتَ ٱللَّهِ عَلَى ٱلۡكَٰذِبِينَ﴾ [آل عمران:٦١]، أو مِن طرَفٍ واحدٍ؛ كالتي طُلِبَتْ مِن اليهود في هذه الآية، أو في سورة الجُمُعة، وهي أن يدعُوَ الإنسان على نفسِهِ بالهلاك واللعنة إنْ كان كاذبًا في دعواه. وفي مسند أحمد، عن ابن عبَّاس مرفوعًا: «ولو أنَّ اليهودَ تمنَّوُا الموتَ، لماتوا، ورأَوْا مَقاعِدَهم من النار» [7]. [7] أخرجه أحمد في مسنده (2225)، والبزَّار في مسنده (4814))، وذكره الألباني في السلسلة الصحيحة برقم (3296).

أمَّا وَفْدُ نصارى نَجْرَانَ، فوافقوا على المباهَلةِ، ثم لم يفعلوا، ودفَعُوا الجِزْية.

وأما اليهودُ، فلم يوافقوا؛ لأنهم يَعلَمونَ: أنهم كاذبون.

ثم ختَمَ سبحانه الآيتَيْنِ، فأخبَرَ أنه عليمٌ بالظالمين الذين ظلموا أنفسهم بالكفر والشرك، وسينالون جزاءهم على ظلمهم وكفرهم.

[96] ﴿وَلَتَجِدَنَّهُمۡ أَحۡرَصَ ٱلنَّاسِ عَلَىٰ حَيَوٰةٖ وَمِنَ ٱلَّذِينَ أَشۡرَكُواْۚ يَوَدُّ أَحَدُهُمۡ لَوۡ يُعَمَّرُ أَلۡفَ سَنَةٖ وَمَا هُوَ بِمُزَحۡزِحِهِۦ مِنَ ٱلۡعَذَابِ أَن يُعَمَّرَۗ وَٱللَّهُ بَصِيرُۢ بِمَا يَعۡمَلُونَ 96﴾ :

واعلم -أيها النبي- أن اليهود مِن أشدِّ الناس حبًّا وتعلُّقًا بالبقاء في الحياة الدنيا، بل أشدُّ حرصًا على الحياةِ مِن المشركين، وأنَّ أحدَهم يتمنَّى لو يعيش ألفَ سَنَة؛ لشدَّة حرصه على الحياة، أو لِشَكِّهِ في الآخرة، ثم بيَّن سبحانه أنهم لو عُمِّرُوا هذه السنينَ الطويلة، فإن ذلك لن يُنجِيَهم مِن عذاب الله، ثم أخبرَهم أنه مطَّلِعٌ على أعمال عباده لا تخفى عليه خافيةٌ أبدًا.

[97] ﴿قُلۡ مَن كَانَ عَدُوّٗا لِّـجِبۡرِيلَ فَإِنَّهُۥ نَزَّلَهُۥ عَلَىٰ قَلۡبِكَ بِإِذۡنِ ٱللَّهِ مُصَدِّقٗا لِّمَا بَيۡنَ يَدَيۡهِ وَهُدٗى وَبُشۡرَىٰ لِلۡمُؤۡمِنِينَ 97﴾:

ثم أمَرَ جل وعلا نبيَّه ﷺ أن يقولَ لليهود: اعلموا -أيها اليهودُ- أنَّ مَن كان عدوًّا لجبريل، فإنه عدُوٌّ لله؛ لأن جبريل هو الأمينُ على وحي الله يبلِّغه لجميعِ رسله، وهو الذي نزَلَ بالقرآن على قلب محمَّد ﷺ، وهذا القرآنُ: مصدِّقٌ لما قبله من الكتب، ومبشِّرٌ بالجنة للمؤمنين المصدِّقينَ المذعِنين.

[98] ﴿مَن كَانَ عَدُوّٗا لِّلَّهِ وَمَلَٰٓئِكَتِهِۦ وَرُسُلِهِۦ وَجِبۡرِيلَ وَمِيكَىٰلَ فَإِنَّ ٱللَّهَ عَدُوّٞ لِّلۡكَٰفِرِينَ 98﴾ :

ثم بيَّن سبحانه وتعالى أنَّ مَن عادى اللهَ وملائكتَهُ ورُسُلَهُ وجبريلَ وميكال، فإن الله عدوٌّ للكافرين الجاحدين للحق، وما أُنزِلَ على محمد ﷺ.

[99] ﴿وَلَقَدۡ أَنزَلۡنَآ إِلَيۡكَ ءَايَٰتِۭ بَيِّنَٰتٖۖ وَمَا يَكۡفُرُ بِهَآ إِلَّا ٱلۡفَٰسِقُونَ 99﴾ :

واعلم -أيها النبي- أن الله جل وعلا أنزَلَ إليك آياتٍ بيِّناتٍ واضحاتِ الدَّلَالة، وما يكفُرُ بهذه الآيات ويُنكِرها إلا من فسَقَ عن أمرِ ربِّه، وخرَجَ عن طاعته.

[100] ﴿أَوَكُلَّمَا عَٰهَدُواْ عَهۡدٗا نَّبَذَهُۥ فَرِيقٞ مِّنۡهُمۚ بَلۡ أَكۡثَرُهُمۡ لَا يُؤۡمِنُونَ 100﴾ :

ثم أخبَرَ سبحانه أن هؤلاء اليهود كلما عاهدوا عهدًا، نقَضَهُ فريق منهم؛ فهم قومٌ ليست لهم عهود، ثم بيَّن سبحانه أن أكثر هؤلاء اليهود لا يؤمنون بالتوراة التي أنزَلَها سبحانه على رسولهم، والسببُ: أنهم قومٌ بُهْتٌ طبيعتُهم الكذب، كما قال ذلك عنهم حَبْرُهم عبد الله بن سَلَامٍ رضي الله عنه لرسول الله ﷺ [8]؛ فهم يَعرِفونَ أنَّ محمدًا ﷺ صادقٌ كما يَعرِفونَ أبناءهم؛ ولكنْ حيثُ إن الوحي لم يَنزِلْ عليهم، فإنَّ الحسد أعمى قلوبهم. [8] أخرجه البخاري (3329).

[101] ﴿وَلَمَّا جَآءَهُمۡ رَسُولٞ مِّنۡ عِندِ ٱللَّهِ مُصَدِّقٞ لِّمَا مَعَهُمۡ نَبَذَ فَرِيقٞ مِّنَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلۡكِتَٰبَ كِتَٰبَ ٱللَّهِ وَرَآءَ ظُهُورِهِمۡ كَأَنَّهُمۡ لَا يَعۡلَمُونَ 101﴾ :

وأخبَرَ جل وعلا أن هؤلاءِ اليهودَ لما جاءهم النبي ﷺ مِن عند الله مصدِّقًا للتوراةِ في أصولِ الدين، ومُقِرًّا لنبوَّةِ موسى عليه السلام، كذَّب علماؤهم التوراة، وطَرَحوها وراء ظهورهم عنادًا وتكبُّرًا؛ لأنها أخبَرَتْ بنبوَّة محمد ﷺ، ثم بيَّن سبحانه أنهم تركوا التوراةَ وأعرَضوا عنها، وكأنهم لا يَعلَمونَ ما فيها مِن الأمرِ باتِّباعِ محمد ﷺ وتصديقه.

[102] ﴿وَٱتَّبَعُواْ مَا تَتۡلُواْ ٱلشَّيَٰطِينُ عَلَىٰ مُلۡكِ سُلَيۡمَٰنَۖ وَمَا كَفَرَ سُلَيۡمَٰنُ وَلَٰكِنَّ ٱلشَّيَٰطِينَ كَفَرُواْ يُعَلِّمُونَ ٱلنَّاسَ ٱلسِّحۡرَ وَمَآ أُنزِلَ عَلَى ٱلۡمَلَكَيۡنِ بِبَابِلَ هَٰرُوتَ وَمَٰرُوتَۚ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنۡ أَحَدٍ حَتَّىٰ يَقُولَآ إِنَّمَا نَحۡنُ فِتۡنَةٞ فَلَا تَكۡفُرۡۖ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنۡهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِۦ بَيۡنَ ٱلۡمَرۡءِ وَزَوۡجِهِۦۚ وَمَا هُم بِضَآرِّينَ بِهِۦ مِنۡ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذۡنِ ٱللَّهِۚ وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمۡ وَلَا يَنفَعُهُمۡۚ وَلَقَدۡ عَلِمُواْ لَمَنِ ٱشۡتَرَىٰهُ مَا لَهُۥ فِي ٱلۡأٓخِرَةِ مِنۡ خَلَٰقٖۚ وَلَبِئۡسَ مَا شَرَوۡاْ بِهِۦٓ أَنفُسَهُمۡۚ لَوۡ كَانُواْ يَعۡلَمُونَ 102﴾ :

أخبَرَ جل وعلا أن اليهود نبَذُوا التوراة وراء ظهورهم، واتَّبعوا ما تقوله الشياطينُ مِن السحر؛ حيث زعموا أن سليمانَ عليه السلام ساد أهلَ زمانِهِ به، ولكنْ بيَّن سبحانه أن سليمان لم يكفُرْ؛ لأنه لم يتعلَّمِ السحرَ، ولم يستخدِمْه.

أمَّا الشياطينُ، فقد كفَرُوا؛ لأنهم علَّموا الناسَ السحر؛ لإضلالهم وإفسادِهم، وكذلك اتَّبعوا السحرَ الذي أُنزِلَ على الملَكَيْنِ هاروتَ وماروتَ بأرض بابِلَ بالعراق.

والملَكانِ أُنزِلَا ابتلاءً مِن الله ولحكمةٍ بالغة، وقد صرَّحا أنهما أُنزِلَا ابتلاءً، وحذَّرا كلَّ مَن يأخذ علم السحر منهما مِن الوقوع في الكفر، ومع ذلك استمرَّ الناسُ في تعلُّم السحر منهما، بل في تعلُّمِ أقبحِ أنواعه، وهو التفريقُ بين الرجل وزوجه، مع أن السَّحَرة لا يستطيعون الإضرارَ بأحدٍ إلا بإذن الله وقضائه، ومعلومٌ أن السَّحَرة إنما يتعلَّمون ما يضُرُّهم ولا ينفعهم.

ولقد عَلِمَ اليهودُ أن مَن تعلَّم السحر، وترَكَ الحقَّ -وهو الإيمانُ بالله ورُسُلِهِ واليومِ الآخر- ليس له في الآخرة نصيبٌ مِن الرحمة والثواب، ويالَخَسَارةِ ما استعاضوا به مِن تركهم الإيمانَ واتِّباعَ الرسل، وتعلُّقهم بالسِّحْرِ والدَّجَل؛ لو كان عندهم علم أو عقل يَحمِلهم على التمييز بين الحق والباطل، والنافع والضارّ.

وقد اختلَفَ أهلُ العلم في السحر: هل هو ثابتٌ، وله حقيقة؟ أو أنَّه مجرَّدُ تخييلات؟

والجوابُ: أن مذهب الجمهور ثبوتُ السِّحْر، وأنَّ له حقيقةً، أما المعتزلة، فقالوا: لا حقيقةَ له، بل هو تخييلٌ.

والحقُّ: أن السحرَ نوعان:

الأوَّل: حقيقةٌ، أي: ينفُذُ في الجسم، ويُمرِضُ، ويفرِّقُ بين المرء وزوجه.

والثاني: تخييلٌ، أي: يخيِّلُ لك أن الحَبْلَ حَيَّة، ونحوَ ذلك، دليله: ﴿يُخَيَّلُ إِلَيۡهِ مِن سِحۡرِهِمۡ أَنَّهَا تَسۡعَىٰ﴾ [طه:66].

[103] ﴿وَلَوۡ أَنَّهُمۡ ءَامَنُواْ وَٱتَّقَوۡاْ لَمَثُوبَةٞ مِّنۡ عِندِ ٱللَّهِ خَيۡرٞۚ لَّوۡ كَانُواْ يَعۡلَمُونَ 103﴾ :

ثم بيَّن جل وعلا أنَّ هؤلاءِ اليهودَ لو آمنوا بالنبيِّ ﷺ، وما أُنزِلَ عليه مِن القرآن، واجتنبوا ما وقَعوا فيه مِن السحر والكفر، لحصلوا على منافعَ كثيرةٍ، ومِن ذلك: ثوابُ الله الذي هو خيرٌ لهم مما اختاروا لأنفسهم لو كانوا يعلمون أن ثواب الله خيرٌ لهم مِن السِّحْر، وخيرٌ لهم مما اكتسبوا به، بل وخيرٌ لهم من الدنيا وما فيها.

[104] ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَقُولُواْ رَٰعِنَا وَقُولُواْ ٱنظُرۡنَا وَٱسۡمَعُواْۗ وَلِلۡكَٰفِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٞ 104﴾ :

ثم أمَرَ سبحانه وتعالى عباده المؤمنين أن يراعوا الأدَبَ في مخاطَبةِ الرسول ﷺ؛ تجنُّبًا لبعض الكلمات التي تَحمِلُ أكثرَ مِن معنًى؛ مثلُ كلمة: ﴿رَٰعِنَا﴾ ؛ حيثُ إن الصحابة رضي الله عنهم كانوا يقولون للرسول ﷺ: ﴿رَٰعِنَا﴾ ، أي: رَاعِ أحوالَنا وأَمهِلْنا.

ولكنَّ اليهودَ بعد أن سَمِعوها، أخذوا يقولونها على سبيلِ السبِّ، أي: مِن الرُّعُونة، وهو الحُمْق، فنهى الله المؤمنين أن يقولوها، وأمَرَهم أن يقولوا بدلًا منها: ﴿ٱنظُرۡنَا﴾ ، أي: أَمهِلْنا وترفَّقْ بنا، فعليكم -أيها المؤمنون- أن تسمعوا لما تُؤْمَرون به مِن طاعة الله ورسوله ﷺ.

ثم توعَّد جل وعلا الكافرين مِن اليهود وغيرهم بالعذابِ الأليمِ المُوجِع.

[105] ﴿مَّا يَوَدُّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنۡ أَهۡلِ ٱلۡكِتَٰبِ وَلَا ٱلۡمُشۡرِكِينَ أَن يُنَزَّلَ عَلَيۡكُم مِّنۡ خَيۡرٖ مِّن رَّبِّكُمۡۚ وَٱللَّهُ يَخۡتَصُّ بِرَحۡمَتِهِۦ مَن يَشَآءُۚ وَٱللَّهُ ذُو ٱلۡفَضۡلِ ٱلۡعَظِيمِ 105﴾ :

أخبَرَ جل وعلا أنَّ الكفَّار من اليهود والنصارى ومُشرِكي العرَبِ لا يريدون أن ينزِّلَ اللهُ على رسوله وعلى المؤمنين منكم أدنى خيرٍ مِن قرآنٍ أو علمٍ أو نَصْرٍ أو بِشَارة؛ حسدًا منهم وبغضًا لكم.

ولكنِ اعلموا -أيها الكفار- أن الله يختصُّ برحمته مَن يشاء مِن عباده بالنبوَّة أو الرسالة، وقد اختصَّ محمدًا ﷺ بأنْ جعَلَهُ خاتَمَ الأنبياء والمرسلين؛ ولذا فلن يضُرَّهُ حسَدُ الحاسدين، ولا جحودُهم.

ثم بيَّن جل في علاه أنه صاحبُ الفضلِ العظيمِ والمِنَّةِ الكبرى على عبادِهِ المؤمنين، وهو أعلمُ حيثُ يَجعَلُ رسالته.

[106] ﴿مَا نَنسَخۡ مِنۡ ءَايَةٍ أَوۡ نُنسِهَا نَأۡتِ بِخَيۡرٖ مِّنۡهَآ أَوۡ مِثۡلِهَآۗ أَلَمۡ تَعۡلَمۡ أَنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ قَدِيرٌ 106﴾ :

أخبَرَ جل وعلا أنه ما يبدِّلُ مِن آيةٍ مِن حكمٍ إلى حكم، أو يمحُوهَا من القلوب؛ إلا ويأتي بأفضلَ وأنفعَ منها، أو بمِثْلِها في النفعِ والفضل؛ لحكمةٍ يَعلَمُها سبحانه.

والنسخُ خاصٌّ بالأوامرِ والنواهي، أمَّا الأخبارُ المحضة، فلا يدخُلُها النسخ، وقد كان اليهودُ يُنكِرونَ النسخَ مع أنه مذكورٌ عندهم في التوراة. ثم ختَمَ سبحانه الآيةَ قائلًا على سبيل التقرير: ألم تَعلَمْ -أيها النبي- أن الله قادرٌ على كل شيء، وأنه لا يُعجِزه شيء في الأرض ولا في السماء؟!

[107] ﴿أَلَمۡ تَعۡلَمۡ أَنَّ ٱللَّهَ لَهُۥ مُلۡكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۗ وَمَا لَكُم مِّن دُونِ ٱللَّهِ مِن وَلِيّٖ وَلَا نَصِيرٍ 107﴾ :

ثم أقام جل وعلا دليلًا واضحًا بيِّنًا على قدرته، فقال سبحانه على سبيل التقرير: ألم تَعلَمْ -أيها النبي- أن الله يَملِكُ كلَّ ما في السموات والأرض، وهو المتصرِّفُ فيهما، يَفعَلُ فيهما ما يشاء؟!

ثم بيَّن سبحانه أنه ليس للناسِ مِن وليٍّ غيرُ اللهِ يتولَّى أمورَهم، ويرعى شؤونَهم ومصالحَهم، وليس لهم نصيرٌ ينصُرُهم إلا اللهُ وحده، ومَن كان اللهُ وليَّه ونصيرَهُ، فنِعْمَ المولى ونِعْمَ النصير.

[108] ﴿أَمۡ تُرِيدُونَ أَن تَسۡـَٔلُواْ رَسُولَكُمۡ كَمَا سُئِلَ مُوسَىٰ مِن قَبۡلُۗ وَمَن يَتَبَدَّلِ ٱلۡكُفۡرَ بِٱلۡإِيمَٰنِ فَقَدۡ ضَلَّ سَوَآءَ ٱلسَّبِيلِ 108﴾ :

ثم أنكَرَ عَزَّوَجَلَّ على الذين يُكثِرونَ من سؤال النبي ﷺ، فقال سبحانه: أتريدون أن تُكثِروا على نبيِّكم محمَّدٍ ﷺ أسئلةَ التعنُّت والعناد والمكابَرة؛ كما فعَلَ بنو إسرائيل مع موسى؛ حيث كانوا يُكثِرون من أسئلة التعنُّت والعناد؛ كقولهم: ﴿لَن نُّؤۡمِنَ لَكَ حَتَّىٰ نَرَى ٱللَّهَ جَهۡرَةٗ فَأَخَذَتۡكُمُ ٱلصَّٰعِقَةُ وَأَنتُمۡ تَنظُرُونَ﴾ [البقرة:٥٥]، وقولِهم: ﴿ٱجۡعَل لَّنَآ إِلَٰهٗا كَمَا لَهُمۡ ءَالِهَةٞۚ قَالَ إِنَّكُمۡ قَوۡمٞ تَجۡهَلُونَ﴾ [الأعراف:١٣٨]، وغيرِ ذلك.

أمَّا سؤالُ التعلُّم والتفقُّه والاسترشاد، فهذا مطلوبٌ وممدوح، واعلموا -أيها الناس- أن مَن اختار الكفرَ على الإيمان، فقد ضلَّ صراطَ اللهِ المستقيمَ.

[109] ﴿وَدَّ كَثِيرٞ مِّنۡ أَهۡلِ ٱلۡكِتَٰبِ لَوۡ يَرُدُّونَكُم مِّنۢ بَعۡدِ إِيمَٰنِكُمۡ كُفَّارًا حَسَدٗا مِّنۡ عِندِ أَنفُسِهِم مِّنۢ بَعۡدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ ٱلۡحَقُّۖ فَٱعۡفُواْ وَٱصۡفَحُواْ حَتَّىٰ يَأۡتِيَ ٱللَّهُ بِأَمۡرِهِۦٓۗ إِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ قَدِيرٞ 109﴾ :

ثم أخبَرَ جل وعلا أن أكثر أهل الكتاب يتمنَّوْنَ أن تَرجِعوا -أيها المؤمنون- بعد إيمانكم كفَّارًا؛ حسَدًا مِن عند أنفسهم، بعد أن تبيَّن لهم أنكم على الحق؛ فاعفُوا واصفَحُوا وتجاوزوا عمَّا كان منهم؛ مِن إساءةٍ وخطأٍ وجهلٍ؛ حتى يأذنَ الله بقتالهم.

واعلموا أن الله على كلِّ شيء قدير، لا يُعجِزُهُ شيء في الأرض ولا في السماء.

[110] ﴿وَأَقِيمُواْ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتُواْ ٱلزَّكَوٰةَۚ وَمَا تُقَدِّمُواْ لِأَنفُسِكُم مِّنۡ خَيۡرٖ تَجِدُوهُ عِندَ ٱللَّهِۗ إِنَّ ٱللَّهَ بِمَا تَعۡمَلُونَ بَصِيرٞ 110﴾ :

ثم أمَرَ سبحانه المؤمنين بإقامةِ الصلاةِ على الوجهِ الأكملِ كما شرَعَ الله، وبإخراجِ زكاةِ أموالهم لمستحِقِّيها طيِّبةً بها نفوسُهم، واعلموا -أيها الناس- أنَّ ما تقدِّمونه مِن خيرٍ وعمَلٍ صالحٍ سيعودُ نفعُهُ عليكم، وستجدونه عند الله يوم القيامة؛ فإنه مطَّلِعٌ على أعمالكم، وسيجازيكم عليها؛ إنْ خيرًا فخيرٌ، وإنْ شرًّا فشرّ.

[111] ﴿وَقَالُواْ لَن يَدۡخُلَ ٱلۡجَنَّةَ إِلَّا مَن كَانَ هُودًا أَوۡ نَصَٰرَىٰۗ تِلۡكَ أَمَانِيُّهُمۡۗ قُلۡ هَاتُواْ بُرۡهَٰنَكُمۡ إِن كُنتُمۡ صَٰدِقِينَ 111﴾ :

أخبَرَ سبحانه وتعالى أنَّ اليهودَ يدَّعون أنه لن يدخُلَ الجنةَ إلا مَن كان يهوديًّا، وأنَّ النصارى يدَّعون أنه لن يدخُلَ الجنةَ إلا مَن كان نصرانيًّا، ثم أخبَرَ جل وعلا أن هذه الدعاوى باطلة، وما هي إلا أمانيُّ وأوهامٌ وافتراءاتٌ فاسدة.

ثم أمَرَ سبحانه نبيه ﷺ أن يقول لهم: أَعْطُوني دليلَكم على هذه الدعاوى إن كنتم صادقين؟!

[112] ﴿بَلَىٰۚ مَنۡ أَسۡلَمَ وَجۡهَهُۥ لِلَّهِ وَهُوَ مُحۡسِنٞ فَلَهُۥٓ أَجۡرُهُۥ عِندَ رَبِّهِۦ وَلَا خَوۡفٌ عَلَيۡهِمۡ وَلَا هُمۡ يَحۡزَنُونَ 112﴾:

ثم إن الله جل وعلا كذَّبهما بقوله: ﴿بَلَىٰۚ مَنۡ أَسۡلَمَ وَجۡهَهُۥ لِلَّهِ﴾ ، أي: لن يدخُلَ الجنةَ إلا مَن أخلَصَ أقواله وأعماله لله وحده لا شريكَ له، واتَّبَعَ الهدى الذي جاءت به الرسُل، ثم أخبَرَ سبحانه أن مَن كانت هذه صفاتِهم، فإنَّ لهم أجرًا وثوابًا عظيمًا عند الله، وهو دخولُ الجنةِ مطمئنِّينَ لا يخافونَ مِن عذابِ النارِ في الآخرة، ولا يَحزَنُونَ على ما فاتهم مِن نعيمِ الدنيا؛ لأنَّ الله سوف يعوِّضهم بالأجملِ والأكملِ في الجنة.

[113] ﴿وَقَالَتِ ٱلۡيَهُودُ لَيۡسَتِ ٱلنَّصَٰرَىٰ عَلَىٰ شَيۡءٖ وَقَالَتِ ٱلنَّصَٰرَىٰ لَيۡسَتِ ٱلۡيَهُودُ عَلَىٰ شَيۡءٖ وَهُمۡ يَتۡلُونَ ٱلۡكِتَٰبَۗ كَذَٰلِكَ قَالَ ٱلَّذِينَ لَا يَعۡلَمُونَ مِثۡلَ قَوۡلِهِمۡۚ فَٱللَّهُ يَحۡكُمُ بَيۡنَهُمۡ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ فِيمَا كَانُواْ فِيهِ يَخۡتَلِفُونَ 113﴾:

أخبَرَ جل وعلا أن كلًّا من اليهود والنصارى لا يعترِفُ بالآخر؛ مع أنهم يقرؤون التوراة والإنجيل، ويعلمون ما فيهما مِن وجوب الإيمان بجميع الرسل، بل قال اليهودُ أشنعَ من هذا؛ قالوا: إن عيسى عليه السلام وَلَدُ بَغِيٍّ، أي: ولدُ زِنًى؛ فإنا لله وإنا إليه راجعون، والعياذُ بالله مِن قذف المحصَناتِ الطاهرات.

ثم قال سبحانه: وكما أن اليهودَ والنصارى يكفِّرُ كلٌّ منهما الآخَرَ، فإن مشركي العرب وغيرَهم كلٌّ منهم يضلِّلُ الآخر ويكفِّره، واعلموا -أيها الناس- أن الله سوف يحكُمُ بينكم يوم القيامة بحُكْمِهِ العدلِ فيما كنتم فيه تختلفون.

[114] ﴿وَمَنۡ أَظۡلَمُ مِمَّن مَّنَعَ مَسَٰجِدَ ٱللَّهِ أَن يُذۡكَرَ فِيهَا ٱسۡمُهُۥ وَسَعَىٰ فِي خَرَابِهَآۚ أُوْلَٰٓئِكَ مَا كَانَ لَهُمۡ أَن يَدۡخُلُوهَآ إِلَّا خَآئِفِينَۚ لَهُمۡ فِي ٱلدُّنۡيَا خِزۡيٞ وَلَهُمۡ فِي ٱلۡأٓخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٞ 114﴾:

ثم بيَّن سبحانه وتعالى أنه لا أحدَ أشدُّ ظلمًا مِن الذين منَعوا ذِكْرَ الله في المساجد، واجتهدوا في تخريبِها بالهَدْمِ أو الإغلاقِ ونحو ذلك، وكان الأَوْلى بهم أن يدخُلُوا هذه المساجدَ وهم على وَجَلٍ وخوفٍ مِن الله؛ ولذا كانت عقوبةُ الذين سعَوْا في تخريبِ المساجدِ الخزيَ والعارَ والفضيحةَ في الدنيا، والعذابَ الأليمَ الشديدَ في الآخرة؛ نسألُ اللهُ العفوَ والعافية.

[115] ﴿وَلِلَّهِ ٱلۡمَشۡرِقُ وَٱلۡمَغۡرِبُۚ فَأَيۡنَمَا تُوَلُّواْ فَثَمَّ وَجۡهُ ٱللَّهِۚ إِنَّ ٱللَّهَ وَٰسِعٌ عَلِيمٞ 115﴾:

ثم أخبَرَ جل وعلا أنه يَملِكُ مشارقَ الأرض ومغاربَها وما بينهما، فأينما توجَّهتم -أيها الناس- في أرض الله الواسعة، وأرَدتُّم الصلاة، فتوجَّهوا إلى الجهةِ التي يَغلِبُ على ظنِّكم أنها القِبْلة، وهي البيتُ العتيق؛ وبهذا تكونون قد أدَّيْتُم ما أمَرَكم الله به، واعلموا أن الله واسعٌ عليمٌ يسَعُ علمُهُ كل شيء. وهذه الآيةُ دليلٌ على وجوب أداء الصلاة في أي مكان مِن الأرض إذا حضَرَ وقتها.

وقد سُئِلَ الشيخ ابن عثيمين رحمه الله عن هذه الآية، فقال السائلُ: هذه الآيةُ يُفهَمُ منها أنَّ اللهَ في كلِّ مكان، ومثلُها قوله تعالى: ﴿وَهُوَ ٱلَّذِي فِي ٱلسَّمَآءِ إِلَٰهٞ وَفِي ٱلۡأَرۡضِ إِلَٰهٞۚ ﴾ [الزخرف:٨٤]؟

فأجاب: إنَّ مَن يقول: إنَّ الله في كلِّ مكان، كافر.

ثم قال: هذه آياتٌ متشابِهةٌ قد يُفهَمُ منها ما ذكَرَهُ السائل.

وقال: إن المُجمَلَ يُحمَلُ على المفصَّل، والمتشابِهَ يُحمَلُ على المُحكَمِ المصرَّحِ الموضَّحِ.

ثم ذكَرَ الآياتِ التي تُثبِتُ استواءَهُ على العرش، وحديثَ الجاريةِ التي سألها الرسولُ ﷺ: «أَيْنَ اللهُ؟»، فقالت: في السماء، قال: «مَنْ أَنَا؟»، قالت: أنتَ رسولُ الله، قال: «أَعْتِقْهَا؛ فَإِنَّهَا مُؤْمِنَةٌ» [9]. [9] أخرجه مسلم (537)، عن معاوِيةَ بنِ الحَكَمِ السُّلَميِّ رضي الله عنه.

ثم قال: إن هذه الجاريةَ -على مذهبِ هؤلاءِ الذين يتتبَّعون المتشابِهَ- كافرةٌ. وقال أيضًا: ومِن الآيات التي تدُلُّ على أنه في السماء: قوله تعالى: ﴿سَبِّحِ ٱسۡمَ رَبِّكَ ٱلۡأَعۡلَى﴾ [الأعلى:١]، ولم يقل: الأسفلِ، ولا الذي في كلِّ مكان.

وهناك أدلَّةٌ كثيرةٌ لا يسَعُ المقامُ لذكرها تصرِّحُ أنَّ الله فوق عرشه، وأنَّ العرش أعلى المخلوقاتِ فوق السماء السابعة، وهو سقفُ العالم.

[116] ﴿وَقَالُواْ ٱتَّخَذَ ٱللَّهُ وَلَدٗاۗ سُبۡحَٰنَهُۥۖ بَل لَّهُۥ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۖ كُلّٞ لَّهُۥ قَٰنِتُونَ 116﴾:

ثم أخبَرَ جل وعلا بمقولةِ اليهود: إن عزيرًا ابنُ الله، ومقولةِ النصارى: إن المسيحَ ابنُ الله، ومقولةِ مشركي مكة: إن الملائكةَ بناتُ الله، فكذَّبهم الله جميعًا، وأخبَرَ أنه تنزَّه وتقدَّس عن هذا القولِ الآثِمِ الذي نسبوه له جل وعلا، وأخبَرَ أن جميع مَن في السموات والأرض عبدٌ خاضعٌ له، وتحت تصرُّفه وحُكْمه وتدبيره.

[117] ﴿بَدِيعُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۖ وَإِذَا قَضَىٰٓ أَمۡرٗا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُۥ كُن فَيَكُونُ 117﴾:

ثم بيَّن سبحانه وتعالى أنه خالقُ السموات والأرض ومُبدِعُهما على غير مثال سابق، وإذا أراد سبحانه أن يخلُقَ شيئًا، فإنما يقول له: (كُنْ)؛ فيكون. وأنبِّهُ هنا إلى مقولة بعض الناس: إنما أمرُهُ بين الكاف والنون؛ وهذا القول خطأ، والصوابُ أن يقال: إنما أمره بعد الكاف والنون.

[118] ﴿وَقَالَ ٱلَّذِينَ لَا يَعۡلَمُونَ لَوۡلَا يُكَلِّمُنَا ٱللَّهُ أَوۡ تَأۡتِينَآ ءَايَةٞۗ كَذَٰلِكَ قَالَ ٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِهِم مِّثۡلَ قَوۡلِهِمۡۘ تَشَٰبَهَتۡ قُلُوبُهُمۡۗ قَدۡ بَيَّنَّا ٱلۡأٓيَٰتِ لِقَوۡمٖ يُوقِنُونَ 118﴾:

ثم أخبَرَ جل وعلا أن المشركين قالوا للرسول ﷺ: لن نؤمن -يا محمَّد- حتى يكلِّمَنا اللهُ مباشرة، ويُخبِرَنا أنك رسول، أو تأتِيَنا علامةٌ تدُلُّ على نبوَّتك وصِدْقك، ومثلُ هذا القولِ قالت به اليهودُ والنصارى مِن قبل؛ وهذا دليلٌ على أن قلوبهم قد تشابهت في الكفر والضلال.

ثم أخبَرَ سبحانه أنه بيَّن الآياتِ ووضَّحها لمن يعترفون بالحق، ويصدِّقون به تصديقًا جازمًا.

[119] ﴿إِنَّآ أَرۡسَلۡنَٰكَ بِٱلۡحَقِّ بَشِيرٗا وَنَذِيرٗاۖ وَلَا تُسۡـَٔلُ عَنۡ أَصۡحَٰبِ ٱلۡجَحِيمِ 119﴾:

ثم أخبَرَ المولى عز وجل أنه أرسَلَ نبيه محمدًا ﷺ بهذا الدين الحقِّ المؤيَّدِ بالأدلَّة والبراهين، وأنه أرسله مبشِّرًا للمؤمنين بخيري الدنيا والآخرة، ومخوِّفًا الكافرين مِن عذاب الله، وأخبَرَهُ أنه ليس مسؤولًا عن كفر وضلال هؤلاء المشركين الكفَّار بعد البلاغ؛ فإنهم وحدهم المسؤولون عن مصيرهم، وهو دخولُ النار، وبئس المصير.

[120] ﴿وَلَن تَرۡضَىٰ عَنكَ ٱلۡيَهُودُ وَلَا ٱلنَّصَٰرَىٰ حَتَّىٰ تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمۡۗ قُلۡ إِنَّ هُدَى ٱللَّهِ هُوَ ٱلۡهُدَىٰۗ وَلَئِنِ ٱتَّبَعۡتَ أَهۡوَآءَهُم بَعۡدَ ٱلَّذِي جَآءَكَ مِنَ ٱلۡعِلۡمِ مَا لَكَ مِنَ ٱللَّهِ مِن وَلِيّٖ وَلَا نَصِيرٍ 120﴾:

أخبَرَ جل وعلا أن اليهود والنصارى لن يَرضَوْا عن النبي ﷺ حتى يترُكَ دِينه، ويتَّبِعَ دينهم؛ لذا أمَرَهُ سبحانه وتعالى أن يقول لهم: اعلموا -يا أهل الكتاب- أن الدِّينَ الصحيحَ الذي هداني الله إليه هو دينُ الإسلام، ثم بيَّن له جل في علاه أنه إذا اتَّبع أهواءهم، وتشبَّه بهم، بعد الحق الذي جاءه مِن عند الله، فليس له مِن الله وليٌّ يتولَّاه وينفعه، ولا نصيرٌ ينصُرُه.

وهذا الخطابُ -وإن كان موجَّهًا للرسول ﷺ- فإن المقصودَ به أن يبلِّغَ أمَّته ذلك؛ لأنه معصوم مما هو أقلُّ من ذلك.

[121] ﴿ٱلَّذِينَ ءَاتَيۡنَٰهُمُ ٱلۡكِتَٰبَ يَتۡلُونَهُۥ حَقَّ تِلَاوَتِهِۦٓ أُوْلَٰٓئِكَ يُؤۡمِنُونَ بِهِۦۗ وَمَن يَكۡفُرۡ بِهِۦ فَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡخَٰسِرُونَ 121﴾:

ثم أخبَرَ جل وعلا أن الذين أُنزِلَ عليهم الكتابُ مِن اليهودِ والنصارى، وقرؤوه قراءةً صحيحة، واتَّبعوه حقَّ الاتِّباع، فأولئك هم المؤمنون بالله، وبمحمد ﷺ، وبما أُنزِلَ عليه؛ كعبد الله بن سَلَام وأصحابه الذين أسلموا من اليهود والنصارى، أما الذين بدَّلوا وحرَّفوا، فأولئك كفروا بمحمد ﷺ، وبما أُنزِلَ عليه، وهؤلاء هم أشدُّ الناس خُسْرانًا عند الله يوم القيامة.

[122] ﴿يَٰبَنِيٓ إِسۡرَٰٓءِيلَ ٱذۡكُرُواْ نِعۡمَتِيَ ٱلَّتِيٓ أَنۡعَمۡتُ عَلَيۡكُمۡ وَأَنِّي فَضَّلۡتُكُمۡ عَلَى ٱلۡعَٰلَمِينَ 122﴾:

ثم كرَّر المولى سبحانه وتعالى النداءَ لبني إسرائيل، وأمَرَهم أن يتذكَّروا نِعَمَ الله الكثيرةَ عليهم؛ وذلك بأن يتذكَّروها بقلوبهم، ويتذكَّروها بألسنتهم، ويتذكَّروها بجوارحهم؛ لأن شُكْرَ النعم يكون بهذه الأمور الثلاثة: القلبِ، واللسانِ، والجوارح، ثم بيَّن سبحانه أن مِن النِّعَمِ التي أنعم الله بها عليهم: أنه فضَّل آباءهم أتباعَ موسى عليه السلام على عالَمِي زمانهم؛ لأن أتباعَ كلِّ نبيٍّ مفضَّلون على عالَمِي زمانهم.

ولا شك أنَّ تفضيلَ الآباء شرَفٌ للأبناء، وتفضيلُ الله لهم كان بإرسال الرسل، وإنزال الكتب، وأنه جعَلَ منهم سادةً وملوكًا؛ لاتِّبَاعِهم هُدى الله.

[123] ﴿وَٱتَّقُواْ يَوۡمٗا لَّا تَجۡزِي نَفۡسٌ عَن نَّفۡسٖ شَيۡـٔٗا وَلَا يُقۡبَلُ مِنۡهَا عَدۡلٞ وَلَا تَنفَعُهَا شَفَٰعَةٞ وَلَا هُمۡ يُنصَرُونَ 123﴾:

ثم أمَرَ جل وعلا بني إسرائيلَ أن يخافوا يومَ القيامة، ذلك اليومَ الذي لا يُغنِي فيه أحدٌ عن أحدٍ شيئًا، ولا يَقبَلُ الله في ذلك اليوم مِن كافرٍ فِدْيةً، ولا تَنفَعُ الشفاعةُ أحدًا كفَرَ بالله ورسوله ﷺ، ولا يملك أحدٌ في ذلك اليوم أن يُعِينَ كافرًا، أو ينصُرَهُ، أو ينجِّيَه من عذاب الله الشديد.

[124] ﴿وَإِذِ ٱبۡتَلَىٰٓ إِبۡرَٰهِـۧمَ رَبُّهُۥ بِكَلِمَٰتٖ فَأَتَمَّهُنَّۖ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامٗاۖ قَالَ وَمِن ذُرِّيَّتِيۖ قَالَ لَا يَنَالُ عَهۡدِي ٱلظَّٰلِمِينَ 124﴾:

ثم أخبَرَ سبحانه وتعالى نبيه ﷺ أنه امتحَنَ عبده وخليله إبراهيم عليه السلام بجملةٍ مِن التكاليف الشرعية، وبيَّن جل وعلا أن إبراهيم عليه السلام أتمَّها وقام بها أحسَنَ قيام؛ ولذا فإن الله شكَرَهُ وكافأه بأن جعَلَهُ إمامًا للناس في الدِّين. ثم إن إبراهيم عليه السلام طلَبَ مِن ربه أن تُمنَحَ الإمامةُ أيضًا لذُرِّيَّته مِن بعده؛ فقال سبحانه: اعلم -يا إبراهيم- أن الإمامةَ في الدِّينِ أمرُها عظيم؛ ولذا لن ينالها أحدٌ ظلَمَ نفسَهُ بالكفر والمعاصي.

[125] ﴿وَإِذۡ جَعَلۡنَا ٱلۡبَيۡتَ مَثَابَةٗ لِّلنَّاسِ وَأَمۡنٗا وَٱتَّخِذُواْ مِن مَّقَامِ إِبۡرَٰهِـۧمَ مُصَلّٗىۖ وَعَهِدۡنَآ إِلَىٰٓ إِبۡرَٰهِـۧمَ وَإِسۡمَٰعِيلَ أَن طَهِّرَا بَيۡتِيَ لِلطَّآئِفِينَ وَٱلۡعَٰكِفِينَ وَٱلرُّكَّعِ ٱلسُّجُودِ 125﴾:

ثم أخبَرَ المولى عزوجل نبيه ﷺ أنه جعَلَ هذا البيت -وهو الكعبةُ- قِبْلةً للناس يستقبلونها ويتوجَّهون إليها، ومرجعًا يَرجِعونَ إليه، ومَجْمَعًا لهم في الحجِّ والعمرة، وجعله أيضًا بيتًا آمِنًا لا يخافُ فيه أحد، وهذا الجَعْلُ شرعيٌّ تكليفي.

ثم أمَرَ سبحانه الناس أن يتَّخذوا مِن مكانِ إبراهيمَ عليه السلام مكانًا للصلاة فيه، ثم أوحى عزوجل إلى إبراهيمَ وابنِهِ إسماعيلَ بتطهير البيت مِن الأوثان والكفار والنجاسات؛ لكي يكونَ مهيَّأً لمن أراد أن يطوفَ أو يعتكِفَ أو يصلِّيَ فيه.

ولاحِظْ أن الله جل في علاه قال في هذه الآية: ﴿وَإِذۡ جَعَلۡنَا ٱلۡبَيۡتَ﴾ ، ولم يقل: (البلَدَ)، كما قال في سورة إبراهيم: ﴿رَبِّ ٱجۡعَلۡ هَٰذَا ٱلۡبَلَدَ﴾ [إبراهيم:٣٥]؛ لأن البيتَ لم يكنْ وقتَ مجيءِ هاجَرَ وابنِها قائمًا معمورًا، وإنما عُمِرَ واستُوطِنَ بعد أن كَبِرَ إسماعيلُ وساعَدَ أباه في بناء الكعبة.

[126] ﴿وَإِذۡ قَالَ إِبۡرَٰهِـۧمُ رَبِّ ٱجۡعَلۡ هَٰذَا بَلَدًا ءَامِنٗا وَٱرۡزُقۡ أَهۡلَهُۥ مِنَ ٱلثَّمَرَٰتِ مَنۡ ءَامَنَ مِنۡهُم بِٱللَّهِ وَٱلۡيَوۡمِ ٱلۡأٓخِرِۚ قَالَ وَمَن كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُۥ قَلِيلٗا ثُمَّ أَضۡطَرُّهُۥٓ إِلَىٰ عَذَابِ ٱلنَّارِۖ وَبِئۡسَ ٱلۡمَصِيرُ 126﴾:

ثم أخبَرَ سبحانه وتعالى نبيه ﷺ أنَّ إبراهيمَ عليه السلام دعا ربه أن يَجعَلَ مكَّةَ بلدًا آمنًا، وأن يرزُقَ أهلَها من كلِّ أنواعِ الثمرات، ثم إن إبراهيمَ قيَّد هذا الرزقَ بالمؤمنين الذين آمنوا بالله واليوم الآخر، فقال له جل في علاه: ومَن كفَرَ منهم -يا إبراهيم- سوف نرزُقُهُ أيضًا في الدنيا، كسائر الناس، ونمتِّعُهُ متاعًا قليلًا، ثم يُرَدُّ إلينا يوم القيامة مُرغَمًا ومُكرَهًا لنذيقه عذاب النار؛ فبئست النهاية، وبئس المصيرُ للكافرين.

[127] ﴿وَإِذۡ يَرۡفَعُ إِبۡرَٰهِـۧمُ ٱلۡقَوَاعِدَ مِنَ ٱلۡبَيۡتِ وَإِسۡمَٰعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلۡ مِنَّآۖ إِنَّكَ أَنتَ ٱلسَّمِيعُ ٱلۡعَلِيمُ 127﴾:

ثم بيَّن جل وعلا لنبيه ﷺ حال إبراهيمَ وإسماعيلَ عليهما السلام عندما كانا يَبنِيَانِ الكعبة، ويرفعان قواعدها؛ حيثُ كانا يدعُوَانِ الله بهذه الأدعيةِ المبارَكةِ قائلين: يا ربَّنا، تَقَبَّلْ منا هذا العملَ المبارَك، واجعَلْهُ خالصًا لوجهك الكريم؛ فإنك -يا ربِّ- أنت السميعُ لأقوال عبادك، العليمُ بأعمالهم وأحوالهم.

[128] ﴿رَبَّنَا وَٱجۡعَلۡنَا مُسۡلِمَيۡنِ لَكَ وَمِن ذُرِّيَّتِنَآ أُمَّةٗ مُّسۡلِمَةٗ لَّكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبۡ عَلَيۡنَآۖ إِنَّكَ أَنتَ ٱلتَّوَّابُ ٱلرَّحِيمُ 128﴾:

ثم إنَّ إبراهيمَ وإسماعيلَ عليهما السلام دَعَوَا لأنفسِهما وذُرِّيَّتهما بالبقاء على دِينِ الإسلام؛ فهو أعظمُ نعمةٍ يمُنُّ الله بها على عباده، ثم سألا الله جل في علاه أن يعلِّمهما أمورَ دينِهما وعبادتِهما عمومًا، وما يتعلَّقُ بأعمال الحج خصوصًا؛ كالطواف والسَّعْي والوقوف وغير ذلك، ثم سألاه سبحانه أن يمُنَّ عليهما بالتوبةِ النصوح؛ لأن العبدَ عُرْضةٌ للذنب والتقصير؛ فإنك -يا ربِّ- كثيرُ التوبة لعبادك، واسعُ الرحمة بهم.

[129] ﴿رَبَّنَا وَٱبۡعَثۡ فِيهِمۡ رَسُولٗا مِّنۡهُمۡ يَتۡلُواْ عَلَيۡهِمۡ ءَايَٰتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ ٱلۡكِتَٰبَ وَٱلۡحِكۡمَةَ وَيُزَكِّيهِمۡۖ إِنَّكَ أَنتَ ٱلۡعَزِيزُ ٱلۡحَكِيمُ 129﴾:

ثم إنَّ إبراهيمُ وإسماعيلُ عليهما السلام سَألا اللهَ جل في علاه: أن يَبعَثَ في هذه الأمة رسولًا من ذُرِّيَّتهم، يتلو عليهم آياتِ الله، ويعلِّمهم القرآن والفقه، وأمورَ دينهم، ويطهِّرَهم من الكفر والشرك وسائر الذنوب والمعاصي؛ فاستجاب سبحانه لدعائهم؛ فبعَثَ فيهم رسولَهُ محمدًا ﷺ.

وقد رُوِيَ أنه ﷺ كان يقول: «أَنَا دَعْوَةُ أَبِي إِبْرَاهِيمَ» [10]. [10] أخرجه أحمد (16700)، عن العِرْباض بن سَارِيَةَ رضي الله عنه. وصححه شيخ الإسلام ابن تيمية في الفتاوى (10/728)، والذهبي في السيرة (1/42)، وابن كثير في البداية والنهاية (2/275).

ثم ختَمَ سبحانه الآيةَ بقولِ إبراهيمَ عليه السلام: إنك -يا ربِّ- أنت العزيزُ الذي لا يَغلِبُكَ أمر، ولا يمتنِعُ عليك أحد، والحكيمُ الذي يضع الأشياء في مواضعها.

[130] ﴿وَمَن يَرۡغَبُ عَن مِّلَّةِ إِبۡرَٰهِـۧمَ إِلَّا مَن سَفِهَ نَفۡسَهُۥۚ وَلَقَدِ ٱصۡطَفَيۡنَٰهُ فِي ٱلدُّنۡيَاۖ وَإِنَّهُۥ فِي ٱلۡأٓخِرَةِ لَمِنَ ٱلصَّٰلِحِينَ 130﴾:

ثم بيَّن جل في علاه أنَّ مَن يختارُ دينًا غيرَ دِينِ إبراهيم عليه السلام، فهو سفيهٌ جاهل؛ لأن الله اصطفى إبراهيمَ في الدنيا، وجعله نبيًّا ورسولًا، وإنه في الآخرةِ لمن الصالحين الذين لهم أعلى الدرَجات.

[131] ﴿إِذۡ قَالَ لَهُۥ رَبُّهُۥٓ أَسۡلِمۡۖ قَالَ أَسۡلَمۡتُ لِرَبِّ ٱلۡعَٰلَمِينَ 131﴾:

ثم بيَّن جل وعلا أن سبب هذا الاصطفاء: أن إبراهيم عليه السلام انقاد لأمر الله قولًا وعملًا دون تردُّد؛ عندما أمَرَهُ بالإسلامِ والتوحيدِ لله ربِّ العالمين.

[132] ﴿وَوَصَّىٰ بِهَآ إِبۡرَٰهِـۧمُ بَنِيهِ وَيَعۡقُوبُ يَٰبَنِيَّ إِنَّ ٱللَّهَ ٱصۡطَفَىٰ لَكُمُ ٱلدِّينَ فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسۡلِمُونَ 132﴾:

ثم أخبَرَ سبحانه وتعالى أن إبراهيمَ ويعقوبَ عليهما السلام حثَّا أبناءَهما على الثباتِ على الإسلام، فقالا: إن الله اختار لكم هذا الدِّينَ، وهو الإسلام؛ فلا تترُكُوهُ ولا تفارِقوه، ولا تموتوا إلا وأنتم على مِلَّةِ الإسلام.

[133] ﴿أَمۡ كُنتُمۡ شُهَدَآءَ إِذۡ حَضَرَ يَعۡقُوبَ ٱلۡمَوۡتُ إِذۡ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعۡبُدُونَ مِنۢ بَعۡدِيۖ قَالُواْ نَعۡبُدُ إِلَٰهَكَ وَإِلَٰهَ ءَابَآئِكَ إِبۡرَٰهِـۧمَ وَإِسۡمَٰعِيلَ وَإِسۡحَٰقَ إِلَٰهٗا وَٰحِدٗا وَنَحۡنُ لَهُۥ مُسۡلِمُونَ 133﴾:

ثم خاطَبَ جل وعلا اليهودَ، فقال لهم مستنكِرًا: هل كنتم حاضرين حين جاء يعقوبَ الموتُ؛ حيث جمَعَ أبناءه وسألهم على وجهِ الاختبار: ما تعبُدُونَ مِن بعد موتي؟، فقالوا: نعبُدُ إلهك وإلهَ آبائك إبراهيمَ وإسماعيلَ وإسحاقَ إلهًا واحدًا لا شريكَ له، ونحن منقادون وخاضعون له؛ فجمَعُوا بين التوحيد والعمل.

[134] ﴿تِلۡكَ أُمَّةٞ قَدۡ خَلَتۡۖ لَهَا مَا كَسَبَتۡ وَلَكُم مَّا كَسَبۡتُمۡۖ وَلَا تُسۡـَٔلُونَ عَمَّا كَانُواْ يَعۡمَلُونَ 134﴾:

ثم أخبَرَ جل شأنه أنَّ تلك الجماعةَ مِن الأنبياء والرسل، وأتباعِهم مِن المؤمنين الذين قصَصْنا عليكم شيئًا من سِيرَتهم مع أقوامهم، قد مضَوْا وانتهَوْا، وأنَّ لهم أعمالَهم، ولكم أعمالُكم، وكلٌّ سيجازى بما قدَّم، ولن يُؤاخَذَ أحدٌ بذنبِ غيره، ولن يَنفَعَ العبدَ يومَ القيامةِ إلا إيمانُهُ وتقواه، وما نشَرَهُ مِن الأعمال الصالحة المتعدِّي نفعُها، والذُّرِّيَّةِ المؤمنة.

[135] ﴿وَقَالُواْ كُونُواْ هُودًا أَوۡ نَصَٰرَىٰ تَهۡتَدُواْۗ قُلۡ بَلۡ مِلَّةَ إِبۡرَٰهِـۧمَ حَنِيفٗاۖ وَمَا كَانَ مِنَ ٱلۡمُشۡرِكِينَ 135﴾:

ثم أخبَرَ جل وعلا أن اليهود قالوا لأَتْباع النبي ﷺ: كونوا يهودًا؛ لأن الهُدَى معنا، وأنَّ النصارى قالوا لهم: كونوا نصارى؛ لأنَّ الهدى معنا؛ فأمَرَهُ سبحانه وتعالى أن يقول لهم: بل الواجبُ أن نتَّبِعَ جميعًا دِينَ إبراهيم عليه السلام، دينَ الحنيفيَّةِ السَّمْحاءِ التي مالت عن كلِّ دين باطل. ثم بيَّن جل وعلا أن إبراهيم عليه السلام لم يكُنْ مِن المشرِكِينَ الضالِّين.

[136] ﴿قُولُوٓاْ ءَامَنَّا بِٱللَّهِ وَمَآ أُنزِلَ إِلَيۡنَا وَمَآ أُنزِلَ إِلَىٰٓ إِبۡرَٰهِـۧمَ وَإِسۡمَٰعِيلَ وَإِسۡحَٰقَ وَيَعۡقُوبَ وَٱلۡأَسۡبَاطِ وَمَآ أُوتِيَ مُوسَىٰ وَعِيسَىٰ وَمَآ أُوتِيَ ٱلنَّبِيُّونَ مِن رَّبِّهِمۡ لَا نُفَرِّقُ بَيۡنَ أَحَدٖ مِّنۡهُمۡ وَنَحۡنُ لَهُۥ مُسۡلِمُونَ 136﴾:

ثم وجَّه جل وعلا الخطابَ للمؤمنين آمِرًا لهم أن يقولوا لليهودِ والنصارى: لقد آمَنَّا بالله وحده لا شريكَ له، وآمنَّا بما أُنزِلَ إلينا مِن القرآن، وما سنَّه لنا نبيُّنا محمد ﷺ، وآمنَّا بالصحفِ التي أُنزِلَتْ على إبراهيمَ وابنَيْهِ إسماعيلَ وإسحاق، ويعقوبَ، والأسباطِ، وهم: الأنبياءُ مِن ولد يعقوب، وهم اثنا عشَرَ سِبْطًا، وآمنَّا بالتوراة التي أُعطِيَتْ لموسى عليه السلام، وبالإنجيلِ الذي أُعطِيَ لعيسى عليه السلام، وآمنَّا بكلِّ ما أُعطِيَ النبيُّونَ مِن وحيِ ربِّهم، لا نفرِّقُ بينهم؛ فنؤمِنُ ببعض، ونكفُرُ ببعض! بل نؤمِنُ بجميع الرسل، ونحن منقادون إلى ربِّنا، خاضعون له بالطاعة والعبادة، ونحن أيضًا معلنون هذا المعتقدَ وهذا المبدأَ على الملإ، لا نخافُ في الله لَوْمةَ لائم.

[137] ﴿فَإِنۡ ءَامَنُواْ بِمِثۡلِ مَآ ءَامَنتُم بِهِۦ فَقَدِ ٱهۡتَدَواْۖ وَّإِن تَوَلَّوۡاْ فَإِنَّمَا هُمۡ فِي شِقَاقٖۖ فَسَيَكۡفِيكَهُمُ ٱللَّهُۚ وَهُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلۡعَلِيمُ 137﴾:

ثم بيَّن جل وعلا أن أهل الكتاب إذا آمنوا بالله إيمانًا كإيمانكم مماثِلًا له مِن كلِّ الوجوه، فقد اهتدَوْا إلى الحق، وإلى الصراطِ المستقيم، وإن أعرَضُوا وجانبوا الحق، فإنَّهم في خلافٍ وتفرُّقٍ وفِتْنة، واعلم -أيها النبي- أن الله سوف يكفيك شرَّهم ومَكْرَهم، وينصُرَك عليهم؛ فإنه سبحانه هو السميعُ لأقوالكم جميعًا؛ فلا تختلِفُ عليه اللهَجاتُ، وتعدُّدُ اللغات، والعليمُ بالظواهر والبواطن؛ فلا تخفى عليه خافيةٌ في الأرض ولا في السماء.

[138] ﴿صِبۡغَةَ ٱللَّهِ وَمَنۡ أَحۡسَنُ مِنَ ٱللَّهِ صِبۡغَةٗۖ وَنَحۡنُ لَهُۥ عَٰبِدُونَ 138﴾:

ثم أخبَرَ جل وعلا أن هذا دِينُ الله؛ فالتزِمُوهُ وتمسَّكوا به، وقوموا به قيامًا تامًّا؛ فليس هناك دِينٌ أحسَنَ مِن دين الله، ولا هَدْيٌ أحسَنَ من هَدْيِ الله، وعبَّر بالصِّبغةِ ردًّا على النصارى، وقولوا لكلِّ الناس: نحن طائعون لربِّنا، منقادون لأوامره، مخلِصونَ له وحده.

[139] ﴿قُلۡ أَتُحَآجُّونَنَا فِي ٱللَّهِ وَهُوَ رَبُّنَا وَرَبُّكُمۡ وَلَنَآ أَعۡمَٰلُنَا وَلَكُمۡ أَعۡمَٰلُكُمۡ وَنَحۡنُ لَهُۥ مُخۡلِصُونَ 139﴾:

ثم أمَرَ سبحانه وتعالى نبيه ﷺ أن يقولَ لأهل الكتاب: أتجادِلُوننا في دِينِ الله، وهو ربُّنا وربُّكم، وخالِقُنا وخالِقُكم، ورازِقُنا ورازِقُكم، وكلٌّ منا ومنكم له عمَلُه؛ فكيف بعد ذلك تدَّعون أنكم أَوْلى بالله منَّا، وأنَّكم أحقُّ بألَّا يختارَ رسولًا إلَّا منكم؟! وإنما يحصُلُ التفضيل بإخلاص الأعمال الصالحة لله وحده؛ ولذا تعيَّن أن يكون المؤمنون هم أَوْلى بالله من غيرهم؛ لأنهم أخلَصوا لله وحده لا شريكَ له.

[140] ﴿أَمۡ تَقُولُونَ إِنَّ إِبۡرَٰهِـۧمَ وَإِسۡمَٰعِيلَ وَإِسۡحَٰقَ وَيَعۡقُوبَ وَٱلۡأَسۡبَاطَ كَانُواْ هُودًا أَوۡ نَصَٰرَىٰۗ قُلۡ ءَأَنتُمۡ أَعۡلَمُ أَمِ ٱللَّهُۗ وَمَنۡ أَظۡلَمُ مِمَّن كَتَمَ شَهَٰدَةً عِندَهُۥ مِنَ ٱللَّهِۗ وَمَا ٱللَّهُ بِغَٰفِلٍ عَمَّا تَعۡمَلُونَ 140﴾:

ثم أخبَرَ المولى عز وجل عما يزعُمُهُ اليهودُ: أن إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباطَ الاثنَيْ عشَرَ الذين هم مِن ولد يعقوب، كانوا يهودًا، وما يزعُمُ النصارى: أنهم كانوا نصارى، وهذا كذبٌ وافتراءٌ على أنبياء الله؛ ولذا أمَرَ سبحانه نبيه ﷺ أن يقول لهم: أأنتم أعلَمُ أم الله؟! فاللهُ سبحانه أخبَرَنا أنهم مسلمون. ثم بيَّن جل وعلا: أنه لا أحدَ أشدُّ ظلمًا ممن أخفى الحقيقةَ التي بيَّنها ووضَّحها سبحانه في التوراةِ والإنجيل، وهي أن الأنبياء كانوا على الإسلام، ثم بيَّن سبحانه أنه ليس بغافلٍ عن شيءٍ مِن أعمالِكُمُ القبيحةِ يا أهل الكتاب، بل إنه جل في علاه مُحصِيها لكم، وسيجازيكم عليها.

[141] ﴿تِلۡكَ أُمَّةٞ قَدۡ خَلَتۡۖ لَهَا مَا كَسَبَتۡ وَلَكُم مَّا كَسَبۡتُمۡۖ وَلَا تُسۡـَٔلُونَ عَمَّا كَانُواْ يَعۡمَلُونَ 141﴾:

ثم كرَّر جل وعلا هذه الآية؛ فأخبَرَ أنَّ تلك الجماعةَ مِن الأنبياء والرسل، وأتباعِهم مِن المؤمنين الذين قصَصْنا عليكم شيئًا من سِيرَتهم مع أقوامهم، قد مضَوْا وانتهَوْا، وأنَّ لهم أعمالَهم، ولكم أعمالُكم، وكلٌّ سيجازى بما قدَّم، ولن يُؤاخَذَ أحدٌ بذنبِ غيره، ولن يَنفَعَ العبدَ يومَ القيامةِ إلا إيمانُهُ وتقواه، وما نشَرَهُ مِن الأعمال الصالحة المتعدِّي نفعُها، والذُّرِّيَّةِ المؤمنة.

[142] ﴿سَيَقُولُ ٱلسُّفَهَآءُ مِنَ ٱلنَّاسِ مَا وَلَّىٰهُمۡ عَن قِبۡلَتِهِمُ ٱلَّتِي كَانُواْ عَلَيۡهَاۚ قُل لِّلَّهِ ٱلۡمَشۡرِقُ وَٱلۡمَغۡرِبُۚ يَهۡدِي مَن يَشَآءُ إِلَىٰ صِرَٰطٖ مُّسۡتَقِيمٖ 142﴾:

أخبَرَ جل وعلا أن السفهاء والجهلاء من اليهود وأمثالهم سيقولون: لماذا ترَكَ محمَّدٌ وأصحابُه قِبْلتَهم التي كانوا يتوجَّهون إليها، وهي بيت المقدس، وتوجَّهوا إلى الكعبة؟!، وفي حديثِ البراءِ الذي أخرجه البخاريُّ؛ أن النبيَّ ﷺ صلَّى نحو بيتِ المقدسِ ستةَ عشرَ شهرًا، أو سبعةَ عشرَ شهرًا، ثم صرفَه اللهُ نحو الكعبة [1]؛ فأمَرَ سبحانه نبيه ﷺ أن يقول لهم: اعلموا أن المشرق والمغرب وما بينهما مِلْكٌ لله وحده، لا يشاركه فيه أحد من خَلْقه، وأنه سبحانه يَهْدِي من يشاء من عباده إلى طريق الهداية والاستقامة. [1] أخرجه البخاري (4492)، ومسلم (525).

[143] ﴿وَكَذَٰلِكَ جَعَلۡنَٰكُمۡ أُمَّةٗ وَسَطٗا لِّتَكُونُواْ شُهَدَآءَ عَلَى ٱلنَّاسِ وَيَكُونَ ٱلرَّسُولُ عَلَيۡكُمۡ شَهِيدٗاۗ وَمَا جَعَلۡنَا ٱلۡقِبۡلَةَ ٱلَّتِي كُنتَ عَلَيۡهَآ إِلَّا لِنَعۡلَمَ مَن يَتَّبِعُ ٱلرَّسُولَ مِمَّن يَنقَلِبُ عَلَىٰ عَقِبَيۡهِۚ وَإِن كَانَتۡ لَكَبِيرَةً إِلَّا عَلَى ٱلَّذِينَ هَدَى ٱللَّهُۗ وَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَٰنَكُمۡۚ إِنَّ ٱللَّهَ بِٱلنَّاسِ لَرَءُوفٞ رَّحِيمٞ 143﴾:

ثم أخبَرَ جل وعلا أنه كما هداكم -أيها المسلمون- إلى دين الإسلام، وإلى قِبْلةِ أبيكم إبراهيم عليه السلام، فكذلك جعلكم عدولًا خيارًا وسطًا لا إفراطَ ولا تفريط؛ لتشهدوا على الأمم يوم القيامة أن الرسل بلَّغتهم رسالةَ ربهم، ويكونَ الرسول ﷺ شهيدًا عليكم؛ فيزكِّيكم ويَشهَد بصدقكم.

ثم بيَّن سبحانه لنبيه ﷺ أنه ما جعل القِبْلةَ التي كان يصلِّي لجهتها، وهي بيت المقدس، ثم حوَّله إلى الكعبة، إلا امتحانًا واختبارًا للناس؛ ليتبيَّن مَن يتَّبعه ويؤمن به، ومن يرفض ويرتد عن دينه، وبيَّن سبحانه أنه يعلم أن تحويل القبلة أمرٌ عظيمٌ وشاقٌّ، إلا على الذين هداهم الله، ومَنَّ عليهم بالإيمان والتقوى.

واعلموا -أيها المؤمنون- أن الله ما كان ليُضِيعَ إيمانَكم -أي: صلاتَكم- قبل تحويل القبلة، وسمَّى سبحانه الصلاةَ: إيمانًا؛ تعظيمًا لشأنها، وفيه دلالة أن العمل من الإيمان.

ثم ختَمَ جل شأنه الآيةَ مخبِرًا أنه رؤوفٌ بعباده المؤمنين، وأنه رحيمٌ بهم، والرأفةُ أشدُّ الرحمةِ، ومِن رحمته: أنه لن يُضِيعَ سبحانه صلاة من مات قبل تحويل القِبْلة؛ وذلك أن بعضهم سأل رسول الله ﷺ عن صلاة أولئك الذين ماتوا قبل تغيير القبلة: هل هي باطلة أو لا؟

وقد أخبر سبحانه في مواضع من كتابه: أنه لا يُضِيعُ عمل عامل من المؤمنين من ذكر أو أنثى؛ قال تعالى: ﴿أَنِّي لَآ أُضِيعُ عَمَلَ عَٰمِلٖ مِّنكُم مِّن ذَكَرٍ أَوۡ أُنثَىٰۖ ﴾ [آل عمران:١٩٥]، وقال تعالى: ﴿وَمَن يَعۡمَلۡ مِنَ ٱلصَّٰلِحَٰتِ مِن ذَكَرٍ أَوۡ أُنثَىٰ وَهُوَ مُؤۡمِنٞ فَأُوْلَٰٓئِكَ يَدۡخُلُونَ ٱلۡجَنَّةَ وَلَا يُظۡلَمُونَ نَقِيرٗا﴾ [النساء:١٢٤]، وغيرها من الآيات.

[144] ﴿قَدۡ نَرَىٰ تَقَلُّبَ وَجۡهِكَ فِي ٱلسَّمَآءِۖ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبۡلَةٗ تَرۡضَىٰهَاۚ فَوَلِّ وَجۡهَكَ شَطۡرَ ٱلۡمَسۡجِدِ ٱلۡحَرَامِۚ وَحَيۡثُ مَا كُنتُمۡ فَوَلُّواْ وُجُوهَكُمۡ شَطۡرَهُۥۗ وَإِنَّ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلۡكِتَٰبَ لَيَعۡلَمُونَ أَنَّهُ ٱلۡحَقُّ مِن رَّبِّهِمۡۗ وَمَا ٱللَّهُ بِغَٰفِلٍ عَمَّا يَعۡمَلُونَ 144﴾:

ثم قال جل وعلا لنبيِّه ﷺ: إنَّنا نرى كثرةَ نظَرِك إلى السماء -أيها النبي- شوقًا وانتظارًا لنزول الوحي في شأن القِبْلة؛ فالآن سوف نوجِّهك إلى قِبْلةٍ تحبُّها وترضاها.

ثم أمَرَهُ سبحانه وتعالى أن يتوجَّه في صلاته إلى جهة الكعبة، وأمَرَ المسلمين إذا أرادوا الصلاة في أي مكان كانوا، أن يتوجَّهوا إلى الكعبة.

واعلم -أيها النبي- أن الذين أعطيناهم الكتاب من اليهود والنصارى، يعلمون أنك على حق في استقبال الكعبة، وأنها فرضُ الله تعالى على إبراهيمَ وذريتِه، وأنَّ ذلك في كتُبِهم، ولكنهم يعاندون ويكابرون بغيًا وحسدًا، وما الله بغافل عن أعمالهم؛ فإنه مُحصِيها لهم، وسيجازيهم عليها.

[145] ﴿وَلَئِنۡ أَتَيۡتَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلۡكِتَٰبَ بِكُلِّ ءَايَةٖ مَّا تَبِعُواْ قِبۡلَتَكَۚ وَمَآ أَنتَ بِتَابِعٖ قِبۡلَتَهُمۡۚ وَمَا بَعۡضُهُم بِتَابِعٖ قِبۡلَةَ بَعۡضٖۚ وَلَئِنِ ٱتَّبَعۡتَ أَهۡوَآءَهُم مِّنۢ بَعۡدِ مَا جَآءَكَ مِنَ ٱلۡعِلۡمِ إِنَّكَ إِذٗا لَّمِنَ ٱلظَّٰلِمِينَ 145﴾:

ثم أخبَرَ جل شأنه نبيَّه ﷺ أنك لو جئت لهؤلاء اليهود والنصارى بكل برهان ودليل على أن توجُّهك إلى الكعبة هو الحق، فإنهم لن يتَّبعوا قِبْلتك عنادًا واستكبارًا، وأيضًا: فإنه لا يجوز لك أن تعود مرَّة أخرى، فتستقبِلَ قِبْلتهم، كما أن اليهود والنصارى لن يتَّبع بعضهم قِبْلة بعض.

واعلم -أيها النبي- أنك إذا اتَّبَعْتَ أهواء اليهود والنصارى الباطلةَ بعد أن عرَفْتَ الحقَّ، فإنك حينئذ ظالمٌ لنفسك.

وهذا الخطاب -وإن كان موجَّهًا للنبي ﷺ- فإن أمته هي المقصودة بذلك؛ لأنه ﷺ معصومٌ مما هو أقلُّ من ذلك، ولأن الله حقَّق رغبته في الاتجاه إلى الكعبة.

[146] ﴿ٱلَّذِينَ ءَاتَيۡنَٰهُمُ ٱلۡكِتَٰبَ يَعۡرِفُونَهُۥ كَمَا يَعۡرِفُونَ أَبۡنَآءَهُمۡۖ وَإِنَّ فَرِيقٗا مِّنۡهُمۡ لَيَكۡتُمُونَ ٱلۡحَقَّ وَهُمۡ يَعۡلَمُونَ 146﴾:

أخبَرَ جل وعلا أن اليهود والنصارى يعرفون محمَّدًا ﷺ، ويعرفون أنه مرسَلٌ من عند الله، كما يعرفون أبناءهم، ولكنَّ طائفةً منهم يكتمون الحق بغيًا وحسدًا؛ مع أنهم يعلمون أنه مرسَلٌ من عند رب العالمين، لأنَّ الله أوضح ذلك في كتابِهم.

[147] ﴿ٱلۡحَقُّ مِن رَّبِّكَ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ ٱلۡمُمۡتَرِينَ 147﴾:

واعلم -أيها النبي- أن هذا الذي أُنزِلَ عليك -وهو القرآن الكريم- هو الحق من ربِّك؛ فلا تكونَنَّ من الشاكِّين فيه.

وهذا الخطاب -وإن كان موجَّهًا للنبي ﷺ- فإنَّ المقصود: إبلاغُ أمَّته؛ لأنه معصوم ﷺ من الشك، ومما هو أقل من ذلك.

[148] ﴿وَلِكُلّٖ وِجۡهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَاۖ فَٱسۡتَبِقُواْ ٱلۡخَيۡرَٰتِۚ أَيۡنَ مَا تَكُونُواْ يَأۡتِ بِكُمُ ٱللَّهُ جَمِيعًاۚ إِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ قَدِيرٞ 148﴾:

ثم أخبَرَ جل وعلا أن لكل أهل ديانةٍ: شريعةً وقِبْلةً يتوجَّهون إليها، ولا يعني هذا إقرار الكفَّار على كُفْرهم، وإنما المقصودُ: تسليةُ المؤمنين، وتثبيتُهم على الحق الذي هم عليه؛ ولهذا أمَرَ سبحانه المؤمنين بالمبادرة إلى ما أمَرَهم به من فعل الخيرات؛ وذلك باستقبال الكعبة التي وجَّههم إليها.

فإنَّكم أينما تكونوا؛ سواءٌ كنتم في بَرٍّ أمْ بحرٍ أمْ جَوّ؛ فإن الله سوف يبعثُكم ويَجمَعُكم يوم القيامة جميعًا، ثم يُجازِيكم على أعمالكم؛ إنْ خيرًا فخيرٌ، وإنْ شرَّا فشرٌّ؛ فإنه سبحانه على كل شيء قدير، لا يُعجِزُهُ شيء في الأرض، ولا في السماء.

[149] ﴿وَمِنۡ حَيۡثُ خَرَجۡتَ فَوَلِّ وَجۡهَكَ شَطۡرَ ٱلۡمَسۡجِدِ ٱلۡحَرَامِۖ وَإِنَّهُۥ لَلۡحَقُّ مِن رَّبِّكَۗ وَمَا ٱللَّهُ بِغَٰفِلٍ عَمَّا تَعۡمَلُونَ 149﴾:

ثم خاطب جل وعلا نبيَّه ﷺ لإبلاغ أمَّته، فقال سبحانه وتعالى: ومِن أي مكان خرَجْتَ -أيها النبي- قاصدًا السفر، شرقًا أو غربًا، جنوبًا أو شمالًا، فتوجَّه في صلاتك إلى المسجد الحرام. واعلم -أيها النبي- أن هذا هو الحق من ربك، وما الله بغافل عما تعملون -أيها الناس- من الأعمال، وسوف يجازيكم علىها.

[150] ﴿وَمِنۡ حَيۡثُ خَرَجۡتَ فَوَلِّ وَجۡهَكَ شَطۡرَ ٱلۡمَسۡجِدِ ٱلۡحَرَامِۚ وَحَيۡثُ مَا كُنتُمۡ فَوَلُّواْ وُجُوهَكُمۡ شَطۡرَهُۥ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيۡكُمۡ حُجَّةٌ إِلَّا ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنۡهُمۡ فَلَا تَخۡشَوۡهُمۡ وَٱخۡشَوۡنِي وَلِأُتِمَّ نِعۡمَتِي عَلَيۡكُمۡ وَلَعَلَّكُمۡ تَهۡتَدُونَ 150﴾:

ثم كرَّر جل وعلا الأمر لنبيِّه ﷺ بالتوجُّه إلى المسجد الحرام، فقال له: ومِن أي مكان خرَجْتَ -أيها النبي- فتوجَّهْ في صلاتك إلى المسجد الحرام. ثم أمَرَ سبحانه المؤمنين في أي موضع من الأرض كانوا: أن يتوجَّهوا في صلاتهم إلى المسجد الحرام؛ حتى لا يكون للمخالفين من أهل الكتاب احتجاج عليهم بالمخاصمة والمجادلة، إلا أهلَ الظُّلْم والعناد منهم؛ فهؤلاء لا سبيل لإقناعهم. ثم أمَرَ سبحانه المؤمنين ألَّا يخافوا من هؤلاء المجرمين من أهل الكتاب، وعليهم أن يخافوا من الله وحده؛ وذلك بامتثال أوامره، واجتناب نواهيه.

واعلموا -أيها المؤمنون- أن الله أمَرَكم بالتوجُّه للمسجد الحرام؛ لكي يُتِمَّ نعمته عليكم، وهو التوجُّه لأفضل بيت بناه؛ لعلكم تهتدون إلى ما ضلَّت عنه الأمم السابقة.

[151] ﴿كَمَآ أَرۡسَلۡنَا فِيكُمۡ رَسُولٗا مِّنكُمۡ يَتۡلُواْ عَلَيۡكُمۡ ءَايَٰتِنَا وَيُزَكِّيكُمۡ وَيُعَلِّمُكُمُ ٱلۡكِتَٰبَ وَٱلۡحِكۡمَةَ وَيُعَلِّمُكُم مَّا لَمۡ تَكُونُواْ تَعۡلَمُونَ 151﴾:

ثم بيَّن سبحانه أنه كما أنعم عليكم -أيها الناس- باستقبال الكعبة، فقد أنعم عليكم مِن قبلُ بإرسالِ رسولٍ منكم تَعرِفونَ نَسَبَهُ وصِدْقَهُ وأمانته، يتلو عليكم القرآن الكريم، ويطهِّركم من كل رِجْسٍ ودَنَس، ويعلِّمكم أحكامَ القرآن والسُّنَّة النبوية، وأحكامَ الشريعة، ويعلِّمكم ما لم تكونوا تَعرِفونَهُ مِن علوم الدين والدنيا.

[152] ﴿فَٱذۡكُرُونِيٓ أَذۡكُرۡكُمۡ وَٱشۡكُرُواْ لِي وَلَا تَكۡفُرُونِ 152﴾:

ثم أمَرَ جل وعلا عباده بالإكثار من ذِكْره؛ فإن مَن أكثر من ذكر الله، فسوف يجازيه الله بأفضل الجزاء، وهو ذِكْرُ الله له في الملأ الأعلى. وقد قيل: (مَن أكثَرَ مِن ذِكْرِ الله، أحبَّه الله وذكَرَه).

ثم أمَرَ سبحانه عباده أن يُكثِروا من شكره على ما أنعَمَ عليهم من النِّعَم، وحذَّرهم من إنكار هذه النِّعَمِ وجحودها، وفي الحديث: «اللَّهُمَّ، أَعِنِّي عَلَى ذِكْرِكَ، وَشُكْرِكَ، وَحُسْنِ عِبَادَتِكَ»([2]). [2] أخرجه أبو داود (1522)، والنسائي (1303)، وأحمد في المسند (5/244)، عن معاذ بن جبل رضي الله عنه، قال الحاكم (1/407): صحيح على شرط الشيخين، وصحح النووي إسناده في الخلاصة: (1/468)، والألباني في صحيح الجامع (7969)، وصحيح أبي داود (1522).

[153] ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱسۡتَعِينُواْ بِٱلصَّبۡرِ وَٱلصَّلَوٰةِۚ إِنَّ ٱللَّهَ مَعَ ٱلصَّٰبِرِينَ 153﴾:

ثم أمَرَ جل وعلا عباده المؤمنين أن يستعينوا في جميع أمورهم الدينيَّة والدنيويَّة بالصبر والصلاة، وأخبَرَ سبحانه وتعالى أنه مع الصابرين المؤمنين؛ يُعِينُهم ويوفِّقهم ويسدِّدهم.

والاستعانة بالصبر تكون على ثلاثة أقسام:

صبرٌ على طاعة الله.

وصبرٌ عن معصية الله.

وصبرٌ على أقدار الله المؤلِمة.

أما الاستعانةُ بالصلاة: فيكون ذلك بأدائها في أوقاتها المحدَّدة، بكامل أركانها وواجباتها وسُنَنها، بخشوع وخضوع، وأن يستحضِرَ المصلِّي أنه واقف بين يدَيْ ربه، ويَعلَمَ أن الصلاة يجب أن تنهى عن الفحشاء والمنكر.

وفي هذه الآية: إثباتُ معيَّة الله الخاصَّة بالمؤمنين، التي تقتضي محبتَهُ ومعونتَهُ ونَصْرَه. أما معيَّةُ اللهِ العامَّةُ المقتضيةُ للعلم والقدرة والإحاطة، فهي لجميع الخلق.

[154] ﴿وَلَا تَقُولُواْ لِمَن يُقۡتَلُ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ أَمۡوَٰتُۢۚ بَلۡ أَحۡيَآءٞ وَلَٰكِن لَّا تَشۡعُرُونَ 154﴾:

ثم طلب جل وعلا من المؤمنين ألَّا يقولوا لمن يُقتَلُ في سبيل الله لتكون كلمة الله هي العليا: إنهم أموات، بل هم أحياءٌ عند ربهم حياةً خاصَّةً لا يعلم كيفيَّتَها إلا الله سبحانه وتعالى، ولكنكم لا تُحِسُّون -أيها الناس- بهذه الحياة.

وفي هذه الآية: أعظمُ حثٍّ على الجهاد في سبيل الله، وملازمةِ الصبر عليه، وفيها إثباتُ نعيمِ البرزخ وعذابِه.

[155] ﴿وَلَنَبۡلُوَنَّكُم بِشَيۡءٖ مِّنَ ٱلۡخَوۡفِ وَٱلۡجُوعِ وَنَقۡصٖ مِّنَ ٱلۡأَمۡوَٰلِ وَٱلۡأَنفُسِ وَٱلثَّمَرَٰتِۗ وَبَشِّرِ ٱلصَّٰبِرِينَ 155﴾:

ثم بيَّن -جلَّ في علاه- أنه سوف يختبِرُكم -أيها الناس- بشيء من المصائب والشدائد، ومن ذلك: الخوفُ من الأعداء، والجوعُ بقلَّة الغذاء، ونقصُ الأموالِ بفَقْدِها، أو صعوبةِ الحصولِ عليها، وفِقْدانُ الأبناء والأحباب بالموت، وهلاكُ الثمار، ثم أمَرَ سبحانه نبيَّه أن يبشِّر الصابرين الذين صبروا على أقدار الله المؤلِمة بالفوزِ بالجنةِ والمغفرةِ والرحمة.

[156] ﴿ٱلَّذِينَ إِذَآ أَصَٰبَتۡهُم مُّصِيبَةٞ قَالُوٓاْ إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّآ إِلَيۡهِ رَٰجِعُونَ 156﴾:

ثم بيَّن سبحانه أن أولئك الصابرين هم الذين إذا أصابَتْهم مصيبة، صبروا واحتسبوا، وقالوا: إنا لله وإنا إليه راجعون؛ أي: إنا عبيدٌ لله، وإنا صائرون إليه بعد الموتِ.

[157] ﴿أُوْلَٰٓئِكَ عَلَيۡهِمۡ صَلَوَٰتٞ مِّن رَّبِّهِمۡ وَرَحۡمَةٞۖ وَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡمُهۡتَدُونَ 157﴾:

ثم أخبَرَ سبحانه أن أولئك الصابرين المحتسبين لهم ثناءٌ وتمجيدٌ ورحمةٌ عظيمةٌ من ربهم، وأنهم موفَّقون للخلاصِ من الابتلاءات، والهدايةِ إلى طريق الرشاد والسعادة والفلاح.

[158] ﴿إِنَّ ٱلصَّفَا وَٱلۡمَرۡوَةَ مِن شَعَآئِرِ ٱللَّهِۖ فَمَنۡ حَجَّ ٱلۡبَيۡتَ أَوِ ٱعۡتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيۡهِ أَن يَطَّوَّفَ بِهِمَاۚ وَمَن تَطَوَّعَ خَيۡرٗا فَإِنَّ ٱللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ 158﴾:

أخبَرَ جل وعلا أن الصفا والمروة من أعلام دِينِهِ الظاهرة التي تعبَّد بها عباده؛ فمَن أراد الحج أو العمرة، فلا إثم عليه أن يطَّوَّف بينهما سبعة أشواط؛ بل يجبُ عليه فعل ذلك؛ وذلك أن الصحابة -رضوان الله عليهم- بعد أن منَّ الله عليهم بالإسلام، تحرَّجوا من الطواف بين الصفا والمروة في وجود الأصنام، وخافوا أن يكونوا مشابِهينَ للكفَّار؛ فبيَّن سبحانه أنهما من شعائر الله، وأنه لا إثم عليهم في ذلك؛ لأنه أمر خارج عن إرادتهم.

وبعد فتح مكة: تَمَّ -ولله الحمد- تطهيرُ الكعبةِ وجميعِ المسجد الحرام من مظاهر الشرك والكفر.

واعلموا -أيها الناس- أن مَن فعَلَ الطاعة مخلصًا بها لله وحده لا شريك له، فإن الله شاكرٌ يُثِيبُ على القليل بالكثير، وهو عليمٌ بمَن يستحِقُّ الثواب بحسَبِ نيَّته وإيمانه وتقواه، وعليمٌ بمَن لا يستحِقّ.

[159] ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ يَكۡتُمُونَ مَآ أَنزَلۡنَا مِنَ ٱلۡبَيِّنَٰتِ وَٱلۡهُدَىٰ مِنۢ بَعۡدِ مَا بَيَّنَّٰهُ لِلنَّاسِ فِي ٱلۡكِتَٰبِ أُوْلَٰٓئِكَ يَلۡعَنُهُمُ ٱللَّهُ وَيَلۡعَنُهُمُ ٱللَّٰعِنُونَ 159﴾:

أخبَرَ جل وعلا أن كل من كتَمَ الحق -من أهل الكتاب، أو من هذه الأمَّة- بعد أن بيَّنه الله وأظهره للناس في التوراة والإنجيل والقرآن، فإن الله يَلعَنُهُ فيطرُدُهُ من رحمته، ويلعنه جميع الخلق من أهل السموات والأرض.

[160] ﴿إِلَّا ٱلَّذِينَ تَابُواْ وَأَصۡلَحُواْ وَبَيَّنُواْ فَأُوْلَٰٓئِكَ أَتُوبُ عَلَيۡهِمۡ وَأَنَا ٱلتَّوَّابُ ٱلرَّحِيمُ 160﴾:

ثم بيَّن سبحانه أن مَن تاب وأناب ورجع، واعترف بخطئه، وأصلح ما أفسده، وبيَّن ما كتمه، فأولئك يَقبَلُ الله توبتهم ورجوعهم؛ لأنه التوَّابُ على من تاب، والرحيمُ الذي وَسِعَتْ رحمته كل شيء.

[161] ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَمَاتُواْ وَهُمۡ كُفَّارٌ أُوْلَٰٓئِكَ عَلَيۡهِمۡ لَعۡنَةُ ٱللَّهِ وَٱلۡمَلَٰٓئِكَةِ وَٱلنَّاسِ أَجۡمَعِينَ 161﴾:

ثم أخبَرَ جل وعلا أن الذين كفروا، ولم يتوبوا، بل استمرُّوا على ذلك حتى ماتوا وهم كفَّار، فأولئك عليهم لعنة الله؛ فيطرُدُهم من رحمته، وتَدْعُو عليهم الملائكة وجميع الناس باللعنة.

[162] ﴿خَٰلِدِينَ فِيهَا لَا يُخَفَّفُ عَنۡهُمُ ٱلۡعَذَابُ وَلَا هُمۡ يُنظَرُونَ 162﴾:

ثم بيَّن سبحانه أنهم خالدون في نار جهنَّم، لا يخفَّف عنهم العذاب، ولا يُمهَلون، أو يُعذَرون.

[163] ﴿وَإِلَٰهُكُمۡ إِلَٰهٞ وَٰحِدٞۖ لَّآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ ٱلرَّحۡمَٰنُ ٱلرَّحِيمُ 163﴾:

واعلموا -أيها الناس- أن إلهكم إله واحدٌ أحد، فردٌ صَمَد، متفرِّدٌ في ذاته وأسمائه، وصفاته وأفعاله؛ لا شبيه له ولا مثيل، ولا نِدَّ ولا نظير، ولا معبودَ بحقٍّ إلا هو، الرحمن الرحيم؛ المتصِفُ بالرحمة العظيمة التي لا تماثلها رحمةُ أحدٍ من الخلق.

[164] ﴿إِنَّ فِي خَلۡقِ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ وَٱخۡتِلَٰفِ ٱلَّيۡلِ وَٱلنَّهَارِ وَٱلۡفُلۡكِ ٱلَّتِي تَجۡرِي فِي ٱلۡبَحۡرِ بِمَا يَنفَعُ ٱلنَّاسَ وَمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مِن مَّآءٖ فَأَحۡيَا بِهِ ٱلۡأَرۡضَ بَعۡدَ مَوۡتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِن كُلِّ دَآبَّةٖ وَتَصۡرِيفِ ٱلرِّيَٰحِ وَٱلسَّحَابِ ٱلۡمُسَخَّرِ بَيۡنَ ٱلسَّمَآءِ وَٱلۡأَرۡضِ لَأٓيَٰتٖ لِّقَوۡمٖ يَعۡقِلُونَ 164﴾:

أخبَرَ جل وعلا أن في خَلْق السموات بارتفاعها وعظَمَتها، وفي خَلْق الأرض وما فيها من الجبال والسهول والبحار، وفي خَلْق الليل والنهار وتعاقُبهما على الدوام، وفي خَلْق السُّفُن والمراكب التي تجري في البحار لِنَفْعِ الناس، وما أنزَلَ الله من السماء من المطر لإحياء الأرض المَيْتة، وما نشَرَ سبحانه في الأرض من الدوابِّ على اختلافِ أنواعها وأشكالها، وما أنعَمَ الله به من تقلُّب الرياحِ والسحابِ المسيَّرِ بين السماء والأرض-: أدلَّةً وبراهينَ عظيمةً على قدرة الله ووحدانيَّته، وعظيمِ سُلْطانِهِ ورحمته؛ لكلِّ مَن كان له عقل يتدبَّر به، ولمن يَفهَمُ أدلَّتَهُ سبحانه وتعالى، ويَعرِفُ معناها ومقصودها.

[165] ﴿وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ ٱللَّهِ أَندَادٗا يُحِبُّونَهُمۡ كَحُبِّ ٱللَّهِۖ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ أَشَدُّ حُبّٗا لِّلَّهِۗ وَلَوۡ يَرَى ٱلَّذِينَ ظَلَمُوٓاْ إِذۡ يَرَوۡنَ ٱلۡعَذَابَ أَنَّ ٱلۡقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعٗا وَأَنَّ ٱللَّهَ شَدِيدُ ٱلۡعَذَابِ 165﴾:

ثم قال -جلَّ في علاه-: ومع هذه الأدلة القاطعة البيِّنة، الواضحة الدَّلَالةِ على عظيم سُلْطانه وقدرته وحكمته سبحانه وتعالى، يُوجَدُ من الناس -بسبب جهلهم وعنادهم وتكبُّرهم- مَن يتَّخذون من دون الله أصنامًا وأوثانًا يجعلونهم شركاء لله؛ يحبُّونهم كحب المؤمن لله، وهناك مِن المسلمين مَن يلتجئ إلى الصالحين ويُعطُونهم من المحبَّة والتعظيم في قبورهم ما لا يليق إلا بالله وحده.

ثم بيَّن سبحانه أن الذين آمنوا بالله أشدُّ وأعظمُ حبًّا لله مِن حبِّ الكفار لآلهتهم؛ لأنهم أخلصوا المحبَّة لله وحده، ولو يَعلَمُ الذين أشركوا بالله، كيف تكون حالهم يوم يَرَوْنَ العذاب يوم القيامة، ويعلمون أن القدرة لله وحده، وأنه سبحانه شديدُ العذاب-: لَمَا اتَّخَذوا من دون الله آلهة يعبُدُونها ويتقرَّبون إليها من دونه جل شأنه؛ فهم لا يُعذَرونَ بجَهْلِهم في هذا؛ لأن الدعوة وصَلَتْهم، والرسالة بلَغَتْهم.

[166] ﴿إِذۡ تَبَرَّأَ ٱلَّذِينَ ٱتُّبِعُواْ مِنَ ٱلَّذِينَ ٱتَّبَعُواْ وَرَأَوُاْ ٱلۡعَذَابَ وَتَقَطَّعَتۡ بِهِمُ ٱلۡأَسۡبَابُ 166﴾:

أخبَرَ جل وعلا أن أئمة الكفر والضلال يتبرَّؤون يوم القيامة ممن اتَّبعوهم على الكفر والشرك، بعد أن رأَوُا العذاب الذي لا طاقة لهم به، بل وتنقطِعُ بينهم المودَّة والصِّلات والمصالح التي ارتبطوا بها في الدنيا، وتَظهَرُ بينهم العداوة والبغضاء.

[167] ﴿وَقَالَ ٱلَّذِينَ ٱتَّبَعُواْ لَوۡ أَنَّ لَنَا كَرَّةٗ فَنَتَبَرَّأَ مِنۡهُمۡ كَمَا تَبَرَّءُواْ مِنَّاۗ كَذَٰلِكَ يُرِيهِمُ ٱللَّهُ أَعۡمَٰلَهُمۡ حَسَرَٰتٍ عَلَيۡهِمۡۖ وَمَا هُم بِخَٰرِجِينَ مِنَ ٱلنَّارِ 167﴾:

ثم أخبَرَ جل وعلا أن التابعين يَتَمَنَّوْنَ لو أنهم يُرَدُّونَ إلى الدنيا، فيتبرَّؤوا من متبوعيهم، كما تبرَّأ المتبوعون منهم، ثم يُقبِلوا على عبادة الله وحده لا شريك له، ولكنْ هَيْهَاتَ! لقد فات الأمر؛ فكما رأوا شدَّة العذاب، فإنهم سوف يَرَوْنَ أعمالهم الباطلة حسَراتٍ عليهم، ثم يكونُ مآلهم إلى نار جهنَّم يدخُلُونها، ولن يخرُجُوا منها أبدًا.

[168] ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ كُلُواْ مِمَّا فِي ٱلۡأَرۡضِ حَلَٰلٗا طَيِّبٗا وَلَا تَتَّبِعُواْ خُطُوَٰتِ ٱلشَّيۡطَٰنِۚ إِنَّهُۥ لَكُمۡ عَدُوّٞ مُّبِينٌ 168﴾:

ثم خاطَبَ جل وعلا الناسَ جميعًا مؤمِنَهم وكافِرَهم، فقال سبحانه وتعالى: كُلُوا -أيها الناس- مما أباحه الله لكم في الأرض، واحذروا أن تسلكوا طرائق الشيطان في التحليل والتحريم؛ لأن الشيطان يتدرَّج بكم في إخراجكم من الصلاح شيئًا فشيئًا؛ فإن الشيطان عدُوٌّ ظاهرُ العداوةِ لكم جميعًا.

[169] ﴿إِنَّمَا يَأۡمُرُكُم بِٱلسُّوٓءِ وَٱلۡفَحۡشَآءِ وَأَن تَقُولُواْ عَلَى ٱللَّهِ مَا لَا تَعۡلَمُونَ 169﴾:

ثم يقولُ جل وعلا: إن الشيطان يأمُرُكم -أيها الناس- بكل الذنوب والمعاصي، وأن تَفْتَرُوا على الله الكذب بالتحليل والتحريم بلا علم، وأن تبدِّلوا وتغيِّروا في شرع الله كذبًا وافتراءً.

[170] ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ ٱتَّبِعُواْ مَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ قَالُواْ بَلۡ نَتَّبِعُ مَآ أَلۡفَيۡنَا عَلَيۡهِ ءَابَآءَنَآۚ أَوَلَوۡ كَانَ ءَابَآؤُهُمۡ لَا يَعۡقِلُونَ شَيۡـٔٗا وَلَا يَهۡتَدُونَ 170﴾:

أخبَرَ جل وعلا عن حال الكفار: أنهم إذا أُمِروا باتِّباع ما أُنزِلَ على رسول الله ﷺ، ردُّوا قائلين: بل نتَّبِع ما وجدنا عليه آباءنا، فقال سبحانه منكِرًا عليهم: أتتَّبِعون آباءكم حتى لو كانوا سفهاء؛ لا عَقْلَ يَرْدَعُهم، ولا هُدَى يدُلُّهم على طريق الحق؟!

وقال تعالى في آية أخرى شبيهة بهذه الآية: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمۡ تَعَالَوۡاْ إِلَىٰ مَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ وَإِلَى ٱلرَّسُولِ قَالُواْ حَسۡبُنَا مَا وَجَدۡنَا عَلَيۡهِ ءَابَآءَنَآۚ أَوَلَوۡ كَانَ ءَابَآؤُهُمۡ لَا يَعۡلَمُونَ شَيۡـٔٗا وَلَا يَهۡتَدُونَ﴾ [المائدة:104]، وفي هذا تبكيتٌ ولَوْمٌ لهم.

[171] ﴿وَمَثَلُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ كَمَثَلِ ٱلَّذِي يَنۡعِقُ بِمَا لَا يَسۡمَعُ إِلَّا دُعَآءٗ وَنِدَآءٗۚ صُمُّۢ بُكۡمٌ عُمۡيٞ فَهُمۡ لَا يَعۡقِلُونَ 171﴾:

ثم أخبَرَ جل وعلا أن هؤلاء الكفار عند دعوتهم إلى الهدى والحق والإيمان، مثلُ الراعي الذي يَصِيحُ بغَنَمه؛ فهي تسمع صوته، ولا تفهم مراده، واعلموا: أن هؤلاء الكفار صُمٌّ عن سماع الحق، خُرْسٌ عن النطق به، عُمْيٌ عن مشاهدة آيات الله الباهرة في السموات والأرض، وأنهم كمَن فقَدَ عقله، وصار كالأنعام التي لا عَقْلَ لها.

[172] ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ كُلُواْ مِن طَيِّبَٰتِ مَا رَزَقۡنَٰكُمۡ وَٱشۡكُرُواْ لِلَّهِ إِن كُنتُمۡ إِيَّاهُ تَعۡبُدُونَ 172﴾:

أمَرَ جل وعلا عباده المؤمنين أن يأكلوا من كل ما لَذَّ وطاب من الأطعمة التي رزَقَهم وأحلَّها لهم، وعليهم أن يشكروا هذه النِّعَم؛ إنْ كانوا يعبدون الله بحق.

[173] ﴿إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيۡكُمُ ٱلۡمَيۡتَةَ وَٱلدَّمَ وَلَحۡمَ ٱلۡخِنزِيرِ وَمَآ أُهِلَّ بِهِۦ لِغَيۡرِ ٱللَّهِۖ فَمَنِ ٱضۡطُرَّ غَيۡرَ بَاغٖ وَلَا عَادٖ فَلَآ إِثۡمَ عَلَيۡهِۚ إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٞ رَّحِيمٌ 173﴾:

واعلموا -أيها المؤمنون- أن الله سبحانه لم يحرِّمْ عليكم إلا أكلَ ما يضُرُّكم؛ كالمَيْتة التي ماتت من غير تذكية شرعية، والدمِ المسفوح، أما الدمُ الذي يبقى في العروق واللحم والعظام والكبد والقلب ونحو ذلك، فلا شيء فيه، وكذلك مما حرَّم الله عليكم: لحمَ الخنزير، وكلُّ ما ذُبِحَ لغير الله؛ كالذي يُذبَحُ للأصنام وللأضرحة وغيرها، ولكنْ مَن ألجأته الضرورة إلى أكل شيء من هذه المحرَّمات، فإن الله أباح له ذلك، ولا إثم عليه؛ بشرط أن يأكُلَ بقَدْرِ ما يَحفَظُ حياته؛ فلا يأكُلُ من غير ضرورة، ولا يتجاوَزُ في أكله قَدْرَ الضرورة؛ فلئنْ كانت الضرورات تُبِيحُ تلك المحظورات، فإن الضرورة تقدَّر بقَدْرها.

ثم ختم سبحانه الآية مبيِّنًا أنه كثيرُ المغفرة لعباده المؤمنين، وأنه رحيمٌ بهم، ومن رحمته: أنه أباح لهم ما حُرِّمَ عليهم؛ إذا ألجأتهم الضرورة لذلك.

[174] ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ يَكۡتُمُونَ مَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ مِنَ ٱلۡكِتَٰبِ وَيَشۡتَرُونَ بِهِۦ ثَمَنٗا قَلِيلًا أُوْلَٰٓئِكَ مَا يَأۡكُلُونَ فِي بُطُونِهِمۡ إِلَّا ٱلنَّارَ وَلَا يُكَلِّمُهُمُ ٱللَّهُ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمۡ وَلَهُمۡ عَذَابٌ أَلِيمٌ 174﴾:

أخبَرَ جل وعلا أن الذين يُخفُونَ ما أنزل الله من الحق، كاليهود وغيرهم، ويأخذون مقابل ذلك ثمنًا قليلًا، سوف يَجعَلُ الله في بطونهم نارًا؛ بسببِ ما أكلوه من المال الحرام، ولن يكلِّمهم سبحانه يوم القيامة؛ بسببِ غضَبِهِ وسخَطِهِ عليهم، ولن يطهِّرهم من دنَسِ الكفر والمعاصي، ولهم يوم القيامة عذابٌ أليمٌ مُوجِعٌ لا يطاق.

ولا شك أن الثمن الذي يؤخذ مقابل كتمان آيات الله أو تحريفها -مهما كان كثيرًا- فإنه قليلٌ بالنسبة لعقوبة الله، وبالنسبة لما أعدَّه سبحانه للمتقين.

[175] ﴿أُوْلَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ ٱشۡتَرَوُاْ ٱلضَّلَٰلَةَ بِٱلۡهُدَىٰ وَٱلۡعَذَابَ بِٱلۡمَغۡفِرَةِۚ فَمَآ أَصۡبَرَهُمۡ عَلَى ٱلنَّارِ 175﴾:

ثم أخبَرَ جل وعلا أن أولئك الكفار الذين كتموا آيات الله، قد اختاروا الضلالة على الهدى، واختاروا العذاب في النار، على مغفرة العزيز الغفَّار؛ فما أشَدَّ جرأتَهم على النار التي لا تطاق لما فيها من العذاب الأليم.

والاشتراءُ: هو بَذْلُ الثمَنِ لامتلاك السِّلْعة المطلوبة، ثم تُوُسِّعَ فيه؛ فاستُعمِلَ في الرغبة عن الشيء طمعًا في غيره.

[176] ﴿ذَٰلِكَ بِأَنَّ ٱللَّهَ نَزَّلَ ٱلۡكِتَٰبَ بِٱلۡحَقِّۗ وَإِنَّ ٱلَّذِينَ ٱخۡتَلَفُواْ فِي ٱلۡكِتَٰبِ لَفِي شِقَاقِۭ بَعِيدٖ 176﴾:

ثم بيَّن جل وعلا أن هذا العذاب الذي استحقُّوه إنما هو بسبب كفرهم بما أنزل الله على رُسُلِهِ من الحق، وبيَّن أن الذين اختلفوا في الكتاب؛ فآمنوا ببعضه، وكفروا ببعضه، في محادَّةٍ لله، ونزاعٍ بينهم، وبُعْدٍ عن الرشدِ والصواب.

[177] ﴿لَّيۡسَ ٱلۡبِرَّ أَن تُوَلُّواْ وُجُوهَكُمۡ قِبَلَ ٱلۡمَشۡرِقِ وَٱلۡمَغۡرِبِ وَلَٰكِنَّ ٱلۡبِرَّ مَنۡ ءَامَنَ بِٱللَّهِ وَٱلۡيَوۡمِ ٱلۡأٓخِرِ وَٱلۡمَلَٰٓئِكَةِ وَٱلۡكِتَٰبِ وَٱلنَّبِيِّـۧنَ وَءَاتَى ٱلۡمَالَ عَلَىٰ حُبِّهِۦ ذَوِي ٱلۡقُرۡبَىٰ وَٱلۡيَتَٰمَىٰ وَٱلۡمَسَٰكِينَ وَٱبۡنَ ٱلسَّبِيلِ وَٱلسَّآئِلِينَ وَفِي ٱلرِّقَابِ وَأَقَامَ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتَى ٱلزَّكَوٰةَ وَٱلۡمُوفُونَ بِعَهۡدِهِمۡ إِذَا عَٰهَدُواْۖ وَٱلصَّٰبِرِينَ فِي ٱلۡبَأۡسَآءِ وَٱلضَّرَّآءِ وَحِينَ ٱلۡبَأۡسِۗ أُوْلَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ صَدَقُواْۖ وَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡمُتَّقُونَ 177﴾:

واعلموا -أيها الناس- أن الخير ليس محصورًا في توجُّه الإنسان في الصلاة إلى جهة المشرق والمغرب فقطْ، ولكنْ هناك أنواعٌ من الخير يجب الحرص عليها، ومن ذلك: الإيمان بالله؛ باتِّباعِ أوامرِهِ، واجتنابِ نواهيه، والإيمانُ باليوم الآخر، والإيمانُ بالملائكة، والإيمانُ بجميع الكتب السماوية، والإيمانُ بجميع الرسل دون تفريق بينهم.

وكذلك: الخيرُ في التصدُّقِ بالمال -مع شدَّة حبِّه له- على ذوي القربى، وعلى اليتامى المحتاجين، وعلى المساكين الذين لا يملكون ما يَكْفِيهم ويسُدُّ حاجتهم، وعلى ابن السبيل الذي انقطَعَتْ به السبل، وعلى السائلين الذين اضطروا للسؤال لشدة حاجتهم، وفي تحرير الرقيق والأسرى.

وكذلك: الخيرُ في إقامة الصلاة، وإيتاء الزكاة، والوفاء بالعهود والمواثيق، والصبر على الفقر والمرض، والصبر في شدة القتال. ثم بيَّن سبحانه أن كل من اتَّصَفَ بهذه الصفات، فقد صدَقَ في إيمانه وإخلاصه، وأنه من أصحاب التقوى حقًّا؛ لأنهم اتَّقَوْا عذاب الله بالبعد عن الذنوب والمعاصي.

وقوله: ﴿وَٱلۡمُوفُونَ﴾ ، جاءت مرفوعةً للاختصاص، وبيانِ أهمِّيَّةِ الوفاء بالعهود.

[178] ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ كُتِبَ عَلَيۡكُمُ ٱلۡقِصَاصُ فِي ٱلۡقَتۡلَىۖ ٱلۡحُرُّ بِٱلۡحُرِّ وَٱلۡعَبۡدُ بِٱلۡعَبۡدِ وَٱلۡأُنثَىٰ بِٱلۡأُنثَىٰۚ فَمَنۡ عُفِيَ لَهُۥ مِنۡ أَخِيهِ شَيۡءٞ فَٱتِّبَاعُۢ بِٱلۡمَعۡرُوفِ وَأَدَآءٌ إِلَيۡهِ بِإِحۡسَٰنٖۗ ذَٰلِكَ تَخۡفِيفٞ مِّن رَّبِّكُمۡ وَرَحۡمَةٞۗ فَمَنِ ٱعۡتَدَىٰ بَعۡدَ ذَٰلِكَ فَلَهُۥ عَذَابٌ أَلِيمٞ 178﴾:

هذا نداءٌ من الله لعباده المؤمنين الذين آمنوا بالله ورسوله، وعَمِلوا بشرعه؛ بيَّن فيه أنه فرَضَ عليهم القصاص مِن كلِّ مَن وقَعَ في جريمة القتل عمدًا؛ وذلك بقتله.

ثم فصَّل سبحانه؛ فأخبر أن الحُرَّ يُقتَلُ بالحُرّ، والعبدَ يُقتَلُ بالعبد، والأنثى تُقتَلُ بالأنثى.

ثم بيَّن سبحانه أن مَن عفا وأسقط حقَّه في القصاص ورَضِيَ بالدِّيَة، فعلى صاحب الحق أن يَقبَلَ بالدِّيَةِ مِن غير أن يشُقَّ على خصمه، وعلى القاتل أن يَدفَعَ الدِّيَةَ مِن غير تسويفٍ أو مماطلة.

ولا شك أن إسقاطَ القصاصِ والقَبُولَ بالدِّيَة هو تخفيفٌ ورحمةٌ مِن الله تعالى؛ فمَن اعتدى بعد ذلك وقام بقتل القاتل بعد العفو عنه وأخذ الدية، فله مِن الله عذابٌ أليمٌ شديدٌ مُوجِع؛ وذلك بالاقتصاص منه في الدنيا، وبالعذابِ في النار في الآخرة.

قال المفسِّرون: (المقصودُ من هذه الآية: منعُ التعدِّي على غير الجاني، وكذا بيانُ شرعيَّةِ القصاص الذي يجبُ أن ينفِّذه الحكام وأمراء المؤمنين).

وقد ورد أن الإمام الثوري وأبا حنيفة يقولان بقتلِ الحُرِّ بالعبد، والمؤمنِ بالكافر، وأن التفاضل في النَّفْسِ غيرُ معتبر؛ بدليل قتل الجماعة بالواحد. وأما الجمهور: فلا يقولان بقتلِ الحُرِّ بالعبد، ولا المؤمنِ بالكافر.

[179] ﴿وَلَكُمۡ فِي ٱلۡقِصَاصِ حَيَوٰةٞ يَٰٓأُوْلِي ٱلۡأَلۡبَٰبِ لَعَلَّكُمۡ تَتَّقُونَ 179﴾:

واعلموا -يا أصحاب العقول السليمةِ، والأفكار القويمةِ- أن الله سبحانه وتعالى شرَعَ لكم القصاص؛ لكي تُحقَنَ الدماء، وتتحقَّق الحياة الآمنة، ولكي تتَّقوا الله، فتكُفُّوا عن البغي والعدوان والظلم. ولا شك أن من فكَّر في اقتراف جريمة القتل، وعرَفَ أنه سيُقتَلُ جزاءً، عدَلَ عن هذه الجريمة؛ فكان في تركه القتلَ حياةٌ للطرفَيْن.

[180] ﴿كُتِبَ عَلَيۡكُمۡ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ ٱلۡمَوۡتُ إِن تَرَكَ خَيۡرًا ٱلۡوَصِيَّةُ لِلۡوَٰلِدَيۡنِ وَٱلۡأَقۡرَبِينَ بِٱلۡمَعۡرُوفِۖ حَقًّا عَلَى ٱلۡمُتَّقِينَ 180﴾:

أخبَرَ جل وعلا أنه فرَضَ على كل مؤمن مَنَّ الله عليه بمال، وعليه التزاماتٌ وديونٌ، وشعَرَ بقرب الأجلِ وعلامات الموت: أن يكتُبَ وصيَّته للوالدَيْنِ والأقربين بالعدل؛ بشرط ألَّا تزيد الوصيَّة لهم عن الثلث، ثم أخبر سبحانه أن هذه الوصية حق واجب على المتقين الذين يخافون الله في السر والعلن، أما إذا لم يكن عليه ديون أو التزامات، فإنه يُستحَبُّ له الوصيَّةُ، وليست فرضًا.

وقد ورَدَ في هذه الآية قولان:

القول الأول: أنها نُسِخَتْ بآية المواريث.

والقول الثاني -وهو الأحسَنُ-: أنها للوالدَيْنِ المحجوبَيْنِ اللذَيْنِ لا يستحِقَّانِ من الفروض الإِرْثية شيئًا؛ كالجَدِّ المحجوب بأبِ الميت، والجَدَّةِ المحجوبة بالأم المباشِرة، ونحوِهم من الأقارب الذين ليس لهم فروض إِرْثية؛ فلا يُحرَمونَ من الوصيَّة؛ إذا أوصى لهم الوارث.

[181] ﴿فَمَنۢ بَدَّلَهُۥ بَعۡدَ مَا سَمِعَهُۥ فَإِنَّمَآ إِثۡمُهُۥ عَلَى ٱلَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُۥٓۚ إِنَّ ٱللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٞ 181﴾:

ثم أخبَرَ سبحانه أن مَن غيَّر هذه الوصيَّة، أو حرَّف فيها، أو كتمها، فإن إثمها على مَن ارتكب ذلك. واعلموا -أيها الناس- أن الله سميعٌ لأقوالكم، عليمٌ بأحوالكم؛ فهو يَسمَعُ ويرى كل ما كان في هذه الوصية، ويَعلَمُ عمل المُوصِي ونيَّته.

[182] ﴿فَمَنۡ خَافَ مِن مُّوصٖ جَنَفًا أَوۡ إِثۡمٗا فَأَصۡلَحَ بَيۡنَهُمۡ فَلَآ إِثۡمَ عَلَيۡهِۚ إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٞ رَّحِيمٞ 182﴾:

ثم أخبَرَ جل وعلا أن من تخوَّف من مَيْل الموصي أو جَوْره في الوصيَّة؛ على سبيل الخطأ أو العمد، فأضَرَّ بالورثة؛ كأن يوصيَ بأكثر من الثلث، أو يوصيَ بحِرْمانِ بعض الورثة، فإنه لا يجوز تنفيذ مثل هذه الوصيَّة، وعلى مَن حضَرَ الوصيَّة أن يَنصَحَ الموصيَ بأن يَعدِلَ في الوصية؛ فإذا لم يَرْضَ، فعليه أن يسعى في الإصلاح بين الورثة: بأن يغيِّروا الوصية؛ لتصبح كما شرع الله، وليس على المُصلِح ذنبٌ بهذا التغيير؛ لأن المقصود من هذا التغيير هو الوصول إلى الحق، واللهُ عظيمُ المغفرة؛ يَغفِرُ لمن تاب من عباده، رحيمٌ بهم، وقد وَسِعَتْ رحمته كل شيء.

[183] ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ كُتِبَ عَلَيۡكُمُ ٱلصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى ٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِكُمۡ لَعَلَّكُمۡ تَتَّقُونَ 183﴾:

هذا نداءٌ من المولى عز وجل لعباده الذين آمنوا بالله ورسوله، وعملوا بشَرْعه؛ بيَّن فيه أنه فرَضَ عليهم الصيام، كما فرَضَهُ على الذين مِن قبلهم؛ لعلهم بهذا الصوم أن يكونوا من المتقين، الذين يتَّقون الله؛ باتِّباعِ أوامره، واجتنابِ نواهيه.

ومعلوم أن صوم رمضان يجبُ برؤية هلال رمضان، واختلف أهل العلم: إذا رُئِيَ الهلال في بلد، فهل يجب الصوم على جميع أهل البلدان، أو لكل أهل بلد رؤيته؟:

قال أبو حنيفة، ومالك، وأحمد: إذا رُئِيَ الهلال في بلد، وجب الصوم على كل المسلمين. أما الشافعي: فقد فصَّل؛ حيثُ قال: إذا رُئِيَ الهلال في بلد، لزم الصومُ أهلَ البلاد القريبة دون البعيدة، وأما البلاد البعيدة، فلكل بلد رؤيته، أي: حسَبَ تعدُّد المطالع؛ وعمَلُ المسلمين اليوم على هذا القول.

[184] ﴿أَيَّامٗا مَّعۡدُودَٰتٖۚ فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَوۡ عَلَىٰ سَفَرٖ فَعِدَّةٞ مِّنۡ أَيَّامٍ أُخَرَۚ وَعَلَى ٱلَّذِينَ يُطِيقُونَهُۥ فِدۡيَةٞ طَعَامُ مِسۡكِينٖۖ فَمَن تَطَوَّعَ خَيۡرٗا فَهُوَ خَيۡرٞ لَّهُۥۚ وَأَن تَصُومُواْ خَيۡرٞ لَّكُمۡ إِن كُنتُمۡ تَعۡلَمُونَ 184﴾:

ثم أخبَرَ جل وعلا أنَّه فرَضَ عليكم -أيها الناس- الصيام أيَّامًا معدودة؛ فمَن كان منكم مريضًا لا يُطِيقُ الصيام، أو كان مسافرًا يشُقُّ عليه الصيام، فقد رخَّص الله له في الفطر، وعليه أن يَقضِيَ الأيام التي أفطرها بعد رمضان، أما الذين يشُقُّ عليهم الصيام، ولا يَقدِرونَ عليه؛ كالشيخ الكبير، والمريض الذي لا يُرجَى شفاؤه، فعليهم فِدْيةٌ عن كل يوم يُفطِرونه، وهي إطعامُ مسكين، ومَن زاد في الفدية، فهو فضلٌ وخيرٌ له.

ثم بيَّن سبحانه أن الصيام مع تحمُّل المشقة، أفضلُ لكم مِن الفطر وإعطاء الفِدْية؛ إن كنتم تعلمون -أيها الناس- فضل الصيام ومنافعه وفوائده.

وأكثر المفسِّرين على أنَّ: الرخصةُ الواردةُ في قوله: ﴿وَعَلَى ٱلَّذِينَ يُطِيقُونَهُۥ فِدۡيَةٞ طَعَامُ مِسۡكِينٖۖ ﴾ ، منسوخةٌ بالآيةِ التي بعدها، وهي قوله: ﴿شَهۡرُ رَمَضَانَ ٱلَّذِيٓ أُنزِلَ فِيهِ ٱلۡقُرۡءَانُ هُدٗى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَٰتٖ مِّنَ ٱلۡهُدَىٰ وَٱلۡفُرۡقَانِۚ فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ ٱلشَّهۡرَ فَلۡيَصُمۡهُۖ ﴾.

وقال آخرون: (إنها نُسِخَتْ بالنسبة للقادر، أما الشيخُ الكبير العاجز، والمرأةُ الكبيرة العاجزة، أو المصابُ بمرض لا يُرجَى زواله، وقد قرَّر الطبيبُ المختصُّ أن الصوم يضُرُّه، ومَن كانت ظروفه شبيهة بهذه الحالات-: فإنها غير منسوخة في حقِّه؛ وهذا هو الذي عليه عمَلُ المسلمين اليوم).

[185] ﴿شَهۡرُ رَمَضَانَ ٱلَّذِيٓ أُنزِلَ فِيهِ ٱلۡقُرۡءَانُ هُدٗى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَٰتٖ مِّنَ ٱلۡهُدَىٰ وَٱلۡفُرۡقَانِۚ فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ ٱلشَّهۡرَ فَلۡيَصُمۡهُۖ وَمَن كَانَ مَرِيضًا أَوۡ عَلَىٰ سَفَرٖ فَعِدَّةٞ مِّنۡ أَيَّامٍ أُخَرَۗ يُرِيدُ ٱللَّهُ بِكُمُ ٱلۡيُسۡرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ ٱلۡعُسۡرَ وَلِتُكۡمِلُواْ ٱلۡعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُواْ ٱللَّهَ عَلَىٰ مَا هَدَىٰكُمۡ وَلَعَلَّكُمۡ تَشۡكُرُونَ 185﴾:

ثم أخبَرَ جل وعلا أن شهر رمضان هو الشهر الذي أُنزِلَ فيه القرآن الكريم، وهذا القرآن جعَلَ اللهُ فيه الهدى والنور للناس، وهو كتاب واضح في أحكامه ودلائله، لا يأتيه الباطل مِن بين يديه ولا مِن خَلْفه، وقد فرَّق الله به بين الهدى والضلال، والحق والباطل؛ ولذا يجب على مَن حضَرَ منكم شهر رمضان: أن يصومه، وأما مَن كان مريضًا لا يُطِيقُ الصيام، أو كان مسافرًا، فيرخَّص له بالفطر، ولكنْ عليه أن يقضي ما أفطره بعد انتهاء الشهر.

واعلموا -أيها الناس- أن الله يريد لكم التسهيلَ واليُسْر، ولا يريد لكم المشقة والعُسْر، وعليكم أن تتموا صيام الشهر بقضاء ما أفطرتم، وأن تختموا شهركم بتكبير الله، من رؤيةِ الهلالِ إلى صلاة العيدِ؛ تعظيمًا له على أنْ هداكم، ووفَّقكم، ويسَّر أموركم، وأن تشكروه سبحانه على نِعَمِهِ التي أنعم بها عليكم، ومن ذلك إخراج زكاة الفطر، ودفعُها إلى مستحقِّيها؛ فهذا من شكر الله على إتمام صيام شهر رمضان.

[186] ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌۖ أُجِيبُ دَعۡوَةَ ٱلدَّاعِ إِذَا دَعَانِۖ فَلۡيَسۡتَجِيبُواْ لِي وَلۡيُؤۡمِنُواْ بِي لَعَلَّهُمۡ يَرۡشُدُونَ 186﴾:

ثم أمَرَ سبحانه نبيَّه ﷺ إذا سأله الناس: هل ربُّنا قريبٌ فنُنَاجيه، أو بعيدٌ فنُنَاديه؟ أن يجيبهم: بأنه قريبٌ من عباده، وأنه يجيبُ دعوة الداعي إذا دعاه؛ مع أنه فوق عرشه، وعليهم إذا أرادوا إجابة دعائهم: أن يستجيبوا لأوامر الله، وأن يثبُتُوا على الإيمان الصحيح؛ لعلهم يهتدون إلى طريق الفلاح والإيمان والعمل الصالح.

[187] ﴿أُحِلَّ لَكُمۡ لَيۡلَةَ ٱلصِّيَامِ ٱلرَّفَثُ إِلَىٰ نِسَآئِكُمۡۚ هُنَّ لِبَاسٞ لَّكُمۡ وَأَنتُمۡ لِبَاسٞ لَّهُنَّۗ عَلِمَ ٱللَّهُ أَنَّكُمۡ كُنتُمۡ تَخۡتَانُونَ أَنفُسَكُمۡ فَتَابَ عَلَيۡكُمۡ وَعَفَا عَنكُمۡۖ فَٱلۡـَٰٔنَ بَٰشِرُوهُنَّ وَٱبۡتَغُواْ مَا كَتَبَ ٱللَّهُ لَكُمۡۚ وَكُلُواْ وَٱشۡرَبُواْ حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَكُمُ ٱلۡخَيۡطُ ٱلۡأَبۡيَضُ مِنَ ٱلۡخَيۡطِ ٱلۡأَسۡوَدِ مِنَ ٱلۡفَجۡرِۖ ثُمَّ أَتِمُّواْ ٱلصِّيَامَ إِلَى ٱلَّيۡلِۚ وَلَا تُبَٰشِرُوهُنَّ وَأَنتُمۡ عَٰكِفُونَ فِي ٱلۡمَسَٰجِدِۗ تِلۡكَ حُدُودُ ٱللَّهِ فَلَا تَقۡرَبُوهَاۗ كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ ٱللَّهُ ءَايَٰتِهِۦ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمۡ يَتَّقُونَ 187﴾:

أخبَرَ جل وعلا أنه أباح للناس في ليالي رمضان جِمَاعَ نسائهم؛ لأنهنَّ سِتْرٌ وحفظٌ لهم، وهم سِتْرٌ وحفظٌ لهنَّ؛ وذلك أنه كان في أول فرض الصيام يحرُمُ الأكل والشرب والجماع في الليل بعد النوم؛ فشَقَّ ذلك عليهم، وكان بعضهم يحدِّثُ نفسه بالجماع وبالأكل والشرب، وربما وقع فيه، ورحمةً بكم وشفقةً عليكم -أيها الناس- فإن الله سبحانه تاب علىكم، وعفا عمَّا وقَعْتم فيه من خطأ، ورخَّص لكم أن تجامعوا نساءكم في ليالي رمضان، ولتكُنْ نيَّتكم من هذا الجماع هو التمتُّعَ بالنساء للإعفاف، والحصولَ على الولد.

واعلموا -أيها الناس- أن الله أباح لكم الجماع والأكل والشرب من غروب الشمس حتى يظهر نورُ الفجْر مِن سواد الليل، فإذا طلَعَ الفجرُ، وجب عليكم أن تُمسِكوا عن الجماع والأكل والشرب، وعليكم أن تستمِرُّوا في صيامكم حتى غروب الشمس.

ثم نهى سبحانه أن يجامع أحدكم زوجته ليلًا، وهو معتكف في المسجد؛ لأن ذلك يُفسِدُ الاعتكاف.

ثم أخبَرَ سبحانه أن هذه الأحكام التي بيَّنها ووضَّحها هي حدودُهُ التي حدَّها لكم؛ فلا تتجاوزوها وتنتهكوها.

وبمثل هذا التوضيح والتبيين، الذي بيَّنه الله لكم في هذه الأحكام، يبيِّنُ سبحانه أدلَّته وحُجَجه للناس؛ لكي يحفظوا أنفسهم من الوقوع في الآثام والمعاصي، وأن يَحذَروا عقاب الله وعذابه الأليم.

[188] ﴿وَلَا تَأۡكُلُوٓاْ أَمۡوَٰلَكُم بَيۡنَكُم بِٱلۡبَٰطِلِ وَتُدۡلُواْ بِهَآ إِلَى ٱلۡحُكَّامِ لِتَأۡكُلُواْ فَرِيقٗا مِّنۡ أَمۡوَٰلِ ٱلنَّاسِ بِٱلۡإِثۡمِ وَأَنتُمۡ تَعۡلَمُونَ 188﴾:

واحذروا -أيها الناس- أن تتعدَّوْا في معاملاتكم الشرعية؛ فيأكُلَ بعضكم مال بعض بالباطل بكل أنواعه؛ كالربا والسرقة والنَّصْب والاحتيال وغير ذلك، ولا تقدِّموا للحكَّام رِشْوةً أو حُجَجًا باطلة، تكون سببًا في أكل أموال بعض الناس بالباطل، وأنتم تَعلَمونَ حُرْمةَ ذلك، وتعلمون أنكم على باطل، فحكمُ الحاكم لا يحلُّ الحرامَ ولا يحرِّمُ الحلالَ، وجاء التعبير بالأكل؛ لأن المقصود بالأموال: الأكل والاستمتاع.

[189] ﴿يَسۡـَٔلُونَكَ عَنِ ٱلۡأَهِلَّةِۖ قُلۡ هِيَ مَوَٰقِيتُ لِلنَّاسِ وَٱلۡحَجِّۗ وَلَيۡسَ ٱلۡبِرُّ بِأَن تَأۡتُواْ ٱلۡبُيُوتَ مِن ظُهُورِهَا وَلَٰكِنَّ ٱلۡبِرَّ مَنِ ٱتَّقَىٰۗ وَأۡتُواْ ٱلۡبُيُوتَ مِنۡ أَبۡوَٰبِهَاۚ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ لَعَلَّكُمۡ تُفۡلِحُونَ 189﴾:

ثم بيَّن سبحانه أن الصحابة رضي الله عنه سألوا النبي ﷺ عن الحِكْمة من هذه الأهلَّة، فأمَرَهُ أن يقول لهم: لقد جعَلَ الله هذه الأهلَّة علاماتٍ للناس يَعرِفونَ بها أوقاتَ عباداتهم؛ كالصيام والحج والعمرة، ويعرفون أمورهم التي تحتاج إلى توقيت؛ كعِدَّةِ الوفاة، وعِدَّةِ الطلاق، وغير ذلك.

واعلموا -أيها الناس- أنه ليس من الخير أن تأتوا البيوت مِن ظهورها؛ كما كان أهل الجاهلية يفعلون حين يُحرِمونَ بالحج والعمرة، ولكنَّ الخير كل الخير مَن اتقى الله بفعل ما أمَرْ، واجتنابِ ما نهى عنه وزجَرْ، وعليكم أن تدخلوا البيوت من

أبوابها، واتَّقوا الله في كل أموركم؛ لعلكم تفوزون بكل ما تُحِبُّونَ من خيرَيِ الدنيا والآخرة.

وقد رُوِيَ أن معاذَ بنَ جبَلٍ، وثَعْلَبةَ بنَ غَنْمٍ، سألا النبي ﷺ عن صيرورة الهلال، يبدأ هلالًا، ثم بدرًا، ثم يعودُ هلالًا، وهكذا؛ فنزَلَتْ هذه الآية إجابة لهما، ولكنْ ليس لِمَا سألوا عنه، وإنما لِمَا هو أهمُّ، وهو ما يترتَّب على ذلك من أمر العبادات.

وهكذا ينبغي للعالِمِ والأبِ إذا سُئِلَ عن أشياء ولو كانت بسيطة وهامشية؛ فعليه أن يوضِّحَ للسائل المراد، ويذكُرَ له المنافع والفوائد المهمَّة في ذلك.

[190] ﴿وَقَٰتِلُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ ٱلَّذِينَ يُقَٰتِلُونَكُمۡ وَلَا تَعۡتَدُوٓاْۚ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يُحِبُّ ٱلۡمُعۡتَدِينَ 190﴾:

أمَرَ جل وعلا المؤمنين أن يجاهدوا في سبيل الله لنُصْرة دين الله، وأن يقاتلوا الذين يقاتلونهم من الكفار، ولا يتجاوزوا في قتل مَن ليس مِن أهل القتالِ؛ كقتل الأطفال والنساء والشيوخ وغيرهم؛ فإن الله لا يحبُّ الظالمين الذين يتجاوزون حدوده.

[191] ﴿وَٱقۡتُلُوهُمۡ حَيۡثُ ثَقِفۡتُمُوهُمۡ وَأَخۡرِجُوهُم مِّنۡ حَيۡثُ أَخۡرَجُوكُمۡۚ وَٱلۡفِتۡنَةُ أَشَدُّ مِنَ ٱلۡقَتۡلِۚ وَلَا تُقَٰتِلُوهُمۡ عِندَ ٱلۡمَسۡجِدِ ٱلۡحَرَامِ حَتَّىٰ يُقَٰتِلُوكُمۡ فِيهِۖ فَإِن قَٰتَلُوكُمۡ فَٱقۡتُلُوهُمۡۗ كَذَٰلِكَ جَزَآءُ ٱلۡكَٰفِرِينَ 191﴾:

أمَرَ جل وعلا المسلمين بقتال الكفار الذين سبق أن قاتلوهم وأخرجوهم من بلادهم، وهي مكة؛ فعليكم أن تقتُلُوهم حيث وجدتُّموهم وأمسَكْتم بهم، وأن تُخرِجوهم وتشرِّدوهم من حيث أخرجوكم، واعلموا: أن الفتنة التي يدبِّرونها لتحويل المسلمين إلى الكفر والشرك، أشدُّ وأعظمُ مِن قتلكم إياهم.

ثم استثنى سبحانه من ذلك قتالهم عند المسجد الحرام؛ فإن ذلك لا يجوز، إلا إذا ابتدأ الكفَّارُ بالقتال؛ فإنهم يُقْتَلون؛ لأنهم انتهكوا حُرْمةَ الحرَم، ثم بيَّن سبحانه أن هذا هو جزاء المجرمين الباغين.

ولاحظ أن الله -جلَّ في علاه- قال: ﴿فَٱقۡتُلُوهُمۡۗ ﴾، ولم يقل: (فقاتِلُوهم)؛ لأنهم ارتكبوا جُرْمَيْن:

الأوَّل: البَغْيُ؛ وهو البداءةُ بالعدوانِ.

والثاني: انتهاك حُرْمة بيت الله الحرام.

[192] ﴿فَإِنِ ٱنتَهَوۡاْ فَإِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٞ رَّحِيمٞ 192﴾:

وعليكم -أيها المسلمون- أن تتوقَّفوا عن قتال الكفار؛ إذا توقَّفوا هم عن قتالكم، وتابوا ودخلوا في دين الله؛ وفي هذه الحال: عليكم أن تعفوا وتصفحوا عنهم.

واعلموا: أن الله غفورٌ لعباده التائبين، رحيمٌ بهم، وأن الإسلام يَجُبُّ ما قبله.

[193] ﴿وَقَٰتِلُوهُمۡ حَتَّىٰ لَا تَكُونَ فِتۡنَةٞ وَيَكُونَ ٱلدِّينُ لِلَّهِۖ فَإِنِ ٱنتَهَوۡاْ فَلَا عُدۡوَٰنَ إِلَّا عَلَى ٱلظَّٰلِمِينَ 193﴾:

ثم أمَرَ جل وعلا المسلمين أن يقاتلوا الكفار؛ حتى تنكسِرَ شَوْكَتُهم، وتنهارَ قوَّتُهم، وحتى لا يفتنوا المسلمين ويصُدُّوهم عن دينهم، ويُصبِحَ دين الله هو الظاهرَ على سائر الأديان، ثم قال تعالى ذِكْرُه: فإن توقَّفوا عن قتالكم، فلا تعتدوا عليهم، ومن اعتدى بعد ذلك، فقاتلوه؛ لأنه من الظالمين المعتدين المتجاوزين لحدود الله.

[194] ﴿ٱلشَّهۡرُ ٱلۡحَرَامُ بِٱلشَّهۡرِ ٱلۡحَرَامِ وَٱلۡحُرُمَٰتُ قِصَاصٞۚ فَمَنِ ٱعۡتَدَىٰ عَلَيۡكُمۡ فَٱعۡتَدُواْ عَلَيۡهِ بِمِثۡلِ مَا ٱعۡتَدَىٰ عَلَيۡكُمۡۚ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَٱعۡلَمُوٓاْ أَنَّ ٱللَّهَ مَعَ ٱلۡمُتَّقِينَ 194﴾:

ثم خاطبَ سبحانه عباده الموحِّدين مُبيِّنًا لهم؛ أنَّه في حالِ قاتَلَكم المشركون في الشهر الحرام -وهي الأشهرُ المعظَّمةُ لديكم ولديهم؛ ذو القعدة وذو الحِجَّة والمحَّرمُ ورجبٌ- فقاتِلُوهم في الشهر الحرام، مجازاةً لهم على عُدْوانهم؛ لأن مَن انتهَك الحرُماتِ اقتُصَّ منه؛ والحرماتُ: كلُّ ما يجب احترامُه وحفظُه، ومنع الشرعُ من انتهاكِه. فمَن اعتدى عليكم بقتلٍ أو جراحٍ أو أخذِ مالٍ، فاعتدوا عليه مِثْلًا بمِثْلٍ، وسواءً بسواء، واتقوا الله؛ فلا تتجاوزوا في الاعتداء والعقوبة.

واعلموا: أن الله مع المتقين؛ يُعِينُهم وينصُرُهم ويؤيِّدهم.

[195] ﴿وَأَنفِقُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ وَلَا تُلۡقُواْ بِأَيۡدِيكُمۡ إِلَى ٱلتَّهۡلُكَةِ وَأَحۡسِنُوٓاْۚ إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلۡمُحۡسِنِينَ 195﴾:

أمَرَ جل وعلا بإنفاق المال في سبيل الله؛ لنصرة دينه، وإعلاء كلمته؛ فإن مَن ترك الجهاد في سبيل الله، أو الإنفاق فيه، فقد عرَّض نفسه للهلاك؛ فأحسنوا في أعمالكم، واجعَلُوها خالصةً لوجهه الكريم؛ فإن الله يُحِبُّ المحسنين.

[196] ﴿وَأَتِمُّواْ ٱلۡحَجَّ وَٱلۡعُمۡرَةَ لِلَّهِۚ فَإِنۡ أُحۡصِرۡتُمۡ فَمَا ٱسۡتَيۡسَرَ مِنَ ٱلۡهَدۡيِۖ وَلَا تَحۡلِقُواْ رُءُوسَكُمۡ حَتَّىٰ يَبۡلُغَ ٱلۡهَدۡيُ مَحِلَّهُۥۚ فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَوۡ بِهِۦٓ أَذٗى مِّن رَّأۡسِهِۦ فَفِدۡيَةٞ مِّن صِيَامٍ أَوۡ صَدَقَةٍ أَوۡ نُسُكٖۚ فَإِذَآ أَمِنتُمۡ فَمَن تَمَتَّعَ بِٱلۡعُمۡرَةِ إِلَى ٱلۡحَجِّ فَمَا ٱسۡتَيۡسَرَ مِنَ ٱلۡهَدۡيِۚ فَمَن لَّمۡ يَجِدۡ فَصِيَامُ ثَلَٰثَةِ أَيَّامٖ فِي ٱلۡحَجِّ وَسَبۡعَةٍ إِذَا رَجَعۡتُمۡۗ تِلۡكَ عَشَرَةٞ كَامِلَةٞۗ ذَٰلِكَ لِمَن لَّمۡ يَكُنۡ أَهۡلُهُۥ حَاضِرِي ٱلۡمَسۡجِدِ ٱلۡحَرَامِۚ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَٱعۡلَمُوٓاْ أَنَّ ٱللَّهَ شَدِيدُ ٱلۡعِقَابِ 196﴾:

ثم أمَرَ جل وعلا الذين أحرموا بالحج والعمرة أن يُتِمُّوا ما أحرموا به -كما هو مشروع- ولو كان نفلًا، فإن مُنِعوا أو حُجِزوا عن الحرم بعد الإحرام؛ بسببِ مرضٍ، أو ذَهَابِ نفقةٍ، أو أيِّ مانعٍ قهريٍّ؛ فحينئذ عليهم إذا أرادوا أن يتحلَّلوا من الإحرام: أن يذبحوا ما تيسَّر من الهَدْي، وعليهم ألَّا يَحلِقوا رؤوسهم حتى ينحروا هَدْيَهم في الموضع الذي أُحصِروا فيه.

أما غيرُ المحصَرِ، فلا ينحر هديه إلا في الحرَم، أما مَن كان مريضًا، أو كان به أذًى في رأسه، واضطُرَّ أن يَحلِقَ رأسه وهو مُحرِمٌ، فله أن يَحلِق، ولكن يجب عليه في هذه الحال فِدْيةٌ، وهي: أن يصومَ ثلاثة أيام، أو يتصدَّقَ على ستة مساكين لكل مسكين نصف صاع من طعام، أو يَذبَحَ شاة توزَّع على فقراء الحرَم، فإذا كنتم -أيها الناس- آمنين، وتمكَّنتم من الوصول إلى الحرم في أمن وأمان، وصحة وعافية، ثم أدَّيتم العمرة في أشهر الحج، ثم أحْرَمْتم بالحج في نفس العام، فعليكم ذَبْحُ ما تيسَّر من الهَدْي، فمَن لم يتمكَّن من شراء الهدي -إما لفقد مال، أو لعدم الحصول على الهدي، ونحو ذلك- فعليه أن يصوم ثلاثةَ أيام في الحج، وسبعةَ أيام إذا رجَعَ إلى بلده؛ فهذه عشَرةُ أيامٍ يجبُ صيامها لذلك.

واعلموا: أن هذا الهَدْيَ وهذا الصيامَ لمن لم يكن مِن سكان الحرَم؛ لأن سكان الحرَم ليس عليهم هَدْي.

ثم ختم سبحانه الآية بأمر الناس بتقوى الله في جميع أمورهم؛ بامتثال أوامره، واجتناب نواهيه، ومِن ذلك: العملُ بكل هذه الأحكام وغيرها التي شرَعَها الله لهم؛ فإن مَن حاد عن التقوى، وارتكب المحرَّمات، فإن الله شديد العقاب.

وقد اختلف أهل العلم، هل العُمْرةُ سُنَّةٌ أو واجبة؟:

فعند أبي حنيفة: أنها سُنَّة.

وعند أحمد والشافعي ومالك: أنها واجبة؛ كالحج في العُمْرِ مرَّةً واحدة على المستطيع.

[197] ﴿ٱلۡحَجُّ أَشۡهُرٞ مَّعۡلُومَٰتٞۚ فَمَن فَرَضَ فِيهِنَّ ٱلۡحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي ٱلۡحَجِّۗ وَمَا تَفۡعَلُواْ مِنۡ خَيۡرٖ يَعۡلَمۡهُ ٱللَّهُۗ وَتَزَوَّدُواْ فَإِنَّ خَيۡرَ ٱلزَّادِ ٱلتَّقۡوَىٰۖ وَٱتَّقُونِ يَٰٓأُوْلِي ٱلۡأَلۡبَٰبِ 197﴾:

أخبَرَ جل وعلا أن الحجَّ أشهُرٌ معلومات، وهن: شوَّال، وذو القَعْدة، وعَشْرٌ من أول ذي الحِجَّة، فمَن أحرم فيها بالحج، لزمه ذلك؛ وحينئذٍ يحرُمُ عليه الرَّفَث، وهو الجماعُ ومقدِّماته، ويحرُمُ عليه تجاوز أحكام الشرع؛ كما يحرُمُ ذلك عليه في كل الشهور، ويحرُمُ عليه أيضًا الجدال والمخاصمة، لأنها تورثُ المشاجرةَ والسبابَ.

واعلموا: أن كل ما تفعلونه من الأعمال الصالحة والطاعات والقُرُبات، فإن الله عليمٌ بها.

ثم بيَّن سبحانه أن مَن عزَمَ على الحج، فعليه التزوُّدُ بما يحتاجه مِن قُوتٍ ورُفْقةٍ صالحة.

واعلموا: أن الزاد الأهم هو التقوى؛ فإنه أعظم زاد؛ لأنه يوصِّلُ إلى رضوان الله، وإلى الجنة دار القرار.

ثم أمَرَ سبحانه أصحاب العقول السليمة: أن يتَّقوا ربهم، ويخافوا عذابه، ويَخْشَوْا عقابه.

[198] ﴿لَيۡسَ عَلَيۡكُمۡ جُنَاحٌ أَن تَبۡتَغُواْ فَضۡلٗا مِّن رَّبِّكُمۡۚ فَإِذَآ أَفَضۡتُم مِّنۡ عَرَفَٰتٖ فَٱذۡكُرُواْ ٱللَّهَ عِندَ ٱلۡمَشۡعَرِ ٱلۡحَرَامِۖ وَٱذۡكُرُوهُ كَمَا هَدَىٰكُمۡ وَإِن كُنتُم مِّن قَبۡلِهِۦ لَمِنَ ٱلضَّآلِّينَ 198﴾:

ثم أخبر جل وعلا أنه ليس على الحُجَّاجِ حرَجٌ في البيع والشراء في موسم الحج، مع عدم الإخلال بالشعائر المطلوبة، ثم قال تعالى ذِكْرُه: فإذا خرجتم مِن عرَفاتٍ متوجِّهينَ إلى مزدلِفة، فاذكروا الله عند المشعر الحرام، أي: في مزدلفة، وأكثِرُوا من ذكره؛ بالتلبيةِ والتهليلِ والدعاءِ والحمدِ والثناءِ عليه؛ شكرًا على هدايته لكم إلى الصراط المستقيم، وتذكَّروا حالكم قبل الهداية؛ حيث كنتم في شر وضلال عظيم، وقد أنجاكم الله منه.

[199] ﴿ثُمَّ أَفِيضُواْ مِنۡ حَيۡثُ أَفَاضَ ٱلنَّاسُ وَٱسۡتَغۡفِرُواْ ٱللَّهَۚ إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٞ رَّحِيمٞ 199﴾:

ثم أمَرَ سبحانه وتعالى الحُجَّاجَ أن يُفِيضوا من مزدلِفةَ صباح العيد متوجِّهين إلى مِنًى، وعليهم حالَ الإفاضة بكثرة الاستغفار؛ فإن الله غفورٌ لعباده المستغفرين، رحيمٌ بهم.

[200] ﴿فَإِذَا قَضَيۡتُم مَّنَٰسِكَكُمۡ فَٱذۡكُرُواْ ٱللَّهَ كَذِكۡرِكُمۡ ءَابَآءَكُمۡ أَوۡ أَشَدَّ ذِكۡرٗاۗ فَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَقُولُ رَبَّنَآ ءَاتِنَا فِي ٱلدُّنۡيَا وَمَا لَهُۥ فِي ٱلۡأٓخِرَةِ مِنۡ خَلَٰقٖ 200﴾:

ثم وجَّه المولى عز وجل الحجَّاج إذا أتموا مناسك الحج، وهي الرميُ والذبحُ والحلقُ وطوافُ الإفاضةِ، فعليهم أن يذكُرُوا الله ذكرًا كثيرًا؛ كما كانوا يفتخرون بذكر آبائهم قبل الإسلام، وذلك في مِنًى، بل عليهم أن يذكروا الله أعظم من ذلك، واعلموا -أيها الناس- أن منكم مَن يكون همُّهُ وغاية مراده الدنيا فقطْ؛ فهؤلاء ليس لهم في الآخرة حظٌّ ولا نصيب.

[201] ﴿وَمِنۡهُم مَّن يَقُولُ رَبَّنَآ ءَاتِنَا فِي ٱلدُّنۡيَا حَسَنَةٗ وَفِي ٱلۡأٓخِرَةِ حَسَنَةٗ وَقِنَا عَذَابَ ٱلنَّارِ 201﴾:

واعلموا: أن منكم مَن يدعو ربَّه بخيرَيِ الدنيا والآخرة؛ فيدعو الله أن يرزُقَهُ المال والصحة والعلم ونحو ذلك، ويسأل الله أن يدخله الجنة ويَصرِفَهُ عن عذاب النار.

وقوله: ﴿رَبَّنَآ ءَاتِنَا فِي ٱلدُّنۡيَا حَسَنَةٗ وَفِي ٱلۡأٓخِرَةِ حَسَنَةٗ وَقِنَا عَذَابَ ٱلنَّارِ﴾، دعاءٌ عظيمٌ جامع، وقد كان ﷺ يدعو به بين الرُّكْنَيْنِ أثناء طوافه بالكعبة المشرَّفة.

[202] ﴿أُوْلَٰٓئِكَ لَهُمۡ نَصِيبٞ مِّمَّا كَسَبُواْۚ وَٱللَّهُ سَرِيعُ ٱلۡحِسَابِ 202﴾:

واعلموا -أيها الناس- أن أولئك الذين سألوا الله خيرَيِ الدنيا والآخرة، لهم نصيبٌ وحظٌّ وافرٌ من الأجر والثواب

العظيم؛ بسبب ما كسَبُوهُ من الأعمال الصالحة، والله سريعُ الحساب لعباده على كثرتهم؛ فإنه سيُجازِيهم في وقتٍ واحدٍ لا يتصوَّرُهُ أحد، ولا يَشغَلْهُ شأنٌ عن شأن.

[203] ﴿وَٱذۡكُرُواْ ٱللَّهَ فِيٓ أَيَّامٖ مَّعۡدُودَٰتٖۚ فَمَن تَعَجَّلَ فِي يَوۡمَيۡنِ فَلَآ إِثۡمَ عَلَيۡهِ وَمَن تَأَخَّرَ فَلَآ إِثۡمَ عَلَيۡهِۖ لِمَنِ ٱتَّقَىٰۗ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَٱعۡلَمُوٓاْ أَنَّكُمۡ إِلَيۡهِ تُحۡشَرُونَ 203﴾:

أمَرَ جل وعلا حُجَّاجَ بيت الله بكثرة ذكره في أيام الحج؛ لأنها أيام معدودات قليلة، وهي: يومُ عيد الأضحى، والثلاثةُ الأيامِ التي بعده، والتي تسمَّى بأيام التشريق، وهي اليومُ الحاديَ عشَرَ، والثانيَ عشَرَ، والثالثَ عشَرَ من ذي الحِجَّة.

ثم بيَّن سبحانه أن مَن أراد التعجُّل، وخرَجَ من مِنًى قبل غروب شمس اليوم الثانيَ عشَرَ بعد رمي الجمار، فلا حرج ولا إثم عليه، ومَن أراد التأخُّر، أي: بات في مِنًى حتى يرمي جمارَ اليومِ الثالثَ عشَرَ من ذي الحِجَّة، فلا حرج ولا إثم عليه؛ وذلك لمن اتقى الله في حَجِّهِ، وأدَّى المناسك كما شُرِعَتْ.

وعليكم -أيها الناس- بتقوى الله؛ وذلك بامتثال أوامره، واجتناب نواهيه، واعلموا: أنكم سوف تُحشَرونَ يوم القيامة إليه، وسيجازيكم على أعمالكم؛ إنْ خيرًا فخيرٌ، وإنْ شرًّا فشرّ.

[204] ﴿وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يُعۡجِبُكَ قَوۡلُهُۥ فِي ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَا وَيُشۡهِدُ ٱللَّهَ عَلَىٰ مَا فِي قَلۡبِهِۦ وَهُوَ أَلَدُّ ٱلۡخِصَامِ 204﴾:

أخبَرَ جل وعلا أن بعض المنافقين إذا تكلَّم، أُعجِبَ السامعُ بكلامه؛ لفصاحته وبلاغته، بل أخبَرَ أن الله يَعلَمُ ويشهد على ما في قلبه، وأنه مطابِقٌ لما يقول، وهو في الحقيقة كاذبٌ في أقواله واعتقاداته، بل إنه شديدُ العداوة لله ولرسوله وللمؤمنين.

[205] ﴿وَإِذَا تَوَلَّىٰ سَعَىٰ فِي ٱلۡأَرۡضِ لِيُفۡسِدَ فِيهَا وَيُهۡلِكَ ٱلۡحَرۡثَ وَٱلنَّسۡلَۚ وَٱللَّهُ لَا يُحِبُّ ٱلۡفَسَادَ 205﴾:

ثم بيَّن جل وعلا أن هذا الذي أعجَبَكم -أيها الناس- قولُهُ، فإنه إذا خرَجَ مِن عندكم، سعى في الأرض فسادًا؛ بنَشْرِ الكفر والذنوب والمعاصي، وزَرْعِ الفتنة بين الناس؛ فتَهلِكُ بسبب ذلك الزروعُ والثمار والأنعام؛ وفي هذا دليل على أن الذنوب والمعاصي سبب في هلاك الزروع والثمار والحيوانات.

واعلموا: أن الله لا يحبُّ الفساد، ولا يحبُّ المفسِدين.

[206] ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُ ٱتَّقِ ٱللَّهَ أَخَذَتۡهُ ٱلۡعِزَّةُ بِٱلۡإِثۡمِۚ فَحَسۡبُهُۥ جَهَنَّمُۖ وَلَبِئۡسَ ٱلۡمِهَادُ 206﴾:

ثم أخبَرَ جل وعلا أن هذا المنافق إذا نُصِحَ وأُمِرَ بتقوى الله، تكبَّر وعاند، وأخذته العزة بالإثم؛ وهذا ليس له إلا نارُ جهنَّم، وبئس المصيرُوالمستقَرُّ والمسكن.

[207] ﴿وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَشۡرِي نَفۡسَهُ ٱبۡتِغَآءَ مَرۡضَاتِ ٱللَّهِۚ وَٱللَّهُ رَءُوفُۢ بِٱلۡعِبَادِ 207﴾:

ثم بيَّن جل وعلا أن هناك صِنْفًا من الناس موفَّقين؛ لأنهم باعوا أنفسهم ابتغاءَ مرضاة الله بالجهاد في سبيله، والله رؤوفٌ بالعباد، ومِن رأفته بهم توفيقُهم لمرضاته.

[208] ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱدۡخُلُواْ فِي ٱلسِّلۡمِ كَآفَّةٗ وَلَا تَتَّبِعُواْ خُطُوَٰتِ ٱلشَّيۡطَٰنِۚ إِنَّهُۥ لَكُمۡ عَدُوّٞ مُّبِينٞ 208﴾:

أمَرَ جل وعلا عباده المؤمنين أن يَقبَلُوا بجميع شرائع الإسلام وأحكامه، ولا يترُكُوا منها شيئًا، ولا يتَّبعوا طُرُقَ الشيطان الخبيثة؛ فإنه لهم عَدُوٌّ مبينٌ ظاهرُ العداوة.

وقوله: ﴿خُطُوَٰتِ ٱلشَّيۡطَٰنِۚ ﴾: يفيدُ أن الشيطان مِن خُبْثِهِ يتدرَّجُ مع الإنسان لإيقاعه في الكفر والذنوب والمعاصي، وزرعِ الفتنةِ بين الناس، والتشكيكِ في دين الله؛ بحيث يأخذه خُطْوةً خُطْوةً حتى يحيِّرَ من يصغى إليه.

[209] ﴿فَإِن زَلَلۡتُم مِّنۢ بَعۡدِ مَا جَآءَتۡكُمُ ٱلۡبَيِّنَٰتُ فَٱعۡلَمُوٓاْ أَنَّ ٱللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ 209﴾:

ثم حذَّر سبحانه الناس إذا ضلُّوا عن طريق الحقِّ، بعد أن ظهَرَتْ لهم الدلائل والبراهين، وعليهم أن يعلموا أن الله عزيزٌ ينتقِمُ ممن عصاه، وحكيمٌ في أمره ونهيه؛ فلا يعاقِبُ مَن ليس من أهل العقاب.

[210] ﴿هَلۡ يَنظُرُونَ إِلَّآ أَن يَأۡتِيَهُمُ ٱللَّهُ فِي ظُلَلٖ مِّنَ ٱلۡغَمَامِ وَٱلۡمَلَٰٓئِكَةُ وَقُضِيَ ٱلۡأَمۡرُۚ وَإِلَى ٱللَّهِ تُرۡجَعُ ٱلۡأُمُورُ 210﴾:

ثم هدَّد سبحانه الذين رفضوا الدخول في دِينِه، بعد أن أُقيمَتْ عليهم الحُجَجُ والبراهين، فقال سبحانه: ما ينتظِرُ هؤلاء المفسدون في الأرض المُتَّبِعونَ لخُطُواتِ الشيطان، إلا أن يأتيهم الله عَزَّوَجَلَّ والملائكةُ يوم القيامة -يوم الجزاء على الأعمال- في ظُلَلٍ مِن السحابِ على الوجه اللائق به سبحانه وتعالى؛ ليَفصِلَ بين العباد بعَدْله، وقد قُضِيَ الأمرُ وفُرِغَ منه، وهو إهلاكهم.

ثم بيَّن تعالى أنه إليه وحدَه -جلَّ في علاه- تعودُ أمورُ الخلائق.

وفي قوله: ﴿أَن يَأۡتِيَهُمُ ٱللَّهُ﴾: إثباتُ صفةِ الإتيانِ لله تعالى؛ فإن أغلب الفِرَقِ الإسلامية -كالأشاعرة وغيرهم- يؤوِّلون بعض الصفات، ومِن ذلك: (إتيانُ الله)؛ فيقولون: يأتي أمرُه.

أما أهل السنة والجماعة: فيُثبِتونها، كما أثبَتَها الله لنفسه؛ من غير تحريفٍ ولا تعطيل، وغير تكييفٍ ولا تمثيل، ويقولون: إن الله يأتي، لكنه إتيانٌ يليق بجلاله وعظمته لا نَعرِفُ كيفيَّته؛ فكما لا نَعرِفُ كيفيَّةَ ذاته لا نَعرِفُ كيفيَّة مجيئِهِ وإتيانِه.

[211] ﴿سَلۡ بَنِيٓ إِسۡرَٰٓءِيلَ كَمۡ ءَاتَيۡنَٰهُم مِّنۡ ءَايَةِۭ بَيِّنَةٖۗ وَمَن يُبَدِّلۡ نِعۡمَةَ ٱللَّهِ مِنۢ بَعۡدِ مَا جَآءَتۡهُ فَإِنَّ ٱللَّهَ شَدِيدُ ٱلۡعِقَابِ 211﴾:

ثم أمَرَ سبحانه وتعالى نبيَّه ﷺ أن يسأل بني إسرائيل سؤالَ توبيخٍ وتقريرٍ: كم أعطاهم الله من الآيات البيِّنات الواضحات؟ فكذَّبوا وأعرَضوا وبدَّلوا، ولم يشكروا نِعَمَ الله عليهم؛ ولذا فإن من بدَّل دين الله، وكفَرَ به من بعد أن جاءته البيِّنات والأدلة الواضحات، فقد استحَقَّ العذاب الأليم، والعقاب الشديد.

[212] ﴿زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ ٱلۡحَيَوٰةُ ٱلدُّنۡيَا وَيَسۡخَرُونَ مِنَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْۘ وَٱلَّذِينَ ٱتَّقَوۡاْ فَوۡقَهُمۡ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِۗ وَٱللَّهُ يَرۡزُقُ مَن يَشَآءُ بِغَيۡرِ حِسَابٖ 212﴾:

أخبَرَ جل وعلا أن الذين كفروا بدين الله، زُيِّنَتْ لهم الحياة الدنيا، فأحبُّوها وقدَّموها على الآخرة، وسَخِروا من المؤمنين، وما عَلِموا أن هؤلاء المؤمنين الذين يَخْشَوْنَ ربَّهم قد جعلهم الله في أعلى المنازل، وأفضل الدرجات في الجنة.

وأما أنتم -أيها الكفار المستهزئون بالله ورسوله وآياته والمؤمنين -فقد جعَلَكم الله في أسفل درَكات النار، واعلموا: أن الله يرزُقُ من يشاء مِن خَلْقه بغير حساب.

[213] ﴿كَانَ ٱلنَّاسُ أُمَّةٗ وَٰحِدَةٗ فَبَعَثَ ٱللَّهُ ٱلنَّبِيِّـۧنَ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ وَأَنزَلَ مَعَهُمُ ٱلۡكِتَٰبَ بِٱلۡحَقِّ لِيَحۡكُمَ بَيۡنَ ٱلنَّاسِ فِيمَا ٱخۡتَلَفُواْ فِيهِۚ وَمَا ٱخۡتَلَفَ فِيهِ إِلَّا ٱلَّذِينَ أُوتُوهُ مِنۢ بَعۡدِ مَا جَآءَتۡهُمُ ٱلۡبَيِّنَٰتُ بَغۡيَۢا بَيۡنَهُمۡۖ فَهَدَى ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لِمَا ٱخۡتَلَفُواْ فِيهِ مِنَ ٱلۡحَقِّ بِإِذۡنِهِۦۗ وَٱللَّهُ يَهۡدِي مَن يَشَآءُ إِلَىٰ صِرَٰطٖ مُّسۡتَقِيمٍ 213﴾:

وأخبَرَ جل وعلا أن الناس كانوا متفقين على الإيمان؛ وكانوا فِرْقةً واحدةً مِن آدَمَ إلى نُوحٍ عليه السلام، عشَرةَ قرون وهم على ذلك؛ كما قال ابن عبَّاس رضي الله عنه، ثم في عهد نُوحٍ اختلفوا، وهكذا في القرون التي بعده، فأرسَلَ الله الرسل تباعًا مبشِّرين ومنذرين؛ لئلا يكون للناس على الله حجَّة، وأنزَلَ معهم الكُتُبَ التي فيها بيان أمور دينهم ودنياهم؛ ليتحاكم إليها الناس فيما اختلفوا فيه، ولكنْ خالف اليهود والنصارى في نبوَّة محمد ﷺ، وخالفوا في القرآن بعد أن جاءتهم الأدلة الصحيحة الواضحة التي تدُلُّ على صدقه؛ حسَدًا وبَغْيًا من عند أنفسهم.

وكذلك خالف في نبوَّة محمد ﷺ جماعات كثيرة غير اليهود والنصارى؛ كالكفار بجميع معتقداتهم، والعَلْمانيِّين، والدَّهْريِّين، وكثيرٍ غيرِهم، ثم وفَّق الله الذين آمنوا بالله ورسوله إلى التمسُّك بالحق والنور والإيمان الذي خالف فيه أهلُ الكتاب وغيرهم، والله سبحانه يوفِّق ويهدي من يشاء إلى طريقه المستقيم، الموصل إلى جنة رب العالمين.

[214] ﴿أَمۡ حَسِبۡتُمۡ أَن تَدۡخُلُواْ ٱلۡجَنَّةَ وَلَمَّا يَأۡتِكُم مَّثَلُ ٱلَّذِينَ خَلَوۡاْ مِن قَبۡلِكُمۖ مَّسَّتۡهُمُ ٱلۡبَأۡسَآءُ وَٱلضَّرَّآءُ وَزُلۡزِلُواْ حَتَّىٰ يَقُولَ ٱلرَّسُولُ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ مَعَهُۥ مَتَىٰ نَصۡرُ ٱللَّهِۗ أَلَآ إِنَّ نَصۡرَ ٱللَّهِ قَرِيبٞ 214﴾:

هذا خطاب للنبي ﷺ وأتباعه تشجيعًا وحثًّا لهم على الثبات والمصابرة؛ ليحصلوا على النصر؛ فيقول جل وعلا: هل تظنون -أيها المؤمنون- أنَّكم ستدخُلُونَ الجنة بدون أن تُمْتَحَنُوا وَتُبْتَلَوْا، كما حدَثَ لمن قبلكم من المؤمنين الذين أصابهم الفقر والمرض، والخوف والرعب، وزُلزِلَتْ قلوبُهم بكل أنواع المخاوف، وهُدِّدوا بالقتل والتشريد؛ حتى قال الرسول وأتباعُهُ الذين معه: متى يأتي نصرُ الله؟ فاعلموا أن نصر الله قريبٌ مِن عباده المؤمنين، وأن فَرَجَهُ آت؛ فلا تيأسوا -أيها المؤمنون -مِن نصر الله.

[215] ﴿يَسۡـَٔلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَۖ قُلۡ مَآ أَنفَقۡتُم مِّنۡ خَيۡرٖ فَلِلۡوَٰلِدَيۡنِ وَٱلۡأَقۡرَبِينَ وَٱلۡيَتَٰمَىٰ وَٱلۡمَسَٰكِينِ وَٱبۡنِ ٱلسَّبِيلِۗ وَمَا تَفۡعَلُواْ مِنۡ خَيۡرٖ فَإِنَّ ٱللَّهَ بِهِۦ عَلِيمٞ 215﴾:

أخبَرَ سبحانه وتعالى أن أصحاب النبي ﷺ سألوا نبيَّهم: بماذا يتصدَّقون؟ وعلى من يتصدَّقون؟ فأمَرَهُ جل وعلا أن يقول لهم: تصدَّقوا بما تيسَّر عندكم من الخير والمال الحلال، واجعلوا صدَقَتَكم للوالدَيْنِ أولًا؛ فهم أولى الناس، بل إنه يجب النفقة عليهم؛ إذا كانوا فقراء، وكذلك للأقربين مِن أهليكم وأرحامكم، ثم اليتامى الذين مات آباؤهم وهم دون سِنِّ البلوغ، ثم المساكينِ، ثم ابنِ السبيلِ الذي انقطَعَتْ به السبل.

واعلموا: أن كل خير تفعلونه، قليلًا كان أو كثيرًا، فإن الله يعلمه، وهو محفوظٌ لكم عنده، وسوف يجازيكم عليه على حسَبِ نيَّتكم وإخلاصكم.

[216] ﴿كُتِبَ عَلَيۡكُمُ ٱلۡقِتَالُ وَهُوَ كُرۡهٞ لَّكُمۡۖ وَعَسَىٰٓ أَن تَكۡرَهُواْ شَيۡـٔٗا وَهُوَ خَيۡرٞ لَّكُمۡۖ وَعَسَىٰٓ أَن تُحِبُّواْ شَيۡـٔٗا وَهُوَ شَرّٞ لَّكُمۡۚ وَٱللَّهُ يَعۡلَمُ وَأَنتُمۡ لَا تَعۡلَمُونَ 216﴾:

أخبَرَ جل وعلا رسوله ﷺ وعباده المؤمنين أنه فرَضَ عليهم قتالَ الكفَّار والمشركين، وهو يعلم أن القتال مكروهٌ لهم؛ لمشقَّته وكثرة مخاطره، ثم أخبر أن ما يكرهونه قد يكون فيه الخير، وما يحبُّونه قد يكون فيه الشر، والله يعلم ما فيه صلاحُكم وفلاحُكم -أيها الناس- وأنتم لا تعلمون؛ فيجب عليكم التسليمُ لله تعالى في كل ما شرَعَهُ لكم، والمبادَرةُ إلى تنفيذه.

[217] ﴿يَسۡـَٔلُونَكَ عَنِ ٱلشَّهۡرِ ٱلۡحَرَامِ قِتَالٖ فِيهِۖ قُلۡ قِتَالٞ فِيهِ كَبِيرٞۚ وَصَدٌّ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ وَكُفۡرُۢ بِهِۦ وَٱلۡمَسۡجِدِ ٱلۡحَرَامِ وَإِخۡرَاجُ أَهۡلِهِۦ مِنۡهُ أَكۡبَرُ عِندَ ٱللَّهِۚ وَٱلۡفِتۡنَةُ أَكۡبَرُ مِنَ ٱلۡقَتۡلِۗ وَلَا يَزَالُونَ يُقَٰتِلُونَكُمۡ حَتَّىٰ يَرُدُّوكُمۡ عَن دِينِكُمۡ إِنِ ٱسۡتَطَٰعُواْۚ وَمَن يَرۡتَدِدۡ مِنكُمۡ عَن دِينِهِۦ فَيَمُتۡ وَهُوَ كَافِرٞ فَأُوْلَٰٓئِكَ حَبِطَتۡ أَعۡمَٰلُهُمۡ فِي ٱلدُّنۡيَا وَٱلۡأٓخِرَةِۖ وَأُوْلَٰٓئِكَ أَصۡحَٰبُ ٱلنَّارِۖ هُمۡ فِيهَا خَٰلِدُونَ 217﴾:

ثم أخبَرَ سبحانه أن المشركين سألوا النبي ﷺ عن الشهر الحرام؛ هل يجوز القتال فيه؟ وكان سؤالهم عن الأشهُر الأربعة التي حُرِّمَ فيها القتال، والمذكورةِ في قوله تعالى: ﴿إِنَّ عِدَّةَ ٱلشُّهُورِ عِندَ ٱللَّهِ ٱثۡنَا عَشَرَ شَهۡرٗا فِي كِتَٰبِ ٱللَّهِ يَوۡمَ خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضَ مِنۡهَآ أَرۡبَعَةٌ حُرُمٞۚ ﴾ [التوبة:٣٦]، فأمَرَ جل وعلا نبيه ﷺ أن يقول لهم: اعلموا -أيها الكفار- أن القتال وسَفْك الدماء في الشهر الحرام، محرَّمٌ، وإثمه عظيم، ولكنْ مَنْعُ الناس من الإسلام، ودعوتُهم للكفر بالله، ومنعُهم من دخول المسجد الحرام، وإخراجُ النبي وأصحابه منه؛ كلُّ هذا أعظم إثمًا عند الله من القتال في الشهر الحرام.

واعلموا: أن شركَ المشركينَ في الحرَمِ وإرغامَ المسلمين على ترك دينهم، أعظمُ عند الله إثمًا من انتهاك حُرْمة الأشهر الحُرُم.

ثم اعلموا -أيها المسلمون- أن الكفار سوف يستمرُّون في قتالكم حتى يرُدُّوكم عن دينكم إلى الكفر إن استطاعوا إلى ذلك سبيلًا؛ فمن يُطِعْهم ويرتدَّ عن دينه ويَمُتْ على الكفر، فأولئك ذهبت أعمالهم هباءً في الدنيا والآخرة، وصاروا من أصحاب النار خالدين مخلَّدين فيها.

وهذه الأربعةُ الأشهُرِ جعلها الله رحمةً لعباده؛ حيث إن الثارات والغارات كانت من عادات القبائل والعشائر طَوَالَ أيام السَّنَة، ففرَضَ الله هذه الأشهُرَ الحُرُمَ رحمةً بعباده؛ لكي يضعوا فيها السلاح، ويلتزموا بالسلام والأمان، ويترُكُوا هجومَ بعضهم على بعض، واستمَرَّ هذا في أول الإسلام، ثم دانت أكثر الأمم بالإسلام، وأصبَحَ الذي يحكُمُ بالدماء هم القضاةَ الشرعيِّين، وأصبحت السَّنَةُ كلُّها أشهُرًا حُرُمًا لا يَقتَصُّ أحدٌ لنفسه؛ لأن الحكم في ذلك يعود لشرع الله، وللحُكَّام القائمين به.

[218] ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَٱلَّذِينَ هَاجَرُواْ وَجَٰهَدُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ أُوْلَٰٓئِكَ يَرۡجُونَ رَحۡمَتَ ٱللَّهِۚ وَٱللَّهُ غَفُورٞ رَّحِيمٞ 218﴾:

ثم أخبَرَ جل وعلا أن الذين آمنوا بالله ورسوله، والذين ترَكوا بلادَهم وهاجروا وجاهدوا في سبيل الله؛ أولئك يَطمَعُونَ في رحمة الله التي تُدخِلُهم الجنة، والله عظيمُ المغفرة، واسعُ الرحمة.

[219] ﴿يَسۡـَٔلُونَكَ عَنِ ٱلۡخَمۡرِ وَٱلۡمَيۡسِرِۖ قُلۡ فِيهِمَآ إِثۡمٞ كَبِيرٞ وَمَنَٰفِعُ لِلنَّاسِ وَإِثۡمُهُمَآ أَكۡبَرُ مِن نَّفۡعِهِمَاۗ وَيَسۡـَٔلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَۖ قُلِ ٱلۡعَفۡوَۗ كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ ٱللَّهُ لَكُمُ ٱلۡأٓيَٰتِ لَعَلَّكُمۡ تَتَفَكَّرُونَ 219﴾:

ثم أخبَرَ سبحانه وتعالى أنهم سألوا النبي ﷺ عن حكم شُرْب الخمر وشرائه وبَيْعه، وعن حكم المَيْسِر، وهو القِمَارُ بكل أنواعه؛ والخمرُ: هي كل ما خامر العقل، وهو السُّكْرُ، والقِمَارُ: هو جميعُ المغالَباتِ التي تَتِمُّ بعِوَضٍ بين الطرفَيْن؛ فأمَرَهُ جل وعلا أن يقول لهم: اعلموا -أيها الناس- أن في الخمر والمَيْسِر أضرارًا ومفاسدَ كثيرةً في الدِّين والدنيا، وليس فيهما منافع إلا شيئًا يسيرًا من جهة كسب الأموال وغيرها، وهو لا يعادل شيئًا مقابِلَ مضارِّهما الكبيرة.

ثم سألوا النبي ﷺ: ماذا ينفقون؟ فأمَرَهُ الله أن يقول لهم: أنفِقوا من أموالكم ما كان زائدًا عن الحاجة الضرورية.

واعلموا: أنه بمِثْلِ هذا البيان الشافي الكافي يبيِّن الله لكم الآيات والدلالات الواضحات على شرعه؛ لكي تستعملوا -أيها الناس- تفكُّركم فيما ينفعكم في الدنيا والآخرة.

وذكر ابن تيمية عن بعض السلف أنه قال: من ‌زوج كريمته من فاجر فقد قطع رحمها [3]. [3] ينظر: مجموع الفتاوى (32/ 61، 120).

وقال الشاعر عن الخمر:

أَرَى كُلَّ قَوْمٍ يَحْفَظُونَ حَرِيمَهُمْ

وَلَيْسَ لِأَصْحَابِ النَّبِيذِ حَرِيمُ

والنبيذُ هنا المقصودُ به: الخَمْرُ.

[220] ﴿فِي ٱلدُّنۡيَا وَٱلۡأٓخِرَةِۗ وَيَسۡـَٔلُونَكَ عَنِ ٱلۡيَتَٰمَىٰۖ قُلۡ إِصۡلَاحٞ لَّهُمۡ خَيۡرٞۖ وَإِن تُخَالِطُوهُمۡ فَإِخۡوَٰنُكُمۡۚ وَٱللَّهُ يَعۡلَمُ ٱلۡمُفۡسِدَ مِنَ ٱلۡمُصۡلِحِۚ وَلَوۡ شَآءَ ٱللَّهُ لَأَعۡنَتَكُمۡۚ إِنَّ ٱللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٞ 220﴾:

ثم سألوا النبي ﷺ عن اليتامى الذين مات آباؤهم وهم دون سن البلوغ، فأمَرَ جل وعلا نبيَّه ﷺ أن يُخبِرهم أن المهم هو إصلاح أموالهم بحفظها وتنميتها، وإنْ خلَطْتم أموالهم إلى أموالكم، مع عدم الإضرار بمال اليتيم، فأنتم إخوان لهم في الدين، والله يعلم من يريد إفساد مال اليتيم ممن يريد إصلاحه، ولو أراد الله، لضيَّق عليكم بتحريم المخالطة، ولكنْ يسَّر الله عليكم؛ فلتحرصوا على الأمانة، وعلى تنميتها كما تُنَمُّونَ أموالكم. واعلموا: أن الله عزيزٌ في ملكه، حكيمٌ في خَلْقه وأمره؛ لا يفعل ولا يأمر إلا ما هو مقتضى حكمته سبحانه وتعالى.

[221] ﴿وَلَا تَنكِحُواْ ٱلۡمُشۡرِكَٰتِ حَتَّىٰ يُؤۡمِنَّۚ وَلَأَمَةٞ مُّؤۡمِنَةٌ خَيۡرٞ مِّن مُّشۡرِكَةٖ وَلَوۡ أَعۡجَبَتۡكُمۡۗ وَلَا تُنكِحُواْ ٱلۡمُشۡرِكِينَ حَتَّىٰ يُؤۡمِنُواْۚ وَلَعَبۡدٞ مُّؤۡمِنٌ خَيۡرٞ مِّن مُّشۡرِكٖ وَلَوۡ أَعۡجَبَكُمۡۗ أُوْلَٰٓئِكَ يَدۡعُونَ إِلَى ٱلنَّارِۖ وَٱللَّهُ يَدۡعُوٓاْ إِلَى ٱلۡجَنَّةِ وَٱلۡمَغۡفِرَةِ بِإِذۡنِهِۦۖ وَيُبَيِّنُ ءَايَٰتِهِۦ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمۡ يَتَذَكَّرُونَ 221﴾:

ثم نهى جل وعلا المؤمنين أن يتزوَّجوا من النساء المشرِكات حتى يدخُلْنَ في الإسلام، وبيَّن أن الزواج من الأَمَة المسلمة خيرٌ من هذه المشرِكة، ولو كانت هذه المشرِكةُ ذاتَ مالٍ وجمال، وحسَبٍ ونسَب. وقد استثنى سبحانه من ذلك نساء اليهود والنصارى العفيفات الطاهرات؛ فإنه يجوز التزوُّج منهنَّ، ثم نهى المؤمنين أن يزوِّجوا بناتهم المؤمنات للمشركين، وبيَّن أن تزويج المؤمنة لعبدٍ مسلمٍ فقيرٍ خيرٌ من تزويجها لمشرِك، ولو كان هذا المشرِك ذا مال وحسَب ونسَب؛ لأن المشركين يَدْعُونَ كل من يعاشرهم ويخالطهم إلى النار، وإلى كل سبب يُدخِلُ النار، والله سبحانه وتعالى يدعو إلى مغفرة الذنوب، وإلى الجنةِ وإلى كل سببٍ يُدخِلُ الجنة، والله يبيِّن لكم -أيها الناس- آياته؛ لكي تتذكَّروا فتعتبروا؛ فتعملوا بما دلَّت عليه هذه الآيات.

[222] ﴿وَيَسۡـَٔلُونَكَ عَنِ ٱلۡمَحِيضِۖ قُلۡ هُوَ أَذٗى فَٱعۡتَزِلُواْ ٱلنِّسَآءَ فِي ٱلۡمَحِيضِ وَلَا تَقۡرَبُوهُنَّ حَتَّىٰ يَطۡهُرۡنَۖ فَإِذَا تَطَهَّرۡنَ فَأۡتُوهُنَّ مِنۡ حَيۡثُ أَمَرَكُمُ ٱللَّهُۚ إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلتَّوَّٰبِينَ وَيُحِبُّ ٱلۡمُتَطَهِّرِينَ 222﴾:

ثم سأل الصحابةُ النبيَّ ﷺ عن الحَيْضِ الذي هو: دمٌ يسيل من رَحِمِ المرأة في أوقات مخصوصة؛ فأمَرَ جل وعلا نبيه ﷺ أن يقول لهم: اعلموا -أيها الناس- أن الحَيْض أذًى، وهو مضرٌّ؛ فعليكم اعتزالَ النساء وعدَمَ مجامعتهِنَّ أثناء فترة الحيض، وعليكم ألَّا تجامعوهُنَّ حتى ينقطع دم الحيض، ثم يتطهَّرْنَ؛ فإذا طَهُرَتِ المرأة واغتسلت، فجامعوها مِن حيثُ أمَرَكم الله، وهو في القُبُل. واعلموا: أن الله يحبُّ التوَّابين من ذنوبهم، ويحبُّ المتنزِّهين عن الفواحش والأقذار.

[223] ﴿نِسَآؤُكُمۡ حَرۡثٞ لَّكُمۡ فَأۡتُواْ حَرۡثَكُمۡ أَنَّىٰ شِئۡتُمۡۖ وَقَدِّمُواْ لِأَنفُسِكُمۡۚ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَٱعۡلَمُوٓاْ أَنَّكُم مُّلَٰقُوهُۗ وَبَشِّرِ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ 223﴾:

يقول جل وعلا: إن زوجاتكم هنَّ موضع إنجاب أولادكم؛ فجامعوهنَّ كيفما تريدون مُقبِلاتٍ أو مُدبِراتٍ؛ بشرط أن يكون في القُبُلِ -أي: الفَرْج- لأنه محلُّ الحَرْثِ الذي يحصُلُ منه الولد، وقدِّموا لأنفسكم من الخير الذي ينفعكم عند الله عز وجل، ومِن ذلك: أن تكون نيَّته عند جماع امرأته تحصينَ فَرْجِهِ وفرجِ امرأتِهِ، وطلَبَ الولد الصالح، وعليكم بتقوى الله في اجتناب ما نهاكم عنه؛ فإنكم غدًا ملاقوه، ومحاسَبون على أعمالكم، وبشِّر -أيها النبي- المؤمنين الذين آمنوا بالله ورسوله بما يُفرِحُهم ويسُرُّهم مما أعدَّ الله لهم يوم القيامة من النعيم المقيم، في جنات ربِّ العالمين. وهذه الآية دليلٌ على تحريمِ الوَطْءِ في الدُّبُر؛ كما دلت كثير من الأحاديث على تحريم جماع المرأة في دُبُرها.

[224] ﴿وَلَا تَجۡعَلُواْ ٱللَّهَ عُرۡضَةٗ لِّأَيۡمَٰنِكُمۡ أَن تَبَرُّواْ وَتَتَّقُواْ وَتُصۡلِحُواْ بَيۡنَ ٱلنَّاسِۚ وَٱللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٞ 224﴾:

ثم حذَّر سبحانه المسلمين أن يجعلوا اليمين بالله مانعًا لهم عن فعل الخير والعمل الصالح، والتقوى والإصلاح بين الناس، فإذا طلب أحدٌ منك عمل خير، فلا تمتنع بحجة أنك أقسَمْتَ أو حلَفْتَ ألَّا تفعل كذا وكذا.

واعلموا -أيها الناس- أن الله يسمع أقوالكم، ويعلم أعمالكم وأحوالكم، وهو بكل شيء عليم.

ولقد حدَّثني أحد أصدقائي، فقال: (إنه كان بحاجة إلى مبلغ من المال، فطلب من ابنه أن يُقرِضَهُ هذا المبلغ، فردَّ الابن قائلًا: واللهِ، إنني حلَفْتُ يمينًا ألَّا أُقرِضَ أحدًا)؛ فسبحان الله! ألم يكن الأولى به أن يكفِّرَ عن يمينه، ويأتيَ الذي هو خيرٌ، ويَبَرَّ أباه؟!

وهذه اليمين المذكورة في هذه الآية هي التي تكون عن المستقبل، وهي التي فيها الكفارة.

أما إذا كان الحالف جاهلًا بالواقع، ويرى أنه صادق، فلا كفَّارة عليه، وهو ما يُسمَّى باللغو عند الإمام أبي حنيفة.

أما اليمين عن الماضي، فإنْ كان المقسِمُ كاذبًا، فهي التي تُسمَّى باليمين الغَمُوس، ولا كفَّارة فيها عند أبي حنيفة، وعند الشافعي: تجب فيها الكفارة، وعند الجمهور: لا كفَّارة فيها إلا التوبةُ، وطلَبُ المغفرة من الله، ورَدُّ المظالم إلى أهلها.

[225] ﴿لَّا يُؤَاخِذُكُمُ ٱللَّهُ بِٱللَّغۡوِ فِيٓ أَيۡمَٰنِكُمۡ وَلَٰكِن يُؤَاخِذُكُم بِمَا كَسَبَتۡ قُلُوبُكُمۡۗ وَٱللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٞ 225﴾:

أخبَرَ جل وعلا أنه لا يعاقبكم بما يجري على ألسنتكم من أَيْمانٍ بغير قصد، ولكنْ يعاقبكم بما تقصدونه من تلك الأيمان، إذا حَنَثْتُم فيها ولم تكفِّروا عنها.

واعلموا: أن الله غفورٌ لمن تاب وأناب ورجع عن خطئه من عباده، حليمٌ حيثُ لم يعاجِلْهم بالعقوبة؛ فيصفح ويستر مع قدرته.

[226] ﴿لِّلَّذِينَ يُؤۡلُونَ مِن نِّسَآئِهِمۡ تَرَبُّصُ أَرۡبَعَةِ أَشۡهُرٖۖ فَإِن فَآءُو فَإِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٞ رَّحِيمٞ 226﴾:

ثم بيَّن جل وعلا أن للذين حلفوا ألَّا يجامعوا زوجاتهم أبدًا للإضرار بهنَّ: أن يُعْطَوْا مهلة أربعة أشهر؛ فإنْ كفَّر أحدهم عن يمينه وجامع زوجته، بَقِيَتْ عنده وحلَّت له، وإنْ لم يفعل، أجبره القاضي أن يطلِّقها.

واعلموا: أن الله غفورٌ لما وقع منكم من الأيمان، رحيمٌ بكم؛ حيث جعَلَ لأيمانكم كفَّارةً وتَحِلَّةً.

[227] ﴿وَإِنۡ عَزَمُواْ ٱلطَّلَٰقَ فَإِنَّ ٱللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٞ 227﴾:

ثم أخبَرَ سبحانه أنه إذا أصرَّ الزوجُ على حَلِفِه، وهَجْرِه لزوجته، ورفَضَ أن يجامعها، وأصرَّ على موقفه، ففي هذه الحال: إما أن يطلِّقها، أو يقومَ القاضي بتطليقها، واعلموا -أيها الناس- أن الله سميعٌ لأقوالكم، عليمٌ بأحوالكم؛ يعلم السرَّ وأخفى.

[228] ﴿وَٱلۡمُطَلَّقَٰتُ يَتَرَبَّصۡنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلَٰثَةَ قُرُوٓءٖۚ وَلَا يَحِلُّ لَهُنَّ أَن يَكۡتُمۡنَ مَا خَلَقَ ٱللَّهُ فِيٓ أَرۡحَامِهِنَّ إِن كُنَّ يُؤۡمِنَّ بِٱللَّهِ وَٱلۡيَوۡمِ ٱلۡأٓخِرِۚ وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَٰلِكَ إِنۡ أَرَادُوٓاْ إِصۡلَٰحٗاۚ وَلَهُنَّ مِثۡلُ ٱلَّذِي عَلَيۡهِنَّ بِٱلۡمَعۡرُوفِۚ وَلِلرِّجَالِ عَلَيۡهِنَّ دَرَجَةٞۗ وَٱللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ 228﴾:

ثم أمَرَ جل وعلا المطلَّقة أن تنتظِرَ ثلاثَ حَيْضات بعد طلاقها؛ لضمان استبراء الرَّحِم، وإذا كانت لا تحيض، فإنها تنتظر ثلاثةَ أشهر، وهذه هي عِدَّةُ المرأة التي دخل بها زوجها، ولا يحل لها أن تكتم ما خلق الله في رَحِمها -سواءٌ كان حملًا، أو حيضًا- لتُبطِلَ حق الزوج من الولد والرجعة؛ إن كانت تؤمن بالله ورسوله واليوم الآخر يوم الجزاء والحساب.

واعلموا: أن للزوج الحقَّ في أن يَرجِعَ زوجته قبل انتهاء العِدَّة؛ إن كان يريد المعاشرة الحسنة، وليعلم الزوجان: أن لكل منهما حقوقًا على الآخر، وأن للزوج على الزوجة رتبةً ومنزلةً أعلى بحكم الإنفاقِ والقِوَامة، والله عزيزٌ له العزة القاهرة، والسلطان العظيم، حكيمٌ يضع الأمور في موضعها المناسب.

[229] ﴿ٱلطَّلَٰقُ مَرَّتَانِۖ فَإِمۡسَاكُۢ بِمَعۡرُوفٍ أَوۡ تَسۡرِيحُۢ بِإِحۡسَٰنٖۗ وَلَا يَحِلُّ لَكُمۡ أَن تَأۡخُذُواْ مِمَّآ ءَاتَيۡتُمُوهُنَّ شَيۡـًٔا إِلَّآ أَن يَخَافَآ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ ٱللَّهِۖ فَإِنۡ خِفۡتُمۡ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ ٱللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيۡهِمَا فِيمَا ٱفۡتَدَتۡ بِهِۦۗ تِلۡكَ حُدُودُ ٱللَّهِ فَلَا تَعۡتَدُوهَاۚ وَمَن يَتَعَدَّ حُدُودَ ٱللَّهِ فَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلظَّٰلِمُونَ 229﴾:

واعلموا أن الطلاق الصحيح الذي يملكه الزوج هو طَلْقتانِ فقطْ، يمكن للزوج أن يراجع زوجته فيهما؛ فمَن وقعت منه الطلقة الأولى أو الثانية، فله أن يراجعَ زوجته، ويُحسِنَ معاشرتها، أو أن يطلِّقها بلا ظلمٍ ولا عدوان، ولا يحل للزوج أن يأخذ شيئًا من مهرها إذا طلَّقها، إلا عن طريق الخُلْع، فإذا عرَفْتم أنه لا يمكن الإصلاح بين الزوجين، وعلمتم عدم قدرتهما على القيام بالحقوق الزوجية، فإنه -والحال هذه- يجوز للمرأة أن تَفدِيَ نفسها بمخالعة زوجها بمقابِلٍ ماليٍّ لكي يطلِّقها، واعلموا: أن هذه الأحكام هي أوامر الله؛ فلا تتجاوزوها؛ فإن الذين يتجاوزونها، فأولئك هم الظالمون لأنفسهم.

[230] ﴿فَإِن طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُۥ مِنۢ بَعۡدُ حَتَّىٰ تَنكِحَ زَوۡجًا غَيۡرَهُۥۗ فَإِن طَلَّقَهَا فَلَا جُنَاحَ عَلَيۡهِمَآ أَن يَتَرَاجَعَآ إِن ظَنَّآ أَن يُقِيمَا حُدُودَ ٱللَّهِۗ وَتِلۡكَ حُدُودُ ٱللَّهِ يُبَيِّنُهَا لِقَوۡمٖ يَعۡلَمُونَ 230﴾:

واعلم -أيها الزوج- أنك إذا طلَّقتَ امرأتك الطلقة الثالثة، فإنها لا تحل لك حتى تتزوَّج رجلًا آخر، فإن طلقها الزوج الثاني، وانتهت عِدَّتُها منه، فلا مانع أن يعود الزوج الأول فيتزوَّجها، ولكنْ بعقد وصداق جديدَيْن؛ بشرط أن يغلب على ظنِّهما أنهما سيقيمان حدود الله وأوامره.

واعلموا: أن تلك أحكام الله العادلة يبيِّنها لقوم يعلمون الحق، ويعملون به.

[231] ﴿وَإِذَا طَلَّقۡتُمُ ٱلنِّسَآءَ فَبَلَغۡنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمۡسِكُوهُنَّ بِمَعۡرُوفٍ أَوۡ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعۡرُوفٖۚ وَلَا تُمۡسِكُوهُنَّ ضِرَارٗا لِّتَعۡتَدُواْۚ وَمَن يَفۡعَلۡ ذَٰلِكَ فَقَدۡ ظَلَمَ نَفۡسَهُۥۚ وَلَا تَتَّخِذُوٓاْ ءَايَٰتِ ٱللَّهِ هُزُوٗاۚ وَٱذۡكُرُواْ نِعۡمَتَ ٱللَّهِ عَلَيۡكُمۡ وَمَآ أَنزَلَ عَلَيۡكُم مِّنَ ٱلۡكِتَٰبِ وَٱلۡحِكۡمَةِ يَعِظُكُم بِهِۦۚ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَٱعۡلَمُوٓاْ أَنَّ ٱللَّهَ بِكُلِّ شَيۡءٍ عَلِيمٞ 231﴾:

هذا أمرٌ من الله جل وعلا لعباده المؤمنين؛ يقول سبحانه: إذا طلَّق أحدكم امرأته الطلقة الأولى أو الثانية، ثم قاربت الانتهاء من عِدَّتها، فإما أن يراجِعَها ويعاشرها بالمعروف، أو يترُكَها حتى تنقضي عدَّتها، ويحرُمُ عليكم أن تراجعوها بنية الإضرار بها والاعتداء على حقوقها، وإنَّ مَن يفعل ذلك، فقد ظلم نَفْسه؛ لأنه عرَّضها للعقاب.

واحذروا -أيها الناس- أن تتَّخذوا آيات الله لعبًا بعدم الامتثال لها، واذكُرُوا نعمة الإسلام عليكم، وما أُنزِلَ عليكم من القرآن والسُّنَّة التي فيها الخير والنصح والإرشاد لكم، وخافوا الله وراقبوه؛ فإنه بكل شيء عليم؛ يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور.

[232] ﴿وَإِذَا طَلَّقۡتُمُ ٱلنِّسَآءَ فَبَلَغۡنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا تَعۡضُلُوهُنَّ أَن يَنكِحۡنَ أَزۡوَٰجَهُنَّ إِذَا تَرَٰضَوۡاْ بَيۡنَهُم بِٱلۡمَعۡرُوفِۗ ذَٰلِكَ يُوعَظُ بِهِۦ مَن كَانَ مِنكُمۡ يُؤۡمِنُ بِٱللَّهِ وَٱلۡيَوۡمِ ٱلۡأٓخِرِۗ ذَٰلِكُمۡ أَزۡكَىٰ لَكُمۡ وَأَطۡهَرُۚ وَٱللَّهُ يَعۡلَمُ وَأَنتُمۡ لَا تَعۡلَمُونَ 232﴾:

ثم أمَرَ جل وعلا الأولياء ألَّا يمنعوا المرأة من العودة إلى زوجها الذي طلَّقها دون الثلاث، وقد انقضت عِدَّتُها، وعلموا أنهم قد تراضَوْا بينهم؛ بشرط أن يكون ذلك بعَقْد وصداق جديدَيْن، وهذا الحكم والتوجيه يتَّعظ به مَن كان يؤمن منكم بالله واليوم الآخر، واعلموا: أن عودةَ المطلَّقة لزوجها، وعدم منعِها منه والتضييقِ عليها، خيرٌ لكم وأطهر مِن الإصرارِ على عضلِها أنفةً وكبرًا، بسببِ طلاقِه الأولِ. والله يعلم ما يصلُحُ لكم -أيها الناس- وأنتم لا تعلمون؛ ومِن ذلك: أن كلًّا منهما قد علم القصور الذي عند الآخر، وقرَّر عدم المؤاخذة عليه.

[233] ﴿وَٱلۡوَٰلِدَٰتُ يُرۡضِعۡنَ أَوۡلَٰدَهُنَّ حَوۡلَيۡنِ كَامِلَيۡنِۖ لِمَنۡ أَرَادَ أَن يُتِمَّ ٱلرَّضَاعَةَۚ وَعَلَى ٱلۡمَوۡلُودِ لَهُۥ رِزۡقُهُنَّ وَكِسۡوَتُهُنَّ بِٱلۡمَعۡرُوفِۚ لَا تُكَلَّفُ نَفۡسٌ إِلَّا وُسۡعَهَاۚ لَا تُضَآرَّ وَٰلِدَةُۢ بِوَلَدِهَا وَلَا مَوۡلُودٞ لَّهُۥ بِوَلَدِهِۦۚ وَعَلَى ٱلۡوَارِثِ مِثۡلُ ذَٰلِكَۗ فَإِنۡ أَرَادَا فِصَالًا عَن تَرَاضٖ مِّنۡهُمَا وَتَشَاوُرٖ فَلَا جُنَاحَ عَلَيۡهِمَاۗ وَإِنۡ أَرَدتُّمۡ أَن تَسۡتَرۡضِعُوٓاْ أَوۡلَٰدَكُمۡ فَلَا جُنَاحَ عَلَيۡكُمۡ إِذَا سَلَّمۡتُم مَّآ ءَاتَيۡتُم بِٱلۡمَعۡرُوفِۗ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَٱعۡلَمُوٓاْ أَنَّ ٱللَّهَ بِمَا تَعۡمَلُونَ بَصِيرٞ 233﴾:

أخبَرَ جل وعلا أنه يجب على الوالدة المرضعة المطلَّقة أن تُرضِعَ ولدها عامَيْنِ كاملَيْن؛ إذا أراد الوالدان إتمام الرضاعة، ويجب على الآباء النفقةُ على الأم المرضعة بحسَب حالهم من الغنى والفقر؛ فإن الله لا يكلِّف نفسًا إلا وُسْعها، ولا يحل للأب أن يُضِرَّ بالأم بسبب ولدها؛ بأن تُمنَعَ من الرضاعة، أو لا تُعطَى ما يجب لها من النفقة، وكذلك لا يحل للأم أن تمتنِعَ من إرضاع ولدها فيتضرَّر، أو تطلُبَ زيادة في النفقة على الواجب المعروف، وإذا كان والد الطفل ميتًا، فيجب على وارثه ما يجب على مورِّثه من النفقة والكسوة.

فإذا أراد الوالدان بالتراضي والتشاور بينهما فِطَامَ الطفل قبل انتهاء السنتَيْن، فلا حرج في ذلك، وإذا اتفق الوالدان أن يستخدما مَن تُرضِعُ الطفل غير أمه، فلهم ذلك؛ بشرط أن تُعطَى الأم حقها، وتُعطَى المرضِعة الأجرة المتفق عليها.

وخافوا الله -أيها الناس- وراقبوه في جميع أحوالكم؛ فإنه بصيرٌ بما تعملون، وسيجازيكم على جميع أعمالكم.

[234] ﴿وَٱلَّذِينَ يُتَوَفَّوۡنَ مِنكُمۡ وَيَذَرُونَ أَزۡوَٰجٗا يَتَرَبَّصۡنَ بِأَنفُسِهِنَّ أَرۡبَعَةَ أَشۡهُرٖ وَعَشۡرٗاۖ فَإِذَا بَلَغۡنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيۡكُمۡ فِيمَا فَعَلۡنَ فِيٓ أَنفُسِهِنَّ بِٱلۡمَعۡرُوفِۗ وَٱللَّهُ بِمَا تَعۡمَلُونَ خَبِيرٞ 234﴾:

بيَّن جل وعلا أن الرجل إذا مات، وكان عنده زوجة أو زوجات، وجب عليهنَّ العدَّة، وهي: أن ينتظِرْنَ أربعةَ أشهرٍ وعشَرةَ أيام؛ وذلك لأمرين:

الأول: تقديرًا واحترامًا لزوجها المتوفَّى.

والثاني: ليتبيَّنَ إن كانت حاملًا أو لا.

وليس لها في هذه المدَّة أن تخرُجَ من منزل زوجها إلا لضرورة، وتكون نفقتها من التَّرِكة، وليس لها أن تتجمَّلَ أو تتعرَّضَ للخُطَّاب، فإذا انتهت المدَّة المقرَّرة شرعًا، فلا إثم عليها من التزيُّن والخروج والتزوُّج ونحو ذلك؛ كما شرع الله، واعلموا: أن الله بما تعملون خبيرٌ؛ فاحذروه، ولا تخالفوا أمره.

[235] ﴿وَلَا جُنَاحَ عَلَيۡكُمۡ فِيمَا عَرَّضۡتُم بِهِۦ مِنۡ خِطۡبَةِ ٱلنِّسَآءِ أَوۡ أَكۡنَنتُمۡ فِيٓ أَنفُسِكُمۡۚ عَلِمَ ٱللَّهُ أَنَّكُمۡ سَتَذۡكُرُونَهُنَّ وَلَٰكِن لَّا تُوَاعِدُوهُنَّ سِرًّا إِلَّآ أَن تَقُولُواْ قَوۡلٗا مَّعۡرُوفٗاۚ وَلَا تَعۡزِمُواْ عُقۡدَةَ ٱلنِّكَاحِ حَتَّىٰ يَبۡلُغَ ٱلۡكِتَٰبُ أَجَلَهُۥۚ وَٱعۡلَمُوٓاْ أَنَّ ٱللَّهَ يَعۡلَمُ مَا فِيٓ أَنفُسِكُمۡ فَٱحۡذَرُوهُۚ وَٱعۡلَمُوٓاْ أَنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٞ 235﴾:

ثم أخبَرَ جل وعلا أنه لا إثم عليكم في التعريض بخِطْبة المرأة المعتدَّة من وفاةٍ أو طلاق بائن، بطريق التلميح دون التصريح قبل أن تنتهي عِدَّتها؛ كأن يقول لها: إذا انقضَتْ عِدَّتك، فأعلميني، ولا إثم أيضًا فيما أخفيتموه في أنفُسِكم من الخِطْبةِ والزواج؛ فإن الله يعلم أنكم لن تصبروا على السكوت عنهنَّ؛ لذا رخَّص لكم في التلميح أو الإضمار في النفس، واحذروا أن تتَّفقوا على الزواج في أثناء العِدَّة، إلا أن تقولوا قولًا يُفهَم منه الرغبة في الزواج كالتلميح؛ فهذا جائز، ولا يَحِلُّ لكم أن تَعزِموا عُقْدة النكاح حتى تنتهي العِدَّة.

واعلموا: أن الله مُطَّلِعٌ على أسراركم؛ فاحذروه، وأنه غفورٌ لمن تاب من ذنوبه، حليمٌ على العاصين حيث لم يعجِّل عقوبتهم.

[236] ﴿لَّا جُنَاحَ عَلَيۡكُمۡ إِن طَلَّقۡتُمُ ٱلنِّسَآءَ مَا لَمۡ تَمَسُّوهُنَّ أَوۡ تَفۡرِضُواْ لَهُنَّ فَرِيضَةٗۚ وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى ٱلۡمُوسِعِ قَدَرُهُۥ وَعَلَى ٱلۡمُقۡتِرِ قَدَرُهُۥ مَتَٰعَۢا بِٱلۡمَعۡرُوفِۖ حَقًّا عَلَى ٱلۡمُحۡسِنِينَ 236﴾:

واعلموا -أيها الأزواج- أنه لا إثم عليكم إذا طلَّقتم النساء بعد العَقْدِ عليهنَّ وقبل الخَلْوة بهنَّ، ولم تحدِّدوا لهن مهرًا؛ ففي هذه الحال: عليكم أن تمتِّعوهُنَّ بشيء من المال؛ جبرًا لهنَّ لما أصابهنَّ من ألم الطلاق، والمُتْعةُ تكون بحسَبِ الحال من الغنى والفقر، وعلى الوجه المعروف شرعًا؛ وهي حق واجب على أهل الإحسان والكرم.

أما إذا خلا الزوج بزوجته، فقد وجب لها المهر كاملًا؛ حتى لو لم يجامِعْها؛ فإن كان محدَّدًا؛ وإلا فمهرُ المِثْل.

[237] ﴿وَإِن طَلَّقۡتُمُوهُنَّ مِن قَبۡلِ أَن تَمَسُّوهُنَّ وَقَدۡ فَرَضۡتُمۡ لَهُنَّ فَرِيضَةٗ فَنِصۡفُ مَا فَرَضۡتُمۡ إِلَّآ أَن يَعۡفُونَ أَوۡ يَعۡفُوَاْ ٱلَّذِي بِيَدِهِۦ عُقۡدَةُ ٱلنِّكَاحِۚ وَأَن تَعۡفُوٓاْ أَقۡرَبُ لِلتَّقۡوَىٰۚ وَلَا تَنسَوُاْ ٱلۡفَضۡلَ بَيۡنَكُمۡۚ إِنَّ ٱللَّهَ بِمَا تَعۡمَلُونَ بَصِيرٌ 237﴾:

ثم اعلموا: أنكم إذا طلَّقتم النساء قبل أن تدخلوا بهنَّ، وقد فرَضْتُم لهنَّ مهرًا محدَّدًا، فالواجب عليكم أن تَدفَعوا لهنَّ نصف ما اتَّفقتم عليه، إلا إذا تسامَحَتِ المطلَّقة، وتنازلت عن نصفها، فلها ذلك، أو تسامَحَ الزوج عن نصفه، فترَكَ المهر كُلَّه أو جُلَّه لها.

واعلموا: أن العفو أقرب لتقوى الله وخشيته، ولا تَنْسَوُا المَوَدَّةَ والإحسان بينكم؛ فإن الله يعلم المُحسِنَ منكم من المسيء.

وفي قوله: ﴿إِلَّآ أَن يَعۡفُونَ أَوۡ يَعۡفُوَاْ ٱلَّذِي بِيَدِهِۦ عُقۡدَةُ ٱلنِّكَاحِۚ ﴾: لم يحدِّد العافيَ؛ ليعُمَّ الجميع، أي: الزوجَ أو أولياءَ الزوجة، وليحُثَّ المُوسِرينَ من الطرفَيْنِ على التخلي عن حقه للثاني.

[238] ﴿حَٰفِظُواْ عَلَى ٱلصَّلَوَٰتِ وَٱلصَّلَوٰةِ ٱلۡوُسۡطَىٰ وَقُومُواْ لِلَّهِ قَٰنِتِينَ 238﴾:

أمَرَ جل وعلا المسلمين بالمحافظة على الصلوات في أوقاتها جماعةً، وخاصَّةً صلاةَ العصر، والمحافظةُ عليها يكون بأدائها في وقتها، والإتيانِ بشروطها وأركانها، وواجباتها وسننها، وأدائها بخشوع وخضوع جماعةً؛ إن لم يكن هناك مانع.

وإذا قمتم إلى الصلاة -أيها المسلمون- فعليكم أن تقوموا لها ذاكرين خاشعين خاضعين.

وقد اختلف أهل العلم في الصلاة الوسطى، وأرجح الأقوال: أنها صلاة العصر؛ لقول الرسول ﷺ بعد انتهاء غزوة الأحزاب لمَّا توجَّه إلى الغادرين المتمالئين مع الكفَّار، قال: «حَبَسُونَا -أَوْ شَغَلُونَا- عَنِ الصَّلَاةِ الْوُسْطَى»([4])، وكانت صلاةَ العصر، وقيل: كلُّ صلاة هي وُسْطى؛ لأنها تقع بين صلاتَيْن. [4] أخرجه البخاري (2931)، ومسلم (627)، عن علي رضي الله عنه.

وقال فضيلة الشيخ محمد بن عثيمين رحمه الله: (الصلاة الوسطى، أي: الفُضْلى؛ كما في قول الله تعالى: ﴿وَكَذَٰلِكَ جَعَلۡنَٰكُمۡ أُمَّةٗ وَسَطٗا﴾ [البقرة:١٤٣]، أي: أفضلَ الأمم، وليست بمعنى: الوسَطِ بين الشيئين).

[239] ﴿فَإِنۡ خِفۡتُمۡ فَرِجَالًا أَوۡ رُكۡبَانٗاۖ فَإِذَآ أَمِنتُمۡ فَٱذۡكُرُواْ ٱللَّهَ كَمَا عَلَّمَكُم مَّا لَمۡ تَكُونُواْ تَعۡلَمُونَ 239﴾:

ثم بيَّن جل وعلا أنه إذا حصل خوف من عدوٍّ وغيره، ولم تتمكَّنوا من أداء الصلاة على الوجه المطلوب، فصلُّوا على أي هيئة تستطيعونها؛ سواءٌ كنتم ماشين على أرجلكم، أو راكبين على الخيل والإبل وغيرها، ولو لم تستقبلوا القِبْلة، فإذا زال الخوف، فأدُّوا الصلاة على الوجه المطلوب، وأكثروا من ذِكْرِ الله واشكروه على نِعْمةِ الأمن ونِعْمةِ العلم، وقد كنتم من قبلُ على جهل وفي ضلال.

[240] ﴿وَٱلَّذِينَ يُتَوَفَّوۡنَ مِنكُمۡ وَيَذَرُونَ أَزۡوَٰجٗا وَصِيَّةٗ لِّأَزۡوَٰجِهِم مَّتَٰعًا إِلَى ٱلۡحَوۡلِ غَيۡرَ إِخۡرَاجٖۚ فَإِنۡ خَرَجۡنَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيۡكُمۡ فِي مَا فَعَلۡنَ فِيٓ أَنفُسِهِنَّ مِن مَّعۡرُوفٖۗ وَٱللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٞ 240﴾:

أخبَرَ جل وعلا أنه يجب على الزوج أن يُوصِيَ قبل وفاته: أن تبقى زوجاتُهُ متمتِّعاتٍ بالسكنى والنفقة سَنَةً كاملةً في منزل زوجها، ولا يحق للورثة أن يخرجوهُنَّ مُدَّةَ السنة؛ وذلك جبرًا لخاطرهنَّ، ووفاءً للمتوفَّى، فإذا رَغِبَتِ الزوجات في الخروج قبل انتهاء المدة، فلا إثم عليكم، ولا إثم عليكم أيضًا في أن تأذنوا لهن بالتجمُّل والتزيُّن بما هو مباح من أجل الخِطْبَةِ والزواج. واعلموا: أن الله عزيزٌ في ملكه، حكيمٌ في أمره ونهيه، يضع الأمور في مواضعها اللائقة بها.

وهذه الآية قيل: إنها منسوخةٌ بقوله تعالى: ﴿وَٱلَّذِينَ يُتَوَفَّوۡنَ مِنكُمۡ وَيَذَرُونَ أَزۡوَٰجٗا يَتَرَبَّصۡنَ بِأَنفُسِهِنَّ أَرۡبَعَةَ أَشۡهُرٖ وَعَشۡرٗاۖ ﴾ [البقرة:٢٣٤]، وأن الأربعةَ الأشهرِ والعشَرةَ الأيامِ: هي الواجبة؛ والعمل على هذا عند أهل العلم.

[241] ﴿وَلِلۡمُطَلَّقَٰتِ مَتَٰعُۢ بِٱلۡمَعۡرُوفِۖ حَقًّا عَلَى ٱلۡمُتَّقِينَ 241﴾:

واعلموا: أن للمطلَّقة حقًّا على زوجها، وهو أن يمتِّعها بشيء من المال أو الكسوة ونحوها بقدر استطاعته؛ ليجبُرَ خاطرها، ويخفِّفَ ألم الطلاق عليها؛ وهذا يفعله الذين يخافون الله ويتَّقونه في كل أمورهم، وقد قال تعالى: ﴿وَلَا تَنسَوُاْ ٱلۡفَضۡلَ بَيۡنَكُمۡۚ ﴾ [البقرة:٢٣٧].

[242] ﴿كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ ٱللَّهُ لَكُمۡ ءَايَٰتِهِۦ لَعَلَّكُمۡ تَعۡقِلُونَ 242﴾:

ثم اعلموا: أن كل هذه الأحكام بيَّناها لكم؛ لكي تتعلَّموها وتَعقِلوها وتَعمَلوا بها.

[243] ﴿أَلَمۡ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ خَرَجُواْ مِن دِيَٰرِهِمۡ وَهُمۡ أُلُوفٌ حَذَرَ ٱلۡمَوۡتِ فَقَالَ لَهُمُ ٱللَّهُ مُوتُواْ ثُمَّ أَحۡيَٰهُمۡۚ إِنَّ ٱللَّهَ لَذُو فَضۡلٍ عَلَى ٱلنَّاسِ وَلَٰكِنَّ أَكۡثَرَ ٱلنَّاسِ لَا يَشۡكُرُونَ 243﴾:

ثم خاطَبَ جل وعلا نبيَّه ﷺ، فقال له: ألم تَعلَمْ -أيها النبي- بأولئك الذين فرُّوا من أرضهم وبيوتهم وهم ألوفٌ -وهم طائفة من بني إسرائيل- خوفًا من الهلاك من مرَضِ الطاعون الذي ظهَرَ بها، فأماتهم الله بكلمةٍ؛ عقوبةً لهم على فرارهم من قدَرِ الله، ثم أحياهم بكلمةٍ؛ ليبيِّن لهم أنه لا مَفَرَّ من قدَرِ الله، وأن الله على كل شيء قدير.

واعلموا: أن الله ذو فضل على الناس، ولكنَّ أكثر الناس يَجحَدونَ نعمة الله ولا يشكُرُونها.

وقد قيل: إن الذين خرجوا كان عدَدُهم عشَرةَ آلاف.

[244] ﴿وَقَٰتِلُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ وَٱعۡلَمُوٓاْ أَنَّ ٱللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٞ 244﴾:

حثَّ جل وعلا عباده المؤمنين على الجهاد في سبيله؛ لنصرةِ دِينِ الله، وإعلاءِ كلمته، وألَّا يتأخَّروا متى دُعُوا للجهاد بالنفس والمال. واعلموا: أن الله سميعٌ لأقوالكم وإن خَفَتَتْ، عليمٌ بنيَّاتكم وإخلاصكم.

[245] ﴿مَّن ذَا ٱلَّذِي يُقۡرِضُ ٱللَّهَ قَرۡضًا حَسَنٗا فَيُضَٰعِفَهُۥ لَهُۥٓ أَضۡعَافٗا كَثِيرَةٗۚ وَٱللَّهُ يَقۡبِضُ وَيَبۡصُۜطُ وَإِلَيۡهِ تُرۡجَعُونَ 245﴾:

ثم حثَّ جل وعلا عباده على الإنفاق في سبيل الله؛ لمرضاة ربِّهم، ونصرةِ دِينه، محتسبين الأجر في ذلك، وقد تعهَّد الله بأن يجازيهم بذلك أضعافًا كثيرة، وبيَّن سبحانه أن مفاتِحَ الرزقِ بيده؛ يضيِّقُ على من يشاء، ويوسِّعُ على من يشاء؛ ابتلاءً لعباده واختبارًا. واعلموا: أنكم إليه وحده تُرجَعونَ بعد الموت، فيجازيكم على أعمالكم؛ إنْ خيرًا فخيرٌ، وإنْ شرًّا فشرّ.

[246] ﴿أَلَمۡ تَرَ إِلَى ٱلۡمَلَإِ مِنۢ بَنِيٓ إِسۡرَٰٓءِيلَ مِنۢ بَعۡدِ مُوسَىٰٓ إِذۡ قَالُواْ لِنَبِيّٖ لَّهُمُ ٱبۡعَثۡ لَنَا مَلِكٗا نُّقَٰتِلۡ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِۖ قَالَ هَلۡ عَسَيۡتُمۡ إِن كُتِبَ عَلَيۡكُمُ ٱلۡقِتَالُ أَلَّا تُقَٰتِلُواْۖ قَالُواْ وَمَا لَنَآ أَلَّا نُقَٰتِلَ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ وَقَدۡ أُخۡرِجۡنَا مِن دِيَٰرِنَا وَأَبۡنَآئِنَاۖ فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيۡهِمُ ٱلۡقِتَالُ تَوَلَّوۡاْ إِلَّا قَلِيلٗا مِّنۡهُمۡۚ وَٱللَّهُ عَلِيمُۢ بِٱلظَّٰلِمِينَ 246﴾:

يقصُّ جل وعلا على نبيه ﷺ قِصَّةَ الأشراف من بني إسرائيل الذين جاؤوا بعد زمان موسى عليه السلام، فقال جل وعلا: ألم تعلم -أيها النبي- خبر القوم من بني إسرائيل الذين جاؤوا بعد موسى عليه السلام، حين طلبوا من نبيِّهم شَمْعُونَ أن يولِّيَ عليهم قائدًا مَلِكًا يجتمعون تحت رايته، ويقاتلون معه في سبيل الله، فقال لهم نبيُّهم: أخشى إن أوجب الله عليكم القتال ألَّا تقاتلوا، فقالوا: لماذا لا نقاتل في سبيل الله وقد شرَّدنا عدوُّنا من ديارنا، وفرَّقنا عن أبنائنا؟! فلما أوجَبَ الله عليهم القتال مع القائد الذي عيَّنه لهم، فرَّ أكثرهم وتركوا القتال جُبْنًا وخوفًا، ولم يصبِرْ منهم إلا فئةٌ قليلةٌ ثبتت بفضل الله، واعلموا -أيها الناس- أن الله عليمٌ بالظالمين الذين ينكُثُونَ ما عاهدوا الله عليه، وسيجازيهم على ذلك.

[247] ﴿وَقَالَ لَهُمۡ نَبِيُّهُمۡ إِنَّ ٱللَّهَ قَدۡ بَعَثَ لَكُمۡ طَالُوتَ مَلِكٗاۚ قَالُوٓاْ أَنَّىٰ يَكُونُ لَهُ ٱلۡمُلۡكُ عَلَيۡنَا وَنَحۡنُ أَحَقُّ بِٱلۡمُلۡكِ مِنۡهُ وَلَمۡ يُؤۡتَ سَعَةٗ مِّنَ ٱلۡمَالِۚ قَالَ إِنَّ ٱللَّهَ ٱصۡطَفَىٰهُ عَلَيۡكُمۡ وَزَادَهُۥ بَسۡطَةٗ فِي ٱلۡعِلۡمِ وَٱلۡجِسۡمِۖ وَٱللَّهُ يُؤۡتِي مُلۡكَهُۥ مَن يَشَآءُۚ وَٱللَّهُ وَٰسِعٌ عَلِيمٞ 247﴾:

ثم قال لهم نبيهم: إن الله قد اختار لكم طالوتَ مَلِكًا وقائدًا تقاتلون تحت رايته، فاعترَضوا كعادتهم، وقالوا: كيف يكون مَلِكًا علينا، وهو ليس أهلًا لذلك؟!

ثم علَّلوا سبب اعتراضهم، فقالوا:

أولًا: نحن أحق بالمُلْكِ منه؛ لأنه لم يكن مِن سِبْطِ يهودا، والمُلْكُ كان في سِبْطه.

ثانيًا: أنه لم يكن مِن أهل الثراءِ والغنى؛ ليستعين به على المُلْك.

فردَّ عليهم نبيُّهم، فقال: اعلموا -يا قوم- أن الله اختاره وهو أعلمُ بمَن يختار، وقد أعطاه الله سَعَةً في العلم؛ وهو رأسُ الفضائل، وقوَّةً في الجسم، وبهما تتمُّ شؤونُ الملك، واعلموا: أن الله يُعطِي المُلْكَ لمن يشاء من عباده، والله واسعُ الفضل، كثيرُ الإحسان، عليمٌ بخفايا الأمور وأسرارها، وهو أعلمُ بمَن هو أهل للمُلْكِ فيصطفيه على غيره من الخلق.

[248] ﴿وَقَالَ لَهُمۡ نَبِيُّهُمۡ إِنَّ ءَايَةَ مُلۡكِهِۦٓ أَن يَأۡتِيَكُمُ ٱلتَّابُوتُ فِيهِ سَكِينَةٞ مِّن رَّبِّكُمۡ وَبَقِيَّةٞ مِّمَّا تَرَكَ ءَالُ مُوسَىٰ وَءَالُ هَٰرُونَ تَحۡمِلُهُ ٱلۡمَلَٰٓئِكَةُۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَأٓيَةٗ لَّكُمۡ إِن كُنتُم مُّؤۡمِنِينَ 248﴾:

ثم قال لهم نبيُّهم أيضًا: إن علامة مُلْكه أن يُحضِرَ لكم الصندوق الذي استولى عليه الأعداء (العماليق)، والذي فيه التوراة، وفيه طمأنينةٌ مِن ربكم، وفيه بقايا من آثار موسى وهارون؛ مثلُ العصا والثياب، تأتي به الملائكة وتضَعُهُ بين يدَيْ طالوت.

واعلموا: أن في ذلك دليلًا وبرهانًا لكم على اختيار طالوتَ مَلِكًا عليكم بأمر من الله؛ إن كنتم تصدِّقون بالله ورسوله، وتعملون بشرعه.

[249] ﴿فَلَمَّا فَصَلَ طَالُوتُ بِٱلۡجُنُودِ قَالَ إِنَّ ٱللَّهَ مُبۡتَلِيكُم بِنَهَرٖ فَمَن شَرِبَ مِنۡهُ فَلَيۡسَ مِنِّي وَمَن لَّمۡ يَطۡعَمۡهُ فَإِنَّهُۥ مِنِّيٓ إِلَّا مَنِ ٱغۡتَرَفَ غُرۡفَةَۢ بِيَدِهِۦۚ فَشَرِبُواْ مِنۡهُ إِلَّا قَلِيلٗا مِّنۡهُمۡۚ فَلَمَّا جَاوَزَهُۥ هُوَ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ مَعَهُۥ قَالُواْ لَا طَاقَةَ لَنَا ٱلۡيَوۡمَ بِجَالُوتَ وَجُنُودِهِۦۚ قَالَ ٱلَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُم مُّلَٰقُواْ ٱللَّهِ كَم مِّن فِئَةٖ قَلِيلَةٍ غَلَبَتۡ فِئَةٗ كَثِيرَةَۢ بِإِذۡنِ ٱللَّهِۗ وَٱللَّهُ مَعَ ٱلصَّٰبِرِينَ 249﴾:

ثم أخبَرَ سبحانه أن طالوتَ لمَّا فصَلَ بالجنود لقتال العمالقة، قال لهم: إن الله مختبِرُكم بنهر سوف تمُرُّونَ عليه؛ فمَن شرب منه، فليس من جندي، ومَن لم يذُقْهُ، فإنه من جندي؛ إلا مَن اغترف غُرْفةً واحدة بيده.

وهذا من رحمة الله ولطفه بجنده: أنه أَذِنَ لمن اشتدَّ به العطش أن يبُلَّ شفتَيْهِ وحلقَهُ بحفنة من الماء.

وقوله: ﴿فَصَلَ﴾، أي: خرَجَ؛ كما قال تعالى في قصَّة يوسف عليه السلام: ﴿وَلَمَّا فَصَلَتِ ٱلۡعِيرُ﴾ [يوسف:94]، أي: ولما خرَجَتِ العِيرُ من مصر.

فلما وصلوا إلى النهر، وقد بلَغَ بهم العطشُ مبلغه، شَرِبَ أكثرهم إلا نفرًا قليلًا منهم صبروا على شدة العطش، فلما تجاوز طالوت النهر هو والقلة من المؤمنين الذين معه، ورأوا كثرةَ عدوِّهم وعُدَّتَهم، قالوا: لا طاقة لنا اليومَ بجالوت وجنوده، فردَّ أولئك الصادقون الصابرون، وقالوا: كم من مجموعة مؤمنة صابرة قليلة العدد والعدَّة غلَبَتْ مجموعة كافرة كثيرة العدد والعدَّة؛ بإذن الله وأمره وتأييده؛ فالعبرةُ في النصرِ والغلَبةِ: الإيمانُ، لا الكثرة.

واعلموا: أن الله مع الصابرين من عباده؛ يُنزِلُ عليهم السكينة، ويؤيِّدهم وينصُرُهم.

عَلَيْكَ بِالنَّفْسِ فَاحْكُمْهَا فَمَنْ مَلَكَتْ

قِيَادَهُ النَّفْسُ عَاشَ الدَّهْرَ مَخْذُولًا

وهكذا ربَطَ الله الانتصار في المعركة بالانتصار على النَّفْس، وأن مَن لم يستطع الانتصار على هواه، فإنه مغلوب، ولن ينتصِرَ في المعركة التي هي أكبر من الانتصار على النَّفْس. كما قال الشاعر:

[250] ﴿وَلَمَّا بَرَزُواْ لِجَالُوتَ وَجُنُودِهِۦ قَالُواْ رَبَّنَآ أَفۡرِغۡ عَلَيۡنَا صَبۡرٗا وَثَبِّتۡ أَقۡدَامَنَا وَٱنصُرۡنَا عَلَى ٱلۡقَوۡمِ ٱلۡكَٰفِرِينَ 250﴾:

ولمَّا صاروا في البَرازِ وهو المتَّسعُ من الأرضِ التقى الجيشان: جيشُ طالوت، وجيشُ أميرِ العمالقةِ جالوتَ، قال جيشُ طالوت: يا ربِّ، مُدَّنا بصبر من عندك، وثبِّت أقدامنا أمام عدوِّنا، وأيِّدنا بتأييدك، وانصرنا بقوَّتك على الأعداء الكافرين الجاحدين المجرمين.

[251] ﴿فَهَزَمُوهُم بِإِذۡنِ ٱللَّهِ وَقَتَلَ دَاوُۥدُ جَالُوتَ وَءَاتَىٰهُ ٱللَّهُ ٱلۡمُلۡكَ وَٱلۡحِكۡمَةَ وَعَلَّمَهُۥ مِمَّا يَشَآءُۗ وَلَوۡلَا دَفۡعُ ٱللَّهِ ٱلنَّاسَ بَعۡضَهُم بِبَعۡضٖ لَّفَسَدَتِ ٱلۡأَرۡضُ وَلَٰكِنَّ ٱللَّهَ ذُو فَضۡلٍ عَلَى ٱلۡعَٰلَمِينَ 251﴾:

ثم بيَّن جل وعلا أن جيش طالوت هزَمَ جيش جالوت؛ بإذن الله وفضله، وأن داود قتَلَ جالوت قائد الجبابرة، وحصَلَ بذلك الفتحُ والنصر؛ ولذا فقد كافأ الله داود عليه السلام، وأعطاه المُلْكَ والحكمةَ وهي النبوَّةُ في بني إسرائيل بعد ذلك، وعلَّمه مما يشاء من العلوم، ومن ذلك صنعةُ الدروع.

ثم بيَّن سبحانه أنه لولا دفعُ اللهِ بعضَ أهل الشر ببعض أهل الخير، لفسَدَتِ الأرض، وعمَّ الكفر، وتمكَّن الشر، ولكن الله -جلَّ في علاه- ذو فضل على المخلوقين جميعًا.

قال بعض المفسِّرين: (إن طالوت قال للثابتين معه: مَن يقتُلْ جالوت العدو، وهو مَلِكُ الكفار، فسوف أتنازَلُ له عن المُلْك)، وكان من بين جنود طالوت رجلٌ اسمه: داود، فباشَرَ داود القتال، فقتل جالوت، فتنازَلَ طالوتُ له عن المُلْك، فصار داود عليه السلام مَلِكًا، وآتاه الله النبوَّة، وعلَّمه مما يشاء مِن العلوم والمعارف.

[252] ﴿تِلۡكَ ءَايَٰتُ ٱللَّهِ نَتۡلُوهَا عَلَيۡكَ بِٱلۡحَقِّۚ وَإِنَّكَ لَمِنَ ٱلۡمُرۡسَلِينَ 252﴾:

واعلم -أيها النبي- أن هذه الأخبارَ والآياتِ هي حُجَجٌ وبراهينُ وأدلَّةٌ نقُصُّها عليك بالحق وحيًا يُتْلى عليك، متضمِّنًا الصدقَ في أخبارِه، والعدلَ في أحكامِه، وإنك لرسولٌ صادقٌ أمين، مرسَلٌ من عند رب العالمين، وفي هذا تقويةٌ لقلبه وتثبيتٌ لجَنانِه، وإعلاءٌ لأمرِه.

[253] ﴿تِلۡكَ ٱلرُّسُلُ فَضَّلۡنَا بَعۡضَهُمۡ عَلَىٰ بَعۡضٖۘ مِّنۡهُم مَّن كَلَّمَ ٱللَّهُۖ وَرَفَعَ بَعۡضَهُمۡ دَرَجَٰتٖۚ وَءَاتَيۡنَا عِيسَى ٱبۡنَ مَرۡيَمَ ٱلۡبَيِّنَٰتِ وَأَيَّدۡنَٰهُ بِرُوحِ ٱلۡقُدُسِۗ وَلَوۡ شَآءَ ٱللَّهُ مَا ٱقۡتَتَلَ ٱلَّذِينَ مِنۢ بَعۡدِهِم مِّنۢ بَعۡدِ مَا جَآءَتۡهُمُ ٱلۡبَيِّنَٰتُ وَلَٰكِنِ ٱخۡتَلَفُواْ فَمِنۡهُم مَّنۡ ءَامَنَ وَمِنۡهُم مَّن كَفَرَۚ وَلَوۡ شَآءَ ٱللَّهُ مَا ٱقۡتَتَلُواْ وَلَٰكِنَّ ٱللَّهَ يَفۡعَلُ مَا يُرِيدُ 253﴾:

أخبَرَ جل وعلا أنه فضَّل بعض الرسل على بعض؛ فمن هؤلاء الرسل: مَنْ كلَّم الله؛ مثل آدم وموسى ونبينا محمد عليهم السلام أجمعين، ومنهم: مَنْ رفعه الله درجات؛ كمحمد ﷺ، ثم بيَّن سبحانه أنه أعطى عيسى بن مريم عليه السلام المعجزات الباهرات؛ كإبراء الأكمه وإحياء الموتى، وأيَّده بجبريل وذلك بإعانته ومؤازرته، ورفَعَهُ سبحانه إلى السماء لما همَّ اليهود بقَتْله وصَلْبه.

ثم بيَّن سبحانه أنه لو أراد، ما اقتتَلَ الناس بعد أن جاءهم الأنبياء والرسل بالأدلة والبراهين، ولَجَمَعهم على الهدى، ولكن اقتضت حِكْمته سبحانه وتعالى أن يجعلهم مختارين؛ ولذلك اختلف أتباعهم؛ فمنهم: مَنْ ثبَتَ على إيمانه، ومنهم: مَنْ أصرَّ على كفره وضلاله، ولو أراد الله، ما اقتتَلُوا ولا وقع بينهم الاختلاف، ولكنَّ الله يفعل ما يريد في خلقه وملكه ويختار.

وهذه الآية دليلٌ على أن الصراع بين الحق والباطل باقٍ إلى قيام الساعة. وفيها: إثبات صفة الكلام لله جل وعلا على الوجه اللائق بجلاله وعظمته؛ من غير تكييف ولا تمثيل، ومن غير تحريف ولا تعطيل.

[254] ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ أَنفِقُواْ مِمَّا رَزَقۡنَٰكُم مِّن قَبۡلِ أَن يَأۡتِيَ يَوۡمٞ لَّا بَيۡعٞ فِيهِ وَلَا خُلَّةٞ وَلَا شَفَٰعَةٞۗ وَٱلۡكَٰفِرُونَ هُمُ ٱلظَّٰلِمُونَ 254﴾:

حثَّ جل وعلا عباده المؤمنين على الإنفاق في سبيل الله، وفي جميع وجوه الخير؛ ببعض ما رزَقَهم من أنواع النعم، قبل أن يأتي يومُ القيامة الذي لا بَيْعٌ فيه ولا فداءٌ ولا صداقةٌ ولا شفاعةٌ تنفعكم، واعلموا أن الكافرين الجاحدين بآيات الله هم الظالمون حقًّا المتجاوزون لحدود الله.

[255] ﴿ٱللَّهُ لَآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ ٱلۡحَيُّ ٱلۡقَيُّومُۚ لَا تَأۡخُذُهُۥ سِنَةٞ وَلَا نَوۡمٞۚ لَّهُۥ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلۡأَرۡضِۗ مَن ذَا ٱلَّذِي يَشۡفَعُ عِندَهُۥٓ إِلَّا بِإِذۡنِهِۦۚ يَعۡلَمُ مَا بَيۡنَ أَيۡدِيهِمۡ وَمَا خَلۡفَهُمۡۖ وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيۡءٖ مِّنۡ عِلۡمِهِۦٓ إِلَّا بِمَا شَآءَۚ وَسِعَ كُرۡسِيُّهُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضَۖ وَلَا يَـُٔودُهُۥ حِفۡظُهُمَاۚ وَهُوَ ٱلۡعَلِيُّ ٱلۡعَظِيمُ 255﴾:

أخبَرَ جل وعلا أنه وحده المستحِقًّ للألوهية، وهو حيٌّ دائمٌ باقٍ لا يموت ولا يفنى، وأنه قائم على تدبير الخلق وتصريف الكون، لا يأخذه النُّعَاس ولا النوم، وأنه يملك كل ما في السموات وما في الأرض، ولا يشفع أحدٌ لأحدٍ عنده إلا إذا أَذِنَ الله للشافع، ورضي عن المشفوع، وأنًّ علمه محيط بجميع الكائنات، وهو يعلم ما بين أيدي الخلائق في مستقبلهم وما خلفهم مما مضى، ولا يطَّلع أحد من الخلق على شيء من علمه إلا بما أعلمه الله وأطلعه عليه، وأنه وَسِعَ كرسيُّه السموات والأرض ولا يُثْقِلُهُ سبحانه حفظُهما، وهو العلي بذاته وصفاته، له العظمة والكبرياء.

وقوله: ﴿ٱللَّهِ﴾، هو أعظَمُ الأسماء التسعة والتسعين؛ لأنه دالٌّ على الذات الجامعة لصفات الألوهية كلها.

وقال الجمهور: (إنه الاسم الأعظم مطلقًا)، وقال آخرون: (الاسمُ الأعظم: هو الحيُّ القيوم).

وقوله: ﴿وَسِعَ كُرۡسِيُّهُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضَۖ ﴾، قال شيخنا الشيخ ابن باز رحمه الله: (الكرسيُّ: من مخلوقات الله العظيمة، والعرش الذي هو سَقْفُ العالم، ومحيطٌ بالكون كله؛ فوق الكرسي، والله جل وعلا فوق العرش، ولا يُشْبِهه شيء، ولا يُعْلَمُ من صفاته إلا ما أعلَمَ عنه الله في كتابه، أو أعلم عنه نبيه ﷺ.

وقال رحمه الله: (ولم يَضِقْ كرسيُّه لبَسْطته وسَعَته عن السموات والأرض؛ فهو محيطٌ بالسموات والأرض، والعرشُ محيطٌ بالكلِّ، قال ﷺ: «مَا السَّمَوَاتُ السَّبْعُ وَالأَرَضُونَ السَّبْعُ مِنَ الْكُرْسِيِّ إِلَّا كَحَلْقَةٍ فِي فَلَاةٍ»([1]). [1] ذكره ابن كثير في تفسيره (1/681)، والبيهقي في الأسماء والصفات (830)، عن أبي ذر رضي الله عنه، وصحَّحه الألباني في السلسلة الصحيحة (109).

وقال رحمه الله أيضًا: (وفَضْلُ العرشِ وسَعَتُهُ على الكرسيِّ كفضل تلك الفلاة على تلك الحَلْقة، والله سبحانه أعظم وأجل وأكبر).

وهذه الآية تسمى آية الكرسي، وقد أخبر ﷺ أنها أفضل آية في القرآن، وورد في فضلها أحاديث كثيرة.

[256] ﴿لَآ إِكۡرَاهَ فِي ٱلدِّينِۖ قَد تَّبَيَّنَ ٱلرُّشۡدُ مِنَ ٱلۡغَيِّۚ فَمَن يَكۡفُرۡ بِٱلطَّٰغُوتِ وَيُؤۡمِنۢ بِٱللَّهِ فَقَدِ ٱسۡتَمۡسَكَ بِٱلۡعُرۡوَةِ ٱلۡوُثۡقَىٰ لَا ٱنفِصَامَ لَهَاۗ وَٱللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ 256﴾:

نهى جل وعلا أن يُكْرَهَ على الإسلام مَنْ يدفع الجِزْية؛ لأنه قد تبيَّن الهدى من الضلال؛ فمن يكفُرْ بكل ما عُبِدَ من دون الله، ويؤمنْ بالله وحده لا شريك له، فقد استمسك بالطريقة المثلى التي لا تنقطع، واعلموا أن الله سميعٌ لأقوالكم، عليمٌ بنيَّاتكم، وسيجازي كلًّا بعمله؛ إنْ خيرًا فخيرٌ، وإنْ شرًّا فشرٌّ.

والنهي الوارد في هذه الآية نهيٌ خاصٌّ بأهل الكتب السماوية، أما المشركون والملحدون والدهريُّون، فإنهم لا تُقْبَلُ منهم الجزية؛ بل قال تعالى في حقهم: ﴿تُقَٰتِلُونَهُمۡ أَوۡ يُسۡلِمُونَۖ ﴾ [الفتح:١٦].

[257] ﴿ٱللَّهُ وَلِيُّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ يُخۡرِجُهُم مِّنَ ٱلظُّلُمَٰتِ إِلَى ٱلنُّورِۖ وَٱلَّذِينَ كَفَرُوٓاْ أَوۡلِيَآؤُهُمُ ٱلطَّٰغُوتُ يُخۡرِجُونَهُم مِّنَ ٱلنُّورِ إِلَى ٱلظُّلُمَٰتِۗ أُوْلَٰٓئِكَ أَصۡحَٰبُ ٱلنَّارِۖ هُمۡ فِيهَا خَٰلِدُونَ 257﴾:

واعلموا -أيها الناس- أن الله الذي بيده ملكوت السماوات والأرض هو وليُّ المؤمنين؛ يتولى أمورهم فيحفظهم ويرعاهم، ويُخْرِجهم من ظلمات الكفر والجهل والضلال إلى نور الإيمان والعلم والهداية، أما الذين جحدوا آيات الله وكفروا بها، فأولياؤهم وأنصارهم الشياطين من الجن والإنس؛ الذين يَسْعَوْنَ جاهدين في إخراجهم من نور الإيمان والهداية إلى ظلمات الكفر والضلال، وهؤلاء الجاحدون هم أصحاب النار خالدون فيها أَبَدَ الآبدين.

[258] ﴿أَلَمۡ تَرَ إِلَى ٱلَّذِي حَآجَّ إِبۡرَٰهِـۧمَ فِي رَبِّهِۦٓ أَنۡ ءَاتَىٰهُ ٱللَّهُ ٱلۡمُلۡكَ إِذۡ قَالَ إِبۡرَٰهِـۧمُ رَبِّيَ ٱلَّذِي يُحۡيِۦ وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا۠ أُحۡيِۦ وَأُمِيتُۖ قَالَ إِبۡرَٰهِـۧمُ فَإِنَّ ٱللَّهَ يَأۡتِي بِٱلشَّمۡسِ مِنَ ٱلۡمَشۡرِقِ فَأۡتِ بِهَا مِنَ ٱلۡمَغۡرِبِ فَبُهِتَ ٱلَّذِي كَفَرَۗ وَٱللَّهُ لَا يَهۡدِي ٱلۡقَوۡمَ ٱلظَّٰلِمِينَ 258﴾:

أخبَرَ جل وعلا عن الحوار الذي جرى بين إبراهيم عليه السلام والمَلِكِ الطاغية النُّمْرُودِ؛ فقال سبحانه لنبيه ﷺ: هل رأيت -أيها النبي- إلى جرأة هذا المَلِكِ الطاغية الذي خاصم إبراهيم عليه السلام في توحيد الله وربوبيته وعبوديته، فقد أعطيناه المُلْكَ، فطغى وتكبَّر، وغرَّه ملكه، ولم يشكُرْ ربه الذي أعطاه هذا الملك، فدعاه إبراهيم عليه السلام لتوحيد الله وربوبيته وعبوديته.

فسأل المَلِكُ الطاغية إبراهيم عليه السلام عن ربه، فأجابه عليه السلام: ربي الذي يُحْيِي ويميت.

فردَّ هذا الطاغية الجاحد، فقال: وأنا أيضًا أُحيي وأُميت؛ أَلَا ترى أنني أقتُلُ مَن شئتُ؛ فأكونَ قد أَمَتُّه، وأعفو عمن شئتُ، فأكونَ قد أحييته؟!

فقال له إبراهيم: وما دام الأمر كذلك، فأنت تعلم أن الله يأمر الشمس فتخرُجُ كل يوم من جهة المشرق، فهل تستطيع أن تغيِّر سُنَّةَ الله وتجعلها تخرُجُ من جهة المغرب؟ فتحيَّر هذا المجرم الفاجر، وانقطع عن الجدال بعد أن أفحمه إبراهيم عليه السلام.

وهذا شأن كل ظالم؛ فإن الله لا يَهْدِيهِ إلى الحق والصواب.

[259] ﴿أَوۡ كَٱلَّذِي مَرَّ عَلَىٰ قَرۡيَةٖ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَىٰ عُرُوشِهَا قَالَ أَنَّىٰ يُحۡيِۦ هَٰذِهِ ٱللَّهُ بَعۡدَ مَوۡتِهَاۖ فَأَمَاتَهُ ٱللَّهُ مِاْئَةَ عَامٖ ثُمَّ بَعَثَهُۥۖ قَالَ كَمۡ لَبِثۡتَۖ قَالَ لَبِثۡتُ يَوۡمًا أَوۡ بَعۡضَ يَوۡمٖۖ قَالَ بَل لَّبِثۡتَ مِاْئَةَ عَامٖ فَٱنظُرۡ إِلَىٰ طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمۡ يَتَسَنَّهۡۖ وَٱنظُرۡ إِلَىٰ حِمَارِكَ وَلِنَجۡعَلَكَ ءَايَةٗ لِّلنَّاسِۖ وَٱنظُرۡ إِلَى ٱلۡعِظَامِ كَيۡفَ نُنشِزُهَا ثُمَّ نَكۡسُوهَا لَحۡمٗاۚ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُۥ قَالَ أَعۡلَمُ أَنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ قَدِيرٞ 259﴾:

ثم تحدَّث جل وعلا عن رجل متعجِّب من قدرة الله تعالى؛ حيث مَرَّ على قرية قد تهدَّمت وخَرِبَتْ، فقال: كيف يحيي الله هذه القرية بعد دَمَارها وموت أهلها؟! فأماته الله مائة عام، وأمات معه حماره، ثم بعثه، وقال له: كم لَبِثْتَ ميتًا؟ فقال: لبثتُ يومًا أو بعض يوم، فقال له ربه: بل بَقِيتَ ميتًا مائة عام، ثم أمره أن ينظُرَ إلى طعامه وشرابه؛ كيف حفظه الله ولم يُفْسِده، وأمره أن ينظُرَ إلى حماره الذي مات معه؛ لكي يرى كيف ينشأُ وتُبَثُّ الحياة فيه، بعد أن كان عظامًا متفرِّقةً؟!

واعلم أن الله أراك ذلك؛ لتعلم قدرته، ولتكون دلالة ظاهرة للناس على البعث بعد الموت.

ثم أمره جل وعلا أن ينظُرَ إلى حماره ويشاهد دَرَجات تركيب جسمه؛ كيف يصل العظام بعضها ببعض، ويرفع بعضها على بعض، ثم يكسوها لحمًا، ثم ينفخ فيها الروح لتعود إليها الحياة. فلما تبيَّن له ورأى قدرة الله بعينه، اعترف بعظمته، وأنه على كل شيء قدير.

قال بعض المفسِّرين: (إن الذي مَرَّ على هذه القرية هو عُزَيْرٌ أحد أنبياء بني إسرائيل)؛ ولهذا قال اليهود -عليهم من الله ما يستحقُّون-: ﴿عُزَيۡرٌ ٱبۡنُ ٱللَّهِ﴾ [التوبة:30]؛ ولذا عبَدُوه.

[260] ﴿وَإِذۡ قَالَ إِبۡرَٰهِـۧمُ رَبِّ أَرِنِي كَيۡفَ تُحۡيِ ٱلۡمَوۡتَىٰۖ قَالَ أَوَلَمۡ تُؤۡمِنۖ قَالَ بَلَىٰ وَلَٰكِن لِّيَطۡمَئِنَّ قَلۡبِيۖ قَالَ فَخُذۡ أَرۡبَعَةٗ مِّنَ ٱلطَّيۡرِ فَصُرۡهُنَّ إِلَيۡكَ ثُمَّ ٱجۡعَلۡ عَلَىٰ كُلِّ جَبَلٖ مِّنۡهُنَّ جُزۡءٗا ثُمَّ ٱدۡعُهُنَّ يَأۡتِينَكَ سَعۡيٗاۚ وَٱعۡلَمۡ أَنَّ ٱللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٞ 260﴾:

ثم أخبَرَ جل وعلا بالحوار الذي جرى بينه وبين إبراهيم عليه السلام؛ حيث طلب إبراهيم من ربه أن يُرِيَهُ كيفية إحياء الموتى، فقال الله عز وجل: ألم تؤمن -يا إبراهيم- بأني قادر على إحياء الموتى؟!

فرد إبراهيم قائلًا: بَلَى، ولكني أرغب أن أرى ببصري كيفية الإحياء؛ لأزداد إيمانًا ويقينًا.

فأمره جل في علاه أن يأخذ أربعة من الطير فيضمَّها إليه، ثم يَذْبَحَها ويقطِّعها، ثم يَخْلِطُ بعضَها ببعضٍ، ثم يجعل على كل جبل منهنَّ قِسْمًا.

ثم أمره أن يناديها، فلما ناداها، أتَتْه مسرعة بعد أن رَدَّ الله إليها روحها، وعاد كل عضو فيها إلى أصله.

واعلم -يا إبراهيم- أن الله عزيزٌ لا يُعْجِزُهُ شيء في الأرض ولا في السماء، حكيمٌ يضع كل شيء في موضعه المناسب بحِكْمةٍ وإحسان.

قال بعض المفسِّرين: (إن إبراهيم عليه السلام لم يَشُكَّ في قدرة الله تعالى، ولكنه أراد معرفة الكيفية، ولم يكن يريد أن يزيد إيمانه). وهذا قول الأشاعرة وأغلب الفرق والطوائف؛ حيث يقولون: (إن الإيمان لا يزيد ولا ينقص)، أما أهل السنة والجماعة، فيقولون: (إن الإيمان يزيد بالطاعات، وينقص بالمعاصي).

وهذا هو الصواب الذي دلَّت عليه الأدلة الصحيحة من الكتاب والسنة.

[261] ﴿مَّثَلُ ٱلَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمۡوَٰلَهُمۡ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنۢبَتَتۡ سَبۡعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنۢبُلَةٖ مِّاْئَةُ حَبَّةٖۗ وَٱللَّهُ يُضَٰعِفُ لِمَن يَشَآءُۚ وَٱللَّهُ وَٰسِعٌ عَلِيمٌ 261﴾:

حثَّ جل وعلا عباده على الإنفاق في سبيل الله، وشبَّه سبحانه الذي ينفق ماله في سبيله، كمَنْ يزرع حبة قمح، وهذه الحبة تُنْبِتُ سبع سنابل، وفي كل سنبلة مائة حبة؛ فيكونُ الناتج من حبة واحدة فقط سبعمائة حبة.

وهكذا: فإن الذي يُنْفِقُ ماله في إعلاء كلمة الله، فإن الله يضاعف له الأجر والثواب مضاعفات كثيرة.

واعلموا أن الله واسعُ الفضلِ والكَرَم، عليمٌ بما تُكِنُّهُ صدوركم ونياتكم، وبمَن يستحقُّ الأجرَ والثواب.

[262] ﴿ٱلَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمۡوَٰلَهُمۡ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ ثُمَّ لَا يُتۡبِعُونَ مَآ أَنفَقُواْ مَنّٗا وَلَآ أَذٗى لَّهُمۡ أَجۡرُهُمۡ عِندَ رَبِّهِمۡ وَلَا خَوۡفٌ عَلَيۡهِمۡ وَلَا هُمۡ يَحۡزَنُونَ 262﴾:

ثم بشّرَ جل وعلا الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله لنصرة دينه وإعلاء كلمته، ثم لا يُتْبِعونَ صدَقاتهم بالمنِّ ولا أذية السائلين؛ فإن لهم الأجر والثواب من ربهم بحسب نفقتهم ونيتهم؛ وهؤلاء لا خوفٌ عليهم مما يَرَوْنَ يوم القيامة من الأهوال، ولا يحزنون على ما فاتهم من حطام الدنيا.

[263] ﴿قَوۡلٞ مَّعۡرُوفٞ وَمَغۡفِرَةٌ خَيۡرٞ مِّن صَدَقَةٖ يَتۡبَعُهَآ أَذٗىۗ وَٱللَّهُ غَنِيٌّ حَلِيمٞ 263﴾:

ثم أخبَرَ جل وعلا أن الكلمة الطيبة التي يُرَدُّ بها الفقير، والعَفْوَ عما بَدَرَ منه من إلحاح وغيره، خيرٌ من صدقة يتبعها أذية وكلام سيِّيء ونحوه.

واعلموا أن الله غنيٌّ عن أموالكم، حليمٌ لا يعاجل بالعقوبة من يخالف أمره.

[264] ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تُبۡطِلُواْ صَدَقَٰتِكُم بِٱلۡمَنِّ وَٱلۡأَذَىٰ كَٱلَّذِي يُنفِقُ مَالَهُۥ رِئَآءَ ٱلنَّاسِ وَلَا يُؤۡمِنُ بِٱللَّهِ وَٱلۡيَوۡمِ ٱلۡأٓخِرِۖ فَمَثَلُهُۥ كَمَثَلِ صَفۡوَانٍ عَلَيۡهِ تُرَابٞ فَأَصَابَهُۥ وَابِلٞ فَتَرَكَهُۥ صَلۡدٗاۖ لَّا يَقۡدِرُونَ عَلَىٰ شَيۡءٖ مِّمَّا كَسَبُواْۗ وَٱللَّهُ لَا يَهۡدِي ٱلۡقَوۡمَ ٱلۡكَٰفِرِينَ 264﴾:

يا أيها الذين آمنوا بالله ورسوله، وعملوا بشرعه وتصدَّقوا في سبيله، لا تضيعوا أجر صدقاتكم بالمنِّ على الفقير والمحتاج، والإساءة إليه بكلام أو فعل جارح، وتكونوا كمن ينفق ماله ليراه الناس فيُثْنُوا عليه، وهو لا يؤمن بالله ولا يؤمن بيوم القيامة.

واعلموا أن عمل هذا المرائي يشبه التراب الموجود على حجر أملس، ثم هطل عليه مطر، فأزاح التراب وترك الحجر أملس ليس للغيث أثَرٌ عليه.

وهكذا المنافق المرائي: تذهب أعماله عند الله هباء، ولا يجد ثوابًا على ما قدَّم من نفقات، والله لا يوفِّق الكفار إلى ما يُسْعِدهم ويُنْجِيهم لإصرارهم على الكفر وعدم قبول الحق؛ كما قال تعالى: ﴿ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمۡ ءَامَنُواْ ثُمَّ كَفَرُواْ فَطُبِعَ عَلَىٰ قُلُوبِهِمۡ فَهُمۡ لَا يَفۡقَهُونَ﴾ [المنافقون:٣].

[265] ﴿وَمَثَلُ ٱلَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمۡوَٰلَهُمُ ٱبۡتِغَآءَ مَرۡضَاتِ ٱللَّهِ وَتَثۡبِيتٗا مِّنۡ أَنفُسِهِمۡ كَمَثَلِ جَنَّةِۭ بِرَبۡوَةٍ أَصَابَهَا وَابِلٞ فَـَٔاتَتۡ أُكُلَهَا ضِعۡفَيۡنِ فَإِن لَّمۡ يُصِبۡهَا وَابِلٞ فَطَلّٞۗ وَٱللَّهُ بِمَا تَعۡمَلُونَ بَصِيرٌ 265﴾:

ثم أخبَرَ جل وعلا أن الذين ينفقون أموالهم ابتغاء وجه الله، وهم ثابتون مطمئنون، مَثَلُهم كَمَثِل بستان في مكان مرتفع من الأرض، أصابه مطَرٌ غزير، فأثمر ضعف إنتاجه، فإن لم يصبه مطر غزير، فيكفيه أن يصيبه الندى الخفيف، وهكذا من ينفق أمواله مريدًا بذلك وجه الله والدار الآخرة، فإنها تُقْبَلُ عند الله وتضاعف أضعافًا كثيرة، واعلموا أن الله مطَّلعٌ على أعمالكم بصيرٌ بها، وسيجازيكم عليها.

[266] ﴿أَيَوَدُّ أَحَدُكُمۡ أَن تَكُونَ لَهُۥ جَنَّةٞ مِّن نَّخِيلٖ وَأَعۡنَابٖ تَجۡرِي مِن تَحۡتِهَا ٱلۡأَنۡهَٰرُ لَهُۥ فِيهَا مِن كُلِّ ٱلثَّمَرَٰتِ وَأَصَابَهُ ٱلۡكِبَرُ وَلَهُۥ ذُرِّيَّةٞ ضُعَفَآءُ فَأَصَابَهَآ إِعۡصَارٞ فِيهِ نَارٞ فَٱحۡتَرَقَتۡۗ كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ ٱللَّهُ لَكُمُ ٱلۡأٓيَٰتِ لَعَلَّكُمۡ تَتَفَكَّرُونَ 266﴾:

ثم سأل جل في علاه عباده فقال لهم: أيحب أحدكم -أيها الناس- أن يكون له بستان مُثْمِر بالنخيل والأعناب، تجري من تحت أشجاره المياه، ويحتوي على كل أنواع الثمار، وكان صاحبُ البستان رجلًا كبيرًا في السن، وله أبناء صغار لا يقدرون على الكسب، وفي هذه الأثناء هبَّت ريح عاصف فيها نار أصابت هذا البستان فأحرقته؛ فكيف تكون حسرته وحزنه؟! وهكذا الذي ينفق أمواله رئاء الناس، يأتي يوم القيامة وقد ذهَبَتْ حسناته، وبمثل هذا يبيِّن سبحانه وتعالى الأمثال للناس لكي يتدبروا ويعتبروا.

[267] ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ أَنفِقُواْ مِن طَيِّبَٰتِ مَا كَسَبۡتُمۡ وَمِمَّآ أَخۡرَجۡنَا لَكُم مِّنَ ٱلۡأَرۡضِۖ وَلَا تَيَمَّمُواْ ٱلۡخَبِيثَ مِنۡهُ تُنفِقُونَ وَلَسۡتُم بِـَٔاخِذِيهِ إِلَّآ أَن تُغۡمِضُواْ فِيهِۚ وَٱعۡلَمُوٓاْ أَنَّ ٱللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ 267﴾:

حث جل وعلا عباده المؤمنين على الإنفاق مما كسبوا من الحلال الطيب في التجارات، ومما تُخرِجُ الأرض لهم من الحبوب والثمار والمعادن وغير ذلك، ونهاهم سبحانه عن الإنفاق من الأموال الرديئة التي لو بُذِلَتْ لهم، لم يقبلوها إلا بالكُرْهِ وغضِّ الطرف عنها؛ فكيف يرضون أن تكون نفقاتهم لله من الرديء ولا يَرْضَوْنها لأنفسهم؟! واعلموا -أيها الناس- أن الله غنيٌّ عنكم وعن نفقاتكم، وأنه تعالى مستحقٌّ للثناء ومحمودٌ في كل حال.

[268] ﴿ٱلشَّيۡطَٰنُ يَعِدُكُمُ ٱلۡفَقۡرَ وَيَأۡمُرُكُم بِٱلۡفَحۡشَآءِۖ وَٱللَّهُ يَعِدُكُم مَّغۡفِرَةٗ مِّنۡهُ وَفَضۡلٗاۗ وَٱللَّهُ وَٰسِعٌ عَلِيمٞ 268﴾:

ثم حذَّر جل وعلا من الشيطان ووساوسه، وأخبَرَ أنه يخوِّفكم من الفقر حتى لا تتصدَّقوا، وفي المقابل يأمركم بالمعاصي؛ فتنفقون أموالكم فيها، وتبخلون بها في الخير، واعلموا أن الله سبحانه وتعالى يأمركم بالإنفاق في سبيله؛ لتكون النفقة سببًا في مغفرة ذنوبكم، ويُخلِفُ عليكم فيما أنفقتموه، كما أن في الإنفاق سدًّا لحاجات إخوانكم المحتاجين.

واعلموا أن الله تعالى واسعُ الفضل كثيرُ الإحسان، وهو عليمٌ يعلم من يستحق الثواب والثناء.

[269] ﴿يُؤۡتِي ٱلۡحِكۡمَةَ مَن يَشَآءُۚ وَمَن يُؤۡتَ ٱلۡحِكۡمَةَ فَقَدۡ أُوتِيَ خَيۡرٗا كَثِيرٗاۗ وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّآ أُوْلُواْ ٱلۡأَلۡبَٰبِ 269﴾:

واعملوا -أيها الناس- أن الله يعطي العلم من طَلَبَهُ، وسعى في تحصيله رغبة في العلم، ثم بيَّن سبحانه أن مَنْ أنعم الله عليه وشرح صدره للعلم والفقه، فقد حصل على خير كثير؛ كما قال ﷺ: «مَنْ يُرِدِ اللهُ بِهِ خَيْرًا يُفَقِّههُ فِي الدِّينِ»([2])، وما يتعظ بهذه الآيات وهذه التوجيهات الربانية إلا أصحابُ العقول النيِّرة، والأحلام الكاملة. [2] أخرجه البخاري (71)، ومسلم (1037)، عن معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنهما.

[270] ﴿وَمَآ أَنفَقۡتُم مِّن نَّفَقَةٍ أَوۡ نَذَرۡتُم مِّن نَّذۡرٖ فَإِنَّ ٱللَّهَ يَعۡلَمُهُۥۗ وَمَا لِلظَّٰلِمِينَ مِنۡ أَنصَارٍ 270﴾:

أخبَرَ جل وعلا أنه يعلم كلَّ نفقة أنفقتموها في وجه الخير، وكلَّ نذر ألزمتم أنفسكم به، وأن أعمالكم محفوظة لكم وسيجازيكم عليها، بحَسَبِ نياتكم، واعلموا أن من منَعَ حق الله من الزكاة وغيرها، فإنه ظالم لنفسه، وليس للظالمين مِن نصيرٍ ينصُرُهم ويمنعهم من عذاب الله.

[271] ﴿إِن تُبۡدُواْ ٱلصَّدَقَٰتِ فَنِعِمَّا هِيَۖ وَإِن تُخۡفُوهَا وَتُؤۡتُوهَا ٱلۡفُقَرَآءَ فَهُوَ خَيۡرٞ لَّكُمۡۚ وَيُكَفِّرُ عَنكُم مِّن سَيِّـَٔاتِكُمۡۗ وَٱللَّهُ بِمَا تَعۡمَلُونَ خَبِيرٞ 271﴾:

واعلموا -أيها المؤمنون- أنكم إذا أعلنتم صدقاتكم وأظهرتموها بلا رياء ولا سمعة، فَنِعْمَ ما فعلتم؛ لا سيما إن قَصَدتُّمْ أن تكونوا قدوة للآخرين، وإن تخفوها وتعطوها للفقراء سرًّا، فهذا خير لكم وأنفع؛ فإنه جل وعلا يكفِّر عنكم سيئاتكم بهذه الصدقات، إذا كانت خالصة لوجه الله، واعلموا أن الله خبير بأعمالكم ونياتكم لا تخفى عليه خافية.

[272] ﴿لَّيۡسَ عَلَيۡكَ هُدَىٰهُمۡ وَلَٰكِنَّ ٱللَّهَ يَهۡدِي مَن يَشَآءُۗ وَمَا تُنفِقُواْ مِنۡ خَيۡرٖ فَلِأَنفُسِكُمۡۚ وَمَا تُنفِقُونَ إِلَّا ٱبۡتِغَآءَ وَجۡهِ ٱللَّهِۚ وَمَا تُنفِقُواْ مِنۡ خَيۡرٖ يُوَفَّ إِلَيۡكُمۡ وَأَنتُمۡ لَا تُظۡلَمُونَ 272﴾:

واعلم –أيها النبي- أن الله لم يوكِّلْ إليك أمر هداية الكفَّار والمعاندين، وإنما عليك البيان والتوجيه والبلاغ، وأما الهداية والتوفيق، فمن الله وحده، يهدي من يشاء إلى دينه، واعلموا أن ما تنفقونه من المال يعود عليكم نفعه، واعلموا أن كل ما تنفقونه في سبيل الله لطلب رضا الله مخلصين فيه لله وحده، فإن أجره وثوابه يعود عليكم أضعافًا مضاعفة، والله عادل لا يظلم مثقال ذرة.

[273] ﴿لِلۡفُقَرَآءِ ٱلَّذِينَ أُحۡصِرُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ لَا يَسۡتَطِيعُونَ ضَرۡبٗا فِي ٱلۡأَرۡضِ يَحۡسَبُهُمُ ٱلۡجَاهِلُ أَغۡنِيَآءَ مِنَ ٱلتَّعَفُّفِ تَعۡرِفُهُم بِسِيمَٰهُمۡ لَا يَسۡـَٔلُونَ ٱلنَّاسَ إِلۡحَافٗاۗ وَمَا تُنفِقُواْ مِنۡ خَيۡرٖ فَإِنَّ ٱللَّهَ بِهِۦ عَلِيمٌ 273﴾:

حث جل وعلا عباده أن يجعلوا صدقاتهم للفقراء المجاهدين في سبيل الله الذين منعهم الجهاد من التكسُّب؛ فهم أشد الناس حاجة، ويظن من لا يعرفهم أنهم أغنياء لكونهم متعفِّفين عن المسألة، ولكنْ يُعْرَفُونَ بعلامات، وآثارُ الحاجة بادية عليهم، وهم لا يسألون الناس أبدًا، وإن سألوا مضطرِّين، فإنهم لا يُلِحُّونَ في المسألة.

واعلم أيها المتصدق أن الله عليم بكل ما تنفقه، وأنه محفوظ، وسيجازيك عليه أعظم الجزاء.

وهذه الآية تعم جميع الفقراء المتعفِّفين، كما قال ﷺ في الحديث الذي رواه أبو هريرة رضي الله عنه: «لَيْسَ المِسْكِينُ بِالَّذِي تَرُدُّهُ التَّمْرَةُ وَالتَّمْرَتَانِ، وَلَا اللُّقْمَةُ وَاللُّقْمَتَانِ؛ إِنَّمَا المِسْكِينُ المُتَعَفِّفُ؛ اقْرَؤُوا إِنْ شِئْتُمْ: ﴿لَا يَسۡـَٔلُونَ ٱلنَّاسَ إِلۡحَافٗاۗ ﴾ »([3]). [3] أخرجه البخاري (1476)، ومسلم (1039).

[274] ﴿ٱلَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمۡوَٰلَهُم بِٱلَّيۡلِ وَٱلنَّهَارِ سِرّٗا وَعَلَانِيَةٗ فَلَهُمۡ أَجۡرُهُمۡ عِندَ رَبِّهِمۡ وَلَا خَوۡفٌ عَلَيۡهِمۡ وَلَا هُمۡ يَحۡزَنُونَ 274﴾:

واعلموا -أيها المؤمنون- أن الذين يتصدَّقون بأموالهم ليلًا ونهارًا، سرًّا وجهرًا، لهم ثواب عظيم عند الله، ولا خوفٌ عليهم من أهوال يوم القيامة، ولا هم يحزنون على ما فاتهم من نعيم الدنيا الفاني.

[275] ﴿ٱلَّذِينَ يَأۡكُلُونَ ٱلرِّبَوٰاْ لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ ٱلَّذِي يَتَخَبَّطُهُ ٱلشَّيۡطَٰنُ مِنَ ٱلۡمَسِّۚ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمۡ قَالُوٓاْ إِنَّمَا ٱلۡبَيۡعُ مِثۡلُ ٱلرِّبَوٰاْۗ وَأَحَلَّ ٱللَّهُ ٱلۡبَيۡعَ وَحَرَّمَ ٱلرِّبَوٰاْۚ فَمَن جَآءَهُۥ مَوۡعِظَةٞ مِّن رَّبِّهِۦ فَٱنتَهَىٰ فَلَهُۥ مَا سَلَفَ وَأَمۡرُهُۥٓ إِلَى ٱللَّهِۖ وَمَنۡ عَادَ فَأُوْلَٰٓئِكَ أَصۡحَٰبُ ٱلنَّارِۖ هُمۡ فِيهَا خَٰلِدُونَ 275﴾:

ثم ذكر جل وعلا حال المرابين يوم القيامة: أنهم يقومون من قبورهم كالمجانين حَالُهم كحالِ من يُصرَعُ في الدنيا بمس الشيطان؛ لأنهم كانوا يقولون: إنما البيع مثل الربا؛ فكذَّبهم الله وبيَّن أن البيع حلال؛ لما فيه من المصالح والمنافع للناس، وأن الربا حرام؛ لما فيه من ظلم واستغلال للأفراد والمجتمعات.

ثم بيَّن سبحانه أن مَنْ بلغه تحريم الربا، فامتثل وانزجر، فله ما مضى مما كسبه قبل أن يبلغه التحريم، أو قبل توبته من الربا، وأَمْرُهُ إلى الله يقضي فيه ما يشاء.

وأما من استمَرَّ على تعاطي الربا بعد أن بلغه التحريم، فأولئك قد وَجَبَتْ عليهم العقوبة، وهي دخول النار خالدين فيها.

والخلود المذكور في هذه الآية هو خلودٌ أبديٌّ في النار لمن كان عارفًا بالتحريم مستحِلًّا له، لأنه مكذِّبٌ لحكم الله، أو معاندٌ وغيرُ منقادٍ له.

وأما من تعاطى الربا وهو يعلم ويعتقد أنه حرام، فهو يعتبر مرتكبًا لكبيرة من كبائر الذنوب؛ فيعاقب في النار بقدر ذنوبه، ثم يخرُجُ منها بعد أن يطهِّره الله، أو يخرُجُ بشفاعة الشافعين، أو رحمة أرحم الراحمين.

وقد أنكر بعض العلماء اقتحام الجِنِّيِّ جسم الإنسان ودخوله فيه، وقالوا: إن المس غير الدخول، والجمهور -ومنهم شيخ الإسلام ابن تيمية- على خلاف ذلك، وذكروا أن الله أعطاه قدرة خاصَّة تمكِّنه من دخول بدن الإنسان، وبالأخص على الذين لا يتحصَّنون بذكر الله صباحًا ومساءً وعند النوم وغير ذلك.

[276] ﴿يَمۡحَقُ ٱللَّهُ ٱلرِّبَوٰاْ وَيُرۡبِي ٱلصَّدَقَٰتِۗ وَٱللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ 276﴾:

ثم أخبَرَ جل وعلا أنه بعدله يمحق الربا، ويمحق مكاسب المرابين، فيذهبُ ببركتِها ونفعِها، وأنه بفضله ينمِّي صدقات المنفقين، ويكثِّرها لهم، والله لا يحب كل كافر معاند لشرع الله وحدوده، مستحِلٍّ لأكل الربا، متمادٍ في الذنوب والمعاصي.

[277] ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ وَأَقَامُواْ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتَوُاْ ٱلزَّكَوٰةَ لَهُمۡ أَجۡرُهُمۡ عِندَ رَبِّهِمۡ وَلَا خَوۡفٌ عَلَيۡهِمۡ وَلَا هُمۡ يَحۡزَنُونَ 277﴾:

ثم وعد جل وعلا كل من آمن بالله ورسوله، وعَمِلَ بشَرْعه، وعمل الأعمال الصالحة الطيبة، وأدَّى الصلاة على الوجه المطلوب كما أمر الله ورسوله، وأخرج زكاة ماله الواجبة عليه؛ بأن لهم الأجر والثواب العظيم من الله، وأنه لا خوفٌ عليهم يوم القيامة، ولا هم يحزنون في الدنيا على ما فاتهم من حظوظها الفانية.

[278] ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَذَرُواْ مَا بَقِيَ مِنَ ٱلرِّبَوٰٓاْ إِن كُنتُم مُّؤۡمِنِينَ 278﴾:

ثم أمَرَ جل وعلا عباده المؤمنين أن يخافوه، وذلك باتباع أوامره، واجتناب نواهيه، وأن يتركوا ما بقي لهم من أموالٍ رِبَويَّةٍ عند الناس قبل تحريم الربا، ويكتفوا بأخذ رؤوس أموالهم؛ إن كانوا مؤمنين حقًّا، وصادقين في توبتهم من الربا.

[279] ﴿فَإِن لَّمۡ تَفۡعَلُواْ فَأۡذَنُواْ بِحَرۡبٖ مِّنَ ٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦۖ وَإِن تُبۡتُمۡ فَلَكُمۡ رُءُوسُ أَمۡوَٰلِكُمۡ لَا تَظۡلِمُونَ وَلَا تُظۡلَمُونَ 279﴾:

ثم هدَّد سبحانه وتعالى المرابين إذا لم يمتثلوا أمر الله؛ بأن ينتظروا حربًا من الله ورسوله قاسية، أما إن تابوا ورجعوا عن أكل الربا، فلهم فقطْ أصولُ أموالهم بلا زيادة ولا نقصان؛ لا يَظْلِمُونَ أحدًا بأخذ الزيادة منه ظلمًا وعدوانًا، ولا يَظْلِمُهم أحدٌ بنقص أصول أموالهم.

[280] ﴿وَإِن كَانَ ذُو عُسۡرَةٖ فَنَظِرَةٌ إِلَىٰ مَيۡسَرَةٖۚ وَأَن تَصَدَّقُواْ خَيۡرٞ لَّكُمۡ إِن كُنتُمۡ تَعۡلَمُونَ 280﴾:

وإن كان الذي عليه الدَّيْنُ معسرًا لا يستطيع سداد ما عليه، فأمهلوه حتى ييسِّر الله أمره، وإن تصدَّقتم عليه بإسقاط بعض الدَّيْنِ أو إسقاط الدين كله، فلا شك أن هذا أفضل لكم؛ إن كنتم تعلمون فضل ذلك، وعظيم ثوابه عند الله.

[281] ﴿وَٱتَّقُواْ يَوۡمٗا تُرۡجَعُونَ فِيهِ إِلَى ٱللَّهِۖ ثُمَّ تُوَفَّىٰ كُلُّ نَفۡسٖ مَّا كَسَبَتۡ وَهُمۡ لَا يُظۡلَمُونَ 281﴾:

واحذروا -أيها الناس- ذلك اليوم العظيم، وهو يوم القيامة، الذي سوف تعودون فيه إلى ربكم؛ فيجازي كل واحد بعمله؛ فالمُحْسِنُ يجازى على إحسانه، والمسيءُ يجازى على إساءته، دون أن يُظلَمَ أحدٌ في ذلك اليوم، قال بعض المفسِّرين: (هذه آخر آية نزلت من القرآن).

[282] ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ إِذَا تَدَايَنتُم بِدَيۡنٍ إِلَىٰٓ أَجَلٖ مُّسَمّٗى فَٱكۡتُبُوهُۚ وَلۡيَكۡتُب بَّيۡنَكُمۡ كَاتِبُۢ بِٱلۡعَدۡلِۚ وَلَا يَأۡبَ كَاتِبٌ أَن يَكۡتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ ٱللَّهُۚ فَلۡيَكۡتُبۡ وَلۡيُمۡلِلِ ٱلَّذِي عَلَيۡهِ ٱلۡحَقُّ وَلۡيَتَّقِ ٱللَّهَ رَبَّهُۥ وَلَا يَبۡخَسۡ مِنۡهُ شَيۡـٔٗاۚ فَإِن كَانَ ٱلَّذِي عَلَيۡهِ ٱلۡحَقُّ سَفِيهًا أَوۡ ضَعِيفًا أَوۡ لَا يَسۡتَطِيعُ أَن يُمِلَّ هُوَ فَلۡيُمۡلِلۡ وَلِيُّهُۥ بِٱلۡعَدۡلِۚ وَٱسۡتَشۡهِدُواْ شَهِيدَيۡنِ مِن رِّجَالِكُمۡۖ فَإِن لَّمۡ يَكُونَا رَجُلَيۡنِ فَرَجُلٞ وَٱمۡرَأَتَانِ مِمَّن تَرۡضَوۡنَ مِنَ ٱلشُّهَدَآءِ أَن تَضِلَّ إِحۡدَىٰهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحۡدَىٰهُمَا ٱلۡأُخۡرَىٰۚ وَلَا يَأۡبَ ٱلشُّهَدَآءُ إِذَا مَا دُعُواْۚ وَلَا تَسۡـَٔمُوٓاْ أَن تَكۡتُبُوهُ صَغِيرًا أَوۡ كَبِيرًا إِلَىٰٓ أَجَلِهِۦۚ ذَٰلِكُمۡ أَقۡسَطُ عِندَ ٱللَّهِ وَأَقۡوَمُ لِلشَّهَٰدَةِ وَأَدۡنَىٰٓ أَلَّا تَرۡتَابُوٓاْ إِلَّآ أَن تَكُونَ تِجَٰرَةً حَاضِرَةٗ تُدِيرُونَهَا بَيۡنَكُمۡ فَلَيۡسَ عَلَيۡكُمۡ جُنَاحٌ أَلَّا تَكۡتُبُوهَاۗ وَأَشۡهِدُوٓاْ إِذَا تَبَايَعۡتُمۡۚ وَلَا يُضَآرَّ كَاتِبٞ وَلَا شَهِيدٞۚ وَإِن تَفۡعَلُواْ فَإِنَّهُۥ فُسُوقُۢ بِكُمۡۗ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَۖ وَيُعَلِّمُكُمُ ٱللَّهُۗ وَٱللَّهُ بِكُلِّ شَيۡءٍ عَلِيمٞ 282﴾:

ينادي جل وعلا عباده المؤمنين قائلًا لهم: يا أيها الذين آمنوا بالله ورسوله، وعملوا بشَرْعه، إذا تداينتم بدَيْنٍ إلى وقت معلوم، فاكتبوه؛ حفظًا للحقوق، ومنعًا للخلاف والنزاع، واختاروا كاتبًا أمينًا ضابطًا يكتب بينكم.

ومَنْ طُلِبَ منه الكتابة وهو قادر، فلا يمتنع، وعليه أن يحتسب الأجر والثواب في ذلك، وأن يشكر الله الذي أنعم عليه بالعلم.

ويجب على المَدِينِ أن يكتُبَ كل ما عليه من الحقوق، ويراقب الله في ذلك، ولا ينقُصَ منها شيئًا.

فإنْ كان الذي عليه دَيْنٌ سفيهًا، أي: محجورًا عليه لسبب من الأسباب الشرعية، أو كان ضعيف العقل، أو كان طفلًا، أو أَبْكَمَ، ولا يستطيع أن يكتب الحقوق التي في ذمته-: فإن وليَّه يقومُ مقامه، ويكتُبُ ما له وما عليه من الديون دون زيادة أو نقصان.

وعليه أن يُشهِدَ على الوثيقة شاهِدَيْنِ بالغَيْنِ عاقلَيْنِ من الرِّجال المسلمين، فإذا لم يوجد رجلان، فلا مانع أن يكون الشهود رجلًا وامرأتَيْنِ ممن ترضون من الشهداء العدولِ؛ وإنما اشترط امرأتان؛ حتى إذا نَسِيَتْ إحداهنَّ ذكَّرتها الأخرى، لغلبة النسيان عند النساء، وبالأخص في الأمور التجارية. ولا يجوز للشهود الامتناعُ عن الشهادة إذا دُعُوا إليها؛ حتى لا تضيع حقوق المشهود لهم.

ثم أخبر جل وعلا أنه يجب عليكم كتابة الديون إلى وقتها المعلوم؛ سواءٌ كانت قليلة أو كثيرة، وعليكم ألَّا تَضْجَرُوا من ذلك؛ وهذا أصح وأحفظ عند الله، وأثبت للشهادة، وأقرب إلى نَفْيِ الشك في مقدار الدَّيْنِ والأجل.

ثم استثنى جل وعلا من ذلك ما يحصُلُ في البيع والشراء من استلام السلعة ودَفْعِ ثمنها في الحال؛ فهذه لا إثم عليكم في عدَمِ كتابته وتوثيقه.

وعليكم أن تُشْهِدوا على العقود في مبايعاتكم، وخاصَّة في الأمور الكبيرة؛ كبيع الأراضي والبيوت، والمتاجر والشركات، ونحو ذلك.

ولا يجوز الإضرار بالكاتب والشهود؛ كأن يكلَّفَ بالسَّفر من بلد إلى بلد لأداء الشهادة، دون أن يُعْطَى تكاليف السفر، بل يجب إكرامه وتعويضه؛ فإن حصَلَ منكم إضرار، فقد عصيتم الله وخرَجْتم عن طاعته. واتقوا الله -أيها الناس- وذلك بامتثال أوامره، واجتناب نواهيه؛ فإنه يعلِّمكم سبحانه جميع ما يُصْلِحُ أمورَ دنياكم وآخرتكم، وهو بكل شيء عليمٌ، لا تخفى عليه خافيةٌ في الأرض ولا في السماء.

وهذه الآية تسمَّى: (آيَةَ الدَّيْنِ)، وهي أطول آية في كتاب الله، أما أقصر آية، فهي في سورة المدَّثر، وهي قوله تعالى: ﴿ثُمَّ نَظَرَ﴾ [المدثر:21]، وقيل: (والفجر) أو (والضحى) أما في الحروف المقطعة فـ (طه) [4]. [4] ينظر: غيث النفع في القراءات السبع (ص569)، ‌وتفسير العثيمين، سورة فصلت (ص19).

وقد اشتملت هذه الآية على أحكام وأوامر كثيرة متعلِّقة بالبيوع؛ فالواجب على المسلم أن يتعلَّمها ويعمل بها؛ حتى يكون من الفائزين والناجين في معاملاتهم المالية.

[283] ﴿وَإِن كُنتُمۡ عَلَىٰ سَفَرٖ وَلَمۡ تَجِدُواْ كَاتِبٗا فَرِهَٰنٞ مَّقۡبُوضَةٞۖ فَإِنۡ أَمِنَ بَعۡضُكُم بَعۡضٗا فَلۡيُؤَدِّ ٱلَّذِي ٱؤۡتُمِنَ أَمَٰنَتَهُۥ وَلۡيَتَّقِ ٱللَّهَ رَبَّهُۥۗ وَلَا تَكۡتُمُواْ ٱلشَّهَٰدَةَۚ وَمَن يَكۡتُمۡهَا فَإِنَّهُۥٓ ءَاثِمٞ قَلۡبُهُۥۗ وَٱللَّهُ بِمَا تَعۡمَلُونَ عَلِيمٞ 283﴾:

ثم بيَّن سبحانه لمن كان في سفر، واحتاج للاقتراض إلى أجل محدَّد، وقد تعذَّرت الكتابة بسبب السفر أو أي مانع آخر، فعلى صاحب الحق أن يأخذ رهنًا يقوم مقام الكتابة ليَحْفَظَ به حقَّه، فإن وَثِقَ صاحب الحق في ذمة صاحبه وأمانته، فلا حرج في ترك الكتابة والإشهاد إن كان ذلك غير ممكن، ويكتفى بالرهن، فإن لم يوجد، فعلى صاحب الحق أن يتقي الله ويؤدي ما عليه من الحقوق التي اؤتمن عليها، فإذا أنكر مَنْ عليه الدَّيْنُ وكان هناك مَنْ حضر وشهد، فعليه أن يشهد بما علم ولا يكتم شهادته، ومن كتم شهادته، فإنه فاجرٌ وآثم قلبه.

واعلموا أن الله مطلع على سرائركم، وما تخفيه قلوبكم، وسيجازيكم على جميع أعمالكم.

وقد ذكر سبحانه وتعالى في هذه الآية الرِّهَان، وهو التوثيق الثاني للعَقْد بعد الكتابة، والثالث: هو الكَفَالة.

وذِكْرُ السفر هنا ليس شرطًا، وإنما ذُكِرَ لأنهم في الماضي كانت لا تتهيأ لهم أدوات الكتابة في السفر، ثم اعتُمِدَ الرهن في السفر وغيره.

[284] ﴿لِّلَّهِ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلۡأَرۡضِۗ وَإِن تُبۡدُواْ مَا فِيٓ أَنفُسِكُمۡ أَوۡ تُخۡفُوهُ يُحَاسِبۡكُم بِهِ ٱللَّهُۖ فَيَغۡفِرُ لِمَن يَشَآءُ وَيُعَذِّبُ مَن يَشَآءُۗ وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ قَدِيرٌ 284﴾:

أخبَرَ جل وعلا أنه يملك جميع ما في السماوات والأرض، ويعلم سبحانه كل ما تظهرونه أو تخفونه في أنفسكم، من خير أو شر، وسيحاسبكم عليه، وأنه سبحانه يغفر لمن شاء من عباده العاصين، ويعذِّب من شاء منهم، وهو على كل شيء قدير، لا يُعْجِزه شيء في الأرض ولا في السماء.

[285] ﴿ءَامَنَ ٱلرَّسُولُ بِمَآ أُنزِلَ إِلَيۡهِ مِن رَّبِّهِۦ وَٱلۡمُؤۡمِنُونَۚ كُلٌّ ءَامَنَ بِٱللَّهِ وَمَلَٰٓئِكَتِهِۦ وَكُتُبِهِۦ وَرُسُلِهِۦ لَا نُفَرِّقُ بَيۡنَ أَحَدٖ مِّن رُّسُلِهِۦۚ وَقَالُواْ سَمِعۡنَا وَأَطَعۡنَاۖ غُفۡرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيۡكَ ٱلۡمَصِيرُ 285﴾:

ثم أخبَرَ جل وعلا أن الرسول ﷺ ومن معه من المؤمنين آمنوا بما أُنزِلَ إليهم من ربهم من القرآن والوحي، وأنَّ كلًّا منهم آمن بالله وحده لا شريك له، وآمنوا بالملائكة الكرام، وآمنوا بالكتب التي أُنزِلَتْ على الرُّسُل، وآمنوا بالرسل والأنبياء الذين أرسلهم الله، وأنهم لا يفرِّقون بين الرسل؛ فيؤمنون ببعضهم، ويكفرون ببعض؛ كما فعلت اليهود والنصارى؛ بل يؤمنون بالرسل والأنبياء جميعًا، وقالوا -أي: الرسل والمؤمنون-: سمعنا يا رب قولك، وأطعنا أمرك، فنسألك أن تغفر لنا -بفضلك- ذنوبنا وتقصيرنا؛ فإنه أنت ربنا ليس لنا ربٌّ سواك، وإنَّ إليك وحدك مصيرَنَا ومرجعَنَا.

[286] ﴿لَا يُكَلِّفُ ٱللَّهُ نَفۡسًا إِلَّا وُسۡعَهَاۚ لَهَا مَا كَسَبَتۡ وَعَلَيۡهَا مَا ٱكۡتَسَبَتۡۗ رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذۡنَآ إِن نَّسِينَآ أَوۡ أَخۡطَأۡنَاۚ رَبَّنَا وَلَا تَحۡمِلۡ عَلَيۡنَآ إِصۡرٗا كَمَا حَمَلۡتَهُۥ عَلَى ٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِنَاۚ رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلۡنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِۦۖ وَٱعۡفُ عَنَّا وَٱغۡفِرۡ لَنَا وَٱرۡحَمۡنَآۚ أَنتَ مَوۡلَىٰنَا فَٱنصُرۡنَا عَلَى ٱلۡقَوۡمِ ٱلۡكَٰفِرِينَ 286﴾:

ثم أخبَرَ جل وعلا أنه لا يكلِّف نفسًا إلا ما تطيق رحمةً بالعباد، وأن لكل نفس جزاءَ ما عَمِلَتْ من خير، وجزاءَ ما عَمِلَتْ من شر، وأرشد المؤمنينَ أن يقولوا عند دعائِهم ربَّهم: ربَّنا، لا تعاقبنا؛ إن نسينا شيئًا مما أمرتنا به أو أخطأنا بارتكابِ شيءٍ مما نهيتَنا عنه؛ فأنت تعلم أننا بشَرٌ ضعافٌ مقصِّرون، ويا ربنا لا تكلِّفنا ما لا نطيق من الأغلال التي كانت على الذين مِنْ قبلنا، ويا ربَّنا لا تحمِّلنا ما لا نستطيعه من التكاليف والمصائب التي نَعْجِزُ عنها، وامْحُ ذنوبنا، وكفِّر سيئاتنا، وارحم ضعفنا وتقصيرنا؛ فأنت مولانا ومالك أمرنا، ولا رب لنا سواك، وانصُرْنا يا ربنا على الكفار الذين جحدوا دينك، وكذَّبوا نبيك محمدًا ﷺ.

وقوله: ﴿وَلَا تَحۡمِلۡ عَلَيۡنَآ إِصۡرٗا﴾، الإصرُ مفردُ الآصارِ: وهي التكاليفُ الشاقةُ، وقد استجاب جل وعلا -وله الحمد والشكر- حيث قال: (قد فَعَلْتُ)([5]). [5] أخرجه مسلم (125)، عن أبي هريرة رضي الله عنه، وأخرجه مسلم أيضًا (126)، عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما.

وقد نزلت هذه الآية؛ تخفيفًا عن المؤمنين لمَّا اشتكَوْا إلى الرسول ﷺ، وقالوا: إننا امتثلنا التكاليف التي نطيق، أما الخواطر النفسية، فهذه من الأمور التي لا يسلم منها أحد؛ يشيرون بذلك إلى الآية التي قبل هذه، وهي قوله تعالى: ﴿لِّلَّهِ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلۡأَرۡضِۗ وَإِن تُبۡدُواْ مَا فِيٓ أَنفُسِكُمۡ أَوۡ تُخۡفُوهُ يُحَاسِبۡكُم بِهِ ٱللَّهُۖ ...﴾ ؛ فأكرَمَ الله المؤمنين، وعفا عن الخواطر النفسية.

وقد ثبت عن النبي ﷺ: «أنَّ مَنْ قرأ الآيتَيْنِ الأخيرتَيْنِ من سورةِ البقرةِ في ليلةٍ، كَفَتَاهُ»([6])، أي: كفتاه من جميع الشرور؛ لما احتوتا عليه من المعاني الجليلة. [6] أخرجه البخاري (4008)، ومسلم (807)، عن أبي مسعود البدري رضي الله عنه.

سورة آل عِمْران

سورة آل عمران مدنيَّة، وآياتها مائتا آية. وقد جاء في فضلها بعض الأحاديث، ومِن ذلك: ما ورَدَ أن البقرة وآل عمران سُمِّيتا بالزَّهْرَاوَيْن، وأنهما تكونان يوم القيامة غمامَتَيْنِ تظلِّلان فوق رأس مَنْ يَحْفَظُهما([7]). [7] أخرجه مسلم (804)، عن أبي أمامة الباهلي رضي الله عنه.

[1] ﴿الٓمٓ 1﴾:

سبق الكلام على الحروف المقطَّعة في أول سورة البقرة.

[2] ﴿ٱللَّهُ لَآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ ٱلۡحَيُّ ٱلۡقَيُّومُ 2﴾:

أخبَرَ جل وعلا أنه هو اللهُ الذي لا معبود بحقٍّ إلا هو، الحيُّ: الذي له الحياة الكاملة الدائمة المستلزمةُ لجميع صفات الكمال، المبرَّأةُ عن جميع صفات النقص والعيب، القيُّوم:ُ الذي قام بنفسه؛ فاستغنى عن جميع مخلوقاته، وقام بغيره، فافتقرت إليه جميع مخلوقاته.

وقد سئل النبي ﷺ عن الاسم الأعظم؟ فذكر أنه في آية الكرسي، ومقدِّمة سورة آل عمران، وسورة طه([8]). [8] أخرجه ابن ماجه (3856)، عن أبي أمامة رضي الله عنه.

وبناءً على هذا قال الأكثرون: إن اسم الله الأعظم هو: ﴿ٱللَّهُ﴾، وقال آخرون: هو ﴿ٱلۡحَيُّ ٱلۡقَيُّومُ﴾ .

والأرجح: أن الاسم الأعظم لا يخرج عن هذَيْن القولَيْن. وقد أخفاه جل وعلا لِحِكَمٍ، منها: أن أسماءه كلها عظمى، فلا يُهجرُ اسمٌ من أسمائِه.

[3] ﴿نَزَّلَ عَلَيۡكَ ٱلۡكِتَٰبَ بِٱلۡحَقِّ مُصَدِّقٗا لِّمَا بَيۡنَ يَدَيۡهِ وَأَنزَلَ ٱلتَّوۡرَىٰةَ وَٱلۡإِنجِيلَ 3﴾:

واعلم -أيها النبي- أن الله جل في علاه نزَّل عليك القرآن بالحكمة التي اقتضتها إرادته، وبالعدل والصدق في أحكامه، ومؤيِّدًا ومصدِّقًا للكتب السماوية التي قبله، وأنه أنزل التوراة على موسى، والإنجيل على عيسى عليهما السلام.

[4] ﴿مِن قَبۡلُ هُدٗى لِّلنَّاسِ وَأَنزَلَ ٱلۡفُرۡقَانَۗ إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِـَٔايَٰتِ ٱللَّهِ لَهُمۡ عَذَابٞ شَدِيدٞۗ وَٱللَّهُ عَزِيزٞ ذُو ٱنتِقَامٍ 4﴾:

ثم بيَّن جل وعلا أنه أنزل التوراة والإنجيل من قبل نزول القرآن؛ لأجل هداية الناس جميعًا، ثم أنزل ما يفرِّق بين الحق والباطل، وهو القرآن الكريم، ثم ذكر سبحانه أن الذين جحدوا آيات الله البينة الواضحة لهم عذابٌ شديدٌ دائم في نار جهنم، والله عزيز لا غالب له؛ ينتقم ممن خالفه، وأعرض عن دينه.

[5] ﴿إِنَّ ٱللَّهَ لَا يَخۡفَىٰ عَلَيۡهِ شَيۡءٞ فِي ٱلۡأَرۡضِ وَلَا فِي ٱلسَّمَآءِ 5﴾:

ثم بيَّن سبحانه وتعالى أنه عالم الخفيات، ومطلَّع على المغيَّبات، لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماوات، يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور، ويعلم ما كان وما يكون، وما لم يكن لو كان كيف كان يكون.

[6] ﴿هُوَ ٱلَّذِي يُصَوِّرُكُمۡ فِي ٱلۡأَرۡحَامِ كَيۡفَ يَشَآءُۚ لَآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ ٱلۡعَزِيزُ ٱلۡحَكِيمُ 6﴾:

ثم أخبَرَ جل وعلا أنه وحده الذي يخلقكم في بطون أمهاتكم كما يشاء؛ من اللون والجنس والشكل وغير ذلك؛ فلا إله إلا هو، ولا معبود بحق سواه، العزيزُ الذي لا غالب له، الحكيمُ في خلقه وأمره وشرعه.

[7] ﴿هُوَ ٱلَّذِيٓ أَنزَلَ عَلَيۡكَ ٱلۡكِتَٰبَ مِنۡهُ ءَايَٰتٞ مُّحۡكَمَٰتٌ هُنَّ أُمُّ ٱلۡكِتَٰبِ وَأُخَرُ مُتَشَٰبِهَٰتٞۖ فَأَمَّا ٱلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمۡ زَيۡغٞ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَٰبَهَ مِنۡهُ ٱبۡتِغَآءَ ٱلۡفِتۡنَةِ وَٱبۡتِغَآءَ تَأۡوِيلِهِۦۖ وَمَا يَعۡلَمُ تَأۡوِيلَهُۥٓ إِلَّا ٱللَّهُۗ وَٱلرَّٰسِخُونَ فِي ٱلۡعِلۡمِ يَقُولُونَ ءَامَنَّا بِهِۦ كُلّٞ مِّنۡ عِندِ رَبِّنَاۗ وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّآ أُوْلُواْ ٱلۡأَلۡبَٰبِ 7﴾:

واعلم -أيها النبي- أن الله جل في علاه أنزل عليك القرآن منه آياتٌ قطعيَّةُ الدلالة واضحة المراد منها لا اشتباه فيها، وهي جُلُّ ما في القرآن، وهي التي تحتوي على العقيدة، والعلم بالله تعالى، ومعاني أسمائه وصفاته وأفعاله، وما يجب له من حق العبادة، ونبذ الشرك به، وما يتعلَّق بالخلق والبعث والجزاء، وكذلك التكاليف الشرعية، وأخبار الأمم الماضية؛ كما قال تعالى: ﴿الٓرۚ كِتَٰبٌ أُحۡكِمَتۡ ءَايَٰتُهُۥ ثُمَّ فُصِّلَتۡ﴾ [هود:١].

وأما الآيات الأُخَرُ المتشابهة، فهي أقل ما في القرآن، وهي: كيفياتُ الأمور الغيبيَّة مما يتعلَّق بالله تعالى والمبدأ والمعاد، وغير ذلك، وكذلك: الآياتُ التي يُشكِلُ معناها على بعض الناس؛ لاحتمالها لأكثر من معنى، لكن يفهم معناها الراسخون في العلم بردِّها إلى المحكم؛ فمن المتشابه: حقيقةُ ذات الله تعالى، وحقائقُ صفاته وكيفيَّاتها، وحقائقُ أوصاف ما يكون في الحياة البرزخية واليوم الآخر، ومن المتشابه الآيات المشكلة المعاني، ولا يعلم معناها إلا الراسخون في العلم الذين يردُّون المتشابه إلى المحكم، والخفي إلى الجلي، فهذه يرد علمها إلى عالمها. ثم بيَّن سبحانه أن الذين في قلوبهم مرض يتعلَّقون بالآيات المتشابهةِ الكيفَّياتِ أو المتشابهةِ المعاني -مما سبق ذكره- ليشكِّكوا بها المؤمنين، ويؤيدوا باطلهم الذي هم عليه، ويثيروا الفتنة بين الناس، ولا يعلم حقائق الآيات المتشابهات إلا الله وحده، وأن الراسخين في العلم يؤمنون بهذه الآيات المتشابهات كما يؤمنون بالآيات المحكمات، وأنها كلها من كلام الله المنزَّل على نبيه ﷺ، ولكنْ لا يفهم هذا ولا يتدبَّره على وجهه الصحيح إلا أصحاب العقول السليمة الرزينة، والعقائد السليمة.

[8] ﴿رَبَّنَا لَا تُزِغۡ قُلُوبَنَا بَعۡدَ إِذۡ هَدَيۡتَنَا وَهَبۡ لَنَا مِن لَّدُنكَ رَحۡمَةًۚ إِنَّكَ أَنتَ ٱلۡوَهَّابُ 8﴾:

ثم أخبَرَ سبحانه وتعالى أن المؤمنين الصادقين في إيمانهم يسألون ربهم الثبات، فيقولون: ربنا لا تَصْرِفْ قلوبنا عن الهدى بعد أن هديتنا إلى الحق، وامنَحْنا من عندك رحمة ترحمنا بها في دنيانا وآخرتنا؛ إنك كثير الفضل والعطاء، تعطي من تشاء بغير حساب، فلا إله لنا غيرك، ولا ربَّ سواك.

[9] ﴿رَبَّنَآ إِنَّكَ جَامِعُ ٱلنَّاسِ لِيَوۡمٖ لَّا رَيۡبَ فِيهِۚ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يُخۡلِفُ ٱلۡمِيعَادَ 9﴾:

ثم أخبر سبحانه أنهم يقولون: والله يا ربَّنا إننا نؤمن بيوم القيامة الذي هو يوم الجزاء والحساب، وإننا نشهد أنك جامع الناس في ذلك اليوم الذي لا شك فيه، وإنك -يا ألله- لا تخلف ما وعدتَ به عبادَك.

[10] ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَن تُغۡنِيَ عَنۡهُمۡ أَمۡوَٰلُهُمۡ وَلَآ أَوۡلَٰدُهُم مِّنَ ٱللَّهِ شَيۡـٔٗاۖ وَأُوْلَٰٓئِكَ هُمۡ وَقُودُ ٱلنَّارِ 10﴾:

أخبَرَ جل وعلا أن الذين كفروا بالله ورسله، وأنكروا دينه وكتابه، لن تنفعهم أموالهم ولا أولادهم من عذاب الله وغضبه، بل ستكون حسرة عليهم؛ سواء في الدنيا أو في الآخرة، وسوف يكونون حطبًا تشتعل بهم نار جهنم؛ فبِئْسَتِ النهاية، وبئس المصير.

[11] ﴿كَدَأۡبِ ءَالِ فِرۡعَوۡنَ وَٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِهِمۡۚ كَذَّبُواْ بِـَٔايَٰتِنَا فَأَخَذَهُمُ ٱللَّهُ بِذُنُوبِهِمۡۗ وَٱللَّهُ شَدِيدُ ٱلۡعِقَابِ 11﴾:

ثم أخبَرَ سبحانه وتعالى أن أولئك الكفار مصيرهم كمصير آل فرعون، والذين كفروا من قبلهم؛ فكلهم كابر وعاند الآيات الواضحات البينات؛ فعاقبهم الله وأهلكهم؛ بسبب ذنوبهم ومعاصيهم من الكفر والعناد، واعلموا أن الله شديد العقاب لمن كفر به وكذب بآياته.

[12] ﴿قُل لِّلَّذِينَ كَفَرُواْ سَتُغۡلَبُونَ وَتُحۡشَرُونَ إِلَىٰ جَهَنَّمَۖ وَبِئۡسَ ٱلۡمِهَادُ 12﴾:

وقل -أيها النبي- لهؤلاء الكفار والمشركين: إنكم أيها الكفار ستهزمون في هذه الدنيا، ويوم القيامة ستُجْمَعُونَ ثم تساقون إلى جهنم، فبئس الفراشُ فراشُهم الذي سيفترشونه وهو نار جهنم.

[13] ﴿قَدۡ كَانَ لَكُمۡ ءَايَةٞ فِي فِئَتَيۡنِ ٱلۡتَقَتَاۖ فِئَةٞ تُقَٰتِلُ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ وَأُخۡرَىٰ كَافِرَةٞ يَرَوۡنَهُم مِّثۡلَيۡهِمۡ رَأۡيَ ٱلۡعَيۡنِۚ وَٱللَّهُ يُؤَيِّدُ بِنَصۡرِهِۦ مَن يَشَآءُۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَعِبۡرَةٗ لِّأُوْلِي ٱلۡأَبۡصَٰرِ 13﴾:

واعلموا -أيها اليهود- أنه قد كان لكم عِبْرة وعلامة ودلالة عظيمة فيما وقع بين جماعتين التقتا في معركة بدر: جماعة تقاتل من أجل إعلاء كلمة الله، وهم الرسول ﷺ وصحابته الكرام، وجماعة: تقاتل مع الشيطان دفاعًا عن الباطل، وهم المشركون، ولقد كان المؤمنون يَرَوْنَ الكفار أكثر منهم في العدد والعُدَّة؛ حيث كانوا يرونهم أكثر منهم مرتين، رؤية حقيقية.

ومع ذلك لم يهابوا من عدوِّهم، ولم يجبُنوا عند اللقاء، ولكنَّ الله بقدرته أيَّد المؤمنين ونصرهم، وهزم الكافرين وأذلَّهم، والله يؤيِّد بنصره من يشاء من عباده.

واعلموا أن في هذه الحادثة عبرة وعظة لأصحاب العقول والبصائر، الموقنة بأن النصر من الله يَهَبُهُ لأوليائه الصالحين.

[14] ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ ٱلشَّهَوَٰتِ مِنَ ٱلنِّسَآءِ وَٱلۡبَنِينَ وَٱلۡقَنَٰطِيرِ ٱلۡمُقَنطَرَةِ مِنَ ٱلذَّهَبِ وَٱلۡفِضَّةِ وَٱلۡخَيۡلِ ٱلۡمُسَوَّمَةِ وَٱلۡأَنۡعَٰمِ وَٱلۡحَرۡثِۗ ذَٰلِكَ مَتَٰعُ ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَاۖ وَٱللَّهُ عِندَهُۥ حُسۡنُ ٱلۡمَـَٔابِ 14﴾:

ثم ذكَرَ جل وعلا حال الناس في إيثار الدنيا على الآخرة؛ فأخبر أن الناس حُبِّبَتْ لهم الشهوات من النساء والبنين، والأموال الكثيرة المخزَّنة من الذهب والفضة، والخيل المعلَّمة بأحسن الألوان وأبهجها، والأنعام من الإبل والبقر والغنم، والأرض المزروعة بالخُضْرة والنباتات المثمرة؛ وهذه كلها من متاع الحياة الدنيا وزينتها، ولكن الله عنده المرجعُ الحَسَن والنُّزُلُ الكريم لعباده المؤمنين، وهي جنة عرضها كعرض السماوات والأرض؛ فيها كل ما تشتهيه الأنفس.

[15] ﴿قُلۡ أَؤُنَبِّئُكُم بِخَيۡرٖ مِّن ذَٰلِكُمۡۖ لِلَّذِينَ ٱتَّقَوۡاْ عِندَ رَبِّهِمۡ جَنَّٰتٞ تَجۡرِي مِن تَحۡتِهَا ٱلۡأَنۡهَٰرُ خَٰلِدِينَ فِيهَا وَأَزۡوَٰجٞ مُّطَهَّرَةٞ وَرِضۡوَٰنٞ مِّنَ ٱللَّهِۗ وَٱللَّهُ بَصِيرُۢ بِٱلۡعِبَادِ 15﴾:

ثم أمر سبحانه نبيه ﷺ أن يقول للناس: أَلَا أخبركم -أيها الناس- بأحسنَ وأفضلَ مما زُيِّنَ لكم في الحياة الدنيا من الشهوات؟ إنه ما أعطاه الله للمؤمنين الذين يخشونه ويخافون عقابه من جنَّات تجري من تحت قصورها وأشجارها وبساتينها الأنهار؛ خالدين فيها خلودًا لا يلحقه موت، ولهم أيضًا أزواج مطهَّرات من كل دَنَس، ومن كل طَمْث، ومن كل سوء خَلْقٍ أو خُلُق، وأعظم من ذلك أن يحل عليهم رضوان الله.

واعلموا -أيها الناس- أن الله بصير بعباده يعلم الصادق من المنافق، وسيجازي كلًّا بحَسَبِ إيمانه وعمله.

[16] ﴿ٱلَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَآ إِنَّنَآ ءَامَنَّا فَٱغۡفِرۡ لَنَا ذُنُوبَنَا وَقِنَا عَذَابَ ٱلنَّارِ 16﴾:

واعلموا -أيها الناس- أن هؤلاء المتقين الذين ذُكِروا في الآية السابقة؛ من صفاتهم: أنهم يدعون ربهم، فيقولون: يا ربنا إننا آمنا بك، وصدَّقنا بكتابك، واتبعنا نبيك محمدًا ﷺ، فندعوك أن تتجاوز عن زلاتنا وأخطائنا، ونَجِّنا برحمتك من عذاب النار.

[17] ﴿ٱلصَّٰبِرِينَ وَٱلصَّٰدِقِينَ وَٱلۡقَٰنِتِينَ وَٱلۡمُنفِقِينَ وَٱلۡمُسۡتَغۡفِرِينَ بِٱلۡأَسۡحَارِ 17﴾:

ثم بيَّن سبحانه أن من صفاتهم: أنهم صابرون على البأساء والضراء بكل أنواع الصبر، وأنهم صادقون في أقوالهم وسائر أحوالهم، وأنهم مطيعون لله دائمًا، وأنهم يُنْفِقون أموالهم في سبيل الله سرًّا وعلانية، وأنهم يستغفرون ربهم في آخر الليل وقت نوم الناس وراحتهم؛ لأنه وقتُ تنزُّلِ الربِّ ومَظِنَّةُ إجابة الدعاء.

[18] ﴿شَهِدَ ٱللَّهُ أَنَّهُۥ لَآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ وَٱلۡمَلَٰٓئِكَةُ وَأُوْلُواْ ٱلۡعِلۡمِ قَآئِمَۢا بِٱلۡقِسۡطِۚ لَآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ ٱلۡعَزِيزُ ٱلۡحَكِيمُ 18﴾:

ثم بيَّن جل وعلا لعباده الأدلة والآيات والبراهين القاطعة الكونية والشرعية التي تشهد بوحدانيته في ذاته وأسمائه وصفاته وأفعاله؛ فقد شهد لنفسه أنه الواحد الأحد الفرد الصمد، وأنه المتفرِّد بالألوهية، وشهد بذلك الملائكة وأهل العلم، وأنه سبحانه قائم بالعدل بين عباده فيما يَقْسِمُ من الآجال والأرزاق، وأنه لا معبود بحق سواه، وهو العزيزُ الذي لا يغالبه أحد في ملكه، الحكيمُ في خَلْقه وشَرْعه، الذي يضع الأمور في مواضعها المناسبة.

[19] ﴿إِنَّ ٱلدِّينَ عِندَ ٱللَّهِ ٱلۡإِسۡلَٰمُۗ وَمَا ٱخۡتَلَفَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلۡكِتَٰبَ إِلَّا مِنۢ بَعۡدِ مَا جَآءَهُمُ ٱلۡعِلۡمُ بَغۡيَۢا بَيۡنَهُمۡۗ وَمَن يَكۡفُرۡ بِـَٔايَٰتِ ٱللَّهِ فَإِنَّ ٱللَّهَ سَرِيعُ ٱلۡحِسَابِ 19﴾:

واعلموا -أيها الناس- أن الدين الحق الذي ارتضاه الله لخلقه، وأرسَلَ به رسله، وأنزل به كتبه، هو دين الإسلام الذي يجمع الإيمان والقول والعمل، وهو الدين الخاتم لجميع الأديان، وما اختلف اليهود والنصارى في أمر الإسلام ونبوة محمد ﷺ إلا بعد أن عرفوا الحقيقة، وقامت عليهم الحجة، وعلموا أن محمدًا ﷺ هو الرسول المذكور عندهم في كتبهم، وما حملهم على هذا الاختلاف إلا اتِّباع الهوى والحرص على الدنيا، والبغي والحسد للمؤمنين، ومن يكفر بآيات الله، فإن الله سريع الحساب، لا يشغله أمر عن أمر، وسيجازي كلًّا بحسب عمله.

[20] ﴿فَإِنۡ حَآجُّوكَ فَقُلۡ أَسۡلَمۡتُ وَجۡهِيَ لِلَّهِ وَمَنِ ٱتَّبَعَنِۗ وَقُل لِّلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلۡكِتَٰبَ وَٱلۡأُمِّيِّـۧنَ ءَأَسۡلَمۡتُمۡۚ فَإِنۡ أَسۡلَمُواْ فَقَدِ ٱهۡتَدَواْۖ وَّإِن تَوَلَّوۡاْ فَإِنَّمَا عَلَيۡكَ ٱلۡبَلَٰغُۗ وَٱللَّهُ بَصِيرُۢ بِٱلۡعِبَادِ 20﴾:

ثم أمر سبحانه نبيه ﷺ إذا جادله أهل الكتاب في أمر الدين والرسالة أن يقول لهم: لقد أخلَصْتُ ديني لله وحده لا شريك له، وكذلك كلُّ من اتبعني من المؤمنين، فقد أخلصوا دينهم لله وحده لا شريك له، ثم أمره أن يقول لليهود والنصارى والمشركين: هل أسلمتم؟ فإذا أسلموا، فقد أصابوا الحق، وإن أعرضوا وعاندوا، فليس عليك -أيها النبي- إلا البلاغ المبين، وقد بلغ ﷺ الأمة، وأدى الأمانة، وجاهد في الله حق جهاده، واعلموا -أيها الناس- أن الله بصير بالعباد، عالم بجميع أعمالهم، لا تخفى عليه خافية من أمرهم.

[21] ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ يَكۡفُرُونَ بِـَٔايَٰتِ ٱللَّهِ وَيَقۡتُلُونَ ٱلنَّبِيِّـۧنَ بِغَيۡرِ حَقّٖ وَيَقۡتُلُونَ ٱلَّذِينَ يَأۡمُرُونَ بِٱلۡقِسۡطِ مِنَ ٱلنَّاسِ فَبَشِّرۡهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ 21﴾:

واعملوا-أيها الناس- أن الذين يكفرون بآيات الله الواضحة البينة، ويقتلون الأنبياء بغير حقٍّ، ويقتلون الذين يأمرونهم بالعدل من أتباع الأنبياء، فهؤلاء شر الخلق؛ فبشِّرهم بعذاب أليم في نار جهنم.

[22] ﴿أُوْلَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ حَبِطَتۡ أَعۡمَٰلُهُمۡ فِي ٱلدُّنۡيَا وَٱلۡأٓخِرَةِ وَمَا لَهُم مِّن نَّٰصِرِينَ 22﴾:

ثم بيَّن سبحانه وتعالى أن هذا العذاب الأليم، إنما استحقوه لأن أعمالهم بطَلَتْ في الدنيا والآخرة؛ بسبب كفرهم وعدم إيمانهم بالله، وليس لهم من ينصرهم ويدفع عنهم شيئًا من عذاب الله.

[23] ﴿أَلَمۡ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ أُوتُواْ نَصِيبٗا مِّنَ ٱلۡكِتَٰبِ يُدۡعَوۡنَ إِلَىٰ كِتَٰبِ ٱللَّهِ لِيَحۡكُمَ بَيۡنَهُمۡ ثُمَّ يَتَوَلَّىٰ فَرِيقٞ مِّنۡهُمۡ وَهُم مُّعۡرِضُونَ 23﴾:

يقول جل وعلا لنبيه ﷺ: أَلَا تعجب -أيها النبي- من حال هؤلاء اليهود الذين آتيناهم حظًّا وافرًا من الخير، وهو التوراة، وعرَفُوا ما فيها من أحكام، وعلموا أن ما جئتَ به هو الحق؛ فإذا دُعُوا للتحاكم إلى القرآن ليَفْصِلَ بينهم فيما اختلفوا فيه، فإن فريقًا منهم يتولَّوْنَ بأبدانهم، ويُعْرِضون بقلوبهم؛ لأن حكم الله لم يوافق أهواءهم، ولأن من عادتهم الإعراضَ عن الحق واتباعَ الهوى؛ مع أن حكم القرآن موافق لما عندهم في التوراة، وفي هذا تحذير لنا أن نفعل فعل هؤلاء اليهود ونحذو حَذْوَهم، فنُعْرِض عن حكم القرآن، فيصيبنا ما أصابهم من الذم والعقاب؛ ولهذا فالواجب على كل من دُعِيَ إلى كتاب الله وسنة نبيه ﷺ السمعُ والطاعة؛ قال تعالى: ﴿إِنَّمَا كَانَ قَوۡلَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ إِذَا دُعُوٓاْ إِلَى ٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦ لِيَحۡكُمَ بَيۡنَهُمۡ أَن يَقُولُواْ سَمِعۡنَا وَأَطَعۡنَاۚ وَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡمُفۡلِحُونَ﴾ [النور:51].

[24] ﴿ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمۡ قَالُواْ لَن تَمَسَّنَا ٱلنَّارُ إِلَّآ أَيَّامٗا مَّعۡدُودَٰتٖۖ وَغَرَّهُمۡ فِي دِينِهِم مَّا كَانُواْ يَفۡتَرُونَ 24﴾:

ثم بيَّن جل وعلا أن إعراض هؤلاء اليهود عن حكم الله هو بسبب ما سوَّلته لهم أنفسهم وشياطينهم بأنهم لن تَمَسَّهم النار إلا أيامًا معدودات، وهي التي عبدوا فيها العجل، وهي أربعون يومًا، وقد اغتروا بما كانوا يقولون ويفترون: بأن دخولهم النار فقط تَحِلَّةٌ للقَسَم، وهو قوله تعالى: ﴿وَإِن مِّنكُمۡ إِلَّا وَارِدُهَاۚ كَانَ عَلَىٰ رَبِّكَ حَتۡمٗا مَّقۡضِيّٗا﴾ [مريم:٧١].

واغترُّوا أيضًا بأن أنبياءهم سيشفعون لهم، وقالوا: إن الله وعد يعقوب ألَّا يعذِّب أولاده إلا تَحِلَّةَ القَسَم، وقالوا: إنهم أبناء الله وأحباؤه، إلى آخر افتراءاتهم التي تكرَّرت حتى تقرَّرت في نفوسهم واعتقدوها.

[25] ﴿فَكَيۡفَ إِذَا جَمَعۡنَٰهُمۡ لِيَوۡمٖ لَّا رَيۡبَ فِيهِ وَوُفِّيَتۡ كُلُّ نَفۡسٖ مَّا كَسَبَتۡ وَهُمۡ لَا يُظۡلَمُونَ 25﴾:

وهؤلاء اليهود الذين اغتروا بهذه الأماني والافتراءات، كيف سيكون حالهم إذا أحضَرْناهم للحساب يوم القيامة الذي لا شك ولا ريب في وقوعه، وقد أخذ كلُّ واحد منهم جزاءه مما كسَبَ من الخير أو الشر، بلا ظلم أو اعتداء عليه؟!

[26] ﴿قُلِ ٱللَّهُمَّ مَٰلِكَ ٱلۡمُلۡكِ تُؤۡتِي ٱلۡمُلۡكَ مَن تَشَآءُ وَتَنزِعُ ٱلۡمُلۡكَ مِمَّن تَشَآءُ وَتُعِزُّ مَن تَشَآءُ وَتُذِلُّ مَن تَشَآءُۖ بِيَدِكَ ٱلۡخَيۡرُۖ إِنَّكَ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ قَدِيرٞ 26﴾:

ثم أمَرَ سبحانه وتعالى نبيه ﷺ أن يعظِّم ربه في دعائه، فيقول: اللهم يا من بيده المُلْك ومقادير الأمور، أنت الذي تعطي المُلْكَ من تشاء من عبادك، وتَنْزِعُهُ ممن تشاء، وتُعِزُّ الذليل متى تشاء، وتُذِلُّ العزيز متى تشاء، بيدك الخير، إنك وحدك سبحانك القادر على النفع والضر، لا يعجزك شيء في الأرض ولا في السماء، وفي الآية إثباتُ صفة اليدِ لله سبحانه على ما يليقُ بجلاله وعظمته.

[27] ﴿تُولِجُ ٱلَّيۡلَ فِي ٱلنَّهَارِ وَتُولِجُ ٱلنَّهَارَ فِي ٱلَّيۡلِۖ وَتُخۡرِجُ ٱلۡحَيَّ مِنَ ٱلۡمَيِّتِ وَتُخۡرِجُ ٱلۡمَيِّتَ مِنَ ٱلۡحَيِّۖ وَتَرۡزُقُ مَن تَشَآءُ بِغَيۡرِ حِسَابٖ 27﴾:

ثم بيَّن سبحانه وتعالى أن مما يدل على عظيم قدرته أنه يُدْخِلُ الليل في النهار، ويدخل النهار في الليل؛ فيطول هذا، ويقصُرُ ذاك، ويُخْرِجُ الحي من الميت؛ كإخراج النبات من الحَبَّة، ويُخْرِجُ الميت من الحي؛ كإخراج البيضة من الدجاجة، ويرزق من يشاء من عباده بغير حساب.

[28] ﴿لَّا يَتَّخِذِ ٱلۡمُؤۡمِنُونَ ٱلۡكَٰفِرِينَ أَوۡلِيَآءَ مِن دُونِ ٱلۡمُؤۡمِنِينَۖ وَمَن يَفۡعَلۡ ذَٰلِكَ فَلَيۡسَ مِنَ ٱللَّهِ فِي شَيۡءٍ إِلَّآ أَن تَتَّقُواْ مِنۡهُمۡ تُقَىٰةٗۗ وَيُحَذِّرُكُمُ ٱللَّهُ نَفۡسَهُۥۗ وَإِلَى ٱللَّهِ ٱلۡمَصِيرُ 28﴾:

ثم حذَّر جل وعلا المؤمنين أن يتخذوا الكافرين أعوانًا وأنصارًا يُبَادِلونهم المحبة والمودة والمناصرة، ومَنْ يفعلْ ذلك، فإن الله بريء منه، أما إذا كنتم ضعفاء وتَخْشَوْنَ الضرر منهم، فقد رخَّص الله لكم أن تُظْهِروا الكلام اللين والخطاب الجميل، دون أن يؤثِّر ذلك على قلوبكم لتتَّقوا شرهم وأذيتهم.

واعلموا أن الله يخوِّفكم من عقابه وانتقامه الشديد، وأنه إليه وحده الرجوع، وسيجازي جميع الخلائق على أعمالهم؛ إنْ خيرًا فخير، وإن شرًّا فشرّ.

[29] ﴿قُلۡ إِن تُخۡفُواْ مَا فِي صُدُورِكُمۡ أَوۡ تُبۡدُوهُ يَعۡلَمۡهُ ٱللَّهُۗ وَيَعۡلَمُ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلۡأَرۡضِۗ وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ قَدِيرٞ 29﴾:

ثم أمر جل في علاه نبيه ﷺ أن يقول لهؤلاء الذين يتَّخذون الكافرين أولياء من دون المؤمنين على سبيل النصح والإرشاد والتحذير: اعلموا يا من تكتمون موالاة الكفار ونُصْرَتهم في قلوبكم، أو تظهرونها: أن الله يعلم ذلك ولا تخفى عليه خافية؛ بل إن علمه جل في علاه محيطٌ بكل ما في السماوات والأرض، وإنه ذو قدرة نافذة على كل شيء، ومن ذلك: قدرته على عقوبتكم إذا تولَّيتم هؤلاء الكفار.

[30] ﴿يَوۡمَ تَجِدُ كُلُّ نَفۡسٖ مَّا عَمِلَتۡ مِنۡ خَيۡرٖ مُّحۡضَرٗا وَمَا عَمِلَتۡ مِن سُوٓءٖ تَوَدُّ لَوۡ أَنَّ بَيۡنَهَا وَبَيۡنَهُۥٓ أَمَدَۢا بَعِيدٗاۗ وَيُحَذِّرُكُمُ ٱللَّهُ نَفۡسَهُۥۗ وَٱللَّهُ رَءُوفُۢ بِٱلۡعِبَادِ 30﴾:

واعلموا -أيها الناس- أن الجزاء الحقيقي يكون يوم القيامة، يوم تجد كل نَفْس في ذلك اليوم كلَّ ما فعلته في دنياها من خير أو شر، وأنه ينتظرها، فتتمنَّى حينها النفوس الفاسقة لو أن بينها وبين هذا العمل ما بين السماء والأرض، ويحذِّركم الله نفسه؛ فخافوه واتقوه، ومع شدة عقابه وعذابه، فإنه رؤوف رحيم بعباده المؤمنين.

[31] ﴿قُلۡ إِن كُنتُمۡ تُحِبُّونَ ٱللَّهَ فَٱتَّبِعُونِي يُحۡبِبۡكُمُ ٱللَّهُ وَيَغۡفِرۡ لَكُمۡ ذُنُوبَكُمۡۚ وَٱللَّهُ غَفُورٞ رَّحِيمٞ 31﴾:

ثم أمَرَ سبحانه نبيه ﷺ أن يقول للكفار والمشركين: إن كنتم أيها الكفار صادقين في ادِّعائكم محبة الله، فيجب عليكم أن تتَّبعوني وتؤمنوا بي ظاهرًا وباطنًا؛ لأني رسول الله، واعلموا أن من اتَّبعني، فإن الله سوف يحبه، ويمحو ذنوبه ويعفو عنه، والله كثير المغفرة، واسعُ الرحمة بعباده.

قيل: نزَلَتْ هذه الآية لما قال كعب بن الأشرف زعيم اليهود وأتباعه: ﴿نَحۡنُ أَبۡنَٰٓؤُاْ ٱللَّهِ وَأَحِبَّٰٓؤُهُۥۚ ﴾ [المائدة:١٨]، والعِبْرةُ بعموم اللفظ، لا بخصوص السبب؛ فهي عامة لكل من أراد حب الله؛ فعليه اتِّباع ما أمَرَ به النبي ﷺ، وتَرْكُ ما نهى عنه.

[32] ﴿قُلۡ أَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَٱلرَّسُولَۖ فَإِن تَوَلَّوۡاْ فَإِنَّ ٱللَّهَ لَا يُحِبُّ ٱلۡكَٰفِرِينَ 32﴾:

ثم أمَرَ جل وعلا نبيه ﷺ أن يأمر الناس فيقول لهم: أيها الناس، أطيعوا الله بطاعتِهِ فيما أمَرْ، واجتنابِ ما نهى عنه وزَجَرْ، وأطيعوا الرسول باتِّباع سنته وطريقته، فإنْ كذَّبتم وأعرضتم، فاعلموا أن الله لا يحب الكافرين المتولِّين المعرضين.

[33] ﴿إِنَّ ٱللَّهَ ٱصۡطَفَىٰٓ ءَادَمَ وَنُوحٗا وَءَالَ إِبۡرَٰهِيمَ وَءَالَ عِمۡرَٰنَ عَلَى ٱلۡعَٰلَمِينَ 33﴾:

واعلموا -أيها الناس- أن الله اختار لرسالته صَفْوة خلقه، ومِنْ هؤلاء الذين اختارهم الله: آدَمُ ونوحٌ وإبراهيمُ وآلُ إبراهيم وآلُ عمران، عليهم السلام أجمعون، واصطفى كلَّ واحد منهم وأتباعه على عالَمِي زمانهم.

[34] ﴿ذُرِّيَّةَۢ بَعۡضُهَا مِنۢ بَعۡضٖۗ وَٱللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ 34﴾:

واعلموا -أيها الناس- أن هؤلاء الأنبياء وأتباعهم كلُّهم سُلَالةٌ واحدةٌ بعضهم من بعض في الصَّلاحِ والاستقامةِ، لا تختلف عقائدهم، ودينهم واحد، واعلموا أن الله سميعٌ لأقوال عباده، عليمٌ بأحوالهم وأفعالهم.

[35] ﴿إِذۡ قَالَتِ ٱمۡرَأَتُ عِمۡرَٰنَ رَبِّ إِنِّي نَذَرۡتُ لَكَ مَا فِي بَطۡنِي مُحَرَّرٗا فَتَقَبَّلۡ مِنِّيٓۖ إِنَّكَ أَنتَ ٱلسَّمِيعُ ٱلۡعَلِيمُ 35﴾:

واذكر -أيها النبي- لقومك يوم أن قالت امرأة عمران: يا رَبْ إني نذَرْتُ لك ما في بطني خالصًا لك لخِدْمةِ بيتِ المَقْدِس، فتقبَّلْ يا رب مني هذا العمل؛ إنك تسمع كلامي، وتعلم صدقي وإخلاصي.

[36] ﴿فَلَمَّا وَضَعَتۡهَا قَالَتۡ رَبِّ إِنِّي وَضَعۡتُهَآ أُنثَىٰ وَٱللَّهُ أَعۡلَمُ بِمَا وَضَعَتۡ وَلَيۡسَ ٱلذَّكَرُ كَٱلۡأُنثَىٰۖ وَإِنِّي سَمَّيۡتُهَا مَرۡيَمَ وَإِنِّيٓ أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ ٱلشَّيۡطَٰنِ ٱلرَّجِيمِ 36﴾:

فلما أكملت امرأة عمران حملها، ووضَعَتْ مولودها، وإذْ به يخرُجُ أنثى، فقالت: يا ربِّ، إني وضعتها أنثى -ولا شك أن الله أعلم بما وضَعَتْ قبل أن تضع- وأنت تعلم يا رب أن الأنثى لا تصلُحُ في خدمة بيت المقدس كالذَّكَر، وإني سمَّيْتُها يا رب: مَرْيَمَ، وإني أُعيذها بك وذريتها من الشيطان المطرود من رحمتك. وكان من فضل الله أن استجاب لدعائها؛ فحفظ مريم وابنها عيسى عليهما السلام، ولم يَقْرَبْهما الشيطان أبدًا.

وقوله: ﴿فَلَمَّا وَضَعَتۡهَا قَالَتۡ رَبِّ إِنِّي وَضَعۡتُهَآ أُنثَىٰ وَٱللَّهُ أَعۡلَمُ بِمَا وَضَعَتۡ وَلَيۡسَ ٱلذَّكَرُ كَٱلۡأُنثَىٰۖ ﴾، قالت ذلك ندمًا وأسفًا على أنها لم تضع ولدًا ذكرًا يجعلها تفي بنَذْرها، ولله الحكمة البالغة؛ فهي لا تدري أنها وضَعَتْ سيدة نساء عالم زمانها؛ بل هي الأُولى من النساء الأربع اللاتي كَمُلْنَ؛ كما قال ﷺ في حديث أبي موسى الأشعري رضي الله عنه: «كَمُلَ مِنَ الرِّجَالِ كَثِيرٌ، وَلَمْ يَكْمُلْ مِنَ النِّسَاءِ غَيْرُ مَرْيَمَ بِنْتِ عِمْرَانَ، وَآسِيَةَ امْرَأَةِ فِرْعَوْنَ، وَإِنَّ فَضْلَ عَائِشَةَ عَلَى النِّسَاءِ كَفَضْلِ الثَّرِيدِ عَلَى سَائِرِ الطَّعَامِ»([9])، ولم يخطُرْ ببالها أن ابنتها مريم سوف تضع آية عظمى، ونبيًّا كريمًا، وهو عيسى عليه السلام. [9] أخرجه البخاري (3411)، ومسلم (2431).

[37] ﴿فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٖ وَأَنۢبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنٗا وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّاۖ كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيۡهَا زَكَرِيَّا ٱلۡمِحۡرَابَ وَجَدَ عِندَهَا رِزۡقٗاۖ قَالَ يَٰمَرۡيَمُ أَنَّىٰ لَكِ هَٰذَاۖ قَالَتۡ هُوَ مِنۡ عِندِ ٱللَّهِۖ إِنَّ ٱللَّهَ يَرۡزُقُ مَن يَشَآءُ بِغَيۡرِ حِسَابٍ 37﴾:

ثم أخبَرَ سبحانه أنه استجاب لأم مريم دعاءَها، وتقبَّل منها نَذْرها؛ فحَفِظَ لها ابنتها وتولَّاها وأنبتها نباتًا حسنًا، ثم إن زكريا زوج خالتها عليه السلام كفلها، وكان كلما دخل عليها المحراب -وهو مكان الصلاة التي تصلي فيه- وجد عندها أكلًا لم يقُمْ بإحضاره لها من قبل، فسألها: من أين لك يا مريم هذا؟ فأجابته قائلة: هو رِزْقٌ جاء من عند الله؛ فإنه سبحانه وتعالى يرزُقُ من يشاء من عباده بغير حساب.

[38] ﴿هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُۥۖ قَالَ رَبِّ هَبۡ لِي مِن لَّدُنكَ ذُرِّيَّةٗ طَيِّبَةًۖ إِنَّكَ سَمِيعُ ٱلدُّعَآءِ 38﴾:

فلما سمع زكريا إجابة مريم عليهما السلام، ورأى ما تفضَّل الله به عليها من الخير والكرم، انتبه إلى أمر كان غائبًا عنه، أو مستبعِدًا هو حصوله، وهو الولد الصالح؛ حيث إن امرأته عاقر، وقد بلغ سن الشيخوخة؛ فما كان منه عليه السلام إلا أن توجَّه إلى ربه، فدعاه أن يرزقه الذُّرِّيَّةَ الصالحة الطيبة، فقال: يا رب، امنحني من فَيْضِ جُودك وكرمك ذريةً صالحة طيبة تَقَرُّ بها عيني، وتكون خلفًا من بعدي؛ إنك يا رب سميع مجيب لمن دعاك، وكان سبب دعائه: أنه خاف على الدعوة والتوحيد أن يتلاعب بهما الخَلَف، كما وضَّح هو ذلك بقوله في سورة أخرى: ﴿وَإِنِّي خِفۡتُ ٱلۡمَوَٰلِيَ مِن وَرَآءِي وَكَانَتِ ٱمۡرَأَتِي عَاقِرٗا فَهَبۡ لِي مِن لَّدُنكَ وَلِيّٗا﴾ [مريم:٥].

[39] ﴿فَنَادَتۡهُ ٱلۡمَلَٰٓئِكَةُ وَهُوَ قَآئِمٞ يُصَلِّي فِي ٱلۡمِحۡرَابِ أَنَّ ٱللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحۡيَىٰ مُصَدِّقَۢا بِكَلِمَةٖ مِّنَ ٱللَّهِ وَسَيِّدٗا وَحَصُورٗا وَنَبِيّٗا مِّنَ ٱلصَّٰلِحِينَ 39﴾:

ثم أخبَرَ سبحانه أنه استجاب دعوة زكريا عليه السلام، وجاءت الملائكة تبشِّره بالولد، وهو قائم يصلِّي في المحراب، وقالت له: يا زكريا، إن الله يبشِّرُكَ بولدٍ اسمه: يحيى، وهذا الولد سوف يصدِّق بعيسى بن مريم عليه السلام، وسيكون سيدًا في قومه، ولا يقع في الذنوب والشهوات، ولا يَقْرَبُ النساء؛ لتفرُّغه للعبادة؛ وهذا معنى قوله: ﴿وَحَصُورٗا﴾، أي: خلَّص نفسه للدعوة والعبادة، وسوف يكون نبيًّا من الصالحين الذين بلَغُوا أعلى درجات الصلاح.

ولاحِظْ أن الله سبحانه وتعالى ذكَرَ في هذه الآيات (المِحْراب) مرتين:

الأولى: لما رأى زكريا الرزق عند مريم عليها السلام.

والثانية: لما نادت الملائكة زكريا وهو يصلِّي في المحراب، وبشَّرته بيحيى عليهما السلام.

كما أنه ذكر المحراب أيضًا في آية سابقة لما خَرَجَ زكريا عليه السلام على قومه.

ويفهم من هذا: أن رَحَماتِ الله تتنزَّل غالبًا على الذين يتوجَّهون إلى الله مخلصين بالعبادة والدعاء له في الصلاة؛ ولذلك كان ﷺ كلما حَزَبَهُ أمرٌ، فَزِعَ إلى الصلاة([10]). [10] أخرجه أحمد في المسند (5/388)، وأبو داود (1319)، عن حذيفة رضي الله عنه، وصحَّحه الألباني في صحيح أبي داود (1192)، وصحيح الجامع (4703).

[40] ﴿قَالَ رَبِّ أَنَّىٰ يَكُونُ لِي غُلَٰمٞ وَقَدۡ بَلَغَنِيَ ٱلۡكِبَرُ وَٱمۡرَأَتِي عَاقِرٞۖ قَالَ كَذَٰلِكَ ٱللَّهُ يَفۡعَلُ مَا يَشَآءُ 40﴾:

عند ذلك قال زكريا عليه السلام على سبيل التعجُّب: ربِّ، كيف يكون لي غلام مع أني قد كَبِرَ سني، وامرأتي عقيم؟! فأخبره سبحانه وتعالى: أنه بمِثْلِ هذا الفعل، فإنه يفعل ما يشاء من الأفعال المُعْجِزة المخالفة للعادة.

[41] ﴿قَالَ رَبِّ ٱجۡعَل لِّيٓ ءَايَةٗۖ قَالَ ءَايَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ ٱلنَّاسَ ثَلَٰثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا رَمۡزٗاۗ وَٱذۡكُر رَّبَّكَ كَثِيرٗا وَسَبِّحۡ بِٱلۡعَشِيِّ وَٱلۡإِبۡكَٰرِ 41﴾:

وبعد أن بشَّرت الملائكة زكريا عليه السلام بالولد، توجَّه داعيًا الله أن يجعل له علامةً تُخْبِرُهُ أن زوجته حمَلَتْ، وقصده بذلك أن يصوم ويدعو شاكرًا الله، فأخبره جل وعلا أنه سوف يصبح عاجزًا عن الكلام مع الناس لمدة ثلاثة أيام إلا بالإشارة إليهم، ثم أمَرَهُ الله أن يُكْثِرَ في هذه المدة من ذكره في أول النهار وفي آخره.

[42] ﴿وَإِذۡ قَالَتِ ٱلۡمَلَٰٓئِكَةُ يَٰمَرۡيَمُ إِنَّ ٱللَّهَ ٱصۡطَفَىٰكِ وَطَهَّرَكِ وَٱصۡطَفَىٰكِ عَلَىٰ نِسَآءِ ٱلۡعَٰلَمِينَ 42﴾:

ثم وجَّه جل في علاه الخطاب لنبيه ﷺ، وأخبره أن الملائكة قالت لمريم عليها السلام: يا مريم، إن الله اختارَكِ وطَهَّرَكِ من الوقوع في الأخطاء، واختارَكِ من بين نساء العالمين. وكرَّر سبحانه الاصطفاء في هذه الآية؛ للأمر الخارق للعادة، وهو إيجاد الوَلَدِ من غير أب.

[43] ﴿يَٰمَرۡيَمُ ٱقۡنُتِي لِرَبِّكِ وَٱسۡجُدِي وَٱرۡكَعِي مَعَ ٱلرَّٰكِعِينَ 43﴾:

ثم أمَرَ جل وعلا مريم عليها السلام أن تُخْلِصَ العبادة لله وحده لا شريك له، وأن تُكْثِرَ من السجود والركوع مع الراكعين؛ شكرًا لله على نعمه وأفضاله.

[44] ﴿ذَٰلِكَ مِنۡ أَنۢبَآءِ ٱلۡغَيۡبِ نُوحِيهِ إِلَيۡكَۚ وَمَا كُنتَ لَدَيۡهِمۡ إِذۡ يُلۡقُونَ أَقۡلَٰمَهُمۡ أَيُّهُمۡ يَكۡفُلُ مَرۡيَمَ وَمَا كُنتَ لَدَيۡهِمۡ إِذۡ يَخۡتَصِمُونَ 44﴾:

واعلم -أيها النبي- أن ما قصَّه الله عليك من هذه الأخبار الغيبية، هو مِنَ الغيب الذي أوحاه الله إليك، وما كُنْتَ تعلمها لولا أن الله أخبرك بها، وما كُنْتَ حاضرًا معهم وهم يقترعون بالسهام لِيُعْلَمَ بالقرعة من يكفُلُ مريم، وما كنت معهم وهم يختصمون في نيل هذا الشرف العظيم، وإنما جاءك العلم بهذه الأخبار من عند الله؛ ليكون دليلًا لك على صدق نبوَّتك.

[45] ﴿إِذۡ قَالَتِ ٱلۡمَلَٰٓئِكَةُ يَٰمَرۡيَمُ إِنَّ ٱللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٖ مِّنۡهُ ٱسۡمُهُ ٱلۡمَسِيحُ عِيسَى ٱبۡنُ مَرۡيَمَ وَجِيهٗا فِي ٱلدُّنۡيَا وَٱلۡأٓخِرَةِ وَمِنَ ٱلۡمُقَرَّبِينَ 45﴾:

واذكر -أيها النبي- يوم أن قالت الملائكة لمريم عليها السلام: يا مريم، إن الله يبشِّرُكِ أنه وهب لك ولدًا يحصُلُ بكلمة الله تعالى، وهذا المولود اسمه: المسيح عيسى بن مريم عليه السلام، وسوف يكون ذا جاهٍ وشَرَفٍ في الدنيا وفي الآخرة، ومن المقرَّبين لله تعالى؛ فصار من أولي العزم من الرسل.

[46] ﴿وَيُكَلِّمُ ٱلنَّاسَ فِي ٱلۡمَهۡدِ وَكَهۡلٗا وَمِنَ ٱلصَّٰلِحِينَ 46﴾:

ثم أخبَرَ جل وعلا أن هذا المولود -وهو عيسى عليه السلام- سوف يُجْرِي الله على يديه بعض المعجزات، ومن ذلك: أنه يكلِّم الناس وهو في مَهْدِهِ وقت رضاعه، كما يكلِّمهم في كِبَره، وسوف يكون من الصالحين الذين يعملون الأعمال الصالحة، وقد صار أحد أولي العزم من الرسل.

[47] ﴿قَالَتۡ رَبِّ أَنَّىٰ يَكُونُ لِي وَلَدٞ وَلَمۡ يَمۡسَسۡنِي بَشَرٞۖ قَالَ كَذَٰلِكِ ٱللَّهُ يَخۡلُقُ مَا يَشَآءُۚ إِذَا قَضَىٰٓ أَمۡرٗا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُۥ كُن فَيَكُونُ 47﴾:

فقالت مريم عليها السلام على سبيل التعجُّب: يا ربِّ، كيف يكون لي ولد ولم يَمْسَسْني بشَرٌ بجماعٍ؟! فأجابها جبريلُ عليه السلام: هكذا أمَرَ الله يا مريم؛ سوف يَخْلُقُ منك ولدًا من غير أب، وهو جل في علاه يخلق ما يشاء، وإذا حكم بوجود شيء، فإنما يقول له: (كُنْ)؛ فيكون؛ كما في قوله تعالى: ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَىٰ عِندَ ٱللَّهِ كَمَثَلِ ءَادَمَۖ خَلَقَهُۥ مِن تُرَابٖ ثُمَّ قَالَ لَهُۥ كُن فَيَكُونُ﴾ [آل عمران:٥٩].

[48] ﴿وَيُعَلِّمُهُ ٱلۡكِتَٰبَ وَٱلۡحِكۡمَةَ وَٱلتَّوۡرَىٰةَ وَٱلۡإِنجِيلَ 48﴾:

ثم أخبَرَ جل وعلا أنه سوف يعلِّم عيسى عليه السلام الكتابةَ والحِكْمة، وهي الإصابةُ والسدادُ في القول والفعل، وهي هنا النبوة، ويعلِّمه أيضًا التوراةَ التي نزَلَتْ على موسى عليه السلام، والإنجيلَ الذي أنزله الله عليه.

[49] ﴿وَرَسُولًا إِلَىٰ بَنِيٓ إِسۡرَٰٓءِيلَ أَنِّي قَدۡ جِئۡتُكُم بِـَٔايَةٖ مِّن رَّبِّكُمۡ أَنِّيٓ أَخۡلُقُ لَكُم مِّنَ ٱلطِّينِ كَهَيۡـَٔةِ ٱلطَّيۡرِ فَأَنفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيۡرَۢا بِإِذۡنِ ٱللَّهِۖ وَأُبۡرِئُ ٱلۡأَكۡمَهَ وَٱلۡأَبۡرَصَ وَأُحۡيِ ٱلۡمَوۡتَىٰ بِإِذۡنِ ٱللَّهِۖ وَأُنَبِّئُكُم بِمَا تَأۡكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمۡۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَأٓيَةٗ لَّكُمۡ إِن كُنتُم مُّؤۡمِنِينَ 49﴾:

وأخبَرَ جل وعلا أنه جعل عيسى عليه السلام رسولًا لبني إسرائيل، وأن عيسى أخبَرَ بني إسرائيل أنه جاء بالأدلة التي تُثْبِتُ أن الله بعثه رسولًا إليهم. ومن هذه الأدلة: قولُ عيسى عليه السلام لهم: إني أصنع لكم من الطِّينِ ما يكون على شكل الطير، ثم أنفُخُ فيه، فيصير طيرًا بإذن الله، وإنِّي أرُدُّ للأعمى بصره، وأشفي مَنْ به بَرَصٌ بإذن الله، وإنِّي أحيي من كان ميتًا بإذن الله، وأُخبِرُكم بما تأكلون وما تدَّخرون من الطعام في بيت كل واحد منكم بإذن الله. واعلموا: أن في هذه الآيات العظيمة التي لا يَقْدِرُ عليها أحد من البشر دليلًا وإثباتًا لكم أني نبيٌّ ورسولٌ من الله تعالى؛ إن كنتم تؤمنونَ وتُذْعِنونَ وتصدِّقون بحجج الله وآياته.

وقد كرَّر سبحانه في هذه الآية قوله: ﴿بِإِذۡنِ ٱللَّهِۖ ﴾، مع كل معجزة؛ ليؤكِّد أنه إنسانٌ مِثْلُهم، وأن هذه الخوارق هي بإقدار الله له وبإذنه؛ حتى لا يقدِّسوه ويعطوه صفة الربوبية، ومع ذلك لم يَسْلَمْ؛ فقد وقع ما خوَّفهم منه.

[50] ﴿وَمُصَدِّقٗا لِّمَا بَيۡنَ يَدَيَّ مِنَ ٱلتَّوۡرَىٰةِ وَلِأُحِلَّ لَكُم بَعۡضَ ٱلَّذِي حُرِّمَ عَلَيۡكُمۡۚ وَجِئۡتُكُم بِـَٔايَةٖ مِّن رَّبِّكُمۡ فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُونِ 50﴾:

ثم قال عيسى عليه السلام لقومه: لقد جئتكم -يا قوم- مصدِّقًا للتوراة التي أُنْزِلَتْ على موسى عليه السلام، ولستُ مخالفًا لشيء من أحكامها الخاصَّة بتوحيد الله، وأيضًا جئت لأخفِّف عنكم بعض الأحكام المشدَّدة فيها، فأُحِلُّ لكم بعض الذي حُرِّمَ عليكم، وقد جئتكم بحجج وبراهين تدُلُّ على صدق ما قلت لكم؛ فخافوا الله عز وجل وأطيعوني فيما جئتكم به من الله.

[51] ﴿إِنَّ ٱللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمۡ فَٱعۡبُدُوهُۚ هَٰذَا صِرَٰطٞ مُّسۡتَقِيمٞ 51﴾:

واعلموا -يا قوم- أن الذي أرشدكم إلى عبادة الله وحده هو الله ربي وربكم، وخالقي وخالقكم؛ فاعبدوه وأطيعوه، وهذا هو الطريق المستقيم الذي يوصِّلكم إلى جَنَّةِ ربكم.

[52] ﴿فَلَمَّآ أَحَسَّ عِيسَىٰ مِنۡهُمُ ٱلۡكُفۡرَ قَالَ مَنۡ أَنصَارِيٓ إِلَى ٱللَّهِۖ قَالَ ٱلۡحَوَارِيُّونَ نَحۡنُ أَنصَارُ ٱللَّهِ ءَامَنَّا بِٱللَّهِ وَٱشۡهَدۡ بِأَنَّا مُسۡلِمُونَ 52﴾:

فلما شعَرَ عيسى عليه السلام بإصرارهم على الكفر والإعراض، نادى في بني إسرائيل، فقال: من ينصُرُ دين الله ورسوله منكم معي؟ فقال الخُلَّصُ من المؤمنين: نحن أنصارُ دِينِ الله ورسوله، وصدَّقنا بالله، واتَّبعناك على الحق الذي جئتَ به، ونطلُبُ منك -أيها النبي- أن تشهد يوم القيامة على تصديقنا واتِّباعنا لك.

[53] ﴿رَبَّنَآ ءَامَنَّا بِمَآ أَنزَلۡتَ وَٱتَّبَعۡنَا ٱلرَّسُولَ فَٱكۡتُبۡنَا مَعَ ٱلشَّٰهِدِينَ 53﴾:

ثم دعا الحواريون ربهم، فقالوا: ربَّنا، صدَّقنا بما أنزَلْتَ على عيسى عليه السلام من الإنجيل واتَّبعناه؛ فاكتبنا مع الشاهدين الذين يَشْهَدُونَ أنك أنت الله الواحد الأحد الذي لا إله إلا هو.

[54] ﴿وَمَكَرُواْ وَمَكَرَ ٱللَّهُۖ وَٱللَّهُ خَيۡرُ ٱلۡمَٰكِرِينَ 54﴾:

ثم أخبَرَ جل وعلا أن اليهود مكروا وتآمروا على قتل عيسى عليه السلام، مدَّعين أن الآيات التي أتى بها سِحْر، وقرَّروا عمل الجريمة، وعيَّنوا من يتولى ذلك، ولكنَّ الله مكر بهم بأن رفع عيسى عليه السلام، وألقى شَبَهَهُ على رئيسهم في المؤامرة فقتلوه، واعلموا يا من مكَرْتم وتآمرتم على قتل عيسى عليه السلام: أن الله خير الماكرين، أي: أنْفَذُ إرادةً وأقْدَرُ على إيصال الضرِّ إلى من يستحقه.

وفي هذه الآية: إثباتُ صفةِ المَكْرِ المقيَّدِ لله، كما يليق بجلاله وعظمته. والمكر نوعان: مكرٌ سيِّئٌ، ومكرٌ حسَنٌ:

فالسيِّئُ: هو الإضرار بالآخرين بغير حق.

والحسَنُ: هو دفعُ الظلم، والانتقامُ من المجرمين.

والله جل وعلا يوصف بالمكر المقيَّدِ بالأعلى والأفضل، فلا يقال: إن الله ماكر إلا إذا أضيفت له صفة الكمال، أي: المكر الأعلى، أو المكر بالماكرين.

[55] ﴿إِذۡ قَالَ ٱللَّهُ يَٰعِيسَىٰٓ إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَجَاعِلُ ٱلَّذِينَ ٱتَّبَعُوكَ فَوۡقَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوٓاْ إِلَىٰ يَوۡمِ ٱلۡقِيَٰمَةِۖ ثُمَّ إِلَيَّ مَرۡجِعُكُمۡ فَأَحۡكُمُ بَيۡنَكُمۡ فِيمَا كُنتُمۡ فِيهِ تَخۡتَلِفُونَ 55﴾:

ومن مَكْرِ الله بهم: أن الله جل في علاه قال: اعلم -يا عيسى- أني قابضك ورافعك إليَّ بجَسَدك وروحك، ومخلِّصك من كيد الذين كفروا بك، وسأجعل الذين اتَّبعوا ما جئت به من الحق معزَّزين ومنصورين على الذين كفروا وجحدوا نبوَّتك إلى يوم القيامة، ثم إلى الله مرجعكم جميعًا يوم القيامة، يوم الجزاءِ والحسابِ؛ ليَحْكُمَ بينكم فيما كنتم فيه تختلفون في أمرِ عيسى عليه السلام وغيرِه.

[56] ﴿فَأَمَّا ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ فَأُعَذِّبُهُمۡ عَذَابٗا شَدِيدٗا فِي ٱلدُّنۡيَا وَٱلۡأٓخِرَةِ وَمَا لَهُم مِّن نَّٰصِرِينَ 56﴾:

ثم أخبَرَ جل وعلا أن الذين كفروا من اليهود والنصارى والمشركين وغيرهم، سوف يعذِّبهم في الدنيا: بالقتل والسًّبْي والجِزْية، وفي الآخرة: بالنار والعذاب الأليم، وليس لهم مَنْ يمنعهم من عذاب الله أبدًا.

[57] ﴿وَأَمَّا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ فَيُوَفِّيهِمۡ أُجُورَهُمۡۗ وَٱللَّهُ لَا يُحِبُّ ٱلظَّٰلِمِينَ 57﴾:

ثم أخبر سبحانه وتعالى أن الذين آمنوا بالله ورسوله، وعملوا بشرعه، وعملوا الأعمال الصالحة، سوف يعطيهم الله جزاء أعمالهم غير منقوصة، واعلموا -أيها الناس- أن الله لا يحب المتجاوزين لحدوده، المقترفين لمعاصيه.

[58] ﴿ذَٰلِكَ نَتۡلُوهُ عَلَيۡكَ مِنَ ٱلۡأٓيَٰتِ وَٱلذِّكۡرِ ٱلۡحَكِيمِ 58﴾:

واعلم -أيها النبي- أن ذلك الذي قصَصْناهُ عليك في شأن عيسى عليه السلام هو مِنَ الدلائل على صدق رسالتك، وهو مِنَ القرآنِ الكريم المشتمِلِ على العلم النافع المُحْكَمِ المنجِّي من العذاب.

[59] ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَىٰ عِندَ ٱللَّهِ كَمَثَلِ ءَادَمَۖ خَلَقَهُۥ مِن تُرَابٖ ثُمَّ قَالَ لَهُۥ كُن فَيَكُونُ 59﴾:

ثم بيَّن المولى سبحانه أن خَلْقَهُ لعيسى عليه السلام من غير أب، كمثلِ خلقه آدم عليه السلام من غير أب ولا أم، بل أَمْرُ آدَمَ أغربُ وأتمُّ في الإعجاز؛ حيث إن الله خلقه من تراب، ثم قال له: |@| ﴿كُن﴾، فكان بشرًا سويًّا، وقد اتفق الجميع على أن آدم عَبْدٌ من عباد الله، فكذلك عيسى عليه السلام عَبْدٌ من عباد الله.

[60] ﴿ٱلۡحَقُّ مِن رَّبِّكَ فَلَا تَكُن مِّنَ ٱلۡمُمۡتَرِينَ 60﴾:

واعلم -أيها النبي- أن الحق الذي جاءك في شأن عيسى عليه السلام، هو ما قلناه وبيَّنَّاهُ لك؛ فلا تكن من الشاكِّين، وهذا أمرٌ وتوجيهٌ من الله؛ ليعرف المؤمنون عمومًا، وأتباع عيسى -الذين يعتقدون أنه قُتِلَ وصلب- خصوصًا، وغيرهم: أن عيسى عليه السلام لم يُقْتَلْ، وأنه عبد الله ورسوله، أما نبينا محمد ﷺ، فهو معصوم مما هو أقل من الشك فيما يبلِّغ عن ربه.

[61] ﴿فَمَنۡ حَآجَّكَ فِيهِ مِنۢ بَعۡدِ مَا جَآءَكَ مِنَ ٱلۡعِلۡمِ فَقُلۡ تَعَالَوۡاْ نَدۡعُ أَبۡنَآءَنَا وَأَبۡنَآءَكُمۡ وَنِسَآءَنَا وَنِسَآءَكُمۡ وَأَنفُسَنَا وَأَنفُسَكُمۡ ثُمَّ نَبۡتَهِلۡ فَنَجۡعَل لَّعۡنَتَ ٱللَّهِ عَلَى ٱلۡكَٰذِبِينَ 61﴾:

ثم قال سبحانه وتعالى لنبيه ﷺ: فإذا جادلك -أيها النبي- هؤلاء في عيسى عليه السلام، وزعموا أنه فوق منزلة العبودية، مِنْ بعد ما أخبرك القرآن أنه عبد الله ورسوله، فادْعُهم للمباهَلة، وقل لهم: تعالَوْا نَجْمَعْ أقربَ الناسِ وأحبَّهم إلينا من أبنائنا وأبنائكم، ونسائنا ونسائكم، ثم ندعو الله أن ينزِّل عقوبته ولعنته على الكاذبينَ المُصِرِّينَ على عنادهم وإعراضهم.

وهذه الآية تسمَّى: (آيةَ المباهَلة)، وتسمَّى آية (التحدِّي)، وقد نزلت في نصارى نَجْرانَ الذين جادلوا النبي ﷺ لما قدموا عليه في المدينة، فدعاهم إلى الإسلام، فأصروا على أنهم على حق، فأمره الله أن يدعوهم إلى المباهَلة، ووعَدَهم النبي ﷺ بالحضور للمباهَلة نهار الغد، ومِنَ الغدِ حضَرَ الرسول ﷺ في الموعد، وحضَرَ معه الموجود من أسرته، ولكنْ لم يحضُرِ النصارى في الموعد؛ لخوفهم وعلمهم بما سيترتَّب على ذلك، وقال بعضهم: إنْ باهلناه، حَلَّتْ بنا اللعنة([11])، أي: تأكَّدوا أنهم كانوا يجادلون بالباطل ليُدْحِضوا به الحق. [11] قصة مباهلة النبي ﷺ لوفد نصارى نجران رواها البخاري مختصرة (3745، 7254، 4380، 4381)، ومسلم (2420) عن حذيفة رضي الله عنه، ورواها الطبري في تفسيره (6/151)، وانظر: السيرة النبوية لابن هشام (1/573-575).

[62] ﴿إِنَّ هَٰذَا لَهُوَ ٱلۡقَصَصُ ٱلۡحَقُّۚ وَمَا مِنۡ إِلَٰهٍ إِلَّا ٱللَّهُۚ وَإِنَّ ٱللَّهَ لَهُوَ ٱلۡعَزِيزُ ٱلۡحَكِيمُ 62﴾:

واعلم -أيها النبي- أن هذا الذي قصَصْناهُ عليك في شأن عيسى عليه السلام، وأنه عبد الله ورسوله وكَلِمَتُهُ، هو من القصص الحق الذي لا مِرْيةَ فيه، ثم اعلم أنه ما من إله حق إلا الله، الواحد الأحد، الفرد الصمد، وأنه جل في علاه هو العزيزُ الذي لا يمنعه مانع، ولا يغلبه غالب، الحكيمُ في خلقه وتدبيره سبحانه.

[63] ﴿فَإِن تَوَلَّوۡاْ فَإِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمُۢ بِٱلۡمُفۡسِدِينَ 63﴾:

ثم بيَّن سبحانه لنبيه ﷺ أنه إذا أعرض هؤلاء عن تصديق ما جئتَ به من التوحيد والحق، بعد كل هذه الحجج والبراهين الواضحة، فأخبرهم أن الله عليمٌ بما تنطوي عليه نفوسهم من الفساد، لا يخفى عليه شيء من أمرهم وما تخفيه صدورهم.

[64] ﴿قُلۡ يَٰٓأَهۡلَ ٱلۡكِتَٰبِ تَعَالَوۡاْ إِلَىٰ كَلِمَةٖ سَوَآءِۭ بَيۡنَنَا وَبَيۡنَكُمۡ أَلَّا نَعۡبُدَ إِلَّا ٱللَّهَ وَلَا نُشۡرِكَ بِهِۦ شَيۡـٔٗا وَلَا يَتَّخِذَ بَعۡضُنَا بَعۡضًا أَرۡبَابٗا مِّن دُونِ ٱللَّهِۚ فَإِن تَوَلَّوۡاْ فَقُولُواْ ٱشۡهَدُواْ بِأَنَّا مُسۡلِمُونَ 64﴾:

ثم أمَرَ جل وعلا نبيه ﷺ أن يقول لهؤلاء اليهود والنصارى: تعالَوْا إلى كلمة عادلة بيننا وبينكم، وهي أن نَعْبُدَ الله وحده ولا نُشْرِكَ معه في العبادة أحدًا، وألَّا يطيع بعضنا بعضًا في تحليلِ ما حرَّم الله، أو تحريمِ ما أحلَّ الله، فإنْ أعرضوا عن هذه الدعوة الحقة، وعن توحيد الله، فقولوا لهم أيها المسلمون: اشهدوا -يا أهل الكتاب- أننا مُسْلِمون منقادون ومستسلمون لله وحده، ومُخْلِصون له في العبادة، وقد بلَّغناكم بالدين الحق؛ وما على الرسول إلا البلاغ المبين.

[65] ﴿يَٰٓأَهۡلَ ٱلۡكِتَٰبِ لِمَ تُحَآجُّونَ فِيٓ إِبۡرَٰهِيمَ وَمَآ أُنزِلَتِ ٱلتَّوۡرَىٰةُ وَٱلۡإِنجِيلُ إِلَّا مِنۢ بَعۡدِهِۦٓۚ أَفَلَا تَعۡقِلُونَ 65﴾:

وأمَرَهُ سبحانه وتعالى أن يقول لهؤلاء اليهود والنصارى: لماذا تجادلون في إبراهيم بأنه يهودي أو نصراني، وكل فريق منكم يزعم أنه منهم، وأنتم تعلمون أن اليهودية والنصرانية ما جاءت إلا بعد التوراة والإنجيل، وتعلمون أن بين إبراهيم وموسى ألفَ سَنَةٍ، وبينه وبين عيسى ألفَيْن؛ فكيف تزعمون وتدَّعون أن إبراهيم منكم؟! أليس لكم عقول تفكِّرون بها في أقوالكم ومزاعمكم حتى لا تجادلوا بالباطل؟!

[66] ﴿هَٰٓأَنتُمۡ هَٰٓؤُلَآءِ حَٰجَجۡتُمۡ فِيمَا لَكُم بِهِۦ عِلۡمٞ فَلِمَ تُحَآجُّونَ فِيمَا لَيۡسَ لَكُم بِهِۦ عِلۡمٞۚ وَٱللَّهُ يَعۡلَمُ وَأَنتُمۡ لَا تَعۡلَمُونَ 66﴾:

ثم قال جل شأنه: ها أنتم -يا أهل الكتاب- جادلتم الرسول فيما لكم به عِلْمٌ من أمر دينكم؛ كجدالكم في شأن عيسى عليه السلام، أو ما جاء في التوراة من أحكام، فلِمَ تجادلون في أمورٍ لا عِلْمَ لكم بها؛ كجدالكم في شأن إبراهيم عليه السلام؟! والله يعلم كل شيء في هذا الوجود؛ فهو يعلم حال إبراهيم ودينه، ويعلم حالكم ونياتكم؛ أما أنتم، فلا تعلمون شيئًا من أمور الغيب.

[67] ﴿مَا كَانَ إِبۡرَٰهِيمُ يَهُودِيّٗا وَلَا نَصۡرَانِيّٗا وَلَٰكِن كَانَ حَنِيفٗا مُّسۡلِمٗا وَمَا كَانَ مِنَ ٱلۡمُشۡرِكِينَ 67﴾:

ثم أخبَرَ جل وعلا أن إبراهيم عليه السلام الذي يعظِّمه اليهود والنصارى والمشركون، لم يكن على ملَّة أحد منهم؛ بل كان مسلمًا موحِّدًا لله، مخلصًا له في العبادة، ولم يكن من المشركين الضالِّين.

[68] ﴿إِنَّ أَوۡلَى ٱلنَّاسِ بِإِبۡرَٰهِيمَ لَلَّذِينَ ٱتَّبَعُوهُ وَهَٰذَا ٱلنَّبِيُّ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْۗ وَٱللَّهُ وَلِيُّ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ 68﴾:

واعلموا -يا أهل الكتاب- أن أحق الناس بإبراهيم ونصرته ووَلَايته هم الذين أجابوا دعوته في زمنه، فوحَّدوا الله مُخْلِصين، وكذلك النبيُّ محمد ﷺ؛ لأنه دعا إلى التوحيد الذي دعا إليه إبراهيم عليه السلام، وكذلك المؤمنون الذين اتَّبعوا النبي ﷺ في دعوة التوحيد والإيمان.

واعلموا أن الله ولي المؤمنين المخلصين يتولَّى أمورهم؛ فيوفِّقهم ويهديهم إلى الطريق المستقيم.

[69] ﴿وَدَّت طَّآئِفَةٞ مِّنۡ أَهۡلِ ٱلۡكِتَٰبِ لَوۡ يُضِلُّونَكُمۡ وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّآ أَنفُسَهُمۡ وَمَا يَشۡعُرُونَ 69﴾:

ثم أخبَرَ جل وعلا أن بعض اليهود والنصارى كانوا يتمَنَّوْنَ أن يردُّوكم عن دين الإسلام، وتعودوا إلى دين الكفر والضلال، وما علموا أنهم بهذا التمني ما يُهْلِكونَ إلا أنفسهم؛ بسبب كفرهم وضلالهم، ولكنهم لا يُحِسُّونَ بذلك، ولا يعلمون أنهم في ضَلَالٍ وغَوَاية.

[70] ﴿يَٰٓأَهۡلَ ٱلۡكِتَٰبِ لِمَ تَكۡفُرُونَ بِـَٔايَٰتِ ٱللَّهِ وَأَنتُمۡ تَشۡهَدُونَ 70﴾:

هذا نداء من الله جل وعلا لأصحاب التوراة والإنجيل؛ يقول فيه: يا أهل الكتاب، ما الذي دعاكم إلى الكفر بآيات الله مع عِلْمكم أن ما أنتم عليه باطل، وأن ما جاءكم به محمد ﷺ هو الحق الذي لا تَشُكُّونَ فيه، وتشهدون أنه حق، وفي كتبكم ما يؤيِّده؟!

[71] ﴿يَٰٓأَهۡلَ ٱلۡكِتَٰبِ لِمَ تَلۡبِسُونَ ٱلۡحَقَّ بِٱلۡبَٰطِلِ وَتَكۡتُمُونَ ٱلۡحَقَّ وَأَنتُمۡ تَعۡلَمُونَ 71﴾:

وهذا نداء آخر موجَّه أيضًا لأهل الكتاب؛ يقول فيه: يا أهل التوراة والإنجيل، ما الذي جعلكم تَخْلِطونَ الحقَّ بالباطل بأن تحرِّفوه وتزوِّروه؟! وما الذي جعلكم تكتمون صفة النبي ﷺ الموجودة في كتبكم، وأنتم تعلمون أنه رسول الله حقًّا؟!

[72] ﴿وَقَالَت طَّآئِفَةٞ مِّنۡ أَهۡلِ ٱلۡكِتَٰبِ ءَامِنُواْ بِٱلَّذِيٓ أُنزِلَ عَلَى ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَجۡهَ ٱلنَّهَارِ وَٱكۡفُرُوٓاْ ءَاخِرَهُۥ لَعَلَّهُمۡ يَرۡجِعُونَ 72﴾:

ثم أخبَرَ جل وعلا أن طائفة من اليهود قالوا لأتباعهم: آمِنُوا بالقرآن الذي نُزِّلَ على محمد وأتباعه من المؤمنين أوَّلَ النهار، واكفروا في آخره؛ لعلكم بهذا الفعل تفتنون المسلمين وتشكِّكونهم في دينهم؛ فيرجعون عنه.

[73] ﴿وَلَا تُؤۡمِنُوٓاْ إِلَّا لِمَن تَبِعَ دِينَكُمۡ قُلۡ إِنَّ ٱلۡهُدَىٰ هُدَى ٱللَّهِ أَن يُؤۡتَىٰٓ أَحَدٞ مِّثۡلَ مَآ أُوتِيتُمۡ أَوۡ يُحَآجُّوكُمۡ عِندَ رَبِّكُمۡۗ قُلۡ إِنَّ ٱلۡفَضۡلَ بِيَدِ ٱللَّهِ يُؤۡتِيهِ مَن يَشَآءُۗ وَٱللَّهُ وَٰسِعٌ عَلِيمٞ 73﴾:

ثم أخبَرَ سبحانه وتعالى عن مَكْرِ اليهود وخُبْثهم وكَيْدهم للنبي ﷺ وللمؤمنين؛ حيث قال بعضهم لبعض: لا تعترفوا -أيها اليهود- لأحد من الناس إلا لمن تَبِعَ دينكم، فكان على اليهودية؛ ولا تعترفوا للمسلمين بالرسالة، ولا بما عندكم من العلم؛ حتى لا يكون حجة عليكم يوم القيامة.

ولهذا أمَرَ جل شأنه نبيه ﷺ أن يقول لهم: اعلموا -أيها اليهود- أن الهداية بيد الله وحده، وأنه سبحانه يَهْدي من يشاء، وكذلك فإنَّ أمر الرسالة بيد الله -وليس بأيديكم- يعطيها من يريد من عباده، وهو أعلم حيثُ يَجْعَلُ رسالته، وهو سبحانه واسعُ الفضل، عليمٌ بمن يستحقُّ هذا الهدى والفضل.

[74] ﴿يَخۡتَصُّ بِرَحۡمَتِهِۦ مَن يَشَآءُۗ وَٱللَّهُ ذُو ٱلۡفَضۡلِ ٱلۡعَظِيمِ 74﴾:

واعلموا -يا أهل الكتاب- أن الله جل وعلا يعطي النبوة والرسالة من يشاء من عباده، وأنه سبحانه يهدي من يشاء إلى الإيمان، وهو جلَّ في علاه وحده صاحب الجُودِ والفضل العظيم.

[75] ﴿وَمِنۡ أَهۡلِ ٱلۡكِتَٰبِ مَنۡ إِن تَأۡمَنۡهُ بِقِنطَارٖ يُؤَدِّهِۦٓ إِلَيۡكَ وَمِنۡهُم مَّنۡ إِن تَأۡمَنۡهُ بِدِينَارٖ لَّا يُؤَدِّهِۦٓ إِلَيۡكَ إِلَّا مَا دُمۡتَ عَلَيۡهِ قَآئِمٗاۗ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمۡ قَالُواْ لَيۡسَ عَلَيۡنَا فِي ٱلۡأُمِّيِّـۧنَ سَبِيلٞ وَيَقُولُونَ عَلَى ٱللَّهِ ٱلۡكَذِبَ وَهُمۡ يَعۡلَمُونَ 75﴾:

ثم أخبَرَ سبحانه وتعالى أن مِن اليهود مَنْ إنْ تأمنه بمال كثير يؤدِّه إليك لأمانته، ومنهم مَنْ إنْ تأمنه بدينار لا يؤدِّه إليك لخيانته؛ إلا ما دمت عليه ملحًّا بالمطالبة؛ وهذا تحذيرٌ مِن معاملتهم وعدَمِ الاغترار بأمانة بعضهم.

ثم بيَّن سبحانه السبب الذي حملهم على الخيانة، وهو قولهم: ليس علينا في العرَبِ بأسٌ ولا إثم؛ ولذلك فإنهم يستحلُّون أكل مالِ مَنْ عداهم من الأمم، ويقولون على الله الكذب، وهم يعلمون أن ما يقولونه كذبٌ وافتراءٌ على الله تعالى.

[76] ﴿بَلَىٰۚ مَنۡ أَوۡفَىٰ بِعَهۡدِهِۦ وَٱتَّقَىٰ فَإِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلۡمُتَّقِينَ 76﴾:

واعلموا أن الأمر ليس كما زَعَمَ اليهود؛ فإنَّ من أدَّى حق غيره ووفَّاه في وقته كما عاهده عليه، وخاف الله واتقاه، فإنه يفوز بمحبة الله؛ لأنه فعَلَ ما أمَرَهُ الله، وانتهى عما نهاه الله.

[77] ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ يَشۡتَرُونَ بِعَهۡدِ ٱللَّهِ وَأَيۡمَٰنِهِمۡ ثَمَنٗا قَلِيلًا أُوْلَٰٓئِكَ لَا خَلَٰقَ لَهُمۡ فِي ٱلۡأٓخِرَةِ وَلَا يُكَلِّمُهُمُ ٱللَّهُ وَلَا يَنظُرُ إِلَيۡهِمۡ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمۡ وَلَهُمۡ عَذَابٌ أَلِيمٞ 77﴾:

واعلموا أن الذين يستبدلون بما عاهدوا الله عليه من الإيمان بالرسول المصدِّق لما معهم، وبما حلَفُوا به من قولهم: والله لنؤمِنَنَّ به ولننصُرَنَّهُ؛ مقابلَ متاع الدنيا القليل الزائل بالنسبة لثواب الآخرة-: فأولئك لا نصيب لهم يوم القيامة من الثواب، ولا يكلِّمهم الله، ولا ينظُرُ إليهم يوم القيامة، ولا يرحمهم، ولا يطهِّرهم من ذنوبهم، ولهم عذاب مؤلم.

[78] ﴿وَإِنَّ مِنۡهُمۡ لَفَرِيقٗا يَلۡوُۥنَ أَلۡسِنَتَهُم بِٱلۡكِتَٰبِ لِتَحۡسَبُوهُ مِنَ ٱلۡكِتَٰبِ وَمَا هُوَ مِنَ ٱلۡكِتَٰبِ وَيَقُولُونَ هُوَ مِنۡ عِندِ ٱللَّهِ وَمَا هُوَ مِنۡ عِندِ ٱللَّهِۖ وَيَقُولُونَ عَلَى ٱللَّهِ ٱلۡكَذِبَ وَهُمۡ يَعۡلَمُونَ 78﴾:

أخبَرَ جل وعلا أن مِن اليهود طائفةً يلوون ألسنتهم عند الكلام، ويرتِّلونه كترتيلهم للوحي، يريدون بذلك أن يُفْهِموا السامع أن ما ينطقون به هو من التوراة، وما هو من التوراة، بل يقولون كذبًا وافتراءً: إنه من عند الله، وما هو من عند الله، ويقولون على الله الكَذِبَ وهم يعلمون أنهم كاذبون في أقوالهم ودعاواهم.

[79] ﴿مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُؤۡتِيَهُ ٱللَّهُ ٱلۡكِتَٰبَ وَٱلۡحُكۡمَ وَٱلنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُواْ عِبَادٗا لِّي مِن دُونِ ٱللَّهِ وَلَٰكِن كُونُواْ رَبَّٰنِيِّـۧنَ بِمَا كُنتُمۡ تُعَلِّمُونَ ٱلۡكِتَٰبَ وَبِمَا كُنتُمۡ تَدۡرُسُونَ 79﴾:

وأخبَرَ جل وعلا عن النصارى في كَذِبهم أن عيسى عليه السلام أمَرَهم بعبادته، وأن يعتقدوا أنه إله، فرَدَّ سبحانه على مقولتهم؛ قال: اعلموا -أيها النصارى- أنه يمتنع ويستحيل على بشَرٍ بعد أن مَنَّ الله عليه بإنزال الكتاب والرسالة أن يقول للناس: كونوا عبادًا لي من دون الله؛ فهذا من المحال صدوره من أحد من الأنبياء عليهم أفضل الصلاة والسلام، ولكنْ أمَرَهم أن يكونوا علماء حكماء، بما يعلِّمون الناس، ويوضِّحون لهم ما يحتاجونه من العلم، وبما يدرُسُونه منه.

[80] ﴿وَلَا يَأۡمُرَكُمۡ أَن تَتَّخِذُواْ ٱلۡمَلَٰٓئِكَةَ وَٱلنَّبِيِّـۧنَ أَرۡبَابًاۚ أَيَأۡمُرُكُم بِٱلۡكُفۡرِ بَعۡدَ إِذۡ أَنتُم مُّسۡلِمُونَ 80﴾:

ثم أخبَرَ جل وعلا أنه لا يحق لنبي أن يأمر الناس بعبادة غير الله تعالى؛ سواءٌ كان ذلك الغيرُ ملَكًا مكرَّمًا، أو نبيًّا مرسلًا، أو وليًّا من الأولياء؛ بل ينكر عليهم ذلك.

ثم رَدَّ سبحانه مستنكرًا قولهم: أيُعْقَلُ أن يأمركم بالكفر بعد أن أسلمتم، ودخلتم في دين الله؟!

وهذه الآية وما قبلها في الرد على النصارى الذين اعتقدوا ألوهية عيسى عليه السلام.

[81] ﴿وَإِذۡ أَخَذَ ٱللَّهُ مِيثَٰقَ ٱلنَّبِيِّـۧنَ لَمَآ ءَاتَيۡتُكُم مِّن كِتَٰبٖ وَحِكۡمَةٖ ثُمَّ جَآءَكُمۡ رَسُولٞ مُّصَدِّقٞ لِّمَا مَعَكُمۡ لَتُؤۡمِنُنَّ بِهِۦ وَلَتَنصُرُنَّهُۥۚ قَالَ ءَأَقۡرَرۡتُمۡ وَأَخَذۡتُمۡ عَلَىٰ ذَٰلِكُمۡ إِصۡرِيۖ قَالُوٓاْ أَقۡرَرۡنَاۚ قَالَ فَٱشۡهَدُواْ وَأَنَا۠ مَعَكُم مِّنَ ٱلشَّٰهِدِينَ 81﴾:

واذكروا -يا أهل الكتاب- يوم أخَذَ الله من النبيين وأممهم الميثاق أنه مهما آتاهم من كتابٍ وحِكْمة، ثم جاءهم رسول مصدِّق لما معهم؛ ليؤمنُنَّ به ولينصُرُنَّهُ.

ثم قال سبحانه: هل أقرَرْتم بما أمرتكم به وقبلتم عهدي؟ فقالوا: نعم، أقرَرْنا يا ربنا، فقال سبحانه: إذَنْ فاشهدوا على أنفسكم بما أقرَرْتم به، وأنا معكم من الشاهدين.

[82] ﴿فَمَن تَوَلَّىٰ بَعۡدَ ذَٰلِكَ فَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡفَٰسِقُونَ 82﴾:

ثم أخبَرَ جل وعلا أن مَنْ أعرض عن هذا الميثاق، ولم يَفِ به، يعتبر فاسقًا، وسيلقى جزاء الفاسقين.

وقد نقض اليهود والنصارى هذا الميثاق، لأنهم تَولَّوْا، ولم يؤمنوا بمحمَّد ﷺ وبما جاء به.

[83] ﴿أَفَغَيۡرَ دِينِ ٱللَّهِ يَبۡغُونَ وَلَهُۥٓ أَسۡلَمَ مَن فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ طَوۡعٗا وَكَرۡهٗا وَإِلَيۡهِ يُرۡجَعُونَ 83﴾:

وبعد هذا البيان الواضح هل تطلبون -يا أهل الكتاب- دِينًا غيرَ دِينِ الإسلام الذي هو دين الأنبياء جميعًا؟! وهو الدين الذي خضع له كل من في السماوات والأرض؛ إما طوعًا بالإرادة والاختيار، أو كرهًا بدون اختيار.

واعلموا أن جميع الخلق سيُرْجَعُونَ إلى الله يوم القيامة، وسيجازيهم على أعمالهم؛ إنْ خيرًا فخيرٌ، وإن شرًّا فشرّ.

[84] ﴿قُلۡ ءَامَنَّا بِٱللَّهِ وَمَآ أُنزِلَ عَلَيۡنَا وَمَآ أُنزِلَ عَلَىٰٓ إِبۡرَٰهِيمَ وَإِسۡمَٰعِيلَ وَإِسۡحَٰقَ وَيَعۡقُوبَ وَٱلۡأَسۡبَاطِ وَمَآ أُوتِيَ مُوسَىٰ وَعِيسَىٰ وَٱلنَّبِيُّونَ مِن رَّبِّهِمۡ لَا نُفَرِّقُ بَيۡنَ أَحَدٖ مِّنۡهُمۡ وَنَحۡنُ لَهُۥ مُسۡلِمُونَ 84﴾:

أمَرَ جل وعلا نبيه ومن معه أن يقولوا: لقد صدَّقنا بالله المعبود وحده، وصدَّقنا بما أنزله الله علينا من القرآن والشريعة، وصدَّقنا بما أنزله الله من كتب وشرائع على إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب وأولاده الأسباط الاثنَيْ عشَرَ، وصدَّقنا بما أنزَلَ الله على موسى من التوراة، وعلى عيسى من الإنجيل، وما أنزَلَ على سائر النبيين؛ لا نفرِّق في الإيمان بين أحد منهم، ونحن بذلك قد أسلمنا وَجْهنا لله وحده.

[85] ﴿وَمَن يَبۡتَغِ غَيۡرَ ٱلۡإِسۡلَٰمِ دِينٗا فَلَن يُقۡبَلَ مِنۡهُ وَهُوَ فِي ٱلۡأٓخِرَةِ مِنَ ٱلۡخَٰسِرِينَ 85﴾:

واعلموا أن مَنْ يَدِينُ لله بغير دين الإسلام، فعمله مردود غير مقبول؛ لأن دين الإسلام هو الدين الحق، دِينُ الإخلاصِ لله واتباعِ الرسل، وهو في الآخرة من الأشقياء المستحقِّين للعذاب، وخُسْران الجِنَان.

[86] ﴿كَيۡفَ يَهۡدِي ٱللَّهُ قَوۡمٗا كَفَرُواْ بَعۡدَ إِيمَٰنِهِمۡ وَشَهِدُوٓاْ أَنَّ ٱلرَّسُولَ حَقّٞ وَجَآءَهُمُ ٱلۡبَيِّنَٰتُۚ وَٱللَّهُ لَا يَهۡدِي ٱلۡقَوۡمَ ٱلظَّٰلِمِينَ 86﴾:

ثم أخبَرَ جل وعلا عن أهل الكتاب الذين كفروا بالله ورسوله محمدٍ ﷺ، بعد أن آمنوا به عليه الصلاة والسلام قبل مبعثه، وشهدوا أنه الرسول الحق بحَسَبِ ما عندهم في التوراة، وقد جاءتهم الدلائل والبراهين التي تدُلُّ على صِدْقه، وأنه رسول من عند الله.

لذا قال سبحانه على سبيل التعجُّب والاستغراب، والإنكار والاستبعاد: كيف يهدي الله هؤلاء، ويُدْخِلُهم الجنة بعد كفرهم وضلالهم؟! واعلموا أن الله لا يوفِّق لطريق السعادة الظالمين الذين كذَّبوا الرسل، ولم يؤمنوا بما جاؤوا به.

ويدخُلُ في هذه الآية المنافقون الذين آمنوا حقًّا، ثم نافقوا.

[87] ﴿أُوْلَٰٓئِكَ جَزَآؤُهُمۡ أَنَّ عَلَيۡهِمۡ لَعۡنَةَ ٱللَّهِ وَٱلۡمَلَٰٓئِكَةِ وَٱلنَّاسِ أَجۡمَعِينَ 87﴾:

ثم بيَّن جل وعلا أن عقوبة أولئك المكذِّبين لرسالة محمد ﷺ: أن عليهم لعنةَ الله، أي: الطَّرْدَ من رحمته، وأيضًا عليهم لعنة الملائكة ولعنة الناس أجمعين.

[88] ﴿خَٰلِدِينَ فِيهَا لَا يُخَفَّفُ عَنۡهُمُ ٱلۡعَذَابُ وَلَا هُمۡ يُنظَرُونَ 88﴾:

ومن عقوبتهم: أنهم ماكثون في نار جهنم، لا يخفَّف عنهم من عذاب النار، ولا هم يُمْهَلُون.

[89] ﴿إِلَّا ٱلَّذِينَ تَابُواْ مِنۢ بَعۡدِ ذَٰلِكَ وَأَصۡلَحُواْ فَإِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٞ رَّحِيمٌ 89﴾:

ثم أخبَرَ جل وعلا أن الذين تابوا، فآمنوا بالله، وصدَّقوا برسوله، وعملوا بشرعه، وأصلحوا أعمالهم؛ فإن الله يغفر لهم ما فات من ذنوبهم؛ إنه سبحانه كثير المغفرة لعباده، واسع الرحمة لهم.

[90] ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بَعۡدَ إِيمَٰنِهِمۡ ثُمَّ ٱزۡدَادُواْ كُفۡرٗا لَّن تُقۡبَلَ تَوۡبَتُهُمۡ وَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلضَّآلُّونَ 90﴾:

ثم أخبَرَ جل وعلا أن الذين كفروا بعد أن آمنوا، واستمروا على كفرهم وضلالهم حتى الممات، فهؤلاء لن تُقْبَلَ توبتهم؛ لأنهم هم وأشكالهم من الشاكِّين الحائرين، الذين لا يتوبون إلا بعد أن يحضُرَهم الموت، أي: بعد الغَرْغَرة؛ وحينها لن تُقْبَلَ توبتهم، واعلموا أن أولئك هم المستغرِقون للضلال كله.

ويدخل في هذه الآية جميع الكفار؛ لأنهم كلهم ضالُّون ومستمرُّون على ضلالهم.

[91] ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَمَاتُواْ وَهُمۡ كُفَّارٞ فَلَن يُقۡبَلَ مِنۡ أَحَدِهِم مِّلۡءُ ٱلۡأَرۡضِ ذَهَبٗا وَلَوِ ٱفۡتَدَىٰ بِهِۦٓۗ أُوْلَٰٓئِكَ لَهُمۡ عَذَابٌ أَلِيمٞ وَمَا لَهُم مِّن نَّٰصِرِينَ 91﴾:

ثم أخبَرَ جل وعلا أن الذين كفروا، واستمروا على كفرهم وضلالهم، وماتوا وهم كفار، فلوا أنفق أحدهم مِلْءَ الأرض ذهبًا -على سبيل الافتراض- ليفتدي به من عذاب الله، فلن يَقْبَلَ الله منه، وسوف ينال أولئك عقابهم الأليم؛ بسبب كفرهم وضلالهم، وليس لهم مَنْ ينصُرُهم ويدفع عنهم عذاب الله يوم القيامة.

[92] ﴿لَن تَنَالُواْ ٱلۡبِرَّ حَتَّىٰ تُنفِقُواْ مِمَّا تُحِبُّونَۚ وَمَا تُنفِقُواْ مِن شَيۡءٖ فَإِنَّ ٱللَّهَ بِهِۦ عَلِيمٞ 92﴾:

واعلموا -أيها المؤمنون- أنكم لن تنالوا تقوى الله تعالى وثوابه ومغفرته؛ حتى تتصدَّقوا مما تحبون من أموالكم، وما تنفقوا من شيء تحبونه في سبيل الله، فإن الله عليم به، وهو محفوظ لكم، وسيجازيكم عليه يوم القيامة خير الجزاء.

وهذه الآية فيها حَثٌ على الإنفاق في سبيل الخير.

[93] ﴿كُلُّ ٱلطَّعَامِ كَانَ حِلّٗا لِّبَنِيٓ إِسۡرَٰٓءِيلَ إِلَّا مَا حَرَّمَ إِسۡرَٰٓءِيلُ عَلَىٰ نَفۡسِهِۦ مِن قَبۡلِ أَن تُنَزَّلَ ٱلتَّوۡرَىٰةُۚ قُلۡ فَأۡتُواْ بِٱلتَّوۡرَىٰةِ فَٱتۡلُوهَآ إِن كُنتُمۡ صَٰدِقِينَ 93﴾:

ثم أخبَرَ جل وعلا أن كل المأكولات كانت حلالًا لبني إسرائيل، وهم أبناء يعقوب عليه السلام، ولم يكن هناك شيء من الطعام مُحرَّمٌ عليهم إلا ما حرَّم يعقوب على نفسه خاصَّة، وهو لحومُ الإبلِ وألبانُها لنذرٍ نَذَره، وكان ذلك قبل أن تُنزَّلَ التوراة، وهم يعلمون أن التوراة نزَلَتْ على موسى بعد إبراهيم ويعقوب عليهما السلام؛ فكيف يدَّعون أن إبراهيم كان لا يأكل لحوم الإبل، ولا يشرب ألبانها؟!، فإذا جادلوك -أيها النبي- في هذه المسألة، فقل لهم: فَأْتوا بالتوراة، فاقرؤوها إن كنتم صادقين في دعواكم، ثم حرَّم الله على اليهود بعض الأطعمة بسَبَب ظلمهم وعصيانهم لربهم.

[94] ﴿فَمَنِ ٱفۡتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ ٱلۡكَذِبَ مِنۢ بَعۡدِ ذَٰلِكَ فَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلظَّٰلِمُونَ 94﴾:

واعلموا أن الذين اختَلَقوا الكذب على الله مِنْ بعد ما أقيمت عليهم الحُجَّةُ، وظهَرَتِ البينة، وزعموا أنَّ ما حرَّمته التوراة من الطعام كان أيضًا محرَّمًا على الأنبياء وأممهم، وليس بسببِ بَغْيِ اليهود وظلمهم، فأولئك هم الكاذبون المتجاوزون لحدود الله.

[95] ﴿قُلۡ صَدَقَ ٱللَّهُۗ فَٱتَّبِعُواْ مِلَّةَ إِبۡرَٰهِيمَ حَنِيفٗاۖ وَمَا كَانَ مِنَ ٱلۡمُشۡرِكِينَ 95﴾:

وقل -أيها النبي- لهؤلاء اليهود: اعلموا -أيها اليهود- أن الله صادق في كل أخباره، وأنتم الكاذبون، والواجب عليكم: أن تتَّبعوا ملة إبراهيم عليه السلام، وهو دين الإسلام؛ فقد كان عليه السلام مائلًا وبعيدًا عن الباطل وأهله، واعلموا أن إبراهيم عليه السلام ما كان من المشركين؛ بل كان يعبد الله وحده لا شريك له.

[96] ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيۡتٖ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكٗا وَهُدٗى لِّلۡعَٰلَمِينَ 96﴾:

ثم أخبَرَ جل وعلا أن أول بيت بُنِيَ لعبادة الله في الأرض، هو بيت الله الحرام، وهذا البيت بيت مبارك؛ إذْ تضاعف فيه الحسنات، وتتنزَّل فيه الرحمات، ويُستقْبَلُ في الصلاة، ويُقْصَدُ لأداء الحج والعمرة، وهو هداية للناس؛ كما قال تعالى: ﴿جَعَلَ ٱللَّهُ ٱلۡكَعۡبَةَ ٱلۡبَيۡتَ ٱلۡحَرَامَ قِيَٰمٗا لِّلنَّاسِ﴾ [المائدة:٩٧].

وهذه الآية نزَلَتْ لما حُوِّلَتِ القبلة إلى الكعبة، فقال اليهود: بيت المقدس هو المستحِقُّ للعبادة فيه، والتوجه إليه؛ لأنه أرض المحشر، ومُهَاجَرُ الأنبياء، وأقدم بيت للعبادة؛ فكذَّبهم الله، وقال: ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيۡتٖ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ﴾، ومعنى بَكَّةَ: المكانُ المزدحم، وهو من أسماء مكة؛ لوجود الازدحام بها.

[97] ﴿فِيهِ ءَايَٰتُۢ بَيِّنَٰتٞ مَّقَامُ إِبۡرَٰهِيمَۖ وَمَن دَخَلَهُۥ كَانَ ءَامِنٗاۗ وَلِلَّهِ عَلَى ٱلنَّاسِ حِجُّ ٱلۡبَيۡتِ مَنِ ٱسۡتَطَاعَ إِلَيۡهِ سَبِيلٗاۚ وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ ٱللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ ٱلۡعَٰلَمِينَ 97﴾:

ثم أخبَرَ جل وعلا أنه جعَلَ في هذا المسجدِ المعظَّمِ دلالات واضحات على فضله وشرفه وقدسيته.

فمن هذه الآيات: وجودُ آثار أقدام أبي الأنبياء إبراهيم عليه السلام على الحَجَرِ الذي كان يقف عليه حينما كان يرفع بنيان البيت مع ابنه إسماعيل عليهما السلام.

ومن الآيات: أَمْنُ مَنْ دخله، وحرمةُ القتال فيه؛ إلا إذا بدأهم عدو؛ فإن لهم أن يدفعوا المعتدي.

ومن الآيات: وجوبُ حَجِّهِ قبل الإسلام، ثم لما جاء الإسلام، جعل حَجَّهُ ركنًا من أركان الإسلام، وفرضًا على المستطيع.

ويدخل في الآيات: إهلاكُ من قَصَدَهُ بسوء؛ كأصحاب الفيل وغيرهم.

ثم أخبر جل وعلا أن من أنكر فريضة الحج، فقد كفَرَ، والله جل شأنه غنيٌّ عنه، وعن حجِّه، وعن جميع أعماله؛ بل هو سبحانه غنيٌّ عن سائر خلقه.

[98] ﴿قُلۡ يَٰٓأَهۡلَ ٱلۡكِتَٰبِ لِمَ تَكۡفُرُونَ بِـَٔايَٰتِ ٱللَّهِ وَٱللَّهُ شَهِيدٌ عَلَىٰ مَا تَعۡمَلُونَ 98﴾:

وقل -أيها النبي- لأهل الكتاب: لماذا تكفُرُونَ بهذا القرآن الذي فيه الحجج والبراهين الواضحة البينة على صدق نبوة خاتم المرسلين؟! واعلموا أن الله سبحانه مطَّلع على أعمالكم، وسيجازيكم عليها.

[99] ﴿قُلۡ يَٰٓأَهۡلَ ٱلۡكِتَٰبِ لِمَ تَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ مَنۡ ءَامَنَ تَبۡغُونَهَا عِوَجٗا وَأَنتُمۡ شُهَدَآءُۗ وَمَا ٱللَّهُ بِغَٰفِلٍ عَمَّا تَعۡمَلُونَ 99﴾:

وقل -أيها النبي- لأهل الكتاب: لماذا تحاولون صرف مَنْ آمن بالله ورسوله، واتَّبع الصراط المستقيم، عن الهدى والإيمان، وتريدون أن تبينوا أن دين الله فيه عِوَجٌ وخلل، وأنتم تعلمون أنه الدين الحق؟!

واعلموا أن الله ليس بغافل عن أعمالكم، وسيجازيكم عليها.

[100] ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ إِن تُطِيعُواْ فَرِيقٗا مِّنَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلۡكِتَٰبَ يَرُدُّوكُم بَعۡدَ إِيمَٰنِكُمۡ كَٰفِرِينَ 100﴾:

يا أيها الذين آمنوا بالله ورسوله، وعملوا بشرعه، إن تطيعوا بعض اليهود والنصارى، فتتقبَّلوا منهم بعض ما يأمرونكم به، فإنهم يُضِلُّونكم عن دينكم، ويعملون جاهدين حتى ترجعوا عن دينكم الحق.

[101] ﴿وَكَيۡفَ تَكۡفُرُونَ وَأَنتُمۡ تُتۡلَىٰ عَلَيۡكُمۡ ءَايَٰتُ ٱللَّهِ وَفِيكُمۡ رَسُولُهُۥۗ وَمَن يَعۡتَصِم بِٱللَّهِ فَقَدۡ هُدِيَ إِلَىٰ صِرَٰطٖ مُّسۡتَقِيمٖ 101﴾:

وكيف يسوغ لكم -أيها المؤمنون- أن تكفروا بالله ورسوله، والقرآنُ يتلى عليكم، والرسولُ ﷺ بين أظهركم يعظكم ويأمركم بطاعة الله وينهاكم عن معصيته؟! واعلموا أن من يتمسَّك بدين الله، ويلتجئ إليه في جميع أحواله، فقد أرشده الله إلى الدين الحق، وإلى الطريق الذي لا اعوجاج فيه.

[102] ﴿ﭐ يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِۦ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسۡلِمُونَ 102﴾﴾:

أمَرَ سبحانه وتعالى عباده الذين آمنوا بالله ورسوله، وعملوا بشرعه، أن يتقوا الله حق تقاته؛ وذلك بأن يستفرغوا وُسْعهم في امتثال أوامره واجتناب نواهيه، وترك جميع ما يسخطه، وعليهم أن يستمِرُّوا على تقواهم وتمسُّكهم بهذا الدين العظيم حتى آخِرِ لَحْظةٍ في حياتهم؛ فيموتون على الإسلام.

[103] ﴿وَٱعۡتَصِمُواْ بِحَبۡلِ ٱللَّهِ جَمِيعٗا وَلَا تَفَرَّقُواْۚ وَٱذۡكُرُواْ نِعۡمَتَ ٱللَّهِ عَلَيۡكُمۡ إِذۡ كُنتُمۡ أَعۡدَآءٗ فَأَلَّفَ بَيۡنَ قُلُوبِكُمۡ فَأَصۡبَحۡتُم بِنِعۡمَتِهِۦٓ إِخۡوَٰنٗا وَكُنتُمۡ عَلَىٰ شَفَا حُفۡرَةٖ مِّنَ ٱلنَّارِ فَأَنقَذَكُم مِّنۡهَاۗ كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ ٱللَّهُ لَكُمۡ ءَايَٰتِهِۦ لَعَلَّكُمۡ تَهۡتَدُونَ 103﴾:

ثم أمَرَ جل وعلا عباده المؤمنين أن يتمسَّكوا بدين الله مجتمعين عليه، ولا يتفرَّقوا، ويتذَّكروا نعمة الله عليهم يوم أن كانوا في الجاهلية متعادين، فألَّف بين قلوبهم بالإسلام، فأصبحوا إخوانًا متحابِّين، وكانوا بسبب كفرهم على طَرَفِ حُفْرة من النار، فخلَّصهم الله منها بالإسلام، واعلموا أنه بمثل هذا البيان البديع يبيِّن الله لكم الدلائل والبراهين؛ لتهتدوا إلى طريق الله المستقيم، وتفوزوا بسعادة الدارَيْن.

[104] ﴿وَلۡتَكُن مِّنكُمۡ أُمَّةٞ يَدۡعُونَ إِلَى ٱلۡخَيۡرِ وَيَأۡمُرُونَ بِٱلۡمَعۡرُوفِ وَيَنۡهَوۡنَ عَنِ ٱلۡمُنكَرِۚ وَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡمُفۡلِحُونَ 104﴾:

ثم وجَّه جل وعلا عباده المؤمنين بأن يدعوا الناس إلى الخير والصلاح، وإلى كل ما يحبه الله ورسوله؛ فيأمروا بكل ما فيه خير ونفع للناس، ويَنْهَوْا عن كل شر وفساد يضر المجتمع، واعلموا أن هؤلاء الآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر، هم الفائزون بجنات النعيم.

و(مِنْ) في قوله: ﴿مِّنكُمۡ﴾ على القول الراجح: للتبيين؛ مثل قوله: ﴿فَٱجۡتَنِبُواْ ٱلرِّجۡسَ مِنَ ٱلۡأَوۡثَٰنِ﴾ [الحج:30].

ولا شك أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر واجب على كل مسلم؛ كما في قوله ﷺ: «مَنْ رَأَى مِنْكُمْ مُنْكَرًا فَلْيُغَيِّرْهُ بِيَدِهِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِلِسَانِهِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِقَلْبِهِ؛ وَذَلِكَ أَضْعَفُ الإِيمَانِ»([1]). [1] أخرجه مسلم (49)، عن أبي سعيد الخُدْري رضي الله عنه.

وقد طبَّق الملك عبد العزيز رحمه الله ذلك حينما استتب له الحكم، فشكَّل هيئات الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في المملكة العربية السعودية، وقد كان لها النفع الكبير في العباد والبلاد مما يشهد به القاصي والداني.

[105] ﴿وَلَا تَكُونُواْ كَٱلَّذِينَ تَفَرَّقُواْ وَٱخۡتَلَفُواْ مِنۢ بَعۡدِ مَا جَآءَهُمُ ٱلۡبَيِّنَٰتُۚ وَأُوْلَٰٓئِكَ لَهُمۡ عَذَابٌ عَظِيمٞ 105﴾:

ثم نهى جل وعلا عباده المؤمنين ألَّا يكونوا كاليهود والنصارى الذين تفرَّقوا واختلفوا، بعد أن جاءتهم الدلائل والبراهين الواضحة المبيِّنة للحق؛ ولكنهم اختلفوا وتعادَوْا وكفَّر بعضهم بعضًا؛ كما قال تعالى: ﴿وَقَالَتِ ٱلۡيَهُودُ لَيۡسَتِ ٱلنَّصَٰرَىٰ عَلَىٰ شَيۡءٖ وَقَالَتِ ٱلنَّصَٰرَىٰ لَيۡسَتِ ٱلۡيَهُودُ عَلَىٰ شَيۡءٖ﴾ [البقرة:١١٣]، وبسبب اختلافهم وبُعْدهم وضلالهم أعدَّ الله لهم يوم القيامة عذابًا عظيمًا لا يعلم قدره إلا الله. ويدخُلُ في هذا التهديد كل اختلاف وضلال وبُعْد عن الحق.

[106] ﴿يَوۡمَ تَبۡيَضُّ وُجُوهٞ وَتَسۡوَدُّ وُجُوهٞۚ فَأَمَّا ٱلَّذِينَ ٱسۡوَدَّتۡ وُجُوهُهُمۡ أَكَفَرۡتُم بَعۡدَ إِيمَٰنِكُمۡ فَذُوقُواْ ٱلۡعَذَابَ بِمَا كُنتُمۡ تَكۡفُرُونَ 106﴾:

ثم أخبَرَ جل وعلا عن يوم القيامة ذلك اليوم الذي تَبْيَضُّ فيه وجوه المؤمنين بالفرح والسرور، وتَسْوَدُّ فيه وجوه المجرمين بالحزن والكآبة؛ فأما الذين اسودَّت وجوههم، فيقال لهم على وجه التوبيخ: كيف آثرتم الكفر والضلال على الإيمان والهدى؟! فذوقوا العذاب بسبب كُفْركم وضلالكم.

[107] ﴿وَأَمَّا ٱلَّذِينَ ٱبۡيَضَّتۡ وُجُوهُهُمۡ فَفِي رَحۡمَةِ ٱللَّهِۖ هُمۡ فِيهَا خَٰلِدُونَ 107﴾:

ثم أخبَرَ سبحانه أن الذين ابيضَّت وجوههم فرحًا بسبب إيمانهم وصِدْقهم وإخلاصهم، ففي الجنة التي رحمهم الله بها، هم فيها خالدون خلودًا أبديًّا لا يخرُجُونَ منها أبد الآبدين.

[108] ﴿تِلۡكَ ءَايَٰتُ ٱللَّهِ نَتۡلُوهَا عَلَيۡكَ بِٱلۡحَقِّۗ وَمَا ٱللَّهُ يُرِيدُ ظُلۡمٗا لِّلۡعَٰلَمِينَ 108﴾:

واعلم -أيها النبي- أن تلك آيات الله نقُصُّها عليك بالحق الذي لا شك فيه ولا ريب فيه، وما يريد الله جلَّ في علاه ظلم أحد من الناس؛ فيعذِّبه بغير ذنب ارتكبه، فإنه لا يعذِّب سبحانه إلا بعد الإعلام والإنذار.

[109] ﴿وَلِلَّهِ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلۡأَرۡضِۚ وَإِلَى ٱللَّهِ تُرۡجَعُ ٱلۡأُمُورُ 109﴾:

واعلموا -أيها الناس- أن لله وحده مُلْكَ السموات والأرض، وأن له الخَلْقَ والرزقَ والتدبير، وجميعُ ما في الكون ملك له، وإليه وحده جل في علاه مصير جميع الخلائق، ثم يحاسبهم جميعًا بحَسَبِ ما قدَّموا من خير أو شر.

[110] ﴿كُنتُمۡ خَيۡرَ أُمَّةٍ أُخۡرِجَتۡ لِلنَّاسِ تَأۡمُرُونَ بِٱلۡمَعۡرُوفِ وَتَنۡهَوۡنَ عَنِ ٱلۡمُنكَرِ وَتُؤۡمِنُونَ بِٱللَّهِۗ وَلَوۡ ءَامَنَ أَهۡلُ ٱلۡكِتَٰبِ لَكَانَ خَيۡرٗا لَّهُمۚ مِّنۡهُمُ ٱلۡمُؤۡمِنُونَ وَأَكۡثَرُهُمُ ٱلۡفَٰسِقُونَ 110﴾:

واعلموا -يا أمة الإسلام- أنكم كنتم وما زلتم خير أمَّة أُخْرِجت للناس؛ لأنكم تأمرون بالمعروف، وهو ما عُرف حُسنُه شرعًا وعقلًا، وتنهون عن المنكر، وهو ما عُرف قبحُه شرعًا وعقلًا، وتؤمنون بالله، ثم قال سبحانه: ولو آمن اليهود والنصارى بالقرآن وبالنبي محمد ﷺ إيمانًا حقيقيًّا، لكان خيرًا لهم في الدنيا والآخرة، ثم بيَّن جل شأنه أن فئة قليلة من أهل الكتاب آمنوا بالله وبرسوله محمَّد ﷺ، وأما أكثرهم، فقد امتنع عن دين الله وطاعته.

[111] ﴿لَن يَضُرُّوكُمۡ إِلَّآ أَذٗىۖ وَإِن يُقَٰتِلُوكُمۡ يُوَلُّوكُمُ ٱلۡأَدۡبَارَ ثُمَّ لَا يُنصَرُونَ 111﴾:

واعلموا -أيها المؤمنون- أن هؤلاء اليهود لن يضروكم إلا ضررًا يسيرًا كأنْ يؤذوكم باللسان؛ كالنميمة والوعيد والتهديد والافتراء ونحو ذلك، فإن قاتلوكم وأنتم متمسِّكون بدينكم، فلن يصبروا على قتالكم، وسوف يُمدُّكم الله بنصر من عنده، ولن ينتصروا عليكم؛ بل سينهزمون أمامكم، ويولُّون الأدبار؛ بسبَبِ ما يلقي الله في قلوبهم من الرعب والخوف. وقد وعد الله نبيه ﷺ والمؤمنين الانتصار على اليهود؛ فصدَقَ الله وعده؛ فلم يقاتل يهود المدينة رسول الله ﷺ إلا انهزموا.

[112] ﴿ضُرِبَتۡ عَلَيۡهِمُ ٱلذِّلَّةُ أَيۡنَ مَا ثُقِفُوٓاْ إِلَّا بِحَبۡلٖ مِّنَ ٱللَّهِ وَحَبۡلٖ مِّنَ ٱلنَّاسِ وَبَآءُو بِغَضَبٖ مِّنَ ٱللَّهِ وَضُرِبَتۡ عَلَيۡهِمُ ٱلۡمَسۡكَنَةُۚ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمۡ كَانُواْ يَكۡفُرُونَ بِـَٔايَٰتِ ٱللَّهِ وَيَقۡتُلُونَ ٱلۡأَنۢبِيَآءَ بِغَيۡرِ حَقّٖۚ ذَٰلِكَ بِمَا عَصَواْ وَّكَانُواْ يَعۡتَدُونَ 112﴾:

أخبَرَ جل وعلا أنه ضرب على اليهود الهوان والصَّغَارَ حيثما وُجِدوا؛ فلا عِزَّ ولا عصمةَ لهم ولأموالهم إلا إن خضعوا لحكم المسلمين، وأدَّوُا الجزية؛ لكنْ في عصور ضعف المسلمين وتخلُّفهم ساندت اليهودَ وحَمَتْهم أممٌ ذات شوكةٍ كما هو الواقع، والله المستعان.

ثم أخبَرَ سبحانه أنهم قد استحقُّوا غضب الله ولعنته لنقضهم العهود والمواثيق، وضُرِبَتْ عليهم الذلة والمسكنة؛ لأنهم كانوا يكفرون بآيات الله بغيًا وعنادًا، ويقتلون أنبياء الله - الذين يُرْشِدونهم ويُحْسِنون إليهم - بغير حق، وما جرَّأهم على ذلك إلا ارتكابهم المعاصي وإكثارهم منها، واعتداؤهم وتجاوزهم لحدود الله.

وقوله: ﴿وَيَقۡتُلُونَ ٱلۡأَنۢبِيَآءَ بِغَيۡرِ حَقّٖۚ ﴾، لا يعني أن الأنبياء يمكن أن يُقْتَلُوا بحق؛ فالأنبياء لا يقتلون بحق مطلقًا، وإنما قال: ﴿بِغَيۡرِ حَقّٖۚ ﴾، ليبيِّن شَنَاعةَ جُرْمهم، وضخامة إثمهم.

[113] ﴿لَيۡسُواْ سَوَآءٗۗ مِّنۡ أَهۡلِ ٱلۡكِتَٰبِ أُمَّةٞ قَآئِمَةٞ يَتۡلُونَ ءَايَٰتِ ٱللَّهِ ءَانَآءَ ٱلَّيۡلِ وَهُمۡ يَسۡجُدُونَ 113﴾:

ثم أخبَرَ جل وعلا أن أهل الكتاب غير متساوين في الحال؛ فمنهم أُمَّة على الإيمان والدين الصحيح، وهم الذين أسلموا وآمنوا بالله ورسوله ﷺ، وعملوا بشرعه؛ ومن صفاتهم: أنهم يتهجَّدون في الليل، ويتلون آيات الله في صلاتهم، ويُكْثِرونَ من السجود لله؛ وهذا ثناء عليهم بكثرة الصلاة.

[114] ﴿يُؤۡمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلۡيَوۡمِ ٱلۡأٓخِرِ وَيَأۡمُرُونَ بِٱلۡمَعۡرُوفِ وَيَنۡهَوۡنَ عَنِ ٱلۡمُنكَرِ وَيُسَٰرِعُونَ فِي ٱلۡخَيۡرَٰتِۖ وَأُوْلَٰٓئِكَ مِنَ ٱلصَّٰلِحِينَ 114﴾:

ومن صفاتهم أيضًا: أنهم يؤمنون بالله ورسوله ﷺ، ويعتقدون بوحدانيته جل وعلا، ولا يشركون به شيئًا، ويؤمنون بيوم القيامة، ويأمرون بالطاعات، وينهون عن المعاصي والمنكرات، ويبادرون إلى فعل الخيرات؛ وهؤلاء عند الله في عداد الصالحين.

[115] ﴿وَمَا يَفۡعَلُواْ مِنۡ خَيۡرٖ فَلَن يُكۡفَرُوهُۗ وَٱللَّهُ عَلِيمُۢ بِٱلۡمُتَّقِينَ 115﴾:

ثم بيَّن جل وعلا أن كل ما يفعله أهل الكتاب وغيرهم من العمل الصالح ومن الخيرات لن يُجْحَدُوه، وسوف يثابون عليه الثواب المضاعف، والله عليمٌ بالمتقين فلن يضيع ثوابهم؛ كما قال تعالى: ﴿أُوْلَٰٓئِكَ يُؤۡتَوۡنَ أَجۡرَهُم مَّرَّتَيۡنِ بِمَا صَبَرُواْ﴾ [القصص:٥٤].

وقيل: إن هذه الآية نزَلَتْ في أهل الكتاب الذين آمنوا بمحمَّد ﷺ.

[116] ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَن تُغۡنِيَ عَنۡهُمۡ أَمۡوَٰلُهُمۡ وَلَآ أَوۡلَٰدُهُم مِّنَ ٱللَّهِ شَيۡـٔٗاۖ وَأُوْلَٰٓئِكَ أَصۡحَٰبُ ٱلنَّارِۖ هُمۡ فِيهَا خَٰلِدُونَ 116﴾:

واعلموا -أيها الناس- أن الذين كفروا بالله ورسوله، لن تَدْفَعَ عنهم أموالهم ولا أولادهم شيئًا من عذاب الله، ولن تُجْدِيَ عليهم شيئًا من ثواب الله؛ بل ستكون حسرة وندامة عليهم، وسيعاقبون على الكفر بها، وعدم شكرها؛ وهؤلاء الكفار مآلهم إلى النار خالدين مخلَّدين فيها أبد الآبدين.

[117] ﴿مَثَلُ مَا يُنفِقُونَ فِي هَٰذِهِ ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَا كَمَثَلِ رِيحٖ فِيهَا صِرٌّ أَصَابَتۡ حَرۡثَ قَوۡمٖ ظَلَمُوٓاْ أَنفُسَهُمۡ فَأَهۡلَكَتۡهُۚ وَمَا ظَلَمَهُمُ ٱللَّهُ وَلَٰكِنۡ أَنفُسَهُمۡ يَظۡلِمُونَ 117﴾:

شبَّه جل وعلا ما ينفقه الكفار في هذه الحياة الدنيا من برٍّ، وصدقة، وصلة رحم، وغير ذلك؛ كمَثَل ريح فيها بَرْدٌ يضُرُّ الحرث والنبات، أصابت تلك الريحُ زرعَ قومٍ ظلموا أنفسهم بارتكاب المعاصي، فأهلكت الريح ذلك الحرث، ثم بيَّن سبحانه أنه ما ظلمهم بهذا الجزاء، ولكنْ هم الذين ظلموا أنفسهم بالكفر والمحرَّمات.

وهذا جزاؤهم في الآخرة، وأما في الدنيا، فقد أخذوا الجوائز والسُّمْعة ومتع الحياة الفانية.

[118] ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَتَّخِذُواْ بِطَانَةٗ مِّن دُونِكُمۡ لَا يَأۡلُونَكُمۡ خَبَالٗا وَدُّواْ مَا عَنِتُّمۡ قَدۡ بَدَتِ ٱلۡبَغۡضَآءُ مِنۡ أَفۡوَٰهِهِمۡ وَمَا تُخۡفِي صُدُورُهُمۡ أَكۡبَرُۚ قَدۡ بَيَّنَّا لَكُمُ ٱلۡأٓيَٰتِۖ إِن كُنتُمۡ تَعۡقِلُونَ 118﴾:

حذَّر جل وعلا عباده المؤمنين من اتخاذ الكفار أولياء يستشيرونهم ويُطْلِعونهم على أسرارهم؛ فإن هؤلاء الكفار لا يَفْتُرُونَ عن إفساد أموركم الدينية والدنيوية؛ بل يفرحون بمشقَّتِكم وعَنَتِكم، وقد ظهرت شدة البغض في كلامهم، وما يُخْفُونه في صدورهم من العداوة والبغضاء أشدُّ وأعظم، وقد بيَّن الله لكم -أيها المؤمنون- الحجج والبراهين الدالة على حِقْدهم وبُغْضهم؛ ولذا يجب عليكم ألا تتخذوهم أولياء إن كنتم تعقلون.

وقوله: ﴿بِطَانَةٗ﴾: بطانةُ الرجل هم خواصُّ أصحابه الذين يعرفون أسراره، ويستريحُ بالحديثِ إليهم في خَلَواته؛ لهذا يجب أن يختار الإنسان الأصحاب الصالحين المستقيمين الذين يشجِّعونه على الخير، ويحذِّرونه من مزالق السوء وكيد الشيطان.

والآية تعُمُّ هؤلاء المنافقين الذين يظهرون الإسلام، وإن كان نزولها في بعض المسلمين الذين لهم أصحابٌ من الكفار والمنافقين يرتاحون لهم، ويستمعون لما يَبُثُّونَ لهم من شكوك وشرور؛ كما قال تعالى: ﴿وَفِيكُمۡ سَمَّٰعُونَ لَهُمۡۗ ﴾ [التوبة:٤٧].

[119] ﴿هَٰٓأَنتُمۡ أُوْلَآءِ تُحِبُّونَهُمۡ وَلَا يُحِبُّونَكُمۡ وَتُؤۡمِنُونَ بِٱلۡكِتَٰبِ كُلِّهِۦ وَإِذَا لَقُوكُمۡ قَالُوٓاْ ءَامَنَّا وَإِذَا خَلَوۡاْ عَضُّواْ عَلَيۡكُمُ ٱلۡأَنَامِلَ مِنَ ٱلۡغَيۡظِۚ قُلۡ مُوتُواْ بِغَيۡظِكُمۡۗ إِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمُۢ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ 119﴾:

ثم حذَّر جل وعلا من محبة المنافقين من أهل الكتاب، فقال سبحانه: فها أنتم -أيها المؤمنون- تحبونهم، وترجون لهم الهداية والخير، وهم لا يحبونكم؛ بل يكرهونكم ويعادونكم، ويتمنَّوْنَ لكم الشر؛ مع أنكم تؤمنون بالكتب المنزَّلة كلها، وإذا لَقُوكم، نافقوا وقالوا: آمنا بالله وبرسوله، وإذا خلَوْا بأنفسهم، عضوا عليكم الأنامل من الغيظ، وعضُّ الأنامل: عادةٌ يفعلها المتغيِّظُ الحاقد؛ إذا لم ينل من عدوه، فقل -أيها النبي- لهؤلاء: استمروا على غيظكم حتى تموتوا؛ فإن الله عليمٌ بما في قلوبهم من الكراهية والبغض للمؤمنين.

[120] ﴿إِن تَمۡسَسۡكُمۡ حَسَنَةٞ تَسُؤۡهُمۡ وَإِن تُصِبۡكُمۡ سَيِّئَةٞ يَفۡرَحُواْ بِهَاۖ وَإِن تَصۡبِرُواْ وَتَتَّقُواْ لَا يَضُرُّكُمۡ كَيۡدُهُمۡ شَيۡـًٔاۗ إِنَّ ٱللَّهَ بِمَا يَعۡمَلُونَ مُحِيطٞ 120﴾:

واعلموا -أيها المؤمنون- أنه إن تَمْسَسْكم حسنة من نصر أو غنيمة أو غير ذلك من نعم الله، فإنها تُحْزِنُ هؤلاء المنافقين، وإن تصبكم هزيمة أو فقر أو قتل وغيره، يفرحوا بها، و﴿يَقُولُواْ قَدۡ أَخَذۡنَآ أَمۡرَنَا مِن قَبۡلُ﴾ [التوبة:٥٠]، أي: احتَطْنا فنجونا، وإن تصبروا على عداوتهم، وعلى ما تسمعون من أذاهم، وتتقوا الله؛ فتعملوا بطاعة الله، وتكُفُّوا عن موالاتهم، فلن تضُرَّكم عداوتهم وبغضهم شيئًا.

واعلموا أن الله عليم بما يدبرون لكم من المكايد، لا يخفى عليه سبحانه شيء من أمرهم.

[121] ﴿وَإِذۡ غَدَوۡتَ مِنۡ أَهۡلِكَ تُبَوِّئُ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ مَقَٰعِدَ لِلۡقِتَالِۗ وَٱللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ 121﴾:

واذكر -أيها النبي- يوم أن لَبِسْتَ ملابس القتال، وخرجت من بيتك لتوحِّد وتنظِّم صفوف المحاربين وتوزِّع الأبطال بين الميمنة والميسرة في غزوة أحد، وأقمت الفرسان في المكان الذي في الجبل الذي يمكن أن يلج منه فرسان الكفار، فيهجُمُونَ على صفوف المسلمين من خلفهم، فتحصل لهم كارثة، وأوصَيْتَهم ألَّا يتركوا مكانهم؛ سواءٌ انتصر المسلمون أو هُزِموا، والله سميع لأقوالكم عليم بأفعالكم.

[122] ﴿إِذۡ هَمَّت طَّآئِفَتَانِ مِنكُمۡ أَن تَفۡشَلَا وَٱللَّهُ وَلِيُّهُمَاۗ وَعَلَى ٱللَّهِ فَلۡيَتَوَكَّلِ ٱلۡمُؤۡمِنُونَ 122﴾:

واذكر -أيها النبي- ما وقع من بني سَلِمةَ وبني حارثة؛ حيث حدَّثَتْهم أنفسهم بتركِ القتال معك في غزوة أحد، والرجوعِ مع زعيم المنافقين عبد الله بن أُبَيٍّ بن سلول؛ حيث حاول أن يقنعهم بترك المعركة والرجوع إلى المدينة، وكاد عدُوُّ الله أن ينجح، ولكنَّ الله سلَّم فتولى أمرهم، وثبَّتهم، وصدَّهم عن النكوص، وساروا مع النبي ﷺ متوكِّلين على الله، وعلى الله وحده فتوكَّلوا أيها المؤمنون.

[123] ﴿وَلَقَدۡ نَصَرَكُمُ ٱللَّهُ بِبَدۡرٖ وَأَنتُمۡ أَذِلَّةٞۖ فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ لَعَلَّكُمۡ تَشۡكُرُونَ 123﴾:

وتذَّكروا -أيها المؤمنون- يوم أن منَّ الله عليكم ونصركم على المشركين في معركة بَدْرٍ، مع خوفكم وضعفكم وقلة عددكم؛ لذا يجب عليكم أن تخافوا الله بفعل ما أَمَرْ، واجتناب ما نهى عنه وزَجَرْ؛ لعلكم تكونون من الشاكرين لله على نعمه وفضائله.

[124] ﴿إِذۡ تَقُولُ لِلۡمُؤۡمِنِينَ أَلَن يَكۡفِيَكُمۡ أَن يُمِدَّكُمۡ رَبُّكُم بِثَلَٰثَةِ ءَالَٰفٖ مِّنَ ٱلۡمَلَٰٓئِكَةِ مُنزَلِينَ 124﴾:

وتذَّكر -أيها النبي- يوم أن قلتَ لأصحابك: أما يكفيكم -في طمأنينة نفوسكم- إعانةُ ربكم لكم بثلاثة آلاف من الملائكة مُرْسَلين من عند الله؛ لتقويتكم وتثبيتكم.

[125] ﴿بَلَىٰٓۚ إِن تَصۡبِرُواْ وَتَتَّقُواْ وَيَأۡتُوكُم مِّن فَوۡرِهِمۡ هَٰذَا يُمۡدِدۡكُمۡ رَبُّكُم بِخَمۡسَةِ ءَالَٰفٖ مِّنَ ٱلۡمَلَٰٓئِكَةِ مُسَوِّمِينَ 125﴾:

ثم قال ﷺ لهم: بلى، يكفيكم هذا العدد، وإذا صبَرْتم على لقاء العدو، واتقيتم الله؛ بفعل أوامره، واجتناب نواهيه، ثم هاجمكم العدو بشجاعة، فإن الله سوف يُمِدُّكم في حينها بخمسة آلاف من الملائكة معلَّمين بعلامات مخصوصة.

[126] ﴿وَمَا جَعَلَهُ ٱللَّهُ إِلَّا بُشۡرَىٰ لَكُمۡ وَلِتَطۡمَئِنَّ قُلُوبُكُم بِهِۦۗ وَمَا ٱلنَّصۡرُ إِلَّا مِنۡ عِندِ ٱللَّهِ ٱلۡعَزِيزِ ٱلۡحَكِيمِ 126﴾:

ثم بيَّن جل وعلا أنه ما جعل إمدادكم بالملائكة إلا بشارةً لكم بالنصر، ولتستريح به قلوبكم.

واعلموا أن النصر من عند اللهِ العزيزِ الذي لا يُغلَب، الحكيمِ الذي يضع النصر في موضعه المناسب.

[127] ﴿لِيَقۡطَعَ طَرَفٗا مِّنَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوٓاْ أَوۡ يَكۡبِتَهُمۡ فَيَنقَلِبُواْ خَآئِبِينَ 127﴾:

واعلموا -أيها المؤمنون- أن النصر حصل لكم ببدر؛ لكي يُهْلِكَ الله طائفة من الذين كفروا، ويغيظ الباقين ويُذِلَّهم ويُخْزِيهم، فيرجعوا منهزمين خاسرين.

[128] ﴿لَيۡسَ لَكَ مِنَ ٱلۡأَمۡرِ شَيۡءٌ أَوۡ يَتُوبَ عَلَيۡهِمۡ أَوۡ يُعَذِّبَهُمۡ فَإِنَّهُمۡ ظَٰلِمُونَ 128﴾:

أخبَرَ جل وعلا بما حدَثَ للنبي ﷺ في معركة أحد؛ حيث شجُّوه وكسروا رَبَاعِيَتَهُ؛ فدعا عليهم صلوات الله وسلامه عليه، فعاتبه جل في علاه، وقال له: ليس لك من أمر العباد شيء، وإن الأمر كله بيد الله وحده، واعلم أن مِنْ هؤلاء الذين يقاتلونك مَنْ سوف يتوب الله علىهم؛ ومنهم مَنْ سوف يعاقبهم الله لأنهم ظالمون مستحقون للعقوبة، وهؤلاء سيتوب الله عليهم؛ لعلمه سبحانه أنهم سيُسْلِمونَ وينصُرُونَ الإسلام، وقد أسلموا، فتاب الله عليهم، ونصروا الإسلام والمسلمين، وكان من هؤلاء: سيف الله خالد بن الوليد، وعمرو بن العاص، وعكرمة، وأبو سفيان، رضي الله عنهم أجمعين.

[129] ﴿وَلِلَّهِ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلۡأَرۡضِۚ يَغۡفِرُ لِمَن يَشَآءُ وَيُعَذِّبُ مَن يَشَآءُۚ وَٱللَّهُ غَفُورٞ رَّحِيمٞ 129﴾:

ثم أخبَرَ جل وعلا أن الأمر له وحده؛ لأن جميع ما في السموات وما في الأرض ملكه؛ يغفر لمن يشاء من عباده، ويعذِّب من يشاء منهم، والله غفور لذنوب من تاب من عباده، رحيم بهم.

[130] ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَأۡكُلُواْ ٱلرِّبَوٰٓاْ أَضۡعَٰفٗا مُّضَٰعَفَةٗۖ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ لَعَلَّكُمۡ تُفۡلِحُونَ 130﴾:

ثم حذَّر سبحانه عباده المؤمنين من التعامل بجميع أنواع الربا، ونهاهم عن أكله أضعافًا مضاعفة، وأمرهم بمخافة الله وتقواه؛ وذلك باتباع أوامره، واجتناب نواهيه، وبيَّن أن هذا هو سبيل الفوز بخيري الدنيا والآخرة.

وهذه الآية تتحدَّث عن الربا، مع أن ما قبلها وما بعدها يتحدَّث عن الحرب والجهاد؛ ليبيِّن سبحانه أن الدين كله مرتبط بعضه ببعض، وأن المسلمين لن يُهزموا إلا إذا ابتعدوا عن دينهم، وتركوا أوامر الله، ولم يجتنبوا نواهيه.

قال بعض المفسِّرين: جاءت هذه الآية في وسط آيات القتال؛ لِيُعْلَمَ أن الدين كله مهم، بل هو شيء واحد.

وقال آخرون: بل جاءت؛ لأن الهزيمة حصلت بسبب الطمع في المال، قالوا: إن المسلمين انتصروا في أول المعركة، وبدأ بعضهم بجمع الغنائم، فلما رأى الرماة ذلك، تركوا مواقعهم من أجل جمع الغنائم؛ لذا حذَّر الله من أخذ المال بالباطل، وألَّا يحول المال بين المرء وبين نصرة الإسلام والمسلمين.

[131] ﴿وَٱتَّقُواْ ٱلنَّارَ ٱلَّتِيٓ أُعِدَّتۡ لِلۡكَٰفِرِينَ 131﴾:

ثم أمَرَ جل وعلا عباده المؤمنين أن يخافوا نار جهنم التي هيأها سبحانه للكافرين المجرمين؛ وذلك بترك كل ما يؤدي إلى دخولها، ومن ذلك ترك الربا.

[132] ﴿وَأَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَٱلرَّسُولَ لَعَلَّكُمۡ تُرۡحَمُونَ 132﴾:

ثم أمَرَ جل وعلا عباده بطاعته وطاعة رسوله ﷺ، في جميع الأوامر والنواهي؛ حتى يُرْحَموا في الدنيا والآخرة.

[133] ﴿وَسَارِعُوٓاْ إِلَىٰ مَغۡفِرَةٖ مِّن رَّبِّكُمۡ وَجَنَّةٍ عَرۡضُهَا ٱلسَّمَٰوَٰتُ وَٱلۡأَرۡضُ أُعِدَّتۡ لِلۡمُتَّقِينَ 133﴾:

أمَرَ جل في علاه عباده المؤمنين بالمسارعة إلى العمل الصالح، حتى ينالوا من الله مغفرة ذنوبهم؛ لأنه المالك لأمرهم، وحتى ينالوا جنة واسعة عرضها كعرض السموات والأرض هُيِّئَتْ لمن يتقون الله؛ بفعل الطاعات، واجتناب المحرمات.

[134] ﴿ٱلَّذِينَ يُنفِقُونَ فِي ٱلسَّرَّآءِ وَٱلضَّرَّآءِ وَٱلۡكَٰظِمِينَ ٱلۡغَيۡظَ وَٱلۡعَافِينَ عَنِ ٱلنَّاسِۗ وَٱللَّهُ يُحِبُّ ٱلۡمُحۡسِنِينَ 134﴾:

ثم بيَّن جل وعلا أن من صفات هؤلاء المتقين: أنهم يُنْفِقون أموالهم في حال اليسر والعسر، وإذا حصل لهم من غيرهم أذية، فإنهم يَكْظِمونَ ما في قلوبهم من الغيظ، ويصبرون عن مقابلة السيئة، بل يعفون عمَّن أساء إليهم بقول أو فعل، والله يحب المحسنين الذين يتصفون بمثل هذه الصفات العظيمة.

[135] ﴿وَٱلَّذِينَ إِذَا فَعَلُواْ فَٰحِشَةً أَوۡ ظَلَمُوٓاْ أَنفُسَهُمۡ ذَكَرُواْ ٱللَّهَ فَٱسۡتَغۡفَرُواْ لِذُنُوبِهِمۡ وَمَن يَغۡفِرُ ٱلذُّنُوبَ إِلَّا ٱللَّهُ وَلَمۡ يُصِرُّواْ عَلَىٰ مَا فَعَلُواْ وَهُمۡ يَعۡلَمُونَ 135﴾:

ومن صفات هؤلاء المتقين أيضًا: أنهم إذا فعلوا كبيرة كالزنى وغيره، أو ظلموا أنفسهم بارتكاب ما دونه، ذكروا الله لاجئين إليه تائبين؛ يطلُبُونَ منه أن يَغْفِرَ لهم ذنوبهم، وهم يعلمون أنه لا يغفر الذنوب إلا الله، ولا يصرون على معصيةٍ، ويعلمون أن التوبة إذا قُبِلَتْ، تمحو ذنوبهم.

[136] ﴿أُوْلَٰٓئِكَ جَزَآؤُهُم مَّغۡفِرَةٞ مِّن رَّبِّهِمۡ وَجَنَّٰتٞ تَجۡرِي مِن تَحۡتِهَا ٱلۡأَنۡهَٰرُ خَٰلِدِينَ فِيهَاۚ وَنِعۡمَ أَجۡرُ ٱلۡعَٰمِلِينَ 136﴾:

ثم بيَّن جل وعلا أن أولئك المتقين الذين يتصفون بهذه الصفات الجليلة، جزاؤهم عند الله مغفرةٌ لذنوبهم، ولهم حدائقُ وبساتين تجري أنهار الجنة من بين أشجارها وقصورها، وأنهم ماكثون في الجنة لا يخرجون منها أبد الآبدين، ونِعْمَ هذا الجزاء وهذا الثواب للعاملين بطاعة الله حسَبَ ما يرشدهم إليه رسوله ﷺ.

[137] ﴿قَدۡ خَلَتۡ مِن قَبۡلِكُمۡ سُنَنٞ فَسِيرُواْ فِي ٱلۡأَرۡضِ فَٱنظُرُواْ كَيۡفَ كَانَ عَٰقِبَةُ ٱلۡمُكَذِّبِينَ 137﴾:

خاطب جل وعلا عباده المؤمنين فقال لهم: اعلموا -أيها المؤمنون- أنه قد مضى مِنْ قَبْلكم أجيال وأمم جرى لهم ما جرى لكم من الابتلاء والامتحان؛ فسيروا في الأرض، وانظروا كيف أهلَكَ الله الذين كذَّبوا الرسل ولم يؤمنوا بهم؟!

وفي هذا حَثٌّ للناس على الاعتبار والاتعاظ.

[138] ﴿هَٰذَا بَيَانٞ لِّلنَّاسِ وَهُدٗى وَمَوۡعِظَةٞ لِّلۡمُتَّقِينَ 138﴾:

واعلموا -أيها الناس- أن فيما ذكرناه لكم من أخبار الأمم السابقة دلالةً ظاهرةً؛ ليتبيَّن لكم الحق من الباطل، وفيه هداية وموعظة للمتقين؛ لأنهم هم المنتفعون بالآيات والمواعظـ، وأما غير المتقين، فهي بيان وتحذير وتهديد لهم.

[139] ﴿وَلَا تَهِنُواْ وَلَا تَحۡزَنُواْ وَأَنتُمُ ٱلۡأَعۡلَوۡنَ إِن كُنتُم مُّؤۡمِنِينَ 139﴾:

ثم سلَّي جل وعلا المؤمنين عما أصابهم يوم أحد بألَّا يضعفوا عن جهاد الأعداء بسبب ما نالهم من الهزيمة، وألَّا يحزنوا على ما فاتهم من الغنيمة، وستكون لهم العاقبة بالنصر والظفر إن كانوا مؤمنين؛ لأن الإيمان يرفع عن المؤمن الوهن والحزن، ويؤمِّله بنصر الله إذا امتثل أمر الله.

[140] ﴿إِن يَمۡسَسۡكُمۡ قَرۡحٞ فَقَدۡ مَسَّ ٱلۡقَوۡمَ قَرۡحٞ مِّثۡلُهُۥۚ وَتِلۡكَ ٱلۡأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيۡنَ ٱلنَّاسِ وَلِيَعۡلَمَ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَيَتَّخِذَ مِنكُمۡ شُهَدَآءَۗ وَٱللَّهُ لَا يُحِبُّ ٱلظَّٰلِمِينَ 140﴾:

ثم خاطب سبحانه وتعالى عباده المؤمنين - تعزيةً وتسليةً لهم بعد أن قُتِلَ منهم سبعون في معركة أُحُد - فقال لهم: اعلموا -أيها المؤمنين- إن كان قد أصابتكم جراح وآلام يوم أُحُد، فقد أصابت المشركين جراح مثلها يوم بَدْر، فقد قتلتم سبعين وأسَرْتم سبعين، وتلك أيام الدنيا نداولها ونصرِّفها بين الناس؛ فمرَّةً لكم، ومرَّةً عليكم، وإنما نجعل الدُّولَةَ للكفار على المؤمنين ليميِّز الله المؤمن المخلص من المنافق الذي يرتد عن دينه إذا أصابته نَكْبة، وأيضًا ليُكْرِمَ بعض المؤمنين بالشهادة؛ فيرتقي في الجنة في أعلى الدرجات.

واعلموا أن الله لا يحب الظالمين الذين ظلموا أنفسهم بالكفر والمعاصي والنفاق.

وفي هذه الآية: تعليم للمؤمنين المحاربين: أن مَنْ يخالِفْ أمر القائد مثل ما فعل الرماة لالتقاط الغنائم، فإنه لا يضُرُّ نفسه فقطْ، بل يضر الجيش كله، وربما يتحوَّل النصر إلى هزيمة.

[141] ﴿وَلِيُمَحِّصَ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَيَمۡحَقَ ٱلۡكَٰفِرِينَ 141﴾:

واعلموا -أيها المؤمنون- أن ما وقع يوم أُحُد من هزيمة كان اختبارًا وتصفيةً وتطهيرًا للذين آمنوا بالله ورسوله، وعملوا بشرعه، وتخليصًا لهم من المنافقين المندسِّين بينهم، وكان أيضًا إهلاكًا للكافرين على أيدي المؤمنين، ومحوًا لآثارهم.

[142] ﴿أَمۡ حَسِبۡتُمۡ أَن تَدۡخُلُواْ ٱلۡجَنَّةَ وَلَمَّا يَعۡلَمِ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ جَٰهَدُواْ مِنكُمۡ وَيَعۡلَمَ ٱلصَّٰبِرِينَ 142﴾:

ثم سأل سبحانه على سبيل الإنكار والاستبعاد، فقال: هل تظنون -أيها الصحابة الكرام- أنكم ستدخلون الجنة، دون أن تجاهدوا في سبيل الله جهاد الصابرين على شدائده ومتاعبه؟! فاعلموا أنه لن يدخل الجنة أحد منكم حتى يتميَّز أهل الإيمان والصدق والجهاد والصبر من غيرهم، وأن من أراد الفوز والظفر -سواءٌ في أمور الدنيا أو الآخرة- فلا بد أن يعمل بجد وإخلاص مع الصبر على الابتلاء.

كما قال الشاعر:

تَرْجُو النَّجَاةَ وَلَمْ تَسْلُكْ مَسَالِكَهَا

إِنَّ السَّفِينَةَ لا تَجْرِي عَلَى الْيَبَسِ

وقالوا في الأمثال: (مَنْ جَدَّ وَجَدْ، وَمَنْ زَرَعَ حَصَدْ).

[143] ﴿وَلَقَدۡ كُنتُمۡ تَمَنَّوۡنَ ٱلۡمَوۡتَ مِن قَبۡلِ أَن تَلۡقَوۡهُ فَقَدۡ رَأَيۡتُمُوهُ وَأَنتُمۡ تَنظُرُونَ 143﴾:

ثم ذكَّر جل وعلا بعض الصحابة الذين كانوا يتمنَّوْنَ الموت والشهادة في سبيل الله؛ عندما فاتتهم معركة بَدْرٍ التي انتصر فيها المسلمون؛ وقد تمنَّوْا ذلك قبل أن يلاقوا العدو ويروا القتال وشدته؛ فقال لهم: الآن رأيتم الموت يوم أُحُدٍ بأم أعينكم، ورأيتم إخوانكم وهم يُقْتَلُونَ أمامكم؛ فلماذا جَبُنتم وانهزمتم؟! أليس هذا هو الموتَ الذي كنتم تتمنَّوْنَهُ، والشهادةَ التي كنتم تَنْشُدُونها؟!

ولا شك أن سبب انهزامهم: أن الرماة تركوا مواقعهم، فأتاهم العدو من خلفهم ومن أمامهم، ولكنْ مع ذلك كان الأولى بهم الاستبسال والثبات بدلًا من الفرار.

[144] ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٞ قَدۡ خَلَتۡ مِن قَبۡلِهِ ٱلرُّسُلُۚ أَفَإِيْن مَّاتَ أَوۡ قُتِلَ ٱنقَلَبۡتُمۡ عَلَىٰٓ أَعۡقَٰبِكُمۡۚ وَمَن يَنقَلِبۡ عَلَىٰ عَقِبَيۡهِ فَلَن يَضُرَّ ٱللَّهَ شَيۡـٔٗاۚ وَسَيَجۡزِي ٱللَّهُ ٱلشَّٰكِرِينَ 144﴾:

واعلموا -أيها الناس- أنَّ محمدًا ﷺ ما هو إلا رسول قد مضت من قبله رسُلٌ كثيرون، وهؤلاء الرسل ماتوا جميعًا عندما جاء أَجَلُهم، وهكذا محمد ﷺ سوف يأتيه أجله ويموت كغيره ممن سبقه من الرسل؛ أفإن مات أو قُتِلَ، تركتم ما جاءكم به من الإيمان والعمل الصالح، كالجهاد وغيره؟! فاعلموا أن من ينقلب على عقبَيْهِ، فيرتَدِد عن دينه ويرجع كافرًا، فلن يضر الله شيئًا، وإنما يضر نفسه، والله غني عنه، وسوف يثيب الله الشاكرين الذين ثَبَتُوا على دينه، وعبدوا الله في كل أحوالهم.

[145] ﴿وَمَا كَانَ لِنَفۡسٍ أَن تَمُوتَ إِلَّا بِإِذۡنِ ٱللَّهِ كِتَٰبٗا مُّؤَجَّلٗاۗ وَمَن يُرِدۡ ثَوَابَ ٱلدُّنۡيَا نُؤۡتِهِۦ مِنۡهَا وَمَن يُرِدۡ ثَوَابَ ٱلۡأٓخِرَةِ نُؤۡتِهِۦ مِنۡهَاۚ وَسَنَجۡزِي ٱلشَّٰكِرِينَ 145﴾:

ثم أخبَرَ سبحانه أن الآجال بيده وحده، وأنه لا يُمكِنُ لنفس أن تموت إلا بأمر الله، حين ينتهي أجلها المحدَّد بوقت معلوم لا يعلمه إلا الله، فإذا جاء أجله، فإنها لا تستأخر ساعة ولا تستقدم. واعلموا -أيها الناس- أنه مَنْ يُرِدْ بعمله ثواب الدنيا، فإن الله سوف يؤتيه ما كتَبَ له منها، وليس له حظٌّ في ثواب الآخرة، ومن يُرِدْ بعمله ثواب الآخرة، وما أعده الله للمتقين، فإن الله يؤتيه منها ما يستحقه من النعيم المقيم، ومن يُرِدْ ثواب الدنيا والآخرة فرحمة الله وكرمه تسعه، وسيجزي جل في علاه الشاكرين على قَدْر شكرهم في الدنيا والآخرة خيرًا.

[146] ﴿وَكَأَيِّن مِّن نَّبِيّٖ قَٰتَلَ مَعَهُۥ رِبِّيُّونَ كَثِيرٞ فَمَا وَهَنُواْ لِمَآ أَصَابَهُمۡ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ وَمَا ضَعُفُواْ وَمَا ٱسۡتَكَانُواْۗ وَٱللَّهُ يُحِبُّ ٱلصَّٰبِرِينَ 146﴾:

ثم أخبَرَ جل وعلا بأن كثيرًا من الأنبياء قاتلوا لإعلاء كلمة الله، وقاتل معهم كثير من المؤمنين المخلصين لربهم، وأصابهم ما أصابهم في سبيل الله؛ فلم تضعُفْ قلوبهم، ولم تفتُرْ عزائمهم، ولم يخضعوا لأعدائهم بسبَبِ ما أصابهم، واعلموا أن الله يحب الصابرين على الأهوال والشدائد في سبيله، ويثيبهم سبحانه على ذلك البلاء.

[147] ﴿وَمَا كَانَ قَوۡلَهُمۡ إِلَّآ أَن قَالُواْ رَبَّنَا ٱغۡفِرۡ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسۡرَافَنَا فِيٓ أَمۡرِنَا وَثَبِّتۡ أَقۡدَامَنَا وَٱنصُرۡنَا عَلَى ٱلۡقَوۡمِ ٱلۡكَٰفِرِينَ 147﴾:

ثم بيَّن جل وعلا أن هؤلاء الذين قاتلوا مع أنبيائهم وصبروا، كان دعاؤهم وهم في ساحات القتال: ربَّنا اغفر لنا ذنوبنا، وما وقع منا من تجاوُزٍ في أمر ديننا، وثَبِّتْ أقدامنا حتى لا نولي الأدبار، وانصرنا على مَنْ أعرَضَ عن وحدانيتك، ولم يقرَّ بنبوة نبيك.

[148] ﴿فَـَٔاتَىٰهُمُ ٱللَّهُ ثَوَابَ ٱلدُّنۡيَا وَحُسۡنَ ثَوَابِ ٱلۡأٓخِرَةِۗ وَٱللَّهُ يُحِبُّ ٱلۡمُحۡسِنِينَ 148﴾:

ثم بيَّن سبحانه أنه أعطاهم ثواب الدنيا من النصر والمغنم، وأعطاهم في الآخرة الفوز برضاه، والجنة والنعيم المقيم، والله يحب المحسنين الذين أحسنوا في عبادة الربّ، ومعاملة الخَلْق.

[149] ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ إِن تُطِيعُواْ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ يَرُدُّوكُمۡ عَلَىٰٓ أَعۡقَٰبِكُمۡ فَتَنقَلِبُواْ خَٰسِرِينَ 149﴾:

يا أيها الذين آمنوا بالله وبرسوله ﷺ، وعملوا بشرعه، إن تطيعوا الكفار والمنافقين، فسوف يَرْجِعونكم إلى أول أمركم من الكفر والشرك بالله، فتعودون بالخسارة والهلاك في دينكم ودنياكم.

[150] ﴿بَلِ ٱللَّهُ مَوۡلَىٰكُمۡۖ وَهُوَ خَيۡرُ ٱلنَّٰصِرِينَ 150﴾:

واعلموا -أيها المؤمنين- أن هؤلاء الكفار لن ينصروكم أبدًا وإن أطعتموهم، بل الله جل في علاه هو الذي سينصُرُكم ويتولَّى أمركم، وهو سبحانه خير الناصرين؛ فلا حاجة بكم إلى أحدٍ غيره.

[151] ﴿سَنُلۡقِي فِي قُلُوبِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ ٱلرُّعۡبَ بِمَآ أَشۡرَكُواْ بِٱللَّهِ مَا لَمۡ يُنَزِّلۡ بِهِۦ سُلۡطَٰنٗاۖ وَمَأۡوَىٰهُمُ ٱلنَّارُۖ وَبِئۡسَ مَثۡوَى ٱلظَّٰلِمِينَ 151﴾:

أخبَرَ جل وعلا أنه سيَقْذِفُ في قلوب الذين كفروا الخوف والفزع منكم؛ فلا يستطيعون مقاتلتكم؛ بسبَبِ إشراكهم بالله وعبادتهم للأصنام والأوثان من غير أن ينزِّل الله لهم بذلك حجة أو برهانًا، ثم مرجعهم إلى النار، وساء المقام مقام الظالمين الذين ظلموا أنفسهم بالكفر والمعاصي.

[152] ﴿وَلَقَدۡ صَدَقَكُمُ ٱللَّهُ وَعۡدَهُۥٓ إِذۡ تَحُسُّونَهُم بِإِذۡنِهِۦۖ حَتَّىٰٓ إِذَا فَشِلۡتُمۡ وَتَنَٰزَعۡتُمۡ فِي ٱلۡأَمۡرِ وَعَصَيۡتُم مِّنۢ بَعۡدِ مَآ أَرَىٰكُم مَّا تُحِبُّونَۚ مِنكُم مَّن يُرِيدُ ٱلدُّنۡيَا وَمِنكُم مَّن يُرِيدُ ٱلۡأٓخِرَةَۚ ثُمَّ صَرَفَكُمۡ عَنۡهُمۡ لِيَبۡتَلِيَكُمۡۖ وَلَقَدۡ عَفَا عَنكُمۡۗ وَٱللَّهُ ذُو فَضۡلٍ عَلَى ٱلۡمُؤۡمِنِينَ 152﴾:

ثم أخبَرَ جل وعلا أنه حقَّق وعده لكم، بالنصر في أول المعركة عندما كنتم تُزِيلُونَ رؤوس المشركين بسيوفكم، وتقتلونهم قتلًا شديدًا متتابعًا، وكان الرماة يحرُسُونكم من خَلْفكم، ويمنعون تقدُّم خيَّالة المشركين خالد بن الوليد وزملائه الفرسان عن الوصول إليكم. فلما كَثُرَ القتل في المشركين، ورأى الرماة الغنائم، تنازعوا واختلفوا وعصَوْا أمر رئيسهم عبد الله بن جُبَيْر رضي الله عنه، الذي ثبَتَ مع قلة منهم حتى قُتِلَ؛ فكان من نتائج هذا الاختلافِ والعصيانِ أن تركوا أماكنهم بعد أن رأَوُا النصر بأعينهم، وسارعوا إلى جمع الغنائم، فهجَمَ خالد بن الوليد وفرسانه عليهم من خَلْفهم؛ فتحوَّل النصر إلى هزيمة، وشُجَّ رسول الله ﷺ، وكُسِرَتْ رَبَاعِيَتُهُ. وتبيَّن أن منكم من كان يريد الدنيا، ومنكم من كان يريد الآخرة، وما أعدَّ الله فيها من الأجر والثواب لمن يجاهِدُ ويُقْتَلُ في سبيله أو ينتصر، ثم صرَفَ الله وجوهكم عن عدوِّكم لمخالفتكم أمر نبيكم، ثم إنه سبحانه عفا عنكم لمَّا عَلِمَ ندمكم وتوبتكم، والله ذو فضل عظيم على المؤمنين الصادقين التائبين.

وهذه الآية نزَلَتْ لما رجع المسلمون من معركة أُحُد؛ فقال بعضهم: كيف هُزِمْنا وقد وعَدَنا الله النصر؟! فنزلت هذه الآية شرحًا لسبب الهزيمة، ولو استمر النصر للمسلمين مع المخالفة، لقالوا: خالفنا الأوامر وانتصرنا؛ فلا قيمة للاحتياطات وامتثال الأوامر؛ وهذا درس استفاد منه المسلمون في كل المعارك التي بعدها.

[153] ﴿إِذۡ تُصۡعِدُونَ وَلَا تَلۡوُۥنَ عَلَىٰٓ أَحَدٖ وَٱلرَّسُولُ يَدۡعُوكُمۡ فِيٓ أُخۡرَىٰكُمۡ فَأَثَٰبَكُمۡ غَمَّۢا بِغَمّٖ لِّكَيۡلَا تَحۡزَنُواْ عَلَىٰ مَا فَاتَكُمۡ وَلَا مَآ أَصَٰبَكُمۡۗ وَٱللَّهُ خَبِيرُۢ بِمَا تَعۡمَلُونَ 153﴾:

وتذكَّروا -يا أصحاب رسول الله ﷺ- يوم أن رجعتم هاربين، تصعدون في بطن الوادي، لا يلتفِتُ بعضكم إلى بعض؛ بسبب الخوف والرعب الذي أصابكم، والرسول ﷺ ثابت يناديكم مِنْ خلفكم قائلًا: «إِلَيَّ عِبَادَ اللَّهِ، إِلَيَّ عِبَادَ اللَّهِ، أَنا رَسُولُ اللهِ»([2])، وأنتم لا تسمعون ولا تلتفتون إليه، فجازاكم الله على فعلكم غمًّا بسبب غمِّكم لرسول الله ﷺ؛ لكيلا تحزنوا على ما فاتكم من نصر وغنيمة، ولا ما حلَّ بكم من خوف وهزيمة، واعلموا أن الله مطَّلع على كل ما حصَلَ منكم، لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء. [2] أورده ابن كثير في تفسيره (2/121)، والطبري في تفسيره (7/255).

[154] ﴿ثُمَّ أَنزَلَ عَلَيۡكُم مِّنۢ بَعۡدِ ٱلۡغَمِّ أَمَنَةٗ نُّعَاسٗا يَغۡشَىٰ طَآئِفَةٗ مِّنكُمۡۖ وَطَآئِفَةٞ قَدۡ أَهَمَّتۡهُمۡ أَنفُسُهُمۡ يَظُنُّونَ بِٱللَّهِ غَيۡرَ ٱلۡحَقِّ ظَنَّ ٱلۡجَٰهِلِيَّةِۖ يَقُولُونَ هَل لَّنَا مِنَ ٱلۡأَمۡرِ مِن شَيۡءٖۗ قُلۡ إِنَّ ٱلۡأَمۡرَ كُلَّهُۥ لِلَّهِۗ يُخۡفُونَ فِيٓ أَنفُسِهِم مَّا لَا يُبۡدُونَ لَكَۖ يَقُولُونَ لَوۡ كَانَ لَنَا مِنَ ٱلۡأَمۡرِ شَيۡءٞ مَّا قُتِلۡنَا هَٰهُنَاۗ قُل لَّوۡ كُنتُمۡ فِي بُيُوتِكُمۡ لَبَرَزَ ٱلَّذِينَ كُتِبَ عَلَيۡهِمُ ٱلۡقَتۡلُ إِلَىٰ مَضَاجِعِهِمۡۖ وَلِيَبۡتَلِيَ ٱللَّهُ مَا فِي صُدُورِكُمۡ وَلِيُمَحِّصَ مَا فِي قُلُوبِكُمۡۚ وَٱللَّهُ عَلِيمُۢ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ 154﴾:

ثم أخبَرَ جل وعلا أنَّه بعد الغم الشديد الذي أنزله على الصحابة رضي الله عنهم جزاءً لغمِّهم لرسول الله ﷺ؛ أنزَلَ سبحانه السكينة والنعاس على المسلمين المهاجرين والأنصار، أما المنافقون، فقد أصيبوا بالرعب والقلق، وكان همهم خلاص أنفسهم؛ بل أساؤوا الظن بالله وبدينه وبرسوله ﷺ؛ فقالوا: لسنا مسؤولين عن هذه الهزيمة؛ لأنه لم يكن لنا رأي، وليس في يدنا شيء من الأمر، فأمَرَ سبحانه نبيه ﷺ أن يقول لهم: إن الأمر كله بيد الله. ثم قال سبحانه لنبيه: واعلم أنهم يُخْفُونَ في أنفسهم ما لا يُظْهِرونه لك من الشك والكفر والنفاق، ويقولون: لو كان لنا في هذه المعركة رأيٌ واختيارٌ، ما قُتِلْنا هاهنا، ولو كان محمدٌ محقًّا، لانتصرنا كما وعَدَنا؛ وهذا إنكار وتكذيب بِقَدَرِ الله.

ثم أمَرَ سبحانه نبيه ﷺ أن يقول لهم: اعلموا أن الأعمار بيد الله؛ فحتى لو كنتم في بيوتكم، ولم تخرُجُوا للقتال، لجعَلَ الله الذين كُتِبَ عليهم القتل يخرُجُونَ إلى أماكن قتلهم؛ فيُقْتَلُونَ فيها؛ فإن الأجل إذا جاء، لا يستأخر ساعة ولا يستقدم.

واعلموا أن الله سبحانه ما جعل ذلك إلا ليختبر ما في صدوركم من الشك والنفاق وضَعْف الإيمان، وليميِّز المؤمن من المنافق، والله عليم بما في صدوركم من خير أو شر، لا يخفى عليه شيء من أموركم.

[155] ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ تَوَلَّوۡاْ مِنكُمۡ يَوۡمَ ٱلۡتَقَى ٱلۡجَمۡعَانِ إِنَّمَا ٱسۡتَزَلَّهُمُ ٱلشَّيۡطَٰنُ بِبَعۡضِ مَا كَسَبُواْۖ وَلَقَدۡ عَفَا ٱللَّهُ عَنۡهُمۡۗ إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٞ 155﴾:

ثم عاتَبَ جل وعلا الصحابة الذين فرُّوا من القتال يوم التقى المؤمنون والمشركون في غزوة أُحُد، وأخبَرَ سبحانه بأن الشيطان أوقعهم في هذا الذنب بسبب أخطائهم؛ ولكنهم نَدِموا وتابوا واستغفروا الله، فعفا الله عنهم، وقَبِلَ توبتهم، وقَبِلَ الرسول ﷺ اعتذارهم؛ لأنه سبحانه غفورٌ واسع المغفرة، حليمٌ لا يعاجل العاصي بالعقوبة.

وهكذا امتلأت غَزْوة أُحُدٍ بالدروس والعِبَر، والاختبارات والتمحيص.

[156] ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَكُونُواْ كَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَقَالُواْ لِإِخۡوَٰنِهِمۡ إِذَا ضَرَبُواْ فِي ٱلۡأَرۡضِ أَوۡ كَانُواْ غُزّٗى لَّوۡ كَانُواْ عِندَنَا مَا مَاتُواْ وَمَا قُتِلُواْ لِيَجۡعَلَ ٱللَّهُ ذَٰلِكَ حَسۡرَةٗ فِي قُلُوبِهِمۡۗ وَٱللَّهُ يُحۡيِۦ وَيُمِيتُۗ وَٱللَّهُ بِمَا تَعۡمَلُونَ بَصِيرٞ 156﴾:

يا أيها الذين آمنوا بالله، وصدَّقوا رسوله ﷺ، وعملوا بشرعه، لا تشابهوا المنافقين الذين تخلَّفوا عن الجهاد مع رسول الله ﷺ، وقالوا لإخوانهم في النَّسَبِ أو في النفاقِ إذا خرجوا للتجارة أو خرجوا للجهاد: لو لم يسافروا، وبَقُوا عندنا، ما ماتوا وما قُتِلوا، وفي هذا تكذيب لقضاء الله وقدره؛ لأن قضاء الله تعالى لا يُدفَعُ، وأمره لا يُرَدُّ، وقد قالوا ما قالوا معتقدين أن في ذلك مضرَّةً للمؤمنين، ولكنْ كان عاقبةُ قولهم حسرةً في قلوبهم. واعلموا أن الله وحده هو الذي يحيي ويميت، وأن بيده مقادير كل شيء، وأنه مطَّلع على أعمال عباده، وسوف يجازيكم علىها؛ إنْ خيرًا فخير، وإنْ شرًّا فشرّ.

[157] ﴿وَلَئِن قُتِلۡتُمۡ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ أَوۡ مُتُّمۡ لَمَغۡفِرَةٞ مِّنَ ٱللَّهِ وَرَحۡمَةٌ خَيۡرٞ مِّمَّا يَجۡمَعُونَ 157﴾:

واعلموا -أيها المؤمنون- أنكم إذا قُتِلْتُمْ في الجهاد في سبيل الله، أو مُتُّمْ على فُرُشكم، وأنتم تنوون الجهاد في سبيل الله، فسوف تظفرون بالشهادة التي هي أسمى مطالب المجاهدين؛ لأن الشهداء أحياء عند ربهم يُرْزَقون، وسوف تظفرون أيضًا برحمة الله الواسعة؛ وهذا كلُّه خير لكم مما تجمعون من حطام الدنيا الفاني.

[158] ﴿وَلَئِن مُّتُّمۡ أَوۡ قُتِلۡتُمۡ لَإِلَى ٱللَّهِ تُحۡشَرُونَ 158﴾:

واعلموا -أيها المؤمنون- أنكم سواءٌ مُتُّمْ على فُرُشِكم، أو قُتِلْتُمْ في الجهاد، فلن تذهب أعمالكم هباءً؛ بل ستحشرون إلى الله، فيجازيكم على جهادكم وإخلاصكم.

[159] ﴿فَبِمَا رَحۡمَةٖ مِّنَ ٱللَّهِ لِنتَ لَهُمۡۖ وَلَوۡ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ ٱلۡقَلۡبِ لَٱنفَضُّواْ مِنۡ حَوۡلِكَۖ فَٱعۡفُ عَنۡهُمۡ وَٱسۡتَغۡفِرۡ لَهُمۡ وَشَاوِرۡهُمۡ فِي ٱلۡأَمۡرِۖ فَإِذَا عَزَمۡتَ فَتَوَكَّلۡ عَلَى ٱللَّهِۚ إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلۡمُتَوَكِّلِينَ 159﴾:

ثم أخبَرَ سبحانه وتعالى أن رحمته بالنبي وأصحابه اقتضت أن كان النبي ﷺ رحيمًا بهم، رفيقًا معهم؛ ولهذا كان ﷺ ليِّن الجانب معهم، مع أنهم خالفوا أمره وعصَوْه؛ سواءٌ الرماة، أو الذين انسحبوا، وتسبَّبوا في أخطاء غيَّرت مجرى النصر إلى هزيمة، ثم بيَّن له سبحانه أنه لو كان سيِّئ الخلق قاسي القلب معهم، لانصرفوا عنه، ونفروا منه، ثم أمره سبحانه أن يعفو عما صَدَر منهم من التقصير، ويستغفر لهم، ويشاوِرَهم في الأمور التي يحتاج فيها إلى مشاورة، فإذا اجتمع رأيك على أمر من الأمور، فاعزم عليه معتمِدًا على الله وحده؛ فإن الله يحب المتوكِّلين عليه، اللاجئين إليه. و(ما) في قوله: ﴿فَبِمَا﴾، جاءت لتأكيد الرحمة التي منحها جل وعلا لنبيه ﷺ.

[160] ﴿إِن يَنصُرۡكُمُ ٱللَّهُ فَلَا غَالِبَ لَكُمۡۖ وَإِن يَخۡذُلۡكُمۡ فَمَن ذَا ٱلَّذِي يَنصُرُكُم مِّنۢ بَعۡدِهِۦۗ وَعَلَى ٱللَّهِ فَلۡيَتَوَكَّلِ ٱلۡمُؤۡمِنُونَ 160﴾:

واعلموا -أيها المؤمنون- أن الله إذا أراد لكم النصر والعز والتمكين، فلن يستطيع أحد أن يغلبكم أبدًا، ولو اجتمع عليكم أهل الأرض جميعًا؛ لأنه لا غالب له سبحانه، وإذا أراد هزيمتكم، فمن ذا الذي يستطيع أن ينصركم غيره جَلَّ في علاه؟! وهذا يعني: أن الأمر كله أولًا وآخرًا بيد الله وحده، وعلى الله توكلوا؛ لأنه هو الناصر والمعين وحده، والاعتماد على غيره شرك.

[161] ﴿وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَن يَغُلَّۚ وَمَن يَغۡلُلۡ يَأۡتِ بِمَا غَلَّ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِۚ ثُمَّ تُوَفَّىٰ كُلُّ نَفۡسٖ مَّا كَسَبَتۡ وَهُمۡ لَا يُظۡلَمُونَ 161﴾:

أخبَرَ جل وعلا أنه لا ينبغي ولا يصح لنبي أن يخفي شيئًا من الغنيمة؛ لأن من يخون ويخفي شيئًا من الغنيمة، فإنه يأتي يوم القيامة حاملًا له؛ ليفضحه الله على وجوه الخلائق، ثم تُعْطَى كل نفس ما كسبت من خيرٍ أو شرٍّ، دون أن يُظلَمَ أحد. وذِكْرُ النبي في هذه الآية مبالغةٌ في التحذير من الغلول؛ وإلا فإن النبي ﷺ معصوم، ولا يمكن أن يقع منه الغلول.

والمقصود من هذه الآية: هو التحذيرُ من الغلول، الذي هو أَخْذُ شيء من الغنائم قبل قسمتها، وكما أن الأنبياء منزَّهون ومترفِّعون عن أخذ شيء من الغنائم وإخفائها، فكذلك يجب على المحاربين ألَّا يختلس أحد منهم شيئًا من الغنائم.

[162] ﴿أَفَمَنِ ٱتَّبَعَ رِضۡوَٰنَ ٱللَّهِ كَمَنۢ بَآءَ بِسَخَطٖ مِّنَ ٱللَّهِ وَمَأۡوَىٰهُ جَهَنَّمُۖ وَبِئۡسَ ٱلۡمَصِيرُ 162﴾:

ثم قال جل في علاه: هل يستوي -أيها الناس- الذي يتقي الله ويسعى في تحصيل رضا الله بالطاعة والعمل الصالح، مع الذي باء بغضبٍ عظيمٍ من الله بسبب الذنوب والمعاصي التي ارتكبها، ثم يكون منزله ومصيره جهنم، وبئس ذلك المصير والمنقلب؟! ولا شك أنهما لا يستويان أبدًا، والاستفهام استنكاري، يعني: أنهما لا يستويان.

[163] ﴿هُمۡ دَرَجَٰتٌ عِندَ ٱللَّهِۗ وَٱللَّهُ بَصِيرُۢ بِمَا يَعۡمَلُونَ 163﴾:

ثم أكَّد جل في عُلاه أنَّهم مُتفاوتون في الدَّرجات؛ فالذين اتبعوا رضوان الله لهم أجرٌ عظيم، وثوابٌ جزيل، وأما الذين باؤوا بغضب الله، فأولئك لهم عذاب أليم مهين، والله بصير بجميع أعمال عباده؛ لا تخفى عليه منها خافية مهما دقَّت.

[164] ﴿لَقَدۡ مَنَّ ٱللَّهُ عَلَى ٱلۡمُؤۡمِنِينَ إِذۡ بَعَثَ فِيهِمۡ رَسُولٗا مِّنۡ أَنفُسِهِمۡ يَتۡلُواْ عَلَيۡهِمۡ ءَايَٰتِهِۦ وَيُزَكِّيهِمۡ وَيُعَلِّمُهُمُ ٱلۡكِتَٰبَ وَٱلۡحِكۡمَةَ وَإِن كَانُواْ مِن قَبۡلُ لَفِي ضَلَٰلٖ مُّبِينٍ 164﴾:

واعلموا -أيها الناس- أن نِعَمَ الله جل وعلا على عباده غامرةٌ كثيرةٌ، ومن أهمها أنْ بعَثَ فيهم هذا الرسول الزكي الطاهر المنزَّه عن العيوب، يقرأ عليهم آيات الله، ويطهِّر قلوبهم من الشرك والأخلاق السيئة، ويعلِّمهم القرآن والسنة، وإن كانوا من قبل مجيء محمد ﷺ لفي ضلال واضح ظاهر لا يخفى على أحد، وقد كان ﷺ حريصًا على هداية الخلق، وكان يسعى ليلًا ونهارًا لإخراجهم من الظلمات إلى النور، لا يفتُرُ مهما واجهه من صعوبات، ومهما لحقه من أضرار وأذيَّات؛ فصلى الله عليه وعلى آله وسلم، وجزاه الله عن الإسلام والمسلمين خير الجزاء.

[165] ﴿أَوَلَمَّآ أَصَٰبَتۡكُم مُّصِيبَةٞ قَدۡ أَصَبۡتُم مِّثۡلَيۡهَا قُلۡتُمۡ أَنَّىٰ هَٰذَاۖ قُلۡ هُوَ مِنۡ عِندِ أَنفُسِكُمۡۗ إِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ قَدِيرٞ 165﴾:

ثم عاتب جل وعلا الصحابة الذين كانوا سببًا في الهزيمة يوم أُحُد؛ حيث وقعت المصيبة؛ وقُتِلَ منهم سبعون؛ فأخبر سبحانه أنهم قد أصابوا مثلَيْها؛ حيث قتَلُوا من المشركين يوم بدر سبعين وأسروا سبعين، وكان النصر حليفهم، ثم قالوا متعجِّبين: كيف ننهزم وقد وعَدَنا الله بالنصر؟! فقل لهم -أيها النبي-: أنتم سبب الهزيمة؛ لأنكم عصيتم رسول الله؛ إذْ خالف الرماة أمره، ثم فررتم أنتم من المعركة تاركين القتال، واعلموا أن الله على كل شيء قدير لا يُعْجِزه شيء من أمر عباده في الأرض ولا في السماء. والهمزة في قوله: ﴿أَوَلَمَّآ﴾ للتقريرِ وللمعاتبة والتقريع.

[166] ﴿وَمَآ أَصَٰبَكُمۡ يَوۡمَ ٱلۡتَقَى ٱلۡجَمۡعَانِ فَبِإِذۡنِ ٱللَّهِ وَلِيَعۡلَمَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ 166﴾:

أخبَرَ جل وعلا أن ما أصاب المؤمنين من جراحٍ أو قتلٍ في غزوة أُحُدٍ يوم التقى المسلمون والمشركون، كان بتقدير الله وتدبيره، وليتميَّز المؤمنون الصادقون من المنافقين المجرمين؛ فيظهر إيمان المؤمنين على حقيقته، وكفر المنافقين على حقيقته، ويتميَّز من يريد الدنيا عمن يريد الآخرة؛ كما هو معلوم لله في الأزل.

[167] ﴿وَلِيَعۡلَمَ ٱلَّذِينَ نَافَقُواْۚ وَقِيلَ لَهُمۡ تَعَالَوۡاْ قَٰتِلُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ أَوِ ٱدۡفَعُواْۖ قَالُواْ لَوۡ نَعۡلَمُ قِتَالٗا لَّٱتَّبَعۡنَٰكُمۡۗ هُمۡ لِلۡكُفۡرِ يَوۡمَئِذٍ أَقۡرَبُ مِنۡهُمۡ لِلۡإِيمَٰنِۚ يَقُولُونَ بِأَفۡوَٰهِهِم مَّا لَيۡسَ فِي قُلُوبِهِمۡۚ وَٱللَّهُ أَعۡلَمُ بِمَا يَكۡتُمُونَ 167﴾:

ثم أكَّد جل وعلا أن ما أصاب المسلمين يوم أُحُد ليتميَّز المنافقون الذين انكشف أمرهم عندما طلب منهم المؤمنون أن يأتوا ليقاتلوا معهم في سبيل الله، أو يأتوا عونًا وحميَّة، ولتكثير سواد المسلمين، فقال المنافقون: لو كنا نعلم أن هناك قتالًا، لخرَجْنا نقاتل معكم؛ فأخبر سبحانه بأنهم في حقيقتهم أقرب للكفر منهم للإيمان، وأنهم يقولون بأفواههم خلاف ما في قلوبهم، والله جل في علاه كاشف أمرهم لا تخفى عليه خافية، يعلم خائنة الأعين وما تُخْفي الصدور.

[168] ﴿ٱلَّذِينَ قَالُواْ لِإِخۡوَٰنِهِمۡ وَقَعَدُواْ لَوۡ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُواْۗ قُلۡ فَٱدۡرَءُواْ عَنۡ أَنفُسِكُمُ ٱلۡمَوۡتَ إِن كُنتُمۡ صَٰدِقِينَ 168﴾:

ثم أخبَرَ جل وعلا بما قاله الذين تخلَّفوا عن القتال، ورجعوا إلى المدينة، في شأن الذين خرجوا وقُتِلُوا؛ حيث قالوا عن إخوانهم الذين استشهدوا: لو أنهم أطاعونا وقعَدُوا مثلنا، لَنَجَوْا من القتل كما نجونا؛ فقل لهم -أيها النبي-: إن كنتم صادقين فيما تقولون، فادفعوا عن أنفسكم الموت؛ إن كان الحذر يمنع من الموت كما تزعمون.

[169] ﴿وَلَا تَحۡسَبَنَّ ٱلَّذِينَ قُتِلُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ أَمۡوَٰتَۢاۚ بَلۡ أَحۡيَآءٌ عِندَ رَبِّهِمۡ يُرۡزَقُونَ 169﴾:

ثم قال سبحانه وتعالى: ولا تظننَّ -أيها النبي- أن الذين استشهدوا من أجل إعلاء كلمة الله أمواتٌ؛ بل أحياء بجوار ربِّهم حياةً حقيقيَّةً خاصَّة.

وقوله: ﴿يُرۡزَقُونَ﴾، تأكيدٌ لحياتهم، وأنهم يتمتعون بثمار الجنة ونعيمها وتُحَفها.

[170] ﴿فَرِحِينَ بِمَآ ءَاتَىٰهُمُ ٱللَّهُ مِن فَضۡلِهِۦ وَيَسۡتَبۡشِرُونَ بِٱلَّذِينَ لَمۡ يَلۡحَقُواْ بِهِم مِّنۡ خَلۡفِهِمۡ أَلَّا خَوۡفٌ عَلَيۡهِمۡ وَلَا هُمۡ يَحۡزَنُونَ 170﴾:

ثم أخبَرَ جل وعلا أن هؤلاء الشهداء فرحون ومسرورون بما آتاهم الله من فضله، وهو رضوانُ الله والشهادةُ والنعيمُ الخالد، وأنهم فرحون بإخوانهم المجاهدين الذين تركوهم خلفهم في الدنيا، متمنِّين لهم الشهادة ليفوزوا بنعيم الجنة كما فازوا، وهؤلاء الشهداء لا خوف عليهم يوم القيامة مما يُرَى من أهوال ذلك اليوم، ولا هم يحزنون على ما فاتهم من نعيم الدنيا الفاني.

[171] ﴿يَسۡتَبۡشِرُونَ بِنِعۡمَةٖ مِّنَ ٱللَّهِ وَفَضۡلٖ وَأَنَّ ٱللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجۡرَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ 171﴾:

ثم بيَّن جل وعلا أن هؤلاء الشهداء فرحون بما منَّ الله به عليهم من نعمة الشهادة في سبيله، وبما منَّ عليهم من نعيم الجنة الدائم، ثم أخبَرَ سبحانه أنه لا يُضِيعُ أجر الشهداء المؤمنين الصادقين.

[172] ﴿ٱلَّذِينَ ٱسۡتَجَابُواْ لِلَّهِ وَٱلرَّسُولِ مِنۢ بَعۡدِ مَآ أَصَابَهُمُ ٱلۡقَرۡحُۚ لِلَّذِينَ أَحۡسَنُواْ مِنۡهُمۡ وَٱتَّقَوۡاْ أَجۡرٌ عَظِيمٌ 172﴾: ثم بيَّن جل وعلا أن هذا النعيم وهذه الكرامة حصَلَ عليها هؤلاء الشهداء؛ لأنهم استجابوا لدعوة الله ورسوله في استئناف الجهاد، وملاقاة المشركين في غزوة (حمراء الأسد)، مِنْ بعدِ ما أصابهم من الهزيمة في غزوة أُحُد، وبذلك أحسنوا واتقَوْا عصيان أمر الله ورسوله، فاستحقُّوا على جهادهم وتضحيتهم الأجر العظيم، والثواب الجزيل من الله تعالى.

[173] ﴿ٱلَّذِينَ قَالَ لَهُمُ ٱلنَّاسُ إِنَّ ٱلنَّاسَ قَدۡ جَمَعُواْ لَكُمۡ فَٱخۡشَوۡهُمۡ فَزَادَهُمۡ إِيمَٰنٗا وَقَالُواْ حَسۡبُنَا ٱللَّهُ وَنِعۡمَ ٱلۡوَكِيلُ 173﴾:

ثم مدَحَ جل وعلا المؤمنين على ثباتهم، وأنهم لم يلتفتوا إلى ما قاله بعض المرجفين من أنصار المشركين؛ حيث إن أبا سفيان قد واعد رسول الله ﷺ أن يوافيه العامَ المُقْبِلَ من يوم أُحُدٍ ببدر للاقتتال، فلما كان العام المقبل، خرج أبو سفيان مع قومه حتى نزل بمَرِّ الظَّهْران، فألقى الله الرعب في قلبه، فبدا له أن يرجع، فلقي نُعَيْمَ بنَ مسعود الأشجعيَّ، وطلب منه أن يذهب إلى المدينة ليخذِّل المؤمنين عن لقائه، فلما وصل نُعَيْمٌ إلى المدينة، قال: أيها الناس، إن قريشًا بقيادة أبي سفيان قد جمعوا الناس لقتالكم، فخافوهم ولا تأتوهم؛ فازداد المؤمنون بذلك القول إيمانًا وثباتًا في دينهم ونصرة نبيهم ﷺ، ولم يلتفتوا إلى ما قال، بل قالوا: حَسْبُنا الله سيكفينا أَمْرَهم وشرَّهم، وهو سبحانه نعم الملجأ ونعم النصير، وهو حافظنا ومتولِّي أمرنا.

[174] ﴿فَٱنقَلَبُواْ بِنِعۡمَةٖ مِّنَ ٱللَّهِ وَفَضۡلٖ لَّمۡ يَمۡسَسۡهُمۡ سُوٓءٞ وَٱتَّبَعُواْ رِضۡوَٰنَ ٱللَّهِۗ وَٱللَّهُ ذُو فَضۡلٍ عَظِيمٍ 174﴾:

وبعد أن قال المؤمنون هذه الكلمة العظيمة: ﴿حَسۡبُنَا ٱللَّهُ وَنِعۡمَ ٱلۡوَكِيلُ﴾؛ خرجوا مع رسول الله ﷺ للقاء العدو في (بدر الصغرى)، لكنهم لم يَلْقَوْهُ؛ لأنه أسرَعَ خائفًا إلى مكة مخذولًا، ثم إن الصحابة رضي الله عنهم وافقوا السوق وكانت معهم بعض التجارات، فباعوا واشتروا وربحوا، ثم رجعوا إلى المدينة مع الرسول ﷺ، وقد فازوا بنعمة السلامة، وطاعة الله ورسوله، ولم يمسسهم سوء؛ حيث أنعم الله عليهم بفضله وكرمه العظيم ورضاه.

[175] ﴿إِنَّمَا ذَٰلِكُمُ ٱلشَّيۡطَٰنُ يُخَوِّفُ أَوۡلِيَآءَهُۥ فَلَا تَخَافُوهُمۡ وَخَافُونِ إِن كُنتُم مُّؤۡمِنِينَ 175﴾:

ثم بيَّن جل وعلا للمؤمنين أن أولئك الذين يخوِّفونكم لِتَجْبُنُوا عن لقاء عدوكم ليسوا إلا أعوانًا للشيطان الذي يخوِّف أتباعه فيجعلهم جُبَناء، وأنتم لستم منهم؛ فلا تخافوهم وخافوا الله وحده؛ إن كنتم صادقين في إيمانكم.

[176] ﴿وَلَا يَحۡزُنكَ ٱلَّذِينَ يُسَٰرِعُونَ فِي ٱلۡكُفۡرِۚ إِنَّهُمۡ لَن يَضُرُّواْ ٱللَّهَ شَيۡـٔٗاۚ يُرِيدُ ٱللَّهُ أَلَّا يَجۡعَلَ لَهُمۡ حَظّٗا فِي ٱلۡأٓخِرَةِۖ وَلَهُمۡ عَذَابٌ عَظِيمٌ 176﴾:

ثم سلَّى جل وعلا نبيه ﷺ وقال له: لا تحزن -أيها النبي- على هؤلاء الذين يُصِرُّونَ على الجحود والضلال؛ فإنهم لن يضروا الله شيئًا؛ بل إن مضرتهم على أنفسهم، وإنهم هم الخاسرون؛ كما قال تعالى في آية أخرى: ﴿فَلَا تَذۡهَبۡ نَفۡسُكَ عَلَيۡهِمۡ حَسَرَٰتٍۚ ﴾ [فاطر:٨]؛ فالرسول ﷺ يتألَّم ويُحْزِنُهُ مبادرتهم للكفر بعدما وضَّح لهم ما ينجيهم ويسعدهم في الدنيا والآخرة، واعلم أن الله يريد ألَّا يجعل لهم ثوابًا وأجرًا في الآخرة؛ لأنهم أعرضوا وتولَّوْا؛ فلهم عذاب شديد وأليم وفظيع.

[177] ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ ٱشۡتَرَوُاْ ٱلۡكُفۡرَ بِٱلۡإِيمَٰنِ لَن يَضُرُّواْ ٱللَّهَ شَيۡـٔٗاۖ وَلَهُمۡ عَذَابٌ أَلِيمٞ 177﴾:

واعلموا أن هؤلاء المنافقين الذين استبدلوا الكفر بالإيمان، لن يضروا الله شيئًا بكفرهم وضلالهم، ولهم في الآخرة عذاب مؤلم جزاء كفرهم وضلالهم.

[178] ﴿وَلَا يَحۡسَبَنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُوٓاْ أَنَّمَا نُمۡلِي لَهُمۡ خَيۡرٞ لِّأَنفُسِهِمۡۚ إِنَّمَا نُمۡلِي لَهُمۡ لِيَزۡدَادُوٓاْ إِثۡمٗاۖ وَلَهُمۡ عَذَابٞ مُّهِينٞ 178﴾:

ثم قال جل وعلا: ولا يظننَّ هؤلاء المشركون أن إمهالنا لهم بطُول العمر وسَعَة العيش والنعيم خيرٌ لهم؛ إنما إمهالنا لهم حتى يستمروا في زيادة الإثم، ويستحقوا العذاب المهين في الآخرة؛ لأنها دار الجزاء الحقيقي الذي من شدته يتمنَّوْنَ الموتَ ولا يجدونه.

[179] ﴿مَّا كَانَ ٱللَّهُ لِيَذَرَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ عَلَىٰ مَآ أَنتُمۡ عَلَيۡهِ حَتَّىٰ يَمِيزَ ٱلۡخَبِيثَ مِنَ ٱلطَّيِّبِۗ وَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيُطۡلِعَكُمۡ عَلَى ٱلۡغَيۡبِ وَلَٰكِنَّ ٱللَّهَ يَجۡتَبِي مِن رُّسُلِهِۦ مَن يَشَآءُۖ فَـَٔامِنُواْ بِٱللَّهِ وَرُسُلِهِۦۚ وَإِن تُؤۡمِنُواْ وَتَتَّقُواْ فَلَكُمۡ أَجۡرٌ عَظِيمٞ 179﴾:

ثم أخبَرَ جل وعلا أنه ليس من شأنه أن يترك المؤمنين عامَّة على ما هم عليه؛ حتى يتبيَّن المؤمن الصادق من المنافق الكاذب؛ فالله جل شأنه وهو العالم بكل شيء، يريد أن يبيِّن المندسِّين بين المسلمين، وهم المنافقون المخذِّلون الذين يُبْطِنُونَ الكفر والعداوة للمسلمين؛ لكي يَفْضَحهم الله ويظهرهم ويبيِّن حقيقتهم للمسلمين السمَّاعين لهم؛ كما قال جل وعلا: ﴿وَفِيكُمۡ سَمَّٰعُونَ لَهُمۡۗ ﴾ [التوبة:٤٧]، ثم أخبر سبحانه أنه ليس من حكمته أن يُطْلِعَ عباده المؤمنين على الغيب وعلى أسرار العباد؛ ولكنْ يميِّزهم بالابتلاءات والمحن فيظهر المؤمن من المنافق، إلا أنه سبحانه يختار رسله ممن يشاء من عباده؛ فيُطْلِعُهم على بعض الغيب الذي استأثر به بوحي منه.

ثم أمرهم سبحانه بالإيمان بالله ورسوله؛ لأن مَنْ آمن بالله ورسوله إيمانًا صادقًا مخلِصًا، واتقى الله بفعل أوامره واجتناب نواهيه، فله من الله أعظم الأجر، وهو رضاه ودخول جنته.

[180] ﴿وَلَا يَحۡسَبَنَّ ٱلَّذِينَ يَبۡخَلُونَ بِمَآ ءَاتَىٰهُمُ ٱللَّهُ مِن فَضۡلِهِۦ هُوَ خَيۡرٗا لَّهُمۖ بَلۡ هُوَ شَرّٞ لَّهُمۡۖ سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُواْ بِهِۦ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِۗ وَلِلَّهِ مِيرَٰثُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۗ وَٱللَّهُ بِمَا تَعۡمَلُونَ خَبِيرٞ 180﴾:

ثم أخبَرَ جل وعلا بسوء مصير الذين يبخلون بنعم الله، ولا يؤدُّون زكاة أموالهم؛ فقال سبحانه: ولا يظننَّ هؤلاء الذين يبخلون بما آتاهم الله من الأموال ونعيم الدنيا هو خيرٌ لهم؛ بل هو في الحقيقة شرٌّ لهم؛ لأن الله سيجعل ما بَخِلوا به على شكل طَوْق من نارٍ يُلَفُّ على أعناقهم، ويعذَّبون به.

واعلموا -أيها الناس- أنكم سوف تموتون، وأن الله وحده له ميراث السموات والأرض، وهو الوارث لما في أيديكم؛ فلماذا تبخلون بما مَنَّ الله عليكم من نعمه وأفضاله؟! والله خبير ومطَّلع على أعمالكم، لا يخفى عليه شيء.

وهذا تهديد للذين يمنعون الحقوق، ويجحدون فضل الله، وما أوجبه في أموالهم من زكاة وواجبات أخرى؛ كالصلة والصدقات والإنفاق في سبيل الله؛ أما الذين يؤدُّون الحقوق والواجبات، فكما قال ﷺ عنهم: «نِعْمَ المَالُ الصَّالِح لِلرَّجُلِ الصَّالِح»([3]). [3] أخرجه أحمد في المسند (17763)، والبخاري في الأدب المفرد (299)، عن عمرو بن العاص . وصحَّحه الألباني في صحيح الأدب المفرد (299).

[181] ﴿لَّقَدۡ سَمِعَ ٱللَّهُ قَوۡلَ ٱلَّذِينَ قَالُوٓاْ إِنَّ ٱللَّهَ فَقِيرٞ وَنَحۡنُ أَغۡنِيَآءُۘ سَنَكۡتُبُ مَا قَالُواْ وَقَتۡلَهُمُ ٱلۡأَنۢبِيَآءَ بِغَيۡرِ حَقّٖ وَنَقُولُ ذُوقُواْ عَذَابَ ٱلۡحَرِيقِ 181﴾:

أخبَرَ جل وعلا أنه سمع هذه المقولة الشنيعة التي قالها اليهود؛ حيث قالوها لما سمعوا قوله تعالى: ﴿مَّن ذَا ٱلَّذِي يُقۡرِضُ ٱللَّهَ قَرۡضًا حَسَنٗا﴾ [الحديد:١١]، فقالوا: إن الله فقير ونحن أغنياء؛ لأنه يطلب منا أن نُقْرِضه ما عندنا من الأموال؛ تعالى الله عمَّا يقول الظالمون علوًّا كبيرًا.

وقد أخبَرَ سبحانه في مواضع أخرى من القرآن بجرأة هؤلاء اليهود على الذات المقدَّسة؛ فقد قالوا: ﴿يَدُ ٱللَّهِ مَغۡلُولَةٌۚ ﴾ [المائدة:٦٤]، وغير ذلك، والأغرب والأعجب هو صَبْرُ الله عليهم وإرجاءُ عقوبتهم للآخرة؛ فقال جل في علاه: سنكتُبُ ونحفظ هذه المقولة التي قالوها مع أقوالهم وأفعالهم الأخرى؛ مثل ما فعله آباؤهم من قتلهم الأنبياء بغير حق، ثم نحاسِبُهم ونعاقبهم على هذه الأقوال وهذه الأفعال، ونقول لهم على سبيل التهكُّم والاستهزاء: ذوقوا عذاب النار المحرِقة التي كنتم بها تكذِّبون.

والله سبحانه ذكر أقوالهم في كتابٍ يُتلَى إلى يوم القيامة؛ فضيحةً لهم وتحذيرًا للمؤمنين من الثقة بهم؛ فنسأل الله السلامة من خُبْثهم وكيدهم.

[182] ﴿ذَٰلِكَ بِمَا قَدَّمَتۡ أَيۡدِيكُمۡ وَأَنَّ ٱللَّهَ لَيۡسَ بِظَلَّامٖ لِّلۡعَبِيدِ 182﴾:

ثم بيَّن جل وعلا أن هذا العذاب الشديد الذي كتبه على اليهود، كان جزاءً لهم بسبب ما اقترفته أيديهم من الجرائم والمعاصي التي ارتكبوها في حياتهم الدنيا، ثم بيَّن سبحانه أنه لا يظلم الناس شيئًا؛ فلا يعاقبهم بغير جُرْم البتة.

[183] ﴿ٱلَّذِينَ قَالُوٓاْ إِنَّ ٱللَّهَ عَهِدَ إِلَيۡنَآ أَلَّا نُؤۡمِنَ لِرَسُولٍ حَتَّىٰ يَأۡتِيَنَا بِقُرۡبَانٖ تَأۡكُلُهُ ٱلنَّارُۗ قُلۡ قَدۡ جَآءَكُمۡ رُسُلٞ مِّن قَبۡلِي بِٱلۡبَيِّنَٰتِ وَبِٱلَّذِي قُلۡتُمۡ فَلِمَ قَتَلۡتُمُوهُمۡ إِن كُنتُمۡ صَٰدِقِينَ 183﴾:

ثم أخبَرَ جل وعلا بما قال اليهود - عندما دعاهم الرسول ﷺ إلى الإسلام - فقالوا: إن الله أمرنا في التوراة ألَّا نؤمن لرسول إلا إذا أتى بدليل على صدقه بأن يأتينا بشيء يقرِّبه لوجه الله، وتَنْزِل نار من السماء فتأكله؛ فقل لهؤلاء -أيها النبي-: لقد جاءتكم رسل من قبلي بالمعجزات الساطعة التي لا شك فيها وبالذي طلبتم؛ فلِمَ كذَّبتموهم وقتلتموهم؛ إن كنتم صادقين بأنكم مؤمنون؟!

[184] ﴿فَإِن كَذَّبُوكَ فَقَدۡ كُذِّبَ رُسُلٞ مِّن قَبۡلِكَ جَآءُو بِٱلۡبَيِّنَٰتِ وَٱلزُّبُرِ وَٱلۡكِتَٰبِ ٱلۡمُنِيرِ 184﴾:

ثم سلَّى جل وعلا نبيه فقال له: فإن كذَّبوك -أيها النبي- فلا تحزن؛ فلست وحدك من كُذِّبَ من الرسل؛ بل كُذِّبَتْ من قبلك رسل كثيرون، جاؤوا بمثل ما جئت به من الحجج والبراهين العقلية والنقلية، وجاؤوا أقوامهم بالزُّبُرِ، وهي: الصحف والكتب السماوية التي زُبِرَتْ، أي: كُتِبَتْ وجُمِعَتْ فيها الآيات والحجج البينات، وجاءهم الكتاب المنزَّل من عند ربك عليهم، وفيه النور والهدى، والحِكَمِ الواضحة، والأحكام والشرائع البينة.

[185] ﴿كُلُّ نَفۡسٖ ذَآئِقَةُ ٱلۡمَوۡتِۗ وَإِنَّمَا تُوَفَّوۡنَ أُجُورَكُمۡ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِۖ فَمَن زُحۡزِحَ عَنِ ٱلنَّارِ وَأُدۡخِلَ ٱلۡجَنَّةَ فَقَدۡ فَازَۗ وَمَا ٱلۡحَيَوٰةُ ٱلدُّنۡيَآ إِلَّا مَتَٰعُ ٱلۡغُرُورِ 185﴾:

ثم أخبَرَ جل وعلا أن كل نفس ستذوق الموت لا محالة، ويوم القيامة سوف يرجع جميع الخلق إلى ربهم ليحاسبهم، وهناك توفَّون أجوركم على أعمالكم كاملة غير منقوصة؛ واعلموا أن من زحزح عن نار جهنم، ولم يسقُطْ فيها عند عبوره على الصراط، وأُدْخِلَ الجنة، فقد ظَفِرَ بما كان يريد، وحصل له الفوز العظيم، وما الحياة الدنيا -أيها الناس- بكل ما فيها إلا متعة مؤقتة؛ سوف تذهب وتزول. وهذا وعدٌ للمصدِّق بما عند الله من ثواب الجنة، ووعيدٌ للمكذِّب والمنافق بالعذاب الأليم في الآخرة.

[186] ﴿لَتُبۡلَوُنَّ فِيٓ أَمۡوَٰلِكُمۡ وَأَنفُسِكُمۡ وَلَتَسۡمَعُنَّ مِنَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلۡكِتَٰبَ مِن قَبۡلِكُمۡ وَمِنَ ٱلَّذِينَ أَشۡرَكُوٓاْ أَذٗى كَثِيرٗاۚ وَإِن تَصۡبِرُواْ وَتَتَّقُواْ فَإِنَّ ذَٰلِكَ مِنۡ عَزۡمِ ٱلۡأُمُورِ 186﴾:

واعلموا -أيها المؤمنون- أنكم سوف تُمتحنون في أموالكم بإخراج النفقات الواجبة والمستحبة، وبالكوارث والحوادث التي تصيبكم، وفي أنفسكم بالأمراض والموت، وسوف تسمعون من اليهود والنصارى والمشركين ما يؤذيكم من السخرية والاستهزاء والطعن في دينكم ونبيكم، وألفاظِ الكفر والشرك، وغير ذلك من الأذى الكثير والكبير في كل الأزمنة والعصور، وإنْ تصبروا على ذلك بالثبات على دينكم، وتتَّقوا الله باتباع أوامره واجتناب نواهيه، فإنه لا يضركم كيدهم شيئًا، وإن ذلك مما يجب عليكم أن تعزموا عليه، وتنافسوا فيه.

وفي هذه الآية تأكيدٌ أن الحياة الدنيا كلها ابتلاءات واختبارات؛ ليتميَّز المسيء من المحسن، والخبيث من الطيب، وقد وعد سبحانه المحسنين الصابرين بالنجاة والسلامة من كيد الكافرين والباغين، ومن المنافقين المندسِّين بين المؤمنين.

[187] ﴿وَإِذۡ أَخَذَ ٱللَّهُ مِيثَٰقَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلۡكِتَٰبَ لَتُبَيِّنُنَّهُۥ لِلنَّاسِ وَلَا تَكۡتُمُونَهُۥ فَنَبَذُوهُ وَرَآءَ ظُهُورِهِمۡ وَٱشۡتَرَوۡاْ بِهِۦ ثَمَنٗا قَلِيلٗاۖ فَبِئۡسَ مَا يَشۡتَرُونَ 187﴾:

واذكر -أيها النبي- يوم أن أخذ الله العهد على علماء اليهود والنصارى بأن يبيِّنوا للناس صفتك في كتبهم وألَّا يخفوا من ذلك شيئًا، وأن يؤمنوا بك وبما جئت به من الهدى والحق، ولكنهم كتموه ونبذوه وراء ظهورهم، ولم يلتفتوا إليه، واستبدلوا بذلك شيئًا حقيرًا من متاع الدنيا الفاني؛ فبئس هذا الشراء، وبئس هذا الثمن، وساءت هذه الصفقة الدنيئة.

[188] ﴿لَا تَحۡسَبَنَّ ٱلَّذِينَ يَفۡرَحُونَ بِمَآ أَتَواْ وَّيُحِبُّونَ أَن يُحۡمَدُواْ بِمَا لَمۡ يَفۡعَلُواْ فَلَا تَحۡسَبَنَّهُم بِمَفَازَةٖ مِّنَ ٱلۡعَذَابِۖ وَلَهُمۡ عَذَابٌ أَلِيمٞ 188﴾:

ثم قال سبحانه لنبيه ﷺ: ولا تَظُنَّنَّ -أيها النبي- أن هؤلاء الذين يفرحون بما أَتَوْا من أفعال سيئة، ويحبون أن يمدحهم الناس بما لم يفعلوا من الخير والأعمال الصالحة، فلا تَظُنَّنَّهم بعيدين عن العذاب في الحياة الدنيا، ولهم في الآخرة عذاب موجع مؤلم.

[189] ﴿وَلِلَّهِ مُلۡكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۗ وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ قَدِيرٌ 189﴾:

واعلموا -أيها الناس- أن لله جل وعلا مُلْكَ السموات والأرض خلقًا وأمرًا وتدبيرًا، وأنه سبحانه على كل شيء قدير، لا يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء.

[190] ﴿إِنَّ فِي خَلۡقِ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ وَٱخۡتِلَٰفِ ٱلَّيۡلِ وَٱلنَّهَارِ لَأٓيَٰتٖ لِّأُوْلِي ٱلۡأَلۡبَٰبِ 190﴾:

واعلموا -أيها الناس- أن في خلق السموات والأرض بعد العدم، وما فيهما من عجائب، واختلافِ الليلِ والنهارِ بالزيادة والنقصان، والضياءِ والظلام؛ لدلائلَ وحججًا وبراهينَ ساطعةً بيِّنةً لذوي العقول الراجحة السليمة؛ ترشدهم إلى الخالق المستحق للعبادة وحده.

[191] ﴿ٱلَّذِينَ يَذۡكُرُونَ ٱللَّهَ قِيَٰمٗا وَقُعُودٗا وَعَلَىٰ جُنُوبِهِمۡ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلۡقِ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ رَبَّنَا مَا خَلَقۡتَ هَٰذَا بَٰطِلٗا سُبۡحَٰنَكَ فَقِنَا عَذَابَ ٱلنَّارِ 191﴾:

ثم بيَّن جل وعلا أن من صفات أصحاب العقول السلمية أنهم: يذكُرُونَ الله حال قيامهم وقعودهم وحال اضطجاعهم، أي: أنهم يذكُرُونَ الله في كل حال، ويُعْمِلُونَ عقولهم بالتفكير في خلق السموات والأرض؛ ليستدلوا بها على قدرة الله سبحانه، وأمام هذه العظمة الإلهية يَدْعُونَ ربهم قائلين: يا ربنا، ما خلقت هذا الخلق العظيم الذي نشاهده عبثًا؛ بل دليلًا على كمال قُدْرتك وحِكْمتك، فتنزَّهَتْ ذاتك وتقدَّسَتْ عن العبث وعن كل ما لا يليق بك، فنجِّنا يا ربنا يوم القيامة من عذاب النار الأليم الذي لا يطاق. وهذه الآيات من قوله: ﴿إِنَّ فِي خَلۡقِ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ وَٱخۡتِلَٰفِ ٱلَّيۡلِ وَٱلنَّهَارِ﴾، إلى قوله: ﴿رَبَّنَا مَا خَلَقۡتَ هَٰذَا بَٰطِلٗا سُبۡحَٰنَكَ فَقِنَا عَذَابَ ٱلنَّارِ﴾، روي أن النبي ﷺ قال فيها: «وَيْلٌ لِمَنْ قَرَأَهَا وَلَمْ يَتَفَكَّرْ فِيهَا!»([4]). [4] أخرجه ابن حبان في صحيحه (620)، عن عائشة رضي الله عنها. قال شعيب الأرناؤوط: إسناده صحيح على شرط مسلم، وقال الألباني في السلسلة الصحيحة (68): حسن.

[192] ﴿رَبَّنَآ إِنَّكَ مَن تُدۡخِلِ ٱلنَّارَ فَقَدۡ أَخۡزَيۡتَهُۥۖ وَمَا لِلظَّٰلِمِينَ مِنۡ أَنصَارٖ 192﴾:

وبيَّن سبحانه أن من دعاء أصحاب العقول السليمة قولَهُمْ: يا ربنا، إنَّ مَنْ أمَرْتَ بإدخاله النار من عبادك بسبب ما اقترف من الذنوب والمعاصي، فقد أذللته وأهنته وفضحته، وليس للظالمين - الذين ظلموا أنفسهم - بالكفر والمعاصي من أنصار يدفعون عنهم عذاب الله.

[193] ﴿رَّبَّنَآ إِنَّنَا سَمِعۡنَا مُنَادِيٗا يُنَادِي لِلۡإِيمَٰنِ أَنۡ ءَامِنُواْ بِرَبِّكُمۡ فَـَٔامَنَّاۚ رَبَّنَا فَٱغۡفِرۡ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرۡ عَنَّا سَيِّـَٔاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ ٱلۡأَبۡرَارِ 193﴾:

وبيَّن سبحانه أيضًا أن من دعائهم قولُهم: يا ربنا، إننا سمعنا مناديًا ينادي للإيمان- وهذا المنادي هو الرسول ﷺ، خاتم الأنبياء والمرسلين- وقد أمَرَنَا أن نؤمن بالله خالقنا ورازقنا، وأن نؤمن برسوله ﷺ، وأن نؤمن باليوم الآخر؛ فاستجَبْنا لكل ما أمرنا به ﷺ، واتَّبعنا كل ما أرشدنا إليه؛ فاستُرْ لنا يا ربنا عيوبنا؛ فلا تفضحنا، وامْحُ عنا ما سلف من ذنوبنا؛ فلا تؤاخذنا، وأَلْحِقْنا بأهل الإيمان والصدق والصلاح الفائزين برضوان الله.

[194] ﴿رَبَّنَا وَءَاتِنَا مَا وَعَدتَّنَا عَلَىٰ رُسُلِكَ وَلَا تُخۡزِنَا يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِۖ إِنَّكَ لَا تُخۡلِفُ ٱلۡمِيعَادَ 194﴾:

ويستمرون في دعائهم قائلين: يا ربنا، أَكْرِمْنا وأَنْجِزْ لنا ما وعدتَّنا به على ألسنة رسلك مِنَ الهداية والنصر والتمكين في الدنيا، ومِنَ الستر وعدم الفضيحة بدخول النار؛ بل الفوز برضوانك وجنتك في الآخرة؛ فإنك سبحانك لا تُخْلِفُ الميعاد.

[195] ﴿فَٱسۡتَجَابَ لَهُمۡ رَبُّهُمۡ أَنِّي لَآ أُضِيعُ عَمَلَ عَٰمِلٖ مِّنكُم مِّن ذَكَرٍ أَوۡ أُنثَىٰۖ بَعۡضُكُم مِّنۢ بَعۡضٖۖ فَٱلَّذِينَ هَاجَرُواْ وَأُخۡرِجُواْ مِن دِيَٰرِهِمۡ وَأُوذُواْ فِي سَبِيلِي وَقَٰتَلُواْ وَقُتِلُواْ لَأُكَفِّرَنَّ عَنۡهُمۡ سَيِّـَٔاتِهِمۡ وَلَأُدۡخِلَنَّهُمۡ جَنَّٰتٖ تَجۡرِي مِن تَحۡتِهَا ٱلۡأَنۡهَٰرُ ثَوَابٗا مِّنۡ عِندِ ٱللَّهِۚ وَٱللَّهُ عِندَهُۥ حُسۡنُ ٱلثَّوَابِ 195﴾:

ثم أخبَرَ جل وعلا أنه استجاب لهم دعاءهم، وأخبَرَ بأنه لا يضيِّعُ على عامل منهم ثواب عمله؛ سواءٌ كان ذكرًا أم أنثى، قليلًا عمله أو كثيرًا، وهم سواءٌ في قبول الأعمال والثواب عليها، ثم أخبَرَ سبحانه بأن الذين هاجروا يريدون وجه الله، وأُخْرِجوا من ديارهم، ونالهم الأذى بسبب طاعتهم لله، وقاتلوا أعداء الله، وقُتِلَ منهم من قُتِلَ في سبيل الله، سيمحو الله عنهم سيئاتهم، ويدخلهم جنات تجرى من تحت قصورها وأشجارها الأنهارُ التي يسعدون برؤيتها، جزاءً من عند الله، والله وحده عنده الأجر والثواب الحسن.

[196] ﴿لَا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ فِي ٱلۡبِلَٰدِ 196﴾:

ثم أمَرَ جل وعلا رسوله ﷺ ألا يغتر بما يراه من نعيمٍ مُغْدَقٍ على الكفار في الدنيا.

[197] ﴿مَتَٰعٞ قَلِيلٞ ثُمَّ مَأۡوَىٰهُمۡ جَهَنَّمُۖ وَبِئۡسَ ٱلۡمِهَادُ 197﴾:

واعلم -أيها النبي- أن نعيم الدنيا متاع قليل، يزول ولا يدوم ثم يكون مصير هؤلاء الكفار في الآخرة إلى النار، وبئس الفراش الذي فرشوه لأنفسهم في جهنم.

والمقصود: أن يبلِّغ النبي ﷺ تابعيه أن إمداد الكفار بالنعم والمكاسب أمرٌ وقتيٌّ، وأنهم سوف يحاسبون ويجازَوْنَ بعذاب مستمر في النار لا يقاس أو يقارب ما أُعْطُوا من الرفاهية والنعيم والمتع المحدودة الوقت في الدنيا.

[198] ﴿لَٰكِنِ ٱلَّذِينَ ٱتَّقَوۡاْ رَبَّهُمۡ لَهُمۡ جَنَّٰتٞ تَجۡرِي مِن تَحۡتِهَا ٱلۡأَنۡهَٰرُ خَٰلِدِينَ فِيهَا نُزُلٗا مِّنۡ عِندِ ٱللَّهِۗ وَمَا عِندَ ٱللَّهِ خَيۡرٞ لِّلۡأَبۡرَارِ 198﴾:

أخبَرَ جل وعلا أن الذين خافوا ربهم، واتبعوا دينه وسنة نبيه ﷺ، لهم جنات تجري من تحت قصورها وبساتينها وأشجارها الأنهارُ، خالدين مخلَّدين فيها لا يخرُجُونَ منها أبدًا، وهذه الجنات هي منزلهم الدائم ثوابًا من عند الله، وما عند الله أفضل وأعظم لأهل الطاعات الصادقين، مما يتمتع به الكفار من نعيم الدنيا الزائل.

والنُّزُلُ في قوله: ﴿نُزُلٗا مِّنۡ عِندِ ٱللَّهِۗ ﴾، هو: ما يُعَدُّ للضيف إكرامًا له، وليس جزاءً أو أجرةً له على عمله، وقد قال ﷺ: «لَنْ يَدْخُلَ أَحَدٌ الجَنَّةَ بِعَمَلِهِ»، قالوا: ولا أنت يارسول الله؟ قال: «وَلَا أَنَا، إِلَّا أَنْ يَتَغَمَّدَنِي اللهُ بِرَحْمَتِهِ»([5]). [5] أخرجه مسلم (2816) عن أبي هريرة رضي الله عنه.

وفي كثير من الآيات يقول تعالى: ﴿ٱدۡخُلُواْ ٱلۡجَنَّةَ بِمَا كُنتُمۡ تَعۡمَلُونَ﴾ [النحل:٣٢]، وفي مواضع أخرى: ﴿جَزَآءَۢ بِمَا كَانُواْ يَعۡمَلُونَ﴾ [الواقعة:٢٤]. وهذا لا يعارِضُ الحديثَ والآيةَ التي تنص على النُّزُل.

والتحقيقُ: أن دخول الجنة إنما يكون بسبب الأعمال الصالحة إذا قَبِلها الله برحمته؛ فصار ذلك العمَلُ المقبولُ سببًا لدخول الجنة.

والعمل الصالح المقبول هو ما تحقَّق فيه شرطان: الإخلاص لله، وموافقة ما جاءت به رسل الله، والذي تحقَّق فيه هذان الشرطان من العمل، فإنَّ صاحبَهُ يتغمده الله برحمته؛ فيقبل عمله، ويدخله الجنة جزاءً على أعماله الصالحة، فإذا دخل الجنة، أكرمه الله بالنُّزُلِ التي تُعَدُّ للضيف إكرامًا له.

ومذهبُ أهل السُّنَّة: أن الباء في قوله: «لَنْ يَدْخُلَ أَحَدٌ الجَنَّةَ بِعَمَلِهِ»، هي باءُ الثمنية، أو باءُ العِوَض؛ مثلُ: اشتريت هذا القلم بدرهم، وأما الباء التي في قوله: ﴿ٱدۡخُلُواْ ٱلۡجَنَّةَ بِمَا كُنتُمۡ تَعۡمَلُونَ﴾ [النحل:٣٢]، فهي باء السببية، أي: بسبب أعمالكم الصالحة المقبولة([6]). [6] ينظر: أضواء البيان للشنقيطي (3/349- 354 )، ( 7/526).

والذي يظهر: أن هذا وذاك مرجعهما رحمةُ الله بعد إخلاصِ العملِ له، ومطابقتِهِ لسنة نبينا محمد ﷺ.

[199] ﴿وَإِنَّ مِنۡ أَهۡلِ ٱلۡكِتَٰبِ لَمَن يُؤۡمِنُ بِٱللَّهِ وَمَآ أُنزِلَ إِلَيۡكُمۡ وَمَآ أُنزِلَ إِلَيۡهِمۡ خَٰشِعِينَ لِلَّهِ لَا يَشۡتَرُونَ بِـَٔايَٰتِ ٱللَّهِ ثَمَنٗا قَلِيلًاۚ أُوْلَٰٓئِكَ لَهُمۡ أَجۡرُهُمۡ عِندَ رَبِّهِمۡۗ إِنَّ ٱللَّهَ سَرِيعُ ٱلۡحِسَابِ 199﴾:

واعلموا أن من اليهود والنصارى مَنْ يؤمن بالله، ويؤمن بنبوة محمَّد ﷺ؛ كعبد الله بن سَلَامٍ والنَّجَاشيِّ وغيرهما، ويؤمنون بالقرآن والتوراة والإنجيل، متذلِّلين لله وحده، ولم يبدِّلوا أو يكتموا ما أنزل الله في التوراة والإنجيل مقابل ثمن قليل من متاع الدنيا الفاني، ثم بيَّن سبحانه أن هؤلاء لهم ثواب أعمالهم كاملًا، واعلموا أن الله سريع الحساب، لا يَحْتاجُ إلى وقت طويل في حساب خلقه.

[200] ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱصۡبِرُواْ وَصَابِرُواْ وَرَابِطُواْ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ لَعَلَّكُمۡ تُفۡلِحُونَ 200﴾:

ثم ختَمَ جل وعلا هذه السورة بالنصح للمؤمنين؛ بأن يصبروا على الإيمان، وتكاليف الشريعة، وما يتعرَّضون له من مصائب الدنيا، وعليهم أن يصابروا أعداءهم على القتال وأهواله، وأن يجادلوهم بالتي هي أحسن؛ لأن المؤمن حياته كلها اختبارات وابتلاءات، فربما قابل مشكِّكينَ ومكابِرِينَ من الكفار والمنافقين، الذين يطمع محبُّوهم بإيمانهم؛ فيكابرون ويجادلون بالباطل ليدحضوا به الحق، وأمَرَهم أن يرابطوا في الثغور وجهاد الأعداء، وأن يتَّقوا الله بالخوف منه في جميع الأحوال، ويكونُ ذلك باتِّباعِ أوامر الله ورسوله واجتنابِ نواهيه، وبهذا يفلحون في الدنيا، ويفوزون برضوان الله وثوابه في الآخرة.

سورة النِّسَاء

سورة النساء مدنيَّة، وآياتها ستٌّ وسبعون ومائة آية، ويقال لها: سورةُ النساء الكبرى، كما يقال لسورة الطلاق: سورةُ النساء الصغرى، وهي أطول سورة في القرآن بعد سورة البقرة، وقد حَفِلَتْ بجل أمور العباد من تكاليف دنيوية وأخروية.

[1] ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱتَّقُواْ رَبَّكُمُ ٱلَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفۡسٖ وَٰحِدَةٖ وَخَلَقَ مِنۡهَا زَوۡجَهَا وَبَثَّ مِنۡهُمَا رِجَالٗا كَثِيرٗا وَنِسَآءٗۚ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ ٱلَّذِي تَسَآءَلُونَ بِهِۦ وَٱلۡأَرۡحَامَۚ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلَيۡكُمۡ رَقِيبٗا 1﴾:

أمَرَ جل وعلا جميع البشر مؤمنهم وكافرهم أن يخافوا ربهم الذي أنشأهم من نَفْس واحدة، وهي نَفْسُ آدم عليه السلام، وخلَقَ من آدم زوجه حوَّاء، ونشَرَ منهما في الأرض خلقًا كثيرًا رجالًا ونساءً، وهذا الأمر يتناول جميع الناس الموجودين في وقت نزولها ومَنْ بعدهم إلى يوم القيامة، ثم أمرهم سبحانه أن يراقبوا ربهم الذي يَسْأَلُ به بعضهم بعضًا، وحذَّرهم أن يقطعوا أرحامهم؛ لأن في قطعها فسادًا كبيرًا وخللًا عظيمًا في حياتهم، واعلموا أن الله مراقب لأعمالكم، وسيجازيكم عليها؛ لذا ينبغي للمؤمن أن يتقي ربه ويستشعر أنه لا يغيب عن مراقبته.

وقوله تعالى: ﴿وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ ٱلَّذِي تَسَآءَلُونَ بِهِۦ وَٱلۡأَرۡحَامَۚ ﴾،

أي: اتقوا اللهَ الذي تتساءلونَ به فتُقسمون به، وتطلبونَ حقوقَكم به، واتقوا الأرحامَ أن تقطعوها؛ بل صِلُوها وعظِّموها.

أما الأرحامِ: بكسر الميم في قراءة حمزة، فهي قَسَمٌ، أي: الذي تَسْأَلُونَ به وبالرَّحِمِ. حكايةٌ لحالهم في الجاهلية؛ فإن أحدهم كان يقول لصاحبه: (أسألك باللهِ وبالرَّحِمِ)؛ إذا كان من أسرته أو قبيلته، أما بعد الإسلام، فقد حرَّم الله السؤال بغيره؛ سواءٌ كان رحمًا أو أي شيء معظَّم عندهم.

[2] ﴿وَءَاتُواْ ٱلۡيَتَٰمَىٰٓ أَمۡوَٰلَهُمۡۖ وَلَا تَتَبَدَّلُواْ ٱلۡخَبِيثَ بِٱلطَّيِّبِۖ وَلَا تَأۡكُلُوٓاْ أَمۡوَٰلَهُمۡ إِلَىٰٓ أَمۡوَٰلِكُمۡۚ إِنَّهُۥ كَانَ حُوبٗا كَبِيرٗا 2﴾:

ثم أمَرَ سبحانه بالتواصي باليتيم الذي مات والده قبل سن البلوغ، وأمر الأولياء أن يعطوا اليتامى أموالهم؛ إذا عرفوا منهم القدرة على حفظها، أو بلغوا الرشد، وأمرهم أن يتقوا الله في أموالهم بعدم استبدال الجيِّد منها بالرديء؛ لما في ذلك من الضرر والخيانة لليتيم، ونهاهم أن يَخْلِطوا أموال اليتيم مع أموالهم إذا كان لقصد الإضرار؛ فمَنْ خلطها بقصد الإضرار، فقد ارتكب إثمًا كبيرًا، وأما إذا كان لقصد الإصلاح والتنمية، فلا بأس بذلك؛ كما قال تعالى: ﴿وَإِن تُخَالِطُوهُمۡ فَإِخۡوَٰنُكُمۡۚ وَٱللَّهُ يَعۡلَمُ ٱلۡمُفۡسِدَ مِنَ ٱلۡمُصۡلِحِۚ ﴾ [البقرة:٢٢٠].

[3] ﴿وَإِنۡ خِفۡتُمۡ أَلَّا تُقۡسِطُواْ فِي ٱلۡيَتَٰمَىٰ فَٱنكِحُواْ مَا طَابَ لَكُم مِّنَ ٱلنِّسَآءِ مَثۡنَىٰ وَثُلَٰثَ وَرُبَٰعَۖ فَإِنۡ خِفۡتُمۡ أَلَّا تَعۡدِلُواْ فَوَٰحِدَةً أَوۡ مَا مَلَكَتۡ أَيۡمَٰنُكُمۡۚ ذَٰلِكَ أَدۡنَىٰٓ أَلَّا تَعُولُواْ 3﴾:

ثم قال جل وعلا: وإذا خفتم -أيها المؤمنون- ألَّا تقوموا بحق النساء اليتامى اللاتي تحت وِلَايتكم بألَّا تعطوهنَّ حقهنَّ في المهور إذا تزوَّجتموهنَّ، فعليكم أن تتزوَّجوا غيرهن من النساء مثنى أو ثلاث أو رباع، فإذا خفتم ألَّا تعدلوا وخَشِيتم من الجَوْر معهنَّ، فاكتفوا بواحدة من النساء، أو بما تملكون من الإماء؛ وهذا أقرب للعدل وعدم الظلم.

وقوله: ﴿أَلَّا تَعُولُواْ﴾، مِن العَوْل، وهو: الظلم، أو مِن العَيْلة، وهو: الفقر؛ كما قال تعالى: ﴿وَوَجَدَكَ عَآئِلٗا فَأَغۡنَىٰ﴾ [الضحى:٨].

[4] ﴿وَءَاتُواْ ٱلنِّسَآءَ صَدُقَٰتِهِنَّ نِحۡلَةٗۚ فَإِن طِبۡنَ لَكُمۡ عَن شَيۡءٖ مِّنۡهُ نَفۡسٗا فَكُلُوهُ هَنِيٓـٔٗا مَّرِيٓـٔٗا 4﴾:

ثم أمَرَ جل وعلا عباده المؤمنين أن يعطوا النساء حقَّهُنَّ من المهور التي فرضها الله على الرجال لأزواجهم، فإذا سمحت الزوجة بشيء من مهرها، سواءٌ لزوجها أو لغيره، بطيب نفس منها، فلا حرَجَ أن تأخذوه حلالًا طيبًا.

[5] ﴿وَلَا تُؤۡتُواْ ٱلسُّفَهَآءَ أَمۡوَٰلَكُمُ ٱلَّتِي جَعَلَ ٱللَّهُ لَكُمۡ قِيَٰمٗا وَٱرۡزُقُوهُمۡ فِيهَا وَٱكۡسُوهُمۡ وَقُولُواْ لَهُمۡ قَوۡلٗا مَّعۡرُوفٗا 5﴾:

ثم نهى جل وعلا أولياء الأمور أن يعطوا أموال اليتامى للسفهاء الذين لا يعقلون ولا يَرْشُدون؛ وذلك خشية إفسادها وإضاعتها في غير وجهها، وعبَّر في الآية بقوله: ﴿أَمۡوَٰلَكُم﴾، وهي في الحقيقة أموال اليتامى؛ بدليل قوله في الآية التالية: ﴿فَإِنۡ ءَانَسۡتُم مِّنۡهُمۡ رُشۡدٗا فَٱدۡفَعُوٓاْ إِلَيۡهِمۡ أَمۡوَٰلَهُمۡۖ ﴾، والمقصود: اجعلوها كأموالكم في العناية بها والمحافظة عليها وتنميتها، ثم أخبَرَ سبحانه أنه جعل هذه الأموال قيامًا لعباده في مصالحهم الدينية والدنيوية، وأمَرَ الأولياء أن ينفقوا عليهم ويكسوهم من هذا المال، وأن يبذُلُوا منه كل ما يتعلَّق بحياتهم الدينية والدنيوية، ثم أمر الأولياء أن يَلِينوا في القول مع اليتامى ويقولوا لهم كلامًا طيبًا.

[6] ﴿وَٱبۡتَلُواْ ٱلۡيَتَٰمَىٰ حَتَّىٰٓ إِذَا بَلَغُواْ ٱلنِّكَاحَ فَإِنۡ ءَانَسۡتُم مِّنۡهُمۡ رُشۡدٗا فَٱدۡفَعُوٓاْ إِلَيۡهِمۡ أَمۡوَٰلَهُمۡۖ وَلَا تَأۡكُلُوهَآ إِسۡرَافٗا وَبِدَارًا أَن يَكۡبَرُواْۚ وَمَن كَانَ غَنِيّٗا فَلۡيَسۡتَعۡفِفۡۖ وَمَن كَانَ فَقِيرٗا فَلۡيَأۡكُلۡ بِٱلۡمَعۡرُوفِۚ فَإِذَا دَفَعۡتُمۡ إِلَيۡهِمۡ أَمۡوَٰلَهُمۡ فَأَشۡهِدُواْ عَلَيۡهِمۡۚ وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ حَسِيبٗا 6﴾:

ثم أمَرَ جل وعلا الأولياء باختبار من تحت أيديهم من اليتامى، وذلك بتدريبهم على إدارة أعمالهم شيئًا فشيئًا حتى يُعرَفَ أنهم لن يفرِّطوا فيها، فإذا وصلوا سن النكاح، وعلمتم منهم -أيها الأولياء- حُسْنَ التصرف والتدبير في أموالهم، فسلِّموها إليهم، ولا يحق لكم أن تأكلوا أموالهم على وجه الإسراف والسرعة قبل أن يَكْبَرُوا حتى لا يطلبوها إذا كَبِرُوا، ومن كان غنيًّا، فليتعفَّف عن أموالهم، ولا يأخُذْ منها شيئًا، ومن كان فقيرًا، فليأخُذْ بقدر الحاجة، فإذا سلَّمتم إليهم أموالهم- بعد التأكد من أنهم قادرون على حفظها- فأشهدوا عليهم حتى لا يأتي أحدهم فينكر أنه استلم شيئًا من ماله، واعلموا أن الله شاهدٌ ورقيبٌ عليكم، ومحاسبٌ لكم على جميع أعمالكم.

[7] ﴿لِّلرِّجَالِ نَصِيبٞ مِّمَّا تَرَكَ ٱلۡوَٰلِدَانِ وَٱلۡأَقۡرَبُونَ وَلِلنِّسَآءِ نَصِيبٞ مِّمَّا تَرَكَ ٱلۡوَٰلِدَانِ وَٱلۡأَقۡرَبُونَ مِمَّا قَلَّ مِنۡهُ أَوۡ كَثُرَۚ نَصِيبٗا مَّفۡرُوضٗا 7﴾:

فرَضَ الله جل وعلا للذكور نصيبًا مما ترك الوالدان والأقربون من المال، وأيضًا فرَضَ للنساء نصيبًا مما ترك الوالدان أو الأقربون من المال، قليلًا كان أو كثيرًا، وهذا النصيب فرضه الله وحدَّده لكل وارث.

وهذه الآية تعتبر تحويلًا بالأُمَّة المسلمة عمَّا كان سائدًا في الجاهلية: أن الميراث يأخُذُهُ الذين يدافعون عن القبيلة ويحمونها، أما النساء والصبيان، فلا نصيب لهم من الميراث، فلما جاء الإسلام، قضى على هذه الجاهلية، وحدَّد لكل وارث نصيبه.

[8] ﴿وَإِذَا حَضَرَ ٱلۡقِسۡمَةَ أُوْلُواْ ٱلۡقُرۡبَىٰ وَٱلۡيَتَٰمَىٰ وَٱلۡمَسَٰكِينُ فَٱرۡزُقُوهُم مِّنۡهُ وَقُولُواْ لَهُمۡ قَوۡلٗا مَّعۡرُوفٗا 8﴾:

أمَرَ جل وعلا الورثة أن يعطوا أقرباء الميت الذين لا يرثون، أو بعض اليتامى والمساكين الذين يحضُرُونَ التقسيم شيئًا يسيرًا من المال قبل قِسْمة التركة بما لا يُضِرُّ بالورثة؛ وهذا من باب الإحسان وصلة الرَّحِمِ للميت؛ وهو على وجه الاستحباب، لا الوجوب، فإذا تعذَّر العطاء لأن في الورثة يتامى أو سفهاء، فعليهم أن يرُدُّوهم بكلمة طيبة واعتذار جميل تطييبًا لنفوسهم.

[9] ﴿وَلۡيَخۡشَ ٱلَّذِينَ لَوۡ تَرَكُواْ مِنۡ خَلۡفِهِمۡ ذُرِّيَّةٗ ضِعَٰفًا خَافُواْ عَلَيۡهِمۡ فَلۡيَتَّقُواْ ٱللَّهَ وَلۡيَقُولُواْ قَوۡلٗا سَدِيدًا 9﴾:

ثم أمَرَ جل وعلا الأوصياء على اليتامى أن يخافوا الله فيهم، ويتذكَّروا حال أولادهم إذا ماتوا وتركوهم يتامى وضعفاء، هل يَرْضَوْنَ لهم الذل والإهانة؟! فلذا عليكم -أيها الأوصياء- أن تخافوا الله فيمن تحت أيديكم من اليتامى، وعليكم أن تخاطبوهم كما تخاطبون أولادكم بعبارات اللِّين والعطف والحَنَان.

[10] ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ يَأۡكُلُونَ أَمۡوَٰلَ ٱلۡيَتَٰمَىٰ ظُلۡمًا إِنَّمَا يَأۡكُلُونَ فِي بُطُونِهِمۡ نَارٗاۖ وَسَيَصۡلَوۡنَ سَعِيرٗا 10﴾:

واعلموا -أيها المؤمنون- أن الذين يعتدون على أموال اليتامى، ويأخذونها بغير حق مباح؛ إنما يأكلون في بطونهم نارًا والعياذ بالله، وسيكون مصيرهم نارًا هائلة مستعِرَةً لا تطاق، وفي هذا وعيد شديد للذين يعتدون على أموال اليتامى ظلمًا وعدوانًا.

[11] ﴿يُوصِيكُمُ ٱللَّهُ فِيٓ أَوۡلَٰدِكُمۡۖ لِلذَّكَرِ مِثۡلُ حَظِّ ٱلۡأُنثَيَيۡنِۚ فَإِن كُنَّ نِسَآءٗ فَوۡقَ ٱثۡنَتَيۡنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَۖ وَإِن كَانَتۡ وَٰحِدَةٗ فَلَهَا ٱلنِّصۡفُۚ وَلِأَبَوَيۡهِ لِكُلِّ وَٰحِدٖ مِّنۡهُمَا ٱلسُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِن كَانَ لَهُۥ وَلَدٞۚ فَإِن لَّمۡ يَكُن لَّهُۥ وَلَدٞ وَوَرِثَهُۥٓ أَبَوَاهُ فَلِأُمِّهِ ٱلثُّلُثُۚ فَإِن كَانَ لَهُۥٓ إِخۡوَةٞ فَلِأُمِّهِ ٱلسُّدُسُۚ مِنۢ بَعۡدِ وَصِيَّةٖ يُوصِي بِهَآ أَوۡ دَيۡنٍۗ ءَابَآؤُكُمۡ وَأَبۡنَآؤُكُمۡ لَا تَدۡرُونَ أَيُّهُمۡ أَقۡرَبُ لَكُمۡ نَفۡعٗاۚ فَرِيضَةٗ مِّنَ ٱللَّهِۗ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمٗا 11﴾:

هذه الآية توضيح وتفصيل للآية السابعة، وهي قوله: ﴿لِّلرِّجَالِ نَصِيبٞ مِّمَّا تَرَكَ ٱلۡوَٰلِدَانِ وَٱلۡأَقۡرَبُونَ...﴾.

وقد بدأت الآية بوصية الآباء بالأبناء، وهذه هي المرة الوحيدة التي أوصى الله فيها الآباء بالأبناء؛ لأن محبتهم وعنايتهم بأبنائهم طبيعية جِبِلِّيَّةٌ منذ الطفولة؛ بل مِنْ قبلِ ذلك؛ حيثُ يختارون الأم ذات الصلاح والنسب، أما الأولاد، فأوصاهم الله بآبائهم مرات كثيرة؛ قريبًا من عَشَرةِ مواضع؛ لأن اهتمام الأولاد بآبائهم وأمهاتهم تكلُّف؛ لذا كرَّر سبحانه وصية الأبناء بالآباء كثيرًا؛ بل جعل ذلك بعد الأمر بالتوحيد مباشرة؛ لأن الأبوين هما السبب الثاني لإيجاد الأبناء، وجحودهم أو هجرهم والتقصير في حقهم، سوف يكون جحودًا -بل ربما يكون كفرًا- بالذي أوجدهم أولًا، وهو الله جلَّ في علاه.

ثم بدأ جل في علاه ببيان ميراث الأولاد؛ فأمَرَ سبحانه إذا مات الميت، وترك أولادًا ذكورًا وإناثًا -بعد أن يُحصَى ماله، وتُقضَى جميع ديونه، وتُنْفَذَ وصيته إن كانت لا تزيد عن الثلث- أن يُقسَمَ ما تبقى من الميراث بين أولاده؛ للذَّكَرِ ضعفُ الأنثى إذا لم يكن هناك وارث غيرهم، وقد بيَّن العلماء سببَ أن للذكر ضعف الأنثى؛ بأن الذكر عليه التزامات مالية كثيرة؛ كالمهر، والنفقة، ومصروفات الأسرة، ونحو ذلك، في حين أن الله سبحانه لم يلزم الأنثى بأي نفقات نحو الرجل أو الأسرة.

ثم أخبَرَ سبحانه أن الميت إذا ترك نساءً فقطْ، وكنَّ بنتين فأكثر، فلهنَّ ثُلُثا التركة، وإذا كانت ابنةً واحدة فقطْ، فلها نصف التركة، فإذا كان للميت ولد واحد فأكثر، ذكرًا كان أو أنثى، فلوالدَيْهِ لكل واحد منهما السدس، فإذا لم يكن له ولد، ووَرِثه والداه فقط، فلأمه الثلث، ولأبيه الباقي، فإذا كان للميت إخوة اثنان فأكثر، ذكورًا أو إناثًا، فلأمه السدس، وللأب الباقي، ولا شيء للإخوة، أما إذا كان له أخ أو أخت واحدة فقطْ، فلأمه الثلث، وللأب الباقي، ولا شيء للأخ أو الأخت.

واعلموا أن هذا التقسيم الذي ذكرناه إنما يكون بعد تنفيذ وصية الميت، وقضاء ما عليه من الديون، ثم اعلموا -أيها المؤمنون- أن آباءكم وأبناءكم الذين فرَضْنا لهم هذا الإرث لا تعرفون أيهم أقرب لكم نفعًا في الدنيا والآخرة؛ ولهذا تولَّى المولى عَزَّوَجَلَّ تقسيم المواريث بنفسه؛ حتى لا تَضِيعَ الحقوق، ويحصُلَ الظلم بين الناس؛ فإنه جل وعلا عليمٌ بخلقه، حكيمٌ فيما شرعه لهم.

[12] ﴿وَلَكُمۡ نِصۡفُ مَا تَرَكَ أَزۡوَٰجُكُمۡ إِن لَّمۡ يَكُن لَّهُنَّ وَلَدٞۚ فَإِن كَانَ لَهُنَّ وَلَدٞ فَلَكُمُ ٱلرُّبُعُ مِمَّا تَرَكۡنَۚ مِنۢ بَعۡدِ وَصِيَّةٖ يُوصِينَ بِهَآ أَوۡ دَيۡنٖۚ وَلَهُنَّ ٱلرُّبُعُ مِمَّا تَرَكۡتُمۡ إِن لَّمۡ يَكُن لَّكُمۡ وَلَدٞۚ فَإِن كَانَ لَكُمۡ وَلَدٞ فَلَهُنَّ ٱلثُّمُنُ مِمَّا تَرَكۡتُمۚ مِّنۢ بَعۡدِ وَصِيَّةٖ تُوصُونَ بِهَآ أَوۡ دَيۡنٖۗ وَإِن كَانَ رَجُلٞ يُورَثُ كَلَٰلَةً أَوِ ٱمۡرَأَةٞ وَلَهُۥٓ أَخٌ أَوۡ أُخۡتٞ فَلِكُلِّ وَٰحِدٖ مِّنۡهُمَا ٱلسُّدُسُۚ فَإِن كَانُوٓاْ أَكۡثَرَ مِن ذَٰلِكَ فَهُمۡ شُرَكَآءُ فِي ٱلثُّلُثِۚ مِنۢ بَعۡدِ وَصِيَّةٖ يُوصَىٰ بِهَآ أَوۡ دَيۡنٍ غَيۡرَ مُضَآرّٖۚ وَصِيَّةٗ مِّنَ ٱللَّهِۗ وَٱللَّهُ عَلِيمٌ حَلِيمٞ 12﴾:

هذه الآية توضيح وتفصيل لحق الأزواج والكلالة؛ حيث بيَّن فيها سبحانه الميراث بالمصاهرة، وهما الزوج والزوجة.

فأخبَرَ أن الزوجة إذا ماتت، وتركت مالًا، ولم تترك ولدًا من زوجها الذي ماتت عنه، ولا مِنْ زوج آخر غيره، فإن الزوج في هذه الحالة يأخذ نصف التركة. أما إذا ماتت الزوجة، وتركت ولدًا من زوجها الذي ماتت عنه، أو كان لها ولدٌ من زوج آخر غيره، فإن الزوج يأخذ ربع التركة.

ثم بيَّن سبحانه أن هذا التقسيمَ يكون بعد إخراج الوصايا التي ليس فيها ضرر على الورثة، وبعد تسديد الديون المتعلِّقة بالميت. أما إذا مات الزوج، وترك زوجة واحدة فأكثر، فإنها تأخذ ربع التركة إذا لم يكن له ولد. أما إذا مات الزوج، وكان له ولد، فإن الزوجة تأخذ ثُمُنَ الميراث.

ثم بيَّن سبحانه أن هذا التقسيم أيضًا يكون بعد إخراج الوصايا التي ليس فيها ضرر على الورثة، وبعد تسديد الديون المتعلِّقة بالميت. فإذا مات الميت؛ رجلًا كان أو امرأة، وليس له أصول أو فروع أحياء، أي: قد مات آباؤه وأجداده، وليس له أولاد، ولا أحفاد، لا ذكور ولا إناث؛ فإنه يسمى أو تسمى في هذه الحالة: كَلَالةً؛ فإذا لمْ يكنْ للميِّتِ إلا أخٌ لأم أو أخت لأم، فيكون في هذه الحالة لكلِّ واحد منهما السدس. فإذا كان الإخوة لأم أو الأخوات لأم أكثر من واحد، فهم شركاء في الثلث، يُقْسَمُ بينهم بالتساوي؛ حظُّ الذكر مثل حظِّ الأنثى.

وقد أجمع العلماء أن المقصود بقوله: ﴿وَلَهُۥٓ أَخٌ أَوۡ أُخۡتٞ﴾، أي: الأخ لأم أو الأخت لأم، أما الإخوة الأشقاء أو الإخوة لأبٍ، فقد وضَّح سبحانه نصيبهم في آخر آية من هذه السورة.

ثم بيَّن سبحانه أن هذا التقسيم يكون بعد إخراج الوصايا التي ليس فيها ضرر على الورثة، وبعد تسديد الديون المتعلِّقة بالميت، أما الوصايا التي فيها ضرر على الورثة؛ بأن يكون قد أوصى بأكثر من الثلث، أو أمر بحِرْمان بعض أقاربه، وهكذا، فلا يجوز تنفيذها. واعلموا -أيها الناس- أن الله أوصاكم بهذا، وهي وصية نافعة لكم، والله عليمٌ بما يُصْلِحُ الخلق، وهو حليمٌ لا يعاجل بالعقوبة من عصاه.

[13] ﴿تِلۡكَ حُدُودُ ٱللَّهِۚ وَمَن يُطِعِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ يُدۡخِلۡهُ جَنَّٰتٖ تَجۡرِي مِن تَحۡتِهَا ٱلۡأَنۡهَٰرُ خَٰلِدِينَ فِيهَاۚ وَذَٰلِكَ ٱلۡفَوۡزُ ٱلۡعَظِيمُ 13﴾:

ثم أخبَرَ جل وعلا أن الأحكام والمقادير التي حدَّدها في هذه الآيات لا يجوز لأحد تجاوزها، واعلموا أن مَن يُطِعِ الله ورسوله في هذه الأحكام وغيرها، فإن جزاءه عند الله أن يُدخِلَهُ جنات تجري من تحت قصورها وأشجارها الأنهار، خالدين مخلَّدين في نعيمها أبد الآبدين، وذلك هو الثواب العظيم من الله.

[14] ﴿وَمَن يَعۡصِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُۥ يُدۡخِلۡهُ نَارًا خَٰلِدٗا فِيهَا وَلَهُۥ عَذَابٞ مُّهِينٞ 14﴾:

واعلموا -أيها الناس- أن من يتعدَّ هذه الحدود المقدَّرة، ويَعْصِ الله ورسوله فيها، ولا يعملْ بها، ويتجاهَلْها، وربما سَخِرَ منها، واستهزأ بأحكام الله فيها وفي غيرها، ومات على ذلك، فإن جزاءه جهنم، خالدًا مخلَّدًا فيها، وله عذابٌ شديد؛ فيه ما فيه من الإهانة والإذلال.

[15] ﴿وَٱلَّٰتِي يَأۡتِينَ ٱلۡفَٰحِشَةَ مِن نِّسَآئِكُمۡ فَٱسۡتَشۡهِدُواْ عَلَيۡهِنَّ أَرۡبَعَةٗ مِّنكُمۡۖ فَإِن شَهِدُواْ فَأَمۡسِكُوهُنَّ فِي ٱلۡبُيُوتِ حَتَّىٰ يَتَوَفَّىٰهُنَّ ٱلۡمَوۡتُ أَوۡ يَجۡعَلَ ٱللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلٗا 15﴾:

أخبَرَ جل وعلا أن النساء اللاتي وقَعْنَ في هذه الفاحشة القبيحة، وهي فاحشة الزنى، فعليكم أن تستشهدوا عليهنَّ أربعة رجال مؤمنين صادقين، فإن شهدوا وأثبتوا ذلك عليهنَّ، فيجب عليكم أن تحبسوهُنَّ في البيوت حتى يأتيَهُنَّ الأجل، أو يحكُمَ الله فيهن، ويجعل لهن طريقًا للخلاص.

[16] ﴿وَٱلَّذَانِ يَأۡتِيَٰنِهَا مِنكُمۡ فَـَٔاذُوهُمَاۖ فَإِن تَابَا وَأَصۡلَحَا فَأَعۡرِضُواْ عَنۡهُمَآۗ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ تَوَّابٗا رَّحِيمًا 16﴾:

ثم أخبَرَ جل وعلا أن اللذَيْنِ يقعان في فاحشة الزنى، فعليكم تأديبهما وضربهما؛ حتى يرتدعا عن هذه الفاحشة القبيحة، فإذا أقلعا عنها، وتابا إلى الله، وعملا الأعمال الصالحة، فاصفحوا عنهما، واتركوهما؛ فإن الله كثيرُ التوبة لعبادة التائبين، عظيمُ الرحمة والإحسان بهم. وقد فسَّر الشيخ محمد بن عثيمين رحمه الله قوله: ﴿وَٱلَّذَانِ يَأۡتِيَٰنِهَا مِنكُمۡ﴾: أي: واللذان يفعلان اللِّوَاط. وقد قال جمهور المفسِّرين: إن هاتين الآيتين منسوختان بآية الزنى في سورة النور، وهي قوله تعالى: ﴿ٱلزَّانِيَةُ وَٱلزَّانِي فَٱجۡلِدُواْ كُلَّ وَٰحِدٖ مِّنۡهُمَا مِاْئَةَ جَلۡدَةٖۖ ...﴾ [النور:2-3]. وهذا في الزانيين غير المتزوِّجين؛ حيث يجلدان مائة جلدة ويغرَّبان عامًا([7])، أو يغَرَّبُ الرجل دون المرأة، على خلاف بين العلماء. أما المُحْصَنُ، فحدُّه الرجم حتى الموت، كما ثبت ذلك في السنة النبوية([8]). [7] أخرجه البخاري (2649)، عن زيد بن خالد الجهني رضي الله عنه. [8] أخرجه البخاري (683)، ومسلم (1691)، عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه.

[17] ﴿إِنَّمَا ٱلتَّوۡبَةُ عَلَى ٱللَّهِ لِلَّذِينَ يَعۡمَلُونَ ٱلسُّوٓءَ بِجَهَٰلَةٖ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِن قَرِيبٖ فَأُوْلَٰٓئِكَ يَتُوبُ ٱللَّهُ عَلَيۡهِمۡۗ وَكَانَ ٱللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمٗا 17﴾:

واعلموا -أيها المؤمنون- أن التوبة الصحيحة التي يقبلها الله،إنما تكون من الذين يُقدمون على ارتكابِ المعاصي والسيئاتِ، وسُرْعانَ ما يعودون ويتوبون ويندمون ويُقْلِعون عن الذنوب. والمرادُ بالجهالةِ: الإقدامُ على عملِ السُّوء، وإنْ علِمَ صاحبُه أنه سوء. قال ابن عباس رضي الله عنهما: (من عمل السوءَ فهو جاهل، من جهالتِه عمل السوء) [9]، [9] ينظر: تفسير الطبري (6/508).

وقال مجاهد: (من عصى ربَّه، فهو جاهل حتى يَنْزِعَ عن معصيته) [10] ، وقال أبو العالية: (سألت أصحاب محمد ﷺ عن هذه الآية؟ فقالوا لي: كل من عصى الله، فهو جاهل، ومن تاب قبل الموت، فقد تاب من قريب) [11]؛ وأصل السيئات: الجهل وعدم العلم. [10] ينظر: تفسير مجاهد (ص270). [11] أورده ابن القيم في شفاء العليل (2/59).

ثم بيَّن سبحانه أن الذين يعصون الله ثم يتوبون، فإنه يتوب عليهم ويتجاوز عما فعلوه من الذنوب والمعاصي، واعلموا أن الله عليمٌ بخلقه؛ يعلم الصادق من الكاذب في توبته، حكيمٌ في تدبيره وتقديره.

[18] ﴿وَلَيۡسَتِ ٱلتَّوۡبَةُ لِلَّذِينَ يَعۡمَلُونَ ٱلسَّيِّـَٔاتِ حَتَّىٰٓ إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ ٱلۡمَوۡتُ قَالَ إِنِّي تُبۡتُ ٱلۡـَٰٔنَ وَلَا ٱلَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمۡ كُفَّارٌۚ أُوْلَٰٓئِكَ أَعۡتَدۡنَا لَهُمۡ عَذَابًا أَلِيمٗا 18﴾:

ثم أخبَرَ جل وعلا أن التوبة لا تكون من المصرِّين المستمرِّين على المعاصي، فإذا حضر أحدَهُمُ الأجلُ، قال: (إني تُبْتُ الآنَ)، حين علم أن حياته انتهت، وكذلك لا تكون التوبة للذين يموتون وهم كفَّار، أي: يموتون وهم منكرون لوحدانية الله، معارضون لآياته، مخالفون لرسله، فهؤلاء مصيرهم النار، يعذَّبون فيها عذابًا أليمًا موجعًا، وأما من دخل النار من الموحِّدين بسبب الذنوب والمعاصي، فإنه بعد التطهير يخرُجُ منها، ويدخل الجنة بشفاعة الشافعين، ورحمة أرحم الراحمين.

[19] ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا يَحِلُّ لَكُمۡ أَن تَرِثُواْ ٱلنِّسَآءَ كَرۡهٗاۖ وَلَا تَعۡضُلُوهُنَّ لِتَذۡهَبُواْ بِبَعۡضِ مَآ ءَاتَيۡتُمُوهُنَّ إِلَّآ أَن يَأۡتِينَ بِفَٰحِشَةٖ مُّبَيِّنَةٖۚ وَعَاشِرُوهُنَّ بِٱلۡمَعۡرُوفِۚ فَإِن كَرِهۡتُمُوهُنَّ فَعَسَىٰٓ أَن تَكۡرَهُواْ شَيۡـٔٗا وَيَجۡعَلَ ٱللَّهُ فِيهِ خَيۡرٗا كَثِيرٗا 19﴾:

أخبَرَ جل وعلا بما كان شائعًا بين الناس قبل الإسلام من الظلم الذي كان على النساء؛ حيث كانت المرأة تُورَثُ كما يُورَثُ المتاع؛ فإذا مات الرجل وترك زوجة، فإن أكبر أولاده من غيرها أو أخاه أو ابن عمه يتصرفَّ بها كما يشاء؛ إما أن يتزوَّجها، أو يزوِّجها للآخرين، أو يمنعها من الزواج، وهي كارهةٌ لهذا كله؛ فأبطل الإسلام هذا الظلم، وأصبح للمرأة عِدَّةٌ ونصيبٌ من الميراث ونحو ذلك، ثم أخبَرَ سبحانه أنه لا يجوز للزوج إذا كَرِهَ زوجته أن يُضَارَّها لكي تتنازل عن بعض ما أعطاها من المهر، إلا إذا وقَعَتْ في أمرٍ فاحشٍ وسيِّئٍ واضحٍ كالزنى؛ فحينئذ له الحق أن يضيِّق عليها حتى تفتدي بشيء من مهرها حتى يطلِّقها، أو يطلِّقها من غير عوض؛ بل يمتِّعها، وعليكم -أيها الناس- أن تعاشروا نساءكم بالمعروف، فإذا كره الزوج زوجته لسبب دنيوي، وهي لم تأت بفاحشة، فعليه أن يصبر عليها، وأن يستمِرَّ في صحبتها والإحسان إليها؛ فربما يجعل الله في هذه التي كرهها خيرًا كثيرًا؛ بأن تنقلب الكراهية إلى محبة، أو يُرْزَقَ منها بالولد الذي تَقَرُّ به عينه.

[20] ﴿وَإِنۡ أَرَدتُّمُ ٱسۡتِبۡدَالَ زَوۡجٖ مَّكَانَ زَوۡجٖ وَءَاتَيۡتُمۡ إِحۡدَىٰهُنَّ قِنطَارٗا فَلَا تَأۡخُذُواْ مِنۡهُ شَيۡـًٔاۚ أَتَأۡخُذُونَهُۥ بُهۡتَٰنٗا وَإِثۡمٗا مُّبِينٗا 20﴾:

بيَّن جل وعلا أنه إذا أراد أحدٌ أن يتزوَّج امرأة بدل التي طلَّقها، وكان قد أعطى زوجته التي طلَّقها مهرًا كثيرًا، فإنه لا يحق له أن يأخذ منه شيئًا؛ لأنها استحقَّته بالعقد والدخول بها؛ فصار مِلْكَها، واعلموا أن أخذه بغير حق بهتان وإثم عظيم، أما إذا أتت بفاحشة، أو هي كَرِهَتِ الزوج، فلها أن تفتدي نفسها بشيء من المال تدفعه للزوج ليطلِّقها، وهذا ما يسمى: بالخُلْع.

[21] ﴿وَكَيۡفَ تَأۡخُذُونَهُۥ وَقَدۡ أَفۡضَىٰ بَعۡضُكُمۡ إِلَىٰ بَعۡضٖ وَأَخَذۡنَ مِنكُم مِّيثَٰقًا غَلِيظٗا 21﴾:

ثم أنكر جل وعلا على من يأخذ مهر المرأة بدون وجه حق، وقد حصَلَتْ بينهما العِشْرة الزوجية، والاستمتاع بالجماع، ونحوه، واتفقوا على ذلك بعَقْد النكاح الذي هو بمثابة الميثاق الغليظ بينهم.

[22] ﴿وَلَا تَنكِحُواْ مَا نَكَحَ ءَابَآؤُكُم مِّنَ ٱلنِّسَآءِ إِلَّا مَا قَدۡ سَلَفَۚ إِنَّهُۥ كَانَ فَٰحِشَةٗ وَمَقۡتٗا وَسَآءَ سَبِيلًا 22﴾:

ثم نهى جل وعلا عما كانت تفعله الجاهلية من نكاح الرجل زوجة أبيه التي ليست أمَّه بعد وفاة أبيه إذا رَغِبَ؛ حيث كان يَرِثُها من ضمن المتاع، ثم بيَّن سبحانه أن مَنْ سبق نكاحُها في وقت الجاهلية، فهو عمل جاهلي، والإسلام يَهْدِمُ ما قبله، واعلموا -أيها المؤمنون- أن هذا الفعل أمر فاحش وقبيح، والله يُبْغِضه، وبئس ذلك طريقًا ومنهجًا لمن سلكه.

[23] ﴿حُرِّمَتۡ عَلَيۡكُمۡ أُمَّهَٰتُكُمۡ وَبَنَاتُكُمۡ وَأَخَوَٰتُكُمۡ وَعَمَّٰتُكُمۡ وَخَٰلَٰتُكُمۡ وَبَنَاتُ ٱلۡأَخِ وَبَنَاتُ ٱلۡأُخۡتِ وَأُمَّهَٰتُكُمُ ٱلَّٰتِيٓ أَرۡضَعۡنَكُمۡ وَأَخَوَٰتُكُم مِّنَ ٱلرَّضَٰعَةِ وَأُمَّهَٰتُ نِسَآئِكُمۡ وَرَبَٰٓئِبُكُمُ ٱلَّٰتِي فِي حُجُورِكُم مِّن نِّسَآئِكُمُ ٱلَّٰتِي دَخَلۡتُم بِهِنَّ فَإِن لَّمۡ تَكُونُواْ دَخَلۡتُم بِهِنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيۡكُمۡ وَحَلَٰٓئِلُ أَبۡنَآئِكُمُ ٱلَّذِينَ مِنۡ أَصۡلَٰبِكُمۡ وَأَن تَجۡمَعُواْ بَيۡنَ ٱلۡأُخۡتَيۡنِ إِلَّا مَا قَدۡ سَلَفَۗ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ غَفُورٗا رَّحِيمٗا 23﴾:

ثم بيَّن جل وعلا النساء التي يحرُمُ على الرجل نكاحُهُنَّ بسبب النسب، أو الرضاع، أو المصاهرة، أي: يحرُمُ نكاحُهُنَّ إما حرمةً دائمةً أو حرمةً مؤقَّتة:

* فبدأ سبحانه بذكر النساء التي يحرُمُ نكاحُهُنَّ بسبب النسب والقرابة، وهن سبع:

1- الأمهات؛ ويدخل فيهن الجَدَّات.

2- والبنات؛ ويدخُلُ فيهن بناتهن.

3- والأخوات؛ ويدخُلُ فيهن الأخوات الشقيقات، والأخوات من الأب، والأخوات من الأم.

4- والعمَّات؛ ويدخُلُ فيهن أخوات الأجداد.

5- والخالات؛ ويدخُلُ فيهن أخوات الجَدَّات.

6- وبنات الأخ؛ ويدخل فيهن بناتهن.

7- وبنات الأخت؛ ويدخل فيهن بناتهن.

* ثم ذكَرَ سبحانه النساء التي يحرُمُ نكاحُهُنَّ بسبب الرضاع، وهن:

1- الأمهات من الرضاع؛ ويدخل فيهن الجَدَّاتُ من الرضاع.

2- والأخوات من الرضاع؛ ويدخُلُ فيهن الأخوات الشقيقات، والأخوات من الأب، والأخوات من الأم.

فهؤلاء محرَّمات بسبب الرضاعة، وقد ثبت في السنة أن المحرَّمات من الرضاعة سبع كالمحرَّمات من النسب؛ لقوله ﷺ: «يَحْرُمُ مِنَ الرَّضَاعِ مَا يَحْرُمُ مِنَ النَّسَبِ»([12]). [12] أخرجه البخاري (2645)، ومسلم (1447)، عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما، وأخرجه البخاري (2646)، ومسلم (1444)، عن عائشة رضي الله عنها.

ولهذا يضاف على ما سبق ما يلي:

3- البنات من الرضاع، ويدخُلُ فيهن بناتهن.

4- والعمَّات من الرضاع؛ ويدخُلُ فيهن أخوات الأجداد من الرضاع.

5- والخالات من الرضاع؛ ويدخُلُ فيهن أخوات الجدات من الرضاع.

6- وبنات الأخ من الرضاع؛ ويدخُلُ فيهن بناتهن.

7- وبنات الأخت من الرضاع؛ ويدخُلُ فيهن بناتهن.

* ثم ذكَرَ سبحانه النساء التي يحرُمُ نكاحُهُنَّ بسبب المصاهرة، وهن:

1- أم الزوجة.

2- وبنت الزوجة المدخول بها؛ لأنها تكون ربيبة، وأما إنْ عقَدَ على الأم، ولم يدخل بها، فإنها لا تحرُمُ عليه بنتها، ويجوز له في هذه الحال نكاحها.

3- وزوجة الابن الحقيقي الذي هو من صُلْبِ أبيه.

4- وزوجة الابن الذي من الرضاع، أما الابن المتبنَّى فلا تحرُمُ زوجته.

5- وكذلك أخت الزوجة - من نسَبٍ أو رضاع- لا يجوز أن يتزوَّجها الرجل؛ ما دامت أختها في عصمته، حتى تَبِينَ من الزوج، أو تموتَ وتنقضيَ عدَّتها، أما من سبق له أن نكَحَ أختَيْنِ في وقت الجاهلية، فهو عمل جاهلي، والإسلامُ يَهْدِمُ ما قبله.

وقد ثبَتَ في السنة أيضًا النهيُ عن الجمع بين الزوجة وعمَّتها، والزوجة وخالتها([13]). [13] أخرجه البخاري (5109)، ومسلم (1408)، عن أبي هريرة رضي الله عنه.

ثم بيَّن سبحانه أنه عفا عنكم -أيها المؤمنون- ما كان قد وقع منكم في الجاهلية من الأنكحة المحرَّمة، إنه كان ولم يزل سبحانه غفورًا لمن تاب وأناب، رحيمًا بعباده.

[24] ﴿وَٱلۡمُحۡصَنَٰتُ مِنَ ٱلنِّسَآءِ إِلَّا مَا مَلَكَتۡ أَيۡمَٰنُكُمۡۖ كِتَٰبَ ٱللَّهِ عَلَيۡكُمۡۚ وَأُحِلَّ لَكُم مَّا وَرَآءَ ذَٰلِكُمۡ أَن تَبۡتَغُواْ بِأَمۡوَٰلِكُم مُّحۡصِنِينَ غَيۡرَ مُسَٰفِحِينَۚ فَمَا ٱسۡتَمۡتَعۡتُم بِهِۦ مِنۡهُنَّ فَـَٔاتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةٗۚ وَلَا جُنَاحَ عَلَيۡكُمۡ فِيمَا تَرَٰضَيۡتُم بِهِۦ مِنۢ بَعۡدِ ٱلۡفَرِيضَةِۚ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمٗا 24﴾:

بيَّن جل وعلا أن من النساء المحرَّمات في النكاح: المرأةَ المتزوِّجة؛ فإنه لا يجوز نكاحها إلا بعد أن تفارق زوجها بطلاق أو وفاة، وتنتهي عِدَّتها، ثم استثنى سبحانه المرأة المتزوِّجة التي تُسْبَى في الحرب؛ فإنه يجوز لمن ملَكَها أن يطأها، ولكنْ بعد أن تستبرئ رَحِمَهَا بحيضة، واعلموا -أيها الناس- أن الله حرَّم عليكم مَنْ سبق ذكرُهُنَّ من النساء؛ فالتزموا أوامره، واهتدوا بهديه، ثم اعلموا أن الله أحل لكم أن تطلبوا بأموالكم نكاح سوى ما ذُكِرَ من المحرَّمات؛ لِتُعِفُّوا أنفسكم ونساءكم عن الوقوع في الحرام، ثم أمَرَ سبحانه أن تعطوا من رَغِبْتُمْ في الزواج منهنَّ ما فرضه الله لهنَّ من الصَّداق، ولا إثم عليكم فيما اتفقتم عليه من الصَّداق زيادةً أو نقصانًا بعد ثبوت الفريضة؛ إن الله عليمٌ بحالكم، حكيمٌ بما يصلُحُ به شأنكم.

[25] ﴿وَمَن لَّمۡ يَسۡتَطِعۡ مِنكُمۡ طَوۡلًا أَن يَنكِحَ ٱلۡمُحۡصَنَٰتِ ٱلۡمُؤۡمِنَٰتِ فَمِن مَّا مَلَكَتۡ أَيۡمَٰنُكُم مِّن فَتَيَٰتِكُمُ ٱلۡمُؤۡمِنَٰتِۚ وَٱللَّهُ أَعۡلَمُ بِإِيمَٰنِكُمۚ بَعۡضُكُم مِّنۢ بَعۡضٖۚ فَٱنكِحُوهُنَّ بِإِذۡنِ أَهۡلِهِنَّ وَءَاتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ بِٱلۡمَعۡرُوفِ مُحۡصَنَٰتٍ غَيۡرَ مُسَٰفِحَٰتٖ وَلَا مُتَّخِذَٰتِ أَخۡدَانٖۚ فَإِذَآ أُحۡصِنَّ فَإِنۡ أَتَيۡنَ بِفَٰحِشَةٖ فَعَلَيۡهِنَّ نِصۡفُ مَا عَلَى ٱلۡمُحۡصَنَٰتِ مِنَ ٱلۡعَذَابِۚ ذَٰلِكَ لِمَنۡ خَشِيَ ٱلۡعَنَتَ مِنكُمۡۚ وَأَن تَصۡبِرُواْ خَيۡرٞ لَّكُمۡۗ وَٱللَّهُ غَفُورٞ رَّحِيمٞ 25﴾:

ثم بيَّن جل وعلا أن من لم يَقْدِرْ على دفع الصِّداق لنكاح النساء الحرائر المؤمنات غير المتزوِّجات، فيجوز له أن ينكح المملوكة المؤمنة بحَسَبِ ما يَقْدِرُ عليه بإذن مالكها، والله أعلم بالمؤمن الصادق من الكاذب، وعليكم أن تتزوَّجوا المملوكات بموافقة مُلَّاكِهِنَّ، وأن تعطوهُنَّ حقَّهُنَّ من الصَّداق بحَسَبِ ما اتفقتم عليه بطيب نفس منكم، ولا يجوز الزواج من الأمة إلا إذا كانت عفيفة عن الزنى ظاهرًا وباطنًا، وليس لها أخلَّاءُ أو أصدقاءُ في السرّ؛ فإذا تزوَّجت الأمة أو أسلَمَتْ، ثم أتت بفاحشة بعد الزواج، فعليها الحدّ، وهو نصف ما على الحرائر، وهو الجَلْد وليس الرَّجْم؛ لأن الرجم لا يتنصَّف، ولهذا فإن (العذاب) المذكور في هذه الآية المقصود به الجَلْد، أي: أن تُجْلَدَ خمسين جلدة. والعلة في كون حَدِّ الأَمَة نصفُ حَدِّ الحرة، وهو الجلد: أن الرجم سيؤدي إلى هلاكها؛ وهذا فيه إتلاف لمال مالكها الذي اشتراها ولا ذنب له في ذلك، أما العذاب، فليس كذلك، وحتى أشدُّ العذاب لا يسمى موتًا؛ كما قال نبي الله سليمان عليه السلام في الهدهد: ﴿لَأُعَذِّبَنَّهُۥ عَذَابٗا شَدِيدًا أَوۡ لَأَاْذۡبَحَنَّهُۥٓ﴾ [النمل:٢]، «لَا فَضْلَ لِعَرَبِيٍّ عَلَى أَعْجَمِيٍّ إِلَّا بِالتَّقْوَى»([1])، فسليمان عليه السلام فرَّق بين العذاب والذبح، وهو الموت. ومن رحمة الله أنه جعَلَ عقوبة الإماء والرقيق الجلدَ فقط؛ لأن الرقيق والإماء مبتذلون، وكونهم مبتذلين وممتهنين لا ينفي أن يكون بعضهم في تقواه ومراقبته وعبادته لله أفضل من كثير من الأحرار، ومعلوم أن الأفضل هو الأتقى لله؛ كما ورد في الحديث أنه: وقال الشاعر: [1] أخرجه أحمد في المسند (23489)، عن رجل من أصحاب النبي ﷺ، وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة (2700).

النَّاسُ مِنْ جِهَةِ التَّمْثِيلِ أَكْفَاءُ

أَبُوهُمُ آدَمٌ وَالْأُمُّ حَوَّاءُ

ثم بيَّن سبحانه أنه شرَعَ النكاح وأباحه من المملوكة عند الضرورة لمن خاف على نفسه الوقوع في الحرام، ولا شك أن الصبر عن الزواج بالمملوكة مع العِفَّةِ أولى وأفضل.

والعلةُ في عدم الرغبة في الزواج بالمملوكات: لئلا يكون ولده رقيقًا لغيره، ولأنهنَّ ضعيفات مغلوبات على أمرهن، فهنَّ عُرْضةٌ للاغتصاب من كل فاسق، أما الحرائر، فإنهن أقدَرُ منهن في المحافظة على شَرَفِهِنَّ وشرف أهلهنَّ، وأكثر صونًا لأنفسهنَّ؛ كما قالت هند بنت عُتْبة زوجة أبي سفيان وقت البيعة يوم الفتح، حينما قرأ عليهنَّ الرسول ﷺ شروط البيعة التي تؤخذُ عليهنَّ هي والنساء اللاتي حضرن معها للمبايعة؛ فذكر ﷺ من شروط البيعة: «أَلَّا يَزْنِينَ...»، فقالت هند: (وهل تَزْني الحُرَّةُ؟!)([2])، ثم ختَمَ سبحانه الآية مبيِّنًا أنه غفورٌ لذنوب عباده، رحيمٌ بهم. [2] أخرجه أبو يعلى في مسنده (4574)، عن عائشة رضي الله عنها.

و(الطَّوْلُ) المذكور في هذه الآية هو: القُدْرةُ المالية، وكذلك (المحصَنات) في هذه الآية: هن الحرائر غير المتزوِّجات، بخلاف المذكورة في أول الآية التي قبلها، فإن المقصود بها المتزوِّجات.

[26] ﴿يُرِيدُ ٱللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمۡ وَيَهۡدِيَكُمۡ سُنَنَ ٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِكُمۡ وَيَتُوبَ عَلَيۡكُمۡۗ وَٱللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٞ 26﴾:

ثم بيَّن جل وعلا أنه شرَعَ لكم هذه الأحكام؛ ليبيِّن لكم ما حرَّم عليكم وما أحل لكم، ويدُلَّكم على طريق الذين مِنْ قبلكم من الأنبياء والصالحين لتقتدوا بهم، ويوفِّقكم للتوبة مما وقعتم فيه من الأخطاء، واعلموا أن الله عليمٌ بما تصلُحُ به أموركم، حكيمٌ فيما شرعه لكم.

[27] ﴿وَٱللَّهُ يُرِيدُ أَن يَتُوبَ عَلَيۡكُمۡ وَيُرِيدُ ٱلَّذِينَ يَتَّبِعُونَ ٱلشَّهَوَٰتِ أَن تَمِيلُواْ مَيۡلًا عَظِيمٗا 27﴾:

ثم بيَّن جل وعلا أنه يريد بهذه الأحكام التي شرَعَها لكم أن يطهِّركم من الذنوب والمعاصي، ويتوب عليكم، وأما أهل الفسوق والكفر الذين يتَّبعون الشهوات، فيريدون أن يَصْرِفوكم عن تقوى الله؛ لتنحرفوا عن دينكم، وتبتعدوا عنه ابتعادًا عظيمًا.

[28] ﴿يُرِيدُ ٱللَّهُ أَن يُخَفِّفَ عَنكُمۡۚ وَخُلِقَ ٱلۡإِنسَٰنُ ضَعِيفٗا 28﴾:

ثم بيَّن جل وعلا أنَّ مِن رحمته بهذه الأمة: أنْ شرَعَ لهم هذه الأحكام ليخفِّف عنهم التكاليف التي أَلزَمُوا أنفسهم بها؛ فرخَّص للمضطر في الزواج بالأمة، وأبطل التبنِّي، وحطَّ عنهم الآصار التي كانت على الأمم السابقة، وبيَّن لهم سنن الأنبياء والصالحين من الأمم السابقة ليقتدى بها، وبيَّن العقوبات التي حلَّت بالأمم التي رفَضَتِ الهداية؛ فنعمه جل في علاه على أمة الإسلام لا حَصْرَ لها. ثم بيَّن سبحانه أنه شرَعَ هذا التخفيف؛ لأن الإنسان خُلِقَ ضعيفًا؛ ولذا فإنه لا يصبر على مشاقِّ الطاعات، ولا يصبر أمام منازعة النَّفْس وشهواتها وهواها، ولا يصمُدُ ولا يصبر أمام المغريات من النساء والمال والمناصب.

[29] ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَأۡكُلُوٓاْ أَمۡوَٰلَكُم بَيۡنَكُم بِٱلۡبَٰطِلِ إِلَّآ أَن تَكُونَ تِجَٰرَةً عَن تَرَاضٖ مِّنكُمۡۚ وَلَا تَقۡتُلُوٓاْ أَنفُسَكُمۡۚ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ بِكُمۡ رَحِيمٗا 29﴾:

ثم نهى جل وعلا عباده المؤمنين أن يأكُلُوا أموالهم بينهم بغير حق، ولكنْ يباح لهم أن يجعلوها تجارة قائمة على مبدأ التراضي؛ وحينئذ يكون الربح حلالًا، ثم حذَّر سبحانه أن يقتُلَ بعضكم بعضًا، وأن يقتُلَ أحدكم نفسه؛ كما يفعل بعض الجهال اليوم من الانتحارِ، أو تعريضِ النَّفْس للتهلكة بدون مسوِّغ شرعي، واعلموا أن الله رحيمٌ بعباده فيما شرعه لهم، ومن رحمته: أنه نهاهم عما فيه مضرَّة عليهم، وأباح لهم ما فيه مصلحة لهم.

[30] ﴿وَمَن يَفۡعَلۡ ذَٰلِكَ عُدۡوَٰنٗا وَظُلۡمٗا فَسَوۡفَ نُصۡلِيهِ نَارٗاۚ وَكَانَ ذَٰلِكَ عَلَى ٱللَّهِ يَسِيرًا 30﴾:

واعلموا -أيها الناس- أن من يفعل هذه المعاصي وغيرها؛ من القتل، وأكل المال بغير وجه حق، فسوف يكون عقابه دخول نار جهنم، وكان هذا العذاب سهلًا ويسيرًا على الله، لاستحقاق المسيء ذلك.

[31] ﴿إِن تَجۡتَنِبُواْ كَبَآئِرَ مَا تُنۡهَوۡنَ عَنۡهُ نُكَفِّرۡ عَنكُمۡ سَيِّـَٔاتِكُمۡ وَنُدۡخِلۡكُم مُّدۡخَلٗا كَرِيمٗا 31﴾:

ومِنْ فضل الله وإحسانه على عباده المؤمنين: أنه وعدهم أنَّ من اجتنب كبائر الذنوب والمعاصي والفواحش، فإنه سوف يَغْفِرُ له صغائر الذنوب، ويُدْخِله الجنة دار السرور والحبور، فله الحمد والمِنَّة. واعلموا -أيها الناس- أن من رحمة الله تعالى ولطفه بعباده: أن أردف بهذه الآية بعد قوله تعالى في الآية السابقة: ﴿يُرِيدُ ٱللَّهُ أَن يُخَفِّفَ عَنكُمۡۚ وَخُلِقَ ٱلۡإِنسَٰنُ ضَعِيفٗا﴾؛ فلعلمه جل وعلا بضعفنا وعَدَ بتكفير الصغائر؛ فله الحمد والشكر أولًا وآخرًا.

[32] ﴿وَلَا تَتَمَنَّوۡاْ مَا فَضَّلَ ٱللَّهُ بِهِۦ بَعۡضَكُمۡ عَلَىٰ بَعۡضٖۚ لِّلرِّجَالِ نَصِيبٞ مِّمَّا ٱكۡتَسَبُواْۖ وَلِلنِّسَآءِ نَصِيبٞ مِّمَّا ٱكۡتَسَبۡنَۚ وَسۡـَٔلُواْ ٱللَّهَ مِن فَضۡلِهِۦٓۚ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ بِكُلِّ شَيۡءٍ عَلِيمٗا 32﴾:

ثم نهى جل وعلا عباده المؤمنين عن تمني ما فضَّل الله به بعض عباده على بعض؛ على صفة الاحتجاج أو الحسد؛ فكونه أعطى هذا ومنع هذا مِنْ علم أو مال أو مكانة، فاعلموا أن لكل واحد من الرجال والنساء نصيبًا قدَّره الله وكتبه له بحَسَبِ علمه بعباده، ومن ذلك أن جعل للرجال مَيْزة على النساء كالقِوَامة وغيرها؛ ولذا عليكم أن تسألوا الله دائمًا من فضله وعظيم كرمه؛ فإنه سبحانه عليمٌ بما يصلُحُ لعباده في دينهم ودنياهم.

[33] ﴿وَلِكُلّٖ جَعَلۡنَا مَوَٰلِيَ مِمَّا تَرَكَ ٱلۡوَٰلِدَانِ وَٱلۡأَقۡرَبُونَۚ وَٱلَّذِينَ عَقَدَتۡ أَيۡمَٰنُكُمۡ فَـَٔاتُوهُمۡ نَصِيبَهُمۡۚ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ شَهِيدًا 33﴾:

ثم بيَّن سبحانه وتعالى أنه جعَلَ لكل ميت من الآباء والأقرباء عَصَبةً يرثون أموالهم، وبيَّن أن لكلٍّ من هؤلاء الورثة نصيبَهُ المفروض والموضَّح في كتاب الله وسنة نبيه ﷺ، وأيضًا جعل للذين تحالَفْتم معهم بالأيمان المؤكَّدة شيئًا من الميراث؛ فيجب أن تعطوهم نصيبهم المقدَّر لهم.

وكان هذا معمولًا به في الجاهلية وفي أول الإسلام، ثم نسَخَهُ جل وعلا بقوله: ﴿وَأُوْلُواْ ٱلۡأَرۡحَامِ بَعۡضُهُمۡ أَوۡلَىٰ بِبَعۡضٖ فِي كِتَٰبِ ٱللَّهِۚ ﴾ [الأنفال:٧٥]، وبقيت الوصية، فللمورِّث أن يوصي لمواليه إن شاء، واعلموا -أيها الناس- أن الله مطَّلع على جميع أعمالكم، وسيجازيكم عليها.

[34] ﴿ٱلرِّجَالُ قَوَّٰمُونَ عَلَى ٱلنِّسَآءِ بِمَا فَضَّلَ ٱللَّهُ بَعۡضَهُمۡ عَلَىٰ بَعۡضٖ وَبِمَآ أَنفَقُواْ مِنۡ أَمۡوَٰلِهِمۡۚ فَٱلصَّٰلِحَٰتُ قَٰنِتَٰتٌ حَٰفِظَٰتٞ لِّلۡغَيۡبِ بِمَا حَفِظَ ٱللَّهُۚ وَٱلَّٰتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَٱهۡجُرُوهُنَّ فِي ٱلۡمَضَاجِعِ وَٱضۡرِبُوهُنَّۖ فَإِنۡ أَطَعۡنَكُمۡ فَلَا تَبۡغُواْ عَلَيۡهِنَّ سَبِيلًاۗ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلِيّٗا كَبِيرٗا 34﴾:

أخبَرَ جل وعلا أن الرجال قوَّامون على النساء، فيتولَّوْنَ رعايتهنَّ ونصحهنَّ وإرشادهن، وحفظهنَّ من أن يُغْتَصَبْنَ أو ينحرفن، وإبعادَهُنَّ عن مواقع الفتن والانحراف؛ وذلك بسبب ما خصهم الله به من التفضيل في قوة البدن، والسعي في الأرض للكسب، وأنهم هم الذين ينفقون على النساء، ثم بيَّن سبحانه حال النساء الصالحات، وأخبَرَ أنَّهن مطيعات لله، وقائمات بحقوق أزواجهنَّ، وأنهنَّ حافظاتٌ لأزواجهنَّ في حال غيابهم، وهذا من حفظ الله وتوفيقه لهن، أما التي ترفض طاعة زوجها في المعروف، فعليه أن يؤدِّبها بأن ينصحها بالكلمة الطيبة، والأسلوب الحسن، فإذا لم تتأثَّر بالنصيحة، فله أن يهجُرَها في الفراش ولا يجامعها، فإذا استمرت في عنادها وترفُّعها، فله أن يهددها، ثم يضربها ضربًا خفيفًا لا ضرر فيه، فإذا أطاعت زوجها بعد ذلك، فاحذروا أن تظلموها، واعلموا أن الله أعلى منكم وأكبر، وهو منتقِمٌ ممن يظلم النساء ويبغي عليهنَّ.

[35] ﴿وَإِنۡ خِفۡتُمۡ شِقَاقَ بَيۡنِهِمَا فَٱبۡعَثُواْ حَكَمٗا مِّنۡ أَهۡلِهِۦ وَحَكَمٗا مِّنۡ أَهۡلِهَآ إِن يُرِيدَآ إِصۡلَٰحٗا يُوَفِّقِ ٱللَّهُ بَيۡنَهُمَآۗ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلِيمًا خَبِيرٗا 35﴾:

وإذا علمتم -أيها الناس- أن بين الزوجين خلافًا وخصومة، وخفتم اشتدادَ الخلافِ بينهما، فابعثوا حَكَمًا عدلًا من أهل الزوج، وحَكَمًا عَدْلًا من أهل الزوجة؛ ليدرُسَا المشكلة التي كانت سببًا في الخلاف بينهما، وينظُرَا فيها، ثم يحكُمَا بما فيه مصلحة الزوجين، فإذا كانت نية الحكمين صافية، وكانا يريدان الإصلاح بصدق، فإن الله سوف يوفِّق بين الزوجين، ويجمع بينهما، وتنحل جميع مشكلاتهما، واعلموا أن الله عليمٌ لا يخفى عليه شيء من أمر عباده، خبيرٌ بما سوف يُصلِحُ نفوسهم.

[36] ﴿وَٱعۡبُدُواْ ٱللَّهَ وَلَا تُشۡرِكُواْ بِهِۦ شَيۡـٔٗاۖ وَبِٱلۡوَٰلِدَيۡنِ إِحۡسَٰنٗا وَبِذِي ٱلۡقُرۡبَىٰ وَٱلۡيَتَٰمَىٰ وَٱلۡمَسَٰكِينِ وَٱلۡجَارِ ذِي ٱلۡقُرۡبَىٰ وَٱلۡجَارِ ٱلۡجُنُبِ وَٱلصَّاحِبِ بِٱلۡجَنۢبِ وَٱبۡنِ ٱلسَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتۡ أَيۡمَٰنُكُمۡۗ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يُحِبُّ مَن كَانَ مُخۡتَالٗا فَخُورًا 36﴾:

ثم أمَرَ جل وعلا عباده المؤمنين أن يعبدوه ويوحِّدوه، ولا يجعلوا معه شريكًا آخر في العبادة، وهذا من حق الله على عباده، ثم أمَرَهم بالإحسانِ إلى الوالدَيْنِ بِبرِّهما وطاعتهما وإكرامهما، والإحسانِ إلى الأقارب الذين جمعت بينكم وبينهم رابطة القرابة والنسب، والإحسانِ إلى اليتامى الذين مات آباؤهم قبل سن البلوغ، وذلك بالعطف عليهم ورحمتهم.

والإحسانِ إلى المساكين بمَدِّ يد العون لهم ومساعدتهم، والإحسانِ إلى الجار الذي يربط بينك وبينه حق الجوار وحق القرابة، والإحسانِ إلى الجار الذي لا قرابة بينك وبينه.

والإحسانِ إلى الأصدقاء الملازمين لك؛ سواءٌ في السفر أو التجارة أو الدارسة وغير ذلك، والإحسانِ إلى ابن السبيل الذي انقطع عن بلده بإكرامه وهدايته للطريق، وإعطائه ما يوصله إلى بلده، والإحسانِ إلى العبيد المماليك الذين يخدمون أسيادهم بالرِّفْق بهم، وإعانتهم، وعدم تكليفهم أكثر من طاقتهم.

ويدخُلُ في ذلك الرفق بالبهائم؛ بإطعامها، وعدم إيذائها، وعدم تحميلها ما يشُقُّ عليها، واعلموا أن الله لا يحب مَنْ كان معجبًا بنفسه، ولا يحب مَنْ يتكبَّر على الناس ويتفاخر عليهم، كما أنه لا يحب العنف في التعامل؛ فما كان الرفق في شيء إلا زانه، وما كان العنف في شيء إلا شانه، ويحب سبحانه المتواضعين؛ فمن تواضع لله، رفعه في الدنيا والآخرة.

[37] ﴿ٱلَّذِينَ يَبۡخَلُونَ وَيَأۡمُرُونَ ٱلنَّاسَ بِٱلۡبُخۡلِ وَيَكۡتُمُونَ مَآ ءَاتَىٰهُمُ ٱللَّهُ مِن فَضۡلِهِۦۗ وَأَعۡتَدۡنَا لِلۡكَٰفِرِينَ عَذَابٗا مُّهِينٗا 37﴾:

ثم بيَّن جل وعلا أن من صفات هؤلاء المتفاخرين على الخلق: أنهم يمتنعون عن الإنفاق في سبيل الله؛ بل يأمرون غيرهم بالبُخْل، ويجحدون نعمة الله عليهم، ويكتمون ما أعطاهم الله من النعم والعلم، ثم أخبر سبحانه أنَّه أعد للجاحدين نعمه عذابًا أليمًا مهينًا يوم القيامة.

[38] ﴿وَٱلَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمۡوَٰلَهُمۡ رِئَآءَ ٱلنَّاسِ وَلَا يُؤۡمِنُونَ بِٱللَّهِ وَلَا بِٱلۡيَوۡمِ ٱلۡأٓخِرِۗ وَمَن يَكُنِ ٱلشَّيۡطَٰنُ لَهُۥ قَرِينٗا فَسَآءَ قَرِينٗا 38﴾:

وبيَّن جل وعلاصنفًا آخرَ من الناسِ في شأنِ الإنفاقِ، وفيهم قولان: أحدهما: أنهم اليهود، والثاني: أنهم المنافقون، وذكر أنهم في حال إنفاقهم لبعض أموالهم، فإنهم ينفقونها رياءً وسمعة، ومن صفاتهم: أنهم لا يؤمنون بالله ولا بيوم القيامة، ثم ذكر أن مَنْ كان الشيطان له صاحبًا، فبئس هذا الصاحب، وبئس هذا القرين الذي يريد إهلاك مَن صاحَبَهُ.

[39] ﴿وَمَاذَا عَلَيۡهِمۡ لَوۡ ءَامَنُواْ بِٱللَّهِ وَٱلۡيَوۡمِ ٱلۡأٓخِرِ وَأَنفَقُواْ مِمَّا رَزَقَهُمُ ٱللَّهُۚ وَكَانَ ٱللَّهُ بِهِمۡ عَلِيمًا 39﴾:

ثم وبَّخ جل وعلا هؤلاء الكافرين، فقال سبحانه: وماذا يضُرُّهم لو أنهم آمنوا بالله وبيوم القيامة، وأنفقوا في سبيل الله مما رزقهم الله من المال، وابتغَوْا بهذا الإنفاق وجه الله سبحانه وتعالى، واعلموا أن الله عليمٌ بما في قلوب هؤلاء الكافرين، وعليمٌ بأعمالهم، وسيجازيهم عليها.

[40] ﴿إِنَّ ٱللَّهَ لَا يَظۡلِمُ مِثۡقَالَ ذَرَّةٖۖ وَإِن تَكُ حَسَنَةٗ يُضَٰعِفۡهَا وَيُؤۡتِ مِن لَّدُنۡهُ أَجۡرًا عَظِيمٗا 40﴾:

واعلموا -أيها الناس- أن الله جل وعلا تنزَّه عن الظلم حتى ولو كان بمقدار ذَرَّة؛ فلا يظلم سبحانه أحدًا من الناس؛ لا بنقص شيء من حسناته، ولا بزيادة شيئ في سيئاته، بل لو كانت هذه الحسنة من أعمال الخير بمقدار ذرة، فإن الله يضاعفها عنده أضعافًا كثيرة، بل يعطي سبحانه من عنده عطاءً جزيلًا زيادة على ثواب أعمالهم بأن يدخلهم الجنة.

وفي الحديث: «يَا عِبَادِي، إِنِّي حَرَّمْتُ الظُّلْمَ عَلَى نَفْسِي، وَجَعَلْتُهُ بَيْنَكُمْ مُحَرَّمًا؛ فَلَا تَظَالَمُوا...»([3]). [3] أخرجه مسلم (2577)، عن أبي ذر رضي الله عنه.

[41] ﴿فَكَيۡفَ إِذَا جِئۡنَا مِن كُلِّ أُمَّةِۭ بِشَهِيدٖ وَجِئۡنَا بِكَ عَلَىٰ هَٰٓؤُلَآءِ شَهِيدٗا 41﴾:

وبعد أن علمتَ -أيها الرسول- أن الله لا يظلم مثقال ذرة، فكيف يكون حال هؤلاء الكفار المجرمين يوم القيامة إذا جاء الله من كل أمة برسولها؛ ليشهدوا عليهم بما عملوا، ثم جئنا بك -أيها الرسول- لتكون شهيدًا على العصاة من أمتك الذين بلَّغتهم رسالة ربهم، هل امتثلوا أوامر الله ورسوله ﷺ ونفَّذوها، أو لا؟

[42] ﴿يَوۡمَئِذٖ يَوَدُّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَعَصَوُاْ ٱلرَّسُولَ لَوۡ تُسَوَّىٰ بِهِمُ ٱلۡأَرۡضُ وَلَا يَكۡتُمُونَ ٱللَّهَ حَدِيثٗا 42﴾:

ثم بيَّن جل وعلا أن الكفار الذين لم يتبعوا الرسول محمدًا ﷺ يتمنَّوْنَ يوم القيامة لو أن الله جل وعلا لم يبعثهم، أو تسوَّى بهم الأرض، فيصيرون مثل التراب حتى لا يَرَوْا هذا اليوم، أو تَنْشَقُّ بهم الأرض فتبلعهم؛ كل ذلك حتى يتخلَّصوا من ذلك اليوم العصيب الرهيب.

ثم أخبَرَ سبحانه أنهم في ذلك اليوم لا يستطيعون أن يكتموا الله سبحانه وتعالى شيئًا مما فعلوا؛ لأن أعضاءَهم تشهد عليهم بكل ما فعلوا في الدنيا.

[43] ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَقۡرَبُواْ ٱلصَّلَوٰةَ وَأَنتُمۡ سُكَٰرَىٰ حَتَّىٰ تَعۡلَمُواْ مَا تَقُولُونَ وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّىٰ تَغۡتَسِلُواْۚ وَإِن كُنتُم مَّرۡضَىٰٓ أَوۡ عَلَىٰ سَفَرٍ أَوۡ جَآءَ أَحَدٞ مِّنكُم مِّنَ ٱلۡغَآئِطِ أَوۡ لَٰمَسۡتُمُ ٱلنِّسَآءَ فَلَمۡ تَجِدُواْ مَآءٗ فَتَيَمَّمُواْ صَعِيدٗا طَيِّبٗا فَٱمۡسَحُواْ بِوُجُوهِكُمۡ وَأَيۡدِيكُمۡۗ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَفُوًّا غَفُورًا 43﴾:

ثم خاطَبَ جل وعلا عباده المؤمنين الذين فرَضَ الله عليهم الصلوات الخمس في اليوم والليلة: ألَّا يَقْرَبوا الصلاة وهم سكارى حتى تكون عقولهم واعيةً يميِّزون بين الخطأ والصواب، وهذا كان قبل تحريم الخمر، ونهاهم أن يَقْرَبوا المساجد وهم جُنُبٌ إلا إذا أرادوا أن ينتقلوا من باب إلى باب؛ حتى يتطهَّروا بالاغتسال، وإذا كانوا مرضى لا يقدرون على استعمال الماء، أو كانوا في سفر، أو انتقَضَ وضوؤهم بأحد نواقض الوضوء، أو جامع أحد امرأته، فلم يجدوا ماءً يتطهَّرون به، فعليهم بالتيمم، وهو التطهُّر بالتراب؛ بأن يضرب الأرض بكفَّيْه، ثم يمسح وجهه ويديه مرة واحدة، واعلموا -أيها الناس- أن الله كثير العفو والمغفرة لذنوب عباده المؤمنين.

[44] ﴿أَلَمۡ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ أُوتُواْ نَصِيبٗا مِّنَ ٱلۡكِتَٰبِ يَشۡتَرُونَ ٱلضَّلَٰلَةَ وَيُرِيدُونَ أَن تَضِلُّواْ ٱلسَّبِيلَ 44﴾:

ثم قال سبحانه وتعالى لنبيه ﷺ: أَلَا تعجب -أيها النبي- من أمر أحبار اليهود الذين أُعْطُوا حظًّا من العلم الذي جاءهم في التوراة، ومع ذلك فإنهم يستبدلون الضلالة بالهدى، أي: يستحبُّون البقاء على ما هم عليه بعد أن تبيَّن لهم أن الإسلام هو الدين الحق؛ بل يتمنَّوْنَ لكم أن تبتعدوا مثلهم عن الحق، وهو صراط الله المستقيم؟!

[45] ﴿وَٱللَّهُ أَعۡلَمُ بِأَعۡدَآئِكُمۡۚ وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ وَلِيّٗا وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ نَصِيرٗا 45﴾:

أخبَرَ جل وعلا عباده المؤمنين، قائلًا: إن الله تعالى أعلم بأعدائكم منكم أيها المؤمنون؛ ولذلك فقد حذَّركم منهم، ومما يكيدون لكم من الشرور، وبعد أن عرَفْتم واقتنعتم بعداوة الكفار لكم، فعليكم أن تكتفوا بوَلَاية الله ونُصْرته؛ فهي تغنيكم عن موالاة جميع الكفار.

[46] ﴿مِّنَ ٱلَّذِينَ هَادُواْ يُحَرِّفُونَ ٱلۡكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِۦ وَيَقُولُونَ سَمِعۡنَا وَعَصَيۡنَا وَٱسۡمَعۡ غَيۡرَ مُسۡمَعٖ وَرَٰعِنَا لَيَّۢا بِأَلۡسِنَتِهِمۡ وَطَعۡنٗا فِي ٱلدِّينِۚ وَلَوۡ أَنَّهُمۡ قَالُواْ سَمِعۡنَا وَأَطَعۡنَا وَٱسۡمَعۡ وَٱنظُرۡنَا لَكَانَ خَيۡرٗا لَّهُمۡ وَأَقۡوَمَ وَلَٰكِن لَّعَنَهُمُ ٱللَّهُ بِكُفۡرِهِمۡ فَلَا يُؤۡمِنُونَ إِلَّا قَلِيلٗا 46﴾:

ثم أخبَرَ جل وعلا أن من اليهود قومًا يحرِّفون ما جاء في التوراة عن معناه، ويبدِّلون مواضع آيات التوراة عن أماكنها، ومن ذلك: إخفاؤهم ذِكْر النبي ﷺ في التوراة، ويقولون: (سمعنا كلامك يا محمد وعصيناه، واسمَعْ منا ما لا يسُرُّك؛ لا أسمَعَكَ الله!)؛ وهو دعاء عليه ﷺ بالصمم، قاتلهم الله أنى يؤفكون! ويقولون عند مخاطبة الرسول ﷺ: (راعنا يا محمد)؛ يريدون بذلك وصفَه بالرعونةِ، وهي الحُمْقُ والطيشُ، يلوون ألسنتهم بهذه الكلمة على سبيل التهكم والسخرية؛ لصرف الكلام عن معناه الصحيح، وقَصْدُهم بذلك الطعن في الدين.

ثم أخبَرَ سبحانه: أنهم لو قالوا: ﴿سَمِعۡنَا وَأَطَعۡنَا﴾، بدل: (سمعنا وعصينا)، وقالوا: ﴿وَٱسۡمَعۡ﴾، بدل: (غير مسمع)، وقالوا: ﴿وَٱنظُرۡنَا﴾، أي: ارفُقْ بنا، بدل: (راعنا)، لكان ذلك خيرًا لهم مما قالوه، وأعدل قولًا، ولكنْ أبعدهم الله عن رحمته بكفرهم؛ فلا يؤمنون إلا قليلًا، ومن القليل الذين آمنوا: عبد الله بن سَلَام، وأصحابه، رضي الله عنهم أجمعين.

[47] ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلۡكِتَٰبَ ءَامِنُواْ بِمَا نَزَّلۡنَا مُصَدِّقٗا لِّمَا مَعَكُم مِّن قَبۡلِ أَن نَّطۡمِسَ وُجُوهٗا فَنَرُدَّهَا عَلَىٰٓ أَدۡبَارِهَآ أَوۡ نَلۡعَنَهُمۡ كَمَا لَعَنَّآ أَصۡحَٰبَ ٱلسَّبۡتِۚ وَكَانَ أَمۡرُ ٱللَّهِ مَفۡعُولًا 47﴾:

ثم أمَرَ جل وعلا اليهود الذين نزلت عليهم التوراة أن يصدِّقوا بالقرآن الذي أنزله الله على نبيه محمد ﷺ؛ لأن هذا القرآن مصدِّق لما جاء في التوراة من أحكام، ثم أنذرهم سبحانه بسوء العاقبة في حال إعراضهم عن نداء الله لهم بالإيمان بالقرآن، فقال جل في علاه: يا معشر اليهود، آمنوا بهذا القرآن، وصدِّقوا بما جاء فيه، من قبل أن نأخذكم بذنوبكم، فنمحو وجوهكم ونشوِّهها حتى تصير مطموسةً، أو نَجْعَلَ الوجوه ناحية الأقفية والأدبار، أو نلعنكم كما لعنَّا بعض أسلافكم المُفْسِدين من أصحاب السبت؛ وذلك بمَسْخهم قِرَدةً وخنازير، واعلموا أن أمر الله نافذٌ لا محالة، وهو لا يخلف الميعاد.

[48] ﴿إِنَّ ٱللَّهَ لَا يَغۡفِرُ أَن يُشۡرَكَ بِهِۦ وَيَغۡفِرُ مَا دُونَ ذَٰلِكَ لِمَن يَشَآءُۚ وَمَن يُشۡرِكۡ بِٱللَّهِ فَقَدِ ٱفۡتَرَىٰٓ إِثۡمًا عَظِيمًا 48﴾:

هذا إعلانٌ من الله جل وعلا أنه لن يغفر لمن أشرك به أحدًا -من البشر أو غيرهم من المخلوقين- ومات على ذلك، وأخبَرَ سبحانه أنه يغفر جميع الذنوب والمعاصي التي دون الشِّرْك لمن شاء، واعلموا أن من يشرك بالله أحدًا غيره، فقد ارتكب ذنبًا عظيمًا وإثمًا شنيعًا يُخْرِجُهُ من دين الإسلام.

[49] ﴿أَلَمۡ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنفُسَهُمۚ بَلِ ٱللَّهُ يُزَكِّي مَن يَشَآءُ وَلَا يُظۡلَمُونَ فَتِيلًا 49﴾:

ثم قال سبحانه وتعالى لنبيه ﷺ: أَلَا تعجب -أيها النبي- من هؤلاء اليهود الذين يزعمون أنهم مطهَّرون من الذنوب والمعاصي؛ فمرة يقولون: (إننا أبناء الله وأحبَّاؤه)، ومرَّة يقولون: (إن الله لن يعذِّبنا إلا أيامًا معدودة)، ومرَّة يقولون: (إن الجنة لنا وَحْدنا)؛ مع أنهم غارقون في الكفر والشرك والمعاصي، وتكذيب النبي ﷺ، وما أُنزِلَ عليه من القرآن؟! ثم أخبَرَ سبحانه أنه هو الذي يَمْدَحُ ويأجُرُ ويجزي من يشاء من عباده، وأنهم لن يُظلَموا شيئًا من أعمالهم ولو كان قليلًا، بل ولو كان فتيلًا، أي: كان بمقدار الخيط الرفيع الذي يكون في شِقِّ نواة التمرة.

[50] ﴿ٱنظُرۡ كَيۡفَ يَفۡتَرُونَ عَلَى ٱللَّهِ ٱلۡكَذِبَۖ وَكَفَىٰ بِهِۦٓ إِثۡمٗا مُّبِينًا 50﴾:

ثم أكَّد جل وعلا عَجَبَهُ من هؤلاء اليهود، فقال سبحانه: فانظُرْ يا محمد، كيف يقول هؤلاء على الله الكذب في تزكية أنفسهم؟! وكفى بهذا الكذب والافتراء على الله معصيةً كبيرةً بيِّنة!

[51] ﴿أَلَمۡ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ أُوتُواْ نَصِيبٗا مِّنَ ٱلۡكِتَٰبِ يُؤۡمِنُونَ بِٱلۡجِبۡتِ وَٱلطَّٰغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ هَٰٓؤُلَآءِ أَهۡدَىٰ مِنَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ سَبِيلًا 51﴾:

ثم قال جل شأنه لنبيه ﷺ: أَلَا تعجب -أيها النبي- من هؤلاء اليهود الذين أُعْطُوا قَدْرًا من علم التوراة؛ ومع ذلك فإنهم يؤمنون بكل ما يُعبَدُ من دون الله من الأصنام والطواغيت، ثم يقولون لكفَّار مكَّة الذين حاربوا دين رسول الله ﷺ: إنكم أقوم وأعدل طريقًا من أولئك الذين آمنوا، يقصدون محمدًا ﷺ وأصحابه؟! وهذا -إضافة إلى أنه كَذِبٌ- فهو محاربة وحسد وحقد على الدعوة؛ لأن الرسالة خرَجَتْ من ذرية يعقوب إلى ذرية إسماعيل عليهما السلام.

[52] ﴿أُوْلَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ لَعَنَهُمُ ٱللَّهُۖ وَمَن يَلۡعَنِ ٱللَّهُ فَلَن تَجِدَ لَهُۥ نَصِيرًا 52﴾:

ثم أخبَرَ جل وعلا أن أولئك اليهود الذين أيدوا المشركين قد طَرَدَهم الله من رحمته، واستحقوا العذاب الشديد بفعلهم القبيح، واعلموا أن من يطرده الله من رحمته، فلن تجدوا له ناصرًا أو معينًا.

[53] ﴿أَمۡ لَهُمۡ نَصِيبٞ مِّنَ ٱلۡمُلۡكِ فَإِذٗا لَّا يُؤۡتُونَ ٱلنَّاسَ نَقِيرًا 53﴾:

ثم وصَفَ جل وعلا اليهود بشدة البخل والشح، وبيَّن أنهم ليس لهم حظٌّ من المُلْكِ أبدًا؛ لأنهم يزعمون أن الملك سيعود إليهم في آخر الزمان، ثم بيَّن سبحانه أنهم لو أُعْطُوا الملك، فإنهم لن يُؤْتُوا أحدًا من الناس شيئًا بسبب بخلهم وشحهم، بل ولبخلوا بأقل القليل، ولو كان نقيرًا، والنقير: هو النقرة التي تكون في ظَهْرِ نواة التمرة. وفي هذه الآية: إنكارٌ على اليهود، وذمٌّ لهم لما هم عليه من البخل.

[54] ﴿أَمۡ يَحۡسُدُونَ ٱلنَّاسَ عَلَىٰ مَآ ءَاتَىٰهُمُ ٱللَّهُ مِن فَضۡلِهِۦۖ فَقَدۡ ءَاتَيۡنَآ ءَالَ إِبۡرَٰهِيمَ ٱلۡكِتَٰبَ وَٱلۡحِكۡمَةَ وَءَاتَيۡنَٰهُم مُّلۡكًا عَظِيمٗا 54﴾:

ثم أخبَرَ جل وعلا أن هؤلاء اليهود مع شدة بخلهم يحسُدُونَ النبي محمدًا ﷺ وأصحابه على ما أعطاهم الله من القرآن والحكمة، وهم يعلمون أن الله كما أعطى محمدًا ﷺ القرآن والحكمة، فقد أعطى ذرية إبراهيم من قَبْلُ الكتب المنزَّلة والنبوَّة والملك العظيم؛ وذلك إشارة إلى ما خص الله به داود وسليمان عليهما السلام من الملك العظيم. وفي هذه الآية: إنكارٌ على اليهود، وذمٌّ لهم لما هم عليه من الحسد.

[55] ﴿فَمِنۡهُم مَّنۡ ءَامَنَ بِهِۦ وَمِنۡهُم مَّن صَدَّ عَنۡهُۚ وَكَفَىٰ بِجَهَنَّمَ سَعِيرًا 55﴾:

ثم أخبَرَ جل وعلا أن مِن اليهود: مَن آمن بمحمد ﷺ؛ فنال بذلك السعادة في الدنيا والآخرة، ومنهم: من كفر وصد عنه حسدًا وعنادًا؛ فحصل له ما حصل من الشقاء الدنيوي، ويكفيه ما سيناله من عذاب جهنم التي تسعَّر به يوم القيامة.

[56] ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِـَٔايَٰتِنَا سَوۡفَ نُصۡلِيهِمۡ نَارٗا كُلَّمَا نَضِجَتۡ جُلُودُهُم بَدَّلۡنَٰهُمۡ جُلُودًا غَيۡرَهَا لِيَذُوقُواْ ٱلۡعَذَابَۗ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَزِيزًا حَكِيمٗا 56﴾:

أخبَرَ جل وعلا أن الذين كفروا بالقرآن، وكفروا بنبوَّة محمد ﷺ، سوف يدخلهم نارًا عظيمة، وكلما احترقت جلودهم، وذابت في هذه النار، بدَّل الله جلودهم بجلود غيرها ليستمروا في ألم العذاب؛ لأن الجلد مصدر الإحساس، واعلموا أن الله جل في علاه عزيزٌ لا يغالب؛ فله سبحانه العزة العظيمة، حكيمٌ؛ فله الحكمة البالغة في خلقه وأمره، وثوابه وعقابه.

[57] ﴿وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ سَنُدۡخِلُهُمۡ جَنَّٰتٖ تَجۡرِي مِن تَحۡتِهَا ٱلۡأَنۡهَٰرُ خَٰلِدِينَ فِيهَآ أَبَدٗاۖ لَّهُمۡ فِيهَآ أَزۡوَٰجٞ مُّطَهَّرَةٞۖ وَنُدۡخِلُهُمۡ ظِلّٗا ظَلِيلًا 57﴾:

ثم أخبَرَ جل وعلا أن الذين آمنوا بالله ورسوله، وتركوا الشرك والكفر والمعاصي، وعملوا الأعمال الصالحة، فإنه سوف يُدْخِلهم جنات تجري من تحت قصورها وأشجارها الأنهار، يتمتَّعون في هذه الجنات، ولا يخرُجُون منها أبدًا، ولهم فيها أزواج طهَّرها الله مِن القاذورات ومن الأخلاق الرديئة، ثم يُدْخِلهم سبحانه ظلًّا كثيفًا ممتدًّا في جنات النعيم؛ فلا يَرَوْنَ شمسًا ولا زمهريرًا، فهي معتدلةُ المزاجِ لا حرٌّ ولا برد.

[58] ﴿إِنَّ ٱللَّهَ يَأۡمُرُكُمۡ أَن تُؤَدُّواْ ٱلۡأَمَٰنَٰتِ إِلَىٰٓ أَهۡلِهَا وَإِذَا حَكَمۡتُم بَيۡنَ ٱلنَّاسِ أَن تَحۡكُمُواْ بِٱلۡعَدۡلِۚ إِنَّ ٱللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُم بِهِۦٓۗ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ سَمِيعَۢا بَصِيرٗا 58﴾:

أمَرَ جل وعلا عباده أن يؤدُّوا ما ائتُمِنوا عليه من الحقوق إلى أهلها، ثم أمَرَهم إذا قضَوْا بين الناس أن يقضوا بحكم الله فيهم ولا يظلموهم، وبيَّن سبحانه أنه نِعْمَ ما أمَرَ الله به عباده هو أداءُ الأمانات، والحُكْمُ بين الناس بالعدل، واعلموا أن الله كان ولم يزل سميعًا لما تقولون، بصيرًا بما تفعلون. وهذه الآية نزلت على النبي ﷺ يوم فتح مكَّة، وهو داخلَ الكعبة، ثم سلَّم مفتاح الكعبة لبني شيبة؛ لأنهم كانوا حملته قبل فتح مكة؛ والعِبْرةُ بعموم اللفظ، لا بخصوص السبب.

[59] ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ أَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُواْ ٱلرَّسُولَ وَأُوْلِي ٱلۡأَمۡرِ مِنكُمۡۖ فَإِن تَنَٰزَعۡتُمۡ فِي شَيۡءٖ فَرُدُّوهُ إِلَى ٱللَّهِ وَٱلرَّسُولِ إِن كُنتُمۡ تُؤۡمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلۡيَوۡمِ ٱلۡأٓخِرِۚ ذَٰلِكَ خَيۡرٞ وَأَحۡسَنُ تَأۡوِيلًا 59﴾:

أمَرَ جل وعلا عباده المؤمنين أن يطيعوا الله، وأن يطيعوا الرسول ﷺ، وذلك بالتزام أوامرهما واجتناب نواهيهما، ثم أمَرَ بطاعة ولاة الأمر المسلمين، وطاعةُ أولياء الأمور تكون في المعروف، ثم بيَّن سبحانه أنه إذا حصل خلاف في أمر من أمور الدين أو الدنيا، وجب ردُّ ذلك إلى كتاب الله وسنة رسول الله ﷺ فيما حكَمَا فيه، ووجب قَبُولُ حكمِهما؛ وبهذا تكونون مؤمنين بالله إيمانًا حقيقيًّا، ومؤمنين بيوم القيامة إيمانًا حقيقيًّا، واعلموا أن ما أمركم الله به مِن رَدِّ الحكم إلى الله ورسوله خيرٌ وأحسن عاقبة لكم في الدنيا والآخرة؛ لأنه حق.

[60] ﴿أَلَمۡ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ يَزۡعُمُونَ أَنَّهُمۡ ءَامَنُواْ بِمَآ أُنزِلَ إِلَيۡكَ وَمَآ أُنزِلَ مِن قَبۡلِكَ يُرِيدُونَ أَن يَتَحَاكَمُوٓاْ إِلَى ٱلطَّٰغُوتِ وَقَدۡ أُمِرُوٓاْ أَن يَكۡفُرُواْ بِهِۦۖ وَيُرِيدُ ٱلشَّيۡطَٰنُ أَن يُضِلَّهُمۡ ضَلَٰلَۢا بَعِيدٗا 60﴾:

ثم قال جل في علاه لنبيه ﷺ: أَلَا تعجب -أيها النبي- من هؤلاء المنافقين الذين يزعمون أنهم آمنوا بالقرآن الذي أُنْزِلَ عليك، بل يزعمون أنهم آمنوا بجميع الكتب السماوية التي أُنْزِلَتْ على الرسل من قبلك، ومع زعمهم هذا فهم يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت، والطاغوتُ هو كل رأس في الضلال؛ من ساحر وكاهن ونحوهما، مع أنهم أُمِروا أن يكفروا بكل باطل؛ ومن ذلك: أنهم أُمِروا أن يكفروا بالطواغيت، وينقادوا لحكم الله وحده؛ فكيف يفضِّلون بعد ذلك حكم الطواغيت، ويرفُضُونَ حكم الله؟!

وهذا من إضلال الشيطان لهم؛ لأنه يريد أن يصدهم عن طريق الحق والهدى؛ فيضلهم عنه ضلالًا بعيدًا؛ ولهذا فمن أدَّعى أنه مؤمن، ثم اختار حكم الطاغوت على حكم الله، فإنه كاذب في دعوى الإيمان.

[61] ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمۡ تَعَالَوۡاْ إِلَىٰ مَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ وَإِلَى ٱلرَّسُولِ رَأَيۡتَ ٱلۡمُنَٰفِقِينَ يَصُدُّونَ عَنكَ صُدُودٗا 61﴾:

وإذا قيل لهؤلاء المنافقين: تعالوا إلى حكم الله وإلى حكم رسوله ﷺ، ففيهما كل الخير والسعادة، رأيت المنافقين -الذين يزعمون أنهم آمنوا بما أُنْزِلَ إليك وبما أُنْزِلَ على الرسل من قبلك- يمتنعون من التحاكم إلى القرآن وإلى النبي ﷺ، ويُعْرِضون عنك إعراضًا شديدًا؛ بسبب نفاقهم وضلالهم وحِقْدهم وكرههم لدين الله؛ لكنْ إذا كان الحكم في صالحهم، فإنهم يقبلونه، ليس حبًّا في الدين وفي رسول الله ﷺ، ولكنْ لأنه جاء وَفْقًا لهواهم.

[62] ﴿فَكَيۡفَ إِذَآ أَصَٰبَتۡهُم مُّصِيبَةُۢ بِمَا قَدَّمَتۡ أَيۡدِيهِمۡ ثُمَّ جَآءُوكَ يَحۡلِفُونَ بِٱللَّهِ إِنۡ أَرَدۡنَآ إِلَّآ إِحۡسَٰنٗا وَتَوۡفِيقًا 62﴾:

ثم أخبَرَ جل وعلا عن حال هؤلاء المنافقين إذا جاءتهم عقوبة أو أصابتهم مصيبة؛ بسبب ما اقترفوه من الكفر والمعاصي، والتحاكم إلى غير الرسول ﷺ، فإنهم يأتونك معتذرين يحلفون لك الأيمان الكاذبة، قائلين: إننا ما أردنا بالتحاكم إلى غيرك إلا الصلح والتأليف بين المتخاصمَيْن، وليس القصد أن نرفض حكمك؛ فنعتذِرُ لك طالبين منك ألا تؤاخذنا بما حصَلَ منا؛ ولا شك أنهم كاذبون في اعتذارهم.

[63] ﴿أُوْلَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ يَعۡلَمُ ٱللَّهُ مَا فِي قُلُوبِهِمۡ فَأَعۡرِضۡ عَنۡهُمۡ وَعِظۡهُمۡ وَقُل لَّهُمۡ فِيٓ أَنفُسِهِمۡ قَوۡلَۢا بَلِيغٗا 63﴾:

ثم بيَّن جل وعلا أنه يعلم ما في قلوب هؤلاء المنافقين من النفاق والنية السيئة؛ فلا تُبَالِ -أيها النبي- بهم، ولا تهتم لهم، وعرِّفهم خطورة ما هم عليه من النفاق بأسلوب ليِّن فيه موعظة وترقيق لقلوبهم، وانصحهم سرًّا بينك وبينهم، وبالِغْ في زجرهم؛ لعلهم يتأثرون؛ فيرتدعوا عما هم فيه من النفاق والضلال.

[64] ﴿وَمَآ أَرۡسَلۡنَا مِن رَّسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذۡنِ ٱللَّهِۚ وَلَوۡ أَنَّهُمۡ إِذ ظَّلَمُوٓاْ أَنفُسَهُمۡ جَآءُوكَ فَٱسۡتَغۡفَرُواْ ٱللَّهَ وَٱسۡتَغۡفَرَ لَهُمُ ٱلرَّسُولُ لَوَجَدُواْ ٱللَّهَ تَوَّابٗا رَّحِيمٗا 64﴾:

ثم بيَّن جل وعلا أنه ما أرسل رسولًا من الرسل إلا من أجل أن يطيعه قومه فيما يأمرهم وينهاهم، وعليهم أن يعلموا أن طاعة الرسول فَرْض، وأن مَنْ أعرض عن طاعة رسول الله ﷺ، فقد كفر بالله، ولو أن هؤلاء المنافقين الذين أعرضوا عن التحاكم إليك جاؤوك –أيها النبي- تائبين مستغفرين الله، صادقين في توبتهم، ثم استغفَرْتَ لهم وشفَعْتَ لهم، لوجدوا الله قابلًا لتوبتهم واستغفارهم، رحيمًا بهم.

[65] ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤۡمِنُونَ حَتَّىٰ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيۡنَهُمۡ ثُمَّ لَا يَجِدُواْ فِيٓ أَنفُسِهِمۡ حَرَجٗا مِّمَّا قَضَيۡتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسۡلِيمٗا 65﴾:

ثم أقسَمَ جل وعلا بنفسه الكريمة أن هؤلاء المنافقين وغيرهم لا يكونون مؤمنين بالله إيمانًا حقيقيًا؛ حتى يجعلوك حَكَمًا فيما يكون بينهم من نزاع، ثم لا يجدوا في صدورهم أدنى شك في صحة حكمك وعدالته، ولا تَضِيقَ صدورهم بما حكَمْتَ به، ويذعنوا لحكمك إذعان المؤمنين الموقنين.

[66] ﴿وَلَوۡ أَنَّا كَتَبۡنَا عَلَيۡهِمۡ أَنِ ٱقۡتُلُوٓاْ أَنفُسَكُمۡ أَوِ ٱخۡرُجُواْ مِن دِيَٰرِكُم مَّا فَعَلُوهُ إِلَّا قَلِيلٞ مِّنۡهُمۡۖ وَلَوۡ أَنَّهُمۡ فَعَلُواْ مَا يُوعَظُونَ بِهِۦ لَكَانَ خَيۡرٗا لَّهُمۡ وَأَشَدَّ تَثۡبِيتٗا 66﴾:

أخبَرَ جل وعلا أنه لو فرَضَ على الناس الأوامر الشاقَّة؛ كأن يقتُلُوا أنفسهم كما فرض ذلك على بني إسرائيل حينما أرادوا التوبة من عبادة العجل، أو يخرُجُوا من ديارهم كما فرض ذلك على المهاجرين من بني إسرائيل، لَمَا استجاب لك -أيها النبي- إلا عدد قليل من المؤمنين المخلصين؛ وهذا من فضل الله ورحمته بالأمة أنْ جعَلَ إعلان التوبة كافيًا لقبولها؛ لأن قتل النفس من الآصار التي خُفِّفَتْ عن هذه الأمة.

ثم أخبَرَ سبحانه أنهم لو فعلوا ما أُمِروا به من طاعة الله ورسوله، والوقوف عند حكمهما، لكان خيرًا لهم في الدنيا والآخرة، وأشدَّ ثباتًا لهم في الدين.

[67] ﴿وَإِذٗا لَّأٓتَيۡنَٰهُم مِّن لَّدُنَّآ أَجۡرًا عَظِيمٗا 67﴾:

ثم بيَّن جل وعلا أنهم لو آمنوا بالله ورسوله إيمانًا حقيقيًّا، وأطاعوا أَمْرَ الله ورسوله، لأعطاهم سبحانه مِنْ عنده ثوابًا كبيرًا؛ وهو الجنة.

[68] ﴿وَلَهَدَيۡنَٰهُمۡ صِرَٰطٗا مُّسۡتَقِيمٗا 68﴾:

ثم بيَّن سبحانه أيضًا أنهم لو آمنوا بالله ورسوله إيمانًا حقيقيًّا، لهداهم إلى الطريق الحق المستقيم الموصِّل إلى جنات رب العالمين؛ وهو الإسلام.

[69] ﴿وَمَن يُطِعِ ٱللَّهَ وَٱلرَّسُولَ فَأُوْلَٰٓئِكَ مَعَ ٱلَّذِينَ أَنۡعَمَ ٱللَّهُ عَلَيۡهِم مِّنَ ٱلنَّبِيِّـۧنَ وَٱلصِّدِّيقِينَ وَٱلشُّهَدَآءِ وَٱلصَّٰلِحِينَۚ وَحَسُنَ أُوْلَٰٓئِكَ رَفِيقٗا 69﴾:

ثم أخبَرَ جل وعلا أن الذي يطيع أوامر الله وأوامر رسوله ﷺ، فسوف يدخله الله الجنة مع الذين أنعَمَ الله عليهم، وهم: الأنبياء الأبرار، والصدِّيقون الأخيار، الذين صدَّقوا الرسل، والشهداءُ في سبيل الله، والصالحون المؤمنون من عباد الله، وحَسُنَ أولئك رفقاءَ في الجنة بالاجتماع بهم، والأُنْس بقُرْبهم.

[70] ﴿ذَٰلِكَ ٱلۡفَضۡلُ مِنَ ٱللَّهِۚ وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ عَلِيمٗا 70﴾:

ثم بيَّن جل وعلا أن هذا الأجر العظيم والثواب الجزيل الذي نالوه من الله، هو الذي وفَّقهم له؛ وكفى به سبحانه عليمًا بمن يستحقُّ هذا الثوابَ الحسنَ، وهذا الفضل العظيم.

[71] ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ خُذُواْ حِذۡرَكُمۡ فَٱنفِرُواْ ثُبَاتٍ أَوِ ٱنفِرُواْ جَمِيعٗا 71﴾:

أمَرَ جل وعلا عباده المؤمنين أن يكونوا حَذِرِينَ دائمًا من أعدائهم، وأن يكونوا مستعدِّين لردِّهم، وأن يخرُجُوا لقتالهم جماعات متفرِّقة، جماعةً بعد جماعة، أو يخرجوا لهم مجتمعين.

[72] ﴿وَإِنَّ مِنكُمۡ لَمَن لَّيُبَطِّئَنَّ فَإِنۡ أَصَٰبَتۡكُم مُّصِيبَةٞ قَالَ قَدۡ أَنۡعَمَ ٱللَّهُ عَلَيَّ إِذۡ لَمۡ أَكُن مَّعَهُمۡ شَهِيدٗا 72﴾:

واحذروا -أيها المؤمنون- هؤلاء المنافقين الذين يتأخرون في الخروج للقتال معكم، بل يثبِّطون غيرهم عمدًا وإصرارًا؛ فإنْ أصابتكم هزيمة في الجهاد، قال ذلك الفريق المتخلِّف شامتًا: قد أنعَمَ الله علينا؛ حيث لم نكن معهم في هذا القتال!

[73] ﴿وَلَئِنۡ أَصَٰبَكُمۡ فَضۡلٞ مِّنَ ٱللَّهِ لَيَقُولَنَّ كَأَن لَّمۡ تَكُنۢ بَيۡنَكُمۡ وَبَيۡنَهُۥ مَوَدَّةٞ يَٰلَيۡتَنِي كُنتُ مَعَهُمۡ فَأَفُوزَ فَوۡزًا عَظِيمٗا 73﴾:

ثم أخبَرَ جل وعلا أنه إذا أصابكم -أيها المؤمنون- فضل من الله؛ من نصر أو غنيمة، فإن هذا الفريق المتخلِّف يقول متندِّمًا على ما فاته من نصر وكسب: يا ليتنا كنَّا معهم؛ فنفوزَ بما فازوا به من الغنائم!

[74] ﴿فَلۡيُقَٰتِلۡ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ ٱلَّذِينَ يَشۡرُونَ ٱلۡحَيَوٰةَ ٱلدُّنۡيَا بِٱلۡأٓخِرَةِۚ وَمَن يُقَٰتِلۡ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ فَيُقۡتَلۡ أَوۡ يَغۡلِبۡ فَسَوۡفَ نُؤۡتِيهِ أَجۡرًا عَظِيمٗا 74﴾:

ثم أمَرَ جل وعلا أن يجاهد في سبيل الله المؤمنون الصادقون الذين يبيعون الحياة الدنيا بكل ما فيها من متع ولذات، بالجنة الباقية التي اختاروها على البقاء في الدنيا، واعلموا أن من يجاهد في سبيل الله، فيستشهد، أو يَغلِبُ العدوَّ ويظفر به، فسوف يؤتيه الله ثوابًا كبيرًا.

[75] ﴿وَمَا لَكُمۡ لَا تُقَٰتِلُونَ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ وَٱلۡمُسۡتَضۡعَفِينَ مِنَ ٱلرِّجَالِ وَٱلنِّسَآءِ وَٱلۡوِلۡدَٰنِ ٱلَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَآ أَخۡرِجۡنَا مِنۡ هَٰذِهِ ٱلۡقَرۡيَةِ ٱلظَّالِمِ أَهۡلُهَا وَٱجۡعَل لَّنَا مِن لَّدُنكَ وَلِيّٗا وَٱجۡعَل لَّنَا مِن لَّدُنكَ نَصِيرًا 75﴾:

ثم حثَّ جل وعلا المؤمنين على الجهاد في سبيل الله؛ لتحرير المستضعفين من الرجال الذين منعهم الكفَّار من الهجرة، ولتحريرِ النساء والأطفال الذين لا يستطيعون الدفاع عن أنفسهم، ثم بيَّن سبحانه أن هؤلاء المستضعفين يَدْعُونَ ربهم قائلين: يا ربنا، أُخْرِجنا من هذه القرية، وهي مكة، التي ظلَمَ أهلها بالكفر والضلال، وإيذاء المؤمنين بأنواع الأذى والتعذيب، ويا ربنا، اجعل لنا من عندك وليًّا يتولَّى أمرنا، ونصيرًا ينصرنا على أعدائنا.

[76] ﴿ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ يُقَٰتِلُونَ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِۖ وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ يُقَٰتِلُونَ فِي سَبِيلِ ٱلطَّٰغُوتِ فَقَٰتِلُوٓاْ أَوۡلِيَآءَ ٱلشَّيۡطَٰنِۖ إِنَّ كَيۡدَ ٱلشَّيۡطَٰنِ كَانَ ضَعِيفًا 76﴾:

ثم أخبَرَ جل وعلا أن الذين آمنوا بالله ورسوله يجاهدون في سبيل الله؛ إعلاءً لكلمة الله، ونصرةً للحق وأهله، وأما الذين كفروا، فإنهم يقاتلون في سبيل الكفر والظلم والطغيان، ثم أمَرَ سبحانه المؤمنين أن يجاهدوا أولياء الشيطان، وهم الكفار، وألَّا يخافوهم، ثم بيَّن سبحانه أن كيد الشيطان كان وما يزال ضعيفًا، ولا يثبت أمام جيش المؤمنين؛ فلا يضرًّكم.

[77] ﴿أَلَمۡ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ قِيلَ لَهُمۡ كُفُّوٓاْ أَيۡدِيَكُمۡ وَأَقِيمُواْ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتُواْ ٱلزَّكَوٰةَ فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيۡهِمُ ٱلۡقِتَالُ إِذَا فَرِيقٞ مِّنۡهُمۡ يَخۡشَوۡنَ ٱلنَّاسَ كَخَشۡيَةِ ٱللَّهِ أَوۡ أَشَدَّ خَشۡيَةٗۚ وَقَالُواْ رَبَّنَا لِمَ كَتَبۡتَ عَلَيۡنَا ٱلۡقِتَالَ لَوۡلَآ أَخَّرۡتَنَآ إِلَىٰٓ أَجَلٖ قَرِيبٖۗ قُلۡ مَتَٰعُ ٱلدُّنۡيَا قَلِيلٞ وَٱلۡأٓخِرَةُ خَيۡرٞ لِّمَنِ ٱتَّقَىٰ وَلَا تُظۡلَمُونَ فَتِيلًا 77﴾:

أخبَرَ جل وعلا عمَّا حصل للمؤمنين في مكَّة في أول الدعوة من أذى الكفار؛ حيث آذَوُا المسلمين أذىً بالغًا، بل وآذَوُا النبي ﷺ؛ فتحمَّس بعضهم وطلب من الرسول ﷺ الإذن بأخذ الثأر منهم، وكان المسلمون قليلين وضِعَافًا؛ فلو أذن لهم ﷺ، لبطَشَ بهم الكفار، وقضَوْا عليهم؛ لذا فإن الله لم يأذن لرسوله ﷺ بالمقاومة، وأمَرَ ﷺ الصحابة بالمسالمة وأداء ما فرضه الله عليهم؛ من الصلاةِ التي تربِّي نفوسهم، وتخلِّصها من أدران المآثم، وأداءِ الزكاة التي تطهِّر النفوس من الشح والبخل، وتقوِّي رابطة الأخوَّة والمحبة بين الناس، وأمَرَهم أن يستمروا على ذلك حتى يأتيَ أمر الله، ويكونَ للمسلمين قوة وشوكة، فلما تمت الهجرة، واستعد المسلمون للجهاد وأَخْذِ الثأر، وأُذِنَ لهم بالقتال، استثقَلَ ذلك المنافقون، وأصبحوا يخافون من الناس كما يخافون من الله، بل خَوْفُهم من الناس كان أشد، وقالوا: يا ربنا، لِمَ أوجَبْتَ علينا القتال؟! وتمنَّوْا لو تأخر الإذن بالقتال إلى وقت آخر؛ وذلك رغبةً منهم في الاستمتاع في الحياة الدنيا، فقل لهم -أيها النبي-: إن متاع الدنيا قليل مهما طال، وإن الآخرة وما فيها من النعيم المقيم خيرٌ وأبقى لمن اتقى الله، ثم بيَّن سبحانه أنه لا يبخس من ثواب أحد شيئًا مهما كان، ولو كان بمقدار الخَيْط الذي يكون في شق نواة التمرة.

[78] ﴿أَيۡنَمَا تَكُونُواْ يُدۡرِككُّمُ ٱلۡمَوۡتُ وَلَوۡ كُنتُمۡ فِي بُرُوجٖ مُّشَيَّدَةٖۗ وَإِن تُصِبۡهُمۡ حَسَنَةٞ يَقُولُواْ هَٰذِهِۦ مِنۡ عِندِ ٱللَّهِۖ وَإِن تُصِبۡهُمۡ سَيِّئَةٞ يَقُولُواْ هَٰذِهِۦ مِنۡ عِندِكَۚ قُلۡ كُلّٞ مِّنۡ عِندِ ٱللَّهِۖ فَمَالِ هَٰٓؤُلَآءِ ٱلۡقَوۡمِ لَا يَكَادُونَ يَفۡقَهُونَ حَدِيثٗا 78﴾:

أخبَرَ جل وعلا أن الموت سوف يلحقكم -أيها الناس- في أي زمان ومكان؛ حتى لو كنتم في حصون مشيَّدة، وقصور منيعة، واعلموا أن هؤلاء المنافقين إذا أصابتهم حسنة من خير أو مال وغير ذلك من النعم، فإنهم يقولون: هذه من عند الله إكرامًا لنا، أما إذا أصابهم مكروه من جوع أو هزيمة، فإنهم ينسبونه إلى الرسول ﷺ، فقل لهم -أيها النبي-: اعلموا أن ذلك كله من عند الله وحده، بقضائه وقَدَره، وإذا كان الأمر كذلك، فما لهؤلاء المنافقين لا يفهمون ما يقال لهم من النصائح والمواعظ.

وهذه الآية قيل: نزَلَتْ في قوم من الصحابة لما أُمِروا بالقتال، كرهوه خوفًا من الموت، فعاتبهم جل وعلا، وأخبرهم أن أيام الحياة قليلة، وأن الآجال محدَّدة.

وقيل: نزَلَتْ في المنافقين؛ وهذا هو الأظهر والأنسب من سياق الآية.

قال بعض المفسِّرين في تفسير قوله: ﴿قُلۡ كُلّٞ مِّنۡ عِندِ ٱللَّهِۖ ﴾: إن كل ما يحصل في الكون هو من عند الله تقنينًا كونيًّا ينتظم الحركة والسكون؛ فالله هو الذي جعل المرء قادرًا على العمل حَسَنهِ وسيِّئِه، والثوابُ والعقابُ يرتَّب بتوجيه الطاقة، فإذا هو اختار عمل الخير، وأقدَمَ عليه، فإنه يثاب على اختياره ونيته وإقدامه، وإذا اختار عمل الشرِّ وأقدَمَ عليه، فإنه يعاقب على اختياره وعمله، ويسمَّى: كسبًا.

فإذا قيل: إن الله أراد ذلك منه، قيل: نَعَمْ هو أراده كونًا، ولم يُرِدْهُ شرعًا؛ فالله خلق الإنسان وجعله مختارًا لهذا أو لهذا، ومن أجل ذلك، فهو مريدٌ كونًا ما يكون منه، فإنْ فعَلَ الخير، فهو مراد شرعًا وكونًا؛ وإنْ فعَلَ الشرَّ، فهو لم يخرج عن مراد الله؛ فالله قد هداه النجدَيْنِ، وأقدره على فعل كل ما يريد، لكنه جل وعلا لا يريد شرعًا الشر، ولا يأمر بالفحشاء.

[79] ﴿مَّآ أَصَابَكَ مِنۡ حَسَنَةٖ فَمِنَ ٱللَّهِۖ وَمَآ أَصَابَكَ مِن سَيِّئَةٖ فَمِن نَّفۡسِكَۚ وَأَرۡسَلۡنَٰكَ لِلنَّاسِ رَسُولٗاۚ وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ شَهِيدٗا 79﴾:

واعلم -أيها الإنسان- أنَّ ما أصابك من نعمة وعافية وسلامة، فمن فضل الله عليك، وأنَّ ما أصابك من شدةٍ وأذىً ومكروه، فمن نفسك؛ بسبب تقصير أو ذنب ارتكبته، ثم أخبَرَ سبحانه أنه أرسل محمدًا ﷺ للناس كافَّة؛ ليبلِّغهم دين الله، ولِيُخْرِجهم من ظلمات الكفر والشرك والضلال إلى نور الإيمان والتوحيد والهدى، وكفى بالله شهيدًا على تبليغك لهم، وعلى إجابتهم لك.

[80] ﴿مَّن يُطِعِ ٱلرَّسُولَ فَقَدۡ أَطَاعَ ٱللَّهَۖ وَمَن تَوَلَّىٰ فَمَآ أَرۡسَلۡنَٰكَ عَلَيۡهِمۡ حَفِيظٗا 80﴾:

واعلموا أن الاستجابة لرسول الله محمد ﷺ هي استجابة لله، وأن مَنْ أعرض منهم وعصاك -أيها الرسول- فدعه ولا تلتفت إليه؛ فما أرسلناك حافظًا عليهم، ولا رقيبًا على أعمالهم، وليس لك أن تحاسبهم، بل حسابهم علينا؛ فإذا بَلَّغْتَ، فقد أعذَرْتَ وأنذَرْتَ.

[81] ﴿وَيَقُولُونَ طَاعَةٞ فَإِذَا بَرَزُواْ مِنۡ عِندِكَ بَيَّتَ طَآئِفَةٞ مِّنۡهُمۡ غَيۡرَ ٱلَّذِي تَقُولُۖ وَٱللَّهُ يَكۡتُبُ مَا يُبَيِّتُونَۖ فَأَعۡرِضۡ عَنۡهُمۡ وَتَوَكَّلۡ عَلَى ٱللَّهِۚ وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ وَكِيلًا 81﴾:

ثم أخبَرَ جل وعلا أن المنافقين إذا جاؤوا عند الرسول ﷺ يقولون: نحن نطيعك فيما أمرت، فإذا خرجوا من عنده، أظهر جماعة منهم -وهم رؤساؤهم- خلاف ما قاله ﷺ، وما علموا أن الله يعلم ما يُضْمِرون، وأنه قد كتبه في صحائف أعمالهم؛ ليعاقبهم عليها، وما دام هذا هو شأن هؤلاء المنافقين، فأعرض -أيها النبي- عنهم، ولا تعاتبهم على فعلهم، وتوكَّل على الله، واعتمِدْ عليه، وكفى به وكيلًا وكفيلًا.

[82] ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ ٱلۡقُرۡءَانَۚ وَلَوۡ كَانَ مِنۡ عِندِ غَيۡرِ ٱللَّهِ لَوَجَدُواْ فِيهِ ٱخۡتِلَٰفٗا كَثِيرٗا 82﴾:

وبعد أن كشَفَ الله ما في قلوب هؤلاء المنافقين من النفاق، وسوء النوايا والخبايا، وظهَرَ لهم سوء عاقبة الكافرين، وحسن عاقبة المؤمنين؛ أَلَا يدفعهم ذلك إلى الإيمان، وإلى تدبُّر القرآن؛ لِيَرَوْا ما فيه من تشريع حكيم، ونور مبين، وآيات ودلالات تشهد أن هذا القرآن من عند الله، وأنه لو كان من عند غير الله، لوجدوا فيه كثيرًا من الاختلافات والتناقضات في أحكامه وألفاظه ومعانيه؟!

[83] ﴿وَإِذَا جَآءَهُمۡ أَمۡرٞ مِّنَ ٱلۡأَمۡنِ أَوِ ٱلۡخَوۡفِ أَذَاعُواْ بِهِۦۖ وَلَوۡ رَدُّوهُ إِلَى ٱلرَّسُولِ وَإِلَىٰٓ أُوْلِي ٱلۡأَمۡرِ مِنۡهُمۡ لَعَلِمَهُ ٱلَّذِينَ يَسۡتَنۢبِطُونَهُۥ مِنۡهُمۡۗ وَلَوۡلَا فَضۡلُ ٱللَّهِ عَلَيۡكُمۡ وَرَحۡمَتُهُۥ لَٱتَّبَعۡتُمُ ٱلشَّيۡطَٰنَ إِلَّا قَلِيلٗا 83﴾:

واعلموا أن هؤلاء المنافقين وبعض ضعاف الإيمان، إذا جاءهم خبر مهم يتعلَّق بأمن المسلمين أو خوفهم، أذاعوه ونشروه قبل أن يتثبَّتوا من صحته للتشويش على المسلمين وإرباكهم، وبلبلة الأفكار بين صفوفهم، ولو أنهم هم ومن يستمع إليهم ردُّوا ذلك الخبر إلى الرسول ﷺ وإلى أولي الأمر من كبار الصحابة وأمراء السرايا والعلماء، لَعَلِمَ هؤلاء حقيقة الخبر ومصدره ومعناه، وما يترتَّب عليه من منافع أو مضارّ، ثم يُتْرَكُ الأمر لهم، فينظرون: هل من المصلحة إفشاؤه أو عدم إفشائه، ولولا فضلُ الله عليكم -أيها المؤمنون- بإرسال هذا النبي إليكم، ورحمتُهُ بكم بإنزالِ القرآن عليكم، وتثبيتِ قلوبكم على الإيمان، وتوفيقِكم إلى الطاعة والأعمال الصالحة، لاتَّبع أكثركم الشيطان، ووقَعْتم في وساوسه وضلالاته، إلا نفرًا قليلًا من الذين أخلصوا دينهم لله، واعتصموا به؛ فليس للشيطان عليهم سبيل.

[84] ﴿فَقَٰتِلۡ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ لَا تُكَلَّفُ إِلَّا نَفۡسَكَۚ وَحَرِّضِ ٱلۡمُؤۡمِنِينَۖ عَسَى ٱللَّهُ أَن يَكُفَّ بَأۡسَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْۚ وَٱللَّهُ أَشَدُّ بَأۡسٗا وَأَشَدُّ تَنكِيلٗا 84﴾:

ثم أمَرَ جل وعلا رسوله محمدًا ﷺ أن يجاهد في سبيل الله؛ لأجل إعلاء كلمة الله، وإعزاز دينه؛ حتى ولو لم يخرُجْ إلا هو وحده، فهو مأمور بتبليغ الرسالة، ثم أمَرَهُ سبحانه أن يحُثَّ المؤمنين على القتال معه من أجل نُصْرة دين الله؛ عسى الله أن يكُفَّ بأس الذين كفروا فيسلِّطَ عليهم رسوله والمؤمنين فيهزموهم، فلا يبقى لهم بأس ولا قوة، واعلموا أن الله تعالى أشدُّ بأسًا من كل ذي بأس، وأشدُّ عقوبة وتعذيبًا لأعداء الدين.

[85] ﴿مَّن يَشۡفَعۡ شَفَٰعَةً حَسَنَةٗ يَكُن لَّهُۥ نَصِيبٞ مِّنۡهَاۖ وَمَن يَشۡفَعۡ شَفَٰعَةٗ سَيِّئَةٗ يَكُن لَّهُۥ كِفۡلٞ مِّنۡهَاۗ وَكَانَ ٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ مُّقِيتٗا 85﴾:

أخبَرَ جل وعلا أن من يَسْعَى لمساعدة من يستحق المساعدة في أمر من أمور الخير، كان له نصيب من الأجر والثواب، وهذا النصيبُ يضاعفه الله له أضعافًا كثيرة، وهكذا مَنْ يسعى لمساعدة إنسان على أمر من أمور الشرِّ، كان عليه وِزْر، وهذا الوزرُ يكتبه الله كما هو لا يزيد ولا ينقص، وهذا من رحمة الله بعباده: أن الحسنة تضاعف، وأما السيئة، فتكتب كما هي ولا تضاعف، واعلموا أن الله كان ولم يزل على كل شيء شاهدًا وحفيظًا وحسيبًا.

[86] ﴿وَإِذَا حُيِّيتُم بِتَحِيَّةٖ فَحَيُّواْ بِأَحۡسَنَ مِنۡهَآ أَوۡ رُدُّوهَآۗ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٍ حَسِيبًا 86﴾:

ثم أمَرَ جل وعلا المسلم إذا سلَّم عليه أخوه أن يجيبَهُ بأفضلَ مما سلَّم، أو يَرُدَّ عليه السلامبمثل ما سلَّم، فإذا قال لك أخوك: (السلام عليكم ورحمة الله)، فرُدَّ عليه قائلًا: (وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته)؛ وهذا هو الأفضل، أو رُدَّ عليه بمثل ما قال، فتقول: (وعليكم السلام ورحمة الله)، واعلموا أن الله كان وما يزال بصيرًا بكل أقوالكم وأعمالكم، وسيحاسبكم عليها يوم القيامة، وسيجازيكم عليها؛ إنْ خيرًا فخير، وإنْ شرًّا فشرّ.

[87] ﴿ٱللَّهُ لَآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَۚ لَيَجۡمَعَنَّكُمۡ إِلَىٰ يَوۡمِ ٱلۡقِيَٰمَةِ لَا رَيۡبَ فِيهِۗ وَمَنۡ أَصۡدَقُ مِنَ ٱللَّهِ حَدِيثٗا 87﴾:

أقسَمَ الله جل في علاه، الذي لا معبود بحق سواه: أنه سيبعثكم -أيها الناس- من قبوركم بعد مماتكم، وسيحشركم إلى موقف الحشر والحساب يوم القيامة الذي لا شك فيه ولا ريب، واعلموا أن هذا قول الله جل شأنه، وأي قول أصدق من قول الله؟!

[88] ﴿فَمَا لَكُمۡ فِي ٱلۡمُنَٰفِقِينَ فِئَتَيۡنِ وَٱللَّهُ أَرۡكَسَهُم بِمَا كَسَبُوٓاْۚ أَتُرِيدُونَ أَن تَهۡدُواْ مَنۡ أَضَلَّ ٱللَّهُۖ وَمَن يُضۡلِلِ ٱللَّهُ فَلَن تَجِدَ لَهُۥ سَبِيلٗا 88﴾:

وبعد أن عرفتم -أيها المؤمنون- حال المنافقين، وانكشَفَ لكم خُبْثهم وكَيْدهم للإسلام والمسلمين؛ فلماذا أنتم مختلفون في أمرهم إلى فريقين؟! فريق: يرى أن يُقْتَلوا، وفريق: يرى ألَّا يُقْتَلوا؛ لأن ظاهرهم الإسلام.

فالواجب عليكم ألَّا تختلفوا في أن المنافقين مارقون خارجون عن الإسلام، وقد أوقعهم الله في الكفر والضلال بسبب نفاقهم وأعمالهم السيئة، وعليكم الجهر والتصريح بذلك؛ لأن بعض المسلمين يرتاحون لهم؛ كما قال تعالى: ﴿وَفِيكُمۡ سَمَّٰعُونَ لَهُمۡۗ ﴾ [التوبة:٤٧].

ثم إن فريقًا من المنافقين استأذنوا رسول الله ﷺ في الخروج إلى البادية، فالتحقوا بالمشركين؛ فالله جل وعلا أراد من عباده أن يعلموا أنهم أشدُّ عداوةً من الكفار؛ لأن الكفار عداوتهم وحربهم مكشوفة، وهؤلاء مخذِّلون مثبِّطون من الداخل كالسُّوس يفسدُ كلَّ ما دخل فيه؛ فهل تريدون بعد ذلك هدايةَ مَنْ أضلَّه الله؟!

واعلموا أن من أضله الله عن دينه الحق واتِّباع أوامره، فلن تجد طريقًا إلى إصلاحه.

وهذا الإضلالُ هو إضلالٌ جزائيٌّ لا ابتدائيٌّ، وهو مبني على ضلالهم الاختياري؛ كما في قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا زَاغُوٓاْ أَزَاغَ ٱللَّهُ قُلُوبَهُمۡۚ ﴾ [الصف:5]، أي: أنهم لما ضلُّوا بعد أن عرفوا الحق، وأصروا على الضلال، طبَعَ الله على قلوبهم جزاءً لهم؛ فمن يهديهم إذن؟!

[89] ﴿وَدُّواْ لَوۡ تَكۡفُرُونَ كَمَا كَفَرُواْ فَتَكُونُونَ سَوَآءٗۖ فَلَا تَتَّخِذُواْ مِنۡهُمۡ أَوۡلِيَآءَ حَتَّىٰ يُهَاجِرُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِۚ فَإِن تَوَلَّوۡاْ فَخُذُوهُمۡ وَٱقۡتُلُوهُمۡ حَيۡثُ وَجَدتُّمُوهُمۡۖ وَلَا تَتَّخِذُواْ مِنۡهُمۡ وَلِيّٗا وَلَا نَصِيرًا 89﴾:

ثم بيَّن جل وعلا أن هؤلاء المنافقين يَتَمَنَّوْنَ أن تكفروا كما كفروا؛ فتكونون أنتم وهم في الكفر سواءً؛ فإياكم أن توالوهم وإن أظهروا الإيمان حتى يهاجروا في سبيل الله من أجل إعلاء كلمة الله ونُصْرة دين الله؛ حتى يكونَ ذلك دليلًا على صدق إيمانهم، فإن أعرضوا عن الهجرة في سبيل الله، وبَقُوا على ما هم عليه من الكفر والضلال، فاقتلوهم حيث وجدتُّموهم، واحذروا أن تتخذوا منهم وليًّا توالونه، أو ناصرًا تنتصرون به على عدوكم.

[90] ﴿إِلَّا ٱلَّذِينَ يَصِلُونَ إِلَىٰ قَوۡمِۭ بَيۡنَكُمۡ وَبَيۡنَهُم مِّيثَٰقٌ أَوۡ جَآءُوكُمۡ حَصِرَتۡ صُدُورُهُمۡ أَن يُقَٰتِلُوكُمۡ أَوۡ يُقَٰتِلُواْ قَوۡمَهُمۡۚ وَلَوۡ شَآءَ ٱللَّهُ لَسَلَّطَهُمۡ عَلَيۡكُمۡ فَلَقَٰتَلُوكُمۡۚ فَإِنِ ٱعۡتَزَلُوكُمۡ فَلَمۡ يُقَٰتِلُوكُمۡ وَأَلۡقَوۡاْ إِلَيۡكُمُ ٱلسَّلَمَ فَمَا جَعَلَ ٱللَّهُ لَكُمۡ عَلَيۡهِمۡ سَبِيلٗا 90﴾:

ثم قسَّم جل وعلا المنافقين إلى ثلاث فئات، اثنتانِ أمر بتركِ قتالِهم وحتَّم على ذلك، والثالثة ذكر شروطًا للكفِّ عنها، فإذا لم تَلتزمْ بهذه الشروطِ فإنها تُقاتل؛ فالفئةُ الأولى: الذين لجؤوا إلى قوم بينكم وبينهم عهد؛ فهؤلاء يدخُلُونَ فيهم بالحلف والجوار؛ فلا يجوز قتالهم، والفئةُ الثانية: الذين جاؤوا إليكم وقد ضاقت صدورهم، ولم تسمح نفوسهم لا بقتالكم ولا بقتال قومهم، ولو أراد الله، لسلَّط هؤلاء الكفار عليكم لقتالكم، ولكنْ مِنْ لطف الله ورحمته بكم: أن كَفَّ شرهم عنكم، فإذا تركوكم، ولم يقاتلوكم، بل سالموكم، وانقادوا للصلح والأمان ورَضُوا به، لم يجعل الله لكم طريقًا لقتالهم أو أسرهم.

[91] ﴿سَتَجِدُونَ ءَاخَرِينَ يُرِيدُونَ أَن يَأۡمَنُوكُمۡ وَيَأۡمَنُواْ قَوۡمَهُمۡ كُلَّ مَا رُدُّوٓاْ إِلَى ٱلۡفِتۡنَةِ أُرۡكِسُواْ فِيهَاۚ فَإِن لَّمۡ يَعۡتَزِلُوكُمۡ وَيُلۡقُوٓاْ إِلَيۡكُمُ ٱلسَّلَمَ وَيَكُفُّوٓاْ أَيۡدِيَهُمۡ فَخُذُوهُمۡ وَٱقۡتُلُوهُمۡ حَيۡثُ ثَقِفۡتُمُوهُمۡۚ وَأُوْلَٰٓئِكُمۡ جَعَلۡنَا لَكُمۡ عَلَيۡهِمۡ سُلۡطَٰنٗا مُّبِينٗا 91﴾:

ثم أخبَرَ جل وعلا عن الفئة الثالثة: وهم الذين يريدون مصلحة أنفسهم؛ فإن انتصرتم على المشركين، كانوا معكم، وإن ظهَرَ المشركون عليكم، كانوا مع المشركين؛ فهم يريدون أن يأمنوا المسلمين، ويأمنوا قومهم من المشركين، وهؤلاء كلَّما دُعُوا إلى الكفر وقتال المسلمين، انتكسوا عن عهدهم، وانهمكوا في الفتنة، وعادوا لذلك، فإذا لم يتركوا قتالكم، ويستسلموا لكم، ويمتنعوا عن العدوان عليكم، فهؤلاء خذوهم أسرى، واقتلوهم حيث وجدتموهم.

واعلموا أن هؤلاء المنافقين الذين وصفهم الله لكم -أيها المؤمنون- قد جعل الله لكم حجة واضحة في أخذهم وقتلهم؛ بسبب خيانتهم وغَدْرهم بكم.

[92] ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤۡمِنٍ أَن يَقۡتُلَ مُؤۡمِنًا إِلَّا خَطَـٔٗاۚ وَمَن قَتَلَ مُؤۡمِنًا خَطَـٔٗا فَتَحۡرِيرُ رَقَبَةٖ مُّؤۡمِنَةٖ وَدِيَةٞ مُّسَلَّمَةٌ إِلَىٰٓ أَهۡلِهِۦٓ إِلَّآ أَن يَصَّدَّقُواْۚ فَإِن كَانَ مِن قَوۡمٍ عَدُوّٖ لَّكُمۡ وَهُوَ مُؤۡمِنٞ فَتَحۡرِيرُ رَقَبَةٖ مُّؤۡمِنَةٖۖ وَإِن كَانَ مِن قَوۡمِۭ بَيۡنَكُمۡ وَبَيۡنَهُم مِّيثَٰقٞ فَدِيَةٞ مُّسَلَّمَةٌ إِلَىٰٓ أَهۡلِهِۦ وَتَحۡرِيرُ رَقَبَةٖ مُّؤۡمِنَةٖۖ فَمَن لَّمۡ يَجِدۡ فَصِيَامُ شَهۡرَيۡنِ مُتَتَابِعَيۡنِ تَوۡبَةٗ مِّنَ ٱللَّهِۗ وَكَانَ ٱللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمٗا 92﴾:

أخبَرَ جل وعلا أنه لا يجوز للمؤمن الاعتداءُ على أخيه المؤمن وقتلُهُ بغير وجه حق، إلا إذا وقع القتل عن طريق الخطأ، وليس عمدًا، واعلموا أن من يقتل أخاه المؤمن خطأ، فعليه كفَّارة، وهي تحرير رقبة مؤمنة، وتسليم دية إلى ورثته، إلا إذا تصدَّق الورثة بالعفو عن الدية، فهذا شأنهم، أما إذا كان المقتول من قوم كفَّار محاربين لكم أيها المؤمنون، وكان القاتل مؤمنًا بالله ورسوله، فعلى القاتل كفَّارة، وهي عتق رقبة مؤمنة، وليس عليه دفع الدية.

وأما إذا كان المقتول من قوم كفَّار، ولكنْ بينهم وبين المسلمين عهدٌ وميثاق، فعلى القاتل في هذه الحال تسليمُ ديةٍ إلى ورثته، وتحريرُ رقبةٍ مؤمنة، ثم بيَّن سبحانه أن مَنْ لم يقدر على عتق رقبة مؤمنة، فعليه أن يصوم شهرَيْنِ متتابعَيْنِ لا يفطر فيهما من غير عذر.

وقد قال بعض العلماء: إنْ لم يستطع الصيام، فعليه أن يطعم ستين مسكينًا؛ قياسًا على الظِّهَار.

واعلموا أن هذه الكفَّارة المغلَّظة التي أوجبها الله على القاتل ليتوب الله عليه، واعلموا أن الله كان ولم يزل عليمًا بعباده، مطلِّعًا على أعمالهم، حكيمًا فيما شرعه لهم.

[93] ﴿وَمَن يَقۡتُلۡ مُؤۡمِنٗا مُّتَعَمِّدٗا فَجَزَآؤُهُۥ جَهَنَّمُ خَٰلِدٗا فِيهَا وَغَضِبَ ٱللَّهُ عَلَيۡهِ وَلَعَنَهُۥ وَأَعَدَّ لَهُۥ عَذَابًا عَظِيمٗا 93﴾:

ثم أخبَرَ جل وعلا بالوعيد الشديد لمن أقدم على قتل مؤمنٍ متعمِّدًا؛ فبيَّن سبحانه أن عقاب من ارتكب هذه الجناية العظيمة هو دخول جهنَّم يتعذَّب فيها مدةً اللهُ أعلم بمقدارها، مع سخطِ الله عليه بسبب هذا الجرم الذي وقع فيه، وطَرْدِهِ من رحمته، وبعد هذا كله فقد أعدَّ الله له عذابًا عظيمًا يوم القيامة بسبب هذه الجريمة العظيمة التي ارتكبها.

قال الشَّيخُ صالح بن حميد حفظهُ اللهُ: (فسَّر العلماء الخلود في هذه الآية: بالمُكْث الطويل، وليس الخلودَ الأبديَّ الذي يختص به المشركون والكفار والمنافقون؛ لأن صاحب الكبيرة الذي لم يُغْفَرْ له يمكُثُ في النار زمنًا حتى يتطهَّر، ثم يخرُجُ من النار، ويدخل الجنة؛ وهذا هو تفسير أهل السنة والجماعة).

[94] ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ إِذَا ضَرَبۡتُمۡ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ فَتَبَيَّنُواْ وَلَا تَقُولُواْ لِمَنۡ أَلۡقَىٰٓ إِلَيۡكُمُ ٱلسَّلَٰمَ لَسۡتَ مُؤۡمِنٗا تَبۡتَغُونَ عَرَضَ ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَا فَعِندَ ٱللَّهِ مَغَانِمُ كَثِيرَةٞۚ كَذَٰلِكَ كُنتُم مِّن قَبۡلُ فَمَنَّ ٱللَّهُ عَلَيۡكُمۡ فَتَبَيَّنُوٓاْۚ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ بِمَا تَعۡمَلُونَ خَبِيرٗا 94﴾:

يقول تعالى ذكره: يا أيها الذين آمنوا بالله ورسوله، وعملوا بشرعه، إذا خرجتم مسافرين للغزو والجهاد في سبيل الله، فتأكَّدوا ممن تَلْقَوْنَهم في طريقكم، هل هم مسلمون فتكفوا عنهم، أو كافرون فتقاتلوهم؟

ولا تقولوا لمن ألقى عليكم تحية الإسلام، أو نطق بالشهادتَيْنِ: (لَسْتَ مسلمًا)؛ لتنالوا منه سَلَبَهُ، والسَّلَبُ ما يؤخذ من المسلوبِ، مما يكون عليه ومعه، ‌من ‌ثيابٍ وسلاح ودابةٍ، ومَنْ أراد الغنيمة، فعند الله لكم مغانم كثيرة، كذلك كنتم من قبلُ تُخْفُونَ إيمانكم خوفًا من قومكم، فمَنَّ الله عليكم، وأظهر دينه ونصَرَكم؛ لذا يجب عليكم أن تتبيَّنوا قبل الإقدام على قتل أي أحد حتى تتأكَّدوا من كفرِهِ.

واعلموا أنَّ الله كان ولم يزل عليمًا بأعمالكم، وسوف يحاسبكم عليها، وهو على كل شيء قدير.

[95] ﴿لَّا يَسۡتَوِي ٱلۡقَٰعِدُونَ مِنَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ غَيۡرُ أُوْلِي ٱلضَّرَرِ وَٱلۡمُجَٰهِدُونَ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ بِأَمۡوَٰلِهِمۡ وَأَنفُسِهِمۡۚ فَضَّلَ ٱللَّهُ ٱلۡمُجَٰهِدِينَ بِأَمۡوَٰلِهِمۡ وَأَنفُسِهِمۡ عَلَى ٱلۡقَٰعِدِينَ دَرَجَةٗۚ وَكُلّٗا وَعَدَ ٱللَّهُ ٱلۡحُسۡنَىٰۚ وَفَضَّلَ ٱللَّهُ ٱلۡمُجَٰهِدِينَ عَلَى ٱلۡقَٰعِدِينَ أَجۡرًا عَظِيمٗا 95﴾:

أخبَرَ جل وعلا أن أولئك القاعدين الذين لم يخرُجُوا للجهاد في سبيل الله من غير مانع شرعي، لا يتساوَوْنَ مع أولئك الذين خرجوا يقاتلون بأنفسهم وأموالهم في سبيل الله؛ لرفع راية الإسلام، وإعزاز دين الله، ثم بيَّن سبحانه أنه فضَّل المجاهدين بأموالهم وأنفسهم في سبيله على القاعدين -بسبب مانع شرعي؛ كالأعمى والأعرج وغيرهم- درجةً عاليةً في الجنة؛ لأن أولئك الذين جاهدوا بأنفسهم وأموالهم بذَلُوا أرواحهم وأموالهم في سبيل الله؛ لإعلاء كلمة الله، ثم وعَدَ الله كلًّا من المجاهدين بأموالهم وأنفسهم والقاعدين بسبب العذر الشرعي الجَنَّةَ، ثم فضَّل الله المجاهدين بأموالهم وأنفسهم على القاعدين بغير مانع شرعي بأجور عظيمة.

[96] ﴿دَرَجَٰتٖ مِّنۡهُ وَمَغۡفِرَةٗ وَرَحۡمَةٗۚ وَكَانَ ٱللَّهُ غَفُورٗا رَّحِيمًا 96﴾:

ثم بيَّن جل وعلا أن هذه الأجور العظيمة التي أعطاها سبحانه للمجاهدين الذين جاهدوا بأموالهم وأنفسهم، تَرْفَعُهم درجاتٍ ومنازلَ عاليةً في الجنة بعضها أعلى من بعض، مع المغفرة لذنوبهم والرحمة بهم، واعلموا أن الله كان ولم يزل غفورًا لمن تاب وأناب، رحيمًا بعباده الطائعين والمجاهدين في سبيله.

والمقصود من هذه الآية والتي قبلها: هو لَوْمُ القاعد عن الجهاد في سبيل الله؛ لرفع راية الإسلام، وإعزاز دين الله، مع قدرته على الجهاد مع إخوانه.

[97] ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ تَوَفَّىٰهُمُ ٱلۡمَلَٰٓئِكَةُ ظَالِمِيٓ أَنفُسِهِمۡ قَالُواْ فِيمَ كُنتُمۡۖ قَالُواْ كُنَّا مُسۡتَضۡعَفِينَ فِي ٱلۡأَرۡضِۚ قَالُوٓاْ أَلَمۡ تَكُنۡ أَرۡضُ ٱللَّهِ وَٰسِعَةٗ فَتُهَاجِرُواْ فِيهَاۚ فَأُوْلَٰٓئِكَ مَأۡوَىٰهُمۡ جَهَنَّمُۖ وَسَآءَتۡ مَصِيرًا 97﴾:

ثم وبَّخ جل وعلا أولئك الذين تركوا الهجرة مع قدرتهم عليها، فذكَرَ سبحانه أنهم ظلموا أنفسهم بالمقام في دار الشرك، والخروج مع المشركين لقتال المسلمين يوم معركة بَدْر، فتسألهم الملائكة توبيخًا وتبكيتًا لهم: أين كنتم عندما هاجر إخوانكم، ولم تهاجروا معهم؟!، فردوا قائلين: لقد كنا مستضعفين في مكة، فتقول لهم الملائكة: ألم تكن أرض الله واسعةً؛ فتهاجروا من أرضكم إلى أي أرض أخرى؛ كما هاجر إخوانكم، وتركوا أهليهم وأموالهم؟!

ثم بيَّن سبحانه أن هؤلاء الذين تقاعسوا عن الهجرة مأواهم جهنَّم وبئس المصير؛ بسبب قدرتهم على الهجرة ومع ذلك لم يهاجروا، وهذا العقاب الشديد لا يشمل العَجَزةَ والمرضى ونحوهم.

[98] ﴿إِلَّا ٱلۡمُسۡتَضۡعَفِينَ مِنَ ٱلرِّجَالِ وَٱلنِّسَآءِ وَٱلۡوِلۡدَٰنِ لَا يَسۡتَطِيعُونَ حِيلَةٗ وَلَا يَهۡتَدُونَ سَبِيلٗا 98﴾:

ثم استثنى جل وعلا من هؤلاء المتقاعسين عن الهجرة: المستضعفين من الرجال والنساء والولدان الذين لا قُوَّةَ لهم على الهجرة، ولا نفقةَ معهم، ولا يهتدون طريقًا إلى أرض الهجرة.

[99] ﴿فَأُوْلَٰٓئِكَ عَسَى ٱللَّهُ أَن يَعۡفُوَ عَنۡهُمۡۚ وَكَانَ ٱللَّهُ عَفُوًّا غَفُورٗا 99﴾:

ثم أخبَرَ جل وعلا أن أولئك المستضعفين من الرجال والنساء والولدان يُرجَى عفو الله عنهم؛ لأن من شأنه سبحانه العفوَ والغُفْران.

[100] ﴿وَمَن يُهَاجِرۡ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ يَجِدۡ فِي ٱلۡأَرۡضِ مُرَٰغَمٗا كَثِيرٗا وَسَعَةٗۚ وَمَن يَخۡرُجۡ مِنۢ بَيۡتِهِۦ مُهَاجِرًا إِلَى ٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦ ثُمَّ يُدۡرِكۡهُ ٱلۡمَوۡتُ فَقَدۡ وَقَعَ أَجۡرُهُۥ عَلَى ٱللَّهِۗ وَكَانَ ٱللَّهُ غَفُورٗا رَّحِيمٗا 100﴾:

ثم أخبَرَ جل وعلا أنَّ مَنْ خرج مهاجرًا لنصرة دين الله وإقامة شرعه، سيجد سَعَةً في الرزق والعيش وراحة البال، ومَنْ يخرُجْ مِنْ بيته مهاجرًا إلى الله ورسوله، ثم يَمُتْ في طريق هجرته، وإن لم يصل إلى دار الهجرة، فقد وجب أجره على الله وافيًا، ويغفِرُ الله تعالى له ما كان من تقصير سابق، ويرحمه برحمته.

[101] ﴿وَإِذَا ضَرَبۡتُمۡ فِي ٱلۡأَرۡضِ فَلَيۡسَ عَلَيۡكُمۡ جُنَاحٌ أَن تَقۡصُرُواْ مِنَ ٱلصَّلَوٰةِ إِنۡ خِفۡتُمۡ أَن يَفۡتِنَكُمُ ٱلَّذِينَ كَفَرُوٓاْۚ إِنَّ ٱلۡكَٰفِرِينَ كَانُواْ لَكُمۡ عَدُوّٗا مُّبِينٗا 101﴾:

واعلموا -أيها المؤمنون- أنكم إذا سافرتم للجهاد في سبيل الله أو للتجارة، فلا إثم عليكم أن تقصُرُوا الصلاة؛ فتجعلوا الصلاة الرباعية ركعتين، وذلك إن خفتم من عدوان الكفار عليكم، واعلموا أن الكفار أعداءٌ ألدَّاءُ لكم فاحذروهم.

وهذه الآية نزلت في إباحة قصر الصلاة في السفر، وقوله: ﴿إِنۡ خِفۡتُمۡ﴾: ليست للشرط، وإنما هي لبيان الواقع؛ لأن غالب أسفار الرسول ﷺ كانت من أجل الحرب، ومعلوم أن الحروب يكون فيها الخوف والفزع دائمًا.

[102] ﴿وَإِذَا كُنتَ فِيهِمۡ فَأَقَمۡتَ لَهُمُ ٱلصَّلَوٰةَ فَلۡتَقُمۡ طَآئِفَةٞ مِّنۡهُم مَّعَكَ وَلۡيَأۡخُذُوٓاْ أَسۡلِحَتَهُمۡۖ فَإِذَا سَجَدُواْ فَلۡيَكُونُواْ مِن وَرَآئِكُمۡ وَلۡتَأۡتِ طَآئِفَةٌ أُخۡرَىٰ لَمۡ يُصَلُّواْ فَلۡيُصَلُّواْ مَعَكَ وَلۡيَأۡخُذُواْ حِذۡرَهُمۡ وَأَسۡلِحَتَهُمۡۗ وَدَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَوۡ تَغۡفُلُونَ عَنۡ أَسۡلِحَتِكُمۡ وَأَمۡتِعَتِكُمۡ فَيَمِيلُونَ عَلَيۡكُم مَّيۡلَةٗ وَٰحِدَةٗۚ وَلَا جُنَاحَ عَلَيۡكُمۡ إِن كَانَ بِكُمۡ أَذٗى مِّن مَّطَرٍ أَوۡ كُنتُم مَّرۡضَىٰٓ أَن تَضَعُوٓاْ أَسۡلِحَتَكُمۡۖ وَخُذُواْ حِذۡرَكُمۡۗ إِنَّ ٱللَّهَ أَعَدَّ لِلۡكَٰفِرِينَ عَذَابٗا مُّهِينٗا 102﴾:

وإذا كنت -أيها النبي- مع المجاهدين وقت القتال، وحان وقت الصلاة، وأردتَّ أن تصلي بهم، فاجعلهم طائفتين:

الطائفة الأولى: تصلي معك، وتحمل معها أسلحتها، والطائفة الثانية: تقف في مواجهةِ العدو، فإذا انتهت الطائفة الأولى من الصلاة، فلتأت الطائفة الثانية لكي تصلي معك، والطائفة الأولى تعود لتقف في مواجهة العدو، وليأخذ الجميع سلاحه ويكونوا حذرين من العدو؛ لأن العدو يتمنَّى لو تغفُلُونَ عن أسلحتكم وأمتعتكم فيأخذكم على حين غِرَّةٍ، فيحمل عليكم حملة واحدة للقضاء عليكم.

واعلموا أنه لا إثم عليكم -أيها المؤمنون- إن كان بكم أذىً من مطر، أو كنتم مرضى لا تستطيعون الاستمرار في حمل السلاح: أن تضعوا أسلحتكم أمامكم ولا تحملوها، ولكنْ مع أخذ الحذر والحيطة، واجعلوا أسلحتكم قريبة منكم وفي متناول أيديكم؛ إن الله أعد للكافرين في الدنيا والآخرة عذابًا عظيمًا مؤلمًا مخزِيًا.

[103] ﴿فَإِذَا قَضَيۡتُمُ ٱلصَّلَوٰةَ فَٱذۡكُرُواْ ٱللَّهَ قِيَٰمٗا وَقُعُودٗا وَعَلَىٰ جُنُوبِكُمۡۚ فَإِذَا ٱطۡمَأۡنَنتُمۡ فَأَقِيمُواْ ٱلصَّلَوٰةَۚ إِنَّ ٱلصَّلَوٰةَ كَانَتۡ عَلَى ٱلۡمُؤۡمِنِينَ كِتَٰبٗا مَّوۡقُوتٗا 103﴾:

فإذا انتهيتم -أيها المؤمنون- من أداء الصلاة كما أمَرَ الله، فأَكْثِروا من ذكر الله بالتسبيح والتهليل والتحميد في حال قيامكم وقعودكم واضطجاعكم، أي: اذكروه سبحانه على كل أحوالكم، فإذا أَمِنْتم وذهب الخوف عنكم، فالواجبُ عليكم أداءُ الصلاة في أوقاتها بكامل أركانها وواجباتها.

واعلموا أن الصلاة كانت على المؤمنين فريضةً مقدَّرةً بأوقات محدَّدة؛ فلا يجوز تأخيرها عن وقتها، إلا لمن نسيها أو نام عنها؛ فليصلِّها حال ذكرها أو القيام من النوم كما في الحديث([4])، وكذلك لا يجوزُ أداؤها قبل وقتها، ولا يجوز تركُ شيء من أركانها وواجباتها؛ إلا في حال السفر والخوف والمرض. [4] لقوله ﷺ: «من نسي صلاة، أو نام عنها، فكفارتها أن يصليها إذا ذكرها» أخرجه مسلم (684)، عن أنس بن مالك رضي الله عنه.

[104] ﴿وَلَا تَهِنُواْ فِي ٱبۡتِغَآءِ ٱلۡقَوۡمِۖ إِن تَكُونُواْ تَأۡلَمُونَ فَإِنَّهُمۡ يَأۡلَمُونَ كَمَا تَأۡلَمُونَۖ وَتَرۡجُونَ مِنَ ٱللَّهِ مَا لَا يَرۡجُونَۗ وَكَانَ ٱللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا 104﴾:

ثم حثَّ جل وعلا المؤمنين على مواصلة الجهاد في سبيله، فقال سبحانه: ولا تضعُفُوا -أيها المؤمنون- في طلب أعدائكم من الكافرين لتقاتلوهم، واعلموا أنكم إذا كنتم تتألَّمون من جراح الحرب ومن القتل، فإنهم يتألَّمون أيضًا مثلكم، ولكنكم ترجون بهذه الآلام رضوان الله والنصر أو الشهادة، أما هم، فلا يرجون شيئًا من ذلك، والله عليمٌ بأعمالكم وأعمالهم، حكيمٌ في تشريعه وأحكامه، يجازي كلًّا بعمله.

[105] ﴿إِنَّآ أَنزَلۡنَآ إِلَيۡكَ ٱلۡكِتَٰبَ بِٱلۡحَقِّ لِتَحۡكُمَ بَيۡنَ ٱلنَّاسِ بِمَآ أَرَىٰكَ ٱللَّهُۚ وَلَا تَكُن لِّلۡخَآئِنِينَ خَصِيمٗا 105﴾:

واعلم -أيها النبي- أن الله أنزل إليك هذا القرآن مشتملًا على الصدق في أخباره، والحق في أحكامه وتشريعاته؛ لكي تحكُمَ بين الناس بما أعلمك الله وأوحى إليك، ولا تكن مدافعًا عن الخائنين، منحازًا لطرفهم، وابذُلْ جهدك في تحري الحق واتباعه.

[106] ﴿وَٱسۡتَغۡفِرِ ٱللَّهَۖ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ غَفُورٗا رَّحِيمٗا 106﴾:

أمَرَ جل وعلا رسوله ﷺ أن يستغفر الله مما صدَرَ منه، وأن يرشد قومه للإكثار من استغفار الله في جميع الأحوال، واعلموا أن الله كان ولم يزل غفورًا يغفر الذنوب جميعًا، رحيمًا بعباده.

[107] ﴿وَلَا تُجَٰدِلۡ عَنِ ٱلَّذِينَ يَخۡتَانُونَ أَنفُسَهُمۡۚ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يُحِبُّ مَن كَانَ خَوَّانًا أَثِيمٗا 107﴾:

ثم أمَرَ جل وعلا نبيه ﷺ ألَّا يخاصم ولا يدافع عن هؤلاء المنافقين الذين يخونون أنفسهم بارتكاب الذنوب والمعاصي؛ فإن الله لا يحب مَنْ كان شأنه الخيانة، وكانت وصفًا من أوصافه، وأيضًا لا يحب من يرتكب الذنوب، وكانت عادةً من عاداته السيئة.

[108] ﴿يَسۡتَخۡفُونَ مِنَ ٱلنَّاسِ وَلَا يَسۡتَخۡفُونَ مِنَ ٱللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمۡ إِذۡ يُبَيِّتُونَ مَا لَا يَرۡضَىٰ مِنَ ٱلۡقَوۡلِۚ وَكَانَ ٱللَّهُ بِمَا يَعۡمَلُونَ مُحِيطًا 108﴾:

ثم بيَّن جل وعلا أن هؤلاء المنافقين الخَوَنة يستترون بخيانتهم من الناس، حياءً وخوفًا منهم، ولا يستترون من الله، وكان الواجب عليهم أن يستحيوا من الله؛ فهو أحق أن يُسْتحيا منه، وأن يُخَافَ من عقابه، ونَسُوا أن الله معهم بعلمه، مطَّلعٌ على أقوالهم وأعمالهم، يعلم ما كانوا يدبِّرون ويخطِّطون ليلًا مما لا يرضاه سبحانه من القول، وكان الله ولم يزل محيطًا إحاطة كاملة بأعمالهم وأقوالهم؛ لا تخفى عليه خافية في الأرض ولا في السماء، وسيحاسبهم عليها يوم القيامة.

[109] ﴿هَٰٓأَنتُمۡ هَٰٓؤُلَآءِ جَٰدَلۡتُمۡ عَنۡهُمۡ فِي ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَا فَمَن يُجَٰدِلُ ٱللَّهَ عَنۡهُمۡ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ أَم مَّن يَكُونُ عَلَيۡهِمۡ وَكِيلٗا 109﴾:

ثم وبَّخ جل وعلا هؤلاء المدافعين عن الخائنين؛ فقال سبحانه: ها أنتم حاجَجْتم ودافَعْتم عنهم اليوم في هذه الحياة الدنيا، فمَنْ يتولى الدفاع عنهم أمام الله يوم القيامة في يومٍ لا تملك فيه نفس لنفس شيئًا، والأمر كله لله؟! بل مَنِ الذي يستطيع أن يكون وكيلًا عن هؤلاء الخائنين يوم القيامة؟!

[110] ﴿وَمَن يَعۡمَلۡ سُوٓءًا أَوۡ يَظۡلِمۡ نَفۡسَهُۥ ثُمَّ يَسۡتَغۡفِرِ ٱللَّهَ يَجِدِ ٱللَّهَ غَفُورٗا رَّحِيمٗا 110﴾:

ثم فتَحَ جل وعلا باب التوبة لهؤلاء الخائنين وغيرهم؛ فأخبر سبحانه أن من يعمل ذنبًا يؤذي به غيره، أو يَظْلِمُ نفسه بارتكاب الذنوب والمعاصي، ثم يندم على ما عمل، ويستغفر الله، فإنه يَجِدُ الله بفضله وكرمه غفورًا لذنبه، واسعَ الرحمة به، إلا إذا ترتَّب على إساءته إضاعةُ حق؛ فالواجبُ عليه أن يرد ذلك الحق لصاحبه مع التوبة والندم.

[111] ﴿وَمَن يَكۡسِبۡ إِثۡمٗا فَإِنَّمَا يَكۡسِبُهُۥ عَلَىٰ نَفۡسِهِۦۚ وَكَانَ ٱللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمٗا 111﴾:

ثم أخبَرَ جل وعلا أن مَنْ يكسب ذنبًا من الذنوب، أو معصية من المعاصي، أو جريمة من الجرائم، فإنما يعود ضرر ذلك الذنب على نفسه، ثم بيَّن سبحانه أنه عليمٌ بكل ما يقع من عباده من أعمال صالحة أو سيئة، حكيمٌ في تشريعه وتدبيره، وسوف يعامل عباده بمقتضى حكمته من العذاب أو العفو.

[112] ﴿وَمَن يَكۡسِبۡ خَطِيٓـَٔةً أَوۡ إِثۡمٗا ثُمَّ يَرۡمِ بِهِۦ بَرِيٓـٔٗا فَقَدِ ٱحۡتَمَلَ بُهۡتَٰنٗا وَإِثۡمٗا مُّبِينٗا 112﴾:

ثم بيَّن جل وعلا أن من يرتكب ذنبًا صغيرًا كان أو كبيرًا، ثم يتهم بذلك الذنب شخصًا بريئًا لم يرتكبه، فقد تحمَّل بسبب فعله هذا جريمة الكذب والافتراء على الأبرياء، وتحمَّل ذنبًا كبيرًا واضحًا بيِّنا لا شك فيه.

[113] ﴿وَلَوۡلَا فَضۡلُ ٱللَّهِ عَلَيۡكَ وَرَحۡمَتُهُۥ لَهَمَّت طَّآئِفَةٞ مِّنۡهُمۡ أَن يُضِلُّوكَ وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّآ أَنفُسَهُمۡۖ وَمَا يَضُرُّونَكَ مِن شَيۡءٖۚ وَأَنزَلَ ٱللَّهُ عَلَيۡكَ ٱلۡكِتَٰبَ وَٱلۡحِكۡمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمۡ تَكُن تَعۡلَمُۚ وَكَانَ فَضۡلُ ٱللَّهِ عَلَيۡكَ عَظِيمٗا 113﴾:

ثم بيَّن جل وعلا أنه لولا فضل الله عليك -أيها النبي- بالنبوةِ، وإنزالِ القرآن عليك، ورحمتُهُ لك بأنْ عصمك من الوقوع في الأخطاء، لهمَّت جماعة منهم أن يضلوك عن القضاء بالحق بتلبيسهم عليك، وهم في الحقيقة ما يضلون إلا أنفسهم بتعاونهم على الإثم والعدوان، واعلم أنهم لا يستطيعون إيذاءك؛ لأنك بنعمته معصوم.

ثم أخبَرَ سبحانه أنه أنزل عليك القرآن والحكمة، وعلَّمك من الشرائع والأحكام ما لم تكن تعلمه إلا بوحي منه، وكان فضل الله عليك عظيمًا.

وهذه الآيات من الآية رقم (105) إلى الآية رقم (113) نزَلَتْ في رجل يقال له: طُعْمة بن أبيرق، من أهل المدينة، سرَقَ درعًا، ثم لما شعَرَ أنه سيعرف ويخاصم، رمى بالدرع الذي سرقه في بيت يهودي، فتُتُبِّعَ أمره فعُرِفَ، فلما خاصمه مالك الدرع، ادعى أنه بريء، وأن اليهودي هو السارق بقرينة أن الدِّرْعَ وجد في بيته؛ ثم إنَّ جماعةَ السارق فَزِعوا معه إلى رسول الله ﷺ يدافعون عنه خشية العار، فنزلت هذه الآيات، فافتُضِحَ أمره([5]). [5] أخرجه الترمذي (3036)، عن قتادة بن النعمان رضي الله عنه، وحسَّنه الألباني في صحيح الترمذي.

[114] ﴿لَّا خَيۡرَ فِي كَثِيرٖ مِّن نَّجۡوَىٰهُمۡ إِلَّا مَنۡ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوۡ مَعۡرُوفٍ أَوۡ إِصۡلَٰحِۭ بَيۡنَ ٱلنَّاسِۚ وَمَن يَفۡعَلۡ ذَٰلِكَ ٱبۡتِغَآءَ مَرۡضَاتِ ٱللَّهِ فَسَوۡفَ نُؤۡتِيهِ أَجۡرًا عَظِيمٗا 114﴾:

أخبَرَ جل وعلا أنه لا خير في كثير من الأحاديث التي يتحدث بها الناس في الخفاء؛ ومعلوم أن الشر لا ينمو إلا في الخفاء، لكنْ إذا كان الحديث في الخفاء من أجل التواصي ببَذْلِ الصدقات، وأعمالِ البِرِّ والخير، والإصلاح بين المتخاصمَيْن؛ فإن ذلك من الخير، واعلموا -أيها الناس- أن من يفعل هذه الأعمال الصالحة طلبًا لمرضاة الله، فإن الله سوف يعطيه ثوابًا كبيرًا على أعماله الصالحة في الدنيا والآخرة.

[115] ﴿وَمَن يُشَاقِقِ ٱلرَّسُولَ مِنۢ بَعۡدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ ٱلۡهُدَىٰ وَيَتَّبِعۡ غَيۡرَ سَبِيلِ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ نُوَلِّهِۦ مَا تَوَلَّىٰ وَنُصۡلِهِۦ جَهَنَّمَۖ وَسَآءَتۡ مَصِيرًا 115﴾:

واعلموا -أيها الناس- أن من يخالف أمر الرسول ﷺ، من بعد ما ظهر له الحق، ويسلك طريقًا غير طريق الموحِّدين، فإن الله سوف يتركه وما اختار لنفسه، ثم يدخله جهنم، وبئست المرجع والمصير لهؤلاء المجرمين.

[116] ﴿إِنَّ ٱللَّهَ لَا يَغۡفِرُ أَن يُشۡرَكَ بِهِۦ وَيَغۡفِرُ مَا دُونَ ذَٰلِكَ لِمَن يَشَآءُۚ وَمَن يُشۡرِكۡ بِٱللَّهِ فَقَدۡ ضَلَّ ضَلَٰلَۢا بَعِيدًا 116﴾:

ثم أخبَرَ جل وعلا أنه لا يغفر لأحد من الناس ذنب الشرك أبدًا، وأما ما دون ذلك من سائر الذنوب والمعاصي، فإن الله إن شاء، غفر للعبد، وإن شاء، طهَّره بالنار، ثم أدخله الجنة، واعلموا أن من يشرك بالله، فقد ابتعد عن الحق بُعْدًا كبيرًا.

[117] ﴿إِن يَدۡعُونَ مِن دُونِهِۦٓ إِلَّآ إِنَٰثٗا وَإِن يَدۡعُونَ إِلَّا شَيۡطَٰنٗا مَّرِيدٗا 117﴾:

ثم أخبَرَ جل وعلا أن هؤلاء المشركين ما يعبدون من دون الله إلا أصنامًا سَمَّوْها بأسماء الإناث؛ كاللات والعُزَّى ومناة وغيرها، وهذه الأصنام لا تنفع ولا تضر؛ لأن النافعَ والضارَّ هو الله وحده، ثم بيَّن سبحانه أنهم في الحقيقة ما يعبُدُونَ إلا شيطانًا متمرِّدًا خارجًا عن طاعة الله تعالى؛ وهو إبليس اللعين المطرود من رحمة الله، الذي دعاهم إلى عبادة غير الله، ودعاهم إلى كل الشرور والمعاصي؛ لأنه يريد إهلاكهم.

[118] ﴿لَّعَنَهُ ٱللَّهُۘ وَقَالَ لَأَتَّخِذَنَّ مِنۡ عِبَادِكَ نَصِيبٗا مَّفۡرُوضٗا 118﴾:

ثم بعد ذلك لعَنَ جل وعلا هذا الشيطان اللعين المتمرِّد، واللعنُ: هو الطردُ من رحمة الله، وبعد أن طرده الله من رحمته، أقسم اللعينُ مهدِّدًا، فقال: وعزَّتك وجلالك يا رب، لَأُغْوِيَنَّ ولَأُضِلَّنَّ من عبادك قسمًا كبيرًا معلومًا مقدَّرًا، وهذا النصيب هم من أتباع الشيطان الذين ورَدَ ذكرهم في الحديث الصحيح([6]). [6] وهو حديث بعث النار الذي رواه أبو سعيد الخدري رضي الله عنه عن النبي ﷺ، قال: «يَقُولُ اللَّهُ: يَا آدَمُ، فَيَقُولُ: لَبَّيْكَ وَسَعْدَيْكَ، وَالخَيْرُ فِي يَدَيْكَ، قَالَ: يَقُولُ: أَخْرِجْ بَعْثَ النَّارِ، قَالَ: وَمَا بَعْثُ النَّارِ؟ قَالَ: مِنْ كُلِّ أَلْفٍ تِسْعَ مِائَةٍ وَتِسْعَةً وَتِسْعِينَ،...إلخ». أخرجه البخاري (3348)، ومسلم (222)، والمعنى: أن نصيب الجنة من كل ألف فقط شخص واحد، وذلك أن أكثر الناس اتبعوا الشياطين فأضلوهم سواء السبيل، قال تعالى: ﴿وَمَآ أَكۡثَرُ ٱلنَّاسِ وَلَوۡ حَرَصۡتَ بِمُؤۡمِنِينَ﴾ [يوسف:١٠٣].

[119] ﴿وَلَأُضِلَّنَّهُمۡ وَلَأُمَنِّيَنَّهُمۡ وَلَأٓمُرَنَّهُمۡ فَلَيُبَتِّكُنَّ ءَاذَانَ ٱلۡأَنۡعَٰمِ وَلَأٓمُرَنَّهُمۡ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلۡقَ ٱللَّهِۚ وَمَن يَتَّخِذِ ٱلشَّيۡطَٰنَ وَلِيّٗا مِّن دُونِ ٱللَّهِ فَقَدۡ خَسِرَ خُسۡرَانٗا مُّبِينٗا 119﴾:

ثم واصَلَ عدو الله إبليس تبجُّحه، فأقسم أن يَصْرِفَ قسمًا من الناس عن الحق، وعن عبادة الله وحده، وأن يَعِدَهُمْ بكثرة الأماني الكاذبة، وأن يأمَرَهم بتقطيع آذان الأنعام وتشقيقها، وهي دعوةٌ لتغيير أحكام الله؛ فيحلِّلون الحرام، ويحرِّمون الحلال، وأن يغيِّروا خلق الله والفِطْرة التي فطَرَ الله الناس عليها، ومن ذلك: ما نشاهده من كثرة البدع والشرك والمعاصي المنتشرة اليوم؛ كالوَشْمِ والنَّمْصِ والخصاء، وسَعْيِ الرجل إلى تحويل نفسه إلى أنثى، والأنثى تسعى للتحويل إلى رجل، وغير ذلك مما يطول، واعلموا -أيها الناس- أن الذي يستجيب لهذا الشيطان، ويجعله ناصرًا له من دون الله، فقد هلك هلاكًا كبيرًا واضحًا.

قال عالم الإعجاز القرآني الشيخ عبد المجيد الزنداني معلِّقًا على هذه الآية: (إذا نجَحَ الباحثون في الغرب في الاستنساخ البشري، فإن هذه الآية تنطبق عليهم).

قلت: ولا شك أنها تنطبق عليهم -سواءٌ نجحوا أم لم ينجحوا- لأنهم يسعَوْنَ في تغيير خلق الله، وليس بعد الكفر ذَنْبٌ.

[120] ﴿يَعِدُهُمۡ وَيُمَنِّيهِمۡۖ وَمَا يَعِدُهُمُ ٱلشَّيۡطَٰنُ إِلَّا غُرُورًا 120﴾:

واعلموا -أيها الناس- أن هذا الشيطان اللعين يَعِدُ أولياءَهُ وأتباعَهُ بالوعود الكاذبة والأماني الباطلة، وما يعدهم هذا اللعينُ إلا تغريرًا ومخادَعةً لهم.

[121] ﴿أُوْلَٰٓئِكَ مَأۡوَىٰهُمۡ جَهَنَّمُ وَلَا يَجِدُونَ عَنۡهَا مَحِيصٗا 121﴾:

ثم بيَّن جل وعلا أن أولئك الذين يتَّبعون الشيطان سوف يكون مصيرهم ومستقَرُّهم نار جهنم، لا نجاةَ ولا مَهْرَبَ لهم من عذابها.

[122] ﴿وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ سَنُدۡخِلُهُمۡ جَنَّٰتٖ تَجۡرِي مِن تَحۡتِهَا ٱلۡأَنۡهَٰرُ خَٰلِدِينَ فِيهَآ أَبَدٗاۖ وَعۡدَ ٱللَّهِ حَقّٗاۚ وَمَنۡ أَصۡدَقُ مِنَ ٱللَّهِ قِيلٗا 122﴾:

أخبَرَ جل وعلا أنه وعد الذين آمنوا بالله ورسوله، وعملوا الصالحات: أن يُدْخِلَهم حدائق وبساتين تجري من تحت قصورها وأشجارها الأنهار، يتمتَّعون فيها دائمًا وأبدًا، وهذا وَعْدٌ من الله، ووَعْدُ الله لا يكون إلا حقًّا؛ لأنه لا أحدَ أصدَقُ منه حديثًا أو قولًا.

[123] ﴿لَّيۡسَ بِأَمَانِيِّكُمۡ وَلَآ أَمَانِيِّ أَهۡلِ ٱلۡكِتَٰبِۗ مَن يَعۡمَلۡ سُوٓءٗا يُجۡزَ بِهِۦ وَلَا يَجِدۡ لَهُۥ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَلِيّٗا وَلَا نَصِيرٗا 123﴾:

ثم بيَّن جل وعلا أن الوصول لرضوان الله ودخول الجنة ليس كما يتمنَّى هؤلاء المشركون الذين يعلِّقون أملهم في دخول الجنة على أوثانهم في الشفاعة لهم، ولا كما يتمنَّى اليهود والنصارى الذين يعلِّقون أملهم على أنبيائهم في الشفاعة لهم؛ وإنما الأمر أنَّ من يعملْ سيئةً، يُجْزَ بها، وَيَنَلْ عقابه عليها، ولن يجد له أحدًا غير الله يتولى أمره، ولا نصيرًا له يمنعه من عذاب الله تعالى.

[124] ﴿وَمَن يَعۡمَلۡ مِنَ ٱلصَّٰلِحَٰتِ مِن ذَكَرٍ أَوۡ أُنثَىٰ وَهُوَ مُؤۡمِنٞ فَأُوْلَٰٓئِكَ يَدۡخُلُونَ ٱلۡجَنَّةَ وَلَا يُظۡلَمُونَ نَقِيرٗا 124﴾:

واعلموا -أيها الناس- أن من يعمل الأعمال الصالحة؛ سواءٌ كان ذكرًا أو أنثى، وهو مؤمنٌ بالله، مخلصٌ له في العبادة، فهؤلاء سوف يدخلون يوم القيامة الجنة، ولا يُظْلَمونَ شيئًا، ولو كان نقيرًا، أي: ولو كان شيئًا يسيرًا بحجم النُّقْرة التي تكون في ظهر النواة.

[125] ﴿وَمَنۡ أَحۡسَنُ دِينٗا مِّمَّنۡ أَسۡلَمَ وَجۡهَهُۥ لِلَّهِ وَهُوَ مُحۡسِنٞ وَٱتَّبَعَ مِلَّةَ إِبۡرَٰهِيمَ حَنِيفٗاۗ وَٱتَّخَذَ ٱللَّهُ إِبۡرَٰهِيمَ خَلِيلٗا 125﴾:

أخبَرَ جل وعلا أنه لا أحدَ أفضَلُ وأحسَنُ دينًا ممن توجَّه بعبادته إلى الله خاضعًا له، وهو مؤمن موحِّد لله سبحانه، ومتَّبع لدين إبراهيم عليه السلام، وهو دين النبي محمد ﷺ، وهو دين الحق والاستقامة، واعلموا أن الله اصطفى إبراهيم عليه السلامبالرسالة والنبوَّة، واتخذه خليلًا.

وفي هذه الآية: إثبات صفة الخُلَّةِ لله تعالى، وهي أعلى درجات المحبَّة، منحها الله لإبراهيم عليه السلام، كما منحها أيضًا لنبيِّنا محمد ﷺ، كما في الحديث([7]). [7] لقوله ﷺ: «إني أبرأ إلى الله أن يكون لي منكم خليل، فإن الله تعالى قد اتخذني خليلًا، كما اتخذ إبراهيم خليلًا، ولو كنت متخذًا من أمتي خليلًا لاتخذت أبا بكر خليلًا» أخرجه مسلم (532)، عن جندب رضي الله عنه.

[126] ﴿وَلِلَّهِ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلۡأَرۡضِۚ وَكَانَ ٱللَّهُ بِكُلِّ شَيۡءٖ مُّحِيطٗا 126﴾:

واعلموا أن لله وحده جميعَ ما في السموات والأرض؛ مِنْ جِنٍّ وإنسٍ وملائكة وغيرها من المخلوقات، وأنه محيطٌ بكل ما يقع منهم، لا تخفى عليه خافية من شؤون عباده، وسوف يجازيهم على أعمالهم؛ إنْ خيرًا فخير، وإنْ شرًّا فشرّ.

[127] ﴿وَيَسۡتَفۡتُونَكَ فِي ٱلنِّسَآءِۖ قُلِ ٱللَّهُ يُفۡتِيكُمۡ فِيهِنَّ وَمَا يُتۡلَىٰ عَلَيۡكُمۡ فِي ٱلۡكِتَٰبِ فِي يَتَٰمَى ٱلنِّسَآءِ ٱلَّٰتِي لَا تُؤۡتُونَهُنَّ مَا كُتِبَ لَهُنَّ وَتَرۡغَبُونَ أَن تَنكِحُوهُنَّ وَٱلۡمُسۡتَضۡعَفِينَ مِنَ ٱلۡوِلۡدَٰنِ وَأَن تَقُومُواْ لِلۡيَتَٰمَىٰ بِٱلۡقِسۡطِۚ وَمَا تَفۡعَلُواْ مِنۡ خَيۡرٖ فَإِنَّ ٱللَّهَ كَانَ بِهِۦ عَلِيمٗا 127﴾:

واعلم -أيها النبي- أن أصحابك يطلبون منك أن تبيِّن لهم الأحكام التي تتعلَّق بالنساء؛ كالإرث والصداق ونحو ذلك، فقل لهم: إن الله سوف يبيِّن لكم جميع الأحكام المتعلقة بهنَّ، وقد بيَّن لكم سبحانه في الكتاب ما يتلى عليكم في شأن يتامى النساء اللاتي تريدون نكاحهنَّ، ولا تعطونَهُنَّ ما فرض الله لهن من الصداق كما يجب؛ حيث بيَّن الله لكم أن من كان تحت وِلايته يتيمةٌ غيرُ حَسَنةِ الخِلْقةِ لا يرغب في نكاحها، فليعطها مالها، وليزوِّجها غيره؛ كما قيل:

لِكُلِّ سَاقِطَةٍ فيِ الحَيِّ لَاقِطَةٌ

وَكُلُّ كَاسِدَةٍ يَوْمًا لَهَا سُوقُ

وله أن يتزوَّج هو من شاء من النساء، ولا يحل له أن يحبسها في بيته طَمَعًا في ميراثها، وأما إنْ كانت جميلة، وأراد أن يتزوَّجها، فليعطها مهر مثيلاتها من النساء ولا يَبْخَسْ منه شيئًا.

ويفتيكم سبحانه أيضًا: في الضعفاء من الأولاد الصغار؛ حيث يأمركم أن تعطوهم حقوقهم من الميراث كاملةً إذا رَشَدُوا، ويأمركم أن تعدلوا بين اليتامى في الميراث والصِّدَاق؛ سواءٌ كانوا ذكورًا أو إناثًا، واليتامى هم: الذين مات آباؤهم وهم دون سن البلوغ.

واعلموا -أيها المؤمنون- أن كل ما تفعلونه من الخير، فإن الله كان به عليمًا، لا يخفى عليه منه شيء، وسيجازيكم عليه سبحانه خير الجزاء.

[128] ﴿وَإِنِ ٱمۡرَأَةٌ خَافَتۡ مِنۢ بَعۡلِهَا نُشُوزًا أَوۡ إِعۡرَاضٗا فَلَا جُنَاحَ عَلَيۡهِمَآ أَن يُصۡلِحَا بَيۡنَهُمَا صُلۡحٗاۚ وَٱلصُّلۡحُ خَيۡرٞۗ وَأُحۡضِرَتِ ٱلۡأَنفُسُ ٱلشُّحَّۚ وَإِن تُحۡسِنُواْ وَتَتَّقُواْ فَإِنَّ ٱللَّهَ كَانَ بِمَا تَعۡمَلُونَ خَبِيرٗا 128﴾:

ثم ذكَرَ جل في علاه بعض الأحكام المتعلِّقة بالنساء؛ فقال سبحانه: إذا رأت المرأةُ مِنْ زوجها جفاءً أو أذىً أو إعراضًا عنها، وعن مجامعتها ومجالستها ومؤانستها، فلا إثم ولا حرج على الزوجَيْنِ أن يصلحا بينهما صلحًا يتَّفقان فيه على إنهاءِ الخلافات الزوجية، واستمرارِ المحبة والمودة الزوجية؛ سواءٌ اصطلحا هما من غير وسيط أو اتَّخذا حَكَمًا من أسرتيهما، ولا شك أن الصلح خير وأفضل من الإعراض والتخاصم، واعلموا أن النفوس جُبِلَتْ على الشح والبخل، وهو الحرص على حظ النفس، فإن تحسنوا -أيها الرجال- العِشْرةَ والصحبة، وتتَّقوا الله بالبعد عن الجور والميل، فإن الله عالم بما تعملون، وسيجازيكم على أعمالكم.

وفي هذه الآية: حَثٌّ للزوجَيْنِ على أن يصبر كل واحد منهما على الآخر، ويتحمَّل ما يقع منه من أخطاء أو تقصير، وفي حالة حدوث مشكلة يجب عليهما حلها بهدوء، وأن يتنازل كل واحد منهما للآخر، وأن يتصالحا بينهما؛ فإن الصلح فيه خير كثير؛ كما أخبر سبحانه بذلك.

[129] ﴿وَلَن تَسۡتَطِيعُوٓاْ أَن تَعۡدِلُواْ بَيۡنَ ٱلنِّسَآءِ وَلَوۡ حَرَصۡتُمۡۖ فَلَا تَمِيلُواْ كُلَّ ٱلۡمَيۡلِ فَتَذَرُوهَا كَٱلۡمُعَلَّقَةِۚ وَإِن تُصۡلِحُواْ وَتَتَّقُواْ فَإِنَّ ٱللَّهَ كَانَ غَفُورٗا رَّحِيمٗا 129﴾:

ثم أخبَرَ جل وعلا أنكم لن تقدروا -أيها الرجال- على العدل بين النساء في المحبة القلبية؛ لأنكم لن تقدروا على كبح ميل القلب، ولو بذَلْتم الجهد في ذلك؛ لذا عليكم ألَّا تبالغوا في الميل إلى التي تحبون في النفقة والقِسْمة ميلًا كبيرًا، وتتركوا الأخرى كأنها معلَّقة في النفقة والمبيت، كالتي ليس لها زوج، واعلموا -أيها الأزواج- أنكم إن تُصْلِحوا وتتقوا الله وتعدلوا في القسمة بين زوجاتكم، فإن الله سوف يغفر لكم ما وقَعَ منكم من جَوْرٍ في المحبة القلبية نحو نسائكم، وسوف يرحمكم سبحانه كما رحمتم زوجاتكم.

[130] ﴿وَإِن يَتَفَرَّقَا يُغۡنِ ٱللَّهُ كُلّٗا مِّن سَعَتِهِۦۚ وَكَانَ ٱللَّهُ وَٰسِعًا حَكِيمٗا 130﴾:

ثم وعَدَ جل وعلا الزوجَيْنِ اللَّذَيْنِ لم يوفَّقا للصلح، وانتهت العلاقة بينهما بالفراق؛ بإن الله جل في علاه سوف يغني كلًّا منهما عن الآخر، واعلموا أن الله كثيرُ الفضل، واسعُ الرحمة بعباده، حكيمٌ في تشريعه وأحكامه.

[131] ﴿وَلِلَّهِ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلۡأَرۡضِۗ وَلَقَدۡ وَصَّيۡنَا ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلۡكِتَٰبَ مِن قَبۡلِكُمۡ وَإِيَّاكُمۡ أَنِ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَۚ وَإِن تَكۡفُرُواْ فَإِنَّ لِلَّهِ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلۡأَرۡضِۚ وَكَانَ ٱللَّهُ غَنِيًّا حَمِيدٗا 131﴾:

ثم ذكَّر جل وعلا عباده أنَّ له وحده مُلْكَ جميع ما في السموات والأرض، وما دام الأمر كذلك، فإنه غير متعذِّر عليه سبحانه أن يرزق الزوجَيْنِ اللذَيْنِ افترقا من سَعَته.

ثم أخبَرَ سبحانه أنه وصَّى اليهود والنصارى ومَنْ سبقهم من الأمم بما وصَّى به المسلمين، وهو تقوى الله؛ وذلك باتِّباع أوامره، واجتناب نواهيه، فإذا جحَدتُّمْ وحدانية الله وعبادته، فاعلموا أن لله جميعَ ما في السموات والأرض، ولن يضرَّه سبحانه كفركم وجحودكم، وكان الله ولم يزل غنيًّا عنكم وعن أعمالكم، حميدًا سبحانه في صفاته وأفعاله.

[132] ﴿وَلِلَّهِ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلۡأَرۡضِۚ وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ وَكِيلًا 132﴾:

ثم أعاد جل وعلا وكرَّر أن له وحده مُلْكَ جميع ما في السموات وما في الأرض؛ فهو المدبِّر لهما، وكفى به سبحانه أن يكون هو المتولِّيَ أمر الكون لينتظم بأمره.

[133] ﴿إِن يَشَأۡ يُذۡهِبۡكُمۡ أَيُّهَا ٱلنَّاسُ وَيَأۡتِ بِـَٔاخَرِينَۚ وَكَانَ ٱللَّهُ عَلَىٰ ذَٰلِكَ قَدِيرٗا 133﴾:

ثم بيَّن جل وعلا أنه قادر على إفنائكم من الوجود، وإيجاد قوم آخرين من البشر غيركم، يكونون أكثر منكم عبادة وطاعة لله، وهو سبحانه قادر على كل ذلك، لا يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء.

[134] ﴿مَّن كَانَ يُرِيدُ ثَوَابَ ٱلدُّنۡيَا فَعِندَ ٱللَّهِ ثَوَابُ ٱلدُّنۡيَا وَٱلۡأٓخِرَةِۚ وَكَانَ ٱللَّهُ سَمِيعَۢا بَصِيرٗا 134﴾:

ثم بيَّن جل وعلا أن مَنْ كانت همته وإرادته بعمله ثواب الدنيا وحدها، ولا يريد ثواب الآخرة، فليعلم أن الله عنده ثواب الدنيا والآخرة؛ فليَطْلُبْ منه جل في علاه ما شاء من خيري الدنيا والآخرة؛ فإن الله غني كريم، وإنه سبحانه سميعٌ لأقوال عباده، بصيرٌ بجميع أعمالهم، وسيجازيهم عليها.

[135] ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ كُونُواْ قَوَّٰمِينَ بِٱلۡقِسۡطِ شُهَدَآءَ لِلَّهِ وَلَوۡ عَلَىٰٓ أَنفُسِكُمۡ أَوِ ٱلۡوَٰلِدَيۡنِ وَٱلۡأَقۡرَبِينَۚ إِن يَكُنۡ غَنِيًّا أَوۡ فَقِيرٗا فَٱللَّهُ أَوۡلَىٰ بِهِمَاۖ فَلَا تَتَّبِعُواْ ٱلۡهَوَىٰٓ أَن تَعۡدِلُواْۚ وَإِن تَلۡوُۥٓاْ أَوۡ تُعۡرِضُواْ فَإِنَّ ٱللَّهَ كَانَ بِمَا تَعۡمَلُونَ خَبِيرٗا 135﴾:

أمَرَ جل وعلا عباده المؤمنين أن يقوموا بالعدل في كل شيء، وأن يؤدوا الشهادةَ للهِ بالحقِّ ولو كانت على أنفسهم، أو على آبائهم وأمهاتهم، أو على أقاربهم، وحذَّرهم أن يمتنعوا من أداء الشهادة؛ سواءٌ كان المشهود عليه غنيًّا أو فقيرًا؛ فإن الله أولى باللطف بهما منكم، وأعلم بما فيه صلاحهما؛ فلا يحملنَّكم الهوى وشهوات النفس والتعصب على ترك العدل، وإذا حرَّفتم الشهادة وأتيتم بها على غير حقيقتها، أو تركتموها، فاعلموا أن الله كان بما تعملون خبيرًا، يعلم أعمالكم خفيَّها وجليَّها، وسيجازيكم عليها.

[136] ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ ءَامِنُواْ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦ وَٱلۡكِتَٰبِ ٱلَّذِي نَزَّلَ عَلَىٰ رَسُولِهِۦ وَٱلۡكِتَٰبِ ٱلَّذِيٓ أَنزَلَ مِن قَبۡلُۚ وَمَن يَكۡفُرۡ بِٱللَّهِ وَمَلَٰٓئِكَتِهِۦ وَكُتُبِهِۦ وَرُسُلِهِۦ وَٱلۡيَوۡمِ ٱلۡأٓخِرِ فَقَدۡ ضَلَّ ضَلَٰلَۢا بَعِيدًا 136﴾:

يا أيها الذين آمنوا، اثْبُتُوا على إيمانكم واعتقادكم، وصدِّقوا رسولكم ﷺ الذي أنزَلَ الله عليه القرآن، وآمِنوا بكل الكتب السماوية التي أنزَلَها الله من قبلُ على المرسلين، واعلموا أن من يكفُرْ بالله تعالى، وملائكته المكرَّمين، وكتبِهِ التي أنزلها لهداية الناس وإرشادهم، ورسلِهِ الذين اصطفاهم مِنْ بين سائر الخلق لتبليغ رسالته، واليومِ الآخِرِ الذي هو يوم الجزاء والحساب-: فقد ابتعد عن طريق الحق والهدى ابتعادًا كبيرًا، وخرَجَ من دين الله تعالى.

[137] ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ثُمَّ كَفَرُواْ ثُمَّ ءَامَنُواْ ثُمَّ كَفَرُواْ ثُمَّ ٱزۡدَادُواْ كُفۡرٗا لَّمۡ يَكُنِ ٱللَّهُ لِيَغۡفِرَ لَهُمۡ وَلَا لِيَهۡدِيَهُمۡ سَبِيلَۢا 137﴾:

ثم أخبَرَ جل وعلا أن الذين آمنوا بالله وصدَّقوا رسوله ﷺ، ثم كَفَروا وأعرضوا عن دين الله، ثم رجعوا إلى الإيمان، ثم كفروا مرة أخرى، ثم أصرُّوا على الكفر واستمرُّوا فيه، فاعلموا أن هؤلاء المنافقين الذين اتصفوا بهذه الصفة لن يَغْفِرَ الله لهم، ولن يهديهم طريقًا ينجون به ويَسْعَدُونَ به؛ لا في الدنيا، ولا الآخرة.

[138] ﴿بَشِّرِ ٱلۡمُنَٰفِقِينَ بِأَنَّ لَهُمۡ عَذَابًا أَلِيمًا 138﴾:

ثم أمَرَ جل وعلا نبيه ﷺ أن يبشِّر المنافقين بالعذاب الأليم في نار جهنم؛ لأنهم أظهروا الإيمان، وأبطنوا الكفر؛ كما قال تعالى: ﴿إِنَّ ٱلۡمُنَٰفِقِينَ فِي ٱلدَّرۡكِ ٱلۡأَسۡفَلِ مِنَ ٱلنَّارِ وَلَن تَجِدَ لَهُمۡ نَصِيرًا﴾ [النساء:١٤٥].

[139] ﴿ٱلَّذِينَ يَتَّخِذُونَ ٱلۡكَٰفِرِينَ أَوۡلِيَآءَ مِن دُونِ ٱلۡمُؤۡمِنِينَۚ أَيَبۡتَغُونَ عِندَهُمُ ٱلۡعِزَّةَ فَإِنَّ ٱلۡعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعٗا 139﴾:

ثم بيَّن جل وعلا سبب تبشير المنافقين بالعذاب الأليم؛ فأخبَرَ أنهم يُعْطُونَ محبَّتهم ونصرتهم وولاءهم للكافرين، ويتركون وَلَايةَ المؤمنين؛ فهل يطلب هؤلاء العزة والمنعة والغلبة من الكافرين؟! فاعلموا أنهم لا يملكون ذلك؛ لأن العزة والقوة والمنعة لله سبحانه وحده؛ فمن أعزَّه الله، عَزَّ، ومن أذلَّه الله، ذَلَّ.

[140] ﴿وَقَدۡ نَزَّلَ عَلَيۡكُمۡ فِي ٱلۡكِتَٰبِ أَنۡ إِذَا سَمِعۡتُمۡ ءَايَٰتِ ٱللَّهِ يُكۡفَرُ بِهَا وَيُسۡتَهۡزَأُ بِهَا فَلَا تَقۡعُدُواْ مَعَهُمۡ حَتَّىٰ يَخُوضُواْ فِي حَدِيثٍ غَيۡرِهِۦٓ إِنَّكُمۡ إِذٗا مِّثۡلُهُمۡۗ إِنَّ ٱللَّهَ جَامِعُ ٱلۡمُنَٰفِقِينَ وَٱلۡكَٰفِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعًا 140﴾:

واعلموا -أيها المؤمنون- أن الله بيَّن لكم في كتابه العزيز أنه يجب عليكم عند حضور مجالس الكفر والمعاصي، وسمعتم في هذه المجالس من يكفُرُ بآيات الله ويستهزئ بها، فلا تستمروا في الجلوس معهم حتى يخوضوا في حديث غير الكفر بآيات الله والاستهزاء بها؛ فإذا قعَدتُّمْ معهم، في حال كفرهم واستهزائهم بآيات الله تعالى، فإنكم تكونون مثلهم في الكفر؛ لأن السامع الراضي شريك المتكلم، ويستثنى من ذلك ما إذا كان الجالس أحد العلماء، ويريد أن يفنِّدَ مزاعم وتشكيك هؤلاء الكفار، ويَرُدَّ على شبههم، واعلموا أن الله سيجمع المنافقين والكافرين في جهنم جميعًا؛ لينالوا فيها سوء العذاب؛ بسبب نفاقهم وكُفْرهم وعنادهم.

[141] ﴿ٱلَّذِينَ يَتَرَبَّصُونَ بِكُمۡ فَإِن كَانَ لَكُمۡ فَتۡحٞ مِّنَ ٱللَّهِ قَالُوٓاْ أَلَمۡ نَكُن مَّعَكُمۡ وَإِن كَانَ لِلۡكَٰفِرِينَ نَصِيبٞ قَالُوٓاْ أَلَمۡ نَسۡتَحۡوِذۡ عَلَيۡكُمۡ وَنَمۡنَعۡكُم مِّنَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَۚ فَٱللَّهُ يَحۡكُمُ بَيۡنَكُمۡ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِۚ وَلَن يَجۡعَلَ ٱللَّهُ لِلۡكَٰفِرِينَ عَلَى ٱلۡمُؤۡمِنِينَ سَبِيلًا 141﴾:

واعلموا -أيها المؤمنون- أن المنافقين ينتظرون ما يحدُثُ لكم من خير أو شر؛ فإذا منَّ الله عليكم بالنصر، وحصَلْتم على المغانم، قالوا: ألم نكن معكم، وآزرناكم؟! فأعطونا نصيبنا من الغنيمة، وإذا كان للكافرين ظهور ونصر عليكم، قالوا للكافرين: ألم نساعِدْكم، ونخذِّلِ المؤمنين عنكم؟! فأعطونا نصيبنا من الغنيمة؛ فأخبَرَ جل وعلا أنه سوف يحكم بين المؤمنين والمنافقين يوم القيامة، ثم بيَّن سبحانه أنه لن يجعل للمنافقين والكافرين على المؤمنين طريقًا واستيلاءً وغلبةً وحُجَّةً لإفنائهم واستئصالهم بالكلية، وأما ما يحدُثُ من نصر وغلبة للكافرين على المؤمنين أحيانًا، فهذا له أسبابه وهو من الابتلاء، ولكنْ تكون العاقبة في النهاية للمتقين.

[142] ﴿إِنَّ ٱلۡمُنَٰفِقِينَ يُخَٰدِعُونَ ٱللَّهَ وَهُوَ خَٰدِعُهُمۡ وَإِذَا قَامُوٓاْ إِلَى ٱلصَّلَوٰةِ قَامُواْ كُسَالَىٰ يُرَآءُونَ ٱلنَّاسَ وَلَا يَذۡكُرُونَ ٱللَّهَ إِلَّا قَلِيلٗا 142﴾:

ثم بيَّن جل وعلا أن المنافقين يظنون أنهم يخادعون الله، بإظهارِهم الإيمانَ وإبطانِهم الكفرَ، والحقيقة أن الله خادعٌ هؤلاء المخادعين لا محالة، فيستدرجهم في طغيانهم وضلالهم، ويخذلهم عن الحق والوصول إليه. وقد قلنا: إن الخِداعَ يحتمل المدح، ويحتمل الذم؛ فلذا لا يصح أن يُطلَقَ على الله إلا حينما تكون مدحًا، وذلك عند ورودِها في مقام الجزاءِ والمُقابلةِ للمخادعِ، فيقال مثلًا: (الله خادعٌ المخادعين)؛ حتى يُعلَمَ أنه جل وعلا خدَعَهُمْ بحق.

ثم أخبَرَ جل وعلا أن مِن صفات المنافقين السيئة: أنهم إذا قاموا إلى الصلاة، قاموا متثاقلين بدون رغبة فيها، وأنهم إنما يقصدون بصلاتهم الرياء والسمعة ومخادعة المؤمنين، ومن صفاتهم السيئة: أنهم لا يذكرون الله إلا ذكرًا قليلًا؛ لإيهام المؤمنين أنهم منهم.

[143] ﴿مُّذَبۡذَبِينَ بَيۡنَ ذَٰلِكَ لَآ إِلَىٰ هَٰٓؤُلَآءِ وَلَآ إِلَىٰ هَٰٓؤُلَآءِۚ وَمَن يُضۡلِلِ ٱللَّهُ فَلَن تَجِدَ لَهُۥ سَبِيلٗا 143﴾:

ثم بيَّن جل وعلا أن هؤلاء المنافقين من شأنهم التردُّدُ والحيرة والاضطراب؛ فهم متردِّدون بين الكفر والإيمان؛ فإذا كانوا مع المؤمنين، أظهروا الإيمان، وإذا كانوا مع الكافرين، أظهروا النفاق، واعلموا أن مَنْ يضلَّه الله ويَصْرِفْ قلبه عن الإيمان به جزاءَ إصراره على الكفر، فلن تَجِدَ له طريقًا لهدايته.

وإضلالُ الله لهؤلاءِ المنافقين هو إضلالٌ جزائيٌّ لا ابتدائيٌّ، وهو مبنيٌ على ضلالهم الاختياري؛ لأن الله جعل العبد مختارًا ولم يُجْبِره؛ فاختار الشك والحيرة والضلال على الإيمان والهدى؛ فثبَّته الله على ما اختار لنفسه.

[144] ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَتَّخِذُواْ ٱلۡكَٰفِرِينَ أَوۡلِيَآءَ مِن دُونِ ٱلۡمُؤۡمِنِينَۚ أَتُرِيدُونَ أَن تَجۡعَلُواْ لِلَّهِ عَلَيۡكُمۡ سُلۡطَٰنٗا مُّبِينًا 144﴾:

ثم نهى جل وعلا عباده المؤمنين أن يتشبَّهوا بأقبح صفة من صفات المنافقين، وهي موالاةُ الكافرين، وتركُ موالاة المؤمنين؛ فهل تريدون -أيها المؤمنون- أن تجعلوا لله حجةً واضحةً عليكم بموالاتكم لهم؛ فتكونوا مثلهم، فينالكم عذاب الله؟!

[145] ﴿إِنَّ ٱلۡمُنَٰفِقِينَ فِي ٱلدَّرۡكِ ٱلۡأَسۡفَلِ مِنَ ٱلنَّارِ وَلَن تَجِدَ لَهُمۡ نَصِيرًا 145﴾:

ثم بيَّن جل وعلا أن المنافقين بسبب نفاقهم وكفرهم، جعَلَهم الله في أسفل منازل النار، وأحطَّ دَرَكاتها يوم القيامة، ولن تَجِدَ لهم ناصرًا يَدْفَعُ عنهم العذاب؛ وهذا العذابُ الشديد جعله الله لهؤلاء المنافقين؛ لأن ضررهم أكبر من ضرر الكافرين.

[146] ﴿إِلَّا ٱلَّذِينَ تَابُواْ وَأَصۡلَحُواْ وَٱعۡتَصَمُواْ بِٱللَّهِ وَأَخۡلَصُواْ دِينَهُمۡ لِلَّهِ فَأُوْلَٰٓئِكَ مَعَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَۖ وَسَوۡفَ يُؤۡتِ ٱللَّهُ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ أَجۡرًا عَظِيمٗا 146﴾:

ثم بيَّن جل وعلا أن الذين تابوا من النفاق، وعملوا العمل الصالح، والتجؤوا إلى الله وحده، وعبدوه مخلصين له الدِّينَ بلا رياءٍ ولا سمعة، فأولئك سوف يحشُرُهم الله مع المؤمنين يوم القيامة، وسوف يعطي الله المؤمنين ثوابًا عظيمًا جزاءَ إيمانهم وعَمَلِهم الصالح.

[147] ﴿مَّا يَفۡعَلُ ٱللَّهُ بِعَذَابِكُمۡ إِن شَكَرۡتُمۡ وَءَامَنتُمۡۚ وَكَانَ ٱللَّهُ شَاكِرًا عَلِيمٗا 147﴾:

ثم بيَّن جل وعلا جانبًا من جوانب رحمته بعباده؛ فأخبَرَ أن فضل الله وحكمته أجلُّ وأسمى من أن يعذِّبكم -أيها الناس- إذا آمنتم بالله وشكرتموه على نعمه، واعلموا أن الله سبحانه شاكرٌ لعباده طاعتهم وعبادتهم، وأنه يجازيهم علىها يوم القيامة، وهو سبحانه عليمٌ بأحوالهم ظاهرِها وباطنِها.

[148] ﴿لَّا يُحِبُّ ٱللَّهُ ٱلۡجَهۡرَ بِٱلسُّوٓءِ مِنَ ٱلۡقَوۡلِ إِلَّا مَن ظُلِمَۚ وَكَانَ ٱللَّهُ سَمِيعًا عَلِيمًا 148﴾:

بيَّن جل وعلا أنه لا يحب قول السوء، ولا يحب الجهر به إلا لمن وقَعَ عليه ظلم؛ فيباح له أن يشكو ظالمه، وكان الله ولم يزل سميعًا لكلام المظلوم، عليمًا بظلم الظالم.

[149] ﴿إِن تُبۡدُواْ خَيۡرًا أَوۡ تُخۡفُوهُ أَوۡ تَعۡفُواْ عَن سُوٓءٖ فَإِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَفُوّٗا قَدِيرًا 149﴾:

واعلموا -أيها الناس- أنكم إذا أظهرتم أعمال الخير، أو أخفيتموها، أو عفَوْتم عمن أساء إليكم ابتغاء مرضاة الله، فإن الله كثير العفو عمن عفا، مع قدرته سبحانه على الانتقام من الظالم.

[150] ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ يَكۡفُرُونَ بِٱللَّهِ وَرُسُلِهِۦ وَيُرِيدُونَ أَن يُفَرِّقُواْ بَيۡنَ ٱللَّهِ وَرُسُلِهِۦ وَيَقُولُونَ نُؤۡمِنُ بِبَعۡضٖ وَنَكۡفُرُ بِبَعۡضٖ وَيُرِيدُونَ أَن يَتَّخِذُواْ بَيۡنَ ذَٰلِكَ سَبِيلًا 150﴾:

ثم أخبَرَ جل وعلا أن الذين يكفرون بالله ورسله، ويريدون أن يفرِّقوا بين الله ورسله؛ مثلُ اليهود الذين آمنوا بموسى، ولم يؤمنوا بعيسى ولا بمحمَّدٍ ﷺ، ومثلُ النصارى الذين آمنوا بعيسى، ولم يؤمنوا بمحمَّد ﷺ، ويقولون: نؤمن ببعض الرسل، ونكفُرُ ببعضهم، ويريدون بقولهم هذا أن يتخذوا بين الكفر والإيمان طريقًا وسطًا؛ وهذا لا يمكن؛ فإما الكفر، وإما الإيمان.

[151] ﴿أُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡكَٰفِرُونَ حَقّٗاۚ وَأَعۡتَدۡنَا لِلۡكَٰفِرِينَ عَذَابٗا مُّهِينٗا 151﴾:

ثم أخبَرَ جل وعلا أن مَنْ كان هذا شأنهم، وهذه أوصافهم القبيحة -أي: يؤمنون ببعض الرسل، ويكفرون ببعضهم- فقد حكَمَ الله عليهم بالكفر الحقيقي، وأعد لهم سبحانه عذابًا أليمًا إهانة وخزيًا لهم.

[152] ﴿وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ بِٱللَّهِ وَرُسُلِهِۦ وَلَمۡ يُفَرِّقُواْ بَيۡنَ أَحَدٖ مِّنۡهُمۡ أُوْلَٰٓئِكَ سَوۡفَ يُؤۡتِيهِمۡ أُجُورَهُمۡۚ وَكَانَ ٱللَّهُ غَفُورٗا رَّحِيمٗا 152﴾:

ثم أخبَرَ جل وعلا أن الذين يؤمنون بكل ما أخبَرَ الله به، وبكل ما جاءت به الرسل، ولم يفرِّقوا بين أحد من الرسل، بل آمنوا بهم كلِّهم، فأولئك سوف يؤتيهم الله جزاء إيمانهم الأجورَ العظيمة، وكان سبحانه غفورًا لذنوب عباده، رحيمًا بهم.

[153] ﴿يَسۡـَٔلُكَ أَهۡلُ ٱلۡكِتَٰبِ أَن تُنَزِّلَ عَلَيۡهِمۡ كِتَٰبٗا مِّنَ ٱلسَّمَآءِۚ فَقَدۡ سَأَلُواْ مُوسَىٰٓ أَكۡبَرَ مِن ذَٰلِكَ فَقَالُوٓاْ أَرِنَا ٱللَّهَ جَهۡرَةٗ فَأَخَذَتۡهُمُ ٱلصَّٰعِقَةُ بِظُلۡمِهِمۡۚ ثُمَّ ٱتَّخَذُواْ ٱلۡعِجۡلَ مِنۢ بَعۡدِ مَا جَآءَتۡهُمُ ٱلۡبَيِّنَٰتُ فَعَفَوۡنَا عَن ذَٰلِكَۚ وَءَاتَيۡنَا مُوسَىٰ سُلۡطَٰنٗا مُّبِينٗا 153﴾:

سلَّى جل وعلا نبيه محمدًا ﷺ، فأخبَرَ أن أهل الكتاب من اليهود يسألونه أن يُنَزِّلَ عليهم صحفًا من عنده مكتوبةً تدل على نبوَّته وصدق رسالته، فأخبَرَهُ سبحانه ألَّا يتعجَّب من سؤالهم؛ فقد سأل أسلافهم موسى عليه السلام أكبر من ذلك، فقالوا: أَرِنا الله عيانًا؛ فعاقبهم سبحانه بصاعقة أهلكتهم؛ بسبب ظلمهم وعنادهم ثم أحياهم، وأيضًا اتَّخذوا العجل من دون الله، بعد أن عاينوا معجزات موسى عليه السلام لفرعون وقومه، ومع ذلك فقد عفا الله عنهم بعد أن أحياهم بعد الصعقة وأنابوا إليه.

ثم بيَّن سبحانه أنه أيَّد موسى عليه السلام بالحُجَّةِ والبيِّنةِ التي تدلُّ على صدق نبوته.

[154] ﴿وَرَفَعۡنَا فَوۡقَهُمُ ٱلطُّورَ بِمِيثَٰقِهِمۡ وَقُلۡنَا لَهُمُ ٱدۡخُلُواْ ٱلۡبَابَ سُجَّدٗا وَقُلۡنَا لَهُمۡ لَا تَعۡدُواْ فِي ٱلسَّبۡتِ وَأَخَذۡنَا مِنۡهُم مِّيثَٰقًا غَلِيظٗا 154﴾:

ثم أخبَرَ جل وعلا أنه رفع فوق رؤوس بني إسرائيل جبل الطور عندما امتنعوا من قَبُول شريعة التوراة، والالتزام بالميثاق الذي أُخِذَ عليهم، وعندما أُمِرُوا بدخول بيت المقدس خاضعين متواضعين، فدخلوا وهم يزحفون على أَسْتاهِهِم، أي: التي يجلسون عليها، ويقولون على سبيل الاستهزاء: (حَبَّةٌ في شعيرة)، بدلًا من (حِطَّة)، أي: حُطَّ عنا خطايانا، وعندما أُمِرُوا ألَّا يصطادوا السمك في يوم الراحة، وهو يوم السبت، فاعتَدْوا عليه، وصادوه يوم السبت بحِيلة؛ حيث وضعوا الشِّبَاك، وعملوا الحُفَر يوم السبت، فوقع السمك فيها، ثم أخذوه يوم الأحد؛ مع أن الله أخذ منهم عهدًا مؤكِّدًا ألَّا يصطادوا يوم السبت، ولكنهم نقضوه.

[155] ﴿فَبِمَا نَقۡضِهِم مِّيثَٰقَهُمۡ وَكُفۡرِهِم بِـَٔايَٰتِ ٱللَّهِ وَقَتۡلِهِمُ ٱلۡأَنۢبِيَآءَ بِغَيۡرِ حَقّٖ وَقَوۡلِهِمۡ قُلُوبُنَا غُلۡفُۢۚ بَلۡ طَبَعَ ٱللَّهُ عَلَيۡهَا بِكُفۡرِهِمۡ فَلَا يُؤۡمِنُونَ إِلَّا قَلِيلٗا 155﴾:

ثم بيَّن جل وعلا أن مِنْ أسباب لعن الله لليهود وإذلالهم وغضب الله عليهم: نَقْضَهم للعهود والمواثيق، وكُفْرَهم بآيات الله ومعجزات الرسل، وقَتْلَهم الأنبياء ظلمًا بغير برهان، وقولهم للنبي ﷺ: قلوبنا عليها غطاء؛ فرد سبحانه عليهم، وبيَّن أن الأمر ليس كما زعموا؛ بل ختَمَ الله على قلوبهم؛ فلا تفهم الرشد، ولا تعي الإيمان؛ بسبب رفضِهم الهدى، وإصرارِهم على الكفر؛ ولهذا لم يؤمن منهم إلا عدد قليل، مثل: عبد الله بن سَلَام وغيره، وهذا الطبع هو طبعٌ جزائيٌّ لا ابتدائيٌّ.

[156] ﴿وَبِكُفۡرِهِمۡ وَقَوۡلِهِمۡ عَلَىٰ مَرۡيَمَ بُهۡتَٰنًا عَظِيمٗا 156﴾:

وبيَّن جل وعلا أن مِنْ أسباب لعنهم وإذلالهم وغضب الله عليهم أيضًا: كُفْرَهم بعيسى عليه السلام، واتهامَهم لمريم عليها السلام بفاحشة الزنى؛ لأنها ولَدَتْ عيسى عليه السلام من غير أبٍ، وقد برَّأها الله، واصطفاها، وفضَّلها على نساء العالمين في زمنها([1]). [1] لقوله ﷺ: «كمل من الرجال كثير، ولم يكمل من النساء إلا: آسية امرأة فرعون، ومريم بنت عمران،...» أخرجه البخاري (3411)، ومسلم (2431) عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه.

[157] ﴿وَقَوۡلِهِمۡ إِنَّا قَتَلۡنَا ٱلۡمَسِيحَ عِيسَى ٱبۡنَ مَرۡيَمَ رَسُولَ ٱللَّهِ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَٰكِن شُبِّهَ لَهُمۡۚ وَإِنَّ ٱلَّذِينَ ٱخۡتَلَفُواْ فِيهِ لَفِي شَكّٖ مِّنۡهُۚ مَا لَهُم بِهِۦ مِنۡ عِلۡمٍ إِلَّا ٱتِّبَاعَ ٱلظَّنِّۚ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينَۢا 157﴾:

وبيَّن جل وعلا أن مِنْ أسباب لعنهم وإذلالهم وغضب الله عليهم أيضًا: ادعاءَهم على سبيل الافتخار أنهم قتلوا رسول الله المسيحَ عيسى بنَ مريمَ عليه السلام، بل عزمهم وإقدامهم على ذلك، والحقيقة: أنهم لم يقتلوه ولم يصلبوه، ولكنهم قتلوا ش بيهًا له في شَكْله، ثم بيَّن سبحانه أن من ادَّعى قَتْلَ عيسى بن مريم من اليهود، ومن أسلَمَهُ إليهم من النصارى؛ كلُّهم واقعون في شك وحَيْرة دائمة، ولا عِلْمَ لديهم في حقيقة مَنْ قتلوه إلا اتباع الظن الذي لا يقوم عليه دليل ولا برهان، ثم بيَّن سبحانه أنهم غير متيقنين من قتله، بل إنهم شاكُّون في ذلك.

[158] ﴿بَل رَّفَعَهُ ٱللَّهُ إِلَيۡهِۚ وَكَانَ ٱللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمٗا 158﴾:

ثم أكَّد جل وعلا عدَمَ قتل عيسى عليه السلام مِنْ قِبَلِ اليهود؛ فأخبَرَ أنه رفعه إلى السماء ببدنه وروحه؛ وبهذا يكون عليه السلام قد نجا من شرِّهم وكيدهم، وأنه سوف ينزِلُ في آخر الزمان ويحكُمُ بشريعة نبينا محمد ﷺ، ثم بيَّن سبحانه أنه كان ولم يزل عزيزًا يُعِزُّ من يلجأ إليه وينصره ويحميه، حكيمًا في تدبيره لشؤون خلقه.

[159] ﴿وَإِن مِّنۡ أَهۡلِ ٱلۡكِتَٰبِ إِلَّا لَيُؤۡمِنَنَّ بِهِۦ قَبۡلَ مَوۡتِهِۦۖ وَيَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ يَكُونُ عَلَيۡهِمۡ شَهِيدٗا 159﴾:

ثم أخبَرَ جل وعلا أن الأحياء من اليهود والنصارى الموجودين حين نزول عيسى عليه السلام في آخر الزمان وقتله الدجَّال، سوف يَرَوْنَهُ ويؤمنون به قبل موِته، ثم أخبَرَ سبحانه أن عيسى عليه السلام سوف يشهد عليهم يوم القيامة أنه بلَّغهم رسالة الله، وأنه عَبْدُ الله ورسوله، وأن اليهود كذَّبوه، والنصارى عبَدُوه.

[160] ﴿فَبِظُلۡمٖ مِّنَ ٱلَّذِينَ هَادُواْ حَرَّمۡنَا عَلَيۡهِمۡ طَيِّبَٰتٍ أُحِلَّتۡ لَهُمۡ وَبِصَدِّهِمۡ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ كَثِيرٗا 160﴾:

ثم بيَّن جل وعلا أنه بسبب ظلم اليهود واعتدائهم حرَّم عليهم كثيرًا من الطيبات التي كانت حلالًا لهم، وأيضًا بسبب منعهم كثيرًا من الناس من الهدى، ومن الدخول في دين الله، وهو الإسلام.

وقد ذكَرَ سبحانه أن هذه المحرَّمات هي من الآصار والأغلال التي كانت عليهم، فجاء ﷺ ورفَعَ عنهم هذه الآصار والأغلال؛ لكنهم عاندوا واستكبروا وبَقُوا على دينهم وضلالهم؛ قال تعالى: ﴿ٱلَّذِينَ يَتَّبِعُونَ ٱلرَّسُولَ ٱلنَّبِيَّ ٱلۡأُمِّيَّ ٱلَّذِي يَجِدُونَهُۥ مَكۡتُوبًا عِندَهُمۡ فِي ٱلتَّوۡرَىٰةِ وَٱلۡإِنجِيلِ يَأۡمُرُهُم بِٱلۡمَعۡرُوفِ وَيَنۡهَىٰهُمۡ عَنِ ٱلۡمُنكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ ٱلطَّيِّبَٰتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيۡهِمُ ٱلۡخَبَٰٓئِثَ وَيَضَعُ عَنۡهُمۡ إِصۡرَهُمۡ وَٱلۡأَغۡلَٰلَ ٱلَّتِي كَانَتۡ عَلَيۡهِمۡۚ ﴾ [الأعراف:١٥٧].

[161] ﴿وَأَخۡذِهِمُ ٱلرِّبَوٰاْ وَقَدۡ نُهُواْ عَنۡهُ وَأَكۡلِهِمۡ أَمۡوَٰلَ ٱلنَّاسِ بِٱلۡبَٰطِلِۚ وَأَعۡتَدۡنَا لِلۡكَٰفِرِينَ مِنۡهُمۡ عَذَابًا أَلِيمٗا 161﴾:

وبيَّن جل وعلا أيضًا أنه حرَّم عليهم كثيرًا من الطيبات بسبب أكلهم الربا، وقد نهاهم الله عنه في التوراة، وأيضًا بسبب أكلهم أموال الناس بالباطل بالرِّشْوة في الحُكْمِ وغيره، ثم أخبَرَ سبحانه أن الكافرين بدين الله من هؤلاء اليهود أعدَّ الله لهم عذابًا مؤلمًا في الآخرة.

[162] ﴿لَّٰكِنِ ٱلرَّٰسِخُونَ فِي ٱلۡعِلۡمِ مِنۡهُمۡ وَٱلۡمُؤۡمِنُونَ يُؤۡمِنُونَ بِمَآ أُنزِلَ إِلَيۡكَ وَمَآ أُنزِلَ مِن قَبۡلِكَۚ وَٱلۡمُقِيمِينَ ٱلصَّلَوٰةَۚ وَٱلۡمُؤۡتُونَ ٱلزَّكَوٰةَ وَٱلۡمُؤۡمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلۡيَوۡمِ ٱلۡأٓخِرِ أُوْلَٰٓئِكَ سَنُؤۡتِيهِمۡ أَجۡرًا عَظِيمًا 162﴾:

ثم مدَحَ جل وعلا أولئك الذين ثبَتَ العلم في قلوبهم من اليهود، والمؤمنين بالله ورسوله، بأنهم يؤمنون بهذا القرآن الذي أنزله الله على نبيه محمد ﷺ، ويؤمنون بما أنزَلَ الله على الرسل من قبل محمد ﷺ؛ كالتوراة والإنجيل وغيرهما، ويحافظون على الصلاة في أوقاتها، ويؤدُّون الزكاة المفروضة عليهم، ويؤمنون بالله وباليوم الآخر وما فيه من البعث والجزاء وغير ذلك، ومن كانت هذه صفاتِهم، فسوف يعطيهم الله ثوابًا عظيمًا، وهو جنة عرضها السموات والأرض.

وقوله: ﴿وَٱلۡمُقِيمِينَ ٱلصَّلَوٰةَۚ ﴾: نصبٌ على المدح، أو على التخصيص، أي: أمدحُ أو أخُصُّ المقيمين للصلاة؛ وذلك لقصد الاهتمام بالصلاة، أي: إن المقيمين للصلاة والمحافظين عليها سوف نؤتيهم أجرًا عظيمًا؛ وذلك لأهمية الصلاة ومكانتها في الإسلام.

[163] ﴿إِنَّآ أَوۡحَيۡنَآ إِلَيۡكَ كَمَآ أَوۡحَيۡنَآ إِلَىٰ نُوحٖ وَٱلنَّبِيِّـۧنَ مِنۢ بَعۡدِهِۦۚ وَأَوۡحَيۡنَآ إِلَىٰٓ إِبۡرَٰهِيمَ وَإِسۡمَٰعِيلَ وَإِسۡحَٰقَ وَيَعۡقُوبَ وَٱلۡأَسۡبَاطِ وَعِيسَىٰ وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَهَٰرُونَ وَسُلَيۡمَٰنَۚ وَءَاتَيۡنَا دَاوُۥدَ زَبُورٗا 163﴾:

أخبَرَ جل وعلا أنه أوحى إلى محمد ﷺ أن يبلِّغ رسالة ربه؛ كما أوحاها إلى نوحٍ عليه السلام، وإلى النبيين الذين جاؤوا من بعده، وكذلك أوحاها إلى إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط وعيسى وأيوب ويونس وهارون وسليمان؛ عليهم السلام أجمعين، ثم أخبَرَ سبحانه أنه أعطى داود عليه السلام كتابًا اسمُهُ الزَّبُورُ، وهو عبارة عن صحف مزبورة، أي: مكتوبة، وقد جُمِعَتْ فيها المواعظُ والحِكَم، والتحميدُ والتقديس، والثناء على الله.

والمقصود من الآية: أن نبينا محمدًا ﷺ ليس بِدْعًا من الرسل الذين قبله.

[164] ﴿وَرُسُلٗا قَدۡ قَصَصۡنَٰهُمۡ عَلَيۡكَ مِن قَبۡلُ وَرُسُلٗا لَّمۡ نَقۡصُصۡهُمۡ عَلَيۡكَۚ وَكَلَّمَ ٱللَّهُ مُوسَىٰ تَكۡلِيمٗا 164﴾:

ثم أخبَرَ جل وعلا أنه أرسل رسلًا كثيرين، ذكَرَ سبحانه بعضهم للنبي ﷺ، وما جرى لهم مع أقوامهم؛ للاعتبار والاتعاظ، وتسلية النبي ﷺ، وأرسل أيضًا رسلًا ولكن لم يذكُرْهم له ﷺ، اكتفاءً بالمذكورين؛ لحكمة، ثم أخبَرَ سبحانه أنه خاطب موسى عليه السلام مخاطَبةً حقيقيَّةً، وكلَّمه تكليمًا حقيقيًّا، من غير واسطة، وبكيفية لا يعلمها إلا هو سبحانه، وهذا تشريف وتكريم لموسى عليه السلام؛ ولذلك اشتهَرَ موسى عليه السلام عند الناس بقولهم: (موسى كليمُ الرحمن).

وفي هذه الآية: إثبات صفة الكلام لله عَزَّوَجَلَّ كما يليق بجلاله، بخلاف ما تعتقده المعتزلة وفرقٌ أخرى بدعوى أن التكلُّم يستلزم لسانًا وشفتين، وجهلوا أن الله يتحدَّث عن نفسه لا عن إنسان؛ فهو ليس كمثله شيء في ذاته وأسمائه وأفعاله، وكلِّ صفة من صفاته.

[165] ﴿رُّسُلٗا مُّبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى ٱللَّهِ حُجَّةُۢ بَعۡدَ ٱلرُّسُلِۚ وَكَانَ ٱللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمٗا 165﴾:

ثم بيَّن جل وعلا أنه أرسل هؤلاء الرسل مبشِّرين بالثواب لمن أطاع الله ورسوله، ومنذرين بالعقاب الشديد لمن عارض وعاند؛ حتى لا يكون للناس حُجَّةٌ؛ فيعتذروا ويقولوا: ما جاءنا من نذير ولا بشير، واعلموا أن الله تعالى كان ولم يزل عزيزًا في مُلْكه، حكيمًا في تدبير شؤون خَلْقه.

[166] ﴿لَّٰكِنِ ٱللَّهُ يَشۡهَدُ بِمَآ أَنزَلَ إِلَيۡكَۖ أَنزَلَهُۥ بِعِلۡمِهِۦۖ وَٱلۡمَلَٰٓئِكَةُ يَشۡهَدُونَۚ وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ شَهِيدًا 166﴾:

وإذا كان هؤلاء اليهود -أيها النبي- لم يشهدوا لك بالنبوة، فإن الله يشهد أنك نبيه ورسوله، وإنه أنزَلَ عليك هذا القرآن العظيم الذي يشهد بنبوَّتك، وأنه أنزله عليك بعلمه واطلاعه، وأيضًا الملائكة يشهدون أنك نبي الله ورسوله، واعلم أن شهادة الله وحدها كافية؛ فهو سبحانه خير الشاهدين، وإن لم يشهد لك أحد.

[167] ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَصَدُّواْ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ قَدۡ ضَلُّواْ ضَلَٰلَۢا بَعِيدًا 167﴾:

ثم أخبَرَ جل وعلا أن الذين كفروا وأعرضوا، ولم يؤمنوا بنبوَّتك -أيها النبي- وتركوا دين الله، ومنعوا غيرهم من الدخول في دين الله بكافَّة السبل، قد أجرموا وبَعُدوا عن الحق بعدًا كبيرًا.

[168] ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَظَلَمُواْ لَمۡ يَكُنِ ٱللَّهُ لِيَغۡفِرَ لَهُمۡ وَلَا لِيَهۡدِيَهُمۡ طَرِيقًا 168﴾:

ثم أكَّد جل وعلا مرة أخرى أن الذين لم يقُّروا لك بالنبوًّة يا محمد، ولم ينقادوا لدين الله، وظلموا بصدِّهم الناس عن دين الله، واستمروا على الكفر والظلم، لم يكن الله ليغفر لهم ذنوبهم؛ لأنهم أصروا على الكفر والمحاربة؛ فطبَعَ الله على قلوبهم؛ وبسبب إصرارهم لن يدُلَّهم الله على طريق الحق الذي ينجيهم.

[169] ﴿إِلَّا طَرِيقَ جَهَنَّمَ خَٰلِدِينَ فِيهَآ أَبَدٗاۚ وَكَانَ ذَٰلِكَ عَلَى ٱللَّهِ يَسِيرٗا 169﴾:

ثم بيَّن جل وعلا أنه سوف يدلهم على طريق واحد فقطْ، وهو الطريق المؤدِّي إلى جهنم، التي أوجبها الله لكل من كفَرَ بدين الله ومات على ذلك، وأنهم سوف يمكُثُونَ فيها أبد الآبدين، وكان ذلك على الله سهلًا يسيرًا؛ لأنه لا يُعْجِزُهُ سبحانه شيء في الأرض ولا في السماء.

[170] ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ قَدۡ جَآءَكُمُ ٱلرَّسُولُ بِٱلۡحَقِّ مِن رَّبِّكُمۡ فَـَٔامِنُواْ خَيۡرٗا لَّكُمۡۚ وَإِن تَكۡفُرُواْ فَإِنَّ لِلَّهِ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۚ وَكَانَ ٱللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمٗا 170﴾:

يا أيها الناس، قد جاءكم الرسول محمد ﷺ بالإسلام دين الحق مِنْ عند ربكم؛ فآمنوا بالله إيمانًا حقيقيًّا، وانقادوا لرسوله ﷺ، ولما جاء به يكن خيرًا لكم في الدنيا والآخرة، وإن تولَّيتم وأعرضتم، فإن الله الذي له جميع ما في السموات والأرض غنيٌّ عنكم وعن إيمانكم، وكان سبحانه ولم يزل عليمًا بأحوال خلقه، حكيمًا في تدبير شؤونهم.

[171] ﴿يَٰٓأَهۡلَ ٱلۡكِتَٰبِ لَا تَغۡلُواْ فِي دِينِكُمۡ وَلَا تَقُولُواْ عَلَى ٱللَّهِ إِلَّا ٱلۡحَقَّۚ إِنَّمَا ٱلۡمَسِيحُ عِيسَى ٱبۡنُ مَرۡيَمَ رَسُولُ ٱللَّهِ وَكَلِمَتُهُۥٓ أَلۡقَىٰهَآ إِلَىٰ مَرۡيَمَ وَرُوحٞ مِّنۡهُۖ فَـَٔامِنُواْ بِٱللَّهِ وَرُسُلِهِۦۖ وَلَا تَقُولُواْ ثَلَٰثَةٌۚ ٱنتَهُواْ خَيۡرٗا لَّكُمۡۚ إِنَّمَا ٱللَّهُ إِلَٰهٞ وَٰحِدٞۖ سُبۡحَٰنَهُۥٓ أَن يَكُونَ لَهُۥ وَلَدٞۘ لَّهُۥ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلۡأَرۡضِۗ وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ وَكِيلٗا 171﴾:

ثم خاطَبَ جل وعلا النصارى، قائلًا لهم: أن لا تتشدَّدوا في دينكم، ولا تتجاوزوا الحد المشروع والمسموح به، ولا تقولوا على الله إلا الحق، ومن ذلك: أنه ليس لله ولد ولا زوجة ولا شريك، وأن عيسى بنَ مريم عليه السلام عبد الله ورسوله، وقد خلقه الله بكلمةِ: ﴿كُن﴾؛ حيث نفَخَ جبريلُ عليه السلام في جَيْبِ مريمَ بأمرِ الله؛ فالواجب عليكم: أن تؤمنوا بالله وحده لا شريك له، وأن تؤمنوا برسله وبما جاؤوا به من البراهين والدلالات، والآيات البينات، ولا تقولوا: آلهتنا ثلاثة، يعني: قولكم: الله وصاحبته وابنه، تعالى الله عن ذلك علوًّا كبيرًا، وانتهوا عن هذا القول، وابتعدوا عنه خيرًا لكم مما أنتم عليه من الكفر والضلال.

واعلموا أن الله هو الإله الواحد الأحد، الوِتْر الصمد، تنزَّه وتقدَّس عن أن يكون له ولد؛ ولأن جميع من في السموات والأرض تحت ملكه وتصرفه، فتوكَّلوا عليه، وكفى بالله وكيلًا.

[172] ﴿لَّن يَسۡتَنكِفَ ٱلۡمَسِيحُ أَن يَكُونَ عَبۡدٗا لِّلَّهِ وَلَا ٱلۡمَلَٰٓئِكَةُ ٱلۡمُقَرَّبُونَۚ وَمَن يَسۡتَنكِفۡ عَنۡ عِبَادَتِهِۦ وَيَسۡتَكۡبِرۡ فَسَيَحۡشُرُهُمۡ إِلَيۡهِ جَمِيعٗا 172﴾:

أخبَرَ جل وعلا أن المسيح عيسى بن مريم عليه السلام لن يأنَفَ أو يتكبَّرَ أن يعترف أنه عبد من عباد الله، وكذلك لن يمتنع الملائكة الكرام من الإقرار بالعبودية لله، واعلموا -أيها الناس- أن من يمتنعْ عن عبادة الله وحده ويرغبْ عنها، فسيجمع الله الخلق جميعًا يوم القيامة، ويحكم بينهم بالعدل، وسيجازي كلًّا بما يستحق؛ إنْ خيرًا فخير، وإنْ شرًّا فشرّ، وسيجد المستكبِرُ عن دين الله الصَّغَارَ والمهانة والعذاب الشديد.

[173] ﴿فَأَمَّا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ فَيُوَفِّيهِمۡ أُجُورَهُمۡ وَيَزِيدُهُم مِّن فَضۡلِهِۦۖ وَأَمَّا ٱلَّذِينَ ٱسۡتَنكَفُواْ وَٱسۡتَكۡبَرُواْ فَيُعَذِّبُهُمۡ عَذَابًا أَلِيمٗا وَلَا يَجِدُونَ لَهُم مِّن دُونِ ٱللَّهِ وَلِيّٗا وَلَا نَصِيرٗا 173﴾:

ثم أخبَرَ جل وعلا أن الذين آمنوا بالله ورسوله، وعملوا الأعمال الصالحة، سوف يوفِّيهم الله جزاء أعمالهم أجورًا عظيمة، ويدخلهم جنة عرضها كعرض السموات والأرض، ويزيدُهم من فضله بأن يرضى عنهم، ثم يرون وجهه الكريم جل في علاه، وأما الذين امتنعوا ورغبوا عن طاعة الله، واستكبروا عنها، ولم يُذْعِنوا لها، فقد أعدَّ الله لهم عذابًا شديد الإيلام، لن يدفعه عنهم مُعِين، ولن يمنعهم منه نصير.

[174] ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ قَدۡ جَآءَكُم بُرۡهَٰنٞ مِّن رَّبِّكُمۡ وَأَنزَلۡنَآ إِلَيۡكُمۡ نُورٗا مُّبِينٗا 174﴾:

يا أيها الناس، قد جاءكم من ربكم حجج بيِّنات، ودلائل واضحات، جاء بها محمد ﷺ، وأنزلنا إليكم نورًا مبينًا، وهو القرآن الكريم، وهاديًا بإذن ربه وصراطًا مستقيمًا.

[175] ﴿فَأَمَّا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ بِٱللَّهِ وَٱعۡتَصَمُواْ بِهِۦ فَسَيُدۡخِلُهُمۡ فِي رَحۡمَةٖ مِّنۡهُ وَفَضۡلٖ وَيَهۡدِيهِمۡ إِلَيۡهِ صِرَٰطٗا مُّسۡتَقِيمٗا 175﴾:

ثم أخبَرَ جل وعلا أن الذين آمنوا بالله ورسوله، واستمسكوا بالقرآن الذي بين أيديهم، وتمسَّكوا بدينهم، فسيدخلهم ربهم في خير ونعمة منه سبحانه وفضل كبير، وهي الجَنَّة، ويوفِّقهم إلى طاعته والعمل الصالح، والطريق المستقيم الموصِّل الى مرضاته.

[176] ﴿يَسۡتَفۡتُونَكَ قُلِ ٱللَّهُ يُفۡتِيكُمۡ فِي ٱلۡكَلَٰلَةِۚ إِنِ ٱمۡرُؤٌاْ هَلَكَ لَيۡسَ لَهُۥ وَلَدٞ وَلَهُۥٓ أُخۡتٞ فَلَهَا نِصۡفُ مَا تَرَكَۚ وَهُوَ يَرِثُهَآ إِن لَّمۡ يَكُن لَّهَا وَلَدٞۚ فَإِن كَانَتَا ٱثۡنَتَيۡنِ فَلَهُمَا ٱلثُّلُثَانِ مِمَّا تَرَكَۚ وَإِن كَانُوٓاْ إِخۡوَةٗ رِّجَالٗا وَنِسَآءٗ فَلِلذَّكَرِ مِثۡلُ حَظِّ ٱلۡأُنثَيَيۡنِۗ يُبَيِّنُ ٱللَّهُ لَكُمۡ أَن تَضِلُّواْۗ وَٱللَّهُ بِكُلِّ شَيۡءٍ عَلِيمُۢ 176﴾:

ثم ختَمَ جل وعلا السورة بالجواب عن السؤال عن الكلالة، والكلالةُ: مصدرٌ، بمعنى: الكَلَال، وهو ذَهَابُ القوة من التعب والإعياء؛ فكأن الوالد والوالدة والأبناء هم سند الشخص وقوته، فإذا لم يكن أحدٌ منهم موجودًا وارثًا للمتوفِّى، ومتولِّيًا لتركته وما خلَّف، سُمِّيَ بذلك كلالة؛ فالكلالة -رجلًا كان أو امرأةً-: هو الذي يموت وقد مات والداه وأجداده، وليس له ذرية؛ وحينئذ يتولى أقاربه الأدنى فالأدنى تقسيم تركته، فإن لم يوجد له أقارب أبدًا، فحينئذ تتولَّاها الدولة، وتُدْخِلها في بيت مال المسلمين. فأخبَرَ سبحانه في هذه الآية أنه إذا مات رجل وليس له ولد أو والد، فهو كلالة، فإن كان له أخت شقيقة، أو أخت من الأب، فلها نصفُ التركة، وإذا ماتت امرأة وليس لها ولد أو والد، فهي أيضًا كلالة، فإذا كان لها أخ شقيق أو أخ لأب، فله جميع التركة، وإنْ كان لمن مات كلالة أختان، فلهما الثلثان مما ترَكَ، وإذا اجتمع لمن مات كلالةً: إخوةٌ أشقاء أو من أب ذكورًا وإناثًا، فتقسم التركة عليهم؛ للذكر مثل نصيب الأنثيين، واعلموا -أيها الناس- أن الله يبيِّن لكم أحكامه في قسمةِ المواريث، وحُكْمِ الكلالة؛ حتى لا تضلوا عن الحق في ذلك، والله عليمٌ بكل شيء، لا يخفى عليه شيء من أموركم وأحوالكم.

سورة المائدة

سورة المائدة مدنيَّة، وآياتها عشرون ومائة آية، ونزَلَتْ بعد سورة الفتح، وهي من أواخر ما نزَلَ من القرآن.

[1] ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ أَوۡفُواْ بِٱلۡعُقُودِۚ أُحِلَّتۡ لَكُم بَهِيمَةُ ٱلۡأَنۡعَٰمِ إِلَّا مَا يُتۡلَىٰ عَلَيۡكُمۡ غَيۡرَ مُحِلِّي ٱلصَّيۡدِ وَأَنتُمۡ حُرُمٌۗ إِنَّ ٱللَّهَ يَحۡكُمُ مَا يُرِيدُ 1﴾:

بدأت السورة بنداء المؤمنين بلفظ الإيمان، وهو إعلامٌ وتذكيرٌ لهم بالإيمان بالله، وهو عقدٌ التزم به الإنسان الذي آمن بأركان الإسلام وأركان الإيمان، وبجميع ما أُمِرَ به المسلمون وما نُهُوا عنه؛ حسَبَ المقدرة؛ فلا يكلِّف الله نفسًا إلا وُسْعَها، ثم أمَرَ سبحانه المؤمنين أن يحافظوا على الوفاء بالعقود.

والعَقْدُ هو: توثيق ما يتفق عليه الطرفان؛ سواءٌ كانت عقودًا تجارية أو ضمانية أو صُلْحية، ويشمل ذلك: المحافظةَ على العقود التي بين الناس وبين الله؛ بفعل أوامره، واجتناب نواهيه، والمحافظةَ على العقود التي بينهم وبين الرسول ﷺ؛ بطاعته واتباعه، والمحافظةَ على العقود التي بينهم وبين الناس؛ كعقود المعاملات والتبرُّعات وحقوق المسلمين وغير ذلك.

ثم بيَّن سبحانه أنه أحلَّ لكم -أيها الناس- أكل لحوم الأنعام من الإبل والبقر والغنم إلا ما جاء النص بتحريمه، ثم بيَّن أنه لا يجوز لكم صيدُ البرِّ إذا كنتم محرِمينَ بالحجِّ أو العمرة، أو كنتم داخل حدود الحرم المكي أو المدني، واعلموا أن الله يقضي بحِكْمته ما يريد من أحكام.

[2] ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تُحِلُّواْ شَعَٰٓئِرَ ٱللَّهِ وَلَا ٱلشَّهۡرَ ٱلۡحَرَامَ وَلَا ٱلۡهَدۡيَ وَلَا ٱلۡقَلَٰٓئِدَ وَلَآ ءَآمِّينَ ٱلۡبَيۡتَ ٱلۡحَرَامَ يَبۡتَغُونَ فَضۡلٗا مِّن رَّبِّهِمۡ وَرِضۡوَٰنٗاۚ وَإِذَا حَلَلۡتُمۡ فَٱصۡطَادُواْۚ وَلَا يَجۡرِمَنَّكُمۡ شَنَـَٔانُ قَوۡمٍ أَن صَدُّوكُمۡ عَنِ ٱلۡمَسۡجِدِ ٱلۡحَرَامِ أَن تَعۡتَدُواْۘ وَتَعَاوَنُواْ عَلَى ٱلۡبِرِّ وَٱلتَّقۡوَىٰۖ وَلَا تَعَاوَنُواْ عَلَى ٱلۡإِثۡمِ وَٱلۡعُدۡوَٰنِۚ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَۖ إِنَّ ٱللَّهَ شَدِيدُ ٱلۡعِقَابِ 2﴾:

يا أيها الذين آمنوا بالله، واتبعوا رسوله ﷺ، وعملوا بشرعه، لا تتعدَّوْا حدود الله التي حدَّها لكم من إحلال الحلال، وتحريم الحرام، ولا تنتهكوا الأشهُرَ الحُرُمَ بالقتال فيها، والأشهُرُ الحرم هي: رجب، وذو القَعْدة، وذو الحِجَّة، والمحرَّم، ولا تستحلُّوا حرمة ما يُهدى إلى البيت الحرام من الأنعام في حج أو عمرة وغير ذلك؛ فتتعرَّضوا لها بسرقة أو غصب ونحو ذلك، ولا يجوز التعرُّض للهدايا التي يوضع في عُنُقها قلائد، أي: علاماتٌ لِيَعرِفَ الناس أنها مهداة لبيت الله الحرام، ولا تمنعوا قاصدي البيت عن الوصول إليه، ولا تقاتلوهم؛ لأنهم أحرموا يبتغون فَضْلَ الله ورضاه، وإقامةَ شعائره، وإذا تحلَّلتم من الإحرام، جاز لكم الصيد في غير الحَرَم، ولا يحملنَّكم أو يدفعنَّكم بُغْضُ القوم الذين منعوكم عن المسجد الحرام: أن تعتدوا عليهم أو تظلموهم؛ يريد الله بذلك أن يطهِّر قلوبكم من الرغبة في الانتقام للنفس، ويطلُبُ منكم أن يكون كفاحكم وقتالكم لنصرة الإسلام؛ فهو الذي يستحق التضحيةَ بالنَّفْسِ والنفيس، أمَّا عمَّا لحقكم من أذًى وتضييقٍ وبغضٍ منهم لكم، فإنكم تحتسبون أجر ذلك عند الله.

ثم أمَرَ سبحانه أن يتعاون بعضكم مع بعض -أيها المؤمنون- على فعل الخير وطاعة الله، ولا تتعاونوا على المعاصي وظلم الناس، واتقوا الله بفعل ما أَمَرْ، واجتناب ما نهى عنه وزَجَرْ؛ فإن الله شديد العذاب لمن خالف أمره.

[3] ﴿حُرِّمَتۡ عَلَيۡكُمُ ٱلۡمَيۡتَةُ وَٱلدَّمُ وَلَحۡمُ ٱلۡخِنزِيرِ وَمَآ أُهِلَّ لِغَيۡرِ ٱللَّهِ بِهِۦ وَٱلۡمُنۡخَنِقَةُ وَٱلۡمَوۡقُوذَةُ وَٱلۡمُتَرَدِّيَةُ وَٱلنَّطِيحَةُ وَمَآ أَكَلَ ٱلسَّبُعُ إِلَّا مَا ذَكَّيۡتُمۡ وَمَا ذُبِحَ عَلَى ٱلنُّصُبِ وَأَن تَسۡتَقۡسِمُواْ بِٱلۡأَزۡلَٰمِۚ ذَٰلِكُمۡ فِسۡقٌۗ ٱلۡيَوۡمَ يَئِسَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِن دِينِكُمۡ فَلَا تَخۡشَوۡهُمۡ وَٱخۡشَوۡنِۚ ٱلۡيَوۡمَ أَكۡمَلۡتُ لَكُمۡ دِينَكُمۡ وَأَتۡمَمۡتُ عَلَيۡكُمۡ نِعۡمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ ٱلۡإِسۡلَٰمَ دِينٗاۚ فَمَنِ ٱضۡطُرَّ فِي مَخۡمَصَةٍ غَيۡرَ مُتَجَانِفٖ لِّإِثۡمٖ فَإِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٞ رَّحِيمٞ 3﴾:

ثم بيَّن جل وعلا المحرَّمات من المطاعم؛ ومن ذلك: أنه حرَّم الميتةَ، وهي التي ماتت من غير ذَكَاة شرعية، ويستثنى من ذلك: الجرادُ والسمك؛ فإنه حلال بنص الحديث([2])، وحرَّم الدمَ، أي: الدم المسفوح، وحرَّم لحم الخنزير: وهو الحيوان المعروف، وهو من جملة الخبائث المحرَّمة، وحرَّم ما أُهِلَّ لغير الله به، أي: الذي ذُكِرَ اسم غير الله عليه؛ كأنْ يذكُرَ عند ذبحه اسم صنم أو ولي أو كوكب ونحو ذلك، وهذا من الشرك بالله، وهذه محرَّمة مطلقًا حتى ولو ذُكِرَ اسم الله عليها، وحرَّم المنخنقةَ: وهي التي تم خنقها بحبل ونحوه، وحرَّم الموقوذةَ: وهي التي صُعِقَتْ أو ضُرِبَتْ على رأسها حتى ماتت، وحرَّم المتردِّيةَ: وهي التي سقَطَتْ من شاهق كجبل ونحوه، وحرَّم النطيحةَ: وهي التي نطَحَها حيوان ونحوه فأهلَكَها، وحرَّم ما أكَلَ السبع: وهي التي عدا عليها ذئبٌ أو أسد، أو افترسها طير، فإذا ماتت بسبب ذلك، فإنه لا يحل أكلها. [2] لقوله ﷺ: «أُحِلَّتْ لَنَا مَيْتَتَانِ، وَدَمَانِ، فَأَمَّا الْمَيْتَتَانِ: فَالْحُوتُ وَالْجَرَادُ، وَأَمَّا الدَّمَانِ: فَالْكَبِدُ وَالطِّحَالُ»، عن ابن عمر رضي الله عنهما، أخرجه أحمد في مسنده (5723)، وابن ماجه (3314)، وصححه الألباني في صحيح الجامع (210)، وذكر أكثر العلماء أنه ضعيف مرفوعًا صحيح موقوفًا على ابن عمر، وقالوا: إن قول الصحابي أحل لنا كذا وحرم علينا كذا يأخذ حكم المرفوع. ينظر: تنقيح التحقيق لابن عبد الهادي (4/643)، والتلخيص الحبير (1/35).

وهذه الخمسة –وهي: المنخنقة، والموقوذة، والمتردِّية، والنطيحة، وما أكل السبع- إذا وُجِدَتْ وفيها حياة، فإنه يحل أكلها بعد ذبحها؛ لقوله: ﴿إِلَّا مَا ذَكَّيۡتُمۡ﴾، أي: ما أدركتم منها وفيه حياة، فذبحتموه ذبحًا شرعيًّا.

وحرَّم ما ذُبِحَ على النُّصُب: وهي التي كانت تُذْبَحُ عند الآلهة والأصنام؛ فهذه لا تحل حتى لو ذُكِرَ اسم الله عليها، وحرَّم الاستقسامَ بالأزلام، وهي: القِدَاحُ التي كانوا يستقسمون بها إذا أرادوا أمرًا. واعلموا -أيها الناس- أن من تناول شيئًا مما سبق تحريمه، فإن ذنبه عظيم؛ لخروجه عن طاعة الله.

ثم أخبَرَ سبحانه أنه في هذا اليوم –أي: يومِ عَرَفة– الذي أتم الله فيه الدين، قد يئس الكفار كل اليأس أن ترجعوا عن دينكم أيها المؤمنون؛ فلا تخافوهم بعد الآن، وخافوا الله بطاعته وطاعة رسوله ﷺ، ثم أخبَرَ سبحانه أنه في هذا اليوم أكمَلَ لكم -أيها المؤمنون- أحكام دينكم، وأتم عليكم نعمته؛ بإعزازكم وتثبيت أقدامكم على هذا الدين، وأنه اختار لكم الإسلام دينًا؛ فمن اضطُرَّ إلى شيء من المحرَّمات التي ذُكِرَتْ بسبب جوع أو غيره، غير متعمِّد لمعصية بأكل أكثر مما يسُدُّ رَمَقَهُ ويضمن حياته ونحو ذلك، فإن الله يعفو ويغفر له ما أكل، وهو رحيمٌ بعباده حيث رخَّص لهم في تناول ما حرَّم عليهم عند الضرورة.

وقوله: ﴿ٱلۡيَوۡمَ يَئِسَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِن دِينِكُمۡ﴾، نزَلَ حين انتصَرَ المسلمون على اليهود والكفَّار وانتشر الإسلام، أما اليوم، فقد ضَعُفَ المسلمون، وتكالبت الدول العظمى على حرب الإسلام؛ فنسأل الله أن يعيد للإسلام عزَّته، وأن يبعث للمسلمين من يصحِّح عقيدتهم ويوحِّدهم.

وقوله: ﴿ٱلۡيَوۡمَ أَكۡمَلۡتُ لَكُمۡ دِينَكُمۡ وَأَتۡمَمۡتُ عَلَيۡكُمۡ نِعۡمَتِي﴾، نزل في عرَفَةَ في حجة الوداع، والرسول ﷺ يخطب بعرفة؛ كما قال ذلك عمر رضي الله عنه لليهوديِّ الذي قال: (لو نزَلَتْ هذه علينا، لجعلنا يوم نزولها عيدًا)؛ فاللهم لك الحمد والشكر على ما أسديت.

[4] ﴿يَسۡـَٔلُونَكَ مَاذَآ أُحِلَّ لَهُمۡۖ قُلۡ أُحِلَّ لَكُمُ ٱلطَّيِّبَٰتُ وَمَا عَلَّمۡتُم مِّنَ ٱلۡجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ ٱللَّهُۖ فَكُلُواْ مِمَّآ أَمۡسَكۡنَ عَلَيۡكُمۡ وَٱذۡكُرُواْ ٱسۡمَ ٱللَّهِ عَلَيۡهِۖ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَۚ إِنَّ ٱللَّهَ سَرِيعُ ٱلۡحِسَابِ 4﴾:

أخبَرَ جل وعلا أن الصحابة سألوا النبي ﷺ: ماذا أَحَلَّ الله لهم من أنواع الطعام وغيره؟! فأمره الله أن يقول لهم: أُحِلَّ لكم الطعام الطيِّب الذي تستطيبه النفوس، وأُحِلَّ لكم ما صادَتهُ الكِلابُ والصُّقورُ المعَلَّمةُ التي درَّبتموها مستمدِّين ذلك مما علَّمكم الله؛ فكلوا مما تصيد هذه الجوارح لكم، وعليكم أن تذكُرُوا اسم الله عند إرسالها، واتقوا الله فيما أمركم به ونهاكم عنه؛ فإنه سريع الحساب.

[5] ﴿ٱلۡيَوۡمَ أُحِلَّ لَكُمُ ٱلطَّيِّبَٰتُۖ وَطَعَامُ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلۡكِتَٰبَ حِلّٞ لَّكُمۡ وَطَعَامُكُمۡ حِلّٞ لَّهُمۡۖ وَٱلۡمُحۡصَنَٰتُ مِنَ ٱلۡمُؤۡمِنَٰتِ وَٱلۡمُحۡصَنَٰتُ مِنَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلۡكِتَٰبَ مِن قَبۡلِكُمۡ إِذَآ ءَاتَيۡتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ مُحۡصِنِينَ غَيۡرَ مُسَٰفِحِينَ وَلَا مُتَّخِذِيٓ أَخۡدَانٖۗ وَمَن يَكۡفُرۡ بِٱلۡإِيمَٰنِ فَقَدۡ حَبِطَ عَمَلُهُۥ وَهُوَ فِي ٱلۡأٓخِرَةِ مِنَ ٱلۡخَٰسِرِينَ 5﴾:

ثم أخبَرَ جل وعلا أنه أُحِلَّ لكم –أيها المؤمنون- الطعام الطيب الذي تستطيبه النفوس، وأُحِلَّ لكم طعامُ اليهود والنصارى وذبائحهم مما لم يَرِدْ نص بتحريمه؛ كما أُحِلَّ طعامكم لهم، وأُحِلَّ لكم نكاح الحرائر العفيفاتِ من المؤمنات، والعفيفاتِ من نساء اليهود والنصارى إذا أدَّيتم لهنَّ مهورهنَّ بقصد الزواج، وليس بقصد استباحة العلاقات غير الشرعية، ولا بقصد اتخاذِهِنَّ عشيقاتٍ، واعلموا أن من يكفُرْ بالله الذي يجب الإيمان به، فقد حَبِطَ عمله إذا مات على ذلك، وهو في الآخرة ممن خَسِرَ الثواب والجنة. قال الجمهور: (الذين يُحْبَطُ عملهم الصالح الماضي قبل إسلامهم، هم الذين يموتون على الكفر، أمَّا الذين يتوبون قبل الممات، فإن أعمالهم الماضية الصالحة أيام كفرهم لا تُحْبَطُ)، واحتج بقوله: ﴿وَمَن يَرۡتَدِدۡ مِنكُمۡ عَن دِينِهِۦ فَيَمُتۡ وَهُوَ كَافِرٞ فَأُوْلَٰٓئِكَ حَبِطَتۡ أَعۡمَٰلُهُمۡ فِي ٱلدُّنۡيَا وَٱلۡأٓخِرَةِۖ ﴾ [البقرة:٢١٧]، وعند أبي حنيفة: أن الردَّة تُحْبِطُ الأعمال مطلقًا القديمة والحديثة، وإن تاب وعاد إلى الإسلام؛ واحتجَّ بقوله: ﴿وَلَوۡ أَشۡرَكُواْ لَحَبِطَ عَنۡهُم مَّا كَانُواْ يَعۡمَلُونَ﴾ [الأنعام:٨٨]، وقوله: ﴿وَمَن يَكۡفُرۡ بِٱلۡإِيمَٰنِ فَقَدۡ حَبِطَ عَمَلُهُۥ﴾.

[6] ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ إِذَا قُمۡتُمۡ إِلَى ٱلصَّلَوٰةِ فَٱغۡسِلُواْ وُجُوهَكُمۡ وَأَيۡدِيَكُمۡ إِلَى ٱلۡمَرَافِقِ وَٱمۡسَحُواْ بِرُءُوسِكُمۡ وَأَرۡجُلَكُمۡ إِلَى ٱلۡكَعۡبَيۡنِۚ وَإِن كُنتُمۡ جُنُبٗا فَٱطَّهَّرُواْۚ وَإِن كُنتُم مَّرۡضَىٰٓ أَوۡ عَلَىٰ سَفَرٍ أَوۡ جَآءَ أَحَدٞ مِّنكُم مِّنَ ٱلۡغَآئِطِ أَوۡ لَٰمَسۡتُمُ ٱلنِّسَآءَ فَلَمۡ تَجِدُواْ مَآءٗ فَتَيَمَّمُواْ صَعِيدٗا طَيِّبٗا فَٱمۡسَحُواْ بِوُجُوهِكُمۡ وَأَيۡدِيكُم مِّنۡهُۚ مَا يُرِيدُ ٱللَّهُ لِيَجۡعَلَ عَلَيۡكُم مِّنۡ حَرَجٖ وَلَٰكِن يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمۡ وَلِيُتِمَّ نِعۡمَتَهُۥ عَلَيۡكُمۡ لَعَلَّكُمۡ تَشۡكُرُونَ 6﴾:

أخبَرَ جل وعلا في هذه الآية عن فرائض الوضوء التي يجب على المسلم أن يقوم بغَسْلها إذا أراد الصلاة، فقال سبحانه: يا أيها الذين آمنوا بالله، واتبعوا رسوله، وعملوا بشرعه، إذا أردتُّم القيام إلى الصلاة، وأنتم مُحْدِثونَ حَدَثًا أصغر، فتوضؤوا الوضوء الشرعي؛ فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق، أي: مع المرافق؛ حيث إن المرفقين داخلان في المغسول، وهذا قولُ الجمهور، ثم امسحوا رؤوسكم، ثم اغسلوا أرجلكم إلى الكعبين، والكعبان: هما العظمان الناتئان في كل رِجْلٍ عند مفصل الساق من القَدَم.

أما إذا كنتم على جنابة، أي: مُحْدِثِينَ حَدَثًا أكبر؛ بسبب نزول مَنِيٍّ أو جماع ونحو ذلك، فيجب عليكم أن تغتسلوا، أي: تغسلوا جميع بدنكم بالماء.

ثم بيَّن سبحانه الأعذار التي تبيح للإنسان استعمال التيمُّم للصلاة أو الطواف أو قراءة القرآن؛ عند العجز عن استعمال الماء، فقال سبحانه: فإذا كنتم مرضى وعَجَزْتم عن استعمال الماء، أو كنتم على سفر في حال الصحة، أو قضى أحدكم حاجته، أو جامع زوجته؛ فلم تجدوا ماءً، فاقصدوا الأرض الطاهرة، واضربوا بأيديكم وجه الأرض ضَرْبةً واحدة، وامسحوا وجوهكم وأيديكم من ذلك الصعيد الطيِّب.

واعلموا أن الله سبحانه لا يريد أن يضيِّقَ عليكم، فوسَّع وشرَعَ ذلك؛ ليطهِّركم ظاهرًا وباطنًا، وليتم نعمته عليكم، ولتشكروا الله على هدايته وتمام نعمته.

[7] ﴿وَٱذۡكُرُواْ نِعۡمَةَ ٱللَّهِ عَلَيۡكُمۡ وَمِيثَٰقَهُ ٱلَّذِي وَاثَقَكُم بِهِۦٓ إِذۡ قُلۡتُمۡ سَمِعۡنَا وَأَطَعۡنَاۖ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَۚ إِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمُۢ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ 7﴾:

ثم أمَرَ جل وعلا عباده المؤمنين أن يذكُرُوا نعمه عليهم، وأعظَمُ هذه النعم: نعمة الإسلام، وأن يذكُرُوا عهده وميثاقه الذي أخذه عليهم، وهو الإيمان بالله ورسوله، والسمع والطاعة لهم.

وقد قيل: المراد بالعهد والميثاق الذي أُخِذَ على بني آدم: ما في قوله تعالى: ﴿وَإِذۡ أَخَذَ رَبُّكَ مِنۢ بَنِيٓ ءَادَمَ مِن ظُهُورِهِمۡ ذُرِّيَّتَهُمۡ وَأَشۡهَدَهُمۡ عَلَىٰٓ أَنفُسِهِمۡ أَلَسۡتُ بِرَبِّكُمۡۖ قَالُواْ بَلَىٰ شَهِدۡنَآۚ أَن تَقُولُواْ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ إِنَّا كُنَّا عَنۡ هَٰذَا غَٰفِلِينَ﴾ [الأعراف:١٧٢].

قال المفسِّرون: وإن كنا لا نذكُرُهُ فقد أُخبِرْنا به.

وقيل: هو العهدُ والميثاق الذي أخذه النبي ﷺ على الأنصار بأمر من الله في بيعة العَقَبة، وهو السمع والطاعة في كل ما أمر ونهى.

ثم أمَرَ سبحانه عباده أن يخافوا الله في جميع أحوالهم، في سرِّهم ونجواهم؛ فإنه سبحانه عليمٌ بخفيَّات قلوب عباده، ومجازيهم عليها.

[8] ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ كُونُواْ قَوَّٰمِينَ لِلَّهِ شُهَدَآءَ بِٱلۡقِسۡطِۖ وَلَا يَجۡرِمَنَّكُمۡ شَنَـَٔانُ قَوۡمٍ عَلَىٰٓ أَلَّا تَعۡدِلُواْۚ ٱعۡدِلُواْ هُوَ أَقۡرَبُ لِلتَّقۡوَىٰۖ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَۚ إِنَّ ٱللَّهَ خَبِيرُۢ بِمَا تَعۡمَلُونَ 8﴾:

يا أيها الذين آمنوا بالله، واتَّبعوا رسوله، وعملوا بشرعه، قوموا لله بكل حق يلزمكم القيام به، مِنَ العمل بطاعته والاستقامة على شرعه، والتزموا العدل في الشهادة، ولا يحملنَّكم شِدَّةُ بغضكم للكفار والمشركين على ترك العدل معهم؛ فيؤدِّي بكم ذلك إلى الاعتداء عليهم وظلمهم.

ثم أمَرَ سبحانه بالعدل مع المؤمنين ومع الأعداء، وبيَّن أن ذلك أقرب لخشية الله، واتِّقاء ناره حتى لا تصيبكم، واتَّقوا الله -أيها المؤمنون- بالعمل بطاعته والبعد عن معصيته؛ إنه سبحانه خبيرٌ بما تعملون، وسيجازيكم على أعمالكم؛ إنْ خيرًا فخير، وإنْ شرًّا فشرّ.

[9] ﴿وَعَدَ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ لَهُم مَّغۡفِرَةٞ وَأَجۡرٌ عَظِيمٞ 9﴾:

ثم وعَدَ جل وعلا الذين آمنوا بالله ورسوله، وعملوا الأعمال الصالحة؛ أن يعفُوَ عن ذنوبهم، ويغفر لهم، ويُجْزِل لهم الثواب، وهذا الوعد تفضُّلٌ منه سبحانه، والله لا يخلف الميعاد.

[10] ﴿وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَكَذَّبُواْ بِـَٔايَٰتِنَآ أُوْلَٰٓئِكَ أَصۡحَٰبُ ٱلۡجَحِيمِ 10﴾:

واعلموا أن أولئك الذين كفروا بالله، وأعرضوا عن دينه، وكذَّبوا بآياته الدالة على وحدانيته، وصِدْقِ رسالته، هم أهل النار وأصحابها، خالدين في جهنم لا يفارقونها أبدًا.

[11] ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱذۡكُرُواْ نِعۡمَتَ ٱللَّهِ عَلَيۡكُمۡ إِذۡ هَمَّ قَوۡمٌ أَن يَبۡسُطُوٓاْ إِلَيۡكُمۡ أَيۡدِيَهُمۡ فَكَفَّ أَيۡدِيَهُمۡ عَنكُمۡۖ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَۚ وَعَلَى ٱللَّهِ فَلۡيَتَوَكَّلِ ٱلۡمُؤۡمِنُونَ 11﴾:

يا أيها الذين آمنوا بالله، واتبعوا رسوله، وعملوا بشرعه، اذكروا نعمة ربكم عليكم وقت الشدة حين هَمَّ قوم من المشركين أو اليهود أن يقتلوكم ويقتلوا نبيَّكم، فأحبَطَ الله كيدهم، وكَفَّ أيديهم عنكم؛ فاتقوا الله الذي أراكم قدرته بكَفِّ أيديهم عنكم، وتوكَّلوا عليه وحده في جميع أموركم؛ إنه خير كفيل، وأفضل معين.

[12] ﴿وَلَقَدۡ أَخَذَ ٱللَّهُ مِيثَٰقَ بَنِيٓ إِسۡرَٰٓءِيلَ وَبَعَثۡنَا مِنۡهُمُ ٱثۡنَيۡ عَشَرَ نَقِيبٗاۖ وَقَالَ ٱللَّهُ إِنِّي مَعَكُمۡۖ لَئِنۡ أَقَمۡتُمُ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتَيۡتُمُ ٱلزَّكَوٰةَ وَءَامَنتُم بِرُسُلِي وَعَزَّرۡتُمُوهُمۡ وَأَقۡرَضۡتُمُ ٱللَّهَ قَرۡضًا حَسَنٗا لَّأُكَفِّرَنَّ عَنكُمۡ سَيِّـَٔاتِكُمۡ وَلَأُدۡخِلَنَّكُمۡ جَنَّٰتٖ تَجۡرِي مِن تَحۡتِهَا ٱلۡأَنۡهَٰرُۚ فَمَن كَفَرَ بَعۡدَ ذَٰلِكَ مِنكُمۡ فَقَدۡ ضَلَّ سَوَآءَ ٱلسَّبِيلِ 12﴾:

ثم بيَّن جل وعلا أنه أخذ العهد والميثاق على بني إسرائيل على أن يعملوا بما في التوراة، وأمر سبحانه موسى عليه السلام أن يجعل عليهم اثنَيْ عشَرَ نقيبًا، أي: مسؤولًا رئيسًا عليهم يأخذون عليهم العهد والميثاق بالسمع والطاعة لله ولرسوله ولكتابه، ثم قال الله لبني إسرائيل: اعلموا أني معكم بالعَوْن والنصر والتأييد؛ إذا أقمتم الصلاة، وآتيتم الزكاة المفروضة، وآمنتم برسلي، ونصرتموهم، وأنفقتم في وجوه الخير؛ فإذا فعلتم هذه التكاليف، فسوف أمحو عنكم سيئاتكم، وأُدْخِلكم جناتٍ تجري من تحت قصورها وأشجارها الأنهار؛ فمن جحَدَ هذا العهد والميثاق منكم بعد أن عرف هذه الأوامر، فقد ضل وحاد عن الطريق السويِّ المستقيم.

وإسرائيلُ: هو يعقوبُ عليه السلام، وأولاده اثنا عشَرَ ولدًا، وكل واحد منهم تكوَّنت منه قبيلة بالتناسل، وكل قبيلة جُعِلَ عليها نقيبُها البارز من رجالها الذي يَعْرِفُ خصائصهم ويجلُّونه.

[13] ﴿فَبِمَا نَقۡضِهِم مِّيثَٰقَهُمۡ لَعَنَّٰهُمۡ وَجَعَلۡنَا قُلُوبَهُمۡ قَٰسِيَةٗۖ يُحَرِّفُونَ ٱلۡكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِۦ وَنَسُواْ حَظّٗا مِّمَّا ذُكِّرُواْ بِهِۦۚ وَلَا تَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَىٰ خَآئِنَةٖ مِّنۡهُمۡ إِلَّا قَلِيلٗا مِّنۡهُمۡۖ فَٱعۡفُ عَنۡهُمۡ وَٱصۡفَحۡۚ إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلۡمُحۡسِنِينَ 13﴾:

ثم بيَّن جل وعلا أنه بسبب نقض بني إسرائيل العهود والمواثيق طَرَدَهم من رحمته، وجعل قلوبهم قاسيةً كالحجارة أو أشد قسوة، ثم بيَّن سبحانه أن من جرائم بني إسرائيل: أنهم يحرِّفون كلام الله عن معناه الأصلي إلى ما يوافق أهواءهم، وتركوا نصيبًا وافرًا وقسمًا نفيسًا مما أُمِروا به في التوراة فلم يعملوا به، واعلم -أيها النبي- أنك لا تزال ترى منهم الخيانة والغدر؛ فلا تَظُنَّ أنك آمِنٌ من كيدهم؛ فهم قوم غدَّارون لا أمان لهم، إلا قليلًا منهم ممن أسلم ولم يخن العهد.

ثم أمَرَ سبحانه نبيه ﷺ أن يتجاوز عنهم، وأن يصفح عن سوء معاملتهم، وأن يُحْسِنَ إليهم؛ لأن الله يحب المحسنين.

[14] ﴿وَمِنَ ٱلَّذِينَ قَالُوٓاْ إِنَّا نَصَٰرَىٰٓ أَخَذۡنَا مِيثَٰقَهُمۡ فَنَسُواْ حَظّٗا مِّمَّا ذُكِّرُواْ بِهِۦ فَأَغۡرَيۡنَا بَيۡنَهُمُ ٱلۡعَدَاوَةَ وَٱلۡبَغۡضَآءَ إِلَىٰ يَوۡمِ ٱلۡقِيَٰمَةِۚ وَسَوۡفَ يُنَبِّئُهُمُ ٱللَّهُ بِمَا كَانُواْ يَصۡنَعُونَ 14﴾:

ثم أخبَرَ جل وعلا أنه أخذ كذلك العهد والميثاق على الذين ادَّعَوْا أنهم أتباع المسيح عيسى بن مريم عليه السلام، كما أخذه على اليهود، وهؤلاء أيضًا تخلَّوْا عن دينهم، وتركوا نصيبًا وافرًا وشيئًا نفيسًا من تعاليم دينهم التي أُمِروا بها؛ فعاقَبَهم الله بأنْ جعَلَ بينهم العداوة والبغضاء إلى يوم القيامة، وسوف يُخبرهم الله يوم القيامة بما كانوا يعملون، وسيعاقبهم على أفعالهم القبيحة التي كانوا يعملونها.

[15] ﴿يَٰٓأَهۡلَ ٱلۡكِتَٰبِ قَدۡ جَآءَكُمۡ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمۡ كَثِيرٗا مِّمَّا كُنتُمۡ تُخۡفُونَ مِنَ ٱلۡكِتَٰبِ وَيَعۡفُواْ عَن كَثِيرٖۚ قَدۡ جَآءَكُم مِّنَ ٱللَّهِ نُورٞ وَكِتَٰبٞ مُّبِينٞ 15﴾:

ثم وجَّه جل وعلا النداء لليهود والنصارى، فقال: يا معشر اليهود والنصارى، قد جاءكم الرسول محمد ﷺ داعيًا إلى الحق، ومبيِّنًا لكم كثيرًا مما كنتم تكتمونه عن الناس من التوراة والإنجيل، وتاركًا كثيرًا مما أخفيتموه ممَّا لم تدع الحاجة إلى إظهاره، واعلموا أن نبي الله محمدًا ﷺ جاءكم من عند الله بأحكام هي نُورٌ في ذاتها، وهذه الأحكام مبيَّنةٌ في كتاب واضح، وهو القرآن الكريم.

[16] ﴿يَهۡدِي بِهِ ٱللَّهُ مَنِ ٱتَّبَعَ رِضۡوَٰنَهُۥ سُبُلَ ٱلسَّلَٰمِ وَيُخۡرِجُهُم مِّنَ ٱلظُّلُمَٰتِ إِلَى ٱلنُّورِ بِإِذۡنِهِۦ وَيَهۡدِيهِمۡ إِلَىٰ صِرَٰطٖ مُّسۡتَقِيمٖ 16﴾:

ثم بيَّن جل وعلا أن هذا القرآن العظيم الذي أنزله على نبيه محمد ﷺ يَهْدِي به الله من اتَّبع رضا الله، ويهديهم إلى سُبُل النجاة في الدنيا والآخرة، ويُخْرِجهم من ظلمات الكفر والضلال إلى نور الإسلام والإيمان بتوفيقه، ويُرْشِدهم إلى طريق الحق الواضح المستقيم.

[17] ﴿لَّقَدۡ كَفَرَ ٱلَّذِينَ قَالُوٓاْ إِنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلۡمَسِيحُ ٱبۡنُ مَرۡيَمَۚ قُلۡ فَمَن يَمۡلِكُ مِنَ ٱللَّهِ شَيۡـًٔا إِنۡ أَرَادَ أَن يُهۡلِكَ ٱلۡمَسِيحَ ٱبۡنَ مَرۡيَمَ وَأُمَّهُۥ وَمَن فِي ٱلۡأَرۡضِ جَمِيعٗاۗ وَلِلَّهِ مُلۡكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ وَمَا بَيۡنَهُمَاۚ يَخۡلُقُ مَا يَشَآءُۚ وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ قَدِيرٞ 17﴾:

ثم بيَّن جل وعلا أن هؤلاء النصارى قد كفروا؛ لأنهم ادَّعَوْا أن الله هو المسيح بن مريم، وهذا من أقبح الكفر؛ حيث جعلوا المخلوق خالقًا، فقل لهم -أيها النبي-: فمَنْ يقدر أن يدفع عن المسيح شيئًا أراده الله تعالى به؟! كأن يريد سبحانه أن يهلك عيسى بن مريم وأمه، بل ويهلك جميع مَن في الأرض؛ واعلموا أيها الناس أن لله جميع ما في السموات والأرض وما بينهما، يخلُقُ ما يشاء على أي مثال أراد؛ فقد خلَقَ عيسى مِنْ غير أب، وخلَقَ حوَّاء من غير أم، وخلَقَ آدم من غير أب وأم، والله جل في علاه عظيمٌ، ذو قُدْرة مطلقة؛ لا يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء.

[18] ﴿وَقَالَتِ ٱلۡيَهُودُ وَٱلنَّصَٰرَىٰ نَحۡنُ أَبۡنَٰٓؤُاْ ٱللَّهِ وَأَحِبَّٰٓؤُهُۥۚ قُلۡ فَلِمَ يُعَذِّبُكُم بِذُنُوبِكُمۖ بَلۡ أَنتُم بَشَرٞ مِّمَّنۡ خَلَقَۚ يَغۡفِرُ لِمَن يَشَآءُ وَيُعَذِّبُ مَن يَشَآءُۚ وَلِلَّهِ مُلۡكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ وَمَا بَيۡنَهُمَاۖ وَإِلَيۡهِ ٱلۡمَصِيرُ 18﴾:

ثم أخبَرَ جل وعلا بما قالت اليهود والنصارى؛ حيث قالت كل واحدة منهما: ﴿نَحۡنُ أَبۡنَٰٓؤُاْ ٱللَّهِ وَأَحِبَّٰٓؤُهُۥۚ ﴾؛ فقل -أيها النبي- لهؤلاء: إن كنتم كما تقولون: إنَّكم أبناء الله وأحباؤه، فلِمَ يعذِّبُكُم بذنوبكم؟! ثم أخبر جل في علاه أنهم بشر كسائر بني آدم، وأنه سبحانه يغفر لمن تاب من اليهود والنصارى وجميع الكَفَرة الجاحدين لنبوَّة محمد ﷺ، ويعذِّب كل من جحد نبوَّة محمد ﷺ، ومات على ذلك، واعلموا أن لله جميع ما في السموات والأرض وما بينهما، وأن إليه مصير ومرجع جميع العباد، ثم يحكُمُ بينهم بالعدل، ويجازي كلًّا بما يستحقه.

وقد قال تعالى في آية أخرى: ﴿وَقَالَتِ ٱلۡيَهُودُ لَيۡسَتِ ٱلنَّصَٰرَىٰ عَلَىٰ شَيۡءٖ وَقَالَتِ ٱلنَّصَٰرَىٰ لَيۡسَتِ ٱلۡيَهُودُ عَلَىٰ شَيۡءٖ﴾ [البقرة:١١٣]؛ وعلى هذا فتكون اليهود قالت عن نفسها فقطْ، والنصارى قالت عن نفسها فقطْ؛ لأن كل فريق منهما يعتقد ضلال الآخر.

[19] ﴿يَٰٓأَهۡلَ ٱلۡكِتَٰبِ قَدۡ جَآءَكُمۡ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمۡ عَلَىٰ فَتۡرَةٖ مِّنَ ٱلرُّسُلِ أَن تَقُولُواْ مَا جَآءَنَا مِنۢ بَشِيرٖ وَلَا نَذِيرٖۖ فَقَدۡ جَآءَكُم بَشِيرٞ وَنَذِيرٞۗ وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ قَدِيرٞ 19﴾:

واعلموا -يا معشر اليهود والنصارى- أنه قد جاءكم رسول الله محمد ﷺ يدعوكم لعبادة الله وحده لا شريك له، وذلك بعد فترةِ انقطاعٍ من الرسل والأنبياء، وضلالٍ كبيرٍ في العقائد والمعاملات والأفكار؛ لكيلا تقولوا يوم القيامة: ما جاءنا من بشير ولا نذير، فقد جاءكم بشير ونذير، وهو محمَّد ﷺ، يبشِّر المؤمنين بالجنة، وينذر العاصين والكافرين بالنار، واعلموا أن الله قادرٌ على عقاب العاصين، وإثابة الطائعين؛ لا يمنعه شيء من ذلك.

[20] ﴿وَإِذۡ قَالَ مُوسَىٰ لِقَوۡمِهِۦ يَٰقَوۡمِ ٱذۡكُرُواْ نِعۡمَةَ ٱللَّهِ عَلَيۡكُمۡ إِذۡ جَعَلَ فِيكُمۡ أَنۢبِيَآءَ وَجَعَلَكُم مُّلُوكٗا وَءَاتَىٰكُم مَّا لَمۡ يُؤۡتِ أَحَدٗا مِّنَ ٱلۡعَٰلَمِينَ 20﴾:

واذكر -أيها النبي- للناس حين قال موسى عليه السلام لقومه: يا قوم، اذكروا نعمة الله عليكم بالشكر؛ فقد اختار منكم أنبياء كثيرين، وصار كل واحد منكم مالكًا على نفسه وأهله وأمره، وجعلكم تعيشون في أمن وأمان وحُرِّية واستقلال، بعد أن كنتم عبيدًا عند فِرْعَوْنَ وقومه؛ كما حكى الله عن فرعون أنه قال: ﴿أَنُؤۡمِنُ لِبَشَرَيۡنِ مِثۡلِنَا وَقَوۡمُهُمَا لَنَا عَٰبِدُونَ﴾ [المؤمنون:47]، ومنحكم سبحانه من النعم الأخرى ما لم يؤت أحدًا غيركم من العالمين.

[21] ﴿يَٰقَوۡمِ ٱدۡخُلُواْ ٱلۡأَرۡضَ ٱلۡمُقَدَّسَةَ ٱلَّتِي كَتَبَ ٱللَّهُ لَكُمۡ وَلَا تَرۡتَدُّواْ عَلَىٰٓ أَدۡبَارِكُمۡ فَتَنقَلِبُواْ خَٰسِرِينَ 21﴾:

ثم قال موسى عليه السلام لقومه: يا قوم، ادخلوا الأرض المطهَّرة التي طُهِّرَتْ من الشرك، وجُعِلَتْ مسكنًا للأنبياء، وهي: بيت المَقْدِس، ولا ترجعوا عن قتال الجبَّارين؛ فتخسروا خسرانًا مبينًا.

[22] ﴿قَالُواْ يَٰمُوسَىٰٓ إِنَّ فِيهَا قَوۡمٗا جَبَّارِينَ وَإِنَّا لَن نَّدۡخُلَهَا حَتَّىٰ يَخۡرُجُواْ مِنۡهَا فَإِن يَخۡرُجُواْ مِنۡهَا فَإِنَّا دَٰخِلُونَ 22﴾:

ثم قال بنو إسرائيل لموسى عليه السلام: يا موسى، إن في هذه الأرض قومًا أشدَّاءَ ذوي قوة، وكانوا من بقايا عاد، يقال لهم: العمالقة، واعلم أننا لا يمكن أن نَدْخُلَها وهم فيها؛ فإنْ خرَجُوا منها، فإنَّا داخلون.

[23] ﴿قَالَ رَجُلَانِ مِنَ ٱلَّذِينَ يَخَافُونَ أَنۡعَمَ ٱللَّهُ عَلَيۡهِمَا ٱدۡخُلُواْ عَلَيۡهِمُ ٱلۡبَابَ فَإِذَا دَخَلۡتُمُوهُ فَإِنَّكُمۡ غَٰلِبُونَۚ وَعَلَى ٱللَّهِ فَتَوَكَّلُوٓاْ إِن كُنتُم مُّؤۡمِنِينَ 23﴾:

ثم أخبَرَ جل وعلا عن رجلين من الذين يخشون الله تعالى، قد أنعم الله عليهما بالإيمان، وهما: يُوشَعُ بنُ نُون، وكالِبُ بنُ يُوفَنَّا، قالا: يا قوم، لا تخافوا هؤلاء القوم الجبَّارين، ولا تغُرَّنَّكم أجسامهم الضخمة؛ فإن قلوبهم ضعيفة؛ فاستعِدُّوا وادخلوا عليهم باب المدينة، وواجهوهم على حين غِرَّة، فإذا فعلتم ذلك، فإنكم ستنتصرون بإذن الله، وتوكَّلوا على الله وحده في كل أموركم إن كنتم صادقين في إيمانكم، واعلموا أن من يتوكَّلْ على الله، فسوف ينصرُهُ الله ويُعِزُّه.

[24] ﴿قَالُواْ يَٰمُوسَىٰٓ إِنَّا لَن نَّدۡخُلَهَآ أَبَدٗا مَّا دَامُواْ فِيهَا فَٱذۡهَبۡ أَنتَ وَرَبُّكَ فَقَٰتِلَآ إِنَّا هَٰهُنَا قَٰعِدُونَ 24﴾:

ولكنَّ قوم موسى عليه السلام أصروا على العناد والتمرُّد، ومخالفة أوامره، فقالوا: إنَّا لن ندخُلَ الأرض المقدَّسة يا موسى أبدًا ما دام فيها هؤلاء القوم الجبَّارون؛ فدعنا واذهَبْ أنت وربُّك فقاتِلاهم وحدكما، إنا هاهنا قاعدون، ولن نتحرَّك من مكاننا، ولن نشارككما أبدًا.

فانظر كيف كان تعامل اليهود السيِّئ مع نبيهم عليه السلام؛ فهم قومٌ بُهْتٌ لا يريدون الحق؛ ولهذا غَضِبَ الله عليهم؛ بسبب كفرهم وضلالهم، ووقاحتهم مع أنبيائهم.

[25] ﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي لَآ أَمۡلِكُ إِلَّا نَفۡسِي وَأَخِيۖ فَٱفۡرُقۡ بَيۡنَنَا وَبَيۡنَ ٱلۡقَوۡمِ ٱلۡفَٰسِقِينَ 25﴾:

وبعد أنْ رفض قوم موسى دخول الأرض المقدَّسة؛ حينها توجَّه موسى عليه السلام معتذرًا إلى الله مِنْ عناد قومه وفسوقهم ورفضهم نصرة دين الله، فقال: يا رب، إني لا أجد أحدًا مؤيِّدًا لي على قتال هؤلاء القوم الجبَّارين؛ فأنا لا أملك إلا أمر نفسي، وكذلك أمر أخي هارون، فافصِلْ -يا رب- بيننا وبين هؤلاء القوم الفاسقين، العاصين لله ولرسوله، الذين خرجوا عن طاعتك، ورفضوا أوامرك.

[26] ﴿قَالَ فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيۡهِمۡۛ أَرۡبَعِينَ سَنَةٗۛ يَتِيهُونَ فِي ٱلۡأَرۡضِۚ فَلَا تَأۡسَ عَلَى ٱلۡقَوۡمِ ٱلۡفَٰسِقِينَ 26﴾:

قال جل وعلا لموسى عليه السلام: اعلم - يا موسى - أن الأرض المقدَّسة محرَّمةٌ على هؤلاء اليهود أربعين سنةً لا يدخلونها أبدًا، ولا يتمتَّعون بخيراتها، ويسيرون على وجوههم تائهين؛ لا يبلُغُونَ مقصدهم أبدًا؛ عقوبةً لهم على عصيانهم وجُبْنهم، وعدم استجابتهم لكلام ربهم ونصح نبيهم، ثم قال جل وعلا لموسى عليه السلام تسليةً له: فلا تَحْزَنْ - يا موسى - على هؤلاء القوم العاصين لله.

قال بعض أهل العلم: إنها محرَّمةٌ عليهم دائمًا وأبدًا، أما الأربعون سنة، فهي مدة التيه، وليست مدة التحريم.

وقد قيل: إنه لم يدخل الأرض المقدَّسة أحدٌ ممن قال: ﴿إِنَّا لَن نَّدۡخُلَهَآ أَبَدٗا﴾؛ بل هلكوا جميعًا في التِّيه، وإنما قاتَلَ الجبابرةَ أولادُهم.

[27] ﴿وَٱتۡلُ عَلَيۡهِمۡ نَبَأَ ٱبۡنَيۡ ءَادَمَ بِٱلۡحَقِّ إِذۡ قَرَّبَا قُرۡبَانٗا فَتُقُبِّلَ مِنۡ أَحَدِهِمَا وَلَمۡ يُتَقَبَّلۡ مِنَ ٱلۡأٓخَرِ قَالَ لَأَقۡتُلَنَّكَۖ قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ ٱللَّهُ مِنَ ٱلۡمُتَّقِينَ 27﴾:

ثم ذكَرَ جل وعلا قصة ابنَيْ آدم عليه السلام؛ فقال سبحانه: واقصُصْ -أيها النبي- على قومك خبر ابنَيْ آدم عليه السلام، وهما: هابيلُ وقابيل؛ حيث قرَّب كل واحد منهما قُرْبانًا؛ فتُقُبِّلَ من أحدهما، وهو هابيل؛ لأنه كان تقيًّا، ولم يُتَقَبَّلْ من الآخر، وهو قابيل؛ لأنه لم يكن تقيًّا، والقربان: اسم لكل ما يُتقرَّبُ به إلى الله؛ فقال قابيل لأخيه هابيل: والله لَأَتَخَلَّصَنَّ منك يا هابيل بالقتل، فرد عليه هابيل، قال: اعلم -يا قابيل- أنما يتقبل الله من المتقين، الذين اتقوا الله بفعل أوامره، واجتناب نواهيه، ولو كنت تقيًّا، لتقبَّلَ الله قربانك.

[28] ﴿لَئِنۢ بَسَطتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقۡتُلَنِي مَآ أَنَا۠ بِبَاسِطٖ يَدِيَ إِلَيۡكَ لِأَقۡتُلَكَۖ إِنِّيٓ أَخَافُ ٱللَّهَ رَبَّ ٱلۡعَٰلَمِينَ 28﴾:

ثم قال هابيل لأخيه قابيل: اعلم -يا قابيل- أنه إذا دعتك نفسُكَ ومدَدتَّ يدك لتقتلني ظلمًا وعدوانًا، فإنني لن أقابِلَكَ بالمثل؛ لأني أخاف الله ربي وربك، وربَّ جميع العالمين.

[29] ﴿إِنِّيٓ أُرِيدُ أَن تَبُوٓأَ بِإِثۡمِي وَإِثۡمِكَ فَتَكُونَ مِنۡ أَصۡحَٰبِ ٱلنَّارِۚ وَذَٰلِكَ جَزَٰٓؤُاْ ٱلظَّٰلِمِينَ 29﴾:

ثم قال هابيل: فإنْ فعَلْتَ -يا قابيل- وقمت بقتلي، فاعلم أنك حمَلْتَ إثم قتلي، والآثام التي فعلتها في حياتك كلها؛ وبذلك ستكون في الآخرة من أهل النار، واعلم أن هذا جزاء المعتدين.

[30] ﴿فَطَوَّعَتۡ لَهُۥ نَفۡسُهُۥ قَتۡلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُۥ فَأَصۡبَحَ مِنَ ٱلۡخَٰسِرِينَ 30﴾:

ثم أخبَرَ جل وعلا أن قابيل حملته نفسه على قتل أخيه هابيل، فقتله؛ وبهذه الجريمة العظيمة خَسِرَ قابيلُ نفسه، وأوردها موارد الهلاك في الآخرة، وخَسِرَ أخاه هابيل؛ حيث فقَدَ الناصر والمعين في الدنيا الذي كان سنده ومُؤْنِسَهُ؛ كما قيل:

أَخَاكَ أَخَاكَ إنَّ مَنْ لاَ أَخَا لَهُ

كَسَاعٍ إلَى الهَيْجَا بِغَيْرِ سِلَاحِ

[31] ﴿فَبَعَثَ ٱللَّهُ غُرَابٗا يَبۡحَثُ فِي ٱلۡأَرۡضِ لِيُرِيَهُۥ كَيۡفَ يُوَٰرِي سَوۡءَةَ أَخِيهِۚ قَالَ يَٰوَيۡلَتَىٰٓ أَعَجَزۡتُ أَنۡ أَكُونَ مِثۡلَ هَٰذَا ٱلۡغُرَابِ فَأُوَٰرِيَ سَوۡءَةَ أَخِيۖ فَأَصۡبَحَ مِنَ ٱلنَّٰدِمِينَ 31﴾:

ثم إن قابيل لما قتَلَ أخاه هابيل، لم يعرف كيف يتصرَّف في جسد أخيه الذي عز عليه أن تأكله السباع والطير، فأرسل اللهُ غرابًا يَحْفِرُ في الأرض برِجْله ومنقاره ليدفِنَ غرابًا آخر ميتًا؛ ليريه كيف يخفي جسَدَ أخيه؛ لأنه كان يحمله على عاتقه ويمشي به لا يدري ما يفعل به؛ فلما رأى قابيلُ ما صنع الغراب، قال نادمًا: يا ويلي، ويا هلاكي، أعجَزْتُ أن أفعل كما فعل هذا الغراب؛ فأخفي جسد أخي؛ فصار من النادمين على جهله وجريمته الشنيعة.

[32] ﴿مِنۡ أَجۡلِ ذَٰلِكَ كَتَبۡنَا عَلَىٰ بَنِيٓ إِسۡرَٰٓءِيلَ أَنَّهُۥ مَن قَتَلَ نَفۡسَۢا بِغَيۡرِ نَفۡسٍ أَوۡ فَسَادٖ فِي ٱلۡأَرۡضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ ٱلنَّاسَ جَمِيعٗا وَمَنۡ أَحۡيَاهَا فَكَأَنَّمَآ أَحۡيَا ٱلنَّاسَ جَمِيعٗاۚ وَلَقَدۡ جَآءَتۡهُمۡ رُسُلُنَا بِٱلۡبَيِّنَٰتِ ثُمَّ إِنَّ كَثِيرٗا مِّنۡهُم بَعۡدَ ذَٰلِكَ فِي ٱلۡأَرۡضِ لَمُسۡرِفُونَ 32﴾:

ثم بيَّن جل وعلا أنه بسبب ما قام به قابيل من قتل أخيه هابيل حَسَدًا وظُلْمًا، فرض سبحانه وتعالى على بني إسرائيل أنه مَنْ قتل نفسًا بغير قصاصٍ، أو بغير فساد منها في الأرض، فكأنه قتَلَ الناس جميعًا؛ لأن قَتْلَ النَّفْسِ الواحدةِ كقتل الجميع في استجلاب غَضَب الله وعذابه، ثم بيَّن سبحانه أن من أحيا نفسًا كأنِ استحَقَّ عليها القتلُ، فعفا عنها، وتركها لله، فإنه يُعطَى أجر من أحيا الناس جميعًا؛ وكذلك من أنقذ نفسًا من هلاك، كما جاء عن مجاهد([3]) أنه قال: (إحياؤها: إنجاؤها من غَرَق أو حَرَق أو هَدْم أو هلكة)؛ فهذا أيضًا كأنما أحيا الناس جميعًا؛ لأن الحفاظ على حُرْمة إنسان واحد حفاظ على حرمات الناس جميعًا. ثم أخبَرَ جل وعلا أن بني إسرائيل جاءتهم الرسل بالحجج الواضحات، والبراهين البينات، ولكنَّ كثيرًا منهم خالفوا هذه الحجج والبراهين، وأسرفوا في الأرض بكثرة المعاصي والبغي والعدوان. [3] ينظر: تفسير ابن كثير (٣/ ٩٣)، وتفسير الطبري (٨/ ٣٥٥).

[33] ﴿إِنَّمَا جَزَٰٓؤُاْ ٱلَّذِينَ يُحَارِبُونَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ وَيَسۡعَوۡنَ فِي ٱلۡأَرۡضِ فَسَادًا أَن يُقَتَّلُوٓاْ أَوۡ يُصَلَّبُوٓاْ أَوۡ تُقَطَّعَ أَيۡدِيهِمۡ وَأَرۡجُلُهُم مِّنۡ خِلَٰفٍ أَوۡ يُنفَوۡاْ مِنَ ٱلۡأَرۡضِۚ ذَٰلِكَ لَهُمۡ خِزۡيٞ فِي ٱلدُّنۡيَاۖ وَلَهُمۡ فِي ٱلۡأٓخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ 33﴾:

أخبَرَ جل وعلا أن الذين يحاربونه، ويحاربون رسوله ﷺ، ويسعون في الأرض فسادًا؛ بقطع الطرق وقتل الناس وترويعهم، فإنهم يعاقبون في الدنيا عقابًا شديدًا؛ بأن يُقَتَّلُوا أو يُصَلَّبُوا مع القتل، أو تُقَطَّعَ أيديهم اليمنى مع أرجلهم اليسرى، فإن عادوا لذنبهم فتُقَطَّعُ أيديهم اليسرى مع أرجلهم اليمنى، أو يُنْفَوْا من بلدهم إلى بلد آخر، ومن النفيِ السجنُ، وهذا العقابُ ذُلٌّ وفضيحة لهم في الدنيا، ولهم في الآخرة عذاب عظيم؛ وذلك لعظم الجريمة التي ارتكبوها.

[34] ﴿إِلَّا ٱلَّذِينَ تَابُواْ مِن قَبۡلِ أَن تَقۡدِرُواْ عَلَيۡهِمۡۖ فَٱعۡلَمُوٓاْ أَنَّ ٱللَّهَ غَفُورٞ رَّحِيمٞ 34﴾:

ثم أخبَرَ جل وعلا أن من تاب وأناب من جريمته، وعمل عملًا صالحًا، ورد المظالم إلى أهلها من قبل أن يُلْقَى القبض عليه، فإنه لا يجوز معاقبته، واعلموا أن الله غفورٌ لذنوب عباده التائبين، رحيمٌ بهم.

وهذه الآية تسمَّى: (آيةَ الحِرَابة)؛ وهي دليل على عظم جريمة قطع الطريق وإرهاب الآمنين.

[35] ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَٱبۡتَغُوٓاْ إِلَيۡهِ ٱلۡوَسِيلَةَ وَجَٰهِدُواْ فِي سَبِيلِهِۦ لَعَلَّكُمۡ تُفۡلِحُونَ 35﴾:

أمَرَ جل وعلا عباده المؤمنين أن يطلبوا رضا الله؛ بامتثال أوامره، واجتناب نواهيه، وهذه هي الوسيلة إلى رضاه جل في علاه، ثم حَضَّ سبحانه على الجهاد في سبيله؛ لأنه مِن أجلِّ الطاعات، وأفضلِ القُرُبات إلى الله سبحانه، ولأن فيه الفلاحَ والفوز بالسعادة الأبدية، والنجاةَ مِنْ عذاب الله يوم القيامة، ولأنه سَنَامُ الإسلام، وما ترك الجهادَ قومٌ إلا ذَلُّوا.

[36] ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَوۡ أَنَّ لَهُم مَّا فِي ٱلۡأَرۡضِ جَمِيعٗا وَمِثۡلَهُۥ مَعَهُۥ لِيَفۡتَدُواْ بِهِۦ مِنۡ عَذَابِ يَوۡمِ ٱلۡقِيَٰمَةِ مَا تُقُبِّلَ مِنۡهُمۡۖ وَلَهُمۡ عَذَابٌ أَلِيمٞ 36﴾:

إن الذين كفروا بالله وأعرضوا عن دينه، لو أن لهم جميعَ ما في الأرض من الأموال وغيرها، ومثله أيضًا، وأرادوا أن يجعلوه فِدْيةً لأنفسهم من عذاب الله يوم القيامة، فلن يَقْبَلَ الله منهم ذلك، ولن يكون ذلك سبيلًا إلى خلاصهم من العقاب؛ بل لهم عذاب مؤلم شديد موجع يوم القيامة.

[37] ﴿يُرِيدُونَ أَن يَخۡرُجُواْ مِنَ ٱلنَّارِ وَمَا هُم بِخَٰرِجِينَ مِنۡهَاۖ وَلَهُمۡ عَذَابٞ مُّقِيمٞ 37﴾:

أخبَرَ جل وعلا أن الكفار الذين دخلوا النار يوم القيامة يتمنَّوْنَ أن يخرجوا منها، ولكنَّ الله سبحانه أخبَرَ أنهم لن يخرجوا منها أبدًا، ولهم فيها عذاب أليم دائم لا ينقطع.

[38] ﴿وَٱلسَّارِقُ وَٱلسَّارِقَةُ فَٱقۡطَعُوٓاْ أَيۡدِيَهُمَا جَزَآءَۢ بِمَا كَسَبَا نَكَٰلٗا مِّنَ ٱللَّهِۗ وَٱللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٞ 38﴾:

ثم شرَعَ جل وعلا في بيان حكم السرقة، فقال: ﴿وَٱلسَّارِقُ وَٱلسَّارِقَةُ فَٱقۡطَعُوٓاْ أَيۡدِيَهُمَا﴾ أي: اقطعوا يمينَ كلٍّ منهما من مَفْصِلِ الكف، ولا يؤخذ من الذراع شيءٌ -وجاء في السُّنَّةِ: أن القطع يكون في ربع دينار فصاعدًا ([4])- وإذا عاد، قُطِعَتْ رجله اليُسْرى من مَفْصِلِ القَدَم، ثم يدُهُ اليُسْرى، ثم رجلُهُ اليمنى، وبعد ذلك يعزَّران عقوبة لهما على فعلهما المحرَّم، واعلموا أن هذا الحد مجازاة لهما بسبب اعتدائهما على أموال الناس بغير حق، وأيضًا هو رَدْعٌ للآخرين الذين يفكِّرون بالسرقة، والله عزيزٌ في ملكه، حكيمٌ في أمره ونهيه. [4] لقول عائشة رضي الله عنها: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَقْطَعُ السَّارِقَ فِي رُبُعِ دِينَارٍ فَصَاعِدًا»، أخرجه مسلم (1684).

[39] ﴿فَمَن تَابَ مِنۢ بَعۡدِ ظُلۡمِهِۦ وَأَصۡلَحَ فَإِنَّ ٱللَّهَ يَتُوبُ عَلَيۡهِۚ إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٞ رَّحِيمٌ 39﴾:

ثم بيَّن جل وعلا أن مَنْ تاب عن السرقة بعد ظلمه لنفسه باقترافها، وأعاد المسروق لأربابه إنْ قدَرَ، وأصلح إيمانه؛ بفعلِ الطاعات، وتَرْكِ المنهيات، فإن الله يقبل توبته، ويغفر ذنبه؛ إن الله غفورٌ لذنوب عباده التائبين، رحيمٌ بهم.

[40] ﴿أَلَمۡ تَعۡلَمۡ أَنَّ ٱللَّهَ لَهُۥ مُلۡكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ يُعَذِّبُ مَن يَشَآءُ وَيَغۡفِرُ لِمَن يَشَآءُۗ وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ قَدِيرٞ 40﴾:

لقد علمتَ -أيها الرسول- أن الله وحده له جميع ما في السموات والأرض؛ يعذِّب من يشاء تعذيبه بحكمته وعدله وقدرته، ويغفر لمن يشاء أن يغفر له بحكمته ورحمته؟! والله على كل شيء قدير، لا يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء.

[41] ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلرَّسُولُ لَا يَحۡزُنكَ ٱلَّذِينَ يُسَٰرِعُونَ فِي ٱلۡكُفۡرِ مِنَ ٱلَّذِينَ قَالُوٓاْ ءَامَنَّا بِأَفۡوَٰهِهِمۡ وَلَمۡ تُؤۡمِن قُلُوبُهُمۡۛ وَمِنَ ٱلَّذِينَ هَادُواْۛ سَمَّٰعُونَ لِلۡكَذِبِ سَمَّٰعُونَ لِقَوۡمٍ ءَاخَرِينَ لَمۡ يَأۡتُوكَۖ يُحَرِّفُونَ ٱلۡكَلِمَ مِنۢ بَعۡدِ مَوَاضِعِهِۦۖ يَقُولُونَ إِنۡ أُوتِيتُمۡ هَٰذَا فَخُذُوهُ وَإِن لَّمۡ تُؤۡتَوۡهُ فَٱحۡذَرُواْۚ وَمَن يُرِدِ ٱللَّهُ فِتۡنَتَهُۥ فَلَن تَمۡلِكَ لَهُۥ مِنَ ٱللَّهِ شَيۡـًٔاۚ أُوْلَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ لَمۡ يُرِدِ ٱللَّهُ أَن يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمۡۚ لَهُمۡ فِي ٱلدُّنۡيَا خِزۡيٞۖ وَلَهُمۡ فِي ٱلۡأٓخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٞ 41﴾:

هذا نداء من الله جل وعلا لرسوله ﷺ: ألَّا تتألَّمْ من الذين يسارعون في الكفر جاحدين نبوَّتك، وهم المنافقون الذين يُظْهِرون الإسلام، ولم تؤمن قلوبهم، ولا تتألَّمْ من اليهود الذين أنكروا نبوَّتك؛ فإنهم قوم يُكْثِرون من الاستماع إلى ما يقوله رؤساؤهم وأحبارهم من الكذب والافتراء، ويستمعون لقوم آخرين لا يحضُرُونَ مجلسك، وهؤلاء الذين لا يحضُرُونَ مجلسك يبدِّلون أحكام الله، ويقولون: إذا حكَمَ لكم محمد بحكم يوافق هواكم، فاقبلوا حكمه، وإذا حكم لكم بحكم لا يوافق هواكم، فاحذروا أن تتَّبعوه.

ثم بيَّن سبحانه أن مَنْ شاء الله إضلاله من الناس -بسبب إصراره على الكفر وعناده؛ فإضلاله له هو تثبيته على ما اختاره لنفسه- فاعلم -أيها النبي- أنك لا تملك أن ترُدَّ أمر الله.

واعلم أن هؤلاء المنافقين واليهود لم يُرِدِ الله أن يطهِّر قلوبهم من الشرك والنفاق الذي أُشْرِبَتْهُ قلوبهم، فطبَعَ الله عليها، ولهم في الدنيا ذُلٌّ وهوان، وفي الآخرة عذاب عظيم دائم.

[42] ﴿سَمَّٰعُونَ لِلۡكَذِبِ أَكَّٰلُونَ لِلسُّحۡتِۚ فَإِن جَآءُوكَ فَٱحۡكُم بَيۡنَهُمۡ أَوۡ أَعۡرِضۡ عَنۡهُمۡۖ وَإِن تُعۡرِضۡ عَنۡهُمۡ فَلَن يَضُرُّوكَ شَيۡـٔٗاۖ وَإِنۡ حَكَمۡتَ فَٱحۡكُم بَيۡنَهُم بِٱلۡقِسۡطِۚ إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلۡمُقۡسِطِينَ 42﴾:

واعلم -أيها النبي- أن اليهود كثيرو الاستماع للكذب والافتراء، كثيرو الأكل للمال الحرام، فإذا تحاكموا إليك، فاحكم بينهم، أو أَعْرِضْ عنهم، حسَبَ ما تراه صالحًا، وإن تُعرِضْ عنهم، فلن يضروك أبدًا؛ لأن الله يحفظك من كيدهم، وإذا حكَمْتَ بينهم، فاحكم بالعدل الذي أمرَكَ الله به، حتى لو كانوا مجرمين ظالمين؛ فإن الله يحب العادلين.

[43] ﴿وَكَيۡفَ يُحَكِّمُونَكَ وَعِندَهُمُ ٱلتَّوۡرَىٰةُ فِيهَا حُكۡمُ ٱللَّهِ ثُمَّ يَتَوَلَّوۡنَ مِنۢ بَعۡدِ ذَٰلِكَۚ وَمَآ أُوْلَٰٓئِكَ بِٱلۡمُؤۡمِنِينَ 43﴾:

ثم قال جل وعلا متعجِّبًا من هؤلاء اليهود: كيف يطلُبُ منك -أيها النبي- هؤلاء اليهودُ أن تحكُمَ لهم في قضاياهم، مع أن حكم الله منصوص عليه عندهم في شريعتهم، وهي التوراة، ثم يرفضون ما حكَمْتَ به؛ لأنه لم يوافق هواهم؛ فما وافق مصالحهم، قبلوه، وما خالفها، رفضوه؛ وسببُ ذلك: أنهم ليسوا مؤمنين؛ لا بشريعتهم، ولا بشريعتك.

[44] ﴿إِنَّآ أَنزَلۡنَا ٱلتَّوۡرَىٰةَ فِيهَا هُدٗى وَنُورٞۚ يَحۡكُمُ بِهَا ٱلنَّبِيُّونَ ٱلَّذِينَ أَسۡلَمُواْ لِلَّذِينَ هَادُواْ وَٱلرَّبَّٰنِيُّونَ وَٱلۡأَحۡبَارُ بِمَا ٱسۡتُحۡفِظُواْ مِن كِتَٰبِ ٱللَّهِ وَكَانُواْ عَلَيۡهِ شُهَدَآءَۚ فَلَا تَخۡشَوُاْ ٱلنَّاسَ وَٱخۡشَوۡنِ وَلَا تَشۡتَرُواْ بِـَٔايَٰتِي ثَمَنٗا قَلِيلٗاۚ وَمَن لَّمۡ يَحۡكُم بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ فَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡكَٰفِرُونَ 44﴾:

واعلموا أن الله أنزل التوراة على موسى عليه السلام هدايةً لقومه إلى الإيمان والحق، ونُورًا يستضاء به في ظلمات الضلال والجهل، وليحكُمَ بها النبيون الذين انقادوا واستسلموا لله بعد موسى، وليحكُمَ بها كذلك أئمة الدين من عُبَّادِ اليهود العاملين؛ بسبب أن الله استحفظهم على كتابه، وجعلهم أمناء وشهداء عليه، ثم أمَرَ سبحانه علماء اليهود ألَّا يخافوا أحدًا من الناس في بيان الحق، بل عليهم أن يخافوا الله وحده، وألَّا يكتموا الحق الذي معهم من أجل تحصيل شيء من متاع الدنيا الزائل، واعلموا أن مَنْ لم يحكم بما أنزل الله، فأولئك هم الكافرون.

[45] ﴿وَكَتَبۡنَا عَلَيۡهِمۡ فِيهَآ أَنَّ ٱلنَّفۡسَ بِٱلنَّفۡسِ وَٱلۡعَيۡنَ بِٱلۡعَيۡنِ وَٱلۡأَنفَ بِٱلۡأَنفِ وَٱلۡأُذُنَ بِٱلۡأُذُنِ وَٱلسِّنَّ بِٱلسِّنِّ وَٱلۡجُرُوحَ قِصَاصٞۚ فَمَن تَصَدَّقَ بِهِۦ فَهُوَ كَفَّارَةٞ لَّهُۥۚ وَمَن لَّمۡ يَحۡكُم بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ فَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلظَّٰلِمُونَ 45﴾:

ثم بيَّن جل وعلا أنه فرض على اليهود في التوراة القَوَدَ في النَّفْس، والقِصَاصَ في الجراحات؛ فالنَّفْسُ تُقتَل بالنفس، والعينُ تُفْقَأ بالعين، والأنفُ يُجْدَع بالأنف، والأذنُ تُقطَع بالأذن، والسنُّ تُكْسَر إن كسرت بالسن، وتُقْلَع به إن قُلِعَتْ، والجروحُ بمثلها قصاصٌ ومساواة؛ فمن تصدَّق على الجاني بالعفو عنه، وعدم المؤاخذة، فإن ذلك يكون كفارة لذنوب العافي، وإن لم يَتصدَّقْ عليه، واقتَصَّ منه، يكون ذلك كفَّارةً لجناية الجاني.

واعلموا أن من لم يحكم بما أنزل الله، فأولئك هم الظالمون المتجاوزون لحدود الله.

[46] ﴿وَقَفَّيۡنَا عَلَىٰٓ ءَاثَٰرِهِم بِعِيسَى ٱبۡنِ مَرۡيَمَ مُصَدِّقٗا لِّمَا بَيۡنَ يَدَيۡهِ مِنَ ٱلتَّوۡرَىٰةِۖ وَءَاتَيۡنَٰهُ ٱلۡإِنجِيلَ فِيهِ هُدٗى وَنُورٞ وَمُصَدِّقٗا لِّمَا بَيۡنَ يَدَيۡهِ مِنَ ٱلتَّوۡرَىٰةِ وَهُدٗى وَمَوۡعِظَةٗ لِّلۡمُتَّقِينَ 46﴾:

أخبَرَ جل وعلا أنه أتبَعَ أولئك الأنبياء السابقين من بني إسرائيل بعيسى بن مريم عليه السلام، وجعله مصدِّقًا لأحكام التوراة التي أُنْزِلَتْ على موسى عليه السلام، وقد أعطاه الله الإنجيل فيه هُدىً للناس ونورٌ ينير لهم الطريق، ومعترفًا بأحكام التوراة، وهاديًا وواعظًا للمتقين الذين يخافون ربهم.

[47] ﴿وَلۡيَحۡكُمۡ أَهۡلُ ٱلۡإِنجِيلِ بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ فِيهِۚ وَمَن لَّمۡ يَحۡكُم بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ فَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡفَٰسِقُونَ 47﴾:

ثم أمَرَ جل وعلا أهل الإنجيل، وهم النصارى؛ أن يحكُمُوا بما أنزل الله فيه، ولكنهم لم يحكُمُوا بما فيه، بل حكموا تبعًا لأهوائهم، واعلموا أن من لم يحكم بما أنزل الله، فهم الفاسقون الخارجون عن طاعة الله.

[48] ﴿وَأَنزَلۡنَآ إِلَيۡكَ ٱلۡكِتَٰبَ بِٱلۡحَقِّ مُصَدِّقٗا لِّمَا بَيۡنَ يَدَيۡهِ مِنَ ٱلۡكِتَٰبِ وَمُهَيۡمِنًا عَلَيۡهِۖ فَٱحۡكُم بَيۡنَهُم بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُۖ وَلَا تَتَّبِعۡ أَهۡوَآءَهُمۡ عَمَّا جَآءَكَ مِنَ ٱلۡحَقِّۚ لِكُلّٖ جَعَلۡنَا مِنكُمۡ شِرۡعَةٗ وَمِنۡهَاجٗاۚ وَلَوۡ شَآءَ ٱللَّهُ لَجَعَلَكُمۡ أُمَّةٗ وَٰحِدَةٗ وَلَٰكِن لِّيَبۡلُوَكُمۡ فِي مَآ ءَاتَىٰكُمۡۖ فَٱسۡتَبِقُواْ ٱلۡخَيۡرَٰتِۚ إِلَى ٱللَّهِ مَرۡجِعُكُمۡ جَمِيعٗا فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمۡ فِيهِ تَخۡتَلِفُونَ 48﴾:

واعلم -أيها النبي- أن الله أنزل إليك القرآن بالحق والصدق الذي لا مِرْيةَ فيه ولا ريب، وأنه مصدِّقٌ لما قبله من التوراة والإنجيل، وأنه حاكمٌ عليها وناسخٌ لها؛ فالواجب عليك أن تحكم بينهم بما أنزَلَ الله إليك، ولا تتَّبع أهواءهم، ولا تترُكْ ما جاءك من الحق، واعلم أن الله جعل لكل أمة شرعًا وسبيلًا خاصًّا بهم، ولو شاء الله، لجعلهم على شريعة واحدة لا يختلفون فيما بينهم، ولكنِ ابتلاهم فيما أعطاهم وأنزَلَ عليهم؛ ليتبيَّن المطيع من العاصي؛ فسارِعوا إلى طاعة الله، وبادروا بالأعمال الصالحة؛ فإنَّ مرجعكم ومصيركم إلى الله تعالى، وسوف يُخبركم بما كنتم فيه تختلفون.

[49] ﴿وَأَنِ ٱحۡكُم بَيۡنَهُم بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ وَلَا تَتَّبِعۡ أَهۡوَآءَهُمۡ وَٱحۡذَرۡهُمۡ أَن يَفۡتِنُوكَ عَنۢ بَعۡضِ مَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ إِلَيۡكَۖ فَإِن تَوَلَّوۡاْ فَٱعۡلَمۡ أَنَّمَا يُرِيدُ ٱللَّهُ أَن يُصِيبَهُم بِبَعۡضِ ذُنُوبِهِمۡۗ وَإِنَّ كَثِيرٗا مِّنَ ٱلنَّاسِ لَفَٰسِقُونَ 49﴾:

ثم أمَرَ جل وعلا نبيه ﷺ أن يحكُمَ بين اليهود بموجب الكتاب والسنة، ونهاه أن يتَّبع أهواء المتحاكمين إليه، وأن يحذر أن يصُدُّوهُ عن بعض ما أُنزِلَ إليه من الحق فيترك العمل به، فإنْ تولوا وأعرضوا ورفضوا الحق الذي حكَمْتَ به بينهم، فاعلم أن ذلك عقوبةٌ لهم من الله وجزاءٌ ببعض ما ارتكبوه من الذنوب والمعاصي، واعلَمْ -أيها الرسول- أن أكثر الناس خارجون عن طاعة ربهم، جاحدون لآياته، مكذِّبون لشرائعه.

وهذه الآية نسَخَتِ الآية السابقة، وهي قوله تعالى: ﴿وَلۡيَحۡكُمۡ أَهۡلُ ٱلۡإِنجِيلِ بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ فِيهِۚ ﴾، أي: أن الحكم بعد بِعْثةِ محمَّد ﷺ لا يصح إلا حسَبَ ما أنزَلَ الله إليه من القرآن والسنة.

[50] ﴿أَفَحُكۡمَ ٱلۡجَٰهِلِيَّةِ يَبۡغُونَۚ وَمَنۡ أَحۡسَنُ مِنَ ٱللَّهِ حُكۡمٗا لِّقَوۡمٖ يُوقِنُونَ 50﴾:

ثم أنكَرَ جل وعلا على هؤلاء اليهود توبيخًا لهم، فقال سبحانه: أيريد أولئك الخارجون عن طاعة الله أن يحكُمُوا بأحكام الجاهلية التي بُنِيَتْ على الهوى والجور؛ بأن يجعلوا أساس الحكم الميل والمداهنة؟! وهل يوجد أحسَنُ من حُكْمِ الله لقوم يوقنون بالشرع ويَذِلُّونَ لله سبحانه.

[51] ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَتَّخِذُواْ ٱلۡيَهُودَ وَٱلنَّصَٰرَىٰٓ أَوۡلِيَآءَۘ بَعۡضُهُمۡ أَوۡلِيَآءُ بَعۡضٖۚ وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمۡ فَإِنَّهُۥ مِنۡهُمۡۗ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يَهۡدِي ٱلۡقَوۡمَ ٱلظَّٰلِمِينَ 51﴾:

أرشَدَ جل وعلا عباده المؤمنين الذين آمنوا بالله، واتبعوا رسوله، وعملوا بشرعه؛ ألَّا يتخذوا اليهود والنصارى أولياء؛ لأن بعضهم أولياء بعض؛ فهم متناصرون فيما بينهم، ويدٌ على مَنْ سواهم؛ فلا تتخذوهم أولياء، واعلموا أن من يتولَّهم منكم، فإنه منهم؛ لأن التولِّيَ التامَّ، يعني: عدم الإيمان بما أنت عليه من هُدًى، والتولِّي القليل يدعو إلى الكثير، ثم يتدرَّج شيئًا فشيئًا، حتى يكون العبد منهم، واعلموا أن الله لا يهدي القوم الظالمين لأنفسهم، المتجاوزين لحدود الله.

[52] ﴿فَتَرَى ٱلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٞ يُسَٰرِعُونَ فِيهِمۡ يَقُولُونَ نَخۡشَىٰٓ أَن تُصِيبَنَا دَآئِرَةٞۚ فَعَسَى ٱللَّهُ أَن يَأۡتِيَ بِٱلۡفَتۡحِ أَوۡ أَمۡرٖ مِّنۡ عِندِهِۦ فَيُصۡبِحُواْ عَلَىٰ مَآ أَسَرُّواْ فِيٓ أَنفُسِهِمۡ نَٰدِمِينَ 52﴾:

ثم أخبَرَ جل وعلا أن الذين في قلوبهم شكٌّ ونفاقٌ يسارعون في وَلَايةِ الكافرين وصداقتهم، يقولون: نواليهم؛ لأننا نخاف أن يتحوَّل النصر؛ فتصيبنا خسارة أو حادثة؛ فعسى الله أن يأتي بالفتح أو بالنصر للمؤمنين، أو أَمْرٍ من عنده؛ فيصبحوا على ما أسرُّوا في أنفسهم من النفاق والمكر بالمؤمنين نادمين.

[53] ﴿وَيَقُولُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ أَهَٰٓؤُلَآءِ ٱلَّذِينَ أَقۡسَمُواْ بِٱللَّهِ جَهۡدَ أَيۡمَٰنِهِمۡ إِنَّهُمۡ لَمَعَكُمۡۚ حَبِطَتۡ أَعۡمَٰلُهُمۡ فَأَصۡبَحُواْ خَٰسِرِينَ 53﴾:

ثم أخبَرَ جل وعلا بما قاله المؤمنون الصادقون على سبيل التعجُّب؛ حيث قالوا مخاطبين اليهود: أهؤلاء أحبابكم وأصدقاؤكم الذين أقسموا وبالغوا في القَسَم بالله على أنهم معكم في الدِّين، وأنهم مؤمنون مثلكم؟! فاعلموا أنه قد بطَلَتْ أعمالهم بسبب كذبهم، وصاروا خاسرين لأنفسهم، خاسرين للإيمان.

[54] ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ مَن يَرۡتَدَّ مِنكُمۡ عَن دِينِهِۦ فَسَوۡفَ يَأۡتِي ٱللَّهُ بِقَوۡمٖ يُحِبُّهُمۡ وَيُحِبُّونَهُۥٓ أَذِلَّةٍ عَلَى ٱلۡمُؤۡمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى ٱلۡكَٰفِرِينَ يُجَٰهِدُونَ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوۡمَةَ لَآئِمٖۚ ذَٰلِكَ فَضۡلُ ٱللَّهِ يُؤۡتِيهِ مَن يَشَآءُۚ وَٱللَّهُ وَٰسِعٌ عَلِيمٌ 54﴾:

يا أيها الذين آمنوا بالله واتبعوا رسوله، من يَرْجِعْ منكم عن دين الإسلام إلى الكفر -حيث ارتد جماعة بعد موت النبي ﷺ- فسوف يبدِّلكم الله بقوم يحبُّون الله ويحبُّهم، وهم رحماء عاطفون على المؤمنين، أشداء أعزاء على الكافرين، يجاهدون في سبيل الله، ولا يخافون في الله لومة لائم؛ كما يخاف المنافقون لوم الكفَّار، واعلموا أن ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء، واللهُ كثيرُ الفضل، عليمٌ بعباده وخلقه.

[55] ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ ٱللَّهُ وَرَسُولُهُۥ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱلَّذِينَ يُقِيمُونَ ٱلصَّلَوٰةَ وَيُؤۡتُونَ ٱلزَّكَوٰةَ وَهُمۡ رَٰكِعُونَ 55﴾:

واعلموا -أيها المؤمنون- أن وليَّكم الله ورسوله والمؤمنون الذين آمنوا بالله واتَّبعوا رسوله ﷺ، الذين يقيمون الصلاة، ويؤتون الزكاة، وهم راكعون لله، خاضعون مطيعون له.

[56] ﴿وَمَن يَتَوَلَّ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ فَإِنَّ حِزۡبَ ٱللَّهِ هُمُ ٱلۡغَٰلِبُونَ 56﴾:

ثم أخبَرَ جل وعلا أن من يتَّخذِ اللهَ ورسوله والمؤمنين أولياءه، فإنه يكون من حزب الله، واعلموا أن حزب الله هم الفائزون في الدنيا والآخرة.

[57] ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَتَّخِذُواْ ٱلَّذِينَ ٱتَّخَذُواْ دِينَكُمۡ هُزُوٗا وَلَعِبٗا مِّنَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلۡكِتَٰبَ مِن قَبۡلِكُمۡ وَٱلۡكُفَّارَ أَوۡلِيَآءَۚ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ إِن كُنتُم مُّؤۡمِنِينَ 57﴾:

يا أيها الذين آمنوا بالله، واتَّبعوا رسوله ﷺ، لا تصادقوا اليهود والنصارى والكفار والمنافقين؛ الذين اتخذوا دينكم هزوًا ولعبًا وسخرية واستهزاءً بالمؤمنين، وخافوا عقاب الله، ولا تتَّخذوهم أولياء لكم من دون الله ورسوله؛ إن كنتم مؤمنين إيمانًا حقيقيًّا.

[58] ﴿وَإِذَا نَادَيۡتُمۡ إِلَى ٱلصَّلَوٰةِ ٱتَّخَذُوهَا هُزُوٗا وَلَعِبٗاۚ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمۡ قَوۡمٞ لَّا يَعۡقِلُونَ 58﴾:

ثم أخبَرَ جل وعلا أن هؤلاء اليهود والنصارى والمنافقين، إذا سمعوا المؤذِّن وهو ينادي للصلاة، جعلوا يسخرون ويستهزئون؛ وذلك لأنهم قوم لا عقل لهم يرشدهم إلى حقيقة العبادة. وقوله: ﴿نَادَيۡتُمۡ﴾، فيه إثبات أن الأذان مشروع وواجب بالقرآن؛ كما هو ثابت بالسنة([5]). [5] كما في حديث عبد الله بن زيد رضي الله عنه الطويل، أخرجه أحمد في مسنده (16477)، وأبو داود (499)، وابن ماجه (706)، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود (499).

[59] ﴿قُلۡ يَٰٓأَهۡلَ ٱلۡكِتَٰبِ هَلۡ تَنقِمُونَ مِنَّآ إِلَّآ أَنۡ ءَامَنَّا بِٱللَّهِ وَمَآ أُنزِلَ إِلَيۡنَا وَمَآ أُنزِلَ مِن قَبۡلُ وَأَنَّ أَكۡثَرَكُمۡ فَٰسِقُونَ 59﴾:

وقل -أيها النبي- لهؤلاء المستهزئين من اليهود والنصارى والمنافقين: هل تنكرون علينا إيماننا بالله وكتبه المنزَّلة علينا، وعلى من كان قبلنا؟! هل تنكرون علينا غير ذلك؟! وهذا بلا شك ليس فيه عيب أو منكر؛ بل هو مما يُمْدَحُ به المرء ويُشْكَر؛ وإنما كرهتم إيماننا، وأنكرتموه علينا؛ لأن أكثركم خارجون عن شريعة الله وعن طاعته.

[60] ﴿قُلۡ هَلۡ أُنَبِّئُكُم بِشَرّٖ مِّن ذَٰلِكَ مَثُوبَةً عِندَ ٱللَّهِۚ مَن لَّعَنَهُ ٱللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيۡهِ وَجَعَلَ مِنۡهُمُ ٱلۡقِرَدَةَ وَٱلۡخَنَازِيرَ وَعَبَدَ ٱلطَّٰغُوتَۚ أُوْلَٰٓئِكَ شَرّٞ مَّكَانٗا وَأَضَلُّ عَن سَوَآءِ ٱلسَّبِيلِ 60﴾:

وقل -أيها النبي- لهؤلاء المستهزئين: هل أُخْبِرُكُمْ بشرٍّ من ذلك عقابًا وجزاءً عند الله؛ أولئك الذين لعنهم الله وغَضِبَ عليهم، ومَسَخَهم قردة وخنازير وجعَلَ منهم مَنْ يعبد الشيطان؛ وذلك بطاعته والانقياد لما أمَرَهم به، واعلموا -أيها اليهود- أنكم شرٌّ مكانًا يوم القيامة، وأضلُّ طريقًا.

[61] ﴿وَإِذَا جَآءُوكُمۡ قَالُوٓاْ ءَامَنَّا وَقَد دَّخَلُواْ بِٱلۡكُفۡرِ وَهُمۡ قَدۡ خَرَجُواْ بِهِۦۚ وَٱللَّهُ أَعۡلَمُ بِمَا كَانُواْ يَكۡتُمُونَ 61﴾:

وإذا جاءكم -أيها المؤمنون- المنافقون من اليهودِ يقولون لكم: آمنا بالله ورسوله ﷺ، والحقيقة أنهم دخلوا عندكم كافرين، وخرَجُوا مِنْ عندكم وهم كافرون، والله أعلم بما يكتمون في صدورهم من الكفر والنفاق وخداع المؤمنين.

[62] ﴿وَتَرَىٰ كَثِيرٗا مِّنۡهُمۡ يُسَٰرِعُونَ فِي ٱلۡإِثۡمِ وَٱلۡعُدۡوَٰنِ وَأَكۡلِهِمُ ٱلسُّحۡتَۚ لَبِئۡسَ مَا كَانُواْ يَعۡمَلُونَ 62﴾:

ثم أخبَرَ جل وعلا أن كثيرًا من هؤلاء اليهود يتسابقون في الإثم والكذب والظلم، ويَحْرِصون على ذلك كل الحرص، ومن صفاتهم: أنهم كانوا يأكلون الحرام؛ كالربا والرِّشْوة وغير ذلك؛ فبئست هذه الأعمال القبيحة، والصفات السيئة التي كانوا يعملونها ويتحلَّوْنَ بها.

[63] ﴿لَوۡلَا يَنۡهَىٰهُمُ ٱلرَّبَّٰنِيُّونَ وَٱلۡأَحۡبَارُ عَن قَوۡلِهِمُ ٱلۡإِثۡمَ وَأَكۡلِهِمُ ٱلسُّحۡتَۚ لَبِئۡسَ مَا كَانُواْ يَصۡنَعُونَ 63﴾:

ثم وبَّخ جل وعلا علماء اليهود على سكوتهم على المنكر، فقال: هلَّا ينهاهم العلماء الربانيون -الذين التزموا أمر الله، وابتعدوا عن معاصيه- عن المعاصي التي تقع منهم؛ كقول الزُّور، والكذب، وأكلهم المال الحرام؛ كالربا والرِّشْوة! لبئس هذا العمل السيِّئ الذي صنعوه، وهو تركهم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ حيث كان سكوتهم متعمَّدًا لمنافع خاصَّة يحصُلُونَ عليها.

ويؤخذ من هذه الآية: ذم العلماء الساكتين عن قول الحق، وتعليمِ الناس الخيرَ وأمورَ دينهم.

[64] ﴿وَقَالَتِ ٱلۡيَهُودُ يَدُ ٱللَّهِ مَغۡلُولَةٌۚ غُلَّتۡ أَيۡدِيهِمۡ وَلُعِنُواْ بِمَا قَالُواْۘ بَلۡ يَدَاهُ مَبۡسُوطَتَانِ يُنفِقُ كَيۡفَ يَشَآءُۚ وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرٗا مِّنۡهُم مَّآ أُنزِلَ إِلَيۡكَ مِن رَّبِّكَ طُغۡيَٰنٗا وَكُفۡرٗاۚ وَأَلۡقَيۡنَا بَيۡنَهُمُ ٱلۡعَدَٰوَةَ وَٱلۡبَغۡضَآءَ إِلَىٰ يَوۡمِ ٱلۡقِيَٰمَةِۚ كُلَّمَآ أَوۡقَدُواْ نَارٗا لِّلۡحَرۡبِ أَطۡفَأَهَا ٱللَّهُۚ وَيَسۡعَوۡنَ فِي ٱلۡأَرۡضِ فَسَادٗاۚ وَٱللَّهُ لَا يُحِبُّ ٱلۡمُفۡسِدِينَ 64﴾:

أخبَرَ جل وعلا نبيه ﷺ عن قول اليهود الشنيع عن الله جل في علاه؛ حيث قالوا: يَدُ الله مقبوضةٌ عن الإنفاق والإحسان؛ فأجابهم الله بمثل قولهم، فقال سبحانه: ﴿غُلَّتۡ أَيۡدِيهِمۡ﴾ !؛ فكانوا أبخل البشر، ولُعِنُوا بقولهم هذا.

ثم أخبَرَ سبحانه أن يديه مبسوطتان ينفق كيف يشاء من وجوه الخير والبر، وكلُّ خير ونعمة إنما تنسب إليه سبحانه؛ فيداه سَحَّاءُ الليلِ والنهار([6])، ثم بيَّن سبحانه أنه كلما أنزل على النبي ﷺ شيئًا من القرآن، كفروا به، فيزداد كفرهم وطغيانهم وبُعْدهم عن الله تعالى. [6] لقوله ﷺ: «يَدُ اللَّهِ مَلأَى، لاَ يَغِيضُهَا نَفَقَةٌ، سَحَّاءُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ، وَقَالَ: أَرَأَيْتُمْ مَا أَنْفَقَ مُنْذُ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ، فَإِنَّهُ لَمْ يَغِضْ مَا فِي يَدِهِ». أخرجه البخاري (4684)، ومسلم (993)، عن أبي هريرة رضي الله عنه.

ثم أخبَرَ سبحانه أنه ألقى بينهم العداوة والبغضاء إلى يوم القيامة، فجَعَلهم متباغضين غير متآلفين.

ثم بيَّن سبحانه أنهم كلما أرادوا محاربتك، وحرَّضوا الناس على الحرب على المؤمنين، فإن الله يخذِّلُهم ويُبْطِلُ كيدهم ويفرِّق جنودهم، ومن صفاتهم السيئة: أنهم يجتهدون بالسعي في الأرض فسادًا بنشر المعاصي والإجرام، والله لا يحب المفسدين، بل يُبْغِضهم، وسيجازيهم على ظلمهم وإجرامهم وإفسادهم.

[65] ﴿وَلَوۡ أَنَّ أَهۡلَ ٱلۡكِتَٰبِ ءَامَنُواْ وَٱتَّقَوۡاْ لَكَفَّرۡنَا عَنۡهُمۡ سَيِّـَٔاتِهِمۡ وَلَأَدۡخَلۡنَٰهُمۡ جَنَّٰتِ ٱلنَّعِيمِ 65﴾:

يقول سبحانه وتعالى: ولو أن أهل الكتاب من اليهود والنصارى آمنوا بالله، واتَّبعوا رسوله ﷺ، وتمسَّكوا بدين الإسلام، وخافوا الله، واجتنبوا المعاصي، لَمَحَا الله عنهم سيئاتهم، وأدخلهم جنات يتنعَّمون فيها أبد الآبدين.

[66] ﴿وَلَوۡ أَنَّهُمۡ أَقَامُواْ ٱلتَّوۡرَىٰةَ وَٱلۡإِنجِيلَ وَمَآ أُنزِلَ إِلَيۡهِم مِّن رَّبِّهِمۡ لَأَكَلُواْ مِن فَوۡقِهِمۡ وَمِن تَحۡتِ أَرۡجُلِهِمۚ مِّنۡهُمۡ أُمَّةٞ مُّقۡتَصِدَةٞۖ وَكَثِيرٞ مِّنۡهُمۡ سَآءَ مَا يَعۡمَلُونَ 66﴾:

ثم أخبَرَ جل وعلا عن هؤلاءِ اليهود؛ أنهم لو طبَّقوا التوراة والإنجيل، وعملوا بما فيهما من أحكام، لأفاض الله عليهم من بركات السماء، ولأنبَتَ لهم ثمرات الأرض، وهذا جزاؤهم في الدنيا، ولهم في الآخرة أعظم الجزاء.

ثم أخبَرَ سبحانه أن من هؤلاء اليهود فريقًا معتدلًا لا يحيد عن الحق، ولكنَّ كثيرًا منهم ساء عملُه.

[67] ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلرَّسُولُ بَلِّغۡ مَآ أُنزِلَ إِلَيۡكَ مِن رَّبِّكَۖ وَإِن لَّمۡ تَفۡعَلۡ فَمَا بَلَّغۡتَ رِسَالَتَهُۥۚ وَٱللَّهُ يَعۡصِمُكَ مِنَ ٱلنَّاسِۗ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يَهۡدِي ٱلۡقَوۡمَ ٱلۡكَٰفِرِينَ 67﴾:

أمَرَ جل وعلا نبيه ﷺ أن يبلِّغ ما أُنزِلَ إليه من ربه من الآيات والأحكام؛ ثم خوَّفه سبحانه أنه إذا قصَّر في التبليغ، وكتم بعضها، فليعلم أنه لم يبلِّغِ الرسالة التبليغ الكامل، ولا شك أنه ﷺ بلَّغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وجاهد في الله حقَّ جهاده حتى أتاه اليقين؛ فمن ادعى بعد ذلك أنه ﷺ كتَمَ شيئًا مما أُنزِلَ إليه، فقد افترى على الله ورسوله ﷺ.

ثم أخبَرَ سبحانه أنه حافظٌ رسوله ﷺ من الناس، وسوف يُبْطِلُ كيدهم ويتولَّى أمره صلوات الله وسلامه عليه، واعلموا أن الله لا يهدي الكفَّار الجاحدين لدين الله، للإضرار به ﷺ وبالمؤمنين، ولا يمكِّنهم من ذلك.

وهذه الآيةُ دليلٌ على أن الرسول ﷺ معصوم؛ ولهذا قرأها ﷺ على بعض أصحابه الذين يحرُسُونَهُ حتى يطمئنوا ويتركوا الحراسة([7]). [7] فعن عائشة رضي الله عنها، قالت: كان النبي ﷺ يُحرس حتى نزلت هذه الآية: ﴿وَٱللَّهُ يَعۡصِمُكَ مِنَ ٱلنَّاسِۗ﴾ فَأَخْرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ رَأْسَهُ مِنَ القُبَّةِ، فَقَالَ لَهُمْ: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ انْصَرِفُوا، فَقَدْ عَصَمَنِي اللَّهُ»، أخرجه الترمذي (3046)، وقال: غريب، وحسنه الحافظ ابن حجر في الفتح (6/ 82)، مع ذكر الخلاف في وصله وإرساله، وصححه الألباني في صحيح سنن الترمذي (3046).

[68] ﴿قُلۡ يَٰٓأَهۡلَ ٱلۡكِتَٰبِ لَسۡتُمۡ عَلَىٰ شَيۡءٍ حَتَّىٰ تُقِيمُواْ ٱلتَّوۡرَىٰةَ وَٱلۡإِنجِيلَ وَمَآ أُنزِلَ إِلَيۡكُم مِّن رَّبِّكُمۡۗ وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرٗا مِّنۡهُم مَّآ أُنزِلَ إِلَيۡكَ مِن رَّبِّكَ طُغۡيَٰنٗا وَكُفۡرٗاۖ فَلَا تَأۡسَ عَلَى ٱلۡقَوۡمِ ٱلۡكَٰفِرِينَ 68﴾:

وقل -أيها النبي- لهؤلاء اليهود والنصارى: إنكم لستم على دِينٍ وهَدْيٍ صحيح، حتى تعملوا بما في التوراة والإنجيل، وما أُنزِلَ إليكم من ربكم، وقد بيَّن جل وعلا صفة محمد ﷺ في التوراة والإنجيل، وأخَذَ العهد عليهم بالإيمان به وتصديقه؛ ولذا فإن الإيمان به من إقامة التوراة والإنجيل والعمل بما فيهما، ولتتيقَّنْ -أيها الرسول- أن معظم أهل الكتاب سيزدادون إنكارًا للقرآن ظلمًا وكفرًا حسدًا من عند أنفسهم؛ فلا تَحْزَنْ عليهم، فهذا طبعهم؛ فإنهم قوم كفروا بالله ودينه ورسوله، ولا يتورَّعون عن الإثم حتى عن القَدْحِ في الذات الإلهية.

[69] ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَٱلَّذِينَ هَادُواْ وَٱلصَّٰبِـُٔونَ وَٱلنَّصَٰرَىٰ مَنۡ ءَامَنَ بِٱللَّهِ وَٱلۡيَوۡمِ ٱلۡأٓخِرِ وَعَمِلَ صَٰلِحٗا فَلَا خَوۡفٌ عَلَيۡهِمۡ وَلَا هُمۡ يَحۡزَنُونَ 69﴾:

بيَّن جل وعلا أن الذين آمنوا بالله، واليهودَ، والصابئين الذين هم فِرْقةٌ من أهل الكتاب، والنصارى؛ أن مَنْ آمن من هؤلاء بالله واليوم الآخر وعمل صالحًا، فهو من أهل الفوز، ومن أهل

النجاة، وأنه لا خوفٌ عليهم من أهوال يوم القيامة، ولا يحزنون على ما تركوه وراءهم من نعيم الدنيا الفاني.

وكلمة ﴿وَٱلصَّٰبِـُٔونَ﴾ في هذه الآية جاءت مرفوعة؛ لأنها مبتدأ، خبره محذوف، تقديره (كذلك)، وظاهر السياق أن تكون على النصب؛ عطفًا على اسم (إنَّ).

[70] ﴿لَقَدۡ أَخَذۡنَا مِيثَٰقَ بَنِيٓ إِسۡرَٰٓءِيلَ وَأَرۡسَلۡنَآ إِلَيۡهِمۡ رُسُلٗاۖ كُلَّمَا جَآءَهُمۡ رَسُولُۢ بِمَا لَا تَهۡوَىٰٓ أَنفُسُهُمۡ فَرِيقٗا كَذَّبُواْ وَفَرِيقٗا يَقۡتُلُونَ 70﴾:

أخبَرَ جل وعلا أنه أخذ على اليهود عهدًا بالقيام بالتوحيد وسائر الشرائع المنزَّلة عليهم، وأنه أرسل إليهم الرسل من أجل ذلك، ولكنْ كل العهود نقضوها؛ فكلما جاءهم رسول لا يسير على هواهم؛ فبعضهم يعاديه قومه ويرفضونه ويكذِّبونه، وبعضهم يتعرَّض للقتل.

ولذلك لُعِنَ الذين كفروا من بني إسرائيل على لسان داود وعيسى ، وقد استثنى جل وعلا الصالحين من النصارى الذين إذا سمعوا ما أُنزِلَ إلى الرسول، ﴿تَوَلَّواْ وَّأَعۡيُنُهُمۡ تَفِيضُ مِنَ ٱلدَّمۡعِ﴾ [التوبة:٩٢]؛ حيث عرفوا أنه الحق، ولم تأخُذْهم العزة بالإثم كغيرهم.

[71] ﴿وَحَسِبُوٓاْ أَلَّا تَكُونَ فِتۡنَةٞ فَعَمُواْ وَصَمُّواْ ثُمَّ تَابَ ٱللَّهُ عَلَيۡهِمۡ ثُمَّ عَمُواْ وَصَمُّواْ كَثِيرٞ مِّنۡهُمۡۚ وَٱللَّهُ بَصِيرُۢ بِمَا يَعۡمَلُونَ 71﴾:

أخبَرَ جل وعلا أن بني إسرائيل ظنوا أن لن يَنْزِلَ بهم عذابٌ بسبب عدم تصديقهم؛ فأعماهم الله عن الهدى، وأصمَّهم عن سماع الحق جزاءً لهم، ولم ينتفعوا بما رأوا ولا بما سمعوا، ثم تابوا، فتاب الله عليهم ورفع عنهم العذاب، ولكنهم رجعوا مرة ثانية إلى العمى والصمم والكفر والضلال والإجرام، واعلموا أن الله مطَّلع على أعمالهم، وسيجازيهم عليها.

[72] ﴿لَقَدۡ كَفَرَ ٱلَّذِينَ قَالُوٓاْ إِنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلۡمَسِيحُ ٱبۡنُ مَرۡيَمَۖ وَقَالَ ٱلۡمَسِيحُ يَٰبَنِيٓ إِسۡرَٰٓءِيلَ ٱعۡبُدُواْ ٱللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمۡۖ إِنَّهُۥ مَن يُشۡرِكۡ بِٱللَّهِ فَقَدۡ حَرَّمَ ٱللَّهُ عَلَيۡهِ ٱلۡجَنَّةَ وَمَأۡوَىٰهُ ٱلنَّارُۖ وَمَا لِلظَّٰلِمِينَ مِنۡ أَنصَارٖ 72﴾:

ثم أخبَرَ جل وعلا بكفر النصارى الذين يقولون: إن المسيح عيسى بن مريم عليه السلام هو الله، أو ابن الله؛ لأنهم جعلوا عيسى عليه السلام إلهًا يُعْبَدُ من دون الله، تعالى الله عن ذلك علوًّا كبيرًا؛ وهذا من أشد الكفر وأشنعه، ثم أخبَرَ سبحانه أن المسيح عليه السلام قال: يا بني إسرائيل، ﴿ٱعۡبُدُواْ ٱللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمۡۖ ﴾، وأول كلمة نطقها عيسى عليه السلام عندما تكلَّم في المهد، قال: ﴿إِنِّي عَبۡدُ ٱللَّهِ ءَاتَىٰنِيَ ٱلۡكِتَٰبَ وَجَعَلَنِي نَبِيّٗا﴾ [مريم:30]؛ فهو ما أمرهم إلا بعبادة الله وحده لا شريك له، واعلموا -أيها الناس- أن من يُشرِكْ بالله، فقد حرَّم الله عليه دخول الجنة، وجعل مأواه ومستقره نار جهنم خالدًا فيها أبدًا، ثم ذكَرَ سبحانه أنه ليس للظالمين الذين ظلموا أنفسهم بالكفر والضلال من أنصار ينصُرُونهم من عذاب الله يوم القيامة.

[73] ﴿لَّقَدۡ كَفَرَ ٱلَّذِينَ قَالُوٓاْ إِنَّ ٱللَّهَ ثَالِثُ ثَلَٰثَةٖۘ وَمَا مِنۡ إِلَٰهٍ إِلَّآ إِلَٰهٞ وَٰحِدٞۚ وَإِن لَّمۡ يَنتَهُواْ عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنۡهُمۡ عَذَابٌ أَلِيمٌ 73﴾:

ثم أخبَرَ جل وعلا بكفر النصارى الذين قالوا: إنَّ الله يُجْمَعُ في ثلاثة أشياء: هي الأب، والابن، والرُّوح القُدُس؛ أَلَا يعلم هؤلاء أنه ليس هناك إله حق إلا إله واحد، هو الله وحده لا شريك له، فإذا لم ينتهوا عن هذا القول الباطل، فسيصيب الذين كفروا عذابٌ أليمٌ في نار جهنم التي هي مآلهم وهم فيها خالدون.

[74] ﴿أَفَلَا يَتُوبُونَ إِلَى ٱللَّهِ وَيَسۡتَغۡفِرُونَهُۥۚ وَٱللَّهُ غَفُورٞ رَّحِيمٞ 74﴾:

ثم رغَّب جل وعلا هؤلاء النصارى في التوبة، وفتَحَ لهم باب رحمته، فقال سبحانه: أَلَا ينتهي هؤلاء عن هذا الإفك المبين، وهذه العقائد الباطلة؟! ألَا يرجعون إلى الله بالتوبة وكثرة الاستغفار؛ فإنه سبحانه كثير المغفرة والرحمة لعباده التائبين؟!

[75] ﴿مَّا ٱلۡمَسِيحُ ٱبۡنُ مَرۡيَمَ إِلَّا رَسُولٞ قَدۡ خَلَتۡ مِن قَبۡلِهِ ٱلرُّسُلُ وَأُمُّهُۥ صِدِّيقَةٞۖ كَانَا يَأۡكُلَانِ ٱلطَّعَامَۗ ٱنظُرۡ كَيۡفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ ٱلۡأٓيَٰتِ ثُمَّ ٱنظُرۡ أَنَّىٰ يُؤۡفَكُونَ 75﴾:

واعلموا -أيها النصارى- أن المسيح عيسى بن مريم عليه السلام ما هو إلا رسولٌ من عند الله كغيره من الرسل الكثيرين الذين مضوا قبله، وأمُّه مريم عليها السلام صدِّيقة في مرتبة تلي مرتبة الأنبياء وهي مرتبة الصِّدِّيقين، وهما من البشر، يأكلان الطعام، ويمشيان في الأسواق؛ فانظر -أيها النبي- كيف نوضِّح لهم الآيات الباهرة، والحجج والبراهين الساطعة، ثم انظر كيف يصرون على الكفر والضلال، وينصرفون عن الحق مع وضوحه.

[76] ﴿قُلۡ أَتَعۡبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ مَا لَا يَمۡلِكُ لَكُمۡ ضَرّٗا وَلَا نَفۡعٗاۚ وَٱللَّهُ هُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلۡعَلِيمُ 76﴾:

وقل -أيها النبي- لهؤلاء النصارى الذين عبدوا المسيح: أتعبُدُونَ عيسى عليه السلام من دون الله، وهو بشَرٌ مثلكم، لا يملك لكم ضرًّا ولا نفعًا؟! واعلموا أن الله سميعٌ لأقوال عباده، عليمٌ بأحوالهم.

[77] ﴿قُلۡ يَٰٓأَهۡلَ ٱلۡكِتَٰبِ لَا تَغۡلُواْ فِي دِينِكُمۡ غَيۡرَ ٱلۡحَقِّ وَلَا تَتَّبِعُوٓاْ أَهۡوَآءَ قَوۡمٖ قَدۡ ضَلُّواْ مِن قَبۡلُ وَأَضَلُّواْ كَثِيرٗا وَضَلُّواْ عَن سَوَآءِ ٱلسَّبِيلِ 77﴾:

وقل -أيها النبي-: يا أهل الكتاب، إن الله ينهاكم عن الغلو في دينكم غَيْرَ الحق، أي: لا تتجاوزوا الحدود الشرعية التي أمَرَ الله بها، ومن الغلو الذي وقعوا فيه: الرهبنة التي ابتدعوها ابتغاء رضوان الله؛ كما قال تعالى: ﴿وَرَهۡبَانِيَّةً ٱبۡتَدَعُوهَا مَا كَتَبۡنَٰهَا عَلَيۡهِمۡ﴾ [الحديد:٢٧]، والله نهى عن الزيادة، كما حذَّر عن التقصير، ثم أمرهم ألَّا يتبعوا أهواء الذين ضلوا عن الحق من أسلافهم، وأضلوا خلقًا كثيرًا عن الطريق الحق الواضح المستقيم.

[78] ﴿لُعِنَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنۢ بَنِيٓ إِسۡرَٰٓءِيلَ عَلَىٰ لِسَانِ دَاوُۥدَ وَعِيسَى ٱبۡنِ مَرۡيَمَۚ ذَٰلِكَ بِمَا عَصَواْ وَّكَانُواْ يَعۡتَدُونَ 78﴾:

ثم أخبَرَ جل وعلا أنه لعن اليهود الذين كفروا بالله، وجحدوا دينه، أي: طردهم من رحمته على لسان داود عليه السلام في الزَّبُور، وعلى لسان عيسى بن مريم عليه السلام في الإنجيل، وهم أصحاب السَّبْت، وأكلة الربا، والذين حرَّفوا الكلم عن مواضعه؛ وذلك بسبب عصيانهم وكُفْرهم وضلالهم واعتدائهم على الأنبياء والصالحين.

[79] ﴿كَانُواْ لَا يَتَنَاهَوۡنَ عَن مُّنكَرٖ فَعَلُوهُۚ لَبِئۡسَ مَا كَانُواْ يَفۡعَلُونَ 79﴾:

ثم بيَّن جل وعلا أنهم كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه، أي: لم يكن ينهى بعضهم بعضًا عن المنكر إذا فعلوه؛ وهذا من أقبح ما كانوا يفعلون، ولبئس ما كانوا يفعلون من أفعالهم القبيحة.

[80] ﴿تَرَىٰ كَثِيرٗا مِّنۡهُمۡ يَتَوَلَّوۡنَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْۚ لَبِئۡسَ مَا قَدَّمَتۡ لَهُمۡ أَنفُسُهُمۡ أَن سَخِطَ ٱللَّهُ عَلَيۡهِمۡ وَفِي ٱلۡعَذَابِ هُمۡ خَٰلِدُونَ 80﴾:

ثم أخبَرَ جل وعلا أن كثيرًا من يهود المدينة يتولَّوْنَ الذين كفروا من المشركين؛ يصاحبونهم ويوادُّونهم وينصرونهم، وهم يعلمون أنهم كفَّار تحرُمُ موالاتهم؛ كما هو مذكور في كتابهم، فيا قُبْحَ هذا العمل الذي قاموا به والذي استوجَبَ سخَطَ الله عليهم؛ مما كان سببًا في خلودهم في العذاب الأليم.

[81] ﴿وَلَوۡ كَانُواْ يُؤۡمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلنَّبِيِّ وَمَآ أُنزِلَ إِلَيۡهِ مَا ٱتَّخَذُوهُمۡ أَوۡلِيَآءَ وَلَٰكِنَّ كَثِيرٗا مِّنۡهُمۡ فَٰسِقُونَ 81﴾:

ثم بيَّن جل وعلا أن هؤلاء اليهود لو أنهم آمنوا بالله إيمانًا حقيقيًّا، واتبعوا رسوله ﷺ، وآمنوا بالقرآن العظيم الذي أنزله على نبيه ﷺ، ما اتخذوا المشركين أولياء من دون الله؛ لأن موالاة الكافرين كُفْرٌ، ولكنَّ كثيرًا منهم استحقوا الطرد من رحمة الله بسبب فسقهم وارتكابهم المعاصي.

[82] ﴿لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ ٱلنَّاسِ عَدَٰوَةٗ لِّلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱلۡيَهُودَ وَٱلَّذِينَ أَشۡرَكُواْۖ وَلَتَجِدَنَّ أَقۡرَبَهُم مَّوَدَّةٗ لِّلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱلَّذِينَ قَالُوٓاْ إِنَّا نَصَٰرَىٰۚ ذَٰلِكَ بِأَنَّ مِنۡهُمۡ قِسِّيسِينَ وَرُهۡبَانٗا وَأَنَّهُمۡ لَا يَسۡتَكۡبِرُونَ 82﴾:

واعلم -أيها النبي- أنك ستجد أشد الناس حِقْدًا وكُرْهًا لك ولدينك، ولمن آمن بك، هم اليهود والمشركون، وستجد أن أقرب الناس مودة ومحبة لك هم أتباع عيسى عليه السلام الذين سَمَّوْا أنفسهم نصارى؛ لأن فيهم قِسِّيسِينَ ورهبانًا يَعْلَمون الحق، ويخافون الله عَزَّوَجَلَّ، ولأنهم لا يستكبرون عن سماع الحق، وهو القرآن.

[83] ﴿وَإِذَا سَمِعُواْ مَآ أُنزِلَ إِلَى ٱلرَّسُولِ تَرَىٰٓ أَعۡيُنَهُمۡ تَفِيضُ مِنَ ٱلدَّمۡعِ مِمَّا عَرَفُواْ مِنَ ٱلۡحَقِّۖ يَقُولُونَ رَبَّنَآ ءَامَنَّا فَٱكۡتُبۡنَا مَعَ ٱلشَّٰهِدِينَ 83﴾:

ثم أخبَرَ جل وعلا أنهم إذا سمعوا ما أُنزِلَ على الرسول من القرآن تَرَى أعينهم تفيض من الدمع؛ خشوعًا وتأثُّرًا مما عرفوا من الحق، يقولون: ربَّنا صدَّقنا بك وبنبيك وبكتابك؛ فاكتبنا مع النبيين والصديقين من أمة محمد ﷺ.

[84] ﴿وَمَا لَنَا لَا نُؤۡمِنُ بِٱللَّهِ وَمَا جَآءَنَا مِنَ ٱلۡحَقِّ وَنَطۡمَعُ أَن يُدۡخِلَنَا رَبُّنَا مَعَ ٱلۡقَوۡمِ ٱلصَّٰلِحِينَ 84﴾:

ثم قال هؤلاء القِسِّيسون والرهبان الذين تفيض أعينهم من الدمع: وما الذي يمنعنا أن نؤمن بالله سبحانه وتعالى، وبما جاءنا من الحق، وهو القرآن العظيم، ونحن نرجو أن يُدْخِلنا ربنا الجنة مع القوم الذين صلَحَتْ أعمالهم، وأخلصوا نياتهم لله.

[85] ﴿فَأَثَٰبَهُمُ ٱللَّهُ بِمَا قَالُواْ جَنَّٰتٖ تَجۡرِي مِن تَحۡتِهَا ٱلۡأَنۡهَٰرُ خَٰلِدِينَ فِيهَاۚ وَذَٰلِكَ جَزَآءُ ٱلۡمُحۡسِنِينَ 85﴾:

ثم بيَّن جل وعلا أنه بسبب أقوالهم الطيبة وصدقهم، جازاهم الله جنات تجري من تحت قصورها وأشجارها الأنهار، خالدين فيها خلودًا أبديًّا، وذلك الجزاء الذي أخذوه هو جزاءُ كلِّ مُحسِنٍ أحسن عمله، وآمن بالله ورسوله، واتبع شرعه.

[86] ﴿وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَكَذَّبُواْ بِـَٔايَٰتِنَآ أُوْلَٰٓئِكَ أَصۡحَٰبُ ٱلۡجَحِيمِ 86﴾:

ولما ذكَرَ جل وعلا جزاء أولئك الصادقين، ذكر جزاء المسيئين الذين كفروا بالله، وجحدوا دينه، وكذَّبوا رسله، وأنكروا الأدلة التي جاؤوا بها من عند الله، ثم بيَّن سبحانه أن هؤلاء هم المستحقون للعذاب الشديد في نار جهنم.

[87] ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تُحَرِّمُواْ طَيِّبَٰتِ مَآ أَحَلَّ ٱللَّهُ لَكُمۡ وَلَا تَعۡتَدُوٓاْۚ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يُحِبُّ ٱلۡمُعۡتَدِينَ 87﴾:

يا أيَّها الذين آمنوا بالله، لا تحرِّموا على أنفسكم المطاعم والمشارب الطيبة التي أحلها الله لكم، وأَكْثِروا من شكر الله سبحانه على هذه النعم، ولا تتجاوزوا حدود الله التي حدَّها لكم في كتابه وسنة نبيه ﷺ، باعتقاد حِلِّ ما حرَّم الله من المطاعم والمشارب؛ فإنه سبحانه يُبْغِضُ ويمقُتُ ويعاقب الظالمين المجاوزين لحدوده.

[88] ﴿وَكُلُواْ مِمَّا رَزَقَكُمُ ٱللَّهُ حَلَٰلٗا طَيِّبٗاۚ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ ٱلَّذِيٓ أَنتُم بِهِۦ مُؤۡمِنُونَ 88﴾:

ثم أمَرَ جل وعلا عباده أن يأكلوا من رزق الله الذي ساقه إليهم، وأمرهم أن يخافوا الله الذي هم به مؤمنون؛ وذلك بامتثال أوامره، واجتناب نواهيه.

[89] ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ ٱللَّهُ بِٱللَّغۡوِ فِيٓ أَيۡمَٰنِكُمۡ وَلَٰكِن يُؤَاخِذُكُم بِمَا عَقَّدتُّمُ ٱلۡأَيۡمَٰنَۖ فَكَفَّٰرَتُهُۥٓ إِطۡعَامُ عَشَرَةِ مَسَٰكِينَ مِنۡ أَوۡسَطِ مَا تُطۡعِمُونَ أَهۡلِيكُمۡ أَوۡ كِسۡوَتُهُمۡ أَوۡ تَحۡرِيرُ رَقَبَةٖۖ فَمَن لَّمۡ يَجِدۡ فَصِيَامُ ثَلَٰثَةِ أَيَّامٖۚ ذَٰلِكَ كَفَّٰرَةُ أَيۡمَٰنِكُمۡ إِذَا حَلَفۡتُمۡۚ وَٱحۡفَظُوٓاْ أَيۡمَٰنَكُمۡۚ كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ ٱللَّهُ لَكُمۡ ءَايَٰتِهِۦ لَعَلَّكُمۡ تَشۡكُرُونَ 89﴾:

ثم أخبَرَ جل وعلا أنه لا يؤاخذ باليمين التي تصدر من الإنسان على وجه اللغو، أي: اليمين التي لا يقصدها الحالف، بل تجري على لسانه عادةً، ولا يترتَّب عليها إضاعة حق ولا ضرر على الغير، وإنما العقاب على اليمين المنعقدة الموثَّقة بالقصد والنية؛ إذا حَنِثَ فيها صاحبها.

وهذه كفارتها يُخيَّرُ الحانث فيها بين ثلاثة أمور:

الأول: إطعام عشرة مساكين من أوسط طعام أهل البلد.

والثاني: كسوة عشرة مساكين بما يكفي في الكسوة عُرْفًا.

والثالث: تحرير رقبة، أي: إعتاق مملوك من الرق.

ثم بيَّن سبحانه أن الحانث إذا لم يستطع فعل أي واحدة من هذه الثلاثة، فعليه بالأمر الرابع: وهو صيام ثلاثة أيام متتابعة، أي: أن الأمر الرابع، وهو الصيام، غيرُ داخل في التخيير، وإنما يرجع إليه الحانث عند عدم القدرة على فعل أحد الأمور الثلاثة.

وهذه اليمين غالبًا ما تكون في حاضر الحانث أو مستقبله، أما الأحداث التي حصَلَتْ من الحانث في الماضي، فإن كان حلفه لإِبطال حَقٍّ ماليٍّ أو غير ذلك، وكان كاذبًا، فإن هذه تسمى باليمينِ الغَمُوسِ التي تغمس صاحبها في النار، ولا كفارة لها إلا التوبة، وذهب بعض الفقهاء إلى وجوب الكفارة مع التوبة، ثم رَدُّ الحقوق التي ضاعت بسببها؛ فيكون عليه الضمانُ، أمكن أم لم يمكن في الحالِ، فهي في ذمتِه.

ثم بيَّن سبحانه أن هذه هي كفارة اليمين الشرعية التي أمَرَكم الله بها، إذا حنثتم في أيمانكم، ثم أمَرَ سبحانه عباده بحفظ اليمين، ومِنْ حِفْظِها: اجتناب اللغو فيها، ومِن حفظها أيضًا: الوفاء بما حلَفْتم عليه، ومن حفظها: أداء الكفارة إذا لم تَفُوا بها، واعلموا أنه بمثل هذا البيان لحكم الأيمان والتحلُّل منها، بيَّن لكم سبحانه آياته المتضمِّنة لشرائع دينه؛ لتشكروه على هدايته وتوفيقه لكم إلى الطريق المستقيم.

[90] ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ إِنَّمَا ٱلۡخَمۡرُ وَٱلۡمَيۡسِرُ وَٱلۡأَنصَابُ وَٱلۡأَزۡلَٰمُ رِجۡسٞ مِّنۡ عَمَلِ ٱلشَّيۡطَٰنِ فَٱجۡتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمۡ تُفۡلِحُونَ 90﴾:

يا أيها الذين آمنوا بالله، إنما الخمرُ -وهو المسكر الذي يخامر العقل ويُذْهِبه- والقِمَارُ، والأصنامُ التي تنصب للعبادة، والقداحُ التي كان يستقسِمُ بها أهل الجاهلية؛ كل هذه الأشياء خُبْثٌ مستقذَرٌ من عمل الشيطان يزيِّنه لكم لتفعلوه؛ فابتعدوا عن هذا الرجس المعبِّر عن هذه الأشياء؛ لعلكم تفلحون في الدنيا والآخرة.

[91] ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ ٱلشَّيۡطَٰنُ أَن يُوقِعَ بَيۡنَكُمُ ٱلۡعَدَٰوَةَ وَٱلۡبَغۡضَآءَ فِي ٱلۡخَمۡرِ وَٱلۡمَيۡسِرِ وَيَصُدَّكُمۡ عَن ذِكۡرِ ٱللَّهِ وَعَنِ ٱلصَّلَوٰةِۖ فَهَلۡ أَنتُم مُّنتَهُونَ 91﴾:

ثم بيَّن جل وعلا أن الشيطان يُغْرِي الناس بفعل هذه الرذائل؛ لأنه يريد أن يُوقِعهم في بعض الأمور التي تُبْعِدهم عن دينهم وعن طاعة ربِّهم، ومن ذلك: أنه يريد أن يُوقِع بين الناس العداوة والبغضاء؛ فالسكرانُ عند فَقْدِ عقله يسُبُّ ويضرب وربما يقتُلُ، والمقامر يَحْقِدُ على من غلبه؛ لأنه أخذ جميع ماله، ومن ذلك أيضًا: أنه يريد أن يُبْعِدَ الناس عن ذكر الله وعن طاعته؛ فالسكرانُ ذهب عقله؛ فلا يعرف ذكر الله، والمقامرُ مشغولٌ باللهو واللعب؛ فلا يذكُرُ الله إلا قليلًا، وربما لا يذكره أبدًا، ومن ذلك أيضًا: أنه يريد أن يُبْعِدهم عن الصلاة التي هي من أجلِّ العبادات؛ فالسكرانُ لا يعقل الصلاة، والمقامرُ مشغولٌ في اللعب واللهو، فتمضي الساعات وهو يقامر حتى تخرُجَ الصلوات عن وقتها، ثم أمَرَ سبحانه عباده المؤمنين بالانتهاء عن طاعة الشيطان في هذه الرذائل وفي غيرها، من المنكرات والفواحش، والرجوع إلى طاعة الرحمن.

[92] ﴿وَأَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُواْ ٱلرَّسُولَ وَٱحۡذَرُواْۚ فَإِن تَوَلَّيۡتُمۡ فَٱعۡلَمُوٓاْ أَنَّمَا عَلَىٰ رَسُولِنَا ٱلۡبَلَٰغُ ٱلۡمُبِينُ 92﴾:

ثم أمَرَ جل وعلا عبادَهُ بطاعة الله وطاعة رسوله ﷺ، وأمَرَهم بالحذر من الوقوع في الذنوب والمعاصي، وبيَّن لهم أن من أعرض عن طاعة الله، فليس له على الرسول ﷺ إلا البلاغ الواضح المبين الذي لا لبس فيه، ولا شك أنه قد فعَلَ ﷺ ذلك؛ حيث بلَّغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وجاهد في الله حق جهاده حتى أتاه اليقين.

[93] ﴿لَيۡسَ عَلَى ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ جُنَاحٞ فِيمَا طَعِمُوٓاْ إِذَا مَا ٱتَّقَواْ وَّءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ ثُمَّ ٱتَّقَواْ وَّءَامَنُواْ ثُمَّ ٱتَّقَواْ وَّأَحۡسَنُواْۚ وَٱللَّهُ يُحِبُّ ٱلۡمُحۡسِنِينَ 93﴾:

ثم بيَّن جل وعلا أن الذين آمنوا بالله، وعملوا الأعمال الصالحة، ليس عليهم إثم لا فيما أكلوا أو شربوا من الحلال الطيب، ولا فيما سبق أن أكلوه أو شربوه من المحرَّمات، ثم ماتوا قبل تحريمها، إذا خافوا الله بفعل أوامره واجتناب نواهيه، وآمنوا بالله إيمانًا حقيقيًّا، وعملوا الأعمال الصالحة، ثم استمرُّوا على خوفهم من الله، وعلى إيمانهم طول حياتهم، ثم ازدادوا خوفًا من الله مع إحسانهم إلى أنفسهم بكثرة الطاعات، وإلى غيرهم بنفعهم بما يستطيعون من الخير، ثم بيَّن سبحانه أنه يحب المحسنين الذين أخلصوا في أعمالهم، وأدَّوْها على وجه الكمال.

والمقصود من الآية: الصحابة الذين كانوا يشربون الخمر، ثم ماتوا قبل تحريمها؛ فبيَّن سبحانه أنه لا إثم عليهم؛ بسبب إيمانهم بالله، وخوفهم منه، وإحسانهم إلى عباده.

[94] ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَيَبۡلُوَنَّكُمُ ٱللَّهُ بِشَيۡءٖ مِّنَ ٱلصَّيۡدِ تَنَالُهُۥٓ أَيۡدِيكُمۡ وَرِمَاحُكُمۡ لِيَعۡلَمَ ٱللَّهُ مَن يَخَافُهُۥ بِٱلۡغَيۡبِۚ فَمَنِ ٱعۡتَدَىٰ بَعۡدَ ذَٰلِكَ فَلَهُۥ عَذَابٌ أَلِيمٞ 94﴾:

هذا نداء من الله جل وعلا لبعض الصحابة رضي الله عنهم أخبَرَ فيه أنه سوف يختبرهم ببعض الصيد يسوقه إليهم وهم مُحْرِمون بالحج أو العمرة؛ بحيث يتمكَّنون من صيده بأيديهم ورماحهم بكل يُسْر وسهولة؛ ليعلم الله علمًا ظاهرًا بيِّنًا للخلق مَنْ يخشاه بالغيب؛ وهذا يعُمُّ المقصودين في هذه الآية، وهم الصحابة الذين كانوا مُحْرِمين بالعمرة وهم في الحديبية، فأتاهم الصيد من كل الجهات ابتلاءً لهم، ويعُمُّ أيضًا غيرهم؛ فالعِبْرةُ بعموم اللفظ، لا بخصوص السبب. وفي وقتنا الحاضر: تنطبق على كل من يسافر إلى الدول الغربية، فإنه سوف يجد كل المحرَّمات في متناول يده؛ بل ربما بعض هذه المحرَّمات تدخل عليه في الفندق أو في مسكنه، ثم بيَّن سبحانه أن من تجاوز حدود الله -بعد أن عَلِمَ- فأقدَمَ على الصيد وهو مُحْرِم؛ فإنه يستحق العذاب الأليم؛ لاستهانته بأوامر الله تعالى.

[95] ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَقۡتُلُواْ ٱلصَّيۡدَ وَأَنتُمۡ حُرُمٞۚ وَمَن قَتَلَهُۥ مِنكُم مُّتَعَمِّدٗا فَجَزَآءٞ مِّثۡلُ مَا قَتَلَ مِنَ ٱلنَّعَمِ يَحۡكُمُ بِهِۦ ذَوَا عَدۡلٖ مِّنكُمۡ هَدۡيَۢا بَٰلِغَ ٱلۡكَعۡبَةِ أَوۡ كَفَّٰرَةٞ طَعَامُ مَسَٰكِينَ أَوۡ عَدۡلُ ذَٰلِكَ صِيَامٗا لِّيَذُوقَ وَبَالَ أَمۡرِهِۦۗ عَفَا ٱللَّهُ عَمَّا سَلَفَۚ وَمَنۡ عَادَ فَيَنتَقِمُ ٱللَّهُ مِنۡهُۚ وَٱللَّهُ عَزِيزٞ ذُو ٱنتِقَامٍ 95﴾:

وهذا نداءٌ آخَرُ من الله تعالى حذَّر فيه عباده المؤمنين أن يقتلوا الصيد وهم مُحْرِمون بالحج أو العمرة، ثم قال سبحانه: ومن قتله منكم متعمِّدًا وهو مُحْرِم، فعليه جزاءٌ مماثِلٌ لما قتَلَ من الأنعام، وهي: الإبل والبقر والغنم، وهذا المِثْلُ يقدِّرُهُ ويحكُمُ به رجلانِ عدلانِ منكم، وما حكما به يذبح في الحرم ويوزَّع على فقراء الحرم، فإذا لم يكن للصيد مماثل من النعم، ففي هذه الحالة تقدَّر قيمته ويُشْتَرَى بقيمته طعامٌ يوزَّع على فقراء الحرم، لكل مسكين صاعٌ من التمر أو الحب، ومن كان فقيرًا لا يملك المال، فعليه أن يصوم أيامًا بعدد الفقراء الذين كانوا يستحقون الطعام لو أخرَجَهُ، وقد حكم الله تعالى بهذا الحكم، لكي يُحِسَّ المعتدي على حُرُمات الله بنتائج جُرْمه، ثم بيَّن سبحانه أن من صاد وهو مُحْرِم قبل التحريم، فقد عفا الله عما صدر منه، أما من رجع إلى الصيد بعد العلم بالتحريم، فإن الله سوف ينتقم منه، ويعاقبه عقابًا شديدًا، واعلموا أن الله لا يغلبه غالب، ولا يمنعه من الانتقام ممن عصاه مانع.

[96] ﴿أُحِلَّ لَكُمۡ صَيۡدُ ٱلۡبَحۡرِ وَطَعَامُهُۥ مَتَٰعٗا لَّكُمۡ وَلِلسَّيَّارَةِۖ وَحُرِّمَ عَلَيۡكُمۡ صَيۡدُ ٱلۡبَرِّ مَا دُمۡتُمۡ حُرُمٗاۗ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ ٱلَّذِيٓ إِلَيۡهِ تُحۡشَرُونَ 96﴾:

واعلموا -أيها المُحْرِمون- أن الله جل وعلا أحلَّ لكم صيد البحر أن تأكلوه، مما لا يعيش إلا في البحر كالسَّمَك؛ كما أحل ما يقذفه البحر أن تجعلوه طعامًا لكم؛ لتتمتَّعوا بأكله في حال إقامتكم، وفي حال سفركم، ثم بيَّن سبحانه أنه حرَّم عليكم صيد البر وأنتم محرمون فقطْ، أما لو صاده غير المُحْرِم، فيجوز للمحرم أكله؛ كما ثبت ذلك في السنة([1])، وعليكم -أيها الناس- أن تخافوا الله؛ بفعل أوامره، واجتناب نواهيه؛ فإنكم ستُجْمَعون إليه يوم القيامة، فيجازيكم على أعمالكم؛ إنْ خيرًا فخير، وإن شرًّا فشرّ. [1] لحديث أبي قتادة رضي الله عنه؛ حيث خرج حاجًّا مع النبي ﷺ، وصاد وهو في طريقه صيدًا قبل أن يُحرم، وكان معه أصحابه قد أحرموا، فأكلوا من هذا الصيد، ثم حملوا ما بقي من لحمها، حتى أتوا النبي ﷺ فسألوه، فقال: «هل منكم أحد أمره، أو أشار إليه بشيء؟» قال: قالوا: لا، قال: «فكلوا ما بقي من لحمها»، أخرجه البخاري (1821)، ومواضع أخرى، ومسلم (1196).

[97] ﴿جَعَلَ ٱللَّهُ ٱلۡكَعۡبَةَ ٱلۡبَيۡتَ ٱلۡحَرَامَ قِيَٰمٗا لِّلنَّاسِ وَٱلشَّهۡرَ ٱلۡحَرَامَ وَٱلۡهَدۡيَ وَٱلۡقَلَٰٓئِدَۚ ذَٰلِكَ لِتَعۡلَمُوٓاْ أَنَّ ٱللَّهَ يَعۡلَمُ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلۡأَرۡضِ وَأَنَّ ٱللَّهَ بِكُلِّ شَيۡءٍ عَلِيمٌ 97﴾:

ثم أخبَرَ جل وعلا أنه جعل الكعبة قيامًا للناس؛ لأن أمور الدين والدنيا تتحقَّق فيها؛ فبها تُحَطُّ السيئات بالحج والعمرة، وبها تُعْرَفُ المواقيت، وبها يَجِدُ التاجر من يشتري تجارته؛ فيربح في التجارة، ويربح في حطِّ السيئات، وجعَلَ سبحانه الأشهر الحرم وهي: (ذو القَعْدة، وذو الحِجَّة، ومُحَرَّمٌ، ورجب)، قيامًا لمصالح الناس؛ ولذلك لا يجوز لأحد أن يعتدي على أحد فيها، وجعَلَ سبحانه الهَدْيَ متاعًا للفقراء والضعفاء؛ فلذلك لا يجوز الاعتداء على بهيمة الأنعام التي أهديت للحَرَم، ولا يجوز الاعتداء أيضًا على بهيمة الأنعام التي جعلوا عليها قلائد كشعار بأنها مما أهدي للحَرَم؛ كل هذا لتتيقَّنوا وتعرفوا -أيها الناس- أن الله جل في علاه يعلم جميع ما في السموات والأرض، وأنه سبحانه هو المشرِّع، وأنه لا يشرع لعباده إلا الأحكام التي فيها مصلحتهم، ثم بيَّن سبحانه أنه بكل شيء عليم؛ فلا تخفى عليه خافية في الأرض ولا في السماء، وقد سميت الكعبة بهذا الاسم، لأنها مكعَّبة، أي: ذات أركان أربعة.

[98] ﴿ٱعۡلَمُوٓاْ أَنَّ ٱللَّهَ شَدِيدُ ٱلۡعِقَابِ وَأَنَّ ٱللَّهَ غَفُورٞ رَّحِيمٞ 98﴾:

واعلموا -أيها الناس- أن الله شديد العقاب لمن خالف أمره، وأنه غفورٌ رحيمٌ لمن تاب إليه، وعمل الأعمال الصالحة.

[99] ﴿مَّا عَلَى ٱلرَّسُولِ إِلَّا ٱلۡبَلَٰغُۗ وَٱللَّهُ يَعۡلَمُ مَا تُبۡدُونَ وَمَا تَكۡتُمُونَ 99﴾:

ثم أخبَرَ جل وعلا أنه ليس على الرسول ﷺ إلا إبلاغ الناس الهدى، وليس عليه هدايتهم؛ فالهدايةُ بيد الله وحده، ثم بيَّن سبحانه أنه يعلم كل ما تُبْدُون ظاهرًا أمام الناس، ويعلم كل ما تُخْفُونه وتكتمونه.

[100] ﴿قُل لَّا يَسۡتَوِي ٱلۡخَبِيثُ وَٱلطَّيِّبُ وَلَوۡ أَعۡجَبَكَ كَثۡرَةُ ٱلۡخَبِيثِۚ فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ يَٰٓأُوْلِي ٱلۡأَلۡبَٰبِ لَعَلَّكُمۡ تُفۡلِحُونَ 100﴾:

وقل -أيها النبي- للناس: اعلموا أنه لا يستوي الحرام الخبيث والحلال الطيب، ولو أعجبكم كثرة الخبيث؛ وذلك أن غالب أهل الدنيا يُعْجِبهم كثرة المال وزينة الحياة الدنيا وزُخْرُفها، ولهذا يجب عليكم أن تخافوا الله -يا أصحاب العقول السليمة- لتفوزوا برضوان الله وبجنته.

[101] ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَسۡـَٔلُواْ عَنۡ أَشۡيَآءَ إِن تُبۡدَ لَكُمۡ تَسُؤۡكُمۡ وَإِن تَسۡـَٔلُواْ عَنۡهَا حِينَ يُنَزَّلُ ٱلۡقُرۡءَانُ تُبۡدَ لَكُمۡ عَفَا ٱللَّهُ عَنۡهَاۗ وَٱللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٞ 101﴾:

نهى جل وعلا عباده أن يسألوا نبيهم ﷺ عما قد يسوؤهم إبداؤه، ويندموا بعد ذلك على السؤال عنها، ثم أباح سبحانه لهم أن يسألوا عن الأشياء التي نزَلَ بها القرآن مجمَلةً؛ لمعرفة بيانها وتفاصيلها للحاجة إليها، ثم رحمةً منه جل في علاه فقد عفا عن الأشياء التي نهاهم عن السؤال عنها، واعلموا أن الله غفورٌ لمن تاب وأناب، وأنه حليمٌ لا يعاجل بالعقوبة.

[102] ﴿قَدۡ سَأَلَهَا قَوۡمٞ مِّن قَبۡلِكُمۡ ثُمَّ أَصۡبَحُواْ بِهَا كَٰفِرِينَ 102﴾:

ثم بيَّن جل وعلا أن مثل هذه الأسئلة قد سألها أقوام مِن قبلكم رُسُلَهم، فلما أُمِروا بها، كفروا بها؛ فاحذروا -أيها الناس- أن تفعلوا مثل فعلهم.

[103] ﴿مَا جَعَلَ ٱللَّهُ مِنۢ بَحِيرَةٖ وَلَا سَآئِبَةٖ وَلَا وَصِيلَةٖ وَلَا حَامٖ وَلَٰكِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ يَفۡتَرُونَ عَلَى ٱللَّهِ ٱلۡكَذِبَۖ وَأَكۡثَرُهُمۡ لَا يَعۡقِلُونَ 103﴾:

ثم ذَمَّ جل وعلا بعض الخرافات والاعتقادات الباطلة التي كان يعملها المشركون في الجاهلية؛ حيث كانوا يضعون على بعض أنواع الإبل شعارًا، ثم يحرِّمونها في البرِّ ويتركونها تقرُّبًا للآلهة، بدون دليل أو برهان؛ وهذا من جهلهم وتعدِّيهم وتشريعهم في الدين ما لم يأذن به الله؛ فمن ذلك: أولًا: البَحِيرةُ: وهي ناقة إذا وصَلَتْ لمرحلة معيَّنه، فإنهم يشُقُّونَ أذنها، ثم يحرِّمون ركوبها. وثانيًا: السائبة: وهي ناقة أو شاة أو بقرة، إذا بلَغَتْ سنًّا معيَّنة، اتفقوا أن يسيِّبوها ويحرِّموا ركوبها واستعمالها وأكل لحمها. وثالثًا: الوصيلة: وهي الناقة التي يكون أوَّل إنتاجها أنثى، فيجعلونها لهم، وإن كان أول إنتاجها ذكرًا، قالوا: هي لآلهتهم. ورابعًا: الحام: وهو جَمَلٌ، إذا وصل إلى حالة معروفة بينهم، حَمَوْا ظهره عن الركوب والحَمْل. ولا شك أن هذه عبادات لم يأذن بها الله، ولكنَّ الذين كفروا وجحدوا آيات الله، فعلوا ذلك افتراءً وكذبًا على الله، ثم أخبَرَ سبحانه أن أكثر هؤلاء الكفار لا عقول عندهم يفكِّرون بها، وأنهم لا يميِّزون بين الحق والباطل.

[104] ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمۡ تَعَالَوۡاْ إِلَىٰ مَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ وَإِلَى ٱلرَّسُولِ قَالُواْ حَسۡبُنَا مَا وَجَدۡنَا عَلَيۡهِ ءَابَآءَنَآۚ أَوَلَوۡ كَانَ ءَابَآؤُهُمۡ لَا يَعۡلَمُونَ شَيۡـٔٗا وَلَا يَهۡتَدُونَ 104﴾:

واعلموا -أيها الناس- أنه إذا قال أحدُ المخلصين لهؤلاء المشركين ناصًحا لهم: تعالَوْا إلى ما أنزله الله في القرآن، وإلى ما بيَّنه الرسول ﷺ في سنته في معرفة الحلال والحرام في هذه الأشياء التي ذُكِرَتْ في الآية السابقة وغيرها، قالوا: يكفينا ما وجَدْنا عليه آباءنا وأجدادنا من العادات والتقاليد، فرَدَّ سبحانه على سفه هؤلاء وضلالهم توبيخًا لهم، فقال: أيقولون هذا القول حتى لو كان آباؤهم لا يَفْهَمُونَ شيئًا من الحلال والحرام، ولا يهتدون إلى طريق الحق؟!.

[105] ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ عَلَيۡكُمۡ أَنفُسَكُمۡۖ لَا يَضُرُّكُم مَّن ضَلَّ إِذَا ٱهۡتَدَيۡتُمۡۚ إِلَى ٱللَّهِ مَرۡجِعُكُمۡ جَمِيعٗا فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمۡ تَعۡمَلُونَ 105﴾:

يا أيها الذين آمنوا بالله، واتَّبعوا الرسول ﷺ، عليكم أن تستمسكوا بشرع الله الذي أُنزِلَ إليكم، وتُلزِموا أنفسكم باتباع أوامر الله، واجتناب نواهيه، ولن يضُرَّكم بعد ذلك ضلال من ضَلَّ من الناس إذا نصحتم، وأمرتم بالمعروف، ونهيتم عن المنكر، وقمتم بالواجبات الإيمانية، والتزمتم الطريق المستقيم الذي أمَرَ الله به، واعلموا -أيها الناس- أنكم جميعًا سترجعون إلى الله يوم القيامة، وسوف يخبركم بما عملتم في الدنيا من الخير والشر، وسيجازيكم عليه بعَدْله ورحمته.

وسبب نزول هذه الآية: أن بعض الصحابة كانوا يتحسَّرون ويتألَّمون لإصرار بعض إخوانهم وأحْبابِهم في الجاهلية على الكفر، وهذه الآيةُ تفيدُ أن من لوازم الهداية: الأمرَ بالمعروف، والنهيَ عن المنكر؛ فقد روي أن أبا بكر الصدِّيق رضي الله عنه قال -وهو على المنبر-: يا أيها الناس، إنكم تقرؤون هذه الآية، وتضعونها على غير ما وضَعَها الله: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ عَلَيۡكُمۡ أَنفُسَكُمۡۖ لَا يَضُرُّكُم مَّن ضَلَّ إِذَا ٱهۡتَدَيۡتُمۡۚ ﴾، سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: «إِنَّ النَّاسَ إِذَا رَأَوُا المُنْكَرَ بَيْنَهُمْ؛ فَلَمْ يُنْكِرُوُه، يُوشِكُ أَنْ يَعُمَّهُمُ اللهُ بِعِقَابٍ»([2]). [2] أخرجه أحمد في مسنده (53)، والطبراني في الأوسط (2511).

[106] ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ شَهَٰدَةُ بَيۡنِكُمۡ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ ٱلۡمَوۡتُ حِينَ ٱلۡوَصِيَّةِ ٱثۡنَانِ ذَوَا عَدۡلٖ مِّنكُمۡ أَوۡ ءَاخَرَانِ مِنۡ غَيۡرِكُمۡ إِنۡ أَنتُمۡ ضَرَبۡتُمۡ فِي ٱلۡأَرۡضِ فَأَصَٰبَتۡكُم مُّصِيبَةُ ٱلۡمَوۡتِۚ تَحۡبِسُونَهُمَا مِنۢ بَعۡدِ ٱلصَّلَوٰةِ فَيُقۡسِمَانِ بِٱللَّهِ إِنِ ٱرۡتَبۡتُمۡ لَا نَشۡتَرِي بِهِۦ ثَمَنٗا وَلَوۡ كَانَ ذَا قُرۡبَىٰ وَلَا نَكۡتُمُ شَهَٰدَةَ ٱللَّهِ إِنَّآ إِذٗا لَّمِنَ ٱلۡأٓثِمِينَ 106﴾:

يا أيَّها الذين آمنوا بالله، حينما تظهر على أحدكم علامة الموت، ويريد أن يوصي بشيء، فَلْيُشْهِدْ على الوصية رجلَيْنِ عدلَيْنِ من أقاربه، أو آخرَيْنِ من غير أقاربه؛ إذا كان في سفر وظهَرَتْ عليه أمارات الموت، وهذان الشاهدان إذا شكَكْتم في أمرهما بخيانة ونحو ذلك، فعليكم أن تَحْبِسوهما من بعد أداء الصلاة التي يجتمع عليها الناس، وتطلبوا منهما أن يَحْلِفا بالله قائلين: لا نستبدل بيمينه عوضًا، ولا نحلف بالله كاذبين، ولو كان الذي سنُقْسِم من أجله أحد أقاربنا، واعلموا يقينًا أننا لن نخفي الشهادة التي أمَرَنا الله بأدائها على وجهها الصحيح، فإذا أخفيناها، أو قلنا غير الحق؛ لنكونَنَّ من الظالمين المستحقِّين لعذاب الله.

[107] ﴿فَإِنۡ عُثِرَ عَلَىٰٓ أَنَّهُمَا ٱسۡتَحَقَّآ إِثۡمٗا فَـَٔاخَرَانِ يَقُومَانِ مَقَامَهُمَا مِنَ ٱلَّذِينَ ٱسۡتَحَقَّ عَلَيۡهِمُ ٱلۡأَوۡلَيَٰنِ فَيُقۡسِمَانِ بِٱللَّهِ لَشَهَٰدَتُنَآ أَحَقُّ مِن شَهَٰدَتِهِمَا وَمَا ٱعۡتَدَيۡنَآ إِنَّآ إِذٗا لَّمِنَ ٱلظَّٰلِمِينَ 107﴾:

ثم بيَّن جل وعلا أنه إذا اتُّهِمَ الشاهدان بعد ذلك بالكذب في الشهادة، وكان ذلك حقًّا، أي: ثبَتَ أنهما كاذبان، فلْيَقُمْ مقامهما شاهدانِ آخَرَانِ من أقرباء الميت، أو من الموصى إليهم؛ فيَحْلِفان بالله أن هذين الشاهدين قد كذَبَا، وأن يميننا أولى بالقبول من يمينهما، ولن نتجاوز الحق في شهادتنا أبدًا، ولم نتهم الشاهدَيْنِ زورًا وبهتانًا، ولئن فعلنا ذلك، لنكونَنَّ من الظالمين المعتدين لحدود الله.

[108] ﴿ذَٰلِكَ أَدۡنَىٰٓ أَن يَأۡتُواْ بِٱلشَّهَٰدَةِ عَلَىٰ وَجۡهِهَآ أَوۡ يَخَافُوٓاْ أَن تُرَدَّ أَيۡمَٰنُۢ بَعۡدَ أَيۡمَٰنِهِمۡۗ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَٱسۡمَعُواْۗ وَٱللَّهُ لَا يَهۡدِي ٱلۡقَوۡمَ ٱلۡفَٰسِقِينَ 108﴾:

واعلموا -أيها الناس- أن ذلك الحكم المذكور أقربُ إلى أن يجعل الشهود يأتون بالشهادة عادلة، لا ظلم فيها ولا جور، وأقربُ إلى أن يخافوا أن تُرَدَّ أيمانهم؛ فلا يكذبوا خوف الفضيحة، وخافوا الله -أيها الناس- ولا تعصوه، واسمعوا ما يأمركم به وأطيعوه؛ فإن الله لا يوفِّق القوم الخارجين عن طاعته لرفضهم الهدى؛ ولذا فإنه جل وعلا يتركهم وما اختاروا لأنفسهم.

[109] ﴿يَوۡمَ يَجۡمَعُ ٱللَّهُ ٱلرُّسُلَ فَيَقُولُ مَاذَآ أُجِبۡتُمۡۖ قَالُواْ لَا عِلۡمَ لَنَآۖ إِنَّكَ أَنتَ عَلَّٰمُ ٱلۡغُيُوبِ 109﴾:

وتذكَّروا -أيها الناس- يوم أن يجمع الله جل وعلا الرسل والخلائق جميعًا يوم القيامة؛ للحساب والجزاء، ثم يسألَ سبحانه الرسل عن استجابة أممهم لهم -وهو سبحانه أعلم- وليس المقصود معرفته سبحانه، ولكنْ توبيخًا للكفار؛ كما في قوله: ﴿وَإِذَا ٱلۡمَوۡءُۥدَةُ سُئِلَتۡ 8 بِأَيِّ ذَنۢبٖ قُتِلَتۡ﴾ [التكوير:٨-٩]؛ فالمراد: تأنيب وتبكيت الكفار والزنادقة والعصاة؛ فأجاب الرسلُ ربهم، فقالوا: لا علم لنا -يا رب- بجانب علمك؛ فأنت أعلم بما قالوا وما فعلوا، وإن معرفتنا لأمور الغيب ظاهرية، أما أنت، فمعرفتك محيطةٌ بما يُظهِرونَ وما يُبطِنون؛ إنك أنت العليم بكل ما خفي أو ظهر من أمور الخلق.

[110] ﴿إِذۡ قَالَ ٱللَّهُ يَٰعِيسَى ٱبۡنَ مَرۡيَمَ ٱذۡكُرۡ نِعۡمَتِي عَلَيۡكَ وَعَلَىٰ وَٰلِدَتِكَ إِذۡ أَيَّدتُّكَ بِرُوحِ ٱلۡقُدُسِ تُكَلِّمُ ٱلنَّاسَ فِي ٱلۡمَهۡدِ وَكَهۡلٗاۖ وَإِذۡ عَلَّمۡتُكَ ٱلۡكِتَٰبَ وَٱلۡحِكۡمَةَ وَٱلتَّوۡرَىٰةَ وَٱلۡإِنجِيلَۖ وَإِذۡ تَخۡلُقُ مِنَ ٱلطِّينِ كَهَيۡـَٔةِ ٱلطَّيۡرِ بِإِذۡنِي فَتَنفُخُ فِيهَا فَتَكُونُ طَيۡرَۢا بِإِذۡنِيۖ وَتُبۡرِئُ ٱلۡأَكۡمَهَ وَٱلۡأَبۡرَصَ بِإِذۡنِيۖ وَإِذۡ تُخۡرِجُ ٱلۡمَوۡتَىٰ بِإِذۡنِيۖ وَإِذۡ كَفَفۡتُ بَنِيٓ إِسۡرَٰٓءِيلَ عَنكَ إِذۡ جِئۡتَهُم بِٱلۡبَيِّنَٰتِ فَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنۡهُمۡ إِنۡ هَٰذَآ إِلَّا سِحۡرٞ مُّبِينٞ 110﴾:

وتذكَّروا -أيها الناس- يوم يقول جل وعلا يوم القيامة: يا عيسى بن مريم، اذكر نعمتي وفضلي عليك وعلى والدتك؛ حيث خلقتُكَ من غير أب، ثم اصطفَيْتُ والدتك على نساء العالمين، ثم أيَّدتُّكَ بجبريل عليه السلام، فقوَّاك وأعانك على أن تكلِّم الناس وأنت رضيع على غير العادة المعروفة، وكذلك أعنتُكَ على دعوة قومك إلى التوحيد يوم أن صِرْتَ شابًّا مكتمل الشباب والقوة، وأنني علَّمتك القراءة والكتابة والحكمة؛ فكنتَ قادرًا على فهم التوراة التي أنزلتُهَا على موسى عليه السلام، وفهم الإنجيل الذي أنزلتُهُ عليك، وأني أعطيتك القدرة على أن تصنع من الطين صورةً على شكل الطير، ثم تنفُخَ فيه فيكون طيرًا بإذن الله، وعلى أن تشفي الذي وُلِدَ أعمى فيبصر بإذن الله، وتشفي الأبرص فيعود جلده سليمًا معافًى بإذن الله، وأنك تحيي الموتى فيقومون من قبورهم أحياء بإذن الله، وأنني منَعْتُ بني إسرائيل مِنْ قتلك عندما همُّوا بذلك؛ مع أنك جئتهم بالآيات البينات والدلائل الواضحات التي تدل على نبوَّتك، ثم بعد هذه المعجزات الباهرة جحدوا نبوَّتك، وكفروا بالله، بل قالوا: إنَّ كل ما جئت به هو مِنَ السِّحْرِ الظاهر.

ويلاحظ: أن الله كرَّر في هذه الآية قوله: ﴿بِإِذۡنِيۖ ﴾ مع كل معجزة؛ لإشعار المتلقِّين للرسالات من الحواريين، ثم مِنْ غيرهم ممن جاؤوا بعدهم: أنه ليس له من الأمر شيء، ولا قدرة له إلا على ما أقدره الله عليه، ومع ذلك أَلَّهَهُ بعضهم، أما اليهود، فجعلوه من السحر، فقالوا: ﴿إِنۡ هَٰذَآ إِلَّا سِحۡرٞ مُّبِينٞ﴾.

[111] ﴿وَإِذۡ أَوۡحَيۡتُ إِلَى ٱلۡحَوَارِيِّـۧنَ أَنۡ ءَامِنُواْ بِي وَبِرَسُولِي قَالُوٓاْ ءَامَنَّا وَٱشۡهَدۡ بِأَنَّنَا مُسۡلِمُونَ 111﴾:

وتذكَّر -يا عيسى- نعمة الله عليك يوم أن أوحى سبحانه لأنصارك الحواريين، وَحْيَ إلهام، وقذَفَ في قلوبهم أن يؤمنوا بالله ويوحِّدوه ويتَّبعوك، فقالوا: آمنا بالله، ونشهد أننا مستسلمون منقادون لأمر الله.

[112] ﴿إِذۡ قَالَ ٱلۡحَوَارِيُّونَ يَٰعِيسَى ٱبۡنَ مَرۡيَمَ هَلۡ يَسۡتَطِيعُ رَبُّكَ أَن يُنَزِّلَ عَلَيۡنَا مَآئِدَةٗ مِّنَ ٱلسَّمَآءِۖ قَالَ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ إِن كُنتُم مُّؤۡمِنِينَ 112﴾:

وتذكَّر -يا عيسى- يوم أن قال الحواريون لك: هل يستطيع ربُّك -إن دعوناه- أن ينزِّل علينا طعامًا من السماء؟ ولم يقولوا: (ربُّنا)، وهذا يُنبئُ عن طبيعتهم، وأن معرفتهم بالله لم تتمكَّن من قلوبهم، وكذلك قولهم في الآية التالية: ﴿أَن قَدۡ صَدَقۡتَنَا﴾، فقال لهم عيسى عليه السلام: اتقوا عذاب الله تعالى، إن كنتم مؤمنين بالله إيمانًا حقيقيًّا.

وهذه الآية فيها دليلٌ على أن الإيمان يزيد وينقص، وهو ما تُنْكِرُهُ كل الفرق ما عدا أهل السنة.

[113] ﴿قَالُواْ نُرِيدُ أَن نَّأۡكُلَ مِنۡهَا وَتَطۡمَئِنَّ قُلُوبُنَا وَنَعۡلَمَ أَن قَدۡ صَدَقۡتَنَا وَنَكُونَ عَلَيۡهَا مِنَ ٱلشَّٰهِدِينَ 113﴾:

ثم قال الحواريون لنبيهم عيسى عليه السلام: واعلم -يا عيسى- أننا نريد بسؤالنا هذا أن نأكل من هذه المائدة لتطمئنَّ قلوبنا بقدرته سبحانه، ونتأكَّد أنك قد صدَقْتَنا فيما أخبرتنا عن الله سبحانه، وأنك نبي مرسل من عند الله، ونشهد لك بهذه المعجزة عند كل مَنْ لم يحضُرْها من الناس.

[114] ﴿قَالَ عِيسَى ٱبۡنُ مَرۡيَمَ ٱللَّهُمَّ رَبَّنَآ أَنزِلۡ عَلَيۡنَا مَآئِدَةٗ مِّنَ ٱلسَّمَآءِ تَكُونُ لَنَا عِيدٗا لِّأَوَّلِنَا وَءَاخِرِنَا وَءَايَةٗ مِّنكَۖ وَٱرۡزُقۡنَا وَأَنتَ خَيۡرُ ٱلرَّٰزِقِينَ 114﴾:

ثم أخبَرَ جل وعلا أن عيسى عليه السلام دعا ربه قائلًا: ﴿ٱللَّهُمَّ رَبَّنَآ أَنزِلۡ عَلَيۡنَا مَآئِدَةٗ مِّنَ ٱلسَّمَآءِ﴾، وسوف نجعل اليوم الذي تنزل فيه هذه المائدة عيدًا نعظِّمه، ويَفْرَحُ فيه من هم في زماننا من أهل ديننا ومَنْ يأتي بعدنا من المؤمنين، وتكون هذه المائدة آية منك دالَّة على عظيم قدرتك، وأنني نبي مرسل من عندك، وارزقنا يا ربنا عليها طعامًا نأكله؛ فإنك أنت خير الرازقين.

[115] ﴿قَالَ ٱللَّهُ إِنِّي مُنَزِّلُهَا عَلَيۡكُمۡۖ فَمَن يَكۡفُرۡ بَعۡدُ مِنكُمۡ فَإِنِّيٓ أُعَذِّبُهُۥ عَذَابٗا لَّآ أُعَذِّبُهُۥٓ أَحَدٗا مِّنَ ٱلۡعَٰلَمِينَ 115﴾:

فأجاب جل وعلا دعاء عيسى عليه السلام، وأخبَرَهُ أنه سوف يُنَزِّلُ على قومه هذه المائدة التي طلبوها، ثم هدَّد سبحانه أن من يكفُرْ من بني إسرائيل بعد نزول المائدة، فإن الله سوف يعذِّبه عذابًا شديدًا لن يعذِّب عذابًا مثله أحدًا من العالمين، ولكنهم خالفوا أمر الله ولم يوفوا بالوعد، فعذَّبهم الله، وكان عذابهم أنهم مُسِخُوا قردة وخنازير.

وقد ذكر المفسِّرون في نزول المائدة قولين:

القول الأول: أنها نزَلَتْ، وهو قول الجمهور، وهو الصواب؛ لأن الله قال: ﴿إِنِّي مُنَزِّلُهَا عَلَيۡكُمۡۖ ﴾، ووعد الله ووعيده حقٌّ وصدق. القول الثاني: أنها لم تَنْزِلْ؛ لأنهم خافوا من التهديد الذي جاء في آخر الآية: ﴿فَمَن يَكۡفُرۡ بَعۡدُ مِنكُمۡ فَإِنِّيٓ أُعَذِّبُهُۥ عَذَابٗا لَّآ أُعَذِّبُهُۥٓ أَحَدٗا مِّنَ ٱلۡعَٰلَمِينَ﴾، ولذلك عَدَلُوا عن طلبها.

[116] ﴿وَإِذۡ قَالَ ٱللَّهُ يَٰعِيسَى ٱبۡنَ مَرۡيَمَ ءَأَنتَ قُلۡتَ لِلنَّاسِ ٱتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَٰهَيۡنِ مِن دُونِ ٱللَّهِۖ قَالَ سُبۡحَٰنَكَ مَا يَكُونُ لِيٓ أَنۡ أَقُولَ مَا لَيۡسَ لِي بِحَقٍّۚ إِن كُنتُ قُلۡتُهُۥ فَقَدۡ عَلِمۡتَهُۥۚ تَعۡلَمُ مَا فِي نَفۡسِي وَلَآ أَعۡلَمُ مَا فِي نَفۡسِكَۚ إِنَّكَ أَنتَ عَلَّٰمُ ٱلۡغُيُوبِ 116﴾:

واذكر -أيها النبي- يوم أن يسألَ جل وعلا عيسى عليه السلام ويقولَ له: هل قلتَ يا عيسى للناس: اتَّخِذوني وأمي إلهين يُعبدَانِ من دون الله؟! وهذا سؤال لتبكيت وتأنيب عَبَدَتِهِ وعَبَدةِ أمه، وهو مثل سؤال الرسل: ﴿مَاذَآ أُجِبۡتُمۡۖ ﴾ [المائدة:109]، ومثل قوله: ﴿ﭐ وَإِذَا ٱلۡمَوۡءُۥدَةُ سُئِلَتۡ 8 بِأَيِّ ذَنۢبٖ قُتِلَتۡ 9﴾ [التكوير:8-9]، فالمقصود: هو تبكيت ولوم وتأنيب الفاعلين لذلك، فقال عيسى عليه السلام: إني أنزِّهك يا رب عما لا يليق بك، وإنه لا يصح لي ولا يجوز أن أقول ما ليس لي بحق؛ فكيف لي أن أدعي الألوهية؟! تعالى الله عما يقول الظالمون علوًّا كبيرًا، ثم قال عيسى: فإن كان صدَرَ مني هذا القول الشنيع، فإنك سوف تعلمه حتمًا؛ لأنك علَّام الغيوب؛ فتعلم ما أُكِنُّهُ في نفسي؛ فكيف بالذي أقوله بلساني؟! وأنا لا أعلم ما في نفسك؛ إنك أنت يا ربنا علام الغيوب.

[117] ﴿مَا قُلۡتُ لَهُمۡ إِلَّا مَآ أَمَرۡتَنِي بِهِۦٓ أَنِ ٱعۡبُدُواْ ٱللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمۡۚ وَكُنتُ عَلَيۡهِمۡ شَهِيدٗا مَّا دُمۡتُ فِيهِمۡۖ فَلَمَّا تَوَفَّيۡتَنِي كُنتَ أَنتَ ٱلرَّقِيبَ عَلَيۡهِمۡۚ وَأَنتَ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ شَهِيدٌ 117﴾:

ثم قال عيسى عليه السلام: ما قلتُ لهم يا رب إلا ما أمرتني به، وهو عبادة الله خالقي وخالقهم، وقد كنتُ شهيدًا على أعمالهم وأنا مقيمٌ فيهم، فلما رفَعْتَني إلى السماء، كُنْتَ أنت الرقيبَ على أعمالهم، والمطَّلِعَ على سرائرهم وضمائرهم، وأنت على كل شيء شهيد، قد أحاط علمك بكلِّ شيء.

[118] ﴿إِن تُعَذِّبۡهُمۡ فَإِنَّهُمۡ عِبَادُكَۖ وَإِن تَغۡفِرۡ لَهُمۡ فَإِنَّكَ أَنتَ ٱلۡعَزِيزُ ٱلۡحَكِيمُ 118﴾:

ثم قال عيسى عليه السلام: يا رب، إن تعذِّبْ من أقام منهم على الكفر، فإنهم عبادك، وأنت خالقهم، تفعل ما تشاء فيهم، وإن تغفر لمن آمن منهم، فإنك أنت العزيزُ الذي لا يغالَبُ، الحكيمُ في وضع الأمور في موضعها المناسب بحسَبِ ما تقتضيه حكمتك سبحانك.

[119] ﴿قَالَ ٱللَّهُ هَٰذَا يَوۡمُ يَنفَعُ ٱلصَّٰدِقِينَ صِدۡقُهُمۡۚ لَهُمۡ جَنَّٰتٞ تَجۡرِي مِن تَحۡتِهَا ٱلۡأَنۡهَٰرُ خَٰلِدِينَ فِيهَآ أَبَدٗاۖ رَّضِيَ ٱللَّهُ عَنۡهُمۡ وَرَضُواْ عَنۡهُۚ ذَٰلِكَ ٱلۡفَوۡزُ ٱلۡعَظِيمُ 119﴾:

ثم قال جل وعلا يوم القيامة: واعلموا أن هذا هو اليوم الذي يَنْفَعُ فيه الصادقين صِدْقُهم، أي: الذين صدَقُوا الله ورسوله، وعملوا بشرعه؛ فهؤلاء لهم جنات تجري من تحت قصورها وأشجارها الأنهار، وهم مقيمون في هذه الجنات لا يخرُجُونَ منها أبدًا، يتمتَّعون فيها برضا الله عنهم ورضاهم عنه؛ بسبب هذا العطاء، وهذا الثواب العظيم. وذلك النعيم الذي حصَلُوا عليه هو الفوز العظيم، والثواب الجزيل من رب العالمين.

[120] ﴿لِلَّهِ مُلۡكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ وَمَا فِيهِنَّۚ وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ قَدِيرُۢ 120﴾:

ثم ختَمَ جل وعلا هذه السورة ببيان أن له وحده سبحانه مُلْكَ جميع ما في السموات والأرض وما فيهنَّ، وأنه المستحِقُّ للعبادة وحده لا شريك له، وأنه على كل شيء قدير، لا يُعْجِزُهُ شيء في الأرض ولا في السماء.

سورة الأنعام

سورة الأنعام مكِّيَّة، وآياتها خمس وستون ومائة آية، وقد نزَلَتْ هذه السورة كلها جملة واحدة غير مجزَّأة.

[1] ﴿ٱلۡحَمۡدُ لِلَّهِ ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضَ وَجَعَلَ ٱلظُّلُمَٰتِ وَٱلنُّورَۖ ثُمَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِرَبِّهِمۡ يَعۡدِلُونَ 1﴾:

بدأت هذه السورة بحمد الله تعالى، وهناك خَمْسُ سُوَرٍ في القرآن بدأت بالحمد، وهي: هذه السورة، والفاتحة، والكهف، وسبأ، وفاطر، والألفُ واللام في قوله: ﴿ٱلۡحَمۡدُ﴾؛ لاستغراق جميع المحامد؛ واللام في قوله: ﴿لِلَّهِ﴾؛ لاختصاصه جل وعلا بالحمد، ولأنه وحده الذي يستحِقُّ الحمد الكامل؛ فهو الذي خلق السموات والأرض، وخلق فيها الظلمات والنور، أي: الليل والنهار؛ وذلك بخلق الشمس والقمر، ومع هذا الوضوح من الخلق والإبداع لهذه المخلوقات، فإن الكفار يُشْرِكون مع الله غيره، ويساوون بينه سبحانه وبين الأصنام التي لا تضُرُّ ولا تنفع، ولا تخلُقُ ولا ترزُق؛ فتنزَّه سبحانه عن الشبيه والمثيل.

[2] ﴿هُوَ ٱلَّذِي خَلَقَكُم مِّن طِينٖ ثُمَّ قَضَىٰٓ أَجَلٗاۖ وَأَجَلٞ مُّسَمًّى عِندَهُۥۖ ثُمَّ أَنتُمۡ تَمۡتَرُونَ 2﴾:

ثم أخبَرَ جل وعلا أنه هو الذي خلق أبانا آدم عليه السلام من طين، وخلَقَ نَسْله مِنْ بعده من ماءٍ مَهِين، وتعهَّد الله برعايتهم في مراحلِ خَلْقهم، ثم بيَّن سبحانه أنه كتب مدة محدَّدة لنهاية أعمار الناس بعد أن عاشوا زمنًا معيَّنًا مقدَّرًا في حياتهم الدنيا إذا لم يستعجل أحدهم نفسه؛ بأن يقتُلَ نفسه بانتحارٍ وغيره، وهذا ما يُسمَّى بالعمر الاخترامي؛ وهذا هو المقصود بقوله: ﴿ثُمَّ قَضَىٰٓ أَجَلٗاۖ ﴾، ثم بيَّن سبحانه أنه كتب عمرًا آخر محدَّدًا لا يعلمه إلا الله، يبدأ بموت الإنسان، ويستمِرُّ حتى يبعثهم الله من قبورهم؛ ليحاسبهم على أعمالهم؛ وهذا هو المقصود بقوله: ﴿وَأَجَلٞ مُّسَمًّى عِندَهُۥۖ ﴾، وبعد كل هذه الدلائل وهذه البراهين الواضحة، فإنكم -أيها المشركون- تشُكُّون في قدرة الله على البعث بعد الموت.

[3] ﴿وَهُوَ ٱللَّهُ فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَفِي ٱلۡأَرۡضِ يَعۡلَمُ سِرَّكُمۡ وَجَهۡرَكُمۡ وَيَعۡلَمُ مَا تَكۡسِبُونَ 3﴾:

ثم أخبَرَ جل وعلا أنه هو الله المعبود بحق في السموات وفي الأرض، وأنه العالم بالسر والجهر، ويعلم ما يَكْسِبُ كل شخص من خير وشر، ثم يوم القيامة يجازي كلًّا بعمله.

[4] ﴿وَمَا تَأۡتِيهِم مِّنۡ ءَايَةٖ مِّنۡ ءَايَٰتِ رَبِّهِمۡ إِلَّا كَانُواْ عَنۡهَا مُعۡرِضِينَ 4﴾:

ثم بيَّن جل وعلا أن هؤلاء الكفار الجاحدين لدين الله ما تأتيهم من دلالة أو حجة واضحة تدُلُّ على وحدانية الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى، أو صِدْقِ نبوَّته ﷺ؛ إلا تراهم لا يُلْقُونَ لها بالًا، ولا يستمعون لها؛ بل يتلقَّوْنها بالإعراض والسخرية والاستهزاء.

[5] ﴿فَقَدۡ كَذَّبُواْ بِٱلۡحَقِّ لَمَّا جَآءَهُمۡ فَسَوۡفَ يَأۡتِيهِمۡ أَنۢبَٰٓؤُاْ مَا كَانُواْ بِهِۦ يَسۡتَهۡزِءُونَ 5﴾:

ثم بيَّن جل وعلا أن هؤلاء المشركين جحدوا الحق الذي جاء به نبينا محمد ﷺ؛ فسوف يعلمون يوم القيامة -بعد أن يَرَوُا العذاب- أن ما كانوا يستهزئون به هو الحق والصدق؛ وهذا تهديد ووعيد شديد لهؤلاء المكذِّبين المستهزئين.

[6] ﴿أَلَمۡ يَرَوۡاْ كَمۡ أَهۡلَكۡنَا مِن قَبۡلِهِم مِّن قَرۡنٖ مَّكَّنَّٰهُمۡ فِي ٱلۡأَرۡضِ مَا لَمۡ نُمَكِّن لَّكُمۡ وَأَرۡسَلۡنَا ٱلسَّمَآءَ عَلَيۡهِم مِّدۡرَارٗا وَجَعَلۡنَا ٱلۡأَنۡهَٰرَ تَجۡرِي مِن تَحۡتِهِمۡ فَأَهۡلَكۡنَٰهُم بِذُنُوبِهِمۡ وَأَنشَأۡنَا مِنۢ بَعۡدِهِمۡ قَرۡنًا ءَاخَرِينَ 6﴾:

ثم قال جل وعلا على سبيل التحذير لأهل مكة: ألم تشاهدوا -يا أهل مكة- كم أهلك الله قبلكم من الأمم عبر عَشَرات القرون، وقد مكَّن الله لهم في الأرض ما لم يمكِّنْ لغيرهم من الأمم، وأعطاهم من النعيم ما لم يعط لغيرهم؟! ومن ذلك: أنه أرسَلَ عليهم المطر متتابعًا وغزيرًا، وجعل الأنهار تجري من تحت بيوتهم، وسخَّر لهم الصناعات، حتى عاشوا في نعيم ورفاهية، وبعد كل هذا التمكين، وهذا النعيم: أهلكهم الله ودمَّرهم؛ بسبب ما ارتكبوا من الذنوب والمعاصي، وأعظمها: الكُفْرُ والشرك بالله، ثم أخبَرَ سبحانه أنه أنشأ بعد هذه الأقوام التي أهلكها ودمَّرها أقوامًا آخرين.

[7] ﴿وَلَوۡ نَزَّلۡنَا عَلَيۡكَ كِتَٰبٗا فِي قِرۡطَاسٖ فَلَمَسُوهُ بِأَيۡدِيهِمۡ لَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوٓاْ إِنۡ هَٰذَآ إِلَّا سِحۡرٞ مُّبِينٞ 7﴾:

ثم أخبَرَ جل وعلا بطلب بعض الكفار من النبي ﷺ أن ينزِّل عليهم القرآن مكتوبًا في أوراق ليلمسوه بأيديهم، وقد أوضح سبحانه طلبهم في آية أخرى وهي قوله تعالى: ﴿وَلَن نُّؤۡمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتَّىٰ تُنَزِّلَ عَلَيۡنَا كِتَٰبٗا نَّقۡرَؤُهُۥۗ ﴾ [الإسراء:٩٣]، لكنَّ الله سبحانه عالم السر وأخفى، أخبَرَ نبيه ﷺ أنهم لو نُزِّلَ عليهم الكتاب ولمسوه بأيديهم، لقالوا: إن ما جئتَ به -يا محمد- هو سِحْرٌ واضح بيِّن لا شك فيه!

[8] ﴿وَقَالُواْ لَوۡلَآ أُنزِلَ عَلَيۡهِ مَلَكٞۖ وَلَوۡ أَنزَلۡنَا مَلَكٗا لَّقُضِيَ ٱلۡأَمۡرُ ثُمَّ لَا يُنظَرُونَ 8﴾:

وأخبَرَ جل وعلا أيضًا أنهم طلبوا من النبي ﷺ أن يُنْزِلَ عليهم مَلَكًا من السماء، فقال سبحانه لنبيه ﷺ: حتى لو أنزَلْنا -أيها النبي- عليهم ملكًا من السماء إجابةً لطلبهم، لأصروا واستمروا على الكفر والضلال؛ وحينئذ سوف نهلكهم جميعًا ولا يُعْطَوْن فرصة للتوبة؛ وهذه سنة الله في الأمم السابقة إذا طلبوا معجزة، ثم لم يؤمنوا؛ فتَنْزِلُ بهم العقوبة ويُستأصَلُونَ، والله سبحانه أراد بهذه الأمة أن تمثِّل الإسلام، وتَنْشُرَهُ في الأرض.

[9] ﴿وَلَوۡ جَعَلۡنَٰهُ مَلَكٗا لَّجَعَلۡنَٰهُ رَجُلٗا وَلَلَبَسۡنَا عَلَيۡهِم مَّا يَلۡبِسُونَ 9﴾:

ثم أخبَرَ جل وعلا أنه لو جعل الرسول المرسل إليهم مَلَكًا من الملائكة لَجَعَلَهُ في صورة رجل من البشر، حتى يستطيعوا مجالسته والتحدُّث إليه إذ الحكمة تقتضي ذلك؛ لأنهم سوف تُفْزِعهم رؤيةُ المَلَكِ في صورته الحقيقية، ثم بيَّن سبحانه أنْ لو جاءهم هذا المَلَكُ في صورة البشر، لاشتبه الأمر عليهم، كما اشتبهوا في أمر محمد ﷺ.

[10] ﴿وَلَقَدِ ٱسۡتُهۡزِئَ بِرُسُلٖ مِّن قَبۡلِكَ فَحَاقَ بِٱلَّذِينَ سَخِرُواْ مِنۡهُم مَّا كَانُواْ بِهِۦ يَسۡتَهۡزِءُونَ 10﴾:

سلَّى جل وعلا نبيه محمدًا ﷺ، وأخبَرَهُ ألَّا يحزن على تكذيب قومه له، فكما استهزأ بك وسخر منك -أيها النبي- قومك؛ فقد استهزأ الكفار بأنبيائهم الذين بُعِثوا إليهم من قبلك؛ فكانت النتيجة أن الله أنزَلَ بهم العذاب الشديد الذي أحاط بهم من كل مكان؛ بسبب استهزائهم وضلالهم وكفرهم.

[11] ﴿قُلۡ سِيرُواْ فِي ٱلۡأَرۡضِ ثُمَّ ٱنظُرُواْ كَيۡفَ كَانَ عَٰقِبَةُ ٱلۡمُكَذِّبِينَ 11﴾:

ثم أمَرَ جل وعلا نبيه ﷺ أن يقول لهؤلاء المستهزئين من قومه: يا معشر المشركين، سيروا في الأرض وانظروا واعتبروا؛ كيف عاقب الله الأمم من قبلكم؛ فاحذروا وخافوا أن يصيبكم مثلُ ما أصابهم. ولا شك أن هذه سُنَّةُ الله في الظالمين؛ إذا استمروا في ظلمهم وشِرْكهم وضلالهم.

[12] ﴿قُل لِّمَن مَّا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۖ قُل لِّلَّهِۚ كَتَبَ عَلَىٰ نَفۡسِهِ ٱلرَّحۡمَةَۚ لَيَجۡمَعَنَّكُمۡ إِلَىٰ يَوۡمِ ٱلۡقِيَٰمَةِ لَا رَيۡبَ فِيهِۚ ٱلَّذِينَ خَسِرُوٓاْ أَنفُسَهُمۡ فَهُمۡ لَا يُؤۡمِنُونَ 12﴾:

وقل -أيها النبي- لهؤلاء المنكرين للبعث والنشور على سبيل التوبيخ: مَنِ الذي له مُلْكُ ما في السموات والأرض؟ فإن أجابوك؛ وإلا فقل لهم: إن جميع ما في الكون لله رب العالمين؛ وكما أنكم تُقِرُّونَ أن لله مُلْكَ ما في السموات والأرض؛ فيجب عليكم أن تعبدوه وتوحِّدوه، ثم أخبَرَ سبحانه أنه أوجب على نفسه الرحمة التي وَسِعَتْ كل شيء، ومن ذلك: أنها تَسَعُ العصاة والطائعين، ثم يمهل سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى الجميع، ولا يعاجل العصاة بالهلاك لحِكْمةٍ يعلمها جل في علاه، ثم يجمع الله الخلق جميعًا يوم القيامة الذي لا شك فيه، وفي ذلك اليوم سوف يَخْسَرُ أولئك الظالمون الذين أصرُّوا على الكفر والعناد والضلال.

[13] ﴿وَلَهُۥ مَا سَكَنَ فِي ٱلَّيۡلِ وَٱلنَّهَارِۚ وَهُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلۡعَلِيمُ 13﴾:

أخبَرَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أن له وحده جميع ما استقرَّ وتحرَّك من المخلوقات من إنس وجن، وملائكة وحيوانات؛ في أي وقت ليلًا كان أو نهارًا؛ فكل شيء تحت قهره وتدبيره، واعلموا -أيها الناس- أن الله سميعٌ لأقوالكم، عليمٌ بأحوالكم وتحرُّكاتكم. وهذه الآية تُعَدُّ من آيات الشفاء التي تُقرَأُ على السِّنِّ أو الضرسِ الذي به ألم، أو الإنسانِ المصاب بالحمَّى؛ وذلك بأن توضع الإصبع على مكان الألم، وتقرأ هذه الآية عدة مرَّات حتى يزول الألم، وتذهب الحمَّى.

[14] ﴿قُلۡ أَغَيۡرَ ٱللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيّٗا فَاطِرِ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ وَهُوَ يُطۡعِمُ وَلَا يُطۡعَمُۗ قُلۡ إِنِّيٓ أُمِرۡتُ أَنۡ أَكُونَ أَوَّلَ مَنۡ أَسۡلَمَۖ وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ ٱلۡمُشۡرِكِينَ 14﴾:

أخبَرَ جل وعلا بطلب الكفار من النبي ﷺ أن يعبُدَ معهم آلهتهم سَنَةً، ثم يعبدوا هم معه إلهه سَنَةً؛ فأمَرَه سبحانه أن يقول لهم على سبيل التوبيخ: كيف أتَّخذ وليًّا ونصيرًا غير الله الذي خلق السموات والأرض ومن فيهنَّ، وهو الذي يُطْعِمُ ولا يُطْعَم؟! ثم أمَرَه أن يقول لهم: اعلموا -يا قوم- أني أُمِرْتُ أن أكون أول من خضَعَ وانقاد لله بالعبودية، واستسلَمَ له بالألوهية، ونهاني أن أكون من المشركين الذين أشركوا مع الله غيره.

[15] ﴿قُلۡ إِنِّيٓ أَخَافُ إِنۡ عَصَيۡتُ رَبِّي عَذَابَ يَوۡمٍ عَظِيمٖ 15﴾:

وقل لهم -أيها النبي- أيضًا: إني أخاف إن عَصَيْتُ ربي، وخالفت أمره؛ أن يَنزِلَ بي عذابٌ عظيم يوم القيامة.

وهذه الآية ترُدُّ على أولئك الذين لا يعبدون الله إلا بالحُبِّ، ولا يخافون من النار؛ مثلُ رابعةَ العدويَّةِ وغيرها.

[16] ﴿مَّن يُصۡرَفۡ عَنۡهُ يَوۡمَئِذٖ فَقَدۡ رَحِمَهُۥۚ وَذَٰلِكَ ٱلۡفَوۡزُ ٱلۡمُبِينُ 16﴾:

ثم أخبَرَ جل وعلا أن من يُصرَفْ عنه العذاب يوم القيامة، فقد فاز برحمة الله ونجا من عذابه؛ وذلك هو الفوز البين العظيم الذي ليس بعده فَوْز.

[17] ﴿وَإِن يَمۡسَسۡكَ ٱللَّهُ بِضُرّٖ فَلَا كَاشِفَ لَهُۥٓ إِلَّا هُوَۖ وَإِن يَمۡسَسۡكَ بِخَيۡرٖ فَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ قَدِيرٞ 17﴾:

واعلموا -أيها الناس- أن من أصابه شيء من البلاء كمرض أو فقر أو غير ذلك، فليعلم أن هذا البلاء من الله، وأنه لا رافع لهذا البلاء إلا الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى، وأن مَنْ يصبه الله بخير من صحةٍ أو غنًى أو غير ذلك، فليعلم أنه لا رادَّ ولا مانعَ لهذا الخير إلا الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى؛ لأنه جل في علاه وحده الضارُّ والنافع، وهو على كل شيء قدير، لا يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء. وهذا لا يمنع التداوي والأخذ بالأسباب؛ لأنه سبحانه هو الذي خلق الأسباب، وأمر بالأخذ بها.

[18] ﴿وَهُوَ ٱلۡقَاهِرُ فَوۡقَ عِبَادِهِۦۚ وَهُوَ ٱلۡحَكِيمُ ٱلۡخَبِيرُ 18﴾:

ثم بيَّن جل وعلا كمال قدرته؛ فأخبَرَ أنه الغالب فوق عباده؛ فلا يتحرَّكُ متحرِّك، ولا يسكُنُ ساكن؛ إلا بمشيئته تعالى، ثم أخبَرَ أنه الحكيمُ الذي يضع كل شيء في موضعه، الخبيرُ الذي لا يخفى عليه شيء من أمور عباده.

[19] ﴿قُلۡ أَيُّ شَيۡءٍ أَكۡبَرُ شَهَٰدَةٗۖ قُلِ ٱللَّهُۖ شَهِيدُۢ بَيۡنِي وَبَيۡنَكُمۡۚ وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَٰذَا ٱلۡقُرۡءَانُ لِأُنذِرَكُم بِهِۦ وَمَنۢ بَلَغَۚ أَئِنَّكُمۡ لَتَشۡهَدُونَ أَنَّ مَعَ ٱللَّهِ ءَالِهَةً أُخۡرَىٰۚ قُل لَّآ أَشۡهَدُۚ قُلۡ إِنَّمَا هُوَ إِلَٰهٞ وَٰحِدٞ وَإِنَّنِي بَرِيٓءٞ مِّمَّا تُشۡرِكُونَ 19﴾:

أمَرَ جل وعلا نبيه محمدًا ﷺ أن يسأل هؤلاء المشركين: أيُّ شيء أعظمُ شهادة على صدق نبوتي أيها المشركون؟ فإن أجابوك؛ وإلا فقل لهم: الله شهيد بيني وبينكم، ولا شك أن هذه أعظم شهادة؛ بل لا أحد أعظم وأصدق شهادة منه جل في علاه، واعلموا -يا أهل مكة- أن الله أوحى إليَّ هذا القرآن؛ ليكون نذيرًا لكم ولمن بلَغَهُ هذا القرآن منكم وممن بعدكم من غيركم، ثم قل لهم -أيها الرسول- على سبيل التوبيخ: وبعد كل هذه الأدلة الواضحة، والبراهين الساطعة، فإنكم تجعلون مع الله معبودات أخرى! فأما أنا فأقول لكم: إنني لا أشهد على ما أقرَرْتم به، وإنما أقول لكم: إنني أشهد أن الله سبحانه إله واحد، لا إله إلا هو وحده لا شريك له، وإنني بريء من كل ما تُشْرِكونَ به من هذه المعبودات.

[20] ﴿ٱلَّذِينَ ءَاتَيۡنَٰهُمُ ٱلۡكِتَٰبَ يَعۡرِفُونَهُۥ كَمَا يَعۡرِفُونَ أَبۡنَآءَهُمُۘ ٱلَّذِينَ خَسِرُوٓاْ أَنفُسَهُمۡ فَهُمۡ لَا يُؤۡمِنُونَ 20﴾:

ثم أخبَرَ جل وعلا أن اليهود والنصارى الذين أنزَلَ الله عليهم التوراة والإنجيل، يعرفون محمدًا ﷺ كما يعرفون أبناءهم؛ لأنه مذكور عندهم في التوراة والإنجيل بكل أوصافه؛ بل جاء فيهما أنه خاتَمُ الأنبياء والمرسلين، ولكنهم اتَّبعوا أهواءهم، فأصروا على إنكار نبوته ﷺ؛ وبسبب هذا الإنكار وعدم الإيمان به ﷺ، خَسِروا أنفسهم بإلقائها في النار، والعياذ بالله.

[21] ﴿وَمَنۡ أَظۡلَمُ مِمَّنِ ٱفۡتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ كَذِبًا أَوۡ كَذَّبَ بِـَٔايَٰتِهِۦٓۚ إِنَّهُۥ لَا يُفۡلِحُ ٱلظَّٰلِمُونَ 21﴾:

ثم بيَّن جل وعلا أنه لا يوجد أحد أشد ظلمًا من أولئك الذين افترَوْا على الله الكذب فادَّعَوْا أن له ولدًا، وأن له شريكًا، وأن له صاحبة، وغير ذلك من الافتراءات، وكذلك لا يوجد أحد أشد ظلمًا من أولئك الذين كذَّبوا ببراهين الله وأدلته التي أيَّد بها الأنبياء والمرسلين؛ فاعلموا -أيها الناس- أن هؤلاء لن يفوزوا بخير الدنيا، ولا بنعيم الآخرة؛ لأنهم ظلموا أنفسهم بكذبهم وافترائهم على الله، وتكذيبهم بآيات الله.

[22] ﴿وَيَوۡمَ نَحۡشُرُهُمۡ جَمِيعٗا ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشۡرَكُوٓاْ أَيۡنَ شُرَكَآؤُكُمُ ٱلَّذِينَ كُنتُمۡ تَزۡعُمُونَ 22﴾:

ثم بيَّن جل وعلا أنه سيجمع المشركين ومعبوداتهم يوم القيامة للحساب والجزاء، ثم يقول توبيخًا لهم: أين هؤلاء الشركاء الذين عبدتموهم من دون الله، زعمًا منكم أنها ستشفع لكم عند الله يوم القيامة؛ هلَّا أحضرتموهم أيها الكفار لتدفع عنكم العذاب؟!

[23] ﴿ثُمَّ لَمۡ تَكُن فِتۡنَتُهُمۡ إِلَّآ أَن قَالُواْ وَٱللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشۡرِكِينَ 23﴾:

وبعد أن سَمِعَ المشركون هذا السؤال، ورأوا بأم أعينهم يوم القيامة وما فيه من الحقائق، وغابت عنهم معبوداتهم التي كانوا يظنُّون أنها ستشفع لهم، وقعوا في حيرة، وأرادوا التخلُّص من هذا الموقف العصيب؛ فأقسموا بالله كاذبين أنهم ما كانوا مشركين بالله في العبادة، ظنًّا منهم أن تبرُّؤهم من هذه المعبودات سوف ينجِّيهم من عذاب الله.

[24] ﴿ٱنظُرۡ كَيۡفَ كَذَبُواْ عَلَىٰٓ أَنفُسِهِمۡۚ وَضَلَّ عَنۡهُم مَّا كَانُواْ يَفۡتَرُونَ 24﴾:

ولهذا قال جل وعلا لنبيه ﷺ على سبيل التعجُّب: فتأمل -أيها النبي- كيف كذَبَ هؤلاء المشركون على أنفسهم بقولهم: إنهم لم يكونوا مشركين؟! وتأمَّل أيضًا كيف غابت عنهم في ذلك اليوم معبوداتهم التي كانوا يرجون شفاعتها ونصرتها؟!

[25] ﴿وَمِنۡهُم مَّن يَسۡتَمِعُ إِلَيۡكَۖ وَجَعَلۡنَا عَلَىٰ قُلُوبِهِمۡ أَكِنَّةً أَن يَفۡقَهُوهُ وَفِيٓ ءَاذَانِهِمۡ وَقۡرٗاۚ وَإِن يَرَوۡاْ كُلَّ ءَايَةٖ لَّا يُؤۡمِنُواْ بِهَاۖ حَتَّىٰٓ إِذَا جَآءُوكَ يُجَٰدِلُونَكَ يَقُولُ ٱلَّذِينَ كَفَرُوٓاْ إِنۡ هَٰذَآ إِلَّآ أَسَٰطِيرُ ٱلۡأَوَّلِينَ 25﴾:

ثم أخبَرَ جل وعلا أن من هؤلاء الكفار من يستمع إليك -أيها النبي- إذا قرأت القرآن، ولكنْ بسبب عنادهم وجحودهم، ورفضهم الحق، وإصرارهم على الكفر، ونَهْيِ الناس عن الإسلام؛ جعَلَ الله على قلوبهم أغطية لكيلا يفهموه ولا يؤثِّر فيهم، وجعل في آذانهم صَمَمًا فلا ينتفعون به، ومهما رأَوْا من علامات تدُلُّ على صدق رسالتك، فإنهم لا يؤمنون بها؛ وإذا جاؤوك مخاصمين لك في الدين يقول من كفَرَ منهم: إنْ هذا إلا أحاديث وأساطير الأمم السابقة، وليست من عند الله.

[26] ﴿وَهُمۡ يَنۡهَوۡنَ عَنۡهُ وَيَنۡـَٔوۡنَ عَنۡهُۖ وَإِن يُهۡلِكُونَ إِلَّآ أَنفُسَهُمۡ وَمَا يَشۡعُرُونَ 26﴾:

ثم بيَّن جل وعلا أن من أساليب هؤلاء المجرِمينَ في محاربة الإسلام: أنهم يَنْهَوْنَ الناس عن اتباع النبي ﷺ، ويحذِّرونهم منه، كما أنهم يُبْعِدونَ أنفسهم عنه؛ لكيلا يستمعوا لشيء من الحق الذي جاء به، وما علموا أنهم بفعلهم هذا ما يهلكون إلا أنفسهم، ولكنهم لا يُحِسُّونَ بعاقبة فعلهم؛ بسبب غبائهم وحماقتهم وكبريائهم.

[27] ﴿وَلَوۡ تَرَىٰٓ إِذۡ وُقِفُواْ عَلَى ٱلنَّارِ فَقَالُواْ يَٰلَيۡتَنَا نُرَدُّ وَلَا نُكَذِّبَ بِـَٔايَٰتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ 27﴾:

ثم بيَّن جل وعلا حال هؤلاء الكفار يوم القيامة حين يُحبَسُونَ على الصراط فوق النار، ويَرَوْنَ أصناف العذاب؛ حينئذ يتمنَّوْن أن يُرَدُّوا إلى الدنيا، ويعملوا الأعمال الصالحة، ولا يكذِّبوا بآيات الله، ويكونوا من المؤمنين الذين يؤمنون بالله ورسوله ويتَّبعون شرعه؛ ولكنْ هيهاتَ هيهاتَ!

[28] ﴿بَلۡ بَدَا لَهُم مَّا كَانُواْ يُخۡفُونَ مِن قَبۡلُۖ وَلَوۡ رُدُّواْ لَعَادُواْ لِمَا نُهُواْ عَنۡهُ وَإِنَّهُمۡ لَكَٰذِبُونَ 28﴾:

واعلموا -أيها الناس- أن الأمر ليس كما قال هؤلاء المشركون من التمنِّي للرجوع إلى الدنيا للهداية والعمل الصالح؛ وإنما الأمر أنه ظهر لهم يوم القيامة ما كانوا يُخْفُونَهُ من صدق ما جاءت به الرسل، وظهَرَ لهم ما كانوا يخفون من أعمالهم السيئة، ولو فُرِضَ أنهم رُدُّوا إلى الدنيا، لعادوا لِمَا نُهُوا عنه من الإشراك بالله والكفر والعناد والتكذيب؛ لأنهم كاذبون في كل ما يدَّعون؛ ولأنه سبحانه يعلم في علمه السابق ما سيفعله هؤلاء لو عادوا إلى الدنيا. وفي هذا إثبات لعِلْمِ الله بما لم يكن لو كان كيف يكون.

[29] ﴿وَقَالُوٓاْ إِنۡ هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا ٱلدُّنۡيَا وَمَا نَحۡنُ بِمَبۡعُوثِينَ 29﴾:

ثم بيَّن جل وعلا أن هؤلاء المشركين لو رُدُّوا إلى الدنيا، لعادوا لِمَا نُهُوا عنه، ولقالوا: ليس لنا حياةٌ إلا هذه الدنيا التي نعيش فيها ونتمتَّع بخيراتها، وبعد الموت ليس هناك بَعْثٌ ولا حساب؛ ولا شكَّ أن هذا إنكار منهم للبعث.

[30] ﴿وَلَوۡ تَرَىٰٓ إِذۡ وُقِفُواْ عَلَىٰ رَبِّهِمۡۚ قَالَ أَلَيۡسَ هَٰذَا بِٱلۡحَقِّۚ قَالُواْ بَلَىٰ وَرَبِّنَاۚ قَالَ فَذُوقُواْ ٱلۡعَذَابَ بِمَا كُنتُمۡ تَكۡفُرُونَ 30﴾:

ثم أخبَرَ جل وعلا عن حال هؤلاء المشركين يوم القيامة يوم أن يقفوا أمام ربهم، فيقول لهم موبِّخًا ومقرِّعًا: أليس هذا بالحق أيها المشركون؟!، أي: أليس هذا هو البعث الذي كنتم تُنْكِرونه في الدنيا، وها أنتم تشاهدونه الآن أمام أعينكم؟! ألا ترَوْنَ أنه حق لا ريب فيه؟! فيقولون: بلى وربنا إنه الحق، فيقول الله لهم: فما دام الأمر كذلك، فذوقوا العذاب؛ بسبب كفركم وشرككم وضلالكم وإنكاركم لهذا الحق، بل تحريضِ الناسِ على إنكارِهِ والكفر به.

[31] ﴿قَدۡ خَسِرَ ٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِلِقَآءِ ٱللَّهِۖ حَتَّىٰٓ إِذَا جَآءَتۡهُمُ ٱلسَّاعَةُ بَغۡتَةٗ قَالُواْ يَٰحَسۡرَتَنَا عَلَىٰ مَا فَرَّطۡنَا فِيهَا وَهُمۡ يَحۡمِلُونَ أَوۡزَارَهُمۡ عَلَىٰ ظُهُورِهِمۡۚ أَلَا سَآءَ مَا يَزِرُونَ 31﴾:

ثم أخبَرَ جل وعلا أن هؤلاء المشركين قد خابوا وخسروا؛ لأنهم كذَّبوا بيوم البعث، وأنكروا الحساب والجزاء، وأنهم سوف يستمرون في كفرهم وضلالهم وتكذيبهم بالبعث حتى إذا جاءتهم الساعة فجأة، قالوا: يا ندامتنا على ما ضيَّعنا في حياتنا الدنيا من الطاعة والعمل الصالح، ثم أخبَرَ سبحانه أن هؤلاء المكذِّبين بالبعث يحملون آثامهم وأوزارهم على ظهورهم يوم القيامة؛ فبئس ما يحملون من الأوزار والآثام.

[32] ﴿وَمَا ٱلۡحَيَوٰةُ ٱلدُّنۡيَآ إِلَّا لَعِبٞ وَلَهۡوٞۖ وَلَلدَّارُ ٱلۡأٓخِرَةُ خَيۡرٞ لِّلَّذِينَ يَتَّقُونَۚ أَفَلَا تَعۡقِلُونَ 32﴾:

واعلموا -أيها الناس- أن هذه الحياة الدنيا ما هي إلا لعبٌ ولهوٌ باطلٌ لا فائدة منه، وأنها لذة عابرة وستزول، أما الآخرة، فهي خير للذين يخشَوْنَ عذاب الله بأداء الطاعات واجتناب المعاصي؛ أفلا تعقلون أيها المشركون الضالون؛ فتقدِّموا نعيم الآخرة الدائم على نعيم الدنيا الزائل.

[33] ﴿قَدۡ نَعۡلَمُ إِنَّهُۥ لَيَحۡزُنُكَ ٱلَّذِي يَقُولُونَۖ فَإِنَّهُمۡ لَا يُكَذِّبُونَكَ وَلَٰكِنَّ ٱلظَّٰلِمِينَ بِـَٔايَٰتِ ٱللَّهِ يَجۡحَدُونَ 33﴾:

ثم سلَّى جل وعلا نبيه ﷺ وأخبَرَهُ أنه يعلم أن تكذيب قومه لنبوَّته ورسالته يسبب له الحزن والألم؛ فاصبِرْ واحتسِبْ -أيها الرسول- فإنهم لا يكذِّبونك فيما تقول، بل يعلمون أن ما تقوله حق وصدق، ولكنْ بسبب استكبارهم وظلمهم، فإنهم يجحدون الأدلة والبراهين التي تدل على صدق نبوَّتك ورسالتك.

[34] ﴿وَلَقَدۡ كُذِّبَتۡ رُسُلٞ مِّن قَبۡلِكَ فَصَبَرُواْ عَلَىٰ مَا كُذِّبُواْ وَأُوذُواْ حَتَّىٰٓ أَتَىٰهُمۡ نَصۡرُنَاۚ وَلَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَٰتِ ٱللَّهِۚ وَلَقَدۡ جَآءَكَ مِن نَّبَإِيْ ٱلۡمُرۡسَلِينَ 34﴾:

واعلم -أيها النبي- أن كثيرًا من الرسل الذين بُعِثوا من قبلك كذَّبتهم أقوامهم، وأوذوا في سبيل الله، فصبروا على ذلك؛ فاصبِرْ -أيها النبي- كما صبروا حتى يأتيك نصرنا، واعلم أنه لا مغيِّر لوعد الله بنصر الصابرين، وأنه لابد من تحقيق ذلك، ثم اعلم أن ما أخبَرْناك به من قصص هؤلاء الرسل، ما هو إلا تسليةٌ لك، وتثبيتٌ لفؤادك.

[35] ﴿وَإِن كَانَ كَبُرَ عَلَيۡكَ إِعۡرَاضُهُمۡ فَإِنِ ٱسۡتَطَعۡتَ أَن تَبۡتَغِيَ نَفَقٗا فِي ٱلۡأَرۡضِ أَوۡ سُلَّمٗا فِي ٱلسَّمَآءِ فَتَأۡتِيَهُم بِـَٔايَةٖۚ وَلَوۡ شَآءَ ٱللَّهُ لَجَمَعَهُمۡ عَلَى ٱلۡهُدَىٰۚ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ ٱلۡجَٰهِلِينَ 35﴾:

ثم بيَّن جل وعلا أنه لا يمكِنُ لهؤلاء المنكرين أن يؤمنوا بالله بسبب استكبارهم وحَسَدهم؛ لذا قال سبحانه لنبيه: وإن كان عَظُمَ عليك -أيها النبي- صدودهم وإنكارهم، فإن استطعت أن تفتح نفقًا في الأرض، أو تَصْنَعَ دَرَجًا يصعد بك إلى السماء، فتأتيهم بآية، فافعل، ولكنِ اعلم أنك بشَرٌ لا تقدر على ذلك، وعلى فرض أنك استطَعْتَ أن تفعل شيئًا من ذلك، فاعلم أنه لن يفيد في هداية هؤلاء المشركين، ولو شاء الله هداية جميع البشر، لَحَمَلَهم جميعًا على الإيمان بما جئت به، ولكن اقتضت حكمته سبحانه أن يُبْقِيهم على الضلال الذي اختاروه لأنفسهم، وأصرُّوا عليه، فاحذر -أيها النبي- أن تكون من الذين لا يَعْرِفون سُنَنَ الله في خلقه التي اقتضتها حكمته؛ حيث جعلهم مختارين.

[36] ﴿إِنَّمَا يَسۡتَجِيبُ ٱلَّذِينَ يَسۡمَعُونَۘ وَٱلۡمَوۡتَىٰ يَبۡعَثُهُمُ ٱللَّهُ ثُمَّ إِلَيۡهِ يُرۡجَعُونَ 36﴾:

واعلم -أيها النبي- أنه لا يستجيب لدعوة الحق إلا المقبلون الراغبون بالهدى، الذين يسمعون كلام الله سماعَ فهمٍ وتدبُّر، وأما هؤلاء الكفار، فإنهم لا يسمعون كلام؛ لأن قلوبهم معرِضة عنه، ولأن الحياة الحقيقية إنما تكون بالإسلام، ثم أخبَرَ سبحانه أنه سيبعثهم يوم القيامة، ثم يرجعون إليه، فيحاسبهم على أعمالهم السيئة.

[37] ﴿وَقَالُواْ لَوۡلَا نُزِّلَ عَلَيۡهِ ءَايَةٞ مِّن رَّبِّهِۦۚ قُلۡ إِنَّ ٱللَّهَ قَادِرٌ عَلَىٰٓ أَن يُنَزِّلَ ءَايَةٗ وَلَٰكِنَّ أَكۡثَرَهُمۡ لَا يَعۡلَمُونَ 37﴾:

ثم أخبَرَ جل وعلا أن هؤلاء المشركين قالوا على سبيل التعنت والاستكبار: هلَّا نزَّل الله علامة تدُلُّ على صدق هذا النبي، فقل لهم -أيها النبي- مجيبًا على تساؤلهم: إن الله قادر على أن ينزِّل عليكم ما تريدون، ولكنَّ أكثر هؤلاء المشركين لا يعلمون أن حِكْمةَ الله في تنزيل الآيات تكون بمشيئته سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى؛ كما قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لَنَآ أَن نَّأۡتِيَكُم بِسُلۡطَٰنٍ إِلَّا بِإِذۡنِ ٱللَّهِۚ ﴾ [إبراهيم:١١]، ثم لو جاءتهم المعجزات التي طلبوها ولم يؤمنوا بها، لَحَلَّتْ بهم العقوبة التي تقضي عليهم، والله لا يريد ذلك.

[38] ﴿وَمَا مِن دَآبَّةٖ فِي ٱلۡأَرۡضِ وَلَا طَٰٓئِرٖ يَطِيرُ بِجَنَاحَيۡهِ إِلَّآ أُمَمٌ أَمۡثَالُكُمۚ مَّا فَرَّطۡنَا فِي ٱلۡكِتَٰبِ مِن شَيۡءٖۚ ثُمَّ إِلَىٰ رَبِّهِمۡ يُحۡشَرُونَ 38﴾:

ثم بيَّن جل وعلا أن من أقوى الأدلة على قدرته وحكمته: أنه ما من دابَّة تَدِبُّ في ظاهر الأرض وباطنها، أو طائرٍ يطيرُ بجناحَيْهِ في الهواء إلا خلقها الله جماعات تماثلكم، وأن لها حياةً ونظامًا يخُصُّها؛ كما قال تعالى: ﴿رَبُّنَا ٱلَّذِيٓ أَعۡطَىٰ كُلَّ شَيۡءٍ خَلۡقَهُۥ ثُمَّ هَدَىٰ﴾ [طه:٥٠]، ثم بيَّن سبحانه أنه ما ترك في اللوح المحفوظ شيئًا إلا أثبته، وأن جميع هذه المخلوقات مرجعها إلى الله وحده، ثم يجازي كلًّا بما عمل.

[39] ﴿وَٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِـَٔايَٰتِنَا صُمّٞ وَبُكۡمٞ فِي ٱلظُّلُمَٰتِۗ مَن يَشَإِ ٱللَّهُ يُضۡلِلۡهُ وَمَن يَشَأۡ يَجۡعَلۡهُ عَلَىٰ صِرَٰطٖ مُّسۡتَقِيمٖ 39﴾:

ثم أخبَرَ جل وعلا أن هؤلاء الكفار الذين لم يصدِّقوا بهذا القرآن العظيم مثَلُهم كمثَلِ الصُّمِّ الذين لا يسمعون ما ينفعهم وينجيهم، وكالْبُكْمِ الذين لا يتكلَّمون، وفوق ذلك هم في ظلمات الكفر حائرون لا يهتدون إلى طريق الاستقامة، ثم بيَّن سبحانه أنه إذا أراد إضلال إنسان بسبب فساد قصده وإصراره على الفسوق، تركه وشأنه، وإذا أراد هدايته بسبب سلامة قصده، يسَّر له طريق الإيمان الواضح، وأن مَنْ شاء الضلال، يسَّره الله له، ومن شاء الهداية، أعانه الله عليها، وكلٌّ يجازى حسب كسبه.

[40] ﴿قُلۡ أَرَءَيۡتَكُمۡ إِنۡ أَتَىٰكُمۡ عَذَابُ ٱللَّهِ أَوۡ أَتَتۡكُمُ ٱلسَّاعَةُ أَغَيۡرَ ٱللَّهِ تَدۡعُونَ إِن كُنتُمۡ صَٰدِقِينَ 40﴾:

ثم أمَرَ جل وعلا نبيه محمدًا ﷺ بأن يسأل هؤلاء المشركين، فيقول لهم: أخبِروني إذا رأيتم الهلاك، وأحاطت بكم المخاطر، وأتتكم الكوارث، أو أتاكم يوم القيامة الذي لا شك فيه؛ فإلى مَنْ تلجؤون، وبمن تستغيثون؛ لينقذكم ويدفع عنكم البلاء؟! أليس إلى الله؟! أم أنكم سوف تَدْعُونَ هذه الأصنام والأحجار التي عبدتموها من دون الله إن كنتم صادقين في أنها سوف تنفعكم وتنقذكم.

[41] ﴿بَلۡ إِيَّاهُ تَدۡعُونَ فَيَكۡشِفُ مَا تَدۡعُونَ إِلَيۡهِ إِن شَآءَ وَتَنسَوۡنَ مَا تُشۡرِكُونَ 41﴾:

ثم أكَّد جل وعلا أن هؤلاء المشركين لن يَدْعوا إلا الله وحده، فقال سبحانه: بل إنكم لا تتَّجهون بالدعاء -أيها المشركون- في حال الشدَّة إلا إلى الله وحده؛ فيكشف عنكم البلاء الذي أصابكم إن شاء سبحانه فضلًا منه وكرمًا، وفي هذه الحال تَنْسَوْنَ الذين جعلتموهم شركاء؛ لأنكم تعلمون أن الله هو القادر على كَشْفِ الضر، وليس آلهتكم.

[42] ﴿وَلَقَدۡ أَرۡسَلۡنَآ إِلَىٰٓ أُمَمٖ مِّن قَبۡلِكَ فَأَخَذۡنَٰهُم بِٱلۡبَأۡسَآءِ وَٱلضَّرَّآءِ لَعَلَّهُمۡ يَتَضَرَّعُونَ 42﴾:

أخبَرَ جل وعلا أنه بعث رسلًا إلى أمم كثيرة قبل أمَّتك -أيها النبي- فكذَّبوهم، فعاقبهم سبحانه بالشدائد، وبما يضُرُّهم في أبدانهم، لعلهم يرجعون إلى الله فيؤمنوا به؛ حتى يُنْقِذوا أنفسهم من عذاب الله الأليم.

[43] ﴿فَلَوۡلَآ إِذۡ جَآءَهُم بَأۡسُنَا تَضَرَّعُواْ وَلَٰكِن قَسَتۡ قُلُوبُهُمۡ وَزَيَّنَ لَهُمُ ٱلشَّيۡطَٰنُ مَا كَانُواْ يَعۡمَلُونَ 43﴾:

ثم بيَّن سبحانه أن هذه الأمم لم تتَّعِظْ ولم تعتبِرْ بما أصابها من المصائب والشدائد؛ فهلَّا تذلَّلوا إلى الله وتابوا وأنابوا إليه حين جاءهم العذاب ليرفع عنهم البلاء، ولكنهم لم يتذلَّلوا ولم يتوبوا، بل استمروا في كفرهم وضلالهم حتى قسَتْ قلوبهم وصارت كالحجارة أو أشد قسوة، وزيَّن لهم الشيطان ما هم فيه من الضلال والأعمال السيئة التي هم عليها.

[44] ﴿فَلَمَّا نَسُواْ مَا ذُكِّرُواْ بِهِۦ فَتَحۡنَا عَلَيۡهِمۡ أَبۡوَٰبَ كُلِّ شَيۡءٍ حَتَّىٰٓ إِذَا فَرِحُواْ بِمَآ أُوتُوٓاْ أَخَذۡنَٰهُم بَغۡتَةٗ فَإِذَا هُم مُّبۡلِسُونَ 44﴾:

وبعد أن ترَكَتْ هذه الأمم ما وُعِظوا وخُوِّفوا به من البأساء والضراء، ابتلاهم الله بالنعم؛ ففتَحَ عليهم أبواب كل شيء استدراجًا لهم؛ حتى إذا اطمأنوا وفَرِحوا بهذه النعم التي أُغدِقَتْ عليهم، أخذهم الله بالعذاب فجأة؛ فإذا هم يائسون من كل خير.

وعبَّر بالنسيان والإبلاس؛ مبالغةً في ابتعادهم عن الخير، والانغماس في الضلال والشهوات.

[45] ﴿فَقُطِعَ دَابِرُ ٱلۡقَوۡمِ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْۚ وَٱلۡحَمۡدُ لِلَّهِ رَبِّ ٱلۡعَٰلَمِينَ 45﴾:

ثم أخبَرَ جل وعلا أنه أهلك هذه الأمم الكافرة، واستأصلها عن بَكْرةِ أبيها بالعذاب الذي لم يُبْقِ منهم باقية؛ بسبب ظُلْمهم وكُفْرهم وضلالهم؛ فالحمدُ كلُّه، والثناء الكامل والشكر التام لله رب العالمين الذي نصَرَ رسله وأولياءه، وأزال الظالمين المجرِمين وأهلكهم.

[46] ﴿قُلۡ أَرَءَيۡتُمۡ إِنۡ أَخَذَ ٱللَّهُ سَمۡعَكُمۡ وَأَبۡصَٰرَكُمۡ وَخَتَمَ عَلَىٰ قُلُوبِكُم مَّنۡ إِلَٰهٌ غَيۡرُ ٱللَّهِ يَأۡتِيكُم بِهِۗ ٱنظُرۡ كَيۡفَ نُصَرِّفُ ٱلۡأٓيَٰتِ ثُمَّ هُمۡ يَصۡدِفُونَ 46﴾:

وقل -أيها النبي- لهؤلاء المشركين: أخبِروني: لو أن الله أعماكم وأصمَّكم، وطبَعَ على قلوبكم، أي: سلَبَ منكم أدوات المعرفة حتى لا تعرفوا شيئًا، فهل هناك إلهٌ غير الله -كهذه الأصنام وهؤلاء الأولياء الذين تزعمون- يستطيع أن يرُدَّ عليكم ما سلَبَهُ منكم؟! وبعد هذا كله: انظر -أيها النبي- كيف وضَّح الله لهم في القرآن الأدلة والبراهين الدالة على توحيد الله، ومع ذلك فهم يُعْرِضون عنها؟!

[47] ﴿قُلۡ أَرَءَيۡتَكُمۡ إِنۡ أَتَىٰكُمۡ عَذَابُ ٱللَّهِ بَغۡتَةً أَوۡ جَهۡرَةً هَلۡ يُهۡلَكُ إِلَّا ٱلۡقَوۡمُ ٱلظَّٰلِمُونَ 47﴾:

وقل -أيها النبي- لهؤلاء أيضًا: أخبرِوني: إن حَلَّ بكم عذاب الله فجأة ليلًا دون توقُّع، أو جاءكم في وضَحِ النهار وأنتم تنظرون؛ فاعلموا أنه لا يُهلَكُ بهذا العذاب إلا القوم الظالمون الذين صرَفُوا العبادة لغير الله تعالى، وكذّبوا رسله، أما لو عَمَّ العقاب والهلاك الجميع، فإن المؤمنين يُبْعَثونَ إلى الجنة؛ فالعقابُ الحقُّ لا يكون إلا على الظالمين.

[48] ﴿وَمَا نُرۡسِلُ ٱلۡمُرۡسَلِينَ إِلَّا مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَۖ فَمَنۡ ءَامَنَ وَأَصۡلَحَ فَلَا خَوۡفٌ عَلَيۡهِمۡ وَلَا هُمۡ يَحۡزَنُونَ 48﴾:

أخبَرَ جل وعلا أن وظيفة الأنبياء والرسل الذين أرسلهم للناس هي تبشيرُ أهل الطاعة بالجَنَّة، وإنذارُ أهل المعصية بالنار؛ فمن آمن بالله ورسله، وعمل الأعمال الصالحة، فأولئك لا يخافون في الآخرة، ولا يحزنون على شيء فاتهم من نعيم الدنيا.

[49] ﴿وَٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِـَٔايَٰتِنَا يَمَسُّهُمُ ٱلۡعَذَابُ بِمَا كَانُواْ يَفۡسُقُونَ 49﴾:

ثم بيَّن عاقبة الكافرين، فأخبَرَ أن الذين كذَّبوا بالأدلة والبراهين الواضحة التي تدُلُّ على صدق ما جاء به الرسل، فسوف يصيبهم العذاب؛ بسبب عصيانهم وخروجهم عن طاعة الله ورسوله، وإصرارهم على الكُفْر والعناد.

[50] ﴿قُل لَّآ أَقُولُ لَكُمۡ عِندِي خَزَآئِنُ ٱللَّهِ وَلَآ أَعۡلَمُ ٱلۡغَيۡبَ وَلَآ أَقُولُ لَكُمۡ إِنِّي مَلَكٌۖ إِنۡ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَىٰٓ إِلَيَّۚ قُلۡ هَلۡ يَسۡتَوِي ٱلۡأَعۡمَىٰ وَٱلۡبَصِيرُۚ أَفَلَا تَتَفَكَّرُونَ 50﴾:

وقل -أيها النبي- لهؤلاء المشركين: لا أقول لكم: إني أملك التصرُّف بما يملكه الله؛ فأجيبكم إلى ما تطلبون، ولا أدَّعي علم الغيب؛ لأن الله لم يُطْلِعني عليه، ولا أقول لكم: إني مَلَك، وإنما أنا رسول من عند الله أتَّبع ما يوحي إليَّ؛ وقل لهم أيضًا: فهل يستوي الكافر الأعمى الذي عَمِيَ عن آيات الله تعالى فلم يُؤْمِنْ بها، والمؤمنُ الذي أبصر آيات الله فآمن بها؟! أفلا تتفكَّرون -أيها الكفار- في هذه الآيات؛ لتبصروا الحق فتؤمنوا به؟!

[51] ﴿وَأَنذِرۡ بِهِ ٱلَّذِينَ يَخَافُونَ أَن يُحۡشَرُوٓاْ إِلَىٰ رَبِّهِمۡ لَيۡسَ لَهُم مِّن دُونِهِۦ وَلِيّٞ وَلَا شَفِيعٞ لَّعَلَّهُمۡ يَتَّقُونَ 51﴾:

ثم أمَرَ جل وعلا نبيه ﷺ أن يحذِّر بهذا القرآن الذين يخافون أن يبعثهم الله، ثم يجمعهم يوم القيامة للحساب والجزاء؛ حيث لا ناصر لهم ولا شفيع إلا بإذن الله؛ لعلَّهم يتقون الله؛ بفعل أوامره، واجتناب نواهيه.

[52] ﴿وَلَا تَطۡرُدِ ٱلَّذِينَ يَدۡعُونَ رَبَّهُم بِٱلۡغَدَوٰةِ وَٱلۡعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجۡهَهُۥۖ مَا عَلَيۡكَ مِنۡ حِسَابِهِم مِّن شَيۡءٖ وَمَا مِنۡ حِسَابِكَ عَلَيۡهِم مِّن شَيۡءٖ فَتَطۡرُدَهُمۡ فَتَكُونَ مِنَ ٱلظَّٰلِمِينَ 52﴾:

ثم أمَرَ جل وعلا نبيه ﷺ ألَّا يُبْعِدَ عن مجالسه المستضعفين من المؤمنين، الذين يعبُدُونَ ربهم دومًا ليلًا ونهارًا، يريدون بذلك وجه الله والدار الآخرة، واعلم أنك لست مسؤولًا أمام الله عن شيء من أعمالهم، كما أنهم ليسوا مسؤولين عن شيء من أعمالكم حتى تطرُدَهم؛ فإن فعلت وقمت بطردهم، فسوف تكون من الظالمين. وسبب نزول هذه الآية: أن صناديد كفار قريش قالوا لرسول الله ﷺ: كيف تريد منا أن نستمِعَ لدعوتك، ونؤمِنَ بما تدعو إليه، وأتباعُكَ هم العبيد والضعفاء؛ كما قال قوم نوح لنبيهم نوح عليه السلام: ﴿أَنُؤۡمِنُ لَكَ وَٱتَّبَعَكَ ٱلۡأَرۡذَلُونَ﴾ [الشعراء:١١١].

[53] ﴿وَكَذَٰلِكَ فَتَنَّا بَعۡضَهُم بِبَعۡضٖ لِّيَقُولُوٓاْ أَهَٰٓؤُلَآءِ مَنَّ ٱللَّهُ عَلَيۡهِم مِّنۢ بَيۡنِنَآۗ أَلَيۡسَ ٱللَّهُ بِأَعۡلَمَ بِٱلشَّٰكِرِينَ 53﴾:

ثم أخبَرَ جل وعلا أنه ابتلى بعض الناس ببعض؛ فجعل هذا غنيًّا، وذاك فقيرًا، وهذا شريفًا، وذاك وضيعًا، وهذا قويًّا، وذاك ضعيفًا، ولما كان الرسل يأتون لدعوة أقوامهم، كان الذين يؤمنون بهم ويتَّبعونهم ضعفاءَ الناس من الرجال والنساء، والعبيد والإماء، ولم يتَّبعه من أشراف الناس إلا القليل؛ مما جعل الأغنياء الشرفاء يقولون على سبيل الاستخفاف والاحتقار: أهؤلاءِ الصعاليكُ أراذلُ القوم هم الذين مَنَّ الله عليهم بالإسلام مِنْ بيننا؟! فقال سبحانه ردًّا عليهم: أليس الله بأعلَمَ بالذين يشكرون نعمته؛ فيوفِّقَهم إلى الهداية، مِنَ الذين يكفُرُونَ به؛ فيضلَّهم الله ويعمي بصائِرَهُم.

[54] ﴿وَإِذَا جَآءَكَ ٱلَّذِينَ يُؤۡمِنُونَ بِـَٔايَٰتِنَا فَقُلۡ سَلَٰمٌ عَلَيۡكُمۡۖ كَتَبَ رَبُّكُمۡ عَلَىٰ نَفۡسِهِ ٱلرَّحۡمَةَ أَنَّهُۥ مَنۡ عَمِلَ مِنكُمۡ سُوٓءَۢا بِجَهَٰلَةٖ ثُمَّ تَابَ مِنۢ بَعۡدِهِۦ وَأَصۡلَحَ فَأَنَّهُۥ غَفُورٞ رَّحِيمٞ 54﴾:

ثم أمَرَ جل وعلا نبيه ﷺ أنه إذا حضر مجالسه أولئك الصحابة الفقراء الذين يؤمنون بآيات الله إيمانًا حقيقيًّا؛ أن يقول لهم: تحيَّةً وسلامًا عليكم -أيها المؤمنون-، وأَبْشِروا بمغفرة الله ورحمته الواسعة، واعلموا أن الله ربكم كتب على نفسه الرحمة بعباده أنَّ من اقترَفَ ذنبًا بجهل منه -سواءٌ كان مخطئًا أو متعمدًا عالمًا بالتحريم- ثم تاب بعد ذلك، واستمَرَّ على التوبة والعمل الصالح؛ فإن الله كثيرُ المغفرة لذنوب عباده التائبين، رحيمٌ بهم.

[55] ﴿وَكَذَٰلِكَ نُفَصِّلُ ٱلۡأٓيَٰتِ وَلِتَسۡتَبِينَ سَبِيلُ ٱلۡمُجۡرِمِينَ 55﴾:

واعلموا -أيها الناس- أن الله جل وعلا كما بيَّن في هذه السورة الأدلة والبراهين المتنوِّعة الدالَّة على كفر المشركين وضلالهم؛ فكذلك بيَّن لكم سبحانه أمور الدين لكي يتضح لكم طريقُ المجرِمين وسِيرَتُهم في الظلم والاستكبار والكُفْر والحسد.

[56] ﴿قُلۡ إِنِّي نُهِيتُ أَنۡ أَعۡبُدَ ٱلَّذِينَ تَدۡعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِۚ قُل لَّآ أَتَّبِعُ أَهۡوَآءَكُمۡ قَدۡ ضَلَلۡتُ إِذٗا وَمَآ أَنَا۠ مِنَ ٱلۡمُهۡتَدِينَ 56﴾:

وقل -أيها النبي- لهؤلاء المشركين: إن الله عزوجل نهاني أن أعبُدَ هذه الأوثان التي تعبدونها مِنْ دونه، وقل لهم أيضًا: ولن أتَّبع أهواءَكم في عبادتها؛ لأنكم عبدتموها على سبيل الهوى، لا على سبيل الدليل والبرهان، ولو أني اتَّبعت أهواءَكم فيما تدعونني إليه، فلن أكون من الذين سلكوا سبيل الهدى والرشاد، بل سأكون من الضالِّين.

[57] ﴿قُلۡ إِنِّي عَلَىٰ بَيِّنَةٖ مِّن رَّبِّي وَكَذَّبۡتُم بِهِۦۚ مَا عِندِي مَا تَسۡتَعۡجِلُونَ بِهِۦٓۚ إِنِ ٱلۡحُكۡمُ إِلَّا لِلَّهِۖ يَقُصُّ ٱلۡحَقَّۖ وَهُوَ خَيۡرُ ٱلۡفَٰصِلِينَ 57﴾:

وقل -أيها النبي- لهؤلاء الذين يطلُبُونَ منك أن تتَّبع أهواءهم: اعلموا -أيها المشركون- أنني على شريعة واضحة منزَّلة من ربي، وأما أنتم، فقد كذَّبتم بالله تعالى، وليس في قدرتي إنزال العذاب الذي تستعجلون به؛ لأن الحكم لله وحده؛ فهو الذي يقضي بيني وبينكم بالقضاء الحق، وهو خير الفاصلين الذين يَفْصِلون بين الحقِّ والباطل.

[58] ﴿قُل لَّوۡ أَنَّ عِندِي مَا تَسۡتَعۡجِلُونَ بِهِۦ لَقُضِيَ ٱلۡأَمۡرُ بَيۡنِي وَبَيۡنَكُمۡۗ وَٱللَّهُ أَعۡلَمُ بِٱلظَّٰلِمِينَ 58﴾:

وقل -أيها النبي- لهؤلاء الذين طلبوا منك أن تستعجل نزول العذاب الذي وعَدَ الله به المشركين: واعلموا أنْ لو كان في قدرتي إنزال العذاب الذي تستعجلونه، لأنزلته عليكم غضبًا لربي، ولقضي الأمر بيني وبينكم، ولكنَّ الذي يملك ذلك هو الله وحده، وهو سبحانه أعلم بالظالمين الذين تجاوزوا حدَّهم، فأشركوا معه غيره.

[59] ﴿وَعِندَهُۥ مَفَاتِحُ ٱلۡغَيۡبِ لَا يَعۡلَمُهَآ إِلَّا هُوَۚ وَيَعۡلَمُ مَا فِي ٱلۡبَرِّ وَٱلۡبَحۡرِۚ وَمَا تَسۡقُطُ مِن وَرَقَةٍ إِلَّا يَعۡلَمُهَا وَلَا حَبَّةٖ فِي ظُلُمَٰتِ ٱلۡأَرۡضِ وَلَا رَطۡبٖ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَٰبٖ مُّبِينٖ 59﴾:

واعلموا -أيها الناس- أن الله جل وعلا عنده خزائن الغيب، ولا يعلم هذه الخزائن إلا هو، ومِنْ ذلك: أنه يعلم جل في علاه كلَّ ما في البر والبحر من الحيوانات والأشجار، والرمال والحَصَى، والمعادن وغير ذلك، وما تسقُطُ من ورقةٍ إلَّا ويعلم متى سقَطَتْ، وأين مكان سقوطها، ولا حَبَّةٍ تحت الأرض إلا ويعلم مكانها، ونوعها، ومتى يكون إنباتها، ولا رَطْبٍ وهو ما ينبُتُ، ولا يابس وهو ما لا ينبُتُ؛ إلَّا ويعلم سبحانه مكانه، ووقت نباته، وتفاصيل ذلك، واعلموا أن كل ذلك مثبت وواضح في اللوح المحفوظ من قبل أن يخلُقَ الله هذا الخلق.

[60] ﴿وَهُوَ ٱلَّذِي يَتَوَفَّىٰكُم بِٱلَّيۡلِ وَيَعۡلَمُ مَا جَرَحۡتُم بِٱلنَّهَارِ ثُمَّ يَبۡعَثُكُمۡ فِيهِ لِيُقۡضَىٰٓ أَجَلٞ مُّسَمّٗىۖ ثُمَّ إِلَيۡهِ مَرۡجِعُكُمۡ ثُمَّ يُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمۡ تَعۡمَلُونَ 60﴾:

أخبَرَ جل وعلا أنه وحده الذي يَقْبِضُ أرواحكم إذا نمتم بالليل، ويعلم ما تَكْسِبُونَ بالنهار من حسنات وسيئات، ثم يوقظكم بالنهار لتبلُغُوا أجلكم المحدَّد لكم في اللوح المحفوظ، ثم مرجعكم يوم القيامة إلى الله وحده؛ فيخبركم بما كنتم تعملون في حياتكم الدنيا، ثم يجازيكم على أعمالكم؛ إنْ خيرًا فخير، وإنْ شرًّا فشرّ.

[61] ﴿وَهُوَ ٱلۡقَاهِرُ فَوۡقَ عِبَادِهِۦۖ وَيُرۡسِلُ عَلَيۡكُمۡ حَفَظَةً حَتَّىٰٓ إِذَا جَآءَ أَحَدَكُمُ ٱلۡمَوۡتُ تَوَفَّتۡهُ رُسُلُنَا وَهُمۡ لَا يُفَرِّطُونَ 61﴾:

ثم أخبَرَ جل وعلا أنه هو القاهر فوق عباده، أي: الذي قهَرَ كل شيء، وخضَعَ وذَلَّ لعظمته كل شيء، وهذه الفوقية فوقية مطلقة، تعني: عُلُوَّ الذاتِ، وعُلُوَّ القَدْرِ، وعلوَّ القهر؛ علوًّا يليق بجلاله وكماله سبحانه وتعالى، ثم أخبَرَ سبحانه أنه يرسل عليكم ملائكةً تحفظ أعمالكم وتحصيها عليكم، ثم إذا انتهى أجل الإنسان، وحانت منيَّته، فإن الملائكة بأمر من ملك الموت تَقْبِضُ روحه، وهم لا يقصِّرون فيما يوكَّل إليهم من أعمال، فيقومون بها حسَبَ مراد الله.

[62] ﴿ثُمَّ رُدُّوٓاْ إِلَى ٱللَّهِ مَوۡلَىٰهُمُ ٱلۡحَقِّۚ أَلَا لَهُ ٱلۡحُكۡمُ وَهُوَ أَسۡرَعُ ٱلۡحَٰسِبِينَ 62﴾:

ثم صرَّح جل وعلا أن مصير العباد: إليه وحده بعد إحيائهم وبَعْثهم من قبورهم؛ فهو مولاهم الحق الذي يتولَّى أمورهم، ثم يحكُمُ سبحانه بينهم بحكمه العادل، وهو أسرع مَنْ يتولى الحساب والجزاء في ذلك اليوم؛ لأنه جل في علاه لا يحتاج إلى تفكير وبحث ورويَّة وانشغال بحساب ونحو ذلك؛ فهو عالمٌ ومحيطٌ بكل ما يتعلَّق بخلقه، لا تخفى عليه خافية في الأرض ولا في السماء.

[63] ﴿قُلۡ مَن يُنَجِّيكُم مِّن ظُلُمَٰتِ ٱلۡبَرِّ وَٱلۡبَحۡرِ تَدۡعُونَهُۥ تَضَرُّعٗا وَخُفۡيَةٗ لَّئِنۡ أَنجَىٰنَا مِنۡ هَٰذِهِۦ لَنَكُونَنَّ مِنَ ٱلشَّٰكِرِينَ 63﴾:

وقل -أيها النبي- لهؤلاء المشركين: مَنْ ينقذكم ويخلِّصكم من أهوال وشدائد البر والبحر؟! أليس هو الله الذي تلجؤون إليه وحده تَدْعونه علانيةً وسرًّا، في خضوع ظاهر وباطن؟! قائلين: نُقْسِمُ لك -يا ربنا- لئن أنقذتنا من هذه الأهوال لنكونَنَّ من المُقِرِّينَ بفضلك، القائمين بشكرك وعبادتك وحدك.

[64] ﴿قُلِ ٱللَّهُ يُنَجِّيكُم مِّنۡهَا وَمِن كُلِّ كَرۡبٖ ثُمَّ أَنتُمۡ تُشۡرِكُونَ 64﴾:

وقل -أيها النبي- لهم أيضًا: إنكم تُقِرُّونَ وتعترفون أن الله وحده هو الذي يُنْقِذكم من هذه الأهوال وهذه الكروب، ومن كل الشدائد، ومع ذلك لا تَفُونَ بوعدكم، وتعودون للشرك مرة أخرى؛ فتشركون مع الله في العبادة غيره.

[65] ﴿قُلۡ هُوَ ٱلۡقَادِرُ عَلَىٰٓ أَن يَبۡعَثَ عَلَيۡكُمۡ عَذَابٗا مِّن فَوۡقِكُمۡ أَوۡ مِن تَحۡتِ أَرۡجُلِكُمۡ أَوۡ يَلۡبِسَكُمۡ شِيَعٗا وَيُذِيقَ بَعۡضَكُم بَأۡسَ بَعۡضٍۗ ٱنظُرۡ كَيۡفَ نُصَرِّفُ ٱلۡأٓيَٰتِ لَعَلَّهُمۡ يَفۡقَهُونَ 65﴾:

وقل -أيها النبي- لهم أيضًا: اعلموا أن الله قادر على أن يَبْعَثَ عليكم عذابًا من فوقكم، أي: من السماء؛ كالرَّجْمِ بالحجارة أو بالصواعق المحرِقة أو بالريح المدمِّرة، أو يَبْعَثَ عليكم عذابًا من تحت أرجلكم، أي: من الأرض؛ كالخَسْفِ والزلازل، أو يَجْعَلَكم فِرَقًا وأحزابًا مختلفة الأهواء، ويُذِيقَ بعضكم بأس بعض بالقتل وغيره؛ فانظر -أيها النبي-: كيف نوَّع الله الحجج والبراهين الواضحة لهؤلاء المشركين؛ لعلَّهم يتأمَّلونها ويفهمون الحق، ويرجعون عمَّا هم فيه من الكفر والضلال.

[66] ﴿وَكَذَّبَ بِهِۦ قَوۡمُكَ وَهُوَ ٱلۡحَقُّۚ قُل لَّسۡتُ عَلَيۡكُم بِوَكِيلٖ 66﴾:

واعلم -أيها النبي- أن غالبية قومك كذَّبوا بهذا القرآن المنزَّل عليك بالحق من عند ربك، فقل لهم -أيها النبي-: اعلموا -يا قومِ- أنني لست مفوَّضًا لأمنعكم من الكفر والضلال، وإنما أنا مُنذِر، وقد قمتُ بما أمرني الله به؛ فأبلغتم وأنذرتكم، ويوم القيامة يحكُمُ الله بيننا بحكمه العادل، وكان هذا قبل أن يأمره سبحانه بقتال الكفار والمشركين.

[67] ﴿لِّكُلِّ نَبَإٖ مُّسۡتَقَرّٞۚ وَسَوۡفَ تَعۡلَمُونَ 67﴾:

واعلموا -أيها المشركون- أن لكل خبر عظيم وقتًا محدَّدًا يقع فيه، ونهايةً يستقِرُّ فيها، ومن ذلك عذابكم، وسوف تعلمون سوء فعلكم عندما يحل بكم العذاب الأليم.

[68] ﴿وَإِذَا رَأَيۡتَ ٱلَّذِينَ يَخُوضُونَ فِيٓ ءَايَٰتِنَا فَأَعۡرِضۡ عَنۡهُمۡ حَتَّىٰ يَخُوضُواْ فِي حَدِيثٍ غَيۡرِهِۦۚ وَإِمَّا يُنسِيَنَّكَ ٱلشَّيۡطَٰنُ فَلَا تَقۡعُدۡ بَعۡدَ ٱلذِّكۡرَىٰ مَعَ ٱلۡقَوۡمِ ٱلظَّٰلِمِينَ 68﴾:

ثم قال جل وعلا لنبيه ﷺ: وإذا رأيت -أيها النبي- الذين يسخرون، أو يستهزئون، أو يكذِّبون بشيء من آيات القرآن، فلا تجلس معهم، حتى يتكلَّموا في حديث آخر، فإذا أنساك الشيطان هذا النهي، وهذا التحذير، وجلَسْتَ معهم، ثم تذَّكرْتَ بعد ذلك، فقم ولا تجلس مع هؤلاء الظالمين الذين ظلموا أنفسهم بالكفر والمعاصي. والأمرُ له ﷺ هو أمرٌ لأمته، والنهيُ عن الجلوس مع المستهزئين بآيات الله لمن لا يستطيع أن ينصحهم ويؤدِّبهم ويلزمهم باحترام شرع الله.

[69] ﴿وَمَا عَلَى ٱلَّذِينَ يَتَّقُونَ مِنۡ حِسَابِهِم مِّن شَيۡءٖ وَلَٰكِن ذِكۡرَىٰ لَعَلَّهُمۡ يَتَّقُونَ 69﴾:

ثم بيَّن جل وعلا أنه لا شيء على المؤمنين الذين يخافون من حساب الله لهؤلاء المستهزئين بآيات الله، ما داموا قد تركوا مجالستهم، والواجبُ على المؤمنين: أن يذكِّروا الخائضين في آيات الله وينصحوهم ويبيِّنوا لهم خطورةَ ما هم عليه من السخرية والاستهزاء، فإذا لم يستجيبوا، فعليهم أن يقوموا من عندهم؛ لأن القيام من عندهم قد يُشْعِرُهُم أنهم مُخْطِئُون، ويكون ذكرى لهم؛ لعلهم يخشَوْنَ عذاب الله، ويكفُّون عن باطلهم وضلالهم.

[70] ﴿وَذَرِ ٱلَّذِينَ ٱتَّخَذُواْ دِينَهُمۡ لَعِبٗا وَلَهۡوٗا وَغَرَّتۡهُمُ ٱلۡحَيَوٰةُ ٱلدُّنۡيَاۚ وَذَكِّرۡ بِهِۦٓ أَن تُبۡسَلَ نَفۡسُۢ بِمَا كَسَبَتۡ لَيۡسَ لَهَا مِن دُونِ ٱللَّهِ وَلِيّٞ وَلَا شَفِيعٞ وَإِن تَعۡدِلۡ كُلَّ عَدۡلٖ لَّا يُؤۡخَذۡ مِنۡهَآۗ أُوْلَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ أُبۡسِلُواْ بِمَا كَسَبُواْۖ لَهُمۡ شَرَابٞ مِّنۡ حَمِيمٖ وَعَذَابٌ أَلِيمُۢ بِمَا كَانُواْ يَكۡفُرُونَ 70﴾:

ثم أمَرَ جل وعلا نبيه ﷺ أن يترك هؤلاء المشركين الذين اتَّخذوا دين الله الحق لعبًا ولهوًا، فيسخرون ويستهزئون به، وقد خدعتهم شياطينهم والحياة الدنيا بزُخْرُفِها وبَهْرَجِها، وتمسَّكوا بها؛ لأنك عندما تترك هؤلاء الساخرين سوف تتفرَّغ لتذكير الناس بهذا القرآن قبل أن تَهْلِكَ نفوسهم بسبب ما كسبت من الذنوب والمعاصي، ثم لا تَجِدَ يوم القيامة أحدًا من دون الله يتولَّى خلاصها، ولا شفيعًا يشفع لها فينجِّيها من عذاب النار، ولو بذَلَتْ كلَّ ما تملك فداءً لها ولو كان ملء الأرض ذهبًا، ما قُبِلَ منها، ولَمَا نجَتْ من عذاب النار، واعلم أن أولئك الذين أهلكهم الله بسبب ذنوبهم لا حجة لهم، ولهم شرابٌ شديدُ الغليان، يشوي وجوههم ويقطِّع أمعاءهم، وعذابٌ أليمٌ موجعٌ على كفرهم وضلالهم.

[71] ﴿قُلۡ أَنَدۡعُواْ مِن دُونِ ٱللَّهِ مَا لَا يَنفَعُنَا وَلَا يَضُرُّنَا وَنُرَدُّ عَلَىٰٓ أَعۡقَابِنَا بَعۡدَ إِذۡ هَدَىٰنَا ٱللَّهُ كَٱلَّذِي ٱسۡتَهۡوَتۡهُ ٱلشَّيَٰطِينُ فِي ٱلۡأَرۡضِ حَيۡرَانَ لَهُۥٓ أَصۡحَٰبٞ يَدۡعُونَهُۥٓ إِلَى ٱلۡهُدَى ٱئۡتِنَاۗ قُلۡ إِنَّ هُدَى ٱللَّهِ هُوَ ٱلۡهُدَىٰۖ وَأُمِرۡنَا لِنُسۡلِمَ لِرَبِّ ٱلۡعَٰلَمِينَ 71﴾:

وقل -أيها النبي- لهؤلاء المشركين على سبيل التوبيخ: هل يصح -أيها الكفار- أن نعبد غير الله ممن لا يملك جلبَ نفعٍ، ولا دفعَ ضُرٍّ، وننتكس في الشرك والضلال بعد أن وفَّقنا الله إلى الإيمان؛ ونكون كالذي ذهَبَتْ به الشياطين، فألقته في صحراء قاحلة، وتركته تائهًا ضالًّا لا يدري أين يذهب، وله أصحاب يدعونه إلى الطريق المستقيم، يقولون له: ﴿ٱئۡتِنَاۗ ﴾؛ فلا يستجيب لهم، بسبب حيرته وضلاله، وقل لهؤلاء -أيها النبي-: اعلموا أن ما هدانا الله إليه من الإسلام هو الهُدَى وحده، وأما ما تدعوننا إليه من عبادة الأصنام والأوثان، فهي الكفر والضلال، وقد أمَرَنا الله جميعًا أن نستسلم له وحده لا شريك له؛ في ألوهيته وربوبيته وعبادته؛ لأنه ربُّ كل شيء ومالكه والمستحِقُّ وحده للعبادة.

[72] ﴿وَأَنۡ أَقِيمُواْ ٱلصَّلَوٰةَ وَٱتَّقُوهُۚ وَهُوَ ٱلَّذِيٓ إِلَيۡهِ تُحۡشَرُونَ 72﴾:

وأمَرَنا سبحانه أن نقيم الصلاة ونداوم على أدائها؛ على أكمل وجه من الخشوع والخضوع، وأن نخافه جل في علاه؛ بفعل الطاعات، وترك المنكرات، وأن نقول لهم: إنكم ستُجْمَعون يوم القيامة إلى الله وحده؛ ليحاسبكم على أعمالكم.

[73] ﴿وَهُوَ ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضَ بِٱلۡحَقِّۖ وَيَوۡمَ يَقُولُ كُن فَيَكُونُۚ قَوۡلُهُ ٱلۡحَقُّۚ وَلَهُ ٱلۡمُلۡكُ يَوۡمَ يُنفَخُ فِي ٱلصُّورِۚ عَٰلِمُ ٱلۡغَيۡبِ وَٱلشَّهَٰدَةِۚ وَهُوَ ٱلۡحَكِيمُ ٱلۡخَبِيرُ 73﴾:

أخبَرَ جل وعلا بأنه هو الذي خلق السموات والأرض بالحق الذي اقتضته الحكمة الإلهية، ولم يخلُقْهما عبثًا.

قال بعض المفسِّرين: خلق الله السموات والأرض للدلالة على قدرته، وليُعْمَلَ فيهما بطاعته، وخلقهما ليبتلي عباده، ثم يجازي كلًّا بعمله؛ فيجازي المحسن بإحسانه، والمسيء بإساءته، وذلك ما عَلِمْنا من الحكمة، ولله حِكَمٌ أخرى لم نَعْلَمْ بها، ولم تصل إليها أفكارنا.

وقال الدكتور محمد راتب النابلسي: (لن تستطيع أن تُدْرِكَ كلَّ حِكَمِ الله أو عِلْمِهِ؛ إلا إذا كان علمك كعلمه)؛ وبكلامه هذا تستريحُ -إن شاء الله- من أشياء كثيرة قد يُعْييك الوصولُ إلى حِكَمِها؛ سواءٌ في حكمة الخَلْقِ أو القَدَرِ؛ فالأمرُ لله أولًا وآخرًا.

ثم قال سبحانه: واذكر -أيها النبي- يوم القيامة حين يقول الله: ﴿كُن﴾؛ فيكون ما يريد كلمح البصر أو هو أقرب، واعلم أن قوله حقٌّ، ووعده صدق، وله جل في علاه المُلْكُ وحده يوم القيامة يوم أن ينفُخَ المَلَكُ في (القَرْنِ) النفخةَ الثانية التي يخرُجُ بها الناس من قبورهم، وتعود الأرواح إلى أجسادهم، وفي ذلك اليوم تنقطع كل الأملاك، ولا يبقى إلا الله المَلِكُ الواحد القهار، الذي يعلم ما خفي عنكم وما تشاهدونه، وهو الحكيمُ الذي يضع الأمور في مواضعها، الخبيرُ بشؤون خلقه يدبِّرها كيف يشاء. ولا شك أن مَنْ كانت هذه صفاتِهِ، كان هو المستحِقَّ للعبادة وحده سبحانه وتعالى .

[74] ﴿وَإِذۡ قَالَ إِبۡرَٰهِيمُ لِأَبِيهِ ءَازَرَ أَتَتَّخِذُ أَصۡنَامًا ءَالِهَةً إِنِّيٓ أَرَىٰكَ وَقَوۡمَكَ فِي ضَلَٰلٖ مُّبِينٖ 74﴾:

واذكر -أيها النبي- لقومك مُحاجَّةَ إبراهيم عليه السلام لأبيه آزَرَ، يوم أن قال له على سبيل العتاب والتعجُّب: أتجعل -يا أبتي- هذه التماثيل المصنوعة من الحجارة آلهةً تعبُدُها من دون الله؟! إني أراك وقومك الذين يشاركونك في هذه العبادة في بُعْدٍ واضحٍ عن الطريق المستقيم.

[75] ﴿وَكَذَٰلِكَ نُرِيٓ إِبۡرَٰهِيمَ مَلَكُوتَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ وَلِيَكُونَ مِنَ ٱلۡمُوقِنِينَ 75﴾:

وكما وفَّق الله إبراهيم عليه السلام للتوحيدِ الخالص، واستقباحِ ما كان عليه أبوه من عبادة الأصنام؛ أراه أيضًا مَظَاهِرَ قدرته الموجبة لألوهيَّته في ملكوت السموات والأرض، وما حوتا من عجائب المخلوقات؛ كالشمس والقمر، والنجوم والجبال، والشجر والدواب، وقد أراه الله تعالى هذه الأشياء؛ حتى ينظُرَ إليها نظر اعتبار مستدِلًّا بها على عظمة خالقها، وليكون من الراسخين في الإيمان.

[76] ﴿فَلَمَّا جَنَّ عَلَيۡهِ ٱلَّيۡلُ رَءَا كَوۡكَبٗاۖ قَالَ هَٰذَا رَبِّيۖ فَلَمَّآ أَفَلَ قَالَ لَآ أُحِبُّ ٱلۡأٓفِلِينَ 76﴾:

أخبَرَ جل وعلا عن المناظرة التي حدَثَتْ بين إبراهيم عليه السلام وقومه؛ فعندما أظلم الليلُ ورأى عليه السلام كوكبًا من الكواكب مضيئًا في السماء، قال لقومه: انظروا -يا قومِ- هذا هو ربي! وذلك من باب التنزُّل مع القوم، فلما غاب هذا الكوكب واختفى، قال: لا أحب هذا الإله الذي يذهب ويختفي.

[77] ﴿فَلَمَّا رَءَا ٱلۡقَمَرَ بَازِغٗا قَالَ هَٰذَا رَبِّيۖ فَلَمَّآ أَفَلَ قَالَ لَئِن لَّمۡ يَهۡدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ ٱلۡقَوۡمِ ٱلضَّآلِّينَ 77﴾:

ثم لما رأى عليه السلام القمَرَ طالعًا ليلة البدر ساطعًا بضوئه، قال لقومه: انظروا -يا قومِ- هذا هو ربي! فلما ذهب القمر واختفى، قال: لئن لم يهدني ربي إلى الحق وإلى الصواب في توحيده، لَأَكُونَنَّ من القوم الضالِّين عن سواء السبيل، الذين يعبدون غيره سبحانه وتعالى .

[78] ﴿فَلَمَّا رَءَا ٱلشَّمۡسَ بَازِغَةٗ قَالَ هَٰذَا رَبِّي هَٰذَآ أَكۡبَرُۖ فَلَمَّآ أَفَلَتۡ قَالَ يَٰقَوۡمِ إِنِّي بَرِيٓءٞ مِّمَّا تُشۡرِكُونَ 78﴾:

ثم لما رأى عليه السلام الشمس ساطعة مضيئة، قال لقومه: انظروا -يا قومي- هذا ربي، هذا أكبر من الكوكب وأكبر من القمر! فلما ذهَبَتِ الشمس واختفت، قال حينها لقومه: -يا قوم- إنني بريء مما تُشْرِكُونَ مع الله غيره في عبادته، وإنني بريء من هذه الأصنام والأحجار والكواكب والنجوم التي تعبدونها، وهي لا تضُرُّ ولا تنفع، ولا تحيي ولا تميت، ولا ترزُقُ ولا تخلُقُ؛ بل كلها مخلوقات تسير بأمر الله الواحد الأحد الذي لا يستحق العبادة أحد سواه.

وهذه الآيات التي ورَدَتْ في إبراهيم عليه السلام ليس المقصود منها أنه عليه السلام كان شاكًّا في إلهية الله، ولا يدُلُّ فعله أنه كان يبحث عن الحق؛ فهو عالم عارف بالحَق، ولكنَّ قومه كانوا يعبدون هذه الكواكب فجاراهم عليه السلام بقوله؛ لأنه يريد أن يُثْبِتَ لهم أن آلهتهم التي يعبدونها -وهي الكواكب- أنها تغيب، وأن الذي يغيب لا يصلُحُ أن يكون إلهًا، وأن الذي يستحق أن يُعبَدَ هو الذي خلقها، وخلق الكون، وهو الذي لا يأفُلُ ولا يغيب، وهو الله جلَّ في علاه.

[79] ﴿إِنِّي وَجَّهۡتُ وَجۡهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضَ حَنِيفٗاۖ وَمَآ أَنَا۠ مِنَ ٱلۡمُشۡرِكِينَ 79﴾:

واعلموا -يا قومِ- أنني قصَدتُّ بعبادتي وتوحيدي الله وحده لا شريك له، الذي أبدع في خلق السموات والأرض؛ بل سوف أكون مؤمِنًا موحِّدًا مائلًا عن كل دين باطل، ومتمسِّكًا بالدين الحق، وهو دين الإسلام الذي أمَرَ الله به، ثم أعلن عليه السلام براءته قائلًا: ثم اعلموا -يا قومِ- أنني لست من المشركين الذين يعبدون مع الله آلهة أخرى.

[80] ﴿وَحَآجَّهُۥ قَوۡمُهُۥۚ قَالَ أَتُحَٰٓجُّوٓنِّي فِي ٱللَّهِ وَقَدۡ هَدَىٰنِۚ وَلَآ أَخَافُ مَا تُشۡرِكُونَ بِهِۦٓ إِلَّآ أَن يَشَآءَ رَبِّي شَيۡـٔٗاۚ وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيۡءٍ عِلۡمًاۚ أَفَلَا تَتَذَكَّرُونَ 80﴾:

ثم بيَّن سبحانه أن قومه جادلوه وهدَّدوه وخاصموه بأن معبوداتهم قد تصيبه بسوء، ولكنَّ إبراهيم عليه السلام قال لهم: إن الله هو الهادي الذي قد هداني، ولا أخاف من أصنامكم أن تصيبني بشيء، إلا إذا شاء الله وأراد شيئًا؛ فالأمرُ كلُّه لله؛ إنْ قدَّر علي شيئًا، فذلك منه هو، لا من آلهتكم.

[81] ﴿وَكَيۡفَ أَخَافُ مَآ أَشۡرَكۡتُمۡ وَلَا تَخَافُونَ أَنَّكُمۡ أَشۡرَكۡتُم بِٱللَّهِ مَا لَمۡ يُنَزِّلۡ بِهِۦ عَلَيۡكُمۡ سُلۡطَٰنٗاۚ فَأَيُّ ٱلۡفَرِيقَيۡنِ أَحَقُّ بِٱلۡأَمۡنِۖ إِن كُنتُمۡ تَعۡلَمُونَ 81﴾:

ثم قال عليه السلام لقومه على سبيل الإنكار والتعجُّب: وكيف أخاف -يا قومِ- أصنامكم التي لا تنفع ولا تضر، ولا تَسْمَعُ ولا تَعْقِل، وأنتم لا تخافون ربكم الحق الذي خلقكم، وقد أشرَكْتم به أصنامًا ما أنزَلَ الله عليكم في عبادتها حُجَّةً أو دليلًا؛ فمَنْ أحق بالأمن والاطمئنان يوم القيامة: الموحِّدُ الذي يعبد الله وحده لا شريك له، أم المُشْرِكُ الذي يعبد آلهة شتى لا تسمع ولا تبصر؛ إن كان عندكم فَهْمٌ وعلمٌ بالبراهين والأدلة التي تميِّزون بها الشبه الباطلة.

[82] ﴿ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَلَمۡ يَلۡبِسُوٓاْ إِيمَٰنَهُم بِظُلۡمٍ أُوْلَٰٓئِكَ لَهُمُ ٱلۡأَمۡنُ وَهُم مُّهۡتَدُونَ 82﴾:

ثم بيَّن جل وعلا أن الذين آمنوا بالله ورسوله، وعملوا بشرعه، ولم يَخْلِطوا إيمانهم بشرك؛ فهؤلاء -وحدهم- هم الأحق بالأمن والطمأنينة يوم القيامة، وهم -وحدهم- المهتدون إلى طريق الحق والخير.

[83] ﴿وَتِلۡكَ حُجَّتُنَآ ءَاتَيۡنَٰهَآ إِبۡرَٰهِيمَ عَلَىٰ قَوۡمِهِۦۚ نَرۡفَعُ دَرَجَٰتٖ مَّن نَّشَآءُۗ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٞ 83﴾:

ثم أخبَرَ جل وعلا أنه هو الذي أعطى إبراهيم عليه السلام تلك الحُجَّةَ التي حاجَّ بها قومه؛ فأظهر التوحيد، وأبطل الشرك، وعلا عليهم، ثم بيَّن سبحانه أنه يرفع من يشاء من عباده، ويجعلهم درَجاتٍ ومراتبَ في الدنيا والآخرة؛ إنه سبحانه حكيمٌ في تدبير خلقه يضع الأمور في مواضعها المناسبة، عليمٌ بجميع أحوالهم.

[84] ﴿وَوَهَبۡنَا لَهُۥٓ إِسۡحَٰقَ وَيَعۡقُوبَۚ كُلًّا هَدَيۡنَاۚ وَنُوحًا هَدَيۡنَا مِن قَبۡلُۖ وَمِن ذُرِّيَّتِهِۦ دَاوُۥدَ وَسُلَيۡمَٰنَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسَىٰ وَهَٰرُونَۚ وَكَذَٰلِكَ نَجۡزِي ٱلۡمُحۡسِنِينَ 84﴾:

ثم أخبَرَ جل وعلا أنه مَنَّ على إبراهيم عليه السلام؛ فرزقه إسحاق ابنًا، ويعقوبَ حفيدًا، ورزَقَ سبحانه إسحاق ويعقوب الهداية والاستقامة على طريقة أبيهم إبراهيم عليه السلام، ثم بيَّن جل في علاه أنه هدى نوحًا من قبل إبراهيم ، وأنه خلَقَ من نسل إبراهيم: داود وسليمان وأيوب ويوسف وموسى وهارون عليهم السلام أجمعين، وكلُّهم علَّمهم الحكمة، وأعطاهم النبوَّة، وكذلك يجزي سبحانه كل من أحسن وسار على طريقهم، وعمل بعملهم.

[85] ﴿وَزَكَرِيَّا وَيَحۡيَىٰ وَعِيسَىٰ وَإِلۡيَاسَۖ كُلّٞ مِّنَ ٱلصَّٰلِحِينَ 85﴾:

ثم أخبَرَ جل وعلا أيضًا أن ممن هدى الله ووفَّق من نسل إبراهيم عليه السلام: زكريا ويحيى وعيسى وإلياسَ عليهم السلام، وكلُّهم آتاهم الله النبوة، وجعلهم من الصالحين.

وقوله: ﴿وَعِيسَىٰ﴾، فيه إثبات أن الجَدَّ لأمٍّ أبٌ، وقد احتج بهذه الآيةِ العَالِمُ الفقيه أبو سليمان يحيى بن يَعْمُر العامري البصري، الذي هدَّده الحجَّاج بالقتل، إن لم يُثبِتْ أن الحسينَ ابنُ رسول الله ﷺ([3]). [3] ورد ذلك في المناظرة التي حدثت بين يحيى بن يعمر والحجاج، ينظر: وفيات الأعيان لابن خلكان (6/174)، والعقد الفريد للأندلسي (2/48-49)، (5/281).

[86] ﴿وَإِسۡمَٰعِيلَ وَٱلۡيَسَعَ وَيُونُسَ وَلُوطٗاۚ وَكُلّٗا فَضَّلۡنَا عَلَى ٱلۡعَٰلَمِينَ 86﴾:

ثم أخبَرَ جل وعلا أيضًا أن ممن هدى الله ووفَّق من نسل إبراهيم عليه السلام: إسماعيلَ واليسَعَ ويونس عليهم السلام، أما لُوطٌ عليه السلام، فهو ابن أخي إبراهيم، أو ابن عمه، ثم بيَّن سبحانه أنه جعلهم أنبياء، وفضَّلهم على أهل زمانهم.

[87] ﴿وَمِنۡ ءَابَآئِهِمۡ وَذُرِّيَّٰتِهِمۡ وَإِخۡوَٰنِهِمۡۖ وَٱجۡتَبَيۡنَٰهُمۡ وَهَدَيۡنَٰهُمۡ إِلَىٰ صِرَٰطٖ مُّسۡتَقِيمٖ 87﴾:

ثم أخبَرَ جل وعلا أنه اصطفى بعض آباء هؤلاء الأنبياء وذُرِّيَّاتهم وإخوانهم، ووفَّقهم إلى طريق الحق الذي لا اعوجاج فيه. ومن هذه الآيات وغيرها: يتبيَّن أن عدد الأنبياء المذكورين في القرآن خمسة وعشرون نبيًّا، ذُكِرَ في هذه الآيات ثمانيةَ عشَرَ نبيًّا، والباقون وهم سبعة جاء ذكرهم في آيات متفرقة، وقد ذكرهم الشاعر بقوله:

فِي تِلْكَ حُجَّتُنَا مِنْهُمْ ثَمَانِيَةٌ

مِنْ بَعْدِ عَشْرٍ وَيَبْقَى سَبْعَةٌ وَهُمُ

إِدْرِيسُ هُودٌ شُعَيْبٌ صَالِحٌ وَكَذَا

ذُو الْكِفْلِ آدَمُ بِالمُخْتَارِ قَدْ خُتِمَوا

وفي قوله: (في تلك حُجَّتُنَا): يشير إلى الآية السابقة رقم (83).

[88] ﴿ذَٰلِكَ هُدَى ٱللَّهِ يَهۡدِي بِهِۦ مَن يَشَآءُ مِنۡ عِبَادِهِۦۚ وَلَوۡ أَشۡرَكُواْ لَحَبِطَ عَنۡهُم مَّا كَانُواْ يَعۡمَلُونَ 88﴾:

واعلموا -أيها الناس- أن ذلك الفضل والإنعام الذي مَنَّ الله به على أولئك الرسل هو هُدَى الله، يهدي به من يشاء الله من عباده ممن يَعْلَمُ الله فيهم الاستعداد للإيمان والصلاح، ثم بيَّن سبحانه أنَّ أحدًا من أولئك الرسل الذين ذكَرَهم الله، لو أشرَكَ به جل في علاه –على وجه الافتراض والاستبعاد- لأحبَطَ اللهُ عمله.

[89] ﴿أُوْلَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ ءَاتَيۡنَٰهُمُ ٱلۡكِتَٰبَ وَٱلۡحُكۡمَ وَٱلنُّبُوَّةَۚ فَإِن يَكۡفُرۡ بِهَا هَٰٓؤُلَآءِ فَقَدۡ وَكَّلۡنَا بِهَا قَوۡمٗا لَّيۡسُواْ بِهَا بِكَٰفِرِينَ 89﴾:

واعلموا أن أولئك الأنبياء والرسل المذكورين هم الذين أنزَلَ الله عليهم الكُتُبَ السماوية؛ كالتوراة والإنجيل، والزَّبُور وصحف موسى، وآتاهم العِلْمَ والفقه، وخصَّهم بالرسالة والنبوَّة؛ فإنْ يَجْحَدْ بهذه الثلاثة مشركو مكة، فقد أمَرَ الله برعايتها والانتفاع بها قومًا آخرين يؤمنون بها، وهم المهاجرون والأنصار، ومَنْ تبعهم بإحسان إلى يوم القيامة.

[90] ﴿أُوْلَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ هَدَى ٱللَّهُۖ فَبِهُدَىٰهُمُ ٱقۡتَدِهۡۗ قُل لَّآ أَسۡـَٔلُكُمۡ عَلَيۡهِ أَجۡرًاۖ إِنۡ هُوَ إِلَّا ذِكۡرَىٰ لِلۡعَٰلَمِينَ 90﴾:

ثم اعلموا أيضًا أن أولئك الأنبياء والرسل المذكورين هم الذين هداهم الله ووفَّقهم إلى الدين الحق وإلى التوحيد؛ فعليك -أيها النبي- أن تتَّبع طريقهم، وتسلك سبيلهم، وقل للمشركين من أهل مكة وغيرهم: إني لا أسألكم على تبليغ الرسالة والنبوة أجرًا؛ وما هذا القرآن الذي جئتكم به إلا موعظةٌ وعِبْرةٌ لجميع الخلق إِنْسِهم وجِنِّهم.

[91] ﴿وَمَا قَدَرُواْ ٱللَّهَ حَقَّ قَدۡرِهِۦٓ إِذۡ قَالُواْ مَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ عَلَىٰ بَشَرٖ مِّن شَيۡءٖۗ قُلۡ مَنۡ أَنزَلَ ٱلۡكِتَٰبَ ٱلَّذِي جَآءَ بِهِۦ مُوسَىٰ نُورٗا وَهُدٗى لِّلنَّاسِۖ تَجۡعَلُونَهُۥ قَرَاطِيسَ تُبۡدُونَهَا وَتُخۡفُونَ كَثِيرٗاۖ وَعُلِّمۡتُم مَّا لَمۡ تَعۡلَمُوٓاْ أَنتُمۡ وَلَآ ءَابَآؤُكُمۡۖ قُلِ ٱللَّهُۖ ثُمَّ ذَرۡهُمۡ فِي خَوۡضِهِمۡ يَلۡعَبُونَ 91﴾:

أخبَرَ جل وعلا أن اليهود ما عظَّموا الله حقَّ عَظَمَته، وما وصفوه حقَّ صفته؛ حيث قالوا: ما أنزَلَ الله من السماء كتابًا على أحد من البشر، فقل لهم -أيها النبي-: إذا كان الأمر كما تزعمون، فمَنِ الذي أنزل التوراة التي جاء بها موسى عليه السلام إلى قومه؛ لتكون نورًا وهداية للناس، ثم جعلتموها في قراطيس متفرِّقة، تبدون بعض ما تحبُّون، وتكتمون كثيرًا مما جاء فيها؟! ومِنْ ذلك: كتمانكم صفة محمَّد ﷺ، وقد علَّمكم الله في التوراة ما لم تعلموه أنتم ولا آباؤكم من قبلُ، ومع ذلك: لمْ تنتفعوا بها، بل بدَّلتم وحرَّفتم، ثم قل -أيها النبي- لهؤلاء الجاحدين مجيبًا لهم: اعلموا أن الله هو الذي أنزَلَ جميع الكتب السماوية، وبعد ذلك اترُكْهم يستمرون في كفرهم وضلالهم عابثين كالصبيان.

وهذه الآية نزَلَتْ جوابًا لليهودي الذي قال: ﴿مَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ عَلَىٰ بَشَرٖ مِّن شَيۡءٖۗ ﴾.

[92] ﴿وَهَٰذَا كِتَٰبٌ أَنزَلۡنَٰهُ مُبَارَكٞ مُّصَدِّقُ ٱلَّذِي بَيۡنَ يَدَيۡهِ وَلِتُنذِرَ أُمَّ ٱلۡقُرَىٰ وَمَنۡ حَوۡلَهَاۚ وَٱلَّذِينَ يُؤۡمِنُونَ بِٱلۡأٓخِرَةِ يُؤۡمِنُونَ بِهِۦۖ وَهُمۡ عَلَىٰ صَلَاتِهِمۡ يُحَافِظُونَ 92﴾:

واعلموا -أيها الناس- أن هذا القرآن كتاب أنزله الله، كما أنزل التوراة والإنجيل من قبل، وهو كتابٌ معجزٌ كثيرُ الخير، باقٍ إلى يوم القيامة، مصدِّقٌ لما تقدَّمه من الكتب المنزلة، وقد أنزله الله ليخوِّف به أهل مكة ومَنْ حولها من أهل أقطار الأرض مِنْ عذاب الله وبأسه، ثم بيَّن سبحانه أن الذين يؤمنون بالآخرة إيمانًا حقيقيًّا يؤمنون بهذا القرآن، ويحافظون على أداء شعائر الإيمان كلِّها، ومنها الصلاة التي هي مِنْ أجلِّ العبادات وأهمها.

[93] ﴿وَمَنۡ أَظۡلَمُ مِمَّنِ ٱفۡتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ كَذِبًا أَوۡ قَالَ أُوحِيَ إِلَيَّ وَلَمۡ يُوحَ إِلَيۡهِ شَيۡءٞ وَمَن قَالَ سَأُنزِلُ مِثۡلَ مَآ أَنزَلَ ٱللَّهُۗ وَلَوۡ تَرَىٰٓ إِذِ ٱلظَّٰلِمُونَ فِي غَمَرَٰتِ ٱلۡمَوۡتِ وَٱلۡمَلَٰٓئِكَةُ بَاسِطُوٓاْ أَيۡدِيهِمۡ أَخۡرِجُوٓاْ أَنفُسَكُمُۖ ٱلۡيَوۡمَ تُجۡزَوۡنَ عَذَابَ ٱلۡهُونِ بِمَا كُنتُمۡ تَقُولُونَ عَلَى ٱللَّهِ غَيۡرَ ٱلۡحَقِّ وَكُنتُمۡ عَنۡ ءَايَٰتِهِۦ تَسۡتَكۡبِرُونَ 93﴾:

واعلموا -أيها الناس- أنه لا أحد أظلم وأفجر ممن اختلق على الله جل في علاه قولًا كذبًا؛ كمَنْ حلَّل وحرَّم بدون دليل من الشرع، أو ادَّعى أن الله أوحى إليه بالرسالة أو النبوة، وهو لم يُوحِ إليه بشيء، أو قال: إنني أستطيع أن آتي بقرآن يشبه القرآن الذي أنزله الله على محمد ﷺ، كما قال أحد كفار مكة: ﴿لَوۡ نَشَآءُ لَقُلۡنَا مِثۡلَ هَٰذَآ﴾ [الأنفال:٣١].

ثم بيَّن سبحانه مصير الظالمين المشركين، فقال: ولو تَرَى -أيها النبي- هؤلاء الظالمين وهم في سَكَرات الموت، وملائكةُ العذاب الموكَّلة في قبض أرواحهم تَضْرِبهم وتعذِّبهم حتى تُخْرِجَ أرواحهم، وتقول لهم: (أخرجوا أرواحكم من أجسادكم)؛ على سبيل الإهانة والتعنيف، فلو رأيتهم -أيها النبي- وهم في هذه الحال، لرأيت عجبًا، ثم تقولُ لهم الملائكة: اليوم سوف تَلْقَوْنَ عذاب الذل والخزي والإهانة؛ بسبب كذبكم وافترائكم على الله بغير الحق، وما كنتم تستكبرون عن اتباع آيات الله والانقياد لرسله.

وهذه الآية قيل: إنها نزَلَتْ في مسيلمة الكذَّاب والأسود العَنْسي اللَّذَيْنِ ادَّعَيَا النبوة، وهي تصدُقُ على كل من ادعى النبوة، أو قال: ﴿سَأُنزِلُ مِثۡلَ مَآ أَنزَلَ ٱللَّهُۗ ﴾.

[94] ﴿وَلَقَدۡ جِئۡتُمُونَا فُرَٰدَىٰ كَمَا خَلَقۡنَٰكُمۡ أَوَّلَ مَرَّةٖ وَتَرَكۡتُم مَّا خَوَّلۡنَٰكُمۡ وَرَآءَ ظُهُورِكُمۡۖ وَمَا نَرَىٰ مَعَكُمۡ شُفَعَآءَكُمُ ٱلَّذِينَ زَعَمۡتُمۡ أَنَّهُمۡ فِيكُمۡ شُرَكَٰٓؤُاْۚ لَقَد تَّقَطَّعَ بَيۡنَكُمۡ وَضَلَّ عَنكُم مَّا كُنتُمۡ تَزۡعُمُونَ 94﴾:

ثم أخبَرَ جل وعلا عن حال المشركين عندما يُعرَضُونَ للحساب، فيقولُ لهم سبحانه على سبيل التوبيخ: لقد بُعِثْتُمْ -أيها الكفار- من قبوركم، ثم جئتم إلينا فرادى، لا مال معكم ولا ولد، ولا زَوْج ولا خدم ولا أصحاب، وقد تركتم وراءكم الدنيا بما فيها، وما نرى معكم في الآخرة أوثانكم التي كنتم تعتقدون أنها ستشفع لكم، وتَدَّعُونَ أنهم شركاء مع الله في العبادة؛ فاعلموا -أيها المشركون- أن العلاقة التي كانت بينكم قد تقطَّعت؛ كما تشتَّت جمعكم، وذهب عنكم ما كنتم تزعمون في الدنيا من شفاعتها، وضاع ما بينكم وبينهم من المودَّة والصداقة؛ فإن اليوم يوم الجزاء والحساب، وكلٌّ سوف يحاسَبُ وحده.

[95] ﴿إِنَّ ٱللَّهَ فَالِقُ ٱلۡحَبِّ وَٱلنَّوَىٰۖ يُخۡرِجُ ٱلۡحَيَّ مِنَ ٱلۡمَيِّتِ وَمُخۡرِجُ ٱلۡمَيِّتِ مِنَ ٱلۡحَيِّۚ ذَٰلِكُمُ ٱللَّهُۖ فَأَنَّىٰ تُؤۡفَكُونَ 95﴾:

أخبَرَ جل وعلا أنه يشُقُّ الحَبَّ اليابسَ فيُخْرِجُ منه النباتَ الأخضر اليانع المثمر، وأيضًا يشُقُّ النوى اليابس، فيُنبِتُ منه النخلةَ التي تثمر أنواع الرطب اللذيذ، ثم أخبَرَ سبحانه أنه يُخْرِجُ الحي من الميت؛ ومن ذلك: إخراج الإنسان أو الحيوان من النطفة الميتة، وكذلك يُخْرِجُ الميت من الحي؛ ومن ذلك إخراج النطفة الميتة من الإنسان أو الحيوان؛ وهذا دليل على قدرة الله على خلق الأشياء المختلفة، والمقصودُ الحياةُ المثمِرة والكاسبة، وإلا فالبِذْرةُ والحيوانُ المَنَويُّ فيهما حياة ناقصة، تُكْمِلها بالنسبة للحيوان المَنَويُّ نفخةُ المَلَك، وبالنسبة للنبات الماء، وكل ذلك بإذن الله، واعلموا -أيها الناس- أن الخالق لهذه الأشياء هو الله؛ فهو وحده القادر على فعل ذلك؛ فكيف تُصرَفُون عن الإيمان مع قيام الدليل والبرهان؟!

[96] ﴿فَالِقُ ٱلۡإِصۡبَاحِ وَجَعَلَ ٱلَّيۡلَ سَكَنٗا وَٱلشَّمۡسَ وَٱلۡقَمَرَ حُسۡبَانٗاۚ ذَٰلِكَ تَقۡدِيرُ ٱلۡعَزِيزِ ٱلۡعَلِيمِ 96﴾:

واعلموا أن الله وحده هو الذي شَقَّ ضياء الصباح من ظلام الليل، وهو الذي جعل الليل مستقَرًّا وسكنًا، تسكُنُ فيه المخلوقات من تعب النهار، وهو الذي جعل حركة الشمس والقمر تسير بنظام دقيق يَعْرِفُ به الناسُ مواقيت عباداتهم ومعاملاتهم؛ وهذا كله من تدبير وتقدير العزيزِ الذي عزَّ سلطانه، العليمِ بمصالح خلقه وتدبير شؤونهم.

[97] ﴿وَهُوَ ٱلَّذِي جَعَلَ لَكُمُ ٱلنُّجُومَ لِتَهۡتَدُواْ بِهَا فِي ظُلُمَٰتِ ٱلۡبَرِّ وَٱلۡبَحۡرِۗ قَدۡ فَصَّلۡنَا ٱلۡأٓيَٰتِ لِقَوۡمٖ يَعۡلَمُونَ 97﴾:

ثم أخبَرَ جل وعلا أنه خلق لعباده هذه النجوم؛ ليهتدوا بمواقعها في أسفارهم أثناء سَيْرهم في ظلمات البراري والبحار، واعلموا أن الله جل في علاه قد بيَّن الدلائل والبراهين الواضحة؛ ليتدبَّرها أهل العلم والمعرفة.

[98] ﴿وَهُوَ ٱلَّذِيٓ أَنشَأَكُم مِّن نَّفۡسٖ وَٰحِدَةٖ فَمُسۡتَقَرّٞ وَمُسۡتَوۡدَعٞۗ قَدۡ فَصَّلۡنَا ٱلۡأٓيَٰتِ لِقَوۡمٖ يَفۡقَهُونَ 98﴾:

ثم أخبَرَ جل وعلا أنه خلقكم من نَفْسٍ واحدة، أي: خلقكم من صُلْبِ أبي البشر آدم عليه السلام، وجعل لكم مستقَرًّا في أرحام الأمهات، ومستودَعًا في أصلاب الآباء، وقد وضَّح سبحانه كلَّ مراحل خلقكم، وبيَّن دلائل قدرته، لقوم يفهمون ما يتلى عليهم، ويتدبَّرون معناه على الوجه الصحيح.

[99] ﴿وَهُوَ ٱلَّذِيٓ أَنزَلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءٗ فَأَخۡرَجۡنَا بِهِۦ نَبَاتَ كُلِّ شَيۡءٖ فَأَخۡرَجۡنَا مِنۡهُ خَضِرٗا نُّخۡرِجُ مِنۡهُ حَبّٗا مُّتَرَاكِبٗا وَمِنَ ٱلنَّخۡلِ مِن طَلۡعِهَا قِنۡوَانٞ دَانِيَةٞ وَجَنَّٰتٖ مِّنۡ أَعۡنَابٖ وَٱلزَّيۡتُونَ وَٱلرُّمَّانَ مُشۡتَبِهٗا وَغَيۡرَ مُتَشَٰبِهٍۗ ٱنظُرُوٓاْ إِلَىٰ ثَمَرِهِۦٓ إِذَآ أَثۡمَرَ وَيَنۡعِهِۦٓۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكُمۡ لَأٓيَٰتٖ لِّقَوۡمٖ يُؤۡمِنُونَ 99﴾:

ثم أخبَرَ جل وعلا أنه أنزَلَ من السماء ماء المطر؛ فأخرَجَ به نبات كل شيء، وأخرج من النبات شيئًا غَضًّا طريًّا، ثم أخرَجَ من هذا الزرعِ الأخضرِ حبًّا كثيرًا بعضُهُ فوق بعض، وأخرج من هذا الماءِ أيضًا أشجار النخيل التي تثمر الطلع -وهو الغِلَافُ الحافظُ للقِنْوِ- الذي تتدلى منه عذوقُ الرطب الجميلة ذات الطعم اللذيذ، وأخرَجَ من هذا الماءِ أيضًا البساتين التي تتكوَّن من أنواع الأعناب الكثيرة، وأخرج من هذا الماءِ أيضًا أشجار الزيتون والرمَّان التي تتشابه في أوراقها وتختلِفُ في ثمارها؛ فانظروا -أيها الناس- نظر تفكُّر واعتبار في وقت طلوع هذه الثمار ووقت نضوجها وإيناعها. واعلموا أن في خلق هذه الزروع والثمار مع اختلاف أنواعها وأشكالها وألوانها؛ دلائلَ وبراهينَ واضحة لقوم يؤمنون أن الذي أخرَجَ هذا النبات من هذه البذور اليابسة الميتة قادرٌ على أن يحيي الموتى.

[100] ﴿وَجَعَلُواْ لِلَّهِ شُرَكَآءَ ٱلۡجِنَّ وَخَلَقَهُمۡۖ وَخَرَقُواْ لَهُۥ بَنِينَ وَبَنَٰتِۭ بِغَيۡرِ عِلۡمٖۚ سُبۡحَٰنَهُۥ وَتَعَٰلَىٰ عَمَّا يَصِفُونَ 100﴾:

ثم أخبَرَ جل وعلا أن المشركين جعلوا لله شركاء من الجن في عبادته؛ اعتقادًا منهم أنهم ينفعون ويضُرُّون، مع أنهم يعلمون أن الله هو الذي خلق الجن، كما أن هؤلاء المشركين كذَبُوا على الله تعالى حين نسبوا له سبحانه البنين والبنات؛ فزعم اليهود: أن عزيرًا ابنُ الله، وزعم النصارى: أن المسيح ابن الله، وزعم المشركون وبعض العرب: أن الملائكة بنات الله؛ وهذا كله جهل منهم وسفاهة؛ فتنزَّه تعالى وتقدَّس عمَّا يصفه به هؤلاء الضالون المجرمون. قال بعض المفسِّرين: نزَلَتْ هذه الآية في المجوس الذين قالوا: (إن الله خالق الخير، وإبليس خالق الشر)؛ وهم الثَّنَويَّة، والعِبْرةُ بعموم اللفظ، لا بخصوص السبب.

[101] ﴿بَدِيعُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۖ أَنَّىٰ يَكُونُ لَهُۥ وَلَدٞ وَلَمۡ تَكُن لَّهُۥ صَٰحِبَةٞۖ وَخَلَقَ كُلَّ شَيۡءٖۖ وَهُوَ بِكُلِّ شَيۡءٍ عَلِيمٞ 101﴾:

ثم أخبَرَ جل وعلا أنه خالق السموات والأرض ومبدعهما على غير مثال سابق؛ فكيف يكون له ولدٌ -كما يزعم هؤلاء الضالُّون- مع أنه لم تكن له زوجة؟! ثم أخبَرَ سبحانه أنه خلق جميع الأشياء، وهو عليمٌ بكل ما يحدُثُ في الكون، لا يخفى عليه شيء من أمر خلقه؛ فالكل عبيده وتحت تصرُّفه.

[102] ﴿ذَٰلِكُمُ ٱللَّهُ رَبُّكُمۡۖ لَآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَۖ خَٰلِقُ كُلِّ شَيۡءٖ فَٱعۡبُدُوهُۚ وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ وَكِيلٞ 102﴾:

واعلموا -أيها الناس- أن ذلكم الموصوف في الآيات السابقة بتلك الصفات الجليلة هو ربُّكم، لا معبودَ بحق سواه، خالقُ كل شيء مما كان ومما سيكون؛ فالواجب عليكم أن تُخْلِصوا له العبادة؛ لأنه هو وحده المستحق للعبادة، وهو سبحانه حفيظٌ ورقيبٌ على عباده؛ يدبِّر أمرهم، ويتولَّى جميع شؤونهم.

[103] ﴿لَّا تُدۡرِكُهُ ٱلۡأَبۡصَٰرُ وَهُوَ يُدۡرِكُ ٱلۡأَبۡصَٰرَۖ وَهُوَ ٱللَّطِيفُ ٱلۡخَبِيرُ 103﴾:

أخبَرَ جل وعلا أنه لا تدركه الأبصار مطلقًا في الدنيا؛ لعدم قدرة تلك الأبصار على رؤيته؛ كما قال تعالى لموسى لما سأله رؤيته: ﴿قَالَ رَبِّ أَرِنِيٓ أَنظُرۡ إِلَيۡكَۚ قَالَ لَن تَرَىٰنِي﴾ [الأعراف:١٤٣]، أما في الآخرة، فإننا نُخلَقُ خلقًا آخر؛ وحينئذٍ يتفضَّل الله علينا برؤيته، ولكنْ من غير إدراك كامل لذاته، أما هو سبحانه، فإنه يُدرِكُ الأبصار وما تحت الأبصار وما فوقها، وما احتوته؛ لا تخفى عليه خافية، وهو سبحانه اللطيفُ بأوليائه، الخبيرُ بهم.

[104] ﴿قَدۡ جَآءَكُم بَصَآئِرُ مِن رَّبِّكُمۡۖ فَمَنۡ أَبۡصَرَ فَلِنَفۡسِهِۦۖ وَمَنۡ عَمِيَ فَعَلَيۡهَاۚ وَمَآ أَنَا۠ عَلَيۡكُم بِحَفِيظٖ 104﴾:

واعلموا -أيها الناس- أنه قد جاءتكم دلائل وبراهين من الله جل في علاه واضحةٌ بيِّنة، تبصرون بها الهدى من الضلال، فمن انتفع بهذه الدلائل، فقد نفع نفسه، ومن أعرَضَ عنها، فقد أضرَّ بنفسه، ثم بيَّن سبحانه بأن الرسول ﷺ لم يُبْعَثْ رقيبًا عليكم يحفظ أعمالكم، وإنما وظيفته تبليغ رسالة ربه؛ فبلَّغ ﷺ الرسالة، وأدَّى الأمانة، وجاهد في الله حق جهاده.

[105] ﴿وَكَذَٰلِكَ نُصَرِّفُ ٱلۡأٓيَٰتِ وَلِيَقُولُواْ دَرَسۡتَ وَلِنُبَيِّنَهُۥ لِقَوۡمٖ يَعۡلَمُونَ 105﴾:

وكما بيَّن جل وعلا الأدلة الواضحة في مسائل التوحيد والنبوَّة واليوم الآخر وغير ذلك؛ فإنه بيَّن الحُجَجَ والبراهين في كل ما جهله هؤلاء الكفار، ومع ذلك فإنهم يقولون كذبًا وزورًا: لقد تعلَّمْتَ -يا محمد- مِنْ كتب الماضين من أهل الكتاب، وجئتَ منها بهذا القرآن، ثم أخبَرَ سبحانه أنه بيَّن ووضَّح هذا القرآن لمن هداهم الله، ولمن يعلمون الحقَّ فيتَّبعونه، والباطلَ فيجتنبونه.

[106] ﴿ٱتَّبِعۡ مَآ أُوحِيَ إِلَيۡكَ مِن رَّبِّكَۖ لَآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَۖ وَأَعۡرِضۡ عَنِ ٱلۡمُشۡرِكِينَ 106﴾:

ثم سلَّى جل وعلا نبيه محمدًا ﷺ، وأمَرَهُ أن يتَّبع ما أوحاه الله إليه من الأوامر والنواهي، وأخبَرَهُ أنه وحده الإله المستحِقُّ للطاعة، وأمَرَه ألَّا يبالي بعناد المشركين الضالِّين، ولا يلتفِتَ لأقوالهم وأفعالهم.

[107] ﴿وَلَوۡ شَآءَ ٱللَّهُ مَآ أَشۡرَكُواْۗ وَمَا جَعَلۡنَٰكَ عَلَيۡهِمۡ حَفِيظٗاۖ وَمَآ أَنتَ عَلَيۡهِم بِوَكِيلٖ 107﴾:

ثم بيَّن جل وعلا أنه قادر على أن يجعل جميع الناس مؤمنين لو أراد ذلك؛ بل هو قادر على أن يَجْعَلَ جميع الإنس والجن كالملائكة لا يعصُونَ الله ما أمرهم، وكذلك هو قادر أن يوجِّههم إلى الإيمان، ويحبِّبهم فيه، ولكنه لحكمة بالغة جعلهم مختارين ليختاروا ما يحبون من الخير أو الشر الذي وُضِّحَ لهم؛ كما قال تعالى: ﴿وَهَدَيۡنَٰهُ ٱلنَّجۡدَيۡنِ﴾ [البلد:١٠]، أي: دَلَلْناهم على طريق الهدى وضدِّه؛ فمَنْ سلك طريق الهدى، زاده الله هدى، والذين في قلوبهم مرض وزيغ، زادهم الله مما اشتَهَوْا؛ مع أن الله لا يحب لعباده الكفر والضلال؛ لكنْ أعطى كلًّا مراده الذي أحبه وأصَرَّ عليه، ثم وجَّه سبحانه الخطاب لنبيه ﷺ، فأخبره أنه لم يجعله رقيبًا على أعمال الناس، وأنه ليس بمكلَّف أن يقوم بحفظ أعمالهم وتدبير شؤونهم.

[108] ﴿وَلَا تَسُبُّواْ ٱلَّذِينَ يَدۡعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ فَيَسُبُّواْ ٱللَّهَ عَدۡوَۢا بِغَيۡرِ عِلۡمٖۗ كَذَٰلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمۡ ثُمَّ إِلَىٰ رَبِّهِم مَّرۡجِعُهُمۡ فَيُنَبِّئُهُم بِمَا كَانُواْ يَعۡمَلُونَ 108﴾:

ثم نهى جل وعلا عن سب المعبودات عند مَنْ يعبدونها فقط؛ لأن ذلك يَحْمِلهم على الغضب فيسبُّون معبودكم، وهو الله سبحانه وتعالى، جهلًا وسَفَهًا منهم؛ وذلك سدًّا للذريعة، وإلا فهي باطلة تستحِقُّ التحطيم والإزالة، ثم أخبَرَ سبحانه أنه كما زيَّن لهؤلاء المشركين عبادةَ الأوثان وطاعة الشيطان جزاءً لامتناعهم عن قبول الهدى، فقد زيَّن لكل أمة عملهم من الخير والشر، ثم يوم القيامة مرجعهم جميعًا إلى الله، فيُخْبِرهم بما كانوا يعملون في حياتهم الدنيا من خير أو شر، ثم يجازي كلًّا بعمله.

[109] ﴿وَأَقۡسَمُواْ بِٱللَّهِ جَهۡدَ أَيۡمَٰنِهِمۡ لَئِن جَآءَتۡهُمۡ ءَايَةٞ لَّيُؤۡمِنُنَّ بِهَاۚ قُلۡ إِنَّمَا ٱلۡأٓيَٰتُ عِندَ ٱللَّهِۖ وَمَا يُشۡعِرُكُمۡ أَنَّهَآ إِذَا جَآءَتۡ لَا يُؤۡمِنُونَ 109﴾:

ثم أخبَرَ جل وعلا أن هؤلاء المشركين حلفوا بالأيمان المغلَّظة: لَئِنْ جاءهم محمد بعلامة خارقة من اقتراحهم، فإنهم سوف يؤمنون بها؛ فأمَرَ سبحانه نبيه ﷺ أن يقول لهم: اعلموا أن هذه الآيات هي من عند الله؛ فهو وحده القادر عليها، وليس لي يَدٌ فيها، وأما أنتم -أيها المؤمنون- الذين تطمعون في إيمانهم، فما يدريكم لعلَّهم إذا جاءتهم لا يؤمنون بها؟! فيكونون كقوم صالح عليه السلام؛ حيث طلبوا منه الناقة، فلما حقَّق الله لهم مطلبهم، كفروا به ثم عقروها. وأما الله سبحانه وتعالى، فإنه يعلم أنهم لن يؤمنوا بها.

[110] ﴿وَنُقَلِّبُ أَفۡـِٔدَتَهُمۡ وَأَبۡصَٰرَهُمۡ كَمَا لَمۡ يُؤۡمِنُواْ بِهِۦٓ أَوَّلَ مَرَّةٖ وَنَذَرُهُمۡ فِي طُغۡيَٰنِهِمۡ يَعۡمَهُونَ 110﴾:

وبسبب إعراض هؤلاء المشركين عن دين الله، فإنه سبحانه يحول بينهم وبين الإيمان؛ فلو جاءهم الله بالآيات التي اقترحوها، فإنهم لن يؤمنوا بها أبدًا، كما لم يؤمنوا بها أول مرة، ثم بيَّن سبحانه أنه سوف يترُكُهم في هذه الحال في كفرهم وضلالهم الذي أُشرِبَتْهُ قلوبهم، فرفضوا الهدى حتى صاروا متحيِّرين لا يهتدون إلى الحق والصواب؛ وحينئذٍ تَحُلُّ بهم العقوبة؛ وهذه الآية توضح شيئًا من القَدَر.

[111] ﴿وَلَوۡ أَنَّنَا نَزَّلۡنَآ إِلَيۡهِمُ ٱلۡمَلَٰٓئِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ ٱلۡمَوۡتَىٰ وَحَشَرۡنَا عَلَيۡهِمۡ كُلَّ شَيۡءٖ قُبُلٗا مَّا كَانُواْ لِيُؤۡمِنُوٓاْ إِلَّآ أَن يَشَآءَ ٱللَّهُ وَلَٰكِنَّ أَكۡثَرَهُمۡ يَجۡهَلُونَ 111﴾:

أخبَرَ جل وعلا عن كذب هؤلاء المشركين الذين أقسموا أنهم إذا رأوا الآيات، فسوف يؤمنون بها؛ فاعلم -أيها النبي- لو أن الله لم يقتصر على إنزال الآيات التي اقترحوها، بل أضاف إلى ذلك، فأنزل عليهم الملائكة، فرأوهم عيانًا، وشهدوا بصِدْقك، وأحيا لهم الموتى، فكلَّموهم، وشهدوا لك بالصدق والنبوة، وكذلك لو جمَعَ لهم جميع الخلائق، وشهدوا بأنك على الحق؛ فلو فعَلَ كل هذه الأشياء، فإنهم لن يؤمنوا إلا أن يشاء الله؛ فقد شاء الله وجعلهم مختارين، فاختاروا الضلال، وأصرُّوا على الكفر، ولو أنهم التمسوا من الله الهداية، لوفَّقهم للهدى؛ ولهذا قال الله: ﴿إِلَّآ أَن يَشَآءَ ٱللَّهُ﴾، ثم أخبَرَ سبحانه أن أكثر هؤلاء الكفار يجهلون الحق الذي جاء به محمد ﷺ من عند الله، لأنهم أصمُّوا آذانهم عن سماع الحق؛ استكبارًا واستغناءً بعقائدهم الباطلة؛ كما قال آل فرعون لموسى: ﴿مَهۡمَا تَأۡتِنَا بِهِۦ مِنۡ ءَايَةٖ لِّتَسۡحَرَنَا بِهَا فَمَا نَحۡنُ لَكَ بِمُؤۡمِنِينَ﴾ [الأعراف:١٣٢]. ولا شك أن الله قادر على تحويلهم إلى الهدى لا يُعْجِزه شيء عن ذلك، ولكنه جعلهم مختارين، فثبَّتهم على ما اختاروا.

[112] ﴿وَكَذَٰلِكَ جَعَلۡنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوّٗا شَيَٰطِينَ ٱلۡإِنسِ وَٱلۡجِنِّ يُوحِي بَعۡضُهُمۡ إِلَىٰ بَعۡضٖ زُخۡرُفَ ٱلۡقَوۡلِ غُرُورٗاۚ وَلَوۡ شَآءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُۖ فَذَرۡهُمۡ وَمَا يَفۡتَرُونَ 112﴾:

ثم سلَّى جل وعلا نبيه ﷺ، وقال له: فكما ابتليناك -أيها النبي- بأعداءٍ من المشركين، فقد ابتلينا جميع الأنبياء عليهم السلام مِنْ قبلك بأعداءٍ مِنْ مَرَدة الإنس، وأعداءٍ من مَرَدة الجن، يزيِّن بعضهم لبعض القول الباطل، ويزخرفونه حتى يجعلوه في أحسن صورة؛ ليغتر به السامعون، فيضلوا عن سبيل الله، ولو شاء الله، ما عادى هؤلاء المجرمون أنبياءَهم، ولكنها سنة الابتلاء التي يبتلي الله بها عباده المؤمنين لتمحيص قلوبهم، ولِيَمِيزَ الخبيث من الطيب، ثم أمَرَهُ أن يترك هؤلاء الضالِّين وما يفترون من الكفر والأقوال الباطلة.

[113] ﴿وَلِتَصۡغَىٰٓ إِلَيۡهِ أَفۡـِٔدَةُ ٱلَّذِينَ لَا يُؤۡمِنُونَ بِٱلۡأٓخِرَةِ وَلِيَرۡضَوۡهُ وَلِيَقۡتَرِفُواْ مَا هُم مُّقۡتَرِفُونَ 113﴾:

ثم أخبَرَ جل وعلا أن أولئك الذين يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول ليغترَّ به السامعون، ولتميل إلى ذلك الزخرف والغرور قلوبُ الذين لا يصدِّقون بالبعث والجزاء؛ ليحبُّوه وليكتسبوا من الأعمال السيئة ما هم مكتسبون؛ وهذا فيه تهديدٌ للضلَّالِ، وتبصيرٌ للمؤمنين. وفي هذه الآية بيَّن سبحانه أن خُطُواتِ الشيطان في إضلال الناس تمر بمراحل ثلاث:

فأولًا: الاستماع للشبهة؛ أخذًا من قوله: ﴿وَلِتَصۡغَىٰٓ إِلَيۡهِ أَفۡـِٔدَةُ ٱلَّذِينَ لَا يُؤۡمِنُونَ بِٱلۡأٓخِرَةِ﴾، وثانيًا: الرضا بالشبهة واستحسانها؛ أخذًا من قوله: ﴿وَلِيَرۡضَوۡهُ﴾، وثالثًا: اعتقاد الشبهة والعمل بها؛ أخذًا من قوله: ﴿وَلِيَقۡتَرِفُواْ﴾.

[114] ﴿أَفَغَيۡرَ ٱللَّهِ أَبۡتَغِي حَكَمٗا وَهُوَ ٱلَّذِيٓ أَنزَلَ إِلَيۡكُمُ ٱلۡكِتَٰبَ مُفَصَّلٗاۚ وَٱلَّذِينَ ءَاتَيۡنَٰهُمُ ٱلۡكِتَٰبَ يَعۡلَمُونَ أَنَّهُۥ مُنَزَّلٞ مِّن رَّبِّكَ بِٱلۡحَقِّۖ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ ٱلۡمُمۡتَرِينَ 114﴾:

وقل -أيها النبي- لهؤلاء المشركين: أفغيرَ الله أطلُبُ حَكَمًا قاضيًا بيني وبينكم، وهو الذي أنزَلَ إليكم القرآن مبيِّنًا فيه كل أمور الدين بالتفصيل؟! ثم بيَّن سبحانه أن الذين أوتوا الكتاب يعلمون أنه منزَّل من عند الله، وأنه مشتمِلٌ على الحق، كما بشَّرَتْ كتبهم بذلك؛ فلا تكونَنَّ -أيها النبي- أنت ومن اتبعك من الذين يشُكُّون في الحق بعد بيانه. والمقصود: تحذيرُ أمته ﷺ، وإلا فهو معصومٌ مما هو أقل من الشك.

[115] ﴿وَتَمَّتۡ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدۡقٗا وَعَدۡلٗاۚ لَّا مُبَدِّلَ لِكَلِمَٰتِهِۦۚ وَهُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلۡعَلِيمُ 115﴾:

واعلم -أيها النبي- أن كلمات ربك قد تمَّت صدقًا فيما أخبَرَ، وعدلًا فيما قضى وقدَّر؛ فلا مغيِّرَ لحكمه، ولا مُخْلِفَ لوعده، وهو السميعُ لتضرُّع أوليائه، ولقول أعدائه، العليمُ بأحوالهم وما في قلوبهم، يعلم الصادقَ من الكاذب، والمؤمنَ من الكافر.

[116] ﴿وَإِن تُطِعۡ أَكۡثَرَ مَن فِي ٱلۡأَرۡضِ يُضِلُّوكَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِۚ إِن يَتَّبِعُونَ إِلَّا ٱلظَّنَّ وَإِنۡ هُمۡ إِلَّا يَخۡرُصُونَ 116﴾:

ولو فُرِضَ -أيها النبي- أنك أطعتَ أكثر أهل الأرض لأضلُّوك عن دين الله؛ لأنهم لا يسيرون إلا وراء الظنون والأوهام، ويتَّبعون الأهواء والشهوات، ولا يتكلَّمون إلا عن تخمين لا يُبْنَى على برهان.

[117] ﴿إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعۡلَمُ مَن يَضِلُّ عَن سَبِيلِهِۦۖ وَهُوَ أَعۡلَمُ بِٱلۡمُهۡتَدِينَ 117﴾:

واعلم -أيها النبي- أن الله أعلم بمن ضل عن طريق الحق وخالَفَ سبيل الهدى والرشاد، وهو أيضًا أعلم بالمهتدين الذين اتَّبعوا صراط الله المستقيم، ثم إنه سبحانه سوف يجازي كلَّ فريق بما كسَبَ من الخير والشر؛ فالزَمْ طريق الخير والهدى، وابتعِدْ عن طريق الشر والضلال.

[118] ﴿فَكُلُواْ مِمَّا ذُكِرَ ٱسۡمُ ٱللَّهِ عَلَيۡهِ إِن كُنتُم بِـَٔايَٰتِهِۦ مُؤۡمِنِينَ 118﴾:

أمَرَ جل وعلا عباده أن يأكلوا من الذبائح التي ذُكِرَ اسم الله تعالى عليها عند ذبحها، والمقصودُ: ما يذبح من البهائم التي لم يُحَرَّمْ أكلها؛ لأنها طعامٌ حلالٌ طيِّب، ما دام أنهم مؤمنون بالآيات التي ورد فيها بيان ما يحلُّ وما يحرُمُ من المآكل.

ويفهم من هذه الآية عدَمُ الأكل مما لم يُذْكَرِ اسم الله عليه.

[119] ﴿وَمَا لَكُمۡ أَلَّا تَأۡكُلُواْ مِمَّا ذُكِرَ ٱسۡمُ ٱللَّهِ عَلَيۡهِ وَقَدۡ فَصَّلَ لَكُم مَّا حَرَّمَ عَلَيۡكُمۡ إِلَّا مَا ٱضۡطُرِرۡتُمۡ إِلَيۡهِۗ وَإِنَّ كَثِيرٗا لَّيُضِلُّونَ بِأَهۡوَآئِهِم بِغَيۡرِ عِلۡمٍۚ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعۡلَمُ بِٱلۡمُعۡتَدِينَ 119﴾:

وما دام أنكم مؤمنون بالله ورسوله، فأيُّ شيء يمنعكم أن تأكلوا مما ذُكِرَ اسم الله عليه؟! في الوقت الذي بيَّن فيه جل وعلا لكم كلَّ ما حرَّم عليكم من المآكل، إلا ما ألجأتكم الضرورة إليه؛ كمَنْ خاف على نفسه الهلاك من شدة الجوع، فإنَّ له أن يأكل مما حرَّم الله على قدر الضرورة.

ثم بيَّن سبحانه أن كثيرًا من الكفار يضلُّون غيرهم، فيحلُّون ويحرِّمون بغير علم؛ اتباعًا لأهوائهم الزائفة، وشهواتهم الباطلة، وإن ربك -أيها النبي- هو أعلم بمن تجاوز حدوده، وهو الذي سيتولَّى حسابه وجزاءه.

[120] ﴿وَذَرُواْ ظَٰهِرَ ٱلۡإِثۡمِ وَبَاطِنَهُۥٓۚ إِنَّ ٱلَّذِينَ يَكۡسِبُونَ ٱلۡإِثۡمَ سَيُجۡزَوۡنَ بِمَا كَانُواْ يَقۡتَرِفُونَ 120﴾:

ثم أمَرَ جل وعلا عباده أن يتركوا جميع الذنوب والمعاصي، السرية والجهرية، واعلموا أن الذين يفعلون الإثم ظاهره وباطنه، سيُجْزَوْنَ بمقدار ما اقترفوا من سيئات وآثام.

[121] ﴿وَلَا تَأۡكُلُواْ مِمَّا لَمۡ يُذۡكَرِ ٱسۡمُ ٱللَّهِ عَلَيۡهِ وَإِنَّهُۥ لَفِسۡقٞۗ وَإِنَّ ٱلشَّيَٰطِينَ لَيُوحُونَ إِلَىٰٓ أَوۡلِيَآئِهِمۡ لِيُجَٰدِلُوكُمۡۖ وَإِنۡ أَطَعۡتُمُوهُمۡ إِنَّكُمۡ لَمُشۡرِكُونَ 121﴾:

ثم نهى جل وعلا عن أكل الذبائح التي لم يُذكَرِ اسمُ الله عليها عند الذبح، وبيَّن سبحانه أن أَكْلَهَا خروج عن الهدى، واعلموا أن العتاة المفسدين من إبليس وأعوانه يوسوسون في صدور مَنِ استولَوْا عليهم ليجادلوكم في تحليل أكل الميتة. وهذا نهي منه سبحانه وتعالى عن الاستماع لشبهة الكفار الذين يقولون للمؤمنين: كيف تحرِّمون ما أمات الله، وتأكلون ما ذبحتم أنتم؟! وهذا هو إيحاء الشياطين لهم، ثم حذَّر سبحانه المؤمنين من طاعة هؤلاء المشركين في استحلال ما حرَّمه الله عليهم؛ فإن أطاعوهم، فإنهم مشركون مثلهم.

[122] ﴿أَوَمَن كَانَ مَيۡتٗا فَأَحۡيَيۡنَٰهُ وَجَعَلۡنَا لَهُۥ نُورٗا يَمۡشِي بِهِۦ فِي ٱلنَّاسِ كَمَن مَّثَلُهُۥ فِي ٱلظُّلُمَٰتِ لَيۡسَ بِخَارِجٖ مِّنۡهَاۚ كَذَٰلِكَ زُيِّنَ لِلۡكَٰفِرِينَ مَا كَانُواْ يَعۡمَلُونَ 122﴾:

وهل يُعْقَلُ -أيها المؤمنون- أن من كان ميتًا بالكفر والضلال، ثم أحياه الله جل في علاه بالإيمان والهدى، وجعَلَ له نورًا يُبْصِرُ به الحق بين الناس؛ كمَنْ يتخبَّط في ظلمات الكفر والضلالة ليس بخارج منها، ثم بيَّن سبحانه أنه كما زُيِّنَ للمؤمنين الإيمان؛ فتمسَّكوا به؛ فقد زُيِّنَ للكافرين عبادة الأصنام والأوثان؛ جزاءً على رفضهم الهدى.

[123] ﴿وَكَذَٰلِكَ جَعَلۡنَا فِي كُلِّ قَرۡيَةٍ أَكَٰبِرَ مُجۡرِمِيهَا لِيَمۡكُرُواْ فِيهَاۖ وَمَا يَمۡكُرُونَ إِلَّا بِأَنفُسِهِمۡ وَمَا يَشۡعُرُونَ 123﴾:

وكما جعَلَ جل وعلا فسَّاق مكة هم أكابرها؛ فكذلك جعَلَ سبحانه فسَّاق كل قرية أكابرها، يعني: رؤساءها ومُتْرَفيها؛ ليمكُرُوا فيها بصد الناس عن الإيمان بالله وبرسله؛ وما يدري هؤلاء المجرمون أنهم ما يُهْلِكون إلا أنفسهم، وأن ضرر مَكْرهم يعود عليهم، ولكنهم لا يُحِسُّونَ بذلك؛ لأن الهوى صدَّهم عن الهدى، وحرصهم على الرياسة والزعامة أطغاهم وجعلهم يحاربون الدعاة، وإلا فهم بشَرٌ كسائر البشر خُلِقوا على الفطرة.

[124] ﴿وَإِذَا جَآءَتۡهُمۡ ءَايَةٞ قَالُواْ لَن نُّؤۡمِنَ حَتَّىٰ نُؤۡتَىٰ مِثۡلَ مَآ أُوتِيَ رُسُلُ ٱللَّهِۘ ٱللَّهُ أَعۡلَمُ حَيۡثُ يَجۡعَلُ رِسَالَتَهُۥۗ سَيُصِيبُ ٱلَّذِينَ أَجۡرَمُواْ صَغَارٌ عِندَ ٱللَّهِ وَعَذَابٞ شَدِيدُۢ بِمَا كَانُواْ يَمۡكُرُونَ 124﴾:

ثم أخبَرَ جل وعلا عن لون من ألوان مَكْر هؤلاء المشركين؛ فقال سبحانه: وإذا جاءت هؤلاء المشركين حُجَّةٌ واضحة تدل على صدق رسالة محمد ﷺ، فإنهم لا يذعنون لها، ويقولون على سبيل السخرية والاستهزاء: لن نؤمن برسالتك -يا محمد- حتى يَنْزِلَ علينا الوحي، كما يَنْزِلُ على الرسل، فرد سبحانه على هؤلاء الضالِّين مبيِّنًا أنه جل في علاه أعلم بمن هو أهل للرسالة، ثم بيَّن سبحانه أنه بسبب تكبُّرهم وعنادهم سوف يُجَازَوْنَ بالمذلة والهوان، وسينالهم العذاب الشديد في الآخرة؛ بسبب تصرُّفهم وتدبيرهم السيِّئ، وإضلالهم لغيرهم.

[125] ﴿فَمَن يُرِدِ ٱللَّهُ أَن يَهۡدِيَهُۥ يَشۡرَحۡ صَدۡرَهُۥ لِلۡإِسۡلَٰمِۖ وَمَن يُرِدۡ أَن يُضِلَّهُۥ يَجۡعَلۡ صَدۡرَهُۥ ضَيِّقًا حَرَجٗا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي ٱلسَّمَآءِۚ كَذَٰلِكَ يَجۡعَلُ ٱللَّهُ ٱلرِّجۡسَ عَلَى ٱلَّذِينَ لَا يُؤۡمِنُونَ 125﴾:

واعلموا أن من طلب الهداية من الله، فإنَّ الله يوفِّقه ويشرح صدره للإسلام والإيمان والتوحيد، ومن يُرِدِ الاستمرار على الضلال ويصرَّ على البقاء كافرًا، فإن الله يَطبَعُ على قلبه، ويجعل صدره ضيِّقًا حرَجًا كأنما يصَّعَّدُ إلى مكان مرتفع، فيصاب بضيق في التنفُّس، وكذلك يجعل الله العذاب على الذين لا يؤمنون بالله ورسوله. وهذه الآية يؤيِّدُ ما ذكرنا في تفسيرها قولُهُ تعالى: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ لَا يَظۡلِمُ مِثۡقَالَ ذَرَّةٖۖ وَإِن تَكُ حَسَنَةٗ يُضَٰعِفۡهَا وَيُؤۡتِ مِن لَّدُنۡهُ أَجۡرًا عَظِيمٗا﴾ [النساء:٤٠]، وقولُهُ ﷺ في الحديث القدسي: «يَا عِبَادِي، إِنِّي حَرَّمْتُ الظُّلْمَ عَلَى نَفْسِي وَجَعَلْتُهُ بَيْنَكُمْ مُحَرَّمًا؛ فَلَا تَظَالَمُوا... إلخ»([1])؛ فالإرادة العليا هي إرادة الله؛ فمن التجأ إليه والتمَسَ منه الهدى، هداه وشرح صدره، ومن ضلَّ وأصرَّ على الكفر، تركه وما اختار لنفسه؛ بل طبَعَ على قلبه، وهذا الطبع جزائيٌّ، لا ابتدائيّ. [1] أخرجه مسلم (2577)، عن أبي ذر رضي الله عنه.

[126] ﴿وَهَٰذَا صِرَٰطُ رَبِّكَ مُسۡتَقِيمٗاۗ قَدۡ فَصَّلۡنَا ٱلۡأٓيَٰتِ لِقَوۡمٖ يَذَّكَّرُونَ 126﴾:

واعلم -أيها النبي- أن هذا الدين الذي جاءك من رب العالمين، هو دين الإسلام، وهو طريق ربك المستقيم الذي لا عِوَجَ فيه، ثم أخبَرَ سبحانه أنه بيَّن ووضَّح الآيات والحجج والبراهين لقوم يتَّعظون ويتذكَّرون.

[127] ﴿لَهُمۡ دَارُ ٱلسَّلَٰمِ عِندَ رَبِّهِمۡۖ وَهُوَ وَلِيُّهُم بِمَا كَانُواْ يَعۡمَلُونَ 127﴾:

ثم أخبَرَ جل وعلا أن لأولئك الذين يتَّعظون ويتذكَّرون بالآيات والحجج والبراهين لهم عند ربهم دار السلام، وهي الجنة، وهي مضمونة لهم حتى يدخلوها، وهم في وَلَاية الله ومحبَّته ونصرته؛ جزاءَ أعمالهم الصالحة في الدنيا.

[128] ﴿وَيَوۡمَ يَحۡشُرُهُمۡ جَمِيعٗا يَٰمَعۡشَرَ ٱلۡجِنِّ قَدِ ٱسۡتَكۡثَرۡتُم مِّنَ ٱلۡإِنسِۖ وَقَالَ أَوۡلِيَآؤُهُم مِّنَ ٱلۡإِنسِ رَبَّنَا ٱسۡتَمۡتَعَ بَعۡضُنَا بِبَعۡضٖ وَبَلَغۡنَآ أَجَلَنَا ٱلَّذِيٓ أَجَّلۡتَ لَنَاۚ قَالَ ٱلنَّارُ مَثۡوَىٰكُمۡ خَٰلِدِينَ فِيهَآ إِلَّا مَا شَآءَ ٱللَّهُۚ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٞ 128﴾:

واذكر -أيها النبي- لأهل مكة حال الظالمين من الإنس والجن يوم أن يَحْشُرَهم الله جميعًا يوم القيامة، ويقول لمَرَدة الشياطين: يا معشر الشياطين، لقد أضللتم كثيرًا من الإنس بإغوائهم وتزيين الشهوات لهم، وقال الذين أطاعوهم من الإنس في الدنيا: ربنا، لقد استمتَعَ الجنُّ بطاعة الإنس، وانقيادِهم لهم، واستمتَعَ الإنس بالشهوات التي زَيَّنَتْهَا لهم الشياطين، حتى بلَغْنا يومَ القيامة الذي جعلته موعدًا لنا، أو الموتَ الذي جعلته نهاية لحياتنا واستمتاعنا، فقال جل وعلا ردًّا عليهم: إن النار مصيركم ومنزلكم جميعًا خالدين فيها أبد الآبدين، إلا مَنْ شاء الله عدم خلوده من عصاة الموحِّدين؛ لأن العاصي الموحِّد سوف يكون مصيره إلى الجنة بعد تطهيره من الذنوب والمعاصي، واعلم أن ربك حكيمٌ في تدبير شؤون عباده، عليمٌ بأحوالهم.

[129] ﴿وَكَذَٰلِكَ نُوَلِّي بَعۡضَ ٱلظَّٰلِمِينَ بَعۡضَۢا بِمَا كَانُواْ يَكۡسِبُونَ 129﴾:

واعلم -أيها النبي- كما تمكَّن الجن من إغواء الإنس وإضلالهم، فكذلك سلَّط سبحانه بعض الظالمين على بعض؛ حتى يُضِلَّ ويعذِّب بعضهم بسبب اقترافهم للذنوب والمعاصي.

[130] ﴿يَٰمَعۡشَرَ ٱلۡجِنِّ وَٱلۡإِنسِ أَلَمۡ يَأۡتِكُمۡ رُسُلٞ مِّنكُمۡ يَقُصُّونَ عَلَيۡكُمۡ ءَايَٰتِي وَيُنذِرُونَكُمۡ لِقَآءَ يَوۡمِكُمۡ هَٰذَاۚ قَالُواْ شَهِدۡنَا عَلَىٰٓ أَنفُسِنَاۖ وَغَرَّتۡهُمُ ٱلۡحَيَوٰةُ ٱلدُّنۡيَا وَشَهِدُواْ عَلَىٰٓ أَنفُسِهِمۡ أَنَّهُمۡ كَانُواْ كَٰفِرِينَ 130﴾:

أخبَرَ جل وعلا أنه يقول يوم القيامة للمشركين من الإنس والجن على سبيل التوبيخ: يا أيها المشركون، ألم يأتكم رسلٌ يُخبِرُونَكم بهذا الدين وهذا التوحيد، وهذه الآياتِ والدلالاتِ الواضحةِ المشتمِلةِ على الأوامر والنواهي، ويحذِّرونكم لقاء الله يوم القيامة؟! فقالوا حينها: لقد شَهِدْنا على أنفسنا بأن الرسل قد بلَّغونا الدلائل والآيات، فرفضنا الإيمان بالله وبرسله؛ فهم قد خدعتهم الحياة الدنيا بزخارفها ومتعها الفانية، وأقروا على أنفسهم أنهم كانوا كافرين بهذه الآيات، معرضين عن الإيمان والهدى.

[131] ﴿ذَٰلِكَ أَن لَّمۡ يَكُن رَّبُّكَ مُهۡلِكَ ٱلۡقُرَىٰ بِظُلۡمٖ وَأَهۡلُهَا غَٰفِلُونَ 131﴾:

واعلم -أيها النبي- أن ذلك الذي قصَّه الله عليك من أمر الرسل وعذاب من كذَّبهم؛ سببه أن ربك لم يكن من سننه أن يُهْلِكَ أهل القرى بسبب ظُلْمهم وكُفْرهم وضلالهم وهم لا يعلمون الحق؛ بل لا بد أن يبيِّنَ لهم طريق الحق والهدى ويُنْذِرهم به، ولذلك أنزل سبحانه الكتب، وأرسل الرسل؛ ليبينوا للناس هذا الحق؛ فإذا رفضوا، حلَّ بهم الهلاك.

[132] ﴿وَلِكُلّٖ دَرَجَٰتٞ مِّمَّا عَمِلُواْۚ وَمَا رَبُّكَ بِغَٰفِلٍ عَمَّا يَعۡمَلُونَ 132﴾:

واعلموا أن لكلِّ عاملٍ من الجن أو الإنس مراتبَ ومنازلَ في الآخرة بحسَبِ أعمالهم في الدنيا من خير أو شر؛ فمَنْ عمل الخير، ارتقى في درجات الجنة بحسَبِ عمله ثوابًا له، ومن عمل الشر، نزَلَ في دركات النار بحسَبِ عمله عقابًا له، واعلم -أيها النبي- أنت ومن معك من المؤمنين: أن الله ليس بغافل عما كان يعمل هؤلاء المشركون.

[133] ﴿وَرَبُّكَ ٱلۡغَنِيُّ ذُو ٱلرَّحۡمَةِۚ إِن يَشَأۡ يُذۡهِبۡكُمۡ وَيَسۡتَخۡلِفۡ مِنۢ بَعۡدِكُم مَّا يَشَآءُ كَمَآ أَنشَأَكُم مِّن ذُرِّيَّةِ قَوۡمٍ ءَاخَرِينَ 133﴾:

واعلم -أيها النبي- أن ربك جل وعلا غنيٌّ عن جميع خلقه؛ فهو سبحانه يعطي من يشاء، ويرزق من يشاء بغير حساب، وأنه ذو الرحمة الواسعة التي وَسِعَتْ كل شيء، ولو شاء سبحانه، لأهلككم جميعًا، وأتى بخلق آخر أطوع منكم يخلُفُكم على هذه الأرض؛ وذلك على الله يسير؛ ثم بيَّن سبحانه أنه كما أذهب القرون الأولى وأتى بغيرهم، فكذلك هو قادر على إذهابِ قومك -أيها النبي- والإتيانِ بغيرهم.

[134] ﴿إِنَّ مَا تُوعَدُونَ لَأٓتٖۖ وَمَآ أَنتُم بِمُعۡجِزِينَ 134﴾:

واعلموا -أيها الناس- أن الذي أَنْذَرَكُمْ الله به من عقاب، وبشَّركم به من ثواب، آتٍ لا محالة، وأنكم لن تعجزوا ربكم هَرَبًا من وعيده، أو خروجًا عن قدرته سبحانه.

[135] ﴿قُلۡ يَٰقَوۡمِ ٱعۡمَلُواْ عَلَىٰ مَكَانَتِكُمۡ إِنِّي عَامِلٞۖ فَسَوۡفَ تَعۡلَمُونَ مَن تَكُونُ لَهُۥ عَٰقِبَةُ ٱلدَّارِۚ إِنَّهُۥ لَا يُفۡلِحُ ٱلظَّٰلِمُونَ 135﴾:

وقل -أيها النبي- لقومك الرافضين لدعوتك: استمِرُّوا على كُفْركم ومعاصيكم ما دمتم رفضتم الهدى، فأما أنا، فإني عامل ما في استطاعتي من الإيمان بالله وطاعته، وسوف تعلمون يوم القيامة عند نزول عذاب الله بكم مَنْ تكون له العاقبةُ المحمودة، والنعيمُ المقيم في الآخرة. وبهذه النتيجة يُعلَمُ أن الأمر يُحمَلُ على التهديد لهم، ثم أخبَرَ سبحانه أنه لن يفوز برضوان الله ونعيم الجنة أولئك المتجاوزون لحدوده الذين أشركوا معه غيره.

[136] ﴿وَجَعَلُواْ لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ ٱلۡحَرۡثِ وَٱلۡأَنۡعَٰمِ نَصِيبٗا فَقَالُواْ هَٰذَا لِلَّهِ بِزَعۡمِهِمۡ وَهَٰذَا لِشُرَكَآئِنَاۖ فَمَا كَانَ لِشُرَكَآئِهِمۡ فَلَا يَصِلُ إِلَى ٱللَّهِۖ وَمَا كَانَ لِلَّهِ فَهُوَ يَصِلُ إِلَىٰ شُرَكَآئِهِمۡۗ سَآءَ مَا يَحۡكُمُونَ 136﴾:

أخبَرَ جل وعلا عن بعض خرافات المشركين التي تدُلُّ على سفاهة عقولهم وتفكيرهم؛ ومن ذلك: أنهم كانوا في الجاهلية يجعلون لله قِسْمًا مما خلَقَ من الزروع والأنعام والثمار، ويجعلون لأوثانهم وسَدَنتها قِسْمًا، ويقولون: هذا القِسْمُ لله، كذبًا وافتراءً، والقسم الآخر: لأوثانهم ومن يقوم عليها من السَّدَنة؛ فما كان لأوثانهم وسَدَنتها يُنْفَقُ عليها وحدها، وما كان لله، أوصلوه إلى شركائهم من الأوثانِ بطرقهم الملتوية، وما سقَطَ أو اختلَطَ بالقسم المخصَّص لأوثانهم، فإنه يضاف للأوثان بحجة أن الله غنيٌّ عنه؛ فبئس هذا الحكم الجائر، وهذه القسمة الظالمة؛ لأنهم بهذه القسمة جعلوا الأوثان نظراء لخالق الحَرْث والأنعام، ورازق عباده، مع أن الله وحده هو الخالق الرازق.

[137] ﴿وَكَذَٰلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٖ مِّنَ ٱلۡمُشۡرِكِينَ قَتۡلَ أَوۡلَٰدِهِمۡ شُرَكَآؤُهُمۡ لِيُرۡدُوهُمۡ وَلِيَلۡبِسُواْ عَلَيۡهِمۡ دِينَهُمۡۖ وَلَوۡ شَآءَ ٱللَّهُ مَا فَعَلُوهُۖ فَذَرۡهُمۡ وَمَا يَفۡتَرُونَ 137﴾:

ثم أخبَرَ جل وعلا عن خرافة أخرى من خرافات المشركين، فقال سبحانه: وكما أن الشياطين زيَّنت للمشركين جَعْلَ نصيب لله ونصيب للأصنام من الحرث والأنعام؛ فقد زيَّنت لكثير من الآباء قَتْلَ أولادهم خشية الفقر والحاجة، ووَأْدَ البنات خشية العار؛ وكل هذا من خدع الشياطين ليوقعوا الآباء في الهلاك بقتل النفس التي حرَّم الله قتلها إلا بالحق، وليخلطوا عليهم دينهم؛ فتلتبس عليهم الأمور، فلا يميِّزوا بين الحلال والحرام، ولو شاء، الله، لمنعهم من هذه الأفعال، ولكنِ اقتضت حكمته سبحانه أن جعلهم مختارين، ثم أمَرَ نبيه ﷺ أن يتركهم وما اختاروا وتقوَّلوا وافترَوْا وابتدعوا؛ فكلٌّ مرتهَنٌ بعمله.

[138] ﴿وَقَالُواْ هَٰذِهِۦٓ أَنۡعَٰمٞ وَحَرۡثٌ حِجۡرٞ لَّا يَطۡعَمُهَآ إِلَّا مَن نَّشَآءُ بِزَعۡمِهِمۡ وَأَنۡعَٰمٌ حُرِّمَتۡ ظُهُورُهَا وَأَنۡعَٰمٞ لَّا يَذۡكُرُونَ ٱسۡمَ ٱللَّهِ عَلَيۡهَا ٱفۡتِرَآءً عَلَيۡهِۚ سَيَجۡزِيهِم بِمَا كَانُواْ يَفۡتَرُونَ 138﴾:

ثم أخبَرَ جل وعلا عن خرافة أخرى من خرافات المشركين؛ حيث قالوا: هذه أنعام وزروع محرَّمة علينا لا يأكل منها إلا من نشاء من سَدَنة الأوثان والرجال فقطْ، أما النساء، فلا يأكلون منها، بحسَبِ زعمهم وافترائهم، وكذلك قالوا: هذه الإبل يحرُمُ ركوبها والحمل عليها؛ كالبحيرة والسائبة والوصيلة والحام، وكذلك لا يذكرون اسم الله على بعض الإبل عند ذبحها لأوثانهم، بل يذكرون أسماء أوثانهم، ويزعمون أن الله أمَرَهم بهذه السفاهات وهذه الضلالات؛ كذبًا وافتراءً عليه، ثم أخبَرَ سبحانه أنهم سوف يَلْقَوْنَ جزاءهم بما كانوا يفترون على الله الكذب.

[139] ﴿وَقَالُواْ مَا فِي بُطُونِ هَٰذِهِ ٱلۡأَنۡعَٰمِ خَالِصَةٞ لِّذُكُورِنَا وَمُحَرَّمٌ عَلَىٰٓ أَزۡوَٰجِنَاۖ وَإِن يَكُن مَّيۡتَةٗ فَهُمۡ فِيهِ شُرَكَآءُۚ سَيَجۡزِيهِمۡ وَصۡفَهُمۡۚ إِنَّهُۥ حَكِيمٌ عَلِيمٞ 139﴾:

ثم أخبَرَ جل وعلا عن خرافة أخرى من خرافات المشركين؛ حيث خصَّصوا الأجنَّة التي في بطون هذه الأنعام المحرَّمة -وهي البحائر والسوائب- لذكورهم فقطْ، أي: لا يأكل من لحومها ولا يشرب من ألبانها إلا الرجال فقطْ، وحرَّموه على إناثهم، وذلك في حال وَلَدَتْ مولودًا حيًّا، أما إذا وَلَدَتْ مولودًا ميتًا، فيشترك في أكله الذكور والإناث، ثم بيَّن سبحانه أنه سيَجْزِيهم عذابًا أليمًا على قولهم الكذب على الله؛ لأنهم ادَّعوا أن هذا التحريم من الله جل في علاه، واعلموا أن الله حكيمٌ في تدبيره، عليمٌ بهم وبما يفعلون.

[140] ﴿قَدۡ خَسِرَ ٱلَّذِينَ قَتَلُوٓاْ أَوۡلَٰدَهُمۡ سَفَهَۢا بِغَيۡرِ عِلۡمٖ وَحَرَّمُواْ مَا رَزَقَهُمُ ٱللَّهُ ٱفۡتِرَآءً عَلَى ٱللَّهِۚ قَدۡ ضَلُّواْ وَمَا كَانُواْ مُهۡتَدِينَ 140﴾:

ثم أقسَمَ جل وعلا بأن كلَّ مَنْ فعل هذه الخرافات مِنْ قتلهم لأولادهم؛ بسبب خفَّة عقولهم وجهلهم، وتحريمِ بعض ما رزَقَهم الله من الطيبات؛ كذبًا وافتراءً على الله؛ حيث ادعَوْا أن الله أمَرَهم بهذه الخرافات، فقد خابوا وخَسِروا في الدنيا والآخرة؛ أما في الدنيا، فقد خَسِروا أولادهم بقتلهم، وهم يعلمون أن الرازق هو الله، وأما في الآخرة، فينتظرهم عذاب الله الأليم، ثم أخبَرَ سبحانه أنهم ضلوا عن الطريق المستقيم، ولم يكونوا مهتدين، بل كانوا بعيدين كلَّ البعد عن الهدى والرشاد.

[141] ﴿وَهُوَ ٱلَّذِيٓ أَنشَأَ جَنَّٰتٖ مَّعۡرُوشَٰتٖ وَغَيۡرَ مَعۡرُوشَٰتٖ وَٱلنَّخۡلَ وَٱلزَّرۡعَ مُخۡتَلِفًا أُكُلُهُۥ وَٱلزَّيۡتُونَ وَٱلرُّمَّانَ مُتَشَٰبِهٗا وَغَيۡرَ مُتَشَٰبِهٖۚ كُلُواْ مِن ثَمَرِهِۦٓ إِذَآ أَثۡمَرَ وَءَاتُواْ حَقَّهُۥ يَوۡمَ حَصَادِهِۦۖ وَلَا تُسۡرِفُوٓاْۚ إِنَّهُۥ لَا يُحِبُّ ٱلۡمُسۡرِفِينَ 141﴾:

وبعد أن بيَّن جل وعلا جملة من ضلالات وخرافات العرب في الجاهلية؛ أخبَرَ سبحانه أنه هو الذي أبدع وخلق لعباده أنواعًا من النعم؛ فينبغي أن يُعْبَدَ وحده لا شريك له، ومن تلك النِّعَمِ: أنه خلَقَ لكم حدائق متنوِّعة؛ منها: ما يُغرَسُ ويُرفَعُ على دعائم ويتمدَّد حتى يصبح عريشًا كالأعناب، ومنها: ما لا يقوم على دعائم ويتمدَّد على وجه الأرض؛ كما أنه خلق أشجار النخيل وغيرها من الأشجار التي تُخْرِجُ ثمارًا لذيذةً مختلِفةً في اللون والطعم والشكل والرائحة؛ وخلق أشجار الزيتون والرمَّان المتشابِهةَ في منظرها، والمختلِفةَ في ثمرها وطعمها، ثم أمَرَ سبحانه أن نأكل من هذه الثمار اليانعة إذا أثمَرَتْ، وأن نؤدِّي حقها يوم حصادها من الزكاة المفروضة عليها، ثم نهى سبحانه عن الإسراف في الأكل من هذه الثمار؛ لأن الإسراف في الأكل يُضِرُّ بصحة الإنسان، وأخبَرَ أنه لا يحب المسرفين المتجاوزين حدود الله في الأكل والإنفاق في غير محله. وقد أكَّد سبحانه في هذه الآية وفي آية الأنعام رقم (99) السابقة على (الزيتونِ والرمان)، لأنهما متشابِهانِ في الأوراق والأغصان، ولا يكادُ يفرَّقُ بينهما، لكنهما مختلفان في الثمار؛ فثمرة الزيتون تختلف في الشكل والطعم اختلافًا كبيرًا معروفًا عن ثمرة الرمان؛ فسبحان الله الخالق الذي خضَعَتْ لعظمته السموات والأرض ومن فيهنَّ. وذكَرَ أيضًا في هذه الآية الجنات؛ لشكرِ الله، والاستمتاعِ بِنِعَمِه، وأداءِ زكاة الثمار والزروع. أما ذكر الجنات في آية الأنعام رقم (99) السابقة، فقد ساقها سبحانه للاعتبار؛ حيث إن بعض الشجر يشبه الآخر، وبينهما اختلاف كثير في الثمار؛ حيث قال: ﴿ٱنظُرُوٓاْ إِلَىٰ ثَمَرِهِۦٓ إِذَآ أَثۡمَرَ﴾.

[142] ﴿وَمِنَ ٱلۡأَنۡعَٰمِ حَمُولَةٗ وَفَرۡشٗاۚ كُلُواْ مِمَّا رَزَقَكُمُ ٱللَّهُ وَلَا تَتَّبِعُواْ خُطُوَٰتِ ٱلشَّيۡطَٰنِۚ إِنَّهُۥ لَكُمۡ عَدُوّٞ مُّبِينٞ 142﴾:

ثم بيَّن جل وعلا أنه خلق لكم الأنعام؛ فمنها: ما لا يصلُحُ إلا لحمل الأثقال كالمتاع والأرزاق، ومنها: ما لا يصلُحُ للحمل عليه لصغره وضعفه، ويصلُحُ فقط للأكل، ثم أمَرَ سبحانه بالأكل مما أُحِلَّ لكم من الأنعام والثمار والزروع التي جعلها الله رزقًا لكم، ونهى سبحانه عن اتِّباع خُطُوات الشيطان في تحريم ما أحل الله؛ لأنه عدو لكم ظاهر العداوة؛ فاحذروا كيده؛ فقد أخرج أبوَيْكم آدم وحواء من الجنة.

[143] ﴿ثَمَٰنِيَةَ أَزۡوَٰجٖۖ مِّنَ ٱلضَّأۡنِ ٱثۡنَيۡنِ وَمِنَ ٱلۡمَعۡزِ ٱثۡنَيۡنِۗ قُلۡ ءَآلذَّكَرَيۡنِ حَرَّمَ أَمِ ٱلۡأُنثَيَيۡنِ أَمَّا ٱشۡتَمَلَتۡ عَلَيۡهِ أَرۡحَامُ ٱلۡأُنثَيَيۡنِۖ نَبِّـُٔونِي بِعِلۡمٍ إِن كُنتُمۡ صَٰدِقِينَ 143﴾:

ثم فصَّل جل وعلا ما أجمله من الأنعام؛ فأخبَرَ أنه خلق من الأنعام ثمانية أزواج للانتفاع بها؛ حيث خلَقَ من كل نوع زوجَيْنِ اثنَيْنِ ذكرًا وأنثى؛ فمن الضأن زوجان؛ وهما الكبشُ والنَّعْجة، ومن الماعز زوجان؛ وهما التَّيْسُ والعنز، ثم أمَرَ سبحانه نبيه محمدًا ﷺ أن يقول لهؤلاء المشركين على سبيل الإنكار والتوبيخ: هل حرَّم الله الذكر فقط من هذين الزوجين، أو أنه حرَّم الأنثى فقط من هذين الزوجين، أو أنه حرَّم فقطِ الأجنة التي في أرحام هذين الزوجين؟! فأخبَرَوني -أيها المشركون- بدليلٍ واضحٍ بيِّن يثبت أن الله حرَّم شيئًا من هذه الأنواع؛ إن كنتم صادقين فيما تزعمون من التحليل والتحريم؛ لأن الادِّعاء بغير دليل صحيح هو ادعاء باطل.

[144] ﴿وَمِنَ ٱلۡإِبِلِ ٱثۡنَيۡنِ وَمِنَ ٱلۡبَقَرِ ٱثۡنَيۡنِۗ قُلۡ ءَآلذَّكَرَيۡنِ حَرَّمَ أَمِ ٱلۡأُنثَيَيۡنِ أَمَّا ٱشۡتَمَلَتۡ عَلَيۡهِ أَرۡحَامُ ٱلۡأُنثَيَيۡنِۖ أَمۡ كُنتُمۡ شُهَدَآءَ إِذۡ وَصَّىٰكُمُ ٱللَّهُ بِهَٰذَاۚ فَمَنۡ أَظۡلَمُ مِمَّنِ ٱفۡتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ كَذِبٗا لِّيُضِلَّ ٱلنَّاسَ بِغَيۡرِ عِلۡمٍۚ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يَهۡدِي ٱلۡقَوۡمَ ٱلظَّٰلِمِينَ 144﴾:

ثم أخبَرَ جل وعلا بالأزواج الأربعة الأخرى، وهي: من الإبل زوجين؛ وهما الجمل والناقة، ومن البقر زوجين؛ وهما الثور والبقرة، ثم أمَرَ سبحانه نبيه ﷺ أن يقول لهؤلاء المشركين على سبيل التوبيخ والإنكار: هل حرَّم الله الذكر فقطْ من هذين الزوجين، أو أنه حرَّم الأنثى فقطْ من هذين الزوجين، أو أنه حرَّم فقط الأجنة التي في أرحام هذين الزوجين؟! أم كنتم -أيها المشركون- حاضرين عندما وصَّاكم الله بهذا التحريم؟! فاعلموا أنه لا أحدَ أشدُّ ظلمًا ممن افترى على الله الكذب؛ لأنه نسَبَ إليه سبحانه تحريم ما لم يحرِّم؛ يريدون بذلك: إضلال الناس عن الطريق المستقيم بغير علم ولا بينة ولا برهان، ثم بيَّن سبحانه أنه لن يهدي القوم الظالمين إلى طريق الحق؛ بسبب ظلمهم واختيارهم طريق الكفر والضلال.

[145] ﴿قُل لَّآ أَجِدُ فِي مَآ أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَىٰ طَاعِمٖ يَطۡعَمُهُۥٓ إِلَّآ أَن يَكُونَ مَيۡتَةً أَوۡ دَمٗا مَّسۡفُوحًا أَوۡ لَحۡمَ خِنزِيرٖ فَإِنَّهُۥ رِجۡسٌ أَوۡ فِسۡقًا أُهِلَّ لِغَيۡرِ ٱللَّهِ بِهِۦۚ فَمَنِ ٱضۡطُرَّ غَيۡرَ بَاغٖ وَلَا عَادٖ فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٞ رَّحِيمٞ 145﴾:

وقل -أيها النبي- لهؤلاء المشركين: إني لا أجد فيما أُنزِلَ إليَّ من القرآن شيئًا مما تزعمون تحريمه؛ إلا إذا كان ميتةً، وهي التي ماتت بغير تذكية شرعية، أو دمًا سائلًا مصبوبًا، أو لحمَ خنزير لأنه نَجِسٌ وقذر، أو كانت ذكاته خروجًا عن طاعة الله؛ كالذي لا يُذْكَرُ اسم الله عليه عند ذبحه؛ بل يذكر اسم صنم أو ولي ونحو ذلك، أو لم يُذكَرْ شيءٌ، ثم بيَّن سبحانه أن من اضطر إلى أكل شيء من هذه المحرَّمات بسبب جوع أو خوف الموت غيرَ متجاوِزٍ قَدْرَ الضرورة، فلا حرج عليه. واعلم -أيها النبي- أن ربك غفور رحيم، ومن رحمته: أنه لا يؤاخذ من اضطُرَّ لأكل شيء من هذه المحرَّمات.

[146] ﴿وَعَلَى ٱلَّذِينَ هَادُواْ حَرَّمۡنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٖۖ وَمِنَ ٱلۡبَقَرِ وَٱلۡغَنَمِ حَرَّمۡنَا عَلَيۡهِمۡ شُحُومَهُمَآ إِلَّا مَا حَمَلَتۡ ظُهُورُهُمَآ أَوِ ٱلۡحَوَايَآ أَوۡ مَا ٱخۡتَلَطَ بِعَظۡمٖۚ ذَٰلِكَ جَزَيۡنَٰهُم بِبَغۡيِهِمۡۖ وَإِنَّا لَصَٰدِقُونَ 146﴾:

ثم أخبَرَ جل وعلا أنه حرَّم على اليهود كل ما لم يكن منفرج الأصابع من البهائم والطير -هكذا قال مجاهد- فالبعيرُ والنعامة ليست منفرِجةَ الأصابع، فهي لا تؤكل، أما الدجاج والعصافير، فهي تؤكل لأنها منفرجة الأصابع.

ثم أخبَرَ سبحانه أنه حرَّم عليهم شحوم البقر والغنم، واستثنى من ذلك الشحومَ التي حملتها ظهورهما، أو التي توجد على الأمعاء، أو التي اختلَطَتْ بعظم، فإن الله قد أحلها، واعلموا -أيها الناس- أن ذلك التحريم كان بسبب ظلمهم وبغيهم، واعلم -أيها النبي- بأنا صادقون فيما قلناه عنهم، وفيما حرَّمنا عليهم.

[147] ﴿فَإِن كَذَّبُوكَ فَقُل رَّبُّكُمۡ ذُو رَحۡمَةٖ وَٰسِعَةٖ وَلَا يُرَدُّ بَأۡسُهُۥ عَنِ ٱلۡقَوۡمِ ٱلۡمُجۡرِمِينَ 147﴾:

حذَّر جل وعلا اليهود وأمثالهم من المشركين من تكذيب النبي ﷺ؛ لأن تكذيبه يعتبر كفرًا بالله؛ ولذا قال سبحانه لنبيه ﷺ: فإنْ كذَّبوك -أيها النبي- فيما أوحيتُهُ إليك من الهدى، وفيما أخبَرْتَهم من تحريم بعض الطيبات عليهم، فاستمِرَّ في دعوتهم، وقل لهم: إن ربكم ذو رحمة واسعة، يمهل بها المكذِّبين، ولا يعاجلهم بالعقوبة، ولكنْ إذا جاء عذاب الله، فإنه لا يُرَدُّ -مع سعة رحمته- عن القوم المجرمين.

وفي هذا: ترهيبٌ وتحذيرٌ لكل من خالف الرسول ﷺ؛ سواءٌ من اليهود والنصارى والمشركين الذين خالفوا دينه ولم يسلموا، أو من المسلمين الذين تركوا هديه ﷺ، واتَّبعوا هَدْيَ الكفار والمشركين، والضالِّين والمنحرفين.

[148] ﴿سَيَقُولُ ٱلَّذِينَ أَشۡرَكُواْ لَوۡ شَآءَ ٱللَّهُ مَآ أَشۡرَكۡنَا وَلَآ ءَابَآؤُنَا وَلَا حَرَّمۡنَا مِن شَيۡءٖۚ كَذَٰلِكَ كَذَّبَ ٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِهِمۡ حَتَّىٰ ذَاقُواْ بَأۡسَنَاۗ قُلۡ هَلۡ عِندَكُم مِّنۡ عِلۡمٖ فَتُخۡرِجُوهُ لَنَآۖ إِن تَتَّبِعُونَ إِلَّا ٱلظَّنَّ وَإِنۡ أَنتُمۡ إِلَّا تَخۡرُصُونَ 148﴾:

ثم أخبَرَ جل وعلا بما سوف يقوله المشركون لك -أيها النبي- وهو أن الله قادر على مَنْعِهم هم وآبائهم من الوقوع في الشرك، وتحريمِ ما أحلَّ الله، وهذا كلام حقٌّ؛ فالله لا يعجزه شيء، ولكنهم رتَّبوا على ذلك؛ حيث إنه لم يمنعهم، فهو إذن راضٍ بفعلهم، والحق أنه جل وعلا جعلهم مختارين؛ فلو منَعَهم، لكانوا غير مختارين، وقد كذَّبهم الله في ظنهم أنه راضٍ بفعلهم، وأخبَرَ أنها شبهة قديمة أثارها الكفار مِنْ قبلهم، وكذَّبوا بها دعوة رسلهم، واستمرُّوا على كفرهم وضلالهم حتى أنزل الله بهم بأسه وعذابه الشديد؛ ولهذا أمَرَ سبحانه نبيه ﷺ أن يقول لهم: هل عندكم حجة أو برهان من الله تدُلُّ على صحة وصدق قولكم؛ فتظهروه لنا؟! ثم بيَّن سبحانه بأن أقاويلهم هذه ما هي إلا مجرَّد ظنون فاسدة، وأكاذيب وافتراءات باطلة.

[149] ﴿قُلۡ فَلِلَّهِ ٱلۡحُجَّةُ ٱلۡبَٰلِغَةُۖ فَلَوۡ شَآءَ لَهَدَىٰكُمۡ أَجۡمَعِينَ 149﴾:

وبعد أن عجَزَ هؤلاء المشركون عن الإتيان بأي دليل على صدق مزاعمهم؛ أمَرَ جل وعلا نبيه ﷺ أن يقول لهم: اعلموا -أيها المشركون- أن لله وحده الحُجَّةَ البالغة والبينةَ الواضحة على الناس جميعًا؛ حيث لا حجة لأحد عليه؛ وحجته تعالى تقطع كل المعاذير، وتُزِيلُ جميع الشكوك، ولو شاء سبحانه، لجعل الناس جميعًا مجبورين على الهدى مثل الملائكة، وهو قادر سبحانه على ذلك، ولكنَّ حكمته اقتضت غير هذا.

[150] ﴿قُلۡ هَلُمَّ شُهَدَآءَكُمُ ٱلَّذِينَ يَشۡهَدُونَ أَنَّ ٱللَّهَ حَرَّمَ هَٰذَاۖ فَإِن شَهِدُواْ فَلَا تَشۡهَدۡ مَعَهُمۡۚ وَلَا تَتَّبِعۡ أَهۡوَآءَ ٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِـَٔايَٰتِنَا وَٱلَّذِينَ لَا يُؤۡمِنُونَ بِٱلۡأٓخِرَةِ وَهُم بِرَبِّهِمۡ يَعۡدِلُونَ 150﴾:

ثم أمَرَ جل وعلا نبيه ﷺ أن يقول لهم: أيها المشركون، أحضروا لي أنصاركم الذين يشهدون لكم على صِدْقِ ما تزعُمُونَ من تحريم الله لبعض هذه الأمور، ثم أمَرَهُ إن شهدوا بذلك، ألَّا يصدِّقهم؛ لأنهم كاذبون في دعواهم، وأمَرَه ألَّا يتَّبع أهواءهم؛ لأنهم كذَّبوا بالقرآن، ولم يؤمنوا بيوم القيامة، وساوَوُا الله بمعبوداتهم وأوثانهم الباطلة.

[151] ﴿قُلۡ تَعَالَوۡاْ أَتۡلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمۡ عَلَيۡكُمۡۖ أَلَّا تُشۡرِكُواْ بِهِۦ شَيۡـٔٗاۖ وَبِٱلۡوَٰلِدَيۡنِ إِحۡسَٰنٗاۖ وَلَا تَقۡتُلُوٓاْ أَوۡلَٰدَكُم مِّنۡ إِمۡلَٰقٖ نَّحۡنُ نَرۡزُقُكُمۡ وَإِيَّاهُمۡۖ وَلَا تَقۡرَبُواْ ٱلۡفَوَٰحِشَ مَا ظَهَرَ مِنۡهَا وَمَا بَطَنَۖ وَلَا تَقۡتُلُواْ ٱلنَّفۡسَ ٱلَّتِي حَرَّمَ ٱللَّهُ إِلَّا بِٱلۡحَقِّۚ ذَٰلِكُمۡ وَصَّىٰكُم بِهِۦ لَعَلَّكُمۡ تَعۡقِلُونَ 151﴾:

ثم أمَرَ جل وعلا نبيه ﷺ أن يقول لهم: أيها المشركون، تعالَوْا أقرأ عليكم ما حرَّم ربكم، ثم سرد ﷺ عليهم جملة من المحرَّمات التي اتفقت عليها جميع الشرائع؛ ومن ذلك:

1- ألَّا يشركوا مع الله أحدًا في العبادة.

2- وأن يُحْسِنوا إلى الوالدَيْن، ولا يسيئوا إليهما.

3- وألَّا يقتلوا أولادهم بسبب الفقر، أو الخوف من المستقبل؛ فالله رازقكم ورازقهم.

4- وألَّا يقربوا الفواحش؛ سواءٌ كانت علانية أو كانت سرِّيَّةً.

5- وألَّا يقتلوا أحدًا من الناس؛ إلا مَنْ قتل شخصًا، فإنه يقتل به، أو من ارتد عن الإسلام، أو الزانيَ المحصَنَ بالرجم حتى الموت.

واعلموا -أيها الناس- أن هذه الوصايا هي وصية من الله لكم؛ لعلكم تتدبَّرون.

[152] ﴿وَلَا تَقۡرَبُواْ مَالَ ٱلۡيَتِيمِ إِلَّا بِٱلَّتِي هِيَ أَحۡسَنُ حَتَّىٰ يَبۡلُغَ أَشُدَّهُۥۚ وَأَوۡفُواْ ٱلۡكَيۡلَ وَٱلۡمِيزَانَ بِٱلۡقِسۡطِۖ لَا نُكَلِّفُ نَفۡسًا إِلَّا وُسۡعَهَاۖ وَإِذَا قُلۡتُمۡ فَٱعۡدِلُواْ وَلَوۡ كَانَ ذَا قُرۡبَىٰۖ وَبِعَهۡدِ ٱللَّهِ أَوۡفُواْۚ ذَٰلِكُمۡ وَصَّىٰكُم بِهِۦ لَعَلَّكُمۡ تَذَكَّرُونَ 152﴾:

ثم أمَرَ جل وعلا نبيه ﷺ أن يُخبرهم بجملة أخرى من الوصايا؛ ومن ذلك:

1- ألَّا يقربوا مال اليتيم إلا بما يُصْلِحُ ماله ويثمِّره وينمِّيه، ويجب المحافظة على ماله حتى يصل سن البلوغ، ويكون راشدًا، ولا بأس أن يأكلوا منه بالمعروف إن احتاجوا إلى ذلك؛ بحيث يكون على قَدْرِ عملهم في تنميته، ومَنْ كان غنيًّا، فليستعفف.

واليتيم هو الذي مات أبوه قبل سن البلوغ.

2- وأن يتمُّوا الكيل والميزان بالعدل بأن يُتَمَّ وزنه من غير نقص، واعلموا أن الله لا يكلِّف نفسًا إلا طاقتها؛ فالتكاليف مأمور بها الإنسان حسَبَ وُسْعه وطاقته.

3- وإذا حكموا بين الناس، أو أرادوا أداء شهادة، فليحكموا بينهم بالعدل، ويؤدوا الشهادة على وجهها الصحيح، حتى لو كان المحكوم عليه أو المشهود ضدَّه من أقرب الناس إليكم.

4- وأن يُوفُوا بالعهود التي عاهدوا بها الله، أو عاهدوا بها الناس؛ فالوفاء بالعهود من سمة أهل الإيمان.

واعلموا -أيها الناس- أن هذه الوصايا هي وصية من الله لكم؛ لعلكم تتذكَّرون.

[153] ﴿وَأَنَّ هَٰذَا صِرَٰطِي مُسۡتَقِيمٗا فَٱتَّبِعُوهُۖ وَلَا تَتَّبِعُواْ ٱلسُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمۡ عَن سَبِيلِهِۦۚ ذَٰلِكُمۡ وَصَّىٰكُم بِهِۦ لَعَلَّكُمۡ تَتَّقُونَ 153﴾:

ثم جاءت الوصية الأخيرة، وهي:

5- ألَّا يحيدوا عن الطريق المستقيم الموصل إلى سعادة الدنيا والآخرة؛ بل عليهم أن يتَّبعوه، ولا يتَّبعوا الطرق الباطلة التي نهى الله عنها حتى لا يتفرَّقوا ويبتعدوا عن طريق الله المستقيم. واعلموا -أيها الناس- أن هذه الوصايا هي وصية من الله لكم؛ لعلَّكم تتقون عذابه في الآخرة.

وهذه الوصايا العَشْرُ -المذكورة في هذه الآية والتي قبلها- ورَدَتْ في جميع الكتب السماوية؛ لأن كلَّ الفِطَرِ تقبلها وترضى بها، ولا ترفضها إلا النفوس الدنيئة التي ابتعدت عن شرع الله.

[154] ﴿ثُمَّ ءَاتَيۡنَا مُوسَى ٱلۡكِتَٰبَ تَمَامًا عَلَى ٱلَّذِيٓ أَحۡسَنَ وَتَفۡصِيلٗا لِّكُلِّ شَيۡءٖ وَهُدٗى وَرَحۡمَةٗ لَّعَلَّهُم بِلِقَآءِ رَبِّهِمۡ يُؤۡمِنُونَ 154﴾:

أخبَرَ جل وعلا أنه هو الذي أعطى موسى التوراة تمامًا لنعمته عليه وعلى المحسنين من أهل مِلَّته، وفيها تفصيلٌ لجميع أحكام دينهم، وإرشادٌ لهم على الطريق المستقيم، وسببٌ لنيل رضوان الله ورحمته، لعلهم يؤمنون بيوم البعث، ويصدِّقون بثواب الله وعقابه؛ فيعملوا من أجل ذلك.

[155] ﴿وَهَٰذَا كِتَٰبٌ أَنزَلۡنَٰهُ مُبَارَكٞ فَٱتَّبِعُوهُ وَٱتَّقُواْ لَعَلَّكُمۡ تُرۡحَمُونَ 155﴾:

واعلم -أيها النبي- أن هذا القرآن الذي أنزله الله إليك هو كتاب الله، وهو كثير البركة، وكثير النفع والخير؛ فعليك أن تأمر الناس أن يتَّبعوه ويحذروا من مخالفته، وأن يتَّقوا الله بفعل ما أمَرْ، واجتناب ما نهى عنه وزجَرْ، لعلهم يُرْحَمون به؛ فينجون من عذاب الله.

[156] ﴿أَن تَقُولُوٓاْ إِنَّمَآ أُنزِلَ ٱلۡكِتَٰبُ عَلَىٰ طَآئِفَتَيۡنِ مِن قَبۡلِنَا وَإِن كُنَّا عَن دِرَاسَتِهِمۡ لَغَٰفِلِينَ 156﴾:

واعلموا أن الله جل وعلا أنزل القرآن وبعث الرسل؛ لكيلا يقول أحد يوم القيامة: لم يأتنا رسول، ولم يَنزِلْ علينا كتاب، وإنما أُنزِلَ الكتاب على الذين مِنْ قبلنا، وهم اليهود والنصارى، وقد كنا جاهلين عن قراءة كتبهم حيث لم تكن باللغة العربية التي نجيدها؛ ولذا فقد كان إنزال القرآن باللغة العربية حُجَّةً عليهم.

[157] ﴿أَوۡ تَقُولُواْ لَوۡ أَنَّآ أُنزِلَ عَلَيۡنَا ٱلۡكِتَٰبُ لَكُنَّآ أَهۡدَىٰ مِنۡهُمۡۚ فَقَدۡ جَآءَكُم بَيِّنَةٞ مِّن رَّبِّكُمۡ وَهُدٗى وَرَحۡمَةٞۚ فَمَنۡ أَظۡلَمُ مِمَّن كَذَّبَ بِـَٔايَٰتِ ٱللَّهِ وَصَدَفَ عَنۡهَاۗ سَنَجۡزِي ٱلَّذِينَ يَصۡدِفُونَ عَنۡ ءَايَٰتِنَا سُوٓءَ ٱلۡعَذَابِ بِمَا كَانُواْ يَصۡدِفُونَ 157﴾:

ثم بيَّن جل وعلا أيضًا أنه أنزل القرآن خشية أن يقولوا معتذرين: لو أُنزِلَ علينا كتابٌ من السماء، كما أُنزِلَ على اليهود والنصارى، لكُنَّا أهدى منهم؛ لسَعَةِ عقولنا، وطيب استعدادنا؛ فرَدَّ الله اعتذارهم، وأخبَرَ أنه جاءهم بحجة وبرهان من الله، وهو هذا القرآن المُعْجِز؛ رحمةً لهم، وعلامةً على صدق محمد ﷺ؛ فمن كذَّب بهذا القرآن، ولم ينتفع به، فليس هناك أحد أشد ظلمًا ممن كذَّب بآيات الله وأعرض عنها ولم يؤمن بها، ثم بيَّن سبحانه أنه سيجزي من يعرض عن هذا القرآن بأشد أنواع العذاب؛ بسببِ إعراضِهِ وكفره وضلاله، ومَنْعِ الناس عن الإيمان به.

[158] ﴿هَلۡ يَنظُرُونَ إِلَّآ أَن تَأۡتِيَهُمُ ٱلۡمَلَٰٓئِكَةُ أَوۡ يَأۡتِيَ رَبُّكَ أَوۡ يَأۡتِيَ بَعۡضُ ءَايَٰتِ رَبِّكَۗ يَوۡمَ يَأۡتِي بَعۡضُ ءَايَٰتِ رَبِّكَ لَا يَنفَعُ نَفۡسًا إِيمَٰنُهَا لَمۡ تَكُنۡ ءَامَنَتۡ مِن قَبۡلُ أَوۡ كَسَبَتۡ فِيٓ إِيمَٰنِهَا خَيۡرٗاۗ قُلِ ٱنتَظِرُوٓاْ إِنَّا مُنتَظِرُونَ 158﴾:

وبعد تكذيبكم -أيها المشركون- لنبينا محمد ﷺ، وتكذيبكم للقرآن؛ فماذا تنتظرون؟! هل تنتظرون أن تأتيكم الملائكة لقبض أرواحكم؟! أو تنتظرون أن يأتي ربكم في موقف القيامة للفصل بين الخلائق؟! أو تنتظرون أن تأتي بعض علامات الساعة الكبرى؟! والمراد بها هنا: طلوع الشمس من مغربها؛ فاعلموا أنه يوم أن تأتي هذه العلامة، لا ينفع حينئذ الإيمانُ لمن لم يؤمن من قبل، ولا تنفع التائبَ توبتُهُ، ولا يُقْبَلُ من النفس المؤمنة عملٌ صالح لم تكن عَمِلَتْ به من قبل، ثم أمَرَ سبحانه نبيه ﷺ أن يقول لهؤلاء المكذِّبين: انتظروا أحد هذه الأمور؛ لتعلموا الصادق منَّا من الكاذب؛ فإنا منتظرون معكم لنرى ما يحل بكم من سوء العاقبة. وقوله: ﴿أَوۡ يَأۡتِيَ رَبُّكَ﴾، الإتيانُ صفةٌ من صفات الله التي وصف بها نفسه، وهو إتيانٌ حقيقيٌّ من الله. وجلُّ الفرق الإسلامية يؤوِّلون صفات الله، ومن ذلك: صفة الإتيان؛ فيقولون: ﴿يَأۡتِيَ رَبُّكَ﴾، يعني: يأتي أَمْرُ ربِّك. أما أهل السنة والجماعة، فيثبتون كل صفة أثبتها الله لنفسه في كتابه، أو أثبتها له نبيه ﷺ، ومن ذلك: صفة الإتيان؛ فيقولون: إن الله يأتي بذاته إتيانًا حقيقيًّا يليق بجلاله، ولا نعرف كيفية إتيانه؛ كما لا نعرف كيفية ذاته جل وعلا.

[159] ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ فَرَّقُواْ دِينَهُمۡ وَكَانُواْ شِيَعٗا لَّسۡتَ مِنۡهُمۡ فِي شَيۡءٍۚ إِنَّمَآ أَمۡرُهُمۡ إِلَى ٱللَّهِ ثُمَّ يُنَبِّئُهُم بِمَا كَانُواْ يَفۡعَلُونَ 159﴾:

واعلموا أن اليهود والنصارى الذين فرَّقوا الدين الحق الصحيح، وأصبحوا بسبب ذلك فِرَقًا وأحزابًا، كلُّ فرقة تعادي الأخرى وتكفِّرها؛ فإنك -أيها النبي- لست مثلهم، ولا مؤاخذًا بفعلهم، ثم أخبَرَ سبحانه نبيه ﷺ أنَّ أمر هدايتهم لله وحده، وأما أنت، فلا تملك هدايتهم، وسوف يُخبرهم سبحانه يوم القيامة بما كانوا يفعلونه في الدنيا، ويجازيهم عليه.

[160] ﴿مَن جَآءَ بِٱلۡحَسَنَةِ فَلَهُۥ عَشۡرُ أَمۡثَالِهَاۖ وَمَن جَآءَ بِٱلسَّيِّئَةِ فَلَا يُجۡزَىٰٓ إِلَّا مِثۡلَهَا وَهُمۡ لَا يُظۡلَمُونَ 160﴾:

ثم بيَّن جل وعلا فضله الذي تفضَّل به على عباده المؤمنين، فأخبَرَ أنَّ من عمل حسنة كتبت له عَشْرَ حسنات، ومن جاء بالخطيئة، فجزاؤه مثلها دون زيادة عليها، ولا يَنْقُصُ من ثواب أعمالهم مثقالُ ذرة.

[161] ﴿قُلۡ إِنَّنِي هَدَىٰنِي رَبِّيٓ إِلَىٰ صِرَٰطٖ مُّسۡتَقِيمٖ دِينٗا قِيَمٗا مِّلَّةَ إِبۡرَٰهِيمَ حَنِيفٗاۚ وَمَا كَانَ مِنَ ٱلۡمُشۡرِكِينَ 161﴾:

وقل -أيها النبي- لهؤلاء المشركين: إنَّ ربي أرشدني إلى الطريق المستقيم الذي لا اعوجاج فيه، وهو دِينُ الإسلام الحق، وهو دين إبراهيم وسائر الأنبياء عليهم السلام، واعلموا أن إبراهيم ما كان من المشركين بالله. وهذا يؤيِّد ما قاله بعض المفسِّرين في قول إبراهيم عن الكوكب والقمر والشمس: ﴿هَٰذَا رَبِّيۖ ﴾ [الأنعام:٧٨]: إنه كان تنزُّلًا مع الخصم للمناظرة.

[162] ﴿قُلۡ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحۡيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ ٱلۡعَٰلَمِينَ 162﴾:

وقل -أيها النبي- لهؤلاء المشركين: إنَّ صلاتي، وذبحي، وجميع عباداتي، وكل حياتي، وما أموت عليه من الإيمان والعمل الصالح، كلُّه خالص لوجه الله تعالى رب العالمين.

[163] ﴿لَا شَرِيكَ لَهُۥۖ وَبِذَٰلِكَ أُمِرۡتُ وَأَنَا۠ أَوَّلُ ٱلۡمُسۡلِمِينَ 163﴾:

وقل لهم أيضًا: واعلموا –أيها المشركون- أنه لا شريك لله في الخَلْق، ولا في الإلهية، وقد أمَرَني ربي بأن أعبده وحده، ولا أشرك به شيئًا، وأنا أول المستسلمين لأمره.

[164] ﴿قُلۡ أَغَيۡرَ ٱللَّهِ أَبۡغِي رَبّٗا وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَيۡءٖۚ وَلَا تَكۡسِبُ كُلُّ نَفۡسٍ إِلَّا عَلَيۡهَاۚ وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٞ وِزۡرَ أُخۡرَىٰۚ ثُمَّ إِلَىٰ رَبِّكُم مَّرۡجِعُكُمۡ فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمۡ فِيهِ تَخۡتَلِفُونَ 164﴾:

وقل -أيها النبي- لهؤلاء المشركين: أَغَيْرَ الله أبغي سيِّدًا وإلهًا، وهو مالك كل شيء وسيده؟! واعلموا أنه لا تجني نفسٌ ذنبًا إلا أُخِذَتْ به، ولا يحمل أحد جناية غيره، ثم بيَّن سبحانه أن الخلق سوف يرجعون إلى ربهم؛ فيحاسبهم على أعمالهم، وأخبَرَهم بما كانوا يعملون في الدنيا.

[165] ﴿وَهُوَ ٱلَّذِي جَعَلَكُمۡ خَلَٰٓئِفَ ٱلۡأَرۡضِ وَرَفَعَ بَعۡضَكُمۡ فَوۡقَ بَعۡضٖ دَرَجَٰتٖ لِّيَبۡلُوَكُمۡ فِي مَآ ءَاتَىٰكُمۡۗ إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ ٱلۡعِقَابِ وَإِنَّهُۥ لَغَفُورٞ رَّحِيمُۢ 165﴾:

أخبَرَ جل وعلا أنه جعل آدم وذريته خلائف في الأرض يخلُفُ بعضهم بعضًا في عمارتها؛ كما قال تعالى عن آدم: ﴿إِنِّي جَاعِلٞ فِي ٱلۡأَرۡضِ خَلِيفَةٗۖ ﴾ [البقرة:٣٠]؛ وقال بعض المفسِّرين: إن الله جعل آدم وذريته خلفاء عنه في تنفيذ أحكامه؛ ابتلاءً له، والآية تحتمِلُ القولين، ثم بيَّن سبحانه أنه رفَعَ بعضكم فوق بعض في الشرف والرزق وغير ذلك؛ ليختبركم فيما أعطاكم من نعمة الجاه والمال كيف تشكُرُونَ تلك النعمة، ولكي تعمُرَ الحياة؛ حيث يخدُمُ بعضكم بعضًا لمصلحة الكل، واعلم -أيها النبي- أن ربك سريعُ العقاب لمن جحد وكفر، وأنه غفورٌ رحيمٌ لمن أطاعه وشكر.

سورة الأعراف

سورةُ الأعراف مكِّيَّةٌ، وآياتها ستٌّ ومائتا آية.

[1] ﴿الٓمٓصٓ 1﴾:

سبق الكلام على الحروف المقطَّعة في أول سورة البقرة.

[2] ﴿كِتَٰبٌ أُنزِلَ إِلَيۡكَ فَلَا يَكُن فِي صَدۡرِكَ حَرَجٞ مِّنۡهُ لِتُنذِرَ بِهِۦ وَذِكۡرَىٰ لِلۡمُؤۡمِنِينَ 2﴾:

أخبَرَ جل وعلا أنه أنزَلَ عليك هذا القرآن العظيم -أيها النبي- فلا يكن في صدرك حرَجٌ في تبليغه؛ لتخويف الكفار، وتذكير المؤمنين وتبشيرهم. وهذا الخطابُ موجَّهٌ لكل داعية من أمة محمد ﷺ؛ لأن الرسول ﷺ قد شمَّر عن ساعده ودعا ليلًا ونهارًا، سرًّا وجهارًا، ولم يُعرَفُ أنه فتَرَ أو تحرَّج منذ أن نزل قول الله تعالى: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلۡمُدَّثِّرُ 1 قُمۡ فَأَنذِرۡ﴾ [المدثر:١-٢].

[3] ﴿ٱتَّبِعُواْ مَآ أُنزِلَ إِلَيۡكُم مِّن رَّبِّكُمۡ وَلَا تَتَّبِعُواْ مِن دُونِهِۦٓ أَوۡلِيَآءَۗ قَلِيلٗا مَّا تَذَكَّرُونَ 3﴾:

ثم أمَرَ جل وعلا الناس أن يتَّبعوا هذا القرآن العظيم الذي أُنزِلَ إليهم من ربهم، وأمَرَهم ألَّا يتخذوا غير الله وليًّا كالشياطين والأحبار والرهبان والأوثان، ولكنَّ القليل من الناس من يتذكَّر ويتَّعظ بهذا القرآن.

[4] ﴿وَكَم مِّن قَرۡيَةٍ أَهۡلَكۡنَٰهَا فَجَآءَهَا بَأۡسُنَا بَيَٰتًا أَوۡ هُمۡ قَآئِلُونَ 4﴾:

واعلموا -أيها الناس- أن كثيرًا من القرى أهلكها الله؛ بسبب كُفْرهم وجحودهم وعدم استجابتهم لرسل الله؛ فكانت النتيجة أن جاءها عذاب الله؛ مرَّةً وهم نائمون ليلًا، ومرَّةً أثناء استراحتهم نهارًا.

ومعنى هذا: أنهم كانوا غارقين في الغفلة؛ كما في قوله: ﴿فَكُلًّا أَخَذۡنَا بِذَنۢبِهِۦۖ فَمِنۡهُم مَّنۡ أَرۡسَلۡنَا عَلَيۡهِ حَاصِبٗا وَمِنۡهُم مَّنۡ أَخَذَتۡهُ ٱلصَّيۡحَةُ وَمِنۡهُم مَّنۡ خَسَفۡنَا بِهِ ٱلۡأَرۡضَ وَمِنۡهُم مَّنۡ أَغۡرَقۡنَاۚ وَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيَظۡلِمَهُمۡ وَلَٰكِن كَانُوٓاْ أَنفُسَهُمۡ يَظۡلِمُونَ﴾ [العنكبوت:٤٠].

و ﴿وَكَم﴾ هنا تفيد التكثير، والفاءُ في قوله: ﴿فَجَآءَهَا﴾ تسمى: (الفاء الفصيحة)، وهي التي تفصح عن محذوف، وأيضًا تأتي للتفصيل بعد الإجمال.

[5] ﴿فَمَا كَانَ دَعۡوَىٰهُمۡ إِذۡ جَآءَهُم بَأۡسُنَآ إِلَّآ أَن قَالُوٓاْ إِنَّا كُنَّا ظَٰلِمِينَ 5﴾:

ثم أخبَرَ جل وعلا أن هؤلاء الذين أهلكهم الله بسبب كفرهم وجحودهم، ما كان دعاؤهم وتضرُّعهم عندما نزل بهم العذاب إلا أن أقروا على أنفسهم أنهم كانوا مشركين وظالمين، وأنهم يستحقون هذا العذاب؛ ولكنْ فات الأوان؛ فلن ينفعهم هذا الاعتراف.

[6] ﴿فَلَنَسۡـَٔلَنَّ ٱلَّذِينَ أُرۡسِلَ إِلَيۡهِمۡ وَلَنَسۡـَٔلَنَّ ٱلۡمُرۡسَلِينَ 6﴾:

ثم بيَّن جل وعلا أنه سوف يسأل الأمم الذين أرسَلَ إليهم الرسل توبيخًا وتقريعًا لهم: هل أجابوا الرسل؟! وهل عملوا بما بلَّغوه إليهم؟! وبيَّن أيضًا سبحانه أنه سوف يسأل الرسل تأنيسًا لهم: هل بلَّغتم رسالة ربكم كما طُلِبَ منكم؟

[7] ﴿فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيۡهِم بِعِلۡمٖۖ وَمَا كُنَّا غَآئِبِينَ 7﴾:

ثم بيَّن جل وعلا أنه سوف يُخبرُ جميع الخلق بما عملوا في الدنيا بعِلْمٍ منه سبحانه بأعمالهم، ثم بيَّن أنه لم يكن غائبًا عن خلقه في أي وقت من الأوقات، بل كان شاهدًا ومطَّلعًا على أعمالهم.

[8] ﴿وَٱلۡوَزۡنُ يَوۡمَئِذٍ ٱلۡحَقُّۚ فَمَن ثَقُلَتۡ مَوَٰزِينُهُۥ فَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡمُفۡلِحُونَ 8﴾:

ثم أخبَرَ جل وعلا أن من مظاهر عدله مع عباده يوم القيامة: أنَّ صحائف أعمالهم تُوزَنُ بميزان العدل؛ فمن ثَقُلَتْ موازين أعماله بالحسنات، فأولئك هم الفائزون بالثواب والنعيم المقيم.

[9] ﴿وَمَنۡ خَفَّتۡ مَوَٰزِينُهُۥ فَأُوْلَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ خَسِرُوٓاْ أَنفُسَهُم بِمَا كَانُواْ بِـَٔايَٰتِنَا يَظۡلِمُونَ 9﴾:

ثم أخبَرَ جل وعلا أن مَنْ خفَّت موازين أعماله بالسيئات، فأولئك الذين حَرَمُوا أنفسهم ثواب الله وجنته؛ بسبب ظلمهم وجحودهم لآيات الله، واستهزائهم بها في الدنيا.

وهذا الحكم خاصٌّ بالذين ماتوا على الكفر، أما المؤمنون الذين ارتكبوا بعض الذنوب والمعاصي، وقد حكَمَ الله عليهم بدخول النار، فبعد عقابهم، فإن مآلهم إلى الجنة.

[10] ﴿وَلَقَدۡ مَكَّنَّٰكُمۡ فِي ٱلۡأَرۡضِ وَجَعَلۡنَا لَكُمۡ فِيهَا مَعَٰيِشَۗ قَلِيلٗا مَّا تَشۡكُرُونَ 10﴾:

واعلموا -يا بني آدم- أن الله جل وعلا مكَّن لكم في الأرض، ويسَّر لكم فيها سبل العيش، ومكَّنكم من السكنى والبناء والزراعة فيها لتأمين مصالحكم الدنيوية، ومع ذلك فإن أكثركم لا يشكُرُونَ الله إلا قليلًا.

[11] ﴿وَلَقَدۡ خَلَقۡنَٰكُمۡ ثُمَّ صَوَّرۡنَٰكُمۡ ثُمَّ قُلۡنَا لِلۡمَلَٰٓئِكَةِ ٱسۡجُدُواْ لِأٓدَمَ فَسَجَدُوٓاْ إِلَّآ إِبۡلِيسَ لَمۡ يَكُن مِّنَ ٱلسَّٰجِدِينَ 11﴾:

ثم أخبَرَ جل وعلا أنه أنعم على عباده بخَلْقِ أبي البشَرِ آدم عليه السلام بعد العدم، ثم خلَقَ على صورة آدم وهيئته ذُرِّيَّتَهُ، ثم أمَرَ سبحانه الملائكة بالسجود له، فامتثلوا أمر ربهم؛ تكريمًا لآدم، واعترافًا بفضله؛ حيث إن الله علَّمه ما لم يعلِّمهم، ونفخ فيه من روحه، وخلقه بيده؛ لأن الخلائق خُلِقَتْ بكلمة (كن)، أما إبليس، فقد رفَضَ السجود لآدم؛ حَسَدًا على تكريم الله لآدم وتعظيمه، وادَّعى أنه أحق من آدم بالتكريم والتفضيل؛ لأنه خُلِقَ من نار، وآدم خُلِقَ من تراب.

[12] ﴿قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسۡجُدَ إِذۡ أَمَرۡتُكَۖ قَالَ أَنَا۠ خَيۡرٞ مِّنۡهُ خَلَقۡتَنِي مِن نَّارٖ وَخَلَقۡتَهُۥ مِن طِينٖ 12﴾:

ثم أخبَرَ جل وعلا أنه قال لإبليس على وجه الإنكار: ما الذي حملك على ترك السجود لآدم؟! مع أني قد أمَرْتُكَ وكان واجبًا عليك طاعة أمري، فرَدَّ إبليس على الرب سبحانه، فقال: أنا أفضل منه؛ لأنك خلقتني من نار، وخلَقْتَ آدم من طين، فتبيَّن من كلام إبليس أن الذي منعه من السجود هو الاستعلاءُ والكِبْرَ والحسد. وهذه الآية صريحة في أن الله سبحانه وتعالى أمَرَ إبليس بالسجود لآدم بأمرٍ خاصٍّ به؛ سواءٌ كان مقترنًا بأمره للملائكة أو منفصلًا، واستثناؤه من السجود مع الملائكة لما أُمِروا لأن الأمر في وقت واحد للجميع؛ وذلك بعد أن سوَّى الله آدم في صورته الحَسَنة؛ كما قال تعالى: ﴿لَقَدۡ خَلَقۡنَا ٱلۡإِنسَٰنَ فِيٓ أَحۡسَنِ تَقۡوِيمٖ 4﴾ [التين:٤].

[13] ﴿قَالَ فَٱهۡبِطۡ مِنۡهَا فَمَا يَكُونُ لَكَ أَن تَتَكَبَّرَ فِيهَا فَٱخۡرُجۡ إِنَّكَ مِنَ ٱلصَّٰغِرِينَ 13﴾:

فقال جل وعلا لإبليس: فاهبِطْ من الجَنَّةِ دارِ السلام؛ فليس لك أن تتكبَّر على أمر الله وطاعته؛ واخرُجْ منها وأنت صاغرٌ ذليلٌ حقيرٌ.

[14] ﴿قَالَ أَنظِرۡنِيٓ إِلَىٰ يَوۡمِ يُبۡعَثُونَ 14﴾:

فقال إبليس لله جل وعلا: اترُكْني ولا تُمِتْنِي، وأَمْهِلْني إلى يوم القيامة؛ فالله سبحانه لحكمة بالغة من أجلها خلق الجنة والنار، منَحَهُ البقاء إلى قيام الساعة، أي: النفخةِ الأولى يوم يموت الثقلان؛ لأنه ليس بعد البعث موت، وإنما حسابٌ ثم جنة أو نار؛ قال تعالى: ﴿كُلُّ مَنۡ عَلَيۡهَا فَانٖ 26 وَيَبۡقَىٰ وَجۡهُ رَبِّكَ ذُو ٱلۡجَلَٰلِ وَٱلۡإِكۡرَامِ﴾ [الرحمن:٢٦-٢٧].

[15] ﴿قَالَ إِنَّكَ مِنَ ٱلۡمُنظَرِينَ 15﴾:

فقال جل وعلا لإبليس: فإنك من المؤخَّرينَ المؤجّلِ موتهم.

[16] ﴿قَالَ فَبِمَآ أَغۡوَيۡتَنِي لَأَقۡعُدَنَّ لَهُمۡ صِرَٰطَكَ ٱلۡمُسۡتَقِيمَ 16﴾:

فقال إبليس لله جل وعلا: فبسبب ما أغويتني، أي: جعلتني مختارًا وقادرًا على رفض السجود، وأنت خالقُ نفسي وتَعْلَمُ غروري وكبريائي؛ فسوف أجتهد في إغواء بني آدم عن الصراط المستقيم، وأبذُلُ جهدي في صدِّهم عن الإسلام.

[17] ﴿ثُمَّ لَأٓتِيَنَّهُم مِّنۢ بَيۡنِ أَيۡدِيهِمۡ وَمِنۡ خَلۡفِهِمۡ وَعَنۡ أَيۡمَٰنِهِمۡ وَعَن شَمَآئِلِهِمۡۖ وَلَا تَجِدُ أَكۡثَرَهُمۡ شَٰكِرِينَ 17﴾:

ثم قال إبليس: ولسوف آتي آدم وذريته من كل الجهات؛ من الأمام والخلف، وعن اليمين والشمال؛ لأرغِّبهم في دنياهم، وأزيِّن لهم الذنوب والمعاصي، ولن تجد أكثرهم شاكرين لنعمك.

[18] ﴿قَالَ ٱخۡرُجۡ مِنۡهَا مَذۡءُومٗا مَّدۡحُورٗاۖ لَّمَن تَبِعَكَ مِنۡهُمۡ لَأَمۡلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنكُمۡ أَجۡمَعِينَ 18﴾:

فقال جل وعلا لإبليس: اخرُجْ من الجنة مذمومًا بكِبْرك وعصيانك، خاسرًا رضا الله والجنة، ثم أقسَمَ سبحانه أن من استجاب مِن بنى آدم لإغواء إبليس، فسوف يكونون حطَبَ جهنَّم أجمعين.

[19] ﴿وَيَٰٓـَٔادَمُ ٱسۡكُنۡ أَنتَ وَزَوۡجُكَ ٱلۡجَنَّةَ فَكُلَا مِنۡ حَيۡثُ شِئۡتُمَا وَلَا تَقۡرَبَا هَٰذِهِ ٱلشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ ٱلظَّٰلِمِينَ 19﴾:

ثم أمَرَ جل وعلا آدم بأن يسكُنَ هو وزوجه حوَّاء الجنة، وأن يأكلا من ثمارها حيث شاؤوا، وحذَّرهما من أكل شجرة معينة حدَّدها لهما جل وعلا، وأخبَرَهما إذا أكلا منها، فإنهما من الظالمين المتجاوزين لحدود الله.

[20] ﴿فَوَسۡوَسَ لَهُمَا ٱلشَّيۡطَٰنُ لِيُبۡدِيَ لَهُمَا مَا وُۥرِيَ عَنۡهُمَا مِن سَوۡءَٰتِهِمَا وَقَالَ مَا نَهَىٰكُمَا رَبُّكُمَا عَنۡ هَٰذِهِ ٱلشَّجَرَةِ إِلَّآ أَن تَكُونَا مَلَكَيۡنِ أَوۡ تَكُونَا مِنَ ٱلۡخَٰلِدِينَ 20﴾:

ولكنَّ إبليس اللعين وسوس لهما لإيقاعهما في معصية الله، ولتكون عاقبة الأكل والوسوسة كَشْفَ عوراتهما ونَزْعَ الستر عنهما، ثم قال إبليس لآدم وحواء: لقد نهاكما ربكما عن الأكل من هذه الشجرة من أجل ألَّا تكونا ملَكَيْن، وألَّا تكونا مخلَّدَيْنِ في الجنة؛ لأن من يأكل منها يخلُدُ فلا يموت.

[21] ﴿وَقَاسَمَهُمَآ إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ ٱلنَّٰصِحِينَ 21﴾:

ثم قال إبليس لآدم وحواء: أقسم لكما بربي، إني لكما لمن الناصحين المخلصين في النصح.

[22] ﴿فَدَلَّىٰهُمَا بِغُرُورٖۚ فَلَمَّا ذَاقَا ٱلشَّجَرَةَ بَدَتۡ لَهُمَا سَوۡءَٰتُهُمَا وَطَفِقَا يَخۡصِفَانِ عَلَيۡهِمَا مِن وَرَقِ ٱلۡجَنَّةِۖ وَنَادَىٰهُمَا رَبُّهُمَآ أَلَمۡ أَنۡهَكُمَا عَن تِلۡكُمَا ٱلشَّجَرَةِ وَأَقُل لَّكُمَآ إِنَّ ٱلشَّيۡطَٰنَ لَكُمَا عَدُوّٞ مُّبِينٞ 22﴾:

ثم أخبَرَ جل وعلا أن آدم وحواء خُدِعُوا بنصح إبليس لهما، فأَكَلا من الشجرة التي نهاهما الله عنها، فلما أكلا منها، انكشفت عوراتهما بعد أن كانت مستورة، فجعَلَا يأخذان من ورق الجنة ويضعانه على عوراتهما ليسترا أنفسهما، ثم خاطبهما سبحانه معاتبًا وموبِّخًا لهما: ألم أنهكما عن الأكل من تلك الشجرة، وأحذِّركما من الشيطان، وأقل لكما: إن الشيطان عدوٌّ ظاهرُ العداوة لكما، وإنه لا يخفي عداوته أبدًا؟!

والذي يظهر: أن هذه الشجرة -التي أكل منها آدم وحواء- هي من أشجار الكرة الأرضية، وأنها بقُدْرةِ الله حمَلَتْ خصائص شجر الأرض؛ لأن أشجار الجنة ليس لها فَضَلات؛ ومعلوم أنَّ أَكْلَ وشُرْبَ أهل الجنة يخرُجُ عَرَقًا، وفَضَلاتُ هذه الشجرة من براز أو بول كشَفَتْ لهما عن عوراتهما؛ لأن مُخْرَجَيِ الفضلات الكريهة لم يكن لهما عمل سابقًا، فلما أكلا من هذه الشجرة، خرَجَتْ منهما الفضلات القذرة، فطَفِقا يُلْزِقانِ عليهما من ورق الجنة؛ لأنهما قبل أكل الشجرة لم يكونا سَوْءَتَيْنِ؛ فهما مثل الأذن والأنف؛ لكنْ بعد أن خرجت منهما الفَضَلات والروائح الكريهة أصبحتا عورتَيْن. وللمفسِّرين أقوال كثيرة في نوع هذه الشجرة؛ فمنهم مَنْ قال: إنها شجرة التفَّاح، ومنهم من قال: إنها القمح، إلى غير ذلك، والعلم عند الله.

[23] ﴿قَالَا رَبَّنَا ظَلَمۡنَآ أَنفُسَنَا وَإِن لَّمۡ تَغۡفِرۡ لَنَا وَتَرۡحَمۡنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ ٱلۡخَٰسِرِينَ 23﴾:

ثم قال آدم وحواء: ربَّنا ظلمنا أنفسنا؛ بمعصيتنا، وأَكَلْنا من الشجرة، وإنْ لم تغفِرْ لنا وترحمنا، لنكونَنَّ من الهالكين.

[24] ﴿قَالَ ٱهۡبِطُواْ بَعۡضُكُمۡ لِبَعۡضٍ عَدُوّٞۖ وَلَكُمۡ فِي ٱلۡأَرۡضِ مُسۡتَقَرّٞ وَمَتَٰعٌ إِلَىٰ حِينٖ 24﴾:

فقال جل وعلا لآدم وحواء وإبليس: انزلوا جميعًا من الجنة إلى الأرض، وسوف يكون بعضكم لبعض عدُوًّا، وسوف يكون لكم في الأرض مكان تستقرُّون وتتمتَّعون فيه إلى أجلٍ مسمًّى.

[25] ﴿قَالَ فِيهَا تَحۡيَوۡنَ وَفِيهَا تَمُوتُونَ وَمِنۡهَا تُخۡرَجُونَ 25﴾:

ثم قال جل وعلا: واعلموا جميعًا أنكم سوف تعيشون في هذه الأرض، وفيها تموتون، ثم تُدْفَنُونَ، ويوم القيامة سوف تبعثون منها.

[26] ﴿يَٰبَنِيٓ ءَادَمَ قَدۡ أَنزَلۡنَا عَلَيۡكُمۡ لِبَاسٗا يُوَٰرِي سَوۡءَٰتِكُمۡ وَرِيشٗاۖ وَلِبَاسُ ٱلتَّقۡوَىٰ ذَٰلِكَ خَيۡرٞۚ ذَٰلِكَ مِنۡ ءَايَٰتِ ٱللَّهِ لَعَلَّهُمۡ يَذَّكَّرُونَ 26﴾:

ثم أخبَرَ جل وعلا أنه خلق لبني آدم من اللباس ما يستُرُونَ به عوراتهم، ومنه ما يتَّخذونه زينة يتجمَّلون به في مناسباتهم، ولكن اعلموا -أيها الناس- أن لباس التقوى خير لصاحبه من لباس الثياب؛ لأنه يكون سببًا في إدخال صاحبه الجنة.

ثم بيَّن سبحانه أن هذه الثياب من متاع الحياة الدنيا، ومن دلائل قُدْرة الله تعالى وفضله؛ لعلَّهم يتذكَّرون هذه النعم فيؤمنوا به.

[27] ﴿يَٰبَنِيٓ ءَادَمَ لَا يَفۡتِنَنَّكُمُ ٱلشَّيۡطَٰنُ كَمَآ أَخۡرَجَ أَبَوَيۡكُم مِّنَ ٱلۡجَنَّةِ يَنزِعُ عَنۡهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوۡءَٰتِهِمَآۚ إِنَّهُۥ يَرَىٰكُمۡ هُوَ وَقَبِيلُهُۥ مِنۡ حَيۡثُ لَا تَرَوۡنَهُمۡۗ إِنَّا جَعَلۡنَا ٱلشَّيَٰطِينَ أَوۡلِيَآءَ لِلَّذِينَ لَا يُؤۡمِنُونَ 27﴾:

أمَرَ جل وعلا بني آدم ألَّا ينخدعوا بالشيطان فيطيعوه، فيكون ذلك سببًا في إخراجهم مِن نِعَمِ الدنيا والآخرة التي لا تتم إلا بالإيمان بالله؛ كما استجاب أبواكم آدم وزوجه لإبليس، فأخرَجَهما من الجنة، ونزَعَ عنهما لباسهما، وأظهر لهما عوراتهما، واعلموا أن إبليس يراكم هو وذريته، وأنتم لا ترونهم، ثم أخبَرَ سبحانه أنه جعل الشيطان وأعوانه أولياء للذين لا يؤمنون بالله ورسوله.

[28] ﴿وَإِذَا فَعَلُواْ فَٰحِشَةٗ قَالُواْ وَجَدۡنَا عَلَيۡهَآ ءَابَآءَنَا وَٱللَّهُ أَمَرَنَا بِهَاۗ قُلۡ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يَأۡمُرُ بِٱلۡفَحۡشَآءِۖ أَتَقُولُونَ عَلَى ٱللَّهِ مَا لَا تَعۡلَمُونَ 28﴾:

ثم أخبَرَ جل وعلا أن السفهاء المشركين إذا فعلوا فاحشة، قالوا: لقد اقتدينا بآبائنا في فعل هذه الفاحشة، واللهُ أمرنا بها، والمقصود بالفاحشة هنا: هو طوافهم بالبيت الحرام الكعبة وهم عُرَاة، والعِبْرةُ: بعموم اللفظ، لا بخصوص السبب.

ثم أمَرَ جل وعلا نبيه ﷺ أن يقول لهم: إن الله لا يأمرُ بالفحشاء والمنكر؛ أتقولون على الله ما لا تعلمون كذبًا وافتراء عليه؟!

[29] ﴿قُلۡ أَمَرَ رَبِّي بِٱلۡقِسۡطِۖ وَأَقِيمُواْ وُجُوهَكُمۡ عِندَ كُلِّ مَسۡجِدٖ وَٱدۡعُوهُ مُخۡلِصِينَ لَهُ ٱلدِّينَۚ كَمَا بَدَأَكُمۡ تَعُودُونَ 29﴾:

ثم قل -أيها الرسول- لهؤلاء المشركين: لقد أمَرَ ربي بالعدل والاستقامة على دينه، وأمر أن نتوجَّه إليه سبحانه في كل عبادة نتعبَّدُ الله بها، وأمَرَ بإخلاص الدعاء له، واعلموا أنه كما خلقكم أول مرة بعد العدم، فسيعيدكم إليه مرة أخرى؛ ليحاسبكم على أعمالكم.

[30] ﴿فَرِيقًا هَدَىٰ وَفَرِيقًا حَقَّ عَلَيۡهِمُ ٱلضَّلَٰلَةُۚ إِنَّهُمُ ٱتَّخَذُواْ ٱلشَّيَٰطِينَ أَوۡلِيَآءَ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَيَحۡسَبُونَ أَنَّهُم مُّهۡتَدُونَ 30﴾:

واعلموا أن الناس فريقان؛ فريق: التمَسُوا الخير، فوفَّقهم الله للهداية، وفريق: استزلَّهم الشيطان واستزلَّتهم الشهوات؛ فوجبت عليهم الضلالة؛ بما كسبت أيديهم من المعاصي، واتخاذِهم الشياطين أولياء يوالونهم ويعبدونهم من دون الله، ويظنون أنهم على الهداية والرشاد.

[31] ﴿يَٰبَنِيٓ ءَادَمَ خُذُواْ زِينَتَكُمۡ عِندَ كُلِّ مَسۡجِدٖ وَكُلُواْ وَٱشۡرَبُواْ وَلَا تُسۡرِفُوٓاْۚ إِنَّهُۥ لَا يُحِبُّ ٱلۡمُسۡرِفِينَ 31﴾:

أمَرَ جل وعلا بني آدم أن يلبسوا الملابس الحسنة التي تستُرُ عوراتهم عند كل صلاة، وأن يأكلوا ويشربوا من الخيرات والمَلَذَّات الحلال كما يشاؤون من غير إسراف، ولا تجاوز لحدود المعقول؛ فإن الله لا يحب المسرفين المتجاوزين لحدوده.

[32] ﴿قُلۡ مَنۡ حَرَّمَ زِينَةَ ٱللَّهِ ٱلَّتِيٓ أَخۡرَجَ لِعِبَادِهِۦ وَٱلطَّيِّبَٰتِ مِنَ ٱلرِّزۡقِۚ قُلۡ هِيَ لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ فِي ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَا خَالِصَةٗ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِۗ كَذَٰلِكَ نُفَصِّلُ ٱلۡأٓيَٰتِ لِقَوۡمٖ يَعۡلَمُونَ 32﴾:

وقل -أيها النبي- لهؤلاء المشركين الجَهَلة الذين حرَّموا بعض المآكل والمشارب والملابس بدون دليل من الشرع؛ قل لهم: مَنْ حرَّم عليكم التجمُّل بالثياب التي خلقها الله لعباده؟! وكذلك: مَنْ حرَّم عليكم التلذُّذ بأنواع المآكل والمشارب؟! ثم قل لهم: اعلموا أن ما أحلَّه الله من هذه الطيبات هي للذين آمنوا في الحياة الدنيا، ويشاركهم فيها المشركون والكفار تبعًا، أما يوم القيامة، فسوف تكون خالصةً للذين آمنوا يتنعَّمون بها وحدهم، أما الكفار، فسوف يُحْرَمُونَ منها؛ لأنهم سيدخُلُونَ النار، ولن يدخلوا الجنة أبدًا؛ وبهذا البيان الواضح يبيِّن سبحانه آياته لقوم يعلمون أنها من عند الله؛ فيعقلونها ويفهمونها.

[33] ﴿قُلۡ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ ٱلۡفَوَٰحِشَ مَا ظَهَرَ مِنۡهَا وَمَا بَطَنَ وَٱلۡإِثۡمَ وَٱلۡبَغۡيَ بِغَيۡرِ ٱلۡحَقِّ وَأَن تُشۡرِكُواْ بِٱللَّهِ مَا لَمۡ يُنَزِّلۡ بِهِۦ سُلۡطَٰنٗا وَأَن تَقُولُواْ عَلَى ٱللَّهِ مَا لَا تَعۡلَمُونَ 33﴾:

وقل لهم -أيها النبي-: اعلموا -أيها الكفار- أن الله حرَّم الفواحش الكبيرة التي ظهر قبحها لكل عاقل؛ سواءٌ ما كان منها سرًّا أو علانيةً، وكذلك حرَّم المعاصي بكل أنواعها، وحرَّم التعدِّي على الناس بغير الحق ظلمًا وعدوانًا، وحرَّم عليكم أن تجعلوا له سبحانه شركاء في العبادة، دون أن ينزِّلَ عليكم في ذلك حجةً أو برهانًا، وحرَّم عليكم أن تفتروا عليه سبحانه الكذب؛ بتحليل ما حرم الله، أو تحريم ما أحل، بدون علم بصحة ما تقولون، وصدق ما تدَّعون.

[34] ﴿وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٞۖ فَإِذَا جَآءَ أَجَلُهُمۡ لَا يَسۡتَأۡخِرُونَ سَاعَةٗ وَلَا يَسۡتَقۡدِمُونَ 34﴾:

واعلموا أن لكل أمة من الأمم مُدَّةً معلومة عند الله ينتهي أجلها عندها؛ فإذا انتهت هذه المدَّة المحدَّدة، ووقع عليهم الموت ومفارقة الحياة الدنيا، فإنهم لن يستطيعوا تقديم هذه المدَّة المحدَّدة أو تأخيرها بُرْهةً من الزمن.

[35] ﴿يَٰبَنِيٓ ءَادَمَ إِمَّا يَأۡتِيَنَّكُمۡ رُسُلٞ مِّنكُمۡ يَقُصُّونَ عَلَيۡكُمۡ ءَايَٰتِي فَمَنِ ٱتَّقَىٰ وَأَصۡلَحَ فَلَا خَوۡفٌ عَلَيۡهِمۡ وَلَا هُمۡ يَحۡزَنُونَ 35﴾:

ثم خاطب جل وعلا كافة البشر، فقال سبحانه: يا بني آدم، إذا أتتكم رسلي يتلون عليكم آيات ربكم ليبيِّنوا لكم الشرائع، فآمنوا بهم وصدِّقوهم، واعلموا أن مَنْ آمن وخاف الله، ولم يرتكب الذنوب والمعاصي، وعمل الأعمال الصالحة، فإنه لا خوف عليهم ولا هم يحزنون في الدنيا والآخرة.

[36] ﴿وَٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِـَٔايَٰتِنَا وَٱسۡتَكۡبَرُواْ عَنۡهَآ أُوْلَٰٓئِكَ أَصۡحَٰبُ ٱلنَّارِۖ هُمۡ فِيهَا خَٰلِدُونَ 36﴾:

ثم أخبَرَ جل وعلا أن الذين كذَّبوا بآيات الله التي أُنْزِلَتْ على رسله، واستكبروا عنها، ولم يستجيبوا لها، فأولئك هم أهل النار ماكثون فيها لا يخرُجُونَ منها أبدًا.

[37] ﴿فَمَنۡ أَظۡلَمُ مِمَّنِ ٱفۡتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ كَذِبًا أَوۡ كَذَّبَ بِـَٔايَٰتِهِۦٓۚ أُوْلَٰٓئِكَ يَنَالُهُمۡ نَصِيبُهُم مِّنَ ٱلۡكِتَٰبِۖ حَتَّىٰٓ إِذَا جَآءَتۡهُمۡ رُسُلُنَا يَتَوَفَّوۡنَهُمۡ قَالُوٓاْ أَيۡنَ مَا كُنتُمۡ تَدۡعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِۖ قَالُواْ ضَلُّواْ عَنَّا وَشَهِدُواْ عَلَىٰٓ أَنفُسِهِمۡ أَنَّهُمۡ كَانُواْ كَٰفِرِينَ 37﴾:

اعلموا أنه لا أحدَ أشدُّ ظلمًا ممن افترى على الله الكذب؛ بنسبة الشريك والولد له، وتحريمِ ما أحلَّ الله، وتحليلِ ما حرَّم، أو كذَّب بآيات الله الواضحة البينة؛ فهؤلاء لهم نصيبهم المقدَّر لهم في اللوح المحفوظ؛ فيتمتَّعون في الدنيا قليلًا، ثم يُعذَّبونَ يوم القيامة في نار جهنم خالدين فيها أبد الآبدين، ثم صوَّر سبحانه حالهم عند قبض أرواحهم، فقال: فإذا انتهت آجال هؤلاء المشركين وجاءت الملائكة لتقبض أرواحهم، قال الملائكة موبِّخين لهم: أين أصنامكم التي كنتم تَدْعُونَ من دون الله؟! فيرُدُّ هؤلاء المشركون قائلين: لقد غابوا عنَّا ولا ندري أين ذهبوا؟! ثم اعترفوا على أنفسهم بأنهم كانوا على الكفر والضلال، وأنهم يستحقُّون العذاب الأليم.

[38] ﴿قَالَ ٱدۡخُلُواْ فِيٓ أُمَمٖ قَدۡ خَلَتۡ مِن قَبۡلِكُم مِّنَ ٱلۡجِنِّ وَٱلۡإِنسِ فِي ٱلنَّارِۖ كُلَّمَا دَخَلَتۡ أُمَّةٞ لَّعَنَتۡ أُخۡتَهَاۖ حَتَّىٰٓ إِذَا ٱدَّارَكُواْ فِيهَا جَمِيعٗا قَالَتۡ أُخۡرَىٰهُمۡ لِأُولَىٰهُمۡ رَبَّنَا هَٰٓؤُلَآءِ أَضَلُّونَا فَـَٔاتِهِمۡ عَذَابٗا ضِعۡفٗا مِّنَ ٱلنَّارِۖ قَالَ لِكُلّٖ ضِعۡفٞ وَلَٰكِن لَّا تَعۡلَمُونَ 38﴾:

ثم يقول جل وعلا لهؤلاء الكفار يوم القيامة: ادخلوا -أيها الكفار- النار مع أمم أمثالكم في الكفر والضلال من الجن والإنس قد سبقوا قبلكم إلى النار، ثم بيَّن سبحانه بعض أحوالهم؛ حيث إنه كلَّما دخَلَتْ أمَّةٌ النار، لعنت مَنْ سبقتها؛ لأنهم ضلوا بسبب اتِّبَاعِهم، حتى إذا اجتمعوا في النار جميعًا، قالت أخراهم دخولًا إلى النار لأولاهم دخولًا: ربَّنا هؤلاء هم سبب ضلالنا، فضاعِفْ عليهم العذاب بأشدَّ مما تعذبنا به، فقال جل وعلا: كلَّا! فإن للتَّابعِ والمتبوعِ ضِعْفَ العذاب، ولكنكم لا تعلمون حقيقة هذا العذاب.

[39] ﴿وَقَالَتۡ أُولَىٰهُمۡ لِأُخۡرَىٰهُمۡ فَمَا كَانَ لَكُمۡ عَلَيۡنَا مِن فَضۡلٖ فَذُوقُواْ ٱلۡعَذَابَ بِمَا كُنتُمۡ تَكۡسِبُونَ 39﴾:

ثم قال الرؤساء لأتباعهم: اعلموا -أيها الأتباع- أنه لا فضل لكم علينا، فيخفَّفَ عنكم العذاب، فقد اشتركنا جميعًا في الكفر والضلال؛ فحينئذ يقول جل وعلا للفريقين: فذوقوا العذاب جميعًا بما كنتم تعملون في حياتكم الدنيا؛ مِنْ كفر وفسوق وإضلال للآخرين.

[40] ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِـَٔايَٰتِنَا وَٱسۡتَكۡبَرُواْ عَنۡهَا لَا تُفَتَّحُ لَهُمۡ أَبۡوَٰبُ ٱلسَّمَآءِ وَلَا يَدۡخُلُونَ ٱلۡجَنَّةَ حَتَّىٰ يَلِجَ ٱلۡجَمَلُ فِي سَمِّ ٱلۡخِيَاطِۚ وَكَذَٰلِكَ نَجۡزِي ٱلۡمُجۡرِمِينَ 40﴾:

ثم أخبَرَ جل وعلا أن الكفار الذين جحدوا آيات الله ولم يعملوا بها، علوًّا واستكبارًا عنها، لن تُفَتَّحَ أبواب السماء لأرواحهم إذا قُبِضَتْ، ولن يَصْعَدَ لهم عمل صالح أو دعاء في حياتهم الدنيا، ولن يدخلوا الجنة إلا إذا دخَلَ الجمَلُ في ثُقْبِ الإبرة، والمقصود: استحالة ذلك، ومثَّل سبحانه بالجمل؛ لأنه أضخم حيوان تَعْرِفه العرب، ثم بيَّن سبحانه أنه بمثل هذا العذاب الأليم يعاقب أولئك الذين كَثُرَ إجرامهم، واشتد طغيانهم.

[41] ﴿لَهُم مِّن جَهَنَّمَ مِهَادٞ وَمِن فَوۡقِهِمۡ غَوَاشٖۚ وَكَذَٰلِكَ نَجۡزِي ٱلظَّٰلِمِينَ 41﴾:

ثم أخبَرَ جل وعلا أن النار تحيط بهؤلاء المجرمين في جهنم؛ فلهم من تحتهم: فِرَاشٌ ومضجعٌ من نار، ومن فوقهم: أغطية من نار، واعلموا أنه بمثل هذا العقاب الشديد نعاقب كل ظالم فاجر ظلَمَ نفسه بالكفر بالله وبأنبيائه ورسله.

[42] ﴿وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ لَا نُكَلِّفُ نَفۡسًا إِلَّا وُسۡعَهَآ أُوْلَٰٓئِكَ أَصۡحَٰبُ ٱلۡجَنَّةِۖ هُمۡ فِيهَا خَٰلِدُونَ 42﴾:

ثم بيَّن جل وعلا مصير المؤمنين الأبرار الذين آمنوا بالله وعملوا الصالحات على قَدْر استطاعتهم، فإنَّ الله لا يكلِّف نفسًا إلا ما تقدر عليه من العمل الصالح، ويكون في استطاعتها، فأخبَرَ سبحانه بأن أولئك المؤمنين هم أهل الجنة وهم خالدون فيها، لا يخرُجُونَ منها أبد الآبدين.

[43] ﴿وَنَزَعۡنَا مَا فِي صُدُورِهِم مِّنۡ غِلّٖ تَجۡرِي مِن تَحۡتِهِمُ ٱلۡأَنۡهَٰرُۖ وَقَالُواْ ٱلۡحَمۡدُ لِلَّهِ ٱلَّذِي هَدَىٰنَا لِهَٰذَا وَمَا كُنَّا لِنَهۡتَدِيَ لَوۡلَآ أَنۡ هَدَىٰنَا ٱللَّهُۖ لَقَدۡ جَآءَتۡ رُسُلُ رَبِّنَا بِٱلۡحَقِّۖ وَنُودُوٓاْ أَن تِلۡكُمُ ٱلۡجَنَّةُ أُورِثۡتُمُوهَا بِمَا كُنتُمۡ تَعۡمَلُونَ 43﴾:

ثم أخبَرَ جل وعلا أنه أذهَبَ ما في صدور هؤلاء المؤمنين الذين دخلوا الجنة من كل حِقْدٍ وغِلّ، وجعل أنهار الجنة تجري من تحت قصورهم وأشجارهم، ثم أخبَرَ سبحانه أن أهل الجنة حينما دخلوها، قالوا: الحمدُ لله الذي وفَّقنا للإيمان والعمل الصالح، وما كنَّا لنوفَّق إلى هذا لولا أنْ هدانا الله سبحانه، وله الحمدُ حيثُ ثبَّتنا على هذا الإيمان، ثم قالوا: لقد جاءت رسل ربنا بالدين الصحيح الحق؛ فكانوا سببًا في هدايتنا، ثم تنادي الملائكة هؤلاء المؤمنين وتُخْبِرهم أن هذه هي الجنة التي وعَدَكم الله، فقد أورثها الله لكم برحمته، وبسبب ما قدَّمتم من الأعمال الصالحة المقبولة.

[44] ﴿وَنَادَىٰٓ أَصۡحَٰبُ ٱلۡجَنَّةِ أَصۡحَٰبَ ٱلنَّارِ أَن قَدۡ وَجَدۡنَا مَا وَعَدَنَا رَبُّنَا حَقّٗا فَهَلۡ وَجَدتُّم مَّا وَعَدَ رَبُّكُمۡ حَقّٗاۖ قَالُواْ نَعَمۡۚ فَأَذَّنَ مُؤَذِّنُۢ بَيۡنَهُمۡ أَن لَّعۡنَةُ ٱللَّهِ عَلَى ٱلظَّٰلِمِينَ 44﴾:

ثم أخبَرَ جل وعلا أن أهل الجنة ينادون أهل النار، ويقولون لهم: لقد وجدنا ما وعَدَ ربُّنا بالجنة حقًّا؛ فهل وجَدتُّم ما وعَدَ ربكم من العذاب حقًّا؟! فأجابوهم: نعم، ثم ينادى مناد بين أهل الجنة وأهل النار يَسْمَعُهُ أهل الجنة وأهل النار، يقول: إنَّ لعنةَ الله على الظالمين المجرمين، الذين ظلموا أنفسهم بالكفر والضلال وارتكاب الذنوب والمعاصي.

[45] ﴿ٱلَّذِينَ يَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ وَيَبۡغُونَهَا عِوَجٗا وَهُم بِٱلۡأٓخِرَةِ كَٰفِرُونَ 45﴾:

ثم بيَّن جل وعلا أن هذه اللعنة وهذا الطرد من رحمة اللَّه، هو جزاء الظالمين الكافرين الذين يصُدُّونَ الناس عن اتباع دين الله وشرعه ورسله، ويريدون أن يكون دين الله مُعْوَجًّا غير مستقيم حسب أهوائهم، وهم بلقاء الله في الآخرة مكذِّبون.

[46] ﴿وَبَيۡنَهُمَا حِجَابٞۚ وَعَلَى ٱلۡأَعۡرَافِ رِجَالٞ يَعۡرِفُونَ كُلَّۢا بِسِيمَىٰهُمۡۚ وَنَادَوۡاْ أَصۡحَٰبَ ٱلۡجَنَّةِ أَن سَلَٰمٌ عَلَيۡكُمۡۚ لَمۡ يَدۡخُلُوهَا وَهُمۡ يَطۡمَعُونَ 46﴾:

ثم أخبَرَ جل وعلا أن بين أهل الجنة وأهل النار حاجزًا عظيمًا مرتفعًا يقال له: الأعرافُ، وعلى هذا الحاجز رجالٌ تساوت حسناتهم وسيئاتهم، يعرفون أهل الجنة ببياض وجوههم، وأهل النار بسواد وجوههم، وإذا رأوا أصحابَ الجنة، نادَوْهم وقالوا: سلامٌ عليكم يا أهل الجنة، ثم بيَّن سبحانه أن أهل الأعراف لم يدخلوا الجنة بَعْدُ، وهم يطمعون في رحمة الله بدخولها.

[47] ﴿وَإِذَا صُرِفَتۡ أَبۡصَٰرُهُمۡ تِلۡقَآءَ أَصۡحَٰبِ ٱلنَّارِ قَالُواْ رَبَّنَا لَا تَجۡعَلۡنَا مَعَ ٱلۡقَوۡمِ ٱلظَّٰلِمِينَ 47﴾:

ثم أخبَرَ جل وعلا أن أصحاب الأعراف، إذا وقَعَ بصَرُهم على أصحاب النار، قالوا: ربَّنا، لا تجعلنا في النار مع القوم الظالمين الهالكين.

[48] ﴿وَنَادَىٰٓ أَصۡحَٰبُ ٱلۡأَعۡرَافِ رِجَالٗا يَعۡرِفُونَهُم بِسِيمَىٰهُمۡ قَالُواْ مَآ أَغۡنَىٰ عَنكُمۡ جَمۡعُكُمۡ وَمَا كُنتُمۡ تَسۡتَكۡبِرُونَ 48﴾:

ثم أخبَرَ جل وعلا أن أصحاب الأعراف ينادون رجالًا من الكفار يَعْرِفونهم بوجوههم، وقد كان لهم في الدنيا شرَفٌ ومالٌ ومنصب، فقال لهم أصحاب الأعراف على سبيل التوبيخ والتقريع: يا أهل النار، هل أغنت عنكم الأموال الطائلة التي جمعتموها في الدنيا؟! وهل نفعكم استكباركم على الحق وعلى الرسول وعلى المؤمنين؟!

[49] ﴿أَهَٰٓؤُلَآءِ ٱلَّذِينَ أَقۡسَمۡتُمۡ لَا يَنَالُهُمُ ٱللَّهُ بِرَحۡمَةٍۚ ٱدۡخُلُواْ ٱلۡجَنَّةَ لَا خَوۡفٌ عَلَيۡكُمۡ وَلَآ أَنتُمۡ تَحۡزَنُونَ 49﴾:

ثم قال أهل الأعراف لأهل النار تقريعًا وتوبيخًا لهم: يا أهل النار، أهؤلاء الذين أدخلهم الله الجنة برحمته كنتم تُقْسِمُونَ أنه لن ينالهم الله برحمة منه؛ احتقارًا لهم وازدراء؟! ثم يقال لأهل الأعراف: ادخلوا الجنة، فقد غفَرَ الله لكم، ولا خوف عليكم مستقبلًا من عذاب الله، ولا تحزنون على ما فاتكم من نعيم الدنيا الزائل؛ لأن الله أذهب عن أهل الجنة الحزن؛ كما في قوله تعالى: ﴿وَقَالُواْ ٱلۡحَمۡدُ لِلَّهِ ٱلَّذِيٓ أَذۡهَبَ عَنَّا ٱلۡحَزَنَۖ ﴾ [فاطر:٣٤].

[50] ﴿وَنَادَىٰٓ أَصۡحَٰبُ ٱلنَّارِ أَصۡحَٰبَ ٱلۡجَنَّةِ أَنۡ أَفِيضُواْ عَلَيۡنَا مِنَ ٱلۡمَآءِ أَوۡ مِمَّا رَزَقَكُمُ ٱللَّهُۚ قَالُوٓاْ إِنَّ ٱللَّهَ حَرَّمَهُمَا عَلَى ٱلۡكَٰفِرِينَ 50﴾:

وبعد أن يذوق الذين كفروا عذاب الله؛ فإنهم ينادون على أهل الجنة طالبين منهم: أن يُفِيضوا عليهم بعض ما أنعم الله عليهم من الماء، أو مما رزَقَهم الله، فيجيبهم أهل الجنة: إننا لا نستطيع؛ لأن الله حرَّم ذلك على الكافرين.

[51] ﴿ٱلَّذِينَ ٱتَّخَذُواْ دِينَهُمۡ لَهۡوٗا وَلَعِبٗا وَغَرَّتۡهُمُ ٱلۡحَيَوٰةُ ٱلدُّنۡيَاۚ فَٱلۡيَوۡمَ نَنسَىٰهُمۡ كَمَا نَسُواْ لِقَآءَ يَوۡمِهِمۡ هَٰذَا وَمَا كَانُواْ بِـَٔايَٰتِنَا يَجۡحَدُونَ 51﴾:

ثم بيَّن جل وعلا أن الله حرَّم نعيم الجنة على الكافرين الذين جعلوا دين الله لهوًا وسخريةً واستهزاءً ومخادَعةً ومحاربةً للمؤمنين، واغترُّوا بالحياة الدنيا وزخارفها، ثم بيَّن سبحانه أنه في هذا اليوم، وهو يوم القيامة: يجازيهم بتركهم في جهنَّم تركًا كالنسيان؛ جزاء لتركهم العمل لهذا اليوم، وبسبب جحودهم وكُفْرهم بآيات الله.

[52] ﴿وَلَقَدۡ جِئۡنَٰهُم بِكِتَٰبٖ فَصَّلۡنَٰهُ عَلَىٰ عِلۡمٍ هُدٗى وَرَحۡمَةٗ لِّقَوۡمٖ يُؤۡمِنُونَ 52﴾:

ثم أخبَرَ جل وعلا أنه أنزل للناس على لسان نبيه ﷺ هذا القرآن العظيم، الذي فيه تفصيلُ كل شيء يحتاجه الخلق، وهذا كلُّه بعلم وتقدير من الله، وكذلك جعله سبحانه هدًى لمن امتثله، ورحمةً لقوم آمنوا به، وتمسَّكوا بأوامره ونواهيه، وتعاليمه.

[53] ﴿هَلۡ يَنظُرُونَ إِلَّا تَأۡوِيلَهُۥۚ يَوۡمَ يَأۡتِي تَأۡوِيلُهُۥ يَقُولُ ٱلَّذِينَ نَسُوهُ مِن قَبۡلُ قَدۡ جَآءَتۡ رُسُلُ رَبِّنَا بِٱلۡحَقِّ فَهَل لَّنَا مِن شُفَعَآءَ فَيَشۡفَعُواْ لَنَآ أَوۡ نُرَدُّ فَنَعۡمَلَ غَيۡرَ ٱلَّذِي كُنَّا نَعۡمَلُۚ قَدۡ خَسِرُوٓاْ أَنفُسَهُمۡ وَضَلَّ عَنۡهُم مَّا كَانُواْ يَفۡتَرُونَ 53﴾:

ثم قال سبحانه: هل ينتظر هؤلاء الجاحدون إلا وقوع ما أخبَرَ به جل وعلا من العذاب والعقاب؟! فيوم يأتيهم ما وُعِدُوا به يوم القيامة يقول هؤلاء الكفار الذين نَسُوا لقاء هذا اليوم ندمًا وأسفًا: لقد تبيَّن لنا الآن أن رسل الله جاؤوا بالحق؛ فهل لنا من أصدقاء يشفعون لنا عند ربنا؛ فيرفع عنا العذاب؟! أو نرجع إلى حياتنا الدنيا؛ فنعمل الأعمال الصالحة، ولا نعمل الأعمال التي لا ترضي ربنا؛ كالشرك والمعاصي وغير ذلك، ثم بيَّن سبحانه وتعالى أن هؤلاء المشركين خسروا أنفسهم، وضيَّعوا حياتهم وقت العمل في الدنيا بسبب كفرهم وضلالهم؛ فمأواهم النار والعذاب، وذهب عنهم ما كانوا يعتقدون من العقائد الباطلة، وما كانوا يفترونه على الله في الدنيا. وقوله: ﴿هَلۡ يَنظُرُونَ إِلَّا تَأۡوِيلَهُۥۚ يَوۡمَ يَأۡتِي تَأۡوِيلُهُۥ﴾ [الأعراف:٥٣]، التأويل نوعان:

الأول: هو التفسيرُ المعروف، وهو: شرحُ الآيات، وتبيينُ المراد منها. الثاني: وهو المآلُ والحقيقة، أي: ما يؤول إليه الأمر بوقوعه وظهوره في الحقيقة على الطبيعة؛ كما قال يوسف لأبيه: ﴿هَٰذَا تَأۡوِيلُ رُءۡيَٰيَ مِن قَبۡلُ قَدۡ جَعَلَهَا رَبِّي حَقّٗاۖ ﴾ [يوسف:١٠٠].

[54] ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ ٱللَّهُ ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٖ ثُمَّ ٱسۡتَوَىٰ عَلَى ٱلۡعَرۡشِۖ يُغۡشِي ٱلَّيۡلَ ٱلنَّهَارَ يَطۡلُبُهُۥ حَثِيثٗا وَٱلشَّمۡسَ وَٱلۡقَمَرَ وَٱلنُّجُومَ مُسَخَّرَٰتِۭ بِأَمۡرِهِۦٓۗ أَلَا لَهُ ٱلۡخَلۡقُ وَٱلۡأَمۡرُۗ تَبَارَكَ ٱللَّهُ رَبُّ ٱلۡعَٰلَمِينَ 54﴾:

أخبَرَ جل وعلا أنه هو الذي خلق السموات والأرض وما فيهما على عِظَمهما في ستة أيام، ثم استوى على العرش، أي: علا وارتفع عليه.

والاستواءُ صفةٌ من صفات الله تعالى التي وصف بها نفسه، وهو استواءٌ حقيقيٌّ يليق بجلاله وعظمته.

وكثير من الفرق الإسلامية كالمعتزلة والأشاعرة يؤولون هذه الصفة، فيقولون: (استوى)، يعني: استولى؛ كما يؤولون غيرها من صفات الله تعالى.

أما أهل السنة والجماعة فيقولون: (استوى)، بمعنى: علا وارتفَعَ على العرش؛ استواءً حقيقيًّا يليق بجلاله عَزَّوَجَلَّ، نعلم معناه ولا نعلم كيفيته؛ كما أننا لا نعرف كيفية ذاته جل وعلا.

ويقال للمؤوِّلين: أليس الله قبل ذلك كان مستولِيًا على العرش وغيره؛ كما قال تعالى: ﴿وَهُوَ ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٖ وَكَانَ عَرۡشُهُۥ عَلَى ٱلۡمَآءِ﴾ [هود:٧]؟!

ثم أخبَرَ سبحانه أنه يغشي الليل النهار، أي: أن ظلمة الليل تغطي النهار؛ فتُذهِبُ نوره، وكذلك يُدخِلُ النهار على الليل حتى يذهب ظلامه، وكلما جاء أحدهما ذهب الآخر.

ثم أخبَرَ سبحانه أن الشمس والقمر والنجوم مسخَّرات، وأنها تسير بأمر الله وقدرته، وأخبَرَ أن له وحده الخَلْقَ والأمر، فتنزَّه سبحانه وتعاظم عن كل نقص وعيب، وهو رب الخلق أجمعين.

[55] ﴿ٱدۡعُواْ رَبَّكُمۡ تَضَرُّعٗا وَخُفۡيَةًۚ إِنَّهُۥ لَا يُحِبُّ ٱلۡمُعۡتَدِينَ 55﴾:

أمَرَ جل وعلا عباده المؤمنين أن يدعوه ويلحُّوا عليه في الدعاء، مُظْهِرين له الذل حال السؤال، وحذَّرهم أن يعتدوا في الدعاء؛ فإن الله لا يحب المعتدين المتجاوزين حدوده في الدعاء وغيره، ولهذا يجب على الإنسان، وهو يدعو أو يسبِّح أو يقرأ: أن يُسمِعَ نفسه ولا يُزعِجَ من حوله؛ كما قال تعالى: ﴿وَلَا تَجۡهَرۡ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتۡ بِهَا﴾ [الإسراء:١١٠].

[56] ﴿وَلَا تُفۡسِدُواْ فِي ٱلۡأَرۡضِ بَعۡدَ إِصۡلَٰحِهَا وَٱدۡعُوهُ خَوۡفٗا وَطَمَعًاۚ إِنَّ رَحۡمَتَ ٱللَّهِ قَرِيبٞ مِّنَ ٱلۡمُحۡسِنِينَ 56﴾:

ثم أمَرَ جل وعلا الناس ألَّا يفسدوا في الأرض بعمل المعاصي ونشرها، بعد إصلاحها بإرسال الرسل، وعمارتها بطاعة الله، وادْعُوهُ -أيها المؤمنون- خوفًا من عقابه، وطمعًا في ثوابه، واعلموا أن رحمة الله قريبٌ من المحسنين.

يقول أهل السنة والجماعة: الخوفُ والطمعُ متلازمان واجبان على كل مؤمن؛ كالجناحَيْنِ للطائر، والمَحَبَّةُ كالرأس.

[57] ﴿وَهُوَ ٱلَّذِي يُرۡسِلُ ٱلرِّيَٰحَ بُشۡرَۢا بَيۡنَ يَدَيۡ رَحۡمَتِهِۦۖ حَتَّىٰٓ إِذَآ أَقَلَّتۡ سَحَابٗا ثِقَالٗا سُقۡنَٰهُ لِبَلَدٖ مَّيِّتٖ فَأَنزَلۡنَا بِهِ ٱلۡمَآءَ فَأَخۡرَجۡنَا بِهِۦ مِن كُلِّ ٱلثَّمَرَٰتِۚ كَذَٰلِكَ نُخۡرِجُ ٱلۡمَوۡتَىٰ لَعَلَّكُمۡ تَذَكَّرُونَ 57﴾:

ثم بيَّن جل وعلا نِعْمةً من نِعَمِهِ على عباده، وهي إرسال الرياح المبشِّرات للغيث الذي تثيره بإذن الله، فيستبشِرُ الخلقُ برحمته، حتى إذا حمَلَتِ الرياح السحاب المحمَّل بالمطر، ساقه الله لإحياء بلد قد أجدَبَتْ أرضه، وكادت أن تَهْلِكَ حيواناته، ثم أنزل الماء الغزير من ذلك السحاب على هذه البلدة؛ فأنبَتَ الله لهم الزرع والثمار، ثم بيَّن سبحانه أنه كما أحيا هذه البلدة الميتة بالمطر، فإنه يحيي الموتى ويُخْرِجهم من قبورهم؛ لعلكم تتذكَّرون قدرة الله على البعث والنشور.

يقول بعض المفسِّرين: الرياحُ بصيغة الجمع في القرآن، تعني: الرحمةَ، والريحُ بصيغة المفرد، تعني: العذاب، وكان ﷺ إذا هبَّت الريح، يدعو بهذا الدعاء؛ يقول: «اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ خَيْرَهَا، وَخَيْرَ مَا فِيهَا، وَخَيْرَ مَا أُرْسِلَتْ بِهِ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّهَا، وَشَرِّ مَا فِيهَا، وَشَرِّ مَا أُرْسِلَتْ بِهِ»([2]). [2] أخرجه مسلم (899)، عن عائشة رضي الله عنها.

[58] ﴿وَٱلۡبَلَدُ ٱلطَّيِّبُ يَخۡرُجُ نَبَاتُهُۥ بِإِذۡنِ رَبِّهِۦۖ وَٱلَّذِي خَبُثَ لَا يَخۡرُجُ إِلَّا نَكِدٗاۚ كَذَٰلِكَ نُصَرِّفُ ٱلۡأٓيَٰتِ لِقَوۡمٖ يَشۡكُرُونَ 58﴾:

ثم أخبَرَ جل وعلا أن الأرض الطيبة التربة تُنبِتُ بعد إنزال المطر عليها، أما الأرض السبخة التربة، فينزل عليها المطر ولا تُنبِتُ إلا قليلًا ولا يُنتفَعُ بها، وهكذا العبد المؤمن ذو القلب الطيب، إذا سمع ما ينزل من الآيات، يزداد إيمانه، وتحسُنُ أعماله الصالحة، أما الكافر، فعندما يسمع القرآن، فإنه لا ينتفع به، فلا يعمل خيرًا ولا يترك شرًّا، وإنْ عمل خيرًا، فبتباطُؤٍ ونَكَد.

[59] ﴿لَقَدۡ أَرۡسَلۡنَا نُوحًا إِلَىٰ قَوۡمِهِۦ فَقَالَ يَٰقَوۡمِ ٱعۡبُدُواْ ٱللَّهَ مَا لَكُم مِّنۡ إِلَٰهٍ غَيۡرُهُۥٓ إِنِّيٓ أَخَافُ عَلَيۡكُمۡ عَذَابَ يَوۡمٍ عَظِيمٖ 59﴾:

أخبَرَ جل وعلا أنه بعث نوحًا عليه السلام إلى قومه يدعوهم إلى توحيدِ الله سبحانه وإخلاصِ العبادة له، فقال نوح لقومه: -يا قومِ-، اعبدوا الله وحده لا شريك له، واعلموا أنه ليس هناك إله يستحق العبادة غير الله سبحانه وتعالى، وإنني أخاف أن يَحِلَّ عليكم يوم القيامة عذابٌ عظيمٌ هَوْلُهُ؛ لشدَّة ما فيه من الأهوال والكروب.

[60] ﴿قَالَ ٱلۡمَلَأُ مِن قَوۡمِهِۦٓ إِنَّا لَنَرَىٰكَ فِي ضَلَٰلٖ مُّبِينٖ 60﴾:

فردَّ الرؤساء من قوم نوح على نبيهم قائلين: إنا لنراك -يا نوح- في بُعْدٍ بيِّنٍ واضح عن الحق والصواب؛ لأنك ترَكْتَ دينَ آبائك.

[61] ﴿قَالَ يَٰقَوۡمِ لَيۡسَ بِي ضَلَٰلَةٞ وَلَٰكِنِّي رَسُولٞ مِّن رَّبِّ ٱلۡعَٰلَمِينَ 61﴾:

فردَّ عليهم نوح عليه السلام قائلًا: اعلموا -يا قوم- أنه ليس بي كما تزعمون شيء من الضلالة، ولكني رسول من الله خالق العالمين، ورازِقِهم أجمعين.

[62] ﴿أُبَلِّغُكُمۡ رِسَٰلَٰتِ رَبِّي وَأَنصَحُ لَكُمۡ وَأَعۡلَمُ مِنَ ٱللَّهِ مَا لَا تَعۡلَمُونَ 62﴾:

واعلموا -يا قوم- أن وظيفتي التي كلَّفني الله بها أن أبلِّغكم رسالة ربِّ العالمين، وأنصحكم أن تستجيبوا لي، وتؤمنوا بالله ربكم؛ فإنه يوحى إليَّ من الله جل في علاه أنما إلهكم إله واحد، وهو الله لا إله إلا هو الرحمن الرحيم.

[63] ﴿أَوَعَجِبۡتُمۡ أَن جَآءَكُمۡ ذِكۡرٞ مِّن رَّبِّكُمۡ عَلَىٰ رَجُلٖ مِّنكُمۡ لِيُنذِرَكُمۡ وَلِتَتَّقُواْ وَلَعَلَّكُمۡ تُرۡحَمُونَ 63﴾:

ثم قال نوح عليه السلام لقومه: كيف تَعْجَبون أن جاءكم التذكير والنصح على يد رجل منكم تعرفونه وتعرفون صدقه وأمانته؟! لكي ينذركم عاقبة الشرك والكفر والضلال، وما أعدَّ الله من العذاب الأليم للمشركين؛ ولكي تخافوا الله، فتعملوا بطاعته وتجتنبوا معصيته؛ ولعلَّ الله يرحمكم يوم القيامة بعد أن تفعلوا الأسباب التي تؤدِّي إلى رحمته سبحانه وتعالى .

وهذا تبكيتٌ لهم؛ فلو جاءهم رسول من غير جنسهم، فإنهم لن يفهموا منه، ولن يتأسَّوْا به، ولرفضوه.

[64] ﴿فَكَذَّبُوهُ فَأَنجَيۡنَٰهُ وَٱلَّذِينَ مَعَهُۥ فِي ٱلۡفُلۡكِ وَأَغۡرَقۡنَا ٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِـَٔايَٰتِنَآۚ إِنَّهُمۡ كَانُواْ قَوۡمًا عَمِينَ 64﴾:

ثم أخبَرَ جل وعلا أنه لم يؤمن بنوح عليه السلام إلا القليلُ مِن قومه الذين صدَّقوا به وآمنوا بالله، مع أنه دعا قومه إلى التوحيد والإيمان بالله مدَّةً طويلة من الزمان؛ وكانت النتيجة أن الله أنزَلَ عليهم العذاب، فأنجى سبحانه نوحًا والذين معه في السفينة، وأغرَقَ الله الذين جحدوا بآيات الله ولم يؤمنوا به جل في علاه، ثم بيَّن سبحانه وتعالى أنهم كانوا قومًا عُمْيَ القلوب عن قبول الحق؛ بسبب طغيانهم وتكبُّرهم.

[65] ﴿وَإِلَىٰ عَادٍ أَخَاهُمۡ هُودٗاۚ قَالَ يَٰقَوۡمِ ٱعۡبُدُواْ ٱللَّهَ مَا لَكُم مِّنۡ إِلَٰهٍ غَيۡرُهُۥٓۚ أَفَلَا تَتَّقُونَ 65﴾:

ثم أخبَرَ جل وعلا أنه أرسل إلى قوم عاد أخاهم هودًا عليه السلام؛ لأنه واحد منهم، فقال: يا قوم، اعبدوا الله وحده، ولا تشركوا معه في العبادة أحدًا؛ فليس لكم إلهٌ حقٌّ غيره؛ أفلا تخافون نِقْمته جل في علاه؟!

[66] ﴿قَالَ ٱلۡمَلَأُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِن قَوۡمِهِۦٓ إِنَّا لَنَرَىٰكَ فِي سَفَاهَةٖ وَإِنَّا لَنَظُنُّكَ مِنَ ٱلۡكَٰذِبِينَ 66﴾:

فقال كبار الكفار من قوم هود عليه السلام: إنا لنراك -يا هود- في جهالة وخِفَّةِ عقل، ويغلب على ظننا أنك كاذبٌ في رسالتك.

[67] ﴿قَالَ يَٰقَوۡمِ لَيۡسَ بِي سَفَاهَةٞ وَلَٰكِنِّي رَسُولٞ مِّن رَّبِّ ٱلۡعَٰلَمِينَ 67﴾:

فردَّ عليهم هودٌ عليه السلام قائلًا: والله يا قوم، ليس بي جهالة بوجه من الوجوه، ولكني رسولٌ من رب الخلق أجمعين، أرسلني إليكم لأنصح لكم، وأُخْرِجكم من الظلمات إلى النور؛ فهُودٌ عليه السلام لم ينتصِرْ لنفسه، بل اكتفى بشرح مهمَّته.

[68] ﴿أُبَلِّغُكُمۡ رِسَٰلَٰتِ رَبِّي وَأَنَا۠ لَكُمۡ نَاصِحٌ أَمِينٌ 68﴾:

ثم قال هود عليه السلام لقومه: اعلموا -يا قومِ- أنني أحمل إليكم رسالة ربي حتى أبلِّغكم بها، وأنا في ذلك ناصحٌ لكم لا أريد لكم إلا النجاة من النار، وأنا أَمِينٌ مخلِصٌ أبلِّغكم وحي الله تعالى في أرضه.

[69] ﴿أَوَعَجِبۡتُمۡ أَن جَآءَكُمۡ ذِكۡرٞ مِّن رَّبِّكُمۡ عَلَىٰ رَجُلٖ مِّنكُمۡ لِيُنذِرَكُمۡۚ وَٱذۡكُرُوٓاْ إِذۡ جَعَلَكُمۡ خُلَفَآءَ مِنۢ بَعۡدِ قَوۡمِ نُوحٖ وَزَادَكُمۡ فِي ٱلۡخَلۡقِ بَصۜۡطَةٗۖ فَٱذۡكُرُوٓاْ ءَالَآءَ ٱللَّهِ لَعَلَّكُمۡ تُفۡلِحُونَ 69﴾:

ثم قال لهم هود عليه السلام: لماذا تعجبون أنْ جاءكم ذِكْرٌ وموعظةٌ من ربِّكم على لسان رسول أرسله الله إليكم، وهو رجلٌ منكم، تَعْرِفون نسبه وصدقه؛ ليخوِّفكم عذاب الله؟! ثم ذكَّرهم بنعم الله عليهم؛ ومن ذلك: أنه جعلكم خلفاء من بعد ما أهلك الله قوم نوح بالطوفان؛ بسبب كفرهم وجحودهم، وكذلك: زاد في أجسامكم قوة وطولًا، ثم عاد هود عليه السلام وذكَّرهم بنعم الله عليهم، فقال: فاذكروا نعم الله الكثيرة عليكم، واشكروا الله عليها؛ لعلَّكم تفلحون وتفوزون في الدنيا والآخرة.

[70] ﴿قَالُوٓاْ أَجِئۡتَنَا لِنَعۡبُدَ ٱللَّهَ وَحۡدَهُۥ وَنَذَرَ مَا كَانَ يَعۡبُدُ ءَابَآؤُنَا فَأۡتِنَا بِمَا تَعِدُنَآ إِن كُنتَ مِنَ ٱلصَّٰدِقِينَ 70﴾:

ثم قال قوم عاد لنبيِّهم هود عليه السلام: أجئتنا -يا هود- لتدعونا إلى عبادة الله وحده لا شريك له، وتَرْكِ ما كان يعبد آباؤنا من الأصنام؟! ثم إن هودًا عليه السلام كان يُنْذِرهم بالعذاب الأليم إذا لم يؤمنوا بالله واستمروا في كفرهم وضلالهم، فقال له قومه: فَأْتِنَا بالعذاب الذي تخوِّفنا به؛ إن كنت -يا هود- صادقًا في دعواك.

[71] ﴿قَالَ قَدۡ وَقَعَ عَلَيۡكُم مِّن رَّبِّكُمۡ رِجۡسٞ وَغَضَبٌۖ أَتُجَٰدِلُونَنِي فِيٓ أَسۡمَآءٖ سَمَّيۡتُمُوهَآ أَنتُمۡ وَءَابَآؤُكُم مَّا نَزَّلَ ٱللَّهُ بِهَا مِن سُلۡطَٰنٖۚ فَٱنتَظِرُوٓاْ إِنِّي مَعَكُم مِّنَ ٱلۡمُنتَظِرِينَ 71﴾:

فقال لهم هود عليه السلام: اعلموا -يا قوم- أنكم ما دمتم مُصِرِّينَ على الكفر، فقد وجب غضب الله وعذابه عليكم، وبعد أن هدَّدهم قال لهم عليه السلام: أتجادلونني في أصنامٍ أحدَثْتُموها أنتم وآباؤكم، وجعَلْتُموها آلهة، وما نزَّل الله بها من حجة أو دليل، فانتظروا عقاب الله كما طلَبْتم، وأنا معكم سأنتظر عقوبة الله بكم.

[72] ﴿فَأَنجَيۡنَٰهُ وَٱلَّذِينَ مَعَهُۥ بِرَحۡمَةٖ مِّنَّا وَقَطَعۡنَا دَابِرَ ٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِـَٔايَٰتِنَاۖ وَمَا كَانُواْ مُؤۡمِنِينَ 72﴾:

ثم أخبَرَ جل وعلا أنه أنجى هودًا والذين آمنوا معه من المؤمنين برحمة من الله وفَضْل، وأنه أهلَكَ القوم الذين كذَّبوا بآيات الله واستأصلهم، وما كانوا من المؤمنين؛ لتكذيبهم بآيات الله، وعدم اتباعهم رسوله ﷺ.

[73] ﴿وَإِلَىٰ ثَمُودَ أَخَاهُمۡ صَٰلِحٗاۚ قَالَ يَٰقَوۡمِ ٱعۡبُدُواْ ٱللَّهَ مَا لَكُم مِّنۡ إِلَٰهٍ غَيۡرُهُۥۖ قَدۡ جَآءَتۡكُم بَيِّنَةٞ مِّن رَّبِّكُمۡۖ هَٰذِهِۦ نَاقَةُ ٱللَّهِ لَكُمۡ ءَايَةٗۖ فَذَرُوهَا تَأۡكُلۡ فِيٓ أَرۡضِ ٱللَّهِۖ وَلَا تَمَسُّوهَا بِسُوٓءٖ فَيَأۡخُذَكُمۡ عَذَابٌ أَلِيمٞ 73﴾:

ثم أخبَرَ جل وعلا أنه أرسل إلى قبيلة ثَمُوَد أخاهم صالحًا، فقال لهم: يا قوم، اعبدوا الله وحده لا شريك له، واعلموا أنه ليس لكم إله غيره يستحِقُّ العبادة فتعبدوه، ثم قال لهم: وقد جئتكم بمعجزة من ربكم، وهي ناقةٌ عظيمة، خلَقَها الله وأخرجها من الصخرة حسَبَ رغبتكم؛ لتكون دليلًا على صدق ما أدعوكم إليه؛ فاتركوها تأكُلْ في أرض الله، ولا تتعرَّضوا لها بإيذاء أو ذبح أو غيره، فإن فعلتم، فسوف يأتيكم من الله عذاب أليم موجع.

[74] ﴿وَٱذۡكُرُوٓاْ إِذۡ جَعَلَكُمۡ خُلَفَآءَ مِنۢ بَعۡدِ عَادٖ وَبَوَّأَكُمۡ فِي ٱلۡأَرۡضِ تَتَّخِذُونَ مِن سُهُولِهَا قُصُورٗا وَتَنۡحِتُونَ ٱلۡجِبَالَ بُيُوتٗاۖ فَٱذۡكُرُوٓاْ ءَالَآءَ ٱللَّهِ وَلَا تَعۡثَوۡاْ فِي ٱلۡأَرۡضِ مُفۡسِدِينَ 74﴾:

وبعد أن بيَّن صالح عليه السلام لقومه مهمَّتَهُ، قال لهم: تذكَّروا -يا قومِ- نعمة ربكم عليكم؛ حيث جعلكم خلفاء في الأرض بعد أن أهلَكَ قوم عاد الذين كانوا مِنْ قبلكم؛ بسبب إجرامهم وطغيانهم، وأسكنكم في أرض الحِجْرِ تبنون في سهولها القصور الفارهة، وتَنْحِتون من الجبال بيوتًا لكم لتسكنُوا فِيهَا؛ فاذكروا نِعَمَ الله عليكم، واشكروه سبحانه على ما تفضَّل عليكم من هذه النعم، واحذروا أن تنشروا في الأرض الفساد؛ فيهلككم الله كما أهلك من قبلكم، قَوْمَ عَادٍ وغيرهم من الأقوام المُفْسِدين.

[75] ﴿قَالَ ٱلۡمَلَأُ ٱلَّذِينَ ٱسۡتَكۡبَرُواْ مِن قَوۡمِهِۦ لِلَّذِينَ ٱسۡتُضۡعِفُواْ لِمَنۡ ءَامَنَ مِنۡهُمۡ أَتَعۡلَمُونَ أَنَّ صَٰلِحٗا مُّرۡسَلٞ مِّن رَّبِّهِۦۚ قَالُوٓاْ إِنَّا بِمَآ أُرۡسِلَ بِهِۦ مُؤۡمِنُونَ 75﴾:

فقال كبار الكفار الذين استكبروا من قوم صالح، مخاطبين مَنْ آمن مِنْ ضعفاء القوم على سبيل السخرية والاستهزاء: هل أنتم متأكِّدون أن صالحًا مرسل من ربه؟! فأجاب المؤمنون الضعفاء قائلين: إنا بما أُرْسِلَ به صالحٌ لمؤمنون.

[76] ﴿قَالَ ٱلَّذِينَ ٱسۡتَكۡبَرُوٓاْ إِنَّا بِٱلَّذِيٓ ءَامَنتُم بِهِۦ كَٰفِرُونَ 76﴾:

فردَّ المستكبرون عليهم قائلين: أما نحن، فإنا بالذي آمنتم به جاحدون وغير مقرِّين ولا معترفين.

[77] ﴿فَعَقَرُواْ ٱلنَّاقَةَ وَعَتَوۡاْ عَنۡ أَمۡرِ رَبِّهِمۡ وَقَالُواْ يَٰصَٰلِحُ ٱئۡتِنَا بِمَا تَعِدُنَآ إِن كُنتَ مِنَ ٱلۡمُرۡسَلِينَ 77﴾:

وبعد إصرار هؤلاء المجرمين على الكفر والجحود، قاموا بَعْقِر الناقة، واستكبروا وتمرَّدوا على دين الله ولم يطيعوه سبحانه، ثم قالوا على سبيل العناد والاستكبار والسخرية: ائْتِنَا -يا صالح- بالعذاب الذي توعَّدتنا به؛ إن كنت من المرسلين حقًّا.

[78] ﴿فَأَخَذَتۡهُمُ ٱلرَّجۡفَةُ فَأَصۡبَحُواْ فِي دَارِهِمۡ جَٰثِمِينَ 78﴾:

ثم أخبَرَ سبحانه وتعالى أنه أمهلهم ثلاثة أيام، ثم نزَلَ بهم العذاب الشديد؛ كما قال تعالى: ﴿تَمَتَّعُواْ فِي دَارِكُمۡ ثَلَٰثَةَ أَيَّامٖۖ ﴾ [هود:٦٥]؛ فزلزل الله الأرض من تحتهم؛ فأصبحوا في ديارهم جاثمين على رُكَبِهِمْ ووجوههم.

وقد وصف جل وعلا كِبَرَ جُثَثِهم بجذوع النخل؛ فقال تعالى: ﴿كَأَنَّهُمۡ أَعۡجَازُ نَخۡلٍ خَاوِيَةٖ﴾ [الحاقة:٧]، وهذا وصفٌ لقوم عاد، وينطبق على قوم ثمود، وعلى كلِّ مَنْ أخذتهم الصيحة؛ حيث انتشَرَتْ جثثهم في العراء، كأعجاز النخل الخاوية؛ إذْ لم يُقْبَرْ أحد منهم؛ حيث أخذتهم الصيحة جميعًا؛ نعوذ بالله من غضبه وسخطه وعقابه.

[79] ﴿فَتَوَلَّىٰ عَنۡهُمۡ وَقَالَ يَٰقَوۡمِ لَقَدۡ أَبۡلَغۡتُكُمۡ رِسَالَةَ رَبِّي وَنَصَحۡتُ لَكُمۡ وَلَٰكِن لَّا تُحِبُّونَ ٱلنَّٰصِحِينَ 79﴾:

وبعد أن وقع العذاب على قوم ثمود، وأفناهم الله جميعًا، أعرَضَ نبيهم صالح عليه السلام عنهم، وتركهم لمصيرهم الذي استحقُّوه، وقال على سبيل الحزن والتحسر: والله -يا قوم- لقد أبلغتكم أوامر الله ، ونصحتكم وحذَّرتكم أن ينزل بكم عذابه، ولكنكم لا تحبون من ينصحكم ويرشدكم.

وهكذا كل الذين لا يرغبون في الصلاح يَكْرَهون مَنْ ينصحهم ويوجِّههم.

[80] ﴿وَلُوطًا إِذۡ قَالَ لِقَوۡمِهِۦٓ أَتَأۡتُونَ ٱلۡفَٰحِشَةَ مَا سَبَقَكُم بِهَا مِنۡ أَحَدٖ مِّنَ ٱلۡعَٰلَمِينَ 80﴾:

ثم أخبَرَ جل وعلا أنه أرسل لوطًا عليه السلام إلى قومه ليَدْعُوَهم إلى دين الله، ويأمرهم بالمعروف، وينهاهم عن المنكر، وبخاصَّةٍ عن تلك الفَعْلة الشنيعة التي ابتدعوها، وهي فاحشةُ أن يجامِعَ الرجلُ رجلًا، وسميت لِوَاطًا؛ لأنهم هم الذين ابتدعوها؛ حيث قال لهم مستنكِرًا عليهم: يا قوم، أتأتون هذه الفاحشة البشعة القبيحة التي لم يفعلها أحدٌ مِنْ قبلكم من العالمين.

[81] ﴿إِنَّكُمۡ لَتَأۡتُونَ ٱلرِّجَالَ شَهۡوَةٗ مِّن دُونِ ٱلنِّسَآءِۚ بَلۡ أَنتُمۡ قَوۡمٞ مُّسۡرِفُونَ 81﴾:

ثم قال لوط عليه السلام لقومه مستنكرًا عليهم: يا قوم، إنكم لتأتون الذكور في أدبارهم شهوةً منكم، وتتركون ما أحلَّ الله لكم من نسائكم؛ إنكم قوم متجاوزون لحدود الله، غارقون في الذنوب والمعاصي؛ فخافوا الله ربكم، وأَقْلِعوا عن هذه الجريمة.

[82] ﴿وَمَا كَانَ جَوَابَ قَوۡمِهِۦٓ إِلَّآ أَن قَالُوٓاْ أَخۡرِجُوهُم مِّن قَرۡيَتِكُمۡۖ إِنَّهُمۡ أُنَاسٞ يَتَطَهَّرُونَ 82﴾:

فما كان من هؤلاء السفهاء المجرِمين إلا أن أجابوا نبيهم لوطًا عليه السلام ومَنْ آمن معه، فقالوا: أخرجوا آل لوط من قريتكم؛ إنهم أناس يتنزَّهون عما نفعله من هذه الفواحش ومن إتيان الرجال في الأدبار؛ فيا سبحان الله، لقد أصبح الذي يتطهَّر ويبتعد عن هذه الفواحش في نظَرِ هؤلاء غير صالح لمساكنتهم.

وقوله: ﴿أَخۡرِجُوهُم مِّن قَرۡيَتِكُمۡۖ ﴾، هذا هو ديدن الفسَّاق في كل زمان: أنهم لا يحبون أهل الصلاح؛ لأنهم يعكِّرون عليهم صفو حياتهم وفِسْقهم وفجورهم؛ ولذا فإنهم يسعَوْنَ للتخلُّص منهم بإخراجهم وإبعادهم؛ لتخلو لهم الأجواء.

[83] ﴿فَأَنجَيۡنَٰهُ وَأَهۡلَهُۥٓ إِلَّا ٱمۡرَأَتَهُۥ كَانَتۡ مِنَ ٱلۡغَٰبِرِينَ 83﴾:

ولما أراد جل وعلا أن يعاقب قوم لوط على فِسْقهم وإجرامهم، أنجى سبحانه لوطًا عليه السلام وأهله، إلا امرأته، فإنها كانت من هؤلاء الضالِّين الباقين الذين بَقُوا في قريتهم، فنالهم العذاب الأليم؛ حيث إنها لم تؤمن بلُوطٍ عليه السلام، ورَضِيَتْ بهذا الفعل من قومها، ولم تستنكره؛ بل قيل: إذا جاء أضيافٌ لنبي الله لوط عليه السلام، فإن امرأته كانت تسلِّطَ عليهم أولئك المجرمين.

[84] ﴿وَأَمۡطَرۡنَا عَلَيۡهِم مَّطَرٗاۖ فَٱنظُرۡ كَيۡفَ كَانَ عَٰقِبَةُ ٱلۡمُجۡرِمِينَ 84﴾:

ثم أخبَرَ جل وعلا أنه أنزَلَ على هؤلاء المجرِمين نوعًا عجيبًا من العذاب يناسب جريمتهم؛ لأنهم انتكسوا عن الفطرة، فأتوا الرجال دون النساء؛ فكانت عقوبتهم أن أنزل الله عليهم أمطارًا من حجارة من طين متجمِّد، وقلَبَ قريتهم التي كانوا فيها، فجعل عاليها سافلها؛ فانظر -أيها الرسول- كيف صارت عاقبة هؤلاء الذين جحدوا آيات الله، وانتهكوا محارمه.

[85] ﴿وَإِلَىٰ مَدۡيَنَ أَخَاهُمۡ شُعَيۡبٗاۚ قَالَ يَٰقَوۡمِ ٱعۡبُدُواْ ٱللَّهَ مَا لَكُم مِّنۡ إِلَٰهٍ غَيۡرُهُۥۖ قَدۡ جَآءَتۡكُم بَيِّنَةٞ مِّن رَّبِّكُمۡۖ فَأَوۡفُواْ ٱلۡكَيۡلَ وَٱلۡمِيزَانَ وَلَا تَبۡخَسُواْ ٱلنَّاسَ أَشۡيَآءَهُمۡ وَلَا تُفۡسِدُواْ فِي ٱلۡأَرۡضِ بَعۡدَ إِصۡلَٰحِهَاۚ ذَٰلِكُمۡ خَيۡرٞ لَّكُمۡ إِن كُنتُم مُّؤۡمِنِينَ 85﴾:

ثم أخبَرَ جل وعلا أنه أرسل إلى قبيلة مَدْيَنَ نبيَّه شعيبًا الذي تربط بينه وبينهم رابطة النسب؛ فقال لهم: يا قوم، اعبدوا الله وحده لا شريك له؛ فقد جاءتكم الآيات والحجج والبراهين التي تدُلُّ على صدق ما جئتكم به، وأتموا المكيال والميزان، ولا تنقُصُوا شيئًا من حقوق الناس، ولا تفسدوا في الأرض بارتكاب الذنوب والمعاصي بعد أن بذَلَ الأنبياء وأتباعُهم الصالحون جهدهم في إصلاحها وإصلاح أهلها، واعلموا أن هذه الأوامر التي أمَرَكم الله بها هي خيرٌ لكم من الاستمرار في الظلم والعدوان والإفساد في الأرض؛ إن كنتم مؤمنين بالله واليوم الآخر. وقد ذكر المفسِّرون أن مَدْيَنَ تقع بقرب مدينة مَعَانٍ جنوبَ الأُرْدُنِّ على طريق الحجاز.

[86] ﴿وَلَا تَقۡعُدُواْ بِكُلِّ صِرَٰطٖ تُوعِدُونَ وَتَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ مَنۡ ءَامَنَ بِهِۦ وَتَبۡغُونَهَا عِوَجٗاۚ وَٱذۡكُرُوٓاْ إِذۡ كُنتُمۡ قَلِيلٗا فَكَثَّرَكُمۡۖ وَٱنظُرُواْ كَيۡفَ كَانَ عَٰقِبَةُ ٱلۡمُفۡسِدِينَ 86﴾:

واستمَرَّ شعيب عليه السلام في نصح قومه، فقال لهم: ولا تقعدوا -يا قومِ- بكل طريق تخوِّفون من أراد الإيمان بالله بالقتل والتعذيب، وتبذُلُونَ جهدكم في صرف مَنْ آمن بالله عن الطريق المستقيم وعن الهدى، وتسعَوْنَ في أن يكون طريق الله المستقيم طريقًا مُعْوَجًّا بإلقاء الشُّبُهاتِ وإشاعة الأباطيل، ثم قال لهم: واذكروا -يا قومِ- نعمة الله عليكم يوم أن كان عددكم قليلًا فكثَّركم، وكنتم فقراءَ فأغناكم، وانظروا إلى المفسدين ممن قبلكم كيف كانت نهايتهم؛ حيث كان آخِرَ أمرهم الهلاكُ والدمار.

[87] ﴿وَإِن كَانَ طَآئِفَةٞ مِّنكُمۡ ءَامَنُواْ بِٱلَّذِيٓ أُرۡسِلۡتُ بِهِۦ وَطَآئِفَةٞ لَّمۡ يُؤۡمِنُواْ فَٱصۡبِرُواْ حَتَّىٰ يَحۡكُمَ ٱللَّهُ بَيۡنَنَاۚ وَهُوَ خَيۡرُ ٱلۡحَٰكِمِينَ 87﴾:

ثم نصَحَ شعيب عليه السلام قومه بأن يتحلَّوْا بشيء من الصبر والعدل، فقال لهم: وإنْ كان جماعةٌ منكم آمنوا برسالتي وصدَّقوني، وجماعةٌ لم تؤمن بذلك، بل أصرُّوا على كفرهم وعنادهم، فاصبروا حتى يحكُمَ الله بيننا وبينكم بحُكْمه العادل، وهو سبحانه خيرُ الحاكمين؛ وعندها سينصُرُ الله الحق وأهله، ويعذِّب الكافرين الجاحدين؛ وحينئذٍ ترون أيها المكذِّبون الضالون أنكم كنتم في ضلال واضح مبين.

[88] ﴿قَالَ ٱلۡمَلَأُ ٱلَّذِينَ ٱسۡتَكۡبَرُواْ مِن قَوۡمِهِۦ لَنُخۡرِجَنَّكَ يَٰشُعَيۡبُ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ مَعَكَ مِن قَرۡيَتِنَآ أَوۡ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَاۚ قَالَ أَوَلَوۡ كُنَّا كَٰرِهِينَ 88﴾:

وبعد أن أفحم خطيبُ الأنبياء شعيبٌ عليه السلام قومه بالحجج والبراهين، قال الزعماء والكبراء من قومه لشعيب وأتباعه: والله لنخرجنَّك يا شعيب ومَنْ معك من المؤمنين من قريتنا، أو لَتَرْجِعُنَّ إلى ديننا وتترُكُنَّ ما تدعون إليه، فردَّ شعيب عليه السلام على هؤلاء السفهاء قائلًا لهم: أنتَّبِعُ دينكم، ونحن كارهون له، ونعلم أنه باطل؟! وبمثل هذا الأسلوب كان رَدُّ قوم نوح لنبيهم نوح عليه السلام: ﴿قَالُواْ لَئِن لَّمۡ تَنتَهِ يَٰنُوحُ لَتَكُونَنَّ مِنَ ٱلۡمَرۡجُومِينَ﴾ [الشعراء:١١٦]. أما قوم إبراهيم عليه السلام، فقد أوقدوا نارًا عظيمة لم يستطيعوا القُرْبَ منها، فرمَوْهُ بها بالمنجنيق؛ قال تعالى: [الأنبياء:٦٨-٦٩]. فالأنبياء والدعاة كلُّهم على مدى الأزمنة والعصور، غيرُ مرغوب فيهم من الكَفَرة والفسَّاق. ﴿قَالُواْ حَرِّقُوهُ وَٱنصُرُوٓاْ ءَالِهَتَكُمۡ إِن كُنتُمۡ فَٰعِلِينَ 68 قُلۡنَا يَٰنَارُ كُونِي بَرۡدٗا وَسَلَٰمًا عَلَىٰٓ إِبۡرَٰهِيمَ﴾

[89] ﴿قَدِ ٱفۡتَرَيۡنَا عَلَى ٱللَّهِ كَذِبًا إِنۡ عُدۡنَا فِي مِلَّتِكُم بَعۡدَ إِذۡ نَجَّىٰنَا ٱللَّهُ مِنۡهَاۚ وَمَا يَكُونُ لَنَآ أَن نَّعُودَ فِيهَآ إِلَّآ أَن يَشَآءَ ٱللَّهُ رَبُّنَاۚ وَسِعَ رَبُّنَا كُلَّ شَيۡءٍ عِلۡمًاۚ عَلَى ٱللَّهِ تَوَكَّلۡنَاۚ رَبَّنَا ٱفۡتَحۡ بَيۡنَنَا وَبَيۡنَ قَوۡمِنَا بِٱلۡحَقِّ وَأَنتَ خَيۡرُ ٱلۡفَٰتِحِينَ 89﴾:

ثم قال شعيبٌ عليه السلام لقومه: اعلموا -يا قوم- أنَّا لو أطعناكم وعُدْنا إلى دينكم الباطل، بعد أن نجَّانا الله منه بالإيمان والهداية إلى الحق، لكنَّا إذن قد ظلمنا أنفسنا، وافترينا على الله أشنَعَ أنواع الكذب، واعلموا أيضًا أنه لا يصح ولا يجوز لنا أن نغيِّر دين ربنا إلا إذا شاء الله لنا ذلك، وما يستتبعه من العذاب والشقاء؛ فهو سبحانه صاحب المشيئة النافذة، التابعةِ لعلمه وحكمته؛ فلا رادَّ لقضائه، ولا معقِّب لحكمه، وهو جل وعلا لا يَرْضَى لعباده الكفر؛ ولذا فعلى المؤمن ألَّا يَغْتَرَّ بنفسه؛ بل يقول كما في سورة آل عمران: ﴿رَبَّنَا لَا تُزِغۡ قُلُوبَنَا بَعۡدَ إِذۡ هَدَيۡتَنَا وَهَبۡ لَنَا مِن لَّدُنكَ رَحۡمَةًۚ إِنَّكَ أَنتَ ٱلۡوَهَّابُ﴾ [آل عمران:٨]، ثم قال شعيب عليه السلام: واعلموا أن الله قد أحاط بكل شيء عِلْمًا، وأن كل ما يقع في هذا الكون فهو بقُدْرته ومشيئته، وعلمه، ومِنْ علمه: أنه يعلم ما يُصْلِحُ العبادَ وما يضُرُّهم، ثم توجَّه شعيب عليه السلام إلى الله، فقال: يا ربنا، إنا قد اعتمدنا عليك وحدك، فنسألك أن تحكُمَ بيننا وبين قومنا -الذين ظلمونا- بالحق؛ إنك خير الحاكمين.

[90] ﴿وَقَالَ ٱلۡمَلَأُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِن قَوۡمِهِۦ لَئِنِ ٱتَّبَعۡتُمۡ شُعَيۡبًا إِنَّكُمۡ إِذٗا لَّخَٰسِرُونَ 90﴾:

ولم يكتف قومُ شعيب بتهديد شعيب وأتباعه، بل أخذوا في تهديد الناس وتحذيرهم من أن يتَّبعوا شعيبًا ومن معه، وقالوا لهم: إن اتَّبعتم شعيبًا وجماعته، فسوف تكونون من الهالكين الخاسرين لعزِّكم ومكانتكم وأموالكم.

[91] ﴿فَأَخَذَتۡهُمُ ٱلرَّجۡفَةُ فَأَصۡبَحُواْ فِي دَارِهِمۡ جَٰثِمِينَ 91﴾:

وبعد كل هذه المحاورات والمجادلات التي دارت بين شعيب وقومه، وإصرار قومه على الكفر والجحود والضلال، عاقبهم الله بالزلزلة الشديدة، فأصبح عليهم الصبح في دارهم موتى هالكين، على رُكَبهم باركين.

[92] ﴿ٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ شُعَيۡبٗا كَأَن لَّمۡ يَغۡنَوۡاْ فِيهَاۚ ٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ شُعَيۡبٗا كَانُواْ هُمُ ٱلۡخَٰسِرِينَ 92﴾:

واعلموا أن أولئك الذين كذَّبوا شعيبًا عليه السلام وهدَّدوه وأتباعه بالإخراج من ديارهم، قد نزَلَ بهم العذاب، فصاروا كأنهم لم يسكنوا أو يقيموا في ديارهم، وكانت النتيجة أن الذين كذَّبوا شعيبًا قد خسروا خسرانًا مبينًا.

[93] ﴿فَتَوَلَّىٰ عَنۡهُمۡ وَقَالَ يَٰقَوۡمِ لَقَدۡ أَبۡلَغۡتُكُمۡ رِسَٰلَٰتِ رَبِّي وَنَصَحۡتُ لَكُمۡۖ فَكَيۡفَ ءَاسَىٰ عَلَىٰ قَوۡمٖ كَٰفِرِينَ 93﴾:

وبعد أن أصابهم ما أصابهم من العذاب والهلاك، أعرَضَ شعيب عليه السلام عنهم، وقال على سبيل التأسُّف والحسرة: يا قوم، لقد أبلغتُكم رسالات ربي، ونصحتُ لكم، فكفرتم، ولم تستجيبوا لنصحي؛ فكيف أَحْزَنُ وآسَفُ على هلاككم وعذابكم؟!

[94] ﴿وَمَآ أَرۡسَلۡنَا فِي قَرۡيَةٖ مِّن نَّبِيٍّ إِلَّآ أَخَذۡنَآ أَهۡلَهَا بِٱلۡبَأۡسَآءِ وَٱلضَّرَّآءِ لَعَلَّهُمۡ يَضَّرَّعُونَ 94﴾:

أخبَرَ جل وعلا عن الأمم التي كذَّبت رسلها؛ حيث ابتلاهم الله بالفقر والأمراض؛ بسبب عنادهم وكُفْرهم، لعلهم ينيبون إلى الله ويرجعون إلى الحق؛ ولو أنهم رجعوا إلى ربهم وسألوه الفرَجَ، وأنابوا إليه ضارعين متذلِّلين لرفع عنهم البلاء والشدة، وعوَّضهم بالرخاء والنعمة، ولعلهم يشكرون المنعم المتفضِّل الذي رفع عنهم الضراء والشدة.

[95] ﴿ثُمَّ بَدَّلۡنَا مَكَانَ ٱلسَّيِّئَةِ ٱلۡحَسَنَةَ حَتَّىٰ عَفَواْ وَّقَالُواْ قَدۡ مَسَّ ءَابَآءَنَا ٱلضَّرَّآءُ وَٱلسَّرَّآءُ فَأَخَذۡنَٰهُم بَغۡتَةٗ وَهُمۡ لَا يَشۡعُرُونَ 95﴾:

وبعد أن ابتلى جل وعلا هذه الأمم بالأمراض والفقر، أخبَرَ سبحانه أنه رفع عنهم البلاء، وأعطاهم الصِّحَّةَ والعافية، والغنى والرخاء والسَّعَة، كلُّ ذلك لعلهم يشكرون الله المنعم المتفضِّل عليهم، فلما لم تَلِنْ قلوبهم مما حل بهم، وقالوا: هذه طبيعةُ الدنيا، وهذه أحوالٌ مرَّت على آبائنا وأسلافنا، وهذه أحوالُ الزمن، وتقلُّباتُ الدهر والطبيعة، سَخِطَ الله عليهم، ثم أتاهم العذاب بغتةً من غير شعور منهم؛ فأهلكهم الله وأفناهم.

[96] ﴿وَلَوۡ أَنَّ أَهۡلَ ٱلۡقُرَىٰٓ ءَامَنُواْ وَٱتَّقَوۡاْ لَفَتَحۡنَا عَلَيۡهِم بَرَكَٰتٖ مِّنَ ٱلسَّمَآءِ وَٱلۡأَرۡضِ وَلَٰكِن كَذَّبُواْ فَأَخَذۡنَٰهُم بِمَا كَانُواْ يَكۡسِبُونَ 96﴾:

أخبَرَ جل وعلا عن تلك القرى التي أهلكها: أنهم لو آمنوا بالله، وصدَّقوا الرسل، وخافوا الله؛ باتباع ما أمَرْ، واجتناب ما نهى عنه وزجَرْ؛ لأنزل الله عليهم بركات السماء، وهي المطر، وبركات الأرض، وهي الثمار والنبات والخِصْب والنعيم، لكنهم جحدوا آيات الله، وكذَّبوا رسله، فعاقبهم الله -بسبب كفرهم وعنادهم- في الدنيا بالبأساء والضراء، وفي الآخرة بالنار.

[97] ﴿أَفَأَمِنَ أَهۡلُ ٱلۡقُرَىٰٓ أَن يَأۡتِيَهُم بَأۡسُنَا بَيَٰتٗا وَهُمۡ نَآئِمُونَ 97﴾:

ثم قال جل وعلا على سبيل التخويف والتحذير لهؤلاء الغافلين: هل أَمِنَ أهلُ تلك القرى -التي أهلكناها بسبب كُفْرها وجحودها- أن يأتيهم عذابنا وقت بياتهم، وهم غارقون في نومهم؟!

[98] ﴿أَوَأَمِنَ أَهۡلُ ٱلۡقُرَىٰٓ أَن يَأۡتِيَهُم بَأۡسُنَا ضُحٗى وَهُمۡ يَلۡعَبُونَ 98﴾:

ثم قال جل وعلا: أَوَأَمِنَ أهل تلك القرى المهلَكةِ أن يأتيهم عذابنا نهارًا، وهم ساهون لاهون في غاية الغفلة والانشغال في ملذَّات الحياة الدنيا؟!

[99] ﴿أَفَأَمِنُواْ مَكۡرَ ٱللَّهِۚ فَلَا يَأۡمَنُ مَكۡرَ ٱللَّهِ إِلَّا ٱلۡقَوۡمُ ٱلۡخَٰسِرُونَ 99﴾:

ثم قال جل وعلا: هل أَمِنوا مكرنا واستدراجنا لهم بالنعم؛ حيث أمهلناهم في طغيانهم ونعيمهم؟! فاعلموا -أيها الناس- أنه لا يأمنُ مكر الله ويستمِرُّ في غيه وضلاله إلا الذين خسروا أنفسهم وأهليهم؛ وذلك هو الخسران المبين.

[100] ﴿أَوَلَمۡ يَهۡدِ لِلَّذِينَ يَرِثُونَ ٱلۡأَرۡضَ مِنۢ بَعۡدِ أَهۡلِهَآ أَن لَّوۡ نَشَآءُ أَصَبۡنَٰهُم بِذُنُوبِهِمۡۚ وَنَطۡبَعُ عَلَىٰ قُلُوبِهِمۡ فَهُمۡ لَا يَسۡمَعُونَ 100﴾:

ثم قال جل وعلا: أَوَلَمْ يتبيَّنْ لهؤلاء الكفار الأشقياء الذين وَرِثوا الأرض من بعد أهلها الذين أهلَكَهم الله بذنوبهم، ثم ساروا على طريقتهم في الكفر والضلال؛ أَوَلَمْ يتبيَّنْ لهم أن في قدرة الله أن يصيبهم العذابُ الشديدُ بسبب كُفْرهم وضلالهم وذنوبهم، كما أصاب مَنْ سبقهم، ثم يَخْتِمَ الله على قلوبهم، فلا يستطيعون سماع النصح والإرشاد، ويستمرون على ذلك حتى يموتوا على الكفر والضلال؛ فيكون ذلك سببًا في دخولهم النار.

[101] ﴿تِلۡكَ ٱلۡقُرَىٰ نَقُصُّ عَلَيۡكَ مِنۡ أَنۢبَآئِهَاۚ وَلَقَدۡ جَآءَتۡهُمۡ رُسُلُهُم بِٱلۡبَيِّنَٰتِ فَمَا كَانُواْ لِيُؤۡمِنُواْ بِمَا كَذَّبُواْ مِن قَبۡلُۚ كَذَٰلِكَ يَطۡبَعُ ٱللَّهُ عَلَىٰ قُلُوبِ ٱلۡكَٰفِرِينَ 101﴾:

ثم أخبَرَ جل وعلا نبيه محمدًا ﷺ أن تلك القرى قد قَصَّ سبحانه عليه شيئًا من أخبارها وما جرى لها مع أنبيائها؛ ليكون ذلك عِبْرةً للمعتبرين، وموعظةً للمتَّعظين، ثم بيَّن سبحانه أن تلك الأقوام المكذِّبة، جاءتهم رسلهم، ودَعَوْهم إلى عبادة الله وحده لا شريك له، وقد أيَّدهم الله بالمعجزات الواضحات، ولكنهم لم يؤمنوا، ولم يتَّعظوا، بل استمروا في كفرهم وضلالهم؛ وبسبب ذلك طبَعَ الله على قلوبهم عقوبةً لهم جزاءَ ما فعلوه واقترفوه من الكفر والذنوب والمعاصي.

[102] ﴿وَمَا وَجَدۡنَا لِأَكۡثَرِهِم مِّنۡ عَهۡدٖۖ وَإِن وَجَدۡنَآ أَكۡثَرَهُمۡ لَفَٰسِقِينَ 102﴾:

ثم أخبَرَ جل وعلا نبيه ﷺ أن أكثر الناس لا يُوفُونَ بالعهود، بل إن أكثرهم فاسقون خارجون عن طاعة الله؛ كما قال جل وعلا: ﴿وَإِن تُطِعۡ أَكۡثَرَ مَن فِي ٱلۡأَرۡضِ يُضِلُّوكَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِۚ ﴾ [الأنعام:١١٦]، وكما قال تعالى: ﴿وَمَآ أَكۡثَرُ ٱلنَّاسِ وَلَوۡ حَرَصۡتَ بِمُؤۡمِنِينَ﴾ [يوسف:١٠٣]، وقد أخبَرَ الله تعالى نبيه ﷺ بذلك حتى لا يضيق ذَرْعًا بأحوال مَنْ أُرسِلَ إليهم، وكأن الله سبحانه يقول له: انتبه -أيها النبي- فإنَّا أرسلناك إلى أناس يَغْلِبُ على طبائعهم كذا وكذا، لتعرف كيف تتعامل معهم.

[103] ﴿ثُمَّ بَعَثۡنَا مِنۢ بَعۡدِهِم مُّوسَىٰ بِـَٔايَٰتِنَآ إِلَىٰ فِرۡعَوۡنَ وَمَلَإِيْهِۦ فَظَلَمُواْ بِهَاۖ فَٱنظُرۡ كَيۡفَ كَانَ عَٰقِبَةُ ٱلۡمُفۡسِدِينَ 103﴾:

وبعد الأمم والأنبياء السابق ذكرهم؛ نُوحٍ، وهودٍ، وصالحٍ، ولوطٍ، وشعيبٍ عليهم السلام، أخبَرَ جل وعلا أنه بعَثَ موسى عليه السلام إلى فِرْعون وقومه ومعه آيات الله البينة، والحجج والبراهين الواضحة، والمعجزات الباهرة؛ فآمن به السحرة وبنو إسرائيل، أما فرعون وقومه، فجحدوا وكفروا بها ظلمًا منهم وعنادًا، وكان فرعون وقومه إذا نزَلَ بهم الضر، قالوا لموسى عليه السلام: ﴿ٱدۡعُ لَنَا رَبَّكَ بِمَا عَهِدَ عِندَكَ إِنَّنَا لَمُهۡتَدُونَ﴾ [الزخرف:٤٩]، فإذا رفَعَ الله عنهم الضرَّ، رجعوا عن وعدهم بالهداية، وقالوا: ﴿مَهۡمَا تَأۡتِنَا بِهِۦ مِنۡ ءَايَةٖ لِّتَسۡحَرَنَا بِهَا فَمَا نَحۡنُ لَكَ بِمُؤۡمِنِينَ﴾ [الأعراف:١٣٢]؛ وبهذا حلَّت بهم النقمة والغرق في البحر الأحمر؛ ولهذا قال سبحانه: فانظر -أيها النبي- كيف كانت نهاية المفسدين الظالمين لأنفسهم ولغيرهم؟!

[104] ﴿وَقَالَ مُوسَىٰ يَٰفِرۡعَوۡنُ إِنِّي رَسُولٞ مِّن رَّبِّ ٱلۡعَٰلَمِينَ 104﴾:

ثم بدأ الحوار بين موسى عليه السلام وفرعون الطاغية الجَبَّار، فقال موسى عليه السلام لفرعون: اعلم أني مرسَلٌ إليك من الله خالق الخلق أجمعين، أرسَلَني بالهدى ودين الحق؛ لأدعُوَكَ إلى عبادته سبحانه وحده لا شريك له.

[105] ﴿حَقِيقٌ عَلَىٰٓ أَن لَّآ أَقُولَ عَلَى ٱللَّهِ إِلَّا ٱلۡحَقَّۚ قَدۡ جِئۡتُكُم بِبَيِّنَةٖ مِّن رَّبِّكُمۡ فَأَرۡسِلۡ مَعِيَ بَنِيٓ إِسۡرَٰٓءِيلَ 105﴾:

ويبدو أن فرعون كذَّب موسى في دعوى الرسالة؛ لذلك ردَّ عليه موسى، فقال له: اعلم -يا فرعون- أنه واجب وحق عليَّ ألَّا أخبر عن الله إلا بما هو حق وصدق، وقد جئتكم بحجة واضحة، ومعجزة ساطعة، تدُلُّ على صدقي؛ فاترُكْ بني إسرائيل وحرِّرْهم من الاستعباد والقهر؛ ليذهبوا معي إلى الأرض المقدَّسة، حتى يتمكَّنوا من عبادة الله وحده لا شريك له.

[106] ﴿قَالَ إِن كُنتَ جِئۡتَ بِـَٔايَةٖ فَأۡتِ بِهَآ إِن كُنتَ مِنَ ٱلصَّٰدِقِينَ 106﴾:

فقال فرعون لموسى: إنْ كنتَ جئتَ ومعك دليلٌ مِنْ عند من أرسلك يدُلُّ على صدق ما تقول، فأظهره لي؛ إن كنت من أهل الصدق فيما تدَّعي.

[107] ﴿فَأَلۡقَىٰ عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ ثُعۡبَانٞ مُّبِينٞ 107﴾:

فما كان من موسى عليه السلام إلا أن ألقى عصاه التي كانت بيمينه أمام فرعون، فإذا بهذه العصا تتحوَّل إلى ثعبان ضخم ظاهر واضح للعِيَان.

[108] ﴿وَنَزَعَ يَدَهُۥ فَإِذَا هِيَ بَيۡضَآءُ لِلنَّٰظِرِينَ 108﴾:

ثم أراه موسى معجزةً أخرى؛ حيث أدخَلَ يده في جَيْبه، ثم أخرجها، فإذا هي بيضاء ناصعة البياض لكل من نظَرَ إليها.

[109] ﴿قَالَ ٱلۡمَلَأُ مِن قَوۡمِ فِرۡعَوۡنَ إِنَّ هَٰذَا لَسَٰحِرٌ عَلِيمٞ 109﴾:

فقال الأشراف مِنْ قوم فرعون حين بَهَرَهم ما رأوا من الآيات: احذروا -أيها الناس- إن هذا الرجل لعالم بالسحر، ماهر به.

[110] ﴿يُرِيدُ أَن يُخۡرِجَكُم مِّنۡ أَرۡضِكُمۡۖ فَمَاذَا تَأۡمُرُونَ 110﴾:

فقال فرعون: واعلموا أن هذا الساحر يريد بسِحْرِهِ هذا: أن يخرجكم من عقائدكم؛ كما قال تعالى: ﴿أَوۡ أَن يُظۡهِرَ فِي ٱلۡأَرۡضِ ٱلۡفَسَادَ﴾ [غافر:٢٦]؛ فأشيروا عليَّ ماذا نحن فاعلون بموسى.

[111] ﴿قَالُوٓاْ أَرۡجِهۡ وَأَخَاهُ وَأَرۡسِلۡ فِي ٱلۡمَدَآئِنِ حَٰشِرِينَ 111﴾:

فقال الأشراف مِنْ قوم فرعون: نشيرُ عليك بأن تؤخِّر أمره هو وأخيه؛ حتى ترسل في كل المدن مَنْ يجمع لك كبار السحرة وخبراءَهم؛ ليناظروه.

[112] ﴿يَأۡتُوكَ بِكُلِّ سَٰحِرٍ عَلِيمٖ 112﴾:

وقال الأشراف أيضًا: وتكونُ مهمَّة هؤلاء الذين يجمعون السحرة: أن يأتوك بكل ساحر قدير عالم بسحره؛ ليظهروا كَذِبَ موسى.

[113] ﴿وَجَآءَ ٱلسَّحَرَةُ فِرۡعَوۡنَ قَالُوٓاْ إِنَّ لَنَا لَأَجۡرًا إِن كُنَّا نَحۡنُ ٱلۡغَٰلِبِينَ 113﴾:

ثم جاء السحرة إلى فرعون، وقالوا له: هل لنا -يا فرعون- جزاءً حسنًا؛ إن كانت لنا الغلبة والنصرة على موسى؟!

[114] ﴿قَالَ نَعَمۡ وَإِنَّكُمۡ لَمِنَ ٱلۡمُقَرَّبِينَ 114﴾:

فقال فرعون: نَعَمْ؛ لكم أجر كبير، ولكم أيضًا القربُ مني، وعلوُّ المنزلة عندي.

[115] ﴿قَالُواْ يَٰمُوسَىٰٓ إِمَّآ أَن تُلۡقِيَ وَإِمَّآ أَن نَّكُونَ نَحۡنُ ٱلۡمُلۡقِينَ 115﴾:

فقال السحرة: إما أن تلقي -يا موسى- عصاك أنت أولًا، أو نلقي نحن ما بأيدينا من الحبال والعِصِيِّ أولًا؟

[116] ﴿قَالَ أَلۡقُواْۖ فَلَمَّآ أَلۡقَوۡاْ سَحَرُوٓاْ أَعۡيُنَ ٱلنَّاسِ وَٱسۡتَرۡهَبُوهُمۡ وَجَآءُو بِسِحۡرٍ عَظِيمٖ 116﴾:

فقال لهم موسى: بل أَلْقُوا -أيها السحرة- أنتم أولًا، فلما ألقَوْا ما بأيديهم من الحبال والعِصِيِّ، سحروا أعين الناس وأخافوهم من هول سِحْرهم العظيم.

[117] ﴿وَأَوۡحَيۡنَآ إِلَىٰ مُوسَىٰٓ أَنۡ أَلۡقِ عَصَاكَۖ فَإِذَا هِيَ تَلۡقَفُ مَا يَأۡفِكُونَ 117﴾:

ثم أوحى جل وعلا إلى موسى أن يُلْقِيَ عصاه، فألقاها كما أمره الله؛ فإذا عصاه تبتلع ما ألقَوْا من العِصِيِّ والحبال.

[118] ﴿فَوَقَعَ ٱلۡحَقُّ وَبَطَلَ مَا كَانُواْ يَعۡمَلُونَ 118﴾:

ثم أخبَرَ جل وعلا أن الحق ظهَرَ وتبيَّن، وظهَرَ صدق موسى عليه السلام، ونصَرَهُ الله على فرعون وقومه، وبطَلَ عمل السحرة الباطل.

[119] ﴿فَغُلِبُواْ هُنَالِكَ وَٱنقَلَبُواْ صَٰغِرِينَ 119﴾:

ثم أخبَرَ جل وعلا أن فرعون وأتباعه غُلِبُوا وانصرفوا ذليلين.

[120] ﴿وَأُلۡقِيَ ٱلسَّحَرَةُ سَٰجِدِينَ 120﴾:

وبعد أن رأى السحرة معجزةَ موسى -وهي العصا التي تحوَّلت إلى ثعبان ضخم ابتلَعَتْ كل ما حولها مِنْ عِصِيِّهم وحبالهم- عرفوا بخبرتهم أن ما حصَلَ ليس سحرًا، وإنما هي معجزةٌ من الله؛ ولذلك خرُّوا ساجدين عابدين مطيعين لله رب العالمين، معترفين بخَطَئِهم وشَنَاعة فعلهم.

[121] ﴿قَالُوٓاْ ءَامَنَّا بِرَبِّ ٱلۡعَٰلَمِينَ 121﴾:

وبعد أن تبيَّن الحقُّ للسحرة وخرُّوا لله ساجدين، قالوا: لقد آمنا بالله ربِّنا وربِّ الخلق أجمعين.

[122] ﴿رَبِّ مُوسَىٰ وَهَٰرُونَ 122﴾:

ثم قال السحرة أيضًا: واعلموا أن هذا الربَّ الذي آمنا به هو ربُّ موسى وهارون. وقد أكَّدوا أنهم آمنوا برب موسى وهارون؛ حتى لا يظُنَّ أحد المستمعين أنهم آمنوا بفرعون الذي كان يدَّعي الربوبية.

[123] ﴿قَالَ فِرۡعَوۡنُ ءَامَنتُم بِهِۦ قَبۡلَ أَنۡ ءَاذَنَ لَكُمۡۖ إِنَّ هَٰذَا لَمَكۡرٞ مَّكَرۡتُمُوهُ فِي ٱلۡمَدِينَةِ لِتُخۡرِجُواْ مِنۡهَآ أَهۡلَهَاۖ فَسَوۡفَ تَعۡلَمُونَ 123﴾:

فقال فرعون للسحرة: أصدَّقتم بموسى مِنْ قبل أن تستأذنوني؟! إن هذا لأمرٌ وحيلةٌ صنعتموها فيما بينكم وبين موسى؛ لتستولوا على العقول، وتُخْرِجوا الناس من معتقداتهم؛ فسوف تعلمون ما أفعل بكم من العذاب والنكال!

[124] ﴿لَأُقَطِّعَنَّ أَيۡدِيَكُمۡ وَأَرۡجُلَكُم مِّنۡ خِلَٰفٖ ثُمَّ لَأُصَلِّبَنَّكُمۡ أَجۡمَعِينَ 124﴾:

ثم قال فرعون: اعلموا -أيها السحرة- أنني سوف أقطِّعُ أيديكم وأرجلكم من خلاف، أي: اليدَ اليمنى مع الرجلِ اليسرى، وأصلِّبُكم على جذوع النخل؛ لتكونوا عِبْرةً للآخرين.

[125] ﴿قَالُوٓاْ إِنَّآ إِلَىٰ رَبِّنَا مُنقَلِبُونَ 125﴾:

فقال السحرة: اعلم -يا فرعون- أننا راجعون لا محالة إلى الله ربنا بعد أن نموت؛ فخَيْرٌ لنا أن نقابل ربنا بالتوحيد والإخلاص، مِنْ أن نقابله بالشرك والكفر، والسحر والضلال.

[126] ﴿وَمَا تَنقِمُ مِنَّآ إِلَّآ أَنۡ ءَامَنَّا بِـَٔايَٰتِ رَبِّنَا لَمَّا جَآءَتۡنَاۚ رَبَّنَآ أَفۡرِغۡ عَلَيۡنَا صَبۡرٗا وَتَوَفَّنَا مُسۡلِمِينَ 126﴾:

ثم قال السحرة: وهل تعاقبنا -يا فرعون- لأننا صدَّقنا موسى، وصدَّقنا الآيات والمعجزات عندما جاءتنا؟! ثم دعَوُا الله، فقالوا: يا ربنا، هَبْ لنا صبرًا واسعًا نَقْوَى معه على احتمال الشدائد، وتوفَّنا على الإسلام برحمتك يا أرحم الراحمين.

[127] ﴿وَقَالَ ٱلۡمَلَأُ مِن قَوۡمِ فِرۡعَوۡنَ أَتَذَرُ مُوسَىٰ وَقَوۡمَهُۥ لِيُفۡسِدُواْ فِي ٱلۡأَرۡضِ وَيَذَرَكَ وَءَالِهَتَكَۚ قَالَ سَنُقَتِّلُ أَبۡنَآءَهُمۡ وَنَسۡتَحۡيِۦ نِسَآءَهُمۡ وَإِنَّا فَوۡقَهُمۡ قَٰهِرُونَ 127﴾:

فقال الأشراف مِنْ قوم فرعون محرِّضين على موسى: أتترُكُ -يا فرعون- موسى وبني إسرائيل؛ فيفسدوا عليك العبيد في أرضك، ويتركوك أنت وآلهتك فلا يعبدونها، وهذا دليلٌ على أن قوم فرعون مِثْلُهُ في السوء ورد الحق، فقال فرعون: سوف نقتِّلُ أبناءَهم، ونبقي على نسائهم دون قتل، وسوف نكون نحن الغالبين لموسى ومن معه من بني إسرائيل.

[128] ﴿قَالَ مُوسَىٰ لِقَوۡمِهِ ٱسۡتَعِينُواْ بِٱللَّهِ وَٱصۡبِرُوٓاْۖ إِنَّ ٱلۡأَرۡضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَن يَشَآءُ مِنۡ عِبَادِهِۦۖ وَٱلۡعَٰقِبَةُ لِلۡمُتَّقِينَ 128﴾:

ثم قال موسى لقومه بني إسرائيل، تسليةً وتهدئةً لهم: استعينوا بالله، وتحلَّوْا بالصبر على أذى فرعون وقومه؛ فإن الأرض لله يُورِثها من يشاء من عباده، وهي ولا بد ستكون لمن آمَنَ بالله وحده، وخافه بفعل المأمورات، وترك المنهيَّات.

[129] ﴿قَالُوٓاْ أُوذِينَا مِن قَبۡلِ أَن تَأۡتِيَنَا وَمِنۢ بَعۡدِ مَا جِئۡتَنَاۚ قَالَ عَسَىٰ رَبُّكُمۡ أَن يُهۡلِكَ عَدُوَّكُمۡ وَيَسۡتَخۡلِفَكُمۡ فِي ٱلۡأَرۡضِ فَيَنظُرَ كَيۡفَ تَعۡمَلُونَ 129﴾:

فقال القوم من بني إسرائيل: لقد نالنا الأذى -يا موسى- قديمًا مِنْ قبل أن تأتينا بالرسالة، وحديثًا مِنْ بعد مجيئك بها، فقال موسى لهم: لعل الله أن يُهْلِكَ عدوكم الذي آذاكم، ويجعلكم خلفاء الأرض؛ حتى يرى سبحانه ما أنتم عاملون؛ هل تشكُرُونَ أو تكفُرُون؟

[130] ﴿وَلَقَدۡ أَخَذۡنَآ ءَالَ فِرۡعَوۡنَ بِٱلسِّنِينَ وَنَقۡصٖ مِّنَ ٱلثَّمَرَٰتِ لَعَلَّهُمۡ يَذَّكَّرُونَ 130﴾:

ثم أخبَرَ جل وعلا أنه عاقب آل فرعون بالجَدْبِ فلا ينبُتُ لهم زرع، وعاقبهم بنقص الحبوب والثمار؛ كل ذلك لعلهم يتَّعظون ويتذكَّرون؛ فيؤمنوا بالله رب العالمين، ويتركوا ما هم فيه من الكُفْر والعصيان.

[131] ﴿فَإِذَا جَآءَتۡهُمُ ٱلۡحَسَنَةُ قَالُواْ لَنَا هَٰذِهِۦۖ وَإِن تُصِبۡهُمۡ سَيِّئَةٞ يَطَّيَّرُواْ بِمُوسَىٰ وَمَن مَّعَهُۥٓۗ أَلَآ إِنَّمَا طَٰٓئِرُهُمۡ عِندَ ٱللَّهِ وَلَٰكِنَّ أَكۡثَرَهُمۡ لَا يَعۡلَمُونَ 131﴾:

أخبَرَ جل وعلا أن فرعون وقومه استمروا في كفرهم وعنادهم، ولم يتعظوا بما وقع لهم من أنواع العقوبات؛ ودليلُ ذلك: أنهم إذا حصَلَ لهم خير وخِصْب وسَعَة ورخاء، قالوا: هذه نِعَمٌ جاءت من أجلنا، ونحن مستحقون لها، ولم يشكروا المنعم الذي جاء بها، وهو الله، أما إذا أصابهم الجَدْب والبلاء، فإنهم يتشاءمون بموسى ومَنْ معه من المؤمنين؛ فليعلم هؤلاء السفهاء أن ما أصابهم من الشرِّ والبلاءِ، هو من قضاء الله وقَدَره؛ بسبب كفرهم وفسوقهم، وليس بشُؤْم موسى ومن معه، ولكنَّ أكثرهم لا يعلمون.

[132] ﴿وَقَالُواْ مَهۡمَا تَأۡتِنَا بِهِۦ مِنۡ ءَايَةٖ لِّتَسۡحَرَنَا بِهَا فَمَا نَحۡنُ لَكَ بِمُؤۡمِنِينَ 132﴾:

ثم قال هؤلاء الأشقياء مِنْ قوم فرعون لموسى عليه السلام: مهما جئتنا -يا موسى- بأنواع الآيات التي تستدِلُّ بها على حقيقة دعوتك، وصدق رسالتك، لكي تَصْرِفنا بها عن ديننا، فلن نصدِّقك أو نتبع رسالتك التي جئت بها، بل نعتبِرُ ذلك من السحر الواضح البيِّن.

[133] ﴿فَأَرۡسَلۡنَا عَلَيۡهِمُ ٱلطُّوفَانَ وَٱلۡجَرَادَ وَٱلۡقُمَّلَ وَٱلضَّفَادِعَ وَٱلدَّمَ ءَايَٰتٖ مُّفَصَّلَٰتٖ فَٱسۡتَكۡبَرُواْ وَكَانُواْ قَوۡمٗا مُّجۡرِمِينَ 133﴾:

ثم بيَّن جل وعلا بعض الآيات التي أُرسِلَ بها موسى عليه السلام؛ ومن ذلك: الطُّوفان، والجَرَاد، والقُمَّل، والضفادع، والدم؛ وذكر في الآية (108) السابقة آيتين، وهما: العصا، واليد البيضاء، وذكر أيضًا في الآية (130) السابقة آيتين، وهما: السنون، ونَقْصُ الثمرات؛ فيكونُ جميع الآيات التي أُرسِلَ بها موسى عليه السلام تِسْعَ آيات، وهي آيات عظيمة لا يَقْدِرُ عليها أحد سوى الله جل في علاه، ثم بيَّن سبحانه أن هذه الآيات كان يَتْبَعُ بعضها بعضًا، وهي دلائل وعلامات واضحة تدُلُّ على إقامة الحجة؛ ومع ذلك فقد استكبروا وعاندوا ورفضوا الإيمان بالله؛ بسبب أنهم كانوا مصرِّين على الكفر ومجرِمين؛ فعاقبهم الله على إجرامهم وفِسْقهم، وكُفْرهم وضلالهم.

[134] ﴿وَلَمَّا وَقَعَ عَلَيۡهِمُ ٱلرِّجۡزُ قَالُواْ يَٰمُوسَى ٱدۡعُ لَنَا رَبَّكَ بِمَا عَهِدَ عِندَكَۖ لَئِن كَشَفۡتَ عَنَّا ٱلرِّجۡزَ لَنُؤۡمِنَنَّ لَكَ وَلَنُرۡسِلَنَّ مَعَكَ بَنِيٓ إِسۡرَٰٓءِيلَ 134﴾:

ثم أخبَرَ جل وعلا أن فرعون وقومه عندما كان يقع عليهم نوع من العذاب المذكور في الآية السابقة، يذهبون في كل مرة إلى موسى، ويقولون: يا موسى، ادع لنا ربك بما عُرِفَ منكم من صلاح أن يرفع عَنَّا العذاب، ونٌقْسِمُ لك في حال رُفِعَ عنَّا العذاب: أننا سوف نؤمن بك وبما جئت به، وسوف نُرْسِلُ معك بني إسرائيل.

[135] ﴿فَلَمَّا كَشَفۡنَا عَنۡهُمُ ٱلرِّجۡزَ إِلَىٰٓ أَجَلٍ هُم بَٰلِغُوهُ إِذَا هُمۡ يَنكُثُونَ 135﴾:

ثم بيَّن جل وعلا أنه في كل مرة يستجيبُ الله دعاء موسى عليه السلام، ويكشفُ عنهم العذاب، ويستمِرُّ كشف العذاب عنهم إلى الوقت الذي أُجِّلَ لهم؛ فإذا هم ينقضون العهود والمواثيق التي عاهدوا عليها موسى عليه السلام، ولا يؤمنون برسالته، ويستمرون على كفرهم وضلالهم وعنادهم.

[136] ﴿فَٱنتَقَمۡنَا مِنۡهُمۡ فَأَغۡرَقۡنَٰهُمۡ فِي ٱلۡيَمِّ بِأَنَّهُمۡ كَذَّبُواْ بِـَٔايَٰتِنَا وَكَانُواْ عَنۡهَا غَٰفِلِينَ 136﴾:

فلما جاء الوقت المحدَّد لإهلاك هؤلاء المجرمين، أخبَرَ جل وعلا بنهايتهم الأليمة؛ حيث انتقَمَ منهم سبحانه وتعالى؛ فسلَبَ نعمتهم، وأغرَقَهم في البحر؛ لأنهم جحدوا آيات الله، وكانوا بها غير متَّعظين ولا ممتثلين.

[137] ﴿وَأَوۡرَثۡنَا ٱلۡقَوۡمَ ٱلَّذِينَ كَانُواْ يُسۡتَضۡعَفُونَ مَشَٰرِقَ ٱلۡأَرۡضِ وَمَغَٰرِبَهَا ٱلَّتِي بَٰرَكۡنَا فِيهَاۖ وَتَمَّتۡ كَلِمَتُ رَبِّكَ ٱلۡحُسۡنَىٰ عَلَىٰ بَنِيٓ إِسۡرَٰٓءِيلَ بِمَا صَبَرُواْۖ وَدَمَّرۡنَا مَا كَانَ يَصۡنَعُ فِرۡعَوۡنُ وَقَوۡمُهُۥ وَمَا كَانُواْ يَعۡرِشُونَ 137﴾:

ثم أخبَرَ جل وعلا أنه أورَثَ بني إسرائيل الذين كانوا مستضعفين من فرعون وقومه؛ أورَثَهم مشارق الأرض ومغاربها، وهي أرض مصر والشام التي بارَكَ الله فيها، وأصبحوا لا منازع ولا قوة تمنعهم من الاستمتاع والإصلاح في تلك البلاد، ثم بيَّن سبحانه أنَّ وَعْدَهُ تَمَّ لبني إسرائيل بالتمكين لهم؛ بسبب صبرهم على أذى فرعون وقومه، وبيَّن سبحانه أنه دمَّر ما كان يصنع فرعون وقومه من البيوت والقصور، وما كانوا يبنون من عرائش الأعناب والأشجار والحدائق.

ولكنَّ بني إسرائيل لم يشكُرُوا نعمة الله عليهم، بل آذَوْا موسى عليه السلام إيذاءً شديدًا، ومن ذلك: أنهم لما نجَوْا من البحر الذي أُغرِقَ فيه فرعون وقومه، رأوا قومًا يعبدون غير الله؛ فقالوا: ﴿ٱجۡعَل لَّنَآ إِلَٰهٗا كَمَا لَهُمۡ ءَالِهَةٞۚ قَالَ إِنَّكُمۡ قَوۡمٞ تَجۡهَلُونَ﴾ [الأعراف:١٣٨].

ومن ذلك أيضًا: أنه قال لهم: ﴿يَٰقَوۡمِ ٱدۡخُلُواْ ٱلۡأَرۡضَ ٱلۡمُقَدَّسَةَ ٱلَّتِي كَتَبَ ٱللَّهُ لَكُمۡ وَلَا تَرۡتَدُّواْ عَلَىٰٓ أَدۡبَارِكُمۡ فَتَنقَلِبُواْ خَٰسِرِينَ﴾ [المائدة:٢١]، فرفضوا أمر نبيِّهم، وقالوا: [المائدة:٢٢]، ﴿إِنَّ فِيهَا قَوۡمٗا جَبَّارِينَ وَإِنَّا لَن نَّدۡخُلَهَا حَتَّىٰ يَخۡرُجُواْ مِنۡهَا فَإِن يَخۡرُجُواْ مِنۡهَا فَإِنَّا دَٰخِلُونَ﴾ فعاقبهم الله بالتِّيهِ؛ كما قال تعالى: ﴿قَالَ فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيۡهِمۡۛ أَرۡبَعِينَ سَنَةٗۛ يَتِيهُونَ فِي ٱلۡأَرۡضِۚ فَلَا تَأۡسَ عَلَى ٱلۡقَوۡمِ ٱلۡفَٰسِقِينَ﴾ [المائدة:٢٦].

[138] ﴿وَجَٰوَزۡنَا بِبَنِيٓ إِسۡرَٰٓءِيلَ ٱلۡبَحۡرَ فَأَتَوۡاْ عَلَىٰ قَوۡمٖ يَعۡكُفُونَ عَلَىٰٓ أَصۡنَامٖ لَّهُمۡۚ قَالُواْ يَٰمُوسَى ٱجۡعَل لَّنَآ إِلَٰهٗا كَمَا لَهُمۡ ءَالِهَةٞۚ قَالَ إِنَّكُمۡ قَوۡمٞ تَجۡهَلُونَ 138﴾:

وبعد أن خرج موسى ومعه بنو إسرائيل من مصر متَّجهين إلى الأرض المقدَّسة، تَبِعهم فرعون وجيشه؛ لكي يعيدوهم إلى أرض مصر، ولكنَّ الله جل وعلا انتقم لهم، فسهَّل لموسى وبني إسرائيل تجاوُزَ البحر، وأغرَقَ فرعون وجيوشه -التي كانت تلاحقهم- بدوابِّهم ومُعِدَّاتهم، ورأوا جُثَّةَ فرعون على الساحل؛ حيث لفَظَها البحر بأمر الله؛ ليروا نهاية هذا الطاغية الذي ادَّعى الألوهية. وبعد أن تجاوز بنو إسرائيل البحر، أخبر سبحانه أنهم رأَوْا في طريقهم -وهم ذاهبون إلى الأرض المقدَّسة- قومًا يعبدون الأصنام، فقالوا لموسى: اجعَلْ لنا إلهًا مثل هؤلاء، فرَدَّ عليهم موسى موبِّخًا لهم: إنكم قوم تجهلون عظَمةَ الله وقُدْرته؛ وهذا من أعظم الجهل؛ لأنه شرك وكفر بالله.

[139] ﴿إِنَّ هَٰٓؤُلَآءِ مُتَبَّرٞ مَّا هُمۡ فِيهِ وَبَٰطِلٞ مَّا كَانُواْ يَعۡمَلُونَ 139﴾:

ثم قال موسى لبني إسرائيل: واعلموا -يا قومِ- أن هؤلاء القوم العاكفين على عبادة هذه الأصنام متبَّرٌ، أي: هالكٌ ومدمَّرٌ ما هم فيه من عبادة غير الله، وأنَّ فعلهم هذا باطل؛ لأنهم يعبُدُونَ غير الله سبحانه، ومحكومٌ على عملهم هذا بالزوال، وسيظهر التوحيدُ، وستصير العبادةُ لله وحده لا شريك له.

[140] ﴿قَالَ أَغَيۡرَ ٱللَّهِ أَبۡغِيكُمۡ إِلَٰهٗا وَهُوَ فَضَّلَكُمۡ عَلَى ٱلۡعَٰلَمِينَ 140﴾:

ثم قال موسى لبني إسرائيل على سبيل التعجُّب والإنكار مبيِّنًا لهم فساد ما طلبوه، وأنَّ ما طلبوه هو شركٌ وكفرٌ بالله، فقال: -يا قومِ-، هل تريدون أن أطلُبَ لكم إلهًا غير الله تعبدونه، وأنتم تعلمون أن الله هو المألوه وحده، وأنه هو الذي خلَقَكم، وهو الذي أهلَكَ عدوَّكم؟! وهو الذي اصطفاكم وفضَّلكم على عالمي زمانكم؟!

[141] ﴿وَإِذۡ أَنجَيۡنَٰكُم مِّنۡ ءَالِ فِرۡعَوۡنَ يَسُومُونَكُمۡ سُوٓءَ ٱلۡعَذَابِ يُقَتِّلُونَ أَبۡنَآءَكُمۡ وَيَسۡتَحۡيُونَ نِسَآءَكُمۡۚ وَفِي ذَٰلِكُم بَلَآءٞ مِّن رَّبِّكُمۡ عَظِيمٞ 141﴾:

ثم قال موسى لبني إسرائيل: واذكروا -يا قومِ- نعم الله عليكم؛ حيث أنجاكم من آل فرعون الذين ساموكم أشدَّ العذاب؛ فكانوا يقتُلُونَ أبناءكم، ويترُكُونَ نساءكم لخِدْمتهم، واعلموا أن ذلك العذاب كان اختبارًا وامتحانًا لكم من ربِّكم؛ لتعتبروا وتتَّعظوا وتشكروا الله على نعمه وأفضاله عليكم.

بعد ذلك طلب منهم موسى أن يدخُلُوا الأرض المقدَّسة، فرفضوا، وقالوا: ﴿فَٱذۡهَبۡ أَنتَ وَرَبُّكَ فَقَٰتِلَآ إِنَّا هَٰهُنَا قَٰعِدُونَ﴾ [المائدة:٢٤]؛ ولذلك عاقبهم الله بالتِّيه؛ لأنهم قوم سوء؛ كما قال تعالى عنهم: ﴿كُلَّمَا جَآءَهُمۡ رَسُولُۢ بِمَا لَا تَهۡوَىٰٓ أَنفُسُهُمۡ فَرِيقٗا كَذَّبُواْ وَفَرِيقٗا يَقۡتُلُونَ﴾ [المائدة:٧٠].

[142] ﴿وَوَٰعَدۡنَا مُوسَىٰ ثَلَٰثِينَ لَيۡلَةٗ وَأَتۡمَمۡنَٰهَا بِعَشۡرٖ فَتَمَّ مِيقَٰتُ رَبِّهِۦٓ أَرۡبَعِينَ لَيۡلَةٗۚ وَقَالَ مُوسَىٰ لِأَخِيهِ هَٰرُونَ ٱخۡلُفۡنِي فِي قَوۡمِي وَأَصۡلِحۡ وَلَا تَتَّبِعۡ سَبِيلَ ٱلۡمُفۡسِدِينَ 142﴾:

ثم أخبَرَ جل وعلا أنه واعد موسى عليه السلام قبل تكليمِهِ ثلاثين ليلةً لمناجاته، ثم زادها عَشْرَ ليالٍ؛ لتصبح أربعين ليلة يتعبَّد فيها؛ لكي يكون متهيِّئًا ومستعِدًّا للقاء الله؛ فتم ميقات الله لموسى لتكليمه، ولما أراد موسى أن يذهب للميقات الذي حدَّده الله لمكالمته، وصَّى أخاه هارون ليستَخْلِفَهُ على قومه حتى يرجع، وطلب منه أن يقوم على شؤونهم بالعَدْل والرِّفْق والإصلاح، وأن يَحْمِلَهم على طاعة الله وعبادته، وحذَّره أن يسلك طريق المفسدين في الأرض. ومعلومٌ أن هارون نبيٌّ، ولا شك أنه سوف يُصلِح، وهو مكرَّمٌ، بل معصومٌ من أن يكون مفسدًا؛ فكيف يقول له موسى: ﴿وَأَصۡلِحۡ وَلَا تَتَّبِعۡ سَبِيلَ ٱلۡمُفۡسِدِينَ﴾ فيفهم من هذا: أنه لا غِنَى لأحد عن الوصية، وأنه يجب على كل أحد قَبُولُ النصح ممن جاء به؛ كما قيل:

وَلِكُلِّ شَخْصٍ شَهْوَةٌ أَوْ غَفْلَةٌ

وَالمَرْءُ مُحْتَاجٌ إِلَى التَّنْبِيهِ

[143] ﴿وَلَمَّا جَآءَ مُوسَىٰ لِمِيقَٰتِنَا وَكَلَّمَهُۥ رَبُّهُۥ قَالَ رَبِّ أَرِنِيٓ أَنظُرۡ إِلَيۡكَۚ قَالَ لَن تَرَىٰنِي وَلَٰكِنِ ٱنظُرۡ إِلَى ٱلۡجَبَلِ فَإِنِ ٱسۡتَقَرَّ مَكَانَهُۥ فَسَوۡفَ تَرَىٰنِيۚ فَلَمَّا تَجَلَّىٰ رَبُّهُۥ لِلۡجَبَلِ جَعَلَهُۥ دَكّٗا وَخَرَّ مُوسَىٰ صَعِقٗاۚ فَلَمَّآ أَفَاقَ قَالَ سُبۡحَٰنَكَ تُبۡتُ إِلَيۡكَ وَأَنَا۠ أَوَّلُ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ 143﴾:

ولما جاء موسى عليه السلام على الموعد، كلَّمه الله مباشَرةً من وراء حجاب؛ كما قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُكَلِّمَهُ ٱللَّهُ إِلَّا وَحۡيًا أَوۡ مِن وَرَآيِٕ حِجَابٍ﴾ [الشورى:٥١]؛ ولهذا سُمِّيَ موسى عليه السلام: (كَلِيمَ الرحمنِ)؛ لأن الله كلَّمه من غير الواسطة التي يبلِّغُ بها الرسُلُ أحكام الله، وهو جبريل عليه وعلى رسل الله الصلاة والسلام. ثم إن موسى لمَّا سَمِعَ كلامَ الله بلا واسطة، طَمِعَ في رؤيته، فطلَبَ منه النظر إليه؛ فقال الله له: لن تَقْدِرَ -يا موسى- على رؤيتي في الدنيا، ولكن انظر إلى الجبل؛ فإن استقَرَّ مكانه إذا تجلَّيْتُ له، فسوف تراني، فلما تجلى الله إلى الجبل، جعله دكًّا مستويًا بالأرض، فعندها سقَطَ موسى مغشيًّا عليه؛ فلما أفاق قال: إني أنزِّهك يا ربي وأعظِّمك عما لا يليق بك، وإني تُبْتُ إليك، وأنا أول المصدِّقين بك المسلِّمين لك.

[144] ﴿قَالَ يَٰمُوسَىٰٓ إِنِّي ٱصۡطَفَيۡتُكَ عَلَى ٱلنَّاسِ بِرِسَٰلَٰتِي وَبِكَلَٰمِي فَخُذۡ مَآ ءَاتَيۡتُكَ وَكُن مِّنَ ٱلشَّٰكِرِينَ 144﴾:

وبعد أن أفاق موسى من صَعْقته، قال له جل وعلا: يا موسى، إني اختَرْتُكَ على الناس من أهل زمانك؛ برسالتي إلى مَنْ أرسلتُكَ إليهم، وبتكليمي إيَّاك من غير واسطة؛ فخذ يا موسى ما آتيتُكَ من الأوامر والنواهي، وكن من الشاكرين لله على نِعَمِهِ الظاهرة والباطنة، وعلى ما آتاك مِنْ رسالته، وما خصَّك بكلامه.

[145] ﴿وَكَتَبۡنَا لَهُۥ فِي ٱلۡأَلۡوَاحِ مِن كُلِّ شَيۡءٖ مَّوۡعِظَةٗ وَتَفۡصِيلٗا لِّكُلِّ شَيۡءٖ فَخُذۡهَا بِقُوَّةٖ وَأۡمُرۡ قَوۡمَكَ يَأۡخُذُواْ بِأَحۡسَنِهَاۚ سَأُوْرِيكُمۡ دَارَ ٱلۡفَٰسِقِينَ 145﴾:

ثم أخبَرَ جل وعلا أنه كتب لموسى في ألواح التوراة كل شيء يحتاج إليه بنو إسرائيل من أمور الدِّين؛ لتكون موعظةً تؤثِّر في قلوبهم، وتبيينًا للأوامر والنواهي، وأحكام الحلال والحرام، ثم أمَرَهُ الله أن يأخذ هذه الأحكام بجِدٍّ وحزم، وأن يأمر قومه أن يأخذوا بأحسنها، أي: بأحسَنِ الوجوهِ التي تفسَّر بها، ثم أخبَرَ سبحانه على سبيل التهديد أن مَنْ خالف أمره، سوف يريه منازل الفاسقين الذين سبقوهم كيف دمَّرها الله؛ بسبب كُفْرهم وفسقهم وفجورهم.

[146] ﴿سَأَصۡرِفُ عَنۡ ءَايَٰتِيَ ٱلَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي ٱلۡأَرۡضِ بِغَيۡرِ ٱلۡحَقِّ وَإِن يَرَوۡاْ كُلَّ ءَايَةٖ لَّا يُؤۡمِنُواْ بِهَا وَإِن يَرَوۡاْ سَبِيلَ ٱلرُّشۡدِ لَا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلٗا وَإِن يَرَوۡاْ سَبِيلَ ٱلۡغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلٗاۚ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمۡ كَذَّبُواْ بِـَٔايَٰتِنَا وَكَانُواْ عَنۡهَا غَٰفِلِينَ 146﴾:

ثم أخبَرَ جل وعلا أنه سوف يصرف عن دلائل قدرته وعظمته الذين يتكبَّرون في الأرض بغير الحق؛ بسبب فساد قلوبهم، ثم بيَّن سبحانه أن هؤلاء الظالمين إذا رأَوْا أي آية دالَّة على أن الله هو الإله الحق الذي لا شريك له، فإنهم لا يؤمنون بها، وإذا رأَوْا طريق الحق والهداية لا يتَّخذونه طريقًا، أما إذا رأَوْا طريق الضلال والكفر، فإنهم يتَّخذونه طريقًا لهم يسيرون فيه، ثم بيَّن سبحانه أن ذلك الانحراف عن دين الله وعن الهداية، كان بسبب أنهم كذَّبوا بدلائل الله ومُعْجِزاته بعد ظهورها واضحة، ولكنهم كانوا عنها لاهين غافلين.

[147] ﴿وَٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِـَٔايَٰتِنَا وَلِقَآءِ ٱلۡأٓخِرَةِ حَبِطَتۡ أَعۡمَٰلُهُمۡۚ هَلۡ يُجۡزَوۡنَ إِلَّا مَا كَانُواْ يَعۡمَلُونَ 147﴾:

ثم أخبَرَ جل وعلا أن الذين كذَّبوا بآيات الله، وأنكروا لقاءه يوم القيامة، حبطت أعمالهم الخيرية مِنْ صَدَقة وصلة رحم ونحو ذلك، ولا يُجْزَوْنَ يوم القيامة إلا بما كانوا يعملونه من الكُفْر والذنوب والمعاصي.

[148] ﴿وَٱتَّخَذَ قَوۡمُ مُوسَىٰ مِنۢ بَعۡدِهِۦ مِنۡ حُلِيِّهِمۡ عِجۡلٗا جَسَدٗا لَّهُۥ خُوَارٌۚ أَلَمۡ يَرَوۡاْ أَنَّهُۥ لَا يُكَلِّمُهُمۡ وَلَا يَهۡدِيهِمۡ سَبِيلًاۘ ٱتَّخَذُوهُ وَكَانُواْ ظَٰلِمِينَ 148﴾:

وبعد أن ذهَبَ موسى لمناجاة ربه، اتخذ قومُهُ مِنْ بعده مِنْ ذَهَبهم وحُلِيِّهم عِجْلًا صنعه السامِرِيّ؛ حيث جمَعَ الذهب الذي مع نساء بني إسرائيل اللاتي استعَرْنَهُ من نساء قوم فرعون، ثم أذابه وصنَعَ منه عجلًا له جسَدٌ من الذهب، وله صوتٌ يُسمَعُ، وقال لهم السامري: ﴿هَٰذَآ إِلَٰهُكُمۡ وَإِلَٰهُ مُوسَىٰ﴾ [طه:٨٨]، أي: أنهم جعلوا هذا العِجْلَ إلههم، ثم عبدوه من دون الله، ثم قال سبحانه على سبيل الإنكار: ألم ير هؤلاء الجهلة أن هذا العجل لا يكلِّمهم ولا يهديهم طريقًا؛ فكيف اتخذوه إلهًا يُعْبَدُ من دون الله؟! ثم قال سبحانه منكرًا عليهم: إنهم اتَّخذوا هذا العجل إلهًا بدون أن يفكِّروا بعقولهم؛ فهم ظالمون لأنفسهم ولغيرهم ممن يقتدي بهم.

[149] ﴿وَلَمَّا سُقِطَ فِيٓ أَيۡدِيهِمۡ وَرَأَوۡاْ أَنَّهُمۡ قَدۡ ضَلُّواْ قَالُواْ لَئِن لَّمۡ يَرۡحَمۡنَا رَبُّنَا وَيَغۡفِرۡ لَنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ ٱلۡخَٰسِرِينَ 149﴾:

ولما عادوا إلى رشدهم، وندموا على عبادة العجل، بعد أن تبيَّن لهم أنها عبادةٌ باطلة، وتبيَّن لهم أنهم قد ضلُّوا عن الطريق المستقيم، قالوا: لَئِنْ لم يتُبْ علينا ربنا ويرحمنا برحمته التي وَسِعَتْ كل شيء، ويتجاوَزْ عن ذنوبنا، لنكونَنَّ من الهالكين الذين حبطت أعمالهم، فخسروا دنياهم وآخرتهم.

[150] ﴿وَلَمَّا رَجَعَ مُوسَىٰٓ إِلَىٰ قَوۡمِهِۦ غَضۡبَٰنَ أَسِفٗا قَالَ بِئۡسَمَا خَلَفۡتُمُونِي مِنۢ بَعۡدِيٓۖ أَعَجِلۡتُمۡ أَمۡرَ رَبِّكُمۡۖ وَأَلۡقَى ٱلۡأَلۡوَاحَ وَأَخَذَ بِرَأۡسِ أَخِيهِ يَجُرُّهُۥٓ إِلَيۡهِۚ قَالَ ٱبۡنَ أُمَّ إِنَّ ٱلۡقَوۡمَ ٱسۡتَضۡعَفُونِي وَكَادُواْ يَقۡتُلُونَنِي فَلَا تُشۡمِتۡ بِيَ ٱلۡأَعۡدَآءَ وَلَا تَجۡعَلۡنِي مَعَ ٱلۡقَوۡمِ ٱلظَّٰلِمِينَ 150﴾:

ثم أخبَرَ جل وعلا أن موسى رجع إلى قومه وهو في غاية الغضب والحزن؛ لأن الله أخبره بما صنَعَ قومه في أثناء غَيْبته، فلما وصل موسى والتقى بقومه، قال لهم: بئس الخلافةُ التي خلَفْتُموني مِن بعدي؛ حيث تركتكم على توحيد الله وإخلاص العبادة له وحده، فهل استَعْجَلْتم تعاليم الله التي ستتم بمجيئي إليكم؟! ولما رأى موسى قومه وهم عاكفون على عبادة العِجْل، ألقى ألواحَ التوراة التي بيده مِنْ شِدَّةِ غضبه من فعلهم القبيح، وأمسَكَ برأس أخيه يجُرُّه، فقال هارون مدافعًا عن نفسه بأسلوب الاستعطاف والترحُّم: يا ابن أمي، لقد بذَلْتُ جهدي في نصحهم، ولكنهم استضعفوني، بل حاولوا أن يقتلوني، فلا تَسُرَّ الأعداء بما تفعل بي، ولا تجعلني مثل هؤلاء القوم الظالمين الذين ظلموا أنفسهم بعبادة العِجْل، وإني بريء منهم ومِنْ فعلهم.

[151] ﴿قَالَ رَبِّ ٱغۡفِرۡ لِي وَلِأَخِي وَأَدۡخِلۡنَا فِي رَحۡمَتِكَۖ وَأَنتَ أَرۡحَمُ ٱلرَّٰحِمِينَ 151﴾:

ولما تبيَّن الأمر لموسى وتأكَّد أن أخاه لم يفرِّط، وأنه كان معذورًا، نَدِمَ على ما فعله بأخيه، وقال: ربِّ، اغفر لي ما فعلته بأخي، واغفر لأخي؛ فقد بذَلَ ما يقدر عليه، وأدخلنا في سَعَة رحمتك؛ فإنك أرحم الراحمين.

[152] ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ ٱتَّخَذُواْ ٱلۡعِجۡلَ سَيَنَالُهُمۡ غَضَبٞ مِّن رَّبِّهِمۡ وَذِلَّةٞ فِي ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَاۚ وَكَذَٰلِكَ نَجۡزِي ٱلۡمُفۡتَرِينَ 152﴾:

ثم قال جل وعلا على سبيل التهديد والإنكار: إن الذين عبدوا العِجْلَ من بني إسرائيل، واتَّخذوه إلهًا من دون الله، سوف يصيبهم في الآخرة عذاب شديد من الله، وسوف تصيبهم كذلك الذِّلَّةُ والصَّغَارُ في الحياة الدنيا، وبمثل هذا العقاب يعاقِبُ سبحانه كلَّ من اتخذ إلهًا من دون الله.

[153] ﴿وَٱلَّذِينَ عَمِلُواْ ٱلسَّيِّـَٔاتِ ثُمَّ تَابُواْ مِنۢ بَعۡدِهَا وَءَامَنُوٓاْ إِنَّ رَبَّكَ مِنۢ بَعۡدِهَا لَغَفُورٞ رَّحِيمٞ 153﴾:

ثم فتَحَ جل وعلا لعباده باب التوبة؛ فقال سبحانه: واعلموا -أيها الناس- أن الذين عملوا المعاصي والذنوب مِنْ شرك وكبائر وصغائر، ثم تابوا بعد تلك الأفعال السيئة، ورجعوا إلى الله، وآمنوا به إيمانًا حقيقيًّا؛ فاعلموا أن الله جل شأنه مِنْ بعد هذه التوبة غفورٌ لعباده التائبين، رحيمٌ بهم.

[154] ﴿وَٱلَّذِينَ عَمِلُواْ ٱلسَّيِّـَٔاتِ ثُمَّ تَابُواْ مِنۢ بَعۡدِهَا وَءَامَنُوٓاْ إِنَّ رَبَّكَ مِنۢ بَعۡدِهَا لَغَفُورٞ رَّحِيمٞ 153﴾:

وحين سكَنَ موسى، وهدَّأ من غضبه، بعد أن تبيَّن له عذر أخيه، وتوبة قومه من عبادة العِجْل؛ تراجع عما بدَرَ منه، وأخذ الألواح التي ألقاها، ثم بيَّن سبحانه أن هذه الألواح مشتملةٌ على هدايةٍ ورحمةٍ للناس الذين يخافون الله في سرِّهم وعلنهم، ويخشَوْنَ عقابه في الدنيا والآخرة.

[155] ﴿وَٱخۡتَارَ مُوسَىٰ قَوۡمَهُۥ سَبۡعِينَ رَجُلٗا لِّمِيقَٰتِنَاۖ فَلَمَّآ أَخَذَتۡهُمُ ٱلرَّجۡفَةُ قَالَ رَبِّ لَوۡ شِئۡتَ أَهۡلَكۡتَهُم مِّن قَبۡلُ وَإِيَّٰيَۖ أَتُهۡلِكُنَا بِمَا فَعَلَ ٱلسُّفَهَآءُ مِنَّآۖ إِنۡ هِيَ إِلَّا فِتۡنَتُكَ تُضِلُّ بِهَا مَن تَشَآءُ وَتَهۡدِي مَن تَشَآءُۖ أَنتَ وَلِيُّنَا فَٱغۡفِرۡ لَنَا وَٱرۡحَمۡنَاۖ وَأَنتَ خَيۡرُ ٱلۡغَٰفِرِينَ 155﴾:

وبعد أن تاب بنو إسرائيل، وعادوا إلى عبادة الله وحده، اختار موسى عليه السلام منهم سبعين رجلًا مِنْ أشراف قومه وخيارهم من الذين لم يعبدوا العجل، وذهَبَ بهم إلى الميقات الذي حدَّده الله لموسى عليه السلام؛ للتوبة والاعتذار مما فعله سفهاؤهم من عبادة العجل، ولما رأوا موسى يكلِّم الله من وراء حجاب، قالوا: ﴿لَن نُّؤۡمِنَ لَكَ حَتَّىٰ نَرَى ٱللَّهَ جَهۡرَةٗ﴾ [البقرة:٥٥]؛ فأخذَتْهم الرَّجْفةُ فصعقوا وماتوا جميعًا، فلما رأى موسى ما حصَلَ، التجأ إلى ربه بالدعاء، وقال: يا رب، لو أرَدتَّ، لأهلكتنا من قبل هذا الميقات وأنا معهم، فماذا أقول لبني إسرائيل عندما أرجع إليهم وقد أهلَكْتَ خيارهم؟! يا رب، أتهلكنا بسبب ما فعله السفهاء الجهلاء منا؟! وهو تحدِّيهم لموسى وقولهم: ﴿لَن نُّؤۡمِنَ لَكَ حَتَّىٰ نَرَى ٱللَّهَ جَهۡرَةٗ﴾ [البقرة:٥٥]؛ وإنَّ هذه الفتنة التي وقع فيها هؤلاء السفهاء من عبادة العجل: اختبارٌ وامتحانٌ للناس، تُضِلُّ بها من تشاء من خلقك، وتهدي من تشاء، أنت ولينا وناصرنا ومتولِّي جميع أمورنا، فاغفِرْ لنا ذنوبنا، وارحمنا برحمتك الواسعة التي وَسِعَتْ كلَّ شيء، إنك خيرُ من غفَرَ الذنوب، ورَحِمَ العباد، فأحياهم سبحانه مِنْ بعد موتهم؛ إكرامًا لنبيه موسى عليه السلام.

[156] ﴿وَٱكۡتُبۡ لَنَا فِي هَٰذِهِ ٱلدُّنۡيَا حَسَنَةٗ وَفِي ٱلۡأٓخِرَةِ إِنَّا هُدۡنَآ إِلَيۡكَۚ قَالَ عَذَابِيٓ أُصِيبُ بِهِۦ مَنۡ أَشَآءُۖ وَرَحۡمَتِي وَسِعَتۡ كُلَّ شَيۡءٖۚ فَسَأَكۡتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤۡتُونَ ٱلزَّكَوٰةَ وَٱلَّذِينَ هُم بِـَٔايَٰتِنَا يُؤۡمِنُونَ 156﴾:

واستمر موسى عليه السلام في دعائه، فقال: وقَدِّرْ لنا -يا ربنا- في هذه الدنيا حياةً سعيدة نهنأ بها، وفي الآخرة جَنَّةً نسعد بها؛ فإنا قد تبنا ورجعنا إليك، فقال الله سبحانه مجيبًا: اعلم -يا موسى- أن عذابي أصيب به من أشاء من عبادي، وأن رحمتي وَسِعَتْ كل شيء، ولن ينالها في الآخرة إلا الذين يخافون ربهم باجتناب الذنوب والمعاصي، ويؤتون الزكاة المفروضة عليهم، ويؤمنون بآياتي ويعملون بما فيها من الأوامر والنواهي.

[157] ﴿ٱلَّذِينَ يَتَّبِعُونَ ٱلرَّسُولَ ٱلنَّبِيَّ ٱلۡأُمِّيَّ ٱلَّذِي يَجِدُونَهُۥ مَكۡتُوبًا عِندَهُمۡ فِي ٱلتَّوۡرَىٰةِ وَٱلۡإِنجِيلِ يَأۡمُرُهُم بِٱلۡمَعۡرُوفِ وَيَنۡهَىٰهُمۡ عَنِ ٱلۡمُنكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ ٱلطَّيِّبَٰتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيۡهِمُ ٱلۡخَبَٰٓئِثَ وَيَضَعُ عَنۡهُمۡ إِصۡرَهُمۡ وَٱلۡأَغۡلَٰلَ ٱلَّتِي كَانَتۡ عَلَيۡهِمۡۚ فَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ بِهِۦ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَٱتَّبَعُواْ ٱلنُّورَ ٱلَّذِيٓ أُنزِلَ مَعَهُۥٓ أُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡمُفۡلِحُونَ 157﴾:

ثم تفضَّل جل وعلا بإيضاح أولئك الذين يتَّقون الله ويؤتون الزكاة ويؤمنون بآيات الله؛ فأخبَرَ أنهم الذين يتَّبعون النبي الأُمِّيَّ الذي لا يقرأ ولا يكتب، وهو محمد ﷺ الذي يجد أهلُ الكتاب صفته مكتوبة عندهم في التوراة والإنجيل، وهذا النبيُّ يأمرهم بالتوحيد وجميع الطاعات، وينهاهم عن الشرك وجميع المعاصي، ويحلُّ لهم الطيبات مِنَ المأكل والمشرب، ويحرِّم عليهم الخبائث، ويرفع عنهم الآصار والأغلال الشاقَّة التي فُرِضَتْ عليهم.

ثم بيَّن سبحانه أن الذين آمنوا بالنبي محمد ﷺ وصدَّقوه ووقَّروه ونصروه، واتَّبعوا القرآن الذي أنزله الله عليه، فأولئك هم الفائزون بوعد الله لعباده المؤمنين بجَنَّةٍ عرضها السموات والأرض.

وهذه الآية والتي بعدها من الآيات تُثبِتُ أنَّ رسالة محمد ﷺ للثقلَيْنِ جميعًا الإنس والجن، وأنها خاتمة الرسالات.

[158] ﴿قُلۡ يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِنِّي رَسُولُ ٱللَّهِ إِلَيۡكُمۡ جَمِيعًا ٱلَّذِي لَهُۥ مُلۡكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۖ لَآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ يُحۡيِۦ وَيُمِيتُۖ فَـَٔامِنُواْ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِ ٱلنَّبِيِّ ٱلۡأُمِّيِّ ٱلَّذِي يُؤۡمِنُ بِٱللَّهِ وَكَلِمَٰتِهِۦ وَٱتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمۡ تَهۡتَدُونَ 158﴾:

ثم أمَرَ جل وعلا نبيه ﷺ أن يقول للناس: اعلموا -أيها الناس- أني أُرسِلْتُ إليكم من عند الله الذي له مُلْكُ جميع من في السموات والأرض، وأنه لا إله إلا هو، ولا معبود بحَقٍّ إلا هو، له القدرة البالغة، يحيي ويميت؛ فعليكم الإيمان به وبرسوله النبي الأُمِّيِّ الذي لا يقرأ ولا يكتب، والذي يؤمن بالله ربًّا وإلهًا، ويؤمن بكلماته الشرعية؛ فاتَّبِعُوهُ لعلكم ترشُدُون.

وأُمِّيَّتُهُ ﷺ كمالٌ له لتثبت أن كل ما يأتي به من تعاليم هي من عند الله.

[159] ﴿وَمِن قَوۡمِ مُوسَىٰٓ أُمَّةٞ يَهۡدُونَ بِٱلۡحَقِّ وَبِهِۦ يَعۡدِلُونَ 159﴾:

وبعد أن أخبَرَ جل وعلا عن الضالِّين والمنحرفين من بني إسرائيل، أخبَرَ أنَّ مِنْ قوم موسى عليه السلام جماعةً بَقُوا على الدين الصحيح يهدون الناس بالحق، ويَعْدِلون في تنفيذ الأحكام؛ وهذا بيان لحالهم قبل مجيء رسالة محمد ﷺ.

[160] ﴿وَقَطَّعۡنَٰهُمُ ٱثۡنَتَيۡ عَشۡرَةَ أَسۡبَاطًا أُمَمٗاۚ وَأَوۡحَيۡنَآ إِلَىٰ مُوسَىٰٓ إِذِ ٱسۡتَسۡقَىٰهُ قَوۡمُهُۥٓ أَنِ ٱضۡرِب بِّعَصَاكَ ٱلۡحَجَرَۖ فَٱنۢبَجَسَتۡ مِنۡهُ ٱثۡنَتَا عَشۡرَةَ عَيۡنٗاۖ قَدۡ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٖ مَّشۡرَبَهُمۡۚ وَظَلَّلۡنَا عَلَيۡهِمُ ٱلۡغَمَٰمَ وَأَنزَلۡنَا عَلَيۡهِمُ ٱلۡمَنَّ وَٱلسَّلۡوَىٰۖ كُلُواْ مِن طَيِّبَٰتِ مَا رَزَقۡنَٰكُمۡۚ وَمَا ظَلَمُونَا وَلَٰكِن كَانُوٓاْ أَنفُسَهُمۡ يَظۡلِمُونَ 160﴾:

أخبَرَ جل وعلا أنه قسَّم بني إسرائيل فجعلهم اثنتَيْ عَشْرةَ فرقةً، وهم عدد أبناء يعقوب عليه السلام، ولما طلب بنو إسرائيل من موسى السُّقْيا بعد أن اشتد بهم العطش، أوحى سبحانه لموسى أن يَضْرِبَ بعصاه الحجر؛ فضربه فانبجَسَتْ، أي: خرج الماء شيئًا فشيئًا من الحجر، من اثنتي عَشْرةَ عَيْنًا بعدد الفرق المذكورة، ثم علمت كلُّ فرقة عينها الخاصَّة بها التي ستشرب منها، حتى لا يتعدَّى بعضهم على بعض، ثم مَنَّ الله على بني إسرائيل بنعمة أخرى؛ حيث سخَّر السحاب ليظلَّهم ويستُرَهم من حر الشمس، ويسيرَ معهم حيث ساروا، وكذلك مَنَّ الله عليهم بنعمة أخرى؛ حيث أنزَلَ عليهم المَنَّ وهو طعامٌ حُلْوٌ لذيذ، وأنزَلَ عليهم السلوى وهو طيرٌ لذيذُ اللحم، ثم قال الله لهم: كلوا من هذه الطيبات التي هي مِنْ رزق الله، واشكروه سبحانه علىها، ثم بيَّن جل في علاه أنهم ما ظلموا الله حيث لم يشكُرُوه، ولكنْ ظلموا أنفسهم؛ لأنهم عرَّضوها لعذاب الله الأليم.

[161] ﴿وَإِذۡ قِيلَ لَهُمُ ٱسۡكُنُواْ هَٰذِهِ ٱلۡقَرۡيَةَ وَكُلُواْ مِنۡهَا حَيۡثُ شِئۡتُمۡ وَقُولُواْ حِطَّةٞ وَٱدۡخُلُواْ ٱلۡبَابَ سُجَّدٗا نَّغۡفِرۡ لَكُمۡ خَطِيٓـَٰٔتِكُمۡۚ سَنَزِيدُ ٱلۡمُحۡسِنِينَ 161﴾:

واذكر -أيها النبي- يوم أن قال الله لبني إسرائيل: ادخُلُوا بيت المقدس، واسكنوا فيه، وكلوا مما أحلَّ الله لكم من ثماره وحبوبه ونباته، أين شئتم، ومتى شئتم، وقولوا حين تدخلون الباب: حُطَّ عنا -يا ربِّ- خطايانا، وادخلوا خاضعين متذلِّلين لربكم؛ فإن فعلتم ذلك، غفَرَ الله لكم خطاياكم وسيئاتكم، ومَنْ كان منكم محسنًا، سنزيده إحسانًا من خيري الدنيا والآخرة.

[162] ﴿فَبَدَّلَ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنۡهُمۡ قَوۡلًا غَيۡرَ ٱلَّذِي قِيلَ لَهُمۡ فَأَرۡسَلۡنَا عَلَيۡهِمۡ رِجۡزٗا مِّنَ ٱلسَّمَآءِ بِمَا كَانُواْ يَظۡلِمُونَ 162﴾:

ثم أخبَرَ جل وعلا أن بعض بني إسرائيل الظالمين بدَّلوا وغيَّروا؛ ومن ذلك: أنهم دخلوا الباب وهم يَزْحَفُونَ كلٌّ على اسْتِهِ، وقالوا: حَبَّةٌ في شعيرة، بدل أن يقولوا: ﴿حِطَّةٞ﴾، أي: حُطَّ عنا خطايانا، وهي طلَبُ المغفرة، كلُّ ذلك سخريةٌ منهم واستهزاء بأمر الله؛ لذا أرسل الله عليهم عذابًا شديدًا من السماء؛ بسبب ظلمهم وعصيانهم، ومخالَفَتِهم أمر الله، وتجاوُزِهم حدوده.

[163] ﴿وَسۡـَٔلۡهُمۡ عَنِ ٱلۡقَرۡيَةِ ٱلَّتِي كَانَتۡ حَاضِرَةَ ٱلۡبَحۡرِ إِذۡ يَعۡدُونَ فِي ٱلسَّبۡتِ إِذۡ تَأۡتِيهِمۡ حِيتَانُهُمۡ يَوۡمَ سَبۡتِهِمۡ شُرَّعٗا وَيَوۡمَ لَا يَسۡبِتُونَ لَا تَأۡتِيهِمۡۚ كَذَٰلِكَ نَبۡلُوهُم بِمَا كَانُواْ يَفۡسُقُونَ 163﴾:

ثم طلَبَ جل وعلا من النبي ﷺ أن يسأل اليهود عن تلك القرية التي كانت على شاطئ البحر؛ حيث ابتلاهم الله بأن جعَلَ الأسماك تختفي من شاطئهم طَوَالَ الأسبوع ما عدا يوم السبت، وهو يوم محرَّم عليهم فيه الصيد؛ لأنه يومُ عِيدٍ عندهم؛ فكانوا يحتالون فيضعون حُفَرًا وشِبَاكًا، فإذا جاءت الأسماك والحِيتَانُ في يوم السبت، وقَعَتْ في هذه الحفر والشباك، ثم لا تستطيع الخروج منها، ثم يأتون في اليوم الذي بعده، وهو يوم الأحد؛ فيأخذونها احتيالًا.

واعلموا أن الله ابتلى هؤلاء اليهود بمثل هذا الابتلاء؛ لينالهم عقابه وعذابه؛ بسبب فِسْقهم وفجورهم، وتعدِّيهم لحدود الله، وتحايلهم على شرعه الحكيم.

[164] ﴿وَإِذۡ قَالَتۡ أُمَّةٞ مِّنۡهُمۡ لِمَ تَعِظُونَ قَوۡمًا ٱللَّهُ مُهۡلِكُهُمۡ أَوۡ مُعَذِّبُهُمۡ عَذَابٗا شَدِيدٗاۖ قَالُواْ مَعۡذِرَةً إِلَىٰ رَبِّكُمۡ وَلَعَلَّهُمۡ يَتَّقُونَ 164﴾:

وحيث كان هناك جماعةٌ صالحون من اليهود قاموا بنُصْحِ هؤلاء الذين احتالوا على شرع الله، وحاولوا إرشادهم وهدايتهم، فلم يفلحوا؛ قام بعض الرجال الصالحين يلومون زملاءهم الناصحين، فقالوا لهم: لماذا تَنْصَحُونَ هؤلاء المحتالين الذين تمرَّدوا على التعاليم؟! فإنَّ نُصْحَهم لا جدوى منه؛ فاتركوهم يلاقوا مصيرهم المكتوب عليهم؛ إما بإهلاك الله لهم، أو أن يعذِّبهم عذابًا شديدًا؛ فقال الناصحون ردًّا على هؤلاء: لقد نصحناهم حتى نُعْذَرَ أمام الله، ولعلَّهم يتذكَّرون بهذه النصيحة؛ فيخافوا الله، ويتوبوا إليه.

[165] ﴿فَلَمَّا نَسُواْ مَا ذُكِّرُواْ بِهِۦٓ أَنجَيۡنَا ٱلَّذِينَ يَنۡهَوۡنَ عَنِ ٱلسُّوٓءِ وَأَخَذۡنَا ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ بِعَذَابِۭ بَـِٔيسِۭ بِمَا كَانُواْ يَفۡسُقُونَ 165﴾:

ثم أخبَرَ جل وعلا أن هؤلاء المتمرِّدين لمَّا ترَكُوا ما وُعِظُوا به، حلَّت بهم العقوبة، وكانت النتيجة أن الله سبحانه أنجى الناصحين، أما الذين ظلموا أنفسهم بالكفر والعصيان، فقد أخَذَهم الله بعذاب شديد؛ بسبب استمرارهم على الفسق والفجور، وتجاوزهم لحدود الله. أما الذين امتنعوا عن الأمر بالمعروف، فلم يذكُرْ جل وعلا نجاتهم، فربما عُوقِبوا معهم؛ كما قال تعالى: ﴿وَٱتَّقُواْ فِتۡنَةٗ لَّا تُصِيبَنَّ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنكُمۡ خَآصَّةٗۖ ﴾ [الأنفال:٢٥]، وبهذا يُفْهَمُ أن النصح سبَبٌ للنجاة ولو أَيِسَ الناصح من المنصوح.

[166] ﴿فَلَمَّا عَتَوۡاْ عَن مَّا نُهُواْ عَنۡهُ قُلۡنَا لَهُمۡ كُونُواْ قِرَدَةً خَٰسِـِٔينَ 166﴾:

ثم أخبَرَ جل وعلا أن هؤلاء المجرمين لمَّا أصرُّوا، واستمروا في طغيانهم وعنادهم واستكبارهم عما نُهُوا عنه من صيد السمك يوم السبت، أمَرَ الله أن يكونوا قِرَدةً؛ فانقلبوا بإذن اللهِ قرَدةً ممسوخين. قال بعض العلماء: (إن الممسوخين لا يتوالدون؛ ولذا فإنَّ قول العامَّة لليهود: أبناء القردة والخنازير، لا مستند له).

[167] ﴿وَإِذۡ تَأَذَّنَ رَبُّكَ لَيَبۡعَثَنَّ عَلَيۡهِمۡ إِلَىٰ يَوۡمِ ٱلۡقِيَٰمَةِ مَن يَسُومُهُمۡ سُوٓءَ ٱلۡعَذَابِۗ إِنَّ رَبَّكَ لَسَرِيعُ ٱلۡعِقَابِ وَإِنَّهُۥ لَغَفُورٞ رَّحِيمٞ 167﴾:

واذكر -أيها النبي- يوم أن صرَّح ربك وأوجب على نفسه أنه سوف يُرْسِلُ على اليهود مَنْ يذيقهم سوء العذاب إلى يوم القيامة؛ بسبب كفرهم وإجرامهم، وانتهاكهم لحُرُمات الله، وإفسادهم في الأرض، ثم بيَّن سبحانه أن عقابه سريعٌ لمن أساء وظلم، وأنه واسعُ المغفرة والرحمة لمن تاب وآمَنَ وعَمِلَ عملًا صالحًا وأناب.

[168] ﴿وَقَطَّعۡنَٰهُمۡ فِي ٱلۡأَرۡضِ أُمَمٗاۖ مِّنۡهُمُ ٱلصَّٰلِحُونَ وَمِنۡهُمۡ دُونَ ذَٰلِكَۖ وَبَلَوۡنَٰهُم بِٱلۡحَسَنَٰتِ وَٱلسَّيِّـَٔاتِ لَعَلَّهُمۡ يَرۡجِعُونَ 168﴾:

ثم أخبَرَ جل وعلا أنه فرَّق بني إسرائيل في الأرض طوائفَ وأممًا، ومزَّقهم شرَّ ممزَّق؛ بسبب كفرهم وجحودهم، ثم بيَّن سبحانه أنَّ مِنْ هؤلاء اليهود أناسًا صالحين؛ وهم قليلون، وأنَّ منهم أناسًا ظالمين لأنفسهم؛ وهم السواد الأعظم، والكثرة الغالبة، ثم أخبَرَ سبحانه أنه اختبرهم تارَةً: برغَدِ العيشِ والنعم الكثيرة، وتارَةً: بالشدة والمصائب والأمراض؛ رجاء أن يرجعوا إلى ربهم؛ فيؤمنوا به ويطيعوه، ويتركوا ما نهوا عنه من الذنوب والمعاصي.

[169] ﴿فَخَلَفَ مِنۢ بَعۡدِهِمۡ خَلۡفٞ وَرِثُواْ ٱلۡكِتَٰبَ يَأۡخُذُونَ عَرَضَ هَٰذَا ٱلۡأَدۡنَىٰ وَيَقُولُونَ سَيُغۡفَرُ لَنَا وَإِن يَأۡتِهِمۡ عَرَضٞ مِّثۡلُهُۥ يَأۡخُذُوهُۚ أَلَمۡ يُؤۡخَذۡ عَلَيۡهِم مِّيثَٰقُ ٱلۡكِتَٰبِ أَن لَّا يَقُولُواْ عَلَى ٱللَّهِ إِلَّا ٱلۡحَقَّ وَدَرَسُواْ مَا فِيهِۗ وَٱلدَّارُ ٱلۡأٓخِرَةُ خَيۡرٞ لِّلَّذِينَ يَتَّقُونَۚ أَفَلَا تَعۡقِلُونَ 169﴾:

وبعد أن أخبَرَ جل وعلا عن هؤلاء المذكورين في الآية السابقة الذين فيهم الصالحون والطالحون؛ أخبَرَ أنه جاء من بعدهم قَوْمٌ وَرِثوا التوراة عن آبائهم وأجدادهم، وهؤلاء من صفاتهم السيئة أنهم يأخذون الرشاوى، ويأكُلُونَ الحرام، ومع ذلك فإنهم يقولون بكلِّ وقاحة: إنَّ الله سيغفر لنا؛ لأننا من نسل الأنبياء، ثم أخبَرَ سبحانه أنهم كلَّما لاح لهم شيء من حطام الدنيا، فإنهم يأخذونه؛ سواءٌ كان من الحلال أو الحرام؛ ثم أنكَرَ سبحانه عليهم، فقال على سبيل التذكير والتوضيح: ألم يؤخذ عليكم -أيها اليهود- العهدُ والميثاق من التوراة ألَّا تقولوا على الله إلا الحق؟! وقد قرأتم التوراة وعرفتم ما فيها من الأحكام؛ واعلموا أن الدار الآخرة خيرٌ للذين يخافون الله فلا يعصونه؛ أفلا تعقلون ذلك فتنتهوا عن أكل الحرام؟!

[170] ﴿وَٱلَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِٱلۡكِتَٰبِ وَأَقَامُواْ ٱلصَّلَوٰةَ إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجۡرَ ٱلۡمُصۡلِحِينَ 170﴾:

واعلموا -أيها الناس- أن الذين يتمسَّكون بكتاب الله؛ فيحلون حلاله، ويحرِّمون حرامه، ويقيمون الصلاة بالمحافظة على أوقاتها وأركانها، وواجباتها وسننها؛ فهؤلاء لن يُضِيعَ الله أجرهم؛ جزاء إصلاحهم وصلاحهم.

[171] ﴿وَإِذۡ نَتَقۡنَا ٱلۡجَبَلَ فَوۡقَهُمۡ كَأَنَّهُۥ ظُلَّةٞ وَظَنُّوٓاْ أَنَّهُۥ وَاقِعُۢ بِهِمۡ خُذُواْ مَآ ءَاتَيۡنَٰكُم بِقُوَّةٖ وَٱذۡكُرُواْ مَا فِيهِ لَعَلَّكُمۡ تَتَّقُونَ 171﴾:

واذكُرْ -أيها النبي- وذَكِّرْ بني إسرائيل يوم أن رفَعَ الله الجبل فوق رؤوس آبائهم، فصار فوقهم مثل السَّحابة تُظِلُّهم؛ حتى ظنوا أنه واقع عليهم؛ ليريهم سبحانه آية من الآيات التي تدل على قدرته سبحانه، وعلى صِدْقِ موسى عليه السلام، ثم قال جل شأنه آمرًا لهم: اعملوا -يا بني إسرائيل- بما عُهِدَ إليكم من أحكام التوراة بكل جِدٍّ واجتهاد، ولا تنسوا ما التزمتم به؛ لعلكم تتقون الله؛ بفعل أوامره، واجتناب نواهيه وغضبه.

[172] ﴿وَإِذۡ أَخَذَ رَبُّكَ مِنۢ بَنِيٓ ءَادَمَ مِن ظُهُورِهِمۡ ذُرِّيَّتَهُمۡ وَأَشۡهَدَهُمۡ عَلَىٰٓ أَنفُسِهِمۡ أَلَسۡتُ بِرَبِّكُمۡۖ قَالُواْ بَلَىٰ شَهِدۡنَآۚ أَن تَقُولُواْ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ إِنَّا كُنَّا عَنۡ هَٰذَا غَٰفِلِينَ 172﴾:

واذكر -أيها النبي- للناس حين أخرج الله ذرية آدم من أصلاب آبائهم، وقرَّرهم بإثبات الربوبية والتوحيد لله؛ فأقروا له بذلك؛ قال الجمهور: أي: أخَذَهم من ظهر آدم، وقرَّرهم بلسان الحال والمقال، أما ابن تيمية وابن القيم وغيرهم من السلف، فقالوا: أخَذَهم من ظهور آبائهم، وقرَّرهم بلسان المقال، ثم أخبَرَ سبحانه أنه قرَّرهم حتى لا ينكروا يوم القيامة ويزعموا أن الحُجَّةَ لم تقم عليهم، وليس عندهم علمٌ بذلك، وأنهم كانوا عن ذلك غافلين لاهين. والمقصودُ من أخذ العهد عليهم: ألَّا يحتجُّوا بأنَّ أخذ العهد كان على آدم، فلا يشملهم ولا يلزمهم.

وهذه الآية تسمَّى: آيةَ الميثاق. قال بعض المفسِّرين: (إنَّ كل شخص أصله جزءٌ حيٌّ من أبيه آدم منذ أن نُفِخَتْ في آدم الروح، فكل واحد من الأحياء تنقَّل أصله حيًّا في أصلاب آبائه؛ حتى انتقل حيوانًا منويًّا إلى رَحِمِ أمه؛ وهذا هو الذي أُخِذَ عليه العهد، وهذا هو الذي لم يَجْرِ عليه موتٌ منذ أن أحيا الله آدم).

وقد جاء في فتوى صادرة عن اللجنة الدائمة للإفتاء([1]): [1] ينظر: مجلة البحوث الإسلامية، العدد 31، الصادر عام 1411هـ، فتوى صادرة من اللجنة الدائمة للإفتاء في السعودية برئاسة الشيخ عبد العزيز بن باز رحمه الله، رقم الفتوى (2612).

(يقول السؤال: هل نفهم مِنْ نفخ الروح في الجنين بعد أربعة أشهر؛ أن الحيوان المَنَوِيَّ المتحد ببويضة المرأة والذي يتكَّون الجنين منه، لا روح فيه، أو ماذا؟

فأجابت اللجنة: لكلٍّ من الحيوان المنوي وبويضة المرأة حياةٌ تناسبه إذا سَلِمَ من الآفات، وتهيَّأ كل منهما -بإذن الله وتقديره- للاتحاد بالآخر، وعند ذلك يتكوَّن الجنين إن شاء الله ذلك، ويكون حيًّا أيضًا حياة تناسبه، حياةَ النموِّ والتنقُّل في الأطوار المعروفة، فإذا نُفِخَ فيه الروح، سرَتْ فيه حياة أخرى بإذن الله اللطيف الخبير).

[173] ﴿أَوۡ تَقُولُوٓاْ إِنَّمَآ أَشۡرَكَ ءَابَآؤُنَا مِن قَبۡلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةٗ مِّنۢ بَعۡدِهِمۡۖ أَفَتُهۡلِكُنَا بِمَا فَعَلَ ٱلۡمُبۡطِلُونَ 173﴾:

ثم بيَّن جل وعلا سببًا آخر لإشهاد بني آدم، حتى لا يقولوا: يا ربنا، نحن ما أشركنا، وإنما آباؤنا هم الذين أشركوا، ونحن ذُرِّيَّةٌ جئنا مِنْ بعدهم، فقلَّدناهم وتبعناهم في باطلهم؛ فهل تعذِّبنا بما فعل آباؤنا وأجدادنا مِنْ قبلنا من الأعمال الشركية والكفرية الباطلة؟! والمقصود من هذا كله: ألَّا تكون لأحد حجة على الله.

[174] ﴿وَكَذَٰلِكَ نُفَصِّلُ ٱلۡأٓيَٰتِ وَلَعَلَّهُمۡ يَرۡجِعُونَ 174﴾:

واعلموا -أيها الناس- أن بمثل هذا التفصيل في دلائل قدرة الله ووحدانيته بيَّن جل وعلا آياته، ووضح أحكامه؛ ليتدبَّرها الناس، لعلهم يتقون الله؛ فيرجعوا عمَّا هم فيه من الشرك والكفر، والضلال والمعاصي.

[175] ﴿وَٱتۡلُ عَلَيۡهِمۡ نَبَأَ ٱلَّذِيٓ ءَاتَيۡنَٰهُ ءَايَٰتِنَا فَٱنسَلَخَ مِنۡهَا فَأَتۡبَعَهُ ٱلشَّيۡطَٰنُ فَكَانَ مِنَ ٱلۡغَاوِينَ 175﴾:

واقصُصْ -أيها النبي- على الناس وعلى اليهود قصَّة ذلك الرجل من بني إسرائيل؛ الذي آتاه الله علمًا كثيرًا مِنْ علم التوراة، ولكنه بسبب إغراءات المال والمنصب كفَرَ بآيات الله، وانسلَخَ

منها كانسلاخ الجلد عن الشاة، فلما انسلخ من آيات الله، تسلَّط عليه الشيطان حتى صار قرينًا له، وصار من الضالِّين الراسخين في الضلال الذين يُضِلُّونَ عباد الله.

[176] ﴿وَلَوۡ شِئۡنَا لَرَفَعۡنَٰهُ بِهَا وَلَٰكِنَّهُۥٓ أَخۡلَدَ إِلَى ٱلۡأَرۡضِ وَٱتَّبَعَ هَوَىٰهُۚ فَمَثَلُهُۥ كَمَثَلِ ٱلۡكَلۡبِ إِن تَحۡمِلۡ عَلَيۡهِ يَلۡهَثۡ أَوۡ تَتۡرُكۡهُ يَلۡهَثۚ ذَّٰلِكَ مَثَلُ ٱلۡقَوۡمِ ٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِـَٔايَٰتِنَاۚ فَٱقۡصُصِ ٱلۡقَصَصَ لَعَلَّهُمۡ يَتَفَكَّرُونَ 176﴾:

ثم أخبَرَ جل وعلا أنه لو شاء لرفَعَ هذا الرجل بهذه الآيات، ولكنه اختار الضلال، فمال إلى الدنيا، وسكَنَ إليها، واتَّبَعَ هواه، ثم بيَّن سبحانه أن حال هذا الرجل كحال الكَلْب: إن طَرَدتَّهُ وضرَبْتَهُ، يَلْهَثْ، وإن تركته، يلهث، وهكذا هذا الرجل: إنْ نهيته عن الذنب، لم ينته، وإنْ تركته، لم يهتد، واعلموا أن هذا المَثَلَ السيِّئَ هو مثل كل مَنْ جحد آيات الله وكذَّب بها، ثم أمَرَ سبحانه نبيه ﷺ أن يقص على الناس مثل هذه القصص النافعة التي أوحاها الله إليه؛ لعلها تكون سببًا في تفكُّرهم واتعاظهم وزجرهم عمَّا هم فيه من الكفر والضلال.

[177] ﴿سَآءَ مَثَلًا ٱلۡقَوۡمُ ٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِـَٔايَٰتِنَا وَأَنفُسَهُمۡ كَانُواْ يَظۡلِمُونَ 177﴾:

ثم قال جل وعلا: لقد قَبُحَتْ أشدَّ القبح صفةُ أولئك القوم الذين كذَّبوا بآياتنا وجحدوا بها، وهم بهذا التكذيب وهذا الجحود ظلموا أنفسهم؛ لأنهم عرَّضوها لعذاب الله الشديد.

[178] ﴿مَن يَهۡدِ ٱللَّهُ فَهُوَ ٱلۡمُهۡتَدِيۖ وَمَن يُضۡلِلۡ فَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡخَٰسِرُونَ 178﴾:

ثم أخبَرَ جل وعلا أن مَنْ رغب في الهداية وأحبَّها، هداه الله ووفَّقه للإيمان، ومن أصرَّ على الغواية والضلال، فهو من الخاسرين الهالكين. واعلموا أن إضلال الله للعبد هو إضلالٌ جزائيٌّ، وليس إضلالًا ابتدائيًّا؛ لأنه لمَّا زاغ عن الحق، ترَكَهُ الله وما اختار لنفسه.

[179] ﴿وَلَقَدۡ ذَرَأۡنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرٗا مِّنَ ٱلۡجِنِّ وَٱلۡإِنسِۖ لَهُمۡ قُلُوبٞ لَّا يَفۡقَهُونَ بِهَا وَلَهُمۡ أَعۡيُنٞ لَّا يُبۡصِرُونَ بِهَا وَلَهُمۡ ءَاذَانٞ لَّا يَسۡمَعُونَ بِهَآۚ أُوْلَٰٓئِكَ كَٱلۡأَنۡعَٰمِ بَلۡ هُمۡ أَضَلُّۚ أُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡغَٰفِلُونَ 179﴾:

يقول جل وعلا: ﴿وَلَقَدۡ ذَرَأۡنَا لِجَهَنَّمَ﴾، أي: خلقنا لجهنم، واللام في قوله: ﴿لِجَهَنَّمَ﴾، هي لام العاقبة والصيرورة أو لام المآل؛ كما يقول النحويُّون؛ كما في قوله تعالى: ﴿فَٱلۡتَقَطَهُۥٓ ءَالُ فِرۡعَوۡنَ لِيَكُونَ لَهُمۡ عَدُوّٗا وَحَزَنًاۗ ﴾ [القصص:٨]، فاللام في قوله: ﴿لِيَكُونَ﴾: هي لامُ العاقبة؛ وذلك لأنهم التقطوا موسى من البحر؛ لينفعهم أو يتَّخذوه ولدًا، لكنَّ مآل الأمر وعاقبته هي أن موسى قضى على مُلْكهم؛ وإيضاح ذلك: أن الله تعالى قال: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ لَا يَظۡلِمُ مِثۡقَالَ ذَرَّةٖۖ ﴾ [النساء:٤٠]، وقال تعالى: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ لَا يَظۡلِمُ ٱلنَّاسَ شَيۡـٔٗا﴾ [يونس:٤٤].

وعلى هذا: فيكون معنى هذه الآية: أن الله خلق الثقلَيْنِ الجنَّ والإنس على الفِطْرة، وعرَضَ عليهم الأمانة، وهي التكاليف الشرعية، فاختاروها والتزموا بها، ولما جاء التطبيقُ والعمَلُ، التزم قِلَّةٌ من الإنس والجن بهذه التكاليف، أما الكثرة، فلم يلتزموا بها؛ فكان مصيرهم جهنَّمَ، وبئس المصير.

ثم بيَّن سبحانه الصفات التي أدَّت بهم إلى هذا المصير السيِّئ؛ فأخبَرَ أن لهم قلوبًا لا يعقلون بها آيات الله، ولهم أعيُنٌ لا ينظرون بها إلى ما في هذا الكون من دلائل قدرته، ولهم آذانٌ لا يسمعون بها آيات الله سماع تدبُّر، والمقصود: أن هذه القوى التي منحها الله لهم لم يستعملوها في الخير؛ كما قال تعالى: ﴿يَعۡلَمُونَ ظَٰهِرٗا مِّنَ ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَا وَهُمۡ عَنِ ٱلۡأٓخِرَةِ هُمۡ غَٰفِلُونَ﴾ [الروم:٧].

ثم بيَّن سبحانه أن هؤلاء الموصوفين بهذه الصفات هم كالبهائم التي لا تُفْهَمُ ما يقال لها، ولا تعقل بقلوبها، بل هم أضل منها، ثم وصفهم سبحانه أنهم هم الغافلون عن الإيمان بالله وطاعته.

[180] ﴿وَلِلَّهِ ٱلۡأَسۡمَآءُ ٱلۡحُسۡنَىٰ فَٱدۡعُوهُ بِهَاۖ وَذَرُواْ ٱلَّذِينَ يُلۡحِدُونَ فِيٓ أَسۡمَٰٓئِهِۦۚ سَيُجۡزَوۡنَ مَا كَانُواْ يَعۡمَلُونَ 180﴾:

أخبَرَ جل وعلا أن له الأسماء الحسنى، التي يجب أن ندعوه بها، وأن نثني عليه بها، وأسماءُ الله نوعان: أسماءُ جلال، وأسماء جمال، ثم أمَرَ سبحانه أن نترك الذين يحرِّفون أسماءه، وأخبَرَ أنه سوف يجازيهم على أعمالهم القبيحة. ويدخُلُ في هؤلاء -الذين هدَّدهم الله- المؤوِّلون المحرِّفون لأسمائه بغير دليل شرعي.

[181] ﴿وَمِمَّنۡ خَلَقۡنَآ أُمَّةٞ يَهۡدُونَ بِٱلۡحَقِّ وَبِهِۦ يَعۡدِلُونَ 181﴾:

ثم أثنى جل وعلا على أمة محمد ﷺ؛ فأخبَرَ أن مِنْ بعض الناس الذين خلقهم: جماعةً يتمسَّكون بشرع الله، ويَدْعون الناس إليه، ويَعْدِلون بين الناس في أحكامهم.

[182] ﴿وَٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِـَٔايَٰتِنَا سَنَسۡتَدۡرِجُهُم مِّنۡ حَيۡثُ لَا يَعۡلَمُونَ 182﴾:

ثم أخبَرَ جل وعلا أن الذين جحدوا آيات الله الواضحة البينة، سوف يستدرجهم من حيث لا يعلمون؛ بأن يوسِّعَ لهم في الأرزاق وسبل العيش في الدنيا.

[183] ﴿وَأُمۡلِي لَهُمۡۚ إِنَّ كَيۡدِي مَتِينٌ 183﴾:

ثم أخبَرَ جل وعلا أنه سوف يُمْهِلُ هؤلاء المجرمين المكذِّبين فترة من الزمن، حتى يظنوا أنهم لَنْ يُعَاقَبُوا، ثم يأخذهم سبحانه بالعذاب الشديد الذي لا يُرَدّ.

[184] ﴿أَوَلَمۡ يَتَفَكَّرُواْۗ مَا بِصَاحِبِهِم مِّن جِنَّةٍۚ إِنۡ هُوَ إِلَّا نَذِيرٞ مُّبِينٌ 184﴾:

ثم أمَرَ جل وعلا هؤلاء الكفار أن يتفكَّروا بعقولهم: هل هذا الرجل الذي أرسل إليهم -وهو محمد ﷺ- به جنون؟! في حين أنهم يعرفونه حق المعرفة، ويعرفون أنه أكملُ الناس عقلًا، ثم بيَّن سبحانه بأن محمدًا ﷺ ما هو إلا نذيرٌ لهم يُنْذِرُهم من عذاب يوم أليم؛ إن هم استمروا في كُفْرهم وضلالهم.

[185] ﴿أَوَلَمۡ يَنظُرُواْ فِي مَلَكُوتِ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ وَمَا خَلَقَ ٱللَّهُ مِن شَيۡءٖ وَأَنۡ عَسَىٰٓ أَن يَكُونَ قَدِ ٱقۡتَرَبَ أَجَلُهُمۡۖ فَبِأَيِّ حَدِيثِۭ بَعۡدَهُۥ يُؤۡمِنُونَ 185﴾:

ثم أمَرَ جل وعلا هؤلاء المكذِّبين أن ينظروا في ملكوت السموات والأرض، وفيما خلق الله من كل شيء؛ نظَرَ استدلال واعتبار؛ ليتبيَّن لهم صدق هذا النبي المرسل إليهم، وينظروا كذلك في آجالهم قبل أن يفاجئهم الموت؛ فيهلكوا على الكفر والضلال، ويصيروا إلى عذابه تعالى وأليم عقابه؛ فإذا لم يهتدوا بهذا القرآن، مع وضوح الآيات والبراهين، فبماذا يهتدون؟! فهم أصروا على الكفر والضلال؛ فثبَّتهم الله على ما اختاروا.

[186] ﴿مَن يُضۡلِلِ ٱللَّهُ فَلَا هَادِيَ لَهُۥۚ وَيَذَرُهُمۡ فِي طُغۡيَٰنِهِمۡ يَعۡمَهُونَ 186﴾:

ثم بيَّن جل وعلا أن مَنْ لم يوفِّقه الله للهداية، وأصرَّ على الكفر، فطبَعَ الله على قلبه، فمن يهديه من بعد الله؟! والجواب: لا أحدَ؛ بل يترُكُهم الله في كفرهم وضلالهم متحيِّرين متردِّدين في الضلال، ولا شك أن طَبْعَ الله على قلوبهم هو طبعٌ جزائي، لا ابتدائي، أي: أنهم أصروا على الكفر، فثبَّتهم عليه، فإضلال الله لهم هو إضلال جزائي، لا ابتدائي.

[187] ﴿يَسۡـَٔلُونَكَ عَنِ ٱلسَّاعَةِ أَيَّانَ مُرۡسَىٰهَاۖ قُلۡ إِنَّمَا عِلۡمُهَا عِندَ رَبِّيۖ لَا يُجَلِّيهَا لِوَقۡتِهَآ إِلَّا هُوَۚ ثَقُلَتۡ فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۚ لَا تَأۡتِيكُمۡ إِلَّا بَغۡتَةٗۗ يَسۡـَٔلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنۡهَاۖ قُلۡ إِنَّمَا عِلۡمُهَا عِندَ ٱللَّهِ وَلَٰكِنَّ أَكۡثَرَ ٱلنَّاسِ لَا يَعۡلَمُونَ 187﴾:

ثم أخبَرَ جل وعلا عن سؤال اليهود للنبي ﷺ عن يوم القيامة، فأمَرَه أن يقول لهم: اعلموا أن علم وقتها عند ربي وحده، لا يُظْهِرُها إلا هو، وقد عَظُمَ أمرُها في السموات والأرض، ولن تأتي إلا فجأة، واعلم -أيها النبي- أنهم يسألونك عن هذا السؤال، وكأنك مُلِحٌّ في البحث عنها، فقل لهم: إنَّ عِلْمها عند ربي، ولكنَّ أكثر الناس لا يعلمون أن ذلك من أمور الغيب التي لا يعلمها إلا الله.

[188] ﴿قُل لَّآ أَمۡلِكُ لِنَفۡسِي نَفۡعٗا وَلَا ضَرًّا إِلَّا مَا شَآءَ ٱللَّهُۚ وَلَوۡ كُنتُ أَعۡلَمُ ٱلۡغَيۡبَ لَٱسۡتَكۡثَرۡتُ مِنَ ٱلۡخَيۡرِ وَمَا مَسَّنِيَ ٱلسُّوٓءُۚ إِنۡ أَنَا۠ إِلَّا نَذِيرٞ وَبَشِيرٞ لِّقَوۡمٖ يُؤۡمِنُونَ 188﴾:

ثم أمَرَ جل وعلا نبيه ﷺ أن يقول لهؤلاء المشركين المكذِّبين: إن الأمور كلها بيد الله وحده، وإني لا أَقْدِرُ على جلب النفع لنفسي، ولا دفع الضر عنها، إلا بمشيئة الله تعالى، ولو كنتُ أعلم الغيب لاستكثَرْتُ من الخير، ودفَعْتُ عن نفسي الشرور والمصائب، وما أصابني فقر أو مرض أو غيره؛ لأنني سأحترز منه لو علمتُ، وما أنا إلا نذير للكافرين الضالِّين من عذاب النار، وبشيرٌ للمؤمنين الصادقين بجنة عرضها السموات والأرض.

[189] ﴿هُوَ ٱلَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفۡسٖ وَٰحِدَةٖ وَجَعَلَ مِنۡهَا زَوۡجَهَا لِيَسۡكُنَ إِلَيۡهَاۖ فَلَمَّا تَغَشَّىٰهَا حَمَلَتۡ حَمۡلًا خَفِيفٗا فَمَرَّتۡ بِهِۦۖ فَلَمَّآ أَثۡقَلَت دَّعَوَا ٱللَّهَ رَبَّهُمَا لَئِنۡ ءَاتَيۡتَنَا صَٰلِحٗا لَّنَكُونَنَّ مِنَ ٱلشَّٰكِرِينَ 189﴾:

حكى جل وعلا في هذه الآية قِصَّة الخلق الأول، فأخبَرَ سبحانه أنه هو الذي خلَقَ الناس من نفس واحدة، وهو آدم أبو البشَر عليه السلام، ثم خلَقَ منها زوجها، وهي حوَّاء ليأنس بها ويسكُنَ إليها ولتتوالد منهما البَشَرية، فلما جامعها، حمَلَتْ حملًا خفيفًا لم تشعر به، ومع استمرار الحمل وكِبَرِ بطنها وشعورها به، دعَوَا الله؛ لئن جعله ولدًا صالحًا، ليكونُنَّ من الشاكرين الله على ما وهب لهما من الولد.

[190] ﴿فَلَمَّآ ءَاتَىٰهُمَا صَٰلِحٗا جَعَلَا لَهُۥ شُرَكَآءَ فِيمَآ ءَاتَىٰهُمَاۚ فَتَعَٰلَى ٱللَّهُ عَمَّا يُشۡرِكُونَ 190﴾:

ثم أخبر سبحانه وتعالى أنه لما رزقهما ولدًا صالحًا، وتناسلوا جيلًا بعد جيل؛ جاؤوا في عهد نوح عليه السلام وبعده، فجعلوا لله شركاء فيما آتاهم؛ قال الحسن: عنى بها ذرية آدم، ومن أشرك منهم بعده؛ فتعالى الله سبحانه وتنزَّه عن شِرْكهم وكُفْرهم وضلالهم. والمقصود: أنه في عهد آدم، بل القرونِ الأولى: لم يحصُلْ شرك، وإنما حصل ذلك في أحفاد الأحفاد.

[191] ﴿أَيُشۡرِكُونَ مَا لَا يَخۡلُقُ شَيۡـٔٗا وَهُمۡ يُخۡلَقُونَ 191﴾:

ثم أنكَرَ جل وعلا على هؤلاء الضالَّين الذين أشركوا بالله وعبدوا معه غيره، من الأصنام والأوثان؛ فقال سبحانه على سبيل الإنكار: كيف تعبُدُونَ هذه الأصنام التي لا تَقْدِرُ أن تخلق شيئًا، بل هي أصلًا مخلوق من مخلوقات الله.

[192] ﴿وَلَا يَسۡتَطِيعُونَ لَهُمۡ نَصۡرٗا وَلَآ أَنفُسَهُمۡ يَنصُرُونَ 192﴾:

ثم بيَّن جل وعلا أن هذه الأصنام والأوثان التي عبدها هؤلاء المشركون لا تستطيع نَصْرَ الذين يعبدونها، بل لا تستطيع نَصْرَ نفسها إذا اعتُدِيَ عليها.

[193] ﴿وَإِن تَدۡعُوهُمۡ إِلَى ٱلۡهُدَىٰ لَا يَتَّبِعُوكُمۡۚ سَوَآءٌ عَلَيۡكُمۡ أَدَعَوۡتُمُوهُمۡ أَمۡ أَنتُمۡ صَٰمِتُونَ 193﴾:

ثم بيَّن جل وعلا أيضًا أن هذه الأصنام والأوثان التي عبدها هؤلاء المشركون، إذا دعَوْها إلى الهدى والرشاد، فإنها لا تتَّبعهم؛ سواء دعَوْها أو لم يَدْعُوها؛ لأنها جمادات؛ لا تسمع ولا تنطق ولا تعقل.

[194] ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ تَدۡعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ عِبَادٌ أَمۡثَالُكُمۡۖ فَٱدۡعُوهُمۡ فَلۡيَسۡتَجِيبُواْ لَكُمۡ إِن كُنتُمۡ صَٰدِقِينَ 194﴾:

واعلموا -أيها المشركون- أن هذه الآلهة التي تعبدونها من دون الله خَلْقٌ من خلق الله أمثالكم؛ بل أنتم أفضَلُ منهم؛ لأن الله خلق لكم أدوات الفَهْم والمعرفة، وهي السمع والبصر والفؤاد والعقل، أما هذه الآلهة، فهي جمادات لا تعقل ولا تفهم؛ فإذا كنتم مُصِرُّونَ أنها آلهة حقًّا، فادعوهم لكي يستجيبوا لكم؛ إن كنتم صادقين في دعواكم أنها آلهة، ولن يفعلوا.

[195] ﴿أَلَهُمۡ أَرۡجُلٞ يَمۡشُونَ بِهَآۖ أَمۡ لَهُمۡ أَيۡدٖ يَبۡطِشُونَ بِهَآۖ أَمۡ لَهُمۡ أَعۡيُنٞ يُبۡصِرُونَ بِهَآۖ أَمۡ لَهُمۡ ءَاذَانٞ يَسۡمَعُونَ بِهَاۗ قُلِ ٱدۡعُواْ شُرَكَآءَكُمۡ ثُمَّ كِيدُونِ فَلَا تُنظِرُونِ 195﴾:

ثم سأل جل وعلا على سبيل الإنكار: هل لهذه الأصنام أرجُلٌ يمشون بها فتقضي حاجاتكم؟! أو لهم أيدٍ يدفعون بها الضُّرَّ عنكم؟! أو لهم أعين ينظرون بها؛ فيعرِّفوكم ما خفي عنكم؟! أو لهم آذانٌ يسمعون بها فيخبروكم بما لم تسمعوه؟! فإذا كانت هذه الجمادات لا تَمْلِكُ هذه الأدوات، فلماذا تعبدونها؟! ثم أمَرَ سبحانه نبيه ﷺ أن يقول لهؤلاء الكفار: ادعوا -أيها الكفار- آلهتكم واستعينوا بها على إيقاع الهلاك والضرر بي، مِنْ دون إمهال أو تأخير.

واعلموا أنكم لن تستطيعوا الإضرارَ بي؛ لأن الحافظ هو الله وحده، وهو الإلهُ الحقُّ سبحانه.

[196] ﴿إِنَّ وَلِـِّۧيَ ٱللَّهُ ٱلَّذِي نَزَّلَ ٱلۡكِتَٰبَۖ وَهُوَ يَتَوَلَّى ٱلصَّٰلِحِينَ 196﴾:

أمَرَ جل وعلا رسوله ﷺ أن يقول لهؤلاء الضالِّين: اعلموا -أيها الكفار- أن وليِّي الله الذي يتولَّى أموري، وهو الذي نزَّل عليَّ هذا القرآن العظيم، وإن وَلَايته ليست خاصَّة بي، بل ولايته تعم الصالحين من عباده؛ بأن يحفظهم ويرحمهم؛ فنعم المولى ونعم النصير.

[197] ﴿وَٱلَّذِينَ تَدۡعُونَ مِن دُونِهِۦ لَا يَسۡتَطِيعُونَ نَصۡرَكُمۡ وَلَآ أَنفُسَهُمۡ يَنصُرُونَ 197﴾:

واعلموا -أيها المشركون- أن هذه الأصنام التي تعبدونها من دون الله، ليس لها استطاعة ولا اقتدار على نصرتكم، بل ليس لها قدرة على نَصْرِ ذاتها إذا اعتدى عليها أحد.

[198] ﴿وَإِن تَدۡعُوهُمۡ إِلَى ٱلۡهُدَىٰ لَا يَسۡمَعُواْۖ وَتَرَىٰهُمۡ يَنظُرُونَ إِلَيۡكَ وَهُمۡ لَا يُبۡصِرُونَ 198﴾:

ثم بين جل وعلا دليلًا منطقيًّا على عدمِ استطاعةِ هذهِ الأصنام نصرتكم ولا نُصرة أنفسها: أنكم لو دعوتم هذه الأصنام إلى الهدى والرشاد، فإنها لا تستجيب لكم؛ لأنها جمادات، ثم تَرَوْنَ هذه الأصنام تنظر إليكم، وهم لا يبصرون في الحقيقة؛ لأنها صور مجسَّمة.

[199] ﴿خُذِ ٱلۡعَفۡوَ وَأۡمُرۡ بِٱلۡعُرۡفِ وَأَعۡرِضۡ عَنِ ٱلۡجَٰهِلِينَ 199﴾:

أمَرَ جل وعلا نبيه ﷺ بمكارم الأخلاق، فقال له: تلطَّفْ -أيها النبي- في معاملة الناس، وتعامل معهم بالعفو والحلم والصفح، وَأْمُرْهم بالأفعال الحسنة، وأَعْرِض عن الجاهلين. مع أنه ﷺ على خُلِقٍ عظيم؛ ولكنَّ المقصود: أن يتحلى الدعاة خصوصًا والجميع عمومًا بالأخلاق الفاضلة.

[200] ﴿وَإِمَّا يَنزَغَنَّكَ مِنَ ٱلشَّيۡطَٰنِ نَزۡغٞ فَٱسۡتَعِذۡ بِٱللَّهِۚ إِنَّهُۥ سَمِيعٌ عَلِيمٌ 200﴾:

أمَرَ جل وعلا إذا تعرَّض الشيطان لأحدٍ بوسوسة؛ فعليه أن يستجير بالله، ويلجأ إليه؛ لكي يبعده عنه؛ فإن الله سميعٌ لأقوالكم، عليمٌ بأحوالكم، مجيبٌ لمن استجار به.

[201] ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ ٱتَّقَوۡاْ إِذَا مَسَّهُمۡ طَٰٓئِفٞ مِّنَ ٱلشَّيۡطَٰنِ تَذَكَّرُواْ فَإِذَا هُم مُّبۡصِرُونَ 201﴾:

ثم بيَّن جل وعلا أن الذين يخافون الله، فيعملون بأوامره، ويجتنبون نواهيه؛ إذا مسَّتهم الوساوس والشكوك التي يلقيها الشيطان على نَفْس المؤمن -سواءٌ كانت هذه الشكوك في الله، أو في الرسول ﷺ، أو غير ذلك من الوساوس التي تكدِّرُ على الإنسان نفسه- تذكَّروا ما أوجب الله عليهم من الطاعات، والبعد عن المعاصي والمنكَرات، ولجؤوا إليه سبحانه، واستعاذوا به من الشيطان الرجيم؛ فإذا هم مبصرون لخطئهم، ومُحْبِطون لكيد الشيطان.

[202] ﴿وَإِخۡوَٰنُهُمۡ يَمُدُّونَهُمۡ فِي ٱلۡغَيِّ ثُمَّ لَا يُقۡصِرُونَ 202﴾:

ثم بيَّن جل وعلا أن هؤلاء الشياطين يعاونون إخوانهم من الكفَّار والمشركين، من الجن والإنس، في الغي والضلال والفساد، ثم لا يدَّخر هؤلاء الكفار وُسْعًا في فعل الشر ونشره.

[203] ﴿وَإِذَا لَمۡ تَأۡتِهِم بِـَٔايَةٖ قَالُواْ لَوۡلَا ٱجۡتَبَيۡتَهَاۚ قُلۡ إِنَّمَآ أَتَّبِعُ مَا يُوحَىٰٓ إِلَيَّ مِن رَّبِّيۚ هَٰذَا بَصَآئِرُ مِن رَّبِّكُمۡ وَهُدٗى وَرَحۡمَةٞ لِّقَوۡمٖ يُؤۡمِنُونَ 203﴾:

ثم أخبَرَ جل وعلا أن الكفار طلبوا من الرسول ﷺ أن يأتيهم بآية، أي: أنهم طلبوا أمورًا خارقةً تدُلُّهم على صدقه، فإذا لم يأتهم بها، قالوا له: إنك اختَرْتَها من عند نفسك، فرَدَّ عليهم الرسول ﷺ قائلًا: إنه لا يجوز لي أن أختلِقَ شيئًا من تلقاء نفسي؛ إنما أنا متَّبع لما يوحى إليَّ من عند الله، واعلموا -أيها الكفار- أن هذا القرآن الذي أتلوه عليكم إنما هو حُجَجٌ وبراهينُ من الله، كما أنه هدًى ورحمةٌ لمن آمن بالله ورسوله.

[204] ﴿وَإِذَا قُرِئَ ٱلۡقُرۡءَانُ فَٱسۡتَمِعُواْ لَهُۥ وَأَنصِتُواْ لَعَلَّكُمۡ تُرۡحَمُونَ 204﴾:

ثم أمَرَ جل وعلا عباده المؤمنين إذا تُلِيَ عليهم القرآن أن يصغوا إليه ويستمعوا له ويتدبَّروا معانيه، ولعلكم -أيها المؤمنون- بهذا الاستماع والتدبُّر تفوزون برحمة رب العالمين.

[205] ﴿وَٱذۡكُر رَّبَّكَ فِي نَفۡسِكَ تَضَرُّعٗا وَخِيفَةٗ وَدُونَ ٱلۡجَهۡرِ مِنَ ٱلۡقَوۡلِ بِٱلۡغُدُوِّ وَٱلۡأٓصَالِ وَلَا تَكُن مِّنَ ٱلۡغَٰفِلِينَ 205﴾:

ثم أمَرَ جل وعلا نبيه ﷺ أن يذكر الله في نفسه، وهو متواضع خاشع خائف؛ لأن الذكر طاردٌ للغفلة، مُبْعِدٌ للوسوسة؛ لأن النفس إذا لم تَشْغَلْها بالخير، انشغلت بغير ذلك، ثم أمَرَهُ سبحانه وتعالى أن يكون صوته في الذكر والدعاء وسطًا؛ فلا يكون عاليًا يُوقِظ النائم، ويُزْعِج المصلي، ولا يكون منخفضًا؛ بحيث لا يُسمِع نفسه، وأمره أن يذكُرَ الله في أول النهار وآخره، كما أمره ألَّا يكون من الذين يغفُلُونَ عن ذكره؛ لانشغالهم في أمور حياتهم الدنيوية.

[206] ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ عِندَ رَبِّكَ لَا يَسۡتَكۡبِرُونَ عَنۡ عِبَادَتِهِۦ وَيُسَبِّحُونَهُۥ وَلَهُۥ يَسۡجُدُونَۤ 206﴾:

واعلموا -أيها الناس- أن الذين عند الله من الملائكة المقرَّبين، وحملة العرش وغيرهم؛ يُذْعِنون لأوامر الله، ولا يستكبرون عن عبادته، وأنهم يسبِّحون الليل والنهار لا يفتُرُونَ عن عبادته، ويسجُدُونَ له وحده لا شريك له.

سورة الأنفال

سورةُ الأنفال مدنيَّة، وآياتها خمس وسبعون آية.

والأنفالُ جمعُ: نَفَلٍ، والنفلُ: هو الزيادة، ولهذا سميت بعض الصلوات: نَفْلًا؛ لأنها زيادة على الفروض، وسمِّيت الغنائم: أنفالًا؛ لأنها مِنْحةٌ من الله للمجاهدين، زيادةً على أجورهم عند الله في الجهاد.

[1] ﴿يَسۡـَٔلُونَكَ عَنِ ٱلۡأَنفَالِۖ قُلِ ٱلۡأَنفَالُ لِلَّهِ وَٱلرَّسُولِۖ فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَأَصۡلِحُواْ ذَاتَ بَيۡنِكُمۡۖ وَأَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥٓ إِن كُنتُم مُّؤۡمِنِينَ 1﴾:

بدأت السورة بإخباره سبحانه وتعالى عن سؤال الصحابة للنبي ﷺ؛ حيث سألوه عن تقسيم الغنائم؛ فأمَرَ سبحانه نبيه أن يقول لهم: اعلموا أن تقسيم الغنائم يَرْجِعُ إلى الله ورسوله؛ فعليكم أن تتَّقوا الله بفعل أوامره واجتناب نواهيه، وأن تُصْلِحوا ما بينكم من التشاحن والبغضاء والخلاف، وأن تطيعوا الله ورسوله؛ إن كنتم مؤمنين بالله ورسوله. ثم جاء الجواب على سؤالهم عن الأنفال في قوله: ﴿وَٱعۡلَمُوٓاْ أَنَّمَا غَنِمۡتُم مِّن شَيۡءٖ﴾ [الأنفال:٤١]، أي: أنه جاء بعد عدة آيات قُدِّمَتْ على الجواب؛ لأنها أهم وأزكى وأولى؛ حيث بدأت بتصفية الإيمان والإخلاص لله، ثم بالسمع والطاعة، ثم بالثبات عند اللقاء، ثم بتقديم الأمر الذي يُعَزُّ به الإسلام، وهو قمع شَوْكة العدوِّ وكَسْر هيبته؛ فكل هذا مقدَّمٌ على رغبة الغنيمة الباردة وهي العِيرُ، ومقدَّمٌ على المغنم الذي يؤخذ بعد المعارك، وأيضًا: لِيُرِيَ جل وعلا عباده أن عُدَّةَ العدو وعدده لا تضرُّهم إذا صدَقُوا الله في اللقاء بعزيمة المستمِدِّ من الله نَصْرَهُ ومُؤازَرَتَهُ؛ لأن النصر من عنده.

[2] ﴿إِنَّمَا ٱلۡمُؤۡمِنُونَ ٱلَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ ٱللَّهُ وَجِلَتۡ قُلُوبُهُمۡ وَإِذَا تُلِيَتۡ عَلَيۡهِمۡ ءَايَٰتُهُۥ زَادَتۡهُمۡ إِيمَٰنٗا وَعَلَىٰ رَبِّهِمۡ يَتَوَكَّلُونَ 2﴾:

ثم ذكَرَ جل وعلا صفات المؤمنين بالله حقًّا؛ فأخبَرَ أن من صفاتهم: إذا ذُكِرَ الله عندهم وخُوِّفُوا به، رقَّت قلوبهم، وانقادوا لأمر الله، ومن صفاتهم: إذا قرئت عليهم آيات من القرآن، زادتهم تصديقًا ويقينًا بالله، ومن صفاتهم: أنهم على ربهم يتوكَّلون وبه يثقون.

[3] ﴿ٱلَّذِينَ يُقِيمُونَ ٱلصَّلَوٰةَ وَمِمَّا رَزَقۡنَٰهُمۡ يُنفِقُونَ 3﴾:

ثم ذكَرَ جل وعلا أن من صفاتهم: أنهم يقيمون الصلاة، ويحافظون عليها في أوقاتها، ويؤدُّون حقوقها وواجباتها وسُنَنَها، ومن صفاتهم: أنهم ينفقون مما أعطاهم عَزَّوَجَلَّ في طاعته وفيما يرضيه سبحانه.

[4] ﴿أُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡمُؤۡمِنُونَ حَقّٗاۚ لَّهُمۡ دَرَجَٰتٌ عِندَ رَبِّهِمۡ وَمَغۡفِرَةٞ وَرِزۡقٞ كَرِيمٞ 4﴾:

ثم بيَّن جل وعلا أن هؤلاء الذين اتصفوا بهذه الصفات الطيبة هم المؤمنون صدقًا من غير شك، ثم بيَّن سبحانه أن لهم عند الله منازلَ رفيعة، ومغفرةً ورزقًا كريمًا سرمديًّا، وقبل ذلك رضا الله جل وعلا عنهم.

[5] ﴿كَمَآ أَخۡرَجَكَ رَبُّكَ مِنۢ بَيۡتِكَ بِٱلۡحَقِّ وَإِنَّ فَرِيقٗا مِّنَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ لَكَٰرِهُونَ 5﴾:

بدأ جل وعلا في الحديث عن غَزْوة بَدْر، وقال لنبيه ﷺ: اعلم -أيها النبي- أنه كما أخرجك الله من المدينة إلى بَدْرٍ بالحق الذي أراده الله؛ فاعلم أن هناك فريقًا من المؤمنين -وهم قلة- كرهوا هذا الخروج وهذا القتال بعد أن دعَوْتَهم إليه.

[6] ﴿يُجَٰدِلُونَكَ فِي ٱلۡحَقِّ بَعۡدَ مَا تَبَيَّنَ كَأَنَّمَا يُسَاقُونَ إِلَى ٱلۡمَوۡتِ وَهُمۡ يَنظُرُونَ 6﴾:

وبعد أن أخبَرَ جل وعلا أن بعض الصحابة كَرِهُوا الخروج وقتال كفار قريش؛ أخبَرَ أنهم جادلوا النبي ﷺ في أمر القتال بعد أن بيَّن لهم ﷺ أنهم سوف يُنصَرُونَ على أعدائهم، وسببُ جدالهم: أنهم يعلمون قوة العدو وتوافر عُدَّته، ثم بيَّن سبحانه أن كراهتهم للقتال مثل كراهة من يساق إلى الموت وهم يشاهدونه أمامهم.

[7] ﴿وَإِذۡ يَعِدُكُمُ ٱللَّهُ إِحۡدَى ٱلطَّآئِفَتَيۡنِ أَنَّهَا لَكُمۡ وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيۡرَ ذَاتِ ٱلشَّوۡكَةِ تَكُونُ لَكُمۡ وَيُرِيدُ ٱللَّهُ أَن يُحِقَّ ٱلۡحَقَّ بِكَلِمَٰتِهِۦ وَيَقۡطَعَ دَابِرَ ٱلۡكَٰفِرِينَ 7﴾:

واذكروا -أيها المجادلون- يوم أن وعَدَكم الله على لسان نبيه ﷺ إحدى الطائفتين: إما طائفةَ العِيرِ القادمة من الشام والمحمَّلة بالأرزاق والأموال، وهي عِيرُ أبي سفيان والتي كنتم تودُّون أن تكون لكم، وإما الجهادَ والنفيرَ في سبيل الله؛ ليعلُوَ الحق على الباطل، ويُنْصَرَ الإسلام وأهله بأمر الله لكم بقتال الكفار، وكَسْرِ شوكتهم بالقتال والنصر عليهم.

[8] ﴿لِيُحِقَّ ٱلۡحَقَّ وَيُبۡطِلَ ٱلۡبَٰطِلَ وَلَوۡ كَرِهَ ٱلۡمُجۡرِمُونَ 8﴾:

ثم أخبَرَ جل وعلا أنه اختار هذا القتال لنبيه ﷺ وصحابته؛ حتى يثبُتَ الحقُّ؛ ويزولَ الباطل، ويُعِزَّ الله الإسلام وأهله، ويُذِلَّ الشرك وأهله، ويقضي على زعمائهم، ولو كره ذلك المجرمون الذين أجرموا في حق الله بالشرك والكفر.

[9] ﴿إِذۡ تَسۡتَغِيثُونَ رَبَّكُمۡ فَٱسۡتَجَابَ لَكُمۡ أَنِّي مُمِدُّكُم بِأَلۡفٖ مِّنَ ٱلۡمَلَٰٓئِكَةِ مُرۡدِفِينَ 9﴾:

واذكروا -أيها المؤمنون- نعمة الله عليكم، يوم أن قام النبي ﷺ ومعه المسلمون يستغيثون ربهم، ويستنجدون به، ويُلِحُّون عليه بالدَّعاء، أن ينصرهم على عدوِّهم؛ فما كان منه جل وعلا إلا أن استجاب لهم، وأمدهم بألف من الملائكة متتابعين، أي: يتبع بعْضهم بعضًا.

[10] ﴿وَمَا جَعَلَهُ ٱللَّهُ إِلَّا بُشۡرَىٰ وَلِتَطۡمَئِنَّ بِهِۦ قُلُوبُكُمۡۚ وَمَا ٱلنَّصۡرُ إِلَّا مِنۡ عِندِ ٱللَّهِۚ إِنَّ ٱللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ 10﴾:

ثم بين جل وعلا أنه ما جعل هذا الإمداد لكم بالملائكة إلا لتستبشر به نفوسكم، وتطمئن به قلوبكم، وإلا فإن النصر بيد الله، وليس بكثرة عَددٍ ولا عُددٍ، واعلموا أن الله عزيز لا يُغالب، حكيم يضع الأشياء في مواضعها.

[11] ﴿إِذۡ يُغَشِّيكُمُ ٱلنُّعَاسَ أَمَنَةٗ مِّنۡهُ وَيُنَزِّلُ عَلَيۡكُم مِّنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءٗ لِّيُطَهِّرَكُم بِهِۦ وَيُذۡهِبَ عَنكُمۡ رِجۡزَ ٱلشَّيۡطَٰنِ وَلِيَرۡبِطَ عَلَىٰ قُلُوبِكُمۡ وَيُثَبِّتَ بِهِ ٱلۡأَقۡدَامَ 11﴾:

واذكروا -أيها المؤمنون- نعمة الله عليكم يوم أن ألقى عليكم النُّعاس لتشعروا بالأمن والسكينة، ويذهب عنكم الخوف والقلق، وينزل عليكم المطر من السماء؛ لتتطهروا به من الأحداث، ويذهب عنكم وساوس الشيطان، ويشدَّ على قلوبكم بالصبر وعدم الجزع، ويثبِّت أقدامكم عند القتال بتلبيد الأرض بالمطر؛ حيث كانت الأرض قبل ذلك رملية يصعب المشي عليها.

[12] ﴿إِذۡ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى ٱلۡمَلَٰٓئِكَةِ أَنِّي مَعَكُمۡ فَثَبِّتُواْ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْۚ سَأُلۡقِي فِي قُلُوبِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ ٱلرُّعۡبَ فَٱضۡرِبُواْ فَوۡقَ ٱلۡأَعۡنَاقِ وَٱضۡرِبُواْ مِنۡهُمۡ كُلَّ بَنَانٖ 12﴾:

واذكر -أيها النبي- يوم أن أوحى ربك للملائكة أنه معهم بالتأييد والنصر؛ وأوحى لهم أن يثبِّتوا المؤمنين ويشجِّعوهم على قتال عدوهم، ثم أخبَرَ سبحانه أنه سوف يلقي في قلوب الذين كفروا الخوف الشديد؛ فعليكم-أيها المؤمنون- أن تضربوا رقاب الكفار بلا رحمة أو شفقة، وأن تضربوا أصابعهم؛ لأن الأصابع إذا ضُرِبَتْ، لم تستطع اليد حينها حمل السلاح.

[13] ﴿ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمۡ شَآقُّواْ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥۚ وَمَن يُشَاقِقِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ فَإِنَّ ٱللَّهَ شَدِيدُ ٱلۡعِقَابِ 13﴾:

واعلموا -أيها المؤمنون- أن الله أمَرَكم بقتال المشركين؛ لأن هؤلاء المشركين حاربوا الله ورسوله، ولم يؤمنوا بشرعه جل في علاه، ثم بيَّن سبحانه أن مَنْ يُعَادِ الله ورسوله ويخالفْ شرعه، فإن الله سوف ينتقم منه، وله عذاب شديد عند الله يوم القيامة.

[14] ﴿ذَٰلِكُمۡ فَذُوقُوهُ وَأَنَّ لِلۡكَٰفِرِينَ عَذَابَ ٱلنَّارِ 14﴾:

واعلموا -أيها المشركون- أن هذا العذاب الذي كتبه الله عليكم من القتل والانتقام، هو جزاؤكم في الدنيا، وأما في الآخرة، فلكم عذاب شديد في جهنَّم وبئس المصير.

[15] ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ إِذَا لَقِيتُمُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ زَحۡفٗا فَلَا تُوَلُّوهُمُ ٱلۡأَدۡبَارَ 15﴾:

ثم أمَرَ جل وعلا الذين آمنوا بالله ورسوله، إذا قابلوا الذين جحدوا دين الله أثناء القتال، وكانوا قريبين منهم؛ ألَّا يفرُّوا من أمامهم، بل عليهم أن يثبتوا في ساحات القتال؛ إلا من أراد أن يخدعهم، ويلتفَّ عليهم من خلفهم.

[16] ﴿وَمَن يُوَلِّهِمۡ يَوۡمَئِذٖ دُبُرَهُۥٓ إِلَّا مُتَحَرِّفٗا لِّقِتَالٍ أَوۡ مُتَحَيِّزًا إِلَىٰ فِئَةٖ فَقَدۡ بَآءَ بِغَضَبٖ مِّنَ ٱللَّهِ وَمَأۡوَىٰهُ جَهَنَّمُۖ وَبِئۡسَ ٱلۡمَصِيرُ 16﴾:

وبعد أن نهى جل وعلا عن التولِّي يوم الزحف، بيَّن سبحانه أن مَنْ يَفِرَّ من أمام العدو، فقد استحق غضب الله؛ لأنه آثر الحياة الدنيا على الآخرة، وسوف يكون مسكنه نار جهنَّم، وبئس هذا المأوى، وهذا المصير، ثم استثنى سبحانه من هذا الغضب مّْن كان يريدُ الهرب ليَخْدَعَهم، أو أنه أعَدَّ لهم كمينًا، أو أمرًا لصالح نجاح المعركة، أو كان يريدُ الانضمام لجماعة أخرى من المسلمين.

[17] ﴿فَلَمۡ تَقۡتُلُوهُمۡ وَلَٰكِنَّ ٱللَّهَ قَتَلَهُمۡۚ وَمَا رَمَيۡتَ إِذۡ رَمَيۡتَ وَلَٰكِنَّ ٱللَّهَ رَمَىٰ وَلِيُبۡلِيَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ مِنۡهُ بَلَآءً حَسَنًاۚ إِنَّ ٱللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٞ 17﴾:

ولما انهزَمَ المشركون يوم بَدْر وقتَلَهم المسلمون شَرَّ قِتْلة، أخبَرَ سبحانه أنهم لم يقتلوهم بحولهم وقوتهم، ولكنَّ الله أعانهم وقوَّاهم على ذلك؛ حيث ثبت عن النبي ﷺ أنه دخل عَرِيشًا ورفع يديه ودعا طويلًا، ومن ذلك أنه قال: «اللَّهُمَّ إِنْ تُهْلِكْ هَذِهِ العِصَابَةَ، فَلَنْ تُعْبَدَ فِي الأَرْضِ»([2])، ثم ألهمه الله أن يأخذ حَفْنة من تراب، فيرميها على صفوف المشركين المقاتلين المواجهين للمسلمين في بَدْر؛ فجعل سبحانه هذه القَبْضة تعم كل المشركين فما مِنْ أحد إلا وأصاب عينَيْهِ ومَنْخِرَيْهِ وفمَهُ ترابٌ من تلك القبضة، فأشغلته عن حاله؛ فما كان منهم إلا أن وَلَّوْا مدبرين. واعلم -أيها النبي- أنك ما رميتَ حين رميتَ قبضة التراب في وجوههم، ولكنَّ الله هو الذي رمى؛ حيث إنه بقدرته أوصلها لكل وجوه المشركين، ثم اعلموا أن هذا القتال الذي كتبه الله عليكم هو لاختباركم -أيها المؤمنون-، وليرفعكم بهذا الجهاد إلى أعلى الدرجات؛ إن الله سميعٌ لأقوالكم، عليمٌ بأحوالكم. [2] أخرجه مسلم (1763)، عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه.

[18] ﴿ذَٰلِكُمۡ وَأَنَّ ٱللَّهَ مُوهِنُ كَيۡدِ ٱلۡكَٰفِرِينَ 18﴾:

واعلموا -أيها المؤمنون- أن هذا النصر الذي كتبه الله لكم يوم بدر، وهذه الهزيمة التي مُنِيَ بها المشركون، هو مِنْحةٌ من الله لكم، وإنه سبحانه سوف يخذُلُ الكافرين ويُضْعِفُ مكرهم وكيدهم للإسلام وأهله في مستقبل الأيام؛ حتى يَذِلُّوا وينقادوا لدين الله، أو يَهْلِكوا وتكونَ عاقبتهم في الآخرة العذاب الأليم.

[19] ﴿إِن تَسۡتَفۡتِحُواْ فَقَدۡ جَآءَكُمُ ٱلۡفَتۡحُۖ وَإِن تَنتَهُواْ فَهُوَ خَيۡرٞ لَّكُمۡۖ وَإِن تَعُودُواْ نَعُدۡ وَلَن تُغۡنِيَ عَنكُمۡ فِئَتُكُمۡ شَيۡـٔٗا وَلَوۡ كَثُرَتۡ وَأَنَّ ٱللَّهَ مَعَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ 19﴾:

لما أُخبِرَ أبو جهل بنجاة العِيرِ، وطُلِبَ منه الرجوع إلى مكة، أقسم ألَّا يَرْجِعَ إلا بعد أن يُهزَمَ المسلمون، وينتصر عليهم؛ حتى تهابهم العرب، ولهذا خاطب جل وعلا المشركين على سبيل السخرية، فقال: إذا كنتم -أيها الكفار- تطلُبُونَ من الله النصر على محمد وصحبه، فقد استجاب الله دعاءكم، وفتح عليكم بأنْ نصَرَ المسلمين في بَدْر، أما أنتم، فقد جاءكم الفتح بهلاك رؤسائكم؛ كأبي جهل ومن كان معه من صناديد قريش، ثم قال سبحانه: وإن تُقْلِعوا -أيها الكفار- عن الكفر بالله ورسوله، والعداء لأولياء الله المؤمنين، فهو خير لكم في الدنيا والآخرة، وإن أردتم أن تعودوا للحرب وقتال النبي ﷺ وصحبه، فسوف نعود لهزيمتكم، ولن تغني عنكم جماعتكم شيئًا مهما كَثُرَتْ، واعلموا أن الله يؤيِّد الذين آمنوا به وبرسوله، وينصُرُهم على أعدائهم الكفار.

[20] ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ أَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ وَلَا تَوَلَّوۡاْ عَنۡهُ وَأَنتُمۡ تَسۡمَعُونَ 20﴾:

يا أيها الذين آمنوا بالله وبرسوله، أطيعوا الله وأطيعوا الرسول ﷺ، واستمروا على هذه الطاعة، ولا تُعرِضُوا عنه وأنتم تسمعون وتعون ما يقول.

[21] ﴿وَلَا تَكُونُواْ كَٱلَّذِينَ قَالُواْ سَمِعۡنَا وَهُمۡ لَا يَسۡمَعُونَ 21﴾:

ثم أمَرَ سبحانه المؤمنين ألَّا يكونوا كالمنافقين الذين إذا سمعوا كتاب الله يُتْلى عليهم، قالوا: سمعنا، وهم في الحقيقة ما سَمِعوا سماع إجابة ولا إذعان له، بل عصَوْا ونافقوا.

[22] ﴿إِنَّ شَرَّ ٱلدَّوَآبِّ عِندَ ٱللَّهِ ٱلصُّمُّ ٱلۡبُكۡمُ ٱلَّذِينَ لَا يَعۡقِلُونَ 22﴾:

واعلموا -أيها المؤمنون- أن شر من دَبَّ على وجه الأرض أولئك الكفار الذين أصمُّوا آذانهم عن سماع الحق، وأخرسوا ألسنتهم عن النطق به، الذين لا يَعْقِلونَ عن الله ما ينفعهم، ولا يقدِّمونه على ما يضرهم.

[23] ﴿وَلَوۡ عَلِمَ ٱللَّهُ فِيهِمۡ خَيۡرٗا لَّأَسۡمَعَهُمۡۖ وَلَوۡ أَسۡمَعَهُمۡ لَتَوَلَّواْ وَّهُم مُّعۡرِضُونَ 23﴾:

ثم أخبَرَ سبحانه -على سبيل الفرض والتقدير- أنه لو علم سبحانه في هؤلاء الكفار خيرًا وصلاحًا، لأسمعهم مواعظ القرآن، ولكنه جل وعلا علم أنه لا خَيْرَ فيهم، ولو فُرِضَ أن الله أسمعهم، لتولَّوْا عنه وهم معرضون عن قبوله كفرًا وجحودًا.

[24] ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱسۡتَجِيبُواْ لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمۡ لِمَا يُحۡيِيكُمۡۖ وَٱعۡلَمُوٓاْ أَنَّ ٱللَّهَ يَحُولُ بَيۡنَ ٱلۡمَرۡءِ وَقَلۡبِهِۦ وَأَنَّهُۥٓ إِلَيۡهِ تُحۡشَرُونَ 24﴾:

أمَرَ جل وعلا عباده المؤمنين بالاستجابة لله وللرسول ﷺ؛ فإن فيها حياةَ القلب والروح، واعلموا -أيها الناس- أن الله يحول بين المرء وقلبه، يقلِّبُ القلوب حيث شاء، ويصرِّفها أنَّى شاء، يعني: أن الأمر كله بيد الله، وهو سبحانه الهادي إلى سواء السبيل، ثم أخبَرَ سبحانه أنه إليه وحده يُجْمَعُ جميع الخلق يوم القيامة ذلك اليوم الذي لا ريب فيه؛ فيجازي كلًّا بعمله؛ المحسِنُ بإحسانه، والمسيءُ بعصيانه.

[25] ﴿وَٱتَّقُواْ فِتۡنَةٗ لَّا تُصِيبَنَّ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنكُمۡ خَآصَّةٗۖ وَٱعۡلَمُوٓاْ أَنَّ ٱللَّهَ شَدِيدُ ٱلۡعِقَابِ 25﴾:

ثم أمَرَ جل وعلا عباده المؤمنين أن يخافوا عذابه وانتقامه الذي إذا وقَعَ، فإنه لن يخص الظالمين فقطْ، بل سوف يعُمُّ الهلاكُ الجميع: الصالح والطالح، ويوم القيامة كلٌّ يجازى بعمله؛ فالظالمُ يَهْلِكُ بظلمه وعصيانه، والذي لم يَظلِمْ يَهْلِكُ لعدم منعه الظالم من الظلم، واعلموا -أيها الناس- أن الله شديد العقاب لمن تعرَّض لمساخطه، وانتهَكَ محارمه، وجانب رضاه وتقواه.

[26] ﴿وَٱذۡكُرُوٓاْ إِذۡ أَنتُمۡ قَلِيلٞ مُّسۡتَضۡعَفُونَ فِي ٱلۡأَرۡضِ تَخَافُونَ أَن يَتَخَطَّفَكُمُ ٱلنَّاسُ فَـَٔاوَىٰكُمۡ وَأَيَّدَكُم بِنَصۡرِهِۦ وَرَزَقَكُم مِّنَ ٱلطَّيِّبَٰتِ لَعَلَّكُمۡ تَشۡكُرُونَ 26﴾:

ذكر جل وعلا فضله على المؤمنين حينما كانوا مستضعفين في أرض مكة، يخافون أن يأخُذَهم كفَّار قريش وغيرهم من الأعداء بسرعة؛ بسبب ضَعْفهم وقوَّة أعدائهم؛ فآواهم الله بأن هيَّأ لهم مأوًى، وهو المدينة، وألَّف بين قلوبهم، وقوَّاهم بالنصر على الكفار في غزوة بَدْر، ورزقهم من الطيبات، ومنها الغنائم التي غنموها في حروبهم، لعلَّهم يشكرون الله على هذه النعم.

[27] ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَخُونُواْ ٱللَّهَ وَٱلرَّسُولَ وَتَخُونُوٓاْ أَمَٰنَٰتِكُمۡ وَأَنتُمۡ تَعۡلَمُونَ 27﴾:

يا أيها الذين آمنوا، لا تخونوا الله والرسول بتَرْكِ ما أُمِرْتم به، وفعل ما نُهِيتم عنه، وكذلك: لا تخونوا الله والرسول بموالاة أعداء الله من المشركين واليهود والنصارى، وأيضًا: لا تخونوا الأمانات التي تكون بينكم وقد ائتمنكم الناس عليها، وأنتم تعلمون أنها خيانة محرَّمة، وعاقبتها وخيمة.

[28] ﴿وَٱعۡلَمُوٓاْ أَنَّمَآ أَمۡوَٰلُكُمۡ وَأَوۡلَٰدُكُمۡ فِتۡنَةٞ وَأَنَّ ٱللَّهَ عِندَهُۥٓ أَجۡرٌ عَظِيمٞ 28﴾:

واعلموا -أيها المؤمنون- أنما أموالكم وأولادكم فتنة، أي: ابتلاءٌ واختبارٌ وامتحانٌ لكم، ومعلومٌ أن الاختبار لا يحمد ولا يذم، وإنما يترتَّب الحمد أو الذم على نتيجة الامتحان، واعلموا أن الله عنده خير كثير وثواب عظيم لمن خافه واتقاه، وعمل بأوامره واجتنب نواهيه.

[29] ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ إِن تَتَّقُواْ ٱللَّهَ يَجۡعَل لَّكُمۡ فُرۡقَانٗا وَيُكَفِّرۡ عَنكُمۡ سَيِّـَٔاتِكُمۡ وَيَغۡفِرۡ لَكُمۡۗ وَٱللَّهُ ذُو ٱلۡفَضۡلِ ٱلۡعَظِيمِ 29﴾:

يا أيها الذين آمنوا بالله ورسوله، إن تخافوا الله، وتلتزموا أمره، يَجْعَلْ لكم النصر والفصل بين الحق والباطل، ويكفِّرْ عنكم السيئات، ويَغْفِرْ لكم الذنوب والخطيئات، واعلموا أن الله ذو فضل عظيم يتفضَّلُ به عليكم في الدنيا بأن ينير بصائركم، وفي الآخرة بجَنَّةٍ عرضها كعرض السموات والأرض.

[30] ﴿وَإِذۡ يَمۡكُرُ بِكَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لِيُثۡبِتُوكَ أَوۡ يَقۡتُلُوكَ أَوۡ يُخۡرِجُوكَۚ وَيَمۡكُرُونَ وَيَمۡكُرُ ٱللَّهُۖ وَٱللَّهُ خَيۡرُ ٱلۡمَٰكِرِينَ 30﴾:

واذكر -أيها النبي- فضل الله عليك لمَّا كان الكفار يكيدون لك ويتآمرون على سجنك أو قتلك أو نَفْيك، ويحتالون بكل الطرق للتآمر عليك في جُنْح الظلام، ولكنَّ الله أبطل كيدهم، وردَّه في نحورهم؛ جزاء لهم، واعلم أن الله جل في علاه خيرُ مَنْ يَقْدِرُ على رد كيد ومكر المجرمين الظالمين، ومعلوم أن المكر لا يطلق على الله إلا مقيَّدًا بأنه خير الماكرين.

[31] ﴿وَإِذَا تُتۡلَىٰ عَلَيۡهِمۡ ءَايَٰتُنَا قَالُواْ قَدۡ سَمِعۡنَا لَوۡ نَشَآءُ لَقُلۡنَا مِثۡلَ هَٰذَآ إِنۡ هَٰذَآ إِلَّآ أَسَٰطِيرُ ٱلۡأَوَّلِينَ 31﴾:

ثم أخبَرَ جل وعلا أن هؤلاء الكفار إذا تتلى عليهم آيات القرآن، قالوا على سبيل التكبُّر والعناد: قد سمعنا ما تقوله -يا محمد- بآذاننا، وفَهِمْنا ما تقول، ولو شئنا، لقلنا مثل هذا الكلام، واعلم أن هذا الكلام الذي تتلوه علينا -يا محمد- ما هو إلا قصص وخرافات سطَّرها الأولون، وهذا الكلام يقولونه ليضلُّوا به سفهاءهم، وهو كذب وافتراء؛ لأن الله تحدَّاهم أن يأتوا بمثله؛ فلم يفعلوا، بل تحدَّاهم سبحانه بأقلَّ من ذلك بأن يأتوا بعَشْرِ سُوَرٍ مثله؛ فلم يفعلوا، ثم تحدَّاهم بأقل من ذلك بأن يأتوا بسورة من مثله، فلم يفعلوا؛ ولذا كان القرآن هو معجزة نبينا محمد ﷺ الخالدة.

[32] ﴿وَإِذۡ قَالُواْ ٱللَّهُمَّ إِن كَانَ هَٰذَا هُوَ ٱلۡحَقَّ مِنۡ عِندِكَ فَأَمۡطِرۡ عَلَيۡنَا حِجَارَةٗ مِّنَ ٱلسَّمَآءِ أَوِ ٱئۡتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٖ 32﴾:

واذكر -أيها النبي- يوم أن دعا كفار مكة الله سبحانه وتعالى، فقالوا على سبيل السخرية والتهكُّم: اللهم، إن كان هذا الذي يتلوه علينا محمد هو حقًّا من عندك، فأَنْزِلْ علينا حجارة من السماء تهلكنا، أو ائتنا بعذاب مؤلم فظيع.

وهذا الدعاءُ بهذه الصفة حمقٌ وسفاهةٌ منهم، وهو يعبِّر عن شدة عداوتهم، وإلا لو كانوا عقلاء ومنصفين، لقالوا: اللهمَّ، إن كان هذا الذي يتلوه علينا محمد هو الحقَّ من عندك، فاهدنا إليه.

[33] ﴿وَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمۡ وَأَنتَ فِيهِمۡۚ وَمَا كَانَ ٱللَّهُ مُعَذِّبَهُمۡ وَهُمۡ يَسۡتَغۡفِرُونَ 33﴾:

ثم بيَّن جل وعلا سبَبَ إمهالِهِ لهؤلاء المشركين وعدمِ إجابة دعائهم عندما قالوا: ﴿أَوِ ٱئۡتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٖ﴾؛ حيث أخبَرَ أنه لم يعذِّبهم عذابًا يستأصل به شأفتهم؛ لأن النبي ﷺ كان بين أظهُرِهم؛ ولذا كان وجوده ﷺ بينهم أَمَنةً لهم من العذاب الشامل، والاستئصال الكلي، وهذا إكرام له ﷺ، ثم أخبَرَ سبحانه عن سبب آخر لإمهالِ الله لهم وعدَمِ تعذيبهم واستئصالهم، وهو استغفار المسلمين الذين كانوا بين أظهُرِهم بعد أن هاجر النبي ﷺ للمدينة، ولما خرَجَ المسلمون وهاجروا إلى المدينة، عذَّب الله هؤلاء المشركين في غزوة بَدْرٍ وغيرها من الغزوات.

[34] ﴿وَمَا لَهُمۡ أَلَّا يُعَذِّبَهُمُ ٱللَّهُ وَهُمۡ يَصُدُّونَ عَنِ ٱلۡمَسۡجِدِ ٱلۡحَرَامِ وَمَا كَانُوٓاْ أَوۡلِيَآءَهُۥٓۚ إِنۡ أَوۡلِيَآؤُهُۥٓ إِلَّا ٱلۡمُتَّقُونَ وَلَٰكِنَّ أَكۡثَرَهُمۡ لَا يَعۡلَمُونَ 34﴾:

وبعد خروجك -أيها النبي- وخروج المؤمنين من مكة، لماذا لا يعذِّب الله هؤلاء المشركين الذين استحقُّوا العذاب؟! فقد كانوا يَمْنعون المؤمنين من الدخول في الإسلام، وكانوا يمنعونهم من حجِّ بيت الله الحرام، ثم بيَّن سبحانه أن هؤلاء المشركين ليسوا أهلًا لأن يكونوا أولياء بيت الله الحرام، وليسوا أهلًا لأن يكونوا أولياء لله تعالى؛ بسبب كفرهم وضلالهم، وإنما الذي يستحق هذه الوَلَايةَ هم المتقون الذين يخشون ربهم ويخافون سوء الحساب، ولكنَّ أكثر هؤلاء الكفَّار لا يعلمون الحق بسبب جَهْلهم وضلالهم وكُفْرهم.

[35] ﴿وَمَا كَانَ صَلَاتُهُمۡ عِندَ ٱلۡبَيۡتِ إِلَّا مُكَآءٗ وَتَصۡدِيَةٗۚ فَذُوقُواْ ٱلۡعَذَابَ بِمَا كُنتُمۡ تَكۡفُرُونَ 35﴾:

ثم أخبَرَ جل وعلا أن هؤلاء المشركين ما كانت عبادتهم ودعاؤهم وهم يَطُوفون حول الكعبة المشرَّفة إلا صفيرًا وتصفيقًا، وبسبب ذلك فذوقوا -أيها المشركون- العذاب في الدنيا بالقتل، وفي الآخرة بالنار؛ بسبب جحودكم وكفركم بالله ومحاربتكم لأوليائه.

[36] ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ يُنفِقُونَ أَمۡوَٰلَهُمۡ لِيَصُدُّواْ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِۚ فَسَيُنفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيۡهِمۡ حَسۡرَةٗ ثُمَّ يُغۡلَبُونَۗ وَٱلَّذِينَ كَفَرُوٓاْ إِلَىٰ جَهَنَّمَ يُحۡشَرُونَ 36﴾:

أخبَرَ جل وعلا أن الذين كذَّبوا بالله ورسوله ينفقون أموالهم لمحاربة الله ودينه؛ وذلك بمنع الناس عن الإيمان بالله ورسوله؛ فسوف يُنْفِقونها، ثم تكون عليهم ندامة شديدة، ثم يهزمهم المؤمنون، واعلموا أن الذين كفروا وجحدوا دين الله، سوف يجمعهم الله في جهنَّم وبئس المصير.

[37] ﴿لِيَمِيزَ ٱللَّهُ ٱلۡخَبِيثَ مِنَ ٱلطَّيِّبِ وَيَجۡعَلَ ٱلۡخَبِيثَ بَعۡضَهُۥ عَلَىٰ بَعۡضٖ فَيَرۡكُمَهُۥ جَمِيعٗا فَيَجۡعَلَهُۥ فِي جَهَنَّمَۚ أُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡخَٰسِرُونَ 37﴾:

واعلموا أن هؤلاء الذين كفروا، وأنفقوا أموالهم لمنع الناس من الإيمان بالله ورسوله، سوف يحشُرُهم الله ويخزيهم يوم القيامة؛ ليَمِيزَ تعالى الخبيث من الطيب، ويَجْعَلَ الخبيث بعضه فوق بعض متراكمًا، ثم يجعله في نار جهنَّم، وهؤلاء الكفار الذين عاشوا كفَّارًا وماتوا كفارًا، هم الخاسرون في الدنيا والآخرة.

[38] ﴿قُل لِّلَّذِينَ كَفَرُوٓاْ إِن يَنتَهُواْ يُغۡفَرۡ لَهُم مَّا قَدۡ سَلَفَ وَإِن يَعُودُواْ فَقَدۡ مَضَتۡ سُنَّتُ ٱلۡأَوَّلِينَ 38﴾:

وقل -أيها النبي- لهؤلاء الذين كفروا وجحدوا دين الله: إن انتهيتم عن الشرك والكفر بالله، وآمنتم بالله ورسوله ﷺ، فإن الله سوف يغفر لكم ما سبق من أعمالكم السيئة، أما إذا اسْتَمْرَرْتُم على كفركم وضلالكم ومحاربتكم لدين الله، فاعلموا أن سُنَّةَ الله معروفة في أعدائه، وهي نزول العذاب بهم. وهذا تلطُّفٌ وكرَمٌ منه سبحانه؛ حيث فتح بابه للتائبين، مهما كَبُرَتْ جرائمهم.

[39] ﴿وَقَٰتِلُوهُمۡ حَتَّىٰ لَا تَكُونَ فِتۡنَةٞ وَيَكُونَ ٱلدِّينُ كُلُّهُۥ لِلَّهِۚ فَإِنِ ٱنتَهَوۡاْ فَإِنَّ ٱللَّهَ بِمَا يَعۡمَلُونَ بَصِيرٞ 39﴾:

ثم أمَرَ جل وعلا عباده المؤمنين أن يقاتلوا المشركين الضالِّين إذا استمروا في كفرهم وعدوانهم ومحاربتهم لدين الله؛ حتى لا يعلُوَ الكفر وأهله، ويكونَ دِينُ الله هو العالي والسائد، وله الأمر والنهي، ثم بيَّن سبحانه إذا انتهى المشركون عن الشرك والكفر، فإن الله بما يعملون بصير لا يخفى عليه شيء من أعمالهم، وسيجازيهم عليها؛ إنْ خيرًا فخير، وإنْ شرًّا فشرّ.

[40] ﴿وَإِن تَوَلَّوۡاْ فَٱعۡلَمُوٓاْ أَنَّ ٱللَّهَ مَوۡلَىٰكُمۡۚ نِعۡمَ ٱلۡمَوۡلَىٰ وَنِعۡمَ ٱلنَّصِيرُ 40﴾:

ثم أخبَرَ جل وعلا أنه إن أعرض هؤلاء المشركون عن الإيمان بالله ورسوله، واستمروا في كُفْرهم وضلالهم، ومحاربتهم لدين الله، فاعلموا -أيها المؤمنون- أن الله متولِّي أموركم، وهو سبحانه نعم المولى، ونعم الناصرُ والمُعِينُ والحفيظُ لكم.

[41] ﴿وَٱعۡلَمُوٓاْ أَنَّمَا غَنِمۡتُم مِّن شَيۡءٖ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُۥ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي ٱلۡقُرۡبَىٰ وَٱلۡيَتَٰمَىٰ وَٱلۡمَسَٰكِينِ وَٱبۡنِ ٱلسَّبِيلِ إِن كُنتُمۡ ءَامَنتُم بِٱللَّهِ وَمَآ أَنزَلۡنَا عَلَىٰ عَبۡدِنَا يَوۡمَ ٱلۡفُرۡقَانِ يَوۡمَ ٱلۡتَقَى ٱلۡجَمۡعَانِۗ وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ قَدِيرٌ 41﴾:

أخبَرَ جل وعلا عن جواب السؤال الذي جاء في أول السورة: ﴿يَسۡـَٔلُونَكَ عَنِ ٱلۡأَنفَالِۖ ﴾؛ فيقول سبحانه: واعلموا -أيها المؤمنون- أن أموال الغنيمة التي حصَلْتم عليها من عدوِّكم بجهادكم في سبيل الله، فإنها تقسَّم إلى خمسة أخماس: أربعةُ أخماس للمجاهدين الذين حضروا المعركة، أما الخُمُسُ الباقي، فإنه يجزَّأ إلى خمسة أقسام:

الأول: لله وللرسول ﷺ؛ فيُجعَلُ في مصالح المسلمين.

والثاني: لذوي قرابة الرسول ﷺ، وهم بنو هاشم، وبنو المطَّلب؛ حيث جُعِلَ لهم قِسْمٌ من الخمس بدلًا من الزكاة؛ لأنها لا تحل لهم.

والثالث: للأيتام، وهم الذين مات آباؤهم دون سن البلوغ.

والرابع: للمساكين الذين لا يَمْلِكونَ ما يسُدُّ حاجتهم.

والخامس: للمسافر الذي انقطَعَتْ به النفقة.

ولا يقوم بهذه القسمة إلا مَنْ آمن بالله وصدَّق بما أُنزِلَ على محمد ﷺ من الآيات والمدد والنصر في اليوم الذي فرَّق الله به بين الحق والباطل، وهو يوم بَدْر؛ حيث التقى فيه جمعُ المؤمنين وجمعُ المشركين، واعلموا أن الله على كل شيء قدير؛ لا يُعْجِزُهُ شيء في الأرض ولا في السماء.

[42] ﴿إِذۡ أَنتُم بِٱلۡعُدۡوَةِ ٱلدُّنۡيَا وَهُم بِٱلۡعُدۡوَةِ ٱلۡقُصۡوَىٰ وَٱلرَّكۡبُ أَسۡفَلَ مِنكُمۡۚ وَلَوۡ تَوَاعَدتُّمۡ لَٱخۡتَلَفۡتُمۡ فِي ٱلۡمِيعَٰدِ وَلَٰكِن لِّيَقۡضِيَ ٱللَّهُ أَمۡرٗا كَانَ مَفۡعُولٗا لِّيَهۡلِكَ مَنۡ هَلَكَ عَنۢ بَيِّنَةٖ وَيَحۡيَىٰ مَنۡ حَيَّ عَنۢ بَيِّنَةٖۗ وَإِنَّ ٱللَّهَ لَسَمِيعٌ عَلِيمٌ 42﴾:

وتذكَّروا -أيها المؤمنون- يوم أن نزلتم بجانب الوادي الأقرب للمدينة، ونزَلَ الكفار في الجانب الأبعد من المدينة، والعِيرُ التي خرجتم لطلبها أسفَلَ منكم مما يلي ساحل البحر، ولو تواعدتم أنتم وهم على موعد محدَّد، لاختلفتم في الميعاد، ولكنَّ الله جمعكم على هذه الحال ليقضي أمرًا كان مقدورًا؛ لِيَهْلِكَ مَنْ هلك على بصيرة وعلم أنه باطل، ويحيا المؤمنون عن حُجَّة بيِّنة، وهي نصر الله، واعلموا أن الله سميعٌ لأقوالكم، عليمٌ بأحوالكم.

[43] ﴿إِذۡ يُرِيكَهُمُ ٱللَّهُ فِي مَنَامِكَ قَلِيلٗاۖ وَلَوۡ أَرَىٰكَهُمۡ كَثِيرٗا لَّفَشِلۡتُمۡ وَلَتَنَٰزَعۡتُمۡ فِي ٱلۡأَمۡرِ وَلَٰكِنَّ ٱللَّهَ سَلَّمَۚ إِنَّهُۥ عَلِيمُۢ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ 43﴾:

وتذكَّر -أيها النبي- يوم أن أراك الله في منامك قلة عدد جيش المشركين؛ فلما أخبَرْتَ المؤمنين، اطمأنوا وقَوِيَتْ عزائمهم، ولو أراك الله أن عددهم كثيرٌ، وأخبَرْتَ المؤمنين بذلك، لَجَبُنوا واختلفوا في أمر قتالهم، ولكنَّ الله سلَّم بما أراك في منامك؛ فإنه سبحانه عليمٌ بمكنونات القلوب وما خفي فيها.

[44] ﴿وَإِذۡ يُرِيكُمُوهُمۡ إِذِ ٱلۡتَقَيۡتُمۡ فِيٓ أَعۡيُنِكُمۡ قَلِيلٗا وَيُقَلِّلُكُمۡ فِيٓ أَعۡيُنِهِمۡ لِيَقۡضِيَ ٱللَّهُ أَمۡرٗا كَانَ مَفۡعُولٗاۗ وَإِلَى ٱللَّهِ تُرۡجَعُ ٱلۡأُمُورُ 44﴾:

وتذكَّروا -أيها المؤمنون- يوم أن قلَّل الله أعداءكم في أعينكم؛ لتزول هيبتهم من نفوسكم، وتَقْوَى عزائمكم؛ فتنهالوا عليهم بالنبال والسيوف، وقلَّل سبحانه المسلمين في نفوس الكفار؛ ليأخذهم الغرور، فيغتروا ويستهينوا بخَصْمهم، فأدار الله المعركة لصالح المؤمنين، وتم -بحمد الله- نصرهم على عدوهم، واعلم أن هذا حدَثَ، لكي يقضي الله أمرًا كان مفعولًا، وهو تحقيق وعد الله للمؤمنين، بالنصر والتمكين، واعلموا -أيها الناس- أن لله وحده تَرْجِعُ جميع الأمور؛ فيجازي كلًّا بما يستحق؛ إنْ خيرًا فخيرٌ، وإنْ شرًّا فشرّ.

قال الشيخ محمَّد الأمين الشِّنْقيطيُّ رحمه الله عند تفسير هذه الآية عندما كان يدرِّسنا في كلية الشريعة، وذلك قرابة عام 1374هـ، قال: (مَنْ أراد أن يعرف سِرَّ القدر، فليقرأ هذه الآيات)، أي: من الآية 42، إلى الآية 44، ولم أَجِدْ هذا الكلام في تفسيره المعروف بـ (أضواء البيان).

[45] ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ إِذَا لَقِيتُمۡ فِئَةٗ فَٱثۡبُتُواْ وَٱذۡكُرُواْ ٱللَّهَ كَثِيرٗا لَّعَلَّكُمۡ تُفۡلِحُونَ 45﴾:

وهذا نداء وأمر من الله جل وعلا لعباده المؤمنين المجاهدين؛ إذا التقَوْا مع جماعة من الكفار لمحاربتهم، فعليهم أن يثبُتُوا ولا يجبُنُوا، وأن يُكْثِروا من ذكر الله تعالى؛ لكي يفوزوا برضا الله وجنَّته ونصره.

[46] ﴿وَأَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ وَلَا تَنَٰزَعُواْ فَتَفۡشَلُواْ وَتَذۡهَبَ رِيحُكُمۡۖ وَٱصۡبِرُوٓاْۚ إِنَّ ٱللَّهَ مَعَ ٱلصَّٰبِرِينَ 46﴾:

ثم أمر جل وعلا المؤمنين بطاعة أمر الله وأمر رسوله ﷺ، وألَّا يختلفوا فيما بينهم فيضعُفُوا ويجبُنُوا وتذهب قوتهم، وأن يصبروا عند لقاء عدوِّهم وتحمُّل المشاقِّ والمكاره؛ فإن الله مع الصابرين يؤيِّدهم بعونه ويقوِّيهم بتأييده، ولن يخذُلَ سبحانه عباده المؤمنين المجاهدين.

[47] ﴿وَلَا تَكُونُواْ كَٱلَّذِينَ خَرَجُواْ مِن دِيَٰرِهِم بَطَرٗا وَرِئَآءَ ٱلنَّاسِ وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِۚ وَٱللَّهُ بِمَا يَعۡمَلُونَ مُحِيطٞ 47﴾:

ثم حذَّر جل وعلا المؤمنين أن يكونوا كالمشركين الذين خرجوا من مكة إلى بَدْرٍ بكبرياء وتفاخُرٍ وعتوٍّ وتجبُّر ورياء؛ ليمنعوا الناس من الدخول في الإسلام، والله عالمٌ بكل أفعالهم، ومطَّلع عليها، وسيجازيهم عليها.

والمتتبع للآيات الثلاث السابقة يجد أن الله علَّق الفوز والنجاح على عدة أمور:

أولًا: الاستمرارُ على ذِكْرِ الله تعالى كثيرًا، والتماسُ نصره.

ثانيًا: الثباتُ في المعركة، وهو الصبر والمصابرة.

ثالثًا: طاعة الله تعالى في كل ما أمَرَ.

رابعًا: امتثالُ أمرِ الرسول ﷺ في جميع الأحوال.

خامسًا: عدمُ التنازُعِ والاختلاف.

سادسًا: عدم البَغْي والبَطَر.

[48] ﴿وَإِذۡ زَيَّنَ لَهُمُ ٱلشَّيۡطَٰنُ أَعۡمَٰلَهُمۡ وَقَالَ لَا غَالِبَ لَكُمُ ٱلۡيَوۡمَ مِنَ ٱلنَّاسِ وَإِنِّي جَارٞ لَّكُمۡۖ فَلَمَّا تَرَآءَتِ ٱلۡفِئَتَانِ نَكَصَ عَلَىٰ عَقِبَيۡهِ وَقَالَ إِنِّي بَرِيٓءٞ مِّنكُمۡ إِنِّيٓ أَرَىٰ مَا لَا تَرَوۡنَ إِنِّيٓ أَخَافُ ٱللَّهَۚ وَٱللَّهُ شَدِيدُ ٱلۡعِقَابِ 48﴾:

وتذكَّر -أيها النبي- حين زيَّن الشيطان لهؤلاء المشركين أعمالهم، وحثَّهم على قتال المسلمين؛ حيث أتاهم في صورة سُرَاقة بن مالك سيد كنانة، وقال لهم: لن تغلبوا اليوم من المسلمين، وإني بجانبكم، ولن أترُكَكم؛ فلما التقى الجيشان المسلمون والكافرون، ورأى الشيطان أن الملائكة تقاتِلُ مع المسلمين، رجع على عقبَيْهِ، فقالوا له: أتخذُلُنا على هذه الحال، فرد عليهم قائلًا: إني بريء من جواركم، إني أرى ما لا تَرَوْنَ، إني أخاف أن يُهْلِكني الله؛ إن الله شديد العذاب.

[49] ﴿إِذۡ يَقُولُ ٱلۡمُنَٰفِقُونَ وَٱلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ غَرَّ هَٰٓؤُلَآءِ دِينُهُمۡۗ وَمَن يَتَوَكَّلۡ عَلَى ٱللَّهِ فَإِنَّ ٱللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٞ 49﴾:

وتذكَّروا -أيها المؤمنون- حين قال المنافقون وأصحاب القلوب المريضة: لقد اغترَّ هؤلاء المؤمنون بدينهم، وظنوا أنهم سوف ينتصرون، وهذا الكلام صدَرَ من رأس المنافقين، ومعه جماعة من المنافقين وضعيفي الإيمان؛ وذلك لما علموا عِدَّةَ الكفار وعدَدَهم، فهالهم ذلك، وقالوا- واصفين الرسول ﷺ والمؤمنين-: إنَّ تمسُّكهم بهذا الدين هو الذي غرَّهم وحملهم على القتال، فأجاب الله عن رسوله ﷺ وعن المؤمنين، فقال: اعلموا أن مَنْ يتوكَّلْ على الله ويعتمدْ عليه، ويفوِّضْ أمره إليه، فإنه سوف يكون قويًّا لا يَذِلُّ أبدًا، وأن الله مؤيده وناصره؛ لأن الله عزيزٌ لا يغلبه أحد، حكيمٌ يضع الأمور في مواضعها المناسبة، ويفعل بحكمته ما تستبعده العقول الفاسدة؛ فالحمدُ لله الذي أعزَّ عباده المؤمنين، وكَبَتَ الكفار والمنافقين.

[50] ﴿وَلَوۡ تَرَىٰٓ إِذۡ يَتَوَفَّى ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ ٱلۡمَلَٰٓئِكَةُ يَضۡرِبُونَ وُجُوهَهُمۡ وَأَدۡبَٰرَهُمۡ وَذُوقُواْ عَذَابَ ٱلۡحَرِيقِ 50﴾:

أخبَرَ جل وعلا نبيه ﷺ فقال له: لو عايَنْتَ -أيها النبي- حال الكافرين الذين قُتِلوا ببَدْرٍ حين تأخذ الملائكة أرواحهم، وهم يضربون وجوههم وظهورهم، ويقولون لهم: ذوقوا -أيها الكفار- عذاب الدنيا الأليم، لرأيت أمرًا عظيمًا لا يمكن أن يطاق من شدَّة هَوْله وفظاعته.

[51] ﴿ذَٰلِكَ بِمَا قَدَّمَتۡ أَيۡدِيكُمۡ وَأَنَّ ٱللَّهَ لَيۡسَ بِظَلَّٰمٖ لِّلۡعَبِيدِ 51﴾:

واعلموا -أيها الكفار- أن هذا العذاب الذي جاءكم بسبب ما قدَّمته أيديكم من الكفر والجحود والذنوب والمعاصي التي ارتكبتموها، وأنه جل وعلا ليس بظلَّام لأحد من خلقه، ولَعَذَابُ الآخرة أشد وأنكى.

[52] ﴿كَدَأۡبِ ءَالِ فِرۡعَوۡنَ وَٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِهِمۡۚ كَفَرُواْ بِـَٔايَٰتِ ٱللَّهِ فَأَخَذَهُمُ ٱللَّهُ بِذُنُوبِهِمۡۚ إِنَّ ٱللَّهَ قَوِيّٞ شَدِيدُ ٱلۡعِقَابِ 52﴾:

واعلموا -أيها الكفار- أن ما نزَلَ بكم من العقاب هو سنة الله في المجرمين من الأمم السابقة؛ كأمثال فرعون ومَنْ قبله من الأمم الذين كفروا وجحدوا آيات الله، وعاندوا الرسل؛ فأهلكهم الله في الدنيا بسبب ذنوبهم، إنَّ الله قويُّ البطش، شديدُ العقاب، وإنَّ أخذه أليم شديد في الدنيا والآخرة.

[53] ﴿ذَٰلِكَ بِأَنَّ ٱللَّهَ لَمۡ يَكُ مُغَيِّرٗا نِّعۡمَةً أَنۡعَمَهَا عَلَىٰ قَوۡمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنفُسِهِمۡ وَأَنَّ ٱللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٞ 53﴾:

واعلموا -أيها الناس- أن ذلك العذاب والعقاب الذي حَلَّ بهؤلاء المشركين، هو مِنْ عدله سبحانه فيهم؛ حيث اقتضت حكمة الله ألَّا يغيِّر نعمة أنعم بها على قومٍ؛ كالأمن والرخاء والخيرات؛ حتى يغيِّروا هم ما بأنفسهم بأن يكفُرُوا ويظلموا ويرتكبوا الذنوب والمعاصي، وعندئذ يغيِّرُ الله تلك النعم بنِقَمٍ، لعلَّهم يهتدون ويؤمنون بالله ورسوله، وإذا لم يهتدوا، فسوف يحل بهم عذاب الله الشديد؛ إن الله سميعٌ لأقوال عباده، عليمٌ بأفعالهم.

[54] ﴿كَدَأۡبِ ءَالِ فِرۡعَوۡنَ وَٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِهِمۡۚ كَذَّبُواْ بِـَٔايَٰتِ رَبِّهِمۡ فَأَهۡلَكۡنَٰهُم بِذُنُوبِهِمۡ وَأَغۡرَقۡنَآ ءَالَ فِرۡعَوۡنَۚ وَكُلّٞ كَانُواْ ظَٰلِمِينَ 54﴾:

واعلم -أيها النبي- أن هؤلاء الكافرين الذين يحاربونك مثلهم كمثل آل فرعون الذين كذَّبوا بموسى عليه السلام، وكمثل الذين كذَّبوا رسلهم من الأمم السابقة؛ فأهلكهم الله جميعًا بسبب كفرهم وجحودهم وذنوبهم، وأغرَقَ آل فرعون في البحر، وكلُّ هذه الأمم التي كذَّبت رسلها كانوا ظالمين لأنفسهم؛ بمخالفتهم أمر الله وأمر رسوله ﷺ.

[55] ﴿إِنَّ شَرَّ ٱلدَّوَآبِّ عِندَ ٱللَّهِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ فَهُمۡ لَا يُؤۡمِنُونَ 55﴾:

أخبَرَ جل وعلا أن شرَّ من دَبَّ على الأرض عند الله هم الكفار، الذين كفروا بالله ورسوله، واستمروا على كفرهم وضلالهم. والدوابُّ: هي كل ما يَدِبُّ على الأرض من مكلَّفين وغير مكلَّفين، كالبهائم وغيرها؛ فجعل سبحانه وتعالى كل الكفار والمنافقين وجميع الضلال من أصحاب الفرق الضالَّة شرَّ هذه الدوابِّ؛ لأن الدوابَّ غير المكلَّفة تسبِّحُ الله ليلًا ونهارًا؛ قال تعالى: ﴿وَإِن مِّن شَيۡءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمۡدِهِۦ﴾ [الإسراء:٤٤].

ثم بيَّن سبحانه أنه بسببٍ وإصراهم على الكفر والضلال، فإنه لا يمكِنُ لهم أن يؤمنوا بالله وبرسوله ﷺ أبدًا.

[56] ﴿ٱلَّذِينَ عَٰهَدتَّ مِنۡهُمۡ ثُمَّ يَنقُضُونَ عَهۡدَهُمۡ فِي كُلِّ مَرَّةٖ وَهُمۡ لَا يَتَّقُونَ 56﴾:

ثم ذكَرَ جل وعلا أن من أولئك الأشرار يهودَ بني قُرَيْظةَ الذين عَقَدتَّ معهم -أيها النبي- العهود والمواثيق بألَّا يحاربوك ولا يظاهروا عليك أحدًا، ولكنهم كانوا ينقضون العهود المرة تلو المرة؛ لأنهم لا يخافون الله، ولا يخافون عذابه.

[57] ﴿فَإِمَّا تَثۡقَفَنَّهُمۡ فِي ٱلۡحَرۡبِ فَشَرِّدۡ بِهِم مَّنۡ خَلۡفَهُمۡ لَعَلَّهُمۡ يَذَّكَّرُونَ 57﴾:

ثم بيَّن جل وعلا ما يجب على النبي ﷺ وعلى المؤمنين فِعْلُهُ حول الذين ينقضون عهودهم؛ فقال سبحانه: فإذا ظَفِرْتَ بعدوك وأحَطْتَ به، فاجعله عبرةً لغيره حتى يُصابَ أمثالهم بالرعب والرهب، ويكفُّوا عن نقض العهود، ولعلهم يتعظون.

[58] ﴿وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِن قَوۡمٍ خِيَانَةٗ فَٱنۢبِذۡ إِلَيۡهِمۡ عَلَىٰ سَوَآءٍۚ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يُحِبُّ ٱلۡخَآئِنِينَ 58﴾:

ثم أمَرَ جل وعلا نبيه ﷺ -إذا خاف منهم غدرًا ونقضًا للعهد الذي بينه وبينهم- أن يخبرهم أنه لا عهود بينه وبينهم حتى يتساوى الطرفان هو وهم بأنه لا عَهْدَ بين الطرفين؛ ليأخُذَ كلُّ فريق حِذْره، والمبرِّرُ لذلك: أن الله لا يحب من يخون الأمانة، وينقض العهود.

[59] ﴿وَلَا يَحۡسَبَنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ سَبَقُوٓاْۚ إِنَّهُمۡ لَا يُعۡجِزُونَ 59﴾:

ثم سلَّى جل وعلا نبيه ﷺ، فقال له: ولا يظن هؤلاء الكفار الذين نجَوْا من القتل يوم بدر؛ أنهم قد أفلتوا من عقابنا وعذابنا؛ فليعلموا أنهم لن يُعْجِزونا في إدراكهم، ولكنْ لهم وقتٌ معلوم سيأتي في الموعد المناسب.

[60] ﴿وَأَعِدُّواْ لَهُم مَّا ٱسۡتَطَعۡتُم مِّن قُوَّةٖ وَمِن رِّبَاطِ ٱلۡخَيۡلِ تُرۡهِبُونَ بِهِۦ عَدُوَّ ٱللَّهِ وَعَدُوَّكُمۡ وَءَاخَرِينَ مِن دُونِهِمۡ لَا تَعۡلَمُونَهُمُ ٱللَّهُ يَعۡلَمُهُمۡۚ وَمَا تُنفِقُواْ مِن شَيۡءٖ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ يُوَفَّ إِلَيۡكُمۡ وَأَنتُمۡ لَا تُظۡلَمُونَ 60﴾:

ثم أمَرَ جل وعلا المؤمنين بالاستعداد بالقوة التي تشملُ السلاحَ والخيلَ؛ لإرهاب أعداء الله وأعداء الإسلام الذين ظهَرَتْ عداوتهم، وأيضًا: لإرهاب أعدائهم الآخرين من المنافقين وغيرهم الذين لم تَظْهَرْ عداوتهم، لكنَّ الله يَعْلَمُهم ويَعْلَمُ مكرهم وكيدهم للإسلام وأهله؛ فإنَّ مَدَدَ الله يأتي بعد بذل الجهد، والصدق في اللقاء، ومواجهة الأعداء، واعلموا أن كل ما تبذُلُونَهُ -أيها المؤمنون- في سبيل الله من المال والجهد قليلًا كان أو كثيرًا، فإنه محفوظٌ لكم عنده سبحانه، وسوف يدَّخر لكم ثوابه في الآخرة، وأنتم لا تنقُصُونَ من ثوابه شيئًا.

[61] ﴿وَإِن جَنَحُواْ لِلسَّلۡمِ فَٱجۡنَحۡ لَهَا وَتَوَكَّلۡ عَلَى ٱللَّهِۚ إِنَّهُۥ هُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلۡعَلِيمُ 61﴾:

ثم بيَّن جل وعلا لنبيه ﷺ إذا مال هؤلاء الكفار إلى الصلح وعدم الحرب، فمِلْ معهم للصلح، وعاهِدْهم على ذلك إذا كان في ذلك مصلحة للمسلمين، وفوِّض أمرك إلى الله، وثِقْ به؛ إنه سبحانه سميعٌ لأقوالكم، عليمٌ بأفعالكم.

[62] ﴿وَإِن يُرِيدُوٓاْ أَن يَخۡدَعُوكَ فَإِنَّ حَسۡبَكَ ٱللَّهُۚ هُوَ ٱلَّذِيٓ أَيَّدَكَ بِنَصۡرِهِۦ وَبِٱلۡمُؤۡمِنِينَ 62﴾:

ثم بيَّن جل وعلا لنبيه ﷺ إذا أراد هؤلاء الكفار بهذا الصلح أن يَخْدَعوك لكي يُعِدُّوا العدة لحربك، فاعلم أن الله سوف يكفيك كيدهم، ويَحْفَظُك من مكرهم؛ فهو الذي أعانك ونصَرَكَ من قبلُ يوم أن كنت ضعيفًا، وقوَّاك وشدَّ أَزْرَكَ بالأنصار.

[63] ﴿وَأَلَّفَ بَيۡنَ قُلُوبِهِمۡۚ لَوۡ أَنفَقۡتَ مَا فِي ٱلۡأَرۡضِ جَمِيعٗا مَّآ أَلَّفۡتَ بَيۡنَ قُلُوبِهِمۡ وَلَٰكِنَّ ٱللَّهَ أَلَّفَ بَيۡنَهُمۡۚ إِنَّهُۥ عَزِيزٌ حَكِيمٞ 63﴾:

ثم أخبَرَ جل وعلا أن هؤلاء الأنصار الذين شدَّ أَزْرَكَ بهم، جمَعَ الله قلوبهم على المحبة، بعد أن كانوا متفرِّقين ومتنافرين، واعلم -أيها النبي- أنك لو أنفَقْتَ جميع ما في الأرض من الأموال حتى تجمع بينهم، لما استطَعْتَ إلى ذلك سبيلًا، ولكنَّ الله هو الذي جمع بين قلوبهم؛ إنه تعالى عزيزٌ قويٌّ لا يغالبه أحد، وحكيمٌ في تدبير شؤون عباده.

[64] ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ حَسۡبُكَ ٱللَّهُ وَمَنِ ٱتَّبَعَكَ مِنَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ 64﴾:

هذا وعدٌ من الله جل وعلا لنبيه ﷺ؛ أنَّ الله وحده كافيك -أيها النبي- وكافي أتباعك من المؤمنين، ومَنْ كان الله معه، فإنه لا يحتاج لأحد من المخلوقين.

[65] ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ حَرِّضِ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ عَلَى ٱلۡقِتَالِۚ إِن يَكُن مِّنكُمۡ عِشۡرُونَ صَٰبِرُونَ يَغۡلِبُواْ مِاْئَتَيۡنِۚ وَإِن يَكُن مِّنكُم مِّاْئَةٞ يَغۡلِبُوٓاْ أَلۡفٗا مِّنَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِأَنَّهُمۡ قَوۡمٞ لَّا يَفۡقَهُونَ 65﴾:

ثم أمَرَ جل وعلا نبيه ﷺ أن يحرِّض المؤمنين على القتال؛ لكي يفوزوا بإحدى الحسنيَيْنِ: إمَّا النصر، أو الشهادة، واعلموا -أيها المؤمنون- أنكم إذا كان منكم عشرون صابرون عند القتال، فإنهم يغلبون مائتين من الكفار، وإذا كان منكم مائةٌ صابرة، فإنهم يغلبون ألفًا من الكفار؛ لأنهم قوم لا يفهمون ولا يعلمون ما يجب عليهم من حق الله.

[66] ﴿ٱلۡـَٰٔنَ خَفَّفَ ٱللَّهُ عَنكُمۡ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمۡ ضَعۡفٗاۚ فَإِن يَكُن مِّنكُم مِّاْئَةٞ صَابِرَةٞ يَغۡلِبُواْ مِاْئَتَيۡنِۚ وَإِن يَكُن مِّنكُمۡ أَلۡفٞ يَغۡلِبُوٓاْ أَلۡفَيۡنِ بِإِذۡنِ ٱللَّهِۗ وَٱللَّهُ مَعَ ٱلصَّٰبِرِينَ 66﴾:

ثم ذكَرَ جل وعلا فضله على المؤمنين المجاهدين؛ فبيَّن أنه يسَّر عليهم الأمر؛ لأنه علم أن فيهم ضعفاءَ لا يَقْوَوْنَ على قتال هذا الجمع الكبير؛ فإذا كان منكم -أيها المؤمنون- مائة، فإنهم يغلبون مائتين من الكفار، وإذا كان منكم ألفٌ، فإنهم يغلبون ألفَيْن، كلُّ ذلك بأمر الله وإرادته، واعلموا أن الله مع الصابرين بنَصْره وعَوْنه وتأييده.

[67] ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَن يَكُونَ لَهُۥٓ أَسۡرَىٰ حَتَّىٰ يُثۡخِنَ فِي ٱلۡأَرۡضِۚ تُرِيدُونَ عَرَضَ ٱلدُّنۡيَا وَٱللَّهُ يُرِيدُ ٱلۡأٓخِرَةَۗ وَٱللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٞ 67﴾:

عاتَبَ جل وعلا نبيه ﷺ والمؤمنين على أخذ الفداء من الأسرى، وبيَّن أن الأسر وأخذ الفداء لا يكون إلا بعد المبالغة في الجهاد والانتصار، وبعد أن تقوى شوكة المسلمين، ويكسبوا أكثر من موقع، وتهابهم الدول وتحترمهم؛ فحينئذٍ تتفضَّل على الأسرى بالعفو أو أخذ الفداء.

ثم قال سبحانه: هل تريدون -أيها المؤمنون- بأخذكم الفداء من الأسرى متاعَ الدنيا الزائل؟! والله يريد لكم العِزَّةَ والغَلَبة.

واعلموا أن الله عزيزٌ في ملكه كاملُ العِزَّة، حكيمٌ يبتلي بعض عباده ببعض.

[68] ﴿لَّوۡلَا كِتَٰبٞ مِّنَ ٱللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمۡ فِيمَآ أَخَذۡتُمۡ عَذَابٌ عَظِيمٞ 68﴾:

واعلموا -أيها الناس- أنه لولا حكمٌ من الله سبَقَ به القضاء والقدر بالإذن لهذه الأمة لأخذ الغنائم والفداء، وأنه لا يعذِّب المخطئ المجتهد، لأصابكم عذاب عظيم؛ بسبب ما أخذتم من الغنيمة والفداء، قبل أن يَنْزِلَ بشأنها تشريع من الله؛ لأن الغنائم كانت في الأمم السابقة تُحرَقُ.

[69] ﴿فَكُلُواْ مِمَّا غَنِمۡتُمۡ حَلَٰلٗا طَيِّبٗاۚ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَۚ إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٞ رَّحِيمٞ 69﴾:

وبعد أن عفا جل وعلا عن المؤمنين فيما وقعوا فيه من أَخْذ الفداء من الأسرى؛ أباح لهم سبحانه الأَكْلَ من الغنائم، وفداءَ الأسرى التي حصَلُوا عليها، وأمرهم أن يأكلوها حلالًا طيبًا من عنده سبحانه، ثم أمَرَهم أن يخافوا الله تعالى، ويجتنبوا معاصيه، إنه جل في علاه غفورٌ لمن تاب وأناب، رحيمٌ بعباده المؤمنين.

[70] ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ قُل لِّمَن فِيٓ أَيۡدِيكُم مِّنَ ٱلۡأَسۡرَىٰٓ إِن يَعۡلَمِ ٱللَّهُ فِي قُلُوبِكُمۡ خَيۡرٗا يُؤۡتِكُمۡ خَيۡرٗا مِّمَّآ أُخِذَ مِنكُمۡ وَيَغۡفِرۡ لَكُمۡۚ وَٱللَّهُ غَفُورٞ رَّحِيمٞ 70﴾:

أمَرَ جل وعلا نبيه ﷺ أن يقول لمن في ملكه من الأسرى الذين دفعوا الفدية، ثم أُطلِقَ سراحهم: لا تحزنوا على ما أُخِذَ منكم من الفداء، فإنْ علم الله أنَّ في قلوبكم إيمانًا بالله، وإخلاصًا له، فسيعوِّضكم في الدنيا خيرًا مما أُخِذَ منكم من الفداء، ويغفر لكم ما تقدَّم من ذنوبكم؛ إنه سبحانه غفورٌ لعباده الذين تابوا، رحيمٌ بهم.

[71] ﴿وَإِن يُرِيدُواْ خِيَانَتَكَ فَقَدۡ خَانُواْ ٱللَّهَ مِن قَبۡلُ فَأَمۡكَنَ مِنۡهُمۡۗ وَٱللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ 71﴾:

ثم حذَّر جل وعلا هؤلاء الأسرى إذا أرادوا خيانة النبي ﷺ، بعد أن فَكَّ أسرهم، وأظهروا الإسلام، فاعلم -أيها النبي- أنهم قد خانوا الله من قبلُ، وحاربوك؛ فأمكنك الله من النصر عليهم يوم بَدْر، والله عليمٌ بما تُكِنُّهُ صدورهم، حكيمٌ في تدبير شؤون عباده.

[72] ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَهَاجَرُواْ وَجَٰهَدُواْ بِأَمۡوَٰلِهِمۡ وَأَنفُسِهِمۡ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ وَٱلَّذِينَ ءَاوَواْ وَّنَصَرُوٓاْ أُوْلَٰٓئِكَ بَعۡضُهُمۡ أَوۡلِيَآءُ بَعۡضٖۚ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَلَمۡ يُهَاجِرُواْ مَا لَكُم مِّن وَلَٰيَتِهِم مِّن شَيۡءٍ حَتَّىٰ يُهَاجِرُواْۚ وَإِنِ ٱسۡتَنصَرُوكُمۡ فِي ٱلدِّينِ فَعَلَيۡكُمُ ٱلنَّصۡرُ إِلَّا عَلَىٰ قَوۡمِۭ بَيۡنَكُمۡ وَبَيۡنَهُم مِّيثَٰقٞۗ وَٱللَّهُ بِمَا تَعۡمَلُونَ بَصِيرٞ 72﴾:

أخبَرَ جل وعلا أن الذين آمنوا بالله ورسوله، وهاجروا إلى بلد الإسلام، وجاهدوا في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم، وهم الصحابة رضي الله عنهم الذين هاجَرَ بعضهم إلى المدينة مع رسول الله ﷺ، وبعضُهم هاجر قبله ﷺ، والذين آوَوْا المهاجرين ونصروهم، وهم أهل المدينة الأوس والخزرج؛ حيث استقبلوا الرسول ﷺ وأصحابه رضي الله عنهم، وواسَوْهم في سكنهم، وآخَوْهم وناصروهم وجاهدوا معهم؛ فهؤلاء بعضهم نصراء بعض في المحبة والنصرة والجهاد والمؤاخاة، وقد أخبَرَ سبحانه أن هؤلاء الذين هاجروا وجاهدوا والذين آوَوْا ونصروا هم المؤمنون حقًّا، كما قال تعالى في الآية التالية: ﴿وَٱلَّذِينَ ءَاوَواْ وَّنَصَرُوٓاْ أُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡمُؤۡمِنُونَ حَقّٗاۚ ﴾. أما الذين آمنوا، لكنهم بَقُوا في دار الكفر، ولم يهاجروا، فلستم مكلَّفين بحمايتهم ونصرتهم حتى يهاجروا، لكنْ إذا طلبوا منكم النصرة، بعد أن وقَعَ عليهم ظلم من الكفار، فيجب عليكم نصرتهم، لكنْ إذا كان بين المسلمين والكفار عهد، فلا يجوز لكم أن تخونوا العهد، والله بصيرٌ بأعمالكم وسيجازيكم عليها، وسوف ينصُرُ المستضعفين إذا شاء.

[73] ﴿وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بَعۡضُهُمۡ أَوۡلِيَآءُ بَعۡضٍۚ إِلَّا تَفۡعَلُوهُ تَكُن فِتۡنَةٞ فِي ٱلۡأَرۡضِ وَفَسَادٞ كَبِيرٞ 73﴾:

ثم أخبَرَ جل وعلا أن الذين كفروا بالله ورسوله، بعضُهم نصراء بعض، أما المؤمنون، فقد حذَّرهم سبحانه إذا لم ينصُرْ بعضهم بعضًا، فسوف تحصُلُ في الأرض فتنة عظيمة، وفساد كبير، وذلك بصدِّ المؤمنين عن دين الله، وتقويةِ الكفر وأهله.

[74] ﴿وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَهَاجَرُواْ وَجَٰهَدُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ وَٱلَّذِينَ ءَاوَواْ وَّنَصَرُوٓاْ أُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡمُؤۡمِنُونَ حَقّٗاۚ لَّهُم مَّغۡفِرَةٞ وَرِزۡقٞ كَرِيمٞ 74﴾:

ثم ختَمَ جل وعلا السورة بذِكْر مآثر صنفين من المهاجرين والأنصار؛ فأخبَرَ سبحانه أن الذين آمنوا بالله ورسوله، وهاجروا من بلاد الكفر إلى بلاد الإسلام، تاركين ديارهم وأموالهم، وجاهدوا في سبيل الله بأنفسهم وأموالهم، والذين آوَوْهم ونَصَروهم وواسَوْهم بالمال والتأييد؛ هؤلاء هم المؤمنون الصادقون حقًّا في الدين ونصرة الإسلام، وأخبَرَ سبحانه أن هؤلاء الذين سبَقَ ذِكْرُهم لهم مغفرةٌ لذنوبهم، ورزقٌ واسع كريم في الدنيا والآخرة.

[75] ﴿وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ مِنۢ بَعۡدُ وَهَاجَرُواْ وَجَٰهَدُواْ مَعَكُمۡ فَأُوْلَٰٓئِكَ مِنكُمۡۚ وَأُوْلُواْ ٱلۡأَرۡحَامِ بَعۡضُهُمۡ أَوۡلَىٰ بِبَعۡضٖ فِي كِتَٰبِ ٱللَّهِۚ إِنَّ ٱللَّهَ بِكُلِّ شَيۡءٍ عَلِيمُۢ 75﴾:

ثم ذكَرَ جل وعلا الصنف الثالث، وهم: الذين آمنوا بالله ورسوله، من بعد أولئك المهاجرين والأنصار، ثم هاجروا وجاهدوا معكم في سبيل الله، فهؤلاء منكم -أيها المؤمنون- في الإخاء والنصرة والموالاة، ثم بيَّن سبحانه أن أُولي الأرحام بعضهم أولى ببعض في التوارُث في حكم الله؛ إن الله بكل شيء عليم، يعلم ما يُصْلِحُ العباد وما ينفعهم.

وأولو الأرحام عند الفَرَضيِّين: هم أقرباء الرجل من جهة أمه، وعند العموم: هم أقرباء الرجل من كل الجهات؛ سواءٌ كانوا أعمامًا أو أخوالًا؛ وهذا هو المقصود بالآية.

وقد كانت المؤاخاة في الإرث أول الهجرة ظرفًا استثنائيًّا؛ فلما انتصر المسلمون وتحسَّنت أوضاعهم، نُسِخَتِ المؤاخاة في الإرث فقطْ، ونزل قول الله تعالى: ﴿وَأُوْلُواْ ٱلۡأَرۡحَامِ بَعۡضُهُمۡ أَوۡلَىٰ بِبَعۡضٖ فِي كِتَٰبِ ٱللَّهِۚ ﴾.

سورة التوبة

سورةُ التوبة مدنيَّةٌ وآياتها تسع وعشرون ومائة آية.

لم تبدأ هذه السورة بالبسملة، وقد ورَدَ في سبب ذلك عدَّة أقوال، الأجودُ منها قولان:

القول الأول: أن سورة التوبة إعلانُ حربٍ وبراءة من الكفار؛ ومثل هذا لا يناسب الرحمة والتسمية. والقول الثاني: أن سورة التوبة وسورة الأنفال موضوعهما متقارِب؛ فكأنهما سورة واحدة؛ فإذا وُحِّدتا، صارت نهاية السبع الطوال.

[1] ﴿بَرَآءَةٞ مِّنَ ٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦٓ إِلَى ٱلَّذِينَ عَٰهَدتُّم مِّنَ ٱلۡمُشۡرِكِينَ 1﴾:

بدأت السورة بإعلان من المولى جل وعلا ورسوله ﷺ البراءةَ من جميع المشركين المعاهدين؛ بسبب نَقْضهم لعهودهم مع النبي ﷺ؛ وذلك بقطع جميع العلاقات معهم.

[2] ﴿فَسِيحُواْ فِي ٱلۡأَرۡضِ أَرۡبَعَةَ أَشۡهُرٖ وَٱعۡلَمُوٓاْ أَنَّكُمۡ غَيۡرُ مُعۡجِزِي ٱللَّهِ وَأَنَّ ٱللَّهَ مُخۡزِي ٱلۡكَٰفِرِينَ 2﴾:

ثم أمَرَ جل وعلا نبيه ﷺ والمؤمنين أن يعطوا الكفار أربعةَ أشهُرٍ استراحة؛ لكي يتفكَّروا ويقرِّروا: إما أن يُسْلِموا، أو يُحَارَبوا، وهذا خاصٌّ بكفار جزيرة العرب؛ لأنهم مشركون، أما أصحاب الديانات السابقة، فلهم حديث آخر، واعلموا -أيها المشركون- أنكم خلال هذه الاستراحة لن تفلتوا من عقاب الله، واعلموا أيضًا أن الله مُذِلٌّ ومُخْزٍ لكم في الدنيا، ولكم في الآخرة عذابٌ أليمٌ شديدٌ في نار جهنم.

[3] ﴿وَأَذَٰنٞ مِّنَ ٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦٓ إِلَى ٱلنَّاسِ يَوۡمَ ٱلۡحَجِّ ٱلۡأَكۡبَرِ أَنَّ ٱللَّهَ بَرِيٓءٞ مِّنَ ٱلۡمُشۡرِكِينَ وَرَسُولُهُۥۚ فَإِن تُبۡتُمۡ فَهُوَ خَيۡرٞ لَّكُمۡۖ وَإِن تَوَلَّيۡتُمۡ فَٱعۡلَمُوٓاْ أَنَّكُمۡ غَيۡرُ مُعۡجِزِي ٱللَّهِۗ وَبَشِّرِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ 3﴾:

واعلموا -أيها الناس- أن هذه الآيات إعلانٌ وإنذارٌ أن الله ورسولَهُ بريئان من المشركين الذين نقضوا عهدهم مع الرسول ﷺ، وسوف نُعْلِنُ هذه البراءة يوم الحج الأكبر الذي هو يوم عرفة؛ حيث بعث ﷺ أبا بكر الصديق ليحُجَّ بالناس في السنة التاسعة من الهجرة، وبعَثَ علي بن أبي طالب رضي الله عنه بسورة التوبة ليخطُبَ في الحُجَّاج ويقرأها عليهم، حتى يعلم الجميع أن المشركين نجس، وألَّا يدخلوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا، وأعلن البراءة من الشرك والكفر وأعطاهم الأربعة الأشهر، وكانت خطبته عامَّة لأمور المسلمين، ثم دعا سبحانه المشركين إلى التوبة من الشرك، وبيَّن لهم أن التوبة خير لهم، أما إذا أعرضوا ورفضوا قبول الحق، وهو الدخول في دين الله، فلن يُفْلِتوا من عقاب الله وعذابه، ثم أمَرَ سبحانه نبيه ﷺ أن يبشِّر الكفار بعذاب أليم ينتظرهم يوم القيامة؛ بسبب كفرهم وجحودهم وعنادهم.

[4] ﴿إِلَّا ٱلَّذِينَ عَٰهَدتُّم مِّنَ ٱلۡمُشۡرِكِينَ ثُمَّ لَمۡ يَنقُصُوكُمۡ شَيۡـٔٗا وَلَمۡ يُظَٰهِرُواْ عَلَيۡكُمۡ أَحَدٗا فَأَتِمُّوٓاْ إِلَيۡهِمۡ عَهۡدَهُمۡ إِلَىٰ مُدَّتِهِمۡۚ إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلۡمُتَّقِينَ 4﴾:

ثم استثنى جل وعلا مِنْ قتال المشركين: الذين بينهم وبين المسلمين عهدٌ محدَّد بمدة، ولم يخونوا وينقضوا العهد، ولم يعاوِنُوا الأعداء على قتال المسلمين؛ فهؤلاء أَتِمُّوا إليهم عهدهم إلى المدة المحدَّدة بينكم، واعلموا أن الله يحب المتقين الذين عملوا بطاعة الله، واجتنبوا معاصيه، والتزموا بالعهود والمواثيق.

[5] ﴿فَإِذَا ٱنسَلَخَ ٱلۡأَشۡهُرُ ٱلۡحُرُمُ فَٱقۡتُلُواْ ٱلۡمُشۡرِكِينَ حَيۡثُ وَجَدتُّمُوهُمۡ وَخُذُوهُمۡ وَٱحۡصُرُوهُمۡ وَٱقۡعُدُواْ لَهُمۡ كُلَّ مَرۡصَدٖۚ فَإِن تَابُواْ وَأَقَامُواْ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتَوُاْ ٱلزَّكَوٰةَ فَخَلُّواْ سَبِيلَهُمۡۚ إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٞ رَّحِيمٞ 5﴾:

واعلموا -أيها المؤمنون- أنه إذا انقضَتِ المهلة وهي الأربعة الأشهر فإن الله يأمركم أن تعلنوا الحرب، وتقتلوا المشركين في أي مكان لقيتموهم فيه؛ سواءٌ في الحل أو الحرم، وأن تحاصروهم في أماكنهم وبيوتهم، وترصدوهم في كل مكان وتضيِّقوا عليهم في تحركاتهم، فإذا تابوا وأنابوا ودخلوا في دين الله،

وأقاموا الصلاة المكتوبة، وأخرجوا زكاة أموالهم، فاتركوهم، ولا تؤذوهم؛ لأنهم أصبحوا إخوانكم في الدين؛ إن الله غفورٌ لمن تاب وأناب، ورحيمٌ بعباده المؤمنين. قال بعض المفسِّرين: (هذه الآية تسمى آية السَّيْف)، أي: آيةَ إيجاب الجهاد.

[6] ﴿وَإِنۡ أَحَدٞ مِّنَ ٱلۡمُشۡرِكِينَ ٱسۡتَجَارَكَ فَأَجِرۡهُ حَتَّىٰ يَسۡمَعَ كَلَٰمَ ٱللَّهِ ثُمَّ أَبۡلِغۡهُ مَأۡمَنَهُۥۚ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمۡ قَوۡمٞ لَّا يَعۡلَمُونَ 6﴾:

ثم أمَرَ جل وعلا نبيه ﷺ إذا استأمنه أحدُ المشركين، وطلَبَ منه الجوار، فعليه أن يؤمِّنَهُ حتى يتروَّى ويسمع القرآن ويتدبَّره، ويعرف شيئًا عن الإسلام يشجِّعه للدخول فيه؛ وهذا من رحمة الله بعباده، ومن إقامة الحجة عليهم، ثم أمَرَ سبحانه النبي ﷺ أن يوصِّله إلى المكان الآمن الذي يريده، واعلم -أيها النبي- أن الله أمَرَك بإجارة المستجير من المشركين؛ لأنهم قومٌ لا يعلمون ما ينفعهم، ويجهلون حقيقة الإسلام. قال العلامة محمد الأمين الشِّنْقِيطي تعليقًا على قوله: ﴿حَتَّىٰ يَسۡمَعَ كَلَٰمَ ٱللَّهِ﴾: (الصوتُ صوت القاري، والكلام كلام الباري؛ فالكلام صفة الله، وليس بمخلوق؛ كما تقوله الفرق الضالَّة)([1]). [1] ينظر: العذب النمير، للشيخ العلامة الشنقيطي (5/281) بتصرف.

[7] ﴿كَيۡفَ يَكُونُ لِلۡمُشۡرِكِينَ عَهۡدٌ عِندَ ٱللَّهِ وَعِندَ رَسُولِهِۦٓ إِلَّا ٱلَّذِينَ عَٰهَدتُّمۡ عِندَ ٱلۡمَسۡجِدِ ٱلۡحَرَامِۖ فَمَا ٱسۡتَقَٰمُواْ لَكُمۡ فَٱسۡتَقِيمُواْ لَهُمۡۚ إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلۡمُتَّقِينَ 7﴾:

أخبَرَ جل وعلا أنه لا ينبغي أن يكون للمشركين الغادرين عهدٌ عند الله وعند رسوله؛ وهذا استبعاد لثبات المشركين على الحق، وأنهم إن سنَحَتْ لهم فرصة، نقضوا العهد، ثم استثنى سبحانه الذين عاهَدتَّهم عند المسجد الحرام ما داموا مستمرين على العهد ولم ينقضوه؛ وذلك حُرْمةٌ لبيت الله وللسكان المستظلِّين به، وصدَقَ الله؛ فإنه لا عهد للمشركين؛ فقد نقضوا العهود وقتلوا المسلمين ركَّعًا وسجَّدًا، واعلموا أن الله يحب المتقين الذين يخافون الله بالمحافظة على العهود، وعدَمِ نَقْضها. وقد ذكَرَ المفسِّرون عندما نقَضَتْ قريش العهد الذي بينها وبين رسول الله ﷺ، وآذَوُا المسلمين وعذَّبوهم، جاء المستنصر يستنجد برسول الله، وهو عمرو بن سالم الخُزَاعي، فدخل على رسول الله ﷺ، وأخبره بما فعَلَتْ قريش فيهم، وأنشد أبياتًا مطلعها:

لَاهُمَّ إِنِّي نَاشِدٌ مُحَمَّدَا

حِلْفَ أَبِيِنَا وَأَبِيِهِ الْأَتْلَدَا

فَانْصُرْ هَدَاكَ اللهُ نَصْرًا أَعْتَدَا

وَادْعُوا عِبَادَ اللهِ يَأْتُوا مَدَدَا

هُمْ بَيَّتُونَا بِالْوَتِيرِ هُجَّدَا

فَقَتلُونَا رُكَّعًا وَسُجَّدَا

فقال ﷺ حينها: «لَا نُصِرْتُ؛ إِنْ لَمْ أَنْصُرْكُمْ بِمَا أَنْصُرُ بِهِ نَفْسِي»([3])، ثم أخذ ﷺ يستعدُّ سرًّا للزحف على مكة، وكان -بحمد الله- أن فتحت مكة، شرَّفها الله. ([1] ) أورده الهيثمي في مجمع الزوائد (6/161-162) بنحوه عن عائشة.

[8] ﴿كَيۡفَ وَإِن يَظۡهَرُواْ عَلَيۡكُمۡ لَا يَرۡقُبُواْ فِيكُمۡ إِلّٗا وَلَا ذِمَّةٗۚ يُرۡضُونَكُم بِأَفۡوَٰهِهِمۡ وَتَأۡبَىٰ قُلُوبُهُمۡ وَأَكۡثَرُهُمۡ فَٰسِقُونَ 8﴾:

ثم قال جل وعلا: بأي صفة يكون للمشركين عهدٌ أو ميثاقٌ وهم لو غلَبُوكم وتمكَّنوا منكم، فلن يرحموا منكم أحدًا، ولن يراعوا قرابة أو عهدًا؟! ولا تغتروا بما تسمعونه منهم من الكلام المقبول، والمعاملة الحسنة، حال خوفهم وتمكُّنكم منهم؛ فهم يُرْضُونكم بهذا الكلام، ولكنَّ قلوبهم مليئة حقدًا وبغضًا عليكم، وأكثرهم ناقضون للعهود والمواثيق، بعيدون عن الحق كل البعد.

[9] ﴿ٱشۡتَرَوۡاْ بِـَٔايَٰتِ ٱللَّهِ ثَمَنٗا قَلِيلٗا فَصَدُّواْ عَن سَبِيلِهِۦٓۚ إِنَّهُمۡ سَآءَ مَا كَانُواْ يَعۡمَلُونَ 9﴾:

ثم بيَّن جل وعلا السبب الأصيل الذي حمل هؤلاء المشركين على الغدر والخيانة؛ وهو أنهم استبدلوا بآيات الله: الكُفْرَ، وأعراضَ الدنيا التافهة الحقيرة الزائلة، فأدَّى ذلك إلى إعراضهم عن سبيل الحق، ولم يكتفوا بهذا، بل صدوا غيرهم، وصرفوهم عن الحق، ومنعوهم من الدخول في الإسلام؛ فبئس ما عملوا. قال بعضهم: (إن ذِمَّةَ كل شخص قابلةٌ للانصهار بالذهب، لكن الخلاف في الكمِّيات؛ فالبعض بعَشْر، والآخر بمائة، والبعض بألف، والنادر بمليون أو ملايين)؛ والمقصود: أن بعض النفوس تشتريها بالرِّشْوة، ولكنْ تتفاوت قيمة هذه الرشوة من شخص لآخر، نسأل الله العافية، وفي تعميم ذلك نظر؛ فقد شمل كلامه حتى من رحم الله، وهم قلَّة.

[10] ﴿لَا يَرۡقُبُونَ فِي مُؤۡمِنٍ إِلّٗا وَلَا ذِمَّةٗۚ وَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡمُعۡتَدُونَ 10﴾:

واعلموا -أيها المؤمنون- أن هؤلاء المشركين لا يراعون قرابةً أو عهدًا أو حِلْفًا؛ بل إنهم ضرر على الإسلام وأهله، وهم المتجاوزون لحدود الله بغَدْرهم ونَقْضهم العهود والمواثيق.

[11] ﴿فَإِن تَابُواْ وَأَقَامُواْ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتَوُاْ ٱلزَّكَوٰةَ فَإِخۡوَٰنُكُمۡ فِي ٱلدِّينِۗ وَنُفَصِّلُ ٱلۡأٓيَٰتِ لِقَوۡمٖ يَعۡلَمُونَ 11﴾:

ثم وجَّه جل وعلا المؤمنين، وأخبَرَهم بكيفية التعامل مع المشركين إذا رجعوا عن شِرْكهم، وأقلعوا عن عبادة غير الله، ووحدَّوا الله ولم يُشْرِكوا به شيئًا، ثم التزموا شرائع وأحكام الإسلام من إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة؛ فإنهم بذلك يكونون إخوانًا لكم في الإسلام، لهم ما لكم، وعليهم ما عليكم، ولا يحل لكم -أيها المسلمون- قتالهم، واعلموا أن الله جل وعلا يبيِّن آياته ويوضِّحها ويميِّزها لقوم ينتفعون بها.

[12] ﴿وَإِن نَّكَثُوٓاْ أَيۡمَٰنَهُم مِّنۢ بَعۡدِ عَهۡدِهِمۡ وَطَعَنُواْ فِي دِينِكُمۡ فَقَٰتِلُوٓاْ أَئِمَّةَ ٱلۡكُفۡرِ إِنَّهُمۡ لَآ أَيۡمَٰنَ لَهُمۡ لَعَلَّهُمۡ يَنتَهُونَ 12﴾:

ثم وجَّه جل وعلا أيضًا المؤمنين، وأخبَرَهم بكيفية التعامل مع المشركين حال نَقْضهم العهود والمواثيق؛ فقال سبحانه: فإذا نقض هؤلاء المشركون الأيمان، ونكثوا العهود التي أبرموها معكم، وذلك بأن يقاتلوكم أو يُعِينوا عليكم، أو يَطْعُنُوا في الإسلام بأن يعيبوه أو يسخروا منه، أو ينالوا من القرآن، أو الرسول ﷺ؛ فحينئذٍ عليكم بقتال أئمَّتهم وقادتهم -وغيرهم تبع لهم- قتالًا لا هوادة فيه؛ فإنهم لا يراعون عهودًا ولا مواثيق؛ لعلَّهم ينتهون عن كفرهم ونَكْثهم وطعنهم في دين الإسلام.

[13] ﴿أَلَا تُقَٰتِلُونَ قَوۡمٗا نَّكَثُوٓاْ أَيۡمَٰنَهُمۡ وَهَمُّواْ بِإِخۡرَاجِ ٱلرَّسُولِ وَهُم بَدَءُوكُمۡ أَوَّلَ مَرَّةٍۚ أَتَخۡشَوۡنَهُمۡۚ فَٱللَّهُ أَحَقُّ أَن تَخۡشَوۡهُ إِن كُنتُم مُّؤۡمِنِينَ 13﴾:

حضَّ جل وعلا عباده المؤمنين وهيَّجهم لقتال هؤلاء المشركين، ذاكرًا أوصافهم الشنيعة، وأفعالهم القبيحة؛ من نَكْثهم للعهود والمواثيق، وسَعْيهم وعزمهم على إخراج الرسول ﷺ مِنْ وَطَنِهِ مكة، وبدئهم ومبادرتهم بقتالكم وإيذائكم؛ فهذه الصفات كفيلة لكم -أيها المؤمنون- لقتالهم وعدم خشيتهم وعدم الخوف منهم، ثم حثَّ جل وعلا عباده المؤمنين مرة أخرى بسؤالهم: أتخافون أن ينالكم منهم مكروهٌ، فتتركوا قتالهم؟! فاعلموا أن الله هو الذي أمَرَكم بقتالهم، وهو أحقُّ أن تخافوه، فإنه هو الضارُّ وهو النافع؛ إن كنتم مؤمنين حقًّا.

[14] ﴿قَٰتِلُوهُمۡ يُعَذِّبۡهُمُ ٱللَّهُ بِأَيۡدِيكُمۡ وَيُخۡزِهِمۡ وَيَنصُرۡكُمۡ عَلَيۡهِمۡ وَيَشۡفِ صُدُورَ قَوۡمٖ مُّؤۡمِنِينَ 14﴾:

ثم كرَّر جل وعلا أمره لعباده المؤمنين بقتال المشركين، وبيَّن لهم فوائد ذلك بأن يعذِّبهم الله بأيديكم بقتلهم وأسرهم، ويذلَّهم بالخزي والهزيمة، ويرزُقَكم النصر والغلبة عليهم، ويَشْفِيَ بذلك صدوركم التي طالما لَحِقَها الحزن والغم من كيدهم ومكرهم.

[15] ﴿وَيُذۡهِبۡ غَيۡظَ قُلُوبِهِمۡۗ وَيَتُوبُ ٱللَّهُ عَلَىٰ مَن يَشَآءُۗ وَٱللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ 15﴾:

ثم أخبر سبحانه أنَّهُ أيضًا سوفَ يُذْهِب -بغلبكم إياهم- الغيظ الذي في قلوبهم عليكم؛ بحيث يقتنعون بأن النصر من الله، وأن الله يُدِيلُ الحق على الباطل، بسبب حربهم لله ورسوله وسعيهم في إطفاء نور الله.

كما قال شاعرهم وهو فَرْوة بن مُسَيْكٍ يسلِّي قومه:

وَمَا إِنْ طِبُّنَا جُبْنٌ وَلَكِنْ

مَنَايَانَا وَدَوْلَةُ آخَرِينَا

ومع ذلك: فإن الله يتوب على من يشاء من هؤلاء المحاربين بدخولهم في الإسلام، والله عليمٌ بصدق من تاب منهم، وهو حكيمٌ يضع الأشياء في مواضعها.

[16] ﴿أَمۡ حَسِبۡتُمۡ أَن تُتۡرَكُواْ وَلَمَّا يَعۡلَمِ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ جَٰهَدُواْ مِنكُمۡ وَلَمۡ يَتَّخِذُواْ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَلَا رَسُولِهِۦ وَلَا ٱلۡمُؤۡمِنِينَ وَلِيجَةٗۚ وَٱللَّهُ خَبِيرُۢ بِمَا تَعۡمَلُونَ 16﴾:

ثم يقول جل وعلا: أتظنُّون -أيها المؤمنون- أن تُتْرَكُوا دون اختبار وامتحان يتبيَّن من خلاله الصادق من الكاذب؟! ذلكم الابتلاء هو الجهاد في سبيل الله؛ لإعلاء كلمة الله وحده، وعدم اتِّخاذ بطانة وأولياء من المشركين؛ والله خبيرٌ بجميع أموركم وأحوالكم، وسيجازيكم عليها.

[17] ﴿مَا كَانَ لِلۡمُشۡرِكِينَ أَن يَعۡمُرُواْ مَسَٰجِدَ ٱللَّهِ شَٰهِدِينَ عَلَىٰٓ أَنفُسِهِم بِٱلۡكُفۡرِۚ أُوْلَٰٓئِكَ حَبِطَتۡ أَعۡمَٰلُهُمۡ وَفِي ٱلنَّارِ هُمۡ خَٰلِدُونَ 17﴾:

واعلموا -أيها الناس- أنه لا يليق بالمشركين أن يعمُرُوا بيوت الله، وهم يعلنون الكفر بالله، ولا شك أن عمارتهم للكعبة عمل متناقض؛ حيث إنهم يعمُرُونَ المسجد، ثم يضعون فيه الأصنام؛ فلا شك أن عملهم هذا حابط لا قيمة له عند الله، وهم في نار جهنم خالدين مخلدين أبدًا، إلا من تاب وأناب منهم، ودخل في دين الإسلام.

[18] ﴿إِنَّمَا يَعۡمُرُ مَسَٰجِدَ ٱللَّهِ مَنۡ ءَامَنَ بِٱللَّهِ وَٱلۡيَوۡمِ ٱلۡأٓخِرِ وَأَقَامَ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتَى ٱلزَّكَوٰةَ وَلَمۡ يَخۡشَ إِلَّا ٱللَّهَۖ فَعَسَىٰٓ أُوْلَٰٓئِكَ أَن يَكُونُواْ مِنَ ٱلۡمُهۡتَدِينَ 18﴾:

واعلموا -أيها الناس- أن العمّار الحقيقيين للمساجد، هم المؤمنون بالله وباليوم الآخر، العاملون الأعمالَ الصالحة من صلاة وزكاة، الذين يخافون الله، ولا يخافون في الله لومة لائم، أولئك هم عمَّار المساجد حقًّا، وأولئك هم المهتدون صدقًا.

[19] ﴿أَجَعَلۡتُمۡ سِقَايَةَ ٱلۡحَآجِّ وَعِمَارَةَ ٱلۡمَسۡجِدِ ٱلۡحَرَامِ كَمَنۡ ءَامَنَ بِٱللَّهِ وَٱلۡيَوۡمِ ٱلۡأٓخِرِ وَجَٰهَدَ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِۚ لَا يَسۡتَوُۥنَ عِندَ ٱللَّهِۗ وَٱللَّهُ لَا يَهۡدِي ٱلۡقَوۡمَ ٱلظَّٰلِمِينَ 19﴾:

أخبَرَ جل وعلا أنه لا يمكن المساواة بين أعمال المشركين وأعمال المؤمنين، فقال سبحانه: أجعلتم -أيها المشركون- أعمالكم كتوفير ماء الشرب للحُجَّاج، والاهتمام ببناء المسجد الحرام، وغيرها؛ كأعمال المؤمنين؛ مِن الإيمان بالله واليوم الآخر والجهاد في سبيل الله بالنفس والمال؟! فاعلموا أنه لا يمكن المساواة بينها -ولو كانت أعمال المشركين أعمال خير وإحسان- لأنها أعمال حابطة ما دام أن القائم بها مصرٌّ على الكفر والشرك وعبادة الأصنام، واعلموا أن الله لا يوفِّق للهداية ومعرفة الحق الظالمين الذين ظلموا أنفسهم بالكفر والبعد عن دين الله، وأصروا على ذلك.

[20] ﴿ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَهَاجَرُواْ وَجَٰهَدُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ بِأَمۡوَٰلِهِمۡ وَأَنفُسِهِمۡ أَعۡظَمُ دَرَجَةً عِندَ ٱللَّهِۚ وَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡفَآئِزُونَ 20﴾:

واعلموا أن الذين آمنوا بالله ورسوله، وصدَّقوا بما أُنزِلَ على محمد ﷺ، وهاجروا من بلاد الكفر إلى بلاد الإسلام، وأنفقوا أموالهم في سبيل الله، وجاهدوا الكفار بأنفسهم؛ لإعلاء كلمة الله؛ لا شك أن هؤلاء أعظم درجة عند الله، وهم الفائزون برضوان الله وجنته ونعيمه.

[21] ﴿يُبَشِّرُهُمۡ رَبُّهُم بِرَحۡمَةٖ مِّنۡهُ وَرِضۡوَٰنٖ وَجَنَّٰتٖ لَّهُمۡ فِيهَا نَعِيمٞ مُّقِيمٌ 21﴾:

ثم بيَّن سبحانه أنه برحمته بعباده المؤمنين يبشِّرهم في الدنيا برضوان الله عليهم، وما لهم في الآخرة من الجنات والنعيم المستمر الذي لا ينقطع أبدًا.

[22] ﴿خَٰلِدِينَ فِيهَآ أَبَدًاۚ إِنَّ ٱللَّهَ عِندَهُۥٓ أَجۡرٌ عَظِيمٞ 22﴾:

ثم بيَّن سبحانه أنهم خالدون مخلَّدون في تلك الجنات، وأن الله عنده أجر عظيم لا يعادله شيء من خيرات الدنيا.

[23] ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَتَّخِذُوٓاْ ءَابَآءَكُمۡ وَإِخۡوَٰنَكُمۡ أَوۡلِيَآءَ إِنِ ٱسۡتَحَبُّواْ ٱلۡكُفۡرَ عَلَى ٱلۡإِيمَٰنِۚ وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمۡ فَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلظَّٰلِمُونَ 23﴾:

يا أيها الذين آمنوا بالله ورسوله، لا تتَّخذوا آباءكم وإخوانكم أحبابًا وأنصارًا من دون الله؛ إذا استمَرُّوا في كفرهم وضلالهم، وفضَّلوا الكفر على الإيمان، واعلموا أن مَنْ يتَّخِذْهم أولياء من دون الله، فأولئك هم العاصون لله الظالمون لأنفسهم ظلمًا عظيمًا. وهذا لا ينافي البر بالوالدين؛ كما قال تعالى: ﴿وَصَاحِبۡهُمَا فِي ٱلدُّنۡيَا مَعۡرُوفٗاۖ ﴾ [لقمان:١٥]، وقال تعالى: ﴿لَّا يَنۡهَىٰكُمُ ٱللَّهُ عَنِ ٱلَّذِينَ لَمۡ يُقَٰتِلُوكُمۡ فِي ٱلدِّينِ وَلَمۡ يُخۡرِجُوكُم مِّن دِيَٰرِكُمۡ أَن تَبَرُّوهُمۡ وَتُقۡسِطُوٓاْ إِلَيۡهِمۡۚ إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلۡمُقۡسِطِينَ﴾ [الممتحنة:٨]. وهذه الآية نزَلَتْ لتوجيه الصحابة؛ لأن بعض الصحابة لما عزموا على الهجرة إلى المدينة، تعلَّق بهم آباؤهم وزوجاتهم، وقالوا: إذا ذهَبْتم، ضِعْنا وتعبنا؛ فأنتم الذين تجلبون لنا الرزق والأمن؛ فأمَرَ الله المؤمنين بعدم الرضوخ لرغباتهم؛ ما داموا مستحبين الكفر رافضين للإيمان، مع برهم والإحسان إليهم.

[24] ﴿قُلۡ إِن كَانَ ءَابَآؤُكُمۡ وَأَبۡنَآؤُكُمۡ وَإِخۡوَٰنُكُمۡ وَأَزۡوَٰجُكُمۡ وَعَشِيرَتُكُمۡ وَأَمۡوَٰلٌ ٱقۡتَرَفۡتُمُوهَا وَتِجَٰرَةٞ تَخۡشَوۡنَ كَسَادَهَا وَمَسَٰكِنُ تَرۡضَوۡنَهَآ أَحَبَّ إِلَيۡكُم مِّنَ ٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦ وَجِهَادٖ فِي سَبِيلِهِۦ فَتَرَبَّصُواْ حَتَّىٰ يَأۡتِيَ ٱللَّهُ بِأَمۡرِهِۦۗ وَٱللَّهُ لَا يَهۡدِي ٱلۡقَوۡمَ ٱلۡفَٰسِقِينَ 24﴾:

وقل -أيها النبي- لهؤلاء المؤمنين: إن فضَّلتم وآثرتم الآباء والأمهات والإخوان -في النسب والعشرة- والأزواج، والقرابات، والأموال المكتسبة، والتجارة التي تخافون عدم رواجها، والبيوت الحسنة المزخرفة الموافقة لأهوائكم، إنْ آثرتم ذلك وفضَّلتموه على حب الله ورسوله ﷺ والجهاد والهجرة في سبيل الله -بهذه الأعذار والحجج الباطلة- فأنتم فَسَقةٌ ظَلَمةٌ تفضِّلون الدنيا على الآخرة، وتقدِّمون الفاني على الباقي؛ فانتظروا نكال الله وعقابه الذي لا مرد له، والله لا يوفِّق الخارجين عن طاعته، الذين يقدِّمون محبوباتهم على محبته ورضاه سبحانه وتعالى . وقد جاء في الحديث عن ابن عمر رضي الله عنه، قال: سَمِعْتُ رسول الله ﷺ يقول: «إِذَا تَبَايَعْتُمْ بِالْعِينَةِ، وَأَخَذْتُمْ أَذْنَابَ البَقَرِ، وَرَضِيتُمْ بِالزَّرْعِ، وَتَرَكْتُمُ الجِهَادَ، سَلَّطَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ ذُلًّا لَا يَنْزِعُهُ حَتَّى تَرْجِعُوا إِلَى دِينِكُمْ»([2]). [2] أخرجه أبو داود (3462)، والبيهقي في السنن الكبرى (10805)، وصححه الألباني في صحيح أبي داود.

[25] ﴿لَقَدۡ نَصَرَكُمُ ٱللَّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٖ وَيَوۡمَ حُنَيۡنٍ إِذۡ أَعۡجَبَتۡكُمۡ كَثۡرَتُكُمۡ فَلَمۡ تُغۡنِ عَنكُمۡ شَيۡـٔٗا وَضَاقَتۡ عَلَيۡكُمُ ٱلۡأَرۡضُ بِمَا رَحُبَتۡ ثُمَّ وَلَّيۡتُم مُّدۡبِرِينَ 25﴾:

وتذكَّروا -أيها المؤمنون- يوم أن نصركم الله في غزوات عديدة بفضله وكرمه جل وعلا؛ مع ضَعْفكم وقلَّة عددكم وعدتكم، وكثرة عدوكم، كما في غزوة بَدْر، أما في غزوة حُنَيْنٍ فقد تلقَّى المسلمون درسًا لكنه ليس كدرس أُحُد؛ حيث كان درسًا قاسيًا استفاد منه المسلمون في حروبهم التالية؛ ففي غزوة حنين: كان مع الرسول ﷺ عَشَرةُ آلاف، ثم انضم إليهم أهل مكة، فصار الجمع كبيرًا لا مثيل له من قبل؛ ولهذا قال بعض الصحابة: (لن نُغلَبَ اليوم من قلة)، يعني: اعتزُّوا واغترُّوا بقوتهم، وفاتهم أن النصر من عند الله وليس بالكثرة؛ فكَمَنَ لهم العدو بمضايق الأودية، ثم فاجؤوا المسلمين بوابل من السهام من كل جانب، فانهزم المسلمون، ولم يجدوا ملجأً في الأرض، فهربوا وتركوا رسول الله ﷺ، إلا قِلِّةً بَقُوا معه ﷺ، ثم أمَرَ رسول الله ﷺ العباس -وكان صوته جَهْوَرِيًّا عاليًا- أن ينادي أصحاب بيعة الرضوان وأهل بدر، فرجعوا؛ ثم بحمد الله تحوَّلت الهزيمة إلى نصر بإذن الله تعالى.

[26] ﴿ثُمَّ أَنزَلَ ٱللَّهُ سَكِينَتَهُۥ عَلَىٰ رَسُولِهِۦ وَعَلَى ٱلۡمُؤۡمِنِينَ وَأَنزَلَ جُنُودٗا لَّمۡ تَرَوۡهَا وَعَذَّبَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْۚ وَذَٰلِكَ جَزَآءُ ٱلۡكَٰفِرِينَ 26﴾:

ثم بيَّن جل وعلا أنه أنزل سكينةً تثبِّتُ القلوب وتطمئنها وقت الفزع والزلزلة، أنزلها الله على رسوله ﷺ، وعلى المؤمنين، فهدأ رَوْعهم، وثابَتْ لهم عقولهم، وأقبلوا -مرة أخرى- على عدوِّهم، وأنزَلَ الله الملائكة معونةً ونصرةً لهم؛ فكان أنْ عذَّب الله الكفار على أيديهم، فهزَمَهم المسلمون، وقتلوا المقاتلين، وسبَوْا نساءهم، واستولَوْا على أموالهم وأولادهم، وتلك عقوبة الله للكافرين.

ولا شك أن الدروس المستفادة من غزوة حُنَيْنٍ كثيرة، لكن الدرس الأهم: ألَّا يُعجَبَ المسلمون والمجاهدون بكثرتهم ولا بعدَّتهم، ولا يغتروا بأنفسهم، وليس معنى هذا أن يتركوا الاستعداد، وأخذ الحيطة، ولكنْ عليهم أن يستعينوا بالله ويعتمدوا عليه في كل شؤون حياتهم، وعليهم أن يستمدوا النصر منه وحده سبحانه مع أخذ العُدَّةِ اللازمة؛ كما قال تعالى: ﴿وَأَعِدُّواْ لَهُم مَّا ٱسۡتَطَعۡتُم مِّن قُوَّةٖ وَمِن رِّبَاطِ ٱلۡخَيۡلِ تُرۡهِبُونَ بِهِۦ عَدُوَّ ٱللَّهِ وَعَدُوَّكُمۡ﴾ [الأنفال:٦٠].

[27] ﴿ثُمَّ يَتُوبُ ٱللَّهُ مِنۢ بَعۡدِ ذَٰلِكَ عَلَىٰ مَن يَشَآءُۗ وَٱللَّهُ غَفُورٞ رَّحِيمٞ 27﴾:

وبعد هذه العقوبة الشديدة التي حلَّت بالكافرين؛ فتح الله لهم باب التوبة، فتاب على كثير منهم، فأسلموا، ورَدَّ النبي ﷺ عليهم نساءهم وأولادهم، وهذا من عظيم مغفرة الله ورحمته بعباده؛ فهو سبحانه ذو مغفرة واسعةٍ ورحمةٍ عامَّة، يقبل توبة التائبين، وإنابة المنيبين.

[28] ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ إِنَّمَا ٱلۡمُشۡرِكُونَ نَجَسٞ فَلَا يَقۡرَبُواْ ٱلۡمَسۡجِدَ ٱلۡحَرَامَ بَعۡدَ عَامِهِمۡ هَٰذَاۚ وَإِنۡ خِفۡتُمۡ عَيۡلَةٗ فَسَوۡفَ يُغۡنِيكُمُ ٱللَّهُ مِن فَضۡلِهِۦٓ إِن شَآءَۚ إِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمٌ حَكِيمٞ 28﴾:

هذا نداءٌ لأهل الإيمان؛ ليبيِّن لهم أن المشركين نجس، أي: خبثاء العقائد والأعمال؛ فإياكم أن تمكِّنوهم من الاقتراب من المسجد الحرام -لأي سبب كان- بعد هذا العام، وهو العام التاسع الهجري، ولا تخافوا الفقر والحاجة إذا منعتموهم؛ فإن الله باسطٌ لكم من رزقه الواسع العميم، وفاتحٌ عليكم من فضله العظيم إن شاء؛ فالله عليمٌ بحالكم، وهو سبحانه حكيمٌ يضع الأشياء في مواضعها.

وفي قوله: ﴿نَجَسٞ﴾، أن نجاسة الكفار المعنوية ثابتة، والخلاف في نجاستهم الجسميَّة.

[29] ﴿قَٰتِلُواْ ٱلَّذِينَ لَا يُؤۡمِنُونَ بِٱللَّهِ وَلَا بِٱلۡيَوۡمِ ٱلۡأٓخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ ٱللَّهُ وَرَسُولُهُۥ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ ٱلۡحَقِّ مِنَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلۡكِتَٰبَ حَتَّىٰ يُعۡطُواْ ٱلۡجِزۡيَةَ عَن يَدٖ وَهُمۡ صَٰغِرُونَ 29﴾:

أمَرَ جل وعلا المسلمين بقتال الكفار الذين لا يؤمنون بالله، ولا يؤمنون بالبعث والجزاء، ولا يحرِّمونَ ما حرَّم الله ورسوله من الزنى والخمر وأكل الميتة وغيرها من المحرَّمات، ولا يتحاكمون إلى دين الله وشرعه من اليهود والنصارى، حتى يدفعوا الجزية وهم خاضعون ذليلون.

وقد ذكَرَ العلماء أن الكفار ينقسمون إلى ثلاثة أقسام:

القسم الأول: يُقاتَلُونَ حتى يُسلِموا، ولا يُقبَلُ منهم شيء آخر غير الإسلام، وهم المرتدون والمشركون من عرب الجزيرة.

القسم الثاني: يُقاتَلُونَ حتى يُسلِموا أو يدفعوا الجزية، وهم اليهود والنصارى، وكذلك المجوس؛ ففي الحديث: أمَرَ النبي ﷺ: أنْ نَسُنَّ بهم سُنَّةَ أهل الكتاب، أي: أن نعاملهم مثل اليهود والنصارى؛ فتؤخذ منهم الجِزْية، ولكنْ لا تؤكل ذبائحهم ولا يُتزوَّجُ من نسائهم إلا إذا أسلَمْنَ.

القسم الثالث: عَبَدةُ الأوثان الذين ليسوا من عرب الجزيرة؛ كالهنود والأتراك وغيرهم؛ فهذا القسم قال فيهم أبو حنيفة  وأصحابه: تؤخذ منهم الجزية حتى يُسلِموا؛ فأَخْذُ الجزية منهم ليس إقرارًا لهم على باطلهم، ولكنْ لعلهم يسلمون إذا فَهِموا أن الإسلام دين الحق، وأنه دين الرحمة، وأن ما هم عليه ضلال؛ فمعاملتهم تختلف عن معاملة المرتدِّين والمشركين في الجزيرة العربية؛ لأن كفار الجزيرة عاصروا الدعوة، وعلموا أنها حق، ومع ذلك أصروا على باطلهم.

[30] ﴿وَقَالَتِ ٱلۡيَهُودُ عُزَيۡرٌ ٱبۡنُ ٱللَّهِ وَقَالَتِ ٱلنَّصَٰرَى ٱلۡمَسِيحُ ٱبۡنُ ٱللَّهِۖ ذَٰلِكَ قَوۡلُهُم بِأَفۡوَٰهِهِمۡۖ يُضَٰهِـُٔونَ قَوۡلَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِن قَبۡلُۚ قَٰتَلَهُمُ ٱللَّهُۖ أَنَّىٰ يُؤۡفَكُونَ 30﴾:

أخبَرَ جل وعلا عن مقولة اليهود التي قالوها شركًا وظلمًا وزورًا وبهتانًا: إن عُزَيْرًا ابنُ الله، وعن مقولة النصارى التي قالوها شركًا وظلمًا، وزورًا وبهتانًا: إن المسيح ابن الله، وقولهم هذا بهتانٌ مختَرَعٌ من عند أنفسهم نطقت به ألسنتهم، يتشبَّهون فيه بالمشركين عبدة الأوثان الذين قالوا: اللات والعزَّى ومناة والملائكة بنات الله -تعالى الله عما يقول الظالمون علوًّا كبيرًا -فلعن الله المشركين وقاتلهم جميعًا؛ كيف يَعْدِلونَ عن الحق إلى الباطل؟!

[31] ﴿ٱتَّخَذُوٓاْ أَحۡبَارَهُمۡ وَرُهۡبَٰنَهُمۡ أَرۡبَابٗا مِّن دُونِ ٱللَّهِ وَٱلۡمَسِيحَ ٱبۡنَ مَرۡيَمَ وَمَآ أُمِرُوٓاْ إِلَّا لِيَعۡبُدُوٓاْ إِلَٰهٗا وَٰحِدٗاۖ لَّآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَۚ سُبۡحَٰنَهُۥ عَمَّا يُشۡرِكُونَ 31﴾:

ثم أخبَرَ جل وعلا أن اليهود اتخذوا علماءهم أربابًا آلهة من دون الله، وأن النصارى أيضًا اتخذوا عبَّادهم أربابًا آلهة من دون الله، يُحِلُّونَ لهم ما حرَّم الله فيتَّبعونهم، ويحرِّمون عليهم ما أحلَّ الله فيطيعونهم، واتخذوا أيضًا عيسى عليه السلام إلهًا فعبدوه من دون الله، ولم يأمُرْهم الله بذلك الشرك، بل أمرهم أن يوحِّدوا الله وأن يفردوه بالعبادة وحده دون غيره؛ تنزَّه وتقدَّس وتعالت عظمته عن شركهم وكفرهم وافترائهم.

[32] ﴿يُرِيدُونَ أَن يُطۡفِـُٔواْ نُورَ ٱللَّهِ بِأَفۡوَٰهِهِمۡ وَيَأۡبَى ٱللَّهُ إِلَّآ أَن يُتِمَّ نُورَهُۥ وَلَوۡ كَرِهَ ٱلۡكَٰفِرُونَ 32﴾:

أخبَرَ جل وعلا عن اليهود والنصارى ومن شابههم أنهم يريدون إطفاء نور الإسلام؛ وذلك بسعيهم لإبطال حجج الله وبراهينه؛ وبكَذِبهم وافترائهم بألسنتهم، ويأبى الله إلا أن يحفظَ دينه وينصُرَهُ ويُعْلِيه، ولو كره الجاحدون.

[33] ﴿هُوَ ٱلَّذِيٓ أَرۡسَلَ رَسُولَهُۥ بِٱلۡهُدَىٰ وَدِينِ ٱلۡحَقِّ لِيُظۡهِرَهُۥ عَلَى ٱلدِّينِ كُلِّهِۦ وَلَوۡ كَرِهَ ٱلۡمُشۡرِكُونَ 33﴾:

بيَّن جل وعلا أنه أرسل رسوله ﷺ بالقرآن الذي فيه الهُدَى للخلق جميعًا، وبالإسلام -الدين الحق- الذي يحُثُّ على كل الأعمال الصالحة، وينهى عما سواها؛ ليُعْلِيَهُ ويرفعه على سائر الأديان، بالحجة والبرهان، والسيف والسنان، ولو كره ذلك المشركون، ورَغِمَتْ أنوفهم.

[34] ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ إِنَّ كَثِيرٗا مِّنَ ٱلۡأَحۡبَارِ وَٱلرُّهۡبَانِ لَيَأۡكُلُونَ أَمۡوَٰلَ ٱلنَّاسِ بِٱلۡبَٰطِلِ وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِۗ وَٱلَّذِينَ يَكۡنِزُونَ ٱلذَّهَبَ وَٱلۡفِضَّةَ وَلَا يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ فَبَشِّرۡهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٖ 34﴾:

ثم أخبَرَ جل وعلا عباده المؤمنين: أن كثيرًا من علماء وعباد أهل الكتاب يأخذون أموال الناس بغير حق، ويأكلونها سحتًا وظلمًا؛ عن طريق الرِّشْوة، أو ليحكموا لهم بغير ما أنزل الله، ومع ذلك يصُدُّونَ الناس عن الإسلام، وينفِّرونهم منه؛ فاحذروا -أيها المؤمنون- من هذا الصنف من الناس، ثم اعلموا أن من يدَّخر الأموال من الذهب والفضة وغيرهما ادِّخارًا محرَّمًا؛ وذلك بألَّا يؤدي حقها من النفقات الواجبة؛ كالزكاة والنفقة في سبيل الله إذا وجبت؛ أن له العذاب الموجع المؤلم في الآخرة.

[35] ﴿يَوۡمَ يُحۡمَىٰ عَلَيۡهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكۡوَىٰ بِهَا جِبَاهُهُمۡ وَجُنُوبُهُمۡ وَظُهُورُهُمۡۖ هَٰذَا مَا كَنَزۡتُمۡ لِأَنفُسِكُمۡ فَذُوقُواْ مَا كُنتُمۡ تَكۡنِزُونَ 35﴾:

ثم بيَّن جل وعلا أن هذا العذاب الأليم أوجبه الله على الذين يكنزون الذهب والفضة، ولا ينفقون منها في سبيل الله؛ حيث تُوقَدُ النار على الذهب والفضة حتى تشتد حرارتها، ثم تُحرَقُ بها جباه هؤلاء وجنوبهم وظهورهم، ومع هذا العذاب الحسِّيِّ الشديدِ يعذَّبون عذابًا نفسيًّا معنويًّا، فيقال لهم على سبيل التهكم والتوبيخ واللوم: هذه أموالكم التي ادَّخرتموها لتنفعكم، وهذه كنوزكم التي أمسكتموها؛ فذوقوا العذاب والحَسْرة والنكال الأليم؛ بسبب كنزكم وإمساككم ومنعكم حَقَّ الله في هذه الأموال.

[36] ﴿إِنَّ عِدَّةَ ٱلشُّهُورِ عِندَ ٱللَّهِ ٱثۡنَا عَشَرَ شَهۡرٗا فِي كِتَٰبِ ٱللَّهِ يَوۡمَ خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضَ مِنۡهَآ أَرۡبَعَةٌ حُرُمٞۚ ذَٰلِكَ ٱلدِّينُ ٱلۡقَيِّمُۚ فَلَا تَظۡلِمُواْ فِيهِنَّ أَنفُسَكُمۡۚ وَقَٰتِلُواْ ٱلۡمُشۡرِكِينَ كَآفَّةٗ كَمَا يُقَٰتِلُونَكُمۡ كَآفَّةٗۚ وَٱعۡلَمُوٓاْ أَنَّ ٱللَّهَ مَعَ ٱلۡمُتَّقِينَ 36﴾:

أخبَرَ جل وعلا أن عدد شهور السنة في قضائه وقدره: اثنا عشَرَ شهرًا -منها يتكوَّن العام- قد أثبت الله ذلك في حكمه القَدَري من يوم أن خلق السموات والأرض، ومِن هذه الشهور: أربعةُ أشهُرٍ حُرُمٍ، وهي: رجبٌ الفرد، وذو القَعْدة، وذو الحِجَّة، والمحرَّم، وسميت بذلك؛ لزيادة حرمتها، وتحريم القتال فيها، والظلمُ فيها أشدُّ من غيرها، واعلموا أن ذلك هو الدين المستقيم؛ فلا تظلموا فيهنَّ أنفسكم بارتكاب الذنوب والمعاصي وما يغضب الله، ولا بالقتال فيها وهَتْك حرمتها، وقاتلوا -أيها المؤمنون- مجتمعين جميع أنواع الكافرين والمشركين، مثلما يقاتلونكم جميعًا.

واعلموا -أيها المؤمنون- علم اليقين أن الله مع أهل التقوى بنَصْره وتأييده، وإذا كان الله معكم، فأنتم -لا محالة- منصورون.

[37] ﴿إِنَّمَا ٱلنَّسِيٓءُ زِيَادَةٞ فِي ٱلۡكُفۡرِۖ يُضَلُّ بِهِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ يُحِلُّونَهُۥ عَامٗا وَيُحَرِّمُونَهُۥ عَامٗا لِّيُوَاطِـُٔواْ عِدَّةَ مَا حَرَّمَ ٱللَّهُ فَيُحِلُّواْ مَا حَرَّمَ ٱللَّهُۚ زُيِّنَ لَهُمۡ سُوٓءُ أَعۡمَٰلِهِمۡۗ وَٱللَّهُ لَا يَهۡدِي ٱلۡقَوۡمَ ٱلۡكَٰفِرِينَ 37﴾:

أخبَرَ جل وعلا عن فَعْلةٍ منكرة يفعلها المشركون، وهي أنهم يَنْسَؤُونَ، أي: يؤخِّرون حُرْمة شهر من الأشهر الحُرُم إلى شهر آخر، وذلك إذا احتاجوا للقتال في بعض أوقات الأشهر الحُرُم؛ كأن يُحِلُّوا شهر المحرَّم، ويحرِّموا بدلًا منه شهر صفر في سنة، وفي التي تليها يغيِّرون ذلك، وهكذا، زاعمين -بهذه الفتوى الشيطانية- أنهم لم يقعوا في مخالفة القتال في الشهر الحرام؛ فأخبَرَ سبحانه أن فَعْلتهم هذه زيادة في الكفر والضلال؛ ذلك أنهم غيَّروا حكم الله وبدَّلوا شرعه بتلاعبهم، وبتحليلهم الحرام، وتحريمهم الحلال، وقد زيَّن لهم الشيطان هذه الأعمال السيئة، وحسَّنها لهم فرأوها حسنة، والله سبحانه وتعالى لا يوفِّق القوم الكافرين للحق والصواب والخير؛ بسبب عنادهم وجحودهم.

[38] ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ مَا لَكُمۡ إِذَا قِيلَ لَكُمُ ٱنفِرُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ ٱثَّاقَلۡتُمۡ إِلَى ٱلۡأَرۡضِۚ أَرَضِيتُم بِٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَا مِنَ ٱلۡأٓخِرَةِۚ فَمَا مَتَٰعُ ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَا فِي ٱلۡأٓخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ 38﴾:

ينادي جل وعلا عباده المؤمنين بوصف الإيمان المقتضي تقديم ما يُحِبُّ الله سبحانه وتعالى على محبوبات النَّفْس: ما بالكم إذا دُعِيتم للجهاد في سبيل الله لقتال أعدائكم، واستُنْفِرْتم لذلك؛ تباطأتم وتكاسلتم وملتم إلى الأرض، ولزمتم مساكنكم؟! أفضلتم -أيها المؤمنون- الدنيا ولم تبالوا بالآخرة؟! أآثرتم الفاني على الباقي؟! فاعلموا أن النعيم الأبدي الخالد في الآخرة إنما يُنَالُ بالجهاد والهجرة والنفير في سبيل الله، واعلموا أن نعيم الدنيا التي قدَّمتموها على الآخرة -مهما عَظُمَ- فهو حقير وتافه وزائل وقليل بالنسبة لنعيم الآخرة الذي لا انقطاعَ له، ولا حَدَّ لنهايته، واعلموا أن الذي وقَرَ الإيمان في قلبه حقًّا لا يُؤْثِرُ الدنيا على الآخرة.

[39] ﴿إِلَّا تَنفِرُواْ يُعَذِّبۡكُمۡ عَذَابًا أَلِيمٗا وَيَسۡتَبۡدِلۡ قَوۡمًا غَيۡرَكُمۡ وَلَا تَضُرُّوهُ شَيۡـٔٗاۗ وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ قَدِيرٌ 39﴾:

يتوعَّد جل وعلا من استُنفِرَ ولم يَنْفِرْ؛ بأن يعذِّبه الله عذابًا أليمًا في الدنيا والآخرة؛ وذلك لعظم جُرْمه؛ فإنه قد عصى الله، وآثر الحياة الدنيا على الآخرة، ولم يساعد في نصرة الدين، والذب عن عباد الله الموحِّدين، فاعلم يا من هذه حاله أن الله سبحانه سيأتي بقوم آخرين يَنْفِرون إذا استُنْفِرُوا، ويتولَّوْنَ الله، وينصرون نبيه ﷺ، واعلموا أنكم بقعودكم وتخلُّفكم عن الجهاد وإلقائكم أَمْرَ الله ظِهْريًّا؛ لا تضرون الله شيئًا؛ فإن الله تعالى غنيٌّ عنكم، ومتكفِّلٌ بنصر دينه ورسوله ﷺ وأوليائه، واعلموا أنكم أنتم الذين تحتاجون للجهاد، وأنكم أنتم الفقراء إلى الله، والله سبحانه وتعالى على كل شيء قدير، لا يعجزه شيء، وهو قادر على استبدالكم، وعلى نصر دينه ونبيه ﷺ وأوليائه بغيركم.

[40] ﴿إِلَّا تَنصُرُوهُ فَقَدۡ نَصَرَهُ ٱللَّهُ إِذۡ أَخۡرَجَهُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ ثَانِيَ ٱثۡنَيۡنِ إِذۡ هُمَا فِي ٱلۡغَارِ إِذۡ يَقُولُ لِصَٰحِبِهِۦ لَا تَحۡزَنۡ إِنَّ ٱللَّهَ مَعَنَاۖ فَأَنزَلَ ٱللَّهُ سَكِينَتَهُۥ عَلَيۡهِ وَأَيَّدَهُۥ بِجُنُودٖ لَّمۡ تَرَوۡهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ ٱلسُّفۡلَىٰۗ وَكَلِمَةُ ٱللَّهِ هِيَ ٱلۡعُلۡيَاۗ وَٱللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ 40﴾:

ثم توعَّد جل وعلا إذا لم تنصروا رسول الله ﷺ، فإن الله سوف ينصُرُهُ ويؤيِّده؛ كما نصره يوم أن أخرجه كفار قريش من بلده مكة هو وصاحبه أبو بكر الصديق والتجؤوا إلى غار ثَوْرٍ هربًا من المشركين، وفي أثناء وجودهما في الغار وفي هذه الظروف العصيبة قال ﷺ لصاحبه أبي بكر لما رأى ما عليه من الحزن الشديد: لا تَحْزَنْ؛ إن الله معنا، يعني: اصبِرْ واطمئِنَّ وتوكَّل على الله، فأنزَلَ الله سكينتَهُ عليه، أي: النبي ﷺ أصلًا، وعلى صاحبه تبعًا له؛ فهو ﷺ الذي أُنزِلت عليه السكينة، وهو الذي أيَّده الله بالجنود، وسرى ذلك إلى صاحبِهِ أبي بكرٍ.

وقد استمرَّ أثر هذه السكينة عليه رضي الله عنه في حياته كلها؛ كما في الحديبية، وكما في وفاة الرسول ﷺ، وكما في قتال المرتدِّين؛ فقد كان رابط الجأش، فرضي الله عنه وأرضاه، ثم أيَّد الله النبي ﷺ بالملائكةِ وبالرُّعْبِ الذي ألقاه في أعدائه، وأنجاه من عدوِّه، وجعل الله كلمة الذين كفروا ذليلةً مغلوبة، وكلمةُ الله هي العليا؛ وذلك بإعلاء شأن الإسلام، والله عزيزٌ لا يُغالِبه أحد، حكيمٌ يضع الأشياء في مواضعها المناسبة.

[41] ﴿ٱنفِرُواْ خِفَافٗا وَثِقَالٗا وَجَٰهِدُواْ بِأَمۡوَٰلِكُمۡ وَأَنفُسِكُمۡ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِۚ ذَٰلِكُمۡ خَيۡرٞ لَّكُمۡ إِن كُنتُمۡ تَعۡلَمُونَ 41﴾:

يحرِّض جل وعلا عباده المؤمنين على الجهاد في سبيله؛ آمرًا لهم بالنفير في جميع أحوالهم؛ فلينفروا في عُسْرهم ويُسْرهم، منشطهم ومكرههم، في ضعفهم وقوتهم، وينفروا: شبابًا وشيوخًا، رجالًا وفرسانًا، أغنياء وفقراء، مَنْ عنده عيال ومَنْ لا عيال له، وليبذلوا جهدهم في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم، فإنْ فعلتم ذلك ونفَرْتم، فقد نلتم الخير كل الخير في الدنيا والآخرة إن كنتم تعلمون؛ لأن ذلك هو الذي ينشُرُ الدين.

[42] ﴿لَوۡ كَانَ عَرَضٗا قَرِيبٗا وَسَفَرٗا قَاصِدٗا لَّٱتَّبَعُوكَ وَلَٰكِنۢ بَعُدَتۡ عَلَيۡهِمُ ٱلشُّقَّةُۚ وَسَيَحۡلِفُونَ بِٱللَّهِ لَوِ ٱسۡتَطَعۡنَا لَخَرَجۡنَا مَعَكُمۡ يُهۡلِكُونَ أَنفُسَهُمۡ وَٱللَّهُ يَعۡلَمُ إِنَّهُمۡ لَكَٰذِبُونَ 42﴾:

ثم بيَّن جل وعلا لعباده المؤمنين بمثال عمليٍّ قُبْحَ ترك النفير والخلود إلى الأرض -كما فعل المتخلِّفون عن غزوة تبوك- وأن هذا من صفات المنافقين الذين يفضِّلون الدنيا على الآخرة، فقال الله تعالى لنبيه ﷺ: لو كان ما دعَوْتَ إليه غنيمةً سهلة، أو منفعةً دنيوية يتيسر الحصول عليها، أو كان السفر ميسورًا لا مشقة فيه، لاتَّبعوك وما تخلَّفوا عنك، ولكن لمَّا كان الحال بخلاف ذلك من بُعْدِ المسافة إلى أطراف الشام، وصعوبةِ السفر لشدة الحر، تثاقلوا عن النفير، وتخاذلوا عن الجهاد، واستثقلوا الخروج، ثم علَّلوا ذلك واعتذروا بأعذار واهية يعلم الله وَهَنها، وأكَّدوا هذه الأعذار الواهية بالحلف والأَيْمان: أنهم لم يستطيعوا النفير، وأنهم لو تيسَّرت لهم السبل، لنفروا، فأخبَرَ سبحانه المطَّلِعُ على ما تُكِنُّ الصدور: أنهم بهذا التخلف عن الجهاد، وبهذه الأعذار الواهية، وبهذه الأيمان الكاذبة، يُهلِكُون أنفسهم، ويعرِّضونها للعذاب الشديد؛ فالله يعلم كذبهم في حلفهم، ويعلم أنهم تركوا الجهاد نفاقًا وزهدًا في الخير.

[43] ﴿عَفَا ٱللَّهُ عَنكَ لِمَ أَذِنتَ لَهُمۡ حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَكَ ٱلَّذِينَ صَدَقُواْ وَتَعۡلَمَ ٱلۡكَٰذِبِينَ 43﴾:

لما انتدب رسول الله ﷺ الصحابة للذَّهَاب معه إلى تبوك لغزو الروم، استأذن المنافقون والذين في قلوبهم مرض الرسول ﷺ في التخلُّف عن المعركة؛ فأذن لهم في التخلُّف؛ فعاتبه الله على السماح لهم؛ فهو ﷺ استعجل في السماح لهم؛ حيث كانوا مستطيعين وعندهم العُدَّةُ للخروج؛ فكان عليه أن يتأخَّر في الإذن؛ حتى يتبيَّن له خبثهم بأنهم سوف يتخلَّفون، أذن أو لم يأذن، وحتى يعرف الصحابة والرسول ﷺ نفاقهم وعصيانهم وكَذِبهم؛ فكان عدم التعجُّل في الإذن أولى؛ لذلك تمت المعاتبة التي ليست من أجل ذنب، ولكنْ مِنْ ترك الأولى.

قال سفيان بن عيينة: (انظروا إلى هذا اللُّطْف: بدأ بالعفو قبل ذكر المُعْفَى عنه)، وذكرني قول سفيان بقول القائل:

أَذَلِكَ عَتْبٌ أَمْ رِضًا وَتَوَدُّدُ

عَتَبْتُمْ فَلَمْ نَعْلَمْ لِطِيبِ حَدِيثِكُمْ

[44] ﴿لَا يَسۡتَـٔۡذِنُكَ ٱلَّذِينَ يُؤۡمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلۡيَوۡمِ ٱلۡأٓخِرِ أَن يُجَٰهِدُواْ بِأَمۡوَٰلِهِمۡ وَأَنفُسِهِمۡۗ وَٱللَّهُ عَلِيمُۢ بِٱلۡمُتَّقِينَ 44﴾:

أخبَرَ جل وعلا بأنه ليس من شأن المؤمنين الذين آمنوا بالله ورسوله واليوم الآخر: أن يستأذنوا النبي ﷺ في التخلُّف عن الجهاد في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم، والله عليمٌ بالمتقين الذين يعملون بأوامر الله ويجتنبون نواهيه.

[45] ﴿إِنَّمَا يَسۡتَـٔۡذِنُكَ ٱلَّذِينَ لَا يُؤۡمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلۡيَوۡمِ ٱلۡأٓخِرِ وَٱرۡتَابَتۡ قُلُوبُهُمۡ فَهُمۡ فِي رَيۡبِهِمۡ يَتَرَدَّدُونَ 45﴾:

واعلم -أيها النبي- أنه إنما يستأذنك في التخلُّف عن الجهاد في سبيل الله أولئك المنافقون الذين لم يؤمنوا بالله ورسوله ﷺ واليوم الآخر، والذين في إيمانهم دخَنٌ وفي قلوبهم شك ونفاق، والشاكُّونَ في صحة ما أُنزِلَ عليك من الإسلام والشرائع، وما زالوا مستمرِّين في شكِّهم وحيرتهم، ومتردِّدين في أمر الخروج والقعود.

[46] ﴿وَلَوۡ أَرَادُواْ ٱلۡخُرُوجَ لَأَعَدُّواْ لَهُۥ عُدَّةٗ وَلَٰكِن كَرِهَ ٱللَّهُ ٱنۢبِعَاثَهُمۡ فَثَبَّطَهُمۡ وَقِيلَ ٱقۡعُدُواْ مَعَ ٱلۡقَٰعِدِينَ 46﴾:

ثم قال جل وعلا: لو أحب هؤلاء المنافقون الخروج معك -أيها الرسول- للجهاد في سبيل الله، وإعلاء كلمة الله، لاستعدوا وتهيَّؤوا، وعملوا ما يمكنهم من الأسباب للخروج، ولكنه سبحانه كَرِهَ خروجهم معك بسبب نفاقهم؛ فأعاقهم عن الخروج، وقيل لهم: تخلَّفوا مع القاعدين من المرضى والضعفاء، والنساء والصبيان.

[47] ﴿لَوۡ خَرَجُواْ فِيكُم مَّا زَادُوكُمۡ إِلَّا خَبَالٗا وَلَأَوۡضَعُواْ خِلَٰلَكُمۡ يَبۡغُونَكُمُ ٱلۡفِتۡنَةَ وَفِيكُمۡ سَمَّٰعُونَ لَهُمۡۗ وَٱللَّهُ عَلِيمُۢ بِٱلظَّٰلِمِينَ 47﴾:

ثم بيَّن جل وعلا لرسوله ﷺ وللمؤمنين: أن تخلُّفهم كان من صالح المسلمين الصادقين، فقال: لو ذهبوا معكم، ما زادوكم إلا ضررًا وفشلًا وهزيمة، ولأفسدوا بينكم بالنميمة والبغضاء، واعلموا -أيها المؤمنون- أن فيكم أناسًا ضعاف النفوس يُنْصِتونَ لشكوكهم وافتراءاتهم؛ كما قال المنافقون في غزوة بدر: ﴿غَرَّ هَٰٓؤُلَآءِ دِينُهُمۡۗ ﴾ [الأنفال:٤٩]، والله عليمٌ بالمنافقين الظالمين وسيجازيهم على أعمالهم.

[48] ﴿لَقَدِ ٱبۡتَغَوُاْ ٱلۡفِتۡنَةَ مِن قَبۡلُ وَقَلَّبُواْ لَكَ ٱلۡأُمُورَ حَتَّىٰ جَآءَ ٱلۡحَقُّ وَظَهَرَ أَمۡرُ ٱللَّهِ وَهُمۡ كَٰرِهُونَ 48﴾:

واعلموا أن هؤلاء المنافقين أرادوا فتنة المؤمنين وصدَّهم عن دينهم، وتفريق كلمتهم من أول الأمر حين الهجرة إلى المدينة، وقبل هذه الغزوة بكثير، حين فعلوا ما فعلوا في أُحُدٍ وفي الخندق، وغيرها، وأخذوا يُصَرِّفونَ الأمور ويكيدون ويخدعون، حتى نصر الله عبده، وأعز جنده، وهزم الأحزاب وحده، فبطَلَ كيدهم، وضلَّ سعيهم، وهم كارهون لرفعة هذا الدين، ولانتصار المؤمنين.

[49] ﴿وَمِنۡهُم مَّن يَقُولُ ٱئۡذَن لِّي وَلَا تَفۡتِنِّيٓۚ أَلَا فِي ٱلۡفِتۡنَةِ سَقَطُواْۗ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةُۢ بِٱلۡكَٰفِرِينَ 49﴾:

ثم أخبَرَ جل وعلا أن من هؤلاء المنافقين من يستأذنك -أيها النبي- في التخلُّف عن الجهاد، ويحتج في ذلك بحجة واهية قائلًا: إني أخشى إن خرَجْتُ معك أن أُفْتَنَ بنساء بني الأصفر، فَأْذَنْ لي بالقعود حفاظًا على ديني، وطلبًا لسلامتي، والحقيقة: أنهم بتخلُّفهم عن الجهاد، ومعصيتهم للرسول ﷺ قد سقطوا في فتنة النفاق الكبرى، وليعلموا أن النار محيطة بمن كفر بالله واليوم الآخر؛ لا يستطيع منها هربًا، ولا يجد عنها خلاصًا.

[50] ﴿إِن تُصِبۡكَ حَسَنَةٞ تَسُؤۡهُمۡۖ وَإِن تُصِبۡكَ مُصِيبَةٞ يَقُولُواْ قَدۡ أَخَذۡنَآ أَمۡرَنَا مِن قَبۡلُ وَيَتَوَلَّواْ وَّهُمۡ فَرِحُونَ 50﴾:

واعلم -أيها النبي- أن هؤلاء المنافقين يُبْغِضونك ويبغضون دينك؛ لذا: إن حصَلَ لك سرور ونصر وتمكين، حزنوا وأصابهم الهم والغم، وإن حصَلَ لك حزن وأصابك مكروه؛ من جراحات وشدة، وقتل في سبيل الله، قالوا: نحن قد احتَطْنا لأنفسنا ونجَوْنا من هذا الهلاك بتخلُّفنا وقعودنا، وينصرفون مسرورين بما أصاب المؤمنين، فرحين بعدم مشاركتهم.

[51] ﴿قُل لَّن يُصِيبَنَآ إِلَّا مَا كَتَبَ ٱللَّهُ لَنَا هُوَ مَوۡلَىٰنَاۚ وَعَلَى ٱللَّهِ فَلۡيَتَوَكَّلِ ٱلۡمُؤۡمِنُونَ 51﴾:

وقل -أيها النبي- لهؤلاء المنافقين: لن يصيبنا أي شيء إلا بقضاء الله وقدره، ونحن قد امتثلنا ما أُمِرْنا به، والله ناصرنا ومتولِّينا، فنحن نعتمد عليه، ونفوِّض أمرنا إليه.

وفي قوله: ﴿مَا كَتَبَ ٱللَّهُ لَنَا﴾، أي: ما كتَبَ لصالحنا؛ ولذا لم يقل جل وعلا: ما كتَبَ الله علينا.

[52] ﴿قُلۡ هَلۡ تَرَبَّصُونَ بِنَآ إِلَّآ إِحۡدَى ٱلۡحُسۡنَيَيۡنِۖ وَنَحۡنُ نَتَرَبَّصُ بِكُمۡ أَن يُصِيبَكُمُ ٱللَّهُ بِعَذَابٖ مِّنۡ عِندِهِۦٓ أَوۡ بِأَيۡدِينَاۖ فَتَرَبَّصُوٓاْ إِنَّا مَعَكُم مُّتَرَبِّصُونَ 52﴾:

وقل لهم -أيها النبي-: هل تنتظرون بنا إلا أن يُكْرِمنا الله بإحدى خَصْلتَيْنِ حسَنَتَيْنِ: إما النصر وظهور الدين والعز والتمكين، وإما الشهادة التي هي أرفع وأسمى مراتب العبادة؟! وكلا الأمرَيْن نافعٌ لنا غاية النفع، وحسَنٌ لدينا غايةَ الحُسْن، أما أنتم، فنحن ننتظر بكم أسوأ العقوبتين، وإحدى السوءَتَيْنِ: إما أن يُهْلِكَكم الله بعذاب من عنده، أو يسلِّطنا عليكم، ويكون عذابكم وقتلكم على أيدينا؛ فانتظروا تحقُّق ما أخبرناكم به؛ فإنا معكم منتظرون.

[53] ﴿قُلۡ أَنفِقُواْ طَوۡعًا أَوۡ كَرۡهٗا لَّن يُتَقَبَّلَ مِنكُمۡ إِنَّكُمۡ كُنتُمۡ قَوۡمٗا فَٰسِقِينَ 53﴾:

وقل -أيها النبي- لهؤلاء المنافقين: إن نفقاتكم -راضين أو ساخطين- مردودةٌ عليكم، وغير مقبولة منكم؛ ذلكم أنكم خرجتم عن دين الله وطاعته.

[54] ﴿وَمَا مَنَعَهُمۡ أَن تُقۡبَلَ مِنۡهُمۡ نَفَقَٰتُهُمۡ إِلَّآ أَنَّهُمۡ كَفَرُواْ بِٱللَّهِ وَبِرَسُولِهِۦ وَلَا يَأۡتُونَ ٱلصَّلَوٰةَ إِلَّا وَهُمۡ كُسَالَىٰ وَلَا يُنفِقُونَ إِلَّا وَهُمۡ كَٰرِهُونَ 54﴾:

واعلموا أن هناك أسبابًا حالت بين المنافقين وبين قبول نفقاتهم، وهي: أنهم كفروا بالله ورسوله -والإيمان شرط في قبول العمل الصالح- ثم أنهم لا يأتون الصلاة إلا وهم متثاقلون عنها، ثم أنهم لا ينفقون إلا بضيقِ صَدْر، وكُرْهٍ شديد للإنفاق؛ لأنهم لا يرجون ثوابًا، ولا يخافون عقابًا.

[55] ﴿فَلَا تُعۡجِبۡكَ أَمۡوَٰلُهُمۡ وَلَآ أَوۡلَٰدُهُمۡۚ إِنَّمَا يُرِيدُ ٱللَّهُ لِيُعَذِّبَهُم بِهَا فِي ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَا وَتَزۡهَقَ أَنفُسُهُمۡ وَهُمۡ كَٰفِرُونَ 55﴾:

وجَّه جل وعلا نبيه ﷺ ألَّا يستحسن ما لدى المنافقين من أموال أو أولاد؛ ذلك أن هذه الأموال والأولاد سبب لشقائهم في الدنيا؛ بتعبهم في تحصيلها، وتعلُّق قلوبهم بها، وفي الآخرة؛ لتركهم مراعاة حق الله فيها، ثم إن من أعظم العقوبات وأكبر المصائب أن تخرُجَ نفوسهم، وتأتيهم منيتهم، وهم قائمون على الكفر بالله وتكذيب رسوله ﷺ.

[56] ﴿وَيَحۡلِفُونَ بِٱللَّهِ إِنَّهُمۡ لَمِنكُمۡ وَمَا هُم مِّنكُمۡ وَلَٰكِنَّهُمۡ قَوۡمٞ يَفۡرَقُونَ 56﴾:

ثم أخبَرَ جل وعلا أن هؤلاء المنافقين يحلفون بالله الأيمان المغلَّظة كذبًا وزورًا -وهذه صفة لازمة لهم- أنهم منكم ومعكم، وحقيقةُ الأمر: أنهم كاذبون، وأنهم ليسوا معكم، وحَلِفُهم الكاذب هذا بسبب خوفهم على أنفسهم منكم، ومن ملاقاة الأعداء؛ فالخوف والفزع والهَلَع صفات لازمة لهم.

[57] ﴿لَوۡ يَجِدُونَ مَلۡجَـًٔا أَوۡ مَغَٰرَٰتٍ أَوۡ مُدَّخَلٗا لَّوَلَّوۡاْ إِلَيۡهِ وَهُمۡ يَجۡمَحُونَ 57﴾:

ثم أكَّد جل وعلا على جُبْنِ هؤلاء المنافقين؛ حيث أخبَرَ أنهم لو يجدون ملجأ يلجؤون إليه، أو كهوفًا في الجبال يختفون فيها، أو أنفاقًا تحت الأرض يستترون فيها هَرَبًا منكم ومن النفير للجهاد، لانصرفوا إليها مسرعين لا يلوون على شيء.

[58] ﴿وَمِنۡهُم مَّن يَلۡمِزُكَ فِي ٱلصَّدَقَٰتِ فَإِنۡ أُعۡطُواْ مِنۡهَا رَضُواْ وَإِن لَّمۡ يُعۡطَوۡاْ مِنۡهَآ إِذَا هُمۡ يَسۡخَطُونَ 58﴾:

ثم أخبَرَ جل وعلا أنَّ مِن هؤلاء المنافقين مَنْ يَعِيبُكَ في تقسيم الصدقات -أيها النبي- فإذا أعطيتهم منها ما يرضيهم، رَضُوا وسكتوا وأثنوا عليك، وإن لم تعطهم ما يطمعون فيه، سخطوا وتذمَّروا وأظهروا عدم الرضا؛ ذلك أنهم يتَّبعون أهواءَهم، ويميلون مع حظوظ أنفسهم الدنيئة الدنيوية.

[59] ﴿وَلَوۡ أَنَّهُمۡ رَضُواْ مَآ ءَاتَىٰهُمُ ٱللَّهُ وَرَسُولُهُۥ وَقَالُواْ حَسۡبُنَا ٱللَّهُ سَيُؤۡتِينَا ٱللَّهُ مِن فَضۡلِهِۦ وَرَسُولُهُۥٓ إِنَّآ إِلَى ٱللَّهِ رَٰغِبُونَ 59﴾:

ثم بيَّن جل وعلا المنهج الصحيح الذي كان يجب أن يتَّبعه هؤلاء المنافقون؛ حيث قال سبحانه: لو أن هؤلاء المنافقين قَنِعوا ورَضُوا بما قُسِمَ لهم، وأوكلوا أمرهم إلى الله بقولهم: (الله كافينا، وسيرزقنا ويوسِّع علينا من فضله العظيم؛ فنحن نطمع في كرمه وإحسانه سبحانه وتعالى )، لكان خيرًا لهم، وأنفَعَ وأجدى، لكنهم غير راغبين فيما عند الله.

[60] ﴿إِنَّمَا ٱلصَّدَقَٰتُ لِلۡفُقَرَآءِ وَٱلۡمَسَٰكِينِ وَٱلۡعَٰمِلِينَ عَلَيۡهَا وَٱلۡمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمۡ وَفِي ٱلرِّقَابِ وَٱلۡغَٰرِمِينَ وَفِي سَبِيلِ ٱللَّهِ وَٱبۡنِ ٱلسَّبِيلِۖ فَرِيضَةٗ مِّنَ ٱللَّهِۗ وَٱللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٞ 60﴾:

ثم ذكَرَ جل وعلا مصارف الزكاة، وبيَّن أنَّها لا تُصرَفُ إلا لهؤلاء الثمانية المذكورين، وهي ليست مثل الصدقات المطلقة العامة التي مصارفها كل ما أريد به وجه الله؛ فالفقراء: هم الذين لا يملكون شيئًا، والمساكين: هم الذين لا يملكون نصف ما يكفيهم، والعاملون عليها: هم الذين يقومون على جمع الزكاة وإدارة شؤونها، والمؤلَّفة قلوبهم: هم الذين يُرجَى إسلامهم، أو دفع شرِّهم، وفي الرقاب: هم الذين اشتَرْوا أنفسهم من سادتهم، فيُسَاعَدُونَ لفك رقابهم، والغارمون: هم أصحاب الديون العاجزون عن الوفاء، والذين تحمَّلوا غرامات الإصلاح بين المتخاصمين والمتحاربين، وفي سبيل الله: هم المجاهدون، ويدخُلُ فيهم الذين تفرَّغوا لطلب العلم، والدعوة إلى الله، وابن السبيل: هو المسافر الذي انقطَعَتْ به النفقة حتى ولو كان غنيًّا في بلاده، واعلموا أن هذه الزكاة فريضة من الله أوجبها على المسلمين وقدَّر مقاديرها موضَّحة بالسنة، واللهُ عليمٌ بما تصلُحُ به أمور عباده، حكيمٌ في تدبيره وشرعه.

[61] ﴿وَمِنۡهُمُ ٱلَّذِينَ يُؤۡذُونَ ٱلنَّبِيَّ وَيَقُولُونَ هُوَ أُذُنٞۚ قُلۡ أُذُنُ خَيۡرٖ لَّكُمۡ يُؤۡمِنُ بِٱللَّهِ وَيُؤۡمِنُ لِلۡمُؤۡمِنِينَ وَرَحۡمَةٞ لِّلَّذِينَ ءَامَنُواْ مِنكُمۡۚ وَٱلَّذِينَ يُؤۡذُونَ رَسُولَ ٱللَّهِ لَهُمۡ عَذَابٌ أَلِيمٞ 61﴾:

أخبَرَ جل وعلا أن المنافقين أرادوا ذم النبي ﷺ، فقالوا: إنه يستمع لكل ما يقال له من المستفتين والمشتكين والشاكين والناصحين؛ فيصدِّقهم، وأنه لم يجعل بينه وبين الناس حرَّاسًا، ولكَوْنِ هذا الكلام يؤذي النبي ﷺ أبطل الله كيدهم، وبيَّن أنها صفة مدح فيه ﷺ؛ ولذا أجاب عنه بقوله: ﴿قُلۡ أُذُنُ خَيۡرٖ لَّكُمۡ﴾، أي: أن يسمع العذر ويصدِّقه خيرٌ من أن يقطِّب الجبين؛ كما قال سبحانه في صفته: ﴿وَلَوۡ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ ٱلۡقَلۡبِ لَٱنفَضُّواْ مِنۡ حَوۡلِكَۖ ﴾ [آل عمران:١٥٩]، وليس المقصود في قوله: ﴿هُوَ أُذُنٞۚ ﴾: النميمة؛ بمعنى أن النبي ﷺ يستمع لأصحاب النميمة وهم ينقُلُونَ له كلامًا عن بعضهم البعض؛ فكيف يكون هذا هو المعنى وهو ﷺ قد حذَّر أصحابه من النميمة ومن خطرها؛ فقال ﷺ: «لَا يَدْخُلُ الجَنَّةَ نَمَّامٌ»([3]). [3] أخرجه مسلم (105-106)، عن حذيفة رضي الله عنه، وفي رواية: «لَا يَدْخُلُ الجَنَّةَ قَتَّاتٌ»، أخرجه مسلم (105-106)، عن حذيفة رضي الله عنه.

ثم مدَحَ سبحانه نبيه ﷺ، وبيَّن أنه يصدِّق بالله وكتابه، وأنه يصدِّق المؤمنين فيما يخبرونه، وأنه رحمةٌ للذين آمنوا بالله ورسوله منكم، ثم اعلموا أن الذين يُؤْذونَ النبي ﷺ بأي نوع من أنواع الأذى لهم عذاب مؤلم موجع في جهنم.

[62] ﴿يَحۡلِفُونَ بِٱللَّهِ لَكُمۡ لِيُرۡضُوكُمۡ وَٱللَّهُ وَرَسُولُهُۥٓ أَحَقُّ أَن يُرۡضُوهُ إِن كَانُواْ مُؤۡمِنِينَ 62﴾:

ثم أخبَرَ جل وعلا أن هؤلاء المنافقين يَحْلِفُونَ لكم الأيمان الكاذبة متبرِّئين مما صدر منهم من أذية، مستجلبين رضاكم -أيها المؤمنون-، متغافلين عن حق الله وحق رسوله ﷺ، وأن إرضاء الله أولى من إرضاء أي إنسان؛ وهذا دليلٌ على جهلهم وانتفاء إيمانهم.

[63] ﴿أَلَمۡ يَعۡلَمُوٓاْ أَنَّهُۥ مَن يُحَادِدِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ فَأَنَّ لَهُۥ نَارَ جَهَنَّمَ خَٰلِدٗا فِيهَاۚ ذَٰلِكَ ٱلۡخِزۡيُ ٱلۡعَظِيمُ 63﴾:

ثم أنكَرَ جل وعلا على هؤلاء المنافقين، فقال سبحانه: ألم يعلم هؤلاء المنافقون أن مَنْ يشاقِقِ الله ورسوله بمخالفة أوامر الله؛ أن له عذابًا شديدًا موجعًا دائمًا في نار جهنم؟! وإن هذا لهو الذل العظيم، والهوان المبين.

[64] ﴿يَحۡذَرُ ٱلۡمُنَٰفِقُونَ أَن تُنَزَّلَ عَلَيۡهِمۡ سُورَةٞ تُنَبِّئُهُم بِمَا فِي قُلُوبِهِمۡۚ قُلِ ٱسۡتَهۡزِءُوٓاْ إِنَّ ٱللَّهَ مُخۡرِجٞ مَّا تَحۡذَرُونَ 64﴾:

أخبَرَ جل وعلا عن المنافقين وخوفهم من أن ينزِّل الله سورة على نبيه ﷺ تفضحهم وتهتك أسرارهم، وتبيِّن حقيقة ما يبطنون ويعتقدون؛ فقل لهم -أيها النبي-: استمِرُّوا في استهزائكم وسخريتكم، ولكن اعلموا أن الله مظهِرٌ ما تكتمون، ومبيِّنٌ ما تخفون، وقد حصل ذلك بإنزال هذه السورة التي فضَحَتْهم وهتكت أستارهم؛ ويظهر ذلك في هذه الآية وما بعدها من الآيات.

[65] ﴿وَلَئِن سَأَلۡتَهُمۡ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلۡعَبُۚ قُلۡ أَبِٱللَّهِ وَءَايَٰتِهِۦ وَرَسُولِهِۦ كُنتُمۡ تَسۡتَهۡزِءُونَ 65﴾:

ثم بيَّن جل وعلا لونًا آخر من معاذيرهم الكاذبة؛ فقال سبحانه: لئن سألت -أيها النبي- هؤلاء المنافقين عن استهزائهم بالإسلام، وطَعْنهم فيك وفي أصحابك -بقولهم: (لم نَرَ مثلَ قرَّائنا هؤلاء؛ أرغَبَ بطونًا، وأجبَنَ عند اللقاء)، في غزوة تبوك وغيرها- ليكونَنَّ جوابهم: إنما كنا نمزح ونقطع عناء الطريق، ولم نكنْ نقصد حقيقة ما تفوَّهنا به، ونحن نعتذر أشدَّ الاعتذار عما بدَرَ منا، فقل لهم -أيها النبي-: أبالله وآياته ورسوله كنتم تستهزؤون؟!

[66] ﴿لَا تَعۡتَذِرُواْ قَدۡ كَفَرۡتُم بَعۡدَ إِيمَٰنِكُمۡۚ إِن نَّعۡفُ عَن طَآئِفَةٖ مِّنكُمۡ نُعَذِّبۡ طَآئِفَةَۢ بِأَنَّهُمۡ كَانُواْ مُجۡرِمِينَ 66﴾:

ثم أكَّد جل وعلا بطلان عذر هؤلاء المنافقين، فقال سبحانه: لا تعتذروا أيها المنافقون؛ فإن عذركم غير مقبول؛ فقد اتضح كفركم -بهذا الاستهزاء- وبان نفاقكم بعدما كنتم تُبْطِنونه وتُظْهِرون الإيمان؛ فإن نَعْفُ عن فئة منكم تابت حقًّا واستغفرت وندمت، ورجعت للإسلام، وأخلَصَتْ في ذلك، نعذِّب فئة أخرى؛ بسبب إجرامهم وإصرارهم على كفرهم ونفاقهم.

[67] ﴿ٱلۡمُنَٰفِقُونَ وَٱلۡمُنَٰفِقَٰتُ بَعۡضُهُم مِّنۢ بَعۡضٖۚ يَأۡمُرُونَ بِٱلۡمُنكَرِ وَيَنۡهَوۡنَ عَنِ ٱلۡمَعۡرُوفِ وَيَقۡبِضُونَ أَيۡدِيَهُمۡۚ نَسُواْ ٱللَّهَ فَنَسِيَهُمۡۚ إِنَّ ٱلۡمُنَٰفِقِينَ هُمُ ٱلۡفَٰسِقُونَ 67﴾:

ثم أخبَرَ جل وعلا عن بعض صفات المنافقين: ومن ذلك: أنهم -ذكورًا وإناثًا- يتولَّى بعضهم بعضًا، وأنهم مشتركون في إظهار الإسلام، وإبطان الكفر. ومن صفاتهم: أنهم يأمرون بالمنكر والكفر والفسوق والعصيان، وينهون عن المعروف والإيمان والطاعة. ومن صفاتهم: شُحُّهم وبُخْلُهم وإمساكهم وبغضهم للنفقة والصدقة.

ثم هم مع ذلك قد نَسُوا الله؛ فلا يذكرونه إلا نادرًا، ونسوا طاعته وتقواه؛ فجازاهم الله من جنس عملهم بأن نسيهم، أي: تركهم وأبعدهم من رحمته؛ فلا يوفِّقهم لخير في الدنيا، ولا ينجِّيهم من العذاب في الآخرة، واعلموا أن المنافقين هم الخارجون عن طاعة الرحمن والإيمان به، وهم في الدرك الأسفل من النار؛ كما أخبَرَ بذلك سبحانه في قوله: ﴿إِنَّ ٱلۡمُنَٰفِقِينَ فِي ٱلدَّرۡكِ ٱلۡأَسۡفَلِ مِنَ ٱلنَّارِ﴾ [النساء:١٤٥].

[68] ﴿وَعَدَ ٱللَّهُ ٱلۡمُنَٰفِقِينَ وَٱلۡمُنَٰفِقَٰتِ وَٱلۡكُفَّارَ نَارَ جَهَنَّمَ خَٰلِدِينَ فِيهَاۚ هِيَ حَسۡبُهُمۡۚ وَلَعَنَهُمُ ٱللَّهُۖ وَلَهُمۡ عَذَابٞ مُّقِيمٞ 68﴾:

ثم وعَدَ جل وعلا المنافقين والمنافقات والكفار بأن يجتمعوا في نار جهنَّم، وألَّا يخرجوا منها أبدًا، وهذه النار هي عقاب لهم، وأنهم فيها مُبعَدونَ ومطرودون من رحمة الله؛ فلا أمل في الخروج منها، وهم فيها ماكثون مقيمون أبد الآبدين؛ ومن شدة العذاب أنهم يشعرون بالموت ويأتيهم من كل جزء من أجزاء أجسامهم، ويتمنَّوْنَ ذلك، ولكنهم لا يموتون؛ زيادة لهم في العذاب.

[69] ﴿كَٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِكُمۡ كَانُوٓاْ أَشَدَّ مِنكُمۡ قُوَّةٗ وَأَكۡثَرَ أَمۡوَٰلٗا وَأَوۡلَٰدٗا فَٱسۡتَمۡتَعُواْ بِخَلَٰقِهِمۡ فَٱسۡتَمۡتَعۡتُم بِخَلَٰقِكُمۡ كَمَا ٱسۡتَمۡتَعَ ٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِكُم بِخَلَٰقِهِمۡ وَخُضۡتُمۡ كَٱلَّذِي خَاضُوٓاْۚ أُوْلَٰٓئِكَ حَبِطَتۡ أَعۡمَٰلُهُمۡ فِي ٱلدُّنۡيَا وَٱلۡأٓخِرَةِۖ وَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡخَٰسِرُونَ 69﴾:

حذِّر جل وعلا المنافقين من أن يصيبهم ما أصاب الأمم السابقة التي كذَّبت برسلها، مع أن تلك الأمم كانت أشدَّ منهم قوةً، وأكثَرَ أموالًا وأولادًا، وتمتَّعوا بكل شهوات الدنيا وملذاتها، وأنتم أيضًا -أيها المنافقون- تمتَّعتم بشهوات الدنيا كما تمتعوا، وخضتم في المعاصي والباطل والكفر والكذب على الله كما فعل أولئك، فاعلموا أن أولئك الذين كانت هذه أوصافهم قد بطَلَتْ أعمالهم في الدنيا والآخرة، وأولئك هم الخاسرون بتفضيلهم نعيم الدنيا الزائل على نعيم الآخرة الدائم؛ فاحذروا -أيها المنافقون وأيها المؤمنون- مصير هؤلاء المجرمين.

[70] ﴿أَلَمۡ يَأۡتِهِمۡ نَبَأُ ٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِهِمۡ قَوۡمِ نُوحٖ وَعَادٖ وَثَمُودَ وَقَوۡمِ إِبۡرَٰهِيمَ وَأَصۡحَٰبِ مَدۡيَنَ وَٱلۡمُؤۡتَفِكَٰتِۚ أَتَتۡهُمۡ رُسُلُهُم بِٱلۡبَيِّنَٰتِۖ فَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيَظۡلِمَهُمۡ وَلَٰكِن كَانُوٓاْ أَنفُسَهُمۡ يَظۡلِمُونَ 70﴾:

ثم ساق جل وعلا لهؤلاء المنافقين -على سبيل الاتِّعاظ والتذكير- بعض أخبار وأحوال الأمم السابقة، وما حصَلَ لهم من العذاب الشديد؛ بسبب كفرهم وجحودهم، فقال سبحانه: ألم تأتِ هؤلاء المنافقين أخبار الأمم السابقة الذين كذَّبوا رسلهم، ولم يؤمنوا بهم، فأهلكهم الله؟! كقوم نوح الذين أُهْلِكوا بالغرق، وعاد الذين أُهْلِكوا بالريح، وثمود الذين أُهْلِكوا بالصيحة، وقوم إبراهيم الذين سلبهم الله النعم، وأحلَّ بهم النقم، وأصحاب مَدْيَنَ -وهم قوم شعيب– الذين أهلكهم الله بالرجفة، وقوم لوط -وهم سكان سَدُوم– الذين أهلكهم الله بالحجارة وبقَلْب قُرَاهم؛ فهؤلاء جميعًا جاءتهم أنبياء الله ورسلهم بالآيات الواضحات، والدلائل الظاهرات على وحدانية الله جل وعلا، فكذَّبوهم، ولم يؤمنوا بهم؛ فأهلكهم الله بسبب تكذيبهم لرسلهم، وجَحْدهم لآيات ربهم، وما ظلمهم الله شيئًا، ولكنْ هم الظالمون لأنفسهم؛ بجحودهم وإعراضهم وعنادهم، وإصرارهم على كفرهم.

[71] ﴿وَٱلۡمُؤۡمِنُونَ وَٱلۡمُؤۡمِنَٰتُ بَعۡضُهُمۡ أَوۡلِيَآءُ بَعۡضٖۚ يَأۡمُرُونَ بِٱلۡمَعۡرُوفِ وَيَنۡهَوۡنَ عَنِ ٱلۡمُنكَرِ وَيُقِيمُونَ ٱلصَّلَوٰةَ وَيُؤۡتُونَ ٱلزَّكَوٰةَ وَيُطِيعُونَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥٓۚ أُوْلَٰٓئِكَ سَيَرۡحَمُهُمُ ٱللَّهُۗ إِنَّ ٱللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٞ 71﴾:

وحيث إن القرآن وُصِفَ بأنه مثانٍ، أي: يُذْكَرُ فيه الأمر، ثم يُذْكَرُ ما يقابله؛ فبعد أن أخبَرَ جل وعلا عن بعض صفات المنافقين؛ أخبَرَ سبحانه عن بعض صفات المؤمنين -ذكورًا وإناثًا-:

ومن ذلك: أنهم يتولَّى بعضهم بعضًا في المحبة والموالاة، والنصرة والتأييد.

ومن صفاتهم: أنهم يأمرون أنفسهم وغيرهم بكلِّ معروفٍ حسَنٍ من العقائد والأعمال والأخلاق، وينهَوْنَ عن ضد ذلك من العقائد الباطلة، والأعمال السيئة، والأخلاق الرذيلة.

ومن صفاتهم: أنهم يقيمون الصلاة إقامةً حسنةً، بخلاف المنافقين الذين لا يأتون إلى الصلاة إلا وهم كُسَالى.

ومن صفاتهم: أنهم يعطون الزكاة والنفقة لمستحقيها، بخلاف المنافقين الذين يَقْبِضون أيديهم، وهم مع ذلك ملازمون لطاعة الله ورسوله فيما أُمِروا بفعله، وفيما نُهُوا عنه.

واعلموا أن أولئك المتصفين بهذه الصفات سيُدْخِلهم الله في رحمته، ويُنْجِيهم من عذابه؛ إن الله عزيزٌ في ملكه، غالبٌ قويٌّ قاهر، ومع قوته سبحانه فهو حكيمٌ يضع الشيء في موضعه اللائق به، سبحانه وتعالى .

[72] ﴿وَعَدَ ٱللَّهُ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ وَٱلۡمُؤۡمِنَٰتِ جَنَّٰتٖ تَجۡرِي مِن تَحۡتِهَا ٱلۡأَنۡهَٰرُ خَٰلِدِينَ فِيهَا وَمَسَٰكِنَ طَيِّبَةٗ فِي جَنَّٰتِ عَدۡنٖۚ وَرِضۡوَٰنٞ مِّنَ ٱللَّهِ أَكۡبَرُۚ ذَٰلِكَ هُوَ ٱلۡفَوۡزُ ٱلۡعَظِيمُ 72﴾:

ثم أخبَرَ جل وعلا بما أعدَّ لعباده المؤمنين -ذكورًا وإناثًا- فقد وعدهم الله بجنات تنبُعُ من تحت قصورها وأشجارها الأنهار، ماكثين في هذه الجنات أبدًا لا يخرجون منها، ولا يتحوَّلون عنها، ولهم -أيضًا- مساكن حسنة جميلة مزخرفة -تَطِيبُ نفوسهم بالنظر إليها- كل ذلك في دار إقامة لا فناءَ فيها، ولا تحوُّلَ عنها، ثم يحل الله سبحانه وتعالى على أهل الجنة رضاه؛ وهذا أكبر من كل ما أُعْطوا، ومن جميع ما أوتوا، فأعظمُ نعيم أهل الجنة على الإطلاق: رؤية وجه الكريم الرحمن، ورضاه عنهم، وذلك هو الفوز العظيم -الذي لا يعادله فوز- والفلاح الكبير -الذي لا يعادله فلاح- نسأل الله الكريم من فضله ورحمته أن يجعلنا والمسلمين منهم.

[73] ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ جَٰهِدِ ٱلۡكُفَّارَ وَٱلۡمُنَٰفِقِينَ وَٱغۡلُظۡ عَلَيۡهِمۡۚ وَمَأۡوَىٰهُمۡ جَهَنَّمُۖ وَبِئۡسَ ٱلۡمَصِيرُ 73﴾:

هذا أمر من الله جل وعلا لنبيه ﷺ أن يبالِغَ في جهاد الكفار والمنافقين، وأن يشدِّدَ عليهم، ويريهم الخشونة والقسوة؛ وذلك بالقتال بالسيوف والسنان، وبالحجة والبيان، هكذا تكون معاملتهم في الدنيا، أما في الآخرة، فإن مقرهم الذي يمكثون فيه ولا يخرُجُونَ منه هو نار جهنم، وبئس المقر والمستقر إن لم يؤمنوا.

وهذا في الدنيا: خاصٌّ بالمعاندين، أما المسالمون، فيُدْعَوْنَ بالتي هي أحسن.

[74] ﴿يَحۡلِفُونَ بِٱللَّهِ مَا قَالُواْ وَلَقَدۡ قَالُواْ كَلِمَةَ ٱلۡكُفۡرِ وَكَفَرُواْ بَعۡدَ إِسۡلَٰمِهِمۡ وَهَمُّواْ بِمَا لَمۡ يَنَالُواْۚ وَمَا نَقَمُوٓاْ إِلَّآ أَنۡ أَغۡنَىٰهُمُ ٱللَّهُ وَرَسُولُهُۥ مِن فَضۡلِهِۦۚ فَإِن يَتُوبُواْ يَكُ خَيۡرٗا لَّهُمۡۖ وَإِن يَتَوَلَّوۡاْ يُعَذِّبۡهُمُ ٱللَّهُ عَذَابًا أَلِيمٗا فِي ٱلدُّنۡيَا وَٱلۡأٓخِرَةِۚ وَمَا لَهُمۡ فِي ٱلۡأَرۡضِ مِن وَلِيّٖ وَلَا نَصِيرٖ 74﴾:

ثم أخبَرَ جل وعلا أن هؤلاء المنافقين يحلفون أنهم ما أساؤوا إليك -أيها الرسول- وإلى المؤمنين أبدًا، وقد كذَّبهم سبحانه وفضحهم، وبيَّن أنهم قالوا كلمة الكفر التي أخرجتهم من الإسلام، وأن بعض المنافقين همُّوا بقتل الرسول ﷺ عند عودته من غزوة تبوك؛ فأعلَمَ الله رسوله بخُطَّتهم وأفشلها، وما عاب هؤلاء المنافقون على رسول الله وعلى المؤمنين إلا أنَّ الله أغناهم بعد فقر بما تفضَّل عليهم من الغنائم؛ فإن يَتُبِ المنافقون والكفار ويرجعوا إلى الإيمان، فهو خير لهم، وإذا أصروا واستمروا على كفرهم ونفاقهم وعنادهم، فإن الله سوف يعذِّبهم عذابًا موجعًا شديدًا في الدنيا على أيدي المؤمنين، وفي الآخرة بنار جهنم، وليس لهم وليٌّ يحفظهم أو ينفعهم، ولا نصير يدفع عنهم العذاب.

[75] ﴿وَمِنۡهُم مَّنۡ عَٰهَدَ ٱللَّهَ لَئِنۡ ءَاتَىٰنَا مِن فَضۡلِهِۦ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ ٱلصَّٰلِحِينَ 75﴾:

ثم أخبَرَ جل وعلا أن مِنْ هؤلاء المنافقين صنفًا كانوا من الفقراء، فأعطوا الله العهد والميثاق لئن أعطاهم الله المال، وأغناهم؛ لَيُنْفِقُنَّهُ في وجوه الخير من صلة وصدقة وبِرٍّ، وليكونُنَّ من عباد الله الصالحين.

[76] ﴿فَلَمَّآ ءَاتَىٰهُم مِّن فَضۡلِهِۦ بَخِلُواْ بِهِۦ وَتَوَلَّواْ وَّهُم مُّعۡرِضُونَ 76﴾:

ثم أخبَرَ جل وعلا أنه بعد أن أعطاهم المال وأغناهم؛ نقضوا عَهْدهم، وأخلفوا وَعْدهم، وبَخِلوا به، وأمسكوه، ولم يؤدوا حقَّه، ولم ينفقوه في وجوه الخير؛ بل تولَّوْا عما تعهَّدوا به، وانصرفوا معرضين عن أوامر الإسلام والحق والخير؛ بل إن أحدهم منع الزكاة، وقال: إنها أخت الجزية.

[77] ﴿فَأَعۡقَبَهُمۡ نِفَاقٗا فِي قُلُوبِهِمۡ إِلَىٰ يَوۡمِ يَلۡقَوۡنَهُۥ بِمَآ أَخۡلَفُواْ ٱللَّهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُواْ يَكۡذِبُونَ 77﴾:

فكان جزاء إخلافهم للوعد: أنْ أخلَفَهم الله نفاقًا مستمرًّا مستقرًّا في قلوبهم، لا يستطيعون دفعه، ولا التخلُّص منه إلى أن يَلْقَوُا الله سبحانه وتعالى؛ وذلك بسبب نفاقهم وإخلافهم للوعد وكذبهم.

[78] ﴿أَلَمۡ يَعۡلَمُوٓاْ أَنَّ ٱللَّهَ يَعۡلَمُ سِرَّهُمۡ وَنَجۡوَىٰهُمۡ وَأَنَّ ٱللَّهَ عَلَّٰمُ ٱلۡغُيُوبِ 78﴾:

ثم بيَّن جل وعلا لهؤلاء المنافقين: أنه يعلم السر وما هو أخفى؛ فقال سبحانه: ألم يعلم هؤلاء المنافقون أن الله يعلم ما يخفون في صدورهم من إضمار لإخلاف الوعد، ومن نفاق؟! ويعلم ما يتحدَّثون به سرًّا مع بعضهم البعض مِن انتقاص وتكذيب، ومِن كيد للإسلام وأهله؟! ألم يعلموا أن الله علَّام للغيوب، وأنه لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء، وأنه سبحانه سيجازيهم على كل ما عملوا؟!

[79] ﴿ٱلَّذِينَ يَلۡمِزُونَ ٱلۡمُطَّوِّعِينَ مِنَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ فِي ٱلصَّدَقَٰتِ وَٱلَّذِينَ لَا يَجِدُونَ إِلَّا جُهۡدَهُمۡ فَيَسۡخَرُونَ مِنۡهُمۡ سَخِرَ ٱللَّهُ مِنۡهُمۡ وَلَهُمۡ عَذَابٌ أَلِيمٌ 79﴾:

ولم يكتفِ هؤلاء المنافقون بإخلافهم للوعد، وببخلهم وشحهم؛ بل أخذوا يلمزون ويهزؤون ويعيبون المتصدِّقين ويؤذونهم، فإذا تصدَّق غنيٌّ بمال كثير، قالوا: (ما فعَلَ هذا إلا رياء)، وإذا تصدَّق فقير بمال قليل-حسب طاقته- قالوا باستهزاء وسخرية: إن الله غنيٌّ عن صدقة هذا)؛ فكان جزاؤهم -من جنس جريمتهم- أنْ سَخِرَ الله منهم بأنْ أهانهم وأذلَّهم في الدنيا، ولهم العذاب الأليم الموجع الدائم في الآخرة.

[80] ﴿ٱسۡتَغۡفِرۡ لَهُمۡ أَوۡ لَا تَسۡتَغۡفِرۡ لَهُمۡ إِن تَسۡتَغۡفِرۡ لَهُمۡ سَبۡعِينَ مَرَّةٗ فَلَن يَغۡفِرَ ٱللَّهُ لَهُمۡۚ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمۡ كَفَرُواْ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦۗ وَٱللَّهُ لَا يَهۡدِي ٱلۡقَوۡمَ ٱلۡفَٰسِقِينَ 80﴾:

ثم أخبَرَ جل وعلا نبيه ﷺ أن استغفاره لهؤلاء المنافقين أو عدمه سواء؛ فمهما بالغت -أيها النبي- في الاستغفار لهم، فإن الله لن يغفر لهم، واعلم أن ذلك الحكم الذي ذكره الله بعدم مغفرة ذنوبهم، سببه: أنهم كفروا بالله ورسوله ﷺ، بل وأعظم من ذلك: أنهم وقعوا في النفاق، وهو أعظم من الكفر؛ فلا ينفع معه استغفار ولا إنفاق، والله لا يوفِّق للهداية قومًا خرجوا عن طاعته، وتمردُّوا على أمره، وردوا الحق الواضح البين.

[81] ﴿فَرِحَ ٱلۡمُخَلَّفُونَ بِمَقۡعَدِهِمۡ خِلَٰفَ رَسُولِ ٱللَّهِ وَكَرِهُوٓاْ أَن يُجَٰهِدُواْ بِأَمۡوَٰلِهِمۡ وَأَنفُسِهِمۡ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ وَقَالُواْ لَا تَنفِرُواْ فِي ٱلۡحَرِّۗ قُلۡ نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرّٗاۚ لَّوۡ كَانُواْ يَفۡقَهُونَ 81﴾:

أخبَرَ جل وعلا أن بعض المنافقين استأذن رسول الله ﷺ للقعود عن الجهاد والجلوس في المدينة -بلا عُذْرٍ إلا لنفاقهم، وكرههم للجهاد بالمال والنفس- فأَذِنَ لهم، ففرحوا وسُرُّوا بهذا القعود، ولم يكتفوا بذلك، بل قاموا بتثبيط غيرهم، قائلين: لا تَنْفِروا في هذا الحر الشديد، فقل لهم –أيها الرسول-: إن حرارة جهنم أشد وأبقى من هذا الحر الذي فَرَرْتم منه، لو كنتم تفهمون.

[82] ﴿فَلۡيَضۡحَكُواْ قَلِيلٗا وَلۡيَبۡكُواْ كَثِيرٗا جَزَآءَۢ بِمَا كَانُواْ يَكۡسِبُونَ 82﴾:

ثم توعَّد جل وعلا المنافقين وعيدًا شديدًا على ما اقترفوا من الموبقات والآثام، فقال سبحانه: فلْيَضْحَكوا مِلْءَ أفواههم، وليفرحوا بتخلُّفهم عن الجهاد، وبُعْدهم عن الحَرِّ قليلًا في هذه الحياة الدنيا، ثم ليبكوا طويلًا في الآخرة، في نار جهنم الحارَّة حقًّا، وليمكثوا فيها لا يخرجون منها أبدًا، جزاءَ ما قدَّموا، ونظير ما صنعوا؛ وهذا جزاء ما اكتسبوا.

[83] ﴿فَإِن رَّجَعَكَ ٱللَّهُ إِلَىٰ طَآئِفَةٖ مِّنۡهُمۡ فَٱسۡتَـٔۡذَنُوكَ لِلۡخُرُوجِ فَقُل لَّن تَخۡرُجُواْ مَعِيَ أَبَدٗا وَلَن تُقَٰتِلُواْ مَعِيَ عَدُوًّاۖ إِنَّكُمۡ رَضِيتُم بِٱلۡقُعُودِ أَوَّلَ مَرَّةٖ فَٱقۡعُدُواْ مَعَ ٱلۡخَٰلِفِينَ 83﴾:

ثم بيَّن جل وعلا ما يجب على نبيه ﷺ نحو هؤلاء المنافقين الذين تخلَّفوا عن الجهاد كرهًا له؛ فقال سبحانه: فإنْ ردَّك الله -أيها النبي- من هذه الغزوة إلى جماعة من المنافقين الذين تخلَّفوا من غير عذر، وفَرِحوا بهذا التخلُّف، فاستأذنوك للخروج معك ومرافقتك إلى غزوة أخرى؛ فلا تسمحْ لهم بذلك تصغيرًا لشأنهم وتبكيتًا لهم، وقل لهم عقوبةً لهم: لن تصحبوني أبدًا، ولن تقاتلوا معي عدوًّا أبدًا، فسيُغْنِي الله عنكم، وعن خروجكم؛ فإنكم قد رضيتم واطمأنَّت نفوسكم بالقعود أول مرة، فاسْتمِرُّوا على قعودكم، وابقَوْا في بيوتكم مع الخالفين من النساء والصبيان، لينالكم الذل والعار في الدنيا، والعذاب الشديد في الآخرة.

[84] ﴿وَلَا تُصَلِّ عَلَىٰٓ أَحَدٖ مِّنۡهُم مَّاتَ أَبَدٗا وَلَا تَقُمۡ عَلَىٰ قَبۡرِهِۦٓۖ إِنَّهُمۡ كَفَرُواْ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦ وَمَاتُواْ وَهُمۡ فَٰسِقُونَ 84﴾:

وبعد أن حكى جل وعلا ما اتصف به المنافقون من منكرات؛ نهى رسوله ﷺ عن الصلاة عليهم، والدعاء لهم، وتشييع جنائزهم؛ لأنهم كفروا بالله وبرسوله، وماتوا وهم خارجون عن طاعة الله وطاعة رسوله ﷺ.

[85] ﴿وَلَا تُعۡجِبۡكَ أَمۡوَٰلُهُمۡ وَأَوۡلَٰدُهُمۡۚ إِنَّمَا يُرِيدُ ٱللَّهُ أَن يُعَذِّبَهُم بِهَا فِي ٱلدُّنۡيَا وَتَزۡهَقَ أَنفُسُهُمۡ وَهُمۡ كَٰفِرُونَ 85﴾:

ثم أخبَرَ جل وعلا نبيه ﷺ ألَّا يغترَّ بما أعطاهم الله من الأموال والأولاد؛ فإنها ستكون وبالًا وحسرةً عليهم في الدنيا بمكابدة الشدائد والمشاق في تحصيلها، ثم يموتون على الكفر وأنفسُهم متعلِّقة بهذه الأموال.

[86] ﴿وَإِذَآ أُنزِلَتۡ سُورَةٌ أَنۡ ءَامِنُواْ بِٱللَّهِ وَجَٰهِدُواْ مَعَ رَسُولِهِ ٱسۡتَـٔۡذَنَكَ أُوْلُواْ ٱلطَّوۡلِ مِنۡهُمۡ وَقَالُواْ ذَرۡنَا نَكُن مَّعَ ٱلۡقَٰعِدِينَ 86﴾:

وفي استمرار الحديث عن المنافقين بيَّن جل وعلا بأنه إذا أُنزِلَتْ سورة على النبي ﷺ تأمر بالإيمان بالله ورسوله ﷺ، وتأمر بالجهاد مع الرسول ﷺ، استأذن أصحاب الأموال الذين مَنَّ الله عليهم بالمال والأولاد، وقالوا: اترُكْنا -يا رسول الله- نقعد مع أهل الأعذار من الصبيان والعَجَزة والنساء؛ وهذا يدل على جبنهم وخورهم، وكسلهم وفشلهم، وشكِّهم في البعث والجزاء للشهداء؛ إذْ لو آمنوا حقًّا، لما تخلَّفوا.

[87] ﴿رَضُواْ بِأَن يَكُونُواْ مَعَ ٱلۡخَوَالِفِ وَطُبِعَ عَلَىٰ قُلُوبِهِمۡ فَهُمۡ لَا يَفۡقَهُونَ 87﴾:

ثم أخبَرَ جل وعلا أن هؤلاء المنافقين الذين استأذنوا النبي ﷺ، رَضُوا بأن يقعدوا مع الخوالف أصحاب الأعذار، وفضَّلوا الحياة الدنيا على الآخرة، فختم الله على قلوبهم؛ لإصرارهم على النفاق والكفر؛ فلا يصل الحق إليها أبدًا، وبسبب تخلُّفهم عن الجهاد في سبيل الله، والخروج مع الرسول ﷺ، فهم لا يفهمون مصالحهم وما ينفعهم أو يضرهم.

[88] ﴿لَٰكِنِ ٱلرَّسُولُ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ مَعَهُۥ جَٰهَدُواْ بِأَمۡوَٰلِهِمۡ وَأَنفُسِهِمۡۚ وَأُوْلَٰٓئِكَ لَهُمُ ٱلۡخَيۡرَٰتُۖ وَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡمُفۡلِحُونَ 88﴾:

وبعد أن بيَّن جل وعلا عن حال المنافقين مع رسول الله ﷺ؛ أخبَرَ سبحانه عن حال الصحابة معه ﷺ؛ حيث أخبَرَ أنهم جاهدوا في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم؛ وفي هذا حثٌّ لهم على الإخلاص، وتصحيح العبادة لله، والجهاد مع رسول الله ﷺ، وألَّا يكونوا مثل الذين استأذنوك في التخلف مع أنهم لا عذر لهم؛ فعندهم العُدَّةُ والمراكب وهم أصحَّاء، بل إن بعضهم يتسلل من غير استئذان، ثم أخبَرَ جل وعلا أن هؤلاء الذين آمنوا بالله ورسوله، وجاهدوا بأنفسهم وأموالهم، لهم الخيرات التي تَسُرُّ نفوسهم في الدنيا، وهم المفلحون الفائزون برضوان الله في الآخرة.

[89] ﴿أَعَدَّ ٱللَّهُ لَهُمۡ جَنَّٰتٖ تَجۡرِي مِن تَحۡتِهَا ٱلۡأَنۡهَٰرُ خَٰلِدِينَ فِيهَاۚ ذَٰلِكَ ٱلۡفَوۡزُ ٱلۡعَظِيمُ 89﴾:

ثم أخبَرَ جل وعلا أنه أعدَّ لهؤلاء المفلحين الفائزين في الآخرة جنَّاتٍ تجري الأنهار من تحت قصورها وأشجارها، ماكثين فيها أبدًا، وهذا هو الفوز والفلاح الحقيقي الكامل.

[90] ﴿وَجَآءَ ٱلۡمُعَذِّرُونَ مِنَ ٱلۡأَعۡرَابِ لِيُؤۡذَنَ لَهُمۡ وَقَعَدَ ٱلَّذِينَ كَذَبُواْ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥۚ سَيُصِيبُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنۡهُمۡ عَذَابٌ أَلِيمٞ 90﴾:

أخبَرَ جل وعلا أنه جاء إلى النبي ﷺ جماعة من الأعراب يعتذرون، ويستأذنون في التخلُّف عن الجهاد، وقعدَتْ جماعة أخرى من منافقي العرب كانت قد تخلَّفت عن الجهاد بلا عذر، وهؤلاء قد كذَبوا في ادعائهم الإيمان أصلًا، وسيصيبهم العذاب الأليم في الدنيا والآخرة.

[91] ﴿لَّيۡسَ عَلَى ٱلضُّعَفَآءِ وَلَا عَلَى ٱلۡمَرۡضَىٰ وَلَا عَلَى ٱلَّذِينَ لَا يَجِدُونَ مَا يُنفِقُونَ حَرَجٌ إِذَا نَصَحُواْ لِلَّهِ وَرَسُولِهِۦۚ مَا عَلَى ٱلۡمُحۡسِنِينَ مِن سَبِيلٖۚ وَٱللَّهُ غَفُورٞ رَّحِيمٞ 91﴾:

ثم بيَّن جل وعلا أصحاب الأعذار الحقيقية، المباحَ لهم القعودُ والتخلُّف عن الجهاد، وهم: الضعفاء من النساء والصبيان، والمرضى مَرَضًا لا يستطيعون معه الجهاد، وأيضًا: الذين لا زاد لهم ولا راحلة، ولا يملكون ما يتجهَّزون به للخروج؛ فهؤلاء ليس عليهم إثمٌ ولا حرَجٌ؛ بشرط أن ينصحوا لله ولرسوله ﷺ، وأن تكون نياتهم أنهم لو قدَرُوا لجاهدوا، وعليهم أن يفعلوا ما بوُسْعهم من العملِ بالشريعة، والتحريضِ على الجهاد؛ فإنه ما على المحسنين الصادقين المعذورين من طريق لمعاتبتهم أو معاقبتهم، والله غفورٌ رحيمٌ بعباده، ومن ذلك: عفوه عن العاجزين جسديًّا وماليًّا.

[92] ﴿وَلَا عَلَى ٱلَّذِينَ إِذَا مَآ أَتَوۡكَ لِتَحۡمِلَهُمۡ قُلۡتَ لَآ أَجِدُ مَآ أَحۡمِلُكُمۡ عَلَيۡهِ تَوَلَّواْ وَّأَعۡيُنُهُمۡ تَفِيضُ مِنَ ٱلدَّمۡعِ حَزَنًا أَلَّا يَجِدُواْ مَا يُنفِقُونَ 92﴾:

ثم بيَّن جل وعلا لنبيه ﷺ صنفًا آخر من أهل الأعذار الصادقين، وهم الذين جاؤوا يطلبون ما يركبون من الدوابّ، ويطلبون الزاد للجهاد مع رسول الله ﷺ، فأجابهم معتذرًا: لا أَجِدُ ما أحملكم عليه، فكان من حالهم أن انصرفوا عنك وقد فاضت أعينهم من الدموع أَسَفًا وحَزَنًا وحسرةً على ما فاتهم من شرف المشاركة في الجهاد؛ بسبب انعدام ما يبلِّغهم مقصودهم.

[93] ﴿إِنَّمَا ٱلسَّبِيلُ عَلَى ٱلَّذِينَ يَسۡتَـٔۡذِنُونَكَ وَهُمۡ أَغۡنِيَآءُۚ رَضُواْ بِأَن يَكُونُواْ مَعَ ٱلۡخَوَالِفِ وَطَبَعَ ٱللَّهُ عَلَىٰ قُلُوبِهِمۡ فَهُمۡ لَا يَعۡلَمُونَ 93﴾:

ثم بيَّن جل وعلا: أن طريق اللوم والمؤاخذة والمعاقبة يتوجَّه للذين جاؤوا يستأذنون للتخلُّف عن الجهاد، وهم أغنياء المنافقين الذين يجدون ما يتجهَّزون به، وهؤلاء لحقارتهم ومهانتهم رَضُوا لأنفسهم أن يتركوا رسول الله ﷺ، وأن يقعدوا مع أهل الأعذار ومع النساء والصبيان في البيوت، ثم أخبَرَ سبحانه أنه ختم على قلوب أولئك بالنفاق؛ فلا يدخُلُها إيمان ولا خير؛ فلا يعلمون ما فيه رِبْحهم، ولا يعلمون سوء عاقبتهم؛ فباؤوا بالخسران العظيم.

[94] ﴿يَعۡتَذِرُونَ إِلَيۡكُمۡ إِذَا رَجَعۡتُمۡ إِلَيۡهِمۡۚ قُل لَّا تَعۡتَذِرُواْ لَن نُّؤۡمِنَ لَكُمۡ قَدۡ نَبَّأَنَا ٱللَّهُ مِنۡ أَخۡبَارِكُمۡۚ وَسَيَرَى ٱللَّهُ عَمَلَكُمۡ وَرَسُولُهُۥ ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلَىٰ عَٰلِمِ ٱلۡغَيۡبِ وَٱلشَّهَٰدَةِ فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمۡ تَعۡمَلُونَ 94﴾:

أخبَرَ جل وعلا عباده المؤمنين؛ بأنهم إذا رجعوا من غزوتهم، فإن المنافقين سوف يُبْدُونَ لهم الأعذار الكاذبة لتخلُّفهم وقعودهم، ثم أمَرَ سبحانه نبيه ﷺ أن يقول لهم: لا تعتذروا؛ فلن نصدِّقكم فيما تقولون؛ لأن الله قد أخبَرَنا بحقيقة حالكم، وبما تُخْفُونَ من نفاقكم، وسيَرَى الله عملكم ورسوله؛ لأنَّ العمل هو الميزان، وبه يتَّضح: هل تبتم من نفاقكم وأخلَصْتم، أو أنكم مصرُّون على عنادكم ونفاقكم؟! وبعد ذلك ستَرْجِعونَ إلى من لا تخفى عليه خافية؛ فيخبركم بأعمالكم، ويجازيكم عليها.

[95] ﴿سَيَحۡلِفُونَ بِٱللَّهِ لَكُمۡ إِذَا ٱنقَلَبۡتُمۡ إِلَيۡهِمۡ لِتُعۡرِضُواْ عَنۡهُمۡۖ فَأَعۡرِضُواْ عَنۡهُمۡۖ إِنَّهُمۡ رِجۡسٞۖ وَمَأۡوَىٰهُمۡ جَهَنَّمُ جَزَآءَۢ بِمَا كَانُواْ يَكۡسِبُونَ 95﴾:

ثم أخبَرَ جل وعلا نبيه ﷺ والمؤمنين بأنهم إذا رجعوا إلى المدينة، فإن المنافقين سيَحْلِفون لهم بالله –الأيمان الكاذبة- معتذرين عن تخلُّفهم حتى يُتْرَكوا دون مساءلة أو لَوْم أو توبيخ؛ فاتركوهم واهجروهم واجتنبوهم تحقيرًا لشأنهم؛ فإنهم قذرون، خبثاء، ومصيرهم ومكانهم اللائق بهم في الآخرة نار جهنَّم؛ بسبب أعمالهم الخبيثة، وما اقترفوا من الإثم والنفاق.

[96] ﴿يَحۡلِفُونَ لَكُمۡ لِتَرۡضَوۡاْ عَنۡهُمۡۖ فَإِن تَرۡضَوۡاْ عَنۡهُمۡ فَإِنَّ ٱللَّهَ لَا يَرۡضَىٰ عَنِ ٱلۡقَوۡمِ ٱلۡفَٰسِقِينَ 96﴾:

ثم أخبَرَ جل وعلا أن كثرة الحلف من صفات المنافقين؛ ولذلك فإنهم سيَحْلِفون لكم -أيها المؤمنون- لغرض جديد، غير الأغراض السابقة، وهو أن تَرْضَوْا عنهم كأنهم لم يفعلوا شيئًا؛ فاحذروا ذلك -أيها المؤمنون- فإن الله لم يَرْضَ عنهم، وعليكم موافقة ربكم في رضاه وغضبه، وهؤلاء قام بهم مانع من رضا الله، وهو كونهم مستمرِّين على الفِسْق، والخروج عن طاعة الله وأمره.

[97] ﴿ٱلۡأَعۡرَابُ أَشَدُّ كُفۡرٗا وَنِفَاقٗا وَأَجۡدَرُ أَلَّا يَعۡلَمُواْ حُدُودَ مَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ عَلَىٰ رَسُولِهِۦۗ وَٱللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٞ 97﴾:

ثم أخبَرَ جل وعلا أن الأعراب -وهم سكان البادية والبراري- أشدُّ كفرًا ونفاقًا من غيرهم؛ وذلك لجفائهم وغِلَظ أخلاقهم، ولبعدهم عن سماع كتاب الله وما جاءت به الرسل؛ فهم لذلك أحقُّ ألَّا يعلموا حدود الدين، وما أنزَلَ الله من الشرائع والأحكام، والله عليمٌ بخلقه، حكيمٌ في شرعه، وفي تدبير أمور عباده.

[98] ﴿وَمِنَ ٱلۡأَعۡرَابِ مَن يَتَّخِذُ مَا يُنفِقُ مَغۡرَمٗا وَيَتَرَبَّصُ بِكُمُ ٱلدَّوَآئِرَۚ عَلَيۡهِمۡ دَآئِرَةُ ٱلسَّوۡءِۗ وَٱللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٞ 98﴾:

ثم أخبَرَ جل وعلا أن بعض هؤلاء الأعراب يَجْعَلُ ما ينفقه في الزكاة أو الجهاد في سبيل الله غرامةً وخسارةً ونقصًا؛ لأنه لا يحتسب فيها؛ وذلك لنفاقه وعدم استقرار الإيمان في قلبه؛ بل ينتظر أن تحل بالمسلمين الدواهي والمصائب والآفات حتى يمنع هذه النفقات، وهذا سينعكس عليهم؛ بأن ينقلب حالهم وتدور عليهم دائرة الهزيمة والشر والعذاب، والبلاء والمكروه، والله سميعٌ لما يقولونه، عليمٌ بنيات العباد وما يُضْمِرونه.

[99] ﴿وَمِنَ ٱلۡأَعۡرَابِ مَن يُؤۡمِنُ بِٱللَّهِ وَٱلۡيَوۡمِ ٱلۡأٓخِرِ وَيَتَّخِذُ مَا يُنفِقُ قُرُبَٰتٍ عِندَ ٱللَّهِ وَصَلَوَٰتِ ٱلرَّسُولِۚ أَلَآ إِنَّهَا قُرۡبَةٞ لَّهُمۡۚ سَيُدۡخِلُهُمُ ٱللَّهُ فِي رَحۡمَتِهِۦٓۚ إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٞ رَّحِيمٞ 99﴾:

ثم ذكَرَ جل وعلا صنفًا ثانيًا من الأعراب محمودًا ممدوحًا، وهم الذين يؤمنون بالله ويصدِّقون باليوم الآخر، والجزاء والحساب، وهؤلاء يحتسبون نفقاتهم في الجهاد والزكاة وغيرها لوجه الله، ويتقرَّبون بها إلى الله، ويجعلونها وسيلةً ينالون بها دعاءَ الرسول ﷺ واستغفارَهُ لهم؛ فهذا مقبولٌ منهم، ودعاءُ الرسول نافع لهم؛ فهم داخلون في رحمة الله وجنَتَّه، والله غفورٌ يَغْفِرُ سيئات من تاب، رحيمٌ وَسِعَتْ رحمته كل شيء.

[100] ﴿وَٱلسَّٰبِقُونَ ٱلۡأَوَّلُونَ مِنَ ٱلۡمُهَٰجِرِينَ وَٱلۡأَنصَارِ وَٱلَّذِينَ ٱتَّبَعُوهُم بِإِحۡسَٰنٖ رَّضِيَ ٱللَّهُ عَنۡهُمۡ وَرَضُواْ عَنۡهُ وَأَعَدَّ لَهُمۡ جَنَّٰتٖ تَجۡرِي تَحۡتَهَا ٱلۡأَنۡهَٰرُ خَٰلِدِينَ فِيهَآ أَبَدٗاۚ ذَٰلِكَ ٱلۡفَوۡزُ ٱلۡعَظِيمُ 100﴾:

بشَّر جل وعلا طوائف من عباده ببُشْرَيَاتٍ عظيمة، وفي مقدِّمة هؤلاء: السابقون الذين سبقوا غيرهم إلى الإيمان والهجرة والجهاد والنصرة، ومنهم: المهاجرون الذين تركوا قومهم ووطنهم ومالهم ابتغاء مرضات الله، ومنهم: الأنصار الذين آوَوْا ونصروا رسول الله والمؤمنين، وآثروهم على أنفسهم، وهذه البشرى تشمل أيضًا من اتبعوهم بإحسان في الاعتقادات والأقوال والأعمال الصالحة ممَّن جاء بعدهم إلى يوم القيامة؛ تلك الطوائف: رضي الله عنهم، وتقبَّل منهم، وتجاوز عنهم -وهذا أعظم نعيم أهل الجنة- ورَضُوا عنه بما حَبَاهم من فَضْله، وأعطاهم من كَرَمه، وفوق ذلك: هيَّأ لهم جنَّات فيها قصور فَخْمة وأشجار جميلة تجري تحتها الأنهار، وهم ماكثون فيها أبدًا؛ وذلك هو الفلاح العظيم.

[101] ﴿وَمِمَّنۡ حَوۡلَكُم مِّنَ ٱلۡأَعۡرَابِ مُنَٰفِقُونَۖ وَمِنۡ أَهۡلِ ٱلۡمَدِينَةِ مَرَدُواْ عَلَى ٱلنِّفَاقِ لَا تَعۡلَمُهُمۡۖ نَحۡنُ نَعۡلَمُهُمۡۚ سَنُعَذِّبُهُم مَّرَّتَيۡنِ ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلَىٰ عَذَابٍ عَظِيمٖ 101﴾:

أخبَرَ جل وعلا رسوله ﷺ وعباده المؤمنين أن المدينة النبوية حولها منافقون من الأعراب، وأيضًا في المدينة نفسها: منافقون تمرَّسوا على النفاق، ومَهَرُوا فيه؛ لدرجة أنك لا تعرفهم -أيها النبي- وهذا لا يضُرُّ؛ فالله يعرفهم، وسينالون العذاب الشديد مرتَيْن، وذلك: بفضيحتهم، وبمصائب تصيبهم في أنفسهم وأهليهم في الدنيا، وبعذابهم عند سكرات الموت وفي قبورهم، ثم يوم القيامة يُرَدُّونَ إلى العذاب العظيم في الدرك الأسفل من نار جهنم.

[102] ﴿وَءَاخَرُونَ ٱعۡتَرَفُواْ بِذُنُوبِهِمۡ خَلَطُواْ عَمَلٗا صَٰلِحٗا وَءَاخَرَ سَيِّئًا عَسَى ٱللَّهُ أَن يَتُوبَ عَلَيۡهِمۡۚ إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٞ رَّحِيمٌ 102﴾:

ثم أخبَرَ جل وعلا عن طائفة أخرى من المدينة وممَّن حولها، خلَطُوا عملهم الصالح من إيمان وهجرة وجهاد، بعمل آخر سيِّئٍ من تخلُّفٍ عن هذه الغزوة -غزوة تبوك- بدون عُذْر، ثم ندموا على ذلك أشدَّ الندم واستغفروا وتابوا؛ فهؤلاء عسى الله أن يتقبل منهم توبتهم، إن الله غفورٌ؛ يغفر ذنوب من تاب ورجع، رحيمٌ بعباده؛ وَسِعَتْ رحمته كل شيء.

[103] ﴿خُذۡ مِنۡ أَمۡوَٰلِهِمۡ صَدَقَةٗ تُطَهِّرُهُمۡ وَتُزَكِّيهِم بِهَا وَصَلِّ عَلَيۡهِمۡۖ إِنَّ صَلَوٰتَكَ سَكَنٞ لَّهُمۡۗ وَٱللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ 103﴾:

أمَرَ جل وعلا رسوله ﷺ أن يأخذ من أموال هؤلاء التائبين الزكاة المفروضة؛ إذْ بها تطهُرُ نفوسهم من دنس الذنوب، وبها يزداد ثوابهم وتنمَّى أموالهم، وادع لهم -أيها النبي- بعد ذلك، واستغفِرْ لهم؛ ففي ذلك رحمة بهم، وطمأنينة وتزكية لنفوسهم، والله سميعٌ لتوبتهم، ولدعائك واستغفارك لهم، عليمٌ بنيَّات وأقوال وأعمال العباد.

[104] ﴿أَلَمۡ يَعۡلَمُوٓاْ أَنَّ ٱللَّهَ هُوَ يَقۡبَلُ ٱلتَّوۡبَةَ عَنۡ عِبَادِهِۦ وَيَأۡخُذُ ٱلصَّدَقَٰتِ وَأَنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلتَّوَّابُ ٱلرَّحِيمُ 104﴾:

ثم حرَّض جل وعلا عباده على التوبة، وأخبَرَ أنه يقبل توبة من تاب من عباده مهما كان ذنبه، وأنه يتقبَّل منهم الصدقات، ثم أخبر سبحانه أنه كثير القبول لتوبة التائبين، ولو تكرَّرت أخطاؤهم ثم تابوا، وأنه هو الرحيمُ الذي وَسِعَتْ رحمته كل شيء.

[105] ﴿وَقُلِ ٱعۡمَلُواْ فَسَيَرَى ٱللَّهُ عَمَلَكُمۡ وَرَسُولُهُۥ وَٱلۡمُؤۡمِنُونَۖ وَسَتُرَدُّونَ إِلَىٰ عَٰلِمِ ٱلۡغَيۡبِ وَٱلشَّهَٰدَةِ فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمۡ تَعۡمَلُونَ 105﴾:

وقل -أيها النبي- لهؤلاء التائبين وغيرهم: اعملوا الخيرات من الأعمال؛ فإن الله مطَّلع عليكم، عليمٌ بحالكم، وأعمالُكم هذه سيراها الله ورسوله ﷺ والمؤمنون، وسيتبيَّن أمركم، ثم بعد ذلك تُرْجَعونَ إلى من يعلم السرَّ وأخفى، فيخبركم بجميع أعمالكم، ويجازيكم عليها؛ إنْ خيرًا فخيٌر، وإنْ شرًّا فشرّ؛ وهذا فيه حثٌّ لهم على العمل الصالح.

[106] ﴿وَءَاخَرُونَ مُرۡجَوۡنَ لِأَمۡرِ ٱللَّهِ إِمَّا يُعَذِّبُهُمۡ وَإِمَّا يَتُوبُ عَلَيۡهِمۡۗ وَٱللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٞ 106﴾:

ثم بيَّن جل وعلا حال قسم آخر ممن تخلَّفوا، فقال سبحانه: وآخرون ممن تخلَّفوا عن غزوة تبوك مؤخَّرون ومؤجَّلون، وأَمْرُهم إلى الله، وقد ندموا على التخلف عن الغزو؛ فهؤلاء إما أن يعذِّبهم بعدله وحكمته، وإما أن يعفو عنهم بفضله ورحمته، والله عليمٌ بعباده، حكيمٌ في أقواله وأفعاله، وقد فعل سبحانه؛ حيث شَمِلهم برحمته، وعفى عنهم بعد أن صدَقَتْ توبتهم؛ كما أخبر بذلك سبحانه في قوله: ﴿وَعَلَى ٱلثَّلَٰثَةِ ٱلَّذِينَ خُلِّفُواْ حَتَّىٰٓ إِذَا ضَاقَتۡ عَلَيۡهِمُ ٱلۡأَرۡضُ بِمَا رَحُبَتۡ وَضَاقَتۡ عَلَيۡهِمۡ أَنفُسُهُمۡ وَظَنُّوٓاْ أَن لَّا مَلۡجَأَ مِنَ ٱللَّهِ إِلَّآ إِلَيۡهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيۡهِمۡ لِيَتُوبُوٓاْۚ إِنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلتَّوَّابُ ٱلرَّحِيمُ﴾ [التوبة:١١٨].

[107] ﴿وَٱلَّذِينَ ٱتَّخَذُواْ مَسۡجِدٗا ضِرَارٗا وَكُفۡرٗا وَتَفۡرِيقَۢا بَيۡنَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ وَإِرۡصَادٗا لِّمَنۡ حَارَبَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ مِن قَبۡلُۚ وَلَيَحۡلِفُنَّ إِنۡ أَرَدۡنَآ إِلَّا ٱلۡحُسۡنَىٰۖ وَٱللَّهُ يَشۡهَدُ إِنَّهُمۡ لَكَٰذِبُونَ 107﴾:

حكى جل وعلا عن طائفة من المنافقين أنهم بَنَوْا مسجدًا مضارَّةً وكيدًا، ومؤامرةً على المؤمنين، وكفرًا بالله، وتفريقًا بين المؤمنين؛ وذلك أنهم أرادوا أن يمكِّنوا ببنائه لأهل النفاق والكفر، وانتظارًا لذلك المنافق الذي افتضَحَ أمره، وهرَبَ إلى الشمال، وهو أبو عامرٍ الراهبُ الفاسق، فهم ينتظرونه ليجتمعوا في هذا المسجد؛ ليخطِّطوا للكيد للإسلام؛ فالله أفشلهم، وفضح أمرهم، وكلَّف رسولُ الله ﷺ بعض الصحابة بهَدْمِ المسجد وحَرْقه، وجُعِلَتْ أرضه مكانًا للنُّفايات والزُّبَالة، ثم أخبَرَ سبحانه أن هؤلاء المنافقين سيحلفون أنهم ما أرادوا ببنائهم هذا المسجد إلا الخيرَ، ونفعَ المسلمين، والتيسيرَ على ضعيفهم وكبيرهم وضريرهم، والله يشهد إنهم لكاذبون في أيمانهم، وشهادةُ الله عليهم بالكذب أوثقُ من أيمانهم، وأصدقُ من حلفهم.

[108] ﴿لَا تَقُمۡ فِيهِ أَبَدٗاۚ لَّمَسۡجِدٌ أُسِّسَ عَلَى ٱلتَّقۡوَىٰ مِنۡ أَوَّلِ يَوۡمٍ أَحَقُّ أَن تَقُومَ فِيهِۚ فِيهِ رِجَالٞ يُحِبُّونَ أَن يَتَطَهَّرُواْۚ وَٱللَّهُ يُحِبُّ ٱلۡمُطَّهِّرِينَ 108﴾:

ثم أمَرَ جل وعلا نبيه ﷺ ألَّا يصلي في هذا المسجدِ الضِّرَارِ، ولا يقوم فيه أبدًا؛ فإن الله قد أغناك عنه بمسجدك؛ حيث أخبر ﷺ أن المسجد الذي أُسِّسَ على التقوى من أول يوم هو مسجده، وقيل: إنه مسجدُ قًبَاء؛ فهو أحق بالصلاة والقيام والذكر والعبادة فيه؛ فهو مسجدٌ فاضلٌ كأهله الذين يحبون الطهارة الحسية والمعنوية، والله سبحانه يحب المتطهِّرين من الأحداث والذنوب.

وقد ثبت في الأحاديث: أن مسجد رسول الله ﷺ، وهو المسجدُ النبويُّ، أفضل من مسجد قُبَاء ومن غيره من المساجد، ما عدا مسجد الكعبة [1]. [1] لحديث أبي هريرة رضي الله عنه: أن النبي ﷺ قال: «صَلَاةٌ فِي مَسْجِدِي هَذَا، خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ صَلَاةٍ فِيمَا سِوَاهُ؛ إِلَّا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ» أخرجه البخاري (1133)، ومسلم (1394).

[109] ﴿أَفَمَنۡ أَسَّسَ بُنۡيَٰنَهُۥ عَلَىٰ تَقۡوَىٰ مِنَ ٱللَّهِ وَرِضۡوَٰنٍ خَيۡرٌ أَم مَّنۡ أَسَّسَ بُنۡيَٰنَهُۥ عَلَىٰ شَفَا جُرُفٍ هَارٖ فَٱنۡهَارَ بِهِۦ فِي نَارِ جَهَنَّمَۗ وَٱللَّهُ لَا يَهۡدِي ٱلۡقَوۡمَ ٱلظَّٰلِمِينَ 109﴾:

بيَّن جل وعلا أنه لا يستوي مَن أسَّس بنيانه على قواعد مُحْكَمة، وأساس متين؛ خوفًا من ربه، قاصدًا رضا الله سبحانه، ومَن أسَّس بنيانه على طرفٍ مائلٍ للسقوط، متداعٍ للانهدام، قاصدًا التفريق بين المؤمنين، فانهار به بنيانه هذا وسقَطَ به في نار جهنم، والله لا يهدي ولا يوفِّق القوم الظالمين المتجاوزين لحدوده.

[110] ﴿لَا يَزَالُ بُنۡيَٰنُهُمُ ٱلَّذِي بَنَوۡاْ رِيبَةٗ فِي قُلُوبِهِمۡ إِلَّآ أَن تَقَطَّعَ قُلُوبُهُمۡۗ وَٱللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ 110﴾:

ثم أخبَرَ جل وعلا أن هدم وحرق مسجد الضرار الذي بنَوْهُ لا يزال يبعث النفاق والشك في قلوب هؤلاء المنافقين، ولا ينتهي هذا النفاق والشك إلا أن تتقطَّع قلوبهم بقتلهم أو موتهم، والله عليمٌ بما في قلوب هؤلاء المنافقين، حكيمٌ في تدبير شؤون عباده.

[111] ﴿إِنَّ ٱللَّهَ ٱشۡتَرَىٰ مِنَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ أَنفُسَهُمۡ وَأَمۡوَٰلَهُم بِأَنَّ لَهُمُ ٱلۡجَنَّةَۚ يُقَٰتِلُونَ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ فَيَقۡتُلُونَ وَيُقۡتَلُونَۖ وَعۡدًا عَلَيۡهِ حَقّٗا فِي ٱلتَّوۡرَىٰةِ وَٱلۡإِنجِيلِ وَٱلۡقُرۡءَانِۚ وَمَنۡ أَوۡفَىٰ بِعَهۡدِهِۦ مِنَ ٱللَّهِۚ فَٱسۡتَبۡشِرُواْ بِبَيۡعِكُمُ ٱلَّذِي بَايَعۡتُم بِهِۦۚ وَذَٰلِكَ هُوَ ٱلۡفَوۡزُ ٱلۡعَظِيمُ 111﴾:

وعَدَ جل وعلا وعدًا صادقًا لا رجعةَ فيه، وأخبَرَ خبرًا صادقًا لا مِرْيةَ فيه، عن أعظم الصفقات على الإطلاق، في هذه الصفقة: يكون الله جل في علاه هو المشتري، والعِوَضُ فيها أعظم ما يكون: جنة عرضها السموات والأرض، والثمن فيها أعظم ما يمكن بذله على الإطلاق، وهو: نَفْسُ المؤمن التي بين جنبيه -والجُوُد بالنَّفْس أقصى غاية الجود- ثم ما يملك من مال الدنيا، كلُّ ذلك في سبيل الله لإعلاء دينه في الأرض؛ فيقاتلون أعداء الله فيَقْتُلُونَ منهم، ولهم على ذلك أجر وغنيمة، أو يُقْتَلُونَ ويُستشهَدُون، فيكرمهم الله جل في علاه، وتكون لهم المنازل العالية في الجنة، وأرواحُهم في حواصل طَيْر خُضْر تَسْرَحُ من الجنة حيث شاءت، ثم تأوي إلى قناديلَ معلَّقةٍ تحت العرش، ثم يؤكِّد سبحانه هذه الصفقة العظيمة بأنواع من التأكيدات: بأن ذلك مكتوبٌ، ومُثْبَتٌ، ومسطَّرٌ في أعظم الكتب التي نَزَلَتْ على أولي العزم من الرسل، وهي التوراة والإنجيل والقرآن، ثم يستفهم سبحانه استفهامًا بمعنى النفي، فيقول: ﴿وَمَنۡ أَوۡفَىٰ بِعَهۡدِهِۦ مِنَ ٱللَّهِۚ ﴾ أي: لا أحَدَ مطلقًا أوفى من الله بالعهود، والله لا يخلف الميعاد، ثم أمَرَ جل وعلا أصحاب هذه الصفقة الرابحة -مقدَّمًا- أن يفرحوا ويستبشروا، ويبشِّر بعضهم بعضًا بهذه التجارة الرابحة التي لم يَرْبَحْ أحد من الناس مثلها؛ وبهذا الفوز العظيم الذي لا فَوْزَ أعظمُ منه، ولا أكبَرُ ولا أجلّ.

اللهم، إنا نسألك من فضلك -يا كريم- أن تجعلنا منهم. ولاحظ أن هذه الآية الوحيدة التي قُدَّمَتْ فيها النَّفْس على المال في الجهاد، ولا شك أن المال أعظم نفعًا للمجاهدين.

[112] ﴿ٱلتَّٰٓئِبُونَ ٱلۡعَٰبِدُونَ ٱلۡحَٰمِدُونَ ٱلسَّٰٓئِحُونَ ٱلرَّٰكِعُونَ ٱلسَّٰجِدُونَ ٱلۡأٓمِرُونَ بِٱلۡمَعۡرُوفِ وَٱلنَّاهُونَ عَنِ ٱلۡمُنكَرِ وَٱلۡحَٰفِظُونَ لِحُدُودِ ٱللَّهِۗ وَبَشِّرِ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ 112﴾:

وصَفَ جل وعلا عباده المؤمنين الذين باعوا أنفسهم لله بصفات، منها: أنهم ملازمون للتوبة في جميع أحوالهم، وأنهم عابدون طائعون مُخْلِصون لله في عبادتهم، وأنهم يحمدون الله في كل أحوالهم وأوقاتهم، وأنهم يسافرون في طاعة الله ومرضاته؛ فيحُجُّونَ ويعتمرون ويطلُبُونَ العلم، ويجاهدون في سبيل الله، ويكثرون من الصلاة ويحافظون عليها؛ لذا تراهم دائمًا في ركوع وسجود، ويأمرون بالمعروف، وينهون عن المنكر، ويحفظون حدود الله ويقفون عندها؛ فمَنِ اتصف بهذه الصفات -أيها النبي- فبشِّره بالفوز العظيم، والفلاح المبين.

[113] ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ أَن يَسۡتَغۡفِرُواْ لِلۡمُشۡرِكِينَ وَلَوۡ كَانُوٓاْ أُوْلِي قُرۡبَىٰ مِنۢ بَعۡدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمۡ أَنَّهُمۡ أَصۡحَٰبُ ٱلۡجَحِيمِ 113﴾:

أخبَرَ جل وعلا أنه ما ينبغي للنبي والذين آمنوا أن يطلبوا المغفرة للمشركين الذين كفروا بالله، وعبدوا معه غيره، وماتوا على ذلك، ولو كان هؤلاء المشركون أقرَبَ نسبًا؛ فإنَّ من مات على الشرك، كان من أصحاب الجحيم لا محالةَ.

[114] ﴿وَمَا كَانَ ٱسۡتِغۡفَارُ إِبۡرَٰهِيمَ لِأَبِيهِ إِلَّا عَن مَّوۡعِدَةٖ وَعَدَهَآ إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُۥٓ أَنَّهُۥ عَدُوّٞ لِّلَّهِ تَبَرَّأَ مِنۡهُۚ إِنَّ إِبۡرَٰهِيمَ لَأَوَّٰهٌ حَلِيمٞ 114﴾:

ثم أخبَرَ جل وعلا أن استغفارَ إبراهيم عليه السلام لأبيه، كان عن مَوْعِدةٍ وعدها لأبيه بقوله: ﴿سَأَسۡتَغۡفِرُ لَكَ رَبِّيٓۖ ﴾ [مريم:٤٧]، وذلك قبل أن يتبيَّن له عداوة أبيه لربه بالشرك، وأنه من أهل النار، فلما تبيَّن له ذلك، تَرَكَهُ وتبرَّأ منه، ولم يَعُدْ يستغفر له، واعلموا أن إبراهيم عليه السلام كثيرُ التضرُّع والرجوع إلى الله، وكثيرُ العفو والصفح عمن آذاه.

[115] ﴿وَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيُضِلَّ قَوۡمَۢا بَعۡدَ إِذۡ هَدَىٰهُمۡ حَتَّىٰ يُبَيِّنَ لَهُم مَّا يَتَّقُونَۚ إِنَّ ٱللَّهَ بِكُلِّ شَيۡءٍ عَلِيمٌ 115﴾:

ثم أخبَرَ جل وعلا أنه ما كان ليضل قومًا بعد أنْ مَنَّ عليهم بالهداية حتى يبيِّن لهم جميع ما يحتاجون إليه من أحكام الدين؛ إنه سبحانه عليم بكل شيء، وقد علَّمكم ما لم تكونوا تعلمون. ونسبةُ الإضلال إلى الله؛ لأنه هو الذي أقدرهم عليه؛ حيث جعل سبحانه الثقلين الإنس والجن مختارين، وبيَّن لهم الخير والشر، وهداهم لأخذ أحد الأمرَيْن؛ كما قال تعالى: ﴿وَهَدَيۡنَٰهُ ٱلنَّجۡدَيۡنِ﴾ [البلد:١٠]، أي: الطريقَيْن، وبيَّن لهم ما يتقون، فإذا أخذ أحدٌ سبيل الضلال، وأصرَّ على الكفر، حينئذٍ يكون إضلال الله له إضلالًا جزائيًّا، وليس ابتدائيًّا؛ وكذلك الطبع والختم. وهكذا في القرآن كله، فإن إضلال الضالِّين يكون بعد إبلاغهم وإيضاح الحق لهم، فإذا رفضوا وأصرُّوا على الكفر، طبَعَ الله على قلوبهم، وحقَّق لهم مرادهم؛ وإلا فإن الله سبحانه لا يُحِبُّ ولا يرضى لعباده الكفر، لكنَّ حكمته أنْ جعل الإنسان مختارًا، ومِنْ أجل ألَّا يكون للناس على الله حجة، كانت الرسالات؛ كما قال تعالى: ﴿وَمَآ أَرۡسَلۡنَا مِن رَّسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوۡمِهِۦ لِيُبَيِّنَ لَهُمۡۖ فَيُضِلُّ ٱللَّهُ مَن يَشَآءُ وَيَهۡدِي مَن يَشَآءُۚ ﴾ [إبراهيم:٤]، فإذا اتضحَتْ للمكلَّف سبل السلامة، وسبل الهلاك، فاختار طريقًا منهما، فهو المسؤول عن اختياره؛ فلا يلومن إلا نفسه.

[116] ﴿إِنَّ ٱللَّهَ لَهُۥ مُلۡكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۖ يُحۡيِۦ وَيُمِيتُۚ وَمَا لَكُم مِّن دُونِ ٱللَّهِ مِن وَلِيّٖ وَلَا نَصِيرٖ 116﴾:

أخبَرَ جل وعلا أن له مُلْكُ السموات والأرض، أي: خَلْقًا وملكًا وتصرُّفًا، وهو وحده سبحانه الذي يحيي ويميت؛ فإذا تخلَّى الله عنكم، فما لكم من أحد غير الله يتولَّاكم بجَلْبِ ما ينفعكم، ودَفْعِ ما يضركم، وما لكم من دون الله من نصيرٍ ينصُرُكم على عدوكم.

[117] ﴿لَّقَد تَّابَ ٱللَّهُ عَلَى ٱلنَّبِيِّ وَٱلۡمُهَٰجِرِينَ وَٱلۡأَنصَارِ ٱلَّذِينَ ٱتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ ٱلۡعُسۡرَةِ مِنۢ بَعۡدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٖ مِّنۡهُمۡ ثُمَّ تَابَ عَلَيۡهِمۡۚ إِنَّهُۥ بِهِمۡ رَءُوفٞ رَّحِيمٞ 117﴾:

ثم ذكَرَ جل وعلا أنه تاب على النبي ﷺ، ومَنْ معه من المهاجرين والأنصار الذين خرَجُوا معه لقتال العدوِّ في غزوة تبَوُكَ وقد كانت في حر شديد، وقلة زاد، وبعد أن كاد يتخلَّف بعضهم عن الجهاد، ولكنَّ الله ثبَّت قلوبهم وتاب عليهم؛ إنه جل وعلا كثيرُ الرأفة والرحمة بعباده.

والتوبة المذكورة في هذه الآية: هي رَفْعُ الدرجة، والتوفيقُ لها.

وَذِكْرُ النبي هنا مع أنه ﷺ معصوم[2]، تلطيفٌ وتأليفٌ، كما قال ابن عباس رضي الله عنه: (فَذِكْرُهُ معهم هنا تلطيفٌ وتأليفٌ، ولئلَّا تستولي عليهم الحَسْرة، وليعلموا أنها صَفْحةٌ طُوِيَتْ)؛ فالحمد لله على كرمه ولطفه بعباده. [2] بين شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في مجموع الفتاوى أن عقيدة أهل السنة والجماعة أن الأنبياء ليسوا معصومين مطلقًا، وإنما معصومون من الوقوع في الكفر الأكبر والأصغر، ومعصومون من الوقوع في الكبائر. أما الصغائر فليسوا معصومين من الوقوع فيها، لكنَّهم معصومون من الإقرار عليها والاستمرار عليها؛ إذْ يعاتبهم الله تعالى فيها، فيتوبون من هذه الصغيرة، ويقبل الله توبتهم، وتكون منزلتهم بعد التوبة من الصغيرة أعلى وأجلَّ عند الله من منزلتهم قبل الذنب. ينظر: مجموع الفتاوى: (4/319).

[118] ﴿وَعَلَى ٱلثَّلَٰثَةِ ٱلَّذِينَ خُلِّفُواْ حَتَّىٰٓ إِذَا ضَاقَتۡ عَلَيۡهِمُ ٱلۡأَرۡضُ بِمَا رَحُبَتۡ وَضَاقَتۡ عَلَيۡهِمۡ أَنفُسُهُمۡ وَظَنُّوٓاْ أَن لَّا مَلۡجَأَ مِنَ ٱللَّهِ إِلَّآ إِلَيۡهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيۡهِمۡ لِيَتُوبُوٓاْۚ إِنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلتَّوَّابُ ٱلرَّحِيمُ 118﴾:

وكما تاب جل وعلا على النبي ﷺ وعلى المهاجرين والأنصار؛ فقد تاب سبحانه على أولئك النَّفَرِ الثلاثة الذين تخلَّفوا عن الخروج مع النبي ﷺ في غَزْوة تَبُوكَ وهم: كَعْب بن مالك، وهلال بن أميَّة، ومُرَارةُ بنُ الرَّبِيع، بعد أن حَزِنوا حزنًا شديدًا، وضاقت عليهم الأرض الواسعة، وضاقت عليهم أنفسهم من شدَّة الحزن، وتأكَّدوا أنه لا ملجأ لهم من غضب الله إلا بالتوبة والصدق، فوفَّقهم سبحانه لطلب التوبة والندم على المعصية؛ فتاب الله عليهم؛ إنه هو التوَّاب على عباده التائبين، الرحيمُ بهم.

[119] ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَكُونُواْ مَعَ ٱلصَّٰدِقِينَ 119﴾:

هذا نداءٌ من الله جل وعلا لعباده المؤمنين، وأَمْرٌ لهم بأن يحقِّقوا التقوى بأن يجعلوا بينهم وبين عذاب الله وقاية؛ بفعل أوامره، واجتناب نواهيه، وبأن يكونوا مع الصادقين في أقوالهم وأفعالهم وأحوالهم.

[120] ﴿مَا كَانَ لِأَهۡلِ ٱلۡمَدِينَةِ وَمَنۡ حَوۡلَهُم مِّنَ ٱلۡأَعۡرَابِ أَن يَتَخَلَّفُواْ عَن رَّسُولِ ٱللَّهِ وَلَا يَرۡغَبُواْ بِأَنفُسِهِمۡ عَن نَّفۡسِهِۦۚ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمۡ لَا يُصِيبُهُمۡ ظَمَأٞ وَلَا نَصَبٞ وَلَا مَخۡمَصَةٞ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ وَلَا يَطَـُٔونَ مَوۡطِئٗا يَغِيظُ ٱلۡكُفَّارَ وَلَا يَنَالُونَ مِنۡ عَدُوّٖ نَّيۡلًا إِلَّا كُتِبَ لَهُم بِهِۦ عَمَلٞ صَٰلِحٌۚ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجۡرَ ٱلۡمُحۡسِنِينَ 120﴾:

واعلموا أنه لا يصحُّ ولا يحسُنُ ولا يليق بأهل المدينة من مهاجرين وأنصار، ومَنْ حولهم من الأعراب أن يتخلَّفوا ويتأخَّروا في الغزو مع رسول الله ﷺ، ولا يَرْضَوْا لأنفسهم البقاء والراحة، ويقدِّموها على نفس رسول الله ﷺ الكريمة، وهو ﷺ مَثَلُهم الأعلى؛ فقد قدَّم ﷺ نفسه للجهاد، وهو إمام المسلمين وقُدْوتهم؛ فعليهم ألَّا يَشِحُّوا بأنفسهم، وأن يقتدوا به ﷺ؛ كما قال تعالى: ﴿لَّقَدۡ كَانَ لَكُمۡ فِي رَسُولِ ٱللَّهِ أُسۡوَةٌ حَسَنَةٞ﴾ [الأحزاب:٢١]، ثم أخبَرَ سبحانه أن لهم في الخروج ثوابًا عظيمًا؛ فهم لا يصيبهم في ذلك الخروج للجهاد عطَشٌ ولا تعَبٌ ولا جوع شديد، ولا يدوسون أرض الكفار فيغيظونهم بذلك، ولا يصيبون منهم قتلًا أو أسرًا، أو هزيمة أو غنيمة؛ إلا كتَبَ الله لهم ذلك في أعمالهم الصالحة التي سيثابون عليها أعظَمَ الثواب؛ فخُطُواتهم في الذَّهَاب والإياب مسجَّلة لهم، والله جل وعلا لا يضيع أجر المحسنين المخلصين الصادقين، الذين أحسنوا في مبادرتهم، واستجابوا لأمر الله.

[121] ﴿وَلَا يُنفِقُونَ نَفَقَةٗ صَغِيرَةٗ وَلَا كَبِيرَةٗ وَلَا يَقۡطَعُونَ وَادِيًا إِلَّا كُتِبَ لَهُمۡ لِيَجۡزِيَهُمُ ٱللَّهُ أَحۡسَنَ مَا كَانُواْ يَعۡمَلُونَ 121﴾:

وهؤلاء الذين خرجوا للجهاد في سبيل الله مع رسول الله ﷺ، لا ينفقون نفقة في الجهاد قليلةً ولا كثيرة، ولا يقطعون واديًا ذَهَابًا للعدوِّ أو إيابًا، إلا كتَبَ الله لهم أجر ذلك العمل الصالح؛ ليَجْزِيهم الله على جهادهم وتضحيتهم أحسَنَ ما يكون الجزاء وأوفاه.

[122] ﴿وَمَا كَانَ ٱلۡمُؤۡمِنُونَ لِيَنفِرُواْ كَآفَّةٗۚ فَلَوۡلَا نَفَرَ مِن كُلِّ فِرۡقَةٖ مِّنۡهُمۡ طَآئِفَةٞ لِّيَتَفَقَّهُواْ فِي ٱلدِّينِ وَلِيُنذِرُواْ قَوۡمَهُمۡ إِذَا رَجَعُوٓاْ إِلَيۡهِمۡ لَعَلَّهُمۡ يَحۡذَرُونَ 122﴾:

واعلموا أنه ما ينبغي للمؤمنين أن يخرُجُوا جميعًا للجهاد، ولا ينبغي لهم أيضًا أن يقعُدُوا جميعًا عن الجهاد؛ بل يخرُجُ منهم للجهاد جماعة تحصُلُ بهم الكفاية، ويبقى مَنْ لم يخرُجْ للجهاد ليتفقَّهوا في الدين ويتعلَّموا العلم الشرعي، ثم يعلِّمونه غيرهم، ويُنذِرونَ قومهم ويحذِّرونهم بما تعلَّموه عند رجوعهم؛ لعلهم يَحْذَرُونَ عذاب الله وعقابه.

[123] ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ قَٰتِلُواْ ٱلَّذِينَ يَلُونَكُم مِّنَ ٱلۡكُفَّارِ وَلۡيَجِدُواْ فِيكُمۡ غِلۡظَةٗۚ وَٱعۡلَمُوٓاْ أَنَّ ٱللَّهَ مَعَ ٱلۡمُتَّقِينَ 123﴾:

أرشَدَ جل وعلا المؤمنين أن يبدؤوا بقتال الأقرب فالأقرب من الكفار، وليجدوا فيكم شدَّةً وصبرًا ومصابرة، واعلموا أن الله مع المتقين الذين يعملون بأوامر الله، ويجتنبون نواهيه؛ فهو يؤيِّدهم وينصرهم.

[124] ﴿وَإِذَا مَآ أُنزِلَتۡ سُورَةٞ فَمِنۡهُم مَّن يَقُولُ أَيُّكُمۡ زَادَتۡهُ هَٰذِهِۦٓ إِيمَٰنٗاۚ فَأَمَّا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ فَزَادَتۡهُمۡ إِيمَٰنٗا وَهُمۡ يَسۡتَبۡشِرُونَ 124﴾:

ثم وضَّح جل وعلا موقف المنافقين المخزي عند نزول القرآن؛ حيث يقولون سخريةً واستهزاءً: أيُّكم زادته هذه السورة تصديقًا بالله وآياته؟!ثم بيَّن سبحانه موقف المؤمنين المستبشرين برحمة من الله؛ أن هذه الآيات زادتهم إيمانًا ويقينًا وتصديقًا، وأنهم يَفْرَحون بما أنزَلَ الله من الآيات والسور على نبيه ﷺ، وبما فيها من الفوائد والأحكام.

[125] ﴿وَأَمَّا ٱلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٞ فَزَادَتۡهُمۡ رِجۡسًا إِلَىٰ رِجۡسِهِمۡ وَمَاتُواْ وَهُمۡ كَٰفِرُونَ 125﴾:

ثم أخبَرَ جل وعلا أن أولئك الذين في قلوبهم شك ونفاق، زادتهم السورة شكًّا وحيرةً ونفاقًا، واستمروا في كفرهم حتى ماتوا وهم كافرون جاحدون بآيات الله وبرسوله ﷺ.

[126] ﴿أَوَلَا يَرَوۡنَ أَنَّهُمۡ يُفۡتَنُونَ فِي كُلِّ عَامٖ مَّرَّةً أَوۡ مَرَّتَيۡنِ ثُمَّ لَا يَتُوبُونَ وَلَا هُمۡ يَذَّكَّرُونَ 126﴾:

ثم وبَّخ جل وعلا هؤلاء المنافقين على قَسْوة قلوبهم وغَفْلتهم؛ فقال سبحانه: أَوَلَا يرى هؤلاء المنافقون أن الله يبتليهم ويختبرهم بالبلايا من قَحْط ومَرَض وجوع، وبإظهار ما يبطنون من النفاق كلَّ سنةٍ مرَّةً أو مرتين، ومع ذلك لا يتوبون ولا يرجعون عما هم عليه من الشر، ولا هم يَذَّكَّرُونَ؛ فلا يعملون ما ينفعهم، ولا يترُكُونَ ما يضرُّهم.

[127] ﴿وَإِذَا مَآ أُنزِلَتۡ سُورَةٞ نَّظَرَ بَعۡضُهُمۡ إِلَىٰ بَعۡضٍ هَلۡ يَرَىٰكُم مِّنۡ أَحَدٖ ثُمَّ ٱنصَرَفُواْۚ صَرَفَ ٱللَّهُ قُلُوبَهُم بِأَنَّهُمۡ قَوۡمٞ لَّا يَفۡقَهُونَ 127﴾:

ثم أخبَرَ جل وعلا أنه إذا أنزَلَ على رسوله ﷺ سورة من القرآن، وهم جلوس يسمعون، فإنهم لنفاقهم وشكِّهم يخافون أن تَفْضَحهم هذه السورة، وتنبِّئكم بما في قلوبهم؛ فينظر بعضهم إلى بعض غَمْزًا وإنكارًا وسخريةً، وعَزْمًا على عدم تصديقها أو العمل بها، ثم يتساءلون في رِيبةٍ: هل يراكم أحدٌ من المؤمنين؟! فإنْ لم يرهم أحدٌ، قاموا سراعًا متسلِّلين مختفين -خشية الفضيحة- ثم انصرفوا من ذلك المجلس، فعاقبهم الله -من جنس عملهم- فصرَفَ قلوبهم وصدَّها وخذَلَها عن الحق ومعرفته، وعن الإيمان والانتفاع بهداية القرآن، بأنْ جعَلَهم لا يفهمون ولا يتدبَّرون.

[128] ﴿لَقَدۡ جَآءَكُمۡ رَسُولٞ مِّنۡ أَنفُسِكُمۡ عَزِيزٌ عَلَيۡهِ مَا عَنِتُّمۡ حَرِيصٌ عَلَيۡكُم بِٱلۡمُؤۡمِنِينَ رَءُوفٞ رَّحِيمٞ 128﴾:

ثم ختَمَ جل وعلا السورة بذكر مِنَّتِهِ العُظْمى على عباده المؤمنين: بأن بعَثَ فيهم رسولًا من جنسهم، ومن أفضلهم؛ يتألَّم بألمهم، ويفرح بفرحهم، وهو حريصٌ على إيصال الخير لهم، ودَفْعِ الشر عنهم، وكثيرُ الرأفة والرحمة بالمؤمنين، وهو الأمثل والأصلح لأن يكون أسوةً وقدوةً لكل المؤمنين؛ فلله الحمد والشكر على نعمه التي لا تُحْصَى، وأجلُّها وأكبرها أن حبَّب إلينا الإيمان، وأرسل إلينا أفضل رسله، وهو نبينا محمد ﷺ الذي هدانا الله لاتِّباع النور الذي جاء به.

وفي قوله: ﴿مِّنۡ أَنفُسِكُمۡ﴾، أي: من جِنْسكم، وفي قراءة شاذة: (مِنْ أَنْفَسِكُمْ)، أي: من أفضلِكم.

[129] ﴿فَإِن تَوَلَّوۡاْ فَقُلۡ حَسۡبِيَ ٱللَّهُ لَآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَۖ عَلَيۡهِ تَوَكَّلۡتُۖ وَهُوَ رَبُّ ٱلۡعَرۡشِ ٱلۡعَظِيمِ 129﴾:

ثم قال جل وعلا لنبيه ﷺ: إذا أعرَضَ بعض الناس عن دعوتك والإيمان بك -أيها النبي- فلا تيأس، وامْضِ على سبيلك قائلًا: حسبي الله، يكفيني جميعَ ما أهمَّني، لا معبود بحق سواه، عليه اعتمادي وثقتي، وإليه التجائي، وبه استعانتي، وهو رب العرش العظيم.

سورة يونس

سورة يونس مكيّةٌ، وآياتها تسع ومائة آية. قال بعض المفسِّرين: إنها نهاية السبع الطِّوَال، والأرجحُ: أن السبع الطِّوَال انتهت بسورة التوبة.

[1] ﴿الٓرۚ تِلۡكَ ءَايَٰتُ ٱلۡكِتَٰبِ ٱلۡحَكِيمِ 1﴾:

سبق الكلام على الأحرف المقطَّعة في أول سورة البقرة.

ثم أخبَرَ جل وعلا أن ما يأتي من الآيات في هذه السورة -بل في آياتِ القرآنِ كله- هي آياتُ حِكْمةٍ وبلاغةٍ وهداية لمن كان له قلب واعٍ.

[2] ﴿أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَبًا أَنۡ أَوۡحَيۡنَآ إِلَىٰ رَجُلٖ مِّنۡهُمۡ أَنۡ أَنذِرِ ٱلنَّاسَ وَبَشِّرِ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ أَنَّ لَهُمۡ قَدَمَ صِدۡقٍ عِندَ رَبِّهِمۡۗ قَالَ ٱلۡكَٰفِرُونَ إِنَّ هَٰذَا لَسَٰحِرٞ مُّبِينٌ 2﴾:

أنكر جل وعلا على كفَّار قريش تعجُّبهم من إنزال الوحي بالقرآن على رجل منهم، وهو محمد ﷺ، مع أنه ليس في ذلك أيُّ عجب؛ فإن من عادة الله في الأمم السابقة إرسالَ المرسلين من البشر؛ ليبلِّغوا أقوامهم رسالة الله، فلو كان النبي ﷺ غير بَشَرٍ، فهل يصلح أن يكون أسوة؟! وهل سيعرف نفسيَّات البشَرِ وضروريَّاتهم الحياتية؟! ثم يستعجبون كون الرسول بشرًا، ولا يستعجبون أن يعبُدُوا حجرًا أو صنمًا لا يضر ولا ينفع؛ فسبحان الله رب العالمين! والمراد بقوله: ﴿لِلنَّاسِ﴾، الكفار عمومًا، وإنْ كان نزولها لكفَّار مكة. ثم بيَّن سبحانه أنه أنزل هذا القرآن على محمد ﷺ؛ لِيُنذِرَ الناس ويخوِّفهم من عذاب الله، ويبشِّر الذين آمنوا بالله ورسوله بأن ما قدَّموه من الأعمال الصالحة هو ذُخْرٌ لهم وقدَمُ صدقٍ يقدِّره الله لهم ويرفع به درجاتهم عنده، أما الذين كفروا بهذا القرآن، فيقولون: إنَّ ما جاء به محمد سِحْرٌ بَيِّنٌ ظاهر البطلان، وهكذا يقال لكل الرسل: ساحر، كذَّاب، كاهن، به جِنَّةٌ؛ فكلُّ من شَرِقَ بالدعوة وأحبَّ الاستمرار في الضلال، فإنه يتَّهم الرسل والدعاة إلى الله بنفس هذه الاتهامات وغيرها.

[3] ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ ٱللَّهُ ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٖ ثُمَّ ٱسۡتَوَىٰ عَلَى ٱلۡعَرۡشِۖ يُدَبِّرُ ٱلۡأَمۡرَۖ مَا مِن شَفِيعٍ إِلَّا مِنۢ بَعۡدِ إِذۡنِهِۦۚ ذَٰلِكُمُ ٱللَّهُ رَبُّكُمۡ فَٱعۡبُدُوهُۚ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ 3﴾:

أخبَرَ جل وعلا أنه هو الذي أوجد السموات والأرض، وأبدعهما في ستة أيام، ثم ارتفَعَ وعلا واستوى على العرش؛ استواءً يليق بجلاله، وعرشُهُ سبحانه وتعالى مخلوقٌ قبل خلق السموات والأرض؛ كما قال تعالى: ﴿وَهُوَ ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٖ وَكَانَ عَرۡشُهُۥ عَلَى ٱلۡمَآءِ﴾ [هود:7].

والمقصود: أنه بعد أن خلق السموات والأرض، استوى على عرشه؛ فأحاط عرشه بالسموات والأرض، أي: أن العرش سقف العالم كله؛ ولذلك إذا أراد امرؤ من الناس -في أي موضع كان من الأرض- أن يَدْعُوَ الله، فإنه يرفع يديه بالدعاء نحو العرش الذي استوى عليه الله، والله من فوق عرشه يرى القاصي والداني، ويسمع الداعي ولو دعا في سِرِّه.

وهذا قولُ عامة أهل السنة والجماعة.

أما الفرق الإسلامية الأخرى، فإنهم يؤوِّلون هذه الصفة كغيرها من الصفات، فيقولون: (استوى)، بمعنى: استولى؛ ولذلك يقال لهم: أليس الله قبل ذلك كان مستوليًا على كل شيء بما في ذلك العرش وغيره؟!

ثم بيَّن سبحانه أنه من فوق عرشه يُقدِّرُ أمر الكائنات على ما قضَتْ به حكمته، وأنه لا يتقدَّم أحد للشفاعة يوم القيامة إلا مِنْ بعد أن يأذن الله له بالشفاعة.

واعلموا أن ربكم الموصوف بهذه الصفات يجب عليكم أن تعبدوه، وتُخْلِصوا له العبادة؛ أفلا تتَّعظون وتعتبرون -أيها الناس- بهذه الآيات البينات والبراهين الواضحات؟!

[4] ﴿إِلَيۡهِ مَرۡجِعُكُمۡ جَمِيعٗاۖ وَعۡدَ ٱللَّهِ حَقًّاۚ إِنَّهُۥ يَبۡدَؤُاْ ٱلۡخَلۡقَ ثُمَّ يُعِيدُهُۥ لِيَجۡزِيَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ بِٱلۡقِسۡطِۚ وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَهُمۡ شَرَابٞ مِّنۡ حَمِيمٖ وَعَذَابٌ أَلِيمُۢ بِمَا كَانُواْ يَكۡفُرُونَ 4﴾:

قَرَّرَ جل وعلا في هذه الآية بدء الخلق في الدنيا ثم البعث، والرجوع إليه سبحانه، وأن هذا وعد صادق لا شك ولا مِرْية فيه؛ فالذي أنشأ وبدأ الخلق أول مرة بَعْدَ العدم، قادِرٌ -من باب أولى- على إعادته وبعثه؛ وذلك حتى يلقى الناس نتيجةَ أعمالهم ويحاسبوا عليها؛ إنْ خيرًا فخيرٌ، وإنْ شرًّا فشرّ.

فالذين آمنوا بالله، وصدَّقوا برسوله ﷺ، وعملوا بجوارحهم الأعمال الصالحة، يجازيهم الله أحسن الجزاء وأوفره بالعدل.

وأما الذين جحدوا وكذَّبوا، فأولئك جزاؤهم جهنَّم لهم فيها ماء حار؛ يشوي وجوههم، ويقطِّع أمعاءهم، ولهم أنواع وأصناف من العذاب الأليم؛ بسبب كفرهم وتكذيبهم وضلالهم.

[5] ﴿هُوَ ٱلَّذِي جَعَلَ ٱلشَّمۡسَ ضِيَآءٗ وَٱلۡقَمَرَ نُورٗا وَقَدَّرَهُۥ مَنَازِلَ لِتَعۡلَمُواْ عَدَدَ ٱلسِّنِينَ وَٱلۡحِسَابَۚ مَا خَلَقَ ٱللَّهُ ذَٰلِكَ إِلَّا بِٱلۡحَقِّۚ يُفَصِّلُ ٱلۡأٓيَٰتِ لِقَوۡمٖ يَعۡلَمُونَ 5﴾:

واعلموا أنَّ نِعَمَ الله على عباده لا حَصرَ لها، ومنها المصالح الدنيوية والأخروية؛ فالشمس جعلها الله ضياءً وسراجًا ليسعى الناس إلى مصالحهم؛ فحرارتها تبخِّر البحار فتتكوَّن السحب والأمطار، وتجعل الثمار تستوي؛ وبها وبالقمر تُعْرَفُ السنون والأبراج والفصول، وغير ذلك من المنافع الدنيوية.

واعلموا أن الله ما أوجَدَ الشمس والقمر إلا لِحِكَمٍ عظيمة، وأعظَمُ هذه الحِكَمِ أنها دالَّة على كمال قدرة الله وحكمته، والله يبيِّن هذه الأدلة والبراهين لقوم يعلمون الحكمة من إيجاد الخلق.

[6] ﴿إِنَّ فِي ٱخۡتِلَٰفِ ٱلَّيۡلِ وَٱلنَّهَارِ وَمَا خَلَقَ ٱللَّهُ فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ لَأٓيَٰتٖ لِّقَوۡمٖ يَتَّقُونَ 6﴾:

أخبَرَ جل وعلا أن في تعاقب الليل والنهار، وكلِّ ما خلق في السموات والأرض من عجائب مخلوقاته، وما فيهما من جمال وإبداع ونظام؛ أدلَّةً وبراهينَ واضحةً على عَظَمة خالقها، وهذه الآياتُ لا يفهمها إلا مَنْ يخشى عقاب الله وسَخَطه وعذابه.

[7] ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ لَا يَرۡجُونَ لِقَآءَنَا وَرَضُواْ بِٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَا وَٱطۡمَأَنُّواْ بِهَا وَٱلَّذِينَ هُمۡ عَنۡ ءَايَٰتِنَا غَٰفِلُونَ 7﴾:

تحكي هذه الآية حكاية الدهريِّين والطبيعيين وكفَّار مكَّة الذين لا يؤمنون بالبعث ولا بالحساب، ويقولون: ﴿مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا ٱلدُّنۡيَا نَمُوتُ وَنَحۡيَا وَمَا يُهۡلِكُنَآ إِلَّا ٱلدَّهۡرُۚ ﴾ [الجاثية:٢٤]، ويقولون أيضًا: ﴿إِنۡ هِيَ إِلَّا مَوۡتَتُنَا ٱلۡأُولَىٰ وَمَا نَحۡنُ بِمُنشَرِينَ﴾ [الدخان:٣٥]، أي: وما نحن بمبعوثين؛ فهؤلاء لا يطمعون في لقاء الله، وقد رَضُوا بالحياة الدنيا الفانية، واطمأنوا إلى زينتها وزُخْرُفها، وهم ساهون لاهون عن آيات الله الواضحة البيِّنة.

[8] ﴿أُوْلَٰٓئِكَ مَأۡوَىٰهُمُ ٱلنَّارُ بِمَا كَانُواْ يَكۡسِبُونَ 8﴾:

ثم أخبَرَ جل وعلا أن أولئك الذين لا يطمعون في لقاء الله مصيرُهم ومقرُّهم نار جهنم خالدين فيها؛ جزاءً بما كسبوا من الأعمال السيئة والشرك والضلال والكفر.

[9] ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ يَهۡدِيهِمۡ رَبُّهُم بِإِيمَٰنِهِمۡۖ تَجۡرِي مِن تَحۡتِهِمُ ٱلۡأَنۡهَٰرُ فِي جَنَّٰتِ ٱلنَّعِيمِ 9﴾:

ثم أخبَرَ جل وعلا عن حال أهل الإيمان، الذين جمعوا بين الإيمان والعمل بمقتضاه من الأعمال الصالحة بالجوارح، مع إخلاصهم ومتابعتهم، فهؤلاء: يرزُقُهم الله الهداية؛ بسبب هذا الإيمان الصادق، وهذا يوصِّلهم إلى الخلود في جنات تجري الأنهار من تحت بساتينها وقصورها، يُنَعَّمُونَ فيها نعيمًا تامًّا، وأعظم نعيمهم: النظَرُ إلى وجه الرحمن جل جلاله.

[10] ﴿دَعۡوَىٰهُمۡ فِيهَا سُبۡحَٰنَكَ ٱللَّهُمَّ وَتَحِيَّتُهُمۡ فِيهَا سَلَٰمٞۚ وَءَاخِرُ دَعۡوَىٰهُمۡ أَنِ ٱلۡحَمۡدُ لِلَّهِ رَبِّ ٱلۡعَٰلَمِينَ 10﴾:

ثم أخبَرَ جل وعلا بأن دعاء المؤمنين وعبادَتَهم ونداءَهم في الجنة قولهم: سبحانَكَ اللهم؛ فدعاؤهم في الجنة تسبيحُ الله وتقديسُه، وبه تطمئنُّ قلوبهم، ويُلْهَمُونَهُ كما يُلهَمونَ النَّفَسَ، أما التحية من الله، أو من الملائكة، أو من بعضهم البعض، فهي: سَلَامٌ، وآخر دعائهم قولهم: الحمد لله رب العالمين.

[11] ﴿وَلَوۡ يُعَجِّلُ ٱللَّهُ لِلنَّاسِ ٱلشَّرَّ ٱسۡتِعۡجَالَهُم بِٱلۡخَيۡرِ لَقُضِيَ إِلَيۡهِمۡ أَجَلُهُمۡۖ فَنَذَرُ ٱلَّذِينَ لَا يَرۡجُونَ لِقَآءَنَا فِي طُغۡيَٰنِهِمۡ يَعۡمَهُونَ 11﴾:

قال بعض كفار مكة لمحمد ﷺ -لما ذكَرَ لهم الآخرة والنار، وأَخْذَ اللهِ للظالمين في الدنيا قبل الآخرة- قالوا: ﴿عَجِّل لَّنَا قِطَّنَا قَبۡلَ يَوۡمِ ٱلۡحِسَابِ﴾ [ص:١٦]، أي: أَعْطِنا نصيبنا من العذاب في الدنيا قبل يوم الحساب؛ وقد قالوا ذلك على سبيل الحماقة والسخرية؛ فأخبَرَ جل وعلا ردَّا عليهم: أنه لو عَجَّلَ لهم إجابة دعائهم في الشرِّ، كاستعجالِهِم له في الخير، لَهَلَكُوا، وما أُمْهلوا طَرْفةَ عَيْن؛ فالله سبحانه لطيفٌ بعباده؛ فهو العالمُ أن منهم مَنْ سيُسلِمُ، ومنهم مَنْ سيلد ذرية صالحة، وأنهم سوف يساعدون المسلمين في الجهاد ونشر الإسلام، وهكذا تم؛ فلله الحمد والشكر، ثم بيَّن سبحانه أنه يترك الذين لا يطمعون في لقائه في تمرُّدهم وضلالهم يتردَّدون حائرين لاهين في دنياهم.

[12] ﴿وَإِذَا مَسَّ ٱلۡإِنسَٰنَ ٱلضُّرُّ دَعَانَا لِجَنۢبِهِۦٓ أَوۡ قَاعِدًا أَوۡ قَآئِمٗا فَلَمَّا كَشَفۡنَا عَنۡهُ ضُرَّهُۥ مَرَّ كَأَن لَّمۡ يَدۡعُنَآ إِلَىٰ ضُرّٖ مَّسَّهُۥۚ كَذَٰلِكَ زُيِّنَ لِلۡمُسۡرِفِينَ مَا كَانُواْ يَعۡمَلُونَ 12﴾:

هذا أبلَغُ وصف للإنسان إذا حاصرته الشدائد والنكبات؛ فإنه يلتجئ إلى الله عَزَّوَجَلَّ، ويَجْأَرُ إليه بالدعاء والتضرُّع في الشدة، وكذلك يلتجيء إلى الله في كل الأحوال؛ سواءٌ كان مضطجعًا على الفراش، أو قائمًا، أو قاعدًا، ثم إذا أزال الله مخاوفه، وكشف عنه الضُّرَّ وشُفِيَ، فربما -إذا كان مؤمنًا- حمد الله وشكره، ثم إذا مَرَّ الزمان، نسي ألطاف الله وكرمه عليه، ونسي ما كان فيه من الشدة والبلاء وتفريج الله عنه؛ ككثير من البَشَر، والآيةُ حكَتْ أبلغ وصف في نكران الجميل والإحسان.

فنسأل الله السلامة، وأن يعافينا من هذا الاختبار؛ فقَلَّ مَنْ يَنْجَحُ في هذه الابتلاءات؛ بل إن بعضهم ينسب نجاةَ مركبه إلى مهارة القائد، وشفاءَ مريضه إلى مهارة الطبيب، وينسى المتفضِّل الأول وهو الله.

ثم بيَّن سبحانه أنه كما زُيِّنَ لهذا الإنسان القدرةُ على الدعاء عند البلاء، والإعراضُ عند الرخاء، فإنه زُيِّنَ للذين أسرفوا ما كانوا يعملون من الذنوب والمعاصي، أي: أنه أعطى كلًّا اختياره.

[13] ﴿وَلَقَدۡ أَهۡلَكۡنَا ٱلۡقُرُونَ مِن قَبۡلِكُمۡ لَمَّا ظَلَمُواْ وَجَآءَتۡهُمۡ رُسُلُهُم بِٱلۡبَيِّنَٰتِ وَمَا كَانُواْ لِيُؤۡمِنُواْۚ كَذَٰلِكَ نَجۡزِي ٱلۡقَوۡمَ ٱلۡمُجۡرِمِينَ 13﴾:

أخبَرَ جل وعلا عن حال الأمم السابقة التي ظلَمَتْ نفسها بالشرك، وكذَّبت الرسل، فكان أنْ أهلَكَهم الله بعدما جاءتهم الرسل بالآيات الواضحات، والمعجزات الباهرات، التي تدل على صدقهم، فلم يؤمنوا ولم ينقادوا ولم يُذْعِنوا؛ فكان مصيرهم الإهلاك، وهو مصير كل مجرم مكذِّب متجاوز لحدود الله. وفي الآية تحذيرٌ شديدٌ لأهل مكة إن هم لم يؤمنوا؛ فإن سنة الله ماضية عليهم، وإن مصيرهم الهلاك والبوار.

[14] ﴿ثُمَّ جَعَلۡنَٰكُمۡ خَلَٰٓئِفَ فِي ٱلۡأَرۡضِ مِنۢ بَعۡدِهِمۡ لِنَنظُرَ كَيۡفَ تَعۡمَلُونَ 14﴾:

ثم أخبَرَ جل وعلا أنه جعل الناس خلفاء في الأرض، أي: يخلُفُ بعضهم بعضًا؛ بعد أن أهلك تلك الأمم السابقة الجاحدة المكذِّبة؛ ليرى ماذا يعملون من الخير والشر؛ ولا شك أن الله عالمٌ سلفًا كيف يعملون قبل عملهم، لكنه سبحانه لِعَدْلِهِ لا يحاسب إلا عندما يقع العمل منهم فعلًا؛ فيثيب محسنهم، ويعاقب مسيئهم.

[15] ﴿وَإِذَا تُتۡلَىٰ عَلَيۡهِمۡ ءَايَاتُنَا بَيِّنَٰتٖ قَالَ ٱلَّذِينَ لَا يَرۡجُونَ لِقَآءَنَا ٱئۡتِ بِقُرۡءَانٍ غَيۡرِ هَٰذَآ أَوۡ بَدِّلۡهُۚ قُلۡ مَا يَكُونُ لِيٓ أَنۡ أُبَدِّلَهُۥ مِن تِلۡقَآيِٕ نَفۡسِيٓۖ إِنۡ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَىٰٓ إِلَيَّۖ إِنِّيٓ أَخَافُ إِنۡ عَصَيۡتُ رَبِّي عَذَابَ يَوۡمٍ عَظِيمٖ 15﴾:

بيَّن جل وعلا تعنُّت أولئك المنكرين للبعث الذين لا يُعْجِبهم ذكر الحشر والنار، والذين يريدون قرآنًا حسَبَ أهوائهم، وربما ينتظرون لعله أن يتغيَّر شيءٌ مما قال محمد ﷺ؛ فيثبتوا أنه كذَّاب؛ فيكون مدخلًا لهم لتشكيك أتباعه من المؤمنين، ومعلومٌ أن مكايد هؤلاء الكفار كثيرة، ولكنَّ الله حافظ رسوله ﷺ منهم ومن غيرهم، ثم أمَرَ سبحانه نبيه ﷺ أن يقول لهؤلاء الكفار: لا ينبغي ولا يجوز لي أن أبدِّل شيئًا من هذا القرآن من تِلْقاء نفسي؛ فإنما أنا عبدٌ ورسولٌ مأمورٌ أن أتَّبع ما يأتيني به الوحي، وإني أخاف –إن عصيت وخالفت أمر ربي- أن يعاقبني في ذلك اليوم العظيم، وهو يوم القيامة.

[16] ﴿قُل لَّوۡ شَآءَ ٱللَّهُ مَا تَلَوۡتُهُۥ عَلَيۡكُمۡ وَلَآ أَدۡرَىٰكُم بِهِۦۖ فَقَدۡ لَبِثۡتُ فِيكُمۡ عُمُرٗا مِّن قَبۡلِهِۦٓۚ أَفَلَا تَعۡقِلُونَ 16﴾:

ثم أمَرَ جل وعلا نبيه ﷺ أن يقول لهؤلاء الكفار: لو شاء الله، ما جعلني أقرأ هذا القرآن عليكم، ولا أَعلَمَكم بما فيه من النور والهداية، ولَتَرَكَكم في ضلالكم وغيِّكم تعمهون، وأنتم تعلمون أني عِشْتُ فيكم أربعين سنة ولم تجرِّبوا عليَّ كذبًا؛ أفلا تستعملون عقولكم وأفكاركم، ثم تشكرون نعمة الله عليكم؛ حيث أنزَلَ رسالته فيكم.

[17] ﴿فَمَنۡ أَظۡلَمُ مِمَّنِ ٱفۡتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ كَذِبًا أَوۡ كَذَّبَ بِـَٔايَٰتِهِۦٓۚ إِنَّهُۥ لَا يُفۡلِحُ ٱلۡمُجۡرِمُونَ 17﴾:

أخبَرَ جل وعلا أنه لا أحد أشدُّ ظلمًا من صنفين:

الأول: الذي يتقوَّل على الله ويختلق عليه الكذب.

والثاني: الذي يكذِّب بآيات الله ويجحدها بعدما جاءته.

فهؤلاء خائبون لا يُفْلِحون، ولا يظفرون بمطلوب أبدًا.

[18] ﴿وَيَعۡبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمۡ وَلَا يَنفَعُهُمۡ وَيَقُولُونَ هَٰٓؤُلَآءِ شُفَعَٰٓؤُنَا عِندَ ٱللَّهِۚ قُلۡ أَتُنَبِّـُٔونَ ٱللَّهَ بِمَا لَا يَعۡلَمُ فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَلَا فِي ٱلۡأَرۡضِۚ سُبۡحَٰنَهُۥ وَتَعَٰلَىٰ عَمَّا يُشۡرِكُونَ 18﴾:

ثم أخبَرَ جل وعلا عن هؤلاء المشركين: أنهم يَدْعُونَ مع الله آلهة أخرى لا تملك لهم نفعًا ولا ضرًّا، ويسوِّغون هذا الشرك بقولٍ باطلٍ لا دليل عليه؛ يقولون: إن هذه الآلهة تقرِّبهم وتتوسَّط لهم عند الله، فقل لهم -أيها النبي-: أتخبرون الله بأمرٍ خَفِيَ عليه وعَلِمْتُمُوهُ أنتم؟! تقدَّس الله في علاه، وتنزَّه أن تكون معه آلهة أخرى، وهذا تبكيتٌ لهم.

[19] ﴿وَمَا كَانَ ٱلنَّاسُ إِلَّآ أُمَّةٗ وَٰحِدَةٗ فَٱخۡتَلَفُواْۚ وَلَوۡلَا كَلِمَةٞ سَبَقَتۡ مِن رَّبِّكَ لَقُضِيَ بَيۡنَهُمۡ فِيمَا فِيهِ يَخۡتَلِفُونَ 19﴾:

أخبَرَ جل وعلا أن جميع الناس كانوا مؤمنين متَّفقين على دين الإسلام، ثم اختلفوا؛ فمنهم: مَنْ بقي على إيمانه، ومنهم: من بدَّل وكفَرَ، ولولا كلمةٌ سبَقَتْ من الله سبحانه بإمهال العاصين، وعدم تعجيل العقوبة لهم، لقضى الله بنجاة المؤمنين، وهلاك الكافرين، ولكن يؤخِّرهم ليوم لا ريب فيه، وهذا ينطبق على قوم نوح عليه السلام وعلى مَنْ شاكلهم.

[20] ﴿وَيَقُولُونَ لَوۡلَآ أُنزِلَ عَلَيۡهِ ءَايَةٞ مِّن رَّبِّهِۦۖ فَقُلۡ إِنَّمَا ٱلۡغَيۡبُ لِلَّهِ فَٱنتَظِرُوٓاْ إِنِّي مَعَكُم مِّنَ ٱلۡمُنتَظِرِينَ 20﴾:

اقترَحَ هؤلاء المكذِّبون المعاندون، فقالوا: لولا أُنزِلَ على محمد آيةٌ خارقة -وكأنهم لم يعتدُّوا بما أنزَلَ الله عليه من الآيات البينات- فأخذوا يقترحون معجِزاتٍ من قِبَلِ أنفسهم، فقل لهم -أيها النبي- عند طلبهم هذه الآيات: إنما الغيب لله؛ فلا يعلم الغيب أحد إلا الله، فانتظروا حُكْمَ الله بيننا، إني منتظر ذلك، وسوف تعلمون عاقبة تكذيبكم وعنادكم.

[21] ﴿وَإِذَآ أَذَقۡنَا ٱلنَّاسَ رَحۡمَةٗ مِّنۢ بَعۡدِ ضَرَّآءَ مَسَّتۡهُمۡ إِذَا لَهُم مَّكۡرٞ فِيٓ ءَايَاتِنَاۚ قُلِ ٱللَّهُ أَسۡرَعُ مَكۡرًاۚ إِنَّ رُسُلَنَا يَكۡتُبُونَ مَا تَمۡكُرُونَ 21﴾:

بيَّن جل وعلا حال المشركين إذا بدَّل الله حالهم من العسر إلى اليسر، ومن المرض إلى الصحة، ومن الفقر إلى الغنى، ومن الجَدْب والقحط إلى المطر والبَرَكة، فإنهم يقولون: هذه سُنَنُ الدَّهْر، ولا يعترفون بأن الله هو المقدِّر لذلك كله، ويقولون: ﴿قَدۡ مَسَّ ءَابَآءَنَا ٱلضَّرَّآءُ وَٱلسَّرَّآءُ﴾ [الأعراف:٩٥]، وسرعان ما يستهزئون بآيات الله، ويكذِّبون بها، فقل لهم -أيها النبي-: اللهُ أعجَلُ عقوبةً، وأسرَعُ مكرًا واستدراجًا لكم، واعلموا أن الحَفَظةَ من الملائكة يكتبون ما تعملون.

[22] ﴿هُوَ ٱلَّذِي يُسَيِّرُكُمۡ فِي ٱلۡبَرِّ وَٱلۡبَحۡرِۖ حَتَّىٰٓ إِذَا كُنتُمۡ فِي ٱلۡفُلۡكِ وَجَرَيۡنَ بِهِم بِرِيحٖ طَيِّبَةٖ وَفَرِحُواْ بِهَا جَآءَتۡهَا رِيحٌ عَاصِفٞ وَجَآءَهُمُ ٱلۡمَوۡجُ مِن كُلِّ مَكَانٖ وَظَنُّوٓاْ أَنَّهُمۡ أُحِيطَ بِهِمۡ دَعَوُاْ ٱللَّهَ مُخۡلِصِينَ لَهُ ٱلدِّينَ لَئِنۡ أَنجَيۡتَنَا مِنۡ هَٰذِهِۦ لَنَكُونَنَّ مِنَ ٱلشَّٰكِرِينَ 22﴾:

ثم أخبَرَ جل وعلا أنه وحده هو الذي يسيِّركم في البر على الدوابِّ وغيرها، وفي البحر على السفن وغيرها، وفي الجَوِّ على الطائرات، ثم وصف سبحانه حال الكفار عندما يركبون البحر وتجري بهم السفنِ برِيحٍ طيبة، ويَفْرَحُ الركاب بهذه الريح، وفجأةً تأتي ريحٌ شديدةٌ تَعْصِفُ بهم، ثم تأتي الأمواجُ العالية في البحر وتحيطُ بهم، وتأكَّدوا أن الهلاك قد أحاط بهم من كل جانب؛ فحينئذٍ يلجؤون إلى الله مخلصين له الدين، ويَنْسَوْنَ أوثانهم وأولياءهم؛ وهكذا لو أحاطت بهم الكوارث في البر كالزلازل والبراكين، أو اشتدَّت بهم العواصف، وضربتهم الفيضانات، عند ذلك يقولون: لئن أنجيتنا -يا ربنا- من هذا الكرب، وهذا البلاء لنكوننَّ من الشاكرين لك على نعمك.

[23] ﴿فَلَمَّآ أَنجَىٰهُمۡ إِذَا هُمۡ يَبۡغُونَ فِي ٱلۡأَرۡضِ بِغَيۡرِ ٱلۡحَقِّۗ يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِنَّمَا بَغۡيُكُمۡ عَلَىٰٓ أَنفُسِكُمۖ مَّتَٰعَ ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَاۖ ثُمَّ إِلَيۡنَا مَرۡجِعُكُمۡ فَنُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمۡ تَعۡمَلُونَ 23﴾:

ثم بيَّن جل وعلا أنه إذا فرَّج كربهم وأنجاهم، وأزال الخطَرَ الذي أحاط بهم، رجعوا إلى ما كانوا عليه مِن البَغْيِ والفساد في الأرض بغير الحق، وقالوا: هذه كوارثُ طبيعية، أو نسبوا النجاة لبراعة القائد أو الطبيب، ونَسُوا الذي استغاثوا به فأنقذهم، فاعلموا -أيها الناس- أنما بغيكم سوف يعود عليكم؛ فاستمتعوا بنعيم الدنيا الزائل ما شئتم؛ فإنما إلى الله مَرْجِعُكم ومصيركم، ثم يُخبركم سبحانه بكل ما عملتموه في الدنيا، ويجازيكم عليه؛ إنْ خيرًا فخيرٌ، وإنْ شرًّا فشرّ.

[24] ﴿إِنَّمَا مَثَلُ ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَا كَمَآءٍ أَنزَلۡنَٰهُ مِنَ ٱلسَّمَآءِ فَٱخۡتَلَطَ بِهِۦ نَبَاتُ ٱلۡأَرۡضِ مِمَّا يَأۡكُلُ ٱلنَّاسُ وَٱلۡأَنۡعَٰمُ حَتَّىٰٓ إِذَآ أَخَذَتِ ٱلۡأَرۡضُ زُخۡرُفَهَا وَٱزَّيَّنَتۡ وَظَنَّ أَهۡلُهَآ أَنَّهُمۡ قَٰدِرُونَ عَلَيۡهَآ أَتَىٰهَآ أَمۡرُنَا لَيۡلًا أَوۡ نَهَارٗا فَجَعَلۡنَٰهَا حَصِيدٗا كَأَن لَّمۡ تَغۡنَ بِٱلۡأَمۡسِۚ كَذَٰلِكَ نُفَصِّلُ ٱلۡأٓيَٰتِ لِقَوۡمٖ يَتَفَكَّرُونَ 24﴾:

ثم ذكَرَ جل وعلا الحياة الدنيا، ووصَفَها بأبلغ وصف تصله العقول؛ فهي كالأرض حين يَنزِلُ عليها المطر، تزدهِرُ وتطيبُ وتحلو للناظرين، وتنبُتُ بها أنواع الزروع والأشجار والثمار التي يأكل منها الناس والحيوانات؛ حتى إذا ظهَرَ حُسْنُ هذه الأرض وجمالها، وظنَّ سكانها أنهم في نعيم مستمر، وأنهم قادرون على حصادها والانتفاع بها، فجأةً يحلُّ بها قضاءُ المَلِكُ ليلًا أو نهارًا؛ فتصبح حصيدًا وهشيمًا كأنْ لم تزدهِرْ ولم تَطِبْ بالأمس؛ فكذلك سوف يقع الفناء على ما تتفاخرون به من دنياكم؛ فيحصُلُ الموتُ للأهل والأقارب، ويقع الخرابُ للبيوت والقصور، وهذه سنة الله في خلقه؛ فهو الذي كتب على الدنيا وأهلها الفناء، وكما بيَّن لكم سبحانه حال الدنيا ونهايتها؛ فقد بيَّن الحجج والبراهين الواضحة لقوم يتفكَّرون في آيات الله، ويتدبَّرون ما ينفعهم في الدنيا والآخرة؛ فنسأل الله تعالى الخاتمة الحَسَنة.

[25] ﴿وَٱللَّهُ يَدۡعُوٓاْ إِلَىٰ دَارِ ٱلسَّلَٰمِ وَيَهۡدِي مَن يَشَآءُ إِلَىٰ صِرَٰطٖ مُّسۡتَقِيمٖ 25﴾:

واعلموا -أيها الناس- إنسًا وجنًّا: أن الله يدعوكم إلى الجنة، ثم يَمُنُّ بالهداية إلى الصراط المستقيم على مَنْ يشاء من عباده ممن أراد الهداية، ويعينه على ذلك؛ فالدعوةُ عامَّة وفضلُ الله خاصٌّ بالمستجيبين الراغبين برضوان الله.

[26] ﴿لِّلَّذِينَ أَحۡسَنُواْ ٱلۡحُسۡنَىٰ وَزِيَادَةٞۖ وَلَا يَرۡهَقُ وُجُوهَهُمۡ قَتَرٞ وَلَا ذِلَّةٌۚ أُوْلَٰٓئِكَ أَصۡحَٰبُ ٱلۡجَنَّةِۖ هُمۡ فِيهَا خَٰلِدُونَ 26﴾:

بيَّن جل وعلا أن جزاء الذين أحسنوا في عبادة الله في الدنيا: ﴿ٱلۡحُسۡنَىٰۚ ﴾، وهي: الجنة، ﴿وَزِيَادَةٞۖ ﴾، وهي: رؤية وجه الله الكريم يوم القيامة، فنسأل الله جل وعلا أن يجعلنا من المحسنين أصحاب الزيادة، التي هي رؤية وجه الله الكريم، كما جاء ذلك عند مسلم وأحمد، عن صُهَيْبٍ رضي الله عنه[3]، ثم أخبَرَ سبحانه أنه لا تَسْوَدُّ وجوههم من دخان النار عند البعث، ولا يشعرون بالخِزْيِ والخِذْلان، وهؤلاء المتَّصفون بهذه الصفات هم أصحاب الجنة، وهم باقون فيها أبد الآبدين، في نعيم دائم لا ينقطع. [3] لقوله ﷺ: «إِذَا دَخَلَ أَهْلُ الْجَنَّةِ الْجَنَّةَ، نُودُوا: يَا أَهْلَ الْجَنَّةِ، إِنَّ لَكُمْ مَوْعِدًا عِنْدَ اللهِ، مَوْعِدًا لَمْ تَرَوْهُ»، فَقَالُوا: وَمَا هُوَ؟ أَلَمْ تُبَيِّضْ وُجُوهَنَا وَتُزَحْزِحْنَا عَنِ النَّارِ، وَتُدْخِلْنَا الْجَنَّةَ؟ قَالَ: «فَيُكْشَفُ الْحِجَابُ، فَيَنْظُرُونَ إِلَيْهِ، فَوَاللهِ مَا أَعْطَاهُمُ اللهُ شَيْئًا أَحَبَّ إِلَيْهِمْ مِنْهُ»، ثُمَّ تَلَا رَسُولُ اللهِ ﷺ: ﴿ لِّلَّذِينَ أَحۡسَنُواْ ٱلۡحُسۡنَىٰ وَزِيَادَةٞۖ ﴾ [يونس:26]. أخرجه مسلم (181)، وأحمد في مسنده (18935)، واللفظ له.

[27] ﴿وَٱلَّذِينَ كَسَبُواْ ٱلسَّيِّـَٔاتِ جَزَآءُ سَيِّئَةِۭ بِمِثۡلِهَا وَتَرۡهَقُهُمۡ ذِلَّةٞۖ مَّا لَهُم مِّنَ ٱللَّهِ مِنۡ عَاصِمٖۖ كَأَنَّمَآ أُغۡشِيَتۡ وُجُوهُهُمۡ قِطَعٗا مِّنَ ٱلَّيۡلِ مُظۡلِمًاۚ أُوْلَٰٓئِكَ أَصۡحَٰبُ ٱلنَّارِۖ هُمۡ فِيهَا خَٰلِدُونَ 27﴾:

أخبَرَ جل وعلا أنه يحب المحسنين ويزيدهم من فضله، ويَكْرَهُ الكفار والظالمين والفاسقين، ولكنه لا يظلمهم ولا يزيدُ العقوبة عليهم؛ فلذا أخبر سبحانه أن جزاء السيئة لا يضاعف عليهم، وأنها تكتب بسيئة مثلها، ويوم القيامة تغشاهم ذلَّةٌ من الهوان والخزي، وليس لهم أحد يعصمهم أو يمنعهم مما يستحقونه من عذاب الله وسَخَطه، وتراهم كأنما غطَّت وجوهَهم أجزاءٌ من سواد الليل المظلم من شدة ما يحيط بهم من دُخَان جهنم، ونهايةُ أمرهم: أنهم من أصحاب النار، وأنهم خالدون فيها لا يخرجون منها أبدًا. فانظر -يا رعاك الله- الفرق بين الفريقين؛ فريق الجنة، وفريق السعير!

[28] ﴿وَيَوۡمَ نَحۡشُرُهُمۡ جَمِيعٗا ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشۡرَكُواْ مَكَانَكُمۡ أَنتُمۡ وَشُرَكَآؤُكُمۡۚ فَزَيَّلۡنَا بَيۡنَهُمۡۖ وَقَالَ شُرَكَآؤُهُم مَّا كُنتُمۡ إِيَّانَا تَعۡبُدُونَ 28﴾:

وتذكَّر -أيها النبي- يوم أن يُحشر الناس جميعًا يوم القيامة للحساب والجزاء، ثم يقولَ سبحانه للمشركين تقريعًا وتبكيتًا لهم: الزموا مكانكم أنتم وشركاؤكم الذين كنتم تعبدونهم في الدنيا من دون الله حتى نحكُمَ بينكم وبينهم، وتَرَوْا ما يحل بكم، ثم يفرِّق الله بين العابد والمعبود؛ فيتبرَّأ المعبودون ممن عبدوهم، ويقولون لهم: لم نأمُرْكم بعبادتنا في الدنيا، وإنما عبَدتُّمْ أهواءَكم وشياطينكم الذين أغوَوْكم وأمروكم بعبادتنا فأطعتموهم.

[29] ﴿فَكَفَىٰ بِٱللَّهِ شَهِيدَۢا بَيۡنَنَا وَبَيۡنَكُمۡ إِن كُنَّا عَنۡ عِبَادَتِكُمۡ لَغَٰفِلِينَ 29﴾:

ثم إن الله يُنطِقُ هذه الأصنام والأوثان، فتقول: كفى بالله شهيدًا بيننا وبينكم؛ أننا لم نأمركم، ولم نَرْضَ بعبادتكم لنا، فقد كنا جمادًا لا رُوحَ فينا؛ لذا كنا في غفلة عن عبادتكم، ولم نشعر أنكم كنتم تعبدوننا.

[30] ﴿هُنَالِكَ تَبۡلُواْ كُلُّ نَفۡسٖ مَّآ أَسۡلَفَتۡۚ وَرُدُّوٓاْ إِلَى ٱللَّهِ مَوۡلَىٰهُمُ ٱلۡحَقِّۖ وَضَلَّ عَنۡهُم مَّا كَانُواْ يَفۡتَرُونَ 30﴾:

ثم بيَّن جل وعلا أن كل شخص يوم القيامة يرى نتيجةَ ما عَمِلَ في الدنيا، ثم تُرَدُّ كل نفس إلى الله تعالى ربِّهم، الذي يملك تولِّي أمرهم ويجازيهم بالحقِّ، فيضمحلُّ الباطل الذي اصطنعه الكفار، واختفت عنهم آلهتهم التي كانوا يعبُدُونها من دون الله؛ فلم تَشْفَعْ لهم ولم تدفع عنهم عذاب الله وعقابه الذي كُتِبَ عليهم.

[31] ﴿قُلۡ مَن يَرۡزُقُكُم مِّنَ ٱلسَّمَآءِ وَٱلۡأَرۡضِ أَمَّن يَمۡلِكُ ٱلسَّمۡعَ وَٱلۡأَبۡصَٰرَ وَمَن يُخۡرِجُ ٱلۡحَيَّ مِنَ ٱلۡمَيِّتِ وَيُخۡرِجُ ٱلۡمَيِّتَ مِنَ ٱلۡحَيِّ وَمَن يُدَبِّرُ ٱلۡأَمۡرَۚ فَسَيَقُولُونَ ٱللَّهُۚ فَقُلۡ أَفَلَا تَتَّقُونَ 31﴾:

وقل -أيها الرسول- لهؤلاء المشركين والكفار: من الذي يرزُقُكم من السماء والأرض؟! ومن الذي يحيي ويميت؟ ومن الذي يملك ما تتمتَّعون به من السمع والأبصار؟! ومن الذي يخرج الحي من الميت، ويخرج الميت من الحي؟! إلى آخر هذه الأسئلة التي سيجيبونك بعدها: بأنه الله؛ حينئذ قل لهم -أيها النبي-: أفلا تخشون عقوبة الله إذا عبدتم غيره؟!

[32] ﴿فَذَٰلِكُمُ ٱللَّهُ رَبُّكُمُ ٱلۡحَقُّۖ فَمَاذَا بَعۡدَ ٱلۡحَقِّ إِلَّا ٱلضَّلَٰلُۖ فَأَنَّىٰ تُصۡرَفُونَ 32﴾:

وقل لهم -أيها النبي-: فاعلموا أن هذا الذي اعترفتم أنه: الخالق الرازق، المحيي المميت، الذي يملك سمعكم وأبصاركم، ويخرج الحي من الميت، ويخرج الميت من الحي، وغير ذلك؛ اعلموا أنه هو ربُّكم الإله الحق الذي يستحق أن تفردوه بالعبادة، فماذا -أيها الضالون- بعد الحق إلا الضلال المبين؟! ثم أجبهم -أيها النبي- على سبيل التعجب والإنكار: فكيف تُصْرَفُونَ عن عبادته وشكره سبحانه إلى عبادة ما سواه؟!

[33] ﴿كَذَٰلِكَ حَقَّتۡ كَلِمَتُ رَبِّكَ عَلَى ٱلَّذِينَ فَسَقُوٓاْ أَنَّهُمۡ لَا يُؤۡمِنُونَ 33﴾:

واعلموا أنه كما صَرَفَ هؤلاء المشركون أنفسهم عن الحق إلى الضلال، وأصرُّوا على الكفر بعد أن قامت عليهم الحجة؛ فكذلك حقَّت ووجَبَتْ كلمة الله بعدم هداية الذين يخرجون عن الطاعة، بل وصرفهم عن الهداية؛ فلا يؤمنون بوحدانية الله، ولا يصدِّقون برُسُله، وهذا اختيارهم؛ حيث جعلهم الله مختارين؛ فاختاروا الكفر والضلال، واستمروا عليه، فثبَّتهم الله على ما اختاروا جزاءً وليس ابتداءً.

[34] ﴿قُلۡ هَلۡ مِن شُرَكَآئِكُم مَّن يَبۡدَؤُاْ ٱلۡخَلۡقَ ثُمَّ يُعِيدُهُۥۚ قُلِ ٱللَّهُ يَبۡدَؤُاْ ٱلۡخَلۡقَ ثُمَّ يُعِيدُهُۥۖ فَأَنَّىٰ تُؤۡفَكُونَ 34﴾:

وقل -أيها النبي- لهؤلاء المشركين على سبيل السخرية: هل يستطيع أحد ممن تَدْعُونَ من دون الله أن يُنْشِئَ خلقًا عن عدم، ثم يفنيه، ثم يعيده مرة أخرى؟! ثم قل لهم: اعلموا أن الله وحده هو الذي يُنْشِئُ الخلق، ثم يفنيه، ثم يعيده مرة أخرى؛ فكيف تنصرفون وتنحرفون عن عبادته سبحانه إلى عبادة غيره؟!

[35] ﴿قُلۡ هَلۡ مِن شُرَكَآئِكُم مَّن يَهۡدِيٓ إِلَى ٱلۡحَقِّۚ قُلِ ٱللَّهُ يَهۡدِي لِلۡحَقِّۗ أَفَمَن يَهۡدِيٓ إِلَى ٱلۡحَقِّ أَحَقُّ أَن يُتَّبَعَ أَمَّن لَّا يَهِدِّيٓ إِلَّآ أَن يُهۡدَىٰۖ فَمَا لَكُمۡ كَيۡفَ تَحۡكُمُونَ 35﴾:

وقل لهم -أيها النبي-: هل من شركائكم من يُرْشِدكم إلى مصالحكم في الدنيا والآخرة، أو يدُلُّكم على طريق الحق والاستقامة؟! فسوف يقولون: لا؛ فحينئذ قل لهم: إن الله وحده الذي يَهْدِي إلى الحق، ثم قل لهم: أليس الذي يُرْشِدُ الناس إلى الحق، وإلى ما يصلحهم -وهو الله- أحقَّ بالعبادة والاتباع؟! أم أن الذي لا يستطيع هداية نفسه -وهي الأصنام- ولا تهدي أحدًا هي الأحق بالاتباع؟! فما الذي دهاكم وأتلف عقولكم؟! وكيف تحكُمُونَ هذا الحكم الفاسد؟.

[36] ﴿وَمَا يَتَّبِعُ أَكۡثَرُهُمۡ إِلَّا ظَنًّاۚ إِنَّ ٱلظَّنَّ لَا يُغۡنِي مِنَ ٱلۡحَقِّ شَيۡـًٔاۚ إِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمُۢ بِمَا يَفۡعَلُونَ 36﴾:

واعلم -أيها النبي- أن هؤلاء المشركين لا يتَّبعون في عبادتهم إلا الظن والوهم والتخرُّص، ولا شك أن الظن الفاسد لا يغني من اليقين والحقيقة شيئًا أبدًا، ومعلومٌ أن أمر الدين والعقيدة لا ينفع فيه الظنُّ والشك؛ لأنه مبنيٌّ على العلم الذي جاءت به الرسل، والذي يتَّضح به الحق من الباطل، واعلموا أن الله عليمٌ بكفر هؤلاء وشركهم وتكذيبهم، وفي هذا تهديدٌ ووعيدٌ لهم، وأن الله مجازيهم على ذلك.

[37] ﴿وَمَا كَانَ هَٰذَا ٱلۡقُرۡءَانُ أَن يُفۡتَرَىٰ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَلَٰكِن تَصۡدِيقَ ٱلَّذِي بَيۡنَ يَدَيۡهِ وَتَفۡصِيلَ ٱلۡكِتَٰبِ لَا رَيۡبَ فِيهِ مِن رَّبِّ ٱلۡعَٰلَمِينَ 37﴾:

ثم بيَّن جل وعلا أن هذا القرآنَ كلامُ الله لا يستطيع أن يقوله أحدٌ من الخلق، أو أن يأتي بمثله؛ لإعجازه لفظًا ومعنًى وبلاغةً، ولِمَا يحتويه من علوم الأوَّلين والآخرين وعلوم الغيب، ثم أخبَرَ سبحانه أنه كلامُ الله ووحيه أنزله مصدِّقًا للكتب السماوية السابقة، وأنه تبيينٌ وتوضيحٌ لأحكام الله وفرائضه وشرائعه، وأنه لا شك ولا مِرْية في أنه وحيٌ نزَلَ من رب الخلائق أجمعين.

[38] ﴿أَمۡ يَقُولُونَ ٱفۡتَرَىٰهُۖ قُلۡ فَأۡتُواْ بِسُورَةٖ مِّثۡلِهِۦ وَٱدۡعُواْ مَنِ ٱسۡتَطَعۡتُم مِّن دُونِ ٱللَّهِ إِن كُنتُمۡ صَٰدِقِينَ 38﴾:

ثم أخبَرَ جل وعلا أن هؤلاء المشركين المكذِّبين -عنادًا وبغيًا- يقولون: إن هذا القرآن لم يُوحَ إلى محمد؛ بل افتراه واختلقه من عند نفسه، ثم أمَرَ سبحانه نبيه أن يقول لهم: إذَنْ: فأْتُوا أنتم بسورة واحدة مثله في البلاغة والفصاحة والإعجاز، وادْعُوا من شئتم يظاهركم ويعاونكم في ذلك؛ إن كنتم صادقين في دعواكم أن هذا القرآن مُخْتَلَقٌ من قِبَلِ محمد.

[39] ﴿بَلۡ كَذَّبُواْ بِمَا لَمۡ يُحِيطُواْ بِعِلۡمِهِۦ وَلَمَّا يَأۡتِهِمۡ تَأۡوِيلُهُۥۚ كَذَٰلِكَ كَذَّبَ ٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِهِمۡۖ فَٱنظُرۡ كَيۡفَ كَانَ عَٰقِبَةُ ٱلظَّٰلِمِينَ 39﴾:

ثم بيَّن جل وعلا أن الكفار استعجلوا في تكذيب القرآن قبل أن يتفهَّموه ويعرفوا فوائده ومقاصده، وقد ذمَّهم جل وعلا على التقليد وترك النظر والتعقُّل والتفكُّر في مقاصده ومعرفة ما سيَؤُولُ إليه أمره، والتأويلُ عند المفسِّرين هو شرح الكلام وتوضيحه، ويأتي كما ذكر هنا بمعنى: مآلِ الأمر، أي: وقوعِهِ وحدوثِهِ ورؤيتِهِ عِيَانًا؛ كما قال يوسف لأبيه لما سجدوا له: ﴿يَٰٓأَبَتِ هَٰذَا تَأۡوِيلُ رُءۡيَٰيَ مِن قَبۡلُ﴾ [يوسف:١٠٠]، يقصد: وقوعها وحصولها، وربما يكون المقصود الأول، وهو: أنهم لم ينتظروا شرحه وتفسيره؛ فبادَرُوا بالإنكار والتكذيب، ثم بيَّن سبحانه أنه كما كذَّب مشركو مكة نبيهم ﷺ؛ فكذلك كان تكذيبُ آيات الله وجَحْدُها من الأمم السابقة؛ فانظر -أيها النبي- كيف أهلكناهم وعذَّبناهم بسبب تكذيب رسلنا ظلمًا وعلوًّا وكفرًا وعنادًا؟!

[40] ﴿وَمِنۡهُم مَّن يُؤۡمِنُ بِهِۦ وَمِنۡهُم مَّن لَّا يُؤۡمِنُ بِهِۦۚ وَرَبُّكَ أَعۡلَمُ بِٱلۡمُفۡسِدِينَ 40﴾:

واعلم -أيها النبي- أن مِنْ قومك مَنْ يصدِّق بالقرآن، ومنهم من لا يصدِّق به؛ فيجحده ويرفض الإيمان به مكابرةً وحسدًا وظلمًا وعنادًا وإفسادًا كأبي جهل وغيره، ثم بيَّن سبحانه أنه أعلم بالمفسدين، وفي هذا تحذير لمن يصُدُّ الناس ويصرفهم عن دين الله.

[41] ﴿وَإِن كَذَّبُوكَ فَقُل لِّي عَمَلِي وَلَكُمۡ عَمَلُكُمۡۖ أَنتُم بَرِيٓـُٔونَ مِمَّآ أَعۡمَلُ وَأَنَا۠ بَرِيٓءٞ مِّمَّا تَعۡمَلُونَ 41﴾:

ثم أرشَدَ جل وعلا نبيه ﷺ إذا كذَّبه قومه ورفضوا الهدى الذي جاء به؛ أن يقول لهم: إن جزاء أعمالي عليَّ، وجزاء أعمالكم عليكم، وأنتم بريئون أمام الله من أعمالي، وأنا بريءٌ أمام الله من أعمالكم، وقوله: ﴿لِّي عَمَلِي وَلَكُمۡ عَمَلُكُمۡۖ ﴾ [يونس:٤١]، شرحٌ لقوله تعالى: [الكافرون:٦]، ﴿لَكُمۡ دِينُكُمۡ وَلِيَ دِينِ﴾ أي: أن البراءة تكون بعد الدعوة والتبليغ، وبعد أن يكذِّبوا بالرسالة.

[42] ﴿وَمِنۡهُم مَّن يَسۡتَمِعُونَ إِلَيۡكَۚ أَفَأَنتَ تُسۡمِعُ ٱلصُّمَّ وَلَوۡ كَانُواْ لَا يَعۡقِلُونَ 42﴾:

واعلم -أيها النبي- أن من هؤلاء الكفار مَنْ يستمِعُ إليك وقت تلاوتك القرآن، استماعًا يتطلَّبون فيه عَثْرَةً لك حتى يكذِّبوك، ولذلك حُرِموا التوفيق للهداية؛ فهؤلاء كالأصم الذي لا يعقل؛ فهل تستطيع -أيها النبي- أن تُسمِعَهُ كلام الله؟! فكذلك هؤلاء الكفار الذين أغلقوا آذانهم عن سماع الحق لا يُمْكِنُ أن تُسمِعَهم كلام الله إسماعًا ينتفعون به!

[43] ﴿وَمِنۡهُم مَّن يَنظُرُ إِلَيۡكَۚ أَفَأَنتَ تَهۡدِي ٱلۡعُمۡيَ وَلَوۡ كَانُواْ لَا يُبۡصِرُونَ 43﴾:

واعلم أيضًا -أيها النبي- أن من هؤلاء الكفار مَنْ ينظر إلى هديك وأخلاقك وأعمالك، ويرى آثار النبوَّة ظاهرة عليك، ومع ذلك لا يهتدي، ولا يرى ببصيرته نور الإيمان؛ فهذا كالأعمى الذي لا يُبْصِر؛ فهل تستطيع -أيها النبي- أن تخلُقَ له بصرًا يهتدي به إلى الطريق؛ فكذلك هؤلاء الكفار الذين فقدوا بصيرتهم، لا يُمْكِنُ أن تهديهم إلى طريق الله المستقيم.

[44] ﴿إِنَّ ٱللَّهَ لَا يَظۡلِمُ ٱلنَّاسَ شَيۡـٔٗا وَلَٰكِنَّ ٱلنَّاسَ أَنفُسَهُمۡ يَظۡلِمُونَ 44﴾:

ثم أخبَرَ جل وعلا أن الله لا يظلم الناس شيئًا؛ فلا ينقُصُ من حسناتهم، ولا يزيد في سيئاتهم، بل خلَقَهم على أكمل وجه، وجعَلَ لهم من الإدراك ما يميِّزون به الخير من الشر، والحق من الباطل، ولكنَّ الناس يظلمون أنفسهم باتِّباع أهوائهم، وإعراضهم عن الحق، ومخالفتهم أمر الله ونهيه؛ لشهوة أو شبهة، والشيطان يحسِّن لهم ما هم فيه من الضلال.

[45] ﴿وَيَوۡمَ يَحۡشُرُهُمۡ كَأَن لَّمۡ يَلۡبَثُوٓاْ إِلَّا سَاعَةٗ مِّنَ ٱلنَّهَارِ يَتَعَارَفُونَ بَيۡنَهُمۡۚ قَدۡ خَسِرَ ٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِلِقَآءِ ٱللَّهِ وَمَا كَانُواْ مُهۡتَدِينَ 45﴾:

أخبَرَ جل وعلا عن مشهد من مشاهد يوم البعث، فبعد أن يُحْشَرَ الناس في صعيد واحد يشعُرُونَ بسرعة انقضاء الدنيا وزوالها، كأنهم ما لبثوا فيها إلا ساعة واحدة من النهار يتعرَّف بعضهم على بعض كحالهم في الدنيا، ثم يفترقون؛ ففي ذلك الموقف العظيم: يفوز وينجو من آمن بالله، وامتثل أوامره، وصدَّق بالبعث، ويَهْلِكُ ويخسر من كفَرَ وكذَّب بالبعث وبلقاء الله، ومن كانت هذه حاله، فما هو بموفَّق ولا هو برشيد.

[46] ﴿وَإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعۡضَ ٱلَّذِي نَعِدُهُمۡ أَوۡ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِلَيۡنَا مَرۡجِعُهُمۡ ثُمَّ ٱللَّهُ شَهِيدٌ عَلَىٰ مَا يَفۡعَلُونَ 46﴾:

خاطب جل وعلا نبيه ﷺ فقال له: إما أن نريك بعض ما وعَدْنا الكفار به من العذاب في الدنيا بقتلهم وأسرهم؛ فتَقَرُّ بذلك عينك، وتطمئِنُّ نفسك، وإما أن نتوفَّاك قبل ذلك، ثم يكونُ إلينا مرجع ومصير هؤلاء الكفار، فنعذِّبهم في الآخرة العذاب الشديد، ونحن شهداء عليهم، لا يخفى علينا من أمرهم ولا من أعمالهم شيءٌ؛ وفي هذا وعيدٌ شديدٌ لهم، وتسلية وطمأنة للنبي ﷺ.

[47] ﴿وَلِكُلِّ أُمَّةٖ رَّسُولٞۖ فَإِذَا جَآءَ رَسُولُهُمۡ قُضِيَ بَيۡنَهُم بِٱلۡقِسۡطِ وَهُمۡ لَا يُظۡلَمُونَ 47﴾:

أخبَرَ جل وعلا أنه ما من أمة مضَتْ إلا جاءها رسول من عند الله يدعوهم إلى التوحيد، فإذا جاءهم بالآيات، فإن الناس ينقسمون؛ فمنهم من يؤمن ويصدِّق، ومنهم من يكفُرُ ويُعْرِض؛ فيقضي الله بينهم بالقسط والعدل؛ فينجو من آمن، ويَهْلِكُ من كفَرَ، ولا يظلم الله الناس شيئًا، ولكنَّ الناس أنفسهم يظلمون.

[48] ﴿وَيَقُولُونَ مَتَىٰ هَٰذَا ٱلۡوَعۡدُ إِن كُنتُمۡ صَٰدِقِينَ 48﴾:

ويقول المشركون للنبي ﷺ ومن معه من المؤمنين على وجه الإنكار والتكذيب والعناد: متى ميعاد قيام الساعة التي سنُعَذَّبُ فيها؛ إن كنتم صادقين فيما تقولون؟! وهم بهذا يستعجلون عذاب الله وسَخَطه.

[49] ﴿وَيَقُولُونَ مَتَىٰ هَٰذَا ٱلۡوَعۡدُ إِن كُنتُمۡ صَٰدِقِينَ 48﴾:

فقل لهم -أيها الرسول الكريم-: ليس لي من الأمر شيء؛ فأنا لا أستطيع دفع الضر عن نفسي، ولا جلب النفع لها -إلا بإذن الله- وما عليَّ إلا البلاغ والبيان، واعلموا أن لكل أمة وقتًا محدَّدًا لها تنقضي فيه آجالهم، وتفنى فيه أعمارهم، فإذا جاء ذلك الوقت، فلا يستأخرون ساعةً واحدة، ولا يستقدمون.

[50] ﴿قُلۡ أَرَءَيۡتُمۡ إِنۡ أَتَىٰكُمۡ عَذَابُهُۥ بَيَٰتًا أَوۡ نَهَارٗا مَّاذَا يَسۡتَعۡجِلُ مِنۡهُ ٱلۡمُجۡرِمُونَ 50﴾:

وقل -أيها النبي- لهؤلاء المستعجلين للعذاب: أخبروني إن جاءكم عذاب الله ليلًا أو نهارًا، هل تطيقونه وتقدرون على تحمله؟! فأي مكسب استعجلتموه؟! وأي عقاب وعذاب ابتدرتموه أيها المجرمون؟!، ثم إنه إذا جاء، فلا يمكنكم الرجوع والتوبة.

[51] ﴿أَثُمَّ إِذَا مَا وَقَعَ ءَامَنتُم بِهِۦٓۚ ءَآلۡـَٰٔنَ وَقَدۡ كُنتُم بِهِۦ تَسۡتَعۡجِلُونَ 51﴾:

ثم يقال لهؤلاء المشركين زيادةً في تأنيبهم: أتستمرُّون في الجحود والعناد؛ فإذا وقع عليكم العذاب تقولون آمنَّا؟! وحينئذ لا ينفع نفسًا إيمانها لم تكن آمنَتْ من قبل؛ ولهذا يقال لهم تقريعًا وتوبيخًا: آلآنَ تؤمنون بعدما عاينتم العذاب، وأنتم في شدة ومشقة؟! وقد كنتم تستعجلون بالعذاب تكذيبًا منكم واستنكارًا.

[52] ﴿ثُمَّ قِيلَ لِلَّذِينَ ظَلَمُواْ ذُوقُواْ عَذَابَ ٱلۡخُلۡدِ هَلۡ تُجۡزَوۡنَ إِلَّا بِمَا كُنتُمۡ تَكۡسِبُونَ 52﴾:

ثم يقال للذين ظلموا أنفسهم بالشركِ وتجاوُزِ حدود الله على سبيل السخرية والاستهزاء بهم: ذوقوا العذاب الشديد الذي كنتم تكذِّبون به في الدنيا؛ فأنتم في نار جهنم خالدون، وهل هذا إلا جزاءُ ما كسَبَتْ أيديكم من الكفر والتكذيب واستعجال العذاب؟!

[53] ﴿وَيَسۡتَنۢبِـُٔونَكَ أَحَقٌّ هُوَۖ قُلۡ إِي وَرَبِّيٓ إِنَّهُۥ لَحَقّٞۖ وَمَآ أَنتُم بِمُعۡجِزِينَ 53﴾:

ثم أخبَرَ جل وعلا أن هؤلاء المشركين المعاندين يقولون على وجه التعنُّت: أحقٌّ وصحيحٌ -أيها النبي- حشر العباد وبعثهم؟! أحقٌّ وصحيحٌ ما تَعِدُنا به من عذاب يوم القيامة؟! فقل لهم -أيها الرسول-: أُقْسِمُ لكم بربي؛ إنه لحق لا مِرْيةَ فيه، وما أنتم بمعجزين لله، ولا مفلتين منه؛ فسيبعثكم ويجازيكم على أعمالكم.

[54] ﴿وَلَوۡ أَنَّ لِكُلِّ نَفۡسٖ ظَلَمَتۡ مَا فِي ٱلۡأَرۡضِ لَٱفۡتَدَتۡ بِهِۦۗ وَأَسَرُّواْ ٱلنَّدَامَةَ لَمَّا رَأَوُاْ ٱلۡعَذَابَۖ وَقُضِيَ بَيۡنَهُم بِٱلۡقِسۡطِ وَهُمۡ لَا يُظۡلَمُونَ 54﴾:

ثم أخبَرَ جل وعلا لو أنَّ لكلِّ نفس ظلمت بالكفر والشرك والمعاصي مِلْءَ الأرض ذهبًا وفضةً وغيرهما، وأمكنها أن تفتدي به من العذاب، لَفَعَلَتْ، ولكنْ هيهات؛ فإن ذلك لن ينفعها أبدًا، وإنما الذي ينفعها هو الإيمان والعمل الصالح في الدنيا، ثم بيَّن سبحانه أن الذين ظلموا، أخفَوْا ندامتهم وحسرتهم لما عاينوا عذاب الله وعقابه، وبيَّن سبحانه أيضًا أن مِنْ عدله أنه قضى بينهم بالعدل التام الذي لا ظلم فيه.

[55] ﴿أَلَآ إِنَّ لِلَّهِ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۗ أَلَآ إِنَّ وَعۡدَ ٱللَّهِ حَقّٞ وَلَٰكِنَّ أَكۡثَرَهُمۡ لَا يَعۡلَمُونَ 55﴾:

ثم أخبَرَ جل وعلا أن جميع ما في السموات والأرض ملك لله تعالى يتصرَّف فيها كيف شاء، ثم نبَّه سبحانه وذكَّر أن لقاء الله ووعيده بعذاب المشركين حقٌّ وكائنٌ وواقع لا محالة، ولكنَّ أكثر الناس في غفلة وإعراض عن حقيقة ذلك.

[56] ﴿هُوَ يُحۡيِۦ وَيُمِيتُ وَإِلَيۡهِ تُرۡجَعُونَ 56﴾:

ثم أخبَرَ جل وعلا بأنه وحده القادر على الإحياء والإماتة -لا شريك له في ذلك- وإليه مرجع جميع الخلائق يوم القيامة؛ فيحاسبهم على أعمالهم.

[57] ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ قَدۡ جَآءَتۡكُم مَّوۡعِظَةٞ مِّن رَّبِّكُمۡ وَشِفَآءٞ لِّمَا فِي ٱلصُّدُورِ وَهُدٗى وَرَحۡمَةٞ لِّلۡمُؤۡمِنِينَ 57﴾:

هذا نداء من الله جل وعلا لجميع الناس إِنْسِهم وجنِّهم، مسلمهم وكافرهم؛ يخبرهم فيه أنه أنزَلَ عليهم أعظم موعظة، وهو هذا القرآن الذي بين أيديهم، وما اشتمل عليه من الآيات، يذكِّرهم عقاب الله،ويحذِّرهم وعيده، ويُصْلِح أخلاقهم وأعمالهم، ثم بيَّن سبحانه أن في هذا القرآن دواءً لما في القلوب من أمراض الجهل والشرك وغيرها من الأمراض، وهدايةً ورُشْدًا لمن اتبَّعه وتدبَّر آياته واهتدى بهداه، ورحمةً لعباده المؤمنين الذين صدَّقوا بآياته، وآمنوا بما جاء به من العِبَرِ والمواعظ، والأحكام والشرائع، والحلال والحرام، وعملوا بأوامره، واجتنبوا نواهيه. وهذه الآية من آيات الشفاء التي يستعملها الرقاة لشفاء المرضى؛ لأن فيها الهدى والرحمة والشفاء؛ فلله الحمد والشكر على ألطافه ورحمته بعباده، وهي خَيْرٌ من حطام الدنيا مهما كثر.

[58] ﴿قُلۡ بِفَضۡلِ ٱللَّهِ وَبِرَحۡمَتِهِۦ فَبِذَٰلِكَ فَلۡيَفۡرَحُواْ هُوَ خَيۡرٞ مِّمَّا يَجۡمَعُونَ 58﴾:

وقل -أيها النبي- لجميع البشر: اعلموا أن الفرح الحقيقي هو بما جاءكم من الهدى ودين الحق، ولقاء الله، وثوابه للمؤمنين، ورحمته بهم، والفوز بجَنَّته؛ هذا هو الفرح الحقيقي الذي يدوم ولا ينقطع، وهذا خَيْرٌ مما تجمعون من حطام الدنيا الزائل. وقد قيل في تفسير قوله: ﴿قُلۡ بِفَضۡلِ ٱللَّهِ﴾، أي: القرآن، ﴿وَبِرَحۡمَتِهِۦ﴾: أي: الرسول ﷺ.

[59] ﴿قُلۡ أَرَءَيۡتُم مَّآ أَنزَلَ ٱللَّهُ لَكُم مِّن رِّزۡقٖ فَجَعَلۡتُم مِّنۡهُ حَرَامٗا وَحَلَٰلٗا قُلۡ ءَآللَّهُ أَذِنَ لَكُمۡۖ أَمۡ عَلَى ٱللَّهِ تَفۡتَرُونَ 59﴾:

وقل -أيها النبي- لهؤلاء المشركين المعاندين: أخبروني عن الرزق الذي ساقه الله إليكم، فقسَّمتموه على أهوائكم، فجعلتم بعضه حلالًا، وبعضه حرامًا: هل أَذِنَ اللهُ لكم في ذلك؟! أم هذه الأحكام من قبل أنفسكم؟! فاعلموا أنكم تقوَّلتم وكَذَبْتم في هذه الأحكام على الله.

[60] ﴿وَمَا ظَنُّ ٱلَّذِينَ يَفۡتَرُونَ عَلَى ٱللَّهِ ٱلۡكَذِبَ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِۗ إِنَّ ٱللَّهَ لَذُو فَضۡلٍ عَلَى ٱلنَّاسِ وَلَٰكِنَّ أَكۡثَرَهُمۡ لَا يَشۡكُرُونَ 60﴾:

ثم أنكَرَ جل وعلا عليهم جرأتهم وكَذِبهم على الله، فقال: ماذا يظنُّ ويتوقَّعُ هؤلاء الذين يكذبون على الله -فيُحِلُّونَ ويحرِّمُونَ حسب أهوائهم- أن يُصنَعَ بهم يوم القيامة، وهم بين يدي الله؟! واعلموا أن الله ذو فضلٍ ومَنٍّ وإحسانٍ على الناس، فلا يعاجلهم بالعقوبة، ولكن أكثر الناس لا يشكرون نعم الله، فلا يعترفون لِمُنْعِمِها بالفضل، بل يستعملونها في معصيته، وقليلٌ من عباد الله الشكور.

[61] ﴿وَمَا تَكُونُ فِي شَأۡنٖ وَمَا تَتۡلُواْ مِنۡهُ مِن قُرۡءَانٖ وَلَا تَعۡمَلُونَ مِنۡ عَمَلٍ إِلَّا كُنَّا عَلَيۡكُمۡ شُهُودًا إِذۡ تُفِيضُونَ فِيهِۚ وَمَا يَعۡزُبُ عَن رَّبِّكَ مِن مِّثۡقَالِ ذَرَّةٖ فِي ٱلۡأَرۡضِ وَلَا فِي ٱلسَّمَآءِ وَلَآ أَصۡغَرَ مِن ذَٰلِكَ وَلَآ أَكۡبَرَ إِلَّا فِي كِتَٰبٖ مُّبِينٍ 61﴾:

واعلم -أيها النبي- أنك ما تكون في أمر من أمورك الهامة، وما تتلو من القرآن، وما يعمل أحد من الناس عملًا؛ إلا كان الله مطَّلعًا عليه مراقبًا له عند شروعه في ذلك العمل وبَدْئه فيه، وما يغيب عن علم الله جل وعلا وزن ذَرَّة أو أكبر أو أصغر منها، إلا كان ذلك مسجَّلًا في كتاب واضح بيِّن.

وهذا خطاب للنبي ﷺ ليبلِّغ الناس أنهم تحت رقابة الله لا تخفى عليه خافية في الأرض ولا في السماء، وأن كل فعل أو قول مسطَّر محفوظ.

[62] ﴿أَلَآ إِنَّ أَوۡلِيَآءَ ٱللَّهِ لَا خَوۡفٌ عَلَيۡهِمۡ وَلَا هُمۡ يَحۡزَنُونَ 62﴾:

أخبَرَ جل وعلا أن أولياءه لا خوف عليهم ولا هم يحزنون، وقد بيَّن سبحانه صفات هؤلاء الأولياء في قوله تعالى: ﴿ٱلَّذِينَ يُؤۡمِنُونَ بِٱلۡغَيۡبِ وَيُقِيمُونَ ٱلصَّلَوٰةَ وَمِمَّا رَزَقۡنَٰهُمۡ يُنفِقُونَ 3 وَٱلَّذِينَ يُؤۡمِنُونَ بِمَآ أُنزِلَ إِلَيۡكَ وَمَآ أُنزِلَ مِن قَبۡلِكَ وَبِٱلۡأٓخِرَةِ هُمۡ يُوقِنُونَ 4 أُوْلَٰٓئِكَ عَلَىٰ هُدٗى مِّن رَّبِّهِمۡۖ وَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡمُفۡلِحُونَ﴾ [البقرة:3-5].

[63] ﴿ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَكَانُواْ يَتَّقُونَ 63﴾:

ثم أخبَرَ سبحانه أن أولياء الله هم الذين اتصفوا بالإيمان بالله ورسوله، وعملوا بشرعه، وكانوا يخشون الله باتِّباع ما أمَرْ، واجتناب ما نهى عنه وزجَرْ.

[64] ﴿لَهُمُ ٱلۡبُشۡرَىٰ فِي ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَا وَفِي ٱلۡأٓخِرَةِۚ لَا تَبۡدِيلَ لِكَلِمَٰتِ ٱللَّهِۚ ذَٰلِكَ هُوَ ٱلۡفَوۡزُ ٱلۡعَظِيمُ 64﴾:

وأخبَرَ أيضًا أن أولياء الله لهم البشرى في الحياة الدنيا والآخرة، ثم بيَّن سبحانه أنه لا يخلف وعده ولا يبدِّله، وأن ذلك هو الفوز العظيم الذي لا فَوْزَ بعده؛ لأنه اشتمل على النجاة من كل محذور، والظَّفَرِ بكل مطلوب محبوب؛ وهذا من أعظم المطالب والمقاصد التي يسعى لها المؤمنون الصادقون.

[65] ﴿وَلَا يَحۡزُنكَ قَوۡلُهُمۡۘ إِنَّ ٱلۡعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًاۚ هُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلۡعَلِيمُ 65﴾:

ثم بيَّن سبحانه وتعالى أن النبي ﷺ كان حريصًا على إيمان الكفار والمشركين، وكان يُحْزِنُهُ إصرارهم على الكفر، ومعاداتهم وأذاهم للمؤمنين المستضعفين؛ ولذا قال جل وعلا رحمةً برسوله ﷺ: ﴿وَلَا يَحۡزُنكَ قَوۡلُهُمۡۘ ﴾، وقال تعالى: ﴿فَلَعَلَّكَ بَٰخِعٞ نَّفۡسَكَ عَلَىٰٓ ءَاثَٰرِهِمۡ إِن لَّمۡ يُؤۡمِنُواْ بِهَٰذَا ٱلۡحَدِيثِ أَسَفًا﴾ [الكهف:٦]؛ فالمصطفى ﷺ بذَلَ قصارى جهده في إبلاغ رسالة ربه، وآلمه كثيرًا ألَّا يستجيبوا ولا يؤمنوا؛ فالله سبحانه طلَبَ منه الرفق بنفسه، وأخبره أنه يعلم ما يُسِرُّونَ وما يعلنون من مكر وعداوة للمؤمنين، واعلم -أيها النبي- أن المتفرِّد بالقوة الكاملة، والقدرة التامة، والغلبة الشاملة في الدنيا والآخرة، هو الله جل في علاه؛ وهو سميعٌ لأقوال عباده، عليمٌ بكل ما يصدُرُ منهم من أقوال وأفعال.

[66] ﴿أَلَآ إِنَّ لِلَّهِ مَن فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَن فِي ٱلۡأَرۡضِۗ وَمَا يَتَّبِعُ ٱلَّذِينَ يَدۡعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ شُرَكَآءَۚ إِن يَتَّبِعُونَ إِلَّا ٱلظَّنَّ وَإِنۡ هُمۡ إِلَّا يَخۡرُصُونَ 66﴾:

ثم أخبَرَ جل وعلا أن له جميعَ مَنْ في السموات والأرض خلقًا وملكًا، وتصريفًا وتدبيرًا، وما دام الأمر كذلك، فهؤلاء الذين اتخذوا شركاء من دون الله على أي شيء اتخذوهم شركاء؟! وبأي حق صرفوا لهم العبادة؟! إنْ يتبعون إلا الوهم والكذب والبهتان والشك الذي لا يغني من الحق شيئًا، وما هم إلا متقوِّلون كاذبون.

[67] ﴿هُوَ ٱلَّذِي جَعَلَ لَكُمُ ٱلَّيۡلَ لِتَسۡكُنُواْ فِيهِ وَٱلنَّهَارَ مُبۡصِرًاۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَأٓيَٰتٖ لِّقَوۡمٖ يَسۡمَعُونَ 67﴾:

ثم أخبَرَ جل وعلا أنه وحده هو الذي جعَلَ الليل وهيَّأه للسكن فيه والهدوء والنوم والراحة بسبب الظلمة التي تكسو وجه الأرض، وهو وحده سبحانه الذي جعَلَ لكم النهار مضيئًا لتتمكَّنوا فيه من العمل وكسب الرزق، واعلموا أن في تقلُّب الليل والنهار واختلافهما دليلًا واضحًا على وحدانية الله جل في علاه؛ وهذه الآيات تنفع الذين يستمعون سَمْعَ فَهْمٍ وقَبُولٍ واسترشاد وتفكر؛ كما قال تعالى: ﴿وَهُوَ ٱلَّذِي جَعَلَ ٱلَّيۡلَ وَٱلنَّهَارَ خِلۡفَةٗ لِّمَنۡ أَرَادَ أَن يَذَّكَّرَ أَوۡ أَرَادَ شُكُورٗا﴾ [الفرقان:٦٢].

[68] ﴿قَالُواْ ٱتَّخَذَ ٱللَّهُ وَلَدٗاۗ سُبۡحَٰنَهُۥۖ هُوَ ٱلۡغَنِيُّۖ لَهُۥ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلۡأَرۡضِۚ إِنۡ عِندَكُم مِّن سُلۡطَٰنِۭ بِهَٰذَآۚ أَتَقُولُونَ عَلَى ٱللَّهِ مَا لَا تَعۡلَمُونَ 68﴾:

ثم أخبَرَ جل وعلا عن فرية عظيمة افتراها المشركون والنصارى، وهي قولهم: (إن الله اتخذ له ولدًا)! فنزَّه سبحانه نفسه عن ذلك، وبيَّن بطلان فريتهم بثلاثة أشياء:

الأول: أنه هو الغنيُّ الغنى المطلَقَ التامّ، وأنه الحي القيوم الذي لا يموت، وإذا كان كذلك، فلِمَ يتَّخذ الولد؟!

الثاني: أنه سبحانه له جميع ما في السموات والأرض، وكل ذلك داخل في ملكه وعبوديته؛ فلِمَ يتَّخذ الولد؟!

الثالث: سألهم سبحانه: هل عندكم دليل أو حجة أو برهان تدُّلُّ على أن لله ولدًا؟! فلو كان عندهم دليلٌ، لأظهروه، وبما أنهم مفترون كاذبون، فلن يأتوا بدليل، فعُلِمَ بطلان ما قالوه، ثم وبَّخهم سبحانه بقوله: ﴿أَتَقُولُونَ عَلَى ٱللَّهِ مَا لَا تَعۡلَمُونَ﴾ ؟!

[69] ﴿قُلۡ إِنَّ ٱلَّذِينَ يَفۡتَرُونَ عَلَى ٱللَّهِ ٱلۡكَذِبَ لَا يُفۡلِحُونَ 69﴾:

وقل لهم -أيها النبي- متوعِّدًا إياهم: إن الذين يفترون الكذب على الله -ومن ذلك ادعاؤهم له الولَدَ والشريك- فهؤلاء لا يُفْلِحون ولا يفوزون في الدنيا ولا في الآخرة.

[70] ﴿مَتَٰعٞ فِي ٱلدُّنۡيَا ثُمَّ إِلَيۡنَا مَرۡجِعُهُمۡ ثُمَّ نُذِيقُهُمُ ٱلۡعَذَابَ ٱلشَّدِيدَ بِمَا كَانُواْ يَكۡفُرُونَ 70﴾:

ثم أخبَرَ جل وعلا أن هؤلاء الذين يفترون على الله، فيَدَّعُونَ له الولد: أنهم يتمتَّعون في الدنيا متاعًا قليلًا، مع كُفْرهم وكَذِبهم وافترائهم، ثم تنقضي آجالهم ويرجعون إلى الله؛ فيذيقهم العذاب الشديد المؤلم الموجع؛ جزاء كفرهم وكذبهم وافترائهم على الله، وما ظلَمَهم الله، ولكنْ أنفسهم كانوا يظلمون.

[71] ﴿وَٱتۡلُ عَلَيۡهِمۡ نَبَأَ نُوحٍ إِذۡ قَالَ لِقَوۡمِهِۦ يَٰقَوۡمِ إِن كَانَ كَبُرَ عَلَيۡكُم مَّقَامِي وَتَذۡكِيرِي بِـَٔايَٰتِ ٱللَّهِ فَعَلَى ٱللَّهِ تَوَكَّلۡتُ فَأَجۡمِعُوٓاْ أَمۡرَكُمۡ وَشُرَكَآءَكُمۡ ثُمَّ لَا يَكُنۡ أَمۡرُكُمۡ عَلَيۡكُمۡ غُمَّةٗ ثُمَّ ٱقۡضُوٓاْ إِلَيَّ وَلَا تُنظِرُونِ 71﴾:

ذكَرَ جل وعلا لنبيه ﷺ ما لاقى الأنبياء السابقون من أقوامهم، ومنهم نُوحٌ عليه السلام؛ حيث دعا قومه ليلًا ونهارًا، وسرًّا وجهارًا، فرأى ضجَرَ قومه منه، وإصرارهم على البقاء على الضلال، وقد أمَرَ سبحانه نبيه ﷺ أن يقرأ على مشركي قريش قصة نوح عليه السلام؛ حيث قال نُوحٌ لقومه: يا قوم، إنْ كان عَظُمَ عليكم مقامي فيكم، وتذكيري إياكم بحجج الله وبراهينه؛ فعلى الله وحده أعتمِدُ، وبه أثق؛ فاجتمعوا وتهيَّؤوا واطلبوا من شركائكم أن يساعدوكم، ثم لا تجعلوا أمركم سرًّا، بل اجعلوه ظاهرًا منكشفًا، ثم تخلَّصوا مني وأعطوني الشهادة في سبيل الله، ولا تمهلوني ساعة من نهار؛ لأنهم هدَّدوه بالقتل والرجم إذا لم يتوقف عن دعوتهم وتذكيرهم بالله؛ كما قال تعالى: ﴿قَالُواْ لَئِن لَّمۡ تَنتَهِ يَٰنُوحُ لَتَكُونَنَّ مِنَ ٱلۡمَرۡجُومِينَ﴾ [الشعراء:١١٦]؛ فسلَّمه الله منهم وأنجاه هو ومَنْ معه في الفلك.

[72] ﴿فَإِن تَوَلَّيۡتُمۡ فَمَا سَأَلۡتُكُم مِّنۡ أَجۡرٍۖ إِنۡ أَجۡرِيَ إِلَّا عَلَى ٱللَّهِۖ وَأُمِرۡتُ أَنۡ أَكُونَ مِنَ ٱلۡمُسۡلِمِينَ 72﴾:

ثم قال نوح لقومه: فإن أعرضتم عن دعوتي ولم تستجيبوا إلى ما أُرْسِلْتُ به إليكم؛ فأنا لم أسألكم أجرًا ولا مالًا مقابلَ دعوتي إياكم؛ لأن أجري وثوابي على الله وحده، وهو الذي أمَرَني أن أكون من المسلمين المنقادين لشَرْعه وحُكْمه.

[73] ﴿فَكَذَّبُوهُ فَنَجَّيۡنَٰهُ وَمَن مَّعَهُۥ فِي ٱلۡفُلۡكِ وَجَعَلۡنَٰهُمۡ خَلَٰٓئِفَ وَأَغۡرَقۡنَا ٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِـَٔايَٰتِنَاۖ فَٱنظُرۡ كَيۡفَ كَانَ عَٰقِبَةُ ٱلۡمُنذَرِينَ 73﴾:

ثم أخبَرَ جل وعلا أن قوم نوح استمروا على تكذيبهم لرسولهم، ولم يؤمنوا به، فنجَّى الله نبيه نوحًا ومن آمن معه في السفينة التي أمره الله بصُنْعها، ومكَّن الله لهم في الأرض، وجعلهم خلفًا لأولئك المكذِّبين الهالكين، ثم بيَّن سبحانه أنه أغرق المكذبين بالطوفان بعدما قامت عليهم الحجة وجاءهم البرهان؛ فانظر -أيها النبي- كيف كانت نهاية ومصير من كذَّب برسل الله؛ أنْ أهلكهم الله وأخزاهم ولعنهم، وجعلهم عبرة للمعتبرين.

[74] ﴿ثُمَّ بَعَثۡنَا مِنۢ بَعۡدِهِۦ رُسُلًا إِلَىٰ قَوۡمِهِمۡ فَجَآءُوهُم بِٱلۡبَيِّنَٰتِ فَمَا كَانُواْ لِيُؤۡمِنُواْ بِمَا كَذَّبُواْ بِهِۦ مِن قَبۡلُۚ كَذَٰلِكَ نَطۡبَعُ عَلَىٰ قُلُوبِ ٱلۡمُعۡتَدِينَ 74﴾:

أخبَرَ جل وعلا عن حال الأمم بعد هلاك قوم نوح، وأنه أرسَلَ في كل أمة رسولًا يدعوهم إلى التوحيد، وأيَّده بمعجزات ظاهرات، وآيات بينات واضحات، تدُلُّ على صدقه، وأنه رسولٌ من عند الله، فما صدَّقوا ولا آمنوا، بل كذَّبوا وأعرضوا، وفعلوا كما فعل قوم نوح، فعاقبهم الله كما عاقب قوم نوح بأنْ ختَمَ على قلوبهم، وحال بينهم وبين الإيمان؛ وهذا مصيرُ كلِّ معتدٍ على الأنبياء، مبادرٍ لتكذيبهم، مخالفٍ لما جاؤوا به من عند الله.

[75] ﴿ثُمَّ بَعَثۡنَا مِنۢ بَعۡدِهِم مُّوسَىٰ وَهَٰرُونَ إِلَىٰ فِرۡعَوۡنَ وَمَلَإِيْهِۦ بِـَٔايَٰتِنَا فَٱسۡتَكۡبَرُواْ وَكَانُواْ قَوۡمٗا مُّجۡرِمِينَ 75﴾:

ثم أخبَرَ جل وعلا أنه أرسل بعد هؤلاء الرسلِ: موسى وهارون عليهما السلام إلى فرعون وملئه، وأيدهما بالآيات التسع؛ فاستكبروا عن الاعتراف بها بعد أن أيقنوا بها في قلوبهم؛ كما قال الله عن فرعون: ﴿وَجَحَدُواْ بِهَا وَٱسۡتَيۡقَنَتۡهَآ أَنفُسُهُمۡ ظُلۡمٗا وَعُلُوّٗاۚ ﴾ [النمل:١٤]، وقال موسى لفرعون: ﴿لَقَدۡ عَلِمۡتَ مَآ أَنزَلَ هَٰٓؤُلَآءِ إِلَّا رَبُّ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ بَصَآئِرَ وَإِنِّي لَأَظُنُّكَ يَٰفِرۡعَوۡنُ مَثۡبُورٗا﴾ [الإسراء:١٠٢]؛ ولهذا أخبَرَ سبحانه أن فرعون وملأه كانوا قومًا مشركين جاحدين بآيات الله ورسله.

[76] ﴿فَلَمَّا جَآءَهُمُ ٱلۡحَقُّ مِنۡ عِندِنَا قَالُوٓاْ إِنَّ هَٰذَا لَسِحۡرٞ مُّبِينٞ 76﴾:

فلما جاء موسى إلى فرعونَ وقومِهِ بالحق، وأيقنوا به، قالوا على سبيل العناد والغرور: إن الأدلة والبراهين والمعجزات التي جاء بها موسى، إنما هي سحر ظاهر، وليست من عند الله جل وعلا.

[77] ﴿قَالَ مُوسَىٰٓ أَتَقُولُونَ لِلۡحَقِّ لَمَّا جَآءَكُمۡۖ أَسِحۡرٌ هَٰذَا وَلَا يُفۡلِحُ ٱلسَّٰحِرُونَ 77﴾:

ثم قال موسى لفرعون وقومه على سبيل التعجُّب من تكذيبهم بالأدلة والبراهين: أتدَّعون ظلمًا وزورًا أن الحق الذي جئتُ به هو من السحر، وأنتم تعلمون أنه لا يُفْلِحُ ولا يفوز الساحرون؛ بل ينكشف سحرهم وينفضح أمرهم؟!

[78] ﴿قَالُوٓاْ أَجِئۡتَنَا لِتَلۡفِتَنَا عَمَّا وَجَدۡنَا عَلَيۡهِ ءَابَآءَنَا وَتَكُونَ لَكُمَا ٱلۡكِبۡرِيَآءُ فِي ٱلۡأَرۡضِ وَمَا نَحۡنُ لَكُمَا بِمُؤۡمِنِينَ 78﴾:

ثم قال فرعون وقومه لموسى وهارون عليهما السلام: إنك أتيتَ؛ لتَنْزِعَ الرياسة منَّا، وتصرفنا عمَّا وجدنا عليه آباءنا الأولين، وهدفكما أن تكون لكما العَظَمة والسلطان والمنصب في أرض مِصْر؛ كما قال تعالى: ﴿سِحۡرَانِ تَظَٰهَرَا﴾ [القصص:٤٨]، واعلما أننا لسنا لكما بمقرِّين ومعترفين بأنكما رسولان مِنْ رَبِّ العالمين؛ لعبادة الله وحده لا شريك له. ومعلوم أنه لم يؤمن من الأمم السابقة التي أُرْسِلَ إليها الرسلُ إلا قومُ يونس عليه السلام؛ كما قال تعالى في هذه السورة: ﴿فَلَوۡلَا كَانَتۡ قَرۡيَةٌ ءَامَنَتۡ فَنَفَعَهَآ إِيمَٰنُهَآ إِلَّا قَوۡمَ يُونُسَ لَمَّآ ءَامَنُواْ كَشَفۡنَا عَنۡهُمۡ عَذَابَ ٱلۡخِزۡيِ فِي ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَا وَمَتَّعۡنَٰهُمۡ إِلَىٰ حِينٖ﴾ [يونس:98].

[79] ﴿وَقَالَ فِرۡعَوۡنُ ٱئۡتُونِي بِكُلِّ سَٰحِرٍ عَلِيمٖ 79﴾:

ثم قال فرعون لقومه: أحضروا لي كلَّ ماهر في السحر، متقِنٍ له.

[80] ﴿فَلَمَّا جَآءَ ٱلسَّحَرَةُ قَالَ لَهُم مُّوسَىٰٓ أَلۡقُواْ مَآ أَنتُم مُّلۡقُونَ 80﴾:

فلما قَدِمَ السحرة، قال لهم موسى: انشروا سِحْركم، واطرحوا ما لديكم على الأرض من عِصِيٍّ وحبالٍ؛ ليثبُتَ بطلانه.

[81] ﴿فَلَمَّآ أَلۡقَوۡاْ قَالَ مُوسَىٰ مَا جِئۡتُم بِهِ ٱلسِّحۡرُۖ إِنَّ ٱللَّهَ سَيُبۡطِلُهُۥٓ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يُصۡلِحُ عَمَلَ ٱلۡمُفۡسِدِينَ 81﴾:

فلما ألقى السحرة حبالهم وعصيَّهم، وخُيِّلَ للناس أنها حيَّات، قال موسى: إنَّ هذا الذي صنعتموه، إنما صنعتموه؛ لتنصُرُوا به الباطل، وتصدُّوا به عن الحق، ومع ذلك: فإن الله سيبطله وسيمحقه وسيجعله هباء؛ فيعلم الناس حقيقة باطلكم، واعلموا أن الله لا يُصلِحُ عمل المفسدين.

[82] ﴿وَيُحِقُّ ٱللَّهُ ٱلۡحَقَّ بِكَلِمَٰتِهِۦ وَلَوۡ كَرِهَ ٱلۡمُجۡرِمُونَ 82﴾:

ثم ألقى موسى عصاه، فانقلبت حيَّةً عظيمة التهمت كلَّ ما ألقاه هؤلاء السحرة، فبطَلَ سحرهم، وظهَرَ باطلهم، وسجد السحرة حيث أيقنوا بالحق، وبيَّن الله الحق للناس وأظهره وأعلاه، وثبَّته بكلماتِهِ وأمرِه، ولو كره ذلك الحقَّ مَنْ كرهه من المجرمين الذين يريدون علوًّا في الأرض وفسادًا.

[83] ﴿فَمَآ ءَامَنَ لِمُوسَىٰٓ إِلَّا ذُرِّيَّةٞ مِّن قَوۡمِهِۦ عَلَىٰ خَوۡفٖ مِّن فِرۡعَوۡنَ وَمَلَإِيْهِمۡ أَن يَفۡتِنَهُمۡۚ وَإِنَّ فِرۡعَوۡنَ لَعَالٖ فِي ٱلۡأَرۡضِ وَإِنَّهُۥ لَمِنَ ٱلۡمُسۡرِفِينَ 83﴾:

ثم بيَّن جل وعلا أنه لم يؤمن مع موسى إلا ذرية قليلة من بني إسرائيل، وهم مع ذلك خائفون وَجِلون من بطش فرعون وملئه؛ أن يصدَّهم ويفتنهم عن دينهم بأصناف العذاب؛ فإن فرعون كان ظالمًا متسلِّطًا مستبدًّا مستكبرًا، وكان من المتجاوزين للحد المتغطرسين.

[84] ﴿وَقَالَ مُوسَىٰ يَٰقَوۡمِ إِن كُنتُمۡ ءَامَنتُم بِٱللَّهِ فَعَلَيۡهِ تَوَكَّلُوٓاْ إِن كُنتُم مُّسۡلِمِينَ 84﴾:

وقال موسى لمن آمن معه: إن كنتم آمنتم بالله حقًّا، وأسلمتم له صدقًا، فثقوا به واعتمدوا عليه، وسلِّموا أمركم له، والْجَؤوا إليه، واطلبوا منه النصر والتمكين.

[85] ﴿فَقَالُواْ عَلَى ٱللَّهِ تَوَكَّلۡنَا رَبَّنَا لَا تَجۡعَلۡنَا فِتۡنَةٗ لِّلۡقَوۡمِ ٱلظَّٰلِمِينَ 85﴾:

فامتثَلَ قوم موسى لقوله قائلين: على الله توكَّلنا، وفوَّضنا أمرنا إليه، ودعَوُا الله قائلين: يا رب، لا تمكِّنِ القوم الظالمين منا، ولا تسلِّطهم علينا؛ فيعذِّبونا ويفتنونا عن ديننا، ويفتنوا غيرنا ممن ينظُرُ لحالنا.

[86] ﴿وَنَجِّنَا بِرَحۡمَتِكَ مِنَ ٱلۡقَوۡمِ ٱلۡكَٰفِرِينَ 86﴾:

ودعَوُا الله أيضًا قائلين: ونجِّنا -يا رب- من هؤلاء القوم الكافرين؛ حتى نقيم دينك وشرعك.

[87] ﴿وَأَوۡحَيۡنَآ إِلَىٰ مُوسَىٰ وَأَخِيهِ أَن تَبَوَّءَا لِقَوۡمِكُمَا بِمِصۡرَ بُيُوتٗا وَٱجۡعَلُواْ بُيُوتَكُمۡ قِبۡلَةٗ وَأَقِيمُواْ ٱلصَّلَوٰةَۗ وَبَشِّرِ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ 87﴾:

ولما اشتد الحصار على أتباع موسى عليه السلام، ومنعوهم من أداء شعائرهم الإسلامية في الكنائس، أوحى الله إلى نبيه موسى وأخيه هارون وقومهم، أن يتَّخذوا لهم في مصر بيوتًا، ويجعلوا فيها أماكنَ متَّجِهةً إلى القبلة يؤدون فيها صلاتهم وشعائرهم، ثم أمَرَ سبحانه بالمحافظة على الصلوات المفروضة في أوقاتها، وأمَرَ موسى أن يبشِّر المؤمنين المطيعين لله بالنصرِ والتمكينِ في الدنيا، والثوابِ الجزيلِ من الله سبحانه وتعالى في الآخرة.

وقوله: ﴿وَٱجۡعَلُواْ بُيُوتَكُمۡ قِبۡلَةٗ وَأَقِيمُواْ ٱلصَّلَوٰةَۗ ﴾، فيها أقوال أشهرها قولان:

الأول: اجعلوا بيوتكم يقابِلُ بعضها بعضًا؛ ليسهُلَ حراسة بعضكم بعضًا.

والثاني: اجعلوا صلاتكم في بيوتكم متَّجِهين للقبلة.

[88] ﴿وَقَالَ مُوسَىٰ رَبَّنَآ إِنَّكَ ءَاتَيۡتَ فِرۡعَوۡنَ وَمَلَأَهُۥ زِينَةٗ وَأَمۡوَٰلٗا فِي ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَا رَبَّنَا لِيُضِلُّواْ عَن سَبِيلِكَۖ رَبَّنَا ٱطۡمِسۡ عَلَىٰٓ أَمۡوَٰلِهِمۡ وَٱشۡدُدۡ عَلَىٰ قُلُوبِهِمۡ فَلَا يُؤۡمِنُواْ حَتَّىٰ يَرَوُاْ ٱلۡعَذَابَ ٱلۡأَلِيمَ 88﴾:

ثم دعا موسى عليه السلام على فرعون وملئه، لما طغَوْا وتجبروا وأعرضوا، فقال: ربنا، إنك أعطيت فرعون وقومه زينةً يتزيَّنون بها، وأعطيتهم أموالًا كثيرة، فاستعانوا بذلك على الصدِّ عن سبيلك وإضلال الناس، اللهم ربنا، أَتلِفْ أموالهم فلا ينتفعون بها، اللهم، وقسِّ قلوبهم، واختم عليها، فلا تنشرح للإيمان؛ فلا يؤمنوا إلا إذا عاينوا عذاب الله وعقابه؛ فلا ينفعهم حينها الإيمان.

[89] ﴿قَالَ قَدۡ أُجِيبَت دَّعۡوَتُكُمَا فَٱسۡتَقِيمَا وَلَا تَتَّبِعَآنِّ سَبِيلَ ٱلَّذِينَ لَا يَعۡلَمُونَ 89﴾:

وكان هارون عليه السلام يؤمِّن على دعاء موسى؛ لذا قال الله لهما: قد استجَبْتُ دعوتكما؛ فاثبُتَا على الدين، واستمِرَّا في الدعوة إلى الله، ولا تتَّبعا سبيل من انحرف عن دين الله، وضل وجهل.

[90] ﴿وَجَٰوَزۡنَا بِبَنِيٓ إِسۡرَٰٓءِيلَ ٱلۡبَحۡرَ فَأَتۡبَعَهُمۡ فِرۡعَوۡنُ وَجُنُودُهُۥ بَغۡيٗا وَعَدۡوًاۖ حَتَّىٰٓ إِذَآ أَدۡرَكَهُ ٱلۡغَرَقُ قَالَ ءَامَنتُ أَنَّهُۥ لَآ إِلَٰهَ إِلَّا ٱلَّذِيٓ ءَامَنَتۡ بِهِۦ بَنُوٓاْ إِسۡرَٰٓءِيلَ وَأَنَا۠ مِنَ ٱلۡمُسۡلِمِينَ 90﴾:

ثم أخبَرً جل وعلا أنه يسَّر لموسى وقومه مجاوزة البحر، بعد أن جعل لهم فيه طريقًا يَبَسًا على ماء متجمِّد؛ فلحقهم فرعون وجنوده ظلمًا واعتداءً، ودخلوا البحر ومشَوْا على الطريق اليبس، فلما خرج موسى وقومه من البحر، أمر الله الماء المتجمِّد أن يذوب، فانطبق البحر على فرعون وقومه، فأغرقهم جميعًا، فلما أيقن فرعون بالهلاك، قال: آمنتُ أنه لا إله إلا الذي آمنَتْ به بنو إسرائيل، وأنا من المسلمين؛ فآمَنَ حين لا ينفع الإيمان.

[91] ﴿ءَآلۡـَٰٔنَ وَقَدۡ عَصَيۡتَ قَبۡلُ وَكُنتَ مِنَ ٱلۡمُفۡسِدِينَ 91﴾:

فردَّ جل وعلا على فرعون، فقال له: آلآنَ تؤمنُ وتقرُّ بالعبودية؛ وقد عصيتَ من قبلُ وكفَرْتَ وادَّعَيْتَ الألوهية، وكنت من المفسدين في الأرض ومن المستكبرين؟! فهذا وقتٌ لا ينفع فيه الإيمان؛ لأن الموت قد حضر، وأُغلِقَ باب التوبة.

[92] ﴿فَٱلۡيَوۡمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنۡ خَلۡفَكَ ءَايَةٗۚ وَإِنَّ كَثِيرٗا مِّنَ ٱلنَّاسِ عَنۡ ءَايَٰتِنَا لَغَٰفِلُونَ 92﴾:

ثم أمَرَ جل وعلا البحر أن يقذف بجُثَّةِ فرعون على الساحل بعد هلاكه؛ ليكون عبرةً للمعتبرين، وآيةً للناس أجمعين، فلا يسلكوا طريق العناد والكبر والتكذيب وادعاء الألوهية ومحاربة أولياء الله، ومع ذلك فإن كثيرًا من الناس عن هذه الآياتِ والعِبَرِ وغيرها غافلون لاهون، لا يتعظون ولا يعتبرون.

[93] ﴿وَلَقَدۡ بَوَّأۡنَا بَنِيٓ إِسۡرَٰٓءِيلَ مُبَوَّأَ صِدۡقٖ وَرَزَقۡنَٰهُم مِّنَ ٱلطَّيِّبَٰتِ فَمَا ٱخۡتَلَفُواْ حَتَّىٰ جَآءَهُمُ ٱلۡعِلۡمُۚ إِنَّ رَبَّكَ يَقۡضِي بَيۡنَهُمۡ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ فِيمَا كَانُواْ فِيهِ يَخۡتَلِفُونَ 93﴾:

ثم أخبَرَ جل وعلا أنه أنزل بني إسرائيل -بعد نجاتهم- منزلًا مباركًا طيبًا صالحًا، وأغدَقَ عليهم سبحانه رزقًا حلالًا طيبًا، فاستمروا على الإيمان والوَحْدة، وما اختلفوا في أمر دينهم وفي الحق، ولا تفرَّقوا إلا مِنْ بعد ما جاءهم العلم الموجب لاجتماعهم ووَحْدتهم، ولكنْ بغى بعضهم على بعض، واتَّبعوا أهواءهم، فحصل لهم الاختلاف والفرقة؛ فالله سبحانه سيقضي بينهم يوم القيامة بالعدل في جميع ما كانوا فيه يختلفون.

[94] ﴿فَإِن كُنتَ فِي شَكّٖ مِّمَّآ أَنزَلۡنَآ إِلَيۡكَ فَسۡـَٔلِ ٱلَّذِينَ يَقۡرَءُونَ ٱلۡكِتَٰبَ مِن قَبۡلِكَۚ لَقَدۡ جَآءَكَ ٱلۡحَقُّ مِن رَّبِّكَ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ ٱلۡمُمۡتَرِينَ 94﴾:

ثم قال جل وعلا لنبيه ﷺ: فإذا كنت -أيها النبي- في ريب من هذه الأخبار التي أوحيناها إليك، فاسأل أولئك الذين يقرؤون التوراة والإنجيل؛ فسوف تجد ذلك ثابتًا في كتبهم، واعلم أنه قد جاءك الحق من ربك أنك رسولُ الله، ولكنَّ اليهود والنصارى ينكرون ذلك مع علمهم به؛ فلا تكوننَّ من الشاكِّين في صحة ذلك وحقيقته. ومعلوم أنه ﷺ لم يشكَّ وحاشاه ذلك.

وقد علَّق الشيخ الشِّنْقيطي في تفسير (أضواء البيان) على هذه الآية وعلى قوله: ﴿لَئِنۡ أَشۡرَكۡتَ لَيَحۡبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ ٱلۡخَٰسِرِينَ﴾ [الزمر:٦٥]، وقوله: ﴿لَّا تَجۡعَلۡ مَعَ ٱللَّهِ إِلَٰهًا ءَاخَرَ﴾ [الإسراء:٢٢]، وقوله: [هود:١٠٩]، ﴿فَلَا تَكُ فِي مِرۡيَةٖ مِّمَّا يَعۡبُدُ هَٰٓؤُلَآءِۚ ﴾ وقوله: ﴿فَلَا تَكُن مِّنَ ٱلۡمُمۡتَرِينَ﴾ [آل عمران:٦٠]، وقوله: [الإنسان:٢٤]: ﴿وَلَا تُطِعۡ مِنۡهُمۡ ءَاثِمًا أَوۡ كَفُورٗا﴾ فقال: (ومعلوم أنه ﷺ لا يفعل شيئًا من ذلك، ولكنَّ الله يخاطبه؛ ليوجِّه الخطاب إلى غيره)، ثم قال: (ومن الآيات الدالَّة على أنه ﷺ يوجَّه إليه الخطابُ، والمرادُ بذلك التشريعُ لأمته، لا نفسُ خطابه، هو قوله تعالى: ﴿إِمَّا يَبۡلُغَنَّ عِندَكَ ٱلۡكِبَرَ أَحَدُهُمَآ أَوۡ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُل لَّهُمَآ أُفّٖ﴾ [الإسراء:٢٣]؛ لأن معنى قوله: ﴿إِمَّا يَبۡلُغَنَّ﴾، أي: إذا بلَغَ والداك أو أحدهما الكِبَرَ ﴿فَلَا تَقُل لَّهُمَآ أُفّٖ﴾، ومعلوم أن والدَيْهِ ﷺ قد ماتا قبل ذلك بزمن طويل؛ فتبيَّن أن المراد التشريع لغيره ﷺ). فالحاصل: أن الرسول ﷺ لم يشكَّ، ولم يسأل، وحاشاه ذلك، والمقصود هنا: المنافقون وغيرهم ممن تراودهم الشكوك؛ فعليهم أن يحزموا أمرهم ويتأكَّدوا ويسألوا الراسخين في العلم ممن يقرؤون الكتاب؛ حتى لا يفجأهم الموت فيخسروا الدنيا والآخرة. قال شيخ الإسلام ابن تيمية: (هذه الآية حضٌّ لكلِّ مَنْ في نفسه شك أن يسرع في البحث وإزالة الشك؛ لئلا يدركه الموت وهو في شك؛ فيخسر الدنيا والآخرة).

[95] ﴿وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ ٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِـَٔايَٰتِ ٱللَّهِ فَتَكُونَ مِنَ ٱلۡخَٰسِرِينَ 95﴾:

ثم وجَّه سبحانه الخطاب لنبيه ﷺ، فقال له: ولا تكونَنَّ -أيها النبي- من الذين كذَّبوا وجحدوا آيات الله وأدلته الظاهرة؛ فإنَّ جزاء من فعل ذلك: الخسران المبين؛ وهو ﷺ مبرَّأٌ مما هو أقل من ذلك، ولكن المراد تبليغه لأتباعه.

[96] ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ حَقَّتۡ عَلَيۡهِمۡ كَلِمَتُ رَبِّكَ لَا يُؤۡمِنُونَ 96﴾:

واعلم أن الذين حقَّت ووجبت عليهم كلمة الله بالطرد والإبعاد من رحمته -بسبب إعراضهم وردِّهم للحق- هؤلاء جزاؤهم أنهم لا يؤمنون أبدًا.

[97] ﴿وَلَوۡ جَآءَتۡهُمۡ كُلُّ ءَايَةٍ حَتَّىٰ يَرَوُاْ ٱلۡعَذَابَ ٱلۡأَلِيمَ 97﴾:

ثم أخبَرَ جل في علاه أن هذا الصنف من الناس مهما جاءته المواعظُ والعِبَرُ، فإنه لن يؤمن ولن يصدِّق حتى يشاهد ويعاين العذاب الأليم؛ كما فعل فرعون، وهذا الإيمان لا ينفعهم، ولا يُقبَلُ منهم، ولا يجدي عليهم شيئًا.

[98] ﴿فَلَوۡلَا كَانَتۡ قَرۡيَةٌ ءَامَنَتۡ فَنَفَعَهَآ إِيمَٰنُهَآ إِلَّا قَوۡمَ يُونُسَ لَمَّآ ءَامَنُواْ كَشَفۡنَا عَنۡهُمۡ عَذَابَ ٱلۡخِزۡيِ فِي ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَا وَمَتَّعۡنَٰهُمۡ إِلَىٰ حِينٖ 98﴾:

ثم سلَّى سبحانه نبيه ﷺ، فقال له: واعلم -أيها النبي- لو أن أي قرية من قرى الكافرين الجاحدين آمن أهلها عندما نزَلَ بهم العذاب، لم ينفعها إيمانها؛ لأن العذاب إذا نزَلَ لا يرفع، ثم استثنى سبحانه قوم يونس؛ فإنهم أوشكوا أن يَنْزِلَ بهم العذاب، فأسلموا وتابوا إلى الله وأنابوا إليه؛ فرفع الله عنهم العذاب المخزي الذي كاد أن يَنْزِلَ بهم ويستأصلهم، ثم ترَكَهم جل وعلا إلى حين انقضاء آجالهم في الحياة الدنيا.

[99] ﴿وَلَوۡ شَآءَ رَبُّكَ لَأٓمَنَ مَن فِي ٱلۡأَرۡضِ كُلُّهُمۡ جَمِيعًاۚ أَفَأَنتَ تُكۡرِهُ ٱلنَّاسَ حَتَّىٰ يَكُونُواْ مُؤۡمِنِينَ 99﴾:

ثم سلَّى جل في علاه نبيه ﷺ، فقال له: ولو شاء ربك -أيها النبي- لجعل أهل الأرض كلهم مؤمنين، ولكنِ اقتضت حكمته سبحانه أن يجعلهم مختارين؛ فيؤمن قوم، ويكفر آخرون، وليس في إمكانك -أيها النبي- ولا في قدرتك، ولا في وسعك: أن تُكرِهَ الناس على الدخول في الإيمان؛ فما عليك إلا البلاغ.

[100] ﴿وَمَا كَانَ لِنَفۡسٍ أَن تُؤۡمِنَ إِلَّا بِإِذۡنِ ٱللَّهِۚ وَيَجۡعَلُ ٱلرِّجۡسَ عَلَى ٱلَّذِينَ لَا يَعۡقِلُونَ 100﴾:

واعلموا أنه ما كان لأي نَفْس أن تؤمن بالله إلا بإرادة الله ومشيئته وتوفيقه، ويجعل سبحانه الشرَّ والضلال والعذاب والخِزْي على الذين لا يعقلون حجج الله، ولا يفهمون آياته ولا يتدبَّرونها، وقد أَذِنَ جل في علاه وجعل الثقلين مختارين؛ فمنهم من اختار الهدى، ومنهم من اختار الكفر والضلال؛ فضلًا منه، وعدلاً؛ حتى ينفي الظلم عن نفسه.

[101] ﴿قُلِ ٱنظُرُواْ مَاذَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۚ وَمَا تُغۡنِي ٱلۡأٓيَٰتُ وَٱلنُّذُرُ عَن قَوۡمٖ لَّا يُؤۡمِنُونَ 101﴾:

أمَرَ جل وعلا نبيه ﷺ أن يأمر قومه بأن ينظروا ما في السموات والأرض، وما حل بالأمم السابقة، ولكنَّ الآيات والعبر المنزَّلة، والرسل المبعوثة بالحجج والبراهين والمعجزات، لا ينتفع بها من كفر بالله وجحد آياته، وأعرض عن دينه، وإنما تَنْفَعُ المطيعَ لربه، المنقادَ لأوامره ونواهيه.

[102] ﴿فَهَلۡ يَنتَظِرُونَ إِلَّا مِثۡلَ أَيَّامِ ٱلَّذِينَ خَلَوۡاْ مِن قَبۡلِهِمۡۚ قُلۡ فَٱنتَظِرُوٓاْ إِنِّي مَعَكُم مِّنَ ٱلۡمُنتَظِرِينَ 102﴾:

فهل ينتظر هؤلاء المشركون إلا يومًا يرون فيه عقاب الله وعذابه؛ كما وقع بمن كفر من أسلافهم؟! فيعلمون أن مصير الضالِّين الهلاك؛ فقل لهم -أيها النبي-: انتظروا عذاب الله وعقابه؛ فإني منتظر معكم عقاب الله بكم، وأما أنا، فمنتظر نَصْرَ الله وتأييده لي عليكم.

[103] ﴿ثُمَّ نُنَجِّي رُسُلَنَا وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْۚ كَذَٰلِكَ حَقًّا عَلَيۡنَا نُنجِ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ 103﴾:

أخبَرَ الله جل وعلا أن الرسل وأتباعهم هم أهل النجاة؛ فينجِّيهم الله من شدائد ومصائب الدنيا والآخرة، وهذا حق أوجبه الله على نفسه؛ فالله سبحانه يدافع عن الذين آمنوا.

[104] ﴿قُلۡ يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِن كُنتُمۡ فِي شَكّٖ مِّن دِينِي فَلَآ أَعۡبُدُ ٱلَّذِينَ تَعۡبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَلَٰكِنۡ أَعۡبُدُ ٱللَّهَ ٱلَّذِي يَتَوَفَّىٰكُمۡۖ وَأُمِرۡتُ أَنۡ أَكُونَ مِنَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ 104﴾:

أمَرَ جل وعلا سيد المرسلين أن يقول للمعارضين: إن كنتم تشكُّون في صحة ما جئتكم به من الحق، وهو الإسلامُ الذي دعوتكم إليه، المؤيَّدُ بالآيات الواضحات؛ فإنني أُخَالِفكم وأُنكِرُ ما أنتم عليه من عبادة الأصنام والأوثان، وأتوجَّه وأُخلِص عبادتي لله ربي وربكم الذي هو يحييكم ويميتكم، وإنني أقدِّس أمره وأمتثله، وأمرت أن أكون من المؤمنين به، العاملين بشرعه.

[105] ﴿وَأَنۡ أَقِمۡ وَجۡهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفٗا وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ ٱلۡمُشۡرِكِينَ 105﴾:

بعد أن نهى جل وعلا عن الشكوك في أمرِهِ ﷺ، أمَرَهُ أن يستقيم على دين الإسلام، غير مائلٍ إلى دين غيره، كاليهودية والنصرانية؛ كما أمَرَه ألَّا يشرك في عبادته أحدًا غيره.

هذا -وإن كان الخطاب موجَّهًا للنبي ﷺ- فإنه موجَّه لعموم الأمة، والمعنى: أن يأمُرَ ﷺ المؤمنين أن يستقيموا على دين الإسلام، ويخلصوا العبادة لله وحده لا شريك له.

[106] ﴿وَلَا تَدۡعُ مِن دُونِ ٱللَّهِ مَا لَا يَنفَعُكَ وَلَا يَضُرُّكَۖ فَإِن فَعَلۡتَ فَإِنَّكَ إِذٗا مِّنَ ٱلظَّٰلِمِينَ 106﴾:

ثم أمَرَ جل وعلا نبيه محمدًا ﷺ ألَّا يَدْعُوَ من دون الله شيئًا من الأوثان والأصنام؛ لأنها لا تجلب نفعًا، ولا تدفع ضرًّا، وبيَّن أن العبادة الحقة إنما يستحقها الله الذي بيده الضر والنفع؛ فمَنْ عدل عن عبادته وأشرك معه غيره، فقد ظلم نفسه بالشرك والمعصية، وخسر الدنيا والآخرة.

وهذا الخطاب -وإن كان موجَّهًا للنبي ﷺ- فإن المقصود أن يبلِّغه أمته.

[107] ﴿وَإِن يَمۡسَسۡكَ ٱللَّهُ بِضُرّٖ فَلَا كَاشِفَ لَهُۥٓ إِلَّا هُوَۖ وَإِن يُرِدۡكَ بِخَيۡرٖ فَلَا رَآدَّ لِفَضۡلِهِۦۚ يُصِيبُ بِهِۦ مَن يَشَآءُ مِنۡ عِبَادِهِۦۚ وَهُوَ ٱلۡغَفُورُ ٱلرَّحِيمُ 107﴾:

وإذا أصابك الله -أيها النبي- بشيء فيه ضرر، فاعلم أنه لا يكشف الضر إلا هو، وإذا أرادك الله بخير، فاعلم أنه لا يَرُدُّ فضلَ الله أحدٌ من الناس، فله الأمر كله؛ فإنه جل وعلا يصيب بالخير والضر من يشاء من عباده، وهو الغفورُ لذنوب من تاب وأناب من عباده، الرحيم ُبمن آمن به وأطاعه واتَّبع هدي نبيه ﷺ.

[108] ﴿قُلۡ يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ قَدۡ جَآءَكُمُ ٱلۡحَقُّ مِن رَّبِّكُمۡۖ فَمَنِ ٱهۡتَدَىٰ فَإِنَّمَا يَهۡتَدِي لِنَفۡسِهِۦۖ وَمَن ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيۡهَاۖ وَمَآ أَنَا۠ عَلَيۡكُم بِوَكِيلٖ 108﴾:

قل -أيها النبي- للناس جميعًا: لقد جاءكم رسول الله بالقرآن الذي فيه هدايتكم وإرشادكم إلى الحق، وهو الإسلام؛ فمن اهتدى وصار على الطريق المستقيم، فإن فائدة ذلك تعود على نفسه، وكذلك مَنْ ضل وانحرف عن الحق، فإن ضلاله يعود على نفسه، واعلموا أني لست بحافظ لكم، ولست موكَّلًا بإلزامكم حتى تكونوا مؤمنين، وإنما الحفيظ والوكيل عليكم هو الله جل في علاه.

[109] ﴿وَٱتَّبِعۡ مَا يُوحَىٰٓ إِلَيۡكَ وَٱصۡبِرۡ حَتَّىٰ يَحۡكُمَ ٱللَّهُۚ وَهُوَ خَيۡرُ ٱلۡحَٰكِمِينَ 109﴾:

ختَمَ جل وعلا السورة بأمر النبي ﷺ أن يتَّبع ما يوحى إليه من ربه، وأن يعمل به، ثم أمَرَهُ بالصبر على طاعة الله، وعن معصيته، وعلى أذى الناس، وأن يحتسب ذلك عند الله؛ حتى يحكُمَ الله بما هو مقدَّر عنده لك ولهم، واعلم أنه جل وعلا صاحب العدل الكامل الذي لا معقِّب له، والمقصود بالأمر: أمته والدعاة مِنْ بعده.

سورة هود

سورةُ هودٍ مكِّيَّةٌ، وآياتها ثلاث وعشرون ومائة آية.

لقد سألتُ والدي رحمه الله -وكان يدرِّسُ التفسير- عن قول الرسول ﷺ لما سُئِلَ عن الشَّيْبِ الذي به، فقال: «شَيَّبَتْنِي هُودٌ وَأَخَوَاتُهَا»[4]، فسألته: ما الذي أراده الرسول ﷺ بذلك؟ وما الذي أهمَّه وأزعجه في هذه السورة؟ فقال رحمه الله: أغلب الأقوال: أنها قوله تعالى: ﴿فَٱسۡتَقِمۡ كَمَآ أُمِرۡتَ وَمَن تَابَ مَعَكَ وَلَا تَطۡغَوۡاْۚ ﴾ [هود:١١٢]، وقوله: ﴿أَلَآ إِنَّ عَادٗا كَفَرُواْ رَبَّهُمۡۗ أَلَا بُعۡدٗا لِّعَادٖ قَوۡمِ هُودٖ﴾ [هود:٦٠]، وقوله: ﴿أَلَآ إِنَّ ثَمُودَاْ كَفَرُواْ رَبَّهُمۡۗ أَلَا بُعۡدٗا لِّثَمُودَ﴾ [هود:٦٨]، وغيرها من الآيات. فأمرُهُ ﷺ بالاستقامة هو ومن معه -مع ذِكْرِ قصص الأنبياء عليهم السلام، ومآل الأمم المهلَكة المبعَدة- هو الذي أثَّر في نفسه ﷺ. [4] أخرجه الطبراني في الكبير (5804)، وأبو يعلى في مسنده (880).

[1] ﴿الٓرۚ كِتَٰبٌ أُحۡكِمَتۡ ءَايَٰتُهُۥ ثُمَّ فُصِّلَتۡ مِن لَّدُنۡ حَكِيمٍ خَبِيرٍ 1﴾:

سبق الكلام على الحروف المقطَّعة في أول سورة البقرة.

ثم أخبَرَ جل وعلا أن هذا الكتاب -وهو القرآن الكريم- حُبِكَتْ ونُظِمَتْ آياته نظمًا متناسبًا لا يعتريه نقصٌ ولا خلل، ثم قُسِّمَتْ آياته إلى مواضيع عدة؛ فشيءٌ يتعلَّق بالعباد، وشيءٌ يتعلَّق بالمعبود والإخلاص له، وشيء يتعلَّق بالتكاليف الشرعية؛ كالحج والزكاة وأمور البيع والشراء والمعاملات العامَّة، وكلِّ الأمور التي يحتاجها الخلق في حياتهم وبعد مماتهم، واعلموا أن ذلك كله من الله الحكيم في شرعه، الخبير بشؤون عباده.

[2] ﴿أَلَّا تَعۡبُدُوٓاْ إِلَّا ٱللَّهَۚ إِنَّنِي لَكُم مِّنۡهُ نَذِيرٞ وَبَشِيرٞ 2﴾:

بدأ جل وعلا بذكر بعض هذه التفاصيل؛ فبدأ بذكر العبادة؛ لأنها أهم الأعمال؛ فأمَرَ العباد ألَّا يعبدوا إلا الله وحده لا شريك له؛ ولذلك كانت دعوة جميع الرسل هي توحيد الله، واعلموا -أيها الناس- أنني لكم نذيرٌ أُنْذِركم من العواقب السيئة، وبشيرٌ أبشِّركم بالنتائج الحسنة المفرحة للأعمال الصالحة، وأهمها

توحيد الألوهية، وهو جعلُ العبادة خالصةً لله وحده.

[3] ﴿وَأَنِ ٱسۡتَغۡفِرُواْ رَبَّكُمۡ ثُمَّ تُوبُوٓاْ إِلَيۡهِ يُمَتِّعۡكُم مَّتَٰعًا حَسَنًا إِلَىٰٓ أَجَلٖ مُّسَمّٗى وَيُؤۡتِ كُلَّ ذِي فَضۡلٖ فَضۡلَهُۥۖ وَإِن تَوَلَّوۡاْ فَإِنِّيٓ أَخَافُ عَلَيۡكُمۡ عَذَابَ يَوۡمٖ كَبِيرٍ 3﴾:

ثم أمَرَ جل وعلا العباد بكثرة الاستغفار والتوبة إليه، ووعَدَ من امتثل أمره بالمتاع الحسن في الدنيا، أما في الآخرة، فيثيب المؤمنين بحسب درجاتهم؛ فمنهم السابق بالخيرات، ومنهم المقتصد، ومنهم الظالم لنفسه؛ فإنه سبحانه لا يُضِيعُ أجر من أحسن عملًا، وإن تولَّوْا وتركوا الهدى، فإن الله من محبته لهدايتهم يخوِّفهم من العذاب الشديد السرمدي في جهنم يوم القيامة؛ ولهذا أرسل الرسل، وأنزل الكتب.

[4] ﴿إِلَى ٱللَّهِ مَرۡجِعُكُمۡۖ وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ قَدِيرٌ 4﴾:

واعلموا -أيها الناس- أن عودتكم ورجوعكم إلى الله جميعًا بعد موتكم يوم البعث؛ فيجازيكم على أعمالكم، والله على كل شيء قدير، ومِن ذلك: إحياؤكم وبَعْثكم بعد الموت، ثم محاسبتكم ومجازاتكم.

[5] ﴿أَلَآ إِنَّهُمۡ يَثۡنُونَ صُدُورَهُمۡ لِيَسۡتَخۡفُواْ مِنۡهُۚ أَلَا حِينَ يَسۡتَغۡشُونَ ثِيَابَهُمۡ يَعۡلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعۡلِنُونَۚ إِنَّهُۥ عَلِيمُۢ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ 5﴾:

أخبَرَ جل وعلا عن بعض أفعال المشركين، وأنهم يطأطئون رؤوسهم ويُمِيلونها على صدورهم؛ يظنون بذلك: أنهم أخفَوْا أنفسهم وحجبوها عن الله؛ وهذا من أعظم ما يكون من الجهل والغباء، وقد ردَّ الله عليهم وبيَّن خطأهم في هذا الظن؛ أنهم لو غطَّوْا أجسادهم بثيابهم، لَعَلِمَ كل ما يظهرون وما يُسِرُّونَ من الأقوال والأعمال، وهم على هذا الحال، بل أبعَدَ من ذلك، وهو كونه سبحانه يعلم ما في صدورهم من النيَّات والضمائر والأسرار، وما يخطر في نفوسهم مما لم يتفوَّهوا به.

[6] ﴿وَمَا مِن دَآبَّةٖ فِي ٱلۡأَرۡضِ إِلَّا عَلَى ٱللَّهِ رِزۡقُهَا وَيَعۡلَمُ مُسۡتَقَرَّهَا وَمُسۡتَوۡدَعَهَاۚ كُلّٞ فِي كِتَٰبٖ مُّبِينٖ 6﴾:

أخبَرَ جل وعلا أنه ما من شيء يَدِبُّ على الأرض إلا وقد تكفَّل الله له برزقه المناسب له، وتكفَّل له بتيسير طريق الحصول على ذلك الرزق، وجميع هذه الدواب يعلم جل وعلا مكان إقامتها واستقرارها ومأواها، ويعلم مكانها الذي تعيش فيه وتموت فيه، وقد كتَبَ الله ذلك في كتابٍ واضحٍ بيِّن عنده، وهو اللوحُ المحفوظ.

[7] ﴿وَهُوَ ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٖ وَكَانَ عَرۡشُهُۥ عَلَى ٱلۡمَآءِ لِيَبۡلُوَكُمۡ أَيُّكُمۡ أَحۡسَنُ عَمَلٗاۗ وَلَئِن قُلۡتَ إِنَّكُم مَّبۡعُوثُونَ مِنۢ بَعۡدِ ٱلۡمَوۡتِ لَيَقُولَنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُوٓاْ إِنۡ هَٰذَآ إِلَّا سِحۡرٞ مُّبِينٞ 7﴾:

أخبَرَ جل وعلا أنه خلق السموات والأرض وما فيهنَّ في ستة أيام، وقد فصَّل سبحانه ذلك في سورة فُصِّلت، فأخبر أنه خلق السموات في يومَيْن، وخلق الأرض في يومَيْن، وخلق ما على الأرض مما تقتضيه حياة البشر والحيوان في يومَيْن، قال تعالى: ﴿قُلۡ أَئِنَّكُمۡ لَتَكۡفُرُونَ بِٱلَّذِي خَلَقَ ٱلۡأَرۡضَ فِي يَوۡمَيۡنِ وَتَجۡعَلُونَ لَهُۥٓ أَندَادٗاۚ ذَٰلِكَ رَبُّ ٱلۡعَٰلَمِينَ 9 وَجَعَلَ فِيهَا رَوَٰسِيَ مِن فَوۡقِهَا وَبَٰرَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَآ أَقۡوَٰتَهَا فِيٓ أَرۡبَعَةِ أَيَّامٖ سَوَآءٗ لِّلسَّآئِلِينَ 10 ثُمَّ ٱسۡتَوَىٰٓ إِلَى ٱلسَّمَآءِ وَهِيَ دُخَانٞ فَقَالَ لَهَا وَلِلۡأَرۡضِ ٱئۡتِيَا طَوۡعًا أَوۡ كَرۡهٗا قَالَتَآ أَتَيۡنَا طَآئِعِينَ 11 فَقَضَىٰهُنَّ سَبۡعَ سَمَٰوَاتٖ فِي يَوۡمَيۡنِ وَأَوۡحَىٰ فِي كُلِّ سَمَآءٍ أَمۡرَهَاۚ وَزَيَّنَّا ٱلسَّمَآءَ ٱلدُّنۡيَا بِمَصَٰبِيحَ وَحِفۡظٗاۚ ذَٰلِكَ تَقۡدِيرُ ٱلۡعَزِيزِ ٱلۡعَلِيمِ﴾ [فصلت:9-12].

وهذه الأيامُ ليست من أيام الدنيا المعروفة بأربع وعشرين ساعة؛ لأنها قبل إيجاد الليل والنهار؛ كما قال تعالى: ﴿وَإِنَّ يَوۡمًا عِندَ رَبِّكَ كَأَلۡفِ سَنَةٖ مِّمَّا تَعُدُّونَ﴾ [الحج:٤٧]. ذَكَر ذلك بعض المفسرين، ونقلوه عن ابن عباس والضحاك وغيرهما.

ثم أخبَرَ سبحانه أنَّ عرشه كان قبل خلق السموات والأرض على الماء؛ وهذا دليل على أن العرش والماء كانا مخلوقَيْنِ قبل خلق السموات والأرض، وأخبَرَ أنَّه خلَقَ السموات والأرض ليختبر عباده أيُّهم أحسَنُ له طاعةً وعملًا، ومعلوم أن العمل لا يُقْبَلُ عند الله إلا إذا تحقَّق فيه شرطان: الأول: أن يكون خالصًا لله. الثاني: أن يكون موافقًا لِمَا كان عليه رسول الله ﷺ. واعلم -أيها النبي- لو أنك قلت لهؤلاء المشركين: إن الله سوف يَبعَثُكم بعد موتكم، لقالوا لك مكذِّبين: ما هذا القرآن الذي تتلوه علينا إلا سحرٌ واضحٌ بيِّن.

[8] ﴿وَلَئِنۡ أَخَّرۡنَا عَنۡهُمُ ٱلۡعَذَابَ إِلَىٰٓ أُمَّةٖ مَّعۡدُودَةٖ لَّيَقُولُنَّ مَا يَحۡبِسُهُۥٓۗ أَلَا يَوۡمَ يَأۡتِيهِمۡ لَيۡسَ مَصۡرُوفًا عَنۡهُمۡ وَحَاقَ بِهِم مَّا كَانُواْ بِهِۦ يَسۡتَهۡزِءُونَ 8﴾:

واعلموا -أيها المشركون- لو أن الله فضلًا منه وكرمًا أخَّر عنكم العذاب إلى مدة معدودة من الدهر، لقلتم سخريةً واستهزاءً: ما الذي يحبسه، أي: ما الذي يمنعه من النزول؟! وهذا دليلٌ على تكذيبهم لهذا العذاب، فاعلموا -أيها الكفار- أنه إذا نزل بكم العذاب، فإنه لا يستطيع أن يصرفه عنكم صارف، ولا يدفعه دافع، وسوف يحيط بكم العذاب الذي كنتم تستهزئون به من كل جانب؛ وحينئذ لا ينفع نفسًا إيمانها لم تكن آمَنَتْ من قبل. وقوله: ﴿أُمَّةٗ﴾: معناها هنا: المدة أو الحين أو الزمن، وتأتي أيضًا بمعنى الجماعة، ولها تصاريف أخرى يوضِّحها السياق.

[9] ﴿وَلَئِنۡ أَذَقۡنَا ٱلۡإِنسَٰنَ مِنَّا رَحۡمَةٗ ثُمَّ نَزَعۡنَٰهَا مِنۡهُ إِنَّهُۥ لَيَـُٔوسٞ كَفُورٞ 9﴾:

ثم وصَفَ جل وعلا حال الإنسان بأنه إذا رُزِقَ خيرًا ونعمةً وبركة، ثم نزعها الله منه بسبب عدم شكرها، فإنه يؤوسٌ كفور، أي: شديدُ اليأس من رحمة الله، وهذا وصفٌ للبشر كلهم، وقيل: المراد بالإنسان هو الكافر، وهو أبلغُ وصفٍ لطبيعة الإنسان.

[10] ﴿وَلَئِنۡ أَذَقۡنَٰهُ نَعۡمَآءَ بَعۡدَ ضَرَّآءَ مَسَّتۡهُ لَيَقُولَنَّ ذَهَبَ ٱلسَّيِّـَٔاتُ عَنِّيٓۚ إِنَّهُۥ لَفَرِحٞ فَخُورٌ 10﴾:

ثم وصَفَ جل وعلا حال هذا الإنسان؛ فإنه إذا أسبَغَ الله عليه النعم، وأغناه بعد الفقر، وشفاه بعد المرض، وأمَّنه بعد الخوف، يقول: ذهَبَتِ المصائب وزال أثرها عني، ولا ينسُبُ الفضلَ في ذلك إلى الله سبحانه وتعالى، ولا يشكره، بل يقول: (هذه حال الدهر)، ويفرح فرحًا مبالغًا فيه، ويبطر بالنعم، ويتعالى على الناس ويتطاول عليهم ظنًّا منه أن ذلك الخير سيدوم له بلا انقطاع!

[11] ﴿إِلَّا ٱلَّذِينَ صَبَرُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ أُوْلَٰٓئِكَ لَهُم مَّغۡفِرَةٞ وَأَجۡرٞ كَبِيرٞ 11﴾:

واستثنى جل وعلا منهم فئةً قليلةً، وهم الصابرون العاملون للصالحات؛ فإنهم مُكْرَمونَ لا يحصُلُ منهم شيءٌ مما ذُكِرَ، ولهم أجرٌ كبير في الآخرة؛ لأنهم ينسبون الفضل لله، ويشكرونه على النعم، ويصبرون على المصائب، ويحتسبون أجرهم على الله.

[12] ﴿فَلَعَلَّكَ تَارِكُۢ بَعۡضَ مَا يُوحَىٰٓ إِلَيۡكَ وَضَآئِقُۢ بِهِۦ صَدۡرُكَ أَن يَقُولُواْ لَوۡلَآ أُنزِلَ عَلَيۡهِ كَنزٌ أَوۡ جَآءَ مَعَهُۥ مَلَكٌۚ إِنَّمَآ أَنتَ نَذِيرٞۚ وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ وَكِيلٌ 12﴾:

سلَّى جل وعلا نبيه ﷺ وواساه، فخاطبه قائلًا: لعلك -أيها النبي- تارك تبليغ بعض ما أُنزِلَ إليك، ولعلك -أيها النبي- ضائق صدرك بسبب ما تراه من المشركين؛ من تكذيب وتعنُّت وإصرار على الكفر، وبسبب اقتراحهم بعض الآيات عنادًا وكفرًا؛ كاقتراحهم أن يُنزَلَ عليك مال كثير، أو يُنزَلَ عليك ملَكٌ من السماء يصدِّقك في رسالتك، فلا عليك -أيها النبي- ولا يَضِقْ صدرك بمثل هذا؛ ما عليك إلا تبليغُ ما أُمِرْتَ به، وتحذيرُهم من الشرك والكفر والمعاصي، ولست مطالبًا بهدايتهم جبرًا؛ فالله سبحانه هو الرقيب الحفيظ، وهو الهادي، وهو على كل شيء وكيل، لا يخفى عليه شيء من أعمالهم، وسيجازيهم عليها بما يستحقون.

[13] ﴿أَمۡ يَقُولُونَ ٱفۡتَرَىٰهُۖ قُلۡ فَأۡتُواْ بِعَشۡرِ سُوَرٖ مِّثۡلِهِۦ مُفۡتَرَيَٰتٖ وَٱدۡعُواْ مَنِ ٱسۡتَطَعۡتُم مِّن دُونِ ٱللَّهِ إِن كُنتُمۡ صَٰدِقِينَ 13﴾:

يقول المشركون: بل إنك -يا محمد- افتريت هذا القرآن، فقل لهم على سبيل التحدِّي: إنْ كان الأمر كما تقولون، فأتوا بعَشْرِ سور مثل هذا القرآن مفتَرَيات، أي: مثله في البلاغةِ وحُسْنِ السبك وغير ذلك، واستنجِدُوا بالبلغاء والفصحاء أيًّا كانوا من خلق الله ليعينوكم على ذلك، إن كنتم صادقين في دعواكم، ولم يفعلوا؛ لعجزهم عن ذلك. وقوله: ﴿أَمۡ﴾، هنا منقطعة، بمعنى: بَلْ، والهمزة للتوبيخ والإنكار عليهم في دعواهم أنه افتراه.

[14] ﴿فَإِلَّمۡ يَسۡتَجِيبُواْ لَكُمۡ فَٱعۡلَمُوٓاْ أَنَّمَآ أُنزِلَ بِعِلۡمِ ٱللَّهِ وَأَن لَّآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَۖ فَهَلۡ أَنتُم مُّسۡلِمُونَ 14﴾:

ثم قال جل في علاه: فإن لم يستجيبوا لكم -أيها المؤمنون- لما تدعونهم إليه، ولم يقوموا لهذا التحدِّي؛ لِعَجْزِهم عن ذلك وعدم استطاعتهم على الإطلاق، فليعلم الجميع أن هذا القرآنَ منزَّلٌ من عند الله، وأن البشر لا يستطيعون الإتيان بمثله، وليعلم الجميع أنه لا إله إلا الله، وأنه وحده هو المستحِقُّ للألوهية، والإفراد بالعبادة؛ فهل أنتم مستسلمون لله، منقادون لدينه ولرسوله ﷺ؟!

[15] ﴿مَن كَانَ يُرِيدُ ٱلۡحَيَوٰةَ ٱلدُّنۡيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيۡهِمۡ أَعۡمَٰلَهُمۡ فِيهَا وَهُمۡ فِيهَا لَا يُبۡخَسُونَ 15﴾:

واعلموا -أيها الناس- أن مَنْ آثر الحياة الدنيا ومتعها على الآخرة، فإنَّا نعطيهم مرادهم وما قُسِمَ لهم من ثواب أعمالهم في الحياة الدنيا، وهم لا يُنقصُونَ شيئًا مما قدَّره الله لهم، وهذا الإطلاق قُيِّدَ في قوله تعالى في سورة الإسراء: ﴿مَّن كَانَ يُرِيدُ ٱلۡعَاجِلَةَ عَجَّلۡنَا لَهُۥ فِيهَا مَا نَشَآءُ لِمَن نُّرِيدُ﴾ [الإسراء:18]، أي: نعطيه من متاعها ما نريد مما كُتِبَ في اللوح المحفوظ.

[16] ﴿أُوْلَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ لَيۡسَ لَهُمۡ فِي ٱلۡأٓخِرَةِ إِلَّا ٱلنَّارُۖ وَحَبِطَ مَا صَنَعُواْ فِيهَا وَبَٰطِلٞ مَّا كَانُواْ يَعۡمَلُونَ 16﴾:

ثم أخبَرَ جل وعلا عن جزاء هؤلاء: أن جزاءهم في الآخرة هو نار جهنَّم، لا جزاء لهم غير ذلك، وقد خاب كيدهم، وبطَلَ عملهم؛ لأنه لم يكن لوجه الله تعالى، ولأنه لم تتحقق فيه شروط قبول الأعمال.

[17] ﴿أَفَمَن كَانَ عَلَىٰ بَيِّنَةٖ مِّن رَّبِّهِۦ وَيَتۡلُوهُ شَاهِدٞ مِّنۡهُ وَمِن قَبۡلِهِۦ كِتَٰبُ مُوسَىٰٓ إِمَامٗا وَرَحۡمَةًۚ أُوْلَٰٓئِكَ يُؤۡمِنُونَ بِهِۦۚ وَمَن يَكۡفُرۡ بِهِۦ مِنَ ٱلۡأَحۡزَابِ فَٱلنَّارُ مَوۡعِدُهُۥۚ فَلَا تَكُ فِي مِرۡيَةٖ مِّنۡهُۚ إِنَّهُ ٱلۡحَقُّ مِن رَّبِّكَ وَلَٰكِنَّ أَكۡثَرَ ٱلنَّاسِ لَا يُؤۡمِنُونَ 17﴾:

ثم قال سبحانه: أفمَنْ كان على يقين وبصيرة وحُجَّة من الله جل وعلا بالوحي الذي أنزله الله على محمد ﷺ، وكان معه دليل آخر وحجة ثانية وهي الفِطْرةُ السليمة والعقل الصحيح، وقيل: إن الدليل الثاني هو محمد عليه السلام، ثم شاهِدٌ ودليلٌ ثالث قبل ذلك، وهي التوراة التي أنزلها الله على موسى عليه السلام؛ إمامًا للناس يأتمون بها في أمر الدين والحياة، ورحمةً لهم من عذاب الله إذا آمنوا بها واتَّبعوها، وتشهد للقرآن وتصدِّقه؛ أفمن كان معه هذه البينات والأدلة كمَنْ هو في الظلمات همه الحياة الدنيا وزينتها؟! لا يستوون عند الله، إنَّ الذين معهم هذه البينات والأدلة يصدِّقون بالنبي ﷺ، ويؤمنون بالقرآن حقيقة، ومن يكفر بهذا القرآن ويجحده من الطوائف والأحزاب من أهل مكة وغيرهم، فجزاؤه نار جهنم خالدًا فيها؛ فلا تَكُ -أيها النبي- في شكٍّ من القرآن، ولا تَكُ في شكٍّ من أن النار موعدٌ وجزاءٌ لمن يكفر به؛ فالدين والقرآن من عند الله، وهو الحق، ولكن أكثر الناس لا يؤمنون به، مع ظهور الدلائل والحجج والبراهين.

ومعلوم أنه ﷺ لم يشُكَّ في أمر القرآن، وكونِهِ من عند الله سبحانه بعد ما شَهِدَتْ بذلك الأدلة والحجج والبراهين، وإنما يؤمر ويُنهى؛ ليبلغ أمته.

[18] ﴿وَمَنۡ أَظۡلَمُ مِمَّنِ ٱفۡتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ كَذِبًاۚ أُوْلَٰٓئِكَ يُعۡرَضُونَ عَلَىٰ رَبِّهِمۡ وَيَقُولُ ٱلۡأَشۡهَٰدُ هَٰٓؤُلَآءِ ٱلَّذِينَ كَذَبُواْ عَلَىٰ رَبِّهِمۡۚ أَلَا لَعۡنَةُ ٱللَّهِ عَلَى ٱلظَّٰلِمِينَ 18﴾:

أخبَرَ جل وعلا أنه لا أحدَ أشدُّ ظلمًا ممن يختلق على الله الكذب، باتخاذ شريك معه، أو وصفِهِ بما لا يليق بجلاله، أو اختلاق شيء ونسبته إليه، وغير ذلك؛ فهذا من أشدِّ الناس ظلمًا على الإطلاق، وأصحابُ هذه الجريمة سيقفون بين يدي الله جل وعلا يوم العَرْضِ عليه، وسيسألهم ويحاسبهم على افترائهم الكذب، وحينها سيُدْلي الأشهاد -من الملائكة والرسل والعلماء- بشهادتهم على هؤلاء المجرمين، قائلين: ﴿هَٰٓؤُلَآءِ ٱلَّذِينَ كَذَبُواْ عَلَىٰ رَبِّهِمۡۚ ﴾؛ أَلَا بعدًا لهم وطردًا من رحمة الله وجَنَّته!

[19] ﴿ٱلَّذِينَ يَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ وَيَبۡغُونَهَا عِوَجٗا وَهُم بِٱلۡأٓخِرَةِ هُمۡ كَٰفِرُونَ 19﴾:

ثم يبيَّن جل وعلا بعض صفات هؤلاء المجرمين؛ فأخبَرَ أنهم يَصْرِفون أنفسهم، ويمنعون غيرهم من الدخول في دين الله، ويصفون سبيل الله بالاعوجاج تنفيرًا للناس عنها، وهم مع ذلك لا يؤمنون بالآخرة ولا بالبعث والجزاء.

[20] ﴿أُوْلَٰٓئِكَ لَمۡ يَكُونُواْ مُعۡجِزِينَ فِي ٱلۡأَرۡضِ وَمَا كَانَ لَهُم مِّن دُونِ ٱللَّهِ مِنۡ أَوۡلِيَآءَۘ يُضَٰعَفُ لَهُمُ ٱلۡعَذَابُۚ مَا كَانُواْ يَسۡتَطِيعُونَ ٱلسَّمۡعَ وَمَا كَانُواْ يُبۡصِرُونَ 20﴾:

بيَّن جل وعلا حقيقة هؤلاء الكفار ومقدارهم، وأنهم لا يَفُوتُونَ الله هربًا؛ فهو سبحانه مُدْرِكهم ومعذِّبهم متى أراد، وبيَّن سبحانه أنه ما كان لهؤلاء الكفار أيضًا من أنصار يَدْفَعُونَ عنهم ما يكرهون من عذاب ونحوه، أو يجلبون لهم ما يحبون، ولهم في الآخرة عذابٌ مضاعَفٌ مغلَّظ؛ بسبب افترائهم على الله الكذب، وتَرْكِهم للإسلام وصدِّهم غيرهم عنه، وهؤلاء الكفار لتفريطهم وإعراضهم، كانوا لا يرغبون أن يسمعوا القرآن سماعًا ينتفعون به، وكانوا أيضًا لا يُبْصِرون آيات الله في كَوْنِهِ الدالَّةِ على وحدانيته إبصارَ تفكُّر واعتبار.

[21] ﴿أُوْلَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ خَسِرُوٓاْ أَنفُسَهُمۡ وَضَلَّ عَنۡهُم مَّا كَانُواْ يَفۡتَرُونَ 21﴾:

أخبَرَ جل وعلا عن عاقبة هؤلاء الكفار، وأنهم خَسِروا أنفسهم بالشرك والصد عن سبيل الله؛ وذلك بأن فوَّتوا على أنفسهم الإيمان والثواب، فاستحقوا العذاب والعقاب، وحينها قد ذهب وغاب عنهم ما كانوا يَدْعُونَ من الآلهة الباطلة، ويزعمون أنهم شركاء لله.

[22] ﴿لَا جَرَمَ أَنَّهُمۡ فِي ٱلۡأٓخِرَةِ هُمُ ٱلۡأَخۡسَرُونَ 22﴾:

واعلموا أنه لا محالةَ ولا شكَّ: أن الكفار هم أشدُّ الناس خسارة في الآخرة؛ لأنهم إضافةً إلى جريمة كفرهم، فقد كانوا يصُدُّون الناس عن الإسلام. وقوله: ﴿لَا جَرَمَ﴾ تأتي في القرآن بمعنى: حقًّا، وتحمل معنى القَسَم.

[23] ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ وَأَخۡبَتُوٓاْ إِلَىٰ رَبِّهِمۡ أُوْلَٰٓئِكَ أَصۡحَٰبُ ٱلۡجَنَّةِۖ هُمۡ فِيهَا خَٰلِدُونَ 23﴾:

أخبَرَ جل وعلا عن صفات جليلة من صفات المؤمنين، وما أعدَّ الله لمن تحلى بهذه الصفات، وهي: الإيمانُ والاعترافُ بالله جل وعلا، وتصديقُ ذلك بالعمل بالجوارح بفعل الأوامر وترك النواهي، والإخباتِ إلى الله، أي: الذلِّ والخضوعِ والاستكانة والخشوع لله جل وعلا، مع محبَّته وخوفه ورجائه؛ فمن جمع تلك الصفات، فهو من أهل الجنة خالدين فيها لا يخرُجُونَ منها أبدًا.

[24] ﴿مَثَلُ ٱلۡفَرِيقَيۡنِ كَٱلۡأَعۡمَىٰ وَٱلۡأَصَمِّ وَٱلۡبَصِيرِ وَٱلسَّمِيعِۚ هَلۡ يَسۡتَوِيَانِ مَثَلًاۚ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ 24﴾:

ثم ضرَبَ سبحانه وتعالى مثلًا لفريق أهل الإيمان السعداء، ومثلًا لفريق الكفار الأشقياء؛ فمثَلُ الكفار الأشقياء: كمثل رجل أعمى لا يبصر، وأصمَّ لا يسمع؛ فالكفار الأشقياء قد عَمِيَتْ أبصارهم عن الحق، وصمَّت آذانهم عن الهدى، ومثَلُ المؤمنين السعداء: كرجل مُبْصِرٍ يسمع، وهم قد أبصروا نور الإسلام فآمنوا، وسمعوا داعي الله فأجابوا، فهل يستوي هؤلاء الفريقان حالًا وصفةً؟! والجواب: لا؛ أفلا تتفكَّرون في ذلك وتتدبَّرون فيه؟!

[25] ﴿وَلَقَدۡ أَرۡسَلۡنَا نُوحًا إِلَىٰ قَوۡمِهِۦٓ إِنِّي لَكُمۡ نَذِيرٞ مُّبِينٌ 25﴾:

أخبَرَ جل وعلا أنه أرسل نوحًا عليه السلام إلى قومه؛ لدعوتِهم إلى التوحيد، وتحذيرِهم من الشرك والكفر، فدعاهم لذلك وبيَّن لهم وقال: إني منذرٌ لكم من ِسخط الله تعالى، ومبيِّنٌ لكم بيانًا يزول به كل إشكال.

[26] ﴿أَن لَّا تَعۡبُدُوٓاْ إِلَّا ٱللَّهَۖ إِنِّيٓ أَخَافُ عَلَيۡكُمۡ عَذَابَ يَوۡمٍ أَلِيمٖ 26﴾:

ثم إن نوحًا عليه السلام دعا قومه إلى عبادة الله وحده لا شريك له، ثم قال لهم: واعلموا -يا قوم - إذا لم تطيعوني وتتَّبعوني فيما آمركم به؛ فإني أخاف عليكم يوم القيامة عذابًا أليمًا موجعًا في النار.

[27] ﴿فَقَالَ ٱلۡمَلَأُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِن قَوۡمِهِۦ مَا نَرَىٰكَ إِلَّا بَشَرٗا مِّثۡلَنَا وَمَا نَرَىٰكَ ٱتَّبَعَكَ إِلَّا ٱلَّذِينَ هُمۡ أَرَاذِلُنَا بَادِيَ ٱلرَّأۡيِ وَمَا نَرَىٰ لَكُمۡ عَلَيۡنَا مِن فَضۡلِۭ بَلۡ نَظُنُّكُمۡ كَٰذِبِينَ 27﴾:

فلما دعا نوح عليه السلام قومه إلى التوحيد، أجابه أشراف قومه وكبراؤهم، قالوا: اعلم يا نوح، أنك بشَرٌ مثلُنا، وعليه فنحن لا نعترف بنبوَّتك، ثم إن الذين اتَّبعوك من قومنا هم الجهلة والفقراء، ومَنْ لا حسَبَ لهم ولا نسَبَ، وليس لهم رأي ولا عقل راجح؛ اتَّبعوك مباشرة دون تفكير ولا نظر، ثم لا نرى لكم مزيَّةً علينا -في عقلٍ أو جاهٍ أو مالٍ- حتى نتَّبعكم وننقاد لكم، وفوق هذا: نظنُّكم ونعتقد أنكم كاذبون فيما تقولون وتدَّعون.

[28] ﴿قَالَ يَٰقَوۡمِ أَرَءَيۡتُمۡ إِن كُنتُ عَلَىٰ بَيِّنَةٖ مِّن رَّبِّي وَءَاتَىٰنِي رَحۡمَةٗ مِّنۡ عِندِهِۦ فَعُمِّيَتۡ عَلَيۡكُمۡ أَنُلۡزِمُكُمُوهَا وَأَنتُمۡ لَهَا كَٰرِهُونَ 28﴾:

ثم قال نوح عليه السلام لقومه مجيبًا لهم: لقد أتيتكم بالحق الواضح من ربي وربكم، وقد اختصَّني بالنبوَّة رحمة منه، فاستكبرتم وأخذتكم العزة بالإثم، فأغلقتم آذانكم؛ فهل نُجْبِركم على قبول الرسالة التي هي عبادة الله وحده، وترك عبادة ما سواه، وأنتم كارهون لذلك؟!

والاستفهام في قوله: ﴿أَنُلۡزِمُكُمُوهَا﴾، هنا إنكاري، أي: ما كان لي ذلك وأنتم كارهون لها، والهمزة للاستفهام، دخلت على الفعل المضارع، والكاف هو المفعول الأول، والهاء هي المفعول الثاني، والواو حرف للإشباع للفصل بين المفعول الأول والمفعول الثاني، وفاعل الفعل ضمير مستتر.

[29] ﴿وَيَٰقَوۡمِ لَآ أَسۡـَٔلُكُمۡ عَلَيۡهِ مَالًاۖ إِنۡ أَجۡرِيَ إِلَّا عَلَى ٱللَّهِۚ وَمَآ أَنَا۠ بِطَارِدِ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْۚ إِنَّهُم مُّلَٰقُواْ رَبِّهِمۡ وَلَٰكِنِّيٓ أَرَىٰكُمۡ قَوۡمٗا تَجۡهَلُونَ 29﴾:

ثم إن نوحًا عليه السلام رَدَّ على قومه، وأخبرهم أنه لا يريد منهم مالًا مقابلَ دعوته إياهم، ومقابلَ نصحه لهم، وبيَّن لهم أن الذي سيجازيه على ذلك ويكافئه هو الله جل في علاه، ثم قال نوح عليه السلام لهم: واعلموا يا قوم، أنني لست بطارد الذين آمنوا من الفقراء؛ فإن ذلك لا يَحِقُّ ولا ينبغي لي؛ فإنهم سيلقون الله جل وعلا وهو مثيبهم ومجازيهم على إيمانهم بي وتصديقهم لي، ولكني أراكم أنتم قومًا تجهلون، ومن جهلكم: أَمْرُكم لي بطردهم، ورفضُكم طاعتي؛ بدعوى أن هؤلاء الفقراء من أتباعي!

[30] ﴿وَيَٰقَوۡمِ مَن يَنصُرُنِي مِنَ ٱللَّهِ إِن طَرَدتُّهُمۡۚ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ 30﴾:

ثم قال نوح عليه السلام: ويا قوم، من يحول بيني وبين عقاب الله ويمنعني منه إن عصيتُه وأطعتُكم في طرد هؤلاء المؤمنين؟! أفلا تتذكَّرون وتتفكَّرون في حقيقة أمركم وفعلكم؟!

[31] ﴿وَلَآ أَقُولُ لَكُمۡ عِندِي خَزَآئِنُ ٱللَّهِ وَلَآ أَعۡلَمُ ٱلۡغَيۡبَ وَلَآ أَقُولُ إِنِّي مَلَكٞ وَلَآ أَقُولُ لِلَّذِينَ تَزۡدَرِيٓ أَعۡيُنُكُمۡ لَن يُؤۡتِيَهُمُ ٱللَّهُ خَيۡرًاۖ ٱللَّهُ أَعۡلَمُ بِمَا فِيٓ أَنفُسِهِمۡ إِنِّيٓ إِذٗا لَّمِنَ ٱلظَّٰلِمِينَ 31﴾:

وما زال نوح عليه السلام يجيب قومه ويحاورهم، ويبيَّن لهم، فقال لهم: لا أقول لكم: إنَّ بيدي مفاتيح خزائن الله أُعطِي من أشاء وأمنعُ من أشاء، ولا أدَّعي كذلك معرفة ما لم يقع في المستقبل من علم الغيب، فأخبركم بشيء من ذلك، ولا أدَّعي أني ملَكٌ من الملائكة -وذلك ردٌّ عليهم لما قالوا: ما نراك إلا بشرًا- غايةُ أمري أني بشَرٌ مثلكم أرسلني الله إليكم، ولا أقول للذين تحتقرونهم وتزدرونهم من الفقراء الذين آمنوا بي وصدَّقوني: إن الله لن يعطيهم الثواب الجزيل على إيمانهم، بل مرجع الجميع إلى الله الذي يعلم ما تُخفِي كل نفس وما تُبْدي؛ فإني لو فعلت ذلك، أكون من الظالمين المتجاوزين لحدودي، وأكون بذلك قد ظلمتُ نفسي وظلمتُ غيري.

[32] ﴿قَالُواْ يَٰنُوحُ قَدۡ جَٰدَلۡتَنَا فَأَكۡثَرۡتَ جِدَٰلَنَا فَأۡتِنَا بِمَا تَعِدُنَآ إِن كُنتَ مِنَ ٱلصَّٰدِقِينَ 32﴾:

ولما لم يكن لقوم نُوحٍ حجَّةٌ مقنعة يتكلَّمون بها، قالوا: يا نوح، إنك بالغت وأكثرت علينا في سرد الحجج، ومهما تأتنا به من حجة، فلن نؤمن بما جئت به؛ فعَجِّلْ لنا العذاب -الذي تخوِّفنا به- بإنزاله علينا إن كنت من الصادقين في دعوتك لنا، وفي زَعْمك أنك رسول من عند الله.

[33] ﴿قَالَ إِنَّمَا يَأۡتِيكُم بِهِ ٱللَّهُ إِن شَآءَ وَمَآ أَنتُم بِمُعۡجِزِينَ 33﴾:

فأجابهم نوح عليه السلام بأن الله وحده هو الذي يأتيكم بالعذاب في الوقت الذي يريده هو -عاجلًا أو آجلًا- متى شاء ذلك، وما أنتم يا قوم بهاربين من عقاب الله في الوقت الذي يحدِّده هو، ولا أنتم قادرون على منع عذاب الله.

[34] ﴿وَلَا يَنفَعُكُمۡ نُصۡحِيٓ إِنۡ أَرَدتُّ أَنۡ أَنصَحَ لَكُمۡ إِن كَانَ ٱللَّهُ يُرِيدُ أَن يُغۡوِيَكُمۡۚ هُوَ رَبُّكُمۡ وَإِلَيۡهِ تُرۡجَعُونَ 34﴾:

ثم قال نوح عليه السلام: واعلموا يا قوم، أن نصحي لكم وبذلي ما أستطيع لإبلاغكم، لن ينفعكم؛ إنْ كان الله يريد لكم البقاء على ما اختَرْتم لأنفسكم من الغَوَاية والضلال؛ بسبب ردِّكم للحق وعنادكم؛ فإنَّ أمركم إلى الله؛ قال تعالى: ﴿إِن تَكۡفُرُواْ فَإِنَّ ٱللَّهَ غَنِيٌّ عَنكُمۡۖ وَلَا يَرۡضَىٰ لِعِبَادِهِ ٱلۡكُفۡرَۖ ﴾ [الزمر:٧]، وإرادة الله غالبة، وهو ربُّكم وجَعَلكم مختارين، وإليه ترجعون يوم القيامة؛ فيحاسبكم على ما اخترتم، ويجازيكم عليه.

[35] ﴿أَمۡ يَقُولُونَ ٱفۡتَرَىٰهُۖ قُلۡ إِنِ ٱفۡتَرَيۡتُهُۥ فَعَلَيَّ إِجۡرَامِي وَأَنَا۠ بَرِيٓءٞ مِّمَّا تُجۡرِمُونَ 35﴾:

ومع هذا كله فإنَّ قوم نوح ردوا قائلين: إن نوحًا افترى على الله هذا القول، واختلقه من قِبَلِ نفسه؟! فأمر سبحانه نبيه نوحًا عليه السلام أن يقول لهم: اعلموا يا قوم، إن كنت افتريته، فعليَّ وزر ذلك، وأتحمَّل عاقبته، وإن كنت صادقًا، وأنتم المفترون، فعليكم إثم ذلك ووِزْره، وتتحمَّلون جُرْمكم، وأنا بريء من ذلك.

وقد قيل: إن هذه الآية معترضة في قصة نوح عليه السلام، والخطاب فيها لمحمَّد ﷺ؛ والمعنى: إذا قال لك -أيها النبي- كفار مكة: إنك افتريت القرآن واختلقته -ومن ضمن ذلك قصة نوح مع قومه- فقل لهم: إنْ كنتُ من المفترين، فأنا أتحمَّل وزري، وعاقبة أمري، وإن كنتم أنتم المفترين، فأنا بريء منكم ومن أفعالكم؛ وهذا يدل على أن دعوة الأنبياء واحدة.

[36] ﴿وَأُوحِيَ إِلَىٰ نُوحٍ أَنَّهُۥ لَن يُؤۡمِنَ مِن قَوۡمِكَ إِلَّا مَن قَدۡ ءَامَنَ فَلَا تَبۡتَئِسۡ بِمَا كَانُواْ يَفۡعَلُونَ 36﴾:

وبعد أن يئس نوح عليه السلام من دعوة قومه، قال: ﴿رَّبِّ لَا تَذَرۡ عَلَى ٱلۡأَرۡضِ مِنَ ٱلۡكَٰفِرِينَ دَيَّارًا﴾ [نوح:26]، أخبَرَهُ جل وعلا رحمةً ولطفًا به؛ أنه لن يؤمن -يا نوح- من قومك إلا مَن قد آمن من قبلُ؛ فلا تحزنْ عليهم ولا يَضِقْ صدرك بهم ذَرْعًا بسبب أعمالهم السيئة، واعلم أن حسابهم وجزاءهم على الله.

[37] ﴿وَٱصۡنَعِ ٱلۡفُلۡكَ بِأَعۡيُنِنَا وَوَحۡيِنَا وَلَا تُخَٰطِبۡنِي فِي ٱلَّذِينَ ظَلَمُوٓاْ إِنَّهُم مُّغۡرَقُونَ 37﴾:

ثم أمَرَ جل وعلا نبيه نوحًا أن يصنع سفينةً تحت بصره وبمرأًى منه كي يلهمه كيفية صناعتها، ثم أمَرَهُ سبحانه ألَّا يسأل ولا يطلب منه إنجاء الظالمين، وهذا إعلامٌ لنوح ألَّا يشفع لأحد منهم مثل ابنه؛ لأن هؤلاء قد حُكِم َعليهم بالغَرَقِ بالطوفان.

[38] ﴿وَيَصۡنَعُ ٱلۡفُلۡكَ وَكُلَّمَا مَرَّ عَلَيۡهِ مَلَأٞ مِّن قَوۡمِهِۦ سَخِرُواْ مِنۡهُۚ قَالَ إِن تَسۡخَرُواْ مِنَّا فَإِنَّا نَسۡخَرُ مِنكُمۡ كَمَا تَسۡخَرُونَ 38﴾:

أخبَرَ جل وعلا عن امتثال نوح لأمره بصناعة السفينة، وابتدائه في ذلك، ولمَّا مرَّ عليه قومه ورأَوْهُ وهو يصنعها، أخذوا يسخرون منه ويستهزئون به، ويقولون: كان يدَّعي النبوة، فصار نجَّارًا، كيف يصنع سفينة في البر؟! وكيف يصنع سفينة ولم يُعْرَفْ بالنجارة؟! فكان رد نوح على هذا الاستهزاء: فكما تسخرون منَّا اليوم يا قوم، فإنا سنسخر منكم حين يأتيكم العذاب، ويعلوكم ماء الطوفان.

[39] ﴿فَسَوۡفَ تَعۡلَمُونَ مَن يَأۡتِيهِ عَذَابٞ يُخۡزِيهِ وَيَحِلُّ عَلَيۡهِ عَذَابٞ مُّقِيمٌ 39﴾:

ثم قال لهم نوح: وسوف تعلمون يا قوم في المستقبل مَنْ يأتيه عذابٌ يخزيه في الدنيا؛ وهو الغَرَق، ثم بعد ذلك يَحِلُّ به وينزلُ عليه عذاب مقيم دائم لا ينقطع؛ وهو نار جهنم في الآخرة.

[40] ﴿حَتَّىٰٓ إِذَا جَآءَ أَمۡرُنَا وَفَارَ ٱلتَّنُّورُ قُلۡنَا ٱحۡمِلۡ فِيهَا مِن كُلّٖ زَوۡجَيۡنِ ٱثۡنَيۡنِ وَأَهۡلَكَ إِلَّا مَن سَبَقَ عَلَيۡهِ ٱلۡقَوۡلُ وَمَنۡ ءَامَنَۚ وَمَآ ءَامَنَ مَعَهُۥٓ إِلَّا قَلِيلٞ 40﴾:

ولقد سئم قوم نوح من استمرار نوح في دعوتهم وإلحاحه عليهم؛ كما وصَفَ جل وعلا حاله معهم في سورة كاملة هي سورة نوح؛ فقال تعالى: ﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي دَعَوۡتُ قَوۡمِي لَيۡلٗا وَنَهَارٗا 5 فَلَمۡ يَزِدۡهُمۡ دُعَآءِيٓ إِلَّا فِرَارٗا 6 وَإِنِّي كُلَّمَا دَعَوۡتُهُمۡ لِتَغۡفِرَ لَهُمۡ جَعَلُوٓاْ أَصَٰبِعَهُمۡ فِيٓ ءَاذَانِهِمۡ وَٱسۡتَغۡشَوۡاْ ثِيَابَهُمۡ وَأَصَرُّواْ وَٱسۡتَكۡبَرُواْ ٱسۡتِكۡبَارٗا 7 ثُمَّ إِنِّي دَعَوۡتُهُمۡ جِهَارٗا 8 ثُمَّ إِنِّيٓ أَعۡلَنتُ لَهُمۡ وَأَسۡرَرۡتُ لَهُمۡ إِسۡرَارٗا﴾ [نوح:5-9]، وقد كانوا هم الذين طلبوا أن تحل بهم العقوبة سخريةً واستهزاءً؛ فقالوا: ﴿قَدۡ جَٰدَلۡتَنَا فَأَكۡثَرۡتَ جِدَٰلَنَا فَأۡتِنَا بِمَا تَعِدُنَآ إِن كُنتَ مِنَ ٱلصَّٰدِقِينَ﴾ [هود:٣٢]. ولكنَّ نوحًا عليه السلام استمَرَّ في صنع السفينة التي أمَرَهُ الله بصنعها حتى إذا وقع أَمْرُ الله، وحان إهلاك المشركين من قومه، وبدأ نبع الماء بقوة من التنُّور وهو الذي يُخْبَزُ فيه؛ للدلالة على مجيء العذاب، وهو الطوفان الذي عمَّهم واستأصلهم عن بَكْرة أبيهم؛ إلا الثُّلَّةَ القليلة التي آمنت معه، وأمَرَ جل وعلا نوحًا أن يحمل في السفينة التي صنعها من كل نوع من أنواع الحيوانات ذكرًا وأنثى، ويحمل فيها جميع أهل بيته إلا مَنْ لم يُؤمِنْ بدعوته؛ كابنه وزوجته، ويحمل فيها أيضًا كلَّ مَنْ آمن معه من قومه، ومعلوم أنه لم يؤمن معه إلا القليل؛ مع أنه بذل جهده في دعوتهم، طول المدة والمقام فيهم.

[41] ﴿وَقَالَ ٱرۡكَبُواْ فِيهَا بِسۡمِ ٱللَّهِ مَجۡرٜىٰهَا وَمُرۡسَىٰهَآۚ إِنَّ رَبِّي لَغَفُورٞ رَّحِيمٞ 41﴾:

ثم قال نوح لمن آمن معه: ابتدِئوا ركوب السفينة بذكر اسم الله؛ فهي باسم الله تبدأ سيرها فوق الطوفان الذي يُغْرِقُ الأرض، وهي باسم الله ترسو وتقف على جبل الجُودِيِّ بعد غرق وهلاك الظالمين، إن ربي لغفور، أي: كثير المغفرة لمن استغفر وتاب، ورحيم، أي: كثير الرحمة لمن رجع وأناب، ومن رحمته بنا أن نجَّانا من القوم الظالمين.

[42] ﴿وَهِيَ تَجۡرِي بِهِمۡ فِي مَوۡجٖ كَٱلۡجِبَالِ وَنَادَىٰ نُوحٌ ٱبۡنَهُۥ وَكَانَ فِي مَعۡزِلٖ يَٰبُنَيَّ ٱرۡكَب مَّعَنَا وَلَا تَكُن مَّعَ ٱلۡكَٰفِرِينَ 42﴾:

ثم وصَفَ جل وعلا جريان السفينة لمَّا جاء الطوفان، وأنها تَمْخُرُ الماء والأمواجُ من حولها عاليةٌ جِدًّا كعلو الجبال، وَلَمَحَ نوح عليه السلام ابنه في مكان معزول، فناداه بعاطفة الأبوة: يا بني، أَسْلِمْ لله، واركب معنا لتنجُوَ؛ وتَسْلَمَ مع المؤمنين، ولا تكن مع الكافرين فَتَغْرَقَ وتَهْلِكَ معهم، وأنسته عاطفة الأبوة قول الله له: ﴿وَلَا تُخَٰطِبۡنِي فِي ٱلَّذِينَ ظَلَمُوٓاْ إِنَّهُم مُّغۡرَقُونَ﴾ [المؤمنون:٢٧].

[43] ﴿قَالَ سَـَٔاوِيٓ إِلَىٰ جَبَلٖ يَعۡصِمُنِي مِنَ ٱلۡمَآءِۚ قَالَ لَا عَاصِمَ ٱلۡيَوۡمَ مِنۡ أَمۡرِ ٱللَّهِ إِلَّا مَن رَّحِمَۚ وَحَالَ بَيۡنَهُمَا ٱلۡمَوۡجُ فَكَانَ مِنَ ٱلۡمُغۡرَقِينَ 43﴾:

فرد الابن العاق، فقال: إني سأصعد وأحتمي بجبل عالٍ من الماء؛ فلا يدركني الغرق، فأجابه نوح عليه السلام: إنه لن ينجو أحدٌ من عذاب الله، ولا ينفع في ذلك جبلٌ ولا غيره، لا تنفع إلا رحمة الله، وهي لمن آمن وأسلم، ثم انقطَعَ الحوار بين نوح وابنه بموجة عالية، بعدها غَرِقَ الولد العاق، وهلك مع الهالكين.

[44] ﴿وَقِيلَ يَٰٓأَرۡضُ ٱبۡلَعِي مَآءَكِ وَيَٰسَمَآءُ أَقۡلِعِي وَغِيضَ ٱلۡمَآءُ وَقُضِيَ ٱلۡأَمۡرُ وَٱسۡتَوَتۡ عَلَى ٱلۡجُودِيِّۖ وَقِيلَ بُعۡدٗا لِّلۡقَوۡمِ ٱلظَّٰلِمِينَ 44﴾:

أمر جل وعلا الأرض أن تشرب ما عليها من الماء، وأمر السماء أن تقطع ما ينزل منها من الماء، فامتثلتا، فنضَبَ الماء ونقص حتى جفَّت الأرض، وقُضِيَ أمر الله بهلاك الظالمين وغَرَقهم، ونجاة المؤمنين وفَرَحهم، ثم وقَفَتِ السفينة ورسَتْ على الجُودي -وهو جبل معروف في الموصل- وقيل: بعدًا وهلاكًا وطردًا من رحمة الله للقوم المتجاوزين حدودهم، الذين لم يؤمنوا بما جاءت به الرسل.

[45] ﴿وَنَادَىٰ نُوحٞ رَّبَّهُۥ فَقَالَ رَبِّ إِنَّ ٱبۡنِي مِنۡ أَهۡلِي وَإِنَّ وَعۡدَكَ ٱلۡحَقُّ وَأَنتَ أَحۡكَمُ ٱلۡحَٰكِمِينَ 45﴾:

دعا نوح عليه السلام ربَّه جل وعلا قائلًا: يا ربِّ، إن ابني من جملة أهلي، وقد وعدتَّني أن تنجي أهلي، ولن تُخْلِفَ ما وعدتَّني به، فوعدُكَ الحق -وقد ظن نوح أن الوعد بالنجاة لعموم أهله مَنْ آمن ومَنْ لم يؤمن- وأنت -يا رب- أحكم الحاكمين وأعلمهم وأعدلهم، وقد فوَّضْتُ أمري إليك.

[46] ﴿قَالَ يَٰنُوحُ إِنَّهُۥ لَيۡسَ مِنۡ أَهۡلِكَۖ إِنَّهُۥ عَمَلٌ غَيۡرُ صَٰلِحٖۖ فَلَا تَسۡـَٔلۡنِ مَا لَيۡسَ لَكَ بِهِۦ عِلۡمٌۖ إِنِّيٓ أَعِظُكَ أَن تَكُونَ مِنَ ٱلۡجَٰهِلِينَ 46﴾:

فقال جل وعلا مجيبًا لنوحٍ: اعلم -يا نوح- أن ابنك هذا ليس من أهلك الذين وعَدتُّكَ بنجاتهم؛ لأنه عمَلٌ غيرُ صالح؛ بل إنه ممن سبق عليه القول بسبب كفره؛ ولذا فإن الوعد لا يشمله. قال بعضهم: (إن ابنك هذا كله عملٌ غيرُ صالح، وإنه كتلةُ فساد). وقال بعض المفسِّرين: (إنه ليس من أهلك الناجين؛ لأنه غارق في الكفر، وإن دعاءك لنجاته عمل غير صالح). لذا نهى سبحانه نوحًا أن يطلب منه أمرًا لا علم له به، وقال له: إني أعظُكَ أن تكون من الجاهلين، فتسألني ما ليس لك به علم؛ لأنه نسي قول الله: ﴿إِلَّا مَن سَبَقَ عَلَيۡهِ ٱلۡقَوۡلُ﴾ [هود:٤٠]، أي: مِن أهله.

ويؤخذ من هذه الآية: أنه لا يجوز الدعاء بالجنة للكافر الذي لا يؤمن بالله ورسوله ﷺ، ولكنْ يجوز أن تدعو الله أن يَهْدِيَهُ، والواجب أن تبذل الجهد في دعوته للإسلام.

[47] ﴿قَالَ رَبِّ إِنِّيٓ أَعُوذُ بِكَ أَنۡ أَسۡـَٔلَكَ مَا لَيۡسَ لِي بِهِۦ عِلۡمٞۖ وَإِلَّا تَغۡفِرۡ لِي وَتَرۡحَمۡنِيٓ أَكُن مِّنَ ٱلۡخَٰسِرِينَ 47﴾:

فقال نوح عليه السلام مبادرًا ومعتذرًا ونادمًا: ربِّ، أعوذ وألتجئ وأحتمي بك يا إلهي أن أسألك بعد الآن ما ليس لي علم بصحته وجوازه، وإنْ لم تتداركني بمغفرة منك ورحمة، لأكونَنَّ من الخاسرين في أعمالهم الذين لا رِبْحَ لهم ولا فلاح.

[48] ﴿قِيلَ يَٰنُوحُ ٱهۡبِطۡ بِسَلَٰمٖ مِّنَّا وَبَرَكَٰتٍ عَلَيۡكَ وَعَلَىٰٓ أُمَمٖ مِّمَّن مَّعَكَۚ وَأُمَمٞ سَنُمَتِّعُهُمۡ ثُمَّ يَمَسُّهُم مِّنَّا عَذَابٌ أَلِيمٞ 48﴾:

ثم نادى جل وعلا نوحًا، وقال له -بعد أن جف الماء-: انزل إلى الأرض بأمن منَّا وتحيات وخيرات، ونِعَمٍ ثابتة، عليك وعلى من معك من المؤمنين وغيرهم من الأزواج التي حُمِلَتْ في السفينة، واعلم -يا نوح- أن هناك أممًا من ذريتك الذين نجوا معك في السفينة ستُمَتَّعُ في الحياة الدنيا بالعيش والرزق فيها، ثم يكون مصيرهم العذاب الأليم الشديد الموجع في الآخرة؛ بسبب كفرهم بأنبياء الله ورسله.

وكل الذين كانوا مع نوح في السفينة ماتوا ولم يتناسلوا، وكل الأمم التي تناسَلَتْ بعده هي من ذُرِّيَّة نوح عليه السلام، هكذا قال العلماء؛ ويؤيِّد قولهم قول الله: ﴿وَجَعَلۡنَا ذُرِّيَّتَهُۥ هُمُ ٱلۡبَاقِينَ﴾ [الصافات:٧٧].

[49] ﴿تِلۡكَ مِنۡ أَنۢبَآءِ ٱلۡغَيۡبِ نُوحِيهَآ إِلَيۡكَۖ مَا كُنتَ تَعۡلَمُهَآ أَنتَ وَلَا قَوۡمُكَ مِن قَبۡلِ هَٰذَاۖ فَٱصۡبِرۡۖ إِنَّ ٱلۡعَٰقِبَةَ لِلۡمُتَّقِينَ 49﴾:

ثم خاطب جل وعلا رسوله محمدًا ﷺ، وأخبره أن هذه القصة من أخبار الغيب السابقة التي ما كنت تَعْرِفها أنت ولا قومك على هذا التفصيل -ومجيئها بهذا التفصيل دليل على نبوَّتك ورسالتك، وأنك يوحى إليك من الله- فاصبِرْ على ما تلاقيه من قومك من التكذيب والإعراض؛ فإن لك في صبر نوح عليه السلام على قومه قدوةً وأُسْوةً، واعلم -أيها النبي- أن الفوز والعاقبة المحمودة الطيبة في الدارَيْنِ للمتقين الذين يخافون الله ويخشونه، ولا يشركون به شيئًا.

[50] ﴿وَإِلَىٰ عَادٍ أَخَاهُمۡ هُودٗاۚ قَالَ يَٰقَوۡمِ ٱعۡبُدُواْ ٱللَّهَ مَا لَكُم مِّنۡ إِلَٰهٍ غَيۡرُهُۥٓۖ إِنۡ أَنتُمۡ إِلَّا مُفۡتَرُونَ 50﴾:

أخبَرَ جل وعلا أنه أرسل إلى قوم عاد الذين سكنوا الأحقاف شرق الجزيرة العربية، أخاهم في النسب هُودًا عليه السلام، يدعوهم إلى التوحيد، وعبادة الله وحده، وتَرْك عبادة ما سواه، وأخبرهم أنهم بعبادة غير الله مفترون كاذبون؛ لأن العبادة حق خالص لله.

[51] ﴿يَٰقَوۡمِ لَآ أَسۡـَٔلُكُمۡ عَلَيۡهِ أَجۡرًاۖ إِنۡ أَجۡرِيَ إِلَّا عَلَى ٱلَّذِي فَطَرَنِيٓۚ أَفَلَا تَعۡقِلُونَ 51﴾:

قال هود عليه السلام لقومه: يا قوم، لا أطلب منكم على هذه الدعوة مالًا، إنما أجري وثوابي على ربي الذي خلقني وأرسلني إليكم، أفلا تعقلون؟! أفلا تميِّزون، فلو كان مطلبي مالًا وأجرًا منكم، لكان من الممكن أن تتهموني.

[52] ﴿وَيَٰقَوۡمِ ٱسۡتَغۡفِرُواْ رَبَّكُمۡ ثُمَّ تُوبُوٓاْ إِلَيۡهِ يُرۡسِلِ ٱلسَّمَآءَ عَلَيۡكُم مِّدۡرَارٗا وَيَزِدۡكُمۡ قُوَّةً إِلَىٰ قُوَّتِكُمۡ وَلَا تَتَوَلَّوۡاْ مُجۡرِمِينَ 52﴾:

ثم نصحهم هود عليه السلام قائلًا: يا قوم، آمنوا بربكم، واطلبوا منه أن يغفر لكم ذنوبكم وإسرافكم على أنفسكم بالشرك والمعاصي، ثم توبوا إلى ربكم وعودوا إليه بالتوحيد الذي هو أصلُ كلِّ خير؛ فإنكم إن فعلتم ذلك؛ أنزَلَ الله عليكم المطر الصيِّب النافع؛ فتخضَرُّ به أرضكم، وينبُتُ به زرعكم، ويستقيم حالكم، ويزيدكم الله قوة إلى قوتكم، وعزًّا إلى عزِّكم، وأحذِّركم -يا قوم- أن تُعْرِضوا عمَّا دعوتكم إليه من التوحيد والإيمان؛ فتصبحوا بذلك مجرمين.

[53] ﴿قَالُواْ يَٰهُودُ مَا جِئۡتَنَا بِبَيِّنَةٖ وَمَا نَحۡنُ بِتَارِكِيٓ ءَالِهَتِنَا عَن قَوۡلِكَ وَمَا نَحۡنُ لَكَ بِمُؤۡمِنِينَ 53﴾:

فقال له قومه عنادًا واستكبارًا: يا هود، ما جئتنا ببينة وحجة واضحة ودليل قاطع على قولك حتى نؤمن لك؛ ولهذا لن نترك عبادة آلهتنا اتباعًا لقولك: إنها لا تستحق العبادة، وما نحن لك بمصدِّقين، ولا برسالتك مقتنعين.

وقوله: ﴿مَا جِئۡتَنَا بِبَيِّنَةٖ﴾، قال الشيخ ابن عثيمين رحمه الله: إنهم كذَبُوا بقولهم هذا؛ لأن هودًا جاءهم بعدد من الآيات والبينات؛ بل كذَّبهم الله بقوله: ﴿وَتِلۡكَ عَادٞۖ جَحَدُواْ بِـَٔايَٰتِ رَبِّهِمۡ﴾، أي: أنَّ عادًا جحدوا الآيات والبراهين البينات التي جاء بها نبيهم هود؛ وهذا تكذيبٌ من الله لهم بإنكارهم الآيات؛ والآياتُ تشمل المعجزات.

[54] ﴿إِن نَّقُولُ إِلَّا ٱعۡتَرَىٰكَ بَعۡضُ ءَالِهَتِنَا بِسُوٓءٖۗ قَالَ إِنِّيٓ أُشۡهِدُ ٱللَّهَ وَٱشۡهَدُوٓاْ أَنِّي بَرِيٓءٞ مِّمَّا تُشۡرِكُونَ 54﴾:

ثم قالوا على سبيل العناد والاستكبار: ما نقول إلا أن بعض آلهتنا قد أصابتك بخبال وجنون بسبب نهيك عن عبادتنا إياها، فأصبَحْتَ تَهْذِي وتقول كلامًا غريبًا، فأجابهم عليه السلام قائلًا: إني أُشهِدُ الله، وأُشهِدكم أنتم وأوثانكم أني بريء من آلهتكم التي تعبدونها.

[55] ﴿مِن دُونِهِۦۖ فَكِيدُونِي جَمِيعٗا ثُمَّ لَا تُنظِرُونِ 55﴾:

ثم قال لهم: وأجمِعوا أمركم أنتم وآلهتكم المزعومة التي تعبدونها من دون الله، واطلبوا لي الضرر، وامكروا بي -إن استطعتم ذلك- ولا تُمْهِلوني، أي: أَهْلِكوني إن استطعتم.

[56] ﴿إِنِّي تَوَكَّلۡتُ عَلَى ٱللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمۚ مَّا مِن دَآبَّةٍ إِلَّا هُوَ ءَاخِذُۢ بِنَاصِيَتِهَآۚ إِنَّ رَبِّي عَلَىٰ صِرَٰطٖ مُّسۡتَقِيمٖ 56﴾:

ثم قال لهم هود عليه السلام: إني اعتمَدتُّ على الله ربي وربكم، وفوَّضْتُ أمري إليه، وهو سبحانه سيكفيني ويحفظني ويعصمني من كيدكم، ثم اعلموا أنه ما من شيء يتحرَّك أو يسكُنُ إلا بإذن الله، وكل شيء تحت ملك الله وتصرُّفه وقهره سبحانه، فهو سبحانه على عدل وقسط وحكمة بالغة.

[57] ﴿فَإِن تَوَلَّوۡاْ فَقَدۡ أَبۡلَغۡتُكُم مَّآ أُرۡسِلۡتُ بِهِۦٓ إِلَيۡكُمۡۚ وَيَسۡتَخۡلِفُ رَبِّي قَوۡمًا غَيۡرَكُمۡ وَلَا تَضُرُّونَهُۥ شَيۡـًٔاۚ إِنَّ رَبِّي عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٍ حَفِيظٞ 57﴾:

ثم ختم هود الحديث مع قومه، فقال لهم مهدِّدًا: فإن تتولَّوْا وتعرضوا وتصروا على الكفر والعناد، فقد أَدَّيْتُ ما عليَّ من البلاغ والدعوة إلى التوحيد، والنهي عن الشرك، وبيَّنت لكم غاية البيان، وحيث لم تؤمنوا، فإن الله قادر أن يُهْلِكَكم، ويستخلِفَ في الأرض قومًا غيركم يعبدونه لا يشركون به شيئًا، ويكون ضرركم عائدًا على أنفسكم لا على غيركم، إن ربي على كل شيء حفيظٌ رقيبٌ مهيمن، سيجازي كلًّا بعمله إنْ خيرًا فخير، وإنْ شرًّا فشرّ.

[58] ﴿وَلَمَّا جَآءَ أَمۡرُنَا نَجَّيۡنَا هُودٗا وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ مَعَهُۥ بِرَحۡمَةٖ مِّنَّا وَنَجَّيۡنَٰهُم مِّنۡ عَذَابٍ غَلِيظٖ 58﴾:

ولكنَّ قوم هود أصروا على كفرهم وعنادهم، فكانت النتيجة ما ذكره المولى ؛ حيث قال سبحانه: وحين جاء عذابنا -الذي لا يرد عن القوم المشركين- نجَّينا هودًا عليه السلام ومن آمن معه بلطفٍ ورحمة منا -لأنه لا نجاة لأحد إلا برحمة الله- فنجَّاهم الله من الريح الصرصر العاتية التي دمَّرت كل شيء فأصبحوا لا يُرَى إلا مساكنهم، ونجَّيناهم في الآخرة أيضًا من عذاب غليظ شديد.

[59] ﴿وَتِلۡكَ عَادٞۖ جَحَدُواْ بِـَٔايَٰتِ رَبِّهِمۡ وَعَصَوۡاْ رُسُلَهُۥ وَٱتَّبَعُوٓاْ أَمۡرَ كُلِّ جَبَّارٍ عَنِيدٖ 59﴾:

وفي نهاية قصة عادٍ مع نبيهم هود عليه السلام قال جل في علاه: وتلك هي قصة عاد -وهم قوم هود- مع نبيهم؛ فقد كفروا بآيات الله، وأصروا على الكفر، وكذَّبوا نبيهم هودًا عليه السلام، واتَّبعوا أهواءهم وقادة الكفر والضلال فيهم، وأطاعوا كلَّ مستكبر على الله لا يتَّبع الحق ولا ينقاد إليه.

[60] ﴿وَأُتۡبِعُواْ فِي هَٰذِهِ ٱلدُّنۡيَا لَعۡنَةٗ وَيَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِۗ أَلَآ إِنَّ عَادٗا كَفَرُواْ رَبَّهُمۡۗ أَلَا بُعۡدٗا لِّعَادٖ قَوۡمِ هُودٖ 60﴾:

ولذلك كانت النتيجة ما أخبر به عزوجل: أن هؤلاء المشركين من قوم هود أُتْبِعوا لعنةً وطردًا من رحمة الله، وذِكْرًا سيِّئًا في الدنيا، وفي يوم القيامة لا تنفك عنهم هذه اللعنة؛ وذلك لأنهم جحدوا بآيات ربهم، وجحدوا توحيده وإفراده بالعبادة؛ أَلَا فبعدًا لهم عن كل خير، وهلاكًا بيِّنًا لهم؛ فليتعِظْ بهم من بعدهم.

[61] ﴿وَإِلَىٰ ثَمُودَ أَخَاهُمۡ صَٰلِحٗاۚ قَالَ يَٰقَوۡمِ ٱعۡبُدُواْ ٱللَّهَ مَا لَكُم مِّنۡ إِلَٰهٍ غَيۡرُهُۥۖ هُوَ أَنشَأَكُم مِّنَ ٱلۡأَرۡضِ وَٱسۡتَعۡمَرَكُمۡ فِيهَا فَٱسۡتَغۡفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُوٓاْ إِلَيۡهِۚ إِنَّ رَبِّي قَرِيبٞ مُّجِيبٞ 61﴾:

ثم أخبَرَ جل وعلا أنه أرسل إلى قوم ثمود -الذين يسكنون الحِجْرَ بين المدينة والشام- أخاهم في النسب: صالحًا عليه السلام؛ يدعوهم إلى التوحيد، وعبادة الله وحده، وتَرْكِ عبادة ما سواه؛ فإنه سبحانه لا إله غيره، ولا ربَّ سواه، ثم ذكَّرهم صالح بأنه سبحانه هو الذي ابتدأ خلقكم من الأرض بخلق أبيكم آدم، ثم استخلفكم في الأرض من بعد قوم عاد، وجعلكم من عُمَّارِها؛ فاطلبوا المغفرة من ربكم بأن يغفر لكم ذنوبكم وإسرافكم على أنفسكم بالشرك والمعاصي، ثم توبوا إلى ربكم، وعودوا إليه بالتوحيد الذي هو أصلُ كلِّ خير؛ فإن الله سبحانه وتعالى قريبٌ ممن دعاه، مجيبٌ لمن طلب منه ورجاه.

[62] ﴿قَالُواْ يَٰصَٰلِحُ قَدۡ كُنتَ فِينَا مَرۡجُوّٗا قَبۡلَ هَٰذَآۖ أَتَنۡهَىٰنَآ أَن نَّعۡبُدَ مَا يَعۡبُدُ ءَابَآؤُنَا وَإِنَّنَا لَفِي شَكّٖ مِّمَّا تَدۡعُونَآ إِلَيۡهِ مُرِيبٖ 62﴾:

فكان ردُّهم على دعوة التوحيد أن قالوا: يا صالح، قد كنَّا نؤمِّل فيك العقل والنفع، ونرجو أن تكون فينا سيِّدًا مُطاعًا قبل أن تقول هذا القول الذي نستنكِرُهُ منك، ثم قالوا مُنكِرينَ: أتنهانا -يا صالح- عن عبادة ما كان يعبد آباؤنا من قبل؟! فنحن في شكٍّ وتردُّدٍ واضطراب من دعوتك إيانا عبادةَ الله وحده، وتَرْكَ ما كان يعبد آباؤنا من قبل.

[63] ﴿قَالَ يَٰقَوۡمِ أَرَءَيۡتُمۡ إِن كُنتُ عَلَىٰ بَيِّنَةٖ مِّن رَّبِّي وَءَاتَىٰنِي مِنۡهُ رَحۡمَةٗ فَمَن يَنصُرُنِي مِنَ ٱللَّهِ إِنۡ عَصَيۡتُهُۥۖ فَمَا تَزِيدُونَنِي غَيۡرَ تَخۡسِيرٖ 63﴾:

فقال لهم صالح عليه السلام: أخبروني يا قوم؛ إذا كنت على بينة من الإيمان بربي، ومعي حجة ظاهرة، وبرهان قاطع، يزيل ما لديكم من شكٍّ واضطراب، ثم مع ما آتاني الله ومَنَّ به عليَّ من رسالة ونبوة، أفأترُكُ كلَّ ذلك وأَتَّبِعُكم؟! وإنْ فعلت ذلك، فحينها من ينصرني من الله، ويدفع عني عقابه وغضبه؟! فما تَزِيدونني بتثبيطكم إياي إلا خسارةً وتعرُّضًا لعقوبة الله جل وعلا.

[64] ﴿وَيَٰقَوۡمِ هَٰذِهِۦ نَاقَةُ ٱللَّهِ لَكُمۡ ءَايَةٗۖ فَذَرُوهَا تَأۡكُلۡ فِيٓ أَرۡضِ ٱللَّهِۖ وَلَا تَمَسُّوهَا بِسُوٓءٖ فَيَأۡخُذَكُمۡ عَذَابٞ قَرِيبٞ 64﴾:

ثم جاءهم صالح عليه السلام بآية وبمعجزة ظاهرة تدُلُّ على نبوَّته هم اقترحوها، وهي تلك الناقة التي خرَجَتْ من جوف الصخرة، لها شِرْبُ يومٍ، ولهم شِرْبُ يوم، وأمرهم أن يتركوها تأكل من أرض الله، وألَّا يقربوها بأي نوع من أنواع الإساءة من عَقْرٍ ونحوه؛ فإنهم إن فعلوا ذلك، أخذهم الله بعذاب قريب.

[65] ﴿فَعَقَرُوهَا فَقَالَ تَمَتَّعُواْ فِي دَارِكُمۡ ثَلَٰثَةَ أَيَّامٖۖ ذَٰلِكَ وَعۡدٌ غَيۡرُ مَكۡذُوبٖ 65﴾:

ثم أخبَرَ سبحانه أن قوم ثمود كذَّبوا نبيهم صالحًا عليه السلام، وخالفوا أمره، واستهانوا به وعاندوه، وعقروا الناقة، فقال لهم صالح: استمتعوا بما بَقِيَ لكم في حياتكم خلال ثلاثة أيام، ثم يأتيكم العذاب ويَحِلُّ بكم؛ وهذا وَعْدٌ حق لا بد من وقوعه وتحقُّقه.

[66] ﴿فَلَمَّا جَآءَ أَمۡرُنَا نَجَّيۡنَا صَٰلِحٗا وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ مَعَهُۥ بِرَحۡمَةٖ مِّنَّا وَمِنۡ خِزۡيِ يَوۡمِئِذٍۚ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ ٱلۡقَوِيُّ ٱلۡعَزِيزُ 66﴾:

فلما انتهت الثلاثة الأيام، وجاء أمر الله بنزول العذاب على قوم ثمود وهلاكهم، نجَّى الله صالحًا والذين آمنوا معه بلطف ورحمة منه سبحانه، وكذلك نجَّاهم الله من خزي يوم القيامة وفضيحته، واعلم -أيها النبي- أن ربك هو القويُّ القادر على كل شيء، العزيزُ الذي قهر وغلب كل شيء.

[67] ﴿وَأَخَذَ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ ٱلصَّيۡحَةُ فَأَصۡبَحُواْ فِي دِيَٰرِهِمۡ جَٰثِمِينَ 67﴾:

ثم أخبَرَ جل في علاه أن هلاك قوم ثمود كان بالصيحة الشديدة التي أخذتهم؛ بسبب ظلمهم وكفرهم وعنادهم؛ فقُطِّعَتْ قلوبهم؛ فأصبحوا في ديارهم خامدين لا حَرَاكَ لهم.

[68] ﴿كَأَن لَّمۡ يَغۡنَوۡاْ فِيهَآۗ أَلَآ إِنَّ ثَمُودَاْ كَفَرُواْ رَبَّهُمۡۗ أَلَا بُعۡدٗا لِّثَمُودَ 68﴾:

ولشدة العذاب الذي نزل بقوم ثمود وسرعته، أخبَرَ سبحانه وتعالى أن هؤلاء القوم لما أخذهم العذاب كأنْ لم يعيشوا في تلك الديار ولم يعمُرُوها، ولم يَهْنَؤُوا ويستمتعوا فيها، وإنما أصابهم ما أصابهم؛ بسبب جحودهم وكفرهم بالله وآياته؛ أَلَا بعدًا لهم وشقاءً وطردًا من رحمة الله.

[69] ﴿وَلَقَدۡ جَآءَتۡ رُسُلُنَآ إِبۡرَٰهِيمَ بِٱلۡبُشۡرَىٰ قَالُواْ سَلَٰمٗاۖ قَالَ سَلَٰمٞۖ فَمَا لَبِثَ أَن جَآءَ بِعِجۡلٍ حَنِيذٖ 69﴾:

ثم ساق جل في علاه جانبًا من قصة إبراهيم عليه السلام مع قومه؛ فأخبَرَ سبحانه أن الملائكة جاءت لإبراهيم تبشِّره هو وزوجته بإسحاق، ومِنْ بعد إسحاق يعقوب، وقد أتَوْهُ عليه السلام على صورة بشَر، فسلَّموا عليه، فردَّ عليهم التحية، ثم ذهب بسرعة، وأحضَرَ عجلًا سمينًا حَنِيذًا إكرامًا لهم.

[70] ﴿فَلَمَّا رَءَآ أَيۡدِيَهُمۡ لَا تَصِلُ إِلَيۡهِ نَكِرَهُمۡ وَأَوۡجَسَ مِنۡهُمۡ خِيفَةٗۚ قَالُواْ لَا تَخَفۡ إِنَّآ أُرۡسِلۡنَآ إِلَىٰ قَوۡمِ لُوطٖ 70﴾:

ولمَّا رأى إبراهيم عليه السلام أن ضيوفه لم يقدِّموا أيديهم للمائدة، أخذته منهم رهبة وروعة؛ فطمأنوه وأخبروه أنهم رسُلٌ من رب العالمين، وأنهم أُرسِلوا إلى قوم لوط عليه السلام.

[71] ﴿وَٱمۡرَأَتُهُۥ قَآئِمَةٞ فَضَحِكَتۡ فَبَشَّرۡنَٰهَا بِإِسۡحَٰقَ وَمِن وَرَآءِ إِسۡحَٰقَ يَعۡقُوبَ 71﴾:

ولمَّا أخبَرَ الملائكة إبراهيم عليه السلام بمهمتهم التي جاؤوا من أجلها، سمعت زوجته التي كانت واقفة ما قالوا، فضَحِكَتِ استبشارًا بإهلاك قوم لوط، ثم بشَّروها بأنها ستلد ولدًا اسمه إسحاق، ومِنْ نسل إسحق يعقوب، فما كان منها إلا أن صكَّت وجهها، أي: لطَمَتْهُ فَزِعةً من هذا الخبر العجيب، وقالت على سبيل الاستغراب: إنني عجوز عقيم، أي: لا ألد؛ كما ذكر ذلك سبحانه في قوله: ﴿فَأَقۡبَلَتِ ٱمۡرَأَتُهُۥ فِي صَرَّةٖ فَصَكَّتۡ وَجۡهَهَا وَقَالَتۡ عَجُوزٌ عَقِيمٞ﴾ [الذاريات:٢٩].

[72] ﴿قَالَتۡ يَٰوَيۡلَتَىٰٓ ءَأَلِدُ وَأَنَا۠ عَجُوزٞ وَهَٰذَا بَعۡلِي شَيۡخًاۖ إِنَّ هَٰذَا لَشَيۡءٌ عَجِيبٞ 72﴾:

ولمَّا سمعت زوجة إبراهيم عليه السلام ما قاله الملائكة لها، لطَمَتْ وجهها، واستعجبت أن تحمل وتلد؛ لأنها تعدَّت سن اليأس، ولأن زوجها رجل طاعن في السن، وقالت: إن هذا لأمر عجيب.

[73] ﴿قَالُوٓاْ أَتَعۡجَبِينَ مِنۡ أَمۡرِ ٱللَّهِۖ رَحۡمَتُ ٱللَّهِ وَبَرَكَٰتُهُۥ عَلَيۡكُمۡ أَهۡلَ ٱلۡبَيۡتِۚ إِنَّهُۥ حَمِيدٞ مَّجِيدٞ 73﴾:

فأزال الملائكة عجَبَها، وقالوا لها: أتعجبين مِنْ قدرة الله ولُطْفه ورحمته على الخُلَّصِ من عباده، رحمةُ الله وبركاتُهُ وسعادته عليكم يا أهل بيت إبراهيم؛ إنه جل وعلا محمود بإفضاله وإنعامه، وإنه ذو مجدٍ وثناء وكرم.

[74] ﴿فَلَمَّا ذَهَبَ عَنۡ إِبۡرَٰهِيمَ ٱلرَّوۡعُ وَجَآءَتۡهُ ٱلۡبُشۡرَىٰ يُجَٰدِلُنَا فِي قَوۡمِ لُوطٍ 74﴾:

فلما ذهَبَ عن إبراهيم عليه السلام الرَّوْعُ، واطمأنَّ من أنهم رسل الله، وسمع بشارة الملائكة له بإسحاق ويعقوب، تذكَّر عليه السلام صاحبه وابن أخيه لوطًا عليه السلام، فأخبَرَهم أن لوطًا ما زال معهم عندما أرادوا إهلاك قومه؛ فطمأنوه أنه لن يَهْلِكَ معهم. وبعد أن اطمأنَّ على ابن أخيه لوط عليه السلام؛ أخذ يحاور الملائكة في قوم لُوطٍ لعلهم يعطونهم فرصة ليتوبوا؛ فأخبروه أن الأمر محسوم؛ فأَمْرٌ واحدٌ أحزَنَ إبراهيم عليه السلام، وأفرَحَ امرأته.

[75] ﴿إِنَّ إِبۡرَٰهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّٰهٞ مُّنِيبٞ 75﴾:

ثم أخبَرَ سبحانه وتعالى أن إبراهيم عليه السلام كثيرُ التأوُّه والتأسُّفِ شَفَقًا وحُزْنًا وخوفًا، منيبٌ إلى الله، ملتجئٌ إليه.

[76] ﴿يَٰٓإِبۡرَٰهِيمُ أَعۡرِضۡ عَنۡ هَٰذَآۖ إِنَّهُۥ قَدۡ جَآءَ أَمۡرُ رَبِّكَۖ وَإِنَّهُمۡ ءَاتِيهِمۡ عَذَابٌ غَيۡرُ مَرۡدُودٖ 76﴾:

ثم قالت رسل الله من الملائكة لطفًا بنبيه إبراهيم: يا إبراهيم، اترُكْ مجادلتنا في إمهال عذاب الله وعقوبته على قوم لُوط؛ فإنه قد جاء أمر الله، وحَلَّ بهم وقت العذاب، وإن الأمر محسومٌ ولا مَرَدَّ له، وإن أمر الله نافذٌ غيرُ مردود عنهم ولا مدفوع.

[77] ﴿وَلَمَّا جَآءَتۡ رُسُلُنَا لُوطٗا سِيٓءَ بِهِمۡ وَضَاقَ بِهِمۡ ذَرۡعٗا وَقَالَ هَٰذَا يَوۡمٌ عَصِيبٞ 77﴾:

ولمَّا جاءت رسل الله من الملائكة للوط عليه السلام في صورة أضيافٍ تضايَقَ لذلك، واغتم وحزن حزنًا شديدًا، وقال: هذا يومٌ شديد؛ وذلك لأنهم شباب بأحسَنِ صورة؛ فخاف على أضيافه من قومه الذين يأتون الذُّكْران من العالمين.

[78] ﴿وَجَآءَهُۥ قَوۡمُهُۥ يُهۡرَعُونَ إِلَيۡهِ وَمِن قَبۡلُ كَانُواْ يَعۡمَلُونَ ٱلسَّيِّـَٔاتِۚ قَالَ يَٰقَوۡمِ هَٰٓؤُلَآءِ بَنَاتِي هُنَّ أَطۡهَرُ لَكُمۡۖ فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَلَا تُخۡزُونِ فِي ضَيۡفِيٓۖ أَلَيۡسَ مِنكُمۡ رَجُلٞ رَّشِيدٞ 78﴾:

فما لَبِثَ أنْ عَلِمَ قومه بأمر أضيافه فجاؤوا مسرعين مُهَرْوِلين، طالبين الفاحشة من أضيافه -وهم قبل ذلك قد اعتادوا على هذه الفاحشة- فقام لوط عليه السلام ناهيًا ومدافعًا، فقال: هؤلاء بناتي -أي: النساء- فتزوَّجوهُنَّ؛ فهنَّ أطهرُ وأحلُّ وأنزهُ لكم، فاتقوا الله وخافوا عقابه، ولا تُذِلُّوني وتُهِينوني في ضيفي؛ أَلَا يوجد منكم رجل واحد رشيد ينهاكم ويزجُرُكم ويمنعكم من الفعل القبيح؟!

[79] ﴿قَالُواْ لَقَدۡ عَلِمۡتَ مَا لَنَا فِي بَنَاتِكَ مِنۡ حَقّٖ وَإِنَّكَ لَتَعۡلَمُ مَا نُرِيدُ 79﴾:

فأجابوه بخِسَّةٍ ودناءةٍ قائلين: لقد علمتَ -يا لوطُ- أنّا ليس لنا رغبة ولا حاجة بالنساء، وعلمتَ أنَّا لا نريدُ إلا الرجال. وقولهم: ﴿لَقَدۡ عَلِمۡتَ مَا لَنَا فِي بَنَاتِكَ مِنۡ حَقّٖ﴾، يوضِّحُ أن الناس إذا استمروا على ارتكاب المحرم، استمرؤوه، وصار حقًّا عندهم.

[80] ﴿قَالَ لَوۡ أَنَّ لِي بِكُمۡ قُوَّةً أَوۡ ءَاوِيٓ إِلَىٰ رُكۡنٖ شَدِيدٖ 80﴾:

فعندها قال لوط عليه السلام: لو أن لي قوَّةً تمنعني، أو أنصارًا وعشيرةً يقفون معي، لَمَنَعْتُكُم بالقوة، ونكَّلت بكم، ولِمَا يعلم عليه السلام من فسوقهم، نسي أن يأوي إلى الركن الشديد، وهو أقوى الأركان الذي لا يغلبه أحد، وهو الله جل في علاه.

[81] ﴿قَالُواْ يَٰلُوطُ إِنَّا رُسُلُ رَبِّكَ لَن يَصِلُوٓاْ إِلَيۡكَۖ فَأَسۡرِ بِأَهۡلِكَ بِقِطۡعٖ مِّنَ ٱلَّيۡلِ وَلَا يَلۡتَفِتۡ مِنكُمۡ أَحَدٌ إِلَّا ٱمۡرَأَتَكَۖ إِنَّهُۥ مُصِيبُهَا مَآ أَصَابَهُمۡۚ إِنَّ مَوۡعِدَهُمُ ٱلصُّبۡحُۚ أَلَيۡسَ ٱلصُّبۡحُ بِقَرِيبٖ 81﴾:

ولمَّا رأى الملائكةُ ما حَلَّ بنبي الله مِنْ هَمٍّ وضيق، جاء فرج الله للوط عليه السلام، ونطَقَتِ الملائكة، وأخبروه أنهم رسُلُ الله، وأنهم جاؤوا لإهلاك هؤلاء المجرمين، وطمأنوه بأن هؤلاء المجرمين لن يستطيعوا فعل شيء يسوؤه، وأمروه بالخروج هو وأهله الذين آمنوا معه من هذه القرية الظالم أهلها، وأن يكون خروجهم في الليل، وأمروه ألَّا يلتفت أحدٌ ممن سيخرج معه؛ لكيلا يشاهد ما يروعهم ويُحْزِنهم، واستثنَوْا زوجته من أهله؛ لأنها كانت من القوم الكافرين، وأنه سيصيبها ما أصابهم من العذاب، وأن مَوْعِدَ إهلاكهم هو الصبح؛ وهو موعد قريب.

[82] ﴿فَلَمَّا جَآءَ أَمۡرُنَا جَعَلۡنَا عَٰلِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمۡطَرۡنَا عَلَيۡهَا حِجَارَةٗ مِّن سِجِّيلٖ مَّنضُودٖ 82﴾:

فلمَّا جاء أمر الله بنزول العذاب فيهم وحلوله بهم، قلَبَ الله ديارهم عليهم، فجعَلَ عالي القرية أسفَلَها بعد أن أمطرهم الله بحجارةٍ من النار شديدةِ الحرارة، متتابِعةٍ تُهْلِكُ من أصابته.

[83] ﴿مُّسَوَّمَةً عِندَ رَبِّكَۖ وَمَا هِيَ مِنَ ٱلظَّٰلِمِينَ بِبَعِيدٖ 83﴾:

وأخبَرَ سبحانه أن هذه الحجارة: معلَّمةٌ وموسومةٌ، عليها علامة العذاب والغضب، وقيل: عليها اسمُ مَنْ ستهلكه، وهي ليست من المتجاوزين حدودهم ببعيد، فليست بعيدة عمَّن يعمل عمَلَ قوم لُوط، وليست بعيدةً عن كفار قريش.

[84] ﴿وَإِلَىٰ مَدۡيَنَ أَخَاهُمۡ شُعَيۡبٗاۚ قَالَ يَٰقَوۡمِ ٱعۡبُدُواْ ٱللَّهَ مَا لَكُم مِّنۡ إِلَٰهٍ غَيۡرُهُۥۖ وَلَا تَنقُصُواْ ٱلۡمِكۡيَالَ وَٱلۡمِيزَانَۖ إِنِّيٓ أَرَىٰكُم بِخَيۡرٖ وَإِنِّيٓ أَخَافُ عَلَيۡكُمۡ عَذَابَ يَوۡمٖ مُّحِيطٖ 84﴾:

ثم أخبَرَ جل وعلا أنه أرسل إلى قبيلة مدين -وهم قومٌ يسكُنُونَ مَدْيَنَ في أدنى فلسطين- أخاهم في النسب: شعيبًا عليه السلام، فدعاهم إلى التوحيد، وعبادة الله وحده، وتَرْكِ عبادة ما سواه، ثم بدأ ينهاهم عن خُلُقٍ سيِّءٍ كانوا قد اعتادوا عليه في التعامل فيما بينهم، وهو أنهم ينقصون المكيال والميزان؛ فنهاهم عن ذلك، وأمرهم أن يُوفُوا المِكْيال والميزان، وقال لهم: إني أراكم بخيرٍ ونِعْمةٍ وسَعَةٍ في أرزاقكم، ووَفْرةٍ في أولادكم، وإني -يا قوم- أخاف عليكم -إن بقيتم على الشرك، وعلى تطفيف المكيال والميزان- عذابًا يحيطُ بكم؛ فيهلككم جميعًا، ولا ينجو منه أحد.

[85] ﴿وَيَٰقَوۡمِ أَوۡفُواْ ٱلۡمِكۡيَالَ وَٱلۡمِيزَانَ بِٱلۡقِسۡطِۖ وَلَا تَبۡخَسُواْ ٱلنَّاسَ أَشۡيَآءَهُمۡ وَلَا تَعۡثَوۡاْ فِي ٱلۡأَرۡضِ مُفۡسِدِينَ 85﴾:

ثم كرَّر شعيبٌ عليه السلام على قومه الأمر بإتمام المكيال والميزان بالعدل، ونهاهم عن نَقْص الناس حقوقهم وأموالهم، ثم نهاهم عن السَّعْيِ في الأرض بالفساد.

[86] ﴿بَقِيَّتُ ٱللَّهِ خَيۡرٞ لَّكُمۡ إِن كُنتُم مُّؤۡمِنِينَۚ وَمَآ أَنَا۠ عَلَيۡكُم بِحَفِيظٖ 86﴾:

ثم قال شعيبٌ عليه السلام: واعلموا -يا قوم- إن ما بَقِيَ لكم بعد أن تُوفُوا المكيال والميزان من الحلال خيرٌ لكم وأكثر بركةً من التطفيف والبَخْس؛ إن كنتم تؤمنون بالله وتصدِّقون بما أرسلت به إليكم، واعلموا أني لست عليكم برقيب ولا بحسيب.

[87] ﴿قَالُواْ يَٰشُعَيۡبُ أَصَلَوٰتُكَ تَأۡمُرُكَ أَن نَّتۡرُكَ مَا يَعۡبُدُ ءَابَآؤُنَآ أَوۡ أَن نَّفۡعَلَ فِيٓ أَمۡوَٰلِنَا مَا نَشَٰٓؤُاْۖ إِنَّكَ لَأَنتَ ٱلۡحَلِيمُ ٱلرَّشِيدُ 87﴾:

فأجابه قومه بتهكُّم وسخرية قائلين: يا شعيب، أمحافظتُكَ ومداومتُكَ على صلاتك وعبادتك لربِّك، جعلَتْكَ تنهانا أن نستمرَّ في عبادة ما كان يعبُدُ آباؤنا من قبل؟! وجعلَتْكَ تنهانا أن نتصرَّف في كسب أموالنا بالطريق التي تعوَّدنا عليها؟! إنك -يا شعيب- لأنت الحليم الرشيد، ويقصدون عكس ذلك، أي: إنك لأنت السفيهُ الغَوِيّ، وهذا من شدَّة كُفْرهم وعنادهم واستهزائهم بشعيب عليه السلام.

[88] ﴿قَالَ يَٰقَوۡمِ أَرَءَيۡتُمۡ إِن كُنتُ عَلَىٰ بَيِّنَةٖ مِّن رَّبِّي وَرَزَقَنِي مِنۡهُ رِزۡقًا حَسَنٗاۚ وَمَآ أُرِيدُ أَنۡ أُخَالِفَكُمۡ إِلَىٰ مَآ أَنۡهَىٰكُمۡ عَنۡهُۚ إِنۡ أُرِيدُ إِلَّا ٱلۡإِصۡلَٰحَ مَا ٱسۡتَطَعۡتُۚ وَمَا تَوۡفِيقِيٓ إِلَّا بِٱللَّهِۚ عَلَيۡهِ تَوَكَّلۡتُ وَإِلَيۡهِ أُنِيبُ 88﴾:

فأجابهم شعيبٌ عليه السلام قائلًا: يا قوم، أخبروني إن كنتُ على بيِّنةٍ ودليلٍ قاطع، وبرهانٍ ساطع على صحة ما جئت به ودعوتكم إليه، مع ما رزقني الله به من الرزق الحسن من النبوَّة والحكمة ووَفْرة المال؛ أخبروني: هل أترك كل ذلك وأجاريكم وأتابعكم على باطلكم؟! ثم إني -يا قوم- لا مصلحة شخصية لي في نهيكم عن هذه الأفعال بحيث أقوم أنا بارتكابها؛ بل أنا أوَّل المنتهين عما نهيتكم عنه، وما أريد من هذا كلِّه إلا أن أُصلِحَ مِنْ شأنكم قَدْرَ ما أستطيع وقَدْر طاقتي، وما يحصُلُ لي من التوفيقِ للهداية والرشد والصواب والخير، والبعدِ عن الغَوَاية والخطأ والضلال والشر؛ إلا بالله تعالى وحده، ومنحي إياه، لا حول لي ولا قوة إلا بالله، عليه اعتمَدتُّ في أموري كلها، وفوَّضتُ أمري إليه، وإليه أرجع وأتوب.

[89] ﴿وَيَٰقَوۡمِ لَا يَجۡرِمَنَّكُمۡ شِقَاقِيٓ أَن يُصِيبَكُم مِّثۡلُ مَآ أَصَابَ قَوۡمَ نُوحٍ أَوۡ قَوۡمَ هُودٍ أَوۡ قَوۡمَ صَٰلِحٖۚ وَمَا قَوۡمُ لُوطٖ مِّنكُم بِبَعِيدٖ 89﴾:

ثم قال لهم شعيب: ويا قوم، لا يَحْمِلنَّكم حبُّ مخالفتي ومشاقَّتي ومعاندتي على الإصرار على ما أنتم عليه من الشرك والمعاصي؛ فيُصِيبَكُمْ بسبب ذلك من العذاب والهلاك ما أصاب الأمم المعاندة من قبلكم؛ كقَوْمِ نُوحٍ أو قومِ هودٍ أو قوم صالح، وما عذاب قوم لوط منكم ببعيد في الزمان ولا في المكان؛ فاعتبروا بذلك.

[90] ﴿وَٱسۡتَغۡفِرُواْ رَبَّكُمۡ ثُمَّ تُوبُوٓاْ إِلَيۡهِۚ إِنَّ رَبِّي رَحِيمٞ وَدُودٞ 90﴾:

ثم قال لهم أيضًا: ويا قوم، اطلبوا من الله أن يغفر لكم ذنوبكم، ثم توبوا وارجعوا وأنيبوا إليه، واعملوا بطاعته، واحذروا معصيته؛ إن ربي رحيم بعباده وَسِعَتْ رحمته كل شيء، وَدُودٌ لمن تاب وأناب، فيَقْبَلُ منه ويعفو عنه ويحبه.

[91] ﴿قَالُواْ يَٰشُعَيۡبُ مَا نَفۡقَهُ كَثِيرٗا مِّمَّا تَقُولُ وَإِنَّا لَنَرَىٰكَ فِينَا ضَعِيفٗاۖ وَلَوۡلَا رَهۡطُكَ لَرَجَمۡنَٰكَۖ وَمَآ أَنتَ عَلَيۡنَا بِعَزِيزٖ 91﴾:

فقال له قومه: يا شعيب، ما نفهم كثيرًا مما تحدِّثنا به؛ لأنك تَحْمِلُنا على أمور ليست مألوفةً عندنا كالحساب والعذاب، والبعث والنشور؛ مع أنهم قد فَقِهُوا كل قول قاله لهم شعيب من النصائح والمواعظ، ولهذا سُمِّيَ شعيبٌ بخطيب الأنبياء، ولمَّا أفحمهم بالحجج والبراهين، ولم يجدوا جوابًا يقولونه؛ قالوا له: يا شعيب، ما نَفْقَهُ قولك، وأنت مستضعَفٌ عندنا، ولست َمن أهل الجاه والمال، ولولا مراعاة عشيرتك، لقتلناك رجمًا بالحجارة، وما أنت علينا بغالب ولا قاهر ولا ممتنع.

[92] ﴿قَالَ يَٰقَوۡمِ أَرَهۡطِيٓ أَعَزُّ عَلَيۡكُم مِّنَ ٱللَّهِ وَٱتَّخَذۡتُمُوهُ وَرَآءَكُمۡ ظِهۡرِيًّاۖ إِنَّ رَبِّي بِمَا تَعۡمَلُونَ مُحِيطٞ 92﴾:

فأجابهم شعيبٌ على وجه الاستغراب من منطقهم الفاسد، قائلًا: يا قوم، أجماعتي وقبيلتي وعشيرتي أَعَزُّ وأكرم عليكم من الله؟! فراعيتم ذلك، ولم تراعوا حق الله؟! ونبَذْتم أمر الله كلَّه بالتوحيد وفعل الطاعات، ورميتموه وراء ظُهُوِركم غير مبالين به ولا آبهين؟!

ثم قال لهم محذِّرًا: اعلموا أن الله محيطٌ بجميع أعمالكم، مطَّلِعٌ عليها، لا تخفى عليه خافية، وسوف يُجازِيكم عليها أتمَّ الجزاء وأوفاه.

[93] ﴿وَيَٰقَوۡمِ ٱعۡمَلُواْ عَلَىٰ مَكَانَتِكُمۡ إِنِّي عَٰمِلٞۖ سَوۡفَ تَعۡلَمُونَ مَن يَأۡتِيهِ عَذَابٞ يُخۡزِيهِ وَمَنۡ هُوَ كَٰذِبٞۖ وَٱرۡتَقِبُوٓاْ إِنِّي مَعَكُمۡ رَقِيبٞ 93﴾:

ولمَّا لم يستجيبوا وأصرُّوا على كفرهم وعنادهم، قال مهدِّدًا لهم ومتوعِّدًا إياهم: يا قوم، اعملوا قدر استطاعتكم على الإضرار بي؛ فإني عاملٌ ومستمِرُّ على دعوة التوحيد وعلى عبادتي؛ فسوف تعلمون مَنْ منَّا على الصواب والحق، وستعلمون مَنْ منَّا سينجو، ومن منَّا سيأتيه عذاب يُخْزِيهِ ويُذِلُّهُ ويفضحه، وتعلمون حينها مَن الصادق ومَن الكاذب، وانتظروا -يا قوم- ما سَيحِلُّ بكم؛ إني معكم من المنتظرين.

[94] ﴿وَلَمَّا جَآءَ أَمۡرُنَا نَجَّيۡنَا شُعَيۡبٗا وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ مَعَهُۥ بِرَحۡمَةٖ مِّنَّا وَأَخَذَتِ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ ٱلصَّيۡحَةُ فَأَصۡبَحُواْ فِي دِيَٰرِهِمۡ جَٰثِمِينَ 94﴾:

ولمَّا جاء أمر الله بهلاك قوم شعيب، ونزول العذاب بهم، نجَّى الله شعيبًا والذين آمنوا معه برحمةٍ وفضلٍ ولطفٍ من الله، أمَّا الذين تجاوزوا حدَّهم فأشركوا ولم يؤمنوا، وتجاوَزُوا حدَّهم فنقَصُوا المِكْيال والميزان، فأخذتهم الصيحة من السماء، فخلَعَتْ قلوبهم، وأخَذَتْ أرواحهم، فبَرَكُوا على رُكَبهم جاثمين، وسقطوا -لا حَرَاكَ لهم- ميَّتين.

[95] ﴿كَأَن لَّمۡ يَغۡنَوۡاْ فِيهَآۗ أَلَا بُعۡدٗا لِّمَدۡيَنَ كَمَا بَعِدَتۡ ثَمُودُ 95﴾:

أخبَرَ جل وعلا عن حال مَدْيَنَ قوم شعيب بعد هلاكهم؛ كأنهم لم يقيموا في هذه البلاد ولم يَعْمُرُوها، ولم يتمتَّعوا فيها؛ أَلَا بُعْدًا لهم، وطردًا لهم من رحمة الله، كما أُبعِدَتْ وطُردِتْ ثمود، والجامعُ بين هاتين الأمَّتَيْنِ: الاشتراك ُفي الكفرِ وتكذيبِ الرسل، ثم الاشتراكُ في النهاية، وهي العذابُ، والطردُ والإبعاد من رحمة الله.

[96] ﴿وَلَقَدۡ أَرۡسَلۡنَا مُوسَىٰ بِـَٔايَٰتِنَا وَسُلۡطَٰنٖ مُّبِينٍ 96﴾:

ثم أخبَرَ جل وعلا أنه أرسل نبيه موسى عليه السلام بالآيات والمعجزات، والحجج الظاهرة البيِّنة التي تدُلُّ على صدق رسالته، وهي: الآياتُ التِّسْع.

[97] ﴿إِلَىٰ فِرۡعَوۡنَ وَمَلَإِيْهِۦ فَٱتَّبَعُوٓاْ أَمۡرَ فِرۡعَوۡنَۖ وَمَآ أَمۡرُ فِرۡعَوۡنَ بِرَشِيدٖ 97﴾:

ثم بيَّن سبحانه أنه أرسله إلى فرعون وأشراف قومه -إذْ غيرهم من قومهم تَبَعٌ لهم- فكفَرَ فرعون بموسى عليه السلام، وتابعه قومه على ذلك، ولم يؤمنوا بموسى ولا برسالته؛ بل اتَّبعوا أمر فرعون، وما أَمْرُ فرعون برشيد؛ بل هو ضلالٌ وغَوَاية، وعنادٌ وانحراف.

[98] ﴿يَقۡدُمُ قَوۡمَهُۥ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ فَأَوۡرَدَهُمُ ٱلنَّارَۖ وَبِئۡسَ ٱلۡوِرۡدُ ٱلۡمَوۡرُودُ 98﴾:

ثم أخبَرَ جل وعلا أن فرعون سيتقدَّم قومه يوم القيامة إلى النار، فيُورِدُهم إياها، فيتَّبعونه كما اتَّبعوه في الدنيا؛ فبئس هذا النصيب المقدَّر الذي قَدِموا عليه.

[99] ﴿وَأُتۡبِعُواْ فِي هَٰذِهِۦ لَعۡنَةٗ وَيَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِۚ بِئۡسَ ٱلرِّفۡدُ ٱلۡمَرۡفُودُ 99﴾:

ثم أخبَرَ أنهم في هذه الدنيا: ملعونون معذَّبون بالغَرَق، وفي البَرْزَخ: تُعْرَضُ أرواحهم على النار صباحًا ومساءً، وفي الآخرة: ملعونون ومطرودون من رحمة الله، ومعذَّبون في نار جهنم؛ يلعنهم الله والملائكة والناس أجمعون، فبئس ما اجتمَعَ لهم وما أُعْطُوا من العذاب واللعنة في الدنيا والآخرة.

[100] ﴿ذَٰلِكَ مِنۡ أَنۢبَآءِ ٱلۡقُرَىٰ نَقُصُّهُۥ عَلَيۡكَۖ مِنۡهَا قَآئِمٞ وَحَصِيدٞ 100﴾:

واعلم -أيها النبي- أن ذلك الذي تقدَّم من خبر الأنبياء مع أقوامهم، أخبرناك به؛ تثبيتًا وتسليةً لك، ودليلًا على نبوَّتك ورسالتك، وتذكرةً وعِبْرةً للمعتبرين، وتلك الأقوام التي هلَكَتْ بعضها لها آثار لم تَتْلَفْ ولم تذهب؛ بل هي باقيةٌ للعظة والعبرة، وبعضها ذهب وانمحى؛ وهو الحصيد.

[101] ﴿وَمَا ظَلَمۡنَٰهُمۡ وَلَٰكِن ظَلَمُوٓاْ أَنفُسَهُمۡۖ فَمَآ أَغۡنَتۡ عَنۡهُمۡ ءَالِهَتُهُمُ ٱلَّتِي يَدۡعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ مِن شَيۡءٖ لَّمَّا جَآءَ أَمۡرُ رَبِّكَۖ وَمَا زَادُوهُمۡ غَيۡرَ تَتۡبِيبٖ 101﴾:

واعلم أيضًا أننا ما ظلَمْناهم لمَّا أخذناهم بالعذاب والنَّكَال، بل هم ظلموا أنفسهم بالشرك والمعاصي، واتِّخاذهم آلهة من دون الله؛ فما نفعتهم هذه الآلهة، ولا دفَعَتْ عنهم العذاب لمَّا حلَّ بهم؛ بل زادتهم خسارةً على خسارتهم، وهلاكًا على هلاكهم.

[102] ﴿وَكَذَٰلِكَ أَخۡذُ رَبِّكَ إِذَآ أَخَذَ ٱلۡقُرَىٰ وَهِيَ ظَٰلِمَةٌۚ إِنَّ أَخۡذَهُۥٓ أَلِيمٞ شَدِيدٌ 102﴾:

وكذلك -أيها النبي- كما أخَذَ ربك هذه القرى وأهلَكَها بالعذاب بسبب كفرهم وشركهم وظلمهم؛ سيكون هذا جزاءَ كلِّ من حذا حذوهم، ونحا نحوهم، وإنَّ أَخْذَ ربك بالعقوبة للظالمين وإهلاكهم لشديدٌ مؤلم موجع.

[103] ﴿إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَأٓيَةٗ لِّمَنۡ خَافَ عَذَابَ ٱلۡأٓخِرَةِۚ ذَٰلِكَ يَوۡمٞ مَّجۡمُوعٞ لَّهُ ٱلنَّاسُ وَذَٰلِكَ يَوۡمٞ مَّشۡهُودٞ 103﴾:

واعلموا أن فيما مضى مِنْ أخذ الأقوام الكافرين بالعذاب الشديد عبرةً وموعظةً لمن يعتبر ويتَّعظ، ويخاف عذاب الله وعقابه يوم القيامة، ذلك اليومُ الذي تُجمَعُ فيه الخلائق كلها، ثم يجازيهم الله على أعمالهم؛ وذلك يومٌ سوف يشهده أهل المحشر كلهم.

[104] ﴿وَمَا نُؤَخِّرُهُۥٓ إِلَّا لِأَجَلٖ مَّعۡدُودٖ 104﴾:

ثم أخبَرَ سبحانه أن هذا اليوم لا يؤخَّر مجيئه إلا لوقت محدود حدَّده الله وقضاه.

[105] ﴿يَوۡمَ يَأۡتِ لَا تَكَلَّمُ نَفۡسٌ إِلَّا بِإِذۡنِهِۦۚ فَمِنۡهُمۡ شَقِيّٞ وَسَعِيدٞ 105﴾:

وعندما يأتي يوم القيامة، فإن الناس لا يتكلَّمون من شدة الأهوال إلا بإذن الله، وقد انقسموا إلى فريقَيْن: فريق الأشقياء الذين استحقُّوا النار، وفريق السعداء الذين آمنوا واتَّبعوا ما جاءت به رسلهم.

[106] ﴿فَأَمَّا ٱلَّذِينَ شَقُواْ فَفِي ٱلنَّارِ لَهُمۡ فِيهَا زَفِيرٞ وَشَهِيقٌ 106﴾:

ثم أخبَرَ جل وعلا أن أهل الشقاوة يدخُلُونَ النار ويعذَّبون فيها أشدَّ العذاب، ومن ذلك أنهم يُدخِلُونَ النَّفَسَ ويُخْرِجونه بشدَّةٍ وصوتٍ عالٍ.

[107] ﴿خَٰلِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ ٱلسَّمَٰوَٰتُ وَٱلۡأَرۡضُ إِلَّا مَا شَآءَ رَبُّكَۚ إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٞ لِّمَا يُرِيدُ 107﴾:

ثم أخبَرَ سبحانه أن الكفار ماكثون في النار ما دامت السموات والأرض، لا ينقطع عنهم العذاب ولا ينتهي؛ إلا إذا شاء ربك أن يُخرِجَ أحدًا من عصاة الموحِّدين بعد أن يطهِّرهم الله من ذنوبهم، وإن ربك -أيها النبي- يفعل ما يشاء كما شاء إذا شاء.

والقائلون بفناء النار يقولون: الاستثناء المذكور بالنسبة لأهل النار في قوله: ﴿إِلَّا مَا شَآءَ رَبُّكَۚ ﴾، مع قوله: ﴿لَّٰبِثِينَ فِيهَآ أَحۡقَابٗا﴾ [النبأ:23]، قالوا: إن الأحقاب لها نهاية، وإن الكفار بعد أن يمكُثُوا في النار أحقابًا عديدة وأزمنة مديدة، فبإذن الله يموت مَنْ فيها وتفنى؛ وهذا القول يعارِضُ ما صح عن النبي ﷺ بعد أن يدخُلَ أهلُ الجنةِ الجنةَ، ويدخُلَ أهل النار النار؛ فيؤتى بالموت على صورة كبش فيذبح، ثم يقالُ لأهل الجنة وأهل النار: خلودٌ فلا موت، مع آيات كثيرة تذكُرُ الخلود الأبدي لأهل النار. وقد نُسِبَ إلى ابن تيمية وابن القيم؛ أنهما قالا: بفناء النار، وقد سُئِلَ الشيخ ابن باز عن صحة ما نسب إليهما، فنفى أن يقولا بفنائها، وقال: إنهما استعرضا القول، وقالا: إن رحمة الله لا حدود لها، وقدرة الله نافذة، ولكنَّ مذهب أهل السنة والجماعة أن النار لا تفنى، وأن الكفَّار مخلدون فيها.

ومع أنني مع أهل السنة وجمهور المسلمين الذين يرون خلود أهل النار فيها، فقد استعرضت بعض حجج القائلين بفنائها وموت مَنْ فيها؛ لأن قولهم له حظٌ من النظر، ولأن الله قال: ﴿يَمۡحُواْ ٱللَّهُ مَا يَشَآءُ وَيُثۡبِتُۖ وَعِندَهُۥٓ أُمُّ ٱلۡكِتَٰبِ﴾ [الرعد:39]، وقال: ﴿كُلَّ يَوۡمٍ هُوَ فِي شَأۡنٖ﴾ [الرحمن:29]، ولأن رحمة الله عظيمة، ولأن الذي جعل الموت بصورة كبش ثم ذَبَحَهُ قادرٌ على إحيائه، كما أنه قادرٌ على كل شيء؛ فسبحان من هو على كل شيء قدير، ولا أحد يحجب رحمته.

[108] ﴿وَأَمَّا ٱلَّذِينَ سُعِدُواْ فَفِي ٱلۡجَنَّةِ خَٰلِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ ٱلسَّمَٰوَٰتُ وَٱلۡأَرۡضُ إِلَّا مَا شَآءَ رَبُّكَۖ عَطَآءً غَيۡرَ مَجۡذُوذٖ 108﴾:

وأما أهل السعادة الحَقَّة الذين استجابوا لله ولرسوله ﷺ، فيدخُلُونَ الجنة خالدين فيها ما دامت السموات والأرض إلا ما شاء ربك؛ عطاءً سرمديًّا غيرَ منقطِعٍ عنهم ولا ممنوع، وبقاؤهم هو بإبقاء الله لهم. قال الشيخ عبد الله البسام: إن الاستثناء المذكور بالنسبة لأهل الجنة في قوله: ﴿إِلَّا مَا شَآءَ رَبُّكَۖ ﴾، هو خاصٌّ بالعصاة الذين يدخُلُونَ النار؛ فهم ماكثون في النار حتى يُطهَّروا، وبعد أن تتم مشيئة الله بتطهيرهم يدخلون الجنة، فهم خالدون في الجنة بعد ذلك أبدًا؛ إلا المدة التي تم تطهيرهم فيها. وأما الخلود الأبدي الذي لا استثناء فيه، فهو لمن يدخُلُ الجنة برحمة الله ابتداءً، ولمن يدخُلُ النارَ كافرًا.

[109] ﴿فَلَا تَكُ فِي مِرۡيَةٖ مِّمَّا يَعۡبُدُ هَٰٓؤُلَآءِۚ مَا يَعۡبُدُونَ إِلَّا كَمَا يَعۡبُدُ ءَابَآؤُهُم مِّن قَبۡلُۚ وَإِنَّا لَمُوَفُّوهُمۡ نَصِيبَهُمۡ غَيۡرَ مَنقُوصٖ 109﴾:

ثم قال سبحانه لنبيه ﷺ: فلا تك -أيها النبي- في شكٍّ من بطلان عبادة هؤلاء المشركين لأصنامهم من دون الله، فليس لهم دليل عقلي ولا نقلي، وغاية أمرهم: أنهم يقلِّدون آباءهم وأجدادهم في عبادة غير الله، وإنا -أيها النبي- لمعطوهم نصيبهم مما كتبنا لهم من الدنيا كاملًا، وموفُّوهم ومجازوهم على أعمالهم في الأخرى.

[110] ﴿وَلَقَدۡ ءَاتَيۡنَا مُوسَى ٱلۡكِتَٰبَ فَٱخۡتُلِفَ فِيهِۚ وَلَوۡلَا كَلِمَةٞ سَبَقَتۡ مِن رَّبِّكَ لَقُضِيَ بَيۡنَهُمۡۚ وَإِنَّهُمۡ لَفِي شَكّٖ مِّنۡهُ مُرِيبٖ 110﴾:

أخبَرَ جل وعلا أنه أعطى موسى عليه السلام التوراةَ، وأنزلها عليه، فاختلَفَ بنو إسرائيل في قبولها؛ فمنهم: مَنْ آمن بها، ومنهم: من كفَرَ، والذين آمنوا بها اختلفوا فيما بينهم أيضًا اختلافًا مذمومًا، ولولا قضاء الله وحُكْمُهُ السابق بتأخير الجزاء على الأعمال إلى يوم القيامة، لَقُضِيَ بينهم بتعذيب وهلاك الظالمين، وفَوْزِ ونجاة المؤمنين، واعلم -أيها النبي- أن المتجاوزين لحدودهم من اليهود والمشركين في شكٍّ وحيرة واضطراب من هذا القرآن.

[111] ﴿وَإِنَّ كُلّٗا لَّمَّا لَيُوَفِّيَنَّهُمۡ رَبُّكَ أَعۡمَٰلَهُمۡۚ إِنَّهُۥ بِمَا يَعۡمَلُونَ خَبِيرٞ 111﴾:

واعلم -أيها النبي- أن الله سيجازي كل عامل بما عمل؛ إنْ خيرًا فخير، وإن شرًّا فشرّ، والله جل وعلا خبيرٌ خبرةً تامَّةً بأعمال الجميع، ولا يخفى عليه منها شيء سبحانه.

[112] ﴿فَٱسۡتَقِمۡ كَمَآ أُمِرۡتَ وَمَن تَابَ مَعَكَ وَلَا تَطۡغَوۡاْۚ إِنَّهُۥ بِمَا تَعۡمَلُونَ بَصِيرٞ 112﴾:

أمَرَ جل وعلا نبيه محمدًا ﷺ أن يستقيم على دين الله؛ كما أمره ربه هو ومن تاب معه من الذين آمنوا أن يظلوا على الحق، ولا يتجاوزوا ما حدَّده الله تعالى، واعلموا أن الله مراقب لأعمالكم كلِّها، لا تخفى عليه خافية في الأرض ولا في السماء، وسيجازيكم عليها.

[113] ﴿وَلَا تَرۡكَنُوٓاْ إِلَى ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ فَتَمَسَّكُمُ ٱلنَّارُ وَمَا لَكُم مِّن دُونِ ٱللَّهِ مِنۡ أَوۡلِيَآءَ ثُمَّ لَا تُنصَرُونَ 113﴾:

نهى جل وعلا أتباع النبي ﷺ من المؤمنين عن الركون والميل للظالمين؛ فإنهم إن مالوا إليهم وركنوا لهم، فإنهم بذلك يكونون قد وافقوهم على ظلمهم أو رَضُوا به، ويكونون بذلك قد حسَّنوا طريقتهم وزيَّنوها للناس، وحينها يكونون مثلهم، ويَلْقَوْنَ مثل جزائهم فتَمَسُّهم النار، ثم يأتي التهديد والوعيد لمن هذه حاله؛ بأنه ليس له من الله وليٌّ يمنعه مِنْ عذاب الله، ولا ناصرٌ ينقذه من مسِّ النار، ويدفع عنه العذاب؛ فَلْيَحْذَرْ كل مائل للظالمين من هذا المصير.

[114] ﴿وَأَقِمِ ٱلصَّلَوٰةَ طَرَفَيِ ٱلنَّهَارِ وَزُلَفٗا مِّنَ ٱلَّيۡلِۚ إِنَّ ٱلۡحَسَنَٰتِ يُذۡهِبۡنَ ٱلسَّيِّـَٔاتِۚ ذَٰلِكَ ذِكۡرَىٰ لِلذَّٰكِرِينَ 114﴾:

أمَرَ جل وعلا نبيه ﷺ -ويدخل في هذا الأمر أمته- بأن يقيم الصلاة ويؤديها على الوجه المطلوب طرفي النهار، أي: أوله وآخره، ويشمل ذلك صلاة الفجر والظهر والعصر، وأن يقيمها أيضًا زلفًا من الليل، ويشمل ذلك صلاتي المغرب والعشاء، ويدخُلُ فيه قيام الليل، واعلم أن الحسنات -ومن أعظمها: أداء الصلوات الخمس- تُذهِبُ السيئات من الصغائر وتمحوها، واعلم أن الاستقامة على أمر الله كما أمَرَ، وتَرْكَ مجاوزة الحد، وعدم الميل والركون للظالمين، وأداء الصلوات على الوجه المطلوب؛ اعلم أن ذلك كله ذكرى للذاكرين، وموعظة للمتعظين، وهداية للمتقين.

[115] ﴿وَٱصۡبِرۡ فَإِنَّ ٱللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجۡرَ ٱلۡمُحۡسِنِينَ 115﴾:

أمَرَ جل وعلا نبيه ﷺ بالصبر؛ لأن المأمورات لا بُدَّ من الصبر على فعلها، والمنهيَّات لا بد من الصبر على تركها، واعلم أن الله لا يُضِيعُ أجر مَنْ أحسن عملًا، ولا يخيِّب من امتثل أمره، وانتهى عن نهيه، واستقام كما أُمِر، بل يجازيه على ذلك أحسن الجزاء وأوفاه.

[116] ﴿فَلَوۡلَا كَانَ مِنَ ٱلۡقُرُونِ مِن قَبۡلِكُمۡ أُوْلُواْ بَقِيَّةٖ يَنۡهَوۡنَ عَنِ ٱلۡفَسَادِ فِي ٱلۡأَرۡضِ إِلَّا قَلِيلٗا مِّمَّنۡ أَنجَيۡنَا مِنۡهُمۡۗ وَٱتَّبَعَ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ مَآ أُتۡرِفُواْ فِيهِ وَكَانُواْ مُجۡرِمِينَ 116﴾:

فلما كان من الأمم الهالكة أصحابٌ أولو بقيَّة من دين وعقل؛ ينهَوْنَ أقوامهم عن الفساد في الأرض بالشرك وتكذيب الأنبياء؟! لم يوجد من هؤلاء إلا القليل، وقد نجَّاهم الله من العذاب، أما الذين ظلموا، فإنهم اتّبَعوا أهواءَهم وشهواتهم، وغَرِقوا في نعيم الدنيا الزائل وآثروها على الآخرة؛ فكانوا بذلك مُجْرِمين؛ فاستحقوا الهلاك والعذاب.

[117] ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهۡلِكَ ٱلۡقُرَىٰ بِظُلۡمٖ وَأَهۡلُهَا مُصۡلِحُونَ 117﴾:

أخبَرَ جل وعلا رسوله ﷺ أنه لا يُهْلِكُ القرى والأمم بظلمٍ منه لهم، حاشاه سبحانه، ولم يكن الله لِيُهْلِكهم وفيهم مصلحون قائمون على الإصلاح في الأرض، مستمرُّون عليه، ولكن الناس يظلمون أنفسهم بالشرك والفساد في الأرض؛ فيستحقُّون عذابه وغضبه.

[118] ﴿وَلَوۡ شَآءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ ٱلنَّاسَ أُمَّةٗ وَٰحِدَةٗۖ وَلَا يَزَالُونَ مُخۡتَلِفِينَ 118﴾:

أخبَرَ جل وعلا نبيه ﷺ أن في قدرته أن يجعل الناس كلَّهم أمَّةً واحدة متفقين على الحق، ولكنِ اقتضت حكمته أن يجعلهم مختارين، ولا يزال الناس مختلفين في ذلك، فمنهم: مَنْ يكون على الصراط المستقيم باتباع الأنبياء، ومنهم: من يَضِلُّ ويخالف باتباع هواه وما يزيِّنه له الشيطان.

[119] ﴿إِلَّا مَن رَّحِمَ رَبُّكَۚ وَلِذَٰلِكَ خَلَقَهُمۡۗ وَتَمَّتۡ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَأَمۡلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ ٱلۡجِنَّةِ وَٱلنَّاسِ أَجۡمَعِينَ 119﴾:

ثم استثنى سبحانه الذين رحمهم الله فآمنوا به؛ فإنهم لا يختلفون في توحيد الله وما جاءت به الرسل، وقد اقتضت حكمته جل وعلا أنه خلَقَ الناس جميعًا لعبادته، وجعَلَهم مختارين للهدى والضلال، ثم جعَلَ رحمته للمهتدين، وعذابه على الضالِّين، وبهذا تتم حكمته، ويتحقَّق وعده ووعيده الذي قضاه وقدَّره وأقسم عليه بقوله: لأملأنَّ جهنَّم من عصاة الجنِّ وعصاة الإنس الذين اتَّبعوا إبليس وجنده، ولم يسلكوا طريق الإيمان والهداية.

[120] ﴿وَكُلّٗا نَّقُصُّ عَلَيۡكَ مِنۡ أَنۢبَآءِ ٱلرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِۦ فُؤَادَكَۚ وَجَآءَكَ فِي هَٰذِهِ ٱلۡحَقُّ وَمَوۡعِظَةٞ وَذِكۡرَىٰ لِلۡمُؤۡمِنِينَ 120﴾:

أخبَرَ جل وعلا نبيه محمدًا ﷺ أن قصص الأمم الماضية أنزلها تثبيتًا لفؤاده وأَتْباعه، ولكي تجعله لا يستغرِبُ ما يلقاه من قومه، ولا شك أن الرسول ﷺ معصوم من كلِّ الشكوك وكلِّ ما يَشِين، ومراد الله جل وعلا: أن يعلِّم نبيه ما لاقى الأنبياء من الأذى والردود السيئة -التي أجيب بها الأنبياء السابقون- وصَبْرِهم وثباتهم، وهذا مما يجعله هو وأتباعه من الدعاة والمصلحين يَعْرِفون أن الخَلْق يكرهون الانتقال مما عليه آباؤهم وأسلافهم؛ مما لا يكلِّفهم صيامًا ولا صلاة ولا جهادًا، واعلم -أيها النبي- أنه قد جاءك في هذه السورة وغيرها من سور القرآن الحقُّ الثابت الذي أنت عليه، والمواعظ الحكيمة التي يرتدع بها الكافرون، والذكرى النافعة للمؤمنين.

[121] ﴿وَقُل لِّلَّذِينَ لَا يُؤۡمِنُونَ ٱعۡمَلُواْ عَلَىٰ مَكَانَتِكُمۡ إِنَّا عَٰمِلُونَ 121﴾:

وقل -أيها النبي- للذين لم يؤمنوا برسالتك على سبيل التخويف والتحذير: ابْقَوْا على حالتكم، واعملوا على شِرْككم والصدِّ عن سبيل الله؛ فإنا باقون على حالنا من الإيمان والدعوة إلى التوحيد.

[122] ﴿وَٱنتَظِرُوٓاْ إِنَّا مُنتَظِرُونَ 122﴾:

وقل لهم أيضًا: وانتظروا وترقَّبوا عاقبة الأمر، وما سيَحُلُّ بنا وبكم، فإنا منتظرون ومترقِّبون عاقبة أمركم، وما سيَحُلُّ بنا وبكم.

[123] ﴿وَلِلَّهِ غَيۡبُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ وَإِلَيۡهِ يُرۡجَعُ ٱلۡأَمۡرُ كُلُّهُۥ فَٱعۡبُدۡهُ وَتَوَكَّلۡ عَلَيۡهِۚ وَمَا رَبُّكَ بِغَٰفِلٍ عَمَّا تَعۡمَلُونَ 123﴾:

أخبر جل وعلا أن له علم جميع ما غاب عن العباد في الكون كله، وهو سبحانه إليه مصير ومرجع ومآل أمور العباد والأعمال يوم القيامة، فاعبده -أيها النبي- بفعل كل ما يحبه الله ويرضاه من العبادة وتبليغ الرسالة، والابتعاد عن كل ما يكرهه الله ويأباه، وفوض أمرك إليه، وما ربك بغافل عما يعمل الناس من الخير والشر، لا تخفى عليه خافية، وسيجازي كل بعمله.

سورة يوسف

سورة يوسف مكيَّة، وآياتها إحدى عَشْرةَ ومائةُ آية. وقد ذكر جل وعلا في هذه السورة جملة من الابتلاءات المتنوِّعة التي أصابت نبي الله يوسف ووالده يعقوب عليهما السلام، كان أوَّلَهَا الحسَدُ، ثم إلقاؤه في البئر، ثم بيعه بثمن بخس، ثم بعد أن صار رقيقًا وكَبِرَ، أُولِعَتْ سيدته بحبه حبًّا تعدَّت فيه حدود الحِشْمة، ثم السجن، قال بعضهم: (لا يسمعُ سورةَ يوسف محزونٌ إلا استراح).

[1] ﴿الٓرۚ تِلۡكَ ءَايَٰتُ ٱلۡكِتَٰبِ ٱلۡمُبِينِ 1﴾:

سَبَقَ الكلام على الحروف المقطَّعة في أول سورة البقرة.

ثم أخبَرَ جل وعلا في أول هذه السورة أن آيات القرآن الكريم هي آياتٌ واضحةٌ جليةٌ لفظًا ومعنًى، ومبيِّنةٌ للعقائد والأحكام والأخلاق.

[2] ﴿إِنَّآ أَنزَلۡنَٰهُ قُرۡءَٰنًا عَرَبِيّٗا لَّعَلَّكُمۡ تَعۡقِلُونَ 2﴾:

وأخبَرَ سبحانه أنه أنزل هذا القرآن العظيم باللغة العربية التي هي أعظم اللغات وأشرفها وأقدرها على إيضاح المعاني وتبيانها؛ لعلكم تفهمون وتتدبَّرون ما اشتمل عليه هذا الكتاب العزيز.

[3] ﴿نَحۡنُ نَقُصُّ عَلَيۡكَ أَحۡسَنَ ٱلۡقَصَصِ بِمَآ أَوۡحَيۡنَآ إِلَيۡكَ هَٰذَا ٱلۡقُرۡءَانَ وَإِن كُنتَ مِن قَبۡلِهِۦ لَمِنَ ٱلۡغَٰفِلِينَ 3﴾:

واعلم -أيها النبي- أننا نوضِّح لك أحسن ما يُقَصُّ مما تعرَّض له الصالحون المستقيمون من عباد الله، بما اشتمَلَ عليه هذا القرآن الذي أوحيناه إليك، وإنْ كنت من قبل إنزاله من الغافلين الذين لا يعلمون بهذه القصص التي لا يمكن معرفتها إلا عن طريق الوحي. ولا شَكَّ أن قصة يوسف تعتبر مِن أحسن القصص لما احتَوَتْ عليه من العِبَرِ والثباتِ على المبدأ الحق، والاستقامة، وعدم الانسياق لرغبات النَّفْس من الشهوات، والصبر على المِحَنِ، وما ترتَّب على ذلك من نجاح ورفعة في الدنيا والآخرة.

[4] ﴿إِذۡ قَالَ يُوسُفُ لِأَبِيهِ يَٰٓأَبَتِ إِنِّي رَأَيۡتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوۡكَبٗا وَٱلشَّمۡسَ وَٱلۡقَمَرَ رَأَيۡتُهُمۡ لِي سَٰجِدِينَ 4﴾:

أخبَرَ جل وعلا أن يوسف عليه السلام قال لأبيه يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم عليهم السلام: يا أبتِ، إني رأيت في منامي أحدَ عشَرَ كوكبًا، والشمسَ والقمَرَ رأيتهم كلَّهم يسجدون لي؛ ففهم يعقوب عليه السلام أن ابنه سيكون له شأنٌ عظيم.

[5] ﴿قَالَ يَٰبُنَيَّ لَا تَقۡصُصۡ رُءۡيَاكَ عَلَىٰٓ إِخۡوَتِكَ فَيَكِيدُواْ لَكَ كَيۡدًاۖ إِنَّ ٱلشَّيۡطَٰنَ لِلۡإِنسَٰنِ عَدُوّٞ مُّبِينٞ 5﴾:

ثم إن يعقوب عليه السلام أوَّل رؤيا ابنه يوسف تأويلًا عامًّا، وأخبَرَهُ أن الله سوف يصطفيه ويعطيه النبوَّة، كما أنعم على آبائه من قبلُ، أما تفاصيلها، فجاءت على لسان يوسف بعد سجود إخوته له، والحاصلُ: أن يعقوب عليه السلام أمر ابنه يوسف ألَّا يخبر أحدًا بهذه الرؤيا وخاصَّةً إخوته؛ حتى لا يحسدوه ويعادوه؛ لأن الحسد قد يقع بين الإخوان لا سيما وهو أصغرهم سنًّا، وأمُّه غير أمهم، ولأن الشيطان عدوٌّ للإنسان ظاهر العداوة، وبسبب هذه العداوة سوف يحُثُّ إخوته، ويرسم لهم خططًا للإضرار به.

[6] ﴿وَكَذَٰلِكَ يَجۡتَبِيكَ رَبُّكَ وَيُعَلِّمُكَ مِن تَأۡوِيلِ ٱلۡأَحَادِيثِ وَيُتِمُّ نِعۡمَتَهُۥ عَلَيۡكَ وَعَلَىٰٓ ءَالِ يَعۡقُوبَ كَمَآ أَتَمَّهَا عَلَىٰٓ أَبَوَيۡكَ مِن قَبۡلُ إِبۡرَٰهِيمَ وَإِسۡحَٰقَۚ إِنَّ رَبَّكَ عَلِيمٌ حَكِيمٞ 6﴾:

وكما أراك الله جل وعلا هذه الرؤيا، فسوف يصطفيك لحمل رسالته ويُلْهِمك تأويل الأحلام، ويُتِمُّ نعمته عليك وعلى آل يعقوب بالنبوَّة والرسالة، كما أنعم من قبلُ على أبويك إبراهيم وإسحاق بالنبوَّة والرسالة، واعلم أن ربك عليمٌ يعلم من يستحق الاصطفاء من عباده، حكيمٌ في تدبير شؤون خلقه.

[7] ﴿لَّقَدۡ كَانَ فِي يُوسُفَ وَإِخۡوَتِهِۦٓ ءَايَٰتٞ لِّلسَّآئِلِينَ 7﴾:

أخبَرَ جل وعلا أن في قصة يوسف عليه السلام مع إخوته آياتٍ وعظاتٍ وعِبَرًا للسائلين المتطلِّعين الذين يريدون معرفة حقيقة تلكم القصة العظيمة.

[8] ﴿إِذۡ قَالُواْ لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحَبُّ إِلَىٰٓ أَبِينَا مِنَّا وَنَحۡنُ عُصۡبَةٌ إِنَّ أَبَانَا لَفِي ضَلَٰلٖ مُّبِينٍ 8﴾:

قال إخوة يوسف بعضهم لبعض: إن أبانا يحب يوسف وشقيقه ويفضِّلهما علينا، ونحن جماعة، ولا نُحِبُّ ذلك، وإن أبانا بفعله هذا لفي خطأٍ واضحٍ بيِّن جليّ.

وهذا يثبت أن الغَيْرَةَ جِبِلَّةٌ خلقيَّةٌ ليست في النساء فقطْ، بل حتى في الرجال وهي من أسلحة الشيطان.

[9] ﴿ٱقۡتُلُواْ يُوسُفَ أَوِ ٱطۡرَحُوهُ أَرۡضٗا يَخۡلُ لَكُمۡ وَجۡهُ أَبِيكُمۡ وَتَكُونُواْ مِنۢ بَعۡدِهِۦ قَوۡمٗا صَٰلِحِينَ 9﴾:

لما رأى إِخوة يوسف أن أباهم يعقوب توسَّم في يوسف النجابة، وصار يهتم به، ورأَوْا أن وجه أبيهم منشغِلٌ عنهم، أخذتهم الغيرة؛ وخاصَّة أنهم هم الذين يكدحون في طلب الرِّزْق، ويخدمون يعقوب وأسرته؛ ولذا قال بعضهم لبعض: اقتلوا يوسف أو ألقوه في أرضٍ مجهولةٍ بعيدةٍ حتى تتخلَّصوا منه، وحتى يتفرَّغ لكم أبوكم، ويُقْبِلَ عليكم بالحب والشفقة، والحفاوة والتكريم، وبعد قتل يوسف أو إخفائه تتوبون إلى الله من هذا الذنب العظيم، فقدَّموا العزم على التوبة قبلَ الوقوع بالذنب، وهذا لا يرفع عنهم الإثم، فقد يحول الله بين المرء وقلبه ولا يوفَّق للتوبة، فيخسر خسرانًا عظيمًا، وأيضًا حسَدُهم لِيُوسُفَ غير مسوِّغ لارتكاب الجريمة، ويبقى له حق ثابت حتى لو تابوا.

[10] ﴿قَالَ قَآئِلٞ مِّنۡهُمۡ لَا تَقۡتُلُواْ يُوسُفَ وَأَلۡقُوهُ فِي غَيَٰبَتِ ٱلۡجُبِّ يَلۡتَقِطۡهُ بَعۡضُ ٱلسَّيَّارَةِ إِن كُنتُمۡ فَٰعِلِينَ 10﴾:

قال أحد إخوة يوسف: إن كنتم عازمين على إخفاء يوسف عن أبيه، فلا تقتلوه لبشاعة ذلك وشناعته، ولكنْ خذوه وألقوه في بئرٍ عميقٍ مظلم، فيأتي المسافرون فيأخذونه ويبتعدون به، ولا يُعرَفُ له مكان؛ وهذا رأيي إن كنتم عازمين مصرِّين على إخفائه وإبعاده.

[11] ﴿قَالُواْ يَٰٓأَبَانَا مَا لَكَ لَا تَأۡمَ۬نَّا عَلَىٰ يُوسُفَ وَإِنَّا لَهُۥ لَنَٰصِحُونَ 11﴾:

ولِمَا كان مِنْ حرص يعقوب عليه السلام على يوسف؛ كان لا يفارقه، فقال له بنوه: يا أبانا، لماذا لا تأتمننا على يوسف؟! ولماذا تخاف عليه منَّا، ونحن إخوته نُحِبُّ له الخير، كما نحبه لأنفسنا؟!

[12] ﴿أَرۡسِلۡهُ مَعَنَا غَدٗا يَرۡتَعۡ وَيَلۡعَبۡ وَإِنَّا لَهُۥ لَحَٰفِظُونَ 12﴾:

ثم قالوا لأبيهم: يا أبانا، ابعثه معنا غدًا يتنزَّه ويتنشَّط، ويفرح ويلعب، وسيكون تحت رعايتنا وحراستنا وحفظنا.

[13] ﴿قَالَ إِنِّي لَيَحۡزُنُنِيٓ أَن تَذۡهَبُواْ بِهِۦ وَأَخَافُ أَن يَأۡكُلَهُ ٱلذِّئۡبُ وَأَنتُمۡ عَنۡهُ غَٰفِلُونَ 13﴾:

فأجابهم قائلًا: إن ذَهَابه معكم لا يسوؤني، ولكنَّ الذي يسوؤني ويشُقُّ عليَّ حقًّا هو أن يأتيه الخطر؛ كأنْ يأكله الذئب وأنتم بعيدون عنه بطلب الصيد.

[14] ﴿قَالُواْ لَئِنۡ أَكَلَهُ ٱلذِّئۡبُ وَنَحۡنُ عُصۡبَةٌ إِنَّآ إِذٗا لَّخَٰسِرُونَ 14﴾:

فردُّوا عليه قائلين: يا أبانا، كيف يأكله الذئب ونحن معه جماعة، نحوطه ونحرُسُه؟! لَئِنْ حصل ذلك بأنْ أكله الذئب من بيننا، فنحن إذن لا خَيْرَ فينا، ولا يُرجى نفعنا، ولا يُعتمَدُ علينا بعد ذلك في شيء.

[15] ﴿فَلَمَّا ذَهَبُواْ بِهِۦ وَأَجۡمَعُوٓاْ أَن يَجۡعَلُوهُ فِي غَيَٰبَتِ ٱلۡجُبِّۚ وَأَوۡحَيۡنَآ إِلَيۡهِ لَتُنَبِّئَنَّهُم بِأَمۡرِهِمۡ هَٰذَا وَهُمۡ لَا يَشۡعُرُونَ 15﴾:

وهكذا وقع كما تخوَّف يعقوب عليه السلام؛ أن ما حصَلَ لابنه يوسف عليه السلام هو من تدبير إخوته، وليس كما ادَّعَوْا أنَّ الذئب أكله؛ حيث دبَّروا التخلُّص من يوسف، وتم ما خطَّطوا له بأن ألقَوْهُ في جوف البئر؛ لكنْ حلَّت رحمة الله بيوسف عليه السلام، فآنسَهُ وأنزل السكينة عليه، فأوحى الله إليه أنه سوف ينجو، وسوف يأتي يوْمٌ يذكِّرهم فيه بجريمتهم هذه، وهم لا يُحِسُّونَ بذلك الأمر بحيث يفاجئهم به.

[16] ﴿وَجَآءُوٓ أَبَاهُمۡ عِشَآءٗ يَبۡكُونَ 16﴾:

ثم رجَعَ إخوة يوسف إلى أبيهم بعد العشاء وهم يبكون، ويُظْهرون الحزن والألم.

[17] ﴿قَالُواْ يَٰٓأَبَانَآ إِنَّا ذَهَبۡنَا نَسۡتَبِقُ وَتَرَكۡنَا يُوسُفَ عِندَ مَتَٰعِنَا فَأَكَلَهُ ٱلذِّئۡبُۖ وَمَآ أَنتَ بِمُؤۡمِنٖ لَّنَا وَلَوۡ كُنَّا صَٰدِقِينَ 17﴾:

ثم قالوا معتذرين: يا أبانا، إنا ذهبنا نتسابق بيننا، ولم نأخذ يوسف معنا حتى لا يشُقَّ ذلك عليه، وتركناه عند متاعنا، فلما رجعنا، إذا به قد أكله الذئب، ونحن نعرف أنك لشدَّة حُبِّكَ ليوسف؛ أنك لن تصدِّقنا، حتى ولو كنَّا صادقين.

[18] ﴿وَجَآءُو عَلَىٰ قَمِيصِهِۦ بِدَمٖ كَذِبٖۚ قَالَ بَلۡ سَوَّلَتۡ لَكُمۡ أَنفُسُكُمۡ أَمۡرٗاۖ فَصَبۡرٞ جَمِيلٞۖ وَٱللَّهُ ٱلۡمُسۡتَعَانُ عَلَىٰ مَا تَصِفُونَ 18﴾:

ثم أخبَرَ جل وعلا أن إخوة يوسف لطَّخوا قميصه بدمٍ كذبٍ، ليس دم يوسف؛ ليشهد لهم عند أبيهم أنهم صادقون، ولكنَّ هذا كان دليلًا على كذبهم؛ لأن القميص لم يمزق، قال بعض المفسِّرين: إنهم ذبحوا سَخْلةً ولطَّخوا القميص بدمها ولم يمزِّقوه؛ فقال يعقوب: لم أَرَ في حياتي ذئبًا لطيفًا مثل هذا الذئب، جرَّده من ثيابه، ثم أكله، ثم قال لهم: بل حسَّنت وزيَّنت لكم أنفسكم أمرًا سيئًا، فليس لي إلا أن أصبِرَ صبرًا جميلًا لا شكوى فيه لأحد سوى الله؛ فإنه هو المعين وحده على ما قمتم به من الكذب وفعل السوء. قال بعض المفسِّرين: لقد فعل إخوة يوسف فَعْلتهم قبل أن يصيروا أنبياء، وأكثر المفسِّرين قالوا: لم يكونوا أنبياء، لا قبل هذه الجريمة ولا بعدها؛ لأن المعروف عن الله سبحانه أنه يَحْفَظُ أنبياءه، ولكنَّ قَتْلَ موسى للقِبْطي ينفي هذا القول، ويبيِّن أن الأنبياء عليهم السلام معصومون من الإقرار على الصغائر، وليسوا معصومين من الوقوع فيها؛ فإن منزلتهم بعد التوبة أعلى منها قبل الذنب.

[19] ﴿وَجَآءَتۡ سَيَّارَةٞ فَأَرۡسَلُواْ وَارِدَهُمۡ فَأَدۡلَىٰ دَلۡوَهُۥۖ قَالَ يَٰبُشۡرَىٰ هَٰذَا غُلَٰمٞۚ وَأَسَرُّوهُ بِضَٰعَةٗۚ وَٱللَّهُ عَلِيمُۢ بِمَا يَعۡمَلُونَ 19﴾:

ومن رحمة الله بيوسف عليه السلام: أن أُناسًا مسافرين مرُّوا على البئر التي أُلْقِيَ فيها يوسف، فجلسوا قريبًا من البئر، ثم أرسلوا وارِدَهم ليَجْلِبَ لهم الماء من البئر، فلما أنزل الرجلُ الدَّلْوَ في البئر ليملأه، تعلَّق به يوسف، فلما أخرج الدلو من البئر، وجد يوسف متعلِّقًا به، ففرح وابتهج وصاح قائلًا: يا بُشْرَى، هذا غلام، واعتبروه صيدًا ثمينًا، وأخفَوْا خبر التقاطه من البئر، واعتبروه بضاعةً وأَسَرُّوا بيعه، ثم أخبَرَ سبحانه أنه عليمٌ بما عمله إخوة يوسف بأخيهم، وعليمٌ بالذين باعوه والذين اشتَرَوْه، لا يخفى عليه من ذلك شيء.

[20] ﴿وَشَرَوۡهُ بِثَمَنِۭ بَخۡسٖ دَرَٰهِمَ مَعۡدُودَةٖ وَكَانُواْ فِيهِ مِنَ ٱلزَّٰهِدِينَ 20﴾:

ثم باع أهلُ القافلة يوسف عليه السلام بَيْعةً بَخْسةً بدريهمات معدودة، وكانوا زاهدين فيه؛ لأنهم لم يملكوه بحق، ولم يدفعوا ثمنًا لشرائه.

[21] ﴿وَقَالَ ٱلَّذِي ٱشۡتَرَىٰهُ مِن مِّصۡرَ لِٱمۡرَأَتِهِۦٓ أَكۡرِمِي مَثۡوَىٰهُ عَسَىٰٓ أَن يَنفَعَنَآ أَوۡ نَتَّخِذَهُۥ وَلَدٗاۚ وَكَذَٰلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي ٱلۡأَرۡضِ وَلِنُعَلِّمَهُۥ مِن تَأۡوِيلِ ٱلۡأَحَادِيثِۚ وَٱللَّهُ غَالِبٌ عَلَىٰٓ أَمۡرِهِۦ وَلَٰكِنَّ أَكۡثَرَ ٱلنَّاسِ لَا يَعۡلَمُونَ 21﴾:

ومن رحمة الله بيوسف أيضًا: أن الذي اشتراه هو عَزِيزُ مصر، أي: وزير التموين؛ حيث توسَّم فيه الخير، ووصَّى أهله بالعناية به؛ لعله أن ينفعهما فيَخْدُمهما ويقوم مقام الولد منهما، وكما أنجى الله يوسف عليه السلام وجعل عَزِيزَ مصر يُكْرِمه ويعطف عليه؛ فكذلك مكَّن الله ليوسف في قلوب من يراه؛ مثل عزيز مصر وزوجته وخَدَمه وغيرهم؛ حيث كان له حظْوةٌ وعنايةٌ ليس كالأرقَّاء الممتهنين، وهذا التمكين هو في القلوب ونفوس المحيطين به من سادةٍ وخَدَمٍ بإلقاء محبته في نفوسهم، وهو غيرُ التمكين الذي حصل عليه يوسف عندما عبَّر رؤيا الملك،ثم قابله بعد أن أثبَتَ براءته من: ﴿ٱلنِّسۡوَةِ ٱلَّٰتِي قَطَّعۡنَ أَيۡدِيَهُنَّۚ ﴾، فقال له الملك: ﴿إِنَّكَ ٱلۡيَوۡمَ لَدَيۡنَا مَكِينٌ أَمِينٞ﴾، ثم قال تعالى: ﴿وَكَذَٰلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي ٱلۡأَرۡضِ يَتَبَوَّأُ مِنۡهَا حَيۡثُ يَشَآءُۚ ﴾ [يوسف:56]؛ فهذا الأخيرُ تمكينُ سيادة وسلطة وحرية، يتنقَّل ويسكن حيث يشاء، ثم أخبَرَ سبحانه أنه علَّم يوسف تفسير الأحلام، وأخبَرَ سبحانه أنه غالبٌ على أمره، لا يغلبه غالب، ولكنَّ أكثر الناس لا يعلمون قضاء الله وحكمته، وأن الأمرَ كلَّه بيد الله الواحد الأحد. وقد قيل: إن اسم امرأة عَزِيزِ مصر: راعيل، وقال ابن عبَّاس: لقبها زَلِيخَا، وقيل أيضًا: أفرَسُ الناس عزيزُ مصر، وابنةُ شعيب التي قالت: ﴿يَٰٓأَبَتِ ٱسۡتَـٔۡجِرۡهُۖ إِنَّ خَيۡرَ مَنِ ٱسۡتَـٔۡجَرۡتَ ٱلۡقَوِيُّ ٱلۡأَمِينُ﴾ [القصص:26].

[22] ﴿وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُۥٓ ءَاتَيۡنَٰهُ حُكۡمٗا وَعِلۡمٗاۚ وَكَذَٰلِكَ نَجۡزِي ٱلۡمُحۡسِنِينَ 22﴾:

ولما اكتمَلَ يوسف جسمًا وجمالًا وعقلًا، أعطاه الله الحِكْمة والبصيرة والفهم لتأويل الأحلام، ومثل هذا الجزاء الذي أعطيناه لعبدنا المُحْسِنِ يوسف، كذلك نجزي كل مُحْسِنٍ على إحسانه؛ فإن خزائن الله لا تنفد؛ فهو أكرم الأكرمين، وأرحم الراحمين.

[23] ﴿وَرَٰوَدَتۡهُ ٱلَّتِي هُوَ فِي بَيۡتِهَا عَن نَّفۡسِهِۦ وَغَلَّقَتِ ٱلۡأَبۡوَٰبَ وَقَالَتۡ هَيۡتَ لَكَۚ قَالَ مَعَاذَ ٱللَّهِۖ إِنَّهُۥ رَبِّيٓ أَحۡسَنَ مَثۡوَايَۖ إِنَّهُۥ لَا يُفۡلِحُ ٱلظَّٰلِمُونَ 23﴾:

ثم أخبَرَ جل وعلا أن امرأة العزيز عندما بَهَرَها جمال يوسف، لم تملك أعصابها، وغلَبَتْها الشهوة، فأرادت أن يجامعها، وبذَلَتْ في ذلك كل ما تستطيع من الجهد وتَكْرار الطلب؛ لذلك دعته لنفسها في بيتها، وغلَّقت الأبواب عليها وعلى يوسف، وقالت له: هلُمَّ إليَّ، وفي قراءة: (هِئْتُ لَكَ)، أي: تهيَّأت لك، ولكنْ عصَمَ الله يوسف وهرب، وقال: مَعَاذَ الله؛ إنه -أي: عزيز مصر- ربي، أي: سيدي الذي اشتراني، وأكرم مقامي؛ فهو يذكرها بفضل زوجها عليه، وأنه لا يستحق أن يخونه، وقد قدَّم يوسف خوف الله أولًا، فقال: معاذ الله، أي: إنني أستجيرُ بالله من الذي تدعينني إليه، وأخبَرَها أنه لا يفلح ولا ينجح من ظلَمَ وفعَلَ هذا الفعل.

[24] ﴿وَلَقَدۡ هَمَّتۡ بِهِۦۖ وَهَمَّ بِهَا لَوۡلَآ أَن رَّءَا بُرۡهَٰنَ رَبِّهِۦۚ كَذَٰلِكَ لِنَصۡرِفَ عَنۡهُ ٱلسُّوٓءَ وَٱلۡفَحۡشَآءَۚ إِنَّهُۥ مِنۡ عِبَادِنَا ٱلۡمُخۡلَصِينَ 24﴾:

ثم أخبَرَ سبحانه أن امرأة العزيز مالت نفسُها لفعل الفاحشة مع يوسف عليه السلام، وعزمت عزمًا جازمًا على ذلك، وكذلك حدَّثت يوسفَ نَفْسُهُ حديثَ خطَراتٍ للاستجابة لها، ولولا أنْ رأى آية من آيات ربه تزجُرُهُ عما حدَّثته به نفسه، لكاد أن يقع معها فيما حرَّم الله، وإنما أراه الله ذلك رحمةً منه ليدفع عنه السوء والفاحشة، وقد قال كثير من المفسِّرين منهم ابن عباس ومجاهد وغيرهما: (إن الله أراه صورة أبيه عاضًّا على أصبعِه بفمِه)، ثم بيَّن جل في علاه أن يوسف عليه السلام من عباد الله المطهَّرين الذين اصطفاهم للرسالة، والذين أخلصوا في عبادته وتوحيده وطاعته، وعصَمَهم الله من كل ما يغضبه جل وعلا. قال الشيخ الشِّنْقيطيُّ في تفسير أضواء البيان: لم يهُمَّ يوسف بها أصلًا؛

لأنك لو قلت: (سقط فلان في البئر لولا أحمد) فإنه لم يقع في البئر. وقال الشيخ ابن باز: (إنه هَمَّ بها)، وقال بمثل قوله كثيرٌ من العلماء. قلت: وربما قالوا ذلك تأدُّبًا مع لفظ القرآن الكريم (هَمَّتْ وهَمَّ)، وهم يعلمون أن (لولا) حرف امتناع لوجود.

[25] ﴿وَٱسۡتَبَقَا ٱلۡبَابَ وَقَدَّتۡ قَمِيصَهُۥ مِن دُبُرٖ وَأَلۡفَيَا سَيِّدَهَا لَدَا ٱلۡبَابِۚ قَالَتۡ مَا جَزَآءُ مَنۡ أَرَادَ بِأَهۡلِكَ سُوٓءًا إِلَّآ أَن يُسۡجَنَ أَوۡ عَذَابٌ أَلِيمٞ 25﴾:

ثم بيَّن سبحانه أن يوسف عليه السلام أسرع هربًا منها ومِنْ طلبها، وأسرعت هي لتلحق به، فأدرَكَتْهُ قبل أن يخرج من الباب فأمسَكَتْ بقميصه من الخلف فشَقَّتْه، وعندها وجدا العزيزَ عند الباب، فبادرته امرأته قائلة: ما مصيرُ وعقابُ مَنْ أراد بأهلك فعل الفاحشة؟! إنَّ جزاءه أن يدخُلَ السجن، أو يعذَّب عذابًا شديدًا موجعًا.

[26] ﴿قَالَ هِيَ رَٰوَدَتۡنِي عَن نَّفۡسِيۚ وَشَهِدَ شَاهِدٞ مِّنۡ أَهۡلِهَآ إِن كَانَ قَمِيصُهُۥ قُدَّ مِن قُبُلٖ فَصَدَقَتۡ وَهُوَ مِنَ ٱلۡكَٰذِبِينَ 26﴾:

فقال يوسف مدافعًا عن نفسه: إن سيدتي هي التي طلَبَتْ منِّي ما رمَتْني به، ثم يسَّر الله شاهدًا فحكَمَ وفصَلَ بينهما بقرينةٍ مَنْ يمتلكها يكون هو الصادق، فقال هذا الشاهد: انظروا إلى مكانِ شَقِّ قميص يوسف؛ فإنْ كان الشَّقُّ من الأمام، فهذا دليل على أنه هاجمها، وهي دافعت عن نفسها حتى شقَّت قميصه؛ وحينها تكون صادقةً في ادِّعائها، ويكون هو من الكاذبين.

[27] ﴿وَإِن كَانَ قَمِيصُهُۥ قُدَّ مِن دُبُرٖ فَكَذَبَتۡ وَهُوَ مِنَ ٱلصَّٰدِقِينَ 27﴾:

ثم قال الشاهد: وإن كان العكس بأنْ كان شّقُّ القميص من الخلف، فهذا دليل على هربه منها، وإمساكها به من الخلف؛ وحينها يكون هو صادقًا، وتكون هي من الكاذبين.

[28] ﴿فَلَمَّا رَءَا قَمِيصَهُۥ قُدَّ مِن دُبُرٖ قَالَ إِنَّهُۥ مِن كَيۡدِكُنَّۖ إِنَّ كَيۡدَكُنَّ عَظِيمٞ 28﴾:

فلما رأى عزيز مصر أن القميصَ مشقوقٌ من الخلف، عَلِمَ أنه هو الصادق، فقال لامرأته: إنَّ ما فعَلْتِ إنَّما هو من مكرِكُنَّ أيتها النساء، وإن مكرَكُنَّ عظيم، وحِيَلَكُنَّ كبيرة.

ويستفادُ من هذهِ الآيةِ خطرَ النظرِ للمرأةِ الأجنبيةِ، ولهذا أمَرَ سبحانَهُ بغَضِّ البصر عن المرأة الأجنبية؛ لأنه الوسيلة الأولى للتعلُّق والحب؛ لذا فليحذر المؤمن من النظر للنساء الأجنبيات عنه، ولا يغترَّ بثقته في نفسه؛ فإن النظر هي مقدِّمة الخطيئة، والقلبُ قُلَّبٌ، ورُبَّ نظرة صرَعَتْ صاحبها.

[29] ﴿يُوسُفُ أَعۡرِضۡ عَنۡ هَٰذَاۚ وَٱسۡتَغۡفِرِي لِذَنۢبِكِۖ إِنَّكِ كُنتِ مِنَ ٱلۡخَاطِـِٔينَ 29﴾:

ثم طلب عزيز مصر من يوسف أن يَصْرِفَ النظر عن الموضوع، وألَّا يخبر به أحدًا، وطلَبَ من زَلِيخَا أن تستغفر الله وتتوب من خطئها الذي وقعت به، وقال لها: إنك كنتِ مِنَ الآثمين في طلبك من يوسف فعل الفاحشة معه، ومن الآثمين في افترائك عليه. وقد استغرَبَ بعض المفسِّرين من عدم غَيْرته، وقال بعضهم: إنه عاقب زوجته، وأقسم ألا ينام معها أربعين ليلة، وأنه حَرَمها من رؤية يوسف، وأخذه معه في مَقَرِّ عمله؛ لمساعدته في تصريف أمور الدولة، وقالوا: إنَّ ذلك أَهَّلَ يوسف ليقول للملك عندما فسَّر له الرؤيا، فقال: ﴿إِنَّكَ ٱلۡيَوۡمَ لَدَيۡنَا مَكِينٌ أَمِينٞ﴾، فقال يوسف: ﴿ٱجۡعَلۡنِي عَلَىٰ خَزَآئِنِ ٱلۡأَرۡضِۖ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٞ﴾ [يوسف:٥٥]، أي: خزائنِ الدَّوْلة، وهذا تواضع منه؛ لأن قول الملك له: ﴿إِنَّكَ ٱلۡيَوۡمَ لَدَيۡنَا مَكِينٌ أَمِينٞ﴾، أي: إنك اليوم أصبَحْتَ رئيسًا للوزراء.

[30] ﴿وَقَالَ نِسۡوَةٞ فِي ٱلۡمَدِينَةِ ٱمۡرَأَتُ ٱلۡعَزِيزِ تُرَٰوِدُ فَتَىٰهَا عَن نَّفۡسِهِۦۖ قَدۡ شَغَفَهَا حُبًّاۖ إِنَّا لَنَرَىٰهَا فِي ضَلَٰلٖ مُّبِينٖ 30﴾:

ثم بيَّن سبحانه أن خبر يوسف عليه السلام وامرأة العزيز شاع وانتشر في المدينة، وتكلَّمت بعض النسوة عن ذلك، واستَنْكَرْنَ فعل امرأة العزيز؛ وقُلْنَ في استغراب: امرأةُ عزيز مصر في مكانتها تراود فتاها وخادمها عن نفسه؟! إنَّا لنراها بفعلها هذا في خطأٍ واضح، وضلالٍ جليٍّ بيِّن.

[31] ﴿فَلَمَّا سَمِعَتۡ بِمَكۡرِهِنَّ أَرۡسَلَتۡ إِلَيۡهِنَّ وَأَعۡتَدَتۡ لَهُنَّ مُتَّكَـٔٗا وَءَاتَتۡ كُلَّ وَٰحِدَةٖ مِّنۡهُنَّ سِكِّينٗا وَقَالَتِ ٱخۡرُجۡ عَلَيۡهِنَّۖ فَلَمَّا رَأَيۡنَهُۥٓ أَكۡبَرۡنَهُۥ وَقَطَّعۡنَ أَيۡدِيَهُنَّ وَقُلۡنَ حَٰشَ لِلَّهِ مَا هَٰذَا بَشَرًا إِنۡ هَٰذَآ إِلَّا مَلَكٞ كَرِيمٞ 31﴾:

وصل خبر النسوة وما تكلَّمن فيه إلى امرأة العزيز، فلما عَلِمَتْ بذلك، بعَثَتْ إليهنَّ، وهيَّأت لهنَّ مكانًا يجلسن فيه متَّكِئاتٍ، وقدَّمت لهنَّ فاكهة، وأعطت كلَّ واحدة من النسوة سِكِّينًا يستخدِمْنَها في الأكل وتقطيع الفاكهة، ثم أمرت يوسف عليه السلام أن يخرُجَ عليهنَّ، فخرج فلمَّا رأته النسوة، بُهِرْنَ ودُهِشْنَ لجماله ولحسن طلعته، وذَهِلْنَ عن السكاكين اللاتي بأيديهن، فجرَحْنَ بها أيديهنَّ، ثم قُلْنَ في دهشة واستعظام: معاذَ اللهِ أن يكون هذا الفتى بهذا الجمال من البشر؛ ما هذا إلا مَلَكٌ كريم من الملائكة.

[32] ﴿قَالَتۡ فَذَٰلِكُنَّ ٱلَّذِي لُمۡتُنَّنِي فِيهِۖ وَلَقَدۡ رَٰوَدتُّهُۥ عَن نَّفۡسِهِۦ فَٱسۡتَعۡصَمَۖ وَلَئِن لَّمۡ يَفۡعَلۡ مَآ ءَامُرُهُۥ لَيُسۡجَنَنَّ وَلَيَكُونٗا مِّنَ ٱلصَّٰغِرِينَ 32﴾:

حينها قالت لهنَّ امرأة العزيز: هذا هو الفتى الذي لمتنَّني في مراودته، ولقد راودته عن نفسه، فامتنع، وأخذ بالعِصْمة ولم يستجب، ولئن لم يفعلْ ما طلبته منه مستقبلًا، ليكونَنَّ مصيره السجن، وليكوننَّ من الأذلَّاء الصاغرين.

[33] ﴿قَالَ رَبِّ ٱلسِّجۡنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدۡعُونَنِيٓ إِلَيۡهِۖ وَإِلَّا تَصۡرِفۡ عَنِّي كَيۡدَهُنَّ أَصۡبُ إِلَيۡهِنَّ وَأَكُن مِّنَ ٱلۡجَٰهِلِينَ 33﴾:

حينها التجأ يوسف عليه السلام لربه خاضعًا متذلِّلًا قائلًا: يا ربِّ، إن السجن أهون عليَّ مما يدعونني إليه، يا ربِّ، إنْ لم تُعِنِّي وتلطُفْ بي وتصرف عني كيد هؤلاء النسوة، أخشى أن أضعُفَ فأميل إليهنَّ، وأفعل فعل الجاهلين.

[34] ﴿فَٱسۡتَجَابَ لَهُۥ رَبُّهُۥ فَصَرَفَ عَنۡهُ كَيۡدَهُنَّۚ إِنَّهُۥ هُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلۡعَلِيمُ 34﴾:

فاستجاب الله جل وعلا لعبده يوسف حين دعاه، واعتصم به، فصرَفَ عنه كيد ومكر هؤلاء النسوة؛ إنه سبحانه هو السميعُ الذي يسمع دعوة المضطر، العليمُ الذي يعلم صِدْقَ من يلتجيء إليه في الشدائد فينجِّيه.

[35] ﴿ثُمَّ بَدَا لَهُم مِّنۢ بَعۡدِ مَا رَأَوُاْ ٱلۡأٓيَٰتِ لَيَسۡجُنُنَّهُۥ حَتَّىٰ حِينٖ 35﴾:

ثم ظهَرَ وبدا للعزيز ومن معه -بعدما علموا براءة يوسف- أن يسجنوه إلى أجل غير مسمًّى حتى ينقطع كلام الناس، وتنمحي آثار تلك الفضيحة، وحتى يُوهِموا أن امرأة العزيز بريئة.

ومن رحمة الله بيوسف: أنه بهذا السجن صار داعيةً لتوحيد الله، وعُرِفَ إحسانه وصلاحه، كما قال له زملاؤه في السجن: ﴿إِنَّا نَرَىٰكَ مِنَ ٱلۡمُحۡسِنِينَ﴾ [يوسف:36]، ثم إن ذلك أعطاه فرصة ليؤوِّل رؤيا الملك التي بعدها تولَّى وِزَارةَ حكومة مصر، بعد أن استخلصه الملك لنفسه؛ كما قال: ﴿ٱئۡتُونِي بِهِۦٓ أَسۡتَخۡلِصۡهُ لِنَفۡسِيۖ ﴾ [يوسف:54].

[36] ﴿وَدَخَلَ مَعَهُ ٱلسِّجۡنَ فَتَيَانِۖ قَالَ أَحَدُهُمَآ إِنِّيٓ أَرَىٰنِيٓ أَعۡصِرُ خَمۡرٗاۖ وَقَالَ ٱلۡأٓخَرُ إِنِّيٓ أَرَىٰنِيٓ أَحۡمِلُ فَوۡقَ رَأۡسِي خُبۡزٗا تَأۡكُلُ ٱلطَّيۡرُ مِنۡهُۖ نَبِّئۡنَا بِتَأۡوِيلِهِۦٓۖ إِنَّا نَرَىٰكَ مِنَ ٱلۡمُحۡسِنِينَ 36﴾:

ولما دخَلَ يوسف عليه السلام السجن، دخل معه فتيان، فرأى كلُّ منهما رؤيا منامية، فقصَّاها على يوسف عليه السلام، فقال الأول: إني رأيتُ في منامي أنِّي أَعْصِرُ خمرًا، وقال الآخر: وأنا رأيتُ أنِّي أحمل فوق رأسي خبزًا تأكل الطير منه، فأخبِرْنا -يا يوسف- بتعبير هذه الرؤى؛ فإنا -بمعاملتك إيانا ومعاشرتنا لك- عرفنا أنك من أهل الإحسان والعلم.

[37] ﴿قَالَ لَا يَأۡتِيكُمَا طَعَامٞ تُرۡزَقَانِهِۦٓ إِلَّا نَبَّأۡتُكُمَا بِتَأۡوِيلِهِۦ قَبۡلَ أَن يَأۡتِيَكُمَاۚ ذَٰلِكُمَا مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّيٓۚ إِنِّي تَرَكۡتُ مِلَّةَ قَوۡمٖ لَّا يُؤۡمِنُونَ بِٱللَّهِ وَهُم بِٱلۡأٓخِرَةِ هُمۡ كَٰفِرُونَ 37﴾:

فأجابهما يوسف قائلًا: لا يأتيكما طعام في هذا السجن إلا أخبرتكما بنوعه وماهيته قبل أن يأتيكما، وهذا مع ما سأعبِّره لكما؛ مما علَّمنيه ربي وفتَحَ به عليَّ، ثم استغَلَّ يوسف عليه السلام فرصةَ إصغائهما واستماعهما إليه في دعوتهما إلى التوحيد، فقال لهما: إني ابتعَدتُّ عن دينِ قومٍ لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر، وهم بالبعث والنشور والحساب والجزاء جاحدون.

ثم استمرَّ في دعوتهما إلى التوحيد، فقال: ﴿يَٰصَٰحِبَيِ ٱلسِّجۡنِ ءَأَرۡبَابٞ مُّتَفَرِّقُونَ خَيۡرٌ أَمِ ٱللَّهُ ٱلۡوَٰحِدُ ٱلۡقَهَّارُ﴾ [يوسف:٣٩]؛ كما سيأتي.

[38] ﴿وَٱتَّبَعۡتُ مِلَّةَ ءَابَآءِيٓ إِبۡرَٰهِيمَ وَإِسۡحَٰقَ وَيَعۡقُوبَۚ مَا كَانَ لَنَآ أَن نُّشۡرِكَ بِٱللَّهِ مِن شَيۡءٖۚ ذَٰلِكَ مِن فَضۡلِ ٱللَّهِ عَلَيۡنَا وَعَلَى ٱلنَّاسِ وَلَٰكِنَّ أَكۡثَرَ ٱلنَّاسِ لَا يَشۡكُرُونَ 38﴾:

ثم قال يوسف عليه السلام متكلِّمًا عن نفسه: ولقد استقمتُ على الدين الصحيح الذي سبَقَني إليه آبائي من قبلي: إبراهيمُ، وإسحاقُ، ويعقوب، وهو عبادة الله وحده، وتَرْكُ عبادة ما سواه، وما يليق بنا ولا يَحِقُّ لنا أن نشرك مع الله أحدًا من مخلوقاته، لا مَلَكًا مقرَّبًا، ولا نبيًّا مرسلًا، وهذا التوحيد هو أفضل نعمة -على الإطلاق- مَنَّ الله بها علينا وعلى كلِّ موحِّد، ولكنَّ أكثر الناس لا يشكرون الله حقَّ شكره على هذه النعمة العظيمة.

[39] ﴿يَٰصَٰحِبَيِ ٱلسِّجۡنِ ءَأَرۡبَابٞ مُّتَفَرِّقُونَ خَيۡرٌ أَمِ ٱللَّهُ ٱلۡوَٰحِدُ ٱلۡقَهَّارُ 39﴾:

ثم واصل يوسف عليه السلام دعوتهما إلى التوحيد بلُطْف ولين قائلًا: يا صاحِبَيِ السجن: أعبادةُ آلهة متفرِّقة مختلفة عاجزة مخلوقة خيرٌ، أم عبادة الله الواحد الأحد الفرد الصمد الذي لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كُفُوًا أحد، الذي قهَرَ كل شيء وغلب وعلا وارتفَعَ على كلِّ شيء عزةً وملكًا وقهرًا؟!

[40] ﴿مَا تَعۡبُدُونَ مِن دُونِهِۦٓ إِلَّآ أَسۡمَآءٗ سَمَّيۡتُمُوهَآ أَنتُمۡ وَءَابَآؤُكُم مَّآ أَنزَلَ ٱللَّهُ بِهَا مِن سُلۡطَٰنٍۚ إِنِ ٱلۡحُكۡمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعۡبُدُوٓاْ إِلَّآ إِيَّاهُۚ ذَٰلِكَ ٱلدِّينُ ٱلۡقَيِّمُ وَلَٰكِنَّ أَكۡثَرَ ٱلنَّاسِ لَا يَعۡلَمُونَ 40﴾:

ما تعبدون من دون الله إلا آلهةً باطلة أطلقتم عليها اسم الآلهة، وهي ليست كذلك، هذه مسمَّياتٌ أطلقتموها أنتم وآباؤكم، ليس معكم عليها دليلٌ منزَّلٌ من عند الله؛ بل الدليل على عكس ذلك، واعلموا أن الحكم لله وحده لا شريك له، ولا ربَّ سواه، وهو الذي أمركم بعبادتِهِ وحده، وتَرْكِ عبادة ما سواه، ذلك التوحيدُ، هو الدِّينُ المستقيم الثابت، والمِلَّةُ الصحيحة القويمة، ولكنَّ أكثر الناس لا يعلمون ذلك.

[41] ﴿يَٰصَٰحِبَيِ ٱلسِّجۡنِ أَمَّآ أَحَدُكُمَا فَيَسۡقِي رَبَّهُۥ خَمۡرٗاۖ وَأَمَّا ٱلۡأٓخَرُ فَيُصۡلَبُ فَتَأۡكُلُ ٱلطَّيۡرُ مِن رَّأۡسِهِۦۚ قُضِيَ ٱلۡأَمۡرُ ٱلَّذِي فِيهِ تَسۡتَفۡتِيَانِ 41﴾:

ثم بدأ يوسف عليه السلام بتعبير الرؤى لصاحبيه، فقال لهما: أما الأول الذي رأى أنه يَعْصِرُ الخمر، فإنه سيخرُجُ من السجن، ويكون ساقي الخمر للملك، وأما الآخر الذي رأى أنه يحمل فوق رأسه خبزًا تأكل الطير منه، فإنه سيُقْتَلُ ثم يُصْلَبُ، ثم تأكل الطير من رأسه، ثم قال لهما: هذا جوابُ ما سألتُماني عنه؛ وهذا أمر قد قضاه الله وقدَّره كما شاء.

[42] ﴿وَقَالَ لِلَّذِي ظَنَّ أَنَّهُۥ نَاجٖ مِّنۡهُمَا ٱذۡكُرۡنِي عِندَ رَبِّكَ فَأَنسَىٰهُ ٱلشَّيۡطَٰنُ ذِكۡرَ رَبِّهِۦ فَلَبِثَ فِي ٱلسِّجۡنِ بِضۡعَ سِنِينَ 42﴾:

ثم قال يوسف عليه السلام للذي ظَنَّ أنه سينجو منهما: اذكُرْني عند الملك، وذكِّرْهُ بأني سُجِنْتُ ظلمًا، فنسي الرجل أن يذكِّرَ سيده؛ فمكث يوسف عليه السلام في السجن بضع سنين، والبضعُ من الثلاث إلى التسع؛ وذلك لِحِكَمٍ يعلمها الله؛ منها: أن يموتَ عَزِيزُ مصر، فيحل محلَّه يوسف عليه السلام، ومنها: أن يؤوِّل رؤيا المَلِك. قال بعض المفسِّرين: إن الذي نسي ذكر ربه هو يوسف عليه السلام، قالوا: إن الضمير في قوله: ﴿فَأَنسَىٰهُ ٱلشَّيۡطَٰنُ ذِكۡرَ رَبِّهِۦ﴾ عائدٌ على يوسف عليه السلام؛ وهذا القول ضعيف، والصواب: أن الذي أنساه الشيطان ذِكْرَ ربِّه في الآية، هو الرجل الذي طلب منه يوسف عليه السلام أن يذكُرَهُ عند الملك، وليس هو يوسف عليه السلام؛ لأن يوسف عليه السلام لم يَنْسَ ذكر ربِّه، وليس في قول يوسف عليه السلام له: ﴿ٱذۡكُرۡنِي عِندَ رَبِّكَ﴾ شيء مما يُخِلُّ بمنصب الرسالة، أو التوكُّل على الله وإنزال الحوائج به، وقد رجَّح ذلك الشيخ تقي الدين ابن تيمية رحمه الله في مجموع الفتاوى (15/ 112-114).

[43] ﴿وَقَالَ ٱلۡمَلِكُ إِنِّيٓ أَرَىٰ سَبۡعَ بَقَرَٰتٖ سِمَانٖ يَأۡكُلُهُنَّ سَبۡعٌ عِجَافٞ وَسَبۡعَ سُنۢبُلَٰتٍ خُضۡرٖ وَأُخَرَ يَابِسَٰتٖۖ يَٰٓأَيُّهَا ٱلۡمَلَأُ أَفۡتُونِي فِي رُءۡيَٰيَ إِن كُنتُمۡ لِلرُّءۡيَا تَعۡبُرُونَ 43﴾:

ثم رأى الملك في منامه رؤيا كانت بدايةَ الفرج ليوسف عليه السلام، فقال: إنِّي رأيت في منامي سبع بَقَراتٍ سمانٍ يأكُلُهُنَّ سبع بقرات هزيلات، قد سقطت قوتهنَّ، ورأيت سبع سنبلات خضر، وسبعًا أيضًا يابسات، ثم وجَّه نداءً للوجهاء والأشراف في قومه قائلًا: عبِّروا لي هذه الرؤيا؛ إن كنتم تستطيعون ذلك.

[44] ﴿قَالُوٓاْ أَضۡغَٰثُ أَحۡلَٰمٖۖ وَمَا نَحۡنُ بِتَأۡوِيلِ ٱلۡأَحۡلَٰمِ بِعَٰلِمِينَ 44﴾:

فأجابوه قائلين: هذه ليست رؤيا، هذه أخلاطُ أحلام، ثم تراجعوا واعترفوا بعجزهم، وقالوا: لا عِلْمَ لنا بتعبير الرؤى.

[45] ﴿وَقَالَ ٱلَّذِي نَجَا مِنۡهُمَا وَٱدَّكَرَ بَعۡدَ أُمَّةٍ أَنَا۠ أُنَبِّئُكُم بِتَأۡوِيلِهِۦ فَأَرۡسِلُونِ 45﴾:

وقال أحد الرجلين اللذَيْنِ كانا مع يوسف في السجن، ثم نجا من القتل وصار ساقيًا للملك؛ حيث تذكَّر بعد فترة طويلة ما طلبه منه يوسف، وتذكَّر كيف كان يوسف يفسِّر الأحلام تفسيرًا صادقًا، فقال الساقي: أنا أستطيعُ أن آتيكم بتفسير هذه الرؤيا التي خَفِيَ تفسيرها على الملك؛ فأْمُرْني أن أذهب إلى من يفسِّرها لي تفسيرًا واضحًا بيِّنًا.

[46] ﴿يُوسُفُ أَيُّهَا ٱلصِّدِّيقُ أَفۡتِنَا فِي سَبۡعِ بَقَرَٰتٖ سِمَانٖ يَأۡكُلُهُنَّ سَبۡعٌ عِجَافٞ وَسَبۡعِ سُنۢبُلَٰتٍ خُضۡرٖ وَأُخَرَ يَابِسَٰتٖ لَّعَلِّيٓ أَرۡجِعُ إِلَى ٱلنَّاسِ لَعَلَّهُمۡ يَعۡلَمُونَ 46﴾:

فجاء الذي نجا إلى يوسف عليه السلام واصفًا إياه بالصدق قائلًا: أخبِرْنا -يا يوسف - بتعبير هذه الرؤيا: سَبْعُ بقراتٍ سمان يأكلهُنَّ سبعٌ عجاف، وسبعُ سنبلاتٍ خضر وأُخَرُ يابسات، فَسِّرْ لي هذه الرؤيا حتى أرجع إلى الملك وإلى الناس بتفسيرك؛ فيعرفون تأويل الرؤيا، ويعرفون فضلك وعلمك ومكانتك؛ حيث إن الجميع قد عجَزَ عن تفسيرها.

[47] ﴿قَالَ تَزۡرَعُونَ سَبۡعَ سِنِينَ دَأَبٗا فَمَا حَصَدتُّمۡ فَذَرُوهُ فِي سُنۢبُلِهِۦٓ إِلَّا قَلِيلٗا مِّمَّا تَأۡكُلُونَ 47﴾:

فأجابه يوسف عليه السلام معبِّرًا للرؤيا: إنكم تزرعون سبع سنين متتالية متتابعة، وإذا حصَدُّتم زرعكم، فاتركوه مدَّخرين له في سنابله، إلا القليل الذي تأكلون منه.

[48] ﴿ثُمَّ يَأۡتِي مِنۢ بَعۡدِ ذَٰلِكَ سَبۡعٞ شِدَادٞ يَأۡكُلۡنَ مَا قَدَّمۡتُمۡ لَهُنَّ إِلَّا قَلِيلٗا مِّمَّا تُحۡصِنُونَ 48﴾:

ثم أكمَلَ يوسف عليه السلام تفسير الرؤيا، فقال: ثم يأتي بعد ذلك سبع سنين جداب شداد لا خِصْبَ فيهنَّ ولا زراعة؛ فيأكل الناس ما ادَّخرتم من قبلُ، ولا يبقى إلا شيءٌ قليلٌ مما حبستموه من الحَبِّ ولم تقدِّموه للناس.

[49] ﴿ثُمَّ يَأۡتِي مِنۢ بَعۡدِ ذَٰلِكَ عَامٞ فِيهِ يُغَاثُ ٱلنَّاسُ وَفِيهِ يَعۡصِرُونَ 49﴾:

واستمر يوسف عليه السلام في تفسير الرؤيا، فقال: ثم يأتي بعد ذلك عامٌ خصبٌ كثيرُ الأمطار والسيول، فيحُلُّ الفرج والسعة على الناس، حتى إنهم ليعصرون الثمار مِنْ كثرتها وزيادتها.

[50] ﴿وَقَالَ ٱلۡمَلِكُ ٱئۡتُونِي بِهِۦۖ فَلَمَّا جَآءَهُ ٱلرَّسُولُ قَالَ ٱرۡجِعۡ إِلَىٰ رَبِّكَ فَسۡـَٔلۡهُ مَا بَالُ ٱلنِّسۡوَةِ ٱلَّٰتِي قَطَّعۡنَ أَيۡدِيَهُنَّۚ إِنَّ رَبِّي بِكَيۡدِهِنَّ عَلِيمٞ 50﴾:

وبعد أن سَمِعَ الملك تفسير الرؤيا، طلب من حاشيته أن يأتوا بالرجل الذي فسَّر الرؤيا؛ فلما جاؤوا إلى يوسف في السجن، وطلبوا منه الحضور للمَلِك، قال لهم يوسف: ارجعوا إلى سيِّدكم الملك، واسألوه قبل خروجي من السجن: لماذا سُجِنْتُ؟ وما حقيقة التهمة؟ أي: أنه طلب إعادة التحقيق، وأراد يوسف بذلك إظهار براءته، وكشف الحقيقة للناس، وأراد أيضًا أن يُثْبِتَ للملك براءته مما رمته به امرأة العزيز؛ ثمَّ بيَّن يوسف عليه السلام أنَّ الله جل وعلا وحده العليمُ بمكرِهِنَّ وأفعالِهِنَّ لا يخفى عليه شيء من ذلك، وهو الذي سوف يتولَّى حسابَهُنَّ.

[51] ﴿قَالَ مَا خَطۡبُكُنَّ إِذۡ رَٰوَدتُّنَّ يُوسُفَ عَن نَّفۡسِهِۦۚ قُلۡنَ حَٰشَ لِلَّهِ مَا عَلِمۡنَا عَلَيۡهِ مِن سُوٓءٖۚ قَالَتِ ٱمۡرَأَتُ ٱلۡعَزِيزِ ٱلۡـَٰٔنَ حَصۡحَصَ ٱلۡحَقُّ أَنَا۠ رَٰوَدتُّهُۥ عَن نَّفۡسِهِۦ وَإِنَّهُۥ لَمِنَ ٱلصَّٰدِقِينَ 51﴾:

ثم جمع الملك النِّسْوةَ، وقال لهنَّ: ما شأنُكُنَّ لما راوَدتُّنَّ يوسف عن نفسه؟ قلن: معاذ الله، ما عَرَفْنا عنه إلا الطهر والعفاف، ومعاذ الله أن يكون قد استجاب أو ظهَرَ منه ما يدل على ذلك، ثم نطَقَتِ امرأة العزيز بعد أن هدأ غليان الشهوة عندها، قائلةً: الآنَ تمحَّص الحقّ وظهر وبان بلا دخَنٍ ولا خفاءٍ ولا تلبيس، أنا التي راوَدتُّهُ عن نفسه، وطلبت منه ذلك، وقد امتنع وأبى، وإنه في تبرئته لنفسه لمن الصادقين، وربما كلامها موجَّهٌ ليوسف؛ اعتذارًا عن التهمة السابقة، وأنها لم تستمر عليها في غَيْبته.

[52] ﴿ذَٰلِكَ لِيَعۡلَمَ أَنِّي لَمۡ أَخُنۡهُ بِٱلۡغَيۡبِ وَأَنَّ ٱللَّهَ لَا يَهۡدِي كَيۡدَ ٱلۡخَآئِنِينَ 52﴾:

ثم قالت امرأة العزيز: وهذا الاعترافُ والإقرار مني بذلك؛ ليعلم يوسف أني لم أَخُنْهُ وهو غائب عني، أي: لم أستمرَّ على اتهامه حال غيبته، وغايةُ ما حصل مني: هي المراودة، فتبيَّن من هذا: أنها هي المتحدِّثة، وهي المبرِّئةُ ليوسف عليه السلام، ولم تتحدَّث عن زوجها ولا هو تحدَّث عنه، واعلموا -أيها الناس- أن الله لا يهدي ولا يسدِّد كيد الخائنين؛ بل إن كيدهم في خسارة وبَوَار وضلال.

[53] ﴿وَمَآ أُبَرِّئُ نَفۡسِيٓۚ إِنَّ ٱلنَّفۡسَ لَأَمَّارَةُۢ بِٱلسُّوٓءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّيٓۚ إِنَّ رَبِّي غَفُورٞ رَّحِيمٞ 53﴾:

ثم قالت امرأة العزيز: ومع أني لا أزكِّي نفسي، ولا أبرِّئها من حصول المراودة، والهم، والسعي في ذلك؛ فإنَّ النفس كثيرة الأمر لصاحبها بالسوء إلا من يرحمه الله فينجِّيه بتوفيقه من نفسه الأمَّارة بالسوء؛ إن الله غفورٌ يغفر لمن استغفره وتاب إليه، رحيمٌ يرحم من رجع وأناب إليه.

[54] ﴿وَقَالَ ٱلۡمَلِكُ ٱئۡتُونِي بِهِۦٓ أَسۡتَخۡلِصۡهُ لِنَفۡسِيۖ فَلَمَّا كَلَّمَهُۥ قَالَ إِنَّكَ ٱلۡيَوۡمَ لَدَيۡنَا مَكِينٌ أَمِينٞ 54﴾:

ولما تيقَّن الملك من براءة يوسف، وظهر له علمه ورجاحة عقله، أرسل في طلبه، وعزَمَ أن يجعله في الوظيفة اللائقة بعلمه وقدرته، وأن يستعين به على تدبير أمور مملكته، فجاء يوسف عليه السلام معزَّزًا مكرَّمًا، فلما كلَّمه الملك، أُعجِبَ به أيَّما إعجاب، فقال له: يا يوسف إنك اليوم عندنا متمكِّنٌ في مملكتنا، وأمينٌ نأتمنك على أسرارها، أي: جعله رئيس الحكومة.

[55] ﴿قَالَ ٱجۡعَلۡنِي عَلَىٰ خَزَآئِنِ ٱلۡأَرۡضِۖ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٞ 55﴾:

ولكنَّ يوسف عليه السلام تواضع، وقال للملك: اجعلني -أيها الملك- مسؤولًا على خزائن مصر، أي: وزيرًا للتموين؛ فإني حفيظ أمين لها. ولا شك أن قوله: ﴿إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٞ﴾: هما أهم الشروط المطلوبة لوزير التموين.

وللمفسِّرين في طلب يوسف للعمل أقوال؛ منها: أنه يجوز طلَبُ العمل إذا كان الشخص يريد أن يخدُمَ الأمَّة ويُنْقِذها من مجاعة، كما فعل يوسف، أو يُجِيدُ عملًا ويريد أن ينفع أمته.

وقد قيل: إن المَلِكَ جعله رئيسًا للحكومة؛ لأن الله قال عن جبريل: مكينٌ أمينٌ، فهو أعلى الملائكة، وهو الأمين على حمل رسالاته. لكنَّ يوسف تواضُعًا منه طلَبَ فقطْ وِزارة التموين؛ لعلمه وخبرته التي استفادها لما كان عند عزيزِ مصر.

[56] ﴿وَكَذَٰلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي ٱلۡأَرۡضِ يَتَبَوَّأُ مِنۡهَا حَيۡثُ يَشَآءُۚ نُصِيبُ بِرَحۡمَتِنَا مَن نَّشَآءُۖ وَلَا نُضِيعُ أَجۡرَ ٱلۡمُحۡسِنِينَ 56﴾:

وهكذا مكَّن الله جل وعلا ليوسف في الأرض يتنقَّل فيها حيث شاء، ويَنْزِلُ منها حيث أراد -بعد أن كان في رِقٍّ وضِيقٍ وسجن وشدَّة- وهذا من رحمة الله به في الدنيا، مع ما ينتظره في الآخرة من مجازاته بأحسن ما كان يعمل؛ فإن الله لا يضيع أجر من أحسن عملًا.

[57] ﴿وَلَأَجۡرُ ٱلۡأٓخِرَةِ خَيۡرٞ لِّلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَكَانُواْ يَتَّقُونَ 57﴾:

ثم أخبَرَ سبحانه وتعالى أن أجر وثواب الآخرة خيرٌ وأعظمُ من أجر الدنيا؛ وهذا يناله الذين آمنوا بالله، وصدَّقوا برسالاته، واتَّبعوا أنبياءه، وكانوا يتَّقون الله، فيجعلون بينهم وبين عذابه وقايةً وحاجزًا؛ بفعل أوامره، واجتناب نواهيه.

[58] ﴿وَجَآءَ إِخۡوَةُ يُوسُفَ فَدَخَلُواْ عَلَيۡهِ فَعَرَفَهُمۡ وَهُمۡ لَهُۥ مُنكِرُونَ 58﴾:

وبعد أن تولَّى يوسف عليه السلام هذه المكانة؛ جاء إخوته يطلُبُونَ شراء الغذاء من مصر، أي: التزوُّدَ من الأطعمة لأهلهم؛ كغيرهم من الناس الذين يأتون مصر للتزود من الأطعمة لأسرهم؛ حيث حلَّ الجَدْبُ والقَحْطُ بأرض الشام وسَيْناء ومصر، وأكثر البلاد؛ فدخلوا عليه، فعَرَفهم مباشرة، وهم لم يعرفوه، ولم يخطُرْ ببالهم أنه يوسف؛ لطول الفراق، وتغيُّر الهيئة والحال، ولأنه فارقهم وهم رجال وهو كان صغيرًا.

[59] ﴿وَلَمَّا جَهَّزَهُم بِجَهَازِهِمۡ قَالَ ٱئۡتُونِي بِأَخٖ لَّكُم مِّنۡ أَبِيكُمۡۚ أَلَا تَرَوۡنَ أَنِّيٓ أُوفِي ٱلۡكَيۡلَ وَأَنَا۠ خَيۡرُ ٱلۡمُنزِلِينَ 59﴾:

فلما كَالَ لهم يوسف عليه السلام، وأعطاهم ما طلبوا من المِيرَة، وزوَّدهم بما يحتاجه المسافر -وكان قد سألهم عن حالهم فأخبروه، وذكروا له أن لهم أخًا عند أبيهم، وهو شقيقه- قال لهم: في المرَّة القادمة لا بُدَّ أن تأتوني بهذا الأخ؛ أَلَا ترون إحساني لكم وتَوْفِيتي لكَيْلِكم؟! أَلَا ترون إكرامي لكم، وحُسْن ضيافتي إياكم؟!

[60] ﴿فَإِن لَّمۡ تَأۡتُونِي بِهِۦ فَلَا كَيۡلَ لَكُمۡ عِندِي وَلَا تَقۡرَبُونِ 60﴾:

واعلموا أنكم -في المرة القادمة- إن لم تأتوا معكم بأخيكم هذا، فلن أَكِيلَ لكم، ولن أعطيكم المِيرَةَ، بل لا تُقْبِلوا عليَّ أصلًا.

[61] ﴿قَالُواْ سَنُرَٰوِدُ عَنۡهُ أَبَاهُ وَإِنَّا لَفَٰعِلُونَ 61﴾:

فأجابوه قائلين: سنحاول مع أبيه أن يسمح لنا بالإتيان به معنا في المرة القادمة، وسنبذُلُ جهدنا في ذلك.

[62] ﴿وَقَالَ لِفِتۡيَٰنِهِ ٱجۡعَلُواْ بِضَٰعَتَهُمۡ فِي رِحَالِهِمۡ لَعَلَّهُمۡ يَعۡرِفُونَهَآ إِذَا ٱنقَلَبُوٓاْ إِلَىٰٓ أَهۡلِهِمۡ لَعَلَّهُمۡ يَرۡجِعُونَ 62﴾:

قال يوسف لخَدَمه وغِلْمانه: اجعلوا بضاعتهم التي دفَعُوها لشراء المِيرَةِ في داخل رحالهم، وأخفُوها فيها، -إحسانًا إليهم- ولعلَّهم إذا رجعوا إلى أهليهم، وفتحوا متاعهم، يجدون ذلك، فيحثُّهم على العودة مرة أخرى، ومعهم الأخ الشقيق.

[63] ﴿فَلَمَّا رَجَعُوٓاْ إِلَىٰٓ أَبِيهِمۡ قَالُواْ يَٰٓأَبَانَا مُنِعَ مِنَّا ٱلۡكَيۡلُ فَأَرۡسِلۡ مَعَنَآ أَخَانَا نَكۡتَلۡ وَإِنَّا لَهُۥ لَحَٰفِظُونَ 63﴾:

ثم رجَعَ إخوة يوسف إلى أبيهم، وأخبروه برِحْلتهم، وإكرام العزيز إيَّاهم، وأخبروه أنهم ممنوعون من أخذ الكيلِ والمِيرَةِ مستقبلًا إلا أن يصحبهم أخوهم -الذي أخبروا به يوسف- فلا بُدَّ أن يصحبنا في الرحلة القادمة، ثم قالوا له: نحن سنتعهَّد بحفظِهِ والمحافظةِ عليه، وردِّه لك سالمًا.

[64] ﴿قَالَ هَلۡ ءَامَنُكُمۡ عَلَيۡهِ إِلَّا كَمَآ أَمِنتُكُمۡ عَلَىٰٓ أَخِيهِ مِن قَبۡلُ فَٱللَّهُ خَيۡرٌ حَٰفِظٗاۖ وَهُوَ أَرۡحَمُ ٱلرَّٰحِمِينَ 64﴾:

هنا تذكَّر يعقوب عليه السلام ما حصل منهم مع يوسف، فقال لهم: لقد التزمتم من قبلُ أن تحفظوا يوسف، وتعهَّدتُّمْ بذلك، ولم تُوفُوا، فلم أَعُدْ أثق في تعهداتكم، وإني ملتجئٌ إلى الله في حفظ ما أريد حفظه؛ فهو خيرٌ حافظًا، وهو سبحانه وتعالى عليمٌ بحالي وما أصابني من الكرب لِفِقْدان يوسف، وهو أرحمُ الراحمين، وأنا أدعوه أن يرحم حالي؛ فيحفَظَ لي ولدي هذا، ويرُدَّ علي يوسف.

[65] ﴿وَلَمَّا فَتَحُواْ مَتَٰعَهُمۡ وَجَدُواْ بِضَٰعَتَهُمۡ رُدَّتۡ إِلَيۡهِمۡۖ قَالُواْ يَٰٓأَبَانَا مَا نَبۡغِيۖ هَٰذِهِۦ بِضَٰعَتُنَا رُدَّتۡ إِلَيۡنَاۖ وَنَمِيرُ أَهۡلَنَا وَنَحۡفَظُ أَخَانَا وَنَزۡدَادُ كَيۡلَ بَعِيرٖۖ ذَٰلِكَ كَيۡلٞ يَسِيرٞ 65﴾:

ولما فتح إخوة يوسف متاعهم، بعد أن وضعوا رحالهم فوجئوا أن الملك قد رَدَّ لهم الثمن الذي دفعوه مقابل الكَيلِ والمِيرة، فكان دافعًا لهم في ترغيب أبيهم أن يُرْسِلَ معهم أخاهم، فقالوا: يا أبانا ما نريد أذًى لأخينا، ولا نريد أكثر من ذلك إحسانًا لنا؛ فقد رَدَّ الملك لنا ثمنَ كَيْلِنا ومِيرتنا، فما أيسر أن تُرْسِلَ معنا أخانا نأتي بالطعام والمِيرة التي نحتاجها، ونتعهَّد بحفظ أخينا وردِّه سالمًا، وأيضًا نزداد كيلَ بَعِير، وقد كان الملك لا يعطي الرجل أكثر من كيل بعير؛ لشدَّة تلك السنوات والجدب فيها؛ فهذا أمر سهل، ومصلحة ميسورة، لا ينبغي أن نفوِّتها.

[66] ﴿قَالَ لَنۡ أُرۡسِلَهُۥ مَعَكُمۡ حَتَّىٰ تُؤۡتُونِ مَوۡثِقٗا مِّنَ ٱللَّهِ لَتَأۡتُنَّنِي بِهِۦٓ إِلَّآ أَن يُحَاطَ بِكُمۡۖ فَلَمَّآ ءَاتَوۡهُ مَوۡثِقَهُمۡ قَالَ ٱللَّهُ عَلَىٰ مَا نَقُولُ وَكِيلٞ 66﴾:

فأجابهم يعقوب عليه السلام قائلًا: لن أرسله معكم حتى تعطوني ما أَثِقُ به وأركن إليه؛ من الحَلِفِ بالله أيمانًا مغلَّظةً أن تتعهَّدوا بحفظه، وتَرجِعوهُ إليَّ، وتبذلوا في ذلك كل ما تستطيعون، إلا أن يحصُلَ شيء خارج عن إرادتكم، وفوق استطاعتكم يستولي عليكم جميعًا؛ ففعلوا ذلك، وأعطوه العهود المغلَّظة عليه، فقال يعقوب عليه السلام بعد ذلك: اعلموا -يا أبنائي - أن الله على ما نقول وكيلٌ، وشهيدٌ ومطَّلعٌ، قد ارتضينا واكتفينا به؛ فهو حسبنا، ونعم الوكيل.

[67] ﴿وَقَالَ يَٰبَنِيَّ لَا تَدۡخُلُواْ مِنۢ بَابٖ وَٰحِدٖ وَٱدۡخُلُواْ مِنۡ أَبۡوَٰبٖ مُّتَفَرِّقَةٖۖ وَمَآ أُغۡنِي عَنكُم مِّنَ ٱللَّهِ مِن شَيۡءٍۖ إِنِ ٱلۡحُكۡمُ إِلَّا لِلَّهِۖ عَلَيۡهِ تَوَكَّلۡتُۖ وَعَلَيۡهِ فَلۡيَتَوَكَّلِ ٱلۡمُتَوَكِّلُونَ 67﴾:

ثم قال لهم بعد ذلك ناصحًا ومشفقًا: يا أبنائي، إذا وصلتم إلى مصر، فخذوا بالأسباب ولا تدخُلُوا مجتمعين من مدخل واحد؛ فإن عددكم كبير، ومنظركم جميل، فأخشى عليكم العَيْن، وهذا إنما هو مجرَّد سبب، وإلا فأنا لا أغني ولا أدفع عنكم من قضاء الله وقدره شيئًا؛ فالحكم والقضاء والقدر لله وحده لا شريك له في ذلك، فما قضاه وقدَّره لا بد أن يقع، وإني توكَّلت واعتمدتُّ ووثقتُ وفوَّضتُ أمري لله؛ عليه وحده يعتمد ويتوكَّل المؤمنون الصادقون.

[68] ﴿وَلَمَّا دَخَلُواْ مِنۡ حَيۡثُ أَمَرَهُمۡ أَبُوهُم مَّا كَانَ يُغۡنِي عَنۡهُم مِّنَ ٱللَّهِ مِن شَيۡءٍ إِلَّا حَاجَةٗ فِي نَفۡسِ يَعۡقُوبَ قَضَىٰهَاۚ وَإِنَّهُۥ لَذُو عِلۡمٖ لِّمَا عَلَّمۡنَٰهُ وَلَٰكِنَّ أَكۡثَرَ ٱلنَّاسِ لَا يَعۡلَمُونَ 68﴾:

ولما دخل أبناء يعقوب عليه السلام مصر، دخلوا متفرِّقين حسَبَ نصيحة والدهم الذي خاف عليهم العَيْنَ بسبب كثرتهم، ومع أن العين حَقٌّ، فهي من قَدَرِ الله، ومع أن الأسباب وأخذ الحِيطَةِ مِن قدر الله، فأمر الله نافذ، ولكنْ كانت هذه النصيحة شفقةً منه على أبنائه أن تصيبهم العَيْن، واعلموا أن يعقوب على علمٍ واسعٍ جليلٍ لما علَّمناه عن طريق الوحي، وهذا ثناءٌ من الله تعالى على يعقوب عليه السلام؛ لمعرفته أن العين حق، وأن الحِيطَةَ حسنة، ولكنَّ أكثر الناس لا يعلمون عواقب الأمور، وإنما يعلمها يعقوب وأمثاله ممن أعطاهم الله البصر والبصيرة.

[69] ﴿وَلَمَّا دَخَلُواْ عَلَىٰ يُوسُفَ ءَاوَىٰٓ إِلَيۡهِ أَخَاهُۖ قَالَ إِنِّيٓ أَنَا۠ أَخُوكَ فَلَا تَبۡتَئِسۡ بِمَا كَانُواْ يَعۡمَلُونَ 69﴾:

ولما دخل إخوة يوسف عليه، قام إلى شقيقه واعتنقه وضمَّه بعد أن استفرَدَ به، بحيث لم يَرَهُ أحدٌ من إخوته، وقال له سرًّا: أنا أخوك يوسف؛ فلا تَحْزَنْ لما ترى من الخُطَّةِ التي سوف أدبِّرها لاستبقائك عندي.

[70] ﴿فَلَمَّا جَهَّزَهُم بِجَهَازِهِمۡ جَعَلَ ٱلسِّقَايَةَ فِي رَحۡلِ أَخِيهِ ثُمَّ أَذَّنَ مُؤَذِّنٌ أَيَّتُهَا ٱلۡعِيرُ إِنَّكُمۡ لَسَٰرِقُونَ 70﴾:

فلما كَالَ يوسف عليه السلام لكل واحد منهم مِكْياله، وأعطاه مِيرته، ووضعه على بَعِيره، أمر مساعِدِيهِ بِدَسِّ الصُّوَاعِ الذي يُكالُ به في رَحْلِ شقيقه، وهم لا يشعرون، فلما انطلقوا ذاهبين، نادى منادٍ: يا أهل هذه القافلة: إنكم لسارقون.

[71] ﴿قَالُواْ وَأَقۡبَلُواْ عَلَيۡهِم مَّاذَا تَفۡقِدُونَ 71﴾:

ففَزِعَ إخوة يوسف، وجاؤوا مقبِلين على هذا المنادي قائلين: ماذا تفتقدون؟! ما الذي ضاع منكم؟!

[72] ﴿قَالُواْ نَفۡقِدُ صُوَاعَ ٱلۡمَلِكِ وَلِمَن جَآءَ بِهِۦ حِمۡلُ بَعِيرٖ وَأَنَا۠ بِهِۦ زَعِيمٞ 72﴾:

قال المنادي ومن معه: يا أصحاب العير المحمَّلة، إننا نَفْقِدُ صُوَاعَ المَلِكِ الذي يُكال به، والذي سيأتي به سنكافئه بحمل بعير من الطعام، وأنا أَضْمَنُ وأتكفَّل بهذه المكافئة.

[73] ﴿قَالُواْ تَٱللَّهِ لَقَدۡ عَلِمۡتُم مَّا جِئۡنَا لِنُفۡسِدَ فِي ٱلۡأَرۡضِ وَمَا كُنَّا سَٰرِقِينَ 73﴾:

فقال إخوة يوسف حالفين بالله: لقد علمتم ما قَدِمْنا للسعي في الأرض بالفساد، وما كنا سارقين؛ فهذه فَعْلةٌ قبيحةٌ نحن نترفَّع عنها.

[74] ﴿قَالُواْ فَمَا جَزَٰٓؤُهُۥٓ إِن كُنتُمۡ كَٰذِبِينَ 74﴾:

فقال المنادي ومَنْ معه من الباحثين عن المفقود: ما جزاؤكم إنْ كنتم كاذبين فيما تدَّعونه من البراءة من السرقة؟! وما جزاء وعقوبة من فعل ذلك منكم؟! وبماذا تحكمون على من يُسْتَخرَجُ الصُّوَاع من رحله؟!

[75] ﴿قَالُواْ جَزَٰٓؤُهُۥ مَن وُجِدَ فِي رَحۡلِهِۦ فَهُوَ جَزَٰٓؤُهُۥۚ كَذَٰلِكَ نَجۡزِي ٱلظَّٰلِمِينَ 75﴾:

فأجابوا قائلين: من وَجَدتُّموه في رحله فله الجزاء المعروف -وقد كان في دينهم أن من سرق وثبَتَتْ عليه التهمة يكون عبدًا لمن سرقه لمدة عام- وقالوا: وهذا جزاءُ كل ظالم يعتدي على مال غيره.

[76] ﴿فَبَدَأَ بِأَوۡعِيَتِهِمۡ قَبۡلَ وِعَآءِ أَخِيهِ ثُمَّ ٱسۡتَخۡرَجَهَا مِن وِعَآءِ أَخِيهِۚ كَذَٰلِكَ كِدۡنَا لِيُوسُفَۖ مَا كَانَ لِيَأۡخُذَ أَخَاهُ فِي دِينِ ٱلۡمَلِكِ إِلَّآ أَن يَشَآءَ ٱللَّهُۚ نَرۡفَعُ دَرَجَٰتٖ مَّن نَّشَآءُۗ وَفَوۡقَ كُلِّ ذِي عِلۡمٍ عَلِيمٞ 76﴾:

فبدأ المفتِّش بتفتيش أوعيتهم قبل وعاء أخيه دفعًا للتهمة، ثم استخرَجَ الصواع من وعاء أخيه، ثم أخبَرَ سبحانه أنه يسَّر ليوسف عليه السلام هذه المكيدة بهذه الطريقة، وعلَّمه إياها؛ ليستطيع أن يأخذ أخاه عنده؛ لأنه لم يكن هذا هو حكم السارق في شريعةِ مَلِكِ مصر، واعلموا -أيها الناس- أن الله جل في علاه يرفع من يشاء دَرَجاتٍ عالياتٍ بالعلم -كما رفع يوسف عليه السلام- واعلموا أيضًا أن فوق كل صاحبِ عِلْمٍ من الناس مَنْ هو أعلم منه؛ حتى ينتهي العلم إلى عالم الغيب والشهادة جلَّ في عُلاه.

[77] ﴿قَالُوٓاْ إِن يَسۡرِقۡ فَقَدۡ سَرَقَ أَخٞ لَّهُۥ مِن قَبۡلُۚ فَأَسَرَّهَا يُوسُفُ فِي نَفۡسِهِۦ وَلَمۡ يُبۡدِهَا لَهُمۡۚ قَالَ أَنتُمۡ شَرّٞ مَّكَانٗاۖ وَٱللَّهُ أَعۡلَمُ بِمَا تَصِفُونَ 77﴾:

وهنا أُسقِطَ في أيدي إخوة يوسف، فقالوا محاولين تبرئة أنفسهم: إن يَسْرِقْ هذا الأخ، فقد سبقه إلى ذلك أخٌ شقيق له -يقصدون يوسف عليه السلام- فهو الآنَ فعَلَ مثل فَعْلته، فكتم يوسف عليه السلام هذا الافتراء والبهتان في نفسه، ولم يُظهِرْ لهم ذلك، ثم قال في نفسه: أنتم -بفَعْلتكم التي فعلتم- شرٌّ ممن تتَّهمونه كذبًا وزورًا، واللهُ أعلم بكم وببهتانكم وافترائكم.

[78] ﴿قَالُواْ يَٰٓأَيُّهَا ٱلۡعَزِيزُ إِنَّ لَهُۥٓ أَبٗا شَيۡخٗا كَبِيرٗا فَخُذۡ أَحَدَنَا مَكَانَهُۥٓۖ إِنَّا نَرَىٰكَ مِنَ ٱلۡمُحۡسِنِينَ 78﴾:

فقالوا له على وجه الاسترحام والاستعطاف: يا أيها الملك، إن والد هذا الأخ شيخٌ كبيرٌ طاعنٌ في السن يحبُّه حبًّا شديدًا، ولا يطيق فراقه، ولا يصبر عليه؛ فخذ أحدنا بدلًا منه، وقد أحسَنْتَ إلينا إحسانًا عظيمًا؛ فاجعَلْ موافقتك على طلبنا هذا مِنْ جملة إحسانك إلينا.

[79] ﴿قَالَ مَعَاذَ ٱللَّهِ أَن نَّأۡخُذَ إِلَّا مَن وَجَدۡنَا مَتَٰعَنَا عِندَهُۥٓ إِنَّآ إِذٗا لَّظَٰلِمُونَ 79﴾:

فأجابهم يوسف عليه السلام قائلًا: أعوذُ بالله أن نأخُذَ أحدًا غير الذي وجَدْنا متاعنا عنده؛ فإنَّا إن فعلنا ذلك، فلن يكون هذا من باب الإحسان، بل سيكون هذا من الظلم ومجاوزة الحدّ، ووَضْعِ العقوبة في غير موضعها.

[80] ﴿فَلَمَّا ٱسۡتَيۡـَٔسُواْ مِنۡهُ خَلَصُواْ نَجِيّٗاۖ قَالَ كَبِيرُهُمۡ أَلَمۡ تَعۡلَمُوٓاْ أَنَّ أَبَاكُمۡ قَدۡ أَخَذَ عَلَيۡكُم مَّوۡثِقٗا مِّنَ ٱللَّهِ وَمِن قَبۡلُ مَا فَرَّطتُمۡ فِي يُوسُفَۖ فَلَنۡ أَبۡرَحَ ٱلۡأَرۡضَ حَتَّىٰ يَأۡذَنَ لِيٓ أَبِيٓ أَوۡ يَحۡكُمَ ٱللَّهُ لِيۖ وَهُوَ خَيۡرُ ٱلۡحَٰكِمِينَ 80﴾:

فلما استنفَدَ إخوة يوسف جميع الطرق لاستنقاذ أخيهم والرجوع به إلى أبيهم، ويئسوا من ذلك، اجتمعوا وحدهم وأخذوا يتشاورون، فقال أكبرهم سِنًّا: ألم تعلموا أن أباكم قد أخذ عليكم العهود والمواثيق، وحلَفْنا له الأيمان المغلَّظة أن نرجع به؟! وقد أخلفنا معه في المرة الأولى مِنْ عدَمِ حفظ يوسف ورجوعه إليه، فأنا لا أستطيع أن أواجه أبي هذه المرة، فلن أتحرَّك من مكاني، ولن أترُكَ هذه الأرض حتى يسمح لي أبي بذلك أو يأتي الله بحُكْم من عنده، فأرجع بأخي أو وحدي، والله خيرُ الحاكمين، وأحسنُ الفاصلين.

[81] ﴿ٱرۡجِعُوٓاْ إِلَىٰٓ أَبِيكُمۡ فَقُولُواْ يَٰٓأَبَانَآ إِنَّ ٱبۡنَكَ سَرَقَ وَمَا شَهِدۡنَآ إِلَّا بِمَا عَلِمۡنَا وَمَا كُنَّا لِلۡغَيۡبِ حَٰفِظِينَ 81﴾:

وقال لهم أخوهم الكبير موصيًا إياهم بما يَلْقَوْنَ به أباهم، فقال لهم: أخبروه بما حصل وقولوا له: يا أبانا، إن ابنك قد سرَقَ صُوَاعَ الملك، فأخذه الملك بسرقته، وقد حاولنا مع الملك بجميع الطرق أن نستردَّهُ ونرجعه معنا، فرفض وأبى، ولم نشهد بشيء لم نعلمه، بل رأينا بأعيننا الصواع يُستخرَجُ من رَحْلِ ابنك، وما كنا بعالمين للغيب أنه سيسرِقُ، فحرَصْنا على أخذه معنا هذه المرة أشدَّ الحرص، فلو علمنا ذلك، ما أخذناه معنا.

[82] ﴿وَسۡـَٔلِ ٱلۡقَرۡيَةَ ٱلَّتِي كُنَّا فِيهَا وَٱلۡعِيرَ ٱلَّتِيٓ أَقۡبَلۡنَا فِيهَاۖ وَإِنَّا لَصَٰدِقُونَ 82﴾:

ثم قال إخوة يوسف لأبيهم: وإن لم تصدِّقنا، أو شكَكْتَ في قولنا، فاسأل أهل مصر التي كنا فيها وجئنا منها، واسألِ القافلة التي رجَعْنا معها، والله إنا لصادقون في قولنا، لم نَكْذِبْ فيه، ولم نغيِّرْ شيئًا؛ وهذه هي الحقيقة.

[83] ﴿قَالَ بَلۡ سَوَّلَتۡ لَكُمۡ أَنفُسُكُمۡ أَمۡرٗاۖ فَصَبۡرٞ جَمِيلٌۖ عَسَى ٱللَّهُ أَن يَأۡتِيَنِي بِهِمۡ جَمِيعًاۚ إِنَّهُۥ هُوَ ٱلۡعَلِيمُ ٱلۡحَكِيمُ 83﴾:

فقال لهم أبوهم: متَّهمًا إياهم بتدبير مكيدة، كما فعلوا بيوسف من قبلُ: بل زيَّنَتْ لكم أنفُسُكم أمرًا منكرًا لتُبعِدُوُه عني، فسأصبِرُ صبرًا جميلًا لا تسخُّطَ فيه ولا شكوى ولا جزع؛ عسى الله أن يلطُفَ بحالي، وأن يرُدَّ عليَّ جميع أبنائي -يوسف وأخاه، والذي تخلَّف في مصر- إن الله هو العليمُ بكل شيء وهو عليمٌ بحالي وما أُعاني مِنْ فقد أولادي، وهو الحكيمُ الذي له الحكمة البالغة في كل ما قضى وقدَّر.

[84] ﴿وَتَوَلَّىٰ عَنۡهُمۡ وَقَالَ يَٰٓأَسَفَىٰ عَلَىٰ يُوسُفَ وَٱبۡيَضَّتۡ عَيۡنَاهُ مِنَ ٱلۡحُزۡنِ فَهُوَ كَظِيمٞ 84﴾:

ثم انصرف يعقوب عليه السلام عن بنيه، وبه من الأسى والأسف ما لا يعلمه إلا الله، وقد هيَّجت هذه الحادثة ذِكْرَ يوسف في قلبه، وشَوْقَهُ إليه الذي لم يفارقه لحظة، فقال بلَوْعةٍ وأسًى: يا أسفى على يوسف، ثم بكى بكاءً مرًّا حتى ابيضَّت عيناه، وذهَبَ نورها من كثرة ذلك البكاء واستمراره، وهو مع امتلاء قلبه بالحزن والهم والشوق، يَكْظِمُ ذلك ولا يبديه ويظهره للناس.

[85] ﴿قَالُواْ تَٱللَّهِ تَفۡتَؤُاْ تَذۡكُرُ يُوسُفَ حَتَّىٰ تَكُونَ حَرَضًا أَوۡ تَكُونَ مِنَ ٱلۡهَٰلِكِينَ 85﴾:

فقال له أبناؤه متعجِّبين من حاله، ومشفقين عليه أن يشُقَّ البكاء كَبِدَهُ: يا أبانا إنك لا تزال تذكُرُ يوسف وتتذكَّره في كل لحظة، حتى أفسَدَ ذلك عليك معاشك، هل تريد أن تستمِرَّ على ذلك حتى تموت كمدًا وحزنًا؛ فخفِّفْ عنك وهوِّنْ عليك.

[86] ﴿قَالَ إِنَّمَآ أَشۡكُواْ بَثِّي وَحُزۡنِيٓ إِلَى ٱللَّهِ وَأَعۡلَمُ مِنَ ٱللَّهِ مَا لَا تَعۡلَمُونَ 86﴾:

فردَّ عليهم قائلًا: أنا لا أشكو لكم شيئًا من حالي، وإنما أشكو حُزْني وهمِّي إلى الله وحده، وأنا على علم من الله لا تعلمونه ولا تعلمون حكمته.

[87] ﴿يَٰبَنِيَّ ٱذۡهَبُواْ فَتَحَسَّسُواْ مِن يُوسُفَ وَأَخِيهِ وَلَا تَاْيۡـَٔسُواْ مِن رَّوۡحِ ٱللَّهِۖ إِنَّهُۥ لَا يَاْيۡـَٔسُ مِن رَّوۡحِ ٱللَّهِ إِلَّا ٱلۡقَوۡمُ ٱلۡكَٰفِرُونَ 87﴾:

ثم قال لهم: يا بَنِيَّ، اذهبوا فتلمَّسوا أخبار يوسف وأخيه وتحسَّسوهما، وفتِّشوا عنهما، وابذلوا جهدكم في ذلك، ولا تيأسوا وتقطعوا رجاءكم من رحمة الله وفضله وكَرَمه، وقُرْبِ فَرَجه وتنفيسه، ولا تيأسوا من الحصول عليهما، واعلموا أنه لا ييأس ولا يقطع رجاءه من رَوْحِ الله وفَرَجه ورحمته إلا الكافرون الجاحدون؛ فلا تتشبَّهوا بهم.

[88] ﴿فَلَمَّا دَخَلُواْ عَلَيۡهِ قَالُواْ يَٰٓأَيُّهَا ٱلۡعَزِيزُ مَسَّنَا وَأَهۡلَنَا ٱلضُّرُّ وَجِئۡنَا بِبِضَٰعَةٖ مُّزۡجَىٰةٖ فَأَوۡفِ لَنَا ٱلۡكَيۡلَ وَتَصَدَّقۡ عَلَيۡنَآۖ إِنَّ ٱللَّهَ يَجۡزِي ٱلۡمُتَصَدِّقِينَ 88﴾:

فامتَثلَ إخوة يوسف ما أمرهم أبوهم، وعادوا راجعين لمصر يحاولون جهدهم إخراجَ أخيهم، والعودةَ به لأبيهم، فلما دخلوا على يوسف عليه السلام، قالوا له مستعطفين مسترحمين: يا أيها العزيز، قد انتشَرَتِ المجاعةُ بسبب الجَدْب والقَحْط، ووصل بنا وبأهلنا الحالُ إلى الاضطرار، وقد جئناك ببضاعة رديئة، وثمن قليل، فاغفِرْ لنا ذلك، واقبله منا، فوَفِّ لنا كيلنا، وتَمِّمْه، وتصدَّقْ علينا بزيادة من عندك؛ فإنَّ الله يجازي المتصدِّقين على المحتاجين أجرًا عظيمًا.

[89] ﴿قَالَ هَلۡ عَلِمۡتُم مَّا فَعَلۡتُم بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ إِذۡ أَنتُمۡ جَٰهِلُونَ 89﴾:

حينها: رَقَّ يوسف عليه السلام لإخوته، وتملَّكته الرحمة والشفقة بهم مما أصابهم، فقرَّر أن يكشف لهم عن نفسه، ويعرِّفهم بحقيقة الأمر، فقال لهم معاتبًا: هل تذكُرُونَ ما فعلتم بيوسف وأخيه؟! وذلك حين جَهْلكم، وطَيْشكم، وعدم معرفتكم بعاقبة ذلك؟! وهو بهذا يُعْلِمهم بجرمهم ويعتذر عنهم؛ ليخفِّف هول المفاجأة.

[90] ﴿قَالُوٓاْ أَءِنَّكَ لَأَنتَ يُوسُفُۖ قَالَ أَنَا۠ يُوسُفُ وَهَٰذَآ أَخِيۖ قَدۡ مَنَّ ٱللَّهُ عَلَيۡنَآۖ إِنَّهُۥ مَن يَتَّقِ وَيَصۡبِرۡ فَإِنَّ ٱللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجۡرَ ٱلۡمُحۡسِنِينَ 90﴾:

فقالوا في دَهْشةٍ واستغرابٍ: أإنك لَأَنْتَ يوسف؟! هل أنت يوسف؟! فأجابهم: نعم، أنا يوسف، وهذا أخي، قد أَكْرَمَنا الله، ومنَّ علينا؛ إنه مَنْ يجعلْ بينه وبين عذاب الله وقايةً؛ بفعل أوامره، واجتناب نواهيه، ثم يصبِرْ على ما حل به من المصائب وعلى أقدار الله، فإنه مِنَ المحسنين الذين لهم أجرٌ ثابتٌ عند الله لا يضيع، ولا يذهب سُدًى؛ فإن الله لا يضيع أجر من أحسن عملًا.

[91] ﴿قَالُواْ تَٱللَّهِ لَقَدۡ ءَاثَرَكَ ٱللَّهُ عَلَيۡنَا وَإِن كُنَّا لَخَٰطِـِٔينَ 91﴾:

فقالوا: واللهِ، لقد فضَّلك الله واختارك علينا؛ بما حَبَاكَ به من الصبر، وحسن الأخلاق، وجميل الصفات، وبالعلم والعمل والفضل، وإنا نُقِرُّ معترفين أنَّا كنَّا مخطئين لِمَا فعلناه بك عمدًا، وبما أوصلناه لك ولأخيك من أذًى.

[92] ﴿قَالَ لَا تَثۡرِيبَ عَلَيۡكُمُ ٱلۡيَوۡمَۖ يَغۡفِرُ ٱللَّهُ لَكُمۡۖ وَهُوَ أَرۡحَمُ ٱلرَّٰحِمِينَ 92﴾:

قال يوسف لإخوته: لا معاتبة ولا لوم عليكم اليوم، ثم دعا لهم بالمغفرة، يعني: صفَحَ عنهم، وزادهم أنْ طلَبَ من الله أن يغفر لهم؛ فإنه جل وعلا أرحم الراحمين بمن تاب وأناب من عباده.

[93] ﴿ٱذۡهَبُواْ بِقَمِيصِي هَٰذَا فَأَلۡقُوهُ عَلَىٰ وَجۡهِ أَبِي يَأۡتِ بَصِيرٗا وَأۡتُونِي بِأَهۡلِكُمۡ أَجۡمَعِينَ 93﴾:

ثم قال لهم يوسف عليه السلام -وقد أخبروه بذَهَابِ بَصَرِ أبيه من حزنه عليه-: خُذُوا قميصي هذا وألقوه على وجه أبي؛ يَرْجِعْ إليه بصره مرة أخرى، واقْدَمُوا عليَّ جميعًا بأولادكم وعشيرتكم وتوابعكم.

[94] ﴿وَلَمَّا فَصَلَتِ ٱلۡعِيرُ قَالَ أَبُوهُمۡ إِنِّي لَأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَۖ لَوۡلَآ أَن تُفَنِّدُونِ 94﴾:

ولمَّا تحرَّكت القافلة من مصر، وخرَجَتْ منها، قال يعقوب عليه السلام لمن حضره من أهله: إني الآنَ أجدُ رِيحَ ابني يوسف؛ ولولا أنكم سوف تنسُبُونَ إليَّ الجهلَ وذَهَابَ العقل، وتسخرون مني، وتقولون: إن هذا الكلام صدَرَ من غير شعور، لقلتُ لكم: والله إني أشعُرُ بأن لقائي بيوسف قد اقترب كثيرًا وحان زمانه.

[95] ﴿قَالُواْ تَٱللَّهِ إِنَّكَ لَفِي ضَلَٰلِكَ ٱلۡقَدِيمِ 95﴾:

فأجابوه على سبيل التسلية بما ظَنَّ فيهم، فقالوا: واللهِ، إنك لا تزال على طريقتك القديمة مِنْ إفراط حبك ليوسف، وتوهُّم حياته، وأنك ستراه، وما هذا الذي أنت فيه –يا أبانا- إلا ضلالٌ بيِّن، وخطأ واضح.

[96] ﴿فَلَمَّآ أَن جَآءَ ٱلۡبَشِيرُ أَلۡقَىٰهُ عَلَىٰ وَجۡهِهِۦ فَٱرۡتَدَّ بَصِيرٗاۖ قَالَ أَلَمۡ أَقُل لَّكُمۡ إِنِّيٓ أَعۡلَمُ مِنَ ٱللَّهِ مَا لَا تَعۡلَمُونَ 96﴾:

فلما وصلوا ومعهم البشير الذي يَحْمِلُ القميص، ألقى القميص على وجه يعقوب عليه السلام كما أمره يوسف، فما لَبِثَ أن رجع إليه بصره، فقال لمن حضره من أهله، فرحًا مستبشرًا: ألم أقل لكم: إني على علم مِنَ الله لا تعلمونه أنتم؟! حيث كنت أرجو وأترقَّب لقاء يوسف، وزوال الهم والحزن لثقتي بالله.

[97] ﴿قَالُواْ يَٰٓأَبَانَا ٱسۡتَغۡفِرۡ لَنَا ذُنُوبَنَآ إِنَّا كُنَّا خَٰطِـِٔينَ 97﴾:

حينها قال إخوة يوسف معترفين مقرِّين: يا أبانا، اطلُبْ لنا المغفرة من الله لذنوبنا على ما وقع منا من خطأ وزلل، وتقصير في حقك، وحق يوسف وأخيه.

[98] ﴿قَالَ سَوۡفَ أَسۡتَغۡفِرُ لَكُمۡ رَبِّيٓۖ إِنَّهُۥ هُوَ ٱلۡغَفُورُ ٱلرَّحِيمُ 98﴾:

فأجابهم النبي الكريم بوعده إياهم أن يفعل ذلك، وقال: سوف أطلُبُ لكم المغفرة من الله، وأرجو أن يغفر لكم وأن يرحمكم؛ إنه هو الغفور الرحيم. وفي قوله: ﴿سَوۡفَ أَسۡتَغۡفِرُ لَكُمۡ رَبِّيٓۖ ﴾، قيل: كان يقصد أن يدعو لهم آخِرَ الليل.

[99] ﴿فَلَمَّا دَخَلُواْ عَلَىٰ يُوسُفَ ءَاوَىٰٓ إِلَيۡهِ أَبَوَيۡهِ وَقَالَ ٱدۡخُلُواْ مِصۡرَ إِن شَآءَ ٱللَّهُ ءَامِنِينَ 99﴾:

وتجهَّز يعقوبُ مع زوجه وبنيه، وانطلقوا إلى مِصْرَ للقاء يوسف، وقد حان اللقاء بعد طول فراق، وبلَغَ الشوق مبلغه، واقترَبَ العناق، فلما وصلوا إليه، ودخلوا عليه، قام يوسف إلى أبوَيْهِ، وضمَّهما إليه والتزمهما وعظَّمهما، وبالغ في التعبير عن حبه وشوقه -فيالله ما أعظَمَ اللقاء، ويالله ما أجمَلَ هذه اللحظات- ثم قال للجميع: ادخلوا مصر إن شاء الله آمنين، مِنَ الخوف والجوع والقَحْط والجَدْب، وآمنين من جميع المخاوف والمكاره.

[100] ﴿وَرَفَعَ أَبَوَيۡهِ عَلَى ٱلۡعَرۡشِ وَخَرُّواْ لَهُۥ سُجَّدٗاۖ وَقَالَ يَٰٓأَبَتِ هَٰذَا تَأۡوِيلُ رُءۡيَٰيَ مِن قَبۡلُ قَدۡ جَعَلَهَا رَبِّي حَقّٗاۖ وَقَدۡ أَحۡسَنَ بِيٓ إِذۡ أَخۡرَجَنِي مِنَ ٱلسِّجۡنِ وَجَآءَ بِكُم مِّنَ ٱلۡبَدۡوِ مِنۢ بَعۡدِ أَن نَّزَغَ ٱلشَّيۡطَٰنُ بَيۡنِي وَبَيۡنَ إِخۡوَتِيٓۚ إِنَّ رَبِّي لَطِيفٞ لِّمَا يَشَآءُۚ إِنَّهُۥ هُوَ ٱلۡعَلِيمُ ٱلۡحَكِيمُ 100﴾:

رحَّب يوسف بوالديه وأجلسهما بجانبه على سرير المُلْكِ الذي يجلس عليه تكريمًا لهما، ثم سجَدَا هما وأبناؤهما ليوسف، وكانت هذه تحيَّةً واعترافًا بفضله ونعمة الله عليه بالنبوَّة، وكان ذلك جائزًا في شِرْعة الأوَّلين، وليست عبادةً للمسجود له؛ فيعقوبُ نبيٌّ، وأبناؤه مثله مخلصون لعبادة الله وحده لا شريك له، أما في شريعتنا، فقد حُرِّمَ السجود لغير الله، ثم قال يوسف لأبيه متحدِّثًا بنعمة الله عليه: يا أبت، هذا هو تفسير رؤياي التي قصَصْتها عليك قديمًا في صغري، لقد جعلها ربي حقًّا، وهذا الذي رأيتَ هو تأويلها بعد أن مضى عليها زمنٌ طويلٌ، قال بعضهم: كان بين الرؤيا وبين ظهور تأويلها أربعون سنةً، ثم قال يوسف: وقد تفضَّل عليَّ عندما أخرَجَني من السجن، ثم تفضَّل عليَّ مرة ثانية عندما جمعني بكم في مصر بعد أن كنتم مقيمين في البادية، مِنْ بعد أن أفسَدَ الشيطان بيني وبين إخوتي، ولا شك أن إخراجه من البئر أكثَرُ تفضُّلًا من إخراجه من السجن، ولكنْ لم يُرِدْ أن يذكِّرهم بجُرْمهم حتى لا يجرح شعورهم، وخاصَّةً بعد عفوه عنهم، ثم قال يوسف: إن ربي لطيفُ التدبير لما يشاء تدبيرَهُ من أمور عباده؛ إنه هو العليمُ بأحوال خلقه، الحكيمُ في جميع أقواله وأفعاله.

[101] ﴿رَبِّ قَدۡ ءَاتَيۡتَنِي مِنَ ٱلۡمُلۡكِ وَعَلَّمۡتَنِي مِن تَأۡوِيلِ ٱلۡأَحَادِيثِۚ فَاطِرَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ أَنتَ وَلِيِّۦ فِي ٱلدُّنۡيَا وَٱلۡأٓخِرَةِۖ تَوَفَّنِي مُسۡلِمٗا وَأَلۡحِقۡنِي بِٱلصَّٰلِحِينَ 101﴾:

ثم ختَمَ يوسف بدعاء الله وثنائه عليه، فقال: ربِّ، قد أعطيتني شيئًا عظيمًا من مُلْكِ مصر، وهو ما ولَّاه عليه من تصريف خزائن الأرض، قال بعض المفسِّرين: إنه فعلًا صار الحاكمَ المالكَ لمصر، وقال آخرون: إنه صار سيِّد نفسه بعد أن كان رقيقًا، وصار سيدًا لمرؤوسيه الذين يساعدونه وينفِّذون تعليماته، وأيضًا علَّمتني -يا رب- شيئًا كثيرًا من تفسير الرؤى، فيا خالق السموات والأرض ومُبْدِعَهما، أنت ناصري ومعيني ومتولِّي جميع شأني في الدنيا والآخرة، توفَّني إليك مسلمًا، وألحقني بعبادك الصالحين من النبيين والصِّدِّيقين والشهداء والصالحين، وحَسُنَ أولئك رفيقًا.

[102] ﴿ذَٰلِكَ مِنۡ أَنۢبَآءِ ٱلۡغَيۡبِ نُوحِيهِ إِلَيۡكَۖ وَمَا كُنتَ لَدَيۡهِمۡ إِذۡ أَجۡمَعُوٓاْ أَمۡرَهُمۡ وَهُمۡ يَمۡكُرُونَ 102﴾:

واعلم -أيها النبي- أن ذلك الخبر العجيب هو من أخبار الغيب التي لا يعلمها إلا الله، وهو الذي أوحاه إليك، ولولا إخبارنا إياك بهذا الخبر، لكان من المستحيل أن تعرفَهُ أو تطَّلِعَ عليه؛ فإنك ما كنت حاضرًا مع إخوة يوسف حينما عقَدُوا عزمهم، وأكَّدوا أمرهم على المكر بيوسف بإبعاده عن أبيه، ولا سبيلَ لمعرفة هذه القصة بتفاصيلها إلا عن طريق الوحي؛ وهذا دليل على أنك رسولٌ من عند الله، يُوحَى إليك.

[103] ﴿وَمَآ أَكۡثَرُ ٱلنَّاسِ وَلَوۡ حَرَصۡتَ بِمُؤۡمِنِينَ 103﴾:

ثم قال جل في علاه لنبيه محمدٍ عليه الصلاة والسلام تسليةً له: وما أكثَرُ الناس -أيها النبي- ولو حرَصْتَ على هدايتهم، بداخلين في الإيمان، ولا بمصدِّقين؛ فلا تذهب نفسك عليهم حَسَرات.

[104] ﴿وَمَا تَسۡـَٔلُهُمۡ عَلَيۡهِ مِنۡ أَجۡرٍۚ إِنۡ هُوَ إِلَّا ذِكۡرٞ لِّلۡعَٰلَمِينَ 104﴾:

وأنت -أيها النبي- لا تطلُبُ ممن تدعوهم إلى الإسلام والإيمان مقابل ذلك مالًا يدفعونه إليك، ولا غيره؛ فالقرآن وما أوحينا إليك ذِكْرٌ وهدايةٌ وعظةٌ للناس أجمعين.

[105] ﴿وَكَأَيِّن مِّنۡ ءَايَةٖ فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ يَمُرُّونَ عَلَيۡهَا وَهُمۡ عَنۡهَا مُعۡرِضُونَ 105﴾:

وكم مِنْ آية كونية منتشرة في السماوات والأرض تدُلُّ على وحدانية الله جلَّ في علاه، يمُرُّ عليها ويشاهدها هؤلاء المشركون، وهم عنها معرضون؛ لا يلتفتون إليها، ولا يتأمَّلونها، ولا يتفكَّرون فيها.

[106] ﴿وَمَا يُؤۡمِنُ أَكۡثَرُهُم بِٱللَّهِ إِلَّا وَهُم مُّشۡرِكُونَ 106﴾:

وما يؤمن ولا يوقن ويُقِرُّ ويصدِّقُ أغلب من يؤمن بهذه الآيات الكونية، وإن الله هو الخالق الرازق المدبِّر، إلا وهم يشركون في توحيد الألوهية؛ فيتَّخذون مع الله آلهة أخرى، ويُشْرِكون معه غيره في العبادة.

[107] ﴿أَفَأَمِنُوٓاْ أَن تَأۡتِيَهُمۡ غَٰشِيَةٞ مِّنۡ عَذَابِ ٱللَّهِ أَوۡ تَأۡتِيَهُمُ ٱلسَّاعَةُ بَغۡتَةٗ وَهُمۡ لَا يَشۡعُرُونَ 107﴾:

أفأَمِنَ هؤلاء المشركون الذين فعلوا هذا الفعل الشنيع من الإعراض عن آيات الله، واتخاذِ شركاءَ معه؛ أفأمنوا من عذاب الله؟! هل هم في مأمن من أن يعُمَّهم الله بعذاب ويغمُرَهم بعقاب يستأصلهم، ويمحوهم، أم هم في مأمنٍ مِن أن تأتيهم الساعة ويبغتهم يوم القيامة فجأة؛ فتكون مصيبتهم أعظَمَ، وعذابهم أشدَّ في الآخرة؟!

[108] ﴿قُلۡ هَٰذِهِۦ سَبِيلِيٓ أَدۡعُوٓاْ إِلَى ٱللَّهِۚ عَلَىٰ بَصِيرَةٍ أَنَا۠ وَمَنِ ٱتَّبَعَنِيۖ وَسُبۡحَٰنَ ٱللَّهِ وَمَآ أَنَا۠ مِنَ ٱلۡمُشۡرِكِينَ 108﴾:

وقل-أيها النبي-: هذه طريقتي في التوحيد، ومنهجي في الدعوة إليه، وأنا على بصيرةٍ وبيِّنةٍ وعلمٍ يقينيٍّ من أمري، أنا ومن اتَّبعني أيضًا يسير على نفس طريقتي، وأنزِّه الله جل في علاه عمَّا يقوله ويفعله هؤلاء المشركون من عبادة غيره معه، وأُعْلِنُ براءتي من المشركين؛ فلَسْتُ منهم، ولا هم منِّي، ولا أرتضي ما هم عليه.

[109] ﴿وَمَآ أَرۡسَلۡنَا مِن قَبۡلِكَ إِلَّا رِجَالٗا نُّوحِيٓ إِلَيۡهِم مِّنۡ أَهۡلِ ٱلۡقُرَىٰٓۗ أَفَلَمۡ يَسِيرُواْ فِي ٱلۡأَرۡضِ فَيَنظُرُواْ كَيۡفَ كَانَ عَٰقِبَةُ ٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِهِمۡۗ وَلَدَارُ ٱلۡأٓخِرَةِ خَيۡرٞ لِّلَّذِينَ ٱتَّقَوۡاْۚ أَفَلَا تَعۡقِلُونَ 109﴾:

وما أرسلنا قبلك -أيها النبي- إلا رجالًا من البشر من أهل القرى والمدائن، اخترناهم وأوحينا إليهم، فلِمَ يكذِّبك قومك ولا يصدِّقونك؟! أفلم يسيروا ويضربوا ويسافروا في الأرض، فينظروا كيف كانت نهايات الأقوام السابقة الذين كذَّبوا رسلهم؟! وكيف أن الله أهلكهم وجعلهم عبرةً للمعتبرين؟! واعلموا أن الدار الآخرة أفضل، وثوابها أعظم؛ وذلك يكون للذين جعلوا بينهم وبين عذاب الله وقايةً؛ بإخلاص التوحيد له، ونَفْيِ الشريك عنه، وبفعل أوامره، واجتناب نواهيه؛ أفلا تعقلون وتتفكَّرون في ذلك؟! أليس لكم عقولٌ تدُلُّكم على أن ما عند الله خيرٌ وأبقى وأدوم؟!

[110] ﴿حَتَّىٰٓ إِذَا ٱسۡتَيۡـَٔسَ ٱلرُّسُلُ وَظَنُّوٓاْ أَنَّهُمۡ قَدۡ كُذِبُواْ جَآءَهُمۡ نَصۡرُنَا فَنُجِّيَ مَن نَّشَآءُۖ وَلَا يُرَدُّ بَأۡسُنَا عَنِ ٱلۡقَوۡمِ ٱلۡمُجۡرِمِينَ 110﴾:

ثم قال سبحانه وتعالى لنبيه ﷺ تسليةً له: حتى إذا استبطَأَتِ الرسل من إيمان قومهم، وأيقنوا أنهم قد كذَّبوهم، وأنه لا أمل في إسلامهم وإيمانهم-: جاءهم نصرنا الذي وعدناهم به عند شدة الكرب؛ وهو العذاب الأليم في نار جهنم، فنُنْجِي من نشاء إنجاءه من الرسل وأتباعهم المؤمنين، ولا يُرَدُّ عذابنا عمَّن أجرَمَ وتجرَّأ على الله؛ وفي هذا تسلية للنبي ﷺ. قال بعض أهل العلم: قوله: ﴿وَظَنُّوٓاْ﴾ في هذه الآية بمعنى: تيقَّنوا، يعني: تيقنوا وتأكدوا أن أممهم كذَّبتهم وأصرَّت على الكفر بالله. وقال آخرون: إنهم -أي: أقوامهم- ظنُّوا أن الوحي كذبهم؛ فالأنبياء معصومون مما هو أقل من هذا.

[111] ﴿لَقَدۡ كَانَ فِي قَصَصِهِمۡ عِبۡرَةٞ لِّأُوْلِي ٱلۡأَلۡبَٰبِۗ مَا كَانَ حَدِيثٗا يُفۡتَرَىٰ وَلَٰكِن تَصۡدِيقَ ٱلَّذِي بَيۡنَ يَدَيۡهِ وَتَفۡصِيلَ كُلِّ شَيۡءٖ وَهُدٗى وَرَحۡمَةٗ لِّقَوۡمٖ يُؤۡمِنُونَ 111﴾:

لقد كان في قصصِ الأنبياء مع أقوامهم، وفي قصة يوسف مع إخوته عِبْرةٌ وموعظةٌ وذكرى ينتفع بها أصحاب العقول الراجحة، والفطر السليمة؛ حيث مرَّت قصته بفتن وابتلاءات ودروس كثيرة، بدأت بعداوةِ إخوانه وحِقْدهم عليه، ثم رميِهِ في البئر، ثم بيعِهِ عبدًا رقيقًا، ثم جاءت الفتنة العظيمة حيث أُولِعَتْ به امرأة العزيز وبذَلَتْ جهدها لإيقاعه في شراكها، ثم افتتانِ النسوة اللاتي قطَّعْنَ أيديَهُنَّ به؛ فسبحان الذي أنجاه، وقد حكى الله لنا قصته التي ما قرأها محزونٌ أو مكلومٌ إلا صَغُرَتْ مصيبته وهانت عليه، فارتاح وعرَفَ أنه في عافية. ثم قال جل وعلا: واعلم -أيها النبي- أن هذا القرآن ما كان حديثًا عاديًّا من الممكن أن يُفْتَرَى وأن يُختلَقَ كما يزعم المشركون؛ ولكنه مصدِّقٌ لما بين يديه من الكتب السابقة كالتوراة والإنجيل والزبور، يوافِقُها ولا يخالِفُها في توحيد الله، ويشهدُ لها بالصحَّة، وأنها منزَّلةٌ من عند الله، وفي هذا القرآن تِبْيانٌ وتفصيل لكل شيء مما يحتاج إليه العباد في العقائد والأحكام والأخلاق، وجميعِ ما يُصلِحُ دينهم ودنياهم، ثم هو هدًى لكل من طلب الهداية وبحث عنها في الدنيا، وأراد أن ينجو من الضلال، وهو رحمةٌ في الآخرة لمن آمن به، وعمل بما فيه، واتَّبع أوامره، واجتنب نواهيه.

سورة الرَّعْد

سورة الرعد مكيَّة، وآياتها ثلاث وأربعون آية، واسمُها مأخوذٌ من قوله تعالى: ﴿وَيُسَبِّحُ ٱلرَّعۡدُ بِحَمۡدِهِۦ﴾ [الرعد:13].

[1] ﴿الٓمٓرۚ تِلۡكَ ءَايَٰتُ ٱلۡكِتَٰبِۗ وَٱلَّذِيٓ أُنزِلَ إِلَيۡكَ مِن رَّبِّكَ ٱلۡحَقُّ وَلَٰكِنَّ أَكۡثَرَ ٱلنَّاسِ لَا يُؤۡمِنُونَ 1﴾:

سبق الكلام على الأحرف المقطَّعة في أول سورة البقرة. ثم بدأت السورة بالثناء على القرآنِ الكريمِ والتذكيرِ بأن هذا القرآن وآياته التي أُنْزِلَتْ على محمد ﷺ من عند الله هي الحق الخالص، ولكنَّ أكثر الناس لا يؤمنون به، ويُنْكِرون أنه من عند الله مكابرةً وحفاظًا على ما كان عليه آباؤهم وعلى سيادتهم. وهذه الآية تذكيرٌ بالآية التي قبلها في ختام سورة يوسف: ﴿مَا كَانَ حَدِيثٗا يُفۡتَرَىٰ﴾ [يوسف:111]؛ لأن كفار قريش يقولون: إنك -يا محمد- تأتي بهذا القرآن من نفسك؛ كما قال تعالى عنهم: [الأعراف:203]، ﴿وَإِذَا لَمۡ تَأۡتِهِم بِـَٔايَةٖ قَالُواْ لَوۡلَا ٱجۡتَبَيۡتَهَاۚ قُلۡ إِنَّمَآ أَتَّبِعُ مَا يُوحَىٰٓ إِلَيَّ مِن رَّبِّيۚ هَٰذَا بَصَآئِرُ مِن رَّبِّكُمۡ وَهُدٗى وَرَحۡمَةٞ لِّقَوۡمٖ يُؤۡمِنُونَ﴾ وقال أيضًا: ﴿وَإِذَا تُتۡلَىٰ عَلَيۡهِمۡ ءَايَاتُنَا بَيِّنَٰتٖ قَالَ ٱلَّذِينَ لَا يَرۡجُونَ لِقَآءَنَا ٱئۡتِ بِقُرۡءَانٍ غَيۡرِ هَٰذَآ أَوۡ بَدِّلۡهُۚ ﴾ [يونس:15].

[2] ﴿ٱللَّهُ ٱلَّذِي رَفَعَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ بِغَيۡرِ عَمَدٖ تَرَوۡنَهَاۖ ثُمَّ ٱسۡتَوَىٰ عَلَى ٱلۡعَرۡشِۖ وَسَخَّرَ ٱلشَّمۡسَ وَٱلۡقَمَرَۖ كُلّٞ يَجۡرِي لِأَجَلٖ مُّسَمّٗىۚ يُدَبِّرُ ٱلۡأَمۡرَ يُفَصِّلُ ٱلۡأٓيَٰتِ لَعَلَّكُم بِلِقَآءِ رَبِّكُمۡ تُوقِنُونَ 2﴾:

ثم بيَّن سبحانه وتعالى بعض الأدلَّة التي تدل على كمال قدرته؛ ومن ذلك: أنه خلق السموات السبع، وجعلها مرتفعة على أعمدة كأعمدة سقف البيت، ولكنها لا تُرَى، ومما يدل على أن لها أعمدةً هو الجاذبية؛ فسبحان الخالق المبدع، ثم أخبَرَ سبحانه أنه استوى على العرش استواءً يليق بجلاله، وقد سبق التعليق على مسألة الاستواء في الآية (54) من سورة آل عمران، والآية (5) من سورة طه، وأخبر أنه أوجد الشمس والقمر يؤدي كلٌّ خدمةً لمصلحة العباد مرسومةً له لوقت محدَّد، وهو فناء الدنيا، ثم بيَّن سبحانه بأنه يصرِّفُ أمور الدنيا والآخرة على أحسن الوجوه وأكملها، ويوضِّح لكم الآيات الدالَّة على وحدانيته وقدرته؛ عسى أن توقنوا بلقاء الله، ولا تشكُّوا به أبدًا، فيحملكم ذلك على أن تصدِّقوا بوعده ووعيده، وأن تُخْلِصوا العبادة له وحده.

[3] ﴿وَهُوَ ٱلَّذِي مَدَّ ٱلۡأَرۡضَ وَجَعَلَ فِيهَا رَوَٰسِيَ وَأَنۡهَٰرٗاۖ وَمِن كُلِّ ٱلثَّمَرَٰتِ جَعَلَ فِيهَا زَوۡجَيۡنِ ٱثۡنَيۡنِۖ يُغۡشِي ٱلَّيۡلَ ٱلنَّهَارَۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَأٓيَٰتٖ لِّقَوۡمٖ يَتَفَكَّرُونَ 3﴾:

ومما يدل على كمال قدرته سبحانه وتعالى أيضًا: أنه هو الذي خلَقَ الأرض ومهَّدها لعباده، وبسَطَها ووسَّعها ومدَّدها، وجعل فيها ما يُصلِحُ حالهم وشأنهم، وجعل فيها جبالًا عظيمةً كبيرةً تثبِّتها؛ لئلا تَمِيدَ الأرض وتتحرَّك وتضطرب بما عليها، وجعَلَ فيها أنهارًا تجري فيشربُ منها البشَرُ والدوابّ، ويُنتفَعُ بها، وتنمو بها الأشجار، وتخرُجُ بها الزروع والثمار، وجعَلَ فيها من كل الثمرات صنفَيْنِ اثنين، ذكرًا وأنثى، حُلْوًا وحامضًا، وهو سبحانه الذي جعل الليل يُغطِّي النهار ويشمله بظُلْمته؛ فتسكُنُ الحركة، وتخلُدُ المخلوقات للراحة والسكون، وفي كل ما مضى آياتٌ بينات، وعلامات واضحات تدُلُّ على وحدانية الله جل وعلا، واستحقاقه العبادة دون ما سواه، واعلموا أنه إنما ينتفع بهذه الآيات الذين يتفكَّرون فيها، ويُعْمِلون عقولهم ويتدبَّرون.

[4] ﴿وَفِي ٱلۡأَرۡضِ قِطَعٞ مُّتَجَٰوِرَٰتٞ وَجَنَّٰتٞ مِّنۡ أَعۡنَٰبٖ وَزَرۡعٞ وَنَخِيلٞ صِنۡوَانٞ وَغَيۡرُ صِنۡوَانٖ يُسۡقَىٰ بِمَآءٖ وَٰحِدٖ وَنُفَضِّلُ بَعۡضَهَا عَلَىٰ بَعۡضٖ فِي ٱلۡأُكُلِۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَأٓيَٰتٖ لِّقَوۡمٖ يَعۡقِلُونَ 4﴾:

ومن مظاهر وكمال قدرته جل وعلا: أنه جعل الأرض كتلةً واحدةً متماسكة، وأنها تحتوي على بقاع متجاورة كثيرة؛ لكنَّ هذه البقاع تختلف كل واحدة عن الأخرى في أوصافها وطبيعتها؛ فمنها: سَبِخٌ لا يُنتِجُ نباتًا، ولا ينفع ماؤه، وبعضها: صخورٌ وجبال، وبعضها: رياضٌ تُنبِتُ كل أنواع الثمار والزروع بإذن ربها، وتجدها في روضة واحدة، وتُسقَى بماء واحد، ولكنْ تجد الثمار متنوِّعة، منها الأصفر والأحمر والأبيض، والكبير والصغير؛ وهذا حُلْوٌ وهذا حامضٌ، وبعضها أفضل من بعض في المذاق والأكل؛ فتبارك الله أحسن الخالقين، واعلموا أن في ذلك كلِّه أدلَّةً وبراهين لقوم يتفكَّرون ويتأمَّلون في عظيم قدرته سبحانه.

[5] ﴿وَإِن تَعۡجَبۡ فَعَجَبٞ قَوۡلُهُمۡ أَءِذَا كُنَّا تُرَٰبًا أَءِنَّا لَفِي خَلۡقٖ جَدِيدٍۗ أُوْلَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِرَبِّهِمۡۖ وَأُوْلَٰٓئِكَ ٱلۡأَغۡلَٰلُ فِيٓ أَعۡنَاقِهِمۡۖ وَأُوْلَٰٓئِكَ أَصۡحَٰبُ ٱلنَّارِۖ هُمۡ فِيهَا خَٰلِدُونَ 5﴾:

ثم قال سبحانه على سبيل التعجُّب: وإن تعجب -أيها السامع- من تكذيب الكفار لمحمد ﷺ، فاعلم أن الذي يستحق العجب هو قولهم: أإذا متنا وكنا ترابًا، فهل نُبعَثُ من جديد؟! فيا سبحان الله! يتعجَّبون من الإحياء بعد الموت، ولا يتعجَّبون من بداية خلق الإنسان؛ فهذا أُبَيُّ بن خلَفٍ يأخذ عظمًا باليًا ويَفْرُكُهُ وينفُخُهُ ثم يقول: أيُحْيي الله مثل هذا يا محمد؟! فقال ﷺ: «نَعَمْ؛ يُحْيِي اللهُ هَذَا، وَيُمِيتُكَ، وَيُدْخِلُكَ النَّارَ»[1]، وفعلًا قُتِلَ أُبَيُّ بن خلف في أُحُدٍ، قتله رسول الله ﷺ، ومات كافرًا محاربًا لله ولرسوله ﷺ، ولا يُعلَمُ أن رسول الله ﷺ قتَلَ أحدًا من المشركين بيده إلا أبيَّ بنَ خلف لعنه الله، واعلم -أيها النبي- أن جزاء الكفار الذين كفروا بالله وأنكروا البعث: أن توضع في أعناقهم يوم القيامة سلاسلُ من نار، وأنهم أصحاب النار يدخلونها ولا يخرُجُونَ منها أبدًا؛ نسأل الله تعالى العفو والعافية. [1] أخرجه عبد الرزاق في تفسيره (2498)، عن قتادة.

[6] ﴿وَيَسۡتَعۡجِلُونَكَ بِٱلسَّيِّئَةِ قَبۡلَ ٱلۡحَسَنَةِ وَقَدۡ خَلَتۡ مِن قَبۡلِهِمُ ٱلۡمَثُلَٰتُۗ وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغۡفِرَةٖ لِّلنَّاسِ عَلَىٰ ظُلۡمِهِمۡۖ وَإِنَّ رَبَّكَ لَشَدِيدُ ٱلۡعِقَابِ 6﴾:

ويستعجلك -أيها النبي- المكذِّبون بطلب السيئة؛ وهي العقوبة والعذاب، قبل الحسنة؛ وهي العافية والإيمان بالرسالة، وهذه السيئة التي استعجلوها هي المذكورة في قوله: ﴿ٱئۡتِنَا بِعَذَابِ ٱللَّهِ إِن كُنتَ مِنَ ٱلصَّٰدِقِينَ﴾ [العنكبوت:29]، ولم يعتبروا بما حصَلَ للأمم السابقة من العذاب والنَّكَال بسبب تكذيبهم. واعلم -أيها النبي- أن الله كثيرُ المغفرة لمن تاب وأناب من الناس الذين ظلموا أنفسهم بالذنوب والمعاصي، ثم اعلم أن الله شديد العقاب لمن أصرَّ على ذنبه، واستكبَرَ وعاند واستمَرَّ في ظلمه وكفره بالله.

[7] ﴿وَيَقُولُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَوۡلَآ أُنزِلَ عَلَيۡهِ ءَايَةٞ مِّن رَّبِّهِۦٓۗ إِنَّمَآ أَنتَ مُنذِرٞۖ وَلِكُلِّ قَوۡمٍ هَادٍ 7﴾:

ويقول كفَّار مكة للنبي ﷺ: هلا أُنزِلَتْ عليك معجزةٌ خارقةٌ غيرُ هذا القرآن تدل على صدقك، يبغون بذلك العناد والمماطلة، والحال -أيها النبي- أنه ليس لك من الأمر شيء، وإنما أنت منذرٌ ومبيِّن لهم، وإنزال الآيات إنما يكون بأمر الله، ولكلِّ قومٍ داعٍ يدعوهم إلى الحق والتوحيد، والبعدِ عن الشرك والضلال، والمقصودُ بالهداية هنا: هداية الدلالة والإرشاد.

[8] ﴿ٱللَّهُ يَعۡلَمُ مَا تَحۡمِلُ كُلُّ أُنثَىٰ وَمَا تَغِيضُ ٱلۡأَرۡحَامُ وَمَا تَزۡدَادُۚ وَكُلُّ شَيۡءٍ عِندَهُۥ بِمِقۡدَارٍ 8﴾:

أخبَرَ جلا وعلا أنه يعلم ما تحمل كل أنثى في بطنها، أذكَرٌ هو أم أنثى؟ وشقيٌّ أم سعيد؟ ويعلم ما تغيض الأرحام، أي: يعلم ما يسقُطُ قبل إتمام الحمل، قال الحسَنُ: الذي يولد في الثامن، وقال جمهور المفسِّرين: الذي ينزل من الرحم سقطًا؛ سواءٌ كان مُضْغةً أو نُفِخَ فيه الروح ولم يكتملْ نموه، ويعلم الذي تَمَّ واكتمل نموه ثم وُلِدَ؛ سواءٌ مات بعد ولادته أو عاش حينًا من الدهر. ، واعلموا -أيها الناس- أن كل شيء عند الله مقدَّر: حياته وموته، وكماله ونقصه، وحجمه؛ لا ينقص ولا يزيد. وقوله: ﴿كُلُّ أُنثَىٰ﴾ هنا تعني: عموم الإناث من الناس والحيوان وغيرهما، وقال بعض العلماء: (الغَيْضُ يكون خلال عَشَرة أيام من الجماع، أما بعدها، فيعلمه الملَكُ والبشَرُ بوسائلهم).

[9] ﴿عَٰلِمُ ٱلۡغَيۡبِ وَٱلشَّهَٰدَةِ ٱلۡكَبِيرُ ٱلۡمُتَعَالِ 9﴾:

ثم بيَّن سبحانه أنه عالم بكل شيء، فهو العالم بما غاب عن الناس، والعالم بما يشاهدونه، وهو سبحانه الكبير في ذاته وأسمائه وصفاته، لا أحَدَ أكبَرُ منه ولا أعظم، وهو سبحانه المتعالي على جميع مخلوقاته؛ ذاتًا وقدرةً وقهرًا، لا إله غيره، ولا ربَّ سواه.

[10] ﴿سَوَآءٞ مِّنكُم مَّنۡ أَسَرَّ ٱلۡقَوۡلَ وَمَن جَهَرَ بِهِۦ وَمَنۡ هُوَ مُسۡتَخۡفِۭ بِٱلَّيۡلِ وَسَارِبُۢ بِٱلنَّهَارِ 10﴾:

أخبَرَ جل وعلا أنه يستوي عنده علم السر والعلانية، لا تخفى عليه خافية، فيستوي مَنْ أسرَّ وأخفى قوله بمن تكلَّم به علانية؛ كما يستوي عنده عمل من يستخفي ويستتر بظلمة الليل، أو يستتر في سِرْب أو مَغَارة أو نحو ذلك، بعمل مَنْ يجهر به وفي وَضَح النهار؛ فهو سبحانه يعلم السرَّ وأخفى من السرّ.

[11] ﴿لَهُۥ مُعَقِّبَٰتٞ مِّنۢ بَيۡنِ يَدَيۡهِ وَمِنۡ خَلۡفِهِۦ يَحۡفَظُونَهُۥ مِنۡ أَمۡرِ ٱللَّهِۗ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوۡمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنفُسِهِمۡۗ وَإِذَآ أَرَادَ ٱللَّهُ بِقَوۡمٖ سُوٓءٗا فَلَا مَرَدَّ لَهُۥۚ وَمَا لَهُم مِّن دُونِهِۦ مِن وَالٍ 11﴾:

أخبَرَ جل وعلا أن له ملائكةً يتناوبون بعضهم يخلُفُ بعضًا يحفظون الإنسان من كل جوانبه بأمر الله لهم، وأخبَرَ أنه لا يمكن أن يسلب من قوم نعمة أنعمها عليهم إلا إذا غيَّروا سلوكهم الحسَنَ إلى سيِّئ، فأسرفوا وبَطِروا، وصرَفُوا نعم الله في الحرام؛ فحينئذ تَحِلُّ بهم النقم والكوارث، ثم أخبَرَ بأنه إذا أراد بقومٍ بلاءً أعمى بصائرهم، وحلَّت بهم النقم ولا رادَّ لقضائه، وليس لهم عند ذلك والٍ يتولَّى أمرهم، ويدفع عنهم ما يَحِلُّ بهم من عذاب الله؛ فيجلب لهم المحبوب، ويدفع عنهم المكروه. والحاصلُ: أن نعم الله على عباده كثيرة لا تحصى، ولطفه ورحمته بهم متتابعة في حياتهم كلها؛ فيغمُرُهم بفضله، ويتابع نعمه عليهم طول الزمن الذي يعترفون فيه لله بالفضل والشكر، فإذا كَفَروا بنعمه وجَحَدوها ولم يشكروها، أتاهم أمر الله من العقوبات التي تَحُلُّ بهم في الدنيا والآخرة.

[12] ﴿هُوَ ٱلَّذِي يُرِيكُمُ ٱلۡبَرۡقَ خَوۡفٗا وَطَمَعٗا وَيُنشِئُ ٱلسَّحَابَ ٱلثِّقَالَ 12﴾:

ثم أخبَرَ سبحانه وتعالى أن من مظاهر قدرته: أنه يريكم البرق -وهو النور اللامع- بحسَبِ احتكاك السحب بعضها ببعض؛ فبعضُكم يخاف أن تنزل منه الصواعق المحرِقة، والسيول المدمِّرة، وبعضكم يطمع في أن يَنْزِل معه المطر النافع الذي يعم الناس بالخير والرحمة والرزق، وأخبَرَ أيضًا أن من مظاهر قدرته أنه يُوجِدُ السحابَ المحمَّلَ بالماء الكثير، ثم يرسله من مكان إلى مكان بحسَبِ ما تقتضيه الحكمة والمشيئة الإلهية.

[13] ﴿وَيُسَبِّحُ ٱلرَّعۡدُ بِحَمۡدِهِۦ وَٱلۡمَلَٰٓئِكَةُ مِنۡ خِيفَتِهِۦ وَيُرۡسِلُ ٱلصَّوَٰعِقَ فَيُصِيبُ بِهَا مَن يَشَآءُ وَهُمۡ يُجَٰدِلُونَ فِي ٱللَّهِ وَهُوَ شَدِيدُ ٱلۡمِحَالِ 13﴾:

ثم أخبَرَ جل شأنه أن من مظاهر قدرته: أن الرعد -وهو صوتُ احتكاك السحب، أو ارتطامها بعضها ببعض- يسبِّح بحمده نطقًا؛ خوفًا من الله وإجلالًا لمقامه وذاته، وقيل: أصواتُهُ وتنقُّله تسبيحٌ وشهادةٌ بعظمة الله وحمدٌ له، وتسبيحُ الرعد بحمد الله من الأمور الغيبية التي يجب الإيمان بها وتفويضُ كيفيتها إلى الله تعالى، وأخبَرَ سبحانه أن من مظاهر قدرته أيضًا: أن الملائكة تسبِّح تعظيمًا لله وخوفًا منه، وأخبَرَ جل وعلا أن من مظاهر قدرته أيضًا: أنه يرسل الصواعق، وهي كُتَلٌ ناريةٌ محرِقةٌ، فيُهْلِكُ بها من يشاء من خلقه، ثم أخبَرَ جل وعلا أن الكفار يخاصمون الرسول ﷺ، ويكذِّبونه في قدرة الله، وهو جل وعلا شديد العقوبة لمستحقِّها من خلقه.

[14] ﴿لَهُۥ دَعۡوَةُ ٱلۡحَقِّۚ وَٱلَّذِينَ يَدۡعُونَ مِن دُونِهِۦ لَا يَسۡتَجِيبُونَ لَهُم بِشَيۡءٍ إِلَّا كَبَٰسِطِ كَفَّيۡهِ إِلَى ٱلۡمَآءِ لِيَبۡلُغَ فَاهُ وَمَا هُوَ بِبَٰلِغِهِۦۚ وَمَا دُعَآءُ ٱلۡكَٰفِرِينَ إِلَّا فِي ضَلَٰلٖ 14﴾:

بعد أن بيَّن جل وعلا أن الكفار يكذِّبون الرسل في قدرة الله وعظمته، ويكذِّبونهم في أنه قادر على الانتقام وإحياء الموتى، بيَّن سبحانه أن دعوته هي الدعوة الحقُّ، وأن له وحده دعوةَ التوحيد، وأنه هو الذي يجيب الدعاء بحق، وأن آلهة الكفار التي يدعونها من دون الله ليس لها من الأمر شيء، وأنها لا تستجيب لدعاء مَنْ دعاها، وأن الذي يدعو إلهًا من دون الله كالعطشان الذي يشير بكفَّيْهِ إلى ماءٍ بعيدٍ يريد أن يصل إلى فمه، لكن الماء لا يأتيه؛ لأنه لا يستجيب إلا لمن سعى إليه، ثم بيَّن سبحانه أن دعاء الكافرين وعباداتهم في ضلالٍ وضياعٍ وخسرانٍ؛ لأنه لا إجابة له لإشراكهم بالله غيره.

[15] ﴿وَلِلَّهِۤ يَسۡجُدُۤ مَن فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ طَوۡعٗا وَكَرۡهٗا وَظِلَٰلُهُم بِٱلۡغُدُوِّ وَٱلۡأٓصَالِ 15﴾:

ثم ذكر جل وعلا أن المخلوقات العلوية والسفلية كلها تسجُدُ لله خاضعة منقادة لعظمته؛ فيسجُدُ ويخضعُ له المؤمنون طوعًا، ويخضع له الكافرون والشياطين ونحوهم رغمًا عنهم وكرهًا، وكذلك تخضع لعظمته ظلال كل الكائنات في أول النهار وآخره.

[16] ﴿قُلۡ مَن رَّبُّ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ قُلِ ٱللَّهُۚ قُلۡ أَفَٱتَّخَذۡتُم مِّن دُونِهِۦٓ أَوۡلِيَآءَ لَا يَمۡلِكُونَ لِأَنفُسِهِمۡ نَفۡعٗا وَلَا ضَرّٗاۚ قُلۡ هَلۡ يَسۡتَوِي ٱلۡأَعۡمَىٰ وَٱلۡبَصِيرُ أَمۡ هَلۡ تَسۡتَوِي ٱلظُّلُمَٰتُ وَٱلنُّورُۗ أَمۡ جَعَلُواْ لِلَّهِ شُرَكَآءَ خَلَقُواْ كَخَلۡقِهِۦ فَتَشَٰبَهَ ٱلۡخَلۡقُ عَلَيۡهِمۡۚ قُلِ ٱللَّهُ خَٰلِقُ كُلِّ شَيۡءٖ وَهُوَ ٱلۡوَٰحِدُ ٱلۡقَهَّٰرُ 16﴾:

وقل -أيها النبي- لهؤلاء المشركين: مَنْ خالق السموات والأرض ومدبرهما؟! فأجبهم مباشرة بما يعتقدونه وهو أنه: (الله)، الخالق الرازق المدبِّرُ، المحيي المميت، ثم قلْ لهم: إذا كنتم تُقِرُّونَ بذلك، فلِمَ اتَّخذتم من دونه آلهة تعبدونها وتتقرَّبون إليها، وتطلبون منها وتسألونها، وهذه الآلهة لا تملك لنفسها ضرًّا ولا نفعًا، فضلًا عن أن تملك ذلك لغيرها؟! فأين ذهبت عقولكم؟! ثم قل لهم: هل تساوون بين الأعمى والبصير؟! وبين الظلمات والنور؟! فكذلك لا يسوَّى الكفر بالإيمان، ولا الشركُ بالتوحيد، ولا الضلالُ بالهدى، ثم قل لهم على سبيل الإنكار والتعجُّب: أم أن هؤلاء الذين تعبُدُونهم من دون الله استطاعوا أن يخلُقُوا بعض المخلوقات فاشتبَهَتْ عليكم، ولم تستطيعوا أن تميِّزوا بينها وبين خلق الله، فاعتقدتم استحقاقهم للعبادة مع الله؟! وهم يعلمون أن معبوداتهم لا تستطيع ذلك، ثم قل لهم: الله تعالى وحده خالقُ كلِّ شيء؛ وعليه فهو المستحِقُّ للعبادة وحده دون ما سواه، وهو الواحدُ المتفرِّدُ بالخلق والرزق والتدبير، والإحياء والإماتة، وهو الواحد أيضًا في ألوهيته، وهو القهَّار الذي قهَرَ الجميع، وذَلَّ له كل شيء سبحانه وتعالى.

[17] ﴿أَنزَلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءٗ فَسَالَتۡ أَوۡدِيَةُۢ بِقَدَرِهَا فَٱحۡتَمَلَ ٱلسَّيۡلُ زَبَدٗا رَّابِيٗاۖ وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيۡهِ فِي ٱلنَّارِ ٱبۡتِغَآءَ حِلۡيَةٍ أَوۡ مَتَٰعٖ زَبَدٞ مِّثۡلُهُۥۚ كَذَٰلِكَ يَضۡرِبُ ٱللَّهُ ٱلۡحَقَّ وَٱلۡبَٰطِلَۚ فَأَمَّا ٱلزَّبَدُ فَيَذۡهَبُ جُفَآءٗۖ وَأَمَّا مَا يَنفَعُ ٱلنَّاسَ فَيَمۡكُثُ فِي ٱلۡأَرۡضِۚ كَذَٰلِكَ يَضۡرِبُ ٱللَّهُ ٱلۡأَمۡثَالَ 17﴾:

أخبَرَ جل وعلا أنه أنزل من السماء ماءً كثيرًا متدفِّقا، فسالت على إِثْره الأودية بحسَبِ صغرها وكبرها كلٌّ بما يملؤه، وهذا السيل مع شدة جَرَيانه يحمل فوقه غثاء طافيًا لا نفع فيه، وهذا مَثَلٌ ضرَبَهُ الله للحق والباطل، وضرب سبحانه مثلًا آخر في المعادن التي تُوقَدُ عليها النار لصهرها طلبًا للزينة أو الانتفاع بها، فيخرُجُ منها خَبَثُها مما لا فائدة فيه؛ كالذي يطفو على الماء، وبمثل هذا يَضْرِبُ الله الأمثال للحق والباطل؛ فالباطل لا خير فيه؛ فهو كالغُثَاء الذي يطفو على وجه الماء، فيرمي به السيل على جانِبَيِ الوادي، فتذروه الرياح، ثم يضمحِلُّ ويزهق ويذهب جُفَاءً؛ فلا بقاء له ولا فائدة منه، وأمَّا الحق، فإنه ظاهر ونافع؛ كالماء الصافي الذي يثبُتُ في الأرض، وكالمعادن النقيَّة التي ينتفع بها الناس، وسوف يظهر ويعلو مهما كاد له الأعداء، وبمثل هذا البيان البديع يضربُ الله الأمثال للناس؛ لعلَّهم يتفكَّرون فيؤمنون بالله الإيمان الحق، ويميِّزون بين الخير والشر، والمعروف والمنكر.

[18] ﴿لِلَّذِينَ ٱسۡتَجَابُواْ لِرَبِّهِمُ ٱلۡحُسۡنَىٰۚ وَٱلَّذِينَ لَمۡ يَسۡتَجِيبُواْ لَهُۥ لَوۡ أَنَّ لَهُم مَّا فِي ٱلۡأَرۡضِ جَمِيعٗا وَمِثۡلَهُۥ مَعَهُۥ لَٱفۡتَدَوۡاْ بِهِۦٓۚ أُوْلَٰٓئِكَ لَهُمۡ سُوٓءُ ٱلۡحِسَابِ وَمَأۡوَىٰهُمۡ جَهَنَّمُۖ وَبِئۡسَ ٱلۡمِهَادُ 18﴾:

ثم بيَّن جل وعلا مآل من آمن به وأطاعه واتَّقاه، ومآل من كفر به وعصاه؛ فالذين آمنوا بالله، وصدَّقوا رسوله ﷺ، واستجابوا طائعين، لهم الحالةُ الحسَنةُ في الدنيا، والثوابُ الحسَنُ في الآخرة، في جنات النعيم، لهم فيها ما لا عين رأت ولا أُذُن سمعت ولا خطَرَ على قلب بشر، وأما الذين لم يستجيبوا لله ورسوله ﷺ، ولم يلبُّوا داعي الإيمان حين أتاهم، فأولئك لهم الخِزْي والخسار، والعذاب الشديد في النار، وهؤلاء لو أنهم يمتلكون ضِعْفَ ما على الأرض من أصناف الأموال، وقدَّموها فديةً لأنفسهم لينجو من عذاب يوم القيامة، ما نفعهم ذلك، ولا أغنى عنهم شيئًا، وأولئك سيجدون جميع ما قدَّموا من الأعمال ينتظرهم هناك، في كتابٍ لا يغادِرُ صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها؛ فيحاسبون على ذلك أشدَّ الحساب وأقساه، ثم يكون مكانهم ومستقرُّهم ومسكنهم نارَ جهنم؛ فبئس المكان والمقرّ، وبئس الفراش والمستقرّ.

[19] ﴿أَفَمَن يَعۡلَمُ أَنَّمَآ أُنزِلَ إِلَيۡكَ مِن رَّبِّكَ ٱلۡحَقُّ كَمَنۡ هُوَ أَعۡمَىٰٓۚ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُواْ ٱلۡأَلۡبَٰبِ 19﴾:

قال جل وعلا على وجه الإنكار والاستبعاد: وهل الذي يعلم -أيها النبي- أن ما أُنزِلَ إليك من ربك هو التوحيد، فيؤمن به، ويعمل بمقتضاه، يستوي مع أعمى القلب الذي لا يعلم ذلك؟! والجواب: قطعًا سيكون: لا يستويان، ثم مدَحَ سبحانه أصحاب العقول الراجحة، والعقول النيِّرة، الذين يتَّعظون بذلك، ويدركون الفرق بينهما؛ فيتَّبعون سبيل أهل الإيمان.

[20] ﴿ٱلَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهۡدِ ٱللَّهِ وَلَا يَنقُضُونَ ٱلۡمِيثَٰقَ 20﴾:

أخبَرَ جل وعلا أن مِنْ صفات أولي الألباب: أنهم يُوفُونَ ويتمُّون جميع ما عاهدوا الله عليه، ومن تمام وفائهم بذلك: أنهم لا ينقُضُونَ أيًّا من العهود والمواثيق التي أخذوها على أنفسهم، وتعهَّدوا بوفائها؛ كالأَيْمان والنذور وغيرها؛ فيؤدُّونها كاملة.

[21] ﴿وَٱلَّذِينَ يَصِلُونَ مَآ أَمَرَ ٱللَّهُ بِهِۦٓ أَن يُوصَلَ وَيَخۡشَوۡنَ رَبَّهُمۡ وَيَخَافُونَ سُوٓءَ ٱلۡحِسَابِ 21﴾:

ومن صفاتهم أنهم: يَصِلُونَ جميع من أمر الله بوصله، فيَصِلُونَ الله ورسوله بالطاعة؛ بأداء الواجبات والمستحبات، ويصلون الوالدين ببرِّهما، ويصلون الأقارب والأرحام بما لهم من صلة الرحم، ويصلون أزواجهم بالعِشْرة بالمعروف، ويصلون من تحت أيديهم وما وَلُوا بحُسْنِ الرعاية، ومع ذلك: يخافون الله ويخافون عذابه وعقابه؛ فيعبدونه مستقيمين على طاعته، ويخافون من الحساب وشدته يوم القيامة.

[22] ﴿وَٱلَّذِينَ صَبَرُواْ ٱبۡتِغَآءَ وَجۡهِ رَبِّهِمۡ وَأَقَامُواْ ٱلصَّلَوٰةَ وَأَنفَقُواْ مِمَّا رَزَقۡنَٰهُمۡ سِرّٗا وَعَلَانِيَةٗ وَيَدۡرَءُونَ بِٱلۡحَسَنَةِ ٱلسَّيِّئَةَ أُوْلَٰٓئِكَ لَهُمۡ عُقۡبَى ٱلدَّارِ 22﴾:

ومن صفاتهم أنهم: يصبرون على الطاعات، وعن المعاصي، وعلى أقدار الله المؤلمة؛ فلا يَسْخَطون ولا يَجْزَعون، وهم في ذلك مخلصون لوجه الله سبحانه وتعالى؛ فلا مقصد لهم، ولا غرض إلا رضا المولى سبحانه، ويقيمون الصلاة على أحسن وجه، وأكمل صفة، ويُخْرِجون أموالهم لله طيبة بها نفوسهم، زكاة وصدقة، ويجعلون إنفاقهم في السر -وهو أدعى للإخلاص- وفي العلن -لِمَا فيه مصلحةُ تشجيعِ غيرهم- وأيضًا يقابلون السيئة بالحسنة؛ فيعفون عمَّن ظلمهم، ويَصِلون مَنْ قطعهم، وهؤلاء المتصفون بهذه الصفات لهم العاقبة الحميدة في الدنيا والآخرة.

[23] ﴿جَنَّٰتُ عَدۡنٖ يَدۡخُلُونَهَا وَمَن صَلَحَ مِنۡ ءَابَآئِهِمۡ وَأَزۡوَٰجِهِمۡ وَذُرِّيَّٰتِهِمۡۖ وَٱلۡمَلَٰٓئِكَةُ يَدۡخُلُونَ عَلَيۡهِم مِّن كُلِّ بَابٖ 23﴾:

ثم بيَّن جل وعلا هذه العاقبة الحميدة، فأخبر أنها: جناتُ عَدْنٍ، أي: إقامةٍ دائمةٍ، لا انقطاع لها ولا زوال، يدخُلُونها وبصحبتهم مَنْ آمن وصلَحَ لدخولها من الآباء والأمهات، والأزواج والذريَّات؛ ليحصُلَ لهم تمام الأنس، وكمال الفَرَح والسعادة بالاجتماع في دار الكرامة، ثم هم مع ذلك النعيم، تدخُلُ عليهم الملائكة من كل باب يهنِّئونهم بفَوْزهم، وبرضوان الله عليهم.

[24] ﴿سَلَٰمٌ عَلَيۡكُم بِمَا صَبَرۡتُمۡۚ فَنِعۡمَ عُقۡبَى ٱلدَّارِ 24﴾:

وبيَّن سبحانه أن الملائكة تسلِّم على أهل الجنة سلامًا خاصًّا، وتُخْبِرهم أنهم حصلوا على ذلك النعيم برحمة الله لهم، ثم بإيمانهم وصبرهم ومصابرتهم؛ فنِعْمَتْ هذه العاقبة، ونعم هذا المآل.

[25] ﴿وَٱلَّذِينَ يَنقُضُونَ عَهۡدَ ٱللَّهِ مِنۢ بَعۡدِ مِيثَٰقِهِۦ وَيَقۡطَعُونَ مَآ أَمَرَ ٱللَّهُ بِهِۦٓ أَن يُوصَلَ وَيُفۡسِدُونَ فِي ٱلۡأَرۡضِ أُوْلَٰٓئِكَ لَهُمُ ٱللَّعۡنَةُ وَلَهُمۡ سُوٓءُ ٱلدَّارِ 25﴾:

ثم ذكَرَ جل وعلا حال أهل النار، الذين لم يستجيبوا لله ورسوله ﷺ، وذكَرَ الله شيئًا من صفاتهم؛ فمِنْ ذلك: أنهم ينقضون العهد الذي أخذه الله عليهم، وأكَّده بالمواثيق الغليظة بأن يوحِّدوه ولا يشركوا به شيئًا، وأنهم يَقْطَعون ما أمَرَ الله به أن يُوصَلَ؛ من طاعتهم لله، وبِرِّهم بآبائهم، وصلتهم لأرحامهم، وأنهم يَسْعَوْنَ في إفساد الأرض بالشرك، وارتكاب المعاصي، والصدِّ عن سبيل الله، وإفساد البلاد والعباد، وهؤلاء المتصفون بهذه الصفات جزاؤهم اللعنة والطَّرْد والإبعاد من رحمة الله، ثم لهم نار جهنَّم دارًا لهم؛ فبئس ما صنعوا، وبئس ما إليه آلوا.

[26] ﴿ٱللَّهُ يَبۡسُطُ ٱلرِّزۡقَ لِمَن يَشَآءُ وَيَقۡدِرُۚ وَفَرِحُواْ بِٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَا وَمَا ٱلۡحَيَوٰةُ ٱلدُّنۡيَا فِي ٱلۡأٓخِرَةِ إِلَّا مَتَٰعٞ 26﴾:

أخبَرَ جل وعلا أنه هو الرزَّاق، وأن مقادير الأرزاق بيده وحده سبحانه؛ فهو يوسِّع على من يشاء اختبارًا وابتلاءً، ويضيِّق على من يشاء امتحانًا، ثم أخبَرَ أن الكفار لجهلهم وقلَّة إدراكهم فَرِحوا بالحياة الدنيا، ورَضُوا بها، واطمأنوا إليها، وغَفَلوا عن الآخرة، وما حقيقةُ هذه الحياة الدنيا -بكل ما فيها- إلا متاعٌ قليل زائل.

[27] ﴿وَيَقُولُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَوۡلَآ أُنزِلَ عَلَيۡهِ ءَايَةٞ مِّن رَّبِّهِۦۚ قُلۡ إِنَّ ٱللَّهَ يُضِلُّ مَن يَشَآءُ وَيَهۡدِيٓ إِلَيۡهِ مَنۡ أَنَابَ 27﴾:

أخبَرَ جل وعلا أن الذين كفروا يقولون: هلا أنزَلَ الله علينا معجزةً كونيةً تدُلُّ على صدق محمد؛ كالمعجزاتِ الحسِّيَّةِ التي أنزلت على الأنبياء من قبله، وهذا يعني أنهم يَرَوْنَ أن المعجزة التي أنزلت على محمد -وهي القرآن الكريم- لا تكفي أَوْ لا تصلح أن تكون معجزةً تدُلُّ على صدقه ﷺ، فقل لهم: إن الله يُضِلُّ من يشاء من عباده، ويهدي من يشاء من عباده؛ والله سبحانه جعلهم مختارين؛ فالذين اختاروا الضلال وأصرُّوا على الكفر، ثبَّتهم الله عليه؛ كما أن الذين آمنوا وتابوا، هداهم الله؛ وكلا الأمرين بعِلْمِ الله وإرادته الكونية.

[28] ﴿ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَتَطۡمَئِنُّ قُلُوبُهُم بِذِكۡرِ ٱللَّهِۗ أَلَا بِذِكۡرِ ٱللَّهِ تَطۡمَئِنُّ ٱلۡقُلُوبُ 28﴾:

ثم بيَّن سبحانه أن الذين آمنوا بالله، واتَّبعوا رسوله ﷺ، لهم علامةٌ تدُلُّ عليهم، وهي اطمئنان قلوبهم وسكونها واستئناسها وفَرَحها، وزوال الاضطراب عنها عند ذكر الله جل وعلا؛ أَلَا بذكر الله وأسمائه وصفاته تطمئنُّ القلوب، وتهدأ النفوس، وتسكُنُ الجوارح.

[29] ﴿ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ طُوبَىٰ لَهُمۡ وَحُسۡنُ مَـَٔابٖ 29﴾:

ثم أخبَرَ جل في علاه أن الذين آمنوا بالله وكتبه ورسله واليوم الآخر، والقدر خيره وشره، واتَّبعوا رسوله ﷺ، وقاموا بمقتضى ذلك من الأعمال الصالحة، أولئك لهم حياةٌ طيبة، وقرة عَيْن، وحُسْنُ منقلب، ومن ذلك شجرةُ طُوبى في الجنة، وهي شجرةٌ عظيمة يسير الراكب في ظلها مائة عام، ورضوانٌ من الله أكبر.

[30] ﴿كَذَٰلِكَ أَرۡسَلۡنَٰكَ فِيٓ أُمَّةٖ قَدۡ خَلَتۡ مِن قَبۡلِهَآ أُمَمٞ لِّتَتۡلُوَاْ عَلَيۡهِمُ ٱلَّذِيٓ أَوۡحَيۡنَآ إِلَيۡكَ وَهُمۡ يَكۡفُرُونَ بِٱلرَّحۡمَٰنِۚ قُلۡ هُوَ رَبِّي لَآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ عَلَيۡهِ تَوَكَّلۡتُ وَإِلَيۡهِ مَتَابِ 30﴾:

وكذلك أرسلناك -أيها النبي- في أمتك ولستَ أوَّلَ رسول أرسله الله إلى قومه، بل أرسلنا قبلك رسلًا إلى قومهم، فلستَ بِدْعًا من الرسل ليكذِّبوك، وقد أرسلناك إليهم لتقرأ عليهم هذا القرآن الذي أوحيناه إليك؛ لتأمُرَهم بالتوحيد، وتنهاهم عن الشرك، ولتزكُوَ نفوسهم، وتتطهَّر قلوبهم، والحال -أيها النبي- أن قومك جاحدون بتوحيد الرحمن، ومقيمون على الشرك والكفران، فقل لهم: إن ربي هو اللهُ الذي لا ربَّ سواه، ولا معبودَ بحقٍّ إلا هو، عليه توكَّلت واعتمدت ووثقت في جميع أموري، وإليه مرجعي وتوبتي.

[31] ﴿وَلَوۡ أَنَّ قُرۡءَانٗا سُيِّرَتۡ بِهِ ٱلۡجِبَالُ أَوۡ قُطِّعَتۡ بِهِ ٱلۡأَرۡضُ أَوۡ كُلِّمَ بِهِ ٱلۡمَوۡتَىٰۗ بَل لِّلَّهِ ٱلۡأَمۡرُ جَمِيعًاۗ أَفَلَمۡ يَاْيۡـَٔسِ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ أَن لَّوۡ يَشَآءُ ٱللَّهُ لَهَدَى ٱلنَّاسَ جَمِيعٗاۗ وَلَا يَزَالُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ تُصِيبُهُم بِمَا صَنَعُواْ قَارِعَةٌ أَوۡ تَحُلُّ قَرِيبٗا مِّن دَارِهِمۡ حَتَّىٰ يَأۡتِيَ وَعۡدُ ٱللَّهِۚ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يُخۡلِفُ ٱلۡمِيعَادَ 31﴾:

ثم بيَّن سبحانه أنه لو كان هناك كتاب من الكتب الإلهية تتأثَّرُ به الجبال، فتنتقِلُ عن أماكنها، أو تُقطَّعُ به الأرض جناتٍ وأنهارًا، أو تُكلَّمُ به الموتى، لكان هو هذا القرآن؛ لأنه هو الغايةُ القصوى، والحق المطلَقُ في الهداية والتذكير؛ أفلا يعلم هؤلاء المكذِّبون أن الله لا يعجزه أن يأتي بما طلبوا من المعجزات، ولكنْ ليعلَمْ هؤلاء أن الأمر له وحده في كل شيء، أفلم يعلم المؤمنون أن الله قادرٌ على أن يجعل الجميع يؤمنون؟! ولكنَّ حكمته أنه جعلهم مختارين؛ فمَنِ اختار الضلال، فمهما رأى من المصائب، سواءٌ حلَّت به أو بجيرانه، فإنه لن يؤمن حتى يرى الموت أو القيامة إلا مَنْ شاء الله سلامته، ولا يزال الكفار تَنْزِلُ بهم المصائب من القتل والأسر في الحروب والغَزَوات، أو تَنْزِلُ قريبًا من دارهم؛ حتى يتم وعد الله لنبيه وأتباعه بالنَّصْرِ عليهم؛ إن الله لا يخلف الميعاد.

[32] ﴿وَلَقَدِ ٱسۡتُهۡزِئَ بِرُسُلٖ مِّن قَبۡلِكَ فَأَمۡلَيۡتُ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ ثُمَّ أَخَذۡتُهُمۡۖ فَكَيۡفَ كَانَ عِقَابِ 32﴾:

خاطب جل وعلا رسوله ﷺ، وسلّاه حين كذَّبه قومه، فقال له: -أيها النبي- لقد أرسلنا رسلًا من قبلك إلى قومهم، فلم يؤمنوا بهم، بل قابلوهم بالاستهزاء والسخرية، فأمهَلْتُ وأنظَرْتُ هؤلاء المكذِّبين المستهزئين مدَّة، ثم أخذتهم وأهلكتهم بأشدِّ وأقسى أنواع العقوبات؛ فكيف كان إهلاكي إياهم، وهذه نهاية ومصير كل من يستهزئ بالرسل، ويسخر منهم.

[33] ﴿أَفَمَنۡ هُوَ قَآئِمٌ عَلَىٰ كُلِّ نَفۡسِۭ بِمَا كَسَبَتۡۗ وَجَعَلُواْ لِلَّهِ شُرَكَآءَ قُلۡ سَمُّوهُمۡۚ أَمۡ تُنَبِّـُٔونَهُۥ بِمَا لَا يَعۡلَمُ فِي ٱلۡأَرۡضِ أَم بِظَٰهِرٖ مِّنَ ٱلۡقَوۡلِۗ بَلۡ زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ مَكۡرُهُمۡ وَصُدُّواْ عَنِ ٱلسَّبِيلِۗ وَمَن يُضۡلِلِ ٱللَّهُ فَمَا لَهُۥ مِنۡ هَادٖ 33﴾:

ثم أخبَرَ سبحانه بقوله: أفمَنْ هو قائم على كل نفس بما كسَبَتْ من خيرٍ أو شرّ، يحصي لها ذلك، ثم يجازيها عليه بالعدل والقسط، وهو الله جل وعلا، كمن ليس كذلك من الآلهة المزعومة؟! وقد اتَّخذ هؤلاء المشركون مع الله آلهة أخرى، وجعلوها شركاء لله، فقل لهم -أيها النبي-: اذكروا أسماء هذه الآلهة وحقيقتها، وما تَمْلِكُ من النفع والضر، أم تخبرون الله وتُعْلِمونه -أيها المشركون- بشيء لا يعلمه في الأرض؛ وهذا مِنْ أبطل الباطل؛ فإن الله عالم الغيب والشهادة، أم غاية أمركم أنكم تذكُرُونَ هذه الآلهة المزعومة بقولٍ ظاهرٍ فقطْ بألسنتكم، وهو قولٌ لا حقيقةَ له، ولا دليلَ عليه، ولكن حُسِّنَ وجُمِّلَ للذين كفروا مكرهم من الإعراض عن التوحيد، والإقامة على الإشراك والتنديد، وبفعلهم هذا صُدُّوا وصُرِفوا عن طريق الحق والتوحيد، واعلموا أن مَنْ لم يلتجئ إلى الله، فلن يوفِّقه الله للهداية ويرشده إليها، وليس له هادٍ يَهْديه، ولا ناصر ينجِّيه من عذاب الله. والمقصودُ: أن مَنْ أصر على الكفر، فحَكَمَ الله عليه بالضلال، فليس هناك قوة تهديه؛ وإضلال الله له هو إضلالٌ جزائيٌّ، وليس ابتدائيًّا.

[34] ﴿لَّهُمۡ عَذَابٞ فِي ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَاۖ وَلَعَذَابُ ٱلۡأٓخِرَةِ أَشَقُّۖ وَمَا لَهُم مِّنَ ٱللَّهِ مِن وَاقٖ 34﴾:

ثم بيَّن سبحانه أن هؤلاء المشركين الضالِّين لهم عذاب في الحياة الدنيا بالقتل والأسر والذل، ولهم في الآخرة عذاب أشد وأشق وأدوم وأبقى، وليس لهم مانعٌ ولا عاصمٌ ولا ناصرٌ -من آلهتهم المزعومة-يدفع عنهم عذاب الله وسَخَطه.

[35] ﴿مَّثَلُ ٱلۡجَنَّةِ ٱلَّتِي وُعِدَ ٱلۡمُتَّقُونَۖ تَجۡرِي مِن تَحۡتِهَا ٱلۡأَنۡهَٰرُۖ أُكُلُهَا دَآئِمٞ وَظِلُّهَاۚ تِلۡكَ عُقۡبَى ٱلَّذِينَ ٱتَّقَواْۚ وَّعُقۡبَى ٱلۡكَٰفِرِينَ ٱلنَّارُ 35﴾:

وصف جل وعلا الجنة التي أعدَّها لعباده المتقين الذين جعَلُوا بينهم وبين عذاب الله وقايةً؛ بتوحيده، وفعل أوامره، واجتناب نواهيه، هذه الجنة تجري تحت قصورها وأشجارها أنهارُ الماءِ والخَمْرِ، واللَّبَنِ والعسل المصفَّى، وأكلها دائم لا ينقطع، وظلها دائم وعريض لا يتقلَّص ولا يذهب، وهذه المثوبة جزاء ومآل الذين خافوا الله واتقَوْهُ واستجابوا لرسوله ﷺ، أما مصير الكافرين المكذِّبين، فهي نارٌ حارقة، وبئس المصير.

[36] ﴿وَٱلَّذِينَ ءَاتَيۡنَٰهُمُ ٱلۡكِتَٰبَ يَفۡرَحُونَ بِمَآ أُنزِلَ إِلَيۡكَۖ وَمِنَ ٱلۡأَحۡزَابِ مَن يُنكِرُ بَعۡضَهُۥۚ قُلۡ إِنَّمَآ أُمِرۡتُ أَنۡ أَعۡبُدَ ٱللَّهَ وَلَآ أُشۡرِكَ بِهِۦٓۚ إِلَيۡهِ أَدۡعُواْ وَإِلَيۡهِ مَـَٔابِ 36﴾:

أخبَرَ سبحانه أن الذين أعطاهم الكتاب وهم الذين أُنزِلَ عليهم التوراة والإنجيل، وآمنوا بالنبي ﷺ، واتَّبعوه، فهؤلاء يفرحون فرحًا شديدًا بما أُنزِلَ إليه من القرآن؛ وذلك لتصديقه لما في التوراة والإنجيل، وهناك طوائف قد تحزَّبت ضد الحق، واتَّحدوا على الكفر، فمنهم مَنْ ينكر بعض هذا القرآن ويكذِّب به ولا يصدِّقه، فقل لهم-أيها النبي-: إني أُمِرْتُ أن أوحِّد الله، وأخلص العبادة له وحده، ولا أشرك به شيئًا، هو ربي لا إله إلا هو، فأنا أدعو الناس إلى عبادة الله وتوحيده، وأنهاهم عن الشرك به، وإليه مرجعي وإيابي.

[37] ﴿وَكَذَٰلِكَ أَنزَلۡنَٰهُ حُكۡمًا عَرَبِيّٗاۚ وَلَئِنِ ٱتَّبَعۡتَ أَهۡوَآءَهُم بَعۡدَ مَا جَآءَكَ مِنَ ٱلۡعِلۡمِ مَا لَكَ مِنَ ٱللَّهِ مِن وَلِيّٖ وَلَا وَاقٖ 37﴾:

ثم أخبَرَ سبحانه أنه كما أنزَلَ الكتب على الرسل بلغات قومهم، أنزَلَ على النبي ﷺ القرآن بلغة قومه، وهي اللغة العربية؛ ليسهُلَ حفظه ونشره في سكان الأرض كلها، وهو جامعٌ لأصول الشرائع السماوية؛ لتحكُمَ بالعدل والصواب بين العباد في جميع شؤونهم من أمور العبادة وأمور الدنيا؛ من تجارة وعَلَاقات، وكلِّ ما يحتاجه البشر، وإذا اتَّبعت -أيها النبي- أهواء المشركين في عبادة غير الله بعد الحق الذي جاءك، فاعلم أنه ليس لك ناصرٌ من دون الله يدفع عنك العذاب، ولا مَنْ يَحْمِيك من عقاب الله.

ولا شك أنه ﷺ معصومٌ مما هو أقلُّ من هذا، والمقصودُ: إبلاغُ أمته وتحذيرُهم من الضلال بعد الهدى.

[38] ﴿وَلَقَدۡ أَرۡسَلۡنَا رُسُلٗا مِّن قَبۡلِكَ وَجَعَلۡنَا لَهُمۡ أَزۡوَٰجٗا وَذُرِّيَّةٗۚ وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ أَن يَأۡتِيَ بِـَٔايَةٍ إِلَّا بِإِذۡنِ ٱللَّهِۗ لِكُلِّ أَجَلٖ كِتَابٞ 38﴾:

واعلم -أيها النبي- أن الله أرسل من قبلك رسلًا إلى قومهم يدعونهم إلى التوحيد، ويحذِّرونهم من الشرك، وقد كانوا بشرًا مثلك، وكانت لهم زَوْجات، ولهم ذرية؛ فلا يحزُنْكَ ما يعيبك به هؤلاء المشركون؛ فهذا ليس بعيب ولا منقصة؛ فإخوانك الأنبياء من قبلك كانت لهم أزواجٌ وذريَّة، ثم أخبِرْ قومك -أيها الرسول-: أن الرسول إنما هو مبلِّغٌ عن الله، ليس في يده أن يأتي بالمُعْجِزات من عند نفسه، إنما يأتي بها إذا أُوحِيَ إليه بها، ولكل أمر قضاه الله وقدَّره وقتٌ لا يتأخَّر عنه، وساعةٌ لا يتقدَّم عليها ولا يتأخَّر عنها.

[39] ﴿يَمۡحُواْ ٱللَّهُ مَا يَشَآءُ وَيُثۡبِتُۖ وَعِندَهُۥٓ أُمُّ ٱلۡكِتَٰبِ 39﴾:

بيَّن جل وعلا أنه على كل شيء قديرٌ، وأنه يفعل ما يشاء مما تقتضيه الحِكْمة؛ فيمحو ما يشاء؛ ويُبْقِي ما يشاء، وعنده أم الكتاب، وهو اللوح المحفوظ.

ومعلوم أن أحكام الله وأقداره المكتوبة في اللوح المحفوظ على قسمَيْنِ: قسمٌ لا يعتريه التغيير، وهو الذي لا يطَّلع عليه ملَكٌ مقرَّب، ولا نبيٌّ مرسل، وقسمٌ معلَّقٌ بأسبابه وعلله، وهي التي تخضع للمحو والإثبات.

[40] ﴿وَإِن مَّا نُرِيَنَّكَ بَعۡضَ ٱلَّذِي نَعِدُهُمۡ أَوۡ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِنَّمَا عَلَيۡكَ ٱلۡبَلَٰغُ وَعَلَيۡنَا ٱلۡحِسَابُ 40﴾:

خاطب جل وعلا رسوله ﷺ، فقال: -أيها النبي- إنْ أريناك بعض الذي وعدنا به قومك -المكذِّبين- من العذاب، فذاك، وإنْ توفَّيناك قبل ذلك، فلا عليك؛ فلن يفوتونا، ولن يفلتوا منا، فأنت إنما عليك البلاغ والبيان، والدلالة والإرشاد، ونحن علينا الحساب والجزاء، وستُوفَّى كلُّ نفس ما عملت، وتُجازى بما كسَبَتْ.

[41] ﴿أَوَلَمۡ يَرَوۡاْ أَنَّا نَأۡتِي ٱلۡأَرۡضَ نَنقُصُهَا مِنۡ أَطۡرَافِهَاۚ وَٱللَّهُ يَحۡكُمُ لَا مُعَقِّبَ لِحُكۡمِهِۦۚ وَهُوَ سَرِيعُ ٱلۡحِسَابِ 41﴾:

ثم خاطب سبحانه نبيه ﷺ فقال: أولم يشاهدِ الكفار أن الله مكَّن المسلمين من الاستيلاء على أرض الكافرين بلدةً بلدةً حتى أَذِنَ الله بفتح أم القرى؛ وهذا قول أكثر المفسِّرين، وقال آخرون: إن الرمال تزحف حتى تغطي بعض البحار؛ فيعلو البحر، ويطمُرُ البلاد الساحلية، وقال آخرون: نقصانُ الأرض هو موتُ العلماء؛ وقد جاء ذلك عن ابن عباس رضي الله عنهما. ثم أخبر جل وعلا أنه يحكُمُ بما يشاء في خلقه لا يتعقَّب أحدٌ ما حكم به، كما أنه لا رادَّ لحكمه وقضائه، وهو سبحانه يحاسب الخلق جميعًا في وقت سريع.

[42] ﴿وَقَدۡ مَكَرَ ٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِهِمۡ فَلِلَّهِ ٱلۡمَكۡرُ جَمِيعٗاۖ يَعۡلَمُ مَا تَكۡسِبُ كُلُّ نَفۡسٖۗ وَسَيَعۡلَمُ ٱلۡكُفَّٰرُ لِمَنۡ عُقۡبَى ٱلدَّارِ 42﴾:

ثم أخبَرَ سبحانه أن الأقوام السابقة قد مكَرَتْ برسلها وبالمؤمنين، ودبَّروا لهم المكايد، وكان عاقبة ذلك خسارتهم وندَمَهم وخِزْيهم في الدارين؛ إذِ المكر لله جميعًا، وأيُّ مكرٍ لا قيمةَ له ولا تأثيرَ في مواجهة مكر الله جل وعلا بالماكرين؛ فهو سبحانه يُبْطِلُ مكرهم وكيدهم، ويعلم ما تكسب كلَّ نفس من خير أو شر، وسيُجازي كلَّ نفس بما عملت، وسيعلم الكفار الجاحدون للتوحيد، المقيمون على الشرك لمن تكون النجاة، ولمن يكون الفوز والفلاح، ولمن تكون العاقبة المحمودة في الدنيا والآخرة.

[43] ﴿وَيَقُولُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَسۡتَ مُرۡسَلٗاۚ قُلۡ كَفَىٰ بِٱللَّهِ شَهِيدَۢا بَيۡنِي وَبَيۡنَكُمۡ وَمَنۡ عِندَهُۥ عِلۡمُ ٱلۡكِتَٰبِ 43﴾:

ختَمَ جل وعلا السورة بذكر تكذيب الكفار الذين ينكرون رسالتك ونبوَّتك -أيها النبي- فكذَّبهم الله وشهد بصدقك، وشهادة الله أنه أيَّده بالبينات والمعجزات والقرآن الذي تحدَّاهم بالإتيان بمثله، وكذلك شهد بصدقه علماء أهل الكتاب الذين عرفوه كما يعرفون أبناءهم؛ فآمنوا وشهدوا له بالنبوَّة والرسالة؛ فصلى الله عليه وسلم؛ فهو الصادق الأمين حتى قبل النبوَّة.

سورة إبراهيم

سورة إبراهيم مكيَّةٌ، وآياتها ثنتان وخمسون آية.

[1] ﴿الٓرۚ كِتَٰبٌ أَنزَلۡنَٰهُ إِلَيۡكَ لِتُخۡرِجَ ٱلنَّاسَ مِنَ ٱلظُّلُمَٰتِ إِلَى ٱلنُّورِ بِإِذۡنِ رَبِّهِمۡ إِلَىٰ صِرَٰطِ ٱلۡعَزِيزِ ٱلۡحَمِيدِ 1﴾:

سبق الكلام عن الحروف المقطَّعة في أول سورة البقرة.

ثم أخبَرَ جل وعلا أنه أنزَلَ هذا القرآن على محمد ﷺ بواسطة جبريل عليه السلام، وجبريلُ يُوحِيهِ إليه؛ ليُخْرِجَ المكلَّفين من العباد من ظلمات الجهل والكفر إلى نور العلم والإيمان، والهدى والصلاح. وجَمَعَ الظلمات لتعدُّدها وتنوُّعها، وأفرد النور وهو: الصراط المستقيم، والإيمان، وإخلاص العبادة لله وحده. وكل ذلك لا يتم إلا بعون الله وغوثه وتوفيقه؛ فهو الهادي إلى سواء السبيل؛ قال تعالى: ﴿وَهَدَيۡنَٰهُ ٱلنَّجۡدَيۡنِ﴾ [البلد:١0].

وقوله: ﴿رَّبِّهِمۡۖ ﴾: يُشْعِرُ بلطف الله ورحمته وتربيته لعباده وإنارة السبيل لهم، فكما أنه يُخْرِجهم من الظلمات إلى النور؛ فإنه أيضًا يخرجهم إلى طريق اللهِ العزيزِ الذي يَغْلِبُ ولا يُغْلَبُ، الحميدِ المحمود بكل لسان.

[2] ﴿ٱللَّهِ ٱلَّذِي لَهُۥ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلۡأَرۡضِۗ وَوَيۡلٞ لِّلۡكَٰفِرِينَ مِنۡ عَذَابٖ شَدِيدٍ 2﴾:

أخبَرَ سبحانه أن له مُلْكَ السموات والأرض وما فيهما وما بينهما؛ مُلْكًا وتدبيرًا وتصريفًا، وله الأمر والحكم جل وعلا، وويل للذين يجحدونه ولا يؤمنون برسله من عذابٍ غايةٍ في الشدَّة والقسوة والغلظة.

[3] ﴿ٱلَّذِينَ يَسۡتَحِبُّونَ ٱلۡحَيَوٰةَ ٱلدُّنۡيَا عَلَى ٱلۡأٓخِرَةِ وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ وَيَبۡغُونَهَا عِوَجًاۚ أُوْلَٰٓئِكَ فِي ضَلَٰلِۭ بَعِيدٖ 3﴾:

ثم وضَّح جل وعلا أن الهلاك والعذاب على الكافرين الذين يستحبون الحياة الدنيا على الآخرة، ويمنعون الناس عن الإيمان والصلاح بالتهديد والوعيد والإيذاء، ويريدون أن تكون الطرق معوجَّةً حسَبَ أهوائهم، وهؤلاء الموصوفون بهذه الصفات في ضلالٍ وبُعْدٍ كبيرٍ عن الحق.

[4] ﴿وَمَآ أَرۡسَلۡنَا مِن رَّسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوۡمِهِۦ لِيُبَيِّنَ لَهُمۡۖ فَيُضِلُّ ٱللَّهُ مَن يَشَآءُ وَيَهۡدِي مَن يَشَآءُۚ وَهُوَ ٱلۡعَزِيزُ ٱلۡحَكِيمُ 4﴾:

واعلم -أيها الرسول- أن الله ما بعَثَ من رسول لأمة من قبلك إلا منهم وبلُغَتهم؛ ليوضِّح لهم التوحيد وتفاصيل العبادة لله؛ حتى لا يكون لأحد منهم حجة، ثم بعد ذلك يضل الله من يختار له الضلال، أي: يترُكُهُ وما اختار؛ كما قال تعالى: ﴿فَلَمَّا زَاغُوٓاْ أَزَاغَ ٱللَّهُ قُلُوبَهُمۡۚ ﴾ [الصف:5]، وكذلك من يرغب في الهدى والصلاح يَهْدِيهِ هداية التوفيق والإعانة؛ كما قال تعالى: ﴿وَٱلَّذِينَ ٱهۡتَدَوۡاْ زَادَهُمۡ هُدٗى وَءَاتَىٰهُمۡ تَقۡوَىٰهُمۡ﴾ [محمد:17]، والله هو العزيزُ في مُلْكه لا يغلبه غالب، الحكيمُ في كل أفعاله وتصرفاته.

[5] ﴿وَلَقَدۡ أَرۡسَلۡنَا مُوسَىٰ بِـَٔايَٰتِنَآ أَنۡ أَخۡرِجۡ قَوۡمَكَ مِنَ ٱلظُّلُمَٰتِ إِلَى ٱلنُّورِ وَذَكِّرۡهُم بِأَيَّىٰمِ ٱللَّهِۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَأٓيَٰتٖ لِّكُلِّ صَبَّارٖ شَكُورٖ 5﴾:

أخبَرَ جلا وعلا أنه أرسل موسى عليه السلام إلى بني إسرائيل، وأيَّده بالآيات البيِّنات والمعجزات الباهرات، الدالَّةِ على صدقه، وأمَرَهُ أن يدعو قومه إلى الإيمان؛ لإخراجهم من ظلمات الكفر والضلال إلى نور الإيمان والهدى، وهكذا كل الرسل مهمُّتهم إخراج أقوامهم من الظلمات إلى النور، كما أمره أن يبالغ في نصحهم وتذكيرهم بما حصل للأقوام السابقة؛ مثل قوم نوح وعاد ومَدْيَنَ وغيرهم ممن حاق بهم العذاب، وحلَّت عليهم النكبات؛ لمَّا عاندوا وكذَّبوا الرسل، واعلموا أن ما حلَّ بالأمم الماضية آياتٌ لكل صبَّارٍ كثيرِ الصبر وشكورٍ كثيرِ الشكر لنعم الله وهدايته.

[6] ﴿وَإِذۡ قَالَ مُوسَىٰ لِقَوۡمِهِ ٱذۡكُرُواْ نِعۡمَةَ ٱللَّهِ عَلَيۡكُمۡ إِذۡ أَنجَىٰكُم مِّنۡ ءَالِ فِرۡعَوۡنَ يَسُومُونَكُمۡ سُوٓءَ ٱلۡعَذَابِ وَيُذَبِّحُونَ أَبۡنَآءَكُمۡ وَيَسۡتَحۡيُونَ نِسَآءَكُمۡۚ وَفِي ذَٰلِكُم بَلَآءٞ مِّن رَّبِّكُمۡ عَظِيمٞ 6﴾:

واذكر -أيها النبي- قصة موسى، يوم أن قال لقومه على سبيل العظة والتذكير: اذكُرُوا نعمة الله عليكم بلسانكم وقَلْبكم، واشكروه على ذلك أعظَمَ الشكر؛ إذْ نجَّاكم وخلَّصكم من فرعون وقومه، لما كانوا يذيقونكم أشدَّ العذاب وأقساه؛ وذلك أنهم كانوا يذبحون أبناءكم الصغار فَوْرَ ولادتهم حتى لا يخرُجُ منهم من يُسْقِطُ مُلْكَ فرعون، وكانوا يعذِّبونكم باستبقاء نسائكم للخِدْمة والامتهان والإذلال، وفيما حصَلَ لكم من أفعال هؤلاء الظالمين امتحان واختبار عظيم لكم.

[7] ﴿وَإِذۡ تَأَذَّنَ رَبُّكُمۡ لَئِن شَكَرۡتُمۡ لَأَزِيدَنَّكُمۡۖ وَلَئِن كَفَرۡتُمۡ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٞ 7﴾:

واذكروا -يا قوم- أن الله أعلمكم إعلامًا صريحًا، ووعَدَكم وأكَّد لكم: إن شكرتم نعمته، فإنه سيزيدكم منها، أمَّا إن كفرتم بنعمة الله، وجحَدتُّموها ولم تؤدوا شكرها، فاعلموا أن زوالها قريب، واعلموا أن عذاب الله شديد، وأنه سيصيبكم لا محالةَ إِنْ كفرتم.

[8] ﴿وَقَالَ مُوسَىٰٓ إِن تَكۡفُرُوٓاْ أَنتُمۡ وَمَن فِي ٱلۡأَرۡضِ جَمِيعٗا فَإِنَّ ٱللَّهَ لَغَنِيٌّ حَمِيدٌ 8﴾:

وقال موسى لقومه: اعلموا أن الله غني عن العالمين؛ لا تنفعه طاعة الطائع، ولا تضُرُّهُ معصية العاصي؛ فإنْ كفرتم أنتم وجميع أهل الأرض، فإن ذلك لا يضر الله شيئًا؛ لأن الله سبحانه وتعالى الغنيُّ كاملُ الغنى؛ لا يحتاج لإيمانكم، ولا لشكركم، وهو سبحانه الحميدُ في ذاته وأسمائه وصفاته وأفعاله.

[9] ﴿أَلَمۡ يَأۡتِكُمۡ نَبَؤُاْ ٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِكُمۡ قَوۡمِ نُوحٖ وَعَادٖ وَثَمُودَ وَٱلَّذِينَ مِنۢ بَعۡدِهِمۡ لَا يَعۡلَمُهُمۡ إِلَّا ٱللَّهُۚ جَآءَتۡهُمۡ رُسُلُهُم بِٱلۡبَيِّنَٰتِ فَرَدُّوٓاْ أَيۡدِيَهُمۡ فِيٓ أَفۡوَٰهِهِمۡ وَقَالُوٓاْ إِنَّا كَفَرۡنَا بِمَآ أُرۡسِلۡتُم بِهِۦ وَإِنَّا لَفِي شَكّٖ مِّمَّا تَدۡعُونَنَآ إِلَيۡهِ مُرِيبٖ 9﴾:

ثم قال جل في علاه: ألم يأتكم -يا أمة رسول الله- خبر من كان قبلكم من الأمم، قومِ نوح وقومِ هود وقومِ صالح، ومَن جاء مِن بعدهم من الأمم الذين لا يعلم عددهم وكثرتهم إلا الله وحده، جاءتهم رسلهم بالآيات والأدلَّة الواضحات؛ فلم يؤمنوا بما جاؤوا به؛ ولذا رَدّوا أيديهم في أفواههم، وعضُّوا أناملهم من شدَّة الغيظ والحَنَقِ؛ تألمًا واستكبارًا وعنادًا عن قبول الحق، وقالوا لرسلهم: إنا نكذِّبكم ولا نصدِّق بما جئتم به، وإننا لفي شكٍّ كبيرٍ مما دعوتمونا إليه من الإيمان والتوحيد.

[10] ﴿قَالَتۡ رُسُلُهُمۡ أَفِي ٱللَّهِ شَكّٞ فَاطِرِ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۖ يَدۡعُوكُمۡ لِيَغۡفِرَ لَكُم مِّن ذُنُوبِكُمۡ وَيُؤَخِّرَكُمۡ إِلَىٰٓ أَجَلٖ مُّسَمّٗىۚ قَالُوٓاْ إِنۡ أَنتُمۡ إِلَّا بَشَرٞ مِّثۡلُنَا تُرِيدُونَ أَن تَصُدُّونَا عَمَّا كَانَ يَعۡبُدُ ءَابَآؤُنَا فَأۡتُونَا بِسُلۡطَٰنٖ مُّبِينٖ 10﴾:

ثم أخبَرَ سبحانه وتعالى أن الرسل سألت أقوامهم على سبيل الإنكار: أفي الله وربوبيته وألوهيته ووحدانيته شَكٌّ؟ وهو سبحانه خالقُ السموات والأرض وموجدهما بعد العدم على غير مثال سابق؛ وهو سبحانه وتعالى يدعوكم لتوحيده والإيمان به وطاعته؛ فإنَّ جزاء ذلك: أن يغفر لكم ما سبق من ذنوبكم وشِرْككم، وأن يؤخِّر آجالكم؛ فلا يستأصلكم بعذاب في الدنيا، فكان جوابهم أن قالوا معاندين: ما أنتم إلا بشَرٌ مثلنا، لا مزيَّةَ ولا فضل لكم علينا، وأنتم تريدون أن تُبْعدونا وتَحْرِفونا عما وجدنا عليه آباءنا من عبادة الأصنام والأوثان؛ فَأْتونا بحجة ظاهرة، وآية بينة، وعلامة واضحة.

[11] ﴿قَالَتۡ لَهُمۡ رُسُلُهُمۡ إِن نَّحۡنُ إِلَّا بَشَرٞ مِّثۡلُكُمۡ وَلَٰكِنَّ ٱللَّهَ يَمُنُّ عَلَىٰ مَن يَشَآءُ مِنۡ عِبَادِهِۦۖ وَمَا كَانَ لَنَآ أَن نَّأۡتِيَكُم بِسُلۡطَٰنٍ إِلَّا بِإِذۡنِ ٱللَّهِۚ وَعَلَى ٱللَّهِ فَلۡيَتَوَكَّلِ ٱلۡمُؤۡمِنُونَ 11﴾:

فأجابتهم رسلهم قائلين: نعَمْ، ما نحن إلا بشَرٌ مثلكم، ولكنَّ هذا لا يمنع أن يتفضَّل الله على من يشاء من عباده؛ فيخصُّه برسالته ونبوَّته، واعلموا أنه لا يحق لنا وليس بإمكاننا أن نأتيكم بآيات وبراهين إلا بإذن الله وأمره ووحيه؛ فعليه اعتمدنا، وفوَّضنا أمرنا إليه، وعليه وحده سبحانه توكَّلنا، وعليه يتوكَّل المؤمنون في جلب منافعهم، ودفع مضارِّهم؛ لا إله غيره، ولا رب لنا سواه.

[12] ﴿وَمَا لَنَآ أَلَّا نَتَوَكَّلَ عَلَى ٱللَّهِ وَقَدۡ هَدَىٰنَا سُبُلَنَاۚ وَلَنَصۡبِرَنَّ عَلَىٰ مَآ ءَاذَيۡتُمُونَاۚ وَعَلَى ٱللَّهِ فَلۡيَتَوَكَّلِ ٱلۡمُتَوَكِّلُونَ 12﴾:

ثم قالت الرسل: وأيُّ شيء يمنعنا من التوكُّل على الله والاعتماد عليه، وما عُذْرُنا في ترك تفويض الأمر إليه؟! وهو سبحانه قد دلَّنا وأرشدنا ووفَّقنا لسلوك طريق التوحيد الموصِّلة إليه، وإلى رحمته وجنَّته، ونحن -يا قوم- مستمرون على دعوتكم إلى التوحيد والإيمان، وقد هيَّأنا أنفسنا ووطَّدناها على الصبر على ما يصيبنا منكم من أذًى حسِّيٍّ ومعنوي؛ احتسابًا للأجر، ورغبةً في هدايتكم ونجاتكم، وعلى الله وحده يعتمد المعتمدون، ويفوِّض إليه المفوِّضون.

[13] ﴿وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لِرُسُلِهِمۡ لَنُخۡرِجَنَّكُم مِّنۡ أَرۡضِنَآ أَوۡ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَاۖ فَأَوۡحَىٰٓ إِلَيۡهِمۡ رَبُّهُمۡ لَنُهۡلِكَنَّ ٱلظَّٰلِمِينَ 13﴾:

ذكَرَ جل وعلا مجادلة الرسل للأمم التي بَعَثَهُمُ الله لإنقاذها من الضلال؛ فبدلًا من الترحيب بهم والانصياع للحق، قالت كل أمة: لنطرُدَنَّكم -أيها الرسل- من أوطاننا، أو لتعودُنَّ في ديننا وملَّتنا، فأوحى جل وعلا لرسله أنه سيهلك الظالمين الذين هدَّدوكم بإخراجكم من دياركم، أو العودة إلى دينهم وملتهم.

[14] ﴿وَلَنُسۡكِنَنَّكُمُ ٱلۡأَرۡضَ مِنۢ بَعۡدِهِمۡۚ ذَٰلِكَ لِمَنۡ خَافَ مَقَامِي وَخَافَ وَعِيدِ 14﴾:

ثم أخبَرَ سبحانه أنه سوف يمكِّنُ لرسله وأتباعهم في الأرض بعد إهلاك الكافرين، ولكنْ قبل ذلك يجب على المؤمنين أن يَخْشَوْا مقامهم بين يدي الله يوم القيامة، ويخشوا وعيده وعذابه؛ حتى يتحقَّق لهم النصر والتمكين. وقوله: ﴿ذَٰلِكَ لِمَنۡ خَافَ مَقَامِي وَخَافَ وَعِيدِ﴾: فيه ردٌّ على مذهب رابعةَ العدويَّةِ والمعجبين بكلامها الذين قالوا: لا نعبُدُ الله إلا بالحبِّ ولا نخاف من النار، وهذا خطأ؛ لأن العبادة بالحبِّ وحده زندقة، والصحيحُ: أنه يجب ضمُّ الخوف والرجاء إلى محبة الله تعالى.

[15] ﴿وَٱسۡتَفۡتَحُواْ وَخَابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٖ 15﴾:

واستفتح الكفار بطلبهم تعجيل العقوبة لهم، إنْ كان هؤلاء الرسل على حق، فلجأت الرسل إلى ربها، واستغاثوا به، وطلبوا نصره وتأييده؛ فأجابهم وأعطاهم ما وعدهم من النصر والتمكين، وأنزَلَ على أهل الكفر والعناد الخِزْيَ والعذاب الأليم، وحينها ضلَّ كل من تكبَّر على الحق، وهلَكَ من استكبر على الخلق، وخَسِرَ مَنْ عاند الرسل ولم يوحِّد الله الحق.

[16] ﴿وَٱسۡتَفۡتَحُواْ وَخَابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٖ 15﴾:

وهذا الجبار العنيد ينتظره في الآخرة عذاب شديد، وتنتظره جهنم؛ فيدخلها ويقاسي حرَّها وجوعها وعطشها، وإذا طلب الماء، فإنه يشرب من صديد أهل النار وقَيْحهم وعَرَقهم؛ عياذًا بالله من ذلك.

[17] ﴿يَتَجَرَّعُهُۥ وَلَا يَكَادُ يُسِيغُهُۥ وَيَأۡتِيهِ ٱلۡمَوۡتُ مِن كُلِّ مَكَانٖ وَمَا هُوَ بِمَيِّتٖۖ وَمِن وَرَآئِهِۦ عَذَابٌ غَلِيظٞ 17﴾:

وهذا الجبَّار العنيد؛ من شدة عطشه يحاول أن يبتلع هذا الماء الخبيث؛ فلا يستطيع لحرارته وقذارته ومرارته، وإذا دخل شيء منه إلى جوفه، فإنه يقطِّع أمعاءه، وهو مع ذلك يعذَّب بأشد أنواع العذاب حتى يُشْرِفَ على الموت ويتمنَّاه كلما اشتدَّ به العذاب؛ لكنه لا يموت فيستريح؛ بل ينتظره عذاب شديد مؤلم موجع؛ نسأل الله السلامة والعافية.

[18] ﴿مَّثَلُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِرَبِّهِمۡۖ أَعۡمَٰلُهُمۡ كَرَمَادٍ ٱشۡتَدَّتۡ بِهِ ٱلرِّيحُ فِي يَوۡمٍ عَاصِفٖۖ لَّا يَقۡدِرُونَ مِمَّا كَسَبُواْ عَلَىٰ شَيۡءٖۚ ذَٰلِكَ هُوَ ٱلضَّلَٰلُ ٱلۡبَعِيدُ 18﴾:

ثم ذكَرَ جل وعلا أن جميع أعمال الكفار -حتى أعمال الخير والمساعدات الإنسانية التي يقدِّمونها للمصابين بالزلازل والنَّكَبات- حابطةٌ لا ثواب عليها عند الله؛ فهي كالرمادِ الذي هبَّت عليه رِيحٌ عاصفة شديدة، فبدَّدته وبعثرته، علمًا أن أعمال الخير التي يقدِّمونها يأخذون جزاءها في الدنيا؛ فتعطى لهم الجوائز، وتنصب لهم التماثيل، أما في الآخرة، فتكون هباءً منثورًا، فلا ينتفعون منها ثوابًا، ولا تخفِّف عنهم عذابًا؛ بسبب كفرهم وجحودهم لدين الله، واعلموا أن ذلك الحبوط لأعمالهم وعدم الانتفاع بشيء منها، هو الضلال البعيد عن الطريق المستقيم.

[19] ﴿أَلَمۡ تَرَ أَنَّ ٱللَّهَ خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضَ بِٱلۡحَقِّۚ إِن يَشَأۡ يُذۡهِبۡكُمۡ وَيَأۡتِ بِخَلۡقٖ جَدِيدٖ 19﴾:

ثم قال المولى عزوجل: ألم تعلم -أيها المخاطب- أن الله وحده هو الذي أوجد السموات والأرض وما فيهما وما بينهما على هذا الوجه البديع؟! وقد خلقهما بقُدْرته واستحقاقه لعمل ما يشاء، وللدلالة على وحدانيته وقُدْرته وحده دون من سواه، وهو سبحانه إنْ أراد أن يُذْهِبكم ويُفْنِيكم، ويأتي بخلق جديد يوحِّدونه ولا يشركون به شيئًا؛ فهو قادرٌ على ذلك.

[20] ﴿وَمَا ذَٰلِكَ عَلَى ٱللَّهِ بِعَزِيزٖ 20﴾:

واعلموا أن ذلك الذي ذكرناه من قدرتنا على خلق السموات والأرض، وقدرتنا على إفنائكم، والإتيان بخلق جديد، غيرُ ممتنع عليه، وغيرُ صعب؛ بل سهل يسير؛ لأنه سبحانه لو أراد شيئًا، قال له: (كُنْ)؛ فيكون.

[21] ﴿وَبَرَزُواْ لِلَّهِ جَمِيعٗا فَقَالَ ٱلضُّعَفَٰٓؤُاْ لِلَّذِينَ ٱسۡتَكۡبَرُوٓاْ إِنَّا كُنَّا لَكُمۡ تَبَعٗا فَهَلۡ أَنتُم مُّغۡنُونَ عَنَّا مِنۡ عَذَابِ ٱللَّهِ مِن شَيۡءٖۚ قَالُواْ لَوۡ هَدَىٰنَا ٱللَّهُ لَهَدَيۡنَٰكُمۡۖ سَوَآءٌ عَلَيۡنَآ أَجَزِعۡنَآ أَمۡ صَبَرۡنَا مَا لَنَا مِن مَّحِيصٖ 21﴾:

ثم عرَضَ جل وعلا مشهدًا رهيبًا من مشاهد يوم القيامة، أَلَا وهو الحشر، فحين يُنفَخُ في الصور يخرجُ جميع الناس من قبورهم سراعًا، فيقفون جميعًا في صعيد واحد على أرض المحشر، كلُّهم ينتظر الفصل والقضاء، وكلُّهم يبحث عن الخلاص والنجاء، فيقول الأتباع لرؤسائهم في الضلال في الدنيا: نحن سمعنا كلامكم، وسِرْنا خلفكم، فأوردتمونا المهالك؛ فهل أنتم دافعون اليوم عنا مِنْ عذاب الله ولو شيئًا يسيرًا؟! فيجيبونهم: لو كنا مهتدين للطريق المستقيم، لأرشدناكم إليه، ولكنَّا ضلَلْنا فأضللناكم معنا، ونحن الآن مستوون معكم في الجَزَع والصبر على هذا العذاب؛ فإنه ليس لنا مَهْرَبٌ ولا نجاة مما نحن فيه من العذاب الشديد؛ فالله هداهم الهداية العامَّة؛ قال تعالى: ﴿وَهَدَيۡنَٰهُ ٱلنَّجۡدَيۡنِ﴾ [البلد:١٠]، أي: طريق الخير وطريق الشر، وقال تعالى: [الإنسان:٣]؛ ﴿إِنَّا هَدَيۡنَٰهُ ٱلسَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرٗا وَإِمَّا كَفُورًا﴾ وعلى هذا: فيكون قصده: لو وُفِّقْنَا للهدى، لهديناكم.

[22] ﴿وَقَالَ ٱلشَّيۡطَٰنُ لَمَّا قُضِيَ ٱلۡأَمۡرُ إِنَّ ٱللَّهَ وَعَدَكُمۡ وَعۡدَ ٱلۡحَقِّ وَوَعَدتُّكُمۡ فَأَخۡلَفۡتُكُمۡۖ وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيۡكُم مِّن سُلۡطَٰنٍ إِلَّآ أَن دَعَوۡتُكُمۡ فَٱسۡتَجَبۡتُمۡ لِيۖ فَلَا تَلُومُونِي وَلُومُوٓاْ أَنفُسَكُمۖ مَّآ أَنَا۠ بِمُصۡرِخِكُمۡ وَمَآ أَنتُم بِمُصۡرِخِيَّ إِنِّي كَفَرۡتُ بِمَآ أَشۡرَكۡتُمُونِ مِن قَبۡلُۗ إِنَّ ٱلظَّٰلِمِينَ لَهُمۡ عَذَابٌ أَلِيمٞ 22﴾:

ذكَرَ جل وعلا خُطْبة الشيطان في أتباعه في وسط النار، بعد أن فرَغَ الله من حساب الخلق، وصار أهل الجنة في الجنة، وأهل النار في النار، قال أستاذنا محمد الأمين الشِّنْقيطي: (يُنْصَبُ له –أي: الشيطان- كرسيٌّ من النار في النار، وحوله الضُّلَّالُ الذين اتبعوه في الدنيا؛ فيخطب بهم)، قائلًا لهم: يا أتباعي، إن الله وعدكم في الدنيا وعدًا صادقًا من أنه سوف يبعثكم ويحاسبكم على أعمالكم؛ فمَنْ عمل خيرًا، فقد فاز ونجا، ومَنْ عمل شرًّا، فقد خاب وخسر، أما أنا، فقد وَعَدتُّكم وعدًا كاذبًا وباطلًا بأنه لا بَعْثَ ولا حساب، وزيَّنْتُ لكم الشهوات والشبهات؛ فصدَّقتموني واتَّبعتموني، واليوم كما تَرَوْنَ، فقد تم وعد الله الصادق، أما أنا، فقد أخلفتكم وعدي الكاذب، وما كان لي عليكم من قوَّة أُجْبِركم بها حتى تتَّبعوني، ولا كان معي حجة أو برهان ولا دليل واضح على دعوتي الباطلة، ولكنْ دعَوْتُكم إلى الكفر والضلال والظلم والمعاصي بأنواعها، فاتَّبعتموني تلبيةً لرغباتكم وشهواتكم؛ فلا تلوموني ولكنْ لوموا أنفسكم؛ فاليوم كما تشاهدون أمامكم لا يمكن أن أُغِيثكم من عذاب الله، ولا أنتم تستطيعون أن تُغِيثوني، إني تبرَّأت من اتخاذكم إياي شريكًا مع الله في عبادته في الدنيا. فانظروا كيف تبرَّأ من أتباعه، وأخبرهم أنه ما كان له قُدْرةٌ ولا سلطانٌ على إضلالهم، وأنهم إنما استجابوا لرغباتهم وشهواتهم بإشارة منه، واعلموا -أيها الناس- أن الظالمين الذين ظلموا أنفسهم بصَرْف عباداتهم لغير الله، لهم عذابٌ مؤلم موجع شديد في نار جهنم، والعياذ بالله.

[23] ﴿وَأُدۡخِلَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ جَنَّٰتٖ تَجۡرِي مِن تَحۡتِهَا ٱلۡأَنۡهَٰرُ خَٰلِدِينَ فِيهَا بِإِذۡنِ رَبِّهِمۡۖ تَحِيَّتُهُمۡ فِيهَا سَلَٰمٌ 23﴾:

ثم ذكَرَ جل وعلا عاقبة الموحِّدين الصادقين الذين آمنوا بالله، واتَّبعوا رسوله، وعملوا الأعمال الصالحة؛ فأخبَرَ أنهم يدخلون الجنان ذات الأشجار الخضراء الكثيفة، تجري من تحت قصورها وأشجارها أنهارُ الماء والَّلبَن، والخمر والعَسَل، وهم في هذه الجنة خالدون ماكثون لا يَفْنَوْنَ أبدًا، بإذن ربهم وحوله وقوته وتوفيقه، وبقاؤهم في الجنة بإبقاء الله لهم، وفرقٌ بين الباقي بإبقاء الله له وبين الباقي ببقاء ذاته؛ كصفاته؛ فهي لا علاقة لها بالمشيئة، أي: لا تدخُلُ تحت المشيئة كسائر المخلوقات الباقية بإبقائه سبحانه وتعالى لها، ولهم في هذه الجنة التحية الخالدة؛ فيحيِّي بعضهم بعضًا، وتحيِّيهم الملائكة أيضًا بالسلام والكلام الطيب؛ نسأل الله الكريم من فضله.

[24] ﴿أَلَمۡ تَرَ كَيۡفَ ضَرَبَ ٱللَّهُ مَثَلٗا كَلِمَةٗ طَيِّبَةٗ كَشَجَرَةٖ طَيِّبَةٍ أَصۡلُهَا ثَابِتٞ وَفَرۡعُهَا فِي ٱلسَّمَآءِ 24﴾:

ضرَبَ الله مثلًا بالكلمة الطيبة والشجرة الطيبة، وبيَّن أن الكلمة الطيبة، وهي: شهادة أن لا إله إلا الله، كالشجرة الطيبة النافعة، وهي: النَّخْلة؛ فإن الشجرة الطيبة أصلها راسخ في باطن الأرض مما زادها قوةً وثباتًا، وأعلاها ممتدٌّ في السماء علوًّا وارتفاعًا، مما زاد في جمالها ورونقها، وهكذا كلمةُ التوحيد: ثابتةٌ في قلوب المؤمنين، لا تتزعزع ولا تؤثِّر فيها الشبهات أو الشهوات.

[25] ﴿تُؤۡتِيٓ أُكُلَهَا كُلَّ حِينِۭ بِإِذۡنِ رَبِّهَاۗ وَيَضۡرِبُ ٱللَّهُ ٱلۡأَمۡثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمۡ يَتَذَكَّرُونَ 25﴾:

وهذه الشجرة الطيبة، وهي النَّخْلة، تعطي ثمارها كل وقت بإذن ربها، ويضربُ الله الأمثال للناس؛ لعلَّهم يعتبرون ويتَّعظون.

[26] ﴿وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٖ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ ٱجۡتُثَّتۡ مِن فَوۡقِ ٱلۡأَرۡضِ مَا لَهَا مِن قَرَارٖ 26﴾:

ثم ضرَبَ الله مثلًا بين الكلمة القبيحة والشجرة القبيحة، وبيَّن أن الكلمة القبيحة، وهي: كلمة الكفر، كالشجرة القبيحة، وهي: الحَنْظَلة؛ فطعمُها مرٌّ ولا ثبات لها، وتَذْرُوها الرياح؛ لأن عروقها وجذورها منتشرة على سطح الأرض، وهكذا الكافر لا مبدأ له ولا خير فيه، ولا يصعد له عمل صالح، ولا يتقبَّل الله منه شيئًا.

[27] ﴿يُثَبِّتُ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ بِٱلۡقَوۡلِ ٱلثَّابِتِ فِي ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَا وَفِي ٱلۡأٓخِرَةِۖ وَيُضِلُّ ٱللَّهُ ٱلظَّٰلِمِينَۚ وَيَفۡعَلُ ٱللَّهُ مَا يَشَآءُ 27﴾:

أخبَرَ جل وعلا أنه يثبِّتُ عباده المؤمنين في جميع حالاتهم، وتقلُّبات أمورهم؛ فيثبِّتهم الله على الإيمان، ويوفِّقهم في الدنيا للقول الحق، وهو: شهادة أنْ لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، والعمل بمقتضاها؛ فيَقِيهم الشبهات والشهوات، ويثبِّتهم الله بهذه الشهادة أيضًا في آخر حياتهم عند خروجهم من الدنيا؛ فيكون آخر كلامهم من الدنيا: لا إله إلا الله، ويثبِّتهم الله أيضًا في قبورهم عندما يأتي منكر ونكير، ثم يثبِّتهم الله بها في الآخرة؛ فتكون لهم النجاة والسعادة الأبدية، أما الظالمون، فإن الله يبُقْيِهم على ضلالهم وغوايتهم فلا يسلُكُونَ طريق الصواب، وما ظلمهم الله، ولكنْ أنفسهم كانوا يظلمون، ويفعل الله ما يشاء؛ فهو سبحانه لا يُسْأَلُ عما يفعل لعلمه وحكمته؛ يهدي من يشاء برحمته وفضله، ويُضِلُّ من يشاء بحكمته وعدله.

[28] ﴿أَلَمۡ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ بَدَّلُواْ نِعۡمَتَ ٱللَّهِ كُفۡرٗا وَأَحَلُّواْ قَوۡمَهُمۡ دَارَ ٱلۡبَوَارِ 28﴾:

أخبَرَ جل وعلا نبيه محمدًا ﷺ عن كفار مكة فقال له: ألم تعلم -أيها النبي- أن قومك اختاروا الكفر، بدلًا عن الإيمان به، وشكرِهِ على نعمه التي أنعم بها عليهم؛ حيثُ أسكنهم البلد الأمين، وجلَبَ لهم الأرزاق من كل قُطْر، وبعَثَ فيهم أفضل رسله، وهو النبي محمد ﷺ الذي يعترفون بفضله وأمانته وصِدْقه، وكانوا سببًا في إدخال أتباعهم دار الهلاك والخسران؛ حين قادوهم إلى بَدْرٍ، فقُتِلوا هناك شَرَّ قِتْلة.

[29] ﴿جَهَنَّمَ يَصۡلَوۡنَهَاۖ وَبِئۡسَ ٱلۡقَرَارُ 29﴾:

ثم بيَّن سبحانه لنبيه ﷺ أن هؤلاء الذين كفروا بالله، وبدَّلوا نعمة الله عليهم، سوف يكون مصيرهم إلى جهنم يدخُلُونها يقاسون حرَّها وسعيرها، ويذوقون عذابها، وبئس القرار قرارهم فيها.

[30] ﴿وَجَعَلُواْ لِلَّهِ أَندَادٗا لِّيُضِلُّواْ عَن سَبِيلِهِۦۗ قُلۡ تَمَتَّعُواْ فَإِنَّ مَصِيرَكُمۡ إِلَى ٱلنَّارِ 30﴾:

أخبَرَ جل وعلا عن عمل السادة والسَّدَنة وأصحاب الطرق الضالَّة الذين صدوا عن سبيل الله؛ بأنهم جعلوا لله شركاء في الربوبية والألوهية؛ فضلوا وأضلوا أتباعهم، فقل لهم -أيها النبي-: استمتِعُوا في حياتكم الدنيا القصيرة الفانية؛ فإن مصيركم إلى النار تعذَّبون فيها إن لم تؤمنوا بالله.

[31] ﴿قُل لِّعِبَادِيَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ يُقِيمُواْ ٱلصَّلَوٰةَ وَيُنفِقُواْ مِمَّا رَزَقۡنَٰهُمۡ سِرّٗا وَعَلَانِيَةٗ مِّن قَبۡلِ أَن يَأۡتِيَ يَوۡمٞ لَّا بَيۡعٞ فِيهِ وَلَا خِلَٰلٌ 31﴾:

ثم أمَرَ جل وعلا نبيه ﷺ بأن يحُثَّ عباده المؤمنين على إقامة الصلاة، وأعمال الطاعة، والإنفاق في سبيل الله سرًّا وعلانية؛ من قبل أن يأتي الأجل فيفاجؤون بيوم القيامة، ذلك اليوم الذي لا يستطيع أحد أن يَفْدِيَ نفسه، ولا ينفعه فيه أخلَّاؤه، وإنما ينفعه في ذلك اليوم العمل الصالح الذي قدَّمه في حياته الدنيا.

[32] ﴿ٱللَّهُ ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضَ وَأَنزَلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءٗ فَأَخۡرَجَ بِهِۦ مِنَ ٱلثَّمَرَٰتِ رِزۡقٗا لَّكُمۡۖ وَسَخَّرَ لَكُمُ ٱلۡفُلۡكَ لِتَجۡرِيَ فِي ٱلۡبَحۡرِ بِأَمۡرِهِۦۖ وَسَخَّرَ لَكُمُ ٱلۡأَنۡهَٰرَ 32﴾:

عدَّد جل وعلا بعضًا من نعمه التي أنعمها على عباده؛ فمن ذلك: أنه سبحانه هو الذي خلق السموات والأرض وما فيهما وما بينهما لعباده، وأنه سبحانه هو الذي أنزَلَ المطر من السماء؛ فأصاب الأرض القاحلة، فأخرج الله به زروعًا وثمارًا كثيرة مختلفة رِزْقًا يعيش عليه الناس والحيوانات، وذلَّل سبحانه وسهَّل لكم الصناعات والسفن والمراكب، وأجراها لكم في البحر تستفيدون منها في تنقُّلاتكم وتجاراتكم، وهو سبحانه الذي سهَّل لكم جَرَيان الأنهار بهذه الكيفية حتى تستفيدوا منها في شُرْبِكم وسَقْيِ زروعكم وثماركم.

[33] ﴿وَسَخَّرَ لَكُمُ ٱلشَّمۡسَ وَٱلۡقَمَرَ دَآئِبَيۡنِۖ وَسَخَّرَ لَكُمُ ٱلَّيۡلَ وَٱلنَّهَارَ 33﴾:

وهو سبحانه الذي ذلَّل لكم الشمس والقمر، ويسَّر لكم الانتفاع بجَرَيانهما الذي لا يفتُرَانِ عنه، وبضوئهما الذي لكم فيه منافعُ عظيمة، وهو سبحانه الذي سخَّر لكم الليل؛ لتسكنوا فيه، والنهار؛ لتسعوا فيه لتدبير شؤون معاشكم.

[34] ﴿وَءَاتَىٰكُم مِّن كُلِّ مَا سَأَلۡتُمُوهُۚ وَإِن تَعُدُّواْ نِعۡمَتَ ٱللَّهِ لَا تُحۡصُوهَآۗ إِنَّ ٱلۡإِنسَٰنَ لَظَلُومٞ كَفَّارٞ 34﴾:

وهو سبحانه الذي وهبكم وأعطاكم جميع ما طلبتموه وزيادة، واعلموا أنكم لو ذهبتم لِعَدِّ نِعَمِ الله عليكم وإحصائها، ما استطعتم لذلك سبيلًا؛ فضلًا عن أن تؤدوا شكرها؛ فإن طبيعة الإنسان أنه متجاوزٌ للحدِّ، كثيرُ الظلم لنفسه ولغيره، وأنه كفَّار لنعم الله عليه؛ فلا يؤدِّي شكرها، وقد لا يعترف بها للمُنْعِمِ سبحانه وتعالى؛ فنسأل الله أن يعيننا على شكر نعمه.

[35] ﴿وَإِذۡ قَالَ إِبۡرَٰهِيمُ رَبِّ ٱجۡعَلۡ هَٰذَا ٱلۡبَلَدَ ءَامِنٗا وَٱجۡنُبۡنِي وَبَنِيَّ أَن نَّعۡبُدَ ٱلۡأَصۡنَامَ 35﴾:

واذكر -أيها النبي- يوم أن دعا إبراهيم عليه السلام ربَّهُ فقال: يا رب، إني أسألك أن تجعل هذا البلد -وهو مكة- آمنًا مستقرًّا مطمئنًّا يأمَنُ كلُّ من كان فيه ومن دخله، وكان ذلك بعد أن أسكَنَ ابنه إسماعيل وزوجه هاجر في وادي مكَّة، ثم طلب من ربه أن يعصمه وأبناءه من عبادة الأصنام، وجميع ما يُعْبَدُ من دون الله. وقوله: ﴿وَٱجۡنُبۡنِي وَبَنِيَّ﴾، قيل: أراد أبناءه الموجودين مِنْ صُلْبه، وقيل: بل أراد جميع ما تناسَلَ من ذريته، وقوله: ﴿ٱلۡبَلَدِ﴾، عُرِّفَ بالألف واللام؛ لأنها بعد أن خرَجَ ماء زمزم، تجمَّعت فيها قبائل من جُرْهُمٍ، فأصبحت مدينة، بخلاف ما ذكره في سورة البقرة؛ حيث قال: ﴿رَبِّ ٱجۡعَلۡ هَٰذَا بَلَدًا ءَامِنٗا﴾ [البقرة:١٢٦].

[36] ﴿رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضۡلَلۡنَ كَثِيرٗا مِّنَ ٱلنَّاسِۖ فَمَن تَبِعَنِي فَإِنَّهُۥ مِنِّيۖ وَمَنۡ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٞ رَّحِيمٞ 36﴾:

ثم قال إبراهيم: يا رب، إن هذه الأصنام التي تُعْبَدُ من دونك، كانت سببًا مباشرًا في ضلالِ كثيرٍ من الناس، وبُعْدِهم عن طريق التوحيد؛ فمَنْ تَبِعني -يا رب- في التوحيد والإيمان، فهذا مني وأنا منه، أما من عصاني فيما دون الشركُ فإنك كثير المغفرة والرحمة؛ فتجاوز عنه واغفر له، ومَنْ عصاني في التوحيد، فاللهم برحمتك ومغفرتك دُلَّهُ على الإيمان والتوحيد.

[37] ﴿رَّبَّنَآ إِنِّيٓ أَسۡكَنتُ مِن ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيۡرِ ذِي زَرۡعٍ عِندَ بَيۡتِكَ ٱلۡمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُواْ ٱلصَّلَوٰةَ فَٱجۡعَلۡ أَفۡـِٔدَةٗ مِّنَ ٱلنَّاسِ تَهۡوِيٓ إِلَيۡهِمۡ وَٱرۡزُقۡهُم مِّنَ ٱلثَّمَرَٰتِ لَعَلَّهُمۡ يَشۡكُرُونَ 37﴾:

أخبَرَ الله جل وعلا عن توكُّل إبراهيم عليه السلام ودعائه وتضرُّعه؛ إذْ ناجى ربه، قائلًا: يا رب، إنك تعلم أني أسكنتُ بعض ذريتي -هاجر وإسماعيل وبنيه- وأنزلتهم في أرض جَرْداء، لا زرع فيها ولا ماء، وذلك بجوار بيتك المحرَّم الكعبة؛ فاللهم إني أسألك أن تجعلهم من مقيمي الصلاة المداومين عليها، اللهم واجعل قلوب الناس تمتلئ بحبِّهم وتميل إليهم، اللهم وأسبغْ عليهم نعمك، وارزُقْهم من طيِّب الثمرات وأنواعها؛ لعلهم يشكرون لك هذه النعم والعطايا.

[38] ﴿رَبَّنَآ إِنَّكَ تَعۡلَمُ مَا نُخۡفِي وَمَا نُعۡلِنُۗ وَمَا يَخۡفَىٰ عَلَى ٱللَّهِ مِن شَيۡءٖ فِي ٱلۡأَرۡضِ وَلَا فِي ٱلسَّمَآءِ 38﴾:

واستمر إبراهيم عليه السلام في دعائه فقال: اللهم ربنا إنك تعلم سِرِّنا وجهرنا، وتعلم ما أخفينا وما أعلنَّا، لا يخفى عليك سبحانك شيء في الأرض ولا في السماء.

[39] ﴿ٱلۡحَمۡدُ لِلَّهِ ٱلَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى ٱلۡكِبَرِ إِسۡمَٰعِيلَ وَإِسۡحَٰقَۚ إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ ٱلدُّعَآءِ 39﴾:

ثم أثنى إبراهيم على ربه، قائلًا: الحمد لله الذي أعطاني على كِبَرِ سِنِّي وشيخوختي ابنَيْنِ بارَّيْنِ، هما: إسماعيل، وإسحاق، بعد أن كنت آيسًا من الولد؛ إن ربي سبحانه سمع دعائي وأجاب طلبي. قيل: رزقه الله إسماعيل وعمره تسعٌ وتسعون سنةً، ورزقه إسحاق وعمره مائةٌ واثنتا عَشْرةَ سنةً.

[40] ﴿رَبِّ ٱجۡعَلۡنِي مُقِيمَ ٱلصَّلَوٰةِ وَمِن ذُرِّيَّتِيۚ رَبَّنَا وَتَقَبَّلۡ دُعَآءِ 40﴾:

ثم طلَبَ إبراهيم عليه السلام مِنْ ربه الإعانة على مداومة أداء الصلاة على أتم وجه؛ بإخلاص وخشوع وخضوع، وأن يَجْعَلَ من ذريته مَنْ يحافظ عليها في أوقاتها، ثم قال: وأسألك يا رب أن تستجيب دعائي، وتحقِّق لي رجائي.

[41] ﴿رَبَّنَا ٱغۡفِرۡ لِي وَلِوَٰلِدَيَّ وَلِلۡمُؤۡمِنِينَ يَوۡمَ يَقُومُ ٱلۡحِسَابُ 41﴾:

ثم دعا ربه قائلًا: اللهم يا رب، أسألك أن تغفر لي ولوالدي -وذلك قبل أن يأمره الله بالبراءة من الشرك والمشركين مهما كانت قرابتهم- وأن تغفر للمؤمنين الذين صدَّقوا ما جاءت به الرسل، فآمنوا وعملوا الصالحات، اللهم اغفر لنا جميعًا يوم الجزاء والحساب، يومَ الدِّين، يوم يقوم الناس لرب العالمين.

[42] ﴿وَلَا تَحۡسَبَنَّ ٱللَّهَ غَٰفِلًا عَمَّا يَعۡمَلُ ٱلظَّٰلِمُونَۚ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمۡ لِيَوۡمٖ تَشۡخَصُ فِيهِ ٱلۡأَبۡصَٰرُ 42﴾:

سلَّى جل وعلا نبيه ﷺ والمؤمنين المضطهدين في مكة، فقال: ولا تَحْسَبَنَّ -أيها النبي- أن الله غافل عما يعمل هؤلاء الظالمون؛ من تكذيبك وتكذيب الأنبياء قبلك، وإيذاء المؤمنين، إنما يؤخِّرهم ليوم القيامة ذلك اليوم الذي تَشْخَصُ فيه الأبصار من شِدَّة الأهوال وكثرتها.

والمقصود: ألَّا يظُنَّ أحد أن إمهال المسيئين أو المشركين عن غفلة أو نسيان، وإنما ليزدادوا إثمًا؛ فيأخُذُهم الله أخَذَ عزيز مقتدر، أو يؤخِّرَ عقوبتهم لليوم الذي تَذْهَلُ فيه كل والدة عما ولَدَتْ، وتضَعُ كل ذات حَمْل حَمْلها؛ من فظاعته وشدَّته.

[43] ﴿مُهۡطِعِينَ مُقۡنِعِي رُءُوسِهِمۡ لَا يَرۡتَدُّ إِلَيۡهِمۡ طَرۡفُهُمۡۖ وَأَفۡـِٔدَتُهُمۡ هَوَآءٞ 43﴾:

وهؤلاء الظالمون يخرُجُونَ يوم القيامة من قبورهم مسرعين لإجابة الداعي في ذِلَّةٍ وانكسار؛ رافعين رؤوسهم، وأبصارُهم شاخصة، وأفئدتهم خالية فارغة، لا عقل ولا شيء فيها من الفزع وشِدَّة هول الموقف.

[44] ﴿وَأَنذِرِ ٱلنَّاسَ يَوۡمَ يَأۡتِيهِمُ ٱلۡعَذَابُ فَيَقُولُ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ رَبَّنَآ أَخِّرۡنَآ إِلَىٰٓ أَجَلٖ قَرِيبٖ نُّجِبۡ دَعۡوَتَكَ وَنَتَّبِعِ ٱلرُّسُلَۗ أَوَلَمۡ تَكُونُوٓاْ أَقۡسَمۡتُم مِّن قَبۡلُ مَا لَكُم مِّن زَوَالٖ 44﴾:

وأنذِرْ -أيها النبي- الناس الذين أُرْسِلْتَ إليهم عذابَ يوم القيامة، قبل أن يقول الذين ظلموا أنفسهم بالكفر: يا ربنا، أعطنا فرصة إلى وقت قريب لنتوب، ونؤمِنَ بك، ونتَّبع رسلك، ونصحِّح أعمالنا، فيقال لهم توبيخًا: أعطيتكم فلم تستجيبوا؛ بل أقسَمْتم ما لكم من انتقال عما كنتم عليه في حياتكم الدنيا.

وهذا فيه تعزيةٌ للرسول ﷺ ومَنْ معه من المؤمنين، وتحذيرٌ وزجرٌ للمجرمين.

[45] ﴿وَسَكَنتُمۡ فِي مَسَٰكِنِ ٱلَّذِينَ ظَلَمُوٓاْ أَنفُسَهُمۡ وَتَبَيَّنَ لَكُمۡ كَيۡفَ فَعَلۡنَا بِهِمۡ وَضَرَبۡنَا لَكُمُ ٱلۡأَمۡثَالَ 45﴾:

هدَّد سبحانه الظالمين، فقال لهم: وسكنتم -أيها الظالمون- في منازل الكافرين قبلكم، الذين ظلموا أنفسهم بالكفر والجحود؛ كقوم هود وصالح، وقد رأيتم ما حَلَّ بهم من الهلاك والعذاب والدمار، وضرَبْنا لكم الأمثال الواضحة البينة، ومع ذلك لم تعتبروا ولم تتَّعظوا.

[46] ﴿وَقَدۡ مَكَرُواْ مَكۡرَهُمۡ وَعِندَ ٱللَّهِ مَكۡرُهُمۡ وَإِن كَانَ مَكۡرُهُمۡ لِتَزُولَ مِنۡهُ ٱلۡجِبَالُ 46﴾:

ثم ذكَرَ جل وعلا بَغْيَ الكفار، وتآمُرَهم على قتل الرسول ﷺ؛ حيث دبَّروا له جميع أنواع الكيد من قتل وحبس وإخراج، ولكنَّ الله كان لهم بالمرصاد، فأبطَلَ كيدهم، وأحبط مكرهم، وما كان مكرهم عظيمًا ولا شديدًا تزولُ منه الجبالُ ولا تتحمَّله؛ وذلك لوَهَنِهِ وضعفه؛ لأنه لم يتجاوز مَكْرَ أمثالهم ممن دمَّرناهم من الأمم السابقة؛ بل عاد كيدهم على أنفسهم.

[47] ﴿فَلَا تَحۡسَبَنَّ ٱللَّهَ مُخۡلِفَ وَعۡدِهِۦ رُسُلَهُۥٓۚ إِنَّ ٱللَّهَ عَزِيزٞ ذُو ٱنتِقَامٖ 47﴾:

وعَدَ جل وعلا رسله بالنصر والتمكين، فقال: لا تَحْسَبَنَّ -أيها النبي- أن الله يُخْلِفُ رسله ما وعدهم به من نُصْرتهم في الحياة الدنيا، وإهلاك أعدائهم المكذِّبين الظالمين، واعلم أن الله عزيزٌ لا يمتنع عليه شيء، ينتقِمُ من أعدائه أشد الانتقام.

[48] ﴿يَوۡمَ تُبَدَّلُ ٱلۡأَرۡضُ غَيۡرَ ٱلۡأَرۡضِ وَٱلسَّمَٰوَٰتُۖ وَبَرَزُواْ لِلَّهِ ٱلۡوَٰحِدِ ٱلۡقَهَّارِ 48﴾:

واعلموا أن هذا الانتقام للظالمين يكون يوم القيامة، يوم أن تسوَّى الأرض، ويتغيَّر شكلها؛ فلا يكون فيها ارتفاع ولا انخفاض؛ حتى تصير كأنها قاعٌ صفصفٌ، لا تَرَى فيها عوجًا ولا أَمْتًا، وتُخرِجُ أثقالها، وأيضًا تُخْرِجُ الخلائق من قبورها؛ ويظهر معهم ما كانوا يكتمون من أعمالهم. والمقصود: أنها تُعَدُّ إعدادًا صالحًا للبقاءِ السرمديِّ بعد البعث، ثم بيَّن سبحانه أن الخلائق يبرُزُونَ للقاء الله الواحد القهار، المتفرِّد بعظمته وأسمائه وصفاته وأفعاله. وقد قيل في قوله: ﴿يَوۡمَ تُبَدَّلُ﴾، أي: تُغَيَّرُ ذاتها، وقيل: ينقُضُها ويعيد شكلها.

[49] ﴿وَتَرَى ٱلۡمُجۡرِمِينَ يَوۡمَئِذٖ مُّقَرَّنِينَ فِي ٱلۡأَصۡفَادِ 49﴾:

وترى -أيها النبي- وتُبْصِرُ الذين أجرموا في حق الله جل وعلا بالشرك في ذلك الموقف الرهيب، وقد جُمِعَ بعضهم إلى بعض، وجُمِعَتْ أيديهم وأرجُلُهم إلى أعناقهم، ورُبِطَتْ بالسلاسل، وهم في غاية الذلِّ والهوان.

[50] ﴿سَرَابِيلُهُم مِّن قَطِرَانٖ وَتَغۡشَىٰ وُجُوهَهُمُ ٱلنَّارُ 50﴾:

ثم بين سبحانه أن ثياب هؤلاء المجرمين -وهم في هذه الحالة- مِنْ قَطِرانٍ سريعِ الاشتعال، شديدِ الحرارة، مُنتِنِ الريح، وتغطِّي وجوههم نار جهنم؛ فتغشاها وتَصْلَاها فتُحْرِقها؛ نسأل الله السلامة والعافية.

[51] ﴿لِيَجۡزِيَ ٱللَّهُ كُلَّ نَفۡسٖ مَّا كَسَبَتۡۚ إِنَّ ٱللَّهَ سَرِيعُ ٱلۡحِسَابِ 51﴾:

واعلموا أن هذا الجزاء من الله لأعدائه المجرمين بما كسبوا من الذنوب والمعاصي والآثام في الدنيا؛ لأن الله جل وعلا يجازي كل نفس بما عَمِلَتْ في دنياها؛ إنْ خيرًا فخير، وإن شرًّا فشرّ، وهو سبحانه يحاسِبْ الجميعَ في وقت سريع؛ فلا يشغله حساب عن حساب، ولا أمر عن أمر.

[52] ﴿هَٰذَا بَلَٰغٞ لِّلنَّاسِ وَلِيُنذَرُواْ بِهِۦ وَلِيَعۡلَمُوٓاْ أَنَّمَا هُوَ إِلَٰهٞ وَٰحِدٞ وَلِيَذَّكَّرَ أُوْلُواْ ٱلۡأَلۡبَٰبِ 52﴾:

ذكَرَ جل وعلا أن هذا القرآن أنزَلَهُ على نبيه ﷺ لإبلاغ الناس وإعلامهم وإنذارهم؛ وليعلموا علم اليقين أن الله هو الواحد الأحد الذي لا إله إلا هو؛ فيعبدوه وحده لا شريك له، وفيه لأصحاب العقول السليمة، والفطر القويمة: ما يتَّعظون به ويعتبرون.

سورة الحِجْر

سورة الحِجْرِ مكيَّةٌ، وآياتها تسع وتسعون آية.

[1] ﴿الٓرۚ تِلۡكَ ءَايَٰتُ ٱلۡكِتَٰبِ وَقُرۡءَانٖ مُّبِينٖ 1﴾:

سبق الكلام على الحروف المقطَّعة في أول سورة البقرة.

ثم أخبَرَ جل وعلا أن هذا القرآن العظيم كتاب شامل كامل يحتوي على آيات واضحة بيِّنة المعاني، ومُظهِرٌ في تفاصيله جميع الأحكام التي يحتاجها البشر، وهو كتاب فرَّق الله به بين الحق والباطل.

[2] ﴿رُّبَمَا يَوَدُّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَوۡ كَانُواْ مُسۡلِمِينَ 2﴾:

ثم أخبَرَ جل شأنه أن جميع الكفار سوف يتمنَّوْنَ يوم القيامة لو كانوا مسلمين؛ من شدَّة ما يَرَوْنَ من أهوالها. قال بعض المفسِّرين: إن الكفار وهم في النار إذا رأَوْا الذين معهم من أصحاب المعاصي قد تطهَّروا من ذنوبهم، ثم خرجوا من النار، قال لهم الذين كفروا: ليتنا كنَّا مسلمين؛ والآيةُ تحتمل الجميع.

[3] ﴿ذَرۡهُمۡ يَأۡكُلُواْ وَيَتَمَتَّعُواْ وَيُلۡهِهِمُ ٱلۡأَمَلُۖ فَسَوۡفَ يَعۡلَمُونَ 3﴾:

ثم أمَرَ جل جلاله نبيه ﷺ أن يترُكَ هؤلاء الكفار يتمتَّعون بهذه الحياة الفانية؛ فيأكلون ويشربون، ويلعبون ويَلْهَوْنَ، ويُلْهيهم الأمل؛ فسوف يعلمون يوم القيامة حقيقة أمرهم وما هم عليه من الباطل، وأنَّ باطلهم هو الذي ألهاهم عن الآخرة والاستعداد لها؛ وفي هذا تهديد ووعيد شديد لهم.

[4] ﴿وَمَآ أَهۡلَكۡنَا مِن قَرۡيَةٍ إِلَّا وَلَهَا كِتَابٞ مَّعۡلُومٞ 4﴾:

واعلم -أيها النبي- أن الله جل في علاه ما أهلَكَ قرية من القرى الكافرة المستحِقَّةِ للهلاك؛ إلا لمَّا حان أجلهم، وجاء وقتهم المحدَّد لهم في اللوح المحفوظ.

[5] ﴿مَّا تَسۡبِقُ مِنۡ أُمَّةٍ أَجَلَهَا وَمَا يَسۡتَـٔۡخِرُونَ 5﴾:

ثم أخبَرَ سبحانه أنه ما كان لأمةٍ من الأمم ولا لقريةٍ من القرى أن تَسْبِقَ أجلها الذي حدَّده الله لها، أو تتأخَّر عنه، ولو لساعة.

[6] ﴿وَقَالُواْ يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِي نُزِّلَ عَلَيۡهِ ٱلذِّكۡرُ إِنَّكَ لَمَجۡنُونٞ 6﴾:

ثم أخبَرَ جل وعلا أن الكفار المكذِّبين للنبي ﷺ يقولون على وجه الاستهزاء والسخرية: يا أيها الذي أُنْزِلَ عليه القرآن كما يزعُمُ: إنك لفاقدٌ لعقلك، ومصابٌ بالجنون، ولا تدري ما تقول.

[7] ﴿لَّوۡمَا تَأۡتِينَا بِٱلۡمَلَٰٓئِكَةِ إِن كُنتَ مِنَ ٱلصَّٰدِقِينَ 7﴾:

ثم قال هؤلاء الكفار: فإنْ كنت صادقًا، فَأْتِنَا بالملائكة حتى تشهد لك، وتصدِّقك فيما تقول.

[8] ﴿مَا نُنَزِّلُ ٱلۡمَلَٰٓئِكَةَ إِلَّا بِٱلۡحَقِّ وَمَا كَانُوٓاْ إِذٗا مُّنظَرِينَ 8﴾:

فردَّ المولى  على هؤلاء المعاندين، بأن الملائكة لا ينزلون بالاقتراحات ولا بالأمنيات؛ إنهم لا يَنْزِلُونَ إلا لإحقاق الحق وإبطال الباطل بأمر ربهم، ثم بيَّن سبحانه أنه لو نزَّل عليهم الملائكة -كما طلبوا- ثم لم يؤمنوا، لَعَجَّلَ لهم بالعقوبة، ولَمَا أمهلهم كالأمم السابقة؛ حيث طلبوا المعجزات ثم لم يؤمنوا، فحَلَّتْ بهم العقوبة.

[9] ﴿إِنَّا نَحۡنُ نَزَّلۡنَا ٱلذِّكۡرَ وَإِنَّا لَهُۥ لَحَٰفِظُونَ 9﴾:

ثم ذكَرَ سبحانه وتعالى فضله على أمة محمد ﷺ؛ بحيث نزَّل عليهم الذِّكْرَ وهو القرآن العظيم، وتعهَّد بحفظه من التغيير والتبديل والزيادة والنقصان، وهذا الحفظ خاصٌّ بالقرآن، أما الكتب السماوية الأخرى، فقد وُكِّلَ حفظها لِمَن آمَنَ بها من الأمم السابقة؛ كما قال تعالى: ﴿إِنَّآ أَنزَلۡنَا ٱلتَّوۡرَىٰةَ فِيهَا هُدٗى وَنُورٞۚ يَحۡكُمُ بِهَا ٱلنَّبِيُّونَ ٱلَّذِينَ أَسۡلَمُواْ لِلَّذِينَ هَادُواْ وَٱلرَّبَّٰنِيُّونَ وَٱلۡأَحۡبَارُ بِمَا ٱسۡتُحۡفِظُواْ مِن كِتَٰبِ ٱللَّهِ﴾ [المائدة:44]، أي: بما طُلِبَ منهم حِفْظُه؛ فعبثوا به وبدَّلوا وزادوا ونقصوا، حسَبَ رَغَباتهم وأهوائهم.

[10] ﴿وَلَقَدۡ أَرۡسَلۡنَا مِن قَبۡلِكَ فِي شِيَعِ ٱلۡأَوَّلِينَ 10﴾:

ثم سلَّى جل وعلا نبيه ﷺ، فأخبَرَه أنه أرسل قبله كثيرًا من الرسل إلى أقوامهم وجماعاتهم وفِرَقهم، يدعونهم إلى التوحيد.

[11] ﴿وَمَا يَأۡتِيهِم مِّن رَّسُولٍ إِلَّا كَانُواْ بِهِۦ يَسۡتَهۡزِءُونَ 11﴾:

وأخبَرَهُ سبحانه أن هؤلاء الأقوام ما جاءهم من رسول يدعوهم إلى التوحيد إلا كذَّبوه واستهزؤوا به؛ وهذا هو دأب جميع الأقوام مع رسلهم.

[12] ﴿كَذَٰلِكَ نَسۡلُكُهُۥ فِي قُلُوبِ ٱلۡمُجۡرِمِينَ 12﴾:

ثم بيَّن جل في علاه أنه كما سلك كتب الرسل السابقين في قلوب أولئك المستهزئين حتى فَهِمُوهُ ثم كفروا؛ فسوف يسلُكُ سبحانه هذا القرآن في قلوب هؤلاء المجرمين من قومك -أيها النبي- فيفهمونه ويدركون معانيه، ومع ذلك يُصِرُّونَ على كُفْرهم وعنادهم وجحودهم.

[13] ﴿لَا يُؤۡمِنُونَ بِهِۦ وَقَدۡ خَلَتۡ سُنَّةُ ٱلۡأَوَّلِينَ 13﴾:

ثم أخبَرَ سبحانه وتعالى أن هؤلاء المجرمين لن يؤمنوا بهذا القرآن ولا بهذا النبي حتى يأتيهم العذاب، وقد مضت سُنَّةُ الله وعادته بإهلاك الظالمين المعاندين؛ فإذا استمَرَّ قومك -أيها النبي- على التكذيب والعناد، فسوف يصيبهم ما أصاب المكذِّبين من الأمم السابقة.

[14] ﴿وَلَوۡ فَتَحۡنَا عَلَيۡهِم بَابٗا مِّنَ ٱلسَّمَآءِ فَظَلُّواْ فِيهِ يَعۡرُجُونَ 14﴾:

ثم أخبَرَ جل وعلا أن كفار مكة وصلوا إلى مرحلة بعيدة من التكذيب والاستهزاء والعناد؛ بحيث إنهم لو فُتِحَ لهم باب إلى السماء، وصَعِدُوا بأنفسهم، ورأوا بأعينهم آيات الله الدالة على وحدانيته؛ لكذَّبوا وأصروا على الكفر والعناد.

[15] ﴿لَقَالُوٓاْ إِنَّمَا سُكِّرَتۡ أَبۡصَٰرُنَا بَلۡ نَحۡنُ قَوۡمٞ مَّسۡحُورُونَ 15﴾:

بل أخبَرَ سبحانه أنهم سيقولون: إنَّ على أعيننا غطاءً وغشاوة، ولم نتحقَّقْ مما نراه؛ بسبب سحر محمد إيَّانًا.

[16] ﴿وَلَقَدۡ جَعَلۡنَا فِي ٱلسَّمَآءِ بُرُوجٗا وَزَيَّنَّٰهَا لِلنَّٰظِرِينَ 16﴾:

أخبَرَ جل وعلا أنه جَعَل في السماء بروجًا، وهذه البروجُ هي: منازلُ القمَرِ والشمسِ التي تحدِّد فصول السنة صيفًا وشتاءً، وهي: الحَمَلُ، والثَّوْر، والجَوْزاء، والسَّرَطان، والأسد، والسنبلة، والميزان، والعقرب، والقَوْس، والجَدْي، والدَّلْو، والحُوت، وجعل في هذه السماء نجومًا وهي علامات يُهتدى بها في ظلمات البر والبحر، ويَعْرِفُ الناس بها عدد السنين والحساب، وبيَّن جل شأنه أنه زيَّن هذه السماء بهذه النجوم، وجعَلَها جميلة في عين الناظر لها.

[17] ﴿وَحَفِظۡنَٰهَا مِن كُلِّ شَيۡطَٰنٖ رَّجِيمٍ 17﴾:

ثم أخبَرَ سبحانه أنه حَفِظَ هذه السماء ومنعها مِنْ كل شيطان ملعون مرجوم مطرود من رحمة الله.

[18] ﴿إِلَّا مَنِ ٱسۡتَرَقَ ٱلسَّمۡعَ فَأَتۡبَعَهُۥ شِهَابٞ مُّبِينٞ 18﴾:

ثم أخبَرَ سبحانه أن تلك الشياطين التي تحاول الاستماع للوحي؛ فهذه يُدْرِكها شهاب سريع واضح مضيء فيُحْرِقها غالبًا.

[19] ﴿وَٱلۡأَرۡضَ مَدَدۡنَٰهَا وَأَلۡقَيۡنَا فِيهَا رَوَٰسِيَ وَأَنۢبَتۡنَا فِيهَا مِن كُلِّ شَيۡءٖ مَّوۡزُونٖ 19﴾:

ثم أخبَرَ جل وعلا أنه فرَشَ الأرض ومهَّدها، وبسَطَها ووسَّعها، ووضع فيها جبالًا عظيمة كبيرة تثبِّتها وتُرْسيها؛ لئلا تضطرب وتتحرَّك، وأخرَجَ من هذه الأرض الزروع والأشجار التي منها طعام الناس والحيوان، وكلُّ ذلك بقَدْرٍ معلوم، وكمِّية محسوبة.

[20] ﴿وَجَعَلۡنَا لَكُمۡ فِيهَا مَعَٰيِشَ وَمَن لَّسۡتُمۡ لَهُۥ بِرَٰزِقِينَ 20﴾:

ثم أخبَرَ سبحانه أنه يسَّر للناس المعيشة على هذه الأرض، وسهَّل لهم أنواع المكاسب والمأكولات والمشروبات، كما يسَّر لهم من ينتفعون بخِدْمتهم، ولم يَجْعَلْ رزق ذلك عليهم، بل تكفَّل سبحانه برزقهم وتولَّي أمرهم.

[21] ﴿وَإِن مِّن شَيۡءٍ إِلَّا عِندَنَا خَزَآئِنُهُۥ وَمَا نُنَزِّلُهُۥٓ إِلَّا بِقَدَرٖ مَّعۡلُومٖ 21﴾:

واعلموا -أيها الناس- أنه ما من شيء من الأرزاق والمنافع والأسباب والحاجات إلا خزائنها بيد الله وحده، وخزائنُ الرحمن مَلْأَى لا تَغِيضُها ولا تَنْقُصُها النفقة، يعطي من يشاء بلُطْفه ورحمته، ويمنع من يشاء بعَدْله وحكمته، وما ينزل سبحانه شيئًا من ذلك إلا بقَدْرٍ معلوم محدَّد، لا زيادة فيه ولا نقص.

[22] ﴿وَأَرۡسَلۡنَا ٱلرِّيَٰحَ لَوَٰقِحَ فَأَنزَلۡنَا مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءٗ فَأَسۡقَيۡنَٰكُمُوهُ وَمَآ أَنتُمۡ لَهُۥ بِخَٰزِنِينَ 22﴾:

ثم أخبَرَ جل وعلا أنه أرسل الرياح لتلقِّح السحاب والأشجار؛ فهي تحمل اللقاح من الذكر للأنثى؛ فينزل المطر بإذن الله، فيشرب منه الناس والأنعام، وتحيا به الأرض، فتخرج الثمار والزروع والأشجار، واعلموا أنكم لستم بقادرين على تخزين هذا الماء؛ وإنما الله هو الذي يخزِّنه ويحفظه لكم رحمة بكم. وقوله: ﴿فَأَسۡقَيۡنَٰكُمُوهُ﴾: هذه أطوَلُ كلمة في القرآن.

[23] ﴿وَإِنَّا لَنَحۡنُ نُحۡيِۦ وَنُمِيتُ وَنَحۡنُ ٱلۡوَٰرِثُونَ 23﴾:

ثم أخبَرَ جل في علاه أنه هو الذي يحيي ويُوجِدُ الخلقَ بعد العدم، وأنه هو الذي يُفْنِيهم ويميتهم بعد الحياة، وأنه هو الذي يَرِثُ الأرض ومَنْ عليها بعد فناء الخلق أجمعين.

[24] ﴿وَلَقَدۡ عَلِمۡنَا ٱلۡمُسۡتَقۡدِمِينَ مِنكُمۡ وَلَقَدۡ عَلِمۡنَا ٱلۡمُسۡتَـٔۡخِرِينَ 24﴾:

ثم أخبَرَ جل شأنه أنه هو وحده الذي يعلم أحوال خلقه أجمعين مَنْ تقدَّم منهم، ومَنْ تأخَّر، ومن مضى ومن سيأتي إلى يوم القيامة. قال الحسن: (المستقدمين في الطاعات، والمستأخرين فيها).

[25] ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ هُوَ يَحۡشُرُهُمۡۚ إِنَّهُۥ حَكِيمٌ عَلِيمٞ 25﴾:

ثم أخبَرَ جل وعلا أن مرجع هؤلاء جميعًا إلى الله؛ يجمعهم جميعًا في صعيد واحد يوم القيامة؛ ليحاسبهم على أعمالهم، وإنه سبحانه حكيمٌ يضع الأمور في مواضعها، عليمٌ لا يخفى عليه شيء من أمور الخلق؛ وذلك هو المقصود من الحَشْر.

[26] ﴿وَلَقَدۡ خَلَقۡنَا ٱلۡإِنسَٰنَ مِن صَلۡصَٰلٖ مِّنۡ حَمَإٖ مَّسۡنُونٖ 26﴾:

ثم أخبَرَ جل شأنه أنه خلق أبانا آدم من طين يابسٍ قد تخمَّر، فأصبح له صوتٌ كصوت الفخَّار إذا نُقِرَ عليه، ولون هذا الطين أسود قد تغيَّر لونه وريحه من طول مُكْثه.

[27] ﴿وَٱلۡجَآنَّ خَلَقۡنَٰهُ مِن قَبۡلُ مِن نَّارِ ٱلسَّمُومِ 27﴾:

وأخبَرَ سبحانه أنه خلق أبا الجِنِّ، وهو إبليس -قبل خلق آدم- وبيَّنَ أنه خلقه من لهبِ نارٍ صافيةٍ شديدةِ الحرارة، وسُمِّيَ: جانًّا؛ لأنه لا يُرَى في الدنيا على صورته التي خلقه الله عليها.

[28] ﴿وَإِذۡ قَالَ رَبُّكَ لِلۡمَلَٰٓئِكَةِ إِنِّي خَٰلِقُۢ بَشَرٗا مِّن صَلۡصَٰلٖ مِّنۡ حَمَإٖ مَّسۡنُونٖ 28﴾:

واذكر -أيها النبي- يوم أن قال ربك للملائكة: إني خالق بقُدْرتي إنسانًا من طِينٍ يابس، وهذا الطينُ مكث الماء فوقه زمانًا حتى تغيَّر شكله وريحه.

[29] ﴿فَإِذَا سَوَّيۡتُهُۥ وَنَفَخۡتُ فِيهِ مِن رُّوحِي فَقَعُواْ لَهُۥ سَٰجِدِينَ 29﴾:

ثم قال جل وعلا للملائكة: فإذا اكتمَلَ خلق هذا الإنسان، وهو آدَمُ عليه السلام، ونفَخَتْ فيه من روحي، فيجب عليكم أن تَخِرُّوا له ساجدين.

[30] ﴿فَسَجَدَ ٱلۡمَلَٰٓئِكَةُ كُلُّهُمۡ أَجۡمَعُونَ 30﴾:

ثم أخبَرَ سبحانه أن جميع الملائكة سجدوا امتثالًا لأمر الله لهم، وتكريمًا لآدم عليه السلام، وهذا السجودُ سجودُ احترامٍ وتكريمٍ، وليس سجودَ عبادة؛ لأن سجود الاحترام كان جائزًا في الأمم السابقة، ولأن سجود العبادة لا يصلُحُ إلا لله وحده.

[31] ﴿إِلَّآ إِبۡلِيسَ أَبَىٰٓ أَن يَكُونَ مَعَ ٱلسَّٰجِدِينَ 31﴾:

وبيَّن سبحانه أن إبليس رفَضَ أن يسجد استكبارًا وحسدًا لآدم. وأَمْرُ الله للملائكة وإبليس بالسجود كان في وقت واحد؛ كما قال تعالى لإبليس: ﴿مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسۡجُدَ إِذۡ أَمَرۡتُكَۖ ﴾ [الأعراف:12]؛ فامتثَلَتِ الملائكة الأمر، أما إبليس، فأخذته العِزَّةُ بالإثم، ورأى أن آدم أقل شأنًا منه، وغرَّته نفسه، ونسي تقديس الآمِرِ جل وعلا ووجوبَ طاعته.

[32] ﴿قَالَ يَٰٓإِبۡلِيسُ مَا لَكَ أَلَّا تَكُونَ مَعَ ٱلسَّٰجِدِينَ 32﴾:

ثم قال الله جل في علاه: لماذا لم تسجُدْ يا إبليس مع الملائكة؟

[33] ﴿قَالَ لَمۡ أَكُن لِّأَسۡجُدَ لِبَشَرٍ خَلَقۡتَهُۥ مِن صَلۡصَٰلٖ مِّنۡ حَمَإٖ مَّسۡنُونٖ 33﴾:

فقال إبليس تعظيمًا لنفسه وحسدًا لآدم: أنا أعلى مِنْ أن أسجُدَ لبشر خُلِقَ مِن طين يابسٍ أسوَدَ نَتِنٍ.

[34] ﴿قَالَ فَٱخۡرُجۡ مِنۡهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٞ 34﴾:

فقال الله آمرًا إبليس: اخرُجْ من الجنَّة؛ فإنك مطرودٌ من رحمتي.

[35] ﴿وَإِنَّ عَلَيۡكَ ٱللَّعۡنَةَ إِلَىٰ يَوۡمِ ٱلدِّينِ 35﴾:

واعلم -يا إبليس- أن عليك اللعنةَ والطَّرْدَ والإبعاد إلى يوم الحساب والجزاء، وهكذا باء بخِزْيِ الدنيا وعذاب الآخرة، والطَّرْدِ من الجنة، ولعنةِ الله وسخطه.

[36] ﴿قَالَ رَبِّ فَأَنظِرۡنِيٓ إِلَىٰ يَوۡمِ يُبۡعَثُونَ 36﴾:

ثم طلب إبليس من الله البقاء إلى يوم البعث، فقال: يا رب، أَجِّلني إلى اليوم الذي يبعث فيه آدم وذريته، وهو اليوم الذي يُبعَثُ فيه الناس للحساب والجزاء، يريد بذلك ألَّا يموت.

[37] ﴿قَالَ فَإِنَّكَ مِنَ ٱلۡمُنظَرِينَ 37﴾:

فأجاب جل وعلا طلبه، وقال له: فإنك من المؤجَّلين.

[38] ﴿إِلَىٰ يَوۡمِ ٱلۡوَقۡتِ ٱلۡمَعۡلُومِ 38﴾:

ولكنْ أخبَرَ سبحانه أنه لم يؤجِّلْ إبليسَ إلى يوم البعث، وإنما أرجأه إلى يومِ الوقتِ المعلوم، وهو يومُ النفخة الأولى الذي يموتُ فيه جميعُ الخلق إنسُهم وجنُّهم، وكلُّ ما على الأرض، وذلك لحِكَمٍ قدَّرها الله، منها: أن يميِّز الله عباده فيظهر الخبيث والطيب؛ ولذلك بعث الله رسله ليقتدي بهم السعداء، وأما الأشقياء، فيتَّبعون الأبالسة.

[39] ﴿قَالَ رَبِّ بِمَآ أَغۡوَيۡتَنِي لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمۡ فِي ٱلۡأَرۡضِ وَلَأُغۡوِيَنَّهُمۡ أَجۡمَعِينَ 39﴾:

ثم احتج إبليس بقضاء الله وقدره الكوني على غَوَايته، وأخَذَ العهد على نفسه أن يزيِّن لهم الذنوب والمعاصي في الدنيا؛ بأن يحسِّنَ لهم القبيح، ويحبِّبَ الشهوات إلى نفوسهم حتى يتَّبعوها. والباء في قوله: ﴿بِمَآ أَغۡوَيۡتَنِي﴾، إما أن تكونَ باء القسَمِ؛ فهو يحتج على الله، ويريد الانتقام من آدم وبنيه، أو تكونَ باء السببية؛ وفي كلا الأمرين نصَّب نفسه وكرَّس حياته المديدة لإغواء البَشَر.

[40] ﴿إِلَّا عِبَادَكَ مِنۡهُمُ ٱلۡمُخۡلَصِينَ 40﴾:

ثم أدرك الخبيث أنه لا يُمكِنُ له إغواء عباد الله الربانيِّين الموحِّدين الذين حفظهم الله بحفظه؛ فاستثنى من الإغواء عباد الله المخلَصين، وهم الذين أُخْلِصُوا واصطُفُوا؛ لأنهم أخلصوا أعمالهم لله وحده.

[41] ﴿قَالَ هَٰذَا صِرَٰطٌ عَلَيَّ مُسۡتَقِيمٌ 41﴾:

ثم قال جل وعلا: اعلم -يا إبليس- أن طريق الهداية والإيمان الموصِّل إلى جنتي مرجعه إليَّ، ويومَ القيامة سوف أجازي كلًّا بعمله؛ إنْ خيرًا فخير، وإنْ شرًّا فشرّ.

[42] ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيۡسَ لَكَ عَلَيۡهِمۡ سُلۡطَٰنٌ إِلَّا مَنِ ٱتَّبَعَكَ مِنَ ٱلۡغَاوِينَ 42﴾:

واعلم -يا إبليس- أيضًا أن عبادي الصالحين المخلصين ليس لك عليهم وِلَايةٌ ولا سبيل، أما مَنْ غلَبَتْ عليه نفسه، واتَّبع الهوى والشيطان والضلال، فهو خارج من رحمة الله وعصمته.

[43] ﴿وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمَوۡعِدُهُمۡ أَجۡمَعِينَ 43﴾:

ثم توعَّد جل وعلا إبليس ومن تبعه وأطاعه: أن مصيرهم سيكون نار جهنَّم الحارقة، الشديدة الحرارة.

[44] ﴿لَهَا سَبۡعَةُ أَبۡوَٰبٖ لِّكُلِّ بَابٖ مِّنۡهُمۡ جُزۡءٞ مَّقۡسُومٌ 44﴾:

وبيَّن سبحانه أن جهنم لها سبعة أبواب، كلُّ باب أسفل من الآخر، ولكلِّ باب مجموعة من أتباع إبليس تدخُلُه، مقسومٌ ومحدَّدٌ لهم بحسَبِ أعمالهم ودَرَكاتهم.

[45] ﴿إِنَّ ٱلۡمُتَّقِينَ فِي جَنَّٰتٖ وَعُيُونٍ 45﴾:

ثم أخبَرَ جل وعلا عن حال عباده المتقين الموحِّدين الذين جعلوا بينهم وبين عذاب الله وناره وِقَايةٌ بفعلِ أوامره، واجتناب نواهيه؛ أنهم في جنات وبساتين خضراء يانعة، تجري من تحتهم الأنهار والعيون، في مناظر بديعة جميلة.

[46] ﴿ٱدۡخُلُوهَا بِسَلَٰمٍ ءَامِنِينَ 46﴾:

ثم بيَّن سبحانه أنه يقال لهم حال دخولهم: ادخلوا هذه الجنَّات، وأنتم سالمون من كلِّ كَدَرٍ ومنغِّصٍ؛ كالموت والمرض والفقر، وآمنين من كلِّ عذاب وخوف.

[47] ﴿وَنَزَعۡنَا مَا فِي صُدُورِهِم مِّنۡ غِلٍّ إِخۡوَٰنًا عَلَىٰ سُرُرٖ مُّتَقَٰبِلِينَ 47﴾:

وبيَّن سبحانه أنه أخرج من قلوب عباده المتقين كل حقد أو عداوة؛ فصَفَتْ قلوب بعضهم على بعض، فليس بينهم عداوة ولا بَغْضاء ولا شَحْناء؛ فصاروا إخوة يزور بعضهم بعضًا، ويتسامرون وهم جلوس على مجالس رفيعة متقابِلِينَ ينظُرُ بعضهم إلى بعض؛ للمحادَثَةِ والمؤانَسَة.

[48] ﴿لَا يَمَسُّهُمۡ فِيهَا نَصَبٞ وَمَا هُم مِّنۡهَا بِمُخۡرَجِينَ 48﴾:

ثم بيَّن سبحانه أنه لا يصيبهم في الجنة تعبٌ ولا إعياءٌ ولا هَمٌّ ولا حَزَن؛ فهم في نعيمٍ أبديٍّ تامٍّ، خالدين فيها خلودًا أبديًّا لا يخرجون منها.

[49] ﴿نَبِّئۡ عِبَادِيٓ أَنِّيٓ أَنَا ٱلۡغَفُورُ ٱلرَّحِيمُ 49﴾:

أمَرَ جل وعلا نبيه ﷺ أن يُخْبِرَ الناس خبرًا يقينيًّا لا شكَّ فيه؛ أنه سبحانه كثيرُ المغفرة لِمَن وحَّد وتاب، وكثيرُ الرحمة لمن رجَعَ وأناب.

[50] ﴿وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ ٱلۡعَذَابُ ٱلۡأَلِيمُ 50﴾:

وأمَرَهُ سبحانه أن يُخْبِرهم أن عذابه لمن أشرك به وعصاه عذابٌ شديدٌ موجعٌ، لا يتحمَّله أحد؛ فليحذَرِ المؤمن وَلْيَخَفْ على نفسه، ولْيَعِشْ بين الخوف والرجاء والعمل الصالح حتى ينجو.

[51] ﴿وَنَبِّئۡهُمۡ عَن ضَيۡفِ إِبۡرَٰهِيمَ 51﴾:

ثم أمَرَهُ سبحانه وتعالى أن يخبر قومه عن قصة ضيوف إبراهيم عليه السلام، وهم ملائكةٌ أَتَوْهُ على صورة بشَر.

[52] ﴿إِذۡ دَخَلُواْ عَلَيۡهِ فَقَالُواْ سَلَٰمٗا قَالَ إِنَّا مِنكُمۡ وَجِلُونَ 52﴾:

فلمَّا دخل الضيوف على إبراهيم، قالوا له: سلامًا، فرَدَّ عليهم السلام، ثم قدَّم لهم طعام الضيافة، ولمَّا رآهم لا يأكُلُونَ منها، قال لهم: إنا منكم فزعون خائفون.

[53] ﴿قَالُواْ لَا تَوۡجَلۡ إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلَٰمٍ عَلِيمٖ 53﴾:

فقال الضيوف لإبراهيم: لا تَخَفْ ولا تفزع، ثم طمأنوه وبشَّروه بغلام كثير العلم.

[54] ﴿قَالَ أَبَشَّرۡتُمُونِي عَلَىٰٓ أَن مَّسَّنِيَ ٱلۡكِبَرُ فَبِمَ تُبَشِّرُونَ 54﴾:

فقال لهم متعجِّبًا: أتبشِّرونني بالولد وقد كَبِرَ سنِّي؟! فكيف يكون هذا مع عدم توفُّر أسبابه؟!

[55] ﴿قَالُواْ بَشَّرۡنَٰكَ بِٱلۡحَقِّ فَلَا تَكُن مِّنَ ٱلۡقَٰنِطِينَ 55﴾:

فأجابوه: لقد بشَّرناك ببُشْرى حقٍّ وحقيقة، فلا تيئسْ ولا تستبعِدْ حصول ذلك الخير لك من الله؛ فقدرتُهُ لا تحد.

[56] ﴿قَالَ وَمَن يَقۡنَطُ مِن رَّحۡمَةِ رَبِّهِۦٓ إِلَّا ٱلضَّآلُّونَ 56﴾:

فأجابهم قائلًا: إنه لا ييئس من رحمة الله وفضله وإحسانه إلا مَنْ ضلَّ طريق الصواب، وغفَلَ عن رحمة الله الكريم التوَّاب.

[57] ﴿قَالَ فَمَا خَطۡبُكُمۡ أَيُّهَا ٱلۡمُرۡسَلُونَ 57﴾:

ولمَّا اطمأنَّ إبراهيم عليه السلام إلى أضيافه، وهدأ خوفه، سألهم عن مهمَّتهم الكبرى التي أتَوْا لأجلها؛ لأن البشارة وإن كانت مهمة إلا أنها من المُمْكِنِ أن تأتي برؤية منامية؛ كما في قصة إسماعيل.

[58] ﴿قَالُوٓاْ إِنَّآ أُرۡسِلۡنَآ إِلَىٰ قَوۡمٖ مُّجۡرِمِينَ 58﴾:

فقالوا له: إن الله أرسَلَنا إلى إهلاك قوم لوط المشرِكين الضالِّين، الذين يفعلون تلك الفاحشة الشنيعة.

[59] ﴿إِلَّآ ءَالَ لُوطٍ إِنَّا لَمُنَجُّوهُمۡ أَجۡمَعِينَ 59﴾:

ثم استثنَوْا لوطًا عليه والسلام وأهله المؤمنين به من هذا الإهلاك؛ وقالوا: إنا سوف ننجِّيهم أجمعين.

[60] ﴿إِلَّا ٱمۡرَأَتَهُۥ قَدَّرۡنَآ إِنَّهَا لَمِنَ ٱلۡغَٰبِرِينَ 60﴾:

ثم قال الملائكة: أما زوجة لوط المنافقة، فقد أمَرَنا الله بإهلاكها، وسوف يصيبها ما يصيب هؤلاء الهالكين.

[61] ﴿فَلَمَّا جَآءَ ءَالَ لُوطٍ ٱلۡمُرۡسَلُونَ 61﴾:

ثم أخبَرَ سبحانه أن الملائكة انتقلوا من عند إبراهيم، وذهبوا إلى لوط عليهما السلام.

[62] ﴿قَالَ إِنَّكُمۡ قَوۡمٞ مُّنكَرُونَ 62﴾:

ثم بيَّن جل شأنه أن الملائكة لما جاؤوا إلى لوطٍ عليه السلام، قال لهم: إنكم قوم ٌغرباء؛ لم أَعْرِفكم؛ فما تريدون؟ وكان عليه السلام يتحدَّث معهم بأسلوب يوحي أنه متضايق؛ لأنه خاف على هؤلاء الأضياف حِسَانِ الوجوه من قومه الضالِّين أصحاب هذه الفاحشة المنكَرة، وقد صرَّح القرآن بهذا الضيق؛ في قوله تعالى: ﴿وَلَمَّا جَآءَتۡ رُسُلُنَا لُوطٗا سِيٓءَ بِهِمۡ وَضَاقَ بِهِمۡ ذَرۡعٗا وَقَالَ هَٰذَا يَوۡمٌ عَصِيبٞ﴾ [هود:٧٧].

[63] ﴿قَالُواْ بَلۡ جِئۡنَٰكَ بِمَا كَانُواْ فِيهِ يَمۡتَرُونَ 63﴾:

فقال الملائكة لِلُوطٍ عليه السلام: إننا يا لوط رُسُلٌ من عند الله، وقد جئنا قومك بالعذاب الذي كانوا يشُكُّون فيه ويكذِّبونه.

[64] ﴿وَأَتَيۡنَٰكَ بِٱلۡحَقِّ وَإِنَّا لَصَٰدِقُونَ 64﴾:

ثم قالوا له أيضًا: كما أننا أتيناك من عند الله بالحق الذي لا هَزْلَ فيه، وإنا لصادقون فيما أخبَرْناك به.

[65] ﴿فَأَسۡرِ بِأَهۡلِكَ بِقِطۡعٖ مِّنَ ٱلَّيۡلِ وَٱتَّبِعۡ أَدۡبَٰرَهُمۡ وَلَا يَلۡتَفِتۡ مِنكُمۡ أَحَدٞ وَٱمۡضُواْ حَيۡثُ تُؤۡمَرُونَ 65﴾:

ثم قال الملائكة للوط: فإذا أظلَمَ الليل يا لوط، فاخرُجْ بأهلك ومَنْ معك من المؤمنين، واجعلهم أمامك، وكُنْ خلفهم؛ لئلا يتخلَّف أو يتلكَّأ منهم أحد فيصيبه العذاب، فإذا خرَجْتم، فلا يلتفِتْ منكم أحد لكيلا يصيبه الرعب من رؤية هَوْلِ ما يَحِلُّ بهم، وسيروا مسرعين إلى حيثُ أمَرَ كم الله.

[66] ﴿وَقَضَيۡنَآ إِلَيۡهِ ذَٰلِكَ ٱلۡأَمۡرَ أَنَّ دَابِرَ هَٰٓؤُلَآءِ مَقۡطُوعٞ مُّصۡبِحِينَ 66﴾:

ثم أخبرتِ الملائكة لوطًا عليه السلام خبرًا جازمًا: أن العذاب سيصبِّحُ قومه مستأصِلًا إياهم.

[67] ﴿وَجَآءَ أَهۡلُ ٱلۡمَدِينَةِ يَسۡتَبۡشِرُونَ 67﴾:

ولمَّا عَلِمَ أهل المدينة التي يسكُنُها لوطٌ عليه السلام بمَقْدَمِ ضيوفه، جاؤوا مسرعين مستبشرين فَرِحين، طامعين في فعل الفاحشة بأضيافه.

[68] ﴿قَالَ إِنَّ هَٰٓؤُلَآءِ ضَيۡفِي فَلَا تَفۡضَحُونِ 68﴾:

فقال لهم لُوطٌ عليه السلام، مدافعًا ومنافحًا عن أضيافه: يا قوم، إن هؤلاء ضيوفي؛ فلا تُؤْذُوني فيهم، ولا تُذِلُّوني بفعل المنكر معهم.

[69] ﴿وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَلَا تُخۡزُونِ 69﴾:

ثم قال لهم لوط عليه السلام: وإذا لم يكن عندكم شهامة ونَخْوة ومعرفة لحق الضيف، فاجعلوا بينكم وبين عذاب الله وقاية؛ بأن تكُفُّوا عن إرادتكم هذا المنكر، ولا تجعلوني ممن لَحِقهم الخزي والعار؛ بسبب عدم حفظي لأضيافي.

[70] ﴿قَالُوٓاْ أَوَلَمۡ نَنۡهَكَ عَنِ ٱلۡعَٰلَمِينَ 70﴾:

فأجابوه قائلين: ألم يَسْبِقْ أن أنذَرْناك ونهيناك -يا لوط- عن استضافة أحد من العالمين؟!

[71] ﴿قَالَ هَٰٓؤُلَآءِ بَنَاتِيٓ إِن كُنتُمۡ فَٰعِلِينَ 71﴾:

ثم قال لهم لوط: هؤلاء بناتي -وقيل: نساءُ قومي- فتزوَّجوهُنَّ بالحلال، ولا ترتكبوا الحرام؛ إنْ أَرَدتُّم قضاء وَطَرِكم.

[72] ﴿لَعَمۡرُكَ إِنَّهُمۡ لَفِي سَكۡرَتِهِمۡ يَعۡمَهُونَ 72﴾:

ثم أقسَمَ جل وعلا بحياة محمد ﷺ، فقال: أُقسِمُ لك -أيها النبي- أن قوم لوط في سَكْرةِ الشهوة والضلال، وإنهم في حيرة وضلال وتردُّد. قال ابن عبَّاس: (ما خلَقَ الله تعالى نَفْسًا أكرَمَ على الله من محمد ﷺ، وما سَمِعتُ اللهَ أقسَمَ بحياةِ أحدٍ غيره)، وقد أقسَمَ الله بنفسه، وأقسم بمخلوقاته، فقال تعالى: ﴿وَٱلتِّينِ وَٱلزَّيۡتُونِ﴾ [التين:1]، وقال: [الشمس:1]، ﴿وَٱلشَّمۡسِ وَضُحَىٰهَا﴾ وغيرها من الآيات، وله الحقُّ سبحانه أن يقسم بما شاء.

[73] ﴿فَأَخَذَتۡهُمُ ٱلصَّيۡحَةُ مُشۡرِقِينَ 73﴾:

ثم أخبَرَ سبحانه أنه حلّت بقوم لوط صيحة عالية مهلكة وقت شروق الشمس.

[74] ﴿فَجَعَلۡنَا عَٰلِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمۡطَرۡنَا عَلَيۡهِمۡ حِجَارَةٗ مِّن سِجِّيلٍ 74﴾:

ثم أخبَرَ أن الملائكة قلَبَتْ عليهم مدينتهم بطنًا على ظهر، وأمطرت الملائكة -بأمر الله- عليهم حجارةً من طين متحجِّر عليها سِمَةُ العذاب، تَتْبَعُ من فرَّ منهم فتهلكه. وقيل: مكتوبٌ على كل حجرٍ اسمُ مَن ستُهْلِكه.

[75] ﴿إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَأٓيَٰتٖ لِّلۡمُتَوَسِّمِينَ 75﴾:

واعلموا -أيها الناس- أن فيما مرَّ من قصة قوم لوط وعنادهم وتكذيبهم وارتكابهم أشنَعَ السيئات، ثم في إهلاكهم وأخذهم بالعذاب آيات وعلامات واضحات يعتبِرُ بها كل متأمِّل ومتفكِّر وصاحب فِرَاسة.

[76] ﴿وَإِنَّهَا لَبِسَبِيلٖ مُّقِيمٍ 76﴾:

واعلموا أيضًا أن قرى قوم لوط ومساكنهم التي أهلكهم الله فيها، هي على طريق قائم يراها السالكون الذين يمُرُّونَ بها.

[77] ﴿إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَأٓيَةٗ لِّلۡمُؤۡمِنِينَ 77﴾:

ثم عاد سبحانه وأخبَرَ أن في هذه القصة آياتٍ وعلامات واضحات للمؤمنين الموحِّدين يعتبرون بها.

[78] ﴿وَإِن كَانَ أَصۡحَٰبُ ٱلۡأَيۡكَةِ لَظَٰلِمِينَ 78﴾:

ثم ذكَرَ جل وعلا أصحاب الأيكة الذين أرسَلَ إليهم شعيبًا عليه السلام، كما أرسله إلى قومه أصحاب مَدْيَنَ، وأغدَقَ عليهم أنواع النعم، ومع ذلك لم يؤمنوا؛ حيث أخبَرَ سبحانه أنهم كانوا ظالمين، فكانوا يطفِّفون المكيال والميزان، ويظلمون الناس؛ فلا يعطونهم حقوقهم.

[79] ﴿فَٱنتَقَمۡنَا مِنۡهُمۡ وَإِنَّهُمَا لَبِإِمَامٖ مُّبِينٖ 79﴾:

ثم أخبَرَ سبحانه أنه انتقَمَ منهم فأهلكهم بالصيحة، وأخبَرَ أن مساكنهم ومساكن قوم لُوطٍ الدالَّة على قصصهم مع أنبيائهم، باقية على طريق قائم واضح يسلكه المسافرون من الجزيرة والشام.

[80] ﴿وَلَقَدۡ كَذَّبَ أَصۡحَٰبُ ٱلۡحِجۡرِ ٱلۡمُرۡسَلِينَ 80﴾:

ثم أخبَرَ سبحانه عن أصحاب الحِجْرِ؛ وهم ثمودٌ قومُ صالح عليه السلام، فأخبَرَ الله عنهم أنهم كذَّبوا المرسلين، ومن كذَّب برسول واحد، فقد كذَّب بجميع المرسلين.

[81] ﴿وَءَاتَيۡنَٰهُمۡ ءَايَٰتِنَا فَكَانُواْ عَنۡهَا مُعۡرِضِينَ 81﴾:

وأخبَرَ سبحانه أنه أعطاهم الآيات والمعجزات الدالَّة على صحة ما جاءهم به صالحٌ من التوحيد وترك الشرك، ومن جملة ذلك: الناقة؛ فأعرضوا عنها وتجبَّروا وتكبَّروا عليها، وعقروا الناقة، ولم يوحِّدوا، واستمروا على شركهم.

[82] ﴿وَكَانُواْ يَنۡحِتُونَ مِنَ ٱلۡجِبَالِ بُيُوتًا ءَامِنِينَ 82﴾:

وقد أعطاهم سبحانه قدرةً عجيبةً على نحت الجبال، واتخاذ مساكنَ فيها، يكونون فيها آمِنِينَ شتاءً من البرد، وصيفًا من الحر، ويكونون فيها مطمئنِّين، وقيل: إنهم كانوا ينحتون في الجبال قبورهم، ويتَّخذون من سهل الأرض قصورًا لسُكْناهم.

[83] ﴿فَأَخَذَتۡهُمُ ٱلصَّيۡحَةُ مُصۡبِحِينَ 83﴾:

ثم بيَّن سبحانه أنه لمَّا لم يؤمنوا، أهلَكَهم بالصيحة مبكِّرين، فسقطوا صرعى في ديارهم جاثمين.

[84] ﴿فَمَآ أَغۡنَىٰ عَنۡهُم مَّا كَانُواْ يَكۡسِبُونَ 84﴾:

وبيَّن سبحانه أنه لم ينفعهم ولم يُغْنِ عنهم ما كانوا يَكْسِبونَ مِن نحت الجبال بيوتًا، ولا اتخاذ القصور الفَخْمة، ولا غير ذلك.

[85] ﴿وَمَا خَلَقۡنَا ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضَ وَمَا بَيۡنَهُمَآ إِلَّا بِٱلۡحَقِّۗ وَإِنَّ ٱلسَّاعَةَ لَأٓتِيَةٞۖ فَٱصۡفَحِ ٱلصَّفۡحَ ٱلۡجَمِيلَ 85﴾:

ثم أخبَرَ جل وعلا أن خلق السموات والأرض لم يكن عبثًا، وأنه ما خلقهما إلا بالحق، وهو كونهما تدلَّان على وحدانيته وقدرته، واستحقاقِهِ صَرْفَ العبادة له وحده دون ما سواه، واعلم أن الساعة التي يحاسب الناس فيها على أعمالهم؛ آتيةٌ حقًّا ويقينًا؛ فاصفح -أيها النبي- صفحًا جميلًا لا أذيَّةَ فيه، واعْفُ عنهم عفوًا كريمًا.

[86] ﴿إِنَّ رَبَّكَ هُوَ ٱلۡخَلَّٰقُ ٱلۡعَلِيمُ 86﴾:

واعلم -أيها النبي- أن ربك هو الخلَّاق الذي خلق كل شيء، وأنه العليم بكل شيء.

[87] ﴿وَلَقَدۡ ءَاتَيۡنَٰكَ سَبۡعٗا مِّنَ ٱلۡمَثَانِي وَٱلۡقُرۡءَانَ ٱلۡعَظِيمَ 87﴾:

ثم أخبَرَ سبحانه أنه أعطى نبيه ﷺ السبع المثاني، وأعطاه هذا القرآن العظيم، وهذا امتنانٌ وتفضُّلٌ منه جل وعلا على نبيه صلوات الله وسلامه عليه. والسبع المثاني فيها قولان:

أحدهما -وهو قول كثير من العلماء والمفسِّرين-: أنها سورة الفاتحة. والثاني: أنها السور السبع الطوال التي في أول القرآن.

[88] ﴿لَا تَمُدَّنَّ عَيۡنَيۡكَ إِلَىٰ مَا مَتَّعۡنَا بِهِۦٓ أَزۡوَٰجٗا مِّنۡهُمۡ وَلَا تَحۡزَنۡ عَلَيۡهِمۡ وَٱخۡفِضۡ جَنَاحَكَ لِلۡمُؤۡمِنِينَ 88﴾:

ثم وجَّه جل وعلا رسوله ﷺ وعباده المؤمنين ألَّا ينظروا ولا يعجبوا بشهوات الدنيا وأصناف النعم التي متَّع الله بها المشركين، وألَّا يحزنوا على كُفْرهم وجحودهم، ثم أمَرَهم سبحانه أن يتواضعوا لعباد الله المؤمنين الذين آمنوا بالله وصدَّقوا رسوله الأمين ﷺ.

[89] ﴿وَقُلۡ إِنِّيٓ أَنَا ٱلنَّذِيرُ ٱلۡمُبِينُ 89﴾:

وقل -أيها النبي- لقومك: إني أنذَرْتُكم عذاب الله، وقد بيَّنْتُ لكم حقيقة التوحيد بيانًا واضحًا لا لبس فيه ولا خفاء.

[90] ﴿كَمَآ أَنزَلۡنَا عَلَى ٱلۡمُقۡتَسِمِينَ 90﴾:

وقل لهم: لا تكونوا كاليهود والنصارى الذين قسَّموا كتابهم، وتحزَّبوا فرقًا، وأخذ كلُّ فريقٍ من الدين ما يناسب هواه وتعصَّب لذلك.

[91] ﴿ٱلَّذِينَ جَعَلُواْ ٱلۡقُرۡءَانَ عِضِينَ 91﴾:

واحذروا يا من فعلتم فعل اليهود والنصارى، وفرَّقتم القرآن وجعلتموه أقسامًا وأجزاءً؛ حيث إن منكم من قال: إنه سِحْر، ومنكم من قال: إنه كَهَانة؛ فسوف يَحِلُّ بكم سخط الله وعقابه؛ كما حل بمَنْ قبلكم من اليهود والنصارى الذين قسَّموا كتابهم على حسَبِ أهوائهم ورَغَباتهم، وكانوا يؤمنون ببعض، ولا يؤمنون ببعض.

[92] ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسۡـَٔلَنَّهُمۡ أَجۡمَعِينَ 92﴾:

ثم أقسَمَ جل وعلا بربوبيَّتِهِ لنبيِّه ﷺ مخاطبًا له: أنه لن يترُكَ هؤلاء المشركين والمكذِّبين والمستهزئين؛ بل سيسألهم جميعًا يوم الجزاء والحساب.

[93] ﴿عَمَّا كَانُواْ يَعۡمَلُونَ 93﴾:

ثم بيَّن سبحانه أنه سيسألهم عن كل ما فعلوا؛ من تكذيب وإعراض، واستهزاء وأذيَّة.

[94] ﴿فَٱصۡدَعۡ بِمَا تُؤۡمَرُ وَأَعۡرِضۡ عَنِ ٱلۡمُشۡرِكِينَ 94﴾:

ثم أمَرَ سبحانه نبيه ﷺ أن يجهر بما أُمِرَ به من الدعوة إلى التوحيد، وترك الشرك والتنديد، وأن يُظْهِرَ دينه، ولا يبالي بالمشركين.

[95] ﴿إِنَّا كَفَيۡنَٰكَ ٱلۡمُسۡتَهۡزِءِينَ 95﴾:

ثم أخبَرَ جل وعلا نبيه ﷺ أنه قد كفاه وحَفِظه مِنْ هؤلاء المستهزئين ومِنِ استهزائهم.

[96] ﴿ٱلَّذِينَ يَجۡعَلُونَ مَعَ ٱللَّهِ إِلَٰهًا ءَاخَرَۚ فَسَوۡفَ يَعۡلَمُونَ 96﴾:

ثم بيَّن سبحانه أن هؤلاء المستهزئين هم الذين يشركون مع الله آلهة أخرى، وبيَّن أنهم سوف يعلمون عاقبة استهزائهم وإشراكهم، وذلك يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم. وهذا عامٌّ في كل من استهزأ برسول الله ﷺ، أو بما أُنزِلَ عليه؛ سواءٌ في حياته، أو بعد مماته ﷺ.

[97] ﴿وَلَقَدۡ نَعۡلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدۡرُكَ بِمَا يَقُولُونَ 97﴾:

ثم سلَّى جل وعلا رسولَهُ ﷺ وصبَّره على احتمال الأذى من المشركين، وأخبره أنه سبحانه يعلم بأن صدره يَضِيقُ وينقبضُ حزنًا من أقوالهم واستهزائهم، ورَمْيِهِ بالكذب والسحر والجنون، ويَضِيقُ صدره من مبالغتهم في كفرهم وعنادهم وتكذيبهم القرآن.

[98] ﴿فَسَبِّحۡ بِحَمۡدِ رَبِّكَ وَكُن مِّنَ ٱلسَّٰجِدِينَ 98﴾:

ثم ختَمَ سبحانه السورة بإرشاد نبيه ﷺ إذا فَزِعَ وضاق صدره من أفعال وتصرُّفات قومه: أن يسبِّح بحمد ربه شاكرًا له ومثنيًا عليه؛ فإن التسبيح ينجِّي من الهم والغم، والخوف والحزن، ثم أمره بكثرة الصلاة؛ فإن ذلك يكفيه ما أهمَّه.

[99] ﴿وَٱعۡبُدۡ رَبَّكَ حَتَّىٰ يَأۡتِيَكَ ٱلۡيَقِينُ 99﴾:

ثم أمره أن يستمِرَّ في عبادة ربه، وأن يستكثِرَ مما يحبه الله ويرضاه من الأقوالِ والأعمال، وأنواعِ العبادات والقُرُبات؛ حتى يَحِينَ أجلُه، ويأتيه الموت.

سورة النَّحْل

سورة النَّحْل مكيَّةٌ، وآياتها ثمان وعشرون ومائة آية، وهذه السورة سماها شيخ الإسلام ابن تيمية: (سورةَ تَعْدادِ نِعَمِ الله).

[1] ﴿أَتَىٰٓ أَمۡرُ ٱللَّهِ فَلَا تَسۡتَعۡجِلُوهُۚ سُبۡحَٰنَهُۥ وَتَعَٰلَىٰ عَمَّا يُشۡرِكُونَ 1﴾:

بدأت السورة ببيان أن يوم القيامة آتٍ لا محالة في الوقت المحدَّد الذي يعلمه هو؛ فلا تستعجلوه -أيها المشركون- وفي ذلك تسلية للمؤمنين بالنَّصْرِ والثواب، وإهانةِ الكافرين بالخُسْران والعقاب، ثم نزَّه سبحانه وتعالى نفسه عن إشراك المشركين. وقد عبَّر بالفعل الماضي فقال: ﴿أَتَىٰٓ﴾؛ تأكيدًا لإتيانِهِ في المستقبل القريب، وقوله: ﴿أَتَىٰٓ﴾ بهذه الصفة إجابةٌ للكفار من قريش الذين استعجلوا العذاب، وقالوا للرسول ﷺ: ﴿عَجِّل لَّنَا قِطَّنَا قَبۡلَ يَوۡمِ ٱلۡحِسَابِ﴾ [ص:16]، وقال تعالى عنهم: ﴿يَسۡتَعۡجِلُونَكَ بِٱلۡعَذَابِ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةُۢ بِٱلۡكَٰفِرِينَ﴾ [العنكبوت:54].

[2] ﴿يُنَزِّلُ ٱلۡمَلَٰٓئِكَةَ بِٱلرُّوحِ مِنۡ أَمۡرِهِۦ عَلَىٰ مَن يَشَآءُ مِنۡ عِبَادِهِۦٓ أَنۡ أَنذِرُوٓاْ أَنَّهُۥ لَآ إِلَٰهَ إِلَّآ أَنَا۠ فَٱتَّقُونِ 2﴾:

ثم أخبَرَ جل وعلا أنه ينزِّلُ الوحي على مَنْ يختار ويصطفي من عباده عن طريق جبريل عليه السلام، ثم بيَّن سبحانه أن القضية الأساسية التي بُعِثَ من أجلها هؤلاء الرسل: هي قضيَّةُ الأمرِ بالتوحيد، والنهيِ والنِّذَارة عن الشرك؛ فعلى جميع الخلق أن يجعلوا بينهم وبين عذاب الله وقاية؛ بتوحيده وفعل أوامره، وترك الشرك واجتناب المعاصي.

[3] ﴿خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضَ بِٱلۡحَقِّۚ تَعَٰلَىٰ عَمَّا يُشۡرِكُونَ 3﴾:

ثم أخبَرَ سبحانه أنه خلق الأجرام السماوية والأرضية بالحق الذي اقتضته حِكْمته، وللدَّلَالة على قدرته وعظمته، ولأن مصالح عباده اقتضت ذلك؛ فتنزَّه سبحانه وتعاظم بذاته وصفاته عن العَبَث.

[4] ﴿خَلَقَ ٱلۡإِنسَٰنَ مِن نُّطۡفَةٖ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٞ مُّبِينٞ 4﴾:

ثم ذكَرَ جل وعلا أنه خلق الإنسان من نُطْفة، ثم بعد تدرُّجه في مراحل النمو أصبح خصيمًا مبينًا، ومناضِلًا مجادِلًا، يُدْلِي بالحجج، وهذا إثبات لعظمته وقدرته وحكمته؛ فسبحان مَنْ أحسَنَ كل شيء خلقه.

[5] ﴿وَٱلۡأَنۡعَٰمَ خَلَقَهَاۖ لَكُمۡ فِيهَا دِفۡءٞ وَمَنَٰفِعُ وَمِنۡهَا تَأۡكُلُونَ 5﴾:

ثم بيَّن جل شأنه أن هذه الأنعام التي تحت أيديكم من إبل وبقر وغنم، خلَقَها الله لكم، ويسَّر لكم عن طريقها منافع كثيرة، ومن ذلك: أنكم تتَّخذون من أصوافها وأوبارها ملابسَ تستدفئون بها في البَرْدِ الشديد، وتصنعون منها الأثاث والمساكن، وتنتفعون بركوبها واستخدامها في الحَرْث، وتنتفعون أيضًا بنتاجها مما تلد، ومما يخرُجُ منها من اللَّبَنِ ومشتقاته، وتأكلون من لحمها الطيب.

[6] ﴿وَلَكُمۡ فِيهَا جَمَالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسۡرَحُونَ 6﴾:

ثم بيَّن سبحانه أنَّ لكم في هذه الأنعام جمالًا وزينةً تسُرُّ الناظرين في ركوبها حين تسريحها إلى مَرَاعيها صباحًا، وحين ردِّها إلى منازلها مساءً.

[7] ﴿وَتَحۡمِلُ أَثۡقَالَكُمۡ إِلَىٰ بَلَدٖ لَّمۡ تَكُونُواْ بَٰلِغِيهِ إِلَّا بِشِقِّ ٱلۡأَنفُسِۚ إِنَّ رَبَّكُمۡ لَرَءُوفٞ رَّحِيمٞ 7﴾:

ثم أخبَرَ سبحانه أنَّ من جملة منافعها: أنها تحملكم وتحمل ما ثَقُلَ من متاعكم وبضائعكم إلى البلاد البعيدة، ولولا تسخيرُ الله لها لمَا بلَغْتُم تلكم البلاد إلا بتعب شديد، ومشقَّة بالغة، ولكنَّ الله ذلَّلها وسخَّرها لكم؛ لأنه رؤوف بعباده، رحيم بهم.

[8] ﴿وَٱلۡخَيۡلَ وَٱلۡبِغَالَ وَٱلۡحَمِيرَ لِتَرۡكَبُوهَا وَزِينَةٗۚ وَيَخۡلُقُ مَا لَا تَعۡلَمُونَ 8﴾:

ثم أخبَرَ جل وعلا أنه خلق لكم الخيل والبغال والحمير لتنتفعوا بها؛ فتركبوها أحيانًا، وتتَّخذوها للزينة أحيانًا أخرى، ثم بيَّن سبحانه أنه يخلق غير ذلك مما يركبه الإنسان وينتفع بجماله في البر والبحر والجو مما لا تعلمونه الآنَ؛ فيدخُلُ في ذلك: وسائل المواصلات الحديثة، ومما يُستحدَثُ من الصناعات في المستقبل.

[9] ﴿وَعَلَى ٱللَّهِ قَصۡدُ ٱلسَّبِيلِ وَمِنۡهَا جَآئِرٞۚ وَلَوۡ شَآءَ لَهَدَىٰكُمۡ أَجۡمَعِينَ 9﴾:

واعلموا -أيها الناس- أن على الله وحده توضيحَ طريق النجاة والاستقامة، التي مَنْ سلكها أوصلته إلى سعادة الدارَيْن، وأن هناك طرقًا لا توصِّل إلى الهداية، وهي كل طريق يخالف ما جاء به ﷺ، وقد أرسل الله الرسل من أجل ذلك، ووضَّح كلُّ رسول لأمته هذه الطرق، ثم أخبَرَ جل وعلا أنه قادر على أن يهدي الناس جميعًا، ويجعلهم على قلب رجل واحد، لكنْ لحكمتِهِ البالغة والتي خلَقَ من أجلها الجنة والنار، جعَلَ كلَّ شخص عاقلًا مختارًا؛ إما أن يختار سبيل الصلاح والاستقامة، وإما أن يختار سبيل الغَوَاية والضلال؛ قال تعالى: ﴿وَهَدَيۡنَٰهُ ٱلنَّجۡدَيۡنِ﴾ [البلد:١٠]، أي: وضَّحنا له طريق الهدى وطريق الضلال.

[10] ﴿هُوَ ٱلَّذِيٓ أَنزَلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءٗۖ لَّكُم مِّنۡهُ شَرَابٞ وَمِنۡهُ شَجَرٞ فِيهِ تُسِيمُونَ 10﴾:

ثم أسهَبَ جل وعلا في ذكر نعمه على عباده؛ فذكَرَ نعمة إنزال الماء من السماء، وأنه جعل هذا الماء مباركًا طَهُورًا تشربون منه، وأنه أنبَتَ بهذا الماء الشجر الذي تَرْعَوْنَ فيه أنعامكم، وتقوتون به أنفسكم.

[11] ﴿يُنۢبِتُ لَكُم بِهِ ٱلزَّرۡعَ وَٱلزَّيۡتُونَ وَٱلنَّخِيلَ وَٱلۡأَعۡنَٰبَ وَمِن كُلِّ ٱلثَّمَرَٰتِۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَأٓيَةٗ لِّقَوۡمٖ يَتَفَكَّرُونَ 11﴾:

ثم بيَّن سبحانه أنه أنبت بهذا الماء الثمار المختلفة، والزيتون والنخيل والأعناب، وكلَّ أنواع الثمار والفواكه، ثم حَثَّ جل شأنه على التفكُّر في عظمته وقدرته على إحياء الأرض الميتة، وإحياء الأموات يوم القيامة.

[12] ﴿وَسَخَّرَ لَكُمُ ٱلَّيۡلَ وَٱلنَّهَارَ وَٱلشَّمۡسَ وَٱلۡقَمَرَۖ وَٱلنُّجُومُ مُسَخَّرَٰتُۢ بِأَمۡرِهِۦٓۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَأٓيَٰتٖ لِّقَوۡمٖ يَعۡقِلُونَ 12﴾:

ثم أخبَرَ جل في علاه أنه سخَّر لكم الليلَ لمنامكم وراحتكم، والنهارَ لمعاشكم، وجعلهما يتكرَّران بانتظام؛ وذلك دليل على عظمة الله وقدرته وحكمته، وأنه سخَّر لكم الشمس ضياءً، والقمر نورًا، ومن خلالهما تستطيعون معرِفةَ عدد السنين والحساب، وجعَلَ النجوم في السماء مسخَّراتٍ لكم لمعرفةِ الأوقات والاهتداء بها في الظلمات، ومعرفةِ وقت نضوج الثمار والزروع، وكلُّ ذلك مسخَّرٌ بأمر الله وحده، واعلموا أن في خلق هذه الكواكب والأجرام دليلًا واضحًا، وبرهانًا ساطعًا لقوم يعقلون حُجَج الله وبراهينه، الدالَّة على عظمته وحكمته.

[13] ﴿وَمَا ذَرَأَ لَكُمۡ فِي ٱلۡأَرۡضِ مُخۡتَلِفًا أَلۡوَٰنُهُۥٓۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَأٓيَةٗ لِّقَوۡمٖ يَذَّكَّرُونَ 13﴾:

ثم بيَّن سبحانه أنه سخَّر الأرض وما عليها باختلاف ألوانها وأشكالها لمنفعة البشَر، واعلموا أن فيما ذكره الله من هذه النعم عبرةً وموعظةً لقوم يذكرون نعم الله؛ فيشكرونَهُ ويؤدُّون حقه.

[14] ﴿وَهُوَ ٱلَّذِي سَخَّرَ ٱلۡبَحۡرَ لِتَأۡكُلُواْ مِنۡهُ لَحۡمٗا طَرِيّٗا وَتَسۡتَخۡرِجُواْ مِنۡهُ حِلۡيَةٗ تَلۡبَسُونَهَاۖ وَتَرَى ٱلۡفُلۡكَ مَوَاخِرَ فِيهِ وَلِتَبۡتَغُواْ مِن فَضۡلِهِۦ وَلَعَلَّكُمۡ تَشۡكُرُونَ 14﴾:

ثم أخبَرَ جل وعلا أنه سخَّر لكم البحر لتأكلوا مما تصطادون مِنْ سمكه لحمًا طريًّا، والجمهورُ على أن كل ما احتواه البحر أو ما رماه على الشواطئ حلالٌ، وقال آخرون: إن سَرَطانَ البَحْرِ والتِّمْساحَ والضِّفْدَعَ حرام، ثم مكَّنكم سبحانه أن تستخرجوا من هذا البحر الحُلَيَّ التي تستخدم في الزينة، ثم أخبَرَ أنه جعل السفن والقوارب تسير فيه ذَهَابًا وإيابًا لقضاء مصالحكم من تجارة وصيد وغير ذلك، وكلُّ هذه الأنعام سخَّرها لكم؛ لتكثروا من شكره سبحانه على هذه النعم.

[15] ﴿وَأَلۡقَىٰ فِي ٱلۡأَرۡضِ رَوَٰسِيَ أَن تَمِيدَ بِكُمۡ وَأَنۡهَٰرٗا وَسُبُلٗا لَّعَلَّكُمۡ تَهۡتَدُونَ 15﴾:

ثم أخبَرَ جل وعلا أنه جعل في الأرض جبالًا ثابتةً؛ لكي تَقَرَّ وتثبُتَ ولا تضطرب، وأنه جعل فيها أنهارًا عَذْبةً؛ ليشرب الناس من مائها، ويسقوا منها مزارعهم، وأنه جعل فيها طرقًا لتكون معالم لهم يهتدون بها في الوصول إلى أماكنهم.

[16] ﴿وَعَلَٰمَٰتٖۚ وَبِٱلنَّجۡمِ هُمۡ يَهۡتَدُونَ 16﴾:

ومن نعمة الله على عباده: أنه جعَلَ في الأرض علاماتٍ؛ ليهتدوا بها أثناء سيرهم في النهار، وكذلك جعَلَ لهم هذه النجوم التي في السماء؛ ليستدلوا بها أثناء سيرهم في الليل.

[17] ﴿أَفَمَن يَخۡلُقُ كَمَن لَّا يَخۡلُقُۚ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ 17﴾:

ثم قال سبحانه: هل مَنْ خلَقَ هذه المخلوقات التي ذكرنا لكم بعضها، وأتقَنَ خلقها، كمَنْ لا يستطيع عمل شيء مثلها؛ أفلا تتذكَّرون عظمة الله في خلقه؛ فتعبدوه حق عبادته؟!

[18] ﴿وَإِن تَعُدُّواْ نِعۡمَةَ ٱللَّهِ لَا تُحۡصُوهَآۗ إِنَّ ٱللَّهَ لَغَفُورٞ رَّحِيمٞ 18﴾:

وبعد أن عدَّد جل وعلا بعض نعمه على عباده وما فيها من الفوائد؛ أخبَرَ بأنه لا يمكن لأحد تعدادُهَا وحَصْرُها مهما حاول واجتهد في ذلك، وصدَقَ الله العظيم؛ فمن الذي يستطيع حصرها وضبطها غيره سبحانه؟! إن الله لغفورٌ لعباده التائبين، رحيمٌ بهم؛ حيث لا يؤاخذهم إذا شكروا نعمة المنعم سبحانه.

[19] ﴿وَٱللَّهُ يَعۡلَمُ مَا تُسِرُّونَ وَمَا تُعۡلِنُونَ 19﴾:

واعلموا أن الله جل وعلا وحده هو الذي يعلم ما تُسِرُّونَ وتُخْفون وتكتمون، ويعلم ما تُعْلِنونَ وتُظهِرون.

[20] ﴿وَٱلَّذِينَ يَدۡعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ لَا يَخۡلُقُونَ شَيۡـٔٗا وَهُمۡ يُخۡلَقُونَ 20﴾:

واعلموا أن هذه الآلهة الباطلة التي يعبدها المشركون من دون الله، لا تخلُقُ شيئًا على الإطلاق، بل هم مخلوقون؛ فكيف مَنْ كانت هذه حالَهُ أن يُتَّخَذَ إلهًا من دون الله؟!

[21] ﴿أَمۡوَٰتٌ غَيۡرُ أَحۡيَآءٖۖ وَمَا يَشۡعُرُونَ أَيَّانَ يُبۡعَثُونَ 21﴾:

ثم بيَّن سبحانه أن هذه الآلهة أموات لا حياة فيها ولا رُوح، وأنها لا تسمع ولا تعقل عن موعد يوم القيامة والبعث والنشور شيئًا.

[22] ﴿إِلَٰهُكُمۡ إِلَٰهٞ وَٰحِدٞۚ فَٱلَّذِينَ لَا يُؤۡمِنُونَ بِٱلۡأٓخِرَةِ قُلُوبُهُم مُّنكِرَةٞ وَهُم مُّسۡتَكۡبِرُونَ 22﴾:

واعلموا أن إلهكم الحق الذي لا إله غيرُهُ ولا ربَّ سواه، هو الله جل في علاه، وهو واحدٌ أَحَد، فردٌ صَمَد، لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفوًا أحدًا، ولم يتَّخِذْ صاحبة ولا ولدًا، واعلموا أن الذين لا يستسلمون لله، ولا يؤمنون باليوم الآخر، قلوبهم تُنكِرُ هذا التوحيد الحق، وهم مستكبرون معاندون.

[23] ﴿لَا جَرَمَ أَنَّ ٱللَّهَ يَعۡلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعۡلِنُونَۚ إِنَّهُۥ لَا يُحِبُّ ٱلۡمُسۡتَكۡبِرِينَ 23﴾:

واعلموا أن الله حقًّا يعلم ما يخفيه هؤلاء المشركون وما يعلنونه من أقوالهم وأفعالهم القبيحة، وسوف يجازيهم عليها؛ إنْ خيرًا فخيرٌ، وإنْ شرًّا فشرّ، واعلموا أن الله لا يحب المتكبِّرين على طاعته وعبادته. وقوله: ﴿لَا جَرَمَ﴾، أي: حقًّا، وهي تحمل معنى القسَمَ.

[24] ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُم مَّاذَآ أَنزَلَ رَبُّكُمۡ قَالُوٓاْ أَسَٰطِيرُ ٱلۡأَوَّلِينَ 24﴾:

ثم بيَّن سبحانه وتعالى أنه كلما سأل أحدٌ من زوَّار الكعبة الكفَّارَ عن النبي ﷺ وما أُنْزِلَ عليه، قالوا: أُنْزِلَ عليه أباطيل وأحاديث الأمم السالفة، وليست إنزالًا من الله؛ وهذا يعني: أنَّ من الكفار من نصبوا أنفسهم لمعاندة دعوة الرسول ﷺ، وتحذير غيرهم من سماعه.

[25] ﴿لِيَحۡمِلُوٓاْ أَوۡزَارَهُمۡ كَامِلَةٗ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ وَمِنۡ أَوۡزَارِ ٱلَّذِينَ يُضِلُّونَهُم بِغَيۡرِ عِلۡمٍۗ أَلَا سَآءَ مَا يَزِرُونَ 25﴾:

ثم أخبَرَ سبحانه أن عاقبة هؤلاء المشركين الذين نصبوا أنفسهم لمعاندة دعوة الرسول ﷺ: أنهم يحملون آثامهم الخاصَّة، وآثام الذين يقلِّدونهم كاملة يوم القيامة، ويحملون أيضًا من آثام الذين كَذَبوا عليهم لِيُبْعِدوهم عن الإسلام من دون أن ينقُصَ من آثامهم شيئًا؛ أَلَا قبحًا لهم وما يحملون من الذنوب والمعاصي يوم القيامة!

[26] ﴿قَدۡ مَكَرَ ٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِهِمۡ فَأَتَى ٱللَّهُ بُنۡيَٰنَهُم مِّنَ ٱلۡقَوَاعِدِ فَخَرَّ عَلَيۡهِمُ ٱلسَّقۡفُ مِن فَوۡقِهِمۡ وَأَتَىٰهُمُ ٱلۡعَذَابُ مِنۡ حَيۡثُ لَا يَشۡعُرُونَ 26﴾:

واعلموا أن مَنْ سبقكم من المشركين في الأمم السابقة كادوا لرسلهم المكايد؛ فأحبَطَ الله كيدهم، وكانت عاقبتهم أن الله سلَّط عليهم العذاب من كل الجهات؛ فزلزَلَ بنيانهم من أساسه، فسقَطَ عليهم السقف من فوقهم، وأتاهم العذاب من حيث لم يحتسبوا ولم يتوقَّعوا، وفي هذا تحذيرٌ لهم؛ فكما أن العذاب لَحِقهم بسبب كُفْرهم وجحودهم؛ فسوف يدرككم العذاب أيضًا إذا لم تؤمنوا بالله ورسوله؛ وهذه سُنَّةَ الله في خلقه لا تتغيَّر ولا تتبدَّل.

[27] ﴿ثُمَّ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ يُخۡزِيهِمۡ وَيَقُولُ أَيۡنَ شُرَكَآءِيَ ٱلَّذِينَ كُنتُمۡ تُشَٰٓقُّونَ فِيهِمۡۚ قَالَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلۡعِلۡمَ إِنَّ ٱلۡخِزۡيَ ٱلۡيَوۡمَ وَٱلسُّوٓءَ عَلَى ٱلۡكَٰفِرِينَ 27﴾:

ثم أخبَرَ سبحانه أنه سوف يُذِلُّ ويهين ويفضح هؤلاء المشركين، ثم يُدْخِلهم النار، ويقول لهم على وجه التوبيخ والتقريع والتبكيت: أين مَنْ كنتم تتَّخذونهم شركاء تعبدونهم من دوني، وتعادون الأنبياء والمؤمنين من أجلهم؟! أين هم الآنَ ليدفعوا عنكم ما أنتم فيه؟! فيجيب العلماء الربانيون: إن الخِزْيَ اليومَ والذُّلَّ والعارَ واقعٌ على الكافرين الجاحدين الذين لم يؤمنوا بالله ولم يوحِّدوه.

[28] ﴿ٱلَّذِينَ تَتَوَفَّىٰهُمُ ٱلۡمَلَٰٓئِكَةُ ظَالِمِيٓ أَنفُسِهِمۡۖ فَأَلۡقَوُاْ ٱلسَّلَمَ مَا كُنَّا نَعۡمَلُ مِن سُوٓءِۭۚ بَلَىٰٓۚ إِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمُۢ بِمَا كُنتُمۡ تَعۡمَلُونَ 28﴾:

ثم أخبَرَ جل وعلا أن الملائكة تتوفَّى هؤلاء الكافرين وتَقْبِضُ أرواحهم، وهم على حال ظلمهم لأنفسهم بشِرْكهم وعنادهم، فحينها يستسلمون وينكرون شركهم بالله، ويدَّعون أنهم ما كانوا يعملون المعاصي والسيئات، فيأتيهم الجواب: بلى؛ كنتم تعملون أعظم السوء، وهو الشرك، وتقيمون عليه، وإن الله مطَّلع عليكم في جميع أحوالكم، ويعلم ما أنتم عليه، وهذا جزاء ما كنتم تعملون في الدنيا.

[29] ﴿فَٱدۡخُلُوٓاْ أَبۡوَٰبَ جَهَنَّمَ خَٰلِدِينَ فِيهَاۖ فَلَبِئۡسَ مَثۡوَى ٱلۡمُتَكَبِّرِينَ 29﴾:

ثم يقال لهؤلاء المشركين: ادخلوا النار من أبوابها، وعليكم الذُّلُّ والصغار، لا تخرجون منها أبدًا، فبئست النهاية نهايتكم، وبئس المَقَرُّ مقركم، وبئست عاقبة الذين تكبَّروا على التوحيد والإيمان.

[30] ﴿وَقِيلَ لِلَّذِينَ ٱتَّقَوۡاْ مَاذَآ أَنزَلَ رَبُّكُمۡۚ قَالُواْ خَيۡرٗاۗ لِّلَّذِينَ أَحۡسَنُواْ فِي هَٰذِهِ ٱلدُّنۡيَا حَسَنَةٞۚ وَلَدَارُ ٱلۡأٓخِرَةِ خَيۡرٞۚ وَلَنِعۡمَ دَارُ ٱلۡمُتَّقِينَ 30﴾:

ثم قيل لأهل الإيمان والتقوى: ماذا أنزَلَ ربُّكم على محمد ﷺ؟ قالوا: أنزَلَ الله عليه الرحمةَ والنور والبَرَكة والهداية للناس، ثم جازى سبحانه هؤلاء المؤمنين أهل التقوى على إحسانهم في حياتهم الدنيا الجزاءَ الحسَنَ الكريم.

ثم وعَدَهم جل وعلا أن لهم في الدار الآخرة من الجزاء ما هو خَيْرٌ لهم مما أعطاهم في حياتهم الدنيا، وهو دخولهم الجنة، ولَنِعْمَ دار المتقين دار الآخرة دار أهل الإيمان والصلاح والتقوى.

[31] ﴿جَنَّٰتُ عَدۡنٖ يَدۡخُلُونَهَا تَجۡرِي مِن تَحۡتِهَا ٱلۡأَنۡهَٰرُۖ لَهُمۡ فِيهَا مَا يَشَآءُونَۚ كَذَٰلِكَ يَجۡزِي ٱللَّهُ ٱلۡمُتَّقِينَ 31﴾:

ثم بيَّن سبحانه ما لهؤلاء المتقين في الدار الآخرة؛ حيث أخبَرَ أن لهم جنَّات دائمة يقيمون فيها، ولا يخرُجُونَ منها أبدًا، تجري من تحت بساتينها وأشجارها وقصورها الأنهار، ولهم فيها كلُّ ما تتمنَّاه أنفسهم من أنواع المَلَذَّات، وبمثل هذا الجزاء الحسن يجزي سبحانه عباده المتقين الذين امتثلوا ما أَمَرَ الله به، واجتنبوا ما نَهَى عنه.

[32] ﴿ٱلَّذِينَ تَتَوَفَّىٰهُمُ ٱلۡمَلَٰٓئِكَةُ طَيِّبِينَ يَقُولُونَ سَلَٰمٌ عَلَيۡكُمُ ٱدۡخُلُواْ ٱلۡجَنَّةَ بِمَا كُنتُمۡ تَعۡمَلُونَ 32﴾:

ثم أخبَرَ جل في علاه عن حال هؤلاء المتَّقين عندما تتوفَّاهم الملائكة: أنهم طيِّبون، مطيَّبون، طاهرون من دَنَس الشرك، مطهَّرون من النقائص، فتحيِّيهم الملائكة، وتسلِّم عليهم، فيحصُلُ لهم الأمان، وتحصل لهم البشرى، ثم تقول لهم الملائكة: ادخلوا الجنة التي أعدَّها الله لكم جزاءً بما كنتم تعملون من التوحيد والإيمان والأعمال الصالحة.

[33] ﴿هَلۡ يَنظُرُونَ إِلَّآ أَن تَأۡتِيَهُمُ ٱلۡمَلَٰٓئِكَةُ أَوۡ يَأۡتِيَ أَمۡرُ رَبِّكَۚ كَذَٰلِكَ فَعَلَ ٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِهِمۡۚ وَمَا ظَلَمَهُمُ ٱللَّهُ وَلَٰكِن كَانُوٓاْ أَنفُسَهُمۡ يَظۡلِمُونَ 33﴾:

ثم قال سبحانه: هل ينتظر هؤلاء المشركون المكذِّبون إلَّا أن تأتيهم الملائكة لقبض أرواحهم؟! أم ينتظرون أن يَحِلَّ عليهم أمَرَ الله بعذاب يستأصلهم فيهلكهم؟! كما فُعِلَ بالذين مِنْ قبلهم الذين لم يؤمنوا فعمَّهم الله بعقابه، وما ظلمهم الله شيئًا، ولكنْ هم الذين طغَوْا وتجاوزوا حدودهم فأَهلكوا أنفسهم.

[34] ﴿فَأَصَابَهُمۡ سَيِّـَٔاتُ مَا عَمِلُواْ وَحَاقَ بِهِم مَّا كَانُواْ بِهِۦ يَسۡتَهۡزِءُونَ 34﴾:

ثم بيَّن سبحانه أنه بسبب إعراضِهم عن التوحيد، وإصرارِهم على الشرك والضلال؛ أصابتهم العقوبة، وأحاط بهم العذابُ الذي كانوا ينُكْرِونه ويستهزئون به من كل جانب عند تخويف الرسل إياهم.

[35] ﴿وَقَالَ ٱلَّذِينَ أَشۡرَكُواْ لَوۡ شَآءَ ٱللَّهُ مَا عَبَدۡنَا مِن دُونِهِۦ مِن شَيۡءٖ نَّحۡنُ وَلَآ ءَابَآؤُنَا وَلَا حَرَّمۡنَا مِن دُونِهِۦ مِن شَيۡءٖۚ كَذَٰلِكَ فَعَلَ ٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِهِمۡۚ فَهَلۡ عَلَى ٱلرُّسُلِ إِلَّا ٱلۡبَلَٰغُ ٱلۡمُبِينُ 35﴾:

ثم أخبَرَ جل وعلا أن مشركي مكة وغيرهم قالوا: لو أراد الله أن نعبُدَهُ وحده، ما عبدنا أحدًا غيره، لا نحن ولا آباؤنا مِن قبلنا، ولا حَرَّمْنا شيئًا لم يحرِّمه الله، وهذه مقولة العصاة والكفار والمشركين من زمن النبوة إلى يومنا هذا، وقصدهم بها: (ما دام أن الله قادرٌ على أن يَحُولَ بينهم وبين الشرك والمعاصي ثم لم يفعل، فإنه إذَنْ راض بفعلهم وموافق عليه؛ وحينئٍذ لن يعاقبهم عليه)؛ وهذا احتجاجٌ باطل، وكذبٌ على الله، ومع قدرته سبحانه على منعهم، فقد جعلهم مختارين ولم يُجْبِرهم، فاختاروا الضلال على الحق بطَوْعهم، وبمثل هذا الاحتجاج الباطل مِنْ قومك -أيها النبي- احتج الكفار السابقون، فإن الله أمَرَهم ونهاهم، ولكنهم اختاروا الضلال على الهدى؛ وفي هذا تسلية للرسول ﷺ وأتباعه، ثم ختَمَ سبحانه الآية ببيان أن الرسل الكرام ليس عليهم إلا التبليغ الواضح البيِّن لأحكام الله.

[36] ﴿وَلَقَدۡ بَعَثۡنَا فِي كُلِّ أُمَّةٖ رَّسُولًا أَنِ ٱعۡبُدُواْ ٱللَّهَ وَٱجۡتَنِبُواْ ٱلطَّٰغُوتَۖ فَمِنۡهُم مَّنۡ هَدَى ٱللَّهُ وَمِنۡهُم مَّنۡ حَقَّتۡ عَلَيۡهِ ٱلضَّلَٰلَةُۚ فَسِيرُواْ فِي ٱلۡأَرۡضِ فَٱنظُرُواْ كَيۡفَ كَانَ عَٰقِبَةُ ٱلۡمُكَذِّبِينَ 36﴾:

ثم بيَّن سبحانه أنه أقام الحُجَّةَ على عباده بأن أرسَلَ في كل أمة رسولًا منهم يدعوهم إلى توحيد الله وعبادته، وينهاهم عن الشرك، ويأمرهم بالكفر بالطاغوت -وهو كل ما تجاوز به العبدُ حَدَّهُ من معبود أو متبوع أو مطاع- ثم أخبَرَ الله عن حال الناس مع رسلهم، وأنهم انقسموا إلى فريقين؛ فريقٍ: آمَنَ ووحَّد واتَّبع؛ فنال هداية الله، والسعادة في الدارَيْن، وفريقٍ كذَّب وعاند وكفَرَ، فاستحق الضلالة، والشقاوة في الدارين، ثم أمَرَ سبحانه الناس أن يمشوا في الأرض لأخذ العظة والعبرة، ويتأملوا بقلوبهم، وينظروا كيف كانت نهاية ومصير من كذَّب وعاند واستكبر، وكيف كان إهلاك الله له.

[37] ﴿إِن تَحۡرِصۡ عَلَىٰ هُدَىٰهُمۡ فَإِنَّ ٱللَّهَ لَا يَهۡدِي مَن يُضِلُّۖ وَمَا لَهُم مِّن نَّٰصِرِينَ 37﴾:

ثم قال سبحانه لنبيه ﷺ: ومهما تبذُلْ – أيها الرسول -من جهود لهداية هؤلاء المشركين المصرِّين على الكفر والجحود، فلن ينفعهم حرصك؛ لأن حكمة الله اقتضت ألَّا يهدي من يختار الضلالة بطوعه وإرادته؛ كما قال تعالى: ﴿فَلَمَّا زَاغُوٓاْ أَزَاغَ ٱللَّهُ قُلُوبَهُمۡۚ ﴾ [الصف:5]، وإضلالُ الله لهم إضلالٌ جزائيٌّ، وليس ابتدائيًّا، وهو مبنيٌّ على ضلالهم الاختياري، واعلم أن هؤلاء الذين اختاروا الضلال على الهدى ليس لهم أحدٌ ينصُرُهم ويقيهم من عذاب الله.

[38] ﴿وَأَقۡسَمُواْ بِٱللَّهِ جَهۡدَ أَيۡمَٰنِهِمۡ لَا يَبۡعَثُ ٱللَّهُ مَن يَمُوتُۚ بَلَىٰ وَعۡدًا عَلَيۡهِ حَقّٗا وَلَٰكِنَّ أَكۡثَرَ ٱلنَّاسِ لَا يَعۡلَمُونَ 38﴾:

ثم أخبَرَ جل وعلا أن هؤلاء المشركين ومنكري البعث بذلوا جهدهم في الحَلِفِ أيمانًا مغلَّظةً مؤكَّدةً أن الله لا يبعث من يموت، ولا يعيده مرة أخرى بعد أن بَلِيَتْ عظامه، وصارت رميمًا، فأجابهم الله تعالى بقوله: (بلى)، أي: ستُبعَثونَ وتُنشَرونَ؛ وهذا وعدٌ حقٌّ من الله لا خُلْفَ فيه، ولكنَّ أكثر الناس لا يعلمون أنَّ ذلك على الله يسير؛ فيُنْكِرونَ ذلك بسبب اتِّباعهم الهوى والشيطان.

[39] ﴿لِيُبَيِّنَ لَهُمُ ٱلَّذِي يَخۡتَلِفُونَ فِيهِ وَلِيَعۡلَمَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوٓاْ أَنَّهُمۡ كَانُواْ كَٰذِبِينَ 39﴾:

ثم أخبَرَ سبحانه أنه سوف يبعثهم جميعًا يوم القيامة ليبيِّنَ لهم حقيقة ما اختلفوا فيه، وليبيِّنَ لهم حقيقة البعث الذي أنكروه، وحلفوا على إنكاره، وحينها سيَعْلَمُ الذين كفروا وجحدوا وحلفوا؛ أنهم كانوا كاذبين.

[40] ﴿إِنَّمَا قَوۡلُنَا لِشَيۡءٍ إِذَآ أَرَدۡنَٰهُ أَن نَّقُولَ لَهُۥ كُن فَيَكُونُ 40﴾:

ثم بيَّن جل وعلا أنه لا يُعْجِزُهُ شيء في الأرض ولا في السماء، وأنه على كل شيء قدير، وإذا أراد سبحانه شيئًا، قال له: (كن)؛ فيكونُ مباشرة.

[41] ﴿وَٱلَّذِينَ هَاجَرُواْ فِي ٱللَّهِ مِنۢ بَعۡدِ مَا ظُلِمُواْ لَنُبَوِّئَنَّهُمۡ فِي ٱلدُّنۡيَا حَسَنَةٗۖ وَلَأَجۡرُ ٱلۡأٓخِرَةِ أَكۡبَرُۚ لَوۡ كَانُواْ يَعۡلَمُونَ 41﴾:

واعلموا أن الذين تركوا أهلهم وديارهم وأوطانهم في سبيل تحقيق رضا الله، وابتغاء ما عنده، وهاجروا إلى الله نصرةً لدينه مِنْ بعد ما عُذِّبوا وأُهِينوا وامتُحِنوا من أجل دينهم؛ فهؤلاء وعَدَهم الله أن يسكنهم في دار الهجرة دارًا حسنة، وأن يرزُقَهم الله رزقًا واسعًا، وأن يُحْيِيَهُمْ حياة طيبة، وهم أعزاء شرفاء، هذا في الدنيا، أما في الآخرة، فقد وعدهم الله أجرًا أكبر، وحظًّا أوفر، فلو علم المتخلِّفون عن الهجرة بما أعدَّ الله للمهاجرين في سبيله عِلْمَ اليقين، لَمَا تخلَّف ولا تباطأ أحد عن هذه الهجرة.

[42] ﴿ٱلَّذِينَ صَبَرُواْ وَعَلَىٰ رَبِّهِمۡ يَتَوَكَّلُونَ 42﴾:

ثم ذكَرَ جل وعلا صفتَيْنِ عظيمتَيْنِ جليلتَيْنِ من صفات أوليائه المهاجرين، وهما: الصبرُ، والتوكُّل؛ فهاتان الصفتان بهما ملاك الأمور، ولا غِنَى عنهما للمهاجر وغيره؛ فالصبرُ يكونُ على أوامر الله ونواهيه وأقداره المؤلمة، وعلى مشاقِّ الهجرة، ويكون التوكُّلُ والاعتماد على الله، وتفويضُ الأمر إليه، وتقديم محابِّه ورضاه على محابِّ النفوس ورضاها.

[43] ﴿وَمَآ أَرۡسَلۡنَا مِن قَبۡلِكَ إِلَّا رِجَالٗا نُّوحِيٓ إِلَيۡهِمۡۖ فَسۡـَٔلُوٓاْ أَهۡلَ ٱلذِّكۡرِ إِن كُنتُمۡ لَا تَعۡلَمُونَ 43﴾:

ثم أخبَرَ سبحانه نبيه ﷺ أنه ما أرسَلَ مِنْ قبله إلا رجالًا من البشَرِ لا من الملائكة، وأنه أوحى إليهم وأنزَلَ عليهم الشرائع والأحكام؛ ليدعُوَ الناس إلى عبادة الله وحده، وترك عبادة ما سواه، ثم وجَّه الله خطابًا لمشركي مكة -الذين زعموا أن الله أجلُّ مِنْ أنْ يُرسِلَ رسولًا مِنَ البشر- بأن يسألوا علماء أهل الكتاب إن كانوا لا يعلمون؛ ليخبروهم بحقيقة الأنبياء، وأنهم بشَرٌ.

[44] ﴿بِٱلۡبَيِّنَٰتِ وَٱلزُّبُرِۗ وَأَنزَلۡنَآ إِلَيۡكَ ٱلذِّكۡرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيۡهِمۡ وَلَعَلَّهُمۡ يَتَفَكَّرُونَ 44﴾:

ثم بيَّن سبحانه أنه أرسل هؤلاء الرسل بالآيات البينات الواضحات، وبالزُّبُرِ، أي: الكُتُبِ المجموعِ بها الأحكامُ؛ ليدعو الناس إلى عبادة الله وحده، وترك عبادة ما سواه، وبيَّن أنه أنزل على نبيه محمد ﷺ هذا القرآن العظيم الذي هو أعظَمُ الذِّكْرِ على الإطلاق؛ ليبيِّنَ للناس ويوضِّحَ لهم ما جاء فيه من العقائد والأحكام والشرائع؛ لعلَّهم يتدبَّرون آياته ويعقلونها ويتفكَّرون فيها فينتفعون بها.

[45] ﴿أَفَأَمِنَ ٱلَّذِينَ مَكَرُواْ ٱلسَّيِّـَٔاتِ أَن يَخۡسِفَ ٱللَّهُ بِهِمُ ٱلۡأَرۡضَ أَوۡ يَأۡتِيَهُمُ ٱلۡعَذَابُ مِنۡ حَيۡثُ لَا يَشۡعُرُونَ 45﴾:

ثم قال جل في علاه: هل أَمِنَ الذين مكروا المكر السيِّء بكفرهم وعنادهم وصدِّهم عن سبيل الله أن يَخْسِفَ الله بهم الأرض من تحتهم فيتجلجلون فيها؟! أم أمنوا أن يعُمَّهم الله بعذاب يستأصلهم من حيث لا يحتسبون، ومن حيث لا يُحِسُّونَ ولا يتوقَّعون؟!

[46] ﴿أَوۡ يَأۡخُذَهُمۡ فِي تَقَلُّبِهِمۡ فَمَا هُم بِمُعۡجِزِينَ 46﴾:

وقال جل في علاه: أم أَمِنوا أن يأخذهم الله وهم في غفلة، أو في تقلُّبٍ وشغلٍ، أو سفرٍ وغير ذلك؟! فليعلموا أنهم ليسوا بسابقين الله ولا فائتيه، ولا ممتنعين عن عذابه بإرادتهم ولا بقوَّتهم مهما عَظُمَتْ.

[47] ﴿أَوۡ يَأۡخُذَهُمۡ عَلَىٰ تَخَوُّفٖ فَإِنَّ رَبَّكُمۡ لَرَءُوفٞ رَّحِيمٌ 47﴾:

وقال جل في علاه: أم أَمِنوا أن يأخُذَهم الله بالعذاب وهم متخوِّفون منه ومتوقِّعون لحصوله؛ فإنَّ ذلك لا يمنعهم أيضًا من نزول العذاب بهم؟! ولكنَّ الله جل وعلا رؤوفٌ بعباده، رحيمٌ بهم، لا يعاجلهم بالعقوبة والعذاب؛ ولو يؤاخذ الله الناس بما كسبوا، ما ترك على ظهرها من دابَّة؛ بل يمهلهم جل وعلا علَّهم أن يتوبوا ويرجعوا إليه، فإذا عاقبهم سبحانه بسبب عنادهم وإصرارهم على الكفر والضلال، فإن أخذه شديد أليم.

[48] ﴿أَوَلَمۡ يَرَوۡاْ إِلَىٰ مَا خَلَقَ ٱللَّهُ مِن شَيۡءٖ يَتَفَيَّؤُاْ ظِلَٰلُهُۥ عَنِ ٱلۡيَمِينِ وَٱلشَّمَآئِلِ سُجَّدٗا لِّلَّهِ وَهُمۡ دَٰخِرُونَ 48﴾:

ثم قال سبحانه: أَوَلَمْ ينظُرْ هؤلاء الكفار نظر تأمُّل وتفكُّر في هذه المخلوقات التي خلقها الله -من جبال وشجر ودواب وغير ذلك- وخلَقَ لها ظلًّا يتنقَّل يمينًا وشمالًا في الصباح والمساء، والأشجارُ والظلالُ في هذه الحالات تسجُدُ لله وتسبِّحه، وهي ذليلة خاضعة خاشعة لعظمته جل وعلا؛ أليس في هذا دليل على وحدانية الله وعظمته، وأنه المستحق للعبادة دون ما سواه؟!

[49] ﴿وَلِلَّهِۤ يَسۡجُدُۤ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلۡأَرۡضِ مِن دَآبَّةٖ وَٱلۡمَلَٰٓئِكَةُ وَهُمۡ لَا يَسۡتَكۡبِرُونَ 49﴾:

ثم أخبَرَ جل وعلا أن له وحده يسجد ويخضع ويَذِلُّ كل ما في السموات والأرض من مخلوقات، ومنهم الملائكة الكرام؛ فإنهم يسجُدُونَ لله ويسبِّحونه ولا يستكبرون عن عبادته.

[50] ﴿يَخَافُونَ رَبَّهُم مِّن فَوۡقِهِمۡ وَيَفۡعَلُونَ مَا يُؤۡمَرُونَ 50﴾:

وهؤلاء الملائكة الذين يسجدون لله ولا يستكبرون، من صفاتهم: أنهم يخافون من الله الذي هو فوقهم بالذاتِ والقَهْرِ وكمالِ الأوصاف، وأنهم لا يعصون لله أمرًا؛ بل يفعلون وينفِّذون جميعُ ما يؤمرون به؛ وكذلك جميع المخلوقات ينفِّذون جميع ما يؤمرون به؛ إمّا كرهًا أو طوعًا؛ ما عدا الإنسَ والجِنَّ؛ فمؤمنهم يسجُدُ لله طوعًا، وكافرهم يمتنِعُ من السجود.

[51] ﴿وَقَالَ ٱللَّهُ لَا تَتَّخِذُوٓاْ إِلَٰهَيۡنِ ٱثۡنَيۡنِۖ إِنَّمَا هُوَ إِلَٰهٞ وَٰحِدٞ فَإِيَّٰيَ فَٱرۡهَبُونِ 51﴾:

ثم أمَرَ جل وعلا عباده بتوحيده، ونهاهم عن الشرك به؛ فقال سبحانه: لا تعبدوا -أيها الناس- إلهين اثنين؛ لأن المستحق للعبادة إنما هو إله واحد؛ فيجب أن تعبدوا هذا الإله وحده دون ما سواه، ثم أمَرَ سبحانه عباده أن يخافوه وحده خوف العبادة؛ بأن يمتثلوا أمره فيعبدوه ويرهبوه وحده ولا يشركوا به شيئًا.

[52] ﴿وَلَهُۥ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ وَلَهُ ٱلدِّينُ وَاصِبًاۚ أَفَغَيۡرَ ٱللَّهِ تَتَّقُونَ 52﴾:

واعلموا أن الله وحده هو الذي يملك كل ما في السموات والأرض، وهذا أمر ثابت لا يتغيَّر ولا يتبدَّل، وأن له وحده العبادةَ والطاعةَ والدِّينَ الخالص في جميع الأوقات والأحوال؛ فهل يليق بكم بعد ذلك أن تعبدوا وتخافوا وتخشوا أحدًا غير الله؟!

[53] ﴿وَمَا بِكُم مِّن نِّعۡمَةٖ فَمِنَ ٱللَّهِۖ ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ ٱلضُّرُّ فَإِلَيۡهِ تَجۡـَٔرُونَ 53﴾:

أخبَرَ جل وعلا أن جميع النعم التي يتنعَّم بها الناس من الصحة والمال والأولاد وغيرها هي منه وحده؛ فإذا نزَلَ ببعضهم الشر والبلاء، رفعوا أصواتهم بالدعاء والتضرُّع إلى الله لينجِّيهم ويَكْشِفَ ما بهم من الضر.

[54] ﴿ثُمَّ إِذَا كَشَفَ ٱلضُّرَّ عَنكُمۡ إِذَا فَرِيقٞ مِّنكُم بِرَبِّهِمۡ يُشۡرِكُونَ 54﴾:

فإذا كَشَفَ الله ضرَّهم ونجَّاهم، فإن جماعة منهم يعودون إلى الشرك والذنوب والمعاصي، ويَنْسَوْنَ مسبِّبَ الأسباب الذي كانوا يَضِجُّونَ إليه بالدعاء، وينسبون النجاة للطبيب، أو قائد المركبة، ونحو ذلك.

[55] ﴿لِيَكۡفُرُواْ بِمَآ ءَاتَيۡنَٰهُمۡۚ فَتَمَتَّعُواْ فَسَوۡفَ تَعۡلَمُونَ 55﴾:

ثم أخبَرَ جل وعلا أن أولئك الذين نجَّاهم مما كانوا فيه من الضر، ثم عادوا إلى الشرك والمعاصي؛ أنهم جحدوا نعم الله عليهم، فتوعَّدهم على جحودهم، فقال سبحانه: فتمتَّعوا -أيها المجرمون- بشِرْككم؛ فسوف تعلمون عاقبة أمركم، النارُ وبئس المصير.

[56] ﴿وَيَجۡعَلُونَ لِمَا لَا يَعۡلَمُونَ نَصِيبٗا مِّمَّا رَزَقۡنَٰهُمۡۗ تَٱللَّهِ لَتُسۡـَٔلُنَّ عَمَّا كُنتُمۡ تَفۡتَرُونَ 56﴾:

ثم أخبَرَ جل شأنه أن هؤلاء المشركين يجعلون لأصنامهم -التي لا تَعْلَمُ شيئًا ولا تنفع ولا تضر- نصيبًا من أموالهم وأنعامهم، التي رزَقَهم الله إياها، ويتقرَّبون إليهم بذلك؛ وهذا من أكبر الجهل، وأعظم الشرك؛ لذا أقسم الله جل وعلا أنهم سيُسْألون عن هذا الافتراء، وسيُحَاسبون عليه.

[57] ﴿وَيَجۡعَلُونَ لِلَّهِ ٱلۡبَنَٰتِ سُبۡحَٰنَهُۥ وَلَهُم مَّا يَشۡتَهُونَ 57﴾:

ثم بيَّن سبحانه أنَّ مِنْ تمادي هؤلاء المشركين في طغيانهم وعنادهم واتخاذِهِمْ آيات الله هُزُوًا؛ أنهم كانوا يقولون: إن الملائكة بنات الله؛ تنزَّه الله وتعالى عن قول الظالمين علوًّا كبيرًا، والأعجب من ذلك: أنهم يجعلون لأنفسهم الذكور؛ لأنهم كانوا يحبُّونهم ويفضِّلونهم على البنات تفضيلًا شديدًا.

[58] ﴿وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُم بِٱلۡأُنثَىٰ ظَلَّ وَجۡهُهُۥ مُسۡوَدّٗا وَهُوَ كَظِيمٞ 58﴾:

وأخبَرَ سبحانه أيضًا: أنه إذا بُشِّرَ أحدهم أن زوجته ولَدَتْ له أنثى، فإنه يغتم بذلك أشدَّ الغم، ويَظْهَرُ أثر ذلك الغم على وجهه بالسواد، ثم هو يكتم ذلك ويُخْفِي حزنه؛ حتى لا يفتضح عند قومه.

[59] ﴿يَتَوَٰرَىٰ مِنَ ٱلۡقَوۡمِ مِن سُوٓءِ مَا بُشِّرَ بِهِۦٓۚ أَيُمۡسِكُهُۥ عَلَىٰ هُونٍ أَمۡ يَدُسُّهُۥ فِي ٱلتُّرَابِۗ أَلَا سَآءَ مَا يَحۡكُمُونَ 59﴾:

ثم أخبَرَ سبحانه أنه يتوارى ويتخفَّى عنهم متردِّدًا فيما يفعله مع هذه الأنثى، هل يُبْقِيها عنده، فيتحمَّل بسبب ذلك الذل والهوان والعار؟! أم يتخلَّص منها بدفنها حيَّة في التراب؟! ثم شنَّع الله على هؤلاء المشركين حكمهم وافتراءهم بأن جعلوا لله البنات سبحانه وتعالى، وجعلوا لأنفسهم ما يُحِبُّون.

[60] ﴿لِلَّذِينَ لَا يُؤۡمِنُونَ بِٱلۡأٓخِرَةِ مَثَلُ ٱلسَّوۡءِۖ وَلِلَّهِ ٱلۡمَثَلُ ٱلۡأَعۡلَىٰۚ وَهُوَ ٱلۡعَزِيزُ ٱلۡحَكِيمُ 60﴾:

ثم أخبَرَ جل في علاه أن الذين لا يؤمنون بالبعث والجزاء والحساب فيقعون في الشرك والظلم، ينطبِقُ عليهم المثل السيِّء والعيب التامّ؛ أما الله جل شأنه، فله كل صفات الكمال والعظمة والجلال؛ فلا يليق أن يكون له إلا المَثَلُ الأعلى، وهو سبحانه العزيزُ الذي قهَرَ كل شيء، والحكيمُ الذي يضع الأمور في مواضعها؛ سبحانه وتعالى عمَّا يقول الظالمون علوًّا كبيرًا.

[61] ﴿وَلَوۡ يُؤَاخِذُ ٱللَّهُ ٱلنَّاسَ بِظُلۡمِهِم مَّا تَرَكَ عَلَيۡهَا مِن دَآبَّةٖ وَلَٰكِن يُؤَخِّرُهُمۡ إِلَىٰٓ أَجَلٖ مُّسَمّٗىۖ فَإِذَا جَآءَ أَجَلُهُمۡ لَا يَسۡتَـٔۡخِرُونَ سَاعَةٗ وَلَا يَسۡتَقۡدِمُونَ 61﴾:

واعلموا -أيها الناس- لو أن الله سبحانه وتعالى يؤاخذ الظالمين بما يفعلون من الظلم والشرك والمعاصي، ويعاجلهم بالعقوبة، لَمَا ترك على الأرض منهم مِنْ أحدٍ يَدِبُّ عليها لكثرة ذنوبهم، ولكنْ يمهلهم سبحانه فضلًا وكرمًا منه حتى تنتهي أعمارهم المقدَّرة سلفًا، أو لعلَّ العاصي يتوبُ ويندم، ولعلَّ الكافر يهتدي إلى الحقِّ ويُسْلِم؛ وهذا من لطف الله بعباده المؤمنين والكفار والعصاة، فإذا حان وقت إهلاكهم، فإنهم سوف يفارقون الدنيا بدون أي تأخير أو تقديم.

[62] ﴿وَيَجۡعَلُونَ لِلَّهِ مَا يَكۡرَهُونَۚ وَتَصِفُ أَلۡسِنَتُهُمُ ٱلۡكَذِبَ أَنَّ لَهُمُ ٱلۡحُسۡنَىٰۚ لَا جَرَمَ أَنَّ لَهُمُ ٱلنَّارَ وَأَنَّهُم مُّفۡرَطُونَ 62﴾:

ثم بيَّن سبحانه أن مِنْ إجرام هؤلاء المشركين، وشِدَّةِ كُفْرهم وعنادهم: أنهم يصفون الله بأوصاف قبيحة لا يرتضونها لأنفسهم، فينسُبُون له البنات، ثم يتبجَّحون قائلين بألسنتهم: إنَّ لهم في الآخرةِ الجنَّةَ، وإنهم مُكْرَمون، فيجيبهم جل وعلا: حقًّا -لا محالة- إنَّ لكم في الآخرة عذابَ النار، وإنكم فيها خالدون متروكون، ومنها لا تخرُجُون.

[63] ﴿تَٱللَّهِ لَقَدۡ أَرۡسَلۡنَآ إِلَىٰٓ أُمَمٖ مِّن قَبۡلِكَ فَزَيَّنَ لَهُمُ ٱلشَّيۡطَٰنُ أَعۡمَٰلَهُمۡ فَهُوَ وَلِيُّهُمُ ٱلۡيَوۡمَ وَلَهُمۡ عَذَابٌ أَلِيمٞ 63﴾:

ثم سلَّى جل وعلا رسوله ﷺ، فقال له: قسمًا بالله -أيها النبي- لقد أرسلنا رسلًا من قبلك إلى أقوامهم، فجاؤوهم بالآيات البينات الواضحات التي تدُلُّ على وحدانية الله؛ فما تبعوا رسلهم، بل كذَّبوهم، واتَّبعوا تزيين الشيطان لهم أعمالهم من الكفر والتكذيب؛ وبذلك صار الشيطان وليًّا لهم، يتَّبعونه ويطيعونه، فلهم اليوم بسبب كفرهم وتولِّيهم الشيطان عذابٌ أليمٌ موجِعٌ لا يطاق.

[64] ﴿وَمَآ أَنزَلۡنَا عَلَيۡكَ ٱلۡكِتَٰبَ إِلَّا لِتُبَيِّنَ لَهُمُ ٱلَّذِي ٱخۡتَلَفُواْ فِيهِ وَهُدٗى وَرَحۡمَةٗ لِّقَوۡمٖ يُؤۡمِنُونَ 64﴾:

ثم بيَّن سبحانه أنه ما أنزَلَ هذا القرآن على نبيه ﷺ إلا ليوضِّح للناس الحقائق، ويبيِّن لهم حقيقة ما يختلفون فيه من التوحيد والشرك، والهداية والضلال، وليعلموا أن هذا القرآن هو طريق الهداية القويم، من أخَذَ به نَجَا، وأنه رحمةٌ ونجاةٌ للمؤمنين الذين آمنوا وصدَّقوا به.

[65] ﴿وَٱللَّهُ أَنزَلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءٗ فَأَحۡيَا بِهِ ٱلۡأَرۡضَ بَعۡدَ مَوۡتِهَآۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَأٓيَةٗ لِّقَوۡمٖ يَسۡمَعُونَ 65﴾:

أخبَرَ سبحانه وتعالى أنه وحده هو الذي تفضَّل على عباده بأن أنزَلَ المطَرَ من السماء، فأحيا به الأرض بعد موتها؛ فاخضرَّتْ بعد قَحْطها، واهتزَّت، وأنبتت من كل زوج بهيج، وقد جعل الله في ذلك آية وعلامة واضحة على وحدانيَّته سبحانه، وعلى إحيائه للموتى، وعلى البعث والنشور، واعلموا أن هذه الآيات يستفيد وينتفع بها من يستمع إليها استماع تدبُّر وإقبال، لا استماع تكبُّر وإدبار.

[66] ﴿وَإِنَّ لَكُمۡ فِي ٱلۡأَنۡعَٰمِ لَعِبۡرَةٗۖ نُّسۡقِيكُم مِّمَّا فِي بُطُونِهِۦ مِنۢ بَيۡنِ فَرۡثٖ وَدَمٖ لَّبَنًا خَالِصٗا سَآئِغٗا لِّلشَّٰرِبِينَ 66﴾:

ثم أخبَرَ جل في علاه أنه جعل للناس في الإبل والبقر والغنم آيةً وعظةً؛ حيث أخرج سبحانه من أحشاء هذه الأنعام لبنًا خالصًا صافيًا ناصعًا غيرَ مشوبٍ بكَدَر؛ تستسيغه نفوسهم؛ فيشربونه ويتلذَّذون به، ويتغذَّوْنَ عليه.

[67] ﴿وَمِن ثَمَرَٰتِ ٱلنَّخِيلِ وَٱلۡأَعۡنَٰبِ تَتَّخِذُونَ مِنۡهُ سَكَرٗا وَرِزۡقًا حَسَنًاۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَأٓيَةٗ لِّقَوۡمٖ يَعۡقِلُونَ 67﴾:

ثم أخبَرَ سبحانه أن مما أنعم به عليكم أيها الناس: أنْ جعَلَ لكم منافع في ثمرات النخيل والأعناب؛ فتأكلون منها تمرًا وزبيبًا ودِبْسًا، وتجعلون من عصيرها نبيذًا وشرابًا مسكِرًا، وذلك قبل تحريم الخمر -حيث حُرِّمَتِ الخمرُ تدريجيًّا، وهذه أول آيات التحريم؛ حيث قال بعد قوله: ﴿سَكَرٗا﴾، قال: ﴿وَرِزۡقًا حَسَنًاۚ ﴾، يعني: أن السُّكْرَ ليس رزقًا حسنًا- واعلموا أن في تسخير ذلك لكم آيةً واضحةً على وحدانية الله واستحقاقه العبادة دون ما سواه، وإنما ينتفع بهذه الآيات من أعمَلَ عقله في تدبُّر البراهين والدلائل التي تدُلُّ على وحدانيته.

[68] ﴿وَأَوۡحَىٰ رَبُّكَ إِلَى ٱلنَّحۡلِ أَنِ ٱتَّخِذِي مِنَ ٱلۡجِبَالِ بُيُوتٗا وَمِنَ ٱلشَّجَرِ وَمِمَّا يَعۡرِشُونَ 68﴾:

ومِنْ نعمه جل وعلا على عباده: أنه ألهم النحل وعلَّمه أن يبني له بيوتًا يسكُنُ فيها، وتكون هذه البيوت في الجبال والأشجار والعروش التي تُبْنَى من الأشجار الملتفَّة؛ فتُجعَلَ على شَكْلِ سقفٍ يجلسُ الناس تحته.

[69] ﴿ثُمَّ كُلِي مِن كُلِّ ٱلثَّمَرَٰتِ فَٱسۡلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلٗاۚ يَخۡرُجُ مِنۢ بُطُونِهَا شَرَابٞ مُّخۡتَلِفٌ أَلۡوَٰنُهُۥ فِيهِ شِفَآءٞ لِّلنَّاسِۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَأٓيَةٗ لِّقَوۡمٖ يَتَفَكَّرُونَ 69﴾:

ثم ألهم سبحانه هذا النحل أن يأكُلَ من كلِّ الثمرات والزهور في كلِّ الأراضي والمراعي، وألهمه سبحانه وسهَّل له أن يسلُكَ طرقًا للبحث عن هذه الثمرات، وأن يَرْجِعَ إلى مسكنه دون أن يخطئَ أو يَضِلّ، ثم بعد ذلك يُخرِجَ هذا النحلُ شرابًا من العسل صافيًا، وبألوان مختلفة بحسَبِ المراعي والأزهار، وفي هذا العسل اللذيذ شفاءٌ من الأمراض والأدواء، وفي هذا أعظم الأدلَّة على وحدانية الله وحكمته وجميل لُطْفه بعباده، ولكنْ لا يتفطَّن لذلك ولا ينتبه لهذه الآيات والدلائل إلَّا أصحابُ العقول الراجحة الذين يتفكَّرون ويتأمَّلون؛ فيعتبرون ثم يؤمنون ويوحِّدون الله ويشكرونه.

[70] ﴿وَٱللَّهُ خَلَقَكُمۡ ثُمَّ يَتَوَفَّىٰكُمۡۚ وَمِنكُم مَّن يُرَدُّ إِلَىٰٓ أَرۡذَلِ ٱلۡعُمُرِ لِكَيۡ لَا يَعۡلَمَ بَعۡدَ عِلۡمٖ شَيۡـًٔاۚ إِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمٞ قَدِيرٞ 70﴾:

واعلموا -أيها الناس- أن الله جل في علاه هو الذي أحياكم وأوجدكم بعد العدم، وهو وحده الذي يتوفَّاكم ويقبض أرواحكم عند انقضاء آجالكم، ثم أخبَرَ سبحانه أن من الناس مَنْ يبقيه الله ويطيل في عمره؛ فيصل للهَرَمِ وأسوأِ مراحلِ العمر؛ فيذهب عقله ويصاب بالخَرَف، ويصير كالطفل الذي لا يعرف شيئًا بعدما طاف في هذه الحياة وجال فيها، واعلموا أن الله عليمٌ بكل شيء، قديرٌ على كل شيء، لا يخفى عليه شيء، ولا يعجزه شيء سبحانه وتعالى.

[71] ﴿وَٱللَّهُ فَضَّلَ بَعۡضَكُمۡ عَلَىٰ بَعۡضٖ فِي ٱلرِّزۡقِۚ فَمَا ٱلَّذِينَ فُضِّلُواْ بِرَآدِّي رِزۡقِهِمۡ عَلَىٰ مَا مَلَكَتۡ أَيۡمَٰنُهُمۡ فَهُمۡ فِيهِ سَوَآءٌۚ أَفَبِنِعۡمَةِ ٱللَّهِ يَجۡحَدُونَ 71﴾:

واعلموا أن الله جل في علاه هو خالق الناس ورازقهم، وقد فضَّل بعض الناس على بعض في الرِّزْق؛ فوسَّع على بعضهم، وقَدَرَ على آخرين، أغنى البعض، وأفقَرَ آخرين، فمنهم الغني الذي له ثَرَوات كثيرة، ومنهم الفقير، ومنهم المملوك الذي لا يَمْلِكُ أمر معيشته؛ فهؤلاء الأغنياء ما كانوا ليُعْطُوا الفقراء نصف أموالهم أو ما زاد عن حاجتهم لهم ليصيروا به أغنياء مثلهم، ويشاركوهم في التمتُّع بالسيادة والرزق الواسع؛ فكيف لا يَرْضَوْنَ هذا لأنفسهم، ويقبلون أن يجعلوا لله شركاء مِنْ خلقه؟! إن هذا لَمِنْ أبطل الباطل وأعظم الجحود لِنِعَمِ الله جل وعلا والكفر بها.

[72] ﴿وَٱللَّهُ جَعَلَ لَكُم مِّنۡ أَنفُسِكُمۡ أَزۡوَٰجٗا وَجَعَلَ لَكُم مِّنۡ أَزۡوَٰجِكُم بَنِينَ وَحَفَدَةٗ وَرَزَقَكُم مِّنَ ٱلطَّيِّبَٰتِۚ أَفَبِٱلۡبَٰطِلِ يُؤۡمِنُونَ وَبِنِعۡمَتِ ٱللَّهِ هُمۡ يَكۡفُرُونَ 72﴾:

واعلموا أيضًا أن الله وحده هو الذي امتنَّ على عباده وأنعَمَ عليهم بنعمة الزواج؛ هذه النعمةُ التي تَسْكُنُ النفس بها، ثم تتولَّد منها نعمةُ أخرى، وهي نعمةُ الولد والذرية، وأخبَرَ سبحانه أنه وحده هو الذي تكفَّل برزق الجميع؛ فأخرَجَ لعباده من الرزق ما تَطِيبُ به نفوسهم، أَبَعْدَ هذا كلِّه يؤمن المشركون بالباطل الذي هو الشرك ويصدِّقون به؟! ويكفُرُونَ ويجحدون توحيدَ الله وألوهيتَهُ الذي هو الحق، ويكفُرُونَ بنعمه؟! إنَّ هذا لَمِنْ أعظَمِ الظلم، وأفجَرِ الفجور.

[73] ﴿وَيَعۡبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ مَا لَا يَمۡلِكُ لَهُمۡ رِزۡقٗا مِّنَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ شَيۡـٔٗا وَلَا يَسۡتَطِيعُونَ 73﴾:

أخبَرَ جل وعلا عن قبيح فعل المشركين، وأنهم يتوجَّهون بالعبادة لهذه الآلهة المزعومة التي لا تضُرُّ ولا تنفع، ولا تملك من الأمر شيئًا؛ فهم لا يستطيعون إنزال المطر والرزق من السماء، ولا يستطيعون إنبات النبات من الأرض؛ فكيف يعبدونهم من دون الله؟!

[74] ﴿فَلَا تَضۡرِبُواْ لِلَّهِ ٱلۡأَمۡثَالَۚ إِنَّ ٱللَّهَ يَعۡلَمُ وَأَنتُمۡ لَا تَعۡلَمُونَ 74﴾:

ثم نهاهم جل وعلا عن تشبيهه وتمثيله وتسويته بغيره سبحانه وتعالى؛ فلله المثل الأعلى، وفي ذلك نَهْيٌ لهم عن اتخاذهم أربابًا من دون الله؛ إن الله يعلم حقيقة كل شيء، وأنه لا إله إلا هو، وأنتم -أيها المشركون- تظلمون أنفسكم؛ فتقولون على الله ما لا تعلمون مما لا يليق به سبحانه وتعالى.

[75] ﴿ضَرَبَ ٱللَّهُ مَثَلًا عَبۡدٗا مَّمۡلُوكٗا لَّا يَقۡدِرُ عَلَىٰ شَيۡءٖ وَمَن رَّزَقۡنَٰهُ مِنَّا رِزۡقًا حَسَنٗا فَهُوَ يُنفِقُ مِنۡهُ سِرّٗا وَجَهۡرًاۖ هَلۡ يَسۡتَوُۥنَۚ ٱلۡحَمۡدُ لِلَّهِۚ بَلۡ أَكۡثَرُهُمۡ لَا يَعۡلَمُونَ 75﴾:

وبعد أن نهى المشركين عن ضربِ الأمثالِ المتضمِّنةِ للشرك؛ ضرَبَ سبحانه وتعالى مثلًا بيَّن فيه فسادَ عقيدة هؤلاء المشركين، وفسادَ تسويتهم الخالق بالمخلوق، فضرَبَ الله المثل برجُلَيْن؛ أحدُهما: عبٌد مملوك لا يملك من أمره شيئًا، والآخر: رجلٌ حرٌّ غنيٌّ له مال، وهو محسِنٌ يُحِبُّ الإنفاق فيعطي من ماله ليلًا ونهارًا، سرًّا وجهارًا؛ فهل يستوي الرجلان؟! الجواب: لا يستويان؛ إذَنْ: كيف تُسَوُّونَ أنتم أيها المشركون بين الخالق والمخلوق؟!، وكيف تُسَوُّونَ بين الرب الرازق والعبد الذي لا يملك لنفسه شيئًا؟! فالحمد لله وحده الخالقِ الرازقِ المستحِقِّ للعبادة وحده دون ما سواه، ولكنَّ أكثر الناس لا يعلمون.

[76] ﴿وَضَرَبَ ٱللَّهُ مَثَلٗا رَّجُلَيۡنِ أَحَدُهُمَآ أَبۡكَمُ لَا يَقۡدِرُ عَلَىٰ شَيۡءٖ وَهُوَ كَلٌّ عَلَىٰ مَوۡلَىٰهُ أَيۡنَمَا يُوَجِّههُّ لَا يَأۡتِ بِخَيۡرٍ هَلۡ يَسۡتَوِي هُوَ وَمَن يَأۡمُرُ بِٱلۡعَدۡلِ وَهُوَ عَلَىٰ صِرَٰطٖ مُّسۡتَقِيمٖ 76﴾:

ثم ضرَبَ الله مثلًا ثانيًا بيَّن فيه قبح الشرك وبطلانه؛ فضرَبَ سبحانه مثلًا برجُلَيْن؛ أحدهما: أبكم لا يسمع ولا يتكلَّم؛ فلا يَفهَمُ ولا يُفهِم؛ فهو عالَةٌ وعبءٌ ثقيلٌ على من يقيم عنده ويتولَّى شؤونه، إذا كلَّفه بأمر لا يُنْجِزه؛ بل يجلب له الضرر -لعجزه عن التصرف- ورَجُلٌ آخَرُ: سويُّ الخِلْقة، سليمُ الحواسِّ والأعضاء؛ فهو يقول الحق والعدل ويأمر به، وهو على طريق واضح بيِّن مستقيم لا اعوجاج فيه؛ فهل يستوي الرجلان؟! الجواب: قطعًا لا يستويان؛ فكذلك التوحيد والشرك لا يستويان، والخالق والمخلوق لا يستويان؛ فالتوحيدُ ينجي صاحبه ويُكْسِبه رضوان الله والجنة، أما الشركُ، فيُحبِطُ عمل صاحبه ويُدْخِله النار.

[77] ﴿وَلِلَّهِ غَيۡبُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۚ وَمَآ أَمۡرُ ٱلسَّاعَةِ إِلَّا كَلَمۡحِ ٱلۡبَصَرِ أَوۡ هُوَ أَقۡرَبُۚ إِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ قَدِيرٞ 77﴾:

ثم بيَّن سبحانه أنه اختص وحده -دون غيره- بعلم غيب السموات والأرض، ومن ذلك: العلمُ بوقت قيام الساعة، فقال سبحانه: وما أَمْرُ إتيانها إلا كلمح البصر في سرعته؛ بل أقرَبُ وأسرَعُ من ذلك؛ فإن الله سبحانه وتعالى لا يعجزه شيء، وهو على كل شيء قدير.

[78] ﴿وَٱللَّهُ أَخۡرَجَكُم مِّنۢ بُطُونِ أُمَّهَٰتِكُمۡ لَا تَعۡلَمُونَ شَيۡـٔٗا وَجَعَلَ لَكُمُ ٱلسَّمۡعَ وَٱلۡأَبۡصَٰرَ وَٱلۡأَفۡـِٔدَةَ لَعَلَّكُمۡ تَشۡكُرُونَ 78﴾:

ثم ذكَرَ جل في علاه نعمًا كثيرة على عباده، ومِنْ هذه النعم: أنه أخرَجَهم من بطون أمَّهاتهم إلى هذه الحياة لا يُدْرِكونَ فيها شيئًا مما حولهم، وأنعم عليهم سبحانه بالوسائل التي يتمكَّنون بها من إدراك مصالح دنياهم وأُخْراهم، ومن ذلك: السمعُ الذي يسمعون به، والبصَرُ الذي يبصرون به الأشياء، والقلوبُ التي بها يعقلون ويفهمون؛ وطلب منهم جل شأنه شُكْرَ هذه النعم حقَّ الشكر، ويكون ذلك بإفرادِهِ عَزَّوَجَلَّ بالعبادة، وعمَلِ الطاعات التي أمَرَ بها الله.

[79] ﴿أَلَمۡ يَرَوۡاْ إِلَى ٱلطَّيۡرِ مُسَخَّرَٰتٖ فِي جَوِّ ٱلسَّمَآءِ مَا يُمۡسِكُهُنَّ إِلَّا ٱللَّهُۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَأٓيَٰتٖ لِّقَوۡمٖ يُؤۡمِنُونَ 79﴾:

ثم حضَّ جل وعلا عباده على التفكُّر في بعض مظاهر قدرته؛ فقال سبحانه: ألَمْ ينظُرْ هؤلاء المشركون إلى هذا الطير الذي يطير ويسبِّح في الهواء بين السماء والأرض! يَقبِضُ جناحه ويبسُطُه، تُرَى: مَنِ الذي علَّمه هذا الطيران؟! وأمدَّه بالأسباب التي يستطيع بها الطيران، وما الذي يمنعه من السقوط؟! إنَّ في هذه المخلوقاتِ الطائرةِ وطريقةِ طَيَرانها لآياتٍ، وعلامات بيِّنات واضحات على قدرة الخالق جل وعلا المستحِقِّ للعبادة دون ما سواه، وما ينتفع بهذه الآيات إلَّا العاقلون الذين آمنوا بالله واتَّبعوا المرسلين.

[80] ﴿وَٱللَّهُ جَعَلَ لَكُم مِّنۢ بُيُوتِكُمۡ سَكَنٗا وَجَعَلَ لَكُم مِّن جُلُودِ ٱلۡأَنۡعَٰمِ بُيُوتٗا تَسۡتَخِفُّونَهَا يَوۡمَ ظَعۡنِكُمۡ وَيَوۡمَ إِقَامَتِكُمۡ وَمِنۡ أَصۡوَافِهَا وَأَوۡبَارِهَا وَأَشۡعَارِهَآ أَثَٰثٗا وَمَتَٰعًا إِلَىٰ حِينٖ 80﴾:

ثم أخبَرَ سبحانه أنه وحده يسَّر لكم -أيها الناس- نعمًا عظيمة؛ رأفةً بكم، ورحمة لكم، ومن ذلك: أنه جعل لكم بيوتًا ومنازل تستقرُّون وترتاحون فيها، وذلَّل لكم الأنعام، وجعل لكم من جلودها وأوبارها وأشعارها ما تسكُنُونَ فيه وتتَّقون به البرد والحر، مما يَخِفُّ حمله، ويسهُلُ نَصْبُهُ حين النزول، ويَخِفُّ وزنه ويسهُلُ حمله وقت الرحيل والسفر، وجعَلَ لكم من أصواف الغنم، وأوبار الإبل، وشعر الماعز أثاثًا من الفُرُشِ والألبسة والأغطية والزينة تتمتَّعون به إلى أجل معلوم في هذه الحياة الدنيا.

[81] ﴿وَٱللَّهُ جَعَلَ لَكُم مِّمَّا خَلَقَ ظِلَٰلٗا وَجَعَلَ لَكُم مِّنَ ٱلۡجِبَالِ أَكۡنَٰنٗا وَجَعَلَ لَكُمۡ سَرَٰبِيلَ تَقِيكُمُ ٱلۡحَرَّ وَسَرَٰبِيلَ تَقِيكُم بَأۡسَكُمۡۚ كَذَٰلِكَ يُتِمُّ نِعۡمَتَهُۥ عَلَيۡكُمۡ لَعَلَّكُمۡ تُسۡلِمُونَ 81﴾:

ثم أخبَرَ سبحانه أنه وحده أنعم عليكم -أيها الناس- بأنْ جعل لكم منافع في مخلوقاته، ومن ذلك: أنه يسَّر لكم أشياء تستظلُّون بها من حر الشمس، ويسَّر لكم أن تتخذوا من الجبال مَغَاراتٍ وكهوفًا تستكنُّون وتستترون فيها مما يضُرُّكم ويؤذيكم من برد ومطر وريح وغيره، وجعل لكم ألبسةً وثيابًا تقيكم وتحفظكم من البرد وقسوته، ومن الحر وشدته، وجعَلَ لكم أيضًا ألبسةً وأغطيةً ودروعًا تقيكم وتحفظكم من الأذى وضَرَبات السلاح حال حروبكم، وهكذا أنعَمَ الله عليكم نعمًا عظيمة لا تُعَدُّ ولا تُحصى، وأتمَّها عليكم، وكمَّلها لكم؛ لعلكم تستسلمون لله بالتوحيد، وتنقادون له بالطاعة، وتتبرَّؤون من الشرك وأهله.

[82] ﴿فَإِن تَوَلَّوۡاْ فَإِنَّمَا عَلَيۡكَ ٱلۡبَلَٰغُ ٱلۡمُبِينُ 82﴾:

ثم قال المولى جل في علاه لنبيه ﷺ: فإن تولَّوا -أيها الرسول- عن الإيمان وأعرضوا عن التوحيد بعدما أبلَغْتَهم وذكَّرتهم وعدَّدت عليهم هذه النعم؛ فلا تَحْزَنْ عليهم ولا تذهب نفسك عليهم حسرات؛ فما عليك إلا البلاغ البيِّن الواضح، وحسابهم على الله رب العالمين.

[83] ﴿يَعۡرِفُونَ نِعۡمَتَ ٱللَّهِ ثُمَّ يُنكِرُونَهَا وَأَكۡثَرُهُمُ ٱلۡكَٰفِرُونَ 83﴾:

واعلم -أيها النبي- أن هؤلاء المشركين لا يجهلون هذه النعم؛ بل يعرفونها جيِّدًا، ولكنهم ينكرونها بأفعالهم الباطلة؛ فلا يؤدُّون شكرها، ولا يعترفون بها للمُنعِمِ جل وعلا؛ بل ينكرونها ويَجْحَدونها ظلمًا وعلوًّا وعنادًا، وأكثرهم جاحدون معتدون ظالمون آثمون.

[84] ﴿وَيَوۡمَ نَبۡعَثُ مِن كُلِّ أُمَّةٖ شَهِيدٗا ثُمَّ لَا يُؤۡذَنُ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ وَلَا هُمۡ يُسۡتَعۡتَبُونَ 84﴾:

واذكروا -أيها الناس- يوم يبعث الله جل في علاه الأمم للجزاء والحساب يوم القيامة، وكل أمة سوف يشهد عليها رسولها ونبيها هل صدَّقوا وآمنوا، أو جحدوا وكفروا؟! وفي ذلك اليوم لا يُؤْذَنُ للذين كفروا في الاعتذار عن كُفْرهم، ولا يطلب منهم توبةٌ أو عملٌ صالح؛ فقد فات الأوان، وفات وقت العمل، وعندها لا ينفع الندم ولات حين مندم.

[85] ﴿وَإِذَا رَءَا ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ ٱلۡعَذَابَ فَلَا يُخَفَّفُ عَنۡهُمۡ وَلَا هُمۡ يُنظَرُونَ 85﴾:

ثم أخبَرَ سبحانه أن هؤلاء الظالمين الذين تجاوزوا حدودهم؛ إذا شاهدوا وعاينوا العذابَ يوم القيامة، فإنهم يُبَادَرُونَ بالعذاب الشديد، ولا يُمهَلونَ، ولا يُعْطَوْنَ فرصةً أخرى.

[86] ﴿وَإِذَا رَءَا ٱلَّذِينَ أَشۡرَكُواْ شُرَكَآءَهُمۡ قَالُواْ رَبَّنَا هَٰٓؤُلَآءِ شُرَكَآؤُنَا ٱلَّذِينَ كُنَّا نَدۡعُواْ مِن دُونِكَۖ فَأَلۡقَوۡاْ إِلَيۡهِمُ ٱلۡقَوۡلَ إِنَّكُمۡ لَكَٰذِبُونَ 86﴾:

ثم أخبَرَ جل وعلا أن هؤلاء المشركين إذا أبصروا وعاينوا مَنْ عبدوهم من دون الله، صاحوا قائلين: يا رب، هؤلاء الذين كنَّا ندعوهم من دونك، ونُشْرِكهم معك في العبادة، فتَنْطِقُ حينها الآلهة الباطلة قائلةً: إنكم لكاذبون في اتِّخاذكم إيَّانا شركاء لله، وإنكم لكاذبون في ادِّعائكم أن لله شركاء.

[87] ﴿وَأَلۡقَوۡاْ إِلَى ٱللَّهِ يَوۡمَئِذٍ ٱلسَّلَمَۖ وَضَلَّ عَنۡهُم مَّا كَانُواْ يَفۡتَرُونَ 87﴾:

ثم بيَّن سبحانه أن هؤلاء المشركين استسلموا وخضعوا وذَلُّوا لحكم الله، وغاب عنهم ما كانوا يَزْعُمونه من افتراء الكذب على الله بأنَّ له شركاء، وغاب عنهم افتراؤهم بأن هذه الآلهة المزعومة ستَشْفَعُ لهم أو ستَدْفَعُ عنهم شيئًا من العذاب.

[88] ﴿ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَصَدُّواْ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ زِدۡنَٰهُمۡ عَذَابٗا فَوۡقَ ٱلۡعَذَابِ بِمَا كَانُواْ يُفۡسِدُونَ 88﴾:

أخبَرَ سبحانه أن الذين جحدوا التوحيد، ولم يؤمنوا برسالة محمد ﷺ، ثم لم يكتفوا بذلك، بل صدُّوا غيرهم عن التوحيد -ترغيبًا أو ترهيبًا- هؤلاء لهم عذابٌ مضاعَفٌ، فلهم عذاب لضلالهم، وعذابٌ لإضلال وإفساد غيرهم.

[89] ﴿وَيَوۡمَ نَبۡعَثُ فِي كُلِّ أُمَّةٖ شَهِيدًا عَلَيۡهِم مِّنۡ أَنفُسِهِمۡۖ وَجِئۡنَا بِكَ شَهِيدًا عَلَىٰ هَٰٓؤُلَآءِۚ وَنَزَّلۡنَا عَلَيۡكَ ٱلۡكِتَٰبَ تِبۡيَٰنٗا لِّكُلِّ شَيۡءٖ وَهُدٗى وَرَحۡمَةٗ وَبُشۡرَىٰ لِلۡمُسۡلِمِينَ 89﴾:

ثم أخبَرَ جل وعلا أنه في يوم البعث والجزاء سوف يَبْعَثُ من كل أمة رسولَها الذي أُرسِلَ إليها؛ ليشهد لِمَنْ آمن ووحَّد، ويشهد على من جحَدَ وأنكر، ثم أخبَرَ سبحانه نبيه ﷺ أنه جاء به شهيدًا على أمته، وأنه أنزَلَ عليه هذا القرآن فيه تبيانٌ وتفصيلٌ لكل شيء، من أصول الدين وفروعه، وجميع ما يحتاجه الناسُ في شؤون دنياهم وأُخْراهم، وأنه نجاةٌ وهدايةٌ لمن آمن به، ورحمةٌ لمن اتَّبعه وعَمِلَ بما فيه، وبُشْرى لمن صدَّقه بالنجاة في الدارين.

[90] ﴿إِنَّ ٱللَّهَ يَأۡمُرُ بِٱلۡعَدۡلِ وَٱلۡإِحۡسَٰنِ وَإِيتَآيِٕ ذِي ٱلۡقُرۡبَىٰ وَيَنۡهَىٰ عَنِ ٱلۡفَحۡشَآءِ وَٱلۡمُنكَرِ وَٱلۡبَغۡيِۚ يَعِظُكُمۡ لَعَلَّكُمۡ تَذَكَّرُونَ 90﴾:

ثم أمَرَ جل وعلا عباده بالعدل والإنصاف في حقِّه وذلك بتوحيده، وعدم الإشراك به، وفي حق عباده؛ بإعطاء كل ذي حق حقَّه، وعدم بَخْس الناس وظلمهم؛ كما أمَرَ بالإحسانِ في حقِّه؛ بأداء عبادته وطاعته على الوجه المطلوب، والإحسانِ إلى الخلق في الأقوال والأفعال؛ كما أمَرَ بصلة القرابة وبرِّهم والإحسان إليهم، ونهى سبحانه عن كل قبيح وكل عمل أو قول شنيع، كما نهى عن الظلم والتعدِّي على الناس، واعلموا -أيها الناس- أن هذه الأوامر والنواهي تذكيرٌ وموعظةٌ لكم؛ لكي تتذكَّروها فتعملوا بها.

[91] ﴿وَأَوۡفُواْ بِعَهۡدِ ٱللَّهِ إِذَا عَٰهَدتُّمۡ وَلَا تَنقُضُواْ ٱلۡأَيۡمَٰنَ بَعۡدَ تَوۡكِيدِهَا وَقَدۡ جَعَلۡتُمُ ٱللَّهَ عَلَيۡكُمۡ كَفِيلًاۚ إِنَّ ٱللَّهَ يَعۡلَمُ مَا تَفۡعَلُونَ 91﴾:

ثم أمَرَ جل وعلا عباده بالوفاء بكل عهد التزموا به بينهم وبين الله، أو بينهم وبين الناس فيما لا يتعارض مع كتاب الله وسنة نبيه ﷺ، كما أمَرَ عباده ألَّا يتراجعوا في الأيمان بعد تثبيتها وتغليظها، وجعلوا الله شاهدًا وضامنًا عليها، واعلموا أن الله عليمٌ بما تفعلون من الوفاء بالعهود أو نَقْضِها، وسوف يجازيكم عليها بما تستحقُّون يوم القيامة.

[92] ﴿وَلَا تَكُونُواْ كَٱلَّتِي نَقَضَتۡ غَزۡلَهَا مِنۢ بَعۡدِ قُوَّةٍ أَنكَٰثٗا تَتَّخِذُونَ أَيۡمَٰنَكُمۡ دَخَلَۢا بَيۡنَكُمۡ أَن تَكُونَ أُمَّةٌ هِيَ أَرۡبَىٰ مِنۡ أُمَّةٍۚ إِنَّمَا يَبۡلُوكُمُ ٱللَّهُ بِهِۦۚ وَلَيُبَيِّنَنَّ لَكُمۡ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ مَا كُنتُمۡ فِيهِ تَخۡتَلِفُونَ 92﴾:

وبعد أن أمَرَ جل وعلا المسلمين بالوفاء بالعهود؛ نهاهم عن نَقْضها بعد توكيدها، وألَّا يكون حالهم كحال تلك المرأة التي أحسَنَتْ غَزْلَها، وأجادت صنعه، ثم عادت فنقضته ونَثَرَتْهُ فُتَاتًا، ولا تجعلوا أيمانكم التي أقسمتم بها عند العهود خيانةً وخديعةً تخدعون بها مِنْ عاهدكم؛ من أجل أن هناك جماعةً أكثَرَ مالًا ومنفعة من الذين عاهدتموهم.

واعلموا -أيها الناس- أن الله يختبركم بما أمركم ونهاكم من هذه العهود ونَقْضها؛ ليتبيَّن المطيع منكم والعاصي، وليتبيِّنَ لكم يوم القيامة ما كنتم فيه تختلفون في الدنيا من الإيمان بالله ونبوَّة محمد ﷺ، وسوف يجازي كلًّا بما حصَلَ منه من أمانة وخيانة.

[93] ﴿وَلَوۡ شَآءَ ٱللَّهُ لَجَعَلَكُمۡ أُمَّةٗ وَٰحِدَةٗ وَلَٰكِن يُضِلُّ مَن يَشَآءُ وَيَهۡدِي مَن يَشَآءُۚ وَلَتُسۡـَٔلُنَّ عَمَّا كُنتُمۡ تَعۡمَلُونَ 93﴾:

ثم بيَّن سبحانه أن قدرته فوق كل قدرة، ومن ذلك: أنه لو شاء، لَجَعَلَ الناس كلهم موحِّدين مستقيمين على التوحيد، ولجعلهم كالملائكة لا يعصون الله ما أمَرَ هم ويفعلون ما يُؤْمَرون، لكنْ لحكمةٍ بالغةٍ بسببها أوجد الجنة والنار جعَلَ الإنس والجن مختارين؛ فمن اختار الضلال وأصرَّ عليه، ثبَّته على اختياره، ومن رغب في الهداية والصلاح وأصرَّ عليها، ثبَّته على اختياره، ويوم القيامة سوف يسألكم الله -أيها الناس- عما كنتم تعملون في الدنيا؛ ليحاسبكم ثم يجازيكم بحسَبِ أعمالكم.

وقوله: ﴿وَلَتُسۡـَٔلُنَّ عَمَّا كُنتُمۡ تَعۡمَلُونَ﴾، تجلو المعنى وتوضِّحه؛ بأنَّ كلاًّ سوف يُسأل ويجازى على عمله؛ فلو كان مجبورًا، لما سُئِلَ ولما عوقب أو أثيب.

[94] ﴿وَلَا تَتَّخِذُوٓاْ أَيۡمَٰنَكُمۡ دَخَلَۢا بَيۡنَكُمۡ فَتَزِلَّ قَدَمُۢ بَعۡدَ ثُبُوتِهَا وَتَذُوقُواْ ٱلسُّوٓءَ بِمَا صَدَدتُّمۡ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ وَلَكُمۡ عَذَابٌ عَظِيمٞ 94﴾:

ثم نهى جل وعلا عباده المؤمنين أن يتَّخذوا الأيمانَ والحَلِفَ بالله ستارًا للخديعة من أجل الوصول إلى حظوظ النفس؛ فإنَّ مَنْ جعل العهود والمواثيق والأيمان تابعةً لهواه، فيُوفِي بها إذا أراد، وينقُضُها إذا أراد؛ فهذا بمثابة من زلَّت قدمه بعد أن كانت راسخة؛ فيقَعُ في الهاوية بنفسه، ويُوقِعُ غيره معه بأن يكون له قدوةً سيئِّةً في نقض العهود والأيمان؛ فيتحمَّل وِزْره أيضًا، وسوف تذوقون -أيها الناس- العذاب في الدنيا من المصائب والخوف والجوع وغير ذلك، بسبب إعراضكم عن أوامر الله ونواهيه، وبعد ذلك لكم يوم القيامة عذابٌ عظيمٌ لا يمكن أن يتصوَّر أحد شِدَّته. والأيمان المذكورة في هذه الآية قيل: إنها أيمان البَيْعة، أي: الذين بايعوا رسول الله ﷺ؛ فَنَقْضُهُم العهد خطأ كبير، ربما كان فيه هلاك صاحبه. والعِبْرَةُ بعموم اللفظ، لا بخصوص السبب.

[95] ﴿وَلَا تَشۡتَرُواْ بِعَهۡدِ ٱللَّهِ ثَمَنٗا قَلِيلًاۚ إِنَّمَا عِندَ ٱللَّهِ هُوَ خَيۡرٞ لَّكُمۡ إِن كُنتُمۡ تَعۡلَمُونَ 95﴾:

ثم حذَّر سبحانه الناس أن يشتروا بنقضهم عهوده ومواثيقه ثمنًا قليلًا حقيرًا من متاع الدنيا الزائل الذي سيفنى ويذهب؛ بل اصبروا وأوفوا بعهد الله وميثاقه؛ فما أعَدَّ الله لكم من الجزاء في الآخرة خيرٌ لكم وأبقى وأدوم من حطام الدنيا؛ إن كنتم تعلمون وتميِّزون بين الثمن الزائل، والأجر الدائم.

[96] ﴿مَا عِندَكُمۡ يَنفَدُ وَمَا عِندَ ٱللَّهِ بَاقٖۗ وَلَنَجۡزِيَنَّ ٱلَّذِينَ صَبَرُوٓاْ أَجۡرَهُم بِأَحۡسَنِ مَا كَانُواْ يَعۡمَلُونَ 96﴾:

واعلموا -أيها الناس- أن متاع الدنيا وحطامها -مهما كَثُرَ- فإنه إلى زوال، وأن ما عند الله، فإنه لا يَفْنى ولا يزول؛ فقدِّموا ما يبقى على ما يزول؛ فإنه مَنْ آثر الباقي على الفاني، وصَبَر على ذلك، وقدَّم مَحَابَّ الله على مَحَابِّ نفسه، فإن الله سيجازيه بأحسَنَ ممَّا عمل؛ فيضاعف له الحسنة بعَشْرِ أمثالها، إلى سبعمائة ضعف، إلى أضعاف كثيرة، والله يجزي الصابرين أجرهم بغير حساب.

[97] ﴿مَنۡ عَمِلَ صَٰلِحٗا مِّن ذَكَرٍ أَوۡ أُنثَىٰ وَهُوَ مُؤۡمِنٞ فَلَنُحۡيِيَنَّهُۥ حَيَوٰةٗ طَيِّبَةٗۖ وَلَنَجۡزِيَنَّهُمۡ أَجۡرَهُم بِأَحۡسَنِ مَا كَانُواْ يَعۡمَلُونَ 97﴾:

واعلموا -أيها الناس- أن من عمل عملًا صالحًا قد توفَّرت فيه شروط قبول العمل؛ بأن كان خالصًا لوجه الله، وموافقًا لهدي النبي ﷺ؛ سواءٌ كان العامل ذكرًا أو أنثى، فلَيُحْيِيَنَّهُ الله في الدنيا حياةً طيبةً مليئةً بالاطمئنان والاستقرار وعدم القلق، حتى ولو كانت مواردُ الرزقِ كفافًا؛ قال شيخ الإسلام ابن تيمية: (الحياة الطيبة هي: الرضا والقناعة)، ثم يوم القيامة سوف نجازيهم الجزاء الأكبر لعملهم الصالح؛ كما قال تعالى: ﴿وَقَالُواْ ٱلۡحَمۡدُ لِلَّهِ ٱلَّذِي صَدَقَنَا وَعۡدَهُۥ وَأَوۡرَثَنَا ٱلۡأَرۡضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ ٱلۡجَنَّةِ حَيۡثُ نَشَآءُۖ فَنِعۡمَ أَجۡرُ ٱلۡعَٰمِلِينَ﴾ [الزمر:٧٤].

[98] ﴿فَإِذَا قَرَأۡتَ ٱلۡقُرۡءَانَ فَٱسۡتَعِذۡ بِٱللَّهِ مِنَ ٱلشَّيۡطَٰنِ ٱلرَّجِيمِ 98﴾:

ثم وجَّه جل وعلا نبيه ﷺ إذا أراد أن يقرأ القرآن أن يلتجئَ إلى الله ويستعيذَ به من شرِّ الشيطان المطرود من رحمة الله، قائلًا: أعوذُ بالله من الشيطان الرجيم؛ ليَسْلَمَ من وسوسته وتشكيكه. وذكر ابن كثيرٍ أن جمهورَ العلماء على أن الاستعاذةَ مستحبةٌ ليست بمُتَحَتمةٍ يأثم تاركُها [1]. [1] ينظر: تفسير ابن كثير (1/ 167).

[99] ﴿إِنَّهُۥ لَيۡسَ لَهُۥ سُلۡطَٰنٌ عَلَى ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَلَىٰ رَبِّهِمۡ يَتَوَكَّلُونَ 99﴾:

ثم أخبَرَ سبحانه أن من رحمته بعباده المؤمنين أن الشيطان الرجيم ليس له تسلُّطٌ على الذين آمنوا بالله وأذعنوا له، وتوكَّلوا على الله واعتمدوا عليه، وفوَّضوا أمرهم إليه؛ حيث يطردون وسوسته وشكوكه بالتعوُّذ بالله.

[100] ﴿إِنَّمَا سُلۡطَٰنُهُۥ عَلَى ٱلَّذِينَ يَتَوَلَّوۡنَهُۥ وَٱلَّذِينَ هُم بِهِۦ مُشۡرِكُونَ 100﴾:

واعلموا أن الشيطان الرجيم لا يتسلَّط إلا على الذين لم يؤمنوا بالله ولم يتَّبعوا رسوله ﷺ، الذين يجعلون الشيطان وليًّا لهم بطاعتهم إياه في الشرك والمعاصي؛ فهؤلاء يتسلَّطُ عليهم الشيطان ويوسوس لهم، ويتلبَّس بهم، ثم يقودهم إلى جهنم وبئس المصير.

[101] ﴿وَإِذَا بَدَّلۡنَآ ءَايَةٗ مَّكَانَ ءَايَةٖ وَٱللَّهُ أَعۡلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ قَالُوٓاْ إِنَّمَآ أَنتَ مُفۡتَرِۭۚ بَلۡ أَكۡثَرُهُمۡ لَا يَعۡلَمُونَ 101﴾:

ثم أخبَرَ جل وعلا أنه إذا نسخ بحكمته حكمًا في آيةٍ بأنْ بدَّل آية بآية أخرى، سارَعَ المكذِّبون الجاهلون من كفار قريش بقولهم: يا محمد، ما أنت إلا رجل يفتري الكذب، ويقول الشيء ثم يغيِّره، فبيَّن سبحانه أن أكثر هؤلاء الكفار جهَّال، لا يَعْرِفونَ حِكَمَ الله في النَّسْخ، ولا في غيره.

[102] ﴿قُلۡ نَزَّلَهُۥ رُوحُ ٱلۡقُدُسِ مِن رَّبِّكَ بِٱلۡحَقِّ لِيُثَبِّتَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَهُدٗى وَبُشۡرَىٰ لِلۡمُسۡلِمِينَ 102﴾:

وقل لهم-أيها النبي-: إن الله جل في علاه هو الذي نزَّل القرآن عن طريق جبريل عليه السلام، وقد زكَّاه الله من العيوب، نزَّله سبحانه بالحق والعدل والصدق في الأخبار والأحكام، وفي نزولِ القرآن مفرَّقًا على عباده المؤمنين وتوارُدِهِ حَسَبَ الوقائع والأحداث: تثبيتٌ لهم على التوحيد والإيمان، واعلموا أن في هذا القرآن هدايةً للذين استسلموا لله واتَّبعوا رسوله ﷺ من الضلال والحَيْرة في الدنيا، وبُشْرى لهم بالفلاح في الدنيا، والفوز في الآخرة.

[103] ﴿وَلَقَدۡ نَعۡلَمُ أَنَّهُمۡ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُۥ بَشَرٞۗ لِّسَانُ ٱلَّذِي يُلۡحِدُونَ إِلَيۡهِ أَعۡجَمِيّٞ وَهَٰذَا لِسَانٌ عَرَبِيّٞ مُّبِينٌ 103﴾:

أخبَرَ جل وعلا أن المشركين افترَوْا فرية عجيبة على النبي ﷺ؛ حيث زعموا أن هناك رجلًا من البشَرِ يعلِّمُهُ القرآن ويلقِّنُهُ إياه، فرَدَّ الله فريتهم هذه ودحَضَها؛ إذْ أن هذا الرجل الذي يدَّعون أنه يعلِّمه القرآن ليس بعربي، بل أعجمي؛ فكيف يستقيم ذلك، والقرآن الذي يتلوه محمد ﷺ قرآنٌ عربيٌّ مُبِينٌ واضحٌ جليٌّ معجِزٌ في غاية الفصاحة والبيان؟!

[104] ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ لَا يُؤۡمِنُونَ بِـَٔايَٰتِ ٱللَّهِ لَا يَهۡدِيهِمُ ٱللَّهُ وَلَهُمۡ عَذَابٌ أَلِيمٌ 104﴾:

واعلموا -أيها المؤمنون- أن الكفار الذين لا يؤمنون بالله، ولا باليوم الآخر، ولا بالقرآن، فإنَّ الله لا يُرْشِدهم إلى الهداية وطريق الحق في الدنيا، ولهم في الآخرة عذابٌ أليمٌ موجع؛ جزاءَ إصرارهم على الكفر والجحود.

وهذا مِنْ عَدْلِ الله سبحانه؛ فإنهم إذا رفضوا الهدى وكابروا وعاندوا، فلا يستحقُّون التوفيق والهدى، وإنما يوفَّق للهدى من الْتَمَسَهُ وبحث عنه؛ قال تعالى في الذين اختاروا الهدى: ﴿وَٱلَّذِينَ ٱهۡتَدَوۡاْ زَادَهُمۡ هُدٗى﴾ [محمد:١٧].

[105] ﴿إِنَّمَا يَفۡتَرِي ٱلۡكَذِبَ ٱلَّذِينَ لَا يُؤۡمِنُونَ بِـَٔايَٰتِ ٱللَّهِۖ وَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡكَٰذِبُونَ 105﴾:

ثم بيَّن جل وعلا أن اختلاق الكذب لا يصدُرُ عن الرسول ﷺ، ولا عن المؤمنين، وإنما يصدر عن الكفار والمنافقين الذين يتَّهمون الوحي بالكذب ولا يصدِّقون بآيات الله الكونية والقرآنية، وأولئك قد أصرُّوا على الضلال وزاغوا؛ فأزاغ الله قلوبهم، وأولئك هم الكاذبون فيما قالوا في حَقِّ الرسول ﷺ، وحَقِّ القرآن.

[106] ﴿مَن كَفَرَ بِٱللَّهِ مِنۢ بَعۡدِ إِيمَٰنِهِۦٓ إِلَّا مَنۡ أُكۡرِهَ وَقَلۡبُهُۥ مُطۡمَئِنُّۢ بِٱلۡإِيمَٰنِ وَلَٰكِن مَّن شَرَحَ بِٱلۡكُفۡرِ صَدۡرٗا فَعَلَيۡهِمۡ غَضَبٞ مِّنَ ٱللَّهِ وَلَهُمۡ عَذَابٌ عَظِيمٞ 106﴾:

أخبَرَ جل وعلا عن شناعة الذين تلفَّظوا بالكفر بعد أن أسلموا؛ كعبد الله بن خَطَلٍ وطُعْمةَ بن أُبَيْرِقٍ، وغيرهم ممن ارتدوا عن الإسلام بعد دخولهم فيه، ثم ماتوا ولم يتوبوا، ثم استثنى سبحانه الذين أُكرِهوا على قول كلمة الكفر إذا كانت قلوبهم مطمئنةً بالإيمان؛ كعمَّار بن ياسر وأصحابه، وهذه من خصائص أمة محمد ﷺ، ومن الآصار التي رفعها الله عنها، أما من شرَحَ بالكفر صدرًا، فاختاره وآثَرَهُ على الإيمان، فعليه غضَبُ الله وسخَطُهُ ولعنته في الدنيا، وله يوم القيامة عذاب عظيم.

[107] ﴿ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمُ ٱسۡتَحَبُّواْ ٱلۡحَيَوٰةَ ٱلدُّنۡيَا عَلَى ٱلۡأٓخِرَةِ وَأَنَّ ٱللَّهَ لَا يَهۡدِي ٱلۡقَوۡمَ ٱلۡكَٰفِرِينَ 107﴾:

ثم أخبَرَ سبحانه أن هذا العذاب الأليم وهذا الغضَبَ، سوف يتجرَّعه أولئك الكفار الذين ارتدوا عن دين الله؛ بسبب أنهم آثروا الحياة الدنيا على الآخرة، وركنوا إليها، ورفضوا الاستقامة ورحمة الله، واعلموا أن الله لا يهدي القوم الجاحدين، ولا يوفِّقهم للخير والصواب؛ بسبب اختيارِهم الكفر، وإصرارِهم عليه، ولا شك أن عدم هدايتهم جزاءٌ، وليس ابتداءً.

[108] ﴿أُوْلَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ طَبَعَ ٱللَّهُ عَلَىٰ قُلُوبِهِمۡ وَسَمۡعِهِمۡ وَأَبۡصَٰرِهِمۡۖ وَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡغَٰفِلُونَ 108﴾:

ثم أخبَرَ جل شأنه أن أولئك الكفار الذين أحبوا الكفر وآثروه على الإيمان، قد ختَمَ الله على قلوبهم بالكفر؛ فلا يصل إليها نُورُ الإسلام، وختَمَ على أسماعهم؛ فلا يسمعون داعي الله إلى الحق، وختم على أبصارهم؛ فلا يرون الحجج والبراهين الدالَّة على ألوهية الله، وأولئك هم الساهون عن وَعْد الله ووعيده.

وهذا الطَّبْعُ هو طبعٌ جزائيٌّ لإصرارهم على الكفر بعد البلاغ، وليس طبعًا ابتدائيًّا؛ لأنهم كسائر البشَرِ مولودون على الفِطْرة.

[109] ﴿لَا جَرَمَ أَنَّهُمۡ فِي ٱلۡأٓخِرَةِ هُمُ ٱلۡخَٰسِرُونَ 109﴾:

ثم بيَّن سبحانه أن أولئك الكفار الذين آثروا الكفر على الإيمان، هم المغبونون الخاسرون الهالكون حقًّا؛ وهم الذين خسروا أنفسهم وأموالهم وأهليهم، فقد فاتتهم الجنة ونعيمها، وليس لهم في الآخرة إلا النار؛ فبئست النهاية، وبئس المصير.

[110] ﴿ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هَاجَرُواْ مِنۢ بَعۡدِ مَا فُتِنُواْ ثُمَّ جَٰهَدُواْ وَصَبَرُوٓاْ إِنَّ رَبَّكَ مِنۢ بَعۡدِهَا لَغَفُورٞ رَّحِيمٞ 110﴾:

وبعد أن أخبَرَ جل وعلا عن مصير أولئك الكفار الذين آثروا الكفر على الإيمان؛ أخبَرَ سبحانه عن الثُّلَّة المؤمنة التي هاجرت في سبيل الله، فقال جل شأنه: اعلم -أيها النبي- أن ربك للذين هاجروا في سبيله، وتخلَّوْا عن ديارهم وأهليهم وأموالهم ابتغاءَ مرضاة الله، من بعد ما عُذِّبوا لِتَرْكِ دينهم، فلم يتركوه ولم يتنازلوا عنه، بل جاهدوا في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم لإعلاء كلمة الله في الأرض، وصبَرُوا على مَشَاقِّ هذه العبادة العظيمة؛ فهؤلاء يبشِّرهم الله بالمغفرة والرحمة لهم؛ فهو واسعُ المغفرة والرحمة، وسيجازيهم الجزاء العظيم يوم القيامة.

[111] ﴿يَوۡمَ تَأۡتِي كُلُّ نَفۡسٖ تُجَٰدِلُ عَن نَّفۡسِهَا وَتُوَفَّىٰ كُلُّ نَفۡسٖ مَّا عَمِلَتۡ وَهُمۡ لَا يُظۡلَمُونَ 111﴾:

واذكر -أيها النبي- يوم أن تأتي كل نَفْس يوم القيامة تخاصِمُ عن نَفْسها طلبًا للنجاة، ودعاءُ الأنبياء يومئذ: (اللهُمَّ سلِّم سلِّم)، ويومها تُطلَبُ الشفاعة من الأنبياء، فيكون ردُّهم: (نَفْسي نَفْسي)؛ فكيف بمَنْ دونهم، وفي ذلك اليوم توفَّى كل نفس ما عملت من خير أو شرّ، وهم لا يظلمون؛ فلا يزاد في سيئاتهم، ولا يُنقَصُ من حسناتهم.

[112] ﴿وَضَرَبَ ٱللَّهُ مَثَلٗا قَرۡيَةٗ كَانَتۡ ءَامِنَةٗ مُّطۡمَئِنَّةٗ يَأۡتِيهَا رِزۡقُهَا رَغَدٗا مِّن كُلِّ مَكَانٖ فَكَفَرَتۡ بِأَنۡعُمِ ٱللَّهِ فَأَذَٰقَهَا ٱللَّهُ لِبَاسَ ٱلۡجُوعِ وَٱلۡخَوۡفِ بِمَا كَانُواْ يَصۡنَعُونَ 112﴾:

هذا مثَلٌ ضربه الله في بلدة كانت في أمن وأمان، واطمئنان وأرزاق متوافرة، يأتيها رزقها هنيئًا سهلًا من كل جهة، فجحَدَ أهلها هذه النعم، وذلك بعدَمِ شُكْرِ المنعم، وناصبوا الدعوة وصاحبها العداء؛ فأذاقهم الله أنواع البلاء والشقاء والخوف والجوع، حتى أكلوا أوراق الشجر والجِيَفِ؛ بسبب كُفْرهم وجحودهم لآيات الله. هذه القَرْيةُ قيل: هي مكَّة ضربها الله مثلًا ليتَّعظ بها الناس استجابة لدعاء الرسول ﷺ عليهم؛ حيث قال: «اللَّهُمَّ اشْدُدْ وَطْأَتَكَ عَلَى مُضَرَ، وَاجْعَلْهَا عَلَيْهِمْ سِنِينَ كَسِنِي يُوسُفَ»[2]، وقال ابن عبَّاس رضي الله عنه: (هذا المثَلُ كان لأهل مكة؛ فإنهم كانوا أهلَ حرَمٍ آمِن، يأتيهم الرِّزْقُ من كل مكان). [2] أخرجه البخاري (3386)، ومسلم (675)، عن أبي هريرة رضي الله عنه.

وقيل: إنها أَيْلَةُ من مدن فِلَسْطِينَ كفروا نعمة الله، فجعَلَها الله مثلًا لأهل مكة، وهو مثَلٌ لكل أهل بلد بَطِرُوا نعمة ربهم الذي أغدق عليهم النعم التي تتوارد عليهم من البر والبحر.

[113] ﴿وَلَقَدۡ جَآءَهُمۡ رَسُولٞ مِّنۡهُمۡ فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَهُمُ ٱلۡعَذَابُ وَهُمۡ ظَٰلِمُونَ 113﴾:

ثم أخبَرَ جل وعلا أنه أرسل إليهم رسولًا منهم يعرفون صدقه وأمانته، ولا ينكرونه؛ فأمَرَ هم بالإيمانِ بالله وحده، وتَرْكِ عبادة ما سواه، فما كان منهم إلا أنهم كذَّبوه، ولم يؤمنوا بما جاءهم به، بل عادَوْهُ وحاربوه، فأنزل الله بهم عذابه من الخوف بعد الأمن، والجوع بعد الرَّغَد، وما ظلمهم الله شيئًا، ولكنْ كانوا أنفسهم يظلمون؛ ببقائهم على الشرك، وتكذيب رسولهم، وتركهم التوحيد.

[114] ﴿فَكُلُواْ مِمَّا رَزَقَكُمُ ٱللَّهُ حَلَٰلٗا طَيِّبٗا وَٱشۡكُرُواْ نِعۡمَتَ ٱللَّهِ إِن كُنتُمۡ إِيَّاهُ تَعۡبُدُونَ 114﴾:

واحذروا -أيها الناس- أن تسيروا على شاكلة تلك القرية التي كفَرَتْ بأنعُمِ الله، فأذاق الله أهلها أنواع الشقاء والبلاء، وحُرِمُوا تلك النعم التي أنعم الله بها عليهم، أما إذا امتثلتم ما أمَرَ كم الله به من الطاعات، واجتنبتم ما نهاكم عنه من الذنوب والمعاصي، فعندئذٍ: كُلُوا وتمتَّعوا بما أنعم الله به عليكم من الرزق الحلال الطيب؛ من حيوانات وحبوب وثمار، وتَرْكِ الخبائث؛ كالدم والميتة، ثم توجَّهوا لله بشكره على هذه النعم؛ وذلك بأن تعترفوا بها بقلوبكم، وتُثْنُوا بها على من أنعم بها عليكم بشكره، ولا تصرفوها فيما لا يرضي الله؛ إن كنتم مخلصين حقًّا في عبادته.

[115] ﴿إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيۡكُمُ ٱلۡمَيۡتَةَ وَٱلدَّمَ وَلَحۡمَ ٱلۡخِنزِيرِ وَمَآ أُهِلَّ لِغَيۡرِ ٱللَّهِ بِهِۦۖ فَمَنِ ٱضۡطُرَّ غَيۡرَ بَاغٖ وَلَا عَادٖ فَإِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٞ رَّحِيمٞ 115﴾:

واعلموا أن الله حرَّم عليكم أكل الميتة -عدا الجَرَادِ والسَّمَك- وحرَّم عليكم الدم المسفوح، وحرَّم عليكم أكل لحم الخنزير وشَحْمه وجميع أجزائه، وحرَّم عليكم أكل ما ذُبِحَ لغير الله، ولكنْ من ألجأته الضرورة إلى أكل شيء من هذه المحرَّمات؛ كأن خاف الهلاك إن لم يأكل منها، فقد أباح الله لهذا المضطر الأكلَ منها بقَدْرِ ما يُبْقِيهِ على الحياة، وبشرط ألَّا يكون في ذلك معتديًا على أحد، وألَّا يتجاوز حد الضرورة؛ وهذا من رحمة الله تعالى بعباده، ثم بيَّن سبحانه أنه كثيرُ المغفرة والتجاوز عن عباده، وكثيرُ الرحمة والرأفة بهم.

[116] ﴿وَلَا تَقُولُواْ لِمَا تَصِفُ أَلۡسِنَتُكُمُ ٱلۡكَذِبَ هَٰذَا حَلَٰلٞ وَهَٰذَا حَرَامٞ لِّتَفۡتَرُواْ عَلَى ٱللَّهِ ٱلۡكَذِبَۚ إِنَّ ٱلَّذِينَ يَفۡتَرُونَ عَلَى ٱللَّهِ ٱلۡكَذِبَ لَا يُفۡلِحُونَ 116﴾:

واحذروا -أيها الكفار- أن تقولوا الكذب والافتراء بألسنتكم؛ فتحلُّوا وتحرِّموا من تِلْقاء أنفسكم، وحَسَبَ أهوائكم، ثم تنسُبُوا ذلك إلى الله؛ فإنَّ هذا من افتراء الكذب عليه سبحانه وتعالى، واعلموا أن الذين يفترون على الله الكذب وينسُبُونَ إليه أقوالًا مختلَقةً من قبل أنفسهم، لا يُفْلِحون في الدنيا والآخرة.

[117] ﴿مَتَٰعٞ قَلِيلٞ وَلَهُمۡ عَذَابٌ أَلِيمٞ 117﴾:

ثم بيَّن جل شأنه أن هؤلاء الكفار إن تمتَّعوا في الدنيا، فمتاعُهم قليلٌ زائفٌ لا يدوم، ثم يكون مصيرهم ومأواهم النارُ خالدين فيها، ولهم فيها أشدُّ العذاب.

[118] ﴿وَعَلَى ٱلَّذِينَ هَادُواْ حَرَّمۡنَا مَا قَصَصۡنَا عَلَيۡكَ مِن قَبۡلُۖ وَمَا ظَلَمۡنَٰهُمۡ وَلَٰكِن كَانُوٓاْ أَنفُسَهُمۡ يَظۡلِمُونَ 118﴾:

ثم أخبَرَ سبحانه أنه حرَّم على اليهود أكثر مما حرَّم على أمة محمد ﷺ، وقد أخبَرَ سبحانه نبيه ﷺ مِنْ قبلُ: أنه حرَّم عليهم كلَّ ذي ظُفُر، وشحومَ البَقَر والغنم، إلا ما حَمَلتْ ظهورها أو أمعاؤها أو ما اختلط بعظم؛ وذلك بسبب طغيانهم ومجاوزتهم الحد؛ فكان تحريم ذلك عقوبةً لهم، وبيَّن سبحانه أنه ما ظلمهم، ولكنْ كانوا أنفسهم يظلمون.

[119] ﴿ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ عَمِلُواْ ٱلسُّوٓءَ بِجَهَٰلَةٖ ثُمَّ تَابُواْ مِنۢ بَعۡدِ ذَٰلِكَ وَأَصۡلَحُوٓاْ إِنَّ رَبَّكَ مِنۢ بَعۡدِهَا لَغَفُورٞ رَّحِيمٌ 119﴾:

واعلم -أيها النبي- أن ربك للذين فعلوا الذنوب والمعاصي جهلًا منهم لعاقبتها، ثم عادوا إلى الله تائبين نادمين مما اقترفوه من الآثام، وأصلحوا نفوسهم وأعمالهم بأنواع الخير والطاعات، فإن ربك كثيرُ المغفرة والرحمة لهم. ولا شك أنَّ مَنْ عمل المعصية سفهًا، فهو جاهل، ولو كان عنده علم كثير؛ قال ابن عباس: (كلُّ مَنْ عصى الله، فهو جاهل)، وقال مجاهد: (كلُّ من عصى الله خطأ أو عمدًا، فهو جاهل حتى يَنْزِعَ عن الذنب)، وقال بعض أهل العلم: (إن شهوة المعصية تغطِّي على العقل؛ فيكون بذلك جاهلًا، ويتصرَّف تصرف الجاهلين)، وهذا كلامٌ حسن، وهو تحليلٌ وجيه، وهو أوجه من كون الإيمان يُرفَعُ، ثم يعود إذا تاب.

[120] ﴿إِنَّ إِبۡرَٰهِيمَ كَانَ أُمَّةٗ قَانِتٗا لِّلَّهِ حَنِيفٗا وَلَمۡ يَكُ مِنَ ٱلۡمُشۡرِكِينَ 120﴾:

أخبَرَ جل وعلا أن إبراهيم كان إمامًا يُقْتدَى به في كل خير وصلاح، وكان مطيعًا قائمًا بأمر الله، مائلًا عن كل الصوارف عن طاعة ربِّه والإخلاص له، ولم يكن من الذين أشركوا مع الله غيره.

[121] ﴿شَاكِرٗا لِّأَنۡعُمِهِۚ ٱجۡتَبَىٰهُ وَهَدَىٰهُ إِلَىٰ صِرَٰطٖ مُّسۡتَقِيمٖ 121﴾:

وكان عليه السلام معترِفًا بنعم الله عليه، وقد اختاره الله واصطفاه للنبوَّة والرسالة، وأرشده إلى الطريق المستقيم، وهو الإسلام.

[122] ﴿وَءَاتَيۡنَٰهُ فِي ٱلدُّنۡيَا حَسَنَةٗۖ وَإِنَّهُۥ فِي ٱلۡأٓخِرَةِ لَمِنَ ٱلصَّٰلِحِينَ 122﴾:

وفضَّله سبحانه في الدنيا بخصال حسنة؛ فجعله قُدْوة، وخلَّد ذكره في العالمين، ورزَقَهُ رزقًا واسعًا، ووهَبَ له ذرية صالحة، ثم هو يوم القيامة من المقرَّبين أصحاب المنازل العالية، والدرجات الرفيعة.

[123] ﴿ثُمَّ أَوۡحَيۡنَآ إِلَيۡكَ أَنِ ٱتَّبِعۡ مِلَّةَ إِبۡرَٰهِيمَ حَنِيفٗاۖ وَمَا كَانَ مِنَ ٱلۡمُشۡرِكِينَ 123﴾:

ثم أخبَرَ سبحانه أنه أوحى إلى نبيه ﷺ أن يسيرَ على نهج إبراهيم، ويتَّبِعَ ملته في التوحيدِ والدعوة إليه، والتحذيرِ من الشرك؛ فإن إبراهيم الخليل كان أبعد ما يكون عن الشرك بالله.

[124] ﴿إِنَّمَا جُعِلَ ٱلسَّبۡتُ عَلَى ٱلَّذِينَ ٱخۡتَلَفُواْ فِيهِۚ وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَحۡكُمُ بَيۡنَهُمۡ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ فِيمَا كَانُواْ فِيهِ يَخۡتَلِفُونَ 124﴾:

واعلموا أن الله جعَلَ تعظيمَ يوم السبت، وتحريمَ العمل فيه -ومن ذلك: صيدُ الأسماك- أمرًا خاصًّا باليهود الذين اختلفوا فيه على نبيهم موسى؛ وليس لشريعة إبراهيم أو محمد ﷺ شأنٌ في ذلك، ثم احتالوا وجعلوا في الشواطئ والبحر أماكنَ إذا دخَلَتْها الأسماك يوم السبت، لا تخرُجُ منها، فإذا جاء يوم الأحد استخرجوها؛ فكانت عقوبة مخالفتهم أنْ مسَخَهم الله قِرَدةً وخنازير، واعلم -أيها النبي- أن ربك سوف يحكُمُ بينهم يوم القيامة فيما اختلفوا فيه.

[125] ﴿ٱدۡعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِٱلۡحِكۡمَةِ وَٱلۡمَوۡعِظَةِ ٱلۡحَسَنَةِۖ وَجَٰدِلۡهُم بِٱلَّتِي هِيَ أَحۡسَنُۚ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعۡلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِۦ وَهُوَ أَعۡلَمُ بِٱلۡمُهۡتَدِينَ 125﴾:

ثم أمَرَ جل وعلا نبيه محمدًا ﷺ وأتباعه؛ بالدعوة بالرِّفْق واللين، والمجادلة بالتي هي أحسن، وهو أمرٌ لكلِّ الدعاة في كل زمان ومكان؛ وذلك بأن ينصحوا للناس بأحسن الطرق وألطفها؛ لأنه ليس على الرسول إلا البلاغُ والتوجيه، أما هداية الناس، فعلى الله وحده؛ فهو أعلمُ بمن حاد مِنْ خلقه عن الطريق المستقيم، وأعلمُ بمَنْ سلكه، وسوف يجازي كلًّا بما فعل.

[126] ﴿وَإِنۡ عَاقَبۡتُمۡ فَعَاقِبُواْ بِمِثۡلِ مَا عُوقِبۡتُم بِهِۦۖ وَلَئِن صَبَرۡتُمۡ لَهُوَ خَيۡرٞ لِّلصَّٰبِرِينَ 126﴾:

ثم ذكَرَ جل وعلا الأخذ بالثأر، وأنه لا تصح الزيادة والانتقام بأكثر من المِثْل؛ فمَنْ أراد القصاص ممن اعتدى عليه، فلا يجوز له أن يزيد عما فُعِلَ به، ثم بيَّن سبحانه أن مَنْ صبر، فهو خير له في الدنيا بالنصر، وفي الآخرة بالأجر العظيم.

قال القرطبي (10/65-200): (جمهور المفسِّرين: أن هذه الآية مدنيَّةٌ نزَلَتْ في شأن سيِّد الشهداء حمزة رضي الله عنه لمَّا قُتِلَ يوم أُحُدٍ ومُثِّلَ به؛ فغضب ﷺ وحَزِنَ حزنًا شديدًا، وتوعَّد المشركين بأن يعمل بهم -إن أظفره الله عليهم- أضعافَ ما عملوا بعمِّه؛ لكنَّ الله أمَرَه بالعدل والإنصاف، وألَّا يعتدي في القصاص).

[127] ﴿وَٱصۡبِرۡ وَمَا صَبۡرُكَ إِلَّا بِٱللَّهِۚ وَلَا تَحۡزَنۡ عَلَيۡهِمۡ وَلَا تَكُ فِي ضَيۡقٖ مِّمَّا يَمۡكُرُونَ 127﴾:

ثم أمَرَ جل وعلا نبيه محمدًا ﷺ بالصبر على مَشَاقِّ الدعوة إلى التوحيد، والتحذير من الشرك؛ فإنه سيلقى في سبيل ذلك صنوفًا من الأذى، واعلم -أيها النبي- أن هذا الصبر مستمَدٌّ من الله؛ فهو الذي يثبِّتك ويؤيِّدك وينصُرُك، ولا تَحْزَنْ على المشركين؛ إذْ لم يستجيبوا لك، ولم يؤمنوا بك، ولا يَضِقْ صدرك لمكرهم، ولا تحزنْ لكيدهم، ولا تَجِدْ في نفسك حرجًا.

[128] ﴿إِنَّ ٱللَّهَ مَعَ ٱلَّذِينَ ٱتَّقَواْ وَّٱلَّذِينَ هُم مُّحۡسِنُونَ 128﴾:

ثم ختَمَ جل وعلا السورة بهذه الآية، وبيَّن فيها أنه مع الذين اتقوا الله بامتثال أوامره، واجتناب نواهيه، وأنه مع المحسنين في عباداتهم ومعاملاتهم، وفي أداء فرائضه وحقوقه؛ كما أمَرَ بها سبحانه في كتابه، وبيَّنها ﷺ في سنته.

والمقصودُ: هو المعيَّةُ الخاصَّةُ، والتي تعني اللطفَ بهم ورعايتهم، ومضاعَفةَ أجورهم وتوفيقهم؛ لأن معيَّته سبحانه العامَّةَ حاصلةٌ لجميع خلقه.

سورة الإسراء

سورةُ الإسراءِ مكيَّةٌ، وآياتها إحدى عَشْرةَ ومائة آية.

[1] ﴿سُبۡحَٰنَ ٱلَّذِيٓ أَسۡرَىٰ بِعَبۡدِهِۦ لَيۡلٗا مِّنَ ٱلۡمَسۡجِدِ ٱلۡحَرَامِ إِلَى ٱلۡمَسۡجِدِ ٱلۡأَقۡصَا ٱلَّذِي بَٰرَكۡنَا حَوۡلَهُۥ لِنُرِيَهُۥ مِنۡ ءَايَٰتِنَآۚ إِنَّهُۥ هُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلۡبَصِيرُ 1﴾:

بدأت السورة بتمجيد الله نَفْسَهُ وتقديسِها وتنزيهها؛ فهو أهلُ للثناء والمجد؛ ومن ذلك: أنه شرَّف نبيه ﷺ برَفْعه إلى العالم العلوي برُوحه وجَسَده، يَقَظةً لا منامًا، وأكرمه بمواقف في الإسراء؛ مع أن مدَّة الإسراء كانت جزءًا من الليل، ثم أخبَرَ سبحانه أنه أسرى بعبده، وهذا إعلامٌ بشرَفِ العبودية لله، وتأكيدٌ بأن الإسراء كان بالجسَدِ والرُّوح معًا؛ لأن العبد اسمٌ للروح والجسد جميعًا. ثم إن الله جل وعلا أسرى به ليلًا، مع أن السُّرَى لا يكون إلا ليلًا، ولكنْ لتأكيد السُّرَى، ونصبُ ﴿لَيۡلًا﴾ وجعلُها ظرفًا: لتقليل مدَّة السُّرَى، وأنه جزء من الليل، وبيَّن أن الإسراء بدأ من المسجد الحرام؛ حيث كان ﷺ في بيت أم هانئ عندما أُسْرِيَ به، وهو في طرف من المسجد الحرام. وأخبَرَ سبحانه أن الجهة التي أسري إليها هي المسجد الأقصى، وهو بيتُ المَقْدِسِ الموجودُ في بلاد الشام في فِلَسْطِينَ، وسمِّي بالأقصى؛ لأن الرحلة إليه عندهم تستغرق قريبًا من الشهر؛ ولأنه لا مسجدَ بعده في عِلْمهم. وأخبَرَ سبحانه أنه بارك في المسجد الأقصى والبلاد التي حوله؛ فجعَلَ أرض الشام كلَّها مبارَكةً خِصْبةَ الأرض، جيِّدةَ الثمار، كثيرةَ الفواكه، وزاد بركاتها: أنَّ جُلَّ أنبياء بني إسرائيل كانوا فيها، وعمَّت رحمته أيضًا الجزيرة العربية؛ فبارك في الكعبة بمكَّة ومسجدها وحَرَمها. وختَمَ الآية مبينًا سبحانه أنه السميعُ لجميع الأصوات والأقوال، البصيرُ بجميع الأعمال والأحوال، لا تخفى عليه خافيةٌ في الأرض ولا في السماء.

[2] ﴿وَءَاتَيۡنَا مُوسَى ٱلۡكِتَٰبَ وَجَعَلۡنَٰهُ هُدٗى لِّبَنِيٓ إِسۡرَٰٓءِيلَ أَلَّا تَتَّخِذُواْ مِن دُونِي وَكِيلٗا 2﴾:

ثم أخبَرَ سبحانه أنه أرسل موسى بالتوراة التي جعَلَ فيها الهدى والنور لحياة بني إسرائيل وآخرتهم، وعَهِدَ إليهم فيها ألَّا يعتمدوا ويتوكَّلوا إلا عليه سبحانه.

[3] ﴿ذُرِّيَّةَ مَنۡ حَمَلۡنَا مَعَ نُوحٍۚ إِنَّهُۥ كَانَ عَبۡدٗا شَكُورٗا 3﴾:

واعلموا -يا بني إسرائيل- أنكم من ذرية أبي البشَرِ الثاني نوح عليه السلام الذين آمنوا به، فأنجاهم الله معه في السفينة، واعلموا أن نُوحًا كان عبدًا كثير الشكر لله؛ فكونوا -يا بني إسرائيل- من الشاكرين لنعم الله اقتداءً بنوحٍ وإبراهيم عليهما السلام.

[4] ﴿وَقَضَيۡنَآ إِلَىٰ بَنِيٓ إِسۡرَٰٓءِيلَ فِي ٱلۡكِتَٰبِ لَتُفۡسِدُنَّ فِي ٱلۡأَرۡضِ مَرَّتَيۡنِ وَلَتَعۡلُنَّ عُلُوّٗا كَبِيرٗا 4﴾:

ثم أخبَرَ سبحانه بني إسرائيل في التوراة خبرًا مؤكَّدًا بما سيكون منهم؛ حيث أخبَرَ أنه لا بد أن سيقع منهم إفساد في أرض الشام الأرض المقدَّسة مرتَيْن؛ بارتكاب المعاصي، وسفك الدماء والجور والظلم، والاستكبار والبغي والعدوان، وليس هذا تكليفًا لهم، ولكنه إعلامٌ لهم أنهم بطَوْعهم واختيارهم سيفعلون ذلك؛ إفسادًا بعد إفسادٍ، وخروجًا على تعاليم التوراة؛ فالله علم ما كان وما يكون، وليس شيء خارجًا عن إرادته الكونية والشرعية.

[5] ﴿فَإِذَا جَآءَ وَعۡدُ أُولَىٰهُمَا بَعَثۡنَا عَلَيۡكُمۡ عِبَادٗا لَّنَآ أُوْلِي بَأۡسٖ شَدِيدٖ فَجَاسُواْ خِلَٰلَ ٱلدِّيَارِۚ وَكَانَ وَعۡدٗا مَّفۡعُولٗا 5﴾:

ثم قال سبحانه: فإذا وقَعَ منكم -يا بني إسرائيل- الإفساد الأول، سلَّطنا عليكم عبادًا لنا ذوي قوة وشجاعة وبطش في الحرب؛ فينتصرون عليكم، ويطوفون في دياركم؛ قتلًا ونهبًا لأموالكم، وسبيًا لأولادكم؛ وهذا وعد من الله لا بد من وقوعه؛ بسبب بَغْيكم وإفسادكم وظُلْمكم. وقوله سبحانه: ﴿عِبَادٗا لَّنَآ﴾: هذه ليست إضافة تكريم؛ لأنهم كفَّار، والكفارُ لا كرامةَ لهم، وإنما تفسيرها: أنهم عبادٌ لله كسائر المخلوقات، أي: مملوكون لله كسائر مخلوقاته.

[6] ﴿ثُمَّ رَدَدۡنَا لَكُمُ ٱلۡكَرَّةَ عَلَيۡهِمۡ وَأَمۡدَدۡنَٰكُم بِأَمۡوَٰلٖ وَبَنِينَ وَجَعَلۡنَٰكُمۡ أَكۡثَرَ نَفِيرًا 6﴾:

وبعد أن تاب بنو إسرائيل، ورجعوا إلى ربهم، وأحسنوا أعمالهم، واتَّبعوا رسلهم، أعاد الله لهم الغَلَبَةَ والظهور على أعدائهم وأجلَوْهم من ديارهم، وكثَّر سبحانه أموالهم وأولادهم وقوَّاهم وجعلهم أكثر عددًا من عدوِّهم، وتكوَّنَتْ لهم دَوْلةٌ سادت العالم على عهد داود وسليمان عليهما السلام.

[7] ﴿إِنۡ أَحۡسَنتُمۡ أَحۡسَنتُمۡ لِأَنفُسِكُمۡۖ وَإِنۡ أَسَأۡتُمۡ فَلَهَاۚ فَإِذَا جَآءَ وَعۡدُ ٱلۡأٓخِرَةِ لِيَسُـُٔواْ وُجُوهَكُمۡ وَلِيَدۡخُلُواْ ٱلۡمَسۡجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٖ وَلِيُتَبِّرُواْ مَا عَلَوۡاْ تَتۡبِيرًا 7﴾:

واعلموا -يا بني إسرائيل- أن من يَفْعَلِ الأعمال الصالحة، فإن ثوابها ونفعها عائد له، وكذلك من يَعْمَلِ الأعمال السيئة، فإن ضَرَرَها عائد عليه؛ فإذا جاء موعد إفسادكم الثاني سلَّط الله عليكم أعداءكم، وأعطاهم القوة ليتغلَّبوا عليكم؛ حتى تظهر آثار الذلة والهوان على وجوهكم من شدَّة ما تَلْقَوْنَ من الإيذاء والقتل، ثم يدخُلُونَ المسجد الأقصى فيعمرونه بالصلاة كما دخلوه أول مرة، ويدمِّرون ما أعليتم من مبانٍ شاهقةٍ ومصانعَ وحصونٍ وقلاعٍ تدميرًا كاملًا.

قال بعض المفسِّرين: سيكون ذلك على يد المسلمين؛ كما قال تعالى في آخر السورة: ﴿وَقُلۡنَا مِنۢ بَعۡدِهِۦ لِبَنِيٓ إِسۡرَٰٓءِيلَ ٱسۡكُنُواْ ٱلۡأَرۡضَ فَإِذَا جَآءَ وَعۡدُ ٱلۡأٓخِرَةِ جِئۡنَا بِكُمۡ لَفِيفٗا﴾ [الإسراء:١٠٤]، أي: يتجمَّعون في فِلَسْطِينَ من كل دَوْلةٍ؛ كما هو الحاصل الآن.

[8] ﴿عَسَىٰ رَبُّكُمۡ أَن يَرۡحَمَكُمۡۚ وَإِنۡ عُدتُّمۡ عُدۡنَاۚ وَجَعَلۡنَا جَهَنَّمَ لِلۡكَٰفِرِينَ حَصِيرًا 8﴾:

عسى ربكم-يا بني إسرائيل- أن يعفُوَ عنكم متى تبتم وأخلصتم في أعمالكم وأقوالكم، أما إذا رجعتم إلى الإفساد والظلم والمعاصي، فإننا سوف نعود إلى عقابكم بالقتل والتعذيب والإذلال وخراب الديار، واعلموا أن الله جل وعلا جعل جهنَّم للكافرين الجاحدين آياته سِجْنًا وفراشًا حاويًا لهم لا يستطيعون الهروب منه.

[9] ﴿إِنَّ هَٰذَا ٱلۡقُرۡءَانَ يَهۡدِي لِلَّتِي هِيَ أَقۡوَمُ وَيُبَشِّرُ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ ٱلَّذِينَ يَعۡمَلُونَ ٱلصَّٰلِحَٰتِ أَنَّ لَهُمۡ أَجۡرٗا كَبِيرٗا 9﴾:

أخبَرَ جل وعلا أن هذا القرآن الذي نُزِّلَ على محمد ﷺ يرشد الناس إلى أقوم الطرق والسبل الموصِّلة إلى رضوانه، وهي ملة الإسلام؛ لاشتمالها على الإيمان وتوحيد الله، مضافًا إليه ما يوضِّحه وهو السُّنَّةُ النبوية، وهذا عامٌّ لكل البشر، أما بشارته لمن التزموا تعاليمه، وعملوا الأعمال الصالحة التي أمَرَهم الله بها، وانتهَوْا عما نهاهم الله عنه، فهي أنه أعدَّ لهم ثوابًا كبيرًا عنده.

[10] ﴿وَأَنَّ ٱلَّذِينَ لَا يُؤۡمِنُونَ بِٱلۡأٓخِرَةِ أَعۡتَدۡنَا لَهُمۡ عَذَابًا أَلِيمٗا 10﴾:

وأخبَرَ سبحانه أن الذين لم يؤمنوا باليوم الآخر، وما فيه من الجزاء والحساب، فإنه أعدَّ لهم في نار جهنم عذابًا موجعًا شديدًا، جزاء تكذيبهم.

[11] ﴿وَيَدۡعُ ٱلۡإِنسَٰنُ بِٱلشَّرِّ دُعَآءَهُۥ بِٱلۡخَيۡرِۖ وَكَانَ ٱلۡإِنسَٰنُ عَجُولٗا 11﴾:

أخبَرَ جل وعلا بأن الإنسان في بعض الأحيان عند الغضب والضجر يدعو على وَلدِهِ أو نَفْسِهِ بالشر، كما يدعو بالخير، ولو أنه سبحانه استجاب دعاءه، لَهَلَكَ وخَسِرَ خسرانًا كبيرًا، وكان الإنسان متسرِّعًا بالدعاء بالشر على نفسه أو غيره، وخاصَّةً الدعاءَ على الأولاد؛ فخطَرُه عظيم، ونتائجُه وخيمة.

[12] ﴿وَجَعَلۡنَا ٱلَّيۡلَ وَٱلنَّهَارَ ءَايَتَيۡنِۖ فَمَحَوۡنَآ ءَايَةَ ٱلَّيۡلِ وَجَعَلۡنَآ ءَايَةَ ٱلنَّهَارِ مُبۡصِرَةٗ لِّتَبۡتَغُواْ فَضۡلٗا مِّن رَّبِّكُمۡ وَلِتَعۡلَمُواْ عَدَدَ ٱلسِّنِينَ وَٱلۡحِسَابَۚ وَكُلَّ شَيۡءٖ فَصَّلۡنَٰهُ تَفۡصِيلٗا 12﴾:

بيَّن جل وعلا أنه خلَقَ الليل والنهار آيتَيْنِ من آياته التي تدُلُّ على عظمته وقدرته، ومِنْ حكمته: أنه جعَلَ الليل مظلِمًا؛ لسكون الناس وراحتهم، وجعَلَ النهار مضيئًا؛ ليسعى الناس في مكاسبهم ومعايشهم، ولتنضج الثمار، ونحو ذلك، وليستدلوا من تعاقبها على معرفة السنين والحساب، والأيام والشهور، وليعرفوا ما يتعلَّق بالأوقات المحدِّدة للديون والمواثيق وأوقات العبادات ونحو ذلك، وقد وضَّح جل وعلا كل شيء وفصَّله تفصيلًا شافيًا كافيًا جليًّا لا خفاء فيه.

[13] ﴿وَكُلَّ إِنسَٰنٍ أَلۡزَمۡنَٰهُ طَٰٓئِرَهُۥ فِي عُنُقِهِۦۖ وَنُخۡرِجُ لَهُۥ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ كِتَٰبٗا يَلۡقَىٰهُ مَنشُورًا 13﴾:

أخبَرَ جل وعلا أن من كمال عدله: أنه يجازي كل إنسان على أعماله التي عملها في حياته الدنيا من خير أو شر، ولا يحاسِبُ أحدًا بعمل غيره، ولا يحاسِبُ غيره بعمله هو، أي: أن كل إنسان ملزم بأعماله التي عملها، وقد جعَلَ الله عن يمين كل إنسان وشماله ملكَيْنِ يكتبان عمله الحسَنَ والسيِّئ، ثم إذا توفِّي، طُمِرَتْ معه في القبر عند عنقه.

[14] ﴿ٱقۡرَأۡ كِتَٰبَكَ كَفَىٰ بِنَفۡسِكَ ٱلۡيَوۡمَ عَلَيۡكَ حَسِيبٗا 14﴾:

ثم إذا خرَجَ ذلك الإنسان للحساب، أخرج الله معه هذه الصحف التي سُجِّلَتْ فيها أعماله، وجُعِلَتْ أمامه مفتوحة، ثم يُؤمَرُ أن يقرأ بنفسه ما فيها من أعمال الخير والشرّ؛ فيقرأ حتى لو كان أميًّا؛ فإن الله يجعل له القدرة على ذلك؛ لِيَرَى ما عمل بنفسه، وهذا من أعظم العدل أن يقال للإنسان: حاسِبْ نفسك بنَفْسِكَ، كفى بنَفْسِكَ اليوم حسيبًا عليك!

[15] ﴿مَّنِ ٱهۡتَدَىٰ فَإِنَّمَا يَهۡتَدِي لِنَفۡسِهِۦۖ وَمَن ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيۡهَاۚ وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٞ وِزۡرَ أُخۡرَىٰۗ وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّىٰ نَبۡعَثَ رَسُولٗا 15﴾:

أخبَرَ جل وعلا أنَّ من اهتدى إلى الطريق المستقيم، وعَمِلَ بما أمَرَه الله ورسوله ﷺ، فإن ثمارَ ذلك راجعٌ إليه وحده، وأنَّ من ضل عن الطريق المستقيم، واتَّبع هوى نفسه، فإن عقاب ذلك راجعٌ عليه وحده، واعلموا أن من عدل الله ورحمته بعباده: أن كل نفس لا تحمل إلا وِزْرها، ولا يُسأَلُ أحد إلا عمَّا ارتكب هو من الذنوب والمعاصي، ومن عدله: أنه لا يعذِّب أحدًا من خلقه إلا إذا بلغته الرسالة، وأقيمت عليه الحجة، فامتنع ورفض الحق.

[16] ﴿وَإِذَآ أَرَدۡنَآ أَن نُّهۡلِكَ قَرۡيَةً أَمَرۡنَا مُتۡرَفِيهَا فَفَسَقُواْ فِيهَا فَحَقَّ عَلَيۡهَا ٱلۡقَوۡلُ فَدَمَّرۡنَٰهَا تَدۡمِيرٗا 16﴾:

أخبَرَ جل وعلا أنه إذا أراد أن يهلك قرية بسبب ذنوب أهلها وظلمهم، فإنه يأمُرُ سادتها وأهلها بالتكاليف الشرعية، فإذا عصَوْهُ وخالفوا أمره واتَّبعوا أهواءهم، حَقَّ عليهم العذاب الذي لا مَرَدَّ له؛ فكانت النتيجة أن الله دمَّرهم وأبادهم وأهلكهم جميعًا. ومعلوم كيف يكون فعلُ المُتْرَفِينَ في استباحة المحرَّمات، وإعطاء أنفسهم كلَّ ما تهواها.

[17] ﴿وَكَمۡ أَهۡلَكۡنَا مِنَ ٱلۡقُرُونِ مِنۢ بَعۡدِ نُوحٖۗ وَكَفَىٰ بِرَبِّكَ بِذُنُوبِ عِبَادِهِۦ خَبِيرَۢا بَصِيرٗا 17﴾:

واعلم -أيها النبي- أننا أهلكنا كثيرًا من الأمم التي جاءت بعد زمن نوح عليه السلام؛ كقوم عادٍ وثمودَ وغيرهم؛ بسبب رفضهم الهدى والنور الذي جاء به أنبياؤهم، وكفى بربك إحاطةً وخبرةً واطِّلاعًا؛ فهو عالمٌ بكل أعمال عباده لا يخفى عليه شيء مما عملوا؛ لأنه جل في علاه يعلم السر وأخفى.

[18] ﴿مَّن كَانَ يُرِيدُ ٱلۡعَاجِلَةَ عَجَّلۡنَا لَهُۥ فِيهَا مَا نَشَآءُ لِمَن نُّرِيدُ ثُمَّ جَعَلۡنَا لَهُۥ جَهَنَّمَ يَصۡلَىٰهَا مَذۡمُومٗا مَّدۡحُورٗا 18﴾:

أخبَرَ جل وعلا أن مَنْ فضَّل الدنيا على الآخرة، وجعل عمله فيها استثمارًا واستمتاعًا ومقدَّمًا على عمل الآخرة، يسَّر الله له ذلك، وأعطاه ما يريده، وعلَّق ذلك بإرادته سبحانه؛ إذ لا شيء يخرج عنها، ثم يجعل له سبحانه في الآخرة جهنَّم يدخُلُها ويذوق حرَّها ولهيبها، مطرودًا ومبعَدًا من رحمة الله.

[19] ﴿وَمَنۡ أَرَادَ ٱلۡأٓخِرَةَ وَسَعَىٰ لَهَا سَعۡيَهَا وَهُوَ مُؤۡمِنٞ فَأُوْلَٰٓئِكَ كَانَ سَعۡيُهُم مَّشۡكُورٗا 19﴾:

ثم أخبَرَ أن مَنْ فضَّل الآخرة على الدنيا، وعمل لها الأعمال الصالحة التي توصِّله إلى رضوان الله، وهو مؤمن بالله، ومتَّبع لرسله، ومؤمن بثواب الله العظيم، فأولئك كان عملهم للآخرة عملًا مقبولًا، وسعيهم سعيًا مشكورًا، يُجْزَوْنَ عليه بما يستحقون من الثواب الجزيل عند رب العالمين.

[20] ﴿كُلّٗا نُّمِدُّ هَٰٓؤُلَآءِ وَهَٰٓؤُلَآءِ مِنۡ عَطَآءِ رَبِّكَۚ وَمَا كَانَ عَطَآءُ رَبِّكَ مَحۡظُورًا 20﴾:

ومن حكمته جل وعلا: أن أولئك الفريقَيْن اللَّذَيْنِ عمل أحدهما للدنيا، وعمل الثاني للآخرة، سوف يرزُقُهم ربهم على حد سواء؛ فإنه سبحانه يرزق المؤمنين والكافرين في الدنيا، أما في الآخرة، فكلٌّ يأخذ جزاءه بحسب عمله؛ إنْ خيرًا فخيرٌ، وإنْ شرًّا فشرّ. واعلم -أيها النبي- أن عطاء ربك لم يكن ممنوعًا من أحد، مؤمنًا كان أو كافرًا؛ لأنه خلق الجميع وتكفَّل بأرزاقهم، ثم في الآخرة يستحقُّ كل فريق نتيجة عمله.

[21] ﴿ٱنظُرۡ كَيۡفَ فَضَّلۡنَا بَعۡضَهُمۡ عَلَىٰ بَعۡضٖۚ وَلَلۡأٓخِرَةُ أَكۡبَرُ دَرَجَٰتٖ وَأَكۡبَرُ تَفۡضِيلٗا 21﴾:

انظر -أيها النبي- كيف فضَّل جل وعلا بعض الناس على بعض في الدنيا، في الرزق والعمل؛ فهذا غني، وهذا فقير، وهذا قوي، وهذا ضعيف، ونحو ذلك، أما في الآخرة، فإن الناس يتفاوتون أكبر من تفاوتهم في الدنيا، ويتفاضلون تفاضلًا أكبر؛ فالمؤمنون جعلهم الله في الجنة دَرَجات؛ يتفاضلون فيها بحَسَبِ أعمالهم، ما بين كل درجتَيْنِ كما بين السماء والأرض، والكفَّار جعلهم الله في النار دَرَكات؛ يتفاوتون فيها بحَسَبِ شقاوتهم وظلمهم وكفرهم.

[22] ﴿لَّا تَجۡعَلۡ مَعَ ٱللَّهِ إِلَٰهًا ءَاخَرَ فَتَقۡعُدَ مَذۡمُومٗا مَّخۡذُولٗا 22﴾:

حذَّر جل وعلا عباده أن يجعل أحدهم مع الله شريكًا له في عبادته؛ فيكونُ مذمومًا من الله ومن أوليائه المؤمنين، ويكونُ مخذولًا فلا يجد مَنْ يعينه أو ينصره في الآخرة، وهذا مَنْ أعظم الذُّلِّ والخُسْران.

[23] ﴿وَقَضَىٰ رَبُّكَ أَلَّا تَعۡبُدُوٓاْ إِلَّآ إِيَّاهُ وَبِٱلۡوَٰلِدَيۡنِ إِحۡسَٰنًاۚ إِمَّا يَبۡلُغَنَّ عِندَكَ ٱلۡكِبَرَ أَحَدُهُمَآ أَوۡ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُل لَّهُمَآ أُفّٖ وَلَا تَنۡهَرۡهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوۡلٗا كَرِيمٗا 23﴾:

وبعد أن حرَّم الله على عباده الشرك؛ أمرهم بأن يُفْرِدوه وحده بالعبادة، ثم أوصى الأبناء ببر الوالدَيْنِ والإحسان إليهما، وإذا بلغ أحد الوالدين أو كلاهما سن الشيخوخة، فيجب على الابن خِدْمَتُهما، وألا يؤذيهما بأقل وأدنى أذية، ولو بكلمة (أُفّ)، ولا يَجْرَحَ مشاعرهما إذا طلبا شيئًا ليس عند ابنهما، وعليه أن يقول لهما قولًا لطيفًا، وأن يَعِدَهما خيرًا بأن يشعرهما أنه سوف يُحْضِرَ طلباتهما إذا تيسَّر. قال بعض المفسِّرين: (يربط الله غالبًا بِرَّ الوالدَيْنِ بعبادته؛ لأن الوالدين السبب الثاني لوجود الإنسان، والله هو السبب الأول؛ فمن لم يقدِّر السبب الثاني جديرٌ بألا يقدِّر السبب الأول)، وقد صدَقَ.

[24] ﴿وَٱخۡفِضۡ لَهُمَا جَنَاحَ ٱلذُّلِّ مِنَ ٱلرَّحۡمَةِ وَقُل رَّبِّ ٱرۡحَمۡهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرٗا 24﴾:

وعليك -أيها الإنسان- أن تتواضع لوالدَيْكَ وتتلطَّف بهما، ولا ترفض لهما طلبًا في المعروف، وأن تدعو لهما بالرحمة والمغفرة أحياءً وأمواتًا؛ جزاءَ ما بذَلَا من جهد في رعايتك والعناية بك يوم أن كنتَ ضعيفًا محتاجًا لرعايتهما وحنانهما.

[25] ﴿رَّبُّكُمۡ أَعۡلَمُ بِمَا فِي نُفُوسِكُمۡۚ إِن تَكُونُواْ صَٰلِحِينَ فَإِنَّهُۥ كَانَ لِلۡأَوَّٰبِينَ غَفُورٗا 25﴾:

واعلموا -أيها الناس- أن الله يعلم ما تنطوي عليه نفوسكم وضمائركم من خير أو شر؛ سواءٌ كنتم تضمرون البر بآبائكم، أم كنتم تخفون الإساءة إليهما، ومع ذلك فإن كان مقصدكم في برِّهما هو مرضاة الله وما يقرِّبكم منه، فإنه سبحانه كان للتائبين من تفريطهم في حق والديهم أو في حق غيرهم غفورًا، وإنه يعفو عما يصدُرُ منكم مما هو من مقتضى الطبائع البشرية.

[26] ﴿وَءَاتِ ذَا ٱلۡقُرۡبَىٰ حَقَّهُۥ وَٱلۡمِسۡكِينَ وَٱبۡنَ ٱلسَّبِيلِ وَلَا تُبَذِّرۡ تَبۡذِيرًا 26﴾:

أمَرَ جل وعلا نبيه ﷺ أن يؤدِّي حقوق القرابة كالبِرِّ والصلةِ والإحسان، وأن يعطيهم شفقةً وإحسانًا وتكرُّمًا، ويدخل في أمره كلُّ أمته، وهذا في الصدقة العامَّة، أما الزكاة، فهي حق واجب عليه وعلى كل من تجب عليه الزكاة من أمته، أما بالنسبة للوالدَيْنِ، فإذا كانا فقراء، فيجب أن ينفق عليهما، ولا يجوز إعطاؤهما من الزكاة، ثم أمَرَهُ أن يعطي المسكين العاجز عن الكسب ما يحتاج إليه من المال والغذاء والكلمة الطيبة، ويعطي ابنَ السبيل الذي انقطَعَتْ به الطريق ما يبلِّغه طريقه إذا احتاج إلى ذلك، ثم ذكَرَ قاعدةً اقتصادية ما التزم بها شخص فشكا الفقر أبدًا، وهي: نَهْيُهُ عن التبذير، وهو إنفاق المال على وجه الإسراف والتبذير في غير طاعة الله وفي غير فائدة، وعلى العبد أن يَلْزَمَ الوسطَ والعدلَ في الإنفاق وغيره.

[27] ﴿إِنَّ ٱلۡمُبَذِّرِينَ كَانُوٓاْ إِخۡوَٰنَ ٱلشَّيَٰطِينِۖ وَكَانَ ٱلشَّيۡطَٰنُ لِرَبِّهِۦ كَفُورٗا 27﴾:

ثم بيَّن سبحانه أن المبذِّرين إخوان للشياطين؛ لأنهم بتبذيرهم يُشْبِهونَ الشيطان في صفاته القبيحة؛ لأن الشيطان كثيرُ الكُفْرانِ والجحودِ لنعم الله.

[28] ﴿وَإِمَّا تُعۡرِضَنَّ عَنۡهُمُ ٱبۡتِغَآءَ رَحۡمَةٖ مِّن رَّبِّكَ تَرۡجُوهَا فَقُل لَّهُمۡ قَوۡلٗا مَّيۡسُورٗا 28﴾:

ثم بيَّن جل وعلا ما يجب على الرسول ﷺ فعله في حال عدم قدرته على مساعدة ذوي القربى والمسكين وابن السبيل الذين أمَرَهُ الله بمساعدتهم؛ لأن طلبهم غير متوفِّر، أو كان هناك سببٌ لحَجْبه عنهم، فقل لهم قولًا لطيفًا لا يُشْعِرهم ببخلٍ منك أو عدَمِ اهتمام، وأشعِرْهم أنك سوف تُحْضِرَ لهم طلبهم إذا تيسَّر ذلك.

[29] ﴿وَلَا تَجۡعَلۡ يَدَكَ مَغۡلُولَةً إِلَىٰ عُنُقِكَ وَلَا تَبۡسُطۡهَا كُلَّ ٱلۡبَسۡطِ فَتَقۡعُدَ مَلُومٗا مَّحۡسُورًا 29﴾:

ثم أمَرَ سبحانه بألا يكونَ الإنسان بخيلًا مُمْسِكًا للمال، يمتنعُ عن الإنفاق في سبيل الخير؛ كمن يده مشدودة إلى عنقه لا يستطيع أن ينفق، ولا يُسْرِفَ في الإنفاق والبذل والعطاء، ويتوسَّع في ذلك؛ فإنك بالبخل تكون مذمومًا ويلومك الله والناس، وبالإسراف تفتقر ثم تتحسَّر وتَنْدَمُ على إسراف المال وإضاعته.

[30] ﴿إِنَّ رَبَّكَ يَبۡسُطُ ٱلرِّزۡقَ لِمَن يَشَآءُ وَيَقۡدِرُۚ إِنَّهُۥ كَانَ بِعِبَادِهِۦ خَبِيرَۢا بَصِيرٗا 30﴾:

واعلموا -أيها الناس- أن الله يوسِّع رزقه لمن يشاء من عباده، ويُمْسِكُهُ ويضيِّقه ويقدِّره على من يشاء من خلقه، وأنه يعطي كل إنسان ما يتحمَّل وَفْقَ علمه وحكمته؛ إنه جل وعلا لطيفٌ بعباده، وخبيرٌ ببواطنهم وبظواهرهم وطبائعهم، وإنه عليمٌ بأحوالهم، لا يخفى عليه شيء منها.

[31] ﴿وَلَا تَقۡتُلُوٓاْ أَوۡلَٰدَكُمۡ خَشۡيَةَ إِمۡلَٰقٖۖ نَّحۡنُ نَرۡزُقُهُمۡ وَإِيَّاكُمۡۚ إِنَّ قَتۡلَهُمۡ كَانَ خِطۡـٔٗا كَبِيرٗا 31﴾:

حذَّر جل وعلا عباده من أن يقتلوا أولادهم بعد ولادتهم خَشْيةَ العار أو الفقر، ثم بيَّن سبحانه أنه تكفَّل برزق الجميع الآباء والأبناء، ثم بيَّن أن قتلهم لأبنائهم خطأ كبير، وإثم عظيم، وجريمة منكرة، تؤدِّي إلى الشقاء والخُسْران في الدنيا والآخرة.

[32] ﴿وَلَا تَقۡرَبُواْ ٱلزِّنَىٰٓۖ إِنَّهُۥ كَانَ فَٰحِشَةٗ وَسَآءَ سَبِيلٗا 32﴾:

ثم نهى جل وعلا عباده عن الاقتراب من الزنى، أي: البعد عن المقدِّمات التي تُفْضي إلى الوقوع في هذه الفاحشة الكبيرة العظيمة؛ كالخَلْوة بالنساء والاختلاط بِهِنَّ والنظر إليهنَّ ونحو ذلك، ثم بيَّن سبحانه أن الزنى فاحشة؛ وأن طريقه طريقٌ سيِّئٌ يؤدي إلى غضب الله، وإلى إشاعة الفساد والأمراض الخبيثة في الأفراد والمجتمعات؛ كما يؤدي إلى اختلاط الأنساب.

[33] ﴿وَلَا تَقۡتُلُواْ ٱلنَّفۡسَ ٱلَّتِي حَرَّمَ ٱللَّهُ إِلَّا بِٱلۡحَقِّۗ وَمَن قُتِلَ مَظۡلُومٗا فَقَدۡ جَعَلۡنَا لِوَلِيِّهِۦ سُلۡطَٰنٗا فَلَا يُسۡرِف فِّي ٱلۡقَتۡلِۖ إِنَّهُۥ كَانَ مَنصُورٗا 33﴾:

ثم نهى جل وعلا عن قتل النفس المعصومة إلا إذا ارتكَبَتْ ما يوجب قتلها، ولا شك أن قتل النفس المعصومة من أكبر الكبائر بعد الشِّرْك بالله، واعلموا أن مَنْ قتل مظلومًا، فإن أولياءه حُجَّتُهم بالغة، وهم مؤيَّدون من الله، ولهم أن يثأروا للمقتول؛ إما بالقصاص، أو الدية، أو العفو، ولا يصحُّ للولي أن يتجاوز الحد الشرعي في القصاص، بأنْ يقتُلَ بالواحد اثنَيْن، أو أن يمثِّلَ بالقاتل، ونحو ذلك، ثم اعلموا أن الله معينٌ لولي المقتول على القاتل حتى يتمكَّن من إقامة الحد عليه، أو أخذ الدية منه.

[34] ﴿وَلَا تَقۡرَبُواْ مَالَ ٱلۡيَتِيمِ إِلَّا بِٱلَّتِي هِيَ أَحۡسَنُ حَتَّىٰ يَبۡلُغَ أَشُدَّهُۥۚ وَأَوۡفُواْ بِٱلۡعَهۡدِۖ إِنَّ ٱلۡعَهۡدَ كَانَ مَسۡـُٔولٗا 34﴾:

نهى جل وعلا عباده عن الاقتراب من مال اليتيم، والنهي عن المقاربة تحذير بليغ؛ فما بالك بالمباشرة، ثم بيَّن سبحانه أنه لا مانع من التجارة في ماله بأحسن الطرق التي لا تعرِّضه للأخطار، وأنه لا مانع من الإنفاق عليه بغير إسراف، ويستمِرُّ ذلك حتى بلوغه وظهور علامات العقل والرشد عليه، وعندها يجبُ على الوليِّ أن يسلِّمه ماله كاملًا، ويُشْهِدُ على ذلك شهودًا، ثم أمَرَ الله بالوفاء بالعهود، وهذا يشمل الوفاء بالعهود التي بين العبد وبين الله، والوفاء بالعهود التي بين العبد وبين الناس، واعلموا أنكم مسؤولون أمام الله عن الوفاء بالعهود؛ فمَنْ أوفى بالعهد، نال الأجر والثواب العظيم، ومَنْ لم يُوفِ، ناله الإثم العظيم.

[35] ﴿وَأَوۡفُواْ ٱلۡكَيۡلَ إِذَا كِلۡتُمۡ وَزِنُواْ بِٱلۡقِسۡطَاسِ ٱلۡمُسۡتَقِيمِۚ ذَٰلِكَ خَيۡرٞ وَأَحۡسَنُ تَأۡوِيلٗا 35﴾:

ثم أمَرَ جل وعلا عباده بإتمام الكيل عند البيع والشراء، وأن يَزِنوا بالميزان السَّوِيِّ دون زيادة أو نقصان، وبيَّن أن إيفاء الكيل والوزن فيه خيرٌ لكم من البركة والنماء، وهو الأفضل والأحسن عند عامَّة الناس في الدنيا، وعند الله في الآخرة.

[36] ﴿وَلَا تَقۡفُ مَا لَيۡسَ لَكَ بِهِۦ عِلۡمٌۚ إِنَّ ٱلسَّمۡعَ وَٱلۡبَصَرَ وَٱلۡفُؤَادَ كُلُّ أُوْلَٰٓئِكَ كَانَ عَنۡهُ مَسۡـُٔولٗا 36﴾:

حذَّر جل وعلا عباده من تتبُّع ما ليس لهم به علم وما لا يعنيهم، بل يجب التأكد والتثبت؛ فإن الإنسان مسؤول عمَّا يقترفه بجوارحه، فإن استعمل جوارحه في الخير، نال الأجر والثواب، وإن استعملها في الشر، ناله العقاب والعذاب.

[37] ﴿وَلَا تَمۡشِ فِي ٱلۡأَرۡضِ مَرَحًاۖ إِنَّكَ لَن تَخۡرِقَ ٱلۡأَرۡضَ وَلَن تَبۡلُغَ ٱلۡجِبَالَ طُولٗا 37﴾:

ثم حذَّر جل وعلا عباده من أن يمشي أحدهم مِشْيةَ المتكبِّر المختال، وفي هذا تهكُّم وسخرية بالمبطرين المتكبِّرين على الناس، واعلم -أيها الإنسان- أنك لن تبلِّغك نفسك وقدرتك بأن تَخْرِقَ الأرض، ولن تبلُغَ الجبال في الطول والعلو؛ مهما تكبَّرت وتعاليت.

[38] ﴿كُلُّ ذَٰلِكَ كَانَ سَيِّئُهُۥ عِندَ رَبِّكَ مَكۡرُوهٗا 38﴾:

واعلموا -أيها الناس- أن كل ما تقدَّم من أوامرَ ونواهٍ يَكْرَهُ الله سيِّئها ويأباها ويُبْغِضها، كما أنه مكروه ومُبْغَضٌ عند الناس، أما الأوامر والأفعال الحسنة؛ كالوفاء بالعهد وغيره، فإن الله يحبُّها ويرضاها لعباده؛ كما أن الناس يحبونها ويحمدونها.

[39] ﴿ذَٰلِكَ مِمَّآ أَوۡحَىٰٓ إِلَيۡكَ رَبُّكَ مِنَ ٱلۡحِكۡمَةِۗ وَلَا تَجۡعَلۡ مَعَ ٱللَّهِ إِلَٰهًا ءَاخَرَ فَتُلۡقَىٰ فِي جَهَنَّمَ مَلُومٗا مَّدۡحُورًا 39﴾:

واعلم -أيها النبي- أن التكاليف السابقة من الحِكَمِ والهُدَى هي مما أوحاه الله إليك؛ فاحذَرْ من الوقوع في الشرك، ولا شك أنه ﷺ معصوم من ذلك؛ ولكنَّ المقصود هو تحذير أمته منه؛ فيا أيها الإنسان، احذر أشد الحذر أن تجعل مع الله شريكًا له في العبادة، فإنْ فعَلْتَ، فسيكون مصيرك أن تُلْقَى في نار جهنم، ثم تلومَكَ نفسُكَ ويلومَكَ الناس، وتكون مطرودًا مبعدًا من رحمه الله؛ لأن الشرك محبِطٌ للأعمال.

[40] ﴿أَفَأَصۡفَىٰكُمۡ رَبُّكُم بِٱلۡبَنِينَ وَٱتَّخَذَ مِنَ ٱلۡمَلَٰٓئِكَةِ إِنَٰثًاۚ إِنَّكُمۡ لَتَقُولُونَ قَوۡلًا عَظِيمٗا 40﴾:

ثم خاطَبَ جل شأنه المشركين، فقال: هل خصَّكم -أيها المشركون- بالصفوة من الذرية؟! فجعَلَ لكم الأولاد الذكور، وجعَلَ لنفسه بناتًا، وهم الملائكة؟! يعني: فضَّلكم على نفسه؛ إنكم لتقولون على الله قولًا قبيحًا وشنيعًا لا يليق به سبحانه وتعالى. ومقصودُ المولى جل وعلا: انتقادُهم وإشعارهم أنهم ما قدَّسوا الله ولا قدَّروه حق قدره؛ فهو سبحانه الغني عن الولد، وعن البنت؛ فالكل عبيده.

[41] ﴿وَلَقَدۡ صَرَّفۡنَا فِي هَٰذَا ٱلۡقُرۡءَانِ لِيَذَّكَّرُواْ وَمَا يَزِيدُهُمۡ إِلَّا نُفُورٗا 41﴾:

أخبَرَ جل وعلا بأنه نوَّع في هذا القرآن، فشَمِلَ هذا القرآن آيات الأحكام والأمثال، والمواعظ والقصص والأخبار، والوعد والوعيد، وكرَّر سبحانه المواعظ؛ ليتَّعظ الناس ويتدبَّروا معانيه، ويكون حجة عليهم، ولكنْ مع ذلك ازداد الظالمون بعدًا ونفورًا وهروبًا عن الهدى والخير والحق.

[42] ﴿قُل لَّوۡ كَانَ مَعَهُۥٓ ءَالِهَةٞ كَمَا يَقُولُونَ إِذٗا لَّٱبۡتَغَوۡاْ إِلَىٰ ذِي ٱلۡعَرۡشِ سَبِيلٗا 42﴾:

وقل -أيها النبي- لهؤلاء المشركين: لو كان مع الله آلهة أخرى غيرُهُ كما تزعمون، لاتَّخَذَتْ هذه الآلهة طريقًا إلى محاربة الله، والاستيلاء على بعضِ مُلْكه.

[43] ﴿سُبۡحَٰنَهُۥ وَتَعَٰلَىٰ عَمَّا يَقُولُونَ عُلُوّٗا كَبِيرٗا 43﴾:

ولكنه جل في علاه واحد أحد لا شريك له في ربوبيته وألوهيته، وتنزَّه جل شأنه وتقدَّس عمَّا يقول ويزعُمُ هؤلاء المشركون الضالُّون، وتعالى عن قولهم عُلُوًّا كبيرًا.

[44] ﴿تُسَبِّحُ لَهُ ٱلسَّمَٰوَٰتُ ٱلسَّبۡعُ وَٱلۡأَرۡضُ وَمَن فِيهِنَّۚ وَإِن مِّن شَيۡءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمۡدِهِۦ وَلَٰكِن لَّا تَفۡقَهُونَ تَسۡبِيحَهُمۡۚ إِنَّهُۥ كَانَ حَلِيمًا غَفُورٗا 44﴾:

أخبَرَ جل وعلا أن السموات والأرض وما فيهما من المخلوقات؛ يسبِّح الله وينزِّهه ويقدِّسه ويثني عليه ويحمده ويمجِّده، ولكنكم -أيها الناس- لا تفقهون تسبيحهم بسبب اختلافكم في التكوين الخَلْقِيِّ وفي اللغات، واعلموا أن الله سبحانه حليمٌ بعباده لا يعاجِلُ من عصاه بالعقوبة، وأنه كثيرُ المغفرة يَغْفِرُ ذنوب وزلات من عاد إليه وأناب، واستغفر ربه وتاب.

[45] ﴿وَإِذَا قَرَأۡتَ ٱلۡقُرۡءَانَ جَعَلۡنَا بَيۡنَكَ وَبَيۡنَ ٱلَّذِينَ لَا يُؤۡمِنُونَ بِٱلۡأٓخِرَةِ حِجَابٗا مَّسۡتُورٗا 45﴾:

أخبَرَ جل وعلا نبيه محمدًا ﷺ بأنه إذا قرأ القرآن على الكفار الذين لم يؤمنوا باليوم الآخر، وحاربوا الدعوة، فإن الله جعَلَ بينه وبينهم غطاءً ساترًا يستُرُ عقولهم عن فهم القرآن؛ وذلك عقابًا لهم على كفرهم وجحودهم وإنكارهم لدين الله. ولْيُعْلَمَ أن هذا الحجاب والغطاء أو الختم في هذه الآية وما ورد مثله في كتاب الله، لم يكن ابتداءً منه جل وعلا، وإنما حصَلَ ذلك جزاءً لهم لمحاربةِ الدعوة، وصدِّ غيرهم عن الهدى، ونفورهم عنه، ولم يكن هذا الحجاب خاصًّا بكفار مكَّة الذين تنزَّلت فيهم، ولكنه عامٌّ لكل من سلك مسلكهم، وحارب الإسلام والدعوة في كل زمان ومكان. ومعلوم أنه لا يهتدي للحق إلا مَنْ رغب فيه والْتَمَسَهُ وتشوَّق إليه، أما من إذا عُرِضَ عليه نفَرَ وهرَبَ، فهذا هو المستحق للعقوبة والطبع والختم على قلبه.

[46] ﴿وَجَعَلۡنَا عَلَىٰ قُلُوبِهِمۡ أَكِنَّةً أَن يَفۡقَهُوهُ وَفِيٓ ءَاذَانِهِمۡ وَقۡرٗاۚ وَإِذَا ذَكَرۡتَ رَبَّكَ فِي ٱلۡقُرۡءَانِ وَحۡدَهُۥ وَلَّوۡاْ عَلَىٰٓ أَدۡبَٰرِهِمۡ نُفُورٗا 46﴾:

وجعلنا على قلوب هؤلاء الكفَّار أغطيةً وأغشيةً لا يفهمون معها القرآن، وجعلنا في آذانهم صممًا لكيلا يسمعوه؛ كلُّ ذلك عقوبةً لهم على كفرهم وجحودهم وإنكارهم لدين الله، ومحاربتهم للدين والدعوة، واعلم -أيها الرسول- بأنك إذا ذكَرْتَ ربَّك في القرآن وحده غير مقرون به آلهتهم، ودعَوْتَ قومك لتوحيد الله وإفراده بالعبودية، ونهَيْتَهم عن الشرك به، ولَّوْا على أدبارهم نفورًا من قولك، وكرهًا لما جِئْتَ به، وعنادًا واستكبارًا.

[47] ﴿نَّحۡنُ أَعۡلَمُ بِمَا يَسۡتَمِعُونَ بِهِۦٓ إِذۡ يَسۡتَمِعُونَ إِلَيۡكَ وَإِذۡ هُمۡ نَجۡوَىٰٓ إِذۡ يَقُولُ ٱلظَّٰلِمُونَ إِن تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلٗا مَّسۡحُورًا 47﴾:

واعلم -أيها النبي- أننا نعلم مقاصد المشركين السيئة؛ حيث يستمعون إليك وهدفُهم التقاطُ شيء يأخذونه للطعن فيك وفي القرآن، ونعلم ما يتناجَوْنَ به بينهم؛ حيث يقول بعضهم لبعض: إنكم تتبَّعون رجلًا أصابه السحر؛ فتغيَّر عقله بسببه.

[48] ﴿ٱنظُرۡ كَيۡفَ ضَرَبُواْ لَكَ ٱلۡأَمۡثَالَ فَضَلُّواْ فَلَا يَسۡتَطِيعُونَ سَبِيلٗا 48﴾:

تفكَّر وتأمَّل -أيها النبي- كيف بلغ الجحود والضلال بهؤلاء المشركين؛ حيث إنهم وصفوك بأشنع الأوصاف، فقالوا: إنك ساحرٌ وشاعرٌ ومجنونٌ وغير ذلك؟! فاعلم أنهم بهذه الأوصاف لك قد ضلُّوا عن الحق ضلالًا بعيدًا؛ ولهذا فإنهم لا يهتدون إلى طريق الحق والصواب والهدى؛ بل إنهم بهذا حَرَمُوا أنفسهم الهدى.

[49] ﴿وَقَالُوٓاْ أَءِذَا كُنَّا عِظَٰمٗا وَرُفَٰتًا أَءِنَّا لَمَبۡعُوثُونَ خَلۡقٗا جَدِيدٗا 49﴾:

أخبَرَ جل وعلا عن قول المشركين المنكرين للبعث الذين يقولون استنكارًا وتكذيبًا: فإذا بَلِيَتْ -يا محمد- أجسامُنا وتحلَّلت إلى تراب ورفات، أئنا لمبعوثون خلقًا جديدًا؛ فتعودَ لنا الحياة مرة أخرى؟!

[50] ﴿قُلۡ كُونُواْ حِجَارَةً أَوۡ حَدِيدًا 50﴾:

وقل -أيها النبي- لهؤلاء المشركين على سبيل إعلامهم بعَظَمة قدرة الله: اعلموا -أيها المشركون- لو تحجَّرت أجسامكم أو تحوَّلت إلى حديد، لكان الله قادرًا على إعادتها وإحيائها، كما كان قادرًا على خَلْقها وإنشائها أوَّل مرة.

[51] ﴿أَوۡ خَلۡقٗا مِّمَّا يَكۡبُرُ فِي صُدُورِكُمۡۚ فَسَيَقُولُونَ مَن يُعِيدُنَاۖ قُلِ ٱلَّذِي فَطَرَكُمۡ أَوَّلَ مَرَّةٖۚ فَسَيُنۡغِضُونَ إِلَيۡكَ رُءُوسَهُمۡ وَيَقُولُونَ مَتَىٰ هُوَۖ قُلۡ عَسَىٰٓ أَن يَكُونَ قَرِيبٗا 51﴾:

وقل لهم -أيها النبي- أيضًا: وكذلك لو تخيَّلتم أن تكونوا خلقًا آخَرَ أعظَمَ من الحجارة والحديد، فاعلموا أن الله قادر على إعادته وبعثه من جديد، وعند سماعهم هذه الإجابة، سيقولون لك: فمن يَرُدُّنا إلى الحياة بعد الموت؟! فقل لهم: الذي خلَقَكم وأنشأكم أول مرَّة بعد العدم؛ إذْ لم تكونوا شيئًا، عندها سوف يحرِّكون رؤوسهم استهزاءً وتعجبًا، ويقولون مستبعدين وقوعه: متى يكون هذا البعث؟! فقل لهم: احذروا؛ فإنه آتيكم قريبًا.

[52] ﴿يَوۡمَ يَدۡعُوكُمۡ فَتَسۡتَجِيبُونَ بِحَمۡدِهِۦ وَتَظُنُّونَ إِن لَّبِثۡتُمۡ إِلَّا قَلِيلٗا 52﴾:

واذكروا -أيها المنكرون للبعث- يوم أن يناديكم ربكم للبعث والنشور، فتلبُّون نداءه بسرعة، حامدين الله، ومنقادين إليه، ولهول الموقف في ذلك اليوم يوم القيامة؛ فإنكم تظنون عند بعثكم أنكم ما أقمتم في الدنيا إلا زمنًا قليلًا.

[53] ﴿وَقُل لِّعِبَادِي يَقُولُواْ ٱلَّتِي هِيَ أَحۡسَنُۚ إِنَّ ٱلشَّيۡطَٰنَ يَنزَغُ بَيۡنَهُمۡۚ إِنَّ ٱلشَّيۡطَٰنَ كَانَ لِلۡإِنسَٰنِ عَدُوّٗا مُّبِينٗا 53﴾:

أمَرَ جل وعلا نبيه محمدًا ﷺ أن يُرْشِدَ المؤمنين أن يستعملوا في مناقشاتهم ومحادثاتهم لعموم الناس الألفاظَ الحَسَنةَ والطيبة؛ فإنهم إن لم يفعلوا ذلك، فإن الشيطان سوف يُلْقِي بينهم العداوة والفساد، والبغضاء والخصام؛ لأن الشيطان عدوٌّ للإنسان عداوة ظاهرة.

[54] ﴿رَّبُّكُمۡ أَعۡلَمُ بِكُمۡۖ إِن يَشَأۡ يَرۡحَمۡكُمۡ أَوۡ إِن يَشَأۡ يُعَذِّبۡكُمۡۚ وَمَآ أَرۡسَلۡنَٰكَ عَلَيۡهِمۡ وَكِيلٗا 54﴾:

واعلموا -أيها الناس- أن ربكم أعلم بكم من أنفسكم؛ إنْ يشأْ يرحَمْكم بفضله؛ فيوفِّقكُم للإيمان والطاعة، أو إنْ يشأْ يعذِّبْكم بعدله؛ فيميتكم على ضلالكم وكفركم، واعلم -أيها الرسول- بأننا ما أرسلناك عليهم رقيبًا؛ وليس لك الحق في أن تُلْزِمهم بالإيمان والإسلام؛ بل أرسلناك شاهدًا ومبشِّرًا ونذيرًا، ومبلِّغًا ما أُرْسِلْتَ به؛ وفي هذا بيانٌ لوظيفة الرسول ﷺ.

[55] ﴿وَرَبُّكَ أَعۡلَمُ بِمَن فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۗ وَلَقَدۡ فَضَّلۡنَا بَعۡضَ ٱلنَّبِيِّـۧنَ عَلَىٰ بَعۡضٖۖ وَءَاتَيۡنَا دَاوُۥدَ زَبُورٗا 55﴾:

واعلم -أيها النبي- أن ربك أعلم بأحوال مَنْ في السموات والأرض، وفضَّل سبحانه بعض النبيين على بعض؛ فاتخذ إبراهيم خليلا، وكلَّم موسى تكليمًا، وأعطى سليمان مُلْكًا عظيمًا، وأعطى محمدًا ﷺ فضائلَ كثيرةً، منها: رفعُهُ إلى السموات العلا، وتكليمُهُ في فرض الصلوات، وغفرانُ الذنوب ما تقدَّم منها وما تأخَّر، وأعطى داود الزبور، وهي التي تسمى:(مَزَامِيرَ داود).

[56] ﴿قُلِ ٱدۡعُواْ ٱلَّذِينَ زَعَمۡتُم مِّن دُونِهِۦ فَلَا يَمۡلِكُونَ كَشۡفَ ٱلضُّرِّ عَنكُمۡ وَلَا تَحۡوِيلًا 56﴾:

وقل -أيها النبي- للمشركين أن يطلبوا من هذه الآلهة التي عبَدُوها من دون الله أن تلبِّي طلباتهم؛ فإنها لا تستطيعُ أن تدفع عنهم ضرًّا، ولا تجلب لهم خيرًا، ولا تَقْدِرُ على تحويل الضر عنهم إلى غيرهم؛ فإن القادر على ذلك هو الله وحده لا شريك له، الذي له الخلق والأمر.

[57] ﴿أُوْلَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ يَدۡعُونَ يَبۡتَغُونَ إِلَىٰ رَبِّهِمُ ٱلۡوَسِيلَةَ أَيُّهُمۡ أَقۡرَبُ وَيَرۡجُونَ رَحۡمَتَهُۥ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُۥٓۚ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحۡذُورٗا 57﴾:

واعلموا -أيها المشركون- أن معبوداتكم التي زعمتم من دون الله؛ سواءٌ كانوا من الأنبياء مثل عيسى عليه السلام، أو من الصالحين والأولياء، فإنهم يتنافسون في التقرُّب إلى الله بما يقدرون عليه من الأعمال الصالحة، وفوق ذلك يسألون رحمة الله ويخافون عذابه؛ لأن عذاب الله عظيم تخافه وتَحْذَرُهُ الملائكة والمرسلون وجميع العباد؛ فالجميعُ يَرْهَبُهُ ويسأل الله السلامة والعافية منه.

[58] ﴿وَإِن مِّن قَرۡيَةٍ إِلَّا نَحۡنُ مُهۡلِكُوهَا قَبۡلَ يَوۡمِ ٱلۡقِيَٰمَةِ أَوۡ مُعَذِّبُوهَا عَذَابٗا شَدِيدٗاۚ كَانَ ذَٰلِكَ فِي ٱلۡكِتَٰبِ مَسۡطُورٗا 58﴾:

أخبَرَ جل وعلا أن كل قرية كافرة ظالمة مكذِّبة للرسل، سوف تدمَّرُ وتُهْلَكُ قبل يوم القيامة، أو يصيبُ أهلَها عذابٌ شديد، واعلموا أن هذا التدمير أو العذاب قد قضاه الله ولا بد من وقوعه؛ لأنه مسجَّلٌ في اللوح المحفوظ.

[59] ﴿وَمَا مَنَعَنَآ أَن نُّرۡسِلَ بِٱلۡأٓيَٰتِ إِلَّآ أَن كَذَّبَ بِهَا ٱلۡأَوَّلُونَۚ وَءَاتَيۡنَا ثَمُودَ ٱلنَّاقَةَ مُبۡصِرَةٗ فَظَلَمُواْ بِهَاۚ وَمَا نُرۡسِلُ بِٱلۡأٓيَٰتِ إِلَّا تَخۡوِيفٗا 59﴾:

ثم أخبَرَ جل وعلا أن الذي كان سببًا في عدم إنزال المعجزات التي سألها المشركون، هو تكذيبُ مَنْ سبقهم من الأمم، فقد سألوها، ثم كذَّبوا بها، فاستحقوا العذاب واستؤصلوا وأُهْلِكوا، ومِنْ هؤلاء قوم صالح؛ فقد أرسلنا إليهم الناقة، فكفروا بها فأهلكناهم. ونحن نعلم أن هؤلاء المشركين ما طلبوا الآيات ليؤمنوا بها، ولكنْ تعجيزًا وسخرية، فلو حقَّقنا لك طلبهم، ثم لم يؤمنوا، فحينئذ يستحقون القضاء عليهم، واعلم -أيها النبي- أن الله أرسل الرسل مؤيَّدين بالمعجزات لحث العباد؛ لعلهم يعتبرون ويتذكَّرون.

[60] ﴿وَإِذۡ قُلۡنَا لَكَ إِنَّ رَبَّكَ أَحَاطَ بِٱلنَّاسِۚ وَمَا جَعَلۡنَا ٱلرُّءۡيَا ٱلَّتِيٓ أَرَيۡنَٰكَ إِلَّا فِتۡنَةٗ لِّلنَّاسِ وَٱلشَّجَرَةَ ٱلۡمَلۡعُونَةَ فِي ٱلۡقُرۡءَانِۚ وَنُخَوِّفُهُمۡ فَمَا يَزِيدُهُمۡ إِلَّا طُغۡيَٰنٗا كَبِيرٗا 60﴾:

واذكر -أيها النبي- يوم أن أوحى الله إليك بأنَّ جميع أمور الناس بيده وتحت تصرُّفه، بما فيهم أهل مكة، وسوف يُظْهِرك الله عليهم، وما جعلنا ما رأيته وأبصرته بعينك ليلة الإسراء والمعراج حين أُسْرِيَ بجسدك إلا ابتلاءً وفتنةً للناس؛ حيث زَلْزَلَتِ الإيمان في قلوب المؤمنين، فارتَدَّ بعضهم، وأما الكفار، فزادتهم ضلالًا إلى ضلالهم، وكذلك ما جعلنا شجرة الزقُّوم الملعونة التي تخرُجُ في أصل الجحيم، والتي جاء ذكرها في القرآن وسَخِرَ منها أبو جهل وغيره؛ إلا ابتلاءً وفتنةً للناس، ونخوِّف هؤلاء المشركين بهذه الآيات وبأنواع العذاب؛ علَّهم يؤمنون ويهتدون، ولكنهم يزدادون تماديًا وطغيانًا، وضلالًا وكفرًا.

[61] ﴿وَإِذۡ قُلۡنَا لِلۡمَلَٰٓئِكَةِ ٱسۡجُدُواْ لِأٓدَمَ فَسَجَدُوٓاْ إِلَّآ إِبۡلِيسَ قَالَ ءَأَسۡجُدُ لِمَنۡ خَلَقۡتَ طِينٗا 61﴾:

واذكر -أيها الرسول- يوم أن أمَرْنا الملائكة بالسجود لآدم إكرامًا وتعظيمًا له، فامتثلوا أَمْرَ الله تعالى، وسَجَدوا إلا إبليس فلم يسجُدْ تكبرًا وعنادًا، وقال مستكبرًا: إن حجَّته أنه أفضل من آدم؛ لأن آدم خُلِقَ من طين وهو خُلِقَ من نار. وقد سبق التعليق على هذه الآية في سورة البقرة، وقلنا: إن إبليس لم يكن من الملائكة، وإن الله أمره بالسجود بأمرٍ خاصِّ به؛ كما قال تعالى: ﴿مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسۡجُدَ إِذۡ أَمَرۡتُكَۖ ﴾ [الأعراف:12].

[62] ﴿قَالَ أَرَءَيۡتَكَ هَٰذَا ٱلَّذِي كَرَّمۡتَ عَلَيَّ لَئِنۡ أَخَّرۡتَنِ إِلَىٰ يَوۡمِ ٱلۡقِيَٰمَةِ لَأَحۡتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُۥٓ إِلَّا قَلِيلٗا 62﴾:

قال إبليس رادًّا على الله بكل جرأة: أرأيتَ هذا المخلوق الضعيف الذي فضَّلته عليَّ الذي هو آدم؟! لئن أبقيتني يا رب حيًّا إلى يوم القيامة، لَأُغْوِيَنَّ ذريته، وأقودَنَّها إلى الذنوب والمعاصي والشهوات، إلا البعض القليل ممن اصطَفَيْتَ من عبادك؛ فإني لا أستطيع أن أُغْوِيهم؛ لقوة إيمانهم، وشدة إخلاصهم. وقد طلَبَ إبليس البقاء إلى يوم القيامة، فأجاب الله طلبه؛ لكنْ إلى اليوم الموعود، وهو يوم النفخة الأولى عندما يموت جميعُ الخَلْق إِنْسُهم وجِنُّهم.

[63] ﴿قَالَ ٱذۡهَبۡ فَمَن تَبِعَكَ مِنۡهُمۡ فَإِنَّ جَهَنَّمَ جَزَآؤُكُمۡ جَزَآءٗ مَّوۡفُورٗا 63﴾:

ولحكمةِ اللهِ العظيمةِ التي خلَقَ الله من أجلها الجنة والنار، رَدَّ جل وعلا على إبليس مهدِّدًا له ولأتباعه، فقال: اذهَبْ مطرودًا ملعونًا؛ فقد أخَّرناك إلى يوم انتهاء الدنيا؛ فافعَلْ ما تريد؛ فإن النار ستكون جزاءً مكمَّلًا متمَّمًا لا نقص فيه لك ولمن تبعك منهم في العصيان.

[64] ﴿وَٱسۡتَفۡزِزۡ مَنِ ٱسۡتَطَعۡتَ مِنۡهُم بِصَوۡتِكَ وَأَجۡلِبۡ عَلَيۡهِم بِخَيۡلِكَ وَرَجِلِكَ وَشَارِكۡهُمۡ فِي ٱلۡأَمۡوَٰلِ وَٱلۡأَوۡلَٰدِ وَعِدۡهُمۡۚ وَمَا يَعِدُهُمُ ٱلشَّيۡطَٰنُ إِلَّا غُرُورًا 64﴾:

ثم إن الله جل وعلا للحكمة الآنفة الذكر، قال لإبليس: اذهَبْ وافعَلْ ما شئت معهم من الاستفزاز والاستخفاف، وادعهم إلى المعاصي، وسَلِّطْ عليهم من استطَعْتَ من جنودك من الإنس والجن، وشَجِّعهم على جمع المال من الطرق المحرَّمة كالربا والسرقة، والغش والرِّشْوة، وحُثَّهم على تربية أولادهم على الفساد بأن تيسِّرَ لهم الوقوع في الزنى الذي يترتَّب عليه ضياع الأنساب، وسَهِّلْ لهم تسمية أولادهم بأسماء يُبْغِضها الله كأن يسموا: عبد اللات، وعبد العُزَّى، ونحو ذلك، وزَيِّنْ لهم كل أنواع الباطل والفجور والفساد؛ كالقتل بغير حق، ووأد البنات، وغير ذلك، وعِدْ أتباعك بما شئت من الوعود الكاذبة الخادعة الباطلة؛ كأن تقنعهم بأنه لا يوجد جنة أو نار، وأنه لا حياة آخرة، وأنه لا حساب ولا عذاب بعد الموت، وفي هذه الآية: تحذيرٌ من الله لعباده بألا يتبعوا الشيطان، وألا يغتروا بحيله وخدعه.

[65] ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيۡسَ لَكَ عَلَيۡهِمۡ سُلۡطَٰنٞۚ وَكَفَىٰ بِرَبِّكَ وَكِيلٗا 65﴾:

ولكنِ اعلم -يا إبليس- بأن مكايدك ووساوسك وحيلك لن تنطلي على عباد الله المؤمنين المخلصين المتوكِّلين على الله؛ الذين أطاعوا الله؛ فاتبعوا أوامره، واجتنبوا نواهيه، وكفى بربك -أيها النبي- حافظًا ومؤيِّدًا ونصيرًا لعباده المؤمنين من كيد الشيطان ووساوسه وغروره.

[66] ﴿رَّبُّكُمُ ٱلَّذِي يُزۡجِي لَكُمُ ٱلۡفُلۡكَ فِي ٱلۡبَحۡرِ لِتَبۡتَغُواْ مِن فَضۡلِهِۦٓۚ إِنَّهُۥ كَانَ بِكُمۡ رَحِيمٗا 66﴾:

واعلموا -أيها الناس- أن ربكم هو الذي يسوق السفن التي تركبونها في البحر بقُدْرته وعلمه؛ لتطلبوا رزق الله؛ حيث تَحْمِلكم وتحمل بضائعكم؛ سواءٌ للتجارة أو غيرها؛ إنه جل وعلا كان رحيمًا لطيفًا بعباده، خبيرًا بمصالحهم.

[67] ﴿وَإِذَا مَسَّكُمُ ٱلضُّرُّ فِي ٱلۡبَحۡرِ ضَلَّ مَن تَدۡعُونَ إِلَّآ إِيَّاهُۖ فَلَمَّا نَجَّىٰكُمۡ إِلَى ٱلۡبَرِّ أَعۡرَضۡتُمۡۚ وَكَانَ ٱلۡإِنسَٰنُ كَفُورًا 67﴾:

أخبَرَ جل وعلا بأن الناس إذا أصابتهم شِدَّةٌ وهم في البحر بأن ارتفعت الأمواج، وخافوا من الغرق والهلاك، لجؤوا إلى الله الإله الحق، وصرفوا النظر عن الآلهة المزعومة، فلمَّا نجَّاهم ووصلوا إلى البر سالمين آمنين، رجعوا إلى الضلال، ونسبوا النجاة إلى براعة رُباَّنِ السفينة، وعادوا إلى عبادة غير الله؛ سواءٌ كان صنمًا أو ملكًا أو بشرًا، وأعرضوا عن الإيمان والإخلاص لله الذي نجَّاهم، وكان الإنسان كثير الكُفْران والجحود لنعم الله تعالى.

[68] ﴿أَفَأَمِنتُمۡ أَن يَخۡسِفَ بِكُمۡ جَانِبَ ٱلۡبَرِّ أَوۡ يُرۡسِلَ عَلَيۡكُمۡ حَاصِبٗا ثُمَّ لَا تَجِدُواْ لَكُمۡ وَكِيلًا 68﴾:

ثم بيَّن جل وعلا أن الذي نجَّاهم في البحر قادرٌ أن يخسف بهم الأرض، والخَسْفُ: هو انهيار الأرض بما عليها من سكان؛ فهل أَمِنوا القادر على إهلاكهم في البر، كما كان قادرًا على ذلك في البحر؟! أم أَمِنوا أن يُرْسِل عليهم ريحًا شديدةً تحمل الحصباء والحجارة والتراب فتهلكهم؟! ثم لا يجدوا نصيرًا يلتجئون إليه، فينصرهم ويحميهم من عقاب الله؟!

[69] ﴿أَمۡ أَمِنتُمۡ أَن يُعِيدَكُمۡ فِيهِ تَارَةً أُخۡرَىٰ فَيُرۡسِلَ عَلَيۡكُمۡ قَاصِفٗا مِّنَ ٱلرِّيحِ فَيُغۡرِقَكُم بِمَا كَفَرۡتُمۡ ثُمَّ لَا تَجِدُواْ لَكُمۡ عَلَيۡنَا بِهِۦ تَبِيعٗا 69﴾:

ثم قال سبحانه: أم أمنتم -أيها الناس- أن يعيدكم الله في البحر مرة ثانية بأن يهيِّئ الأسباب لعودتكم إلى ركوبه؟! ثم يرسلَ عليكم ريحًا شديدةً مهلِكةً تحطِّم سفنكم وتكسِّر كلَّ ما أتت عليه؛ فتغرقكم بسبب كفركم وضلالكم وعنادكم، ثم لا تجدون من يطالب بحقِّكم، ويأخذ بثأركم؛ فإن الله لم يَظْلِمْكم؛ بل أنتم الذين ظلمتم أنفسكم.

[70] ﴿وَلَقَدۡ كَرَّمۡنَا بَنِيٓ ءَادَمَ وَحَمَلۡنَٰهُمۡ فِي ٱلۡبَرِّ وَٱلۡبَحۡرِ وَرَزَقۡنَٰهُم مِّنَ ٱلطَّيِّبَٰتِ وَفَضَّلۡنَٰهُمۡ عَلَىٰ كَثِيرٖ مِّمَّنۡ خَلَقۡنَا تَفۡضِيلٗا 70﴾:

أخبَرَ جل وعلا أنه كرَّم بني آدم، فخلَقَ أباهم آدم بيده، وسخَّر لهم جميع ما في السموات والأرض، وخلَقَهم في أحسن تقويم، وميَّزهم بالعقل عن باقي المخلوقات، واستخلفهم في الأرض ابتلاءً؛ لينفِّذوا تعاليمه وليعمروها، وجعَلَ منهم رسله وأنبياءه وأولياءه، ثم بيَّن سبحانه بأنه سخر لهم المركوبات التي تحملهم في البر والبحر، وأنه رزقهم من أنواع الطيبات من المطاعم المشارب التي يستلذُّون بها، وأنه فضَّلهم على كثير من المخلوقات التي لا يحصيها إلا الله عزوجل بأمور كثيرة، وصدَقَ الله: ﴿وَإِن تَعُدُّواْ نِعۡمَةَ ٱللَّهِ لَا تُحۡصُوهَآۗ ﴾ [النحل:١٨].

[71] ﴿يَوۡمَ نَدۡعُواْ كُلَّ أُنَاسِۭ بِإِمَٰمِهِمۡۖ فَمَنۡ أُوتِيَ كِتَٰبَهُۥ بِيَمِينِهِۦ فَأُوْلَٰٓئِكَ يَقۡرَءُونَ كِتَٰبَهُمۡ وَلَا يُظۡلَمُونَ فَتِيلٗا 71﴾:

واذكر -أيها النبي- يوم القيامة حين يدعو الله عزوجل كلَّ أُمَّةٍ بكتابهم الذي جاء لهم به رسولهم، ثم تُعرَضُ أعمالهم على كتابهم المنزَّل على رسولهم؛ فأهل القرآن تعرض أعمالهم على القرآن، وهكذا أهل التوراة والإنجيل وغيرهم؛ فمَنْ كانت أعماله موافقةً لكتابهم المنزَّل عليهم، فإنه يُعطَى كتابه بيمينه الذي يَفْرَحُ به ويقرؤه ببهجة وسرور؛ لفوزه ونجاته وسعادته، وسوف يرى -بعد قراءته لكتابه- أن حسناته كاملة لم ينقُصْ منها شيءٌ حتى لو كانت مِقْدارَ السِّلْكِ الموجود في شِقِّ النواة.

[72] ﴿وَمَن كَانَ فِي هَٰذِهِۦٓ أَعۡمَىٰ فَهُوَ فِي ٱلۡأٓخِرَةِ أَعۡمَىٰ وَأَضَلُّ سَبِيلٗا 72﴾:

ثم أخبَرَ جل وعلا أنَّ مَنْ كان في هذه الدنيا الفانية أعمى البصيرة عن الحُجَّة والبرهان، فهو في الآخرة أشدُّ عَمًى عن طريق الحق، وأضلُّ طريقًا عن الهداية والرشاد؛ عقابًا له على عمى بصيرته في الدنيا.

[73] ﴿وَإِن كَادُواْ لَيَفۡتِنُونَكَ عَنِ ٱلَّذِيٓ أَوۡحَيۡنَآ إِلَيۡكَ لِتَفۡتَرِيَ عَلَيۡنَا غَيۡرَهُۥۖ وَإِذٗا لَّٱتَّخَذُوكَ خَلِيلٗا 73﴾:

أخبَرَ جل وعلا عن الكافرين أنهم قاربوا أن يَخْدَعوا النبي ﷺ ويَصْرِفوه عن ذم آلهتهم، وعن القرآن الذي أوحاه الله إليه؛ فطلبوا منه لكي يدخُلُوا في دينه أن يسكُتَ عن آلهتهم ولا يذُمَّها، وأن يكون القول والاعتبار لهم؛ فاعلم -أيها النبي- لو أنك حقَّقْتَ مطالبهم التي عرضوها عليك، لَأَسْلَموا وأحبوك وصاروا أصدقاء لك، ولكنَّ الله عصمك وحفظك من كيدهم.

[74] ﴿وَلَوۡلَآ أَن ثَبَّتۡنَٰكَ لَقَدۡ كِدتَّ تَرۡكَنُ إِلَيۡهِمۡ شَيۡـٔٗا قَلِيلًا 74﴾:

واعلم -أيها النبي- لولا أن الله عصَمَكَ من موافقتهم، لقاربت أن تميل إليهم ميلًا قليلًا؛ بسبب كثرة خداعهم وحيلهم، ووَعْدِهم لك أن يدخلوا في دينك، وحِرْصِك على هدايتهم.

[75] ﴿إِذٗا لَّأَذَقۡنَٰكَ ضِعۡفَ ٱلۡحَيَوٰةِ وَضِعۡفَ ٱلۡمَمَاتِ ثُمَّ لَا تَجِدُ لَكَ عَلَيۡنَا نَصِيرٗا 75﴾:

ثم اعلم -أيها النبي- لو أنك مِلْتَ إلى هؤلاء المشركين ميلًا قليلًا، لعذَّبناك في الدنيا وفي الآخرة عذابًا مضاعفًا؛ لكمال معرفتك بالحق المنزَّل عليك، وكمال نعمة الله عليك، ثم لن تَجِدَ أحدًا يحميك ويَدْفَعُ عنك العذاب؛ وحاشاه ﷺ من ذلك كله. وحيث إنه ﷺ معصومٌ، فالوعيد والتهديد لأتباعه من الدعاة والعلماء الذين هم معرَّضون للإغراءات من الأعداء.

[76] ﴿وَإِن كَادُواْ لَيَسۡتَفِزُّونَكَ مِنَ ٱلۡأَرۡضِ لِيُخۡرِجُوكَ مِنۡهَاۖ وَإِذٗا لَّا يَلۡبَثُونَ خِلَٰفَكَ إِلَّا قَلِيلٗا 76﴾:

ثم أخبَرَ جل وعلا أن الكفار قاربوا على إخراجِكَ -أيها النبي- من بلدك مكَّة؛ وذلك بكثرة إيذائك، وأخبَرَ أنه إذا تم ما أرادوا، فإنهم لن يمكثوا بعد إخراجك إلا زمنًا قليلًا، ثم تَحِلُّ بهم العقوبة العاجلة، كما حلَّت بغيرهم من الأمم السابقة، وقد تحقَّق ما قال الله، فأخرجوه ﷺ من مكة، وصدَقَ الله وعده؛ فبعد سنتين تقريبًا قُتِلَ الطغاة الذين اضطروه للخروج؛ حيث قُتِلوا وأُلْقوا في قليب بَدْر.

[77] ﴿سُنَّةَ مَن قَدۡ أَرۡسَلۡنَا قَبۡلَكَ مِن رُّسُلِنَاۖ وَلَا تَجِدُ لِسُنَّتِنَا تَحۡوِيلًا 77﴾:

واعلم -أيها النبي- أن سنة الله فيمن أُرسِلَ قبلك من الرسل، هي نَصْرُ أولئك الرسل، وإهلاك أقوامهم الذين أخرجوهم من بلادهم؛ عقابًا لهم، وإنك لن تجد لسنة الله تغييرًا أو تبديلًا.

[78] ﴿أَقِمِ ٱلصَّلَوٰةَ لِدُلُوكِ ٱلشَّمۡسِ إِلَىٰ غَسَقِ ٱلَّيۡلِ وَقُرۡءَانَ ٱلۡفَجۡرِۖ إِنَّ قُرۡءَانَ ٱلۡفَجۡرِ كَانَ مَشۡهُودٗا 78﴾:

أمَرَ جل وعلا نبيه ﷺ بإقامة الصلوات المكتوبات والمداومة عليها، وهي: صلاة الظهر والعصر، والمغرب والعشاء، وأمره بإقامة صلاة الفجر وأن يطيل القراءة فيها؛ لأن صلاة الفجر تحضُرُها ملائكة الليل وملائكة النهار. وقد ذكَرَ بعض أهل العلم أن هذه الآية أوجَبَتِ الصلاةَ، وذكَرَتْ أوقاتها الخمسة؛ مع العلم أنها فُرِضَتْ في السماء حينما عُرِجَ بالنبي ﷺ.

[79] ﴿وَمِنَ ٱلَّيۡلِ فَتَهَجَّدۡ بِهِۦ نَافِلَةٗ لَّكَ عَسَىٰٓ أَن يَبۡعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامٗا مَّحۡمُودٗا 79﴾:

ثم أمَرَ جل وعلا نبيه ﷺ أن يقوم من نومه، ويقرأ القرآن في صلاة الليل، وفي هذا حَثٌّ على التهجُّد، أي: الصلاة آخر الليل وقت تجلِّي الله لعباده لطلب رحمته ومغفرته، والتهجُّدُ يبدأ من بعد صلاة العشاء إلى ما قبل صلاة الفجر، ثم أخبَرَ سبحانه أنه سوف يبعث نبيه محمدًا ﷺ شافعًا للناس يوم القيامة؛ فيَشْفَعُ للعامَّة من أهل المحشر؛ وفي هذا ردٌّ على المعتزلة الذين قالوا: (لا شفاعةَ كليًّا).

[80] ﴿وَقُل رَّبِّ أَدۡخِلۡنِي مُدۡخَلَ صِدۡقٖ وَأَخۡرِجۡنِي مُخۡرَجَ صِدۡقٖ وَٱجۡعَل لِّي مِن لَّدُنكَ سُلۡطَٰنٗا نَّصِيرٗا 80﴾:

وقل -أيها النبي- داعيًا ربك ومتضرِّعًا إليه: يا رب، اجعل كل مداخلي ومخارجي وجميع تحرُّكاتي في طاعتك ورضاك، واجعَلْ لي حجة ظاهرة بيِّنة تنصُرُني بها على مَنْ خالفني، وتكون قوةً تعينني بها على إقامة دينك وشرعك.

وقد أُمِرَ ﷺ بهذا القول حين أُذِنَ له بالهجرة، فخرج من مكة مخلِصًا لله لنصرة دينه، ودخل المدينة كذلك، وقد أيَّده الله بنصره وبالأنصار.

[81] ﴿وَقُلۡ جَآءَ ٱلۡحَقُّ وَزَهَقَ ٱلۡبَٰطِلُۚ إِنَّ ٱلۡبَٰطِلَ كَانَ زَهُوقٗا 81﴾:

وقل -أيها النبي- لهؤلاء المشركين الضالِّين: لقد جاء الإسلام الذي بعثني به الله، ووَعَدني بظهوره وانتشاره، وزال الشِّرْكُ واندحَرَ واضمحل، واعلموا أن الباطل لا بقاء له ولا ثبات على الدوام.

[82] ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ ٱلۡقُرۡءَانِ مَا هُوَ شِفَآءٞ وَرَحۡمَةٞ لِّلۡمُؤۡمِنِينَ وَلَا يَزِيدُ ٱلظَّٰلِمِينَ إِلَّا خَسَارٗا 82﴾:

واعلم -أيها الرسول- أننا ننزِّل عليك من آيات القرآن ما هو شفاءٌ لِمَا في الصدور من أمراض الشكِّ والشبهات والأوهام، وما هو شفاءٌ للأبدان من الأسقام والآلام برُقْيتها بآيات القرآن، وكما أنه شفاء للأمراض، فهو أيضًا سبب لفوز المؤمنين برحمة الله؛ لِمَا فيه من زيادة الإيمان والحكمة والفقه في دين الله، ثم أخبَرَ جل وعلا أن هذا القرآن لا يزيد الكفار عند سماعه إلا كفرًا وضلالًا وبُعْدًا؛ بسبب كُفْرهم وجحودهم وعدم الإيمان به.

[83] ﴿وَإِذَآ أَنۡعَمۡنَا عَلَى ٱلۡإِنسَٰنِ أَعۡرَضَ وَنَـَٔا بِجَانِبِهِۦ وَإِذَا مَسَّهُ ٱلشَّرُّ كَانَ يَـُٔوسٗا 83﴾:

ثم أخبَرَ جل وعلا أنه إذا أنعم على الإنسان بالصحة والعافية والمال وغير ذلك، أعرض وتولَّى عن عبادة ربه وطاعته وشكره، أما إذا أصابه فَقَرٌ أو مَرَضٌ أو شدَّة، تجده ييئس ويقنط من رحمة الله تعالى ولطفه ومعونته، وهذا ينطبق على الكفار غالبًا، أما المؤمنون، فأكثرهم يعترف بفضل الله، ويلتجئ إلى الله في السراء والضراء.

[84] ﴿قُلۡ كُلّٞ يَعۡمَلُ عَلَىٰ شَاكِلَتِهِۦ فَرَبُّكُمۡ أَعۡلَمُ بِمَنۡ هُوَ أَهۡدَىٰ سَبِيلٗا 84﴾:

وقل-أيها الرسول- لعامَّة الناس: كل فرد منكم يعمل بالطريقة التي تناسبه، والتي تعوَّد على العمل عليها في الهداية والضلالة؛ فإن الله يعلم مَنْ هو أهدى طريقًا إلى الحق، ويعلم مَنْ يشكر ومَنْ يُعْرِضُ عن الشكر، ويجازي سبحانه كلًّا بعمله؛ فمَنْ أحسن، فله الحسنى، ومن أساء، فسيعاقب بقدر إساءته.

[85] ﴿وَيَسۡـَٔلُونَكَ عَنِ ٱلرُّوحِۖ قُلِ ٱلرُّوحُ مِنۡ أَمۡرِ رَبِّي وَمَآ أُوتِيتُم مِّنَ ٱلۡعِلۡمِ إِلَّا قَلِيلٗا 85﴾:

ويسألك -أيها النبي- اليهود والمشركون عن حقيقة الروح؟ فقل لهم: اعلموا أن هذه الروح لا يَعْلَمُ حقيقتها وذاتها إلا الله وحده، وأنها مما استأثر الله بعلمه، واعلموا أنكم ما أوتيتم من العلم إلا شيئًا قليلًا؛ فإنَّ أسرار الله وعلومه جمة وكثيرة، ولم يُطْلِعْ عباده منها إلا على النَّزْر اليسير، والروحُ هي التي بها تُحرَّكُ الكتلة البدنية المكوَّنة من لحم وعظم في حياة الإنسان، وكلُّ ما عرف عنها: أنها إذا سرَتْ في جسد الجنين، فإنه يحيا ويُعَدُّ إنسانًا، وإذا خرَجَتْ منه، فإنه يموت.

[86] ﴿وَلَئِن شِئۡنَا لَنَذۡهَبَنَّ بِٱلَّذِيٓ أَوۡحَيۡنَآ إِلَيۡكَ ثُمَّ لَا تَجِدُ لَكَ بِهِۦ عَلَيۡنَا وَكِيلًا 86﴾:

واعلم -أيها النبي- أن الله قادر -إذا شاء- على مَحْوِ القرآن الذي أوحاه إليك من قلبك، ومحوه من الصحف التي كُتِبَ فيها، والله جل وعلا لا يعجزه شيء، ثم لا تجد مَنْ يمنعه سبحانه مِنْ فعل ذلك، ولا تجد مَنْ يتكفَّل لك بإعادته إلا هو جل في علاه؛ إن شاء ذلك.

[87] ﴿إِلَّا رَحۡمَةٗ مِّن رَّبِّكَۚ إِنَّ فَضۡلَهُۥ كَانَ عَلَيۡكَ كَبِيرٗا 87﴾:

واعلم -أيها النبي- لو شاء الله أن يمحو القرآن من صَدْرك لمحاه، ولكنْ رحمةً بك أبقاه  في صدرك؛ إنَّ فضل الله كان عليك عظيمًا؛ فقد أنَزَل عليك القرآن العظيم، وأعطاك المقام المحمود يوم القيامة، وجعَلَكَ سيد ولد آدم، وغير ذلك من الفضائل.

[88] ﴿قُل لَّئِنِ ٱجۡتَمَعَتِ ٱلۡإِنسُ وَٱلۡجِنُّ عَلَىٰٓ أَن يَأۡتُواْ بِمِثۡلِ هَٰذَا ٱلۡقُرۡءَانِ لَا يَأۡتُونَ بِمِثۡلِهِۦ وَلَوۡ كَانَ بَعۡضُهُمۡ لِبَعۡضٖ ظَهِيرٗا 88﴾:

وقل -أيها النبي- لهؤلاء المشركين: لو اجتمعَتِ الإنس والجن، واتفقوا على أن يأتوا بمثل هذا القرآن في إعجازه وبلاغته، فإنهم لا يستطيعون ذلك، ولو تعاونوا، وكان بعضهم لبعض نصيرًا؛ فكلامُ الخالق جل في علاه لا أحد يستطيع أن يُحَاكِيَهُ في إعجازه وبلاغته، وغير ذلك من خصائصه.

[89] ﴿وَلَقَدۡ صَرَّفۡنَا لِلنَّاسِ فِي هَٰذَا ٱلۡقُرۡءَانِ مِن كُلِّ مَثَلٖ فَأَبَىٰٓ أَكۡثَرُ ٱلنَّاسِ إِلَّا كُفُورٗا 89﴾:

ثم أخبَرَ جل وعلا أنه بيَّن ونوَّع للناس في هذا القرآن من كلِّ معنًى بديعٍ؛ ليعتبروا ويتَّعظوا به؛ ولكنَّ أكثر الناس امتنعوا عن الاستجابة لهديه سبحانه وتعالى، وجحدوا آياته وإرشاداته وأنكروها.

[90] ﴿وَقَالُواْ لَن نُّؤۡمِنَ لَكَ حَتَّىٰ تَفۡجُرَ لَنَا مِنَ ٱلۡأَرۡضِ يَنۢبُوعًا 90﴾:

ويستمِرُّ المشركون في الاستهزاء بالرسول ﷺ وتعجيزه؛ ومن ذلك أنهم قالوا: يا محمد، لن نصدِّقك ولن نتَّبع ما جئت به حتى تُخرِجَ لنا من أرض مكة عينًا نشرب منها لا ينقطع ماؤها أبدًا.

[91] ﴿أَوۡ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٞ مِّن نَّخِيلٖ وَعِنَبٖ فَتُفَجِّرَ ٱلۡأَنۡهَٰرَ خِلَٰلَهَا تَفۡجِيرًا 91﴾:

ومن ذلك أيضًا أنهم قالوا: أو تكونَ لك حديقةٌ فيها أنواعُ النخيل والأشجار والثمار، وتَجْعَلَ الأنهار تجري في وسطها بغزارة وكثرة.

[92] ﴿أَوۡ تُسۡقِطَ ٱلسَّمَآءَ كَمَا زَعَمۡتَ عَلَيۡنَا كِسَفًا أَوۡ تَأۡتِيَ بِٱللَّهِ وَٱلۡمَلَٰٓئِكَةِ قَبِيلًا 92﴾:

وقالوا أيضًا: أو تُسقِطَ السماء علينا قِطَعًا كما زعَمْتَ، أو تأتيَ لنا بالله وبالملائكة جميعًا، فنراهم أمامنا بأم أعيننا يشهدون بصدق ما جئتَ به.

[93] ﴿أَوۡ يَكُونَ لَكَ بَيۡتٞ مِّن زُخۡرُفٍ أَوۡ تَرۡقَىٰ فِي ٱلسَّمَآءِ وَلَن نُّؤۡمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتَّىٰ تُنَزِّلَ عَلَيۡنَا كِتَٰبٗا نَّقۡرَؤُهُۥۗ قُلۡ سُبۡحَانَ رَبِّي هَلۡ كُنتُ إِلَّا بَشَرٗا رَّسُولٗا 93﴾:

واستمَرُّوا في تعجيزه ﷺ، فقالوا: أو يكونَ لك بيتٌ مبنيٌّ من الذهب، أو تَصْعَدَ إلى السماء بسلَّم، ولن نصدِّقك في صعودك حتى تَرْجِعَ لنا ومعك كتاب من عند الله مكتوب فيه أنك رسول الله حقًّا، وأن الله يأمرنا فيه أن نصدِّقك ونتَّبعك.

وبعد هذه المطالب المقترحة؛ أمَرَ جل وعلا نبيه ﷺ أن يقول لهؤلاء الكفار متعجِّبًا: سبحان ربي! هل أنا إلا عبد من عباد الله، ومهمتي هي إبلاغ ما أرسلت به؟! فكيف أَقْدِرُ على الإتيان بمثل هذه المعجزات التي لا يقدر عليها إلا الله وحده؟!

[94] ﴿وَمَا مَنَعَ ٱلنَّاسَ أَن يُؤۡمِنُوٓاْ إِذۡ جَآءَهُمُ ٱلۡهُدَىٰٓ إِلَّآ أَن قَالُوٓاْ أَبَعَثَ ٱللَّهُ بَشَرٗا رَّسُولٗا 94﴾:

ثم أخبَرَ سبحانه أن هؤلاء الكفار ما منعهم من الإيمان بالله ورسوله ﷺ وطاعتهما حين جاءتهم رسُلُهم بالحق الواضح البيِّن؛ إلا إنكارُهُمْ أن يكون الرسول بشرًا، واعتقدوا أن الله لا يبعث إليهم إلا ملكًا من الملائكة؛ لكي يبلِّغهم رسالة ربهم.

[95] ﴿قُل لَّوۡ كَانَ فِي ٱلۡأَرۡضِ مَلَٰٓئِكَةٞ يَمۡشُونَ مُطۡمَئِنِّينَ لَنَزَّلۡنَا عَلَيۡهِم مِّنَ ٱلسَّمَآءِ مَلَكٗا رَّسُولٗا 95﴾:

وقل -أيها النبي- لهؤلاء المشركين الجاهلين: لو كان سُكَّانُ الأرض ملائكة يمشون على أقدامهم ومستقرِّين فيها، لأنزَلَ الله عليكم من السماء رسولًا ملكًا من جنسكم، وحيث إن أهل الأرض بشَرٌ؛ فكان الواجب أن يبعث فيكم رسولًا من جنسكم؛ حتى تتمكَّنوا من مخاطبته، وتفهموا كلامه.

وهذا يعني أن الرسول إذا كان من جنس آخر، فإنه لن يكون قدوةً أو أسوةً.

[96] ﴿قُلۡ كَفَىٰ بِٱللَّهِ شَهِيدَۢا بَيۡنِي وَبَيۡنَكُمۡۚ إِنَّهُۥ كَانَ بِعِبَادِهِۦ خَبِيرَۢا بَصِيرٗا 96﴾:

وقل -أيها النبي- لهؤلاء المشركين الجاهلين: إني أُشْهِدُ الله أنني بلَّغتكم رسالة ربي، وكفى به شهيدًا بيني وبينكم يوم القيامة؛ فهو سبحانه يعلم أني قد بلَّغْتُكم الرسالة، ونصحتُ لكم؛ إنه جل وعلا خبيرٌ بأحوال عباده، وبصيرٌ بأعمالهم، لا يخفى عليه شيء في السماء ولا في الأرض، وسيجازيهم عليها؛ إنْ خيرًا فخير، وإنْ شرَّا فشرّ.

[97] ﴿وَمَن يَهۡدِ ٱللَّهُ فَهُوَ ٱلۡمُهۡتَدِۖ وَمَن يُضۡلِلۡ فَلَن تَجِدَ لَهُمۡ أَوۡلِيَآءَ مِن دُونِهِۦۖ وَنَحۡشُرُهُمۡ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ عَلَىٰ وُجُوهِهِمۡ عُمۡيٗا وَبُكۡمٗا وَصُمّٗاۖ مَّأۡوَىٰهُمۡ جَهَنَّمُۖ كُلَّمَا خَبَتۡ زِدۡنَٰهُمۡ سَعِيرٗا 97﴾:

أخبَرَ جل وعلا أن الهداية بيده لا يملكها أحد سواه؛ فمن اختار الهدى، زاده الله هُدًى، ومن اختار الضلال من بعد ما تبيَّن له الهدى، فإن الله يُضِلُّه، أي: يبقيه على ضلاله، ثم لا يجد له وليًّا يواليه، ولا نصيرًا ينصُرُهُ من دون الله؛ قال تعالى: ﴿مَن يُضۡلِلِ ٱللَّهُ فَلَا هَادِيَ لَهُۥۚ ﴾ [الأعراف:١٨٦]، أي: أن مَنْ يُصِرَّ على الكفر وقد دُعِيَ إلى الهدى، فإن الله يطبع على قلبه ويضلُّه إضلالًا جزائيًّا، وليس ابتدائيًّا؛ قال تعالى: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ لَا يَظۡلِمُ ٱلنَّاسَ شَيۡـٔٗا وَلَٰكِنَّ ٱلنَّاسَ أَنفُسَهُمۡ يَظۡلِمُونَ﴾ ﴿إِنَّ ٱللَّهَ لَا يَظۡلِمُ مِثۡقَالَ ذَرَّةٖۖ ﴾ [النساء:٤٠]. واعلموا أن هؤلاء المكذِّبين الضالِّين من الكفار سوف يبعثهم الله يوم القيامة، ويحشُرُهم على وجوههم، وهم لا يَرَوْنَ ولا يتكلَّمون ولا يسمعون، ثم تكون جهنَّم مقرَّهم ودار خلودهم، كلما خَمَدَتْ نارها، وتهيَّأت للانطفاء، زادهم الله نارًا تلتهب عليهم.

[98] ﴿ذَٰلِكَ جَزَآؤُهُم بِأَنَّهُمۡ كَفَرُواْ بِـَٔايَٰتِنَا وَقَالُوٓاْ أَءِذَا كُنَّا عِظَٰمٗا وَرُفَٰتًا أَءِنَّا لَمَبۡعُوثُونَ خَلۡقٗا جَدِيدًا 98﴾:

واعلموا أن هذا العذاب الشديد الذي سنعاقب به هؤلاء المشركين، هو بسبب كُفْرهم بالله، وجحودهم لآياته، وتكذيبهم لرسله الذين دعَوْهم إلى عبادته، وإنكارهم للبعث؛ حيث كانوا يقولون استنكارًا وسخرية: أإذا صِرْنا عظامًا باليةً، وصارت أجسادنا مفتَّتةً كالتراب؛ فهل بعد ذلك نعود للحياة، ونُبْعَثُ خلقًا جديدًا؟!

[99] ﴿أَوَلَمۡ يَرَوۡاْ أَنَّ ٱللَّهَ ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضَ قَادِرٌ عَلَىٰٓ أَن يَخۡلُقَ مِثۡلَهُمۡ وَجَعَلَ لَهُمۡ أَجَلٗا لَّا رَيۡبَ فِيهِ فَأَبَى ٱلظَّٰلِمُونَ إِلَّا كُفُورٗا 99﴾:

هل غفَلَ هؤلاء المشركون، فلم يبصروا أن الله الذي خلق هذه السموات والأرض وما فيهنَّ من عجائب خلقه، قادرٌ على بَعْثهم وإعادة خلقهم وخلق أمثالهم من جديد؟! وقد حدد جل وعلا لهم موعدًا لموتهم وبَعْثهم وعذابهم لا شك في وقوعه، ومع كل هذه البراهين والدلائل ووضوح الحق إلا أنهم أصرُّوا على الكفر والجحود لدين الله وآياته.

[100] ﴿قُل لَّوۡ أَنتُمۡ تَمۡلِكُونَ خَزَآئِنَ رَحۡمَةِ رَبِّيٓ إِذٗا لَّأَمۡسَكۡتُمۡ خَشۡيَةَ ٱلۡإِنفَاقِۚ وَكَانَ ٱلۡإِنسَٰنُ قَتُورٗا 100﴾:

وقل -أيها النبي- لهؤلاء المشركين على سبيل التقريع والتبكيت: لو كنتم تملكون خزائن الأرزاق، لأمسكتم شحًّا وبخلًا؛ مخافةَ أن تَنْفَدَ، فيصيبَكُمُ الفقر بعد ذلك؛ لأن مِن طبع الإنسان البخلَ على النفس وعلى الغير إلا مَنْ رَحِمَ الله. [يونس:٤٤]، وقال تعالى:

[101] ﴿وَلَقَدۡ ءَاتَيۡنَا مُوسَىٰ تِسۡعَ ءَايَٰتِۭ بَيِّنَٰتٖۖ فَسۡـَٔلۡ بَنِيٓ إِسۡرَٰٓءِيلَ إِذۡ جَآءَهُمۡ فَقَالَ لَهُۥ فِرۡعَوۡنُ إِنِّي لَأَظُنُّكَ يَٰمُوسَىٰ مَسۡحُورٗا 101﴾:

واعلم -أيها النبي- أن الله آتى موسى عليه السلامتِسْعَ آيات بينات، وهي: العصا، واليد، والسنون، ونقص الثمرات، والطوفان، والجَرَاد، والقُمَّل، والضفادع، والدم، وهن أكبر وأعظم مما طلَبَ كفار مكَّة، فلم يؤمن بها فرعون وقومه، واسأل المؤمنين من بني إسرائيل؛ كعبد الله بن سَلَامٍ عن ذلك، فستجد الجواب في قول فرعون لموسى: (إني لأظُنُّكَ يا موسى مسحورًا، قد اختلَطَ عقلُكَ واختلَّ بسبب السحر؛ فصرتَ تتصرَّفُ وتدَّعي دعاوى عجيبة وغريبة). وهذا شأن الطغاة في كل زمان ومكان، عندما يَرَوْنَ الحق قد أخَذَ يحاصرهم، ويكشف عن ضلالهم وكذبهم، فإنهم يرمون أهله -زورًا وبهتانًا- بكل نقيصة؛ كالسحر والجنون، والجهل والغباء، ونحو ذلك.

[102] ﴿قَالَ لَقَدۡ عَلِمۡتَ مَآ أَنزَلَ هَٰٓؤُلَآءِ إِلَّا رَبُّ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ بَصَآئِرَ وَإِنِّي لَأَظُنُّكَ يَٰفِرۡعَوۡنُ مَثۡبُورٗا 102﴾:

فأجاب موسى عليه السلام: لقد علمتَ -يا فرعون- ما أنزَلَ هذه الآياتِ إلا ربُّ السموات والأرض، وقد جعلها علامات واضحات على أني رسولٌ من رب العالمين، وعلى تفرُّده جل وعلا وحده بالعبادة، ثم قال له: وإني لأظُنُّكَ يا فرعون هالكًا وضائعًا، ومغلوبًا وملعونًا. وقد قال تعالى في آية أخرى: ﴿وَجَحَدُواْ بِهَا وَٱسۡتَيۡقَنَتۡهَآ أَنفُسُهُمۡ ظُلۡمٗا وَعُلُوّٗاۚ﴾ [النمل:١٤].

[103] ﴿فَأَرَادَ أَن يَسۡتَفِزَّهُم مِّنَ ٱلۡأَرۡضِ فَأَغۡرَقۡنَٰهُ وَمَن مَّعَهُۥ جَمِيعٗا 103﴾:

وبعد أن هدَّد موسى فرعونَ ووبَّخه؛ أراد فرعون أن يُزْعِجَ موسى ويهجُمَ عليه ومَنْ معه من بني إسرائيل؛ فتَبِعهم بعد أن خرجوا من أرض مِصْر؛ فكانت النتيجة أن أهلك الله فرعونَ وجنودَهُ جميعًا بأن أغرقهم في البحر؛ عقابًا لهم على كُفْرهم وظلمهم وبغيهم.

[104] ﴿وَقُلۡنَا مِنۢ بَعۡدِهِۦ لِبَنِيٓ إِسۡرَٰٓءِيلَ ٱسۡكُنُواْ ٱلۡأَرۡضَ فَإِذَا جَآءَ وَعۡدُ ٱلۡأٓخِرَةِ جِئۡنَا بِكُمۡ لَفِيفٗا 104﴾:

ثم قال جل وعلا لبني إسرائيل، بعد هلاك فرعون وجنوده: اسكُنُوا الأرضَ شَرْقَها وغَرْبَها، وليكُنْ منكم في كل دولة مجموعة، فإذا جاء يومُ الكرَّةِ الآخرة، أي: الإفسادِ الثاني في الموعد المحدَّد، جئنا بكم وجَمَعْناكم من كل مكان ومن كل دولة، وجعلنا تجمُّعكم في أرض فلسطين؛ ليتحقَّقَ ما ذُكِرَ في أول هذه السورة عند إفسادكم الأول؛ وهو قوله تعالى: ﴿لِيَسُـُٔواْ وُجُوهَكُمۡ وَلِيَدۡخُلُواْ ٱلۡمَسۡجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٖ وَلِيُتَبِّرُواْ مَا عَلَوۡاْ تَتۡبِيرًا﴾؛ وعلى هذا: فالذي يُدَمَّرُ هو العمائر والمباني الشاهقة، أما المسجد الأقصى، فاليهودُ لم يَعْمُرُوه. أما القولُ الثاني في تفسير قوله تعالى: ﴿فَإِذَا جَآءَ وَعۡدُ ٱلۡأٓخِرَةِ جِئۡنَا بِكُمۡ لَفِيفٗا﴾، أي: إذا جاء يوم القيامة، فإنه يجيءُ بكم سبحانه وتعالى جميعًا إلى مَوْقِفِ الحساب، ثم يحكُمُ بينكم بحكمه العادل.

[105] ﴿وَبِٱلۡحَقِّ أَنزَلۡنَٰهُ وَبِٱلۡحَقِّ نَزَلَۗ وَمَآ أَرۡسَلۡنَٰكَ إِلَّا مُبَشِّرٗا وَنَذِيرٗا 105﴾:

واعلم -أيها النبي- أن هذا القرآن الذي بين يدَيْكَ أنزله الله بالحق، أي: أنَّ أخباره صِدْقٌ، وأحكامه عدلٌ، ونزَلَ مشتملًا على كل ما هو حق، ولم يقع فيه تبديلٌ أو تغيير، ثم اعلم -أيها الرسول- أن الله ما أرسلك إلا مبشِّرًا من أطاع الله بالثواب، ومنذِرًا من عصاه وكفر به بالعقاب.

[106] ﴿وَقُرۡءَانٗا فَرَقۡنَٰهُ لِتَقۡرَأَهُۥ عَلَى ٱلنَّاسِ عَلَىٰ مُكۡثٖ وَنَزَّلۡنَٰهُ تَنزِيلٗا 106﴾:

واعلم -أيها النبي- أيضًا أن هذا القرآن الذي بين يديك أنزله الله مفصِّلًا فيه الأوامر والنواهي، وفارقًا به بين الحق والباطل، والهدى والضلال؛ لكي تقرأه على الناس في تُؤَدةٍ وتمهُّل لتستوعب معانيه، وأنزله الله عليك شيئًا فشيئًا على حسَبِ الوقائع والأحوال وما تقتضيه الظروف والحكم.

[107] ﴿قُلۡ ءَامِنُواْ بِهِۦٓ أَوۡ لَا تُؤۡمِنُوٓاْۚ إِنَّ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلۡعِلۡمَ مِن قَبۡلِهِۦٓ إِذَا يُتۡلَىٰ عَلَيۡهِمۡ يَخِرُّونَۤ لِلۡأَذۡقَانِۤ سُجَّدٗاۤ 107﴾:

وقل -أيها النبي- لهؤلاء المشركين: سواءٌ آمنتم بهذا القرآن أم لم تؤمنوا به؛ فإن نفع ذلك وضرره راجعٌ عليكم، وإن العلماء الذين أوتوا علم الكتُبُ المنزَّلة على الرسل قبل القرآن؛ كعبد الله بن سلَامَ، وعرفوا حقيقة الوحي، إذا قرئ عليهم القرآن، خشَعُوا وسجَدُوا لله على الأرض؛ لأنهم علموا أنه من عند الله.

[108] ﴿وَيَقُولُونَ سُبۡحَٰنَ رَبِّنَآ إِن كَانَ وَعۡدُ رَبِّنَا لَمَفۡعُولٗا 108﴾:

ثم قال سبحانه: وهؤلاء الذين أوتوا علم الكُتُب السابقة، إذا سمعوا القرآن، قالوا: ننزِّهُ ربَّنا ونبرِّئه مما وصفه به الجاهلون، وإنَّ وعد الله بنصر المؤمنين في الدنيا، والبعثِ بعد الموت، ومحاسَبةِ الناس على أعمالهم، واقعٌ لا محالة.

[109] ﴿وَيَخِرُّونَ لِلۡأَذۡقَانِ يَبۡكُونَ وَيَزِيدُهُمۡ خُشُوعٗا 109﴾:

ثم كرَّر جل وعلا مدحه لهؤلاء، فقال: ويقعون على وجوههم ساجدين لله، باكين من تأثرهم بالقرآن، ويزيدهم سماع القرآن ومواعظِهِ خشوعًا وخضوعًا لعظمة الله وقدرته.

[110] ﴿قُلِ ٱدۡعُواْ ٱللَّهَ أَوِ ٱدۡعُواْ ٱلرَّحۡمَٰنَۖ أَيّٗا مَّا تَدۡعُواْ فَلَهُ ٱلۡأَسۡمَآءُ ٱلۡحُسۡنَىٰۚ وَلَا تَجۡهَرۡ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتۡ بِهَا وَٱبۡتَغِ بَيۡنَ ذَٰلِكَ سَبِيلٗا 110﴾:

وقل -أيها النبي- للمشركين الذين أنكروا عليك الدعاء بقولك: يا ألله، يا رحمن، قل لهم: ادعوا الله أو ادعوا الرحمن، فبأي واحد منهما دعوتم، فإنكم تدعون ربًّا واحدًا؛ لأنهما اسمان لمسمَّى واحدٍ، وهو الله، ولأن أسماء الله جامعة لكل المحاسن، ولا تجهر -أيها النبي- بالقراءة في صلاتك؛ فيَسْمَعَكَ المشركون؛ فيسبوا القرآن، ولا تُسِرَّ بها؛ فلا يَسْمَعَكَ من يكون خلفك من أصحابك، وكن وسطًا بين الجهر والمخافتة.

[111] ﴿وَقُلِ ٱلۡحَمۡدُ لِلَّهِ ٱلَّذِي لَمۡ يَتَّخِذۡ وَلَدٗا وَلَمۡ يَكُن لَّهُۥ شَرِيكٞ فِي ٱلۡمُلۡكِ وَلَمۡ يَكُن لَّهُۥ وَلِيّٞ مِّنَ ٱلذُّلِّۖ وَكَبِّرۡهُ تَكۡبِيرَۢا 111﴾:

ثم ختَمَ جل وعلا السورة بأمر النبي ﷺ أن يقول: الحمد لله الذي له الكمال والثناء، والذي تنزَّه عن الولد، ولم يكنْ له شريك يشارِكُهُ في الملك، ولم يتولَّ أحدًا من خلقه ليعاونه ويَدْفَعَ عنه ضرًّا أو يَجْلِبَ له نفعًا؛ فإنه الغني الحميد الذي لا يحتاج إلى أحد من خلقه، وهم الفقراء المحتاجون إليه، وقد أنعَمَ علينا بأن جعلنا نعبد ربًّا واحدًا؛ فله الحمد أولًا وآخرًا، وعَظِّمْ -أيها النبي- ربك تعظيمًا تامًّا؛ بالثناء عليه، وعبادته وحده لا شريك له، وإخلاص الدين كله له. وهذه الآية تسمَّى: (آيةَ العِزّ).

سورة الكهف

سورةُ الكهف مكيَّةٌ، وآياتها عشرٌ ومائة آية، وقد وردت أحاديث كثيرة في فضلها؛ فعن أبي الدرداء رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال: «مَنْ حَفِظَ عَشْرَ آيَاتٍ مِنْ أَوَّلِ سُورَةِ الْكَهْفِ، عُصِمَ مِنَ الدَّجَّالِ»[1]. [1] أخرجه مسلم (809).

وعن أبي سعيد الخُدْري رضي الله عنه؛ أن النبي ﷺقال: «مَنْ قَرَأَ سُورَةَ الْكَهْفِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، أَضَاءَ لَهُ مِنَ النُّورِ مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْبَيْتِ الْعَتِيقِ»، وفي رواية: «أَضَاءَ لَهُ مِنَ النُّورِ مَا بَيْنَ الْجُمُعَتَيْنِ»[2]. [2] أخرجه البيهقي في شعب الإيمان (2220)، والحاكم في المستدرك (3392)، وصححه الحاكم، والألباني في صحيح الجامع (6470).

[1] ﴿ٱلۡحَمۡدُ لِلَّهِ ٱلَّذِيٓ أَنزَلَ عَلَىٰ عَبۡدِهِ ٱلۡكِتَٰبَ وَلَمۡ يَجۡعَل لَّهُۥ عِوَجَاۜ 1﴾:

بدأت السورة بالحمد والثناء والشكر لله الذي خَصَّ برسالته عبده ونبيه محمدًا ﷺ الذي استوفى مقام العبوديَّة، وتفضَّل بأن أنزل عليه هذا الكتاب العظيم، وهو القرآن، الذي ليس به ميل وانحراف عن الحق والعدل والصدق؛ بل جعله مستقيمًا في ألفاظه ومعانيه، لا اعوجاج في شيء مما احتواه، وهو مهيمنٌ على الكتب السماوية، وحاوٍ لجميع ما فيها من المحاسن.

[2] ﴿قَيِّمٗا لِّيُنذِرَ بَأۡسٗا شَدِيدٗا مِّن لَّدُنۡهُ وَيُبَشِّرَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ ٱلَّذِينَ يَعۡمَلُونَ ٱلصَّٰلِحَٰتِ أَنَّ لَهُمۡ أَجۡرًا حَسَنٗا 2﴾:

أخبَرَ جل وعلا أنه جعل هذا القرآن مستقيمًا لا تعارُضَ ولا اختلافَ فيه أبدًا، بل هو محكَمُ الآيات، وحاوٍ لمصالح الدنيا والآخرة، وهو كتابٌ مستقيمٌ معتدِلٌ لا إفراط فيه ولا تفريط، وقد أنزله الله لِيُنذِرَ العباد من عذابه الشديد يوم القيامة، ويبشِّر من آمن به وبرُسُله وكتبه ويعملون الأعمال الصالحة: أن لهم أجرًا عظيمًا وثوابًا جزيلًا في جنات النعيم.

[3] ﴿مَّٰكِثِينَ فِيهِ أَبَدٗا 3﴾:

ثم بيَّن سبحانه أن هذا الأجر العظيم والثواب الجزيل، وهو الجنة، خالدون فيه أَبَدَ الآبدين، لا يزول عنهم ولا ينقضي أبدًا.

[4] ﴿وَيُنذِرَ ٱلَّذِينَ قَالُواْ ٱتَّخَذَ ٱللَّهُ وَلَدٗا 4﴾:

ثم أخبَرَ جل وعلا أنه يُنذِرُ بهذا القرآن: اليهودَ الذين قالوا: عُزَيْرٌ ابنُ الله، والنصارى الذين قالوا: عيسى ابنُ الله، وبعضَ مشركي العرب: الذين قالوا: الملائكةُ بناتُ الله.

[5] ﴿مَّا لَهُم بِهِۦ مِنۡ عِلۡمٖ وَلَا لِأٓبَآئِهِمۡۚ كَبُرَتۡ كَلِمَةٗ تَخۡرُجُ مِنۡ أَفۡوَٰهِهِمۡۚ إِن يَقُولُونَ إِلَّا كَذِبٗا 5﴾:

ثم أخبَرَ سبحانه أن أصحاب هذه المقولة الكفرية الشنيعة، ليس لهم ولا لآبائهم الذين قلَّدوهم علم ولا يقين ولا دليل فيما قالوا، ثم ذمَّهم سبحانه ذمًّا شديدًا، فقال: لقد عَظُمَتْ وقَبُحَتْ هذه الكلمة التي تجرَّؤوا على التفوُّه بها، وإنَّ زعمهم هذا لضلالٌ وكذب صريح.

[6] ﴿فَلَعَلَّكَ بَٰخِعٞ نَّفۡسَكَ عَلَىٰٓ ءَاثَٰرِهِمۡ إِن لَّمۡ يُؤۡمِنُواْ بِهَٰذَا ٱلۡحَدِيثِ أَسَفًا 6﴾:

وبعد أن ذكَرَ جل وعلا احتواء هذا الكتاب على البشارة للمؤمنين، والنذارة للعصاة المجرمين، وما يستحقُّه كلٌّ منهما في الآخرة، قال لنبيه المتفاني في إبلاغ الدعوة، المتألِّم الحزين على نفور المعاندين الكَفَرة: فلعلك -أيها النبي- مُهْلِكٌ نفسك غمًّا وأسفًا وحزنًا على عدم إيمان المعرِضين عن القرآن، وعدم استجابتهم للذِّكْرِ والهدى، ومحاربتِهم للدعوة؛ كما قال تعالى: ﴿فَلَا تَذۡهَبۡ نَفۡسُكَ عَلَيۡهِمۡ حَسَرَٰتٍۚ ﴾ [فاطر:٨]. وهذه شهادة من الله أن نبيه ﷺ بذَلَ كل جهده في تبليغ رسالة ربه، وأن الله سبحانه طلَبَ منه الرِّفْقَ بنفسه.

[7] ﴿إِنَّا جَعَلۡنَا مَا عَلَى ٱلۡأَرۡضِ زِينَةٗ لَّهَا لِنَبۡلُوَهُمۡ أَيُّهُمۡ أَحۡسَنُ عَمَلٗا 7﴾:

أخبَرَ جل وعلا أن كل ما جُعِلَ على الأرض من زينةٍ ومغرِياتٍ ونعمٍ وأمتعةٍ إنما جعله ابتلاءً واختبارًا؛ ليختار عباده الصالحون الحسَنَ فيعملوه، وينساق المجرمون حسَبَ شهواتهم وما تزيِّن لهم أنفسهم ويزيِّن لهم الشيطان؛ وبهذا يَبِينُ الخبيث من الطيب، ثم إن مصير ذلك كله للزوال: ﴿وَٱلۡأٓخِرَةُ عِندَ رَبِّكَ لِلۡمُتَّقِينَ﴾ [الزخرف:35]، ثم يجزي سبحانه كلًّا بما يستحِقُّ إنْ خيرًا فخير، وإنْ شرًّا فشرّ. ومن هذه الآية يتبيَّن أن العبرة بحُسْنِ العمل، لا بكَثْرته.

[8] ﴿وَإِنَّا لَجَٰعِلُونَ مَا عَلَيۡهَا صَعِيدٗا جُرُزًا 8﴾:

ثم أخبَرَ سبحانه أنه بأمر منه سوف يجعل ما على الأرض من أموال وزروع عند انتهاء الدنيا خرابًا وترابًا، لا نبات فيه ولا زِينة.

[9] ﴿أَمۡ حَسِبۡتَ أَنَّ أَصۡحَٰبَ ٱلۡكَهۡفِ وَٱلرَّقِيمِ كَانُواْ مِنۡ ءَايَٰتِنَا عَجَبًا 9﴾:

ثم شرَعَ جل وعلا في ذكر قصة أصحاب الكهف الذين سُمِّيَتِ السورة باسمهم، وهم شبابٌ صالحون، هربوا بإيمانهم خوفًا من أن يُفْتَنوا في دينهم، والخطاب في هذه الآية موجَّهٌ للنبي ﷺ، والمقصود به أمته، والمعنى: لا تظُنَّ -أيها النبي- أن قصةَ أصحابِ الكهفِ واللَّوْحِ الذي كتبت فيه أسماءُ الفتية، وبقائهم أحياء هذا الزمن الطويل، من الأمور المستغربة والعجيبة على قدرة الله، الفَعَّالِ لما يشاء جل في علاه؛ فهي عجَبٌ بالنسبة لأنها خارقة لما عُرِفَ من حياة البشر، لكنَّ الله تعالى على كل شيءٍ قدير، والذين سألوا عن أصحاب الكهف هم كفَّار مكة بطلب من يهود المدينة. والكهفُ هو غارٌ في جبل بعيد عن طريق الناس، هداهم الله إليه للاختفاء به؛ لتكون قصتهم عبرة للمعتبرين. وقد جاء في تفسير (الرَّقِيمِ) أقوال عدة أقربها ما ذكرنا: أنه لَوْحٌ كان معهم، مرقومةٌ فيه أسماؤهم، أي: مكتوبةٌ فيه أسماؤهم.

[10] ﴿إِذۡ أَوَى ٱلۡفِتۡيَةُ إِلَى ٱلۡكَهۡفِ فَقَالُواْ رَبَّنَآ ءَاتِنَا مِن لَّدُنكَ رَحۡمَةٗ وَهَيِّئۡ لَنَا مِنۡ أَمۡرِنَا رَشَدٗا 10﴾:

ثم أخبَرَ سبحانه أن هؤلاء الفتية وهم أصحاب الكهف، لمَّا دخلوا إلى الكهف، قالوا: يا ربَّنا، أعطنا من عندك رحمةً تثبِّتنا بها على الإيمان، وتحفظنا بها من المجرمين ومن الشرور، ووفِّقنا يا ربنا لطريق الخير والاستقامة؛ فاستجاب لهم جل وعلا وأخفاهم عن الظَّلَمةِ وأَرَاحَهم بهذه الرَّقْدة من الهم وخوف المطاردة.

[11] ﴿فَضَرَبۡنَا عَلَىٰٓ ءَاذَانِهِمۡ فِي ٱلۡكَهۡفِ سِنِينَ عَدَدٗا 11﴾:

ثم أخبَرَ جل وعلا أنه غطَّى طَبْلَة أُذُنِ كل واحد من هؤلاء الفتية؛ لئلا يسمعوا أي صوت؛ لأن النومَ المعتادَ يُسمع صاحبه الأصوات العالية فيستيقظ، أما هؤلاء، فرحمهم الله فضرَبَ على آذانهم، أي: جعلهم لا يسمعون الأصوات مهما كانت عالية؛ لذا بَقُوا هذه السنين الطويلة وهم رقود.

[12] ﴿ثُمَّ بَعَثۡنَٰهُمۡ لِنَعۡلَمَ أَيُّ ٱلۡحِزۡبَيۡنِ أَحۡصَىٰ لِمَا لَبِثُوٓاْ أَمَدٗا 12﴾:

ثم أخبَرَ سبحانه أنه أيقَظَ هؤلاء الفتية من نومهم؛ لِيُظهِرَ ويبيِّنَ للعالَمين: أيُّ الفريقين المختلفين أعرفُ بمدَّة لُبْثهم في الكهف؟!

[13] ﴿نَّحۡنُ نَقُصُّ عَلَيۡكَ نَبَأَهُم بِٱلۡحَقِّۚ إِنَّهُمۡ فِتۡيَةٌ ءَامَنُواْ بِرَبِّهِمۡ وَزِدۡنَٰهُمۡ هُدٗى 13﴾:

واعلم -أيها النبي- أن الله يقص عليك خبَرَ هؤلاء الفتية بالصِّدْقِ الذي لا كذب فيه، بأنهم فتيةٌ، أي: شبابٌ صغار السن، قليلٌ عددهم، آمنوا بالله وبتوحيده، فزادهم الله هُدًى وصلاحًا، ويسَّر لهم العلم النافع والعمل الصالح.

[14] ﴿وَرَبَطۡنَا عَلَىٰ قُلُوبِهِمۡ إِذۡ قَامُواْ فَقَالُواْ رَبُّنَا رَبُّ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ لَن نَّدۡعُوَاْ مِن دُونِهِۦٓ إِلَٰهٗاۖ لَّقَدۡ قُلۡنَآ إِذٗا شَطَطًا 14﴾:

ثم بيَّن جل شأنه أنه ثبَّتهم وقوَّى عزائمهم لما قاموا للصدع بالحق والتوحيد قائلين للمَلِكِ دَقياس الذي ألزم قومه بعبادة الطواغيت: اعلم -أيها الملك- أن ربنا الذي نعبده ولا نشرك به شيئًا، هو رب السموات والأرض الذي خلق الخلق، وأمرهم بتوحيده؛ فله الخلق والأمر، ونحن لن نعبد غيره ولن نشرك به شيئًا؛ فإنا إنْ فعلنا غير ذلك، فقد ملنا ميلًا عظيمًا عن الحق، وقلنا قولًا باطلًا في غاية البطلان والبهتان والضلال.

[15] ﴿هَٰٓؤُلَآءِ قَوۡمُنَا ٱتَّخَذُواْ مِن دُونِهِۦٓ ءَالِهَةٗۖ لَّوۡلَا يَأۡتُونَ عَلَيۡهِم بِسُلۡطَٰنِۭ بَيِّنٖۖ فَمَنۡ أَظۡلَمُ مِمَّنِ ٱفۡتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ كَذِبٗا 15﴾:

ثم قالوا لبعضهم البعض: إن قومنا هؤلاء الذين عبدوا غير الله وأشركوا به؛ هل عندهم دليلٌ بيِّن واضح يؤيِّد زعمهم؟ وعليهم أن يعلموا أنه لا أحدَ أشدُّ ظلمًا ممن يختلق على الله الأكاذيب بأن يُشرِكَ به ما ليس له به علم، وبأن يدعُوَ غيره معه.

[16] ﴿وَإِذِ ٱعۡتَزَلۡتُمُوهُمۡ وَمَا يَعۡبُدُونَ إِلَّا ٱللَّهَ فَأۡوُۥٓاْ إِلَى ٱلۡكَهۡفِ يَنشُرۡ لَكُمۡ رَبُّكُم مِّن رَّحۡمَتِهِۦ وَيُهَيِّئۡ لَكُم مِّنۡ أَمۡرِكُم مِّرۡفَقٗا 16﴾:

ثم قال الفتية بعضهم لبعض: بما أنكم فارقتم قومكم في عبادتهم الأصنام، وخالفتموهم في دينهم؛ فابتعِدُوا عنهم فرارًا بدينكم، واذهبوا إلى الكهف، واجعلوه مَقَرًّا لكم تعبدون الله فيه، عسى الله أن يهيِّئ لكم مخرجًا، ويجعل لكم فرجًا، وييسِّر لكم ما يُصلِحُ شأنكم من طعام وشراب، وأمن وأمان.

[17] ﴿وَتَرَى ٱلشَّمۡسَ إِذَا طَلَعَت تَّزَٰوَرُ عَن كَهۡفِهِمۡ ذَاتَ ٱلۡيَمِينِ وَإِذَا غَرَبَت تَّقۡرِضُهُمۡ ذَاتَ ٱلشِّمَالِ وَهُمۡ فِي فَجۡوَةٖ مِّنۡهُۚ ذَٰلِكَ مِنۡ ءَايَٰتِ ٱللَّهِۗ مَن يَهۡدِ ٱللَّهُ فَهُوَ ٱلۡمُهۡتَدِۖ وَمَن يُضۡلِلۡ فَلَن تَجِدَ لَهُۥ وَلِيّٗا مُّرۡشِدٗا 17﴾:

ومن رحمة الله بأصحاب الكهف: أنْ جعل الشمس تَمُرُّ عن كهفهم صباحًا يمينًا، ومساءً شمالًا، ولا تقتحمه؛ إذْ لو غشيتهم، لتعفَّنَتْ أجسامهم، وهم في مكان واسع من الغار، فلا يتأذَّوْنَ من حرارة الشمس، ولا ينقطع عنهم الهواء والنسيم، واعلموا أن ما فعلناه وسخَّرناه لأصحاب الكهف، إنما هو دليلٌ على قدرة الله ورحمته وهدايته؛ فإنَّ من يهده الله، فهو المهتدي؛ لأنه لا سبيل إلى نيل الهداية إلا مِنَ الله، وإن من يُضِلَّهُ الله، فلن تجد من يتولَّى أمره، ولا من يدبِّر شؤونه، ولا من يرشده إلى الخير والفلاح؛ لأن الله حكَمَ عليه بالضلال، ولا رادَّ لحكمه جل وعلا.

[18] ﴿وَتَحۡسَبُهُمۡ أَيۡقَاظٗا وَهُمۡ رُقُودٞۚ وَنُقَلِّبُهُمۡ ذَاتَ ٱلۡيَمِينِ وَذَاتَ ٱلشِّمَالِۖ وَكَلۡبُهُم بَٰسِطٞ ذِرَاعَيۡهِ بِٱلۡوَصِيدِۚ لَوِ ٱطَّلَعۡتَ عَلَيۡهِمۡ لَوَلَّيۡتَ مِنۡهُمۡ فِرَارٗا وَلَمُلِئۡتَ مِنۡهُمۡ رُعۡبٗا 18﴾:

أخبَرَ جل وعلا أن من ينظُرْ إلى أصحاب الكهف يظُنَّ أنهم أيقاظ، وهم في حقيقة الأمر نيام، ثم إن من رحمة الله بهم: أنْ جعَلَ أعينهم مغمَضة، وجعلهم يتقلَّبون من جنب إلى جنب ما بين وقت وآخر؛ لئلا تأكل الأرض أجسامهم، وتقلُّبُهم إما بأيدي ملائكةٍ مكلَّفين بذلك، أو بأمرٍ من الله غير ذلك. قال أبو هريرة رضي الله عنه: (تقليبتان في السنة)، وقال ابن عباس رضي الله عنه: (قلبةٌ واحدةٌ في يوم عاشوراء).

والمعروفُ في المستشفيات: أن الذين لا يستطيعون أن يقلِّبُوا أنفسهم يجب أن يقلَّبُوا في الأسبوع مرةً أو أكثر؛ لأن الجنب الملاصق للأرض أو للسرير إذا استمَرَّ فإنه يلتهب، ثم يَحْمَرُّ، ثم ينسلخ، أي: يذوب، وكلمة ﴿وَنُقَلِّبُهُمۡ﴾ تعني: التتابع؛ لذلك: فالأحرى أن التقليب ليس مرة أو مرتين في السنة؛ بل هو أكثر من ذلك.

ثم إن هؤلاء الفتية كان معهم كَلْبٌ مصاحب لهم، وقد أصابه ما أصابهم من النوم الطويل، وكان قد مَدَّ ذراعَيْهِ خارج الغار لحراسته؛ فإذا أبصَرَ أحدٌ من الناس هؤلاء الفتية، ونظر إليهم، ولَّى هاربًا مما يصيبه من الرعب والخوف؛ وهذا من حماية الله وحفظه لهم.

[19] ﴿وَكَذَٰلِكَ بَعَثۡنَٰهُمۡ لِيَتَسَآءَلُواْ بَيۡنَهُمۡۚ قَالَ قَآئِلٞ مِّنۡهُمۡ كَمۡ لَبِثۡتُمۡۖ قَالُواْ لَبِثۡنَا يَوۡمًا أَوۡ بَعۡضَ يَوۡمٖۚ قَالُواْ رَبُّكُمۡ أَعۡلَمُ بِمَا لَبِثۡتُمۡ فَٱبۡعَثُوٓاْ أَحَدَكُم بِوَرِقِكُمۡ هَٰذِهِۦٓ إِلَى ٱلۡمَدِينَةِ فَلۡيَنظُرۡ أَيُّهَآ أَزۡكَىٰ طَعَامٗا فَلۡيَأۡتِكُم بِرِزۡقٖ مِّنۡهُ وَلۡيَتَلَطَّفۡ وَلَا يُشۡعِرَنَّ بِكُمۡ أَحَدًا 19﴾:

ثم أخبَرَ جل شأنه أنه كما حَفِظَ أهلَ الكهف كلَّ هذه المدة الطويلة، فإنه سبحانه أيقظهم من نومهم، وهم على هيئتهم دون أن يظهر عليهم أي تغيير، ولما استيقظوا، تساءلوا عن زمن نومهم، فقال بعضهم: لَبِثْنا يومًا أو بعض يوم، وقال بعضهم: فوِّضوا الأمر لله؛ فهو أعلم بالمدة التي بَقِيناها، ثم أرسلوا أحدهم وأعطَوْهُ بعض الدراهم المضروبة من الفضة؛ ليأتي لهم بطعام من البلد التي هي أقرب بلد لغارهم، وطلبوا منه أن يتخيَّر لهم الطعام الطيب الجيد الذي يسُدُّ جوعهم، وأمروه بالتخفِّي والتحرُّز أثناء الشراء حتى لا يعرفه أحد من الناس؛ لئلا يُكشَفَ أمرهم.

والمتتبع لقصة أصحاب الكهف يرى أن رحمة الله جل وعلا بهم كبيرة وكثيرة؛ حيث إنه حماهم بالرعب من أن يُكتَشَفوا، وحماهم من الأرض أن تأكُلَ أجسامهم، وحماهم من أن تتعفَّن؛ إذْ جعل الشمس تتزاور عنهم في المساء وفي الصباح، وحماهم من الروائح الكريهة؛ إذْ جعل الهواء والنسيم يدخُلُ الغار ويخرُجُ، وأبقى أجسامهم كما هي من غير تغذية، ثم أكرمهم بأنْ جعلهم آيةً على قدرته، وعبرةً للمعتبرين، واستجاب لطلبهم ودعائهم: ﴿رَبَّنَآ ءَاتِنَا مِن لَّدُنكَ رَحۡمَةٗ وَهَيِّئۡ لَنَا مِنۡ أَمۡرِنَا رَشَدٗا﴾، ثم انتصر رسوخُ الإيمان في صدورهم.

وقوله: ﴿وَلۡيَتَلَطَّفۡ﴾ قال بعض المفسِّرين: إن اللام الساكنة هي نهاية النصف الأول من القرآن، والياء هي بداية النصف الثاني؛ وهذا بناء على عدد حروف القرآن، والله أعلم.

[20] ﴿إِنَّهُمۡ إِن يَظۡهَرُواْ عَلَيۡكُمۡ يَرۡجُمُوكُمۡ أَوۡ يُعِيدُوكُمۡ فِي مِلَّتِهِمۡ وَلَن تُفۡلِحُوٓاْ إِذًا أَبَدٗا 20﴾:

وأخبَرَوا صاحبهم الذي أرسلوه ليشتري لهم الطعام: بأن يكون على حذر؛ فإن الكفرة إذا أمسكوا بنا، فسوف يقتلوننا؛ وحينئذ سنكون شهداء، أو يلزموننا بالكفر؛ وحينئذ لن نفوز بالجنة التي كانت مرادًا ومَطْلَبًا لنا؛ فنَخْسَرُ الخسارة العظمى؛ وهكذا إذا رسخ الإيمان في القلوب، فإنه يصنع الأبطال.

[21] ﴿وَكَذَٰلِكَ أَعۡثَرۡنَا عَلَيۡهِمۡ لِيَعۡلَمُوٓاْ أَنَّ وَعۡدَ ٱللَّهِ حَقّٞ وَأَنَّ ٱلسَّاعَةَ لَا رَيۡبَ فِيهَآ إِذۡ يَتَنَٰزَعُونَ بَيۡنَهُمۡ أَمۡرَهُمۡۖ فَقَالُواْ ٱبۡنُواْ عَلَيۡهِم بُنۡيَٰنٗاۖ رَّبُّهُمۡ أَعۡلَمُ بِهِمۡۚ قَالَ ٱلَّذِينَ غَلَبُواْ عَلَىٰٓ أَمۡرِهِمۡ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيۡهِم مَّسۡجِدٗا 21﴾:

ثم إن الله أَذِنَ بانكشاف أمرهم والعثور عليهم؛ حيث كشَفَهم البائع من خلال النقود القديمة التي جاء بها المشتري؛ وهذا من حكمة الله؛ حتى يتيقَّن المنكرون للبعث من قومهم بأنَّ الله قادر على أن يبعث الناس بعد موتهم، وبأن وعده حق بأن الساعة قائمة ولا شكَّ في ذلك، وبعد أن ظهَرَ أمرهم، أماتهم الله، ثم اختلفوا في قضيَّة دَفْنهم أين يدفنونهم؟ فقال بعضهم: ابنوا على باب الكهف جدارًا، فالله أعلم بأمرهم، ولكنْ تغلَّب القائلون: بأن يُبْنَى عليهم مسجدٌ. وقد نهى النبي ﷺ عن اتخاذ قبور الأنبياء والصالحين مساجِدَ، وقد لعَنَ من فعل ذلك، بل نهى ﷺ عن البناء على القبور مطلقًا، ونهى عن تجصيصِها، والكتابةِ عليها؛ لأن ذلك من الغلو الذي قد يؤدِّي إلى عبادة مَنْ فيها.

[22] ﴿سَيَقُولُونَ ثَلَٰثَةٞ رَّابِعُهُمۡ كَلۡبُهُمۡ وَيَقُولُونَ خَمۡسَةٞ سَادِسُهُمۡ كَلۡبُهُمۡ رَجۡمَۢا بِٱلۡغَيۡبِۖ وَيَقُولُونَ سَبۡعَةٞ وَثَامِنُهُمۡ كَلۡبُهُمۡۚ قُل رَّبِّيٓ أَعۡلَمُ بِعِدَّتِهِم مَّا يَعۡلَمُهُمۡ إِلَّا قَلِيلٞۗ فَلَا تُمَارِ فِيهِمۡ إِلَّا مِرَآءٗ ظَٰهِرٗا وَلَا تَسۡتَفۡتِ فِيهِم مِّنۡهُمۡ أَحَدٗا 22﴾:

وبعد أن مرَّت عدة أعوام، تنازع أهل الكتاب في عددهم، فقال اليهود: ثلاثةٌ رابعهم كلبهم، وقالت النصارى: خمسةٌ سادسهم كلبهم، وقال آخرون: سبعةٌ ثامنهم كلبهم، فقل لهم -أيها النبي-: إن الله هو الذي يعلم عددهم، وما يعلم عددهم إلا قليل من الناس من أهل العلم؛ قال ابن عباس رضي الله عنه في قوله: ﴿مَّا يَعۡلَمُهُمۡ إِلَّا قَلِيلٞۗ ﴾: (أنا مِنَ القليلِ، هم سبعةٌ وثامِنُهُمْ كلبُهُمْ)[3] ، ثم أمَرَ سبحانه نبيه ﷺ ألا يجادل أهل الكتاب في عددهم إلا جدالًا ظاهرًا يسيرًا لا عُمْقَ فيه، وألا يسألهم عن أصحاب الكهف وعن عددهم؛ فإنهم يجهلون ذلك، ولا علم عندهم بهم. [3] ينظر: تفسير الطبري (15/220)، وزاد المسير (3/74)، وابن كثير (5/148).

[23] ﴿وَلَا تَقُولَنَّ لِشَاْيۡءٍ إِنِّي فَاعِلٞ ذَٰلِكَ غَدًا 23﴾:

ولما سألت قريش النبي ﷺ عن أهل الكهف، وعن الرُّوحِ، وعن الذي قال: (أنَّى يحيي الله هذه القرية؟!)، وهذا السؤال أحضره اليهود لقريش لإعجازه ﷺ، فقال لهم: سأُخْبِرُكم بالجواب، ولم يقل: إن شاء الله؛ فانقطع الوحي عن النبي ﷺ فترةً، ثم أتاه الجواب والعتاب، فقال الله له: ولا تقل -أيها النبي- لشيء تريد فعله في المستقبل: إني سأفعله غدًا جازمًا بذلك.

[24] ﴿إِلَّآ أَن يَشَآءَ ٱللَّهُۚ وَٱذۡكُر رَّبَّكَ إِذَا نَسِيتَ وَقُلۡ عَسَىٰٓ أَن يَهۡدِيَنِ رَبِّي لِأَقۡرَبَ مِنۡ هَٰذَا رَشَدٗا 24﴾:

ثم أرشَدَهُ عزوجل إلى الطريقة الصحيحة فيما إذا عزَمَ على شيء يريد فعله في المستقبل: بأن يَرُدَّ ذلك إلى مشيئة الله تعالى، فيقول: إن شاء الله، ثم أمَرَهُ جل جلاله أن يذكُرَ الله إنْ نَسِيَ أو سها عن قول: إن شاء الله؛ فإنَّ ذكر الله يذكِّر العبد، ويوقظه من الغفلة، وبعد ذلك أمَرَهُ جل وعلا أن يقول: عسى ربي أن يَدُلَّني ويبصِّرني بأقرب الطرق الموصِّلة إليه، الدالَّة عليه.

[25] ﴿وَلَبِثُواْ فِي كَهۡفِهِمۡ ثَلَٰثَ مِاْئَةٖ سِنِينَ وَٱزۡدَادُواْ تِسۡعٗا 25﴾:

أخبَرَ جل وعلا أن أصحاب الكهف مكثوا في نومهم: ثلاثمائة سنةٍ، وهذا بالحساب الشمسي، وهي بالحساب القَمَري: ثلاثمائة وتسعٌ، أي: مكثوا ثلاثمائة وتسع سنين قمرية.

[26] ﴿قُلِ ٱللَّهُ أَعۡلَمُ بِمَا لَبِثُواْۖ لَهُۥ غَيۡبُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۖ أَبۡصِرۡ بِهِۦ وَأَسۡمِعۡۚ مَا لَهُم مِّن دُونِهِۦ مِن وَلِيّٖ وَلَا يُشۡرِكُ فِي حُكۡمِهِۦٓ أَحَدٗا 26﴾:

وقل -أيها النبي-: إن الله جل في علاه -يعلم على وجه اليقين- عدَدَ ما لَبِثَ أهل الكهف فيه، وكيف لَبِثوا فيه، وهو سبحانه له علمُ ما غاب عن الناس في السموات والأرض، وله الكمالُ في البصر والسمع، والإحاطةُ بكل شيء، وهو الذي بقدرته أبقاهم هذه السنين، من غير أن تتغيَّر أجسامهم وملابسهم، ثم أخبَرَ سبحانه أنه ليس لأهل السموات والأرض من دون الله من ناصر، ولا يشاركه أحدٌ في ملكِهِ ولا في خلقِهِ وأمرِهِ سبحانه جل في علاه.

[27] ﴿وَٱتۡلُ مَآ أُوحِيَ إِلَيۡكَ مِن كِتَابِ رَبِّكَۖ لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَٰتِهِۦ وَلَن تَجِدَ مِن دُونِهِۦ مُلۡتَحَدٗا 27﴾:

واتل -أيها النبي- ما أوحاه الله إليك من القرآن لفهمه وامتثال أوامره؛ وهذا دليل على أن التلاوة نفسها عبادةٌ وقُرْبةٌ إلى الله تعالى، واعلم أنه محفوظ عن التغيير أو التبديل، أو الزيادة أو النقصان، وهذا لا يعني أنه لا يمكن للمضلِّلين أن يفتروا أو يزيدوا أو ينقصوا؛ ولكنْ معناه: أنه محفوظٌ في الصدور والسطور: في صدور الحَفَظة، وفي مصاحف كثيرة في كل بلدان العالم الإسلامي؛ فلو غيَّر أو زاد أو نقص فيه أحد، فإنه يُكتشَفُ أمره، ثم يُحرَقُ كلُّ جهده، ومهما بالَغْتَ وبذَلْتَ كل الجهد، فلن تجد من دون الله ملتحَدًا، أي: لن تجد من تلجأ إليه في أمورك كلها غير الله.

[28] ﴿وَٱصۡبِرۡ نَفۡسَكَ مَعَ ٱلَّذِينَ يَدۡعُونَ رَبَّهُم بِٱلۡغَدَوٰةِ وَٱلۡعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجۡهَهُۥۖ وَلَا تَعۡدُ عَيۡنَاكَ عَنۡهُمۡ تُرِيدُ زِينَةَ ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَاۖ وَلَا تُطِعۡ مَنۡ أَغۡفَلۡنَا قَلۡبَهُۥ عَن ذِكۡرِنَا وَٱتَّبَعَ هَوَىٰهُ وَكَانَ أَمۡرُهُۥ فُرُطٗا 28﴾:

أمَرَ جل وعلا نبيه ﷺ بالصبر على أصحابه من فقراء المؤمنين الذين يعبُدُونَ الله وحده لا شريك له، ويدعونه ويتقرَّبون إليه بكلِّ أنواع الطاعات صباحًا ومساءً، يبتغون بذلك وَجْهَ الله والدار الآخرة ونعيمها، ثم أمره ألا يَصْرِفَ نظره عن هؤلاء المؤمنين الصادقين إلى غيرهم من أهل الكفر والعداء الذين كان يبالغ في دعوتهم طمعًا في إسلامهم، كما أمره ألا يطيع أولئك الغافلين عن ذكر الله وطاعته، المتَّبعين لأهوائهم؛ لأن حياتهم كلها ضياع في ضياع، وتفريط في تفريط. والخطاب في هذه الآية موجَّهٌ للنبي ﷺ، ولكن المقصود به كل من يدعو إلى الهدى من الدعاة من أمته، وفي هذه الآية: الحثُّ على مصاحبة الصالحين ومشاركتهم في العبادة مِنْ قيام وصيام وتلاوة؛ فإن الصاحب ساحب؛ كما قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه:

فَلَا تَصْحَبْ أَخا الْجَهْلِ

وَإِيِّاكَ وَإِيِّاهُ

فَكَمْ مِنْ جَاهِلٍ أَرْدَى

حَلِيمًا حِينَ آخَاهُ

يُقَاسُ المَرْءُ بِالمَرْءِ

إِذَا مَا المَرْءُ مَاشَاهُ

وقوله: (أَرْدَى حَلِيمًا)، أي: أهلكه معه.

[29] ﴿وَقُلِ ٱلۡحَقُّ مِن رَّبِّكُمۡۖ فَمَن شَآءَ فَلۡيُؤۡمِن وَمَن شَآءَ فَلۡيَكۡفُرۡۚ إِنَّآ أَعۡتَدۡنَا لِلظَّٰلِمِينَ نَارًا أَحَاطَ بِهِمۡ سُرَادِقُهَاۚ وَإِن يَسۡتَغِيثُواْ يُغَاثُواْ بِمَآءٖ كَٱلۡمُهۡلِ يَشۡوِي ٱلۡوُجُوهَۚ بِئۡسَ ٱلشَّرَابُ وَسَآءَتۡ مُرۡتَفَقًا 29﴾:

وقل لهم -أيها النبي-: قد جئتكم بالحق الواضح البيِّن من ربكم الذي لا لبس فيه ولا خفاء، وبيَّنتُ لكم سبيل الخير ورغَّبتكم فيه، وبيَّنتُ لكم سبيل الشر وحذَّرتكم منه، ولم يبق لكم إلا سلوك أحد الطريقين؛ الهدى أو الضلال، وفي هذا تهديدٌ شديد، ووعيدٌ أكيد، لمن اختار الكفر على الإيمان، ثم أخبِرْهم -أيها النبي- أنَّا هيَّأنا للظالمين الذين تجاوزوا حدَّهم، وآثروا الكفر على الإيمان؛ نارًا شديدةً أحاط بها سُورٌ عظيم لا يستطيعون الخلاص منها، وإن اشتد عليهم العطش، فاستغاثوا طالبين الماء ليرتووا، فإنَّا سنأتيهم بماءٍ مغليٍّ شديدِ الحرارة يشوي وجوههم إذا اقتربوا منها، فيُسْقَوْنَ هذا الماء الذي يقطِّع أمعاءهم؛ فبئس ذلك الشراب الذي يظنون فيه تخفيفًا للعذاب، فإذا به يزيدهم عذابًا إلى عذابهم، وساءت النارُ! وساء حالُ أهلها!

[30] ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجۡرَ مَنۡ أَحۡسَنَ عَمَلًا 30﴾:

أخبَرَ جل وعلا بأن الذين آمنوا بالله وبرسوله ﷺ، وعملوا الأعمال الصالحة، لهم أجر عظيم من ربِّهم، وأنه سبحانه لا يُضِيعُ هذه الأعمال التي عَمِلوها وكَسَبوها في حياتهم الدنيا. ومن تتبَّع آيات القرآن الكريم يجد أن الله جل في علاه دائمًا يُتْبِعُ ذكر الإيمان بالعمل؛ وهذا فيه رد وذم للذين لا يعملون ويفرِّطون في الفروض وغيرها، ويقولون: (ربك رب قلوب)، يعني: أنه إنما يحاسب على العقيدة فقطْ، وكثيرٌ ممن استَوْلَتْ عليهم الشهوات يقولون هذا، ولا شكَّ أن ما وقَرَ في القلب إذا لم يصدِّقه العمل، فإنه حينئذ لا يكون صدقًا ولا ينفع صاحبه، ويدلُّ على فساد ما في قلبه؛ كما في الحديث[4]. [4] أي: قوله ﷺ: «أَلَا وَإِنَّ فِي الْجَسَدِ مُضْغَةً: إِذَا صَلَحَتْ صَلَحَ الْجَسَدُ كُلُّهُ، وَإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الْجَسَدُ كُلُّهُ، أَلَا وَهِيَ الْقَلْبُ».

[31] ﴿أُوْلَٰٓئِكَ لَهُمۡ جَنَّٰتُ عَدۡنٖ تَجۡرِي مِن تَحۡتِهِمُ ٱلۡأَنۡهَٰرُ يُحَلَّوۡنَ فِيهَا مِنۡ أَسَاوِرَ مِن ذَهَبٖ وَيَلۡبَسُونَ ثِيَابًا خُضۡرٗا مِّن سُندُسٖ وَإِسۡتَبۡرَقٖ مُّتَّكِـِٔينَ فِيهَا عَلَى ٱلۡأَرَآئِكِۚ نِعۡمَ ٱلثَّوَابُ وَحَسُنَتۡ مُرۡتَفَقٗا 31﴾:

ثم أخبَرَ سبحانه أن أولئك الموصوفين بالإيمان والعمل الصالح، لهم جنَّاتٌ كثيرةُ الأشجار، يقيمون فيها إقامة دائمة لا يتحوَّلون عنها؛ من حُسْنِ هذه الجنات وبهائها: أنها تجري من تحتها الأنهار، وتنساب من تحت المنازل والأشجار والغرف، وأهلُها يزيَّنون فيها بلُبْسِ أساور الذهب، ويلبسون أيضًا ثيابًا خضراء جميلة نُسِجَتْ من رقيق الحرير وغليظه، وهم فيها متكئون على سرر مزيَّنة بستائر جميلة، نِعْمَ الثوابُ ما هم فيه من النعيم الدائم الذي لا ينقطع، وحَسُنَتْ هذه الجنة مرتفقًا يرتفقون فيها، ويتمتعون بحُلُيِّها وثيابها، وطعامها وشرابها وحُورها، ورضوان الله فيها؛ نسأل الله الكريم من فضله.

[32] ﴿وَٱضۡرِبۡ لَهُم مَّثَلٗا رَّجُلَيۡنِ جَعَلۡنَا لِأَحَدِهِمَا جَنَّتَيۡنِ مِنۡ أَعۡنَٰبٖ وَحَفَفۡنَٰهُمَا بِنَخۡلٖ وَجَعَلۡنَا بَيۡنَهُمَا زَرۡعٗا 32﴾:

واضرِبْ لهم -أيها النبي- هذا المَثَلَ، وهو لرجلين؛ أحدهما: منافقٌ جاحدٌ لنعمة الله، والآخر: مؤمن، فأما المنافق: فكان له حديقتان عظيمتان من أعناب محفوفة بالنخل في شكل بديع يسُرُّ الناظرين، ومع ذلك فَبَيْنَ تلك الأشجار زروعٌ كثيرة، وخيراتٌ وفيرة.

[33] ﴿كِلۡتَا ٱلۡجَنَّتَيۡنِ ءَاتَتۡ أُكُلَهَا وَلَمۡ تَظۡلِم مِّنۡهُ شَيۡـٔٗاۚ وَفَجَّرۡنَا خِلَٰلَهُمَا نَهَرٗا 33﴾:

وأخبَرَ سبحانه أن هاتَيْنِ الحديقتَيْنِ أثمرتا ثمَرَها ضِعْفَيْن، وآتت أكلها مرتَيْن، ولم تنقصا من ذلك أدنى شيء، ومع ذلك كان بَيْنَ تلك الحديقتين نهرٌ جارٍ يسقيهما بيُسْرٍ واستمرار دون انقطاع.

[34] ﴿وَكَانَ لَهُۥ ثَمَرٞ فَقَالَ لِصَٰحِبِهِۦ وَهُوَ يُحَاوِرُهُۥٓ أَنَا۠ أَكۡثَرُ مِنكَ مَالٗا وَأَعَزُّ نَفَرٗا 34﴾:

وكان لصاحب الحديقتين ثمَرٌ كثيرٌ وخيرٌ وفير، فقال مزهُوًّا على صاحبه المؤمن: أنا خيرٌ وأفضلُ منك؛ لأني أكثر منك مالًا وأعز أنصارًا؛ فعندي من العبيد والخَدَم والأقارب ما ليس عندك.

[35] ﴿وَدَخَلَ جَنَّتَهُۥ وَهُوَ ظَالِمٞ لِّنَفۡسِهِۦ قَالَ مَآ أَظُنُّ أَن تَبِيدَ هَٰذِهِۦٓ أَبَدٗا 35﴾:

ثم أخبَرَ سبحانه أن هذا الظالم لنفسه دخَلَ حديقته متكبِّرًا متجاوزًا كل حدوده، وقال لصاحبه المؤمن بزَهْوٍ واطمئنان إلى الدنيا: ما أظُنُّ -يا صاحبي- أن تفنى هذه الحديقة الغنَّاء أبدًا.

[36] ﴿وَمَآ أَظُنُّ ٱلسَّاعَةَ قَآئِمَةٗ وَلَئِن رُّدِدتُّ إِلَىٰ رَبِّي لَأَجِدَنَّ خَيۡرٗا مِّنۡهَا مُنقَلَبٗا 36﴾:

ثم قال متماديًا في عُتُوِّهِ وإنكاره للبعث: ولا أعتقدُ أن القيامة ستقوم، ولئن افترضنا قيام القيامة، ورجَعْتُ إلى ربي، فإنه مما لا شكَّ فيه أن ربي سيعطيني خيرًا من هاتَيْنِ الحديقتَيْن؛ وذلك لكرامتي وعُلُوِّ منزلتي عنده.

[37] ﴿قَالَ لَهُۥ صَاحِبُهُۥ وَهُوَ يُحَاوِرُهُۥٓ أَكَفَرۡتَ بِٱلَّذِي خَلَقَكَ مِن تُرَابٖ ثُمَّ مِن نُّطۡفَةٖ ثُمَّ سَوَّىٰكَ رَجُلٗا 37﴾:

فقال له صاحبه المؤمن واعظًا ومذكِّرًا: أكفَرْتَ بالله الذي جعل أَصْلَ خِلْقتك من تراب، ثم من مَنِيٍّ، ثم صيَّرك الله إنسانًا معتدل الخِلْقة؟! واتهمه بالكفر؛ لأن صاحب الجنتين قال: ﴿وَمَآ أَظُنُّ﴾؛ ولهذا قال أهل العلم: (الشك في الله أو في قدرته كُفْرٌ).

[38] ﴿لَّٰكِنَّا۠ هُوَ ٱللَّهُ رَبِّي وَلَآ أُشۡرِكُ بِرَبِّيٓ أَحَدٗا 38﴾:

ثم قال صاحبه المؤمن مقرًّا ومعترفًا بألوهية الله وربوبيته: وأما أنا، فأُقِرُّ بربوبية الله جل في علاه؛ فهو الذي ربَّاني وربَّى جميع العالمين بنعمه، فهو معبودي لا أشرك به شيئًا، ولا ربَّ غيره، ولا معبودَ سواه.

[39] ﴿وَلَوۡلَآ إِذۡ دَخَلۡتَ جَنَّتَكَ قُلۡتَ مَا شَآءَ ٱللَّهُ لَا قُوَّةَ إِلَّا بِٱللَّهِۚ إِن تَرَنِ أَنَا۠ أَقَلَّ مِنكَ مَالٗا وَوَلَدٗا 39﴾:

ثم قال له صاحبه المؤمن ناصحًا له: هلَّا إذْ دخَلْتَ حديقتَكَ، فأعجبتك، قلتَ: ما شاء الله لا قوة إلا بالله، فتَرجِعَ الفضل لله، بدلًا من أن تعيِّرني بقلة المال والولد.

[40] ﴿فَعَسَىٰ رَبِّيٓ أَن يُؤۡتِيَنِ خَيۡرٗا مِّن جَنَّتِكَ وَيُرۡسِلَ عَلَيۡهَا حُسۡبَانٗا مِّنَ ٱلسَّمَآءِ فَتُصۡبِحَ صَعِيدٗا زَلَقًا 40﴾:

ثم قال صاحبه داعيًا عليه بسبب كفره وجحوده: فعسى ربي أن يرزُقَني بخير من حديقتك، ويدمِّر حديقتك؛ بسبب كُفْرك وتكبُّرك وعنادك؛ بأن يبعث عليها من السماء ما يُبِيدُها ويَمْحَقُها؛ فتُصبِحَ حديقتك أرضًا ملساء لا زرع فيها، ولا تنبُتُ فيها شجرة.

[41] ﴿أَوۡ يُصۡبِحَ مَآؤُهَا غَوۡرٗا فَلَن تَسۡتَطِيعَ لَهُۥ طَلَبٗا 41﴾:

واستمَرَّ في دعائه عليه، فقال أيضًا: وأسأل الله أن تَجِفَّ أنهارُ حديقتك، ويَغُورَ ماؤها في الأرض؛ فلا تستطيعُ إخراجه لسُقْيا الحديقة، ولا تستطيعُ أن تنتفع به.

[42] ﴿وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِۦ فَأَصۡبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيۡهِ عَلَىٰ مَآ أَنفَقَ فِيهَا وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَىٰ عُرُوشِهَا وَيَقُولُ يَٰلَيۡتَنِي لَمۡ أُشۡرِكۡ بِرَبِّيٓ أَحَدٗا 42﴾:

وحصَلَ ما قاله المؤمن، فأرسل الله على حديقته عذابًا أبادها وأهلَكَ ثمرها، فصار الكافر يقلِّب كفَّيْهِ حسرةً وندامةً على ما أنفق فيها من نفقات دنيوية مِنْ جهدٍ ومالٍ ونحوه، والحديقةُ خاويةٌ ساقطةٌ على دعائمها في منظر يُصيب صاحبه بكامل الحَسْرة والندم، فقال حينها -وقد فات وقت الندم-: يا ليتني لم أُشرِكْ بربي أحدًا!

[43] ﴿وَلَمۡ تَكُن لَّهُۥ فِئَةٞ يَنصُرُونَهُۥ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَمَا كَانَ مُنتَصِرًا 43﴾:

وحين هلَكَتْ حديقته، ما كان له من أنصار ولا أعوان يمنعون عنه عذاب الله، ولم يَنْفَعْهُ افتخاره بكثرة المال والولد، ولم يكن يستطيع حين نزول العذاب أن ينتصِرَ لنفسه، ولا أن تنفعه قوته.

[44] ﴿هُنَالِكَ ٱلۡوَلَٰيَةُ لِلَّهِ ٱلۡحَقِّۚ هُوَ خَيۡرٞ ثَوَابٗا وَخَيۡرٌ عُقۡبٗا 44﴾:

وفي ذلك المقام وحين الشدائد تكون القوة والمُلْك والسلطان والنُّصْرة لله ، هو سبحانه خيرُ مَنْ يثيب على التوحيد والعمل الصالح، وهو سبحانه خيرُ من يجزي المُحْسِنَ بحسن العاقبة، وأقدَرُ على إنزال الضرر بالعصاة.

[45] ﴿وَٱضۡرِبۡ لَهُم مَّثَلَ ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَا كَمَآءٍ أَنزَلۡنَٰهُ مِنَ ٱلسَّمَآءِ فَٱخۡتَلَطَ بِهِۦ نَبَاتُ ٱلۡأَرۡضِ فَأَصۡبَحَ هَشِيمٗا تَذۡرُوهُ ٱلرِّيَٰحُۗ وَكَانَ ٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ مُّقۡتَدِرًا 45﴾:

ثم أمَرَ جل وعلا نبيه ﷺ أن يبيِّن لقومه أن هذه الحياة الدنيا تشبه في زهرتها وبهجتها، ثم سرعة ذُبُولها وزوالها: الأرضَ الطيبةَ إذا نزَلَ عليها الغيث، فأنبتت وأزهرت، وصار نباتها يُعجِبُ الناظرين إليه، ثم بعد زمن يسير يذبُلُ وييبسُ ويتحوَّل إلى غثاء تنثره الرياح في كل اتجاه، وهكذا الإنسان يبدأ شابًّا نشيطًا يافعًا يقارِعُ أقرانه ويتفوَّق عليهم، وربما استكبَرَ وتجبَّر، وما هي إلا أيام يسيرة، فإذا به يصاب بمرضٍ أو تلفِ مالٍ أو كِبَرِ سِنٍّ؛ فيذهب الشباب والسرور والغرور، ثم تأتيه المنية، فلا يكون معه في قبره إلا صالح عمله أو سيِّئة، عندها يبدأ الندم ولات حين مندم، واعلموا أن الله على كل شيء قدير، له القدرةُ العظيمةُ المطلَقةُ التي لا تدركها أي قدرة.

[46] ﴿ٱلۡمَالُ وَٱلۡبَنُونَ زِينَةُ ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَاۖ وَٱلۡبَٰقِيَٰتُ ٱلصَّٰلِحَٰتُ خَيۡرٌ عِندَ رَبِّكَ ثَوَابٗا وَخَيۡرٌ أَمَلٗا 46﴾:

واعلموا أن الأموال والأولاد جعلها جل وعلا زينة للحياة الدنيا الفانية، ولكنْ سُرْعانَ ما تزول هذه الأموال ويموت الأولاد، بل إن كل ما يفتخرون به يزول، ولا يبقى مع الإنسان إلا أعمال الخيرِ والبِرِّ والذِّكْرِ وجميع العبادات، وهي أفضل أجرًا وأحسن ثوابًا عند الله من المال والبنين؛ لأن هذه الأعمال هي التي تبقى معه ولا تفارقه حتى تُدخِلَهُ الجنة، ومن أعمال البِرِّ: الذُّرِّيَّةُ الصالحة التي هي من كسب المؤمن؛ فإنها قد ترفع المؤمن إلى درجة أعلى مما يستحقُّهُ من سائر عمله.

[47] ﴿وَيَوۡمَ نُسَيِّرُ ٱلۡجِبَالَ وَتَرَى ٱلۡأَرۡضَ بَارِزَةٗ وَحَشَرۡنَٰهُمۡ فَلَمۡ نُغَادِرۡ مِنۡهُمۡ أَحَدٗا 47﴾:

وذكِّرهم -أيها النبي- يوم نزيل الجبال عن أماكنها؛ فتكونُ كالعِهْنِ المنفوش، ثم تضمحِلُّ وتتلاشى؛ فتكون هباء منثورًا، وحينها ترى الأرضَ ظاهرةً لا شيء عليها يسترها مما كان عليها من المخلوقات، وحينها يجمع الله الأولين والآخرين للعَرْض والحساب والجزاء؛ فلا يُترَكُ أحد إلا حُشِرَ إلى هناك.

[48] ﴿وَعُرِضُواْ عَلَىٰ رَبِّكَ صَفّٗا لَّقَدۡ جِئۡتُمُونَا كَمَا خَلَقۡنَٰكُمۡ أَوَّلَ مَرَّةِۭۚ بَلۡ زَعَمۡتُمۡ أَلَّن نَّجۡعَلَ لَكُم مَّوۡعِدٗا 48﴾:

ووُقِفوا يوم العَرْض والجزاء صفوفًا لا يخفى منهم أحد، أذلَّاءَ خاضعين، ثم قيل لهم: لقد جئتم ووقَفْتم للعَرْض والحساب والجزاء، كما خُلِقْتُمْ أول مرة حُفَاةً عُرَاةً غُرْلًا؛ لا مال معكم، ولا ولد ينفعكم، ثم خُوطِبَ من يُنكِرُ البعث، فقيل لهم تقريعًا وتوبيخًا: إنكم زعمتم أن لن تُبعَثوا، وها أنتم قد رأيتموه وعاينتموه.

[49] ﴿وَوُضِعَ ٱلۡكِتَٰبُ فَتَرَى ٱلۡمُجۡرِمِينَ مُشۡفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَٰوَيۡلَتَنَا مَالِ هَٰذَا ٱلۡكِتَٰبِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةٗ وَلَا كَبِيرَةً إِلَّآ أَحۡصَىٰهَاۚ وَوَجَدُواْ مَا عَمِلُواْ حَاضِرٗاۗ وَلَا يَظۡلِمُ رَبُّكَ أَحَدٗا 49﴾:

وحينها تُحضَرُ كتب الأعمال التي كتبتها الملائكة، وأحصَتْها على كل واحد؛ فمن الناس: من يأخذ كتابه باليمين، ومنهم: من يأخذه بالشمال، ويومها: ترى المجرمين العصاة خائفين وَجِلِينَ يَدْعُونَ على أنفسهم بالويل والثبور، فيقولون في حسرة وندامة: يالهلاكنا؛ ما لهذا الكتاب لا يترُكُ صغيرة ولا كبيرة إلا وسجَّلها علينا، ووجَدُوا فيه كلَّ ما عملوا حاضرًا أمامهم لا يستطيعون إنكاره، ولا يظلم ربك أحدًا؛ فيعاقِبَهُ بغير ذنب اقترفه، ولا خطيئة اكتسبها؛ بل يُجازَى كل امرئ بما قدَّمت يداه؛ إنْ خيرًا فخير، وإنْ شرًّا فشرّ.

[50] ﴿وَإِذۡ قُلۡنَا لِلۡمَلَٰٓئِكَةِ ٱسۡجُدُواْ لِأٓدَمَ فَسَجَدُوٓاْ إِلَّآ إِبۡلِيسَ كَانَ مِنَ ٱلۡجِنِّ فَفَسَقَ عَنۡ أَمۡرِ رَبِّهِۦٓۗ أَفَتَتَّخِذُونَهُۥ وَذُرِّيَّتَهُۥٓ أَوۡلِيَآءَ مِن دُونِي وَهُمۡ لَكُمۡ عَدُوُّۢۚ بِئۡسَ لِلظَّٰلِمِينَ بَدَلٗا 50﴾:

واذكر لهم -أيها النبي- حين أمَرْنا الملائكة أن يسجدوا لآدم سجودَ تحيَّةٍ وإكرامٍ وتعظيمٍ؛ لا سجودَ عبادة، فسجدوا إلا إبليس الذي كان من الجن، فرفَضَ وأبى، واستكبَرَ وعاند، وخرج عن طاعة ربه، وتبيَّنت عداوته لله ولأبيكم ولكم؛ فكيف تجعلونه وذُرِّيته من الشياطين أعوانًا لكم فتطيعوهم وتستبدلوهم بطاعة الرحمن؟! فقبحًا لكم -أيها الظالمون- الذين تجاوزتم حدود الله، واستبدَلْتُم طاعة الله بطاعة الشيطان!

[51] ﴿مَّآ أَشۡهَدتُّهُمۡ خَلۡقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ وَلَا خَلۡقَ أَنفُسِهِمۡ وَمَا كُنتُ مُتَّخِذَ ٱلۡمُضِلِّينَ عَضُدٗا 51﴾:

ثم قال جل وعلا: ما أشهَدتُّ هؤلاء الشياطين خَلْقَ السموات والأرض ولا أشرَكْتُهم ولا شاوَرْتُهم في ذلك، ولا استعَنْتُ بهم على خلقهما؛ فكيف تجعلونهم شركاء تطيعونهم وتوالونهم؟! وما ينبغي ولا يليق بالله أن يتخذهم أعوانًا أو أن يجعل لهم قسطًا من التدبير؛ فهم الملعونون المطرودون من رحمة الله.

[52] ﴿وَيَوۡمَ يَقُولُ نَادُواْ شُرَكَآءِيَ ٱلَّذِينَ زَعَمۡتُمۡ فَدَعَوۡهُمۡ فَلَمۡ يَسۡتَجِيبُواْ لَهُمۡ وَجَعَلۡنَا بَيۡنَهُم مَّوۡبِقٗا 52﴾:

وذكِّرهم -أيها النبي- يوم يقول الله جل وعلا لهؤلاء المشركين موبِّخًا لهم: نادوا هؤلاء الشركاء الذين زعَمْتُم أنهم شركاء لي في عبادتي؛ ليشفعوا لكم أو ينصروكم ويغيثوكم من العذاب، فيقوم المشركون بندائهم، ولكنْ لا يستجيبون لهم، ثم بيَّن سبحانه أنه جعل بين المشركين وشركائهم فضاءً بعيدًا.

[53] ﴿وَرَءَا ٱلۡمُجۡرِمُونَ ٱلنَّارَ فَظَنُّوٓاْ أَنَّهُم مُّوَاقِعُوهَا وَلَمۡ يَجِدُواْ عَنۡهَا مَصۡرِفٗا 53﴾:

ثم قال سبحانه: لقد عايَنَ المشركون نار جهنَّم، وأيقنوا أنهم داخِلونَ فيها ومخالِطونَ لَهَبَها، ولم يجدوا حينها مكانًا ينصرفون إليه، أو يلتجئون ويحتمون به، فلم يستطيعوا عنها فرارًا؛ نسأل الله السلامة والعافية.

[54] ﴿وَلَقَدۡ صَرَّفۡنَا فِي هَٰذَا ٱلۡقُرۡءَانِ لِلنَّاسِ مِن كُلِّ مَثَلٖۚ وَكَانَ ٱلۡإِنسَٰنُ أَكۡثَرَ شَيۡءٖ جَدَلٗا 54﴾:

قال المولى : ولقد بيَّنا ووضَّحنا في هذا القرآن للناس مِنْ كل طريق موصِّل للعلم والسعادة والخير في الدارَيْن، وكان الإنسان أكثَرَ المخلوقات مجادلة ومنازعة.

[55] ﴿وَمَا مَنَعَ ٱلنَّاسَ أَن يُؤۡمِنُوٓاْ إِذۡ جَآءَهُمُ ٱلۡهُدَىٰ وَيَسۡتَغۡفِرُواْ رَبَّهُمۡ إِلَّآ أَن تَأۡتِيَهُمۡ سُنَّةُ ٱلۡأَوَّلِينَ أَوۡ يَأۡتِيَهُمُ ٱلۡعَذَابُ قُبُلٗا 55﴾:

ثم قال سبحانه: وما منَعَ الكفارَ أن يؤمنوا بالله وبالرسالة، وأن يستغفروا ربهم من الذنوب والمعاصي؛ إلا الإصرارُ على اتِّباع ما كان عليه آباؤهم وأسلافهم، والعناد والعداء للحق، مع أن الرسول الصادق الناصح الأمين أتاهم بالهدى من عند الله، وهو القرآن العظيم، ولكنْ مَنَعهم تكبُّرهم وغرورهم من اتِّباعه، وتحدِّيهم أن تأتيهم سُنَّةُ الله وعادته في الأمم الضالَّة السابقة، وهي الاستئصال، أو أن يأتيهم عذاب الآخرة، وهو أشدُّ وأنكى، أو الانتصار عليهم؛ كما وقع في غزوة بَدْر.

[56] ﴿وَمَا نُرۡسِلُ ٱلۡمُرۡسَلِينَ إِلَّا مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَۚ وَيُجَٰدِلُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِٱلۡبَٰطِلِ لِيُدۡحِضُواْ بِهِ ٱلۡحَقَّۖ وَٱتَّخَذُوٓاْ ءَايَٰتِي وَمَآ أُنذِرُواْ هُزُوٗا 56﴾:

بيَّن جل وعلا مهمة الرسل، وهي البِشَارة للمحسنين، والنِّذَارة للعصاة الكافرين، ثم أضاف جل وعلا أن الكفار مولعون بالباطل؛ ولذلك جادلوا بالباطل ليُدْحِضوا به الحق، ولم يقفوا عند هذا، بل اتخذوا آيات الله هُزُوًا، فجعلوا يتندَّرون ويسخرون بالآيات القرآنية.

[57] ﴿وَمَنۡ أَظۡلَمُ مِمَّن ذُكِّرَ بِـَٔايَٰتِ رَبِّهِۦ فَأَعۡرَضَ عَنۡهَا وَنَسِيَ مَا قَدَّمَتۡ يَدَاهُۚ إِنَّا جَعَلۡنَا عَلَىٰ قُلُوبِهِمۡ أَكِنَّةً أَن يَفۡقَهُوهُ وَفِيٓ ءَاذَانِهِمۡ وَقۡرٗاۖ وَإِن تَدۡعُهُمۡ إِلَى ٱلۡهُدَىٰ فَلَن يَهۡتَدُوٓاْ إِذًا أَبَدٗا 57﴾:

ثم أخبَرَ جل وعلا أنه لا أحدَ أظلَمُ ممن ذُكِّرَ ووُعِظَ بآيات الله، ثم صَدَّ عنها وعن الإيمان بالله، بل سَخِرَ بها وبالمؤمنين، ونسي ما قدَّمت يداه من الشرك والأفعال القبيحة، ولم يرجعْ أو يتب عنها؛ لذلك كانت العقوبة هي حرمانَهُ من الانتفاع بالنور والهدى، والطَّمْسَ على قلبه بغطاء، وكذلك الطمس على أذنَيْه، ومهما دعوتَهُمْ إلى الإيمان فلن يهتدوا إليه أبدًا، بل هم مستمرُّون على ما اختاروه لأنفسهم، وهو الضلالُ السَّرْمديُّ حتى يموتوا، ثم إلى النار يؤولون، والعياذ بالله من سوء الختام الذي اختاروه لأنفسهم.

[58] ﴿وَرَبُّكَ ٱلۡغَفُورُ ذُو ٱلرَّحۡمَةِۖ لَوۡ يُؤَاخِذُهُم بِمَا كَسَبُواْ لَعَجَّلَ لَهُمُ ٱلۡعَذَابَۚ بَل لَّهُم مَّوۡعِدٞ لَّن يَجِدُواْ مِن دُونِهِۦ مَوۡئِلٗا 58﴾:

ثم بيَّن سبحانه أنه كثيرُ المغفرة لعباده، واسعُ الرحمة؛ فرحمته وسعت كل شيء، ومن ذلك: أنه لم يعاجِلْ هؤلاء المعرِضين بالعقوبة، بل أجَّلهم وأخَّرهم ليومهم المعلوم، وأجلهم المحتوم.

[59] ﴿وَتِلۡكَ ٱلۡقُرَىٰٓ أَهۡلَكۡنَٰهُمۡ لَمَّا ظَلَمُواْ وَجَعَلۡنَا لِمَهۡلِكِهِم مَّوۡعِدٗا 59﴾:

ثم أخبَرَ سبحانه أن تلك القرى -من قومِ هودٍ، وقومِ صالحٍ، وقومِ لوطٍ، وأمثالهم- أهلكهم بظلمهم لأنفسهم بالكفر والعناد، وجعَلَ سبحانه لهلاك كل أمة وقتًا محدَّدًا، وميعادًا معيَّنًا، لا يتقدَّمون عنه ساعة ولا يستأخرون.

[60] ﴿وَإِذۡ قَالَ مُوسَىٰ لِفَتَىٰهُ لَآ أَبۡرَحُ حَتَّىٰٓ أَبۡلُغَ مَجۡمَعَ ٱلۡبَحۡرَيۡنِ أَوۡ أَمۡضِيَ حُقُبٗا 60﴾:

ثم شرَعَ المولى عَزَّوَجَلَّ في قصة موسى كَلِيمِ الرحمن، وأحدِ أولي العزم من الرسل، مع الرجل الصالح الخَضِرِ عليه السلام، فقال جل وعلا لنبيه ﷺ: واذكُرْ -أيها النبي- يوم أن قال موسى لفتاه يُوشَعَ: لا أزال أَسِيرُ حتى أصل إلى ملتقى البحرَيْنِ، بحثًا عن الرجل الصالح، وهو الخَضِرُ عليه السلام، وملتقى البحرَيْنِ، قيل: إنه التقاء البحر الأبيض المتوسِّط بالمحيطِ عند طَنْجةَ، وقيل: إنه ملتقى خليج السُّوَيْسِ بخليج العَقَبة، ثم قال: وسوف أواصل السير بحثًا عنه، ولو أدَّى ذلك إلى أن أمضي حُقُبًا، أي: أَسِيرَ زمنًا طويلًا. والحِقْبةُ: قيل: عَشْرُ سنوات، وقيل: خمسٌ وعشرون سنة، وقيل: أكثر.

[61] ﴿فَلَمَّا بَلَغَا مَجۡمَعَ بَيۡنِهِمَا نَسِيَا حُوتَهُمَا فَٱتَّخَذَ سَبِيلَهُۥ فِي ٱلۡبَحۡرِ سَرَبٗا 61﴾:

فلما وصل موسى وفتاه إلى المَجْمَعِ المذكور، استراحا فترةً من الزمن عند صخرة كانت على الشاطئ، وكان معهما حُوتٌ مملَّحٌ مُعَدٌّ للأكل في مِكْتَلٍ، ثم على مرأًى من الفتى أعاد الله الحياة للحوت، فقفَزَ من المِكْتَلِ إلى الساحل، ثم دخل البحر، واتخذ له طريقًا مفتوحًا فارغًا من الماء، أي: جعل فيه ثُقْبًا يشبه السرداب.

[62] ﴿فَلَمَّا جَاوَزَا قَالَ لِفَتَىٰهُ ءَاتِنَا غَدَآءَنَا لَقَدۡ لَقِينَا مِن سَفَرِنَا هَٰذَا نَصَبٗا 62﴾:

وبعد أن سارا مواصِلَيْنِ بحثهما عن الرجل الصالح الخضر، قال موسى لمرافقه: آتِنا غداءنا: أي: آتِنا بالحُوتِ لكي نتغدَّى به؛ لقد لَقِينا في سفرنا هذا معاناةً وتعبًا شديدًا. وطعامُ الغداء هو الذي يكون في أول النهار.

[63] ﴿قَالَ أَرَءَيۡتَ إِذۡ أَوَيۡنَآ إِلَى ٱلصَّخۡرَةِ فَإِنِّي نَسِيتُ ٱلۡحُوتَ وَمَآ أَنسَىٰنِيهُ إِلَّا ٱلشَّيۡطَٰنُ أَنۡ أَذۡكُرَهُۥۚ وَٱتَّخَذَ سَبِيلَهُۥ فِي ٱلۡبَحۡرِ عَجَبٗا 63﴾:

فقال مرافق موسى: أَتَذْكُرُ حين أَوَيْنا إلى تلك الصخرة التي استرَحْنا عندها وكانت عند مجمع البحرَيْن؛ فإني نسيت أن أذكُرَ لك ما حدَثَ للحوت، ثم قال معتذرًا: وما أنساني أن أذكُرَ ذلك إلا الشيطان؛ حيث شغلني بوساوسه أن أذكُرَ لك أمره وخبره العجيب؛ حيث إن الحوت عادت له الحياة، وقفَزَ من المِكْتَلِ، وذهب من الساحل إلى البحر، وسار في البحر حتى شَقَّ له فيه طريقًا.

قال بعض أهل العلم: وهكذا قد ينسى الإنسان أوضَحَ الواضحات، وهي أمام عينَيْه.

[64] ﴿قَالَ ذَٰلِكَ مَا كُنَّا نَبۡغِۚ فَٱرۡتَدَّا عَلَىٰٓ ءَاثَارِهِمَا قَصَصٗا 64﴾:

فقال موسى: وهذا الذي كُنَّا نريد، وهو عين ما كنا نطلُب؛ حيث أعلم الله موسى أو ألهمه أنه متى فقَدَ الحُوتَ، فذلك علامة على مكان التقائه بالعبد الصالح الخَضِر؛ فلذلك رجع موسى ومرافقه يقُصَّانِ آثار أقدامهما إلى المكان الذي نسيا فيه الحُوت، حتى وصلا إلى الصخرة.

[65] ﴿فَوَجَدَا عَبۡدٗا مِّنۡ عِبَادِنَآ ءَاتَيۡنَٰهُ رَحۡمَةٗ مِّنۡ عِندِنَا وَعَلَّمۡنَٰهُ مِن لَّدُنَّا عِلۡمٗا 65﴾:

فلما وصلا إلى الصخرة، وجدا عندها العبدَ الصالحَ الخَضِرَ -عليه وعلى موسى السلام- الذي كانا يبحثان عنه، وقد أخبَرَ سبحانه أنه أعطى هذا العبد الصالح رحمةً خاصَّةً من عنده، وهذه الرحمة قيل: هي النبوَّة، وأيضًا علَّمه شيئًا من علم الغيب الذي لا يعلمه إلا الله.

[66] ﴿قَالَ لَهُۥ مُوسَىٰ هَلۡ أَتَّبِعُكَ عَلَىٰٓ أَن تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمۡتَ رُشۡدٗا 66﴾:

وبعد أن تعارفا، عرَضَ موسى على الخَضِرِ مطلوبه، فقال له موسى: هل تَأْذَنُ لي أن أصاحبك؛ لأتعلَّم منك العلم الذي علَّمك الله؛ لعلِّي أسترشد وأنتفع به، قال أهل العلم: وهذا دليلٌ على استحسان أن يأخُذَ الفاضلُ مما عند المفضول من الفوائد العلمية التي لم تكن عنده.

[67] ﴿قَالَ إِنَّكَ لَن تَسۡتَطِيعَ مَعِيَ صَبۡرٗا 67﴾:

وبعد أن عرَفَ الخضرُ موسى، وعرَفَ أنه رسول الله لبني إسرائيل، فقال: يا موسى، إنك لن تستطيع مرافقتي، ولن تصبر على صحبتي؛ لأنَّ عِلْمَكَ الشرعي لا يجعلك تستطيع الصبر على ما ستراه من أفعالي.

[68] ﴿وَكَيۡفَ تَصۡبِرُ عَلَىٰ مَا لَمۡ تُحِطۡ بِهِۦ خُبۡرٗا 68﴾:

ثم قال الخَضِرُ معتذرًا عن موسى: وكيف تصبر على ما لم تُحِطْ به خبرًا مما يخالف الأحكام الشرعية التي لدَيْك؛ حيث إن ظاهرها منكَرٌ، وباطنها غير ذلك، وعلمك الشرعي لا يجعلك تصبر على ما ستراه من أفعالي.

[69] ﴿قَالَ سَتَجِدُنِيٓ إِن شَآءَ ٱللَّهُ صَابِرٗا وَلَآ أَعۡصِي لَكَ أَمۡرٗا 69﴾:

فأصَرَّ موسى على طلب العلم، وقال للخضر: ستجدني إن شاء الله صابرًا منفِّذًا تعليماتك، ولن أَعْصِيَكَ فيما تأمرني به.

[70] ﴿قَالَ فَإِنِ ٱتَّبَعۡتَنِي فَلَا تَسۡـَٔلۡنِي عَن شَيۡءٍ حَتَّىٰٓ أُحۡدِثَ لَكَ مِنۡهُ ذِكۡرٗا 70﴾:

فقال الخضر لموسى: إن أردتَّ اتِّباعي، فلا تسألني عن شيء مما تراه مخالفًا حتى أوضِّح لك ذلك ومسوِّغاته وأسبابه.

[71] ﴿فَٱنطَلَقَا حَتَّىٰٓ إِذَا رَكِبَا فِي ٱلسَّفِينَةِ خَرَقَهَاۖ قَالَ أَخَرَقۡتَهَا لِتُغۡرِقَ أَهۡلَهَا لَقَدۡ جِئۡتَ شَيۡـًٔا إِمۡرٗا 71﴾:

وبعد أن قَبِلَ موسى بشرط الخضر، انطلقا يمشيان على الساحل، فمرَّت سفينة، فسمح أصحابها بركوبهم بدون أجرة تفضُّلًا وكرمًا من أصحاب السفينة، قيل: لأنهما عَرَفاه، وقالوا

عنه: الرجل المبارك، ولما قَرُبَتِ السفينة من المدينة، قام الخَضِرُ وأحدث في جانب السفينة خَرْقًا بعيدًا عن الماء، ولكنه شوَّه منظر السفينة، فهال موسى هذا الأمرُ، وخاف أن يتسبَّب هذا الخرق في غرق السفينة بسبب دخول الماء فيها، وقال منكرًا هذا الفعل: قومٌ حملونا كرمًا منهم بلا مقابل، ومع ذلك تقوم بهذا الفعل؛ لتكون سببًا في غرق أهلها؛ لقد جئت منكرًا كبيرًا، وأمرًا عظيمًا!

[72] ﴿قَالَ أَلَمۡ أَقُلۡ إِنَّكَ لَن تَسۡتَطِيعَ مَعِيَ صَبۡرٗا 72﴾:

فقال له الخَضِرُ منكرًا عليه: ألم أقل لك: إنك لن تستطيع أن تَصْبِرَ على صحبتي؟! وكانت هذه الأُولى من موسى نسيانًا.

[73] ﴿قَالَ لَا تُؤَاخِذۡنِي بِمَا نَسِيتُ وَلَا تُرۡهِقۡنِي مِنۡ أَمۡرِي عُسۡرٗا 73﴾:

فقال له موسى: لا تشُقَّ عليَّ في صحبتك؛ فما كان هذا مني إلا نسيانًا لشرطك، فلا تكلِّفْني المشقة، وعاملني باليُسْرِ واللِّينِ، لا بالعسر والشدة.

[74] ﴿فَٱنطَلَقَا حَتَّىٰٓ إِذَا لَقِيَا غُلَٰمٗا فَقَتَلَهُۥ قَالَ أَقَتَلۡتَ نَفۡسٗا زَكِيَّةَۢ بِغَيۡرِ نَفۡسٖ لَّقَدۡ جِئۡتَ شَيۡـٔٗا نُّكۡرٗا 74﴾:

فنزَلَ موسى والخضر من السفينة، وانطلقا يمشيان، فلقيا غلامًا صغيرًا يَلْعَبُ مع الصبيان، فأمسَكَ الخَضِرُ برأسه، فاقتلعه وقتله، فاشتَدَّ غضَبُ موسى عليه السلام حين رأى ذلك، وقال منكرًا عليه: كيف تقتُلُ هذه النفسَ البريئةَ الطاهرةَ التي لم تبلُغِ الحُلُم، بغير ذنب اقترفته، ولا سوء عملته؟! لقد ارتكَبْتَ أمرًا منكرًا في غاية النكارة!

[75] ﴿قَالَ أَلَمۡ أَقُل لَّكَ إِنَّكَ لَن تَسۡتَطِيعَ مَعِيَ صَبۡرٗا 75﴾:

فقال له الخَضِرُ منكرًا عليه، ومعاتبًا إياه: ألم أقل لك: إنك لن تستطيع أن تصبِرَ على صحبتي؟! وزاد في قوله كلمة: ﴿لَكَۖ ﴾؛ لشدة إقناع موسى بأنه لا يستطيع الصبر.

[76] ﴿قَالَ إِن سَأَلۡتُكَ عَن شَيۡءِۭ بَعۡدَهَا فَلَا تُصَٰحِبۡنِيۖ قَدۡ بَلَغۡتَ مِن لَّدُنِّي عُذۡرٗا 76﴾:

فقال له موسى عليه السلام متأسِّفًا معتذرًا: إنْ بدَرَ مني سؤالٌ لك مرَّةً أخرى بعد هذه المرة، فسيكون ذلك نهايةَ مصاحبتي لك، فلقد أعذَرْتَ؛ حيث خالَفْتُ شرطك مرتَيْن.

[77] ﴿فَٱنطَلَقَا حَتَّىٰٓ إِذَآ أَتَيَآ أَهۡلَ قَرۡيَةٍ ٱسۡتَطۡعَمَآ أَهۡلَهَا فَأَبَوۡاْ أَن يُضَيِّفُوهُمَا فَوَجَدَا فِيهَا جِدَارٗا يُرِيدُ أَن يَنقَضَّ فَأَقَامَهُۥۖ قَالَ لَوۡ شِئۡتَ لَتَّخَذۡتَ عَلَيۡهِ أَجۡرٗا 77﴾:

ثم انطلق موسى والخضر عليهما السلام يمشيان حتى دخَلَا قريةً من القرى، فطلبا من أهلها أن يُطْعِماهم على سبيل الضيافة؛ فأبى أهل القرية ذلك، ورفضوا إطعامهم، فوجدا جدارًا مائلًا يُوشِكُ أن يسقُطَ؛ فعدَّله الخضر وأقامه وأصلحه، فقال له موسى: هلَّا طلَبْتَ لإصلاحك الجدار أُجْرةً نَصْرِفها في تحصيل طعامنا؛ حيث إن أهل هذه القرية رفضوا ضيافتنا!

[78] ﴿قَالَ هَٰذَا فِرَاقُ بَيۡنِي وَبَيۡنِكَۚ سَأُنَبِّئُكَ بِتَأۡوِيلِ مَا لَمۡ تَسۡتَطِع عَّلَيۡهِ صَبۡرًا 78﴾:

فقال له الخضر حينها: يا موسى، هذا أوانُ فراقك إياي؛ فإنك قد شرَطْتَ ذلك على نفسك، فلم يبق الآن موضعٌ للعذر، ولا مجال للصحبة، وسأبدأ الآن بإخبارك بما أنكَرْتَهُ عليَّ؛ من خَرْق السفينة، وقَتْل الغلام، وإقامة الجدار.

[79] ﴿أَمَّا ٱلسَّفِينَةُ فَكَانَتۡ لِمَسَٰكِينَ يَعۡمَلُونَ فِي ٱلۡبَحۡرِ فَأَرَدتُّ أَنۡ أَعِيبَهَا وَكَانَ وَرَآءَهُم مَّلِكٞ يَأۡخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصۡبٗا 79﴾:

ثم قال الخضر لموسى: أما السفينة التي خرقتُها، فكانت لأناس مساكين يعملون عليها في البحر، ويتكسَّبون من ورائها رِزْقهم، وسبب خرقي لها: أن أمامهم مَلِكًا ظالمًا؛ إذا مرَّت عليه سفينة صالحة، فإنه يأخذها لنفسه ظلمًا وغَصْبًا، وإذا كانت مَعِيبةً، فإنه يتركها، فأردتُّ أن أعيبها بذلك الخَرْقِ؛ لِتَسْلَمَ لأصحابها.

[80] ﴿وَأَمَّا ٱلۡغُلَٰمُ فَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤۡمِنَيۡنِ فَخَشِينَآ أَن يُرۡهِقَهُمَا طُغۡيَٰنٗا وَكُفۡرٗا 80﴾:

ثم قال الخضر أيضًا: وأما الغلام الذي قتلتُهُ، فقد كان له أبوان مؤمنان، ولم يكن هو صالحًا، ولو استمَرَّ على قيد الحياة، لأثَّر عليهما غلبةُ حبِّه مما يحملهما على الكفر أو الطغيان؛ لأجل محبَّتهما إياه، أو لشدَّة حاجتهما إلى رعايته لهما.

[81] ﴿فَأَرَدۡنَآ أَن يُبۡدِلَهُمَا رَبُّهُمَا خَيۡرٗا مِّنۡهُ زَكَوٰةٗ وَأَقۡرَبَ رُحۡمٗا 81﴾:

ثم قال الخضر أيضًا: فأرَدْنا أن يُخلِفَ الله عليهما، ويرزُقَهما ولدًا صالحًا خيرًا من هذا الولد؛ يكونُ ديِّنا وخيِّرًا وصالحًا، ورحمةً لوالدَيْه.

[82] ﴿وَأَمَّا ٱلۡجِدَارُ فَكَانَ لِغُلَٰمَيۡنِ يَتِيمَيۡنِ فِي ٱلۡمَدِينَةِ وَكَانَ تَحۡتَهُۥ كَنزٞ لَّهُمَا وَكَانَ أَبُوهُمَا صَٰلِحٗا فَأَرَادَ رَبُّكَ أَن يَبۡلُغَآ أَشُدَّهُمَا وَيَسۡتَخۡرِجَا كَنزَهُمَا رَحۡمَةٗ مِّن رَّبِّكَۚ وَمَا فَعَلۡتُهُۥ عَنۡ أَمۡرِيۚ ذَٰلِكَ تَأۡوِيلُ مَا لَمۡ تَسۡطِع عَّلَيۡهِ صَبۡرٗا 82﴾:

ثم قال الخضر: وأما الجدار المائل الذي أصلَحْنَاهُ فقد كان لغلامَيْنِ يتيمَيْنِ من أهل ذلك البلد، وكان تحت هذا الجدار كنزٌ عظيم لهما، ولو سقط الجدار، لبان الكنز، وربما أخذه غيرهما فلم ينتفعا به، وكان لهما والدان صالحان، فأراد الله جل وعلا أن يَكْبَرَ هذان الغلامان ويشتدَّ عُودُهما، ثم يستخرجا كنزهما؛ رحمةً من ربك بهما، وكرامةً لوالدهما الصالح، وما فعَلْتُ جميع ما سبق عن اجتهادي ورأيي ومن تلقاء نفسي، بل كان ذلك بأمر ربي وتعليمه، واعلم أن ذلك المذكور هو تفسير ما ضاق صبرك عنه، ولم تستطعِ السكوت عليه، وبادَرْتَ في السؤال والإنكار عليّ. قال العلماء: أصحُّ الأقوال في الخَضِرِ: أنه وليٌّ أطلعه الله على بعض العلوم الغيبية التي لا يعلمها إلا الله؛ مع أن قوله لموسى: ﴿رَحۡمَةٗ مِّن رَّبِّكَۚ ﴾، وقولَهُ: ﴿وَمَا فَعَلۡتُهُۥ عَنۡ أَمۡرِيۚ ﴾، يؤيد القائلين بأنه نَبِيٌّ. وقال بعضهم: ومما يدُلُّ على أنه وليٌّ: أن النبي تكون له أُمَّةٌ وجماعة، والخضر ليس له أُمَّةٌ معروفة، أو جماعة معروفة؛ فهو سائح في الأرض؛ وسواءٌ كان وليًّا أو نبيًّا، فلا شك أن موسى أفضَلُ منه، وأغزَرُ علمًا من الخضر فيما يخص الرسالة، ومع ذلك لمَّا علم موسى أن عنده علمًا لا يعرفه، ذهب إليه وتكبَّد في ذلك المشاقَّ؛ لأن العلم من أنفس المطلوبات، وتُشَدُّ إليه الرحال، ويبذل فيه الغالي والنفيس.

[83] ﴿وَيَسۡـَٔلُونَكَ عَن ذِي ٱلۡقَرۡنَيۡنِۖ قُلۡ سَأَتۡلُواْ عَلَيۡكُم مِّنۡهُ ذِكۡرًا 83﴾:

ثم أخبَرَ سبحانه أن المشركين سألوا النبي ﷺ عن قصةِ المَلِكِ الصالح (ذي القَرْنَيْن)، فأمَرَهُ أن يقول لهم: سوف أقرأ عليكم شيئًا من أحواله؛ ما يكون فيه ذكرى وموعظة وعِبْرة لكم.

وذو القرنَيْنِ الأكبر اليوناني، اسمه: (إسكَنْدَرُ بنُ فيلقوس).

قال مجاهد: (ملَكَ الأرضَ كلَّها)، وقصدُهُ: الأرضُ المعروفة آنذاك.

وقال ابن كَثِير([1]): (إنه ما كان نبيًّا، وكان مؤمنًا صالحًا، وهو غير ذي القرنين: إسكندر الرومي الذي كان متأخِّرًا عنه بقرون كثيرة، وكان كافرًا ظالمًا، اجتاح الشام وأرض فارس، وقتل خلقًا كثيرًا. أما ذو القرنين الأوَّل، وهو: (إسكندَرُ بنُ فيلقوس)، فقد استعمل الأسباب التي منحها الله له، وأَتْبَعها بسبب منه، وهي العزيمةُ والهِمَّةُ العالية التي أراد بها تطويع العباد لله) أهـ. [1] ينظر: تفسير ابن كثير (5/189)، والبداية والنهاية لابن كثير (2/122).

[84] ﴿إِنَّا مَكَّنَّا لَهُۥ فِي ٱلۡأَرۡضِ وَءَاتَيۡنَٰهُ مِن كُلِّ شَيۡءٖ سَبَبٗا 84﴾:

ثم أخبَرَ سبحانه نبيه ﷺ، فقال: لقد مكَّنَّا لذي القرنَيْنِ من النفوذ في الأرض، وأعطيناه من كل شيء يحتاجُ إليه في فتح الأرض، ونَشْرِ العدلِ والخيرِ فيها.

[85] ﴿فَأَتۡبَعَ سَبَبًا 85﴾:

ثم بيَّن جل وعلا أن ذا القرنين أخذ بما هيأنا له من الأسباب بكلِّ جدٍّ واجتهاد وعزيمة.

[86] ﴿حَتَّىٰٓ إِذَا بَلَغَ مَغۡرِبَ ٱلشَّمۡسِ وَجَدَهَا تَغۡرُبُ فِي عَيۡنٍ حَمِئَةٖ وَوَجَدَ عِندَهَا قَوۡمٗاۖ قُلۡنَا يَٰذَا ٱلۡقَرۡنَيۡنِ إِمَّآ أَن تُعَذِّبَ وَإِمَّآ أَن تَتَّخِذَ فِيهِمۡ حُسۡنٗا 86﴾:

فلمَّا وصل ذو القرنين مَغْرِبَ الشمس، أي: مَغْرِبَها عن الأرض المعروفة في ذلك الزمان، وجدها تغرُبُ في عَيْنٍ حَمِئةٍ، أي: حارَّةٍ ذات طين أسود، ووجَدَ عندها أناسًا كافرين؛ فخيَّره جل وعلا بين أمرين: إما أن تعذِّبهم بالقتل وغيره بسبب كفرهم؛ إذا لم يؤمنوا بالله عز وجل، ويقرُّوا بالتوحيد، وإما أن تُحْسِنَ إليهم بتعليمهم الهدى وتبصيرهم بالرشاد بعد أن تتغلَّب عليهم؛ فكان أن أحسَنَ للصالحين وأثابهم وشجَّعهم، وأذَلَّ العصاة المجرمين وعاقبهم.

[87] ﴿قَالَ أَمَّا مَن ظَلَمَ فَسَوۡفَ نُعَذِّبُهُۥ ثُمَّ يُرَدُّ إِلَىٰ رَبِّهِۦ فَيُعَذِّبُهُۥ عَذَابٗا نُّكۡرٗا 87﴾:

فأجابهم ذو القرنَيْنِ بأنْ جعل الناس قسمين، قسمٌ: ظلَمَ نفسه بالكفر والمعاصي، وقسمٌ: آمَنَ بالله وعمل صالحًا، وأجاب عن القسم الأول، فقال: أما مَنْ ظلم نفسه بالكفر والإصرار على الشرك، فسوف نعذِّبه في هذه الحياة الدنيا بقتله إنْ أصر على الكفر، ثم يُرجَعُ إلى ربه فيعذِّبه عذابًا فظيعًا أليمًا.

[88] ﴿وَأَمَّا مَنۡ ءَامَنَ وَعَمِلَ صَٰلِحٗا فَلَهُۥ جَزَآءً ٱلۡحُسۡنَىٰۖ وَسَنَقُولُ لَهُۥ مِنۡ أَمۡرِنَا يُسۡرٗا 88﴾:

ثم أجاب عن القسم الثاني، فقال: وأما مَنْ آمن ووحَّد وصدَّق، وأتبَعَ ذلك بالعمل الصالح، فهذا جزاؤه الجنة والحالة الحسنة عند الله سبحانه وتعالى ، ونحن سنُحْسِنُ إليه، وسنقول له القول الحسَنَ اللَّيِّن.

[89] ﴿ثُمَّ أَتۡبَعَ سَبَبًا 89﴾:

ثم عاد ذو القرنين راجعًا إلى المَشْرِقِ، مُتْبِعًا الأسباب التي أعطاه الله إياها.

[90] ﴿حَتَّىٰٓ إِذَا بَلَغَ مَطۡلِعَ ٱلشَّمۡسِ وَجَدَهَا تَطۡلُعُ عَلَىٰ قَوۡمٖ لَّمۡ نَجۡعَل لَّهُم مِّن دُونِهَا سِتۡرٗا 90﴾:

ثم ذهب ذو القرنين إلى مَطْلِعِ الشمس، أي: الموضعِ الذي تطلُعُ منه الشمس من جهة المشرق، ثم أوغَلَ فيه حتى وصل إلى أناس ليس لهم سِتْرٌ يحجُبُ حرارة الشمس عنهم، ولا شجرٌ يستظلُّون به؛ بسبب جهلهم وحياتهم البدائية، ومع ذلك: فقد آمنوا به وبالإيمان الذي حمله لهم.

[91] ﴿كَذَٰلِكَۖ وَقَدۡ أَحَطۡنَا بِمَا لَدَيۡهِ خُبۡرٗا 91﴾:

ثم بيَّن جل وعلا أن ما ذكره عن ذي القرنين، فإنه مطَّلِعٌ عليه، وأنه سبحانه وتعالى قد أحاط علمًا كاملًا بما عنده من الخير والأسباب العظيمة حيثما توجَّه وسار.

[92] ﴿ثُمَّ أَتۡبَعَ سَبَبًا 92﴾:

ثم سار ذو القرنين مواصلًا طريقه بالأسباب التي يسَّرناها له وعلَّمناه إياها.

[93] ﴿حَتَّىٰٓ إِذَا بَلَغَ بَيۡنَ ٱلسَّدَّيۡنِ وَجَدَ مِن دُونِهِمَا قَوۡمٗا لَّا يَكَادُونَ يَفۡقَهُونَ قَوۡلٗا 93﴾:

ثم أخبَرَ سبحانه أن ذا القرنين واصل سيره حتى وصل بيَّن السَّدَّيْنِ، وهما الجبلان الحاجزان لِمَا وراءهما، وكانا معروفَيْنِ في ذلك الزمان؛ فوجد من دون السدَّيْنِ أناسًا لا يعرفون كلام غيرهم بسبب عُجْمةِ ألسنتهم، ولكنَّ الله أعطى ذا القرنين القدرة على فهمهم ومحاورتهم.

[94] ﴿قَالُواْ يَٰذَا ٱلۡقَرۡنَيۡنِ إِنَّ يَأۡجُوجَ وَمَأۡجُوجَ مُفۡسِدُونَ فِي ٱلۡأَرۡضِ فَهَلۡ نَجۡعَلُ لَكَ خَرۡجًا عَلَىٰٓ أَن تَجۡعَلَ بَيۡنَنَا وَبَيۡنَهُمۡ سَدّٗا 94﴾:

ثم بيَّن سبحانه أن هؤلاء القوم اشتكَوْا إلى ذي القرنين؛ فقالوا: يا ذا القرنين، إن يأجوج ومأجوج -وهما أمَّتان عظيمتان من بني آدم من أولاد يَافِثَ بنِ نُوحٍ عليه السلام- قومٌ شِرِّيرون وظالمون، وقد أفسدوا الحَرْث والنَّسْل بالقتل وأخذ الأموال؛

فهل نجمع لك مالًا مقابِلَ؛ أن تجعل بيننا وبينهم حاجزًا قويًّا حتى لا يتسرَّبوا إلينا؟

[95] ﴿قَالَ مَا مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيۡرٞ فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ أَجۡعَلۡ بَيۡنَكُمۡ وَبَيۡنَهُمۡ رَدۡمًا 95﴾:

وكان ذو القرنين -مع إيمانه وصلاحه- حكيمًا، فقال لهم: ما أعطاني الله من القوة والمال والسلطان خيرٌ لي من المال، ولكنِ اعملوا معنا بقوَّة أيديكم، وسوف نقيم لكم رَدْمًا، وليس سَدًّا؛ لأن السَّدَّ يتحطَّم من الزلازل وعوامل التعرية، والرَّدْمُ يكون على شكل جبل يصل بين الجبلين لا يتأثَّر بالزلازل وعوامل التعرية؛ وهكذا يكون الإصلاح.

[96] ﴿ءَاتُونِي زُبَرَ ٱلۡحَدِيدِۖ حَتَّىٰٓ إِذَا سَاوَىٰ بَيۡنَ ٱلصَّدَفَيۡنِ قَالَ ٱنفُخُواْۖ حَتَّىٰٓ إِذَا جَعَلَهُۥ نَارٗا قَالَ ءَاتُونِيٓ أُفۡرِغۡ عَلَيۡهِ قِطۡرٗا 96﴾:

ثم طلَبَ ذو القرنين منهم أن يعطوه قِطَعَ الحديد، كلُّ قطعة كاللبنة المضروبة، وأخذ يصُفُّهُ ويرتفع ببنائه؛ حتى إذا ساوى بين الجبلين، قال للعمال: انفخوا على هذه الزُّبُرِ وأجِّجوا نارها؛ حتى تشتدَّ وتذيب النحاس، فلمَّا ذاب النحاس، قال: أعطوني أُفْرِغْ عليه هذا النحاس المذاب؛ فأفرَغَهُ عليه، فاشتدَّ واستحكم استحكامًا عظيمًا، وصار جبلًا عظيمًا سَدَّ الفراغ الذي بين الجبلين.

[97] ﴿فَمَا ٱسۡطَٰعُوٓاْ أَن يَظۡهَرُوهُ وَمَا ٱسۡتَطَٰعُواْ لَهُۥ نَقۡبٗا 97﴾:

ثم بيَّن سبحانه أن هذا الردم لشدَّةِ إحكامه ما استطاع يأجوج ومأجوج أن يرتقوا فوقه؛ لارتفاعِهِ الشديدِ ومَلَاسَتِه، وما استطاعوا أن يَخْرِقوه أو يُحْدِثوا فيه ثُقْبًا؛ وذلك لإحكامه وقوته.

[98] ﴿قَالَ هَٰذَا رَحۡمَةٞ مِّن رَّبِّيۖ فَإِذَا جَآءَ وَعۡدُ رَبِّي جَعَلَهُۥ دَكَّآءَۖ وَكَانَ وَعۡدُ رَبِّي حَقّٗا 98﴾:

ثم قال ذو القرنين: إنَّ ما فعلتُهُ من بناء هذا الرَّدْمِ؛ ليكون حاجزًا ومانعًا من أذى يأجوج ومأجوج، هو رحمة من الله بالناس الذين طلبوا مني ذلك؛ وهذا لا شكَّ من الخير ودفع الشر، ولكنْ كما أن لكل مخلوق نهايةً، فكذلك إذا جاء وعدُ الله وأمرُهُ بخروج يأجوج ومأجوج، فإنه سوف يجعل هذا الرَّدْمَ دكًّا مستويًا بالأرض، ولا شكَّ أن وعد الله حقٌّ لا ريب فيه.

[99] ﴿وَتَرَكۡنَا بَعۡضَهُمۡ يَوۡمَئِذٖ يَمُوجُ فِي بَعۡضٖۖ وَنُفِخَ فِي ٱلصُّورِ فَجَمَعۡنَٰهُمۡ جَمۡعٗا 99﴾:

ثم أخبَرَ جل وعلا أنه ترَكَ يأجوج ومأجوج مختلطِينَ يموج بعضهم في بعض، فإذا نُفِخَ في الصور، جُمِعَتِ الجن والإنس كلها جَمْعًا للحساب والجزاء.

[100] ﴿وَعَرَضۡنَا جَهَنَّمَ يَوۡمَئِذٖ لِّلۡكَٰفِرِينَ عَرۡضًا 100﴾:

ثم أخبَرَ سبحانه أنه سيوف يعرض جهنم يومئذ -أي: يوم القيامة- للكافرين الجاحدين عرضًا حقيقيًّا؛ لتكون مأواهم، وليذوقوا عذابها؛ جزاء ما قدَّمت أيديهم.

[101] ﴿ٱلَّذِينَ كَانَتۡ أَعۡيُنُهُمۡ فِي غِطَآءٍ عَن ذِكۡرِي وَكَانُواْ لَا يَسۡتَطِيعُونَ سَمۡعًا 101﴾:

ثم بيَّن سبحانه السبب الذي جعلهم يذوقون هذا العذاب الأليم، فأخبَرَ أنهم غطَّوْا بصائرهم؛ فلم ينظروا لآيات الله الدالَّة على وحدانيته، ولم يُطيقوا استماعًا للحق ولدعوة التوحيد.

[102] ﴿أَفَحَسِبَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوٓاْ أَن يَتَّخِذُواْ عِبَادِي مِن دُونِيٓ أَوۡلِيَآءَۚ إِنَّآ أَعۡتَدۡنَا جَهَنَّمَ لِلۡكَٰفِرِينَ نُزُلٗا 102﴾:

ثم قال سبحانه: وهل يظُنُّ الذين جحدوا بآياتي أن يتَّخذوا بعض عباد الله أولياءَ لهم يعبدونهم من دون الله؟! فلْيَعْلَموا أن ذلك لا يكون جائزًا أبدًا، ولْيَعْلَموا أن الله أعدَّ وهيَّأ جهنم للجاحدين المشركين ضيافةً وقِرًى لهم؛ فبئس ذلك النُّزُل، وبئس من نزلوا فيه!

[103] ﴿قُلۡ هَلۡ نُنَبِّئُكُم بِٱلۡأَخۡسَرِينَ أَعۡمَٰلًا 103﴾:

وقل -أيها النبي- مُنذِرًا ومخوِّفًا الناس: هل نُخْبِركم بأخسر الناس أعمالًا يوم القيامة؟ فاعلموا أنهم هم الكفَّار الذين صادروا الدعوة وحاربوها، وهم -كما ذكر الله عنهم-: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمۡ لَا تُفۡسِدُواْ فِي ٱلۡأَرۡضِ قَالُوٓاْ إِنَّمَا نَحۡنُ مُصۡلِحُونَ﴾ [البقرة:11]، وقال تعالى: ﴿وَقَالَ فِرۡعَوۡنُ ذَرُونِيٓ أَقۡتُلۡ مُوسَىٰ وَلۡيَدۡعُ رَبَّهُۥٓۖ إِنِّيٓ أَخَافُ أَن يُبَدِّلَ دِينَكُمۡ أَوۡ أَن يُظۡهِرَ فِي ٱلۡأَرۡضِ ٱلۡفَسَادَ﴾ [غافر:26]. وهكذا كل الضُّلَّالِ حتى من الفرق الإسلامية؛ وهذا يفسِّر قوله: ﴿كَذَٰلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمۡ﴾ [الأنعام:108]، أي: كلُّ من اختار الهدى، فهو اختياره، ومن اختار الضلال، فهو اختياره، وحبَّبنا لكلٍّ منهم ما اختار.

[104] ﴿ٱلَّذِينَ ضَلَّ سَعۡيُهُمۡ فِي ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَا وَهُمۡ يَحۡسَبُونَ أَنَّهُمۡ يُحۡسِنُونَ صُنۡعًا 104﴾:

ثم بيَّن سبحانه لنبيه ﷺ أن الأخسرين أعمالًا هم الذين بطَلَ وضاع واضمحلَّ كلُّ ما عملوه، وهم يظنون أنهم محسنون في أعمالهم، وهم في الحقيقة مسيئون معاقَبون؛ لأنهم جحدوا بآيات الله، كما في الآية التالية؛ نسأل الله السلامة والعافية.

[105] ﴿أُوْلَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِـَٔايَٰتِ رَبِّهِمۡ وَلِقَآئِهِۦ فَحَبِطَتۡ أَعۡمَٰلُهُمۡ فَلَا نُقِيمُ لَهُمۡ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ وَزۡنٗا 105﴾:

ثم بيَّن أيضًا أنهم أولئك الذين جحدوا بآيات ربِّهم الدالَّة على وحدانيته، فحَبِطَتْ وبطَلَتْ بذلك أعمالهم، فلا نعبأ بهم يوم القيامة، ولا نقيم لهم قدرًا؛ فإن أحدهم لا يَزِنُ عند الله جناح بعوضة.

[106] ﴿ذَٰلِكَ جَزَآؤُهُمۡ جَهَنَّمُ بِمَا كَفَرُواْ وَٱتَّخَذُوٓاْ ءَايَٰتِي وَرُسُلِي هُزُوًا 106﴾:

واعلم أنما كان جزاء أولئك الذين حَبِطَتْ أعمالهم هو نارَ جهنم خالدين فيها؛ بسبب كُفْرهم برُسُل الله، وجحودهم بآيات الله الدالَّة على وحدانيته، وعدم الانتفاع بها؛ بل واتخاذها للسخرية والاستهزاء.

[107] ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ كَانَتۡ لَهُمۡ جَنَّٰتُ ٱلۡفِرۡدَوۡسِ نُزُلًا 107﴾:

أخبَرَ جل وعلا أن الفئة الرابحة والناجحة هم الذين آمنوا بالله واتَّبعوا رسله، وأَتْبعوا الإيمان بالعمل الصالح الذي توافرت فيه شروط قبول العمل، وهي: الإخلاص، والمتابعة، ومَنْ كانت هذه صفاتِهم، فقد أعدَّ الله لهم جنات الفردوس التي حوت جميع أنواع النعيم، وهي أعلى منازل الجنة وأوسطها، وهي أفضلها منزلًا.

[108] ﴿خَٰلِدِينَ فِيهَا لَا يَبۡغُونَ عَنۡهَا حِوَلٗا 108﴾:

ثم بيَّن سبحانه أنهم خالدون في هذه الجنات خلودًا أبديًّا، ولحُسْنِ المقام والمكان لا يريدون تحوُّلًا ولا خروجًا منها، وهذه المنزلة في الجنة حصَلُوا عليها بأسباب قيامهم بالواجبات والأعمال الصالحة واتِّباع ما جاءتهم به رُسُلُ الله.

[109] ﴿قُل لَّوۡ كَانَ ٱلۡبَحۡرُ مِدَادٗا لِّكَلِمَٰتِ رَبِّي لَنَفِدَ ٱلۡبَحۡرُ قَبۡلَ أَن تَنفَدَ كَلِمَٰتُ رَبِّي وَلَوۡ جِئۡنَا بِمِثۡلِهِۦ مَدَدٗا 109﴾:

أخبَرَ جل وعلا عن عظمته، وأن كلامه باقٍ ببقائه السرمديِّ الذي لا نهاية له، وأمَرَ نبيه ﷺ بأن يقول: لو جُعِلَ البحر مدادًا، أي: حِبْرًا، للأقلام التي يُكْتَبُ بها كلامُ الله، لَنَفِدَ البحر قبل أن تَنْفَدَ كلمات الله عز وجل، وحتى لو جئنا بمثل البحر بحارًا أخرى مَدَدًا لهذه الأقلام، فإن كلام الله لا ينتهي أبدًا.

[110] ﴿قُلۡ إِنَّمَآ أَنَا۠ بَشَرٞ مِّثۡلُكُمۡ يُوحَىٰٓ إِلَيَّ أَنَّمَآ إِلَٰهُكُمۡ إِلَٰهٞ وَٰحِدٞۖ فَمَن كَانَ يَرۡجُواْ لِقَآءَ رَبِّهِۦ فَلۡيَعۡمَلۡ عَمَلٗا صَٰلِحٗا وَلَا يُشۡرِكۡ بِعِبَادَةِ رَبِّهِۦٓ أَحَدَۢا 110﴾:

أمَرَ جل وعلا نبيه ﷺ بأن يشرح للخلق مهمَّته وهي إثباتُ التوحيدِ ولوازمِهِ وتبليغُهُ، وإثبات أنه ﷺ بشَرٌ مثل سائر الرجال، وأنه لا يتميَّز إلا بإكرام الله له بالرسالةِ والخُلُقِ الكريم الذي منحه الله، وأنه مكلَّفٌ أن يخبر الخلق الثقلَيْنِ الجن والإنس بأن إلهكم هو إله واحد لا شريك له؛ فمن رغب في النجاة والفوز برضا الله والجنة، فعليه أن يقوم بأمرَيْن، هما: العمل الصالح الموافق لشرع الله، وألَّا يُشرك في العبادة مع الله أحدًا غيره.

سورة مريم

سورة مريم عليها السلام مكيَّةٌ، وآياتها ثمانٍ وتسعون آية.

[1] ﴿كٓهيعٓصٓ 1﴾:

سبق الكلام على الحروف المقطَّعة في أول سورة البقرة. وقيل: إن هذه الحروف: اسمٌ ثانٍ للسورة.

[2] ﴿ذِكۡرُ رَحۡمَتِ رَبِّكَ عَبۡدَهُۥ زَكَرِيَّآ 2﴾:

أخبَرَ جل وعلا أن هذا الذي سوف نقُصُّهُ عليك -أيها النبي- هو ذكرُ رحمةِ ربِّك التي أحاطت بعبده ورسوله زكريا عليه السلام؛ نقُصُّهُ عليك كغيره من القصص التي نقُصُّها؛ للاعتبار والاتعاظ.

وزكريا عليه السلام مِنْ ولَدِ هارون أخي موسى عليهما السلام وكلاهما من ذرية يعقوبَ حفيدِ إبراهيم، عليهم وعلى نبينا أفضل الصلاة والسلام.

[3] ﴿إِذۡ نَادَىٰ رَبَّهُۥ نِدَآءً خَفِيّٗا 3﴾:

ثم بيَّن سبحانه أن زكريا عليه السلام لمَّا أحسَّ من نفسه الضعف، وخَشِيَ الموت، توجَّه إلى ربهِ ودعاهُ مُتضرِّعًا مسرًّا؛ تأدُّبًا مع الله جل في علاه، وإخلاصًا له، وقد شجَّعه على ذلك قول مريم عليها السلام: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ يَرۡزُقُ مَن يَشَآءُ بِغَيۡرِ حِسَابٍ﴾ [آل عمران:٣٧].

[4] ﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ ٱلۡعَظۡمُ مِنِّي وَٱشۡتَعَلَ ٱلرَّأۡسُ شَيۡبٗا وَلَمۡ أَكُنۢ بِدُعَآئِكَ رَبِّ شَقِيّٗا 4﴾:

فقال زكريا عليه السلام في دعائه: يا رب، إني قد كَبِرَتْ سنِّي، ورَقَّ عظمي، وضَعُفَتْ قوَّتي، وشاب شعر رأسي بسبب الكِبَر، وأنا رهينُ فضلك وإحسانك؛ فقد عوَّدتَّني ألَّا ترد لي طلبًا.

[5] ﴿وَإِنِّي خِفۡتُ ٱلۡمَوَٰلِيَ مِن وَرَآءِي وَكَانَتِ ٱمۡرَأَتِي عَاقِرٗا فَهَبۡ لِي مِن لَّدُنكَ وَلِيّٗا 5﴾:

ثم بيَّن زكريا عليه السلام سبب الطلب وعلَّته: أنه يريد أن يحفظ لأمته دينهم وثوابتهم، وأنه يخاف على الملة أن يتولَّاها أحد من أقاربه وعَصَبته ممن لا يكون أهلًا لها؛ فلا يحسنون خلافته في اتِّباعه، ويفسدون ويبدِّلون عليهم دينهم ومعتقدهم، ثم ذكَرَ سبب هذا الخوف: أنه لن يولد له من صلبه ولدٌ يخلُفُه؛ لأن امرأته لا تلد خِلْقةً؛ فالعاقر من الرجال والنساء هو الذي لا يلِدُ ذرية، يعني: عنده مانعٌ خِلْقِيٌّ؛ ولهذه الأسباب أتوجَّه إليك يا رب أن ترزقني -من فضلك الواسع، وبقدرتك التي لا يمنعها -إذا شئت- موانع ولدًا مِنْ صلبي يخلُفُني في قومي، ويقيم الحق والعدل؛ فإنني وامرأتي عجَزْنا عن الإنجاب.

[6] ﴿يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنۡ ءَالِ يَعۡقُوبَۖ وَٱجۡعَلۡهُ رَبِّ رَضِيّٗا 6﴾:

ثم قال زكريا: واجعَلْ هذا الولد -يا رب- يَرِثُني ويَرِثُ آل يعقوب بالنبوَّة والعمل الصالح، واجعله -يا رب- مرضيًّا عندك وعند المؤمنين. وقوله: ﴿رَبِّ﴾، فيه تلطُّفٌ بالسؤال، وإثبات الافتقار لله والرغبة إليه.

[7] ﴿يَٰزَكَرِيَّآ إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلَٰمٍ ٱسۡمُهُۥ يَحۡيَىٰ لَمۡ نَجۡعَل لَّهُۥ مِن قَبۡلُ سَمِيّٗا 7﴾:

وبعد هذا النداء والإلحاح على الله، بشَّر جل وعلا نبيه زكريا بإجابة دعوته، وأخبَرَهُ أنه سيرزقه ولدًا سمَّاه: يحيى، وأخبَرَ أنه لم يسمَّ أحدٌ بهذا الاسم من قبل، ولا شكَّ أن هذه معجزةٌ تمَّت من عند الله على زكريا وزوجه؛ قال تعالى: ﴿فَنَادَتۡهُ ٱلۡمَلَٰٓئِكَةُ وَهُوَ قَآئِمٞ يُصَلِّي فِي ٱلۡمِحۡرَابِ أَنَّ ٱللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحۡيَىٰ﴾ [آل عمران:39].

والبشارة: هي إخبارُ الشخص بما يسُرُّهُ ويُفْرِحه.

[8] ﴿قَالَ رَبِّ أَنَّىٰ يَكُونُ لِي غُلَٰمٞ وَكَانَتِ ٱمۡرَأَتِي عَاقِرٗا وَقَدۡ بَلَغۡتُ مِنَ ٱلۡكِبَرِ عِتِيّٗا 8﴾:

فلمَّا أتت زكريا البِشَارةُ، توجَّه إلى ربه، وذكَرَ -على سبيل التعجُّب- المعوِّقات التي تعوق حصوله على الولد، فقال: يا رب، كيف يكون لي ولد وأنت تعلم أن امرأتي عجوز وعاقر لا تلد، وأنا شيخٌ كبيرٌ في أيامي الأخيرة؟!

[9] ﴿قَالَ كَذَٰلِكَ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٞ وَقَدۡ خَلَقۡتُكَ مِن قَبۡلُ وَلَمۡ تَكُ شَيۡـٔٗا 9﴾:

فأجابه المَلَكُ الذي بلَّغه البشارة، فقال له: نَعَمِ؛ الأمرُ -كما قلتَ يا زكريا- مُتَعجَّبٌ منه، ولكنِ اعلم أن خَلْقَ يحيى مع وجود هذه المعوِّقات سهلٌ ويسير على ربك؛ والدليل على ذلك: أنه خلقك وأوجدك من قبل ولم تكن شيئًا مذكورًا؛ فإن الله تعالى لا يعجزه شيء أبدًا.

[10] ﴿قَالَ رَبِّ ٱجۡعَل لِّيٓ ءَايَةٗۖ قَالَ ءَايَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ ٱلنَّاسَ ثَلَٰثَ لَيَالٖ سَوِيّٗا 10﴾:

ثم طلَبَ زكريا عليه السلام من ربه علامةً تدُلُّ على بداية إجابة طلبه، فأوحى الله إليه: أن العلامة أنك لا تستطيع أن تكلِّم الناس ثلاثة أيام، أي: أنك سوف تُحْبَسُ عن الكلام وأنت صحيحٌ معافًى، ثم رأى الآية وشعَرَ بها عليه السلام، فعرَفَ أن امرأته حامل، وإنما طلَبَ العلمَ بالعلامة التي تدُلُّ على أن امرأته حامل؛ ليبدأ عليه السلام بالصيام شكرًا لله.

[11] ﴿فَخَرَجَ عَلَىٰ قَوۡمِهِۦ مِنَ ٱلۡمِحۡرَابِ فَأَوۡحَىٰٓ إِلَيۡهِمۡ أَن سَبِّحُواْ بُكۡرَةٗ وَعَشِيّٗا 11﴾:

ثم خرَجَ عليه السلام على قومه من مكان عبادته، وهو على حاله التي لا يستطيعُ فيها الكلام؛ فأوحى إليهم، أي: أشار إليهم أن يذكُرُوا الله ويسبِّحوه ويصلُّوا له من الفجر إلى الضحى، ومن العصر إلى المغرب.

[12] ﴿يَٰيَحۡيَىٰ خُذِ ٱلۡكِتَٰبَ بِقُوَّةٖۖ وَءَاتَيۡنَٰهُ ٱلۡحُكۡمَ صَبِيّٗا 12﴾:

ولمَّا وُلِدَ يحيى، واكتمل نموُّه، واجتاز مرحلة الطفولة، وأصبح يفهم التوراة وما يُوحَى إليه، ويستطيعُ إبلاغ الرسالة، أعطاه الله الحُكْمَ والنبوَّةَ صبيًّا، وأمَرَه أن يأخذ التوراة بقوَّة، أي: بهمَّة وعزيمة واجتهاد، وأن يكون خيرَ خَلَفٍ لخير سلف، وقد روي: أن الصبيان دعَوْهُ إلى اللعب، فقال لهم: (ما لِلَّعْبِ خُلِقْنَا).

[13] ﴿وَحَنَانٗا مِّن لَّدُنَّا وَزَكَوٰةٗۖ وَكَانَ تَقِيّٗا 13﴾:

ثم بيَّن سبحانه أنه وهب يحيى عليه السلام ورزَقَهُ رحمةً ومحبَّةً وحنانًا، وطهَّره من الذنوب والمعاصي، وأنه كان مطيعًا لربه؛ يؤدِّي أوامره، ويجتنب نواهيه.

[14] ﴿وَبَرَّۢا بِوَٰلِدَيۡهِ وَلَمۡ يَكُن جَبَّارًا عَصِيّٗا 14﴾:

وبيَّن سبحانه أنه كان بارًّا بوالدَيْه، لطيفًا معهما، محسنًا إليهما، ولم يكنْ مستكبرًا ولا ظالمًا ولا متجبِّرًا ولا عاصيًا لربِّه سبحانه وتعالى.

[15] ﴿وَسَلَٰمٌ عَلَيۡهِ يَوۡمَ وُلِدَ وَيَوۡمَ يَمُوتُ وَيَوۡمَ يُبۡعَثُ حَيّٗا 15﴾:

ثم ختَمَ سبحانه هذه الأوصاف الجميلة التي وصَفَ الله بها يحيى عليه السلام؛ حيث قال: فسلامٌ وأمانٌ من الله من كل ما يسوء يحيى من شيطانٍ أو شرٍّ أو عقابٍ حين ولادته، وحين موته، وفي قبره، وحين يَبْعَثُهُ الله يوم القيامة.

[16] ﴿وَٱذۡكُرۡ فِي ٱلۡكِتَٰبِ مَرۡيَمَ إِذِ ٱنتَبَذَتۡ مِنۡ أَهۡلِهَا مَكَانٗا شَرۡقِيّٗا 16﴾:

ثم ذكَرَ جل وعلا لنبيه محمد ﷺ قصَّةَ مريم عليها السلام؛ فقال سبحانه: واذكُرْ -أيها النبي- لقومك قصَّةَ مريمَ البَتُولِ أمِّ عيسى عليهما السلام؛ حيث اعتزَلَتْ قومها وتباعَدَتْ عنهم إلى جهة الشرق.

[17] ﴿فَٱتَّخَذَتۡ مِن دُونِهِمۡ حِجَابٗا فَأَرۡسَلۡنَآ إِلَيۡهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرٗا سَوِيّٗا 17﴾:

ثم بين سبحانه أنها جعلت بينها وبينهم حجابًا يستُرُها عنهم، وفي هذا المكانِ نزَلَ عليها المَلَكُ وهو جبريل عليه السلام، وتمثَّل لها على صورة إنسان تامِّ الخلق. قال الحسن رضي الله عنه: (موضعها الذي اعتزَلَتْ به هو مسجد صلاتها؛ لذلك اتَّخذ النصارى قِبْلتهم جهة المشرق، كما اتخذ اليهودُ قِبْلتهم جهة المغرب؛ لأن الميقات الذي أُنزِلَتْ به الألواحُ على موسى عليه السلام كان جهة المغرب)، وهذا الكلام على القبلة ينطبِقُ على المقيمُ في الشام، أما المقيمُ في الغرب، فكلتاهما شرقٌ، أي: كلتا القبلتَيْنِ شرق.

[18] ﴿قَالَتۡ إِنِّيٓ أَعُوذُ بِٱلرَّحۡمَٰنِ مِنكَ إِن كُنتَ تَقِيّٗا 18﴾:

فلمَّا رأت مريم عليها السلام جبريل، قالت له: إني ألتجئ وأعتصم بالرحمن منك أن تَمَسَّني بسوء؛ إن كنت تخاف الله وتخشاه.

[19] ﴿قَالَ إِنَّمَآ أَنَا۠ رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ غُلَٰمٗا زَكِيّٗا 19﴾:

فأجابها جبريلُ عليه السلام مطمئِنًا إياها قائلًا: إنما أنا رسولٌ من اللهِ، أرسَلَني إليكِ؛ لأَهَبَ لكِ غلامًا طاهرًا من الذنوب، وخاليًا من النقائص والعيوب.

[20] ﴿قَالَتۡ أَنَّىٰ يَكُونُ لِي غُلَٰمٞ وَلَمۡ يَمۡسَسۡنِي بَشَرٞ وَلَمۡ أَكُ بَغِيّٗا 20﴾:

فأجابته عليها السلام متعجِّبةً من وجود غلامٍ مِنْ غير أب، فقالت: كيف يكون لي غلام، ولم أتزوَّجْ زواجًا شرعيًّا، ولم أَكُ ممن يعمل الفاحشة؟!

[21] ﴿قَالَ كَذَٰلِكِ قَالَ رَبُّكِ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٞۖ وَلِنَجۡعَلَهُۥٓ ءَايَةٗ لِّلنَّاسِ وَرَحۡمَةٗ مِّنَّاۚ وَكَانَ أَمۡرٗا مَّقۡضِيّٗا 21﴾:

فقال جبريل عليه السلام لمريم -مُقِرًّا إياها على استغرابها من وجودِ ولدٍ بغير الطريقة المعروفة-: ولكنْ يا مريمُ رَبُّكِ جل وعلا قال: إن هذا الأمر سهلٌ هيِّنٌ عليه، ثم بيَّن سبحانه أنه خلَقَ عيسى بهذه الطريقة الخارقة للعادة -أي: من غير أب- ليكون آيةً وعلامةً للناس يستدلُّون بها على قدرة الله، وليعلموا أن الأسباب لا تستقِلُّ بالتأثير بذاتها، وإنما تأثيرُها يكون بتقدير الله، وأيضًا ليكون رحمة للناس؛ إذا أطاعوه وآمنوا به، ثم بيَّن سبحانه أنَّ خَلْقَ عيسى وإيجاده بهذه الطريقة قضاءٌ سابقٌ مقدَّرٌ جَفَّ به القلم؛ فلا بد من نفوذه ووقوعه.

[22] ﴿فَحَمَلَتۡهُ فَٱنتَبَذَتۡ بِهِۦ مَكَانٗا قَصِيّٗا 22﴾:

ثم أخبَرَ سبحانه أن جبريل نَفَخَ في جَيْبِ مريم، فحمَلَتْ بعيسى عليه السلام كما أراد الله، ولما رأت الحمل، اعتزلت به في مكان بعيد عن قومها خَشْيةَ الفضيحة.

[23] ﴿فَأَجَآءَهَا ٱلۡمَخَاضُ إِلَىٰ جِذۡعِ ٱلنَّخۡلَةِ قَالَتۡ يَٰلَيۡتَنِي مِتُّ قَبۡلَ هَٰذَا وَكُنتُ نَسۡيٗا مَّنسِيّٗا 23﴾:

ثم بيَّن سبحانه أن مَخَاضَ الولادة وطَلْقَ الحمل ألجأها إلى ساق النخلة؛ لتعتمد عليه وتتمسَّك به من آلام الولادة، ثم قالت -وهي على هذه الحالة-: يا ليتني مِتُّ قبل هذا الذي حصل لي، ولم أكن شيئًا مذكورًا.

[24] ﴿فَنَادَىٰهَا مِن تَحۡتِهَآ أَلَّا تَحۡزَنِي قَدۡ جَعَلَ رَبُّكِ تَحۡتَكِ سَرِيّٗا 24﴾:

فناداها ابنها عيسى عليه السلام أثناء المخاض والولادة؛ ليُذْهِبَ عنها الحزن، فقال لها: لا تحزني -يا أماه- قد جعل ربك تحتك سريًّا، قيل: إنه يتكلَّم عن نفسه، وقيل: إنه يتكلَّم عن الماء الجاري بجانبها. قال العلامة محمد الأمين الشِّنْقيطيُّ صاحب أضواء البيان: (أظهر القولَيْنِ عندي أن الذي ناداها هو ابنها عيسى؛ وتدُلُّ على ذلك قرينتان: القرينة الأولى: أن الضمير يرجع إلى أقربِ مذكورٍ إلا بدليل صارف عن ذلك يجب الرجوع إليه، وأقربُ مذكور في الآية هو عيسى لا جبريل؛ لأنَّ الله قال: ﴿فَحَمَلَتۡهُ﴾، يعني: عيسى، ﴿فَٱنتَبَذَتۡ بِهِۦ﴾، أي: بعيسى، ثم قال بعده: ﴿فَنَادَىٰهَا﴾؛ فالذي يظهر ويتبادر من السياق أنه عيسى. والقرينةُ الثانية: أنها لمَّا جاءت به قومها تَحْمِله، وقالوا لها ما قالوا، أشارت إلى عيسى ليكلِّموه؛ كما قال تعالى عنها: ﴿فَأَشَارَتۡ إِلَيۡهِۖ ﴾، وإشارتها إليه ليكلِّموه: قرينةٌ على أنها عرَفَتْ قبل ذلك أنه يتكلَّم على سبيل خَرْق العادة؛ لندائه لها عندما وضعته). وزيادةً على ما قال شيخنا رحمه الله: فإنَّ جبريل أجلُّ وأعزُّ من أن يكون تحتها في مثل هذا الوضع.

[25] ﴿وَهُزِّيٓ إِلَيۡكِ بِجِذۡعِ ٱلنَّخۡلَةِ تُسَٰقِطۡ عَلَيۡكِ رُطَبٗا جَنِيّٗا 25﴾:

ثم قال لها ابنها عيسى عليه السلام: وأمسكي -يا أماه- بجِذْعِ النخلة، وحرِّكيه يمينًا ويسارًا؛ لتساقِطَ عليك رُطَبًا طريًّا لذيذًا نافعًا، والمقصودُ بذلك: هو العمل بالأسباب.

[26] ﴿فَكُلِي وَٱشۡرَبِي وَقَرِّي عَيۡنٗاۖ فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ ٱلۡبَشَرِ أَحَدٗا فَقُولِيٓ إِنِّي نَذَرۡتُ لِلرَّحۡمَٰنِ صَوۡمٗا فَلَنۡ أُكَلِّمَ ٱلۡيَوۡمَ إِنسِيّٗا 26﴾:

ثم أوحى الله لمريم على لسان ابنها عيسى؛ حيث قال: فكلي -يا مريم- من هذا الرُّطَب، واشربي من هذا الماء، وطِيبي نفسًا بهذا المولود، فإذا رأيتِ أحدًا من البشر، واستغرَبَ منك هذا الولَدَ، فقولي عن طريق الإشارة: إني أخَذْتُ على نفسي لله صومًا، أي: سكوتًا، فلنْ أكلِّم اليوم أحدًا من الناس.

[27] ﴿فَأَتَتۡ بِهِۦ قَوۡمَهَا تَحۡمِلُهُۥۖ قَالُواْ يَٰمَرۡيَمُ لَقَدۡ جِئۡتِ شَيۡـٔٗا فَرِيّٗا 27﴾:

ثم جاءت مريمُ عليها السلام بولدها عيسى وهي تَحْمِله، فلمَّا رآها قومها، قالوا مباشرةً: يا مريم، لقد جِئْتِ بأمرٍ عظيم؛ كيف لك بهذا الابن بدون زواج شرعي؟!

[28] ﴿يَٰٓأُخۡتَ هَٰرُونَ مَا كَانَ أَبُوكِ ٱمۡرَأَ سَوۡءٖ وَمَا كَانَتۡ أُمُّكِ بَغِيّٗا 28﴾:

ثم أخذوا في توبيخها وتقريعها قائلين: يا أخت هارونَ العبدِ الصالح، ما كان أبوكِ رجلًا يأتي الفواحش، ولا كانت أمُّكِ كذلك! فكيف كنتِ على غير وصفهما، وجئتِ بما لم يأتيا به؟!

[29] ﴿فَأَشَارَتۡ إِلَيۡهِۖ قَالُواْ كَيۡفَ نُكَلِّمُ مَن كَانَ فِي ٱلۡمَهۡدِ صَبِيّٗا 29﴾:

فلم تَرُدَّ مريمُ عليها السلام عليهم بالقول، وإنما أشارت إلى عيسى عليه السلام ليكلِّموه ويسألوه، فقالوا متعجِّبين ومنكرين عليها: كيف نكلِّم هذا الطفل الرضيع الذي لا يزال في المهد؟!

[30] ﴿قَالَ إِنِّي عَبۡدُ ٱللَّهِ ءَاتَىٰنِيَ ٱلۡكِتَٰبَ وَجَعَلَنِي نَبِيّٗا 30﴾:

وهنا حصَلَتِ المعجزةُ التي بَهَرَتْهم وأنطَقَ الله عيسى عليه السلام؛ فكان أول ما نطَقَ به: أن اعترف بعبوديته لله -بخلاف ما افترت به النصارى بزعمهم أنه إلهٌ أو ابنٌ للإله- فقال: إني عبدٌ لله، أعطاني الله الإنجيلَ، وجعلني نبيًّا من أنبيائه.

[31] ﴿وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيۡنَ مَا كُنتُ وَأَوۡصَٰنِي بِٱلصَّلَوٰةِ وَٱلزَّكَوٰةِ مَا دُمۡتُ حَيّٗا 31﴾:

ثم قال عيسى: وجعَلَني مباركًا عظيم النفع، معلِّمًا للناس الخير والتوحيد أينما كنت في أي زمان ومكان، وأوصاني بالمحافظة على الصلاة التي هي مِنْ أعظم حقوق الله جل وعلا؛ لأنها اشتمَلَتْ على توحيده بالعبادة، وأوصاني بالزكاة التي هي مِنْ أجلِّ حقوق العباد، وأوصاني أن أحافظ على ذلك مُدَّةَ دوام حياتي.

[32] ﴿وَبَرَّۢا بِوَٰلِدَتِي وَلَمۡ يَجۡعَلۡنِي جَبَّارٗا شَقِيّٗا 32﴾:

وقال أيضًا: وأوصاني ببِرِّ والدتي، وأن أُحسِنَ إليها غاية الإحسان، ولم يجعلني الله متكبِّرًا ولا متعاظمًا، ولا شقيًّا عاصيًا لأوامر ربي؛ بل مطيعًا لله، متواضعًا لعباد الله.

[33] ﴿وَٱلسَّلَٰمُ عَلَيَّ يَوۡمَ وُلِدتُّ وَيَوۡمَ أَمُوتُ وَيَوۡمَ أُبۡعَثُ حَيّٗا 33﴾:

ثم قال: وقد مَنَّ الله عليَّ بأنْ سلَّمني الله، وأمَّنني يوم ولادتي، ويوم موتي، ويوم بعثي حيًّا يوم القيامة.

[34] ﴿ذَٰلِكَ عِيسَى ٱبۡنُ مَرۡيَمَۖ قَوۡلَ ٱلۡحَقِّ ٱلَّذِي فِيهِ يَمۡتَرُونَ 34﴾:

واعلم -أيها النبي- أن ذلك الموصوف بتلك الصفات، هو عيسى بنُ مريم، وتلك حقيقة أمره من غير شكٍّ ولا مِرْية، بخلاف ما يقول فيه الممترون الشاكُّون؛ من المغضوب عليهم اليهود الذين اتَّهموا مريم عليها السلام بالفاحشة، ومن الضالِّين النصارى الذين قالوا: إنه ابنُ الله؛ تعالى الله عمَّا يقولون علوًّا كبيرًا.

[35] ﴿مَا كَانَ لِلَّهِ أَن يَتَّخِذَ مِن وَلَدٖۖ سُبۡحَٰنَهُۥٓۚ إِذَا قَضَىٰٓ أَمۡرٗا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُۥ كُن فَيَكُونُ 35﴾:

واعلموا -أيها الناس- أنه ما كان يصح ولا يستقيم ولا يليق بالله أن يتَّخِذَ ولدًا، تنزَّه سبحانه وتعالى وتقدَّس عن هذا الولد وعن كل نقص وعيب، ثم بيَّن سبحانه أنه إذا قضى أمرًا من الأمور، فإن ذلك لا يمتنع عليه ولا يصعب؛ بل إذا قال له: (كن) فإنه يكون مباشرةً كما أراد.

[36] ﴿وَإِنَّ ٱللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمۡ فَٱعۡبُدُوهُۚ هَٰذَا صِرَٰطٞ مُّسۡتَقِيمٞ 36﴾:

ثم قال لهم عيسى عليه السلام: يا قوم، إن الله ربي وربُّكم، وهو الذي خلقنا ورزقنا، وهو الذي يحيينا ويميتنا؛ فأَخْلِصوا له العبادة وحده دون من سواه، وهذا هو الطريق البيِّن الواضح الموصِّل إلى الله جل في علاه.

[37] ﴿فَٱخۡتَلَفَ ٱلۡأَحۡزَابُ مِنۢ بَيۡنِهِمۡۖ فَوَيۡلٞ لِّلَّذِينَ كَفَرُواْ مِن مَّشۡهَدِ يَوۡمٍ عَظِيمٍ 37﴾:

ثم أخبَرَ جل وعلا أن الأحزابَ وفِرَقَ الضلال اختلفت في شأن عيسى عليه السلام؛ فمنهم: من جفاه، ولم يعترِفْ برسالته ورماه وأمَّه بالنقائص والعيوب؛ وهم اليهودُ المغضوبُ عليهم، ومنهم: من غلا فيه وأنزله فوق منزلته؛ وهم النصارى الضالُّون الذين زعم بعضهم: أنه إله، وزعم بعضهم: أنه ابن الله، وزعم آخرون منهم: أنه ثالث ثلاثة؛ تعالى الله عما يقولون علوًّا كبيرًا، ثم قال سبحانه مهدِّدًا هؤلاء المجرمين: فويل للذين كفَرُوا وجحَدُوا بآيات الله ورسله من مشهد يوم القيامة، ذلك المشهد العظيم.

[38] ﴿أَسۡمِعۡ بِهِمۡ وَأَبۡصِرۡ يَوۡمَ يَأۡتُونَنَا لَٰكِنِ ٱلظَّٰلِمُونَ ٱلۡيَوۡمَ فِي ضَلَٰلٖ مُّبِينٖ 38﴾:

ثم بيَّن سبحانه أن هؤلاء الكفار سوف يكونون أقوى وأشدَّ سمعًا وبصرًا يوم القيامة، يوم يأتون إليه سبحانه للجزاء والحساب، ولكنِ الظالمون المجاوزون حدودهم في هذه الحياة الدنيا في ضلال بيِّن واضح.

[39] ﴿وَأَنذِرۡهُمۡ يَوۡمَ ٱلۡحَسۡرَةِ إِذۡ قُضِيَ ٱلۡأَمۡرُ وَهُمۡ فِي غَفۡلَةٖ وَهُمۡ لَا يُؤۡمِنُونَ 39﴾:

ثم أمَرَ سبحانه نبيه ﷺ أن يخوِّف الناس من يوم الحسرة حين يُقضَى الأمر، ويُفرَغُ من الحساب، ويصيرُ أهل الجنة، إلى الجنة، وأهل النار إلى النار، فيندم الشقيُّ حينها ندامةً يتقطَّع منها قلبه، ولا تنفعه حينها الندامة، فأنذِرْهم بذلك -أيها النبي- فإنهم اليوم في حياتهم الدنيا في غفلة عما ينتظرهم من كُرَبٍ وأهوال، وهم لا يؤمنون ولا ينقادون.

[40] ﴿إِنَّا نَحۡنُ نَرِثُ ٱلۡأَرۡضَ وَمَنۡ عَلَيۡهَا وَإِلَيۡنَا يُرۡجَعُونَ 40﴾:

ثم بيَّن جل وعلا بما يدل على شمول قدرته؛ فأخبَرَ أنه هو وحده الذي يَرِثُ الأرض ومن عليها، وأن مرجع جميع الخلائق إليه وحده، وأن حسابهم عليه وحده؛ فيجازيهم على أعمالهم؛ إنْ خيرًا فخير، وإنْ شرًّا فشرّ.

[41] ﴿وَٱذۡكُرۡ فِي ٱلۡكِتَٰبِ إِبۡرَٰهِيمَۚ إِنَّهُۥ كَانَ صِدِّيقٗا نَّبِيًّا 41﴾:

ثم أمَرَ سبحانه وتعالى نبيه محمَّدًا ﷺ أن يذكُرَ لقومه في هذا القرآن قصة أبي الأنبياء إبراهيم الخليل الأوَّاب الحليم الكريم عليه السلام، الذي بالغ في الحِرْص على دعوة أبيه وقومه؛ فنوَّع الأساليب، وذكَرَ المحاسنَ في الإيمان وعاقبته، والمساوئَ في عبادة الأصنام أو الشمس والقمر؛ فقال تعالى: وأخبِرْ -أيها النبي- قومك أنَّ إبراهيم عليه السلام كان من أعظم الأنبياء الصادقين المُخْلِصينَ في أقواله وأعماله، وقد اصطفاه الله بالنبوَّةِ والخُلَّةِ وجعله من أولي العزم من الرسل.

[42] ﴿إِذۡ قَالَ لِأَبِيهِ يَٰٓأَبَتِ لِمَ تَعۡبُدُ مَا لَا يَسۡمَعُ وَلَا يُبۡصِرُ وَلَا يُغۡنِي عَنكَ شَيۡـٔٗا 42﴾:

ثم اذكُرْ -أيها النبي- لقومك يوم أن قال إبراهيم لأبيه آزر: يا أبتِ، لماذا تتوجَّه بالدعاء والتقرُّب بأنواع القربات إلى هذه الأصنام الجامدة التي لا تَسْمَعُ ولا تُبْصِر، ولا تدفع عنك شيئًا، ولا تضر ولا تنفع؟!

[43] ﴿يَٰٓأَبَتِ إِنِّي قَدۡ جَآءَنِي مِنَ ٱلۡعِلۡمِ مَا لَمۡ يَأۡتِكَ فَٱتَّبِعۡنِيٓ أَهۡدِكَ صِرَٰطٗا سَوِيّٗا 43﴾:

ثم قال إبراهيم لأبيه: يا أبتِ، إنَّ الله أكرمني بالعلم النافع والهدى الذي لم يَصِلْكَ ولم تعرفه؛ فاقبل مني واتَّبعني إلى ما أدعوك إليه من التوحيدِ والمعتقَدِ السليم، الذي يوصِّلك إلى طريق السعادة والنجاة في الدنيا والآخرة.

[44] ﴿لَا تَعۡبُدِ ٱلشَّيۡطَٰنَۖ إِنَّ ٱلشَّيۡطَٰنَ كَانَ لِلرَّحۡمَٰنِ عَصِيّٗا 44﴾:

وقال إبراهيم لأبيه أيضًا: ويا أبتِ، لا تعبُدِ الشيطان بطاعته في اتِّخاذ هذه الأصنام آلهةً من دون الله، ولا تتَّخذه وليًّا من دون الله؛ فإنه قد عصى الله، وفسَقَ عن أمره، وخرَجَ عن طاعته.

[45] ﴿يَٰٓأَبَتِ إِنِّيٓ أَخَافُ أَن يَمَسَّكَ عَذَابٞ مِّنَ ٱلرَّحۡمَٰنِ فَتَكُونَ لِلشَّيۡطَٰنِ وَلِيّٗا 45﴾:

وقال إبراهيم أيضًا: ويا أبتِ، إني أخاف عليك -إنْ بَقِيتَ على شركك وكفرك- أن يَمَسَّكَ عذاب من الرحمن؛ فتكون للشيطان وليًّا وقرينًا في الدنيا والآخرة.

[46] ﴿قَالَ أَرَاغِبٌ أَنتَ عَنۡ ءَالِهَتِي يَٰٓإِبۡرَٰهِيمُۖ لَئِن لَّمۡ تَنتَهِ لَأَرۡجُمَنَّكَۖ وَٱهۡجُرۡنِي مَلِيّٗا 46﴾:

فقال له أبوه: أكارِهٌ أنت آلهتي يا إبراهيم ومُعْرِضٌ عنها؟! لئن لم تَكُفَّ عن سبِّ آلهتي ودعوتي لتركها، لَأَقْتُلَنَّكَ رَجْمًا بالحجارة، فاذهب عني الآن؛ فلا أريد رؤيتك، واتركني زمانًا طويلًا من الدهر.

[47] ﴿قَالَ سَلَٰمٌ عَلَيۡكَۖ سَأَسۡتَغۡفِرُ لَكَ رَبِّيٓۖ إِنَّهُۥ كَانَ بِي حَفِيّٗا 47﴾:

فقال إبراهيم لأبيه: سلامٌ عليك يا أبتِ، وتحيَّةَ وداعٍ ومتارَكةٍ لك، فلن تَرَ مني ما تكره، وسأدعو الله لك بالمغفرة؛ إنَّ الله كان بي لطيفًا رحيمًا رؤوفًا، لا يَرُدُّ دعائي، ولا يخيِّب رجائي.

[48] ﴿وَأَعۡتَزِلُكُمۡ وَمَا تَدۡعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَأَدۡعُواْ رَبِّي عَسَىٰٓ أَلَّآ أَكُونَ بِدُعَآءِ رَبِّي شَقِيّٗا 48﴾:

ثم قال إبراهيم عليه السلام: وسوف أهاجِرُ بديني، فأترُكُكم وأفارقكم أنتم وأصنامكم التي تعبدونها من دون الله، وأدعو ربي موحِّدًا مخلصًا له ديني؛ عسى الله أن يُسْعِدَني بإجابة دعائي، ولا يخيِّبَ فيه كبير رجائي.

[49] ﴿فَلَمَّا ٱعۡتَزَلَهُمۡ وَمَا يَعۡبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَهَبۡنَا لَهُۥٓ إِسۡحَٰقَ وَيَعۡقُوبَۖ وَكُلّٗا جَعَلۡنَا نَبِيّٗا 49﴾:

فلمَّا هاجر إبراهيم عليه السلام، وترَكَ قومه وما يعبدون من دون الله، وهَبَ الله له الذرية الصالحة مِنْ زوجته ساَرَةَ عليها السلام، فوهَبَ الله له إسحاق، ثم وهَبَ له من إسحاق يعقوب، وجعلهما ممن اصطفى من الأنبياء.

[50] ﴿وَوَهَبۡنَا لَهُم مِّن رَّحۡمَتِنَا وَجَعَلۡنَا لَهُمۡ لِسَانَ صِدۡقٍ عَلِيّٗا 50﴾:

ثم بيَّن سبحانه أنه أعطاهم وأغدَقَ عليهم من رحمته التي تشمل العلم النافع والعمل الصالح والذرية الطيبة، وجعل لهم ذِكْرًا حسَنًا عاليًا، وثناءً جميلًا ظاهرًا على ألسنة العباد. ومن فضل الله على إبراهيم عليه السلام: أنه استجاب لطلبه حينما قال: ﴿رَبِّ هَبۡ لِي حُكۡمٗا وَأَلۡحِقۡنِي بِٱلصَّٰلِحِينَ 83 وَٱجۡعَل لِّي لِسَانَ صِدۡقٖ فِي ٱلۡأٓخِرِينَ 84 وَٱجۡعَلۡنِي مِن وَرَثَةِ جَنَّةِ ٱلنَّعِيمِ﴾ [الشعراء:٨٣-85]، وأكرمه سبحانه بأنْ جعَلَهُ أُمَّةً وقدوةً لمن بعده، وجعل الأنبياء الذين جاؤوا بعده كلهم من ذريته ما عدا لوطًا عليه السلام، أما دعوته لأبيه: ﴿وَٱغۡفِرۡ لِأَبِيٓ إِنَّهُۥ كَانَ مِنَ ٱلضَّآلِّينَ﴾ [الشعراء:86]؛ فلم تُستَجَبْ له.

[51] ﴿وَٱذۡكُرۡ فِي ٱلۡكِتَٰبِ مُوسَىٰٓۚ إِنَّهُۥ كَانَ مُخۡلَصٗا وَكَانَ رَسُولٗا نَّبِيّٗا 51﴾:

ثم أمَرَ جل وعلا نبيه محمدًا ﷺ أن يذكُرَ لقومه في هذا القرآن قصة موسى عليه السلام، وأن يُخْبِرَهم بأن الله اختاره واصطفاه وأكرمه بأن جعله رسولًا نبيًّا مِنْ أولي العزم من الرسل.

[52] ﴿وَنَٰدَيۡنَٰهُ مِن جَانِبِ ٱلطُّورِ ٱلۡأَيۡمَنِ وَقَرَّبۡنَٰهُ نَجِيّٗا 52﴾:

ثم أخبَرَ جل وعلا أنه نادى موسى عليه السلام من ناحية جبل الطُّورِ بسَيْناء، وأنه قرَّبه وناجاه، فسَمِعَ موسى كلامَ الله جل في علاه.

[53] ﴿وَوَهَبۡنَا لَهُۥ مِن رَّحۡمَتِنَآ أَخَاهُ هَٰرُونَ نَبِيّٗا 53﴾:

ثم أخبَرَ سبحانه أن مِنْ رحمته بنبيه موسى عليه السلام: أنْ وهَبَ لأخيه هارون النبوَّةَ حسَبَ طلبه؛ لكي يساعده على أمره، ويعينه على نشر دعوته.

[54] ﴿وَٱذۡكُرۡ فِي ٱلۡكِتَٰبِ إِسۡمَٰعِيلَۚ إِنَّهُۥ كَانَ صَادِقَ ٱلۡوَعۡدِ وَكَانَ رَسُولٗا نَّبِيّٗا 54﴾:

ثم أمَرَ جل وعلا نبيه محمدًا ﷺ أن يذكُرَ لقومه في هذا القرآن قصة إسماعيل عليه السلام، وأن يُخْبِرَهم أنه كان صادقًا في وعده، فلم يُخْلِفْ وعدًا قطُّ، وبأن الله أكرمه بأنْ جعله رسولًا نبيًّا.

[55] ﴿وَكَانَ يَأۡمُرُ أَهۡلَهُۥ بِٱلصَّلَوٰةِ وَٱلزَّكَوٰةِ وَكَانَ عِندَ رَبِّهِۦ مَرۡضِيّٗا 55﴾:

ثم بين سبحانه أن إسماعيل عليه السلام كان مقيمًا لأمر الله على أهله؛ فكان يأمرهم بأداء الصلاة المتضمِّنة للإخلاص للمعبود، ويأمُرُهم بأداء الزكاة المتضمِّنة للإحسان إلى العبيد، وكان عند ربه مرضيًّا، ممن ارتضى الله لهم القُرْبَ والوَلَاية.

[56] ﴿وَٱذۡكُرۡ فِي ٱلۡكِتَٰبِ إِدۡرِيسَۚ إِنَّهُۥ كَانَ صِدِّيقٗا نَّبِيّٗا 56﴾:

ثم أمَرَ جل وعلا نبيه محمدًا ﷺ أن يذكُرَ لقومه في هذا القرآن قصة إدريس عليه السلام، وأن يُخْبِرَهم أن الله جمع له بين الصديقية والاصطفاء للوحي والاختيار للرسالة.

[57] ﴿وَرَفَعۡنَٰهُ مَكَانًا عَلِيًّا 57﴾:

ثم أخبَرَ سبحانَهُ أنَّه رَفَعَ ذِكْرَ إدريس َبين العالمين، وأنزله منزلة عالية.

[58] ﴿أُوْلَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ أَنۡعَمَ ٱللَّهُ عَلَيۡهِم مِّنَ ٱلنَّبِيِّـۧنَ مِن ذُرِّيَّةِ ءَادَمَ وَمِمَّنۡ حَمَلۡنَا مَعَ نُوحٖ وَمِن ذُرِّيَّةِ إِبۡرَٰهِيمَ وَإِسۡرَٰٓءِيلَ وَمِمَّنۡ هَدَيۡنَا وَٱجۡتَبَيۡنَآۚ إِذَا تُتۡلَىٰ عَلَيۡهِمۡ ءَايَٰتُ ٱلرَّحۡمَٰنِ خَرُّواْۤ سُجَّدٗاۤ وَبُكِيّٗا 58﴾:

واعلم -أيها الرسول- أن هؤلاء الأنبياء الذين ذكرهم الله لك: هم الذين اصطفاهم الله لتلك المنزلة العالية الرفيعة من بني آدم، ومِن ذُرِّيَّةِ مَنْ حملنا مع نوح في السفينة، ومِنْ ذرية إبراهيم ويعقوب عليهما السلام، وممن اخترنا وهدينا لمعرفة الطريق الموصِّلة إلينا؛ فهؤلاء إذا قُرِئَتْ عليهم آيات الرحمن الدالَّة على وحدانيته وعظمته، والدالَّة على الإخبار باليوم الآخر وما فيه من وعد ووعيد؛ إذا قُرئَتْ عليهم، خضعوا وأذعنوا وخشعوا، ثم خرُّوا سُجَّدًا لله باكين من خشيته.

[59] ﴿فَخَلَفَ مِنۢ بَعۡدِهِمۡ خَلۡفٌ أَضَاعُواْ ٱلصَّلَوٰةَ وَٱتَّبَعُواْ ٱلشَّهَوَٰتِۖ فَسَوۡفَ يَلۡقَوۡنَ غَيًّا 59﴾:

وبعد أن ذكَرَ جل وعلا هذه السلسلة الذهبية من الأنبياء، ذكَرَ أنه أتى بعدهم أقوامٌ بدَّلوا وغيَّروا؛ فمنهم: مَنْ ترك الصلاة بالكلية، ومنهم: مَنْ ضيَّع بعض أوقاتها، ومنهم: من ترك أركانها وواجباتها، وأيضًا اتَّبعوا شهوات أنفسهم؛ فهؤلاء أخبَرَ سبحانه أنهم سوف يَلْقَوْنَ غَيًّا، أي: عذابًا شديدًا مضاعفًا في جهنم؛ قال ابن مسعود رضي الله عنه: (الغَيُّ هو: وادٍ في جهنم)؛ وهذه الآية دليل واضح وصريح على كفر تارك الصلاة، وكذلك مع قوله ﷺ: «الْعَهْدُ الَّذِي بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمُ: الصَّلَاةُ؛ فَمَنْ تَرَكَهَا، فَقَدْ كَفَرَ»([2])، والجمهور: على أن من جحَدَ كونها فرضًا هو الذي يكفُرُ فقطْ. [2] أخرجه أحمد في المسند (22937)، والترمذي (2621)، والنسائي (463)، وابن ماجه (1079)، عن بريدة رضي الله عنه.

[60] ﴿إِلَّا مَن تَابَ وَءَامَنَ وَعَمِلَ صَٰلِحٗا فَأُوْلَٰٓئِكَ يَدۡخُلُونَ ٱلۡجَنَّةَ وَلَا يُظۡلَمُونَ شَيۡـٔٗا 60﴾:

ثم استثنى جل وعلا مِنْ هؤلاء مَنْ تاب من الشرك والبدع والمعاصي، وعاد إلى ربه، وآمَنَ بالله ورسوله ﷺ، وعمل الأعمال الصالحة المشروعة؛ فهؤلاء يَقْبَلُ الله توبتهم، ويُدْخِلهم الجنة، ولا ينقُصُونَ من ثواب أعمالهم شيئًا.

[61] ﴿جَنَّٰتِ عَدۡنٍ ٱلَّتِي وَعَدَ ٱلرَّحۡمَٰنُ عِبَادَهُۥ بِٱلۡغَيۡبِۚ إِنَّهُۥ كَانَ وَعۡدُهُۥ مَأۡتِيّٗا 61﴾:

ثم أخبَرَ سبحانَهُ أنَّ هذه الجنات التي يدخلونها لهم فيها إقامةٌ دائمةٌ؛ فلا يتحوَّلون عنها، ولا يزولون، وقد وعدهم الله هذه الجنات بالغيب، فآمنوا بذلك وصدَّقوا؛ فكيف لو رأَوْها؟! لكانوا أشدَّ لها طلبًا، وأعظَمَ فيها رغبةً، وأكثَرَ لها سعيًا؛ ولذلك امتدَحَ الله إيمانهم بالغيب، ولْيَعْلَمِ الجميع أن وعد الله آتٍ لا محالة؛ إن الله لا يخلف الميعاد.

[62] ﴿لَّا يَسۡمَعُونَ فِيهَا لَغۡوًا إِلَّا سَلَٰمٗاۖ وَلَهُمۡ رِزۡقُهُمۡ فِيهَا بُكۡرَةٗ وَعَشِيّٗا 62﴾:

ثم بيَّن سبحانه أن أهل الجنة لا يسمعون في الجنة كلامًا باطلًا ولا لغوًا لا فائدة فيه، بل لا يسمعون إلا كلَّ قولٍ سالم من كل عيب، فيسمعون ذِكْرَ الله، والتحيَّةَ وكلام السرور، والفرح والحبور، ولهم رزقهم فيها من الطعام والشراب حسَبَ ما يشتهون، صباحًا ومساء.

[63] ﴿تِلۡكَ ٱلۡجَنَّةُ ٱلَّتِي نُورِثُ مِنۡ عِبَادِنَا مَن كَانَ تَقِيّٗا 63﴾:

واعلموا -أيها الناس- أن تلك الجنة الموصوفة بتلك الصفات الحسنة الجميلة، هي التي أورثها الله لعباده المتقين الذين جعلوا بين الله وبين عذابه وِقَايةً؛ بفعل أوامره، واجتناب نواهيه.

[64] ﴿وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمۡرِ رَبِّكَۖ لَهُۥ مَا بَيۡنَ أَيۡدِينَا وَمَا خَلۡفَنَا وَمَا بَيۡنَ ذَٰلِكَۚ وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيّٗا 64﴾:

كان جبريل عليه السلام قد احتبس أيامًا عن النبي ﷺ لم يَنْزِلْ عليه، بعد أن سأله المشركون عن أصحاب الكهف، وذي القرنين، والرُّوح، فلما نزل جبريل عليه السلام، قال له النبي ﷺ: «مَا يَمْنَعُكَ أَنْ تَزُورَنَا أَكْثَرَ مِمَّا تَزُورُنَا»([3])؛ فقال جبريل للنبي ﷺ: اعلم -أيها النبي- أن الملائكة لا تتنزَّلُ من السماء إلى الأرض إلَّا بأمر من الله لها، وأنه ليس لها من الأمر شيء، بل الأمرُ له سبحانه في جميع الأمور الماضية والمستقبلة والحاضرة؛ ثم قال له: واعلم -أيها النبي- أن الله ما كان نَسِيًّا، ولا مُهْمِلًا لشيء من أعمالكم. [3] أخرجه البخاري (4731)، عن ابن عباس رضي الله عنه.

[65] ﴿رَّبُّ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ وَمَا بَيۡنَهُمَا فَٱعۡبُدۡهُ وَٱصۡطَبِرۡ لِعِبَٰدَتِهِۦۚ هَلۡ تَعۡلَمُ لَهُۥ سَمِيّٗا 65﴾:

واعلم -أيها النبي- أن ربك المالك لجميع السموات والأرض وما بينهما، لم يكن ناسيًا لشيء من أمور عباده؛ ولهذا عليك أن تعبُدَ الله وتستمِرَّ في عبادته أنت ومن اتَّبعك من المؤمنين، وتصبرَ على مشاقِّ الدعوة وما يأتيك من الأذى من قومك بسببها؛ فإنه الإله الذي لا نظيرَ ولا مثيلَ له في ذاته وأسمائه، وصفاته وأفعاله؛ كما قال تعالى: ﴿لَيۡسَ كَمِثۡلِهِۦ شَيۡءٞۖ ﴾ [الشورى:١١]. وهذه الآية تفيد أن إثبات صفات الكمال لله يأتي مفصَّلًا، أما نفي صفات النقص، فيأتي مجمَلًا.

[66] ﴿وَيَقُولُ ٱلۡإِنسَٰنُ أَءِذَا مَا مِتُّ لَسَوۡفَ أُخۡرَجُ حَيًّا 66﴾:

ثم أخبَرَ جل وعلا بمقولة ذلك الإنسان المكذِّبُ بالبعث بعد الموت الذي يقول: هل يعيدني الله حيًّا بعد الموت، وبعد أن صِرْتُ رميمًا؟! إن هذا أمر مستحيل.

[67] ﴿أَوَلَا يَذۡكُرُ ٱلۡإِنسَٰنُ أَنَّا خَلَقۡنَٰهُ مِن قَبۡلُ وَلَمۡ يَكُ شَيۡـٔٗا 67﴾:

فرَدَّ جل وعلا على مقالته الفاسدة قائلًا: أَلَا يذكُرُ هذا الإنسان المكذِّبُ بالبعث أنَّا خلقناه من قبل، ولم يكن شيئًا مذكورًا، أي: كان عَدَمًا؟! ثم أَلَا يعلم أن الذي قدَرَ على خلقه أول مرة بعد العدم، فإنه قادر على إعادته وإحيائه بعد الموت؟! وهذه الآية تذكِّرُ بموقف أُبَيِّ بن خلف الذي فرَكَ عظمًا باليًا ثم نفخه، ثم قال: أتزعُمُ -يا محمد- أن ربك يحيي هذه، وأنني سأعود إلى الحياة مرة أخرى بعد فنائي وتفرُّق أجزائي؟! فأجابه ﷺ بقوله: «نَعَمْ، يُحْيِي اللَّهُ هَذَا، وَيُمِيتُكَ، وَيُدْخِلُكَ النَّارَ»([4]). [4] أخرجه عبد الرزاق في تفسيره (2498)، عن قتادة.

[68] ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَحۡشُرَنَّهُمۡ وَٱلشَّيَٰطِينَ ثُمَّ لَنُحۡضِرَنَّهُمۡ حَوۡلَ جَهَنَّمَ جِثِيّٗا 68﴾:

ثم أقسَمَ سبحانه بذاته: أنه سيجمع هؤلاء المكذِّبين بالبعث مع شياطينهم الذين أغوَوْهم فأطاعوهم، ثم يُحْضِرُهم حول جهنم جاثين على ركبهم من شِدَّةِ ما يَرَوْنَ من الشدائد والأهوال.

[69] ﴿ثُمَّ لَنَنزِعَنَّ مِن كُلِّ شِيعَةٍ أَيُّهُمۡ أَشَدُّ عَلَى ٱلرَّحۡمَٰنِ عِتِيّٗا 69﴾:

ثم أخبر سبحانه -بعد أن يجمع هؤلاء المكذبين- أنه سَيُخرجُ بالنَّزع من كل فرقةٍ أشدَّهم تمردًا على الإيمان والتوحيد، وأجرَأَهم على الشرك والتكذيب والتنديد، فيقدِّمه إلى العذاب.

[70] ﴿ثُمَّ لَنَحۡنُ أَعۡلَمُ بِٱلَّذِينَ هُمۡ أَوۡلَىٰ بِهَا صِلِيّٗا 70﴾:

وأخبَرَ سبحانه أنه على علمٍ تامٍّ بالذين هم أولى بدخول جهنم، وتذوُّق عذابها، ومقاساة حرِّها وسَمُومها.

[71] ﴿وَإِن مِّنكُمۡ إِلَّا وَارِدُهَاۚ كَانَ عَلَىٰ رَبِّكَ حَتۡمٗا مَّقۡضِيّٗا 71﴾:

واعلموا -أيها الناس- أنه ما منكم من أحد إلا سيَرِدُ جهنم؛ وذلك بالمرور عليها من على الصراط، وأن هذا الأمر قد كتبه الله وقضاه وقدَّره أزلًا في اللوح المحفوظ -فاللهم سَلِّمْ سَلِّمْ- ومن الحكمة في ذلك: أن يشاهد المؤمنون ما أَعَدَّ الله لأعدائه من العذاب، وأن هذه النار التي يمُرُّونَ عليها لا تضُرُّ المؤمنين؛ لأنهم سوف يمرون عليها مَرَّ البَرْقِ كما أخبَرَ بذلك النبي ﷺ، وكما أن الله جعل النار التي أُوقِدَتْ لإبراهيم عليه السلام سلامًا عليه؛ فهو سبحانه قادر أن يجعل تلك النار التي يمُرُّ عليها المؤمنون يوم القيامة لا تضرهم.

[72] ﴿ثُمَّ نُنَجِّي ٱلَّذِينَ ٱتَّقَواْ وَّنَذَرُ ٱلظَّٰلِمِينَ فِيهَا جِثِيّٗا 72﴾:

ثم أخبَرَ سبحانه أنه سوف ينجِّي من هذه النار أولئك الذين اتقَوْا؛ فآمنوا بالله، وجعلوا بينهم وبين نار الله وقايةً؛ بتوحيده، وفعل أوامره، واجتناب نواهيه، وأما الذين تجاوزوا حدَّهم بالشرك والمعاصي، فسوف يتركهم الله في نار جهنَّم جاثين على ركبهم من هول ما أحاط بهم من العذاب.

[73] ﴿وَإِذَا تُتۡلَىٰ عَلَيۡهِمۡ ءَايَٰتُنَا بَيِّنَٰتٖ قَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لِلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ أَيُّ ٱلۡفَرِيقَيۡنِ خَيۡرٞ مَّقَامٗا وَأَحۡسَنُ نَدِيّٗا 73﴾:

ثم أخبَرَ سبحانه وتعالى أنه إذا قُرِئَتْ على الكفار الآيات البينات الواضحات الدالَّات على وحدانية الله جل وعلا، وصِدْقِ رسوله ﷺ، قال الذين كفروا بالله وجحدوا رسوله ﷺ: أيُّ الفريقين -نحن والمؤمنون- أفضلُ منزلًا في الدنيا، وأكثر أموالًا وأولادًا، وأحسن نَدِيًّا، أي: مجتمعًا؟! وتلك حجةٌ باطلةٌ ودليلٌ فاسد؛ فالدنيا يعطيها الله لمن يأخذ بالأسباب مؤمنًا كان أو كافرًا.

[74] ﴿وَكَمۡ أَهۡلَكۡنَا قَبۡلَهُم مِّن قَرۡنٍ هُمۡ أَحۡسَنُ أَثَٰثٗا وَرِءۡيٗا 74﴾:

ثم بيَّن سبحانه أن دليل فساد حجتهم، وبطلان فريتهم: أنه أهلك قبلهم أممًا كثيرة كانوا أحسَنَ منهم متاعًا، وأوفَرَ منهم مالًا، وأحسَنَ منهم منظرًا.

[75] ﴿قُلۡ مَن كَانَ فِي ٱلضَّلَٰلَةِ فَلۡيَمۡدُدۡ لَهُ ٱلرَّحۡمَٰنُ مَدًّاۚ حَتَّىٰٓ إِذَا رَأَوۡاْ مَا يُوعَدُونَ إِمَّا ٱلۡعَذَابَ وَإِمَّا ٱلسَّاعَةَ فَسَيَعۡلَمُونَ مَنۡ هُوَ شَرّٞ مَّكَانٗا وَأَضۡعَفُ جُندٗا 75﴾:

وقل -أيها النبي- لهؤلاء الكفار: اعلموا أن مَنْ كان في ضلاله وشِرْكه وغيِّه سائرًا، وعن الحق والتوحيد معرِضًا، فإن الله يمهله ويمده في ضلاله ويزيده فيه حبًّا؛ وذلك استدراجًا له لاختياره الضلالة على الهدى، حتى إذا رأى هؤلاء الضالُّون حقيقة الأمر: إما العذابَ في الدنيا بقتلٍ أو غيره، وإمَّا الساعةَ باقتراب عذابهم في الآخرة، فسيعلمون حينها ويتيقَّنون أنهم هم شرٌّ مكانًا، وأضعفُ جندًا؛ وهذا العلم لا يفيدهم شيئًا.

[76] ﴿وَيَزِيدُ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ٱهۡتَدَوۡاْ هُدٗىۗ وَٱلۡبَٰقِيَٰتُ ٱلصَّٰلِحَٰتُ خَيۡرٌ عِندَ رَبِّكَ ثَوَابٗا وَخَيۡرٞ مَّرَدًّا 76﴾:

ثم أخبَرَ سبحانه أنه يزيد عباده الموحِّدين الذين اهتدَوْا هدايةً على هدايتهم، فييسِّرُ لهم العلم النافع والعمل الصالح، وأخبَرَ أن الأعمال الصالحة الباقية التي يبقى أثرها، ويستمِرُّ أجرها وثوابها، هي أحسن ثوابًا عند الله، وخيرٌ مَرَدًّا.

[77] ﴿أَفَرَءَيۡتَ ٱلَّذِي كَفَرَ بِـَٔايَٰتِنَا وَقَالَ لَأُوتَيَنَّ مَالٗا وَوَلَدًا 77﴾:

خاطب جل وعلا نبيه محمدًا ﷺ، وقال له: هل رأيت -أيها النبي- هذا الكافر الذي كفَرَ بما أُنزِلَ عليك من الآيات وأنكر الوحي، وهو العاص بن وائل عندما أنكر البعث، وسَخِرَ به، وبالذي طالبه بدَيْنٍ له عليه؛ استصغارًا واحتقارًا له، وهو خَبَّابُ بنُ الأَرَتِّ؛ حيث قال لخباب: لا أعطيك حقَّك حتى تكفُرَ بمحمد، فقال خبَّاب: لا والله، لا أكفُرُ بمحمَّد حيًّا ولا ميتًا، ولا حين نُبْعَث، فقال العاص: إذَنْ فانتظِرْني إلى ذلك اليوم، فإنه سيكون عندي مالٌ وولدٌ، وسوف أعطيك حقَّك.

[78] ﴿أَطَّلَعَ ٱلۡغَيۡبَ أَمِ ٱتَّخَذَ عِندَ ٱلرَّحۡمَٰنِ عَهۡدٗا 78﴾:

فرد عز وجل عليه قائلًا: هل اطَّلع على الغيب، فعرَفَ أنه سيكون له يوم القيامة مال وولد؟! أم جاءه عهدٌ ووعدٌ من الله أنه سيكون له ذلك؟!

[79] ﴿كَلَّاۚ سَنَكۡتُبُ مَا يَقُولُ وَنَمُدُّ لَهُۥ مِنَ ٱلۡعَذَابِ مَدّٗا 79﴾:

واعلم –أيها النبي- أن الأمر ليس كذلك، بل سنكتُبُ ما يقوله هذا الكافر من الكذب والافتراء على الله، وسوف نزيد عليه أنواع العقوبات؛ كما ازداد من التكذيب والكفر والضلال.

[80] ﴿وَنَرِثُهُۥ مَا يَقُولُ وَيَأۡتِينَا فَرۡدٗا 80﴾:

ثم قال جل وعلا: وسوف نُمِيتُهُ فيُسلَبُ المالَ والولد، ويأتينا يوم القيامة وحده منفرِدًا؛ لا مالَ له ولا مَنَعةَ ولا أنصار.

[81] ﴿وَٱتَّخَذُواْ مِن دُونِ ٱللَّهِ ءَالِهَةٗ لِّيَكُونُواْ لَهُمۡ عِزّٗا 81﴾:

ثم أخبَرَ سبحانه أن هؤلاء المشركين اتَّخذوا من دون الله آلهة باطلة يزعمون أنها ستُعِزُّهم وتنصُرُهم وتمنعهم من عذاب الله.

[82] ﴿كَلَّاۚ سَيَكۡفُرُونَ بِعِبَادَتِهِمۡ وَيَكُونُونَ عَلَيۡهِمۡ ضِدًّا 82﴾:

ثم أخبر سبحانه أن الأمر ليس كذلك، بل في يوم القيامة ستكفُرُ بهم هذه الآلهة وستَجْحَدُهم، وسيكونون أعداءً لهم يخاصمونهم ويُورِدونهم المهالك.

[83] ﴿أَلَمۡ تَرَ أَنَّآ أَرۡسَلۡنَا ٱلشَّيَٰطِينَ عَلَى ٱلۡكَٰفِرِينَ تَؤُزُّهُمۡ أَزّٗا 83﴾:

ثم قال سبحانه لنبيه محمد ﷺ: ألم تعلم -أيها النبي- أنَّا عاقبنا الكافرين عقوبة شديدة لهم؛ بسبب إعراضهم وإصرارهم على الكفر؛ حيث سلَّطنا عليهم الشياطين، وقيَّضناها لهم تُغْوِيهم وتَدْفَعهم إلى فعل المعاصي دفعًا؛ لأنهم رفضوا الإيمان، وناصبوك العداء.

[84] ﴿فَلَا تَعۡجَلۡ عَلَيۡهِمۡۖ إِنَّمَا نَعُدُّ لَهُمۡ عَدّٗا 84﴾:

ثم قال جل وعلا لنبيه ﷺ: وما دام الأمر كذلك فلا تستعجِلْ لهم العذاب؛ فإنَّ لهم أيامًا معدودة، وساعاتٍ محدودة؛ لا يستقدمون عنها ولا يستأخرون.

[85] ﴿يَوۡمَ نَحۡشُرُ ٱلۡمُتَّقِينَ إِلَى ٱلرَّحۡمَٰنِ وَفۡدٗا 85﴾:

واذكُرْ -أيها الرسول- للناس ذلك اليوم الذي يُجمَعُ فيه المتقون الذين جعلوا بينهم وبين عذاب الله وقايةً؛ بفعل أوامره، واجتناب نواهيه؛ حيث يُجمَعُونَ إلى جنة الرحمن وفودًا مبجَّلين معزَّزين مكرَّمين.

[86] ﴿وَنَسُوقُ ٱلۡمُجۡرِمِينَ إِلَىٰ جَهَنَّمَ وِرۡدٗا 86﴾:

وأما أولئك الذين أجرموا في حق الله بالشرك والتنديد، فقد أخبر سبحانه أنهم سوف يساقون إلى جهنم سَوْقًا شديدًا وهم عِطَاشٌ أذلَّاءُ صاغرون.

[87] ﴿لَّا يَمۡلِكُونَ ٱلشَّفَٰعَةَ إِلَّا مَنِ ٱتَّخَذَ عِندَ ٱلرَّحۡمَٰنِ عَهۡدٗا 87﴾:

ثم بيَّن سبحانه أن هؤلاء المشركين لا يملكون الشفاعة، وليست لهم؛ إنما الشفاعة لمن وحَّد الله، وآمن برسوله ﷺ؛ فأولئك هم أصحاب العهد الذين قاموا به وأَدَّوْهُ، فيُكْرِمهم الله بالشفاعة، فيَشْفَعُونَ، ويُشفَعُ لهم؛ نسأل الله الكريم من فضله أن يُدْخِلَنا برحمته في عباده الصالحين.

[88] ﴿وَقَالُواْ ٱتَّخَذَ ٱلرَّحۡمَٰنُ وَلَدٗا 88﴾:

ثم أخبَرَ جل وعلا عن مقولة الكفار الذين يقولون: بأن الله اتخذ ولدًا؛ حيث قالت اليهود: عزيزٌ ابنُ الله، وقالت النصارى: المسيحُ ابنُ الله، وقال بعض العرب: الملائكةُ بناتُ الله.

[89] ﴿لَّقَدۡ جِئۡتُمۡ شَيۡـًٔا إِدّٗا 89﴾:

وقد شنَّع سبحانه قولهم وجرَّمهم؛ حيث قال: لقد جئتم جُرْمًا عظيمًا.

[90] ﴿تَكَادُ ٱلسَّمَٰوَٰتُ يَتَفَطَّرۡنَ مِنۡهُ وَتَنشَقُّ ٱلۡأَرۡضُ وَتَخِرُّ ٱلۡجِبَالُ هَدًّا 90﴾:

ثم بيَّن سبحانه أن هذه الفرية تكاد السماء تتشقَّق من فظاعتها، وتتصدَّع الأرض، وتسقط الجبال سقوطًا هائلًا؛ من هول وعظم ما قالوا.

[91] ﴿أَن دَعَوۡاْ لِلرَّحۡمَٰنِ وَلَدٗا 91﴾:

وبين سبحانه أن السموات كادت أن تتشقق، والأرض تتصدع، والجبال تسقط؛ لأن هؤلاء المجرمين ادَّعَوْا لله الولد؛ فتعالى الله عما يقول المجرمون علوًّا كبيرًا.

[92] ﴿وَمَا يَنۢبَغِي لِلرَّحۡمَٰنِ أَن يَتَّخِذَ وَلَدًا 92﴾:

ثم أخبَرَ جل وعلا عن نفسه أنه لا ينبغي ولا يليق بعظمته وجلاله أن يتَّخذ ولدًا؛ لأنه الغنيُّ عن كل أحد، وأنَّ كلَّ من في السموات والأرض بحاجة له سبحانه وتعالى ، ومعلوم أن الآباء يطلُبُونَ الأولاد ليحملوا أسماءهم ويساندوهم في ضعفهم وشيخوختهم، وينفِّذوا وصاياهم بعد موتهم، وهذه كلُّها منتفيةٌ بالنسبة لله عز وجل.

[93] ﴿إِن كُلُّ مَن فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ إِلَّآ ءَاتِي ٱلرَّحۡمَٰنِ عَبۡدٗا 93﴾:

ثم بيَّن جل وعلا أن كل من في السموات والأرض آتيه يوم القيامة عبدًا ذليلًا خاضعًا له.

[94] ﴿لَّقَدۡ أَحۡصَىٰهُمۡ وَعَدَّهُمۡ عَدّٗا 94﴾:

وبين سبحانه أنه قد أحاط بكلِّ المخلوقات، وعَلِمَ عدَدَهم؛ فلا يخفى عليه أحد منهم.

[95] ﴿وَكُلُّهُمۡ ءَاتِيهِ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ فَرۡدًا 95﴾:

ثم بيَّن سبحانه أن كل واحد من الناس سوف يأتيه يوم القيامة وحده، وسيقف بين يدَيْهِ وحده؛ لا ولَدَ معه ولا مالَ، ولا مُعِينَ ولا نصير، ولا يكون مع الإنسان في ذلك الموقف إلا عمله الذي يجازى عليه؛ إنْ خيرًا فخير، وإنْ شرًّا فشرّ.

[96] ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ سَيَجۡعَلُ لَهُمُ ٱلرَّحۡمَٰنُ وُدّٗا 96﴾:

ثم ذكر جل وعلا نعمة من نعمه على عباده الذين آمنوا بالله، واتَّبعوا رسوله ﷺ، وعملوا الأعمال الصالحة المشروعة، أنه سيجعل لهم محبَّةً ومَوَدَّةً في قلوب عباده.

[97] ﴿فَإِنَّمَا يَسَّرۡنَٰهُ بِلِسَانِكَ لِتُبَشِّرَ بِهِ ٱلۡمُتَّقِينَ وَتُنذِرَ بِهِۦ قَوۡمٗا لُّدّٗا 97﴾:

ثم أضاف سبحانه نعمةً كبرى على نبيه محمد ﷺ، وهي أنه جعَلَ هذا القرآن سهلًا يسيرًا عليه وعلى أمته؛ حيث جعله بلسانه، أي: باللغة العربية؛ وهذا التيسيرُ جعله الله لهذا القرآن؛ لكي تبشِّر به عباد الله الذين اتقَوْا ربَّهم بعمل الطاعات، وترك المنهيات، وتخوِّفَ به الكفار المعاندين ذوي الخصومة الشديدة بالباطل؛ حتى تقوم عليهم المَحَجَّة، فيَهْلِكَ مَنْ هلك عن بيِّنة، ويحيا مَنْ حَيَّ عن بيِّنة.

[98] ﴿وَكَمۡ أَهۡلَكۡنَا قَبۡلَهُم مِّن قَرۡنٍ هَلۡ تُحِسُّ مِنۡهُم مِّنۡ أَحَدٍ أَوۡ تَسۡمَعُ لَهُمۡ رِكۡزَۢا 98﴾:

ثم ختَمَ جل وعلا السورة ببيان أنه أهلَكَ أممًا كثيرة طغَتْ وتجبَّرت وحاربت الدعوة قبل أمتك -أيها النبي- فهل تشعر بأحد منهم أو تراه، أو تسمع له حتى ولو صوتًا خفيفًا؟!

سورة طه

سورةُ طه مكيَّةٌ، وآياتها خمس وثلاثون ومائة آية.

[1] ﴿طه 1﴾:

قوله: ﴿طه﴾، قيل: اسمٌ للسورة، وقيل: هو أحد أسماء النبي ﷺ؛ وقد يؤيِّد قولهم إسناد الخطاب إليه؛ حيث قال في الآية التي بعدها: ﴿مَآ أَنزَلۡنَا عَلَيۡكَ ٱلۡقُرۡءَانَ لِتَشۡقَىٰٓ﴾، فالكافُ في قوله: ﴿عَلَيۡكَ﴾، للمخاطب به وهو: طه، والجمهورُ على خلاف هذا القول، ويَرَوْنَ أنها مثل الحروف المقطَّعة في أوائل السور.

[2] ﴿مَآ أَنزَلۡنَا عَلَيۡكَ ٱلۡقُرۡءَانَ لِتَشۡقَىٰٓ 2﴾:

أخبَرَ جل وعلا في بداية هذه السورة نبيه ﷺ أنه ما أنزَلَ عليه القرآنَ للإفراط في إرهاق نفسه وإتعابها، وإنما المطلوب منه ﷺ: هو البلاغ والدعوة؛ وكذلك القصد في العبادة والتهجُّد.

[3] ﴿إِلَّا تَذۡكِرَةٗ لِّمَن يَخۡشَىٰ 3﴾:

ثم بيَّن سبحانه أنه أنزل هذا القرآن تذكرةً وموعظةً لمن يطلُبُ رضا الله، ويخشى عقابه.

[4] ﴿تَنزِيلٗا مِّمَّنۡ خَلَقَ ٱلۡأَرۡضَ وَٱلسَّمَٰوَٰتِ ٱلۡعُلَى 4﴾:

وأخبَرَ سبحانه أيضًا أن هذا القرآن تنزيلٌ من العليِّ العظيم الذي خلَقَ الأرض والسموات العلا.

[5] ﴿ٱلرَّحۡمَٰنُ عَلَى ٱلۡعَرۡشِ ٱسۡتَوَىٰ 5﴾:

ثم أخبَرَ جل وعلا عن عظمته وكبريائه بأنه ارتفع وعلا، واستوى على العرش استواءً يليق بجلاله وعظمته؛ من غير تحريفٍ ولا تعطيل، وغير تكييف ولا تمثيل. ومعظم الفرق الإسلامية تؤوِّلُ قوله: ﴿ٱسۡتَوَىٰ﴾، فتقول: (هو بمعنى: استولى)؛ ما عدا أهل السنة والجماعة؛ فيقولون: ﴿ٱسۡتَوَىٰ عَلَى ٱلۡعَرۡشِۖ ﴾ [الأعراف:54]، أي: علا عليه وارتفَعَ واستوى استواءً يليق بجلاله وعظمته، وهو استواءٌ له كيفيَّةٌ، ولكنْ لا نعرفها؛ كما أننا لا نعرف كيفية ذاته سبحانه، وهذه الكيفية لم يُطْلِعِ الله عليها أحدًا من البشر، وقد روي عن مالك وغيره؛ أنه قال: (الاستواءُ معلوم، والكَيْفُ مجهول، والبحثُ عنه بدعة)، وإنما ذكرتُ هذا؛ لأن هناك فِرَقًا من المسلمين يقولون: لا كيفية له، أي: أنهم يعبدون عَدَمًا. ثم يقال للذين يقولون: (استوى، بمعنى: استولى): أليس الله كان مستوليًا على العرش وغيره قبل خلق السموات والأرض لمَّا كان عرشه على الماء؛ كما قال تعالى: ﴿وَهُوَ ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٖ وَكَانَ عَرۡشُهُۥ عَلَى ٱلۡمَآءِ﴾ [هود:7]

[6] ﴿لَهُۥ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلۡأَرۡضِ وَمَا بَيۡنَهُمَا وَمَا تَحۡتَ ٱلثَّرَىٰ 6﴾:

ثم بيَّن سبحانه أن هذا الرحمن، وهو الله له مُلْك السموات والأرض ومُلْك ما بينهما، وما تحت الأرض والتراب.

[7] ﴿وَإِن تَجۡهَرۡ بِٱلۡقَوۡلِ فَإِنَّهُۥ يَعۡلَمُ ٱلسِّرَّ وَأَخۡفَى 7﴾:

ثم أخبَرَ جل وعلا نبيه ﷺ أنه سواءٌ جهر بالكلام أو أخفاه، فإن الله يعلم ذلك؛ لأنه يعلم السر، وهو الكلام الخَفِيُّ الذي يُسِرُّ الرجل به لصاحبه، ويعلم ما هو أخفى من السر، وهو ما يحدِّثُ الإنسانُ به نفسه، أو ما يخطُرُ على باله.

[8] ﴿ٱللَّهُ لَآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَۖ لَهُ ٱلۡأَسۡمَآءُ ٱلۡحُسۡنَىٰ 8﴾:

واعلموا -أيها الناس- أن هذا الرب العظيم هو المعبودُ بحقّ؛ فلا معبودَ بحقٍّ إلا هو، وأن له سبحانه الأسماءَ الحسَنةَ البالغةَ في الحُسْن، التي تدُلُّ على كمال الحمد والمدح له، وتدُلُّ على أكمل الصفات وأعظمها وأجلِّها.

[9] ﴿وَهَلۡ أَتَىٰكَ حَدِيثُ مُوسَىٰٓ 9﴾:

ثم قال سبحانه لنبيه ﷺ: هل أتاك -أيها النبي- خبر موسى بن عِمْران الذي قَدِمَ من مَدْيَنَ متوجِّهًا إلى مصر.

[10] ﴿إِذۡ رَءَا نَارٗا فَقَالَ لِأَهۡلِهِ ٱمۡكُثُوٓاْ إِنِّيٓ ءَانَسۡتُ نَارٗا لَّعَلِّيٓ ءَاتِيكُم مِّنۡهَا بِقَبَسٍ أَوۡ أَجِدُ عَلَى ٱلنَّارِ هُدٗى 10﴾:

فاعلم –أيها النبي- أنه –وهو في طريقه إلى مصر- رأى نارًا مشتعِلةً، فقال لأهله: ابقَوْا في مكانكم؛ لقد رأيت نارًا لعلي أحضر لكم منها شُعْلةً تستدفئون بها، أو أجد عندها من يدُلُّني على الطريق؛ لأنه اشتبه عليه طريق العودة لمصر، وهذه النار التي رآها موسى هي في الحقيقة نُورٌ خَلَقَهُ الله، فظن أنه صادر من نار مشتعلة؛ فذهَبَ إليه ليجلب الدِّفْءَ إلى أهله؛ فجلب لهم ولقومه الدِّفْءَ الأهم والأعظم، وهو الإيمان والإسلام، وقد شرَّفه الله وأكرمه بكلامه واصطفائه.

[11] ﴿فَلَمَّآ أَتَىٰهَا نُودِيَ يَٰمُوسَىٰٓ 11﴾:

فلمَّا وصل موسى إلى هذا النور، ناداه الله، فقال له: يا موسى.

[12] ﴿إِنِّيٓ أَنَا۠ رَبُّكَ فَٱخۡلَعۡ نَعۡلَيۡكَ إِنَّكَ بِٱلۡوَادِ ٱلۡمُقَدَّسِ طُوٗى 12﴾:

ثم قال له: اعلم يا موسى أني أنا ربك أكلِّمُكَ؛ فاخلَعْ نَعْلَيْك، وتهيَّأ لمناجاتي، واعلم أنك بوادٍ مطهَّر، وهو وادي طُوًى بأرض سيناء.

[13] ﴿وَأَنَا ٱخۡتَرۡتُكَ فَٱسۡتَمِعۡ لِمَا يُوحَىٰٓ 13﴾:

واعلم -يا موسى- أنني اختَرْتُكَ واصطفيتك من بين الناس للرسالة والنبوَّة؛ فاستمع لِمَا أوحيه إليك.

[14] ﴿إِنَّنِيٓ أَنَا ٱللَّهُ لَآ إِلَٰهَ إِلَّآ أَنَا۠ فَٱعۡبُدۡنِي وَأَقِمِ ٱلصَّلَوٰةَ لِذِكۡرِيٓ 14﴾:

ثم قال له جل في علاه: اعلم يا موسى: أنني أنا الله لا معبودَ بحقٍّ إلا أنا؛ فاعبدني وحدي؛ بأن تَصرِفَ لي جميعَ ما أحبُّهُ وأرضاه من الأقوال والأعمال الظاهرة والباطنة، اللازمةِ والمتعدِّية، ثم خَصَّ سبحانه الصلاة بالذكر مع دخولها تحت مسمَّى العبادة، وذلك لفضلها وشرفها، فقال جلَّ شأنه: وأَقِمْ -يا موسى- هذه الصلاة لأجل أن تذكُرَني فيها.

[15] ﴿إِنَّ ٱلسَّاعَةَ ءَاتِيَةٌ أَكَادُ أُخۡفِيهَا لِتُجۡزَىٰ كُلُّ نَفۡسِۭ بِمَا تَسۡعَىٰ 15﴾:

ثم اعلم -يا موسى- أن الساعة آتيةٌ وواقعةٌ لا شكَّ في ذلك، وقد أخفَيْتُ علمها عن الخلائق كلهم، وبالغتُ في إخفائها؛ والحكمةُ من قيامها: محاسَبةُ ومجازاةُ كل نفس بما قدَّمت؛ إنْ خيرًا فخير، وإنْ شرًّا فشرّ.

[16] ﴿فَلَا يَصُدَّنَّكَ عَنۡهَا مَن لَّا يُؤۡمِنُ بِهَا وَٱتَّبَعَ هَوَىٰهُ فَتَرۡدَىٰ 16﴾:

وما دام الأمر كذلك يا موسى فلا يَشْغَلَنَّكَ ولا يُلْهِيَنَّكَ عن الإيمان بالساعة، والاستعدادِ والتزوُّدِ لها: مَنْ لا يصدِّق بها، ومن يشكِّكُ فيها، ولا يَشْغَلَنَّكَ عنها أيضًا من تنكَّب عن الحق واتَّبع هواه؛ فتشقى بذلك، وتَهْلِكَ في مهاوي الردى.

[17] ﴿وَمَا تِلۡكَ بِيَمِينِكَ يَٰمُوسَىٰ 17﴾:

ثم سأل جل وعلا موسى: ما هذه التي في يدك اليُمْنَى؟! مع علمه سبحانه، وإنما سأله عنها لتنبيهه؛ حيثُ إن المعجزةَ ستقع بها أولًا.

[18] ﴿قَالَ هِيَ عَصَايَ أَتَوَكَّؤُاْ عَلَيۡهَا وَأَهُشُّ بِهَا عَلَىٰ غَنَمِي وَلِيَ فِيهَا مَـَٔارِبُ أُخۡرَىٰ 18﴾:

فأجاب موسى قائلًا: هي عَصَايَ، أعتمد عليها في قيامي ومشيي، وأضربُ بها أوراق الشجر لتأكل غنمي، ولي فيها مقاصدُ وحاجاتٌ أخرى.

[19] ﴿قَالَ أَلۡقِهَا يَٰمُوسَىٰ 19﴾:

ثم أمر جل وعلا موسى بأنْ يُلقي هذه العصا التِي في يدِهِ.

[20] ﴿فَأَلۡقَىٰهَا فَإِذَا هِيَ حَيَّةٞ تَسۡعَىٰ 20﴾:

فاستجاب عليه السلام مباشرةً فألقاها، فإذا بها تنقلِبُ بإذن الله إلى حَيَّةٍ عظيمة تمشي.

[21] ﴿قَالَ خُذۡهَا وَلَا تَخَفۡۖ سَنُعِيدُهَا سِيرَتَهَا ٱلۡأُولَىٰ 21﴾:

فلمَّا رأى مُوسى هَذا المَنْظَرَ خَافَ عليه السلام منها وولَّى هاربًا، فقال سبحانه وتعالى مُطَمْئِنًا له: خُذْها -يا موسى- ولا تخف؛ فليس عليك منها بأس، ولن تضُرَّكَ؛ فإنك إذا مَدَدتَّ يدك لتأخذها، سنعيدها لحالتها وصفتها الأولى، أي: سنعيدها إلى عَصًا كما كانت.

[22] ﴿وَٱضۡمُمۡ يَدَكَ إِلَىٰ جَنَاحِكَ تَخۡرُجۡ بَيۡضَآءَ مِنۡ غَيۡرِ سُوٓءٍ ءَايَةً أُخۡرَىٰ 22﴾:

ثم قال جل وعلا: واضمُمْ -يا موسى- يدك تحت عَضُدِ يدك الأخرى بأن تجعلها تحت الإِبِط، ثم أخرِجْها، فسوف تخرج بيضاءَ ساطعةً مشرِقةً من غير عيب ولا بَرَص، وهذه معجزة أخرى تدُلُّ على صدق نبوَّتك ورسالتك.

[23] ﴿لِنُرِيَكَ مِنۡ ءَايَٰتِنَا ٱلۡكُبۡرَى 23﴾:

واعلم -يا موسى- أننا أعطيناك هاتين المعجزتين العظيمتين؛ لأجل أن نُرِيَكَ بعضًا من معجزاتنا الكبرى الدالَّة على عظيم قدرتنا، وصحَّة رسالتك؛ فيطمئنُّ قلبك، ولتكون حجةً وبرهانًا لمن أُرْسِلْتَ إليهم.

[24] ﴿ٱذۡهَبۡ إِلَىٰ فِرۡعَوۡنَ إِنَّهُۥ طَغَىٰ 24﴾:

وبعد أن أكرَمَ الله موسى وأعطاه البُرْهانَيْنِ المُثْبِتَيْنِ لنبوَّته ورسالته المعجزة: العصا، واليد؛ كلَّفه بالذهاب إلى الطاغية فرعون، وأمَرَه أن يتلطَّف في دعوته لعله يتذكَّر عظمة الخالق؛ فلا تأخذه العزة بالإثم فيسيء إليه؛ كما قال تعالى: ﴿ٱذۡهَبۡ أَنتَ وَأَخُوكَ بِـَٔايَٰتِي وَلَا تَنِيَا فِي ذِكۡرِي 42 ٱذۡهَبَآ إِلَىٰ فِرۡعَوۡنَ إِنَّهُۥ طَغَىٰ 43 فَقُولَا لَهُۥ قَوۡلٗا لَّيِّنٗا لَّعَلَّهُۥ يَتَذَكَّرُ أَوۡ يَخۡشَىٰ﴾ [طه:٤٢-٤٤]؛ فامتثل موسى أمر ربه.

[25] ﴿قَالَ رَبِّ ٱشۡرَحۡ لِي صَدۡرِي 25﴾:

ولمّاَ عَلِمَ موسى أنه سيقابل الطاغية فرعون الذي قتَلَ المئات من بني إسرائيل، عرَفَ أنه في أشد الحاجة إلى مَدَدِ الله ورعايته وإعانته وتيسير أَمْرِه؛ فلذلك طلب من ربه أن يشرح صدره.

[26] ﴿وَيَسِّرۡ لِيٓ أَمۡرِي 26﴾:

ثم طلب من ربه أيضًا: أن ييسِّر أمره.

[27] ﴿وَٱحۡلُلۡ عُقۡدَةٗ مِّن لِّسَانِي 27﴾:

ثم طلب موسى من ربِّهِ أن يفُكَّ العقدة التي في لسانه. والعقدة التي في لسانه هي التي تسمَّى اللُّثْغة، وهي من آثار الجَمْرة التي أنقذته من فرعون لمَّا كان طفلًا، والتي بقي لها أثر على لسانه؛ والدليلُ قولُ فرعون نفسه: ﴿أَمۡ أَنَا۠ خَيۡرٞ مِّنۡ هَٰذَا ٱلَّذِي هُوَ مَهِينٞ وَلَا يَكَادُ يُبِينُ﴾ [الزخرف:52].

[28] ﴿يَفۡقَهُواْ قَوۡلِي 28﴾:

ثم بين موسى أن سبب طلبه فك العقدة التي في لسانه لكي يفقهوا كلامه.

[29] ﴿وَٱجۡعَل لِّي وَزِيرٗا مِّنۡ أَهۡلِي 29﴾:

ثم طلَبَ موسى عليه السلام تكليف أخيه هارون بالرسالة؛ لمساعدته وتوضيح دعوته، فقال: واجعل لي -يا رب- مُساعِدًا ومُعِينًا لي في أموري، يكون من أهلي وأقرب الناس إليَّ.

[30] ﴿هَٰرُونَ أَخِي 30﴾:

ثم حدد موسى عليه السلام هذا الشخص فقال: وأحب يا رب أن يكون هذا المساعد والمعين لي وهو أخي هارون.

[31] ﴿ٱشۡدُدۡ بِهِۦٓ أَزۡرِي 31﴾:

ثم بيَّن عليه السلام سبب طلبه فقال: لكي أتقوَّى بأخي هارون، ويكون عَوْنًا لي في دعوتي.

[32] ﴿وَأَشۡرِكۡهُ فِيٓ أَمۡرِي 32﴾:

ثم طلب عليه السلام أيضًا من ربه أن يجعل أخاه هارون شريكًا له في النبوَّة والرسالة.

[33] ﴿كَيۡ نُسَبِّحَكَ كَثِيرٗا 33﴾:

وبيَّن عليه السلام سبب رغبته في وجود أخيه هارون معه فقال: أرغب في ذلك من أجل أن نتعاون -يا رب- على توحيدِكَ وبِرِّكَ، وتقواك وتنزيهك.

[34] ﴿وَنَذۡكُرَكَ كَثِيرًا 34﴾:

وبين أيضًا أن من أسباب طلب وجود أخيه هارون معه أن يتعاونا في الإكثار من ذكر الله سبحانه.

[35] ﴿إِنَّكَ كُنتَ بِنَا بَصِيرٗا 35﴾:

وبعد هذه المطالب قال موسى عليه السلام: إنك -يا رب- كنتَ بنا بصيرًا، تعلم حالنا وضعفنا، ولا يخفى عليك شيء من أمرنا، وأنت تعلم -يا رب- أن هارون أخي أفصحُ مني لسانًا فيكون معينًا لي على إيضاح الرسالة؛ فاستجِبْ -يا رب- دعائي، وأعطني -يا إلهي- سؤلي.

[36] ﴿قَالَ قَدۡ أُوتِيتَ سُؤۡلَكَ يَٰمُوسَىٰ 36﴾:

فأجابه جل وعلا فقال: لقد أجبتك وأعطيتك -يا موسى- كلَّ ما طلبته مني، وسألتني إياه.

[37] ﴿وَلَقَدۡ مَنَنَّا عَلَيۡكَ مَرَّةً أُخۡرَىٰٓ 37﴾:

ثم قال له: ولقد أنعمنا عليك -يا موسى- قبل ذلك؛ بأنْ أنجيناك حين ولادتك من بَطْشِ فرعونَ وتجبُّره.

[38] ﴿إِذۡ أَوۡحَيۡنَآ إِلَىٰٓ أُمِّكَ مَا يُوحَىٰٓ 38﴾:

ثم ذكَّر جل وعلا موسى بنعمته عليه منذ الطفولة؛ حيث رتَّب لأمه خُطَّةً نجا بها من ملاحقة فرعون وزَبَانيته.

[39] ﴿أَنِ ٱقۡذِفِيهِ فِي ٱلتَّابُوتِ فَٱقۡذِفِيهِ فِي ٱلۡيَمِّ فَلۡيُلۡقِهِ ٱلۡيَمُّ بِٱلسَّاحِلِ يَأۡخُذۡهُ عَدُوّٞ لِّي وَعَدُوّٞ لَّهُۥۚ وَأَلۡقَيۡتُ عَلَيۡكَ مَحَبَّةٗ مِّنِّي وَلِتُصۡنَعَ عَلَىٰ عَيۡنِيٓ 39﴾:

وبيَّن سبحانه أنه ألهم أمَّ موسى أن ترضعه، ثم تضعه في تابوت، ثم تقوم بطرح التابوت في النِّيل، وبأمر الله وقدرته سوف يلقيه النيل بالساحل، فيراه جند فرعون فيأخذونه، ثم أخبَرَ سبحانه أنه ألقى على موسى محبَّته ليحبَّه الناس، وأخبَرَ أن تغذيته وتنشئته وتربيته بالحنان والشفقة تَتِمُّ تحت رعاية الله وعنايته وعَيْنه، والعَيْنُ هنا كنايةٌ عن: الرعاية والعناية؛ وهي تدلُّ على إثبات صفة العَيْنِ لله تعالى؛ على ما يليق به جل وعلا.

[40] ﴿إِذۡ تَمۡشِيٓ أُخۡتُكَ فَتَقُولُ هَلۡ أَدُلُّكُمۡ عَلَىٰ مَن يَكۡفُلُهُۥۖ فَرَجَعۡنَٰكَ إِلَىٰٓ أُمِّكَ كَيۡ تَقَرَّ عَيۡنُهَا وَلَا تَحۡزَنَۚ وَقَتَلۡتَ نَفۡسٗا فَنَجَّيۡنَٰكَ مِنَ ٱلۡغَمِّ وَفَتَنَّٰكَ فُتُونٗاۚ فَلَبِثۡتَ سِنِينَ فِيٓ أَهۡلِ مَدۡيَنَ ثُمَّ جِئۡتَ عَلَىٰ قَدَرٖ يَٰمُوسَىٰ 40﴾:

ثم بيَّن سبحانه أن من رعايته لموسى أنه جعل أخته تمشي وتتتبَّعُ أخباره حتى رأته في بيت فرعون، وعرَفَتْ أنه ممتنع عن الرضاعة، فقالت لهم: هل أدُلُّكم على من يكفُلُهُ ويرضعه لكم؟ فقالوا لها: نعم، فدلَّتهم على أمه، فعاد إلى أمه التي فرحت بلقائه، واطمأنَّت على سلامته من الغرق والقتل، وذهَبَ عنها الحزن الذي كان بسبب فراقه وبُعْدِهِ عنها؛ وهذا تنفيذ لوعد الله؛ حيث قال لها لما أمرها بإلقائه في النِّيل: ﴿إِنَّا رَآدُّوهُ إِلَيۡكِ﴾ [القصص:7]، ثم بيَّن سبحانه أن من نعمته على موسى أن نجَّاه من الغم والخوف الذي نزَلَ به بسبب قتل الرجلِ القِبْطيِّ الذي قتله عن طريق الخطأ، ثم أخبَرَ سبحانه أنه اختبر موسى بألوان وأنواع من الفتن والمحن؛ حيث خرج خائفًا إلى أهل مَدْيَنَ، فمكث عندهم سنين يعمل كأَجِيرٍ عند ذلك الرجل الصالح، ثم جاء من مَدْيَنَ في الموعد الذي قدَّره الله لإرساله، وحدَّده لتكليمه؛ حيث كان موافقًا لقدر الله وإرادته.

[41] ﴿وَٱصۡطَنَعۡتُكَ لِنَفۡسِي 41﴾:

ثم قال تعالى ممتنًّا على موسى: لقد اصطفيتُكَ وأنعَمْتُ عليك وربَّيْتُكَ، وهيَّأْتُكَ واخترتُكَ لنفسي؛ لتحمل رسالتي. وقوله: ﴿وَٱصۡطَنَعۡتُكَ﴾، اصطناعُ الخيل عند العرب: هو تغذيتها وتدريبها على الكَرِّ والفَرِّ والاقتحام، وهو هنا بالنسبة لنبي الله موسى: إخراجُهُ من بيوت الذُلِّ والعبودية؛ لأن بني إسرائيل كانوا خَدَمًا وعبيدًا عند فرعون وقومه؛ كما قال قوم فرعون لما جاءهم موسى بالنبوَّة: ﴿فَقَالُوٓاْ أَنُؤۡمِنُ لِبَشَرَيۡنِ مِثۡلِنَا وَقَوۡمُهُمَا لَنَا عَٰبِدُونَ﴾ [المؤمنون:٤٧]، فنشأة موسى في بيت عِزٍّ وسيادةٍ يؤهِّله لمجابهة فرعون وأشكاله؛ لذلك استطاع مجادلة فرعون حين امتنَّ عليه؛ فقال: [الشعراء:١٨]، ﴿قَالَ أَلَمۡ نُرَبِّكَ فِينَا وَلِيدٗا وَلَبِثۡتَ فِينَا مِنۡ عُمُرِكَ سِنِينَ﴾ فقال له موسى: [الشعراء:٢٢]، ﴿وَتِلۡكَ نِعۡمَةٞ تَمُنُّهَا عَلَيَّ أَنۡ عَبَّدتَّ بَنِيٓ إِسۡرَٰٓءِيلَ﴾ أي: فما تكون هذه المِنَّةُ مقابل تعبيدك لبني إسرائيل، بل هدَّده موسى حينما قال له: ﴿رَبِّيٓ أَعۡلَمُ بِمَن جَآءَ بِٱلۡهُدَىٰ مِنۡ عِندِهِۦ وَمَن تَكُونُ لَهُۥ عَٰقِبَةُ ٱلدَّارِۚ ﴾ [القصص:٣٧]، وحينما قال فرعون لموسى: ﴿إِنِّي لَأَظُنُّكَ يَٰمُوسَىٰ مَسۡحُورٗا﴾ [الإسراء:١٠١]، أجابه موسى: ﴿لَقَدۡ عَلِمۡتَ مَآ أَنزَلَ هَٰٓؤُلَآءِ إِلَّا رَبُّ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ بَصَآئِرَ﴾ [الإسراء:١٠٢].

[42] ﴿ٱذۡهَبۡ أَنتَ وَأَخُوكَ بِـَٔايَٰتِي وَلَا تَنِيَا فِي ذِكۡرِي 42﴾:

ثم أمَرَ سبحانه موسى أن يذهب هو وأخوه هارون بآيات الله الدالَّة على الوحدانية، وعلى الحق وصدق رسالتهما، وأمرهما ألَّا يَفْتُرا أو يضعُفَا عن ذكر الله.

[43] ﴿ٱذۡهَبَآ إِلَىٰ فِرۡعَوۡنَ إِنَّهُۥ طَغَىٰ 43﴾:

ثم أمرهما سبحانه أن يذهبا دُعَاةً إلى فرعون؛ فإنه قد طغى وتجاوز حدَّه وافترى.

[44] ﴿فَقُولَا لَهُۥ قَوۡلٗا لَّيِّنٗا لَّعَلَّهُۥ يَتَذَكَّرُ أَوۡ يَخۡشَىٰ 44﴾:

ثم قال سبحانه لهما: فإذا أتيتماه، فقولا له قولًا ليِّنًا سَهْلًا مؤدَّبًا، لا غِلْظةَ فيه ولا فظاظة، لعله بسماع الحقِّ باللِّينِ واليُسْرِ يتذكَّر أصله؛ فيرجع عن طغيانه، أو يخشى عقاب الله؛ فينزجر.

[45] ﴿قَالَا رَبَّنَآ إِنَّنَا نَخَافُ أَن يَفۡرُطَ عَلَيۡنَآ أَوۡ أَن يَطۡغَىٰ 45﴾:

فقال موسى وهارون: إننا -يا ربنا- نخشى ألَّا يستمع إلى دعوتنا، وأن يبادرنا بالعقوبة والتنكيل؛ وأن يتمرَّد على الحق.

[46] ﴿قَالَ لَا تَخَافَآۖ إِنَّنِي مَعَكُمَآ أَسۡمَعُ وَأَرَىٰ 46﴾:

فقال سبحانه مُطَمْئِنًا لهما: لا تخافا؛ إنني معكما؛ فأنتما في حفظي، وتحت رعايتي، وأنا أسمع وأرى ما تقولان له، وما يَرُدُّ به عليكما.

[47] ﴿فَأۡتِيَاهُ فَقُولَآ إِنَّا رَسُولَا رَبِّكَ فَأَرۡسِلۡ مَعَنَا بَنِيٓ إِسۡرَٰٓءِيلَ وَلَا تُعَذِّبۡهُمۡۖ قَدۡ جِئۡنَٰكَ بِـَٔايَةٖ مِّن رَّبِّكَۖ وَٱلسَّلَٰمُ عَلَىٰ مَنِ ٱتَّبَعَ ٱلۡهُدَىٰٓ 47﴾:

ثم قال جل وعلا لموسى وهارون: اذهبا إلى فرعون، ولا تخافا منه، وقولا له: إنا رسولان إليك من ربِّك حتى يعرف أن الأمر من الله، وأنهما فقطْ مبلِّغانِ رسالته، وأنهما لا يطلُبَانِ شيئًا لنفسيهما، ثم قولا له: أَطْلِقْ سراح بني إسرائيل، ولا تعذِّبهم أو تكلِّفهم من الأعمال ما لا يطيقون، وبَيِّنَا له أن معكما معجزةً من الله تدُلُّ على صدق دعوتكما، وتشهد أن الله أرسلكما إليه؛ لدعوته وهدايته، وقولا له: اعلَمْ -يا فرعون- أن السلامة من عذاب الله في الدنيا والآخرة، هي لمن اتَّبع هدى الله.

[48] ﴿إِنَّا قَدۡ أُوحِيَ إِلَيۡنَآ أَنَّ ٱلۡعَذَابَ عَلَىٰ مَن كَذَّبَ وَتَوَلَّىٰ 48﴾:

واعلم يا فرعون أنه قد جاءنا وَحْيٌ من الله أن العذاب والهلاك والخَسَارَ على من كذَّب بالله وجحَدَ رسالته، وكذَّب رُسُله، وتولَّى عن دينه وشَرْعِه.

[49] ﴿قَالَ فَمَن رَّبُّكُمَا يَٰمُوسَىٰ 49﴾:

ولمَّا تمَّت المحاورة، سأل فرعون موسى وهارون معانَدةً وسخرية: مَنْ ربُّكما الذي أرسلكما؟

[50] ﴿قَالَ رَبُّنَا ٱلَّذِيٓ أَعۡطَىٰ كُلَّ شَيۡءٍ خَلۡقَهُۥ ثُمَّ هَدَىٰ 50﴾:

فقال له موسى: اعلم يا فرعون أن ربنا هو الله الذي أعطى خَلْقَهُ كل ما يحتاجون إليه في معاشهم، ثم هداهم إلى طرق الانتفاع بما أعطاهم.

[51] ﴿قَالَ فَمَا بَالُ ٱلۡقُرُونِ ٱلۡأُولَىٰ 51﴾:

ثم سأل فرعونُ موسى عن الأمم القديمة التي سبَقَتْ إلى التكذيب والجحود ما شأنها؟ وغيرها من الأسئلة التي قصد فرعون بها الإفحامَ والتعجيز.

[52] ﴿قَالَ عِلۡمُهَا عِندَ رَبِّي فِي كِتَٰبٖۖ لَّا يَضِلُّ رَبِّي وَلَا يَنسَى 52﴾:

فقال موسى عليه السلام: اعلم -يا فرعون- أنَّ عِلْمَ تلك الأمم وعَمَلَها قد أحصاه الله وكتبه في اللوح المحفوظ، وسيجازيهم سبحانه على أعمالهم، واعلم أن ربي لا يُخطِئُ ولا ينسى سبحانه جل في علاه؛ فهو منزَّه عن النقائص.

[53] ﴿ٱلَّذِي جَعَلَ لَكُمُ ٱلۡأَرۡضَ مَهۡدٗا وَسَلَكَ لَكُمۡ فِيهَا سُبُلٗا وَأَنزَلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءٗ فَأَخۡرَجۡنَا بِهِۦٓ أَزۡوَٰجٗا مِّن نَّبَاتٖ شَتَّىٰ 53﴾:

واعلم -يا فرعون- أن الله وحده هو الذي بسَطَ الأرض ومهَّدها وهيَّأها؛ لتسكنوا وتبنوا وتزرعوا فيها، وجعَلَ لكم فيها طُرُقًا ممهَّدةً تسيرون عليها في انتقالكم من مكان لآخر بيُسْرٍ وسهولة، وأنزَلَ لكم المطر من السماء، فأنبَتَ لكم به أصنافًا وأنواعًا مختلفة من النباتات.

[54] ﴿كُلُواْ وَٱرۡعَوۡاْ أَنۡعَٰمَكُمۡۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَأٓيَٰتٖ لِّأُوْلِي ٱلنُّهَىٰ 54﴾:

ثم أمَرَ سبحانه الناس أن يأكلوا من طيبات هذا الرزق، وأن يَرْعَوْا أنعامهم وبهائمهم، واعلموا أن ما ذُكِرَ لكم من هذه النعم آياتٌ واضحاتٌ بيِّناتٌ على وحدانية الله جل في علاه، واستحقاقِهِ سبحانه العبادة وحده دون من سواه، وإنما ينتفع بهذه الآيات أصحاب العقول الراجحة، والضمائر النيِّرة.

[55] ﴿مِنۡهَا خَلَقۡنَٰكُمۡ وَفِيهَا نُعِيدُكُمۡ وَمِنۡهَا نُخۡرِجُكُمۡ تَارَةً أُخۡرَىٰ 55﴾:

واعلموا -أيها الناس- أن الله خلقكم من هذه الأرض -وذلك بخلق أبيكم آدم- وأنه يعيدكم فيها حينما تُدفَنون فيها، ثم يُخْرِجُكم منها مرَّةً أخرى؛ للجزاء والحساب يوم البعث والنشور.

[56] ﴿وَلَقَدۡ أَرَيۡنَٰهُ ءَايَٰتِنَا كُلَّهَا فَكَذَّبَ وَأَبَىٰ 56﴾:

ثم واصل سبحانه الحديث عن قصة فرعون مع موسى؛ فأخبَرَ أن موسى أرى فرعون جميع الآيات الدالَّة على وحدانية الله، وعلى صدق رسالته -كالآيات التسعِ وغيرها- فكان أنْ كذَّب وجحَدَ، وأبى أن يستجيب لرُسُلِ الله عنادًا واستكبارًا؛ كما قال تعالى: ﴿وَجَحَدُواْ بِهَا وَٱسۡتَيۡقَنَتۡهَآ أَنفُسُهُمۡ ظُلۡمٗا وَعُلُوّٗاۚ ﴾ [النمل:١٤].

[57] ﴿قَالَ أَجِئۡتَنَا لِتُخۡرِجَنَا مِنۡ أَرۡضِنَا بِسِحۡرِكَ يَٰمُوسَىٰ 57﴾:

ثم قال فرعون لموسى: أجئتنا -يا موسى- بهذا السحر لتخرجنا به من عقيدتنا وديارنا؟!

[58] ﴿فَلَنَأۡتِيَنَّكَ بِسِحۡرٖ مِّثۡلِهِۦ فَٱجۡعَلۡ بَيۡنَنَا وَبَيۡنَكَ مَوۡعِدٗا لَّا نُخۡلِفُهُۥ نَحۡنُ وَلَآ أَنتَ مَكَانٗا سُوٗى 58﴾:

ثم قال له مهدِّدًا ومتوعِّدًا: فلنأتينَّكَ يا موسى بسحر مثله؛ فعَيِّنْ لنا موعدًا معلومًا بيننا وبينك نلتقي فيه، ولا يتخلَّف أحدنا عنه، وليكن لقاؤنا في مكانٍ مستوٍ معتدِلٍ يتوسط المدينة؛ حتى يستطيع جميعُ سكانها الحضور إليه.

[59] ﴿قَالَ مَوۡعِدُكُمۡ يَوۡمُ ٱلزِّينَةِ وَأَن يُحۡشَرَ ٱلنَّاسُ ضُحٗى 59﴾:

فحدَّد موسى عليه السلام الموعد، وهو يوم الزِّينة، أي: في يوم عيدهم السنوي؛ على أن يكون ذلك في أول النهار حين تُشْرِقُ الشمس.

[60] ﴿فَتَوَلَّىٰ فِرۡعَوۡنُ فَجَمَعَ كَيۡدَهُۥ ثُمَّ أَتَىٰ 60﴾:

وبعد أن استمع فرعون إلى الحق الذي جاء به موسى، وتحدَّد موعد ومكان المناظرة؛ كلَّف وزيره وشرطته أن يجمعوا كبار سَحَرته الموجودين في مصر كلها، وأخبَرَهم بموعد اللقاء بينه وبين موسى؛ ليناظروا موسى عليه السلام.

[61] ﴿قَالَ لَهُم مُّوسَىٰ وَيۡلَكُمۡ لَا تَفۡتَرُواْ عَلَى ٱللَّهِ كَذِبٗا فَيُسۡحِتَكُم بِعَذَابٖۖ وَقَدۡ خَابَ مَنِ ٱفۡتَرَىٰ 61﴾:

ولمَّا رأى موسى السحرة، لم تَغِبْ عنه مهمته، وهي الدعوة للهدى، فقال مخاطبًا لهم: ويلكم؛ لا تختلقوا على الله الكَذِبَ؛ فيُهْلِكَكم ويُبِيدَكم بعذاب من عنده، واعلموا -أيها السحرة- أن كل من افترى، وقال على الله قولًا لا حقيقة له، فإنه قد خاب وخسر خسرانًا كبيرًا.

[62] ﴿فَتَنَٰزَعُوٓاْ أَمۡرَهُم بَيۡنَهُمۡ وَأَسَرُّواْ ٱلنَّجۡوَىٰ 62﴾:

ولما سمع السحرة من موسى هذه النصيحة، تحادثوا بينهم سرًّا خوفًا، ثم استقَرَّ أمرهم على إتمام المناظرة.

[63] ﴿قَالُوٓاْ إِنۡ هَٰذَٰنِ لَسَٰحِرَٰنِ يُرِيدَانِ أَن يُخۡرِجَاكُم مِّنۡ أَرۡضِكُم بِسِحۡرِهِمَا وَيَذۡهَبَا بِطَرِيقَتِكُمُ ٱلۡمُثۡلَىٰ 63﴾:

ثم قال بعضهم لبعض: اعلموا أن موسى وهارون ساحران يريدان أن يَغْلِباكم بسحرهما، ويُخْرِجاكم من بلادكم، ويَظْهَرَا عليكم، ويذهبا بطريقة سحركم العظيمة التي بَذَلْتم أوقاتكم حتى تصلوا فيها إلى ما وصلتم؛ فإنهما إن فعلا ذلك، وتَمَّ لهما مرادهما، سيكون لهما الشرف والسيادة والغَلَبة، وسيتَّبعهما بنو إسرائيل.

[64] ﴿فَأَجۡمِعُواْ كَيۡدَكُمۡ ثُمَّ ٱئۡتُواْ صَفّٗاۚ وَقَدۡ أَفۡلَحَ ٱلۡيَوۡمَ مَنِ ٱسۡتَعۡلَىٰ 64﴾:

ثم قال بعضُهم لبعضٍ أيضًا: فلأجل ذلك أَجْمِعوا أمركم وعزمكم واتَّحِدوا، وكونوا على قلب رجلٍ واحد، ثم ائتوا صفًّا واحدًا مُتراصًّا؛ فإنَّ ذلك أَهْيَبُ لكم في قلوب الناس، ثم ألقوا سحركم وكيدكم دُفْعةً واحدة يساعد فيه بعضكم بعضًا؛ فتسلبوا قلوب الحاضرين، واعلموا أن الفلاح والفوز سيكون من نصيب مَنْ غَلَبَ وظَفِرَ.

[65] ﴿قَالُواْ يَٰمُوسَىٰٓ إِمَّآ أَن تُلۡقِيَ وَإِمَّآ أَن نَّكُونَ أَوَّلَ مَنۡ أَلۡقَىٰ 65﴾:

ثم قال السحرة لموسى بكبرِ وغَطْرَسةِ الواثق من هزيمته لعدوِّه -يخيِّرونَهُ-: إما أن تبدأ فتُلْقِيَ عصاك، وإما أن نبدأ نحن بالإلقاء.

[66] ﴿قَالَ بَلۡ أَلۡقُواْۖ فَإِذَا حِبَالُهُمۡ وَعِصِيُّهُمۡ يُخَيَّلُ إِلَيۡهِ مِن سِحۡرِهِمۡ أَنَّهَا تَسۡعَىٰ 66﴾:

فأجابهم موسى: بل ألقَوْا أنتم أوَّلًا، فاستجابوا، وألقَوْا حبالهم وعصيَّهم، وخُيِّلَ إلى موسى والمشاهدين من شِدَّةِ سحرهم؛ أنها حيَّاتٌ تتحرَّك وتضطرب.

[67] ﴿فَأَوۡجَسَ فِي نَفۡسِهِۦ خِيفَةٗ مُّوسَىٰ 67﴾:

فشعَرَ موسى بخوفٍ ورهبةٍ -على ما تقتضيه الطبيعة البشريَّة-.

[68] ﴿قُلۡنَا لَا تَخَفۡ إِنَّكَ أَنتَ ٱلۡأَعۡلَىٰ 68﴾:

ولكن الله سبحانه ثبَّتَهُ وطمأنه قائلًا له: لا تَخَفْ؛ إنك ستعلو عليهم، وستَغْلِبُهم وتقهرهم.

[69] ﴿وَأَلۡقِ مَا فِي يَمِينِكَ تَلۡقَفۡ مَا صَنَعُوٓاْۖ إِنَّمَا صَنَعُواْ كَيۡدُ سَٰحِرٖۖ وَلَا يُفۡلِحُ ٱلسَّاحِرُ حَيۡثُ أَتَىٰ 69﴾:

ثم أمر سبحانه موسى أن يُلْقِيَ عصاه التي في يمينه؛ لكي تأكل وتبتلع جميع ما صنعوه من الحبال والعِصِيّ، وأخبَرَه سبحانه أن الذي صنعوه وكادوه ومكروه، إنما هو مَكْرُ وخُدْعةُ ساحرٍ؛ ومعلوم أن الساحر لا يفوزُ ولا يَغْلِبُ ولا ينفعه سحره أينما كان، وحيثما حلّ، ولن تكون له العاقبة أبدًا. وقد أنكر المعتزلة أن يكون للسِّحْرِ حقيقة، والجمهورُ على أنه نوعان: قسمٌ تخييل، وقسمٌ حقيقيٌّ يضُرُّ، وربما أمات. وقال أهل العلم: إن الساحر إذا تاب قبل أن يُقبَضَ عليه متلبِّسًا، تُقبَلُ توبته، وأما إذا قُبِضَ عليه متلبِّسًا، فلا تُقبَلُ توبته، ويُقتَلُ رِدَّةً.

[70] ﴿فَأُلۡقِيَ ٱلسَّحَرَةُ سُجَّدٗا قَالُوٓاْ ءَامَنَّا بِرَبِّ هَٰرُونَ وَمُوسَىٰ 70﴾:

فلما التهمت عصا موسى وابتلعت ما ألقاه سحرة فرعون، علموا أنَّ ما جاء به موسى ليس بسحرٍ، إنما هو معجزةٌ وآيةٌ من الله تدُلُّ على صدق رسالته ونبوَّته فخَرُّوا سُجَّدًا لله، قائلين: آمَنَّا وصدَّقنا بالله وحده لا شريك له -ربِّ هارون وموسى-. وقدَّموا ذكر هارون؛ لأنه أكبر سنًّا من موسى عليهما السلام.

[71] ﴿قَالَ ءَامَنتُمۡ لَهُۥ قَبۡلَ أَنۡ ءَاذَنَ لَكُمۡۖ إِنَّهُۥ لَكَبِيرُكُمُ ٱلَّذِي عَلَّمَكُمُ ٱلسِّحۡرَۖ فَلَأُقَطِّعَنَّ أَيۡدِيَكُمۡ وَأَرۡجُلَكُم مِّنۡ خِلَٰفٖ وَلَأُصَلِّبَنَّكُمۡ فِي جُذُوعِ ٱلنَّخۡلِ وَلَتَعۡلَمُنَّ أَيُّنَآ أَشَدُّ عَذَابٗا وَأَبۡقَىٰ 71﴾:

فقال لهم فرعون: آمنتم لموسى مباشرةً، واتَّبعتموه دون إذنٍ مني؟! ثمَّ تمادى في عناده وطغيانه، فقال للسحرة: إن موسى هو إمامكم وكبيركم الذي علَّمكم السحر، وتواطأتم معه لتُخْرِجونا من ديننا، ثم توعَّدهم قائلًا: لأعذِّبَنَّكم عذابًا شديدًا، ولأقطِّعَنَّ أيديكم وأرجلكم من خلاف؛ وذلك بقطع اليد اليمنى والرجل اليسرى، والعكس، ولأصلِّبَنَّكم بربطكم على أخشاب النخل، ولَتَعْلَمُنَّ أيُّنا أشدُّ عذابًا وأبقى -يعني بزعمه: هو أم رَبُّ موسى-، تعالى الله عما قال علوًّا كبيرًا.

[72] ﴿قَالُواْ لَن نُّؤۡثِرَكَ عَلَىٰ مَا جَآءَنَا مِنَ ٱلۡبَيِّنَٰتِ وَٱلَّذِي فَطَرَنَاۖ فَٱقۡضِ مَآ أَنتَ قَاضٍۖ إِنَّمَا تَقۡضِي هَٰذِهِ ٱلۡحَيَوٰةَ ٱلدُّنۡيَآ 72﴾:

فردَّ السحرة على فرعون قائلين: لن نختارك -يا فرعون- على هذه الدلائل الواضحة التي رأيناها، ولن نختارك على الذي خلَقَنا وأوجدنا، وهدانا إليه بهذه المعجزة التي لا يمكن أن تكون إلا من الله، والتي التهَمَتْ كلَّ ما أحضرنا من السحر؛ فاعمَلْ ما شئت بنا؛ فإنما سُلْطانك وقوَّتك في هذه الحياة الدنيا فقطْ، وما ستفعله من تعذيبنا سينتهي بانتهاء حياتنا في هذه الدنيا. وهكذا أصبح السحرة من أفضل الشهداء، بعد أن كانوا من أَلَدِّ الأعداء، وهكذا تكون المناظرات أمام الجماهير كلٌّ يحاول أن يكون هو الغالبَ بصَرْفِ النظر عن المُحِقّ؛ لكنْ بالنسبة لهؤلاء السحرة بُهِتُوا بمعجزة موسى، وتأكَّدوا أنها ربانية، وأن موسى على حق؛ فلم يملكوا أنفسهم إلا أن يسجدوا لله بفضل خِبْرتهم وعِلْمهم؛ قال تعالى: ﴿إِنَّمَا يَخۡشَى ٱللَّهَ مِنۡ عِبَادِهِ ٱلۡعُلَمَٰٓؤُاْۗ ﴾ [فاطر:٢٨]، ولم يَخُصَّ علماء الدين؛ ولذا فقد أُسقِطَ في يد فرعون؛ لأن السحرة الذين جمعهم لتكذيب موسى، سجدوا لله، وصاروا ضده؛ فتوعَّدهم بأشدِّ العقوبات التي نهايتها موتهم صبرًا، ولكنَّ الإيمان إذا خامر القلوب، هانت بسببه الشدائد مهما كانت.

[73] ﴿إِنَّآ ءَامَنَّا بِرَبِّنَا لِيَغۡفِرَ لَنَا خَطَٰيَٰنَا وَمَآ أَكۡرَهۡتَنَا عَلَيۡهِ مِنَ ٱلسِّحۡرِۗ وَٱللَّهُ خَيۡرٞ وَأَبۡقَىٰٓ 73﴾:

ثم قال السحرة: واعلم -يا فرعون- أنَا آمنا بربنا خالقنا ورازقنا ومدبِّرنا، وصدَّقنا برسوله واتَّبعناه؛ ليغفر لنا ربُّنا ما مضى من الكفر والتكذيب والعناد والمعاصي، وليغفر لنا ما أكرَهْتَنا وأجبَرْتَنا عليه من السحر لمعاندة الحق ومعارضته، والله خيرٌ لنا منك، وممَّا وعدتنا به من دنيا زائلة، وهو سبحانه أبقى لنا يتولَّى أَمْرَنا.

[74] ﴿إِنَّهُۥ مَن يَأۡتِ رَبَّهُۥ مُجۡرِمٗا فَإِنَّ لَهُۥ جَهَنَّمَ لَا يَمُوتُ فِيهَا وَلَا يَحۡيَىٰ 74﴾:

ثم أخبَرَ جل وعلا أن مَنْ يأتِ ربَّه يوم القيامة مُجرِمًا -وأعظمُ الجُرْم: هو الكفر بالله، واتخاذ شريك معه- فإنَّ له عذابًا شديدًا في نار جهنم، لا يموت فيها فيستريحَ من عذابها، ولا يحيا حياةً يَسْعَدُ بها.

[75] ﴿وَمَن يَأۡتِهِۦ مُؤۡمِنٗا قَدۡ عَمِلَ ٱلصَّٰلِحَٰتِ فَأُوْلَٰٓئِكَ لَهُمُ ٱلدَّرَجَٰتُ ٱلۡعُلَىٰ 75﴾:

وأخبَرَ سبحانه أن مَنْ يأتِهِ يوم القيامة وقد آمَنَ به ووحَّده، وصدَّق برُسُلِه، واتَّبعهم، وعمل الصالحات الواجبة والمستحبَّة؛ فأولئك قد أَعَدَّ الله لهم الدرجات العاليات، والمنازل الرفيعات.

[76] ﴿جَنَّٰتُ عَدۡنٖ تَجۡرِي مِن تَحۡتِهَا ٱلۡأَنۡهَٰرُ خَٰلِدِينَ فِيهَاۚ وَذَٰلِكَ جَزَآءُ مَن تَزَكَّىٰ 76﴾:

ثم بين سبحانه أن هذه الدرجات العاليات والمنازل الرفيعات في جناتٍ تجري الأنهار من تحت أشجارها وقصورها، ماكثين فيها أبدًا، وتلك الجنَّاتُ؛ جعلها الله جزاءً لمن زكَّى نفسه وطهَّرها من خُبْثِ الشرك والمعاصي.

[77] ﴿وَلَقَدۡ أَوۡحَيۡنَآ إِلَىٰ مُوسَىٰٓ أَنۡ أَسۡرِ بِعِبَادِي فَٱضۡرِبۡ لَهُمۡ طَرِيقٗا فِي ٱلۡبَحۡرِ يَبَسٗا لَّا تَخَٰفُ دَرَكٗا وَلَا تَخۡشَىٰ 77﴾:

ثم أوحى جل وعلا لنبيه موسى بالخروج من مصر بقومه ليلًا متَّجِهًا بهم إلى فِلَسْطِينَ عن طريق البحر الأحمر وسَيْناء، وأخبره أن فرعون وجنوده سوف يطاردونهم، وكان هذا بعد أن استفرَغَ موسى جُهْدَهُ، وعرَضَ عليهم الآيات التسع، فقال له فرعون وأعوانه: ﴿مَهۡمَا تَأۡتِنَا بِهِۦ مِنۡ ءَايَةٖ لِّتَسۡحَرَنَا بِهَا فَمَا نَحۡنُ لَكَ بِمُؤۡمِنِينَ﴾ [الأعراف:132]، أي: بعد أن أنذَرَ وأعذَرَ، خرج بهم ليلًا كما أمَرَه الله، ثم أمَرَهُ إذا وصل ببني إسرائيل البحر الأحمر أن يَضْرِبَ بعصاه البحر؛ كي يتَّخذ لهم في البحر طريقًا يابسًا، وأوحى إليه ألَّا يخاف من فرعون وجنوده أن يُدْرِكوهم، ولا يخشى هو وقومه من الغَرَقِ في البحر.

[78] ﴿فَأَتۡبَعَهُمۡ فِرۡعَوۡنُ بِجُنُودِهِۦ فَغَشِيَهُم مِّنَ ٱلۡيَمِّ مَا غَشِيَهُمۡ 78﴾:

ولما علم فرعون بخروج موسى ببني إسرائيل، اشتَدَّ حَنَقُهُ، فأرسل في قرى مصر وأريافها من يحشُرُ الجنود لملاحقته إلى أن وصلوا ساحل البحر الأحمر، وهناك وقَعَتِ المعجزة الكبرى، وهي تجمُّدُ البحر حتى أصبح يابسًا كسهل الأرض؛ بعد أن ضربه موسى بعصاه، فعَبَرَهُ موسى وقومه بسلام؛ ولكنَّ الحقد أغرى فرعون فأَتْبعه؛ فلمَّا تكامل هو وجنوده فوق سطح البحر، انطبق عليهم الماء، فغَرِقوا وهَلَكوا جميعًا بأمر الله تعالى.

[79] ﴿وَأَضَلَّ فِرۡعَوۡنُ قَوۡمَهُۥ وَمَا هَدَىٰ 79﴾:

ثم أخبَرَ جل وعلا أن فرعون أضَلَّ قومه عن الحق بتزيين الكفر والتكذيب لهم، ولم يسلُكْ بهم طريق الهداية التي توصِّلهم إلى مرضاة الله وجناته. وقوله: ﴿وَمَا هَدَىٰ﴾، هي تكذيبٌ لقول فرعون: ﴿وَمَآ أَهۡدِيكُمۡ إِلَّا سَبِيلَ ٱلرَّشَادِ﴾ [غافر:29].

[80] ﴿يَٰبَنِيٓ إِسۡرَٰٓءِيلَ قَدۡ أَنجَيۡنَٰكُم مِّنۡ عَدُوِّكُمۡ وَوَٰعَدۡنَٰكُمۡ جَانِبَ ٱلطُّورِ ٱلۡأَيۡمَنَ وَنَزَّلۡنَا عَلَيۡكُمُ ٱلۡمَنَّ وَٱلسَّلۡوَىٰ 80﴾:

ثم امتَنَّ جل وعلا على بني إسرائيل بأن أنجاهم مِنِ استعباد فرعون لهم، ومِنْ قتل أبنائهم وتكليفهم بالأعمال الشاقَّة، ومن الغرق في البحر، وأنه واعد موسى أن يأتي جانبَ الطُّورِ الأيمَنَ لإنزال التوراة عليه، وأنه أنزَلَ عليهم بفضله ورحمته المَنَّ الذي هو طعامٌ يشبه العَسَلَ في طعمه، والسلوى وهو طير يشبه السُّمَانَى.

[81] ﴿كُلُواْ مِن طَيِّبَٰتِ مَا رَزَقۡنَٰكُمۡ وَلَا تَطۡغَوۡاْ فِيهِ فَيَحِلَّ عَلَيۡكُمۡ غَضَبِيۖ وَمَن يَحۡلِلۡ عَلَيۡهِ غَضَبِي فَقَدۡ هَوَىٰ 81﴾:

ثم قال لهم جل وعلا مُمْتَنًّا عليهم: كلوا ما لَذَّ لكم وطاب من هذه الأطعمة، واشكروا الله على ما أنعَمَ عليكم به؛ بألَّا تتجاوزوا حدَّكم؛ فتُسْرِفوا، ويَبْغِيَ بعضكم على بعض، وتستعملوا هذه النعم فيما يغضب الله جل في علاه؛ فإنكم إن فعلتم ذلك، حَلَّ عليكم غضب الله، ونزَلَ بكم سَخَطُه، ومن حلَّ عليه غضب الله، فقد خاب وهلَكَ وتردَّى، وخَسِرَ خسرانًا مبينًا.

[82] ﴿وَإِنِّي لَغَفَّارٞ لِّمَن تَابَ وَءَامَنَ وَعَمِلَ صَٰلِحٗا ثُمَّ ٱهۡتَدَىٰ 82﴾:

ثم أخبَرَ سبحانه أن باب التوبة مفتوحٌ لمن تاب، لا يُغلَقُ في وجه من أناب، وأخبَرَ أنه كثيرُ المغفرة لمن تاب من الكفر والشرك إلى الإيمان والتوحيد، ومن البدعة إلى السنة، ومن المعاصي إلى الطاعة، وكثيرُ المغفرة لمن آمَنَ بالله ورسله، وعمل الصالحات، ثم استقام على أمر الله وسلك طريقه المستقيم، وثبَتَ على دينه القويم.

[83] [84] ﴿وَمَآ أَعۡجَلَكَ عَن قَوۡمِكَ يَٰمُوسَىٰ 83 قَالَ هُمۡ أُوْلَآءِ عَلَىٰٓ أَثَرِي وَعَجِلۡتُ إِلَيۡكَ رَبِّ لِتَرۡضَىٰ 84﴾:

ثم سأَلَ جل وعلا موسى عليه السلام؛ فقال له: ما الذي جعَلَكَ تستعجل إلينا يا موسى، وتترك قومك الذين خرَجْتَ بهم إلينا؟!. فأجاب موسى ربه، فقال: يا ربِّ، إنهم خلفي سوف يلحقون بي، ولكني أسرعتُ شوقًا إلى لقائك، وطمعًا في زيادة رضاك عني. فقد أخبر سبحانه في آية أخرى: أن موسى عليه السلام اختار سبعين رجلًا من قومه، وذهَبَ بهم لميقات ربه، لكنه استبطأ سيرهم، فسار عليه السلام مسرعًا إلى الميقات، قال تعالى: ﴿وَٱخۡتَارَ مُوسَىٰ قَوۡمَهُۥ سَبۡعِينَ رَجُلٗا لِّمِيقَٰتِنَاۖ ﴾ [الأعراف:١٥٥].

[85] ﴿قَالَ فَإِنَّا قَدۡ فَتَنَّا قَوۡمَكَ مِنۢ بَعۡدِكَ وَأَضَلَّهُمُ ٱلسَّامِرِيُّ 85﴾:

وبعد أن تمَّت المكالمة والمحاورة بين الله عز وجل وموسى، وبعد أن استلم الألواح؛ أخبَرَه جل وعلا بأن قومه قد ضلُّوا بعبادة العجل بعد فراقه لهم، والذي كان سببًا في إضلالهم هو السامِرِيُّ الذي صنَعَ لهم العجل مما جمع منهم من حُلِيٍّ من ذهب، ثم دعاهم إلى عبادة العجل فأطاعوه.

[86] ﴿فَرَجَعَ مُوسَىٰٓ إِلَىٰ قَوۡمِهِۦ غَضۡبَٰنَ أَسِفٗاۚ قَالَ يَٰقَوۡمِ أَلَمۡ يَعِدۡكُمۡ رَبُّكُمۡ وَعۡدًا حَسَنًاۚ أَفَطَالَ عَلَيۡكُمُ ٱلۡعَهۡدُ أَمۡ أَرَدتُّمۡ أَن يَحِلَّ عَلَيۡكُمۡ غَضَبٞ مِّن رَّبِّكُمۡ فَأَخۡلَفۡتُم مَّوۡعِدِي 86﴾:

فرجَعَ موسى وقد امتلأ غيظًا وحَنَقًا على قومه؛ لفَعْلتهم الشنيعة، فقال لهم على سبيل التوبيخ: ألم يَعِدْكم ربكم وعدًا حسنًا بأن يُنْزِلَ عليكم كتابًا من عنده وهو التوراة؟! هل طالت عليكم المُدَّةُ فنسيتم؟! أم تجاوزتم أمر الله وتعدَّيْتم حدوده، فأَرَدتُّم بذلك أن يَنزِلَ عليكم عذابُه، ويَحِلَّ عليكم سخَطُه؟! فأخلفتم ما تواعدنا عليه من توحيد الله وإفراده بالعبادة وحده دون من سواه؟!

[87] ﴿قَالُواْ مَآ أَخۡلَفۡنَا مَوۡعِدَكَ بِمَلۡكِنَا وَلَٰكِنَّا حُمِّلۡنَآ أَوۡزَارٗا مِّن زِينَةِ ٱلۡقَوۡمِ فَقَذَفۡنَٰهَا فَكَذَٰلِكَ أَلۡقَى ٱلسَّامِرِيُّ 87﴾:

فقال بنو إسرائيل لنبيِّهم موسى معتذرين له بأعذار واهية: ما أخلَفْنا موعدك بعبادة العجل بإرادتنا، ولكنَّا حُمِّلنا أثقالًا من حُلِيِّ قوم فرعون الذي استعارته نساء بني إسرائيل من نساء الأقباط، قبل خروجهم من مصر، فأمَرَنا السامريُّ بأن نلقيها في حُفْرةٍ فيها نارٌ لصَوْغها وحفظها في قالب واحد، ثم ألقى عليها السامريُّ ما كان معه من تُرْبةِ حافرِ فَرَسِ جبريل عليه السلام.

[88] ﴿فَأَخۡرَجَ لَهُمۡ عِجۡلٗا جَسَدٗا لَّهُۥ خُوَارٞ فَقَالُواْ هَٰذَآ إِلَٰهُكُمۡ وَإِلَٰهُ مُوسَىٰ فَنَسِيَ 88﴾:

فكانت النتيجة أنْ صنَعَ لهم السامري من هذا الذهب عِجْلًا يدخُلُهُ الهواء، فيُحدِثُ له صوتًا كصوت البقر، ثم قال لبني إسرائيل: هذا إلهكم وإله موسى الذي ذهَبَ يَبْحَثُ عنه حيث نَسِيَهُ هنا.

[89] ﴿أَفَلَا يَرَوۡنَ أَلَّا يَرۡجِعُ إِلَيۡهِمۡ قَوۡلٗا وَلَا يَمۡلِكُ لَهُمۡ ضَرّٗا وَلَا نَفۡعٗا 89﴾:

ثم قال سبحانه وتعالى عن هؤلاء الجَهَلة على سبيل التوبيخ: أفلا يَرَوْنَ أن هذا الذي يزعمون أنه إله: لا يكلِّمهم، ولا يرُدُّ عليهم إذا كلَّموه؟! ولا يملك لهم نفعًا ولا ضرًّا؟! فكيف يتَّخذونه إلهًا من دون الله يصرفون له العبادة؟!

[90] ﴿وَلَقَدۡ قَالَ لَهُمۡ هَٰرُونُ مِن قَبۡلُ يَٰقَوۡمِ إِنَّمَا فُتِنتُم بِهِۦۖ وَإِنَّ رَبَّكُمُ ٱلرَّحۡمَٰنُ فَٱتَّبِعُونِي وَأَطِيعُوٓاْ أَمۡرِي 90﴾:

ثم أخبَرَ جل وعلا أن هارون حذَّرهم وأنذَرَهم في بداية منكَرِهِم هذا، وأخبَرَهم أن هذا اختبارٌ وامتحانٌ من الله لهم؛ لِيَعْلَمَ المؤمنَ من الكافر، وقال لهم: يا قوم، إن ربكم وإلهكم ومعبودكم بحقٍّ هو الرحمن؛ فاتَّبعوني فيما آمركم به من التوحيد وإخلاص العبادة لله، وأطيعوا أمري في ذلك؛ فأنا لكم ناصحٌ أمين.

[91] ﴿قَالُواْ لَن نَّبۡرَحَ عَلَيۡهِ عَٰكِفِينَ حَتَّىٰ يَرۡجِعَ إِلَيۡنَا مُوسَىٰ 91﴾:

فأجابوه قائلين: لن نترُكَ -يا هارون- عبادة هذا العجل حتى يَرْجِعَ إلينا موسى.

[92] ﴿قَالَ يَٰهَٰرُونُ مَا مَنَعَكَ إِذۡ رَأَيۡتَهُمۡ ضَلُّوٓاْ 92﴾:

ولما رجع موسى ورأى بني إسرائيل وهم عاكفون على عبادة العجل، اشتَدَّ غضبُهُ، ورمى الألواح التي كانت بيده على الأرض، وأخذ بلحية أخيه هارون وبرأسه يسحبه ويبكِّته، وقال له على سبيل التوبيخ والتهديد والعتاب: يا هارون، ما الذي منعك أن تقاومهم حين رأيت ضلالهم وشِرْكهم في عبادة العجل؟!

[93] ﴿أَلَّا تَتَّبِعَنِۖ أَفَعَصَيۡتَ أَمۡرِي 93﴾:

ثم قال له أيضًا: وما الذي منعك أن تتَّبع أمري ووصيَّتي؟! هل عصيتَ أمري في استخلافي إياك عليهم؟!

[94] ﴿قَالَ يَبۡنَؤُمَّ لَا تَأۡخُذۡ بِلِحۡيَتِي وَلَا بِرَأۡسِيٓۖ إِنِّي خَشِيتُ أَن تَقُولَ فَرَّقۡتَ بَيۡنَ بَنِيٓ إِسۡرَٰٓءِيلَ وَلَمۡ تَرۡقُبۡ قَوۡلِي 94﴾:

فأجابه هارون مرقِّقًا له، فقال: يا ابن أمي، لا تأخذ بلحيتي ولا برأسي تعنيفًا ومعاقبةً لي؛ فإني خَشِيتُ إنْ أنا ترَكْتُهم، ولَحِقْتُ بك أن يتَّبعني بعضهم، ويبقى أكثرهم؛ فأكون بذلك مفرِّطًا فيما أمرتني به من لزومي إياهم ورعايتهم، وخلافتك فيهم.

[95] ﴿قَالَ فَمَا خَطۡبُكَ يَٰسَٰمِرِيُّ 95﴾:

وبعد أن استغفر موسى لنفسه وأخيه، وهدأت نفسه، التفَتَ لرأس البلاء، وهو السامِرِيُّ، فقال له: ما شأنُكَ، وما أمرُكَ يا سامري؟! وما الذي حملك على هذا الفعل الشنيع؟!

[96] ﴿قَالَ بَصُرۡتُ بِمَا لَمۡ يَبۡصُرُواْ بِهِۦ فَقَبَضۡتُ قَبۡضَةٗ مِّنۡ أَثَرِ ٱلرَّسُولِ فَنَبَذۡتُهَا وَكَذَٰلِكَ سَوَّلَتۡ لِي نَفۡسِي 96﴾:

فقال السامري: لقد عَلِمْتُ ما لم يعلمه غيري؛ حيث رأيت الحصان الذي قاد بني إسرائيل حتى خروجِ بني إسرائيل من البحر وغَرَقِ فرعون وجنوده، فأخَذْتُ حَفْنةً من تراب أثر حافره، ثم ألقيتها على الحُلِيِّ المذاب الذي صنعتُ منه العجل، فصار له كما ترى صوتٌ كصوت البقر؛ وهذا الذي حسَّنته لي نفسي.

[97] ﴿قَالَ فَٱذۡهَبۡ فَإِنَّ لَكَ فِي ٱلۡحَيَوٰةِ أَن تَقُولَ لَا مِسَاسَۖ وَإِنَّ لَكَ مَوۡعِدٗا لَّن تُخۡلَفَهُۥۖ وَٱنظُرۡ إِلَىٰٓ إِلَٰهِكَ ٱلَّذِي ظَلۡتَ عَلَيۡهِ عَاكِفٗاۖ لَّنُحَرِّقَنَّهُۥ ثُمَّ لَنَنسِفَنَّهُۥ فِي ٱلۡيَمِّ نَسۡفًا 97﴾:

فقال موسى للسامري: اذهَبْ؛ فإنَّ لك في حياتك أن تعيش منبوذًا، وكلما اقترب منك أحدٌ، قلتَ له: لا أَمَسُّ أحدًا ولا أحَدَ يَمَسُّني، ثم اعلم -يا سامري- أن لك موعدًا يوم القيامة ستعاقب فيه عقابًا أليمًا شديدًا تستحقه؛ بسبب ضلالك وإضلالك الناس، ثم أمَرَ موسى السامريَّ وجميعَ الناس أن ينظروا كيف سنصنع بالإله المزعوم المصنوع من الذهب الذي أقمتم على عبادته، فقام موسى بإحراقه، وجعَلَهُ كالتراب، ثم نثَرَهُ في البحر حتى لا يبقى منه عَيْنٌ ولا أثر.

[98] ﴿إِنَّمَآ إِلَٰهُكُمُ ٱللَّهُ ٱلَّذِي لَآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَۚ وَسِعَ كُلَّ شَيۡءٍ عِلۡمٗا 98﴾:

واعلموا -أيها الناس- أنما إلهكم الحق هو الله، الذي لا معبودَ بحقٍّ إلا هو، ولا خالقَ غيرُهُ، ولا ربَّ سواه، وسع علمه كل شيء، فلا يعزُبُ ولا يغيبُ عنه مثقال ذرة في السموات ولا في الأرض سبحانه وتعالى.

[99] ﴿كَذَٰلِكَ نَقُصُّ عَلَيۡكَ مِنۡ أَنۢبَآءِ مَا قَدۡ سَبَقَۚ وَقَدۡ ءَاتَيۡنَٰكَ مِن لَّدُنَّا ذِكۡرٗا 99﴾:

وكما قصَصْنا عليك -أيها النبي- من أخبار الأمم السابقة قصَصْنا عليك قصة موسى وهارون مع فرعون وقومه، وأنزلنا عليك هذا الكتاب الشريف الذي يحوي أخبار الأمم السابقة، ويوضِّح الهدى والاعتبار لِمَن يريد الخير والصلاح.

[100] ﴿مَّنۡ أَعۡرَضَ عَنۡهُ فَإِنَّهُۥ يَحۡمِلُ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ وِزۡرًا 100﴾:

ولْيَعْلَمِ المعرض الجاحد أن من صَدَّ عن هذا القرآن العظيم الجامع لوجوه الخير والسعادة والنجاة، ولم يؤمِنْ به، فإنه يحمل يوم القيامة إثمًا عظيمًا.

[101] ﴿خَٰلِدِينَ فِيهِۖ وَسَآءَ لَهُمۡ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ حِمۡلٗا 101﴾:

ولْيَعْلَمْ أيضًا أن من أعرَضَ عن كتاب الله فسوف يمكث في العذاب في جهنم أبد الآبدين؛ بسب تلك الأوزار، وبئس ذلك الحِمْلُ الذي تحمَّلوه؛ نسأل الله السلامة والعافية.

[102] ﴿يَوۡمَ يُنفَخُ فِي ٱلصُّورِۚ وَنَحۡشُرُ ٱلۡمُجۡرِمِينَ يَوۡمَئِذٖ زُرۡقٗا 102﴾:

ثم أخبَرَ سبحانه أن ذلك اليوم هو يوم القيامة، الذي يُنفَخُ فيه في الصُّور؛ فيخرج الناس من القبور إلى أرض المحشر، وأن المجرمين يُحشَرونَ زُرْقَ الألوان من الخوف وشدَّة الهول.

[103] ﴿يَتَخَٰفَتُونَ بَيۡنَهُمۡ إِن لَّبِثۡتُمۡ إِلَّا عَشۡرٗا 103﴾:

وأخبَرَ سبحانه أنهم يتناجَوْنَ ويتهامسون فيما بينهم، فيقول بعضهم لبعضٍ-استقصارًا لمدة الدنيا-: ما لبثتم في هذه الدنيا إلا عشَرةَ أيام فقطْ.

[104] ﴿نَّحۡنُ أَعۡلَمُ بِمَا يَقُولُونَ إِذۡ يَقُولُ أَمۡثَلُهُمۡ طَرِيقَةً إِن لَّبِثۡتُمۡ إِلَّا يَوۡمٗا 104﴾:

واعلموا أن الله وحده هو الذي يعلم ما يتناجَوْنَ به، وأنه سبحانه يسمع هَمْسهم؛ حيث يقول أعدلهم رأيًا، وأكملهم وأقربهم إلى التقدير: ما مكَثْتُم في الدنيا ولا عُمِّرْتم فيها إلا يومًا واحدًا، وهذا استقصارٌ لزمن الدنيا وأنهم يَنْسَوْنَ تلك الأعمار الطويلة التي عاشوها في حياتهم الدنيا؛ وهذا كله بسبب ما يرون في يوم القيامة، يوم البعث والنشور، من الشدائد والأهوال، وأنواع الفَزَع والعذاب؛ فيندمون حينها أَشَدَّ ما يكون الندم، ولات حين مندم.

[105] ﴿وَيَسۡـَٔلُونَكَ عَنِ ٱلۡجِبَالِ فَقُلۡ يَنسِفُهَا رَبِّي نَسۡفٗا 105﴾:

ثم أخبَرَ جل في علاه أن الناس يسألون النبي ﷺ عن الجبال، فأمَرَه سبحانه أن يقول لهم: اعلموا –أيها الناس- أن هذه الجبال سوف يَنْسِفها ربي ويَقْلَعها عن أماكنها.

[106] ﴿فَيَذَرُهَا قَاعٗا صَفۡصَفٗا 106﴾:

واعلموا أيضًا أنه سوف يجعلها هباءً منثورًا، وتصبح الأرض بعدها أرضًا مَلْساء، لا نباتَ فيها ولا بناء.

[107] ﴿لَّا تَرَىٰ فِيهَا عِوَجٗا وَلَآ أَمۡتٗا 107﴾:

وبعد أن ينسف الله الجبال ويجعلها هباءً منثورًا فإن الناظر إلي الأرض لن يرى فيها اعوجاجًا ولا ارتفاعًا ولا انخفاضًا.

[108] ﴿يَوۡمَئِذٖ يَتَّبِعُونَ ٱلدَّاعِيَ لَا عِوَجَ لَهُۥۖ وَخَشَعَتِ ٱلۡأَصۡوَاتُ لِلرَّحۡمَٰنِ فَلَا تَسۡمَعُ إِلَّا هَمۡسٗا 108﴾:

ثم أخبَرَ أنهم في ذلك اليوم يتَّبعون الداعي الذي يدعو الخلائقَ لأرض المحشر؛ فيجيبونه منقادين متَّبعين صوتَهُ؛ لا يسَعُ أحدًا أن يتأخَّر عن إجابة دعوته، ولا يسَعُ أحدًا أن يتأخَّر عن تلبية النداء، وفي ذلك اليوم تسكُنُ وتَخْفِتُ وتَذِلُّ وتخضع الأصوات للرحمن جل في علاه؛ فلا تسمع إلا صوتًا خفيًّا لا يكاد يظهر.

[109] ﴿يَوۡمَئِذٖ لَّا تَنفَعُ ٱلشَّفَٰعَةُ إِلَّا مَنۡ أَذِنَ لَهُ ٱلرَّحۡمَٰنُ وَرَضِيَ لَهُۥ قَوۡلٗا 109﴾:

وفي ذلك اليوم العظيم لا تنفع شفاعة أحدٍ لأحد، إلا شفاعةَ مَنْ أَذِنَ له الرحمن، ورضي شفاعته، ورضي عن المشفوع له أيضًا، ولا يكون ذلك إلا لأهل التوحيد، أهل (لا إله إلّا الله).

[110] ﴿يَعۡلَمُ مَا بَيۡنَ أَيۡدِيهِمۡ وَمَا خَلۡفَهُمۡ وَلَا يُحِيطُونَ بِهِۦ عِلۡمٗا 110﴾:

ثم أخبَرَ جل في علاه أنه يعلم ما بين أيدي الناس في ذلك الموقف، وما سينتهي به كلُّ واحد من أهل المحشر: إما إلى جنَّة، وإمَّا إلى نار، ويَعْلَمُ سبحانه ما خلَّفه كل واحد منهم في الحياة الدنيا، وما قدَّمت يداه، فيُجازي كلًّا بعمله؛ إنْ خيرًا فخير، وإنْ شرًّا فشرّ؛ فإنَّ علمه سبحانه أحاط بهم من كل وجه، والخَلْقُ لا يحيطون بشيء من علمه إلا بما شاء سبحانه.

[111] ﴿وَعَنَتِ ٱلۡوُجُوهُ لِلۡحَيِّ ٱلۡقَيُّومِۖ وَقَدۡ خَابَ مَنۡ حَمَلَ ظُلۡمٗا 111﴾:

وفي ذلك اليوم العظيم تتَّجه الوجوه، وتقصد وتخضع لمالكها الحي القيوم؛ وحينئذ يخيب من حمَلَ شركًا وآثامًا.

[112] ﴿وَمَن يَعۡمَلۡ مِنَ ٱلصَّٰلِحَٰتِ وَهُوَ مُؤۡمِنٞ فَلَا يَخَافُ ظُلۡمٗا وَلَا هَضۡمٗا 112﴾:

وأما من عمل الصالحات، وهو مؤمن بالله، فأخبر سبحانه أنه في ذلك اليوم لا يخاف ظلمًا: بأن يعذَّب بذنبِ غيره، أو بذنبٍ لم يعمله، ولا يخاف هضمًا ونقصًا: بأن يُجحَدَ ثوابه أو ينقص أجره.

[113] ﴿وَكَذَٰلِكَ أَنزَلۡنَٰهُ قُرۡءَانًا عَرَبِيّٗا وَصَرَّفۡنَا فِيهِ مِنَ ٱلۡوَعِيدِ لَعَلَّهُمۡ يَتَّقُونَ أَوۡ يُحۡدِثُ لَهُمۡ ذِكۡرٗا 113﴾:

ثم أخبَرَ جل وعلا أنه أنزَلَ هذا القرآن باللسان العربي؛ ليفهمه الناس، ويتعظوا بما ضَرَبَ فيه من الأمثال، وما بيَّن فيه من أنواع الوعيد؛ لعلهم يجعلون بينهم وبين عذاب الله وقايةً بفعل أوامره، واجتناب نواهيه، ولعلهم يتذكَّرون ويتَّعظون.

[114] ﴿فَتَعَٰلَى ٱللَّهُ ٱلۡمَلِكُ ٱلۡحَقُّۗ وَلَا تَعۡجَلۡ بِٱلۡقُرۡءَانِ مِن قَبۡلِ أَن يُقۡضَىٰٓ إِلَيۡكَ وَحۡيُهُۥۖ وَقُل رَّبِّ زِدۡنِي عِلۡمٗا 114﴾:

ثم أثنى جل في علاه على ذاته الكريمة بما يستحق؛ فأخبَرَ أنه تنزَّه وتقدَّس وارتفع عن أي نقصٍ وعيبٍ بوجه من الوجوه، وأنه سبحانه هو المَلِكُ الذي قهَرَ كلَّ مخلوقاته، وأنه هو الحق، له الأسماء الحسنى، والصفات العُلا، ثم أرشد جل وعلا نبيه ﷺ ألَّا يتعجَّل في تلاوة القرآن مع جبريل؛ وأن يستمع للتلاوة حتى يفرُغَ جبريل من قراءته، وقد وعده سبحانه أن يجعل القرآن محفوظًا في صدره، وقد كان ﷺ مِنْ حرصه إذا تلا جبريل القرآن، سارع ﷺ بالتلاوة معه خشية أن ينساه، ثم أمَرَه عز وجل أن يدعو ربَّه قائلًا: اللهم يا رب، إني أسألك الزيادة من العلم النافع.

[115] ﴿وَلَقَدۡ عَهِدۡنَآ إِلَىٰٓ ءَادَمَ مِن قَبۡلُ فَنَسِيَ وَلَمۡ نَجِدۡ لَهُۥ عَزۡمٗا 115﴾:

ثم أخبَرَ جل وعلا أنه وصَّى أبا البشرية آدم ألَّا يأكل من شجرة معيَّنة في الجنة، ولكنه نسي الوصية، ونسي الوفاء بالعهد، وغلبه الطمع في الخلود، والأقسام التي أدلى بها له الخبيث إبليس، وأخبَرَ سبحانه أن آدم لم يكن له عزيمةٌ وصَبْرٌ على امتثال الأمر؛ فلذلك خالف أمر الله، وأكَلَ من الشجرة.

[116] ﴿وَإِذۡ قُلۡنَا لِلۡمَلَٰٓئِكَةِ ٱسۡجُدُواْ لِأٓدَمَ فَسَجَدُوٓاْ إِلَّآ إِبۡلِيسَ أَبَىٰ 116﴾:

وتذكَّر -أيها النبي- يوم أن أمَرْنا الملائكة أن تسجُدَ لآدم عليه السلام سجودَ تحيَّةٍ وإجلالٍ بعد أن أتممنا خلقه؛ فسجد جميع الملائكة إلا إبليس أبى واستكبر وعاند، وكان من الكافرين الجاحدين.

[117] ﴿فَقُلۡنَا يَٰٓـَٔادَمُ إِنَّ هَٰذَا عَدُوّٞ لَّكَ وَلِزَوۡجِكَ فَلَا يُخۡرِجَنَّكُمَا مِنَ ٱلۡجَنَّةِ فَتَشۡقَىٰٓ 117﴾:

ثم قال جل وعلا محذِّرًا آدم من وسوسة إبليس: اعلم -يا آدم- أن إبليس عدوٌّ لك ولزوجك؛ فاحذَرْ من طاعته والاستجابة له؛ حتى لا يكون سببًا في إخراجكما من الجنة ونعيمها، فتشقى وتتعب وتنصب في الدنيا؛ وذلك ببذلِ أسبابِ طلَبِ المعاش فيها.

[118] ﴿إِنَّ لَكَ أَلَّا تَجُوعَ فِيهَا وَلَا تَعۡرَىٰ 118﴾:

واعلم يا آدم؛ بأنك هنا في الجنة مَكْفيٌّ يأتيك طعامك على الدوام؛ فلا تجوع فيها أبدًا، وأنت فيها مكسُوٌّ فلا تعرى أبدًا.

[119] ﴿وَأَنَّكَ لَا تَظۡمَؤُاْ فِيهَا وَلَا تَضۡحَىٰ 119﴾:

واعلم أيضًا أنك تشرب في الجنة الماء العَذْبَ؛ فلا يصيبك العطش، ولك فيها الظل الظليل؛ فلا يؤذيك حر الشمس.

[120] ﴿فَوَسۡوَسَ إِلَيۡهِ ٱلشَّيۡطَٰنُ قَالَ يَٰٓـَٔادَمُ هَلۡ أَدُلُّكَ عَلَىٰ شَجَرَةِ ٱلۡخُلۡدِ وَمُلۡكٖ لَّا يَبۡلَىٰ 120﴾:

ولكنَّ إبليس وسوس لآدم، وزيَّن له الأكل من الشجرة التي نُهِيَ عنها، فقال له كاذبًا: يا آدم، هل أدُلُّك على شجرة إذا أكلت منها، فإنك تُخلَّدُ في الجنة؛ فلا تموت أبدًا، ويكون لك مُلْكٌ لا يزول أبدًا، وأقسَمَ لهما أنه صادق فيما يقول.

[121] ﴿فَأَكَلَا مِنۡهَا فَبَدَتۡ لَهُمَا سَوۡءَٰتُهُمَا وَطَفِقَا يَخۡصِفَانِ عَلَيۡهِمَا مِن وَرَقِ ٱلۡجَنَّةِۚ وَعَصَىٰٓ ءَادَمُ رَبَّهُۥ فَغَوَىٰ 121﴾:

ثم إن آدم وحواء أكلا من الشجرة التي نهاهما الله عنها بعد تزيين الشيطان لهما؛ فكان نتيجةُ ذلك انكشافَ عوراتهما التي كانت مستورةً عن أعينهما؛ لأن هذه الشجرة التي أكلا منها كانت مِثْلَ أشجار الدنيا، أي: لها فَضَلاتٌ تخرُجُ من القُبُلِ والدُّبُرِ، وهذه الفضلات لها رائحة كريهة؛ لذلك سميت سوءة، وقبل أن يأكلا من الشجرة لم تكن سوءة،؛ لأن أشجار الجنة ليس لها فَضَلاتٌ البتة، ولما انكشَفَتْ عوراتهما، قاما بقطع أشجار الجنة لتغطيةِ وسَتْرِ ما انكشف من عوراتهما، وكان ذلك بسببِ مخالفةِ آدَمَ لربه في اجتناب الأكل من الشجرة؛ ولذا ضلَّ آدم عن هدفه الذي كان يريده، وهو الخلود في الجنة.

[122] ﴿ثُمَّ ٱجۡتَبَٰهُ رَبُّهُۥ فَتَابَ عَلَيۡهِ وَهَدَىٰ 122﴾:

ولكنَّ الله لطيفٌ عالمٌ بالضعف البشري؛ فبعد عتابه وتذكيره بتحذيره من إبليس وعداوته، اجتباه وتاب عليه وهداه، بعد أن اعترفا واعتذرا بقولهما: ﴿رَبَّنَا ظَلَمۡنَآ أَنفُسَنَا وَإِن لَّمۡ تَغۡفِرۡ لَنَا وَتَرۡحَمۡنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ ٱلۡخَٰسِرِينَ﴾ [الأعراف:23].

[123] ﴿قَالَ ٱهۡبِطَا مِنۡهَا جَمِيعَۢاۖ بَعۡضُكُمۡ لِبَعۡضٍ عَدُوّٞۖ فَإِمَّا يَأۡتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدٗى فَمَنِ ٱتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشۡقَىٰ 123﴾:

ثم قال جل وعلا لآدم وحواء وإبليس: اهبطوا جميعًا من الجنة إلى الأرض، وسوف يكون بعضكم لبعض عدوًّا؛ وهذا ينطبق عليهم وعلى الأجيال المتلاحقة من ذريتهم، ثم كرمًا منه عز وجل ولطفًا بعباده وعَدَ بأن يُرْسِلَ الهداةَ من الرسل، ومعهم الكتب التي فيها الهدى والرشاد لهم، وأخبَرَ سبحانه أن من اتَّبع الرسل، وعمل بما اشتملت عليه الكتب، فإنه لن يضل في الدنيا، ولن يشقى بعقاب الله في الآخرة.

[124] ﴿وَمَنۡ أَعۡرَضَ عَن ذِكۡرِي فَإِنَّ لَهُۥ مَعِيشَةٗ ضَنكٗا وَنَحۡشُرُهُۥ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ أَعۡمَىٰ 124﴾:

ثم أخبَرَ جل في علاه أن مَنْ أعرض عن كتابه والعمل بما فيه، وعن دينه، وعن توحيده، واتِّباع رسوله ﷺ، فإن له في الحياة الدنيا وفي قبره عَيْشًا ضيِّقًا نَكِدًا، ثم يوم القيامة يُحشَرُ أعمى البصر والبصيرة.

[125] ﴿قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرۡتَنِيٓ أَعۡمَىٰ وَقَدۡ كُنتُ بَصِيرٗا 125﴾:

فيقول هذا المُعرِضُ متضجِّرًا متألِّمًا: ربِّ، لِمَ حشرتني على هذه الحالة الشنيعة فاقدًا لبصري، وقد كنتُ مُبصِرًا في الدنيا؟!

[126] ﴿قَالَ كَذَٰلِكَ أَتَتۡكَ ءَايَٰتُنَا فَنَسِيتَهَاۖ وَكَذَٰلِكَ ٱلۡيَوۡمَ تُنسَىٰ 126﴾:

فأجاب جل وعلا هذا المعرض قائلًا: نعم، قد كُنْتَ في الدنيا بصيرًا؛ ولكنْ كانت تأتيك آياتنا، فتُعْرِضُ وتتعامى عنها ولا تلتفت إليها، فكذلك اليوم أحشُرُكَ أعمى وتُترَكُ على هذه الحالة في العذاب والشقاء، مهمَلًا لا يأبَهُ بك أحد، ولا يَهتَمُّ لأمرك، وهذا الجزاء لك من جنس ما عَمِلَتْ وقَدَّمَتْ يداك.

[127] ﴿وَكَذَٰلِكَ نَجۡزِي مَنۡ أَسۡرَفَ وَلَمۡ يُؤۡمِنۢ بِـَٔايَٰتِ رَبِّهِۦۚ وَلَعَذَابُ ٱلۡأٓخِرَةِ أَشَدُّ وَأَبۡقَىٰٓ 127﴾:

ثم أخبَرَ سبحانه أنه بمثل هذا الجزاء والخِزْيِ نجزي من أسرف على نفسه في معصية الله، وجاوَزَ حدوده، ولم يصدِّق بالله وآياته الدالَّة على وحدانيته؛ فيكون له الضَّنْكُ والغمُّ والضيق في الدنيا، ولعذابُ الآخرة أشدُّ وأكثر ألَمًا؛ لكونه لا ينقطع ولا ينتهي، وقوله: ﴿وَكَذَٰلِكَ نَجۡزِي مَنۡ أَسۡرَفَ﴾: يعُمُّ كلَّ المسرفين.

[128] ﴿أَفَلَمۡ يَهۡدِ لَهُمۡ كَمۡ أَهۡلَكۡنَا قَبۡلَهُم مِّنَ ٱلۡقُرُونِ يَمۡشُونَ فِي مَسَٰكِنِهِمۡۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَأٓيَٰتٖ لِّأُوْلِي ٱلنُّهَىٰ 128﴾:

ثم قال سبحانه على سبيل التوبيخ: أفلم يتبيَّنْ لهؤلاء المكذِّبين المعرِضين الذين لم يؤمنوا بآيات الله ما حَلَّ ونزَلَ من الهلاك بالأمم السابقة؟! وهم يرون آثارهم، ويمشون في ديارهم التي عُذِّبوا وأُهلِكوا فيها؟! فما حَلَّ الذي حَلَّ بهم إلا بسبب تكذيبهم رُسُلَهم، وإعراضِهم عن آيات ربِّهم، واعلموا أن في ذلك آياتٍ بيِّناتٍ واضحاتٍ لأصحاب العقول الراجحة والفطر السليمة.

[129] ﴿وَلَوۡلَا كَلِمَةٞ سَبَقَتۡ مِن رَّبِّكَ لَكَانَ لِزَامٗا وَأَجَلٞ مُّسَمّٗى 129﴾:

ثم بيَّن سبحانه وتعالى أنه لولا وعدٌ سبَقَ مِن ربك -أيها النبي- بإمهال هؤلاء المكذِّبين وتأخيرهم، لاستأصلهم العذاب، كما استأصل من قَبْلَهم، ولكان العذاب لازمًا لهم؛ فإنهم مستحقون للعذاب بتكذيبهم، ولكنَّ الأجل المسمَّى الذي حدَّده الله، هو الذي أخَّر عنهم العذاب.

[130] ﴿فَٱصۡبِرۡ عَلَىٰ مَا يَقُولُونَ وَسَبِّحۡ بِحَمۡدِ رَبِّكَ قَبۡلَ طُلُوعِ ٱلشَّمۡسِ وَقَبۡلَ غُرُوبِهَاۖ وَمِنۡ ءَانَآيِٕ ٱلَّيۡلِ فَسَبِّحۡ وَأَطۡرَافَ ٱلنَّهَارِ لَعَلَّكَ تَرۡضَىٰ 130﴾:

ثم أرشَدَ سبحانه نبيه ﷺ أن يصبر على إمهالهم؛ لعلَّهم أن يتوبوا ويُؤمِنوا، وأن يصبر على ما يقولون افتراءً عليه واتِّهامًا له أنه ساحر وكاذب وشاعر، ثم أمَرَهُ أن يستعين في صبره بالصلاة والتسبيح بحمد ربه في هذه الأوقات الفاضلة، قبل طلوع الشمس فَجْرًا، وقبل غروبها عَصْرًا، ومِنْ آناء الليل، أي: ساعات الليل عِشَاءً، ومن أطراف النهار ظُهْرًا ومَغْرِبًا؛ لعلَّه يرضى بثواب هذه الأعمال، ويطمئنَّ قلبه، وتَقَرَّ عينُه.

[131] ﴿وَلَا تَمُدَّنَّ عَيۡنَيۡكَ إِلَىٰ مَا مَتَّعۡنَا بِهِۦٓ أَزۡوَٰجٗا مِّنۡهُمۡ زَهۡرَةَ ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَا لِنَفۡتِنَهُمۡ فِيهِۚ وَرِزۡقُ رَبِّكَ خَيۡرٞ وَأَبۡقَىٰ 131﴾:

ثم أمَرَ جل وعلا نبيه ﷺ ألَّا ينظر على سبيل الإعجاب لأصناف النعيم الذي متَّع الله به هؤلاء الأغنياء وغيرهم من أهل الدنيا؛ فما هو إلا اختبارٌ لهم في الحياة الدنيا، واعلم -أيها النبي- أن رزق الله لك في الدنيا بالتوحيد والإيمان، وفي الآخرة بالرضا والجِنانَ، والنظر إلى وجه الرحيم الرحمن المنَّان؛ خَيْرٌ مما فيه أهل الدنيا من متعٍ زائلة، وأبقى وأَدْوَمُ؛ لأنه لا ينقطع ولا يزول.

[132] ﴿وَأۡمُرۡ أَهۡلَكَ بِٱلصَّلَوٰةِ وَٱصۡطَبِرۡ عَلَيۡهَاۖ لَا نَسۡـَٔلُكَ رِزۡقٗاۖ نَّحۡنُ نَرۡزُقُكَۗ وَٱلۡعَٰقِبَةُ لِلتَّقۡوَىٰ 132﴾:

ثم أمَرَ سبحانه نبيه ﷺ أن يحُثَّ أهله على الصلاة، وأن يُلْزِمهم بها، ويتابعهم في أدائها، وأن يصبر على أمرهم بها صبرًا جميلًا، وألَّا ينشغل عنها، واعلم -أيها النبي- أن الله لن يسألك مالًا، ولن يطلب منك أن ترزق نفسك وأهلك؛ فلا تجعلِ الرزق أكبَرَ همِّك؛ فإن الله تكفَّل لك ولمن التزم بدعوتك بالرزق، واعلم أن العاقبة المحمودة الممدوحة في الدنيا والآخرة تكون للذي جعَلَ بينه وبين عذاب الله وقايةً؛ ففعَلَ أوامره، واجتنب نواهيه.

[133] ﴿وَقَالُواْ لَوۡلَا يَأۡتِينَا بِـَٔايَةٖ مِّن رَّبِّهِۦٓۚ أَوَلَمۡ تَأۡتِهِم بَيِّنَةُ مَا فِي ٱلصُّحُفِ ٱلۡأُولَىٰ 133﴾:

ثم أخبَرَ جل وعلا أن قريشًا قالوا للنبي ﷺ: هلَّا تأتينا -يا محمد- بآية مما اقترحناه عليك تدُلُّ على صدقك؛ كتفجير الأنهار حول مكَّة، وكنزول الملائكة معك، أو تأتينا بآية تشبه الآياتِ التي جاء بها الأنبياء السابقون؛ كعصا موسى، وناقة صالح، فرَدَّ الله عليهم مبكِّتًا ولائمًا: ألم يعلم هؤلاء بأننا قدَّمنا لهم آيةً هي من أعظم الآيات، ومعجزةً من أعظم المعجزات، وهو هذا القرآن العظيم المصدِّق لما جاء في الكتب السابقة من الحق؟!

[134] ﴿وَلَوۡ أَنَّآ أَهۡلَكۡنَٰهُم بِعَذَابٖ مِّن قَبۡلِهِۦ لَقَالُواْ رَبَّنَا لَوۡلَآ أَرۡسَلۡتَ إِلَيۡنَا رَسُولٗا فَنَتَّبِعَ ءَايَٰتِكَ مِن قَبۡلِ أَن نَّذِلَّ وَنَخۡزَىٰ 134﴾:

ثم بيَّن سبحانه أنه لو أهلك قومه ﷺ قبل أن يبعثه إليهم، لقالوا محتجِّين: ربَّنا، لو أرسَلْتَ إلينا رسولًا يبيِّن لنا الإيمان والتوحيد، لصدَّقناه وآمنا به، واتَّبعنا آياتك التي يأتي بها هذا الرسول مِنْ قبلِ أن نَذِلَّ بهذه العقوبة، ونَخْزَى هذا الخِزْيَ في نار جهنم، فها قد جاءكم رسولٌ من عندنا؛ فليس للناس على الله حجةٌ بعد الرسل.

[135] ﴿قُلۡ كُلّٞ مُّتَرَبِّصٞ فَتَرَبَّصُواْۖ فَسَتَعۡلَمُونَ مَنۡ أَصۡحَٰبُ ٱلصِّرَٰطِ ٱلسَّوِيِّ وَمَنِ ٱهۡتَدَىٰ 135﴾:

فقال بعض المشركين: سوف نتربَّص بمحمد حتى يَهْلِكَ، ثم تذهب دعوته معه، فأمَرَهُ جل وعلا أن يقول: كلٌّ منا متربِّصٌ بالآخر حتى يأتي الله بأمره، فانتظروا فستعلمون بعد زمن ليس بالبعيد مَنْ هم أصحاب الطريق المستقيم، ومَنْ هم المهتدون للحق والمجتنِبونَ للضلالة؛ نحن أم أنتم؟!

وهذه الآية تَحْمِلُ تهديدًا للكفار، وتبيِّنُ أن عاقبتهم سيئة.

سورة الأنبياء

سورة الأنبياء مَكِّيَّةٌ، وآياتها اثنتا عَشْرةَ ومائة آية.

وسمِّيت بسورة الأنبياء؛ لأنه ورد فيها ذكر قصص عدد من الأنبياء، وبيَّنت ما أنعم الله به عليهم غير النبوَّة؛ من إجابة الدعوة، وشفائهم، وإزالة ما بهم من ضُرّ.

[1] ﴿ٱقۡتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمۡ وَهُمۡ فِي غَفۡلَةٖ مُّعۡرِضُونَ 1﴾:

أخبَرَ جل وعلا باقتراب الزمن الذي سوف يُحَاسَبُ فيه الناس على ما قدَّموا من الأعمال، وهو يوم القيامة، ومعلوم أن كل ما هو آتٍ، فهو محقَّق الإتيان، وإن تأخَّر لحكمة أرادها الله، ومع ذلك، فإن الكفار يعيشون في لَهْوٍ وغفلة وإعراض عن دين الله.

ولا شك أن المعرِضين كثيرون في كل زمان؛ فمِنَ الناس: مَنْ يكون معرِضًا عن الإيمان والإسلام كالكفَّار، ومنهم: مَنْ يكون معرِضًا عن الأعمال الصالحة والتوبة، ومنغمسًا فيما يبعده عن الله تعالى؛ كالمسلمين أصحاب الذنوب والمعاصي والشهوات.

[2] ﴿مَا يَأۡتِيهِم مِّن ذِكۡرٖ مِّن رَّبِّهِم مُّحۡدَثٍ إِلَّا ٱسۡتَمَعُوهُ وَهُمۡ يَلۡعَبُونَ 2﴾:

ثم بيَّن سبحانه أن هؤلاء الكفار كلما نزَّل الله عليهم قرآنًا جديدًا يَحُثُّهم على ما ينفعهم، فإنهم يستمعون إليه، وهم مستهزئون ساخرون، لا يعتبرون ولا يتَّعظون.

[3] ﴿لَاهِيَةٗ قُلُوبُهُمۡۗ وَأَسَرُّواْ ٱلنَّجۡوَى ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ هَلۡ هَٰذَآ إِلَّا بَشَرٞ مِّثۡلُكُمۡۖ أَفَتَأۡتُونَ ٱلسِّحۡرَ وَأَنتُمۡ تُبۡصِرُونَ 3﴾:

ثم أخبَرَ جل وعلا أن هؤلاء الكفار بعد أن يستمعوا إلى القرآن، تكون قلوبهم لاهيةً وغافلةً عنه في أباطيل الدنيا وشهواتها، وإذا اختلَوْا واجتمعوا، أَسَرَّ بعضهم إلى بعض، وقالوا: إن محمدًا بشَرٌ مثلكم، وإن ما جاء به من القرآن فهو سحر؛ فكيف تؤمنون به وتتَّبعونه، وأنتم ترون أنه بشَرٌ مثلكم؟!

[4] ﴿قَالَ رَبِّي يَعۡلَمُ ٱلۡقَوۡلَ فِي ٱلسَّمَآءِ وَٱلۡأَرۡضِۖ وَهُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلۡعَلِيمُ 4﴾:

فأجابهم النبي ﷺ قائلًا: اعلموا -أيها الكفار- أن ربي يعلم القول -الخفيَّ والجليَّ- في أيِّ مكانٍ تكلَّم فيه صاحبه، في السماء أو الأرض، واعلموا أن الله هو السميعُ الذي يسمع أقوالكم سرَّها وجهرها، والعليمُ الذي لا يعزُبُ عنه مثقالُ ذَرَّةٍ في السموات ولا في الأرض.

[5] ﴿بَلۡ قَالُوٓاْ أَضۡغَٰثُ أَحۡلَٰمِۭ بَلِ ٱفۡتَرَىٰهُ بَلۡ هُوَ شَاعِرٞ فَلۡيَأۡتِنَا بِـَٔايَةٖ كَمَآ أُرۡسِلَ ٱلۡأَوَّلُونَ 5﴾:

ولكنَّ هؤلاء الكفار لم يكتفوا بما قالوه آنفًا عن النبي ﷺ من أنه بشَرٌ، وأن القرآن سحر، بل قالوا: إن هذا القرآن عبارة عن أخلاطٍ وأباطيلَ لا حقيقة لها، وإن النبي ﷺ اختلقه مِنْ عند نفسه، وإن هذا النبي ﷺ ما هو إلا شاعر، وهذا القرآن الذي جاء به نوعٌ من أنواع الشعر، ولا شكَّ أن مثل هذا الكلام قيل لسائر الرسل من أممهم؛ وهذا شأن من استولى عليه الهوى واتَّبع الشيطان، ثم قالوا: وإذا كان هذا النبي ﷺ صادقًا في دعواه، فليأتِنا بآية محسوسة، كالتي جاء بها الأنبياء المرسلون من قبله؛ كناقة صالح، وآيات موسى وعيسى عليهما السلام.

[6] ﴿مَآ ءَامَنَتۡ قَبۡلَهُم مِّن قَرۡيَةٍ أَهۡلَكۡنَٰهَآۖ أَفَهُمۡ يُؤۡمِنُونَ 6﴾:

فأجاب جل وعلا على مقولتهم، فقال: اعلموا أن جميع الذين طلبوا الآيات من الأقوام السابقة قبل كفار مكَّة، ثم أتتهم، لم يؤمنوا بها؛ ولذلك حَقَّ عليهم العذاب فاستُؤْصِلوا؛ فهل أنتم بِدْعٌ منهم؟! أي: إذا تحقَّقت لكم -يا أهل مكة- الآيات التي طلبتموها، هل ستؤمنون؟! كلا إنكم لن تؤمنوا أبدًا! والهمزة في قوله: ﴿أَفَهُمۡ يُؤۡمِنُونَ﴾؛ لاستبعاد الإيمان منهم أو استحالته إذا جاءتهم الآيات التي طلبوها.

[7] ﴿وَمَآ أَرۡسَلۡنَا قَبۡلَكَ إِلَّا رِجَالٗا نُّوحِيٓ إِلَيۡهِمۡۖ فَسۡـَٔلُوٓاْ أَهۡلَ ٱلذِّكۡرِ إِن كُنتُمۡ لَا تَعۡلَمُونَ 7﴾:

واعلم -أيها النبي- ما كان هؤلاء الرسل الذين أرسلناهم لأقوامهم قبلك إلا من البَشَر؛ لا من الملائكة، ولا من غيرهم؛ فاسألوا -أيها المشركون- أهلَ الكتاب قبلكم من اليهود والنصارى عن الرسل الذين جاؤوهم؛ إن كنتم لا تعلمون حقيقة مَنْ أرسلنا إليهم.

[8] ﴿وَمَا جَعَلۡنَٰهُمۡ جَسَدٗا لَّا يَأۡكُلُونَ ٱلطَّعَامَ وَمَا كَانُواْ خَٰلِدِينَ 8﴾:

واعلموا -أيها الكفار- أن هؤلاء الرسل ما كانوا إلا بَشَرًا لهم أجسادٌ كأجسادكم، ويفتقرون للطعام والشراب مثلكم، ويموتون مثلكم؛ فهم ليسوا بمخلَّدين في هذه الدنيا.

[9] ﴿ثُمَّ صَدَقۡنَٰهُمُ ٱلۡوَعۡدَ فَأَنجَيۡنَٰهُمۡ وَمَن نَّشَآءُ وَأَهۡلَكۡنَا ٱلۡمُسۡرِفِينَ 9﴾:

ثم بيَّن جل وعلا أنه صدَقَ ما وعَدَ به رسله وأتباعهم مِنْ جعل العاقبة لهم، فأولًا: أنجاهم وأتباعهم من العذاب الذي أنزَلَهُ بأعدائهم، وثانيًا: أهلَكَ المجرمين الذين تجاوزوا حدود الله، وكفروا وظلموا، وأعرضوا عن دين الله الحق.

[10] ﴿لَقَدۡ أَنزَلۡنَآ إِلَيۡكُمۡ كِتَٰبٗا فِيهِ ذِكۡرُكُمۡۚ أَفَلَا تَعۡقِلُونَ 10﴾:

واعلموا-أيها الناس- أن الله أنزل إليكم قرآنًا عظيم الشأن، فيه ما تتذكَّرون وتتَّعظون به؛ لهدايتكم وإصلاحكم وإسعادكم، وفيه شرَفُكم وعزُّكم؛ إن آمنتم بما فيه، واتَّبعتم أوامره، وانتهيتم عن نواهيه، وقد شرَّفكم الله به حيث نزَلَ بلغتكم، وأُمِرْتم بنَشْره وتبليغه؛ فهلَّا أعملتم عقولكم، وفكَّرتم فيما ينفعكم ويرفعكم؛ فحَرَصْتم عليه وآمنتم به، وفيما يضُرُّكم ويخزيكم؛ فابتعدتم عنه؟!

[11] ﴿وَكَمۡ قَصَمۡنَا مِن قَرۡيَةٖ كَانَتۡ ظَالِمَةٗ وَأَنشَأۡنَا بَعۡدَهَا قَوۡمًا ءَاخَرِينَ 11﴾:

أخبَرَ جل وعلا بكثرة القرى التي أهلكها؛ بسبب ظلمها وإصرارها على الكفر والطغيان، وأخبَرَ أنه أوجد بعد هذه الأمم التي أُبِيدَتْ أممًا أخرى لم يكونوا مثلهم، وفي هذا تحذيرٌ لهذه الأمة من الظلم والطغيان؛ حتى لا ينالها ما نال الأمم السابقة.

[12] ﴿فَلَمَّآ أَحَسُّواْ بَأۡسَنَآ إِذَا هُم مِّنۡهَا يَرۡكُضُونَ 12﴾:

فلما أحسَّ هؤلاء الظالمون بنزولِ العذاب، وتيقَّنوا من وقوعه، إذا بهم يخرُجُونَ مسرعين هاربين من قريتهم؛ ظنًّا منهم أنهم سوف يَفِرُّونَ من عذاب الله.

[13] ﴿لَا تَرۡكُضُواْ وَٱرۡجِعُوٓاْ إِلَىٰ مَآ أُتۡرِفۡتُمۡ فِيهِ وَمَسَٰكِنِكُمۡ لَعَلَّكُمۡ تُسۡـَٔلُونَ 13﴾:

فناداهم منادٍ على سبيل السخرية والاستهزاء: لا تهرُبُوا وارجعوا إلى مساكِنِكم والنِّعَمِ التي أبطَرَتْكم؛ لعلَّ بعضكم يسأل بعضًا عن أسباب نَكْبتكم وهلاككم، وسبل الخلاص منها؟ ولكنْ هيهات!

[14] ﴿قَالُواْ يَٰوَيۡلَنَآ إِنَّا كُنَّا ظَٰلِمِينَ 14﴾:

ولما رأى المشركون العذاب، وتيقَّنوا من وقوعه، اعترفوا بجُرْمهم، وقالوا: يا هلاكنا، ويا بؤسنا؛ إنَّا كنَّا ظالمين لأنفسنا؛ بسبب ما كنَّا فيه من الكفر والإعراض عن دين الله، وتكذيب الرسل وما جاؤوا به من الحق.

[15] ﴿فَمَا زَالَت تِّلۡكَ دَعۡوَىٰهُمۡ حَتَّىٰ جَعَلۡنَٰهُمۡ حَصِيدًا خَٰمِدِينَ 15﴾:

ثم أخبَرَ سبحانه أن هؤلاء الظالمين استمرُّوا في الدعاء على أنفسهم بالهلاك، حتى أهلكهم الله، وجعلهم كالزَّرْع المحصود الذي يتكدَّس بعضه على بعض، وكالنار إذا اشتعَلَتْ صار لها لهب وسُعَار؛ فإذا أُخْمِدَتْ، صارت رمادًا لا حياة فيها؛ نعوذ بالله من سوء المنقلب. وفي هذا تحذيرٌ لهذه الأمة من تكذيب النبي ﷺ؛ حتى لا يَحِلَّ بهم ما حَلَّ بغيرهم من الأمم السابقة.

[16] ﴿وَمَا خَلَقۡنَا ٱلسَّمَآءَ وَٱلۡأَرۡضَ وَمَا بَيۡنَهُمَا لَٰعِبِينَ 16﴾:

ثم أخبَرَ جل وعلا أنه ما خلق السماء والأرض وما بينهما من عجائب مخلوقاته عبثًا وباطلًا؛ بل خلقهما للاعتبار والاتِّعاظ، وإدراكِ قدرة الله وعظمته، وأحقِّيَّتِهِ بالعبادة وحده.

[17] ﴿لَوۡ أَرَدۡنَآ أَن نَّتَّخِذَ لَهۡوٗا لَّٱتَّخَذۡنَٰهُ مِن لَّدُنَّآ إِن كُنَّا فَٰعِلِينَ 17﴾:

واعلموا -أيها الناس- أنه لو أراد الله أن يتَّخذ ما يُتلهَّى به -وهو منزَّه عن هذا- لاتَّخذه من عنده ومن جهته، لا من عندكم؛ إنْ كان يريد ذلك، ولكنَّ الله ما كان ليفعل ذلك؛ لأنه لا يليق به وليس من مقامه اللَّهْوُ والعبث؛ وهذا الافتراض تنزُّلٌ مع هذه العقول الصغيرة للإقناع.

[18] ﴿بَلۡ نَقۡذِفُ بِٱلۡحَقِّ عَلَى ٱلۡبَٰطِلِ فَيَدۡمَغُهُۥ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٞۚ وَلَكُمُ ٱلۡوَيۡلُ مِمَّا تَصِفُونَ 18﴾:

واعلموا -أيها الناس- أن الله خلق السموات والأرض؛ ليبيِّنَ الحق الذي من أجله أرسَلَ الرسل، وأنزَلَ الكتب، ولكي يزيل بالحجة الشُّبَهَ الباطلة التي تمسَّك بها أهل الضلال، فيحطِّمها ويقضي عليها، واعلموا -أيها المشركون- أن لكم العذابَ الشديدَ في الآخرة؛ بسبب ظنونكم السيئة له بالعبث، أو وَصْفِكم كلامه بالسِّحْرِ والشِّعْر، أو نسبتِكُمُ الولد والصاحبة له وما لا يليق به جل شأنه.

[19] ﴿وَلَهُۥ مَن فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۚ وَمَنۡ عِندَهُۥ لَا يَسۡتَكۡبِرُونَ عَنۡ عِبَادَتِهِۦ وَلَا يَسۡتَحۡسِرُونَ 19﴾:

واعلموا -أيها الناس- أن لله وحده مُلْكَ السموات والأرض، وعنده سبحانه الملائكة الذين لا يتعاظمون ولا يأنفون عن عبادته والخضوع له، ولا يَمَلُّونَ ولا يسأمون من هذه العبادة.

[20] ﴿يُسَبِّحُونَ ٱلَّيۡلَ وَٱلنَّهَارَ لَا يَفۡتُرُونَ 20﴾:

ثم بيَّن سبحانه أنهم يستغرقون جميع أوقاتهم في تسبيح الله وتنزيهه وذِكْرِهِ ليلًا ونهارًا، فلا ينقطعون ولا يتوقَّفون عن ذلك في وقت من الأوقات.

[21] ﴿أَمِ ٱتَّخَذُوٓاْ ءَالِهَةٗ مِّنَ ٱلۡأَرۡضِ هُمۡ يُنشِرُونَ 21﴾:

ثم أنكَرَ سبحانه على هؤلاء المشركين اتِّخاذهم معبوداتٍ لهم -من دون الله- من الأرض، وهذه الآلهةُ عاجزةٌ لا يستطيعون بَعْثَ الموتى وإحياءهم؛ فكيف يتَّخذونهم آلهة مع هذا العجز الظاهر؟!

[22] ﴿لَوۡ كَانَ فِيهِمَآ ءَالِهَةٌ إِلَّا ٱللَّهُ لَفَسَدَتَاۚ فَسُبۡحَٰنَ ٱللَّهِ رَبِّ ٱلۡعَرۡشِ عَمَّا يَصِفُونَ 22﴾:

فرَدَّ جل وعلا عليهم بدليل عقلي، فقال: لو كان في هذه السموات والأرض آلهة أخرى غيرُ الله سبحانه وتعالى ، لفسَدَتَا واختَلَّ نظامهما؛ لأن كل إله يريد أن تكون له الكلمة والحكم، ثم نزَّه سبحانه نفسه وبرَّأها عما وصفه به الجاهلون من أن يكون له شريكٌ في ألوهيته؛ جل شأنه وتقدَّس.

وقوله: ﴿إِلَّا ٱللَّهُ﴾، أي: غيرُ الله، ولا يجوز أن تكون (إلا) حرف استثناء؛ وبهذا يكون المعنى: لو كان فيهما آلهةٌ غيرُ اللهِ، لفسدتا.

[23] ﴿لَا يُسۡـَٔلُ عَمَّا يَفۡعَلُ وَهُمۡ يُسۡـَٔلُونَ 23﴾:

ثم أخبَرَ جل وعلا أنه لا يَحِقُّ لأحدٍ من خلقه أن يسأله عن أفعاله؛ لعظمته وقدرته، وسلطانه وجبروته، وعلمه وحكمته، أما العبادُ، فإنهم مسؤولون عن أفعالهم، وسوف يحاسبون عليها؛ إنْ خيرًا فخير، وإنْ شرًّا فشرّ.

[24] ﴿أَمِ ٱتَّخَذُواْ مِن دُونِهِۦٓ ءَالِهَةٗۖ قُلۡ هَاتُواْ بُرۡهَٰنَكُمۡۖ هَٰذَا ذِكۡرُ مَن مَّعِيَ وَذِكۡرُ مَن قَبۡلِيۚ بَلۡ أَكۡثَرُهُمۡ لَا يَعۡلَمُونَ ٱلۡحَقَّۖ فَهُم مُّعۡرِضُونَ 24﴾:

ثم ساق جل وعلا دليلًا آخَرَ على وحدانيته، فقال: وهؤلاء المشركون الذين اتخذوا آلهة يعبُدُونها من دون الله، يزعُمُونَ أنها تنفع وتضر، قل لهم -أيها النبي-: هاتوا حُجَّتكم ودليلكم على دعواكم أنها آلهةٌ، وأنها تنفع وتضر، ثم قل لهم: هذا كتابُ الله الذي أُنزِلَ عليَّ، وهذه كتب الأمم السابقة ليس فيها دليلٌ على دعواكم؛ بل كلُّها تأمر بتوحيد الله وعبادته وحده دون من سواه، واعلم -أيها النبي-أن أكثر هؤلاء المشركين مقلِّدون متَّبعون لأسلافِهم في الجدال بغير علم، وفي الضلال، وعدم الوصول للحق؛ بسبب إعراضهم عنه.

[25] ﴿وَمَآ أَرۡسَلۡنَا مِن قَبۡلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلَّا نُوحِيٓ إِلَيۡهِ أَنَّهُۥ لَآ إِلَٰهَ إِلَّآ أَنَا۠ فَٱعۡبُدُونِ 25﴾:

ثم بيَّن سبحانه أن جميع الرسل الذين أرسَلَهم الله قبل النبي ﷺ، أخبَرَهم عن طريق الوحي أنه لا معبودَ بحقٍّ إلا الله، وطلب منهم أن يُسْلِموا وينيبوا لله ويوحِّدوه.

[26] ﴿وَقَالُواْ ٱتَّخَذَ ٱلرَّحۡمَٰنُ وَلَدٗاۗ سُبۡحَٰنَهُۥۚ بَلۡ عِبَادٞ مُّكۡرَمُونَ 26﴾:

ثم أخبَرَ جل في علاه أن المشركين زعموا زَعْمًا فاسدًا شنيعًا، فقالوا: إن الله اتخذ ولدًا بأنْ جعل الملائكة من بناته؛ كما زعم اليهودُ في عُزَيْر، وزعم النصارى في المسيح -تعالى الله عن قولهم علوًّا كبيرًا- ثم نزَّه تعالى نفسه بعد هذا القول الشنيع الذي قالوه، وأخبَرَ سبحانه أن الملائكة خَلْقٌ من خلقِ الله.

[27] ﴿لَا يَسۡبِقُونَهُۥ بِٱلۡقَوۡلِ وَهُم بِأَمۡرِهِۦ يَعۡمَلُونَ 27﴾:

ثم أخبَرَ سبحانه أنه أكرَمَ هؤلاء الملائكة، وجعلهم مُكْرَمين، واختصَّهم بفضائل ليست لغيرهم، ومن ذلك: أنهم لا يقولون شيئًا حتى يقوله الله، أو يأمرهم به، وهم ممتثلون أمر الله وطاعته، ويعملون بها على الدوام؛ فلا يعصون الله ما أمرهم، ويفعلون ما يُؤْمَرُون.

[28] ﴿يَعۡلَمُ مَا بَيۡنَ أَيۡدِيهِمۡ وَمَا خَلۡفَهُمۡ وَلَا يَشۡفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ٱرۡتَضَىٰ وَهُم مِّنۡ خَشۡيَتِهِۦ مُشۡفِقُونَ 28﴾:

وهؤلاء الملائكة يعلم جل في علاه جميع أحوالهم وأعمالهم السابقة واللاحقة، وقد بيَّن سبحانه أنَّ مِن صفاتهم: أنهم لا يشفعون لأحد من البَشَرِ إلا لمن ارتضى عز وجل شفاعتهم له.

ومن صفاتهم: أنهم -مع خَوْفهم من الله سبحانه- فإنهم حَذِرُونَ من مخالفة أوامر الله ونواهيه وعقابه.

[29] ﴿وَمَن يَقُلۡ مِنۡهُمۡ إِنِّيٓ إِلَٰهٞ مِّن دُونِهِۦ فَذَٰلِكَ نَجۡزِيهِ جَهَنَّمَۚ كَذَٰلِكَ نَجۡزِي ٱلظَّٰلِمِينَ 29﴾:

ومع هذه الصفات الجليلة بيَّن سبحانه أنه لو فُرِضَ أن أحدًا منهم عصى وخالف، وادَّعى الألوهية من دون الله، فسيكون جزاؤه نار جهنَّم يدخُلُها ويصلاها؛ كما هو جزاء الظالمين المجاوزين حدودهم.

[30] ﴿أَوَلَمۡ يَرَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوٓاْ أَنَّ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضَ كَانَتَا رَتۡقٗا فَفَتَقۡنَٰهُمَاۖ وَجَعَلۡنَا مِنَ ٱلۡمَآءِ كُلَّ شَيۡءٍ حَيٍّۚ أَفَلَا يُؤۡمِنُونَ 30﴾:

ثم أشار جل وعلا إلى عظمته وقدرته الإلهية، فقال: أولم يعلم هؤلاء الكفار أن الله هو الذي خلق السموات والأرض، وأبدَعَ خلقهما؛ ومن ذلك: أن السموات والأرض كانتا ملتصقتَيْنِ قطعةً واحدةً؛ ففصَلَ سبحانه بعضهما عن بعض، ثم جعل السماء سبعًا، وجعل الأرض سبعًا، ﴿وَأَوۡحَىٰ فِي كُلِّ سَمَآءٍ أَمۡرَهَاۚ ﴾ [فصلت:12]، و ﴿أَعۡطَىٰ كُلَّ شَيۡءٍ خَلۡقَهُۥ ثُمَّ هَدَىٰ﴾ [طه:50].

ثم أمَرَ سبحانه السماء بإنزال المطر، وأخبَرَ أنه جعل من الماء كل شيء حي، وجعله سببًا في إحياء الأرض بإخراج النبات منها، ومع رؤية ومشاهدة الكفَّار لعجائب مخلوقات الله، وعظيم قدرته، فإنهم لم يؤمنوا بالله ولم يتَّبعوا رسله وما جاؤوا به.

[31] ﴿وَجَعَلۡنَا فِي ٱلۡأَرۡضِ رَوَٰسِيَ أَن تَمِيدَ بِهِمۡ وَجَعَلۡنَا فِيهَا فِجَاجٗا سُبُلٗا لَّعَلَّهُمۡ يَهۡتَدُونَ 31﴾:

ثم أخبَرَ سبحانه أن من رحمة الله وحُسْن تدبيره: أنه جعل للأرض جبالًا تثبِّتها كيلا تتحرَّك وتضطرب، وجعل فيها طُرُقًا سهلةً معبَّدةً لسلوكها والسَّيْرِ عليها؛ لعلَّكم -أيها الناس- تهتدون -بتفكُّركم في هذه الآيات- إلى توحيد الله، وإفراده بالعبادة.

[32] ﴿وَجَعَلۡنَا ٱلسَّمَآءَ سَقۡفٗا مَّحۡفُوظٗاۖ وَهُمۡ عَنۡ ءَايَٰتِهَا مُعۡرِضُونَ 32﴾:

ثم أخبَرَ جل في علاه أنه جعل السماء سَقْفًا للأرض -بلا أعمدةٍ ترى- وحَفِظها من السقوط، ومن الشياطين، وأخبَرَ أن المشركين عن آيات السماء العظيمة- وما فيها من دلالة على وحدانية الله- غافلون ساهون لاهون.

[33] ﴿وَهُوَ ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلَّيۡلَ وَٱلنَّهَارَ وَٱلشَّمۡسَ وَٱلۡقَمَرَۖ كُلّٞ فِي فَلَكٖ يَسۡبَحُونَ 33﴾:

واعلموا -أيها الناس- أن الله وحده هو الذي خلَقَ الليل والنهار، والشمس والقمر، وجعَلَ لكلِّ فَلَكٍ من هذه الأفلاك مسارًا خاصًّا يسير فيه بانتظام دقيق، لا يحيد عنه، ولا يتعدَّاه.

[34] ﴿وَمَا جَعَلۡنَا لِبَشَرٖ مِّن قَبۡلِكَ ٱلۡخُلۡدَۖ أَفَإِيْن مِّتَّ فَهُمُ ٱلۡخَٰلِدُونَ 34﴾:

واعلم -أيها النبي- أن الله ما أعطى لبشرٍ مِنْ قبلك البقاءَ الأبديَّ في الدنيا، والخلود فيها؛ فهل يظن هؤلاء المكذِّبون أنَّك إذا مِتَّ، كانوا هم المخلَّدين في الدنيا بعدك؟!

[35] ﴿كُلُّ نَفۡسٖ ذَآئِقَةُ ٱلۡمَوۡتِۗ وَنَبۡلُوكُم بِٱلشَّرِّ وَٱلۡخَيۡرِ فِتۡنَةٗۖ وَإِلَيۡنَا تُرۡجَعُونَ 35﴾:

أخبَرَ جل وعلا أن كل نفس مخلوقة في هذه الدنيا ستذوق الموت، وستَشْرَبُ من كأسه -وإن طال بها الزمان- واعلموا أن الله سوف يختبركم في حياتكم الدنيا بالشر والخير، والمرض والصحة، والفقر والغنى، والذل والعز، والموت والحياة؛ لينظُرَ أيُّكم أحسن عملًا، ثم ترجعون إليه سبحانه للجزاء والحساب.

[36] ﴿وَإِذَا رَءَاكَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوٓاْ إِن يَتَّخِذُونَكَ إِلَّا هُزُوًا أَهَٰذَا ٱلَّذِي يَذۡكُرُ ءَالِهَتَكُمۡ وَهُم بِذِكۡرِ ٱلرَّحۡمَٰنِ هُمۡ كَٰفِرُونَ 36﴾:

ثم أخبَرَ جل وعلا أن الكفار إذا شاهدوا النبي ﷺ، أشاروا إليه بسخريةٍ واستهزاءٍ، وقالوا: أهذا الذي يسُبُّ آلهتكم؟!؛ وذلك أنه ﷺ مَرَّ على ملأ من قريش فيهم أبو جهل، فأشار أبو جهل إلى رسول الله ﷺ، وقال وهو يضحك: أهذا نَبِيُّ بني عبد مناف الذي يَعِيبُ أصنامكم؟! ومن العجب: أنهم كذَّبوا بآيات الرحمن وجحدوا نعمه؛ فسبحان الله الذي جعلهم يعيبون الذي يسُبُّ آلهتهم التي لا تنفع ولا تشفع، ثم هم يكفُرُونَ بالذي يرحم ويرزق وينفع ويكشف الضر، وهكذا انقلَبَتِ الموازين عندهم!

[37] ﴿خُلِقَ ٱلۡإِنسَٰنُ مِنۡ عَجَلٖۚ سَأُوْرِيكُمۡ ءَايَٰتِي فَلَا تَسۡتَعۡجِلُونِ 37﴾:

أخبَرَ جل وعلا أن الإنسان طُبِعَ على التعجُّل في الأمور، ومبادرة الأشياء واستعجالها، وقد استعجَلَتْ قريش نزول العذاب بها -استكبارًا وعتوًّا- فقال الله لهم: اعلموا -أيها الكفار- أن عذاب الله سيأتيكم وستَرَوْنَهُ بأعينكم، وستَحِلُّ بكم نقمته -في الأجل الذي حدَّده لكم، لا تستأخرون عنه ساعةً ولا تستقدمون- فلا تستعجلوا ذلك.

وقد أخبَرَ جل وعلا في سورة الأنفال عن مقولة النَضْر بن الحارث الذي قال: ﴿ٱللَّهُمَّ إِن كَانَ هَٰذَا هُوَ ٱلۡحَقَّ مِنۡ عِندِكَ فَأَمۡطِرۡ عَلَيۡنَا حِجَارَةٗ مِّنَ ٱلسَّمَآءِ أَوِ ٱئۡتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٖ﴾ [الأنفال:32]، فرَدَّ عليهم جل وعلا: ﴿سَأُوْرِيكُمۡ ءَايَٰتِي فَلَا تَسۡتَعۡجِلُونِ﴾، ثم نقول: أيها المستعجلون بطلب العذاب مِنْ جَهْلكم وضلالكم، لو أتى ماذا يُمْكِنُكم فعله أو استدراكه؟! هل تستطيعون ردَّه أو الهروبَ منه؟! وكان الأولى بهؤلاء الكفار أن يقولوا: اللهمَّ، إنْ كان هذا هو الحقَّ مِنْ عندك، فاهدنا إليه.

[38] ﴿وَيَقُولُونَ مَتَىٰ هَٰذَا ٱلۡوَعۡدُ إِن كُنتُمۡ صَٰدِقِينَ 38﴾:

ثم أخبَرَ جل وعلا بما قاله المشركون المستعجلون للعذاب تكذيبًا واستهزاءً وسخريةً، قالوا: متى يحصُلُ ما وُعِدْنا به؛ إن كنتم صادقين في وعدكم؟!

[39] ﴿لَوۡ يَعۡلَمُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ حِينَ لَا يَكُفُّونَ عَن وُجُوهِهِمُ ٱلنَّارَ وَلَا عَن ظُهُورِهِمۡ وَلَا هُمۡ يُنصَرُونَ 39﴾:

فرد جل وعلا عليهم قائلًا: لو يعلم هؤلاء الكفار عِلْمَ اليقين حقيقة العذاب الذي وُعِدُوهُ، وأن فيه نارًا حاميةً تحيط بهم إحاطةً تامَّةً، فتُحْرِقَ وجوههم وظهورهم، ولو علموا أنه ليس لهم نجاةٌ من تلك النار ولا يستطيعُ أحدٌ إنقاذهم-: لمَا استعجلوا العذاب، ولمَا طلبوه واستهانوا به.

[40] ﴿بَلۡ تَأۡتِيهِم بَغۡتَةٗ فَتَبۡهَتُهُمۡ فَلَا يَسۡتَطِيعُونَ رَدَّهَا وَلَا هُمۡ يُنظَرُونَ 40﴾:

ثم أخبَرَ جل وعلا أن الساعة التي وُعِدوا بها سوف تأتيهم فجأةً، فتُدْهِشُهم ويقعون في حيرة، ويخافون منها خوفًا عظيمًا، ولا يستطيعون ردَّها أو التخلُّص منها، ولن يعطوا الفرصة لكي يتوبوا أو يعتذروا. والساعة المذكورة في هذه الآية هي الساعة التي تطلُعُ فيها الشمس من مغربها، أما قبل ذلك، فساعةُ كلِّ فردٍ هي ساعةُ احتضاره.

[41] ﴿وَلَقَدِ ٱسۡتُهۡزِئَ بِرُسُلٖ مِّن قَبۡلِكَ فَحَاقَ بِٱلَّذِينَ سَخِرُواْ مِنۡهُم مَّا كَانُواْ بِهِۦ يَسۡتَهۡزِءُونَ 41﴾:

سلَّى جل وعلا نبيه ﷺ لطفًا به لمَّا سَخِروا واستهزؤوا به، فقال له: واعلم -أيها النبي- أنه استهزئ برسل من قبلك، فحَلَّ بهؤلاء المستهزئين العذاب الأليم الذي كانوا يستهزئون ويسخرون به في الدنيا؛ فأنت لست بِدْعًا من الرسل؛ فكلُّهم حصل لهم مثل ما قُوبِلْتَ به من أمتك.

[42] ﴿قُلۡ مَن يَكۡلَؤُكُم بِٱلَّيۡلِ وَٱلنَّهَارِ مِنَ ٱلرَّحۡمَٰنِۚ بَلۡ هُمۡ عَن ذِكۡرِ رَبِّهِم مُّعۡرِضُونَ 42﴾:

وقل -أيها النبي- لهؤلاء الكفار المعرِضين: مَنِ الذي يحميكم ويحرُسُكم في ليلكم ونهاركم؛ إذا أراد الرحمن إنزال العذاب بكم؟! بل هؤلاء الكفار معرِضون عن القرآن وآياته؛ ولذلك ضلُّوا وأشركوا.

[43] ﴿أَمۡ لَهُمۡ ءَالِهَةٞ تَمۡنَعُهُم مِّن دُونِنَاۚ لَا يَسۡتَطِيعُونَ نَصۡرَ أَنفُسِهِمۡ وَلَا هُم مِّنَّا يُصۡحَبُونَ 43﴾:

واسأل -أيها الرسول- هؤلاء المشركين: هل لهم آلهةٌ تمنع عنهم عذابنا؟! كلاَّ؛ فإنه ليس لهم آلهة تمنعهم من عذابنا؛ لأن هذه الآلهة لا تستطيع نَصْرَ نفسها؛ فكيف تستطيع نصر من يعبدها؟! وهم مخذولون؛ لأنهم ليس لهم من الله مُعِينٌ على أمورهم.

[44] ﴿بَلۡ مَتَّعۡنَا هَٰٓؤُلَآءِ وَءَابَآءَهُمۡ حَتَّىٰ طَالَ عَلَيۡهِمُ ٱلۡعُمُرُۗ أَفَلَا يَرَوۡنَ أَنَّا نَأۡتِي ٱلۡأَرۡضَ نَنقُصُهَا مِنۡ أَطۡرَافِهَآۚ أَفَهُمُ ٱلۡغَٰلِبُونَ 44﴾:

ولا تلتفِتْ -أيها الرسول- إلى هؤلاء المشركين الذين زعموا أن آلهتهم تضُرُّ أو تنفع؛ فقد اغترُّوا هم وآباؤهم؛ بسبب إمهالنا لهم، لمَّا رأوا كثرة الأموال والبنين، وطُولَ الأعمار؛ فاستمروا على كفرهم وضلالهم، وظنوا أنهم لن يعذَّبوا، ألم ينظر هؤلاء الكفار إلى أرضهم كيف ننقُصُها من أطرافها بدخول الإسلام فيها؛ فتنقُصُ شيئًا فشيئًا حتى تكون أرضًا إسلامية، ويكونَ جند الله هم الغالبين: ﴿وَإِنَّ جُندَنَا لَهُمُ ٱلۡغَٰلِبُونَ﴾ [الصافات:173] ويكونَ الكفار هم المغلوبين الأسفلين، الأخسرين الأرذلين.

[45] ﴿قُلۡ إِنَّمَآ أُنذِرُكُم بِٱلۡوَحۡيِۚ وَلَا يَسۡمَعُ ٱلصُّمُّ ٱلدُّعَآءَ إِذَا مَا يُنذَرُونَ 45﴾:

وقل -أيها النبي- لهؤلاء المشركين المستعجلين للعذاب: اعلموا أن هذا العذاب الذي أخوِّفكم منه ليس مني، وإنما هو بوَحْيٍ من الله، وهو هذا القرآن؛ كما قال نوح لقومه لمَّا استعجلوا العذاب: ﴿إِنَّمَا يَأۡتِيكُم بِهِ ٱللَّهُ إِن شَآءَ وَمَآ أَنتُم بِمُعۡجِزِينَ﴾ [هود:33]، ثم وبَّخ جل وعلا هؤلاء الكفار لعدم انتفاعهم بهذا القرآن؛ لأنهم لا يسمعونه سماع تدبُّر، ولا يلتفتون إلى إنذاره ومواعظه.

[46] ﴿وَلَئِن مَّسَّتۡهُمۡ نَفۡحَةٞ مِّنۡ عَذَابِ رَبِّكَ لَيَقُولُنَّ يَٰوَيۡلَنَآ إِنَّا كُنَّا ظَٰلِمِينَ 46﴾:

ثم أخبَرَ سبحانه أن هؤلاء الكفار لو أصابتهم نَفْحةٌ، أي: جزءٌ قليل من العذاب، فسيندمون على أفعالهم السيئة حين لا ينفع الندم، وسينادُونَ على أنفسهم بالويل والثبور والهلاك، وسيعترفون بظلمهم لأنفسهم بما كانوا عليه من الشرك والكفر.

وهذا هو المعروف عن العصاة والمجرمين لا يستفيقون من ضلالهم إلا إذا حلَّت بهم النَّكَبات، نعوذ بالله من جهنم وأهوالها.

[47] ﴿وَنَضَعُ ٱلۡمَوَٰزِينَ ٱلۡقِسۡطَ لِيَوۡمِ ٱلۡقِيَٰمَةِ فَلَا تُظۡلَمُ نَفۡسٞ شَيۡـٔٗاۖ وَإِن كَانَ مِثۡقَالَ حَبَّةٖ مِّنۡ خَرۡدَلٍ أَتَيۡنَا بِهَاۗ وَكَفَىٰ بِنَا حَٰسِبِينَ 47﴾:

أخبَرَ عز وجل بأنه يُحضِرُ الميزان العادل يوم القيامة لحساب الناس، ولن يُظْلَمَ أحدٌ من الناس في ذلك اليوم مؤمنهم وكافرهم، ولو كان عَمِلَ عملًا يسيرًا بقَدْرِ ذَرَّةٍ من خَرْدَلٍ من خير أو شر، فسوف يأتي بها جل وعلا في صحيفة أعماله، وكفى به سبحانه مُحْصِيًا لأعمال عباده؛ لا يخفى عليه شيء منها في الأرض ولا في السماء. قال أبو حامد الغزالي: (الميزان حقٌّ، ووجهُهُ: أن الله تعالى يُحْدِثُ في صحائف الأعمال وزنًا بحسَبِ دَرَجاتها عند الله؛ فتصير مقادير أعمال العباد معلومةً للعباد).

[48] ﴿وَلَقَدۡ ءَاتَيۡنَا مُوسَىٰ وَهَٰرُونَ ٱلۡفُرۡقَانَ وَضِيَآءٗ وَذِكۡرٗا لِّلۡمُتَّقِينَ 48﴾:

ثم أخبَرَ جل شأنه أنه أنعَمَ على موسى وهارون، فآتاهما الفرقان، وهي: التوراة، وسمِّيت بذلك؛ لأنها تَفْرُقُ بين الحق والباطل، وبين التوحيد والشرك، وجعَلَ لهما نورًا يهتدي به المهتدون، وموعظةً يتذكَّر وينتفع بها المتقون، الذين يجعلون بينهم وبين عذاب الله وقايةً؛ بفعل أوامره، واجتناب نواهيه.

[49] ﴿ٱلَّذِينَ يَخۡشَوۡنَ رَبَّهُم بِٱلۡغَيۡبِ وَهُم مِّنَ ٱلسَّاعَةِ مُشۡفِقُونَ 49﴾:

ثم أخبَرَ سبحانه أن مِنْ صفات هؤلاء المتقين: أنهم يخافون من عذاب الله في سرِّهم وعلنهم، وأنهم خائفون وَجِلون من يوم القيامة، وما يقع فيه من حساب دقيق على أعمالهم.

[50] ﴿وَهَٰذَا ذِكۡرٞ مُّبَارَكٌ أَنزَلۡنَٰهُۚ أَفَأَنتُمۡ لَهُۥ مُنكِرُونَ 50﴾:

واعلموا -أيها الناس- أن هذا القرآن الذي أنزله الله على نبيكم محمد ﷺ، جعله ذِكْرًا وموعظةً لِمَن تذكَّر به، واتَّبع أوامره، واجتنب نواهيه، وجعَلَ فيه بركةً وخيرًا كثيرًا، ثمَّ وبَّخ سبحانه من أنكره وكذَّب به وأعرَضَ عنه، فقال على سبيل التوبيخ: أفأنتم له منكرون؟!

[51] ﴿وَلَقَدۡ ءَاتَيۡنَآ إِبۡرَٰهِيمَ رُشۡدَهُۥ مِن قَبۡلُ وَكُنَّا بِهِۦ عَٰلِمِينَ 51﴾:

واعلموا أن الله جل وعلا أعطى -بفضله وكرمه- إبراهيمَ الخليلَ عليه السلام الرُّشْدَ اللائق به وبأمثاله من أولي العزم من الرسل، مِن قبلِ إرسالِ موسى وهارون عليهما السلام، وأخبَرَ سبحانه أنه كان عالمًا بأن إبراهيم أهلٌ لما أعطاه، وعالمًا بقدرته على تحمُّل الرسالة والمتاعب التي سوف يجتازها؛ لأن الله هو الذي منحه هذه القدرة.

[52] ﴿إِذۡ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوۡمِهِۦ مَا هَٰذِهِ ٱلتَّمَاثِيلُ ٱلَّتِيٓ أَنتُمۡ لَهَا عَٰكِفُونَ 52﴾:

وتذكَّروا يوم أن قال إبراهيم لأبيه وقومه -على سبيل الإنكار والاستغراب-: ما هذه التماثيلُ التي نَحَتُّمُوها بأيديكم، ثم أقمتم على عبادتها؟!

[53] ﴿قَالُواْ وَجَدۡنَآ ءَابَآءَنَا لَهَا عَٰبِدِينَ 53﴾:

فأجابوه قائلين -بلا حجة-: لقد وجدنا آباءنا قائمين على عبادتها، ملازمين لها؛ فتَبِعناهم وقلَّدْناهم.

[54] ﴿قَالَ لَقَدۡ كُنتُمۡ أَنتُمۡ وَءَابَآؤُكُمۡ فِي ضَلَٰلٖ مُّبِينٖ 54﴾:

فقال لهم إبراهيم: لقد كنتم أنتم وآباؤكم الذين اتَّبعتموهم في عبادة هذه الأصنام، في ضلالٍ بيِّنٍ واضح، وزَيْغٍ عن طريق الحق.

[55] ﴿قَالُوٓاْ أَجِئۡتَنَا بِٱلۡحَقِّ أَمۡ أَنتَ مِنَ ٱللَّٰعِبِينَ 55﴾:

فقالوا له: أأنتَ جادٌّ فيما تقول، وقاصدٌ له، أم أنت مستهزئٌ في كلامك؛ فنحمله على محمل المزح واللعب؟!

[56] ﴿قَالَ بَل رَّبُّكُمۡ رَبُّ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ ٱلَّذِي فَطَرَهُنَّ وَأَنَا۠ عَلَىٰ ذَٰلِكُم مِّنَ ٱلشَّٰهِدِينَ 56﴾:

فأجابهم إبراهيم قائلًا: بل ربُّكم -المستحقُّ للعبادة وحده دون من سواه؛ لأنه هو الله الخالقُ المُبدِع للسموات والأرضين؛ وأنا على ذلك من الشاهدين.

[57] ﴿وَتَٱللَّهِ لَأَكِيدَنَّ أَصۡنَٰمَكُم بَعۡدَ أَن تُوَلُّواْ مُدۡبِرِينَ 57﴾:

ثم قال إبراهيم: وواللهِ، لَأُكَسِّرَنَّ لكم هذه الأصنام -التي عكَفْتم على عبادتها أنتم وآباؤكم- وذلك بعد أن تترُكُوها وحدها، وتنصرفوا عنها، وهذه اليمينُ التي حلَفَ بها إبراهيم،قيل: إنه قالها سرًّا، وقيل: إن رجلًا منهم سمعه يذُمُّ الأصنام؛ فبلَّغهم.

[58] ﴿فَجَعَلَهُمۡ جُذَٰذًا إِلَّا كَبِيرٗا لَّهُمۡ لَعَلَّهُمۡ إِلَيۡهِ يَرۡجِعُونَ 58﴾:

ثم أخبَرَ سبحانه أن إبراهيم عليه السلام كسَّر هذه الأصنام، وجعَلَها قطعًا صغيرةً متناثرةً، وترَكَ صنمهم الكبير فلم يكسره؛ لكي يرجع المشركون إلى هذا الصنم، فيسألوه: لِمَ فَعَلْتَ بهم ذلك، وحين لا يجيبهم؛ سيتنبَّهون ويفطنون أن الأصنام لا تملك نفعًا ولا ضرًّا.

[59] ﴿قَالُواْ مَن فَعَلَ هَٰذَا بِـَٔالِهَتِنَآ إِنَّهُۥ لَمِنَ ٱلظَّٰلِمِينَ 59﴾:

فلمَّا رأَوْا ذلك، قالوا: مَنْ فعل هذه الفَعْلةَ بآلهتنا؛ إنه لَمِنَ المتجاوزين للحدود؟!

[60] ﴿قَالُواْ سَمِعۡنَا فَتٗى يَذۡكُرُهُمۡ يُقَالُ لَهُۥٓ إِبۡرَٰهِيمُ 60﴾:

فقال بعض مَنْ سمع إبراهيم، وهو يحلف بأنه سيكيد أصنامهم: لقد سمعنا شابًّا يذكُرُهم، أي: يعيبهم ويتوعَّدهم بسوء، اسمُهُ إبراهيم. قال ابن عبَّاس رضي الله عنه: (ما بعَثَ الله نبيًّا إلا شابًّا، ولا أُوتِيَ العلمَ عالمٌ إلا وهو شابٌّ، وتلا هذه الآية).

[61] ﴿قَالُواْ فَأۡتُواْ بِهِۦ عَلَىٰٓ أَعۡيُنِ ٱلنَّاسِ لَعَلَّهُمۡ يَشۡهَدُونَ 61﴾:

قالوا: فأْتُوا بإبراهيم أمام الملأ يشاهِدونه ويسمعون كلامه، ليشهدوا اعترافه بأنه صاحب تلك الفَعْلة.

[62] ﴿قَالُوٓاْ ءَأَنتَ فَعَلۡتَ هَٰذَا بِـَٔالِهَتِنَا يَٰٓإِبۡرَٰهِيمُ 62﴾:

فلمَّا جاؤوا بإبراهيم، سألوه قائلين: هل أنت مَنْ قام بتكسير وتحطيم آلهتنا؟!

[63] ﴿قَالَ بَلۡ فَعَلَهُۥ كَبِيرُهُمۡ هَٰذَا فَسۡـَٔلُوهُمۡ إِن كَانُواْ يَنطِقُونَ 63﴾:

فأجابهم إبراهيم عليه السلام أمام الملأ -قاصِدًا إلزامهم بالحجة-: بل الذي كسَّرها وحطَّمها هو كبيرهم هذا؛ فاذهبوا إليهم فاسألوهم، وانتظروا جوابهم؛ إن كانوا ينطقون أو يتكلَّمون.

[64] ﴿فَرَجَعُوٓاْ إِلَىٰٓ أَنفُسِهِمۡ فَقَالُوٓاْ إِنَّكُمۡ أَنتُمُ ٱلظَّٰلِمُونَ 64﴾:

فدمَغَتْهم الحجَّة، ورجَعَتْ إليهم عقولهم، واستيقظت منهم فِطَرُهم، واعترفوا بخطئهم، وقال بعضهم لبعض: إنكم أنتم الظالمون المتجاوزون لحدودكم بعبادتكم هذه الأصنام التي لا تَنْطِق، وليس الظالم من كسَّرها وحطَّمها.

[65] ﴿ثُمَّ نُكِسُواْ عَلَىٰ رُءُوسِهِمۡ لَقَدۡ عَلِمۡتَ مَا هَٰٓؤُلَآءِ يَنطِقُونَ 65﴾:

ثم ما لَبِثوا أن انتكسَتْ عقولهم، ولعب الشيطان بأحلامهم، وأخذَتْهم العزة بالإثم؛ فقالوا بعد مناقشة بعضهم بعضًا: لقد عَلِمْتَ -يا إبراهيم- أن هذه الأصنام لا تنطق ولا تتكلَّم؛ فكيف تأمرنا أن نسألهم؟! فهل تستهزئ بنا؟!

[66] ﴿قَالَ أَفَتَعۡبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ مَا لَا يَنفَعُكُمۡ شَيۡـٔٗا وَلَا يَضُرُّكُمۡ 66﴾:

فوبَّخهم إبراهيم عليه السلام قائلًا: كيف تعبُدُونَ من دون الله ما لا ينفع ولا يضُرّ؟! كيف تعبدون ما لا يستطيع دفع الضر عن نفسه، ولا يتكلَّم أو ينطق؟!

[67] ﴿أُفّٖ لَّكُمۡ وَلِمَا تَعۡبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِۚ أَفَلَا تَعۡقِلُونَ 67﴾:

ثم قال لهم عليه السلام: قُبْحًا لكم، ولآلهتكم التي تَصْرِفُونَ لها العبادة من دون الله؛ أفلا تحرِّكون عقولكم؛ فتُدرِكوا فَدَاحةَ ما أنتم عليه، وقُبْحَ ما صرتم إليه؟!

[68] ﴿قَالُواْ حَرِّقُوهُ وَٱنصُرُوٓاْ ءَالِهَتَكُمۡ إِن كُنتُمۡ فَٰعِلِينَ 68﴾:

فلمَّا أُفحِمُوا، ولم تَبْقَ لهم حُجَّةٌ، لجؤوا إلى استخدام قوتهم وسلطانهم -كعادة أهل الباطل- فقالوا: اجمعوا حَطَبًا، وأوقدوا نارًا عظيمةً، واحرقوا إبراهيم فيها؛ انتقامًا منه، وانتصارًا لآلهتكم التي كسَّرها وأهانها!

[69] ﴿قُلۡنَا يَٰنَارُ كُونِي بَرۡدٗا وَسَلَٰمًا عَلَىٰٓ إِبۡرَٰهِيمَ 69﴾:

فنصَرَ سبحانه إبراهيم بأنْ أبطَلَ خاصِّيَّةَ الإحراق التي في النار، وقال جل وعلا للنار آمرًا لها: كوني بَرْدًا وسلامًا على إبراهيم، فكانت كما أمرها الله، فلم يصبه منها أذًى، ولا أحَسَّ فيها بمكروه.

[70] ﴿وَأَرَادُواْ بِهِۦ كَيۡدٗا فَجَعَلۡنَٰهُمُ ٱلۡأَخۡسَرِينَ 70﴾:

ثم بيَّن سبحانه أن قوم إبراهيم أرادوا به هلاكًا وشرًّا، فخيَّب الله سَعْيَهم، وأبطل كَيْدَهم، وجعلهم مغلوبين، وجعَلَ أمرهم في سَفَالٍ في الدنيا والآخرة.

[71] ﴿وَنَجَّيۡنَٰهُ وَلُوطًا إِلَى ٱلۡأَرۡضِ ٱلَّتِي بَٰرَكۡنَا فِيهَا لِلۡعَٰلَمِينَ 71﴾:

ونجَّى جل وعلا إبراهيم ولُوطًا الذي آمَنَ به واتَّبعه، وأخرجهما إلى أرضِ الشامِ المباركةِ، الكثيرةِ الخيرات، التي بها أرضُ بيت المقدس الذي بارَكَ الله حوله.

[72] ﴿وَوَهَبۡنَا لَهُۥٓ إِسۡحَٰقَ وَيَعۡقُوبَ نَافِلَةٗۖ وَكُلّٗا جَعَلۡنَا صَٰلِحِينَ 72﴾:

ولمَّا هاجر إبراهيم عليه السلام، واعتزل قومه، أنعم الله عليه بالذرية الصالحة؛ فوهبه أولًا إسماعيلَ، ثم إسحاقَ، ثم زيادةً على ذلك وهَبَ له يعقوب الذي هو من نسل إسحاق، وجعلهم الله كلَّهم صالحين عاملين بتوحيد الله وطاعته رسلًا وأنبياء.

[73] ﴿وَجَعَلۡنَٰهُمۡ أَئِمَّةٗ يَهۡدُونَ بِأَمۡرِنَا وَأَوۡحَيۡنَآ إِلَيۡهِمۡ فِعۡلَ ٱلۡخَيۡرَٰتِ وَإِقَامَ ٱلصَّلَوٰةِ وَإِيتَآءَ ٱلزَّكَوٰةِۖ وَكَانُواْ لَنَا عَٰبِدِينَ 73﴾:

ثم أخبَرَ جل وعلا أنه جعل إبراهيم وإسحاق ويعقوب أئمةً في الهُدَى، يَهْدُونَ الناس بدين الله، وجعلهم رؤساءَ يُقتَدى بهم في فعل الخير والبرِّ، وأمَرَهم بفعل الخيرات، فيفعلونها ويأمرون الناس بها، وأمَرَهم بأداء حق الله، ومن أعظمه: أداء الصلاة، وأمَرَهم بأداء حق العباد، ومن ذلك: إيتاء الزكاة وإخراجها، ففعلوا ما أُمِروا به، وكانوا من المنقادين القائمين المداومين على العبادات القلبية والقولية والفعلية.

[74] ﴿وَلُوطًا ءَاتَيۡنَٰهُ حُكۡمٗا وَعِلۡمٗا وَنَجَّيۡنَٰهُ مِنَ ٱلۡقَرۡيَةِ ٱلَّتِي كَانَت تَّعۡمَلُ ٱلۡخَبَٰٓئِثَۚ إِنَّهُمۡ كَانُواْ قَوۡمَ سَوۡءٖ فَٰسِقِينَ 74﴾:

وأخبَرَ سبحانه أنه أنعَمَ على لُوطٍ، فأعطاه النبوَّة والحكم بالحقِّ بين الناس، وأعطاه العلم الشرعي والفقه في الدين، ونجَّاه من القرية التي كانت تعمل الخبائث، إنهم كانوا قوم سَوْء؛ كذَّبوا نبيَّ الله، وأصرُّوا على الفواحش، ففسَقُوا بذلك وخرجوا عن طاعة الله؛ فأهلَكَهم ودمَّرهم.

[75] ﴿وَأَدۡخَلۡنَٰهُ فِي رَحۡمَتِنَآۖ إِنَّهُۥ مِنَ ٱلصَّٰلِحِينَ 75﴾:

ثم أخبَرَ جل وعلا أنه أنعَمَ أيضًا على لُوطٍ بأن نجَّاه مما حلَّ بقومه من الهلاك والدمار، ثم أدخَلَهُ سبحانه في رحمته، وأخبَرَ أنه من عباد الله الصالحين المصلحين.

[76] ﴿وَنُوحًا إِذۡ نَادَىٰ مِن قَبۡلُ فَٱسۡتَجَبۡنَا لَهُۥ فَنَجَّيۡنَٰهُ وَأَهۡلَهُۥ مِنَ ٱلۡكَرۡبِ ٱلۡعَظِيمِ 76﴾:

ثم أخبَرَ جل شأنه عن نداء نوح عليه السلام يوم أن دعا ربه، فقال: إني مغلوبٌ فانتصِرْ، وحين قال: ربِّ، لا تَذَرْ على الأرض من الكافرين ديَّارًا؛ فاستجبنا له، وأعطيناه سؤله، ونصَرْناه على من كذَّبه، ونجَّيناه من كربِ وغمِّ الطوفان والغَرْق، هو ومن كان معه من المؤمنين، في الفُلْك المشحون.

[77] ﴿وَنَصَرۡنَٰهُ مِنَ ٱلۡقَوۡمِ ٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِـَٔايَٰتِنَآۚ إِنَّهُمۡ كَانُواْ قَوۡمَ سَوۡءٖ فَأَغۡرَقۡنَٰهُمۡ أَجۡمَعِينَ 77﴾:

ثم أخبَرَ جل وعلا بأنه نجَّى نوحًا من كيد قومه الذين كذَّبوا بآيات الله الدالَّة على قدرته وصدق نبيه؛ فلم يَمَسُّوهُ بسوء؛ حيث إنهم هدَّدوه إن لم ينته عن دعوته لهم، فقالوا له: ﴿لَئِن لَّمۡ تَنتَهِ يَٰنُوحُ لَتَكُونَنَّ مِنَ ٱلۡمَرۡجُومِينَ﴾ [الشعراء:١١٦]، ثم ذم جل وعلا قوم نوح، وذكَرَ بأنهم كانوا قوم سَوْءٍ وقبح، وأخبَرَ بأنه أغرقهم بالطوفان كلَّهم أجمعين؛ لإصرارهم على الكفر والعصيان، ولم ينج منهم أحد إلا الذين اتَّبعوا نوحًا، وركبوا معه في السفينة.

[78] ﴿وَدَاوُۥدَ وَسُلَيۡمَٰنَ إِذۡ يَحۡكُمَانِ فِي ٱلۡحَرۡثِ إِذۡ نَفَشَتۡ فِيهِ غَنَمُ ٱلۡقَوۡمِ وَكُنَّا لِحُكۡمِهِمۡ شَٰهِدِينَ 78﴾:

ثم أخبَرَ سبحانه بقصة داود وسليمان عليهما السلام، حين حكَمَا في قضية عُرِضَتْ عليهما بين اثنين، وهي: أن غنَمَ أحدهما اعتدت ليلًا على زرع الآخر، وانتشَرَتْ فيه وتفرَّقت، فأكلت الزرع وأفسدته وحطَّمته، فرفعا أمرهما إلى نبي الله داود، ولما كان الزرع الذي أُفسِدَ تساوي قيمته قيمة الأغنام، حكَمَ داود بالغنم لصاحب المزرعة، فلمَّا خرجا من عنده، لقيا سليمان، فقصَّا عليه القصة والحكم، فقال سليمان لهما: هناك أمرٌ أحكَمُ وأرفَقُ من هذا؛ فرجعا إلى داود، فقالا له كلام سليمان، فدعاه وقال له: ما هو الأرفق؟ فقال سليمان: تُعْطَى الغنم لصاحب المزرعة سنةً ينتفع بألبانها وما تَلِدُ وما ينزع منها من صوف، وتُعْطَى المزرعة لصاحب الغنم يزرعها له حتى تكون مثل ما كانت قبل أن تُتْلِفَها الأغنام، ثم يستلِمُ صاحب المزرعة مزرعته، وصاحبُ الغنم غنمه، فقال داود: أصَبْتَ وأمَرَ بتنفيذه، ثم أخبَرَ جل وعلا أنه كان لحكمهما شاهدًا وحاضرًا.

[79] ﴿فَفَهَّمۡنَٰهَا سُلَيۡمَٰنَۚ وَكُلًّا ءَاتَيۡنَا حُكۡمٗا وَعِلۡمٗاۚ وَسَخَّرۡنَا مَعَ دَاوُۥدَ ٱلۡجِبَالَ يُسَبِّحۡنَ وَٱلطَّيۡرَۚ وَكُنَّا فَٰعِلِينَ 79﴾:

ثم بيَّن سبحانه أنه هو الذي فهَّم سليمان الحكم الأنسب للطرفَيْن، وأنه أعطى كلًّا من داود وسليمان الإصابةَ في القول والعمل، والفقهَ في الدين، ثم أخبَرَ جل وعلا أنه سخَّر الجبال والطير مع داود تسبِّح معه إذا سبَّح، وفعل الله ذلك مع داود؛ تكريمًا له، وتأييدًا لنبوَّته ومُلْكه.

[80] ﴿وَعَلَّمۡنَٰهُ صَنۡعَةَ لَبُوسٖ لَّكُمۡ لِتُحۡصِنَكُم مِّنۢ بَأۡسِكُمۡۖ فَهَلۡ أَنتُمۡ شَٰكِرُونَ 80﴾:

ثم أخبَرَ جل وعلا أنه علَّم داود صناعة الدروع فيعملها بإتقان وإبداع؛ بحيث تقي المحارب من ضَرَبات السيوف والرماح؛ فالواجبُ عليكم شُكْرُ هذه النعم التي سخَّرها الله على يد داود عليه السلام، ولا شك أن شُكْرَ النعم يكون بالثناء على الله، وبالاعتراف بفضله، وباستعمالها في طاعته، والتقرب إليه.

والسؤال في قوله: ﴿فَهَلۡ أَنتُمۡ شَٰكِرُونَ﴾ [الأنبياء:٨٠]، يعني: الأَمْرَ، أي: يجب عليكم شُكْرُ هذه النعم.

[81] ﴿وَلِسُلَيۡمَٰنَ ٱلرِّيحَ عَاصِفَةٗ تَجۡرِي بِأَمۡرِهِۦٓ إِلَى ٱلۡأَرۡضِ ٱلَّتِي بَٰرَكۡنَا فِيهَاۚ وَكُنَّا بِكُلِّ شَيۡءٍ عَٰلِمِينَ 81﴾:

ثم أخبَرَ سبحانه أنه سخَّر لسليمان الريحَ الشديدةَ الهُبُوبِ التي تَحْمِلُهُ هو وجنوده، وتسير به بأمره عليه السلام، وتقطع به المسافات الطويلة إلى حيث يشاء، وإلى بيت المقدس في الشام التي بارك الله فيها بكلِّ أنواع الخيرات، وكان سبحانه عليمًا بكل ما يجري في هذا الكون.

[82] ﴿وَمِنَ ٱلشَّيَٰطِينِ مَن يَغُوصُونَ لَهُۥ وَيَعۡمَلُونَ عَمَلٗا دُونَ ذَٰلِكَۖ وَكُنَّا لَهُمۡ حَٰفِظِينَ 82﴾:

ثم أخبَرَ سبحانه أنه سخَّر لسليمان الشياطين؛ فمنهم: مَنْ يغوص في البحر فيستخرج له الجواهر النفيسة، ومنهم: من يعمل في أعمال أخرى؛ كالصناعة والبناء وغير ذلك، وكانوا لا يستطيعون رفض ما يُطلَبُ منهم، وكان سبحانه حافظًا لهؤلاء الشياطين فلا يخرُجُونَ عن طاعته، ولا يحصُلُ منهم فسادٌ فيما هم مأمورون بفعله.

[83] ﴿وَأَيُّوبَ إِذۡ نَادَىٰ رَبَّهُۥٓ أَنِّي مَسَّنِيَ ٱلضُّرُّ وَأَنتَ أَرۡحَمُ ٱلرَّٰحِمِينَ 83﴾:

ثم ذكَرَ سبحانه قصة أيوب عليه السلام؛ حيث ابتلاه الله وامتحنه امتحانًا شديدًا؛ بمَرَضِهِ وذَهَابِ أهله وماله وولده، فالتجأ إلى الله ودعاه وشكا حاله إليه، قائلًا: ربِّ إني مسَّني الضر، ثم توسَّل إليه بصفة الرحمة، قائلًا: وأنت أرحَمُ الراحمين.

[84] ﴿فَٱسۡتَجَبۡنَا لَهُۥ فَكَشَفۡنَا مَا بِهِۦ مِن ضُرّٖۖ وَءَاتَيۡنَٰهُ أَهۡلَهُۥ وَمِثۡلَهُم مَّعَهُمۡ رَحۡمَةٗ مِّنۡ عِندِنَا وَذِكۡرَىٰ لِلۡعَٰبِدِينَ 84﴾:

فاستجاب الله دعاءه، فشفاه وعافاه، وأذهَبَ عنه ما أصابه من الضُّرّ، وردَّ عليه أهلَهُ ومالَهُ ومثلهم، وأعطاه جل وعلا ذلك؛ لرحمته به، وليكون ذكرى وعِبْرةً وقدوةً للعابدين؛ فيصبرون كما صبر، ويتضرَّعون كما تضرَّع.

[85] ﴿وَإِسۡمَٰعِيلَ وَإِدۡرِيسَ وَذَا ٱلۡكِفۡلِۖ كُلّٞ مِّنَ ٱلصَّٰبِرِينَ 85﴾:

ثم ذكَرَ سبحانه قصة كل من إسماعيل وإدريس وذي الكِفْل ؛ فأخبَرَ أنهم كانوا من الصابرين على ما أُمِروا به، فاستحقُّوا الأجر العظيم، والثناء الجميل.

[86] ﴿وَأَدۡخَلۡنَٰهُمۡ فِي رَحۡمَتِنَآۖ إِنَّهُم مِّنَ ٱلصَّٰلِحِينَ 86﴾:

وأخبَرَ جل وعلا أنه بسبب صبرهم وصلاحهم أدخلهم في رحمته الخاصَّة بأوليائه، وأحاطهم بها؛ لأنهم من عباد الله الصالحين.

[87] ﴿وَذَا ٱلنُّونِ إِذ ذَّهَبَ مُغَٰضِبٗا فَظَنَّ أَن لَّن نَّقۡدِرَ عَلَيۡهِ فَنَادَىٰ فِي ٱلظُّلُمَٰتِ أَن لَّآ إِلَٰهَ إِلَّآ أَنتَ سُبۡحَٰنَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ ٱلظَّٰلِمِينَ 87﴾:

ثم ذكَرَ سبحانه قصة صاحب الحُوت، وهو يونس بن مَتَّى عليه السلام؛ حينما أرسله الله إلى قومه، فدعاهم، فلم يؤمنوا، فتَرَكَهم وخرج من عندهم، وهو في غاية الغضب، واعتقَدَ أن الله مُنزِلٌ بهم العقوبة، فخاف وهرب؛ حيث لم يأذن الله له بالخروج، فحلَّت به العقوبة؛ حيث ابتلاه الله بأن الْتَقَمَهُ الحوت في البحر، فلما رأى أنه صار في بطن الحوت، أدرك أنه أخطأ، وأنه استعجَلَ، وأخذ ينادي ربه تائبًا ومنيبًا إليه، قائلًا: ﴿لَّآ إِلَٰهَ إِلَّآ أَنتَ سُبۡحَٰنَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ ٱلظَّٰلِمِينَ﴾، أي: أشهد -يا رب- أنه لا إله إلا أنت، وأنه لا معبودَ بحقٍّ إلا أنت؛ فأنت وحدك المستحِقُّ للعبادة، وإني أنزِّهك تنزيهًا عظيمًا عما لا يليق بجلالك وعظمتك، وإني أعترِفُ بأني كنت من الظالمين لنفسي؛ حين فارَقْتُ قومي دون أن أستأذِنَكَ وأطلُبَ منك ذلك، وإني أعترف بخطئي؛ فتقبَّلْ -يا رب- توبتي، واغسِلْ حَوْبتي، إنك أنت الغفور لعبادك، الرحيم بهم.

قال أهل العلم: إنَّ (ظَنَّ) في قوله: ﴿فَظَنَّ أَن لَّن نَّقۡدِرَ عَلَيۡهِ﴾، بمعني: أيقَنَ، أي: أيقن وتأكَّد أننا لن نضيِّقَ عليه، وأننا سوف ننجِّيه؛ لمكانته وعبادته وإخلاصه؛ فقوله: ﴿لَّن نَّقۡدِرَ عَلَيۡهِ﴾، يعني: لن نضيِّقَ عليه، وهي مثل قوله: ﴿وَمَن قُدِرَ عَلَيۡهِ رِزۡقُهُۥ﴾ [الطلاق:٧]، أي: ومن ضُيِّقَ عليه رزقه.

ولا يقال: إنَّ (ظَنَّ) هنا بمعنى: شَكَّ في قدرتنا؛ لأن الشكَّ في قدرة الله عز وجل كُفْرٌ، ويونس عليه السلام نَبِيٌّ يَعْرِفُ الله، ويعرف أنه لا يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء.

[88] ﴿فَٱسۡتَجَبۡنَا لَهُۥ وَنَجَّيۡنَٰهُ مِنَ ٱلۡغَمِّۚ وَكَذَٰلِكَ نُـۨجِي ٱلۡمُؤۡمِنِينَ 88﴾:

ثم أخبَرَ جل في علاه أنه استجاب ليونس عليه السلام، ونجَّاه من الشدَّة التي وقع فيها، وأخرجه من بطن الحُوت، وكما نجَّى سبحانه يونس من بطن الحوت، فإنه ينجِّي المؤمنين ويخلِّصهم مما قد يقع بهم من البلاء.

[89] ﴿وَزَكَرِيَّآ إِذۡ نَادَىٰ رَبَّهُۥ رَبِّ لَا تَذَرۡنِي فَرۡدٗا وَأَنتَ خَيۡرُ ٱلۡوَٰرِثِينَ 89﴾:

ثم ذكَرَ جل وعلا قصة زكريا عليه السلام، حينما تضرَّع إلى الله وناجاه لمَّا كَبِرَتْ سنُّه، ورقَّ عظمُه، قائلًا: ربِّ، لا تترُكْني وحيدًا فريدًا لا عَقِبَ لي يرثني في نبوَّتي، ويقوم بأمر الدعوة مِنْ بعدي، ثم قال متوسِّلًا: وأنت -يا رب- خيرُ الوارثين، أي: خير الباقين.

[90] ﴿فَٱسۡتَجَبۡنَا لَهُۥ وَوَهَبۡنَا لَهُۥ يَحۡيَىٰ وَأَصۡلَحۡنَا لَهُۥ زَوۡجَهُۥٓۚ إِنَّهُمۡ كَانُواْ يُسَٰرِعُونَ فِي ٱلۡخَيۡرَٰتِ وَيَدۡعُونَنَا رَغَبٗا وَرَهَبٗاۖ وَكَانُواْ لَنَا خَٰشِعِينَ 90﴾:

فاستجاب الله دعاء نبيه زكريا، وأعطاه من ألوان النعيم، ومن ذلك: أن الله وهَبَهُ على الكِبَرِ ابنه يحيى، وشفى له زوجته بأنْ أزال عنها العُقْم، وجعلها صالحةً في أخلاقها، ثم أخبَرَ سبحانه أن زكريا وزوجه كانوا يُبادِرونَ لفعل كل خير يُرْضيه سبحانه، وكانوا يَدْعُونَ الله راغبين في نعمه، خائفين من عذابه، وكانوا مخبتين متضرِّعين لله عز وجل دون تكبُّر أو تجبُّر.

[91] ﴿وَٱلَّتِيٓ أَحۡصَنَتۡ فَرۡجَهَا فَنَفَخۡنَا فِيهَا مِن رُّوحِنَا وَجَعَلۡنَٰهَا وَٱبۡنَهَآ ءَايَةٗ لِّلۡعَٰلَمِينَ 91﴾:

ثم ذكَرَ جل وعلا قصة البَتُولِ مريمَ ابنةِ عمران التي حَفِظَتْ فرجها وصانته من الفاحشة، ثم أنعَمَ الله عليها بأن أرسل جبريل وأمَرَهُ أن ينفخ في جَيْبِ قميصها، فوصَلَتِ النفخة إلى رحمها، فحمَلَتْ بعيسى الذي أصبح من أولي العزم مِنْ الرسل؛ فكانت مريمُ وابنها عيسى دلالةً واضحة على عظيم قدرة الله، وعبرةً للناس إلى قيام الساعة؛ حيث إن الله جعل مريم تَحْمِلُ من غير زوج.

[92] ﴿إِنَّ هَٰذِهِۦٓ أُمَّتُكُمۡ أُمَّةٗ وَٰحِدَةٗ وَأَنَا۠ رَبُّكُمۡ فَٱعۡبُدُونِ 92﴾:

واعلموا -أيها الناس- أن هؤلاء الأنبياء الذين أوردنا ذِكْرهم، وغيرهم ممن لم نذكرهم، دينهم واحد، وهو دين الإسلام؛ فيجب عليكم أن تتَّبعوهم وتؤمنوا بما جاؤوا به، واعلموا أن الله ربكم ورب الناس أجمعين؛ فيجب عليكم أن تُخْلِصوا العبادة له؛ لتفوزوا برضاه وجنته؛ فقوله: ﴿أُمَّةٗ﴾ في هذه الآية يعني: الدِّينَ والمِلَّة.

[93] ﴿وَتَقَطَّعُوٓاْ أَمۡرَهُم بَيۡنَهُمۡۖ كُلٌّ إِلَيۡنَا رَٰجِعُونَ 93﴾:

ثم أخبَرَ سبحانه أن أولئك الذين اختلفوا على أنبيائهم وتفرَّقوا وصاروا أحزابًا، كل حزب بما لديهم فرحون؛ فكلهم راجعون إليه سبحانه، وسيحاسبهم على أعمالهم.

[94] ﴿فَمَن يَعۡمَلۡ مِنَ ٱلصَّٰلِحَٰتِ وَهُوَ مُؤۡمِنٞ فَلَا كُفۡرَانَ لِسَعۡيِهِۦ وَإِنَّا لَهُۥ كَٰتِبُونَ 94﴾:

ثم أخبَرَ جل وعلا أن مَنْ عمل صالحًا وهو مؤمن به، مُتَّبِعٌ لرسوله ﷺ، فإن الله لا يجحد عمله ولا يُنْكِره، بل يضاعفه له سبحانه أضعافًا كثيرة، وسوف يجده مكتوبًا في صحيفته؛ تَقَرُّ به عينه يوم الجزاء والحساب.

[95] ﴿وَحَرَٰمٌ عَلَىٰ قَرۡيَةٍ أَهۡلَكۡنَٰهَآ أَنَّهُمۡ لَا يَرۡجِعُونَ 95﴾:

ثم اعلموا -أيها الناس- أنه من الممتنِعِ امتناعًا تامًّا رجوعُ قريةٍ -أُهلِكَتْ بالعذاب- إلى الدنيا مرَّةً أخرى؛ حتى تقوم الساعة، إلا قليلًا؛ كما قال تعالى: ﴿فَتِلۡكَ مَسَٰكِنُهُمۡ لَمۡ تُسۡكَن مِّنۢ بَعۡدِهِمۡ إِلَّا قَلِيلٗاۖ ﴾ [القصص:٥٨]، والحرامُ المذكور في الآية هو أن مَنْ حكَمَ الله عليهم بالهلاك، فإنهم لا يرجعون عن الضلال، فيطلبون التوبة؛ لأنه حكَمَ عليهم وانتهى أمرهم بأن ثبَّتهم الله على ما اختاروا.

[96] ﴿حَتَّىٰٓ إِذَا فُتِحَتۡ يَأۡجُوجُ وَمَأۡجُوجُ وَهُم مِّن كُلِّ حَدَبٖ يَنسِلُونَ 96﴾:

ثم أخبَرَ سبحانه أن من علامات قيام الساعة فَتْحَ سَدِّ يأجوج ومأجوج، فإذا فُتِحَ، خرجوا منه مسرعين، وانطلقوا من مرتفعات الأرض متَّجهين إلى المحشر.

ويأجوجُ ومأجوجُ قبيلتان من البشر، قال بعض علمائنا: إنهم هم الصِّينِيُّون، وقال آخرون: ما دام أن الله لم ينسُبْهم إلى بلد معيَّن، فالسكوت عن مصدرهم أولى؛ لأنهم ربما يكونون من المَغُولِ أو غيرهم، وخروجهم من علامات قرب قيام الساعة، وهو يتقارَبُ مع نزول عيسى عليه السلام.

[97] ﴿وَٱقۡتَرَبَ ٱلۡوَعۡدُ ٱلۡحَقُّ فَإِذَا هِيَ شَٰخِصَةٌ أَبۡصَٰرُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ يَٰوَيۡلَنَا قَدۡ كُنَّا فِي غَفۡلَةٖ مِّنۡ هَٰذَا بَلۡ كُنَّا ظَٰلِمِينَ 97﴾:

ثم أخبَرَ جل وعلا أنه إذا اقتربت الساعة، ودنا يوم القيامة، وبدأت الأهوال والقلاقل؛ مثلُ ظهور الدابَّةِ، ويأجوجَ ومأجوجَ، وعلاماتِ الساعة الكبرى؛ ترى الذين كفروا شاخصةً أبصارُهم، مفتَّحةً عيونُهم من شدَّة ما يرون من الأهوال، ثم تراهم في حسرةٍ وندمٍ يدعون على أنفسهم بالويل والثبور، ويعترفون أنهم كانوا في غفلةٍ ولهوٍ، وأنهم جاوزوا حدَّهم، وكانوا ظالمين، ولات حين مندم.

[98] ﴿إِنَّكُمۡ وَمَا تَعۡبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنتُمۡ لَهَا وَٰرِدُونَ 98﴾:

واعلموا -أيها الكفار- أنكم وما كنتم تعبدون من دون الله من الأصنام والأشجار والأحجار وغيرها، سوف تكونون وَقُودَ جهنم وحطبها، وأنكم سوف تدخلونها جميعًا وتعذَّبون فيها.

ولمَّا قرأ النبي ﷺ هذه الآية على المشركين، فرحوا؛ حيث علموا أن عيسى وأمَّه معبودان من تابعيهم، وعزيرًا معبودٌ من اليهود، فقالوا: إن محمدًا يقول: إن كل المعبودين من غير الله في النار حتى الأنبياء؛ ففَرِحَ الكفار المعاندون للدعوة، وأرادوا بذلك أن يرجع المؤمنون بالرسالة إلى الكفر، فأنزل الله قوله: ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ سَبَقَتۡ لَهُم مِّنَّا ٱلۡحُسۡنَىٰٓ أُوْلَٰٓئِكَ عَنۡهَا مُبۡعَدُونَ 101 لَا يَسۡمَعُونَ حَسِيسَهَاۖ وَهُمۡ فِي مَا ٱشۡتَهَتۡ أَنفُسُهُمۡ خَٰلِدُونَ 102 لَا يَحۡزُنُهُمُ ٱلۡفَزَعُ ٱلۡأَكۡبَرُ وَتَتَلَقَّىٰهُمُ ٱلۡمَلَٰٓئِكَةُ هَٰذَا يَوۡمُكُمُ ٱلَّذِي كُنتُمۡ تُوعَدُونَ103﴾ [الأنبياء:101-103].

[99] ﴿لَوۡ كَانَ هَٰٓؤُلَآءِ ءَالِهَةٗ مَّا وَرَدُوهَاۖ وَكُلّٞ فِيهَا خَٰلِدُونَ 99﴾:

ثم أخبَرَ جل وعلا أن هذه المعبودات من دون الله لو كانت آلهةً حقًّا كما زعمتم، لم يدخلوا النار، ولم يقاسوا حرَّها، وبما أن ما زعمتموه باطل وافتراء، فأنتم ومعبوداتكم التي رَضِيَتْ بعبادتكم خالدون مخلَّدون في هذه النار أبد الآبدين.

[100] ﴿لَهُمۡ فِيهَا زَفِيرٞ وَهُمۡ فِيهَا لَا يَسۡمَعُونَ 100﴾:

ثم بيَّن سبحانه أن هؤلاء المعذَّبين في النار المخلَّدين فيها لهم زفيرٌ يُخْرِجونه من صدورهم -من شدَّة العذاب والهمِّ والغمّ- وبيَّن أنهم -وهم في النار- لا يسمع بعضُهم صوتَ بعض من شدة الهول وفظاعة العذاب؛ نسأل الله السلامة والعافية.

[101] ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ سَبَقَتۡ لَهُم مِّنَّا ٱلۡحُسۡنَىٰٓ أُوْلَٰٓئِكَ عَنۡهَا مُبۡعَدُونَ 101﴾:

ثم بيَّن جل وعلا أن الذين سبَقَتْ لهم من الله سابقةُ السعادةِ، فأولئك من الناجين؛ فإنهم يُبعَدونَ عن جهنَّم، ولا يقتربون منها، ولا يسمعون ضجيج أهلها.

[102] ﴿لَا يَسۡمَعُونَ حَسِيسَهَاۖ وَهُمۡ فِي مَا ٱشۡتَهَتۡ أَنفُسُهُمۡ خَٰلِدُونَ 102﴾:

وهؤلاء المؤمنون الذين دخلوا الجنة لا يسمعون صوت جهنَّم، ولا صوت ما يُلْقى فيها، وهم مشغولون عنها بما أنعَمَ الله به عليهم في الجنة؛ فهم فيما تشتهيه أنفسهم -من المآكل والمشارب، والمناكح والمناظر- خالدون ماكثون أبد الآبدين.

[103] ﴿لَا يَحۡزُنُهُمُ ٱلۡفَزَعُ ٱلۡأَكۡبَرُ وَتَتَلَقَّىٰهُمُ ٱلۡمَلَٰٓئِكَةُ هَٰذَا يَوۡمُكُمُ ٱلَّذِي كُنتُمۡ تُوعَدُونَ 103﴾:

ثم أخبَرَ جل في علاه أن هؤلاء المؤمنين لا تَحْزُنهم ولا تُخِيفهم ولا تروِّعهم أهوال يوم القيامة، وتستقبلهم الملائكة -بعد قيامهم من قبورهم- في ذلك اليوم الرهيب وهم مطمئنُّونَ قائلون لهم: هذا يومكم الذي كنتم توعدون به في الدنيا، وتُبَشَّرونَ بما فيه.

[104] ﴿يَوۡمَ نَطۡوِي ٱلسَّمَآءَ كَطَيِّ ٱلسِّجِلِّ لِلۡكُتُبِۚ كَمَا بَدَأۡنَآ أَوَّلَ خَلۡقٖ نُّعِيدُهُۥۚ وَعۡدًا عَلَيۡنَآۚ إِنَّا كُنَّا فَٰعِلِينَ 104﴾:

وفي هذا اليومِ الذي تستقبِلُ فيه الملائكةُ الصالحين من عباد الله؛ اقتضت حِكْمةُ الله أن تتغيَّر معالم الكون، وأن عالم الآخرة كله يختلف عن عالم الدنيا؛ فالسماء تُطْوى كما تُطْوى الصحيفة على ما كُتِبَ فيها، ويُبعَثُ فيه الخلق مرة أخرى، كما خلقهم الله أول مرَّة، دون أن يناله جل وعلا تَعَبٌ أو نَصَبٌ، وهذا وعد من الله عز وجل بأنه قادر على كل شيء؛ فلا يُعْجِزه شيءٌ في الأرض ولا في السماء، وأنه سبحانه يفعل ما وعَدَ به ويحقِّقه؛ إنَّه لا يُخلِفُ الميعاد.

[105] ﴿وَلَقَدۡ كَتَبۡنَا فِي ٱلزَّبُورِ مِنۢ بَعۡدِ ٱلذِّكۡرِ أَنَّ ٱلۡأَرۡضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ ٱلصَّٰلِحُونَ 105﴾:

ولقد كتَبَ جل وعلا وقدَّر في الكتب السماوية المنزَّلة، بعدما كتَبَ في اللوح المحفوظ؛ أن أرض الجنة يَرِثُها يوم القيامة عباد الله الصالحون، الذين أطاعوا الله وعبدوه حق عبادته، واجتنبوا ما نُهُوا عنه.

وقيل في معنى هذه الآية: إن أرض الدنيا تنتقِلُ بالفتوحات من أيدي الكَفَرة إلى المسلمين.

[106] ﴿إِنَّ فِي هَٰذَا لَبَلَٰغٗا لِّقَوۡمٍ عَٰبِدِينَ 106﴾:

واعلموا -أيها الناس- أن في هذا القرآن بلاغًا، وموعظةً وذكرى للقوم الذين يعبُدُونَ الله حقَّ عبادته؛ فيعملون كلَّ ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال، الظاهرة والباطنة، اللازمةِ والمتعدِّية، ويستمرُّون على ذلك، ويقيمون عليه ويلازمونه.

[107] ﴿وَمَآ أَرۡسَلۡنَٰكَ إِلَّا رَحۡمَةٗ لِّلۡعَٰلَمِينَ 107﴾:

واعلم -أيها النبي- أن الله جل في علاه ما أرسلك إلا رحمةً لجميع الناس، وأنك تحمل للعالمين الهدى والخير والنجاة؛ فمَنْ آمن بك واتَّبعك، كان من الناجين السعداء، ومَنْ كفَرَ بك ولم يتَّبعك، كان من الخائبين الخاسرين؛ فالحمد لله الذي أنعم علينا برحمته محمدٍ ﷺ، ونسأل الله أن نعيش ونموت على سنته.

[108] ﴿قُلۡ إِنَّمَا يُوحَىٰٓ إِلَيَّ أَنَّمَآ إِلَٰهُكُمۡ إِلَٰهٞ وَٰحِدٞۖ فَهَلۡ أَنتُم مُّسۡلِمُونَ 108﴾:

وقل -أيها النبي- للناس: إن الذي أوحاه الله إليَّ وبعثني به هو: أن الذي يستحِقُّ العبادة وحده دون ما سواه، هو الله جل في علاه؛ فهل أنتم منقادون لأمره؟! خاضعون لشرعه؟ مستسلِمونَ لحُكْمِه؟!

[109] ﴿فَإِن تَوَلَّوۡاْ فَقُلۡ ءَاذَنتُكُمۡ عَلَىٰ سَوَآءٖۖ وَإِنۡ أَدۡرِيٓ أَقَرِيبٌ أَم بَعِيدٞ مَّا تُوعَدُونَ 109﴾:

ثم قال سبحانه لنبيه ﷺ: فإن رفضوا الحقَّ، فقل لهم: لقد أعلمتكم بأوامر الله، وبالعقوبة، حتى كنَّا وإياكم سواءً في العلم بمراد الله، وهو توحيده وتنفيذ أوامره، ولا أدري بعد ذلك متى يَحِلُّ عذاب الله الذي وُعِدَ به القوم الظالمون؟!

[110] ﴿إِنَّهُۥ يَعۡلَمُ ٱلۡجَهۡرَ مِنَ ٱلۡقَوۡلِ وَيَعۡلَمُ مَا تَكۡتُمُونَ 110﴾:

واعلموا -أيها الناس- أن الله مُطَّلِعٌ عليكم، عالمٌ بما تجهرون به من الكلام من الطعن في الإيمان والتوحيد، وعالمٌ بما تُخْفون في سرائركم وما تُكِنُّونه في نفوسكم، وسيجازيكم على أعمالكم.

[111] ﴿وَإِنۡ أَدۡرِي لَعَلَّهُۥ فِتۡنَةٞ لَّكُمۡ وَمَتَٰعٌ إِلَىٰ حِينٖ 111﴾:

ثم أمَرَ نبيه ر أن يقول لقومه: ولستُ أدري؛ لعلَّ إمهالَكم وتأخيرَ العذاب عنكم -مع استحقاقكم له- لعل ذلك يكون ابتلاءً لكم؛ لتزدادوا في طغيانكم لحين وقتِ هلاكِكم؛ فيزدادَ بذلك عذابُكم، أو لترجعوا إلى الحق؛ فتَنْجُوا من عذاب الله.

[112] ﴿قَٰلَ رَبِّ ٱحۡكُم بِٱلۡحَقِّۗ وَرَبُّنَا ٱلرَّحۡمَٰنُ ٱلۡمُسۡتَعَانُ عَلَىٰ مَا تَصِفُونَ 112﴾:

ثم ختَمَ جل وعلا السورة بطلب النبي ﷺ بعد أن أدَّى الأمانة، ونصح الأمة؛ حيث تضرَّع لربه قائلًا: يا ربِّ، افصِلْ بيني وبين هؤلاء المعرِضين عن الحق، فاستجاب الله دعاء نبيه ﷺ، وحكَمَ بينه وبينهم في الدنيا قبل الآخرة؛ فنصره في معركة بَدْر، ونسأل الله الواسع الرحمة أن يعيننا على إتمام النصر وإقامة الدولة الإسلامية، وإقامة شرع الله، ونستعين به سبحانه على تحمُّل سماع ما تصفونه -أيها المشركون- بألسنتكم من أنواع الشرك والتكذيب، والزور والبهتان.

سورة الحج

سورة الحج مدنيَّةٌ، وقيل: مكِّيَّةٌ، وآياتها ثمان وسبعون آية.

[1] ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱتَّقُواْ رَبَّكُمۡۚ إِنَّ زَلۡزَلَةَ ٱلسَّاعَةِ شَيۡءٌ عَظِيمٞ 1﴾:

بدأت السورة بنداء الله لجميع الناس مؤمنهم وكافرهم: أن يتقوا ربهم الذي أنشأهم وربَّاهم، ورزَقَهم وحفظهم؛ والتقوى هي إقامةُ وتنفيذُ وتطبيقُ أوامر الله ونواهيه؛ بإخلاصٍ لله تعالى، ومتابعةٍ لرسول الله ﷺ، ثم أمَرَهم سبحانه بالتقوى؛ تخويفًا وتحذيرًا لهم مما سوف يحدُثُ في هذا الكون عند قيام الساعة من أهوال تَذْهَلُ لها العقول، وتتصدَّعُ منها القلوب.

[2] ﴿يَوۡمَ تَرَوۡنَهَا تَذۡهَلُ كُلُّ مُرۡضِعَةٍ عَمَّآ أَرۡضَعَتۡ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمۡلٍ حَمۡلَهَا وَتَرَى ٱلنَّاسَ سُكَٰرَىٰ وَمَا هُم بِسُكَٰرَىٰ وَلَٰكِنَّ عَذَابَ ٱللَّهِ شَدِيدٞ 2﴾:

ثم بيَّن سبحانه أنه في ذلك اليوم العظيم سوف تَرَوْنَ كيف أن الأم تنسى ابنها الرضيع من شدة ما نزَلَ بها من الكرب، وتُسقِطُ الحاملُ حَمْلَها من الرعب، وترى الناس مثل السكارى، وفي الحقيقة ليسوا بسكارى، ولا أحدَ يلتفِتُ إلى أمه أو أبيه أو أحبابه، كلٌّ هائم على وجهه، يقول: اللهم سَلِّمْ سَلِّمْ، وقد عمَّ الجميعَ هولُ ذلك اليوم، وطيَّر عقولهم، ورأوا في الأرض والكواكب والجبال أشياء تحدُثُ لا تحتملها عقولهم؛ كل ذلك بسبب شدة هول العذاب؛ فهو الذي جعلهم على هذه الحال التي تشبه حال السكارى في الذهول والاضطراب.

كما قال أحمد شوقي -في وصف أحداثٍ أقل بآلاف المرات من أهوال الساعة-:

وَمَعْذِرَةُ الْيَرَاعَةِ والقَوَافِي

جَلَالُ الرُّزْءِ عَنْ وَصْفٍ يَدِقُّ

[3] ﴿وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يُجَٰدِلُ فِي ٱللَّهِ بِغَيۡرِ عِلۡمٖ وَيَتَّبِعُ كُلَّ شَيۡطَٰنٖ مَّرِيدٖ 3﴾:

ثم أخبَرَ جل وعلا أن هناك فريقًا من الناس، ومنهم النضر بن الحارث، يخاصم فيقول: الملائكةُ بناتُ الله، والقرآنُ أساطيرُ الأولين، ولا بَعْثَ بعد الموت، ويتكلَّم في صفات الله وذاته، ويشكِّك في قدرة الله بغير علم ولا برهان، ويَتَّبِعُ في مخاصمته بالباطل كلَّ شيطان متمرِّد على الحق.

[4] ﴿كُتِبَ عَلَيۡهِ أَنَّهُۥ مَن تَوَلَّاهُ فَأَنَّهُۥ يُضِلُّهُۥ وَيَهۡدِيهِ إِلَىٰ عَذَابِ ٱلسَّعِيرِ 4﴾:

ثم أخبَرَ سبحانه أنه قد حكم وقضى على كل من اتَّبَعَ هذا الشيطان واتَّخذه وليًّا: أنه يضلُّه، ويكون سببًا في دخوله جهنم، وعذابه في نارها المستَعِرَة.

[5] ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِن كُنتُمۡ فِي رَيۡبٖ مِّنَ ٱلۡبَعۡثِ فَإِنَّا خَلَقۡنَٰكُم مِّن تُرَابٖ ثُمَّ مِن نُّطۡفَةٖ ثُمَّ مِنۡ عَلَقَةٖ ثُمَّ مِن مُّضۡغَةٖ مُّخَلَّقَةٖ وَغَيۡرِ مُخَلَّقَةٖ لِّنُبَيِّنَ لَكُمۡۚ وَنُقِرُّ فِي ٱلۡأَرۡحَامِ مَا نَشَآءُ إِلَىٰٓ أَجَلٖ مُّسَمّٗى ثُمَّ نُخۡرِجُكُمۡ طِفۡلٗا ثُمَّ لِتَبۡلُغُوٓاْ أَشُدَّكُمۡۖ وَمِنكُم مَّن يُتَوَفَّىٰ وَمِنكُم مَّن يُرَدُّ إِلَىٰٓ أَرۡذَلِ ٱلۡعُمُرِ لِكَيۡلَا يَعۡلَمَ مِنۢ بَعۡدِ عِلۡمٖ شَيۡـٔٗاۚ وَتَرَى ٱلۡأَرۡضَ هَامِدَةٗ فَإِذَآ أَنزَلۡنَا عَلَيۡهَا ٱلۡمَآءَ ٱهۡتَزَّتۡ وَرَبَتۡ وَأَنۢبَتَتۡ مِن كُلِّ زَوۡجِۭ بَهِيجٖ 5﴾:

ثم وجَّه جل في علاه هذا النداء إلى أهل مكة وغيرهم من المنكرين للبعث، فقال تعالى: يا أيها الناس، إن كنتم في شك من أن الله قادر على إحياء الموتى، فانظروا في مبدأ خَلْقكم ونشأتكم الأولى التي مَرَّ بها كلُّ شخص قبل أن يكون إنسانًا متكامل البِنْية، واعلموا أنه سبحانه وتعالى خلَقَ أباكم آدم من تراب، ثم تناسلت ذريته من نُطْفة يَقْذِفُها الرجل في رحم المرأة، فتتحوَّلُ بقدرة الله إلى عَلَقة، وهي عبارةٌ عن دَمٍ أحمرَ غليظٍ يتعلَّقُ بجدار الرحم، ثم إن هذه العَلَقة تتحوَّلُ إلى مُضْغة، وهي عبارةٌ عن قطعة لحم صغيرة بقَدْرِ ما يُمضَغ، وهذه المُضْغة: إما أن تكون كاملة الخلق؛ فتستمِرُّ فيها الحياة حتى تُصبِحَ جنينًا كاملًا يخرُجُ بأمر الله حيًّا، وإما أن تكون غير تامَّة الخلق؛ فلا تستمِرُّ فيها الحياة، وتسقُطُ بأمر الله ميتةً؛ لِيُثبِتَ لكم جل في علاه عن طريق المشاهدة ما يدُلُّ على كمال قدرته سبحانه بأنه يُقِرُّ وَيُبْقي في أرحام الأمهات ما يشاء إقرارَهُ إلى الوقت المحدَّد لولادة الجنين، وما لم يشأ سبحانه إقراره، فإنه يأمر الرحم بأن يَلْفِظه ويُسْقِطه، فإذا اكتملت حياة الجنين، فإن الله يأمر بخروجه من رحم أمه طفلًا صغيرًا، ثم يَكْبُرَ شيئًا فشيئًا، ويمُرُّ بمراحل الحياة حتى يبلغ أَشُدَّه، وهي مرحلة الشباب والقُوَّة والفُتُوَّة واكتمال العقل.

ثم بيَّن سبحانه بأن بعض الأطفال يقدِّرُ الله عليه فيموتُ قبل أن يَكْبَرَ، وبعضهم يَكْبَرُ ويستمرُّ في الحياة حتى يصل إلى مرحلة الخَرَفِ، وهي أضعف وأسوأ مراحل العمر؛ فيصير -مِن بعد علمه ومعرفته وبلوغه الكمال في الرجولة وتدبير شؤونه- كأنه طفل في تفكيره وعلمه.

ثم اعلموا -أيها الناس- أنَّ من دلائل قدرة الله إحياءَ الأرض الميتة؛ فيجعلها روضة خضراء بعد ما كانت يابسةً يَبَابًا([1])؛ حيثُ يَنزِلُ عليها الماءُ بقدرة الله سبحانه، فتتحرَّكُ وتَشرَبُ الماء الذي يتسلَّل خلالها، فيخرُجُ النبات منها على شكل أصناف متنوِّعة تُبهِجُ وتُسِرُّ كلَّ من نظر إليها. [1] اليباب: الخراب: قال أبو الطيب في الإتباع له (ص112): (والخَرَابُ واليَبَابُ واحِدٌ)؛ قال الشاعر:فَرَمَاهُ الزَّمَانُ مِنْهُ بِصَرْفٍ ... غَادَرَ المَرْتَعَ الخَصِيبَ يَبَابَاوينظر: معجم ديوان الأدب (3/133).

[6] ﴿ذَٰلِكَ بِأَنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلۡحَقُّ وَأَنَّهُۥ يُحۡيِ ٱلۡمَوۡتَىٰ وَأَنَّهُۥ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ قَدِيرٞ 6﴾:

واعلموا أن ما تقدَّم ذكره من آيات تدُلُّ على قدرة الله دليلٌ واضحٌ بيِّنٌ أن الله سبحانه وتعالى هو الإله الحق الفعَّال لما يريد، الذي يجب إخلاص العبادة والطاعة له وحده، ودليلٌ على أنه جل وعلا هو الذي يحيي ويميت، وأنه على كل شيء قدير، لا يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء.

[7] ﴿وَأَنَّ ٱلسَّاعَةَ ءَاتِيَةٞ لَّا رَيۡبَ فِيهَا وَأَنَّ ٱللَّهَ يَبۡعَثُ مَن فِي ٱلۡقُبُورِ 7﴾:

واعلموا -أيها الناس- أن يوم القيامة وما يشتمل عليه من حساب وثواب وعقاب، سيأتي لا شك في ذلك؛ في الوقت المحدَّد الذي كتبه وقدَّره جل وعلا، واعلموا أيضًا أنه سبحانه سوف يبعث الموتى من قبورهم؛ ليحاسبهم على أعمالهم.

[8] ﴿وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يُجَٰدِلُ فِي ٱللَّهِ بِغَيۡرِ عِلۡمٖ وَلَا هُدٗى وَلَا كِتَٰبٖ مُّنِيرٖ 8﴾:

أخبَرَ جل وعلا أن بعض الكفار يخاصم بالباطل في الله، وفي توحيده، وفي اختياره محمدًا ﷺ نبيًّا ورسولًا، وفي إنزاله القرآن عليه، وليس لديه برهانٌ ولا سنَدٌ ولا كتابٌ يستمد منه أقواله، والمقصود بهذه الآية: هو أبو جهل، والنضر بن الحارث، وكلُّ مَنْ جادل بالباطل مثلهم.

[9] ﴿ثَانِيَ عِطۡفِهِۦ لِيُضِلَّ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِۖ لَهُۥ فِي ٱلدُّنۡيَا خِزۡيٞۖ وَنُذِيقُهُۥ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ عَذَابَ ٱلۡحَرِيقِ 9﴾:

ثم بيَّن سبحانه أن هذا المخاصم يَلْوِي عنقه عند سماع الحق تكبُّرًا وإعراضًا عمَّا دعي إليه، ليصُدَّ غيره عن الدخول في دين الله، باذلًا كل جهده لمحاربةِ الدعوة، والطعنِ في الإسلام، ومَنْ كان هذا حاله، فسوف يلقى في الدنيا خِزْيًا وهوانًا، وسيُحْرِقُهُ الله يوم القيامة في نار جهنم.

[10] ﴿ذَٰلِكَ بِمَا قَدَّمَتۡ يَدَاكَ وَأَنَّ ٱللَّهَ لَيۡسَ بِظَلَّٰمٖ لِّلۡعَبِيدِ 10﴾:

وفي يوم القيامة تقولُ الملائكة لهذا المخاصم: اعلم أن هذا العذاب الذي تتجرَّعه، وهذا الإحراق بالنار الذي تذوقه، إنما كان بسبب إصرارك على الكفر والضلال؛ لأنه سبحانه لا يظلم أحدًا من عباده فيعذِّبه من غير ذنب اكتسبه.

[11] ﴿وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَعۡبُدُ ٱللَّهَ عَلَىٰ حَرۡفٖۖ فَإِنۡ أَصَابَهُۥ خَيۡرٌ ٱطۡمَأَنَّ بِهِۦۖ وَإِنۡ أَصَابَتۡهُ فِتۡنَةٌ ٱنقَلَبَ عَلَىٰ وَجۡهِهِۦ خَسِرَ ٱلدُّنۡيَا وَٱلۡأٓخِرَةَۚ ذَٰلِكَ هُوَ ٱلۡخُسۡرَانُ ٱلۡمُبِينُ 11﴾:

ثم بيَّن سبحانه أن هناك فئةً من الناس دخلوا في الإسلام وهم في شكٍّ وتردُّد، ولم يَرْسَخِ الإيمانُ في قلوبهم؛ فهؤلاء على طَرَفٍ من الدين يربطون إيمانهم بالدنيا؛ فإنْ أصابهم خير ونعمة وبركة ورخاء، اطمأنوا إلى ما هم عليه من ضعف في اليقين، وإنْ أصابهم فقر أو هلاك شيء من دوابِّهم، ارتدوا عن دينهم وعادوا إلى الكفر والمعاصي، قائلين: إن سبب ذلك هو الدِّين؛ ولأجل ذلك خسروا دنياهم وآخرتهم؛ لأنهم ضيَّعوا أسباب النجاة بحبوط أعمالهم، ولا شك أن هذا هو الخسران البيِّن الواضح. قيل: إن هذه الآية نزَلَتْ في أعراب أتوا المدينة، وكان قَصْدُهم المغانم.

[12] ﴿يَدۡعُواْ مِن دُونِ ٱللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُۥ وَمَا لَا يَنفَعُهُۥۚ ذَٰلِكَ هُوَ ٱلضَّلَٰلُ ٱلۡبَعِيدُ 12﴾:

ثم بيَّن جل وعلا أن هذا الخاسر المرتدَّ يدعو ويعبُدُ من دون الله ما لا يضُرُّهُ وما لا ينفعه -وهذه صفة كل من عُبِدَ من دون الله- ذلك هو الضلال الطويل البعيد عن الحق كلَّ البُعْد.

[13] ﴿يَدۡعُواْ لَمَن ضَرُّهُۥٓ أَقۡرَبُ مِن نَّفۡعِهِۦۚ لَبِئۡسَ ٱلۡمَوۡلَىٰ وَلَبِئۡسَ ٱلۡعَشِيرُ 13﴾:

ثم بيَّن جل شأنه أن هذا الخاسر الذي يعبُدُ الآلهة من دون الله؛ ضَرَرُها عليه أقرب من نفعها؛ وذلك واضحٌ بيِّنٌ؛ فهي تضُرُّهُ في دنياه في عقله وسلامته، ولا تستجيب له، وتضُرُّهُ في أُخْراه بأنْ تكون سببًا لوروده النار، وخلوده فيها؛ فبئست هذه الآلهة التي تولَّاها من دون الله! وبئس هذا الصاحب الذي يُرْدِيهِ في مهاوي الردى!

[14] ﴿إِنَّ ٱللَّهَ يُدۡخِلُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ جَنَّٰتٖ تَجۡرِي مِن تَحۡتِهَا ٱلۡأَنۡهَٰرُۚ إِنَّ ٱللَّهَ يَفۡعَلُ مَا يُرِيدُ 14﴾:

واعلموا -أيها الناس- أن الله جل في علاه يُدخِلُ الذين آمنوا به، واتَّبعوا رسوله، وصدَّقوا إيمانهم ودلَّلوا عليه بالأعمال الصالحة؛ يُدْخِلهم جنات تجري الأنهارُ من تحت أشجارها وقصورها، في منظر يشرح الصدر، ويُبهِج النفس؛ إنه سبحانه يفعل ما يريد، لا رادَّ لقضائه، ولا معقِّبَ لحُكْمِه.

[15] ﴿مَن كَانَ يَظُنُّ أَن لَّن يَنصُرَهُ ٱللَّهُ فِي ٱلدُّنۡيَا وَٱلۡأٓخِرَةِ فَلۡيَمۡدُدۡ بِسَبَبٍ إِلَى ٱلسَّمَآءِ ثُمَّ لۡيَقۡطَعۡ فَلۡيَنظُرۡ هَلۡ يُذۡهِبَنَّ كَيۡدُهُۥ مَا يَغِيظُ 15﴾:

ثم أخبَرَ سبحانه وتعالى أن من كان يعتقد أن الله لن ينشُرَ الإسلام على يد محمد ﷺ، وعلى يد أنصاره في العالم، ويَقْهَرَ أعداءه في الدنيا، ويتوهَّم أن الله لن يعلي درجة نبيه ﷺ في الآخرة-: فعليه أن يَمُدَّ بحبل إلى السماء، ثم يرتقي إليها؛ ليمنع نَصْرَ الله لنبيه ﷺ، ثم ينظر هل ذهب كيده وغيظ قلبه. وفي مد السبب إلى السماء قولان:

القول الأول: أن السماء هو كلُّ ما غطَّى الإنسان وارتفع فوق رأسه؛ كسَقْف بيته، فعلى من ظن أن الله لن ينصُرَ نبيه ﷺ، فعليه أن يمُدَّ حبلًا من سقف منزله، ثم لِيَشْنُقْ نفسه، أي: يَرْبِطِ الحبل برقبته، ويعلِّقْ نفسه حتى يَهْلِك، ثم لينظر هل ذهب غيظه أم لا؟! والقول الثاني: أنه كي يذهب غيظ نفسه فلْيَمُدَّ حبلًا إلى السماء التي يتنزَّل منها الوحي، ثم لِيَحُلْ بين محمد ﷺ وما يوحى إليه، أي: يقطع الوحي. وكلا القولين معناهما: أنه لا يملك أحد دفع النصرة عن محمد ﷺ ولو مات غيظًا. وفي هذه الآية: بشارة للمؤمنين أن الله ناصرهم ومؤيِّدهم، وأن العاقبة والغلبة للمؤمنين بقيادة محمد ﷺ، ولو كره الكافرون.

[16] ﴿وَكَذَٰلِكَ أَنزَلۡنَٰهُ ءَايَٰتِۭ بَيِّنَٰتٖ وَأَنَّ ٱللَّهَ يَهۡدِي مَن يُرِيدُ 16﴾:

مدَحَ جل وعلا القرآن، وبيَّن أنه كما أقام الحجة من دلائل قدرته على الكافرين بالبعث، فإنه أنزَلَ هذا القرآن وفصَّله ووضَّحه وجعله آياتٍ بيِّناتٍ دالَّةً على مصالح العباد في الدنيا والآخرة؛ ومع هذا فالهداية بيد الله؛ فمَنْ أراد الخير والهدى من المكلَّفين، وعلم الله منه الصدق، شرح صدره للإيمان، وهداه السبيل المستقيم، ومَنْ أعرَضَ واستعلى، وَلَّاهُ الله ما تولَّى، وحينها فلو جاءته كل آية، لم تنفعه، بل تكون حجة عليه.

[17] ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَٱلَّذِينَ هَادُواْ وَٱلصَّٰبِـِٔينَ وَٱلنَّصَٰرَىٰ وَٱلۡمَجُوسَ وَٱلَّذِينَ أَشۡرَكُوٓاْ إِنَّ ٱللَّهَ يَفۡصِلُ بَيۡنَهُمۡ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِۚ إِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ شَهِيدٌ 17﴾:

أخبَرَ جل وعلا أن الذين آمنوا بالله واتَّبعوا رسوله ﷺ، واليهود أتباع موسى عليه السلام، والصابِئِين الذين يتَّبعون بعضَ الأنبياءِ، الباقين على فطرتهم، ولا ينتسبون إلى ملة من الملل، والنصارى أتباعَ عيسى عليه السلام، والمجوسَ عَبَدَةَ النار، والذين أشركوا بالله فعبدوا معه غيره بأنْ صرَفُوا له أي نوع من أنواع العبادة التي لا يَحِقُّ أن تُصرَفَ إلا لله؛ هؤلاء جميعهم سيجمعهم الله يوم القيامة يوم يقوم الناس لربِّ العالمين، ثم يَفْصِلُ بينهم، فيُدخِلُ أهل الحق من المؤمنين الموحِّدين الجنة، ويُدخِلُ المشركين المكذِّبين النار؛ إنه سبحانه على كل شيء شهيد، عالمٌ بكل شيء، لا تخفى عليه خافية، وسيُجازي كل نفس بما كسبت.

[18] ﴿أَلَمۡ تَرَ أَنَّ ٱللَّهَ يَسۡجُدُۤ لَهُۥۤ مَن فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَن فِي ٱلۡأَرۡضِ وَٱلشَّمۡسُ وَٱلۡقَمَرُ وَٱلنُّجُومُ وَٱلۡجِبَالُ وَٱلشَّجَرُ وَٱلدَّوَآبُّ وَكَثِيرٞ مِّنَ ٱلنَّاسِۖ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيۡهِ ٱلۡعَذَابُۗ وَمَن يُهِنِ ٱللَّهُ فَمَا لَهُۥ مِن مُّكۡرِمٍۚ إِنَّ ٱللَّهَ يَفۡعَلُ مَا يَشَآءُ 18﴾:

ثم قال تعالى لنبيه ﷺ: ألم تعلم -أيها النبي- أن الله جلَّ في علاه يسجُدُ له مَنْ في السموات من الملائكة، ومَنْ في الأرض من الجن والإنس المؤمنين، ويسجُدُ له الشمس والقمر والنجوم والجبال والدوابّ، ويسجُدُ له كثير من الناس من عباده المؤمنين، وهناك الكثير أيضًا من الناس ممن لا يسجُدُ استكبارًا وكفرًا وتكذيبًا؛ فوجَبَ وثبَتَ عليهم العذاب الأليم، وحصَلَتْ لهم الإهانة الكاملة باستكبارهم عن السجود والخضوع لله؛ ومن يُهِنِ الله من الناس ويُذِلَّهُ ويُحَقِّرْهُ، فليس لأحد أن يرفع قدره، أو يعلي ذكره، أو يمنع عنه عذاب الله؛ إن الله يفعل ما يشاء؛ فيرفعُ من يشاء بفضله ورحمته، ويُذِلُّ ويضع من يشاء بحكمته وعدله.

[19] ﴿هَٰذَانِ خَصۡمَانِ ٱخۡتَصَمُواْ فِي رَبِّهِمۡۖ فَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ قُطِّعَتۡ لَهُمۡ ثِيَابٞ مِّن نَّارٖ يُصَبُّ مِن فَوۡقِ رُءُوسِهِمُ ٱلۡحَمِيمُ 19﴾:

ثم بيَّن جل وعلا حال فريقين من الناس مختصمين مختلفين غير متفقين؛ فالفريق الأول: فريق الكفار الذين لم يؤمنوا بالله ولم يتَّبعوا رُسُلَه؛ فهؤلاء جزاؤهم في الآخرة: أن نار جهنم الشديدة الحرارة تحيطُ بهم من كل جانب، كما يحيط الثوب بلابسه، ثم يؤتى بالحميم، وهو الماءُ المغليُّ الحارُّ جدًّا؛ فيُصَبُّ على رؤوسهم.

[20] ﴿يُصۡهَرُ بِهِۦ مَا فِي بُطُونِهِمۡ وَٱلۡجُلُودُ 20﴾:

ثم بيَّن سبحانه أنَّ مِن شدة حرارة هذا الماء: أن بطونهم تذوبُ من الداخل، وتَمِيعُ جلودهم من الخارج.

[21] ﴿وَلَهُم مَّقَٰمِعُ مِنۡ حَدِيدٖ 21﴾:

ثم بيَّن سبحانه أن حول هؤلاء الكفار ملائكةً غلاظًا شدادًا يزيدونهم عذابًا إلى عذابهم؛ وذلك بضربهم على رؤوسهم بمطارق من حديد ضربًا شديدًا موجعًا.

[22] ﴿كُلَّمَآ أَرَادُوٓاْ أَن يَخۡرُجُواْ مِنۡهَا مِنۡ غَمٍّ أُعِيدُواْ فِيهَا وَذُوقُواْ عَذَابَ ٱلۡحَرِيقِ 22﴾:

ثم بيَّن جل في علاه أن هؤلاء الكفار كلما أرادوا أن يخرُجُوا مما هم فيه من العذاب الشديد، والهم والغم، وحاولوا الهرب، قمَعَتْهُمُ الملائكة بهذه المطارق، فيرجعون وقد ازدادوا غمًّا إلى غمِّهم، وهمًّا إلى همِّهم، ثم يُقالُ لهم تقريعًا وتوبيخًا: ذوقوا عذابَ النارِ المُحْرِقَ للقلوب والأبدان؛ كما قال تعالى: ﴿كُلَّمَا نَضِجَتۡ جُلُودُهُم بَدَّلۡنَٰهُمۡ جُلُودًا غَيۡرَهَا لِيَذُوقُواْ ٱلۡعَذَابَۗ ﴾ [النساء:٥٦]؛ نسأل الله السلامة والعافية.

[23] ﴿إِنَّ ٱللَّهَ يُدۡخِلُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ جَنَّٰتٖ تَجۡرِي مِن تَحۡتِهَا ٱلۡأَنۡهَٰرُ يُحَلَّوۡنَ فِيهَا مِنۡ أَسَاوِرَ مِن ذَهَبٖ وَلُؤۡلُؤٗاۖ وَلِبَاسُهُمۡ فِيهَا حَرِيرٞ 23﴾:

ثم ذكَرَ سبحانه الفريق الثاني: وهم الذين آمنوا بالله، واتبعوا رسُلَه، وصدَّقوا ذلك بالأعمال الصالحة؛ فهؤلاء يُدْخِلهم الله جنَّات كثيرات الأشجار البديعة، تجري من تحتها ومن تحت قصورها أنهارٌ تُبْهِجُ النفوس، وتسُرُّ الناظرين، وأهل هذه الجنة -رجالًا ونساءً- يُزيَّنون فيها بلُبْسِ أساور من ذهب ولؤلؤ في أيديهم، وبلُبْسِ الحرير الفاخر؛ نسأل الله الكريم من واسع فضله.

[24] ﴿وَهُدُوٓاْ إِلَى ٱلطَّيِّبِ مِنَ ٱلۡقَوۡلِ وَهُدُوٓاْ إِلَىٰ صِرَٰطِ ٱلۡحَمِيدِ 24﴾:

ثم بيَّن سبحانه أنه هدى الذين آمنوا إلى القول الطيِّب في الحياة الدنيا، وأعظمه: (لا إله إلا الله)، وهداهم إلى صراطِهِ المستقيم المحمود الممدوح؛ فهداهم للإسلام، وهداهم إلى دخول الجنة.

[25] ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ وَٱلۡمَسۡجِدِ ٱلۡحَرَامِ ٱلَّذِي جَعَلۡنَٰهُ لِلنَّاسِ سَوَآءً ٱلۡعَٰكِفُ فِيهِ وَٱلۡبَادِۚ وَمَن يُرِدۡ فِيهِ بِإِلۡحَادِۭ بِظُلۡمٖ نُّذِقۡهُ مِنۡ عَذَابٍ أَلِيمٖ 25﴾:

أخبَرَ جل وعلا أن الذين كفروا بالله ورسولِه ﷺ، وجحدوا دينه، ومع كفرهم فإنهم يَمْنعون غيرهم من التوحيد والإيمان بالله، ويمنعون الناس عن المسجد الحرام، كما منعوا رسول الله ﷺ عام الحديبية، في حين أن الله جعَلَ المسجد الحرام للمؤمنين جميعًا؛ سواءٌ المقيمُ فيه أو الطارئ عليه، واعلموا -أيها الناس- أن من يعتزمِ الميلَ عن الحق في الحرَمِ، ويَهُمَّ فيه بمنكر عظيم عامدًا معتمِّدًا، فإن الله سوف يذيقه عذابًا أليمًا موجعًا.

[26] ﴿وَإِذۡ بَوَّأۡنَا لِإِبۡرَٰهِيمَ مَكَانَ ٱلۡبَيۡتِ أَن لَّا تُشۡرِكۡ بِي شَيۡـٔٗا وَطَهِّرۡ بَيۡتِيَ لِلطَّآئِفِينَ وَٱلۡقَآئِمِينَ وَٱلرُّكَّعِ ٱلسُّجُودِ 26﴾:

واذكروا -أيها الناس- يوم أن بيَّن الله لإبراهيم مكان الكعبة المشرَّفة، وهيَّأها له، ثم أمَرَه ببنائها، فبناها وأسَّسها على القواعد التي غطَّتها الأتربة، وعلى تقوى الله وتوحيده، ثم أمَرَه أن يطهِّر نفسه من التعلُّق بغير الله، وأن يخلص العبادة لله وحده، كما أمَرَهُ أن يطهِّر بيت الله من الكفر والبدع والأوساخ والأصنام؛ ليكون طاهرًا نظيفًا لمن أقام فيه، ولمن قصده للطواف به والصلاة والدعاء والذكر عنده. و(أَلْ) في قوله: ﴿ٱلۡبَيۡتِ﴾، هي للتعريف، مما يدل على أن البيت كان قد بُنِيَ قبل إبراهيم، كما قال إبراهيم: ﴿رَّبَّنَآ إِنِّيٓ أَسۡكَنتُ مِن ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيۡرِ ذِي زَرۡعٍ عِندَ بَيۡتِكَ ٱلۡمُحَرَّمِ﴾ [إبراهيم:37]؛ فإنَّ إسكانه لهاجر وإسماعيل قبل أن يَكْبَرَ إسماعيل ويساعِدَ أباه في بناء الكعبة؛ ولهذا كان قول القائلين: (إن الكعبة مبنية قبل إبراهيم بأزمنة كثيرة، وإنها جرَتْ عليها عوامل التعرية والسيول، ولم يبق إلا القواعد التي بنى عليها إبراهيم الكعبة بمساعدة ابنه إسماعيل)، هو قولًا وجيهًا. ومن العلماء الكبار المعاصرين القائلين: إن إبراهيم هو أوَّل من بني الكعبة: الشيخ عبد الله البسَّام، وأستاذه الإمام الشيخ عبد الرحمن السَّعْدي رحمه الله.

[27] ﴿وَأَذِّن فِي ٱلنَّاسِ بِٱلۡحَجِّ يَأۡتُوكَ رِجَالٗا وَعَلَىٰ كُلِّ ضَامِرٖ يَأۡتِينَ مِن كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٖ 27﴾:

ثم أمَرَ سبحانه إبراهيم عليه السلام أن يُخْبِرَ الناس بوجوب الحج عليهم؛ فيأتون بعد النداء ماشين على أقدامهم، وراكبين على كل ضامر من الإبل، ويأتون من كل مكان قريب وبعيد. وقوله: (ضامر): هي الإبلُ الخفيفة اللحم من كثرة المَشْيِ والأعمال. ولما جاء الأمر لإبراهيم، قيل: إنه قال: يا ربِّ، وماذا يبلغ صوتي؟! فأجابه الله قائلًا: (عليك الأذان، وعلينا البلاغ)، فصَعِدَ الجبل، ورفع صوته، فقال: (يا أيها الناس، إن الله كتَبَ عليكم الحجَّ؛ فحُجُّوا).

[28] ﴿لِّيَشۡهَدُواْ مَنَٰفِعَ لَهُمۡ وَيَذۡكُرُواْ ٱسۡمَ ٱللَّهِ فِيٓ أَيَّامٖ مَّعۡلُومَٰتٍ عَلَىٰ مَا رَزَقَهُم مِّنۢ بَهِيمَةِ ٱلۡأَنۡعَٰمِۖ فَكُلُواْ مِنۡهَا وَأَطۡعِمُواْ ٱلۡبَآئِسَ ٱلۡفَقِيرَ 28﴾:

ثم أخبَرَ سبحانه أن هؤلاء الحجاج سوف يحضُرُونَ للحج والعمرة ولمنافع أخرى تجارية وغيرها، أهمُّها وأكبرها ذِكْرُ الله، ومغفرةُ الذنوب، ثم أمرهم سبحانه أن يذكروا اسم الله عند ذَبْح القرابين التي تُذْبَحُ لله من الأنعام، وهي الإبل والبقر والغنم في أيام محدَّدة، وأن يأكلوا منها ويطعموا الفقراء. والأيام المعلومات هي الأيام العَشْرُ الأولى من ذي الحِجَّة، وهي أيام مباركة، فقد ذكر جماعة من أهل العلم : (أنها أفضلُ أيام السنة على الإطلاق، كما أنَّ ليالي العَشْرِ الأواخر من رمضان أفضلُ ليالي السنة على الإطلاق)، ويأتي فضل وأهمية أيام العَشْرِ الأولى من ذي الحجة؛ لوجود أيام فيها لها مَيْزَةٌ وفضلٌ خاصٌّ، وهي يوم عرفة، ويوم النحر؛ كما أن فضل وأهمية ليالي العشر الأواخر من رمضان؛ لوجود ليلة القَدْر فيها. أما الأيام المعدودات التي جاءت في قوله تعالى: ﴿وَٱذۡكُرُواْ ٱللَّهَ فِيٓ أَيَّامٖ مَّعۡدُودَٰتٖۚ ﴾ [البقرة:٢٠٣]، فهي: يوم عيد الأضحى، والثلاثة الأيام التي بعده، والتي تسمَّى أيام التشريق.

[29] ﴿ثُمَّ لۡيَقۡضُواْ تَفَثَهُمۡ وَلۡيُوفُواْ نُذُورَهُمۡ وَلۡيَطَّوَّفُواْ بِٱلۡبَيۡتِ ٱلۡعَتِيقِ 29﴾:

ثم بعد إكمالهم مناسك الحج، عليهم أن يزيلوا عنهم ما لَحِقَ بهم من أوساخ في أبدانهم، وأن يُوفُوا بنذورهم التي أوجبوها على أنفسهم، ثم يطوفوا طواف الإفاضة بالبيت القديم، وهو الكعبة.

[30] ﴿ذَٰلِكَۖ وَمَن يُعَظِّمۡ حُرُمَٰتِ ٱللَّهِ فَهُوَ خَيۡرٞ لَّهُۥ عِندَ رَبِّهِۦۗ وَأُحِلَّتۡ لَكُمُ ٱلۡأَنۡعَٰمُ إِلَّا مَا يُتۡلَىٰ عَلَيۡكُمۡۖ فَٱجۡتَنِبُواْ ٱلرِّجۡسَ مِنَ ٱلۡأَوۡثَٰنِ وَٱجۡتَنِبُواْ قَوۡلَ ٱلزُّورِ 30﴾:

واعلموا -أيها الناس- أن كل ما ذكرناه آنفًا من قضاء التَّفَثِ، والوفاءِ بالنذور، والطواف بالبيت، هو بعض من الأحكام المتعلِّقة بالبيت وبالحج؛ فعليكم أن تعظِّموه؛ لأن من يعظِّمْ حرمات الله، فهو خير له عند الله في الدنيا والآخرة، وتعظيمه لها تعظيم لله تعالى، وتعظيم حُرُمات الله يكونُ بإقامة الشعائر؛ من ذكر الله، وأداء المناسك على الوجه المشروع، ويكونُ باجتناب اللغو والآثام، واعلموا أن الله أحَلَّ لكم أكل الأنعام إلا ما جاء النص بتحريمه في القرآن؛ فعليكم أن تبتعدوا عنه، وعليكم أن تبتعدوا عن عبادة الأوثان؛ لأنها قذرة، وابتعدوا أيضًا عن القول المائل عن الحق، وعن الافتراء على الله جل في علاه.

[31] ﴿حُنَفَآءَ لِلَّهِ غَيۡرَ مُشۡرِكِينَ بِهِۦۚ وَمَن يُشۡرِكۡ بِٱللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ ٱلسَّمَآءِ فَتَخۡطَفُهُ ٱلطَّيۡرُ أَوۡ تَهۡوِي بِهِ ٱلرِّيحُ فِي مَكَانٖ سَحِيقٖ 31﴾:

ثم أمَرَ جل وعلا عباده أن يكونوا مُقْبِلين علىه وحده دون من سواه، ولا يشركوا معه أحدًا في عبادته؛ فإنَّ مَثَلَ من يشرك بالله كمن خرَّ وسقَطَ من ارتفاعٍ عالٍ في السماء، فتَلَقَّفَتْهُ وتَخَطَّفَتْهُ الطيور الجوارح، فذهب كل طائر بعضوٍ منه، فقطَّعوه إِرْبًا، أو أنه حين سقوطه دفَعَتْهُ الريح دفعًا شديدًا إلى مكانٍ بعيدٍ أشدَّ البعد.

[32] ﴿ذَٰلِكَۖ وَمَن يُعَظِّمۡ شَعَٰٓئِرَ ٱللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقۡوَى ٱلۡقُلُوبِ 32﴾:

ثم كرَّر جل وعلا وأخبَرَ أن كل ما ذكرناه لكم من الأوامر والنواهي يلزمكم امتثاله واتباعه، وعليكم تعظيم شعائر الله من المناسك والحج والذبائح وغيرها؛ لأن تعظيمها دليل على تقوى القلوب وخشيتها من الله، وأنها قلوب مؤمنة تقية مستقيمة على طاعة الله.

[33] ﴿لَكُمۡ فِيهَا مَنَٰفِعُ إِلَىٰٓ أَجَلٖ مُّسَمّٗى ثُمَّ مَحِلُّهَآ إِلَى ٱلۡبَيۡتِ ٱلۡعَتِيقِ 33﴾:

ثم بيَّن سبحانه أنه لا بأس أن ينتفع الناس من الهدايا المَسُوقَةِ من البُدْنِ ونحوها؛ وذلك بركوب ظهورها، والحَمْل عليها، وشُرْب ألبانها؛ إلى وقتٍ مقدَّرٍ معلوم، وهو وصولها إلى مكان ذَبْحها عند البيت العتيق، أي: منطقةِ الحَرَمِ كلِّها.

[34] ﴿وَلِكُلِّ أُمَّةٖ جَعَلۡنَا مَنسَكٗا لِّيَذۡكُرُواْ ٱسۡمَ ٱللَّهِ عَلَىٰ مَا رَزَقَهُم مِّنۢ بَهِيمَةِ ٱلۡأَنۡعَٰمِۗ فَإِلَٰهُكُمۡ إِلَٰهٞ وَٰحِدٞ فَلَهُۥٓ أَسۡلِمُواْۗ وَبَشِّرِ ٱلۡمُخۡبِتِينَ 34﴾:

ثم ذكَرَ جل وعلا أنه شرَعَ لكل أمة مَنْسَكًا، أي: متعبَّدًا يريقون فيه دماء الذبائح؛ ليذكروا اسم الله عند ذَبْحها؛ تعظيمًا له سبحانه، ولإطعام الفقراء من هذه الذبائح التي يُتقرَّبُ بها لله، واعلموا -أيها الناس- أن إلهكم واحد، وهو الله جل في علاه؛ فعليكم الانقياد والاستسلام له وحده، وبَشِّرْ -أيها النبي- أولئك المتواضعين الخاشعين لربهم بالثواب والأجر العظيم.

[35] ﴿ٱلَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ ٱللَّهُ وَجِلَتۡ قُلُوبُهُمۡ وَٱلصَّٰبِرِينَ عَلَىٰ مَآ أَصَابَهُمۡ وَٱلۡمُقِيمِي ٱلصَّلَوٰةِ وَمِمَّا رَزَقۡنَٰهُمۡ يُنفِقُونَ 35﴾:

ثم بيَّن جل وعلا صفات عباده المخبتين الخاضعين الخاشعين، فذكَرَ أن من صفاتهم: أنهم إذا ذُكِرَ الله، وَجِلَتْ قلوبهم، وارتجفت واضطربت خوفًا وتعظيمًا؛ فامتثلوا أمر الله، واجتنبوا نهيه، ومن صفاتهم: أنهم إذا أصابتهم المصائب، فإنهم لا يَجْزَعون، بل يصبرون ويحتسبون ويسترجعون، ويرتقبون أجر الله، وينتظرون ما عنده من الثواب، ومن صفاتهم: أنهم يداومون على أداء الصلاة تامَّةً كاملةً بأركانها وواجباتها ومستحبَّاتها، ومن صفاتهم: أنهم من أهل الإنفاق في سبيل الله.

[36] ﴿وَٱلۡبُدۡنَ جَعَلۡنَٰهَا لَكُم مِّن شَعَٰٓئِرِ ٱللَّهِ لَكُمۡ فِيهَا خَيۡرٞۖ فَٱذۡكُرُواْ ٱسۡمَ ٱللَّهِ عَلَيۡهَا صَوَآفَّۖ فَإِذَا وَجَبَتۡ جُنُوبُهَا فَكُلُواْ مِنۡهَا وَأَطۡعِمُواْ ٱلۡقَانِعَ وَٱلۡمُعۡتَرَّۚ كَذَٰلِكَ سَخَّرۡنَٰهَا لَكُمۡ لَعَلَّكُمۡ تَشۡكُرُونَ 36﴾:

واعلموا أن الإبلَ المُهْداةَ إلى الحَرَمِ جعلها الله من شعائر هذا الدين، ومن مظاهر العبادة، لكم فيها خيرٌ كبيرٌ من الانتفاع والإطعام، وأجرٌ عظيم، وثوابٌ جزيل، فقولوا عند نَحْرِها: بسم الله، وانحروها صَوَافَّ، أي: قائماتٍ، بأن تقام على قوائمها الأربع، ثم تُعقَلَ يدها اليسرى ثم تُنحَر، فإذا سقطت على الأرض بعد نحرها تسلخ؛ فحينها قد هُيِّئتْ للأكل منها؛ فكلوا منها يا أصحابها، وأطعموا منها الفقير القانع الذي لا يسأل الناس إلحافًا، وأطعموا الفقير الذي ألجأته الحاجة لأن يسأَلَ ويطلُبَ، كذلك سخَّرناها لكم، وسهَّلنا لكم اقتيادها لمواضع نَحْرِها؛ لعلكم تشكرون الله على هذه النعم التي أنعم بها عليكم.

[37] ﴿لَن يَنَالَ ٱللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَآؤُهَا وَلَٰكِن يَنَالُهُ ٱلتَّقۡوَىٰ مِنكُمۡۚ كَذَٰلِكَ سَخَّرَهَا لَكُمۡ لِتُكَبِّرُواْ ٱللَّهَ عَلَىٰ مَا هَدَىٰكُمۡۗ وَبَشِّرِ ٱلۡمُحۡسِنِينَ 37﴾:

واعلموا -أيها المتقرِّبون المُهْدُونَ لهذه الذبائح- أن الله لا يناله شيء من لحم ذبائحكم، ولا مِنْ دمائها؛ فهو سبحانه الغنيُّ الحميد، وإنما الذي يصعد إليه: هو إخلاصكم وتَقْواكم، وصلاحُ نِيَّاتِكم في هذه القربات، كذلك ذلَّلها لكم، وذلَّل لكم نحرها؛ لتكبِّروا الله وتعظِّموه وتُجِلُّوهُ على هدايته إياكم للحق، ثم أمَرَ سبحانه نبيه ﷺ أن يبشِّر المحسنين بالفوز الدائم، والفلاح العظيم في الدنيا والآخرة.

[38] ﴿إِنَّ ٱللَّهَ يُدَٰفِعُ عَنِ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْۗ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٖ كَفُورٍ 38﴾:

ثم ذكر جل وعلا أن من إكرامه لعباده المخلصين: أنه يتولَّى الدفاع عنهم وينصُرُهم ويدفع أذى الحاقدين الذين يسوؤهم عِزُّ الإسلام، وقيام دولة الحق؛ لأنه جل في علاه يحب المؤمنين، ويُبْغِض الكافرين الذين من صفاتهم السيئة: الخيانةُ والإصرارُ على الكفر والجحود والضلال.

[39] ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَٰتَلُونَ بِأَنَّهُمۡ ظُلِمُواْۚ وَإِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ نَصۡرِهِمۡ لَقَدِيرٌ 39﴾:

لما كان المسلمون أوَّل أمرهم مستضعفين تحت هيمنة الكفار، مُنِعُوا من القتال ومحاربةِ الكفار رحمةً بهم؛ إذْ لو استفزوا المشركين، لقضَوْا عليهم، وكان ﷺ في مكة يصبِّر المؤمنين كلما اشتكَوْا، وطلبوا منه الإذن بالدفاع عن أنفسهم؛ فيبين لهم أن الله لم يأذن له بالقتال؛ وأن عليهم أن يتحمَّلوا ويصبروا حتى يأتي الله بأمره؛ فلما هاجر المسلمون وصار لهم دولة ومَنَعةٌ وشوكة، نزَلَتْ هذه الآية في الإذن لهم بالدفاع عن أنفسهم، وهي أول آية في الإذن بالقتال، وقد بيَّن سبحانه أن الإذن لهم بالقتال والدفاع عن أنفسهم بسبب ما وقع عليهم من الظلم والعدوان، وبيَّن جل شأنه أنه قادر على نَصْر عباده المؤمنين الصادقين.

[40] ﴿ٱلَّذِينَ أُخۡرِجُواْ مِن دِيَٰرِهِم بِغَيۡرِ حَقٍّ إِلَّآ أَن يَقُولُواْ رَبُّنَا ٱللَّهُۗ وَلَوۡلَا دَفۡعُ ٱللَّهِ ٱلنَّاسَ بَعۡضَهُم بِبَعۡضٖ لَّهُدِّمَتۡ صَوَٰمِعُ وَبِيَعٞ وَصَلَوَٰتٞ وَمَسَٰجِدُ يُذۡكَرُ فِيهَا ٱسۡمُ ٱللَّهِ كَثِيرٗاۗ وَلَيَنصُرَنَّ ٱللَّهُ مَن يَنصُرُهُۥٓۚ إِنَّ ٱللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ 40﴾:

ثم بيَّن سبحانه أنه أَذِنَ بالقتال لأولئك المظلومين الذين اضطَرَّهم أعداؤهم للخروج من بلادهم ظلمًا وعدوانًا، وبغير إثم اكتسبوه، وإنما كان ذنبهم: أنهم أسلموا لله، وقالوا: ربُّنا الله وحده، لا نعبُدُ ربًّا سواه، ثم بيَّن جل وعلا لولا أنه أباح للمؤمنين القتالَ ودَفْعَ الظلم والجور والعدوان عن أنفسهم، لَعَاثَ المشركون في الأرض الفساد، ولَهُدِّمَتْ أماكن العبادة التي يُصلَّى فيها ويُذْكَرُ اسم الله فيها كثيرًا، ثم وعَدَ جل وعلا أن مَنْ بذَلَ ما في وسعه لنصرة دين الله وإعلاء كلمته، فإن الله سوف ينصُرُهُ ويثبِّته لأن الله قوي لا يغالب، وعزيز لا ينازعه منازع؛ قال أحد أصحاب رسول الله عن قريش:

زَعَمَتْ سَخِينَةُ أَنْ سَتَغْلِبُ رَبَّهَا

وَلَيُغْلَبَنَّ مُغَالِبُ الْغَلَّابِ

وسخينة: هي لقب لقريش.

[41] ﴿ٱلَّذِينَ إِن مَّكَّنَّٰهُمۡ فِي ٱلۡأَرۡضِ أَقَامُواْ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتَوُاْ ٱلزَّكَوٰةَ وَأَمَرُواْ بِٱلۡمَعۡرُوفِ وَنَهَوۡاْ عَنِ ٱلۡمُنكَرِۗ وَلِلَّهِ عَٰقِبَةُ ٱلۡأُمُورِ 41﴾:

ثم بيَّن جل وعلا أن هؤلاء المؤمنين الصادقين الذين أُخْرِجُوا من ديارهم بغير حق؛ من صفاتهم: أنهم إذا مكَّن الله لهم في الأرض أنهم يشكُرُونَ الله على ما أنعَمَ عليهم من التمكين والنصر؛ وذلك بإقامة الصلاة، والمحافظة عليها في مواقيتها وأركانها وواجباتها، وإخراجِ زكاةِ أموالهم الواجبةِ عليهم، وإعطائها لمستحقِّيها من الفقراء والمساكين وغيرهم، وأَمْرِهم الناس بالمعروف ونهيهم عن المنكر، واعلموا -أيها الناس- أن لله وحده عاقبةَ الأمور ومَرْجِعَها؛ فيجازي كلًّا بما يستحقه؛ إن ْخيرًا فخير، وإنْ شرًّا فشرّ.

[42] ﴿وَإِن يُكَذِّبُوكَ فَقَدۡ كَذَّبَتۡ قَبۡلَهُمۡ قَوۡمُ نُوحٖ وَعَادٞ وَثَمُودُ 42﴾:

ثم سلَّى جل وعلا نبيه ﷺ فقال له: لا تحزن -أيها النبي- فلست وحدك الذي كذَّبه قومه وآذَوْه؛ بل جميع الأنبياء من قبلك كذَّبتهم أقوامهم؛ ومن هؤلاء قوم نوح وعاد وثمود؛ فقد كذَّبتهم أقوامهم.

[43] ﴿وَقَوۡمُ إِبۡرَٰهِيمَ وَقَوۡمُ لُوطٖ 43﴾:

ثم ذكَرَ سبحانه أيضًا قوم إبراهيم وقوم لوط؛ حيث كذَّبتهم أقوامهم.

[44] ﴿وَأَصۡحَٰبُ مَدۡيَنَۖ وَكُذِّبَ مُوسَىٰۖ فَأَمۡلَيۡتُ لِلۡكَٰفِرِينَ ثُمَّ أَخَذۡتُهُمۡۖ فَكَيۡفَ كَانَ نَكِيرِ 44﴾:

وكذلك ذكَرَ سبحانه أصحاب مَدْيَنَ وموسى؛ فقد كذبتهم أقوامهم؛ فكانت النتيجة أنَّ الله لم يعاجلهم بالعقوبة، بل أمهلهم حتى أقيمت عليهم الحجة، ثم أخذ سبحانه كلًّا منهم بالعذاب؛ فانظروا كيف كانت عقوبة الله لهم، وكيف كان إنكار الله عليهم؛ حيث حُوِّلَتْ حياتهم إلى موت، وبيوتهم إلى خراب ودمار، وغرورهم إلى ذِلَّةٍ وخُسْران.

والمقصود: تذكير ووعظ مشركي قريش بأنهم إذا أصروا على الكفر والعناد، فسوف تَنْزِلُ بهم العقوبة التي نزَلَتْ بالأمم المكذِّبة من قبلهم.

[45] ﴿فَكَأَيِّن مِّن قَرۡيَةٍ أَهۡلَكۡنَٰهَا وَهِيَ ظَالِمَةٞ فَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَىٰ عُرُوشِهَا وَبِئۡرٖ مُّعَطَّلَةٖ وَقَصۡرٖ مَّشِيدٍ 45﴾:

ثم أخبَرَ سبحانه أنه أهلك كثيرًا من أهل القرى بالعذاب الشديد؛ بسبب ظلمهم وشركهم، ومجاوزتهم الحدَّ؛ فتلك بيوتهم مُهدَّمةً خاليةً من سكانها، ساقطةً عروشُها، وتلك آبارُهم معطَّلةً لا يُستقى منها، ولا يُنتفَعُ بها، وتلك قصورهم العالية المزخرفة المحصَّنةُ، قد سكَنَها الخراب، وبقيت شاهدة على مَنْ عاش فيها، وقد صاروا عِبْرةً للمعتبرين.

[46] ﴿أَفَلَمۡ يَسِيرُواْ فِي ٱلۡأَرۡضِ فَتَكُونَ لَهُمۡ قُلُوبٞ يَعۡقِلُونَ بِهَآ أَوۡ ءَاذَانٞ يَسۡمَعُونَ بِهَاۖ فَإِنَّهَا لَا تَعۡمَى ٱلۡأَبۡصَٰرُ وَلَٰكِن تَعۡمَى ٱلۡقُلُوبُ ٱلَّتِي فِي ٱلصُّدُورِ 46﴾:

حثَّ جل وعلا المكذِّبين بأن يسيروا في الأرض، وبأن يسافروا لينظروا ويتفكَّروا في أحوال الأمم السابقة؛ علَّ ذلك أن يُورِثَهم قلوبًا سليمةً يعقلون بها، أو آذانًا صاغيةً يسمعون بها سماعَ استجابةٍ؛ فإن العمى الحقيقي ليس عمى البصر، بل عمى البصائر التي في الصدور.

[47] ﴿وَيَسۡتَعۡجِلُونَكَ بِٱلۡعَذَابِ وَلَن يُخۡلِفَ ٱللَّهُ وَعۡدَهُۥۚ وَإِنَّ يَوۡمًا عِندَ رَبِّكَ كَأَلۡفِ سَنَةٖ مِّمَّا تَعُدُّونَ 47﴾:

أخبَرَ الله تعالى في عدة مواضع من كتابه: أن الأنبياء كانوا يحذِّرون أقوامهم المكذِّبين بهم من عذاب الله؛ فكانوا يرُدُّونَ عليهم مستعجلين إياهم العذاب؛ فيقولون على سبيل التكذيب والتعجيز: ﴿فَأۡتِنَا بِمَا تَعِدُنَآ إِن كُنتَ مِنَ ٱلصَّٰدِقِينَ﴾ [الأعراف:٧٠]، فلأجل ذلك أخبِرْهم -أيها النبي- أن الله لن يُخْلِفَ ما وعدكم به من العذاب، بل سيأتيكم في وقته الذي حدَّده هو سبحانه. وقد جاءهم بعض العذاب؛ كما قال تعالى: ﴿قُلۡ عَسَىٰٓ أَن يَكُونَ رَدِفَ لَكُم بَعۡضُ ٱلَّذِي تَسۡتَعۡجِلُونَ﴾ [النمل:72]؛ كقَتْلِ زعمائهم في غزوة بَدْر وأَسْرهم وهزيمتهم، واعلموا -أيها المكذِّبون- أن يومًا من أيام الله كألف سنة مما تعُدُّونَ من أيامكم في حياتكم الدنيا.

[48] ﴿وَكَأَيِّن مِّن قَرۡيَةٍ أَمۡلَيۡتُ لَهَا وَهِيَ ظَالِمَةٞ ثُمَّ أَخَذۡتُهَا وَإِلَيَّ ٱلۡمَصِيرُ 48﴾:

ثم أخبَرَ سبحانه أن كثيرًا من القرى التي ظلمت نفسها بشِرْكها بالله، وتَرْكها توحيد الله واتِّباع رسوله، لم يبادرها الله بالعذاب، بل أمهلها زمنًا طويلًا، فلمَّا تمادَوْا في غيِّهم، أخَذَهم الله بالعذاب في الدنيا، ثم إلى الله مرجعهم ومآلهم؛ فيعذِّبهم في الآخرة عذابًا شديدًا.

[49] ﴿قُلۡ يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِنَّمَآ أَنَا۠ لَكُمۡ نَذِيرٞ مُّبِينٞ 49﴾:

وقل -أيها النبي-: اعلموا -أيها الناس- أنما أنا نذيرٌ لكم، واضحُ الإنذار والتخويف.

[50] ﴿فَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ لَهُم مَّغۡفِرَةٞ وَرِزۡقٞ كَرِيمٞ 50﴾:

وقل لهم -أيها النبي- أيضًا: واعلموا أن الذين آمنوا بالله، واتَّبعوا رسوله ﷺ، وصدَّقوا ذلك بالأعمال الصالحة؛ أولئك سيغفر الله لهم زَلَلهم وتقصيرهم، وسيَرْزُقُهم رزقًا كريمًا، فيُدْخِلهم جنات النعيم خالدين فيها أبدًا.

[51] ﴿وَٱلَّذِينَ سَعَوۡاْ فِيٓ ءَايَٰتِنَا مُعَٰجِزِينَ أُوْلَٰٓئِكَ أَصۡحَٰبُ ٱلۡجَحِيمِ 51﴾:

ثم قل لهم: إن الذين جدُّوا واجتهدوا في صدِّ الناس، وصَرْفهم عن آيات القرآن، وآياتِ الله الدالَّة على وحدانيته، ثم هم مع ذلك يظنون أنهم سيُعجِزونَ اللهَ ويفوتونه، فأولئك أصحاب النار الملازمون لها، الخالدون فيها.

[52] ﴿وَمَآ أَرۡسَلۡنَا مِن قَبۡلِكَ مِن رَّسُولٖ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّآ إِذَا تَمَنَّىٰٓ أَلۡقَى ٱلشَّيۡطَٰنُ فِيٓ أُمۡنِيَّتِهِۦ فَيَنسَخُ ٱللَّهُ مَا يُلۡقِي ٱلشَّيۡطَٰنُ ثُمَّ يُحۡكِمُ ٱللَّهُ ءَايَٰتِهِۦۗ وَٱللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٞ 52﴾:

واعلم -أيها النبي- أن الله ما أرسل من قبلك مِنْ رسولٍ ولا نبيٍّ إلا إذا قرأ وتلا كتاب الله لتذكير الناس ونُصْحهم وإرشادهم، ألقى الشيطان الوساوس والشبهات التي تناقض قراءته؛ لتشكيكِ الناس في أنبيائهم، وصدِّهم عن اتِّباع ما يقرؤونه ويتلونه، لكنَّ الله يُبْطِلُ كيد الشيطان، فيُخْزِيهِ ويُبْطِلُ وساوسه، ثم يثبِّت سبحانه آياته الواضحات البينات ويحفظها، والله عليمٌ لا تخفى عليه خافية في الأرض ولا في السماء، حكيمٌ يضع الأمور في مواضعها جل في علاه.

وقد ذكَرَ كثير من المفسِّرين في تفسير هذه الآية قصة الغرانيق، وقد أنكرها الشيخ المفسِّر محمد الأمين الشِّنْقيطي رحمه الله في تفسيره (أضواء البيان)، فقال عند تفسير هذه الآية: (اعلم: أن مسألة الغرانيق مع استحالتِها شرعًا، ودَلَالةِ القرآن على بطلانها، لم تثبُتْ من طريق صالح للاحتجاج، وصرَّح بعدم ثبوتها خلق كثير من علماء الحديث؛ كما هو الصواب).

كما أن العلامة الألباني رحمه الله أبطَلَ هذه القصة، وأنكر الحديث الوارد فيها، وله رحمه لله رسالةٌ مطبوعة في تحقيق هذه المسألة اسمها: (نَصْبُ المجانيقْ، لِنَسْفِ قصة الغرانيقْ)، وهي رسالة فريدة في موضوعها، وقد بيَّن فيها بطلان هذه القصة وعدم ثبوتها.

[53] ﴿لِّيَجۡعَلَ مَا يُلۡقِي ٱلشَّيۡطَٰنُ فِتۡنَةٗ لِّلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٞ وَٱلۡقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمۡۗ وَإِنَّ ٱلظَّٰلِمِينَ لَفِي شِقَاقِۭ بَعِيدٖ 53﴾:

ثم بيَّن جل وعلا أن ما يُلْقيه الشيطان من المكايد والشبهات جعله فتنةً وابتلاءً لطائفتين من الناس؛ الأولى: الذين في قلوبهم مرض، وهم المنافقون، والثانية: غِلَاظُ القلوب الذين لا تؤثِّر فيهم موعظة، ولا تنفعهم الذِّكْرَى، وإن الظالمين لأنفسهم بالشرك لفي عداوةٍ شديدةٍ ومحادَّةٍ لله ورسوله.

[54] ﴿وَلِيَعۡلَمَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلۡعِلۡمَ أَنَّهُ ٱلۡحَقُّ مِن رَّبِّكَ فَيُؤۡمِنُواْ بِهِۦ فَتُخۡبِتَ لَهُۥ قُلُوبُهُمۡۗ وَإِنَّ ٱللَّهَ لَهَادِ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ إِلَىٰ صِرَٰطٖ مُّسۡتَقِيمٖ 54﴾:

ثم قال سبحانه: وليعلم الذين رزَقَهم الله العلم، وأنار به بصائرهم، وزكَّى به نُفُوسَهُم: أن هذا القرآن هو الحق النازل من عند الله، بلا أدنى شكٍّ أو شُبْهةٍ، فيثبتوا على الإيمان به، ويزدادوا يقينًا؛ فتَسْكُنُ وتخضع، وتنقادُ وتخشع للقرآن قلوبهم؛ فيهديهم الله ويثبِّتهم على الإيمان والصراط المستقيم الذي لا اعوجاج فيه، والذي رضيه لعباده.

[55] ﴿وَلَا يَزَالُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ فِي مِرۡيَةٖ مِّنۡهُ حَتَّىٰ تَأۡتِيَهُمُ ٱلسَّاعَةُ بَغۡتَةً أَوۡ يَأۡتِيَهُمۡ عَذَابُ يَوۡمٍ عَقِيمٍ 55﴾:

ثم أخبَرَ سبحانه نبيه ﷺ أن الكفار المكذِّبين لا يزالون في شكٍّ ورِيبةٍ وتردُّدٍ بما جِئْتَهُم به من القرآن حتَّى تأتيهم الساعة فجأةً، أو يأتيهم عذاب يوم القيامة، وهم ما زالوا في شكِّهم يعمهون، وفي غيِّهم سادرين.

[56] ﴿ٱلۡمُلۡكُ يَوۡمَئِذٖ لِّلَّهِ يَحۡكُمُ بَيۡنَهُمۡۚ فَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ فِي جَنَّٰتِ ٱلنَّعِيمِ 56﴾:

أخبَرَ جل وعلا أن المُلْكَ يوم القيامة لله وحده يقضي ويفصل بين الناس بقضائه العَدْل، وحُكْمِهِ الفَصْل؛ فالذين آمنوا بالله، واتَّبعوا رسوله ﷺ، ودلَّلوا على ذلك بأعمالهم الصالحة؛ أولئك في الجنات يتنعَّمون فيها بأنواع النعيم مما لا عَيْنٌ رأت، ولا أُذُنٌ سمعت، ولا خطَرَ على قلب بشر.

[57] ﴿وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَكَذَّبُواْ بِـَٔايَٰتِنَا فَأُوْلَٰٓئِكَ لَهُمۡ عَذَابٞ مُّهِينٞ 57﴾:

ثم بيَّن سبحانه أن الذين كفروا بالله ورسله، وكذَّبوا بآيات الله الدالَّة على وحدانيته؛ فأولئك لهم عذابٌ يُخْزِيهم ويُذِلُّهم ويُهِينهم.

[58] ﴿وَٱلَّذِينَ هَاجَرُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ ثُمَّ قُتِلُوٓاْ أَوۡ مَاتُواْ لَيَرۡزُقَنَّهُمُ ٱللَّهُ رِزۡقًا حَسَنٗاۚ وَإِنَّ ٱللَّهَ لَهُوَ خَيۡرُ ٱلرَّٰزِقِينَ 58﴾:

وأخبَرَ جل في علاه أن الذين هاجروا في سبيل الله، فتركوا أهلهم وأموالهم وأوطانهم، ابتغاءَ مَرْضات الله، ونصرةً لدينه، فمَنْ قُتِلَ منهم شهيدًا، أو مات على فراشه، سوف يرزقهم الله رزقًا حسنًا تَقَرُّ به عيونهم، وتبتهج به نفوسهم، وإن الله لهو خيرُ الرازقين، يرزُقُ من يشاء بغير حساب.

[59] ﴿لَيُدۡخِلَنَّهُم مُّدۡخَلٗا يَرۡضَوۡنَهُۥۚ وَإِنَّ ٱللَّهَ لَعَلِيمٌ حَلِيمٞ 59﴾:

ثم أخبَرَ جل شأنه أنه سوف يُدْخِلهم يوم القيامة مُدْخَلًا يَرْضَوْنَهُ ويحبُّونه، وهو جنات النعيم؛ كما أنهم في الدنيا تركوا ما يحبُّون لإرضاء المولى جل في علاه؛ فجازاهم الله وأدخلهم ما يحبُّون وبه يأنسون ويسعدون، وإن الله لعليمٌ بكل شيء ظاهرًا وباطنًا، عليمٌ بنيَّات المهاجرين وأحوالهم، حليمٌ لا يُعاجِلُ من عصاه بالعقوبة، بل يُمهِله، ويتوب عليه إذا تاب.

[60] ﴿ذَٰلِكَۖ وَمَنۡ عَاقَبَ بِمِثۡلِ مَا عُوقِبَ بِهِۦ ثُمَّ بُغِيَ عَلَيۡهِ لَيَنصُرَنَّهُ ٱللَّهُۚ إِنَّ ٱللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٞ 60﴾:

واعلم -أيها النبي- أن ذلك الذي أخبرناك به من إدخال المهاجرين الجنة، فاعلم أيضًا أن مَنْ بُغِيَ عليه وظُلِمَ، ثم انتصَرَ لنفسه، فلا حرج عليه، فإنْ عاود الظالمُ وبَغَى عليه -بسبب انتصاره لنفسه- فإنَّ الله معه وناصره على مَنْ ظلمه؛ إن الله كثيرُ العفو عن المذنبين، كثيرُ الإمهال لهم، كثيرُ المغفرة لِمَن تاب ورجع منهم سبحانه وتعالى.

[61] ﴿ذَٰلِكَ بِأَنَّ ٱللَّهَ يُولِجُ ٱلَّيۡلَ فِي ٱلنَّهَارِ وَيُولِجُ ٱلنَّهَارَ فِي ٱلَّيۡلِ وَأَنَّ ٱللَّهَ سَمِيعُۢ بَصِيرٞ 61﴾:

واعلموا أن ذلك الذي سَنَّ هذه الأحكام العادلة من إدخال المهاجرين الجنة، ونُصْرةِ المظلوم، هو الله، وهو القادر على كل شيء، ومن قدرته: أنه يُدخِلُ الليل في النهار، ويُدخِلُ النهار في الليل، بترتيبٍ دقيقٍ مُحْكَمٍ لا يختلف ولا يضطرب، وبه تنتظم فصول السنة، وتصلُحُ حياة العباد، واعلموا أن الله سميعٌ لكل الأصوات، في جميع الأوقات، على تفنُّن الحاجات، بصيرٌ؛ يُبْصِرُ دبيب النملة السوداء، على الصخرة الصمَّاء، في الليلة الظلماء، لا يغيبُ ولا يعزُبُ عنه شيء جل في علاه.

[62] ﴿ذَٰلِكَ بِأَنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلۡحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدۡعُونَ مِن دُونِهِۦ هُوَ ٱلۡبَٰطِلُ وَأَنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلۡعَلِيُّ ٱلۡكَبِيرُ 62﴾:

واعلم أنَّا ذكرنا ما ذكرناه من إدخال المهاجرين الجنة، ونصرة المظلوم، وإدخال الليل في النهار والنهار في الليل؛ لتعلم أن الله هو الإله المعبود بحقٍّ -دون من سواه- وأن الآلهة التي يعبدها المشركون من دون الله من الأصنام والجمادات باطلةٌ في ذاتها، وباطلةٌ غايةً ومقصدًا، وأن الله جل في علاه هو العليُّ ذاتًا، وقهرًا، وقدرًا، الكبيرُ ذو الكبرياء والعظمة والجلال.

[63] ﴿أَلَمۡ تَرَ أَنَّ ٱللَّهَ أَنزَلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءٗ فَتُصۡبِحُ ٱلۡأَرۡضُ مُخۡضَرَّةًۚ إِنَّ ٱللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٞ 63﴾:

ثم قال تعالى لنبيه ﷺ: ألم تشاهد -أيها النبي- ببصرك أن الله يُنْزِلُ المطر من السماء على الأرض اليابسة القاحلة، فتنبت العشب والزروع؛ فتصبح مخضرَّةً بهيجة المنظر، بديعة الجمال؟! إن الله لطيفٌ مدرِكٌ لبواطن الأمور وخفاياها، كثيرُ اللطف بعباده، خبيرٌ بهم، ييسِّرُ أمورهم، ويدبِّرُ لهم ما يصلحهم.

[64] ﴿لَّهُۥ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلۡأَرۡضِۚ وَإِنَّ ٱللَّهَ لَهُوَ ٱلۡغَنِيُّ ٱلۡحَمِيدُ 64﴾:

واعلموا أن لله مُلْكَ السموات والأرض وما فيهما وما بينهما، يحكُمُ ما يشاء، ويفعل ما يريد، لا غِنَى لأحدٍ عنه طَرْفةَ عين، ولا أقلَّ من ذلك، له الغنى التامّ؛ فهو سبحانه مستغنٍ عن جميع المخلوقات، لا تنفعه طاعة الطائع، ولا تضُرُّهُ معصية العاصي، وهو سبحانه المحمودُ في ذاته وأسمائه وصفاته وأفعاله، وشرعه، وتوفيقه، له الحمد حتى يرضى، وله الحمد إذا رَضِيَ، وله الحمد بعد الرضا.

[65] ﴿أَلَمۡ تَرَ أَنَّ ٱللَّهَ سَخَّرَ لَكُم مَّا فِي ٱلۡأَرۡضِ وَٱلۡفُلۡكَ تَجۡرِي فِي ٱلۡبَحۡرِ بِأَمۡرِهِۦ وَيُمۡسِكُ ٱلسَّمَآءَ أَن تَقَعَ عَلَى ٱلۡأَرۡضِ إِلَّا بِإِذۡنِهِۦٓۚ إِنَّ ٱللَّهَ بِٱلنَّاسِ لَرَءُوفٞ رَّحِيمٞ 65﴾:

ثم قال جل وعلا لنبيه ﷺ: ألم تشاهد ببصرك -أيها النبي- أن الله ذلَّل لكم جميع ما في الأرض من طُرُقٍ وحيواناتٍ وجمادات، وهيَّأ ذلك لكم؛ لتنتفعوا به غاية ما يكون الانتفاع، وذلَّل لكم أيضًا السفن التي تجري في البحر بأمره وقدره ورحمته، وهيَّأها لكم؛ لتنتقلوا عليها، وتحملوا عليها متاعكم من مكان إلى آخر، وأن الله -بلطفه ورحمته- يُمْسِكُ السماء ويمنعها من أن تقع على الأرض إلا بمشيئته وإرادته؟! واعلموا أن الله بتسخيره هذه الأمور، كثيرُ الرأفة بالناس، كثيرُ الرحمة بهم، والإحسان إليهم.

[66] ﴿وَهُوَ ٱلَّذِيٓ أَحۡيَاكُمۡ ثُمَّ يُمِيتُكُمۡ ثُمَّ يُحۡيِيكُمۡۗ إِنَّ ٱلۡإِنسَٰنَ لَكَفُورٞ 66﴾:

واعلموا أن الله سبحانه هو الذي أوجدكم بعد العدم، وهو وحده الذي يميتكم حين انقضاء أعماركم، ثم يُحْييكم مرَّةً أخرى للبعث والجزاء؛ إن الإنسان لكثير الكفر بنعم الله وآياته الدالَّة على وحدانيته، كثيرُ الجَحْدِ لها.

[67] ﴿لِّكُلِّ أُمَّةٖ جَعَلۡنَا مَنسَكًا هُمۡ نَاسِكُوهُۖ فَلَا يُنَٰزِعُنَّكَ فِي ٱلۡأَمۡرِۚ وَٱدۡعُ إِلَىٰ رَبِّكَۖ إِنَّكَ لَعَلَىٰ هُدٗى مُّسۡتَقِيمٖ 67﴾:

أخبَرَ جل وعلا أنه جعَلَ لكلِّ أمَّةٍ مِن الأممِ الماضية شِرْعةً ومنهاجًا في العبادةِ قائمين عليها يتعبدون الله بها؛ فلا ينازِعَنَّكَ –أيها الرسول- أحدٌ من المشركين، أو أهل الديانات الأخرى في شريعتك التي شرعها الله لك، بل أنت أَوْلى بالحق منهم؛ لأنك على الحق، وهم على الباطل، وعلى الجميع الامتثال والطاعة لما أمرَك الله به، ثم أمَرَ سبحانه نبيَّه ﷺ أن يدعو الناسَ إلى إخلاص التوحيد لله والإيمان به؛ بالحكمة والموعظة الحسنة، ثم أثنى جل شأنه على نبيه ﷺ؛ فأخبَرَ أنه على طريقٍ سويٍّ واضحٍ لا اعوجاج فيه.

[68] ﴿وَإِن جَٰدَلُوكَ فَقُلِ ٱللَّهُ أَعۡلَمُ بِمَا تَعۡمَلُونَ 68﴾:

ثم قال سبحانه لنبيه ﷺ: وإنْ أصَرَّ -أيها النبي- الكفار على الجدال والمكابرة والمعاندة، فلا تُجَارِهم، ولا تسترسِلْ معهم؛ بل قل لهم قولًا مُجمَلًا مشتملًا على الوعيد: الله أعلم بكم وبما تعملون، وسيجازيكم على نيَّاتكم وأعمالكم.

[69] ﴿ٱللَّهُ يَحۡكُمُ بَيۡنَكُمۡ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ فِيمَا كُنتُمۡ فِيهِ تَخۡتَلِفُونَ 69﴾:

واعلموا أن الله وحده هو الذي سوف يفصل يوم القيامة بين فريق التوحيد والإيمان وفريق الشرك والكفران، فيما كنتم تختلفون فيه من أمر الدين، وتجادلون فيه معاندين مكابرين، وحينها سيتبيَّن لكم المحقُّ من المُبطِل.

[70] ﴿أَلَمۡ تَعۡلَمۡ أَنَّ ٱللَّهَ يَعۡلَمُ مَا فِي ٱلسَّمَآءِ وَٱلۡأَرۡضِۚ إِنَّ ذَٰلِكَ فِي كِتَٰبٍۚ إِنَّ ذَٰلِكَ عَلَى ٱللَّهِ يَسِيرٞ 70﴾:

ألم تعلم -أيها النبي- أن الله أحاط علمه بجميع ما في السموات والأرض؛ فلا يخفى عليه من أمرهما شيء؛ بل إن الله أثبت ذلك في اللوح المحفوظ عنده؛ وهذا أمرٌ سهلٌ هيِّنٌ يسيرٌ على الله جل في علاه؟!

[71] ﴿وَيَعۡبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ مَا لَمۡ يُنَزِّلۡ بِهِۦ سُلۡطَٰنٗا وَمَا لَيۡسَ لَهُم بِهِۦ عِلۡمٞۗ وَمَا لِلظَّٰلِمِينَ مِن نَّصِيرٖ 71﴾:

أخبَرَ سبحانه أن المشركين يعبدون آلهة من دون الله، وليس لهم دليلٌ واضح -عقليٌّ ولا نقليّ- على عبادتهم؛ بل عبدوا تلك الآلهة على ضلالٍ وجهلٍ، وهم بذلك قد تجاوزوا حدَّهم، وظلموا أنفسهم بشِرْكهم بربهم؛ فلهم عذاب شديد، لن ينجيهم منه أحد، ولن يدفعه أو يخفِّفه عنهم أحد.

[72] ﴿وَإِذَا تُتۡلَىٰ عَلَيۡهِمۡ ءَايَٰتُنَا بَيِّنَٰتٖ تَعۡرِفُ فِي وُجُوهِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ ٱلۡمُنكَرَۖ يَكَادُونَ يَسۡطُونَ بِٱلَّذِينَ يَتۡلُونَ عَلَيۡهِمۡ ءَايَٰتِنَاۗ قُلۡ أَفَأُنَبِّئُكُم بِشَرّٖ مِّن ذَٰلِكُمُۚ ٱلنَّارُ وَعَدَهَا ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْۖ وَبِئۡسَ ٱلۡمَصِيرُ 72﴾:

ثم أخبَرَ جل في علاه أن هؤلاء المشركين إذا تُتْلى عليهم آيات القرآن، تتغيَّرُ وجوههم، ويظهر عليها الغضب والعبوس والاكفهرار، فيزدادُ غَضَبُهم وحَنَقُهم على أهل الإيمان الذين يتلون عليهم هذه الآيات؛ حتى إنهم يكادون يفتكون بهم، فقل لهم -أيها النبي-: ألا أخبركم بما هو شرٌّ لكم مما أنتم فيه من الغيظ والحنق: النارُ التي هيَّأها الله لكم؛ لتكون مستقرًّا ومُقَامًا لكم؟! فبئست الحال التي أنتم عليها، وبئس المصير الذي ينتظركم.

[73] ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٞ فَٱسۡتَمِعُواْ لَهُۥٓۚ إِنَّ ٱلَّذِينَ تَدۡعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ لَن يَخۡلُقُواْ ذُبَابٗا وَلَوِ ٱجۡتَمَعُواْ لَهُۥۖ وَإِن يَسۡلُبۡهُمُ ٱلذُّبَابُ شَيۡـٔٗا لَّا يَسۡتَنقِذُوهُ مِنۡهُۚ ضَعُفَ ٱلطَّالِبُ وَٱلۡمَطۡلُوبُ 73﴾:

هذا نداء من الله لجميع الناس؛ يقول فيه: يا أيها الناس، لقد ضرب الله لكم مثلًا؛ فاستمعوا له سماعَ تدبُّرٍ وتفكُّر: اعلموا أن الذين يعبُدُهم الناس من دون الله لا يستطيعون -مجتَمِعِينَ- خَلْقَ أحقر الحشرات، وهي الذبابة، بل إنْ سَلَبَتْ منهم هذه الحشرة شيئًا، لا يستطيعون استرجاعه منها؛ وهذا غاية العجز والضعف؛ فالآلهة التي يعبدونها من دون الله ضعيفة، والذباب الذي لا يستطيعون خَلْقَه، ولا يستطيعون استنقاذ ما يسلُبُهُ منهم ضعيف؛ لقد ضَعُفَ الداعي والمدعو.

[74] ﴿مَا قَدَرُواْ ٱللَّهَ حَقَّ قَدۡرِهِۦٓۚ إِنَّ ٱللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ 74﴾:

ثم أخبَرَ جل شأنه أن هؤلاء المشركين الذين عبدوا هذه الأوثان من دون الله، ما عظَّموا الله حقَّ تعظيمه، ولا عرفوه حق معرفته، لمَّا سوَّوا بينه وبين هذه المخلوقات الضعيفة، فأشركوها معه في العبادة، واعلموا أن الله هو القويُّ الذي قهر كلَّ شيء، وملَكَ كل شيء، وهو العزيزُ الذي لا يغلبه أحد، ولا يعجزه شيء جل في علاه.

[75] ﴿ٱللَّهُ يَصۡطَفِي مِنَ ٱلۡمَلَٰٓئِكَةِ رُسُلٗا وَمِنَ ٱلنَّاسِۚ إِنَّ ٱللَّهَ سَمِيعُۢ بَصِيرٞ 75﴾:

واعلموا -أيها الناس- أن الله وحده هو الذي يختار ويجتبي من الملائكة رُسُلًا، وكذلك من الناس، ثم أخبَرَ سبحانه أنه سميعٌ لأقوال عباده، بصيرٌ بكل شيء.

[76] ﴿يَعۡلَمُ مَا بَيۡنَ أَيۡدِيهِمۡ وَمَا خَلۡفَهُمۡۚ وَإِلَى ٱللَّهِ تُرۡجَعُ ٱلۡأُمُورُ 76﴾:

ثم أخبَرَ سبحانه أن علمه قد أحاط بجميع الملائكةِ والرُّسُلِ ماضيًا ومستقبلًا، أوَّلًا وآخرًا، ثم أخبَرَ أن جميع أمور العباد ترجع إليه وحده، ومن ذلك: أنَّ من استجاب للرسل الذين أرسَلَهم بالهدى، فسوف يثيبه، ومن كذَّبهم، فسوف يعاقبه.

[77] ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱرۡكَعُواْ وَٱسۡجُدُواْۤ وَٱعۡبُدُواْ رَبَّكُمۡ وَٱفۡعَلُواْ ٱلۡخَيۡرَ لَعَلَّكُمۡ تُفۡلِحُونَ 77﴾:

ثم نادى جل وعلا عباده المؤمنين بأحبِّ وصفٍ إليهم، وهو وصف الإيمان، وأمَرَهم بالصلاة، وخصَّ منها الركوع والسجود؛ لفضلهما، وأمَرَهم بأن يعملوا كلَّ ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال، الظاهرة والباطنة، اللازمة والمتعدِّية، ثم خصَّ من ذلك: فعل الخيرات؛ فإنكم -أيها المؤمنون- إن فعلتم ذلك، أفلحتم الفلاح العظيم، وفُزْتم الفوز الكبير.

[78] ﴿وَجَٰهِدُواْ فِي ٱللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِۦۚ هُوَ ٱجۡتَبَىٰكُمۡ وَمَا جَعَلَ عَلَيۡكُمۡ فِي ٱلدِّينِ مِنۡ حَرَجٖۚ مِّلَّةَ أَبِيكُمۡ إِبۡرَٰهِيمَۚ هُوَ سَمَّىٰكُمُ ٱلۡمُسۡلِمِينَ مِن قَبۡلُ وَفِي هَٰذَا لِيَكُونَ ٱلرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيۡكُمۡ وَتَكُونُواْ شُهَدَآءَ عَلَى ٱلنَّاسِۚ فَأَقِيمُواْ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتُواْ ٱلزَّكَوٰةَ وَٱعۡتَصِمُواْ بِٱللَّهِ هُوَ مَوۡلَىٰكُمۡۖ فَنِعۡمَ ٱلۡمَوۡلَىٰ وَنِعۡمَ ٱلنَّصِيرُ 78﴾:

ثم ختَمَ جل وعلا السورة بأمر عباده المؤمنين باستفراع الجُهْدِ في حرب الأعداء بالمال والسلاح والنَّفْس؛ مِنْ أجل إعلاء كلمة الله، ونصرة دينه، في مشارق الأرض ومغاربها؛ فهو سبحانه الذي اختارهم للدفاع عن دينه، واعلموا أن مِنْ رحمة الله بكم: أنه لم يجعل عليكم في الدِّينِ ما فيه مشقَّةٌ أو ضيق، بل جعل هذا الدين مبنيًّا على اليُسْرِ والتخفيف، كما كان الأمر كذلك في ملة أبيكم إبراهيم.

وقد مَنَّ الله عليكم أن سمَّاكم المسلمين في الكتب المنزَّلة السابقة، وفي القرآن الذي بين أيديكم، وقد اختصَّكم الله بذلك؛ ليكون الرسول محمد ﷺ -الذي هو خاتم الأنبياء والمرسلين- شهيدًا عليكم أنه بلَّغكم الرسالة، وأدى إليكم الأمانة، وتكونوا أنتم أيضًا شهداء على الأمم بأنَّ رسلهم قد بلَّغتهم رسالة ربهم؛ كما أخبركم القرآن بذلك.

ولأجل ذلك يجبُ عليكم أن تشكُرُوا هذه النعم وتحافظوا عليها؛ بأداء الصلاة والمحافظة على أركانها وشروطها، وأدائها في أوقاتها؛ كما عليكم أن تؤدوا زكاة أموالكم المفروضة عليكم، وعليكم أن تلجؤوا إلى الله، وتتوكَّلوا عليه في سرِّكم وعلنكم؛ لأنه هو الذي ينصركم ويتولَّى شؤونكم؛ فنعم المولى لمن تولَّاه، ونعم النصير لمن نصره.

سورة المؤمنون

سورة المؤمنون مكيَّةٌ، وآياتها ثمانيَ عَشْرةَ ومائةُ آية.

[1] ﴿قَدۡ أَفۡلَحَ ٱلۡمُؤۡمِنُونَ 1﴾:

أخبَرَ جل وعلا أنه قد فاز وحقَّق النجاح والسعادة ونال رضوان الله والجنة: كلُّ مؤمن اتصف بهذه الصفات التي سيأتي ذكرها، وقد عرَّف العلماء الإيمان، فقالوا: هو التصديقُ بالقلب، والإقرارُ باللسان، والعملُ بالجوارح، ويجب أن تصدِّق الأفعال الإيمان؛ لأن الإيمان إذا لم تصدِّقْهُ الأفعال، يكون ادِّعاءً لا حجةَ تُثْبِته، ولا دليلَ يؤيِّده.

[2] ﴿ٱلَّذِينَ هُمۡ فِي صَلَاتِهِمۡ خَٰشِعُونَ 2﴾:

ثم ذكَرَ سبحانه جملةً من صفات وأعمال المفلحين الفائزين، وقد بدأها بأول صفة بعد الإيمان، وهي: أنهم الذين يخشعون في صلاتهم؛ فلا ينشغلون أثناء أدائها بأي أمر من أمور الدنيا.

[3] ﴿وَٱلَّذِينَ هُمۡ عَنِ ٱللَّغۡوِ مُعۡرِضُونَ 3﴾:

ثم ذكَرَ سبحانه الصفة الثانية، وهي: أنهم الذين يُعْرِضون عن اللغو، وهو كلُّ كلام أو فعل قبيح.

[4] ﴿وَٱلَّذِينَ هُمۡ لِلزَّكَوٰةِ فَٰعِلُونَ 4﴾:

ثم ذكَرَ سبحانه الصفة الثالثة، وهي: أنهم الذين يؤدُّون زكاة أموالهم المفروضة عليهم بِطِيبِ نَفْسٍ؛ لتطهير أنفسهم وأخلاقهم بأدائها.

[5] ﴿وَٱلَّذِينَ هُمۡ لِفُرُوجِهِمۡ حَٰفِظُونَ 5﴾:

ثم ذكَرَ سبحانه الصفة الرابعة، وهي: أنهم الذين يحافظون على فروجهم من كل أنواع الفواحش، وعلى رأسها فاحشةُ الزنى، أو اللِّوَاط، أو السُّحَاق.

[6] ﴿إِلَّا عَلَىٰٓ أَزۡوَٰجِهِمۡ أَوۡ مَا مَلَكَتۡ أَيۡمَٰنُهُمۡ فَإِنَّهُمۡ غَيۡرُ مَلُومِينَ 6﴾:

ثم استثنى سبحانه الذين يستمتعون بزوجاتهم، أو ما ملَكَتْ أيمانهم من الإماء، فإنه لا إثم عليهم؛ لأن الله أباح لهم ذلك.

[7] ﴿فَمَنِ ٱبۡتَغَىٰ وَرَآءَ ذَٰلِكَ فَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡعَادُونَ 7﴾:

ثم بيَّن سبحانه أنَّ مَنْ طلب الاستمتاع بغير الزوجة، أو الأَمةَ، فقد تجاوز حدود الله، وعرَّض نفسه لعقابه وسَخَطه.

[8] ﴿وَٱلَّذِينَ هُمۡ لِأَمَٰنَٰتِهِمۡ وَعَهۡدِهِمۡ رَٰعُونَ 8﴾:

ثم ذكَرَ سبحانه الصفة الرابعة، وهي: أنهم الذين يحافظون على الأمانات والعهود مع الله جل في علاه، ومع الناس؛ فلا يخونون ولا يَغْدِرون.

[9] ﴿وَٱلَّذِينَ هُمۡ عَلَىٰ صَلَوَٰتِهِمۡ يُحَافِظُونَ 9﴾:

ثم ذكَرَ سبحانه الصفة الخامسة، وهي: أنهم الذين يحافظون على أداء الصلاة في أوقاتها المحدَّدة، ويحافظون على أركانها وواجباتها، كما ورَدَتْ عن النبي ﷺ، ولاحِظْ كيف بدأ سبحانه بأهم صفة من صفات المؤمنين، وهي الخشوع في الصلاة، وختَمَها أيضًا بالمحافظة عليها؛ لبيان عظم الصلاة ومكانتها عند الله تعالى.

[10] ﴿أُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡوَٰرِثُونَ 10﴾:

ولما ذكَرَ جل وعلا هذه الصفات وهذه البراهين التي تدُلُّ على ثبات الإيمان، قال: إن أولئك المؤمنين المتصفين بهذه الصفات الجليلة أحقُّ بوِرَاثة الجنة.

[11] ﴿ٱلَّذِينَ يَرِثُونَ ٱلۡفِرۡدَوۡسَ هُمۡ فِيهَا خَٰلِدُونَ 11﴾:

ثم بيَّن سبحانه أنهم أحقُّ بوراثةِ أعلى الجنة، وهو الفردوس؛ فإذا دخلوا الجنة، فإنهم سيخلُدُونَ فيها أبد الآبدين.

[12] ﴿وَلَقَدۡ خَلَقۡنَا ٱلۡإِنسَٰنَ مِن سُلَٰلَةٖ مِّن طِينٖ 12﴾:

ثم ذكَرَ جل وعلا الأطوار التي تدرَّج بها خَلْقُ الإنسان؛ فبيَّن سبحانه وتعالى أنه بقدرته خلَقَ الإنسان من طِينٍ مأخوذٍ من وجه الأرض، وهذه خاصَّةٌ بأبي البشر آدم عليه السلام.

[13] ﴿ثُمَّ جَعَلۡنَٰهُ نُطۡفَةٗ فِي قَرَارٖ مَّكِينٖ 13﴾:

ثم ذكَرَ مراحل خَلْق ذريته؛ فبيَّن أنه خلقهم من نُطْفة، والنطفةُ هي جزء من مَنِيِّ الرجل الذي يخرُجُ من صلبه أثناء الجماع، ويستقرُّ في رحم المرأة.

[14] ﴿ثُمَّ خَلَقۡنَا ٱلنُّطۡفَةَ عَلَقَةٗ فَخَلَقۡنَا ٱلۡعَلَقَةَ مُضۡغَةٗ فَخَلَقۡنَا ٱلۡمُضۡغَةَ عِظَٰمٗا فَكَسَوۡنَا ٱلۡعِظَٰمَ لَحۡمٗا ثُمَّ أَنشَأۡنَٰهُ خَلۡقًا ءَاخَرَۚ فَتَبَارَكَ ٱللَّهُ أَحۡسَنُ ٱلۡخَٰلِقِينَ 14﴾:

ثم جعل سبحانه النطفةَ عَلَقةً، أي: قطعةَ دَمٍ تَعْلَقُ بجدار الرحم من داخله، ثم جعل العَلَقةَ بعد أربعين يومًا مُضْغةً، أي: قطعةَ لحم بقَدْرِ ما يُمْضَغُ بالفم، ثم حوَّل سبحانه هذه المضغة من اللحم إلى عظام، ثم كسا هذه العظام باللحم، ثم أنشأه بَشَرًا سويًّا؛ وذلك بنفخ الروح فيه؛ فتبارَكَ سبحانه وكَثُرَ خيرُهُ، وهو الذي أحسن كل شيء خَلَقه، وأحكَمَ كل شيء صَنَعه.

[15] ﴿ثُمَّ إِنَّكُم بَعۡدَ ذَٰلِكَ لَمَيِّتُونَ 15﴾:

ثم ذكَرَ جل وعلا أن هذا الإحياء يَتْبَعُهُ موتٌ بعد انقضاء الأعمار.

[16] ﴿ثُمَّ إِنَّكُمۡ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ تُبۡعَثُونَ 16﴾:

ثم بيَّن سبحانه أن بعد الموت إحياءً للحياة الآخرة السرمدية؛ فتُبْعَثُونَ من قبوركم، وتُعْرَضُونَ للحساب، وبعده: إما إلى جنة أو إلى نار؛ نسأل الله تعالى أن يرزقنا الجنة، ويعيذنا من النار. وفي هذه الآيات تذكيرٌ ببداية خلق الإنسان ونهايته؛ ليتَّعظ من يتَّعظ، ويعتبر من يعتبر، وتقوم الحجة على الجميع، وهي دليل على قدرة الله العظيمة، وعلى وحدانيته جل وعلا.

[17] ﴿وَلَقَدۡ خَلَقۡنَا فَوۡقَكُمۡ سَبۡعَ طَرَآئِقَ وَمَا كُنَّا عَنِ ٱلۡخَلۡقِ غَٰفِلِينَ 17﴾:

ثم ذكَرَ جل وعلا أنه خلق سبع سموات بعضها فوق بعض، وبيَّن أنه مراقِبٌ للمخلوقات، وأنه عارفٌ بكل ما يصدر منهم من تصرُّفات، وأنه جل في علاه لم يكن مهمِلًا أو ناسيًا لأيٍّ من مخلوقاته.

[18] ﴿وَأَنزَلۡنَا مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءَۢ بِقَدَرٖ فَأَسۡكَنَّٰهُ فِي ٱلۡأَرۡضِۖ وَإِنَّا عَلَىٰ ذَهَابِۭ بِهِۦ لَقَٰدِرُونَ 18﴾:

ذكر جل وعلا فضله على خلقه بإنزال الماء الذي لا تقوم الحياة إلا به، وقد أنزله سبحانه بقَدْر حاجتهم، ثم بيَّن أنه جعل الآبار والعيون والأنهار في الأرض مستقَرًّا لهذا الماء لينتفع الناس به؛ كما بيَّن أنه قادر على رفع هذا الماء المستقِرِّ وعدم الانتفاع به؛ وهذا يعني أن الماء نعمةٌ كبرى تستحق شكر الله؛ فإنه بالشكر تدوم النعم.

[19] ﴿فَأَنشَأۡنَا لَكُم بِهِۦ جَنَّٰتٖ مِّن نَّخِيلٖ وَأَعۡنَٰبٖ لَّكُمۡ فِيهَا فَوَٰكِهُ كَثِيرَةٞ وَمِنۡهَا تَأۡكُلُونَ 19﴾:

ثم أخبَرَ جل في علاه أنه سقى الأرض بهذا الماء، فأحياها وأنشأ منها بساتين النخيل والأعناب، التي تُنْتِجُ أنواع الفواكه الكثيرة، التي تستمتعون بالأكل منها في كل الأوقات.

[20] ﴿وَشَجَرَةٗ تَخۡرُجُ مِن طُورِ سَيۡنَآءَ تَنۢبُتُ بِٱلدُّهۡنِ وَصِبۡغٖ لِّلۡأٓكِلِينَ 20﴾:

ثم أخبَرَ سبحانه أنه أنشأ بهذا الماء شجرة الزيتون المباركة، والتي هي مِنْ أكثر الأشجار فائدةً بزيتها وطعامها وخشبها، وهذه الشجرةُ تخرُجُ حول جبل الطُّور بسَيْناء، وهو الجبل الذي كلَّم الله عليه موسى عليه السلام، ثم بيَّن سبحانه أن هذه الشجرة يخرُجُ من ثمرها زيتٌ يُدْهن ويُنْتفع به، ويُستخدم في الأكل مع الخبز وغيره من أنواع الطعام.

[21] ﴿وَإِنَّ لَكُمۡ فِي ٱلۡأَنۡعَٰمِ لَعِبۡرَةٗۖ نُّسۡقِيكُم مِّمَّا فِي بُطُونِهَا وَلَكُمۡ فِيهَا مَنَٰفِعُ كَثِيرَةٞ وَمِنۡهَا تَأۡكُلُونَ 21﴾:

ثم ذكَرَ جل وعلا الأنعام، وهي الإبل والبقر والغنم، وطلَبَ من عباده الاعتبار والاعتراف بفضل الله عليهم فيها؛ فهو الذي سخَّرها، وجعل فيها الكثير من المنافع، ومن ذلك: ما أودعه الله في بطونها من اللبن الذي ينتفع الناس به، ويتلذَّذون الناس بشربه، وغير ذلك من المنافع الكثيرة؛ كالانتفاع من أصوافها وجلودها، والتلذُّذِ بأكل لحومها غذاءً وغيرَ ذلك.

[22] ﴿وَعَلَيۡهَا وَعَلَى ٱلۡفُلۡكِ تُحۡمَلُونَ 22﴾:

ثم أخبَرَ سبحانه أن بعض هذه الأنعام تحملكم وتحمل أمتعتكم، وتتنقَّلون عليها من مكان إلى آخر، ومِنْ نعمه على عباده أيضًا: أنْ سخَّر لهم هذه السفن التي تجري في البحر؛ لتحملهم وتحمل أثقالهم ويتنقَّلوا عليها من بلد إلى بلد؛ وإلا فلا يمكن أن يصل البشر إلى مصالحهم التجارية وغير التجارية إلا عن طريق هذه الوسائل وغيرها من الوسائل التي يسَّر الله صناعتها.

[23] ﴿وَلَقَدۡ أَرۡسَلۡنَا نُوحًا إِلَىٰ قَوۡمِهِۦ فَقَالَ يَٰقَوۡمِ ٱعۡبُدُواْ ٱللَّهَ مَا لَكُم مِّنۡ إِلَٰهٍ غَيۡرُهُۥٓۚ أَفَلَا تَتَّقُونَ 23﴾:

أخبَرَ جل وعلا أنه أرسل نبيه نوحًا عليه السلام إلى قومه لدعوتهم إلى التوحيد، فقال لهم: يا قوم، اعبدوا الله وحده لا شريك له، واعلموا أنه ليس لكم إلهٌ حقٌّ سواه، فأخلِصوا العبادة له؛ أَلَا تخشون عقاب الله وعذابه؟!. وقد بذَلَ نوح عليه السلام جهده دهرًا طويلًا في دعوةِ قومِهِ إلى التوحيد، ونَبْذِ الأصنام التي صوَّروها بصور الصالحين، ثم أصبحوا يعبُدُونها.

[24] ﴿فَقَالَ ٱلۡمَلَؤُاْ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِن قَوۡمِهِۦ مَا هَٰذَآ إِلَّا بَشَرٞ مِّثۡلُكُمۡ يُرِيدُ أَن يَتَفَضَّلَ عَلَيۡكُمۡ وَلَوۡ شَآءَ ٱللَّهُ لَأَنزَلَ مَلَٰٓئِكَةٗ مَّا سَمِعۡنَا بِهَٰذَا فِيٓ ءَابَآئِنَا ٱلۡأَوَّلِينَ 24﴾:

ولكنَّ أشرافَ وساداتِ قوم نوح كذَّبوا نوحًا، وأخذوا يحذِّرون الناس منه، قائلين لأتباعهم: اعلموا أن نوحًا مثلكم ومن جنسكم، وليس فيه مَيْزةٌ تميِّزه عنكم، ثم اتَّهموه أنه لا يريد من دعوته هذه إلا أن تكون له الرياسة والفضل عليكم، ثم قالوا: ولو شاء الله أن يرسل إلينا رسولًا لعبادته وحده، لأرسله من الملائكة، ولم نسمع بهذا الكلام الذي جاء به نوح في آبائنا وأجدادنا الأوَّلين.

[25] ﴿إِنۡ هُوَ إِلَّا رَجُلُۢ بِهِۦ جِنَّةٞ فَتَرَبَّصُواْ بِهِۦ حَتَّىٰ حِينٖ 25﴾:

ثم أخبَرَ سبحانه أن قومه اتهموه عليه السلام بأنه رجُلٌ أصابه مَسٌّ من الجنون، فانتظِروا حتى يُشْفى ويفيق من هذا الجنون فيترك دعوته، أو انتظِروا حتى يأتي أجله ويموت؛ وعندئذٍ تستريحون منه ومن دعوته.

[26] ﴿قَالَ رَبِّ ٱنصُرۡنِي بِمَا كَذَّبُونِ 26﴾:

فقال نوح عليه السلام مناجيًا ربه وطالبًا النصرة منه: يا رب، انْصُرْني على قومي الكافرين، وأهلِكْهم، وأَخْزِهم؛ بسبب تكذيبهم لما جِئْتُهم به، وإنكار رسالتك، وإصرارهم على الكفر والجحود، والعناد والتكذيب.

[27] ﴿فَأَوۡحَيۡنَآ إِلَيۡهِ أَنِ ٱصۡنَعِ ٱلۡفُلۡكَ بِأَعۡيُنِنَا وَوَحۡيِنَا فَإِذَا جَآءَ أَمۡرُنَا وَفَارَ ٱلتَّنُّورُ فَٱسۡلُكۡ فِيهَا مِن كُلّٖ زَوۡجَيۡنِ ٱثۡنَيۡنِ وَأَهۡلَكَ إِلَّا مَن سَبَقَ عَلَيۡهِ ٱلۡقَوۡلُ مِنۡهُمۡۖ وَلَا تُخَٰطِبۡنِي فِي ٱلَّذِينَ ظَلَمُوٓاْ إِنَّهُم مُّغۡرَقُونَ 27﴾:

فاستجاب الله دعاء نبيه نوح عليه السلام، فأوحى إليه أن يبدأ بصنع السفينة تحت رعايته وحفظه سبحانه، وبمساعدة وإرشاد الوحي، ثم أخبَرَهُ فقال: فإذا جاء أمر الله بإهلاك قومك الظالمين بالغَرَقِ، وبدأ الطوفان، ورأيت الماء ينبُعُ بقوَّة من التنُّور الذي يُخبَزُ فيه كعلامة على مجيء العذاب، فأَدْخِلْ في السفينة من كل نوع من الأحياء زوجَيْنِ ذكَرَا وأنثى؛ ليبقى النسل، وتستمرَّ الحياة، وأدخِلْ في السفينة أيضًا أهلَكَ الذين آمنوا معك، أما من كفَرَ -كزوجتك، وابنك- فلا تُدْخِلْهم السفينة؛ لأنهم ممن استحقَّ عليهم العذاب بسبب كفرهم، ولا تسأَلْ -يا نوح- ربك الشفاعة في قومك الذين ظلموا أن يُرْفَعَ أو يُخَفَّفَ عنهم العذاب؛ فقد مضى أَمْرُ الله بإغراقهم، ولا مبدِّلَ لحكمه جل وعلا. وهذه الآية فيها إثباتُ صفةِ العَيْنِ المُبْصِرةِ لله بما يليق بجلاله؛ بلا تعطيلٍ ولا تحريف، ولا تمثيلٍ ولا تكييف.

[28] ﴿فَإِذَا ٱسۡتَوَيۡتَ أَنتَ وَمَن مَّعَكَ عَلَى ٱلۡفُلۡكِ فَقُلِ ٱلۡحَمۡدُ لِلَّهِ ٱلَّذِي نَجَّىٰنَا مِنَ ٱلۡقَوۡمِ ٱلظَّٰلِمِينَ 28﴾:

ثم أرشَدَ سبحانه وتعالى نبيه نوحًا عليه السلام؛ إذا رَكِبَ السفينة واستقَرَّ عليها هو ومَنْ معه ممن أَذِنَ الله لهم بالركوب معه؛ أن يقول: الحمدُ لله الذي نجَّانا من القوم الظالمين الجاحدين، الذين عبدوا غير الله، واستحبُّوا الكفر والضلال، على الهدى والرشاد.

[29] ﴿وَقُل رَّبِّ أَنزِلۡنِي مُنزَلٗا مُّبَارَكٗا وَأَنتَ خَيۡرُ ٱلۡمُنزِلِينَ 29﴾:

وقل -يا نوح- داعيًا ربك خاشعًا متضرِّعًا: اللهمَّ، يَسِّرْ لنا في هذا المركب منزلًا آمِنًا ومباركًا، ونزولًا لا مشقَّةَ فيه؛ إنك سبحانك خير المُنْزِلين.

[30] ﴿إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَأٓيَٰتٖ وَإِن كُنَّا لَمُبۡتَلِينَ 30﴾:

ثم أخبَرَ سبحانه وتعالى أن في قصة نوح آياتٍ وعلاماتٍ وعِبَرًا واضحاتٍ على وحدانيَّةِ الله، وصِدْقِ رسله، ومعيَّتِهِ للمؤمنين، ونكالِهِ للكافرين، ثم أخبَرَ عز وجل أن من سنته ابتلاءَ العباد واختبارَهم بإرسال الرسل إليهم؛ لِيَعْلَمَ المؤمنَ الطائعَ من الكافر العاصي علمَ ظهورٍ، ولئلا يكون للناس على الله حجة.

[31] ﴿ثُمَّ أَنشَأۡنَا مِنۢ بَعۡدِهِمۡ قَرۡنًا ءَاخَرِينَ 31﴾:

وبعد أن أهلَكَ جل وعلا قوم نوح الذين كذَّبوا وعاندوا، أنشأ بعدهم قومًا آخرين، وهم قوم عاد، ونبيُّهم هو هود عليه السلام؛ كما ذكَرَ تعالى قول هود عليه السلام لقومه: ﴿وَٱذۡكُرُوٓاْ إِذۡ جَعَلَكُمۡ خُلَفَآءَ مِنۢ بَعۡدِ قَوۡمِ نُوحٖ﴾ [الأعراف:69].

[32] ﴿فَأَرۡسَلۡنَا فِيهِمۡ رَسُولٗا مِّنۡهُمۡ أَنِ ٱعۡبُدُواْ ٱللَّهَ مَا لَكُم مِّنۡ إِلَٰهٍ غَيۡرُهُۥٓۚ أَفَلَا تَتَّقُونَ 32﴾:

ثم أخبَرَ جل وعلا أنه أرسل فيهم رسولًا منهم، نشأ بينهم، ويعرفونه معرفةً تامَّةً، فقال لهم: اعبدوا الله ووحِّدوه، ولا تشركوا به أحدًا؛ أفلا تجعلون -أيها الناس- بينكم وبين عذاب الله وقايةً؛ بتوحيده، واجتناب الشرك؟!

[33] ﴿وَقَالَ ٱلۡمَلَأُ مِن قَوۡمِهِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَكَذَّبُواْ بِلِقَآءِ ٱلۡأٓخِرَةِ وَأَتۡرَفۡنَٰهُمۡ فِي ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَا مَا هَٰذَآ إِلَّا بَشَرٞ مِّثۡلُكُمۡ يَأۡكُلُ مِمَّا تَأۡكُلُونَ مِنۡهُ وَيَشۡرَبُ مِمَّا تَشۡرَبُونَ 33﴾:

فقال الأشراف من قومه الذين جحدوا وكفروا بالله، وباليوم الآخر، وأطغاهم التَّرَفُ والجاه؛ قالوا على سبيل التكذيب والمعاندة: اعلموا أن هذا ليس بنبيٍّ؛ فانظروا إليه يأكُلُ مما تأكلون منه، ويشربُ مما تشربون منه؛ فليس له مزيَّة عليكم.

[34] ﴿وَلَئِنۡ أَطَعۡتُم بَشَرٗا مِّثۡلَكُمۡ إِنَّكُمۡ إِذٗا لَّخَٰسِرُونَ 34﴾:

ثم قالوا لقومهم صادِّين لهم عن الحق: لئن أطعتم بَشَرًا مثلكم فيما جاءكم به، فسوف تخسرون وتندمون على ذلك.

[35] ﴿أَيَعِدُكُمۡ أَنَّكُمۡ إِذَا مِتُّمۡ وَكُنتُمۡ تُرَابٗا وَعِظَٰمًا أَنَّكُم مُّخۡرَجُونَ 35﴾:

ثم قالوا لهم: هل تطيعون وتتَّبعون مَنْ يزعم أنكم إذا مِتُّمْ وصِرْتم عظامًا وترابًا، أنكم ستُخْرَجونَ بعد ذلك، وتَدِبُّ فيكم الحياة مرة أخرى؟!

[36] ﴿هَيۡهَاتَ هَيۡهَاتَ لِمَا تُوعَدُونَ 36﴾:

وقالوا لهم أيضًا: اعلموا -أيها القوم- أن ما يعدكم به هذا الرجل من أنكم ستُخْرَجُونَ من قبوركم أحياءً، فإنه بعيد جدًّا، ومستحيل وقوعه. وقوله: ﴿هَيۡهَاتَ هَيۡهَاتَ﴾، اسمُ فعلٍ ماضٍ بمعنى: بعيدًا بعيدًا، أي: أن قوله هذا بعيدٌ ومستحيل وقوعه.

[37] ﴿إِنۡ هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا ٱلدُّنۡيَا نَمُوتُ وَنَحۡيَا وَمَا نَحۡنُ بِمَبۡعُوثِينَ 37﴾:

ثم قالوا لقومهم منكرين للبعث: ما نرى في حياتنا إلا أناسًا يعيشون ثم يموتون، وما نحن بمُخْرَجين من قبورنا للحياة مرة أخرى.

[38] ﴿إِنۡ هُوَ إِلَّا رَجُلٌ ٱفۡتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ كَذِبٗا وَمَا نَحۡنُ لَهُۥ بِمُؤۡمِنِينَ 38﴾:

ثم قالوا لقومهم: واعلموا أن ما يزعمه هذا الرجل من أنه نبيٌّ، فقد افترى على الله كذبًا، وما نحن له بمؤمنين فيما يقول من التوحيد، والبعث والجزاء والحساب.

[39] ﴿قَالَ رَبِّ ٱنصُرۡنِي بِمَا كَذَّبُونِ 39﴾:

فقال نبيهم هود مناجيًا ربه وطالبًا النصرة منه: يا ربِّ، انصرني على قومي الكافرين، وأهلِكْهم، وأَخْزِهم؛ بسبب تكذيبهم إيَّاي، وإصرارهم على الكفر والعناد والتكذيب، وصدِّهم الناس عن توحيدك والإيمان بك.

[40] ﴿قَالَ عَمَّا قَلِيلٖ لَّيُصۡبِحُنَّ نَٰدِمِينَ 40﴾:

فأجاب الله دعوة هودٍ عليه السلام، وأخبَرَهُ بأنهم عن قريب سيَهْلِكون، ويندمون على تكذيبك، وعدم الإيمان بك.

[41] ﴿فَأَخَذَتۡهُمُ ٱلصَّيۡحَةُ بِٱلۡحَقِّ فَجَعَلۡنَٰهُمۡ غُثَآءٗۚ فَبُعۡدٗا لِّلۡقَوۡمِ ٱلظَّٰلِمِينَ 41﴾:

ثم وقَعَ أمر الله، وجاءهم العذاب، فأرسَلَ الله عليهم الصيحةَ والرِّيح؛ فأَفْنَتْهُم عن بَكْرة أبيهم، وأبادتهم، فصاروا كغُثَاءِ السيل المُهْمَلِ الطافي على سطحه، فبُعْدًا وطَرْدًا من رحمة الله، وهلاكًا محقَّقًا لهؤلاء الظالمين المشركين المجاوزين حدَّهم، ومَنْ سلك سبيلهم واتَّبَعَ طريقتهم في تكذيب الأنبياء، والصدِّ عن دين الله.

[42] ﴿ثُمَّ أَنشَأۡنَا مِنۢ بَعۡدِهِمۡ قُرُونًا ءَاخَرِينَ 42﴾:

وبعد أن أهلَكَ جل وعلا هؤلاء المكذِّبين المعاندين، أنشأ بعدهم أقوامًا آخرين.

[43] ﴿مَا تَسۡبِقُ مِنۡ أُمَّةٍ أَجَلَهَا وَمَا يَسۡتَـٔۡخِرُونَ 43﴾:

ثم أخبَرَ جل وعلا أنه جعل لكل أمة من تلك الأمم وقتًا محدَّدًا، وأجلًا مسمًّى، لا يتقدَّمون عليه، ولا يتأخَّرون عنه.

[44] ﴿ثُمَّ أَرۡسَلۡنَا رُسُلَنَا تَتۡرَاۖ كُلَّ مَا جَآءَ أُمَّةٗ رَّسُولُهَا كَذَّبُوهُۖ فَأَتۡبَعۡنَا بَعۡضَهُم بَعۡضٗا وَجَعَلۡنَٰهُمۡ أَحَادِيثَۚ فَبُعۡدٗا لِّقَوۡمٖ لَّا يُؤۡمِنُونَ 44﴾:

ثم أرسل جل وعلا رسله بعضُهم يتلو بعضًا، يَدْعون أممهم وأقوامهم إلى التوحيد، ونَبْذِ الشرك، فما كان من تلك الأمم إلا التتابُعُ في التكذيب، فكان جزاؤهم أن أَتْبَعَ الله بعضهم بعضًا بالهلاك والدمار، وجعلهم عِبْرةً للمعتبرين، وقصصًا يتَّعظ بها من جاء بعدهم؛ فبُعدًا وهلاكًا لقومٍ لم يؤمنوا برسلهم، ولم يتَّبعوا ما جاؤوا به من عند الله.

[45] ﴿ثُمَّ أَرۡسَلۡنَا مُوسَىٰ وَأَخَاهُ هَٰرُونَ بِـَٔايَٰتِنَا وَسُلۡطَٰنٖ مُّبِينٍ 45﴾:

ثم أخبَرَ جل وعلا بأنه أرسل موسى وهارون عليهما السلام بآياته البينات الواضحات الدالَّة على وحدانية الله تعالى، والتي تُثبِتُ الحجة على المعاندين.

[46] ﴿إِلَىٰ فِرۡعَوۡنَ وَمَلَإِيْهِۦ فَٱسۡتَكۡبَرُواْ وَكَانُواْ قَوۡمًا عَالِينَ 46﴾:

ثم أخبَرَ جل وعلا بأنه أرسلهما إلى فرعون ورؤساء قومه؛ فاستكبروا عليهما، واستكبروا على التوحيد والآيات؛ إنهم كانوا قاهرين متطاولين على الناس بَغْيًا وظُلْمًا.

[47] ﴿فَقَالُوٓاْ أَنُؤۡمِنُ لِبَشَرَيۡنِ مِثۡلِنَا وَقَوۡمُهُمَا لَنَا عَٰبِدُونَ 47﴾:

ثم قال قوم فرعون على وجه الاستعلاء والبَطَر: كيف نؤمن لبشرَيْنِ مثلنا -لا مزيَّةَ لهما علينا- بل قومهما -بنو إسرائيل- خاضعون مطيعون لنا، وتحت حُكْمِنا وإِمْرَتِنا.

[48] ﴿فَكَذَّبُوهُمَا فَكَانُواْ مِنَ ٱلۡمُهۡلَكِينَ 48﴾:

ثم بيَّن سبحانه أن فرعون وقومه كذَّبوا موسى وهارونَ عليهما السلام، ولم يؤمنوا بما جاءا به من التوحيد والإيمان؛ فكانت عاقبتهم أن أهلكهم الله بالغَرَق.

[49] ﴿وَلَقَدۡ ءَاتَيۡنَا مُوسَى ٱلۡكِتَٰبَ لَعَلَّهُمۡ يَهۡتَدُونَ 49﴾:

وبعد أن أهلَكَ الله فرعون وقومه الظالمين؛ أنزَلَ الله التوراةَ على موسى، هدايةً لِمَن اتَّبعه من بني إسرائيل؛ ففيها الهدى والنور؛ لعلهم إذا أخذوا بما فيها يهتدون ويَرْشُدون.

[50] ﴿وَجَعَلۡنَا ٱبۡنَ مَرۡيَمَ وَأُمَّهُۥٓ ءَايَةٗ وَءَاوَيۡنَٰهُمَآ إِلَىٰ رَبۡوَةٖ ذَاتِ قَرَارٖ وَمَعِينٖ 50﴾:

ثم أخبَرَ سبحانه بأنه امتَنَّ على عيسى بن مريم وأمِّه عليهما السلام، وجعلهما آيةً وعلامةً واضحةً على وحدانيته، وقدرته على الخلق؛ حيث خلَقَ عيسى من غير أب، وتكلَّم في المهد، وغير ذلك، وجعل الله لهما مكانًا مرتفعًا يأويان إليه، ويستقرَّان وقت الحَمْل والولادة فيه، وفيه ماءٌ جارٍ عَذْبٌ سائغ للشاربين.

[51] ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلرُّسُلُ كُلُواْ مِنَ ٱلطَّيِّبَٰتِ وَٱعۡمَلُواْ صَٰلِحًاۖ إِنِّي بِمَا تَعۡمَلُونَ عَلِيمٞ 51﴾:

ثم ختَمَ جل وعلا الحديث عن الأنبياء الذين سبق ذكرهم؛ حيث أمَرَ كلَّ نبيٍّ عند إرساله بالأكل من الحلال، والقيام بالأعمال الصالحة، ثم بيَّن سبحانه لهم بأنه لا يخفى عليه شيء من أعمالهم؛ فيجازيهم بما يستحقُّون. وفي هذه الآية دليلٌ على أن الأكل الحلال يُعِينُ العبد على العمل الصالح، وأنه سبب لاستجابة الدعاء.

[52] ﴿وَإِنَّ هَٰذِهِۦٓ أُمَّتُكُمۡ أُمَّةٗ وَٰحِدَةٗ وَأَنَا۠ رَبُّكُمۡ فَٱتَّقُونِ 52﴾:

واعلموا -أيها الناس- أن دين الله وشرعته للرسل جميعًا واحدٌ، وهي شريعة الإسلام، وهو توحيدُ الله بالعبادة، والإيمانُ بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، والقَدَرِ خيره وشره، أما في الفروع، فلكلِّ مجتمعٍ تشريعاتٌ تناسبه، ثم قال جل في علاه: واعلموا أني ربكم؛ فيجب عليكم امتثالُ ما آمُرُكم به، واجتنابُ ما أنهاكم عنه.

[53] ﴿فَتَقَطَّعُوٓاْ أَمۡرَهُم بَيۡنَهُمۡ زُبُرٗاۖ كُلُّ حِزۡبِۭ بِمَا لَدَيۡهِمۡ فَرِحُونَ 53﴾:

ثم أخبَرَ جل وعلا عن الأتباع بأنهم تفرَّقوا في أمر دينهم، فصاروا فرقًا وأحزابًا وشيعًا، كل فرقة فرحةٌ ومعجَبةٌ بما آلت إليه، وترى أن الحق معها، وأنها هي الفرقة الناجية. وفي هذه الآية دليلٌ على التحذير من التحزُّب والتفرُّق في الدين.

[54] ﴿فَذَرۡهُمۡ فِي غَمۡرَتِهِمۡ حَتَّىٰ حِينٍ 54﴾:

ثم أمَرَ جل وعلا نبيه ﷺ أن يترك هؤلاء المجرمين في ضلالتهم وجهلهم، وألَّا يقلقه أمرهم، ولا ينشغل بهم حتى يأتي أمر الله للفَصْل فيما تقتضيه حكمته؛ وهذا تهديدٌ ووعيدٌ لهم بعذاب الدنيا والآخرة. وقد نُهِىَ ﷺ عن الحسرة على الكفار، أو حتى الدعاء عليهم؛ قال تعالى: ﴿فَلَا تَذۡهَبۡ نَفۡسُكَ عَلَيۡهِمۡ حَسَرَٰتٍۚ ﴾ [فاطر:٨]، وشبَّه تجادُلَهم وتناقُضَهم وجهلهم بالذين يخوضون في الماء؛ فالذي يخوض في الماء، فإن الماء يغطيه، ولا يدري على ماذا تقَعُ رِجْله، وهكذا الجاهل يغطِّيه جهله؛ فلا يميِّز بن الحق والباطل.

[55] ﴿أَيَحۡسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُم بِهِۦ مِن مَّالٖ وَبَنِينَ 55﴾:

ثم أنكَرَ جل وعلا عليهم حِسْبانَ النعم من الأموال والأولاد التي أنعَمَ بها عليهم بأنها دَلَالةٌ على أنه راضٍ عنهم، وأن ذلك خيرٌ لهم.

[56] ﴿نُسَارِعُ لَهُمۡ فِي ٱلۡخَيۡرَٰتِۚ بَل لَّا يَشۡعُرُونَ 56﴾:

فبين سبحانه أنه عجَّل لهم هذه النعم استدراجًا واختبارًا لهم، ولكنهم لا يُحِسُّونَ بذلك.

[57] ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ هُم مِّنۡ خَشۡيَةِ رَبِّهِم مُّشۡفِقُونَ 57﴾:

أخبَرَ جل وعلا أن من صفاتِ المؤمنين الصادقين أصحاب القلوب الوَجِلة: أنهم دائمًا في خوفٍ وحذرٍ من عقاب الله وعذابه.

[58] ﴿وَٱلَّذِينَ هُم بِـَٔايَٰتِ رَبِّهِمۡ يُؤۡمِنُونَ 58﴾:

ثم أخبَرَ سبحانه أن من صفاتهم: أنهم يؤمنون بآيات الله التي تُتْلى عليهم، وبما فيها من حجج وبراهين تدُلُّ على وحدانيته، وأنهم يوقنون ويصدِّقون بها تصديقًا جازمًا.

[59] ﴿وَٱلَّذِينَ هُم بِرَبِّهِمۡ لَا يُشۡرِكُونَ 59﴾:

وأخبَرَ سبحانه أيضًا أن من صفاتهم: أنهم يُخلِصون عبادتهم لله وحده؛ فلا يُشْركون معه أحدًا في عبادته، لا مَلَكًا مُقرَّبًا، ولا نبيًّا مرسَلًا.

[60] ﴿وَٱلَّذِينَ يُؤۡتُونَ مَآ ءَاتَواْ وَّقُلُوبُهُمۡ وَجِلَةٌ أَنَّهُمۡ إِلَىٰ رَبِّهِمۡ رَٰجِعُونَ 60﴾:

ثم بيَّن سبحانه أن من صفات هؤلاء المؤمنين الصادقين: أنهم يؤدُّون ما أُمرِوا به من عبادات، ويتقرَّبون إلى الله بما استطاعوا من قُرُبات، ومع ذلك قلوبهم مضطربة خائفة؛ من رجوعهم إلى الله، ووقوفهم بين يديه للجزاء والحساب: ألَّا يُقبَلَ منهم بسبب تقصيرهم.

[61] ﴿أُوْلَٰٓئِكَ يُسَٰرِعُونَ فِي ٱلۡخَيۡرَٰتِ وَهُمۡ لَهَا سَٰبِقُونَ 61﴾:

ثم أخبَرَ جل وعلا أن أولئك الذين هذه صفاتهم السابقة: يتسابقون ويجتهدون ويتنافسون في عمل الخيرات، وما يقرِّبهم إلى الله، وهم قد بلَغُوا الذِّرْوة، ووصلوا الغاية؛ فأخبَرَ الله عنهم أنهم سابقون فائزون.

[62] ﴿وَلَا نُكَلِّفُ نَفۡسًا إِلَّا وُسۡعَهَاۚ وَلَدَيۡنَا كِتَٰبٞ يَنطِقُ بِٱلۡحَقِّ وَهُمۡ لَا يُظۡلَمُونَ 62﴾:

وبعد أن ذكَرَ جل وعلا صفات المؤمنين الصادقين أخبَرَ أنه لا يكلِّف نفسًا إلا بحسَبِ طاقتها وقدرتها، ثم أخبَرَ أن لديه كتابًا أُحْصِيَتْ فيه أعمال وأقوال العباد صغيرها وكبيرها، وأن كل ما سُطِّرَ فيه حقٌّ وصدق، وأنه لن يظلم جل في علاه أحدًا من خلقه، وسيأخذ كل واحد ما يستحقه، بل إنه يعفو جل شأنه عن كثير من الهَفَوات والزلَّات.

[63] ﴿بَلۡ قُلُوبُهُمۡ فِي غَمۡرَةٖ مِّنۡ هَٰذَا وَلَهُمۡ أَعۡمَٰلٞ مِّن دُونِ ذَٰلِكَ هُمۡ لَهَا عَٰمِلُونَ 63﴾:

أخبَرَ سبحانه أن قلوب الكفار الغافلين عن آيات الله، وعن أعمال المؤمنين وتنافسهم في التقرُّب إلى الله؛ في غفلةٍ وبُعْدٍ، قد غَشِيَتْ قلوبَهم وغَطَّتْها ظلماتُ الشرك والجهل والغَيِّ؛ فاستحقوا بذلك غضب الله وعقابه، ولهم أعمالٌ أخرى رديئةٌ غيرُ هذه الأعمال لم يعملوها بعدُ، يُبْقيهِمُ الله ليعملوها؛ فتتم بذلك خَيْبتهم، ويحقُّ عليهم عذاب الله وعقابه.

[64] ﴿حَتَّىٰٓ إِذَآ أَخَذۡنَا مُتۡرَفِيهِم بِٱلۡعَذَابِ إِذَا هُمۡ يَجۡـَٔرُونَ 64﴾:

ثم بيَّن جل وعلا حال الكفار عندما ينزل بهم العذاب، فقال سبحانه: حتى إذا أخذ المترفين والمنعَّمين منهم بالعذاب الشديد، فإذا هم يصرُخُونَ ويُوَلْوِلُونَ مستغيثين من شدَّة ما أصابهم من ألم ووجع.

[65] ﴿لَا تَجۡـَٔرُواْ ٱلۡيَوۡمَۖ إِنَّكُم مِّنَّا لَا تُنصَرُونَ 65﴾:

فيُقالُ لهم -إهانةً وتبكيتًا-: لا تصرُخُوا مستغيثين اليوم؛ فهذا الصُّرَاخُ لن ينفعكم، وليس لكم ناصرٌ ينصُرُكم من دون الله، وليس لكم مَنْ يمنع عنكم عذاب الله وعقابه.

[66] ﴿قَدۡ كَانَتۡ ءَايَٰتِي تُتۡلَىٰ عَلَيۡكُمۡ فَكُنتُمۡ عَلَىٰٓ أَعۡقَٰبِكُمۡ تَنكِصُونَ 66﴾:

ثم ذكَرَ جل وعلا أن هؤلاء الكفار كانت تُتْلى عليهم آيات القرآن وما فيها من حُجَج وبراهين على وحدانية الله، فكانوا يَرْجِعون إلى الوراء، مستأخرين عن سماع آيات القرآن سماعَ تدبُّرٍ واستجابة.

[67] ﴿مُسۡتَكۡبِرِينَ بِهِۦ سَٰمِرٗا تَهۡجُرُونَ 67﴾:

وبيَّن سبحانه أنهم كانوا يستكبرون على الناس بكونهم من أهل الحَرَم، وكانوا يذكُرُونَ ذلك بينهم في أسمارهم حين اجتماعهم، ويتحدَّثون بالقول السيِّئ، ومن ذلك هَذَيانهم وطَعْنهم في القرآن.

[68] ﴿أَفَلَمۡ يَدَّبَّرُواْ ٱلۡقَوۡلَ أَمۡ جَآءَهُم مَّا لَمۡ يَأۡتِ ءَابَآءَهُمُ ٱلۡأَوَّلِينَ 68﴾:

ثم بكَّت جل وعلا أهل مكة، ولامهم، فقال لهم: لماذا لم تكلِّفوا أنفسكم قراءة هذا القرآن، والتمعُّنَ فيه؛ فتعرفوا صدقه؟! أم منعكم من الإيمان به: أن رسولكم محمدًا ﷺ جاءكم بشيء لم يأت الرسُلُ السابقون بمثله لآبائكم؟!

[69] ﴿أَمۡ لَمۡ يَعۡرِفُواْ رَسُولَهُمۡ فَهُمۡ لَهُۥ مُنكِرُونَ 69﴾:

ثم قال سبحانه: أم منعكم من الإيمان به أن رسولكم غيرُ معروف عندكم؟! بل إنكم تعرفون حسبه ونسبه، وصدقه وأمانته واستقامته، ولكنكم تنكرون وتجحدون.

[70] ﴿أَمۡ يَقُولُونَ بِهِۦ جِنَّةُۢۚ بَلۡ جَآءَهُم بِٱلۡحَقِّ وَأَكۡثَرُهُمۡ لِلۡحَقِّ كَٰرِهُونَ 70﴾:

ثم قال جل شأنه: أم أن سبب إصراركم على الكفر والعناد -أيها الكفار- هو اتهامكم للرسول بالجنون؟! بل إنه ﷺ جاءكم بالحق والصدق، وجاءكم بالقرآن والتوحيد والدِّين الحق، ولكنَّ أكثر الناس يكرهون الحق؛ لأنه يمنعهم من شهواتهم وأهوائهم.

[71] ﴿وَلَوِ ٱتَّبَعَ ٱلۡحَقُّ أَهۡوَآءَهُمۡ لَفَسَدَتِ ٱلسَّمَٰوَٰتُ وَٱلۡأَرۡضُ وَمَن فِيهِنَّۚ بَلۡ أَتَيۡنَٰهُم بِذِكۡرِهِمۡ فَهُمۡ عَن ذِكۡرِهِم مُّعۡرِضُونَ 71﴾:

ثم قال جل وعلا مبكِّتًا ومسفِّهًا الكفرة المعاندين للدعوة: ولو أجاب الله هؤلاء الكفار، وجعل شرعه يوافق أهواءهم وشهواتهم، لفسَدَتِ السموات والأرض ومن فيهنَّ، بل جاءهم سبحانه بهذا القرآن الذي فيه شرفهم وعِزُّهم؛ ولكنهم أعرضوا عنه جهلًا وغباءً، بل غطرسةً وكبرياء؛ كما قال تعالى: ﴿وَإِنَّهُۥ لَذِكۡرٞ لَّكَ وَلِقَوۡمِكَۖ ﴾ [الزخرف:44]، أي: شرفٌ وعز لكم، وسوف تُسْأَلُونَ عن تبليغه والقيام به.

[72] ﴿أَمۡ تَسۡـَٔلُهُمۡ خَرۡجٗا فَخَرَاجُ رَبِّكَ خَيۡرٞۖ وَهُوَ خَيۡرُ ٱلرَّٰزِقِينَ 72﴾:

ثم سأل سبحانه نبيه ﷺ، فقال له: هل سألتهم -أيها النبي- وطلبت منهم أجرًا ومالًا مقابلَ دعوتك إياهم؟! فبَخِلوا ولم يستجيبوا لك لأجل ذلك؟! وحاشاك أن تفعل ذلك؛ فأنت تعلم أن عطاء ربك وثوابه خيرٌ لك في الدنيا والآخرة، والله خير الرازقين.

[73] ﴿وَإِنَّكَ لَتَدۡعُوهُمۡ إِلَىٰ صِرَٰطٖ مُّسۡتَقِيمٖ 73﴾:

ثم أخبَرَ سبحانه أن النبي ﷺ دعا هؤلاء الكفار إلى طريقٍ سَوِيٍّ واضحٍ لا اعوجاج فيه، وهو توحيد الله جل في علاه؛ ولكنْ بسبب شقائهم وغبائهم ترَكُوا الإسلام وتمسَّكوا بعبادة الأصنام.

[74] ﴿وَإِنَّ ٱلَّذِينَ لَا يُؤۡمِنُونَ بِٱلۡأٓخِرَةِ عَنِ ٱلصِّرَٰطِ لَنَٰكِبُونَ 74﴾:

ثم أخبَرَ جل وعلا أن الذين لا يُقِرُّونَ بالآخرة وما فيها، قد ضلوا ضلالًا مبينًا، وانحرفوا ومالوا عن الطريق الحق الموصِّل إلى الله.

[75] ﴿وَلَوۡ رَحِمۡنَٰهُمۡ وَكَشَفۡنَا مَا بِهِم مِّن ضُرّٖ لَّلَجُّواْ فِي طُغۡيَٰنِهِمۡ يَعۡمَهُونَ 75﴾:

ثم أخبَرَ جل وعلا أنه لو رَحِمَ هؤلاء المشركين، ورفع عنهم السوء الذي نزَلَ بهم من القحط والفقر، لتمادَوْا في كفرهم وضلالهم، وتجاوزوا في طغيانهم وتحيُّرهم وتردُّدهم.

وكلامه جل وعلا هذا ينطبق على المكابرين المعاندين الكارهين للحق، الذين قالوا: ﴿ٱللَّهُمَّ إِن كَانَ هَٰذَا هُوَ ٱلۡحَقَّ مِنۡ عِندِكَ فَأَمۡطِرۡ عَلَيۡنَا حِجَارَةٗ مِّنَ ٱلسَّمَآءِ أَوِ ٱئۡتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٖ﴾ [الأنفال:32]، ومثل هؤلاء يتحسَّرون ويندمون؛ حين لا ينفع الندم، ولا تقبل التوبة.

[76] ﴿وَلَقَدۡ أَخَذۡنَٰهُم بِٱلۡعَذَابِ فَمَا ٱسۡتَكَانُواْ لِرَبِّهِمۡ وَمَا يَتَضَرَّعُونَ 76﴾:

وأخبَرَ سبحانه أنه امتحن هؤلاء المشركين، وأذاقهم بعض الشدَّة بأن جوَّعهم، وأصابهم بالقحط؛ ليرجعوا ويستسلموا ويخضعوا لله، ويؤمنوا به، ويتَّبعوا رسوله ﷺ، فما نفع ذلك معهم، وما خضعوا ولا استكانوا ولا تضرَّعوا ولا لجؤوا إلى الله لرفع ما بهم.

[77] ﴿حَتَّىٰٓ إِذَا فَتَحۡنَا عَلَيۡهِم بَابٗا ذَا عَذَابٖ شَدِيدٍ إِذَا هُمۡ فِيهِ مُبۡلِسُونَ 77﴾:

فلمَّا كانت هذه حالهم، فتحنا عليهم بابًا شديدًا من العذاب، فلم يتحمَّلوه ولم يطيقوه، بل أَيِسوا من كلِّ خيرٍ ونجاةٍ، وتحيَّروا فلم يعرفوا ماذا يفعلون.

[78] ﴿وَهُوَ ٱلَّذِيٓ أَنشَأَ لَكُمُ ٱلسَّمۡعَ وَٱلۡأَبۡصَٰرَ وَٱلۡأَفۡـِٔدَةَۚ قَلِيلٗا مَّا تَشۡكُرُونَ 78﴾:

واعلموا -أيها الناس- أن الله وحده هو الذي أنعَمَ عليكم بأنْ خلَقَ لكم السمع لتسمعوا به، والبصَرَ لتُبْصِروا به، والأفئدةَ لتفقهوا وتُدرِكوا بها؛ أفلا تشكرونه على هذه النعم؛ فتُؤمنوا به، وتتَّبعوا رسوله؟!

[79] ﴿وَهُوَ ٱلَّذِي ذَرَأَكُمۡ فِي ٱلۡأَرۡضِ وَإِلَيۡهِ تُحۡشَرُونَ 79﴾:

وأخبَرَ سبحانه أنه هو الذي خلقكم، وبثَّكم ونَشَركم في الأرض، ويسَّر لكم المعيشة عليها، ثم إلىه تُحشَرونَ وتُجمَعونَ بعد موتكم؛ فيُجازي كلًّا بعمله.

[80] ﴿وَهُوَ ٱلَّذِي يُحۡيِۦ وَيُمِيتُ وَلَهُ ٱخۡتِلَٰفُ ٱلَّيۡلِ وَٱلنَّهَارِۚ أَفَلَا تَعۡقِلُونَ 80﴾:

ثم أخبَرَ جل شأنه أنه وحده الذي يتصرَّف في الإحياء والإماتة، وهو وحده سبحانه الذي يتحكَّم في تعاقب الليل والنهار، وتناوبهما، وَفْقَ نظامٍ دقيقٍ يدُلُّ على وحدانيته وعظمته وقدرته؛ أفلا يكون هذا مَدْعاةً لكم للتفكُّر في وحدانيته وعظمته، وقدرته على إيجادكم وبَعْثكم مرة أخرى بعد موتكم؟!

[81] ﴿بَلۡ قَالُواْ مِثۡلَ مَا قَالَ ٱلۡأَوَّلُونَ 81﴾:

ثم أخبَرَ سبحانه أن هؤلاء المشركين لم تَنْفَعْهم هذه الموعظة، ولم ينفعهم هذا التذكير؛ بل ردَّد هؤلاء المكذِّبون بالبعث مقولة أسلافهم: (إن هذه كوارث طبيعية).

[82] ﴿قَالُوٓاْ أَءِذَا مِتۡنَا وَكُنَّا تُرَابٗا وَعِظَٰمًا أَءِنَّا لَمَبۡعُوثُونَ 82﴾:

ثم أخبَرَ جل في علاه أن هؤلاء المكذِّبين بالبعث قالوا على سبيل الإنكار: أإذا متنا وكنا ترابًا وعظامًا -لا رُوحَ فيها ولا حياة-: أئنَّا لمبعوثون ومُخْرَجُونَ وقائمون من قبورنا مرةً أخرى؟!

[83] ﴿لَقَدۡ وُعِدۡنَا نَحۡنُ وَءَابَآؤُنَا هَٰذَا مِن قَبۡلُ إِنۡ هَٰذَآ إِلَّآ أَسَٰطِيرُ ٱلۡأَوَّلِينَ 83﴾:

ثم قال هؤلاء المكذِّبون: لقد قيل لنا هذا الأمر مِنْ قبلُ، وقيل لآبائنا، فما رأيناه تحقَّق، وما هذا البعث إلا من حكايات الأوَّلين الباطلة التي ما تُحكَى إلا للتسلية والتلهِّي.

[84] ﴿قُل لِّمَنِ ٱلۡأَرۡضُ وَمَن فِيهَآ إِن كُنتُمۡ تَعۡلَمُونَ 84﴾:

فقل لهم -أيها النبي-: لِمَنْ مُلْكُ هذه الأرض وما فيها من المخلوقات؟! مَنِ الذي خلقها، ودبَّر أمورها؛ إن كنتم تعلمون؟!

[85] ﴿سَيَقُولُونَ لِلَّهِۚ قُلۡ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ 85﴾:

فبين سبحانه أنه لا بد أن يجيبوا أنها لله، فقل لهم حينها: أفلا يذكِّركم هذا بقدرته على بعثكم بعد موتكم؛ فتؤمنوا به، وتفردوه بالتوحيد والعبادة؟!

[86] ﴿قُلۡ مَن رَّبُّ ٱلسَّمَٰوَٰتِ ٱلسَّبۡعِ وَرَبُّ ٱلۡعَرۡشِ ٱلۡعَظِيمِ 86﴾:

ثم قل لهم -أيها النبي-: مَنْ خالق ومالك السموات السبع وما فيها من الكواكب والنجوم والقمر والملائكة؟! وقل لهم: مَنْ خالق ومالك العرش العظيم؟!

[87] ﴿سَيَقُولُونَ لِلَّهِۚ قُلۡ أَفَلَا تَتَّقُونَ 87﴾:

فبيَّن سبحانه أنهم حتمًا سيجيبون: بأن الله ربُّ ذلك كلِّه، فقل لهم حينها: أفلا تجعلون بينكم وبين الله وقاية؛ بتوحيده والإيمان به، وتَرْكِ الشرك به، وترك إنكار البعث وتكذيب الرسل؟!

[88] ﴿قُلۡ مَنۢ بِيَدِهِۦ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيۡءٖ وَهُوَ يُجِيرُ وَلَا يُجَارُ عَلَيۡهِ إِن كُنتُمۡ تَعۡلَمُونَ 88﴾:

وقل لهم -أيها النبي-: مَنِ الذي له مُلْكُ كل شيء؟! ومن الذي يغيث ويحمي، ويُنقِذُ مَنْ يستغيث به -ولا يستطيع أحد أن يحمي من أراد الله إهلاكه-؟! مَنِ الذي له وحده كل ذلك؛ إن كنتم تعلمون؟!

[89] ﴿سَيَقُولُونَ لِلَّهِۚ قُلۡ فَأَنَّىٰ تُسۡحَرُونَ 89﴾:

فبيَّن سبحانه أنهم حتمًا سيجيبون مقرِّين: كلُّ ذلك لله وحده، فقل لهم حينها: فكيف ذهَلَتْ عقولكم؛ فتركتم الإيمان والهدى، واتَّخذتم شركاء من دون الله فصرَفْتم لهم العبادة؟! ولم تؤمنوا بما أخبركم الله به من أمر البعث والنشور؛ فصِرْتم كالمسحورين؟!

[90] ﴿بَلۡ أَتَيۡنَٰهُم بِٱلۡحَقِّ وَإِنَّهُمۡ لَكَٰذِبُونَ 90﴾:

يقول جل في علاه: بل جئنا هؤلاء المكذِّبين بالحق الذي لا مِرْيةَ فيه ولا شكَّ، فلم يتَّبِعوه، ولم يؤمنوا به، بل قابلوه بالكذب والإعراض.

[91] ﴿مَا ٱتَّخَذَ ٱللَّهُ مِن وَلَدٖ وَمَا كَانَ مَعَهُۥ مِنۡ إِلَٰهٍۚ إِذٗا لَّذَهَبَ كُلُّ إِلَٰهِۭ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلَا بَعۡضُهُمۡ عَلَىٰ بَعۡضٖۚ سُبۡحَٰنَ ٱللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ 91﴾:

ثم نفى جل في علاه ما وصفه به المشركون زورًا وبهتانًا؛ فهو سبحانه لم يتَّخذ لنفسه ولدًا، ولم يكن معه إلهٌ آخَرُ يشاركه في ألوهيته وربوبيته، ولو كان الأمر كما يزعم هؤلاء المُبْطِلون بوجود أكثر من إله، لحصَلَ بينهم الخلافُ والافتراق والاحتراب، ولانفرَدَ كلُّ إله بما خلق وأنشأ، ولاستكبَرَ بعضهم على بعض، ولغَلَبَ القويُّ الضعيفَ؛ فعجبًا من باطلهم، وتنزيهًا لله عما يصف هؤلاء المُبْطِلون، وعن زعمهم وما يفترون.

[92] ﴿عَٰلِمِ ٱلۡغَيۡبِ وَٱلشَّهَٰدَةِ فَتَعَٰلَىٰ عَمَّا يُشۡرِكُونَ 92﴾:

ثم بيَّن سبحانه أنه وحده يعلم ما غاب عِلْمُهُ عن المخلوقات، ويعلم ما نشاهده ونراه؛ فتعالى سبحانه وتقدَّس وارتفع عما يزعم هؤلاء المشركون!

[93] [94] ﴿ﭐ قُل رَّبِّ إِمَّا تُرِيَنِّي مَا يُوعَدُونَ 93 رَبِّ فَلَا تَجۡعَلۡنِي فِي ٱلۡقَوۡمِ ٱلظَّٰلِمِينَ 94﴾:

ثم قال جل شأنه لنبيه ﷺ: قل -أيها النبي-: يا رب، إنْ أريتني ما وعَدت هؤلاء المشركين بك من الهلاك والعذاب. فلا تجعلني يا رب هالكًا معهم، واعصمني ونجِّني برحمتك من مآل ومصير هؤلاء الظالمين.

[95] ﴿وَإِنَّا عَلَىٰٓ أَن نُّرِيَكَ مَا نَعِدُهُمۡ لَقَٰدِرُونَ 95﴾:

واعلم -أيها النبي- أنا قادرون على أن نُرِيَكَ ما وعدناهم به من العذاب والهلاك، وأنَّ ذلك لا يُعْجِزنا.

[96] ﴿ٱدۡفَعۡ بِٱلَّتِي هِيَ أَحۡسَنُ ٱلسَّيِّئَةَۚ نَحۡنُ أَعۡلَمُ بِمَا يَصِفُونَ 96﴾:

ثم أمر جل وعلا نبيه بأن يدفع الإساءة بالإحسان؛ لأن هذا من مكارم الأخلاق، واعلم -أيها النبي- بأننا على علمٍ تامٍّ بهم وبتكذيبهم، وبوصفهم إيَّاك بما لا يليق، وعلى علمٍ بتكذيبهم وشِرْكهم، ومرجعُهم إلينا، وحسابُهم علينا. والدفعُ بالتي هي أحسَنُ أمرٌ عامٌّ يدخل في كل شيء إلا في ساحة الحرب.

[97] [98] ﴿وَقُل رَّبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنۡ هَمَزَٰتِ ٱلشَّيَٰطِينِ 97 وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَن يَحۡضُرُونِ 98﴾:

ثم قال جل وعلا لنبيه ﷺ: وقل -أيها النبي-: يا رب، إني أحتمي وألتجئُ وأستجيرُ بك من وسوسة الشياطين، ومِنْ هَمْزهم ووسوستهم. وأيضًا أحتمي وألتجئُ وأستجيرُ بك من حضورهم لأموري، وتلبيسهم عليَّ فيها.

[99] ﴿حَتَّىٰٓ إِذَا جَآءَ أَحَدَهُمُ ٱلۡمَوۡتُ قَالَ رَبِّ ٱرۡجِعُونِ 99﴾:

ثم أخبَرَ جل وعلا عن حال الكفار أو العصاة المفرِّطين الظالمين: حتى إذا حانت وفاةُ أحدهم، وجاءه ملك الموت، وعايَنَ شدَّته، قال نادمًا: يا رب، ارْجِعني إلى الدنيا، وأعطني فرصة أخرى.

[100] ﴿لَعَلِّيٓ أَعۡمَلُ صَٰلِحٗا فِيمَا تَرَكۡتُۚ كَلَّآۚ إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَآئِلُهَاۖ وَمِن وَرَآئِهِم بَرۡزَخٌ إِلَىٰ يَوۡمِ يُبۡعَثُونَ 100﴾:

ثم بيَّن سبحانه أنَّ هذا الكافر طلَبَ الرجوع إلى الدنيا؛ لعله يعمل بالتوحيد، ويقومُ بالواجبات، ويستدرِكُ ما قصَّر في حياته؛ فهم يتمنَّوْنَ الرجعة للدنيا ليقوموا بالواجبات الشرعية، ثم قال جل في علاه ردًّا على هذا الطلب: كلاَّ؛ فإن طلبكم -أيها الكفار- الرجوع إلى الدنيا مرفوض، ولن نستجيب لكم؛ لأنه جاء بعد فوات الأوان، كما أنكم غير صادقين في قولكم هذا؛ لأنكم لو رجعتم إلى الدنيا، لَعُدتُّمْ إلى ما نُهِيتم عنه من الشهوات والمعاصي، واعلموا أن أمامكم حاجزًا يَحْجُزُ بينكم وبين الرجوع إلى الدنيا، وهذا الحاجز سيبقى مستمِرًّا إلى يوم البعث والنشور؛ فيجازى كلٌّ بعمله؛ إنْ خيرًا فخير، وإنْ شرًّا فشرّ. وهذه الآية تفيد أن التوبة لا تُقبَلُ أبدًا حالَ الغرغرةِ وحالَ قَبْض الروح؛ لأن وقتها انتهى بانتهاء عمل الإنسان في الدنيا، وأن ساعة الاحتضار جعَلَتْ صحف أعماله تُطْوى، وهو لم يمتثل أوامر الله ونواهيه وقت صحَّته.

[101] ﴿فَإِذَا نُفِخَ فِي ٱلصُّورِ فَلَآ أَنسَابَ بَيۡنَهُمۡ يَوۡمَئِذٖ وَلَا يَتَسَآءَلُونَ 101﴾:

واعلموا -أيها الناس-: حين يُنفَخُ في الصور نفخة البعث؛ فحينها يَذْهَلُ الناس، وينسَوْنَ أنسابهم؛ فلا يفخر أحد على أحد، وكلُّ امرئ يكون منشغلًا بنفسه؛ فلا يسأل أحدٌ غيره عن شيء.

[102] ﴿فَمَن ثَقُلَتۡ مَوَٰزِينُهُۥ فَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡمُفۡلِحُونَ 102﴾:

ثم أخبَرَ سبحانه أن مَنْ ثَقُلَتْ كِفَّةُ حسناته في الميزان على كِفَّةِ سيئاته، ورجَحَتْ بها، فأولئك هم الفائزون بالجنة، المفلحون فلاحًا عظيمًا، لا خسارة بعده أبدًا.

[103] ﴿وَمَنۡ خَفَّتۡ مَوَٰزِينُهُۥ فَأُوْلَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ خَسِرُوٓاْ أَنفُسَهُمۡ فِي جَهَنَّمَ خَٰلِدُونَ 103﴾:

ثم أخبَرَ عز وجل أن مَنْ ثَقُلَتْ كِفَّةُ سيئاته في الميزان على كِفَّةِ حسناته، فأولئك الذين ضيَّعوا أنفسهم، وخَسِروا خسارة عظيمةً لا خسارةَ بعدها، وإنْ كان من المشركين، كان من أصحاب النار الماكثين فيها أبدًا.

[104] ﴿تَلۡفَحُ وُجُوهَهُمُ ٱلنَّارُ وَهُمۡ فِيهَا كَٰلِحُونَ 104﴾:

ثم بيَّن سبحانه وتعالى أن هذه النار التي سيدخُلُها المشركون، سوف تُحرِقُ وجوههم فتغيِّرُ ملامحها، وكذلك ستكون وجوههم عابسةً، وشفاههم متقلِّصةً؛ من شدة ما هم فيه من العذاب.

[105] ﴿أَلَمۡ تَكُنۡ ءَايَٰتِي تُتۡلَىٰ عَلَيۡكُمۡ فَكُنتُم بِهَا تُكَذِّبُونَ 105﴾:

ثم قال لهم على سبيل التقريع والتبكيت: ألم تكن آياتي الدالَّة على وحدانيَّتي تُتْلى عليكم؛ لتؤمنوا بها، وتستجيبوا لها؛ فكنتم تُعرِضون عنها، وتكذِّبون بها؛ ظلمًا وعنادًا واستكبارًا؟!

[106] ﴿قَالُواْ رَبَّنَا غَلَبَتۡ عَلَيۡنَا شِقۡوَتُنَا وَكُنَّا قَوۡمٗا ضَآلِّينَ 106﴾:

فأجابوا بإقرارٍ وذلٍّ قائلين: غلَبَتْ علينا لذَّاتنا وشهواتنا، فضَلَلْنا الطريق، وضَلَّتْ أعمالنا.

[107] ﴿رَبَّنَآ أَخۡرِجۡنَا مِنۡهَا فَإِنۡ عُدۡنَا فَإِنَّا ظَٰلِمُونَ 107﴾:

ثم قالوا على سبيل طلب الخلاص والنجاة: ربَّنا، أَخْرِجنا من هذه النار، وأَعِدْنا إلى الدنيا؛ لنؤمن ونعمل الصالحات، فإنْ عدنا إلى ما كنَّا عليه من الشرك والضلال، فإنا بذلك ظالمون مستحقُّون العذاب في النار.

[108] ﴿قَالَ ٱخۡسَـُٔواْ فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ 108﴾:

فقال الله لهم قولًا أصابهم بالهوان والذل، والخسار واليأس؛ حيث قال لهم: اخسؤوا في هذه النار، وامكثوا فيها صاغرين أذلَّاء، ولا تكلِّموني، ولا تخاطبوني؛ وهذا أشدُّ عليهم من عذاب النار ذاتها؛ نسأل الله السلامة والعافية.

[109] ﴿إِنَّهُۥ كَانَ فَرِيقٞ مِّنۡ عِبَادِي يَقُولُونَ رَبَّنَآ ءَامَنَّا فَٱغۡفِرۡ لَنَا وَٱرۡحَمۡنَا وَأَنتَ خَيۡرُ ٱلرَّٰحِمِينَ 109﴾:

ثم بيَّن سبحانه أن أحد أسباب دخول هؤلاء المجرمين النار: استهزاؤهم وسخريتهم بعباد الله المؤمنين؛ لأنهم آمنوا بالله، واتَّبعوا رسوله ﷺ، وكانوا يَدْعون الله في تضرُّع ومسكنة قائلين: ربَّنا، آمنا بك، واتَّبعنا رسولك؛ فنتوسَّل إليك أن تغفر لنا ذنوبنا، وتستُرَ لنا عيوبنا، وتَرْحَمَنا برحمتك التي وَسِعَتْ كل شيء.

[110] ﴿فَٱتَّخَذۡتُمُوهُمۡ سِخۡرِيًّا حَتَّىٰٓ أَنسَوۡكُمۡ ذِكۡرِي وَكُنتُم مِّنۡهُمۡ تَضۡحَكُونَ 110﴾:

ثم بيَّن جل شأنه أن هؤلاء المجرمين تمادَوْا في السخرية والاستهزاء بعباد الله المؤمنين، وبدعائهم؛ حتى كان هذا الاستهزاء والاحتقار هو شُغْلَهم الشاغل، فنَسُوا بذلك ذِكْرَ الله والإيمان به وتوحيده؛ بل إنهم كانوا إذا رأَوْهم في بعض الأماكن والطرقات أو الأسواق، أخذوا يتضاحكون ويتغامزون من عباداتهم أو أشكالهم، وقد بقي هؤلاء المجرمون على هذه الحال حتى أوصَلَتْهم إلى النار.

[111] ﴿إِنِّي جَزَيۡتُهُمُ ٱلۡيَوۡمَ بِمَا صَبَرُوٓاْ أَنَّهُمۡ هُمُ ٱلۡفَآئِزُونَ 111﴾:

ثم أخبَرَ جل وعلا أن هؤلاء الذين كنتم تستهزئون بهم من عبادي المؤمنين، كانوا قد صبَرُوا على استهزائكم وسخريتكم واحتقاركم، فجزَيْتُهم بذلك: أنْ رَضِيتُ عليهم، وأدخلتهم جناتي؛ ففازوا بذلك فَوْزًا عظيمًا.

[112] ﴿قَٰلَ كَمۡ لَبِثۡتُمۡ فِي ٱلۡأَرۡضِ عَدَدَ سِنِينَ 112﴾:

ثم سأل جل وعلا هؤلاء الكفار سؤالَ تبكيتٍ وإهانةٍ، فقال لهم: كم كانت مدة إقامتكم في الدنيا؟! ولا شك أن الله يعلم كم هذه المدة، ولكنْ ليزيد في حَسْرتهم وتوبيخهم.

[113] ﴿قَالُواْ لَبِثۡنَا يَوۡمًا أَوۡ بَعۡضَ يَوۡمٖ فَسۡـَٔلِ ٱلۡعَآدِّينَ 113﴾:

فقال هؤلاء المجرمون: لقد أقمنا -يا ربنا- في الدنيا يومًا أو بعض يوم؛ فاسأل أهل المعرفة بالعَدِّ والحساب الذين يعُدُّونَ الأيام والشهور؛ قالوا ذلك من شدة ما يَرَوْنَ من العذاب.

[114] ﴿قَٰلَ إِن لَّبِثۡتُمۡ إِلَّا قَلِيلٗاۖ لَّوۡ أَنَّكُمۡ كُنتُمۡ تَعۡلَمُونَ 114﴾:

فرد جل وعلا عليهم قائلًا: اعلموا -أيها الكفار- أنكم ما أقمتم في الدنيا إلا مُدَّةً قليلة، لو أنكم كنتم تعلمون ذلك؛ فلو صبَرْتم فيها على الطاعات، لكنتم من الفائزين بالجنات.

[115] ﴿أَفَحَسِبۡتُمۡ أَنَّمَا خَلَقۡنَٰكُمۡ عَبَثٗا وَأَنَّكُمۡ إِلَيۡنَا لَا تُرۡجَعُونَ 115﴾:

ثم قال سبحانه لهم: هل كنتم تظنون -أيها الكفار- أن الله جل وعلا خلقكم مهملين؛ بلا أمر ولا نهي، ولا ثواب ولا عقاب؟! وأنكم لن تُرْجَعوا إلى الله يوم القيامة؛ فيحاسبكم على أقوالكم أفعالكم؟!

[116] ﴿فَتَعَٰلَى ٱللَّهُ ٱلۡمَلِكُ ٱلۡحَقُّۖ لَآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ ٱلۡعَرۡشِ ٱلۡكَرِيمِ 116﴾:

ثم عظَّم جل في علاه نفسه ونزَّهها عن العبث وعن كل ما لا يليق بجلاله وكماله؛ فهو الملك المتصرِّف في شؤون خلقه، وهو الحق في خبره ووعده ووعيده، لا ربَّ إلا هو، ولا معبود بحق إلا هو، ربُّ العرش الذي هو أعظم المخلوقات، وهو سَقْفُ جميع المخلوقات، الكريمُ في منظره، والجميل في شكله.

[117] ﴿وَمَن يَدۡعُ مَعَ ٱللَّهِ إِلَٰهًا ءَاخَرَ لَا بُرۡهَٰنَ لَهُۥ بِهِۦ فَإِنَّمَا حِسَابُهُۥ عِندَ رَبِّهِۦٓۚ إِنَّهُۥ لَا يُفۡلِحُ ٱلۡكَٰفِرُونَ 117﴾:

ثم حذَّر جل وعلا من الشرك، وعظَّم جُرْم مرتكبه، وذكَرَ حسابه العسير وعقابه الأليم لمن وقَعَ فيه، وأخبَرَ أن من يَعْبُدْ مع الله إلهًا آخر، فإنه لا حجة له، ولا دليل على هذه العبادة، وليعلم أن من يَفْعَلْ ذلك العمل الشنيع، فسوف يلقى ربه ويحاسبه حسابًا شديدًا؛ لأن عدالته سبحانه اقتضت أنه لا فلاح ولا نجاة للكافرين المجرمين؛ لا في الدنيا ولا في الآخرة.

[118] ﴿وَقُل رَّبِّ ٱغۡفِرۡ وَٱرۡحَمۡ وَأَنتَ خَيۡرُ ٱلرَّٰحِمِينَ 118﴾:

ثم ختَمَ جل وعلا السورة آمرًا نبيه ﷺ بكثرةِ الاستغفار، وطلَبِ الرحمة، فقال له: قل -أيها النبي-: يا رب، تجاوز عن ذنوب المؤمنين من عبادك، وارحَمْ عصاتهم؛ فأنت خير من يرحم، وخير من يغفر، ومِنْ رحمتك: أنك تقبل توبة التائبين. وفي هذا حَثٌّ لجميع الناس على كثرة الاستغفار، والتوبة، وطلب الرحمة.

سورة النُّور

سورةُ النور مدنيَّةٌ، وآياتها أربعٌ وستُّون آية. وهي سورة عظيمة؛ لاشتمالها على جملة من الأحكام التي ربما تقع في أكثر الأزمان، ويقال: إن عمر بن الخطاَّب كتب إلى عامله وأهل الكوفة: (أن علِّموا نساءكم سورة النور)، والسورة تعني: الأمر الذي يحيطُ بالموضوع كالسوار.

[1] ﴿سُورَةٌ أَنزَلۡنَٰهَا وَفَرَضۡنَٰهَا وَأَنزَلۡنَا فِيهَآ ءَايَٰتِۭ بَيِّنَٰتٖ لَّعَلَّكُمۡ تَذَكَّرُونَ 1﴾:

أخبَرَ جل وعلا أنه أنزَلَ هذه السورة العظيمة على نبينا محمد ﷺ، وأنه فرضها وأوجب على العباد تنفيذَ ما فيها من أحكام؛ وذلك دليلٌ على أهمية هذه الأحكام، ثم أخبَرَ أنه أوحى فيها آيات واضحات الدلالة اشتمَلَتْ على جميع مصالح العباد؛ لعلكم تتذكَّرون -أيها المؤمنون- هذه الآيات، وتعملون بما فيها من أحكام ومواعظ. والتنكيرُ في قوله: ﴿سُورَةٌ﴾، دليلٌ على فخامة هذه السورة وأهمِّيتها.

[2] ﴿ٱلزَّانِيَةُ وَٱلزَّانِي فَٱجۡلِدُواْ كُلَّ وَٰحِدٖ مِّنۡهُمَا مِاْئَةَ جَلۡدَةٖۖ وَلَا تَأۡخُذۡكُم بِهِمَا رَأۡفَةٞ فِي دِينِ ٱللَّهِ إِن كُنتُمۡ تُؤۡمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلۡيَوۡمِ ٱلۡأٓخِرِۖ وَلۡيَشۡهَدۡ عَذَابَهُمَا طَآئِفَةٞ مِّنَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ 2﴾:

بيَّن سبحانه في هذه الآية أحكام جريمة الزنى الشنيعة، والتي تستقبحها النفوس الكريمة، وبيَّن أن حد الزاني والزانية أن تجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة، وألَّا تأخذكم فيهما رحمة في دين الله عند إقامة الحد عليهما؛ إن كنتم مؤمنين بالله واليوم الآخر إيمانًا حقيقيًّا، وليشهد إقامة الحد عليهما عدَدٌ من المؤمنين؛ ليكون ذلك عبرةً وعظةً وزجرًا. والعقوبة المذكورة هي على الزانية والزاني البِكْرَيْنِ، أي: غير المتزوِّجين؛ وقد ثبت في السنة النبوية مع الجلدِ التغريبُ لمدة عام، أما الزانية والزاني المتزوِّجان، فإن حدَّهما الرجم حتى الموت؛ كما ثبت ذلك في السنة النبوية. وقدَّم جل وعلا الزانية؛ لأنها غالبًا هي السبب في جريمة الزنى؛ لما يظهر منها من إغراءات.

[3] ﴿ٱلزَّانِي لَا يَنكِحُ إِلَّا زَانِيَةً أَوۡ مُشۡرِكَةٗ وَٱلزَّانِيَةُ لَا يَنكِحُهَآ إِلَّا زَانٍ أَوۡ مُشۡرِكٞۚ وَحُرِّمَ ذَٰلِكَ عَلَى ٱلۡمُؤۡمِنِينَ 3﴾:

ثم بيَّن جل وعلا أن الزاني هو الذي يستسيغ الزواج بالزانية أو المشرِكة التي لا تؤمن بحرمة الزنى، وأن الزانية كذلك تستسيغ الزواج بالزاني أو المشرِكِ الذي لا يؤمن بحرمة الزنى، كما قال الشاعر:

وَالخَارِبُ الرِّجْسُ يُحِبُّ الخَارِبَا

ومعلوم أن النكاح في القرآن هو عقد الزواج، وليس الجماع، ولذا لا يجوز عقد النكاح على الزانية حتى تستبرئ بحَيْضة، ثم بيَّن سبحانه أن هذا الفعل القبيح محرَّمٌ على جميع المؤمنين والمؤمنات.

[4] ﴿وَٱلَّذِينَ يَرۡمُونَ ٱلۡمُحۡصَنَٰتِ ثُمَّ لَمۡ يَأۡتُواْ بِأَرۡبَعَةِ شُهَدَآءَ فَٱجۡلِدُوهُمۡ ثَمَٰنِينَ جَلۡدَةٗ وَلَا تَقۡبَلُواْ لَهُمۡ شَهَٰدَةً أَبَدٗاۚ وَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡفَٰسِقُونَ 4﴾:

واعلموا -أيها الناس- أن الذين يَتَّهِمُونَ بالفاحشةِ امرأةً عفيفةً أو رجلًا عفيفًا، ولم يأتوا بأربعة شهود عدول يشهدون بإثبات هذه التهمة، فعليكم أن تجلدوهم ثمانين جلدة عقابًا لهم، ولا تقبلوا لهم شهادة أبدًا، ولا شك أن أولئك من الخارجين عن طاعة الله؛ لقبح فعلهم. وأما الشهادة في قوله: ﴿وَلَا تَقۡبَلُواْ لَهُمۡ شَهَٰدَةً أَبَدٗاۚ ﴾؛ فإنها تُقْبَلُ عند الجمهور إذا تاب، أما أبو حنيفة، فلا تقبل عنده الشهادة ولو تاب.

[5] ﴿إِلَّا ٱلَّذِينَ تَابُواْ مِنۢ بَعۡدِ ذَٰلِكَ وَأَصۡلَحُواْ فَإِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٞ رَّحِيمٞ 5﴾:

ثم استثنى جل وعلا مَنْ تاب توبةً صادقة، وندم على فعله السيِّئ، ورجَعَ عن اتهامه، وعمل الأعمال الصالحة؛ فإن الله يغفر ذنبه ويرحمه ويقبل توبته.

[6] ﴿وَٱلَّذِينَ يَرۡمُونَ أَزۡوَٰجَهُمۡ وَلَمۡ يَكُن لَّهُمۡ شُهَدَآءُ إِلَّآ أَنفُسُهُمۡ فَشَهَٰدَةُ أَحَدِهِمۡ أَرۡبَعُ شَهَٰدَٰتِۭ بِٱللَّهِ إِنَّهُۥ لَمِنَ ٱلصَّٰدِقِينَ 6﴾:

ثم ذكَرَ جل وعلا أن الذين يتَّهمون زوجاتهم بفاحشة الزنى، ثم لم يكن معهم مَنْ يشهد بإثبات هذه التهمة إلا أنفسهم؛ فعلى الواحد منهم أن يشهد أربع شهادات بالله العظيم أنه صادقٌ في هذه التهمة.

[7] ﴿وَٱلۡخَٰمِسَةُ أَنَّ لَعۡنَتَ ٱللَّهِ عَلَيۡهِ إِن كَانَ مِنَ ٱلۡكَٰذِبِينَ 7﴾:

ثم أخبر سبحانه بأن عليه أن يزيد شهادة خامسة، بأن يقول: (لعنةُ الله عليَّ؛ إنْ كنت من الكاذبين)، أي: أنه يدعو على نفسه بالطرد والإبعاد من رحمة الله.

[8] ﴿وَيَدۡرَؤُاْ عَنۡهَا ٱلۡعَذَابَ أَن تَشۡهَدَ أَرۡبَعَ شَهَٰدَٰتِۭ بِٱللَّهِ إِنَّهُۥ لَمِنَ ٱلۡكَٰذِبِينَ 8﴾:

وبهذه الشهادة يجب أن يقام على الزوجة عقوبة الزنى، ولكن بيَّن سبحانه أن لها الحقُّ أن تدفع عن نفسها هذه التهمة وهذه العقوبة؛ إذا شَهِدَتْ أربع شهادات بالله أنه كاذب في اتهامه لها بالزنى.

[9] ﴿وَٱلۡخَٰمِسَةَ أَنَّ غَضَبَ ٱللَّهِ عَلَيۡهَآ إِن كَانَ مِنَ ٱلصَّٰدِقِينَ 9﴾:

ثم أخبر سبحانه بأن عليها أن تزيد شهادة خامسة فتقول: (إنَّ غضب الله عليَّ؛ إنْ كان زوجي من الصادقين في اتهامه لي)، أي: أنها تدعو على نفسها بسَخَطِ الله عليها. ولا شك أن الغضب أخفُّ من اللعن. والغالبُ: أن المرأة بعد الملاعنة قَلَّ أن يرغب فيها أحد؛ لذلك لم يجمع الله لها بين العقوبتَيْن، وهما: الطرد والإبعاد عن رحمة الله، ونَبْذُ المجتمع لها.

[10] ﴿وَلَوۡلَا فَضۡلُ ٱللَّهِ عَلَيۡكُمۡ وَرَحۡمَتُهُۥ وَأَنَّ ٱللَّهَ تَوَّابٌ حَكِيمٌ 10﴾:

ثم ختَمَ جل وعلا هذه الآيات ببيان جانب من فضله على خلقه، فقال سبحانه: ولولا فضلُهُ عليكم بهذا التشريعِ، وهذه الأحكامِ للأزواج والزوجات، لعاجَلَ الكاذبَ من المتلاعنَيْنِ بالعقوبة، ولكنه ستَرَ على الزوجين رحمةً وتفضلًا منه، وحضًّا لهما على التوبة والرجوع إليه، واعلموا أن الله توَّابٌ كثيرُ التوبة لعباده التائبين، حكيمٌ في شرعه وتدبيره. وفي هذا دليلٌ أن ما جاء من الغضب واللعن في هذه الآيات: أنه يزول بعد تركِ الذنب، والرجوعِ إلى طلب رضوان الله بالأعمال الصالحة.

[11] ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ جَآءُو بِٱلۡإِفۡكِ عُصۡبَةٞ مِّنكُمۡۚ لَا تَحۡسَبُوهُ شَرّٗا لَّكُمۖ بَلۡ هُوَ خَيۡرٞ لَّكُمۡۚ لِكُلِّ ٱمۡرِيٕٖ مِّنۡهُم مَّا ٱكۡتَسَبَ مِنَ ٱلۡإِثۡمِۚ وَٱلَّذِي تَوَلَّىٰ كِبۡرَهُۥ مِنۡهُمۡ لَهُۥ عَذَابٌ عَظِيمٞ 11﴾:

واعلموا -أيها الناس- أن أولئك الذين جاؤوا بأشنع كذبة عرفها التاريخ -وهو اتهام أُمِّنَا أم المؤمنين عائشة  بفاحشة الزنى- هم جماعة يُنْسَبُونَ إليكم ظاهرًا، ولا تظنوا أن قولهم هذا شرٌّ لكم، بل هو خير لكم، ومن الخير العظيم في هذه الحادثة:

أن الله شرَّع عقوبة قذف المؤمنات بالفاحشةِ.

أنها كانت سببًا في فضح من كان يستُرُ نفاقه.

أن الله كرَّم أم المؤمنين عائشة، ورفَعَ قَدْرَها، وذكَرَ براءتها في قرآن يتلى إلى يوم القيامة.

أثبتَتْ هذه القصة أن الرسول ﷺ لا يعلم الغيب؛ حيث جلس شهرًا مهمومًا، حتى نزَلَ الوحي من الله.

أن فيها تسليةً للنبي ﷺ والصحابة عما أصابهم من الهمِّ والغمِّ؛ بسبب هذه الفرية العظيمة.

ثم بيَّن سبحانه أن كل فرد خاض في هذا الإفك وهذه الجريمة، سوف ينال العقوبة التي يستحقُّها إلا الذين جُلِدوا الحدَّ وتابوا، أما ذلك الذي اختلَقَ هذه الفرية وهذه الكذبة، وحمل كِبْرها، وهو رأس المنافقين عبدُ اللهِ بنُ أُبَيٍّ ابنُ سلول فله عند الله عذاب عظيم في الآخرة، وهو الخلود في الدرك الأسفل من النار.

[12] ﴿لَّوۡلَآ إِذۡ سَمِعۡتُمُوهُ ظَنَّ ٱلۡمُؤۡمِنُونَ وَٱلۡمُؤۡمِنَٰتُ بِأَنفُسِهِمۡ خَيۡرٗا وَقَالُواْ هَٰذَآ إِفۡكٞ مُّبِينٞ 12﴾:

ثم قال سبحانه: هلَّا ظنَّ المؤمنون والمؤمنات -الذين سمعوا هذا الخبر أو تناقلوه- بإخوانهم وأخواتهم خيرًا، فكما تظُنُّ بنفسك وأهلك -أيها المؤمن- الخير والصلاح والاستقامة، كان الواجب عليك أن تظُنَّ ذلك بأطهر البيوت وأزكاها، وهو بيت المصطفى ﷺ، وكان الواجب أيضًا فَوْرَ سماعكم هذا الخبر الشنيع أن تقولوا: إن هذا كَذِبٌ واضحٌ وبيِّن على أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها.

[13] ﴿لَّوۡلَا جَآءُو عَلَيۡهِ بِأَرۡبَعَةِ شُهَدَآءَۚ فَإِذۡ لَمۡ يَأۡتُواْ بِٱلشُّهَدَآءِ فَأُوْلَٰٓئِكَ عِندَ ٱللَّهِ هُمُ ٱلۡكَٰذِبُونَ 13﴾:

وقال جل شأنه: هلَّا جاء هؤلاء القاذفون بأربعةِ شهداءَ عدولٍ مرضييِّن على ذلك؟! فإذْ لم يجيئوا بهؤلاء الشهود، فأولئك في حكم الله هم الكاذبون، وحينئذ يقام عليهم حَدُّ القذف.

[14] ﴿وَلَوۡلَا فَضۡلُ ٱللَّهِ عَلَيۡكُمۡ وَرَحۡمَتُهُۥ فِي ٱلدُّنۡيَا وَٱلۡأٓخِرَةِ لَمَسَّكُمۡ فِي مَآ أَفَضۡتُمۡ فِيهِ عَذَابٌ عَظِيمٌ 14﴾:

ثم قال عز وجل: ولولا أن الله تفضَّل عليكم، وشَمِلكم بعفوه ورحمته في الدنيا؛ بأنْ فتح لكم باب التوبة، وفي الآخرة بمغفرة ذنوبكم وسَتْر عيوبكم، لأصابكم -بسبب ما خضتم فيه من شأن الإفك- العذاب العظيم.

[15] ﴿إِذۡ تَلَقَّوۡنَهُۥ بِأَلۡسِنَتِكُمۡ وَتَقُولُونَ بِأَفۡوَاهِكُم مَّا لَيۡسَ لَكُم بِهِۦ عِلۡمٞ وَتَحۡسَبُونَهُۥ هَيِّنٗا وَهُوَ عِندَ ٱللَّهِ عَظِيمٞ 15﴾:

وقال سبحانه: إذْ يتلقَّف هذا الحديثَ بعضُكم من بعضٍ، وتتناقلونه من غير تحقُّقٍ ولا بيِّنة، وتتكلَّمون فيه بجهلٍ عن حقيقته، وتظنون أن هذا شيءٌ يسيرٌ هيِّنٌ لا يلحقكم به إثم، وهو في الحقيقة عند الله: أمرٌ عظيمٌ كبيرٌ؛ إذْ فيه مسٌّ لعِرْضِ النبي ﷺ، ولعِرْضِ الصِّدِّيق والصِّدِّيقة رضي الله عنهم.

[16] ﴿وَلَوۡلَآ إِذۡ سَمِعۡتُمُوهُ قُلۡتُم مَّا يَكُونُ لَنَآ أَن نَّتَكَلَّمَ بِهَٰذَا سُبۡحَٰنَكَ هَٰذَا بُهۡتَٰنٌ عَظِيمٞ 16﴾:

وقال جل في علاه: كان الأليق بكم والأجدر بمقامكم أنكم إذا سمعتم مثل هذا القول أن تُنْكِروه، وأن تقولوا: لا يَحِقُّ لنا أن نتكلَّم بهذا الكذب والافتراء؛ سبحانك يا ألله وتنزيهًا لك، هذا القول كذبٌ بشعٌ شنيع.

[17] ﴿يَعِظُكُمُ ٱللَّهُ أَن تَعُودُواْ لِمِثۡلِهِۦٓ أَبَدًا إِن كُنتُم مُّؤۡمِنِينَ 17﴾:

وبعد أن وقَعْتم فيما وقَعْتم به من الإفك العظيم، فإن الله سبحانه وتعالى ينصحكم وينهاكم ويحذِّركم أن تعودوا لمثل هذا القول وهذا الاتهام أبدًا ما حَيِيتم؛ فإياكم أن تقعوا فيه مرة أخرى؛ إنْ كنتم مؤمنين إيمانًا صادقًا.

[18] ﴿وَيُبَيِّنُ ٱللَّهُ لَكُمُ ٱلۡأٓيَٰتِۚ وَٱللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ 18﴾:

ثم أخبَرَ جل وعلا أنه يبيِّن لكم الآيات التي فيها نجاتكم، والتي فيها الهدى والنور، والوَعْظ والإرشاد، ويوضِّحها لكم، والله عليمٌ بأفعالكم وامتثالكم، حكيمٌ فيما يشرِّعه لكم، ويَفْرِضه عليكم.

[19] ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ يُحِبُّونَ أَن تَشِيعَ ٱلۡفَٰحِشَةُ فِي ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَهُمۡ عَذَابٌ أَلِيمٞ فِي ٱلدُّنۡيَا وَٱلۡأٓخِرَةِۚ وَٱللَّهُ يَعۡلَمُ وَأَنتُمۡ لَا تَعۡلَمُونَ 19﴾:

واعلموا -أيها الناس- أن الذين يحبُّون أن تنتشر وتشتهر الفاحشة من الزنى والقذف به، وغيرِهِ من الفواحش في المؤمنين، ويَفْرَحون بذلك، لهم عذابٌ أليم موجعٌ في الدنيا: بإقامة الحدِّ عليهم، وبغيره من الابتلاءات، وفي الآخرة -إن لم يتوبوا-: بدخول النار، واللهُ يعلم ما يُصْلِحكم ومجتمعاتِكم من الأحكام والشرائع، وأنتم لا تعلمون.

[20] ﴿وَلَوۡلَا فَضۡلُ ٱللَّهِ عَلَيۡكُمۡ وَرَحۡمَتُهُۥ وَأَنَّ ٱللَّهَ رَءُوفٞ رَّحِيمٞ 20﴾:

واعلموا أيضًا أنه لولا إحاطةُ فَضْلِ الله بكم، وأنَّ رحمته شَمِلتكم ووَسِعتكم، لعاجلكم بالعقوبة على ما اقترفتموه؛ ولكنَّ الله مِنْ رأفته ورحمته بكم لم يُعاجِلْكم العقوبة، بل أَمْهَلَكم ووَعَظكم وعفا عنكم لمَّا تبتم.

[21] ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَتَّبِعُواْ خُطُوَٰتِ ٱلشَّيۡطَٰنِۚ وَمَن يَتَّبِعۡ خُطُوَٰتِ ٱلشَّيۡطَٰنِ فَإِنَّهُۥ يَأۡمُرُ بِٱلۡفَحۡشَآءِ وَٱلۡمُنكَرِۚ وَلَوۡلَا فَضۡلُ ٱللَّهِ عَلَيۡكُمۡ وَرَحۡمَتُهُۥ مَا زَكَىٰ مِنكُم مِّنۡ أَحَدٍ أَبَدٗا وَلَٰكِنَّ ٱللَّهَ يُزَكِّي مَن يَشَآءُۗ وَٱللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٞ 21﴾:

حذَّر جل وعلا عباده المؤمنين، ونهاهم عن اتِّباع طُرُق الشيطان، والمشي خلف وساوسه وتزيينه؛ فإنَّ من اتَّبع الشيطان، وسلك سبيله، فسيأمره الشيطان بقبيح الأفعال والأقوال، وشنيعِها ومُنْكَرِها، ولولا أن فضل الله شَمِلكم، ورحمتَهُ أحاطَتْ بكم، ما تطهَّر أحد منكم من اتِّباع خطوات الشيطان، ومِن دَنَس ذنوبه أبدًا، ولكنَّ الله يطهِّر من يشاء من عباده تفضُّلًا عليهم، ورحمةً بهم، واللهُ سميعٌ لِمَن دعاه، وطلَبَ منه أن يزكِّيه، عليمٌ بنيَّات العباد وأفعالهم.

[22] ﴿وَلَا يَأۡتَلِ أُوْلُواْ ٱلۡفَضۡلِ مِنكُمۡ وَٱلسَّعَةِ أَن يُؤۡتُوٓاْ أُوْلِي ٱلۡقُرۡبَىٰ وَٱلۡمَسَٰكِينَ وَٱلۡمُهَٰجِرِينَ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِۖ وَلۡيَعۡفُواْ وَلۡيَصۡفَحُوٓاْۗ أَلَا تُحِبُّونَ أَن يَغۡفِرَ ٱللَّهُ لَكُمۡۚ وَٱللَّهُ غَفُورٞ رَّحِيمٌ 22﴾:

نهى جل وعلا صاحبَ الفضلِ في الدِّينِ والسَّعَةِ في المال أن يَحْلِفَ بمنع فضله وإحسانه على أُولي القربى والمساكين والمهاجرين في سبيل الله ممن تصدُرُ منهم إساءاتٌ نتيجة الجهل والتقليد، وأمرهم أن يتجاوزوا عن أخطائهم، ويصفحوا عنهم ولا يعاقبوهم، وعليهم أن يواصلوا إحسانهم ومعروفهم؛ لأنهم إنما يبذُلُونَ ذلك ابتغاءَ وجه الله، وطلَبَ مرضاته وغفرانه؛ أَلَا تحبون -أيها المؤمنون- أن يغفر الله لكم ذنوبكم ومعاصيكم؛ فإنه سبحانه كثيرُ المغفرة لمن تاب وأناب إليه من عباده، واسعُ الرحمة بهم.

وهذه الآية نزلت في أبي بكر الصِّدِّيق رضي الله عنه، والأمرُ -وإن كان خاصًّا به- غير أن العبرة بعموم اللفظ، لا بخصوص السبب؛ ولذا فهي تعُمُّ كل صاحب فضل وإحسان بألَّا يقطع نفقته عن قريبه الذي أساء إليه، ثم تاب وطلَبَ منه العفو والمسامحة.

[23] ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ يَرۡمُونَ ٱلۡمُحۡصَنَٰتِ ٱلۡغَٰفِلَٰتِ ٱلۡمُؤۡمِنَٰتِ لُعِنُواْ فِي ٱلدُّنۡيَا وَٱلۡأٓخِرَةِ وَلَهُمۡ عَذَابٌ عَظِيمٞ 23﴾:

أخبَرَ جل وعلا أن الذين يرمون المؤمنات العفيفات البعيدات عن الفجور، اللاتي لا يخطُرُ ببالهنَّ ذلك أصلًا، مطرودون ومُبْعَدونَ من رحمة الله، ولهم عذابٌ عظيمٌ في الدنيا: بإقامة الحدِّ عليهم، وفي الآخرة -إن لم يتوبوا-: بعذاب النار المؤلِم الموجِع.

[24] ﴿يَوۡمَ تَشۡهَدُ عَلَيۡهِمۡ أَلۡسِنَتُهُمۡ وَأَيۡدِيهِمۡ وَأَرۡجُلُهُم بِمَا كَانُواْ يَعۡمَلُونَ 24﴾:

ثم بيَّن سبحانه أن هؤلاء المطرودين والمبعدين من رحمة الله تشهد عليهم ألسنتهم يوم القيامة بما تكلَّمت به، وتشهد عليهم أيديهم وأرجلهم بما عملوا في الدنيا؛ إذْ يُنْطِقها الله جل في علاه في ذلك اليوم العظيم.

[25] ﴿يَوۡمَئِذٖ يُوَفِّيهِمُ ٱللَّهُ دِينَهُمُ ٱلۡحَقَّ وَيَعۡلَمُونَ أَنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلۡحَقُّ ٱلۡمُبِينُ 25﴾:

ثم أخبَرَ جل في علاه أن هؤلاء الذين يرمون المحصَناتِ بفاحشة الزنى، سوف يجازيهم يوم القيامة جزاءهم الحق الذي استحقُّوه -بما قدَّمت أيديهم- ويعلمون حينها علم اليقين: أن الله هو الحقُّ المبين.

[26] ﴿ٱلۡخَبِيثَٰتُ لِلۡخَبِيثِينَ وَٱلۡخَبِيثُونَ لِلۡخَبِيثَٰتِۖ وَٱلطَّيِّبَٰتُ لِلطَّيِّبِينَ وَٱلطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَٰتِۚ أُوْلَٰٓئِكَ مُبَرَّءُونَ مِمَّا يَقُولُونَۖ لَهُم مَّغۡفِرَةٞ وَرِزۡقٞ كَرِيمٞ 26﴾:

ثم أخبَرَ جل وعلا أن الخبيثات من النساء للخبيثين من الرجال، والخبيثين من الرجال للخبيثات من النساء؛ فكل خبيث وخبيثة متوافقان ومتشاكلان، ويناسب أحدهما الآخر، والطيِّبات من النساء للطيبين من الرجال، والطيبون من الرجال للطيبات من النساء؛ فكلُّ طيِّب وطيِّبةٍ متوافقان ومتشاكلان، ويناسب بعضهما بعضًا، ثم بيَّن سبحانه أن الطيبين والطيبات -وفي مقدِّمتهم وعلى رأسهم رسول الله ﷺ، وعائشة - مبرَّؤونَ ومنزَّهونَ مما يرميهم به الخبيثون والخبيثات من الأقوال والأفعال، وأنَّ لهم مغفرةً من الله، ومحوًا لذنوبهم، وسِتْرًا لعيوبهم، ولهم من الله رِزْقٌ كريم في الجنة.

[27] ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَدۡخُلُواْ بُيُوتًا غَيۡرَ بُيُوتِكُمۡ حَتَّىٰ تَسۡتَأۡنِسُواْ وَتُسَلِّمُواْ عَلَىٰٓ أَهۡلِهَاۚ ذَٰلِكُمۡ خَيۡرٞ لَّكُمۡ لَعَلَّكُمۡ تَذَكَّرُونَ 27﴾:

ثم نهى جل وعلا عباده المؤمنين عن اقتحام بيوتِ غيرهم، وفرَضَ الاستئذان والسلام لتحصُلَ المؤانسة، فقال: يا أيها الذين آمنوا بالله، واتَّبعوا الرسول ﷺ، لا تدخلوا بيوتًا غير بيوتكم حتى تستأذنوا أهلها بالدخول، فتقولوا: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته؛ أأدخُلُ؟ واعلموا أن ذلك الاستئذان خيرٌ لكم، لعلكم تتذكَّرون هذا الإرشاد؛ كي تعملوا به، وتكونوا دائمًا متذكِّرين له.

[28] ﴿فَإِن لَّمۡ تَجِدُواْ فِيهَآ أَحَدٗا فَلَا تَدۡخُلُوهَا حَتَّىٰ يُؤۡذَنَ لَكُمۡۖ وَإِن قِيلَ لَكُمُ ٱرۡجِعُواْ فَٱرۡجِعُواْۖ هُوَ أَزۡكَىٰ لَكُمۡۚ وَٱللَّهُ بِمَا تَعۡمَلُونَ عَلِيمٞ 28﴾:

ثم قال سبحانه وتعالى : فإذا لم تجدوا من يأذن لكم، فلا تدخلوها؛ حتى تجدوا من يَمْلِكُ الإذن لكم بدخولها، فإن استأذنتم، فلم يُؤْذَنْ لكم، أو قيل لكم: ارْجِعوا، فعليكم أن ترجعوا مباشرةً، ولا تغضبوا من ذلك؛ فإنَّ امتثالكم للرجوع من غير سخطٍ أطهَرُ وأنقى لقلوبكم، والله بما تعملون عليمٌ؛ لا يخفى عليه شيء من نياتكم وضمائركم وأعمالكم.

[29] ﴿لَّيۡسَ عَلَيۡكُمۡ جُنَاحٌ أَن تَدۡخُلُواْ بُيُوتًا غَيۡرَ مَسۡكُونَةٖ فِيهَا مَتَٰعٞ لَّكُمۡۚ وَٱللَّهُ يَعۡلَمُ مَا تُبۡدُونَ وَمَا تَكۡتُمُونَ 29﴾:

ثم بيَّن جل شأنه أن البيوتَ التي ليست مملوكةً لأحدٍ غيرِكم، أو البيوتَ المعدَّة لابن السبيل ولكم حاجةٌ في دخولها، فهذه ليس عليكم حرَجٌ وإثمٌ أن تدخلوها من غير أن يُؤذَنَ لكم، والله يعلم ما تُظهِرون وما تُخْفون من النيات والأقوال والأعمال.

[30] ﴿قُل لِّلۡمُؤۡمِنِينَ يَغُضُّواْ مِنۡ أَبۡصَٰرِهِمۡ وَيَحۡفَظُواْ فُرُوجَهُمۡۚ ذَٰلِكَ أَزۡكَىٰ لَهُمۡۚ إِنَّ ٱللَّهَ خَبِيرُۢ بِمَا يَصۡنَعُونَ 30﴾:

أمَرَ جل وعلا نبيه محمدًا ﷺ أن يأمر المؤمنين بغَضِّ أبصارهم عن النساء اللاتي لا تَحِلُّ لهم؛ لأن النظرة المحرَّمة التي هي سهم من سهام إبليس عاقبتُها سيئةٌ بكلِّ حالٍ؛ ولأن الناس يكرهون أن يطَّلع الناسُ على عَوْراتهم، وأن يتجسَّسوا عليهم، وعليهم أن يحفظوا فروجهم من فعل الفاحشة، وليعلموا أن غَضَّ البصر وحفظ الفرج أطهَرُ لنفوسهم، واعلموا أن الله خبيرٌ بما تصنعون -أيها الناس- لا يخفى عليه شيء من تصرُّفاتكم.

[31] ﴿وَقُل لِّلۡمُؤۡمِنَٰتِ يَغۡضُضۡنَ مِنۡ أَبۡصَٰرِهِنَّ وَيَحۡفَظۡنَ فُرُوجَهُنَّ وَلَا يُبۡدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنۡهَاۖ وَلۡيَضۡرِبۡنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَىٰ جُيُوبِهِنَّۖ وَلَا يُبۡدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوۡ ءَابَآئِهِنَّ أَوۡ ءَابَآءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوۡ أَبۡنَآئِهِنَّ أَوۡ أَبۡنَآءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوۡ إِخۡوَٰنِهِنَّ أَوۡ بَنِيٓ إِخۡوَٰنِهِنَّ أَوۡ بَنِيٓ أَخَوَٰتِهِنَّ أَوۡ نِسَآئِهِنَّ أَوۡ مَا مَلَكَتۡ أَيۡمَٰنُهُنَّ أَوِ ٱلتَّٰبِعِينَ غَيۡرِ أُوْلِي ٱلۡإِرۡبَةِ مِنَ ٱلرِّجَالِ أَوِ ٱلطِّفۡلِ ٱلَّذِينَ لَمۡ يَظۡهَرُواْ عَلَىٰ عَوۡرَٰتِ ٱلنِّسَآءِۖ وَلَا يَضۡرِبۡنَ بِأَرۡجُلِهِنَّ لِيُعۡلَمَ مَا يُخۡفِينَ مِن زِينَتِهِنَّۚ وَتُوبُوٓاْ إِلَى ٱللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ ٱلۡمُؤۡمِنُونَ لَعَلَّكُمۡ تُفۡلِحُونَ 31﴾:

ثم أمَرَ جل وعلا نبيه محمدًا ﷺ أن يأمر المؤمنات بغَضِّ أبصارهنَّ عما لا يَحِلُّ لهن من العَوْرات؛ وعليهنَّ أن يَحْفَظْنَ فروجهنَّ من الفاحشة، ومن كل ما حرَّم الله.

قال بعض العلماء: قدَّم الله غض البصر في هذه الآية والتي قبلها؛ لأن النظر بريد الزنى، وفي الحديث الذي أخرجه أحمد في المسند، وابن حِبَّان، والبيهقي: «اضْمَنُوا لِي سِتًّا أَضْمَنْ لَكُمُ الجَنَّةَ: وَذَكَرَ مِنْهَا: غُضُّوا أَبْصَارَكُمْ، وَاحْفَظُوا فُرُوجَكُمْ»([1]). [1] أخرجه أحمد في المسند (22757)، وابن حبان (271)، والبيهقي في سننه الكبرى (12691)، عن عبادة بن الصامت رضي الله عنه. وحسنة الألباني في صحيح الجامع (1018).

ثم أمر سبحانه النساء ألَّا يُبْدِينَ زينتهنَّ لأي أحد من الرجال، وعليهنَّ أن يجتهدن في إخفائها، إلا الثياب التي لا يمكن التحرُّز منها، واعتاد الناس على لُبْسها وإظهارها، وليس فيها ما يدعو إلى الفتنة ونحوها، وعليهنَّ أن يلقين بالأغطية على رؤوسهنَّ، مغطِّياتٍ صدورَهُنَّ ليكمل سترهنَّ، ولا يُظْهِرْنَ الزينة الخفيَّة إلا لأزواجهنَّ؛ حيث يجوز للزوج رؤية جميعِ جَسَدِ زوجته. وقد استثنى جل وعلا بعض أصناف الرجال أن يَرَوْا بعض الزينة الخفية؛ كالوجه، والعنق، واليدين، والساعدين، ونحو ذلك، وهؤلاء الأصناف هم: آباؤهنَّ، وآباء أزواجهنَّ، وأبناؤهنَّ، وأبناء أزواجهنَّ الذين من غيرهن، وإخوانهن، وبنو إخوانهن، وبنو أخواتهن. وهؤلاء السبعة كلهم من المحارم، ويلحق بهم الأعمام والأخوال والمحارم من الرضاع، والأصول وإن عَلَوْا، والفروع وإن سفَلُوا. ثم استثنى جل وعلا أصنافًا أخرى من الناس لهم أن يَرَوْا بعض الزينة الخفية، وهم: النساء المسلمات المختصَّات بهنَّ، وما ملَكَت أيمانهنَّ من الإماء، لا من العبيد البالغين. وكذلك ممن استثنى الله: التابعون غير أولي الإِرْبةِ من الرجال الذين لا غرَضَ لهم ولا حاجة في النساء، ولا تحدِّثهم أنفسهم بفاحشةٍ؛ كالبُلْهِ، والمجانين، ونحوهم، وكذلك الأطفال الذين ليس لهم علم بأمور عَوْرات النساء، ولم يصلوا إلى المرحلة التي يشتهون فيها النساء، ثم أمرهنَّ جل وعلا ألَّا يَضْرِبْنَ بأرجلهنَّ الأرض عند المشي؛ لكيلا يعلم الأجانب من الرجال ما تخفيه المرأة من الزينة؛ كالخلاخل ونحوها، بقصد النظر إليهنَّ، والميل نحوهنَّ، ومحادثتهنَّ، ونحو ذلك. فهؤلاء اثنا عشَرَ صنفًا من الناس، ليس على المرأة حرَجٌ في أن تظهر بعض الزينة الخفية أمامهم؛ لانتفاء الفتنة التي من أجلها شرع الله الستر والغطاء.

ثم ختَمَ جل وعلا الآية بأمر المؤمنين بطلَبِ التوبة الصادقة النصوح؛ لأن الإنسان مهما حافظ على نفسه، فإنه لا يسلم من الغَفَلات أو اللَّمَحات، فعليكم -أيها المؤمنون- بالرجوع إلى الله ربكم، وطاعته فيما أمركم به من الطاعات، والابتعاد عما نهاكم عنه من الذنوب والمعاصي؛ لكي تفوزوا بخيري الدنيا والآخرة. ومن أجل هذه التعليمات العظيمة، قال القُرْطُبيُّ وغيره من علماء التفسير: إن هذه السورة حافلةٌ بتعليم الآداب والعَفَاف والستر؛ فهي نهت عن الزنى، ثم نهت عن كل ما يفضي إليه؛ بأنْ وضَعَتْ في طريقه السدود والحواجز الوقائية؛ كتحريم الاختلاط، والخَلْوة، والنظَرِ، وحفظِ الفروجِ، وعدمِ التبرُّج، ثم حثَّت على كثرة التوبة مما يقع فيه الإنسان من خطأ وخلل ونحوه.

[32] ﴿وَأَنكِحُواْ ٱلۡأَيَٰمَىٰ مِنكُمۡ وَٱلصَّٰلِحِينَ مِنۡ عِبَادِكُمۡ وَإِمَآئِكُمۡۚ إِن يَكُونُواْ فُقَرَآءَ يُغۡنِهِمُ ٱللَّهُ مِن فَضۡلِهِۦۗ وَٱللَّهُ وَٰسِعٌ عَلِيمٞ 32﴾:

حث جل وعلا السادة، ومُلَّاك الأرقَّاء، والرجال القادرين: على تزويج كل أيِّم بلَغَ رشده من أبنائهم وبناتهم، والصالحين من عبيدهم وجواريهم؛ لأن الزواج هو أحدُ الطرقِ المشروعةِ لقضاء الشهوة، ثم طمأن الخائفين من الحاجة والفَقْر بأنَّ الله سيُغْنيهم من فضله؛ فإنه سبحانه غنيٌّ حميد؛ واسعُ الغنى، حميدُ الفعال، لا تنفد خزائنه ولا ينتهي ما عنده من خير، عليمٌ بأحوال عباده؛ لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء.

[33] ﴿وَلۡيَسۡتَعۡفِفِ ٱلَّذِينَ لَا يَجِدُونَ نِكَاحًا حَتَّىٰ يُغۡنِيَهُمُ ٱللَّهُ مِن فَضۡلِهِۦۗ وَٱلَّذِينَ يَبۡتَغُونَ ٱلۡكِتَٰبَ مِمَّا مَلَكَتۡ أَيۡمَٰنُكُمۡ فَكَاتِبُوهُمۡ إِنۡ عَلِمۡتُمۡ فِيهِمۡ خَيۡرٗاۖ وَءَاتُوهُم مِّن مَّالِ ٱللَّهِ ٱلَّذِيٓ ءَاتَىٰكُمۡۚ وَلَا تُكۡرِهُواْ فَتَيَٰتِكُمۡ عَلَى ٱلۡبِغَآءِ إِنۡ أَرَدۡنَ تَحَصُّنٗا لِّتَبۡتَغُواْ عَرَضَ ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَاۚ وَمَن يُكۡرِههُّنَّ فَإِنَّ ٱللَّهَ مِنۢ بَعۡدِ إِكۡرَٰهِهِنَّ غَفُورٞ رَّحِيمٞ 33﴾:

أما الذين لا مال معهم، وليس لهم من يُسْنِدهم ويساعدهم على الزواج، فقد أمرهم جل وعلا بالاستعفاف، وأن ينتظروا الفرَجَ والغنى منه سبحانه، وأمر المُلَّاكَ إذا طلب منهم مواليهم أو إماؤهم المكاتَبةَ لتحرير أنفسهم: أن يتعاونوا معهم، ويساعدوهم في ذلك؛ إذا علموا فيهم صلاحًا وقدرة على التكسُّب، وعليهم أن يعطوهم شيئًا من المال أو أن يحُطُّوا عنهم شيئًا مما كوتبوا فيه، ثم نهى جل وعلا عن رذيلةٍ وفاحشةٍ كانت منتشرة في المجتمع الجاهلي لتطهيره منها، فأخبَرَ أنه لا يجوز إكراه الجواري اللاتي يُرِدْنَ الطُّهْر والعفاف على الزنى؛ من أجل الحصول على المال، ومن يُكْرِههُّنَّ على الزنى، فإن الله من بعد إكراههنَّ غفورٌ لهنَّ، ورحيمٌ بهنَّ، أما الذين أكرهوهنَّ على الزنى، فإنهم آثمون، وسيجازيهم الله على فعلهم بما يستحقون من العقاب. وقوله: ﴿وَلَا تُكۡرِهُواْ فَتَيَٰتِكُمۡ عَلَى ٱلۡبِغَآءِ...﴾، نزلت في رأس المنافقين عبدِ اللهِ بنِ أبيٍّ ابنِ سَلُولَ؛ حيث كان عنده فتيات إماء مملوكات له يكلِّفُهُنَّ ويكرهُهُنَّ على جمع المال له من البغاء.

[34] ﴿وَلَقَدۡ أَنزَلۡنَآ إِلَيۡكُمۡ ءَايَٰتٖ مُّبَيِّنَٰتٖ وَمَثَلٗا مِّنَ ٱلَّذِينَ خَلَوۡاْ مِن قَبۡلِكُمۡ وَمَوۡعِظَةٗ لِّلۡمُتَّقِينَ 34﴾:

أقسم جل وعلا أنه أنزَلَ للناس في هذا القرآن على وجه العموم، وفي هذه السورة على وجه الخصوص: آيات بيِّنات وموضِّحات لما يحتاجه البشر من الحدود والأحكام والآداب، وأنزَلَ فيه أمثلة مما حَلَّ في الأمم من قبلهم؛ لتكون عِبْرةً وعظةً لهم، وجعل سبحانه هذه الآيات موعظة للمتقين الذين يتقون الله بفعل أوامره، واجتناب نواهيه، وخصَّص جل وعلا المتقين بالانتفاع؛ لأنهم هم الذين تُهِمُّهم السلامة من الآثام، ويطلبون رضا الله والفوز بالجنة.

[35] ﴿ٱللَّهُ نُورُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۚ مَثَلُ نُورِهِۦ كَمِشۡكَوٰةٖ فِيهَا مِصۡبَاحٌۖ ٱلۡمِصۡبَاحُ فِي زُجَاجَةٍۖ ٱلزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوۡكَبٞ دُرِّيّٞ يُوقَدُ مِن شَجَرَةٖ مُّبَٰرَكَةٖ زَيۡتُونَةٖ لَّا شَرۡقِيَّةٖ وَلَا غَرۡبِيَّةٖ يَكَادُ زَيۡتُهَا يُضِيٓءُ وَلَوۡ لَمۡ تَمۡسَسۡهُ نَارٞۚ نُّورٌ عَلَىٰ نُورٖۚ يَهۡدِي ٱللَّهُ لِنُورِهِۦ مَن يَشَآءُۚ وَيَضۡرِبُ ٱللَّهُ ٱلۡأَمۡثَٰلَ لِلنَّاسِۗ وَٱللَّهُ بِكُلِّ شَيۡءٍ عَلِيمٞ 35﴾:

أخبَرَ جل وعلا أنه نُورُ السموات والأرض، وهادي أهلها إلى الإيمان والقرآن، ومثَلُ نُوره الذي يهدي إليه كمِشْكاة، وهي فتحةٌ في الحائط غير نافذة، وفي هذه الفتحة مصباحٌ، وهذا المصباحُ في زجاجة، وهذه الزجاجةُ كأنها كوكب مضيءٌ كالدُّرِّ من شدة صفائه وتوهُّجه، وهذا المصباح يستمد نوره من زيت شجرة الزيتون المباركة، وهذه الشجرة متوسِّطة في مكان من الأرض تَسْطَعُ عليها الشمس عند شروقها وعند غروبها وما بين ذلك، يكاد زيتها مِنْ صفائه أن يضيء من نفسه دون أن تَمَسَّهُ النار، فإذا مسَّته النار، صار نُورًا على نُور؛ نورًا من صفاء الزيت، ونورًا من إشعالها بالنار، ثم بيَّن جل وعلا أنه يهدي لنوره العظيم مَنْ يشاء هدايته من عباده، بأن يوفِّقهم لفهم كتابه، والاستنارة بنوره، هدايةً خاصَّةً توصِّلهم إلى النور العظيم الشأن الآتي من الله، ويضرب الله الأمثال للناس؛ لكي يقرِّب لهم الأمور، وييسِّرها لهم، ويعرفوا الحكمة من أمثاله، والله بكل شيء عليمٌ؛ لا يخفى عليه شيء، يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور. وقوله: ﴿ٱللَّهُ نُورُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۚ ﴾، النُّورُ نوعان:

نورٌ حِسِّيٌّ مخلوق؛ وهو نورٌ صادر من الكواكب ونحوها؛ وهذا النور مستمَدٌّ من الله؛ لأنه هو الذي ينوِّر الكون.

ونورٌ معنويٌّ؛ وهو نور الإيمان بالله، ونور شرعه وكتابه.

[36] ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ ٱللَّهُ أَن تُرۡفَعَ وَيُذۡكَرَ فِيهَا ٱسۡمُهُۥ يُسَبِّحُ لَهُۥ فِيهَا بِٱلۡغُدُوِّ وَٱلۡأٓصَالِ 36﴾:

ثم بيَّن جل وعلا أن النور المضيء الذي يهدي الله إليه مَنْ يشاء من عباده، هو نورُ أولئك الرجال الذين هداهم الله لِنُوره، والذين يتعبَّدونه سبحانه في تلك المساجد التي أمَرَ ببنائها وتعظيم شأنها وقَدْرها، ويذكُرُونَ فيها اسمه بتلاوة كتابه، ويسبِّحون ويهلِّلون فيها بكل أنواع الذكر، ويصلُّون فيها لله صباحًا ومساءً، ويرفعون فيها صوتَ النداء للصلاة.

[37] ﴿رِجَالٞ لَّا تُلۡهِيهِمۡ تِجَٰرَةٞ وَلَا بَيۡعٌ عَن ذِكۡرِ ٱللَّهِ وَإِقَامِ ٱلصَّلَوٰةِ وَإِيتَآءِ ٱلزَّكَوٰةِ يَخَافُونَ يَوۡمٗا تَتَقَلَّبُ فِيهِ ٱلۡقُلُوبُ وَٱلۡأَبۡصَٰرُ 37﴾:

ثم بيَّن جل وعلا أن هؤلاء الذين يذكُرُونَ الله ويسبِّحونه في بيوت الله هم رجالٌ من صفاتهم: أنهم لا تُلْهِيهم، أي: لا تَشْغَلُهم التجارة ولا البيع عن ذِكْر الله وعن تسبيحه وتحميده وتهليله، ولا ينشغلون عن إقامة الصلاة في أوقاتها المحدَّدة، ولا عن إيتاء الزكاة لمستحقِّيها، مهما كانت أهمية هذه الأنشطة ومهما كانت حاجتهم لها؛ فهم يتاجرون، ولكنَّ ذلك لا يمنعهم عن العبادة والذكر والتسبيح، ومع هذا كله فهم يخافون يوم القيامة الذي تتقلَّب فيه القلوب؛ من شدة فَزَعه وعظيم هَوْله، وتتقلب فيه الأبصار تنظر إلى مصيرها المكتوب لها.

[38] ﴿لِيَجۡزِيَهُمُ ٱللَّهُ أَحۡسَنَ مَا عَمِلُواْ وَيَزِيدَهُم مِّن فَضۡلِهِۦۗ وَٱللَّهُ يَرۡزُقُ مَن يَشَآءُ بِغَيۡرِ حِسَابٖ 38﴾:

ثم أخبَرَ جل وعلا أنه سيجزي المؤمنين الذين يذكُرُونَ الله كثيرًا ويقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وغيرها من العبادات أحسَنَ الجزاء على أعمالهم الصالحة، ويزيدهم من فضله وإحسانه بمضاعفة أجورهم، والله يرزُقُ من يشاء من عباده بغير حساب. ولا شك أن هؤلاء هم الرجال بحقٍّ؛ لأنهم غلَّبوا طلب رضا الله على حظ أنفسهم؛ فجمعوا بين الحسنيَيْن؛ فاستحقُّوا فضل الله ورضوانه، والجزاء الكبير على أعمالهم.

[39] ﴿وَٱلَّذِينَ كَفَرُوٓاْ أَعۡمَٰلُهُمۡ كَسَرَابِۭ بِقِيعَةٖ يَحۡسَبُهُ ٱلظَّمۡـَٔانُ مَآءً حَتَّىٰٓ إِذَا جَآءَهُۥ لَمۡ يَجِدۡهُ شَيۡـٔٗا وَوَجَدَ ٱللَّهَ عِندَهُۥ فَوَفَّىٰهُ حِسَابَهُۥۗ وَٱللَّهُ سَرِيعُ ٱلۡحِسَابِ 39﴾:

والذين كفروا بالله، ولم يتَّبعوا رسله، فإن أعمال الخير التي عملوها -من صلةِ رَحِمٍ، وسقايةِ حاجٍّ ونحوها- وظنوا أنها ستنفعهم، مَحَقَها الله وأفناها، وجعلها كمثل السرابِ يظنه ويتوهَّمه العطشانُ شديدُ العطش إذا رآه من بعيد ماءً، فيحُثُّ السيرَ إليه، حتى إذا اقترب منه وأبصره، لم يجده شيئًا، فَتَكْبُرُ حسرته، ويخيبُ أمله؛ فكذلك أعماله يظُنُّ أنها ستنفعه؛ فإذا جاء يوم القيامة، لم يجدها إلا هباءً منثورًا بسبب تركه للتوحيد، ثم وجَدَ اللهَ تعالى -الذي لم يحسُبْ له حسابًا- له بالمرصاد؛ يحاسبه ويجازيه على أعماله أتمَّ الجزاء وأوفاه، والله سريع الحساب.

[40] ﴿أَوۡ كَظُلُمَٰتٖ فِي بَحۡرٖ لُّجِّيّٖ يَغۡشَىٰهُ مَوۡجٞ مِّن فَوۡقِهِۦ مَوۡجٞ مِّن فَوۡقِهِۦ سَحَابٞۚ ظُلُمَٰتُۢ بَعۡضُهَا فَوۡقَ بَعۡضٍ إِذَآ أَخۡرَجَ يَدَهُۥ لَمۡ يَكَدۡ يَرَىٰهَاۗ وَمَن لَّمۡ يَجۡعَلِ ٱللَّهُ لَهُۥ نُورٗا فَمَا لَهُۥ مِن نُّورٍ 40﴾:

أخبَرَ جل وعلا عن أعمال الكفار أنها مثل ظُلُماتٍ في بحرٍ عميقٍ يعلوه مَوْج، ومِن فوق الموج موج آخر أشد منه، ومن فوق هذا الموج سحابٌ كثيف متراكم، وهذه كلها ظلمات شديدة بعضها فوق بعض؛ فإذا أراد الناظر أن يُخْرِجَ يده، فإنه لا يكاد يراها من شدة الظلمات، وهكذا الكفار تراكَمَتْ عليهم ظلمات الشرك والكفر والضلال، والذنوب والمعاصي وفساد الأعمال؛ فلذلك بَقُوا في الظُّلْمةِ متحيِّرين، وعن الصراط المستقيم مُدْبِرين، وفي طريقِ الغيِّ والضلالِ سائرين؛ وهذا كله لأن الله خذلهم بسبب عنادهم وإصرارهم على الكفر والضلال؛ فلم يعطهم الله من نُوره، ولا شك أن من لم يجعل الله له نُورًا من كتابه وسنة نبيه ﷺيهتدي بها إلى الصراط المستقيم، فما له من نور يهديه إلى الحق والخير والعمل الصالح؛ فاللهم اجعَلْ لنا نورًا يوصِّلنا إلى رضوانك يا رب العالمين.

[41] ﴿أَلَمۡ تَرَ أَنَّ ٱللَّهَ يُسَبِّحُ لَهُۥ مَن فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ وَٱلطَّيۡرُ صَٰٓفَّٰتٖۖ كُلّٞ قَدۡ عَلِمَ صَلَاتَهُۥ وَتَسۡبِيحَهُۥۗ وَٱللَّهُ عَلِيمُۢ بِمَا يَفۡعَلُونَ 41﴾:

ثم قال سبحانه وتعالى : ألم تعلم -أيها النبي- أن الله يسبِّح له جميع من في السموات وجميع من في الأرض، وما بينهما؟! بل حتى الجمادات تسبِّح له جل في علاه؟! والطير أيضًا تسبِّح له سبحانه حال كونها صافَّاتٍ أجنحَتَها في السماء؟! كلٌّ ألهمه سبحانه الصلاة والتسبيح حسَبَ تكوينه؛ إما أن يكونَ ذلك بفِطْرته التي فُطِرَ عليها، أو يكونَ بإلهام أو وحي منه جل وعلا، لا يخفى عليه سبحانه شيء من ذلك، والله عليمٌ بكل أفعال عباده وأقوالهم، مطَّلعٌ على ما يفعله كل عابد ومسبِّح، وسيجازي كلًّا بما يستحقه من الثواب والعقاب.

[42] ﴿وَلِلَّهِ مُلۡكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۖ وَإِلَى ٱللَّهِ ٱلۡمَصِيرُ 42﴾:

ثم بيَّن سبحانه أن له وحده -لا لغيره- مُلْكَ وتدبيرَ السموات والأرض وما فيهما وما بينهما، وإليه سبحانه المآل والمرجع يوم القيامة.

[43] ﴿أَلَمۡ تَرَ أَنَّ ٱللَّهَ يُزۡجِي سَحَابٗا ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيۡنَهُۥ ثُمَّ يَجۡعَلُهُۥ رُكَامٗا فَتَرَى ٱلۡوَدۡقَ يَخۡرُجُ مِنۡ خِلَٰلِهِۦ وَيُنَزِّلُ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مِن جِبَالٖ فِيهَا مِنۢ بَرَدٖ فَيُصِيبُ بِهِۦ مَن يَشَآءُ وَيَصۡرِفُهُۥ عَن مَّن يَشَآءُۖ يَكَادُ سَنَا بَرۡقِهِۦ يَذۡهَبُ بِٱلۡأَبۡصَٰرِ 43﴾:

ثم قال جل في علاه: ألم تنظُرْ -أيها الإنسان- وترى بعينيك أن الله جل وعلا يسوق السحابَ ويَدْفَعُهُ إلى حيث يشاء بقدرته، ثم يجمعه بعد تفرُّقه، ثم يجعله متراكمًا؛ ليؤلِّف كتلة السحاب الماطرة؛ فترى كيف يُنْزِلُ منها المطر؛ حسَبَ حكمته التي اقتضتها مشيئته، ويُنْزِلُ من السحاب الذي يشبه الجبال في عظمته بَرَدًا؛ فيصيب به مَنْ يشاء من عباده، ويصرفه عمن يشاء بحسَبِ حكمته وتقديره، يكاد ضوء ذلك البَرْق في السحاب من شِدَّته وقوَّة لَمَعانه أن يذهب بأبصار الناظرين إليه.

[44] ﴿يُقَلِّبُ ٱللَّهُ ٱلَّيۡلَ وَٱلنَّهَارَۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَعِبۡرَةٗ لِّأُوْلِي ٱلۡأَبۡصَٰرِ 44﴾:

أخبَرَ جل وعلا أن من دلائل قدرته العظيمة: أنه يقلِّب الليل والنهار؛ فإذا جاء الليل، ذهب النهار، وإذا جاء النهار، ذهب الليل، وإذا نقص أحدهما، زاد الآخر، وهكذا، كل ذلك يتم بحساب دقيق بعلمه سبحانه وتعالى ، ثم أخبَرَ سبحانه أن في ذلك عِبْرةً يعتبر بها أولو الأبصار التي تبصر قدرة الله وتعتبر بها؛ كما قال تعالى: ﴿وَهُوَ ٱلَّذِي جَعَلَ ٱلَّيۡلَ وَٱلنَّهَارَ خِلۡفَةٗ لِّمَنۡ أَرَادَ أَن يَذَّكَّرَ أَوۡ أَرَادَ شُكُورٗا﴾ [الفرقان:62]، أي: أن من حكمة الله في خلق الليل والنهار: الاعتبارَ والاتِّعاظَ أن الله لم يخلقهما عبثًا، وكذلك شكر الله على هذه النعمة وغيرها من النعم التي لا تُعَدُّ ولا تحصى.

[45] ﴿وَٱللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَآبَّةٖ مِّن مَّآءٖۖ فَمِنۡهُم مَّن يَمۡشِي عَلَىٰ بَطۡنِهِۦ وَمِنۡهُم مَّن يَمۡشِي عَلَىٰ رِجۡلَيۡنِ وَمِنۡهُم مَّن يَمۡشِي عَلَىٰٓ أَرۡبَعٖۚ يَخۡلُقُ ٱللَّهُ مَا يَشَآءُۚ إِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ قَدِيرٞ 45﴾:

أخبَرَ جل وعلا أنه خلق كل ما يَدِبُّ على الأرض من ماء؛ كما قال تعالى: ﴿وَجَعَلۡنَا مِنَ ٱلۡمَآءِ كُلَّ شَيۡءٍ حَيٍّۚ ﴾ [الأنبياء:30]، ثم ذكَرَ قدرته على تنويع الخلائق؛ فمِنْ خلقه: من يمشي على بطنه؛ كالحيات ونحوها، ومنهم: من يمشي على رجلَيْنِ: كالإنسان والطير، ومنهم: من يمشي على أربع؛ كالبهائم ونحوها، وهو سبحانه يخلق ما يشاء؛ إنه على كل شيء قدير، لا يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء؛ فسبحان الخلَّاق المُبْدِع.

[46] ﴿لَّقَدۡ أَنزَلۡنَآ ءَايَٰتٖ مُّبَيِّنَٰتٖۚ وَٱللَّهُ يَهۡدِي مَن يَشَآءُ إِلَىٰ صِرَٰطٖ مُّسۡتَقِيمٖ 46﴾:

ثم أخبَرَ سبحانه أنه أنزَلَ في القرآن آيات بيناتٍ واضحاتِ الدلالة على توحيده، وعلى كلِّ ما يحبُّه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال الظاهرة والباطنة، والله يهدي ويوفِّق للحق والصواب والرشاد من يشاء برحمته وفضله ممَّن أناب ورغب في الهداية إلى الطريق الحق الذي لا اعوجاج فيه، وهو الإيمان والتوحيد الذي يوصِّل صاحبه إلى جنات النعيم.

[47] ﴿وَيَقُولُونَ ءَامَنَّا بِٱللَّهِ وَبِٱلرَّسُولِ وَأَطَعۡنَا ثُمَّ يَتَوَلَّىٰ فَرِيقٞ مِّنۡهُم مِّنۢ بَعۡدِ ذَٰلِكَۚ وَمَآ أُوْلَٰٓئِكَ بِٱلۡمُؤۡمِنِينَ 47﴾:

ثم أخبَرَ سبحانه أن المنافقين يقولون بألسنتهم فقطْ: لقد آمنَّا بالله وبما جاء به الرسول ﷺ، وأطعنا أمرهما، ثم تُعرِضُ مجموعة كبيرة منهم بعد ذلك؛ فلا تَقْبَلُ حكم الرسول ﷺ، فاعلموا -أيها الناس- أن أولئك ليسوا بمؤمنين؛ لأنهم يقولون بألسنتهم ما ليس في قلوبهم. وسبب نزول هذه الآية: أن سيد المنافقين عبدَ اللهِ بنَ أُبَيٍّ ابنَ سَلُولَ كان بينه وبين يهودي خلاف، فدعاه اليهودي إلى المحاكمة عند رسول الله ﷺ، والمنافق طلب أن يحكم بينهما كَعْب بن الأشرف. والآية عامة لأن لها نظائرَ وأشباهًا؛ فهناك أناس ضعيفو الإيمان إذا صار أحدهم محقًّا، وعلم أن الحق بجانبه، طلَبَ المحاكمة عند الرسول ﷺ، وإذا كان مبطِلًا، رغب في حكم غيره. والآية نصَّت على أن مثل هؤلاء ليسوا بالمؤمنين؛ كما نُصَّ على ذلك في قوله تعالى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤۡمِنُونَ حَتَّىٰ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيۡنَهُمۡ ثُمَّ لَا يَجِدُواْ فِيٓ أَنفُسِهِمۡ حَرَجٗا مِّمَّا قَضَيۡتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسۡلِيمٗا﴾ [النساء:65]، وفي زماننا هذا: فإن البلاد التي فيها محاكمُ عُرْفيةٌ، ومحاكمُ شرعيَّة، فإن المبطل يطلُبُ التحاكم إلى المحاكم العُرْفية.

[48] ﴿وَإِذَا دُعُوٓاْ إِلَى ٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦ لِيَحۡكُمَ بَيۡنَهُمۡ إِذَا فَرِيقٞ مِّنۡهُم مُّعۡرِضُونَ 48﴾:

ثم أخبَرَ جل شأنه أنه إذا حصَلَتْ بين المنافقين وبين أحدٍ خصومةٌ، ثم طُلِبوا إلى حكم الله ورسوله ليفصِلَ بينهم، إذا فريقٌ منهم يُعْرِضون ويرفضون التحاكم لله ورسوله ﷺ، ويبتغون حكم الجاهلين.

[49] ﴿وَإِن يَكُن لَّهُمُ ٱلۡحَقُّ يَأۡتُوٓاْ إِلَيۡهِ مُذۡعِنِينَ 49﴾:

أما إذا كان الحقُّ في صالحهم إذا تحاكموا إلى الشرع، فقد بين سبحانه أنهم يأتون طائعين منقادين مُسْرِعين؛ لأنه يُثبِتُ الحق لصالحهم.

[50] ﴿أَفِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ أَمِ ٱرۡتَابُوٓاْ أَمۡ يَخَافُونَ أَن يَحِيفَ ٱللَّهُ عَلَيۡهِمۡ وَرَسُولُهُۥۚ بَلۡ أُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلظَّٰلِمُونَ 50﴾:

ثم سأل سبحانه عمَّن كانت هذه حالتهم، وتلك صفتهم: هل في قلوبهم مرَضُ الكفر والنفاق؟! أم شكُّوا في حكم النبي ﷺ وعدله؟! أم يخافون ويخشون أن يحكم الله ورسوله عليهم حكمًا ظالمًا؟! فأجاب سبحانه بقوله: بل أولئك هم الظالمون المجاوزون حدَّهم.

[51] ﴿إِنَّمَا كَانَ قَوۡلَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ إِذَا دُعُوٓاْ إِلَى ٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦ لِيَحۡكُمَ بَيۡنَهُمۡ أَن يَقُولُواْ سَمِعۡنَا وَأَطَعۡنَاۚ وَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡمُفۡلِحُونَ 51﴾:

ثم قال جل في علاه: إنما كان قولَ المؤمنين بالله حقًّا، والمنقادين لشريعته صدقًا: إذا دُعُوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم، أن يقولوا مباشرةً: سمعًا وطاعةً، وحبًّا وكرامةً، ولا يخالف ذلك أهواءهم، ومَنْ كانت هذه صفتهم، فأولئك هم المفلحون، الذين يفوزون بالمطلوب، وينجون من المكروه؛ سواءٌ حكم لهم أو لغيرهم.

[52] ﴿وَمَن يُطِعِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ وَيَخۡشَ ٱللَّهَ وَيَتَّقۡهِ فَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡفَآئِزُونَ 52﴾:

واعلموا -أيها الناس- أن مَنْ يُطِعِ الله ورسوله، أمرًا ونهيًا، ويَنْقَدْ لهما، ويَخَفْ من الله سرًّا وعلنًا، ويترُكْ ما نهى الله عنه، فأولئك -وحدهم- هم الفائزون الآمنون من عذاب الله، المُنعَّمون برحمة الله في جنات النعيم.

[53] ﴿وَأَقۡسَمُواْ بِٱللَّهِ جَهۡدَ أَيۡمَٰنِهِمۡ لَئِنۡ أَمَرۡتَهُمۡ لَيَخۡرُجُنَّۖ قُل لَّا تُقۡسِمُواْۖ طَاعَةٞ مَّعۡرُوفَةٌۚ إِنَّ ٱللَّهَ خَبِيرُۢ بِمَا تَعۡمَلُونَ 53﴾:

ثم أخبَرَ جل وعلا أن المنافقين أقسموا بالله الأيمانَ المغلَّظةَ: لئن أمرهم النبي ﷺ بالخروج للجهاد، لَيَخْرُجُنَّ معه، وليستجيبُنَّ له، فقل لهم -أيها النبي-: لا تقسموا بالله الأيمان الكاذبة؛ فإنَّا قد عرَفْنا طاعتكم، وقد نبَّأنا الله من أخباركم، فإنْ كنتم حقًّا مؤمنين، فأطيعوا الله وامتثلوا أوامره، واعلموا أن الله خبيرٌ بأعمالكم، مطَّلِعٌ على سرائركم ونيَّاتكم.

[54] ﴿قُلۡ أَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُواْ ٱلرَّسُولَۖ فَإِن تَوَلَّوۡاْ فَإِنَّمَا عَلَيۡهِ مَا حُمِّلَ وَعَلَيۡكُم مَّا حُمِّلۡتُمۡۖ وَإِن تُطِيعُوهُ تَهۡتَدُواْۚ وَمَا عَلَى ٱلرَّسُولِ إِلَّا ٱلۡبَلَٰغُ ٱلۡمُبِينُ 54﴾:

وقل -أيها النبي- للناس: أطيعوا الله، وأطيعوا الرسول ﷺ، وامتثلوا أمرهما، فإنْ تولَّيتم وأعرضتم عن طاعة الرسول ﷺ، فإنا لم نكلِّفْهُ إلا بالرسالة والبلاغ، وقد أدَّاها وقام بحقِّها، وعليكم أنتم ما كُلِّفتموه من الانقياد والطاعة والامتثال، واعلموا أنكم إن أطعتم الرسول ﷺ، وامتثلتم أمره، اهتديتم -لا محالة- إلى الصراط المستقيم، واعلموا أنه ليس على الرسول إلا البلاغُ البيِّن الواضح؛ وقد فعل ﷺ.

[55] ﴿وَعَدَ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ مِنكُمۡ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ لَيَسۡتَخۡلِفَنَّهُمۡ فِي ٱلۡأَرۡضِ كَمَا ٱسۡتَخۡلَفَ ٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِهِمۡ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمۡ دِينَهُمُ ٱلَّذِي ٱرۡتَضَىٰ لَهُمۡ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّنۢ بَعۡدِ خَوۡفِهِمۡ أَمۡنٗاۚ يَعۡبُدُونَنِي لَا يُشۡرِكُونَ بِي شَيۡـٔٗاۚ وَمَن كَفَرَ بَعۡدَ ذَٰلِكَ فَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡفَٰسِقُونَ 55﴾:

ثم بشَّر جل وعلا المؤمنين بالنصر والتمكين؛ بشَرْطِ أن يؤمنوا بالله؛ ويتَّبعوا الرسول ﷺ، ويعملوا الصالحات؛ فمن اتصف بهذه الصفات، فسوف تكون لهم العاقبة؛ بأن يُورِثَهم أرض المشركين، ويجعلهم خلفاء فيها، كما أورثها الذين من قبلهم الذين آمنوا بالله ورسله، وأن يمكِّن لهم نشر دين الإسلام؛ فيكون دينًا عزيزًا مكينًا ثابتًا في القلوب، راسخًا في النفوس، وأن يبدِّل حالهم من الخوف إلى الأمن والاطمئنان وراحة البال؛ كل هذا يتحقَّق إذا عبدوا الله وحده عبادة خالصة تامَّة، وألَّا يشركوا مع الله شيئًا، أما من كفر بعد الاستخلاف والأمن والتمكين، وجحَدَ نعم الله عليه، واستعمَلَ نعم الله في غير طاعته، فأولئك هم الكافرون الخارجون عن طاعة الله.

[56] ﴿وَأَقِيمُواْ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتُواْ ٱلزَّكَوٰةَ وَأَطِيعُواْ ٱلرَّسُولَ لَعَلَّكُمۡ تُرۡحَمُونَ 56﴾:

أمَرَ جل وعلا عباده المؤمنين بإقامة الصلاة، وإيتاء الزكاة، ولا شك أن إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة هما أعظَمُ أركان الإسلام بعد الشهادتَيْن، وهما جامعان لحقِّه وحقِّ عبيدهِ: بالإخلاص له بأداء الصلاة بشروطها وأركانها وحضور القلب فيها، وأداء الزكاة إلى عباده المستحقِّين لها، ثم أمرهم بطاعة الرسول ﷺ في سائر ما أمَرَهم به طاعةً تامَّةً؛ رجاءَ أن يرحمهم الله.

[57] ﴿لَا تَحۡسَبَنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مُعۡجِزِينَ فِي ٱلۡأَرۡضِۚ وَمَأۡوَىٰهُمُ ٱلنَّارُۖ وَلَبِئۡسَ ٱلۡمَصِيرُ 57﴾:

ثم سلَّى جل وعلا نبيه ﷺ، فقال له: لا تنزعجْ -أيها النبي- من تمتُّع الذين كفروا وتقلبهم في البلاد، ولا تظُنَّنَّ أنهم معجزون الله وناجون من عقابه إذا أراد أن يعذِّبهم، كلَّا؛ بل الله قادر على إهلاكهم، وسوف يجعل مستقرَّهم النار يوم القيامة، ولبئس هذا المآل والمرجع.

[58] ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لِيَسۡتَـٔۡذِنكُمُ ٱلَّذِينَ مَلَكَتۡ أَيۡمَٰنُكُمۡ وَٱلَّذِينَ لَمۡ يَبۡلُغُواْ ٱلۡحُلُمَ مِنكُمۡ ثَلَٰثَ مَرَّٰتٖۚ مِّن قَبۡلِ صَلَوٰةِ ٱلۡفَجۡرِ وَحِينَ تَضَعُونَ ثِيَابَكُم مِّنَ ٱلظَّهِيرَةِ وَمِنۢ بَعۡدِ صَلَوٰةِ ٱلۡعِشَآءِۚ ثَلَٰثُ عَوۡرَٰتٖ لَّكُمۡۚ لَيۡسَ عَلَيۡكُمۡ وَلَا عَلَيۡهِمۡ جُنَاحُۢ بَعۡدَهُنَّۚ طَوَّٰفُونَ عَلَيۡكُم بَعۡضُكُمۡ عَلَىٰ بَعۡضٖۚ كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ ٱللَّهُ لَكُمُ ٱلۡأٓيَٰتِۗ وَٱللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٞ 58﴾:

يا أيها الذين آمنوا بالله، واتَّبعوا رسوله ﷺ، عليكم أن تمنعوا عبيدكم وإماءكم والأطفال الذين لم يبلغوا الحُلُمَ من الدخول عليكم، من غير استئذان في هذه الأوقات الثلاثة، التي هي مَظِنَّةُ خَلْعِ المرء لثيابه أو لُبْسِ ثياب غير ساترة، وهذه الأوقات هي: مِنْ قبل صلاة الفجر؛ لأنه وقتُ الخروجِ من ثيابِ النوم، ولُبْسِ ثياب اليقظة، وحين تضعون ثيابكم عند الظهيرة؛ لأنه وقت خلع الثياب للقيلولة، ومن بعد صلاة العشاء؛ لأنه وقت النوم.

وهذا الحكمُ خاصٌّ بمن ذُكِرَ في هذه الآية، أما البالغون من الرجال والنساء، فاستئذانهم واجب في كل الأوقات، واعلموا أن هذه الأوقات الثلاثة هي عَوْراتٌ لكم، وأما ما عداها من الأوقات، فليس عليكم ولا عليهم حرَجٌ أن يدخلوا بدون استئذان؛ لحاجة دخولهم عليكم، ولأنهم يعيشون بينكم ويطوفون عليكم لخِدْمتكم.

وبمثل هذا البيان لأحكام الاستئذان يبيِّنُ جل وعلا لكم الآيات والأحكام التي تكون سببًا في سعادتكم ونجاتكم، والله عليمٌ بما يصلح عباده، حكيمٌ في تدبيره أمورهم.

[59] ﴿وَإِذَا بَلَغَ ٱلۡأَطۡفَٰلُ مِنكُمُ ٱلۡحُلُمَ فَلۡيَسۡتَـٔۡذِنُواْ كَمَا ٱسۡتَـٔۡذَنَ ٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِهِمۡۚ كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ ٱللَّهُ لَكُمۡ ءَايَٰتِهِۦۗ وَٱللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٞ 59﴾:

وجَّه جل وعلا الآباء والمربِّين إلى مسألة مهمَّة تخُصُّ الأطفال إذا كَبِروا وبلغوا سن الاحتلام، فعليهم أن يستأذنوا عند الدخول عليكم في سائر الأوقات، كما يستأذن الكبار؛ كذلك يبيِّنُ الله لكم آياته، ويوضِّح لكم أحكامه، والله عليمٌ بكل شيء، عليمٌ بما يُصْلِحكم، ويُصْلِحُ أحوالكم، حكيمٌ فيما يشرِّعه لكم ويَفْرِضه عليكم.

[60] ﴿وَٱلۡقَوَٰعِدُ مِنَ ٱلنِّسَآءِ ٱلَّٰتِي لَا يَرۡجُونَ نِكَاحٗا فَلَيۡسَ عَلَيۡهِنَّ جُنَاحٌ أَن يَضَعۡنَ ثِيَابَهُنَّ غَيۡرَ مُتَبَرِّجَٰتِۭ بِزِينَةٖۖ وَأَن يَسۡتَعۡفِفۡنَ خَيۡرٞ لَّهُنَّۗ وَٱللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٞ 60﴾:

ثم ذكَرَ جل وعلا مسألة أخرى تتعلَّق بالقواعد من النساء، وهن العجائز اللاتي قعَدْنَ عن الولد أو الحيض، ولا يَرْغَبْنَ في الزواج لكبرهنَّ، ولا رغبة للرجال فيهنَّ؛ فقد خفَّف الله عنهنَّ الحجاب، وأخبَرَ أنه لا حرَجَ عليهنَّ أن يَتْرُكْنَ عنهنَّ ثيابهن الظاهرة أمام الرجال، والتي تظهرُ عادةً من المرأةِ الكبيرةِ؛ من غير تبرج وإظهار للزينة المنهيِّ عنها؛ ومع ذلك فقد حثَّهُنَّ جل وعلا على الستر والاستعفاف؛ فهو خيرٌ لهنَّ وأطهر لقلوبهنَّ من التبرج وإظهار الزينة، والله جل في علاه سميعٌ لجميع أقوال عباده، عليمٌ بأحوالهم ونياتهم وأعمالهم.

[61] ﴿لَّيۡسَ عَلَى ٱلۡأَعۡمَىٰ حَرَجٞ وَلَا عَلَى ٱلۡأَعۡرَجِ حَرَجٞ وَلَا عَلَى ٱلۡمَرِيضِ حَرَجٞ وَلَا عَلَىٰٓ أَنفُسِكُمۡ أَن تَأۡكُلُواْ مِنۢ بُيُوتِكُمۡ أَوۡ بُيُوتِ ءَابَآئِكُمۡ أَوۡ بُيُوتِ أُمَّهَٰتِكُمۡ أَوۡ بُيُوتِ إِخۡوَٰنِكُمۡ أَوۡ بُيُوتِ أَخَوَٰتِكُمۡ أَوۡ بُيُوتِ أَعۡمَٰمِكُمۡ أَوۡ بُيُوتِ عَمَّٰتِكُمۡ أَوۡ بُيُوتِ أَخۡوَٰلِكُمۡ أَوۡ بُيُوتِ خَٰلَٰتِكُمۡ أَوۡ مَا مَلَكۡتُم مَّفَاتِحَهُۥٓ أَوۡ صَدِيقِكُمۡۚ لَيۡسَ عَلَيۡكُمۡ جُنَاحٌ أَن تَأۡكُلُواْ جَمِيعًا أَوۡ أَشۡتَاتٗاۚ فَإِذَا دَخَلۡتُم بُيُوتٗا فَسَلِّمُواْ عَلَىٰٓ أَنفُسِكُمۡ تَحِيَّةٗ مِّنۡ عِندِ ٱللَّهِ مُبَٰرَكَةٗ طَيِّبَةٗۚ كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ ٱللَّهُ لَكُمُ ٱلۡأٓيَٰتِ لَعَلَّكُمۡ تَعۡقِلُونَ 61﴾:

بيَّن جل وعلا في هذه الآية بعض الأحكام المهمة التي تُهِمُّ الناس، ويَضْطرُّونَ لها في حياتهم اليومية؛ فأخبَرَ سبحانه بأنه ليس على أصحاب الأعذار كالأعمى، والأعرج، والمريض؛ إِثْمٌ في ترك بعض الواجبات التي لا يقدرون على القيام بها؛ كالجهاد ونحوه.

ثم بيَّن سبحانه أنه ليس عليكم إثمٌ -أيها المؤمنون- أن تأكلوا أنتم ومَنْ معكم من بيوتكم التي تملكونها، ولا شك أن أكل الشخص من بيته لا حَرَج فيه، ولكنْ ذكَرَهُ جل وعلا ليبيِّن أن الأكل من بيوت أقاربكم وأصدقائكم يعتبر مثل الأكل من بيوتكم.

ثم ذكَرَ أنه لا حرَجَ عليكم أن تأكلوا من بيوت آبائكم، أو أمهاتكم، أو إخوانكم، أو أخواتكم، أو أعمامكم، أو عماتكم، أو أخوالكم، أو خالاتكم، أو مِنَ البيوت التي تملكون التصرُّفَ فيها بإذن أصحابها، أو من بيوت أصدقائكم، ولا حرَجَ عليكم أن تأكلوا مجتمعين أو متفرِّقين.

ولاحظ أنه لم يذكر في هذه الآية: (وبيوت أبنائكم)، قيل: لأنها داخلة تحت (بيوتكم)، كما جاء في الحديث: «أَنْتَ وَمَالُكَ لِأَبِيكَ؛ إِنَّ أَوْلَادَكُمْ مِنْ أَطْيَبِ كَسْبِكُمْ؛ فَكُلُوا مِنْ كَسْبِ أَوْلَادِكُمْ»([2]). [2] أخرجه أحمد في مسنده (7001)، وأبو داود (3530)، عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده رضي الله عنهم.

ثم بيَّن سبحانه إذا دخَلْتم بيوتًا مسكونة، فسلِّموا على أهلها بتحية الإسلام المعروفة، بأن تقولوا: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، فإذا كانت هذه البيوت غير مسكونة، فسلِّموا على أنفسكم بأن تقولوا: السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين.

وهذه التحية شرَعَها الله؛ لأنها مباركة تنمِّي المودة والمحبة، كما أنها طيبة محبوبة للسامع، واعلموا -أيها المؤمنون- أنه بمثل هذا التبيين يبيِّن الله لكم آياته المحكَمة، وإرشاداته النافعة؛ لتَعْقِلوها وتعملوا بها.

[62] ﴿إِنَّمَا ٱلۡمُؤۡمِنُونَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦ وَإِذَا كَانُواْ مَعَهُۥ عَلَىٰٓ أَمۡرٖ جَامِعٖ لَّمۡ يَذۡهَبُواْ حَتَّىٰ يَسۡتَـٔۡذِنُوهُۚ إِنَّ ٱلَّذِينَ يَسۡتَـٔۡذِنُونَكَ أُوْلَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ يُؤۡمِنُونَ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦۚ فَإِذَا ٱسۡتَـٔۡذَنُوكَ لِبَعۡضِ شَأۡنِهِمۡ فَأۡذَن لِّمَن شِئۡتَ مِنۡهُمۡ وَٱسۡتَغۡفِرۡ لَهُمُ ٱللَّهَۚ إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٞ رَّحِيمٞ 62﴾:

واعلموا -أيها الناس- أن المؤمنين الحقيقيين هم الذين آمنوا بالله، واتبعوا رسوله ﷺ، وعملوا بشرعه، وإذا كانوا معك -أيها النبي- في أمرٍ يتطلَّب الاجتماع والحضور؛ كالجهاد والمشورة ونحوها، لم ينصرفوا عنك ويتركوك إلا بعد أن يستأذنوك في ذلك، وهؤلاء الذين يستأذنونك -أيها النبي- هم الذين يؤمنون بالله ورسوله حقًّا، فإذا استأذنوك لبعض أمورهم وحاجاتهم، فأْذَنْ لِمَن شئتَ منهم، وسَلِ الله لهم غفران الذنوب، وستر العيوب؛ إن الله غفورٌ؛ كثيرُ المغفرة لعباده التائبين، رحيمٌ؛ وَسِعَتْ رحمته كل شيء.

[63] ﴿لَّا تَجۡعَلُواْ دُعَآءَ ٱلرَّسُولِ بَيۡنَكُمۡ كَدُعَآءِ بَعۡضِكُم بَعۡضٗاۚ قَدۡ يَعۡلَمُ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنكُمۡ لِوَاذٗاۚ فَلۡيَحۡذَرِ ٱلَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنۡ أَمۡرِهِۦٓ أَن تُصِيبَهُمۡ فِتۡنَةٌ أَوۡ يُصِيبَهُمۡ عَذَابٌ أَلِيمٌ 63﴾:

ثم نهى جل وعلا عباده المؤمنين عند نداء الرسول ﷺ أن يقولوا له: يا محمد، أو يا محمد بن عبد الله، كما ينادي بعضكم بعضًا، ولكنْ يجب عليكم أن تقولوا عند ندائه: يا رسول الله، أو يا نبي الله، ثم أخبَرَ سبحانه أنه عليمٌ بالمنافقين الذين يخرجون من مجلس النبي ﷺ خُفْيةً بغير إذنه، يستتر بعضهم ببعض حتى يخرجوا جميعًا، فليحذر الذين يخالفون أمر رسول الله ﷺ أن يصيبهم بلاءٌ وكَرْبٌ، ويُقذَفَ الشرك في قلوبهم، أو يصيبهم شرٌّ وعذاب أليم موجع في الآخرة.

[64] ﴿أَلَآ إِنَّ لِلَّهِ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۖ قَدۡ يَعۡلَمُ مَآ أَنتُمۡ عَلَيۡهِ وَيَوۡمَ يُرۡجَعُونَ إِلَيۡهِ فَيُنَبِّئُهُم بِمَا عَمِلُواْۗ وَٱللَّهُ بِكُلِّ شَيۡءٍ عَلِيمُۢ 64﴾:

واعلموا -أيها الناس- أن لله جميعَ ما في السموات والأرض خَلْقًا ومُلْكًا وقهرًا، قد أحاط سبحانه بجميع ما أنتم عليه، ويوم يرجع العباد إليه يوم القيامة، فإنه يخبرهم بأعمالهم، ويجازيهم عليها بما يستحقون من ثواب أو عقاب، والله بكل شيء عليمٌ؛ لا يخفى عليه شيء من أعمال وأحوال عباده وغيرهم.

سورة الفُرْقان

سورة الفُرْقان مكيَّةٌ، وآياتها سبع وسبعون آية.

[1] ﴿تَبَارَكَ ٱلَّذِي نَزَّلَ ٱلۡفُرۡقَانَ عَلَىٰ عَبۡدِهِۦ لِيَكُونَ لِلۡعَٰلَمِينَ نَذِيرًا 1﴾:

بدأ جل وعلا السورة بتقديس نفسه، فقال سبحانه: تقدَّس الله وتعاظم، وتكاثر خيره جل وعلا؛ فهو مصدر البركات، ومن ذلك: أنه نزَّل القرآن على عبده ورسوله محمد ﷺ، الذي فرَّق به بين الحق والباطل؛ فإن من أجلِّ وأعظم بركاته على عبده محمد ﷺ الذي كمَّل مراتب العبودية وأتمَّها: أنه نزَّل عليه هذا الكتاب المهيمن على كل الكتب السماوية، وقد بعثه الله ليكون رسولًا للثقلين الإنس والجن، ومخوِّفًا لهم من عذاب الله المُعَدِّ للكفار والعصاة والمجرمين، وجعله سبحانه خاتمًا للأنبياء والمرسلين.

[2] ﴿ٱلَّذِي لَهُۥ مُلۡكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ وَلَمۡ يَتَّخِذۡ وَلَدٗا وَلَمۡ يَكُن لَّهُۥ شَرِيكٞ فِي ٱلۡمُلۡكِ وَخَلَقَ كُلَّ شَيۡءٖ فَقَدَّرَهُۥ تَقۡدِيرٗا 2﴾:

ثم وصَفَ جل في علاه ذاته بصفات جليلة توجب له العبادة والطاعة؛ فمن ذلك: أن له مُلْكَ السموات والأرض خاصَّةً، لا ينازعه فيها منازع، وهو المهيمن عليهما.

ومن صفاته: أنه لم يتخِذْ ولدًا؛ فهو منزَّه سبحانه عن ذلك، وفي هذا ردٌّ على اليهود والنصارى، ومعلوم أن الخلق من البشر يفرحون بالولد ليَخْلُفهم في عَقِبهم وذريَّاتهم وأملاكهم، وليكون امتدادًا لذكرهم، والله سبحانه وتعالى حيٌّ لا يموت، غنيٌّ عن العالمين كامل الغنى ودائمه.

ومن صفاته: أنه لم يكن له شريك يشاركه في ملكه، بل هو المالك وحده لكل ما في الوجود.

ومن صفاته: أنه هو الذي خلق كل شيء خلقًا متقَنًا بديعًا، وأعطى كل مخلوق مواهب تخصَّه وتحفظ بقاءه إلى أن ينتهي أجله؛ فتبارك الله رب العالمين.

[3] ﴿وَٱتَّخَذُواْ مِن دُونِهِۦٓ ءَالِهَةٗ لَّا يَخۡلُقُونَ شَيۡـٔٗا وَهُمۡ يُخۡلَقُونَ وَلَا يَمۡلِكُونَ لِأَنفُسِهِمۡ ضَرّٗا وَلَا نَفۡعٗا وَلَا يَمۡلِكُونَ مَوۡتٗا وَلَا حَيَوٰةٗ وَلَا نُشُورٗا 3﴾:

أخبَرَ جل وعلا بأن هؤلاء المشركين اتَّخذوا من دونه معبودات يعبدونها، وهذه المعبودات لا تَقدِرُ على خلق شيء، بل هي من مخلوقات الله؛ كما أنهم لا يقدرون على دفع الضر عن أنفسهم، ولا جلب النفع لها؛ فكيف ينفعون أو يضُرُّون غيرهم؟! وأيضًا هذه المعبودات لا تقدر على إماتة الأحياء، أو إحياء الموتى في الدنيا، ولا يقدرون على إخراج الناس من قبورهم وبعثهم يوم القيامة.

[4] ﴿وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوٓاْ إِنۡ هَٰذَآ إِلَّآ إِفۡكٌ ٱفۡتَرَىٰهُ وَأَعَانَهُۥ عَلَيۡهِ قَوۡمٌ ءَاخَرُونَۖ فَقَدۡ جَآءُو ظُلۡمٗا وَزُورٗا 4﴾:

ثم فضَحَ جل وعلا افتراءات المشركين على النبي ﷺ؛ ومن ذلك قولهم: إنَّ هذا القرآن كذب وبهتان اختلقه محمد، وأعانه على جمعه أناسٌ آخرون من اليهود وغيرهم؛ وقد ارتكبوا بقولهم هذا ظلمًا عظيمًا، وزورًا كبيرًا.

[5] ﴿وَقَالُوٓاْ أَسَٰطِيرُ ٱلۡأَوَّلِينَ ٱكۡتَتَبَهَا فَهِيَ تُمۡلَىٰ عَلَيۡهِ بُكۡرَةٗ وَأَصِيلٗا 5﴾:

ثم قال هؤلاء الكفار معلِّلين افتراءاتهم: اعلموا أنَّ هذا القرآن ما هو إلا مجموعة أكاذيب وخرافات كانت مسطَّرة في كتب الأولين، أمَرَ محمد أن تُكتَبَ له، وهذه الأساطير تملى عليه صباحًا ومساءً؛ كما قال تعالى: ﴿وَإِذۡ لَمۡ يَهۡتَدُواْ بِهِۦ فَسَيَقُولُونَ هَٰذَآ إِفۡكٞ قَدِيمٞ﴾ [الأحقاف:11].

[6] ﴿قُلۡ أَنزَلَهُ ٱلَّذِي يَعۡلَمُ ٱلسِّرَّ فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۚ إِنَّهُۥ كَانَ غَفُورٗا رَّحِيمٗا 6﴾:

وقل لهم مجيبًا -أيها النبي-: بل أنزله الله الذي يعلم حقيقة كل شيء، ولا يغيب عنه شيء -وإنْ دقَّ وخفي- في السموات والأرض؛ إنه سبحانه كثيرُ المغفرة لمن رجع وتاب، كثيرُ الرحمة لمن استغفر وأناب.

[7] ﴿وَقَالُواْ مَالِ هَٰذَا ٱلرَّسُولِ يَأۡكُلُ ٱلطَّعَامَ وَيَمۡشِي فِي ٱلۡأَسۡوَاقِ لَوۡلَآ أُنزِلَ إِلَيۡهِ مَلَكٞ فَيَكُونَ مَعَهُۥ نَذِيرًا 7﴾:

واستمر المشركون في الكيد للرسول ﷺ؛ ومن ذلك: أنهم عابوا عليه -صلواتُ ربي وسلامه عليه- أنه يأ كما يأكُلُ عامَّةُ الناس، وأنه يمشي في الأسواق طلبًا للرزق كما يفعلون، ويقولون: هلَّا أرسل الله معه مَلَكًا يشهد على صدقه ويساعده، ويُنذِرُ كل مَنْ خالفه بسوء العاقبة.

[8] ﴿أَوۡ يُلۡقَىٰٓ إِلَيۡهِ كَنزٌ أَوۡ تَكُونُ لَهُۥ جَنَّةٞ يَأۡكُلُ مِنۡهَاۚ وَقَالَ ٱلظَّٰلِمُونَ إِن تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلٗا مَّسۡحُورًا 8﴾:

ولم يقف المشركون عند هذا الحدِّ، بل استمروا في كيدهم وتعجيزهم؛ ومن ذلك أنهم قالوا على سبيل التهكُّم والسخرية: هلَّا هبَطَ عليه من السماء كنز من المال، أو هلَّا يكون له بستان مميَّزٌ وحديقةٌ غَنَّاءُ يأكل منها، ويستغني بذلك عن طلب الرزق، وقصدهم بذلك: صَرْفُ العامَّة السُّذَّج من الناس من الاستماع للقرآن، أو الاستجابة لدعوته ﷺ، قالوا ذلك وأكثرهم يعلم أن جميع الرسل الذين قبله كانوا بشَرًا، وأنه لا يصلُحُ أن يكون الرسول المرسَلُ للبشَرِ إلا من البشر؛ لأنه هو الذي يفهمونه، وهو الذي يصلُحُ أن يكون أُسْوةً للمهتدين، ثم قال هؤلاء المتجاوزون لحدودهم -ظلمًا وعدوانًا-: يا من صدَّقتم محمدًا، إنكم ما تتبعون إلا رجلًا قد غلَبَ السحرُ عليه، وغيَّب عقله.

[9] ﴿ٱنظُرۡ كَيۡفَ ضَرَبُواْ لَكَ ٱلۡأَمۡثَٰلَ فَضَلُّواْ فَلَا يَسۡتَطِيعُونَ سَبِيلٗا 9﴾:

ثم خاطب الله نبيَّه محمدًا ﷺ، مسلِّيًا له، فقال: انظر -أيها الرسول- كيف ضربوا لك هذه الأمثال، وقالوا في حقِّك هذه الأقوال النادر؛ة ليتوصَّلوا بذلك إلى تكذيبك، وصدِّ الناس عن الإيمان بك، فكان هذا سببًا في ضلالهم، وبُعْدهم عن الحق والصواب؛ فلا يجدون طريقًا يرجعون منه إلى الحق؟!

[10] ﴿تَبَارَكَ ٱلَّذِيٓ إِن شَآءَ جَعَلَ لَكَ خَيۡرٗا مِّن ذَٰلِكَ جَنَّٰتٖ تَجۡرِي مِن تَحۡتِهَا ٱلۡأَنۡهَٰرُ وَيَجۡعَل لَّكَ قُصُورَۢا 10﴾:

ثم قال عز من قائل: تبارَكَ الله الذي لا إله إلا هو، وتعالى وتقدَّس سبحانه؛ فهو إن شاء، جعَلَ لك خيرًا مما قالوه واقترحوه، وجعَلَ لك حدائقَ عظيمةً تجري الأنهار من خلالها وتحت قصورها، وجعَلَ لك قصورًا عظيمةً مزخرفةً، ولكنه سبحانه وتعالى ادَّخر لك هذا النعيم في الآخرة؛ فهو خيرٌ وأبقى.

[11] ﴿بَلۡ كَذَّبُواْ بِٱلسَّاعَةِۖ وَأَعۡتَدۡنَا لِمَن كَذَّبَ بِٱلسَّاعَةِ سَعِيرًا 11﴾:

واعلم -أيها النبي- أن المشركين ما كذَّبوك لأنك تأ، وتمشي بالأسواق، وإنما الذي جرَّأهم على هذا الكلام وهذه المواقف العدائية هو تكذيبهم بيوم القيامة والبعث والحساب، وأنهم لا يريدون أوامر وتعليمات عبادية، ولا يريدون أن ينقادوا إلا إلى رَغَباتهم وشَهَواتهم؛ ولهذا أعد الله لمن كذَّب بالساعة نارًا عظيمة شديدة الاشتعال تُسَعَّرُ بهم يوم القيامة.

[12] ﴿إِذَا رَأَتۡهُم مِّن مَّكَانِۭ بَعِيدٖ سَمِعُواْ لَهَا تَغَيُّظٗا وَزَفِيرٗا 12﴾:

أخبَرَ جل وعلا أن النار إذا رأت أهلَها من المشركين والظالمين والمكذِّبين من قبل أن يَصِلوا إليها؛ فإنهم يسمعون صوت تغيُّظها عليهم، ويسمعون صوت غَلَيانها، فتمتلئ نفوسهم كمدًا وحَسْرةً، وخوفًا وذعرًا.

وهذه الآية تدُلُّ على أن الله أعطى النار قدرة على معرفة المجرِمين وعقابهم.

[13] ﴿وَإِذَآ أُلۡقُواْ مِنۡهَا مَكَانٗا ضَيِّقٗا مُّقَرَّنِينَ دَعَوۡاْ هُنَالِكَ ثُبُورٗا 13﴾:

ثم بيَّن سبحانه أن هؤلاء المجرمين يُلْقى بهم في نار جهنم الشديدة الحرِّ، في مكان ضيِّق، مقيَّدةً أيديهم إلى أعناقهم بالسلاسل، وصدورُهم ممتلئةٌ حسرةً وندامة، ثم بيَّن سبحانه أنهم وهم في هذه الحال يَدْعون على أنفسهم بالويل والهلاك.

[14] ﴿لَّا تَدۡعُواْ ٱلۡيَوۡمَ ثُبُورٗا وَٰحِدٗا وَٱدۡعُواْ ثُبُورٗا كَثِيرٗا 14﴾:

فيقال لهم تبكيتًا وتحسيرًا: لا تَدْعوا اليوم على أنفسكم بالهلاك مرَّةً واحدةً، بل ادعوا أدعيةً كثيرةً؛ فلن يفيدكم ذلك إلا همًّا وغمًّا وحسرة.

[15] ﴿قُلۡ أَذَٰلِكَ خَيۡرٌ أَمۡ جَنَّةُ ٱلۡخُلۡدِ ٱلَّتِي وُعِدَ ٱلۡمُتَّقُونَۚ كَانَتۡ لَهُمۡ جَزَآءٗ وَمَصِيرٗا 15﴾:

وقل -أيها النبي- لهؤلاء المكذِّبين المعرِضين: أهذا المصير الشنيع البشع خيرٌ أم مصير المتَّقين الذين جعَلَ الله لهم جنات يدخلونها ويقيمون فيها إقامةً دائمةً لا تنقطع؟!

[16] ﴿لَّهُمۡ فِيهَا مَا يَشَآءُونَ خَٰلِدِينَۚ كَانَ عَلَىٰ رَبِّكَ وَعۡدٗا مَّسۡـُٔولٗا 16﴾:

ثم أخبَرَ سبحانه أن لهؤلاء المتقين في تلك الجنات ما يطلُبُون وما يتمنَّوْنَ من أيِّ نعيمٍ أرادوا، وهم ماكثون فيها لا يخرُجُونَ منها أبدًا، وقد كان دخولهم ومُكْثهم في هذا النعيم وَعْدًا وعده الله إياهم، ولا أحَدَ أوفى بعهده من الله! نسأل الله الكريم من فضله العظيم.

[17] ﴿وَيَوۡمَ يَحۡشُرُهُمۡ وَمَا يَعۡبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ فَيَقُولُ ءَأَنتُمۡ أَضۡلَلۡتُمۡ عِبَادِي هَٰٓؤُلَآءِ أَمۡ هُمۡ ضَلُّواْ ٱلسَّبِيلَ 17﴾:

ويوم القيامة يحشُرُ الله المشركين ومعبوداتهم من دون الله من الأصنام وغيرها، فيقول الله جل في علاه، مخاطِبًا المعبودين على وجه التقريع لعابديهم: أأنتم أمَرْتم هؤلاء أن يعبدوكم معي، ويتَّخذوكم شركاء من دوني، أم هم فعلوا ذلك من تِلْقاء أنفسهم؟!

[18] ﴿قَالُواْ سُبۡحَٰنَكَ مَا كَانَ يَنۢبَغِي لَنَآ أَن نَّتَّخِذَ مِن دُونِكَ مِنۡ أَوۡلِيَآءَ وَلَٰكِن مَّتَّعۡتَهُمۡ وَءَابَآءَهُمۡ حَتَّىٰ نَسُواْ ٱلذِّكۡرَ وَكَانُواْ قَوۡمَۢا بُورٗا 18﴾:

فيجيب المعبودون قائلين: سبحانك ربَّنا؛ فإنا ننزِّهُكَ عما يقول هؤلاء الضالُّون، فلا يصحُّ لنا، ولا يليق بنا أن يكون لنا من دونك أولياءُ نتولَّاهم ونصرف لهم العبادة؛ فكيف ندعو غيرنا لذلك؟! ولكنك -يا ربنا- متَّعْتَ هؤلاء الضالِّين وآباءهم، وأسبغت عليهم النعم، فغرقوا في لذَّات الدنيا وشهواتها، وانشغلوا بها عن توحيدك وذِكْرك والإيمان بك؛ فصاروا بذلك من الهالكين الخاسرين.

[19] ﴿فَقَدۡ كَذَّبُوكُم بِمَا تَقُولُونَ فَمَا تَسۡتَطِيعُونَ صَرۡفٗا وَلَا نَصۡرٗاۚ وَمَن يَظۡلِم مِّنكُمۡ نُذِقۡهُ عَذَابٗا كَبِيرٗا 19﴾:

ثم يقول جلَّ في عُلاه لهؤلاء المشركين العابدين غير الله -بعد أن تبرَّأ مَنْ عبدوهم منهم-: هؤلاء الذين عَبَدتُّموهم، وزعمتم أنهم آلهة قد كذَّبوكم فيما تقولون؛ فأنتم الآن قد حَقَّ عليكم العذاب؛ فلا تستطيعون صرفه عنكم، ولا تستطيعون نَصْرَ أنفسكم، ولا يستطيع أحد أن ينصُرَكم، ومَنْ يظلم منكم بترك التوحيد، سيكون مصيره العذاب الكبير، ولن يجد له من دون الله وليًّا ولا نصيرًا.

[20] ﴿وَمَآ أَرۡسَلۡنَا قَبۡلَكَ مِنَ ٱلۡمُرۡسَلِينَ إِلَّآ إِنَّهُمۡ لَيَأۡكُلُونَ ٱلطَّعَامَ وَيَمۡشُونَ فِي ٱلۡأَسۡوَاقِۗ وَجَعَلۡنَا بَعۡضَكُمۡ لِبَعۡضٖ فِتۡنَةً أَتَصۡبِرُونَۗ وَكَانَ رَبُّكَ بَصِيرٗا 20﴾:

ثم خاطب جل وعلا نبيه محمدًا ﷺ مسلِّيًا له، ومُجيبًا إياه عن استهزاء المشركين به وبدعوته لأنه بشَرٌ، فقال الله تعالى: اعلم -أيها النبي- أنَّا ما أرسلنا قبلك من المرسلين إلا بشرًا يأكلون كما يأكل البشر، ويمشون في الأسواق، ولا يستغنون عن حاجاتهم البشرية؛ فلا يُحْزُنْكَ تكذيب هؤلاء المشركين واستهزاؤهم، وقد جعَلْنا بعضكم لبعضٍ فتنةً وابتلاءً واختبارًا؛ فاختَبَرْنا الرسل بأقوامهم، واختبَرْنا الأقوام برسلهم، واختبَرْنا الغنيَّ بالفقير، والفقير بالغني، وهكذا؛ لنرى: هل تصبرون وتنقادون للحقِّ أم لا؟! وكان ربك -أيها النبي- بصيرًا بمن يَصْبِرُ؛ فيستحقُّ الثواب وينجو، وبمَنْ لا يصبر؛ فيستحق العقاب فيَهْلِك.

[21] ﴿وَقَالَ ٱلَّذِينَ لَا يَرۡجُونَ لِقَآءَنَا لَوۡلَآ أُنزِلَ عَلَيۡنَا ٱلۡمَلَٰٓئِكَةُ أَوۡ نَرَىٰ رَبَّنَاۗ لَقَدِ ٱسۡتَكۡبَرُواْ فِيٓ أَنفُسِهِمۡ وَعَتَوۡ عُتُوّٗا كَبِيرٗا 21﴾:

أخبَرَ سبحانه وتعالى أن المكذِّبين بالبعث قالوا على سبيل الكبرياء والتعجيز: هلَّا أنزل الله علينا الملائكة، فتُخْبِرنا بصدقك يا محمد، أو هلَّا نرى ربنا ليخبرنا أنك نبيٌّ ورسول، فرد سبحانه على قولهم فقال: لقد أُعْجِبَ هؤلاء المكذِّبون بأنفسهم المغرورة، وتجاوزوا في طغيانهم وكُفْرهم كل الحدود.

[22] ﴿يَوۡمَ يَرَوۡنَ ٱلۡمَلَٰٓئِكَةَ لَا بُشۡرَىٰ يَوۡمَئِذٖ لِّلۡمُجۡرِمِينَ وَيَقُولُونَ حِجۡرٗا مَّحۡجُورٗا 22﴾:

وحيث إن هؤلاء المشركين طلبوا نزول الملائكة ورؤيتهم؛ فاستجاب سبحانه لطلبهم، وأخبَرَ أن الملائكة ينزلون بالعذاب والعقاب للمستحقِّين، وأنهم سوف يَرَوْنَهم عند موتهم وفي قبورهم ويوم القيامة على حال لا تبشِّرهم بخير، بل إن الملائكة سوف تخبرهم أنه لا نجاة ولا فلاح لهم أبدًا، وأن الجنة محرَّمةٌ عليهم أبد الدهر.

[23] ﴿وَقَدِمۡنَآ إِلَىٰ مَا عَمِلُواْ مِنۡ عَمَلٖ فَجَعَلۡنَٰهُ هَبَآءٗ مَّنثُورًا 23﴾:

ثم أخبَرَ سبحانه أنه عمَدَ إلى أعمال المشركين التي عَمِلوها للفخر؛ كالصلةِ، والبِرِّ، وإغاثة الملهوف، والتي ظنوا أنها تنفعهم، فنسَفَها، وجعلها لا وَزْنَ لها كأن لم تكن؛ لأن هذه الأعمال لم يصاحبها إيمانٌ، ولا إخلاصٌ ولا متابعة.

[24] ﴿أَصۡحَٰبُ ٱلۡجَنَّةِ يَوۡمَئِذٍ خَيۡرٞ مُّسۡتَقَرّٗا وَأَحۡسَنُ مَقِيلٗا 24﴾:

ثم أخبَرَ جل وعلا أن أهل الجنة يوم القيامة هم أفضَلُ مستقَرًّا من أهل النار، وذلك أن مأواهم ومستقَرَّهم ومكان راحتهم واضطجاعهم: جنات النعيم.

[25] ﴿وَيَوۡمَ تَشَقَّقُ ٱلسَّمَآءُ بِٱلۡغَمَٰمِ وَنُزِّلَ ٱلۡمَلَٰٓئِكَةُ تَنزِيلًا 25﴾:

ثم أخبَرَ سبحانه عن شيء من أهوال يوم القيامة الذي تشيب فيه الوِلْدان، وتضع كل ذات حَمْل حملها، وترى الناس سكارى وما هم بسكارى؛ مِنْ شدَّة ما يَرَوْنَ، ومن ذلك: أن السماء تفتَّح فيخرُجُ منها سحاب أبيض، ثم تنزل الملائكة، فيحيطون بالخلائق، ثم يأتي جل في علاه للفصل بين العباد، إتيانًا يليق بجلاله وعظمته.

[26] ﴿ٱلۡمُلۡكُ يَوۡمَئِذٍ ٱلۡحَقُّ لِلرَّحۡمَٰنِۚ وَكَانَ يَوۡمًا عَلَى ٱلۡكَٰفِرِينَ عَسِيرٗا 26﴾:

ثم أخبَرَ سبحانه أن في ذلك اليوم العظيم يكون المُلْكُ الحق الثابت الذي لا يزول للرحمن وحده، لا يشارِكُهُ فيه أحد؛ ولذا كان يومًا صعبًا وشديدًا وقعه على الكافرين؛ بسبب ما يَرَوْنَ من العذاب الأليم، والعقاب الشديد.

ودل قوله: ﴿عَلَى ٱلۡكَٰفِرِينَ﴾: أن الله لطَفَ بالمؤمنين برحمته؛ فجعله يسيرًا عليهم بحيث لا يعانون شِدَّته وأهواله.

[27] ﴿وَيَوۡمَ يَعَضُّ ٱلظَّالِمُ عَلَىٰ يَدَيۡهِ يَقُولُ يَٰلَيۡتَنِي ٱتَّخَذۡتُ مَعَ ٱلرَّسُولِ سَبِيلٗا 27﴾:

واذكروا -أيها الناس- حال هذا الكافر الظالم يوم القيامة، يوم يَعَضُّ على يديه ندمًا وتحسرًا، قائلًا: يا ليتني صاحَبْتُ رسول الله ﷺ، واتَّبعته، وسِرْتُ في الطريق الذي جاء به؛ لأفوز برضا الله وجنته.

[28] ﴿يَٰوَيۡلَتَىٰ لَيۡتَنِي لَمۡ أَتَّخِذۡ فُلَانًا خَلِيلٗا 28﴾:

ثم يتحسَّر نادمًا على أيامه التي أضاعها مع قرناء السوء يوم لا ينفع الندم، فيقول: يا هلاكي، ويا خسارتي؛ ليتني لم أَتَّخِذْ ذلك القرين السيِّئ صديقًا؛ لأن صداقته جرَّتني إلى الفساد والإجرام والهلاك.

[29] ﴿لَّقَدۡ أَضَلَّنِي عَنِ ٱلذِّكۡرِ بَعۡدَ إِذۡ جَآءَنِيۗ وَكَانَ ٱلشَّيۡطَٰنُ لِلۡإِنسَٰنِ خَذُولٗا 29﴾:

ثم يستمر في تحسُّره وندمه، فيقول: لقد أضلَّني هذا الصديق عن القرآن والهدى الذي جاء به النبي ﷺ، ثم أخبَرَ سبحانه أن الشيطان كان دائمًا وأبدًا خَذُولًا للإنسان، صارفًا إياه عن الحق، ومحرِّضًا له على الباطل؛ ولهذا فالواجب على الإنسان الحذَرُ منه بكل الوسائل بالاستعاذة منه، والمحافظة على الأذكار، والعبادات. والحاصلُ: أن هذه الآيات الثلاث السابقة بيَّنت مضارَّ الصحبة السيئة، وكما يقال: (الصاحبُ ساحب)؛ وفي ذلك تحذير لكل عاقل حتى لا يقع في فخ قرين السوء الذي قد يكون سببًا في دخول صاحبه النار.

[30] ﴿وَقَالَ ٱلرَّسُولُ يَٰرَبِّ إِنَّ قَوۡمِي ٱتَّخَذُواْ هَٰذَا ٱلۡقُرۡءَانَ مَهۡجُورٗا 30﴾:

ثم أخبَرَ جل في علاه أن النبي ﷺ اشتكى إلى ربه انصراف قَوْمِهِ عن القرآن الكريم، وامتثال أوامره، فقال: يا رب، إن قومي الذين أرسلتني إليهم تَرَكوا هذا القرآن، ولم يصدِّقوا به، ورفضوا العمل به، وكان أبو جهل وأبو لهب يحذِّرون من يَقْدَمُ إلى مكة من الاستماع للقرآن، ويقولون: إن محمدًا صابئ، أي: خارجٌ عن إجماعهم. فهذه الآية اشتملت على التحذير من هَجْر القرآن، وعدَمِ العمل به.

[31] ﴿وَكَذَٰلِكَ جَعَلۡنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوّٗا مِّنَ ٱلۡمُجۡرِمِينَۗ وَكَفَىٰ بِرَبِّكَ هَادِيٗا وَنَصِيرٗا 31﴾:

ثم سلَّى جل وعلا نبيه ﷺ، فقال له: وكما جعلنا مُجْرِمي قومك يعادونك ويكذِّبونك، فكذلك جعلنا للأنبياء من قبلك عدوًّا من مجرمي أقوامهم؛ فلَسْتَ وحدك الذي أوذي ورُمِيَتْ دعوته بالأباطيل؛ لذا عليك أن تصبر كما صبروا، وكفى بربك -أيها النبي- هاديًا ومرشدًا ومُعِينًا لك على أعدائك، وهذا من الابتلاء؛ فقَلَّ أن تجد مصلحًا إلا وقد ابتُلِيَ بمن يحاربه، وما حدَثَ لكثير من علمائنا ودعاتنا من الإيذاء والتعذيب والاتهامات الباطلة على مدى التاريخ: خيرُ شاهد على ذلك.

[32] ﴿وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَوۡلَا نُزِّلَ عَلَيۡهِ ٱلۡقُرۡءَانُ جُمۡلَةٗ وَٰحِدَةٗۚ كَذَٰلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِۦ فُؤَادَكَۖ وَرَتَّلۡنَٰهُ تَرۡتِيلٗا 32﴾:

ثم أخبَرَ سبحانه أن الذين كفروا بالحق قالوا: هلَّا نَزَلَ هذا القرآن عليك -يا محمد- جملةً واحدة، وليس كما نراه منجَّمًا؟! فرد جل وعلا عليهم فقال: لقد أنزَلْنا عليك القرآن -أيها النبي- مفرَّقًا حسَبَ الوقائع والمناسبات؛ لنقوِّي به قلبك، وتزداد به طمأنينة، وإيضاحًا لكل نازلة في وقت حدوثها، وأيضًا بيَّنَّا لك هذا القرآن تبيينًا واضحًا بتدرُّج شيئًا فشيئًا وعلى تُؤَدةٍ ومَهَل.

[33] ﴿وَلَا يَأۡتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئۡنَٰكَ بِٱلۡحَقِّ وَأَحۡسَنَ تَفۡسِيرًا 33﴾:

واعلم -أيها النبي- أن هؤلاء المشركين لا يأتونك بحجة أو شبهة يريدون تعجيزك وإحراجك إلا جئناك بالجوابِ الحقِّ، وبما هو أحسن تفسيرًا وبيانًا من شُبُهاتهم وأباطيلهم؛ فسِرْ في طريقك، وبلِّغ رسالتك، ولا تلتفِتْ إلى مقترحاتهم وأباطيلهم.

[34] ﴿ٱلَّذِينَ يُحۡشَرُونَ عَلَىٰ وُجُوهِهِمۡ إِلَىٰ جَهَنَّمَ أُوْلَٰٓئِكَ شَرّٞ مَّكَانٗا وَأَضَلُّ سَبِيلٗا 34﴾:

واعلموا أن أولئك المشركين المكذِّبين بالقرآن؛ يُحْشَرون يوم القيامة مسحوبين على وجوههم إلى النار؛ تجرُّهم الملائكة جرًّا، وتسحبهم سحبًا، وأولئك الذين بهذه الحالة شرٌّ منزلًا ومصيرًا، وأبعَدُ عن طريق الحق والنجاة.

[35] ﴿وَلَقَدۡ ءَاتَيۡنَا مُوسَى ٱلۡكِتَٰبَ وَجَعَلۡنَا مَعَهُۥٓ أَخَاهُ هَٰرُونَ وَزِيرٗا 35﴾:

ثم أخبَرَ جل وعلا أنه أنزَلَ على موسى عليه السلام التوراة فيها الهدى والنور، وأرسَلَ معه أخاه هارون مُعِينًا وناصرًا له.

[36] ﴿فَقُلۡنَا ٱذۡهَبَآ إِلَى ٱلۡقَوۡمِ ٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِـَٔايَٰتِنَا فَدَمَّرۡنَٰهُمۡ تَدۡمِيرٗا 36﴾:

فقال لهما جل شأنه: اذْهَبا إلى فرعون وملئه الذين كذَّبوا بآياتنا الدالَّة على وحدانيتنا، فذهَبَا إليهم، فما كان من فرعون وقومه إلا التكذيب والجحود والاستكبار؛ فأهلَكْناهم بالغَرَقِ إهلاكًا عظيمًا.

[37] ﴿وَقَوۡمَ نُوحٖ لَّمَّا كَذَّبُواْ ٱلرُّسُلَ أَغۡرَقۡنَٰهُمۡ وَجَعَلۡنَٰهُمۡ لِلنَّاسِ ءَايَةٗۖ وَأَعۡتَدۡنَا لِلظَّٰلِمِينَ عَذَابًا أَلِيمٗا 37﴾:

وأرسل جل وعلا نوحًا إلى قومه، فدعاهم إلى التوحيد ونَبْذِ الشرك، فكذَّبه قومه، وجحدوا رُسُلَ الله؛ فكان عاقبتهم أنْ أغرَقَهم الله بالطوفان، وجعلهم عِبْرةً للمعتبرين، وجعلنا للظالمين الجاحدين عذابًا مؤلمًا شديدًا في الدنيا والآخرة.

[38] ﴿وَعَادٗا وَثَمُودَاْ وَأَصۡحَٰبَ ٱلرَّسِّ وَقُرُونَۢا بَيۡنَ ذَٰلِكَ كَثِيرٗا 38﴾:

وأهلَكَ جل وعلا قومَ هودٍ -وهم عاد- وقومَ صالحٍ -وهم ثمود- وأصحابَ الرَّسّ؛ لمَّا كذَّبوا الرسل، وأهلكنا أممًا كثيرة من المكذِّبين؛ فكان الهلاك مصير كل من كذَّب بالرسل، وفي هذا تنبيهٌ وتحذيرٌ لأهل مكَّة من التكذيب بمحمد ﷺ.

[39] ﴿وَكُلّٗا ضَرَبۡنَا لَهُ ٱلۡأَمۡثَٰلَۖ وَكُلّٗا تَبَّرۡنَا تَتۡبِيرٗا 39﴾:

وجميع تلك الأمم السابقة أنذَرْناهم وأقمنا عليهم الحجج الواضحة، وبيَّنا لهم الآيات والبراهين الدالَّة على الوحدانية، فلما جحدوا وكذَّبوا، كان مصيرهم الهلاك والدمار.

[40] ﴿وَلَقَدۡ أَتَوۡاْ عَلَى ٱلۡقَرۡيَةِ ٱلَّتِيٓ أُمۡطِرَتۡ مَطَرَ ٱلسَّوۡءِۚ أَفَلَمۡ يَكُونُواْ يَرَوۡنَهَاۚ بَلۡ كَانُواْ لَا يَرۡجُونَ نُشُورٗا 40﴾:

بعد أن ذكَرَ جل وعلا الأمم التي كذَّبت الرسل من قوم نوح إلى أصحاب الرَّسّ، ذكَرَ قرية قوم لوط التي أُمْطِرَتْ مطَرَ السَّوْء، ثم وبَّخ الكفار الذين يمرون عليهم في رحلتهم للشام، فلم يتَّعظوا ويعتبروا بما حل بهم من خراب ودمار، ثم ذكَرَ علة كفرهم وعدم اعتبارهم بحوادث الأمم التي دُمِّرَتْ؛ كعاد، وثمود، ومَدْيَنَ، وغيرهم؛ بأنهم كانوا كافرين باليوم الآخر والحساب والبعث؛ لذلك تشبَّثوا بما هم عليه من كفر وفساد واتِّباع للهوى والشيطان.

[41] ﴿وَإِذَا رَأَوۡكَ إِن يَتَّخِذُونَكَ إِلَّا هُزُوًا أَهَٰذَا ٱلَّذِي بَعَثَ ٱللَّهُ رَسُولًا 41﴾:

وإذا رآك -أيها النبي- هؤلاء المكذِّبون المعاندون -بدل أن يُؤْمنوا بك ويتَّبعوك- أخذوا في الاستهزاء والسخرية والاحتقار قائلين: هل هذا هو الذي بعثه الله رسولًا إلينا؟! هذا لا يناسبنا، ولا يليق بنا.

[42] ﴿إِن كَادَ لَيُضِلُّنَا عَنۡ ءَالِهَتِنَا لَوۡلَآ أَن صَبَرۡنَا عَلَيۡهَاۚ وَسَوۡفَ يَعۡلَمُونَ حِينَ يَرَوۡنَ ٱلۡعَذَابَ مَنۡ أَضَلُّ سَبِيلًا 42﴾:

ثم قالوا كذبًا وزورًا: لقد كاد هذا الرجل -أي: النبي ﷺ- أن يَصْرِفنا عن عبادة آلهتنا؛ لولا أن ثَبَتْنا وصبَرْنا وصمَدْنا على ذلك، ثم بيَّن سبحانه أن هؤلاء المعاندين سوف يعلمون حين يعاينون العذاب حقيقةً مَنْ أضلُّ سبيلًا؟! هم أم الرسول ﷺ.

[43] ﴿أَرَءَيۡتَ مَنِ ٱتَّخَذَ إِلَٰهَهُۥ هَوَىٰهُ أَفَأَنتَ تَكُونُ عَلَيۡهِ وَكِيلًا 43﴾:

ثم قال سبحانه لنبيه محمد ﷺ: انظر -أيها النبي- نظر المتعجِّب إلى هذا الذي لا يهوى شيئًا إلا اتَّبعه، فهو عابدٌ لهواه؛ أَمِثْلُ هذا تكون أنتَ حفيظًا عليه، وتهديه؟! ما عليك -أيها النبي- إلا البلاغ، أما حسابه فعلينا، ومرجعه فإلينا.

[44] ﴿أَمۡ تَحۡسَبُ أَنَّ أَكۡثَرَهُمۡ يَسۡمَعُونَ أَوۡ يَعۡقِلُونَۚ إِنۡ هُمۡ إِلَّا كَٱلۡأَنۡعَٰمِ بَلۡ هُمۡ أَضَلُّ سَبِيلًا 44﴾:

أتظن -أيها النبي- أن هؤلاء المعاندين يسمعون سماع فهم، أو يتدبَّرون في آياتنا؟! لا تظُنَّ ذلك؛ فهؤلاء كالبهائم المسلوبة الفهم والعقل؛ بل هم أحطُّ وأشدُّ ضلالًا من هذه البهائم.

[45] ﴿أَلَمۡ تَرَ إِلَىٰ رَبِّكَ كَيۡفَ مَدَّ ٱلظِّلَّ وَلَوۡ شَآءَ لَجَعَلَهُۥ سَاكِنٗا ثُمَّ جَعَلۡنَا ٱلشَّمۡسَ عَلَيۡهِ دَلِيلٗا 45﴾:

ألم تنظر -أيها النبي- إلى صنع الله الذي أحسن كل شيء خلقه، ومن ذلك: أنه بسَطَ سبحانه الظِّلَّ وجعله واسعًا؛ من زوال الشمس إلى خروجها في اليوم التالي، ولو شاء، لجعله ثابتًا ومستقِرًّا لا تزيله الشمس، ثم جعل سبحانه الشمس علامةً تدُلُّ عليه؛ فلولا الشمس، ما عُرِفَ الظل.

[46] ﴿ثُمَّ قَبَضۡنَٰهُ إِلَيۡنَا قَبۡضٗا يَسِيرٗا 46﴾:

ثم بيَّن جل وعلا أنه يقلِّصُ هذا الظل شيئًا فشيئًا؛ وهذا فيه مصالح ومنافع للناس كثيرة. قال علماؤنا: (إن مَدَّ الظلِّ يبدأ من زوال الشمس بعد الظهر إلى طلوعها في اليوم التالي، ويُقْبَضُ بطلوع الشمس). وقوله: ﴿وَلَوۡ شَآءَ لَجَعَلَهُۥ سَاكِنٗا﴾ جملة اعتراضية؛ لإثبات قدرة الله تعالى، وأنه قادر على كل شيء.

[47] ﴿وَهُوَ ٱلَّذِي جَعَلَ لَكُمُ ٱلَّيۡلَ لِبَاسٗا وَٱلنَّوۡمَ سُبَاتٗا وَجَعَلَ ٱلنَّهَارَ نُشُورٗا 47﴾:

واعلموا -أيها الناس- أن الله جل في علاه هو الذي تفضَّل علىكم؛ فجعل الليل مظلِمًا يغشى الأشياء ويستُرُها؛ فتسكُنُ فيه النفوس وتخلُدُ إلى الراحة والنوم، ومن رحمته سبحانه: أن جعل النهار ينتشر فيه الناس، يعملون فيه، ويطلبون فيه أرزاقهم، ويحصِّلون فيه منافعهم.

[48] ﴿وَهُوَ ٱلَّذِيٓ أَرۡسَلَ ٱلرِّيَٰحَ بُشۡرَۢا بَيۡنَ يَدَيۡ رَحۡمَتِهِۦۚ وَأَنزَلۡنَا مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءٗ طَهُورٗا 48﴾:

واعلموا -أيها الناس- أيضًا أن الله جل في علاه هو الذي يسيِّرُ الرياح التي تحمل السحاب؛ فيستبشر الناس بذلك ويفرحون، وينتظرون نزول المطر المبارَك العَذْب الطاهر المطهِّر.

[49] ﴿لِّنُحۡـِۧيَ بِهِۦ بَلۡدَةٗ مَّيۡتٗا وَنُسۡقِيَهُۥ مِمَّا خَلَقۡنَآ أَنۡعَٰمٗا وَأَنَاسِيَّ كَثِيرٗا 49﴾:

ثم بيَّن سبحانه أنه يُحْيي بهذا المطر مواتَ البلاد؛ فيخرج النبات في المكان الذي لا نبات فيه، وينتفع به الناس، فيشربون منه، ويسقون منه بهائمهم.

[50] ﴿وَلَقَدۡ صَرَّفۡنَٰهُ بَيۡنَهُمۡ لِيَذَّكَّرُواْ فَأَبَىٰٓ أَكۡثَرُ ٱلنَّاسِ إِلَّا كُفُورٗا 50﴾:

ثم أخبَرَ جل وعلا بأنه قسَّم نزول هذا المطر بين الناس، فأنزله على أرضٍ دون أخرى؛ ليتذكَّروا ويرجعوا إلى الله، ويؤمنوا به، وينسُبُوا الفضل إليه؛ فما كان من أكثر الناس إلا الإباء والاستكبار، وجَحْدُ نعمة الله؛ وذلك لفساد أخلاقهم وطبائعهم.

[51] ﴿وَلَوۡ شِئۡنَا لَبَعَثۡنَا فِي كُلِّ قَرۡيَةٖ نَّذِيرٗا 51﴾:

ثم أخبَرَ سبحانه أنه لو شاء، لَبَعَثَ في كل قرية رسولًا يدعوهم إلى الله ويُنْذِرهم عذابه الأليم، ولكنْ لفضله عليك وعلى عباده كلهم، ورحمته بك وبالإنس والجِنِّ؛ قاصيهم ودانيهم، أبيضهم وأصفرهم وأسودهم؛ أرسَلَكَ سبحانه نبيًّا للبشر كلهم، إنسهم وجنِّهم، وخاتمًا للأنبياء والرسل أجمعين.

[52] ﴿فَلَا تُطِعِ ٱلۡكَٰفِرِينَ وَجَٰهِدۡهُم بِهِۦ جِهَادٗا كَبِيرٗا 52﴾:

ولهذا أمَرَه سبحانه وتعالى ألَّا يطيع الكافرين والمثبِّطين فيما يريدونه من أمور باطلة مخالفة لما أُرْسِلَ به ﷺ، وأمَرَه أن يجاهدهم بهذا القرآن جهادًا عظيمًا؛ وذلك بقراءته وتوضيح آياته والعمل بما فيه، وفي الحديث الذي أخرجه أحمد، وأبو داود، والنَّسَائي: «جَاهِدُوا المُشْرِكِينَ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ وَأَلْسِنَتِكُمْ»([1]). [1] أخرجه أحمد في المسند (12246، 12555)، وأبو داود (2504)، والنسائي (3096)، عن أنس رضي الله عنه.

[53] ﴿وَهُوَ ٱلَّذِي مَرَجَ ٱلۡبَحۡرَيۡنِ هَٰذَا عَذۡبٞ فُرَاتٞ وَهَٰذَا مِلۡحٌ أُجَاجٞ وَجَعَلَ بَيۡنَهُمَا بَرۡزَخٗا وَحِجۡرٗا مَّحۡجُورٗا 53﴾:

واعلموا أن الله جل وعلا هو وحده الذي أجرى البحار والأنهار وأرسلها، فأرسَلَ النهر العَذْب الشديد العذوبة، وأرسَلَ البحر المالح البالغ الملوحة، فإذا التقيا، فإنهما لا يمتزجان، ولا يختلط أحدهما بالآخر اختلاطًا يُذْهِبُ خاصِّيته؛ وذلك بحاجزٍ حصينٍ جعله الله بينهما، ولا يمتزجان إلا إذا ابتعدا عن المَصَبِّ.

[54] ﴿وَهُوَ ٱلَّذِي خَلَقَ مِنَ ٱلۡمَآءِ بَشَرٗا فَجَعَلَهُۥ نَسَبٗا وَصِهۡرٗاۗ وَكَانَ رَبُّكَ قَدِيرٗا 54﴾:

واعلموا -أيها الناس- أن الله هو الذي خلق الإنسان من هذا المَنِيِّ الذي يقذفه الذَّكَرُ في رحم الأنثى، ثم أنشأ سبحانه منه الأسر والشعوب، وجعلهم أنسابًا وأصهارًا؛ وهذا يدل على كمال قدرته جل في علاه بأن خلَقَ من هذا الماءِ المَهِينِ هذا الإنسان، وجعل منه هذه الشعوب والقبائل؛ فتبارك الله أحسن الخالقين المبدعين.

[55] ﴿وَيَعۡبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ مَا لَا يَنفَعُهُمۡ وَلَا يَضُرُّهُمۡۗ وَكَانَ ٱلۡكَافِرُ عَلَىٰ رَبِّهِۦ ظَهِيرٗا 55﴾:

أخبَرَ جل وعلا عن جهل هؤلاء المشركين الذين يتَّخذون في عبادتهم آلهةً من دون الله لا تنفعهم ولا تضُرُّهم شيئًا، وكان الكافر الجاحد بربه معاونًا للشيطان مؤيِّدًا له، مبارزًا لله بالمعاصي.

[56] ﴿وَمَآ أَرۡسَلۡنَٰكَ إِلَّا مُبَشِّرٗا وَنَذِيرٗا 56﴾:

واعلم -أيها النبي- أننا لم نرسلك للناس إلا لتبشِّر من آمن ووحَّد وأطاع بالثواب والفوز في الدارَيْن، وتُنذِرَ وتحذِّر من جحد وعصى بالعقاب في الدارَيْن؛ فلا تذهب نَفْسُكَ حَسَراتٍ على من عاند وكذَّب.

[57] ﴿قُلۡ مَآ أَسۡـَٔلُكُمۡ عَلَيۡهِ مِنۡ أَجۡرٍ إِلَّا مَن شَآءَ أَن يَتَّخِذَ إِلَىٰ رَبِّهِۦ سَبِيلٗا 57﴾:

ثم سلَّى جل وعلا نبيَّه محمدًا ﷺ، فأخبَرَهُ ألَّا ينزعج ولا يحزن إذا لم يَلْقَ استجابة من قومه، وأمره سبحانه أن يقول لقومه: اعلموا أنني لا أسألكم أُجْرةً على تبليغي وإنذاري لكم، ولكنْ إنْ هداكم الله، وتوسَّلتم إليه بالطاعات والأعمال الصالحة مِنْ نفقة أو غيرها، فإن ثواب ذلك لكم، ولست أُجْبِركم عليه؛ وهذا ما أريد وأتمنَّى أن يتحقَّق.

[58] ﴿وَتَوَكَّلۡ عَلَى ٱلۡحَيِّ ٱلَّذِي لَا يَمُوتُ وَسَبِّحۡ بِحَمۡدِهِۦۚ وَكَفَىٰ بِهِۦ بِذُنُوبِ عِبَادِهِۦ خَبِيرًا 58﴾:

واعتمِدْ -أيها النبي- في أمورك كلِّها على الله الحيِّ الذي له الحياة الكاملة المطلقة، الذي لا يموت، ونَزِّههُّ عن النقائص، ولا تحزن ولا تأسَ على ما يفتريه المُفْتَرون؛ فكفى به سبحانه بذنوب عباده خبيرًا، لا يخفى عليه شيء من أمرهم، وسيجازيهم ويحاسبهم عليها.

[59] ﴿ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضَ وَمَا بَيۡنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٖ ثُمَّ ٱسۡتَوَىٰ عَلَى ٱلۡعَرۡشِۖ ٱلرَّحۡمَٰنُ فَسۡـَٔلۡ بِهِۦ خَبِيرٗا 59﴾:

أخبَرَ جل وعلا أنه هو الذي خلَقَ السموات والأرض، وخلَقَ ما بينهما في ستة أيام، ثم استوى سبحانه وارتفع على العرش؛ استواءً يليق بجلاله وعظمته؛ وهذا الاستواء معلوم المعنى، أما كيفيته، فهي مجهولة لنا ولا نعرفها؛ كما أننا لا نعرف كيفية ذاته؛ فهو الواحد الأحد، الفرد الصمد، الذي لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفوًا أحد، وهو جل في علاه الرحمن؛ فاسأله -أيها النبي- فإنه خبيرٌ بخلقه؛ فهو خالقهم، ولا يخفى عليه سبحانه أحدٌ ممن خلَقَ.

[60] ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ ٱسۡجُدُواْۤ لِلرَّحۡمَٰنِ قَالُواْ وَمَا ٱلرَّحۡمَٰنُ أَنَسۡجُدُ لِمَا تَأۡمُرُنَا وَزَادَهُمۡ نُفُورٗا 60﴾:

ثم يخبر جل وعلا بأنَّه إذا قيل لهؤلاء الكافرين الجاحدين: اسجُدُوا للرحمن وحده، وأَخْلِصوا له العبادة، قالوا جَحْدًا وكُفْرًا: وما الرحمن؟! فيزعمون أنهم لا يعرفونه، ثم يقولون تماديًا وطغيانًا: أنسجُدُ لمجرَّد أنك تأمرنا بالسجود، وزادهم ذلك الأمر بالسجود بُعْدًا ونفورًا عن الإيمان والتوحيد؛ والعياذ بالله.

[61] ﴿تَبَارَكَ ٱلَّذِي جَعَلَ فِي ٱلسَّمَآءِ بُرُوجٗا وَجَعَلَ فِيهَا سِرَٰجٗا وَقَمَرٗا مُّنِيرٗا 61﴾:

ثم يخبر جل وعلا بأنَّه تكاثَرَ فضله، وتعاظَمَتْ بركته سبحانه؛ فهو الذي خلَقَ في السماء هذه النجومَ الكبيرة، وهذه الشمسَ العظيمة التي تضيء، وهذا القمَرَ الذي ينير، وجعلها مسخَّرةً للإنسان؛ فسبحان من لا يَقْدِر قَدْرَهُ إلا هو.

[62] ﴿وَهُوَ ٱلَّذِي جَعَلَ ٱلَّيۡلَ وَٱلنَّهَارَ خِلۡفَةٗ لِّمَنۡ أَرَادَ أَن يَذَّكَّرَ أَوۡ أَرَادَ شُكُورٗا 62﴾:

ثم ذكَرَ جل في علاه أنه هو الذي خلَقَ الليل والنهار، وجعلهما يتعاقبان بتَكْرار؛ لمن أراد أن يتَّعظ ويعتبر ويتذكَّر أنه سبحانه لم يخلقهما عبثًا؛ فمن حكمة خلقهما: معرفةُ أوقات العبادة من صلاة أو دعاء أو صوم أو حج، ونحو ذلك؛ ومن حكمة خلقهما: أنَّ مَنْ فاته وقتٌ بسبب نوم أو بأي سبب آخر، استعاض عنه في وقت آخر، ومِنْ حكمة خلقهما: شُكْرُ الله على نعمه التي لا تحصى، ومن أعظم هذه النعم: خَلْقُ الليل والنهار على هذه الصفة الحكيمة التي تدُلُّ على عظيم قدرته عز وجل.

[63] ﴿وَعِبَادُ ٱلرَّحۡمَٰنِ ٱلَّذِينَ يَمۡشُونَ عَلَى ٱلۡأَرۡضِ هَوۡنٗا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ ٱلۡجَٰهِلُونَ قَالُواْ سَلَٰمٗا 63﴾:

ذكَرَ جل وعلا أن من صفات عباد الرحمن الحميدة، وعباداتهم المتنوِّعة: أنهم يمشون على الأرض بسكينةٍ ووَقَارٍ وتواضع، بعيدين عن الخيلاء والتكبُّر.

ومن صفاتهم: إذا خاطبهم السفهاء بجهالة أو سُوء أدب، فإنهم يرُدُّون عليهم بكلام طيِّب لا تعنيف فيه ولا استهزاء ولا سخرية، أي: أنهم يدرؤون بالحسنة السيئة.

[64] ﴿وَٱلَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمۡ سُجَّدٗا وَقِيَٰمٗا 64﴾:

ومن صفات عباد الرحمن: أنهم يقطعون جزءًا من ليلهم في صلاة التهجُّد ساجدين لله متذلِّلين له، أو قائمين لله خاضعين له.

[65] ﴿وَٱلَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا ٱصۡرِفۡ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَۖ إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا 65﴾:

ومن صفات عباد الرحمن: أنهم يَدْعون ربهم -وَجِلين خائفين- قائلين: اللهم، أَبعِدْ عنا عذاب جهنم؛ فإن عذابها لا يُطاق؛ فهو لازم ودائم.

[66] ﴿إِنَّهَا سَآءَتۡ مُسۡتَقَرّٗا وَمُقَامٗا 66﴾:

ثم ذَمَّ جل وعلا جهنم، فأخبَرَ أنها بئست مستقَرًّا لمن استقَرَّ بها من العصاة الذين لم يُحْكَمْ عليهم بالخلود فيها، وبئست مقامًا لمن أقام بها من المكذِّبين للرسل الجاحدين لدين الله الذين سيخلَّدون فيها أبد الآبدين.

[67] ﴿وَٱلَّذِينَ إِذَآ أَنفَقُواْ لَمۡ يُسۡرِفُواْ وَلَمۡ يَقۡتُرُواْ وَكَانَ بَيۡنَ ذَٰلِكَ قَوَامٗا 67﴾:

ومن صفات عباد الرحمن: أنهم إذا أنفقوا من أموالهم النفقات الواجبة والمستحبَّة، لم يزيدوا حتى يصلوا حدَّ التبذير، ولم يقصِّروا في النفقة حتى البُخْلِ والشحِّ والتقتير، بل كانوا ينفقون باعتدالٍ وتوسُّط.

[68] ﴿وَٱلَّذِينَ لَا يَدۡعُونَ مَعَ ٱللَّهِ إِلَٰهًا ءَاخَرَ وَلَا يَقۡتُلُونَ ٱلنَّفۡسَ ٱلَّتِي حَرَّمَ ٱللَّهُ إِلَّا بِٱلۡحَقِّ وَلَا يَزۡنُونَۚ وَمَن يَفۡعَلۡ ذَٰلِكَ يَلۡقَ أَثَامٗا 68﴾:

ومن صفات عباد الرحمن: أنهم ابتعدوا عن الشرك وعبادة غير الله، وابتعدوا عن قتل النَّفْسِ التي حرَّم الله إلا بالحقّ، وابتعدوا عن الزنى، وعمَّا حرَّم الله، واعلموا أن من تزيِّن له نفسه ارتكاب شيء من ذلك، فقد اكتسَبَ الإثم الكبير، ووقع في الذنب العظيم.

[69] ﴿يُضَٰعَفۡ لَهُ ٱلۡعَذَابُ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ وَيَخۡلُدۡ فِيهِۦ مُهَانًا 69﴾:

ثم أخبَرَ سبحانه أن من ارتكب هذه الذنوب والمعاصي، كان ذلك سببًا في أن يُضاعِفَ الله عليه العقوبة في الآخرة، وسببًا لدخوله النار، وخلوده فيها ذليلًا حقيرًا؛ إذا مات على الشرك، أما مَنْ مات دون الشرك من أهل التوحيد، فلا يخلَّد في النار.

[70] ﴿إِلَّا مَن تَابَ وَءَامَنَ وَعَمِلَ عَمَلٗا صَٰلِحٗا فَأُوْلَٰٓئِكَ يُبَدِّلُ ٱللَّهُ سَيِّـَٔاتِهِمۡ حَسَنَٰتٖۗ وَكَانَ ٱللَّهُ غَفُورٗا رَّحِيمٗا 70﴾:

أما من أحدَثَ توبةً من هذه المعاصي بأن أقلَعَ عنها، ونَدِمَ عليها، وعزم على عدم العودة، وردَّ الحقوق إلى أهلها، ورجع إلى الله، فآمَنَ به ووحَّده توحيد الطائعين، ثم عمل الأعمال الصالحة، فإن الله -بكرمه ولطفه- يغفر ذنبَه، ويستُرُ عيبَه، ويُقِيلُ عثرتَه، ويقبل توبتَه، ثم يتكرَّم عليه فيبدِّل سيئاته التي عملها إلى حسنات؛ فتبارك اللهُ أكرمُ الأكرمين، واعلموا أن الله كثيرُ المغفرة لِمَن استغفر وتاب، كثيرُ الرحمة لمن رجع وأناب.

[71] ﴿وَمَن تَابَ وَعَمِلَ صَٰلِحٗا فَإِنَّهُۥ يَتُوبُ إِلَى ٱللَّهِ مَتَابٗا 71﴾:

واعلموا -أيها الناس- أن من تاب، ودلَّل على صِدْق توبته بالأعمال الصالحة، فإنه قد رجع إلى ربه حقَّ الرجوع، وتلك صفات التوبة النصوح المقبولة.

[72] ﴿وَٱلَّذِينَ لَا يَشۡهَدُونَ ٱلزُّورَ وَإِذَا مَرُّواْ بِٱللَّغۡوِ مَرُّواْ كِرَامٗا 72﴾:

ثم عاد وأخبَرَ جل وعلا أن من صفات عباد الرحمن: أنهم لا يرتكبون شهادةَ الزُّور، ويبتعدون عن مجالس اللَّهْو والفِسْق والغِيبة والزُّور، والتي كَثُرَتْ للأسف في هذا الزمان، والله المستعان، وأنهم إذا مروا بمجالس أهل الباطل التي يكثُرُ فيها اللغو، أعرضوا عنها؛ تنزُّهًا وإكرامًا لأنفسهم، وصونًا لكرامتهم.

[73] ﴿وَٱلَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُواْ بِـَٔايَٰتِ رَبِّهِمۡ لَمۡ يَخِرُّواْ عَلَيۡهَا صُمّٗا وَعُمۡيَانٗا 73﴾:

ومن صفات عباد الرحمن: أنهم إذا ذُكِّروا بالقرآن، وخُوِّفوا بآيات الله، لم يُعْرِضوا عنها، بل أقبلوا منكبِّينَ عليها، منقادين مستسلمين لها.

[74] ﴿وَٱلَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبۡ لَنَا مِنۡ أَزۡوَٰجِنَا وَذُرِّيَّٰتِنَا قُرَّةَ أَعۡيُنٖ وَٱجۡعَلۡنَا لِلۡمُتَّقِينَ إِمَامًا 74﴾:

ومن صفات عباد الرحمن أيضًا: أنهم يَدْعون الله قائلين: ربَّنا، أعطنا وارزقنا من أزواجنا وذرِّياتنا ما تَقَرُّ به أعيننا، وتسكُنُ إليه نفوسنا، واجعلنا -يا ربَّنا- قدوةً صالحةً يُقْتدى بها في الخير؛ فيكون لنا أجرنا، وأجر من اقتدى بنا.

[75] ﴿أُوْلَٰٓئِكَ يُجۡزَوۡنَ ٱلۡغُرۡفَةَ بِمَا صَبَرُواْ وَيُلَقَّوۡنَ فِيهَا تَحِيَّةٗ وَسَلَٰمًا 75﴾:

واعلموا أن أولئك الذين هذه هي صفاتهم من عباد الرحمن، سوف يَجْزيهم الله أحسن الجزاء؛ وذلك بأن يُدْخِلهم أعلى منازل الجنة وأفضلها؛ بسبب صبرهم ويقينهم بأن ما عند الله خيرٌ وأبقى، ويُلقَّوْنَ في هذه الدرجة العالية السلامَ من الله جل في عُلاه، ويُلقَّوْنَ أيضًا السلام من الملائكة، ويسلِّم بعضهم على بعض، ويسلِّمهم الله من كل ما يكدِّر خاطرهم؛ فيعيشون في نعيم تامّ، لا يكدِّرُ صَفْوَهُ شيء من المكدِّرات، ولا منغِّصٌ من المنغِّصات.

[76] ﴿خَٰلِدِينَ فِيهَاۚ حَسُنَتۡ مُسۡتَقَرّٗا وَمُقَامٗا 76﴾:

وهؤلاء الذين هذه صفاتهم من عباد الرحمن، خالدون في هذا النعيم خلودًا أبديًّا لا يتحوَّلون عنه ولا يزولون، وحَسُنَتْ تلك الغرفة قرارًا، وطابت منزلًا هنيئًا، ونعيمًا مقيمًا لهم؛ نسأل الله الكريم من فضله.

[77] ﴿قُلۡ مَا يَعۡبَؤُاْ بِكُمۡ رَبِّي لَوۡلَا دُعَآؤُكُمۡۖ فَقَدۡ كَذَّبۡتُمۡ فَسَوۡفَ يَكُونُ لِزَامَۢا 77﴾:

وقل -أيها النبي- للناس جميعًا: إن الله لا يعبأ ولا يبالي بكم؛ لولا أنكم تعبدونه وتُخْلِصون له العبادة، واعلموا -يا من كذَّبتم بالآخرة وبالإيمان بالله وحده وبالتوحيد- أنه سوف يكون جزاء تكذيبكم عذابًا دائمًا ملازمًا لكم، لا يفارقكم أبدًا في الآخرة.

سورة الشعراء

سورة الشعراء مكيَّة، وآياتها سبع وعشرون ومائتا آية.

[1] ﴿طسٓمٓ 1﴾:

سبق الكلام على الحروف المقطَّعة في أول سورة البقرة.

[2] ﴿تِلۡكَ ءَايَٰتُ ٱلۡكِتَٰبِ ٱلۡمُبِينِ 2﴾:

بدأت السورة بالإشارة إلى أن آيات هذا الكتاب التي أنزلها الله على نبيه ﷺ في هذه السورة وغيرها، هي آيات بينات واضحات، وضَّحت أحكام الله وشرائعه، وأوامره ونواهيه، وأمور الدنيا والآخرة.

[3] ﴿لَعَلَّكَ بَٰخِعٞ نَّفۡسَكَ أَلَّا يَكُونُواْ مُؤۡمِنِينَ 3﴾:

ثم سلَّى سبحانه نبيه ﷺ، فقال له: لعلك مُهْلِكٌ نَفْسَكَ على هؤلاء الكفار؛ لأنهم لم يؤمنوا بالله، ولم يتَّبعوا رسالتك؛ فلا تحزن عليهم؛ فقد أدَّيت ما عليك من التبليغ. وقد كان ﷺ يتألَّم ويحزن بسبب إعراض قريش وكبريائهم من سماع الهدى، وعدم رغبتهم في ترك ما توارثوه من عبادة الأصنام؛ فأمَرَهُ الله أن يرفُقَ بنفسه، وألَّا يهلكها من أجلهم؛ فإن الهدى هدى الله؛ إن أطاعوا، فذلك من صالحهم وسبيل لنجاتهم، وإن أصرُّوا، فهم الخاسرون، وقد وضَّح سبحانه ذلك له في قوله: ﴿فَإِنَّهُمۡ لَا يُكَذِّبُونَكَ وَلَٰكِنَّ ٱلظَّٰلِمِينَ بِـَٔايَٰتِ ٱللَّهِ يَجۡحَدُونَ﴾ [الأنعام:٣٣].

[4] ﴿إِن نَّشَأۡ نُنَزِّلۡ عَلَيۡهِم مِّنَ ٱلسَّمَآءِ ءَايَةٗ فَظَلَّتۡ أَعۡنَٰقُهُمۡ لَهَا خَٰضِعِينَ 4﴾:

ثم أخبَرَ سبحانه نبيه ﷺ: أنه لو أراد الله قَهْرَهم وإرغامهم على الإيمان، لأنزَلَ عليهم معجزة من السماء تُجْبِرهم على ذلك، وتصير أعناقهم خاضعة ذليلة، ولفعَلَ بهم مثل ما فعل ببني إسرائيل؛ كما قال تعالى: ﴿وَإِذۡ نَتَقۡنَا ٱلۡجَبَلَ فَوۡقَهُمۡ كَأَنَّهُۥ ظُلَّةٞ وَظَنُّوٓاْ أَنَّهُۥ وَاقِعُۢ بِهِمۡ﴾ [الأعراف:171]، ولكنَّ حكمة الله اقتضت ألَّا يدخل أحد في الإسلام إلا طائعًا راغبًا مختارًا.

[5] ﴿وَمَا يَأۡتِيهِم مِّن ذِكۡرٖ مِّنَ ٱلرَّحۡمَٰنِ مُحۡدَثٍ إِلَّا كَانُواْ عَنۡهُ مُعۡرِضِينَ 5﴾:

ثم أخبَرَ سبحانه أن هؤلاء الكفار ما يأتيهم كلامٌ مُحْدَثٌ من القرآن، أي: حديثُ النزول، إلا كذَّبوا، واستهزؤوا به، وأعرضوا عنه، ولم يتأملوا ما فيه من المواعظ والعِبَر.

[6] ﴿فَقَدۡ كَذَّبُواْ فَسَيَأۡتِيهِمۡ أَنۢبَٰٓؤُاْ مَا كَانُواْ بِهِۦ يَسۡتَهۡزِءُونَ 6﴾:

ثم أخبَرَ سبحانه أنهم مع إعراضهم فقد كذَّبوا بالقرآن؛ فسوف تأتيهم أخبار العذاب الذي سينالهم جزاءَ تكذيبهم واستهزائهم به.

[7] ﴿أَوَلَمۡ يَرَوۡاْ إِلَى ٱلۡأَرۡضِ كَمۡ أَنۢبَتۡنَا فِيهَا مِن كُلِّ زَوۡجٖ كَرِيمٍ 7﴾:

ثم نبَّه جل وعلا هؤلاء المستهزئين المكذِّبين بالبعث إلى النظر في الأرض؛ كيف أحياها الله بالمطر، وجعَلَ فيها أصناف النباتات الحسنة البديعة المشتملة على الذكر والأنثى؟!

[8] ﴿إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَأٓيَةٗۖ وَمَا كَانَ أَكۡثَرُهُم مُّؤۡمِنِينَ 8﴾:

ثم ختَمَ سبحانه هذه الآيات، مبيِّنًا أن ما خرَجَ من الأرض من أنواع الثمار والنباتات المختلفة علامةٌ واضحةٌ على قدرة الله على البعث، وإحياء الموتى وإعادتهم، ومع ذلك: فإن أكثر المشركين المكذِّبين بالبعث ليسوا من المؤمنين المصدِّقين؛ لأنهم استحبوا الكفر على الإيمان؛ لأن كفرهم لا يكلِّفهم بشيء من العبادات.

[9] ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ ٱلۡعَزِيزُ ٱلرَّحِيمُ 9﴾:

واعلم -أيها النبي- أن ربَّك هو العزيز القوي القادر على إهلاك المكذِّبين المعاندين للأنبياء والرسل، وهو سبحانه كثيرُ الرحمة بعباده، ومِنْ رحمته: أنه ينجِّي النبي وأتباعه من المؤمنين، ومن رحمته: أنه يُمهِل الكافرين ولا يعاجلهم بالعقوبة؛ لعلهم يتوبون.

[10] ﴿وَإِذۡ نَادَىٰ رَبُّكَ مُوسَىٰٓ أَنِ ٱئۡتِ ٱلۡقَوۡمَ ٱلظَّٰلِمِينَ 10﴾:

واذكُرْ -أيها النبي- لقومك قصة موسى مع فرعون وقومه المجرمين؛ إذْ نادى جل وعلا موسى من جانب الطور الأيمن، وأمره أن يأتي القوم الظالمين.

[11] ﴿قَوۡمَ فِرۡعَوۡنَۚ أَلَا يَتَّقُونَ 11﴾:

ثم بين سبحانه بأن القوم الظالمين هم قوم فرعون، وأمره أن يقول لهم: أَلَا تخافون سخَطَ الله وعقابه الأليم؛ بسبب ما أنتم فيه من الكفر والضلال المبين؟! وموسى يعرف جبروت فرعون وطغيانه؛ حيث عاش أول حياته في قصره.

[12] ﴿قَالَ رَبِّ إِنِّيٓ أَخَافُ أَن يُكَذِّبُونِ 12﴾:

فقال موسى عليه السلام: يا رب، إني أخشى أن يكذِّبوني ولا يصدِّقوني فيما أدعوهم إليه.

[13] ﴿وَيَضِيقُ صَدۡرِي وَلَا يَنطَلِقُ لِسَانِي فَأَرۡسِلۡ إِلَىٰ هَٰرُونَ 13﴾:

وقال عليه السلام أيضًا: وأخاف أن يضيقَ صدري بسبب تكذيبهم إيَّاي، ويمتلئَ همًّا وغمًّا، وأخشى أن ينعقد لساني؛ فلا أستطيع أن أوصِّل الدعوة بطلاقة؛ فكلِّفْ أخي هارون ليكون نصيرًا ومُعِينًا لي في هذا الأمر وفي هذه الدعوة؛ لفصاحته؛ فاستجاب الله له.

[14] ﴿وَلَهُمۡ عَلَيَّ ذَنۢبٞ فَأَخَافُ أَن يَقۡتُلُونِ 14﴾:

ثم قال موسى: يا رب، إنَّ لهم عليَّ ذنبًا، فأخاف أن يقتلوني. والذنب هو ما قام به موسى عليه السلام من قتل القِبْطي المشاغب مع الإسرائيلي الذي استنجَدَ به.

[15] ﴿قَالَ كَلَّاۖ فَٱذۡهَبَا بِـَٔايَٰتِنَآۖ إِنَّا مَعَكُم مُّسۡتَمِعُونَ 15﴾:

فطمأنه سبحانه وتعالى ، وقال له: كلَّا؛ لن يقتلوك؛ فاذهَبْ أنت وهارون بالمعجزات الدالَّة على صدقكما، واعلم بأني معكما بالعلم والنصرة والرؤية، ومستمِعٌ لِمَا يدور بينكم، وحافظٌ لكما من غدره.

[16] ﴿فَأۡتِيَا فِرۡعَوۡنَ فَقُولَآ إِنَّا رَسُولُ رَبِّ ٱلۡعَٰلَمِينَ 16﴾:

فأمَرَ جل وعلا موسى وهارون أن يذهبا إلى فرعون لدعوته للتوحيد، وأن يقولا له: اعلم يا فرعون: أنَّنا رسولان من رب العالمين، أَرْسَلَنا الله إليك؛ لتؤمِنَ به وتوحِّده.

[17] ﴿أَنۡ أَرۡسِلۡ مَعَنَا بَنِيٓ إِسۡرَٰٓءِيلَ 17﴾:

وأن يقولا لفرعون أيضًا: «ونطلُبُ منك أن تُطلِقَ بني إسرائيل وتُرسِلَهم معنا؛ ليؤمنوا بالله ويوحِّدوه، ويتَّبِعونا»؛ لأن فرعون كان قد ضيَّق عليهم، وعذَّبهم بقتل أبنائهم، واستحياء نسائهم؛ فنظَرَ فرعونُ إليهما نظَرَ احتقارٍ وازدراء، وأعرَضَ عما قالا وطلبا.

[18] ﴿قَالَ أَلَمۡ نُرَبِّكَ فِينَا وَلِيدٗا وَلَبِثۡتَ فِينَا مِنۡ عُمُرِكَ سِنِينَ 18﴾:

فقال فرعون لموسى عليه السلام: ألم نُنْعِمْ عليك بأن رَعَيْناك في صغرك؛ فلم نقتُلْك، بل ربَّيناك في قَصْرِنا، ونشأت بيننا، وبَقِيتَ عندنا سنين من عمرك؟!

[19] ﴿وَفَعَلۡتَ فَعۡلَتَكَ ٱلَّتِي فَعَلۡتَ وَأَنتَ مِنَ ٱلۡكَٰفِرِينَ 19﴾:

وقال فرعون أيضًا: ثم فعَلْتَ فَعْلتك الشنعاء بقتلك القِبْطيّ؟! وأنت من الجاحدين لِمَا قدَّمنا لك، وأنعمنا عليك فكفَرْتَ نعمتنا؟!

[20] ﴿قَالَ فَعَلۡتُهَآ إِذٗا وَأَنَا۠ مِنَ ٱلضَّآلِّينَ 20﴾:

فردَّ عليه موسى عليه السلام، فقال: فعَلْتُ ذلك عن جهل وعن غير عمدٍ.

[21] ﴿فَفَرَرۡتُ مِنكُمۡ لَمَّا خِفۡتُكُمۡ فَوَهَبَ لِي رَبِّي حُكۡمٗا وَجَعَلَنِي مِنَ ٱلۡمُرۡسَلِينَ 21﴾:

ثم قال موسى عليه السلام: ثم فرَرْتُ منكم حينها، وخرَجْتُ من بينكم خائفًا حين أردتم قتلي، فذهَبْتُ إلى مدين، فمَنَّ الله عليَّ فغفَرَ لي، وأعطاني العلم النافع، واختارني رسولًا إليكم.

[22] ﴿وَتِلۡكَ نِعۡمَةٞ تَمُنُّهَا عَلَيَّ أَنۡ عَبَّدتَّ بَنِيٓ إِسۡرَٰٓءِيلَ 22﴾:

ثم قال موسى عليه السلام أيضًا: وتذكُرُ -يا فرعون- هذه المِنَّةَ التي تمن بها عليَّ والتي لا وجه لك فيها، وتنسى أنك استعبَدتَّ بني إسرائيل.

[23] ﴿قَالَ فِرۡعَوۡنُ وَمَا رَبُّ ٱلۡعَٰلَمِينَ 23﴾:

فقال فرعون بعلوٍّ وعتوٍّ: وما رب العالمين الذي تدَّعي أنه أرسلك إلينا؟

[24] ﴿قَالَ رَبُّ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ وَمَا بَيۡنَهُمَآۖ إِن كُنتُم مُّوقِنِينَ 24﴾:

فقال موسى عليه السلام: هو خالق السموات والأرض وما بينهما، ومدبِّر شؤونهما؛ فإن كنتم توقنون بذلك، فآمنوا وصدِّقوا.

[25] ﴿قَالَ لِمَنۡ حَوۡلَهُۥٓ أَلَا تَسۡتَمِعُونَ 25﴾:

فقال فرعون في استخفافٍ لقومه: أَلَا تسمعون ما يقول هذا الرجل من وجود ربٍّ غيري؟!

[26] ﴿قَالَ رَبُّكُمۡ وَرَبُّ ءَابَآئِكُمُ ٱلۡأَوَّلِينَ 26﴾:

فقال موسى عليه السلام: اللهُ ربُّكم وربُّ آبائكم الأولين؛ فهو الذي خلقكم وخلق آباءكم، وهو وحده المستحق للعبادة.

[27] ﴿قَالَ إِنَّ رَسُولَكُمُ ٱلَّذِيٓ أُرۡسِلَ إِلَيۡكُمۡ لَمَجۡنُونٞ 27﴾:

فقال فرعون مغالِطًا مُغتاظًا: إن هذا الذي يزعم أنه رسولٌ إليكم ليس بعاقلٍ؛ ما هو إلا رجل مجنون.

[28] ﴿قَالَ رَبُّ ٱلۡمَشۡرِقِ وَٱلۡمَغۡرِبِ وَمَا بَيۡنَهُمَآۖ إِن كُنتُمۡ تَعۡقِلُونَ 28﴾:

فاستمَرَّ موسى عليه السلام في دعوته، وإقامة الأدلة على بطلان دعوى فرعون، فقال مخاطبًا الجميع: الله ربكم ورب المشرق والمغرب وما بينهما؛ فتفكَّروا إن كانت لكم عقولٌ تميِّزون بها الخالق من المخلوق، وتميِّزون بها الربَّ من المربوب.

[29] ﴿قَالَ لَئِنِ ٱتَّخَذۡتَ إِلَٰهًا غَيۡرِي لَأَجۡعَلَنَّكَ مِنَ ٱلۡمَسۡجُونِينَ 29﴾:

فقال فرعون مهدِّدًا ومتوعِّدًا موسى عليه السلام: لئن اتخذتَ لك إلهًا غيري، وربًّا سوايَ، لأَسْجُنَنَّكَ مع المسجونين، ولأَحْبِسَنَّكَ مع المحبوسين.

[30] ﴿قَالَ أَوَلَوۡ جِئۡتُكَ بِشَيۡءٖ مُّبِينٖ 30﴾:

فقال له موسى عليه السلام: أرأيت إن جئتُكَ بمعجزةٍ بيِّنةٍ واضحةٍ تدُلُّ على صدق رسالتي؟!

[31] ﴿قَالَ فَأۡتِ بِهِۦٓ إِن كُنتَ مِنَ ٱلصَّٰدِقِينَ 31﴾:

فقال فرعون: فإنْ كنتَ من الصادقين في دعواك، فأَظْهِرْ لنا ذلك.

[32] ﴿فَأَلۡقَىٰ عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ ثُعۡبَانٞ مُّبِينٞ 32﴾:

ثم إن موسى عليه السلام ألقى العصا التي كانت في يده؛ فإذا بها تنقلب إلى ثعبانٍ واضحٍ ظاهرٍ جليٍّ.

[33] ﴿وَنَزَعَ يَدَهُۥ فَإِذَا هِيَ بَيۡضَآءُ لِلنَّٰظِرِينَ 33﴾:

ثم إنه وضع يده عليه السلام في جيبه ثم أخرجها، فإذا بها تَشِعُّ بياضًا، ولها نورٌ عظيم، تُبْهرُ الناظرين.

[34] ﴿قَالَ لِلۡمَلَإِ حَوۡلَهُۥٓ إِنَّ هَٰذَا لَسَٰحِرٌ عَلِيمٞ 34﴾:

فقال فرعون -مراوغًا وهاربًا من هذه الآية التي تدُلُّ على صدق موسى في رسالته- قال لمن حوله من قومه: اعلموا -يا قومِ- إنَّ موسى لساحرٌ عليمٌ بالسحر، ماهرٌ به.

[35] ﴿يُرِيدُ أَن يُخۡرِجَكُم مِّنۡ أَرۡضِكُم بِسِحۡرِهِۦ فَمَاذَا تَأۡمُرُونَ 35﴾:

ثم قال فرعون أيضًا: وإنه يريد بسحره هذا أن يُخْرِجكم من دياركم، أي: من عقائدكم؛ فماذا ترون أن نفعل به؟!

[36] ﴿قَالُوٓاْ أَرۡجِهۡ وَأَخَاهُ وَٱبۡعَثۡ فِي ٱلۡمَدَآئِنِ حَٰشِرِينَ 36﴾:

فقال قوم فرعون: نرى أن تؤخِّرَ أمر موسى وهارون، وأن ترسل جندك في المملكة ليجمعوا لك جميع السَّحَرة.

[37] ﴿يَأۡتُوكَ بِكُلِّ سَحَّارٍ عَلِيمٖ 37﴾:

ثم قالوا: فإذا اجتمع السحرة، فإنك تختار منهم كل ساحر برَعَ في علم السحر وتفوَّق فيه.

[38] ﴿فَجُمِعَ ٱلسَّحَرَةُ لِمِيقَٰتِ يَوۡمٖ مَّعۡلُومٖ 38﴾:

ثم أخبَرَ سبحانه أن السحرة جُمِعوا من أنحاء المملكة، وحُدِّدَ لهم اللقاء مع موسى عليه السلام يومَ الزِّينةِ، وهو يوم عيدهم الذي يتفرَّغ الناس فيه من أعمالهم.

[39] ﴿وَقِيلَ لِلنَّاسِ هَلۡ أَنتُم مُّجۡتَمِعُونَ 39﴾:

ثم إن فرعون وقومه حثُّوا الناس على المجيء، وحضور ذلك اليوم المشهود.

[40] ﴿لَعَلَّنَا نَتَّبِعُ ٱلسَّحَرَةَ إِن كَانُواْ هُمُ ٱلۡغَٰلِبِينَ 40﴾:

وقيل للناس: احْرِصوا على الاحتشاد وحضور ذلك المشهد العظيم؛ لتشاهدوا غلبة السحرة لموسى فتثبُتُوا على دينكم، ولم يقولوا: (لعلنا نتبع الغالب)؛ مما يؤكِّد رفضهم للدعوة.

[41] ﴿فَلَمَّا جَآءَ ٱلسَّحَرَةُ قَالُواْ لِفِرۡعَوۡنَ أَئِنَّ لَنَا لَأَجۡرًا إِن كُنَّا نَحۡنُ ٱلۡغَٰلِبِينَ 41﴾:

فلما وصل السحرة إلى فرعون، قالوا له: هل لنا من أجرٍ ورفعةٍ إن نحن غلبنا موسى؟

[42] ﴿قَالَ نَعَمۡ وَإِنَّكُمۡ إِذٗا لَّمِنَ ٱلۡمُقَرَّبِينَ 42﴾:

فأجابهم فرعون قائلًا: نَعَمْ؛ لكم ذلك، وزيادة عليه: تكونون من المقرَّبين عندي.

[43] ﴿قَالَ لَهُم مُّوسَىٰٓ أَلۡقُواْ مَآ أَنتُم مُّلۡقُونَ 43﴾:

ثم قال موسى للسحرة في ثباتٍ ويقينٍ: ألقوا ما تريدون إلقاءه، بعد أن وعظهم وخوَّفهم؛ كما في قوله تعالى: ﴿قَالَ لَهُم مُّوسَىٰ وَيۡلَكُمۡ لَا تَفۡتَرُواْ عَلَى ٱللَّهِ كَذِبٗا فَيُسۡحِتَكُم بِعَذَابٖۖ وَقَدۡ خَابَ مَنِ ٱفۡتَرَىٰ﴾ [طه:٦١].

[44] ﴿فَأَلۡقَوۡاْ حِبَالَهُمۡ وَعِصِيَّهُمۡ وَقَالُواْ بِعِزَّةِ فِرۡعَوۡنَ إِنَّا لَنَحۡنُ ٱلۡغَٰلِبُونَ 44﴾:

فاستجاب السحرة لطلب موسى وألقوا حبالهم وعصيَّهم، فخُيِّلَ للحاضرين أنها حيَّاتٌ تسعى، وقالوا وهم يُلْقُونها: بعِزَّةِ فرعون نُقسِمُ أنا نحن الغالبون المنتصرون.

[45] ﴿فَأَلۡقَىٰ مُوسَىٰ عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ تَلۡقَفُ مَا يَأۡفِكُونَ 45﴾:

ثم ألقى موسى عصاه، فانقلبت حيَّةً عظيمةً حقيقيَّةً تبتلع ما ألقوه دَجَلًا وتزويرًا.

[46] ﴿فَأُلۡقِيَ ٱلسَّحَرَةُ سَٰجِدِينَ 46﴾:

فلما رأى السحرة هذه الآية العظيمة، انبهروا واندهشوا، وعَلِموا أن موسى رسولٌ من عند الله، فما كان منهم إلا أن خرُّوا ساجدين لله رب العالمين.

[47] ﴿قَالُوٓاْ ءَامَنَّا بِرَبِّ ٱلۡعَٰلَمِينَ 47﴾:

وقالوا: –أي: السحرة- بصدق وإخلاص: لقد آمنا بالله ربِّ العالمين.

[48] ﴿رَبِّ مُوسَىٰ وَهَٰرُونَ 48﴾:

ثم بين السحرة أنهم يقصدون: ربِّ موسى وهارون.

[49] ﴿قَالَ ءَامَنتُمۡ لَهُۥ قَبۡلَ أَنۡ ءَاذَنَ لَكُمۡۖ إِنَّهُۥ لَكَبِيرُكُمُ ٱلَّذِي عَلَّمَكُمُ ٱلسِّحۡرَ فَلَسَوۡفَ تَعۡلَمُونَۚ لَأُقَطِّعَنَّ أَيۡدِيَكُمۡ وَأَرۡجُلَكُم مِّنۡ خِلَٰفٖ وَلَأُصَلِّبَنَّكُمۡ أَجۡمَعِينَ 49﴾:

فأُسقِطَ في يد فرعون، ولكنه عانَدَ وكابر، وقال للسحرة: آمنتم برب موسى وهارون، واتَّبعتموهما؟! من غير أن تستأذنوني لأسمح لكم بذلك، ثم قال مكابرًا ومعارضًا للحقيقة الناصعة: إن موسى هو كبيركم الذي علَّمكم هذا السحر، ثم هدَّدهم وتوعَّدهم قائلًا: سوف تعلمون ما ينتظركم من العقاب والعذاب؛ لأقطِّعنَّ أيديكم وأرجلكم من خلاف، أي: اليد اليمنى مع الرجل اليسرى، أو العكس، ثم لأصلِّبنَّكم أجمعين على جذوع النخل.

[50] ﴿قَالُواْ لَا ضَيۡرَۖ إِنَّآ إِلَىٰ رَبِّنَا مُنقَلِبُونَ 50﴾:

فأجاب السحرة في ثباتٍ بعد أن خالَطَتْ بشاشةُ الإيمان قلوبَهم: لا نبالي ولا يُهِمُّنا ما تفعل بنا، بعد أن أكرمنا ربنا بهذا الإيمان؛ فإنَّ مرجعنا ومنقَلَبَنا ومصيرَنا إلى الله، فيجازينا على أعمالنا وثباتنا.

[51] ﴿إِنَّا نَطۡمَعُ أَن يَغۡفِرَ لَنَا رَبُّنَا خَطَٰيَٰنَآ أَن كُنَّآ أَوَّلَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ 51﴾:

وقال السحرة أيضًا: وإننا نطمع بهذا التوحيد والثبات، والمسارعة إلى الإيمان؛ أن يغفر الله لنا ذنوبنا من الكفر والسحر وغير ذلك.

[52] ﴿وَأَوۡحَيۡنَآ إِلَىٰ مُوسَىٰٓ أَنۡ أَسۡرِ بِعِبَادِيٓ إِنَّكُم مُّتَّبَعُونَ 52﴾:

ثم أخبر جل وعلا أنه أوحى إلى موسى أن يخرُجَ ببني إسرائيل من أول الليل، وأخبَرَهُ أن فرعون وقومه سيتَّبعونكم ليلحقوا بكم ويرُدُّوكم.

[53] ﴿فَأَرۡسَلَ فِرۡعَوۡنُ فِي ٱلۡمَدَآئِنِ حَٰشِرِينَ 53﴾:

فلما علم فرعون بخروج موسى مع بني إسرائيل، اشتد حَنَقه، وأرسل في قرى مصر وأريافها مَنْ يحشر الجنود لملاحقته.

[54] ﴿إِنَّ هَٰٓؤُلَآءِ لَشِرۡذِمَةٞ قَلِيلُونَ 54﴾:

ثم قال فرعون لهم مشجِّعًا على الإيقاع ببني إسرائيل: إنهم لمجموعةٌ حقيرةٌ، قليلةٌ أعدادهم.

[55] ﴿وَإِنَّهُمۡ لَنَا لَغَآئِظُونَ 55﴾:

وقال فرعون أيضًا: وقد ملأت هذه المجموعة صدورنا غيظًا وحِقْدًا عليهم؛ بسبب هروبهم منا، وتَرْكهم ديننا.

[56] ﴿وَإِنَّا لَجَمِيعٌ حَٰذِرُونَ 56﴾:

ثم قال فرعون: ولكن اعلموا أننا يقظون لهم، مستعدُّون للإمساك بهم وتأديبهم.

[57] ﴿فَأَخۡرَجۡنَٰهُم مِّن جَنَّٰتٖ وَعُيُونٖ 57﴾:

ثم أخبَرَ سبحانه أنه أخرَجَ بقدرته فرعون وقومه من أرض مصر وبساتينها وجِنَانها وزروعها، ومائها العَذْب الرائق.

[58] ﴿وَكُنُوزٖ وَمَقَامٖ كَرِيمٖ 58﴾:

وأخبر سبحانه أنه أخرجهم أيضًا من أموالهم وكنوزهم، ومنازلهم الحسان؛ لِيَلْقَوْا مصيرهم الذي قدَّره وكتبه الله عليهم، وهو الغَرَق، بسبب إصرارهم على الكفر والطغيان.

[59] ﴿كَذَٰلِكَۖ وَأَوۡرَثۡنَٰهَا بَنِيٓ إِسۡرَٰٓءِيلَ 59﴾:

ثم أخبَرَ سبحانه أنه كما قضى على فرعون وقومه بالغَرَقِ، وأصبحت ديارهم خالية؛ فقد مكَّن لموسى وبني إسرائيل أن يرثوا ديارهم لو أرادوا، لكنهم عادوا بعدها للأرض المقدَّسة، فحصل التِّيه، في صحراء سَيْناء قبل أن يصلوها؛ قال سيِّد قُطْب في ظلال القرآن: (ولا يُعرَفُ أن بني إسرائيل عادوا إلى مصر بعد خروجهم إلى الأرض المقدَّسة، وورثوا ملك مصر وكنوز فرعون ومقامه؛ لذلك يقول المفسِّرون: إنهم ورثوا مثل ما كان لفرعون ومَلَئِهِ؛ فهي وراثة لنوع ما كانوا فيه من جنات وعيون، وكنوز ومقام كريم). وفي تتبعي لقصتهم في القرآن وجَدتُّهم ورثوا التِّيهَ واللجاج واللعن وتفريقهم في الأرض ومسخ بعضهم، ولم أَجِدْ لهم عزًّا ولا دولة إلا في ملك داود وابنه سليمان عليهما السلام؛ فأما سليمان، فقد اتهموه بالسِّحْرِ لما سخَّر الله له الشياطين ومَرَدةَ الجن، وأما داود، فقد اتَّهموه بامرأة قائد جيشه كما ذكَرَ ذلك المفسِّرون عند قوله تعالى: ﴿قَالَ لَقَدۡ ظَلَمَكَ بِسُؤَالِ نَعۡجَتِكَ إِلَىٰ نِعَاجِهِۦۖ ﴾ [ص:٢٤]؛ وعلى هذا يكون إِرْثُهم هنا هو المذكور في قوله: ﴿وَأَوۡرَثۡنَا ٱلۡقَوۡمَ ٱلَّذِينَ كَانُواْ يُسۡتَضۡعَفُونَ مَشَٰرِقَ ٱلۡأَرۡضِ وَمَغَٰرِبَهَا ٱلَّتِي بَٰرَكۡنَا فِيهَاۖ ﴾ [الأعراف:137]؛ حيث صار لا منازع لهم لو أرادوها أو غيرها بعد إغراق فرعون وجنوده وهم ينظرون.

[60] ﴿فَأَتۡبَعُوهُم مُّشۡرِقِينَ 60﴾:

ثم بيَّن جل وعلا أن فرعون وجندَهُ لحقوا بموسى ومن معه من بني إسرائيل عند ساحل البحر الأحمر وَقْتَ شروق الشمس.

[61] ﴿فَلَمَّا تَرَٰٓءَا ٱلۡجَمۡعَانِ قَالَ أَصۡحَٰبُ مُوسَىٰٓ إِنَّا لَمُدۡرَكُونَ 61﴾:

فلمَّا لحق فرعون وجنوده ببني إسرائيل، وتقارَبَ الفريقان، ورأى كلُّ واحدٍ منهما الآخر، قال بنو إسرائيل لموسى عليه السلام: إن فرعون وجنوده اقترَبَ وصولهم، والبحرُ أمامنا، ولا طاقة لنا بهم.

[62] ﴿قَالَ كَلَّآۖ إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهۡدِينِ 62﴾:

فبادَرَهم موسى عليه السلام بثباتٍ ويقينٍ قائلًا: كلَّا؛ لن يُدْرِكونا، ولن ينالوا منَّا؛ وذلك أن الله جل في علاه معنا، وهو ناصرنا، وهادينا إلى سبيل نجاتنا.

[63] ﴿فَأَوۡحَيۡنَآ إِلَىٰ مُوسَىٰٓ أَنِ ٱضۡرِب بِّعَصَاكَ ٱلۡبَحۡرَۖ فَٱنفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرۡقٖ كَٱلطَّوۡدِ ٱلۡعَظِيمِ 63﴾:

وجاء فرَجُ الله؛ حيث أوحى جل وعلا إلى موسى عليه السلام أن اضرِبِ البحر بعصاك التي في يدك، ففعَلَ، فانفلق البحر اثنَيْ عشَرَ طريقًا، وكان كل جزء فارقًا بين الطرق كالجبل العظيم.

[64] ﴿وَأَزۡلَفۡنَا ثَمَّ ٱلۡأٓخَرِينَ 64﴾:

ثم قرَّب سبحانه فرعون ومَنْ معه من البحر، وجعلهم يدخُلُونَهُ بعد دخول موسى وبني إسرائيل.

[65] ﴿وَأَنجَيۡنَا مُوسَىٰ وَمَن مَّعَهُۥٓ أَجۡمَعِينَ 65﴾:

فمشى موسى وقومه إلى أن وصَلوا البَرّ، ونجَوْا من فرعون وقومه، ونجَوْا من الغرق في البحر جميعًا، ولم يتخلَّف منهم أحد.

[66] ﴿ثُمَّ أَغۡرَقۡنَا ٱلۡأٓخَرِينَ 66﴾:

ثم إن فرعون وقومه دخلوا في البحر على الطريق الذي مشى فيه موسى وقومه؛ فأطبَقَ الله عليهم البحر؛ فأغرقهم، فهلكوا أجمعون.

[67] ﴿إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَأٓيَةٗۖ وَمَا كَانَ أَكۡثَرُهُم مُّؤۡمِنِينَ 67﴾:

ثم ختَمَ سبحانه هذه الآيات مبيِّنًا أن إغراق فرعون وجنده علامةٌ واضحةٌ، ودليلٌ قاطعٌ على قدرة الله، وعلى صحة ما جاء به موسى عليه السلام، وعلى بطلان ما كان عليه فرعون وقومه، ومع ذلك فإن أكثر قوم فرعون ليسوا من المؤمنين المصدِّقين.

[68] ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ ٱلۡعَزِيزُ ٱلرَّحِيمُ 68﴾:

واعلم -أيها النبي- أن ربك هو العزيزُ الغالب على أمره؛ فبعزَّته أهلك المكذِّبين المعاندين، وهو سبحانه الرحيمُ بعباده المؤمنين؛ حيث نجَّاهم وحفظهم، ويسَّر سبل الهداية لهم.

[69] ﴿وَٱتۡلُ عَلَيۡهِمۡ نَبَأَ إِبۡرَٰهِيمَ 69﴾:

واقصص -أيها النبي- على الكافرين من قومك خبر إبراهيم عليه السلام.

[70] ﴿إِذۡ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوۡمِهِۦ مَا تَعۡبُدُونَ 70﴾:

ثم بدأ سبحانه ببيان قصة إبراهيم مع أبيه، فقال جل في علاه: واذكر –أيها النبي- يوم أن قال إبراهيم لأبيه وقومه على سبيل الدعوة وإقامة الحجة عليهم: أي شيء تعبدون -يا قومِ-؟ وهو عارف عليه السلام أنَّ قومه في ضلال، وأنهم عبدة للأوثان والكواكب، ولكنه يريد أن يوضِّح لهم أنهم تائهون، وأنهم يعبدون أشياء لا تملك ضرًّا ولا نفعًا، وأن جهودهم ضائعة.

[71] ﴿قَالُواْ نَعۡبُدُ أَصۡنَامٗا فَنَظَلُّ لَهَا عَٰكِفِينَ 71﴾:

فرد قومه عليه قائلين: نعبد أصنامًا مصنوعة من الحجارة وما أشبهها، فنعكُفُ على عبادتها، والتقرُّب لها.

[72] ﴿قَالَ هَلۡ يَسۡمَعُونَكُمۡ إِذۡ تَدۡعُونَ 72﴾:

فقال إبراهيم لقومه: هل تسمعكم هذه الأصنام إذا دعَوْتموها؟!

[73] ﴿أَوۡ يَنفَعُونَكُمۡ أَوۡ يَضُرُّونَ 73﴾:

وقال لهم أيضًا: وهل تنفعكم هذه الأصنام إذا طلبتم منها النفع؟! وهل تضُرُّكم أو تُلْحِق بكم أذًى إذا أنتم تركتم عبادتها؟!

[74] ﴿قَالُواْ بَلۡ وَجَدۡنَآ ءَابَآءَنَا كَذَٰلِكَ يَفۡعَلُونَ 74﴾:

فقالوا لإبراهيم: لقد وجَدْنا آباءنا يعبدون هذه الأصنام؛ فقلَّدناهم، وفعلنا مثلهم؛ وهذا إقرار منهم أنها لا تسمع، ولا تضر ولا تنفع.

[75] ﴿قَالَ أَفَرَءَيۡتُم مَّا كُنتُمۡ تَعۡبُدُونَ 75﴾:

فلمَّا تيقن إبراهيم عليه السلام أنهم ضالُّون عن الحق، ذكَرَ لهم براءته مما يعبدون هم وآباؤهم، فقال لهم على سبيل الإنكار: أرأيتم -يا قوم- ما كنتم تعبدون من هذه الأصنام.

[76] ﴿أَنتُمۡ وَءَابَآؤُكُمُ ٱلۡأَقۡدَمُونَ 76﴾:

ثم قال لهم: أقصد هذه الأصنام التي تعبدونها أنتم وآباؤكم الأقدمون.

[77] ﴿فَإِنَّهُمۡ عَدُوّٞ لِّيٓ إِلَّا رَبَّ ٱلۡعَٰلَمِينَ 77﴾:

اعلموا يا قوم أن هذه الأصنام عدوٌّ لي؛ لأنها معبودات باطلة، ولا أعبُدُ إلا الله ربَّ العالمين وحده لا شريك له.

[78] ﴿ٱلَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهۡدِينِ 78﴾:

ثم قال إبراهيم عليه السلام: إنني لا أعبد إلا الله ربَّ العالمين الذي أوجدني بعد العدم، وهداني ويسَّر لي طريق سعادتي في الدنيا والآخرة.

[79] ﴿وَٱلَّذِي هُوَ يُطۡعِمُنِي وَيَسۡقِينِ 79﴾:

وقال عليه السلام أيضًا: وكذلك هو وحده الذي يرزُقُني بأنواع الطعام والشراب والغذاء.

[80] ﴿وَإِذَا مَرِضۡتُ فَهُوَ يَشۡفِينِ 80﴾:

وقال عليه السلام أيضًا: وكذلك هو وحده الذي يَشْفيني ويعافيني من الأمراض والأسقام؛ إذا نزَلَتْ عليَّ وأحاطت بي.

[81] ﴿وَٱلَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحۡيِينِ 81﴾:

وقال عليه السلام أيضًا: وكذلك هو سبحانه المتفرِّدُ بإماتتي عند انقضاء أجلي، وهو الذي يبعثني ويُحْييني مرَّةً أخرى للجزاء والحساب.

[82] ﴿وَٱلَّذِيٓ أَطۡمَعُ أَن يَغۡفِرَ لِي خَطِيٓـَٔتِي يَوۡمَ ٱلدِّينِ 82﴾:

وقال عليه السلام أيضًا: وكلِّي رجاءٌ وأملٌ أن يغفر الله لي خطيئتي يوم القيامة، وأن يعفو ويتجاوز عني.

[83] ﴿رَبِّ هَبۡ لِي حُكۡمٗا وَأَلۡحِقۡنِي بِٱلصَّٰلِحِينَ 83﴾:

ثم قال إبراهيم عليه السلام داعيًا ربه: يا ربِّ، امنحني علمًا وفهمًا واسعًا، وألحقني بعبادك الصالحين الذين رَضِيتَ عنهم ورَضُوا عنك، واجمع بيني وبينهم في جنَّاتك جنات النعيم.

[84] ﴿وَٱجۡعَل لِّي لِسَانَ صِدۡقٖ فِي ٱلۡأٓخِرِينَ 84﴾:

ثم دعا إبراهيم ربه قائلًا: واجعل لي -يا رب- ذكْرًا حسنًا، وثناءً جميلًا يبقى لي بعد موتي إلى يوم القيامة، وقد أعطاه الله سُؤْلَه.

[85] ﴿وَٱجۡعَلۡنِي مِن وَرَثَةِ جَنَّةِ ٱلنَّعِيمِ 85﴾:

ودعا ربه أيضًا فقال: واجعلني -يا رب- من أهل الجنة الذين يَرِثون نعيمها.

[86] ﴿وَٱغۡفِرۡ لِأَبِيٓ إِنَّهُۥ كَانَ مِنَ ٱلضَّآلِّينَ 86﴾:

ودعا ربه أيضًا فقال: واغفِرْ لأبي؛ إنه كان من الضالِّين؛ فقد وعدته -يا رب- بأن أستغفر له عندك، وكان ذلك حينما فارق إبراهيم أباه، فقال له: سأستغفر لك ربي، ولكنْ لما تبيَّن له بأن أباه عدوٌّ لله، وأنه مصِرٌّ على الكفر، تبرَّأ منه.

[87] ﴿وَلَا تُخۡزِنِي يَوۡمَ يُبۡعَثُونَ 87﴾:

ثم قال إبراهيم داعيًا ربه أيضًا: ولا تفضحني -يا رب- ولا تُذِلَّني ولا تُهِنِّي على رؤوس الأشهاد يوم يقوم الناس لرب العالمين، ويقفون للجزاء والحساب.

[88] ﴿يَوۡمَ لَا يَنفَعُ مَالٞ وَلَا بَنُونَ 88﴾:

ثم بين عليه السلام عِظَمِ ذلك اليوم فقال: إنه اليوم الذي لا ينفع العبدَ فيه مالٌ ولا بنون.

[89] ﴿إِلَّا مَنۡ أَتَى ٱللَّهَ بِقَلۡبٖ سَلِيمٖ 89﴾:

وبين أنه اليوم الذي لا ينتفع فيه إلا مَنْ جاء إلى الله بقلبٍ سليم صحيحٍ خالٍ من الشِّرْكِ والشكِّ والنفاق.

[90] ﴿وَأُزۡلِفَتِ ٱلۡجَنَّةُ لِلۡمُتَّقِينَ 90﴾:

ثم أخبَرَ جل وعلا أن الجنة يوم القيامة تُقرَّبُ من عباد الله الذين جعلوا بينهم وبين عذاب الله وقايةً؛ بفعل أوامره، واجتناب نواهيه.

[91] ﴿وَبُرِّزَتِ ٱلۡجَحِيمُ لِلۡغَاوِينَ 91﴾:

وأخبَرَ سبحانه وتعالى أيضًا: أن النار يوم القيامة تُظْهَرُ وتُبَيَّنُ للكافرين الجاحدين أهل الغَوَاية والضلال.

[92] ﴿وَقِيلَ لَهُمۡ أَيۡنَ مَا كُنتُمۡ تَعۡبُدُونَ 92﴾:

وفي ذلك اليوم العظيم -يوم القيامة- يقال للكفار توبيخًا وتقريعًا: أين تلك الآلهة التي كنتم تعبُدُونها.

[93] ﴿مِن دُونِ ٱللَّهِ هَلۡ يَنصُرُونَكُمۡ أَوۡ يَنتَصِرُونَ 93﴾:

ثم يقال لهم: نقصد تلك الآلهة التي كنتم تعبدونها من دون الله؟! هل ينفعونكم اليوم بدفع العذاب عنكم؟! وهل يستطيعون دفع العذاب عن أنفسهم؟!

[94] ﴿فَكُبۡكِبُواْ فِيهَا هُمۡ وَٱلۡغَاوُۥنَ 94﴾:

ثم أخبَرَ سبحانه أن جميع الكفار سوف يُقذفون واحدًا تلو الآخر على وجوههم في النار، التابعين والمتبوعين.

[95] ﴿وَجُنُودُ إِبۡلِيسَ أَجۡمَعُونَ 95﴾:

وأخبر سبحانه أن من الذين سوف يُقذفون في نار جهنم: جنود إبليس وأعوانه من الصادِّين عن سبيل الله، والداعين إلى عبادة غير الله.

[96] ﴿قَالُواْ وَهُمۡ فِيهَا يَخۡتَصِمُونَ 96﴾:

ثم أخبر سبحانه أن العابدين المشركين بالله يتخاصمون وهم في النار مع من عبدوهم وأشركوا بهم.

[97] ﴿تَٱللَّهِ إِن كُنَّا لَفِي ضَلَٰلٖ مُّبِينٍ 97﴾:

وأخبر سبحانه أن العابدين يقسمون بالله أنهم كانوا في ضلالٍ بيِّنٍ واضحٍ لا خفاء فيه.

[98] ﴿إِذۡ نُسَوِّيكُم بِرَبِّ ٱلۡعَٰلَمِينَ 98﴾:

ثم ذكروا سبب ضلالهم فقالوا: لأننا سوَّيْناكم –أيها المعبودين- في العبادة بالله رب العالمين.

[99] ﴿وَمَآ أَضَلَّنَآ إِلَّا ٱلۡمُجۡرِمُونَ 99﴾:

وقالوا أيضًا: ما أغوانا وأبعدنا عن طريق الحق إلى طريق الضلال إلا هؤلاء الأئمَّة المجرمون الذين صدُّونا عن سبيل الله، وكانوا يدعوننا إلى الضلال الذي أوجَبَ لنا النار.

[100] ﴿فَمَا لَنَا مِن شَٰفِعِينَ 100﴾:

ثم قالوا: فما لنا حينئذٍ من شافعٍ يشفع لنا؛ فيُنْقِذَنا من عذاب الله.

[101] ﴿وَلَا صَدِيقٍ حَمِيمٖ 101﴾:

وقالوا أيضًا: وليس لنا من صديقٍ قريبٍ؛ فينفَعَنا بصداقته.

[102] ﴿فَلَوۡ أَنَّ لَنَا كَرَّةٗ فَنَكُونَ مِنَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ 102﴾:

ثم قالوا: فيا ليتنا نعود إلى الدنيا مرَّةً ثانيةً؛ فنكون ممَّن آمن واتَّبع؛ فنكون من الناجين من هذا العذاب.

[103] ﴿إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَأٓيَةٗۖ وَمَا كَانَ أَكۡثَرُهُم مُّؤۡمِنِينَ 103﴾:

ثم ختَمَ سبحانه هذه الآيات مبيِّنًا أن في قصة إبراهيم مع قومه، وتساقُطِ المشركين في جهنم، وخصومتهم فيها، وحِرْمانهم من الشفاعة؛ علامةً واضحةً على قدرة الله، وعِبْرةً للمعتبرين، ومع ذلك فإن أكثر من تبلغه هذه الآيات من الكَفَرة ليسوا من المؤمنين بها ولا المصدِّقين لها.

[104] ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ ٱلۡعَزِيزُ ٱلرَّحِيمُ 104﴾:

واعلم -أيها النبي- أنَّ ربك هو العزيز الغالب على أمره؛ فبعزَّته أهلك المكذِّبين المعاندين، وهو سبحانه الرحيمُ بعباده المؤمنين؛ حيث نجَّاهم وحفظهم، ويسَّر سبل الهداية لهم.

[105] ﴿كَذَّبَتۡ قَوۡمُ نُوحٍ ٱلۡمُرۡسَلِينَ 105﴾:

أخبَرَ جل وعلا أن قوم نوح كذَّبوا دعوةَ نبيِّهم؛ حيث دعاهم إلى التوحيد والإيمان، فلم يصدِّقوه ولم يؤمنوا به، واعتُبِرَ تكذيبهم لنوح عليه السلام تكذيبًا لجميع الأنبياء والرسل؛ إذْ دعوة الأنبياء واحدة، ودينهم واحد؛ فمن كذَّب بأحد الرسل، فقد كذَّب بهم جميعًا.

[106] ﴿إِذۡ قَالَ لَهُمۡ أَخُوهُمۡ نُوحٌ أَلَا تَتَّقُونَ 106﴾:

ثم قال لهم نبيهم نوحٌ عليه السلام: أَلَا تتَّقون الله وتخافون من عقابه؛ بسبب شِرْككم وعبادتكم غيره معه؟!

[107] ﴿إِنِّي لَكُمۡ رَسُولٌ أَمِينٞ 107﴾:

ثم قال لهم أيضَا: لقد اختصَّكم الله بإرسالي إليكم، وأنا أمينٌ فيما أبلِّغكم عن ربي سبحانه وتعالى؛ فلا أتقوَّل، ولا أفتري من قِبَل نفسي.

[108] ﴿فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُونِ 108﴾:

ثم أمرهم أن يتقوا الله ويؤمنوا به، وأن يطيعوه فيما يدعوهم إليه من التوحيد ونَبْذِ الشرك.

[109] ﴿وَمَآ أَسۡـَٔلُكُمۡ عَلَيۡهِ مِنۡ أَجۡرٍۖ إِنۡ أَجۡرِيَ إِلَّا عَلَىٰ رَبِّ ٱلۡعَٰلَمِينَ 109﴾:

ثم قال نوح عليه السلام لقومه: اعلموا -يا قوم- أني لا أطلب منكم أجرًا مقابل دعوتي إياكم للتوحيد، وإنما أَجْري وثوابي على الله رب العالمين.

[110] ﴿فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُونِ 110﴾:

ثم أمَرَهم عليه السلام وكرَّر عليهم بأن يتَّقوا الله ويخافوا عقابه، وأن يطيعوه فيما يدعوهم إليه؛ لكي يَنْجوا ويُفْلحوا.

[111] ﴿قَالُوٓاْ أَنُؤۡمِنُ لَكَ وَٱتَّبَعَكَ ٱلۡأَرۡذَلُونَ 111﴾:

فأجابه قومه قائلين: أنؤمن بك ونصدِّقك ونتَّبعك، وقد اتَّبعك أراذل الناس وفقراؤهم؟!

[112] ﴿قَالَ وَمَا عِلۡمِي بِمَا كَانُواْ يَعۡمَلُونَ 112﴾:

فقال لهم نوحٌ عليه السلام: إني كلِّفتُ بدعوة الناس إلى التوحيد، ولم أُكلَّفْ بمعرفة أعمالهم وحِرَفهم وصنائعهم ونحو ذلك.

[113] ﴿إِنۡ حِسَابُهُمۡ إِلَّا عَلَىٰ رَبِّيۖ لَوۡ تَشۡعُرُونَ 113﴾:

واعلموا أن حساب جميع الناس ومجازاتهم إنما هو على الله، ولو كنتم تشعرون بهذه الحقيقة، لمَّا قلتم ما قلتم.

[114] ﴿وَمَآ أَنَا۠ بِطَارِدِ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ 114﴾:

ثم قال عليه السلام: واعلموا أني لستُ بطاردٍ أحدًا ممَّن آمَنَ بي واتَّبَعني.

[115] ﴿إِنۡ أَنَا۠ إِلَّا نَذِيرٞ مُّبِينٞ 115﴾:

وقال عليه السلام أيضًا: وما أنا إلا نذيرٌ أُبيِّنُ لكم، وأبلِّغكم عن الله، وأجتهِدُ في ذلك، والأمر كله لله.

[116] ﴿قَالُواْ لَئِن لَّمۡ تَنتَهِ يَٰنُوحُ لَتَكُونَنَّ مِنَ ٱلۡمَرۡجُومِينَ 116﴾:

فقال له قومه متوعِّدين إيَّاه: لئن لم تكُفَّ -يا نوح- عمَّا تدعو إليه لنقتُلَنَّكَ رَمْيًا بالحجارة.

[117] ﴿قَالَ رَبِّ إِنَّ قَوۡمِي كَذَّبُونِ 117﴾:

فرفع نوحٌ عليه السلام شكواه لله رب العالمين قائلًا: يا رب، إن قومي كذَّبوني ولم يصدِّقوني، ولم يؤمنوا بي.

[118] ﴿فَٱفۡتَحۡ بَيۡنِي وَبَيۡنَهُمۡ فَتۡحٗا وَنَجِّنِي وَمَن مَّعِيَ مِنَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ 118﴾:

ثم طلب نوح من ربه أن يحكم بينه وبين قومه حُكْمًا يَهْلِكُ فيه الباغي والمُبطِلُ منا، وطلب من ربه أن ينجِّيه مع مَنْ آمن به وصدَّقه واتبعه.

[119] ﴿فَأَنجَيۡنَٰهُ وَمَن مَّعَهُۥ فِي ٱلۡفُلۡكِ ٱلۡمَشۡحُونِ 119﴾:

فاستجاب الله دعاء نوح عليه السلام، فنجَّاه ومَنْ معه في السفينة التي صنعها بوَحْيٍ من الله، والتي امتلأت بالناس والدوابِّ والأنعام.

[120] ﴿ثُمَّ أَغۡرَقۡنَا بَعۡدُ ٱلۡبَاقِينَ 120﴾:

ثم أخبَرَ سبحانه أنه أغرق الباقين من قوم نوحٍ ممَّن كذَّب ولم يُؤمِن.

[121] ﴿إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَأٓيَةٗۖ وَمَا كَانَ أَكۡثَرُهُم مُّؤۡمِنِينَ 121﴾:

ثم ختَمَ سبحانه هذه الآيات مبيِّنًا أن في هذا النبأ، وفي ذلك الصراع بين التوحيد والشرك، ونجاة الموحِّدين، وهلاك الكافرين؛ آيةً وعلامةً واضحة تدُلُّ على صدق رُسُلِنا، وصحة ما جاؤوا به، ومع ذلك فإن أكثر الناس لا يؤمنون بالله وشرعه، ولا يتَّبعون رُسُله.

[122] ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ ٱلۡعَزِيزُ ٱلرَّحِيمُ 122﴾:

واعلم -أيها النبي- أن ربك هو العزيز الغالبُ على أمره؛ فبعزَّته أهلك المكذِّبين المعاندين، وهو سبحانه الرحيمُ بعباده المؤمنين؛ حيث نجَّاهم وحفظهم، ويسَّر سبل الهداية لهم.

[123] ﴿كَذَّبَتۡ عَادٌ ٱلۡمُرۡسَلِينَ 123﴾:

أخبَرَ جل وعلابأن قوم عاد كذَّبوا نبيَّهم هودًا؛ حيث دعاهم إلى التوحيد والإيمان، فلم يصدِّقوه ولم يؤمنوا به، واعتُبِرَ تكذيبهم له عليه السلام تكذيبًا لجميع الأنبياء والرسل؛ إذْ دعوة الأنبياء واحدة، ودينهم واحد؛ فمَن كذَّب بأحد الرسل، فقد كذَّب بهم جميعًا.

[124] ﴿إِذۡ قَالَ لَهُمۡ أَخُوهُمۡ هُودٌ أَلَا تَتَّقُونَ 124﴾:

فقال هودٌ عليه السلام لقومه: أَلَا تتَّقون الله وتخافون من عقابه؛ بسبب شِرْككم وعبادتكم غيره معه؟!

[125] ﴿إِنِّي لَكُمۡ رَسُولٌ أَمِينٞ 125﴾:

ثم قال لهم: لقد اختصَّكم الله بإرسالي إليكم، وأنا أمينٌ فيما أبلِّغكم عن ربي سبحانه وتعالى؛ فلا أتقوَّل، ولا أفتري من قِبَل نفسي.

[126] ﴿فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُونِ 126﴾:

ثم أمرهم أن يتقوا الله ويؤمنوا به، وأن يطيعوه فيما يدعوهم إليه من التوحيد ونَبْذِ الشرك.

[127] ﴿وَمَآ أَسۡـَٔلُكُمۡ عَلَيۡهِ مِنۡ أَجۡرٍۖ إِنۡ أَجۡرِيَ إِلَّا عَلَىٰ رَبِّ ٱلۡعَٰلَمِينَ 127﴾:

واعلموا -يا قوم- أني لا أطلب منكم أجرًا مقابل دعوتي إياكم للتوحيد، وإنما أَجْري وثوابي على الله رب العالمين.

[128] ﴿أَتَبۡنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ ءَايَةٗ تَعۡبَثُونَ 128﴾:

ثم قال هودٌ مستنكرًا على قومه: أتنهمكون في الدنيا وتنشغلون بها ببنائكم في كلِّ مكان مرتفعٍ من الأرض بناءً عاليًا تُباهون به، وتراقبون به المارَّة.

[129] ﴿وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ لَعَلَّكُمۡ تَخۡلُدُونَ 129﴾:

واستنكر عليهم أيضًا فقال: إنكم تَبْنون هذه المساكن والقصور الشاهقة العظيمة، وهذه المزارع الدائمة الماء والخضرة، وتجعلون لها بِرَكًا ومَجَابِيَ للمياه؛ كأنكم ستُخلَّدون في هذه الدنيا، والحال أنه لا سبيل إلى الخلود لأحد.

[130] ﴿وَإِذَا بَطَشۡتُم بَطَشۡتُمۡ جَبَّارِينَ 130﴾:

واستنكر عليهم أيضًا فقال: وإذا سطَوْتُم على أحدٍ، فإنكم عتاةٌ مجرمون؛ تسطون بعنفٍ وجبروتٍ وقسوة.

[131] ﴿فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُونِ 131﴾:

ثم كرر لهم هود الأمر بالتقوى فقال: اتقوا الله وآمنوا به، وأطيعوني فيما أدعوكم إليه من التوحيد ونَبْذِ الشرك.

[132] ﴿وَٱتَّقُواْ ٱلَّذِيٓ أَمَدَّكُم بِمَا تَعۡلَمُونَ 132﴾:

وأمرهم أن يخافوا من الله وحده الذي أمدَّهم بهذه النعم التي يعلمونها ولا يجهلونها.

[133] ﴿أَمَدَّكُم بِأَنۡعَٰمٖ وَبَنِينَ 133﴾:

ثم بين لهم أن من جملة النعم التي أمدهم الله بها: هذه الأنعام من الإبل والبقر والغنم.

[134] ﴿وَجَنَّٰتٖ وَعُيُونٍ 134﴾:

وبين لهم أيضًا أن من النعم التي أمدهم الله بها: كثرة النَّسْل من البنين والبنات، والبساتين المُثْمِرة، وما سخره لهم من ينابيع الماء.

[135] ﴿إِنِّيٓ أَخَافُ عَلَيۡكُمۡ عَذَابَ يَوۡمٍ عَظِيمٖ 135﴾:

وقال هود: اعلموا -يا قوم- إني أخاف عليكم -إن لم تؤمنوا وتتوبوا- أن ينزل بكم عذابٌ عظيمٌ من الله فيُهْلِكَكم.

[136] ﴿قَالُواْ سَوَآءٌ عَلَيۡنَآ أَوَعَظۡتَ أَمۡ لَمۡ تَكُن مِّنَ ٱلۡوَٰعِظِينَ 136﴾:

فأجابوه في عتوٍّ وطغيان: اعلم أن وَعْظَكَ إيانا وعدم وعظك عندنا سواء؛ فلا تُتْعِبْ نفسك؛ فلن نؤمن لك.

[137] ﴿إِنۡ هَٰذَآ إِلَّا خُلُقُ ٱلۡأَوَّلِينَ 137﴾:

ثم قال قوم عاد لنبيهم هود عليه السلام: واعلم -يا هود- أن ما نحن فيه من هذه الأحوال والنعم مثل أحوال من قبلنا، وهذه أحوال الدهر.

[138] ﴿وَمَا نَحۡنُ بِمُعَذَّبِينَ 138﴾:

ثم قالوا لنبيهم هود: واعلم –يا هود – بأننا لن يَمَسَّنا العذاب ولن نذوق العقاب كما تزعُمُ وتدَّعي.

[139] ﴿فَكَذَّبُوهُ فَأَهۡلَكۡنَٰهُمۡۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَأٓيَةٗۖ وَمَا كَانَ أَكۡثَرُهُم مُّؤۡمِنِينَ 139﴾:

وهكذا كذَّبت عادٌ نبيَّها هودًا عليه السلام، ولم يؤمنوا بما جاء به، فأهلكهم الله برِيحٍ شديدةٍ وصفها سبحانه في آية أخرى أنها ريحٌ صرصرٌ عاتية. ثم بيَّن سبحانه أن في هذا الخبر، وفي ذلك الصراع بين التوحيد والشرك، وهلاك الكافرين؛ آيةً وعلامةً واضحةً تدُلُّ على صدق رُسُلِنا، وصحة ما جاؤوا به، ومع ذلك فإن أكثر الناس لا يؤمنون بالله وشرعه، ولا يتَّبعون رُسُله.

[140] ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ ٱلۡعَزِيزُ ٱلرَّحِيمُ 140﴾:

واعلم -أيها النبي- أن ربك هو العزيزُ الغالب على أمره؛ فبعزَّته أهلك المكذِّبين المعاندين، وهو سبحانه الرحيمُ بعباده المؤمنين؛ حيث نجَّاهم وحفظهم، ويسَّر سبل الهداية لهم.

[141] ﴿كَذَّبَتۡ ثَمُودُ ٱلۡمُرۡسَلِينَ 141﴾:

أخبَرَ جل وعلا أن ثمودَ كذَّبوا دعوةَ نبيِّهم صالح؛ حيث دعاهم إلى التوحيد والإيمان، فلم يصدِّقوه ولم يؤمنوا به، واعتُبِرَ تكذيبهم له عليه السلام تكذيبًا لجميع الأنبياء والرسل؛ إذْ دعوة الأنبياء واحدة، ودينهم واحد؛ فمن كذَّب بأحد الرسل، فقد كذَّب بهم جميعًا.

[142] ﴿إِذۡ قَالَ لَهُمۡ أَخُوهُمۡ صَٰلِحٌ أَلَا تَتَّقُونَ 142﴾:

ثم قال لهم نبيهم وأخوهم في النَّسَبِ صالحٌ عليه السلام: أَلَا تتَّقون الله وتخافون من عقابه؛ بسبب شِرْككم وعبادتكم غيره معه؟!

[143] ﴿إِنِّي لَكُمۡ رَسُولٌ أَمِينٞ 143﴾:

وقال لهم أيضًا: لقد اختصَّكم الله بإرسالي إليكم، وأنا أمينٌ فيما أبلِّغكم عن ربي سبحانه وتعالى؛ فلا أتقوَّل، ولا أفتري من قِبَل نفسي.

[144] ﴿فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُونِ 144﴾:

ثم قال لهم: اتقوا الله وآمنوا به، وأطيعوني فيما أدعوكم إليه من التوحيد ونَبْذِ الشرك.

[145] ﴿وَمَآ أَسۡـَٔلُكُمۡ عَلَيۡهِ مِنۡ أَجۡرٍۖ إِنۡ أَجۡرِيَ إِلَّا عَلَىٰ رَبِّ ٱلۡعَٰلَمِينَ 145﴾:

ثم قال لهم صالح عليه السلام: واعلموا -يا قوم- أني لا أطلب منكم أجرًا مقابل دعوتي إياكم للتوحيد، وإنما أَجْري وثوابي على الله رب العالمين.

[146] ﴿أَتُتۡرَكُونَ فِي مَا هَٰهُنَآ ءَامِنِينَ 146﴾:

ثم قال صالح مستنكرًا على قومه: أتظنون أن الله يترُكُكم في هذا النعيم وهذه الخيرات آمِنِينَ مطمئنِّين؛ بدون حساب أو سؤال عن شُكْرها، وعن الإيمان به وتوحيده؟!

[147] ﴿فِي جَنَّٰتٖ وَعُيُونٖ 147﴾:

ثم بين عليه السلام بعض هذه النعم التي منَّ الله بها عليهم، فمن ذلك: هذه البساتين الخضراء، والحدائق الغنَّاء، والعيون الجارية.

[148] ﴿وَزُرُوعٖ وَنَخۡلٖ طَلۡعُهَا هَضِيمٞ 148﴾:

وبين لهم أن من ذلك أيضًا: هذه الزروع المُثْمِرة، والنخيل الذي له ثمَرٌ كثيرٌ.

[149] ﴿وَتَنۡحِتُونَ مِنَ ٱلۡجِبَالِ بُيُوتٗا فَٰرِهِينَ 149﴾:

ثم ذكَّرهم نبيهم صالح بنعمة أخرى، فقال لهم: وتنحتون مساكنكم في الجبال نَحْتًا بحِذْقٍ وتفنُّن، ثم تتكبَّرون بذلك وتفتخرون بمهارتكم وقوَّتكم في بناء القصور ونَحْت الجبال.

[150] ﴿فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُونِ 150﴾:

وبعد هذا الاستنكار قال لهم صالح مخوِّفًا إياهم: فاتقوا الله وآمنوا به، وأطيعوني فيما أدعوكم إليه من التوحيد ونَبْذِ الشرك.

[151] ﴿وَلَا تُطِيعُوٓاْ أَمۡرَ ٱلۡمُسۡرِفِينَ 151﴾:

ثم قال لهم أيضًا: ولا تطيعوا أمر المشركين المتجاوزين حدودهم.

[152] ﴿ٱلَّذِينَ يُفۡسِدُونَ فِي ٱلۡأَرۡضِ وَلَا يُصۡلِحُونَ 152﴾:

ثم بين لهم أن من دأب هؤلاء المفسدين: الإفسادَ في الأرض بالشرك، والصدِّ عن سبيل الله، وليس من شأنهم الإصلاحُ في الأرض بالتوحيد والإيمان بالله ورسله.

[153] ﴿قَالُوٓاْ إِنَّمَآ أَنتَ مِنَ ٱلۡمُسَحَّرِينَ 153﴾:

فأجابه قومه قائلين: لقد ذهَبَ عقلك يا صالح؛ فقد سُحِرْتَ سِحْرًا شديدًا غطَّى على عقلك، فلم تعُدْ تعي ما تقول.

[154] ﴿مَآ أَنتَ إِلَّا بَشَرٞ مِّثۡلُنَا فَأۡتِ بِـَٔايَةٍ إِن كُنتَ مِنَ ٱلصَّٰدِقِينَ 154﴾:

واعلم يا صالح بأنك لست إلا بشرٌ مثلنا؛ فكيف تدَّعي أن الله فضَّلك علينا بأن أرسلك إلينا؟! وإن كنت كما تقول أنك رسولٌ من عند الله، فأْتِنا بعلامةٍ خارقةٍ لا يستطيعها البشَرُ تدُلُّ على أنك رسول من عند رب العالمين.

[155] ﴿قَالَ هَٰذِهِۦ نَاقَةٞ لَّهَا شِرۡبٞ وَلَكُمۡ شِرۡبُ يَوۡمٖ مَّعۡلُومٖ 155﴾:

فقال لهم صالح: هذه ناقةٌ تخرُجُ من الجبل، جعلها الله لكم آيةً ومعجزةً لتؤمنوا وتصدِّقوا، وهذه الناقة تشرب ماء البئر يومًا، وأنتم تسقون مزارعكم وأنفسكم وبهائمكم يومًا.

[156] ﴿وَلَا تَمَسُّوهَا بِسُوٓءٖ فَيَأۡخُذَكُمۡ عَذَابُ يَوۡمٍ عَظِيمٖ 156﴾:

ثم حذرهم عليه السلام أن يَمَسُّوها بسوءٍ من ضربٍ أو عقْرٍ ونحو ذلك؛ واعلموا أنكم إن فعلتم، أخَذَكم الله بعذابِه الشديد، وحلَّ بكم عقابُهُ الأليم.

[157] ﴿فَعَقَرُوهَا فَأَصۡبَحُواْ نَٰدِمِينَ 157﴾:

ولكنهم استمرُّوا في تكذيبهم وطغيانهم، وعقَرُوا الناقة، أي: قطعوا عَصَبَ الرُّكْبةِ من الرِّجْلِ لكي تبرُكَ؛ ثم لمَّا تيقَّنوا أن العذاب نازلٌ بهم، أصبحوا نادمين على فَعْلتهم، ولكنْ بعد أن فات الأوان؛ فأهلكهم الله بالصيحة التي دمَّرتهم جميعًا.

[158] ﴿فَأَخَذَهُمُ ٱلۡعَذَابُۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَأٓيَةٗۖ وَمَا كَانَ أَكۡثَرُهُم مُّؤۡمِنِينَ 158﴾:

ثم بيَّن سبحانه أن في هذا الخبر؛ آيةً وعلامةً واضحةً تدُلُّ على صدق رُسُلِنا، وصحة ما جاؤوا به، ومع ذلك فإن أكثر الناس لا يؤمنون بالله وشرعه، ولا يتَّبعون رُسُله.

[159] ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ ٱلۡعَزِيزُ ٱلرَّحِيمُ 159﴾:

واعلم -أيها النبي- أن ربك هو العزيزُ الغالبُ على أمره؛ فبعزَّته أهلك المكذِّبين المعاندين، وهو سبحانه الرحيمُ بعباده المؤمنين؛ حيث نجَّاهم وحفظهم، ويسَّر سبل الهداية لهم.

[160] ﴿كَذَّبَتۡ قَوۡمُ لُوطٍ ٱلۡمُرۡسَلِينَ 160﴾:

أخبَرَ جل وعلا بأن قوم لوطٍ كذَّبوا دعوةَ نبيِّهم لوطٍ عليه السلام؛ حيث دعاهم إلى التوحيد والإيمان، فلم يصدِّقوه ولم يؤمنوا به، واعتُبِرَ تكذيبهم له عليه السلام تكذيبًا لجميع الأنبياء والرسل؛ إذ دعوة الأنبياء واحدة، ودينهم واحد؛ فمن كذَّب بأحد الرسل، فقد كذَّب بهم جميعًا.

[161] ﴿إِذۡ قَالَ لَهُمۡ أَخُوهُمۡ لُوطٌ أَلَا تَتَّقُونَ 161﴾:

قال لهم نبيهم وأخوهم في النَّسَبِ لوطٌ: أَلَا تتَّقون الله وتخافون من عقابه؛ بسبب شِرْككم وعبادتكم غيره معه، وارتكابكم للفاحشة؟!

[162] ﴿إِنِّي لَكُمۡ رَسُولٌ أَمِينٞ 162﴾:

ثم قال لهم: لقد اختصَّكم الله بإرسالي إليكم، وأنا أمينٌ فيما أبلِّغكم عن ربي سبحانه وتعالى؛ فلا أتقوَّل، ولا أفتري من قِبَل نفسي.

[163] ﴿فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُونِ 163﴾:

ثم نصحهم قائلًا: فاتقوا الله يا قوم وآمنوا به، وأطيعوني فيما أدعوكم إليه من التوحيد ونَبْذِ الشرك، وتَرْكِ فاحشة اللواط.

[164] ﴿وَمَآ أَسۡـَٔلُكُمۡ عَلَيۡهِ مِنۡ أَجۡرٍۖ إِنۡ أَجۡرِيَ إِلَّا عَلَىٰ رَبِّ ٱلۡعَٰلَمِينَ 164﴾:

واعلموا -يا قوم- أني لا أطلب منكم أَجْرًا مقابل دعوتي إياكم للتوحيد، وإنما أَجْري وثوابي على الله رب العالمين.

[165] ﴿أَتَأۡتُونَ ٱلذُّكۡرَانَ مِنَ ٱلۡعَٰلَمِينَ 165﴾:

ثم قال لوطٌ منكِرًا على قومه مستقبِحًا فعلهم: أتُخالِفون فِطْرتكم التي فَطَركم الله عليها؛ فتَنْكِحوا -والعياذ بالله- الذكور من الناس.

[166] ﴿وَتَذَرُونَ مَا خَلَقَ لَكُمۡ رَبُّكُم مِّنۡ أَزۡوَٰجِكُمۚ بَلۡ أَنتُمۡ قَوۡمٌ عَادُونَ 166﴾:

وقال لهم: تفعلون ذلك المنكر العظيم وتتركوا ما هيَّأه الله لكم لتستمتعوا به من أزواجكم من النساء؟! بل أنتم قومٌ معتدون، وللفِطْرة مخالِفون.

[167] ﴿قَالُواْ لَئِن لَّمۡ تَنتَهِ يَٰلُوطُ لَتَكُونَنَّ مِنَ ٱلۡمُخۡرَجِينَ 167﴾:

فأجابوه في غيٍّ محذِّرين إياه قائلين: لئن لم تكُفَّ عنا يا لوط، وعن الإنكار علينا، لَنَطْرُدَنَّك من بلادنا، ولننفينَّك عنها.

[168] ﴿قَالَ إِنِّي لِعَمَلِكُم مِّنَ ٱلۡقَالِينَ 168﴾:

فقال لهم لوط: إنِّي لِعَمَلِكم الذي تعملون لَمِن المبغِضِينَ الكارهين له أشدَّ ما يكون من البغض والكراهية.

[169] ﴿رَبِّ نَجِّنِي وَأَهۡلِي مِمَّا يَعۡمَلُونَ 169﴾:

ثم توجَّه لوطٌ إلى ربه متضرِّعًا داعيًا قائلًا: اللهم يا رب، نجِّني وأهلي مما يعمل هؤلاء القوم، ونجِّني يا رب مما يَحِلُّ بهم من العقوبة والعذاب.

[170] ﴿فَنَجَّيۡنَٰهُ وَأَهۡلَهُۥٓ أَجۡمَعِينَ 170﴾:

فاستجاب الله له فنجَّاه وجميع أهله من العذاب الأليم.

[171] ﴿إِلَّا عَجُوزٗا فِي ٱلۡغَٰبِرِينَ 171﴾:

ثم استثنى سبحانه زوجته، وأخبر أنها من الباقين في العذاب، وذلك لكُفْرها وعنادها.

[172] ﴿ثُمَّ دَمَّرۡنَا ٱلۡأٓخَرِينَ 172﴾:

ثم أخبر سبحانه أنه دمَّر جميع الباقين وأهلكهم واستأصلهم.

[173] ﴿وَأَمۡطَرۡنَا عَلَيۡهِم مَّطَرٗاۖ فَسَآءَ مَطَرُ ٱلۡمُنذَرِينَ 173﴾:

وأخبر سبحانه أنه أمطَرَ عليهم حجارةً من سِجِّيلٍ نزلت عليهم من السماء، فقَبُحَتْ حال أولئك المهلَكين الذين لم يستجيبوا لِمَن أنذرهم، ولم يستمعوا لِمَن حذَّرهم، وخالفوا الفِطْرة في عملهم.

[174] ﴿إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَأٓيَةٗۖ وَمَا كَانَ أَكۡثَرُهُم مُّؤۡمِنِينَ 174﴾:

ثم ختَمَ سبحانه هذه الآيات مبيِّنًا أن في قصة لوط مع قومه آيةً وعلامةً واضحةً تدُلُّ على صدقِ رُسُلِنا، وصحة ما جاؤوا به، ومع ذلك فإن أكثر الناس لا يؤمنون بالله وشرعه، ولا يتَّبعون رُسُله.

[175] ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ ٱلۡعَزِيزُ ٱلرَّحِيمُ 175﴾:

واعلم -أيها النبي- أن ربك هو العزيزُ الغالبُ على أمره؛ فبعزَّته أهلك المكذِّبين المعاندين، وهو سبحانه الرحيمُ بعباده المؤمنين؛ حيث نجَّاهم وحفظهم، ويسَّر سبل الهداية لهم.

[176] ﴿كَذَّبَ أَصۡحَٰبُ لۡـَٔيۡكَةِ ٱلۡمُرۡسَلِينَ 176﴾:

أخبَرَ جل وعلا أن أصحاب الأَيْكَةِ كذَّبوا دعوةَ نبيِّهم شعيب عليه السلام؛ حيث دعاهم إلى التوحيد والإيمان، فلم يصدِّقوه ولم يؤمنوا به، واعتُبِرَ تكذيبهم له عليه السلام تكذيبًا لجميع الأنبياء والرسل؛ إذْ دعوة الأنبياء واحدة، ودينهم واحد؛ فمن كذَّب بأحد الرسل، فقد كذَّب بهم جميعًا. والأَيْكَةُ: بلدةٌ تقع بين الأُرْدُنِّ وبين الحِجْرِ، وهي ذات بساتين ملتفَّة الأشجار.

[177] ﴿إِذۡ قَالَ لَهُمۡ شُعَيۡبٌ أَلَا تَتَّقُونَ 177﴾:

فقال لهم نبيهم شعيبٌ عليه السلام: ألا تتَّقون الله وتخافون من عقابه؛ بسبب شِرْككم وعبادتكم غيره معه؟! ولاحِظْ أن الله سبحانه لم يقل: (إذْ قال لهم أخوهم شُعَيْب)؛ كما قال لمن قبله من الأنبياء؛ لأنَّ شعيبًا لم يكن منهم؛ فهو من أهل مَدْيَنَ.

[178] ﴿إِنِّي لَكُمۡ رَسُولٌ أَمِينٞ 178﴾:

ثم قال لهم: لقد اختصَّكم الله بإرسالي إليكم، وأنا أمينٌ فيما أبلِّغكم عن ربي سبحانه وتعالى؛ فلا أتقوَّل، ولا أفتري من قِبَل نفسي.

[179] ﴿فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُونِ 179﴾:

ثم نصحهم قائلًا: فاتقوا الله يا قوم وآمنوا به، وأطيعوني فيما أدعوكم إليه من التوحيد ونَبْذِ الشرك.

[180] ﴿وَمَآ أَسۡـَٔلُكُمۡ عَلَيۡهِ مِنۡ أَجۡرٍۖ إِنۡ أَجۡرِيَ إِلَّا عَلَىٰ رَبِّ ٱلۡعَٰلَمِينَ 180﴾:

ثم قال لهم: واعلموا أني لا أطلب منكم أَجْرًا مقابل دعوتي إياكم للتوحيد، وإنما أَجْري وثوابي على الله رب العالمين.

[181] ﴿أَوۡفُواْ ٱلۡكَيۡلَ وَلَا تَكُونُواْ مِنَ ٱلۡمُخۡسِرِينَ 181﴾:

ثم بدأ شعيب يَعِظُهم ويأمرهم بإتمام معاملاتهم على الوجهِ المرضيِّ، فقال لهم: يا قومِ، أَتِمُّوا الكَيْلَ لِمَن يكتال منكم، ولا تكونوا ممن يظلم الناس، فيأخذ منهم أموالهم عن طريقِ بَخْسِ المكيال والميزان.

[182] ﴿وَزِنُواْ بِٱلۡقِسۡطَاسِ ٱلۡمُسۡتَقِيمِ 182﴾:

وقال لهم أيضًا: وأعطوا الناس حقَّهم بالميزان العدل المستقيم الذي لا مَيْلَ فيه ولا عبث.

[183] ﴿وَلَا تَبۡخَسُواْ ٱلنَّاسَ أَشۡيَآءَهُمۡ وَلَا تَعۡثَوۡاْ فِي ٱلۡأَرۡضِ مُفۡسِدِينَ 183﴾:

وقال لهم أيضًا: ويا قوم، لا تنتقصوا من حقوق الناس التي هي لهم بأي شكل من أشكال الانتقاص، ولا تسيروا بالفساد والإفساد في الأرض؛ ببقائكم على الشرك، وإقامتكم على الظلم، ومداومتكم على المعاصي.

[184] ﴿وَٱتَّقُواْ ٱلَّذِي خَلَقَكُمۡ وَٱلۡجِبِلَّةَ ٱلۡأَوَّلِينَ 184﴾:

ثم قال لهم شعيب: وخافوا ربكم الذي خلقكم، وخلق الخليقة والأمم من قبلكم، واخشَوْا عقابه؛ وذلك بأن تؤمنوا به وتوحِّدوه، وتتركوا التطفيفَ والغِشَّ في الميزان والكيل.

[185] ﴿قَالُوٓاْ إِنَّمَآ أَنتَ مِنَ ٱلۡمُسَحَّرِينَ 185﴾:

فأجابوه قائلين: إنك -يا شعيب- ممن سُحِرَ سِحْرًا شديدًا، فغُلِبَ على عقله، فلم يعُدْ يدري ما يقول.

[186] ﴿وَمَآ أَنتَ إِلَّا بَشَرٞ مِّثۡلُنَا وَإِن نَّظُنُّكَ لَمِنَ ٱلۡكَٰذِبِينَ 186﴾:

واعلم يا شعيب أنك لست إلا واحد من البشر مثلنا؛ لا مزيَّةَ ولا فضيلةَ لك علينا، وما نَحْسَبُكَ إلا كاذبًا في زعمك أنك رسولٌ من عند الله.

[187] ﴿فَأَسۡقِطۡ عَلَيۡنَا كِسَفٗا مِّنَ ٱلسَّمَآءِ إِن كُنتَ مِنَ ٱلصَّٰدِقِينَ 187﴾:

ثم قالوا له على وجه التعنُّت والاستكبار: إنْ كنت صادقًا فيما تقول؛ فادْعُ الله أن ينزِّلَ علينا من السماء قِطَعًا من العذاب تستأصلنا وتهلكنا جميعًا.

[188] ﴿قَالَ رَبِّيٓ أَعۡلَمُ بِمَا تَعۡمَلُونَ 188﴾:

ولكنَّ شعيبًا لم يستجِبْ لاستفزازهم، فقال لهم: إن ربي بما تعملون خبيرٌ؛ فهو عالمٌ بشِرْككم وبأقوالكم وعنادكم، وسيجازيكم على ذلك، أما أنا فما عليَّ إلا تبليغكم ونُصْحُكم وإنذاركم.

[189] ﴿فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَهُمۡ عَذَابُ يَوۡمِ ٱلظُّلَّةِۚ إِنَّهُۥ كَانَ عَذَابَ يَوۡمٍ عَظِيمٍ 189﴾:

ولكنهم استمرُّوا على تكذيبِهِ وجَحْدِ ما أُرسِلَ به إليهم؛ حتى نزَلَ بهم عذاب الله، فجاءت سحابةٌ، فاستظلوا بها، واجتمعوا تحتها، فأنزَلَتْ عليهم نارًا حاميةً فأحرقتهم، وعن بَكْرة أبيهم أهلكتهم، في يومٍ شديدِ الهَوْل، عظيمِ الكَرْب؛ نسأل الله السلامة والعافية.

[190] ﴿إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَأٓيَةٗۖ وَمَا كَانَ أَكۡثَرُهُم مُّؤۡمِنِينَ 190﴾:

ثم ختَمَ سبحانه هذه الآيات مبيِّنًا أن في قصة شعيب مع أصحاب الأَيْكةِ آيةً وعلامةً واضحةً تدُلُّ على صدق رُسُلِنا، وصحة ما جاؤوا به، ومع ذلك فإن أكثر الناس لا يؤمنون بالله وشرعه، ولا يتَّبعون رُسُله.

[191] ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ ٱلۡعَزِيزُ ٱلرَّحِيمُ 191﴾:

واعلم -أيها النبي- أن ربك هو العزيزُ الغالبُ على أمره؛ فبعزَّته أهلك المكذِّبين المعاندين، وهو سبحانه الرحيمُ بعباده المؤمنين؛ حيث نجَّاهم وحفظهم، ويسَّر سبل الهداية لهم.

[192] ﴿وَإِنَّهُۥ لَتَنزِيلُ رَبِّ ٱلۡعَٰلَمِينَ 192﴾:

واعلم -أيها النبي- أيضًا أن هذا القرآن الذي جاء بهذه الأخبار المفصَّلة عن الأمم السابقة، هو منزَّلٌ من عند اللهِ خالقِ الخلق أجمعين.

[193] ﴿نَزَلَ بِهِ ٱلرُّوحُ ٱلۡأَمِينُ 193﴾:

ثم بين سبحانه أن هذا القرآن نزَلَ به جبريل عليه السلام كاملًا منجَّمًا عليه ﷺ.

[194] ﴿عَلَىٰ قَلۡبِكَ لِتَكُونَ مِنَ ٱلۡمُنذِرِينَ 194﴾:

وبين سبحانه أن جبريل نزل بهذا القرآن على قلب نبيه محمد ﷺ، وبين أن مهمته في هذا القرآن أن ينذر به الثقلين الإنس والجن، ويبيِّن لهم سوء العاقبة لمن أصَرَّ على الكفر والفسوق.

[195] ﴿بِلِسَانٍ عَرَبِيّٖ مُّبِينٖ 195﴾:

ثم بيَّن سبحانه أن هذا القرآن نزَلَ بلغةٍ عربيةٍ واضحةٍ بينةٍ لا خفاء فيها.

[196] ﴿وَإِنَّهُۥ لَفِي زُبُرِ ٱلۡأَوَّلِينَ 196﴾:

واعلموا -أيها الناس- أن الرسولَ ﷺ وهذا القرآنَ مذكورٌ ومبشَّرٌ به في الكتب السابقة؛ كالتوراة والإنجيل.

[197] ﴿أَوَلَمۡ يَكُن لَّهُمۡ ءَايَةً أَن يَعۡلَمَهُۥ عُلَمَٰٓؤُاْ بَنِيٓ إِسۡرَٰٓءِيلَ 197﴾:

ثم قال سبحانه: أولم يَكْفِ المكذِّبين والمشركين من كفار قريش عِلْمُ علماء بني إسرائيل -ممن آمن وصدَّق بمحمد ﷺ؛ كعبد الله بن سَلَامٍ رضي الله عنه- دليلًا على صحة القرآن، وأنه حقٌّ، وأنه منزَّلٌ من عند الله؟!

[198] ﴿وَلَوۡ نَزَّلۡنَٰهُ عَلَىٰ بَعۡضِ ٱلۡأَعۡجَمِينَ 198﴾:

واعلموا –أيها الناس- لو أنَّ الله جل في علاه نزَّل هذا القرآن على بعض الأعاجم الذين لا يتكلَّمون العربية.

[199] ﴿فَقَرَأَهُۥ عَلَيۡهِم مَّا كَانُواْ بِهِۦ مُؤۡمِنِينَ 199﴾:

ثم جاء هذا الأعجمي وقرأ عليهم القرآن قراءةً صحيحةً، لمَا آمنوا به، ولمَا صدَّقوه أيْضًا.

[200] ﴿كَذَٰلِكَ سَلَكۡنَٰهُ فِي قُلُوبِ ٱلۡمُجۡرِمِينَ 200﴾:

وبسبب إصرار هؤلاء المجرمين على رَدِّ الحق بل ومحاربته؛ فقد جعل سبحانه جحود القرآن في قلوبهم ثابتًا حتى طبَعَ الله علىها؛ بسبب ظلمهم واستكبارهم.

[201] ﴿لَا يُؤۡمِنُونَ بِهِۦ حَتَّىٰ يَرَوُاْ ٱلۡعَذَابَ ٱلۡأَلِيمَ 201﴾:

ثم بيَّن سبحانه أنه لا سبيل لهم للإيمان بهذا القرآن حتى يَرَوْا بأعينهم العذاب الشديد الذي أعدَّه الله لهم؛ وحينئذٍ لا ينفع إيمانهم؛ إذ إن وقته قد فات، وما ظلمهم الله ولكن أنفسهم كانوا يظلمون.

[202] ﴿فَيَأۡتِيَهُم بَغۡتَةٗ وَهُمۡ لَا يَشۡعُرُونَ 202﴾:

وبين سبحانه أن هذا العذاب الأليم سوف ينزل عليهم فجأةً، وهم لا يتوقَّعون إتيانه، ولا يشعرون به.

[203] ﴿فَيَقُولُواْ هَلۡ نَحۡنُ مُنظَرُونَ 203﴾:

ثم بين سبحانه أنهم سوف يقولون حينها: هل نحن مؤخَّرون قليلًا لنؤمن ونتَّبع، ونستدرك ما فاتنا، فيتمنَّوْنَ الإمهال، ولكنَّ الوقت قد فات.

[204] ﴿أَفَبِعَذَابِنَا يَسۡتَعۡجِلُونَ 204﴾:

ثم بيَّن سبحانه أنَّ هؤلاء المشركين اغْترُّوا بإمهال الله لهم، وأنه لم يعاجلهم بالعقوبة؛ فطلبوا استعجال نزول العذاب بهم؛ استهزاءً به، وتكذيبًا له.

[205] [206] ﴿أَفَرَءَيۡتَ إِن مَّتَّعۡنَٰهُمۡ سِنِينَ 205 ثُمَّ جَآءَهُم مَّا كَانُواْ يُوعَدُونَ 206﴾:

ثم قال جل شأنه: أرأيت -أيها النبي- إن متَّعنا هؤلاء المجرمين في الدنيا، فأطلنا أعمارهم، ووسَّعنا أرزاقهم، وأمهلناهم. وبعد هذا الإمهال نزَلَ بهم ما كانوا يوعدون من العذاب، وحَلَّ بهم ما كانوا يستعجلون من العقاب؟! فهل ينفعهم -أيها الرسول- إمهال الله لهم؟! ولا شك أن تمتُّعهم بالإمهال ليس شيئًا بالنسبة للعذاب السَّرْمَدِيِّ في الآخرة.

[207] ﴿مَآ أَغۡنَىٰ عَنۡهُم مَّا كَانُواْ يُمَتَّعُونَ 207﴾:

واعلموا أن إمهال الله لهم سنين طويلة، وتمتُّعهم بكل أنواع اللذات والشهوات، لن يغني عنهم شيئًا إذا حَلَّ بهم عذاب الله؛ بل عند حلول العذاب سينسَوْنَ ما كانوا فيه من المتاع والنعيم، وقد جاء عند مسلم من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه مرفوعًا: «يُؤْتَى بِأَنْعَمِ أَهْلِ الدُّنْيَا مِنْ أَهْلِ النَّارِ يَوْمَ القِيَامَةِ، فيُصْبَغُ في النَّارِ صِبْغةً، ثم يُقالُ له: يَا ابْنَ آدَمَ، هَلْ رَأَيْتَ خَيْرًا قَطُّ؟ هَلْ مرَّ بِكَ نَعِيمٌ قَطُّ؟ فَيَقُولُ: لَا وَاللهِ، يا رَبِّ»([2])؛ نسأل الله السلامة والعافية. [2] أخرجه مسلم (2807).

[208] ﴿وَمَآ أَهۡلَكۡنَا مِن قَرۡيَةٍ إِلَّا لَهَا مُنذِرُونَ 208﴾:

ثم أخبَرَ جل في علاه أنه ما أهلك أمةً من الأمم، ولا أخذهم بعذابٍ، إلا بعد أن أنذرهم وبعَثَ فيهم رسولًا يأمرهم بعبادة الله وحده، وتَرْكِ عبادة ما سواه.

[209] ﴿ذِكۡرَىٰ وَمَا كُنَّا ظَٰلِمِينَ 209﴾:

واعلموا أن الله أرسَلَ لهم الرسل إنذارًا وعِظَةً لهم وإقامةً للحجَّة عليهم، وما كان الله ظالمًا لأمةٍ من الأمم في تعذيبه إياهم.

[210] ﴿وَمَا تَنَزَّلَتۡ بِهِ ٱلشَّيَٰطِينُ 210﴾:

واعلموا -أيها المشركون- المعاندون أن الشياطين لم تتنزَّلْ بالقرآن على محمد ﷺ -كما تزعمون-.

[211] ﴿وَمَا يَنۢبَغِي لَهُمۡ وَمَا يَسۡتَطِيعُونَ 211﴾:

ثم بين سبحانه السبب في أن الشياطين لم تتنزل بهذا القرآن على محمد ﷺ فقال جل في علاه: إن هؤلاء الشياطين لا يليق بهم ذلك، ولا يستطيعون فعل هذا الأمر.

[212] ﴿إِنَّهُمۡ عَنِ ٱلسَّمۡعِ لَمَعۡزُولُونَ 212﴾:

ثم بين سبحانه عدم استطاعتهم، فأخبر أن هؤلاء الشياطين معزولون عن استماع القرآن أثناء نزوله؛ لأن السماء مُلِئَتْ حَرَسًا شديدًا، وشُهُبًا حارقة؛ حالت بينهم وبين استراق السمع.

[213] ﴿فَلَا تَدۡعُ مَعَ ٱللَّهِ إِلَٰهًا ءَاخَرَ فَتَكُونَ مِنَ ٱلۡمُعَذَّبِينَ 213﴾:

واحذر -أيها النبي- أنْ تدعُو أحدًا غير الله؛ فيَنْزِلَ بك من العذاب ما ينزلُ بهؤلاء المشركين؛ فالله جل في علاه لا يرضى أن يُشرَك معه أحدٌ في عبادته؛ لا مَلَكٌ مقرَّبٌ، ولا نبيٌّ مرسَل، ولا شك أن النبي ﷺ معصوم من الشرك ومما هو أقلُّ من ذلك، ولكنْ يُخَاطَبُ بذلك؛ ليبلِّغ أمته؛ لأنه هو الأسوة لهم.

[214] ﴿وَأَنذِرۡ عَشِيرَتَكَ ٱلۡأَقۡرَبِينَ 214﴾:

أمَرَ جل وعلانبيه محمدًا ﷺ أن ينذر عشيرته وأقرَبَ الناس إليه، ويحذِّرهم من عذاب الله أن ينزل بهم، كما نزَلَ بالمجرمين من قبلهم، وليعلموا أن قرابتهم منه ﷺ لن تنجِّيهم من عذاب الله؛ إذا أصرُّوا على الشرك والكفر والضلال.

[215] ﴿وَٱخۡفِضۡ جَنَاحَكَ لِمَنِ ٱتَّبَعَكَ مِنَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ 215﴾:

ثم أمَرَ جل في علاه نبيه ﷺ أن يكون لَيِّنَ الجانب متواضعًا لمن اتَّبعه من المؤمنين؛ وقد فعل صلوات ربي وسلامه عليه.

[216] ﴿فَإِنۡ عَصَوۡكَ فَقُلۡ إِنِّي بَرِيٓءٞ مِّمَّا تَعۡمَلُونَ 216﴾:

ثم قال له سبحانه وتعالى : فإن عصَوْكَ -أيها النبي- وخالفوا أمرك، ولم يطيعوك، فأَعْلِنْ براءتك من أعمالهم، ومن مخالفتهم وعصيانهم.

[217] ﴿وَتَوَكَّلۡ عَلَى ٱلۡعَزِيزِ ٱلرَّحِيمِ 217﴾:

ثم أمَرَ جل وعلا نبيه محمدًا ﷺ أن يجعل توكُّله على صاحب العِزَّة والغلبة، الرحيمِ بعبادِهِ وأوليائه.

[218] ﴿ٱلَّذِي يَرَىٰكَ حِينَ تَقُومُ 218﴾:

وبين له سبحانه أنه يراه حين يقومُ للصلاة والعبادة وحده في آخر الليل.

[219] ﴿وَتَقَلُّبَكَ فِي ٱلسَّٰجِدِينَ 219﴾:

وبين له أيضًا أنه يرى تقلُّبه مع المصلِّين وهو يصلِّي بهم.

[220] ﴿إِنَّهُۥ هُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلۡعَلِيمُ 220﴾:

ثم بيَّن سبحانه وتعالى أنه هو السميعُ لأصوات عباده على اختلافها وتنوُّعها، العليمٌ بظواهر الأمور وبواطنها، لا تخفى عليه جل في علاه خافيةٌ مِنْ أمرك.

[221] ﴿هَلۡ أُنَبِّئُكُمۡ عَلَىٰ مَن تَنَزَّلُ ٱلشَّيَٰطِينُ 221﴾:

ثم طلب جل وعلا من نبيه ﷺ أن يقول لهؤلاء المشركين: هل أُخْبِركم على من تتنزَّل الشياطين؟

[222] ﴿تَنَزَّلُ عَلَىٰ كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٖ 222﴾:

فبين سبحانه أنها تتنزَّل على الأفَّاكين الكذَّابين، والمنجِّمين والعرَّافين.

[223] ﴿يُلۡقُونَ ٱلسَّمۡعَ وَأَكۡثَرُهُمۡ كَٰذِبُونَ 223﴾:

ثم بين سبحانه أن هؤلاء الشياطينُ يسترقون السمع من الملأ الأعلى، فإذا سمعوا كلمةَ حقٍّ، أضافوا إليها مائةَ كلمةٍ باطلة، وألقوا بها إلى هؤلاء المنجِّمين الكذَّابين، أما محمد ﷺ، فإن الله أكرمه وجعله الصادق الأمين.

[224] ﴿وَٱلشُّعَرَآءُ يَتَّبِعُهُمُ ٱلۡغَاوُۥنَ 224﴾:

واعلموا -أيها الناس- أن أكثر الشعراء يقوم شِعْرُهم على الباطل والكذب والزور، وأن أكثر من يتَّبعهم هم أهل الضلال والفساد من البَشَر.

[225] ﴿أَلَمۡ تَرَ أَنَّهُمۡ فِي كُلِّ وَادٖ يَهِيمُونَ 225﴾:

ثم قال جل وعلا لنبيه ﷺ: ألم تَرَ -أيها النبي- أن هؤلاء الشعراء يخوضون في كل فَنٍّ من فنون الكَذِبِ والفُحْش.

[226] ﴿وَأَنَّهُمۡ يَقُولُونَ مَا لَا يَفۡعَلُونَ 226﴾:

ثم بيَّن سبحانه أن هؤلاء الشعراء يقولون ما لا يفعلون؛ فيبالغون في مدح أهل الباطل، وانتقاص أهل الحق.

[227] ﴿إِلَّا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ وَذَكَرُواْ ٱللَّهَ كَثِيرٗا وَٱنتَصَرُواْ مِنۢ بَعۡدِ مَا ظُلِمُواْۗ وَسَيَعۡلَمُ ٱلَّذِينَ ظَلَمُوٓاْ أَيَّ مُنقَلَبٖ يَنقَلِبُونَ 227﴾:

ثم استثنى جل وعلا الشعراء الذين آمنوا بالله، واتَّبعوا الرسول ﷺ، وعملوا الأعمال الصالحة، وأكثروا من ذكر الله تعالى، وقالوا الحق، ودافعوا عن الإسلام، وانتصروا مِنْ بعد ما ظُلِموا من أعدائهم، ثم هدَّد سبحانه الظلمة والفساق من الشعراء وغيرهم الذين ظلموا غيرهم بهجائهم في شِعْرهم واتِّهامهم بتهم باطلة، وأخبَرَ بأن مُنْقلَبهم سوف يكون سيِّئًا، وجزاءَهم سوف يكون وبيلًا.

سورة النّمل

سورة النمل مكيَّةٌ، وآياتها ثلاث وتسعون آية.

[1] ﴿طسٓۚ تِلۡكَ ءَايَٰتُ ٱلۡقُرۡءَانِ وَكِتَابٖ مُّبِينٍ 1﴾:

سبق الكلام على الحروف المقطَّعة في أول سورة البقرة. ثم أشار سبحانه وتعالى إلى أن آيات هذا القرآن وهذا الكتاب العظيم التي أنزلها على نبيه ﷺ في هذه السورة وغيرها من السور، هي آياتٌ بيناتٌ واضحاتٌ؛ وضَّح الله فيها شؤون عباده ومصالحهم في الدنيا، وأعمالهم التي يفوزون بسببها برضوان الله والجنة في الآخرة.

[2] ﴿هُدٗى وَبُشۡرَىٰ لِلۡمُؤۡمِنِينَ 2﴾:

ثم بيَّن سبحانه أن هذه الآياتِ المقصودُ منها هو هدايةُ الناس وإخراجهم من ظلمات الكفر إلى نور الإيمان، وتبشيرُ المؤمنين بعظيم الأجر والثواب الذي سيحصُلُونَ عليه مِنْ عملهم بهذه الآيات؛ كما أنها تزيدهم إيمانًا بنعم الله وفضله على عباده المتقين.

[3] ﴿ٱلَّذِينَ يُقِيمُونَ ٱلصَّلَوٰةَ وَيُؤۡتُونَ ٱلزَّكَوٰةَ وَهُم بِٱلۡأٓخِرَةِ هُمۡ يُوقِنُونَ 3﴾:

ثم بيَّن سبحانه أن مِنْ صفات هؤلاء المؤمنين: أنهم يقيمون الصلوات الخمس المفروضة عليهم كاملةً؛ بشروطها وأركانها وواجباتها، في أوقاتها المحدَّدة، ويؤدُّون الزكاة المفروضة لمستحِقِّيها بإخلاص وطيب نَفْس، ويوقنون بالحياة الآخرة، وما فيها من ثواب وعقاب، وجنة ونار.

[4] ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ لَا يُؤۡمِنُونَ بِٱلۡأٓخِرَةِ زَيَّنَّا لَهُمۡ أَعۡمَٰلَهُمۡ فَهُمۡ يَعۡمَهُونَ 4﴾:

واعلموا أن الذين لم يصدِّقوا بالدار الآخرة، وأنكروا البعث، زيَّن الله لهم أعمالهم القبيحة، وحبَّبها إليهم؛ كما قال ﷺ: «حُفَّتِ النَّارُ بِالشَّهَوَاتِ»([3])؛ حيث استهوتهم الملذات وتزيينها لهم، مع أنها تعتبر سيئات، ولكون الكفر لا يطالبهم بعبادات ولا ينهاهم عن محرَّمات، وأنه لا حساب ولا بعث؛ فقد تحرَّروا بذلك من تبَعِات الإيمان؛ من استعداد للقيامة، ومن صلاة وصيام وأنواع العبادات؛ ولذلك تَجِدهم يَسْرَحون ويَمْرَحون ويتخبَّطون ويتردَّدون في هذه الدنيا، عبيدًا لأهوائهم بلا ضابط ولا قيود. [3] أخرجه البخاري (6487)، عن أبي هريرة رضي الله عنه بلفظ: «وَحُجِبَتِ النَّارُ بِالشَّهَوَاتِ»، وأخرجه مسلم (2822)، عن أنس رضي الله عنه، واللفظ له.

[5] ﴿أُوْلَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ لَهُمۡ سُوٓءُ ٱلۡعَذَابِ وَهُمۡ فِي ٱلۡأٓخِرَةِ هُمُ ٱلۡأَخۡسَرُونَ 5﴾:

ثم بيَّن سبحانه أن هؤلاء الذين لم يؤمنوا بالآخرة أعَدَّ الله لهم أشدَّ أنواع العذاب، وهم في الآخرة أشدُّ الناس خسارة، ولا شك أن تزيين أعمال الكفار لهم يُعَدُّ جزاءً وليس ابتداءً.

[6] ﴿وَإِنَّكَ لَتُلَقَّى ٱلۡقُرۡءَانَ مِن لَّدُنۡ حَكِيمٍ عَلِيمٍ 6﴾:

ثم أخبَرَ سبحانه نبيه ﷺ أن هذا القرآن الذي نزَلَ عليه بواسطة جبريل عليه السلام، هو مِنْ عند الله الحكيمِ في خلقه، العليمِ الذي أحاط بكل شيء علمًا؛ لا كما يزعم الكفار أن النبي ﷺ هو الذي يأتي به مِنْ عند نفسه، أو أنه من أساطير الأوَّلين التي زعموا أنها تُمْلَى عليه.

[7] ﴿إِذۡ قَالَ مُوسَىٰ لِأَهۡلِهِۦٓ إِنِّيٓ ءَانَسۡتُ نَارٗا سَـَٔاتِيكُم مِّنۡهَا بِخَبَرٍ أَوۡ ءَاتِيكُم بِشِهَابٖ قَبَسٖ لَّعَلَّكُمۡ تَصۡطَلُونَ 7﴾:

واذكر -أيها النبي- يوم أن قال موسى لأهله: انتظروا هنا؛ فإني رأيت نارًا، سأذهب إليها؛ لكي آتيكم منها بخبَرٍ يدُلُّني على الطريق المؤدية إلى مصر، أو آتيكم بقطعة من النار تستدفئون بها، والحقيقةُ أنها ليست نارًا، وإنما هي نُورٌ، ولكنَّ موسى ظنه نارًا؛ ولذلك فإن الله خاطبه بحسَبِ ظنه، فلمَّا وصل إليها، وجَدَ الهدى والدِّفْءَ الحقيقي، والاصطفاء الرباني.

[8] ﴿فَلَمَّا جَآءَهَا نُودِيَ أَنۢ بُورِكَ مَن فِي ٱلنَّارِ وَمَنۡ حَوۡلَهَا وَسُبۡحَٰنَ ٱللَّهِ رَبِّ ٱلۡعَٰلَمِينَ 8﴾:

ثم نادى جل وعلا موسى، وأخبره أن هذا المكان الذي فيه هذا النور مكانٌ مبارَكٌ مقدَّس؛ فبورك مَنْ في النُّورِ وهو موسى عليه السلام، وبورك مَنْ حول النور، وهم الملائكةُ الكرام، ثم نزَّه سبحانه نفسه عن النقص والعيوب، وأخبَرَ أنه رب العالمين الذي علا فوق جميع مخلوقاته.

[9] ﴿يَٰمُوسَىٰٓ إِنَّهُۥٓ أَنَا ٱللَّهُ ٱلۡعَزِيزُ ٱلۡحَكِيمُ 9﴾:

ثم نادى الله موسى قائلًا: يا موسى، إني أنا الله الذي لا إله إلا أنا، وأنا الإله الحقُّ المستحِقُّ للعبودية وحدي دون مَنْ سواي، وأنا العزيزُ الغالبُ الذي قهر جميع الكائنات، الحكيمُ في أمره وفعله، وخلقه وتدبيره.

[10] ﴿وَأَلۡقِ عَصَاكَۚ فَلَمَّا رَءَاهَا تَهۡتَزُّ كَأَنَّهَا جَآنّٞ وَلَّىٰ مُدۡبِرٗا وَلَمۡ يُعَقِّبۡۚ يَٰمُوسَىٰ لَا تَخَفۡ إِنِّي لَا يَخَافُ لَدَيَّ ٱلۡمُرۡسَلُونَ 10﴾:

ثم أمَرَ سبحانه موسى أن يلقي عصاه التي في يده، فاستجاب وألقاها، فانقلَبَتْ حيَّةً عظيمة، سريعةَ الحَرَكة، فخاف منها موسى خوفًا عظيمًا ولَّى بسببه هاربًا؛ فناداه سبحانه مطمئِنًا إياه، فقال له: يا موسى، لا تَخَفْ؛ إنه لا ينبغي لِمَن اصطفيتهم لرسالتي أن يخافوا غير الله.

[11] ﴿إِلَّا مَن ظَلَمَ ثُمَّ بَدَّلَ حُسۡنَۢا بَعۡدَ سُوٓءٖ فَإِنِّي غَفُورٞ رَّحِيمٞ 11﴾:

ثم استثنى سبحانه، فبيَّن أن مَنْ تجاوز حدَّه، فوقع في الظلم، ثم تاب إلى الله من بعد ظلمه توبة نصوحًا، وبدَّل سيئاته إلى حسنات؛ فإن الله يَقْبَلُ توبته، ويُقِيلُ عثرته؛ لأنه هو الغفورُ الذي يغفر الذنوب جميعًا، والرحيمُ الذي وسعت رحمته كلَّ شيء.

[12] ﴿وَأَدۡخِلۡ يَدَكَ فِي جَيۡبِكَ تَخۡرُجۡ بَيۡضَآءَ مِنۡ غَيۡرِ سُوٓءٖۖ فِي تِسۡعِ ءَايَٰتٍ إِلَىٰ فِرۡعَوۡنَ وَقَوۡمِهِۦٓۚ إِنَّهُمۡ كَانُواْ قَوۡمٗا فَٰسِقِينَ 12﴾:

ثم أرى جل وعلا موسى معجِزةً ثانيةً تؤيِّده وتدُلُّ على أنه رسول من عند الله حقًّا، فقال له: أدخِلْ -يا موسى- يدك في فتحة قميصك الذي على صَدْرِك، ثم أخرِجْها، فستجدها بيضاءَ ناصعةً لا بَرَصَ فيها ولا نقص، بل إنها ستُبهِرُ الناظرين، وتأخذ بقلوبهم، وذلك ضمن تسع آيات نعطيك إيَّاها، ونؤيِّدك بها؛ لتدعو فرعون وقومه للإيمان بالله وحده لا شريك له؛ إنَّ فرعون وقومه كانوا خارجين عن طاعة الله وتوحيده، مقيمين على الشرك به وتنديده.

[13] ﴿فَلَمَّا جَآءَتۡهُمۡ ءَايَٰتُنَا مُبۡصِرَةٗ قَالُواْ هَٰذَا سِحۡرٞ مُّبِينٞ 13﴾:

ثم بيَّن سبحانه أن موسى امتثل أمر الله، وذهَبَ يدعو فرعون وقومه، وعرَضَ عليهم الآيات البينات المثبتة لصدقه، وأنه رسول من عند الله، فما كان منهم إلا أن جحدوا واستكبروا، وطغَوْا وعاندوا، وعَزَّ عليهم أن يتركوا كبرياءهم وهيمنتهم، وقالوا: ما هذا الذي جئتنا به -يا موسى- إلا سحرٌ بيِّنٌ واضحٌ ظاهرٌ لكل أحد، لا شبهةَ عندنا ولا شكَّ في ذلك!

[14] ﴿وَجَحَدُواْ بِهَا وَٱسۡتَيۡقَنَتۡهَآ أَنفُسُهُمۡ ظُلۡمٗا وَعُلُوّٗاۚ فَٱنظُرۡ كَيۡفَ كَانَ عَٰقِبَةُ ٱلۡمُفۡسِدِينَ 14﴾:

وبعد أن جاء موسى عليه السلام بالمعجزات الدالَّة على صدقه وصحَّة نبوَّته؛ عرَضَها على فرعون وقومه، فكذَّبوا بها، وقالوا: هذا سِحْرٌ مبين، مع تيقُّنهم وتأكدهم أنها من عند الله، ولكنْ كذَّبوا بها ظلمًا واستعلاءً وتكبُّرًا على الحق؛ فانظر -أيها النبي- كيف كان مصير هؤلاء المجرمين المفسدين الذين كذَّبوا بالله وآياته ورسله، لقد كانت نهايتهم أن الله أغرَقَهم في البحر مع جنودهم وعُدَّتهم وعتادهم الحَرْبي.

[15] ﴿وَلَقَدۡ ءَاتَيۡنَا دَاوُۥدَ وَسُلَيۡمَٰنَ عِلۡمٗاۖ وَقَالَا ٱلۡحَمۡدُ لِلَّهِ ٱلَّذِي فَضَّلَنَا عَلَىٰ كَثِيرٖ مِّنۡ عِبَادِهِ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ 15﴾:

أخبَرَ جل وعلا بأنه منح نبيه داود وابنه سليمان عليهما السلام عِلْمًا غزيرًا وحِكْمةً وحُكْمًا، فعَمِلا بهذا العلم، وأثنيا على الله، وشكراه على إكرامه وتفضيله لهما على عالمي زمانهم، وهذه الآية تدُلُّ على شرف العلم وارتفاع مكانة أهله.

[16] ﴿وَوَرِثَ سُلَيۡمَٰنُ دَاوُۥدَۖ وَقَالَ يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ عُلِّمۡنَا مَنطِقَ ٱلطَّيۡرِ وَأُوتِينَا مِن كُلِّ شَيۡءٍۖ إِنَّ هَٰذَا لَهُوَ ٱلۡفَضۡلُ ٱلۡمُبِينُ 16﴾:

ثم أخبَرَ جل وعلا بأن سليمان وَرِثَ من والده داود النبوَّةَ والعلمَ والمُلْك، وقال سليمان لقومه -ممتثلًا أمر الله: ﴿وَأَمَّا بِنِعۡمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثۡ﴾ [الضحى:11]، يا أيها الناس، لقد عَلَّمَنا وفهَّمنا الله كلامَ الطير، وأعطانا سبحانه كلَّ ما نحتاجه وننتفع به؛ فسبحان الوهَّاب الفعَّال لما يشاء، واعلموا أن كل ما جاءنا من الله فهو الفضل الواضح، والإحسان الظاهر منه عز وجل.

[17] ﴿وَحُشِرَ لِسُلَيۡمَٰنَ جُنُودُهُۥ مِنَ ٱلۡجِنِّ وَٱلۡإِنسِ وَٱلطَّيۡرِ فَهُمۡ يُوزَعُونَ 17﴾:

وجُمِعَ لسليمان جنوده من الجن والإنس والطير، وكانوا -على كثرتهم- يقفون منتظمين لا يتجاوز أحدهم مكانه أو وظيفته المسؤول عنها.

[18] ﴿حَتَّىٰٓ إِذَآ أَتَوۡاْ عَلَىٰ وَادِ ٱلنَّمۡلِ قَالَتۡ نَمۡلَةٞ يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّمۡلُ ٱدۡخُلُواْ مَسَٰكِنَكُمۡ لَا يَحۡطِمَنَّكُمۡ سُلَيۡمَٰنُ وَجُنُودُهُۥ وَهُمۡ لَا يَشۡعُرُونَ 18﴾:

ولما سار الجيش في قوَّة ونظام، مرُّوا على وادٍ تعيش فيه النمل، فلما رأتهم نملة، قالت على سبيل النصح والتحذير للنمل: يا أيها النمل، ادخلوا أماكنكم التي تسكنون فيها حتى لا يهلككم سليمان وجنوده وهم لا يعلمون؛ فأراه جل وعلا وأرانا قدرته وحِكْمته في قوله تعالى: ﴿أَعۡطَىٰ كُلَّ شَيۡءٍ خَلۡقَهُۥ ثُمَّ هَدَىٰ﴾|| [طه:٥٠].

[19] ﴿فَتَبَسَّمَ ضَاحِكٗا مِّن قَوۡلِهَا وَقَالَ رَبِّ أَوۡزِعۡنِيٓ أَنۡ أَشۡكُرَ نِعۡمَتَكَ ٱلَّتِيٓ أَنۡعَمۡتَ عَلَيَّ وَعَلَىٰ وَٰلِدَيَّ وَأَنۡ أَعۡمَلَ صَٰلِحٗا تَرۡضَىٰهُ وَأَدۡخِلۡنِي بِرَحۡمَتِكَ فِي عِبَادِكَ ٱلصَّٰلِحِينَ 19﴾:

ثم بيَّن سبحانه ما فعله سليمان بعد أن سمع ما قالته النملة بأن تبسَّم لقولها، وقال داعيًا ربه: يا رب، ألهِمْني أن أشكر نعمتك التي أنعمتَ عليَّ وعلى والديَّ، ووفِّقني للعمل الصالح وتقبَّله مني، وأدخِلْني برحمتك وإحسانك في نعيم جنتك مع عبادك الصالحين الذين رَضِيتَ عنهم ورَضُوا عنك.

[20] ﴿وَتَفَقَّدَ ٱلطَّيۡرَ فَقَالَ مَالِيَ لَآ أَرَى ٱلۡهُدۡهُدَ أَمۡ كَانَ مِنَ ٱلۡغَآئِبِينَ 20﴾:

ولمَّا تفقَّد سليمان عليه السلام أتباعه وجنوده، قال: أين الهدهد، فإني لا أراه بين الطيور؟ فهل كان من الغائبين؟

[21] ﴿لَأُعَذِّبَنَّهُۥ عَذَابٗا شَدِيدًا أَوۡ لَأَاْذۡبَحَنَّهُۥٓ أَوۡ لَيَأۡتِيَنِّي بِسُلۡطَٰنٖ مُّبِينٖ 21﴾:

ولما تأكَّد سليمان أن الهدهد كان غائبًا، قال متوعِّدًا إياه: لَأُعَذِّبَنَّهُ عذابًا شديدًا لغيابه -دون إذن مني- أو لَأَذْبَحَنَّهُ جزاءً له على ما فعل، وعبرةً لغيره، أو لا بد أن يأتيني بسبب واضح وحجة قاطعةٍ على تغيُّبه وتخلُّفه.

[22] ﴿فَمَكَثَ غَيۡرَ بَعِيدٖ فَقَالَ أَحَطتُ بِمَا لَمۡ تُحِطۡ بِهِۦ وَجِئۡتُكَ مِن سَبَإِۭ بِنَبَإٖ يَقِينٍ 22﴾:

فلم يتأخَّر الهدهد كثيرًا، ثم جاء إلى سليمان عليه السلام، فقال له مُبْدِيًا سبب تأخره وتغيبه: إنه قد حصَلَ لي علمٌ مهمٌّ، لم تطَّلع أنت عليه -مع سعة علمك- لقد جئتك -أيها النبي- من عند قبيلة سَبَأٍ التي باليمن بخبرٍ خطيرٍ يقينٍيٍّ لا شكَّ فيه.

وهذا درس في القيادة؛ فالواجبُ على من يرأس الناس والجيوش ألَّا يَغِيبَ عنه شأن من الأمور العامَّة، وأن تكون له بصيرة بمن هم تحت قيادته؛ لأنهم إذا أَمِنُوا العتَبْ، أساؤوا الأَدَبْ، وإذا غابت الرقابة، حصلت الاختراقات والاختلافات والاختلاسات؛ ولذلك فبسبب الحَزْمِ والمتابَعةِ آمَنَتْ وأسلمت لسليمانَ اليمَنُ كلها.

[23] ﴿إِنِّي وَجَدتُّ ٱمۡرَأَةٗ تَمۡلِكُهُمۡ وَأُوتِيَتۡ مِن كُلِّ شَيۡءٖ وَلَهَا عَرۡشٌ عَظِيمٞ 23﴾:

ثم قال الهدهد لسليمان: يا نبي الله، إني وجَدتُّ امرأةً -قيل: إنها بَلْقِيسُ- تملك قبيلة سبأ، وأُوتِيَتْ من كل شيء مما يكون للملوك في ذلك الزمان من مظاهر القوَّة والحُكْم، ووجَدتُّ لها كُرْسِيًّا عظيمًا هائلًا تجلس عليه.

[24] ﴿وَجَدتُّهَا وَقَوۡمَهَا يَسۡجُدُونَ لِلشَّمۡسِ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَزَيَّنَ لَهُمُ ٱلشَّيۡطَٰنُ أَعۡمَٰلَهُمۡ فَصَدَّهُمۡ عَنِ ٱلسَّبِيلِ فَهُمۡ لَا يَهۡتَدُونَ 24﴾:

ثم قال الهدهد: ولقد وجَدتُّ -يا نبي الله- هذه المرأة وقومها يُشْرِكون بالله؛ فيعبدون الشمس ويسجدون لها من دون الله، وقد حسَّن لهم الشيطان شِرْكَهم؛ فصدَّهم وأبعدهم عن طريق التوحيد والإيمان؛ فوقعوا في الضلالة والغَوَاية.

[25] ﴿أَلَّاۤ يَسۡجُدُواْۤ لِلَّهِ ٱلَّذِي يُخۡرِجُ ٱلۡخَبۡءَ فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ وَيَعۡلَمُ مَا تُخۡفُونَ وَمَا تُعۡلِنُونَ 25﴾:

ثم قال الهدهد: لقد حسَّن لهم الشيطان أعمالهم حتى تركوا السجود لله وحده لا شريك له؛ الذي يُظهِرُ ما هو مخفيٌّ ومخبوءٌ في السماء والأرض؛ كالمطَرِ والزرعِ، والنباتِ والدوابّ، والذي يعلم ما تخفون في صدوركم، وما تُعْلنون.

[26] ﴿ٱللَّهُ لَآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ ٱلۡعَرۡشِ ٱلۡعَظِيمِ 26﴾:

ثم قال الهدهد: هو اللهُ الذي لا معبودَ بحقٍّ سواه، وهو ربُّ العرش العظيم الذي هو أعظم المخلوقات.

[27] ﴿قَالَ سَنَنظُرُ أَصَدَقۡتَ أَمۡ كُنتَ مِنَ ٱلۡكَٰذِبِينَ 27﴾:

فقال سليمان عليه السلام للهدهد: سننظُرُ ونتأمَّل في هذا الخبر الذي جئتنا به، هل أنت صادقٌ؛ فنعفُوَ عنك، أم أنت من الكاذبين الذين يُخبِرونَ بخلاف الواقع؟

[28] ﴿ٱذۡهَب بِّكِتَٰبِي هَٰذَا فَأَلۡقِهۡ إِلَيۡهِمۡ ثُمَّ تَوَلَّ عَنۡهُمۡ فَٱنظُرۡ مَاذَا يَرۡجِعُونَ 28﴾:

ثم كتَبَ سليمان عليه السلام كتابًا إلى ملكة سبأ، ثم أمَرَ الهدهد أن يحمله إليهم، ويلقيه عليهم، ثم يتنحَّى جانبًا، ويستمع إليهم، وإلى تعليقهم على هذا الكتاب.

[29] ﴿قَالَتۡ يَٰٓأَيُّهَا ٱلۡمَلَؤُاْ إِنِّيٓ أُلۡقِيَ إِلَيَّ كِتَٰبٞ كَرِيمٌ 29﴾:

ففعَلَ الهدهد ما أُمِرَ به، فألقى الكتاب، وأخذ يستمع، فأخَذَتِ المَلِكةُ الكتابَ، ثم جمعت أشراف قومها، وقالت لهم: إنه قد جاءنا كتابٌ عظيمُ الشأن، جليلُ القدر.

[30] ﴿إِنَّهُۥ مِن سُلَيۡمَٰنَ وَإِنَّهُۥ بِسۡمِ ٱللَّهِ ٱلرَّحۡمَٰنِ ٱلرَّحِيمِ 30﴾:

ثم قالت هذه الملكة: وهذا الكتاب جاءني من مَلِكٍ عظيمٍ من ملوك الأرض، يقال له: سليمان، ومضمونه: بسم الله الرحمن الرحيم.

[31] ﴿أَلَّا تَعۡلُواْ عَلَيَّ وَأۡتُونِي مُسۡلِمِينَ 31﴾:

ثم قالت الملكة: وإنَّ سليمان يقول في هذا الكتاب: لا تعلوا عليَّ ولا تكونوا خارجين عن مُلْكي، وَأْتوني مسلمين لله منقادين خاضعين لأمري.

[32] ﴿قَالَتۡ يَٰٓأَيُّهَا ٱلۡمَلَؤُاْ أَفۡتُونِي فِيٓ أَمۡرِي مَا كُنتُ قَاطِعَةً أَمۡرًا حَتَّىٰ تَشۡهَدُونِ 32﴾:

ثم قالت الملكة لكبار رجال دَوْلتها وأشرافهم: يا أيها القوم، أشيروا عليَّ وأخبروني ماذا أَفْعَلُ في هذا الأمر؛ فما كنتُ أنا مستبِدَّةً برأيي ولا باتَّةً في الأمر حتى آخُذَ رأيكم ومشورتكم.

[33] ﴿قَالُواْ نَحۡنُ أُوْلُواْ قُوَّةٖ وَأُوْلُواْ بَأۡسٖ شَدِيدٖ وَٱلۡأَمۡرُ إِلَيۡكِ فَٱنظُرِي مَاذَا تَأۡمُرِينَ 33﴾:

فأجابوها قائلين: نحن أصحاب قوَّة وشدَّة وبأس، ومعرفة بالحَرْب، فإذا تطلَّب الأمر ذلك، فنحن مستعدُّون، ولكنَّ الأمر راجعٌ إليك، والتدبيرَ والبتَّ فيه موكولٌ لك؛ فانظري ما فيه المصلحة، ونحن طائعون لأمرك، عاملون برأيك.

[34] ﴿قَالَتۡ إِنَّ ٱلۡمُلُوكَ إِذَا دَخَلُواْ قَرۡيَةً أَفۡسَدُوهَا وَجَعَلُوٓاْ أَعِزَّةَ أَهۡلِهَآ أَذِلَّةٗۚ وَكَذَٰلِكَ يَفۡعَلُونَ 34﴾:

فقالت لهم: إنَّ من عادة الملوك إذا اقتحموا قريةً ودخَلُوها بغير صلح: أنهم يعيثون فيها الفساد، بالقَتْل والنَّهْب، والتخريب والسلب، وأنهم يصيِّرون سادتها الأعزَّاء مهانين أذلَّاء، وهذه عادة الملوك؛ لإحكام سَيْطَرتهم على الناس، وإلقاء المهابة في قلوبهم.

[35] ﴿وَإِنِّي مُرۡسِلَةٌ إِلَيۡهِم بِهَدِيَّةٖ فَنَاظِرَةُۢ بِمَ يَرۡجِعُ ٱلۡمُرۡسَلُونَ 35﴾:

ثم قالت الملكة لهم: أيها الملأ، سأختبِرُ هؤلاء القوم، وسأُرسِلُ إليهم بهديَّة من نفائس الأموال؛ فأنظُرُ هل سيقنع بالهدية، ويصرِفُ النظر عنَّا، أو سيستمِرُّ على رأيه وقوله، ويُصِرُّ على أن نخضع لحكمه؟

[36] ﴿فَلَمَّا جَآءَ سُلَيۡمَٰنَ قَالَ أَتُمِدُّونَنِ بِمَالٖ فَمَآ ءَاتَىٰنِۦَ ٱللَّهُ خَيۡرٞ مِّمَّآ ءَاتَىٰكُمۚ بَلۡ أَنتُم بِهَدِيَّتِكُمۡ تَفۡرَحُونَ 36﴾:

فلما جاء السفيرُ حامل الهدية إلى سليمان عليه السلام، تغيَّظ منه، ومن تصرُّفِ قومه، وقال له منكرًا عليه: أتُرْضُونني بمالٍ وتُغْروني به؟! فالذي أعطاني الله من المُلْك والنبوَّة والمال خيرٌ وأفضلُ مما أعطاكم؛ فمثل هذه الهدية لا أفرحُ بها، بل تفرحون بها أنتم ومن على شاكلتكم من أهل الدنيا.

[37] ﴿ٱرۡجِعۡ إِلَيۡهِمۡ فَلَنَأۡتِيَنَّهُم بِجُنُودٖ لَّا قِبَلَ لَهُم بِهَا وَلَنُخۡرِجَنَّهُم مِّنۡهَآ أَذِلَّةٗ وَهُمۡ صَٰغِرُونَ 37﴾:

ثم قال سليمان لهم: ارْجِعوا إلى قومكم بهديَّتكم، وأَخْبِروهم أنا سنأتيهم بجنودٍ وحشودٍ لا طاقةَ لهم بمقابلتها، ولا بالوقوف أمامها، ولَنُخْرِجَنَّهم من أرضهم ومملكتهم أذلَّةً صاغرين في غايةِ الذُّلِّ والهوان.

[38] ﴿قَالَ يَٰٓأَيُّهَا ٱلۡمَلَؤُاْ أَيُّكُمۡ يَأۡتِينِي بِعَرۡشِهَا قَبۡلَ أَن يَأۡتُونِي مُسۡلِمِينَ 38﴾:

ثم قال سليمان عليه السلام للملأ من حوله من الجن والإنس: مَنْ منكم يستطيع أن يأتيني بسرير هذه المَلِكة قبل أن تأتي هي وقومها إلينا مستسلمين طائعين؟!

[39] ﴿قَالَ عِفۡرِيتٞ مِّنَ ٱلۡجِنِّ أَنَا۠ ءَاتِيكَ بِهِۦ قَبۡلَ أَن تَقُومَ مِن مَّقَامِكَۖ وَإِنِّي عَلَيۡهِ لَقَوِيٌّ أَمِينٞ 39﴾:

فقال جِنّيٌّ نشيطٌ جدًّا: أنا آتيك به قبل أن تقوم من مجلسك الذي أنت فيه، وأنا قويٌّ أستطيع حمله، وأمينٌ آتيك به كما هو، لا أنقصُ منه شيئًا.

[40] ﴿قَالَ ٱلَّذِي عِندَهُۥ عِلۡمٞ مِّنَ ٱلۡكِتَٰبِ أَنَا۠ ءَاتِيكَ بِهِۦ قَبۡلَ أَن يَرۡتَدَّ إِلَيۡكَ طَرۡفُكَۚ فَلَمَّا رَءَاهُ مُسۡتَقِرًّا عِندَهُۥ قَالَ هَٰذَا مِن فَضۡلِ رَبِّي لِيَبۡلُوَنِيٓ ءَأَشۡكُرُ أَمۡ أَكۡفُرُۖ وَمَن شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشۡكُرُ لِنَفۡسِهِۦۖ وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيّٞ كَرِيمٞ 40﴾:

ثم قال رجلٌ عنده علمٌ من الكتاب، وقيل: إنه يعرف اسمَ اللهِ الأعظمَ، قال لسليمان عليه السلام: أنا آتيك بالعرش في لَحْظةٍ واحدة، وهي مقدارُ فتح عينيك وإغماضها، فأَذِنَ له سليمان عليه السلام، فدعا الله جل في علاه باسمه الأعظم؛ فإذا بالعرش ماثلًا أمامه، فقال سليمان حينها: هذا من فضل ربي عليَّ ورحمته بي؛ وذلك ليختبرني أأشكُرُ وأنسُبُ الفضل لله وحده، أم أكفُرُ بنعمة الله وأترُكُ شكرها، ثم قال عليه السلام: ومَن شكَرَ نِعَمَ الله عليه، فإن نفع ذلك عائدٌ إليه، وأما من جَحَدها، فإنه جل وعلا هو الغنيُّ عن خلقه، وهو سبحانه الكريمُ الذي يتكرَّم ويتفضَّل على عباده بنعمه.

[41] ﴿قَالَ نَكِّرُواْ لَهَا عَرۡشَهَا نَنظُرۡ أَتَهۡتَدِيٓ أَمۡ تَكُونُ مِنَ ٱلَّذِينَ لَا يَهۡتَدُونَ 41﴾:

ثم قال سليمان عليه السلام لِمَن حوله: اصنعوا في عرشها بعض التغيير بزيادةٍ فيه، ونقصانٍ منه؛ لنختبِرَ بذلك حصافتها وفطنتها؛ فننظر أتهتدي إلى عرشها فتَعْرِفَهُ أم تكون من الذين لا يهتدون؟

[42] ﴿فَلَمَّا جَآءَتۡ قِيلَ أَهَٰكَذَا عَرۡشُكِۖ قَالَتۡ كَأَنَّهُۥ هُوَۚ وَأُوتِينَا ٱلۡعِلۡمَ مِن قَبۡلِهَا وَكُنَّا مُسۡلِمِينَ 42﴾:

فلما وصلت الملكة إلى سليمان عليه السلام، عرَضَ عليها عرشها بعد أن أجرى عليه بعض التغييرات، وقال لها: هل هذا العرشُ مثل عرشك؟ فقالت: إنه يُشْبِهه ويقاربه، ولم تقل: نَعَمْ هو، ولم تقل: لا ليس إياه، وإنما قالت: كأنه هو؛ فكان هذا أحسَنَ وأفضَلَ جواب منها؛ كما قال ابن كَثِير: (وهذا غايةٌ في الذكاء والحزم)، ثم قال سليمان: لقد أصابت هذه المرأة، وعرَفَتِ الحق، ولكننا أوتينا العلم بالله وبقدرته من قبلها، وكنا متَّبعين لدين الإسلام، منقادين لأمر الله جل وعلا.

[43] ﴿وَصَدَّهَا مَا كَانَت تَّعۡبُدُ مِن دُونِ ٱللَّهِۖ إِنَّهَا كَانَتۡ مِن قَوۡمٖ كَٰفِرِينَ 43﴾:

ثم بيَّن سبحانه الأسباب التي منعت هذه الملكة مِن الدخول في دين الإسلام، ومِن عبادة الله وحده لا شريك له: أنها نشأت بين قوم يعبُدُونَ الشمس، فجحدوا نعم الله وعبدوا غيره، وأيضًا وجَدَتْ آباءها هكذا على الضلال، فاتَّبعتهم وسارت مسارهم.

[44] ﴿قِيلَ لَهَا ٱدۡخُلِي ٱلصَّرۡحَۖ فَلَمَّا رَأَتۡهُ حَسِبَتۡهُ لُجَّةٗ وَكَشَفَتۡ عَن سَاقَيۡهَاۚ قَالَ إِنَّهُۥ صَرۡحٞ مُّمَرَّدٞ مِّن قَوَارِيرَۗ قَالَتۡ رَبِّ إِنِّي ظَلَمۡتُ نَفۡسِي وَأَسۡلَمۡتُ مَعَ سُلَيۡمَٰنَ لِلَّهِ رَبِّ ٱلۡعَٰلَمِينَ 44﴾:

ثم قيل للملكة: ادخلي القصر، فلما رأت صَحْنَهُ، ظنَّت أنه ماء، فكشفت عن ساقيها لتخوض فيه، فقال لها سليمان عليه السلام: إنه صَرْحٌ مملَّسٌ من زجاجٍ صافٍ، يُرى من تحته الماء يجري، كأنه ليس دونه شيء، فلما رأتْ ذلك، اعترفت بعظمة الله وبنبوَّة سليمان عليه السلام ورسالته، فتابت من شِرْكها، واعترفت ببطلان ما كانت عليه، ثم أذعنت وأسلَمَتْ لله رب العالمين.

قال بعض أهل التفسير: (أخذتها عِزَّةُ المُلْكِ، فقالت: ﴿وَأَسۡلَمۡتُ مَعَ سُلَيۡمَٰنَ﴾، ولم تقل: (أسلَمْتُ تبعًا لسليمان)؛ كشأن أتباع الأنبياء).

[45] ﴿وَلَقَدۡ أَرۡسَلۡنَآ إِلَىٰ ثَمُودَ أَخَاهُمۡ صَٰلِحًا أَنِ ٱعۡبُدُواْ ٱللَّهَ فَإِذَا هُمۡ فَرِيقَانِ يَخۡتَصِمُونَ 45﴾:

ثم أخبَرَ جل وعلا أنه أرسل إلى قبيلة ثمود أخاهم في النسب صالحًا، فأمَرَهم أن يعبدوا الله وحده، ولا يدعوا معه إلهًا آخر، فانقسَمَ الناس بعد دعوته إلى فريقَيْنِ متخاصمين: فريقٌ آمن بالله ووحَّده، وصدَّق برسوله، وفريقٌ جحَدَ بآيات الله وكذَّب رسوله.

[46] ﴿قَالَ يَٰقَوۡمِ لِمَ تَسۡتَعۡجِلُونَ بِٱلسَّيِّئَةِ قَبۡلَ ٱلۡحَسَنَةِۖ لَوۡلَا تَسۡتَغۡفِرُونَ ٱللَّهَ لَعَلَّكُمۡ تُرۡحَمُونَ 46﴾:

قال صالح عليه السلام للمكذِّبين الجاحدين: لِمَ تُؤْثِرون الكفر على الإيمان، وتستعجلون عقوبة الله، وتقولون: ﴿ٱئۡتِنَا بِعَذَابِ ٱللَّهِ إِن كُنتَ مِنَ ٱلصَّٰدِقِينَ﴾ [العنكبوت:29] ولِمَ تؤخِّرون الإيمان بالله الذي هو سبب فلاحكم ونجاتكم؟! فهلَّا استغفرتم الله، وآمنتم به، واتَّبعتم ما أدعوكم إليه؛ لعله جل وعلا أن يرحمكم ويعفو عنكم.

[47] ﴿قَالُواْ ٱطَّيَّرۡنَا بِكَ وَبِمَن مَّعَكَۚ قَالَ طَٰٓئِرُكُمۡ عِندَ ٱللَّهِۖ بَلۡ أَنتُمۡ قَوۡمٞ تُفۡتَنُونَ 47﴾:

فأجابه قومه بكبرياء قائلين: لقد تشاءَمْنا بك يا صالح، وبمن اتَّبعك؛ فقد توالت علينا المصائب بسببك، فرد عليهم صالح عليه السلام، فقال: ما أصابتكم المصائب إلا بسبب شِرْككم وذنوبكم، واعلموا -يا قوم- أنكم تُختَبرون، وتُمتحَنون بالسرَّاء والضرَّاء، وبالخير وبالشرّ.

[48] ﴿وَكَانَ فِي ٱلۡمَدِينَةِ تِسۡعَةُ رَهۡطٖ يُفۡسِدُونَ فِي ٱلۡأَرۡضِ وَلَا يُصۡلِحُونَ 48﴾:

ثم أخبَرَ سبحانه أنه كان في مدينة الحِجْرِ -وهي مدينةُ صالحٍ- تسعةُ نفرٍ شأنهم ودأبهم: الإفساد في الأرض، والتخريب فيها، ولا يقصدون إلى إصلاحها أبدًا.

[49] ﴿قَالُواْ تَقَاسَمُواْ بِٱللَّهِ لَنُبَيِّتَنَّهُۥ وَأَهۡلَهُۥ ثُمَّ لَنَقُولَنَّ لِوَلِيِّهِۦ مَا شَهِدۡنَا مَهۡلِكَ أَهۡلِهِۦ وَإِنَّا لَصَٰدِقُونَ 49﴾:

ثم أخبَرَ سبحانه إنَّ هؤلاء النفر التسعة تعاهدوا بينهم، وأقسَمَ كل واحد منهم للآخر أن يأتوا إلى صالحٍ عليه السلام ليلًا فيقتلوه ويقتلوا أهله، ثم يقولوا لأولياء دمه: والله، ما شهدنا مَقْتَلَهم ولا حضَرْناه، وسوف يُقْسِمون إنهم لصادقون في ذلك.

[50] ﴿وَمَكَرُواْ مَكۡرٗا وَمَكَرۡنَا مَكۡرٗا وَهُمۡ لَا يَشۡعُرُونَ 50﴾:

ثم إن هؤلاء النفر دبَّروا لقتل صالح عليه السلام بهذه الطريقة، وخطَّطوا لذلك في خُفْية، ولكنَّ الله جل في علاه دبَّر لصالحٍ وأتباعه، وخطَّط لهم ونجاهم، وأخَذَ سبحانه هؤلاء المجرمين بالعذاب بَغْتةً وهم لا يشعرون.

[51] ﴿فَٱنظُرۡ كَيۡفَ كَانَ عَٰقِبَةُ مَكۡرِهِمۡ أَنَّا دَمَّرۡنَٰهُمۡ وَقَوۡمَهُمۡ أَجۡمَعِينَ 51﴾:

فانظر -أيها النبي- إلى عاقبة أمر هؤلاء المجرمين، ومصير تخطيطهم ومَكْرهم؛ هل حصل مقصودهم؟! وهل تَمَّ مرادهم؟! إنهم عوقبوا بنقيض ما قصَدُوا؛ فدمَّر الله هؤلاء التسعة، وقومهم الكفرة أجمعين.

[52] ﴿فَتِلۡكَ بُيُوتُهُمۡ خَاوِيَةَۢ بِمَا ظَلَمُوٓاْۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَأٓيَةٗ لِّقَوۡمٖ يَعۡلَمُونَ 52﴾:

وانظر -أيها النبي- إلى مساكن هؤلاء الخاوية التي ليس فيها أحد منهم، فقد أُبِيدوا جميعًا؛ بسبب ظلمهم لأنفسهم بالشرك، وبسبب تكذيبهم لنبيهم، وجَحْدهم لآيات ربهم، واعلموا أن في هذه القصة علاماتٍ واضحاتٍ، وعِبَرًا بيناتٍ لقومٍ يعلمون الحقائق ويُبْصِرون ما حَلَّ بالمكذِّبين؛ فيتَّعظون ويعتبرون.

[53] ﴿وَأَنجَيۡنَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَكَانُواْ يَتَّقُونَ 53﴾:

وأنجى جل وعلا الذين آمنوا به وبرُسُله من العذاب والهلَّاك، وكان من صفات هؤلاء المؤمنين: أنهم كانوا يجعلون بينهم وبين عذاب الله وقايةً؛ بتوحيده، والإيمان به، وفعل أوامره، وبتَرْكِ الشرك وتجنُّبه، وترك ما نهاهم الله عنه.

[54] ﴿وَلُوطًا إِذۡ قَالَ لِقَوۡمِهِۦٓ أَتَأۡتُونَ ٱلۡفَٰحِشَةَ وَأَنتُمۡ تُبۡصِرُونَ 54﴾:

واذكر -أيها النبي- لوطًا عليه السلام يوم أن قال لقومه على سبيل الزجر والتوبيخ: أتأتون هذه الجريمة القبيحة وأنتم تعلمون قبحها وقذارتها؟!

[55] ﴿أَئِنَّكُمۡ لَتَأۡتُونَ ٱلرِّجَالَ شَهۡوَةٗ مِّن دُونِ ٱلنِّسَآءِۚ بَلۡ أَنتُمۡ قَوۡمٞ تَجۡهَلُونَ 55﴾:

ثم قال منكِرًا عليهم، مستقبِحًا فعلهم: أتُخالِفون فِطْرتكم التي فطَرَكم الله عليها؛ فتَنْكِحوا الذكور من الناس، وتتركوا ما هيَّأه الله لكم لتستمتعوا به من أزواجكم من النساء؟! بل أنتم قومٌ تجهلون بشاعة ما تقومون به، ولا تخافون مِقْدار العذاب الذي سيلحق بكم؛ بسبب هذه الفعلة الشنيعة.

[56] ﴿فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوۡمِهِۦٓ إِلَّآ أَن قَالُوٓاْ أَخۡرِجُوٓاْ ءَالَ لُوطٖ مِّن قَرۡيَتِكُمۡۖ إِنَّهُمۡ أُنَاسٞ يَتَطَهَّرُونَ 56﴾:

فلم يكن لهم جوابٌ إلا أن قال بعضهم لبعضٍ: أَخْرِجوا لوطًا ومن آمن به من قريتكم، ثم قالوا مستهزئين: إنهم أناسٌ يتنزَّهون عما نقوم به، ويستقذرونه، يعني: أنهم لم يعيبوا عليه إلا أنه طاهرٌ، ويطلُبُ أن يتطهَّروا، وهكذا في كل زمان ومكان تكون الاستقامة والهداية والطهارة والصلاح عيوبًا عند الفسَّاق.

[57] ﴿فَأَنجَيۡنَٰهُ وَأَهۡلَهُۥٓ إِلَّا ٱمۡرَأَتَهُۥ قَدَّرۡنَٰهَا مِنَ ٱلۡغَٰبِرِينَ 57﴾:

فأنجينا لوطًا وأهله من العذاب الذي سيَحُلُّ بقومه، وسينزِلُ بهم، واستثنينا من النجاةِ امرأتَه؛ فقد كانت من الباقين في العذاب، ومن المُهلَكين.

[58] ﴿وَأَمۡطَرۡنَا عَلَيۡهِم مَّطَرٗاۖ فَسَآءَ مَطَرُ ٱلۡمُنذَرِينَ 58﴾:

فأنزَلَ جل وعلا على قوم لوط عذابًا؛ بأنْ أمطَرَ عليهم حجارةً من سِجِّيلٍ اخترَقَتْ رؤوسهم، فأهلكتهم جميعًا؛ فبئس المطَرُ مطرهم، وبئس العذاب عذابهم؛ فقد قامت عليهم الحجة، وجاءهم النذير، فلم يؤمنوا، بل كذَّبوا وعاندوا.

قال ابن عطيَّة: (إن هذه الآية أصلٌ لمن جعَلَ حدَّ اللُّوطيِّ الرجمَ)([1])، ومذهب مالكٍ: رجمُ الفاعل والمفعول به، ومذهبُ الشافعي: أنه يعامل كالزاني؛ حيث إن الزاني البكر يجلد، والثيب يرجم، ومذهب أبي حنيفة: أنه يعزَّر ولا حد عليه. [1] ينظر: تفسير ابن عطية (4/ 241).

[59] ﴿قُلِ ٱلۡحَمۡدُ لِلَّهِ وَسَلَٰمٌ عَلَىٰ عِبَادِهِ ٱلَّذِينَ ٱصۡطَفَىٰٓۗ ءَآللَّهُ خَيۡرٌ أَمَّا يُشۡرِكُونَ 59﴾:

وقل -أيها النبي-: الحمد لله الذي يستحق كمال الحمد والمدح والثناء؛ فهو صاحب النِّعَم والمِنَن على عباده، وقل: سلامٌ وتحيةٌ على عباد الله وأوليائه، الذين اختارهم سبحانه لحمل رسالته وتبليغ دعوته، وسَلِموا من ارتكاب المنكرات والمعتقدات الفاسدة، ثم اسأل –أيها النبي- المشركين من قومك: هل الله جل في علاه الذي يملك النفع والضر خيرٌ، أم هذه الأصنام التي تعبدونها من دون الله التي لا تملك لكم ضَرًّا ولا نفعًا؟! وقوله: ﴿ءَآللَّهُ خَيۡرٌ أَمَّا يُشۡرِكُونَ﴾، قيل: إن النبي ﷺ كان إذا قرأ هذه الآية، قال: «بَلِ اللهُ خَيْرٌ وَأَبْقَى، وَأَجَلُّ وَأَكْرَمُ»([2]). [2] أخرجه البيهقي في شعب الإيمان (1915)، من حديث عليِّ بن الحسين مرسلًا.

[60] ﴿أَمَّنۡ خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضَ وَأَنزَلَ لَكُم مِّنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءٗ فَأَنۢبَتۡنَا بِهِۦ حَدَآئِقَ ذَاتَ بَهۡجَةٖ مَّا كَانَ لَكُمۡ أَن تُنۢبِتُواْ شَجَرَهَآۗ أَءِلَٰهٞ مَّعَ ٱللَّهِۚ بَلۡ هُمۡ قَوۡمٞ يَعۡدِلُونَ 60﴾:

واسألهم -أيها النبي-: مَنِ الذي خلق السموات والأرض؟! ومَنِ الذي أنزل من السماء الماء الذي تنبُتُ به الحدائق والبساتين ذات المناظر الجميلة؟! وأنتم تعلمون ألَّا يمكن لأحد من البشر أن يُنبِتَ هذه الأشجار، هل يوجد إلهٌ آخر مع الله فعَلَ ذلك حتى تعبدوه من دون الله، وتُشْرِكوه في العبادة؟! بل اعلم -أيها النبي- أن هؤلاء المشركين قوم يَعْدِلون بالله غيرَه، ويسوُّون به مَنْ سواه بغير برهان.

[61] ﴿أَمَّن جَعَلَ ٱلۡأَرۡضَ قَرَارٗا وَجَعَلَ خِلَٰلَهَآ أَنۡهَٰرٗا وَجَعَلَ لَهَا رَوَٰسِيَ وَجَعَلَ بَيۡنَ ٱلۡبَحۡرَيۡنِ حَاجِزًاۗ أَءِلَٰهٞ مَّعَ ٱللَّهِۚ بَلۡ أَكۡثَرُهُمۡ لَا يَعۡلَمُونَ 61﴾:

واسألهم -أيها النبي-: مَنِ الذي سوَّى لكم الأرض وهيَّأها لكم لتستقروا عليها؟! ومَنِ الذي جعل في وسط الأرض أنهارًا ينتفع بها العباد؟! ومن الذي ثبَّت الأرض وأرساها بهذه الجبال لئلَّا تتحرَّك وتضطرب؟! ومَن الذي جعل حاجزًا بين البحرين (العَذْب، والمَالِحُ)؛ فلا يختلطا ولا يمتزجا إذا التقيا؟! بل يحتفظ كل واحد منهما بخواصِّه؟! هل يوجد إلهٌ آخر مع الله فعَلَ ذلك حتى تعبدوه من دون الله، وتُشْركوه في العبادة؛ بل اعلم -أيها النبي- أن أكثر هؤلاء المشركين لا يعلمون توحيد ربهم، ولا ينزِّهونه عما لا يليق به جلَّ في عُلاه.

[62] ﴿أَمَّن يُجِيبُ ٱلۡمُضۡطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكۡشِفُ ٱلسُّوٓءَ وَيَجۡعَلُكُمۡ خُلَفَآءَ ٱلۡأَرۡضِۗ أَءِلَٰهٞ مَّعَ ٱللَّهِۚ قَلِيلٗا مَّا تَذَكَّرُونَ 62﴾:

واسألهم -أيها النبي-: مَنِ الذي يجيب المضطَرَّ الذي أقلقته الكروب؟! ومَنِ الذي يُنقِذُ من حار وضلَّ في الدروب؟! ومَنِ الذي يغيث من تعسَّر عليه المطلوب؟! إلا الله وحده، سبحانه جل في علاه، علَّامُ الغيوب؟! ومَنِ الذي يكشف الضر -مِنْ مرضٍ وفقرٍ- إذا نزَلَ بالعبد؟! إلا الله؟! ومَنِ الذي يجعلكم خلفاء في الأرض تخلُفُونَ من سبقكم، ويخلُفُكم من بعدكم؟! هل يوجد إلهٌ آخر مع الله فعَلَ ذلك حتى تعبدوه من دون الله، وتُشْرِكوه في العبادة؟! إنكم قليلًا ما تتَّعظون، فترجعون إلى الحقّ.

[63] ﴿أَمَّن يَهۡدِيكُمۡ فِي ظُلُمَٰتِ ٱلۡبَرِّ وَٱلۡبَحۡرِ وَمَن يُرۡسِلُ ٱلرِّيَٰحَ بُشۡرَۢا بَيۡنَ يَدَيۡ رَحۡمَتِهِۦٓۗ أَءِلَٰهٞ مَّعَ ٱللَّهِۚ تَعَٰلَى ٱللَّهُ عَمَّا يُشۡرِكُونَ 63﴾:

واسألهم -أيها النبي-: مَنِ الذي يدُلُّكم ويرشدكم في ظلمات البر والبحر؟! ومَنِ الذي يرسل الرياح قبل المطر مبشِّراتٍ بقرب نزوله؛ فيفرح بذلك العباد؟! هل يوجد إلهٌ آخر مع الله فعَلَ ذلك حتى تعبدوه من دون الله، وتُشْرِكوه في العبادة؟! فتنزَّه الله وتقدَّس عن إشراك هؤلاء المشركين معه آلهة أخرى؛ فهو الواحد الأحد، الفرد الصمد، الذي لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفوًا أحد.

[64] ﴿أَمَّن يَبۡدَؤُاْ ٱلۡخَلۡقَ ثُمَّ يُعِيدُهُۥ وَمَن يَرۡزُقُكُم مِّنَ ٱلسَّمَآءِ وَٱلۡأَرۡضِۗ أَءِلَٰهٞ مَّعَ ٱللَّهِۚ قُلۡ هَاتُواْ بُرۡهَٰنَكُمۡ إِن كُنتُمۡ صَٰدِقِينَ 64﴾:

واسألهم -أيها النبي-: مَنِ الذي يبدأ الخلق ويُوجِدُهُ بعد العدم؟! ومَنِ الذي يعيد خلقَهُ مرَّةً أخرى؟! ومَنِ الذي يرزقكم بإنزال المطر مِنَ السماء، وبإنبات الزرع من الأرض؟! هل يوجد إلهٌ آخر مع الله فعَلَ ذلك حتى تعبدوه من دون الله، وتُشْرِكوه في العبادة؟! فإن تردَّدوا أو سكتوا، فقل لهم -أيها النبي-: هاتوا أدلتكم وحججكم فيما تدَّعون بأن مع الله آلهةً أخرى إن كنتم صادقين.

وهذه الاستفهامات التي تكرَّرت في قوله: ﴿أَمَّن﴾، هي للتقرير، وإثبات ما يعتقده المؤمنون بالخالق، ولتوبيخ المشركين الضالِّين عن الهدى.

[65] ﴿قُل لَّا يَعۡلَمُ مَن فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ ٱلۡغَيۡبَ إِلَّا ٱللَّهُۚ وَمَا يَشۡعُرُونَ أَيَّانَ يُبۡعَثُونَ 65﴾:

ثم قل لهم -أيها النبي-: إنه لا أحد يعلم غيب السموات والأرض إلا الله وحده؛ فهو سبحانه الذي اختَصَّ بذلك دون من سواه، وما يدري الناس ولا يعلمون متى يُبْعثون مِنْ قبورهم للجزاء والحساب.

[66] ﴿بَلِ ٱدَّٰرَكَ عِلۡمُهُمۡ فِي ٱلۡأٓخِرَةِۚ بَلۡ هُمۡ فِي شَكّٖ مِّنۡهَاۖ بَلۡ هُم مِّنۡهَا عَمُونَ 66﴾:

أخبَرَ جل وعلا أن الكفار تدارَكَ وتتابَعَ علمهم أنه ليس هناك آخرة ولا بعث بعد الموت؛ بل إنهم في شك وريبة من ذلك، وقد تكرَّر إنكارهم للبعث حتى تقرَّر في نفوسهم أنه لا بعث، بل الأعظم من ذلك أنهم قد عَمِيَتْ قلوبهم عمَّا كان يقوله ﷺ عنها، وكذَّبوه وأنكروا وقوعها، بل إنهم قالوا عن الآخرة والبعث على سبيل الاستهزاء: ﴿هَلۡ نَدُلُّكُمۡ عَلَىٰ رَجُلٖ يُنَبِّئُكُمۡ إِذَا مُزِّقۡتُمۡ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّكُمۡ لَفِي خَلۡقٖ جَدِيدٍ﴾ [سبأ:٧].

[67] ﴿وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوٓاْ أَءِذَا كُنَّا تُرَٰبٗا وَءَابَآؤُنَآ أَئِنَّا لَمُخۡرَجُونَ 67﴾:

وقال الذين جحدوا بآيات الله، وكفروا بالبعث وباليوم الآخر: هل سنُبعَثُ نحن وآباؤنا من قبورنا مرَّةً أخرى بعد أن نصير ترابًا ورمادًا؟!

[68] ﴿لَقَدۡ وُعِدۡنَا هَٰذَا نَحۡنُ وَءَابَآؤُنَا مِن قَبۡلُ إِنۡ هَٰذَآ إِلَّآ أَسَٰطِيرُ ٱلۡأَوَّلِينَ 68﴾:

ثم قالوا متمادين في تكذيبهم بالبعث: لقد وُعِدْنا هذا البعثَ نحن وآباؤنا مِنْ قبلنا، فلم يحصُلْ شيء من ذلك؛ فما هذا البعث إلا مِن قِبَلِ حكايات الأوَّلين وقصصهم وخرافاتهم المسطَّرة في كتبهم التي يقطعون بها أوقاتهم ويتسلَّوْنَ بها في سَمَرهم.

[69] ﴿قُلۡ سِيرُواْ فِي ٱلۡأَرۡضِ فَٱنظُرُواْ كَيۡفَ كَانَ عَٰقِبَةُ ٱلۡمُجۡرِمِينَ 69﴾:

فقل لهم -أيها النبي-: سيروا في الأرض، وامشوا فيها، وانظروا بأعينكم إلى آثار مَنْ قبلكم من المكذِّبين، وتفكَّروا واعتبروا وتدبَّروا كيف كانت نهاياتهم؟! فالله الذي أحياهم ثم أماتهم قادرٌ على إيجادهم مرَّةً أخرى لو كنتم تعقلون.

[70] ﴿وَلَا تَحۡزَنۡ عَلَيۡهِمۡ وَلَا تَكُن فِي ضَيۡقٖ مِّمَّا يَمۡكُرُونَ 70﴾:

ثم نهى جل وعلا نبيه محمدًا ﷺ قائلًا: لا تَحْزَنْ-أيها النبي- على هؤلاء المكذِّبين، ولا مِنْ ردودِهم عليك، ولا مِنْ مكرهم بك، وكيدهم لك، ولا يَضِقْ صدرك بذلك.

[71] ﴿وَيَقُولُونَ مَتَىٰ هَٰذَا ٱلۡوَعۡدُ إِن كُنتُمۡ صَٰدِقِينَ 71﴾:

ويسأل هؤلاء المكذِّبون باستهزاء وعناد، ويقولون: متى يتحقَّق هذا الوعد بالعذاب الذي وَعدتَّنا به؛ إن كنت صادقًا أنت وأتباعك فيما تَعِدُنا به؟!

[72] ﴿قُلۡ عَسَىٰٓ أَن يَكُونَ رَدِفَ لَكُم بَعۡضُ ٱلَّذِي تَسۡتَعۡجِلُونَ 72﴾:

فقل -أيها النبي- لهؤلاء المشركين: لا تستعجلوا العذاب؛ فعسى أن يكون قد اقترب لكم بعض الذي تستعجلون

من العذاب، قال المفسِّرون: (الذي رَدِفَ لهم هو هزيمتُهم وقَتْلُ زعمائهم في وقعة بَدْر).

[73] ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو فَضۡلٍ عَلَى ٱلنَّاسِ وَلَٰكِنَّ أَكۡثَرَهُمۡ لَا يَشۡكُرُونَ 73﴾:

واعلم -أيها النبي- أن ربك ذو فضلٍ على جميع الناس؛ فلا يُعاجِلُ المكذِّبَ بالعقوبة لعلَّه يتوب ويهتدي، ولكنَّ أكثر الناس يُشْرِكون بالله، ولا يعترفون له بما أنعم به عليهم.

[74] ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَعۡلَمُ مَا تُكِنُّ صُدُورُهُمۡ وَمَا يُعۡلِنُونَ 74﴾:

ثم أخبَرَ جل وعلا نبيه ﷺ أنه يعلم ما تُخْفيه صدور هؤلاء المشركين، وما تنطوي عليه، ويعلم ما يُعْلنون وما يجهرون به.

[75] ﴿وَمَا مِنۡ غَآئِبَةٖ فِي ٱلسَّمَآءِ وَٱلۡأَرۡضِ إِلَّا فِي كِتَٰبٖ مُّبِينٍ 75﴾:

وأخبَرَهُ سبحانه بأنه ما من شيء يغيب ويخفى عن المخلوقين في السموات والأرض إلا وهو مسطَّرٌ في كتابٍ واضحٍ بيِّنٍ؛ أَلَا وهو اللَّوْح المحفوظ.

[76] ﴿إِنَّ هَٰذَا ٱلۡقُرۡءَانَ يَقُصُّ عَلَىٰ بَنِيٓ إِسۡرَٰٓءِيلَ أَكۡثَرَ ٱلَّذِي هُمۡ فِيهِ يَخۡتَلِفُونَ 76﴾:

ثم ذكَرَ جل وعلا أن مِنْ فضل الله وإحسانه على بني إسرائيل وعلى الناس أجمعين: أن أنزَلَ هذا القرآن العظيم النَّفْع، الشريف الذِّكْر، وأن فيه بيانًا لِمَا اختلف فيه بنو إسرائيل؛ مثل اختلافِهم في المسيح وأمه عليهما السلام، واختلافِهم في عُزَيْر، واختلافهم في البعث، وهل البعثُ للأرواح والأجسام، أم للأرواح فقط.

[77] ﴿وَإِنَّهُۥ لَهُدٗى وَرَحۡمَةٞ لِّلۡمُؤۡمِنِينَ 77﴾:

ذكَرَ جل وعلا أن من صفات هذا القرآن: أنه هُدًى ونُورٌ ورحمةٌ للمؤمنين، فهم الذين يستضيئون بنوره ويهتدون به، والمؤمنون هم المصدِّقون المهتدون؛ سواءٌ كانوا من المسلمين أو من اليهود أو غيرهم؛ إذا آمنوا بك، وبما أُرْسِلْتَ به، وتركوا عبادة غير الله.

[78] ﴿إِنَّ رَبَّكَ يَقۡضِي بَيۡنَهُم بِحُكۡمِهِۦۚ وَهُوَ ٱلۡعَزِيزُ ٱلۡعَلِيمُ 78﴾:

ثم أخبَرَ سبحانه أنه سيقضي بين المختلفين، ويحكُمُ بين المتنازعين بحُكْمِهِ وقضائه العدل، وهو سبحانه العزيزُ الغالبُ الذي لا يُرَدُّ قضاؤه، العليمُ بجميع الأشياء على حقائقها.

[79] ﴿فَتَوَكَّلۡ عَلَى ٱللَّهِۖ إِنَّكَ عَلَى ٱلۡحَقِّ ٱلۡمُبِينِ 79﴾:

ثم واصل جل وعلا تسليته لنبيه محمدٍ ﷺ، وذكَّره بمهمَّته، وأنها البلاغ والإرشاد، وأن عليه الاستعانةَ بالله، والاعتمادَ عليه سبحانه؛ لأنه على الحقِّ الواضح البيِّنِ الذي لا شك فيه.

[80] ﴿إِنَّكَ لَا تُسۡمِعُ ٱلۡمَوۡتَىٰ وَلَا تُسۡمِعُ ٱلصُّمَّ ٱلدُّعَآءَ إِذَا وَلَّوۡاْ مُدۡبِرِينَ 80﴾:

ثم أخبَرَ جل وعلا نبيه ﷺ أن من هؤلاء الكفرة قومًا كالموتى الذين لا يُحِسُّونَ ولا يعقلون، وكالصُّمِّ الذين لا يسمعون؛ لأنهم أعرضوا عن الحق إعراضًا تامًّا، وأنكروا القول به والاستماع له.

[81] ﴿وَمَآ أَنتَ بِهَٰدِي ٱلۡعُمۡيِ عَن ضَلَٰلَتِهِمۡۖ إِن تُسۡمِعُ إِلَّا مَن يُؤۡمِنُ بِـَٔايَٰتِنَا فَهُم مُّسۡلِمُونَ 81﴾:

وأخبره أيضًا سبحانه أنه ﷺ لا يَقْدِرُ أن يهدي عن الضلالة من عَمِيَ قلبه عن الهدى والرشاد، ولا يمكنه أن يُسمِعَ آيات الله إلا لمن يرغب بالنجاة والسلامة من النار؛ وهم المستجيبون لما دعاهم إليه.

[82] ﴿وَإِذَا وَقَعَ ٱلۡقَوۡلُ عَلَيۡهِمۡ أَخۡرَجۡنَا لَهُمۡ دَآبَّةٗ مِّنَ ٱلۡأَرۡضِ تُكَلِّمُهُمۡ أَنَّ ٱلنَّاسَ كَانُواْ بِـَٔايَٰتِنَا لَا يُوقِنُونَ 82﴾:

ثم ذكَرَ جل وعلا علامةً من علامات الساعة الكبرى، وهي خروج الدابَّة؛ حيث أخبَرَ سبحانه أن باب التوبة إذا أُقْفِلَ، ثم طلَعَتِ الشمس من مغربها، ووجَبَ العذاب على هؤلاء الكفار؛ بسبب تماديهم في المعاصي والطغيان، وإعراضهم عن شرع الله وحكمه-: فإن الله يُخْرِجُ لهم من الأرض دابَّةً تفضح الكفار، وتخبر أن المنكرين للبعث كانوا لا يصدِّقون بالقرآن، ولا بالرسول محمد ﷺ. وفي الحديث الذي رواه مسلم في صحيحه، عن ابن عمر مرفوعًا: «إِنَّ أَوَّلَ الآيَاتِ خُرُوجًا: طُلُوعُ الشَّمْسِ مِنْ مَغْرِبِهَا، وَخُرُوجُ الدَّابَّةِ»([3]). [3] أخرجه مسلم (2941).

[83] ﴿وَيَوۡمَ نَحۡشُرُ مِن كُلِّ أُمَّةٖ فَوۡجٗا مِّمَّن يُكَذِّبُ بِـَٔايَٰتِنَا فَهُمۡ يُوزَعُونَ 83﴾:

ثم ختَمَ جل وعلا السورة بذكر بعض أهوال يوم الحَشْر والفَزَع والرُّعْب الذي يكون فيه، والتغييرِ الذي يكون في الأرض، ومن ذلك: أنه سبحانه يَجْمَعُ من كل أمَّة جماعةً ممن كانوا يكذِّبون بآيات الله وأدلته الواضحة البينة، ثم يقفون بين يدي الله صاغرين منتظمين، لا يتقدَّم منهم أحد على أحد، ثم يساقون إلى مصيرهم الذي أراده الله لهم.

[84] ﴿حَتَّىٰٓ إِذَا جَآءُو قَالَ أَكَذَّبۡتُم بِـَٔايَٰتِي وَلَمۡ تُحِيطُواْ بِهَا عِلۡمًا أَمَّاذَا كُنتُمۡ تَعۡمَلُونَ 84﴾:

ثم بيَّن سبحانه أنهم إذا حضروا في ذلك اليوم، وجيء بهم للحساب، قال الله لهم: أجَحَدتُّم بآياتي ولم تؤمنوا بها، وبادَرْتم إلى ردِّها والتكذيب بها قبل أن تتفكَّروا فيها وتتصوَّروها تصوُّرًا صحيحًا؟! فكان ذلك سبَبَ هلاككم! أم ماذا كنتم تعملون، وبأي شيء كنتم منشغلين؟!

[85] ﴿وَوَقَعَ ٱلۡقَوۡلُ عَلَيۡهِم بِمَا ظَلَمُواْ فَهُمۡ لَا يَنطِقُونَ 85﴾:

ثم بيَّن جل في علاه أن العذاب وجَبَ وحَقَّ عليهم؛ بسبب ظُلْمهم وشِرْكهم وتجاوزهم لحدِّهم؛ وليس لديهم عذرٌ يعتذرون به، ولا حُجَّةٌ يدفعون بها عن أنفسهم؛ فهم ساكتون واجمون.

[86] ﴿أَلَمۡ يَرَوۡاْ أَنَّا جَعَلۡنَا ٱلَّيۡلَ لِيَسۡكُنُواْ فِيهِ وَٱلنَّهَارَ مُبۡصِرًاۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَأٓيَٰتٖ لِّقَوۡمٖ يُؤۡمِنُونَ 86﴾:

ألم ينظُرْ هؤلاء المكذِّبون إلى آيَتَيِ الليل والنهار؛ فيتَّعظوا بها؟ ألم يشاهدوا آية الليل، وكيف جعله الله مظلمًا ساكنًا ليسكنوا فيه؟! ألم يشاهدوا آية النهار، وكيف جعله الله مضيئًا ليُبْصِروا فيه ما يَسْعَوْنَ له من طلب معاشهم الذي ليس لهم منه بد؟! إنَّ في هذه الآيات وتصريفها لعلاماتٍ واضحاتٍ بيناتٍ لمن له عقل؛ فيهتدي إلى الإيمان بالله وبوحدانيته، واستحقاقه العبادة وحده دون من سواه.

[87] ﴿وَيَوۡمَ يُنفَخُ فِي ٱلصُّورِ فَفَزِعَ مَن فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَن فِي ٱلۡأَرۡضِ إِلَّا مَن شَآءَ ٱللَّهُۚ وَكُلٌّ أَتَوۡهُ دَٰخِرِينَ 87﴾:

واذكُرْ -أيها النبي- يوم ينفخ المَلَكُ في الصُّور، فيفزع ويخاف وينزعج كلُّ من في السموات والأرض، ويموجون ويضطربون ويُصْعَقون، أي: يَهْلِكونَ من هول تلك النفخة؛ إلا من شاء الله من الخلائق ممَّن أمَّنهم اللهُ مِنْ هذا الفزع؛ نسأل الله الكريم من فضله، وكلُّ الخلائق تأتي إلى الله في ذلك اليوم في صَغَارٍ وذِلَّة.

[88] ﴿وَتَرَى ٱلۡجِبَالَ تَحۡسَبُهَا جَامِدَةٗ وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ ٱلسَّحَابِۚ صُنۡعَ ٱللَّهِ ٱلَّذِيٓ أَتۡقَنَ كُلَّ شَيۡءٍۚ إِنَّهُۥ خَبِيرُۢ بِمَا تَفۡعَلُونَ 88﴾:

وتذكَّروا -أيها الناس- ذلك اليوم العصيب، وهو يوم القيامة، يوم تَرَوْنَ الجبال، تظنونها على حالتها في الدنيا من الثبات والاستقرار، وهي في حقيقتها تسير -من خِفَّتها- كسير السحاب سيرًا حثيثًا؛ حيث صارت كالعِهْن، أي: كالقُطْنِ المنفوش، وهذا كله من صُنْعِ الله الذي أحكم وأوثق كل شيء؛ إنه سبحانه خبيرٌ بما تفعلون، وسيجمعكم في ذلك اليوم، ويجازيكم على أفعالكم؛ إنْ خيرًا فخير، وإنْ شرًّا فشرّ.

[89] ﴿مَن جَآءَ بِٱلۡحَسَنَةِ فَلَهُۥ خَيۡرٞ مِّنۡهَا وَهُم مِّن فَزَعٖ يَوۡمَئِذٍ ءَامِنُونَ 89﴾:

ذكَرَ جل وعلا الفائزين يوم القيامة، وبيَّن أنهم هم الذين جاؤوا بالتوحيد، وآمنوا بالله، وعبدوه وحده، وعملوا الأعمال الصالحة، وهؤلاء يجازيهم الله بما هو خَيْرٌ لهم من هذه الأعمال، وهو جنة عرضها كعرض السموات والأرض، وأنهم يوم الفزع الأكبر آمنون مطمئنون.

[90] ﴿وَمَن جَآءَ بِٱلسَّيِّئَةِ فَكُبَّتۡ وُجُوهُهُمۡ فِي ٱلنَّارِ هَلۡ تُجۡزَوۡنَ إِلَّا مَا كُنتُمۡ تَعۡمَلُونَ 90﴾:

ثم ذكَرَ سبحانه الخاسرين، وبيَّن أنهم هم الذين جاؤوا بالشرك والأعمال السيئة، وهؤلاء جزاؤهم أن يكُبَّهم الله على وجوههم في النار يوم القيامة، ويقال لهم على سبيل الزجر: ما حَلَّ بكم من العذاب والنكال كان بسبب إشراككم بالله وإجرامكم وأعمالكم الفاسدة.

[91] ﴿إِنَّمَآ أُمِرۡتُ أَنۡ أَعۡبُدَ رَبَّ هَٰذِهِ ٱلۡبَلۡدَةِ ٱلَّذِي حَرَّمَهَا وَلَهُۥ كُلُّ شَيۡءٖۖ وَأُمِرۡتُ أَنۡ أَكُونَ مِنَ ٱلۡمُسۡلِمِينَ 91﴾:

وقل -أيها النبي- للناس: إنما أُمِرْتُ أن أعبد ربَّ هذه البلدة، وهي مكة حرَسَها الله وحفظها، التي حرَّم الله على خلقه أن يسفكوا فيها دمًا حرامًا، أو يظلموا فيها أحدًا، وهو سبحانه ربُّ كل شيء ومليكه، وقل لهم أيضًا: وأُمِرْتُ أن أكون من المنقادين لأمره، المبادرين لطاعته.

[92] ﴿وَأَنۡ أَتۡلُوَاْ ٱلۡقُرۡءَانَۖ فَمَنِ ٱهۡتَدَىٰ فَإِنَّمَا يَهۡتَدِي لِنَفۡسِهِۦۖ وَمَن ضَلَّ فَقُلۡ إِنَّمَآ أَنَا۠ مِنَ ٱلۡمُنذِرِينَ 92﴾:

وقل لهم أيضًا: وأُمِرْتُ أن أتلو القرآن على الناس؛ فمن اهتدى إلى الحق الذي جئتُ به، فإن نفع ذلك وجزاءه يعود إليه، ومن ضلَّ عن طريق الحق، فقل له -أيها النبي-: إنما أنا نذيرٌ للمكذِّبين الضاليِّن من عذاب الله وعقابه، وليس بيدي هدايتكم أو إكراهكم على الإيمان.

[93] ﴿وَقُلِ ٱلۡحَمۡدُ لِلَّهِ سَيُرِيكُمۡ ءَايَٰتِهِۦ فَتَعۡرِفُونَهَاۚ وَمَا رَبُّكَ بِغَٰفِلٍ عَمَّا تَعۡمَلُونَ 93﴾:

ثم ختَمَ جل في علاه السورة بأمر نبيه محمدٍ ﷺ أن يقول: الحمدُ لله، أي: الثناءُ كلُّه والفضل كله لله تعالى وحده، وسوف يريكم سبحانه آياته الدالَّة على وحدانيته وقدرته؛ فتعرفون صِدْقها، وما ربك -أيها النبي- بغافل عما يعمله ويقوله الناس لك؛ فإنه لا يخفى عليه شيء من أعمالهم؛ فاستمِرَّ في دعوتك وبلِّغْ ما أُمِرْتَ به؛ فإن العاقبة لك وللمؤمنين. وكلمة: ﴿سَيُرِيكُمۡ﴾، أي: سوف يريكم، وهي تدل على أن آيات عظمة الله وقدرته وتفرُّده، سوف يستمِرُّ ظهورها في كل الأزمنة المقبلة.

سورة القصص

سورة القصص مكيَّة، وآياتها ثمان وثمانون آية.

[1] ﴿طسٓمٓ 1﴾:

سبق الكلام على الحروف المقطَّعة في أول سورة البقرة.

[2] ﴿تِلۡكَ ءَايَٰتُ ٱلۡكِتَٰبِ ٱلۡمُبِينِ 2﴾:

بدأت السورة بقوله: ﴿تِلۡكَ﴾؛ إشارةً إلى فخامة آيات هذا القرآن العظيم الذي أنزله الله على نبيه ﷺ، وإشارةً إلى أنها آيات بينات واضحات، وضَّحت أحكام الله وشرائعه، وأوامره ونواهيه، وأمور الدنيا والآخرة.

[3] ﴿نَتۡلُواْ عَلَيۡكَ مِن نَّبَإِ مُوسَىٰ وَفِرۡعَوۡنَ بِٱلۡحَقِّ لِقَوۡمٖ يُؤۡمِنُونَ 3﴾:

ثم بيَّن سبحانه أنه سوف يتلو على نبيه ﷺ شيئًا من خبر موسى وفرعون؛ وهذه التلاوة كلُّها حق وصدق لا لَبْسَ فيها ولا شك؛ وهي لقوم يصدِّقون بهذا القرآن، ويعملون بما فيه من أحكام ومواعظ؛ لأنهم هم المنتفعون بما يُتْلي عليهم، والمستزيدون به نورًا وصلاحًا واستفادة.

[4] ﴿إِنَّ فِرۡعَوۡنَ عَلَا فِي ٱلۡأَرۡضِ وَجَعَلَ أَهۡلَهَا شِيَعٗا يَسۡتَضۡعِفُ طَآئِفَةٗ مِّنۡهُمۡ يُذَبِّحُ أَبۡنَآءَهُمۡ وَيَسۡتَحۡيِۦ نِسَآءَهُمۡۚ إِنَّهُۥ كَانَ مِنَ ٱلۡمُفۡسِدِينَ 4﴾:

ثم أخبَرَ جل وعلا نبيه ﷺ أن فرعون طغى وتكبَّر في أرض مصر، وتجاوز كل الحدود في غروره وظُلْمه، وجعَلَ أهلها طوائف متفرِّقة تابعة له، ثم اختصَّ طائفة من هذه الطوائف -وهم بنو إسرائيل- بالإذلال والقهر والظلم؛ لأنهم كانوا وزراءَ وخُدَّامًا للحكام الذين مِنْ قبله، ومن صور الإذلال التي قام بها: أنه صار يذبِّحُ أطفالهم، ويستعبِدُ رجالهم ونساءهم؛ ولهذا كان فرعون من المفسدين الذين عاثوا في أرض مصر فسادًا وظلمًا، حتى وصَلَ به الأمر أن رفع نفسه فوق البشر، وحيث إنَّ كلمة الله هي العليا، وإنَّ العز والسيادة إذا لم تكن في ظل الله وحسَبَ تعليماته، فإن مصيرها للزوال؛ فكانت نهاية فرعون إلى الزوال بأن أغرقه الله في البحر هو وجنودَهُ أجمعين.

[5] ﴿وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى ٱلَّذِينَ ٱسۡتُضۡعِفُواْ فِي ٱلۡأَرۡضِ وَنَجۡعَلَهُمۡ أَئِمَّةٗ وَنَجۡعَلَهُمُ ٱلۡوَٰرِثِينَ 5﴾:

ثم أخبَرَ جل وعلا أنه أهلك فرعون الطاغية الظالم؛ ليتفضَّل سبحانه على الذين استضعفهم وأذلَّهم فرعون من بني إسرائيل؛ فيجعلهم قادةً وملوكًا في الخير، ويجعلهم الوارثين للأرض بعد هلاك هذا الطاغيةِ المجرِمِ وقومِهِ الظالمين. وهكذا تَمَّ ما أراد الله؛ فقد جعل الله فرعون نفسه وزَوْجَهُ يتولَّيان رعاية موسى وتغذيته، إلى أن بلَغَ رشده واستوى وقتل القِبْطي، ثم هرَبَ إلى مَدْيَنَ خوفًا من المطالبة بدم القِبْطي؛ حيث التقى بالرجل الصالح، الذي يقال: إن اسمه شُعَيْبٌ؛ فاتفق معه على عَقْدِ عملٍ والزواجِ من ابنته، ثم عاد إلى مصر نبيًّا ورسولًا، داعيًا فرعون وقومه إلى التوحيد؛ حتى كانت النهاية المعروفة لفرعون ومَن اتَّبعه.

[6] ﴿وَنُمَكِّنَ لَهُمۡ فِي ٱلۡأَرۡضِ وَنُرِيَ فِرۡعَوۡنَ وَهَٰمَٰنَ وَجُنُودَهُمَا مِنۡهُم مَّا كَانُواْ يَحۡذَرُونَ 6﴾:

ثم أخبَرَ جل وعلا أنه يريد أن يمكِّن لبني إسرائيل في الأرض -بعد استضعافهم فيها- ويُرِيَ فرعون ووزيره هامان، وبقية جنودهما ما كانوا يَحْذَرون ويخافون منه من زوال مُلْكِهم على يد بني إسرائيل.

[7] ﴿وَأَوۡحَيۡنَآ إِلَىٰٓ أُمِّ مُوسَىٰٓ أَنۡ أَرۡضِعِيهِۖ فَإِذَا خِفۡتِ عَلَيۡهِ فَأَلۡقِيهِ فِي ٱلۡيَمِّ وَلَا تَخَافِي وَلَا تَحۡزَنِيٓۖ إِنَّا رَآدُّوهُ إِلَيۡكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ ٱلۡمُرۡسَلِينَ 7﴾:

ثم أوحى جل وعلا إلى أم موسى وَحْيَ إلهامٍ أن تُرْضِعه، فإذا خافت عليه من فرعون وجنده، فعليها أن تُلْقِيَهُ في نِيلِ مصر بعد وَضْعه في صندوق خشبي، وأوحى إليها ألَّا تخاف عليه، ولا تحزن؛ فإنه في عناية الله وفي حفظه، وسيحفظه الله لها، وسيَرُدُّهُ إليها، وسيجعله من المرسلين.

[8] ﴿فَٱلۡتَقَطَهُۥٓ ءَالُ فِرۡعَوۡنَ لِيَكُونَ لَهُمۡ عَدُوّٗا وَحَزَنًاۗ إِنَّ فِرۡعَوۡنَ وَهَٰمَٰنَ وَجُنُودَهُمَا كَانُواْ خَٰطِـِٔينَ 8﴾:

ففعَلَتْ أم موسى ما أُمِرَتْ به، فوصل هذا الصندوق إلى الشاطئ المقابل لقصر فرعون؛ فأخذه جنوده؛ ليسلِّموه لفرعون، ولم يعلموا أن أَخْذَهم له سيكون حَزَنًا، وسببًا في هلاكهم، ثم بيَّن سبحانه أن فرعون ووزيره هامان وجنودهما -جميعًا- كانوا خاطئين آثِمِين، مشترِكِينَ في الإثم والظلم والكفر. قال المفسِّرون: اللام في قوله: ﴿لِيَكُونَ﴾، هي لام العاقبة، وهم أخذوه لغير ذلك؛ كما قالت امرأة فرعون في الآية التالية: ﴿عَسَىٰٓ أَن يَنفَعَنَآ أَوۡ نَتَّخِذَهُۥ وَلَدٗا وَهُمۡ لَا يَشۡعُرُونَ﴾؛ لأنهم إنما أخذوه ليكون قرَّة عَيْن لهم؛ فكان عاقبة ذلك أنْ كان لهم عدوًّا وحَزَنًا.

[9] ﴿وَقَالَتِ ٱمۡرَأَتُ فِرۡعَوۡنَ قُرَّتُ عَيۡنٖ لِّي وَلَكَۖ لَا تَقۡتُلُوهُ عَسَىٰٓ أَن يَنفَعَنَآ أَوۡ نَتَّخِذَهُۥ وَلَدٗا وَهُمۡ لَا يَشۡعُرُونَ 9﴾:

ولمَّا رأت امرأة فرعون هذا الطفل الموجود داخل الصندوق، رقَّت له، وأُلْقِيَ في قلبها حَنَانٌ عليه، فقالت لفرعون وجنوده: لا تقتلوا هذا الولد، وأبقُوُه لنا؛ ليكون قرَّة عينٍ لنا، ويَدخُلَ علينا السرور بسببه، ويكون من خُدَّامنا، أو نرقِّيه فنجعله من أولادنا.

ثم بيَّن سبحانه أن امرأة فرعون وجنوده قالوا ذلك وهم لا يشعرون ولا يعلمون أنَّ هلاك الطاغية فرعون وجنده سيكون على يدَيْه.

[10] ﴿وَأَصۡبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَىٰ فَٰرِغًاۖ إِن كَادَتۡ لَتُبۡدِي بِهِۦ لَوۡلَآ أَن رَّبَطۡنَا عَلَىٰ قَلۡبِهَا لِتَكُونَ مِنَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ 10﴾:

ثم أخبَرَ سبحانه أن أم موسى اشتدَّ قلقها على ابنها، وأصبح فؤادها خاليًا من كل شيء إلا من التفكير في ابنها موسى؛ حتى إنها كادت -من لهفها عليه، وشوقها إليه- أن تُظهِرَ للناس حُزْنها لولا أن ثبَّتها الله وألهمها الصبر؛ لتكون من المؤمنين بوعد الله.

[11] ﴿وَقَالَتۡ لِأُخۡتِهِۦ قُصِّيهِۖ فَبَصُرَتۡ بِهِۦ عَن جُنُبٖ وَهُمۡ لَا يَشۡعُرُونَ 11﴾:

ثم قالت أم موسى لأخته: اذهبي فقُصِّي أَثَره، وابحثي عن حاله، دون أن يشعُرَ بك أحد؛ ففعَلَتْ، فرأته عن بُعْدٍ مُسْتَرِقةً النظر إليه، وهم لا يشعرون بها، ولا يعرفون أنها أخته.

[12] ﴿وَحَرَّمۡنَا عَلَيۡهِ ٱلۡمَرَاضِعَ مِن قَبۡلُ فَقَالَتۡ هَلۡ أَدُلُّكُمۡ عَلَىٰٓ أَهۡلِ بَيۡتٖ يَكۡفُلُونَهُۥ لَكُمۡ وَهُمۡ لَهُۥ نَٰصِحُونَ 12﴾:

ثم أخبَرَ جل وعلا أن موسى امتنَعَ عن الرضاعة من أي مُرْضِعةٍ، وفي هذه الأثناء حضَرَتْ أخته ورأتهم وهم يَعْرِضون على موسى الرضاعة فيمتنع؛ فبدؤوا بالبحث عن مرضعةٍ له، فانتهَزَتْ أخته الفرصة، فقالت لهم: أَلَا أخبركم بأهل بيتٍ يتكفَّلون به وبإرضاعه، وسيحرصون عليه وينصحون له ويحفظونه؟!

[13] ﴿فَرَدَدۡنَٰهُ إِلَىٰٓ أُمِّهِۦ كَيۡ تَقَرَّ عَيۡنُهَا وَلَا تَحۡزَنَ وَلِتَعۡلَمَ أَنَّ وَعۡدَ ٱللَّهِ حَقّٞ وَلَٰكِنَّ أَكۡثَرَهُمۡ لَا يَعۡلَمُونَ 13﴾:

فما كان مِنْ فرعون وزوجته إلا أن استجابا لها؛ فدلَّتهم على بيت أم موسى؛ فرجَعَ موسى إلى أمه كما وعدها الله؛ كي تَقَرَّ عينها به، وتحنو عليه وترضعه، وكيلا تحزن على فقدِهِ وبُعْدِهِ عنها، وكي تعلم أن وعد الله حق، لا مرية فيه ولا شكّ، ولكنَّ أكثر الناس لا يعلمون بذلك؛ فكافأها الله بردِّ ابنها إليها، وزيادةً على ذلك أن تأخذ أجرًا على إرضاعه.

[14] ﴿وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُۥ وَٱسۡتَوَىٰٓ ءَاتَيۡنَٰهُ حُكۡمٗا وَعِلۡمٗاۚ وَكَذَٰلِكَ نَجۡزِي ٱلۡمُحۡسِنِينَ 14﴾:

ولمَّا شَبَّ موسى وبلغ أَشُدَّهُ من القوة والعقل، واستوى في خِلْقته، أعطاه الله الحِكْمة، وهي النبوَّة، وكذلك أعطاه العلم، ثم بيَّن سبحانه أنه يجزي المحسنين من عباده أحسن الجزاء.

[15] ﴿وَدَخَلَ ٱلۡمَدِينَةَ عَلَىٰ حِينِ غَفۡلَةٖ مِّنۡ أَهۡلِهَا فَوَجَدَ فِيهَا رَجُلَيۡنِ يَقۡتَتِلَانِ هَٰذَا مِن شِيعَتِهِۦ وَهَٰذَا مِنۡ عَدُوِّهِۦۖ فَٱسۡتَغَٰثَهُ ٱلَّذِي مِن شِيعَتِهِۦ عَلَى ٱلَّذِي مِنۡ عَدُوِّهِۦ فَوَكَزَهُۥ مُوسَىٰ فَقَضَىٰ عَلَيۡهِۖ قَالَ هَٰذَا مِنۡ عَمَلِ ٱلشَّيۡطَٰنِۖ إِنَّهُۥ عَدُوّٞ مُّضِلّٞ مُّبِينٞ 15﴾:

ثم دخَلَ موسى المَدْيَنَةَ في وقتٍ تقلُّ فيه حركة التنقُّل، فوجد فيها رجلين يقتتلان ويتخاصمان ويتضاربان، أحدهما من بني إسرائيل من قوم موسى، والآخر من قوم فرعون؛ فاستنجَدَ الذي من بني إسرائيل بموسى، وطلب منه نُصْرته على الذي من قوم فرعون؛ فاستجاب له موسى، فضرَبَهُ موسى دافعًا إياه، فمات الرجل من هذه الدَّفْعة، ولم يكن موسى يَقصِدُ قتله، فندم على ذلك أشدَّ الندم، وقال: هذا من تزيين الشيطان ووسوسته وتهييجه؛ إنَّ الشيطان عدوٌّ ظاهر العداوة لبني آدم، مضلٌّ عن الحق والرشاد، بَيِّنُ العداوة ظاهر الإضلال.

[16] ﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي ظَلَمۡتُ نَفۡسِي فَٱغۡفِرۡ لِي فَغَفَرَ لَهُۥٓۚ إِنَّهُۥ هُوَ ٱلۡغَفُورُ ٱلرَّحِيمُ 16﴾:

ثم التجأ موسى عليه السلام إلى ربه في الحال قائلًا: يا رب، إني ظلَمْتُ نفسي، وأخطأتُ بقتلي هذا الرجل الذي لم أُرِدْ قتله، فاغفِرْ لي، فاستجاب الله له، فغفر له، وعفا عنه؛ إن الله كثيرُ المغفرة لِمَن طلب منه المغفرة، وهو سبحانه الرحيمُ بعباده الصادقين بالتوبة والإنابة إليه.

[17] ﴿قَالَ رَبِّ بِمَآ أَنۡعَمۡتَ عَلَيَّ فَلَنۡ أَكُونَ ظَهِيرٗا لِّلۡمُجۡرِمِينَ 17﴾:

ثم قال موسى عليه السلام: ربِّ، كما أنعَمْتَ عليَّ بقوَّة الجسم، وقَبِلْتَ توبتي، وغفَرْتَ ذنبي؛ فلن أكون معينًا لأحدٍ من المجرمين على إجرامه وإفساده؛ قال ذلك إتمامًا لتوبته.

[18] ﴿فَأَصۡبَحَ فِي ٱلۡمَدِينَةِ خَآئِفٗا يَتَرَقَّبُ فَإِذَا ٱلَّذِي ٱسۡتَنصَرَهُۥ بِٱلۡأَمۡسِ يَسۡتَصۡرِخُهُۥۚ قَالَ لَهُۥ مُوسَىٰٓ إِنَّكَ لَغَوِيّٞ مُّبِينٞ 18﴾:

وأصبح موسى عليه السلام في المَدْيَنَة خائفًا مما فعَلَ، يترقب ما الذي سيحدث له، وبينما هو كذلك إذا بالذي طلب نَجْدته بالأمس ينادي عليه مستغيثًا به مِنْ ظلم رجل آخر من قوم فرعون، فلمّا اقترب منه موسى عليه السلام، قال له موبِّخًا إياه: إنَّك لظاهرُ الغَوَاية، بيِّنُ الضلال، كثير المشاكسة.

[19] ﴿فَلَمَّآ أَنۡ أَرَادَ أَن يَبۡطِشَ بِٱلَّذِي هُوَ عَدُوّٞ لَّهُمَا قَالَ يَٰمُوسَىٰٓ أَتُرِيدُ أَن تَقۡتُلَنِي كَمَا قَتَلۡتَ نَفۡسَۢا بِٱلۡأَمۡسِۖ إِن تُرِيدُ إِلَّآ أَن تَكُونَ جَبَّارٗا فِي ٱلۡأَرۡضِ وَمَا تُرِيدُ أَن تَكُونَ مِنَ ٱلۡمُصۡلِحِينَ 19﴾:

فلما اقترب موسى يريد نَجْدة الرجل الذي من قومه، قال له الذي هو من قوم موسى: أتريد أن تقتُلَني -يا موسى- كما قتلت رجلًا بالأمس، قال ذلك ظنًّا منه أن موسى سوف يقتله؛ لأنه قال له: ﴿إِنَّكَ لَغَوِيّٞ مُّبِينٞ﴾؛ ثم قال له: وإنك -يا موسى- تريد أن تكون جبَّارًا في الأرض، تفعل ما تشاء، وتقتل من تشاء، وما تريد -يا موسى- أن تكون من المصلحين بين الناس؛ فشاع الخبر، وعُرِفَ قاتلُ الذي من قوم فرعون، فتآمروا على قتل موسى.

[20] ﴿وَجَآءَ رَجُلٞ مِّنۡ أَقۡصَا ٱلۡمَدِينَةِ يَسۡعَىٰ قَالَ يَٰمُوسَىٰٓ إِنَّ ٱلۡمَلَأَ يَأۡتَمِرُونَ بِكَ لِيَقۡتُلُوكَ فَٱخۡرُجۡ إِنِّي لَكَ مِنَ ٱلنَّٰصِحِينَ 20﴾:

وجاء رجل ناصحٌ مشفقٌ من أقصى المَدْيَنَة يسعى سعيًا شديدًا حتى لَحِقَ بموسى عليه السلام، فقال له: إن أشراف القوم ورؤوسهم يتآمرون عليك لقتلك، ويتكلَّمون في شأنك، فاخرُجْ من هذه المَدْيَنَة؛ إني لك من الناصحين، وعليك من المشفقين.

[21] ﴿فَخَرَجَ مِنۡهَا خَآئِفٗا يَتَرَقَّبُۖ قَالَ رَبِّ نَجِّنِي مِنَ ٱلۡقَوۡمِ ٱلظَّٰلِمِينَ 21﴾:

فامتثَلَ موسى عليه السلام نُصْحَ الرجل، وخرج من المَدْيَنَة خائفًا من أن يدركوه فيقتلوه، مترقِّبًا طلبهم إياه ولحوقهم به، فدعا الله جل في علاه، وهو في هذه الحالة قائلًا: ربِّ نجِّني وأنقذني من القوم الظالمين المتجاوزين حدودهم.

[22] ﴿وَلَمَّا تَوَجَّهَ تِلۡقَآءَ مَدۡيَنَ قَالَ عَسَىٰ رَبِّيٓ أَن يَهۡدِيَنِي سَوَآءَ ٱلسَّبِيلِ 22﴾:

ولما توجَّه موسى عليه السلام إلى بلاد مَدْيَنَ -جنوبيَّ فلسطين- قال داعيًا ربه: يا ربِّ، اهدني إلى أفضل الطرق إلى مَدْيَنَ وأيسرها، فاستجاب الله دعاءه، فوصَلَ إلى مَدْيَنَ سالمًا.

[23] ﴿وَلَمَّا وَرَدَ مَآءَ مَدۡيَنَ وَجَدَ عَلَيۡهِ أُمَّةٗ مِّنَ ٱلنَّاسِ يَسۡقُونَ وَوَجَدَ مِن دُونِهِمُ ٱمۡرَأَتَيۡنِ تَذُودَانِۖ قَالَ مَا خَطۡبُكُمَاۖ قَالَتَا لَا نَسۡقِي حَتَّىٰ يُصۡدِرَ ٱلرِّعَآءُۖ وَأَبُونَا شَيۡخٞ كَبِيرٞ 23﴾:

ولما وصل موسى عليه السلام إلى ديار مدين، وجد عند مائها جماعةً كبيرةً من الناس يسقون مواشيهم، ووجد خلفهم: امرأتَيْنِ تذودان غنمهما وتَحْبِسانها عن الناس؛ لضعف حالهما وعجزهما عن مزاحمة الرجال؛ فرَقَّ لحالهما.

ثم سألهما: ما شأنكما؟! فقالتا: لا نَرْغَبُ في مزاحمة الرجال، ولا نستطيع أن نسقي حتى يسقي الناس ويخلُوَ لنا المكان، وأبونا شيخٌ كبيرٌ لا قوَّةَ له على السقي.

[24] ﴿فَسَقَىٰ لَهُمَا ثُمَّ تَوَلَّىٰٓ إِلَى ٱلظِّلِّ فَقَالَ رَبِّ إِنِّي لِمَآ أَنزَلۡتَ إِلَيَّ مِنۡ خَيۡرٖ فَقِيرٞ 24﴾:

فسقى موسى عليه السلام لهما، ثم انصرَفَ إلى ظلِّ شجرة يستظل بها، ثم قال داعيًا ومناجيًا ربَّه، وطالبًا منه الرزق: ربِّ، إني مفتقرٌ للخير الذي تُنْزِله عليَّ أيًّا كان ذلك الخير، وإني ألتمس الأجر والثواب منك.

[25] ﴿فَجَآءَتۡهُ إِحۡدَىٰهُمَا تَمۡشِي عَلَى ٱسۡتِحۡيَآءٖ قَالَتۡ إِنَّ أَبِي يَدۡعُوكَ لِيَجۡزِيَكَ أَجۡرَ مَا سَقَيۡتَ لَنَاۚ فَلَمَّا جَآءَهُۥ وَقَصَّ عَلَيۡهِ ٱلۡقَصَصَ قَالَ لَا تَخَفۡۖ نَجَوۡتَ مِنَ ٱلۡقَوۡمِ ٱلظَّٰلِمِينَ 25﴾:

فرجَعَتِ المرأتان إلى أبيهما، وقصَّتا عليه خبر الذي سقى لهما، فأمَرَ إحداهما أن تذهب وتدعوه إليه، فوصَلَتْ إليه، وقالت له في استحياء: إن أبي يدعوك ليكافئك على إحسانك لسَقْيِكَ لنا، فلما حضر موسى عند أبيهما، قصَّ عليه قِصَّته، فقال له بعد أن انتهى: لا تَخَفْ -يا موسى- وليطمئنَّ قلبك؛ فإن الله نجَّاك من القوم الظالمين المتجاوزين حدودهم؛ فإنهم ليس لهم سلطانٌ على هذا البلد الذي وصَلْتَ إليه.

[26] ﴿قَالَتۡ إِحۡدَىٰهُمَا يَٰٓأَبَتِ ٱسۡتَـٔۡجِرۡهُۖ إِنَّ خَيۡرَ مَنِ ٱسۡتَـٔۡجَرۡتَ ٱلۡقَوِيُّ ٱلۡأَمِينُ 26﴾:

ثم قالت إحدى المرأتين لأبيها: يا أبتِ، استأجِرْ موسى؛ لكي يرعى ويسقي لنا غنمنا؛ فإنه نِعْمَ الأجير الذي يملك صفتَيِ القوَّة والأمانة.

[27] ﴿قَالَ إِنِّيٓ أُرِيدُ أَنۡ أُنكِحَكَ إِحۡدَى ٱبۡنَتَيَّ هَٰتَيۡنِ عَلَىٰٓ أَن تَأۡجُرَنِي ثَمَٰنِيَ حِجَجٖۖ فَإِنۡ أَتۡمَمۡتَ عَشۡرٗا فَمِنۡ عِندِكَۖ وَمَآ أُرِيدُ أَنۡ أَشُقَّ عَلَيۡكَۚ سَتَجِدُنِيٓ إِن شَآءَ ٱللَّهُ مِنَ ٱلصَّٰلِحِينَ 27﴾:

ثم قال صاحب مَدْيَنَ لموسى عليه السلام: إني أريد أن أزوِّجك إحدى هاتَيْنِ البنتين، ويكون مَهْرُها: أن تكون أجيرًا عندي، ترعى ماشيتي ثماني سنين، وإن زِدتَّ المدة لعشر سنين، فهذا إحسانٌ منك إليَّ، وما أريد أن أشُقَّ عليك، فألزمك بالعشر السنين، وستجدني -يا موسى- إن شاء الله من الصالحين الذين يُوفُونَ بعهدهم.

[28] ﴿قَالَ ذَٰلِكَ بَيۡنِي وَبَيۡنَكَۖ أَيَّمَا ٱلۡأَجَلَيۡنِ قَضَيۡتُ فَلَا عُدۡوَٰنَ عَلَيَّۖ وَٱللَّهُ عَلَىٰ مَا نَقُولُ وَكِيلٞ 28﴾:

فأجابه موسى عليه السلام قائلًا: لقد وافَقْتُ على هذا العقد الذي ذكرته، والتزَمْتُ به، فأي المدتَيْنِ أتممتُ، فقد وفَّيتُ بالعقد، واللهُ على ما اتفقنا عليه من هذا العقد شهيدٌ وحافظٌ ومطَّلِعٌ علينا.

[29] ﴿فَلَمَّا قَضَىٰ مُوسَى ٱلۡأَجَلَ وَسَارَ بِأَهۡلِهِۦٓ ءَانَسَ مِن جَانِبِ ٱلطُّورِ نَارٗاۖ قَالَ لِأَهۡلِهِ ٱمۡكُثُوٓاْ إِنِّيٓ ءَانَسۡتُ نَارٗا لَّعَلِّيٓ ءَاتِيكُم مِّنۡهَا بِخَبَرٍ أَوۡ جَذۡوَةٖ مِّنَ ٱلنَّارِ لَعَلَّكُمۡ تَصۡطَلُونَ 29﴾:

ولما أتمَّ موسى عليه السلام مدة عقد الخدمة، وسار بزوجه متجهًا إلى مصر، رأى نورًا صادرًا من جانب الطُّور، فظن أنه صادر من نار؛ فطلب من زوجه الانتظار؛ لأنه رأى نارًا، فيريد أن يذهب إليها، لعله أن يأتي منها بخبر يفيدهم في رحلتهم؛ فيوضِّح لهم الطريق إلى مصر، أو يجلب لهم قطعة من النار يستدفئون بها؛ حيث كان الجو باردًا. وقوله: ﴿لَّعَلِّيٓ ءَاتِيكُم مِّنۡهَا﴾، يفيد أنه ضل الطريق، أو أنه كان شاكًّا في الطريق، فأراد التأكد من الطريق الصحيح.

[30] ﴿فَلَمَّآ أَتَىٰهَا نُودِيَ مِن شَٰطِيِٕ ٱلۡوَادِ ٱلۡأَيۡمَنِ فِي ٱلۡبُقۡعَةِ ٱلۡمُبَٰرَكَةِ مِنَ ٱلشَّجَرَةِ أَن يَٰمُوسَىٰٓ إِنِّيٓ أَنَا ٱللَّهُ رَبُّ ٱلۡعَٰلَمِينَ 30﴾:

فلما أتى موسى عليه السلام النُّورَ الذي خلقه الله، وظنَّه نارًا، حصَلَتِ المفاجأة الكبرى التي حصل بها الدفء والهدى له ولأهله ولأمته؛ حيث ناداه الله من جانب الوادي الأيمن لموسى في البُقْعة المباركة من جانب الشجرة، فقال له: يا موسى، تنبَّه أن الذي يخاطبك هو الله ربُّك، ورب الناس أجمعين.

[31] ﴿وَأَنۡ أَلۡقِ عَصَاكَۚ فَلَمَّا رَءَاهَا تَهۡتَزُّ كَأَنَّهَا جَآنّٞ وَلَّىٰ مُدۡبِرٗا وَلَمۡ يُعَقِّبۡۚ يَٰمُوسَىٰٓ أَقۡبِلۡ وَلَا تَخَفۡۖ إِنَّكَ مِنَ ٱلۡأٓمِنِينَ 31﴾:

ثم طلَبَ منه جل وعلا أن يُلْقي عصاه؛ ليُجْرِيَ له التجرِبَة على المعجزة التي سوف يَعْرِضها على فرعون وقومه وبني إسرائيل إثباتًا لنبوَّته، وأنه رسول الله، فلما رأى العصا تحوَّلت إلى حية تسعى، ورآها تضطرب كأنها جانٌّ، ولَّى هاربًا منها، ولم يلتفت، فناداه ربه، وأمره أن يثبت ولا يخاف لأنه محفوظٌ من قِبَلِ الله، وأنه من الآمنين منها ومن غيرها.

[32] ﴿ٱسۡلُكۡ يَدَكَ فِي جَيۡبِكَ تَخۡرُجۡ بَيۡضَآءَ مِنۡ غَيۡرِ سُوٓءٖ وَٱضۡمُمۡ إِلَيۡكَ جَنَاحَكَ مِنَ ٱلرَّهۡبِۖ فَذَٰنِكَ بُرۡهَٰنَانِ مِن رَّبِّكَ إِلَىٰ فِرۡعَوۡنَ وَمَلَإِيْهِۦٓۚ إِنَّهُمۡ كَانُواْ قَوۡمٗا فَٰسِقِينَ 32﴾:

ثم أمره جل وعلا أن يُدخِلَ يده في جيبه -أي: في فتحةِ قميصِهِ من عند الصدر- فإنها ستخرُجُ بيضاء ناصعة البياض من غير مرض؛ كالبَرَصِ ونحوه، وإذا خِفْتَ -يا موسى- فاضمم عَضُدك إلى جنبك؛ يَزُلْ ما بك من خوف ورهبةٍ، وتسكُنْ نفسك وتطمئنّ؛ حيث ترجع يدك كما كانت؛ فهاتان -أي: آية العصا، واليد البيضاء-: حجَّتان قاطعتان، ودليلان ظاهران، ومعجزتان خارقتان تدُلَّان على نبوَّتك ورسالتك، أعطيناكهما برهانَيْنِ على صدقك؛ لتدعو بهما فرعون وأشراف قومه للإيمان بالله، واتِّباع أمرك؛ لأنهم كانوا قومًا كافرين خارجين عن طاعة الله، والإيمان به.

[33] ﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي قَتَلۡتُ مِنۡهُمۡ نَفۡسٗا فَأَخَافُ أَن يَقۡتُلُونِ 33﴾:

فتحمَّل موسى عليه السلام الرسالة، ثم عرَضَ على الله مشكلته، فقال: يا رب، إني كنتُ قد قتَلْتُ منهم نفسًا خطأً، فأخاف إن ذهبتُ إليهم أن يقتصُّوا مني، وأن يقتلوني.

[34] ﴿وَأَخِي هَٰرُونُ هُوَ أَفۡصَحُ مِنِّي لِسَانٗا فَأَرۡسِلۡهُ مَعِيَ رِدۡءٗا يُصَدِّقُنِيٓۖ إِنِّيٓ أَخَافُ أَن يُكَذِّبُونِ 34﴾:

ثم قال: ويا رب، هذا أخي هارون أفصَحُ مني لسانًا، وأبينُ مني كلامًا؛ فأرسِلْهُ معي معينًا لي يساعدني ويصدِّقني؛ إني أخاف أن يكذِّبوني.

[35] ﴿قَالَ سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ وَنَجۡعَلُ لَكُمَا سُلۡطَٰنٗا فَلَا يَصِلُونَ إِلَيۡكُمَا بِـَٔايَٰتِنَآۚ أَنتُمَا وَمَنِ ٱتَّبَعَكُمَا ٱلۡغَٰلِبُونَ 35﴾:

فاستجاب جل وعلا لطلبه، وقال له: سنقوِّيك -يا موسى- أنت وأخاك الذي منحناه النبوَّة حسب طلبك، وسوف نجعل لكما عزَّةً ومنعةً، وهيبةً في قلوب الأعداء، ومحبةً في قلوب الأولياء؛ فلا يصلون إليكما بسجن أو بعذاب، وستكون لكم الغَلَبةُ والنصر بإذن الله؛ بسبب آياتنا وما دلَّت عليه من الحق، وفي هذا بشارةٌ وتثبيتٌ لهما.

[36] ﴿فَلَمَّا جَآءَهُم مُّوسَىٰ بِـَٔايَٰتِنَا بَيِّنَٰتٖ قَالُواْ مَا هَٰذَآ إِلَّا سِحۡرٞ مُّفۡتَرٗى وَمَا سَمِعۡنَا بِهَٰذَا فِيٓ ءَابَآئِنَا ٱلۡأَوَّلِينَ 36﴾:

فلما أتى موسى ومعه أخوه هارون، إلى فرعون وملئه، وعرض عليهم الرسالة، والآيتَيْنِ العصا واليد اللتَيْنِ تدُلَّانِ على صدق موسى، فغلبت عليهم الشقاوة والكبرياء؛ مع أنَّ فرعون ومَلأَهُ عرفوا أنها حق في قرارة أنفسهم؛ كما قال تعالى: ﴿وَجَحَدُواْ بِهَا وَٱسۡتَيۡقَنَتۡهَآ أَنفُسُهُمۡ ظُلۡمٗا وَعُلُوّٗاۚ ﴾ [النمل:14]، وبعد أن رأَوْا هذه الآيات، قالوا لموسى على سبيل العناد: ما هذا الذي جئتَ به -يا موسى- إلا سحرٌ افتريته كذبًا وباطلًا، ولم نسمع مثل دعواك الرسالة عن آبائنا الأوَّلين.

[37] ﴿وَقَالَ مُوسَىٰ رَبِّيٓ أَعۡلَمُ بِمَن جَآءَ بِٱلۡهُدَىٰ مِنۡ عِندِهِۦ وَمَن تَكُونُ لَهُۥ عَٰقِبَةُ ٱلدَّارِۚ إِنَّهُۥ لَا يُفۡلِحُ ٱلظَّٰلِمُونَ 37﴾:

ثم إن موسى عليه السلام قال لفرعون: اعلم -يا فرعون- أن ربي أعلَمُ بمن جاء بالهدى والحق، وأعلم بمن تكون له النهاية الحسنة والعاقبة المحمودة في الدار الدنيا والآخرة، وقد اقتضَتْ سُنَّةُ الله جل وعلا بأن الظالمين لن يفوزوا بمطلوبهم.

[38] ﴿وَقَالَ فِرۡعَوۡنُ يَٰٓأَيُّهَا ٱلۡمَلَأُ مَا عَلِمۡتُ لَكُم مِّنۡ إِلَٰهٍ غَيۡرِي فَأَوۡقِدۡ لِي يَٰهَٰمَٰنُ عَلَى ٱلطِّينِ فَٱجۡعَل لِّي صَرۡحٗا لَّعَلِّيٓ أَطَّلِعُ إِلَىٰٓ إِلَٰهِ مُوسَىٰ وَإِنِّي لَأَظُنُّهُۥ مِنَ ٱلۡكَٰذِبِينَ 38﴾:

ثم إن فرعون أخذته العزة بالإثم، واستَوْلَتْ عليه الشقاوة، فقال مستخِفًّا بقومه: ياأيها الملأ، ما علمتُ لكم من إله يستحق العبادة غيري؛ فاجعل لي -يا وزيري هامان- لَبِنًا من فخَّار، وابنِ لي بناءً عاليًا؛ لعلي أصل إلى السماء، فأنظر بعيني إلى إله موسى الذي يدعو الناس إلى عبادته، وإني لمتيقِّنٌ بأنَّ موسى من الكاذبين الذين يكذبون في أقوالهم.

[39] ﴿وَٱسۡتَكۡبَرَ هُوَ وَجُنُودُهُۥ فِي ٱلۡأَرۡضِ بِغَيۡرِ ٱلۡحَقِّ وَظَنُّوٓاْ أَنَّهُمۡ إِلَيۡنَا لَا يُرۡجَعُونَ 39﴾:

فاستكبَرَ فرعون هو وجنوده في أرض مصر بغير الحق، واعتقدوا أنهم بعد موتهم لن يبعثوا، وليس عليهم يوم القيامة حساب أو عقاب.

[40] ﴿فَأَخَذۡنَٰهُ وَجُنُودَهُۥ فَنَبَذۡنَٰهُمۡ فِي ٱلۡيَمِّۖ فَٱنظُرۡ كَيۡفَ كَانَ عَٰقِبَةُ ٱلظَّٰلِمِينَ 40﴾:

ثم أخبَرَ جل وعلا أنه أخذ فرعون وجنوده بالعقاب الأليم؛ حيث ألقاهم جميعًا في البحر، ثم انطبق البحر عليه وعلى قوَّاته وجنوده ومَلَئِهِ، فكانوا من المغرقين، فانظر -أيها النبي- نظر تدبُّر واعتبار، كيف كانت نهاية هؤلاء الذين ظلموا أنفسهم، فكفروا بربهم؟! فالحمد الله الذي ينتقم من الطغاة في الدنيا، ويُعِدُّ لهم العذاب الأليم في الآخرة.

[41] ﴿وَجَعَلۡنَٰهُمۡ أَئِمَّةٗ يَدۡعُونَ إِلَى ٱلنَّارِۖ وَيَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ لَا يُنصَرُونَ 41﴾:

وجعَلَ جل وعلا فرعون وقومه من أئمة الخِزْيِ الذين يَدْعون إلى نار جهنم، ويوم القيامة لا يجدون من ينصُرُهم، ولا من ينجِّيهم من عذاب الله الشديد.

[42] ﴿وَأَتۡبَعۡنَٰهُمۡ فِي هَٰذِهِ ٱلدُّنۡيَا لَعۡنَةٗۖ وَيَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ هُم مِّنَ ٱلۡمَقۡبُوحِينَ 42﴾:

ثم أخبَرَ جل وعلا أنه أَلْحَقَ فرعون وقومه في هذه الحياة الدنيا لَعْنةً تلازمهم، وذِلَّةً تلحق بهم، وأما يوم القيامة، فهم مِنَ المبعدين من رحمة الله، ومِنْ أشد الناس عذابًا.

[43] ﴿وَلَقَدۡ ءَاتَيۡنَا مُوسَى ٱلۡكِتَٰبَ مِنۢ بَعۡدِ مَآ أَهۡلَكۡنَا ٱلۡقُرُونَ ٱلۡأُولَىٰ بَصَآئِرَ لِلنَّاسِ وَهُدٗى وَرَحۡمَةٗ لَّعَلَّهُمۡ يَتَذَكَّرُونَ 43﴾:

ثم أخبَرَ جل وعلا أنه أنزل التوراة على موسى، بعد إهلاك فرعون ومن معه، وإهلاك أمم قبله قد استعصَتْ على رسل الله؛ مثل قوم نوح وهود وصالح، ثم بيَّن سبحانه أن هذه التوراة التي أنزلها على موسى عليه السلام، فيها بصائرُ لبني إسرائيل؛ تنير القلوب التي تطلُبُ الحق وتتَّبعه، وفيها الهداية والنور لهم، وفيها الرحمة لمن عمل بها منهم، ولعلهم يتذكَّرون نعم الله عليهم؛ فيكونوا من الشاكرين.

[44] ﴿وَمَا كُنتَ بِجَانِبِ ٱلۡغَرۡبِيِّ إِذۡ قَضَيۡنَآ إِلَىٰ مُوسَى ٱلۡأَمۡرَ وَمَا كُنتَ مِنَ ٱلشَّٰهِدِينَ 44﴾:

ثم قال جل وعلا لنبيه محمدٍ ﷺ: وما كنتَ موجودًا عند جبل الطور في الجانب الغربيِّ من موسى، عندما كلَّم اللهُ موسى عليه السلام، وكلَّفه بالأوامر والنواهي، وما شَهِدتَّ ذلك حتى تقُصَّهُ على قومك، ولكنه من علم الغيب الذي أخبرناك به.

[45] ﴿وَلَٰكِنَّآ أَنشَأۡنَا قُرُونٗا فَتَطَاوَلَ عَلَيۡهِمُ ٱلۡعُمُرُۚ وَمَا كُنتَ ثَاوِيٗا فِيٓ أَهۡلِ مَدۡيَنَ تَتۡلُواْ عَلَيۡهِمۡ ءَايَٰتِنَا وَلَٰكِنَّا كُنَّا مُرۡسِلِينَ 45﴾:

واعلم -أيها النبي- أن الله أنشأ من بعد موسى أممًا فطالت بهم الحياة وامتدَّت؛ فنَسُوا العهود، واندرست الشرائع، وانقطع الوحي؛ فجاء الله بك وجعلك رسولًا، وأوحى إليك خبر موسى وغيره، مع أنك لم تكن مقيمًا في أهل مَدْيَنَ تقرأ عليهم كتاب الله؛ فتَعْرِفَ قصتهم، وتُخْبِرَ بها، ولكنك رسول يوحى إليك نبأ الرسل من قبلك؛ ليثبِّت الله به فؤادك، وتكون شهادةً على رسالتك، وعِبْرةً للمعتبرين.

[46] ﴿وَمَا كُنتَ بِجَانِبِ ٱلطُّورِ إِذۡ نَادَيۡنَا وَلَٰكِن رَّحۡمَةٗ مِّن رَّبِّكَ لِتُنذِرَ قَوۡمٗا مَّآ أَتَىٰهُم مِّن نَّذِيرٖ مِّن قَبۡلِكَ لَعَلَّهُمۡ يَتَذَكَّرُونَ 46﴾:

ثم بيَّن سبحانه لنبيه ﷺ أنه ما كان قريبًا من جبل الطور حين نادى الله موسى عليه السلام وكلَّمه، وأنه ما شاهد بنفسه تفاصيل ما قصَّ الله عليه من قصَّته، ولكنَّ الله أخبره بذلك وأعلمه به، وأرسله إلى قومه رحمةً منه سبحانه؛ لينذرهم ويذكِّرهم؛ فإنهم ما جاءهم من نذير من قبله، ولعلَّهم يتذكَّرون ويتَّعظون بإنذاره.

[47] ﴿وَلَوۡلَآ أَن تُصِيبَهُم مُّصِيبَةُۢ بِمَا قَدَّمَتۡ أَيۡدِيهِمۡ فَيَقُولُواْ رَبَّنَا لَوۡلَآ أَرۡسَلۡتَ إِلَيۡنَا رَسُولٗا فَنَتَّبِعَ ءَايَٰتِكَ وَنَكُونَ مِنَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ 47﴾:

ثم قال جل وعلا عن مشركي العرب وقريش: لو حلَّت بهم مصيبة من العذاب عقوبةً لهم؛ بسبب ما اقترفوه من الشرك والكفر والعناد، فسوف يقولون: يا ربنا، هلَّا أرسَلْتَ إلينا رسولًا من قبلُ؛ فنتَّبِعَ آياتك الدالة على صدق رسولك، ونكونَ من المؤمنين به وبما جاء به.

[48] ﴿فَلَمَّا جَآءَهُمُ ٱلۡحَقُّ مِنۡ عِندِنَا قَالُواْ لَوۡلَآ أُوتِيَ مِثۡلَ مَآ أُوتِيَ مُوسَىٰٓۚ أَوَلَمۡ يَكۡفُرُواْ بِمَآ أُوتِيَ مُوسَىٰ مِن قَبۡلُۖ قَالُواْ سِحۡرَانِ تَظَٰهَرَا وَقَالُوٓاْ إِنَّا بِكُلّٖ كَٰفِرُونَ 48﴾:

ولكنْ لما جاءهم الرسول ﷺ بالحق من عند الله جل وعلا، افتعلوا التعجيز، وقالوا على سبيل التعنت: هلَّا أوتي محمَّدٌ مثل ما أوتي موسى من معجزات حسِّية، وكتابٍ نُزِّلَ عليه جملة واحدة! فقل -أيها النبي- لهؤلاء المشركين: وهل آيات موسى جعَلَتْكم تؤمنون بموسى، أو جعَلَتْ فرعون وقومه يؤمنون به؟! ألم يكفروا بما أوتي به موسى؟!

ثم قال المشركون: إن القرآن والتوراة اللذين جاء بهما محمَّد وموسى سِحْران تعاونا على إضلالنا، ثم قالوا: فنحن بكل ما جاء به محمد وموسى كافرون؛ فهم يحاجُّون نبي الله بشيء هم لا يؤمنون به؛ وهذا يثبت أنهم لا يريدون الحق.

[49] ﴿قُلۡ فَأۡتُواْ بِكِتَٰبٖ مِّنۡ عِندِ ٱللَّهِ هُوَ أَهۡدَىٰ مِنۡهُمَآ أَتَّبِعۡهُ إِن كُنتُمۡ صَٰدِقِينَ 49﴾:

ثم أمَرَ جل وعلا نبيه محمدًا ﷺ أن يطلُبَ من قومه أن يأتوا بكتاب أهدى وأفضَلَ وأوضَحَ من هذا القرآن العظيم، وأفضلَ من التوراة، ووَعَدهم أن يؤمن به ويتَّبعه معهم؛ إن كانوا صادقين في زعمهم، ولكنْ هيهات. والمقصودُ: إفحامهم وإقناعهم.

[50] ﴿فَإِن لَّمۡ يَسۡتَجِيبُواْ لَكَ فَٱعۡلَمۡ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهۡوَآءَهُمۡۚ وَمَنۡ أَضَلُّ مِمَّنِ ٱتَّبَعَ هَوَىٰهُ بِغَيۡرِ هُدٗى مِّنَ ٱللَّهِۚ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يَهۡدِي ٱلۡقَوۡمَ ٱلظَّٰلِمِينَ 50﴾:

فإنْ لم يستجيبوا لطلبك -أيها النبي- بأن يأتوا بكتاب أهدى وأفضل من القرآن؛ فاعلم -أيها النبي- أنهم إنما يتَّبعون أهواءهم، ولا أحد أشدُّ وأعظَمُ ضلالًا ممن يتَّبع هواه ويسير خلفه بغير هداية من الله؛ إن الله لا يُرشِدُ ولا يهدي ولا يوفِّقُ القوم الظالمين المجاوزين حدودَهم، المتَّبعين أهواءهم.

وهذه الآية تدل على أن من يتَّبعْ هواه، لا يُذَمَّ إذا كان هواه لا يخالف هُدَى الله جل وعلا.

[51] ﴿وَلَقَدۡ وَصَّلۡنَا لَهُمُ ٱلۡقَوۡلَ لَعَلَّهُمۡ يَتَذَكَّرُونَ 51﴾:

ثم أكد جل وعلاوأثبت أنه أنزَلَ آيات هذا القرآن متتابِعةً بعضها يتبع بعضًا، وبيَّن فيها ما جرى على الأمم الماضية، ثم إن النبي ﷺ أوصله إلى قومه وتلاه عليهم؛ لعلهم يتذكَّرون؛ فيتدبروه ويعتبروا به.

[52] ﴿ٱلَّذِينَ ءَاتَيۡنَٰهُمُ ٱلۡكِتَٰبَ مِن قَبۡلِهِۦ هُم بِهِۦ يُؤۡمِنُونَ 52﴾:

ثم بيَّن سبحانه أن الذين آتاهم الله الكتاب، أي: التوراة والإنجيل-وهم اليهود والنصارى- من قبلِ نزول القرآن على محمد ﷺ، ولم يبدِّلوا أو يحرِّفوا، وكانوا منصفين خائفين من مَقْتِ الله؛ فإنهم يؤمنون بهذا القرآن ويؤمنون بمحمد ﷺ حسَبَ ما هو مذكور عندهم.

[53] ﴿وَإِذَا يُتۡلَىٰ عَلَيۡهِمۡ قَالُوٓاْ ءَامَنَّا بِهِۦٓ إِنَّهُ ٱلۡحَقُّ مِن رَّبِّنَآ إِنَّا كُنَّا مِن قَبۡلِهِۦ مُسۡلِمِينَ 53﴾:

ثم أخبَرَ جل وعلا أن هذا القرآن إذا تُلِيَ على أولئك المنصفين الذين آتاهم الكتاب، أي: التوراة والإنجيل، وهم اليهود والنصارى، قالوا: صدَّقنا به، واتَّبعناه وعملنا بما فيه من الأوامر والنواهي؛ إنه الحق من عند ربنا؛ إنا كنَّا قبل نزوله مستسلمين لله بالتوحيد، منقادين له بالطاعة.

[54] ﴿أُوْلَٰٓئِكَ يُؤۡتَوۡنَ أَجۡرَهُم مَّرَّتَيۡنِ بِمَا صَبَرُواْ وَيَدۡرَءُونَ بِٱلۡحَسَنَةِ ٱلسَّيِّئَةَ وَمِمَّا رَزَقۡنَٰهُمۡ يُنفِقُونَ 54﴾:

ثم بيَّن سبحانه أن أولئك الذين آمنوا بالكتابَيْنِ يُعْطَوْنَ أجرهم مرتين: أَجْرًا على إيمانهم بالكتاب الذي أُنزِلَ عليهم من قبلُ، وأجرًا على إيمانهم بالقرآن، ثم اتِّباعهم لنبيهم الأوَّل واتِّباعهم لمحمد ﷺ؛ وذلك بما صبروا على اتِّباع الحق، وعلى أداء الطاعات واجتناب المعاصي، وقد جاء في الصحيحَيْنِ من حديث أبي موسى رضي الله عنه مرفوعًا: ثلاثةٌ لهم أَجْرانِ، وذكَرَ منهم: «وَرَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الكِتَابِ آمَنَ بِنَبِيِّهِ، وَآمَنَ بِمُحَمَّدٍ ﷺ»([4]). ثم ذكَرَ جل وعلا صفات الأتقياء الصالحين من أهل الكتاب، ومِنْ ذلك: أنهم يدفعون السيئة بالحسنة؛ فهم مُحْسِنون لكل أحدٍ على جميع الأحوال، وأنهم: ينفقون أموالهم في مرضاة الله جل في علاه، وابتغاء وجه ربِّهم الأعلى. [4] أخرجه البخاري (3011)، ومسلم (154).

[55] ﴿وَإِذَا سَمِعُواْ ٱللَّغۡوَ أَعۡرَضُواْ عَنۡهُ وَقَالُواْ لَنَآ أَعۡمَٰلُنَا وَلَكُمۡ أَعۡمَٰلُكُمۡ سَلَٰمٌ عَلَيۡكُمۡ لَا نَبۡتَغِي ٱلۡجَٰهِلِينَ 55﴾:

ثم بيَّن سبحانه أن من صفات هؤلاء الصالحين أنهم: إذا سمعوا من الجُهَّالِ شيئًا من اللغو والباطل، فإنهم يترفَّعون ويتنزَّهون عنه بأدب الإسلام والشرع، ولا يجارونهم، ولا يَنْزِلون إلى مرتبتهم السيئة، بل يعرضون عنهم قائلين: لنا أعمالنا سنُجازى عليها، ولكم أعمالكم ستُجازَوْنَ عليها، سلامٌ عليكم؛ فلن نسُبَّكم أو نحاربكم، بل سنترككم؛ لأننا لا نريد مصاحبة الجاهلين بالله وبدينه وشرعه.

[56] ﴿إِنَّكَ لَا تَهۡدِي مَنۡ أَحۡبَبۡتَ وَلَٰكِنَّ ٱللَّهَ يَهۡدِي مَن يَشَآءُۚ وَهُوَ أَعۡلَمُ بِٱلۡمُهۡتَدِينَ 56﴾:

واعلم -أيها النبي- أنك لا تستطيع أن تهدي للإيمان مَنْ تريد هدايته؛ لأن الهداية بيد الله تعالى وحده؛ فهو الذي يهدي للإيمان مَنْ يشاء أن يهديه، وهو أعلم بالراغبين للهداية المستعدِّين لها؛ فلا تنزعجْ ولا تحزنْ؛ لأن عمك أبا طالب وغيره لم يستجيبوا للإيمان.

[57] ﴿وَقَالُوٓاْ إِن نَّتَّبِعِ ٱلۡهُدَىٰ مَعَكَ نُتَخَطَّفۡ مِنۡ أَرۡضِنَآۚ أَوَلَمۡ نُمَكِّن لَّهُمۡ حَرَمًا ءَامِنٗا يُجۡبَىٰٓ إِلَيۡهِ ثَمَرَٰتُ كُلِّ شَيۡءٖ رِّزۡقٗا مِّن لَّدُنَّا وَلَٰكِنَّ أَكۡثَرَهُمۡ لَا يَعۡلَمُونَ 57﴾:

وقال كفار قريش للنبي ﷺ: إنا نخشى إنْ آمنَّا بك واتَّبعناك أن يتخطَّفنا العرب من بلادنا بالقتل والسلب، وبالأسر والنهب، أوَلَمْ يَرَ هؤلاء المكذِّبون أنَّا جعلناهم ممكَّنِينَ في بلدٍ آمنٍ لا يعتدي عليهم فيه أحد، وجعلنا في قلوب الناس مهابةً لهذا البلد الحرام؟! ألم يَرَوْا أن هذا البلد -دون غيره من البلاد- تُجلَبُ له أنواع الثمرات والأطعمة، والأرزاق من كل حَدَب وصَوْب؟! ولكنَّ أكثرهم لا يعلمون عِظَمَ ما هم فيه من النِّعَم.

[58] ﴿وَكَمۡ أَهۡلَكۡنَا مِن قَرۡيَةِۭ بَطِرَتۡ مَعِيشَتَهَاۖ فَتِلۡكَ مَسَٰكِنُهُمۡ لَمۡ تُسۡكَن مِّنۢ بَعۡدِهِمۡ إِلَّا قَلِيلٗاۖ وَكُنَّا نَحۡنُ ٱلۡوَٰرِثِينَ 58﴾:

ثم أخبَرَ جل في علاه أن كثيرًا من القرى عاشوا في رَغَدٍ من العيش ورفاهية، فألهاهم ذلك عن توحيد الله، والإيمان به وبرسله؛ فكان جزاؤهم الهلاك والدمار، وبقيت مساكنهم التي عاشوا فيها شاهدةً عليهم، لم يسكنها أحد بعدهم إلا القليل من الناس، وكان الله جل شأنه هو الوارث لهم ولمساكنهم، وسوف يُحْيِيهم ويجازيهم على أعمالهم.

[59] ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ مُهۡلِكَ ٱلۡقُرَىٰ حَتَّىٰ يَبۡعَثَ فِيٓ أُمِّهَا رَسُولٗا يَتۡلُواْ عَلَيۡهِمۡ ءَايَٰتِنَاۚ وَمَا كُنَّا مُهۡلِكِي ٱلۡقُرَىٰٓ إِلَّا وَأَهۡلُهَا ظَٰلِمُونَ 59﴾:

ثم بيَّن جل وعلا أن حكمته وعدالته اقتضت ألَّا يهلك القرى حتى يبعث في القرية والمَدْيَنَة الكبرى -التي إليها يرجعون، وعليها يتردَّدون- رسولًا يتلو عليهم الآيات البينات، ويقيمُ عليهم الحجَّة، ويدعوهم إلى عبادة الله وحده، وتَرْكِ عبادة ما سواه، ثم بيَّن سبحانه أنه لم يهلك هذه القرى إلا في حال ظُلْمِ أهلها لأنفسهم بالشرك، وتجاوزهم لحدودهم بكُفْرهم بربهم، وتكذيبهم بأنبيائهم.

[60] ﴿وَمَآ أُوتِيتُم مِّن شَيۡءٖ فَمَتَٰعُ ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَا وَزِينَتُهَاۚ وَمَا عِندَ ٱللَّهِ خَيۡرٞ وَأَبۡقَىٰٓۚ أَفَلَا تَعۡقِلُونَ 60﴾:

ثم بيَّن سبحانه أن الناس ما أعطوا في هذه الحياة الدنيا من مُتَعٍ وملذَّات؛ فإنما يتمتَّعون بها متاعًا قصيرًا زائلًا، ويتزيَّنون بها زينةً لحظيَّةً ممزوجةً بالانقطاع والمنغِّصات؛ فلا تركنوا -أيها الناس- إليها، واعلموا أن ما عند الله من الثواب والنعيم هو خيرٌ وأفضلُ من نعيم الدنيا، وأبقى وأدوم منه؛ أفلا تُعْمِلون عقولكم؛ فتفهموا هذه الحقيقة، فتُؤْثِروا الباقي على الفاني؟!

[61] ﴿أَفَمَن وَعَدۡنَٰهُ وَعۡدًا حَسَنٗا فَهُوَ لَٰقِيهِ كَمَن مَّتَّعۡنَٰهُ مَتَٰعَ ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَا ثُمَّ هُوَ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ مِنَ ٱلۡمُحۡضَرِينَ 61﴾:

هل يستوي عبدٌ مؤمنٌ وعدناه -وعدًا قاطعًا لا شكَّ فيه ولا ارتياب- بدخول الجنة إنْ هو آمَنَ واتَّقى وعمل الصالحات، بعبدٍ أقام وداوم على متع الحياة الفانية وملذَّاتها، وانشغل بها عن الآخرة؟! ثم هو يوم القيامة من المحضرين للحساب والجزاء؟! الجواب: لا يستويان أبدًا.

[62] ﴿وَيَوۡمَ يُنَادِيهِمۡ فَيَقُولُ أَيۡنَ شُرَكَآءِيَ ٱلَّذِينَ كُنتُمۡ تَزۡعُمُونَ 62﴾:

ويوم ينادي جل جلاله مَنْ أشرك معه في العبادة غيره، قائلًا لهم: أين الذين كنتم تزعمون أنهم شركاء لي؟!

[63] ﴿قَالَ ٱلَّذِينَ حَقَّ عَلَيۡهِمُ ٱلۡقَوۡلُ رَبَّنَا هَٰٓؤُلَآءِ ٱلَّذِينَ أَغۡوَيۡنَآ أَغۡوَيۡنَٰهُمۡ كَمَا غَوَيۡنَاۖ تَبَرَّأۡنَآ إِلَيۡكَۖ مَا كَانُوٓاْ إِيَّانَا يَعۡبُدُونَ 63﴾:

فينطق رؤساء الضلال، وأئمة الغَوَاية -الذين حَقَّ عليهم العذاب- قائلين: ربَّنا، هؤلاء أتباعنا الذين أضلَلْناهم ودعوناهم للغَوَاية كما ضلَلْنا نحن، فكلنا قد اشتركنا في الضلال، ونحن قد تبرَّأنا منهم ومن شركهم ومن أعمالهم، ما كانوا إيانا يعبدون، بل كانوا يتَّبعون أهواءَهم، ويعبدون شياطينهم.

[64] ﴿وَقِيلَ ٱدۡعُواْ شُرَكَآءَكُمۡ فَدَعَوۡهُمۡ فَلَمۡ يَسۡتَجِيبُواْ لَهُمۡ وَرَأَوُاْ ٱلۡعَذَابَۚ لَوۡ أَنَّهُمۡ كَانُواْ يَهۡتَدُونَ 64﴾:

وقيل لهؤلاء المشركين تهكُّمًا وتقريعًا وتوبيخًا: ادْعُوا شركاءكم الذين كنتم تعبدونهم من دون الله؛ لينصروكم وينقذوكم مما أنتم فيه، فنادَوْا عليهم، فلم يستجيبوا لهم، ولم ينفعوهم، فعلموا حينها أنهم ليسوا على شيء، ثم عاينوا العذاب الذي سيَحُلُّ بهم ويغشاهم، ولو أنهم كانوا يهتدون للإيمان والتوحيد، لمَا حصَلَ لهم ما حصَلَ.

[65] ﴿وَيَوۡمَ يُنَادِيهِمۡ فَيَقُولُ مَاذَآ أَجَبۡتُمُ ٱلۡمُرۡسَلِينَ 65﴾:

ويوم ينادي جل في علاه هؤلاء المشركين تقريعًا لهم؛ فيسألهم: بماذا أجبتم رُسُلي؟! هل صدَّقتموهم واتَّبعتموهم، أم كفرتم بهم وكذَّبتموهم؟!

[66] ﴿فَعَمِيَتۡ عَلَيۡهِمُ ٱلۡأَنۢبَآءُ يَوۡمَئِذٖ فَهُمۡ لَا يَتَسَآءَلُونَ 66﴾:

فثَقُلَتْ عليهم الأجوبة، وغابت عنهم الحُجَج؛ فلم يستطيعوا جوابًا، ولم يسأل بعضهم بعضًا بماذا يجيبون، وبأي شيء يتكلَّمون.

[67] ﴿فَأَمَّا مَن تَابَ وَءَامَنَ وَعَمِلَ صَٰلِحٗا فَعَسَىٰٓ أَن يَكُونَ مِنَ ٱلۡمُفۡلِحِينَ 67﴾:

فأما من تاب من المشركين، وآمن بالله ووحَّده، وأفرده بالعبادة، وصدَّق إيمانه بالعمل الصالح، فأولئك من الفائزين.

[68] ﴿وَرَبُّكَ يَخۡلُقُ مَا يَشَآءُ وَيَخۡتَارُۗ مَا كَانَ لَهُمُ ٱلۡخِيَرَةُۚ سُبۡحَٰنَ ٱللَّهِ وَتَعَٰلَىٰ عَمَّا يُشۡرِكُونَ 68﴾:

واعلموا أن له جل في علاه مُطْلَقَ المشيئة؛ فيخلُقُ ما يشاء، ويختار ويصطفي من عباده من يشاء، لم يكن لأحدٍ حقُّ المشاركة في الاختيار؛ تعالى الله وتنزَّه وتقدَّس عن شرك المشركين وباطلهم.

[69] ﴿وَرَبُّكَ يَعۡلَمُ مَا تُكِنُّ صُدُورُهُمۡ وَمَا يُعۡلِنُونَ 69﴾:

أخبَرَ جل وعلا أنه يعلم ما تُخْفِي صدورهم وما يعلنون.

[70] ﴿وَهُوَ ٱللَّهُ لَآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَۖ لَهُ ٱلۡحَمۡدُ فِي ٱلۡأُولَىٰ وَٱلۡأٓخِرَةِۖ وَلَهُ ٱلۡحُكۡمُ وَإِلَيۡهِ تُرۡجَعُونَ 70﴾:

وأخبَرَ سبحانه أيضًا أنه هو الله الذي لا معبودَ بحقٍّ إلا هو، له الحمدُ في الدنيا، وله الحمدُ في الآخرة، وله الحُكْمُ العدل، وإليه تُرْجَعون؛ فيجازي كل نفس بما عملت؛ إنْ خيرًا فخير، وإنْ شرًّا فشرّ.

[71] ﴿قُلۡ أَرَءَيۡتُمۡ إِن جَعَلَ ٱللَّهُ عَلَيۡكُمُ ٱلَّيۡلَ سَرۡمَدًا إِلَىٰ يَوۡمِ ٱلۡقِيَٰمَةِ مَنۡ إِلَٰهٌ غَيۡرُ ٱللَّهِ يَأۡتِيكُم بِضِيَآءٍۚ أَفَلَا تَسۡمَعُونَ 71﴾:

وقل -أيها النبي- للناس جميعًا: أرأيتم لو جعَلَ الله عليكم الليل دائمًا مستمِرًّا إلى يوم القيامة؛ فهل هناك إلهٌ غيرُ الله يستطيع أن يأتيكم بنهارٍ فيه ضياءٌ تُبْصِرون فيه، وتزاولون فيه أعمالكم؟! أفلا تسمعون مواعظ الله سماع تدبُّر وتفكُّر؟!

[72] ﴿قُلۡ أَرَءَيۡتُمۡ إِن جَعَلَ ٱللَّهُ عَلَيۡكُمُ ٱلنَّهَارَ سَرۡمَدًا إِلَىٰ يَوۡمِ ٱلۡقِيَٰمَةِ مَنۡ إِلَٰهٌ غَيۡرُ ٱللَّهِ يَأۡتِيكُم بِلَيۡلٖ تَسۡكُنُونَ فِيهِۚ أَفَلَا تُبۡصِرُونَ 72﴾:

وقل لهم -أيها النبي-: أرأيتم لو جعَلَ الله عليكم النهار دائمًا مستمِرًّا إلى يوم القيامة؛ فهل هناك إلهٌ غيرُ الله يستطيع أن يأتيكم بليلٍ تسكنون وتنامون وتستقِرُّونَ وترتاحون فيه؟! أفلا تبصرون هذه النعم والآيات، ودلالتها على قدرة الله وحِكْمته وعلى وحدانيته جل في علاه! وعلى إكرامه لبني آدم وتحقيق مصالحهم.

[73] ﴿وَمِن رَّحۡمَتِهِۦ جَعَلَ لَكُمُ ٱلَّيۡلَ وَٱلنَّهَارَ لِتَسۡكُنُواْ فِيهِ وَلِتَبۡتَغُواْ مِن فَضۡلِهِۦ وَلَعَلَّكُمۡ تَشۡكُرُونَ 73﴾:

ومِنْ رحمة الله بكم -أيها الناس- وتفضله عليكم: أن جعل لكم الليل لتسكنوا وتستقرُّوا فيه، ثم جعل النهار يعقُبُهُ لتنتشروا فيه، وتسعَوْا فيه لقضاء حوائجكم؛ وبهذا تستقيم حياتكم، وتنتظم أموركم؛ لعلَّكم تعرفون نعمة الله عليكم؛ فتؤدُّوا شكرها بتوحيده، واتباع رُسُله.

[74] ﴿وَيَوۡمَ يُنَادِيهِمۡ فَيَقُولُ أَيۡنَ شُرَكَآءِيَ ٱلَّذِينَ كُنتُمۡ تَزۡعُمُونَ 74﴾:

ويوم ينادي  من أشركوا معه في العبادة غيره، قائلًا لهم: أين الذين كنتم تزعمون أنهم شركاء لي؟!

[75] ﴿وَنَزَعۡنَا مِن كُلِّ أُمَّةٖ شَهِيدٗا فَقُلۡنَا هَاتُواْ بُرۡهَٰنَكُمۡ فَعَلِمُوٓاْ أَنَّ ٱلۡحَقَّ لِلَّهِ وَضَلَّ عَنۡهُم مَّا كَانُواْ يَفۡتَرُونَ 75﴾:

وأحضَرْنا يوم القيامة من كلِّ أمَّةٍ شهيدًا يشهد عليهم -وهو نبيُّهم- يشهد على ما كانوا عليه من الشرك والتكذيب -ثم يقال لهذه الأمم المكذِّبة: هاتوا حُجَّتكم، وبيِّنوا دليلكم الذي دفَعَكم للإقامة على الشرك وتكذيب الرسل؛ فعَلِموا حينها بطلان شِرْكهم وكُفْرهم، وتبيَّن لهم حينها أن الدين الحقَّ لله بتوحيده وإفراده في العبادة، وذهب عنهم ما كانوا يختلقونه من الكذب والافتراء على الله وتكذيب رُسُلِه.

[76] ﴿إِنَّ قَٰرُونَ كَانَ مِن قَوۡمِ مُوسَىٰ فَبَغَىٰ عَلَيۡهِمۡۖ وَءَاتَيۡنَٰهُ مِنَ ٱلۡكُنُوزِ مَآ إِنَّ مَفَاتِحَهُۥ لَتَنُوٓأُ بِٱلۡعُصۡبَةِ أُوْلِي ٱلۡقُوَّةِ إِذۡ قَالَ لَهُۥ قَوۡمُهُۥ لَا تَفۡرَحۡۖ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يُحِبُّ ٱلۡفَرِحِينَ 76﴾:

وفي آخر هذه السورة جاءت قصَّة قارون؛ حيث أخبَرَ جل وعلا أن قارون كان من قوم موسى، ولكنه بغى عليهم وصار من أعوان فرعون، ثم أخبَرَ سبحانه أنه أعطى قارون أموالًا وكنوزًا عظيمة، ومن عظمتها: أنه يثقُلُ على العدد الكثير من الرجال الأشدَّاء حمل مفاتيحها، وقد نصحه جماعته بنو إسرائيل عن الفرح والإعجاب بنَفْسه وماله؛ لأن الله لا يحب الذين لا يشكُرُونَ نعم الله عليهم، المعجبين بقدرتهم، الفرحين بها، الذين ينسبون الفضل لغير الله؛ حيث ينسبون الفضل لذكائهم، ولخبرتهم، ونحو ذلك.

[77] ﴿وَٱبۡتَغِ فِيمَآ ءَاتَىٰكَ ٱللَّهُ ٱلدَّارَ ٱلۡأٓخِرَةَۖ وَلَا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ ٱلدُّنۡيَاۖ وَأَحۡسِن كَمَآ أَحۡسَنَ ٱللَّهُ إِلَيۡكَۖ وَلَا تَبۡغِ ٱلۡفَسَادَ فِي ٱلۡأَرۡضِۖ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يُحِبُّ ٱلۡمُفۡسِدِينَ 77﴾:

ثم قال له جماعته على سبيل النصح والإرشاد: واطلُبْ -يا قارون- فيما أعطاك الله من هذه الأموال العظيمة ثوابَ اللهٍ والأجرَ في الدار الآخرة؛ وذلك بالعمل فيها بما يرضي الله سبحانه وتعالى في وجوه الخير، ولا تترُكِ التنعُّمَ بما أعطاك الله من هذا المال في الدنيا؛ بشرط أن يكون بالحلال وبدون إسراف، وعليك أن تُحْسِنَ إلى عباد الله بالصدقة والمعروف؛ كما أحسَنَ الله إليك، وأعطاك هذه الأموال الكثيرة، ولا تطلب البغي والظلم في الأرض بهذه الأموال؛ فإن الله لا يحب المفسدين.

ولكنَّ قارون أصرَّ وعاند، وادَّعى أنه حصل على هذا المال بذكائه وقدرته، واستمَرَّ على هذا العناد حتى خسَفَ الله به وبداره الأرض.

[78] ﴿قَالَ إِنَّمَآ أُوتِيتُهُۥ عَلَىٰ عِلۡمٍ عِندِيٓۚ أَوَلَمۡ يَعۡلَمۡ أَنَّ ٱللَّهَ قَدۡ أَهۡلَكَ مِن قَبۡلِهِۦ مِنَ ٱلۡقُرُونِ مَنۡ هُوَ أَشَدُّ مِنۡهُ قُوَّةٗ وَأَكۡثَرُ جَمۡعٗاۚ وَلَا يُسۡـَٔلُ عَن ذُنُوبِهِمُ ٱلۡمُجۡرِمُونَ 78﴾:

فردَّ عليهم قارونُ في صَلَفٍ وكبرياء، قائلًا: إنما أُعطيِتُ هذا المالَ بحِذْقٍ ومهارةٍ مني، وعلى علمٍ عندي بوجوه المكاسب، ومعرفةٍ في أنواع التجارات والأرباح، فقال سبحانه ردًّا على قارون وعلى ادِّعاءاته: أولم تعلم -يا قارون- أنَّ الله أهلك مَنْ هو أشدُّ منك قوَّةً، وأكثَرُ منك مالًا، ممن سبقك مِن الأقوام الظالمين؟!

ثم بيَّن سبحانه أن هؤلاء المجرمين لا يُسألون عن ذنوبهم، أي: لا يُسألون سؤال استعلام، وإنما يُسألون سؤال تقريع وتوبيخ وإفضاح لهم؛ لأن الله جل في علاه يعلم بها، كما أنها مسجَّلة ومعروفة لهم وللملائكة؛ وسوف يُعذَّبون عليها مباشرةً عذابًا شديدًا.

[79] ﴿فَخَرَجَ عَلَىٰ قَوۡمِهِۦ فِي زِينَتِهِۦۖ قَالَ ٱلَّذِينَ يُرِيدُونَ ٱلۡحَيَوٰةَ ٱلدُّنۡيَا يَٰلَيۡتَ لَنَا مِثۡلَ مَآ أُوتِيَ قَٰرُونُ إِنَّهُۥ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٖ 79﴾:

ثم أخبَرَ جل شأنه أن قارون خرَجَ ذات يوم على قومه، وهو في أُبَّهته وفي أعلى ما يكون من الزِّينة والتجمُّل، فانبهَرَ به قومه لما رأَوْه، حتى قال الذين يريدون زينة الحياة الدنيا وزخرفها: يا ليتنا أُعْطينا مثل ما أُعْطي قارون من الكنوز ومن متاع الدنيا وزينتها؛ إنه لذو نصيبٍ كبيرٍ، وحظٍّ عظيم من الدنيا.

[80] ﴿وَقَالَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلۡعِلۡمَ وَيۡلَكُمۡ ثَوَابُ ٱللَّهِ خَيۡرٞ لِّمَنۡ ءَامَنَ وَعَمِلَ صَٰلِحٗاۚ وَلَا يُلَقَّىٰهَآ إِلَّا ٱلصَّٰبِرُونَ 80﴾:

ولكنَّ الذين أغناهم الله بالعلم الشرعي -فعلموا حقيقة الدنيا وحقارتها- قالوا لهؤلاء المفتونين بزخرف الحياة الدنيا: ويحكم يا قومِ؛ إنْ آثرتم هذا الزائل الفاني على الدائم الباقي، فاعلموا أن ثواب الله لِمَن آمن به وعمل الصالحات في الدنيا والآخرة خيرٌ وأفضلُ مما تتمنَّوْنَهُ، ولا يُعطى هذا الفضلَ والاحتسابَ والعملَ بالنصيحة إلا الصابرون على طاعة الله، وعن معصيته، وعلى أقداره.

[81] ﴿فَخَسَفۡنَا بِهِۦ وَبِدَارِهِ ٱلۡأَرۡضَ فَمَا كَانَ لَهُۥ مِن فِئَةٖ يَنصُرُونَهُۥ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَمَا كَانَ مِنَ ٱلۡمُنتَصِرِينَ 81﴾:

ولما كان قارون في أعلى درجات زَهْوِهِ بنفسه وعُجْبِهِ وخُيَلائِه، خسَفَ الله به وبداره الأرض وغيَّبه فيها، فما حال بينه وبين ما حلَّ به جماعتُهُ ولا خَدَمه ولا حَشَمه، ولم تنفعه كنوزُهُ وأمواله، وما كان ممتنعًا من نزول العذاب به وإهلاكه.

[82] ﴿وَأَصۡبَحَ ٱلَّذِينَ تَمَنَّوۡاْ مَكَانَهُۥ بِٱلۡأَمۡسِ يَقُولُونَ وَيۡكَأَنَّ ٱللَّهَ يَبۡسُطُ ٱلرِّزۡقَ لِمَن يَشَآءُ مِنۡ عِبَادِهِۦ وَيَقۡدِرُۖ لَوۡلَآ أَن مَّنَّ ٱللَّهُ عَلَيۡنَا لَخَسَفَ بِنَاۖ وَيۡكَأَنَّهُۥ لَا يُفۡلِحُ ٱلۡكَٰفِرُونَ 82﴾:

وأصبح الذين تمنَّوْا أن لهم مثل ما لقارون من المال والأُبَّهةِ يتعجَّبون ويقولون: إن الله يوسِّعُ رزقه على من يشاء، ويضيِّقُهُ على من يشاء، وله في ذلك الحِكَمُ العظيمة، ولولا لُطْفُ الله بنا ومِنَّتُهُ علينا، لخسف بنا وأهلكنا مع قارون لإعجابنا به وتمنِّينا مثله، واعلموا أن الكافرين الجاحدين لا يُفْلحون، ولا يفوزون في الدنيا ولا في الآخرة. وقوله: ﴿وَيۡكَأَنَّ﴾، كلمةُ تعجُّبٍ واستغراب؛ للمبالغة في التعجُّب.

[83] ﴿تِلۡكَ ٱلدَّارُ ٱلۡأٓخِرَةُ نَجۡعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوّٗا فِي ٱلۡأَرۡضِ وَلَا فَسَادٗاۚ وَٱلۡعَٰقِبَةُ لِلۡمُتَّقِينَ 83﴾:

واعلموا -أيها الناس- أن تلك الدار الآخرة وما فيها من نعيم الجنة، سوف نجعلها ونخُصُّ بها الذين لا يريدون علوًّا، ولا تكبُّرًا ولا تسلُّطًا، ولا تعاليًا على المؤمنين، ولا يَسْعَوْنَ في الأرض بالإفساد فيها بالشرك والمعاصي، والعاقبةُ المحمودة والفلاح والفوز في الدنيا والآخرة للذين جعلوا بينهم وبين عذاب الله وقايةً؛ بالإيمان به، وفعل أوامره، وترك الشرك به، والبعد عن معاصيه.

[84] ﴿مَن جَآءَ بِٱلۡحَسَنَةِ فَلَهُۥ خَيۡرٞ مِّنۡهَاۖ وَمَن جَآءَ بِٱلسَّيِّئَةِ فَلَا يُجۡزَى ٱلَّذِينَ عَمِلُواْ ٱلسَّيِّـَٔاتِ إِلَّا مَا كَانُواْ يَعۡمَلُونَ 84﴾:

ثم قال سبحانه: مَنْ عمل حسنةً واحدةً، فإنَّ الله يكافئه عليها، ويضاعفها له إلى سبعمائة ضِعْفٍ إلى أضعافٍ كثيرةٍ؛ فضلًا منه وكرمًا جل في علاه، ومَنْ عمل سيئةً بأن ارتكَبَ ما نهى الله عنه، فلا يُجْزَى إلا بمثل هذه السيئة التي ارتكبها، ولا تضاعف عليه.

[85] ﴿إِنَّ ٱلَّذِي فَرَضَ عَلَيۡكَ ٱلۡقُرۡءَانَ لَرَآدُّكَ إِلَىٰ مَعَادٖۚ قُل رَّبِّيٓ أَعۡلَمُ مَن جَآءَ بِٱلۡهُدَىٰ وَمَنۡ هُوَ فِي ضَلَٰلٖ مُّبِينٖ 85﴾:

واعلم -أيها النبي- أن الذي أنزَلَ عليك القرآن، وفرَضَ عليك تبليغه والتمسُّك به لَمُعِيدُكَ إلى مكة، بعد أن تهاجر منها، فقل لهؤلاء المشركين: إن ربي وحده هو أعلَمُ بالمهتدي، وبمَنْ هو في ضلال واضح بيِّن، وسينال كلُّ واحد منَّا ما يستحق؛ إنْ خيرًا فخير، وإنْ شرًّا فشرّ.

وقوله: ﴿لَرَآدُّكَ إِلَىٰ مَعَادٖۚ ﴾، فيها قولان: الأول: أي: لمعيدك إلى مكة فاتحًا بعد أن أخرَجَكَ قومك منها. والثاني: أي: لمعيدك بعد البعث إلى يوم القيامة، ومُدْخِلك الجنة. وكلا القولين حق، فالأوَّل تم، والثاني سيكون يوم القيامة.

[86] ﴿وَمَا كُنتَ تَرۡجُوٓاْ أَن يُلۡقَىٰٓ إِلَيۡكَ ٱلۡكِتَٰبُ إِلَّا رَحۡمَةٗ مِّن رَّبِّكَۖ فَلَا تَكُونَنَّ ظَهِيرٗا لِّلۡكَٰفِرِينَ 86﴾:

وما كنتَ -أيها النبي- تتحرَّى وتؤمِّلُ أن ينزل عليك هذا القرآن، لكنْ رحمةُ ربك أدركتك، وفضلُ الله عمَّك وأحاطك؛ فأنزَلَ الله عليك هذا القرآن، فلا تكنْ عونًا للكافرين الجاحدين بحالٍ من الأحوال؛ وحاشاه صلوات ربي وسلامه عليه من ذلك.

[87] ﴿وَلَا يَصُدُّنَّكَ عَنۡ ءَايَٰتِ ٱللَّهِ بَعۡدَ إِذۡ أُنزِلَتۡ إِلَيۡكَۖ وَٱدۡعُ إِلَىٰ رَبِّكَۖ وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ ٱلۡمُشۡرِكِينَ 87﴾:

ولا يَصُدَّنَّكَ الكفار -أيها النبي- عن آيات الله بعد أن أنزلها الله عليك؛ فيُشْغِلوك عن تلاوتها، وإبلاغها، والعمل بها، وادْعُ الناس إلى التوحيد والإيمان، وترك الشرك والكفران، ولا تكونَنَّ من المشركين. وهذه الآيةُ أَمْرٌ له ﷺ، وكذلك للعلماء والدعاة من بعده؛ لأن العبرة بعموم اللفظ.

[88] ﴿وَلَا تَدۡعُ مَعَ ٱللَّهِ إِلَٰهًا ءَاخَرَۘ لَآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَۚ كُلُّ شَيۡءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجۡهَهُۥۚ لَهُ ٱلۡحُكۡمُ وَإِلَيۡهِ تُرۡجَعُونَ 88﴾:

وأخلِصْ -أيها النبي- عبادتك لله بالتوحيد؛ فلا تدعُ مع الله إلهًا آخر؛ فإنه لا معبودَ بحقٍّ إلا الله، وكلُّ شيء هالك إلا وجهه سبحانه جل شأنه، له سبحانه القضاء العادل النافذ في الدنيا والآخرة، وإليه مرجعُ الخلائق كلِّها، فيُجازي كلًّا بعمله؛ إنْ خيرًا فخير، وإنْ شرًّا فشرّ، نسأل الله الكريم من فضله، ونعوذ برضاه من سخطه. وقوله: ﴿وَجۡهَهُۥۚ ﴾، فيها قولان: القول الأول: ذاتهُ، أي: أن كل شيء يفنى وتبقى ذاتُهُ المقدَّسة، فأطلَقَ الوجه وأراد به ذات الله جل وعلا؛ كقوله: ﴿كُلُّ مَنۡ عَلَيۡهَا فَانٖ 26 وَيَبۡقَىٰ وَجۡهُ رَبِّكَ ذُو ٱلۡجَلَٰلِ وَٱلۡإِكۡرَامِ﴾ [الرحمن:26-27]. القول الثاني: أن البقاء للأعمال الصالحة التي أُرِيدَ بها وجه الله، واختار هذا القول شيخ الإسلام ابن تيميَّة، فقال: (قال طائفة من السلف: كلُّ عمَلٍ باطلٌ إلا ما أريد به وجه الله).

سورة العنكبوت

سورة العنكبوت مكيَّة، وآياتها تسع وستون آية.

[1] ﴿الٓمٓ 1﴾:

سبق الكلام على الحروف المقطَّعة في أول سورة البقرة.

[2] ﴿أَحَسِبَ ٱلنَّاسُ أَن يُتۡرَكُوٓاْ أَن يَقُولُوٓاْ ءَامَنَّا وَهُمۡ لَا يُفۡتَنُونَ 2﴾:

قال جل وعلا في بداية هذه السورة على سبيل الإنكار: هل يظن الناس بمجرَّد أنهم قالوا: (آمنَّا بالله): أن يتركوا بدون امتحان واختبار وابتلاء وتمحيص، حتى يُعلَمَ الصادق في إيمانه من غيره؟!

[3] ﴿وَلَقَدۡ فَتَنَّا ٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِهِمۡۖ فَلَيَعۡلَمَنَّ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ صَدَقُواْ وَلَيَعۡلَمَنَّ ٱلۡكَٰذِبِينَ 3﴾:

ثم بيَّن سبحانه وتعالى لنبيه ﷺ أنه فتَنَ المؤمنين السابقين أتباع الأنبياء واختبرهم؛ كأتباع نوح وهود وصالح وغيرهم عليهم السلام أجمعين، وكما أن الله سبحانه اختبَرَ المؤمنين السابقين، فسوف يختبِرُ -أيها النبي- أتباعك المؤمنين؛ ليتبيَّن الصادقون منهم، ويجزيهم على أعمالهم الصالحة الأجر والثواب، وكذلك يتبيَّن الكاذبون، ويجزيهم على أعمالهم السيئة ويعاقبهم عليها. وهذا يعني أنه لا بد أن يُمحَّصَ الجميع ويمرُّوا بابتلاءات واختبارات، وأن الحياة لا يتبيَّن فيها المؤمن الصادق الخالي من أمراض الشهوة وأمراض الشبهة وضعف الإيمان والنفاق إلا إذا اجتاز الابتلاءات والمصائب بإخلاص وتجرُّد لربه. وهذه الآية نزلت في قوم مؤمنين في مكة قبل الهجرة، تعرَّضوا لكثير من الأذى، وبعضُهم فُتِنَ في دينه، ولا شك أن المقصود بها كلُّ المؤمنين إلى قيام الساعة.

[4] ﴿أَمۡ حَسِبَ ٱلَّذِينَ يَعۡمَلُونَ ٱلسَّيِّـَٔاتِ أَن يَسۡبِقُونَاۚ سَآءَ مَا يَحۡكُمُونَ 4﴾:

ثم قال سبحانه على سبيل الإنكار: هل يظن أهل الكُفْر والشِّرْك وأصحاب المعاصي أنهم بإمهالنا لهم، وتَرْكِهم غارقين في شهواتهم، يكونون في معزل عنا، وبعيدين عن رؤيتنا لهم ومتابعتهم؛ فبئس الظن الذي ظنوه وبنَوْا عليه حكمهم؛ فليعلموا أنه لا يفوتنا أحد منهم ولا مِنْ غيرهم.

[5] ﴿مَن كَانَ يَرۡجُواْ لِقَآءَ ٱللَّهِ فَإِنَّ أَجَلَ ٱللَّهِ لَأٓتٖۚ وَهُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلۡعَلِيمُ 5﴾:

واعلموا -أيها الناس- أن مَن كان مُحِبًّا لربه مشتاقًا للقائه، فليثبُتْ على التوحيد وليواظِبْ على العمل الصالح؛ فإنَّ الأجل الذي حدَّده الله للبعثِ آتٍ لا محالة، والله هو السميعُ لأقوال عباده، العليمُ بنيَّات ومكنونات صدورهم.

[6] ﴿وَمَن جَٰهَدَ فَإِنَّمَا يُجَٰهِدُ لِنَفۡسِهِۦٓۚ إِنَّ ٱللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنِ ٱلۡعَٰلَمِينَ 6﴾:

ثم أخبَرَ سبحانه أن مَنْ بذَلَ وُسْعَهُ وطاقته في إصلاح نفسه والانتصار عليها، وبذَلَ وُسْعَهُ وطاقته في جهاد الكفار وقتالهم، فإن نفع ذلك وثمرته يعود على نفسه، واعلموا أن اللهَ غنيٌّ عن أعمال العالمين؛ لا تنفعه طاعة المطيع، ولا تضرُّهُ معصية العاصي.

[7] ﴿وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ لَنُكَفِّرَنَّ عَنۡهُمۡ سَيِّـَٔاتِهِمۡ وَلَنَجۡزِيَنَّهُمۡ أَحۡسَنَ ٱلَّذِي كَانُواْ يَعۡمَلُونَ 7﴾:

ثم وعَدَ جل وعلا الذين مَنَّ عليهم، ووفَّقهم للإيمان والعمل الصالح؛ أن يكفِّر عنهم ما وقعوا فيه من سيئات، وأن يَجْزِيهم الجزاء الأوفى على ما عملوا من التوحيد والطاعات، واجتناب الشرك والمحرَّمات.

[8] ﴿وَوَصَّيۡنَا ٱلۡإِنسَٰنَ بِوَٰلِدَيۡهِ حُسۡنٗاۖ وَإِن جَٰهَدَاكَ لِتُشۡرِكَ بِي مَا لَيۡسَ لَكَ بِهِۦ عِلۡمٞ فَلَا تُطِعۡهُمَآۚ إِلَيَّ مَرۡجِعُكُمۡ فَأُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمۡ تَعۡمَلُونَ 8﴾:

ثم وصَّى سبحانه الإنسان ببِرِّ والدَيْهِ والإحسان إليهما في القول والعمل؛ فإنْ حاول الوالدان أو أحدهما جهدهم في أن يشرك ابنهما مع الله في عبادته أحدًا، أو يعمل شيئًا فيه معصية لله، فلا يستجبْ لهما؛ فإنه لا طاعةَ لمخلوق في معصية الخالق، ثم أخبَرَ سبحانه أن مصير العباد جميعهم إليه، وسوف يخُبْرِهم بما كانوا يعملون في حياتهم الدنيا من خير أو شر، وسيحاسبهم عليه. وقد ذكرنا فيما مضى أن الله وصَّى الأبناء بآبائهم وأمهاتهم في القرآن في مواضع عدَّة قريبًا من عشَرَة مواضع، ولم يوصِّ الآباء بأبنائهم إلا بوصية الإرث في سورة النساء، وقلنا: إن السبب والله أعلم: هو أن قيام الآباء برعاية أبنائهم جِبِلَّةٌ وخِلْقةٌ وطبيعةٌ طبعهم الله عليها؛ فهي ثابتة مستقرة في ذواتهم، أما الأبناء، فقيامهم بواجبهم نحو برِّهم بوالديهم، فهو تكلُّف وتكرم منهم، وكثيرٌ من الأبناء تَشْغَلُهم الحياة من أنشطة وكسب رِزْق وأشياء كثيرة فيقل اهتمامهم، أو تُنْسِيهم وتلهيهم، فلا يراهم والدوهم إلا لمامًا أو مهاتفة؛ ولهذا كرَّر سبحانه وصية الأبناء بوالديهم مرارًا، ولأمر آخَرَ مهمٍّ، هو أن الوالدَيْنِ هما سبب وجود الأبناء بعد الله جل وعلا، فإذا أهملوا وتناسَوْا حق هذا السبب، فربما تناسَوْا حق المُوجِدِ الأول، وهو الله جل وعلا.

[9] ﴿وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ لَنُدۡخِلَنَّهُمۡ فِي ٱلصَّٰلِحِينَ 9﴾:

ثم أخبَرَ سبحانه أن الذين منَّ عليهم، ووفَّقهم للإيمان والعمل الصالح، سوف يدخلهم الجنَّة في جملة عباده الصالحين.

[10] ﴿وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَقُولُ ءَامَنَّا بِٱللَّهِ فَإِذَآ أُوذِيَ فِي ٱللَّهِ جَعَلَ فِتۡنَةَ ٱلنَّاسِ كَعَذَابِ ٱللَّهِۖ وَلَئِن جَآءَ نَصۡرٞ مِّن رَّبِّكَ لَيَقُولُنَّ إِنَّا كُنَّا مَعَكُمۡۚ أَوَلَيۡسَ ٱللَّهُ بِأَعۡلَمَ بِمَا فِي صُدُورِ ٱلۡعَٰلَمِينَ 10﴾:

ثم أخبَرَ جل وعلا أن من الناس من يزعُمُ أنه آمن بالله، واتَّبع رسوله ﷺ؛ فإذا امتُحِنَ في ذلك وأوذي في سبيل الله؛ بالضرب أو الشتم، أو الحبس أو التعيير، ونحو ذلك، لم يصبر على ذلك، وجعَلَ هذه الأذية مساوية لعذاب الله، فارتدَّ على عقبيه، فيطيع من آذاه كطاعته لله، أو يخاف منه كخوفه من الله، ولئن جاء للمؤمنين المستضعفين نَصْرٌ من الله وفتحٌ وغلبةٌ على الكافرين، ليقولَنَّ هذا الصنف من الناس لكم: إنَّا مثلكم مؤمنون، وكنَّا قبل ذلك معكم بنَصْركم وتأييدكم، فكذَّبهم الله جل في علاه قائلًا: أوليس الله بأعلم بما تُكِنُّهُ صدور جميع الناس؟!

[11] ﴿وَلَيَعۡلَمَنَّ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَلَيَعۡلَمَنَّ ٱلۡمُنَٰفِقِينَ 11﴾:

ثم أخبَرَ عز وجل أنه سوف يختبر المسلمين؛ ليميِّزَ الذين آمنوا به، واتَّبعوا رسوله ﷺ، وصَدَقوا في ذلك، وَيُمَيِّزَ المنافقين الذين يُظْهِرون خلاف ما يُبْطنون.

وقوله: ﴿وَلَيَعۡلَمَنَّ﴾، الواو حرف عطف، واللام موطِّئة للقسم، و(يَعْلَمَنَّ): فعلٌ مضارعٌ مبنيٌّ على الفتح، والنون نون التوكيد، والمقصود: علمُ ظاهر أمرهم؛ لأنه هو الذي يترتَّب عليه الجزاء.

[12] ﴿وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱتَّبِعُواْ سَبِيلَنَا وَلۡنَحۡمِلۡ خَطَٰيَٰكُمۡ وَمَا هُم بِحَٰمِلِينَ مِنۡ خَطَٰيَٰهُم مِّن شَيۡءٍۖ إِنَّهُمۡ لَكَٰذِبُونَ 12﴾:

ثم أخبَرَ سبحانه أن الذين كفروا بالله، وجحدوا رسله، قالوا لِمَن آمن بالله ووحَّده: تعالَوْا إلى ديننا وطريقتنا، ونحن سنتحمَّلُ عنكم جميعَ أوزاركم وذنوبكم، فكذَّبهم جل وعلا في دَعْواهم هذه، وأخبَرَ أنهم لن يتحمَّلوا شيئًا من آثامهم، وأنهم كاذبون في قولهم هذا.

[13] ﴿وَلَيَحۡمِلُنَّ أَثۡقَالَهُمۡ وَأَثۡقَالٗا مَّعَ أَثۡقَالِهِمۡۖ وَلَيُسۡـَٔلُنَّ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ عَمَّا كَانُواْ يَفۡتَرُونَ 13﴾:

ثم أكَّد سبحانه أن هؤلاء الكفار سوف يَحْمِلون ذنوبهم وذنوب كلِّ مَنْ أضلُّوهم، مِنْ غير أن ينقُصَ من ذنوب الضالِّين المقلِّدين شيء، وسوف يُسْألون يوم القيامة عمَّا كانوا يختلقونه من الأكاذيب، وقد قال تعالى في آية أخرى: ﴿لِيَحۡمِلُوٓاْ أَوۡزَارَهُمۡ كَامِلَةٗ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ وَمِنۡ أَوۡزَارِ ٱلَّذِينَ يُضِلُّونَهُم بِغَيۡرِ عِلۡمٍۗ أَلَا سَآءَ مَا يَزِرُونَ﴾ [النحل:٢٥].

[14] ﴿وَلَقَدۡ أَرۡسَلۡنَا نُوحًا إِلَىٰ قَوۡمِهِۦ فَلَبِثَ فِيهِمۡ أَلۡفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمۡسِينَ عَامٗا فَأَخَذَهُمُ ٱلطُّوفَانُ وَهُمۡ ظَٰلِمُونَ 14﴾:

ثم أخبَرَ جل وعلا أنه أرسل نوحًا عليه السلام إلى قومه، ولَبِثَ فيهم ألف سنة إلا خمسين عامًا يَدْعوهم إلى الإيمان والتوحيد؛ فلم يستجيبوا لدعوته، وأصرُّوا على الشرك والكفر، فأهلكهم الله بالطوفان؛ لأنهم ظلموا أنفسهم بالكفر والفسوق والعصيان. قال بعض المفسِّرين: سُمِّيَ نُوحًا؛ لكثرة نُوَاحه، أي: بكائه من خشية الله، وقومُهُ هم البشر الموجودون على الأرض آنذاك، وهذا الزمنُ الطويل الذي مكثه نوح مع قومه يدعوهم فيه ليلًا ونهارًا، وسرًّا وجهرًا، كما أخبَرَ جل وعلا بذلك في سورة نوح؛ يحمل درسًا للدعاة ومحبِّي الخير لإخوانهم أن يتحمَّلوا ما يلحقهم من أذًى وأن يصبروا، بل يصابروا حتى يحقِّق الله على أيديهم الهدى للمدعوِّين. والفرق بين السَّنَةِ والعامِ: أن السنة عادةً: للحَوْلِ المُجْدِب، والعام: للحَوْلِ المُخْصِب. وأما عمر نوح قبل النبوَّة وبعد غرق قومه، فلم يُذْكَرْ؛ فهو أطول الأنبياء عمرًا، ولذلك قيل: هو شيخُ المرسلين.

[15] ﴿فَأَنجَيۡنَٰهُ وَأَصۡحَٰبَ ٱلسَّفِينَةِ وَجَعَلۡنَٰهَآ ءَايَةٗ لِّلۡعَٰلَمِينَ 15﴾:

أخبَرَ جل وعلا أنه نجَّى نوحًا والذين آمنوا معه ممن ركبوا السفينة؛ من الغرق والهلاك، وجعَلَ قصتهم آيةً وعبرةً للعالمين يعتبرون بها.

[16] ﴿وَإِبۡرَٰهِيمَ إِذۡ قَالَ لِقَوۡمِهِ ٱعۡبُدُواْ ٱللَّهَ وَٱتَّقُوهُۖ ذَٰلِكُمۡ خَيۡرٞ لَّكُمۡ إِن كُنتُمۡ تَعۡلَمُونَ 16﴾:

واذكُرْ -أيها النبي- يوم أن قال إبراهيم عليه السلام لقومه: أخْلِصوا العبادة لله وحده، واتَّقوه جل وعلا بفعل أوامره واجتناب معاصيه، واعلموا أن عبادة الله وتقواه خيرٌ لكم من كل متع الدنيا وزخرفها؛ إن كنتم تعلمون وتميِّزون بين الخير والشر. وإبراهيم عليه السلام هو أبو الأنبياء الذين أتَوْا بعد وفاته، وهو الذي جادل النمرود الذي ادَّعى الألوهية، وهو الذي حطَّم الأصنام وكسرها بيديه، ثم حكموا عليه بالإحراق، فأضرموا عليه النار، ثم لهولها ولحرارتها لم يستطيعوا القُرْبَ منها؛ فجعلوه في منجنيق ورمَوْهُ في قلبها؛ ولكنه عليه السلام بفضل الله ورحمته خرَجَ منها سالمًا لم يُمَسَّ بسوء، فانبهر النمرود وقومه ومع ذلك لم يُسْلِموا، ثم تضايق والده من إلحاح إبراهيم عليه، فقال: ﴿لَئِن لَّمۡ تَنتَهِ لَأَرۡجُمَنَّكَۖ وَٱهۡجُرۡنِي مَلِيّٗا﴾ [مريم:46]؛ فذهب هو وزوجته وابن أخيه لُوطٌ عليهما السلام من العراق، إلى الشام وفلسطين، ثم إلى مصر، وقصته كلها كفاح ومواقف جهادية سطَّرها القرآن، وكافأه الله في الدنيا بأنْ جعله أُمَّةً وأسوةً لمن يأتي بعده، وقد رفع الله ذكره وأجاب طلبه إلا في الغفران لأبيه؛ إذ قال: ﴿رَبِّ هَبۡ لِي حُكۡمٗا وَأَلۡحِقۡنِي بِٱلصَّٰلِحِينَ 83 وَٱجۡعَل لِّي لِسَانَ صِدۡقٖ فِي ٱلۡأٓخِرِينَ 84 وَٱجۡعَلۡنِي مِن وَرَثَةِ جَنَّةِ ٱلنَّعِيمِ 85 وَٱغۡفِرۡ لِأَبِيٓ إِنَّهُۥ كَانَ مِنَ ٱلضَّآلِّينَ 86 وَلَا تُخۡزِنِي يَوۡمَ يُبۡعَثُونَ 87 يَوۡمَ لَا يَنفَعُ مَالٞ وَلَا بَنُونَ 88 إِلَّا مَنۡ أَتَى ٱللَّهَ بِقَلۡبٖ سَلِيمٖ89﴾ [الشعراء:٨٣-٨9]، وها نحن من الآخِرِينَ الذين نُشِيدُ بمواقفه الجهادية ونصلِّي ونسلِّم عليه، ثم أنعَمَ الله عليه أن جعل الأنبياء من بعده من ذريته؛ لأنهم -أي: الأولاد- يَخْلُفونهم خلافةً صالحةً، فيدعون لهم، ويذكِّرونهم دومًا بذكر مواقفهم المشرِّفة، وجعَلَهُ الله من الذين وصلوا إلى كمال الصلاح، وجعَلَهُ وابنه إسماعيل يجدِّدان الكعبة ويرفعانها حيث انطمَسَتْ بسبب الرياح والأمطار ومرور الزمن؛ فأرشده الله إلى قواعدها.

[17] ﴿إِنَّمَا تَعۡبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ أَوۡثَٰنٗا وَتَخۡلُقُونَ إِفۡكًاۚ إِنَّ ٱلَّذِينَ تَعۡبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ لَا يَمۡلِكُونَ لَكُمۡ رِزۡقٗا فَٱبۡتَغُواْ عِندَ ٱللَّهِ ٱلرِّزۡقَ وَٱعۡبُدُوهُ وَٱشۡكُرُواْ لَهُۥٓۖ إِلَيۡهِ تُرۡجَعُونَ 17﴾:

ثم أخبَرَ سبحانه أن إبراهيم عليه السلام قال لقومه: إن هذه الأصنام التي تعبدونها من دون الله أنتم الذين صنَعْتُموها بأيديكم؛ فكيف تعبدونها؟! وأنتم تعلمون أن هذه الأصنام لا تستطيع رزقكم، ولا نفعكم أو ضرَّكم؛ فلذلك عليكم أن تلتمسوا الرزق وتطلبوه من الله الرزَّاق الذي بيده خزائن السموات والأرض، وأيضًا عليكم أن تُخْلِصوا له العبادة بالتوحيد، وأن تشكروه وحده وتُثْنوا عليه؛ فإنكم راجعون إليه يوم القيامة؛ فيجازيكم على أعمالكم، ويحاسبكم عليها.

[18] ﴿وَإِن تُكَذِّبُواْ فَقَدۡ كَذَّبَ أُمَمٞ مِّن قَبۡلِكُمۡۖ وَمَا عَلَى ٱلرَّسُولِ إِلَّا ٱلۡبَلَٰغُ ٱلۡمُبِينُ 18﴾:

وإن تكذِّبوا -يا أهل مكَّة- بآيات الله، وتجحدوا رسوله ﷺ، فقد سبقكم أقوامٌ إلى ذلك بتكذيب رسلهم؛ فكان جزاؤهم الهلاك والخسران المبين، وليس على رسولنا سوى أن يبلِّغكم البلاغ البين الواضح، فتقوم عليكم به الحجَّة.

[19] ﴿أَوَلَمۡ يَرَوۡاْ كَيۡفَ يُبۡدِئُ ٱللَّهُ ٱلۡخَلۡقَ ثُمَّ يُعِيدُهُۥٓۚ إِنَّ ذَٰلِكَ عَلَى ٱللَّهِ يَسِيرٞ 19﴾:

أولم يَرَ هؤلاء المكذِّبون بالبعث، كيف أوجد الله الخلق بعد العدم، ثم يُفْنيه، ثم يعيده مرة أخرى يوم القيامة للجزاء والحساب؟! إن ذلك البعث يسيرٌ سهلٌ على الله جل في علاه؛ لأنه سبحانه إذا أراد شيئًا، قال له: (كن) فيكون.

[20] ﴿قُلۡ سِيرُواْ فِي ٱلۡأَرۡضِ فَٱنظُرُواْ كَيۡفَ بَدَأَ ٱلۡخَلۡقَۚ ثُمَّ ٱللَّهُ يُنشِئُ ٱلنَّشۡأَةَ ٱلۡأٓخِرَةَۚ إِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ قَدِيرٞ 20﴾:

وقل -أيها النبي- للمكذِّبين: سيروا وامشوا في الأرض بأبدانكم، وتفكَّروا بقلوبكم وعقولكم، وانظروا كيف ابتدأ الله الخلق، وأوجده بعد العدم؟! ثم إن الله يُفْنِيهم، ثم يعيد إنشاءهم وإيجادهم مرَّةً أخرى؛ فالذي أنشأهم أول مرة لا يتعذَّر عليه إعادتهم مرَّةً أخرى، فالله تعالى لا يُعْجِزه شيء، وهو على كل شيء قدير.

[21] ﴿يُعَذِّبُ مَن يَشَآءُ وَيَرۡحَمُ مَن يَشَآءُۖ وَإِلَيۡهِ تُقۡلَبُونَ 21﴾:

ثم أخبَرَ جل وعلا أنه هو وحده سبحانه الذي يعذِّب من يشاء من المشركين والعصاة بعَدْله، ويرحم من يشاء من الموحِّدين والطائعين برحمته وفضله، وإليه جميعًا مرجعكم ومآلكم؛ فيجازيكم على أعمالكم، ويحاسبكم عليها.

[22] ﴿وَمَآ أَنتُم بِمُعۡجِزِينَ فِي ٱلۡأَرۡضِ وَلَا فِي ٱلسَّمَآءِۖ وَمَا لَكُم مِّن دُونِ ٱللَّهِ مِن وَلِيّٖ وَلَا نَصِيرٖ 22﴾:

واعلموا -يا من كذَّبتم بالبعث- أنكم لا تُعْجزون الله، ولا تفوتونه في الأرض ولا في السماء، وليس لكم أحدٌ يواليكم، وينصُرُكم ويدفع عنكم عذاب الله وسخطه. وإنكارُهُمْ للبعث يدُلُّ على هروبهم من حساب الله وعذابه.

[23] ﴿وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِـَٔايَٰتِ ٱللَّهِ وَلِقَآئِهِۦٓ أُوْلَٰٓئِكَ يَئِسُواْ مِن رَّحۡمَتِي وَأُوْلَٰٓئِكَ لَهُمۡ عَذَابٌ أَلِيمٞ 23﴾:

والذين كفروا بآيات الله الدالَّة على وحدانيته، وكذَّبوا رُسُل الله، فأولئك لم يبقَ لهم مطمعٌ ولا رجاءٌ في رحمة الله؛ لأنهم لم يعملوا بمقتضاها؛ بل عملوا بخلافها، وأقاموا على ذلك؛ فلهم في الآخرة عذابٌ مؤلِمٌ موجِع.

[24] ﴿فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوۡمِهِۦٓ إِلَّآ أَن قَالُواْ ٱقۡتُلُوهُ أَوۡ حَرِّقُوهُ فَأَنجَىٰهُ ٱللَّهُ مِنَ ٱلنَّارِۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَأٓيَٰتٖ لِّقَوۡمٖ يُؤۡمِنُونَ 24﴾:

فما كان رَدُّ قوم إبراهيم بعد أن دعاهم إلى التوحيد، ونَبْذِ عبادة الأصنام، إلا أن قال بعضهم لبعض: اقتلوا إبراهيم، أو حرِّقوه بالنار، وقرَّروا إحراقه وأضرموا النار وألقوه فيها، ولكنَّ الله أنجاه من النار؛ إن في ذلك لآياتٍ بيناتٍ وعلاماتٍ واضحاتٍ على صحَّة ما دعا قومه إليه، وهذه الآياتُ إنما ينتفع بها المؤمنون المصدِّقون بالله ورُسُله.

[25] ﴿وَقَالَ إِنَّمَا ٱتَّخَذۡتُم مِّن دُونِ ٱللَّهِ أَوۡثَٰنٗا مَّوَدَّةَ بَيۡنِكُمۡ فِي ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَاۖ ثُمَّ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ يَكۡفُرُ بَعۡضُكُم بِبَعۡضٖ وَيَلۡعَنُ بَعۡضُكُم بَعۡضٗا وَمَأۡوَىٰكُمُ ٱلنَّارُ وَمَا لَكُم مِّن نَّٰصِرِينَ 25﴾:

وكان من جملة ما وعَظَ إبراهيم به قومه أن قال لهم: إن هذه الأوثان التي تعبدونها في الدنيا تودُّونها ويَوَدُّ بعضكم بعضًا في الدنيا على الاجتماع حولها، ثم يوم القيامة سيكُفُر بعضكم ببعض، ويلعن بعضكم بعضًا، وسيتبرَّأ العابد من المعبود، والمعبود من العابد؛ قال تعالى: ﴿ٱلۡأَخِلَّآءُ يَوۡمَئِذِۭ بَعۡضُهُمۡ لِبَعۡضٍ عَدُوٌّ إِلَّا ٱلۡمُتَّقِينَ﴾ [الزخرف:٦٧]، ثم يكون مكانكم ومستقرُّكم نارَ جهنَّم تُعذَّبون فيها، وليس لكم مَنْ ينصُرُكم، ولا مَنْ يدفع عنكم.

[26] ﴿فَـَٔامَنَ لَهُۥ لُوطٞۘ وَقَالَ إِنِّي مُهَاجِرٌ إِلَىٰ رَبِّيٓۖ إِنَّهُۥ هُوَ ٱلۡعَزِيزُ ٱلۡحَكِيمُ 26﴾:

أخبَرَ جل وعلا أن لُوطًا عليه السلام آمَنَ بدعوة إبراهيم واتَّبعه، ثم قال إبراهيم: إني تاركٌ أرضَ قومي، ومهاجرٌ للدعوة إلى الله وإلى عبادة ربي وتوحيده؛ إن ربي هو العزيزُ الغالبُ الذي لا غالب له، وهو الحكيمُ الذي وضع كل شيء في موضعه سبحانه جلَّ في عُلاه.

[27] ﴿وَوَهَبۡنَا لَهُۥٓ إِسۡحَٰقَ وَيَعۡقُوبَ وَجَعَلۡنَا فِي ذُرِّيَّتِهِ ٱلنُّبُوَّةَ وَٱلۡكِتَٰبَ وَءَاتَيۡنَٰهُ أَجۡرَهُۥ فِي ٱلدُّنۡيَاۖ وَإِنَّهُۥ فِي ٱلۡأٓخِرَةِ لَمِنَ ٱلصَّٰلِحِينَ 27﴾:

وبعدما هاجَرَ إبراهيم عليه السلام إلى الشام، أعطاه الله الذُّريَّةَ الصالحة؛ فما من نبيٍّ أُرسِلَ بعد ذلك إلا كان من ذريته، فكان من ذريته: إسماعيلُ عليه السلام جَدُّ نبي الرحمة محمد ﷺ خاتم النبيين، ومن ذريته أيضًا: إسحاق، ويعقوب، ثم أخبَرَ سبحانه أنه أعطى إبراهيم أَجْرَهُ وثوابه في الدنيا بالذريَّةِ الصالحة، والرفعة والذَّكْر الحسن، وجعله في الآخرة من الصالحين لأعلى المنازل وأسماها.

[28] ﴿وَلُوطًا إِذۡ قَالَ لِقَوۡمِهِۦٓ إِنَّكُمۡ لَتَأۡتُونَ ٱلۡفَٰحِشَةَ مَا سَبَقَكُم بِهَا مِنۡ أَحَدٖ مِّنَ ٱلۡعَٰلَمِينَ 28﴾:

واذكر -أيها النبي- لقومك قصَّة لوطٍ عليه السلام مع قومه يومَ أن قال لهم: إنكم لتفعلون فَعْلةً قبيحةً بشعةً لم يسبقكم إليها أحدٌ من الناس.

[29] ﴿أَئِنَّكُمۡ لَتَأۡتُونَ ٱلرِّجَالَ وَتَقۡطَعُونَ ٱلسَّبِيلَ وَتَأۡتُونَ فِي نَادِيكُمُ ٱلۡمُنكَرَۖ فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوۡمِهِۦٓ إِلَّآ أَن قَالُواْ ٱئۡتِنَا بِعَذَابِ ٱللَّهِ إِن كُنتَ مِنَ ٱلصَّٰدِقِينَ 29﴾:

ثم بيَّن سبحانه أنهم يأتون فاحشة عظيمة، وهي أنهم يأتون الرجال في أدبارهم، ويقطعون طريق المسافر الذي يَمُرُّ بهم: إما بفعل الفاحشة فيه، وإما بسَلْبه ونَهْبه؛ فانقطع سبيل المسافرين بسبب أفعالهم القبيحة، ويأتون في مجامعهم ونواديهم الأفعال المستنكرة والمستقبحة المُخِلَّةَ بالأدب كالضُّرَاط، ورَمْيِ المارَّةِ بالأقوال السيئة، ونحو ذلك!

وقد سألت والدي رحمه الله -وكان يدرس التفسير-: ما المنكَرَ الذي كانوا يأتونه في ناديهم؟ فقال: كان بعضهم يُسْمِعُ ضُرَاطَهُ للآخرين في مجالسهم العامَّة. وبعد أنه نصحهم لوط عليه السلام، فما كان جوابهم إلا أن قالوا على سبيل الغطرسةِ والكِبْرِ واللامبالاةِ: فأْتِنا -يا لوط- بعذاب الله؛ إن كنتَ صادقًا فيما تدعيه من النبوَّة، وقالوا في سورة الشعراء: ﴿قَالُواْ لَئِن لَّمۡ تَنتَهِ يَٰلُوطُ لَتَكُونَنَّ مِنَ ٱلۡمُخۡرَجِينَ 167﴾ [الشعراء:١٦٧].

[30] ﴿قَالَ رَبِّ ٱنصُرۡنِي عَلَى ٱلۡقَوۡمِ ٱلۡمُفۡسِدِينَ 30﴾:

فما كان من لُوطٍ عليه السلام إلا أن دعا ربَّه أن ينصُرَهُ ويُظهِرَهُ على هؤلاء القوم المفسدين في الأرض بالشرك، وبقبيح المعاصي، وشنيع المنكرات.

[31] ﴿وَلَمَّا جَآءَتۡ رُسُلُنَآ إِبۡرَٰهِيمَ بِٱلۡبُشۡرَىٰ قَالُوٓاْ إِنَّا مُهۡلِكُوٓاْ أَهۡلِ هَٰذِهِ ٱلۡقَرۡيَةِۖ إِنَّ أَهۡلَهَا كَانُواْ ظَٰلِمِينَ 31﴾:

ثم أخبَرَ سبحانه أن الملائكة جاءت حاملةً البُشْرى لإبراهيم عليه السلام بالذريَّة الصالحة؛ حيث بشَّروه بإسحاق ويعقوب، وقالوا له: إنا سنُهلِكُ أهل قرية قوم لُوط؛ لأن أهل هذه القرية تجاوزوا حدودهم؛ وظلموا أنفسَهم بالشرك، وقبيح المعاصي. ولكنَّ إبراهيم عليه السلام لكثرة الملائكة شعَرَ أنهم مكلَّفون بأمر أكبر من هذه البشارة؛ فسألهم بعد هذه البشارة، قائلًا لهم كما في سورة الذاريات: ﴿قَالَ فَمَا خَطۡبُكُمۡ أَيُّهَا ٱلۡمُرۡسَلُونَ﴾ [الذاريات:٣١].

[32] ﴿قَالَ إِنَّ فِيهَا لُوطٗاۚ قَالُواْ نَحۡنُ أَعۡلَمُ بِمَن فِيهَاۖ لَنُنَجِّيَنَّهُۥ وَأَهۡلَهُۥٓ إِلَّا ٱمۡرَأَتَهُۥ كَانَتۡ مِنَ ٱلۡغَٰبِرِينَ 32﴾:

ولكنَّ إبراهيم عليه السلام راجعهم فقال لهم: إن تلك القرية فيها نبيُّ الله لوطٌ، فقالوا له: نحن أعلم بمن فيها؛ فسوف ننجِّيه وأهله من العذاب والهلاك، إلا امرأته؛ فإنها ممن يشملهم العذاب.

[33] ﴿وَلَمَّآ أَن جَآءَتۡ رُسُلُنَا لُوطٗا سِيٓءَ بِهِمۡ وَضَاقَ بِهِمۡ ذَرۡعٗاۖ وَقَالُواْ لَا تَخَفۡ وَلَا تَحۡزَنۡ إِنَّا مُنَجُّوكَ وَأَهۡلَكَ إِلَّا ٱمۡرَأَتَكَ كَانَتۡ مِنَ ٱلۡغَٰبِرِينَ 33﴾:

ثم إن الملائكة جاءت إلى لُوطٍ عليه السلام في صورة بشرٍ يستضيفون عنده؛ فحَزِنَ لذلك أشدَّ الحزن، وخاف عليهم من فجور قومه بهم، فأخبروه أنهم رُسُلُ الله وملائكته، وقالوا له: لا تَخَفْ علينا من قومك، ولا تحزن؛ فإنا منجُّوك وأهلك من العذاب والهلاك الذي سيَحُلُّ بقومك، إلا امرأتك؛ فإنها ممن يشملهم العذاب.

[34] ﴿إِنَّا مُنزِلُونَ عَلَىٰٓ أَهۡلِ هَٰذِهِ ٱلۡقَرۡيَةِ رِجۡزٗا مِّنَ ٱلسَّمَآءِ بِمَا كَانُواْ يَفۡسُقُونَ 34﴾:

واعلم -يا لوط- أنا مُنْزِلُونَ على أهل هذه القرية عذابًا من السماء -وهو رميهم بحجارة من سِجِّيلٍ- بسبب فِسْقهم وخروجهم عن توحيد الله وطاعته، ثم قلَبَ الملائكة قريتهم عليهم.

[35] ﴿وَلَقَد تَّرَكۡنَا مِنۡهَآ ءَايَةَۢ بَيِّنَةٗ لِّقَوۡمٖ يَعۡقِلُونَ 35﴾:

ثم أخبَرَ جل وعلا أنه جعل من هذه القرية آثارًا بيِّنةً واضحةً تدُلُّ على ما حلَّ بهم من الدمار والهلاك؛ لينتفع بذلك المنتفعون، ويتَّعظ بذلك أصحابُ العقول الراجحة، والفِطَرِ السليمة.

[36] ﴿وَإِلَىٰ مَدۡيَنَ أَخَاهُمۡ شُعَيۡبٗا فَقَالَ يَٰقَوۡمِ ٱعۡبُدُواْ ٱللَّهَ وَٱرۡجُواْ ٱلۡيَوۡمَ ٱلۡأٓخِرَ وَلَا تَعۡثَوۡاْ فِي ٱلۡأَرۡضِ مُفۡسِدِينَ 36﴾:

ثم أخبَرَ سبحانه أنه أرسل إلى مَدْيَنَ أخاهم شعيبًا، فدعاهم إلى الإيمان والتوحيد، وقال لهم: يا قوم، وحِّدوا الله، وأفردوه بالعبادة، ولا تُشْركوا به شيئًا، وآمنوا باليوم الآخر، وخافوا من أهواله وشدائده، واطمعوا في ثواب الله وفضله، ولا تُفْسدوا بأعمالكم في الأرض.

[37] ﴿فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَتۡهُمُ ٱلرَّجۡفَةُ فَأَصۡبَحُواْ فِي دَارِهِمۡ جَٰثِمِينَ 37﴾:

ولكنَّ أهل مَدْيَنَ كذَّبوا نبيهم، ولم يؤمنوا بما جاءهم به؛ فعمَّهم الله بالعذاب، فأخذتهم الزلزلة الشديدة، فصرَعَتْهم، وأهلكتهم، فأصبحوا في دارهم جاثمين على ركبهم ميِّتين.

[38] ﴿وَعَادٗا وَثَمُودَاْ وَقَد تَّبَيَّنَ لَكُم مِّن مَّسَٰكِنِهِمۡۖ وَزَيَّنَ لَهُمُ ٱلشَّيۡطَٰنُ أَعۡمَٰلَهُمۡ فَصَدَّهُمۡ عَنِ ٱلسَّبِيلِ وَكَانُواْ مُسۡتَبۡصِرِينَ 38﴾:

ثم أخبَرَ جل في علاه أن عادًا وثمود كذَّبوا أيضًا برسلهم، ولم يؤمنوا بما جاؤوهم به، فعمَّهم الله بعذابه، ونزَلَ بهم عقابه، وبقيت آثارهم ومساكنهم شاهدةً على ما حلَّ بهم من العذاب والنكال، وكان الشيطان قد حسَّن لهم أعمالهم التي يعملونها من الشرك وتكذيب الرسل، فصدَّهم بذلك عن الطريق المستقيم الواضح بعد أن تبيَّن لهم وفهموه، ومع ذلك لم يهتدوا عنادًا وكِبْرًا، مع علمهم أن ما هم عليه باطلٌ وضلال، وأن الحق ما جاء به شعيب عليه السلام.

[39] ﴿وَقَٰرُونَ وَفِرۡعَوۡنَ وَهَٰمَٰنَۖ وَلَقَدۡ جَآءَهُم مُّوسَىٰ بِٱلۡبَيِّنَٰتِ فَٱسۡتَكۡبَرُواْ فِي ٱلۡأَرۡضِ وَمَا كَانُواْ سَٰبِقِينَ 39﴾:

وبعد أن ذكَرَ جل وعلا إهلاك الأمم المتكبِّرة العاصية التي آذت رسلها؛ كقوم لوط وهود وصالح، بيَّن سبحانه أن قارون وفرعون وهامان أيضًا كذَّبوا رسلهم، فأهلكهم الله، مع أن موسى عليه السلام جاءهم بالآيات البينات الدالَّات على صدق ما يدعوهم إليه؛ فقابلوا ذلك بالاستكبارِ والغَطْرسةِ والبَغْيِ في الأرض؛ مع علمهم أن ما جاء به موسى حقٌّ وصدق؛ ولذا أخبَرَ سبحانه أنهم استحقوا العذاب والهلاك، وأنهم لم يكونوا منه جل في علاه هاربين، ولا له مُعْجِزين.

[40] ﴿فَكُلًّا أَخَذۡنَا بِذَنۢبِهِۦۖ فَمِنۡهُم مَّنۡ أَرۡسَلۡنَا عَلَيۡهِ حَاصِبٗا وَمِنۡهُم مَّنۡ أَخَذَتۡهُ ٱلصَّيۡحَةُ وَمِنۡهُم مَّنۡ خَسَفۡنَا بِهِ ٱلۡأَرۡضَ وَمِنۡهُم مَّنۡ أَغۡرَقۡنَاۚ وَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيَظۡلِمَهُمۡ وَلَٰكِن كَانُوٓاْ أَنفُسَهُمۡ يَظۡلِمُونَ 40﴾:

ثم أخبَرَ جل وعلا أنَّ كلَّ أمة نالت نصيبَها من العذاب بما كسَبَتْ، وتنوَّعت نهاياتهم؛ فمنهم: مَنْ أرسل الله عليهم ريحًا شديدةً فأهلكتهم؛ كقوم عاد، ومنهم: من أخذته الصيحة؛ كقوم صالح، ومنهم: من خسَفَ الله به الأرض؛ كقارون، ومنهم: من أغرقه الله؛ كقوم نوح، وكفرعون وجنوده، ثم بيَّن سبحانه أنه لم يظلم هذه الأقوام بما فعَلَ بهم من العذاب والهلاك؛ لأنه عذَّبهم جل وعلا بسبب ما ظلموا به أنفسهم من ارتكاب الشرك والكفر والمعاصي، والإصرار على ذلك. وقد أخبَرَ سبحانه أنه حرَّم الظلم على نفسه وجعله بين الناس محرَّمًا؛ فقال تعالى في الحديث القدسي: «يَا عِبَادِي، إِنِّي حَرَّمْتُ الظُّلْمَ عَلَى نَفْسِي، وَجَعَلْتُهُ بَيْنَكُمْ مُحَرَّمًا؛ فَلَا تَظَالَمُوا...»([5])، ولا شك أن ذِكْرَ الله لهذه الأمم وما آلوا إليه من الكفر والاستكبار ومعاداة الهداة المرسلين هو تحذيرٌ وتنفيرٌ لمن حذا حَذْوهم، وإعلامٌ لهم أن مآلهم سيكون مثلهم. [5] أخرجه مسلم (2577)، عن أبي ذررضي الله عنه.

[41] ﴿مَثَلُ ٱلَّذِينَ ٱتَّخَذُواْ مِن دُونِ ٱللَّهِ أَوۡلِيَآءَ كَمَثَلِ ٱلۡعَنكَبُوتِ ٱتَّخَذَتۡ بَيۡتٗاۖ وَإِنَّ أَوۡهَنَ ٱلۡبُيُوتِ لَبَيۡتُ ٱلۡعَنكَبُوتِۚ لَوۡ كَانُواْ يَعۡلَمُونَ 41﴾:

واعلموا -أيها الناس- أن هؤلاء المشركين الذين اتخذوا الأصنام والأوثان من دون الله أولياءَ يرجون نَصْرها ونَفْعها، حالهم كحال العنكبوت التي صنَعَتْ لها بيتًا، ولكنه بيتٌ ضعيف مهلهل، لا يقيها من حر الصيف ولا برد الشتاء، وهكذا الأصنامُ لا تنفع مَنْ يدعوها؛ فإنها حجارة لا تنفع ولا تضر، ولن تكون سببًا في نجاة عابديها يوم القيامة، بل ستتبرَّأ منهم، وستكون سببًا في هلاكهم، وكذلك أولياؤهم من الصالحين يتبرَّؤون منهم، ثم بيَّن سبحانه أنه لو كان هؤلاء المشركون يعلمون حقيقة العلم أن عبادتهم لهذه الأصنام والأوثان لا تُغْني عنهم شيئًا، وأنها تشبه بيت العنكبوت في عدَمِ الانتفاع ببيتها الواهي-: لَمَا رَضُوا بعبادة غير الله، ولَمَا تركوا عبادة الله الذي بيده كل شيء، وإليه المصير، ولتبرَّؤوا من تلك الأصنام التي لا تضُرُّ ولا تنفع، ولكنَّ إصرارهم على الكفر والعناد أعمى أبصارهم، فاستمروا على كفرهم وضلالهم.

[42] ﴿إِنَّ ٱللَّهَ يَعۡلَمُ مَا يَدۡعُونَ مِن دُونِهِۦ مِن شَيۡءٖۚ وَهُوَ ٱلۡعَزِيزُ ٱلۡحَكِيمُ 42﴾:

واعلموا أن الله جل في علاه له غَيْبُ السموات والأرض، يعلم حال الآلهة التي يدعونها ويعبدونها من دون الله، وأنها لا تضر ولا تنفع، ويعلم حال المشركين العابدين لهذه الآلهة الباطلة؛ فهو سبحانه لا يخفى عليه شيء من ذلك، وهو العزيزُ القهَّارُ الغالبُ الذي له القوَّة جميعًا، وهو الحكيمُ في ملكه وتدبيره، الذي يضع الأشياء في مواضعها.

[43] ﴿وَتِلۡكَ ٱلۡأَمۡثَٰلُ نَضۡرِبُهَا لِلنَّاسِۖ وَمَا يَعۡقِلُهَآ إِلَّا ٱلۡعَٰلِمُونَ 43﴾:

أخبَرَ جل وعلا أن هذه الأمثال التي يضربها للناس لينتفعوا بها ويتعلَّموا منها، ما يعقلها ويفهم المراد منها إلا أصحاب العقول النبيهة والفاهمة، وفي هذا ثناء على العلماء بأنهم هم الذين يستفيدون من الأمثال، ويُدْرِكون ما تنطوي عليه.

[44] ﴿خَلَقَ ٱللَّهُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضَ بِٱلۡحَقِّۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَأٓيَةٗ لِّلۡمُؤۡمِنِينَ 44﴾:

واعلموا -أيها الناس- أن الله جل في علاه تفرَّد بخَلْقِ السموات والأرض بالعدل والقسط، وفي هذا دلالةٌ وعلامةٌ واضحةٌ على حِكْمته وقدرته، وعلمه سبحانه، ولا يستفيد من مثل هذه الآيات إلا المؤمنون الذين يؤمنون بالله ورُسُله.

[45] ﴿ٱتۡلُ مَآ أُوحِيَ إِلَيۡكَ مِنَ ٱلۡكِتَٰبِ وَأَقِمِ ٱلصَّلَوٰةَۖ إِنَّ ٱلصَّلَوٰةَ تَنۡهَىٰ عَنِ ٱلۡفَحۡشَآءِ وَٱلۡمُنكَرِۗ وَلَذِكۡرُ ٱللَّهِ أَكۡبَرُۗ وَٱللَّهُ يَعۡلَمُ مَا تَصۡنَعُونَ 45﴾:

أمَرَ جل وعلا نبيه محمَّدًا ﷺ أن يستمر في تلاوة ما أنزَلَ الله عليه من هذا القرآن بتدبُّر واعتبار، وأن يمتثل أوامره، ويجتنب نواهيه، وأمره سبحانه أن يقيم الصلاة في وقتها بكامل أركانها وواجباتها بخشوع وخضوع؛ لأن المحافظة على الصلاة تنهي صاحبها عن الوقوع في الفساد بكل أنواعه، كما أمره جل شأنه أن يُكْثِرَ من ذكر الله في الصلاة وفي جميع أحواله؛ فإنَّ ذِكْرَ الله أكبر وأفضل وأعظم الأعمال، وأمرُهُ سبحانه لنبيه ﷺ بهذه الأعمال ليبلِّغ أمته؛ لأن هذا مقتضى رسالته ﷺ، واعلموا -أيها الناس- أن الله يعلم ما تصنعون من خير أو شر، وسيجازيكم سبحانه على أعمالكم؛ إنْ خيرًا فخير، وإنْ شرًّا فشرّ.

[46] ﴿وَلَا تُجَٰدِلُوٓاْ أَهۡلَ ٱلۡكِتَٰبِ إِلَّا بِٱلَّتِي هِيَ أَحۡسَنُ إِلَّا ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنۡهُمۡۖ وَقُولُوٓاْ ءَامَنَّا بِٱلَّذِيٓ أُنزِلَ إِلَيۡنَا وَأُنزِلَ إِلَيۡكُمۡ وَإِلَٰهُنَا وَإِلَٰهُكُمۡ وَٰحِدٞ وَنَحۡنُ لَهُۥ مُسۡلِمُونَ 46﴾:

أمَرَ جل وعلا المؤمنين أن يناقشوا اليهود والنصارى بالأسلوبِ الحَسَن، والقولِ الجميل؛ بعيدًا عن الفُحْش في القول والسب والاستهزاء؛ إلا إذا تركوا الأدب وأساؤوا، وعاندوا وكابروا، فقَابِلوهم بنفس الأسلوب من الغِلْظة والشدة، وقولوا لهم: إننا آمنَّا بهذا القرآن الذي أُنزِلَ علينا، وآمنَّا أيضًا بالتوراة والإنجيل التي أُنزِلَتْ عليكم؛ لأن إلهنا وإلهكم واحد لا شريك له؛ لا في ذاته، ولا في ألوهيته، ولا في ربوبيته، ولا في أسمائه وصفاته، ونحن جميعًا خاضعون مطيعون له وحده فيما أمَرَنا ونهانا، ممتثلون ما بلَّغت به رسله. وأَمْرُهُ سبحانه وتعالى المؤمنين بعدَمِ مجادلة اليهود والنصارى إلا بالتي هي أحسن، يَشمَلُ أيضًا غيرهم من أصحاب الأديان والفرق، والأهواء والملل، والمذاهب والأفكار.

[47] ﴿وَكَذَٰلِكَ أَنزَلۡنَآ إِلَيۡكَ ٱلۡكِتَٰبَۚ فَٱلَّذِينَ ءَاتَيۡنَٰهُمُ ٱلۡكِتَٰبَ يُؤۡمِنُونَ بِهِۦۖ وَمِنۡ هَٰٓؤُلَآءِ مَن يُؤۡمِنُ بِهِۦۚ وَمَا يَجۡحَدُ بِـَٔايَٰتِنَآ إِلَّا ٱلۡكَٰفِرُونَ 47﴾:

وكما أنزلنا الكُتُبَ على الرسل من قبلك -أيها النبي- أنزَلْنا عليك هذا القرآن العظيم؛ فالراسخون في العلم من أهل الكتاب ممَّن نزَلَتْ عليهم التوراة والإنجيل -كعبد الله بن سَلَام- يؤمنون بالقرآن، وأنه حقٌّ من عند الله، وأيضًا من هؤلاء العرب من قريشٍ وغيرهم من يؤمن بالقرآن ويصدِّق به، وما يجحد بآياتنا وينكرها إلا القوم المعتدون، المجاوزون لحدودهم.

[48] ﴿وَمَا كُنتَ تَتۡلُواْ مِن قَبۡلِهِۦ مِن كِتَٰبٖ وَلَا تَخُطُّهُۥ بِيَمِينِكَۖ إِذٗا لَّٱرۡتَابَ ٱلۡمُبۡطِلُونَ 48﴾:

وليعلم هؤلاء المشركون أن مما يدُلُّ على صحة هذا القرآن، وأنه منزَّلٌ من عند الله: أنك -أيها النبي- لم تكن تعرف القراءة والكتابة قبل نزول هذا القرآن، ولو كنت تعرفها، لاتَّهمك المبطِلون، وتخرَّص المتخرِّصون: أنك تعلَّمته أو نقلته من الكتب السابقة.

[49] ﴿بَلۡ هُوَ ءَايَٰتُۢ بَيِّنَٰتٞ فِي صُدُورِ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلۡعِلۡمَۚ وَمَا يَجۡحَدُ بِـَٔايَٰتِنَآ إِلَّا ٱلظَّٰلِمُونَ 49﴾:

ثم بيَّن سبحانه وتعالى لنبيه ﷺ: أن هذا القرآن آياتٌ بيِّنات واضحاتٌ في صدور أهل العلم، وليس كما يزعُمُ المبطلون أنه أساطير الأوَّلين، ثم بيَّن جل شأنه أنه ما يكذِّبُ بآيات الله، ويشكِّكُ فيها، ويجحدها إلا القوم الظالمون المعتدون، المتجاوزون لحدودهم في الكفر والطغيان.

[50] ﴿وَقَالُواْ لَوۡلَآ أُنزِلَ عَلَيۡهِ ءَايَٰتٞ مِّن رَّبِّهِۦۚ قُلۡ إِنَّمَا ٱلۡأٓيَٰتُ عِندَ ٱللَّهِ وَإِنَّمَآ أَنَا۠ نَذِيرٞ مُّبِينٌ 50﴾:

وعندما بدأ المشركون في التعنُّت باقتراح نزول آياتٍ بعينها، أمَرَ جل وعلا نبيه محمدًا ﷺ أن يقول لهم: إن أَمْرَ إنزال هذه الآيات لله؛ إنْ شاء أنزلها، وإنْ شاء منعها، وما أنا إلا نذيرٌ لكم، أحذِّركم عاقبةَ ظُلْمكم وشِرْككم وتكذيبكم.

[51] ﴿أَوَلَمۡ يَكۡفِهِمۡ أَنَّآ أَنزَلۡنَا عَلَيۡكَ ٱلۡكِتَٰبَ يُتۡلَىٰ عَلَيۡهِمۡۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَرَحۡمَةٗ وَذِكۡرَىٰ لِقَوۡمٖ يُؤۡمِنُونَ 51﴾:

وبعد أن قال هؤلاء المشركون المكذِّبون ما قالوا، قال الله لهم: أولم يَكْفِهم أن يكون هذا القرآن -الذي يُتْلى عليهم- آيةً ومعجزةً لهم؟! واعلموا -أيها الناس- أن في إنزال هذا القرآن رحمةً وموعظةً وذكرى لقومٍ يؤمنون بالله، ويتَّبعون رُسُلَه، وأنه أكبر معجزات النبي ﷺ.

[52] ﴿قُلۡ كَفَىٰ بِٱللَّهِ بَيۡنِي وَبَيۡنَكُمۡ شَهِيدٗاۖ يَعۡلَمُ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۗ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ بِٱلۡبَٰطِلِ وَكَفَرُواْ بِٱللَّهِ أُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡخَٰسِرُونَ 52﴾:

وقل -أيها النبي- لهؤلاء المشركين: إنه يكفيني أن يكون الله شاهدًا على ما وقَعَ بيني وبينكم؛ فقد جئتكم بالحق مِنْ ربكم، وأبلَغْتُكم ما أُرسِلْتُ به إليكم، ولكنكم كذَّبتموني، وعاندتم، ولم تؤمنوا، والله الشاهد على ذلك، يعلم ما في السموات والأرض، لا تخفى عليه خافية، واعلموا -يا قوم- أن الذين اتَّبعوا الباطل، وجحدوا بالحق، وكَفَروا بالله ورسله؛ هم الخاسرون خَسَارةً حقيقيةً، لا خسارةَ أعظَمُ منها.

[53] ﴿وَيَسۡتَعۡجِلُونَكَ بِٱلۡعَذَابِ وَلَوۡلَآ أَجَلٞ مُّسَمّٗى لَّجَآءَهُمُ ٱلۡعَذَابُۚ وَلَيَأۡتِيَنَّهُم بَغۡتَةٗ وَهُمۡ لَا يَشۡعُرُونَ 53﴾:

ثم أخبَرَ سبحانه نبيه ﷺ أن قومه لم يكتفوا بتكذيبه، بل أضافوا إلى ذلك أنهم طلبوا منه على سبيل التهكُّم والسخرية والتحدِّي أن يستعجِلَ بنزولِ عذابِ الله أن يقَعَ عليهم، ثم بيَّن سبحانه أنه لولا موعدٌ محدَّدٌ لنزوله -لم يَحِنْ بعدُ- لجاءهم العذاب حين طلبهم إيَّاه، ولكنِ اعلموا -أيها الكفار- أن هذا العذاب سوف يأتيكم فجأةً، وأنتم لا تشعُرُونَ بمجيئه؛ فيدمِّركم، ويُهْلِككم.

[54] ﴿يَسۡتَعۡجِلُونَكَ بِٱلۡعَذَابِ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةُۢ بِٱلۡكَٰفِرِينَ 54﴾:

وكيف يستعجلونك -أيها النبي- بالعذاب وهو واقع بهم لا محالة، وأن العذاب سوف يحيط بهؤلاء الكافرين الجاحدين المكذِّبين من كلِّ جانب؛ فلا يستطيعون هَرَبًا، ولا يجدون لهم وليًّا ولا نصيرًا.

[55] ﴿يَوۡمَ يَغۡشَىٰهُمُ ٱلۡعَذَابُ مِن فَوۡقِهِمۡ وَمِن تَحۡتِ أَرۡجُلِهِمۡ وَيَقُولُ ذُوقُواْ مَا كُنتُمۡ تَعۡمَلُونَ 55﴾:

ثم بيَّن سبحانه أن هذا العذاب سوف يُحِيطُ بالكفار يوم القيامة من كل جهةٍ؛ فيغطِّيهم ويغمُرُهم، وتحتويهم النار مِنْ فوقهم ومن تحتهم، ثم يقولُ الله جلَّ في عُلاه: ذوقوا ما كنتم تعملون من الشرك والمعاصي، والتكذيب والاستهزاء، واستعجال العذاب.

[56] ﴿يَٰعِبَادِيَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ إِنَّ أَرۡضِي وَٰسِعَةٞ فَإِيَّٰيَ فَٱعۡبُدُونِ 56﴾:

ثم نادى جل في علاه عباده الذين آمنوا، وأَذِنَ لهم وأمَرَهم بالهجرة من أرض الشرك والظلم، وأخبَرَهم أن أرض الله واسعة، فليهاجروا فيها؛ ويخلصوا العبادة لله.

[57] ﴿كُلُّ نَفۡسٖ ذَآئِقَةُ ٱلۡمَوۡتِۖ ثُمَّ إِلَيۡنَا تُرۡجَعُونَ 57﴾:

ثم أخبَرَ سبحانه أن كلَّ نَفْسٍ لا بد أن تذوق الموت، وتَرْحَلَ عن هذه الدنيا، ومرجع الجميع إلى الله؛ ليجازي كلًّا بعمله.

[58] ﴿وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ لَنُبَوِّئَنَّهُم مِّنَ ٱلۡجَنَّةِ غُرَفٗا تَجۡرِي مِن تَحۡتِهَا ٱلۡأَنۡهَٰرُ خَٰلِدِينَ فِيهَاۚ نِعۡمَ أَجۡرُ ٱلۡعَٰمِلِينَ 58﴾:

ثم أخبر جل وعلا أن الذين آمنوا بالله، واتَّبعوا رسوله ﷺ، وانقادوا لأمره، فهاجروا في سبيله، سوف يُنْزِلهم الله في الجنة -دار النعيم المقيم- غُرَفًا عاليةً بديعةَ الجمال، تجري من تحتها الأنهار، وهم فيها خالدون ماكثون، لا يتحوَّلون عنها ولا يزولون، فنِعْمَ ذلك الإنزال في تلك الغُرَف، ونِعْمَ حال أصحابها الذين حَبَسوا أنفسهم عن مَلَاذِّ الدنيا وشهواتها؛ ابتغاء ما عند الله.

[59] ﴿ٱلَّذِينَ صَبَرُواْ وَعَلَىٰ رَبِّهِمۡ يَتَوَكَّلُونَ 59﴾:

ثم بيَّن سبحانه أن هؤلاء المؤمنين نالوا هذه الأجور العظيمة؛ لأنهم صبروا على مشاقِّ الهجرة والجهاد، وتمسَّكوا بدينهم، وتوكَّلوا على ربهم، واعتمدوا عليه، وفوَّضوا أمرهم إليه.

[60] ﴿وَكَأَيِّن مِّن دَآبَّةٖ لَّا تَحۡمِلُ رِزۡقَهَا ٱللَّهُ يَرۡزُقُهَا وَإِيَّاكُمۡۚ وَهُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلۡعَلِيمُ 60﴾:

واعلموا -أيها الناس- أنه كم مِن دابَّة ضعيفةٍ في الأرض، لا تستطيع حملَ رِزْقها، ولا ادِّخاره؛ تكفَّل الله برزقها، وبإيصاله إليها؟! كما تكفَّل الله برِزْقكم؛ فلا يَمْنَعَنَّكم من الهجرة خوفُكم من الفقر والفاقة؛ لأن الله قد تكفَّل برِزْقكم وبرزق سائر مخلوقاته؛ إن الله هو السميعُ لأقوالكم؛ فلا يخفى عليه شيء، العليمُ بكم وبنيَّاتكم وأحوالكم، وما تُكِنُّهُ صدوركم.

[61] ﴿وَلَئِن سَأَلۡتَهُم مَّنۡ خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضَ وَسَخَّرَ ٱلشَّمۡسَ وَٱلۡقَمَرَ لَيَقُولُنَّ ٱللَّهُۖ فَأَنَّىٰ يُؤۡفَكُونَ 61﴾:

ولئن سأَلْتَ -أيها النبي- هؤلاء المشركين: مَنْ خلَقَ السموات والأرض؟! ومن الذي سخَّر الشمسَ والقَمَر، وأحكَمَ سَيْرَهما بهذه الكيفية؟! لَيُجِيبُنَّكَ بقولهم: الله هو الذي خلَقَ السموات والأرض، وسخَّر الشمس والقمر، وما دام أن هذا جوابهم، فكيف يَصْرِفونَ العبادة لغيره، وهو الخالق المدبِّر لهذا الكون؟!

[62] ﴿ٱللَّهُ يَبۡسُطُ ٱلرِّزۡقَ لِمَن يَشَآءُ مِنۡ عِبَادِهِۦ وَيَقۡدِرُ لَهُۥٓۚ إِنَّ ٱللَّهَ بِكُلِّ شَيۡءٍ عَلِيمٞ 62﴾:

واعلموا أن الله سبحانه وتعالى هو الباسط القابض، يوسِّعُ الرزق لِمَنْ يشاء من عباده، ويضيِّقُهُ على من يشاء، كلُّ ذلك بحكمةٍ منه جل في علاه، وسواءٌ ضيَّق أو وسَّع عليه، فكلاهما ابتلاء واختبار؛ إن الله بكل شيء عليم.

[63] ﴿وَلَئِن سَأَلۡتَهُم مَّن نَّزَّلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءٗ فَأَحۡيَا بِهِ ٱلۡأَرۡضَ مِنۢ بَعۡدِ مَوۡتِهَا لَيَقُولُنَّ ٱللَّهُۚ قُلِ ٱلۡحَمۡدُ لِلَّهِۚ بَلۡ أَكۡثَرُهُمۡ لَا يَعۡقِلُونَ 63﴾:

ولئن سألتَهم -أيها النبي- مَنْ الذي أنزَلَ المطر من السماء، فأحيا به الأرض بعد قَحْطها وجَدْبها؟! لأجابوك قائلين: الله هو الذي أنزَلَ المطر، فقل حينها: الحمد لله على إقامة الحجَّة عليكم، واعلم أن أكثر هؤلاء الناس لا يُعْمِلُونَ عقولهم؛ فلو أعملوها، لعملوا بما ينجِّيهم.

[64] ﴿وَمَا هَٰذِهِ ٱلۡحَيَوٰةُ ٱلدُّنۡيَآ إِلَّا لَهۡوٞ وَلَعِبٞۚ وَإِنَّ ٱلدَّارَ ٱلۡأٓخِرَةَ لَهِيَ ٱلۡحَيَوَانُۚ لَوۡ كَانُواْ يَعۡلَمُونَ 64﴾:

واعلموا -أيها الناس- أن حقيقة هذه الحياة الدنيا ما هي إلا لهوٌ ولعب، ينشغِلُ بها كثيرٌ من الناس عن الدار الآخرة التي هي الحياةُ الحقيقيَّةُ الكاملةُ الباقية التي لا تزول، ولو كان الناس يعلمون حقيقة ذلك، لمَا آثروا الباقي على الفاني.

[65] ﴿فَإِذَا رَكِبُواْ فِي ٱلۡفُلۡكِ دَعَوُاْ ٱللَّهَ مُخۡلِصِينَ لَهُ ٱلدِّينَ فَلَمَّا نَجَّىٰهُمۡ إِلَى ٱلۡبَرِّ إِذَا هُمۡ يُشۡرِكُونَ 65﴾:

أخبَرَ جل وعلا أن المشركين إذا ركبوا السفينة، وسارت بهم في البحر، وتلاطَمَتْ بهم الأمواج، وأوشكوا على الغَرَق، واشتدَّ بهم الكَرْب، دَعَوُا الله ووحَّدوه مخلصين له العبادة، وتركوا جميع ما يُعْبَدُ من دون الله من الآلهة الباطلة، فلمَّا زالت عنهم الشدَّة، وسلّمهم الله، ونجَّاهم من الغرق، ورجعوا إلى البر، إذا هم يُشْرِكون معه في العبادة الآلهة الباطلة التي لا تنفع ولا تضرّ، وينسُبُونَ نجاتَهُمْ من الغَرَقِ إلى مهارة رُبَّانِ السفينة، ونجاتَهُمْ من الحوادث إلى مهارة قائد المركبة، ونجاتَهُمْ من المرض أو العملية الجراحية إلى خِبْرة الطبيب، ونحو ذلك، ويَنْسَوْنَ مسبِّب الأسباب، وهو الله جل في علاه.

[66] ﴿لِيَكۡفُرُواْ بِمَآ ءَاتَيۡنَٰهُمۡ وَلِيَتَمَتَّعُواْۚ فَسَوۡفَ يَعۡلَمُونَ 66﴾:

فلما نجَّى سبحانه هؤلاء المشركين من الغرق، فإذا بهم يُشْرِكون بالله الآلهة والأنداد؛ ليكون عاقبةُ إنقاذ الله لهم من الغَرَق هو الكُفْرَ به سبحانه، وبما أنعم عليهم من الأموال والأولاد والصِّحَّة وغيرها، فليتمتَّعوا في هذه الحياة الدنيا الزائلة مُتَعًا محدودة؛ فسوف يعلمون عاقبة شِرْكهم وكُفْرهم يوم الحساب والجزاء؛ وفي هذا تهديدٌ ووعيدٌ لهم.

[67] ﴿أَوَلَمۡ يَرَوۡاْ أَنَّا جَعَلۡنَا حَرَمًا ءَامِنٗا وَيُتَخَطَّفُ ٱلنَّاسُ مِنۡ حَوۡلِهِمۡۚ أَفَبِٱلۡبَٰطِلِ يُؤۡمِنُونَ وَبِنِعۡمَةِ ٱللَّهِ يَكۡفُرُونَ 67﴾:

ثم قال سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى: أولم يَرَ هؤلاء الكافرون أنَّا جعلناهم مُمَكَّنِينَ آمنين في بلدٍ آمنٍ لا يعتدي عليهم فيه أحد -دون غيره من البلاد- إذِ القتلُ والسلبُ والنهب والحروب تَتخطَّفُ الناس فيما حولهم من البلاد! أفبالباطل -وهو الشِّرْكُ وما يكرهه الله ويأباه- يؤمنون ويصدِّقون، وبنعمة الله وتوحيده يجحدون ويكذِّبون؟!

[68] ﴿وَمَنۡ أَظۡلَمُ مِمَّنِ ٱفۡتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ كَذِبًا أَوۡ كَذَّبَ بِٱلۡحَقِّ لَمَّا جَآءَهُۥٓۚ أَلَيۡسَ فِي جَهَنَّمَ مَثۡوٗى لِّلۡكَٰفِرِينَ 68﴾:

واعلموا -أيها الناس- أنه لا أحد أشدُّ ظلمًا، ولا أبشَعُ طريقةً مِنَ الذي يفتري الكذب على الله بادِّعاء شريكٍ له، أو كذَّب بالدِّينِ الحق لمَّا جاءه على أيدي أنبياء الله ورسله؛ إن في النار لَمَسْكَنًا ومستقَرًّا للكافرين الجاحدين.

[69] ﴿وَٱلَّذِينَ جَٰهَدُواْ فِينَا لَنَهۡدِيَنَّهُمۡ سُبُلَنَاۚ وَإِنَّ ٱللَّهَ لَمَعَ ٱلۡمُحۡسِنِينَ 69﴾:

ثم ختَمَ جل وعلا السورة في الحثِّ على الجهاد، وبَذْلِ الوسع في إنهاك العدو، ووعَدَ سبحانه المجاهدين المخلصين أنه معهم، ومَنْ يكن الله معه، فلن يغلبه أحد، وأطلَقَ الجهاد في هذه الآية؛ ليشمل جهادَ كلٍّ من النَّفْس والشيطان، والقرناء والأعداء، والمعنى: والذين جاهدوا النَّفْس والشيطان والهوى وأعداء الدِّين ابتغاء مرضاة الله، فسوف يهديهم طريقه والسير إليه، ومجاهدةُ النفس: تكون بمحاسبتها ومراقبتها، وحِفْظِ الوقت وشَغْله فيما ينفع، ومجاهدةُ الشيطان: تكونُ بالحَذَرِ منه، والتحصُّن منه بالأذكار الواردة، وكثرةُ الاستغفار، وعصيانه إذا وسوس، ومجاهدةُ الأعداء: تكونُ بقتالهم بالنَّفْس والمال، وتكون أيضًا بالحُجَّة والبيان، والردِّ عليهم وتفنيدِ شبهاتهم، واعلموا -أيها الناس- أن الله مع المحسنين في أقوالهم وأفعالهم؛ يَحْفَظُهم ويُلْهِمهم سبل النجاة.

سورة الرُّوم

سورة الروم مكيَّة، وآياتها ستُّون آية.

[1] ﴿الٓمٓ 1﴾:

سبق الكلام على الحروف المقطَّعة في أول سورة البقرة.

[2] ﴿غُلِبَتِ ٱلرُّومُ 2﴾:

أخبَرَ جل وعلا أن الفُرْسَ انتصَرَتْ على الرُّوم.

[3] ﴿فِيٓ أَدۡنَى ٱلۡأَرۡضِ وَهُم مِّنۢ بَعۡدِ غَلَبِهِمۡ سَيَغۡلِبُونَ 3﴾:

وبيَّن سبحانه أنهم انتصروا على الروم في أدنى أرض الشام إلى فارس، ثم بيَّن سبحانه أنَّ الكرَّةَ سوف تعود للروم وينتصرون على الفُرْسِ.

[4] ﴿فِي بِضۡعِ سِنِينَۗ لِلَّهِ ٱلۡأَمۡرُ مِن قَبۡلُ وَمِنۢ بَعۡدُۚ وَيَوۡمَئِذٖ يَفۡرَحُ ٱلۡمُؤۡمِنُونَ 4﴾:

ثم بيَّن سبحانه أن ذلك سيكون في بضع سنوات؛ واعلموا –أيها الناس- أن الأمر كله له سبحانه قبل انتصار الفُرْس على الرُّوم، وبعد انتصار الرُّوم على الفُرْس، وأن كل ذلك بعلم الله وتدبيره، ثم بيَّن سبحانه يوم أن ينتصر الروم على الفُرْس سيفرح المؤمنون من أصحاب محمد ﷺ بهذا النصر؛ لأن الله في هذا الوقت سينصُرُ أهلَ الكتابِ أتباعَ موسى وعيسى عليهما السلام على المجوس عَبَدة النار، وسينصُرُ المسلمين أيضًا على المشركين ببَدْر.

[5] ﴿بِنَصۡرِ ٱللَّهِۚ يَنصُرُ مَن يَشَآءُۖ وَهُوَ ٱلۡعَزِيزُ ٱلرَّحِيمُ 5﴾:

وبعد أن بيَّن سبحانه أن المؤمنين سيفرحون بنصر الله لهم؛ بيَّن جل في علاه أنه ينصُرُ من يشاء، ويَهْزِم من يشاء من عباده، وأنه هو العزيزُ الذي لا يغلبه غالب، الرحيمُ الذي وَسِعَتْ رحمته كل شيء. وقد تحقَّق ذلك، فانتصر الرُّومُ على الفُرْسِ بعد سبع سنين مِنْ هزيمتهم، وانتصر المسلمون على مشركي قريش في بَدْرٍ، وفَرِحَ المسلمون بانتصارهم على المشركين في بدر، كما فرحوا بانتصار الروم على الفرس؛ لكونهم أهلَ كتاب وإن حرَّفوه، وأنهم أقرب للمؤمنين من عَبَدة النار.

[6] ﴿وَعۡدَ ٱللَّهِۖ لَا يُخۡلِفُ ٱللَّهُ وَعۡدَهُۥ وَلَٰكِنَّ أَكۡثَرَ ٱلنَّاسِ لَا يَعۡلَمُونَ 6﴾:

أخبَرَ جل وعلا أن انتصار الروم على فارس وَعْدٌ منه سبحانه، ولا شك أن وعده لا يمكن أن يتخلَّف أبدًا، ولا بد أن يتحقَّق، ولكنَّ أكثر الكفار لا يعلمون أن وعد الله حق، وأنه لا يُخْلِفُ الميعاد.

[7] ﴿يَعۡلَمُونَ ظَٰهِرٗا مِّنَ ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَا وَهُمۡ عَنِ ٱلۡأٓخِرَةِ هُمۡ غَٰفِلُونَ 7﴾:

ثم بيَّن سبحانه أن هؤلاء الكفار يعلمون ظاهرًا من الحياة الدنيا مِنْ صناعاتها وزخارفها الفانية، ولكنهم في غفلةٍ تامَّةٍ عن الدار الآخرة، وعمَّا ينتظرهم فيها من الجزاء والحساب؛ وبعد الجزاء والحساب فإن النعيم المُقِيم سيكونُ للمؤمنين، والعقابَ الشديدَ بالنار سيكون للمُجْرِمين.

[8] ﴿أَوَلَمۡ يَتَفَكَّرُواْ فِيٓ أَنفُسِهِمۗ مَّا خَلَقَ ٱللَّهُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضَ وَمَا بَيۡنَهُمَآ إِلَّا بِٱلۡحَقِّ وَأَجَلٖ مُّسَمّٗىۗ وَإِنَّ كَثِيرٗا مِّنَ ٱلنَّاسِ بِلِقَآيِٕ رَبِّهِمۡ لَكَٰفِرُونَ 8﴾:

أولم يتفكَّر هؤلاء المعاندون الجاحدون في أنفسهم وفي خَلْق الله لهم، وإيجادهم بعد العدم؟! وأن الله جلَّ في علاه لم يخلُقِ السموات والأرض عبثًا؛ بل خلَقَهما بالحق والعَدْل والحِكْمة ليختبر الناس: أيهم أحسَنُ عملًا، وقد وقَّت الله للسموات والأرض أجلًا وميعادًا، ثم تنقضي الدنيا وتزولُ وتجيءُ القيامة؛ فتُبَدَّلُ الأرض غير الأرض والسموات، وإنَّ كثيرًا من الناس لَيُنْكِرون لقاء الله، ويكذِّبون بالبعث!!

[9] ﴿أَوَلَمۡ يَسِيرُواْ فِي ٱلۡأَرۡضِ فَيَنظُرُواْ كَيۡفَ كَانَ عَٰقِبَةُ ٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِهِمۡۚ كَانُوٓاْ أَشَدَّ مِنۡهُمۡ قُوَّةٗ وَأَثَارُواْ ٱلۡأَرۡضَ وَعَمَرُوهَآ أَكۡثَرَ مِمَّا عَمَرُوهَا وَجَآءَتۡهُمۡ رُسُلُهُم بِٱلۡبَيِّنَٰتِۖ فَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيَظۡلِمَهُمۡ وَلَٰكِن كَانُوٓاْ أَنفُسَهُمۡ يَظۡلِمُونَ 9﴾:

أولم يَسِرْ هؤلاء المكذِّبون بالبعث في الأرض، فينظروا نظَرَ تأمُّل واعتبارٍ إلى مصير الأمم التي كانت قبلهم؛ حيثُ كانت تلك الأمم أشدَّ منهم قوَّةً في الأبدان، وأكثَرَ تقليبًا في الأرض للزراعة، وأكثَرَ عِمَارةً، وأحكَمَ بناءً للقصور والدُّور، ثم جاءتهم رسلهم بالآيات البيِّنات، والمُعْجِزات الواضحات، الدالَّات على وحدانية الله وعَظَمته؛ فلم يؤمنوا بهم، وكذَّبوهم؛ فأَهْلَكَهم الله وعمَّهم بعذابه؛ فما نفعتهم قوَّتهم، ولا عمارتهم الأرض، وما كان الله لِيَظْلِمهم فيعذِّبهم بغير ذنب، ولكنْ أنفسهم كانوا يَظْلِمون بالشرك، وبتكذيب الأنبياء والرسل.

[10] ﴿ثُمَّ كَانَ عَٰقِبَةَ ٱلَّذِينَ أَسَٰٓـُٔواْ ٱلسُّوٓأَىٰٓ أَن كَذَّبُواْ بِـَٔايَٰتِ ٱللَّهِ وَكَانُواْ بِهَا يَسۡتَهۡزِءُونَ 10﴾:

ثم كانت الحالة السيئة والمآل الشنيع، والمَرْجِعُ المُخْزِي عاقبةً لأهل السوء والكفر والتكذيب؛ ذلك بأنهم جَحَدوا آيات الله ولم يؤمنوا بها، ولم يتَّبعوا المرسلين، وبأنهم كانوا من الساخرين المستهزئين المستهترين بآيات الله.

[11] ﴿ٱللَّهُ يَبۡدَؤُاْ ٱلۡخَلۡقَ ثُمَّ يُعِيدُهُۥ ثُمَّ إِلَيۡهِ تُرۡجَعُونَ 11﴾:

واعلموا -أيها الناس- أن الله جل في علاه هو وحده الذي يَبْدَأُ الخلق ويُوجِدُهُ بعد العدم، ثم يُفْنِيه، ثم يعيدُهُ مرةً أخرى للجزاء والحساب.

[12] ﴿وَيَوۡمَ تَقُومُ ٱلسَّاعَةُ يُبۡلِسُ ٱلۡمُجۡرِمُونَ 12﴾:

واعلموا أيضًا أنه يوم أن تقوم الساعة سوف يتورَّط المشركون المجرمون، وييأسون من كل خير ونجاة، والإِبْلاسُ: هو الانقطاع، أي: أنهم يسكُتُونَ حيث لا حُجَّةَ لهم.

[13] ﴿وَلَمۡ يَكُن لَّهُم مِّن شُرَكَآئِهِمۡ شُفَعَٰٓؤُاْ وَكَانُواْ بِشُرَكَآئِهِمۡ كَٰفِرِينَ 13﴾:

واعلموا أيضًا أن المشركين المجرمين لم يكن لهم يوم القيامة شفعاءُ يشفعون لهم لينجُّوهم من العذاب؛ بل يومها يكفُرُ التابع بالمتبوع، والمتبوعُ بالتابع، ويَجْحَدُ كلٌّ منهما الآخر.

[14] ﴿وَيَوۡمَ تَقُومُ ٱلسَّاعَةُ يَوۡمَئِذٖ يَتَفَرَّقُونَ 14﴾:

واعلموا أيضًا أن الناس يوم تقوم الساعة سوف يفترقون إلى فريقين: (مؤمنين، وكفَّار).

[15] ﴿فَأَمَّا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ فَهُمۡ فِي رَوۡضَةٖ يُحۡبَرُونَ 15﴾:

ثم بيَّن سبحانه أن الذين آمنوا بالله، واتَّبعوا رسله، وبَرْهَنوا على إيمانهم بالعمل الصالح بجوارحهم، فهم في رياض الجنة الغَنَّاء في هناءٍ وحُبُور، وسعادةٍ وسرور.

[16] ﴿وَأَمَّا ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَكَذَّبُواْ بِـَٔايَٰتِنَا وَلِقَآيِٕ ٱلۡأٓخِرَةِ فَأُوْلَٰٓئِكَ فِي ٱلۡعَذَابِ مُحۡضَرُونَ 16﴾:

وبيَّن سبحانه أن الذين كفروا وجحدوا آيات الله وكذَّبوا بها، وكذَّبوا بلقاء الله واليوم الآخر، وأنكروا البعث، فأولئك في عذاب جهنم مقيمون إقامةً دائمة.

[17] ﴿فَسُبۡحَٰنَ ٱللَّهِ حِينَ تُمۡسُونَ وَحِينَ تُصۡبِحُونَ 17﴾:

هذا إرشادٌ منه جل وعلا لعباده المؤمنين أن يسبِّحوه وينزِّهوه عن الشريك والصاحبة والولد، وأن يَصِفوه بصفات الكمال، وأن يحقِّقوا ذلك بجوارحهم كلِّها حين يأتي وقت المساء، وحين يأتي وقت الصباح.

وحيث إن التسبيح هو التقديسُ والتنزيه؛ فالمطلوبُ من الإنسان تنزيهُ الله، والإخلاصُ له، وعبادته في كلِّ الأوقات؛ لأن المرء إنما خُلِقَ لعبادة الله، وجميعُ أعماله الدنيوية والسِّعْيُ في طلب الرزق، كلُّها أسبابٌ لاستمراره في العبادة، ومعونةٌ له على ذلك.

وقد قيل: إن هذه الآية مدنيَّة؛ ولذا حمَلَ بعضهم التسبيح في الآية على الصلاة؛ لاشتمالها على الحمد والتنزيه والذِّكْر؛ ومنه (سُبْحةُ الضحى).

قال القُرْطُبي (15/123): (إن قوله تعالى: ﴿فَلَوۡلَآ أَنَّهُۥ كَانَ مِنَ ٱلۡمُسَبِّحِينَ﴾ [الصافات:143]، يعني: من المصلِّين).

[18] ﴿وَلَهُ ٱلۡحَمۡدُ فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ وَعَشِيّٗا وَحِينَ تُظۡهِرُونَ 18﴾:

واعلموا -أيها الناس- أن له جل في علاه الحمدَ والثناءَ في جميع الأماكن، وفي كل الأوقات على الدوام؛ فله الحمدُ في السموات والأرض، وله الحمد ليلًا ونهارًا.

وهذه الآية والتي قبلها جامعةٌ للصلوات الخمس بأوقاتها؛ يعني: أداء الصلاة في أوقاتها كما قال ابن عبَّاس رضي الله عنه.

[19] ﴿يُخۡرِجُ ٱلۡحَيَّ مِنَ ٱلۡمَيِّتِ وَيُخۡرِجُ ٱلۡمَيِّتَ مِنَ ٱلۡحَيِّ وَيُحۡيِ ٱلۡأَرۡضَ بَعۡدَ مَوۡتِهَاۚ وَكَذَٰلِكَ تُخۡرَجُونَ 19﴾:

وهذا إخبارٌ منه جل في علاه أنه هو المتفرِّدُ بإخراج الحيِّ من الميت؛ كإخراج الإنسان من النُّطْفة، والنباتِ من الأرض الميتة، وهو سبحانه المتفرِّدُ بإخراج الميت من الحي؛ كإخراج النُّطْفة من الإنسان، والبَيْضةِ من الطير، وهو سبحانه الذي يُنزِلُ المطر من السماء؛ فيحيي به الأرض بعد موتها ويَبَاسها، وبمثل هذا الإحياءِ -أيها الناس- تُبْعَثُونَ من قبوركم للحساب والجزاء.

[20] ﴿وَمِنۡ ءَايَٰتِهِۦٓ أَنۡ خَلَقَكُم مِّن تُرَابٖ ثُمَّ إِذَآ أَنتُم بَشَرٞ تَنتَشِرُونَ 20﴾:

وأخبر جل وعلا أن من العلامات الدالَّة على وحدانيتِهِ، ووجوبِ توحيدِهِ وإفراد العبادة له وحده دون مَنْ سواه: أنه أوجَدَكم -أيها الناس- وجعل أصلَ خِلْقتكم التراب، ثم أنتم تتكاثرون وتتناسلون وتنتشرون في الأرض.

[21] ﴿وَمِنۡ ءَايَٰتِهِۦٓ أَنۡ خَلَقَ لَكُم مِّنۡ أَنفُسِكُمۡ أَزۡوَٰجٗا لِّتَسۡكُنُوٓاْ إِلَيۡهَا وَجَعَلَ بَيۡنَكُم مَّوَدَّةٗ وَرَحۡمَةًۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَأٓيَٰتٖ لِّقَوۡمٖ يَتَفَكَّرُونَ 21﴾:

ومن العلامات الدالَّة على وحدانيته ورحمته بخَلْقه جل في علاه: أنْ خلَقَ لكم من جِنْسكم أزواجًا من النساء، تسكُنُونَ إليها بالزواج، وتَأْلَفونها، وتَمِيلون إليها، وجعَلَ بينكم محبَّةً وشفقةً ورحمةً، إنَّ في ذلك لآياتٍ بيناتٍ واضحاتٍ على وحدانية الله ورحمته بخَلْقِهِ؛ لقومٍ يُعْمِلون عقولهم، ويتفكَّرون بها.

[22] ﴿وَمِنۡ ءَايَٰتِهِۦ خَلۡقُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ وَٱخۡتِلَٰفُ أَلۡسِنَتِكُمۡ وَأَلۡوَٰنِكُمۡۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَأٓيَٰتٖ لِّلۡعَٰلِمِينَ 22﴾:

ومن العلامات الدالَّة على قدرته ووحدانيته سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى: إيجادُ هذه السموات السبع بما فيها؛ دون عَمَدٍ مرئية، وإيجادُ هذه الأَرَضين، وأيضًا: اختلافُ لغاتكم ولَهَجاتكم، واختلافُ ألوانكم وتباينها، إنَّ في كل ذلك لآياتٍ لأصحابِ العقول والبصائر.

[23] ﴿وَمِنۡ ءَايَٰتِهِۦ مَنَامُكُم بِٱلَّيۡلِ وَٱلنَّهَارِ وَٱبۡتِغَآؤُكُم مِّن فَضۡلِهِۦٓۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَأٓيَٰتٖ لِّقَوۡمٖ يَسۡمَعُونَ 23﴾:

ومن العلامات الدالَّة على قدرته على البعث جل شأنه: أنَّ الله هيَّأ لكم النوم في الليل، وأحيانًا في النهار كوَقْتِ القيلولة، ثم إذا خرَجَ النهار تنتشرون في الأرض وتَسْعَوْنَ فيها لطلب أرزاقكم ومعاشكم، إن في هذا النوم وذلك الانتشار لمثالًا حيًّا على البعث والنشور، وإنما ينتفع بهذه الآيات مَنْ يستمعون إليها سماع تدبُّر وفَهْم وبَحْث عن الحقيقة.

[24] ﴿وَمِنۡ ءَايَٰتِهِۦ يُرِيكُمُ ٱلۡبَرۡقَ خَوۡفٗا وَطَمَعٗا وَيُنَزِّلُ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءٗ فَيُحۡيِۦ بِهِ ٱلۡأَرۡضَ بَعۡدَ مَوۡتِهَآۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَأٓيَٰتٖ لِّقَوۡمٖ يَعۡقِلُونَ 24﴾:

ومن العلامات الدالَّة على قُدْرته وعظمته عز وجل: أن يُرِيَكم البَرْق؛ فتخافوا أن تصيبكم الصواعق الشديدة، وتَطْمَعوا في المطر أن يَنْزِلَ عليكم؛ فتنتفعوا به، فبنزوله تحيا الأرض بعد جفافها وقَحْطها، وينبُتُ زَرْعُها، إن في ذلك لآياتٍ وعلاماتٍ تدُلُّ على قدرة الله وعظمته؛ لقوم يُعْمِلون عقولهم، ويتفكَّرون في هذه الآيات.

[25] ﴿وَمِنۡ ءَايَٰتِهِۦٓ أَن تَقُومَ ٱلسَّمَآءُ وَٱلۡأَرۡضُ بِأَمۡرِهِۦۚ ثُمَّ إِذَا دَعَاكُمۡ دَعۡوَةٗ مِّنَ ٱلۡأَرۡضِ إِذَآ أَنتُمۡ تَخۡرُجُونَ 25﴾:

أخبَرَ جل وعلا أن من آياته العظيمة: أن تثبُتَ وتستقِرَّ السموات والأرض على هذه الحالة التي أوجدها عليه ليستقيمَ بها الكون، وتصلُحَ بها شؤون الخليقة؛ فالسماءُ لا تقع ولا تنطبق على الأرض، والأرضُ لا تتزلزل ولا تضطرب إلا بإذنه، كلُّ ذلك بفضل الله ورحمته، ثم إذا دعاكم ليوم الجزاء والحساب، إذا أنتم تخرُجُونَ مستجيبين مُسْرِعين؛ لا يسعكم غير ذلك.

[26] ﴿وَلَهُۥ مَن فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۖ كُلّٞ لَّهُۥ قَٰنِتُونَ 26﴾:

واعلموا -أيها الناس- أن لله وحده كل مَنْ في السموات والأرض مِنْ ملائكة وإنسٍ وجن وغير ذلك من المخلوقات، خَلْقًا ومِلْكًا وتصرُّفًا، وكل هؤلاء منقادون لعبادته وطاعته؛ سواءٌ الطاعةَ القهريَّةَ أو الطاعةَ الإرادية؛ فالجميعُ خاضعون لما يريده من حياة وموت وبَعْث، وصِحَّة ومَرَض، وغنى وفقر، وعز وذل، ويمتاز المؤمنون بالطاعة القلبية غير القهرية.

[27] ﴿وَهُوَ ٱلَّذِي يَبۡدَؤُاْ ٱلۡخَلۡقَ ثُمَّ يُعِيدُهُۥ وَهُوَ أَهۡوَنُ عَلَيۡهِۚ وَلَهُ ٱلۡمَثَلُ ٱلۡأَعۡلَىٰ فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۚ وَهُوَ ٱلۡعَزِيزُ ٱلۡحَكِيمُ 27﴾:

واعلموا -أيها الناس- أن الله وحده هو الذي أوجَدَ الخلق بعد العدم، ثم يفنيه، ثم يعيده حيًّا بعد الموت، وإعادةُ الخلق في البعث أهونُ وأسهلُ من ابتداء خَلْقهم، فإذا كنتم تُقِرُّونَ بالخلق الأول، فيلزمكم الإقرار بالبعث؛ فالقادرُ على ابتداء الخلق بعد العدم قادرٌ مِنْ باب أولى على إعادته، ثم بيَّن عز وجل أن له الأسماءَ الحسنى، والصفاتِ العليا، وهو العزيزُ الذي قهَرَ وغلَبَ كل شيء، الحكيمُ الذي له الحكمة الواسعة، والتدبيرُ الحسَنُ تعالى وتقدَّس، وهو الذي لا يعجزه شيء.

[28] ﴿ضَرَبَ لَكُم مَّثَلٗا مِّنۡ أَنفُسِكُمۡۖ هَل لَّكُم مِّن مَّا مَلَكَتۡ أَيۡمَٰنُكُم مِّن شُرَكَآءَ فِي مَا رَزَقۡنَٰكُمۡ فَأَنتُمۡ فِيهِ سَوَآءٞ تَخَافُونَهُمۡ كَخِيفَتِكُمۡ أَنفُسَكُمۡۚ كَذَٰلِكَ نُفَصِّلُ ٱلۡأٓيَٰتِ لِقَوۡمٖ يَعۡقِلُونَ 28﴾:

وضرَبَ الله لكم -أيها الناس- مَثَلًا قريبًا منكم، وفي أنفسكم، وهذا المَثَلُ: أنه ليس لكم مِنْ عبيدكم وخَدَمكم مَنْ يشارككم في التصرُّف في أموالكم؛ إذْ لا تقبلون ذلك منهم أبدًا، ولا تُقِرُّونه، ولا تخافون منهم خوفكم مِنْ مشاركة الأحرار لكم في التصرُّف في أموالكم وإنفاقها؛ فكذلك الله جل في علاه لا يرضى أن يُشرَكَ معه أحدٌ في عبادته -لا مَلَكٌ مقرَّب، ولا نبيٌّ مرسَل- وبمثل هذه الأمثال: فإن الله جل في علاه يوضِّح الحقائق والمهمَّات بتنويعِ الأساليب، وضربِ الأمثال؛ لقومٍ يُعمِلونَ عقولهم، ويتأمَّلون بها فيما يُقالُ لهم.

[29] ﴿بَلِ ٱتَّبَعَ ٱلَّذِينَ ظَلَمُوٓاْ أَهۡوَآءَهُم بِغَيۡرِ عِلۡمٖۖ فَمَن يَهۡدِي مَنۡ أَضَلَّ ٱللَّهُۖ وَمَا لَهُم مِّن نَّٰصِرِينَ 29﴾:

ثم أخبر سبحانه أن الظالمين لأنفسهم المجاوزين حدودهم، اتَّبعوا أهواءهم على جهلٍ منهم، وتركوا العِلْم، واستمرُّوا على ضلالهم وغَوَايتهم، ومن لم يقدِّرِ اللهُ له الهداية، فلن يَقْدِرَ أحدٌ على هدايته -كائنًا من كان- واعلموا أنَّ هؤلاء الظالمين المتَّبِعين أهواءهم ليس لهم مِنْ ناصرين ينصُرُونهم إذا حَلَّ بهم عقاب الله، ونزَلَ بهم عذابُه.

[30] ﴿فَأَقِمۡ وَجۡهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفٗاۚ فِطۡرَتَ ٱللَّهِ ٱلَّتِي فَطَرَ ٱلنَّاسَ عَلَيۡهَاۚ لَا تَبۡدِيلَ لِخَلۡقِ ٱللَّهِۚ ذَٰلِكَ ٱلدِّينُ ٱلۡقَيِّمُ وَلَٰكِنَّ أَكۡثَرَ ٱلنَّاسِ لَا يَعۡلَمُونَ 30﴾:

ثم أمَرَ جل وعلا نبيه محمدًا ﷺ، ومَنِ اتَّبعه: أن يُقْبِلَ على دين الإسلام، وأن يستقيم عليه، وأن يحرص على عبادة الله وطاعته، وألَّا يلتفِتَ إلى غيره من الأديان والملل، والوَجْهُ: هو الجارحة المعروفة التي تميِّز الإنسان عن الآخرين من بني جِنْسه، وهنا عبَّر به عن الذات؛ كقوله: ﴿وَمَن يُسۡلِمۡ وَجۡهَهُۥٓ إِلَى ٱللَّهِ﴾ [لقمان:22]، وقولِهِ: ﴿كُلُّ شَيۡءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجۡهَهُۥۚ ﴾ [القصص:88]، واعلم -أيها النبي- أن دين الإسلام هو فِطْرةُ الله؛ فاثبُتْ عليه، وعليكم -أيها الناس- أن تَلْزَموا هذا الدين وهذه الملة التي فطَرَ اللهُ الناسَ عليها؛ فإنه جل وعلا خلق الناس على التوحيد؛ كما في الحديث الذي أخرجه مسلمٌ عن عِيَاض رضي الله عنه: «وَإِنِّي خَلَقْتُ عِبَادِي حُنَفَاءَ كُلَّهُمْ، فَاجْتَالَتْهُمُ الشَّيَاطِينُ»([1])، واعلموا أن هذا الدِّينَ هو الذي ارتضاه الله لكم؛ فلا تبديل ولا تغيير لما فطَرَكم عليه، وهذا الدِّينُ هو الطريق المستقيم الموصِّلُ إلى رضا الله؛ ولكنَّ أكثر الناس لا يعلمون ذلك؛ لأنهم اتَّبعوا الشيطان والأهواء الزائفة، والتقاليد الفاسدة، وتركوا توحيد الله بالعبادة والتي أُمِرُوا بها، وأُمِرْتَ بها؛ أيها الرسول. [1] أخرجه مسلم (2865).

[31] ﴿مُنِيبِينَ إِلَيۡهِ وَٱتَّقُوهُ وَأَقِيمُواْ ٱلصَّلَوٰةَ وَلَا تَكُونُواْ مِنَ ٱلۡمُشۡرِكِينَ 31﴾:

وأمر سبحانه الناس جميعًا أن يكونوا رجَّاعين إليه، كثيري التوبة، وأن يجعلوا بينهم وبين عذاب الله وقايةً بفِعْلِ أوامره، واجتنابِ نواهيه، وأن يحافظوا على الصلاة في أوقاتها، وأن يؤدوها على أكمَلِ وجهٍ، وأتمِّ هيئة، وأن يحذروا كلَّ الحذر أن يكونوا من المشركين الذين يَدْعُونَ مع الله إلهًا آخر.

[32] ﴿مِنَ ٱلَّذِينَ فَرَّقُواْ دِينَهُمۡ وَكَانُواْ شِيَعٗاۖ كُلُّ حِزۡبِۭ بِمَا لَدَيۡهِمۡ فَرِحُونَ 32﴾:

ثم حذر سبحانه أن تكونوا كأولئك الذين تفرَّقوا في الدين، وهم اليهود والنصارى، وقد تعدَّدت آلهتهم الباطلة؛ فتعدَّدت فِرَقهم وأحزابهم وطوائفهم، وكلُّ فرقة تنتصِرُ لما هي عليه وتتحزَّب له، وتحارب غيرَهَا عليه، وكلُّ فرقة فَرِحةٌ بما هي عليه، زاعمةٌ لنفسها الحقَّ والصواب.

[33] ﴿وَإِذَا مَسَّ ٱلنَّاسَ ضُرّٞ دَعَوۡاْ رَبَّهُم مُّنِيبِينَ إِلَيۡهِ ثُمَّ إِذَآ أَذَاقَهُم مِّنۡهُ رَحۡمَةً إِذَا فَرِيقٞ مِّنۡهُم بِرَبِّهِمۡ يُشۡرِكُونَ 33﴾:

بيَّن جل وعلا أن بعض الناس إذا أصابه شيء من الضُّرِّ من مَرَض أو قَحْط أو شِدَّة، وخافوا الهلاك، دَعَوُا الله بإخلاص ويقين ووحَّدوه، وتضرَّعوا ورجعوا إليه، وتركوا الإشراك به، فإذا كشَفَ الله عنهم الضرَّ ونجَّاهم ورحمهم من الضُّرِّ الذي مسَّهم؛ إذا فريقٌ منهم يَرْجِعونَ إلى عبادة غير الله، وينسُبُونَ الفضل في نجاتهم إلى غير الله؛ فينسُبُونَ شفاءهم من الأمراض إلى مهارة الطبيب، ونَجَاتَهم من البحر أو البر إلى مهارة قائد المركبة أو السفينة؛ بل إذا حدَثَتْ زلازل أو براكين قالوا: هذه كوارثُ وحوادثُ طبيعية، وهذا سونامي، وهذا كذا، وهذا كذا، ويَنْسَوْنَ مسبِّب الأسباب، وأنها بسبب ذنوبهم.

[34] ﴿لِيَكۡفُرُواْ بِمَآ ءَاتَيۡنَٰهُمۡۚ فَتَمَتَّعُواْ فَسَوۡفَ تَعۡلَمُونَ 34﴾:

ليكون عاقبةُ جحودهم ورجوعهم إلى الشركِ هو الكُفْرَ بما أعطيناهم من الرحمة والنجاة مما كانوا منه يخافون، فتمتَّعوا -أيها المشركون- بما بقي لكم من آجالكم مُتَعًا محدودةً زائلةً؛ فسوف تعلمون عاقبة شِرْككم وكفركم، وجحودكم نعمة ربكم.

[35] ﴿أَمۡ أَنزَلۡنَا عَلَيۡهِمۡ سُلۡطَٰنٗا فَهُوَ يَتَكَلَّمُ بِمَا كَانُواْ بِهِۦ يُشۡرِكُونَ 35﴾:

ثم قال سبحانه: هل أنزَلَ الله جل في علاه على هؤلاء المشركين حُجَّةً ظاهرةً تحُثُّهم على الثبات على شِرْكهم؟! الجواب: لم يُنْزِلْ سبحانه على أنبيائه إلا التوحيد وعبادته وحده، وترك عبادة ما سواه، وأمَرَهم أن يَدْعُوا الناس إلى هذا التوحيد، وهذه العبادة.

[36] ﴿وَإِذَآ أَذَقۡنَا ٱلنَّاسَ رَحۡمَةٗ فَرِحُواْ بِهَاۖ وَإِن تُصِبۡهُمۡ سَيِّئَةُۢ بِمَا قَدَّمَتۡ أَيۡدِيهِمۡ إِذَا هُمۡ يَقۡنَطُونَ 36﴾:

وإذا أذَقْنا الناسَ رحمةً من صحَّة وغِنًى ورخاءٍ؛ فرحوا بذلك فَرَحَ أَشَرٍ وبَطَر، وإذا أصابهم ما يسوؤهم بسبب ذنوبهم ومعاصيهم؛ إذا هم يائسون من رحمة الله، ومن زوال ما أصابهم من السوء.

[37] ﴿أَوَلَمۡ يَرَوۡاْ أَنَّ ٱللَّهَ يَبۡسُطُ ٱلرِّزۡقَ لِمَن يَشَآءُ وَيَقۡدِرُۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَأٓيَٰتٖ لِّقَوۡمٖ يُؤۡمِنُونَ 37﴾:

وقال سبحانه: أولم يعلم هؤلاء المشركون أن الله هو الذي يوسِّعُ الرزق على من يشاء امتحانًا واختبارًا، ويضيِّقُ الرزق على من يشاء أيضًا امتحانًا واختبارًا؟! واعلموا -أيها الناس- أن في ذلك التدبير من الله وتقسيم الرزق لآياتٍ للمؤمنين تدُلُّ على رحمة الله وحكمته.

[38] ﴿فَـَٔاتِ ذَا ٱلۡقُرۡبَىٰ حَقَّهُۥ وَٱلۡمِسۡكِينَ وَٱبۡنَ ٱلسَّبِيلِۚ ذَٰلِكَ خَيۡرٞ لِّلَّذِينَ يُرِيدُونَ وَجۡهَ ٱللَّهِۖ وَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡمُفۡلِحُونَ 38﴾:

أمَرَ جل وعلا الإنسان أن يعطي قريبه حقَّه من نفقة، وصَدَقة، وهديَّة، وصلةٍ، وبِرّ، وكذلك يعطي المسكينَ الذي أسكنه الفَقْرُ والحاجة حقَّه من الصدقة، وكذلك يعطي ابن السبيل، وهو الغريب المسافر الذي انقطَعَتْ به السبل حقَّه من الصدقة، ثم بيَّن سبحانه أن هذا الإعطاء وهذه الصَّدَقات خيرٌ كثيرٌ، وأجرٌ كبيرٌ للذين يريدون بأعمالهم وَجْهَ الله والدار الآخرة؛ وأولئك هم الفائزون فوزًا عظيمًا.

[39] ﴿وَمَآ ءَاتَيۡتُم مِّن رِّبٗا لِّيَرۡبُوَاْ فِيٓ أَمۡوَٰلِ ٱلنَّاسِ فَلَا يَرۡبُواْ عِندَ ٱللَّهِۖ وَمَآ ءَاتَيۡتُم مِّن زَكَوٰةٖ تُرِيدُونَ وَجۡهَ ٱللَّهِ فَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡمُضۡعِفُونَ 39﴾:

واعلموا أنَّ ما أعطيتم من أموالكم الزائدة قروضًا للناس ليرُدُّوها لكم أكثَرَ مما أخذوها منكم، فيزداد مالُكم، ويزيد عند الناس؛ فهذا المال لا يزيد أجره عند الله، ولا يبارِكُ الله فيه؛ بل يمحقه الله ويُذْهِبُ بركته، أما ما أعطيتم من زكاة وصَدَقةٍ تريدون بها وجه الله، فأصحابُ هذه الخَصْلةِ الحميدةِ هم الذين يتقبَّلُ الله منهم، ويضاعِفُ لهم الأجر والثواب.

[40] ﴿ٱللَّهُ ٱلَّذِي خَلَقَكُمۡ ثُمَّ رَزَقَكُمۡ ثُمَّ يُمِيتُكُمۡ ثُمَّ يُحۡيِيكُمۡۖ هَلۡ مِن شُرَكَآئِكُم مَّن يَفۡعَلُ مِن ذَٰلِكُم مِّن شَيۡءٖۚ سُبۡحَٰنَهُۥ وَتَعَٰلَىٰ عَمَّا يُشۡرِكُونَ 40﴾:

واعلموا -أيها الناس- أن الله وحده هو الذي خلَقَكم وأوجَدَكم بعد العدم، وهو وحده الذي تكفَّل برِزْقكم، وهو وحده الذي يميتكم عند انتهاء آجالكم، وهو وحده الذي يَبْعَثُكم للجزاء والحساب مرةً أخرى؛ هل من شركائكم الذين تعبُدُونهم من دون الله من يستطيع فِعْلَ شيء من ذلك؟! فسبحان الله وتعالى وتقدَّس وتنزَّه عن شِرْكِ هؤلاء المشركين.

[41] ﴿ظَهَرَ ٱلۡفَسَادُ فِي ٱلۡبَرِّ وَٱلۡبَحۡرِ بِمَا كَسَبَتۡ أَيۡدِي ٱلنَّاسِ لِيُذِيقَهُم بَعۡضَ ٱلَّذِي عَمِلُواْ لَعَلَّهُمۡ يَرۡجِعُونَ 41﴾:

واعلموا -أيها الناس- أن انتشار الفساد من فُسُوقٍ وجَدْب، ونزع للبركة، ونقص في النسل والحيوانات وأوبئة وفتن وحروب وغير ذلك؛ كله بسبب ما اقترفتم من الذنوب والمعاصي، وتَرْكِ أوامر الله ونواهيه؛ ليكون ذلك عقوبةً لكم على أعمالكم السيئة، ثم ذكَرَ سبحانه الحكمة من ذلك، وهي لطفه جل وعلا بعباده ورحمته بهم؛ كي يتوبوا إلى الله ويستغفروه، ويُخْلِصوا له العبادة، وتكون معاملاتهم طبقًا للشريعة.

[42] ﴿قُلۡ سِيرُواْ فِي ٱلۡأَرۡضِ فَٱنظُرُواْ كَيۡفَ كَانَ عَٰقِبَةُ ٱلَّذِينَ مِن قَبۡلُۚ كَانَ أَكۡثَرُهُم مُّشۡرِكِينَ 42﴾:

وقل -أيها النبي- لهؤلاء المشركين المكذِّبين: سيروا في الأرض بأَبْدانكم وقلوبكم سَيْرَ نَظَرٍ وتأمُّل، وتفكَّروا في نهاية وهلاك مَنْ قبلكم من الأمم الذين كذَّبوا رسلهم؛ فقد كان معظمهم من المشركين.

[43] ﴿فَأَقِمۡ وَجۡهَكَ لِلدِّينِ ٱلۡقَيِّمِ مِن قَبۡلِ أَن يَأۡتِيَ يَوۡمٞ لَّا مَرَدَّ لَهُۥ مِنَ ٱللَّهِۖ يَوۡمَئِذٖ يَصَّدَّعُونَ 43﴾:

ثم أمَرَ جل وعلا نبيه محمدًا ﷺ أن يُقْبِلَ بوجهه هو ومَنْ معه لإقامة دين الإسلام القيِّم المستقيم مِنْ قبلِ أن يأتي يوم القيامة الذي لا يستطيع أحدٌ ردَّه أو تأجيله، وفي ذلك اليوم يتفرَّق الناس إلى فريقين: فريقٍ في الجنة، وفريقٍ في السعير، وقد بادر ﷺ في ذلك بجدٍّ واجتهاد، فبلَّغ ونصَحَ وجاهد في الله حق جهاده.

[44] ﴿مَن كَفَرَ فَعَلَيۡهِ كُفۡرُهُۥۖ وَمَنۡ عَمِلَ صَٰلِحٗا فَلِأَنفُسِهِمۡ يَمۡهَدُونَ 44﴾:

أخبَرَ جل وعلا أن من كفَرَ وجحَدَ آيات ربه، فعليه أن يتحمَّل عاقبة ذلك، وهو الخلود في نار جهنَّم أبدًا، أما الذين وحَّدوا الله وآمنوا به، واتَّبعوا رسله، فأولئك يكسبون السعادة والفوز برضا الله والنعيم المقيم.

[45] ﴿لِيَجۡزِيَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ مِن فَضۡلِهِۦٓۚ إِنَّهُۥ لَا يُحِبُّ ٱلۡكَٰفِرِينَ 45﴾:

ليوفِّي جل وعلا الذين وحَّدوه وآمنوا به، واتَّبعوا رسله؛ مِنْ واسع فضله، ويغمُرَهم بكرمه وإحسانه، والله جل في علاه لا يحبُّ الكافرين، بل يمقُتُهم ويُبْغِضهم.

[46] ﴿وَمِنۡ ءَايَٰتِهِۦٓ أَن يُرۡسِلَ ٱلرِّيَاحَ مُبَشِّرَٰتٖ وَلِيُذِيقَكُم مِّن رَّحۡمَتِهِۦ وَلِتَجۡرِيَ ٱلۡفُلۡكُ بِأَمۡرِهِۦ وَلِتَبۡتَغُواْ مِن فَضۡلِهِۦ وَلَعَلَّكُمۡ تَشۡكُرُونَ 46﴾:

أخبَرَ جل في علاه أن من آياته الدالَّة على رحمته وقدرته، وإحيائه الموتى وبَعْثهم: أنه سبحانه يُرسِلُ الرياحَ الملقِّحةَ قبل نزول المطر، فإذا رآها الناس، استبشروا وفَرِحوا بها، وانتظروا نزول المطر، ثم يُنزِلُ الله المطرَ فتصيبُ الناسَ رحمةُ الله، ومن آياته الدالَّة على رحمته: جَرَيان السُّفُن في البحر بأمر الله وإذنه؛ فيبتغي الناس من رِزْق الله وفضله بالعمل في التجارات وغيرها، لعلَّهم يشكُرُونَ الله على هذه النعم، فيوحِّدوه في العبادة ويطيعوه، ولا يشركوا به غيره.

[47] ﴿وَلَقَدۡ أَرۡسَلۡنَا مِن قَبۡلِكَ رُسُلًا إِلَىٰ قَوۡمِهِمۡ فَجَآءُوهُم بِٱلۡبَيِّنَٰتِ فَٱنتَقَمۡنَا مِنَ ٱلَّذِينَ أَجۡرَمُواْۖ وَكَانَ حَقًّا عَلَيۡنَا نَصۡرُ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ 47﴾:

ثم أخبَرَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أنه بعث قبل النبي محمد ﷺ رسلًا إلى أقوامهم يأمرونهم بعبادة الله وحده، وتَرْكِ عبادة ما سواه، وقد جاؤوهم بالآيات الواضحات التي تدُلُّ على أنهم رسلٌ من عند الله؛ فما كان مِنْ أكثرهم إلا أن كذَّبوهم، ولم يؤمنوا بهم، فكان أنِ انتقَمَ الله من الذين أجرموا، فأهلَكَهم بالعذاب، ثم أخبَرَ سبحانه أنه نجَّى الرسل وأتباعهم الذين آمنوا بالله وقاموا بما كُلِّفوا به، ونَصَرهم على القوم الكافرين.

[48] ﴿ٱللَّهُ ٱلَّذِي يُرۡسِلُ ٱلرِّيَٰحَ فَتُثِيرُ سَحَابٗا فَيَبۡسُطُهُۥ فِي ٱلسَّمَآءِ كَيۡفَ يَشَآءُ وَيَجۡعَلُهُۥ كِسَفٗا فَتَرَى ٱلۡوَدۡقَ يَخۡرُجُ مِنۡ خِلَٰلِهِۦۖ فَإِذَآ أَصَابَ بِهِۦ مَن يَشَآءُ مِنۡ عِبَادِهِۦٓ إِذَا هُمۡ يَسۡتَبۡشِرُونَ 48﴾:

واعلموا أن الله وحده هو الذي يُرسِلُ الرياح، فتَحْمِلُ السحاب وتمُدُّهُ وتوسِّعه في فضاء السماء على الهيئة التي أراد الله جل في علاه، ثم يَجْعَلُ الله ذلك السحابَ الواسعَ سحابًا كثيفًا ثخينًا بعضُهُ فوق بعض؛ فترى بعد ذلك المطَرَ يخرُجُ من خلاله، فإذا نزَلَ المطر على مَنْ شاء الله أن يَنْزِلَ عليهم من العباد، إذا هم فرحون يبشِّرُ بعضهم بعضًا؛ لأن هذا المطر فيه حياتهم وحياة دوابِّهم وزروعهم، ولا يستغنون عنه، خاصَّةً أصحابَ القرى والمُدُن البعيدة عن الأنهار.

[49] ﴿وَإِن كَانُواْ مِن قَبۡلِ أَن يُنَزَّلَ عَلَيۡهِم مِّن قَبۡلِهِۦ لَمُبۡلِسِينَ 49﴾:

وبعد أن بيَّن سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى حالهم بعد نزول المَطَر من الفرح والاستبشار، بيَّن حالهم قبل نزوله: بأنهم كانوا في غايةٍ مِنَ الحَيْرة واليأس والقُنُوط من رحمة الله.

[50] ﴿فَٱنظُرۡ إِلَىٰٓ ءَاثَٰرِ رَحۡمَتِ ٱللَّهِ كَيۡفَ يُحۡيِ ٱلۡأَرۡضَ بَعۡدَ مَوۡتِهَآۚ إِنَّ ذَٰلِكَ لَمُحۡيِ ٱلۡمَوۡتَىٰۖ وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ قَدِيرٞ 50﴾:

ثم لفَتَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أنظار الناس إلى الآثار المترتِّبة على رحمته بإنزال المَطَر؛ كيف أنه جل في علاه أحيا هذه الأرض بعد مَوْتها وقَحْطها وجَدْبها، حيث أنزَلَ عليها المطر فاهتزَّت وربَتْ وأنبتَتْ من كل زوج كريم، واعلموا -أيها الناس- أن الذي أحيا هذه الأرض بعد موتها -كما أراكم- قادرٌ على إحيائكم بعد مَوْتكم، وبَعْثكم ليوم الجزاء والحساب، والله على كلِّ شيء قدير.

[51] ﴿وَلَئِنۡ أَرۡسَلۡنَا رِيحٗا فَرَأَوۡهُ مُصۡفَرّٗا لَّظَلُّواْ مِنۢ بَعۡدِهِۦ يَكۡفُرُونَ 51﴾:

وبعد أن بيَّن جل في علاه أحوال الناس عند رؤية الرياح التي تُثِيرُ السُّحُبَ المحمَّلة بالأمطار، وأنهم يَفْرَحون ويستبشرون، بيَّن حالهم عند رؤية الرياح المحمَّلة بالرمال والأتربة التي تُفْسِدُ زروعهم وتُتْلِفها؛ فإنهم يبادرون إلى الكُفْر وجُحُود نِعَم الله عليهم، ويقولون: هذه كوارثُ وحوادثُ طبيعية، وهذا سونامي، وهذا كذا وكذا، ويَنْسَوْنَ مسبِّب الأسباب، ويغفُلُون عن أن تكون عقوبة لهم بسبب ذنوبهم، وما قالوا هذه المقولة إلا بسبب قَسْوة قلوب كثير منهم، وبُعْدِهم عن الله وعن شرعه.

[52] ﴿فَإِنَّكَ لَا تُسۡمِعُ ٱلۡمَوۡتَىٰ وَلَا تُسۡمِعُ ٱلصُّمَّ ٱلدُّعَآءَ إِذَا وَلَّوۡاْ مُدۡبِرِينَ 52﴾:

واعلم -أيها النبي- أنك لا تُسمِعُ الموتى إذا دعوتهم؛ لأن هؤلاء المشركين كالموتى؛ فلا تحزن عليهم، واعلم أيضًا أنك لا تُسمِعُ الصُّمَّ إذا كلَّمتهم؛ فكيف بالصمِّ لو ولَّوْا مُدْبِرين؛ لأن هؤلاء المشركين كالصمِّ الذين لا يسمعون.

[53] ﴿وَمَآ أَنتَ بِهَٰدِ ٱلۡعُمۡيِ عَن ضَلَٰلَتِهِمۡۖ إِن تُسۡمِعُ إِلَّا مَن يُؤۡمِنُ بِـَٔايَٰتِنَا فَهُم مُّسۡلِمُونَ 53﴾:

ثم وجَّه جل وعلا الخطاب للنبي ﷺ تسليةً له، فقال له: واعلم -أيها النبي- أنك لا تَقْدِرُ على هداية وإرشاد العُمْي عن ضلالتهم؛ لأنهم لا يَقْبَلون الإبصار للحق؛ بسببِ انطماسِ بصائرهم، وهذا القرآنُ الذي أنزلناه عليك لا تستطيع أن تُسمِعَهُ سماع انتفاعٍ وهدايةٍ إلا لمن آمَنَ بالله، واتَّبع رسله وآياته، لأنهم مسلمون منقادون لأمر الله.

[54] ﴿ٱللَّهُ ٱلَّذِي خَلَقَكُم مِّن ضَعۡفٖ ثُمَّ جَعَلَ مِنۢ بَعۡدِ ضَعۡفٖ قُوَّةٗ ثُمَّ جَعَلَ مِنۢ بَعۡدِ قُوَّةٖ ضَعۡفٗا وَشَيۡبَةٗۚ يَخۡلُقُ مَا يَشَآءُۚ وَهُوَ ٱلۡعَلِيمُ ٱلۡقَدِيرُ 54﴾:

ثم ضرَبَ جل وعلا مثلًا بمراحل خَلْق الإنسان، كعَلَامة ودَلَالة تدُلُّ على عظيم قدرته سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى؛ فبيَّن عز وجل أن خلق الإنسان يبدأ من نُطْفة مهينة، ثم يخرُجُ من رحم أمه ضعيفًا، وتستمرُّ هذه المرحلة طيلة فترة الطفولة والصغر، ثم يصير بعد ذلك شابًّا قويًّا يعمل فيها ويَكِدُّ للإنفاق على نفسه ومن يعول، ثم يصير شيخًا كبيرًا ويبدأ بالضعف حتى يصل إلى أرذل العُمُر، ويصير حاله كحال الطفل الصغير في كثير من تصرُّفاته، ثم بيَّن سبحانه أنه يخلق ما يشاء من الضعف والقوَّة، وأنَّ كلَّ ذلك بعلم الله وقدرته وتدبيره.

[55] ﴿وَيَوۡمَ تَقُومُ ٱلسَّاعَةُ يُقۡسِمُ ٱلۡمُجۡرِمُونَ مَا لَبِثُواْ غَيۡرَ سَاعَةٖۚ كَذَٰلِكَ كَانُواْ يُؤۡفَكُونَ 55﴾:

ويوم أن تقوم القيامة سوف يفاجأ المشركون بسرعة مجيئها، فيُقْسِمون أنهم ما مكثوا في الدنيا غير ساعةٍ، وقَصْدُهم الاعتذار لعل العذر ينفعهم، وقد كذبوا في ذلك؛ لأنهم ما زالوا على غَيِّهِمْ وكَذِبهم وافترائهم كما كانوا في الدنيا.

[56] ﴿وَقَالَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلۡعِلۡمَ وَٱلۡإِيمَٰنَ لَقَدۡ لَبِثۡتُمۡ فِي كِتَٰبِ ٱللَّهِ إِلَىٰ يَوۡمِ ٱلۡبَعۡثِۖ فَهَٰذَا يَوۡمُ ٱلۡبَعۡثِ وَلَٰكِنَّكُمۡ كُنتُمۡ لَا تَعۡلَمُونَ 56﴾:

ثم أخبَرَ سبحانه وتعالى أن الذين مَنَّ الله عليهم بالعلم والإيمان بالله، قالوا لهؤلاء الأفَّاكين: لقد مكثتم في حياتكم الدنيا وفي قبوركم مدَّةً كافيةً قدَّرها الله في اللَّوْحِ المحفوظ إلى يوم البعث، وهو زمنٌ كافٍ لمعرفة الله والهدى لو أردتم؛ قال تعالى: ﴿أَوَلَمۡ نُعَمِّرۡكُم مَّا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَن تَذَكَّرَ وَجَآءَكُمُ ٱلنَّذِيرُۖ فَذُوقُواْ فَمَا لِلظَّٰلِمِينَ مِن نَّصِيرٍ﴾ [فاطر:٣٧]، ثم قال سبحانه: فهذا هو يومُ البعث الذي تشاهدونه الآنَ بأُمِّ أعينكم أيها المكذبون، ولكنكم كنتم لا تصدِّقون أن البعث حق، بل كنتم تكذِّبون به.

[57] ﴿فَيَوۡمَئِذٖ لَّا يَنفَعُ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ مَعۡذِرَتُهُمۡ وَلَا هُمۡ يُسۡتَعۡتَبُونَ 57﴾:

واعلموا -أيها المشركون- أنه في يوم القيامة لا تنفع الذين ظلموا أنفسهم بالشرك، وتجاوزوا حدَّهم بالجحود والتكذيب؛ لا تنفعهم الأعذار، ولا تُقْبَلُ منهم التوبة، ولا يُطلَبُ منهم العُتْبى والرجوع إلى الله؛ فقد فات الأوان.

[58] ﴿وَلَقَدۡ ضَرَبۡنَا لِلنَّاسِ فِي هَٰذَا ٱلۡقُرۡءَانِ مِن كُلِّ مَثَلٖۚ وَلَئِن جِئۡتَهُم بِـَٔايَةٖ لَّيَقُولَنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُوٓاْ إِنۡ أَنتُمۡ إِلَّا مُبۡطِلُونَ 58﴾:

ولقد بيَّن جل وعلا للناس في هذا القرآن مِن كلِّ مَثَلٍ من أجل إقامة الحجة عليهم، وإثبات وحدانية الله جل وعلا، ثم بيَّن تعنُّت الكفار وتجبُّرهم وأنهم مهما أتَيْتَهم -أيها النبي- به من آية أو معجزة تدُلُّ على صدقك، فإنهم يرمونك أنت وأتباعك بالبطلان، أي: أنكم متَّبِعون للباطل؛ كما قال قوم فرعون: ﴿مَهۡمَا تَأۡتِنَا بِهِۦ مِنۡ ءَايَةٖ لِّتَسۡحَرَنَا بِهَا فَمَا نَحۡنُ لَكَ بِمُؤۡمِنِينَ﴾ [الأعراف:132].

[59] ﴿كَذَٰلِكَ يَطۡبَعُ ٱللَّهُ عَلَىٰ قُلُوبِ ٱلَّذِينَ لَا يَعۡلَمُونَ 59﴾:

ثم بيَّن سبحانه أنه بمثل هذا الطبع يَطْبَعُ الله ويَخْتِمُ على قلوب هؤلاء الجَهَلة المكذِّبين المعاندين؛ فلا يدخلها خيرٌ، ولا ينفُذُ إليها هدًى، وهذا الطبع والختم جزاء من الله على إصرارهم على الكفر، واتِّباعهم الهوى، وليس طبعًا ابتدائيًّا، واتِّباعهم الهوى؛ فالله جل في علاه لا يظلم أحدًا أبدًا؛ قال تعالى: ﴿وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّٰمٖ لِّلۡعَبِيدِ﴾ [فصلت:٤٦].

[60] ﴿فَٱصۡبِرۡ إِنَّ وَعۡدَ ٱللَّهِ حَقّٞۖ وَلَا يَسۡتَخِفَّنَّكَ ٱلَّذِينَ لَا يُوقِنُونَ 60﴾:

فاصبر -أيها النبي- في دعوتك على ما تسمعه من تكذيب، وعلى ما يُصِيبك من الأذى، واعلم أن وَعْدَ الله بالنصر والتمكين والظهور والغلبة حقٌّ لا شكَّ فيه، ولا يستَفِزَّنَّك الذين لا يؤمنون بالله، ولا يتَّبعون أنبياء الله، ولا يوقنون باليوم الآخر.

سورة لقمان

سورة لقمان مكيَّة، وآياتها أربع وثلاثون آية.

[1] ﴿الٓمٓ 1﴾:

سبق الكلام على الحروف المقطَّعة في أول سورة البقرة.

[2] ﴿تِلۡكَ ءَايَٰتُ ٱلۡكِتَٰبِ ٱلۡحَكِيمِ 2﴾:

بدأت السورة بالإشارة إلى أن هذه الآيات المنزَّلة على النبي ﷺ هي آيات القرآن المُحْكَم الذي لا يعتريه بطلان ولا فساد، وهو المحفوظ من التغيير والتبديل، وهو الهادي إلى سواء السبيل، والموصِّل إلى رضوان الله والجنة.

[3] ﴿هُدٗى وَرَحۡمَةٗ لِّلۡمُحۡسِنِينَ 3﴾:

ثم بيَّن سبحانه أن هذه الآيات التي أنزلناها على نبينا محمد ﷺ هي آيات هُدًى ورحمةٍ للذين أحسنوا القول والعمل؛ والمُحْسِنُ هو العامل للحسنات، القائمُ بعبادة الله ونشر الخير، وهو الذي يعبُدُ الله مخلصًا على علم ويقين وصلاح.

[4] ﴿ٱلَّذِينَ يُقِيمُونَ ٱلصَّلَوٰةَ وَيُؤۡتُونَ ٱلزَّكَوٰةَ وَهُم بِٱلۡأٓخِرَةِ هُمۡ يُوقِنُونَ 4﴾:

وأولئك المحسنون هم الذين يؤدُّون الصلاة كاملةً تامَّةً في أوقاتها، بأركانها وشروطها، وواجباتها ومستحباتها، ويُخْرِجون زكاة أموالهم كما أُمِروا طيِّبةً بها نفوسهم، ومن صفاتهم: أنهم يؤمنون ويصدِّقون بالبعث تصديقًا جازمًا يدفعهم لعملِ الصالحات، والاستعدادِ ليومٍ كثير الكُرُبات. ولا شك أن هذه الثلاث هي أهم أركان الإسلام للمؤمن.

[5] ﴿أُوْلَٰٓئِكَ عَلَىٰ هُدٗى مِّن رَّبِّهِمۡۖ وَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡمُفۡلِحُونَ 5﴾:

واعلموا أن أولئك الذين اتَّصفوا بهذه الصفات الكريمة السابقة، هم على هداية عظيمة من ربهم، وأولئك هم الفائزون في الدنيا والآخرة بالدرجات العلا.

[6] ﴿وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَشۡتَرِي لَهۡوَ ٱلۡحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ بِغَيۡرِ عِلۡمٖ وَيَتَّخِذَهَا هُزُوًاۚ أُوْلَٰٓئِكَ لَهُمۡ عَذَابٞ مُّهِينٞ 6﴾:

ثم أخبَرَ جل وعلا أن مِنَ الناس من يشتري لهو الحديث؛ ليصرف الناس عن دين الله وعن صراطه المستقيم، ويتَّخذ آيات الله سخرية واستهزاءً، فاعلموا أن أولئك لهم عذاب يُذِلُّهم ويُخْزِيهم يوم القيامة.

قال ابن مسعود رضي الله عنه: لَهْوَ الحديث: هو واللهِ الغِنَاءُ؛ قالها ثلاثًا، أي: المعازفُ والمغنِّيات، وشراؤه، أي: استحبابه.

ولكنَّ الآية أشملُ من ذلك؛ فيكون المعنى: ومِنَ الناس من يختار كلَّ كلام محرَّم وكلَّ لغو وفسوق؛ ليضل الناس عن الهداية وعن سبيل الله.

[7] ﴿وَإِذَا تُتۡلَىٰ عَلَيۡهِ ءَايَٰتُنَا وَلَّىٰ مُسۡتَكۡبِرٗا كَأَن لَّمۡ يَسۡمَعۡهَا كَأَنَّ فِيٓ أُذُنَيۡهِ وَقۡرٗاۖ فَبَشِّرۡهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ 7﴾:

وهذا الصِّنْفُ من الناس إذا قُرِئَتْ عليه آياتُ الله ليؤمن بها، وينقاد إليها، إذا به يُعرِضُ عنها مبالغًا في التكبُّر، كأنه لم يُقرَأْ عليه شيء، وكأنه لم يسمعها، وكأنَّ في أذنيه صَمَمًا لا يسمع لأصواتٍ؛ فهذا الصنفُ بشِّره -أيها النبي- بعذابٍ أليمٍ مُوجِعٍ جزاءَ استهزائه وإعراضه.

[8] ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ لَهُمۡ جَنَّٰتُ ٱلنَّعِيمِ 8﴾:

وهذه بُشْرى لأهل الخير الذين آمنوا بالله ووحَّدوه، وآمنوا برسوله ﷺ، واتَّبعوه، ثم عملوا الأعمال الصالحة؛ بأن الله أعدَّ وهيَّأ لهم جنات يَنْعَمون فيها؛ فلا يَبْأسون أبدًا، فيها ما لا عينٌ رأت، ولا أُذُنٌ سمعت، ولا خطَرَ على قلب بشر.

[9] ﴿خَٰلِدِينَ فِيهَاۖ وَعۡدَ ٱللَّهِ حَقّٗاۚ وَهُوَ ٱلۡعَزِيزُ ٱلۡحَكِيمُ 9﴾:

ثم بين سبحانه أنهم ماكثون في هذه الجنات، قائمون فيها إقامةً دائمةً لا انقطاع فيها، هذا وعد الله حقًّا لا شكَّ ولا ريب فيه، والله هو العزيزُ الغالبُ الذي يفعل ما يشاء، وهو الحكيمُ الذي يضع الأمور في مواضعها، وهو سبحانه يحكُمُ ما يريد.

[10] ﴿خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ بِغَيۡرِ عَمَدٖ تَرَوۡنَهَاۖ وَأَلۡقَىٰ فِي ٱلۡأَرۡضِ رَوَٰسِيَ أَن تَمِيدَ بِكُمۡ وَبَثَّ فِيهَا مِن كُلِّ دَآبَّةٖۚ وَأَنزَلۡنَا مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءٗ فَأَنۢبَتۡنَا فِيهَا مِن كُلِّ زَوۡجٖ كَرِيمٍ 10﴾:

واعلموا أن الله وحده هو الذي خلَقَ هذه السموات الضخمة، ورفَعَها من غير عمد مرئية تستنِدُ عليه كما تشاهدونها، وألقى في الأرض جبالًا ثابتةً لكيلا تضطرب بكم، ونشَرَ في الأرض مختلِفَ أنواع الدوابِّ التي فيها منفعتكم ومصلحتكم، وأنزَلَ من السحاب مطرًا، فأنبَتَ به من الأرض من كل صِنْف بهيج جميل المنظر كثير المنافع؛ فإنه سبحانه على كل شيء قدير؛ فهو قادرٌ على خلق الكائنات العظيمة بعَمَدٍ وبغير عمد، تُرَى أو لا تُرَى؛ سبحانه إذا أراد شيئًا، فإنما يقول له: (كُنْ)، فيكون.

[11] ﴿هَٰذَا خَلۡقُ ٱللَّهِ فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ ٱلَّذِينَ مِن دُونِهِۦۚ بَلِ ٱلظَّٰلِمُونَ فِي ضَلَٰلٖ مُّبِينٖ 11﴾:

واعلموا -أيها المشركون- أن كل ما تشاهدونه من المخلوقات هو خَلْقُ الله، فإذا علمتم ذلك، فأَرُونا ماذا خلَقَتْ آلهتكم التي تعبدونها من دون الله؟! وفي هذا تعجيزٌ للمشركين، وإعلامٌ لهم بأن الصناعات التي صنعوها من مراكب وغيرها إنما صُنِعَتْ بعلمه ومعونته، واعلموا أن الظالمين المتجاوزين لحدود الله في ضلالٍ بيِّن واضح.

[12] ﴿وَلَقَدۡ ءَاتَيۡنَا لُقۡمَٰنَ ٱلۡحِكۡمَةَ أَنِ ٱشۡكُرۡ لِلَّهِۚ وَمَن يَشۡكُرۡ فَإِنَّمَا يَشۡكُرُ لِنَفۡسِهِۦۖ وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ ٱللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٞ 12﴾:

ولقد مَنَّ جل وعلا على عبده لُقْمانَ، وأعطاه الحكمة -وهي العلم النافع، والعمل الصالح- ثم أمَرَه أن يشكُرَهُ على هذه النعمة العظيمة ليبارِكَ له فيها، ويزيده منها، ومن يشكُرْ، فإن نفع هذا الشكر عائدٌ عليه، ومَنْ يَجْحَدْ ويكفُرْ، فإنه لا يضرُّ إلا نفسه، والله جل في علاه غنيٌّ عن العالمين، وعن شكرهم، وهو سبحانه حميدٌ فيما يقدِّره ويقضيه، حميدٌ في جميلِ صنعِهِ جل في علاه. والجمهورُ على أن لقمان لم يكن نبيًّا، وإنما كان حكيمًا وطبيبًا، وحكى الله عنه كلامًا حكيمًا ونصائحَ غيرَ ما ذُكِرَ في هذه السورة؛ فالله منحه الحكمة والذِّكْر الحسن، ووصاياه لابنه نفيسةٌ؛ ما تَمَثَّلَ بها إنسان وعمل بها إلا فاز ونجَحَ في الدنيا والآخرة.

[13] ﴿وَإِذۡ قَالَ لُقۡمَٰنُ لِٱبۡنِهِۦ وَهُوَ يَعِظُهُۥ يَٰبُنَيَّ لَا تُشۡرِكۡ بِٱللَّهِۖ إِنَّ ٱلشِّرۡكَ لَظُلۡمٌ عَظِيمٞ 13﴾:

واذكر -أيها النبي- يوم أن قال لقمان لابنه واعظًا إياه بالأمر والنهي: يا بُنَيَّ، أخلص العبادة لله بالتوحيد، ولا تُشرِكْ به أحدًا في عبادته، واعلم أن الشرك أعظم الظلم على الإطلاق؛ فالظُّلْم: وضع الشيء في غير موضعه، فعبادةُ غير الله، أو إشراكُ أحد معه في العبادة: وضعٌ للعبادة في غير موضعها؛ وهذا من أظلم الظلم، وأعظم الفساد.

[14] ﴿وَوَصَّيۡنَا ٱلۡإِنسَٰنَ بِوَٰلِدَيۡهِ حَمَلَتۡهُ أُمُّهُۥ وَهۡنًا عَلَىٰ وَهۡنٖ وَفِصَٰلُهُۥ فِي عَامَيۡنِ أَنِ ٱشۡكُرۡ لِي وَلِوَٰلِدَيۡكَ إِلَيَّ ٱلۡمَصِيرُ 14﴾:

أخبَرَ سبحانه أنه أوجب على الإنسان، وأوصاه وصيَّةً عظيمةً ببِرِّ والدَيْهِ والإحسان إليهما، ثم بيَّن سبب ذلك: أن أمه حملته في بطنها، وأنها تزدادُ بهذا الحمل مشقَّةً وضعفًا على ضعف؛ كلَّما كَبِرَ في رحمها، ثم بيَّن سبحانه أن فطامه عن الرضاعة يكون في عامَيْن، ثم أمَرَ سبحانه أن اشكُرِ الله -أيها الإنسان- بالقيام بعبوديته وأداء حقوقه كما أمرك، واشكر لوالدَيْكَ ببِرِّهما والإحسان إليهما بجميع وجوه الإحسان، واعلم أن إلى الله المَرْجِعَ والمصير، وستُسأَلُ عن هذه الوصية، هل أدَّيْتَها؟! أم أضَعْتَها وفرَّطْتَ فيها؟!

[15] ﴿وَإِن جَٰهَدَاكَ عَلَىٰٓ أَن تُشۡرِكَ بِي مَا لَيۡسَ لَكَ بِهِۦ عِلۡمٞ فَلَا تُطِعۡهُمَاۖ وَصَاحِبۡهُمَا فِي ٱلدُّنۡيَا مَعۡرُوفٗاۖ وَٱتَّبِعۡ سَبِيلَ مَنۡ أَنَابَ إِلَيَّۚ ثُمَّ إِلَيَّ مَرۡجِعُكُمۡ فَأُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمۡ تَعۡمَلُونَ 15﴾:

واعلم -أيها الإنسان- أنه إن اجتهَدَ والداك في دعوتك إلى الشرك بالله، فلا تُطِعْهما في ذلك، ولا تتَّبعهما؛ فإنه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق، ولكنْ لا تعُقَّهما ولا تُسِئْ إليهما، بل صاحبهما بالبِرِّ بهما والإحسان إليهما، واصنَعِ المعروف لهما، واتَّبِعْ سبيل مَنْ رجع إلى الله بالتوبة والإخلاص، والزَمْ طريقهم؛ فإن إلى الله مرجعكم جميعًا؛ فيخبركم بأعمالكم، ويجازيكم عليها.

[16] ﴿يَٰبُنَيَّ إِنَّهَآ إِن تَكُ مِثۡقَالَ حَبَّةٖ مِّنۡ خَرۡدَلٖ فَتَكُن فِي صَخۡرَةٍ أَوۡ فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ أَوۡ فِي ٱلۡأَرۡضِ يَأۡتِ بِهَا ٱللَّهُۚ إِنَّ ٱللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٞ 16﴾:

ثم قال لقمان لابنه: يا بُنَيَّ، إن يكن من أعمالك وَزْنُ حبَّة من خردل متناهية الصغر، فتكون في وسَطَ صخرةٍ، أو في أي مكان في السموات والأرض؛ فإنها لا تغيب عن الله؛ بل يأتي الله بها، ويحاسبك عليها؛ إن الله لطيفٌ بعباده، خبيرٌ بأعمالهم.

[17] ﴿يَٰبُنَيَّ أَقِمِ ٱلصَّلَوٰةَ وَأۡمُرۡ بِٱلۡمَعۡرُوفِ وَٱنۡهَ عَنِ ٱلۡمُنكَرِ وَٱصۡبِرۡ عَلَىٰ مَآ أَصَابَكَۖ إِنَّ ذَٰلِكَ مِنۡ عَزۡمِ ٱلۡأُمُورِ 17﴾:

ثم قال لقمان لابنه: يا بُنَيَّ، أدِّ الصلاة في وقتها، وتَمِّمْ أركانها وشروطها، وواجباتها وسننها، وأْمُرْ بالمعروف، وانْهَ عن المنكر، واعلم أنه سيصيبك بسبب ذلك الأذى الكثير؛ فاصبِرْ على ما يصيبك في سبيل ذلك، واعلم أن هذه الطاعات المذكورة من الأمور التي يُعزَمُ عليها، ويهتم بها، ولا ينالها إلا أولو العزم، وأصحابُ الهمم العالية.

[18] ﴿وَلَا تُصَعِّرۡ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلَا تَمۡشِ فِي ٱلۡأَرۡضِ مَرَحًاۖ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخۡتَالٖ فَخُورٖ 18﴾:

ثم قال لقمان لابنه: يا بُنَيَّ، لا تُعْرِضْ بوجهك، ولا تُمِلْهُ وتَعْبَسْ به تكبُّرًا على الناس، ولا تَمْشِ مِشْيةَ المتفاخر المتباهي المعجَب بنفسه، واعلم أن الله لا يُحِبُّ كل من يختال في نفسه ويتعاظم ويتكبَّر على خلق الله، ولا يحب الله كل فخور على الناس بقومه أو شَرَفه أو قوَّته.

[19] ﴿وَٱقۡصِدۡ فِي مَشۡيِكَ وَٱغۡضُضۡ مِن صَوۡتِكَۚ إِنَّ أَنكَرَ ٱلۡأَصۡوَٰتِ لَصَوۡتُ ٱلۡحَمِيرِ 19﴾:

ثم قال لقمان لابنه: يا بُنَيَّ، إذا مشيت، فتواضع لله في مِشْيتك، وامشِ بوَقَارٍ وسكينةٍ، وإذا تكلَّمْتَ، فاخفض من صوتك، ولا ترفعه أدبًا مع الله ومع الناس؛ فإنَّ رفع الصوت أمر قبيح، واعلم أن أقبح الأصوات وأفظعها وأبشعها هو صوت الحمير؛ وفي هذا تنفيرٌ من رفع الأصوات لغير حاجة.

[20] ﴿أَلَمۡ تَرَوۡاْ أَنَّ ٱللَّهَ سَخَّرَ لَكُم مَّا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلۡأَرۡضِ وَأَسۡبَغَ عَلَيۡكُمۡ نِعَمَهُۥ ظَٰهِرَةٗ وَبَاطِنَةٗۗ وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يُجَٰدِلُ فِي ٱللَّهِ بِغَيۡرِ عِلۡمٖ وَلَا هُدٗى وَلَا كِتَٰبٖ مُّنِيرٖ 20﴾:

امتنَّ جل وعلا على عباده أن أسبَغَ عليهم نعمه؛ فأخبَرَ أنه سخَّر لمنفعتهم ومصلحتهم ما في السموات مِنْ شمس وقمر وسحاب وغير ذلك، وسخَّر لهم ما في الأرض مِنْ دوابَّ وزروع وثمار، وأخبَرَ أنه عمَّهم بكل أنواع النعم: الظاهرة على الأبدان والجوارح، والباطنة في العقول والقلوب، ومع هذا التكريم وهذا التفضيل؛ فإن بعض الناس لا يشكُرُ هذه النعم، بل يخاصم في توحيد الله وفي إخلاص العبادة له وحده؛ بغير حُجَّة ولا هُدًى، ولا كتاب منير ينير عقله وقلبه. وهذا هو شأن الإنسان؛ فإنه كان: ﴿أَكۡثَرَ شَيۡءٖ جَدَلٗا﴾ [الكهف:54].

[21] ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ ٱتَّبِعُواْ مَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ قَالُواْ بَلۡ نَتَّبِعُ مَا وَجَدۡنَا عَلَيۡهِ ءَابَآءَنَآۚ أَوَلَوۡ كَانَ ٱلشَّيۡطَٰنُ يَدۡعُوهُمۡ إِلَىٰ عَذَابِ ٱلسَّعِيرِ 21﴾:

وإذا قيل لهؤلاء المشركين: اتَّبعوا ما أنزَلَ الله على رسوله ﷺ من الهدى والبيِّنات، أجابوا قائلين: ما نتَّبع إلا ما وجَدْنا عليه آباءنا من عبادة الأصنام والأوثان، بل يتَّبع هؤلاء الجهال آباءَهم ويسيرون خلفهم حتى لو كان الشيطان قد أضلَّهم من قبلُ، ودعاهم إلى عذاب السعير فاتبعوه!

[22] ﴿وَمَن يُسۡلِمۡ وَجۡهَهُۥٓ إِلَى ٱللَّهِ وَهُوَ مُحۡسِنٞ فَقَدِ ٱسۡتَمۡسَكَ بِٱلۡعُرۡوَةِ ٱلۡوُثۡقَىٰۗ وَإِلَى ٱللَّهِ عَٰقِبَةُ ٱلۡأُمُورِ 22﴾:

واعلموا أن مَنْ يستسلِمْ لله بالتوحيد، ويَنْقَدْ له بالطاعة مخلِصًا له الدين، وهو محسنٌ في ذلك بأن يعبُدَ الله كما يراه، فإن لم يكن يراه فإن الله يراه، فقد اعتصَمَ بالعهد الأوثق وتمسَّك بحبل النجاة والسلامة والفوز العظيم، وإلى الله رجوع الأمور ومنتهاها ومصيرها.

[23] ﴿وَمَن كَفَرَ فَلَا يَحۡزُنكَ كُفۡرُهُۥٓۚ إِلَيۡنَا مَرۡجِعُهُمۡ فَنُنَبِّئُهُم بِمَا عَمِلُوٓاْۚ إِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمُۢ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ 23﴾:

أما مَنْ كفر بالله وجحَدَ آياته وكذَّب رُسُلَه، فلا تحزن عليه، ولا تأس عليه؛ فقد أدَّيْتَ ما عليك من النذارة والبلاغ، وإلينا مرجع من كفَرَ وكذَّب، فنخبرهم بقبيح ما فعلوا، ونحاسبهم ونجازيهم على ما قدَّمْتَ أيديهم، والله جل في علاه عليمٌ بكل شيء، يعلمُ ما في الضمائر، وما تُخْفِيه الصدور.

[24] ﴿نُمَتِّعُهُمۡ قَلِيلٗا ثُمَّ نَضۡطَرُّهُمۡ إِلَىٰ عَذَابٍ غَلِيظٖ 24﴾:

ثم أخبَرَ سبحانه أنه سوف يمهل هؤلاء المشركين ويمتِّعهم في الدنيا متعًا قليلةً زائلةً ليزداد إثمهم، ثم يُلْجِئهم إلى عذاب ثقيل شديد لا يحتملونه.

[25] ﴿وَلَئِن سَأَلۡتَهُم مَّنۡ خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضَ لَيَقُولُنَّ ٱللَّهُۚ قُلِ ٱلۡحَمۡدُ لِلَّهِۚ بَلۡ أَكۡثَرُهُمۡ لَا يَعۡلَمُونَ 25﴾:

ولئن سألتَ -أيها النبي- هؤلاء المشركين: من خلق السموات والأرض؟! ليُجِيبونك بقولهم: الله، هو الذي خلق السموات والأرض، فقل: الحمد لله على إقراركم بذلك واعترافكم؛ فعليكم أن تجزموا أن المتفرِّد بخلق السموات والأرض هو الذي يستحِقُّ أن يُفرَدَ بالعبادة وحده دون من سواه، ولكنَّ أكثرهم لا يعلمون ولا ينظُرُون ولا يتدبَّرون.

[26] ﴿لِلَّهِ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۚ إِنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلۡغَنِيُّ ٱلۡحَمِيدُ 26﴾:

واعلموا أن لله وحده ما في السموات والأرض خَلْقًا وملكًا وتدبيرًا؛ إن الله هو الغنيُّ عن ما سواه، الحميدُ الذي له الحمد كله والثناء كله.

[27] ﴿وَلَوۡ أَنَّمَا فِي ٱلۡأَرۡضِ مِن شَجَرَةٍ أَقۡلَٰمٞ وَٱلۡبَحۡرُ يَمُدُّهُۥ مِنۢ بَعۡدِهِۦ سَبۡعَةُ أَبۡحُرٖ مَّا نَفِدَتۡ كَلِمَٰتُ ٱللَّهِۚ إِنَّ ٱللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٞ 27﴾:

واعلموا -أيها الناس- لو أن جميع الأشجار التي في الأرض صُيِّرَتْ أقلامًا يُكْتَبُ بها، وجميع البحار صُيِّرَتْ مدادًا ومن ورائها سبعة أبحُرٍ لكتابة كلمات الله، لَنَفِدَتْ الأقلام والبحار، ولم تنفد كلمات الله جلَّ في عُلاه؛ إن الله هو العزيزُ الغالبُ الذي لا يعجزه شيء، الحكيمُ في تدبير خلقه.

ويستفاد من هذه الآية: أن صفة الكلام لله جل وعلا كذاته، لا يمكن للمخلوق الإحاطةُ بها.

[28] ﴿مَّا خَلۡقُكُمۡ وَلَا بَعۡثُكُمۡ إِلَّا كَنَفۡسٖ وَٰحِدَةٍۚ إِنَّ ٱللَّهَ سَمِيعُۢ بَصِيرٌ 28﴾:

ثم ذكَرَ جل وعلا كمال عظمته وقدرته، وأنه لا يُعْجِزه شيء، فإذا أراد شيئًا، فإنما يقول له (كُنْ)، فيكونُ بقدرته سبحانه وتعالى ، وبيَّن أن الخلائق كلها من قَبْل آدم إلى قيام الساعة لا تحتاج منه إلى جهد وعناء لبَعْثها وحَشْرها؛ فهي كخلقِ نَفْسٍ واحدة؛ إن الله سميع لأقوالكم، بصير بأحوالكم لا يخفى عليه شيء منها، وسيحاسب الجميع يوم القيامة كلًّا بحسَبِ عمله.

[29] ﴿أَلَمۡ تَرَ أَنَّ ٱللَّهَ يُولِجُ ٱلَّيۡلَ فِي ٱلنَّهَارِ وَيُولِجُ ٱلنَّهَارَ فِي ٱلَّيۡلِ وَسَخَّرَ ٱلشَّمۡسَ وَٱلۡقَمَرَۖ كُلّٞ يَجۡرِيٓ إِلَىٰٓ أَجَلٖ مُّسَمّٗى وَأَنَّ ٱللَّهَ بِمَا تَعۡمَلُونَ خَبِيرٞ 29﴾:

أخبَرَ جل وعلا أنه يُدخِلُ الليل في النهار، ويدخل النهار في الليل، وأنه ذلَّل الشمس والقمر يجريان بتدبير ونظام إلى أَجَلٍ محدَّدٍ، ووقت معلوم، ثم بيَّن سبحانه أنه خبيرٌ مطَّلعٌ على جميع أعمالكم، وسيجازيكم عليها.

[30] ﴿ذَٰلِكَ بِأَنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلۡحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدۡعُونَ مِن دُونِهِ ٱلۡبَٰطِلُ وَأَنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلۡعَلِيُّ ٱلۡكَبِيرُ 30﴾:

ثم بيَّن جل في علاه أن ذلك الخلق والتدبير، وتلك الصفات العظيمة تدُلُّ على أن الله هو الإله المعبود بحق -دون من سواه- وأن جميع ما يُعبَدُ مِنْ دون الله هو الباطل، وأن الله جل في علاه هو العَلِيُّ بذاته وقَهْره وقَدْره، وأنه سبحانه هو الكبيرُ الذي له الكبرياء في ذاته وصفاته.

[31] ﴿أَلَمۡ تَرَ أَنَّ ٱلۡفُلۡكَ تَجۡرِي فِي ٱلۡبَحۡرِ بِنِعۡمَتِ ٱللَّهِ لِيُرِيَكُم مِّنۡ ءَايَٰتِهِۦٓۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَأٓيَٰتٖ لِّكُلِّ صَبَّارٖ شَكُورٖ 31﴾:

ثم أخبَرَ جل وعلا أن السفن تجري في البَحْر بنعمة الله وفَضْله ورحمته؛ فتَحْمِلكم وتحمل بضائعكم في أسفاركم في البحر لطلب الرزق؛ لتشاهدوا بأنفسكم آيات الله فتنتفعوا وتعتبروا بها؛ إن في ذلك لعلاماتٍ تدُلُّ على قدرة الله وحِلْمه ورحمته، وإنما ينتفع بهذه الآيات كلُّ عبدٍ كثيرِ الصبرِ على طاعة الله، وعن معصيته، وعلى أقداره المُؤْلِمة، كثيرِ الشكر لله على نعمه وآلائه الدينية والدنيوية.

[32] ﴿وَإِذَا غَشِيَهُم مَّوۡجٞ كَٱلظُّلَلِ دَعَوُاْ ٱللَّهَ مُخۡلِصِينَ لَهُ ٱلدِّينَ فَلَمَّا نَجَّىٰهُمۡ إِلَى ٱلۡبَرِّ فَمِنۡهُم مُّقۡتَصِدٞۚ وَمَا يَجۡحَدُ بِـَٔايَٰتِنَآ إِلَّا كُلُّ خَتَّارٖ كَفُورٖ 32﴾:

ثم ذكَرَ جل وعلا حال المشركين إذا ركبوا السفن في البحر، ثم اشتدَّت بهم الريح، وارتفَعَ الموج كالجبال، ولَعِبَ بالسفن، وأشرفوا على الغرق، دَعَوُا الله تعالى بإخلاص الدين له، ولكنْ بعد أن أجاب الله دعاءهم ونجَّاهم وسلَّمهم من الهلاك، فمنهم مقتصد، أي: أنه جحَدَ دين الله، وعاد للكفر؛ كما قال مجاهد، ثم بيَّن سبحانه أنه ما يَجْحَدُ بآيات الله ويكفُرُ بها إلا كلُّ ختَّار، أي: كلُّ غدَّار؛ كما قال ابن كَثِير، وكلُّ كفورٍ جحودٍ لنعم الله عليه؛ فلا يشكرها، بل يتناساها ولا يذكُرُها.

[33] ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱتَّقُواْ رَبَّكُمۡ وَٱخۡشَوۡاْ يَوۡمٗا لَّا يَجۡزِي وَالِدٌ عَن وَلَدِهِۦ وَلَا مَوۡلُودٌ هُوَ جَازٍ عَن وَالِدِهِۦ شَيۡـًٔاۚ إِنَّ وَعۡدَ ٱللَّهِ حَقّٞۖ فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ ٱلۡحَيَوٰةُ ٱلدُّنۡيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُم بِٱللَّهِ ٱلۡغَرُورُ 33﴾:

يا أيها الناس، خافوا من الله، واحذروا عقابه، وامتثلوا أمره، واجتنبوا نهيه، وخافوا من يوم القيامة؛ ذلك اليوم الذي لا ينفعُ فيه الولَدُ أباه، ولا ينفعُ الأبُ ابنه، ودعاء الرسل يومئذٍ: اللهمَّ سَلِّمْ سَلِّمْ، واعلموا أن وَعْدَ الله حقٌّ وصِدْقٌ لا ريبَ ولا شكَّ فيه، ويومُ القيامة آتٍ لا محالة؛ فلا تخدعَنَّكم الحياة الدنيا بزينتها وزُخْرُفها فتُنْسيكم الاستعداد للدار الآخرة، ولا يخدعنَّكم بِحِلْمِ الله عليكم الغَرُورُ الذي هو الشيطان.

[34] ﴿إِنَّ ٱللَّهَ عِندَهُۥ عِلۡمُ ٱلسَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ ٱلۡغَيۡثَ وَيَعۡلَمُ مَا فِي ٱلۡأَرۡحَامِۖ وَمَا تَدۡرِي نَفۡسٞ مَّاذَا تَكۡسِبُ غَدٗاۖ وَمَا تَدۡرِي نَفۡسُۢ بِأَيِّ أَرۡضٖ تَمُوتُۚ إِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرُۢ 34﴾:

ثم ختَمَ جل وعلا هذه السورة بذِكْرِ الأمور الغيبية التي لا يعلمها إلا هو والتي اختَصَّ بها وحده؛ فذكَرَ جل في علاه أنه اختَصَّ بعلم وقت قيام الساعة، واختَصَّ سبحانه بوقت إنزال المطر، واختصَّ سبحانه بعِلْمِ ما في الأرحام من الذكور والإناث، والصلاح والفساد، ثم بيَّن سبحانه أنه ما تدري أيُّ نَفْسٍ ماذا ستكسب غدًا في دينها ودنياها، ولا يعرفُ أحدٌ من الناس المكانَ الذي سيموت فيه؛ فقد اختَصَّ الله جل في علاه بعلم هذه الأشياء كلها، ثم بيَّن جل شأنه أنه هو العليمُ الذي أحاط علمه بالظواهر والبواطن، الخبيرُ الذي لا يخفى عليه شيء.

سورة السَّجْدة

سورة السجدة مكيَّة، وآياتها ثلاثون آية.

[1] ﴿الٓمٓ 1﴾:

سبق الكلام على الحروف المقطَّعة في أول سورة البقرة.

[2] ﴿تَنزِيلُ ٱلۡكِتَٰبِ لَا رَيۡبَ فِيهِ مِن رَّبِّ ٱلۡعَٰلَمِينَ 2﴾:

أخبَرَ جل وعلا أن هذا القرآن الذي جاء به محمد ﷺ لا شك ولا ريب أنه تنزيلٌ من عند الله رب الخلائق أجمعين، وليس كما يقول المشركون بأنه سِحْرٌ أو كهانة أو أساطير الأوَّلين.

[3] ﴿أَمۡ يَقُولُونَ ٱفۡتَرَىٰهُۚ بَلۡ هُوَ ٱلۡحَقُّ مِن رَّبِّكَ لِتُنذِرَ قَوۡمٗا مَّآ أَتَىٰهُم مِّن نَّذِيرٖ مِّن قَبۡلِكَ لَعَلَّهُمۡ يَهۡتَدُونَ 3﴾:

أيقول المشركون: إنك -أيها النبي- افترَيْتَ هذا القرآن مِنْ عند نفسك؟! لقد كذَبُوا، بل هو الحق الثابت المنزَّل عليك من ربك؛ لتنذر به أمتك الأمية التي لم يأتهم نذيرٌ مِنْ قبلك؛ لعلَّهم يهتدون إلى الحق، وإلى التوحيد، وإلى إخلاص العبادة لله.

[4] ﴿ٱللَّهُ ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضَ وَمَا بَيۡنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٖ ثُمَّ ٱسۡتَوَىٰ عَلَى ٱلۡعَرۡشِۖ مَا لَكُم مِّن دُونِهِۦ مِن وَلِيّٖ وَلَا شَفِيعٍۚ أَفَلَا تَتَذَكَّرُونَ 4﴾:

أخبَرَ جل وعلا أنه هو الذي خلَقَ السموات والأرض، وخلَقَ ما بينهما من رياح وغيرها في ستة أيام، وهو قادرٌ على خلقها في لحظة؛ وذلك لحكم يعلمها سبحانه، ومن ذلك: تعليم عباده التؤدة والترتيب، ثم استوى، أي: علا وارتفَعَ سبحانه على العرش، استواءً يليق بجلاله؛ من غير تحريفٍ ولا تعطيل، وغيرِ تكييفٍ ولا تمثيل، واعلموا -أيها الناس- أنكم إذا خالفتم أوامر الله ونواهيه، فإنه ليس لكم من دونه مِنْ وليٍّ يتولى أموركم، ولا شفيعٍ يشفع لكم عنده لتنجوا من عذابه؛ أفلا تتَّعظون وتعتبرون؛ فيحملكم ذلك على توحيد الله وإخلاص العبادة له وحده؟!

[5] ﴿يُدَبِّرُ ٱلۡأَمۡرَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ إِلَى ٱلۡأَرۡضِ ثُمَّ يَعۡرُجُ إِلَيۡهِ فِي يَوۡمٖ كَانَ مِقۡدَارُهُۥٓ أَلۡفَ سَنَةٖ مِّمَّا تَعُدُّونَ 5﴾:

ومن صفاته جل وعلا: أنه يدبِّر أمر المخلوقات من السماء إلى الأرض، ويُحْكِمه، إلى أن تقوم الساعة، ثم تصعد الملائكة المدبِّرة إليه سبحانه في يوم مقداره ألف سنة من أيام الدنيا المعروفة التي يعُدُّها الناس. قال أستاذنا الشيخ محمد الأمين الشِّنْقيطي صاحب تفسير (أضواء البيان) أثناء تدريسه لنا في كلية الشريعة مادَّة التفسير: (الأيام الستة هذه اليومُ الواحدُ منها مقداره في سَيْرِهِ وعروجِهِ ألفُ سنةٍ من حسابنا المعتاد، وأن يومَ الأَلْفِ سنةٍ المذكورَ في قوله: ﴿وَإِنَّ يَوۡمًا عِندَ رَبِّكَ كَأَلۡفِ سَنَةٖ مِّمَّا تَعُدُّونَ﴾ [الحج:٤٧]، هو أحد الأيام الستة التي خلَقَ الله فيهنَّ السموات والأرض. وأما يومُ الخمسينَ ألفَ سنةٍ المذكورُ في قوله: ﴿تَعۡرُجُ ٱلۡمَلَٰٓئِكَةُ وَٱلرُّوحُ إِلَيۡهِ فِي يَوۡمٖ كَانَ مِقۡدَارُهُۥ خَمۡسِينَ أَلۡفَ سَنَةٖ﴾ [المعارج:٤]؛ فهو يومُ القيامة، وذلك بالنسبة للكافرين؛ كما قال تعالى: ﴿وَكَانَ يَوۡمًا عَلَى ٱلۡكَٰفِرِينَ عَسِيرٗا﴾ [الفرقان:26])، وذكَرَ قولًا آخَرَ: أن كل الأيام تنطبق على يوم القيامة بالنسبة لتعدُّد مواقفه، وبالنسبة للكافرين؛ كما قال: ﴿فَذَٰلِكَ يَوۡمَئِذٖ يَوۡمٌ عَسِيرٌ 9 عَلَى ٱلۡكَٰفِرِينَ غَيۡرُ يَسِيرٖ10﴾ [المدثر:٩-10].

[6] ﴿ذَٰلِكَ عَٰلِمُ ٱلۡغَيۡبِ وَٱلشَّهَٰدَةِ ٱلۡعَزِيزُ ٱلرَّحِيمُ 6﴾:

واعلموا -أيها الناس- أن الذي خلق هذه المخلوقات العظيمة، واستوى على العرش، وتفرَّد بتدبير أمور الكون، هو الله سبحانه، العالمُ بكل ما يغيب عن الأبصار، وما تشاهده من أعمال عباده، العزيزُ الغالبُ الذي قهَرَ كلَّ شيء وغَلَبَه، الرحيمُ الذي وَسِعَتْ رحمته كل شيء.

[7] ﴿ٱلَّذِيٓ أَحۡسَنَ كُلَّ شَيۡءٍ خَلَقَهُۥۖ وَبَدَأَ خَلۡقَ ٱلۡإِنسَٰنِ مِن طِينٖ 7﴾:

ثم أخبَرَ جل وعلا أنه أتقَنَ خلق كل شيء من مخلوقاته، وأخبَرَ أنه بدأ خلق الإنسان -وهو أبونا آدم- مِنْ طين.

[8] ﴿ثُمَّ جَعَلَ نَسۡلَهُۥ مِن سُلَٰلَةٖ مِّن مَّآءٖ مَّهِينٖ 8﴾:

ثم بين سبحانه أنه جعل تناسُلَ ذرِّية آدم عن طريق ذلك الماء الضعيف المستقذَرِ.

[9] ﴿ثُمَّ سَوَّىٰهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِن رُّوحِهِۦۖ وَجَعَلَ لَكُمُ ٱلسَّمۡعَ وَٱلۡأَبۡصَٰرَ وَٱلۡأَفۡـِٔدَةَۚ قَلِيلٗا مَّا تَشۡكُرُونَ 9﴾:

ثم بين سبحانه أنه أتمَّ خلق الإنسان وأبدعه في أحسن صورة، ثم نفَخَ فيه من رُوحه، ثم امتنَّ الله عليكم -أيها الناس- فجعل لكم نعمةَ السمع والأبصار؛ لتميِّزوا بين الأصوات، وتعرفوا الأشخاص والألوان، ونعمةَ العقل؛ لتميِّزوا بين الخير والشر، ومع كل هذه النعم فإن قليلًا من الناس من يشكُرُ الله على نعمه.

[10] ﴿وَقَالُوٓاْ أَءِذَا ضَلَلۡنَا فِي ٱلۡأَرۡضِ أَءِنَّا لَفِي خَلۡقٖ جَدِيدِۭۚ بَلۡ هُم بِلِقَآءِ رَبِّهِمۡ كَٰفِرُونَ 10﴾:

وقال المشركون -على سبيل الإنكار ليوم القيامة-: أإذا تحلَّلَتْ أجسامنا، وصارت ترابًا، واختلطت بالأرض، فهل سنُبْعَثُ خلقًا جديدًا، قالوا ذلك جحودًا وكفرًا؛ لأنهم أصلًا منكرون للبعث؛ فلهذا هم كافرون بلقاء الله يوم القيامة.

[11] ﴿قُلۡ يَتَوَفَّىٰكُم مَّلَكُ ٱلۡمَوۡتِ ٱلَّذِي وُكِّلَ بِكُمۡ ثُمَّ إِلَىٰ رَبِّكُمۡ تُرۡجَعُونَ 11﴾:

وقل -أيها النبي- لهؤلاء المشركين: سوف يتولَّى ملك الموت قبض أرواحكم؛ حيث إن الله كلَّفه بهذه المهمة، ثم تبعثون يوم القيامة للحساب؛ فيجازيكم على جميع أعمالكم بما تستحقُّونه من خير أو شر؛ قال شيخنا محمد الأمين الشِّنْقيطي: (إن إسناد التوفِّي إلى ملك الموت في هذه الآية؛ لأنه هو المأمور بقبض الأرواح، وإن إسناده للملائكة في قوله: ﴿فَكَيۡفَ إِذَا تَوَفَّتۡهُمُ ٱلۡمَلَٰٓئِكَةُ﴾ [محمد:٢٧]؛ لأن لِمَلَكِ الموتِ أعوانًا يعملون بأمره، وإسنادُهُ إلى الله في قوله: [الزمر:42]؛ ﴿ٱللَّهُ يَتَوَفَّى ٱلۡأَنفُسَ حِينَ مَوۡتِهَا﴾ لأن كل شيء كائنًا ما كان لا يكونُ إلا بقضاء الله وقَدَره وأَمْره).

[12] ﴿وَلَوۡ تَرَىٰٓ إِذِ ٱلۡمُجۡرِمُونَ نَاكِسُواْ رُءُوسِهِمۡ عِندَ رَبِّهِمۡ رَبَّنَآ أَبۡصَرۡنَا وَسَمِعۡنَا فَٱرۡجِعۡنَا نَعۡمَلۡ صَٰلِحًا إِنَّا مُوقِنُونَ 12﴾:

ولو ترى -أيها النبي- حال المجرمين المكذِّبين بالبعث يوم القيامة حين العَرْضِ على الله، وهم في غاية الذُّلِّ والهوان، قد غشيتهم الحَسْرة والندامة، فحَنَوْا رؤوسهم في ذلٍّ وخِزْيٍ قائلين: ربَّنا، لقد أبصرنا الحقيقة بأعيننا، وسمعنا بآذاننا ما كنا نُنْكِرُهُ ونجحده، فرُدَّنا -يا رب- إلى دار الدنيا نعمل عملًا صالحًا، إنا موقنون مصدِّقون بالبعث والجزاء تصديقًا جازمًا لا شك فيه.

[13] ﴿وَلَوۡ شِئۡنَا لَأٓتَيۡنَا كُلَّ نَفۡسٍ هُدَىٰهَا وَلَٰكِنۡ حَقَّ ٱلۡقَوۡلُ مِنِّي لَأَمۡلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ ٱلۡجِنَّةِ وَٱلنَّاسِ أَجۡمَعِينَ 13﴾:

ثم أخبَرَ جل وعلا أنه لو شاء، لوفَّق كل نَفْسٍ وأرشدها للإيمان؛ فهو قادر سبحانه أن يوفِّق الناس جميعًا للهدى، ويجعلهم كالملائكة، ولكنِ اقتضَتْ حكمة الله أن يجعل الناس مختارين، ثم يملأ جهنَّم ممن يختار الكُفْرَ والذنوب والمعاصي، ويملأ الجنة ممن يتَّبع الرسل ويختار الهدى.

[14] ﴿فَذُوقُواْ بِمَا نَسِيتُمۡ لِقَآءَ يَوۡمِكُمۡ هَٰذَآ إِنَّا نَسِينَٰكُمۡۖ وَذُوقُواْ عَذَابَ ٱلۡخُلۡدِ بِمَا كُنتُمۡ تَعۡمَلُونَ 14﴾:

ويقال لهؤلاء المجرمين يوم القيامة عند دخولهم النار: فذوقوا -أيها المجرمون- عذاب النار؛ بسبب بُعْدكم وإعراضكم عن الهدى، والإيمان بالآخرة وما فيها من الحساب، ولقد ترَكْناكم اليوم في العذاب بسبب إصراركم على الكُفْر والجحود والضلال؛ فذوقوا عذاب الخُلْد بسبب ما كنتم تعملون في الدنيا من الكفر والمعاصي.

وقوله: ﴿إِنَّا نَسِينَٰكُمۡۖ ﴾، أي: ترَكْناكم في النار تركًا كالنسيان لكم، وكلمة ﴿نَسِينَٰكُمۡۖ ﴾؛ أتت مقابلةً لنسيانهم، والله جل وعلا تنزَّه عن أن تغيب عنه غائبة؛ فهو منزَّه عن كل نقص.

[15] ﴿إِنَّمَا يُؤۡمِنُ بِـَٔايَٰتِنَا ٱلَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُواْ بِهَا خَرُّواْۤ سُجَّدٗاۤ وَسَبَّحُواْ بِحَمۡدِ رَبِّهِمۡ وَهُمۡ لَا يَسۡتَكۡبِرُونَ 15﴾:

أخبَرَ جل وعلا أن الذين يؤمنون بآيات الله إيمانًا حقيقيًّا، ويصدِّقون بها تصديقًا جازمًا؛ أولئك الذين إذا ذُكِّروا بآيات ربهم، أنصتوا، وخَشَعوا لها، واتَّعظوا بها، وخرُّوا ساجدين لله خاضعين له، وبدؤوا يسبِّحون الله ويحمدونه وينزِّهونه عما لا يليق بجلاله وعظمته، وهؤلاء المؤمنون لا يستكبرون عن الانقياد والخضوع والسجود لله جل في علاه.

[16] ﴿تَتَجَافَىٰ جُنُوبُهُمۡ عَنِ ٱلۡمَضَاجِعِ يَدۡعُونَ رَبَّهُمۡ خَوۡفٗا وَطَمَعٗا وَمِمَّا رَزَقۡنَٰهُمۡ يُنفِقُونَ 16﴾:

وهؤلاء المؤمنون ترتفع جُنُوبهم وتتباعد عن الفُرُشِ المُعَدَّةِ للنوم والراحة والدَّعَة في أكثر ساعات الليل؛ لانشغالهم عنها بصلاة التهجُّد، ومناجاةِ اللهِ ربِّ العالمين؛ فهم يَدْعُونَ الله جامعين بين صفتَيِ الخوف والرجاء، فيدعون الله وهم خائفون من عذابه، ومن ردِّ أعمالهم وعدم قبولها، راجين ثوابَ الله، طامعين في إدراك رضاه ودخول جنَّته، ومما رزقهم الله ينفقون فيُخْرِجون زكاة أموالهم، ويتصدَّقون زيادة عليها.

[17] ﴿فَلَا تَعۡلَمُ نَفۡسٞ مَّآ أُخۡفِيَ لَهُم مِّن قُرَّةِ أَعۡيُنٖ جَزَآءَۢ بِمَا كَانُواْ يَعۡمَلُونَ 17﴾:

ثم أخبَرَ جل في علاه أنه لا أحد يعلم ماذا أَعَدَّ الله لهؤلاء المؤمنين من الأجر العظيم، والنعيم المقيم، جزاءً لهم على أعمالهم الصالحة في الدنيا؛ وقد جاء في الحديث القدسي: «أَعْدَدتُّ لِعِبَادِيَ الصَّالِحِينَ مَا لَا عَيْنٌ رَأَتْ، وَلَا أُذُنٌ سَمِعَتْ، وَلَا خَطَرَ عَلَى قَلْبِ بَشَرٍ»([2])، اللهم اجعَلْنا برحمتك في عبادك الصالحين. [2] أخرجه البخاري (3244) ومسلم (2824)، عن أبي هريرة رضي الله عنه.

[18] ﴿أَفَمَن كَانَ مُؤۡمِنٗا كَمَن كَانَ فَاسِقٗاۚ لَّا يَسۡتَوُۥنَ 18﴾:

ثم أخبَرَ جل وعلا عن عَدْله وكرمه: أنه لا يساوي في حُكْمه يوم القيامة مَنْ كان مؤمنًا بالله مصدِّقًا برسوله ﷺ، عاملًا الصالحات، بمن خرَجَ عن طاعة الله، وكذَّب برسوله ﷺ، وبالبعث، وباليوم الآخر وما فيه من الحساب؟! هل يستوي هذا بهذا؟! الجواب: قطعًا لا يستوون.

[19] ﴿أَمَّا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ فَلَهُمۡ جَنَّٰتُ ٱلۡمَأۡوَىٰ نُزُلَۢا بِمَا كَانُواْ يَعۡمَلُونَ 19﴾:

ثم بيَّن سبحانه أن الذين آمنوا بالله، واتَّبعوا رسوله ﷺ، وعملوا الصالحات، فأولئك لهم جنات يأوون إليها، وينزلون فيها، قد أعدَّها الله وهيَّأها لهم جزاءً لهم على ما عملوا من الصالحات، وما قدَّموا -طلبًا لرضا ربهم- من القُرُبَات.

[20] ﴿وَأَمَّا ٱلَّذِينَ فَسَقُواْ فَمَأۡوَىٰهُمُ ٱلنَّارُۖ كُلَّمَآ أَرَادُوٓاْ أَن يَخۡرُجُواْ مِنۡهَآ أُعِيدُواْ فِيهَا وَقِيلَ لَهُمۡ ذُوقُواْ عَذَابَ ٱلنَّارِ ٱلَّذِي كُنتُم بِهِۦ تُكَذِّبُونَ 20﴾:

وبيَّن سبحانه أن الذين خرجوا عن طاعة الله، وتمرَّدوا على أوامره، وتكبَّروا عليها، فمقرُّهم ومحلُّ إقامتهم نار جهنَّم، كلما حاولوا الخروج منها، ردَّتهم ملائكة العذاب إليها، وقيل لهم تبكيتًا وتوبيخًا وتقريعًا: ذوقوا عذاب النار الذي كنتم به تكذِّبون.

[21] ﴿وَلَنُذِيقَنَّهُم مِّنَ ٱلۡعَذَابِ ٱلۡأَدۡنَىٰ دُونَ ٱلۡعَذَابِ ٱلۡأَكۡبَرِ لَعَلَّهُمۡ يَرۡجِعُونَ 21﴾:

أخبَرَ جل وعلا أن هؤلاء الفاسقين الخارجين عن طاعة الله، سوف يُذِيقهم الله من عذاب الدنيا، ويبتليهم بالمصائب والمحن قبل عذاب الآخرة؛ لعلَّهم يرجعون عن الكفر إلى الإيمان، وعن الفِسْقَ والتمرُّد إلى الطاعة والإذعان.

[22] ﴿وَمَنۡ أَظۡلَمُ مِمَّن ذُكِّرَ بِـَٔايَٰتِ رَبِّهِۦ ثُمَّ أَعۡرَضَ عَنۡهَآۚ إِنَّا مِنَ ٱلۡمُجۡرِمِينَ مُنتَقِمُونَ 22﴾:

واعلموا -أيها الناس- أنه لا أحد أشد وأعظم جرمًا وظلمًا ممن وُعِظَ ونُصِحَ بآيات الله، فصَمَّ أذنيه وأعرَضَ عنها جحودًا وكفرًا؛ لأن آيات الله كلها آياتُ حِكْمة وإرشاد، وفيها سعادة الدارَيْنِ الدنيا والآخرة، والله تعالى سينتقم من أهل الإجرام والجحود لآياته جل وعلا.

[23] ﴿وَلَقَدۡ ءَاتَيۡنَا مُوسَى ٱلۡكِتَٰبَ فَلَا تَكُن فِي مِرۡيَةٖ مِّن لِّقَآئِهِۦۖ وَجَعَلۡنَٰهُ هُدٗى لِّبَنِيٓ إِسۡرَٰٓءِيلَ 23﴾:

ثم أخبَرَ جل وعلا أنه آتى موسى عليه السلام التوراةَ من قبلك؛ فنزول القرآن عليك ليس بِدْعًا من الأمر؛ فلا تكن في شكٍّ من لقائك بموسى في ليلة الإسراء والمعراج، ولقد جعلنا هذه التوراة هُدًى لبني إسرائيل تَهْدِيهم إلى الطريق المستقيم، وإلى الدِّين القويم.

[24] ﴿وَجَعَلۡنَا مِنۡهُمۡ أَئِمَّةٗ يَهۡدُونَ بِأَمۡرِنَا لَمَّا صَبَرُواْۖ وَكَانُواْ بِـَٔايَٰتِنَا يُوقِنُونَ 24﴾:

أخبَرَ جل وعلا بما مَنَّ به على بني إسرائيل بأنه جعَلَ منهم أئمةً ودعاةً وعلماءَ يَهْدُون غيرهم إلى الحق، ويدعونهم إلى التوحيد والإيمان، وقد نال هؤلاء هذه المرتبة العليا: بصَبْرهم على التعلُّم والتعليم، والدعوة، وتحمُّل الأذى فيها، وكانوا بآيات الله مصدِّقين بها تصديقًا جازمًا وعلى علمٍ تامٍّ بها، فدفَعَهم ذلك إلى العمل بها والدعوة إليها، وبالصبر واليقين والعمل تُنَالُ الإمامة في الدين.

[25] ﴿إِنَّ رَبَّكَ هُوَ يَفۡصِلُ بَيۡنَهُمۡ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ فِيمَا كَانُواْ فِيهِ يَخۡتَلِفُونَ 25﴾:

ثم اعلم -أيها النبي- أن ربك يَفْصِلُ بين المؤمنين والكفار، وبين الرسل وأتباعهم، والمشركين وأوليائهم يوم القيامة بالعَدْلِ فيما اختلفوا فيه، وتنازعوا عليه.

[26] ﴿أَوَلَمۡ يَهۡدِ لَهُمۡ كَمۡ أَهۡلَكۡنَا مِن قَبۡلِهِم مِّنَ ٱلۡقُرُونِ يَمۡشُونَ فِي مَسَٰكِنِهِمۡۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَأٓيَٰتٍۚ أَفَلَا يَسۡمَعُونَ 26﴾:

أولم يتبيَّنْ لهؤلاء المكذِّبين للرسول ﷺ المعاندين؛ له كم أهلكنا مِنْ قبلهم من الأمم المكذِّبةِ لرسلها؛ وهم يشاهدون مساكنهم ويمشون فيها؟! إن في ذلك لآياتٍ بيِّناتٍ؛ أفلا يسمع هؤلاء هذه المواعظ فتحرِّكَ قلوبهم فيؤمنوا ويصدِّقوا؟!

[27] ﴿أَوَلَمۡ يَرَوۡاْ أَنَّا نَسُوقُ ٱلۡمَآءَ إِلَى ٱلۡأَرۡضِ ٱلۡجُرُزِ فَنُخۡرِجُ بِهِۦ زَرۡعٗا تَأۡكُلُ مِنۡهُ أَنۡعَٰمُهُمۡ وَأَنفُسُهُمۡۚ أَفَلَا يُبۡصِرُونَ 27﴾:

أفلا يبصر هؤلاء المكذِّبون المعاندون أن الله يُنْزِلُ ماء الأمطار إلى الأرض اليابسة التي لا نبات فيها، فيُخْرِج بهذا الماء زرعًا يستفيدون به وتستقيم به حياتهم؛ فتأكل من هذا الزرع أنعامهم، ويأكلون هم منه أيضًا؟! أفلا يبصرون هذه النعم؛ فيهتدوا بذلك إلى الصراط المستقيم، وتوحيدِ ربِّ العالمين!

[28] ﴿وَيَقُولُونَ مَتَىٰ هَٰذَا ٱلۡفَتۡحُ إِن كُنتُمۡ صَٰدِقِينَ 28﴾:

عندما قال المسلمون للكفَّار: اعلموا أن لنا يومًا سيقضي الله فيه بيننا وبينكم، فقال الكفار استهزاءً وسخرية: متى هذا اليَوْمُ إن كنتم صادقين في دعواكم؟!

[29] ﴿قُلۡ يَوۡمَ ٱلۡفَتۡحِ لَا يَنفَعُ ٱلَّذِينَ كَفَرُوٓاْ إِيمَٰنُهُمۡ وَلَا هُمۡ يُنظَرُونَ 29﴾:

فأمَرَ جل وعلا نبيه محمدًا ﷺ أن يقول لهؤلاء الكفار: اعلموا أن يوم القضاء والحساب بيننا وبينكم قريب، ولن ينفعكم إيمانكم ولا اعتذاركم في ذلك اليوم، ولن يُؤخِّرَ جل وعلا عذابكم؛ بل سيَحِلُّ بكم العذاب سريعًا.

[30] ﴿فَأَعۡرِضۡ عَنۡهُمۡ وَٱنتَظِرۡ إِنَّهُم مُّنتَظِرُونَ 30﴾:

ثم ختَمَ جل وعلا هذه السورة بأمر نبيه ﷺ أن يُعْرِضَ عن هؤلاء الكفار، ولا يبالي بتكذيبهم، وأن ينتظِرَ حتى يأتي نصر الله؛ فإن هؤلاء الكفار أيضًا ينتظرون ما سيحِلُّ بك، وما سيؤول إليه أمرك، ولكنْ ستكون العاقبة لك؛ لأن العاقبة للمتقين.

سورة الأحزاب

سورة الأحزاب مدنيَّة، وآياتها ثلاث وسبعون آية.

[1] ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ ٱتَّقِ ٱللَّهَ وَلَا تُطِعِ ٱلۡكَٰفِرِينَ وَٱلۡمُنَٰفِقِينَۚ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمٗا 1﴾:

بدأت السورة بنداء الحبيب المصطفى ﷺ بالنبوَّة؛ تكريمًا وتشريفًا له ﷺ، وأمَرَهُ بتقوى الله التي هي وصيَّة الله للأوَّلين والآخرين، وأن يراقبه جل وعلا في السر والعلن، وأن يستمرَّ على ذلك، وأن يأمر المؤمنين ويحُثَّهم على تقوى الله والوفاء بالعهود، ثم أمره ألَّا يطيع الكافرين المُجْرِمين ولا المنافقين فيما يطلبون منه مِنْ عدَمِ ذكر آلهتهم وأصنامهم بسوء، ثم بيَّن سبحانه أنه عالمٌ بأسرار عباده، حكيمٌ في تدبير شؤونهم. والله سبحانه وتعالى طلَبَ من النبي ﷺ التقوى وعدم طاعة المنافقين والكفار ليشرع هذا لأمته، أمَّا هو ﷺ، فإنه معصومٌ مما هو أقلُّ من ذلك.

[2] ﴿وَٱتَّبِعۡ مَا يُوحَىٰٓ إِلَيۡكَ مِن رَّبِّكَۚ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ بِمَا تَعۡمَلُونَ خَبِيرٗا 2﴾:

ثم أمَرَ جل وعلا نبيه محمدًا ﷺ أن يستمسِكَ بما أوحاه الله إليه من القرآن والسنة، وأخبَرَ سبحانه أنه لا تخفى عليه خافية، وسيجازيكم سبحانه يوم القيامة بما تستحقُّون من الثواب أو العقاب، والأمرُ له ﷺ، لكنَّ المقصود أن يبلِّغ أمته.

[3] ﴿وَتَوَكَّلۡ عَلَى ٱللَّهِۚ وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ وَكِيلٗا 3﴾:

وأمَرَ جل وعلا نبيه ﷺ أيضًا أن يعتمِدَ على الله، وأن يفوِّضَ أمره إليه، ويطلُبَ حاجته منه، وأن يستعينَ به في إقامة الدين الذي أُمِرَ به، وكفى بالله وكيلًا يحفظه ويعينه وييسِّر أمره، وقد امتثَلَ ﷺ ما أُمِرَ به.

[4] ﴿مَّا جَعَلَ ٱللَّهُ لِرَجُلٖ مِّن قَلۡبَيۡنِ فِي جَوۡفِهِۦۚ وَمَا جَعَلَ أَزۡوَٰجَكُمُ ٱلَّٰٓـِٔي تُظَٰهِرُونَ مِنۡهُنَّ أُمَّهَٰتِكُمۡۚ وَمَا جَعَلَ أَدۡعِيَآءَكُمۡ أَبۡنَآءَكُمۡۚ ذَٰلِكُمۡ قَوۡلُكُم بِأَفۡوَٰهِكُمۡۖ وَٱللَّهُ يَقُولُ ٱلۡحَقَّ وَهُوَ يَهۡدِي ٱلسَّبِيلَ 4﴾:

ثم أخبَرَ جل وعلا أنه لم يجعل لأحد من البشر من قَلْبَيْنِ في صدره؛ سواءٌ كان رسولًا، أو إنسانًا لبيبًا أَرِيبًا، وأخبَرَ أنه لم يجعل الزوجة كالأمِّ في التحريم؛ بأن يقول لها: (أنتِ عليَّ كظهر أمِّي)؛ فإنَّ زوجتك قد أحلَّها الله لك، وأما أمك التي ولدَتْكَ، فقد حرَّمها الله عليك، وأخبَرَ أنه لم يجعل الأولاد الذين تتبنَّوْنهم أولادًا لكم؛ لأنهم ليسوا من أصلابكم، ولا يمكن أن يكون للولد أبوان اثنان، إنما هو أب واحد، وادِّعاؤكم أنهم أبناءٌ لكم هو مجرَّد كلام بالفم لا حقيقة له، وكان الظِّهَار والتبنِّي من العادات المعمول بها في الجاهلية، فجاء الإسلام وأبطَلَهما في هذه الآية، وحذَّر المؤمنين منهما، ثم بيَّن سبحانه أن الذي يشبِّه زوجته بأمه في التحريم، ويدَّعي ابن غيره ابنًا له، فإنه يفتري على الله الكذب، والله يبيِّن الحق ويرشد إلى قول الصِّدْق وإلى الطريق المستقيم.

وقد كان قول الرجل لزوجته: (أنتِ عليَّ كظَهْر أمي)، يعتبر طلاقًا في الجاهلية، أي: أنتِ محرَّمةٌ عليَّ كأمي.

[5] ﴿ٱدۡعُوهُمۡ لِأٓبَآئِهِمۡ هُوَ أَقۡسَطُ عِندَ ٱللَّهِۚ فَإِن لَّمۡ تَعۡلَمُوٓاْ ءَابَآءَهُمۡ فَإِخۡوَٰنُكُمۡ فِي ٱلدِّينِ وَمَوَٰلِيكُمۡۚ وَلَيۡسَ عَلَيۡكُمۡ جُنَاحٞ فِيمَآ أَخۡطَأۡتُم بِهِۦ وَلَٰكِن مَّا تَعَمَّدَتۡ قُلُوبُكُمۡۚ وَكَانَ ٱللَّهُ غَفُورٗا رَّحِيمًا 5﴾:

ثم أمَرَ جل وعلا أن ترُدُّوا نسب الأولاد الذين تتبنَّوْنهم إلى آبائهم الحقيقيين؛ فذلك أعدل وأهدى وأقوم؛ فإنْ لم تعرفوا لهم آباءً، فإنهم إخوانكم في الإسلام، ومواليكم، وليس عليكم إثمٌ ولا ذنبٌ فيما حصَلَ منكم من خطأٍ لم تتعمَّدوه، ولكنْ يقع عليكم الإثم بتعمُّدكم الكلام بما لا يجوز، وبما نُهِيتُم عنه، والله تعالى كثيرُ المغفرة لعباده، كثيرُ الرحمة بهم.

[6] ﴿ٱلنَّبِيُّ أَوۡلَىٰ بِٱلۡمُؤۡمِنِينَ مِنۡ أَنفُسِهِمۡۖ وَأَزۡوَٰجُهُۥٓ أُمَّهَٰتُهُمۡۗ وَأُوْلُواْ ٱلۡأَرۡحَامِ بَعۡضُهُمۡ أَوۡلَىٰ بِبَعۡضٖ فِي كِتَٰبِ ٱللَّهِ مِنَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ وَٱلۡمُهَٰجِرِينَ إِلَّآ أَن تَفۡعَلُوٓاْ إِلَىٰٓ أَوۡلِيَآئِكُم مَّعۡرُوفٗاۚ كَانَ ذَٰلِكَ فِي ٱلۡكِتَٰبِ مَسۡطُورٗا 6﴾:

ثم أخبَرَ جل وعلا أن النبي ﷺ أحقُّ بمن اتَّبعه من المؤمنين مِنْ أنفسهم في أمور الدين والدنيا؛ فهو ﷺ لم يترُكْ خيرًا إلا دل الأمة عليه، ولا شرًّا إلا حذَّرها منه، وأخبَرَ أن أزواجه  أمهاتٌ للمؤمنين؛ فلا يَحْلِلْنَ لأحدٍ بعده، وأخبَرَ أن الأقارب بالنَّسَب بعضهم أولى ببعض في المواريث من أولئك الذين يرثون بالإيمان والهجرة؛ وذلك ثابت في كتاب الله؛ فقد كان ذلك في أول الإسلام ظَرْفًا طارئًا للضرورة، ثم نُسِخَ التوارث بسبب الإيمان والهجرة في هذه الآية، واستثنى الله الوصيَّة للفقراء المهاجرين من غير الأرحام؛ فلا بأس بها بشروطها، وهذه الأحكام المتعلِّقة بالمواريث سطَّرها الله وكتبها من قبلُ في اللُّوْح المحفوظ، ثم بيَّنها في القرآن الكريم، ولا بدَّ من إنفاذها.

[7] ﴿وَإِذۡ أَخَذۡنَا مِنَ ٱلنَّبِيِّـۧنَ مِيثَٰقَهُمۡ وَمِنكَ وَمِن نُّوحٖ وَإِبۡرَٰهِيمَ وَمُوسَىٰ وَعِيسَى ٱبۡنِ مَرۡيَمَۖ وَأَخَذۡنَا مِنۡهُم مِّيثَٰقًا غَلِيظٗا 7﴾:

ثم أخبَرَ جل وعلا أنه أخذ على الأنبياء العهد والميثاق المؤكَّد على توحيد الله وإفراده بالعبادة، والنَّهْيِ عن الإشراك به، ودعوةِ الناس إلى ذلك، وإبلاغهم البلاغ التامّ، والجهاد في سبيل ذلك، ثم أكَّد سبحانه أنه أخذ هذا العهد مِنَ النبي ﷺ ومِنْ نوح وإبراهيم وموسى وعيسى بن مريم  أجمعين؛ وهؤلاء الخمسة المذكورون هم أولو العزم من الرسل؛ فذكَرَ سبحانه النبيين كلَّهم، ثم نص عليهم للتأكيد.

[8] ﴿لِّيَسۡـَٔلَ ٱلصَّٰدِقِينَ عَن صِدۡقِهِمۡۚ وَأَعَدَّ لِلۡكَٰفِرِينَ عَذَابًا أَلِيمٗا 8﴾:

وقد أخَذَ جل وعلا العهد والميثاق على الرسل، وسيسألهم يوم القيامة عن تبليغهم وأدائهم الرسالةَ وكلَّ ما طُلِبَ منهم، وسيسألهم عمَّا أجابتهم به أممهم، وبرحمته بعباده المؤمنين أخبَرَ سبحانه أنه هيَّأ للكافرين المكذِّبين بالرسل عذابًا أليمًا شديدًا في جهنم، أما المؤمنون، فربما رَحِمَ العصاة منهم فغفَرَ لهم، وربما طهَّرهم ثم أدخَلَهم الجنة برحمته؛ قال القرطبي: (إذا كان الرسل سيُسْأَلونَ، فكيف حال سائر الخلق؟!)؛ فنسأل الله أن يشملنا برحمته، وألَّا يكلنا إلى أعمالنا.

[9] ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱذۡكُرُواْ نِعۡمَةَ ٱللَّهِ عَلَيۡكُمۡ إِذۡ جَآءَتۡكُمۡ جُنُودٞ فَأَرۡسَلۡنَا عَلَيۡهِمۡ رِيحٗا وَجُنُودٗا لَّمۡ تَرَوۡهَاۚ وَكَانَ ٱللَّهُ بِمَا تَعۡمَلُونَ بَصِيرًا 9﴾:

نادى جل وعلا عبادَهُ المؤمنين بأحب وصفٍ وُصِفوا به، وهو وصف الإيمان، نادى عليهم وذكَّرهم بنعمته ورحمته ونصره، فقال لهم: اذكروا نعمة الله عليكم يوم تحزَّبت عليكم الأحزاب، وتجمَّعت عليكم القبائل يومَ الخندق، فردَدْناهم صاغرين، وأرسلنا عليهم ريحًا شديدةً اقتلَعَتْ خيامهم، وكفَأَتْ قدورهم، وأرسلنا ملائكةً من السماء -لم تشاهدوها بأعينكم- فثبتتكم وأيَّدتكم، وكان الله بما تعملون بصيرًا، لا يخفى عليه شيء من نيَّاتكم وأقوالكم وأعمالكم.

وكان هذا في غزوة الأحزاب؛ حيث جمَعَتْ قريشٌ وحشَدَتْ قبائل كثيرة من قريش وغَطَفان وغيرهم؛ بل اتفقت معهم ومع جميع الأحزاب الذين وافقوا على الهجوم على المسلمين والقضاء عليهم، ولن تَجِدَ وصفًا أبلغ ولا أوفى من وصف الله لهم في هذه الآية.

[10] ﴿إِذۡ جَآءُوكُم مِّن فَوۡقِكُمۡ وَمِنۡ أَسۡفَلَ مِنكُمۡ وَإِذۡ زَاغَتِ ٱلۡأَبۡصَٰرُ وَبَلَغَتِ ٱلۡقُلُوبُ ٱلۡحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِٱللَّهِ ٱلظُّنُونَا۠ 10﴾:

واذكروا حين جاءكم الأعداء من أعلى الوادي من جهة المَشْرِق، ومن أسفل الوادي من جهة المَغْرِب، وأعانهم في ذلك يهود بني قُرَيْظةَ الذين نقضوا العهد مع رسول الله ﷺ؛ فطوَّقوا المدينة من كل الجوانب، ومن شدَّة الموقف والفزع والرعب ترى العيون شاخصةً، والقلوبَ كأنها خرَجَتْ من أماكنها ووصَلَتِ الحناجر، وكاد المسلمون أن يظنوا بالله الظنون السيئة بأن الله لن ينصُرَ أولياءه، ولن ينصُرَ دينه ويعلي كلمته، ولكنَّ الله سلَّم وردَّهم بغيظهم خائبين؛ فالله جل في علاه لا غالب له.

[11] ﴿هُنَالِكَ ٱبۡتُلِيَ ٱلۡمُؤۡمِنُونَ وَزُلۡزِلُواْ زِلۡزَالٗا شَدِيدٗا 11﴾:

وفي ذلك الموقف العصيب، وهذا الامتحان الرهيب؛ ابتَلَى الله المؤمنين ابتلاءً شديدًا، واختبَرَ إيمانهم ومحَّصهم، ومن شدة الابتلاء والامتحان كأن الأرض تضطرب من تحتهم، وفي هذه الأحداث ظهَرَ المؤمن الصادق، من المنافق الفاجر.

[12] ﴿وَإِذۡ يَقُولُ ٱلۡمُنَٰفِقُونَ وَٱلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٞ مَّا وَعَدَنَا ٱللَّهُ وَرَسُولُهُۥٓ إِلَّا غُرُورٗا 12﴾:

واذكر -أيها النبي- حين قال المنافقون والذين في قلوبهم شك: ما وعَدَنا الله ورسوله إلا وعدًا باطلًا لا حقيقة له، ولاينطبِقُ على ما نحن فيه من الشدَّة والرعب؛ فأظهَرَ الله في هذه الأحداث نفاق بعض المنافقين الذين كانوا مجهولين، وأظهَرَ ضعف إيمان بعض المؤمنين الذين كانوا يعبُدُونَ الله على حرف.

[13] ﴿وَإِذۡ قَالَت طَّآئِفَةٞ مِّنۡهُمۡ يَٰٓأَهۡلَ يَثۡرِبَ لَا مُقَامَ لَكُمۡ فَٱرۡجِعُواْۚ وَيَسۡتَـٔۡذِنُ فَرِيقٞ مِّنۡهُمُ ٱلنَّبِيَّ يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنَا عَوۡرَةٞ وَمَا هِيَ بِعَوۡرَةٍۖ إِن يُرِيدُونَ إِلَّا فِرَارٗا 13﴾:

واذكر -أيها النبي- أيضًا حين نادت طائفة من المنافقين أهل المدينة، فقالت: يا أهل المدينة، لا معنى لإقامتكم ووجودكم هنا؛ فإن المعركة خاسرة؛ فارجعوا إلى منازلكم؛ فإنها معرَّضة للخطر، ثم تأتي جماعة أخرى من المنافقين وتستأذن النبي ﷺ بحجة أن بيوتهم مكشوفة يسهُلُ اقتحامها، وهؤلاء كشَفَ الله كَذِبهم، وبيَّن أن بيوتهم محصَّنة، ولكنهم يريدون الفرار من المعركة خوفًا على أنفسهم من الموت.

[14] ﴿وَلَوۡ دُخِلَتۡ عَلَيۡهِم مِّنۡ أَقۡطَارِهَا ثُمَّ سُئِلُواْ ٱلۡفِتۡنَةَ لَأٓتَوۡهَا وَمَا تَلَبَّثُواْ بِهَآ إِلَّا يَسِيرٗا 14﴾:

ثم بين سبحانه أن هؤلاء المشركين لو دخلوا المدينة، واقتحموها من جميع نواحيها، واستولوا عليها، ثم سألوا المنافقين أن ينقلبوا على دينهم، أي: يشركوا بالله، ويكفروا بنبيه محمد ﷺ؛ لأجابوا إلى ذلك مبادرين؛ غير متلبثين ولا مترددين إلا قليلًا من الوقت؛ فهذه حالهم، وهذه عقيدتهم.

[15] ﴿وَلَقَدۡ كَانُواْ عَٰهَدُواْ ٱللَّهَ مِن قَبۡلُ لَا يُوَلُّونَ ٱلۡأَدۡبَٰرَۚ وَكَانَ عَهۡدُ ٱللَّهِ مَسۡـُٔولٗا 15﴾:

ثم أخبر سبحانه أن هؤلاء المنافقين عاهدوا اللهَ من قبلُ أنهم لا يفرُّون من المعركة، ولا يتخلَّفون عن الجهاد والقتال، وقد وبَّخهم الله وذكَّرهم بالعهد الذي عاهدوا عليه الله مِن قبلُ، وسوف يسألهم الله عن هذا العهد، ويحاسبهم عليه.

[16] ﴿قُل لَّن يَنفَعَكُمُ ٱلۡفِرَارُ إِن فَرَرۡتُم مِّنَ ٱلۡمَوۡتِ أَوِ ٱلۡقَتۡلِ وَإِذٗا لَّا تُمَتَّعُونَ إِلَّا قَلِيلٗا 16﴾:

وقل -أيها النبي- لهؤلاء المنافقين: اعلموا أن فراركم من المعركة لن يَدْفَعَ عنكم الموت أو القتل، ولن يؤخِّر آجالكم، وإنْ فرَرْتم، فلن تتمتَّعوا في هذه الدنيا إلا بقَدْر أعماركم المقدَّرة لكم، وهي المدَّة التي بين الأجل الاخترامي والطبيعي.

[17] ﴿قُلۡ مَن ذَا ٱلَّذِي يَعۡصِمُكُم مِّنَ ٱللَّهِ إِنۡ أَرَادَ بِكُمۡ سُوٓءًا أَوۡ أَرَادَ بِكُمۡ رَحۡمَةٗۚ وَلَا يَجِدُونَ لَهُم مِّن دُونِ ٱللَّهِ وَلِيّٗا وَلَا نَصِيرٗا 17﴾:

وقل -أيها النبي- لهؤلاء المنافقين: مَنْ ذا الذي يمنعكم ويحميكم من الله؛ إن أراد بكم شرًّا، أو أراد بكم خيرًا؟! فالله سبحانه هو المعطي وهو المانع، ثم بيَّن سبحانه أن هؤلاء المنافقين لن يجدوا لهم وليًّا يتولَّاهم، ويدفع عنهم، ولا نصيرًا ينصُرُهم من عذاب الله.

[18] ﴿قَدۡ يَعۡلَمُ ٱللَّهُ ٱلۡمُعَوِّقِينَ مِنكُمۡ وَٱلۡقَآئِلِينَ لِإِخۡوَٰنِهِمۡ هَلُمَّ إِلَيۡنَاۖ وَلَا يَأۡتُونَ ٱلۡبَأۡسَ إِلَّا قَلِيلًا 18﴾:

أخبَرَ جل وعلا بأنه لا يخفى عليه حال أولئك المنافقين المثبِّطين عن الجهاد والقتال في سبيل الله؛ فيقعُدُونَ عن الجهاد، ويثبِّطون غيرهم قائلين لهم: تعالَوْا وارجعوا إلينا، وهؤلاء المثبِّطون لا يشهدون القتال والجهاد إلا قليلًا؛ رياءً وسمعةً، أو خوفَ الفضيحة، أو طلبًا للغنيمة.

[19] ﴿أَشِحَّةً عَلَيۡكُمۡۖ فَإِذَا جَآءَ ٱلۡخَوۡفُ رَأَيۡتَهُمۡ يَنظُرُونَ إِلَيۡكَ تَدُورُ أَعۡيُنُهُمۡ كَٱلَّذِي يُغۡشَىٰ عَلَيۡهِ مِنَ ٱلۡمَوۡتِۖ فَإِذَا ذَهَبَ ٱلۡخَوۡفُ سَلَقُوكُم بِأَلۡسِنَةٍ حِدَادٍ أَشِحَّةً عَلَى ٱلۡخَيۡرِۚ أُوْلَٰٓئِكَ لَمۡ يُؤۡمِنُواْ فَأَحۡبَطَ ٱللَّهُ أَعۡمَٰلَهُمۡۚ وَكَانَ ذَٰلِكَ عَلَى ٱللَّهِ يَسِيرٗا 19﴾:

ومن صفات هؤلاء المنافقين القاعدين المثبِّطين: أنهم بُخَلاء عليكم أيها المؤمنون، يَبْخَلون عليكم بأموالهم، وقلوبهم ليست معكم؛ فإذا جاء وقت القتال، خافوا وجَبُنوا، وانخلعت قلوبهم من الرعب، وأخذوا ينظرون إليك يمينًا وشمالًا، تَدُورُ أعينهم كالذي جاءه الموت، فإذا ذهَبَ الخوف، وحضروا تقسيم الغنائم، واطمأنُّوا، خاطبوكم وتكلَّموا معكم بغِلْظة شديدة، وآذَوْكم بألسنتهم السليطة، وألفاظهم القبيحة، وهم بُخَلاء على مشاريع الخير، والنفقة في سبيل الله؛ فاعلموا أن أولئك القوم لم يؤمنوا في الحقيقة؛ لذلك أحبَطَ الله أعمالهم، وأبطَلَ جهادهم، وكان ذلك على الله سَهْلًا يسيرًا.

[20] ﴿يَحۡسَبُونَ ٱلۡأَحۡزَابَ لَمۡ يَذۡهَبُواْۖ وَإِن يَأۡتِ ٱلۡأَحۡزَابُ يَوَدُّواْ لَوۡ أَنَّهُم بَادُونَ فِي ٱلۡأَعۡرَابِ يَسۡـَٔلُونَ عَنۡ أَنۢبَآئِكُمۡۖ وَلَوۡ كَانُواْ فِيكُم مَّا قَٰتَلُوٓاْ إِلَّا قَلِيلٗا 20﴾:

وهؤلاء المنافقون -لخَوْفهم وهَلَعهم- يحسبون أن الأحزاب لم يذهبوا عن المدينة، ولم ينهزِموا بَعْدُ، وإن يأتِ الأحزاب مَرَّةً أخرى لحصار المدينة، ودَّ هؤلاء المنافقون أنهم لم يكونوا في المدينة، بل ودُّوا لو كانوا بين الأعراب في البادية يَسْألون عن أخباركم من بعيد، ولو كان هؤلاء المنافقون بينكم وقتَ المعركة، ما قاتلوا إلا قتالًا قليلا؛ لِجُبْنهم وخوفهم وضعف يقينهم.

[21] ﴿لَّقَدۡ كَانَ لَكُمۡ فِي رَسُولِ ٱللَّهِ أُسۡوَةٌ حَسَنَةٞ لِّمَن كَانَ يَرۡجُواْ ٱللَّهَ وَٱلۡيَوۡمَ ٱلۡأٓخِرَ وَذَكَرَ ٱللَّهَ كَثِيرٗا 21﴾:

لقد كان لكم -أيها المؤمنون- في أقوال وأفعال وأحوال رسول الله ﷺ قدوة حسنة تَتَأَسَّوْنَ بها؛ حيث بَذَل نفسه لنصرة دين الله؛ فالزموا سنته، واثبُتُوا على مبدئه ﷺ في الشدائد، واصبروا كما صبَرَ عليه الصلاة والسلام في دعوته وجهاده وكل أحواله، واعلموا أن هذه القُدْوة يسلكها ويتأسَّى بها الذين يرجون ثواب الله ورحمته في الآخرة، والذين يُكْثِرون من ذِكْرِ الله في السراء والضراء.

[22] ﴿وَلَمَّا رَءَا ٱلۡمُؤۡمِنُونَ ٱلۡأَحۡزَابَ قَالُواْ هَٰذَا مَا وَعَدَنَا ٱللَّهُ وَرَسُولُهُۥ وَصَدَقَ ٱللَّهُ وَرَسُولُهُۥۚ وَمَا زَادَهُمۡ إِلَّآ إِيمَٰنٗا وَتَسۡلِيمٗا 22﴾:

وعندما رأى المؤمنون الأحزاب الذين قَدِموا المدينة، قالوا بإيمان وإخلاص: هذا ما وعدنا الله ورسوله، وذلك في قوله: ﴿أَمۡ حَسِبۡتُمۡ أَن تَدۡخُلُواْ ٱلۡجَنَّةَ وَلَمَّا يَعۡلَمِ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ جَٰهَدُواْ مِنكُمۡ وَيَعۡلَمَ ٱلصَّٰبِرِينَ﴾ [آل عمران:١٤٢]، وقد ظهَرَ صدق ذلك الوعد، وبدَتْ بوادره، وما زادهم ذلك الأمر إلا إيمانًا على إيمانهم، وتسليمًا لأمر ربِّهم؛ وفي هذا ثناء من الله تعالى على أولئك المؤمنين الذين ثبَتَوا في غزوة الأحزاب.

[23] ﴿مِّنَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ رِجَالٞ صَدَقُواْ مَا عَٰهَدُواْ ٱللَّهَ عَلَيۡهِۖ فَمِنۡهُم مَّن قَضَىٰ نَحۡبَهُۥ وَمِنۡهُم مَّن يَنتَظِرُۖ وَمَا بَدَّلُواْ تَبۡدِيلٗا 23﴾:

ثم أثنى جل وعلا على المؤمنين الصادقين المخلصين، فقال: من المؤمنين رجالٌ صادقون أوفياء بما عاهدوا الله عليه من الثبات مع رسول الله ﷺ؛ فمِنْ هؤلاء الصادقين: رجالٌ استُشْهِدوا في سبيل الله، ومنهم: من ينتظِرُ الشهادة في سبيل الله تعالى ويلتمسها في مظانِّها، ولم يبدِّلوا عهدهم الذي عاهدوا الله عليه، كما فعل المنافقون الذين غيَّروا وبدَّلوا.

[24] ﴿لِّيَجۡزِيَ ٱللَّهُ ٱلصَّٰدِقِينَ بِصِدۡقِهِمۡ وَيُعَذِّبَ ٱلۡمُنَٰفِقِينَ إِن شَآءَ أَوۡ يَتُوبَ عَلَيۡهِمۡۚ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ غَفُورٗا رَّحِيمٗا 24﴾:

واعلموا أن ما وقَعَ لكم في غزوة الأحزاب، إنما كان ليجزي الله ويكافئ الصادقين في نيَّاتهم وأقوالهم وأعمالهم بسبب صِدْقهم، ويعذِّب الله المنافقين إن شاء بسبب نكوصهم ونَكْث عهودهم واستمرارهم على النفاق، وإن شاء تاب عليهم وعفا عنهم بسبب توبتهم وإقلاعهم عن النفاق، وكان الله كثيرَ المغفرة للمسرِفين على أنفسهم بالذنوب إن تابوا، كثيرَ الرحمة بعباده فيوفِّقهم للتوبة ويقبلها منهم.

[25] ﴿وَرَدَّ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِغَيۡظِهِمۡ لَمۡ يَنَالُواْ خَيۡرٗاۚ وَكَفَى ٱللَّهُ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ ٱلۡقِتَالَۚ وَكَانَ ٱللَّهُ قَوِيًّا عَزِيزٗا 25﴾:

ثم بيَّن جل وعلا المصير السيِّئ الذي انتهت إليه أحزاب الكفر؛ حيث ردَّهم الله خائبين خاسرين مغتاظين، لم ينالوا خيرًا، بل نالوا خِذْلانًا وإرهاقًا، وكفى الله المؤمنين القتال بما أيَّدهم به من الأسباب؛ كالبَرْد الشديد، والريح التي قلَعَتْ خيامهم، ونثَرَتْ أمتعتهم، وكان الله قويًّا في مُلْكه، عزيزًا في انتقامه.

[26] ﴿وَأَنزَلَ ٱلَّذِينَ ظَٰهَرُوهُم مِّنۡ أَهۡلِ ٱلۡكِتَٰبِ مِن صَيَاصِيهِمۡ وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ ٱلرُّعۡبَ فَرِيقٗا تَقۡتُلُونَ وَتَأۡسِرُونَ فَرِيقٗا 26﴾:

وبعد رجوع الرسول ﷺ إلى المدينة منتصِرًا من معركة الأحزاب، جاء جبريل عليه السلام إلى الرسول ﷺ يأمره بأن يذهب إلى بني قُرَيْظةَ ليقاتلهم؛ حيث إنهم تمالؤوا مع المشركين، ونقضوا عَهْدهم مع رسول الله ﷺ؛ فحاصر ﷺ حُصُونهم وقلاعهم التي ظنوا أنها حافظةٌ لهم، وألقى جل وعلا في قلوبهم الرُّعْبَ والفزع والخوف الشديد، حتى نزلوا من الحصون والقلاع مستسلمين، وحكَمَ فيهم حليفهم سعد بن معاذ رضي الله عنه بأن يُقْتَلَ رجالهم، وتُسترَقَّ نساؤهم وأطفالهم، وتُغْنَمَ أموالهم؛ فكان حكمه موافقًا لحكم الله تعالى من فوق سبع سموات.

[27] ﴿وَأَوۡرَثَكُمۡ أَرۡضَهُمۡ وَدِيَٰرَهُمۡ وَأَمۡوَٰلَهُمۡ وَأَرۡضٗا لَّمۡ تَطَـُٔوهَاۚ وَكَانَ ٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ قَدِيرٗا 27﴾:

وبعد أن انتهى ﷺ من يهود بني قُرَيْظةَ، ونفَّذ حكم الله فيهم، أكرم جل وعلا الرسول ﷺ وأصحابه الكرام بأن ورَّثهم بساتين وحدائق بني قُرَيْظةَ، كما ورَّثهم أيضًا أرضًا لم يستطيعوا وَطْأَها من قبلُ؛ لِعِزَّتها ومَنَعَتها، وهي أرض خَيْبَر؛ كما ذكَرَ ذلك بعض المفسِّرين، وبعضهم قال غير ذلك، وكما أورَثَكم جل وعلا ديار بين قُرَيْظةَ، فإنه قادر على أن يُورِثَكُمْ غيرها من بلاد الكفر.

[28] ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ قُل لِّأَزۡوَٰجِكَ إِن كُنتُنَّ تُرِدۡنَ ٱلۡحَيَوٰةَ ٱلدُّنۡيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيۡنَ أُمَتِّعۡكُنَّ وَأُسَرِّحۡكُنَّ سَرَاحٗا جَمِيلٗا 28﴾:

وقل -أيها النبي- لأزواجك اللاتي طَلَبْنَ منك التوسعةَ عليهِنَّ في النفقة والزِّينة، والرقيق والخَدَم، بعد أن رَأَيْنَ الغنائم وما أفاء الله على رسوله ﷺ وعلى المؤمنين من الخيرات، قل لهنَّ: إن كُنْتُنَّ تُرِدْنَ سَعَةَ الحياة الدنيا ولا تَسْتَطِعْنَ الصبر على المعيشة معي، فتعالَيْنَ أُعْطِكُنَّ ما تُرِدْنَ من الزِّينة والمتعة، ثم أطلِّقْكُنَّ من دون ضرر أو إيذاء.

[29] ﴿وَإِن كُنتُنَّ تُرِدۡنَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ وَٱلدَّارَ ٱلۡأٓخِرَةَ فَإِنَّ ٱللَّهَ أَعَدَّ لِلۡمُحۡسِنَٰتِ مِنكُنَّ أَجۡرًا عَظِيمٗا 29﴾:

ثم قل لهن: وإن كُنْتُنَّ تُرِدْنَ رضا الله وطاعة نبيه ﷺ، وما أعَدَّ سبحانه لكُنَّ في الدار الآخرة من النعيم المقيم، فأَطِعْنَ الله ورسوله، واصبِرْنَ على شَظَفِ الحياة؛ فإنه جل في علاه أعَدَّ للمُحْسِنات منكُنَّ ثوابًا عظيمًا لا يعلم مقداره إلا هو سبحانه.

وقد اخْتَرْنَ  الله ورسوله، وما أعَدَّ الله لهنَّ في الدار الآخرة؛ على الزِّينة ومباهج الحياة الدنيا.

[30] ﴿يَٰنِسَآءَ ٱلنَّبِيِّ مَن يَأۡتِ مِنكُنَّ بِفَٰحِشَةٖ مُّبَيِّنَةٖ يُضَٰعَفۡ لَهَا ٱلۡعَذَابُ ضِعۡفَيۡنِۚ وَكَانَ ذَٰلِكَ عَلَى ٱللَّهِ يَسِيرٗا 30﴾:

ثم نادى جل وعلا نساء النبي ﷺ -على سبيل الوعظ والإرشاد والتأديب، بعد أن اختَرْنَ الله ورسوله ﷺ والدار الآخرة- فقال سبحانه: يا نساء النبيِّ، مَنْ يأتِ منكنَّ بخَصْلةٍ قبيحة، ومعصيةٍ ظاهرةٍ يُضاعَفْ لها العذاب مرتَيْن، وكان ذلك على الله أمرًا سهلًا يسيرًا. وهذا تحذيرٌ لجميع نساء المؤمنين.

[31] ﴿وَمَن يَقۡنُتۡ مِنكُنَّ لِلَّهِ وَرَسُولِهِۦ وَتَعۡمَلۡ صَٰلِحٗا نُّؤۡتِهَآ أَجۡرَهَا مَرَّتَيۡنِ وَأَعۡتَدۡنَا لَهَا رِزۡقٗا كَرِيمٗا 31﴾:

ثم أخبَرَ سبحانه أن من تُخْلِصِ العملَ منكُنَّ لله ورسوله وتلتزمْ بذلك، وتَعْمَلِ الأعمال الصالحة، فإن الله يضاعف لها أجرها مرَّتين، وهيَّأ لها رزقًا كريمًا في جنَّات النعيم.

[32] ﴿يَٰنِسَآءَ ٱلنَّبِيِّ لَسۡتُنَّ كَأَحَدٖ مِّنَ ٱلنِّسَآءِ إِنِ ٱتَّقَيۡتُنَّۚ فَلَا تَخۡضَعۡنَ بِٱلۡقَوۡلِ فَيَطۡمَعَ ٱلَّذِي فِي قَلۡبِهِۦ مَرَضٞ وَقُلۡنَ قَوۡلٗا مَّعۡرُوفٗا 32﴾:

نادى جل وعلا نساء النبي ﷺ وأخبَرَهُنَّ بأنهُنَّ لَسْنَ في الفضل والمنزلة كغيرِهِنَّ من النساء، وأنهنَّ في مقام القدوة والتربية لجميع النساء، وهذه المنزلةُ العظيمة باقيةٌ لهنَّ إنْ عَمِلْنَ بطاعة الله وابتعَدْنَ عن معاصيه، ثم حثَّهُنَّ جل وعلا على التعفف وعدم اللين في القول مع الأجانب؛ حتى لا يطمع فيهنَّ مَنْ في قلبه مرض الشهوة الحرام، وأمَرَهُنَّ أن يقُلْنَ قولًا حسنًا محمودًا بعيدًا عن الرِّيبة، وهذا الأدبُ واجبٌ على كل امرأة تؤمن بالله واليوم الآخر.

[33] ﴿وَقَرۡنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجۡنَ تَبَرُّجَ ٱلۡجَٰهِلِيَّةِ ٱلۡأُولَىٰۖ وَأَقِمۡنَ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتِينَ ٱلزَّكَوٰةَ وَأَطِعۡنَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥٓۚ إِنَّمَا يُرِيدُ ٱللَّهُ لِيُذۡهِبَ عَنكُمُ ٱلرِّجۡسَ أَهۡلَ ٱلۡبَيۡتِ وَيُطَهِّرَكُمۡ تَطۡهِيرٗا 33﴾:

ثم أوصاهنَّ جل وعلا، فقال: والزَمْنَ بيوتكنَّ واسكُنَّ فيها واقْرَرْنَ فيها، ولا تخرُجْنَ إلا لحاجة وضرورة، ولا تُكْثِرْنَ الخروج من بيوتكنَّ متجمِّلاتٍ متزيِّناتٍ كما كان يفعل أهل الجاهلية الأولى قبل الإسلام، وأَقِمْنَ الصلاة، وحافِظْنَ على أدائها بشروطها وأركانها، وواجباتها ومستحباتها، وأَدِّينَ الزكاة التي فرَضَها الله عليكنَّ، وداوِمْنَ على طاعة الله ورسوله في امتثال الأوامر واجتناب النواهي؛ إنما يريد الله بأمركم بهذه الأوامر، ونهيكم عن هذه النواهي؛ ليبعد عنكم الأذى والخُبْث والدَّنَس يا آل بيت النبي ﷺ، ويريد الله أن يطهِّركم تطهيرًا كاملًا تامًّا، حتى تكُنَّ طاهراتٍ متطهِّرات، وقُدْوةً لنساء المؤمنين.

[34] ﴿وَٱذۡكُرۡنَ مَا يُتۡلَىٰ فِي بُيُوتِكُنَّ مِنۡ ءَايَٰتِ ٱللَّهِ وَٱلۡحِكۡمَةِۚ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ لَطِيفًا خَبِيرًا 34﴾:

ثم واصَلَ جل وعلا وَعْظه ونُصْحه لنساء النبي ﷺ، فقال: واذكُرْنَ على الدوام ما يُتلى ويُقرَأُ عليكنَّ من القرآن الكريم، والسنة النبوية المطهَّرة، وداوِمْنَ على العمل بما فيهنَّ، إن الله كان لطيفًا بكم يا آل البيت، خبيرًا بما يُصلِحُ أحوالكم الدينية والدنيوية؛ لأن مداومة ذِكْرِ الله وتلاوة كتابه تَقْطَعُ الوساوس.

[35] ﴿إِنَّ ٱلۡمُسۡلِمِينَ وَٱلۡمُسۡلِمَٰتِ وَٱلۡمُؤۡمِنِينَ وَٱلۡمُؤۡمِنَٰتِ وَٱلۡقَٰنِتِينَ وَٱلۡقَٰنِتَٰتِ وَٱلصَّٰدِقِينَ وَٱلصَّٰدِقَٰتِ وَٱلصَّٰبِرِينَ وَٱلصَّٰبِرَٰتِ وَٱلۡخَٰشِعِينَ وَٱلۡخَٰشِعَٰتِ وَٱلۡمُتَصَدِّقِينَ وَٱلۡمُتَصَدِّقَٰتِ وَٱلصَّٰٓئِمِينَ وَٱلصَّٰٓئِمَٰتِ وَٱلۡحَٰفِظِينَ فُرُوجَهُمۡ وَٱلۡحَٰفِظَٰتِ وَٱلذَّٰكِرِينَ ٱللَّهَ كَثِيرٗا وَٱلذَّٰكِرَٰتِ أَعَدَّ ٱللَّهُ لَهُم مَّغۡفِرَةٗ وَأَجۡرًا عَظِيمٗا 35﴾:

واعلموا -أيها الناس- أن المستسلمين والمستسلمات لأوامر الله والمنقادين لذلك، والمؤمنين والمؤمنات بالله واليوم الآخر والأمور الغيبية، والمطيعين والمطيعات لله ورسوله، وأقاموا على ذلك، والصادقين والصادقات في نيَّاتهم وأقوالهم وأفعالهم، والصابرين والصابرات على الطاعات، وعن المعاصي، وعلى الأقدار، والمصائب والشدائد، والمتواضعين الخائفين من الله والمتواضعات الخائفات، والمتصدِّقين والمتصدِّقات مما رزَقَهم الله من الأموال في الفَرْض والنَّفْل، والصائمين والصائمات في الفَرْض والنَّفْل، والحافظين فروجهم والحافظات عمَّا حرَّم الله، والذاكرين الله كثيرًا والذاكرات؛ أولئك وعَدَهم الله بمغفرة ذنوبهم، ومَحْو سيئاتهم، ووعَدَهم بأنه سيؤتيهم ويعطيهم أجرًا عظيمًا بدخولهم جنَّات النعيم؛ نسأل الله الكريم من فضله.

[36] ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤۡمِنٖ وَلَا مُؤۡمِنَةٍ إِذَا قَضَى ٱللَّهُ وَرَسُولُهُۥٓ أَمۡرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ ٱلۡخِيَرَةُ مِنۡ أَمۡرِهِمۡۗ وَمَن يَعۡصِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ فَقَدۡ ضَلَّ ضَلَٰلٗا مُّبِينٗا 36﴾:

أخبَرَ جل وعلا أنه لا يَحلُّ ولا ينبغي ولا يليق بمسلمٍ أسلَمَ أمره لله بالتوحيد، وانقاد له بالطاعة؛ إذا أمر الله ورسوله ﷺ أمرًا: أن يكون له رأيٌ مخالفٌ، أو أن يترُكَ لنفسه الخيارَ بين الفعل والترك؛ إذْ صفة المؤمن: الانقياد التامّ، والتسليم الكامل، ومَنْ يخالِفِ الله ورسوله ﷺ في أمرٍ من الأمور، فقد ضلَّ ضلالًا بيِّنًا واضحًا، وَبَعُدَ عن طريق الحق والصواب.

[37] ﴿وَإِذۡ تَقُولُ لِلَّذِيٓ أَنۡعَمَ ٱللَّهُ عَلَيۡهِ وَأَنۡعَمۡتَ عَلَيۡهِ أَمۡسِكۡ عَلَيۡكَ زَوۡجَكَ وَٱتَّقِ ٱللَّهَ وَتُخۡفِي فِي نَفۡسِكَ مَا ٱللَّهُ مُبۡدِيهِ وَتَخۡشَى ٱلنَّاسَ وَٱللَّهُ أَحَقُّ أَن تَخۡشَىٰهُۖ فَلَمَّا قَضَىٰ زَيۡدٞ مِّنۡهَا وَطَرٗا زَوَّجۡنَٰكَهَا لِكَيۡ لَا يَكُونَ عَلَى ٱلۡمُؤۡمِنِينَ حَرَجٞ فِيٓ أَزۡوَٰجِ أَدۡعِيَآئِهِمۡ إِذَا قَضَوۡاْ مِنۡهُنَّ وَطَرٗاۚ وَكَانَ أَمۡرُ ٱللَّهِ مَفۡعُولٗا 37﴾:

واذكر -أيها النبي- يوم أن قُلْتَ للذي أنعم الله عليه بالإيمان، وأنعَمْتَ أنت عليه بالعِتْق، وهو زيد بن حارثة رضي الله عنه؛ حيث كان رقيقًا فأعتَقَهُ ﷺ، ثم تبنَّاه قبل النهي عن التبنِّي؛ حيث قلتَ له: أَبْقِ زوجك زينب بنت جحش ولا تطلِّقها، واتق الله يا زيد، واصبِرْ على ما بدَرَ منها في حقِّك، تقول له ذلك وأنت تُخْفِي في نفسك ما أوحاه الله إليك مِنْ طلاق زيدٍ لزوجِهِ، وزواجِكَ منها، واعلم أن الله سيُظهِرُ ما أخفيتَ، ونحن نعلم أنك فعَلْتَ ذلك صيانةً لعِرْضك من ألسنة السفهاء من المنافقين أن يقولوا: تزوَّج محمد مطلَّقةَ متبنَّاه، مع أن الله أحق بالخشية من كل مَنْ سواه، وهذه جِبِلَّةٌ بشرية، فأي شخص لا يحب اللمز والغمز، والقيل والقال، فلما قضى زيد منها حاجته وطلَّقها، وانقضت عِدَّتها، جعلناها زوجة لك -أيها النبي- لكيلا يكون على المؤمنين ضِيقٌ أو مشقَّة أو إثم في الزواج من زوجات أدعيائهم الذين كانوا يتبنَّوْنهم بعد طلاقِهِنَّ إذا قضَوْا منهنَّ حاجتهم، وانقضت عدَّتهنَّ، وتكون أنت قدوة لهم في إبطال هذه العادة، وكان ما يريده الله جل في علاه حاصلًا لا محالة، ولا رادَّ لحكمه، ولا شك أن مِنْ أجلِّ أهداف قصَّة زيد بن حارثة وزوجه زينب: إبطالَ التبنِّي الذي كان شائعًا في الجاهلية.

[38] ﴿مَّا كَانَ عَلَى ٱلنَّبِيِّ مِنۡ حَرَجٖ فِيمَا فَرَضَ ٱللَّهُ لَهُۥۖ سُنَّةَ ٱللَّهِ فِي ٱلَّذِينَ خَلَوۡاْ مِن قَبۡلُۚ وَكَانَ أَمۡرُ ٱللَّهِ قَدَرٗا مَّقۡدُورًا 38﴾:

أخبَرَ جل وعلا أنه ليس على النبي ﷺ من إثم ولا ذنب ولا حرج فيما أحَلَّ الله له من الزوجات؛ فقد أباح الله ذلك للأنبياء من قبله، وكان أَمْرُ الله نافذًا وواقعًا.

[39] ﴿ٱلَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَٰلَٰتِ ٱللَّهِ وَيَخۡشَوۡنَهُۥ وَلَا يَخۡشَوۡنَ أَحَدًا إِلَّا ٱللَّهَۗ وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ حَسِيبٗا 39﴾:

واعلم -أيها النبي- أن هؤلاء الأنبياء الذين أخبَرْتُكَ عنهم هم الذين يؤدُّون رسالات الله، ويَصْدَعون بما أمرهم الله به، ويبلِّغون دين الله، ويخافون الله وحده لا شريك له، ولا يخافون أحدًا سواه؛ فلا يلتفتون إلى أذى الناس، ولا سخريتهم، ولا تهديدهم، وكفى بالله حسيبًا يجمع الأوَّلين والآخرين، ويحاسبهم على أعمالهم ويجازيهم عليها.

[40] ﴿مَّا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَآ أَحَدٖ مِّن رِّجَالِكُمۡ وَلَٰكِن رَّسُولَ ٱللَّهِ وَخَاتَمَ ٱلنَّبِيِّـۧنَۗ وَكَانَ ٱللَّهُ بِكُلِّ شَيۡءٍ عَلِيمٗا 40﴾:

واعلموا -أيها الناس- أن محمدًا ﷺ لم يكن أبًا لأحد من رجال المسلمين، لا زيدِ بنِ حارثة ولا غيره، ولكنه رسول الله، وخاتم النبيين، فلا نَبِيَّ بعده، وكان الله بكل شيء عليمًا، فلا يغيب عنه مثقال ذَرَّة في السموات ولا في الأرض.

[41] ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱذۡكُرُواْ ٱللَّهَ ذِكۡرٗا كَثِيرٗا 41﴾:

أمَرَ جل وعلا عباده الذين آمنوا بالله، واتَّبعوا رسوله ﷺ: أن يُكْثِروا من ذكره جل في علاه ليلًا ونهارًا، سرًّا وعلانية.

[42] ﴿وَسَبِّحُوهُ بُكۡرَةٗ وَأَصِيلًا 42﴾:

وأمَرَهم سبحانه أن يُكْثِروا من تسبيحه وتنزيهه عما لا يليق بجلاله، وأن يداوموا على ذلك أول النهار وآخره.

[43] ﴿هُوَ ٱلَّذِي يُصَلِّي عَلَيۡكُمۡ وَمَلَٰٓئِكَتُهُۥ لِيُخۡرِجَكُم مِّنَ ٱلظُّلُمَٰتِ إِلَى ٱلنُّورِۚ وَكَانَ بِٱلۡمُؤۡمِنِينَ رَحِيمٗا 43﴾:

ثم أخبَرَ جل شأنه أنه هو الذي يرحمكم -أيها الناس- ويُثْنِي عليكم، ويسخِّر ملائكته للدعاء والاستغفار لكم؛ لكي يخرجكم سبحانه بفضله ومِنَّته من ظلمات الجهل والضلال إلى نور الرشاد والهدى، ثم بيَّن سبحانه أنه كان بالمؤمنين رحيمًا في الدنيا والآخرة، ومن رحمته: أنه لا يعذِّبهم ما داموا مطيعين مخلصين له وحده.

[44] ﴿تَحِيَّتُهُمۡ يَوۡمَ يَلۡقَوۡنَهُۥ سَلَٰمٞۚ وَأَعَدَّ لَهُمۡ أَجۡرٗا كَرِيمٗا 44﴾:

ثم بيَّن سبحانه وتعالى أن تحية هؤلاء المؤمنين عند دخولهم الجَنَّة: السلام؛ فيحيِّيهم جل في علاه بالسلام، وتسلِّم عليهم الملائكة، فيَسْلَمُونَ من كل آفة وكَدَر، وهيَّأ الله لهم نعيمًا مقيمًا في دار السلام، في جنات النعيم؛ نسأل الله الكريم من فضله.

[45] ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ إِنَّآ أَرۡسَلۡنَٰكَ شَٰهِدٗا وَمُبَشِّرٗا وَنَذِيرٗا 45﴾:

ذكَرَ جل وعلا فَضْلَهُ على رسوله محمد ﷺ وعلى المؤمنين، فقال: يا أيها النبي، إنا أرسلناك إلى الناس شاهدًا على أمتك يوم القيامة: أنك بلَّغتهم الرسالة، وشاهدًا على الأمم السابقة: أن رُسُلَهم بلَّغوهم الرسالة، ومبشِّرًا المؤمنين المهتدين بالجنة ورضوان الله، ومنذرًا الكَفَرةَ والمكذِّبين والعصاة بسوء العاقبة؛ بسبب إعراضهم وجحودهم.

[46] ﴿وَدَاعِيًا إِلَى ٱللَّهِ بِإِذۡنِهِۦ وَسِرَاجٗا مُّنِيرٗا 46﴾:

ثم بيَّن سبحانه أن من مهمَّات الرسول ﷺ التي أُرسِلَ من أجلها: أن الله أرسله داعيًا إلى توحيد الله وطاعته، وامتثال أوامره، واجتناب نواهيه، وهذه الدعوة بأمر الله وتيسيره، وأنَّ الله جعله سراجًا منيرًا، وليس ذلك بطبعه أو بقدرته وتدبيره، وإنما بالحق والنور الذي جاءهم به ﷺ؛ لإخراجهم من ظلمات الجهل والضلال إلى نور العلم والإيمان؛ فكما يستضاء بالسراج في ظلمات الليل الحالكة، فإنه يستضاء برسالته والنور الذي جاء به.

[47] ﴿وَبَشِّرِ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ بِأَنَّ لَهُم مِّنَ ٱللَّهِ فَضۡلٗا كَبِيرٗا 47﴾:

ثم أمَرَ جل وعلا نبيه ﷺ أن يبشِّر عبادَ الله المؤمنين الذين آمنوا به، واتَّبعوه: أن لهم من الله فضلًا كبيرًا، وهو رضا الله عنهم، ودخولهم جنَّات النعيم.

[48] ﴿وَلَا تُطِعِ ٱلۡكَٰفِرِينَ وَٱلۡمُنَٰفِقِينَ وَدَعۡ أَذَىٰهُمۡ وَتَوَكَّلۡ عَلَى ٱللَّهِۚ وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ وَكِيلٗا 48﴾:

ثم أمَرَ سبحانه نبيه ﷺ ألَّا يوافق الكافرين والمنافقين على ما يقترحونه عليه في شأن تبليغ رسالته، وأمَرَه أن يترُكَ أذاهم، وأن يصبر عليه، أي: لا يجاريهم في سَفَههم، وأمَرَه أن يتوكَّل على الله، وأن يعتمد عليه، وأن يستعين به في أداء ما كُلِّفَ به، وكفى بالله وكيلًا تعتمِدُ عليه في أمورك؛ فييسِّرها لك، ويعينك عليها. وهذه الآية فيها توجيهٌ للرسول ﷺ بالثبات والدوام على الحق، ولا شك أنه ﷺ معصوم من ضِدَّ ذلك، ولكنَّ المقصود هو: التشريعُ لأمته، وبالأخصِّ العلماء والدعاة.

[49] ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ إِذَا نَكَحۡتُمُ ٱلۡمُؤۡمِنَٰتِ ثُمَّ طَلَّقۡتُمُوهُنَّ مِن قَبۡلِ أَن تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمۡ عَلَيۡهِنَّ مِنۡ عِدَّةٖ تَعۡتَدُّونَهَاۖ فَمَتِّعُوهُنَّ وَسَرِّحُوهُنَّ سَرَاحٗا جَمِيلٗا 49﴾:

يا أيها الذين آمنوا بالله، واتَّبعوا الرسول ﷺ، وعملوا بشرعه، إذا عَقَدتُّمْ على النساء عَقْدَ الزواج، ثم طلَّقتموهنَّ قبل الدخول والخَلْوة بهنَّ، فليس لكم عليهنَّ من عدَّة توجبونها عليهنَّ؛ ولذا فمن حقِّهن أن يتزوَّجْنَ بغيركم، ولكنْ عليكم أن تعطوهنَّ من أموالكم مُتْعةً يتمتَّعن بها جبرًا لخواطرهنَّ، وتخفيفًا لشدة وقع الطلاق عليهن، ثم خلُّوا سبيلهنَّ بالطريقة الحسنى التي لا ضرر ولا ظلم فيها.

وهذه الآية تدل على أهمية العِدَّة للمرأة المطلقة التي عليها عدة؛ صيانةً لحق الزوج؛ إذْ ربما يتبيَّن أنها حامل، أو ربما يراجعها الزوج إذا كانت له رجعة، والعِدَّةُ: هي المدة من الزمن التي يحرُمُ على المرأة الزواج بها حتى تنتهي المدة؛ سواءٌ كانت ثلاثةَ أشهر، أو ثلاثة قروء، أو الولادةَ بالنسبة للحامل، أو أربعة أشهر وعشرًا بالنسبة للمتوفَّى عنها زَوْجُها.

[50] ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ إِنَّآ أَحۡلَلۡنَا لَكَ أَزۡوَٰجَكَ ٱلَّٰتِيٓ ءَاتَيۡتَ أُجُورَهُنَّ وَمَا مَلَكَتۡ يَمِينُكَ مِمَّآ أَفَآءَ ٱللَّهُ عَلَيۡكَ وَبَنَاتِ عَمِّكَ وَبَنَاتِ عَمَّٰتِكَ وَبَنَاتِ خَالِكَ وَبَنَاتِ خَٰلَٰتِكَ ٱلَّٰتِي هَاجَرۡنَ مَعَكَ وَٱمۡرَأَةٗ مُّؤۡمِنَةً إِن وَهَبَتۡ نَفۡسَهَا لِلنَّبِيِّ إِنۡ أَرَادَ ٱلنَّبِيُّ أَن يَسۡتَنكِحَهَا خَالِصَةٗ لَّكَ مِن دُونِ ٱلۡمُؤۡمِنِينَۗ قَدۡ عَلِمۡنَا مَا فَرَضۡنَا عَلَيۡهِمۡ فِيٓ أَزۡوَٰجِهِمۡ وَمَا مَلَكَتۡ أَيۡمَٰنُهُمۡ لِكَيۡلَا يَكُونَ عَلَيۡكَ حَرَجٞۗ وَكَانَ ٱللَّهُ غَفُورٗا رَّحِيمٗا 50﴾:

يا أيها النبي، إنا قد أبحنا لك أنواعًا من النساء توسعةً لك، وتيسيرًا عليك؛ لتتفرَّغ لتبليغ الدعوة، وليكُنَّ مرشدات ومعلِّمات لسائر نساء المؤمنين، فمن ذلك: أبحنا لك الزوجاتِ اللاتي في عِصْمتك، وهنَّ اللاتي تزوَّجْتَ بهنَّ، وأعطيتهُنَّ مهورهنَّ، وأبحنا لك مِلْكَ اليمين من الإماء مما ردَّه الله عليك وصيَّره إليك من الكفار بالغنيمة، وأبحنا لك الزواج من بنات عمِّك، وبنات عمَّاتك، وبنات خالك، وبنات خالاتك اللاتي هاجَرْنَ معك، وأبحنا لك الزواج من المرأة المؤمنة التي وهَبَتْ نفسها لك إن أردتَّ ذلك، وهذا النكاحُ بالهبةِ خاصٌّ بك دون المؤمنين؛ فلا يَحِلُّ لهم هذا النوع من النكاح، قد عَلِمْنا ما فرَضْنا على المسلمين في أزواجهم من أحكام، وما يَحِلُّ لهم من الزوجات ومِلْكِ اليمين بشروطٍ معلومةٍ، وما يحرُمُ عليهم، وقد أبحنا وجوَّزنا لك -أيها النبي- ما لم نجوِّزْ لغيرك، وبيَّنا لك ذلك؛ لئلا يضيق صَدْرُكَ في نكاح من نكَحْتَ من هذه الأصناف، ولكيلا تكون في ضيقٍ ومشقة، ولئلا يكون للزوجات اعتراضٌ ويَرْضَيْنَ بقضاء الله وقدره، وكان الله ولم يَزَلْ جل في علاه متَّصِفًا بكثرة المغفرة وكثرة الرحمة بعباده المؤمنين.

[51] ﴿تُرۡجِي مَن تَشَآءُ مِنۡهُنَّ وَتُـٔۡوِيٓ إِلَيۡكَ مَن تَشَآءُۖ وَمَنِ ٱبۡتَغَيۡتَ مِمَّنۡ عَزَلۡتَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيۡكَۚ ذَٰلِكَ أَدۡنَىٰٓ أَن تَقَرَّ أَعۡيُنُهُنَّ وَلَا يَحۡزَنَّ وَيَرۡضَيۡنَ بِمَآ ءَاتَيۡتَهُنَّ كُلُّهُنَّۚ وَٱللَّهُ يَعۡلَمُ مَا فِي قُلُوبِكُمۡۚ وَكَانَ ٱللَّهُ عَلِيمًا حَلِيمٗا 51﴾:

لقد وسَّعنا عليك -أيها الرسول- فأبحنا لك أن تؤخِّر من تشاء من زوجاتك ونسائك؛ فلا تبيت عندها، وتؤويَ وتضُمَّ من تشاء منهنَّ وتبيت عندها، فقد وسَّعنا عليك في القَسْمِ بين الزوجات، فلم نَجْعَلْهُ واجبًا عليك، وإنما هذا تبرُّعٌ منك، وذلك التخيير في القَسْمِ إذا عَلِمَتْ أزواجك أنه من عند الله، فإنه يكون أدعى أن يَرْضَيْنَ بذلك، ولا يَحْزَنَّ بإيثارك بعضهنَّ على بعض، بل يَرْضَيْنَ بذلك وتطمئنَّ به نفوسهنَّ، والله يعلم ما يَعْرِضُ لقلوبكم، وما يختلج في صدوركم، وكان الله عليمًا بما تُكِنُّهُ القلوب، حليمًا لا يعاجل عباده بالعقوبة، ويقبل توبة من تاب إلى الله ورجع إليه.

[52] ﴿لَّا يَحِلُّ لَكَ ٱلنِّسَآءُ مِنۢ بَعۡدُ وَلَآ أَن تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنۡ أَزۡوَٰجٖ وَلَوۡ أَعۡجَبَكَ حُسۡنُهُنَّ إِلَّا مَا مَلَكَتۡ يَمِينُكَۗ وَكَانَ ٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ رَّقِيبٗا 52﴾:

ويَحِلُّ لك -أيها النبي- أن تُبْقِيَ على النساء اللاتي معك، ولا يحلُّ لك أن تطلِّق إحداهنَ لتتزوَّج غيرها بدلًا منها، ولو أعجَبَكَ حُسْنَ غيرهنَّ، إلا أن السَّرَارِيَ -ملك اليمين- حلالٌ لك، وكان الله على كل شيء رقيبًا وحفيظًا، لا يخفى عليه شيء من أمور عباده.

وهذه الآية نزَلَتْ إكرامًا لنساء النبي ﷺ؛ لأنهنَّ اختَرْنَ جميعًا الله ورسوله ﷺ والدار الآخرة؛ فأكرَمَهُنَّ الله بأن حرَّم على النبي ﷺ أن يتزوَّج غيرهُنَّ، أو أن يطلِّقَ إحداهنَّ فيتزوَّج بدلًا منها أخرى.

[53] ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَدۡخُلُواْ بُيُوتَ ٱلنَّبِيِّ إِلَّآ أَن يُؤۡذَنَ لَكُمۡ إِلَىٰ طَعَامٍ غَيۡرَ نَٰظِرِينَ إِنَىٰهُ وَلَٰكِنۡ إِذَا دُعِيتُمۡ فَٱدۡخُلُواْ فَإِذَا طَعِمۡتُمۡ فَٱنتَشِرُواْ وَلَا مُسۡتَـٔۡنِسِينَ لِحَدِيثٍۚ إِنَّ ذَٰلِكُمۡ كَانَ يُؤۡذِي ٱلنَّبِيَّ فَيَسۡتَحۡيِۦ مِنكُمۡۖ وَٱللَّهُ لَا يَسۡتَحۡيِۦ مِنَ ٱلۡحَقِّۚ وَإِذَا سَأَلۡتُمُوهُنَّ مَتَٰعٗا فَسۡـَٔلُوهُنَّ مِن وَرَآءِ حِجَابٖۚ ذَٰلِكُمۡ أَطۡهَرُ لِقُلُوبِكُمۡ وَقُلُوبِهِنَّۚ وَمَا كَانَ لَكُمۡ أَن تُؤۡذُواْ رَسُولَ ٱللَّهِ وَلَآ أَن تَنكِحُوٓاْ أَزۡوَٰجَهُۥ مِنۢ بَعۡدِهِۦٓ أَبَدًاۚ إِنَّ ذَٰلِكُمۡ كَانَ عِندَ ٱللَّهِ عَظِيمًا 53﴾:

يا أيها الذين آمنوا بالله، وصدَّقوا رسوله واتَّبعوه، التزِمُوا الأدب مع رسول الله ﷺ في دخولكم بيتَهُ؛ فلا تدخلوا بيوت النبي ﷺ إلا بعد أن يُؤْذَنَ لكم، فإن أُذِنَ لكم للدخول من أجل أن تأكلوا في بيت رسول الله ﷺ، فادخلوا، غير منتظرين نضوج الطعام وإدراكه، ولكنْ إذا دُعِيتم، فادخلوا، فإذا قُدِّمَ لكم الطعام وأكلتم، فبادروا بالخروج، ولا تُطِيلوا الجلوس بعد الطعام؛ لتتسامروا وتستأنسوا بحديثِ بعضِكم لبعض؛ لأنَّ ذلكم الفعل يُؤْذِي النبي ﷺ؛ فيستَحْيِي منكم ومِنْ أن يأمركم بالخروج من البيت، والله جل في علاه لا يستَحْيِي من بيان الحق، ولا مِنْ أن يأمركم بما فيه الخير لكم، والرِّفْقُ بنبيكم ﷺ، وإذا سألتم -أيها المؤمنون- زوجات النبي ﷺ متاعًا من الماعون وغيره، فليكُنِ السؤال من وراء ستار بينكم وبينهنّ؛ فذلك أطهر لقلوب الجميع من الريبة، وأقطع للشر والشك، ولا ينبغي لكم –معشر المؤمنين- أن تُؤْذوا رسول الله ﷺ بأي نوع من أنواع الأذى، ولا يَحِلُّ لكم أن تتزوَّجوا زوجاته بعدَ وفاته أبدًا؛ إن ذلكم الإيذاء، أو نكاح زوجاته من بعده، كان عند الله ذنبًا عظيمًا، وإثمًا كبيرًا.

[54] ﴿إِن تُبۡدُواْ شَيۡـًٔا أَوۡ تُخۡفُوهُ فَإِنَّ ٱللَّهَ كَانَ بِكُلِّ شَيۡءٍ عَلِيمٗا 54﴾:

حذَّر جل وعلا عباده بأنه مطَّلع على كل حال من أحوالهم، فقال: إن تُظْهِروا -أيها الناس- شيئًا، أو تُخْفوه وتستروه من النيات والأقوال والأعمال، فإن الله كان بكل شيء عليمًا، لا يخفى عليه شيء من ذلك؛ فاتَّقوه جل وعلا وخافوه في سِرِّكم وعلانيتكم.

وهذه الآية نزَلَتْ فيمن أضمَرَ أن يتزوَّج بعض نساء النبي بعد موته ﷺ؛ فبيَّن جل وعلا بأنه مطَّلع على ما تُخْفِيه قلوبهم؛ فليحذروا من ذلك.

[55] ﴿لَّا جُنَاحَ عَلَيۡهِنَّ فِيٓ ءَابَآئِهِنَّ وَلَآ أَبۡنَآئِهِنَّ وَلَآ إِخۡوَٰنِهِنَّ وَلَآ أَبۡنَآءِ إِخۡوَٰنِهِنَّ وَلَآ أَبۡنَآءِ أَخَوَٰتِهِنَّ وَلَا نِسَآئِهِنَّ وَلَا مَا مَلَكَتۡ أَيۡمَٰنُهُنَّۗ وَٱتَّقِينَ ٱللَّهَۚ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ شَهِيدًا 55﴾:

أخبَرَ جل وعلا أنه لا إثم على أمَّهات المؤمنين زوجات النبي ﷺ: ألَّا يحتجِبْنَ من آبائهنَّ، وأبنائهنَّ، وإخوانهنَّ، وأبناء إخوانهنَّ، وأبناء أخواتهنَّ، وعموم نساء المؤمنين، ومماليكهنَّ من إماءٍ وعبيد، ثم أمَرَهُنَّ بتقوى الله في جميع الأحوال؛ إن الله كان على كل شيء شهيدًا، يشاهد جميع نيَّاتكم وأقوالكم وأعمالكم، لا يخفى عليه شيء من ذلك.

[56] ﴿إِنَّ ٱللَّهَ وَمَلَٰٓئِكَتَهُۥ يُصَلُّونَ عَلَى ٱلنَّبِيِّۚ يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ صَلُّواْ عَلَيۡهِ وَسَلِّمُواْ تَسۡلِيمًا 56﴾:

أكرَمَ جل وعلا نبيه محمدًا ﷺ، وأخبَرَ بمنزلته عنده، وأنه يثني عليه سبحانه ويَمْدَحُهُ في الملأ الأعلى، وأن الملائكة يثنون عليه ويدعون له ﷺ، ثم أمَرَ المؤمنين الذين صدَّقوا الله ورسوله ﷺ، وعملوا بشرعه: بالصلاة والتسليم عليه؛ وبهذا يجتمع له ﷺ الثناء والدعاء من أهل السماء وأهل الأرض.

وصفةُ الصلاة على النبيِّ ﷺ ثبتت في السنة على أنواع، منها: (اللهُمَّ، صلِّ على محمَّد وعلى آل محمد، كما صلَّيْتَ على آل إبراهيم، إنك حميد مجيد، وبارِكْ على محمَّد وعلى آل محمد، كما بارَكْتَ على آل إبراهيم، إنك حميد مجيد).

[57] ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ يُؤۡذُونَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ لَعَنَهُمُ ٱللَّهُ فِي ٱلدُّنۡيَا وَٱلۡأٓخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمۡ عَذَابٗا مُّهِينٗا 57﴾:

أخبَرَ جل وعلا أن الذين يُؤْذون الله ورسوله ﷺ بأي نوع من أنواع الأذى؛ بالقول، أو الفعل، أو الصَّدِّ، أو السبِّ والتنقُّص؛ أولئك أبعدهم الله وطَرَدهم من رحمته، وهيَّأ لهم عذابًا مهينًا ينتظرهم في الآخرة.

[58] ﴿وَٱلَّذِينَ يُؤۡذُونَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ وَٱلۡمُؤۡمِنَٰتِ بِغَيۡرِ مَا ٱكۡتَسَبُواْ فَقَدِ ٱحۡتَمَلُواْ بُهۡتَٰنٗا وَإِثۡمٗا مُّبِينٗا 58﴾:

ثم أخبَرَ جل وعلا أن الذين يُؤْذون المؤمنين والمؤمنات بأي نوع من أنواع الأذى -بغير حقٍّ، وبغير جريرة اكتسبوها- فقد حملوا على ظهورهم بهتانًا وآثامًا وأوزارًا بيِّنةً ظاهرةً، سوف يَلْقَوْنَ الله بها؛ فيجازيهم عليها، ويقتصُّ لمن أوذي بغير حق.

[59] ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ قُل لِّأَزۡوَٰجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَآءِ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ يُدۡنِينَ عَلَيۡهِنَّ مِن جَلَٰبِيبِهِنَّۚ ذَٰلِكَ أَدۡنَىٰٓ أَن يُعۡرَفۡنَ فَلَا يُؤۡذَيۡنَۗ وَكَانَ ٱللَّهُ غَفُورٗا رَّحِيمٗا 59﴾:

ثم أمَرَ جل وعلا نبيه ﷺ أن يفرض الحجاب على زوجاته وبناته ونساء المؤمنين، فقال له: يا أيها النبي، قل لأزواجك وبناتك ونساء المؤمنين: يُرْخِينَ أرديتهنَّ وألحفتهنَّ ويغطِّين بها رؤوسَهُنَّ ووجوهَهُنَّ وصدورَهُنَّ، فتلك التغطية أقربُ أن يميِّزَهُنَّ من يراهنَّ عن الإماء، وأظهرُ في معرفة أنهنَّ من الحرائر؛ فلا يتعرَّض لهن مَنْ كان في قلبه مرض، ولا يؤذيهنَّ أحدٌ من أصحاب الرِّيَب، وكان الله غفورًا كثيرَ المغفرة لمن استغفر وتاب، رحيمًا كثيرَ الرحمة لمن رجَعَ وأناب.

[60] ﴿لَّئِن لَّمۡ يَنتَهِ ٱلۡمُنَٰفِقُونَ وَٱلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٞ وَٱلۡمُرۡجِفُونَ فِي ٱلۡمَدِينَةِ لَنُغۡرِيَنَّكَ بِهِمۡ ثُمَّ لَا يُجَاوِرُونَكَ فِيهَآ إِلَّا قَلِيلٗا 60﴾:

ثم حذَّر جل وعلا المنافقين ومرضى الشهوات من التعرُّض للمؤمنات، فقال: لئن لم يَنْتَهِ ويتوقَّفِ المنافقون والذين في قلوبهم مرض الشهوة والشك، والذين يخوِّفون المؤمنين ويبُثُّون فيهم الإشاعات لتوهينهم وتضعيفهم؛ لئن لم يَنْتَهِ هؤلاء عمَّا هم فيه؛ لنسلِّطَنَّكَ عليهم، ولنأمُرَنَّكَ بعقوبتهم وقتالهم، ولن يصمُدُوا أمامك في المدينة أو يستمروا وقتًا طويلًا.

[61] ﴿مَّلۡعُونِينَۖ أَيۡنَمَا ثُقِفُوٓاْ أُخِذُواْ وَقُتِّلُواْ تَقۡتِيلٗا 61﴾:

واعلموا -أيها الناس- أن هؤلاء المنافقين مطرودون من رحمة الله وحفظه، مهانون أذلَّاء أينما ذهبوا، وحَيْثُما حلُّوا؛ فهم في أي مكانٍ وُجِدوا فيه، لا يحصُلُ لهم أمنٌ ولا استقرار، بل يتخطَّفهم الناس أسرًا وقتلًا؛ وذلك لغضب الله ورسوله ﷺ عليهم، ولِلَعْنِ الله إياهم، وطَرْدِهم من رحمته.

[62] ﴿سُنَّةَ ٱللَّهِ فِي ٱلَّذِينَ خَلَوۡاْ مِن قَبۡلُۖ وَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ ٱللَّهِ تَبۡدِيلٗا 62﴾:

ثم بيَّن سبحانه أن هذه هي سنته وطريقته في كل مَنْ نافق، فأظهَرَ الإسلام، وأبطن الكفر، ووالى أعداء الله، وأحبَّ ظهورهم: أنه يكون غير آمنٍ، ومعرَّضًا دائمًا للقتل والأسر؛ وسُنَّةُ الله في هؤلاء المنافقين لا تتغيَّر ولا تتبدَّل؛ نسأل الله السلامة والعافية.

[63] ﴿يَسۡـَٔلُكَ ٱلنَّاسُ عَنِ ٱلسَّاعَةِۖ قُلۡ إِنَّمَا عِلۡمُهَا عِندَ ٱللَّهِۚ وَمَا يُدۡرِيكَ لَعَلَّ ٱلسَّاعَةَ تَكُونُ قَرِيبًا 63﴾:

أخبَرَ جل وعلا أن اليهود وأشباههم في الكفر والنفاق يسألون النبيَّ ﷺ على سبيل الاستبعاد والتكذيب والاستهزاء عن وقت القيامة، فقل لهم -أيها النبي-: إنَّ علمها عند الله وحده، وإنه هو الذي يجلِّيها لوقتها، وما يدريك -أيها السائل للرسول ﷺ- لعل وقتها قد اقترب.

[64] ﴿إِنَّ ٱللَّهَ لَعَنَ ٱلۡكَٰفِرِينَ وَأَعَدَّ لَهُمۡ سَعِيرًا 64﴾:

وأخبَرَ جل وعلا أنه طرَدَ الكافرين المكذِّبين المعاندين، وأبعدهم من رحمته، ودخول جَنَّته، وهيَّأ لهم -بسبب كفرهم وعنادهم- نارًا تستعِرُ وتتوقَّد فيهم.

[65] ﴿خَٰلِدِينَ فِيهَآ أَبَدٗاۖ لَّا يَجِدُونَ وَلِيّٗا وَلَا نَصِيرٗا 65﴾:

ثم بين سبحانه أن هذه النار التي سيدخلها هؤلاء الكافرين المكذبين المعاندين سوف يمكُثُونَ فيها أبد الآبدين، لا يتحوَّلون عنها ولا يزولون، وهم فيها لا يجدون مَنْ يتولَّى أمرهم، ويدافع عنهم، ولا يجدون فيها من ينصُرُهم، وينجِّيهم منها.

[66] ﴿يَوۡمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمۡ فِي ٱلنَّارِ يَقُولُونَ يَٰلَيۡتَنَآ أَطَعۡنَا ٱللَّهَ وَأَطَعۡنَا ٱلرَّسُولَا۠ 66﴾:

وبين سبحانه أن هؤلاء الكافرين سوف تتقلَّب وجوههم في النار من جهة إلى جهة، فتُشْوَى من لَفْح النار لها، ويقولون -وهم على هذه الحال، وقد تملَّكهم الندم، ولن ينفعهم-: يا ليتنا أطعنا الله، فوحَّدناه وآمنا به، وأطعنا الرسول ﷺ فصدَّقناه واتَّبعناه.

[67] ﴿وَقَالُواْ رَبَّنَآ إِنَّآ أَطَعۡنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَآءَنَا فَأَضَلُّونَا ٱلسَّبِيلَا۠ 67﴾:

ثم قالوا -وهم في هذه الحال؛ على سبيل الاعتذار والندم، ومحاولة النجاة، ولن ينفعهم ذلك-: يا ربنا، إنا أطَعْنا سادتنا وكبراءنا، ومشَيْنا خلفهم وقلَّدناهم، فأضلُّونا عن طريق الحق والتوحيد، وعن طريق الهدى والإيمان، وسلكوا بنا سبيل الشرك والغَوَاية والضلال.

[68] ﴿رَبَّنَآ ءَاتِهِمۡ ضِعۡفَيۡنِ مِنَ ٱلۡعَذَابِ وَٱلۡعَنۡهُمۡ لَعۡنٗا كَبِيرٗا 68﴾:

ولما علم هؤلاء الكفار أنه لا نجاةَ لهم، قالوا: ربَّنا، ضاعِفْ لهؤلاء الذين أضلُّونا العذابَ مرتَيْن، وشَدِّدْ عليهم فيه، والْعَنْهم لعنًا كبيرًا عظيم القَدْر؛ لأنهم سبب ما نحن فيه.

[69] ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَكُونُواْ كَٱلَّذِينَ ءَاذَوۡاْ مُوسَىٰ فَبَرَّأَهُ ٱللَّهُ مِمَّا قَالُواْۚ وَكَانَ عِندَ ٱللَّهِ وَجِيهٗا 69﴾:

حذَّر جل وعلا الذين آمنوا بالله ورسوله ﷺ، وعملوا بشرعه: أن يؤذوا نبيهم محمدًا ﷺ بقول أو فعل؛ كما آذى اليهود نبيَّهم موسى عليه السلام؛ حيث آذَوْهُ بشتى أنواع الأذى، ومن ذلك أنهم قالوا: إنه آدَرُ، أي: عنده ورَمٌ في الخُصْية، وقيل: عَيْبٌ في جلده، كبَرَصٍ ونحوه، وهذا ما يجعله يتشدَّد في التستر عند الاغتسال؛ لئلا يرى أحد ذلك العيب، فبرَّأه الله من كل ما نسبوه إليه من سوء، وكانت تبرئته أنه اغتسَلَ في النهر، فلما خرَجَ ليلبس ثيابه، رأَوْهُ؛ فإذا هو سليم مما ظنوا، ثم أخبَرَ سبحانه أن موسى عليه السلام كان عظيم القَدْرِ والجاهِ عند الله تعالى.

[70] ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَقُولُواْ قَوۡلٗا سَدِيدٗا 70﴾:

يا أيها الذين آمنوا بالله، واتَّبعوا رسوله ﷺ: اجعلوا بينكم وبين عذاب الله وقايةً؛ بفعل أوامره، واجتناب نواهيه، وقولوا قولًا صوابًا وحقًّا وعدلًا في كلِّ أموركم ومعاملاتكم.

[71] ﴿يُصۡلِحۡ لَكُمۡ أَعۡمَٰلَكُمۡ وَيَغۡفِرۡ لَكُمۡ ذُنُوبَكُمۡۗ وَمَن يُطِعِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ فَقَدۡ فَازَ فَوۡزًا عَظِيمًا 71﴾:

ثم بيَّن سبحانه أنكم إذا اتقيتم الله -أيها الناس- وقلتم القول السديد، كان ذلك سببًا في أن يُصلِحَ الله لكم أعمالكم، بأن يرزقكم الإخلاص والمتابعة فيها؛ فيقبلها منكم، ويغفر لكم ما وقَعَ منكم من الذنوب والمعاصي، فيسترها عليكم، ويمحوها لكم، ومن يطع الله ورسوله ﷺ فيفعل ما أُمِرَ به، ويجتنب ما نُهِيَ عنه، فقد فاز فوزًا عظيمًا في الدنيا والآخرة؛ نسأل الله الكريم من فضله العظيم.

[72] ﴿إِنَّا عَرَضۡنَا ٱلۡأَمَانَةَ عَلَى ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ وَٱلۡجِبَالِ فَأَبَيۡنَ أَن يَحۡمِلۡنَهَا وَأَشۡفَقۡنَ مِنۡهَا وَحَمَلَهَا ٱلۡإِنسَٰنُۖ إِنَّهُۥ كَانَ ظَلُومٗا جَهُولٗا 72﴾:

عظَّم جل وعلا شأن الأمانة التي هي حرية الاختيار بين امتثال الأوامر، واجتناب النواهي، وبين أن يكون مؤمنًا أو كافرًا، ثم يكون الثواب والعقاب بحَسَب اختياره؛ ولعظم هذه الأمانة فإنه جل في علاه عَرَضَها على مخلوقاته العظيمة: السموات والأرض والجبال؛ عَرْضَ تخيير لا إلزام؛ فرفَضْنَ أن يتحمَّلْنَ هذه الأمانة، ورَغِبْنَ أن يكنَّ مسيَّرات لا مخيَّرات؛ لخوفهن ألَّا يقُمْنَ بأدائها كما أمر الله تعالى، فأما هذا الإنسان الضعيف، فقد تحمَّلها؛ لأنه ظلوم لنفسه، جاهل بتبعية اختياره وعواقبه.

[73] ﴿لِّيُعَذِّبَ ٱللَّهُ ٱلۡمُنَٰفِقِينَ وَٱلۡمُنَٰفِقَٰتِ وَٱلۡمُشۡرِكِينَ وَٱلۡمُشۡرِكَٰتِ وَيَتُوبَ ٱللَّهُ عَلَى ٱلۡمُؤۡمِنِينَ وَٱلۡمُؤۡمِنَٰتِۗ وَكَانَ ٱللَّهُ غَفُورٗا رَّحِيمَۢا 73﴾:

ثم ختَمَ جل وعلا السورة ببيان أنه حمَّل الإنسان هذه الأمانة؛ لكي يعذِّب المنافقين والمنافقات، والمشركين والمشركات؛ لأنهم خانوا هذه الأمانة ولم يعملوا بها كما أمَرَ الله تعالى، ولكيْ يتوب سبحانه على المؤمنين والمؤمنات الذين حفظوا هذه الأمانة كما أراد الله، فأَدَّوُا الواجبات، وابتعدوا عن المنهيَّات، وكان سبحانه كثير المغفرة للتائبين من عباده، رحيمًا بهم.

سورة سبأ

سورة سبأ مكيَّة، وآياتها أربع وخمسون آية.

[1] ﴿ٱلۡحَمۡدُ لِلَّهِ ٱلَّذِي لَهُۥ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلۡأَرۡضِ وَلَهُ ٱلۡحَمۡدُ فِي ٱلۡأٓخِرَةِۚ وَهُوَ ٱلۡحَكِيمُ ٱلۡخَبِيرُ 1﴾:

بدأ جل وعلا السورة بتمجيد نَفْسه، وأنَّ له الحمد والشكر التامَّيْن، والحمدُ: هو الثناءُ على المحمود بجميل صفاته على وجه التعظيم، وصفاته جل في علاه دائرةٌ بين الفضل الذي يُحْمَدُ ويشكر عليه، والعدلِ الذي يُعترَفُ بحكمته فيه ويُحْمَدُ عليه، وحَمِدَ نفسه هنا على أنه مالكُ الكائنات في السموات والأرض يتصرَّف فيهما كيف يشاء، و(أَلِ) التعريفِ في قوله: ﴿ٱلۡحَمۡدُ﴾، تعني: استغراقَ المحامدِ كلِّها، وكما اختَصَّ سبحانه بالحمد في الدنيا، فله الحمد الخالص في الآخرة، وهو الحكيمُ في تصريف أمور العباد؛ حيث رتَّب أمور الدنيا والآخرة حسَبَ ما تقتضيه الحكمة والمصلحة، وهو الخبيرُ ببواطن الأمور وظواهرها.

[2] ﴿يَعۡلَمُ مَا يَلِجُ فِي ٱلۡأَرۡضِ وَمَا يَخۡرُجُ مِنۡهَا وَمَا يَنزِلُ مِنَ ٱلسَّمَآءِ وَمَا يَعۡرُجُ فِيهَاۚ وَهُوَ ٱلرَّحِيمُ ٱلۡغَفُورُ 2﴾:

ثم أخبَرَ جل شأنه أنه يعلم كلَّ ما يدخُلُ في باطن الأرض من قَطَرات المَطَر والكنوز والأموات والدوابّ، ويعلم ما يخرُجُ منها من النبات والثروات والمياه، ويعلم ما ينزل من السماء من الأمطار والملائكة والكتب والأقدار والأرزاق، ويعلم ما يَصْعَدُ إليها من الملائكة وأفعال الخلق والأرواح، وهو مع هذه القدرة وهذه العظمة وهذا الجلال؛ فإنه وحده الرحيمُ بعباده المؤمنين، ومن رحمته أنه لا يعاجِلُ عصاتهم بالعقوبة، وأنه الغفورُ لذنوب عباده، القابلُ لتوبة التائبين العائدين إليه.

وهذه الآية الوحيدة في القرآن التي قُدِّمَتْ فيها الرحمة على المغفرة؛ فقال سبحانه: ﴿وَهُوَ ٱلرَّحِيمُ ٱلۡغَفُورُ﴾، وعُلِّلَ ذلك: بأن السر أنه لم يذكر قبلها: (عباد)؛ فهو جل وعلا يقدِّم المغفرة عادة ليستبشر العباد المذكورون).

[3] ﴿وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَا تَأۡتِينَا ٱلسَّاعَةُۖ قُلۡ بَلَىٰ وَرَبِّي لَتَأۡتِيَنَّكُمۡ عَٰلِمِ ٱلۡغَيۡبِۖ لَا يَعۡزُبُ عَنۡهُ مِثۡقَالُ ذَرَّةٖ فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَلَا فِي ٱلۡأَرۡضِ وَلَآ أَصۡغَرُ مِن ذَٰلِكَ وَلَآ أَكۡبَرُ إِلَّا فِي كِتَٰبٖ مُّبِينٖ 3﴾:

وبعد أن بيَّن جل وعلا عظمته وقدرته في خلقه؛ أخبَرَ أن الكفار المنكرين للبعث الذين تكرَّر إنكارهم في القرآن كثيرًا، قالوا: لا تأتينا القيامة، فأمَرَ جل شأنه نبيه ﷺ -وهو الصادق المصدوق الذي لم يجرِّبوا عليه كذبًا- أن يُقْسِمَ لهم بربه بأن يوم القيامة سوف يأتيهم لا محالة، ولكنْ لا يعلم وقتَ مجيئِهِ إلا الله عالم الغيب الذي لا يغيب عن عِلْمه مثقال الذرَّة في السموات والأرض؛ بل لا يَغِيبُ عنه ما كان أصغَرَ من الذرَّة أو أكبر منها، وكل ذلك واضحٌ بيِّن مسطَّر في اللوح المحفوظ. والذَّرَّةُ: هي: الهَبَاءة، أو النملة الصغيرة.

[4] ﴿لِّيَجۡزِيَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِۚ أُوْلَٰٓئِكَ لَهُم مَّغۡفِرَةٞ وَرِزۡقٞ كَرِيمٞ 4﴾:

واعلموا -أيها الكفار- أن الساعة آتية لا محالة؛ ليثيب جل وعلا الذين آمنوا به بقلوبهم، واتَّبعوا رسوله ﷺ، وأَتْبعوا ذلك بعمل الصالحات، أولئك سيغفر الله لهم ذنوبهم، وسيكفِّر عنهم سيئاتهم، وسيرزُقُهم ويهبهم رزقًا كريمًا، وهو النعيم المقيم في جنات النعيم.

[5] ﴿وَٱلَّذِينَ سَعَوۡ فِيٓ ءَايَٰتِنَا مُعَٰجِزِينَ أُوْلَٰٓئِكَ لَهُمۡ عَذَابٞ مِّن رِّجۡزٍ أَلِيمٞ 5﴾:

أما المعاندون الذين بذلوا جهدهم في إطفاء نور الله، وصَدِّ الناس عن سبيل الله، ظانِّين بذلك أنهم يُعْجِزون الله ويُعْجِزون رسله، فأولئك لهم أسوأ العذاب وأشدُّه يوم القيامة.

[6] ﴿وَيَرَى ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلۡعِلۡمَ ٱلَّذِيٓ أُنزِلَ إِلَيۡكَ مِن رَّبِّكَ هُوَ ٱلۡحَقَّ وَيَهۡدِيٓ إِلَىٰ صِرَٰطِ ٱلۡعَزِيزِ ٱلۡحَمِيدِ 6﴾:

أخبَرَ جل وعلا أن أهل الإيمان -الذين أعطاهم الله العلم النافع- يَرَوْنَ أن الذي أنزله الله إليك من القرآن هو الحَقُّ الذي لا مِرْيةَ، ولا شكَّ فيه، وأنه يهدي ويدُلُّ إلى صراط الله المستقيم، الذي هو التوحيدُ والإسلام.

[7] ﴿وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ هَلۡ نَدُلُّكُمۡ عَلَىٰ رَجُلٖ يُنَبِّئُكُمۡ إِذَا مُزِّقۡتُمۡ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّكُمۡ لَفِي خَلۡقٖ جَدِيدٍ 7﴾:

كرَّر جل وعلا في هذه الآية إنكار الكفار للبعث، وبكَّتهم على عدم إعمال عقولهم؛ لينجوا من عذابه؛ فأخبَرَ سبحانه عما قالوه؛ حيث قالوا على سبيل السخرية والتهكُّم: هل ندلُّكم على رجل -يقصدون محمدًا ﷺ- يخبركم أنكم إذا متم وتمزَّقت أجسادكم وصِرْتم رفاتًا: أنكم ستَحْيَوْنَ وتبعثون من قبوركم مرة أخرى؟! وهذا دليل على شدَّة إنكارهم للبعث واستبعادهم له.

[8] ﴿أَفۡتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ كَذِبًا أَم بِهِۦ جِنَّةُۢۗ بَلِ ٱلَّذِينَ لَا يُؤۡمِنُونَ بِٱلۡأٓخِرَةِ فِي ٱلۡعَذَابِ وَٱلضَّلَٰلِ ٱلۡبَعِيدِ 8﴾:

ثم تساءل هؤلاء الكفار استهزاءً وسخرية، فقالوا: هل اختلَقَ هذا الرجل -يقصدون محمدًا ﷺ- على الله الكَذِبَ؛ بزعمه أن الناس ستُبْعَثُ بعد موتها يوم القيامة؟! أم أنَّ به مسًّا من الجنون؟! فرد جل وعلا عليهم: ليس الأَمْرُ كما يزعم هؤلاء الكفار، بل إن المكذِّبين بالبعث في الشقاء العظيم، وفي الغَوَاية الكبيرة، وفي الزيغ الذي لا نهايةَ له في الدنيا والآخرة.

[9] ﴿أَفَلَمۡ يَرَوۡاْ إِلَىٰ مَا بَيۡنَ أَيۡدِيهِمۡ وَمَا خَلۡفَهُم مِّنَ ٱلسَّمَآءِ وَٱلۡأَرۡضِۚ إِن نَّشَأۡ نَخۡسِفۡ بِهِمُ ٱلۡأَرۡضَ أَوۡ نُسۡقِطۡ عَلَيۡهِمۡ كِسَفٗا مِّنَ ٱلسَّمَآءِۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَأٓيَةٗ لِّكُلِّ عَبۡدٖ مُّنِيبٖ 9﴾:

ثم وبَّخ جل وعلا هؤلاء الكفار الذين لا يؤمنون بالآخرة، قائلًا لهم: أفلم يشاهدوا عظيم قُدْرة الله فيما بين أيديهم وما خَلْفهم من السماء والأرض مما يُبْهِرُ العقول؟! ثم هدَّدهم سبحانه مبيِّنًا لهم أن كل ما في الكون ملكه وتحت تصرُّفه؛ فإن يشأْ يخسفْ بهم الأرض فيغوصوا فيها، أو إن يشأْ يسقطْ عليهم من السماء قطعًا من النار فتُحْرِقهم، كما فعل بمن قبلهم ممن استحقوا العذاب؛ إن في هذه القدرة العظيمة لله لآيةً لكل عبد معتبر ومتأمِّل لما سلَفَ.

[10] ﴿وَلَقَدۡ ءَاتَيۡنَا دَاوُۥدَ مِنَّا فَضۡلٗاۖ يَٰجِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُۥ وَٱلطَّيۡرَۖ وَأَلَنَّا لَهُ ٱلۡحَدِيدَ 10﴾:

أخبَرَ جل وعلا أنه فضَّل كل نبي وأعطاه المعجزات التي تناسب قَوْمه، ومن هؤلاء داودُ عليه السلام؛ فأخبَرَ سبحانه أنه أعطى داود النبوَّة والكتاب، وهو الزَّبُور، والمُلْك، وأمر الجبال والطير أن تسبِّح بتسبيحه، وسخَّر له الحديد بأن ألَانَهُ وجعله كالعجين، حتى يتمكَّن من أن يشكِّله كيف يشاء من غير أن يُدْخِله في نار، أو أن يطرُقَهُ بمِطْرَقة.

[11] ﴿أَنِ ٱعۡمَلۡ سَٰبِغَٰتٖ وَقَدِّرۡ فِي ٱلسَّرۡدِۖ وَٱعۡمَلُواْ صَٰلِحًاۖ إِنِّي بِمَا تَعۡمَلُونَ بَصِيرٞ 11﴾:

ثم بيَّن سبحانه أنه أَلَانَ له الحديد لينسُجَ منه الدروع الطويلة الواسعة التي يُسْتَتَرُ بها في الحروب، وعلَّمه كيف يُحْكِمُ نَسْج هذه الدروع، ويجعلها حَلَقات متداخلة متناسبة؛ فلا تكون صغيرةً ضعيفةً لا تقوى على الدفاع، ولا كبيرةً ضخمةً فتُثقِل كاهل لابسِها، ثم أمَرَ سبحانه وتعالى آل داود بعمل الطاعات، واجتناب المعاصي؛ فإن الله بما تعملون بصير؛ لا يخفى عليه شيء من أعمالكم، وسيجازيكم عليها.

[12] ﴿وَلِسُلَيۡمَٰنَ ٱلرِّيحَ غُدُوُّهَا شَهۡرٞ وَرَوَاحُهَا شَهۡرٞۖ وَأَسَلۡنَا لَهُۥ عَيۡنَ ٱلۡقِطۡرِۖ وَمِنَ ٱلۡجِنِّ مَن يَعۡمَلُ بَيۡنَ يَدَيۡهِ بِإِذۡنِ رَبِّهِۦۖ وَمَن يَزِغۡ مِنۡهُمۡ عَنۡ أَمۡرِنَا نُذِقۡهُ مِنۡ عَذَابِ ٱلسَّعِيرِ 12﴾:

ثم أخبَرَ جل وعلا أنه كما امتَنَّ على داود عليه السلام ببعض المعجزات؛ فكذلك امتَنَّ على ابنه سليمان عليه السلام -الذي خلفه في المُلْك والنبوَّة- ببعض المعجزات؛ فسخَّر له الريح تحمله وتحمل جيشه، وتسير به من أول النهار إلى منتصفه مسافة مسيرة شهر بمسير الدوابِّ المعتاد، وأيضًا تسير به من منتصف النهار إلى آخره مسافة مسيرة شهر بمسير الدوابِّ المعتاد؛ فمسيرة شهرَيْنِ تقطع في يوم واحد، وأذاب له النُّحَاس حتى صار كأنه عَيْنُ ماء تجري؛ فكما ألان الحديد لأبيه داود عليه السلام، أذاب له النُّحَاس، وسخَّر له الجن والشياطين يعملون بين يدَيْهِ ما يشاء بإذن الله، ثم أخبَرَ سبحانه أن من يَزِغْ من هؤلاء الجِنِّ عن أمر الله الذي أُمِروا وكُلِّفوا به، وهو طاعة سليمان عليه السلام، فسوف يذوق من عذاب النار المستعرة التي خلَقَها الله لكل من يبتعِدُ عن أَمْرِ الله الذي بلَّغتهم به أنبياؤهم عليهم السلام.

[13] ﴿يَعۡمَلُونَ لَهُۥ مَا يَشَآءُ مِن مَّحَٰرِيبَ وَتَمَٰثِيلَ وَجِفَانٖ كَٱلۡجَوَابِ وَقُدُورٖ رَّاسِيَٰتٍۚ ٱعۡمَلُوٓاْ ءَالَ دَاوُۥدَ شُكۡرٗاۚ وَقَلِيلٞ مِّنۡ عِبَادِيَ ٱلشَّكُورُ 13﴾:

ثم أخبَرَ جل وعلا أن هؤلاء الجن كانوا يعملون له ما يشاء وما يريد من مَبَانٍ محكَمةٍ فَخْمةٍ للتعبُّد فيها، ويعملون له ما يريد من صور الحيوانات والجمادات من النُّحَاس والزُّجَاج والرُّخَام وغيرها، ويعملون له أوانيَ عظيمةً ضخمةً كأحواض الإبل؛ يجتمع عليها العدد الكبير من الأَكَلَة، ويعملون له ما يريد من القدور الكبيرة الراسية التي لا تزول عن أماكنها لِكِبَرِها وعظمتها، ثم قال جل في علاه لآل داود: اعملوا يا آل داود بطاعة الله شُكْرًا له على نعمه بأنْ أعطاكم ومكَّنكم؛ فإن القليل من عباد الله من يُكْثِرُ شكر الله على نعمه وآلائه.

[14] ﴿فَلَمَّا قَضَيۡنَا عَلَيۡهِ ٱلۡمَوۡتَ مَا دَلَّهُمۡ عَلَىٰ مَوۡتِهِۦٓ إِلَّا دَآبَّةُ ٱلۡأَرۡضِ تَأۡكُلُ مِنسَأَتَهُۥۖ فَلَمَّا خَرَّ تَبَيَّنَتِ ٱلۡجِنُّ أَن لَّوۡ كَانُواْ يَعۡلَمُونَ ٱلۡغَيۡبَ مَا لَبِثُواْ فِي ٱلۡعَذَابِ ٱلۡمُهِينِ 14﴾:

فلما انقضى أجل سليمان، وحكَمَ جل وعلا عليه بالموت؛ فمات واقفًا يصلِّي متكئًا على عصًا غليظة، واستمرَّ زمنًا واقفًا، ولم تستدلَّ الجنُّ على موته إلا عن طريق دابَّة الأرض، وهي النمل الأبيض التي نخَرَتْ عصاه الغليظة، فسقَطَ على الأرض، فلما سقَطَ عليه السلام، علمت الجنُّ حينها بموته، وتبيَّن للناس أن الجن لا يعلمون الغيب -كما زعموا- إذْ لو كانوا يعلمون الغيب، لعلموا بموت سليمان عليه السلام، وَلَمَا أقاموا مُدَّةً طويلةً في الخِدْمة والعمل الشاق الذي سخَّرهم فيه سليمان عليه السلام.

[15] ﴿لَقَدۡ كَانَ لِسَبَإٖ فِي مَسۡكَنِهِمۡ ءَايَةٞۖ جَنَّتَانِ عَن يَمِينٖ وَشِمَالٖۖ كُلُواْ مِن رِّزۡقِ رَبِّكُمۡ وَٱشۡكُرُواْ لَهُۥۚ بَلۡدَةٞ طَيِّبَةٞ وَرَبٌّ غَفُورٞ 15﴾:

ثم بيَّن سبحانه أنه جعل لقوم سبأ الذين يسكُنُونَ مأرب في اليمن علامةً على قدرته وعظيم فضله وإنعامه؛ حيث جعلهم الله في رَغَدٍ من العيش؛ فجعل لهم جنَّتين عظيمتين عن يمين وشمال الوادي الذي يجري فيها الماء الصادر مِنْ سَدِّ مأرب العظيم الذي بَنَوْهُ لينتفعوا به من مياه الأمطار، وهاتان الجنتان تمتدَّان إلى مسافات طويلة، وفيهما مِنْ جميع أنواع الثمار والخيرات، وقيل لهم على لسان نبيهم: كلوا من ثمار هاتَيْن الجنتَيْن، وأدُّوا شُكْر الله؛ فقد رزقكم الله ببلدٍ طيِّبٍ كثيرِ الأشجار، طيِّب الثمار، وتكفَّل لكم بمغفرة ذنوبكم إن استغفرتم وتُبْتم. قال بعض المفسِّرين: (لم يُكَلَّفُوا إلا بالاعتراف أن الرِّزْق من الله، وأن يشكروه على ذلك). وسبأ: قبيلة عربية يمنية يقال: إنهم أولاد سبأ بن يَشْجُب، كانوا على شاطئ نهر مأرب التي كانت بِلْقِيسُ ملكةً فيه.

[16] ﴿فَأَعۡرَضُواْ فَأَرۡسَلۡنَا عَلَيۡهِمۡ سَيۡلَ ٱلۡعَرِمِ وَبَدَّلۡنَٰهُم بِجَنَّتَيۡهِمۡ جَنَّتَيۡنِ ذَوَاتَيۡ أُكُلٍ خَمۡطٖ وَأَثۡلٖ وَشَيۡءٖ مِّن سِدۡرٖ قَلِيلٖ 16﴾:

ثم بيَّن سبحانه أنهم أعرضوا عن الإيمان، وأعرضوا عن الشكر، وكفروا بنعم الله؛ فأرسَلَ الله عليهم سَيْلًا جارفًا، فدمَّر سدَّهم، ودخل الماءُ بساتينَهُمْ، فأغرقها وخرَّب الزروع، وأهلَكَ البهائم والناس الذين لم يستطيعوا الفرار، وأعطاهم جل وعلا بدَلَ جنَّتَيْهم جنَّتَيْنِ فيهما ثَمَرٌ مُرٌّ كريه الطعم، وفيهما شجَرُ الأَثْل، وشيءٌ قليلٌ من شجر النَّبِقِ.

[17] ﴿ذَٰلِكَ جَزَيۡنَٰهُم بِمَا كَفَرُواْۖ وَهَلۡ نُجَٰزِيٓ إِلَّا ٱلۡكَفُورَ 17﴾:

وهذا التبديلُ الذي أصاب أهل سبأ، والدمارُ الذي لحق بهم، كان بسبب كفرهم وجحودهم، وعدم شُكْرهم، وهل يعاقب جل وعلا بهذا العقاب إلا من جحَدَ وكفَرَ بآياته؟!

[18] ﴿وَجَعَلۡنَا بَيۡنَهُمۡ وَبَيۡنَ ٱلۡقُرَى ٱلَّتِي بَٰرَكۡنَا فِيهَا قُرٗى ظَٰهِرَةٗ وَقَدَّرۡنَا فِيهَا ٱلسَّيۡرَۖ سِيرُواْ فِيهَا لَيَالِيَ وَأَيَّامًا ءَامِنِينَ 18﴾:

ثم بيَّن سبحانه أنه جعَلَ بين أهل سبأ، وبين القرى التي بارَكَ الله فيها، وهي أرضُ الشام: قُرًى متواصلةً مرتفعةً، ويسَّر لهم السير فيها في أسفارهم، فكانت المسافات بين تلك القرى قريبة؛ فلا يكادُ يرتحلُ المسافر منهم من قرية إلا ويدخُلُ التي تليها، ويسَّر سبحانه لهم السير في أسفارهم ليلًا ونهارًا، آمنين على أنفسهم وتجاراتهم وأموالهم؛ لا يخافون عدوًّا، ولا جُوعًا، ولا عطَشًا.

[19] ﴿فَقَالُواْ رَبَّنَا بَٰعِدۡ بَيۡنَ أَسۡفَارِنَا وَظَلَمُوٓاْ أَنفُسَهُمۡ فَجَعَلۡنَٰهُمۡ أَحَادِيثَ وَمَزَّقۡنَٰهُمۡ كُلَّ مُمَزَّقٍۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَأٓيَٰتٖ لِّكُلِّ صَبَّارٖ شَكُورٖ 19﴾:

لكنَّ هؤلاء القوم كفروا بهذه النعمة أيضًا، وقالوا في بلاهةٍ وبَجَاحةٍ وحُمْقٍ: ربَّنا، اجعَلْ بيننا وبين مقاصدنا في أسفارنا مسافاتٍ متباعدةً نذوق فيها العناء والتعب! فتجاوزوا بذلك حدودهم، وعرَّضوا أنفسهم لزوال النعم، وحلول النقم، ونزَلَ بهم أمرُ الله، وسلَبَهم الله النِّعَمَ التي كفروا بها، وجعلهم الله عِبْرةً للمعتبرين على مر الأزمان، وفرَّقهم الله في البلاد كلَّ تفريقٍ، واعلموا -أيها الناس- أن فيما حدَثَ لقوم سبأ آيةً وعلامةً وعِبْرةً ينتفعُ بها كلُّ صبَّار كثيرِ الصبرِ؛ على الطاعات، وعن المعاصي، وعلى الأقدار، وكلُّ شكورٍ كثير الشكر لنعم الله.

[20] ﴿وَلَقَدۡ صَدَّقَ عَلَيۡهِمۡ إِبۡلِيسُ ظَنَّهُۥ فَٱتَّبَعُوهُ إِلَّا فَرِيقٗا مِّنَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ 20﴾:

ثم أخبَرَ سبحانه أن ظَنَّ إبليس بالناس قد تحقَّق؛ حيث ظَنَّ أن الناس سيطيعونه ويتَّبعونه فيما يزيِّنه لهم ويأمرهم به من الضلال؛ حيث قال: ﴿فَبِعِزَّتِكَ لَأُغۡوِيَنَّهُمۡ أَجۡمَعِينَ﴾ [ص:٨٢]، فكان الأمر كما ظَنَّ؛ فصدَّق إبليس ظنَّه فاتَّبعوه فيما أمرهم به من الشرك والضلال؛ إلا فريقًا وطائفةً من المؤمنين لم يستجيبوا له ولم يتَّبعوه، وهم عباد الله الموحِّدون المخلصون الذين قال الله فيهم: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيۡسَ لَكَ عَلَيۡهِمۡ سُلۡطَٰنٌ إِلَّا مَنِ ٱتَّبَعَكَ مِنَ ٱلۡغَاوِينَ﴾ [الحجر:٤٢].

[21] ﴿وَمَا كَانَ لَهُۥ عَلَيۡهِم مِّن سُلۡطَٰنٍ إِلَّا لِنَعۡلَمَ مَن يُؤۡمِنُ بِٱلۡأٓخِرَةِ مِمَّنۡ هُوَ مِنۡهَا فِي شَكّٖۗ وَرَبُّكَ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٍ حَفِيظٞ 21﴾:

واعلموا -أيها الناس- أنه ما كان لإبليس على الناس من تسلُّطٍ وقهرٍ فيما يدعوهم إليه؛ وإنما منه مجرَّد الوسوسة والتزيين؛ ليُمتَحَنَ الناس، وليتميَّز الصادق من الكاذب، والمؤمن من الكافر، والمخلص من المنافق، وليظهر مَنْ يؤمن بالآخرة وبالبعث إيمانًا جازمًا، ويتبيَّن من هو في شكٍّ ورَيْبٍ من ذلك، واعلم -أيها النبي- أن ربك على كل شيء حفيظ؛ فيحفظ للناس أعمالهم، ويحفظ لهم مجازاتهم عليها.

[22] ﴿قُلِ ٱدۡعُواْ ٱلَّذِينَ زَعَمۡتُم مِّن دُونِ ٱللَّهِ لَا يَمۡلِكُونَ مِثۡقَالَ ذَرَّةٖ فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَلَا فِي ٱلۡأَرۡضِ وَمَا لَهُمۡ فِيهِمَا مِن شِرۡكٖ وَمَا لَهُۥ مِنۡهُم مِّن ظَهِيرٖ 22﴾:

أمَرَ جل وعلا نبيه محمدًا ﷺ أن يقول لهؤلاء المشركين: ادعوا الذين زعَمْتم أنهم شركاء لله؛ فانظروا هل يجيبونكم؟! وهل يملكون لكم وَزْنَ ذَرَّةٍ مِنْ جلبِ نفعٍ أو دفعِ ضرّ؟! والحق: أنه ليس لتلك الآلهة المزعومة شيءٌ من ذلك، وليس لهم في السموات والأرض من شَرِكة، ولو بنسبة ضئيلة، وليعلم الجميع أنه ليس لله جل في علاه من هذه الآلهة المزعومة ولا مِنْ غيرها مِنْ معاوِنٍ له، أو مساعدٍ يعاونه أو يساعده في المُلْك والتدبير؛ فهو سبحانه المدبِّر لكل شيء. وهذه الآية كما قال بعض العلماء: (اجتثَّت جذور الشرك).

[23] ﴿وَلَا تَنفَعُ ٱلشَّفَٰعَةُ عِندَهُۥٓ إِلَّا لِمَنۡ أَذِنَ لَهُۥۚ حَتَّىٰٓ إِذَا فُزِّعَ عَن قُلُوبِهِمۡ قَالُواْ مَاذَا قَالَ رَبُّكُمۡۖ قَالُواْ ٱلۡحَقَّۖ وَهُوَ ٱلۡعَلِيُّ ٱلۡكَبِيرُ 23﴾:

بيَّن جل وعلا أن الشفاعة لا تنفع عنده إلا لمن أَذِنَ له بالشفاعة، والشفاعةُ: هي طلب العفو أو الفضل من شخص لآخر، ومِنْ عظمته جل في علاه: أنه إذا تكلَّم سبحانه بالوَحْيِ، فسَمِعَ أهل السموات كلامه، أُرعِدوا من الهيبة والخوف، حتى يلحقهم مثل الغَشْي، فإذا زال الفزع عن قلوبهم، سأل بعضهم بعضًا: ماذا قال ربكم في أمر الشفاعة؟ قالت الملائكة: قال: الحَقَّ، أي: أن الله أَذِنَ بالشفاعة للمؤمنين، وأما الكفار والمشركون والمنافقون، فلم يأذن لهم سبحانه بالشفاعة، واعلموا أنه جل في علاه العليُّ بذاته، وبقَهْره، وبقَدْره، الكبير في ذاته وصفاته.

[24] ﴿قُلۡ مَن يَرۡزُقُكُم مِّنَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۖ قُلِ ٱللَّهُۖ وَإِنَّآ أَوۡ إِيَّاكُمۡ لَعَلَىٰ هُدًى أَوۡ فِي ضَلَٰلٖ مُّبِينٖ 24﴾:

وقل -أيها النبي- لهؤلاء المشركين: مَنِ الذي ينزِّلُ لكم الرزق من السماء، ويُخْرِجه لكم من الأرض؟! ثم أجبهم بالإجابة التي لا تُنْكِرها قلوبهم وصدورهم: إن الرازق هو الله، واعلموا -يا قوم- أن أحدنا على هدًى متمكِّن منه، والآخر منغمس في الضلال البيِّن الواضح؛ فهل الذي يَصْرِفُ العبادة للخالق الرازق على الحق؟! أم الذي يَصْرِفها لغيره؟!

[25] ﴿قُل لَّا تُسۡـَٔلُونَ عَمَّآ أَجۡرَمۡنَا وَلَا نُسۡـَٔلُ عَمَّا تَعۡمَلُونَ 25﴾:

ثم قل لهم -أيها النبي-: كلٌّ منَّا له عملٌ سيُسْأَلُ عنه: فأنتم لا تُسْألون عن أعمالنا، ولا عن ذنوبنا وجرائمنا -إن وقع منَّا ذلك- ونحنُ أيضًا لا نُسْأل عن أعمالكم، ولا نؤاخَذُ بها، وإنما يعاقب كل إنسان بما ارتكَبَ من الأخطاء.

[26] ﴿قُلۡ يَجۡمَعُ بَيۡنَنَا رَبُّنَا ثُمَّ يَفۡتَحُ بَيۡنَنَا بِٱلۡحَقِّ وَهُوَ ٱلۡفَتَّاحُ ٱلۡعَلِيمُ 26﴾:

ثم قل لهم -أيها النبي- أيضًا: إن الله سيجمع بيننا يوم القيامة، وسيقضي بيننا قضاءً عادلًا، وسيتبيَّن حينها الصادق الذي على الحق، من الكاذب الضال، وهو سبحانه الفتَّاحُ الذي يحكُمُ ويقضي بالحق، وهو العليمُ بتفاصيل ودقائق الأمور؛ فلا تخفى عليه خافية، ولا يغيب عنه مثقال ذَرَّة في السموات، ولا في الأرض.

[27] ﴿قُلۡ أَرُونِيَ ٱلَّذِينَ أَلۡحَقۡتُم بِهِۦ شُرَكَآءَۖ كَلَّاۚ بَلۡ هُوَ ٱللَّهُ ٱلۡعَزِيزُ ٱلۡحَكِيمُ 27﴾:

ثم قل لهم -أيها النبي-: أروني هؤلاء الذين ألحقتموهم بالله، وجعلتموهم شركاء له تَصْرِفون لهم أنواع العبادة؛ لأنظر بأي وصف استحقُّوا العبادة؟! كلَّا أيها المشركون؛ فإن الله جل في علاه لا شريكَ له، ولا معبودَ بحَقٍّ إلا هو، وهو سبحانه العزيزُ القويُّ الغالبُ الذي قهَرَ كل شيء، وهو سبحانه الحكيمُ في تدبير خلقه وشؤون عباده.

[28] ﴿وَمَآ أَرۡسَلۡنَٰكَ إِلَّا كَآفَّةٗ لِّلنَّاسِ بَشِيرٗا وَنَذِيرٗا وَلَٰكِنَّ أَكۡثَرَ ٱلنَّاسِ لَا يَعۡلَمُونَ 28﴾:

ثم أخبَرَ جل وعلا أنه أرسل محمدًا ﷺ لجميع الناس؛ لكي يبشِّرهم بالتوحيد وثواب الله عليه، ويُنْذِرهم ويحذِّرهم من الشرك وعقاب الله عليه، ولكنَّ أكثر الناس لا يعلمون العلمَ الصحيحَ أنَّ الله أرسله ﷺ رسولًا للثقلين.

[29] ﴿وَيَقُولُونَ مَتَىٰ هَٰذَا ٱلۡوَعۡدُ إِن كُنتُمۡ صَٰدِقِينَ 29﴾:

ثم أخبَرَ سبحانه عن مقولة هؤلاء المشركين المكذِّبين بالبعث، الذين يقولون سخريةً واستهزاءً: متى يتحقَّق ما وعَدَنا به محمد ﷺ وأصحابه من البعث والنشور؛ إن كانوا صادقين في وعودهم؟!

[30] ﴿قُل لَّكُم مِّيعَادُ يَوۡمٖ لَّا تَسۡتَـٔۡخِرُونَ عَنۡهُ سَاعَةٗ وَلَا تَسۡتَقۡدِمُونَ 30﴾:

ثم أمَرَ جل في علاه نبيه محمدًا ﷺ أن يقول لهم: اعلموا -أيها المشركون- أن الله قد حدَّد لكم يومًا يتحقَّق فيه هذا الوعد، وضرب لكم أجلًا سترَوْنَ فيه ما وعدكم به، وهذا الموعد لا يتقدَّم ساعة بسبب استعجالكم له، وإذا جاءكم ووقَعَ بكم ورأيتموه، وأيقنتم بوقوعه، فإنه لا يتأخَّر ساعة واحدة لتتوبوا وترجعوا؛ وحينئذٍ يكون قد انتهى وقت العمل، وطُوِيَتِ الصحف؛ فلا تقبل من أحد توبة.

[31] ﴿وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَن نُّؤۡمِنَ بِهَٰذَا ٱلۡقُرۡءَانِ وَلَا بِٱلَّذِي بَيۡنَ يَدَيۡهِۗ وَلَوۡ تَرَىٰٓ إِذِ ٱلظَّٰلِمُونَ مَوۡقُوفُونَ عِندَ رَبِّهِمۡ يَرۡجِعُ بَعۡضُهُمۡ إِلَىٰ بَعۡضٍ ٱلۡقَوۡلَ يَقُولُ ٱلَّذِينَ ٱسۡتُضۡعِفُواْ لِلَّذِينَ ٱسۡتَكۡبَرُواْ لَوۡلَآ أَنتُمۡ لَكُنَّا مُؤۡمِنِينَ 31﴾:

ثم أخبَرَ جل شأنه بما يقول الذين كفروا وجحدوا بآيات ربِّهم وكتبه؛ حيث يقولون في عنادٍ واستكبار: لن نؤمن بهذا القرآن، ولا بالكتب السابقة من التوراة والإنجيل والزَّبُور؛ وهؤلاء الجاحدون الذين قالوا هذا الكلام، لو تراهم -أيها النبي- يوم القيامة وقد تملَّكتهم الحسرة والندامة، وهم موقوفون أمام الله للجزاء والحساب، لرأَيْتَ أمرًا عظيمًا، ولرأيتهم يتلاومون ويتراجعون، فيقول المستضعفون -وهم الأتباع- للمستكبرين -وهم القادة-: أنتم السبب فيما نحنُ فيه من العذاب والشقاء؛ فلولا أنكم كنتم تصدُّوننا وتَحْجُزوننا وتمنعوننا عن الإيمان بالله واتِّباع الرسول ﷺ، لكنَّا من المؤمنين المصدِّقين الناجين.

ولا شك أنهم غير صادقين في قولهم؛ ودليلُ ذلك: أن الله فضَحَهم لما حَزِنَ الرسول عليهم لعدم استجابتهم؛ فقال تعالى: ﴿فَإِنَّهُمۡ لَا يُكَذِّبُونَكَ وَلَٰكِنَّ ٱلظَّٰلِمِينَ بِـَٔايَٰتِ ٱللَّهِ يَجۡحَدُونَ﴾ [الأنعام:٣٣].

[32] ﴿قَالَ ٱلَّذِينَ ٱسۡتَكۡبَرُواْ لِلَّذِينَ ٱسۡتُضۡعِفُوٓاْ أَنَحۡنُ صَدَدۡنَٰكُمۡ عَنِ ٱلۡهُدَىٰ بَعۡدَ إِذۡ جَآءَكُمۖ بَلۡ كُنتُم مُّجۡرِمِينَ 32﴾:

فيجيب القادة المتبوعون أولئك الأتباعَ قائلين لهم: هل نحن مَنَعْناكم بالقوَّة والقهر عن الإيمان بالله واتِّباع رسوله ﷺ بعد إذْ جاءكم؟! لقد كفرتم من ذات أنفسكم، بل إننا أشرنا عليكم بما نحن عليه ولم نُجْبِركم، ولكنكم أصرَرْتم على الكفر والفساد؛ كما قال الشيطان لأتباعه: ﴿وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيۡكُم مِّن سُلۡطَٰنٍ إِلَّآ أَن دَعَوۡتُكُمۡ فَٱسۡتَجَبۡتُمۡ لِيۖ ﴾ [إبراهيم:٢٢].

[33] ﴿وَقَالَ ٱلَّذِينَ ٱسۡتُضۡعِفُواْ لِلَّذِينَ ٱسۡتَكۡبَرُواْ بَلۡ مَكۡرُ ٱلَّيۡلِ وَٱلنَّهَارِ إِذۡ تَأۡمُرُونَنَآ أَن نَّكۡفُرَ بِٱللَّهِ وَنَجۡعَلَ لَهُۥٓ أَندَادٗاۚ وَأَسَرُّواْ ٱلنَّدَامَةَ لَمَّا رَأَوُاْ ٱلۡعَذَابَۚ وَجَعَلۡنَا ٱلۡأَغۡلَٰلَ فِيٓ أَعۡنَاقِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْۖ هَلۡ يُجۡزَوۡنَ إِلَّا مَا كَانُواْ يَعۡمَلُونَ 33﴾:

فردَّ المستضعفون من الأتباع قائلين: بل كنتم تخدعوننا، وتمكرون بنا ليلًا ونهارًا، وتزيِّنون لنا الكفر، وتأمروننا أن نُشْرِكَ بالله ونكذِّب برسوله ﷺ، ونجعل لله أمثالًا ونظراء نَصْرِفُ لهم العبادة من دون الله؛ فلما عرَفَ كلُّ فريق منهم أن هذه المراجعة لن تغني عنهم شيئًا من عذاب الله، أَسَرَّ كل فريق منهما الندامة الشديدة، والحسرة العظيمة في نفسه لمَّا رأَوْا ما ينتظرهم من العذاب والنَّكَال، ومن ذلك: أنهم يُغَلُّونَ بأغلال من حديدٍ تُطَوَّقُ بها أعناقهم، ثم أخبَرَ جل شأنه فقال: هل يُجْزَى هؤلاء المشركون ويعذَّبون إلا بسببِ شِرْكِهم، وصدِّهم عن سبيل الله، واتِّباعهم دعاة الطغيان وأئمة الضلال؟!

[34] ﴿وَمَآ أَرۡسَلۡنَا فِي قَرۡيَةٖ مِّن نَّذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتۡرَفُوهَآ إِنَّا بِمَآ أُرۡسِلۡتُم بِهِۦ كَٰفِرُونَ 34﴾:

ثم سلى جل وعلا نبيه ﷺ، فقال له: وما أرسلنا في قرية مِنْ رسولٍ يأمرهم بالتوحيد، ويحذِّرهم ويُنْذِرهم وينهاهم عن الشرك؛ إلا قال أصحاب الغنى والتَّرَف من أهل هذه القرية: إنا بما أُرسِلْتم به جاحدون.

[35] ﴿وَقَالُواْ نَحۡنُ أَكۡثَرُ أَمۡوَٰلٗا وَأَوۡلَٰدٗا وَمَا نَحۡنُ بِمُعَذَّبِينَ 35﴾:

ثم قال كفار ومشركو مكة المُتْرَفون من أصحاب الجاه والمال، للفقراء من المؤمنين المستضعفين، قالوا معتزِّين بقوَّتهم: نحن أكثر منكم مالًا وأولادًا، فلن نُعَذَّبَ في الآخرة إن كان هناك آخرة؛ وهذا تكذيبٌ منهم للبعث والجزاء. وقد حكى جل وعلا عنهم مثل هذا في سورة المؤمنون؛ حيث قال: ﴿أَيَحۡسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُم بِهِۦ مِن مَّالٖ وَبَنِينَ 55 نُسَارِعُ لَهُمۡ فِي ٱلۡخَيۡرَٰتِۚ بَل لَّا يَشۡعُرُونَ﴾ [المؤمنون:٥٥-56].

[36] ﴿قُلۡ إِنَّ رَبِّي يَبۡسُطُ ٱلرِّزۡقَ لِمَن يَشَآءُ وَيَقۡدِرُ وَلَٰكِنَّ أَكۡثَرَ ٱلنَّاسِ لَا يَعۡلَمُونَ 36﴾:

وهنا أمَرَ جل وعلا نبيه ﷺ أن يقول لهؤلاء الناس المعاندين المغترِّين: اعلموا -أيها الكفار- أن الله ربي جل شأنه يبسُطُ الرزق لمن يشاء مِنْ عباده مؤمنهم وكافرهم، ويضيِّق على من يشاء من المؤمنين والكافرين؛ امتحانًا لهم؛ ليعلم الشاكر عندما يرزُقُهم، ويعلم الصابر المحتسِب عندما يضيِّق عليهم، كل ذلك يتم حسَبَ مشيئته المبنية على الحِكَمِ البالغة، ولكنَّ أكثر الناس لا يعلمون أن عطاء المالِ والعِزِّ والجاه إما أن يكون استدراجًا أو يكون ابتلاء؛ لأنهم لا يعلمون مراد الله وأسراره في خَلْقه.

[37] ﴿وَمَآ أَمۡوَٰلُكُمۡ وَلَآ أَوۡلَٰدُكُم بِٱلَّتِي تُقَرِّبُكُمۡ عِندَنَا زُلۡفَىٰٓ إِلَّا مَنۡ ءَامَنَ وَعَمِلَ صَٰلِحٗا فَأُوْلَٰٓئِكَ لَهُمۡ جَزَآءُ ٱلضِّعۡفِ بِمَا عَمِلُواْ وَهُمۡ فِي ٱلۡغُرُفَٰتِ ءَامِنُونَ 37﴾:

واعلموا -أيها الناس- أن أموالكم وأولادكم ليست هي التي تَرْفَعُ دَرَجاتِكم وتقرِّبكم عند الله عز وجل، ولكنَّ الذي ينجِّيكم ويقرِّبكم منه سبحانه هو الإيمان بالله، واتِّباع رسوله ﷺ، وما تقدِّمونه من العمل الصالح، وهؤلاء الذين آمنوا بالله، وعملوا الأعمال الصالحة، سيضاعف الله ثواب أعمالهم؛ كما أخبَرَ بأن الحسنة بعَشْر أمثالها، وهم في أعالي منازل الجنَّة وقصورها آمنون مطمئنون قد نجَوْا من العذاب، ومِنْ كل ما يكدِّر صفو حياتهم.

[38] ﴿وَٱلَّذِينَ يَسۡعَوۡنَ فِيٓ ءَايَٰتِنَا مُعَٰجِزِينَ أُوْلَٰٓئِكَ فِي ٱلۡعَذَابِ مُحۡضَرُونَ 38﴾:

وأما أولئك الفجَّار الذين يَسْعَوْنَ في إبطال آيات الله القرآنية، ويصُدُّونَ الناس عن سبيله؛ ظانِّين أنهم يُعْجِزُونَ الله بمكرهم وخُبْثهم؛ فاعلم أن الزبانية سوف تُحْضِرهم يوم القيامة، وتُدْخِلهم في جهنم، فلا يخرُجُون منها أبدًا.

[39] ﴿قُلۡ إِنَّ رَبِّي يَبۡسُطُ ٱلرِّزۡقَ لِمَن يَشَآءُ مِنۡ عِبَادِهِۦ وَيَقۡدِرُ لَهُۥۚ وَمَآ أَنفَقۡتُم مِّن شَيۡءٖ فَهُوَ يُخۡلِفُهُۥۖ وَهُوَ خَيۡرُ ٱلرَّٰزِقِينَ 39﴾:

وقل -أيها النبي- لهؤلاء المغترِّين بأموالهم وأولادهم: إن ربي جل في علاه يوسِّع الرِّزْقَ على مَنْ يشاء من عباده، ويضيِّقه على من يشاء؛ ابتلاءً وحكمة، ثم حثَّ جل وعلا أصحاب السَّعَة على الإنفاق في وجوه الخير، وأخبَرَ أنه يعوِّض المحسنين في الدنيا بالبدل، وفي الآخرة بالثواب؛ كما قال ﷺ: «ما نَقَصَتْ صَدَقَةٌ مِنْ مَالٍ»([1])؛ وهو سبحانه خير الرازقين، وخير المُعْطِين. [1] أخرجه مسلم (2588)، عن أبي هريرة رضي الله عنه.

[40] ﴿وَيَوۡمَ يَحۡشُرُهُمۡ جَمِيعٗا ثُمَّ يَقُولُ لِلۡمَلَٰٓئِكَةِ أَهَٰٓؤُلَآءِ إِيَّاكُمۡ كَانُواْ يَعۡبُدُونَ 40﴾:

واذكر -أيها النبي- يوم يجمعُ جل وعلا الكفار جميعًا، ويحشُرُ المعبودين من دونه من الملائكة، ثم يقول للملائكة على سبيل التوبيخ والتقريع للمشركين الذين عبَدُوهم: أهؤلاء الذين كانوا يعبُدُونكم من دوني؟!

[41] ﴿قَالُواْ سُبۡحَٰنَكَ أَنتَ وَلِيُّنَا مِن دُونِهِمۖ بَلۡ كَانُواْ يَعۡبُدُونَ ٱلۡجِنَّۖ أَكۡثَرُهُم بِهِم مُّؤۡمِنُونَ 41﴾:

فتتبرَّأ الملائكة من هؤلاء المشركين، وتُنزِّهُ الله جل في علاه قائلةً: سبحانك ربَّنا، نُنَزِّهُكَ ونقدِّسك عن الشريك والمثيل؛ فأنت يا ربنا وليُّنا، نوحِّدك ونعبدك، ولا نشرك بك شيئًا، وهؤلاء المشركون ليسوا لنا بأولياء، بل إنهم كانوا يعبدون الشياطين، ويُطِيعونهم في اتِّخاذ الشركاء والأنداد، وأكثرهم مصدِّقون للجِنِّ منقادون لهم.

[42] ﴿فَٱلۡيَوۡمَ لَا يَمۡلِكُ بَعۡضُكُمۡ لِبَعۡضٖ نَّفۡعٗا وَلَا ضَرّٗا وَنَقُولُ لِلَّذِينَ ظَلَمُواْ ذُوقُواْ عَذَابَ ٱلنَّارِ ٱلَّتِي كُنتُم بِهَا تُكَذِّبُونَ 42﴾:

ثم أخبَرَ جل وعلا أنه في يوم القيامة لا يملك أحدٌ لأحدٍ نفعًا من شفاعةٍ ونجاة، ولا ضرًّا من عذاب وهلاك، ونقول للذين ظلموا وأشركوا: ذوقوا عذاب النار التي كنتم تكذِّبون وتستهزئون بها في الدنيا، ولدخولها تستعجلون.

[43] ﴿وَإِذَا تُتۡلَىٰ عَلَيۡهِمۡ ءَايَٰتُنَا بَيِّنَٰتٖ قَالُواْ مَا هَٰذَآ إِلَّا رَجُلٞ يُرِيدُ أَن يَصُدَّكُمۡ عَمَّا كَانَ يَعۡبُدُ ءَابَآؤُكُمۡ وَقَالُواْ مَا هَٰذَآ إِلَّآ إِفۡكٞ مُّفۡتَرٗىۚ وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لِلۡحَقِّ لَمَّا جَآءَهُمۡ إِنۡ هَٰذَآ إِلَّا سِحۡرٞ مُّبِينٞ 43﴾:

ثم أخبَرَ سبحانه وتعالى أن هؤلاء الكفار إذا تتلى عليهم آياتُ القرآنِ الواضحاتُ المبيِّناتُ للحق، قالوا على سبيل الإنكار والاستهزاء: اعلموا أن هذا الذي يدَّعي أنه رسولٌ ما هو إلا رجلٌ مِثْلكم يريد أن يمنعكم عمَّا كان يعبُدُ آباؤكم وأجدادكم من الأوثان والأصنام، ثم قالوا عن القرآن: وما هذا القرآن الذي يتلوه علينا إلا كَذِبٌ ومختلق، جاء به مِنْ عند نفسه، وليس مِنْ عند الله، ثم قال هؤلاء الكفار عن كل ما جاء به الرسول ﷺ: وما هذا الذي جئتنا به -يا محمد- إلا سحرٌ واضحٌ بيِّن.

[44] ﴿وَمَآ ءَاتَيۡنَٰهُم مِّن كُتُبٖ يَدۡرُسُونَهَاۖ وَمَآ أَرۡسَلۡنَآ إِلَيۡهِمۡ قَبۡلَكَ مِن نَّذِيرٖ 44﴾:

وما أنزَلْنا على قومك -أيها النبي-كتابًا قبل القرآن، يكون عُمْدةً لهم في تكذيبك، ولا أرسلنا إليهم قبلك من نذير أو رسولٍ يتَّبعون أقواله في رد ما جئتهم به؛ فمن أين عرفوا أن هذا القرآن سحر مبين؟! فما هو إلا مَحْضُ الجهل والبغي والتكذيب! كما قال تعالى في آية أخرى: ﴿أَمۡ أَنزَلۡنَا عَلَيۡهِمۡ سُلۡطَٰنٗا فَهُوَ يَتَكَلَّمُ بِمَا كَانُواْ بِهِۦ يُشۡرِكُونَ﴾ [الروم:35]، وقال: ﴿أَمۡ أَنزَلۡنَا عَلَيۡهِمۡ سُلۡطَٰنٗا فَهُوَ يَتَكَلَّمُ بِمَا كَانُواْ بِهِۦ يُشۡرِكُونَ﴾ [الزخرف:21].

[45] ﴿وَكَذَّبَ ٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِهِمۡ وَمَا بَلَغُواْ مِعۡشَارَ مَآ ءَاتَيۡنَٰهُمۡ فَكَذَّبُواْ رُسُلِيۖ فَكَيۡفَ كَانَ نَكِيرِ 45﴾:

واعلم -أيها النبي- أن الأقوام السابقين الذين جاؤوا قبل قومك، كذَّبوا رسلهم، ولم يؤمنوا بما جاؤوا به، ولم يبلُغْ قومك من كفار مكة عُشْرَ ما أعطينا تلك الأمم من القوَّة والمال وطول العمر؛ فلما كذَّبوا رسلي، ولم يؤمنوا بهم، أهلكناهم ودمَّرناهم؛ فانظر -أيها النبي- كيف كان إهلاك الله وتدميره لهم؛ ألم يكن تدميرًا هائلًا وفظيعًا؟!

[46] ﴿قُلۡ إِنَّمَآ أَعِظُكُم بِوَٰحِدَةٍۖ أَن تَقُومُواْ لِلَّهِ مَثۡنَىٰ وَفُرَٰدَىٰ ثُمَّ تَتَفَكَّرُواْۚ مَا بِصَاحِبِكُم مِّن جِنَّةٍۚ إِنۡ هُوَ إِلَّا نَذِيرٞ لَّكُم بَيۡنَ يَدَيۡ عَذَابٖ شَدِيدٖ 46﴾:

وقل -أيها النبي- لهؤلاء المكذِّبين المعاندين من قومك: إنما أنصحكم وأوصيكم بكلمة واحدة؛ بأن تتحرَّوُا الحق من أجل الله، ويتناقَشَ كل اثنَيْنِ بعضهم مع البعض، أو يتناقَشَ كل واحد مع نفسه بتجرُّد؛ بعيدًا عن العصبية وعن الجماهيرية والغوغائية؛ لتتفكَّروا فيما يدعو إليه صاحب هذه الرسالة -وهو محمد ﷺ، وفيما نُسِبَ إليه- الذي تعرفون نَسَبَهُ وصِدْقه وأمانته، وكنتم تسمُّونه الصادق الأمين؛ هل به جنون، أو جرَّبتم عليه كذبًا، أو شعوذة؟! وسوف تَصِلُونَ إذا تجرَّدتم عن الأغراض الشخصية، وقصَدتُّم الوصول إلى الحقيقة؛ بأنه رسول من الله، وليس به شيء من الجنون؛ بل ستَرَوْنَ أنه أصدق الناس، وأرجحهم عقلًا، وأنقاهم قلبًا، وأنه مرسَلٌ لكم مِن ربكم؛ ليحذِّركم ويخوِّفكم من عذاب يوم القيامة الشديد؛ الذي سيَحِلُّ بكل من كفَرَ وجحَدَ بآيات الله ولم يؤمن بها، وهذا العذاب الذي يحذِّركم منه يوشك أن يقع عليكم.

[47] ﴿قُلۡ مَا سَأَلۡتُكُم مِّنۡ أَجۡرٖ فَهُوَ لَكُمۡۖ إِنۡ أَجۡرِيَ إِلَّا عَلَى ٱللَّهِۖ وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ شَهِيدٞ 47﴾:

وقل لهم -أيها النبي-: إني ما أسألكم ولا أطلب منكم مالًا على تبليغ الرسالة وعلى اتِّباعكم الحق، وإن كان ثَمَّةَ أجرٌ ومقابلٌ على اتِّباعكم الحق، فهو لكم، وإنما أجري وثوابي فهو على الله، والله جل في علاه شهيدٌ مطَّلِعٌ عليَّ وعلى أعمالي، لا يخفى عليه شيء من ذلك، ومطَّلِعٌ عليكم وعلى أعمالكم، وسيجازي كلًّا بما عمل.

[48] ﴿قُلۡ إِنَّ رَبِّي يَقۡذِفُ بِٱلۡحَقِّ عَلَّٰمُ ٱلۡغُيُوبِ 48﴾:

وقل لهم -أيها النبي-: إن الله يقذف بالحق والتوحيد على الباطل والشرك، بالحُجَج القاطعة، والبراهين الساطعة؛ فيَدْمَغُ الشركَ ويَفْضَحُهُ ويُهْلِكه، والله جلَّ في علاه علَّام الغيوب؛ يعلم ما غاب عن أبصار الناس وإدراكهم، لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء.

[49] ﴿قُلۡ جَآءَ ٱلۡحَقُّ وَمَا يُبۡدِئُ ٱلۡبَٰطِلُ وَمَا يُعِيدُ 49﴾:

وقل -أيها النبي- لهؤلاء المشركين: لقد جاء الحق والتوحيد والنور، وذهب الباطل والشرك والظلام، ولم يَبْقَ من الباطل شيء، ولم يَعُدْ له إقبال ولا إدبار.

[50] ﴿قُلۡ إِن ضَلَلۡتُ فَإِنَّمَآ أَضِلُّ عَلَىٰ نَفۡسِيۖ وَإِنِ ٱهۡتَدَيۡتُ فَبِمَا يُوحِيٓ إِلَيَّ رَبِّيٓۚ إِنَّهُۥ سَمِيعٞ قَرِيبٞ 50﴾:

وقل لهم -أيها النبي-: إن ضلَلْتُ وابتعدتُّ عن طريق الحق والصواب، فإثمُ ذلك عائدٌ عليَّ - وحاشاه من ذلك ﷺ، وإن اهتديتُ، فليس ذلك بحولي وقوَّتي، وإنما بفضل ما يُوحَى إليَّ من ربي من الحكمة والموعظة والبيان بالقرآن؛ إن ربي سميعٌ لجميع الأصوات، قريبٌ من عباده، مجيبٌ لمن دعاه وآمن به.

[51] ﴿وَلَوۡ تَرَىٰٓ إِذۡ فَزِعُواْ فَلَا فَوۡتَ وَأُخِذُواْ مِن مَّكَانٖ قَرِيبٖ 51﴾:

ولو ترى -أيها النبي- حال الكفار حين يخرُجُونَ من قبورهم فزعين، ثم يَرَوْنَ العذاب، لرأيتَ أمرًا عظيمًا، حيث اعتراهم الفزَعُ والهلَعُ مما يرون، وليس لهم مهرب ولا نجاة من عذاب الله، وقد أُخِذوا إلى مصيرهم ونهايتهم، وهي النار، والعياذ بالله.

[52] ﴿وَقَالُوٓاْ ءَامَنَّا بِهِۦ وَأَنَّىٰ لَهُمُ ٱلتَّنَاوُشُ مِن مَّكَانِۭ بَعِيدٖ 52﴾:

وعندما رأى المشركون العذاب، قالوا على سبيل الندم: آمَنَّا بالله، وصدَّقنا رسوله ﷺ، ولكنْ أنَّى لهم تناوُلُ الإيمان في الآخرة؟! فمحلُّ الإيمان والتصديق هو الدنيا، لا حينَ معاينة العذاب؛ فندموا حين لا ينفع الندم، وأرادوا التوبة حين لا تنفع التوبة.

[53] ﴿وَقَدۡ كَفَرُواْ بِهِۦ مِن قَبۡلُۖ وَيَقۡذِفُونَ بِٱلۡغَيۡبِ مِن مَّكَانِۭ بَعِيدٖ 53﴾:

وهؤلاء الكفار الذين أعلنوا ندمهم، وقالوا: إنهم آمنوا بالله، وصدَّقوا الرسول ﷺ، فقد كذَّبوا بالإيمان وجحدوا آيات الله ورسله وهم في الدنيا؛ فكيف لهم الإيمان والتصديق في هذا اليوم؟! في حين أنهم كانوا يرمون محمدًا ﷺ بالظن الكاذب بسبب جهلهم وعنادهم؛ حيث كانوا يقولون: بأنه ساحر، وشاعر، وبه جنون، وأنه ليس هناك شيء اسمه بَعْث، أو جنةٌ أو نار، يقولون ذلك من دون مستنَدٍ ولا حجة؛ فإيمانُهم اليومَ لا فائدة منه؛ فهم مثل الذي يطلب شيئًا بعيدًا جدًّا عنه ولا يراه!

[54] ﴿وَحِيلَ بَيۡنَهُمۡ وَبَيۡنَ مَا يَشۡتَهُونَ كَمَا فُعِلَ بِأَشۡيَاعِهِم مِّن قَبۡلُۚ إِنَّهُمۡ كَانُواْ فِي شَكّٖ مُّرِيبِۭ 54﴾:

وهؤلاء الكفار الذين أرادوا الإيمان بالله، وتصديق رسوله ﷺ يوم القيامة، قد حُجِزَ وفُصِلَ بينهم وبين ما يتمنَّوْنَ من قبول توبتهم، أو العفوِ عنهم ورجوعهم إلى الدنيا ليؤمنوا؛ كما فُعِلَ بأمثالهم من الأمم السابقة الكافرة؛ لأنهم كانوا مِثْلَهم في الدنيا في شك وريب من هذا الدين.

سورة فاطر

سورة فاطر مكيَّة، وآياتها خمس وأربعون آية.

[1] ﴿ٱلۡحَمۡدُ لِلَّهِ فَاطِرِ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ جَاعِلِ ٱلۡمَلَٰٓئِكَةِ رُسُلًا أُوْلِيٓ أَجۡنِحَةٖ مَّثۡنَىٰ وَثُلَٰثَ وَرُبَٰعَۚ يَزِيدُ فِي ٱلۡخَلۡقِ مَا يَشَآءُۚ إِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ قَدِيرٞ 1﴾:

ابتدأَتِ السورة بالثناء على الله الذي له الحمدُ كله، وهو جل وعلا حَمِدَ ذاته؛ تعليمًا لعباده أنه هو المستحِقُّ للمحامد كلها؛ فالحمدُ المطلَقُ والثناءُ التامُّ لله خالقِ السموات والأرض ومبدعِهِما على غير مثال سابق، وجاعلِ الملائكة رسلًا يُرْسِلهم إلى أنبيائه وإلى مَنْ يشاء من عباده، وخالِقِهم على صفات مختلفة عجيبة؛ فمنهم: من خلقه بجناحَيْن، ومنهم: من خلقه بثلاثة أجنحة، ومنهم: من خلقه بأربعة أجنحة، يزيد جل وعلا في خلقه ما يشاء؛ إنه سبحانه على كل شيء قدير، لا يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء.

[2] ﴿مَّا يَفۡتَحِ ٱللَّهُ لِلنَّاسِ مِن رَّحۡمَةٖ فَلَا مُمۡسِكَ لَهَاۖ وَمَا يُمۡسِكۡ فَلَا مُرۡسِلَ لَهُۥ مِنۢ بَعۡدِهِۦۚ وَهُوَ ٱلۡعَزِيزُ ٱلۡحَكِيمُ 2﴾:

واعلموا أن ما يمنحه جل وعلا لعباده مِنْ نِعَمِهِ التي لا تُعَدُّ ولا تحصى، لا يَقْدِرُ أحد على إمساكها ومَنْعها، وكذلك ما يمنعه ويحبسه سبحانه عن عباده من النعم لا يستطيع أحد جَلْبها وإرسالها لهم، وهو جل في علاه العزيزُ الذي لا يغلبه غالب، الحكيمُ الذي يضع الأمور في مكانها بحَسَبِ الحكمة والمصلحة التي يعلمها سبحانه.

[3] ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱذۡكُرُواْ نِعۡمَتَ ٱللَّهِ عَلَيۡكُمۡۚ هَلۡ مِنۡ خَٰلِقٍ غَيۡرُ ٱللَّهِ يَرۡزُقُكُم مِّنَ ٱلسَّمَآءِ وَٱلۡأَرۡضِۚ لَآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَۖ فَأَنَّىٰ تُؤۡفَكُونَ 3﴾:

يا أيها الناس، تذكَّروا نعم الله العظيمة عليكم، بقلوبكم وألسنتكم وجوارحكم، واستديموا على ذِكْرها وحِفْظها بالشكر والثناء والطاعة، وأداء ما عليها من الحقوق؛ كالزكاة وغير ذلك، واعلموا أنه لا خالق غير الله تعالى يرزُقُكم من السماء بالمطر وغيره، ومن الأرض بالزروع والثمار وغيرها؛ فلا إله مستحق للعبادة والطاعة إلا الله جل في علاه؛ لأنه هو الخالق لكل شيء، وما دام الأمر كذلك، فكيف تَصْرِفون العبادة لغيره، وتشركون به سبحانه؟!

[4] ﴿وَإِن يُكَذِّبُوكَ فَقَدۡ كُذِّبَتۡ رُسُلٞ مِّن قَبۡلِكَۚ وَإِلَى ٱللَّهِ تُرۡجَعُ ٱلۡأُمُورُ 4﴾:

قال جل وعلا مسلِّيًا نبيه محمدًا ﷺ: وإن كذَّبك المشركون من قومك -أيها النبي- فيما دعوتهم إليه من الحق والنور المبين، فلا تحزن لتكذيبهم، واصبِرْ حتى يأتي نصر الله، واقتدِ بإخوانك الأنبياء مِنْ قبلك الذين كذَّبَتْهم أقوامهم، فصبروا حتى أتاهم نصر الله، واعلم أن جميع الخلق مَرْجِعُهم إلى الله وحده، وسيجازي سبحانه كلًّا بما يستحق.

[5] ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِنَّ وَعۡدَ ٱللَّهِ حَقّٞۖ فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ ٱلۡحَيَوٰةُ ٱلدُّنۡيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُم بِٱللَّهِ ٱلۡغَرُورُ 5﴾:

يا أيها الناس، اعلموا أن وعد الله بالبعث والجزاء حقٌّ ثابت؛ فلا تَخْدَعَنَّكم الحياة الدنيا بما فيها من المُتَع واللذائذ العاجلة؛ فتصرفكم الشهوات عن العبادة التي خُلِقْتم لها وكُلِّفتم بها، ولا يخدعنَّكم -أيها الناس- عن طاعة الله وعبادته الغَرُورُ، أي: الشيطان، فيَصْرِفكم عن طاعته، وعن كلِّ ما هو خيرٌ وبِرٌّ لكم.

[6] ﴿إِنَّ ٱلشَّيۡطَٰنَ لَكُمۡ عَدُوّٞ فَٱتَّخِذُوهُ عَدُوًّاۚ إِنَّمَا يَدۡعُواْ حِزۡبَهُۥ لِيَكُونُواْ مِنۡ أَصۡحَٰبِ ٱلسَّعِيرِ 6﴾:

واعلموا أن الشيطان لكم عدوٌّ حقيقي، بالغُ العداوةِ ظاهرُها؛ فكونوا على حذرٍ دائمٍ منه، ولتكنْ عداوتكم له على بالكم، واعصُوهُ، ولا تطيعوا أمره، واعلموا أن غايته ومقصوده من إغوائكم: أن تكونوا معه من أصحاب النار المستعرة الموقَدة.

[7] ﴿ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَهُمۡ عَذَابٞ شَدِيدٞۖ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ لَهُم مَّغۡفِرَةٞ وَأَجۡرٞ كَبِيرٌ 7﴾:

واعلموا -أيها الناس- أن الذين كفروا بالله، ولم يتَّبعوا رسوله ﷺ؛ أعدَّ الله لهم عذابًا شديدًا في الآخرة، وأمَّا الذين آمنوا بالله، واتَّبعوا رسوله ﷺ، وعملوا الأعمال الصالحة، فأولئك سيَغْفِرُ الله لهم ذنوبهم، ويكفِّر عنهم سيئاتهم، ولهم من الله أجرٌ كبير، وهو الخلود في جنات النعيم.

[8] ﴿أَفَمَن زُيِّنَ لَهُۥ سُوٓءُ عَمَلِهِۦ فَرَءَاهُ حَسَنٗاۖ فَإِنَّ ٱللَّهَ يُضِلُّ مَن يَشَآءُ وَيَهۡدِي مَن يَشَآءُۖ فَلَا تَذۡهَبۡ نَفۡسُكَ عَلَيۡهِمۡ حَسَرَٰتٍۚ إِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمُۢ بِمَا يَصۡنَعُونَ 8﴾:

أخبَرَ جل وعلا بالفرق الكبير بين أهل الإيمان والطاعة، وأهل الكفر والمعاصي؛ فقال سبحانه: أفمَنْ زيَّن الشيطان له عمله السيِّئ، فرآه حسنًا، أيستوي بمن يرى الحق حقًّا، والباطل باطلًا؟! فلا شك أنهما لا يستويان، والله سبحانه يُضِلُّ من يشاء بعدله وحكمته؛ ممَّن يُصِرُّ على الكفر والضلال، ويهدي ويوفِّق من يشاء بفضله ورحمته؛ ممَّن اختار الهدى، فإذا كان الأمر كذلك -أيها النبي- فامضِ في دعوتك وتبليغ رسالة ربك، ولا تقتُلْ نفسك همًّا وغمًّا وحسرةً على مَنْ آثَرَ الضلال على الهدى، والشركَ على التوحيد، واعلموا أن الله عليمٌ بما يصنع هؤلاء الجاهلون، لا يخفى عليه سبحانه من أمرهم شيء، وسيجازيهم على أعمالهم.

[9] ﴿وَٱللَّهُ ٱلَّذِيٓ أَرۡسَلَ ٱلرِّيَٰحَ فَتُثِيرُ سَحَابٗا فَسُقۡنَٰهُ إِلَىٰ بَلَدٖ مَّيِّتٖ فَأَحۡيَيۡنَا بِهِ ٱلۡأَرۡضَ بَعۡدَ مَوۡتِهَاۚ كَذَٰلِكَ ٱلنُّشُورُ 9﴾:

واعلموا -أيها الناس- أن الله وحده هو الذي يُرسِلُ الرياح ويُجْريها، فتحرِّكُ السحاب وتجمع بعضه إلى بعض، فيسيِّرُهُ الله إلى بلدٍ ميت لا نبات فيه ولا زرع، فيأمُرُ الله المطر أن ينزل على ذلك البلد؛ فيحيا بالمطر، فتنبُتُ الأرض وتخضَرَّ بعد يُبْسها وقَحْطها، كذلك يحيي الله العباد بعد موتهم، ويبعثهم للجزاء والحساب؛ كما أحيا هذه الأرض بعد موتها.

[10] ﴿مَن كَانَ يُرِيدُ ٱلۡعِزَّةَ فَلِلَّهِ ٱلۡعِزَّةُ جَمِيعًاۚ إِلَيۡهِ يَصۡعَدُ ٱلۡكَلِمُ ٱلطَّيِّبُ وَٱلۡعَمَلُ ٱلصَّٰلِحُ يَرۡفَعُهُۥۚ وَٱلَّذِينَ يَمۡكُرُونَ ٱلسَّيِّـَٔاتِ لَهُمۡ عَذَابٞ شَدِيدٞۖ وَمَكۡرُ أُوْلَٰٓئِكَ هُوَ يَبُورُ 10﴾:

أخبَرَ جل وعلا أن مَنْ كان يريد العزة في الدارَيْنِ، فعليه بطاعة الله والاعتماد عليه وحده؛ فإن العزة لله جميعًا؛ فمن اعتزَّ بالله، أعزه الله، ومن اعتزَّ بمخلوق، أذلَّه الله وأخزاه، ثم بيَّن سبحانه أن كل كلام طيِّب مِنْ ذكرٍ ودعاءٍ وتلاوة قرآن ونحو ذلك، يُرْفَعُ إليه، فيقبله ويجازي أصحابه عليه جزاءً حسنًا، وأن كل عمل صالح يرفعه الله إليه ويقبله منهم ويكافئهم عليه، وقد قيل: إن الكلم الطيب المذكور في هذه الآية هو: الشهادتان، يرفعهما العملُ الصالح ويصدِّقهما، يعني: أن الشهادتين لا تكفيان بدون عمل صالح إذا كان مُمْكِنًا، وقيل: إن العمل الصالح يَرْفَعُ الكلم الطيب، فيكون رفع الكلم الطيب؛ بحسب أعمال العبد الصالحة؛ فإذا لم يكن له عمل صالح، لم يُرْفَعْ له قولٌ إلى الله تعالى، ثم أخبَرَ جل وعلا أن أولئك الذين يمكرون السيئات من المشركين والمنافقين ومَنْ على شاكلتهم، لهم عذابٌ شديدٌ من الله، وأن مكرهم الذي مكروه سوف يكون مصيره إلى الفساد والخُسْران.

[11] ﴿وَٱللَّهُ خَلَقَكُم مِّن تُرَابٖ ثُمَّ مِن نُّطۡفَةٖ ثُمَّ جَعَلَكُمۡ أَزۡوَٰجٗاۚ وَمَا تَحۡمِلُ مِنۡ أُنثَىٰ وَلَا تَضَعُ إِلَّا بِعِلۡمِهِۦۚ وَمَا يُعَمَّرُ مِن مُّعَمَّرٖ وَلَا يُنقَصُ مِنۡ عُمُرِهِۦٓ إِلَّا فِي كِتَٰبٍۚ إِنَّ ذَٰلِكَ عَلَى ٱللَّهِ يَسِيرٞ 11﴾:

واعلموا -أيها الناس- أن الله جل وعلا هو الذي ابتدأ خلق أبيكم آدم عليه السلام من تراب، ثم جعَلَ ذريته يتناسلون من ماء مهين، وهو الماء الذي يَنْزِلُ من ذكَرِ الرجل، ويُصَبَّ في رحم الأنثى بعد الجماع، ثم خلَقَ سبحانه من هذا الماء الناسَ جميعًا رجالًا ونساءً، واعلموا أن كل أنثى لا تحمل ولا تضع حملها إلا بإذن الله وحده، وما يطولُ عُمْرُ أحدٍ من الخلق فيصبح هَرِمًا، ولا يُنقَصُ من عُمْرِهِ فيموت وهو صغيرٌ أو شابٌّ إلا وهو مسجَّلٌ في اللوح المحفوظ، لا يُزادُ فيما كتَبَ الله ولا يُنقَصُ، واعلموا أن خلقكم وعلم أحوالكم وكتابتها كلُّ ذلك سهلٌ يسيرٌ عليه جل في علاه. والعمر المذكور في هذه الآية يشمل: الأجلَ الطبيعيَّ، والأجلَ الاخترامي الذي يحصُلُ بسبب الأوبئة والحروب، أو الذي يزاد بسبب البر وصلة الرحم؛ كما في حديث أنس بن مالك رضي الله عنه، قال: سمعتُ رسولَ الله ﷺ يقول: «مَنْ سَرَّهُ أَنْ يُبْسَطَ لَهُ فِي رِزْقِهِ، وَيُنْسَأَ لَهُ فِي أَثَرِهِ، فَلْيَصِلْ رَحِمَهُ»([2])، وكلا الأجلَيْنِ مسجَّلٌ في اللوح المحفوظ. [2] أخرجه أبو داود (1693).

[12] ﴿وَمَا يَسۡتَوِي ٱلۡبَحۡرَانِ هَٰذَا عَذۡبٞ فُرَاتٞ سَآئِغٞ شَرَابُهُۥ وَهَٰذَا مِلۡحٌ أُجَاجٞۖ وَمِن كُلّٖ تَأۡكُلُونَ لَحۡمٗا طَرِيّٗا وَتَسۡتَخۡرِجُونَ حِلۡيَةٗ تَلۡبَسُونَهَاۖ وَتَرَى ٱلۡفُلۡكَ فِيهِ مَوَاخِرَ لِتَبۡتَغُواْ مِن فَضۡلِهِۦ وَلَعَلَّكُمۡ تَشۡكُرُونَ 12﴾:

أخبَرَ جل وعلا أن ماء النهر وماء البحر لا يستويان؛ فماءُ النهر: عَذْبٌ مستساغ لذيذ شديد الحلاوة، وأما ماء البحر: فماءٌ مالح شديد الملوحة لا يستسيغ أحدٌ شُرْبه، ومع ذلك فأنتم تستخرجون من كل منهما سَمَكًا طريًّا شَهِيَّ الطعم، وتستخرجون منهما زِينةً تنتفعون بها، وتلبسها نساؤكم مثل اللؤلؤ والمَرْجان وغيرها، وتَرَوْنَ بأعينكم السفن وهي تشُقُّ الماء وتسير فيه بسرعة من مكان إلى مكان؛ حيث سخَّرها سبحانه لمنفعتكم، ولتطلبوا أرزاقكم، ولعلكم تشكرونه جل في علاه على هذه النعم التي أنعم بها عليكم.

وأطلَقَ سبحانه على النهر هنا: (بَحْرًا)؛ تغليبًا، كما يقال للشمس والقمر: القَمَران. وقالوا: مِن رحمة الله وحكمته: أنه جعل البحر مالحًا؛ لأنه لو كان عَذْبًا، لآسَنَ وأنتَنَ، وجعل النهر عذبًا؛ لأن الماء جارٍ ومتجدِّد فيه؛ هكذا اقتضت حكمة الله التي أراد منها مصالح البشر.

ويستفاد من هذه الآية: كما أن ماء البحر وماء النهر لا يستويان؛ فكذلك المؤمن والكافر، والبر والفاجر: لا يستويان.

[13] ﴿يُولِجُ ٱلَّيۡلَ فِي ٱلنَّهَارِ وَيُولِجُ ٱلنَّهَارَ فِي ٱلَّيۡلِ وَسَخَّرَ ٱلشَّمۡسَ وَٱلۡقَمَرَۖ كُلّٞ يَجۡرِي لِأَجَلٖ مُّسَمّٗىۚ ذَٰلِكُمُ ٱللَّهُ رَبُّكُمۡ لَهُ ٱلۡمُلۡكُۚ وَٱلَّذِينَ تَدۡعُونَ مِن دُونِهِۦ مَا يَمۡلِكُونَ مِن قِطۡمِيرٍ 13﴾:

ثم أخبَرَ جل وعلا أن من مظاهر فضله على عباده: أنه خلق الليل والنهار بنظام بديع، وأنه يُدخِلُ الليل في النهار، ويُدخِلُ النهار في الليل، وأنه جعلهما متعاقبَيْن، ومن مظاهر فضله: أنه ذلَّل الشمس والقمر، فجعل كلًّا منهما يسير وَفْقَ نظام دقيق ليقضي العباد مصالحهم، ويستمرُّ ذلك السير إلى الأجل والوقت الذي حدَّده الله، واعلموا أن الذي فعل هذا هو الله ربُّكم العظيم الذي له الملك والسلطان، وأما أولئك الذين تعبُدُونهم من دون الله، فما يملكون من قِطْمِير، وهو الغطاء الرقيق الذي يغطِّي نواة التمر، ولا يستفاد منه، أي: أن عبادتهم لا تُفِيدُهم شيئًا، بل تضُرُّهم.

[14] ﴿إِن تَدۡعُوهُمۡ لَا يَسۡمَعُواْ دُعَآءَكُمۡ وَلَوۡ سَمِعُواْ مَا ٱسۡتَجَابُواْ لَكُمۡۖ وَيَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ يَكۡفُرُونَ بِشِرۡكِكُمۡۚ وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثۡلُ خَبِيرٖ 14﴾:

واعلموا -أيها الناس- أن هذه الآلهة المزعومة التي تدعونها من دون الله، لن تَسْمَعكم، ولو سَمِعَتْكم -على سبيل الفرض- فلن تستجيب لكم، ولن تُعْطيكم سُؤْلَكم بأن تنجيكم من عذاب الله؛ بل إنها يوم القيامة تتبرَّأ منكم ومن شِرْككم، واعلموا أنه لن يخبركم أحدٌ أصدَقُ ولا أعلَمُ من الله الخبير الذي لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء.

[15] ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ أَنتُمُ ٱلۡفُقَرَآءُ إِلَى ٱللَّهِۖ وَٱللَّهُ هُوَ ٱلۡغَنِيُّ ٱلۡحَمِيدُ 15﴾:

واعلموا -أيها الناس- أنكم أنتم المحتاجون إلى الله في كل شؤون حياتكم الدنيوية والأخروية، والله وحده هو الغنيُّ عن جميع مخلوقاته، المحمودُ على نعمه التي لا تحصى في جميع الأوقات والأحوال؛ فله جل في علاه الحمدُ والشكرُ على كلِّ حال.

[16] ﴿إِن يَشَأۡ يُذۡهِبۡكُمۡ وَيَأۡتِ بِخَلۡقٖ جَدِيدٖ 16﴾:

واعلموا -أيها الناس- أنه لو أراد الله أن يُذْهِبكم ويُخْلِفكم بآخرين يعبدونه لا يشركون به شيئًا، لَفَعَلَ.

[17] ﴿وَمَا ذَٰلِكَ عَلَى ٱللَّهِ بِعَزِيزٖ 17﴾:

ثم بيَّن سبحانه أن عملية تغيير الخلق ليس بممتنع عنه سبحانه، بل ذلك سهلٌ يسيرٌ عليه؛ فهو على كل شيء قدير؛ وهذا دليل ومَظْهَرٌ من مظاهر غناه جل وعلا عن الناس.

[18] ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٞ وِزۡرَ أُخۡرَىٰۚ وَإِن تَدۡعُ مُثۡقَلَةٌ إِلَىٰ حِمۡلِهَا لَا يُحۡمَلۡ مِنۡهُ شَيۡءٞ وَلَوۡ كَانَ ذَا قُرۡبَىٰٓۗ إِنَّمَا تُنذِرُ ٱلَّذِينَ يَخۡشَوۡنَ رَبَّهُم بِٱلۡغَيۡبِ وَأَقَامُواْ ٱلصَّلَوٰةَۚ وَمَن تَزَكَّىٰ فَإِنَّمَا يَتَزَكَّىٰ لِنَفۡسِهِۦۚ وَإِلَى ٱللَّهِ ٱلۡمَصِيرُ 18﴾:

ثم أخبَرَ جل وعلا أن كل نفس تتحمَّل نتائج أعمالها وحدها، وأنها لا تَحْمِلُ إثم وخطايا نفسٍ أخرى، وإن تسألْ نَفْسٌ محمَّلةٌ بالذنوب مَنْ يحمل عنها شيئًا من الآثام والخطايا، لم تجد من يستجيب لها، ولو كانت قريبةً في النسب من النفس المثقلة بالذنوب، واعلم -أيها النبي- أن وعظك وإنذارك إنما ينفع أولئك الذين يخافون الله ويخشَوْنَهُ في السر والعلانية، والذين يقيمون الصلاة، ويحافظون عليها في أوقاتها بشروطها وأركانها، وواجباتها وسننها، ولم تَشْغَلْهم الدنيا عن إقامتها، ومن تطهَّر لله بالتوحيد وترك الذنوب والمعاصي، فإن نفع ذلك عائدٌ عليه، وثوابُ ذلك صائرٌ إليه، وإلى الله وحده مرجع جميع الناس ومآلهم؛ فيجازي كل نفس بما كسَبَتْ، ويحاسبها على ما قدَّمت.

[19] ﴿وَمَا يَسۡتَوِي ٱلۡأَعۡمَىٰ وَٱلۡبَصِيرُ 19﴾:

ثم ساق جل وعلا بعض الأمثلة لبيان الفرق الكبير بين المؤمن والكافر؛ فقال سبحانه: واعلموا -أيها الناس- أنه لا يستوي الأعمى الذي لا يرى الأشياء، مع البصير الذي يراها؛ فكذلك لا يستوي المؤمن والكافر.

[20] ﴿وَلَا ٱلظُّلُمَٰتُ وَلَا ٱلنُّورُ 20﴾:

وكذلك أخبَرَ سبحانه أنه لا يمكن المساواة بين الظلمات والنور؛ وهكذا لا يمكن المساواة بين الإيمان والكفر.

[21] ﴿وَلَا ٱلظِّلُّ وَلَا ٱلۡحَرُورُ 21﴾:

وكذلك أخبَرَ سبحانه أنه لا يستوي المكان الظليل البارد الذي لا أَذَى فيه بالمكان الشديد الحرارة المُؤْذِي؛ وهكذا لا يستوي أصحاب الجنة وأصحاب النار.

[22] ﴿وَمَا يَسۡتَوِي ٱلۡأَحۡيَآءُ وَلَا ٱلۡأَمۡوَٰتُۚ إِنَّ ٱللَّهَ يُسۡمِعُ مَن يَشَآءُۖ وَمَآ أَنتَ بِمُسۡمِعٖ مَّن فِي ٱلۡقُبُورِ 22﴾:

وكما أنه لا مساواة بين هذه الأشياء التي ذكَرَها جل في علاه؛ فإنه لا مساواة بين الأحياء وهم المؤمنون، والأموات وهم الكفار -أموات القلوب- ثم بيَّن سبحانه أنه قادرٌ أن يُسمِعَ سماعَ قبولٍ واستجابةٍ مَنْ يشاء من عباده، ويشرح صدره لذلك، أما أنت -أيها النبي- فإنك لا تستطيع أن تُسمِعَ مَنْ مات قلبه سماع فهم واستجابة؛ فهو أشبه بالميِّت في قبره.

[23] ﴿إِنۡ أَنتَ إِلَّا نَذِيرٌ 23﴾:

ثم قال عز وجل لنبيه ﷺ: وما أنت -أيها النبي- إلا نذير، تُنْذِرُ الناس وتبلِّغهم دين الله، ولم نكلِّفك هدايتهم؛ فإن ذلك بيد الله وحده جل في علاه.

[24] ﴿إِنَّآ أَرۡسَلۡنَٰكَ بِٱلۡحَقِّ بَشِيرٗا وَنَذِيرٗاۚ وَإِن مِّنۡ أُمَّةٍ إِلَّا خَلَا فِيهَا نَذِيرٞ 24﴾:

وقال سبحانه وتعالى لنبيه ﷺ أيضًا: إن الله بعثك -أيها النبي- بالتوحيد والدين الحق، تبشِّر من آمن بالله واتَّبعك، وتحذِّر وتنذر من كفَرَ بالله وكذَّبك، وما من أمة من الأمم السابقة إلا أرسَلَ الله فيها نذيرًا يأمرهم بعبادة الله وحده، وتَرْكِ عبادة ما سواه.

[25] ﴿وَإِن يُكَذِّبُوكَ فَقَدۡ كَذَّبَ ٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِهِمۡ جَآءَتۡهُمۡ رُسُلُهُم بِٱلۡبَيِّنَٰتِ وَبِٱلزُّبُرِ وَبِٱلۡكِتَٰبِ ٱلۡمُنِيرِ 25﴾:

ثم سلَّى جل وعلا نبيه محمدًا ﷺ فقال له: وإن يكذِّبك هؤلاء المشركون -أيها النبي- فقد كذَّب الذين من قبلهم أنبياءهم ورسلَهم، بعد أن جاؤوهم بالآيات الواضحات، والدلالات الظاهرات على صحة ما جاؤوا به، فبعد أن جاءتهم رُسُلُهم بالكتب المنزَّلة من عند الله جل في علاه؛ كذَّبوهم.

[26] ﴿ثُمَّ أَخَذۡتُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْۖ فَكَيۡفَ كَانَ نَكِيرِ 26﴾:

أخبَرَ جل وعلا أنه أهلك الذين كذَّبوا رسلهم بما جاؤوهم به؛ فانظر -أيها النبي- كيف كانت عقوبة الله لهم؟! وكيف كان تدمير الله إيَّاهم؟! لقد كانت عقوبةً عظيمةً استأصلتهم عن آخرهم.

[27] ﴿أَلَمۡ تَرَ أَنَّ ٱللَّهَ أَنزَلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءٗ فَأَخۡرَجۡنَا بِهِۦ ثَمَرَٰتٖ مُّخۡتَلِفًا أَلۡوَٰنُهَاۚ وَمِنَ ٱلۡجِبَالِ جُدَدُۢ بِيضٞ وَحُمۡرٞ مُّخۡتَلِفٌ أَلۡوَٰنُهَا وَغَرَابِيبُ سُودٞ 27﴾:

ثم أخبَرَ جل وعلا عن كمال قدرته، فقال سبحانه: لقد عَلِمْتَ -أيها الإنسان- أن الله أنزل من السماء ماءً، فسقى به أشجارًا، فأخرَجَ من تلك الأشجار ثمراتٍ مختلفًا ألوانها، مع أنها في روضة واحدة، وتسقى بماء واحد، وجعَلَ سبحانه الجبال أوتادًا للأرض، وجعلها ذات ألوان مختلفة، وجعَلَ فيها معادن مختلفة مما يدل على عظيم قدرة الله سبحانه وتعالى وبديع صنعه؛ فسبحان مَنْ لا يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء، الخلَّاقِ المُبْدِعِ الذي أحسَنَ كل شيء خلقه، وهذه الآية والتي بعدها تدُلُّ على قدرة الله عز وجل في خلق المتضادَّات المتنوعات من شيء واحد.

[28] ﴿وَمِنَ ٱلنَّاسِ وَٱلدَّوَآبِّ وَٱلۡأَنۡعَٰمِ مُخۡتَلِفٌ أَلۡوَٰنُهُۥ كَذَٰلِكَۗ إِنَّمَا يَخۡشَى ٱللَّهَ مِنۡ عِبَادِهِ ٱلۡعُلَمَٰٓؤُاْۗ إِنَّ ٱللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ 28﴾:

ثم بيَّن جل وعلا أن اختلاف الألوان ليس مقصورًا على الثمار والجبال، بل أيضًا هو موجودٌ في البشر؛ فهو سبحانه خلَقَ آدم عليه السلام وزوجه حواء، ثم خلَقَ منهما ومن ذريتهما الأحمر والأبيض، والأصفر والأسود، وخلَقَ الدوابَّ والأنعام، وجعلها أصنافًا وأنواعًا مختلفة في ألوانها، ومع ذلك ترى أكثر الناس سادِرِينَ غافلين عما خُلِقوا له، وإنما يخشى اللهَ منهم العلماءُ الذين عَرَفوا أنهم لم يُخْلقوا سُدًى، وأنهم مسؤولون عن تَصرُّفاتهم، وليس المقصودُ علماءَ الشريعة فقطْ، بل كل العلماء المعتبرين والمفكِّرين من علماء الكون والطب وغير ذلك الذين لهم معرفة وعلم، واعلموا أن الله عزيزٌ قويٌّ لا يعجزه شيء، غفورٌ لمن تاب من عباده.

[29] ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ يَتۡلُونَ كِتَٰبَ ٱللَّهِ وَأَقَامُواْ ٱلصَّلَوٰةَ وَأَنفَقُواْ مِمَّا رَزَقۡنَٰهُمۡ سِرّٗا وَعَلَانِيَةٗ يَرۡجُونَ تِجَٰرَةٗ لَّن تَبُورَ 29﴾:

ثم مدَحَ جل وعلا أهل القرآن والصلاة والصدقة، فقال: إن الذين يقرؤون القرآن، ويعملون بما فيه، ويمتثلون أمره، ويجتنبون نَهْيَه، وصدَّقوا إيمانهم: بأن أقاموا الصلاة، وداوموا عليها؛ بشروطها وأركانها، وواجباتها ومستحبَّاتها، وتصدَّقوا من أموالهم التي أعطاهم الله إياها في السر وفي العلانية؛ فمن كانت هذه صفاتهم، فأولئك يرجون وينتظرون تجارةً رابحةً لا خَسَارةَ فيها ولا هلاك.

[30] ﴿لِيُوَفِّيَهُمۡ أُجُورَهُمۡ وَيَزِيدَهُم مِّن فَضۡلِهِۦٓۚ إِنَّهُۥ غَفُورٞ شَكُورٞ 30﴾:

وهؤلاء فعلوا ما فعلوا من هذه الأعمال ليوفِّيهم اللهُ الكريمُ أُجُورَ أعمالهم كاملةً موفورةً غير منقوصة، بل يزيدهم الله في الثواب زيادةً عن أجورهم، تكرُّمًا منه وتفضُّلًا، إنه سبحانه كثيرُ المغفرة لمن استغفَرَ وتاب، وهو سبحانه شَكُورٌ لطاعة عباده مع غناه عنها سبحانه وتعالى.

[31] ﴿وَٱلَّذِيٓ أَوۡحَيۡنَآ إِلَيۡكَ مِنَ ٱلۡكِتَٰبِ هُوَ ٱلۡحَقُّ مُصَدِّقٗا لِّمَا بَيۡنَ يَدَيۡهِۗ إِنَّ ٱللَّهَ بِعِبَادِهِۦ لَخَبِيرُۢ بَصِيرٞ 31﴾:

أخبَرَ جل وعلا نبيه ﷺ أن هذا القرآن الذي أنزله الله إليك هو الحقُّ الذي لا شك في أنه من عند الله، وهو مصدِّقٌ وموافقٌ لما تقدَّمه من الكتب السابقة المنزَّلة من عند الله، ثم بيَّن سبحانه أنه بعباده خبيرٌ، وأنه بصيرٌ بهم وبنياتهم وأقوالهم وأعمالهم، وسيجازيهم على جميع أعمالهم.

[32] ﴿ثُمَّ أَوۡرَثۡنَا ٱلۡكِتَٰبَ ٱلَّذِينَ ٱصۡطَفَيۡنَا مِنۡ عِبَادِنَاۖ فَمِنۡهُمۡ ظَالِمٞ لِّنَفۡسِهِۦ وَمِنۡهُم مُّقۡتَصِدٞ وَمِنۡهُمۡ سَابِقُۢ بِٱلۡخَيۡرَٰتِ بِإِذۡنِ ٱللَّهِۚ ذَٰلِكَ هُوَ ٱلۡفَضۡلُ ٱلۡكَبِيرُ 32﴾:

ثم أخبَرَ جل في علاه أن هذا القرآن الذي أنزله على نبيه محمد ﷺ، ميراثٌ منه ﷺ لأمته التي اصطفاها مِنْ بين سائر الأمم، ثم بيَّن سبحانه أن تمسُّك الناس بهذا القرآن على ثلاثة أقسام:

الأول: الظالمُ لنَفْسه: وهو المقتصر على القيام ببعض التكاليف، وقد خلَطَ عملًا صالحًا وآخر سيئًا، وزادت سيئاته على حسناته. والثاني: المقتصِدُ: وهو الذي يعمل بالكتاب والسنة، ولا يسلم من الأخطاء، وقد تساوت حسناته مع سيئاته.

والثالث: السابقُ بالخيرات: وهو المتقدِّم على غيره، المُحْرِز للفضل، المطبِّقُ للتعاليم الربانية، وقد زادت حسناته على سيئاته.

واعلموا -أيها الناس- أن ذلك الإعطاء للقرآن واصطفاء هذه الأمة على سائر الأمم هو الفضل الكبير.

وبدأ سبحانه في هذه الآية بالظالم لنفسه، قالوا: لكثرة الجهَّال والفسَّاق، وقال جعفر الصادق: (بدأ بالظالم؛ إخبارًا أنه لا يُتَقَرَّبُ إليه إلا بكرمه، وأن الظلم لا يؤثِّر في الاصطفاء)([3])، وقال أبو اللَّيْث: (بدأ بالظالم؛ لكيلا يُعْجَبَ السابق بنفسه، ولكيلا ييئس الظالم من رحمة الله)([4]). [3] ذكره البغوي في تفسيره (6/224) وابن عادل في تفسيره اللباب (16/139). [4] ذكره الشنقيطي في العذب النمير (2/37) ولم ينسُبْه.

وليس المقصودُ بالظالم هنا: المُشْرِك؛ لأن المشركَ ظلمُهُ عظيمٌ مخرجٌ من الملَّة، أما هذا فأمره إلى الله؛ إن شاء، غفر له، وإن شاء، طهَّره بالنار، ثم أخرجه إلى الجنة.

[33] ﴿جَنَّٰتُ عَدۡنٖ يَدۡخُلُونَهَا يُحَلَّوۡنَ فِيهَا مِنۡ أَسَاوِرَ مِن ذَهَبٖ وَلُؤۡلُؤٗاۖ وَلِبَاسُهُمۡ فِيهَا حَرِيرٞ 33﴾:

ثم أخبَرَ جل وعلا أن أصحاب هذه الأقسام -وهم: الظالمُ لنفسه، والمقتصِد، والسابق بالخَيْرات- لهم جناتُ إقامةٍ دائمةٍ يُدخِلُهم الله فيها، لا يخرُجُونَ منها أبدًا، يلبسون فيها الحُلِيَّ والأساورَ على أيديهم من الذهب واللؤلؤ، ويلبسون على أجسادهم الحريرَ مِنْ سُنْدُسٍ وإستبرقٍ أخضَرَ، كل ذلك بفضل الله ورحمته، وربما كان دخول العصاة للجنة بعد التطهير؛ إن لم يكن قد شَمِلَهم الله برحمته عند الحساب.

[34] ﴿وَقَالُواْ ٱلۡحَمۡدُ لِلَّهِ ٱلَّذِيٓ أَذۡهَبَ عَنَّا ٱلۡحَزَنَۖ إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٞ شَكُورٌ 34﴾:

ثم قال هؤلاء الفائزون بعد دخولهم الجنات: الحمد الله الذي أذهَبَ عنا كل ما يُحْزِننا من أمور الدنيا والآخرة؛ إن ربنا بفضله وكرمه لواسع المغفرة؛ حيث غفَرَ لنا زلاتنا، كثيرُ الشكر؛ حيث قَبِلَ منا حسناتنا وضاعفها لنا.

[35] ﴿ٱلَّذِيٓ أَحَلَّنَا دَارَ ٱلۡمُقَامَةِ مِن فَضۡلِهِۦ لَا يَمَسُّنَا فِيهَا نَصَبٞ وَلَا يَمَسُّنَا فِيهَا لُغُوبٞ 35﴾:

وقولوا أيضًا: والحمد لله الذي أنزلنا دار الجنة مِنْ فضله وكرمه؛ لا يصيبنا فيها تعَبٌ ولا مشقة، ولا فتور.

والفرق بين النصب واللغوب: أنَّ النصَبَ: هو المشقَّة والكُلْفة، أما اللغوب: فهو الفتورُ فقط.

[36] ﴿وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَهُمۡ نَارُ جَهَنَّمَ لَا يُقۡضَىٰ عَلَيۡهِمۡ فَيَمُوتُواْ وَلَا يُخَفَّفُ عَنۡهُم مِّنۡ عَذَابِهَاۚ كَذَٰلِكَ نَجۡزِي كُلَّ كَفُورٖ 36﴾:

وأما أولئك الذين كفروا، فقد أعدَّ الله لهم نار جهنَّم، يعذَّبون فيها عذابًا شديدًا لا ينتهي، وهم في هذا العذاب، لا يقضي الله عليهم بالموت؛ فيستريحوا من العذاب، ولا يخفِّف اللهُ عنهم شِدَّةِ عذابِ وحَرِّ جهنم، وهذا الجزاء جعله الله جزاءً لكل مبالغٍ في الكفر، لا يؤمن بالله، ولا يتَّبع رسله.

[37] ﴿وَهُمۡ يَصۡطَرِخُونَ فِيهَا رَبَّنَآ أَخۡرِجۡنَا نَعۡمَلۡ صَٰلِحًا غَيۡرَ ٱلَّذِي كُنَّا نَعۡمَلُۚ أَوَلَمۡ نُعَمِّرۡكُم مَّا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَن تَذَكَّرَ وَجَآءَكُمُ ٱلنَّذِيرُۖ فَذُوقُواْ فَمَا لِلظَّٰلِمِينَ مِن نَّصِيرٍ 37﴾:

وهؤلاء الكفار وهم في النار يصرخون صراخًا شديدًا، ويستغيثون ويصيحون قائلين: ربَّنا، أخرجنا من النار، وارْجِعْنا للدنيا؛ نؤمِنْ بك، ونوحِّدْكَ، ونعملِ الأعمال الصالحة؛ فيجيبهم الله جل في علاه موبِّخًا ومبكِّتًا إياهم: أولم نعمِّركم في الحياة الدنيا عُمْرًا يستطيع من أراد التذكُّر أن يعمل، وأنْ يستزيد من الصالحات؟! وقد جاءتكم رسلنا يُنْذِرونكم ويحذِّرونكم هذا المصير؛ فكذَّبتموهم ولم تطيعوهم؟! فامكثوا في نار جهنَّم تقاسون حرَّها، وتذوقون عذابها، واعلموا أنه ليس للظالمين المتجاوزين حدودهم بالشرك والمعاصي من نصيرٍ ينصُرُهم، ويدفع عنهم ما هم فيه.

[38] ﴿إِنَّ ٱللَّهَ عَٰلِمُ غَيۡبِ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۚ إِنَّهُۥ عَلِيمُۢ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ 38﴾:

ثم أخبَرَ جل وعلا أنه عالمٌ بكلِّ أمرٍ خفيٍّ في السموات والأرض، وأنه سبحانه عليمٌ بما في صدور العباد ونيَّاتهم.

[39] ﴿هُوَ ٱلَّذِي جَعَلَكُمۡ خَلَٰٓئِفَ فِي ٱلۡأَرۡضِۚ فَمَن كَفَرَ فَعَلَيۡهِ كُفۡرُهُۥۖ وَلَا يَزِيدُ ٱلۡكَٰفِرِينَ كُفۡرُهُمۡ عِندَ رَبِّهِمۡ إِلَّا مَقۡتٗاۖ وَلَا يَزِيدُ ٱلۡكَٰفِرِينَ كُفۡرُهُمۡ إِلَّا خَسَارٗا 39﴾:

واعلموا -أيها الناس- أن الله هو الذي جعلكم مستخلفين تخلُفُونَ مَنْ سبقكم من الأمم، أي: يخلُفُ بعضكم بعضًا؛ وذلك لعبادة الله، وعمارة الأرض، واستخراج معادنها وثمارها؛ لتشكروه جل وعلا على نعمه، وتعملوا فيها بطاعته؛ فمَنْ جحَدَ وكفَرَ بالله وكفر بنعمه، فإن وبال كفره سوف يرجع عليه، ولا يضُرُّ الله شيئًا، ولا يزيد الكافرين كُفْرُهم عند ربهم إلا بغضًا وغضبًا شديدًا، ولا يزيدهم إصرارُهم على كفرهم إلا ضلالًا وهلاكًا في الدنيا والآخرة.

[40] ﴿قُلۡ أَرَءَيۡتُمۡ شُرَكَآءَكُمُ ٱلَّذِينَ تَدۡعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ أَرُونِي مَاذَا خَلَقُواْ مِنَ ٱلۡأَرۡضِ أَمۡ لَهُمۡ شِرۡكٞ فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ أَمۡ ءَاتَيۡنَٰهُمۡ كِتَٰبٗا فَهُمۡ عَلَىٰ بَيِّنَتٖ مِّنۡهُۚ بَلۡ إِن يَعِدُ ٱلظَّٰلِمُونَ بَعۡضُهُم بَعۡضًا إِلَّا غُرُورًا 40﴾:

وقل -أيها النبي- لهؤلاء المشركين: أخبروني عن هؤلاء الذين تعبدونهم من دون الله، وأروني أي شيء خَلَقُوهُ في الأرض وأوجدوه بعد العدم؟! أم أن هذه الآلهة المزعومة قد شاركت في خلق السموات؟! أم أعطينا هؤلاء المشركين كتابًا فيه ما يوافق أهواءهم، ويَدْعَمُ شِرْكهم؛ فهم يقرؤون منه، ويحتجُّون بما فيه؟! بل ما يَعِدُ الكافرون بعضهم بعضًا إلا غرورًا وخداعًا.

[41] ﴿إِنَّ ٱللَّهَ يُمۡسِكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضَ أَن تَزُولَاۚ وَلَئِن زَالَتَآ إِنۡ أَمۡسَكَهُمَا مِنۡ أَحَدٖ مِّنۢ بَعۡدِهِۦٓۚ إِنَّهُۥ كَانَ حَلِيمًا غَفُورٗا 41﴾:

ثم أخبَرَ جل وعلا أن من مظاهر قدرته وحكمته: أنه يُمْسِكُ السموات والأرض أن تزولا عن مكانهما، ولئن زالتا -على سبيل الفرض- فلن يستطيع أحدٌ كائنًا من كان أن يُمْسِكهما غيره جل في علاه؛ إنه سبحانه كان حليمًا بعباده، غفورًا لمن تاب وأناب ورجع إليه.

[42] ﴿وَأَقۡسَمُواْ بِٱللَّهِ جَهۡدَ أَيۡمَٰنِهِمۡ لَئِن جَآءَهُمۡ نَذِيرٞ لَّيَكُونُنَّ أَهۡدَىٰ مِنۡ إِحۡدَى ٱلۡأُمَمِۖ فَلَمَّا جَآءَهُمۡ نَذِيرٞ مَّا زَادَهُمۡ إِلَّا نُفُورًا 42﴾:

وأقسم كفَّار قريش بأيمان مغلَّظة قائلين: لئن جاءنا رسول من عند الله يبيِّنُ لنا الإيمان بالله، ويدعونا إلى التوحيد، ويخوِّفنا من عقاب الله وغضبه على الكافرين؛ لنكونَنَّ أكثر هدايةً واتِّباعًا للحق من اليهود والنصارى وغيرهم، فلما جاءهم محمد ﷺ -وهو أفضل الرسل- رفضوه وكذَّبوه ولم يؤمنوا به، بل ازدادوا بُعْدًا ونفورًا عن الحق.

[43] ﴿ٱسۡتِكۡبَارٗا فِي ٱلۡأَرۡضِ وَمَكۡرَ ٱلسَّيِّيِٕۚ وَلَا يَحِيقُ ٱلۡمَكۡرُ ٱلسَّيِّئُ إِلَّا بِأَهۡلِهِۦۚ فَهَلۡ يَنظُرُونَ إِلَّا سُنَّتَ ٱلۡأَوَّلِينَۚ فَلَن تَجِدَ لِسُنَّتِ ٱللَّهِ تَبۡدِيلٗاۖ وَلَن تَجِدَ لِسُنَّتِ ٱللَّهِ تَحۡوِيلًا 43﴾:

ثم بيَّن جل وعلا أن إقسامهم لم يكن لقَصْدٍ حَسَن، وإنما كان استكبارًا على الخلق، ومن أجل المَكْرِ السيِّئ، والخداع والباطل؛ فعليهم أن يعلموا أن المَكْر السيِّئ لا يَحِيقُ إلا بأهله الماكرين؛ فهل ينتظِرُ المستكبرون الماكرون إلا العذاب الذي نَزَلَ بأمثالهم الذين سبقوهم؟! ولن تجد لسنة الله وطريقته في خَلْقه تبديلًا ولا تحويلًا عما سارت عليه.

[44] ﴿أَوَلَمۡ يَسِيرُواْ فِي ٱلۡأَرۡضِ فَيَنظُرُواْ كَيۡفَ كَانَ عَٰقِبَةُ ٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِهِمۡ وَكَانُوٓاْ أَشَدَّ مِنۡهُمۡ قُوَّةٗۚ وَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيُعۡجِزَهُۥ مِن شَيۡءٖ فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَلَا فِي ٱلۡأَرۡضِۚ إِنَّهُۥ كَانَ عَلِيمٗا قَدِيرٗا 44﴾:

ثم بيَّن جل وعلا ما يدُلُّ على أن سنته لا تتغيَّر ولا تتبدَّل ولا تتحوَّل؛ فقال: أولم يَسِرْ قومك -أيها النبي- في الأرض بعقولهم وأبدانهم، وينظروا ويتفكَّروا في حال الأمم السابقة وما حلَّ بهم؟! وكيف كانت نهايتهم لما كذَّبوا الرسل؟! وقد كانوا أشد من أهل مكة قوةً، وأموالًا وأولادًا، وكانوا أقدَرَ منهم على إعمار الأرض؟! وما كان اللهُ لِيَسْبِقَهُ أو يَفُوتَهُ شيء من الأشياء في السموات ولا في الأرض؛ إنه سبحانه عليمٌ بالعباد وأحوالهم ونياتهم، وأقوالهم وأعمالهم، وهو سبحانه قديرٌ على إهلاك مَنْ كفَرَ به وجحَدَ رسله، وهو سبحانه على كل شيء قدير.

[45] ﴿وَلَوۡ يُؤَاخِذُ ٱللَّهُ ٱلنَّاسَ بِمَا كَسَبُواْ مَا تَرَكَ عَلَىٰ ظَهۡرِهَا مِن دَآبَّةٖ وَلَٰكِن يُؤَخِّرُهُمۡ إِلَىٰٓ أَجَلٖ مُّسَمّٗىۖ فَإِذَا جَآءَ أَجَلُهُمۡ فَإِنَّ ٱللَّهَ كَانَ بِعِبَادِهِۦ بَصِيرَۢا 45﴾:

ثم ختَمَ جل وعلا السورة ببيان أن رحمته ولُطْفه بعباده، اقتضت عدَمَ استئصالهم؛ فأخبَرَ سبحانه أنه لو عاقب الناس بما اقترفوا من الذنوب والمعاصي، ما ترك على ظهر الأرض من دابَّة تَدِبُّ عليها، ولكنْ يمهلهم ويؤخِّر عقابهم إلى وقت معلوم عنده لِحِكَمٍ عظيمة، فإذا جاء أجلهم، فإن الله كان بعباده بصيرًا؛ فيعفو عمن يستحقُّ العفو، ويعاقب من يستحق العقوبة.

سورة يس

سورة يس مكيَّة، وآياتها ثلاث وثمانون آية. وقد نُقِلَ عن الغزاليِّ أنه قال: سُمِّيَتْ (يس): بقَلْبِ القرآن؛ لأن صحة الإيمان تكون بالاعتراف بالحشر والنشر، وهذا مثبَتٌ في هذه السورة بأكمَلِ وجه؛ فقد جمَعَتْ هذه السورة الوحدانيَّة والرسالةَ والحَشْرِ.

[1] ﴿يسٓ 1﴾: [1] ﴿يسٓ 1﴾:

سبق الكلام على الحروف المقطَّعة في أول سورة البقرة. قال بعض المفسِّرين: ﴿يسٓ﴾ اسم للسورة، وقال ابن عبَّاس: إن معناها يا إنسان ببعض اللهجات العربية، وقال ابن الحنفية: هو اسم لمحمَّد ﷺ؛ بدليل قوله بعدها: ﴿إِنَّكَ لَمِنَ ٱلۡمُرۡسَلِينَ﴾. سبق الكلام على الحروف المقطَّعة في أول سورة البقرة. قال بعض المفسِّرين: [1] ﴿يسٓ﴾ اسم للسورة، وقال ابن عبَّاس: إن معناها يا إنسان ببعض اللهجات العربية، وقال ابن الحنفية: هو اسم لمحمَّد ﷺ؛ بدليل قوله بعدها:

[2] ﴿وَٱلۡقُرۡءَانِ ٱلۡحَكِيمِ 2﴾:

بدأت السورة بإقسام الله بهذا القرآن العظيم المحكَمِ بما فيه من التوجيهات والتشريعات والآداب الحميدة.

[3] ﴿إِنَّكَ لَمِنَ ٱلۡمُرۡسَلِينَ 3﴾:

ثم أخبر سبحانه أن النبي ﷺ بحق هذا القرآن من عباد الله المرسلين.

[4] ﴿عَلَىٰ صِرَٰطٖ مُّسۡتَقِيمٖ 4﴾:

وأخبر سبحانه أيضًا أنه من الثابتين على طريق واضح قويم، وهو الإسلام، وهذه شهادة من الله جل وعلا أن محمدًا ﷺ على شِرْعةٍ قيِّمة.

[5] ﴿تَنزِيلَ ٱلۡعَزِيزِ ٱلرَّحِيمِ 5﴾: [5] ﴿تَنزِيلَ ٱلۡعَزِيزِ ٱلرَّحِيمِ 5﴾:

وأخبر سبحانه نبيه ﷺ بأن هذا القرآن تنزيل من الله العزيزِ الذي لا يغالبه أحد، الرحيمِ بعباده التائبين.

[6] ﴿لِتُنذِرَ قَوۡمٗا مَّآ أُنذِرَ ءَابَآؤُهُمۡ فَهُمۡ غَٰفِلُونَ 6﴾:

ثم بين سبحانه لنبيه ﷺ أنه أنزل هذا القرآن عليه لكي يحذِّر قومه -من قريش خصوصًا، والعرب عمومًا- الذين لم يسبق لهم ولا لآبائهم أن جاءهم نذيرٌ من الله يحذِّرهم من سوء عاقبة الشرك بالله؛ ولذا فهم في غفلة بسبب انقطاع الرسل عنهم.

[7] ﴿لَقَدۡ حَقَّ ٱلۡقَوۡلُ عَلَىٰٓ أَكۡثَرِهِمۡ فَهُمۡ لَا يُؤۡمِنُونَ 7﴾:

ثم بيَّن سبحانه أن العذاب وجَبَ على أكثر هؤلاء المشركين من قومه ﷺ، بعد إصرارهم على الكفر والشرك بالله؛ فهم لا يؤمنون بما جاء به من الآيات الواضحات التي تدُلُّ على صدق رسالته ونبوَّته؛ وهذا القول الذي حَقَّ عليهم ليس ابتداءً، وإنما كان جزاءً على إصرارهم على الكفر وتعذيب المؤمنين.

[8] ﴿إِنَّا جَعَلۡنَا فِيٓ أَعۡنَٰقِهِمۡ أَغۡلَٰلٗا فَهِيَ إِلَى ٱلۡأَذۡقَانِ فَهُم مُّقۡمَحُونَ 8﴾:

ثم وصَفَ جل وعلا حال هؤلاء الكفار الذين أصرُّوا على كُفْرهم، فأخبَرَ أن حالهم كحال من شُدَّتْ أيديهم بسلاسل عظيمة، ورُبِطَتْ تحت أعناقهم؛ فاضطُرُّوا إلى رفع رؤوسهم إلى السماء؛ فهم مغلولون عن كل خير؛ فلا يُبْصِرون الحق، ولا يهتدون إليه. وهذا الوصف يكون معنويًّا في الدنيا، حقيقيًّا في الآخرة، وربما يكون حقيقيًّا في الدارَيْن.

[9] ﴿وَجَعَلۡنَا مِنۢ بَيۡنِ أَيۡدِيهِمۡ سَدّٗا وَمِنۡ خَلۡفِهِمۡ سَدّٗا فَأَغۡشَيۡنَٰهُمۡ فَهُمۡ لَا يُبۡصِرُونَ 9﴾:

ثم أضاف جل وعلا صورة أخرى؛ فأخبَرَ أن حال هؤلاء الكفار كحال من جُعِلَ من أمامهم سَدٌّ، ومِن ورائهم سَدٌّ؛ فهم بمنزلة من سُدَّ طريقه من بين يدَيْهِ ومن خلفه، فأعمى سبحانه أبصارهم بسبب كفرهم واستكبارهم؛ فهم لا يبصرون رشدًا، ولا يهتدون طريقًا، وليس ذلك ابتداءً، وإنما كان بسبب إصرارهم على الكفر ومحاربة المؤمنين. وهذه الآية والتي قبلها وآية في سورة الإسراء رقم (45)، تسمَّى: آياتِ الإخفاء، بمعنى: أن الخائف من عَدُوٍّ إذا قرأها راجيًا من الله أن يُخْفِيَهُ عن العدو، فإن العدوَّ يمُرُّ من عنده ولا يبصره، وحكى بعض أهل العلم: أن أحد العلماء لما سقَطَتِ الأندلس، هرَبَ فلحقه فارسٌ، فلما قَرُبَ منه، قرأ العالم آية الإسراء، فمَرَّ الفارس من جنبه، وقال: أين اختفى، هذا جِنِّيٌّ. وحكى لي الدكتور شير صاحب مستشفى أم القرى في مكة المكرمة: لما استولى جهيمان على الحَرَم، وجعَلَ على الأبواب حرَّاسًا من عنده، قال الدكتور: كانت أمي في الحَرَم؛ فكنت أحضِّرُ لها وجبات الأكل، وكنت إذا قَرُبْتُ من الباب، قرأت الآية التي في سورة يس، فلا يراني الحارس، ومعلومٌ أن هذه الكرامة لا تحصُلُ إلا للمؤمن المضطر.

[10] ﴿وَسَوَآءٌ عَلَيۡهِمۡ ءَأَنذَرۡتَهُمۡ أَمۡ لَمۡ تُنذِرۡهُمۡ لَا يُؤۡمِنُونَ 10﴾:

ثم أخبَرَ سبحانه أن هؤلاء الكفار يستوي عندهم تحذيرُ النبيِّ ﷺ وعدم تحذيره لهم؛ فهم لن يصدِّقوا بما جاء به أبدًا.

[11] ﴿إِنَّمَا تُنذِرُ مَنِ ٱتَّبَعَ ٱلذِّكۡرَ وَخَشِيَ ٱلرَّحۡمَٰنَ بِٱلۡغَيۡبِۖ فَبَشِّرۡهُ بِمَغۡفِرَةٖ وَأَجۡرٖ كَرِيمٍ 11﴾:

وبيَّن سبحانه أن تحذيره ﷺ إنما ينفع أولئك الذين آمنوا بالقرآن، واتَّبعوا ما فيه من الأحكام والإرشادات، وخافوا الله بالغيب؛ فبشِّرْ هؤلاء -أيها النبي- بمغفرةٍ عظيمةٍ لذنوبهم، وثوابٍ كريمٍ في الآخرة على أعمالهم الصالحة، وأعظَمُ ثواب يحصُلُونَ عليه هو دخول الجنة.

[12] ﴿إِنَّا نَحۡنُ نُحۡيِ ٱلۡمَوۡتَىٰ وَنَكۡتُبُ مَا قَدَّمُواْ وَءَاثَٰرَهُمۡۚ وَكُلَّ شَيۡءٍ أَحۡصَيۡنَٰهُ فِيٓ إِمَامٖ مُّبِينٖ 12﴾:

عظَّم جل وعلا نفسه بضمير الجمع بقوله: ﴿إِنَّا﴾، وقوله: ﴿نَحۡنُ﴾؛ للتأكيد على أنه هو وحده القادر على إحياءِ الموتى يوم القيامة، وإحصاءِ أعمالهم وآثارهم الصالحة والسيئة؛ ولا يستطيع ذلك إلا هو جل في علاه، ثم بيَّن سبحانه أن كل شيء أحصاه ووثَّقه في كتابٍ موضَّحٍ فيه الصغير والكبير من العمل، وهذا الكتاب هو صحائف كل شخص، وكلُّ ذلك في اللوح المحفوظ.

[13] ﴿وَٱضۡرِبۡ لَهُم مَّثَلًا أَصۡحَٰبَ ٱلۡقَرۡيَةِ إِذۡ جَآءَهَا ٱلۡمُرۡسَلُونَ 13﴾:

أمر سبحانه نبيه محمدًا ﷺ أن يضرب لهؤلاء المشركين المكذِّبين من قومه مثلًا يعتبرون به، وهو قصة أصحاب القَرْية التي جاءها المرسلون؛ ليدعوا أهل هذه القَرْية إلى التوحيد والإيمان، ويحذِّروهم من الشرك والكفران.

وهذه القرية على المشهور من أقوال أهل العلم هي: أنطاكية.

[14] ﴿إِذۡ أَرۡسَلۡنَآ إِلَيۡهِمُ ٱثۡنَيۡنِ فَكَذَّبُوهُمَا فَعَزَّزۡنَا بِثَالِثٖ فَقَالُوٓاْ إِنَّآ إِلَيۡكُم مُّرۡسَلُونَ 14﴾:

ثم بيَّن جل وعلا أنه أرسَلَ إلى أهل هذه القرية رسولَيْن؛ لدعوتهم إلى الإيمان والتوحيد، ولكنهم كذَّبوا الرسل، وازدادوا ضلالًا وجحودًا؛ فعزَّز الله الرسولَيْنِ برسولٍ ثالث، فقال الرسل الثلاثة لقومهم: يا قوم، إنا أُرْسِلْنا إليكم، ولم نُرْسَلْ لأحد غيركم؛ فأطيعونا فيما ندعوكم إليه من عبادة الله وحده لا شريك له، وتَرْكِ عبادة الأوثان.

[15] ﴿قَالُواْ مَآ أَنتُمۡ إِلَّا بَشَرٞ مِّثۡلُنَا وَمَآ أَنزَلَ ٱلرَّحۡمَٰنُ مِن شَيۡءٍ إِنۡ أَنتُمۡ إِلَّا تَكۡذِبُونَ 15﴾:

فقال أهل القرية للمرسلين على سبيل الاستنكار: ما أنتم إلا أناسٌ مِثْلنا، وليس لكم علينا فضلٌ؛ فنحن وأنتم سواءٌ في البشرية، وما أنزَلَ الرحمن شيئًا من الوحي؛ فأنتم تَكْذِبون علينا وتفترون على الله عز وجل.

[16] ﴿قَالُواْ رَبُّنَا يَعۡلَمُ إِنَّآ إِلَيۡكُمۡ لَمُرۡسَلُونَ 16﴾:

فأجابتهم الرسل قائلين: إنَّ الله ربَّنا هو الذي أرسَلَنا إليكم، وهو يعلم أنَّا مرسلون إليكم، ولو كنّا مفترين عليه سبحانه، لبادَرَنَا بالعقوبة.

[17] ﴿وَمَا عَلَيۡنَآ إِلَّا ٱلۡبَلَٰغُ ٱلۡمُبِينُ 17﴾:

ثم قال هؤلاء المرسلون: واعلموا أن الله لم يكلِّفنا بهدايتكم، وإنما كلَّفنا بإبلاغكم البلاغ الواضح البيِّن.

[18] ﴿قَالُوٓاْ إِنَّا تَطَيَّرۡنَا بِكُمۡۖ لَئِن لَّمۡ تَنتَهُواْ لَنَرۡجُمَنَّكُمۡ وَلَيَمَسَّنَّكُم مِّنَّا عَذَابٌ أَلِيمٞ 18﴾:

فازداد أصحاب القرية غيًّا إلى غيِّهم، وضلالًا إلى ضلالهم، وهدَّدوا الرسل الثلاثة، وقالوا لهم: لقد حصَلَ لنا بقدومكم الشر، ونزَلَتْ علينا الآفات بسببكم؛ فإنْ لم تنتهوا عما تدعوننا إليه، لنقتلنَّكم رميًا بالحجارة، ولنعذِّبنَّكم عذابًا أليمًا موجعًا.

[19] ﴿قَالُواْ طَٰٓئِرُكُم مَّعَكُمۡ أَئِن ذُكِّرۡتُمۚ بَلۡ أَنتُمۡ قَوۡمٞ مُّسۡرِفُونَ 19﴾:

فقالت لهم رسلهم: إنما حصَلَ لكم شؤمكم بسبب كفركم وتكذيبكم؛ أتسخرون منا وتهدِّدوننا بالقتل؛ بسبب أنا ذكَّرناكم وأنذرناكم؟! إنكم لقومٌ معانِدون مجاوِزون للحد في الكفر والتكذيب.

[20] ﴿وَجَآءَ مِنۡ أَقۡصَا ٱلۡمَدِينَةِ رَجُلٞ يَسۡعَىٰ قَالَ يَٰقَوۡمِ ٱتَّبِعُواْ ٱلۡمُرۡسَلِينَ 20﴾:

ولما انتشر خبر تهديد أهل القَرْية للرسل، فإذا برجل يأتي من مكان بعيد عن القرية يُسْرِعُ المشي، فقال على سبيل النصح والتوجيه لأهل القرية: يا قومِ، اتَّبعوا هؤلاء المرسلين الذين أرسَلَهم الله لدعوتكم وإنقاذكم من النار.

[21] ﴿ٱتَّبِعُواْ مَن لَّا يَسۡـَٔلُكُمۡ أَجۡرٗا وَهُم مُّهۡتَدُونَ 21﴾:

وقال لهم هذا الناصحُ أيضًا: ويا قوم، اتَّبعوا هؤلاء الذين لا يطلبون منكم أموالًا على إبلاغ الرسالة، واعلموا أنهم مهتدون فيما يدعونكم إليه من عبادة الله وحده لا شريك له.

[22] ﴿وَمَالِيَ لَآ أَعۡبُدُ ٱلَّذِي فَطَرَنِي وَإِلَيۡهِ تُرۡجَعُونَ 22﴾:

ثم قال لهم أيضًا: وأيُّ سبب يمنعني من عبادة ربي الذي خلقني؟! وفي كلامه تذكيرٌ لهم معناه: وأنتم كذلك ما الذي يمنعكم من عبادة ربكم الذي خلَقَكم، وإليه ترجعون فيجازيكم ويحاسبكم على أعمالكم؟!

[23] ﴿ءَأَتَّخِذُ مِن دُونِهِۦٓ ءَالِهَةً إِن يُرِدۡنِ ٱلرَّحۡمَٰنُ بِضُرّٖ لَّا تُغۡنِ عَنِّي شَفَٰعَتُهُمۡ شَيۡـٔٗا وَلَا يُنقِذُونِ 23﴾:

ثم قال أيضًا: وهل أترُكُ عبادة الله الذي خلقني، وأعبُدُ مِنْ دونه آلهةً أخرى لا تضر ولا تنفع؟! وإنْ أرادني الرحمن بضرٍّ، فإن هذه الآلهة المزعومة لا تدفع عني شيئًا من هذا الضر، ولا تنفعني بوجه من وجوه المنافع، ولا يُنْقِذونني من عذاب الله؛ إنْ أنا أشرَكْتُ به ودعوتهم من دون الله.

[24] ﴿إِنِّيٓ إِذٗا لَّفِي ضَلَٰلٖ مُّبِينٍ 24﴾:

ثم قال أيضًا: ولو أني فعلتُ ذلك، فإني إذن لفي غَوَايةٍ وبُعْدٍ عن الحق، وفي ضلالٍ بيِّنٍ واضح.

[25] ﴿إِنِّيٓ ءَامَنتُ بِرَبِّكُمۡ فَٱسۡمَعُونِ 25﴾:

ثم قال أيضًا: واعلموا -يا قوم- أنني آمنت بربكم؛ فاستمعوا إلى قولي، وأطيعوني فيما دعوتكم إليه من الإيمان. فلما أعلَنَ إيمانه، تجمَّعوا عليه، وضربوه ورفسوه بأقدامهم حتى هلك وقتل.

[26] ﴿قِيلَ ٱدۡخُلِ ٱلۡجَنَّةَۖ قَالَ يَٰلَيۡتَ قَوۡمِي يَعۡلَمُونَ 26﴾:

فلما قُتِلَ وفارق الحياة، جازاه الله إكرامًا له على إيمانه بأنْ أدخَلَهُ الجنة؛ فلما رأى الجنة وما فيها من النعيم المقيم، قال: يا ليت قومي يعلمون!

[27] ﴿بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنَ ٱلۡمُكۡرَمِينَ 27﴾:

ثم قال رحمه الله: يا ليتهم يعلمون أن الله غفَرَ لي ذنوبي، ورَحِمني بتوحيده والإيمان به، واتِّباع رُسُلِه، ثم جعلني من المكرَمين عنده، ويا ليتهم يعلمون بحالي، وبما أنا فيه من النعيم المقيم؛ فيؤمنوا كإيماني ويَنْجُوا كنجاتي.

قال ابن عباس: (نصَحَ قومه حيًّا وميتًا).

[28] ﴿وَمَآ أَنزَلۡنَا عَلَىٰ قَوۡمِهِۦ مِنۢ بَعۡدِهِۦ مِن جُندٖ مِّنَ ٱلسَّمَآءِ وَمَا كُنَّا مُنزِلِينَ 28﴾:

ثم أخبَرَ جل وعلا أنه انتقم مِنْ قوم هذا الرجل الصالح بعد أن قتلوه؛ لأنهم كذَّبوا الرسل، وقتلوا وليًّا من أوليائه الصالحين، وتحقيرًا لهم أخبَرَ سبحانه أنه لم يحتجْ لإهلاكهم أن يُنزِلَ عليهم ملائكةً تُهْلِكهم؛ فهم أقلُّ من ذلك، وما كان جل في علاه منزلًا للملائكة؛ إذْ لا حاجة تدعو لذلك.

[29] ﴿إِن كَانَتۡ إِلَّا صَيۡحَةٗ وَٰحِدَةٗ فَإِذَا هُمۡ خَٰمِدُونَ 29﴾:

ثم بيَّن سبحانه أنه عاقب هؤلاء المجرمين بصَيْحةٍ واحدةٍ؛ فإذا هم هَلْكى وصَرْعى لا صوت لهم ولا حَرَاك؛ فحلَّت بهم العقوبة في الدنيا بالاستئصال، وفي الآخرة بالعذاب في النار.

[30] ﴿يَٰحَسۡرَةً عَلَى ٱلۡعِبَادِۚ مَا يَأۡتِيهِم مِّن رَّسُولٍ إِلَّا كَانُواْ بِهِۦ يَسۡتَهۡزِءُونَ 30﴾:

وبعد أن بيَّن جل في علاه نهاية هؤلاء المجرمين المُؤْلِمة؛ قال سبحانه على سبيل الاتِّعاظ والاعتبار بهؤلاء الهالكين: يا حسرةً ويا ندامةً تغمُرُ المكذِّبين الجاحدين وتغشاهم في الدنيا عندما يَحِلُّ بهم العقاب، ويوم القيامة عندما يَرَوْنَ العذاب ويعاينوه بأم أعينهم؛ وسبب ذلك: أنهم كانوا يستهزئون ويَسْخَرون بكل رسول يأتيهم يرغِّبهم في طاعة الله، ويحذِّرهم من عقابه.

[31] ﴿أَلَمۡ يَرَوۡاْ كَمۡ أَهۡلَكۡنَا قَبۡلَهُم مِّنَ ٱلۡقُرُونِ أَنَّهُمۡ إِلَيۡهِمۡ لَا يَرۡجِعُونَ 31﴾:

ثم بكَّتهم جل وعلا وأنَّبهم، فقال: ألم يعتبِرْ ويتَّعِظْ هؤلاء الكفار بأننا أهلكنا كثيرًا من الأمم السابقة التي عصَتِ الرسل، وأصرَّت على الكفر؛ فحَلَّ بها عذاب الله وانتقامه، وقد علموا أن هؤلاء الذين أهلكهم الله لا يُمكِنُ لهم الرجوع إلى الدنيا ليُخْبِروهم بما حَلَّ بهم من عَذَاب ودَمَار؛ فقد قضت حكمة الله أنهم إليها لا يَرْجِعون.

[32] ﴿وَإِن كُلّٞ لَّمَّا جَمِيعٞ لَّدَيۡنَا مُحۡضَرُونَ 32﴾:

واعلموا أن جميع مَنْ أهلَكْنا من هذه الأمم، ومِنْ غيرهم، مجموعون وموقوفون بين يَدَيِ الله يوم القيامة للجزاء والحساب.

[33] ﴿وَءَايَةٞ لَّهُمُ ٱلۡأَرۡضُ ٱلۡمَيۡتَةُ أَحۡيَيۡنَٰهَا وَأَخۡرَجۡنَا مِنۡهَا حَبّٗا فَمِنۡهُ يَأۡكُلُونَ 33﴾:

ومن العلامات الواضحة لهؤلاء المكذِّبين التي تدُلُّ على قدرتنا على إحياء الموتى: هذه الأرضُ المَيِّتة التي إذا أنزَلْنا عليها الماء، فإنها تحيا به وتُخْرِجُ زرعها، وتُخْرِجُ حبًّا يأكل منه الناس؛ فالذي أحيا هذه الأرض بعد موتها قادرٌ على أن يبعثكم بعد موتكم.

[34] ﴿وَجَعَلۡنَا فِيهَا جَنَّٰتٖ مِّن نَّخِيلٖ وَأَعۡنَٰبٖ وَفَجَّرۡنَا فِيهَا مِنَ ٱلۡعُيُونِ 34﴾:

ثم جعَلَ سبحانه في تلك الأرض بعد نزول المطر عليها: جنَّاتٍ كثيرةً من النخيل وأشجار العنب، وفجَّر فيها عيون الماء التي يُنتفَعُ بها في الشرب والسقي.

[35] ﴿لِيَأۡكُلُواْ مِن ثَمَرِهِۦ وَمَا عَمِلَتۡهُ أَيۡدِيهِمۡۚ أَفَلَا يَشۡكُرُونَ 35﴾:

ثم بيَّن جل شأنه أنه خلَقَ هذه الجنات من النخيل والأعناب وعيون الماء؛ ليأكُلَ الناس من ثمارها التي لم تخلُقْها أيديهم، بل خلَقَها الله سبحانه وتعالى، وما دام الأمر كذلك، فالواجب عليهم شُكْرُ هذه النعم العظيمة، والآلاء الجسيمة.

[36] ﴿سُبۡحَٰنَ ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلۡأَزۡوَٰجَ كُلَّهَا مِمَّا تُنۢبِتُ ٱلۡأَرۡضُ وَمِنۡ أَنفُسِهِمۡ وَمِمَّا لَا يَعۡلَمُونَ 36﴾:

ثم أثنى جل وعلا على ذاته بما هو أهل له؛ فتنزَّه وتقدَّس سبحانه الذي خلق المخلوقات كلَّها، وخلق من كل شيء نوعَيْنِ متناسبَيْنِ يُكمِلُ أحدهما الآخر؛ فخلَقَ من كل ما تُنبِتُ الأرض من الأشجار والنباتات صِنْفَيْنِ يلقِّح بعضهم بعضًا، وخلق من البشر زوجَيْنِ الذكر والأنثى، وخلَقَ سبحانه أصنافًا وأزواجًا كثيرة لا يعلمها الناس، ولم يطَّلعوا عليها.

[37] ﴿وَءَايَةٞ لَّهُمُ ٱلَّيۡلُ نَسۡلَخُ مِنۡهُ ٱلنَّهَارَ فَإِذَا هُم مُّظۡلِمُونَ 37﴾:

ثم بيَّن جل وعلا آيةً وعلامةً أخرى للناس تدُلُّ على وحدانية الله وقُدْرته على البعث؛ أَلَا وهي هذا الليل الذي يَفْصِلُ منه النهارَ المضيء وينزعه منه؛ فإذا الظلام قد عَمَّ الكونَ وغطَّاه؛ فسبحان الله الذي خلق الأزواج كلَّها مما نعلم ومما لا نعلم.

[38] ﴿وَٱلشَّمۡسُ تَجۡرِي لِمُسۡتَقَرّٖ لَّهَاۚ ذَٰلِكَ تَقۡدِيرُ ٱلۡعَزِيزِ ٱلۡعَلِيمِ 38﴾:

ومن الآيات أيضًا: هذه الشمسُ التي تجري وَفْقَ نظامٍ محكَمٍ، ومَسَارٍ محدَّدٍ لا تتعدَّاه ولا تتجاوزه، واعلموا أن ذلك تقديرُ العزيزِ الغالبِ الذي قهَرَ كلَّ شيء، العليمِ بما يُصلِحُ شؤون عباده وأحوالهم حتى مستقَرِّ الشمس النهائي يوم القيامة.

[39] ﴿وَٱلۡقَمَرَ قَدَّرۡنَٰهُ مَنَازِلَ حَتَّىٰ عَادَ كَٱلۡعُرۡجُونِ ٱلۡقَدِيمِ 39﴾:

ومن الآيات أيضًا: هذا القمر الذي جعل الله له منازل متعدِّدة؛ فيَنزِلُ كلَّ ليلة في منزلةٍ لا يتعدَّاها ولا يتجاوزها، فيَبْدَأُ هلالًا ثم يَكْبَرُ فيصيرُ بَدْرًا، ثم يرجعُ مرةً أخرى هلالًا دقيقًا نحيفًا، يشبه الغُصْنَ الذي هو ساقُ طَلْعِ النخلة إذا يَبِسَ.

[40] ﴿لَا ٱلشَّمۡسُ يَنۢبَغِي لَهَآ أَن تُدۡرِكَ ٱلۡقَمَرَ وَلَا ٱلَّيۡلُ سَابِقُ ٱلنَّهَارِۚ وَكُلّٞ فِي فَلَكٖ يَسۡبَحُونَ 40﴾:

ثم بيَّن سبحانه حال الشمس والقمر في الكون، فقال: لا يَصِحُّ للشمس أن تلحق بالقمر، ولا يَصِحُّ لليلِ أن يسبق النهار؛ فكلٌّ دائم سائر في مجراه ومساره الذي يجري ويسير فيه وَفْقَ نظامٍ دقيقٍ رسمه لها، وكلٌّ من الشمس والقمر والليل والنهار في فَلَكٍ يَجْرُونَ ويتردَّدون؛ فسبحان مَنْ بيده ملكوتُ السموات والأرض العليِّ العظيم.

[41] ﴿وَءَايَةٞ لَّهُمۡ أَنَّا حَمَلۡنَا ذُرِّيَّتَهُمۡ فِي ٱلۡفُلۡكِ ٱلۡمَشۡحُونِ 41﴾:

ومن العلامات الدالَّة على وحدانية الله وقدرته ورحمته بعباده: أنَّ الله جل في علاه نجَّى ذرية آدم من الغَرَق، وحَمَلهم في سفينة نوح المملوءة بالأزواج من البَشَر ومن الحيوانات.

[42] ﴿وَخَلَقۡنَا لَهُم مِّن مِّثۡلِهِۦ مَا يَرۡكَبُونَ 42﴾:

ثم أخبَرَ جل وعلا أنه خلَقَ لمن بعدهم مِنْ ذُرِّيةِ آدم مثلَ هذه السفينة يَرْكَبُونها في البحار، وخلَقَ لهم على الأرض الإبلَ والخيلَ والحُمُر والناقلاتِ كالسيارات والطائرات وغيرها التي يركبونها وتوصِّلهم إلى مرادهم.

[43] ﴿وَإِن نَّشَأۡ نُغۡرِقۡهُمۡ فَلَا صَرِيخَ لَهُمۡ وَلَا هُمۡ يُنقَذُونَ 43﴾:

ولو أراد جل وعلا أن يُغرِقَ مَنْ في هذه السفن، لأَغْرَقَهم ولن يجدوا أحدًا يستصرخونه أو يستغيثون به ليُنْقِذهم من الغرق.

[44] ﴿إِلَّا رَحۡمَةٗ مِّنَّا وَمَتَٰعًا إِلَىٰ حِينٖ 44﴾:

ثم بيَّن سبحانه أنهم لن يجدوا مَنْ يُنْقِذهم سوى رحمة الله ولُطْفه بهم وبحالهم؛ فليتمتَّعوا في حياتهم إلى أن تنتهي آجالهم؛ فلعلَّهم يؤمنون ويوحِّدون، ويستدركون ما فرَّطوا فيه.

[45] ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ ٱتَّقُواْ مَا بَيۡنَ أَيۡدِيكُمۡ وَمَا خَلۡفَكُمۡ لَعَلَّكُمۡ تُرۡحَمُونَ 45﴾:

وإذا قيل لهؤلاء المشركين: احذروا من عقوبات الدنيا، ومن أهوال الآخرة وعَرَصات القيامة؛ لعلَّكم تُرْحَمون؛ فتنجوا من هذه الأهوال، أعرَضُوا عن ذلك ولم يستجيبوا.

[46] ﴿وَمَا تَأۡتِيهِم مِّنۡ ءَايَةٖ مِّنۡ ءَايَٰتِ رَبِّهِمۡ إِلَّا كَانُواْ عَنۡهَا مُعۡرِضِينَ 46﴾:

وما تأتي هؤلاء المشركين من آية من آيات الله تدُلُّ على وحدانيته، وتأمرهم باتِّباع رسوله ﷺ؛ إلا كانوا عنها مُعْرِضين، ولها مكذِّبين، وبها مستهزئين.

[47] ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمۡ أَنفِقُواْ مِمَّا رَزَقَكُمُ ٱللَّهُ قَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لِلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ أَنُطۡعِمُ مَن لَّوۡ يَشَآءُ ٱللَّهُ أَطۡعَمَهُۥٓ إِنۡ أَنتُمۡ إِلَّا فِي ضَلَٰلٖ مُّبِينٖ 47﴾:

وإذا قال أحدٌ من المؤمنين لهؤلاء المشركين: أنفقوا على الفقراء والمحتاجين شيئًا مما أعطاكم الله من الخير والنعيم، قالوا سخريةً واستهزاءً بالمؤمنين: أنطعم مَنْ لو شاء الله أطعمه؟! إن أنتم -أيها المؤمنون- إلا في ضلالٍ مُبِينٍ في أمركم وطلبكم منا الإنفاقَ على هؤلاء المحتاجين.

[48] ﴿وَيَقُولُونَ مَتَىٰ هَٰذَا ٱلۡوَعۡدُ إِن كُنتُمۡ صَٰدِقِينَ 48﴾:

وواصل هؤلاء الكافرون التهكُّم والاستهزاء بالدعاة، فقالوا على سبيل التكذيب والاستنكار: متى تقوم الساعة إن كنتم صادقين فيما تَعِدُوننا به؟!

[49] ﴿مَا يَنظُرُونَ إِلَّا صَيۡحَةٗ وَٰحِدَةٗ تَأۡخُذُهُمۡ وَهُمۡ يَخِصِّمُونَ 49﴾:

فأخبَرَ جل وعلا أن الأمرَ سهلٌ ويسير؛ فما هي إلا صيحةٌ واحدة تأخذهم فجأةً وهم يختصمون في أمور حياتهم؛ وهذه هي النَّفْخةُ الأولى، والتي تسمَّى نفخةَ الفَزَع والموت.

[50] ﴿فَلَا يَسۡتَطِيعُونَ تَوۡصِيَةٗ وَلَآ إِلَىٰٓ أَهۡلِهِمۡ يَرۡجِعُونَ 50﴾:

وبسبب هذه الصيحة التي جاءتهم فجأة، فإنهم لا يستطيعون حينها أن يُوصُوا بشيء، ولا أن يتداركوا شيئًا، ولا يستطيعون الرجوع إلى أهاليهم وأولادهم؛ إذِ الكل قد مات.

[51] ﴿وَنُفِخَ فِي ٱلصُّورِ فَإِذَا هُم مِّنَ ٱلۡأَجۡدَاثِ إِلَىٰ رَبِّهِمۡ يَنسِلُونَ 51﴾:

فإذا نُفِخَ في الصور النفخة الثانية، وهي نَفْخةُ البعث والنشور، فإذا بالناس يخرُجُونَ من قبورهم سراعًا للوقوف بين يَدَيْ ربِّهم؛ ليقضي فيهم بقضائه العادل.

[52] ﴿قَالُواْ يَٰوَيۡلَنَا مَنۢ بَعَثَنَا مِن مَّرۡقَدِنَاۜۗ هَٰذَا مَا وَعَدَ ٱلرَّحۡمَٰنُ وَصَدَقَ ٱلۡمُرۡسَلُونَ 52﴾:

وحينها يقول المكذِّبون بالبعث: يا حسرتنا، ويا هلاكنا، مَنْ ذا الذي أخرَجَنا من قبورنا، وبعثنا مِن مَرْقَدنا؟! فيقال لهم: هذا هو البعثُ الذي وعدَكُمُ الله به، وكنتم تستهزئون به وتستعجلونه، وهذا هو البعث الذي أخبركم عنه رسلُنا الصادقون الذين كنتم لهم تكذِّبون.

[53] ﴿إِن كَانَتۡ إِلَّا صَيۡحَةٗ وَٰحِدَةٗ فَإِذَا هُمۡ جَمِيعٞ لَّدَيۡنَا مُحۡضَرُونَ 53﴾:

ثم بيَّن سبحانه أن بعثكم وإخراجكم -أيها الناس- من قبوركم كان بصَيْحة ونَفْخة واحدة من إسرافيل؛ فإذا الجميعُ قائمٌ ماثلٌ بين يدي الله جل في علاه للجزاء والحساب، وفي هذا دليلٌ على سُرْعة حضورهم للحساب والجزاء دون أن يتخلَّف منهم أحد.

[54] ﴿فَٱلۡيَوۡمَ لَا تُظۡلَمُ نَفۡسٞ شَيۡـٔٗا وَلَا تُجۡزَوۡنَ إِلَّا مَا كُنتُمۡ تَعۡمَلُونَ 54﴾:

وفي هذا اليوم العظيم -يوم القيامة- يوم الجزاء والحساب لا تُظلَمُ نفسٌ شيئًا ولو كان صغيرًا، فلا يُنقَصُ من حَسَناتٍ أحدٍ ظلمًا، ولا يزادُ في سيئات أحد ظلمًا، ولا يُجازَى أحدٌ إلا بما عمل في الدنيا؛ إنْ خيرًا فخير، وإن شرًّا فشرّ.

[55] ﴿إِنَّ أَصۡحَٰبَ ٱلۡجَنَّةِ ٱلۡيَوۡمَ فِي شُغُلٖ فَٰكِهُونَ 55﴾:

أخبَرَ جل وعلا أن أهل الجنة يوم القيامة مشغولون بنعيم الجنة، ملتذُّون به، يتمتَّعون بما لا عينٌ رأت، ولا أُذُنٌ سمعت، ولا خطَرَ على قلب بشر.

[56] ﴿هُمۡ وَأَزۡوَٰجُهُمۡ فِي ظِلَٰلٍ عَلَى ٱلۡأَرَآئِكِ مُتَّكِـُٔونَ 56﴾:

ثم أخبَرَ سبحانه أن أهل الجنة ومَنِ اتَّبعهم من أزواجهم في ظلال الجنة، يتنعَّمون معهم ويؤانسونهم، وهم متَّكِئُونَ اتِّكاءً؛ لكمال الراحة واللذة والطمأنينة.

[57] ﴿لَهُمۡ فِيهَا فَٰكِهَةٞ وَلَهُم مَّا يَدَّعُونَ 57﴾:

ولهم في الجنة فاكهةٌ كثيرةٌ طيِّبةٌ لذيذةٌ، لا تنقطع عنهم أبدًا، ولا يُمنَعونَ مِنْ أكلها، ولهم في الجنة أيضًا كلُّ ما يطلبونه ويتمنَّوْنه.

[58] ﴿سَلَٰمٞ قَوۡلٗا مِّن رَّبّٖ رَّحِيمٖ 58﴾:

ثم يُنعِمُ جل وعلا على أهل الجنة بنعمة من أعظم ما يكونُ مِنْ نعيم أهل الجنة، وهي: النظَرُ إلى وجه الله الكريم، ثم إلقاءُ السلام عليهم من الله جل في علاه، فيسلِّمُ الله عليهم، فيَسْلَمونَ من جميع الوجوه، ويتنعَّمون برضا الرب الرحيم عليهم.

[59] ﴿وَٱمۡتَٰزُواْ ٱلۡيَوۡمَ أَيُّهَا ٱلۡمُجۡرِمُونَ 59﴾:

أما المكذِّبون المجرمون، فجزاؤهم يوم القيامة أن يقال لهم: تميَّزوا بأنفسكم وابتعدوا عن المؤمنين، ثم تَدْفَعُهم الملائكة إلى النار.

[60] ﴿أَلَمۡ أَعۡهَدۡ إِلَيۡكُمۡ يَٰبَنِيٓ ءَادَمَ أَن لَّا تَعۡبُدُواْ ٱلشَّيۡطَٰنَۖ إِنَّهُۥ لَكُمۡ عَدُوّٞ مُّبِينٞ 60﴾:

ثم ذكَّر جل وعلا عباده بالوَعْد الذي أخذه عليهم، فقال لهم -توبيخًا وتبكيتًا-: ألم آمُرْكم وأُوصِكُمْ -يا بني آدم- ألَّا تعبُدُوا الشيطان، وألَّا تطيعوه؛ لأنه لكم عدوٌّ ظاهرُ العداوة، لا تخفى ولا تنطلي عداوته على أحد.

[61] ﴿وَأَنِ ٱعۡبُدُونِيۚ هَٰذَا صِرَٰطٞ مُّسۡتَقِيمٞ 61﴾:

ثم قال سبحانه: ألم آمُرْكم -يا بني آدم- بإفرادي بالعبودية؟! وأُخْبِرْكم أن توحيدي واتِّباع رسلي هو الصراط الحق المستقيم الذي يوصل لرضاي، وإلى جنة رب العالمين؟!

[62] ﴿وَلَقَدۡ أَضَلَّ مِنكُمۡ جِبِلّٗا كَثِيرًاۖ أَفَلَمۡ تَكُونُواْ تَعۡقِلُونَ 62﴾:

ثم قال جل في علاه: ولكنكم -أيها الكَفَرة- لم تطيعوا أمري، ولم تَعْمَلوا بتحذيري إياكم من الشيطان، ولم تتَّخذوه عدوًّا لكم، فكان أنْ أضَلَّ كثيرًا منكم عن صراط الله المستقيم؛ ألم تكن لكم -يا من كَفَرْتم بآيات الله- عقولٌ تَعْرِفون بها عداوة الشيطان لكم، فتهديكم لمخالفته، واتِّباع أمر الله ورُسُلِه؟!

[63] ﴿هَٰذِهِۦ جَهَنَّمُ ٱلَّتِي كُنتُمۡ تُوعَدُونَ 63﴾:

وبعد هذا التوبيخ يقال لهؤلاء المكذِّبين: فهذه نار جهنَّم التي كنتم توعدون بها إن كذَّبتم رسلي، واتَّبعتم شياطينكم وأهواءكم.

[64] ﴿ٱصۡلَوۡهَا ٱلۡيَوۡمَ بِمَا كُنتُمۡ تَكۡفُرُونَ 64﴾:

ثم أمر سبحانه بأن يدخلوا هذه النار اليوم ويقاسوا حرَّها وعذابها؛ جزاءً لهم على كُفْرهم وجحودهم وتكذيبهم أنبياء الله ورسله.

[65] ﴿ٱلۡيَوۡمَ نَخۡتِمُ عَلَىٰٓ أَفۡوَٰهِهِمۡ وَتُكَلِّمُنَآ أَيۡدِيهِمۡ وَتَشۡهَدُ أَرۡجُلُهُم بِمَا كَانُواْ يَكۡسِبُونَ 65﴾:

ثم أخبَرَ جل وعلا بما يحصُلُ للمشركين يوم القيامة حيث يُغْلِقُ أفواهَهم ويُسْكِتُها؛ فلا يستطيعون الكلام بها؛ وذلك حين ينكرون ويقولون: ﴿وَٱللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشۡرِكِينَ﴾ [الأنعام:٢٣]، ثم يجعل أيديهم وأرجلهم تَنْطِقُ بالكلام؛ فتشهد عليهم، وتتكلَّم بما كانوا يعملون.

[66] ﴿وَلَوۡ نَشَآءُ لَطَمَسۡنَا عَلَىٰٓ أَعۡيُنِهِمۡ فَٱسۡتَبَقُواْ ٱلصِّرَٰطَ فَأَنَّىٰ يُبۡصِرُونَ 66﴾:

ولو شاء جل وعلا، لطَمَسَ على أعين هؤلاء الكفار المكذِّبين فيُعْمِيها؛ فإذا أرادوا أن يبادروا طريقهم إلى الصراط ليجتازوه إلى الجنة، لم يهتدوا إليه؛ لأنهم لا يبصرون الطريق؛ فقد عَمِيَتْ أبصارهم.

[67] ﴿وَلَوۡ نَشَآءُ لَمَسَخۡنَٰهُمۡ عَلَىٰ مَكَانَتِهِمۡ فَمَا ٱسۡتَطَٰعُواْ مُضِيّٗا وَلَا يَرۡجِعُونَ 67﴾:

ولو شاء جل وعلا، لَمَسَخَ حركة هؤلاء المجرمين المكذِّبين وأوقفها؛ فلا يستطيعون التحرُّكَ إلى الأمام، ولا الرجوعَ إلى الخلف، ولن تحصُلَ النجاةُ لهم، وإنما يُكَرْدَسونَ في نار جهنم؛ نسأل الله السلامة والعافية.

[68] ﴿وَمَن نُّعَمِّرۡهُ نُنَكِّسۡهُ فِي ٱلۡخَلۡقِۚ أَفَلَا يَعۡقِلُونَ 68﴾:

ثم ذكَّر جل وعلا أن مِنْ سُنَّته في الخلق: أن مَنْ يُعمَّرْ من بني آدم، يَرْجِعْ -في حال كِبَرِ سنِّه وهَرَمه- إلى حال الضعف الذي بدأ منه؛ فتضعُفُ قوَّته، ويضعُفُ جسده، ويضعُفُ عقله، فيا من رفَضْتم الهدى، أليست لكم عقولٌ تتفكَّرون بها في هذه الحالة؟! أليست لكم عقولٌ تدركون بها أن من خلَقَ الإنسان وفعَلَ به هذا، قادرٌ على بَعْثه بعد موته؟!

[69] ﴿وَمَا عَلَّمۡنَٰهُ ٱلشِّعۡرَ وَمَا يَنۢبَغِي لَهُۥٓۚ إِنۡ هُوَ إِلَّا ذِكۡرٞ وَقُرۡءَانٞ مُّبِينٞ 69﴾:

ثم نفى جل وعلا عن المصطفى ﷺ أن يكون شاعرًا، ولم يمكِّنه سبحانه من تعلُّم الشعر، بل أخبَرَ أنه لا ينبغي له أن يكون شاعرًا، وأنه ﷺ بُعِثَ ليحمل النور والهدى الإلهي لهذه الأمة؛ فلا ينبغي أن يَهْذِيَ بالشِّعْر الذي يقوله أصحاب الأخيلة الشيطانية، الذين يقولون ما لا يفعلون، وفي كلِّ وادٍ يهيمون؛ كما قال الله ذلك عنهم في سورة الشعراء، ثم بيَّن سبحانه أن هذا القرآن الذي أنزله الله على نبيه ﷺ ما هو إلا ذِكْرٌ يتذكَّر به أولو الألباب، وهو قرآنٌ واضحٌ بيِّن الدلالة على المقاصد.

[70] ﴿لِّيُنذِرَ مَن كَانَ حَيّٗا وَيَحِقَّ ٱلۡقَوۡلُ عَلَى ٱلۡكَٰفِرِينَ 70﴾:

اعلموا -أيها الناس- أن الله جل في علاه أنزَلَ هذا القرآن على محمد ﷺ؛ ليُنذِرَ ويذكِّرَ به مَنْ كان حيَّ القلب والفهم، أما مَنْ كان مصرًّا على الكفر والضلال، واستمرَّ على شركه وتكذيبه لرُسُلِ الله، فقد حَقَّ عليه عذاب الله وسَخَطه، بعد أن قامت عليه الحجة.

[71] ﴿أَوَلَمۡ يَرَوۡاْ أَنَّا خَلَقۡنَا لَهُم مِّمَّا عَمِلَتۡ أَيۡدِينَآ أَنۡعَٰمٗا فَهُمۡ لَهَا مَٰلِكُونَ 71﴾:

أمَرَ جل وعلا العباد بالنظَرِ إلى ما سخَّر لهم من هذه الأنعام المتنوِّعة، فقال: أَلَا ترون أن مِنْ مظاهر قدرة الله العظيمة: أنه خلَقَ هذه الأنعام مما عَمِلَ الله جل في علاه لأجلكم، ثم إن الله ملَّكها لكم تتصرَّفون فيها كيفما تشاؤون.

[72] ﴿وَذَلَّلۡنَٰهَا لَهُمۡ فَمِنۡهَا رَكُوبُهُمۡ وَمِنۡهَا يَأۡكُلُونَ 72﴾:

ثم سخَّر جل وعلا هذه الأنعام لكم، فجعَلَ منها: ما تركبون عليه في أسفاركم، وتَحْمِلون عليها أثقالكم، ومنها: ما تستخدمونه في الحَرْث، ومنها: ما جعله للأكل.

[73] ﴿وَلَهُمۡ فِيهَا مَنَٰفِعُ وَمَشَارِبُۚ أَفَلَا يَشۡكُرُونَ 73﴾:

وكذلك جعَلَ سبحانه لكم في هذه الأنعام منافعَ أخرى تنتفعون بها؛ كالانتفاع بأصوافها وأوبارها وأشعارها أَثَاثًا، ومِنْ جلودها قِرَبًا ومفارشَ ولباسًا، وتشربون من ألبانها، وتصنعون من هذه الألبان الأجبانَ وغير ذلك، وبعد هذا التذكير والنظر: أليس مِنْ حقِّ المنعم أن يُشكَرَ على هذه النعم التي أنعم بها عليهم؟!

[74] ﴿وَٱتَّخَذُواْ مِن دُونِ ٱللَّهِ ءَالِهَةٗ لَّعَلَّهُمۡ يُنصَرُونَ 74﴾:

ثم أخبَرَ جل وعلا أن هؤلاء المشركين اتَّخذوا آلهةً من دونه يعبدونها ويتقرَّبون إليها؛ رجاءَ نَصْرها وشفاعتها لهم؛ وهذا في غاية البطلان والضلال والغَوَاية.

[75] ﴿لَا يَسۡتَطِيعُونَ نَصۡرَهُمۡ وَهُمۡ لَهُمۡ جُندٞ مُّحۡضَرُونَ 75﴾:

ثم بيَّن جل في علاه أن تلك الآلهة المزعومة لا تستطيع نَصْرَ نَفْسها؛ فكيف تستطيع نَصْرَهم؟! بل جعَلَ الكفَّارُ مِنْ أنفسهم جنودًا مُحْضَرِين لهذه الأصنام يدافعون عنها، وينصرونها!

[76] ﴿فَلَا يَحۡزُنكَ قَوۡلُهُمۡۘ إِنَّا نَعۡلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعۡلِنُونَ 76﴾:

ثم أمَرَ سبحانه نبيه ﷺ ألَّا يَحْزَنَ لقول هؤلاء المشركين وافترائهم عليه؛ فإن الله على علمٍ تامٍّ بما يُخْفون وما يُعْلِنون من أقوال وأعمال، وسيُحْصيها عليهم سبحانه، ويحاسبهم عليها.

[77] ﴿أَوَلَمۡ يَرَ ٱلۡإِنسَٰنُ أَنَّا خَلَقۡنَٰهُ مِن نُّطۡفَةٖ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٞ مُّبِينٞ 77﴾:

ثم ردَّ جل وعلا على مقولة أحد صناديد قريش المنكرين للبعث؛ فقال سبحانه: أولم ينظُرْ هذا المنكِرُ للبعث أنَّا ابتدأنا خلقه من أضعف الأشياء، مِنْ نطفة من ماء مَهين؟! فلما كَبِرَ واستوى وصار رجلًا، بدأ بالخصام والجدال، وإنكار البعث؟!

[78] ﴿وَضَرَبَ لَنَا مَثَلٗا وَنَسِيَ خَلۡقَهُۥۖ قَالَ مَن يُحۡيِ ٱلۡعِظَٰمَ وَهِيَ رَمِيمٞ 78﴾:

ثم إن هذا الإنسانَ المنكِرَ للبعث المجادِلَ بالباطل، ضرَبَ لله مثلًا لا ينبغي ضربه؛ حيث أنكَرَ قدرة الله جل في علاه على إحياء الموتى؛ حيث قال: (هل يستطيع ربُّك -يا محمد- إعادة هذه العظام البالية المتفتِّتة إلى الحياة مرة ثانية؟!)، ونسي هذا الجاهل أَصْلَ خلقته، وأن الله خلقه من نُطْفة من ماء مهين حقير.

[79] ﴿قُلۡ يُحۡيِيهَا ٱلَّذِيٓ أَنشَأَهَآ أَوَّلَ مَرَّةٖۖ وَهُوَ بِكُلِّ خَلۡقٍ عَلِيمٌ 79﴾:

وقل -أيها النبي- لهذا المنكر للبعث: إن الذي يُحْيِيها ويعيد خلقها: هو اللهُ الذي ابتدأ خلقها أول مرة؛ فالذي أوجَدَها بعد العدم قادرٌ على إعادتها مرةً ثانية، وهو سبحانه بكلِّ مخلوقٍ عليمٌ علمًا تامًّا؛ لأنه سبحانه هو الذي خلقه، وأوجده بعد العدَم.

[80] ﴿ٱلَّذِي جَعَلَ لَكُم مِّنَ ٱلشَّجَرِ ٱلۡأَخۡضَرِ نَارٗا فَإِذَآ أَنتُم مِّنۡهُ تُوقِدُونَ 80﴾:

ومما يدُلُّ على وحدانية الله، وقدرته على البعث، وأنه سبحانه لا يستحيل عليه شيء: هذا الشجَرُ الأخضر الرَّطْب، يُخرِجُ الله لكم منه نارًا، تُوقِدونها وتُشعِلون منها، وتنتفعون بها؛ فكما أخرَجَ سبحانه النارَ المُحرِقةَ من هذه الشجرة، فإنه يُخرِجكم أحياء من قبوركم، ويعيدكم مرَّةً أخرى.

[81] ﴿أَوَلَيۡسَ ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضَ بِقَٰدِرٍ عَلَىٰٓ أَن يَخۡلُقَ مِثۡلَهُمۚ بَلَىٰ وَهُوَ ٱلۡخَلَّٰقُ ٱلۡعَلِيمُ 81﴾:

ثم وبَّخ جل وعلا هؤلاء الكفار فقال: أوليس الذي ابتدأ خلق السموات والأرض وما فيهنَّ وما بينهما قادرًا على أن يخلق مثلهم؟!! بلى هو قادرٌ على ذلك سبحانه وتعالى؛ فهو الخلَّاقُ لما يشاء، العليمُ بمخلوقاته.

[82] ﴿إِنَّمَآ أَمۡرُهُۥٓ إِذَآ أَرَادَ شَيۡـًٔا أَن يَقُولَ لَهُۥ كُن فَيَكُونُ 82﴾:

ثم أخبَرَ جل شأنه أنه إذا أراد شيئًا، فإنه يأمره بقوله (كُنْ)؛ فيكونُ مباشرةً من غير مانعٍ ولا توقُّفٍ، وفي هذا دليلٌ على عظيم قدرته سبحانه، وأنه على كل شيء قدير.

[83] ﴿فَسُبۡحَٰنَ ٱلَّذِي بِيَدِهِۦ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيۡءٖ وَإِلَيۡهِ تُرۡجَعُونَ 83﴾:

ثم نزَّه جل في علاه نفسه وقدَّسها، فتنزيهًا وتقديسًا له سبحانه الذي مَلَكَ كلَّ شيءٍ، وقهَرَ كلَّ شيء، وإليه مرجعُ جميع الناس؛ فيحاسبهم على أعمالهم، ويجازيهم عليها.

سورة الصافَّات

سورة الصافاَّت مكيَّة، وآياتها ثنتان وثمانون ومائة آية.

[1] ﴿وَٱلصَّٰٓفَّٰتِ صَفّٗا 1﴾:

أقسَمَ جل وعلا في بداية هذه السورة ببعض الملائكة، فقال: أُقسِمُ بالملائكة التي تَصُفُّ في عبادتها وطاعتها عند ربِّها في صفوفٍ منتظِمةٍ كصفوف المصلِّين.

[2] ﴿فَٱلزَّٰجِرَٰتِ زَجۡرٗا 2﴾:

ثم أُقسِمُ سبحانه بالملائكة التي تزجُرُ السحاب لكي يُنزِلَ الغيث حيث يؤمر.

[3] ﴿فَٱلتَّٰلِيَٰتِ ذِكۡرًا 3﴾:

وأُقسِمُ سبحانه بالملائكة التي تسبِّح وتتلو آيات الله دومًا ولا تفتُرُ.

[4] ﴿إِنَّ إِلَٰهَكُمۡ لَوَٰحِدٞ 4﴾:

اعلموا –أيها الناس- أن إلهكم إلهٌ واحد لا شريك له؛ فأخلصوا له العبادة، واتركوا هذه الأصنام والأوثان التي تعبُدُونها من دونه. والله سبحانه له أن يُقسِمَ بما شاء من مخلوقاته، أما المخلوق، فلا يجوز له أن يُقسِمَ بأحد غير الله، لأنَّ الحلف بغير الله شِرْكٌ، وهو من الشرك الأصغر الذي لا يخرج من الملة؛ ولكنَّ الحالف على خطَرٍ عظيم.

[5] ﴿رَّبُّ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ وَمَا بَيۡنَهُمَا وَرَبُّ ٱلۡمَشَٰرِقِ 5﴾:

ثم اعلموا -أيها الناس- أن هذا الإله هو خالقُ هذه السموات والأرض، وخالقُ ما بينهما، وخالقُ مشارق الشمس ومغاربها؛ فهو مالكُ الجميع وسيِّده، وجمع سبحانه (المشارق)؛ لأن الشمس تُشرِقُ وتغرُبُ في كل يوم في مكان غير مكان الأمس، يعني: أن الشمس لها كلَّ يومٍ مشرقٌ ومغربٌ.

[6] ﴿إِنَّا زَيَّنَّا ٱلسَّمَآءَ ٱلدُّنۡيَا بِزِينَةٍ ٱلۡكَوَاكِبِ 6﴾:

ثم أخبَرَ جل وعلا أنه زيَّن السماء الدنيا التي هي أقرب السموات للأرض بهذه النجوم التي جعَلَها تضيء وتتلألأ في الليل، لكي تهتدوا بها في سيركم من مكان إلى مكان.

[7] ﴿وَحِفۡظٗا مِّن كُلِّ شَيۡطَٰنٖ مَّارِدٖ 7﴾:

ثم أخبَرَ سبحانه أنه حفظ هذه السماء من كل شيطان متمرِّد بعيد عن طاعة الله ورحمته؛ ولهذا فإن هذه النجوم تنطلق منها النَّيَازِكُ والشُّهُبُ التي يُرْمَى بها مسترِقُ الوحي.

[8] ﴿لَّا يَسَّمَّعُونَ إِلَى ٱلۡمَلَإِ ٱلۡأَعۡلَىٰ وَيُقۡذَفُونَ مِن كُلِّ جَانِبٖ 8﴾:

وأخبر سبحانه أنَّ هذه الشياطين التي تحاول استراقَ السمع في السماء، لمعرفةِ ما يوحيهِ الله ممَّا يقولُهُ مِنْ شرعِهِ وقدرِهِ؛ يُرْمَوْنَ ويُقذَفونَ بالشهب الحارقة مِنْ كل جانب من جوانب السماء.

[9] ﴿دُحُورٗاۖ وَلَهُمۡ عَذَابٞ وَاصِبٌ 9﴾:

ثم بيَّن سبحانه أن هذه الشياطين تُقْذَفُ بهذه الشهب؛ لتَدْحَرَهم وتهزمهم وتُحْرِقهم، ولهم في الآخرة عذابٌ دائمٌ موجعٌ ينتظرهم.

[10] ﴿إِلَّا مَنۡ خَطِفَ ٱلۡخَطۡفَةَ فَأَتۡبَعَهُۥ شِهَابٞ ثَاقِبٞ 10﴾:

أما الشياطين التي تتمكَّن من خَطْفِ خَبَرٍ من كلام الملائكة، فإنه يَتْبَعُها شهاب ثاقب مهلك، وربما ألقى الجِنِّيُّ الخبَرَ الذي اختطفه على جني آخر قبل أن يُهْلِكه الشهاب، ثم يصل الخبر إلى الكَهَنة الذين يزيدون عليه ما يشاؤون حسَبَ حَدْسهم. وهذا الشِّهَابُ هو شُعْلةٌ من نار تنفصل من النجم لملاحقة مَرَدة الجن الذين تمرَّدوا على طاعة الله، وأصبحوا يتعاونون مع الكهَّان والسحرة.

[11] ﴿فَٱسۡتَفۡتِهِمۡ أَهُمۡ أَشَدُّ خَلۡقًا أَم مَّنۡ خَلَقۡنَآۚ إِنَّا خَلَقۡنَٰهُم مِّن طِينٖ لَّازِبِۭ 11﴾:

وإذا كان -أيها النبي- كل شيء يشهد بوحدانية الله وقدرته، فاسأل هؤلاء المنكرين للبعث: هل أجسامهم أشدُّ وأقوى من هذه المخلوقات التي خلقها الله؟! ثم أَخبِرْهُم أن الله خلق أباهم آدم من طينٍ لَزِجٍ يلتصق بعضه ببعض؛ وهذا دليل على قدرته وعلى ضعفهم، فلماذا يستنكرون إعادة خلقهم؟!

[12] ﴿بَلۡ عَجِبۡتَ وَيَسۡخَرُونَ 12﴾:

ثم أخبر سبحانه أن النبي ﷺ تعجب من تكذيب قومه له بالبعث، فأخبره سبحانه أن الأعجب من ذلك: أنهم يَسْخَرونَ ويستهزئون به ﷺ، وبما يخبرهم به من البعث والنشور.

[13] ﴿وَإِذَا ذُكِّرُواْ لَا يَذۡكُرُونَ 13﴾:

وأخبر أنه إذا ذكرهم ووعظهم فإنهم لا تنفع فيهم الذكرى، ولا هم يتَّعظون.

[14] ﴿وَإِذَا رَأَوۡاْ ءَايَةٗ يَسۡتَسۡخِرُونَ 14﴾:

وأخبر أيضًا أنهم إذا شاهدوا آيةً ومعجزةً تدُلُّ على صدقه ﷺ، أخذوا يسخرون ويستهزئون.

[15] ﴿وَقَالُوٓاْ إِنۡ هَٰذَآ إِلَّا سِحۡرٞ مُّبِينٌ 15﴾:

ثم قالوا في معاندةٍ ومكابرة للحق: ما هذا الذي جئتَ به -يا محمد- إلا سحرٌ بيِّنٌ ظاهر.

[16] ﴿أَءِذَا مِتۡنَا وَكُنَّا تُرَابٗا وَعِظَٰمًا أَءِنَّا لَمَبۡعُوثُونَ 16﴾:

ثم يقول هؤلاء المكذِّبين المستبعدين للبعث والنشور: أئذا مِتْنا وتحلَّلتْ أجسادنا وصِرْنا عظامًا باليةً أإنا لمبعوثون مرةً أخرى؟!

[17] ﴿أَوَءَابَآؤُنَا ٱلۡأَوَّلُونَ 17﴾:

وسأل هؤلاء المكذبين أيضًا عن آبائهم وأجدادهم الأولين: هل سيُبعَثُون أيضًا ويحاسبون؟!

[18] ﴿قُلۡ نَعَمۡ وَأَنتُمۡ دَٰخِرُونَ 18﴾:

فقل لهم -أيها النبي-: نَعَمْ، ستُبْعَثون بعد موتكم مرة أخرى، وأنتم أذلَّاء صاغرون.

[19] ﴿فَإِنَّمَا هِيَ زَجۡرَةٞ وَٰحِدَةٞ فَإِذَا هُمۡ يَنظُرُونَ 19﴾:

واعلموا أيها المكذبون أن هذا البعث الذي تستبعدونه لا يحتاج من الله جل وعلا إلا نفخةً واحدة؛ فإذا أنتم قائمون تنظُرُونَ لما حولكم في ذهول وانبهار.

[20] ﴿وَقَالُواْ يَٰوَيۡلَنَا هَٰذَا يَوۡمُ ٱلدِّينِ 20﴾:

ثم بين سبحانه أن هؤلاء المنكرين إذا رأوا يوم البعث والنشور قالوا: يا هلاكنا؛ إنَّ هذا هو يوم البعث والنشور حقيقةً!

[21] ﴿هَٰذَا يَوۡمُ ٱلۡفَصۡلِ ٱلَّذِي كُنتُم بِهِۦ تُكَذِّبُونَ 21﴾:

فيقال لهم: نعم هذا يوم الفَصْل الذي يَفْصِلُ الله تعالى فيه بين عباده، وهذا هو يوم البعث الذي كنتم به تكذِّبون، وإياه تنكرون.

[22] ﴿ٱحۡشُرُواْ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ وَأَزۡوَٰجَهُمۡ وَمَا كَانُواْ يَعۡبُدُونَ 22﴾:

ثم يأمُرُ جل وعلا الملائكة أن يجمعوا الذين كفروا مع أشباههم وأشكالهم ونظرائهم؛ فعابِدُ الوَثَنِ مع عابِدِ الوَثَن، والسارقُ مع السارق، والزاني مع الزاني، واليهوديُّ الذي يزعم أن عُزَيْرًا ابنُ الله مع اليهودي، والنصرانيُّ الذي يزعم أن عيسى ابن الله مع النصراني، وهكذا، ويأمرهم أن يجمعوا معهم آلهتهم التي كانوا يعبُدُونها.

[23] ﴿مِن دُونِ ٱللَّهِ فَٱهۡدُوهُمۡ إِلَىٰ صِرَٰطِ ٱلۡجَحِيمِ 23﴾:

ثم أكد سبحانه أنهم كانوا يعبدون هذه الآلهة من دون الله، وبعد أن تم جمعهم مع أشكالهم وأشباهم أمر سبحانه الملائكة بأن يعرِّفوهم ويُلْزِموهم بطريق جهنم التي سوف يساقون إليها بشدة وعنف.

[24] ﴿وَقِفُوهُمۡۖ إِنَّهُم مَّسۡـُٔولُونَ 24﴾:

ثم يأمر جل وعلا الملائكة بأن يَقِفُوا هؤلاء الكفَّارَ قبل أن يُدْخِلوهم النار؛ لأنهم سوف يُسْألون سؤالَ تبكيتٍ وتقريعٍ وإهانةٍ عما كانوا يفترونه في الدنيا.

[25] ﴿مَا لَكُمۡ لَا تَنَاصَرُونَ 25﴾:

ثم يقال لهؤلاء الكفَّار على سبيل التوبيخ: لماذا لا ينصُرُ بعضُكم بعضًا؟ كما كنتم في الدنيا تتناصرون.

[26] ﴿بَلۡ هُمُ ٱلۡيَوۡمَ مُسۡتَسۡلِمُونَ 26﴾:

ثم بين سبحانه أن هؤلاء المجرمين اليوم أذلَّاءَ خاضعين عاجزين عن نُصْرة أنفسكم، وإنهم منقادون لأمر الله لا يحيدون عنه أبدًا.

[27] ﴿وَأَقۡبَلَ بَعۡضُهُمۡ عَلَىٰ بَعۡضٖ يَتَسَآءَلُونَ 27﴾:

ثم أقبل هؤلاء الكَفَرة والمنافقون والعصاة على بعضهم البعض، يتلاومون ويتخاصمون، ويعاتِبُ كلٌّ منهم الآخَرَ.

[28] ﴿قَالُوٓاْ إِنَّكُمۡ كُنتُمۡ تَأۡتُونَنَا عَنِ ٱلۡيَمِينِ 28﴾:

وبين سبحانه أن الأتباع يقولون للمتبوعين معاتِبِينَ لهم: إنكم كنتم تأتوننا من الجهة التي نأمنُكُم فيها وتُوهِموننا وتُقْنِعوننا أن الحق معكم، وكنتم تنفِّروننا عن الدِّين وتزيِّنون لنا الضلالَ، فصدقناكم.

[29] ﴿قَالُواْ بَل لَّمۡ تَكُونُواْ مُؤۡمِنِينَ 29﴾:

فرَدَّ المتبوعون على الأتباعِ قائلين لهم: ليس الأمر كما تزعمون؛ بل أنتم الذين كنتم تَكْرَهون الإيمان، وتُحِبُّون الكفر والعصيان.

[30] ﴿وَمَا كَانَ لَنَا عَلَيۡكُم مِّن سُلۡطَٰنِۭۖ بَلۡ كُنتُمۡ قَوۡمٗا طَٰغِينَ 30﴾:

وقال المتبوعون أيضًا: ولم يكن لنا عليكم مِنْ حُجَّةٍ أو قوةٍ؛ فنأمُرَكم بالكُفْر والضلال، بل كنتم قومًا فيكم فُجُورٌ وطُغْيان، وبُعْدٌ كبيرٌ عن الحق والإيمان.

[31] ﴿فَحَقَّ عَلَيۡنَا قَوۡلُ رَبِّنَآۖ إِنَّا لَذَآئِقُونَ 31﴾:

ثم قال الأتباع والمتبوعون: لقد حقَّ علينا جميعًا عذابُ الله وسَخَطه، وإنا وإيَّاكم لذائقون هذا العذاب.

[32] ﴿فَأَغۡوَيۡنَٰكُمۡ إِنَّا كُنَّا غَٰوِينَ 32﴾:

ثم قال المتبوعين: نَعَمْ، نحن أغوَيْناكم وأضلَلْناكم عن طريق الحق والرشاد؛ لأننا كنا قبلكم قد غَوَيْنا وضَلَلْنا الطريق المستقيم.

[33] ﴿فَإِنَّهُمۡ يَوۡمَئِذٖ فِي ٱلۡعَذَابِ مُشۡتَرِكُونَ 33﴾:

وبعد هذا الجدال والخصام، أخبَرَ جل وعلا أن الأتباع والمتبوعين يوم القيامة في عذاب جَهَنَّمَ مشتركون.

[34] ﴿إِنَّا كَذَٰلِكَ نَفۡعَلُ بِٱلۡمُجۡرِمِينَ 34﴾:

وأخبر سبحانه بأن هذا هو جزاءُ المجرِمين المجاوِزين حُدُودَهم.

[35] ﴿إِنَّهُمۡ كَانُوٓاْ إِذَا قِيلَ لَهُمۡ لَآ إِلَٰهَ إِلَّا ٱللَّهُ يَسۡتَكۡبِرُونَ 35﴾:

ثم أخبَرَ جل في علاه أنَّ مِن جرائم هؤلاء المعذَّبين: أنهم كانوا إذا قيل لهم: (لا إله إلا الله)، أي: لا معبودَ بحقٍّ إلا الله؛ كانوا يستكبِرون عليها، وعلى مَنْ جاء بها.

[36] ﴿وَيَقُولُونَ أَئِنَّا لَتَارِكُوٓاْ ءَالِهَتِنَا لِشَاعِرٖ مَّجۡنُونِۭ 36﴾:

ثم قالوا في كبرياء: أنترك آلهتنا التي نعبُدُها لأجلِ زَعْمِ رجلٍ شاعرٍ مجنونٍ لا يدري ما يقول؟! يقصدون بذلك رسول الله ﷺ.

[37] ﴿بَلۡ جَآءَ بِٱلۡحَقِّ وَصَدَّقَ ٱلۡمُرۡسَلِينَ 37﴾:

لكنِ اعلموا -أيها الكافرون- أن نبينا ﷺ قد جاء بالحقّ، وصدَّق جميعَ المرسَلين، وكانت دعوةُ الجميع إلى: (لا إله إلا الله).

[38] ﴿إِنَّكُمۡ لَذَآئِقُواْ ٱلۡعَذَابِ ٱلۡأَلِيمِ 38﴾:

ثم اعلموا أنكم -أيها المكذِّبون المستهزئون- لذائقو العذابِ الأليمِ المُوجِع.

[39] ﴿وَمَا تُجۡزَوۡنَ إِلَّا مَا كُنتُمۡ تَعۡمَلُونَ 39﴾:

ثم بين سبحانه أن ذلك العذاب بسببِ ما كنتم تَعْمَلُونَ مِن الكفرِ والتكذيبِ والاستهزاء، والافتراءِ والظلم والمعاصي.

[40] ﴿إِلَّا عِبَادَ ٱللَّهِ ٱلۡمُخۡلَصِينَ 40﴾:

ثم استثنى سبحانه عباد الله المخلِصين المُكْرَمين الذين أخلصوا دِينَهم لله، فإنهم لا يذوقون هذا العذابَ الأليم.

[41] ﴿أُوْلَٰٓئِكَ لَهُمۡ رِزۡقٞ مَّعۡلُومٞ 41﴾:

ثم بين سبحانه أن عباد الله المخلصين لهم رزقٌ عظيمٌ معلومٌ غير منقطِعٍ.

[42] ﴿فَوَٰكِهُ وَهُم مُّكۡرَمُونَ 42﴾:

وبين سبحانه أن لهم أيضًا فواكهُ طيِّبةٌ الطَّعْم والشَّكْل؛ تتفكَّه بها نفوسُهم.

[43] ﴿فِي جَنَّٰتِ ٱلنَّعِيمِ 43﴾:

ثم بين سبحانه أن عباد الله المخلصين في جنَّات النعيم، يُنَعَّمون وهم في غاية الإكرام والتعظيم، والإجلال والوَقَار.

[44] ﴿عَلَىٰ سُرُرٖ مُّتَقَٰبِلِينَ 44﴾:

ومِنْ كرامة الله لهم في جَنَّات النعيم: أنهم يكونون على مجالسَ مرتفِعةٍ مزيَّنةٍ بكل ما هو فاخر، متقابلين فيما بينهم ينظُرُ بعضُهم إلى بعض، ويأنَسُ بعضهم ببعض.

[45] ﴿يُطَافُ عَلَيۡهِم بِكَأۡسٖ مِّن مَّعِينِۭ 45﴾:

ومِنْ كرامة الله لهم: أنهم يُطافُ عليهم بكأسٍ مِن نَهْرِ الخمرِ الجاري في الجنة الذي لا ينقطِعُ ولا يَنْفَدُ، وهي غيرُ خمر الدنيا.

[46] ﴿بَيۡضَآءَ لَذَّةٖ لِّلشَّٰرِبِينَ 46﴾:

ثم بيَّن سبحانه أنه هذه الخمر بيضاءُ اللون، يتلذَّذُ بها شارِبُها أيَّما لذَّة.

[47] ﴿لَا فِيهَا غَوۡلٞ وَلَا هُمۡ عَنۡهَا يُنزَفُونَ 47﴾:

وبين سبحانه أيضًا أن هذه الخمر ليس فيها مِن الآفات مثلُ ما هو موجودٌ في خمر الدنيا؛ فخمرُ الجَنَّةِ لا تُذهِبُ العقلَ ولا تضُرُّه، ولا صُدَاعَ فيها ولا كَدَر.

[48] ﴿وَعِندَهُمۡ قَٰصِرَٰتُ ٱلطَّرۡفِ عِينٞ 48﴾:

وأخبر سبحانه أن عندهم من النعيم أيضًا: نساءٌ جميلاتٌ حِسَانٌ، من صفاتهنَّ: أنهنَّ قاصراتُ الطَّرْفِ على أزواجهنَّ لا ينظُرْنَ لغير أزواجهنَّ، وأعيُنُهُنَّ واسعاتٌ جميلاتٌ.

[49] ﴿كَأَنَّهُنَّ بَيۡضٞ مَّكۡنُونٞ 49﴾:

وبين سبحانه أن مِنْ جمالهنَّ وصيانتهنَّ: كأنهن ناصعاتٌ في البياض، ناعماتُ الملمس، لم يَنَلْهُنَّ غبارٌ ولا أذًى.

[50] ﴿فَأَقۡبَلَ بَعۡضُهُمۡ عَلَىٰ بَعۡضٖ يَتَسَآءَلُونَ 50﴾:

ثم أخبَرَ جل وعلا عن حديث أهل الجنة حيثُ يُقبِلُ بعضُهم على بعضٍ، يتحدَّثون ويتسامرون، ويتذكَّرون أحداثَ الدنيا، ونعمةَ الله عليهم في إنجائهم مِنَ النارِ ودخولَهم الجنة.

[51] ﴿قَالَ قَآئِلٞ مِّنۡهُمۡ إِنِّي كَانَ لِي قَرِينٞ 51﴾:

وفي أثناءِ حديثِ أهلِ الجنَّة بعضِهم لبعض، واستمتاعِهم بالشرابِ والنعيمِ الذي لم تَرَ عَيْنٌ في الدنيا مثله، قال أحد المنعَّمين لمن معه: اسمعوا -يا إخواني- لقد كان لي صاحبٌ في الدنيا ملازمٌ لي ويَجْلِسُ معي دائمًا.

[52] ﴿يَقُولُ أَءِنَّكَ لَمِنَ ٱلۡمُصَدِّقِينَ 52﴾:

ثم قال هذا المنعَّم: وقد كان هذا الصاحب يقولُ لي على سبيل السخرية والإنكار: هل تصدِّقُ بما يقوله الرسولُ ﷺ وأصحابه من الرسل والأنبياء.

[53] ﴿أَءِذَا مِتۡنَا وَكُنَّا تُرَابٗا وَعِظَٰمًا أَءِنَّا لَمَدِينُونَ 53﴾:

وبين هذا المنعَّم أن مما قاله الرسول ﷺ: أننا إذا مِتْنا وتمزَّقت أجسادنا، وصارت ترابًا وعظامًا، فإنَّ الله سوف يَبْعَثُنا ويُعِيدُ خَلْقنا، ثم يحاسِبُنا على أعمالنا ويجازينا عليها؛ إنْ خيرًا فخير، وإنْ شرًّا فشرّ؟!. فهل تصدق ذلك؟! وقصدُهُ من هذا الكلام إنكارُ البعث.

[54] ﴿قَالَ هَلۡ أَنتُم مُّطَّلِعُونَ 54﴾:

وفي أثناء حديثهم طلَبَ هذا المنعَّم مِن أصحابه الذين معه في الجَنَّةِ أن ينظُروا معه إلى مصير صاحبه.

[55] ﴿فَٱطَّلَعَ فَرَءَاهُ فِي سَوَآءِ ٱلۡجَحِيمِ 55﴾:

فأخبر سبحانه أنهم نظروا جميعًا إلى صاحبه فرأوه يعذب في وَسَطِ النار.

[56] ﴿قَالَ تَٱللَّهِ إِن كِدتَّ لَتُرۡدِينِ 56﴾:

ثم لامه وبكَّته على ظنه السيِّئ بالله، وقال له: اقسم بالله لقد كِدتَّ أن تُهْلِكني.

[57] ﴿وَلَوۡلَا نِعۡمَةُ رَبِّي لَكُنتُ مِنَ ٱلۡمُحۡضَرِينَ 57﴾:

ثم قال: ولولا أنْ مَنَّ الله عليَّ بنعمته وفضله، وثبَّتني على الحق، فلم أنخدِعْ بالباطل الذي كنتَ تدعوني إليه، لكنتُ اليومَ من الذين نالهم العذاب، وكنتُ معك في هذا المصير المؤلم الذي نالك بسببِ كُفْرك وإنكارك.

[58] ﴿أَفَمَا نَحۡنُ بِمَيِّتِينَ 58﴾:

ثم قال هذا المؤمِنُ مبتهِجًا بنعمة الله عليه وعلى أهل الجَنَّة، وساخرًا من صاحبه الكافر الذي يعذَّب في النار: هل نحنُ حقًّا مخلَّدون في هذا النعيم؟! يعني: لسنا بميتين أبدًا.

[59] ﴿إِلَّا مَوۡتَتَنَا ٱلۡأُولَىٰ وَمَا نَحۡنُ بِمُعَذَّبِينَ 59﴾:

ثم قال: وأنه لن يُدْرِكَنا الموتُ بعد موتتنا الأُولى في الدنيا؟! وأنه لن يمَسَّنا العذاب بعد ذلك؟! فالحمد لله رب العالمين، على هذا النعيم المقيم.

[60] ﴿إِنَّ هَٰذَا لَهُوَ ٱلۡفَوۡزُ ٱلۡعَظِيمُ 60﴾:

ثم قال فرحًا مسرورًا: اعلموا أن ما نحنُ فيه مِن النعيم المقيمِ هو الفوز الحقيقي والظفر العظيم.

[61] ﴿لِمِثۡلِ هَٰذَا فَلۡيَعۡمَلِ ٱلۡعَٰمِلُونَ 61﴾:

واعلموا أن لمثلِ هذا المصيرِ، وهذا الفوزِ الكبيرِ فليعمَلِ العاملون، وليجتهِدِ المجتهدون في الدنيا.

[62] ﴿أَذَٰلِكَ خَيۡرٞ نُّزُلًا أَمۡ شَجَرَةُ ٱلزَّقُّومِ 62﴾:

ثم أَمَرَ جل وعلا نبيه ﷺ أن يسأل هؤلاء الكافرين: هل هذا النعيمُ الذي يتنعَّم به أهلُ الجنة خيرٌ، أم شجرةُ الزقُّوم الخبيثة الملعونة التي هي طعام أهل النار؟!

[63] ﴿أَذَٰلِكَ خَيۡرٞ نُّزُلًا أَمۡ شَجَرَةُ ٱلزَّقُّومِ 62﴾:

ثم بيَّن جل في علاه بأن هذه الشجرة جعَلَها مِحْنةً وابتلاءً وعذابًا لهؤلاء الكفَّار الظالمين.

[64] ﴿إِنَّهَا شَجَرَةٞ تَخۡرُجُ فِيٓ أَصۡلِ ٱلۡجَحِيمِ 64﴾:

ثم أخبَرَ جل وعلا أن هذه الشجرةَ تنبُتُ في وسَطِ النار. لأنهم أنكروا قدرة الله أن يُخرِجَ في وسَطِ النار شجرةً؛ فسبحان مَنْ لا يُعْجِزُهُ شيء في الأرض ولا في السماء.

[65] ﴿طَلۡعُهَا كَأَنَّهُۥ رُءُوسُ ٱلشَّيَٰطِينِ 65﴾:

وأخبر سبحانه أنَّ ثمَرَ هذه الشجرة في غاية القُبْح، حتى لكأن طلعها يُشبه رؤوسُ الشياطين.

[66] ﴿فَإِنَّهُمۡ لَأٓكِلُونَ مِنۡهَا فَمَالِـُٔونَ مِنۡهَا ٱلۡبُطُونَ 66﴾:

ثم أخبَرَ جل في علاه تهكُّمًا بأهل النار: أن طعامهم سيكون من هذه الشجرة التي من شِدَّةِ الجوعِ يُضطرُّونَ إلى الأكل منها حتى تمتليء بطونهم.

[67] ﴿ثُمَّ إِنَّ لَهُمۡ عَلَيۡهَا لَشَوۡبٗا مِّنۡ حَمِيمٖ 67﴾:

وأخبر سبحانه أنهم بعد ذلك يَشْرَبُونَ في إثرها ماءً حارًّا وخليطًا قبيحًا.

[68] ﴿ثُمَّ إِنَّ مَرۡجِعَهُمۡ لَإِلَى ٱلۡجَحِيمِ 68﴾:

ثم أخبَرَ جل وعلا أن مصيرَ هؤلاء الكفَّار ومقرَّهم الدائم هو الجحيمُ التي يعادون إليه، بعد أن يملؤوا بطونَهم من هذه الشجرة، ويشربوا من هذا الحَمِيم.

[69] ﴿إِنَّهُمۡ أَلۡفَوۡاْ ءَابَآءَهُمۡ ضَآلِّينَ 69﴾:

ثم بيَّن جل وعلا أن هؤلاء الكفَّار لم يكن ضلالهم في وقت الدعوة، وإنما كان آباؤهم مِنْ قبلُ ضالِّين.

[70] ﴿فَهُمۡ عَلَىٰٓ ءَاثَٰرِهِمۡ يُهۡرَعُونَ 70﴾:

وبين سبحانه أنهم على آثار آبائهم مُسْرِعون في التقليدِ والمتابعة، والتصميمِ على ما كانوا عليه من الكُفْرِ والضلال، ومحارَبةِ الدعاة لتوحيد الله.

[71] ﴿وَلَقَدۡ ضَلَّ قَبۡلَهُمۡ أَكۡثَرُ ٱلۡأَوَّلِينَ 71﴾:

ثم قال جل وعلا: إن قومَكَ -أيها النبي- لم يكونوا بِدْعًا من الناس؛ فقد ضَلَّ قبلهم أكثر الأمم السابقة التي أرسَلَ سبحانه إليهم مَنْ يدعوهم إلى الإيمان والتوحيد.

[72] ﴿وَلَقَدۡ أَرۡسَلۡنَا فِيهِم مُّنذِرِينَ 72﴾:

ثم أخبَرَ جل وعلا أنه أرسَلَ في تلك الأمم السابقة مُنذِرين يُنذِرونهم ويحذِّرونهم من الشركِ والغَيِّ والضلال، فلم يستجيبوا لهم، ولم يرفعوا بهم رأسًا.

[73] ﴿فَٱنظُرۡ كَيۡفَ كَانَ عَٰقِبَةُ ٱلۡمُنذَرِينَ 73﴾:

ثم قال سبحانه لنبيه ﷺ تأمَّل -أيها النبي- كيف كان مصيرُ وعاقبةُ هؤلاء الذين أنذرَتْهم الرُّسُلُ؛ فلم يستجيبوا؟!

[74] ﴿إِلَّا عِبَادَ ٱللَّهِ ٱلۡمُخۡلَصِينَ 74﴾:

ثم استثنى جل وعلا من العذاب والدمار عبادَ اللهِ المخلَصِينَ الذين وفَّقهم الله للعمل الصالح، وأخلصوا لله؛ فنَجَوْا من الإهلاك والنار. وفي هذه الآيات والأحداث وتفاصيلها تسليةٌ للرسول ﷺ.

[75] ﴿وَلَقَدۡ نَادَىٰنَا نُوحٞ فَلَنِعۡمَ ٱلۡمُجِيبُونَ 75﴾:

أخبَرَ جل وعلا عن أول الرسل، وهو نوحٌ عليه السلام: أنه دعا الله أن يدمِّر قومه الكافرين، وألَّا يُبْقِيَ منهم أحدًا؛ لأنه دعاهم زمنًا طويلًا فلم يستجِبْ منهم إلا القليل.

[76] ﴿وَنَجَّيۡنَٰهُ وَأَهۡلَهُۥ مِنَ ٱلۡكَرۡبِ ٱلۡعَظِيمِ 76﴾:

فأخبر سبحانه أنه أجاب دعاء نوح عليه السلام، ونجَّاه وأهله ومَنْ آمن معه مِنَ الغَرَقِ بالطوفانِ العظيم الذي عَمَّ الكائناتِ الحيَّةَ في وقته، وقد دعا عليهم بعد أنْ قال الله له: ﴿أَنَّهُۥ لَن يُؤۡمِنَ مِن قَوۡمِكَ إِلَّا مَن قَدۡ ءَامَنَ﴾ [هود:٣٦].

[77] ﴿وَجَعَلۡنَا ذُرِّيَّتَهُۥ هُمُ ٱلۡبَاقِينَ 77﴾:

ثم أخبَرَ سبحانه أنه جعَلَ ذُرِّيَّةَ نُوحٍ هم الباقين؛ لأن الهلاك عَمَّ سكَّان الأرض ما عدا نوحًا وذُرِّيته، وأما مَنْ رَكِبَ معه من المؤمنين، قيل: إنهم ماتوا جميعًا، ولم يخلفوا ذُرِّية.

[78] ﴿وَتَرَكۡنَا عَلَيۡهِ فِي ٱلۡأٓخِرِينَ 78﴾:

ثم أخبَرَ جل وعلا أنه أبقى لنوحٍ ذِكْرًا وثناءً حَسَنًا فيمن جاء بعده مِنَ الأمم.

[79] ﴿سَلَٰمٌ عَلَىٰ نُوحٖ فِي ٱلۡعَٰلَمِينَ 79﴾:

ثم قال سبحانه: فسلامٌ وثناءٌ على نُوحٍ في الأوَّلين والآخرين.

[80] ﴿إِنَّا كَذَٰلِكَ نَجۡزِي ٱلۡمُحۡسِنِينَ 80﴾:

ثم أخبَرَ سبحانه أنه بمثل رِفْعةِ وجزاءِ نوحٍ نجزي كل مَنْ أحسَنَ في إيمانه وتقواه؛ وفي هذا بشارةٌ للمؤمنين.

[81] ﴿إِنَّهُۥ مِنۡ عِبَادِنَا ٱلۡمُؤۡمِنِينَ 81﴾:

ثم أخبر سبحانه أن نوحًا من عباد الله المؤمنين إيمانًا كاملًا تامًّا.

[82] ﴿ثُمَّ أَغۡرَقۡنَا ٱلۡأٓخَرِينَ 82﴾:

ثم أخبَرَ جل وعلا أنه أغرَقَ المكذِّبين المستهزئين مِنْ قوم نوح؛ حيث أغرَقَهم وأهلَكَهم بالطوفان، فلم يُبْقِ منهم أحدًا.

[83] ﴿وَإِنَّ مِن شِيعَتِهِۦ لَإِبۡرَٰهِيمَ 83﴾:

ثم ذكَرَ جل وعلا أن ممن سار سِيرةَ نُوحٍ، وسلَكَ مسلكه في الاستقامة والدعوة: هو إبراهيم؛ لأنه سار على مِلَّتِهِ ونهجِهِ وطريقته في النبوَّة، وأيضًا: فإن إبراهيم جاهد قومه، ولاقى مِنْ صنوف العذاب والأذى الذي لاقاه نُوحٌ، فصبَرَ كما صبَرَ نوح.

[84] ﴿إِذۡ جَآءَ رَبَّهُۥ بِقَلۡبٖ سَلِيمٍ 84﴾:

واذكُرْ -أيها النبي- حين جاء إبراهيم ربَّه بقلبٍ سليمٍ خالٍ مِنْ كلِّ شركٍ وشك، محذِّرًا قومه مما هم فيه مِن الشِّرْكِ والضلال.

[85] ﴿إِذۡ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوۡمِهِۦ مَاذَا تَعۡبُدُونَ 85﴾:

واذكُرْ يوم أن قال لأبيه وقومه متعجِّبًا مُنكِرًا عليهم: ما هذا الذي تعبدونه مِنْ دون الله، وتَصْرِفون له العبادة؟!

[86] ﴿أَئِفۡكًا ءَالِهَةٗ دُونَ ٱللَّهِ تُرِيدُونَ 86﴾:

ولما رأى إبراهيمُ تعلُّق قومه بالكواكب والأصنام، قال مستنكِرًا عليهم: أتَلْجَؤون لهذه الآلهة فتعبدونها من دون الله، وترجون منها الخَيْرَ والشفاعة، وتترُكُونَ عبادةَ اللهِ الواحدِ الأحد، الفَرْدِ الصمد، المستحِقِّ للعبادة وحده لا شريك له؟!.

[87] ﴿فَمَا ظَنُّكُم بِرَبِّ ٱلۡعَٰلَمِينَ 87﴾:

ثم قال لهم مستنكِرًا ومحذِّرًا مِنْ سوءِ العاقبة إذا استمرُّوا على هذا الكفر والضلال: فما ظنُّكم باللهِ ربِّ العالمين: أن يَفْعَلَ بكم إذا صرَفْتم العبادةَ لغيره؟! لا شكَ أنه سيحاسِبُكم حسابًا عسيرًا، ويعذِّبكم عذابًا أليمًا.

[88] ﴿فَنَظَرَ نَظۡرَةٗ فِي ٱلنُّجُومِ 88﴾:

ثم إن إبراهيم نظَرَ في النجوم نظرةً مُوهِمًا إياهم أنَّ لها تأثيرًا كما هو اعتقادهم، وكان حينها يتفكَّر كيف يعتذِرُ عن الخروج معهم إلى عِيدِهم؛ حيثُ دعَوْهُ للخروج معهم؛ وذلك ليخلو بالأصنام ويحطِّمها.

[89] ﴿فَقَالَ إِنِّي سَقِيمٞ 89﴾:

ثم التفَتَ إليهم، وقال لهم: إني مريضٌ، ولا أستطيعُ أن أَصْحَبَكم؛ وهذا من باب التعريض، وليس مِنْ باب الكذب.

[90] ﴿فَتَوَلَّوۡاْ عَنۡهُ مُدۡبِرِينَ 90﴾:

ثم بيَّن سبحانه أنهم تركوه لوحده وخرجوا إلى عيدهم.

[91] ﴿فَرَاغَ إِلَىٰٓ ءَالِهَتِهِمۡ فَقَالَ أَلَا تَأۡكُلُونَ 91﴾:

ثم إن إبراهيم أخَذَ الفأسَ وذهَبَ مسرعًا إلى أصنامهم وآلهتهم، وأخَذَ يقول لها: أَلَا تأكُلِينَ -أيتها الأصنام- من هذا الطعام؟!.

[92] ﴿مَا لَكُمۡ لَا تَنطِقُونَ 92﴾:

ثم قال لها: لماذا لا تنطقون وتجيبون على سؤالي؟! وهو يعلم أنها جماداتٌ لا تجيبُ؛ لكنه قال ذلك سخريةً بفعل قومه.

[93] ﴿فَرَاغَ عَلَيۡهِمۡ ضَرۡبَۢا بِٱلۡيَمِينِ 93﴾:

ثم أقبَلَ على آلهتهم، وأخَذَ يحطِّمها بيده، ولم يُبْقِ إلا أكبَرَهم؛ ليُثْبِتَ لقومه: أنها لا تدافِعُ عن أنفسها فضلًا عن غيرها، وأنهم أخطؤوا في عبادتها، وأنها لو كانت آلهةً، لما رَضِيَ كبيرهم أن يزاحمه في العبادة أحدٌ، ولحطَّمها.

[94] ﴿فَأَقۡبَلُوٓاْ إِلَيۡهِ يَزِفُّونَ 94﴾:

ولمَّا رجَعَ قومُ إبراهيم مِنْ رحلتهم، ووجدوا أصنامهم قد تكسَّرَتْ، هالهم ما رأَوْا، وأقبلوا يسأل بعضهم بعضًا: مَنْ حطَّم آلهتنا؟! فقال أحدهم: إنه سمع إبراهيم يهدِّد بكَيْدها، فذهبوا إلى إبراهيم مُسْرِعين غاضبين، وقالوا: ويحَكَ كيف فعَلْتَ هذا بآلهتنا؟! فقال لهم بتهكُّم واستنكار: لقد غَضِبَ كبيرُهم فحطَّمها، فاسألوهم إن كانوا ينطقون.

[95] ﴿قَالَ أَتَعۡبُدُونَ مَا تَنۡحِتُونَ 95﴾:

ثم قال لهم: هل تعبدون أصنامًا تَصْنَعُونها بأيديكم وتَنْحِتونها من الحجارة؟!

[96] ﴿وَٱللَّهُ خَلَقَكُمۡ وَمَا تَعۡمَلُونَ 96﴾:

ثم قال لهم: وتتركون عبادة الله الذي خلَقَكم وخلَقَ أعمالكم؟!

[97] ﴿قَالُواْ ٱبۡنُواْ لَهُۥ بُنۡيَٰنٗا فَأَلۡقُوهُ فِي ٱلۡجَحِيمِ 97﴾:

فلما حجَّهم إبراهيمُ وغلَبَهم؛ قال بعضهم لبعض: ابنوا له بنيانًا عاليًا مرتفعًا، وأوقدوا فيه نارًا عظيمةً، واطْرَحُوا إبراهيم فيها.

[98] ﴿فَأَرَادُواْ بِهِۦ كَيۡدٗا فَجَعَلۡنَٰهُمُ ٱلۡأَسۡفَلِينَ 98﴾:

وأرادوا بهذا الفعلِ إيقاعَ الشرِّ والهلاكِ به؛ فردَّ الله كَيْدَهم في نحورهم، ونجَّاه من النار، وجعَلَ أمر قومه في الأذلِّين.

[99] ﴿وَقَالَ إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَىٰ رَبِّي سَيَهۡدِينِ 99﴾:

وبعد أن نجَّى الله إبراهيم مِنْ كيد الأعداء، فإذا بأبيه يهدِّده بالرجم بالحجارة إذا لم ينته عن هذا المسلك، عندها قال إبراهيمُ: إني مهاجِرٌ من بلد قومي إلى حيثُ يأمرني ربي؛ لإقامة شعائر ديني بكلِّ حُرِّية، وسوف يَهْدِيني ربي إلى ما فيه صلاحُ ديني ودنياي؛ فكان أن هَدَاهُ الله إلى بلاد الشام، تلك الأرض المبارَكة.

[100] ﴿رَبِّ هَبۡ لِي مِنَ ٱلصَّٰلِحِينَ 100﴾:

وحيث إن إبراهيم كان وحيدًا، وليس عنده من يُؤْنِسُهُ من الأولاد؛ دعا الله أن يرزُقَهُ ولدًا صالحًا يستعين به على نَشْرِ دين الله.

[101] ﴿فَبَشَّرۡنَٰهُ بِغُلَٰمٍ حَلِيمٖ 101﴾:

فاستجاب الله له، ورزَقَهُ ولدًا متصِفًا بالحِلْمِ ومكارمِ الأخلاق؛ حيث رزَقَهُ بإسماعيل عليه وعلى أبيه السلام.

[102] ﴿فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ ٱلسَّعۡيَ قَالَ يَٰبُنَيَّ إِنِّيٓ أَرَىٰ فِي ٱلۡمَنَامِ أَنِّيٓ أَذۡبَحُكَ فَٱنظُرۡ مَاذَا تَرَىٰۚ قَالَ يَٰٓأَبَتِ ٱفۡعَلۡ مَا تُؤۡمَرُۖ سَتَجِدُنِيٓ إِن شَآءَ ٱللَّهُ مِنَ ٱلصَّٰبِرِينَ 102﴾:

وعندما شَبَّ إسماعيل، وصار عونًا لأبيه، قال له أبوه: يا بُنَيَّ، لقد رأيتُ في المنام أني أَذْبَحُكَ، فما رأيك؟ ومعلومٌ أن رؤيا الأنبياء حق، وكان إسماعيلُ عالمًا بشدَّةِ حُبِّ أبيه له، ولكنْ أَمْرَ الله لا بد أن يتم؛ فقال إسماعيل: يا أبت، افعَلْ ما أمرك الله به ولا تتردَّدْ، وستجدني -إن شاء الله- صابرًا محتسِبًا. ولا شك أن الله عز وجل لم يُرِدْ قتلَ إسماعيل، وإنما أراد سبحانه أن يَذْبَحَ التعلُّقَ الذي في قَلْبِ إبراهيمَ بغيره؛ حيث إن إبراهيم رُزِقَ بإسماعيلَ على كِبَرٍ، فتعلَّق به، أي: استولى على مشاعره، وهذا ينافي الخُلَّةَ التي منحها الله لإبراهيم.

[103] ﴿فَلَمَّآ أَسۡلَمَا وَتَلَّهُۥ لِلۡجَبِينِ 103﴾:

فلما أسلَمَ إبراهيمُ وإسماعيلُ أمرهما إلى الله، واستَسْلَما لِمَا أمَرَهما به، وألقى إبراهيمُ عليه السلام إسماعيلَ على جبينه ليُضْجِعَهُ ويذبحه، وهوى بالسِّكِّينِ، فوجَدَها لا تذبح، فأدركته رحمة الله بأنْ فداه بذِبْحٍ عظيم من الغنم.

[104] ﴿وَنَٰدَيۡنَٰهُ أَن يَٰٓإِبۡرَٰهِيمُ 104﴾:

ثم إن الله عز وجل نادى إبراهيمَ عليه السلام.

[105] ﴿قَدۡ صَدَّقۡتَ ٱلرُّءۡيَآۚ إِنَّا كَذَٰلِكَ نَجۡزِي ٱلۡمُحۡسِنِينَ 105﴾:

وقال له: لقد صدَّقْتَ الرؤيا يا إبراهيم، وبادَرْتَ إلى فِعْلِ ما أُمِرْتَ به مع شدَّته، فقد فرَّجنا عنك ولطَفْنا بك، وكذلك نَجْزِي كلَّ مَنْ أحسَنَ وبادر إلى ما أمَرْناه به، ولو وجَدَ في ذلك مشقَّةً وصعوبة.

[106] ﴿إِنَّ هَٰذَا لَهُوَ ٱلۡبَلَٰٓؤُاْ ٱلۡمُبِينُ 106﴾:

ثم وصَفَ سبحانه الأَمْرَ بذبح إبراهيم لابنه: أنه مِنَ الامتحانِ العظيم، والذي لا يحتمِلُهُ إلا أصحابُ العزائم العالية، وقد نجَحَ عليه السلام في الامتحان؛ ولهذا استحقَّ الكرامة العظمى والخُلَّة، وجعل الأنبياء بعده مِنْ ذُرِّيته وأحفاده.

[107] ﴿وَفَدَيۡنَٰهُ بِذِبۡحٍ عَظِيمٖ 107﴾:

ومن مظاهرِ فَضْلِ الله على هذَيْن النبيَّيْنِ: أنه امتَنَّ عليهما بأنْ فدى إسماعيلَ عليه السلام بذِبْحٍ عظيمٍ من الغنم، ذُبِحَ بَدَلًا عنه.

[108] ﴿وَتَرَكۡنَا عَلَيۡهِ فِي ٱلۡأٓخِرِينَ 108﴾:

ثم أخبَرَ جل وعلا أنه أبقى لإبراهيمَ ذِكْرًا وثناءً حسنًا فيمن جاء بعده مِنَ الأمم.

[109] ﴿سَلَٰمٌ عَلَىٰٓ إِبۡرَٰهِيمَ 109﴾:

فسلامٌ وثناءٌ على إبراهيم في الأوَّلين والآخرين.

[110] ﴿كَذَٰلِكَ نَجۡزِي ٱلۡمُحۡسِنِينَ 110﴾:

ثم أخبَرَ سبحانه أنه بمِثْلِ رفعةِ وجزاءِ إبراهيم نجزي كلَّ مَنْ أحسن في إيمانه وتقواه؛ وفي هذا بشارةٌ للمؤمنين.

[111] ﴿إِنَّهُۥ مِنۡ عِبَادِنَا ٱلۡمُؤۡمِنِينَ 111﴾:

وأخبَرَ سبحانه أن إبراهيمَ مِنْ عباد الله المؤمنين إيمانًا كاملًا تامًّا.

[112] ﴿وَبَشَّرۡنَٰهُ بِإِسۡحَٰقَ نَبِيّٗا مِّنَ ٱلصَّٰلِحِينَ 112﴾:

ثم إنَّ الله جل وعلا أتمَّ نعمته على إبراهيم، فبشَّره بمولود آخر، وهو إسحاقُ عليه السلام، وجعله نبيًّا من الصالحين، وبارَكَ سبحانه عليهما وعلى الصالحِ مِنْ ذريتهما.

[113] ﴿وَبَٰرَكۡنَا عَلَيۡهِ وَعَلَىٰٓ إِسۡحَٰقَۚ وَمِن ذُرِّيَّتِهِمَا مُحۡسِنٞ وَظَالِمٞ لِّنَفۡسِهِۦ مُبِينٞ 113﴾:

ثم أخبَرَ سبحانه أنَّ مِنْ ذُرِّية إبراهيم وإسحاق مَنْ هو محسنٌ لنفسه بالطاعة والإيمان، ومَنْ هو ظالمٌ لها بالكفر والعصيان.

وقد استدَلَّ الشيخُ عبد العزيز بن باز رَحِمَهُ الله وأكثرُ المفسِّرين بذكر إسحاقَ بعد قصَّة الذبيح أن الذَّبِيحَ هو إسماعيلُ عليه السلام، أمَّا قوله ﷺ: «أَنَا ابْنُ الذَّبِيحَيْنِ»؛ فهو حديثٌ ضعيف، وإسحاقُ هو والدُ يعقوبَ عليه السلام الذي ينتمي إليه بنو إسرائيل.

[114] ﴿وَلَقَدۡ مَنَنَّا عَلَىٰ مُوسَىٰ وَهَٰرُونَ 114﴾:

ثم أخبَرَ جل وعلا أنه امتَنَّ على موسى وهارون بأن أنعَمَ عليهما بنِعَمٍ عظيمة، ومن أعظم هذه النعم: نعمةُ النبوَّة والرسالة. والمنَّانُ: اسمٌ من أسماء الله، والمَنُّ: صفةٌ، تعني: أنه الذي يعطي ابتداءً مِنْ غير سؤال، وهي بالنسبة لله صفةُ مَدْحٍ يُحْمَدُ ويُشْكَرُ عليها.

[115] ﴿وَنَجَّيۡنَٰهُمَا وَقَوۡمَهُمَا مِنَ ٱلۡكَرۡبِ ٱلۡعَظِيمِ 115﴾:

ومن النعمِ التي امتَنَّ الله بها على موسى وهارون: أنه خلَّصهما وقومهما مِنَ الغَرَق، ومِنَ استعباد فرعون لهم، ومِنْ قتل أطفالهم الذكور، واستحياءِ البناتِ لخِدْمة الأقباطِ والفَرَاعنة.

[116] ﴿وَنَصَرۡنَٰهُمۡ فَكَانُواْ هُمُ ٱلۡغَٰلِبِينَ 116﴾:

ومِن مظاهرِ مِنَّةِ الله على موسى وهارون: نصرُ الله لهما ولمن آمَنَ بهما، وكانوا بسببِ هذا النصر هم الغالِبِينَ لأعدائهم.

[117] ﴿وَءَاتَيۡنَٰهُمَا ٱلۡكِتَٰبَ ٱلۡمُسۡتَبِينَ 117﴾:

ثم أخبَرَ جل وعلا أنَّ مِن مظاهر نعمته على موسى وهارون: أنْ أنزَلَ عليهما الكتابَ البيِّنَ الواضح.

[118] ﴿وَهَدَيۡنَٰهُمَا ٱلصِّرَٰطَ ٱلۡمُسۡتَقِيمَ 118﴾:

وأخبر سبحانه أنه هداهما إلى دِينِ الإسلامِ؛ الدِّينِ الحق الذي ابتعَثَ الله به أنبياءه.

[119] ﴿وَتَرَكۡنَا عَلَيۡهِمَا فِي ٱلۡأٓخِرِينَ 119﴾:

ثم أخبَرَ جل وعلا أنه أبقى لموسى وهارون ذِكْرًا وثناءً حسنًا فيمن جاء بعدهما من الأمم.

[120] ﴿سَلَٰمٌ عَلَىٰ مُوسَىٰ وَهَٰرُونَ 120﴾:

ثم قال سبحانه: فسلامٌ وثناءٌ علىهما في الأوَّلين والآخرين.

[121] ﴿إِنَّا كَذَٰلِكَ نَجۡزِي ٱلۡمُحۡسِنِينَ 121﴾:

ثم بيَّن سبحانه أنه بمِثْلِ رفعةِ وجزاءِ موسى وهارون نَجْزِي كلَّ مَنْ أحسَنَ في إيمانه وتقواه؛ وفي هذا بشارة للمؤمنين.

[122] ﴿إِنَّهُمَا مِنۡ عِبَادِنَا ٱلۡمُؤۡمِنِينَ 122﴾:

ثم بيَّن سبحانه أن موسى وهارون عليهما السلام مِنْ عباد الله المؤمنين إيمانًا كاملًا تامًّا.

[123] ﴿وَإِنَّ إِلۡيَاسَ لَمِنَ ٱلۡمُرۡسَلِينَ 123﴾:

ثم أخبَرَ جل وعلا أن عبده إِلْياسَ من الذين أكرمَهَم الله بالرسالة.

[124] ﴿إِذۡ قَالَ لِقَوۡمِهِۦٓ أَلَا تَتَّقُونَ 124﴾:

ثم بيَّن سبحانه أن إلياسَ قال لقومه: أَلَا تخافون الله وتتَّقونه؟! ولا تُشْرِكوا معه أحدًا غيره. وإلياسُ بنُ ياسينَ مِنْ أحفاد هارون أخي موسى عليهما السلام، وقد أرسَلَهُ الله إلى أهل بَعْلَبَكَّ، وهي بلدة مشهورة في الشام بهذا الاسم حتى الآنَ.

[125] ﴿أَتَدۡعُونَ بَعۡلٗا وَتَذَرُونَ أَحۡسَنَ ٱلۡخَٰلِقِينَ 125﴾:

ثم قال إلياسُ لقومه مبكِّتًا لهم: كيف تعبُدُونَ هذا الصنم الذي لا يضُرُّ ولا ينفع وتترُكُونَ عبادةَ اللهِ أحسنِ الخالقين؟!

[126] ﴿ٱللَّهَ رَبَّكُمۡ وَرَبَّ ءَابَآئِكُمُ ٱلۡأَوَّلِينَ 126﴾:

ثم بيَّن لهم أن الله هو ربُّهم الذي خلَقَهم وخلَقَ آباءهم السابقين.

[127] ﴿فَكَذَّبُوهُ فَإِنَّهُمۡ لَمُحۡضَرُونَ 127﴾:

واستمرَّ إلياس في دعوة قومه إلى عبادة الله وحده، ولكنهم كذَّبوه؛ فكانت النتيجة أن استحقُّوا العذاب، فنزَلَتْ بهم العقوبة في الدنيا، وسيَجْمَعهم الله يوم القيامة فيُحاسِبُهم، ثم تكونُ نهايتهم نارَ جهنَّم خالدين فيها، وبئس المصير.

[128] ﴿إِلَّا عِبَادَ ٱللَّهِ ٱلۡمُخۡلَصِينَ 128﴾:

ثم استثنى جلَّ في علاه عبادَ اللهِ المخلَصين الذين سمعوا النصيحةَ، وأسلموا مع إلياس، وأخلَصُوا دينهم لله وحده؛ فهؤلاء ناجون مِنَ الإحضار للعذاب والنار.

[129] ﴿وَتَرَكۡنَا عَلَيۡهِ فِي ٱلۡأٓخِرِينَ 129﴾:

ثم أخبَرَ جل وعلا أنه جعَلَ لإلياسَ ذِكْرًا حسنًا فيمن جاء بعده مِنَ الأمم.

[130] ﴿سَلَٰمٌ عَلَىٰٓ إِلۡ يَاسِينَ 130﴾:

فسلامٌ وثناءٌ على إلياسَ في الأوَّلين والآخرين.

[131] ﴿إِنَّا كَذَٰلِكَ نَجۡزِي ٱلۡمُحۡسِنِينَ 131﴾:

واعلموا أن بمِثْلِ رفعةِ وجزاءِ إلياسَ نَجْزِي كلَّ مَنْ أحسَنَ في إيمانه وتقواه؛ وفي هذا بشارةٌ للمؤمنين.

[132] ﴿إِنَّهُۥ مِنۡ عِبَادِنَا ٱلۡمُؤۡمِنِينَ 132﴾:

ثم أخبَرَ سبحانه أن إلياسَ مِنْ عباد الله المؤمنين إيمانًا كاملًا تامًّا.

[133] ﴿وَإِنَّ لُوطٗا لَّمِنَ ٱلۡمُرۡسَلِينَ 133﴾:

ثم أخبَرَ جل وعلا أنه اصطفى لُوطًا وجعله مِنْ عباده المرسَلين. ولوطٌ: هو ابنُ أخي إبراهيمَ (هارون)، وقد نصَحَ قومه وطلَبَ منهم الكَفَّ عن الجرائم التي لم يرتكِبْها أحدٌ قبلهم، ولم يستجيبوا، ولم يكتفوا بعصيانه، بل هدَّدوه بالإبعاد؛ فنزَلَتْ بهم العقوبة، وخُسِفَ ببلادهم، وهي معروفة على الطريق الذي يمُرُّ عليها المسافرون قديمًا في بلاد الشام.

[134] ﴿إِذۡ نَجَّيۡنَٰهُ وَأَهۡلَهُۥٓ أَجۡمَعِينَ 134﴾:

واذكُرْ -أيها النبي- يوم أن نجَّى الله لوطًا عليه السلام وأهلَهُ أجمعين من العذاب.

[135] ﴿إِلَّا عَجُوزٗا فِي ٱلۡغَٰبِرِينَ 135﴾:

وبين سبحانه أنه استثنى امرأتَهُ العجوزَ من أهله الناجين؛ حيث هلَكَتْ مع الذين هلكوا، بسببِ كُفْرِها وجحودِها.

[136] ﴿ثُمَّ دَمَّرۡنَا ٱلۡأٓخَرِينَ 136﴾:

ثم أخبر سبحانه أنه أهلَكَ بالعقوبةِ والعذابِ الباقِينَ من قوم لوط.

[137] ﴿وَإِنَّكُمۡ لَتَمُرُّونَ عَلَيۡهِم مُّصۡبِحِينَ 137﴾:

ثم نبَّه جل شأنه أهلَ مكَّة وغيرهم أنهم يمُرُّونَ في أسفارهم على منازلِ قومِ لوطٍ في وقت الصباح.

[138] ﴿وَبِٱلَّيۡلِۚ أَفَلَا تَعۡقِلُونَ 138﴾:

ونبه سبحانه أيضًا أنهم يمرون عليها في وقت المساء، وأنهم يَرَوْنَ كيف أن الله قلَبَها وجعَلَ عاليَهَا سافلَهَا، وأُمْطِروا بالحجارة التي كانت عذابًا لهم؛ أفلا تعتبرون -أيها الناس- بأحوال هذه الأمم، وما حَلَّ بهم من دمار وعذاب؛ فتخافوا أن يَحِلَّ بكم ما حَلَّ بهم.

[139] ﴿وَإِنَّ يُونُسَ لَمِنَ ٱلۡمُرۡسَلِينَ 139﴾:

ثم أخبَرَ جل وعلا أنه اصطفى يُونُسَ عليه السلام، وجعَلَهُ من عباده المرسلين، وهو يونُسُ بنُ مَتَّى، الذي أرسَلَهُ الله إلى أهلِ نِينَوَى، وهي قريةٌ على شاطئ دِجْلةَ في أرضِ المَوْصِلِ شمالَ العراق، وقد دعا قومه للإيمان فكذَّبوه وآذَوْه.

[140] ﴿إِذۡ أَبَقَ إِلَى ٱلۡفُلۡكِ ٱلۡمَشۡحُونِ 140﴾:

فلما يَئِسَ عليه السلام من إيمان قومه وأيقَنَ أن العذابَ حالٌّ بهم، تركهم وهرَبَ، ولم ينتظِرِ الأمرَ من الله، فلما وصَلَ عليه السلام إلى البحر، وجَدَ سفينةً مشحونةً بالركاب والدوابِّ، فأركبوه معهم.

[141] ﴿فَسَاهَمَ فَكَانَ مِنَ ٱلۡمُدۡحَضِينَ 141﴾:

ثم بين سبحانه أن السفينة بعد أن سارت بهم، إذ بأمواج البحر العاتية الشديدة كادت أن تغرق سفينتهم مما اضطرهم الأمر إلى تخفيف حمل السفينة، فعملوا قُرْعةً، فوقَعَتْ عليه، فرمَوْهُ في البحر.

[142] ﴿فَٱلۡتَقَمَهُ ٱلۡحُوتُ وَهُوَ مُلِيمٞ 142﴾:

ثم بيَّن سبحانه أن الحوت ابتلعه بسرعة بعد أن رموه في البحر؛ عقوبةً منه سبحانه على فعله هذا؛ لأنه ترَكَ قومه وذهَبَ بدون إذن من الله.

[143] [144] ﴿فَلَوۡلَآ أَنَّهُۥ كَانَ مِنَ ٱلۡمُسَبِّحِينَ 143 لَلَبِثَ فِي بَطۡنِهِۦٓ إِلَىٰ يَوۡمِ يُبۡعَثُونَ 144﴾:

ثم أخبَرَ جل وعلا أن يونس عليه السلام كان من المداومين على العبادةِ والعملِ الصالح قبل أن يَلْتَهِمَهُ الحوت، وكان أيضًا مداومًا على التسبيح بعد أن التَقَمَهُ. ثم بيَّن سبحانه: لولا أنَّه عليه السلام كان كثير التسبيح لَمَكَثَ في بطن الحوت إلى يوم القيامة. والتسبيحُ الذي كان مداوِمًا عليه وهو في بَطْنِ الحوتِ هو قوله: ﴿لَّآ إِلَٰهَ إِلَّآ أَنتَ سُبۡحَٰنَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ ٱلظَّٰلِمِينَ﴾ [الأنبياء:٨٧].

[145] ﴿فَنَبَذۡنَٰهُ بِٱلۡعَرَآءِ وَهُوَ سَقِيمٞ 145﴾:

ثم بين سبحانه أنه بفضل الله، ثم بفضلِ أعمالِهِ الصالحةِ، استجاب الله دعاءه، وأمَرَ الحوت بقَذْفه على الساحل، وهو في حالةِ مَرَضٍ شديدٍ؛ بسبب ما لحقه مِنْ تعبٍ وأذًى وهو في بطن الحوت.

[146] ﴿وَأَنۢبَتۡنَا عَلَيۡهِ شَجَرَةٗ مِّن يَقۡطِينٖ 146﴾:

وبين سبحانه أنه حماية ليونس عليه السلام من الشمس، أنبَتَ الله عليه شجرة القَرْع التي أظلَّته، فصارت كأنها كالعريش فوق رأسه.

[147] ﴿وَأَرۡسَلۡنَٰهُ إِلَىٰ مِاْئَةِ أَلۡفٍ أَوۡ يَزِيدُونَ 147﴾:

وبعد أن استعاد يونس صِحَّته، بين سبحانه أنه أعاد إرساله إلى قومه الذين وصل عددهم إلى مائة ألف أو أكثر من ذلك.

[148] ﴿فَـَٔامَنُواْ فَمَتَّعۡنَٰهُمۡ إِلَىٰ حِينٖ 148﴾:

ولما جاء عليه السلام إلى قومه وجَدَهم نادمين تائبين؛ فصدَّقوا به جميعًا، وعملوا بما جاء به؛ ولأجلِ ذلك متَّعهم الله في حياتهم الدنيا بأنواعِ النِّعَم، واستمرَّ في قيادتهم وإرشادهم حتى انتهت آجالهم.

[149] ﴿فَٱسۡتَفۡتِهِمۡ أَلِرَبِّكَ ٱلۡبَنَاتُ وَلَهُمُ ٱلۡبَنُونَ 149﴾:

ثم أمَرَ جل وعلا نبيَّه محمدًا ﷺ أن يسأل هؤلاء الكفَّار سؤالَ توبيخٍ وتأنيب: بأيِّ حقٍّ وبأيِّ وجهٍ جعلوا لله البناتِ، وجعلوا لأنفسهم البنين؟! وسبب هذا السؤال: أنهم قالوا زورًا وبهتانًا: إن الملائكة بناتُ الله.

[150] ﴿أَمۡ خَلَقۡنَا ٱلۡمَلَٰٓئِكَةَ إِنَٰثٗا وَهُمۡ شَٰهِدُونَ 150﴾:

ثم أمَرَ نبيه ﷺ أن يسأل هؤلاء الكفار: هل كانوا حاضرين حين خلَقَ الله الملائكة كما يزعمون؟!

[151] ﴿أَلَآ إِنَّهُم مِّنۡ إِفۡكِهِمۡ لَيَقُولُونَ 151﴾:

ثم بيَّن سبحانه أنَّ مِنْ كذبِ وافتراءِ هؤلاءِ المشركين سوف يقولون كلامًا عظيمًا منكرًا على الله جل في علاه.

[152] ﴿وَلَدَ ٱللَّهُ وَإِنَّهُمۡ لَكَٰذِبُونَ 152﴾:

ثم بين سبحانه هذا الكلام المنكر الفظيع: وهو زَعْمَهم أن لله وَلَدًا؛ فليعلم هؤلاء أنهم كاذبون مفترون على الله في زَعْمهم هذا.

[153] ﴿أَصۡطَفَى ٱلۡبَنَاتِ عَلَى ٱلۡبَنِينَ 153﴾:

ثم أمَرَ نبيه ﷺ مقرِّعًا إياهم: هل اختار اللهُ البناتِ على البنين الذكور؟! ومِنْ أين علمتم ذلك أيها المشركون؟!

[154] ﴿مَا لَكُمۡ كَيۡفَ تَحۡكُمُونَ 154﴾:

ثم قل لهم -أيها النبي-: ما الذي جعَلَكم تحكُمُونَ هذا الحكم الجائر؟!

[155] ﴿أَفَلَا تَذَكَّرُونَ 155﴾:

وقل لهم أيضًا: أفلا تَعْقِلونَ وتُميِّزونَ ما تنطقون به؟!

[156] ﴿أَمۡ لَكُمۡ سُلۡطَٰنٞ مُّبِينٞ 156﴾:

وقل لهم أيضًا: أم لكم حجةٌ قويَّةٌ ظاهرةٌ على قولكم وافترائكم؟!

[157] ﴿فَأۡتُواْ بِكِتَٰبِكُمۡ إِن كُنتُمۡ صَٰدِقِينَ 157﴾:

وقل لهم أيضًا: فإنْ كنتم صادقين فيما تقولون، ولكم بذلك حجةٌ، فأْتُوا بالكتابِ الذي يُثبِتُ هذا القول.

[158] ﴿وَجَعَلُواْ بَيۡنَهُۥ وَبَيۡنَ ٱلۡجِنَّةِ نَسَبٗاۚ وَلَقَدۡ عَلِمَتِ ٱلۡجِنَّةُ إِنَّهُمۡ لَمُحۡضَرُونَ 158﴾:

ثم أضاف المشركون جريمةً وافتراءً آخَرَ على الله؛ حيث جعلوا بين الجِنَّةِ وبين اللهِ نسبًا، وقد عَلِمَتِ الجِنَّةُ أنهم سيُحْضَرُونَ هم والمشركون للجزاء، وسيقفون بين يَدَيِ الله للعَرْض والحساب. قال مجاهدٌ: الجِنُّ فرعٌ من فروع الملائكة؛ فيحضرون الملائكة ليكذِّبوهم يوم الحساب.

[159] ﴿سُبۡحَٰنَ ٱللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ 159﴾:

ثم نزَّه جل في عُلاه نفسه عمَّا وصفه به هؤلاء المشركون مِنْ أن الملائكةَ بنات الله، فتعالى سبحانه وتقدس عما يقول هؤلاء الظالمون علوًّا كبيرًا.

[160] ﴿إِلَّا عِبَادَ ٱللَّهِ ٱلۡمُخۡلَصِينَ 160﴾:

ثم استثنى جل وعلا عباد الله المخلَصِينَ المؤمنين؛ لأنهم لا يصفون الله جل في علاه إلا بما يَلِيقُ بجلاله وعظمته، فيسمُّونه بما سمَّى به نفسه، ويصفونه بما وصَفَ به نفسه في كتابه، أو على لسان رسوله ﷺ؛ مِنْ غير تحريفٍ ولا تعطيل، ومن غيرِ تكييفٍ ولا تمثيل.

[161] ﴿فَإِنَّكُمۡ وَمَا تَعۡبُدُونَ 161﴾:

واعلموا -أيها المشركون- أنكم أنتم والذين تعبُدُونهم من دون الله من سائر الآلهة الباطلة ضعفاء أمام قدرة الله جل في علاه.

[162] ﴿مَآ أَنتُمۡ عَلَيۡهِ بِفَٰتِنِينَ 162﴾:

ثم بين سبحانه دليل ضعفهم أنهم لا يقْدِرونَ أن يفتنوا أحدًا من عباد الله المخلصين عن دينه، أو يوقِعوه في الشرك والضلال.

[163] ﴿إِلَّا مَنۡ هُوَ صَالِ ٱلۡجَحِيمِ 163﴾:

ثم استثنى سبحانه فقال: إلا مَنْ قدَّرنا عليه أن يَصْلَى الجحيم، ويدخُلَ النار، وهم الذين أصرُّوا على الكفر والضلال بعد تبليغ الرُّسُل لهم.

[164] ﴿وَمَا مِنَّآ إِلَّا لَهُۥ مَقَامٞ مَّعۡلُومٞ 164﴾:

ثم اعترَفَتِ الملائكة بطاعتهم الكاملة لله، فقالت: ما مِنَّا أحدٌ من الملائكة إلا له مقامٌ معلومٌ في عبادةِ الله، وتنفيذِ أوامره.

[165] ﴿وَإِنَّا لَنَحۡنُ ٱلصَّآفُّونَ 165﴾:

وقالت الملائكة أيضًا: وإنَّا جميعًا صافُّون في طاعة الله وعبادته.

[166] ﴿وَإِنَّا لَنَحۡنُ ٱلۡمُسَبِّحُونَ 166﴾:

وقالت الملائكة أيضًا: وإنا جميعًا مسبِّحون لله، منزِّهون له عمَّا لا يليق به جل في علاه.

[167] ﴿وَإِن كَانُواْ لَيَقُولُونَ 167﴾:

ثم أخبَرَ جل وعلا عن مشركي العرب: أنهم كانوا يقولون أقوالًا تدل على كذبهم وعدم صدقهم.

[168] ﴿لَوۡ أَنَّ عِندَنَا ذِكۡرٗا مِّنَ ٱلۡأَوَّلِينَ 168﴾:

ثم بين سبحانه أنهم قالوا: لو جاءنا مثلُ ما جاء الأوَّلين من الرُّسُل والكُتُب.

[169] ﴿لَكُنَّا عِبَادَ ٱللَّهِ ٱلۡمُخۡلَصِينَ 169﴾:

وقالوا أيضًا: لو حصل ذلك لكنَّا من عباد الله الموحِّدين إياه، والمخلصين له في العبادة.

[170] ﴿فَكَفَرُواْ بِهِۦۖ فَسَوۡفَ يَعۡلَمُونَ 170﴾:

ولكن بين سبحانه أنه لمَّا جاءهم ما تمنَّوْا، كفروا به وكذَّبوه، وجحدوه، ولهذا سوف يعلمون عاقبةَ ذلك ومَغَبَّته.

[171] ﴿وَلَقَدۡ سَبَقَتۡ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا ٱلۡمُرۡسَلِينَ 171﴾:

ثم سلَّى جل وعلا نبيه محمدًا ﷺ، فقال: ولقد سبَقَتْ كلمتنا -التي لا تتبدَّل ولا تتخلَّف- لعبادنا المرسلين، ولأتباعهم.

[172] ﴿إِنَّهُمۡ لَهُمُ ٱلۡمَنصُورُونَ 172﴾:

ثم بين سبحانه هذه الكلمة وهي: أنَّ النصرَ والغَلَبة والفلاح من نصيبهم.

[173] ﴿وَإِنَّ جُندَنَا لَهُمُ ٱلۡغَٰلِبُونَ 173﴾:

وبين سبحانه أيضًا: أن جنده الذين يجاهدون في سبيل الله امتثالًا لأمر الله؛ هم الغالبون الفائزون فوزًا عظيمًا على كلِّ حال، فإمَّا الفَوْز بالنصر والتمكين، وإما الفَوْز بالشهادة التي يقابِلونَ بها ربَّ العالمين.

[174] ﴿فَتَوَلَّ عَنۡهُمۡ حَتَّىٰ حِينٖ 174﴾:

ثم أمَرَ جل وعلا نبيه محمدًا ﷺ أن يُعرِضَ عن هؤلاء المكذِّبين المعاندين مُدَّةً محدَّدةً معلومةً.

[175] ﴿وَأَبۡصِرۡهُمۡ فَسَوۡفَ يُبۡصِرُونَ 175﴾:

وأمره أيضًا أن يُنْظِرَهم، فسوف يُبْصِرونَ ويَرَوْنَ ما يَحِلُّ بهم من العذاب والهلاك.

[176] ﴿أَفَبِعَذَابِنَا يَسۡتَعۡجِلُونَ 176﴾:

ثم سأل جل وعلا سؤال توبيخ وتأنيب: أفبعذابنا يستعجِلُ هؤلاء المكذِّبون المعاندون؟!

[177] ﴿فَإِذَا نَزَلَ بِسَاحَتِهِمۡ فَسَآءَ صَبَاحُ ٱلۡمُنذَرِينَ 177﴾:

فليعلم هؤلاء أن العذاب لو نزَلَ بفنائهم وحَلَّ بهم، فبئس الصباحُ صباحُهم؛ لأنهم كانوا يقولون: يا محمد، أَرِنا العذاب الذي تخوِّفنا به.

[178] ﴿وَتَوَلَّ عَنۡهُمۡ حَتَّىٰ حِينٖ 178﴾:

ثم كرَّر جل وعلا الآيتَيْنِ بمثل الآيتَيْنِ (174-175) آمرًا نبيَّه محمدًا ﷺ أن يُعرِضَ عن هؤلاء المكذِّبين المعاندين مدَّةً محدَّدةً معلومةً.

[179] ﴿وَأَبۡصِرۡ فَسَوۡفَ يُبۡصِرُونَ 179﴾:

وأمره أيضًا أن يُنْظِرَهُم فسوف يُبْصِرونَ ويَرَوْنَ ما يَحِلُّ بهم من العذاب والهلاك؛ وكان هذا قبل الإِذْنِ بالقتال.

[180] ﴿سُبۡحَٰنَ رَبِّكَ رَبِّ ٱلۡعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ 180﴾:

وبعد أن ذكَرَ جل وعلا جملة من افتراءات الكفَّار والمشركين؛ نزه نفسه سبحانه عما يقوله هؤلاء المفترون عليه؛ فتنزَّه وتقدَّس ربك -أيها النبي- عمَّا يصفه به هؤلاء الجاهلون.

[181] ﴿وَسَلَٰمٌ عَلَى ٱلۡمُرۡسَلِينَ 181﴾:

ثم قال سبحانه تحيةً وأمانًا من الله على عباده المرسلين.

[182] ﴿وَٱلۡحَمۡدُ لِلَّهِ رَبِّ ٱلۡعَٰلَمِينَ 182﴾:

وختم سبحانه السورة مخبرًا أن الثناءَ الكاملُ لله رب العالمين؛ فهو سبحانه المحمود على كل حال، والمستحِقُّ لذلك وحده لا شريك له.

سورة ص

سورة ص مكيَّة، وآياتها ثمانٍ وثمانون آية.

[1] ﴿صٓۚ وَٱلۡقُرۡءَانِ ذِي ٱلذِّكۡرِ 1﴾:

سبق الكلام على الحروف المقطَّعة في أول سورة البقرة. ثم أقسَمَ جل وعلا بهذا القرآنِ العظيمِ المشتمِلِ على مصالح العباد في الدنيا والآخرة، وعلى تذكيرِهم بما هم عنه غافلون، وتذكيرِهم بقصصِ الأنبياءِ والأُمَمِ الماضية التي تكبَّرت وكفَرَتْ بدِينِ الله.

[2] ﴿بَلِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ فِي عِزَّةٖ وَشِقَاقٖ 2﴾:

ثم أخبَرَ سبحانه بأن الذين كفروا في تكبُّرٍ واستعلاءٍ ومشاقَّةٍ ومعاداةٍ للرسل ولما أَتَوْا به.

[3] ﴿كَمۡ أَهۡلَكۡنَا مِن قَبۡلِهِم مِّن قَرۡنٖ فَنَادَواْ وَّلَاتَ حِينَ مَنَاصٖ 3﴾:

ثم ذكَرَ جل وعلا أنه أهلَكَ كثيرًا من الأمم السابقة التي أنزَلَ بها الدمار والهلاك؛ فلما رَأُوا العذاب، نادَوْا بالتوبة بعد أن فات وقتها، وبحثوا عن مَخْرَجٍ أو مُغِيثٍ، فلم يجدوا من يغيثهم أو يخلِّصهم، والمرادُ: تحذير كفار مكة من أن يكون مصيرُهم كهؤلاء الذين وُصِفَتْ حالتهم.

[4] ﴿وَعَجِبُوٓاْ أَن جَآءَهُم مُّنذِرٞ مِّنۡهُمۡۖ وَقَالَ ٱلۡكَٰفِرُونَ هَٰذَا سَٰحِرٞ كَذَّابٌ 4﴾:

أخبَرَ جل وعلا أن هؤلاء المشركين تعجَّبوا مِنْ بعث الله إليهم بَشَرًا منهم يدعونهم إلى التوحيد، ويخوِّفونهم عذاب الله، ثم قالوا: إنه ليس رسولًا، بل هو كاذب فيما يزعمه عن الله، وإنه ساحِرٌ من السَّحَرة؛ لأنه يأتي بأمورٍ خارقةٍ لا يقبلها عقلٌ.

[5] ﴿أَجَعَلَ ٱلۡأٓلِهَةَ إِلَٰهٗا وَٰحِدًاۖ إِنَّ هَٰذَا لَشَيۡءٌ عُجَابٞ 5﴾:

ثم بين سبحانه أن مما تعجب به هؤلاء المشركين: أن النبي ﷺ: جعَلَ الآلهة إلهًا واحدًا؟! ولا شك أن هذا الذي جاء به شيءٌ يدعو للتعجُّب والاستغراب.

[6] ﴿وَٱنطَلَقَ ٱلۡمَلَأُ مِنۡهُمۡ أَنِ ٱمۡشُواْ وَٱصۡبِرُواْ عَلَىٰٓ ءَالِهَتِكُمۡۖ إِنَّ هَٰذَا لَشَيۡءٞ يُرَادُ 6﴾:

وانطلَقَ أشراف قريشٍ، ومَنْ لهم كلمة مسموعة في قومهم، قائلين لهم، ومحرِّضين إياهم على الثبات على الشِّرْك: اصبروا على عبادة آلهتكم -وإن تعدَّدت- فإنَّ هذه الدعوةَ التي قام بها محمَّد ﷺ مقصودةٌ، ومُرَادُهُ من ذلك: أن يَقُودكم ويَسُوسكم، ويكون له الأمرُ عليكم.

[7] ﴿مَا سَمِعۡنَا بِهَٰذَا فِي ٱلۡمِلَّةِ ٱلۡأٓخِرَةِ إِنۡ هَٰذَآ إِلَّا ٱخۡتِلَٰقٌ 7﴾:

ثم قالوا لهم: اعلموا يا قومنا أننا لم نَسْمَعْ بمثل هذه الدعوة في الملة النصرانيَّة التي هي آخِرُ الملل، ولا سَمِعنا آباءنا ولا آباءهم يقولون بها، لقد جاء محمَّد بأمر افتراه واخترعه من عند نفسه.

[8] ﴿أَءُنزِلَ عَلَيۡهِ ٱلذِّكۡرُ مِنۢ بَيۡنِنَاۚ بَلۡ هُمۡ فِي شَكّٖ مِّن ذِكۡرِيۚ بَل لَّمَّا يَذُوقُواْ عَذَابِ 8﴾:

ثم سأل هؤلاء المشركون: هل اختَصَّ محمدٌ -من بيننا- وحده بنزولِ الذِّكْرِ والقرآنِ والدِّينِ عليه؟! ثم بيَّن سبحانه أن الكفار يكذِّبون النبي ﷺ ويفترون عليه بدون علم ولا بيِّنة، وإنما تجرَّؤوا على ذلك؛ لأنهم اغترُّوا بإمهالهم، ولم يذوقوا العذاب، ولم يَحِلَّ بهم الهلاك، وسيعلمون حين يعذَّبون أن ما جاءهم به هو الحق، ولن ينفعهم العِلْمُ بذلك حين ينزل بهم العذاب.

[9] ﴿أَمۡ عِندَهُمۡ خَزَآئِنُ رَحۡمَةِ رَبِّكَ ٱلۡعَزِيزِ ٱلۡوَهَّابِ 9﴾:

ثم رَدَّ سبحانه منكرًا عليهم، فقال: أم أن هؤلاء المشركين يَمْلِكونَ خزائنَ فَضْلِ الله، العزيزِ الذي لا يستطيعُ أحدٌ أن يمنعه أن يُنْزِلَ هذا القرآنَ على محمَّد ﷺ، الوهَّابِ الذي لا منازعَ له؟!

[10] ﴿أَمۡ لَهُم مُّلۡكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ وَمَا بَيۡنَهُمَاۖ فَلۡيَرۡتَقُواْ فِي ٱلۡأَسۡبَٰبِ 10﴾:

وقال سبحانه أيضًا: أم أنهم يملكون السموات والأرض وما بينهما فيُعْطُونَ منها كيفما شاؤوا؟! فإذا كان لهم قدرةٌ فليأخذوا بالأسباب التي توصِّلهم إلى السماء، ثم ليغيِّروا الأحكام والتصرُّفات التي لا تروق لهم، وهيهات؛ فلا منازِعَ له ولا رادَّ لقضائه جل في علاه.

[11] ﴿جُندٞ مَّا هُنَالِكَ مَهۡزُومٞ مِّنَ ٱلۡأَحۡزَابِ 11﴾:

ثم بشَّر جل وعلا نبيه ﷺ، فقال له: فلا تَحزَنْ -أيها النبي- لعناد هؤلاء المشركين وشقاقهم؛ فإنهم مهزومون، كما هُزِمَتْ مِنْ قبلهم الأحزاب التي تحزَّبت على رُسُلها وكذَّبتها.

[12] ﴿كَذَّبَتۡ قَبۡلَهُمۡ قَوۡمُ نُوحٖ وَعَادٞ وَفِرۡعَوۡنُ ذُو ٱلۡأَوۡتَادِ 12﴾:

ثم بيَّن سبحانه لنبيه ﷺ تسليةً له؛ أن كثيرًا من الأقوام قبل قومك كذَّبوا رسلهم؛ فقد كذَّبت قبلهم قومُ نوح، وعادٌ قومُ هود، وفرعونُ صاحبُ الجنودِ الهائلةِ والقوَّة العظيمة.

[13] ﴿وَثَمُودُ وَقَوۡمُ لُوطٖ وَأَصۡحَٰبُ لۡـَٔيۡكَةِۚ أُوْلَٰٓئِكَ ٱلۡأَحۡزَابُ 13﴾:

وبين سبحانه أيضًا أن من الأقوام الذين كذبوا رسلهم: ثمودُ قومُ صالح، وقومُ لُوط، وقومُ شعيب الذي أرسله الله إلى مَدْيَنَ، وأرسله إلى أصحابِ الأَيْكَةِ ذاتِ الأشجار والبساتين الكثيفة الملتفَّة؛ فهذه بعضُ الأحزاب التي تحزَّبت وتجمَّعت واتفقت على الكفر بربِّها، وتكذيب رسلها.

[14] ﴿إِن كُلٌّ إِلَّا كَذَّبَ ٱلرُّسُلَ فَحَقَّ عِقَابِ 14﴾:

ثم أخبَرَ سبحانه أن كلَّ هؤلاء كذَّبوا الرسل، وجحَدُوهم، ولم يؤمنوا بما جاؤوهم به مِنَ التوحيدِ والإيمان، فحقَّ عليهم عذابُ الله، ونزَلَ بهم عقابه وسَخَطه.

[15] ﴿وَمَا يَنظُرُ هَٰٓؤُلَآءِ إِلَّا صَيۡحَةٗ وَٰحِدَةٗ مَّا لَهَا مِن فَوَاقٖ 15﴾:

ثم بيَّن سبحانه أن هؤلاء المشركين ما ينتظرون مِنْ نزولِ العذابِ الذي سيَحِلُّ بهم إلا نفخةً واحدةً ليس لها تَكْرار؛ قال ابن عباس رضي الله عنه في قوله: ﴿مَّا لَهَا مِن فَوَاقٖ﴾: أي: ما لها مِنْ رجوعٍ، وقال بعض المفسِّرين: إنَّ هذه الصيحةَ إذا جاءت لا تستأخِرُ ولو فترةً قصيرةً مقدارَ فُوَاقِ ناقة، وهي المدَّة ما بين الحَلْبَتَيْنِ؛ لأنها تجيء في موعدها المحدَّد.

[16] ﴿وَقَالُواْ رَبَّنَا عَجِّل لَّنَا قِطَّنَا قَبۡلَ يَوۡمِ ٱلۡحِسَابِ 16﴾:

ثم قال هؤلاء المشركون: ربَّنا عَجِّلْ لنا نصيبنا مِنَ العذاب الذي توعَّدنا به محمد ﷺ، ولا تؤخِّرْهُ إلى يوم القيامة. قال بعض المفسِّرين: قالوا هذا على سبيل السخرية والاستهزاء والاستبعاد. والقِطُّ: هو النصيبُ، وأصله: الصَّكُّ أو الرقعةُ التي يكتبها الوالي؛ فهم يستعجلون نصيبهم مِنَ العذاب يريدونه في الدنيا.

[17] ﴿ٱصۡبِرۡ عَلَىٰ مَا يَقُولُونَ وَٱذۡكُرۡ عَبۡدَنَا دَاوُۥدَ ذَا ٱلۡأَيۡدِۖ إِنَّهُۥٓ أَوَّابٌ 17﴾:

ثم قال جل وعلا لنبيه ﷺ مؤنسًا ومسلِّيًا: واصبِرْ -أيها النبي- على ما يقول هؤلاء المشركون مما تَكْرَهُ، فسوف يَرَوْنَ ما يسوؤهم، واذكُرْ قصة عبدنا داود صاحب القوَّة في تنفيذ أوامر الله؛ لقد كان كثيرَ الرجوعِ إلى ما يُرْضِي الله.

وأمَرَهُ جل في علاه لنبيه ﷺ بالصبر ليتقوى على ما يلاقي من تعنُّت قومه وأذيَّتهم.

[18] ﴿إِنَّا سَخَّرۡنَا ٱلۡجِبَالَ مَعَهُۥ يُسَبِّحۡنَ بِٱلۡعَشِيِّ وَٱلۡإِشۡرَاقِ 18﴾:

ثم أخبَرَ جل وعلا أنه سخَّر لداود الجبال يردِّدْنَ معه التسبيحَ والتنزيهَ لله؛ إذا سبَّح الله صباحًا ومساءً.

[19] ﴿وَٱلطَّيۡرَ مَحۡشُورَةٗۖ كُلّٞ لَّهُۥٓ أَوَّابٞ 19﴾:

وأخبَرَ سبحانه أنه سخَّر له أيضًا الطير تردِّدُ التسبيح معه، واعلموا أن كلًّا من الجبال والطير رَجَّاعٌ لله سبحانه وتعالى، قال مجاهدٌ: كان داودُ يَسْمَعُ تسبيحَ الجبالِ والطير.

[20] ﴿وَشَدَدۡنَا مُلۡكَهُۥ وَءَاتَيۡنَٰهُ ٱلۡحِكۡمَةَ وَفَصۡلَ ٱلۡخِطَابِ 20﴾:

وأخبَرَ سبحانه أنه قوَّى مُلْكَ داود وثبَّته، وأعطاه النبوَّة والحكم والفصل بين الناس في النزاعات والخصومات.

[21] ﴿وَهَلۡ أَتَىٰكَ نَبَؤُاْ ٱلۡخَصۡمِ إِذۡ تَسَوَّرُواْ ٱلۡمِحۡرَابَ 21﴾:

ثم قال سبحانه لنبيه ﷺ: وهل جاءك -أيها النبي- خبَرُ المتخاصمين اللذَيْنِ لم يدخلا على نبيِّ الله داود عليه السلام؛ بل طلَعَا على سُورِ منزِلِه.

[22] ﴿إِذۡ دَخَلُواْ عَلَىٰ دَاوُۥدَ فَفَزِعَ مِنۡهُمۡۖ قَالُواْ لَا تَخَفۡۖ خَصۡمَانِ بَغَىٰ بَعۡضُنَا عَلَىٰ بَعۡضٖ فَٱحۡكُم بَيۡنَنَا بِٱلۡحَقِّ وَلَا تُشۡطِطۡ وَٱهۡدِنَآ إِلَىٰ سَوَآءِ ٱلصِّرَٰطِ 22﴾:

ثم أخبر سبحانه أنهما دخَلَا على داود في محلِّ عبادته بلا استئذان؛ فخاف منهما وفَزِعَ لذلك، فَطَمْأَنَاهُ قائلين: لا تَخَفْ ولا تفزع؛ فما نحن إلا خَصْمان ظلَمَ أحدنا الآخر؛ فاحكُمْ وافصِلْ بيننا بالعدل، ولا تَظْلِمْ بأن تميل مع أحدنا دون الآخر، ودُلَّنا على الحق، وأرشدنا إليه، واحْمِلْنا عليه.

[23] ﴿إِنَّ هَٰذَآ أَخِي لَهُۥ تِسۡعٞ وَتِسۡعُونَ نَعۡجَةٗ وَلِيَ نَعۡجَةٞ وَٰحِدَةٞ فَقَالَ أَكۡفِلۡنِيهَا وَعَزَّنِي فِي ٱلۡخِطَابِ 23﴾:

فقال أحدهما: إنَّ هذا أخي عنده تسعٌ وتسعونَ نَعْجةً، وأنا ما عندي إلا نعجة واحدة، فطلَبَ مني أن يأخُذَها، وتكونَ له ويُدخِلَها في نِعَاجِهِ؛ لتكمُلَ المائة، وغلبني في الحُجَّة والكلام والجدال.

[24] ﴿قَالَ لَقَدۡ ظَلَمَكَ بِسُؤَالِ نَعۡجَتِكَ إِلَىٰ نِعَاجِهِۦۖ وَإِنَّ كَثِيرٗا مِّنَ ٱلۡخُلَطَآءِ لَيَبۡغِي بَعۡضُهُمۡ عَلَىٰ بَعۡضٍ إِلَّا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ وَقَلِيلٞ مَّا هُمۡۗ وَظَنَّ دَاوُۥدُ أَنَّمَا فَتَنَّٰهُ فَٱسۡتَغۡفَرَ رَبَّهُۥ وَخَرَّۤ رَاكِعٗاۤ وَأَنَابَ 24﴾:

فقال داود عليه السلام مباشرةً -وقيل: إنه لم يَسْمَعْ مِن الآخَرِ-: لقد ظلَمَكَ وتجاوَزَ حدَّه في طلبه أن تضُمَّ نعجتك إلى نعاجه، وإن كثيرًا من الشركاء والقرناء ليعتدي بعضهم على بعض، ويتجاوَزُ بعضهم في حق بعض، إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات؛ فهؤلاء يَمْنَعُهم إيمانهم وعملهم الصالح مِنْ الظلم والتعدِّي والبغي، وهذا الصنفُ مِن المؤمنين قليلٌ جِدًّا، ولما حكَمَ داود بينهما، أيقَنَ أنَّ الله اختبره وامتحنه في هذه القضيَّة، وأنه لم يوفَّقْ في الحكم؛ حيث لم يسمعْ كلامَ وحُجَّةَ صاحب النعاجِ الكثيرة؛ ولهذا طلَبَ من اللهِ المغفرةَ لِمَا صَدَر منه، ثم خرَّ ساجدًا لله، ورجَعَ إلى ربه ومولاه بالتوبة النصوح وبالعبادة، معترِفًا أنه تسرَّع؛ ولذا لم يكمل التحقيق في القضية.

[25] ﴿فَغَفَرۡنَا لَهُۥ ذَٰلِكَۖ وَإِنَّ لَهُۥ عِندَنَا لَزُلۡفَىٰ وَحُسۡنَ مَـَٔابٖ 25﴾:

ثم أخبَرَ جل وعلا أنه غفَرَ لداود عليه السلام، وقَبِلَ توبته وإنابته، وأخبَرَ أن له منزلةً عاليةً، ومرجعًا حسنًا، ودَرَجةً عاليةً في جنات النعيم. والنعجةُ المذكورة في هذه الآية هي الشاةُ المعروفة، وليست المرأةَ؛ كما قال القُرْطُبيُّ في تفسيره، وداودُ عليه السلام أخذته العاطفةُ والرحمةُ والشفقةُ بصاحب النَّعْجةِ، فاستعجَلَ الحكم، وحكَمَ قبل أن يستمع لكلام خَصْمه، فعاتبه ربُّه، فلما أدرَكَ أنه أخطأ، استغفَرَ ربه وخَرَّ ساجدًا له، فعفا الله عنه. أما حكايةُ زوجة أُورِيَّا التي قيل: إن داود رآها تغتسِلُ فأعجبته، فهي من افتراءات اليهود، ومعلومٌ أنَّ جرأةَ اليهودِ على أنبيائهم كبيرةٌ وكثيرة؛ فقد قتلوا زكريا ويحيى، وقالوا: إنَّ سليمانَ سخَّر الجِنَّ بالسحر، وقالوا: إن موسى عليه السلام آدَرُ، وقالوا لقريش: إنَّ دينكم أحسنُ من دين محمد ﷺ، والقصَّة التي افترَوْها على داود لا تصدُرُ عن أحد من الصالحين؛ فضلًا عن الأنبياء المعصومين من الكبائر، وهذه ليست مِنَ اللَّمَمِ، والحقُّ: أن قضية تسوُّر الخصمَيْنِ على داود في محرابِهِ مِن أجلِ عَرْضها عليه هي نعاجٌ، أي: أنثى الشياه، أي: الغَنَم، والمأخَذُ عليه: أنه حكَمَ، فقال: (لقد ظلَمَكَ)، قبل أن يستوضِحَ من الخَصْم الآخر.

[26] ﴿يَٰدَاوُۥدُ إِنَّا جَعَلۡنَٰكَ خَلِيفَةٗ فِي ٱلۡأَرۡضِ فَٱحۡكُم بَيۡنَ ٱلنَّاسِ بِٱلۡحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ ٱلۡهَوَىٰ فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِۚ إِنَّ ٱلَّذِينَ يَضِلُّونَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ لَهُمۡ عَذَابٞ شَدِيدُۢ بِمَا نَسُواْ يَوۡمَ ٱلۡحِسَابِ 26﴾:

ثم أخبَرَ سبحانه أنه جعَلَ نبيه داود خليفةً في الأرض، وأمره أن يحكُمَ بين الناس بالحق والعدل، وأن يَحْذَرَ من اتِّباع هواه بأن يميل مع أحدٍ في القضاء؛ فيكونَ ذلك سببًا في ضلالِهِ، وإخراجِهِ عن الصراط المستقيم؛ فإن الذين يَضِلُّونَ عن سبيل الله باتِّباع أهوائهم، وتَرْكِ أحكامِ الله -من القُضَاةِ وغيرهم- هؤلاءِ لهم عذابٌ شديدٌ مؤلمٌ مُوجِعٌ؛ بسببِ اتِّباع أهوائهم، وبسبب غَفْلتهم عن الآخرة، ونسيانِهِمُ العَرْضَ على الله، والوقوفَ بين يدَيْه.

[27] ﴿وَمَا خَلَقۡنَا ٱلسَّمَآءَ وَٱلۡأَرۡضَ وَمَا بَيۡنَهُمَا بَٰطِلٗاۚ ذَٰلِكَ ظَنُّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْۚ فَوَيۡلٞ لِّلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنَ ٱلنَّارِ 27﴾:

أخبَرَ جل وعلا أنه ما خلَقَ هذه السماء وهذه الأرض وما بينهما عَبَثًا ولَعبًا من غير مصلحةٍ وحكمةٍ مقصودة؛ فهذا ظنُّ لا يليق بالله، وهو ظن الذين كفروا بالله ورسله؛ فويلٌ لهم من نار جهنَّم!

[28] ﴿أَمۡ نَجۡعَلُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ كَٱلۡمُفۡسِدِينَ فِي ٱلۡأَرۡضِ أَمۡ نَجۡعَلُ ٱلۡمُتَّقِينَ كَٱلۡفُجَّارِ 28﴾:

ثم أخبَرَ جل وعلا أن مِنْ حكمتِهِ عدَمَ المساواة بين أهلِ التقوى وأهلِ الفجور، فقال سبحانه: وهل نساوي بين الذين آمنوا بالله، واتَّبعوا رسله، وعملوا الأعمال الصالحة، بالمفسِدِينَ في الأرض بالشركِ والظلمِ والبغي؟! وهل نساوي بين مَنْ آمن بالله وخافه، وجعَلَ بينه وبين عذابه وقايةً بطاعةِ أوامرِهِ واجتنابِ نواهيه، بمَنْ هو فاجرٌ خارجٌ عن طاعة ربه؟! فهذا غير لائق بحِكْمته وعِزَّته؛ فتقدَّس وتنزَّه سبحانه عن ذلك.

[29] ﴿كِتَٰبٌ أَنزَلۡنَٰهُ إِلَيۡكَ مُبَٰرَكٞ لِّيَدَّبَّرُوٓاْ ءَايَٰتِهِۦ وَلِيَتَذَكَّرَ أُوْلُواْ ٱلۡأَلۡبَٰبِ 29﴾:

ثم بيَّن سبحانه أن هذا القرآنَ الذي أنزله على نبيه ﷺ هو كتابٌ مبارَكٌ فيه خير كثير، وعلمٌ غزير، وهدًى وشفاءٌ ونُور، والحكمةُ من إنزاله: أن يتدبَّر الناس آياته، ويتفكَّروا في معانيها، ويعملوا بها؛ فتحصُلُ لهم هدايةُ العقولِ والقلوب، وليتذكَّرَ ويتَّعظ بآياته أصحابُ العقولِ الراجحة، والفهومِ المستقيمة.

[30] ﴿وَوَهَبۡنَا لِدَاوُۥدَ سُلَيۡمَٰنَۚ نِعۡمَ ٱلۡعَبۡدُ إِنَّهُۥٓ أَوَّابٌ 30﴾:

أخبَرَ جل وعلا أنه أكرَمَ نبيَّه داود عليه السلام، فوهَبَهُ النبيَّ الصالح سليمان؛ فكان نِعْمَ العبدُ دِينًا وخُلُقًا وعبادةً ورجوعًا إلى الله بالتوبة والإنابة، وأكرَمَهُ الله بعد أبيه بالرسالة والمُلْك؛ فكان رسولًا ومَلِكًا، وأُعْطِيَ مُلْكًا لم يُعْطَ أحدٌ مثله.

[31] ﴿إِذۡ عُرِضَ عَلَيۡهِ بِٱلۡعَشِيِّ ٱلصَّٰفِنَٰتُ ٱلۡجِيَادُ 31﴾:

واذكُرْ -أيها الرسول- حين عُرِضَتْ على سليمانَ عليه السلام الخيولُ الأصيلةُ السريعةُ، من بعد زوالِ الشمسِ، واستمَرَّ العَرْضُ حتى غيابها؛ ففاتته صلاةُ العصر، فأدرَكَ أنه أخطأ فنَدِمَ.

[32] ﴿فَقَالَ إِنِّيٓ أَحۡبَبۡتُ حُبَّ ٱلۡخَيۡرِ عَن ذِكۡرِ رَبِّي حَتَّىٰ تَوَارَتۡ بِٱلۡحِجَابِ 32﴾:

فقال عليه السلام: إنني آثَرْتُ حبَّ العِزَّةِ والفخر عن ذِكْر ربي حتى غابت الشمس.

[33] ﴿رُدُّوهَا عَلَيَّۖ فَطَفِقَ مَسۡحَۢا بِٱلسُّوقِ وَٱلۡأَعۡنَاقِ 33﴾:

ثم أمَرَ عليه السلام باسترداد الخيول التي أعجبته، وقام بقَطْعِ سيقانها ورؤوسها بالسيف تقرُّبًا إلى الله بها وبدمائها؛ لعلَّ ذلك يكون تكفيرًا لخطئه؛ فقبلها الله منه. قال بعضُ المفسِّرين في تفسير هذه الآية: (إنَّ سليمان لما ردَّ الخيولَ، مسَحَ أعناقَها بيده؛ إما تكريمًا، أو إعجابًا بها)، وقد سمعتُ الشيخ عبد العزيز المسند في إذاعة القرآن الكريم يقول بهذا القول أيضًا، وقصدُهُمْ: إكرامُ نبيِّ الله مِن أن ينتقِمَ من بهيمةٍ، فيذبحها حَنَقًا وغيظًا، وغاب عنهم أنه إنما قدَّمها قربانًا إلى الله لعلَّه يعفو عن إضاعةِ صلاةِ العصر، ولعله يرضى عنه، وقد تم ما أراد؛ فأكرَمَهُ الله بالنبوَّةِ والمُلْكِ الفريد الذي اختصَّ به، ثم إن نص الآية: ﴿مَسۡحَۢا بِٱلسُّوقِ وَٱلۡأَعۡنَاقِ﴾، فهل سيقانها وأضلاعها تُمْسَحُ؟! فالقائلون -وهم الجمهور- أن قَطْعَ رؤوسِها وأقدامِها بالسيفِ أجدَرُ؛ وهو الحق.

[34] ﴿وَلَقَدۡ فَتَنَّا سُلَيۡمَٰنَ وَأَلۡقَيۡنَا عَلَىٰ كُرۡسِيِّهِۦ جَسَدٗا ثُمَّ أَنَابَ 34﴾:

ثم أخبَرَ جل وعلا أنه امتحَنَ سليمان واختبَرَهُ يوم أن قال: لأَطُوفَنَّ الليلةَ على تسعينَ امرأةً، تأتي كلُّ واحدةٍ بفارسٍ يقاتل في سبيل الله، ولم يقل: إن شاء الله، فلم تَلِدْ أيٌّ منهنَّ إلا امرأةً واحدة، ولَدَتْ نصفَ إنسان، فأناب سليمان عليه السلام، ورجَعَ إلى الله وتاب إليه، فتاب الله عليه.

[35] ﴿قَالَ رَبِّ ٱغۡفِرۡ لِي وَهَبۡ لِي مُلۡكٗا لَّا يَنۢبَغِي لِأَحَدٖ مِّنۢ بَعۡدِيٓۖ إِنَّكَ أَنتَ ٱلۡوَهَّابُ 35﴾:

ثم دعا عليه السلام ربَّه قائلًا: رَبِّ، اغفِرْ لي ما كان مني من خطأ وتقصير، وأعطني مُلْكًا خاصًّا بي لا يكونُ لأحدٍ بعدي مثله، إنك -يا ربِّ- عظيمُ المواهبِ والعطايا.

[36] ﴿فَسَخَّرۡنَا لَهُ ٱلرِّيحَ تَجۡرِي بِأَمۡرِهِۦ رُخَآءً حَيۡثُ أَصَابَ 36﴾:

فاستجاب جل وعلا لسليمان دعاءه، وسخَّر له الرِّيحَ وذلَّلها بأنْ جعَلَها منقادةً له، فكانت ريحًا ليِّنةً تجري حيث يأمرها، وحيثُ يريد.

[37] ﴿وَٱلشَّيَٰطِينَ كُلَّ بَنَّآءٖ وَغَوَّاصٖ 37﴾:

وبين سبحانه أنه ذلَّل له شياطينَ الجِنِّ يستخدمهم فيما يريد مِنْ أعمالٍ كالبناءِ والغَوْصِ في البحار ونحو ذلك.

[38] ﴿وَءَاخَرِينَ مُقَرَّنِينَ فِي ٱلۡأَصۡفَادِ 38﴾:

وبين سبحانه أن هناك مجموعةٌ أخرى ممن تمرَّد وخرَجَ عن طاعته مِنْ مَرَدةِ الشياطين؛ جعلهم الله مقرَّنين ومصفَّدين في الأغلال.

[39] ﴿هَٰذَا عَطَآؤُنَا فَٱمۡنُنۡ أَوۡ أَمۡسِكۡ بِغَيۡرِ حِسَابٖ 39﴾:

ثم قال جل وعلا لسليمان: هذا عطاؤُنا إياك، وتفضُّلُنا عليك، وإكرامُنا لك، فأَعْطِ مَنْ تشاء، وامنَعْ مَنْ تشاء، فلن نحاسِبَكَ على ذلك؛ لمعرفتنا بكمالِ عَدْلك وتقواك وفَضْلك.

[40] ﴿وَإِنَّ لَهُۥ عِندَنَا لَزُلۡفَىٰ وَحُسۡنَ مَـَٔابٖ 40﴾:

ثم أخبَرَ سبحانه بأن لسليمان في الآخِرةِ منزلةً عاليةً رفيعةً، وأنه من المقرَّبين عند الله جل في علاه.

[41] ﴿وَٱذۡكُرۡ عَبۡدَنَآ أَيُّوبَ إِذۡ نَادَىٰ رَبَّهُۥٓ أَنِّي مَسَّنِيَ ٱلشَّيۡطَٰنُ بِنُصۡبٖ وَعَذَابٍ 41﴾:

واذكر -أيها النبي- بأحسن الذكر نبينا أيُّوب عليه السلام لما دعا ربَّه، والتجأ إليه، وطرَحَ همَّه عليه، واشتكى إليه: أن الشيطان أصابه بألمٍ شديد، فأصبَحَ في مشقَّةٍ وتعبٍ وعذاب، ونسَبَ عليه السلام الضُرَّ الذي أصابه إلى الشيطان، مع أنه مِنَ الله؛ لأنه السبب في الذنب، وهو الذي جعله يُعْجَبُ بكثرةِ ماله، وقيل: لأن محتاجًا استغاثه، فلم يُغِثْه.

[42] ﴿ٱرۡكُضۡ بِرِجۡلِكَۖ هَٰذَا مُغۡتَسَلُۢ بَارِدٞ وَشَرَابٞ 42﴾:

ثم أمَرَ جل وعلا نبيه أيوب أن يَضْرِبَ الأرض بِرِجْله فسينبُعُ منها ماءٌ عذبٌ يشربُ منه ثم يغتسلُ منه، وسيذهبُ عنه الأذى والضر.

[43] ﴿وَوَهَبۡنَا لَهُۥٓ أَهۡلَهُۥ وَمِثۡلَهُم مَّعَهُمۡ رَحۡمَةٗ مِّنَّا وَذِكۡرَىٰ لِأُوْلِي ٱلۡأَلۡبَٰبِ 43﴾:

ثم إن الله جل وعلا كشَفَ ما بأيوب من ضُرِّ، ورجَعَ له أهلَهُ، وزادهم، فكانوا مِثْلَيْ ما كانوا من قبل؛ رحمةً منه سبحانه بأيوب، وعِظَةً وعِبْرةً لأصحاب العقول الراجحة، والفِطَر السليمة.

[44] ﴿وَخُذۡ بِيَدِكَ ضِغۡثٗا فَٱضۡرِب بِّهِۦ وَلَا تَحۡنَثۡۗ إِنَّا وَجَدۡنَٰهُ صَابِرٗاۚ نِّعۡمَ ٱلۡعَبۡدُ إِنَّهُۥٓ أَوَّابٞ 44﴾:

ثم أمَرَ جل وعلا نبيه أيوب أن يأخُذَ حُزْمةً من شماريخِ النخلِ، ويَضْرِبَ بها زوجتَهُ إبرارًا بيمينه؛ وسببُ حِنْثِ أيوب في يمينه: أن زوجته كانت تتردَّد على زوجها يوميًّا للعناية به، فأخطأت ذات يوم، فغَضِبَ عليها، فأقسَمَ أن يضربها مائة سَوْط؛ فبرحمةٍ مِن الله خفَّف العقوبة بأن يأخُذَ عِذْقَ نخلة يابسًا قد نُزِعَ تمره، وفيه أكثَرُ من مائة شِمْراخٍ، فيضربها به مرةً واحدة، ثم أخبَرَهُ سبحانه أن هذا العمل لا يجعله يَحْنَثُ في يمينه؛ فرحمها الله ورحمه بهذه الفتوى. ثم أخبَرَ سبحانه أن أيوب كان صابرًا على البلاء، فنِعْمَ العبدُ هو، إنه رجَّاع إلى طاعة الله وقد استدَلَّ بعض العلماء بهذه الآية في التخفيف على الضعيفِ والكبيرِ الذي يرتكِبُ جُرْمًا يستوجب الجَلْدَ؛ إذا كان الجلد يُمْرِضه أو يُهْلِكه.

[45] ﴿وَٱذۡكُرۡ عِبَٰدَنَآ إِبۡرَٰهِيمَ وَإِسۡحَٰقَ وَيَعۡقُوبَ أُوْلِي ٱلۡأَيۡدِي وَٱلۡأَبۡصَٰرِ 45﴾:

واذكر -أيها النبي- بأحسن الذكر عبادنا الذين أخلَصُوا لله العبادة: إبراهيمَ وإسحاقَ ويعقوبَ، أصحابَ القُوَّةِ في العبادة والطاعة، وأصحابَ البصيرة في دين الله.

[46] ﴿إِنَّآ أَخۡلَصۡنَٰهُم بِخَالِصَةٖ ذِكۡرَى ٱلدَّارِ 46﴾:

ثم أخبَرَ سبحانه أنه خصَّهم بخَصْلة امتازوا بها عن غيرهم، وهي تذكُّر الدار الآخرة على الدوام، والعمَلُ والاستعداد لها.

[47] ﴿وَإِنَّهُمۡ عِندَنَا لَمِنَ ٱلۡمُصۡطَفَيۡنَ ٱلۡأَخۡيَارِ 47﴾:

وأخبر سبحانه أنهم عند الله لمن المختَارِينَ مِن صَفْوة البشر، وأنهم من الأخيار الصالحين.

[48] ﴿وَٱذۡكُرۡ إِسۡمَٰعِيلَ وَٱلۡيَسَعَ وَذَا ٱلۡكِفۡلِۖ وَكُلّٞ مِّنَ ٱلۡأَخۡيَارِ 48﴾:

واذكر -أيها النبي- بأحسنِ الذكرِ أيضًا عبادنا إسماعيلَ واليَسَعَ وذا الكِفْل؛ فكلُّ هؤلاء الأنبياء ممن اختارهم الله واصطفاهم، واختار لهم أكمَلَ الصفات والأحوال.

[49] ﴿هَٰذَا ذِكۡرٞۚ وَإِنَّ لِلۡمُتَّقِينَ لَحُسۡنَ مَـَٔابٖ 49﴾:

ثم بيَّن سبحانه أن هذا الذي قصَّه على نبيه ﷺ ذِكْرٌ حسَنٌ وثناءٌ جميلٌ لهؤلاءِ الأنبياء، وبيَّن سبحانه أنه وعد المتقين مِنْ عباده الذين جعلوا بينهم وبين عذاب الله وقايةً بفعلِ أوامرِهِ واجتنابِ نواهيه؛ وَعْدًا كريمًا، أن مَرْجِعهم ومثواهم في غاية الحُسْنِ.

[50] ﴿جَنَّٰتِ عَدۡنٖ مُّفَتَّحَةٗ لَّهُمُ ٱلۡأَبۡوَٰبُ 50﴾:

ثم بين سبحانه أن هذا الوعد الذي وعده للمتقين من عباده هو خلودهم في جنَّات النعيم، التي تُفتَحُ لهم أبوابها إكرامًا لهم.

[51] ﴿مُتَّكِـِٔينَ فِيهَا يَدۡعُونَ فِيهَا بِفَٰكِهَةٖ كَثِيرَةٖ وَشَرَابٖ 51﴾:

وبين سبحانه أن هؤلاء المتقين يدخلون الجنة ويجلسون فيها متكئين على الأرائك المزيَّنات، ويطلُبُونَ -وهم على هذه الحالة- أنواعَ الفواكهِ والشرابِ الكثيرةَ التي يشتهونها.

[52] ﴿وَعِندَهُمۡ قَٰصِرَٰتُ ٱلطَّرۡفِ أَتۡرَابٌ 52﴾:

ثم بين سبحانه أن عندهم في الجَنَّةِ الحُورُ العِينُ اللاتي يقصُرْنَ أطرافَهُنَّ على أزواجهِنَّ، وهنَّ في سنٍّ واحدة، وهو أعدلُ سنِّ الشباب وأحسَنُهُ وألذُّه.

[53] ﴿هَٰذَا مَا تُوعَدُونَ لِيَوۡمِ ٱلۡحِسَابِ 53﴾:

ثم يقال لأهل الجنة: هذا هو النعيمُ الذي وعَدَكم الله أن تَلْقَوْهُ يوم الحساب والجزاء.

[54] ﴿إِنَّ هَٰذَا لَرِزۡقُنَا مَا لَهُۥ مِن نَّفَادٍ 54﴾:

واعلموا أن هذا النعيمُ الذي رزقكم الله به دائمٌ مستمرٌّ، لا ينقطِعُ ولا يفنى؛ نسألُ الله الكريم من فضله.

[55] ﴿هَٰذَاۚ وَإِنَّ لِلطَّٰغِينَ لَشَرَّ مَـَٔابٖ 55﴾:

واعلموا أن هذا النعيم الذي وصَفه الله لكم جزاءٌ للمتقين، أما الطاغون المتجاوزون حدَّهم في الشركِ والعنادِ وتكذيب الرُّسُل؛ فإن مصيرهم ومَرْجِعهم لَأَسْوَأُ مرجعٍ وأَقْبَحُه.

[56] ﴿جَهَنَّمَ يَصۡلَوۡنَهَا فَبِئۡسَ ٱلۡمِهَادُ 56﴾:

وبين سبحانه أن هذا المصير هو نار جهنَّم يدخلونها ويعذَّبون فيها عذابًا يحيطُ بهم مِنْ كل جانب؛ فبئس ما مهَّدوا لأنفسهم، وبئس فِرَاشُ النارِ الذي أُعِدَّ لهم مسكنًا ومستقرًّا.

[57] ﴿هَٰذَا فَلۡيَذُوقُوهُ حَمِيمٞ وَغَسَّاقٞ 57﴾:

واعلموا أن هذا المرجع والمصير المُخْزي ليذوقُهُ ويقاسيه أهل النار، مع ماءٍ مغليٍّ شديدِ الحرارةِ، فإذا شربوه يكاد أن يقطِّع أمعاءهم، ويشربون معه ما سال من جلودِ ولحومِ وفروجِ أهلِ النار من عُصَارةٍ وصديدٍ وقَيْحٍ.

[58] ﴿وَءَاخَرُ مِن شَكۡلِهِۦٓ أَزۡوَٰجٌ 58﴾:

واعلموا أيضًا أن لهم عذابٌ آخَرُ من نوعه، فهم في النار يُقاسُونَ أصنافَ الخِزْي، وألوانَ العذاب.

[59] ﴿هَٰذَا فَوۡجٞ مُّقۡتَحِمٞ مَّعَكُمۡ لَا مَرۡحَبَۢا بِهِمۡۚ إِنَّهُمۡ صَالُواْ ٱلنَّارِ 59﴾:

ثم يُقالُ لقادة الكفر والضلال وهم يُعذَّبونَ في النار: هذا فريقٌ من الكفَّار يقتحِمُ النار ويدخُلُها معكم، فيقول القادة: لا مرحبًا بهم، ولا سَعَةً عليهم، ولا راحةً لهم، فهم داخلون للنار، مقاسُونَ لحَرِّها وإحراقها ولهيبها.

[60] ﴿قَالُواْ بَلۡ أَنتُمۡ لَا مَرۡحَبَۢا بِكُمۡۖ أَنتُمۡ قَدَّمۡتُمُوهُ لَنَاۖ فَبِئۡسَ ٱلۡقَرَارُ 60﴾:

فيقولُ الأَتْباع للسادة المتبوعين: بل أنتم لا مرحبًا بكم، ولا تحيَّةً لكم، ولا سعةً عليكم؛ فأنتم السبب في دخولنا النار بما كنتم تزيِّنونه لنا مِنَ الشرك والكفر والضلال؛ فبئس مَرْجِعُنا ومستقَرُّنا الذي صرنا إليه بسبب طاعتنا إياكم.

[61] ﴿قَالُواْ رَبَّنَا مَن قَدَّمَ لَنَا هَٰذَا فَزِدۡهُ عَذَابٗا ضِعۡفٗا فِي ٱلنَّارِ 61﴾:

ثم يَدْعُونَ عليهم -بعد أن انقطعت بينهم كلُّ مودة وموالاة- قائلين: ربَّنا هؤلاء كانوا السبَبَ فيما نحن فيه؛ فضاعِفْ لهم العذاب.

[62] ﴿وَقَالُواْ مَا لَنَا لَا نَرَىٰ رِجَالٗا كُنَّا نَعُدُّهُم مِّنَ ٱلۡأَشۡرَارِ 62﴾:

ثم قال الطغاة في جهنم: ما لنا لا نَرَى بأعيننا -في النار- رجالًا كنا نَعُدُّهم ونحسبهم في الدنيا من الأشرار؟! ويعنون بذلك فقراءَ المسلِمِينَ وضِعَافهم.

[63] ﴿أَتَّخَذۡنَٰهُمۡ سِخۡرِيًّا أَمۡ زَاغَتۡ عَنۡهُمُ ٱلۡأَبۡصَٰرُ 63﴾:

وقال هؤلاء الطغاة أيضًا: هل أولئك الذين كنا نَسْخَرُ منهم في الدنيا كانوا هم على الحقِّ؟! أم أنهم دخلوا النار، ولكنْ زاغت أبصارنا عنهم فلم نَرَهُمْ؟!

[64] ﴿إِنَّ ذَٰلِكَ لَحَقّٞ تَخَاصُمُ أَهۡلِ ٱلنَّارِ 64﴾:

واعلموا -أيها الناس- أن ذلك التخاصُمَ والتبادُلَ والتجادُلَ بين أهل النار، حقٌّ لا شكَّ فيه، وصدقٌ لا مِرْيةَ تعتريه.

[65] ﴿قُلۡ إِنَّمَآ أَنَا۠ مُنذِرٞۖ وَمَا مِنۡ إِلَٰهٍ إِلَّا ٱللَّهُ ٱلۡوَٰحِدُ ٱلۡقَهَّارُ 65﴾:

وقل -أيها النبي- لهؤلاء المشركين: ما أنا إلا نذيرٌ لكم، أحذِّرُكم الشركَ، وأُنْذِرُكم عواقبه، واعلموا أنه ما مِنْ إله يُعبَدُ بحقٍّ إلا اللهُ الواحدُ الأحد، القهَّارُ الذي قهَرَ وغلَبَ كل شيء.

[66] ﴿رَبُّ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ وَمَا بَيۡنَهُمَا ٱلۡعَزِيزُ ٱلۡغَفَّٰرُ 66﴾:

ثم بيَّن سبحانه أن هذا الواحد القهار هو خالقُ ومالكُ السموات والأرض وما فيهما وما بينهما، ومدبِّرهما بجميع أنواع التدبير، العزيزُ الغالبُ الغفَّار، كثيرُ المغفرة لمن تاب، ورجع إليه وأناب.

[67] ﴿قُلۡ هُوَ نَبَؤٌاْ عَظِيمٌ 67﴾:

وقل -أيها النبي- لهؤلاء المشركين مخوِّفًا ومحذِّرًا: اعلموا -أيها الكفار- أن ما جئتكم به من القرآن والتوحيد، والبَعْث والنشور؛ هو خبرٌ عظيمٌ، وشأنٌ خطيرٌ، يجب أن تنتبهوا له، وألَّا تغفلوا عنه.

[68] ﴿أَنتُمۡ عَنۡهُ مُعۡرِضُونَ 68﴾:

ثم قال ﷺ لهؤلاء المشركين: ولكني أراكم -يا قومِ- معرضين عن هذا القرآن، غيرَ مبالين به!

[69] ﴿مَا كَانَ لِيَ مِنۡ عِلۡمِۭ بِٱلۡمَلَإِ ٱلۡأَعۡلَىٰٓ إِذۡ يَخۡتَصِمُونَ 69﴾:

وقال لهم ﷺ أيضًا: ويا قوم، لم يكن لي أن أعلم -قبل الوحي- بما يدور في الملأ الأعلى في خَلْق آدَمَ، الذي سيأتي ذِكْرُهُ في الآيات التالية.

[70] ﴿إِن يُوحَىٰٓ إِلَيَّ إِلَّآ أَنَّمَآ أَنَا۠ نَذِيرٞ مُّبِينٌ 70﴾:

واعلموا -يا قومِ-: أن هذا الوحي ينزل عليَّ؛ لأني رسولٌ من عند رب العالمين، وأن وظيفتي أن أُنْذِركم بما يكلِّفني به ربي من الآيات والذكر الحكيم.

[71] ﴿إِذۡ قَالَ رَبُّكَ لِلۡمَلَٰٓئِكَةِ إِنِّي خَٰلِقُۢ بَشَرٗا مِّن طِينٖ 71﴾:

واذكُرْ -أيها النبي- يوم أن قال الله للملائكة: إني خالقٌ بَشَرًا مادَّتُهُ من طين.

[72] ﴿فَإِذَا سَوَّيۡتُهُۥ وَنَفَخۡتُ فِيهِ مِن رُّوحِي فَقَعُواْ لَهُۥ سَٰجِدِينَ 72﴾:

ثم قال سبحانه: فإذا أتمَمْتُ خَلْقَهُ، ونفَخْتُ فيه من روحي، فاسجدوا له؛ طاعةً لأمري، وإكرامًا له.

[73] ﴿فَسَجَدَ ٱلۡمَلَٰٓئِكَةُ كُلُّهُمۡ أَجۡمَعُونَ 73﴾:

ثم بيَّن سبحانه أن الملائكة امتثلوا أَمْرَ الله، وسجَدُوا جميعًا لآدم.

[74] ﴿إِلَّآ إِبۡلِيسَ ٱسۡتَكۡبَرَ وَكَانَ مِنَ ٱلۡكَٰفِرِينَ 74﴾:

ثم استثنى سبحانه، فقال: أما إبليسُ، فقد أبى السجودَ، واستكبَرَ على أمر الله، وكان من الكافرين الجاحدين الخارجين عن طاعة الله.

[75] ﴿قَالَ يَٰٓإِبۡلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَن تَسۡجُدَ لِمَا خَلَقۡتُ بِيَدَيَّۖ أَسۡتَكۡبَرۡتَ أَمۡ كُنتَ مِنَ ٱلۡعَالِينَ 75﴾:

فقال جل وعلا لإبليس موبِّخًا إياه: ما الذي منَعَكَ -يا إبليس- من امتثال أمري بالسجود لآدم الذي خلقتُهُ بيَدَيَّ؛ تكريمًا له ولذريته؟! هل استكبَرْتَ عن السجود الآن، أم كنت من العالين؟!

وقد استدلَّ العلماء بهذه الآية على أن لله يَدَيْنِ حقيقيَّتَيْنِ تَلِيقَانِ بجلاله مِنْ غير تكييفٍ أو تمثيل، وأن هذا تكريمٌ لآدم وذريته؛ لأن بقية الخَلْق خُلِقُوا بكلمة: (كُنْ).

[76] ﴿قَالَ أَنَا۠ خَيۡرٞ مِّنۡهُ خَلَقۡتَنِي مِن نَّارٖ وَخَلَقۡتَهُۥ مِن طِينٖ 76﴾:

فأجاب إبليس اللعين قائلًا: كيف أسجُدُ له وأنا أفضلُ منه؟! فأنت خلَقْتَني من نارٍ، وخلَقْتَهُ من طين، وعُنْصُرُ النار أفضلُ وأحسن من عنصر الطين!

[77] ﴿قَالَ فَٱخۡرُجۡ مِنۡهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٞ 77﴾:

فقال له الله جل في علاه: اخرُجْ -أيها اللعين- من المَحَلِّ الكريم؛ فإنك مُبعَدٌ مدحور.

[78] ﴿وَإِنَّ عَلَيۡكَ لَعۡنَتِيٓ إِلَىٰ يَوۡمِ ٱلدِّينِ 78﴾:

ثم قال له سبحانه: وسوف أُحِلُّ عليك طردي وإبعادي من رحمتي دائمًا أبدًا.

[79] ﴿قَالَ رَبِّ فَأَنظِرۡنِيٓ إِلَىٰ يَوۡمِ يُبۡعَثُونَ 79﴾:

فقال إبليس اللعين: ربِّ، فأمهلني، ولا تَقْضِ عليَّ، وأَخِّرْ أَجَلِي إلى يومِ يُبعَثُ بنو آدم؛ وذلك ليتمكَّن اللعين من غواية من يستطيع غوايته؛ فلا يدخل النار وحده.

[80] ﴿قَالَ فَإِنَّكَ مِنَ ٱلۡمُنظَرِينَ 80﴾:

فقال له جلَّ في علاه: إنك -يا إبليس- من المُمْهَلين.

[81] ﴿إِلَىٰ يَوۡمِ ٱلۡوَقۡتِ ٱلۡمَعۡلُومِ 81﴾:

ثم بين له سبحانه أنه من الممهلين المُبْقَى على حياتهم إلى يومِ الوقتِ المعلوم، إلى حينِ النفخةِ الأولى التي يموت بها الثقلان.

[82] ﴿قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغۡوِيَنَّهُمۡ أَجۡمَعِينَ 82﴾:

فقال إبليسُ اللعينُ مُقْسِمًا بعزَّة الله: لَأُغْوِيَنَّ -يا رب- بني آدم ولأضلَّنهم أجمعين.

[83] ﴿إِلَّا عِبَادَكَ مِنۡهُمُ ٱلۡمُخۡلَصِينَ 83﴾:

ثم استثنى اللعينُ، فقال: إلا مَنْ أخلَصْتَهم لعبادتك، وأكرَمْتَهم بطاعتك؛ فهؤلاء لا سبيلَ لي عليهم، ولا طاقةَ لي بهم.

[84] ﴿قَالَ فَٱلۡحَقُّ وَٱلۡحَقَّ أَقُولُ 84﴾:

فقال جل وعلا: الحقُّ وصفي، والحقُّ قولي؛ فإنِّي أقولُ الحقَّ الذي لا شكَ فيه.

[85] ﴿لَأَمۡلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنكَ وَمِمَّن تَبِعَكَ مِنۡهُمۡ أَجۡمَعِينَ 85﴾:

ومن الحق الذي أقوله: لأَمْلَأَنَّ جهنَّمَ منك يا إبليس، وممن تَبِعَكَ من بني آدم، ومشى خلفك، وسار على طريقتك في الغَوَاية والضلال.

[86] ﴿قُلۡ مَآ أَسۡـَٔلُكُمۡ عَلَيۡهِ مِنۡ أَجۡرٖ وَمَآ أَنَا۠ مِنَ ٱلۡمُتَكَلِّفِينَ 86﴾:

وقل -أيها النبي- لهؤلاء المشركين: لا أطلُبُ منكم أجرًا على ما أمرني به ربي أن أبلِّغه لكم، ولستُ ممن يحتالُ على الناس فأدَّعِيَ ما ليس لي؛ بل إني رسولُ الله أتَّبع ما يُوحَى إليَّ.

[87] ﴿إِنۡ هُوَ إِلَّا ذِكۡرٞ لِّلۡعَٰلَمِينَ 87﴾:

واعلموا -أيها الناس- أن هذا القرآن الكريم وهذا الوَحْيَ ما هو إلا موعظةٌ وتذكيرٌ للعالمين مِنَ الجِنِّ والإنس، فبه يتَّعظون، وبه يهتدون.

[88] ﴿وَلَتَعۡلَمُنَّ نَبَأَهُۥ بَعۡدَ حِينِۭ 88﴾:

ثم بين ختم سبحانه السورة بالإخبار أن الناس سوف يَعْرِفون ويعلمون صِدْقَ هذا القرآن، وما أخبَرَ به مِنْ وعد ووعيد حين يقَعُ العذاب، وتنقطِعُ الأسباب. وهذه الآية مِنْ آيات الإعجاز؛ فقد تبيَّن في كل عصر شيءٌ مما احتواه هذا القرآنُ مِنْ أعمال الغيب.

سورة الزُّمر

سورةُ الزُّمَر مكيَّة، وآياتها خمسٌ وسبعون آية.

[1] ﴿تَنزِيلُ ٱلۡكِتَٰبِ مِنَ ٱللَّهِ ٱلۡعَزِيزِ ٱلۡحَكِيمِ 1﴾:

أخبَرَ جل وعلا أن هذا القرآن العظيم إنما هو تنزيلٌ مِنَ الله لا مِنْ غيره؛ كما يقول المشركون، وقد أنزله سبحانه على نبيِّه محمدٍ ﷺ؛ فاعملوا بما تضمَّنه من أحكام وأوامر، وهو سبحانه الغالبُ على كلِّ شيء، الحكيمُ في جميع تصرُّفاته وأفعاله.

[2] ﴿إِنَّآ أَنزَلۡنَآ إِلَيۡكَ ٱلۡكِتَٰبَ بِٱلۡحَقِّ فَٱعۡبُدِ ٱللَّهَ مُخۡلِصٗا لَّهُ ٱلدِّينَ 2﴾:

ثم بيَّن سبحانه أن هذا القرآن الذي أنزله على نبيه ﷺ كلُّه حقٌّ ونورٌ وهدًى للعالمين، وهو شاملٌ لتوحيدِ الله، والإيمانِ برسلِهِ، وأمورِ المعادِ وأعمالِ الدنيا؛ مِنْ عبادة الله، وإعمارِ الأرض وغير ذلك، ثم أمَرَ جل في علاه نبيه ﷺ أن يُخْلِصَ العبادة لله وحده، وأن يُخْلِصَ التجاءَهُ لله، والأَمْرُ له ﷺ لِيُلْزِمَ أتباعَهُ به.

[3] ﴿أَلَا لِلَّهِ ٱلدِّينُ ٱلۡخَالِصُۚ وَٱلَّذِينَ ٱتَّخَذُواْ مِن دُونِهِۦٓ أَوۡلِيَآءَ مَا نَعۡبُدُهُمۡ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَآ إِلَى ٱللَّهِ زُلۡفَىٰٓ إِنَّ ٱللَّهَ يَحۡكُمُ بَيۡنَهُمۡ فِي مَا هُمۡ فِيهِ يَخۡتَلِفُونَۗ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يَهۡدِي مَنۡ هُوَ كَٰذِبٞ كَفَّارٞ 3﴾:

واعلموا -أيها الناس- أن لله وحده الدِّينَ الخالصَ من شوائبِ الشركِ والرياء، وأن أولئك المشركين الذين اتَّخذوا من دون الله أولياء، كانوا يقولون: ما نعبُدُ تلك الآلهة إلا لِتَشْفَعَ لنا عند الله، وتقرِّبنا عنده منزلة؛ فهؤلاء لا شك أنهم في ضلالٍ وكُفْرٍ مبين؛ وسوف يَفْصِلُ سبحانه بين المؤمنين والمشركين يوم القيامة فيما اختلفوا فيه مِنْ أمر التوحيد والشرك؛ فيجازي كلًّا بما يستحِقّ؛ فهو جل في علاه ليس بينه وبين أحدٍ مِن خلقِهِ وسائطُ؛ فالخَلْقُ خلقه، وكلُّهم عبيده، والجميعُ محتاج إلى رحمته، وإنه سبحانه لا يوفِّقُ طريقَ الهدى والاستقامة لكلِّ مُفْتَرٍ على الله، مُصِرٍّ على العناد والكفر؛ لأنه اختار الضلالَ وأصَرَّ عليه، أما الراغبُ في الخير، الملتمِسُ للرشاد، فهو الجديرُ بالمعونة والهداية.

[4] ﴿ﭐ لَّوۡ أَرَادَ ٱللَّهُ أَن يَتَّخِذَ وَلَدٗا لَّٱصۡطَفَىٰ مِمَّا يَخۡلُقُ مَا يَشَآءُۚ سُبۡحَٰنَهُۥۖ هُوَ ٱللَّهُ ٱلۡوَٰحِدُ ٱلۡقَهَّارُ 4﴾

ثم أخبَرَ جل وعلا على سبيل الفرض والتقدير: أنه لو أراد سبحانه أن يتَّخِذَ ولدًا، لاختار من خلقه ما يريد، ولكنْ تنزَّه وتقدَّس جل في علاه عن أن يكونَ له ولَدٌ؛ فهو سبحانه الواحدُ الأحد، الفَرْدُ الصمد، في ذاته وأسمائه وصفاته وأفعاله، القهَّارُ الذي قهَرَ خلقه بقدرته.

قال ابن كثير : (ثم بيَّن تعالى أنه لا ولَدَ له -كما يزعُمُهُ جَهَلةُ المشركين- في الملائكة، والمعاندون من اليهودِ والنصارى، في العُزَيْرِ وعيسى؛ فقال: ﴿ﭐ لَّوۡ أَرَادَ ٱللَّهُ أَن يَتَّخِذَ وَلَدٗا لَّٱصۡطَفَىٰ مِمَّا يَخۡلُقُ مَا يَشَآءُۚ ﴾، أي: لكان الأمرُ على خلافِ ما يزعُمُون).

ومعلومٌ أن الولَدَ يُطلَبُ ليخلُفَ أباه ويساعده في أموره وشيخوخته، والله جل وعلا لا يتَّصِفُ بشيء مِنْ صفاتِ الضعف، ثم إنَّ ما سوى الله مخلوق، والمخلوقُ لا يكونُ ولدًا للخالق؛ فتنزَّه سبحانه عن النقص والحاجة؛ فهو الغنيُّ الحميدُ الذي لا يحتاج إلى شيء، والخَلْقُ كلُّهم محتاجون إليه.

[5] ﴿خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضَ بِٱلۡحَقِّۖ يُكَوِّرُ ٱلَّيۡلَ عَلَى ٱلنَّهَارِ وَيُكَوِّرُ ٱلنَّهَارَ عَلَى ٱلَّيۡلِۖ وَسَخَّرَ ٱلشَّمۡسَ وَٱلۡقَمَرَۖ كُلّٞ يَجۡرِي لِأَجَلٖ مُّسَمًّىۗ أَلَا هُوَ ٱلۡعَزِيزُ ٱلۡغَفَّٰرُ 5﴾:

واعلموا -أيها الناس- أن الله وحده هو الذي خلق السموات والأرض وما فيهما وما بينهما بالحق، أي: بالصوابِ الذي اقتضته حِكْمته وقدرته لمصالحِ عباده الذين اختاروا وحملوا الأمانة؛ فتنزَّه سبحانه عن أن يخلُقَ شيئًا عبثًا أو باطلًا، وبيَّن سبحانه أنه خلَقَ الليل والنهار، وجعَلَ كلًّا منهما يغطِّي على الآخر؛ فالليلُ يغطِّي نُورَ النهارِ حتى يَذْهَبَ بضوئه، والنهارُ يَغْشَى الليلَ ويلتفُّ عليه حتى يذهب بظُلْمته، وهكذا، ثم بيَّن سبحانه أنه ذلَّل الشمس والقمر بانتظامٍ لمنافعِ العباد، وكلٌّ مِن الشمس والقمر يَجْرِي في مداره إلى حينِ قيامِ الساعة، واعلموا أن الخالقَ لهذه المخلوقات هو الغالبُ على كلِّ ما سواه، الكثيرُ المغفرةِ لذنوب عباده التائبين.

[6] ﴿خَلَقَكُم مِّن نَّفۡسٖ وَٰحِدَةٖ ثُمَّ جَعَلَ مِنۡهَا زَوۡجَهَا وَأَنزَلَ لَكُم مِّنَ ٱلۡأَنۡعَٰمِ ثَمَٰنِيَةَ أَزۡوَٰجٖۚ يَخۡلُقُكُمۡ فِي بُطُونِ أُمَّهَٰتِكُمۡ خَلۡقٗا مِّنۢ بَعۡدِ خَلۡقٖ فِي ظُلُمَٰتٖ ثَلَٰثٖۚ ذَٰلِكُمُ ٱللَّهُ رَبُّكُمۡ لَهُ ٱلۡمُلۡكُۖ لَآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَۖ فَأَنَّىٰ تُصۡرَفُونَ 6﴾:

أخبَرَ جل وعلا أنه خلَقَ الناس جميعًا من نَفْسِ أبيهم آدم، ثم إنه خلَقَ زوجه حوَّاءَ من نفسِ التُّرْبةِ التي خلَقَ منها آدم؛ وهذا على قول، والقولُ الأرجح: أنه خلَقَ حوَّاء من ضِلَعِ آدم؛ كما جاء في الحديث، وخلَقَ لكم سبحانه مِنَ الأنعامِ ثمانيةَ أنواعٍ ذكرٍ وأنثى؛ من الإبل والبقر، والضأن والمعز؛ ليَتِمَّ بهما التناسُلُ وبقاء النوع، وإنه جل في علاه يخلُقُكم في بطون أمَّهاتكم طَوْرًا بعد طَوْر في ظلمات البطنِ، والرَّحِمِ، والمَشِيمةِ، واعلموا أن الذي خلَقَ هذه الأشياء هو الله ربُّكم الذي له مُلْكُ السموات والأرض وما بينهما وما فيهما، الذي لا معبودَ بحقٍّ إلا هو، فكيف تَعْدِلون عن عبادته إلى عبادة غيره مِن خلقه؟!

[7] ﴿إِن تَكۡفُرُواْ فَإِنَّ ٱللَّهَ غَنِيٌّ عَنكُمۡۖ وَلَا يَرۡضَىٰ لِعِبَادِهِ ٱلۡكُفۡرَۖ وَإِن تَشۡكُرُواْ يَرۡضَهُ لَكُمۡۗ وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٞ وِزۡرَ أُخۡرَىٰۚ ثُمَّ إِلَىٰ رَبِّكُم مَّرۡجِعُكُمۡ فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمۡ تَعۡمَلُونَۚ إِنَّهُۥ عَلِيمُۢ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ 7﴾:

ثم قال سبحانه: اعلموا -أيها الناس- أنكم إن تكفُرُوا بربِّكم، فإنه جل وعلا غنيٌّ عنكم وعن غيركم، وليس بحاجةٍ إليكم، ولا لعبادتكم، ولا يضُرُّهُ كُفْرُكم وعصيانكم، ومع غنائه وعزَّته، فهو سبحانه لا يرضى لعباده الكفر، بل ينهاهم عنه؛ لعلمه أنه سيُورِثُهم الشقاوةَ السرمديَّةَ في النار، وإنما يَرْضَى لهم شُكْرَ نعمه عليهم، واعلموا أنه لا تَحمِلُ نفسٌ يوم القيامة إِثْمَ نَفْسٍ أخرى، وأنَّ مصيركم يوم القيامة إلى ربِّكم؛ فيُخْبِركم بما عملتم في الدنيا، ويجازيكم عليه، وهو سبحانه عليمٌ بما تخفيه نفوسُكم من أسرار.

[8] ﴿وَإِذَا مَسَّ ٱلۡإِنسَٰنَ ضُرّٞ دَعَا رَبَّهُۥ مُنِيبًا إِلَيۡهِ ثُمَّ إِذَا خَوَّلَهُۥ نِعۡمَةٗ مِّنۡهُ نَسِيَ مَا كَانَ يَدۡعُوٓاْ إِلَيۡهِ مِن قَبۡلُ وَجَعَلَ لِلَّهِ أَندَادٗا لِّيُضِلَّ عَن سَبِيلِهِۦۚ قُلۡ تَمَتَّعۡ بِكُفۡرِكَ قَلِيلًا إِنَّكَ مِنۡ أَصۡحَٰبِ ٱلنَّارِ 8﴾:

ثم أخبَرَ جل في علاه عن كَرَمه بعبده، وقِلَّةِ شُكْرِ عبده له، وأنه حين يصيبه مكروهٌ يدعو ربه مستغيثًا به أن ينجِّيه؛ فإذا نُجِّيَ من الضر الذي أصابه، نَسِيَ اللهَ مسبِّبَ الأسباب الذي كشَفَ ما به مِنْ ضُرّ، ونسَبَ النجاةَ إلى الطبيبِ الحاذق، وقائدِ المركبةِ الماهر، وعاد لمثل ما كان عليه مِنَ الكفرِ والضلالِ وعبادةِ الأوثان؛ فقل -أيها النبي- لمثل هؤلاء متوعِّدًا إياهم: تمتَّعْ بكُفْرِكَ تمتُّعًا قليلًا، أي: في زمنٍ قليل، وهو مُدَّةُ بقائك في الدنيا؛ فإنك مِن أصحابِ النارِ المخلَّدين فيها، الذين لا يخرُجُونَ منها أبدًا.

[9] ﴿أَمَّنۡ هُوَ قَٰنِتٌ ءَانَآءَ ٱلَّيۡلِ سَاجِدٗا وَقَآئِمٗا يَحۡذَرُ ٱلۡأٓخِرَةَ وَيَرۡجُواْ رَحۡمَةَ رَبِّهِۦۗ قُلۡ هَلۡ يَسۡتَوِي ٱلَّذِينَ يَعۡلَمُونَ وَٱلَّذِينَ لَا يَعۡلَمُونَۗ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُواْ ٱلۡأَلۡبَٰبِ 9﴾:

ثم نفى جل وعلا المساواةَ بين المشرِكِ والمؤمن، فقال: هل يستوي الكافرُ المتمتِّعُ في هذه الحياة الدنيا، مع المؤمِنِ القائمِ على أمر الله الممتثِلِ له أمرًا ونهيًا؟! والقائمِ لله في جوفِ الليل راكعًا وساجدًا يتعبَّدُ لربه وهو خائفٌ وَجِلٌ من عذاب الله، راجٍ رحمةَ الله ومغفرتَهُ وجَنَّته؟! قطعًا لا يستويان، ثم نفى سبحانه أيضًا المساواةَ بين العالِمِ والجاهل، فقال: هل يستوي الذين يعلمون دِينَ الله، ويعلمون توحيدَهُ وشَرْعَه، مع الذين لا يعلمون شيئًا عن ذلك؟! ثم ختَمَ الآية، فقال: إنما يتذكَّرُ ويتَّعِظُ بهذه النصائح والتوجيهات أصحابُ العقولِ الراجحة، والفِطَرِ السليمة.

[10] ﴿قُلۡ يَٰعِبَادِ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱتَّقُواْ رَبَّكُمۡۚ لِلَّذِينَ أَحۡسَنُواْ فِي هَٰذِهِ ٱلدُّنۡيَا حَسَنَةٞۗ وَأَرۡضُ ٱللَّهِ وَٰسِعَةٌۗ إِنَّمَا يُوَفَّى ٱلصَّٰبِرُونَ أَجۡرَهُم بِغَيۡرِ حِسَابٖ 10﴾:

أمَرَ جل وعلا نبيه محمدًا ﷺ أن يقول لعباد الله المؤمنين: اتقوا ربَّكم بفعلِ الطاعات، واجتنابِ المنهيَّات، وأخبِرْهم أن الذين امتثلوا أوامِرَ الله، واجتنبوا ما يكره: لهم في الدنيا الاطمئنانُ والرضا والرِّزْق، ولهم في الآخرة جَنَّةٌ عَرْضها السموات والأرض؛ كما قال تعالى: ﴿مَنۡ عَمِلَ صَٰلِحٗا مِّن ذَكَرٍ أَوۡ أُنثَىٰ وَهُوَ مُؤۡمِنٞ فَلَنُحۡيِيَنَّهُۥ حَيَوٰةٗ طَيِّبَةٗۖ ﴾ [النحل:97].

ثم لما كان بعضُ المؤمنين المضطَهَدِينَ في بعض البلاد لا تحصُلُ لهم الحياةُ الطيِّبة، أمَرَهم أن يهاجروا في أرض الله الواسعة؛ ليحصُلُوا على الاطمئنان والراحة وعلى عبادةِ الله مِنْ غيرِ مضايقة، وكان صناديدُ مكَّة يقولون للنبي ﷺ: (خَسِرْتَ -يا محمد- إذْ هجَرْتَ دِينَ جَدِّكَ عبد المطَّلب وأعمامِكَ وقومِك)؛ فكان الجواب: ﴿قُلۡ إِنَّ ٱلۡخَٰسِرِينَ ٱلَّذِينَ خَسِرُوٓاْ أَنفُسَهُمۡ وَأَهۡلِيهِمۡ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِۗ ﴾ [الزمر:١٥]، ثم بيَّن سبحانه أن الذين صبروا على مفارَقةِ أوطانهم، وتحمَّلوا الشدائدَ والمصائبَ في سبيل إعلاء كلمة الله، سوف يعطيهم الله أجرًا عظيمًا في الآخرة بغير عَدٍّ ولا مقدار؛ وهذا تعظيمٌ لجزاء الصابرين وثوابهم.

[11] ﴿قُلۡ إِنِّيٓ أُمِرۡتُ أَنۡ أَعۡبُدَ ٱللَّهَ مُخۡلِصٗا لَّهُ ٱلدِّينَ 11﴾:

وقل -أيها النبي- لقومك: إنَّ الله أمرني أن أعبُدَهُ وحده لا شريك له، وأن أُخلِصَ له العبادة والدين.

[12] ﴿وَأُمِرۡتُ لِأَنۡ أَكُونَ أَوَّلَ ٱلۡمُسۡلِمِينَ 12﴾:

وقل لهم -أيها النبي-: وقد أمرني ربي أن أكونَ أوَّلَ المسلمين الذين استسلموا لله بالتوحيد، وانقادوا له بالطاعةِ ظاهرًا وباطنًا.

[13] ﴿قُلۡ إِنِّيٓ أَخَافُ إِنۡ عَصَيۡتُ رَبِّي عَذَابَ يَوۡمٍ عَظِيمٖ 13﴾:

وقل لهم -أيها النبي-: إني أخافُ مِن الله إنْ عصيته فيما أمرني به مِن الإخلاص والإسلام، أن يعذِّبني يوم القيامة عذابًا عظيمًا.

[14] ﴿قُلِ ٱللَّهَ أَعۡبُدُ مُخۡلِصٗا لَّهُۥ دِينِي 14﴾:

وقل -أيها النبي- لهؤلاء المشركين: اعلموا -أيها المشركون- أني أخُصُّ عبادتي لله وحده لا شريك له.

[15] ﴿فَٱعۡبُدُواْ مَا شِئۡتُم مِّن دُونِهِۦۗ قُلۡ إِنَّ ٱلۡخَٰسِرِينَ ٱلَّذِينَ خَسِرُوٓاْ أَنفُسَهُمۡ وَأَهۡلِيهِمۡ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِۗ أَلَا ذَٰلِكَ هُوَ ٱلۡخُسۡرَانُ ٱلۡمُبِينُ 15﴾:

ثم قل لهم -أيها النبي- تهديدًا وإنذارًا: أما أنتم -أيها الكفار- فاعبدوا ما شئتم من دون الله من الأوثان والأصنام؛ فإنَّ ذلك لا يَنْفَعُكُم، ولا يضُرُّ الله شيئًا؛ كما قال تعالى: ﴿ٱعۡمَلُواْ مَا شِئۡتُمۡ﴾ [فصلت:40]؛ فإنَّ العاقبة للمتقين، ثم قل لهم: إن الخاسرين حقًّا هم الذين خَسِروا أنفسهم وأهليهم يوم القيامة، أَلَا إنَّ ذلك هو الخُسْرانُ البيِّن الواضح الذي لا خسران فوقه.

[16] ﴿لَهُم مِّن فَوۡقِهِمۡ ظُلَلٞ مِّنَ ٱلنَّارِ وَمِن تَحۡتِهِمۡ ظُلَلٞۚ ذَٰلِكَ يُخَوِّفُ ٱللَّهُ بِهِۦ عِبَادَهُۥۚ يَٰعِبَادِ فَٱتَّقُونِ 16﴾:

ثم بيَّن سبحانه أنواعَ العذابِ الذي يعذِّبُ به هؤلاءِ الخاسِرينَ المشرِكينَ، ومِن ذلك: أن تُظِلَّهم مِن فوقهم طَبَقاتٍ من النار تشبهُ قِطَعَ السحاب العظيمة، ومِنْ تحتهم أيضًا كذلك، وهكذا يخوِّفُ الله عباده بهذا العذاب الشديد؛ ليتَّقوه ويحذروه، ويوحِّدوا الله، ثم أمَرَ جل وعلا عباده أن يتَّقوه؛ وذلك بأن يجعلوا بينهم وبين عذاب الله وقايةً بفعلِ أوامره، واجتنابِ نواهيه.

[17] ﴿وَٱلَّذِينَ ٱجۡتَنَبُواْ ٱلطَّٰغُوتَ أَن يَعۡبُدُوهَا وَأَنَابُوٓاْ إِلَى ٱللَّهِ لَهُمُ ٱلۡبُشۡرَىٰۚ فَبَشِّرۡ عِبَادِ 17﴾:

ثم إن الله جل وعلا بعد ذِكْرِ الخاسرين؛ مدَحَ وأثنى على الذين اجتنبوا طاعةَ الشيطان وعبادةَ غير الله؛ فأعرَضُوا عمَّا يتعلَّق به المشركون من الأوثانِ والأصنامِ وعبادةِ الملائكة، وما يتعلَّق به اليهود من عبادة عزير، وما يتعلَّق به النصارى القائلون بالتثليث، وما تتعلَّق به الطوائف الأخرى؛ كالثَّنَويَّةِ وعَبَدةِ الكواكب، ثم تابوا إلى الله واستقاموا على عبادته مخلِصِينَ له الدين؛ لهم السعادةُ العظيمةُ الدائمةُ في حياتهم الدنيا، ولهم في الآخِرةِ جزاءٌ عظيمٌ، ورضوانٌ مِن الله عليهم، ونعيمٌ دائمٌ في الجنة، ثم أمَرَ جل وعلا نبيه ﷺ أن يبشِّرَ عباد الله الذين هذه مناقِبُهم وهذه صفاتهم.

[18] ﴿ٱلَّذِينَ يَسۡتَمِعُونَ ٱلۡقَوۡلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحۡسَنَهُۥٓۚ أُوْلَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ هَدَىٰهُمُ ٱللَّهُۖ وَأُوْلَٰٓئِكَ هُمۡ أُوْلُواْ ٱلۡأَلۡبَٰبِ 18﴾:

ثم بيَّن سبحانه أن هذا التبشيرَ يكونُ لأولئك الذين يستمعون لكلامِ الله، فيتَّبعون أحسنه، ولا شك أن كلام الله كله أحسنُ الحديث، والمقصودُ في هذه الآية: هو أحسنُ ما يُفْهَمُ منه؛ ثم بيَّن جل شأنه أن أولئك الذين يتَّبعون أحسَنَ ما يُفْهَمُ مِن كلام الله هم الذين هداهم الله إلى أحسَنِ الأخلاقِ والأعمال، وأولئك هم أصحابُ العقولِ التي سَلِمَتْ من الشكوكِ وشهواتِ النَّفْسِ الكثيرةِ والمُغْرِيات.

[19] ﴿أَفَمَنۡ حَقَّ عَلَيۡهِ كَلِمَةُ ٱلۡعَذَابِ أَفَأَنتَ تُنقِذُ مَن فِي ٱلنَّارِ 19﴾:

ثم أخبَرَ جل في علاه أن أولئك الذين وجَبَتْ عليهم كلمةَ العذاب بسببِ كُفْرهم وضلالهم وعنادهم، هل تستطيعُ -أيها النبي- إنقاذَهم وإخراجَهم مما هم فيه من الأعمال والاعتقاد الذي يستحقُّون بسببه النار؟!

[20] ﴿لَٰكِنِ ٱلَّذِينَ ٱتَّقَوۡاْ رَبَّهُمۡ لَهُمۡ غُرَفٞ مِّن فَوۡقِهَا غُرَفٞ مَّبۡنِيَّةٞ تَجۡرِي مِن تَحۡتِهَا ٱلۡأَنۡهَٰرُۖ وَعۡدَ ٱللَّهِ لَا يُخۡلِفُ ٱللَّهُ ٱلۡمِيعَادَ 20﴾:

ثم أخبَرَ سبحانه أن أولئك المؤمنين الذين جعَلُوا بينهم وبين عقاب الله وقايةً بتوحيدِهِ، وفعلِ أوامرِهِ، واجتنابِ نواهيه؛ لهم في الجنةِ منازلُ عاليةٌ مزخرَفةٌ بعضها فوق بعض، مبنيَّةٌ بالذهب والفضة، محصَّنةُ البناء، تتدفَّق من تحتها الأنهار، وتجري في منظر بديعٍ، وشكلٍ جميل، وهذا وعدٌ من الله جل في علاه وعَدَ به عباده المتقين، والله لا يُخْلِفُ الميعاد.

[21] ﴿أَلَمۡ تَرَ أَنَّ ٱللَّهَ أَنزَلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءٗ فَسَلَكَهُۥ يَنَٰبِيعَ فِي ٱلۡأَرۡضِ ثُمَّ يُخۡرِجُ بِهِۦ زَرۡعٗا مُّخۡتَلِفًا أَلۡوَٰنُهُۥ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَىٰهُ مُصۡفَرّٗا ثُمَّ يَجۡعَلُهُۥ حُطَٰمًاۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَذِكۡرَىٰ لِأُوْلِي ٱلۡأَلۡبَٰبِ 21﴾:

ألم تعلم -أيها النبي- أن الله يُنزِلُ من السماء هذا المطَرَ، فيُجْرِيهِ ويُدخِلُهُ ويُودِعُهُ ينابيعَ في الأرض، ثم يُستخرَجُ هذا الماء ويُستخدَمُ في سَقْيِ الزروع، فتنبُتُ به النباتاتُ المختلِفةُ الألوان، وتخضرُّ به الأرض وتزهو، ثم يهيجُ ذلك الزرع عند استكماله، فيَجِفُّ وتذهبُ نضارته، فيصيرُ أصفَرَ اللون، ثم يتفتَّتُ ويتكسَّر، إن في ذلك لموعظةً بليغةً، وتذكرةً لأصحابِ العقولِ الراجحة، والفِطَر السليمة، فيتذكَّرون بها لُطْفَ الله، وكمالَ قدرته، ويتذكَّرون أيضًا أن الحياةَ متاعٌ زائل، وأنها تشبه ذلك النباتَ الذي يخضرُّ ويزهو ويهيجُ ثم يتفتَّت، إذا يَبِسَ، ثم تذروه الرياح.

[22] ﴿أَفَمَن شَرَحَ ٱللَّهُ صَدۡرَهُۥ لِلۡإِسۡلَٰمِ فَهُوَ عَلَىٰ نُورٖ مِّن رَّبِّهِۦۚ فَوَيۡلٞ لِّلۡقَٰسِيَةِ قُلُوبُهُم مِّن ذِكۡرِ ٱللَّهِۚ أُوْلَٰٓئِكَ فِي ضَلَٰلٖ مُّبِينٍ 22﴾:

ثم نفى جل وعلا المساواةَ بين المؤمن والكافر، وبين المهتدي والضالِّ، فقال: هل يستوي مَنْ شرَحَ الله صدره ووسَّعه وفسَّحه للهدايةِ، وقَبُولِ الإسلام، والعَمَلِ بأوامر الله، فهو بذلك على بصيرةٍ وهدًى من الله؟! هل يستوي هذا بمَنْ ضلَّ عن الهدى، وكان صدره ضيِّقًا بأحكام الإسلام يَتِيهُ في ظلمات الضلالة، وأوحال الغواية؟! فهلاكٌ وخسارةٌ مُحقَّقةٌ لكل من قسا قلبُهُ وغَلُظَ وجفا عن قبول ذكر الله والقرآن؛ فمَنْ كانت هذه حاله، فهو في ضلالٍ بيِّنٍ واضح.

[23] ﴿ٱللَّهُ نَزَّلَ أَحۡسَنَ ٱلۡحَدِيثِ كِتَٰبٗا مُّتَشَٰبِهٗا مَّثَانِيَ تَقۡشَعِرُّ مِنۡهُ جُلُودُ ٱلَّذِينَ يَخۡشَوۡنَ رَبَّهُمۡ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمۡ وَقُلُوبُهُمۡ إِلَىٰ ذِكۡرِ ٱللَّهِۚ ذَٰلِكَ هُدَى ٱللَّهِ يَهۡدِي بِهِۦ مَن يَشَآءُۚ وَمَن يُضۡلِلِ ٱللَّهُ فَمَا لَهُۥ مِنۡ هَادٍ 23﴾:

ثم بيَّن سبحانه أنه هو الذي نزَّل أحسنَ الحديث، وهو القرآن الكريم، نزَّله الله يُشْبِهُ بعضه بعضًا في الترتيبِ والسَّبْكَ والحُسْن، ويثنِّي فيه اللهُ القصصَ والأحكامَ والمواعظ، فيؤثِّرُ في قلوب المهتدين، فتقشعرُّ وتنقبِضُ منه جلودُ الذين يخافون الله، والدارَ الآخرة؛ لما فيه مِن الترهيبِ والتخويف، ثم تَلِينُ جلودهم وقلوبهم إليه عند ذِكْرِ الترغيبِ والرجاء، ذلك القرآنُ، والتأثيرُ الحاصلُ به لهؤلاء المهتدين: هدايةٌ من الله لعباده، يهدي به الله مَنْ يشاء مِنْ عباده رحمةً وفضلًا، ومَنْ يُضْلِلْهُ سبحانه عن الإيمان بهذا القرآن ممن أصرَّ على الكفر، وحارَبَ الدعوة والقائمين بها، فما له من هاد يهديه ويوفِّقه إلى طريق الحق والاستقامة. وقوله تعالى: ﴿وَمَن يُضۡلِلِ ٱللَّهُ فَمَا لَهُۥ مِنۡ هَادٍ﴾، لا شكَّ أن إضلال الله للعبد إضلالٌ جزائيٌ، وليس إضلالًا ابتدائيًّا، وذلك بسببِ إصرارِهِ على الكفرِ مع وضوح الهُدَى؛ قال تعالى: ﴿فَلَمَّا زَاغُوٓاْ أَزَاغَ ٱللَّهُ قُلُوبَهُمۡۚ ﴾ [الصف:5].

[24] ﴿أَفَمَن يَتَّقِي بِوَجۡهِهِۦ سُوٓءَ ٱلۡعَذَابِ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِۚ وَقِيلَ لِلظَّٰلِمِينَ ذُوقُواْ مَا كُنتُمۡ تَكۡسِبُونَ 24﴾:

ثم نفى جل وعلا المساواةَ بين الذين يخشون ربَّهم، وبين غيرهم ممن قسَتْ قلوبهم عن الحق، فقال: هل يستوي مَنْ كان مصيرُهُ يوم القيامة إلى النار التي يتَّقيها ويحاول دَرْأها عن نفسه بوجهه، بمن يأتى يوم القيامة آمِنًا مطمئنًّا بعيدًا عن النار وسعيرها؟! لا يستويان أبدًا، ثم قيل للظالمين المجاوِزِين حُدُودَهم بالشرك والمعاصي: ذوقوا عذابَ النارِ جزاءَ ما كنتم تعملون.

[25] ﴿كَذَّبَ ٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِهِمۡ فَأَتَىٰهُمُ ٱلۡعَذَابُ مِنۡ حَيۡثُ لَا يَشۡعُرُونَ 25﴾:

ثم أخبَرَ جل وعلا أنَّ الأشرار الفجَّار من الأمم السابقة كذَّبت رسلها كما كذَّبك قومُكَ -أيها النبي- فجاءهم عذابُ الله من حيثُ لا يتوقَّعون ولا يتصوَّرون.

[26] ﴿فَأَذَاقَهُمُ ٱللَّهُ ٱلۡخِزۡيَ فِي ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَاۖ وَلَعَذَابُ ٱلۡأٓخِرَةِ أَكۡبَرُۚ لَوۡ كَانُواْ يَعۡلَمُونَ 26﴾:

ثم أخبَرَ سبحانه أنه أذاقهم بذلك العذابِ: الخِزْيَ والفضيحةَ والذُّلَّ في الدنيا، ولعذابُ الآخرةِ أكبَرُ وأشدُّ وأبقى من عذاب الدنيا، لو كانوا يعلمون لما عَمِلوا ما يوصِّلهم إليه من الكفر والتكذيب والضلال.

[27] ﴿وَلَقَدۡ ضَرَبۡنَا لِلنَّاسِ فِي هَٰذَا ٱلۡقُرۡءَانِ مِن كُلِّ مَثَلٖ لَّعَلَّهُمۡ يَتَذَكَّرُونَ 27﴾:

ثم أخبَرَ سبحانه أنه بيَّن ووضَّح للناس -ومنهم: مشركو العرب- في هذا القرآن من كلِّ مثلٍ يحتاجون إليه في أَمْرِ دينهم، فبيَّن لهم أمثال الأمم السابقة، وأمثال أهل الخير والشر، وأمثال التوحيد والشرك، وبيَّن لهم هذه الأمثالَ لعلَّهم يتَّعظون؛ فيؤمنوا ويوحِّدوا.

[28] ﴿قُرۡءَانًا عَرَبِيًّا غَيۡرَ ذِي عِوَجٖ لَّعَلَّهُمۡ يَتَّقُونَ 28﴾:

ثم أخبَرَ سبحانه أن هذا القرآن أنزَلَهُ بلسانٍ عربيٍّ واضحِ

الألفاظِ والمعاني، لا نقصَ فيه، ولا لَبْسَ، ولا خلَلَ، ولا تضادَّ فيه؛ لعلهم يتقون الله؛ فيوحِّدوه، ويؤمنوا برسوله ﷺ.

[29] ﴿ضَرَبَ ٱللَّهُ مَثَلٗا رَّجُلٗا فِيهِ شُرَكَآءُ مُتَشَٰكِسُونَ وَرَجُلٗا سَلَمٗا لِّرَجُلٍ هَلۡ يَسۡتَوِيَانِ مَثَلًاۚ ٱلۡحَمۡدُ لِلَّهِۚ بَلۡ أَكۡثَرُهُمۡ لَا يَعۡلَمُونَ 29﴾:

ثم ضرَبَ جل وعلا مَثَلًا للعبدِ المشرِكِ وللعبدِ المؤمن، فقال سبحانه: ضرَبَ الله مثلًا عبدًا مملوكًا لمجموعةٍ مِن الشركاء متشاكِسِينَ ومختلِفِينَ ومتنازِعِينَ فيما بينهم، فيطلُبُ أحدهم طلبًا، ويطلُبُ الآخر عكسه، فلا يدري العبدُ من يُرْضِي من أسياده، وعبدًا آخر لسيِّدٍ واحدٍ لا شركةَ فيه مع أحد، فسهلٌ على هذا العبدِ معرفةُ مقصودِ سيِّده، وتلبية ما يريده منه؛ فالأوَّلُ مثلُ المُشْرِك، والثاني مثلُ الموحِّد، فهل يستويان مثلًا؟! قطعًا لا يستويان أبدًا، فكذلك الموحِّدُ والمشرِكُ لا يستويان أبدًا، والحمدُ لله على ظهورِ الحقِّ وجلائه، وبيانِ الباطلِ وخِذْلانه، ولكنَّ أكثر المشركين لا يعلمون هذه الحقيقةَ البيِّنةَ لفسادِ عقولهم، ولاستحواذِ الشيطان عليهم.

[30] ﴿إِنَّكَ مَيِّتٞ وَإِنَّهُم مَّيِّتُونَ 30﴾:

ثم أخبَرَ سبحانه نبيه ﷺ أنه ميِّتٌ ومفارقٌ لهذه الحياة الدنيا، وكذلك هؤلاء المشركون ميِّتون أيضًا.

[31] ﴿ثُمَّ إِنَّكُمۡ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ عِندَ رَبِّكُمۡ تَخۡتَصِمُونَ 31﴾:

وأخبَرَ سبحانه أن المؤمنين والكافرين سيقفون جميعًا عند ربِّهم يومَ القيامة، يومَ الجزاءِ والحساب، يَخْتَصِمون ويتنازعون، فيَفْصِلُ سبحانه بينهم جميعًا، ويقضي بينهم بحُكُمِهِ العادل.

[32] ﴿فَمَنۡ أَظۡلَمُ مِمَّن كَذَبَ عَلَى ٱللَّهِ وَكَذَّبَ بِٱلصِّدۡقِ إِذۡ جَآءَهُۥٓۚ أَلَيۡسَ فِي جَهَنَّمَ مَثۡوٗى لِّلۡكَٰفِرِينَ 32﴾:

واعلموا -أيها الناس- أنه لا أحدَ أشدُّ ظلمًا ممن افترى على الله الكذب؛ بأن ادعى له شريكًا يُعبَدُ معه، أو ادَّعى النبوَّة، أو قال على الله بغير عِلْم، ولا أحدَ أشدُّ ظلمًا أيضًا ممن كذَّب وكفَرَ بالقرآن الذي جاءه على لسان محمد ﷺ، أليست نارُ جهنَّمَ مَأْوًى ومَرْجِعًا ومسكَنًا لمن كفَرَ بالله، وكذَّب وجحَدَ بآياته ورسوله ﷺ؟!

[33] ﴿وَٱلَّذِي جَآءَ بِٱلصِّدۡقِ وَصَدَّقَ بِهِۦٓ أُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡمُتَّقُونَ 33﴾:

ثم بيَّن جل وعلا حُسْنَ عاقبةِ أهلِ الصدق والإيمان، فقال: والذي جاء بالقول الصِّدْقِ وقولِ الحقِّ، ومَنْ صدَّقه وآمَنَ به؛ أولئك الذين وصَلُوا مرتبةَ التقوى؛ بأنْ جعلوا بينهم وبين عذاب الله وقايةً بتوحيدِهِ، وفعلِ أوامره، واجتنابِ نواهيه.

[34] ﴿لَهُم مَّا يَشَآءُونَ عِندَ رَبِّهِمۡۚ ذَٰلِكَ جَزَآءُ ٱلۡمُحۡسِنِينَ 34﴾:

ثم بيَّن سبحانه أن هؤلاء المتقين جزاؤهم عند ربِّهم: أنَّ لهم الجَنَّةَ يطلبون فيها ما يشاؤون ويتمنَّوْنَ -مما لا أذُنٌ سمعت، ولا عينٌ رأت، ولا خطَرَ على قلب بشر- ذلك الجزاءَ: جزاءَ الذين أحسنوا في النيَّاتِ والأقوال والأعمال، وعبدوا الله كأنهم يرَوْنَهُ، فإنْ لم يكونوا يرونه، فإن الله يراهم.

وأوَّلُ من تنطبق عليه هذه الصفات: النبيُّ ﷺ، ثم الصِّدِّيقُ، ثم مَنْ سار على هديهما، وسلَكَ مسلكهما في الاستقامة والدعوة.

[35] ﴿لِيُكَفِّرَ ٱللَّهُ عَنۡهُمۡ أَسۡوَأَ ٱلَّذِي عَمِلُواْ وَيَجۡزِيَهُمۡ أَجۡرَهُم بِأَحۡسَنِ ٱلَّذِي كَانُواْ يَعۡمَلُونَ 35﴾:

ثم بيَّن سبحانه أن هؤلاء المتقين أعطاهم جل وعلا ما أعطاهم مِنْ فضلِهِ ورحمتِهِ؛ ليكفِّرَ عنهم الأعمالَ السيئة من الذنوب والمعاصي، ويَغْفِرَها لهم، ويستُرَهَا عليهم، ويَجْزِيَهم أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون؛ من التوحيدِ والطاعاتِ والقربات، والباقياتِ الصالحات.

[36] ﴿أَلَيۡسَ ٱللَّهُ بِكَافٍ عَبۡدَهُۥۖ وَيُخَوِّفُونَكَ بِٱلَّذِينَ مِن دُونِهِۦۚ وَمَن يُضۡلِلِ ٱللَّهُ فَمَا لَهُۥ مِنۡ هَادٖ 36﴾:

ثم أخبَرَ جل وعلا بعصمته لنبيِّه محمد ﷺ، فقال: أليس الله بمتكفِّلٍ بحفظِ عبدِهِ محمَّد وكفايتِهِ مِن أي أذًى يصيبه؟! ويخوِّفونك -أيها النبي- بالذين يعبدونهم من دون الله مِنْ الأصنامِ والأوثانِ التي لا تضُرُّ ولا تنفع، واعلموا أن مَنِ اختار الكفر وأصرَّ عليه، يُضْلِلْهُ الله عن طريق الإيمان والتوحيد، فلا يَقْدِرُ أحدٌ على هدايته أبدًا.

وهذا الإضلالُ إضلالٌ جزائيٌّ؛ لأنهم وُلِدوا على الفِطْرةِ كسائرِ البشر؛ فالذين اهتدَوْا زادهم الله هُدًى، والذين أصرُّوا على الكفر والضلال، ثبَّتهم الله على ما اختاروا.

[37] ﴿وَمَن يَهۡدِ ٱللَّهُ فَمَا لَهُۥ مِن مُّضِلٍّۗ أَلَيۡسَ ٱللَّهُ بِعَزِيزٖ ذِي ٱنتِقَامٖ 37﴾:

وأخبَرَ سبحانه أن مَنْ يوفِّقه الله ويرشده للهداية، فلن يستطيعَ أحدٌ إغواءه وإضلاله، ثم سأل سبحانه سؤالَ تقرير: أليس لله العِزَّةُ الكاملةُ التي قهَرَ بها كلَّ شيء؟! أليس اللهُ بقادرٍ على أن ينتقِمَ ممن كفَرَ به، وكذَّب رُسُلَهُ، وحارب وعادى أولياءه؟! بلى؛ فالله على كلِّ شيء قدير.

[38] ﴿وَلَئِن سَأَلۡتَهُم مَّنۡ خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضَ لَيَقُولُنَّ ٱللَّهُۚ قُلۡ أَفَرَءَيۡتُم مَّا تَدۡعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ إِنۡ أَرَادَنِيَ ٱللَّهُ بِضُرٍّ هَلۡ هُنَّ كَٰشِفَٰتُ ضُرِّهِۦٓ أَوۡ أَرَادَنِي بِرَحۡمَةٍ هَلۡ هُنَّ مُمۡسِكَٰتُ رَحۡمَتِهِۦۚ قُلۡ حَسۡبِيَ ٱللَّهُۖ عَلَيۡهِ يَتَوَكَّلُ ٱلۡمُتَوَكِّلُونَ 38﴾:

ولئن سألتَ -أيها النبي- هؤلاء المشركين: مَنِ الذي خلَقَ السموات والأرض، وأوجدهما بعد العَدَم، وخلَقَ ما بينهما وما فيهما، لَيُجِيبُنَّكَ: اللهُ وحده هو الذي خلَقَ السموات والأرض، فقل لهم حينها: أخبروني: لو أراد الله أن يُلْحِقَ بي أيَّ ضرر من الأضرار، فهل يستطيع هؤلاء الذين تعبدونهم مِنْ دون الله أن يزيلوا هذا الضرَرَ بالكلِّيَّةِ أو يخفِّفوه؟! وأخبرِوني يا قوم: لو أراد الله أن يُوصِلَ إليَّ منفعةً في ديني ودنياي، فهل يستطيع هؤلاء الذين تعبُدُونهم من دون الله مَنْعَ هذا الخير من الوصول إليَّ؟! فسيقولون: لا تستطيعُ آلهتنا رَفْعَ الضر، ولا مَنْعَ الرحمة، فقل لهم حينها: حسبي الله يكفيني في جميع أموري، فهو الذي يَجْلِبُ لي النفع، ويَدْفَعُ عني الضر، وهو سبحانه كَافِيَّ وحده، وهو الذي يعتمِدُ ويتوكَّلُ عليه المؤمنون.

[39] ﴿قُلۡ يَٰقَوۡمِ ٱعۡمَلُواْ عَلَىٰ مَكَانَتِكُمۡ إِنِّي عَٰمِلٞۖ فَسَوۡفَ تَعۡلَمُونَ 39﴾:

وقل -أيها النبي- لقومك المكذِّبين المعاندين المصرِّين على الكفر: ابْقَوْا على حالتكم التي أنتم عليها مِنَ الشركِ والعناد، وعبادةِ مَنْ لا يضُرُّ ولا ينفع؛ فإني عاملٌ ومقيمٌ على حالتي التي أنا عليها مِنْ توحيدِ الله، وإفرادِهِ بالعبادة؛ فسوف تعلمون لمن تكون العاقبةُ الطيِّبةُ والجزاءُ الحسن.

[40] ﴿مَن يَأۡتِيهِ عَذَابٞ يُخۡزِيهِ وَيَحِلُّ عَلَيۡهِ عَذَابٞ مُّقِيمٌ 40﴾:

وقل لهم -أيها النبي-: وسوف تعلمون -يا قوم- مَنْ منا يأتيه عذابٌ مِن الله يُخْزِيهِ ويَفْضَحُهُ ويُذِلُّهُ في الدنيا، ويَحِلُّ عليه في الآخرة، ويَنْزِلُ به عذابٌ شديدٌ دائمٌ مستمِرٌّ لا ينقطِعُ أبدًا.

[41] ﴿إِنَّآ أَنزَلۡنَا عَلَيۡكَ ٱلۡكِتَٰبَ لِلنَّاسِ بِٱلۡحَقِّۖ فَمَنِ ٱهۡتَدَىٰ فَلِنَفۡسِهِۦۖ وَمَن ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيۡهَاۖ وَمَآ أَنتَ عَلَيۡهِم بِوَكِيلٍ 41﴾:

أخبَرَ سبحانه أنه أنزَلَ على نبيه ﷺ هذا القرآنَ شاملًا لكلِّ الحقوقِ ومصالحِ الناس، وأنَّ كلَّ ما فيه حقٌّ وصواب، فمَنِ اهتدى به وعَمِلَ بما فيه، فإنَّ نفعَ ذلك عائدٌ لنفسه، ومَن عصى وضلَّ، فإنما ضرَرُ ذلك يعود على نفسه، ولن يضُرَّ الله شيئًا، وما أنت -أيها النبي- عليهم بوكيلٍ تحفظُ أعمالهم، وتحاسِبُهم عليها، وإنما أنت -أيها النبي- عليك البلاغ؛ فالله هو الذي له الحقُّ، وهو الفعَّالُ لما يريد.

[42] ﴿ٱللَّهُ يَتَوَفَّى ٱلۡأَنفُسَ حِينَ مَوۡتِهَا وَٱلَّتِي لَمۡ تَمُتۡ فِي مَنَامِهَاۖ فَيُمۡسِكُ ٱلَّتِي قَضَىٰ عَلَيۡهَا ٱلۡمَوۡتَ وَيُرۡسِلُ ٱلۡأُخۡرَىٰٓ إِلَىٰٓ أَجَلٖ مُّسَمًّىۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَأٓيَٰتٖ لِّقَوۡمٖ يَتَفَكَّرُونَ 42﴾:

ومما يدُلُّ على كمال قدرة الله جل وعلا أنه هو وحده الذي يَقْبِضُ الأرواحَ حين يتم أجلها، وهذه هي الموتةُ الكبرى، ويُمْسِكُ التي لم تَمُتْ في منامها، وهذه هي الموتة الصغرى؛ فيُمْسِكُ سبحانه التي قضى عليها الموتَ، فلا يَرُدُّها إلى الجسد، أما الأخرى التي لم يتمَّ أجلها، فيَرُدُّها في جسدها حتى تستكمِلَ الزمن المقدَّر لحياتها في الدنيا، واعلموا أن فيما ذكره جل في علاه من قدرته على توفِّي الأنفس وإمساكها وإرسالها؛ دلائلَ واضحةً على قدرته لمن تفكَّر وتدبَّر.

وقد تقدَّم الجمع بين هذه الآية والآياتِ التي فيها أن مَلَكَ الموت يتوفَّاها، والآياتِ التي ذُكِرَ فيها أن ملائكة الموت هم الذين يتوفَّوْنهم. وقلنا: إن الله هو الآمِرُ لمَلَك الموت، وأن مَلَك الموت له ملائكةٌ مكلَّفون بالتعاون معه لهذا الغرض، ولما كان سبحانه هو الآمِرَ، صار هو الذي يتوفَّى الأنفُسَ في حقيقة الأمر؛ لأنهم ينفِّذون أمر الله سبحانه.

[43] ﴿أَمِ ٱتَّخَذُواْ مِن دُونِ ٱللَّهِ شُفَعَآءَۚ قُلۡ أَوَلَوۡ كَانُواْ لَا يَمۡلِكُونَ شَيۡـٔٗا وَلَا يَعۡقِلُونَ 43﴾:

ثم أنكَرَ جل وعلا على هؤلاء المشركين الذين اتخذوا هذه الآلهةَ شفعاءَ مِنْ دون الله؛ فأمَرَ نبيَّه أن يقولَ لهم: (أتتَّخذون هذه الآلهة شفعاء كما تزعمون، حتى لو كانت هذه الآلهةُ لا تَمْلِكُ لكم نفعًا ولا ضرًّا، ولا تَعْقِلُ من عبادتكم لها شيئًا؟!).

[44] ﴿قُل لِّلَّهِ ٱلشَّفَٰعَةُ جَمِيعٗاۖ لَّهُۥ مُلۡكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۖ ثُمَّ إِلَيۡهِ تُرۡجَعُونَ 44﴾:

ولما ذكَرَ سبحانه وتعالى أن شفعاءهم لا يملكون شيئًا، ولا يعقلون، أمَرَ نبيه محمدًا ﷺ أن يقول لهؤلاء المشركين: اعلموا أن لله الشفاعةَ جميعًا، وأن له مُلْكَ السموات والأرض؛ فالأمرُ كله له وحده، ولا أحدَ يملك الشفاعة عنده إلا بإذنِهِ للشافعِ، ورضاه عن المشفوع له، ثم إليه جل في علاه تُرْجَعُونَ يوم القيامة؛ فيحاسبكم على أعمالكم، ويجازيكم عليها.

[45] ﴿وَإِذَا ذُكِرَ ٱللَّهُ وَحۡدَهُ ٱشۡمَأَزَّتۡ قُلُوبُ ٱلَّذِينَ لَا يُؤۡمِنُونَ بِٱلۡأٓخِرَةِۖ وَإِذَا ذُكِرَ ٱلَّذِينَ مِن دُونِهِۦٓ إِذَا هُمۡ يَسۡتَبۡشِرُونَ 45﴾:

واعلم -أيها النبي- بأنك إذا ذكَرْتَ الله وحده، انقبَضَتْ ونفَرَتْ قلوب هؤلاء المشركين، وإذا ذكَرْتَ آلهتهم التي يعبدونها من دون الله، إذا هم يستبشرون فَرَحًا وابتهاجًا بذلك.

[46] ﴿قُلِ ٱللَّهُمَّ فَاطِرَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ عَٰلِمَ ٱلۡغَيۡبِ وَٱلشَّهَٰدَةِ أَنتَ تَحۡكُمُ بَيۡنَ عِبَادِكَ فِي مَا كَانُواْ فِيهِ يَخۡتَلِفُونَ 46﴾:

ثم أمَرَ جل وعلا نبيَّه محمدًا ﷺ أن يدعوه ويلتجئ إليه، قائلًا: اللهم يا رب، يا خالقَ السموات والأرض وموجِدَهما بعد العدم على غير مثالٍ سابق، أنت سبحانك تَعْلَمُ ما غاب عن المخلوقات، وما تشاهده المخلوقات في السموات والأرض، فلا يغيب عنك شيء، ولو كان مثقالَ حَبَّةٍ من خردل، وأنت سبحانك تحكُمُ وتَفْصِلُ بين عبادك -يوم العَرْضِ عليك، والوقوفِ بين يدَيْك- فيما كانوا فيه يختلفون مِنْ أَمْرِ التوحيد والشرك، ومِنْ أمورِ الدِّينِ من العقائد والعبادات؛ فتجازي المحسِنَ، وتعاقب المسيء.

[47] ﴿وَلَوۡ أَنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُواْ مَا فِي ٱلۡأَرۡضِ جَمِيعٗا وَمِثۡلَهُۥ مَعَهُۥ لَٱفۡتَدَوۡاْ بِهِۦ مِن سُوٓءِ ٱلۡعَذَابِ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِۚ وَبَدَا لَهُم مِّنَ ٱللَّهِ مَا لَمۡ يَكُونُواْ يَحۡتَسِبُونَ 47﴾:

ومِنْ شدَّة ما يرى هؤلاء المشركون من العذاب الرهيب الذي أُعِدَّ لهم بسببِ كُفْرِهم وظُلْمِهم وتجاوُزِهم حدودَ الله، فإنهم يتمنَّوْنَ لو أن لهم مُلْكَ ما في الأرض جميعًا مِنْ الأموال والنفائس، وانضمَّ إليها مِثْلُها، ثم دفعوا كل ذلك ليَفْدُوا أنفسهم من عذاب الله يوم القيامة، ولَمَا قَبِلَهُ الله منهم، ولا أَغْنَى عنهم مِنْ عذابِ الله مِنْ شيء، ثم ظهَرَ لهم -في ذلك الحين- ما لم يكونوا يظنُّون ويتوقَّعون من عقوباتِ اللهِ وسَخَطِه، وشِدَّةِ عقابه؛ نسأل الله السلامة والعافية.

[48] ﴿وَبَدَا لَهُمۡ سَيِّـَٔاتُ مَا كَسَبُواْ وَحَاقَ بِهِم مَّا كَانُواْ بِهِۦ يَسۡتَهۡزِءُونَ 48﴾:

وفي هذا اليومِ العظيمِ يومِ القيامةِ، ظهَرَتْ لهؤلاء المشركين مساوئُ أعمالهم من الشرك والظلم والمعاصي، ثم أحاط بهم وطوَّقهم العذابُ الذي كانوا منه يسخرون، وإياه يستعجلون.

[49] ﴿فَإِذَا مَسَّ ٱلۡإِنسَٰنَ ضُرّٞ دَعَانَا ثُمَّ إِذَا خَوَّلۡنَٰهُ نِعۡمَةٗ مِّنَّا قَالَ إِنَّمَآ أُوتِيتُهُۥ عَلَىٰ عِلۡمِۭۚ بَلۡ هِيَ فِتۡنَةٞ وَلَٰكِنَّ أَكۡثَرَهُمۡ لَا يَعۡلَمُونَ 49﴾:

ثم أخبَرَ جل وعلا عن حال هؤلاء المشركين الذين إذا أصاب أحدَهم ابتلاءٌ من فَقْر أو مَرَض أو اضطرار؛ فإنه يدعو الله مخلِصًا له الدِّين، غيرَ مشرِكٍ به، فإذا أنعَمَ الله عليه، ودفَعَ عنه ما نزَلَ به من الضر؛ فإنه ينسُبُ الفضلَ لنفسه، وأنَّ دفع الضر الذي نزَلَ به بسبب ما عنده مِنَ العلم، وأن ما جاءه من النفع والخير بسببِ ذكائِهِ وتصرُّفِهِ، وأنه مستحِقٌّ لذلك؛ قال الله: بل هي فتنة، أي: اختبارٌ وابتلاءٌ وامتحان؛ لينظُرَ مَنْ يشكُرُ ممن يكفُرُ، ولكنَّ أكثر الناس لا يعلمون أن ذلك امتحانٌ من الله، واختبارٌ لهم.

وقوله تعالى: ﴿إِنَّمَآ أُوتِيتُهُۥ عَلَىٰ عِلۡمِۭۚ ﴾، جاءت على لسانِ قارونَ في سورة القصص، الآية: (78)، وهي قولُ كثيرٍ من أهل الثراء في كلِّ زمانٍ ومكان؛ أَلَا تسمعُ أحدهم يقول: لقد أوتيتُهُ بذكائي، أو بمعرفتي بطُرُق التجارة، أو بخِبْرتي، ونحو ذلك؟! ونسي المسكينُ أنَّ خِبْرته ومعرفته هي منحة من الله، ونسي أن الله قادرٌ أن يسلُبَهُ جميعَ مالِهِ في لَحَظات، يمسي ثريًّا، ويصبحُ فقيرًا لا مال عنده، بعمليَّةٍ يسيرةٍ في أسهم، ونحو ذلك؛ فيخسر جميعَ ماله.

[50] ﴿قَدۡ قَالَهَا ٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِهِمۡ فَمَآ أَغۡنَىٰ عَنۡهُم مَّا كَانُواْ يَكۡسِبُونَ 50﴾:

واعلم -أيها النبي- أن أناسًا مِنْ قَبْلِ قومك أنعَمَ الله عليهم امتحانًا لهم، فأنكروا نعمة الله، وقالوا: إنهم أُوتُوا ما أُوتُوا على علمٍ عندهم بوجوهِ المكاسب؛ فما نفَعَتْهم هذه الكلمة، ولم تَنْفَعْهم مكاسبهم الدنيوية؛ فحَلَّ بهم عذابُ الله، ونزَلَ بهم سَخَطُه؛ بسببِ غرورِهم وما كسبوا من الأعمال والأموال.

[51] ﴿فَأَصَابَهُمۡ سَيِّـَٔاتُ مَا كَسَبُواْۚ وَٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنۡ هَٰٓؤُلَآءِ سَيُصِيبُهُمۡ سَيِّـَٔاتُ مَا كَسَبُواْ وَمَا هُم بِمُعۡجِزِينَ 51﴾:

ثم اعلم -أيها النبي- أن الذين ظلموا وتجاوزوا حدودهم من أمَّتك، ليسوا بأفضلَ ممن سبقهم، فسوف يُصِيبُهم سيئات ما كسبوا من الأعمال، وما هم بفائتين على الله، ولا غالبين له؛ فالله على كل شيء قدير.

[52] ﴿أَوَلَمۡ يَعۡلَمُوٓاْ أَنَّ ٱللَّهَ يَبۡسُطُ ٱلرِّزۡقَ لِمَن يَشَآءُ وَيَقۡدِرُۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَأٓيَٰتٖ لِّقَوۡمٖ يُؤۡمِنُونَ 52﴾:

ثم سأل جل وعلا هؤلاء المعاندين سؤالَ توبيخ، فقال: أَوَلَمْ يعلم هؤلاء -أيها النبي- أن بَسْطَ الرزقِ وقَدْرَهُ لا عَلَاقةَ له بصَلَاح الإنسان من طَلَاحه؟! فهو ابتلاء واختبار لكم من الموسَّع والمضيَّق عليهم؛ أن الله يوسِّع رِزْقه على مَنْ يشاء من عباده، ويضيِّقُهُ على مَنْ يشاء من عباده؛ كلُّ ذلك لحِكْمةٍ بالغة، واعلموا أن بسط الرزق وتقتيره عبرةٌ وحجة لقوم يؤمنون بحِكْمة الله البالغة، وبرحمته الواسعة.

[53] ﴿قُلۡ يَٰعِبَادِيَ ٱلَّذِينَ أَسۡرَفُواْ عَلَىٰٓ أَنفُسِهِمۡ لَا تَقۡنَطُواْ مِن رَّحۡمَةِ ٱللَّهِۚ إِنَّ ٱللَّهَ يَغۡفِرُ ٱلذُّنُوبَ جَمِيعًاۚ إِنَّهُۥ هُوَ ٱلۡغَفُورُ ٱلرَّحِيمُ 53﴾:

وقل -أيها النبي- لعباد الله المؤمنين الذين اتَّبعوا أهواءهم، وأفرَطُوا في الجناية على أنفُسِهم بكثرة الذنوب والمعاصي، واستكثروا منها، قل لهم: لا تيأسوا مِنْ مغفرة الله لذنوبكم، واعلموا أن الله يَغْفِرُ جميعَ الذنوب -كبيرها وصغيرها- مهما عَظُمَتْ؛ فإن الله كثيرُ المغفرة لعباده المستغفرين التائبين، كثيرُ الرحمة لعباده التائبين.

قال بعضُ العلماء: (هذه أرجى آيةٍ في القرآن).

[54] ﴿وَأَنِيبُوٓاْ إِلَىٰ رَبِّكُمۡ وَأَسۡلِمُواْ لَهُۥ مِن قَبۡلِ أَن يَأۡتِيَكُمُ ٱلۡعَذَابُ ثُمَّ لَا تُنصَرُونَ 54﴾:

وقل لهم -أيها النبي- أيضًا: ارجعوا إلى ربِّكم وأَقْبِلوا عليه بقلوبكم وجوارحكم وأعمالكم، واستسلِمُوا لله بالتوحيد، وانقادوا له بالطاعة؛ مِنْ قبلِ أن يَنْزِلَ بكم عذابُ الله؛ فلا تستطيعون دَفْعَه، ولا تُنصَرون في الدنيا ولا في الآخرة.

[55] ﴿وَٱتَّبِعُوٓاْ أَحۡسَنَ مَآ أُنزِلَ إِلَيۡكُم مِّن رَّبِّكُم مِّن قَبۡلِ أَن يَأۡتِيَكُمُ ٱلۡعَذَابُ بَغۡتَةٗ وَأَنتُمۡ لَا تَشۡعُرُونَ 55﴾:

وقل لهم -أيها النبي- أيضًا: بادروا إلى اتِّباع ما في القرآن، وامتثلوا ما فيه مِنَ الأوامر والنواهي، قبل أن يَنْزِلَ بكم العذابُ فجأةً وأنتم غافلون عنه لا تشعرون به.

وقوله: ﴿وَٱتَّبِعُوٓاْ أَحۡسَنَ﴾، أي: واتبعوا أحسن ما يُفْهَمُ منه.

[56] ﴿أَن تَقُولَ نَفۡسٞ يَٰحَسۡرَتَىٰ عَلَىٰ مَا فَرَّطتُ فِي جَنۢبِ ٱللَّهِ وَإِن كُنتُ لَمِنَ ٱلسَّٰخِرِينَ 56﴾:

ثم قل لهم -أيها النبي-: يا قوم، اعملوا بما أَمَرْتُكم به، وبادروا إلى ذلك، قبل أن تقولَ نفسٌ: ياحسرتي وندامتي على ما قصَّرتُ في حقِّ الله، والإيمانِ به وطاعته، وأنَّني كنتُ مِن المستهزئين الذين يَسْخَرُونَ بدِينِ الله وعباده المؤمنين، حين لا ينفع الندم.

[57] ﴿أَوۡ تَقُولَ لَوۡ أَنَّ ٱللَّهَ هَدَىٰنِي لَكُنتُ مِنَ ٱلۡمُتَّقِينَ 57﴾:

أو تقولَ هذه النَّفْسُ بقصد التأسُّف والتندُّم: يا ليت أن الله هداني؛ فأكونَ ممن يَتَّقُونَهُ؛ فأنجُوَ من العقابِ والخِزْيِ والعذاب.

[58] ﴿أَوۡ تَقُولَ حِينَ تَرَى ٱلۡعَذَابَ لَوۡ أَنَّ لِي كَرَّةٗ فَأَكُونَ مِنَ ٱلۡمُحۡسِنِينَ 58﴾:

أو تقولَ هذه النفسُ يوم القيامة حين تعايِنُ العذاب: أتمنى أن يكونَ لي رجعةٌ إلى الدنيا؛ فأَعْمَلَ الصالحات، وأكونَ من المحسنين في اعتقاداتهم وأقوالهم وأعمالهم.

[59] ﴿بَلَىٰ قَدۡ جَآءَتۡكَ ءَايَٰتِي فَكَذَّبۡتَ بِهَا وَٱسۡتَكۡبَرۡتَ وَكُنتَ مِنَ ٱلۡكَٰفِرِينَ 59﴾:

فيأتي الردُّ من الله جل وعلا إبطالًا لأمانيِّهم الكاذبة: ليس الأمر كما تقولون وتتمنَّوْن؛ فقد جاءتكم آياتنا الدالَّة على الحق والوحدانية؛ فجحدتموها، واستكبرتم عن اتِّباعها والإيمانِ بها، وكنتم مِنَ الكافرين بالله ورسله.

[60] ﴿وَيَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ تَرَى ٱلَّذِينَ كَذَبُواْ عَلَى ٱللَّهِ وُجُوهُهُم مُّسۡوَدَّةٌۚ أَلَيۡسَ فِي جَهَنَّمَ مَثۡوٗى لِّلۡمُتَكَبِّرِينَ 60﴾:

ثم أخبَرَ جل وعلا أن يوم القيامة ستَرَوْنَ الذين كذَبُوا على الله بنسبة الولد والصاحبة والشريك إليه؛ قد علاهم الخِزْيُ والعار، وترى وجوهَهُمْ مسودَّةً لِمَا أحاط بهم من الغَمِّ والعذابِ والنكال، ثم سأل جل في علاه سؤال تقرير: أليس في نار جهنَّم مأوًى ومسكنٌ ومقامٌ للمتكبِّرين عن طاعة الله، والانقياد لأوامره؟!

[61] ﴿وَيُنَجِّي ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ٱتَّقَوۡاْ بِمَفَازَتِهِمۡ لَا يَمَسُّهُمُ ٱلسُّوٓءُ وَلَا هُمۡ يَحۡزَنُونَ 61﴾:

وبعد أن بيَّن جل وعلا حال الكفار يوم القيامة، بيَّن حال المؤمنين الذين انقادوا لأمر الله وأطاعوه، وجعلوا بينهم وبين عذابِهِ وقايةً بفعل أوامره، واجتناب نواهيه، وأخبَرَ سبحانه بأنه نجَّاهم بسبب فَوْزهم برضا الله ورحمته؛ فلا يَمَسُّهم عذابٌ يسوؤهم، ولا يعتريهم حُزْنٌ على ما فاتهم من الدنيا، ولا يخافون عذاب الآخرة؛ فهم في أمانٍ تامِّ، نسأل الله الكريم من فضله.

[62] ﴿ٱللَّهُ خَٰلِقُ كُلِّ شَيۡءٖۖ وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ وَكِيلٞ 62﴾:

أخبَرَ جل وعلا أنه وحده هو الذي خلَقَ كلَّ شيء، وأوجده بعد العَدَم، وهو سبحانه وحده أحاط عِلْمًا بجميعِ الأشياء، وهو القائمُ بحِفْظها وتدبيرها، والتصرُّفِ فيها سبحانه وتعالى.

[63] ﴿لَّهُۥ مَقَالِيدُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۗ وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِـَٔايَٰتِ ٱللَّهِ أُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡخَٰسِرُونَ 63﴾:

ثم أخبَرَ جل وعلا أنه وحده الذي يملك مفاتيحَ السموات والأرض مِن الرِّزْقِ والرحمةِ والبركة، وغيرها، وله سبحانه تدبيرُ أمور السموات والأرض، والتصرُّفُ فيهما -لا يشارِكُهُ أحد في ذلك سبحانه وتعالى- والذين جحدوا آياتِ الله فلم يؤمنوا بها؛ أولئك هم الخاسرون الخسارةَ الحقيقيَّة، فيَخْسَرونَ دنياهم وآخِرَتَهم.

[64] ﴿قُلۡ أَفَغَيۡرَ ٱللَّهِ تَأۡمُرُوٓنِّيٓ أَعۡبُدُ أَيُّهَا ٱلۡجَٰهِلُونَ 64﴾:

ثم أمَرَ جل وعلا نبيَّه محمدًا ﷺ أن يقولَ لمشركي قومِهِ على سبيلِ التوبيخ والتأنيب: أفغيرَ اللهِ تأمرونني أن أعبُدَ، أيها الجاهلون بالله وآياته؟! بعد أن شاهَدتُّمُ الآيات التي تدُلُّ على وحدانية الله، وأن العبادة يجب أن تكونَ له وحده، وشاهَدتُّمْ أيضًا الآيات التي تدُلُّ على صدق الرسالة؟!

وذلك أن كفَّار مكَّة لما رأوا أن النبي ﷺ صار له أتّبْاع، وصَعُبَ عليهم أن يتخلَّى بعضهم عن بعض، قالوا له ﷺ: لا تسُبَّ آلهتنا واعترِفْ بها، ونحن نعترِفُ بآلهتك، فأنزَلَ جل وعلا هذه الآية.

[65] ﴿وَلَقَدۡ أُوحِيَ إِلَيۡكَ وَإِلَى ٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِكَ لَئِنۡ أَشۡرَكۡتَ لَيَحۡبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ ٱلۡخَٰسِرِينَ 65﴾:

ثم ذكَرَ جل وعلا نبيه محمدًا ﷺ وأمته؛ أنه قد أُوحِيَ إليك -أيها النبي- وأوحي إلى الرسل الذين مِنْ قبلك: لئن أشرَكْتَ مع الله أحدًا غيره، ليَبْطُلَنَّ عملُكَ، ولتكونَنَّ من الخاسرين؛ فتَخْسَرُ دينك وآخرتك، وفي هذا بيانٌ أن الشركَ مُخرِجٌ من الملة، ومُحبِطٌ للعمل، ومُوجِبٌ للخسران.

وقوله: ﴿لَئِنۡ أَشۡرَكۡتَ﴾؛ على سبيل الفرض؛ لأنه ﷺ معصومٌ مما هو أقلُّ من ذلك.

والمقصودُ هو التشريعُ لأمَّته، وتحذيرُهُمْ من الشرك.

[66] ﴿بَلِ ٱللَّهَ فَٱعۡبُدۡ وَكُن مِّنَ ٱلشَّٰكِرِينَ 66﴾:

ثم أمَرَ جل وعلا نبيه محمدًا ﷺ بألَّا يطيعَ هؤلاءِ المشركين فيما طلبوا منه مِنْ عبادةِ غير الله مع الله، وأمَرَهُ بأن يُخلِصَ العبادة لله وحده لا شريكَ له، وأن يكونَ مِن الشاكرين الحامدين المُثْنِينَ على الله بنعمه.

[67] ﴿وَمَا قَدَرُواْ ٱللَّهَ حَقَّ قَدۡرِهِۦ وَٱلۡأَرۡضُ جَمِيعٗا قَبۡضَتُهُۥ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ وَٱلسَّمَٰوَٰتُ مَطۡوِيَّٰتُۢ بِيَمِينِهِۦۚ سُبۡحَٰنَهُۥ وَتَعَٰلَىٰ عَمَّا يُشۡرِكُونَ 67﴾:

واعلموا أن هؤلاء المشركين ما عظَّموا ربَّهم حقَّ تعظيمه، ولا أعطَوْهُ قَدْرَهُ المستحِقَّ إياه، وذلك باتخاذهم شركاءَ معه يَصْرِفونَ لهم أنواعًا مِن العبادات، وهؤلاءِ الشركاءُ لا يملكون نفعًا ولا ضرًّا، ولا موتًا ولا حياةً ولا نشورًا، ومِنْ عظمته وقدرتِهِ جل في علاه: أن الأرض في قبضتِهِ يومَ القيامة، وأن السموات -على سَعَتها وعَظَمتها- مطويَّاتٌ بيمينه، فتنزَّه الله وتعاظَمَ وتعالى وتقدَّس عن شرك هؤلاء المشركين، وعمَّا يصفونه به.

[68] ﴿وَنُفِخَ فِي ٱلصُّورِ فَصَعِقَ مَن فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَن فِي ٱلۡأَرۡضِ إِلَّا مَن شَآءَ ٱللَّهُۖ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخۡرَىٰ فَإِذَا هُمۡ قِيَامٞ يَنظُرُونَ 68﴾:

ثم أخبَرَ جل وعلا عن بعض أهوال يوم القيامة، فقال: ونُفِخَ في القَرْنِ مِن قِبَلِ إسرافيلَ عليه السلام، النفخةُ الأولى -وهي نفخة الصَّعْق- فمات مِنْ الفزع ومن شدَّة صوته مَنْ في السموات ومَنْ في الأرض إلا مَنْ شاء الله ألَّا يموت، ثم نُفِخَ فيه النفخةُ الأُخْرى -وهي نفخة البَعْث- فإذا الناس قد قاموا من قبورهم، وبُعِثوا بعد مَوْتهم، ينظرون ماذا سيُفعَلُ بهم.

[69] ﴿وَأَشۡرَقَتِ ٱلۡأَرۡضُ بِنُورِ رَبِّهَا وَوُضِعَ ٱلۡكِتَٰبُ وَجِاْيٓءَ بِٱلنَّبِيِّـۧنَ وَٱلشُّهَدَآءِ وَقُضِيَ بَيۡنَهُم بِٱلۡحَقِّ وَهُمۡ لَا يُظۡلَمُونَ 69﴾:

وأضاءت الأرضُ في ذلك اليومِ -يومِ القيامة- بنور ربِّها جل في علاه حين يتجلَّى سبحانه للفَصْلِ والقضاءِ بين الناس، ونُشِرَتِ الكتبُ والدواوينُ التي فيها أعمال الناس، وجيء بالنبيين ليُسْألوا عن تبليغ رسالات ربِّهم، وجيء بالشهداء مِنَ الملائكةِ والأعضاءِ والأرض، وبالشهداءِ مِن أمَّة محمد ﷺ ليشهدوا أن رسُلَ الله بلَّغوا رسالات الله للأمم مِنْ قبلهم، وحكَمَ الله تعالى بين عباده بالعَدْلِ التامِّ والقِسْط، وهم لا يُظْلَمونَ ولا ينقُصُونَ من أجورهم شيئًا، ولا يزدادون في عقابهم شيئًا.

[70] ﴿وَوُفِّيَتۡ كُلُّ نَفۡسٖ مَّا عَمِلَتۡ وَهُوَ أَعۡلَمُ بِمَا يَفۡعَلُونَ 70﴾:

وفي ذلك اليومِ -يومِ القيامة- تُجْزَى كلُّ نفسٍ بما كانت تعملُ مِن الخير والشر، واللهُ جل في علاه أعلَمُ بما كان يفعلُ الناسُ في الدنيا مِن الطاعات والمعاصي، فيجازيهم عليها، ومع عِلْمِهِ جل وعلا بما فعلوا في الدنيا، فإنه يُحضِرُ سبحانه الشهداء المذكورين في الآية السابقة؛ لتثبُتَ العدالة، وتقومَ الحجة.

[٧١] ﴿وَسِيقَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوٓاْ إِلَىٰ جَهَنَّمَ زُمَرًاۖ حَتَّىٰٓ إِذَا جَآءُوهَا فُتِحَتۡ أَبۡوَٰبُهَا وَقَالَ لَهُمۡ خَزَنَتُهَآ أَلَمۡ يَأۡتِكُمۡ رُسُلٞ مِّنكُمۡ يَتۡلُونَ عَلَيۡكُمۡ ءَايَٰتِ رَبِّكُمۡ وَيُنذِرُونَكُمۡ لِقَآءَ يَوۡمِكُمۡ هَٰذَاۚ قَالُواْ بَلَىٰ وَلَٰكِنۡ حَقَّتۡ كَلِمَةُ ٱلۡعَذَابِ عَلَى ٱلۡكَٰفِرِينَ 71﴾:

ثم أخبَرَ جل وعلا بأن الذين جحَدُوا آياتِ الله وكذَّبوا رُسُلَهُ يساقون يوم القيامة إلى نار جهنَّمَ سَوْقًا عنيفًا، فيُضْرَبونَ ويُهَانُون، وهم جماعاتٌ جماعات؛ حتى إذا جيء بهم إلى جهنَّم، فُتِحَتْ لهم أبوابها لتستقبلهم بحَرِّها ولَهِيبها وسعيرها فتَبْهَتُهم، ثم يقولُ لهم خَزَنةُ النار -لتبكيتهم وتوبيخهم وزيادة العذاب عليهم-: ألم يأتِكم رُسُلٌ مِنْ جنسكم تعرفونهم وتعرفون صِدْقهم يَتْلُونَ عليكم آياتِ ربِّكم الدالَّةَ على وحدانيته؟! وكانوا يحذِّرونكم عذاب الآخرة، ويخوِّفونكم هذا اليوم؟! فيقولون مقرِّين بذنوبهم: بلى، ولكنْ وجَبَتْ كلمةُ العذاب على الكافرين الجاحدين.

[72] ﴿قِيلَ ٱدۡخُلُوٓاْ أَبۡوَٰبَ جَهَنَّمَ خَٰلِدِينَ فِيهَاۖ فَبِئۡسَ مَثۡوَى ٱلۡمُتَكَبِّرِينَ 72﴾:

فعند ذلك يقال لهؤلاء الكفار: ادخلوا أبوابَ جهنَّم ماكثين فيها أبدًا، لا تتحوَّلون عنها ولا تزولون، فبِئْسَ هذا المَقَرُّ والمسكنُ والمأوى لمن تكبَّر عن الإيمان بالله والانقياد والاستسلام له؛ نسأل الله السلامة والعافية.

[73] ﴿وَسِيقَ ٱلَّذِينَ ٱتَّقَوۡاْ رَبَّهُمۡ إِلَى ٱلۡجَنَّةِ زُمَرًاۖ حَتَّىٰٓ إِذَا جَآءُوهَا وَفُتِحَتۡ أَبۡوَٰبُهَا وَقَالَ لَهُمۡ خَزَنَتُهَا سَلَٰمٌ عَلَيۡكُمۡ طِبۡتُمۡ فَٱدۡخُلُوهَا خَٰلِدِينَ 73﴾:

ثم أخبَرَ جل وعلا بأن الذين اتقَوْا ربَّهم؛ بتوحيده والإيمان به، وفِعْلِ أوامره، واجتنابِ نواهيه؛ يساقون يوم القيامة إلى الجنة جماعاتٍ جماعاتٍ، مستبشرين مكرَّمِينَ فرحين، حتى إذا وصلوا إليها، فُتِحَتْ لهم أبواب الجنة قبل مجيئهم؛ حيث إن نبينا محمدًا ﷺ سبَقَهم بافتتاحها؛ لأنه أوَّل مَنْ يفتحُ أبوابَ الجنة؛ كما في الحديث([1])، ثم يقولُ لهم خَزَنَتُها تهنئةً لهم، وترحيبًا بهم: سلامةٌ لكم مِنْ كلِّ آفةٍ وتنغيص، طبتم -يا أهل الجنة- بتوحيد الله وطاعته، وطاب مَمْشاكم وسعيكم، فادخُلُوا جنة ربِّكم التي أعدَّها وهيَّأها لكم، خالدين ماكثين فيها أبدًا، لا تتحوَّلون عنها ولا تزولون. [1] أخرجه مسلم (197)، عن أنس بن مالك رضي الله عنه.

[74] ﴿وَقَالُواْ ٱلۡحَمۡدُ لِلَّهِ ٱلَّذِي صَدَقَنَا وَعۡدَهُۥ وَأَوۡرَثَنَا ٱلۡأَرۡضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ ٱلۡجَنَّةِ حَيۡثُ نَشَآءُۖ فَنِعۡمَ أَجۡرُ ٱلۡعَٰمِلِينَ 74﴾:

وعند ذلك قال أصحاب الجنة -لما دخلوها، وتَمَّ نعيمهم، وكَمُلَ سرورهم-: الحمدُ لله الذي صدَقَنا وعده الذي وعَدَنا إياه على لسان رُسُله، وأورَثَنا أرضَ الجنة نَنزِلُ منها حيث نشاء، ونَنْعَمُ فيها بما نشاء؛ فنعم الوعدُ ما وعَدَنا ربُّنا، ونعمتِ الجنةُ أجرًا للعاملين، نسأل الله الكريم من فضله.

[75] ﴿وَتَرَى ٱلۡمَلَٰٓئِكَةَ حَآفِّينَ مِنۡ حَوۡلِ ٱلۡعَرۡشِ يُسَبِّحُونَ بِحَمۡدِ رَبِّهِمۡۚ وَقُضِيَ بَيۡنَهُم بِٱلۡحَقِّۚ وَقِيلَ ٱلۡحَمۡدُ لِلَّهِ رَبِّ ٱلۡعَٰلَمِينَ 75﴾:

وبعد أن ذكَرَ جل وعلا جملةً من أهوال يوم القيامة، قال: وترى -أيها النبي- يوم القيامة الملائكةَ محيطين بعَرْش الرحمن مِنْ كلِّ جهة، يمجِّدون ربهم وينزِّهونه عن كل ما لا يليق به، وقضى سبحانه بين الخلائق بالحق والعَدْل؛ فأدخَلَ أهلَ الإيمان الجنة، وأدخَلَ أهلَ الكفر النار، وقيل: الحمدُ لله رب العالمين على ما قضى جل في علاه.

ولم يذكُرِ القائلَ؛ لأن الجميع قال ذلك؛ فالحمدُ لله ربِّ العالمين أولًا وآخرًا.

وقد استدَلَّ العلماء بهذه الآية على جواز الصلاة حول الكَعْبةِ من جميع جوانبها، تشبيهًا بالملائكةِ المحيطين بالعرش مِنْ كلِّ جوانبه؛ حيث كان المسلمون يصلُّون في الحرَمِ المكيِّ صفًّا واحدًا، وإمامهم بين المقام والركن الذي فيه الحَجَرُ الأسود، فكلُّهم خلف إمامهم لا يصلُّونَ الفريضة في الكعبة من الجهاتِ الأخرى، وكانوا قليلين؛ فلما كَثُرَ المسلمونَ وكان أميرَهم خالِد القَسْريُّ، أمَرَهم أن يتحلَّقوا حول الكعبة مِنْ كل جهاتها.

سورة غافر

سورة غافر مكيَّةٌ، وآياتها خمسٌ وثمانون آية. ولها اسم آخر هو: سورة المُؤْمِن.

[1] ﴿حمٓ 1﴾:

سبق الكلام على الحروف المقطَّعة في أول سورة البقرة.

[2] ﴿تَنزِيلُ ٱلۡكِتَٰبِ مِنَ ٱللَّهِ ٱلۡعَزِيزِ ٱلۡعَلِيمِ 2﴾:

أخبَرَ جل وعلا أن هذا القرآن منزَّلٌ من الله تعالى وحده، لا كما يقولُ ويروِّج الكفار: أن محمدًا اختَلَقَهُ مِن نفسه أو من غيره، واعلموا أنه جل في علاه هو الغالب الذي لا يُعْجِزه شيء، والعليمُ بأحوال خلقه وبافتراءاتهم، لا يخفى عليه شيءٌ منها.

[3] ﴿غَافِرِ ٱلذَّنۢبِ وَقَابِلِ ٱلتَّوۡبِ شَدِيدِ ٱلۡعِقَابِ ذِي ٱلطَّوۡلِۖ لَآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَۖ إِلَيۡهِ ٱلۡمَصِيرُ 3﴾:

ثم وصف جل وعلا نفسَهُ ببعض الصفات، فقال: إنه غافرُ الذنبِ، وقابلُ توبةِ العصاة المذنِبِينَ مِن المؤمنين؛ بل إنه يَفْرَحُ بذلك، كما جاء في الحديث([2])، شديدُ العقاب للعصاة والمستهزئين الساخرين بالله وبرسوله وبكتابه العزيز وبعباد الله المسلمين، ولم يتوبوا وماتوا على ذلك، ذو الطَّوْلِ والإحسانِ والإنعامِ لعباده الصالحين فضلًا وتكرُّمًا، وهو جل في علاه المعبودُ الذي لا تصلُحُ العبادة إلا له، وإليه وحده الرجوعُ يوم الحساب؛ فيجازي كلًّا بما يستحِقُّ. [2] أخرجه البخاري (6309)، عن أنس رضي الله عنه، ومسلم (2675)، عن أبي هريرة رضي الله عنه.

وقدَّم سبحانه قوله: ﴿غَافِرِ ٱلذَّنۢبِ﴾؛ لأن رحمته سبَقَتْ غضبه، ولأنه ربما يَغفِرُ مِنْ غير توبة؛ وفي هذا ردٌّ على المعتزلة الذين يقولون: (صاحبُ الكبيرة يخلَّد في النار).

[4] ﴿مَا يُجَٰدِلُ فِيٓ ءَايَٰتِ ٱللَّهِ إِلَّا ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ فَلَا يَغۡرُرۡكَ تَقَلُّبُهُمۡ فِي ٱلۡبِلَٰدِ 4﴾:

واعلموا -أيها الناس- أنه ما يخاصِمُ في آيات القرآنِ الدالَّةِ على وحدانيته جل في علاه إلا الجاحدون لهذه الآيات، وإذا كان ذلك كذلك فلا يغُرَّنَّكَ -أيها النبي- تقلُّبُ هؤلاء في البلاد وجَمْعُهم للأموال الطائلة عن طريق التجارات، والمَكَاسِبِ، ونعيمِ الدنيا وزَهْرَتِها.

ولا شك أن الذين يجادلون في آيات الله لإحقاقِ الحَقِّ وإثباتِ ما جاء عن الله وعن رسوله ﷺ؛ فهذه مجادَلةٌ محمودة، أما الذين يجادِلونَ بالباطلِ ليُدْحِضوا به الحق، ويشكِّكوا فيما يعتقده المؤمنون مما ثبَتَ في الكتاب والسنة؛ فهي مجادَلةٌ منكَرة، وهي مِنْ فعل الكفار، وهي المقصودة في هذه الآية، وهذه الآية تنطبِقُ على كلِّ مَنْ يجادِلُ بالباطل فقطْ.

[5] ﴿كَذَّبَتۡ قَبۡلَهُمۡ قَوۡمُ نُوحٖ وَٱلۡأَحۡزَابُ مِنۢ بَعۡدِهِمۡۖ وَهَمَّتۡ كُلُّ أُمَّةِۭ بِرَسُولِهِمۡ لِيَأۡخُذُوهُۖ وَجَٰدَلُواْ بِٱلۡبَٰطِلِ لِيُدۡحِضُواْ بِهِ ٱلۡحَقَّ فَأَخَذۡتُهُمۡۖ فَكَيۡفَ كَانَ عِقَابِ 5﴾:

واعلم -أيها النبي- أن قومك ليسوا بأول من كذَّب رُسُلَ الله؛ فقد كذَّبت أقوامٌ من قبلهم رسلَهم، فكذَّب قومُ نوحٍ نبيَّهُم، وكذا الأقوامُ مِنْ بعده الذين تحزَّبوا وتجمَّعوا على رُسُلهم كعادٍ وثمود، وقد همَّتْ كلُّ أمَّة من الأمم أن يقتُلُوا رسولهم، وقد كانوا يجادلون ويخاصمون بالشركِ والباطلِ ليُزِيلوا به الحق، ويُبطِلوا به الإيمان؛ فأخَذَهم الله وأهلَكَهم، فانظُرْ كيف كان أخذُهُ إيَّاهم وعقابُهُ لهم؟! لقد كان أشدَّ العذابِ وأفظَعَه؛ وفي هذا تحذيرٌ لكفار قريش، وتخويفٌ لهم.

[6] ﴿وَكَذَٰلِكَ حَقَّتۡ كَلِمَتُ رَبِّكَ عَلَى ٱلَّذِينَ كَفَرُوٓاْ أَنَّهُمۡ أَصۡحَٰبُ ٱلنَّارِ 6﴾:

وكما وجَبَتْ كلمة العذاب على الذين كفَرُوا وجحَدُوا من الأمم السابقة؛ فكذلك وجَبَتْ كلمة العذاب على الذين كفروا بك وكذَّبوك أيها النبي، وتلك الكلمةُ: أنهم أصحابُ النار، أي: سُكَّانها المقيمون فيها أبد الآبدين.

[7] ﴿ٱلَّذِينَ يَحۡمِلُونَ ٱلۡعَرۡشَ وَمَنۡ حَوۡلَهُۥ يُسَبِّحُونَ بِحَمۡدِ رَبِّهِمۡ وَيُؤۡمِنُونَ بِهِۦ وَيَسۡتَغۡفِرُونَ لِلَّذِينَ ءَامَنُواْۖ رَبَّنَا وَسِعۡتَ كُلَّ شَيۡءٖ رَّحۡمَةٗ وَعِلۡمٗا فَٱغۡفِرۡ لِلَّذِينَ تَابُواْ وَٱتَّبَعُواْ سَبِيلَكَ وَقِهِمۡ عَذَابَ ٱلۡجَحِيمِ 7﴾:

ثم أخبَرَ جل وعلا أن الذين يحملون عرشَ الرحمن ومَنْ حولهم من الملائكة المقرَّبين، مقيمون على تَسْبيح الله وتَقْديسه وتنزيهه عمَّا لا يليق به جل في علاه، ومقيمون على الإيمان بالله حقًّا وصدقًا، ويطلُبُونَ من الله الذي وَسِعَتْ رحمته وعلمه كلَّ شيء أن يغفر لعباده المؤمنين التائبين، وهؤلاءِ الملائكةُ يدعون للمؤمنين، فيقولون: يا ربَّنا، لقد وَسِعَتْ رحمتُكَ وعِلْمُكَ كل شيء؛ فاغفِرْ لعبادك المؤمنين، الذين استمسكوا بدينك الحق، وتابوا عن الزلَّات والهَفَوات، ونجِّهم من عذاب جهنَّم الأليم.

[8] ﴿رَبَّنَا وَأَدۡخِلۡهُمۡ جَنَّٰتِ عَدۡنٍ ٱلَّتِي وَعَدتَّهُمۡ وَمَن صَلَحَ مِنۡ ءَابَآئِهِمۡ وَأَزۡوَٰجِهِمۡ وَذُرِّيَّٰتِهِمۡۚ إِنَّكَ أَنتَ ٱلۡعَزِيزُ ٱلۡحَكِيمُ 8﴾:

ويستمرُّ دعاء الملائكة المقرَّبين لعباد الله المؤمنين، قائلين: اللهم ربَّنا، وأدخِلِ المؤمنين جنَّاتِ عَدْنٍ التي وعَدتَّهم إياها، وأدخِلْ معهم مَنْ صلَحَ من آباءهم وأزواجهم وذريَّاتهم وأصحابهم ورُفَقائهم؛ ليكمُلَ بذلك نعيمهم، ويتم سرورهم، إنك يا ربنا أنت العزيزُ الغالبُ القاهرُ الذي لا يُعْجِزه شيء، الحكيمُ الذي يضعُ الأشياء في مواضعها.

[9] ﴿وَقِهِمُ ٱلسَّيِّـَٔاتِۚ وَمَن تَقِ ٱلسَّيِّـَٔاتِ يَوۡمَئِذٖ فَقَدۡ رَحِمۡتَهُۥۚ وَذَٰلِكَ هُوَ ٱلۡفَوۡزُ ٱلۡعَظِيمُ 9﴾:

ويدعون أيضًا قائلين: واصرِفْ عنهم يا ربَّنا الأعمالَ السيئة، وعاقِبَتَها السيئة؛ فإن من تصرف عنه السيئات في الدنيا، وتغفرها له إن اقترفها يوم القيامة فقد فاز برَحْمتك، وأدخلته جنَّتك، وذلك هو الفوزُ العظيمُ الحقيقيُّ الذي لا فَوْزَ أعظمُ منه؛ نسأل الله الكريم من فضله.

[10] ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ يُنَادَوۡنَ لَمَقۡتُ ٱللَّهِ أَكۡبَرُ مِن مَّقۡتِكُمۡ أَنفُسَكُمۡ إِذۡ تُدۡعَوۡنَ إِلَى ٱلۡإِيمَٰنِ فَتَكۡفُرُونَ 10﴾:

ثم ذكَرَ جل وعلا أن الكفار في جهنَّم يلومون أنفسهم ويَمْقُتونها أشدَّ المقت، ويتحسَّرون على إضاعة الفُرْصة التي مُنِحوها في الدنيا، وفي هذه الأثناء يناديهم خَزَنةُ النار قائلين لهم: اعلموا أن غضَبَ الله عليكم بسببِ إصراركم على الكفر أشدُّ وأعظمُ من غَضَبِكم على أنفسكم؛ لأنكم كنتم تُدْعَونَ في الدنيا إلى الإيمان، فأعرضتم وأصرَرْتم على الكُفْرِ والضلال حتى أدرَكَكُمُ الموت؛ فاليوم تُجْزَوْنَ بما كنتم تعملون في حياتكم الدنيا عذابَ الهُون.

[11] ﴿قَالُواْ رَبَّنَآ أَمَتَّنَا ٱثۡنَتَيۡنِ وَأَحۡيَيۡتَنَا ٱثۡنَتَيۡنِ فَٱعۡتَرَفۡنَا بِذُنُوبِنَا فَهَلۡ إِلَىٰ خُرُوجٖ مِّن سَبِيلٖ 11﴾:

ثم بعد أن يَرَوُا العذاب الأليم، ويذوقوه، يقولون: يا ربنا، لقد أمتَّنا مرتَيْن، يومَ أن لم نكن شيئًا مذكورًا، ويومَ أن انقضى أجَلُنا في الحياة الدنيا، وأحييتنا مرتَيْن، يومَ أن وُلِدْنا، ويوم أن بُعِثْنا من قبورنا، واليومَ بعد أن رأينا ما رأينا من العذاب، فقد أخَذْنا الدرسَ، وعَرَفْنا خطأنا؛ فهل لنا مِنْ طريقٍ نخرُجُ به من النار لنصحِّحَ مسارنا، ونؤمن بك، ولكنْ هيهاتَ أن ينفعهم هذا الاعتراف، وهذا الندم.

[12] ﴿ذَٰلِكُم بِأَنَّهُۥٓ إِذَا دُعِيَ ٱللَّهُ وَحۡدَهُۥ كَفَرۡتُمۡ وَإِن يُشۡرَكۡ بِهِۦ تُؤۡمِنُواْۚ فَٱلۡحُكۡمُ لِلَّهِ ٱلۡعَلِيِّ ٱلۡكَبِيرِ 12﴾:

واعلموا -أيها الكفار- أنه لا أمَلَ لكم في الخروجِ مِن النار، وأنَّ هذا العذاب الذي أصابكم كان بسببِ أنكم كنتم إذا دُعِيتُمْ لإخلاصِ العبادة لله وحده، وتَرْكِ عبادة ما سواه، رفَضْتم وكَفْرتُم، وأنَّ مَنْ كان يُشرِكُ مع الله غيره بصرفِ العبادة عن الله تؤمنون به وتصدِّقونه؛ فالحُكْمُ لله العليِّ الذي له علوُّ الذاتِ والقَدْرِ والقَهْر، الكبيرِ الذي له الكبرياءُ والعَظَمةُ والمَجْد.

[13] ﴿هُوَ ٱلَّذِي يُرِيكُمۡ ءَايَٰتِهِۦ وَيُنَزِّلُ لَكُم مِّنَ ٱلسَّمَآءِ رِزۡقٗاۚ وَمَا يَتَذَكَّرُ إِلَّا مَن يُنِيبُ 13﴾:

واعلموا -أيها الناس- أن الله هو الذي يريكم هذه الآيات العظيمة الواضحة التي تدُلُّ على كمال إبداعه وقدرته ووحدانيته، ومِنْ هذه الآيات العظيمة: إنزالُ المطَرِ من السماء الذي هو سبَبٌ في إخراج الأرزاق التي في الأرض؛ حيثُ يُنبِتُ الزرع، ويُدِرُّ الضَّرْع، ويُنتِجُ الثمار المتنوِّعة، وما يتعِظُ ويستفيدُ بهذه الآيات إلا مَنْ يرجع عن التشبُّث بما عليه الآباء والأسلاف، ويؤوب عن التعلُّق بالأضرحة والأصنام.

[14] ﴿فَٱدۡعُواْ ٱللَّهَ مُخۡلِصِينَ لَهُ ٱلدِّينَ وَلَوۡ كَرِهَ ٱلۡكَٰفِرُونَ 14﴾:

وبعد أن رأيتم -أيها المؤمنون- الآياتِ الدالَّة على وحدانيته، ورأيتم هذا المطَرَ الذي نزَّله الله لكم من السماء، وفيه رزقُكم؛ فعليكم أن تُخْلِصوا العبادةَ والدعاءَ لله وحده لا شريك له، ولو أغاظ ذلك أعداء الله من المشركين والفسَّاق؛ فلا تلتفتوا إليهم، وامْضُوا في طريق الحق والدعوة إلى الله.

[15] ﴿رَفِيعُ ٱلدَّرَجَٰتِ ذُو ٱلۡعَرۡشِ يُلۡقِي ٱلرُّوحَ مِنۡ أَمۡرِهِۦ عَلَىٰ مَن يَشَآءُ مِنۡ عِبَادِهِۦ لِيُنذِرَ يَوۡمَ ٱلتَّلَاقِ 15﴾:

واعلموا -أيها الناس- أن الله هو وحده صاحبُ الرِّفْعةِ والمقامِ العالي، وصاحبُ العرش العظيم، وأنه وحده الذي ينزِّلُ الوحي على رُسُله الذين اختارهم واصطفاهم، لينذروا الناس ويحذِّروهم من سوء العذاب يوم القيامة، الذي يلتقي فيه الأوَّلون والآخرون في ساحة المَحْشَرِ فيقضي جل في علاه بينهم بقضائه العادل. وسُمِّيَ الوحيُ رُوحًا؛ لأن الأوامر والنواهي تنفُذُ في روحِ المؤمنِ المُخْلِصِ، فتحييه الحياة الطيبةَ الكريمةَ في الدنيا والآخرة، ولأنه يحيي المؤمن ويُنقِذُهُ مِن الكفر كما يحيا الجسمُ بالروح.

[16] ﴿يَوۡمَ هُم بَٰرِزُونَۖ لَا يَخۡفَىٰ عَلَى ٱللَّهِ مِنۡهُمۡ شَيۡءٞۚ لِّمَنِ ٱلۡمُلۡكُ ٱلۡيَوۡمَۖ لِلَّهِ ٱلۡوَٰحِدِ ٱلۡقَهَّارِ 16﴾:

وفي ذلك اليوم يكون الناسُ ظاهرين على الأرض، لا يستُرُهم شيء، ولا يخفى على اللهِ شيءٌ مِن أحوالهم، ثم ينادي جل في علاه: لمن السلطانُ اليوم؟! فلا تَنطِقُ الخلائقُ ولا تتكلَّم، فيجيبُ المَلِكُ نفسه قائلًا: لله الواحدِ المتفرِّدِ في ذاتِهِ وأسمائه وصفاتِهِ وأفعاله، القهَّارِ الذي قهَرَ جميع المخلوقات وأخضَعَها وأذلَّها.

[17] ﴿ٱلۡيَوۡمَ تُجۡزَىٰ كُلُّ نَفۡسِۭ بِمَا كَسَبَتۡۚ لَا ظُلۡمَ ٱلۡيَوۡمَۚ إِنَّ ٱللَّهَ سَرِيعُ ٱلۡحِسَابِ 17﴾:

وفي ذلك اليوم تثابُ كلُّ نفس بما كسَبَتْ في الدنيا مِنْ خير أو شر، ولن يُظلَمَ أحدٌ في هذا اليوم؛ لا بنقصٍ من ثوابه، ولا بزيادةٍ في عقابه، ولإحاطته سبحانه بكلِّ شيء علمًا سوف يكونُ حسابه لعباده سريعًا؛ لأنه لا يحتاجُ جل في علاه إلى تفكيرٍ أو تذكُّر.

[18] ﴿وَأَنذِرۡهُمۡ يَوۡمَ ٱلۡأٓزِفَةِ إِذِ ٱلۡقُلُوبُ لَدَى ٱلۡحَنَاجِرِ كَٰظِمِينَۚ مَا لِلظَّٰلِمِينَ مِنۡ حَمِيمٖ وَلَا شَفِيعٖ يُطَاعُ 18﴾:

ثم أمَرَ جل وعلا نبيه محمدًا ﷺ أن يذكِّرَ الناسَ ويحذِّرهم مِنْ أهوال يوم القيامة الذي اقترَبَ مجيئه، ذلك اليومُ العظيمُ الذي تكون فيه قلوبهم من شدَّة الخوف والهَلَع من عقاب الله، قد ارتفَعَتْ حتى تكاد أن تسُدَّ مجرى الهواء في الحناجر، وهم في هذه الحال ساكتون لا يستطيعون كلامًا، واعلموا -أيها الناس- أنه ليس للظالمين في ذلك اليومِ مِنْ صاحبٍ ينفعهم، أو شفيعٍ يشفعُ لهم.

[١٩] ﴿يَعۡلَمُ خَآئِنَةَ ٱلۡأَعۡيُنِ وَمَا تُخۡفِي ٱلصُّدُورُ 19﴾:

ثم أخبَرَ جل وعلا أنه يعلم ما تختلسه العيون مِنْ نَظَرات؛ كمَنْ ينظُرُ إلى المحرَّم مسارَقةً؛ بحيث يحاول ألَّا يراه أحد، ويعلم سبحانه ما يخفيه الإنسان في نَفْسه من خير أو شر، كما أنه جل في علاه يعلم خائنةَ السمع، وسيجازي سبحانه كلًّا بما يستحِقّ؛ إنْ خيرًا فخيرٌ، وإنْ شرًّا فشرّ.

[20] ﴿وَٱللَّهُ يَقۡضِي بِٱلۡحَقِّۖ وَٱلَّذِينَ يَدۡعُونَ مِن دُونِهِۦ لَا يَقۡضُونَ بِشَيۡءٍۗ إِنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلۡبَصِيرُ 20﴾:

واعلموا -أيها الناس- أن الله يقضي ويحكُمُ بين عباده بالعدلِ التامّ، والقِسْطِ العظيم -لكمال قدرته وعلمه وعدله- فيجازي كلَّ أحد بما يستحقُّه من خير أو شر، أما مَنْ عُبِدوا من دون الله، فلا يستطيعون أن يقضوا بشيء لعَجْزهم وانعدام قدرتهم، ثم بيَّن سبحانه أن الله هو السميعُ لجميع الأصوات والأقوال، وهو سبحانه البصيرُ بأعمالِ عبادِهِ وأحوالهم.

[21] ﴿أَوَلَمۡ يَسِيرُواْ فِي ٱلۡأَرۡضِ فَيَنظُرُواْ كَيۡفَ كَانَ عَٰقِبَةُ ٱلَّذِينَ كَانُواْ مِن قَبۡلِهِمۡۚ كَانُواْ هُمۡ أَشَدَّ مِنۡهُمۡ قُوَّةٗ وَءَاثَارٗا فِي ٱلۡأَرۡضِ فَأَخَذَهُمُ ٱللَّهُ بِذُنُوبِهِمۡ وَمَا كَانَ لَهُم مِّنَ ٱللَّهِ مِن وَاقٖ 21﴾:

ثم حثَّ جل وعلا الكفار على الاعتبار بالسير في الأرض؛ تأمرَهُمْ أن ينظروا ويتفكَّروا كيف كانت خاتمةُ الأمم السابقة؟! وقد كانت قريش تسيرُ إلى بلاد الشام فيَمُرُّونَ بديارِ قومِ صالح الذين نحتوا من الجبال بيوتًا وقبورًا، ويمُرُّونَ أيضًا على المؤتفِكةِ، ويمُرُّونَ إذا ذهبوا لليمن بالأحقافِ قومِ هود؛ فلو أَعْمَلُوا عقولهم، لما عادَوُا الرسالةَ وصاحبها؛ فهذه البلادُ التي دُمِّرَتْ كانت أكثَرَ حضارةً وعمرانًا من قريش، وأكبَرَ قوةً منهم، ومع ذلك فإن الله أخَذَهم بسبب ذنوبهم واستمرارهم في الكفر والجحود لآيات الله، ولم يكُنْ لهم من دون الله مَنْ يدفع عنهم العذاب الذي كتبه الله عليهم.

[22] ﴿ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمۡ كَانَت تَّأۡتِيهِمۡ رُسُلُهُم بِٱلۡبَيِّنَٰتِ فَكَفَرُواْ فَأَخَذَهُمُ ٱللَّهُۚ إِنَّهُۥ قَوِيّٞ شَدِيدُ ٱلۡعِقَابِ 22﴾:

ثم ذكَرَ جل وعلا سبَبَ هذا الدمار والهلاك الذي أصاب تلك الأقوامَ؛ فأخبَرَ بأنهم كذَّبوا رُسُلَهم ولم يتَّبعوهم، ولم يصدِّقوهم فيما جاؤوهم به من الآيات البينات الواضحات الدالَّات على وحدانية الله، وصِدْقِ ما أُرسِلوا به، فأخذهم الله وأهلَكَهم بعقوبته وعذابه، وإنه سبحانه قويٌّ لا يُعْجِزه شيء، شديدُ العقاب لمن كفر به وعصى أمره.

[23] ﴿وَلَقَدۡ أَرۡسَلۡنَا مُوسَىٰ بِـَٔايَٰتِنَا وَسُلۡطَٰنٖ مُّبِينٍ 23﴾:

ثم سلَّى جل وعلا نبيه محمدًا ﷺ في تكذيب قومه له؛ فأخبَرَ بأنه أرسَلَ موسى عليه السلام بالآياتِ والحُجَجِ والبراهين الواضحة البيِّنة الدالَّة على وحدانية الله.

[24] ﴿إِلَىٰ فِرۡعَوۡنَ وَهَٰمَٰنَ وَقَٰرُونَ فَقَالُواْ سَٰحِرٞ كَذَّابٞ 24﴾:

ثم بيَّن سبحانه أنه أرسَلَهُ إلى فرعون وهو مَلِكُ مصر، وهامانَ وهو وزيرُ فرعون، وقارونَ وهو صاحبُ الأموال والكنوز، وهؤلاء هم الذين كانت بيدهم السيادةُ والرياسة، وسائرُ سُكَّانِ مصر تابعون لهم، وكما يقال: (الناسُ على دِينِ ملوكهم)، ثم إن هؤلاء كذَّبوا موسى، وأنكروا رسالته، وقالوا: إنَّ موسى ساحرٌ كذَّاب.

وفي هذا تبشيرٌ للنبيِّ ﷺ بأن العاقبة والنصرة له في الدنيا والآخرة؛ فكما أن الله نصَرَ موسى على عدوِّه؛ فسوف ينصُرُ الله نبيه محمدًا ﷺ على أعدائه.

والآياتُ التي أُرسِلَ بها موسى هي الآياتُ التسعُ الموضَّحةُ في سورة الأعراف.

وجاء ذِكْرُ قارون مع هؤلاء مع أنه مِنْ بني إسرائيلَ، وأنه ابنُ عَمِّ موسى على الصحيح؛ لأنه كان يملِكُ القوَّةَ الاقتصادية في البلاد، ولأنه مناصِرٌ لفرعون وهامان، وهما أهمُّ أسباب ثرائه.

[25] ﴿فَلَمَّا جَآءَهُم بِٱلۡحَقِّ مِنۡ عِندِنَا قَالُواْ ٱقۡتُلُوٓاْ أَبۡنَآءَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ مَعَهُۥ وَٱسۡتَحۡيُواْ نِسَآءَهُمۡۚ وَمَا كَيۡدُ ٱلۡكَٰفِرِينَ إِلَّا فِي ضَلَٰلٖ 25﴾:

فلما وصَلَ موسى عليه السلام إلى فِرْعَوْنَ وهامانَ وقارونَ، وواجههم بالحق الذي جاء به مِنْ عند الله، وهو هذه المعجِزاتُ الظاهرة الواضحة؛ أنكَرُوها وكذَّبوها، ولم يكتفوا بذلك؛ بل أمروا بقتل المواليد الذُّكُور وتَرْكِ الإناثِ لِخِدْمةِ الأقباط، ولما يريده فِرْعَوْنُ وجنوده بهنَّ، وما عَمَلُ فرعون وتدبيرُهُ إلا في ذَهَابٍ وهَلَاكٍ وخَسَار.

وهكذا يقال لكل كافر ومُجرِم: لا تغتَرَّ بكَيْدك ومَكْرك وعدوانك؛ فإن مصيره إلى الضلال والضياع والبطلان.

[26] ﴿وَقَالَ فِرۡعَوۡنُ ذَرُونِيٓ أَقۡتُلۡ مُوسَىٰ وَلۡيَدۡعُ رَبَّهُۥٓۖ إِنِّيٓ أَخَافُ أَن يُبَدِّلَ دِينَكُمۡ أَوۡ أَن يُظۡهِرَ فِي ٱلۡأَرۡضِ ٱلۡفَسَادَ 26﴾:

ولما رأى فرعون أنَّ بعض بني إسرائيل آمنوا بموسى، ازداد غَيْظًا وحَنَقًا عليه؛ فقال لأشرافِ قومِهِ قولته الخبيثة: دَعُوني أقتُلْ موسى، وليَدْعُ ربَّه الذي يدَّعيه ليخلِّصه مني، وفي هذا تمويهٌ على قومه، يعني: كأنَّ قومه هم الذين كانوا يَمْنَعُونَهُ مِن قتل موسى، ثم علَّل قتله لموسى بقوله: إنني حريصٌ على مَصَالحكم وما أنتم عليه، فأخافُ أن يُفسِدَ عليكم دينكم، أو أن ينشُرَ الفتن والقلاقل في أرض مصر، وادَّعى أنه هو وقومه هم الذين على الحق، قال ذلك تحذيرًا لقومه وخبثًا؛ مع أنه يَعْلَمُ أن موسى على حق؛ كما قال تعالى: ﴿وَجَحَدُواْ بِهَا وَٱسۡتَيۡقَنَتۡهَآ أَنفُسُهُمۡ﴾ [النمل:14]، وشعَرَ أن موسى محروسٌ محفوظٌ من الله، وإلا فهل فرعون يستأذن أحدًا؛ وهو الجبَّار الذي يَبْطِشُ في مملكته بمن شاء، وقتَ ما شاء، بغير استئذان من الله.

[27] ﴿وَقَالَ مُوسَىٰٓ إِنِّي عُذۡتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُم مِّن كُلِّ مُتَكَبِّرٖ لَّا يُؤۡمِنُ بِيَوۡمِ ٱلۡحِسَابِ 27﴾:

ولما عَلِمَ موسى بتهديدِ فرعون بقَتْله، لم يزعجه ذلك؛ لأنه مُدْرِكٌ أنه ملتجئٌ إلى ركنٍ مَكِين، وهو الله جل في علاه؛ حيث قال له سبحانه هو وهارون: ﴿إِنَّنِي مَعَكُمَآ أَسۡمَعُ وَأَرَىٰ﴾ [طه:46]؛ ولهذا قال موسى لفرعون وقومه: اعلموا -يا قوم- أني استجَرْتُ وتحصَّنْتُ بربي وربكم مِنْ كلِّ مستكبر عن توحيد الله وطاعته، ومِنْ كلِّ كافر لا يؤمن بيوم الحساب، وما فيه مِنْ ثواب وعقاب.

[28] ﴿وَقَالَ رَجُلٞ مُّؤۡمِنٞ مِّنۡ ءَالِ فِرۡعَوۡنَ يَكۡتُمُ إِيمَٰنَهُۥٓ أَتَقۡتُلُونَ رَجُلًا أَن يَقُولَ رَبِّيَ ٱللَّهُ وَقَدۡ جَآءَكُم بِٱلۡبَيِّنَٰتِ مِن رَّبِّكُمۡۖ وَإِن يَكُ كَٰذِبٗا فَعَلَيۡهِ كَذِبُهُۥۖ وَإِن يَكُ صَادِقٗا يُصِبۡكُم بَعۡضُ ٱلَّذِي يَعِدُكُمۡۖ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يَهۡدِي مَنۡ هُوَ مُسۡرِفٞ كَذَّابٞ 28﴾:

ثم إن رجلًا من أشراف قوم فرعون كان يؤمِنُ بالله واليوم الآخر، ولكنه كان يُخْفِي إيمانه، فلما سَمِعَ قولَ فرعون: ﴿ذَرُونِيٓ أَقۡتُلۡ مُوسَىٰ﴾، فَزِعَ وخاف أن تحلَّ النقمةُ وينزِلَ العذاب من الله، وكان مِن أسرةِ الفراعنة، قال الحسن: (هو ابنُ عَمِّ فرعون)، قال منكرًا على قومه: كيف يَحِلُّ لكم أن تقتلوا رجلًا يقول: رَبِّيَ الله، وقد جاءكم بالمعجِزاتِ الواضحاتِ الدلالة، الشاهدةِ على صدقة، وأنه من عند الله؛ فإنْ كان كاذبًا فيما يقولُ، فإنَّ وبالَ كَذِبِهِ يعود عليه، وإنْ كان صادقًا، وقد أثبَتَ ما يقوله بالأدلَّة الواضحة؛ فحينئذ ستَحِلُّ بكم العقوبة من الله التي لا قِبَلَ لكم بها إن قتلتموه، واعلموا أن الله لا يهدي للحق مَنْ كان متجاوزًا لحدود الله، ومَنْ كان كذَّابًا في إخباره عن الله تعالى.

[29] ﴿يَٰقَوۡمِ لَكُمُ ٱلۡمُلۡكُ ٱلۡيَوۡمَ ظَٰهِرِينَ فِي ٱلۡأَرۡضِ فَمَن يَنصُرُنَا مِنۢ بَأۡسِ ٱللَّهِ إِن جَآءَنَاۚ قَالَ فِرۡعَوۡنُ مَآ أُرِيكُمۡ إِلَّا مَآ أَرَىٰ وَمَآ أَهۡدِيكُمۡ إِلَّا سَبِيلَ ٱلرَّشَادِ 29﴾:

واستمَرَّ هذا الرجل المؤمن في نُصْح قومه، موضِّحًا لهم الحقيقة، فقال: يا قوم، إنَّ المُلْكَ والسيطرة لكم اليوم في أرض مِصْر، فإذا أردتُّم أن يستمِرَّ عِزُّكم ومُلْكُكم، فعليكم بالتعقُّل والنظر فيما يخلِّصكم وينجِّيكم، أما إذا استمررتم على الكُفْر والضلال والمعاندة، فمن ينصُرُنا من عذاب الله وعقابه إنْ حَلَّ بنا؟! ولكنَّ فرعون لما سمع النصيحةَ، خاف أن يؤثِّر على أتباعه؛ فأتاهم من باب أنه يَوَدُّهم ويسعى لصالحهم، وأنه لا يشير عليهم إلا بما يراه صوابًا وخيرًا لهم، وهو قَتْلُ موسى والتخلُّصُ منه، وأنه لا يَهْدِيهم إلا إلى طريقِ الحقِّ والصواب؛ فقال تعالى ردًّا عليه: ﴿وَأَضَلَّ فِرۡعَوۡنُ قَوۡمَهُۥ وَمَا هَدَىٰ﴾ [طه:٧٩].

[30] ﴿وَقَالَ ٱلَّذِيٓ ءَامَنَ يَٰقَوۡمِ إِنِّيٓ أَخَافُ عَلَيۡكُم مِّثۡلَ يَوۡمِ ٱلۡأَحۡزَابِ 30﴾:

واستمَرَّ ذلك المؤمن الناصح لفرعون وقومه، فقال: يا قوم، إني أخاف عليكم -إنْ قتلتم موسى، ولم تؤمنوا به- أن يَحِلَّ بكم ما حَلَّ بالأحزاب الذين تحزَّبوا على أنبيائهم، ولم يؤمنوا بهم.

[31] ﴿مِثۡلَ دَأۡبِ قَوۡمِ نُوحٖ وَعَادٖ وَثَمُودَ وَٱلَّذِينَ مِنۢ بَعۡدِهِمۡۚ وَمَا ٱللَّهُ يُرِيدُ ظُلۡمٗا لِّلۡعِبَادِ 31﴾:

وقال أيضًا ناصحًا لهم: إني أخاف أن يحل بكم مثلُ ما حلَّ بقوم نُوح، وعاد، وثَمُود، والذين مِنْ بعدهم؛ فقد أهلكهم الله بسبب كفرهم بربهم وتكذيبهم أنبيائهم، واعلموا أن الله ما يريدُ ظُلْمًا لعباده؛ فيعذِّبهم بغير ذنب اكتسبوه، أو جُرْمٍ عملوه.

[32] ﴿وَيَٰقَوۡمِ إِنِّيٓ أَخَافُ عَلَيۡكُمۡ يَوۡمَ ٱلتَّنَادِ 32﴾:

وقال أيضًا: ويا قوم، إني أخافُ عليكم مِنْ عذاب يوم القيامة؛ فإنَّ مِنْ هَوْلِ ذلك اليوم أن يكثُرَ نداء الناسِ بعضِهم لبعض، واستغاثةُ بعضهم ببعض.

[33] ﴿يَوۡمَ تُوَلُّونَ مُدۡبِرِينَ مَا لَكُم مِّنَ ٱللَّهِ مِنۡ عَاصِمٖۗ وَمَن يُضۡلِلِ ٱللَّهُ فَمَا لَهُۥ مِنۡ هَادٖ 33﴾:

ثم قال لهم أيضًا: وفي ذلك اليوم سوف تُوَلُّونَ مدبرين قد ذُهِبَ بكم إلى النار، ليس لكم أحدٌ يمنعكم أو ينجِّيكم من عذاب الله وعقابه، ومن يضلله الله بسبب عناده وإصراره على الكفر، فلا يستطيع أحدٌ هدايتَه.

[34] ﴿وَلَقَدۡ جَآءَكُمۡ يُوسُفُ مِن قَبۡلُ بِٱلۡبَيِّنَٰتِ فَمَا زِلۡتُمۡ فِي شَكّٖ مِّمَّا جَآءَكُم بِهِۦۖ حَتَّىٰٓ إِذَا هَلَكَ قُلۡتُمۡ لَن يَبۡعَثَ ٱللَّهُ مِنۢ بَعۡدِهِۦ رَسُولٗاۚ كَذَٰلِكَ يُضِلُّ ٱللَّهُ مَنۡ هُوَ مُسۡرِفٞ مُّرۡتَابٌ 34﴾:

واستمَرَّ ذلك الرجلُ المؤمِنُ في نصحه، فقال: ولقد أرسَلَ الله لكم يُوسُفَ عليه السلام قبلَ أن يأتيكم موسى، فأمركم بعبادة الله وحده، وتَرْكِ عبادة ما سواه، وجاءكم بالبراهين الدالَّة على وحدانية الله جلَّ في عُلاه، فأقمتم على الشكِّ والتردُّد وعدم الانقياد والاستسلام في حياته، فلما مات، ازداد شكُّكم، وشِرْكُكم، وقلتم متخرِّصين متقوِّلين على الله بلا علمٍ: لن يَبْعَثَ الله من بعده رسولًا، وبمثلِ هذا الإضلالِ أضلَّكم الله، وثبَّتكم على الكفر الذي أصرَرْتم على البقاء عليه؛ بسبب إسرافكم في الكَذِب، وتجاوُزِكم للحق، وشكِّكم وارتيابكم في وحدانية الله ووَعْدِهِ ووعيده، وهذا الإضلالُ جزائيٌ، وليس ابتدائيًّا، جزاءٌ لهم على تكبُّرهم وتجبُّرهم.

[35] ﴿ٱلَّذِينَ يُجَٰدِلُونَ فِيٓ ءَايَٰتِ ٱللَّهِ بِغَيۡرِ سُلۡطَٰنٍ أَتَىٰهُمۡۖ كَبُرَ مَقۡتًا عِندَ ٱللَّهِ وَعِندَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْۚ كَذَٰلِكَ يَطۡبَعُ ٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ قَلۡبِ مُتَكَبِّرٖ جَبَّارٖ 35﴾:

ثم بيَّن جل وعلا وصف المسرفين الكذَّابين، فقال: الذين يُجادِلونَ ويُخاصِمون في آيات الله الدالَّة على وحدانيَّتِهِ، وصِدْقِ رُسُلِه ليبطلوها بغير دليلٍ ولا حجَّةٍ أو برهان؛ فإنَّ ذلك الفعلَ كَبُرَ وعَظُمَ عند الله مقتُهُ ومقتُ صاحبه، والغضب الشديد عليه وعلى صاحبه، وكذلك كَبُرَ عند الذين آمنوا بالله واتَّبعوا رسله، وكما طبَعَ الله وختَمَ على قلوب فرعون وقومه بسبب تكذيبهم وإصرارهم على الكفر؛ فإنه سبحانه يَطْبَعُ ويَخْتِمُ على قلبِ كلِّ متكبِّرٍ على الحقِّ وعلى الإيمان والتوحيد، جَبَّارٍ بكثرةِ ظُلْمه وعدوانه.

[36] ﴿وَقَالَ فِرۡعَوۡنُ يَٰهَٰمَٰنُ ٱبۡنِ لِي صَرۡحٗا لَّعَلِّيٓ أَبۡلُغُ ٱلۡأَسۡبَٰبَ 36﴾:

ولكنَّ فرعونَ استمَرَّ في عناده وتكبُّره وكفره، فطلَبَ من وزيره هامان أن يبني له بُرْجًا عاليًا يَصْعَدُ عليه لكي يصلَ إلى أبواب السموات.

[37] ﴿أَسۡبَٰبَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ فَأَطَّلِعَ إِلَىٰٓ إِلَٰهِ مُوسَىٰ وَإِنِّي لَأَظُنُّهُۥ كَٰذِبٗاۚ وَكَذَٰلِكَ زُيِّنَ لِفِرۡعَوۡنَ سُوٓءُ عَمَلِهِۦ وَصُدَّ عَنِ ٱلسَّبِيلِۚ وَمَا كَيۡدُ فِرۡعَوۡنَ إِلَّا فِي تَبَابٖ 37﴾:

ثم بيَّن فرعون أنه يريد أن يبلُغَ أبواب السموات لكي ينظُرَ إلى إله موسى الذي يدَّعى أنه هناك في العلو، ثم استمَرَّ فرعون في إنكاره فقال بخُبْث ومَكْر: وإني متأكِّدٌ أن موسى يَكْذِبُ عليكم، وسأُثبِتُ لكم كذبه، وهكذا زُيِّنَ لفرعونَ سوءُ عملِهِ فرآه حسنًا؛ بسبب فُجُوره وطغيانه، وصُدَّ عن سبيل الهدى والرشاد؛ لأنه استحَبَّ العمى والضلال على الهدى والحق، وما احتيالُ فرعونَ وتدبيرُهُ لإيهام الناس أنه مُحِقٌ، وأن موسى مبطِلٌ إلا في خَسَار وبَوَار وهَلَاك.

[38] ﴿وَقَالَ ٱلَّذِيٓ ءَامَنَ يَٰقَوۡمِ ٱتَّبِعُونِ أَهۡدِكُمۡ سَبِيلَ ٱلرَّشَادِ 38﴾:

ثم استمَرَّ مؤمن آل فرعون في نصحه لقومه، فقال: يا قوم، اتَّبعوني لنسلك معًا طريق الصلاح والنجاة.

[39] ﴿يَٰقَوۡمِ إِنَّمَا هَٰذِهِ ٱلۡحَيَوٰةُ ٱلدُّنۡيَا مَتَٰعٞ وَإِنَّ ٱلۡأٓخِرَةَ هِيَ دَارُ ٱلۡقَرَارِ 39﴾:

وقال لهم أيضًا ناصحًا: ويا قوم، إن هذه الحياة الدنيا ليست بباقية، إنها حياةٌ زائلةٌ متاعها قليل، سُرْعانَ ما يَنْفَدُ ويزول، وإن الدار الآخرة هي دارُ القَرَار، والخلود، والاستمرار.

[40] ﴿مَنۡ عَمِلَ سَيِّئَةٗ فَلَا يُجۡزَىٰٓ إِلَّا مِثۡلَهَاۖ وَمَنۡ عَمِلَ صَٰلِحٗا مِّن ذَكَرٍ أَوۡ أُنثَىٰ وَهُوَ مُؤۡمِنٞ فَأُوْلَٰٓئِكَ يَدۡخُلُونَ ٱلۡجَنَّةَ يُرۡزَقُونَ فِيهَا بِغَيۡرِ حِسَابٖ 40﴾:

ثم قال لهم أيضًا: واعلموا -يا قوم- أن مَنْ عَمِلَ سيئةً مِن شرك أو فسق أو معصية، فلا يُجازَى إلا بمثلها، ومَنْ عَمِلَ الصالحاتِ من التوحيد والإيمان والطاعة والانقياد وعَمِلَ الصالحات، من أعمال القلوب والجوارح، وأقوال اللسان -ذَكَرًا كان أو أنثى- وهو مؤمنٌ بالله، مُتَّبِعٌ لرسوله ﷺ؛ فأولئك يُدْخِلُهم الله جنَّات النعيم، يعطون فيها أجرهم ونعيمهم ورِزْقهم وافرًا، بلا عَدٍّ ولا حدّ.

[41] ﴿وَيَٰقَوۡمِ مَا لِيٓ أَدۡعُوكُمۡ إِلَى ٱلنَّجَوٰةِ وَتَدۡعُونَنِيٓ إِلَى ٱلنَّارِ 41﴾:

ثم استنكَرَ مؤمن آل فرعون مَوْقِفَ قومه منه؛ حيث كانوا يلومونه على الإيمانِ، ويَدْعُونَهُ إلى الضلال، فقال: ويا قوم، ما لي أدعوكم إلى الإيمان الذي فيه نَجَاتُكم وفَوْزكم، وتدعونني إلى الكفر والشرك الذي يوصِّل إلى النار.

[42] ﴿تَدۡعُونَنِي لِأَكۡفُرَ بِٱللَّهِ وَأُشۡرِكَ بِهِۦ مَا لَيۡسَ لِي بِهِۦ عِلۡمٞ وَأَنَا۠ أَدۡعُوكُمۡ إِلَى ٱلۡعَزِيزِ ٱلۡغَفَّٰرِ 42﴾:

ثم قال لهم على سبيل التعجب: فواعجبًا لكم تدعونني لأكفُرَ بالله، وأَجْحَدَ بآياتِه، وأُشرِكَ معه في العبادة مَنْ لي علمٌ محقَّقٌ بعدم صحَّة إشراكه، وعدمِ استحقاقِهِ العبادة من دون الله، وأنا أدعوكم للإيمان باللهِ العزيزِ الغالبِ الذي له القوَّةُ كلُّها، الغفَّارِ كثيرِ المغفرةِ لعباده المستغفرين.

[43] ﴿لَا جَرَمَ أَنَّمَا تَدۡعُونَنِيٓ إِلَيۡهِ لَيۡسَ لَهُۥ دَعۡوَةٞ فِي ٱلدُّنۡيَا وَلَا فِي ٱلۡأٓخِرَةِ وَأَنَّ مَرَدَّنَآ إِلَى ٱللَّهِ وَأَنَّ ٱلۡمُسۡرِفِينَ هُمۡ أَصۡحَٰبُ ٱلنَّارِ 43﴾:

ولكنِ اعلموا حقًّا ويقينًا -يا قوم- أن الذي تدعونني إلى عبادتِهِ والإشراكِ به من الأصنام والأوثان وغيرها، لا يستحِقُّ العبادة مِنْ دون الله، ولا يستجيبُ لمن دعاه في الدنيا ولا في الآخرة، واعلموا -يا قوم- أنَّ رجوعنا ومصيرنا إلى الله، وأنَّ المسرفين على أنفسهم بالشِّرْك، المستكثِرِينَ من الذنوب والمعاصي هم أصحابُ النار الذين يصيرون إليها ولا يفارقونها.

[44] ﴿فَسَتَذۡكُرُونَ مَآ أَقُولُ لَكُمۡۚ وَأُفَوِّضُ أَمۡرِيٓ إِلَى ٱللَّهِۚ إِنَّ ٱللَّهَ بَصِيرُۢ بِٱلۡعِبَادِ 44﴾:

ولما لم يَنْفَعْ معهم نُصْحُهُ، ولم يستجيبوا له، قال لهم: فستذكُرُونَ -يا قوم- دعوتي إيَّاكم للتوحيد، ونُصْحي إياكم باتِّباع دعوة رسولكم، وسوف تندمون على إعراضكم واستكباركم، وأما أنا، فأتوكَّلُ على الله، وأسلِّم أمري إليه، وألتجئُ وأعتصِمُ به، إنه جل في علاه بصيرٌ بعباده يَعْلَمُ جميع أحوالهم، وسيجازيهم على جميع أعمالهم.

[45] ﴿فَوَقَىٰهُ ٱللَّهُ سَيِّـَٔاتِ مَا مَكَرُواْۖ وَحَاقَ بِـَٔالِ فِرۡعَوۡنَ سُوٓءُ ٱلۡعَذَابِ 45﴾:

ومِنْ حَنَقِهم وحِقْدهم على هذا الرجلِ المؤمن: أن قرَّر فرعون وقومه اغتياله، ثم إن موسى بعد أن يَئِسَ مِن إسلامِ فرعونَ وقومِهِ أمره الله بالخروجِ ببني إسرائيل متوجِّهًا إلى الأرض المقدَّسة؛ فعَزَّ على فرعون أن يذهب موسى بعَبِيدِهم وخَدَمهم من بني إسرائيل؛ فاستنفَرَ فرعون قومَهُ وقوَّاتِهِ وحشَدَهم، وتَبِعَ موسى ومَنْ معه؛ فنجَّى الله مؤمن آل فرعون منهم، ووقاه من عقوباتِ مَكْرِ فرعون وآله، وحلَّت النكبة التي لم يحدُثْ مثلها في التاريخ البشري بفرعون وقومه؛ حيثُ ابتلعهم البحر بحشودهم ودوابِّهم وأسلحتهم جميعًا.

وإكرامًا لهذا الرجُلِ المؤمنِ، فقد خلَّد القرآن له هذا الموقف المشرِّف؛ حتى إنه ورَدَ أن اسم السورة الثاني (سورة المُؤْمِن)، والمقصود بالمؤمن: هو مؤمنُ آل فرعون.

[46] ﴿ٱلنَّارُ يُعۡرَضُونَ عَلَيۡهَا غُدُوّٗا وَعَشِيّٗاۚ وَيَوۡمَ تَقُومُ ٱلسَّاعَةُ أَدۡخِلُوٓاْ ءَالَ فِرۡعَوۡنَ أَشَدَّ ٱلۡعَذَابِ 46﴾:

ثم أخبَرَ جل وعلا أن فرعون وآله يُعذَّبُونَ في قبورهم، بسببِ كفرهم وجحودهم؛ حيثُ يُعْرَضُونَ على النار صباحًا ومساءً، وسيستمِرُّ هذا العذاب حتى يوم القيامة، وفي ذلك اليومِ يقالُ لملائكة العذاب: أدخِلُوا آلَ فرعون جهنَّم، وعذِّبوهم بأشدِّ أنواع العذاب؛ جزاء لما اقترفوه من السيئات. وهذه الآيةُ أصلٌ في إثبات عذاب القبر، مع حديث سؤال الملكَيْنِ في القبر([3]). [3] يشير إلى حديث البَرَاء الطويل، الذي رواه أبو داود (4753)، وأحمد في المسند (18534).

[٤٧] ﴿وَإِذۡ يَتَحَآجُّونَ فِي ٱلنَّارِ فَيَقُولُ ٱلضُّعَفَٰٓؤُاْ لِلَّذِينَ ٱسۡتَكۡبَرُوٓاْ إِنَّا كُنَّا لَكُمۡ تَبَعٗا فَهَلۡ أَنتُم مُّغۡنُونَ عَنَّا نَصِيبٗا مِّنَ ٱلنَّارِ 47﴾:

واذكُرْ -أيها النبي- يوم أن يتخاصَمَ أهل النار، ويعاتِبَ بعضهم بعضًا؛ فيقول الضعفاء؛ وهم التابعون الإمَّعَاتُ المقلِّدون، للعصاة والمستكبرين مِنْ رؤسائهم الذين كانوا سببًا في إضلالهم: إنا كنا لكم تبعًا، أي: تابِعِينَ لكم ومنقادِينَ لهواكم، ومسخَّرين لخِدْمتكم؛ فهل أنتم مغنون عنا نصيبًا من النار، فتتحمَّلوا شيئًا من العذاب الذي كتبه الله علينا؟!

[48] ﴿قَالَ ٱلَّذِينَ ٱسۡتَكۡبَرُوٓاْ إِنَّا كُلّٞ فِيهَآ إِنَّ ٱللَّهَ قَدۡ حَكَمَ بَيۡنَ ٱلۡعِبَادِ 48﴾:

فرَدَّ الرؤساء المستكبرون قائلين: إنا نحنُ وأنتم جميعًا في جهنَّم، وهذا حُكْمُ الله، ولا رادَّ لحكمه سبحانه، فلا يمكنُ أن نتحمَّلَ عنكم شيئًا من العذاب، والله جل في علاه قسَّم العذاب بين العباد؛ فأخَذَ كلُّ واحد منا ما يستحقُّه؛ بلا زيادة ولا نقصان.

[٤٩] ﴿وَقَالَ ٱلَّذِينَ فِي ٱلنَّارِ لِخَزَنَةِ جَهَنَّمَ ٱدۡعُواْ رَبَّكُمۡ يُخَفِّفۡ عَنَّا يَوۡمٗا مِّنَ ٱلۡعَذَابِ 49﴾:

ثم ذهَبَ أهل النار الذين يعذَّبون فيها إلى خَزَنةِ جهنَّم طالبين منهم أن يشفعوا لهم عند ربهم؛ ليخفِّف عنهم يومًا من عذاب جهنَّم فقط؛ لكي يتنعَّموا فيه بالراحة.

[50] ﴿قَالُوٓاْ أَوَلَمۡ تَكُ تَأۡتِيكُمۡ رُسُلُكُم بِٱلۡبَيِّنَٰتِۖ قَالُواْ بَلَىٰۚ قَالُواْ فَٱدۡعُواْۗ وَمَا دُعَٰٓؤُاْ ٱلۡكَٰفِرِينَ إِلَّا فِي ضَلَٰلٍ 50﴾:

ثم رَدَّ خَزَنةُ جهنَّم على أهل النار على سبيلِ التوبيخِ والتأنيب: أَوَلَمْ تأتِكم رُسُلُكم بالدعوة والحُجَج والبراهين الواضحة البينة؟! قالوا: بلى لقد أتتنا، فرَدَّ عليهم الخَزَنةُ قائلين لهم: إذن فادْعُوا أنتم بأنفسكم، ولكنِ اعلموا أن دعاء الكافرين في ضَلَالٍ وضَيَاع؛ لأنه لا يستجابُ لهم، وأن قضاء الله نافذٌ ولا رادَّ لقضائه.

[51] ﴿ﭐ إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ فِي ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَا وَيَوۡمَ يَقُومُ ٱلۡأَشۡهَٰدُ 51﴾

ثم أخبَرَ جل وعلا أنه سوف ينصُرُ رسله وأتباعهم مِنَ الذين آمنوا بالله في الحياة الدنيا على أعدائهم بالحُجَّة والبرهان، والغَلَبة والتمكينِ في الحياة الدنيا، وينصُرُهم في الآخرة يوم يَقُومُ الأشهاد وهم الملائكة، يشهدون للرسُلِ بالبلاغ، والأنبياءُ يشهدون على أممهم.

[52] ﴿يَوۡمَ لَا يَنفَعُ ٱلظَّٰلِمِينَ مَعۡذِرَتُهُمۡۖ وَلَهُمُ ٱللَّعۡنَةُ وَلَهُمۡ سُوٓءُ ٱلدَّارِ 52﴾:

وفي ذلك اليوم لا يَنْفَعُ الظالمين المجاوِزِينَ حدودَهم مَعْذِرَتُهم وأَسَفُهم حين يعتذرون، وجزاؤهم ذلك اليوم: الإبعادُ والطردُ مِنْ رحمةِ الله، ومِنْ جنَّته، ولهم الدار السيئة التي تسوء نازليها.

[53] ﴿وَلَقَدۡ ءَاتَيۡنَا مُوسَى ٱلۡهُدَىٰ وَأَوۡرَثۡنَا بَنِيٓ إِسۡرَٰٓءِيلَ ٱلۡكِتَٰبَ 53﴾:

ثم ذكَرَ جل وعلا مثالًا مِنْ نَصْرِهِ لرسلِهِ ولعبادِهِ المؤمنين، فأخبَرَ بأنه أعطى موسى النبوَّةَ والتوراةَ ليدعُوَ الناس ويهديهم إلى صراط الله المستقيم، وأنه أبقى التوراة بعد موسى عليه السلام في بني إسرائيل -هدايةً لهم- يتوارثونها إلى ما شاء الله. وهذه التوراةُ مشتمِلةٌ على الهدايةِ والعِلْم، وعلى التذكيرِ باللهِ والدارِ الآخرة، وينتفِعُ بها أصحابُ العقول السليمة، والفطر القويمة.

[54] ﴿هُدٗى وَذِكۡرَىٰ لِأُوْلِي ٱلۡأَلۡبَٰبِ 54﴾:

ثم بيَّن سبحانه أن هذه التوراةُ مشتمِلةٌ على الهدايةِ والعِلْم، وعلى التذكيرِ باللهِ والدارِ الآخرة، وينتفِعُ بها أصحابُ العقول السليمة، والفطر القويمة.

[55] ﴿فَٱصۡبِرۡ إِنَّ وَعۡدَ ٱللَّهِ حَقّٞ وَٱسۡتَغۡفِرۡ لِذَنۢبِكَ وَسَبِّحۡ بِحَمۡدِ رَبِّكَ بِٱلۡعَشِيِّ وَٱلۡإِبۡكَٰرِ 55﴾:

ثم أمَرَ جل وعلا نبيه ﷺ أن يَصْبِرَ على أذى قومه، كما صبَرَ أولو العَزْمِ من الرسل، واعلم -أيها النبي- علم اليقين: أن وعد الله لك بإعلاء كلمتك؛ وَعْدٌ حقٌّ، وداوِمْ على طلَبِ المغفرةِ مِنَ الله، وعلى تنزيهِ اللهِ وتقديسِهِ في كل وقتٍ وحين؛ لا سيما آخر النهار وأوله.

[٥٦] ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ يُجَٰدِلُونَ فِيٓ ءَايَٰتِ ٱللَّهِ بِغَيۡرِ سُلۡطَٰنٍ أَتَىٰهُمۡ إِن فِي صُدُورِهِمۡ إِلَّا كِبۡرٞ مَّا هُم بِبَٰلِغِيهِۚ فَٱسۡتَعِذۡ بِٱللَّهِۖ إِنَّهُۥ هُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلۡبَصِيرُ 56﴾:

واعلموا -أيها الناس- أن الذين يخاصمون ويجادلون في آيات الله الدالَّة على وحدانيته لأجلِ إبطالِها بغيرِ دليلٍ ولا حُجَّةٍ عندهم، هؤلاء ليس في صدورهم إلا التكبُّرُ على اتِّباعِ الحق، واحتقارٌ لمن جاءهم به، وليس ما يرومونه -من إخماد الحقِّ وإعلاءِ الباطل- بحاصل لهم؛ بل إنَّ الحقَّ هو المرفوع، وقولُهم وقَصْدُهم هو الباطلُ المدحوض، ثم أمَرَ جل وعلا نبيه ﷺ بأن يعتصِمَ بالله؛ فإنه سبحانه هو السميعُ لأقوال عباده، البصيرُ بكلِّ شيء، لا تخفى عليه خافية، وسيجازَوْنَ عليها بما يستحقونه.

[57] ﴿لَخَلۡقُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ أَكۡبَرُ مِنۡ خَلۡقِ ٱلنَّاسِ وَلَٰكِنَّ أَكۡثَرَ ٱلنَّاسِ لَا يَعۡلَمُونَ 57﴾:

ثم بيَّن جل وعلا صِغَرَ حَجْمِ الناس، مقابلَ حجمِ المخلوقات الأخرى، فقال: لَخَلْقُ السموات والأرض -بعِظَمِهما وسَعَتِهما- وما فيهنَّ وما بينهما، وابتداؤهما مِنْ غيرِ مثالٍ سابق؛ أكبَرُ وأعظَمُ مِنْ خَلْق الناس، وبَعْثِهم مرةً أخرى؛ فكيف يُنْكِرُ المشركون البعثَ وإحياءَ الموتى؟! ولكنَّ أكثر الناس لا يعلمون عظيمَ قُدْرة الله، ولا يعتبرون ولا يتَّعظون.

[58] ﴿وَمَا يَسۡتَوِي ٱلۡأَعۡمَىٰ وَٱلۡبَصِيرُ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ وَلَا ٱلۡمُسِيٓءُۚ قَلِيلٗا مَّا تَتَذَكَّرُونَ 58﴾:

ثم قال جل وعلا: وكما أنه لا يستوي الأعمى الذي لا يُبصِرُ بالبصير الذي يرى الأشياء، فكذلك لا يستوي المؤمِنُ الذي آمَنَ بالله وصدَّق برسوله ﷺ، وعَمِلَ الصالحات، بالكافِرِ الجاحِدِ الذي يعمل السيئات، ولكنْ قليلًا ما تتذكَرَون -أيها الناس- وتتَّعظون.

[59] ﴿إِنَّ ٱلسَّاعَةَ لَأٓتِيَةٞ لَّا رَيۡبَ فِيهَا وَلَٰكِنَّ أَكۡثَرَ ٱلنَّاسِ لَا يُؤۡمِنُونَ 59﴾:

أخبَرَ جل وعلا أن الساعة آتية لا شكَّ ولا ريبَ في إتيانها، وكلُّ الكتب السماوية أثبتَتْ ذلك، والساعة: هي اللحظةُ التي يموتُ فيها جميعُ الخلائق بعدما تطلُعُ الشمس من مَغْرِبها، أما يومُ القيامة، فهو اليوم الذي يقومُ الناسُ فيه مِنْ قبورهم، ويسمَّى: يومَ البعث، ثم بيَّن سبحانه أن أكثر الناس لا يؤمنون بذلك ولا يصدِّقونه؛ لذلك لا يعملون للنجاة في ذلك اليوم.

[60] ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ٱدۡعُونِيٓ أَسۡتَجِبۡ لَكُمۡۚ إِنَّ ٱلَّذِينَ يَسۡتَكۡبِرُونَ عَنۡ عِبَادَتِي سَيَدۡخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ 60﴾:

ومِنْ لُطْفه جل وعلا بعباده المؤمنين: أن أمَرَهم بدعائه وحده لا شريك له، مِنْ غير وسطاءَ ولا شفعاء؛ كما قال تعالى في آية أخرى: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌۖ أُجِيبُ دَعۡوَةَ ٱلدَّاعِ إِذَا دَعَانِۖ فَلۡيَسۡتَجِيبُواْ لِي وَلۡيُؤۡمِنُواْ بِي لَعَلَّهُمۡ يَرۡشُدُونَ﴾ [البقرة:186]، ثم وعَدَ جل في علاه مَنْ أفرده بالدعاء أن يستجيبَ له، أما أولئك الذين استكبروا عن عبادته، وعن الالتجاء إليه، ودعائه، وإفراده بالألوهية؛ فوعَدَ سبحانه أن يُدْخِلَهم جهنَّم صاغرين حقيرين ذليلين.

[61] ﴿ٱللَّهُ ٱلَّذِي جَعَلَ لَكُمُ ٱلَّيۡلَ لِتَسۡكُنُواْ فِيهِ وَٱلنَّهَارَ مُبۡصِرًاۚ إِنَّ ٱللَّهَ لَذُو فَضۡلٍ عَلَى ٱلنَّاسِ وَلَٰكِنَّ أَكۡثَرَ ٱلنَّاسِ لَا يَشۡكُرُونَ 61﴾:

ثم ذكَرَ جل وعلا أنه هو وحده الذي جعَلَ لأَجْلِكم -أيها الناس- الليلَ مظلِمًا لتسكُنُوا فيه وتنقطِعُوا عن العمل فتستريحوا، وجعَلَ لكم النهارَ مضيئًا منيرًا بالشمس لتقوموا فيه مِن فُرُشِكم، وتسعَوْا في طلب معاشكم، إنَّ الله لذو فضلٍ عظيمٍ على الناس؛ فنعمه على العباد لا تُعَدُّ ولا تُحْصَى، ولكنَّ أكثر الناس بجهلهم لا يشكُرُونَ النعم، بل هم عنها غافلون.

[62] ﴿ذَٰلِكُمُ ٱللَّهُ رَبُّكُمۡ خَٰلِقُ كُلِّ شَيۡءٖ لَّآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَۖ فَأَنَّىٰ تُؤۡفَكُونَ 62﴾:

واعلموا -أيها الناس- أن ذلكم الذي فعَلَ ما فعَلَ لأجلكم؛ هو اللهُ الذي أوجَدَ كلَّ موجود بعد العَدَم، لا ربَّ إلا هو، ولا معبودَ بحقٍّ إلا هو؛ فكيف تنقلبون عن عبادته وتَنْصَرِفون عن توحيده؛ فتُشرِكوا معه غيره في العبادة؟!

[63] ﴿كَذَٰلِكَ يُؤۡفَكُ ٱلَّذِينَ كَانُواْ بِـَٔايَٰتِ ٱللَّهِ يَجۡحَدُونَ 63﴾:

وكما أنكم -أيها الكافرون- انصرفتم عن عبادة الله إلى عبادة غيرِهِ، مع وضوح الأدلَّة والبراهين، فكذلك نَصرِفُ عن التوحيد والإيمان كلَّ من جحَدَ آيات الله، وتحدَّى وكذَّب رسله؛ وذلك جزاءً وليس ابتداءً، عقوبةً لهم على جُحُودهم لآياتِ الله.

[64] ﴿ٱللَّهُ ٱلَّذِي جَعَلَ لَكُمُ ٱلۡأَرۡضَ قَرَارٗا وَٱلسَّمَآءَ بِنَآءٗ وَصَوَّرَكُمۡ فَأَحۡسَنَ صُوَرَكُمۡ وَرَزَقَكُم مِّنَ ٱلطَّيِّبَٰتِۚ ذَٰلِكُمُ ٱللَّهُ رَبُّكُمۡۖ فَتَبَارَكَ ٱللَّهُ رَبُّ ٱلۡعَٰلَمِينَ 64﴾:

ثم ذكَرَ جل وعلا عباده أنه هو وحده الذي جعَلَ لأجلكم الأرضَ ساكنةً لتستقرُّوا عليها، وتستقرَّ عليها مبانيكم، وهو الذي جعَلَ لأجلكم السماءَ سَقْفًا قائمًا دائمًا للأرض التي أنتم فيها، محكَمةً لا تسقُطُ عليكم، وهو سبحانه الذي خلَقَكم في أحسَنِ هيئة، وأكمَلِ صورة، وهو سبحانه الذي رزَقَكم من طيبات كل شيء مِنَ المأكل والمشرب والمنكح، والملبس والمنظر، وغيره، واعلموا أن ذلكم الموصوفَ بهذه الصفات، الذي دبَّر لكم هذه الأمور، وأنعَمَ عليكم بهذه النعم، هو ربُّكم الذي لا ربَّ لكم سواه، ولا معبودَ بحقٍّ إلا هو، فتكاثَرَ خيرُهُ وبَرَكَتُه، وتعاظَمَ إحسانُه، الذي ربَّى جميع العالَمين بنِعَمِه.

[65] ﴿هُوَ ٱلۡحَيُّ لَآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ فَٱدۡعُوهُ مُخۡلِصِينَ لَهُ ٱلدِّينَۗ ٱلۡحَمۡدُ لِلَّهِ رَبِّ ٱلۡعَٰلَمِينَ 65﴾:

وهو سبحانه الحيُّ الذي له الحياةُ الكاملةُ التامَّة، لا يَفْنَى، ولا يموت، والجنُّ والإنس يموتون، لا معبودَ بحقٍّ إلا هو؛ فأخلِصُوا له العبادة، وادْعُوهُ وحده -دون من سواه- واعلموا أنه له وحده سبحانه المحامِدُ والمدائحُ والثناء، وهو سبحانه الذي بفضله ربَّى جميع العالَمين بنِعَمِه.

[66] ﴿قُلۡ إِنِّي نُهِيتُ أَنۡ أَعۡبُدَ ٱلَّذِينَ تَدۡعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ لَمَّا جَآءَنِيَ ٱلۡبَيِّنَٰتُ مِن رَّبِّي وَأُمِرۡتُ أَنۡ أُسۡلِمَ لِرَبِّ ٱلۡعَٰلَمِينَ 66﴾:

ثم أمَرَ جل وعلا نبيه محمدًا ﷺ أن يقول لهؤلاء المشركين مِنْ قومه: إني نُهِيتُ أن أعبُدَ الذين تعبُدُونَ مِنْ دون الله مِن الأوثان والأصنام وغيرها، وقد جاءني على ذلك الأدلَّةُ الواضحة، والبراهينُ الساطعة، وأُمِرْتُ أن أستسلم بالتوحيد، وأنقاد بالطاعة، لله ربِّ العالمين.

[67] ﴿هُوَ ٱلَّذِي خَلَقَكُم مِّن تُرَابٖ ثُمَّ مِن نُّطۡفَةٖ ثُمَّ مِنۡ عَلَقَةٖ ثُمَّ يُخۡرِجُكُمۡ طِفۡلٗا ثُمَّ لِتَبۡلُغُوٓاْ أَشُدَّكُمۡ ثُمَّ لِتَكُونُواْ شُيُوخٗاۚ وَمِنكُم مَّن يُتَوَفَّىٰ مِن قَبۡلُۖ وَلِتَبۡلُغُوٓاْ أَجَلٗا مُّسَمّٗى وَلَعَلَّكُمۡ تَعۡقِلُونَ 67﴾:

ثم ذكَّرَ جل وعلا عباده أنه هو وحده الذي أوجَدَهم بعد العدم، وابتدَأَ خَلْقَ أبيهم آدم من ترابٍ، ثم خلَقَهم من نُطْفةٍ -وهي المَنِيُّ- ثم من عَلَقةٍ -وهي قطعةُ الدمِ الغليظةِ الحمراء- ثم أنتم تستمرون في بقية الأطوار حتى يُخْرِجُكم الله أطفالًا مِنْ بطون أمهاتكم، ثم يكبُرُ هذا الطفل وينمو، ثم تكبرون وتشتدُّون ويكتمِلُ بناء أبدانكم وعقولكم، ثم تكبُرُون حتى تصيروا شيوخًا، ومنكم مَنْ يموتُ قبل بلوغ الأشُدِّ، ولتبلغوا -أيها الناس- بهذه الأطوار والمراحل أجلًا مسمًّى تنتهي عنده أعمارُكم، ولعلَّكم تُعمِلونَ عقولكم في آياتِ اللهِ وحُجَجِهِ عليكم؛ فتعقلوا توحيد ربِّكم، وتُخْلِصوا له العبادة دون من سواه.

[68] ﴿هُوَ ٱلَّذِي يُحۡيِۦ وَيُمِيتُۖ فَإِذَا قَضَىٰٓ أَمۡرٗا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُۥ كُن فَيَكُونُ 68﴾:

ثم ذكَّرَ جل وعلا عباده أنه هو وحده الذي يُحْيِي ويميت؛ فإذا شاء وأراد أيَّ أمْرٍ، فإنما يقولُ له: كُنْ؛ فيكونُ ذلك الأمرُ مباشَرةً بلا توقُّفٍ، ولا تمنُّع.

[69] ﴿أَلَمۡ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ يُجَٰدِلُونَ فِيٓ ءَايَٰتِ ٱللَّهِ أَنَّىٰ يُصۡرَفُونَ 69﴾:

ثم سأل جل وعلا نبيه ﷺ سؤالَ تعجيبٍ له من حال هؤلاء المشركين، فقال: ألم تَرَ وتتعجَّبْ -أيها النبي- من هؤلاء المشركين الذين يخاصمون في آياتِ الله الواضحةِ الدلالةَ، والظاهِرة الحجَّة؟! كيف يَعْدِلُونَ عنها إلى غيرها، وكيف ينصرفون عنها مع وضوحها؟!

[70] ﴿ٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِٱلۡكِتَٰبِ وَبِمَآ أَرۡسَلۡنَا بِهِۦ رُسُلَنَاۖ فَسَوۡفَ يَعۡلَمُونَ 70﴾:

ثم بيَّن جل وعلا عاقبةَ أولئك الذين جحدوا كتابَ الله؛ فلم يُؤمِنوا به، وجحدوا رُسُلَ الله؛ فلم يصدِّقوهم بما جاؤوهم به من عند الله، ولم يتَّبعوهم؛ فأخبَرَ بأنهم سوف يعلمون عاقبةَ تكذيبِهم وجَحْدِهم، ووَبَالَ كفرِهم.

[71] ﴿إِذِ ٱلۡأَغۡلَٰلُ فِيٓ أَعۡنَٰقِهِمۡ وَٱلسَّلَٰسِلُ يُسۡحَبُونَ 71﴾:

ثم بيَّن جل وعلا هذا الوعيد، وما أعدَّه لهم من العذاب، وأخبَرَ أنهم حين يدخُلُونَ جهنَّم، سوف تُجعَلُ الأغلالُ في أعناقهم؛ فلا يستطيعون الحَرَكةَ معها، ويُربَطونَ بالسلاسل مع شياطينهم، ثم يُسحَبونَ ويُجَرْجَرونَ بعنف وإهانة.

[72] ﴿فِي ٱلۡحَمِيمِ ثُمَّ فِي ٱلنَّارِ يُسۡجَرُونَ 72﴾:

ثم بين سبحانه أنهم سوف يسحبون ويجرون في الماءِ الحارِّ الذي اشتد غليانه، ثم يُلْقَوْنَ في نار جهنَّم، ويوقد عليهم اللهبُ العظيمُ حتى يصيروا هم مِن وقود النار؛ نسأل الله السلامة والعافية.

[73] ﴿ثُمَّ قِيلَ لَهُمۡ أَيۡنَ مَا كُنتُمۡ تُشۡرِكُونَ 73﴾:

ثم يُقالُ لهم -وهم في هذه الحالة توبيخًا وتقريعًا -: أين الآلهةُ الباطلةُ التي كنتم تشركونها في عبادة الله.

[74] ﴿مِن دُونِ ٱللَّهِۖ قَالُواْ ضَلُّواْ عَنَّا بَل لَّمۡ نَكُن نَّدۡعُواْ مِن قَبۡلُ شَيۡـٔٗاۚ كَذَٰلِكَ يُضِلُّ ٱللَّهُ ٱلۡكَٰفِرِينَ 74﴾:

ثم بين سبحانه أن هذه الآلهة كانوا يعبدونها من دون الله، ثم سأل سبحانه: أين هذه الأصنام التي كنتم تعبدونها من دون الله، فيجيبون في ذلٍّ وندامةٍ: غابوا عنَّا ولم ينفعونا، ثم يُقِرُّونَ ببُطْلانِ شِرْكِهم، وأن عبادتهم لتلك الآلهة كانت باطلةً لا تساوي شيئًا، وبمثلِ ذلك الضلالِ يُضِلُّ اللهُ الكافرين الجاحدين؛ حيث عبدوا أهواءهم، وعبدوا هذه الأصنامَ التي أوصَلَتْهم إلى نار جهنَّم، والعياذ بالله.

[75] ﴿ذَٰلِكُم بِمَا كُنتُمۡ تَفۡرَحُونَ فِي ٱلۡأَرۡضِ بِغَيۡرِ ٱلۡحَقِّ وَبِمَا كُنتُمۡ تَمۡرَحُونَ 75﴾:

ثم يقال لهم أيضًا: إنَّ سبَبَ العذابِ الذي أنتم فيه: ما كنتم تُظْهِرونه من الفَرَحِ بما أنتم عليه مِنَ الباطل، وبما كنتم تَبْطَرُونَ وتَأْشَرُونَ وتتكبَّرون، وتبغون على عباد الله.

[76] ﴿ٱدۡخُلُوٓاْ أَبۡوَٰبَ جَهَنَّمَ خَٰلِدِينَ فِيهَاۖ فَبِئۡسَ مَثۡوَى ٱلۡمُتَكَبِّرِينَ 76﴾:

ثم أمَرَ جل وعلا هؤلاء المشركين بدخولِ جهنَّمَ مِنْ أبوابِها السبعةِ، ماكثين فيها أَبَدَ الآبدين، لا يخرُجُونَ منها أبدًا، فبئس مَسْكَنُ ومَقَرُّ المتكبِّرين على طاعة الله، واتِّباعِ أوامره، وتصديقِ رُسُله.

[77] ﴿فَٱصۡبِرۡ إِنَّ وَعۡدَ ٱللَّهِ حَقّٞۚ فَإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعۡضَ ٱلَّذِي نَعِدُهُمۡ أَوۡ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِلَيۡنَا يُرۡجَعُونَ 77﴾:

فاصبِرْ -أيها النبي- على تكذيب هؤلاء المشرِكينَ مِنْ قومك لك، واصبِرْ على جدالهم، وامْضِ في دعوتك وجهادك، واعلَمْ أن وعدَ الله بتعذيبِهم ونَصْرِكَ لا شك ولا ريب فيه؛ وسواءٌ أريناك بعضَ هذا العذابِ الذي وعَدْناهم في الدنيا لَتَقَرَّ به عينُكَ، فبها ونِعْمَتْ، أو نَتَوَفَّيَنَّكَ قبل ذلك، فاعلَمْ أن مرجعهم إلينا يوم القيامة، وسوف نجازيهم بما يستحقون من العقاب. وفي هذا توجيهٌ للدعاة بالصَّبْرِ على ما يلاقونه في دعوتهم مِنَ الأذى والمشقَّة، وعدَمِ انتظار نتائج دعوتهم؛ فالواجبُ عليهم أن ينشُرُوا دين الله في كل مكان، ويترُكُوا الأمرَ لله؛ فهو الذي يهدي من يشاء بفَضْله، ويُضِلُّ من يشاء بعَدْله، لأن إضلالهم كان جزاءً على ضلالهم، ثم يجازي سبحانه يوم القيامة عباده على أفعالهم.

[78] ﴿وَلَقَدۡ أَرۡسَلۡنَا رُسُلٗا مِّن قَبۡلِكَ مِنۡهُم مَّن قَصَصۡنَا عَلَيۡكَ وَمِنۡهُم مَّن لَّمۡ نَقۡصُصۡ عَلَيۡكَۗ وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ أَن يَأۡتِيَ بِـَٔايَةٍ إِلَّا بِإِذۡنِ ٱللَّهِۚ فَإِذَا جَآءَ أَمۡرُ ٱللَّهِ قُضِيَ بِٱلۡحَقِّ وَخَسِرَ هُنَالِكَ ٱلۡمُبۡطِلُونَ 78﴾:

ثم ذكَّرَ جل وعلا نبيه محمدًا ﷺ تسليةً له، فقال: ولقد أرسَلْنا مِنْ قبلك -أيها النبي- رسلًا كثيرين إلى أقوامهم يَدْعُونهم، فهم يَصْبِرون على أذاهم، وهؤلاء الرسُلُ منهم مَنْ قصصنا عليك شيئًا مِنْ دعوتهم وما لاقَوْهُ من أقوامهم من الأذى، ومنهم مَنْ لم نقصُصْهُ عليك، وفي هذا شحنٌ لطاقة التحمُّل عنده ﷺ، ثم أخبَرَ جل في علاه بأنه لا يمكِنُ لرسول أن يأتي بمعجِزةٍ إلا بإذن الله تعالى، لأنَّ المعجزات عطايا ومنح من الله، وكلُّ معجزة لها مناسبتها بحسَبِ ما تقتضيه حالةُ المرسَلِ إليهم، فإذا جاء الوقتُ المحدَّدُ للقضاء بين العباد، فسوف يقضي سبحانه بين الرسُلِ ومكذِّبيهم بالعدل، أما أهلُ الباطل الذين أصرُّوا على كُفْرهم، وعبدوا غيره جل في علاه، وماتوا على ذلك، فسوف يَخْسَرون، أي: يخسرون رحمةَ اللهِ وعَفْوَهُ ورضاه وجنَّته.

[٧٩] ﴿ٱللَّهُ ٱلَّذِي جَعَلَ لَكُمُ ٱلۡأَنۡعَٰمَ لِتَرۡكَبُواْ مِنۡهَا وَمِنۡهَا تَأۡكُلُونَ 79﴾:

ثم بيَّن جل وعلا شيئًا مِنْ فضله على عباده، فأخبَرَ أنه هو الذي خلَقَ بقدرته هذه الأنعامَ مِن أجلكم -أيها الناس- لتنتفعوا بها في الركوبِ والأكلِ وغيرها مِنَ المنافع الكثيرة.

[80] ﴿وَلَكُمۡ فِيهَا مَنَٰفِعُ وَلِتَبۡلُغُواْ عَلَيۡهَا حَاجَةٗ فِي صُدُورِكُمۡ وَعَلَيۡهَا وَعَلَى ٱلۡفُلۡكِ تُحۡمَلُونَ 80﴾:

ثم بيَّن سبحانه أنَّ مِنْ هذه المنافع أنها تَحمِلُ أمتعتكم، وتنقُلُكم من بلد إلى بلد؛ في الوقت الذي لم تكونوا لتبلُغُوا هذا البلد إلا بشِقِّ الأنفس، لو لم تكن هذه الأنعامُ موجودة، وذلك قبلَ وجود وسائل النقل الحديثة، ومِنْ فضله عليكم أيضًا أنكم تُحْمَلُونَ على الرواحلِ البرِّيَّةِ التي تنقُلُكم لمسافات طويلة؛ وتُحْمَلُونَ على هذه السفن التي تجري في البحر، فتنتقِلُ بكم من بلد إلى آخر، ثم ألهمكم الله وأقدَرَكم -أيها الناس- على صنع هذه الوسائل الحديثة من السيارات والطائرات وغيرها التي فيها راحتُكم وسُرْعةُ التنقُّل بكم.

[81] ﴿وَيُرِيكُمۡ ءَايَٰتِهِۦ فَأَيَّ ءَايَٰتِ ٱللَّهِ تُنكِرُونَ 81﴾:

واعلموا -أيها الناس- أن الله جل في علاه يريكم بعضَ آياتِهِ الدالَّةِ على وحدانيته؛ فأيَّ آيةٍ من تلك الآياتِ تُنْكِرونها، ولا تعترفون بها؟! وهذا سؤالٌ تقريريٌّ، أي: لا أحدَ يُنْكِرُ ذلك.

[82] ﴿أَفَلَمۡ يَسِيرُواْ فِي ٱلۡأَرۡضِ فَيَنظُرُواْ كَيۡفَ كَانَ عَٰقِبَةُ ٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِهِمۡۚ كَانُوٓاْ أَكۡثَرَ مِنۡهُمۡ وَأَشَدَّ قُوَّةٗ وَءَاثَارٗا فِي ٱلۡأَرۡضِ فَمَآ أَغۡنَىٰ عَنۡهُم مَّا كَانُواْ يَكۡسِبُونَ 82﴾:

ثم حثَّ جل وعلا هؤلاء المكذِّبين بالاعتبار بالماضين مِنَ الأمم السابقة التي أُبِيدَتْ وأُهلِكَتْ بسبب كفرهم وضلالهم وعصيانهم أنبياءهم، فقال، أفلم يسيروا في الأرض ويتفكَّروا في مصارع الأمم المكذِّبة من قبلهم، كيف كانت عاقبتهم؟! علمًا بأن تلك الأمم كانت أكثَرَ منهم عددًا، وأشدَّ قوةً في أبدانهم، وأكثَرَ آثارًا في العُمْرانِ والحضارة والغنى، ومع ذلك عندما حَلَّ بهم عذاب الله لم تُغْنِ عنهم أموالهم أو قوَّتهم أو عددهم شيئًا؛ بل إنه جل في علاه أخَذَهم أَخْذَ عزيز مقتدر.

[83] ﴿فَلَمَّا جَآءَتۡهُمۡ رُسُلُهُم بِٱلۡبَيِّنَٰتِ فَرِحُواْ بِمَا عِندَهُم مِّنَ ٱلۡعِلۡمِ وَحَاقَ بِهِم مَّا كَانُواْ بِهِۦ يَسۡتَهۡزِءُونَ 83﴾:

ثم أخبَرَ جل وعلا أن هذه الأمم المكذِّبة لما جاءتهم رسلهم بالدلائل والبراهين الواضحة، فَرِحوا واغتروا بما وصلوا إليه من رُقِيٍّ في العلم فرَحَ أَشَرٍ وبطَرٍ، وظنوا أن ما عندهم أحسنُ مما جاءت به الرسل؛ ولذلك حَلَّ بهم العذاب، جزاء استهزائهم برسلهم.

[84] ﴿فَلَمَّا رَأَوۡاْ بَأۡسَنَا قَالُوٓاْ ءَامَنَّا بِٱللَّهِ وَحۡدَهُۥ وَكَفَرۡنَا بِمَا كُنَّا بِهِۦ مُشۡرِكِينَ 84﴾:

ثم بيَّن جل وعلا حالهم عندما حلَّت بهم العقوبة، وأُخِذوا بذنوبهم؛ حيث خضعوا واستسلموا، وقالوا: لقد آمَنَّا بالله وحده، وكفَرْنا بما كنا به مغرورين في الدنيا من عبادة الأصنام والأوثان، ولكنْ هيهاتَ؛ فقد فات وقتها؛ لأن الآخرة هي دار الجزاء.

[85] ﴿فَلَمۡ يَكُ يَنفَعُهُمۡ إِيمَٰنُهُمۡ لَمَّا رَأَوۡاْ بَأۡسَنَاۖ سُنَّتَ ٱللَّهِ ٱلَّتِي قَدۡ خَلَتۡ فِي عِبَادِهِۦۖ وَخَسِرَ هُنَالِكَ ٱلۡكَٰفِرُونَ 85﴾:

ثم بيَّن جل وعلا أن إيمان هؤلاء المكذِّبين لم ينفعهم؛ لأنه جاء في غير وقته؛ حيث آمنوا حين رأَوُا العذاب؛ كما قال تعالى: ﴿وَلَيۡسَتِ ٱلتَّوۡبَةُ لِلَّذِينَ يَعۡمَلُونَ ٱلسَّيِّـَٔاتِ حَتَّىٰٓ إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ ٱلۡمَوۡتُ قَالَ إِنِّي تُبۡتُ ٱلۡـَٰٔنَ وَلَا ٱلَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمۡ كُفَّارٌۚ ﴾ [النساء:18]، ثم بيَّن جل في علاه أن هذه سُنَّته وشريعته في الأمم كلها؛ بأنَّ الإيمان عند حلول العذاب لا ينفعُ ولا قيمةَ له، وسوف يَخْسَرُ الكفَّار والمشركون عند نزول العذاب بهم كلَّ شيء؛ فلا تنفعهم أموالهم، ولا أولادهم، ولا قوَّتهم، ولا آلهتهم التي كانوا يصرفون العبادة لها.

سورة فُصِّلَتْ

سورةُ فصِّلت مكيَّةٌ، وآياتها أربعٌ وخمسون آية.

[1] ﴿حمٓ 1﴾:

سبق الكلام على الحروف المقطَّعة في أول سورة البقرة.

[2] ﴿تَنزِيلٞ مِّنَ ٱلرَّحۡمَٰنِ ٱلرَّحِيمِ 2﴾:

أخبَرَ جل وعلا أن هذا القرآن تنزيل من الرحمن الرحيم، نزَلَ به جبريل على النبي ﷺ رحمةً للعالمين، وليس كما يزعُمُ الجاحدون أنه أساطيرُ الأولين. ونسبةُ التنزيلِ إلى الرحمةِ: إشعارٌ للعباد أنَّ المقصودَ هو صلاحُهُمْ وفلاحُهُمْ، وأنه رحمة للعالمين.

[3] ﴿كِتَٰبٞ فُصِّلَتۡ ءَايَٰتُهُۥ قُرۡءَانًا عَرَبِيّٗا لِّقَوۡمٖ يَعۡلَمُونَ 3﴾:

ثم بيَّن سبحانه أن هذا القرآن جمَعَ علومَ الأوَّلين والآخرين، وقد بَيَّنَتْ ووَضَّحَتْ آياتُهُ الحلالَ والحرامَ، والقصصَ والتوحيد، فليس على الأرض كتابٌ اجتمَعَتْ فيه علومٌ مختلِفةٌ نافعة للبشَر مثلُ القرآن، وهذا القرآنُ نزَلَ بأفصح اللغات وأكملها، ووجودُ بعض الكلماتِ التي قيل: إنها أعجميِّةٌ؛ فإنما هي مما توافَقَتْ عليه اللغات، وقد أثبَتَ عِلْمُ الاجتماع ذلك، وقد نزَلَ هذا القرآن على قومٍ يعلمون اللسانَ العربيَّ؛ فلا يلتبِسُ عليهم منه شيء.

[4] ﴿بَشِيرٗا وَنَذِيرٗا فَأَعۡرَضَ أَكۡثَرُهُمۡ فَهُمۡ لَا يَسۡمَعُونَ 4﴾:

وبيَّن جل وعلا أن هذا القرآن يتصِفُ بصفتَيْن: الأُولى: أنه يبشِّر المؤمنين الذين آمنوا باللهِ ورسولِهِ ﷺ، ويفرِّحهم بأن لهم الفوزَ والنجاحَ في الدنيا والآخرة، والثانيةُ: أنه يُنذِرُ العصاةَ والكفَّار بما ينتظرهم من عذاب الله وعقابه، ولكنَّ أكثر الناس أعرَضَ عن تدبُّر آيات هذا القرآن، وإذا سمعوه، فإنهم لا يسمعونه سماعَ قَبُولٍ وإجابة، وإنما يسمعونه بقلوبٍ قاسية، وعقولٍ خالية؛ لا تُدْرِكُ معانيه، ولا تبلُغُ مَرَامِيَه.

[5] ﴿وَقَالُواْ قُلُوبُنَا فِيٓ أَكِنَّةٖ مِّمَّا تَدۡعُونَآ إِلَيۡهِ وَفِيٓ ءَاذَانِنَا وَقۡرٞ وَمِنۢ بَيۡنِنَا وَبَيۡنِكَ حِجَابٞ فَٱعۡمَلۡ إِنَّنَا عَٰمِلُونَ 5﴾:

ثم إن هؤلاء الكافرين بادروا النبي ﷺ، وقالوا له تيئيسًا له مِنْ إيمانهم: اعلم -يا محمد- أن قلوبنا قد كسَتْها أغطيةٌ، فلا يصلُ إليها شيء مما تدعونا إليه، وفي آذاننا صَمَمٌ فلا نسمعُ ما تدعونا إليه من الخيرِ والهُدَى، وإنَّ مِنْ بيننا وبينك حاجزًا غليظًا يحجُبُنا عن إجابة دعوتك؛ وما دام الأمرُ كذلك، فاعمَلْ أنت ما شئتَ كما يُمْلِي عليك دينك، ونحنُ أيضًا سوف نعملُ ما شئنا كما تملي علينا عاداتنا.

[6] ﴿قُلۡ إِنَّمَآ أَنَا۠ بَشَرٞ مِّثۡلُكُمۡ يُوحَىٰٓ إِلَيَّ أَنَّمَآ إِلَٰهُكُمۡ إِلَٰهٞ وَٰحِدٞ فَٱسۡتَقِيمُوٓاْ إِلَيۡهِ وَٱسۡتَغۡفِرُوهُۗ وَوَيۡلٞ لِّلۡمُشۡرِكِينَ 6﴾:

وقل -أيها النبي- لهؤلاء المشركين: إنما أنا بشَرٌ معكم ومنكم، وأعلم أنكم معاندون للخير والصلاح، رافضون للهدى والرشاد، والفرقُ بيني وبينكم: أن الله جلَّ في علاه اختصَّني بوَحْيه ورسالته، وأمرني أن أُخبِرَكم بأنَّ إلهكم وخالقَكُمُ الذي يستحقُّ العبادة، هو إلهٌ واحدٌ لا شريك له، فاستقيموا على دينه، واسلُكُوا الطريق الموصِّل إليه، واطلُبُوا مغفرته؛ فإنه غفور رحيم، واعلموا أن الويل والعذاب لمن أشرَكَ به؛ فإن الشرك محبِطٌ للعمل، وصاحبه مخلَّد في النار.

[7] ﴿ٱلَّذِينَ لَا يُؤۡتُونَ ٱلزَّكَوٰةَ وَهُم بِٱلۡأٓخِرَةِ هُمۡ كَٰفِرُونَ 7﴾:

ثم بيَّن جل وعلا أن الويل والعذاب للمشركين الذين كفَرُوا بالله، وعبدوا غيره، ولم يأتوا بالتوحيد والإيمان الذي طُلِبَ منهم، وهم الذين كفروا باليومِ الآخِرِ وما فيه من حسابٍ وثوابٍ وعقاب. يقولُ جمهور المفسِّرين: إن المقصود بالزكاة في هذه الآية هو: التوحيدُ؛ لأنَّ الزكاة لا تُقْبَلُ منهم حتى يؤمنوا.

[8] ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ لَهُمۡ أَجۡرٌ غَيۡرُ مَمۡنُونٖ 8﴾:

أما أولئك الذين آمنوا بالله، وصدَّقوا رسوله ﷺ، وعملوا الأعمال الصالحة من التوحيد، وامتثال الأوامر، واجتناب النواهي، فلهم أجرٌ عظيمٌ غيرُ منقطِع، ولا نافدٍ، ولا منتهٍ.

[9] ﴿قُلۡ أَئِنَّكُمۡ لَتَكۡفُرُونَ بِٱلَّذِي خَلَقَ ٱلۡأَرۡضَ فِي يَوۡمَيۡنِ وَتَجۡعَلُونَ لَهُۥٓ أَندَادٗاۚ ذَٰلِكَ رَبُّ ٱلۡعَٰلَمِينَ 9﴾:

وقل -أيها النبي- لهؤلاء المشركين على سبيلِ التوبيخِ والإنكار: عَجَبًا لكم -أيُّها الكفار- أإنكم لتكفُرُونَ بالله الذي خلَقَ الأرض في يومَيْنِ اثنَيْن، ثم تجعلون لمن خلَقَ ذلك كله نظراءَ وشركاءَ تعبُدُونهم معه وتسمُّونهم آلهة؟! فاعلموا أن ذلك الموصوف بهذه القدرة العظيمة هو اللهُ ربُّ العالمين، الخالقُ لجميع المخلوقات.

[10] ﴿وَجَعَلَ فِيهَا رَوَٰسِيَ مِن فَوۡقِهَا وَبَٰرَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَآ أَقۡوَٰتَهَا فِيٓ أَرۡبَعَةِ أَيَّامٖ سَوَآءٗ لِّلسَّآئِلِينَ 10﴾:

ثم إنه جل وعلا دحا الأرضَ وكوَّرها، وجعَلَ فيها جبالًا ثابتةً ومرتفعة، كي تثبِّتها وتمنعها مِن الزوال والزلزلة، ثم إنه جل في علاه بارَكَ في هذه الأرض، وجعَلَها كثيرةَ الخير بما فيها من المنافِعِ التي لا تُحْصَى، وقدَّر فيها أرزاقَ العباد ومنافِعَهم؛ وجعَلَ سبحانه كلَّ ذلك في تمامِ أربعةِ أيَّام، وهي سواءٌ لمن يسأل عن ذلك؛ فإنها لا زيادةَ فيها ولا نُقصَان. وهذه الأيامُ المذكورةُ في الآيتَيْنِ السابقتَيْنِ ليست من أيامنا؛ بل هما مِنْ أيامِ الله التي قال عنها سبحانه: ﴿وَإِنَّ يَوۡمًا عِندَ رَبِّكَ كَأَلۡفِ سَنَةٖ مِّمَّا تَعُدُّونَ﴾ [الحج:٤٧]؛ لأنَّ الشمس والقمر التي تحدِّدُ أيامنا لم تُخْلَقَا إلا بعد ذلك؛ حيثُ جعلهما الله زينةً في السماء، وتنطلِقُ منهما رجومُ الشياطين، مع أنه قادر أن يخلُقَها بلحظة بكلمة: (كن).

[11] ﴿ثُمَّ ٱسۡتَوَىٰٓ إِلَى ٱلسَّمَآءِ وَهِيَ دُخَانٞ فَقَالَ لَهَا وَلِلۡأَرۡضِ ٱئۡتِيَا طَوۡعًا أَوۡ كَرۡهٗا قَالَتَآ أَتَيۡنَا طَآئِعِينَ 11﴾:

ثم أخبَرَ جل وعلا بأنه قصَدَ إلى خلق السماء التي كانت قبل ذلك على هيئة دُخَان، ثم قال للسماء وللأرض: استَجِيبا لأمري طائعتَيْنِ أو مكرهتَيْنِ، فقالتا: استجبنا مُذْعِنتَيْنِ خاضِعَتَيْنِ مُطيعتَيْنِ لك يا رب، ليس لنا إرادةٌ تخالِفُ إرادتك.

[12] ﴿فَقَضَىٰهُنَّ سَبۡعَ سَمَٰوَاتٖ فِي يَوۡمَيۡنِ وَأَوۡحَىٰ فِي كُلِّ سَمَآءٍ أَمۡرَهَاۚ وَزَيَّنَّا ٱلسَّمَآءَ ٱلدُّنۡيَا بِمَصَٰبِيحَ وَحِفۡظٗاۚ ذَٰلِكَ تَقۡدِيرُ ٱلۡعَزِيزِ ٱلۡعَلِيمِ 12﴾:

وبعد أن قصَدَ جل وعلا إلى السماءِ؛ أخبَرَ أنه جعَلَها سبع سموات، وأنه فرَغَ من خَلْقها وتسويتها على أبدَعِ صورةٍ في يومَيْنِ اثنَيْن، ثم أوحى في كلِّ سماء ما أراده وما أمَرَ به فيها، ثم إنه سبحانه زيَّن السماءَ الدنيا بالنجومِ المضيئة، وجعَلَ الشُّهُبَ التي تنطلق من هذه النجوم حَرَسًا لها من الشياطين الذين يسترِقُونَ السمع، وهذا النظامُ البديعُ الذي خلقه الله في السموات والأرض هو تقديرُ وترتيبُ العزيزِ الغالبِ لكلِّ شيء، العليمِ بما يُصْلِحُ الكونَ والخلق، وما يحقِّق الاستخلاف والثواب والعقاب.

ويؤخذ من هذه الآية، والتي قبلها رقم 10: أن خَلْقَ الأرض استغرَقَ أربعة أيام، وخَلْقَ السموات استغرَقَ يومَيْن، فيكونُ مجموع خلق السموات والأرض في ستة أيام.

[13] ﴿فَإِنۡ أَعۡرَضُواْ فَقُلۡ أَنذَرۡتُكُمۡ صَٰعِقَةٗ مِّثۡلَ صَٰعِقَةِ عَادٖ وَثَمُودَ 13﴾:

وقل -أيها النبي- لهؤلاء المشركين: لقد أقمتُ لكم الأدلَّة على وحدانية الله، وعبادتِهِ وحده لا شريك له، وعلى صِدْقِ رسالتي؛ فإن أعرَضُوا ورفَضُوا الاعترافَ بعظمة الله وقُدْرته وحِكْمته وتوحيده؛ فقل لهم على سبيل التحذير: لقد أنذرتُكُمْ عذابًا يستأصلكم كما استأصَلَ عادًا وثمودَ عندما كفروا بربِّهم، وعصَوْا رسله.

[14] ﴿إِذۡ جَآءَتۡهُمُ ٱلرُّسُلُ مِنۢ بَيۡنِ أَيۡدِيهِمۡ وَمِنۡ خَلۡفِهِمۡ أَلَّا تَعۡبُدُوٓاْ إِلَّا ٱللَّهَۖ قَالُواْ لَوۡ شَآءَ رَبُّنَا لَأَنزَلَ مَلَٰٓئِكَةٗ فَإِنَّا بِمَآ أُرۡسِلۡتُم بِهِۦ كَٰفِرُونَ 14﴾:

ثم أخبَرَ جل وعلا أنه حين جاءتهم -أي: عادًا، وثمودَ- رسُلُ الله -هودٌ، وصالحٌ- يأمرونهم بعبادة الله وحده، وتَرْكِ عبادة ما سواه، أجابوهم بالتكذيبِ والمعانَدة، وقالوا: لو أراد الله دَعْوَتَنا لِمَا تقولون، لأنزَلَ إلينا ملائكةً؛ فأنتم بشرٌ مثلنا، ونحنُ بما تدعوننا إليه كافرون جاحدون.

[15] ﴿فَأَمَّا عَادٞ فَٱسۡتَكۡبَرُواْ فِي ٱلۡأَرۡضِ بِغَيۡرِ ٱلۡحَقِّ وَقَالُواْ مَنۡ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةًۖ أَوَلَمۡ يَرَوۡاْ أَنَّ ٱللَّهَ ٱلَّذِي خَلَقَهُمۡ هُوَ أَشَدُّ مِنۡهُمۡ قُوَّةٗۖ وَكَانُواْ بِـَٔايَٰتِنَا يَجۡحَدُونَ 15﴾:

ثم أخبَرَ جل وعلا أن عادًا قوم هود -إضافةً إلى كُفْرِهم وتكذيبِهم لرسولهم- استكبروا واستَعْلَوْا على كلِّ قوَّةٍ بغيرِ وجه حقٍّ، وقد أعجَبَتْهم قوَّتهم، فاغتروا قائلين: مَنْ أشدُّ منا قوةً؟! فإنه لا يَقْدِرُ أحدٌ على إصابتنا بسوءٍ أو أذًى، أوَلَمْ يَرَوْا أن الله الذي خلَقَهم وأوجَدَهم بعد العدم هو أشدُّ منهم قوَّة؟! وكانوا بآياتِ اللهِ الدالَّةِ على وحدانيته يجحدون ويكذِّبون.

[16] ﴿فَأَرۡسَلۡنَا عَلَيۡهِمۡ رِيحٗا صَرۡصَرٗا فِيٓ أَيَّامٖ نَّحِسَاتٖ لِّنُذِيقَهُمۡ عَذَابَ ٱلۡخِزۡيِ فِي ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَاۖ وَلَعَذَابُ ٱلۡأٓخِرَةِ أَخۡزَىٰۖ وَهُمۡ لَا يُنصَرُونَ 16﴾:

فلأجل ذلك عاقَبَهم جل وعلا وأهلَكَهم بأنْ أرسَلَ عليهم رِيحًا شديدةَ البرودة، وشديدةَ الصوت، استمرَّت عليهم سبعَ ليالٍ وثمانيةَ أيام، فكانت أيامهم تلك أيامًا مشؤوماتٍ عليهم؛ ليذيقهم سبحانه عذابَ الذُّلِّ والخِزْيِ والهوانِ في الحياة الدنيا بسببِ استكبارهم، وإنَّ عذابهم في الآخرة أشدُّ، وأنكى، وأبقى، وأخزى، ولا يستطيعون -بقوَّتهم- أن يمنعوا عن أنفسهم العذاب، ولا يستطيعُ أحدٌ مَنْعَهُ عنهم.

[17] ﴿وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيۡنَٰهُمۡ فَٱسۡتَحَبُّواْ ٱلۡعَمَىٰ عَلَى ٱلۡهُدَىٰ فَأَخَذَتۡهُمۡ صَٰعِقَةُ ٱلۡعَذَابِ ٱلۡهُونِ بِمَا كَانُواْ يَكۡسِبُونَ 17﴾:

ثم أخبَرَ جل وعلا أنه أرسَلَ لقومِ ثمودَ نبيَّهم صالحًا عليه السلام لهدايتهم؛ فقام صالحٌ عليه السلام بما أوجَبَ الله عليه، وبيَّن لقومه الحق، ودلَّهم على الهدى والإيمان، وأرسَلَ اللهُ لهم الناقةَ التي طلبوها لتعجيزه؛ فخرجت من الصخرة بإذن الله، ولكنَّهم اختاروا الكُفْرَ والضلال على الإيمانِ والهدى؛ فأهلَكَهم الله بصاعقةِ العذابِ المُهِين؛ بسببِ كفرِهم وجحودِهم، وتكذيبِهم رُسُلَ الله.

[18] ﴿وَنَجَّيۡنَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَكَانُواْ يَتَّقُونَ 18﴾:

ثم أخبَرَ جل وعلا أنه نجَّى الذين آمنوا بالله، واتبعوا نبيَّهم صالحًا عليه السلام، وكانوا يتَّقون عذاب الله بتوحيدِهِ، والإيمانِ برُسُلِهِ وبما جاؤوا به.

[19] ﴿وَيَوۡمَ يُحۡشَرُ أَعۡدَآءُ ٱللَّهِ إِلَى ٱلنَّارِ فَهُمۡ يُوزَعُونَ 19﴾:

واذكروا -أيها الناس- يوم أن يُحْشَرَ أعداء الله جميعًا إلى النار بعد أن حوسبوا على أعمالهم السيئة، ثم يُحْبَسُونَ في هذا اليوم حتى يُجمَعَ أوَّلهم بآخرهم، ثم يساقون بعُنْفٍ إلى النار.

[20] ﴿حَتَّىٰٓ إِذَا مَا جَآءُوهَا شَهِدَ عَلَيۡهِمۡ سَمۡعُهُمۡ وَأَبۡصَٰرُهُمۡ وَجُلُودُهُم بِمَا كَانُواْ يَعۡمَلُونَ 20﴾:

ثم بيَّن سبحانه أحوالهم عندما يُعْرَضُونَ على النار؛ فيُخبِرُ جل في علاه أنهم إذا ورَدُوا على النار، وأرادوا أن يُنكِروا ما عملوه من الكفر والضلال والمعاصي، شَهِدَ عليهم سمعُهم وأبصارُهم وجلودُهم بما كانوا يعملون في الدنيا مِنَ الكبائرِ والصغائر؛ فإن الله جل شأنه يُنْطِقُها كما أنطَقَ كل شيء؛ ويدُلُّ هذا على عظيمِ قدرتِهِ سبحانه وتعالى.

[21] ﴿وَقَالُواْ لِجُلُودِهِمۡ لِمَ شَهِدتُّمۡ عَلَيۡنَاۖ قَالُوٓاْ أَنطَقَنَا ٱللَّهُ ٱلَّذِيٓ أَنطَقَ كُلَّ شَيۡءٖۚ وَهُوَ خَلَقَكُمۡ أَوَّلَ مَرَّةٖ وَإِلَيۡهِ تُرۡجَعُونَ 21﴾:

ولمَّا شَهِدَتْ هذه الأعضاء على هؤلاء المشركين بما كانوا يفعلون، أغاظهم ذلك؛ لأنها فضَحَتْهم وأظهَرَتْ ما كانوا يكتمون؛ فأخذوا يعاتبون أعضاءهم، ويقولون لجلودهم: لِمَ شَهِدتُّم علينا بما كنا نعمل في الدنيا؟! فقالت الجلودُ لأصحابها: أنطَقَنَا الله الذي بقدرته أنطَقَ كل شيء، وهو سبحانه خلَقَكُمْ أوَّل مرَّة، ولم تكونوا شيئًا مذكورًا، وإلى الله وحده مصيرُكم أيها الناس؛ فيجازيكم على أعمالكم، إنْ خيرًا فخير، وإنْ شرًّا فشرّ، ووجَّهوا العتاب لجلودهم فقطْ، لأنها محل الإحساس.

[22] ﴿وَمَا كُنتُمۡ تَسۡتَتِرُونَ أَن يَشۡهَدَ عَلَيۡكُمۡ سَمۡعُكُمۡ وَلَآ أَبۡصَٰرُكُمۡ وَلَا جُلُودُكُمۡ وَلَٰكِن ظَنَنتُمۡ أَنَّ ٱللَّهَ لَا يَعۡلَمُ كَثِيرٗا مِّمَّا تَعۡمَلُونَ 22﴾:

ثم قال جل وعلا لهؤلاء المشركين على سبيلِ اللومِ والتبكيت: وما كنتم -أيها الكافرون- تستَخْفُونَ عندما ترتكبون الذنوب والمعاصي؛ خوفًا مِنْ أن يشهد عليكم سمعُكم أو أبصارُكم أو جلودُكم، ولكنكم ظننتم أن الله لا يعلم كثيرًا مما تُخْفُونَ مِن أعمالكم التي تعصون الله بها.

[23] ﴿وَذَٰلِكُمۡ ظَنُّكُمُ ٱلَّذِي ظَنَنتُم بِرَبِّكُمۡ أَرۡدَىٰكُمۡ فَأَصۡبَحۡتُم مِّنَ ٱلۡخَٰسِرِينَ 23﴾:

ثم بيَّن سبحانه وتعالى سوءَ عاقبة ظنِّهم السيِّئ بربِّهم: بأن أرداهم وأدخَلَهم النار، فأصبحوا من الخاسرين الذين خَسِروا كل شيء، أي: أنهم ما كانوا يخافون أن تَفْضَحَهم أعضاؤهم، بل كان ظنُّهم أسوأَ من ذلك؛ حيث كانوا يظنُّون أن الله لا يعرف شيئًا من أعمالهم السيئة.

[24] ﴿فَإِن يَصۡبِرُواْ فَٱلنَّارُ مَثۡوٗى لَّهُمۡۖ وَإِن يَسۡتَعۡتِبُواْ فَمَا هُم مِّنَ ٱلۡمُعۡتَبِينَ 24﴾:

ثم إنكم -أيها الكفار- في جميع الأحوال ماكثون في النار؛ سواءٌ صبَرْتُم على عذابها واستسلمتم لذلك، أو لم تَصْبِروا؛ فهي مسكنُكم ومستقرُّكم، ولو اعتذرتم وطلبتم الرجوعَ إلى الدنيا؛ لكي تؤمنوا بالله، وتتَّبعوا الرسول ﷺ؛ حتى تفوزوا برضا الله، ودخولِ الجنة-: فلن تُجابُوا إلى ذلك.

[25] ﴿وَقَيَّضۡنَا لَهُمۡ قُرَنَآءَ فَزَيَّنُواْ لَهُم مَّا بَيۡنَ أَيۡدِيهِمۡ وَمَا خَلۡفَهُمۡ وَحَقَّ عَلَيۡهِمُ ٱلۡقَوۡلُ فِيٓ أُمَمٖ قَدۡ خَلَتۡ مِن قَبۡلِهِم مِّنَ ٱلۡجِنِّ وَٱلۡإِنسِۖ إِنَّهُمۡ كَانُواْ خَٰسِرِينَ 25﴾:

ثم أخبَرَ جل وعلا أنه هيَّأ لهؤلاء الظالمين المجاوزين حدودَهم قُرَناءَ وأصحابَ مِنْ شياطين الإنس، ضالِّين مثلهم، فزيَّنوا وحسَّنوا لهم أمورَ الشرك والكفر والمعاصي، وإنكارِ البعث والجزاء؛ فوجَبَ وحَقَّ عليهم العذاب، واستحقُّوه، في جُملَةِ أُمَمٍ كافرةٍ قد مضَتْ من قبلهم -من الجن والإنس- إنهم كانوا بذلك من الخاسرين لأنفسهم ولأهليهم الخُسْرانَ البيِّنَ الواضح يوم القيامة.

[26] ﴿وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَا تَسۡمَعُواْ لِهَٰذَا ٱلۡقُرۡءَانِ وَٱلۡغَوۡاْ فِيهِ لَعَلَّكُمۡ تَغۡلِبُونَ 26﴾:

ولم تَقِفْ معاداةُ الكفار للرسول ﷺ والوَحْيِ عند عدَمِ الإيمان، وإنما أَوْغَلوا في الفسوق والكفر، وأخذوا ينفِّرون الناس والذين يريدون أن يدخلوا في الدين؛ فيقولون للجهَّال والعامَّة: لا تسمعوا لهذا القرآنِ الذي يقرؤه عليكم محمَّد، ولا تُطِيعوه، بل عند سماعكم وهو يقرأُ، ارفَعُوا أصواتكم وشَوِّشوا عليه بالصَّفِير واللَّغْو، وهو: الكلامُ الذي لا مفهومَ منه، لعلَّكم تغلبونه؛ فيترُكَ القراءة، وننتصِرَ عليه.

[27] ﴿فَلَنُذِيقَنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ عَذَابٗا شَدِيدٗا وَلَنَجۡزِيَنَّهُمۡ أَسۡوَأَ ٱلَّذِي كَانُواْ يَعۡمَلُونَ 27﴾:

ثم هدَّد جل وعلا هؤلاء الكافرين الذين قالوا هذا الكلام، فقال: فلَنُذِيقَنَّ الذين كفَروا وجحَدوا دين الله، ولم يتَّبعوا الرسل، وصدُّوا غيرهم عن القرآن بمِثْلِ هذا القول؛ عذابًا شديدًا في نار جهنَّم، ولنُنَكِّلَنَّ بهم نكالًا عظيمًا، وهذا وعيدٌ لهم ولغيرهم ممن حارب الله ورسوله ﷺ والمؤمنين في زَمَانهم وفي الأجيال اللاحقة.

[28] ﴿ذَٰلِكَ جَزَآءُ أَعۡدَآءِ ٱللَّهِ ٱلنَّارُۖ لَهُمۡ فِيهَا دَارُ ٱلۡخُلۡدِ جَزَآءَۢ بِمَا كَانُواْ بِـَٔايَٰتِنَا يَجۡحَدُونَ 28﴾:

واعلموا -أيها الناس- أن ذلك الجزاء والعذاب الشديدُ هو جزاءُ أعداءِ الله وأعداءِ أنبيائه وأوليائه، قد أَعَدَّ الله لهم نار جهنَّم يدخلونها ويقاسون حَرَّها وعذابها، وهم مقيمون ماكثون فيها، لا يخرُجُونَ منها أبدًا؛ ذلك بأنهم كانوا بآياتنا الدالَّة على الوحدانية يجحدون وعنها يُعْرِضون.

[29] ﴿وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ رَبَّنَآ أَرِنَا ٱلَّذَيۡنِ أَضَلَّانَا مِنَ ٱلۡجِنِّ وَٱلۡإِنسِ نَجۡعَلۡهُمَا تَحۡتَ أَقۡدَامِنَا لِيَكُونَا مِنَ ٱلۡأَسۡفَلِينَ 29﴾:

ثم إن أولئك الكفار من الأَتْباعِ الإمَّعاتِ يقولون -وهم في النار-: ربَّنا أَرِنَا الصِّنْفَيْنِ اللَّذَيْنِ قادانا إلى الضلالِ والعذابِ من الجن والإنس؛ لنضعهما تحت أقدامنا في النار، ليكونا مِنَ الأَذَلِّين المهانين.

[30] ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ قَالُواْ رَبُّنَا ٱللَّهُ ثُمَّ ٱسۡتَقَٰمُواْ تَتَنَزَّلُ عَلَيۡهِمُ ٱلۡمَلَٰٓئِكَةُ أَلَّا تَخَافُواْ وَلَا تَحۡزَنُواْ وَأَبۡشِرُواْ بِٱلۡجَنَّةِ ٱلَّتِي كُنتُمۡ تُوعَدُونَ 30﴾:

ثم أخبَرَ جل وعلا المؤمنين وطَمْأَنهم أن الذين قالوا بصِدْقٍ وإخلاص: ربُّنا اللهُ وحده لا شريكَ له، ثم استقاموا على شريعته، تتنزَّلُ عليهم الملائكةُ عند الموتِ ونَزْعِ الرُّوح، وتقول لهم: لا تخافوا -أيها المؤمنون الصادقون- ولا تحزنوا على ما تركتموه وراءكم مِنْ متاع الدنيا، ثم تبشِّرهم برضوان الله ورحمته، ودخولِ جنَّته، وهي التي كانوا يُوعَدونَ بها في الدنيا، والتي هي مستقَرُّهم الأخير، وما فيها من النعيم المقيم.

[31] ﴿نَحۡنُ أَوۡلِيَآؤُكُمۡ فِي ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَا وَفِي ٱلۡأٓخِرَةِۖ وَلَكُمۡ فِيهَا مَا تَشۡتَهِيٓ أَنفُسُكُمۡ وَلَكُمۡ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ 31﴾:

ثم تُخْبِرهم الملائكة، وتقولُ لهم: نحن أنصارُكم وأعوانُكم؛ ففي الدنيا كنا نحُثُّكم على الخير، ونحذِّركم من الشر، وندعو لكم، ونثبِّتكم عند الشدائد والمصائب، ونحن -أيضًا- في الآخِرةِ أنصارُكم وأعوانُكم، فنثبِّتكم عند خروج الرُّوح، وعند البعث، وعلى الصراط، وفي الجَنَّة نهنِّئكم، ونسلِّمُ عليكم، ولكم في هذه الجَنَّةِ مِن النعيم المقيم ما تشتهيه أنفُسُكم مِنْ صنوف اللَّذات والنعم، ولكم فيها ما تطلُبُون، وما تتمنَّوْن.

[32] ﴿نُزُلٗا مِّنۡ غَفُورٖ رَّحِيمٖ 32﴾:

ثم بيَّنت لهم الملائكةُ الكرامُ أنَّ كلَّ ما أعدَّه الله لكم وهيَّأه في هذه الجنة، هو نُزُلٌ وضيافةٌ مِن ربٍّ غفورٍ، كثيرِ المغفرةِ لمن استغفَرَ وتاب، رحيمٍ، كثيرِ الرحمةِ لمن رجَعَ وأناب.

[33] ﴿وَمَنۡ أَحۡسَنُ قَوۡلٗا مِّمَّن دَعَآ إِلَى ٱللَّهِ وَعَمِلَ صَٰلِحٗا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ ٱلۡمُسۡلِمِينَ 33﴾:

ثم اعلموا أيضًا أنه لا أحَدَ أحسنُ كلامًا وطريقةً وحالًا ممن: دعا إلى توحيدِ الله وإفرادِهِ بالعبادة، وعَمِلَ الأعمال الصالحة بفعلِ الأوامر، واجتناب النواهي، وقال: إنني من المسلمين المستسلمين لله بالتوحيد، المنقادين له بالطاعة.

[34] ﴿وَلَا تَسۡتَوِي ٱلۡحَسَنَةُ وَلَا ٱلسَّيِّئَةُۚ ٱدۡفَعۡ بِٱلَّتِي هِيَ أَحۡسَنُ فَإِذَا ٱلَّذِي بَيۡنَكَ وَبَيۡنَهُۥ عَدَٰوَةٞ كَأَنَّهُۥ وَلِيٌّ حَمِيمٞ 34﴾:

ثم بيَّن جل وعلا أنه لا تستوي الحسنة التي يحبُّها الله ويرضاها من الأقوال والأعمال والنيَّات، بالسيئة التي يَكْرَهُها الله ويأباها، وعليك أن تَدْفَعَ الخَصْلةَ السيئة وما يصيبك من الأذى بالخَصْلة الحسنة، كالعفوِ عمَّن ظلمك، والإحسانِ لمن أساء إليك؛ فإنك إذا فعَلْتَ ذلك، كسَبْتَ قلب عدوِّك، فأصبَحَ كالصديقِ المقرَّب منك.

[35] ﴿وَمَا يُلَقَّىٰهَآ إِلَّا ٱلَّذِينَ صَبَرُواْ وَمَا يُلَقَّىٰهَآ إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٖ 35﴾:

ثم أخبَرَ جل وعلا أن هذه الخَصْلةَ -وهي دفع السيئة بالحسنة- لا يُعْطَاها إلا مَنْ جمَّله الله بخُلُقِ الصبرِ الجميلِ على كَظْمِ الغيظ، واحتمالِ المكروه من الناس -ابتغاءَ ثوابِ الله والدار الآخرة- وما يُعْطى هذه الخَصْلةَ إلا صاحبُ حظٍّ عظيمٍ في الثوابِ والأجرِ في الدنيا والآخرة.

[36] ﴿وَإِمَّا يَنزَغَنَّكَ مِنَ ٱلشَّيۡطَٰنِ نَزۡغٞ فَٱسۡتَعِذۡ بِٱللَّهِۖ إِنَّهُۥ هُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلۡعَلِيمُ 36﴾:

ثم أرشَدَ جل وعلا عباده المؤمنين إلى ما يُبْعِدُهم عن الشيطان ووساوسه، فقال: وإذا أحسَسْتَ في أيَّ وقتٍ من الأوقات بشيء من وساوسِ الشيطانِ وتزيينِهِ الشَّرَّ لك، كدَفْعِ السيئة بالسيئة-: فالتجِئْ إلى الله، ولُذْ به، واعتصِمْ به، واسأله أن يُعِيذَكَ ويَحْمِيَكَ من الشيطان الرجيم؛ إن الله هو السميعُ لجميع أقوالك ومناجاتك ودعائك، العليمُ بما تحتاج إليه من الحماية والعصمة.

[37] ﴿وَمِنۡ ءَايَٰتِهِ ٱلَّيۡلُ وَٱلنَّهَارُ وَٱلشَّمۡسُ وَٱلۡقَمَرُۚ لَا تَسۡجُدُواْ لِلشَّمۡسِ وَلَا لِلۡقَمَرِ وَٱسۡجُدُواْۤ لِلَّهِۤ ٱلَّذِي خَلَقَهُنَّ إِن كُنتُمۡ إِيَّاهُ تَعۡبُدُونَ 37﴾:

ثم أخبَرَ جل وعلا أن مِنْ آياتِهِ الدالَّةِ على وحدانيتِهِ وكمالِ قدرته: وجودَ الليلِ والنهار، والشمسِ والقمر، وتعاقُبَهم؛ فيحصُلُ بذلك لكم المنافعُ العظيمة، وتستقيمُ حياتكم، ثم أمَرَ عباده ألَّا يسجُدُوا للشمس ولا للقمر؛ لأنهما مخلوقان مُدَبَّرانِ مِنْ جملة المخلوقات، بل اسجدوا لله الذي خلقَهُنَّ؛ إن كنتم إياه تعبدون، وتُخلِصونَ له العبادة، وخَصَّ سبحانه الشمسَ والقمرَ بالذِّكْرِ؛ لأن هناك من البشر مَنْ يعبدهما.

[38] ﴿فَإِنِ ٱسۡتَكۡبَرُواْ فَٱلَّذِينَ عِندَ رَبِّكَ يُسَبِّحُونَ لَهُۥ بِٱلَّيۡلِ وَٱلنَّهَارِ وَهُمۡ لَا يَسۡـَٔمُونَ 38﴾:

فإنِ استكبَرَ هؤلاء المشركون عن توحيد الله وإفراده بالعبادة -بأن أشركوا معه غيره- فإن الملائكة الذين عند ربِّك -أيها النبي- لا يستكبرون عن توحيدِ الله، وإفرادِهِ بالعبادة، وهم قائمون على تنزيهِهِ وتقديسِهِ على الدوام ليلًا ونهارًا، لا يفتُرُونَ عن ذلك، ولا يَمَلُّون.

وهذه الآيةُ تفيد أن الله جل في علاه ليس بحاجةٍ إلى عبادة أحدٍ مِنَ البشر، وإنما هو سبحانه مستغنٍ عن الخلق أجمعين، ولكنه لا يرضى أن يُعبَدَ غيره؛ قال تعالى: ﴿إِن تَكۡفُرُواْ فَإِنَّ ٱللَّهَ غَنِيٌّ عَنكُمۡۖ وَلَا يَرۡضَىٰ لِعِبَادِهِ ٱلۡكُفۡرَۖ ﴾ [الزمر:٧].

[39] ﴿وَمِنۡ ءَايَٰتِهِۦٓ أَنَّكَ تَرَى ٱلۡأَرۡضَ خَٰشِعَةٗ فَإِذَآ أَنزَلۡنَا عَلَيۡهَا ٱلۡمَآءَ ٱهۡتَزَّتۡ وَرَبَتۡۚ إِنَّ ٱلَّذِيٓ أَحۡيَاهَا لَمُحۡيِ ٱلۡمَوۡتَىٰٓۚ إِنَّهُۥ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ قَدِيرٌ 39﴾:

ثم أخبَرَ جل وعلا أنَّ من آيات الله الدالَّة على إثباتِ البعثِ وكمالِ القدرة: أنك ترى الأرضَ جرداءَ لا نباتَ فيها، فإذا أنزلنا عليها ماء المطر، تحرَّكتْ بالنبات، وظهَرَ النبات فيها، إن الذي أحيا هذه الأرضَ الميتةَ، فأنبتَتْ هذا النبات واخضرَّتْ، لَمُحْيي الموتى مِنْ قبورهم، للبعثِ والنشور، إنه على فعلِ كلِّ شيء أراده لقدير، لا يُعْجِزُهُ شيء في الأرض ولا في السماء سبحانه وتعالى.

[40] ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ يُلۡحِدُونَ فِيٓ ءَايَٰتِنَا لَا يَخۡفَوۡنَ عَلَيۡنَآۗ أَفَمَن يُلۡقَىٰ فِي ٱلنَّارِ خَيۡرٌ أَم مَّن يَأۡتِيٓ ءَامِنٗا يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِۚ ٱعۡمَلُواْ مَا شِئۡتُمۡ إِنَّهُۥ بِمَا تَعۡمَلُونَ بَصِيرٌ 40﴾:

ثم أخبَرَ جل وعلا أن الذين يميلون في آياتِ اللهِ عن الصوابِ بتحريفها، أو بإنكارِها، أو تكذيبِها؛ لا يَخْفَوْنَ عليه سبحانه، ولا يستطيعون أن يستتروا منه، ثم بيَّن جل في علاه الفرقَ الكبيرَ بين الكافر والمؤمن، فقال: أفمَنْ يُلحِدُ في آيات الله ويحرِّفها فيُلقَى في نار جهنَّم خيرٌ، أمَّن آمَنَ بآيات الله واتَّبعها وأذعَنَ لها، فيأتي يوم القيامة آمِنًا من العذاب؟! فاعملوا ما شئتم أيها الملحِدون -وهذا تهديدٌ شديدٌ لهم على إلحادهم، وليس إذْنًا لهم- ولكنِ اعلموا أن الله بما تعملون بصير؛ لا يخفى عليه شيءٌ مِنْ أعمالكم، وسيجازيكم عليها.

[41] ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِٱلذِّكۡرِ لَمَّا جَآءَهُمۡۖ وَإِنَّهُۥ لَكِتَٰبٌ عَزِيزٞ 41﴾:

ثم أضاف جل وعلا تهديدًا آخَرَ، فقال: إن الذين كذَّبوا وأعرضوا عن القرآن لمَّا جاءهم على لسان رسول الله ﷺ، سنجازيهم على ذلك يَوْمَ القيامة، واعلموا -أيها الناس- أن هذا القرآن كتابٌ عزيزٌ منيعٌ حفظه الله مِنْ كلِّ تحريفٍ وتبديل.

[42] ﴿لَّا يَأۡتِيهِ ٱلۡبَٰطِلُ مِنۢ بَيۡنِ يَدَيۡهِ وَلَا مِنۡ خَلۡفِهِۦۖ تَنزِيلٞ مِّنۡ حَكِيمٍ حَمِيدٖ 42﴾:

ثم بيَّن سبحانه أنه قد تكفَّل بحفظ هذا القرآن؛ فلا يأتيه الباطلُ مِنْ بين يديه ولا من خلفه، أي: لا يستطيعُ شيطانٌ مِنَ الإنسِ والجِنِّ أن يزيدَ فيه أو ينقُصَ منه، وبيَّن أن هذا القرآنَ الكريمَ تنزيلٌ من الله الحكيمِ الذي يضع الشيء في موضعه، الحميدِ على ما له من صفاتِ الكمال، ونعوتِ الجلال؛ سبحانه وتعالى.

[43] ﴿مَّا يُقَالُ لَكَ إِلَّا مَا قَدۡ قِيلَ لِلرُّسُلِ مِن قَبۡلِكَۚ إِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغۡفِرَةٖ وَذُو عِقَابٍ أَلِيمٖ 43﴾:

ثم قال جل وعلا تسليةً لنبيه محمدٍ ﷺ: واعلم -أيها النبي- أن ما يقال لك من هؤلاء المشركين: بأنك ساحِرٌ أو شاعِرٌ أو كذَّابٌ أو مجنون، فقد قاله مِنْ قبلهم الأممُ لرُسُلهم؛ فلَسْتَ بِدْعًا من الرسل، وما دام الأمر كذلك، فاصبِرْ على ما ينالك من الأذى، واعلم أن ربَّك ذو مغفرةٍ لعباده المؤمنين، وذو عقابٍ أليم لمن أصَرَّ على الكفر والتكذيب.

[44] ﴿وَلَوۡ جَعَلۡنَٰهُ قُرۡءَانًا أَعۡجَمِيّٗا لَّقَالُواْ لَوۡلَا فُصِّلَتۡ ءَايَٰتُهُۥٓۖ ءَا۬عۡجَمِيّٞ وَعَرَبِيّٞۗ قُلۡ هُوَ لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ هُدٗى وَشِفَآءٞۚ وَٱلَّذِينَ لَا يُؤۡمِنُونَ فِيٓ ءَاذَانِهِمۡ وَقۡرٞ وَهُوَ عَلَيۡهِمۡ عَمًىۚ أُوْلَٰٓئِكَ يُنَادَوۡنَ مِن مَّكَانِۭ بَعِيدٖ 44﴾:

ثم رَدَّ جل وعلا على بعض الشبهات التي أثارها المشرِكونَ حولَ القرآن، فقال: ولو جعَلْنا هذا القرآنَ الذي أنزلناه عليك -أيها النبي- أعجميًّا، لقال المشركون: هَلَّا وُضِّحَتْ آياته بلسانٍ عربيٍّ نفهمه، وهل يُعقَلُ أن يكون هذا القرآن أعجميًّا، ولسانُ الذي أُنزِلَ عليه عربي؟! فقل -أيها النبي- لهؤلاء الجاحدين: إن هذا القرآن هُدًى للمؤمنين، وشفاءٌ للأمراض النفسيِّة والعُضْويَّة، ولما يَحُوكُ في الصدور من الشكوك والأمراض، أما أولئك الذين لا يؤمنون بالقرآن، ففي آذانهم صَمَمٌ، وهو على قلوبهم عَمًى؛ فلا يهتدون به أبدًا، وأولئك المشركون كمَنْ يُنادى وهو في مكانٍ بعيدٍ؛ فلا يَسْمَعُ نداءً، ولا يَفْهَمُ قولًا. وهذه الآية من آياتِ الشفاءِ الستَّةِ التي ذُكِرَتْ سابقًا، والتي يُسْتَشْفَى بهنَّ مِن الأمراضِ النفسية، والأمراض البدنية.

[45] ﴿وَلَقَدۡ ءَاتَيۡنَا مُوسَى ٱلۡكِتَٰبَ فَٱخۡتُلِفَ فِيهِۚ وَلَوۡلَا كَلِمَةٞ سَبَقَتۡ مِن رَّبِّكَ لَقُضِيَ بَيۡنَهُمۡۚ وَإِنَّهُمۡ لَفِي شَكّٖ مِّنۡهُ مُرِيبٖ 45﴾:

ثم أخبَرَ جل وعلا؛ مسلِّيًا نبيه ﷺ، ومهوِّنًا عليه ما يجده من مخالفيه، فقال سبحانه: ولقد آتينا رسولَنَا موسى عليه السلام كتابَ التوراةِ، كما آتَيْنَاكَ -أيها الرسول- القرآن فاختُلِفَ في شأنها؛ فمنهم مَنْ آمَنَ بها، ومنهم مَنْ صَدَّ عنها، ولولا كلمةٌ سبَقَتْ من ربِّك في تأخيرِ العذابِ عن المكذِّبين من قومك إلى الوقتِ المحدَّدِ له، لَفُصِلَ بينهم بإهلاك الكافرين في الحال، واعلم أن المشركين في شكٍّ ورِيبةٍ مِن هذا القرآن، جعَلَهم يعيشون في قَلَقٍ واضطراب.

[46] ﴿مَّنۡ عَمِلَ صَٰلِحٗا فَلِنَفۡسِهِۦۖ وَمَنۡ أَسَآءَ فَعَلَيۡهَاۗ وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّٰمٖ لِّلۡعَبِيدِ 46﴾:

واعلموا -أيها الناس- أن مَنْ عمل الأعمال الصالحة، وأقام على ما يحبُّه الله ويرضاه، فإنما يقدِّمُ الخيرُ والنفعُ لنفسه، ومَنْ عمل الأعمال السيئة، وأقام على ما يَكْرَهُهُ الله ويَأْباه، فإنما يقدِّمُ الشرَّ والعقابَ لنفسه، وليس ربُّك -أيها النبي- بذي ظُلْمٍ للعبيد؛ فلا يعذِّبُ أحدًا إلا بذَنْبه.

[47] ﴿إِلَيۡهِ يُرَدُّ عِلۡمُ ٱلسَّاعَةِۚ وَمَا تَخۡرُجُ مِن ثَمَرَٰتٖ مِّنۡ أَكۡمَامِهَا وَمَا تَحۡمِلُ مِنۡ أُنثَىٰ وَلَا تَضَعُ إِلَّا بِعِلۡمِهِۦۚ وَيَوۡمَ يُنَادِيهِمۡ أَيۡنَ شُرَكَآءِي قَالُوٓاْ ءَاذَنَّٰكَ مَا مِنَّا مِن شَهِيدٖ 47﴾:

ثم أخبَرَ جل في علاه أنه إليه وحده مرجعُ عِلْمِ الساعة؛ فهو سبحانه وحده الذي يَعْرِفُ وقتها، وهو وحده الذي يَعْلَمُ متى تخرُجُ الثمار من أغلفتها وأكمامها، وهو وحده الذي يعلم ما تَحْمِلُ أي أنثى مِنْ حَمْل، ولا تضعُ حَمْلَها إلا بعلم الله وإرادته، واذكر -أيها النبي- يوم أن ينادي جل وعلا المشركين يومَ القيامة؛ توبيخًا لهم، وإظهارًا لكَذِبهم: أين شركائي الذين كنتم تُشْرِكونهم في عبادتي؟ فقالوا على سبيل التحسُّرِ والتذلُّل: لقد أخبَرْناك -يا ربنا- الآنَ: أنه ليس منا مِنْ أحدٍ يَشْهَدُ اليومَ أن معك شريكًا؛ فقد انكشَفَتْ عنا الحُجُب، وعرَفْنا خطأنا.

[48] ﴿وَضَلَّ عَنۡهُم مَّا كَانُواْ يَدۡعُونَ مِن قَبۡلُۖ وَظَنُّواْ مَا لَهُم مِّن مَّحِيصٖ 48﴾:

ثم أخبَرَ جل وعلا أنه ذهَبَ عن هؤلاء المشرِكينَ ما صرَفُوا فيه أعمارَهُمْ مِن عبادة غير الله، وحينها أيقنوا وعلموا أنْ لا نجاة لهم، ولا مَهْرَبَ من العذاب.

[49] ﴿لَّا يَسۡـَٔمُ ٱلۡإِنسَٰنُ مِن دُعَآءِ ٱلۡخَيۡرِ وَإِن مَّسَّهُ ٱلشَّرُّ فَيَـُٔوسٞ قَنُوطٞ 49﴾:

ثم ذكَرَ جل وعلا شيئًا عن طبيعةِ الإنسان التي خُلِقَ عليها، وهي أنه يُحِبُّ الخيرَ ويُلِحُّ في طلبه، أما إن أصابته مصيبةٌ من فقر أو شدَّة، فإنه يَؤُوسٌ من رحمة الله، قنوطٌ سيِّئُ الظن.

[50] ﴿وَلَئِنۡ أَذَقۡنَٰهُ رَحۡمَةٗ مِّنَّا مِنۢ بَعۡدِ ضَرَّآءَ مَسَّتۡهُ لَيَقُولَنَّ هَٰذَا لِي وَمَآ أَظُنُّ ٱلسَّاعَةَ قَآئِمَةٗ وَلَئِن رُّجِعۡتُ إِلَىٰ رَبِّيٓ إِنَّ لِي عِندَهُۥ لَلۡحُسۡنَىٰۚ فَلَنُنَبِّئَنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِمَا عَمِلُواْ وَلَنُذِيقَنَّهُم مِّنۡ عَذَابٍ غَلِيظٖ 50﴾:

ثم بيَّن جل وعلا أن مِنَ الناس مَنْ إذا عافاه الله مِنْ مرض، أو أغناه بعد شدَّة، فإنه يقول: هذه مِنْحةٌ من الله لي؛ لأنني صبَرْتُ وعانَيْتُ، فأنا أستَحِقُّها، وغاب عنه أن الحياة كلَّها ابتلاءات، وأن الغنى والصحَّةَ كلَّها اختبار للإنسان؛ هل يشكُرُ على السرَّاء؟! وهل يصبِرُ ويحتسِبُ عند الشدائد والضَّراء؟! ثم يقول شاكًّا في يوم القيامة: وما أعتقِدُ أن الساعة آتية، ومعلومٌ أن الشكَّ والظنَّ في يوم القيامة كُفْر، ثم يقول: وعلى فرضِ إتيانِ الساعة، وأني سأَرْجِعُ إلى ربي، فإنَّ لي عنده ما هو أحسَنُ وأفضلُ مما أنا فيه مِنْ نعيمِ الدنيا، وهي الجنة، ثم أقسَمَ جل في علاه، فقال: فلَنُخْبِرَنَّ الذين كفروا يوم القيامة بما عملوا من سيئات، وأقسَمَ أنه سوف يذيقهم العذابَ الغليظَ المؤلم المُوجِع. وقوله: ﴿فَلَنُنَبِّئَنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ﴾، يؤكِّدُ أن الشك في يوم القيامة كُفْرٌ.

[51] ﴿وَإِذَآ أَنۡعَمۡنَا عَلَى ٱلۡإِنسَٰنِ أَعۡرَضَ وَنَـَٔا بِجَانِبِهِۦ وَإِذَا مَسَّهُ ٱلشَّرُّ فَذُو دُعَآءٍ عَرِيضٖ 51﴾:

ثم ذكَرَ جل وعلا نوعًا آخَرَ من طغيان الكافر وجحوده، فقال: وإذا أنعَمْنا على الإنسانِ بصحَّةٍ أو رزقٍ أو غيرهما، أعرَضَ عن شُكْر الله، وترفَّع عن الانقياد إلى الحق، أما إذا أصابه سوءٌ، فإنه يدعو ربَّه بإلحاحٍ، ويتضرَّع إليه بشدة، بأن يكشف الله ما به مِنْ ضُرّ، وهكذا يلتجئُ إلى الله في الشدَّة، وينسى حقَّ الله عليه في الرخاء؛ كما قال تعالى: ﴿فَلَمَّا كَشَفۡنَا عَنۡهُ ضُرَّهُۥ مَرَّ كَأَن لَّمۡ يَدۡعُنَآ إِلَىٰ ضُرّٖ مَّسَّهُۥۚ ﴾ [يونس:12].

[52] ﴿قُلۡ أَرَءَيۡتُمۡ إِن كَانَ مِنۡ عِندِ ٱللَّهِ ثُمَّ كَفَرۡتُم بِهِۦ مَنۡ أَضَلُّ مِمَّنۡ هُوَ فِي شِقَاقِۭ بَعِيدٖ 52﴾:

وقل -أيها النبي- لهؤلاء المكذِّبين بالقرآن: أَخْبِروني، إن كان هذا القرآنُ مِن عند الله حقًّا، ثم أنتم كذَّبتم به، ولم تَقْبَلوه، ولم تعملوا بما فيه، فمَنْ يكون حينها أضلَّ وأشقى منكم؟!

[53] ﴿سَنُرِيهِمۡ ءَايَٰتِنَا فِي ٱلۡأٓفَاقِ وَفِيٓ أَنفُسِهِمۡ حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَهُمۡ أَنَّهُ ٱلۡحَقُّۗ أَوَلَمۡ يَكۡفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُۥ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ شَهِيدٌ 53﴾:

وختَمَ جل وعلا السورة بأنْ وعَدَ المتشكِّكين: أنه سيُرِيهِمْ بعضَ عجائبِ قُدْرتِهِ مِنَ المعجِزاتِ والاكتشافاتِ في السموات؛ مِن كواكبَ وشموس، وفي الأرضِ؛ مِن أشجارٍ وبحارٍ وجبال، وما يتجدَّد من اكتشافات ومراكب وغيرها؛ مما يكون سببًا في ظهورِ الإسلامِ وانتشارِهِ على سائر الأديان، وكذلك سيُرِيهِمْ سبحانه عجائبَ قُدْرته في الأنفُس مما أودَعَ الله فيها من حواسَّ وقُوًى، وعقلٍ ورُوح، وغير ذلك؛ سيريهم سبحانه ذلك حتى يتبيَّنَ لهم مِنْ تلك الآياتِ: أنَّ القرآنَ وما حواه من أخبارٍ أنه حَقٌّ، وأنه مِنَ الله الحقّ، ثم وبَّخ سبحانه هؤلاءِ المكذِّبين، فقال: أَلَا يكفي هؤلاء المكذِّبين الجاحدين بُرْهانًا على أن القرآن حَقٌّ، وأنَّ مَنْ جاء به صادق، شهادةُ الله تعالى؟! وكفى به سبحانه شهيدًا على أفعال عباده وأقوالهم.

[54] ﴿أَلَآ إِنَّهُمۡ فِي مِرۡيَةٖ مِّن لِّقَآءِ رَبِّهِمۡۗ أَلَآ إِنَّهُۥ بِكُلِّ شَيۡءٖ مُّحِيطُۢ 54﴾:

ثم بيَّن جل وعلا حقيقةَ هؤلاء الكافرين، فقال: اعلموا -أيها الناس- أن هؤلاء الكافرين في شَكٍّ ورَيْبٍ عظيمٍ من البعث بعد الموت، وأنَّ الله جل في علاه بكلِّ شيء محيطٌ علمًا وقدرةً وعزَّةً إحاطةً تامَّة، لا يخفى عليه شيءٌ في الأرض ولا في السماء، و سيجازي سبحانه كلًّا بعمله.

سورة الشُّورَى

سورةُ الشُّورَى مكيَّةٌ، وآياتها ثلاثٌ وخمسون آية.

[1-2] ﴿حمٓ 1 عٓسٓقٓ 2﴾:

سبق الكلام على الحروف المقطَّعة في أول سورة البقرة.

[3] ﴿كَذَٰلِكَ يُوحِيٓ إِلَيۡكَ وَإِلَى ٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِكَ ٱللَّهُ ٱلۡعَزِيزُ ٱلۡحَكِيمُ 3﴾:

أخبَرَ جل وعلا نبيه محمدًا ﷺ وأمتَّه: أنه كما أوحى إليه هذا القرآنَ العظيمَ الذي اشتمَلَ على التوحيدِ وجميعِ أركانِ العبادةِ التي خلَقَ الخَلْقَ مِنْ أجلها؛ فكذلك هو الذي بفضلِهِ وإحسانِهِ حمَّل الرسُلَ السابقين لأممهم مثلَ هذا النورِ والهدى الذي تَحْمِلُهُ هذه السورة وهذا القرآن؛ فكَرَمُهُ سبحانه شاملٌ، وإحسانُهُ عامٌّ، فلستَ -أيها النبي- بِدْعًا من الرسل السابقين، واعلم أن الذي أنزَلَ عليك هذا القرآنَ، والذي أنزَلَ الكتبَ السابقة على الأنبياء مِنْ قبلك، هو اللهُ العزيزُ الذي لا يغلبه غالب، الحكيمُ في كلِّ أقواله وأفعاله.

[4] ﴿لَهُۥ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلۡأَرۡضِۖ وَهُوَ ٱلۡعَلِيُّ ٱلۡعَظِيمُ 4﴾:

ثم أخبَرَ جل وعلا بأن جميع المخلوقات العلويَّة والسفليَّة خَلْقُهُ ومِلْكُه، وأنه جل شأنه عليٌّ بذاتِهِ وأسمائه وصفاته وأفعاله، وأنه العظيمُ الذي له العظمةُ والكِبْرياء؛ فليس كذاتِهِ ذاتٌ ولا كأسمائه أسماء، ولا كصفاتِهِ وأفعالِهِ صفاتٌ وأفعال، وأكثَرُ الفرق لا تُثبِتُ عُلُوَّ الذات، وتقولُ: علوُّ القَدْرِ والمكانة، وعُلُوُّ القَهْرِ والغَلَبة.

[5] ﴿تَكَادُ ٱلسَّمَٰوَٰتُ يَتَفَطَّرۡنَ مِن فَوۡقِهِنَّۚ وَٱلۡمَلَٰٓئِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمۡدِ رَبِّهِمۡ وَيَسۡتَغۡفِرُونَ لِمَن فِي ٱلۡأَرۡضِۗ أَلَآ إِنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلۡغَفُورُ ٱلرَّحِيمُ 5﴾:

ثم أخبَرَ جل وعلا أنَّ مِن عظمتِهِ وإجلالِهِ: كثرةَ الملائكة ما بين ساجدٍ وقائمٍ، تكاد كلُّ سماء تتفطَّر على التي تحتها؛ كما في الحديثِ الذي رواه أحمد: «أَطَّتِ السَّمَاءُ وَحَقَّ لَهَا أَنْ تَئِطَّ...»([1])؛ فهي تكادُ مِنْ كثرةِ ما عليها تتشقَّق على التي تحتها، ومِنْ عظمتِهِ: أن الملائكة يقدِّسونه وينزِّهونه عما لا يليق به، وأنهم يستغفرون لمن في الأرض جميعًا مؤمنهم وكافرهم وفاسقهم؛ طمعًا في إيمانِ كافرِهم، وتوبةِ فاسقهم، واعلموا أن الله هو الواسعُ المغفرةِ والرحمةِ لمن يشاء مِنْ عباده، فلولا مغفرته ورحمته، لعاجَلَ الخَلْقَ بالعقوبة التي تستأصِلُهم. [1] اخرجه أحمد في المسند (21516)، والترمذي (2312)، وابن ماجه (4190)، عن أبي ذر رضي الله عنه، وحسنه الترمذي.

[6] ﴿وَٱلَّذِينَ ٱتَّخَذُواْ مِن دُونِهِۦٓ أَوۡلِيَآءَ ٱللَّهُ حَفِيظٌ عَلَيۡهِمۡ وَمَآ أَنتَ عَلَيۡهِم بِوَكِيلٖ 6﴾:

واعلم -أيها النبي- أن الذين اتخذوا من دون الله آلهةً أخرى من الأصنام وغيرها، وصرفوا لها العبادة، فإن اللهَ يحفظُ أعمالهم ويُحْصِيها ليجازيهم عليها، وما أنت بموكَّلٍ ولا بمكلَّفٍ بإلزامهم بالهُدَى والصلاح؛ فأنت ليس عليك إلا البلاغُ والتبيينُ لأمور الدين.

[7] ﴿وَكَذَٰلِكَ أَوۡحَيۡنَآ إِلَيۡكَ قُرۡءَانًا عَرَبِيّٗا لِّتُنذِرَ أُمَّ ٱلۡقُرَىٰ وَمَنۡ حَوۡلَهَا وَتُنذِرَ يَوۡمَ ٱلۡجَمۡعِ لَا رَيۡبَ فِيهِۚ فَرِيقٞ فِي ٱلۡجَنَّةِ وَفَرِيقٞ فِي ٱلسَّعِيرِ 7﴾:

ثم اعلَمْ -أيها النبي- أنه كما أوحينا إلى الأنبياءِ مِن قبلك، أوحَيْنا إليك قرآنًا عربيًّا بلسانٍ فصيحٍ، وهو لسان قومك؛ لتنذِرَ أهل مكَّة ومَنْ حولها مِنَ القرى وسائر الناس، وتخوِّفَهم عما سيجري يوم القيامة؛ لكي يستعدُّوا له بالعمل الصالح، ويوم القيامة الذي هو يومُ الحَشْرِ واقعٌ لا ريب فيه؛ حيث تجتمع فيه الخلائق للحساب، ثم ينقسمون بعد الحساب إلى فريقَيْنِ: فريقٍ في الجنة، وهم الذين آمنوا بالله، واتَّبعوا المرسلين، وفريقٍ في السعير، وهم الذين كفروا بالله، ولم يتَّبعوا المرسلين.

[8] ﴿وَلَوۡ شَآءَ ٱللَّهُ لَجَعَلَهُمۡ أُمَّةٗ وَٰحِدَةٗ وَلَٰكِن يُدۡخِلُ مَن يَشَآءُ فِي رَحۡمَتِهِۦۚ وَٱلظَّٰلِمُونَ مَا لَهُم مِّن وَلِيّٖ وَلَا نَصِيرٍ 8﴾:

وبعد أن بيَّن جل وعلا أنَّ الناس سوف ينقسمون يوم القيامة إلى فريقَيْن: فريقٍ في الجنة، وفريقٍ في السعير؛ بيَّن سبحانه بأنه لو شاء، لجعلهم جميعًا على الهدايةِ والتقوى كالملائكة، ولكنِ اقتضَتْ حكمتُهُ جل في علاه بأنْ جعلهم مختارين؛ ليتميَّزَ المهتدي من الضالّ؛ فمَنِ اختار الهدى، دخَلَ في رحمة الله، ونَجَا مع الناجين، ومَنِ اتَّبَعَ الهوى والشيطان، فهم الضالُّون الظالمون لأنفسهم بالشرك والمعاصي، وهؤلاء ما لهم من وليٍّ يتولَّى أمورهم يوم القيامة، ولا نصيرٍ ينصُرُهم من عقاب الله تعالى.

[9] ﴿أَمِ ٱتَّخَذُواْ مِن دُونِهِۦٓ أَوۡلِيَآءَۖ فَٱللَّهُ هُوَ ٱلۡوَلِيُّ وَهُوَ يُحۡيِ ٱلۡمَوۡتَىٰ وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ قَدِيرٞ 9﴾:

ثم أنكَرَ جل وعلا على المشركين اتِّخاذهم أولياء يعبُدُونهم من دون الله؛ يَرْجُونَ نفعهم، ويخافون ضُرَّهم، وقد غَلِطوا في ذلك أقبحَ الغلط وأشنعه؛ فليعلموا أن الله هو الوليُّ الحقُّ الذي يملك الضرَّ والنفع، وهو المتفرِّدُ بالإحياء والإماتة، وهو سبحانه على كلِّ شيء قدير، لا يُعْجِزُهُ شيء في الأرض ولا في السماء.

[10] ﴿وَمَا ٱخۡتَلَفۡتُمۡ فِيهِ مِن شَيۡءٖ فَحُكۡمُهُۥٓ إِلَى ٱللَّهِۚ ذَٰلِكُمُ ٱللَّهُ رَبِّي عَلَيۡهِ تَوَكَّلۡتُ وَإِلَيۡهِ أُنِيبُ 10﴾:

ثم بيَّن جل وعلا للمؤمنين عند اختلافهم في شيءٍ مِنْ أمور دينهم، أنَّ عليهم الرجوعَ إلى كتاب الله وسُنَّة نبيه ﷺ، واعلموا أن ذلكم الله ربِّي، وربُّكم عليه وحده توكَّلْتُ في جميع أموري، وإليه أَرْجِعُ في جميع شؤونِ حياتي.

[11] ﴿فَاطِرُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۚ جَعَلَ لَكُم مِّنۡ أَنفُسِكُمۡ أَزۡوَٰجٗا وَمِنَ ٱلۡأَنۡعَٰمِ أَزۡوَٰجٗا يَذۡرَؤُكُمۡ فِيهِۚ لَيۡسَ كَمِثۡلِهِۦ شَيۡءٞۖ وَهُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلۡبَصِيرُ 11﴾:

أخبَرَ جل وعلا أنه خالق السموات والأرض ومُبْدِعُهما بعد العَدَم، وأنه جعَلَ لكم من أنفسكم أزواجًا لتسكُنُوا إليها، وجعَلَ بينكم مودَّةً ورحمة، وخلَقَ لكم من الأنعام أصنافًا من الذكور والإناث، وهو سبحانه الذي يبُثُّكم وينشُرُكم ويكثِّركم، ليس كمثله شيءٌ من الأشياء، وهو السميعُ لجميعِ الأصواتِ والحَرَكات، البصيرُ بأعمالِ العبادِ وأحوالهم.

وقوله: ﴿لَيۡسَ كَمِثۡلِهِۦ شَيۡءٞۖ ﴾ وغيرها من الآيات: دليلٌ لمذهب أهل السنة والجماعة على إثباتِ الصفات، ونَفْيِ مماثلةِ المخلوقات؛ فنَصِفُ الله جل وعلا بما وصَفَ به نفسَهُ في كتابه، وعلى لسان رسوله ﷺ؛ مِنْ غيرِ تحريفٍ ولا تعطيل، ومِنْ غيرِ تكييفٍ ولا تمثيل.

[12] ﴿لَهُۥ مَقَالِيدُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۖ يَبۡسُطُ ٱلرِّزۡقَ لِمَن يَشَآءُ وَيَقۡدِرُۚ إِنَّهُۥ بِكُلِّ شَيۡءٍ عَلِيمٞ 12﴾:

ثم أخبَرَ جل وعلا أنه وحده الذي بيده وتحت تصرُّفه مفاتيحُ أرزاق العباد مِنَ المَطَرِ والنباتِ وغير ذلك، وأنه وحده مَنْ يوسِّعُ الرزق لمن يشاء مِنْ خلقه؛ اختبارًا هل يشكُرُ أم يكفُرُ؟! ويضيِّقه على مَنْ يشاء؛ ابتلاءً هل يصبِرُ أم يتسخَّطُ على أقدار الله؟! كل ذلك بحسَبِ ما تقتضيه حكمته جل في علاه؛ إنه سبحانه بكلِّ شيء عليم، لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء.

[13] ﴿شَرَعَ لَكُم مِّنَ ٱلدِّينِ مَا وَصَّىٰ بِهِۦ نُوحٗا وَٱلَّذِيٓ أَوۡحَيۡنَآ إِلَيۡكَ وَمَا وَصَّيۡنَا بِهِۦٓ إِبۡرَٰهِيمَ وَمُوسَىٰ وَعِيسَىٰٓۖ أَنۡ أَقِيمُواْ ٱلدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُواْ فِيهِۚ كَبُرَ عَلَى ٱلۡمُشۡرِكِينَ مَا تَدۡعُوهُمۡ إِلَيۡهِۚ ٱللَّهُ يَجۡتَبِيٓ إِلَيۡهِ مَن يَشَآءُ وَيَهۡدِيٓ إِلَيۡهِ مَن يُنِيبُ 13﴾:

ثم ذكَرَ جل وعلا أكبَرَ نعمةٍ أنعَمَ بها على عباده: أن شرَعَ لهم أفضلَ الأديان، وبيَّنه ووضَّحه، وهو دِينُ الإسلام، الذي أوحاه الله إلى عبدِهِ ورسولِهِ محمَّد ﷺ، ووصَّى به نوحًا وإبراهيم وموسى وعيسى ، وهؤلاء هم أولو العزم مِنَ الرُّسُل؛ حيثُ وصَّاهم الله أن يقيموا الدِّينَ بالتوحيد، وعبادة الله وحده لا شريك له، وألَّا يختلفوا في هذا الدِّينِ كما اختلَفَ اليهود والنصارى؛ فضلُّوا وزاغوا؛ فإن الجماعةَ رحمةٌ، والفرقةَ عذابٌ، ولقد شَقَّ وعَظُمَ على المشركين ما تدعوهم إليه من التوحيد، وتَرْكِ الشرك والمعاصي، واعلموا أن الله يختارُ لرسالته مَنْ يشاء مِن عباده، وأنه يوفِّق ويجتبي إليه مَنْ يرجعُ إلى طاعته، ويُقْبِلُ على عبادته.

[14] ﴿وَمَا تَفَرَّقُوٓاْ إِلَّا مِنۢ بَعۡدِ مَا جَآءَهُمُ ٱلۡعِلۡمُ بَغۡيَۢا بَيۡنَهُمۡۚ وَلَوۡلَا كَلِمَةٞ سَبَقَتۡ مِن رَّبِّكَ إِلَىٰٓ أَجَلٖ مُّسَمّٗى لَّقُضِيَ بَيۡنَهُمۡۚ وَإِنَّ ٱلَّذِينَ أُورِثُواْ ٱلۡكِتَٰبَ مِنۢ بَعۡدِهِمۡ لَفِي شَكّٖ مِّنۡهُ مُرِيبٖ 14﴾:

ثم ذكَرَ جل وعلا أنَّ اليهود والنصارى تفرَّقوا شيعًا وأحزابًا، بعد أنْ جاءهم العلم وفَهِموه، وقامت عليهم الحُجَّة؛ ولكنهم تفرَّقوا حسَبَ الأهواء والرَّغَبات، وما حملهم على هذا التفرُّق والاختلاف إلا البغيُ والعنادُ والحَسَد، ولولا كلمةٌ سبَقَتْ من ربِّك -أيها النبي- بتأخيرِ العذابِ عنهم إلى أَجَلٍ حدَّده جل وعلا عنده، لَقُضِيَ بينهم بتعجيلِ العذابِ الذي يستأصلهم بسببِ هذا الاختلاف، وإن الذين أُورِثُوا التوراةَ والإنجيلَ مِنْ بعد هؤلاء المختلِفِينَ في الحقِّ، لفي شكٍّ من هذا القرآن، ومن الدِّينِ والإيمان، وهذا الشكُّ أوقعهم في الرِّيبةِ والاختلاف المذموم.

[15] ﴿فَلِذَٰلِكَ فَٱدۡعُۖ وَٱسۡتَقِمۡ كَمَآ أُمِرۡتَۖ وَلَا تَتَّبِعۡ أَهۡوَآءَهُمۡۖ وَقُلۡ ءَامَنتُ بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ مِن كِتَٰبٖۖ وَأُمِرۡتُ لِأَعۡدِلَ بَيۡنَكُمُۖ ٱللَّهُ رَبُّنَا وَرَبُّكُمۡۖ لَنَآ أَعۡمَٰلُنَا وَلَكُمۡ أَعۡمَٰلُكُمۡۖ لَا حُجَّةَ بَيۡنَنَا وَبَيۡنَكُمُۖ ٱللَّهُ يَجۡمَعُ بَيۡنَنَاۖ وَإِلَيۡهِ ٱلۡمَصِيرُ 15﴾:

ثم أمَرَ جل وعلا نبيه محمدًا ﷺ أن يدعو لهذا الدِّينِ الذي أوحاه إليه، ووصَّى به أولي العَزْم من الرسلِ مِنْ قبله، وأن يستقيمَ ويثبُتَ عليه كما أمره جل في علاه، ولا شك أنه ﷺ متفانٍ في الدعوة، ومُخْلِصٌ فيها، ثم أمَرَه ألَّا يتَّبع أهواء هؤلاء الذين فرَّقوا دينهم وكانوا شيعًا، وفي هذا تحذيرٌ للأمَّة من اتِّباعِ الأهواء والرَّغَبات الشخصية، وقل -أيها النبي- لهؤلاء المشركين: لقد صدَّقتُ بجميع الكتب التي أنزَلَها الله على الأنبياءِ مِنْ قبلي، وأُمِرْتُ أن أَعْدِلَ بينكم في الحكم، واعلموا أن الله هو خالقُنا وخالقُكم، وأنَّ لنا ثوابَ أعمالنا الصالحة، وعليكم جزاءَ أعمالكم، فلا نُسأَلُ عن أعمالكم، ولا تُسأَلُونَ عن أعمالنا، لا خصومةَ ولا جدالَ بيننا وبينكم يوم القيامة؛ فقد ظهَرَ الحقُّ، وزهَقَ الباطل؛ إن الله يَجْمَعُ بيننا وبينكم يوم القيامة، وإليه سبحانه وحده المرجعُ والمآب؛ فيجازي كلًّا بما يستحِقُّ، إنْ خيرًا فخير، وإنْ شرًّا فشرّ؛ وحينئذٍ سيعلم الكفَّار أيَّ منقلَبٍ ينقلبون.

[16] ﴿وَٱلَّذِينَ يُحَآجُّونَ فِي ٱللَّهِ مِنۢ بَعۡدِ مَا ٱسۡتُجِيبَ لَهُۥ حُجَّتُهُمۡ دَاحِضَةٌ عِندَ رَبِّهِمۡ وَعَلَيۡهِمۡ غَضَبٞ وَلَهُمۡ عَذَابٞ شَدِيدٌ 16﴾:

أخبَرَ جل وعلا أن اليهود والنصارى الذين يخاصِمُونَ ويناقِشُونَ في دين الله بالباطل ليُدْحِضوا به الحق، ويصُدُّونَ الناس عن الإيمان، مِنْ بعد ما استجاب الناسُ لهذا الدِّين، مع أن الحقَّ انتشَرَ وآمَنَ به خلقٌ كثير، فإن حُجَّتهم ومجادلتهم باطلةٌ لا قيمةَ لها عند مَنْ عرفوا الحقَّ وعند ربِّهم؛ حيث جادلوا وقالوا: (نبيُّنا قبل نبيِّكم، وكتابنا قبل كتابكم)؛ فهؤلاء عليهم غضَبٌ مِن الله في الدنيا، وعذابٌ أليمٌ شديدٌ يوم القيامة.

[17] ﴿ٱللَّهُ ٱلَّذِيٓ أَنزَلَ ٱلۡكِتَٰبَ بِٱلۡحَقِّ وَٱلۡمِيزَانَۗ وَمَا يُدۡرِيكَ لَعَلَّ ٱلسَّاعَةَ قَرِيبٞ 17﴾:

ثم أخبَرَ جل وعلا أنه هو الذي أنزَلَ القرآنَ العظيمَ على نبيه محمد ﷺ بالحق، ولا شكَّ أنه كله حَقٌّ وصدقٌ ويقين، وأنزَلَ معه الميزانَ لإقامةِ الحقِّ والعدلِ بين الناس في الأرض، ثم قال جل شأنه مخوِّفًا المستعجلين لقيام الساعة، والمنكِرين لها: وما يُدْرِيكَ -يا من تستعجِلُ قيامَ الساعة- لعلَّ موعدها قريب؟! وفي ذلك تنبيهٌ للعاقل أن يستعِدَّ لها.

[18] ﴿يَسۡتَعۡجِلُ بِهَا ٱلَّذِينَ لَا يُؤۡمِنُونَ بِهَاۖ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ مُشۡفِقُونَ مِنۡهَا وَيَعۡلَمُونَ أَنَّهَا ٱلۡحَقُّۗ أَلَآ إِنَّ ٱلَّذِينَ يُمَارُونَ فِي ٱلسَّاعَةِ لَفِي ضَلَٰلِۭ بَعِيدٍ 18﴾:

وهذه الساعة يستعجِلُ بها الذين يَجْحَدُونها، ولا يصدِّقون بقيامها، أما الذين آمنوا بالله ورسوله ﷺ، فمُشفِقونَ وَجِلونَ خائفون مِنْ قيامها؛ لِعِلْمِهم ما فيها من الأهوال والشدائد، ولعِلْمِهم اليقينيِّ أنها آتيةٌ لا ريبَ ولا شكَّ فيها، ثم أخبَرَ أن أولئك الذين يخاصمون ويجادلون في قيامِ الساعةِ مخاصَمةَ شكٍّ وريبة، في ضلالٍ بيِّنٍ بعيدٍ عن الحقِّ والصواب.

[19] ﴿ٱللَّهُ لَطِيفُۢ بِعِبَادِهِۦ يَرۡزُقُ مَن يَشَآءُۖ وَهُوَ ٱلۡقَوِيُّ ٱلۡعَزِيزُ 19﴾:

ثم بيَّن جل وعلا أنه كثيرُ اللُّطْفِ بعباده، بالغُ الرأفةِ والرحمةِ بهم، يرزُقُ ويوسِّعُ على مَنْ يشاء بحسَبِ اقتضاء حكمته ولطفه، وهو سبحانه القويُّ القادرُ على فعل كل شيء، العزيزُ الذي لا يُعْجِزه شيء في الأرض ولا في السماء.

[20] ﴿مَن كَانَ يُرِيدُ حَرۡثَ ٱلۡأٓخِرَةِ نَزِدۡ لَهُۥ فِي حَرۡثِهِۦۖ وَمَن كَانَ يُرِيدُ حَرۡثَ ٱلدُّنۡيَا نُؤۡتِهِۦ مِنۡهَا وَمَا لَهُۥ فِي ٱلۡأٓخِرَةِ مِن نَّصِيبٍ 20﴾:

واعلموا -أيها الناس- أن مَنْ كان يريد بعمله أَجْرَ الآخرة وثوابَهَا، فأخلَصَ لله في عمله، فهذا يُعْطِيهِ الله ثوابَ عملِهِ مضاعَفًا؛ الحسنةُ بعَشْرِ أمثالها، إلى سبعمائةِ ضعفٍ، إلى أضعافٍ كثيرة، أما مَنْ كان يريد بعمله الدنيا وزينتها، فيُعْطِيهِ نصيبَهُ الذي قُسِمَ له منها، وليس له في الآخرة أجرٌ، ولا حظٌّ، ولا نصيب. وقد قُيَّدَ هذا الإطلاقُ بما يشاء سبحانه، ومَنْ يريد؛ وذلك في قوله تعالى: ﴿مَّن كَانَ يُرِيدُ ٱلۡعَاجِلَةَ عَجَّلۡنَا لَهُۥ فِيهَا مَا نَشَآءُ لِمَن نُّرِيدُ﴾ [الإسراء:١٨].

[21] ﴿أَمۡ لَهُمۡ شُرَكَٰٓؤُاْ شَرَعُواْ لَهُم مِّنَ ٱلدِّينِ مَا لَمۡ يَأۡذَنۢ بِهِ ٱللَّهُۚ وَلَوۡلَا كَلِمَةُ ٱلۡفَصۡلِ لَقُضِيَ بَيۡنَهُمۡۗ وَإِنَّ ٱلظَّٰلِمِينَ لَهُمۡ عَذَابٌ أَلِيمٞ 21﴾:

ثم سأَلَ جل وعلا سؤالَ تقريعٍ وتهديد، فقال: هل لهؤلاء المشرِكينَ مِن قريشٍ وغيرهم شركاءُ يعبُدُونهم من دون الله؛ فيَشْرَعُونَ ويخترعون لهم دِينًا مِنْ عند أنفسهم -لم يَشْرَعْهُ الله- فيبيحون لهم الشرك، ويحرِّمون عليهم الحلال، ويحلُّون لهم الحرام؟! ولولا الأجلُ المسمَّى، والموعدُ المحدَّد، الذي ضربه الله لإهلاكهم، لعجَّل الله بالقضاءِ والفَصْلِ بين الرسل وأَتْباعهم من المؤمنين؛ فنجَّاهم، وبين المشركين ومَنْ يعبدونهم مِنْ دون الله؛ فأهلكهم وأبادهم، واعلموا أن الظالمين المجاوزين حدودَهم بالشركِ والمعاصي، لهم عذابٌ أليمٌ مُوجِعٌ في جهنَّم.

[22] ﴿تَرَى ٱلظَّٰلِمِينَ مُشۡفِقِينَ مِمَّا كَسَبُواْ وَهُوَ وَاقِعُۢ بِهِمۡۗ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ فِي رَوۡضَاتِ ٱلۡجَنَّاتِۖ لَهُم مَّا يَشَآءُونَ عِندَ رَبِّهِمۡۚ ذَٰلِكَ هُوَ ٱلۡفَضۡلُ ٱلۡكَبِيرُ 22﴾:

وفي ذلك اليومِ العظيمِ: ترى الظالمين أنفُسَهم بالشرك والمعاصي وَجِلِينَ مما عملوا من السيئات والقبائح، خائفين مِنْ عاقبة ما كسَبَتْ أيديهم، وجزاءُ ما عملوا واقعٌ بهم، نازلٌ عليهم لا محالة، أما الذين آمنوا بالله، وصدَّقوا رسوله ﷺ، وعملوا الأعمال الصالحة مِنَ الواجباتِ والمستحبَّات، وامتثلوا الأوامر، واجتنبوا النواهي؛ فأولئك في بساتينِ الجنَّاتِ الخضراء، وحدائقِها الغَنَّاء، لهم ما يتمنَّوْنَ وما يطلبون؛ مما لا عَيْنٌ رأت، ولا أذُنٌ سَمِعَتْ، ولا خطَرَ على قلبِ بَشَر، لهم كلُّ ذلك عند ربِّهم الرحمنِ الرحيم، الذي يرضى عنهم ولا يَسْخَطُ عليهم أبدًا، ذلك هو الفضلُ الكبير الذي تفضَّل الله تعالى به عليهم.

[23] ﴿ذَٰلِكَ ٱلَّذِي يُبَشِّرُ ٱللَّهُ عِبَادَهُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِۗ قُل لَّآ أَسۡـَٔلُكُمۡ عَلَيۡهِ أَجۡرًا إِلَّا ٱلۡمَوَدَّةَ فِي ٱلۡقُرۡبَىٰۗ وَمَن يَقۡتَرِفۡ حَسَنَةٗ نَّزِدۡ لَهُۥ فِيهَا حُسۡنًاۚ إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٞ شَكُورٌ 23﴾:

واعلموا أن ذلك الفضلَ الكبيرَ، والنعيمَ المقيم، بُشْرَى عظيمةٌ يبشِّر الله بها عباده الذين آمنوا به، وصدَّقوا رسوله ﷺ واتَّبعوه، وعملوا الأعمال الصالحة التي يحبُّها الله ويرضاها، ثم أمَرَ سبحانه نبيه محمدًا ﷺ أن يقولَ لهؤلاء المشركين: لا أطلُبُ منكم أجرًا مقابِلَ دعوتي إيَّاكم للتوحيد والإيمان؛ إلا أن تحفظوا حَقَّ القَرَابةِ التي بيني وبينكم، وحَقَّ القرابة التي بينكم أنتم، وألَّا تؤذوني، وأن تمنعوا أذى الناس عنِّي، ثم أخبَرَ سبحانه أن مَنْ يكتسبْ حسنةً، يضاعَفْ له أجرُها عَشْرَ أضعافٍ، إلى سبعمائةِ ضعفٍ، إلى أضعافٍ كثيرة، وإن الله كثيرُ المغفرة لمن تاب واستغفر، شكورٌ لعباده -مع غناه عنهم جل في علاه- يكافئهم على طاعاتهم، ويُحْسِنُ إليهم.

[24] ﴿أَمۡ يَقُولُونَ ٱفۡتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ كَذِبٗاۖ فَإِن يَشَإِ ٱللَّهُ يَخۡتِمۡ عَلَىٰ قَلۡبِكَۗ وَيَمۡحُ ٱللَّهُ ٱلۡبَٰطِلَ وَيُحِقُّ ٱلۡحَقَّ بِكَلِمَٰتِهِۦٓۚ إِنَّهُۥ عَلِيمُۢ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ 24﴾:

ثم بيَّن سبحانه أن مِنْ مزاعم هؤلاء المشركين: أنهم يقولون: إن محمدًا افتَرَى على الله كذبًا؛ فادَّعى أنه رسولٌ من عند الله، وأنه جاء بهذا القرآن الذي اختَلَقَهُ مِن قِبَلِ نفسه؛ فأجاب جل في علاه على افترائهم هذا، فقال: اعلم -أيها النبي- أنه لو حدَّثَتْكَ نَفْسُكَ أن تفتري على الله كذبًا، لطَبَعَ الله على قلبك، فلم تَقْدِرْ على ذلك؛ لأن افتراء الكذب على الله لا يكونُ إلا ممن طبَعَ الله على قلبه، ولكنَّك -أيها النبي- معصومٌ من الكذب والافتراء، واعلم أن الله يُذْهِبُ الباطلَ ويمحوه، ويثبِّتُ الحق، أي: الدِّينَ، ويوضِّحه بكلماته المنزَّلة منه، التي لا تتبدَّل ولا تتغيَّر، وبوعده الصادق الذي لا يتخلَّف؛ إنه سبحانه مطَّلِعٌ على ما تخفيه صدورُ العباد مِنَ الأسرار والنوايا، لا يخفى عليه شيءٌ في الأرض ولا في السماء، وسيجازي كلًّا بما عمل.

[25] ﴿وَهُوَ ٱلَّذِي يَقۡبَلُ ٱلتَّوۡبَةَ عَنۡ عِبَادِهِۦ وَيَعۡفُواْ عَنِ ٱلسَّيِّـَٔاتِ وَيَعۡلَمُ مَا تَفۡعَلُونَ 25﴾:

أخبَرَ جل وعلا أنه بفضلِهِ وكرمِه، ورحمتِهِ وإحسانِه: هو وحده الذي يقبلُ التوبةَ النصوحَ الصادِقةَ الصادِرةَ من عباده المؤمنين، بعد وقوعهم في الذنوب والخطايا، وهو سبحانه الذي يعفو عن السيِّئات، ولا يؤاخِذُ بها من تاب منها، ويمحو أَثَرَها من العيوب، وهو سبحانه الذي يَعْلَمُ ما تفعلون في السِّرِّ والعلَنِ من الصالحات والمعاصي، وسيجازيكم على أعمالكم.

[26] ﴿وَيَسۡتَجِيبُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ وَيَزِيدُهُم مِّن فَضۡلِهِۦۚ وَٱلۡكَٰفِرُونَ لَهُمۡ عَذَابٞ شَدِيدٞ 26﴾:

ثم أخبَرَ جل وعلا أن الذين آمنوا بالله ورسله، وعملوا الصالحات، يستجيبون لما يدعوهم الله إليه من الهدى والخير؛ فيمتثلون أَمْرَ الله، فيشكُرُ الله لهم ذلك، ويتقبَّل منهم، ويزيدهم من فضله، فيقوِّيهم على فعل الطاعات، ويضاعِفُ لهم ثوابها، أما الذين كفروا بالله، وجحدوا آياته، وكذَّبوا رُسُلَهُ، ولم يستجيبوا لأمر الله، فأولئك لهم عذابٌ شديدٌ مؤلمٌ مُوجِع.

[27] ﴿وَلَوۡ بَسَطَ ٱللَّهُ ٱلرِّزۡقَ لِعِبَادِهِۦ لَبَغَوۡاْ فِي ٱلۡأَرۡضِ وَلَٰكِن يُنَزِّلُ بِقَدَرٖ مَّا يَشَآءُۚ إِنَّهُۥ بِعِبَادِهِۦ خَبِيرُۢ بَصِيرٞ 27﴾:

واعلموا أنَّه لو وسَّع الله الرزقَ على جميع عباده، لَبَغَوْا في الأرض وتكبَّروا، ولغفلوا عن طاعةِ الله وامتثالِ أوامره، ولأقبلوا على شَهَواتهم ومَلَذَّاتهم، ولكنه سبحانه ينزِّلُ عليهم الرزقَ بقَدْرِ ما يشاء بحسَبِ ما تقتضيه حكمتُهُ ورحمتُه؛ إنه بعباده خبيرٌ بأحوالهم، بصيرٌ بما يُصلِحهم، ويصلُحُ لهم.

[28] ﴿وَهُوَ ٱلَّذِي يُنَزِّلُ ٱلۡغَيۡثَ مِنۢ بَعۡدِ مَا قَنَطُواْ وَيَنشُرُ رَحۡمَتَهُۥۚ وَهُوَ ٱلۡوَلِيُّ ٱلۡحَمِيدُ 28﴾:

ثم أخبَرَ جل وعلا أنه هو وحده الذي ينزِّلُ المطَرَ الغزيرَ الذي يُغِيثُ به البلادَ والعباد، مِنْ بعدما أَيِسوا من نزوله، فتنتشِرُ الرحمة، وتعُمُّ الأرزاقُ والخيرات والبركات، فيَعْرِفُ العبادُ عِظَمَ رحمةِ الله ولطفِهِ بهم بعدما كادوا أن يَهْلِكوا، والله سبحانه هو الوليُّ الذي يتولَّى تدبير شؤون عباده، ويُحسِنُ إليهم ويتفضَّل عليهم، وهو الحميدُ المستحِقُّ للحمدِ على ما له من الكمال.

[29] ﴿وَمِنۡ ءَايَٰتِهِۦ خَلۡقُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ وَمَا بَثَّ فِيهِمَا مِن دَآبَّةٖۚ وَهُوَ عَلَىٰ جَمۡعِهِمۡ إِذَا يَشَآءُ قَدِيرٞ 29﴾:

ومِنْ آيات الله الدالَّة على وحدانيته، وكمالِ قدرته على البعثِ والنشور: خَلْقُ هذه السموات والأرض، وإيجادُهُما بعد العَدَمِ على غيرِ مثال سابق، وهو سبحانه الذي نشَرَ وفرَّق في السموات والأرض كلَّ هذه الدواب؛ فالذي خلَقَ وأوجَدَ كلَّ هذه المخلوقات بعد العدم، قادرٌ على جَمْعها وإعادتها بعد مَوْتها مرةً أخرى.

[30] ﴿وَمَآ أَصَٰبَكُم مِّن مُّصِيبَةٖ فَبِمَا كَسَبَتۡ أَيۡدِيكُمۡ وَيَعۡفُواْ عَن كَثِيرٖ 30﴾:

واعلموا -أيها الناس- أن ما أصابكم وحَلَّ بكم مِنْ بعض المصائبِ والبلايا، فبسببِ ما قدَّمته أيديكم مِن الذنوبِ والخطايا، والله يعفو عن كثيرٍ مِن ذنوبكم؛ فلا يؤاخِذُكم بها.

[31] ﴿وَمَآ أَنتُم بِمُعۡجِزِينَ فِي ٱلۡأَرۡضِۖ وَمَا لَكُم مِّن دُونِ ٱللَّهِ مِن وَلِيّٖ وَلَا نَصِيرٖ 31﴾:

ثم حذَّر جل وعلا الناسَ مِنْ عقابه، فقال: وما أنتم بمُعْجِزينَ الله، ولا فائتين عليه هَرَبًا في الأرض، وليس لكم -أيها الناس- مع عَجْزكم: وليٌّ يتولَّاكم، ولا ناصرٌ ينصُرُكم، ويَدْفَعُ عنكم ما يضُرُّكم؛ ففرُّوا إلى الله.

[32] ﴿وَمِنۡ ءَايَٰتِهِ ٱلۡجَوَارِ فِي ٱلۡبَحۡرِ كَٱلۡأَعۡلَٰمِ 32﴾:

أخبَرَ سبحانه وتعالى أن مِنْ آياته الدالَّة على وحدانيتِهِ، وكمالِ قدرتِهِ، وواسعِ رحمتِهِ وعنايتِهِ بعباده: هذه السُّفُنَ العظيمةَ التي تجري في البحر؛ وكأنها مِنْ عظمتها وضخامتها: الجبالُ العظيمة.

[33] ﴿إِن يَشَأۡ يُسۡكِنِ ٱلرِّيحَ فَيَظۡلَلۡنَ رَوَاكِدَ عَلَىٰ ظَهۡرِهِۦٓۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَأٓيَٰتٖ لِّكُلِّ صَبَّارٖ شَكُورٍ 33﴾:

ثم بيَّن سبحانه أنه لو شاء، لأسكَنَ هذه الريحَ التي هي سبَبٌ مباشرٌ لجَرَيانِ تلك السفن؛ فتتوقَّفُ بذلك السفن في البحار، وتَظَلُّ حرَكَتُها راكدةً ساكنة، وكذلك فإنه سبحانه قادرٌ على إيقاف هذه السُّفُن وغيرها؛ كالطائرات والسيارات التي تسيرُ بالمحرِّكات؛ فلا شيءَ يُعْجِزه سبحانه أن يُبطِلَ محرِّكاتها، واعلموا أن في هذه المظاهر مِنْ خَلْقِ السفن وسَيْرِها في البحار، وتحريكِ الرياح وسكونها: عِبَرًا وعِظَاتٍ لكلِّ صبَّارٍ كثيرِ الصبر على الطاعات، وكثيرِ الصبرِ عن المعاصي، وكثيرِ الصبرِ على أقدارِ الله المؤلمة، شَكُورٍ كثيرِ الشكرِ على نِعَمِ الله وآلائه.

[34] ﴿أَوۡ يُوبِقۡهُنَّ بِمَا كَسَبُواْ وَيَعۡفُ عَن كَثِيرٖ 34﴾:

ولو شاء جل وعلا، لأغرَقَ هذه السُّفُنَ، وأهلَكَ أهلها؛ بما كسبوا من الذنوب، واقترفوا من الآثام، ولكنَّ الله يعفو عن كثير مِنْ ذنوبِ أهلها، ويستُرُها عليهم، وينجِّيهم مِنَ الغَرَق؛ لأنَّ الحسابَ في الآخرة؛ لأنها دار الحق.

[35] ﴿وَيَعۡلَمَ ٱلَّذِينَ يُجَٰدِلُونَ فِيٓ ءَايَٰتِنَا مَا لَهُم مِّن مَّحِيصٖ 35﴾:

ثم أخبَرَ جل وعلا أن الذين يخاصمون في آياتِ الله، ويمترون فيها بالباطل لِتَكْذيبها وردِّها: أنهم ليس لهم مُنقِذٌ يُنقِذهم من عذاب الله إذا نزَلَ بهم، وحلَّ بدارهم، وليس لهم مَفَرٌّ ولا مَهْرَبٌ من هذا العذاب.

[36] ﴿فَمَآ أُوتِيتُم مِّن شَيۡءٖ فَمَتَٰعُ ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَاۚ وَمَا عِندَ ٱللَّهِ خَيۡرٞ وَأَبۡقَىٰ لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَلَىٰ رَبِّهِمۡ يَتَوَكَّلُونَ 36﴾:

ثم حقَّر جل وعلا من متاع الدنيا وزينتها، فقال: وما أُعْطِيتم من شيءٍ من شهوات الدنيا ومَلَذَّاتها مِنْ غِنًى، وسَعَةٍ، ومُلْكٍ، وصحَّة وعافية، فاعلموا أن ذلك متاعٌ قليلٌ ينقضي ويَذْهَبُ، وينقطِعُ ويزول، واعلموا أن ما عند الله مِنْ ثوابِ الآخرةِ خيرٌ من لذَّات الدنيا الفانية؛ لأنه دائمٌ لا ينقطِع، وهو مُعَدٌّ ومُهَيَّأٌ للذين آمنوا بالله، واتَّبعوا رسله، واعتمدوا بقلوبهم على الله في جلبِ المنافعِ ودفعِ المَضَارّ، مع ثقتهم الكاملة بالله جل في علاه.

[37] ﴿وَٱلَّذِينَ يَجۡتَنِبُونَ كَبَٰٓئِرَ ٱلۡإِثۡمِ وَٱلۡفَوَٰحِشَ وَإِذَا مَا غَضِبُواْ هُمۡ يَغۡفِرُونَ 37﴾:

ثم ذكَرَ جل وعلا صفاتِ المؤمنين الذين على ربِّهم يتوكَّلون، فقال: والذين يجتنبون كبائرَ ما نهى الله عنه، وما فَحُشَ وقَبُحَ من أنواع الذنوبِ والمعاصي، ومِنْ صفاتهم: أنهم إذا ما غَضِبوا على مَنْ أساء إليهم، فإنهم يكتُمُونَ غيظهم، ويحلُمُونَ عليه.

[38] ﴿وَٱلَّذِينَ ٱسۡتَجَابُواْ لِرَبِّهِمۡ وَأَقَامُواْ ٱلصَّلَوٰةَ وَأَمۡرُهُمۡ شُورَىٰ بَيۡنَهُمۡ وَمِمَّا رَزَقۡنَٰهُمۡ يُنفِقُونَ 38﴾:

ومِنْ صفات هؤلاء المؤمنين: أنهم استجابوا لربِّهم حين دعاهم إلى توحيده وطاعته، وأقاموا الصلاةَ المفروضةَ بمواقيتها وشروطِها، وأنهم يتفاهمون في أمورهم العامَّة، ويناقشونها فَحْصًا وتمحيصًا حتى يصلوا إلى الأمر الذي يحقِّق مصالح دينهم ودنياهم، ومِنْ صفاتهم: أنهم يتصدَّقون في سبيل الله -بما أنعمَ اللهُ عليهمْ- على المحتاجين والفقراء.

[39] ﴿وَٱلَّذِينَ إِذَآ أَصَابَهُمُ ٱلۡبَغۡيُ هُمۡ يَنتَصِرُونَ 39﴾:

ومِنْ صفات هؤلاء المؤمنين: الانتصار ممن بَغَى عليهم ظلمًا وعدوانًا؛ لأن العِزَّةّ لله ولرسوله وللمؤمنين؛ فلا ينبغي التذلُّلُ للطغاة والكفَّار والظَّلَمة؛ لأن العجزُ والذِّلَّةُ والمهانة ليست من صفات المؤمنين.

[40] ﴿وَجَزَٰٓؤُاْ سَيِّئَةٖ سَيِّئَةٞ مِّثۡلُهَاۖ فَمَنۡ عَفَا وَأَصۡلَحَ فَأَجۡرُهُۥ عَلَى ٱللَّهِۚ إِنَّهُۥ لَا يُحِبُّ ٱلظَّٰلِمِينَ 40﴾:

ثم بيَّن جل وعلا أن جزاء سيئة حصَلَتْ لك ووقَعَتْ عليك مِنْ غيرك: أن يكونَ ردُّها بمثلها -دون زيادة أو نقص- وهذا هو العَدْل، فمن عفا وصفَحَ عمَّن ظلمه وسامحه، فهذا فضلٌ منه وجزاؤه وثوابه عند الله عظيم، والله جل في علاه لا يُحِبُّ الذين يتجاوزون حدودَهُمْ؛ فيبغون على غيرهم، ويظلمونهم، ويعتدون عليهم.

[41] ﴿وَلَمَنِ ٱنتَصَرَ بَعۡدَ ظُلۡمِهِۦ فَأُوْلَٰٓئِكَ مَا عَلَيۡهِم مِّن سَبِيلٍ 41﴾:

ثم أخبَرَ جل وعلا أن مَنِ انتصَرَ ممن ظلمه، فلا أحد يلومه؛ فيجوزُ له القصاصُ دون زيادة؛ لأنه استعمَلَ حقَّه المشروع.

[42] ﴿إِنَّمَا ٱلسَّبِيلُ عَلَى ٱلَّذِينَ يَظۡلِمُونَ ٱلنَّاسَ وَيَبۡغُونَ فِي ٱلۡأَرۡضِ بِغَيۡرِ ٱلۡحَقِّۚ أُوْلَٰٓئِكَ لَهُمۡ عَذَابٌ أَلِيمٞ 42﴾:

ثم بيَّن سبحانه: أن اللوم والمؤاخذة والعقوبة الشرعية تتوجَّه على الذين يبالغون في الثأر لأنفسهم، وكذلك على الذين يعتدون على الناسِ في أعراضِهم أو أبدانِهم أو أموالهم، ويتجبَّرون في الأرض بالإفسادِ والإجرامِ فيها؛ فأولئك لهم عذابٌ أليمٌ مُوجِعٌ في الدنيا والآخرة.

[43] ﴿وَلَمَن صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَٰلِكَ لَمِنۡ عَزۡمِ ٱلۡأُمُورِ 43﴾:

واعلموا أن مَنْ صبَرَ على ما أصابه مِن الأذى، واحتسَبَ الأجرَ عند الله تعالى، وعفا عمَّن ظلمه، وسامَحَ مَنِ اعتدى عليه، فهذا ما يحُثُّ عليه جل في علاه، وهذا الفعلُ لا يستطيعُهُ ولا يصبِرُ عليه إلا أهلُ الصبرِ والحظوظِ العظيمة.

[44] ﴿وَمَن يُضۡلِلِ ٱللَّهُ فَمَا لَهُۥ مِن وَلِيّٖ مِّنۢ بَعۡدِهِۦۗ وَتَرَى ٱلظَّٰلِمِينَ لَمَّا رَأَوُاْ ٱلۡعَذَابَ يَقُولُونَ هَلۡ إِلَىٰ مَرَدّٖ مِّن سَبِيلٖ 44﴾:

أخبَرَ جل وعلا أن مَنْ يُضِلِلْهُ الله عن طريق الحقِّ والهدى والنور بسبب كُفْره وعناده ومحاربته للإسلام فيَطْبَعْ على قلبه، فليس له من وليٍّ يتولَّى أمره فيما بعدُ، ولا ناصِرٍ ينصُرُه، وستُبْصِرُ -أيها النبي- هؤلاء الكفار يوم القيامة عندما يشاهدون العذابَ بأنهم سيندمون أشدَّ النَّدَمِ وأعظَمَهُ، ويقولون: هل لنا مِنْ طريقِ رَجْعةٍ إلى الدنيا لنصحِّحَ أخطاءنا؟! فهيهاتَ هيهاتَ.

[45] ﴿وَتَرَىٰهُمۡ يُعۡرَضُونَ عَلَيۡهَا خَٰشِعِينَ مِنَ ٱلذُّلِّ يَنظُرُونَ مِن طَرۡفٍ خَفِيّٖۗ وَقَالَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ إِنَّ ٱلۡخَٰسِرِينَ ٱلَّذِينَ خَسِرُوٓاْ أَنفُسَهُمۡ وَأَهۡلِيهِمۡ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِۗ أَلَآ إِنَّ ٱلظَّٰلِمِينَ فِي عَذَابٖ مُّقِيمٖ 45﴾:

وسوف تُبْصِرُ -أيها النبي- هؤلاء المشركين يوم القيامة وهم يُعْرَضُونَ على النار، خاشعين خائفين متواضِعينَ أذلِّاء حقيرين، يسارقون النظر إلى نار جهنَّم مِنْ عَيْنٍ ضعيفة قد ملأها الرعبُ والخوفُ والقَلَق، وفي هذه الأثناء يقولُ الذين آمنوا بالله ورسله، وعملوا الصالحات؛ على سبيل التحدُّث بنعمة الله: إن الخاسرين الخسارةَ الحقيقيَّةَ الكاملةَ هم أولئك الظالمون الذين ظَلَموا أنفُسَهم بالكفر والمعاصي؛ حيث خَسِروا أنفُسَهم وأهليهم يوم القيامة؛ أَلَا إن الظالمين في عذابٍ دائمٍ مستمِرٍّ، لا ينقطع ولا يزول.

[46] ﴿وَمَا كَانَ لَهُم مِّنۡ أَوۡلِيَآءَ يَنصُرُونَهُم مِّن دُونِ ٱللَّهِۗ وَمَن يُضۡلِلِ ٱللَّهُ فَمَا لَهُۥ مِن سَبِيلٍ 46﴾:

وهؤلاء المشركون المعذَّبون لم يكن لهم يومَ القيامةِ مِنْ معاوِنينَ ولا مناصِرينَ يدفعون عنهم عذابَ الله، أو يُخْرِجونهم من النار، ومَنْ يُضلِلِ اللهُ مِن الناس -بسبب كفره وعناده، وظُلْمه وفِسْقه- فلا طريق لهدايته ورَشَادِه.

ومعلومٌ أنَّ إضلال الله له ليس ابتدائيًّا، وإنما جزائيٌ.

[47] ﴿ٱسۡتَجِيبُواْ لِرَبِّكُم مِّن قَبۡلِ أَن يَأۡتِيَ يَوۡمٞ لَّا مَرَدَّ لَهُۥ مِنَ ٱللَّهِۚ مَا لَكُم مِّن مَّلۡجَإٖ يَوۡمَئِذٖ وَمَا لَكُم مِّن نَّكِيرٖ 47﴾:

وبعد أنْ ذكَرَ جل وعلا يوم القيامة، وما فيه من الأهوالِ والأمورِ العِظَام؛ حذَّر سبحانه عباده منه، وأمَرَ بالاستعداد له، فقال جل شأنه: استجيبوا -أيها الناس- لربكم بالإيمان به وطاعته، واستعجِلُوا بهذه الاستجابة مِنْ قَبْلِ أن يأتي عليكم يومٌ شديدٌ عصيب، لا يمكنُ لأحد أن يرُدَّه، وهو يومُ القيامة، الذي حدد جل في علاه له أجلًا ثابتًا لا يتخلَّف عنه أبدًا؛ فهذا اليومُ عِلْمُهُ وعِلْمُ وقته اختَصَّ الله به، وفي ذلك اليومِ ليس لكم ملجأٌ تلتجئون إليه من عذاب الله، ولن تجدوا مَنْ يُنْكِرُ ما يَنْزِلُ بكم من العذاب فيساعدكم.

[48] ﴿فَإِنۡ أَعۡرَضُواْ فَمَآ أَرۡسَلۡنَٰكَ عَلَيۡهِمۡ حَفِيظًاۖ إِنۡ عَلَيۡكَ إِلَّا ٱلۡبَلَٰغُۗ وَإِنَّآ إِذَآ أَذَقۡنَا ٱلۡإِنسَٰنَ مِنَّا رَحۡمَةٗ فَرِحَ بِهَاۖ وَإِن تُصِبۡهُمۡ سَيِّئَةُۢ بِمَا قَدَّمَتۡ أَيۡدِيهِمۡ فَإِنَّ ٱلۡإِنسَٰنَ كَفُورٞ 48﴾:

فإنْ أعرَضَ هؤلاء المشركون -أيها النبي- عمَّا جئتهم به من التوحيد والإيمان، فاعلم أن الله لم يُرْسِلْكَ عليهم حفيظًا رقيبًا تحفظُ أعمالهم حتى تحاسبهم عليها؛ فإنه جل وعلا ما أمرك ولا كَلَّفْكَ إلا بالبلاغِ المبينِ فقطْ، واعلموا أن الله سبحانه إذا أنعَمَ على الإنسان نعمةً مِن صحَّةِ بَدَن، وسَعَةِ رزق، وكثرةِ مالٍ ووَلَد، فإنه يَفْرَحُ بذلك فرحًا شديدًا، وإذا أصابه مرضٌ أو فقرٌ أو مصيبةٌ بسببِ ما كسَبَ من الذنوب، وارتكَبَ من الخطايا والعيوب، فإنه يكونُ عظيمَ الكفرِ والجحودِ لنعم الله، سريعَ التسخُّطِ والتأفُّف، ولا شك أن سَلْبَ النعمِ أو مَنْحَها هو ابتلاء من الله؛ لِيَعْلَمَ الشاكرَ المعترِفَ بفضل الله، من المتذمِّر الساخط على أقدار الله.

[49] ﴿لِّلَّهِ مُلۡكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۚ يَخۡلُقُ مَا يَشَآءُۚ يَهَبُ لِمَن يَشَآءُ إِنَٰثٗا وَيَهَبُ لِمَن يَشَآءُ ٱلذُّكُورَ 49﴾:

أخبَرَ جل وعلا أن له وحده مُلْكَ السموات والأرض وما فيهما، وأنه جل شأنه يخلُقُ مِنَ الخَلْقِ ما يشاء، لا منازِعَ له في ذلك؛ فهو الفعَّالُ لما يريد؛ ومن ذلك: أنه يرزُقُ بعضَ الناس إناثًا فقطْ، ويرزُقُ بعضَهم ذكورًا فقطْ.

[50] ﴿أَوۡ يُزَوِّجُهُمۡ ذُكۡرَانٗا وَإِنَٰثٗاۖ وَيَجۡعَلُ مَن يَشَآءُ عَقِيمًاۚ إِنَّهُۥ عَلِيمٞ قَدِيرٞ 50﴾:

وأخبَرَ سبحانه أنه يرزُقُ بعضَ الناس ذكورًا وإناثًا، ويَجْعَلُ مَنْ يشاء من الناس عقيمًا لا يُولَدُ له؛ كلُّ ذلك هبةٌ ومنحةٌ من الله؛ بحسَبِ ما تقتضيه حِكْمتُهُ ورحمته جل في علاه، إنه سبحانه عليمٌ بأحوال عباده، وما يصلُحُ لهم، قديرٌ على خلق ما يشاء، لا مُكْرِهَ له ولا معقِّبَ لحكمه.

[51] ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُكَلِّمَهُ ٱللَّهُ إِلَّا وَحۡيًا أَوۡ مِن وَرَآيِٕ حِجَابٍ أَوۡ يُرۡسِلَ رَسُولٗا فَيُوحِيَ بِإِذۡنِهِۦ مَا يَشَآءُۚ إِنَّهُۥ عَلِيٌّ حَكِيمٞ 51﴾:

ثم ذكَرَ جل وعلا أنواعَ الوَحْيِ على الرسل؛ فبيَّن سبحانه أنه لا ينبغي لأحد من البَشَرِ أن يكلِّمه الله إلا عن طريق وَحْيٍ يوحيه الله إليه بالإلهامِ أو غيره، أو يكلِّمَهُ من وراء حجاب؛ بحيثُ يَسْمَعُ كلامه، ولا يراه؛ كما كلَّم سبحانه موسى عليه السلام، أو يُرسِلَ إليه مَلَكًا؛ كما كان جبريل عليه السلام يَنْزِلُ على بعض الرسل؛ فيُوحِي إليه بإذن الله ما أمَرَهُ به ربه، واعلموا أن الله سبحانه عليٌّ بذاته وأسمائه وصفاته وأفعاله، وأنه متعالٍ عن صفاتِ النَّقْصِ والعيب، وأنه حكيمٌ في تدبير شؤون خلقه، وفي كلِّ أقواله وأفعاله.

وفي هذه الآية: إثباتُ صفةِ الكَلَامِ لله تعالى؛ كما يليق بجلاله وعظمته.

كما يُستدَلُّ بهذه الآية على أن رؤيةَ الله جل وعلا ممكنةٌ، لكنَّ البشر لا يستطيعون رؤيته في الدنيا؛ لأن أجسامهم غيرُ مهيَّأةٍ لمثل هذه الرؤية، وفي الآخرة: يخلُقُ الله البشَرَ خَلْقًا آخَرَ؛ فيكون لهم القدرة على رؤيته جل في علاه، ورؤيتُهُ هي أكبَرُ نعمةٍ في الجنة، والمعتزلةُ يُنْكِرونَ رؤيةَ الله.

[52] ﴿وَكَذَٰلِكَ أَوۡحَيۡنَآ إِلَيۡكَ رُوحٗا مِّنۡ أَمۡرِنَاۚ مَا كُنتَ تَدۡرِي مَا ٱلۡكِتَٰبُ وَلَا ٱلۡإِيمَٰنُ وَلَٰكِن جَعَلۡنَٰهُ نُورٗا نَّهۡدِي بِهِۦ مَن نَّشَآءُ مِنۡ عِبَادِنَاۚ وَإِنَّكَ لَتَهۡدِيٓ إِلَىٰ صِرَٰطٖ مُّسۡتَقِيمٖ 52﴾:

ثم ختَمَ جل وعلا السورة ممتنًّا على نبيه ﷺ وعلى المؤمنين: أنه كما أوحى إلى الأنبياء مِنْ قبله، فكذلك أوحى إليه هذا القرآنَ العظيم، الذي تحيا به القلوب، كما يحيا الجَسَدُ بالرُّوح، وما كنتَ -أيها النبي- قبل الوحي تَعْرِفُ ما هو القرآن؟ ولا تعرفُ ما هو الإيمان؟ ولا تعرفُ ما هي الشرائع، ولكنه جل في علاه جعَلَ هذا القرآن نُورًا وضياءً يَهْدِي به مَنْ يشاء من عباده، وإنك -أيها النبي- لَتُرْشِدُ -بإذن الله وأمره- الناسَ إلى الطريق المستقيم الذي لا اعوجاجَ فيه؛ وهو الإسلام.

[53] ﴿صِرَٰطِ ٱللَّهِ ٱلَّذِي لَهُۥ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلۡأَرۡضِۗ أَلَآ إِلَى ٱللَّهِ تَصِيرُ ٱلۡأُمُورُ 53﴾:

ثم بيَّن سبحانه أن هذا الطريقَ هو طريقُ الله الذي له جميعُ ما في السموات وما في الأرض، لا شريكَ له في ذلك، وهو وحده الذي ترجعُ إليه جميعُ أمور العباد يوم القيامة؛ فيقضي بينهم بالحقِّ والعدل؛ فالحمدُ لله الذي جعَلَ المرجعَ والمآبَ إليه؛ فإنه نعم المولى ونعم النصير.

سورة الزخرف

سورةُ الزخرف مكيَّةٌ، وآياتها تسعٌ وثمانون آية.

[1] ﴿حمٓ 1﴾:

سبق الكلام على الحروف المقطَّعة في أول سورة البقرة.

[2] ﴿وَٱلۡكِتَٰبِ ٱلۡمُبِينِ 2﴾:

بدأ جل وعلا هذه السورةَ بالإقسامِ بهذا الكتاب، وهو القرآنُ الواضحُ البيِّن؛ لشرفه وعظمته، ولما احتواه مِنْ علوم الأوَّلين والآخرين، ومِن أوامرَ ونواهٍ، ومن أمور الدنيا والآخرة، وما فيه مِنَ الهدى والنور.

[3] ﴿إِنَّا جَعَلۡنَٰهُ قُرۡءَٰنًا عَرَبِيّٗا لَّعَلَّكُمۡ تَعۡقِلُونَ 3﴾:

ثم أخبَرَ جل وعلا أنه جعَلَ هذا القرآن بلغة قريش العربيِّة الفصيحة؛ بحيث لا يخفى على مَنْ رَغِبَ في الهدى والصلاح والنجاة، كما أنه جعله جل في علاه كذلك؛ لكي تفهموه، وتعقلوا معانيه، وتهتدوا إلى ما فيه مِنَ الأحكام السامية، والآداب العالية. وهذه الآيةُ هي جوابٌ للقسَمِ في الآية الأولى، كما قال صاحب "الكشَّاف".

[4] ﴿وَإِنَّهُۥ فِيٓ أُمِّ ٱلۡكِتَٰبِ لَدَيۡنَا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ 4﴾:

ثم أخبَرَ جل وعلا أن هذا القرآن محفوظٌ عنده في اللوحِ المحفوظ، كسائر الكُتُب المنزَّلة على الرسل، وأنه ذو مكانةٍ عظيمةٍ وشريفة عنده جل في علاه، وأنه يَحْمِلُ حِكَمًا بالغةً، قد أحكَمَ الله آياته في أوامره ونواهيه؛ فلا اختلافَ فيه ولا تناقض.

[5] ﴿أَفَنَضۡرِبُ عَنكُمُ ٱلذِّكۡرَ صَفۡحًا أَن كُنتُمۡ قَوۡمٗا مُّسۡرِفِينَ 5﴾:

ثم إن الله جل وعلا قال لهؤلاء العصاة المعاندين من الكَفَرة، على سبيل التأنيب واللوم: أنُعْرِضُ عنكم -أيها المشركون- ونترُكُ إنزال القرآن إليكم؛ فلا نذكِّركم ونحذِّركم به؛ لأنكم منهمِكُونَ في الضلال، غارقون في الفساد، مصرُّون على التمسُّك بما كان عليه آباؤكم؟! فلن يحصل هذا؛ بل سنستمِرُّ في إنزال هذا القرآن على نبينا محمد ﷺ، ونقيمُ الحجَّةَ عليكم، ومَنْ شاء بعد ذلك فليؤمِنْ، ومن شاء فليكفُرْ.

[6] ﴿وَكَمۡ أَرۡسَلۡنَا مِن نَّبِيّٖ فِي ٱلۡأَوَّلِينَ 6﴾:

ثم ذكَّر جل وعلا هؤلاء المشركين بما حصَلَ للأمم التي أرسَلَ إليها الرسل؛ وذلك تسلية لنبيه ﷺ، فقال جل في علاه: ولقد أرسَلْنا -أيها النبي- كثيرًا من الأنبياء في الأمم التي مضَتْ قبل قومك.

[7] [8] ﴿وَمَا يَأۡتِيهِم مِّن نَّبِيٍّ إِلَّا كَانُواْ بِهِۦ يَسۡتَهۡزِءُونَ 7 فَأَهۡلَكۡنَآ أَشَدَّ مِنۡهُم بَطۡشٗا وَمَضَىٰ مَثَلُ ٱلۡأَوَّلِينَ 8﴾:

ثم بيَّن سبحانه أن هؤلاء المشركين ما يأتيهم مِنْ نبيٍّ يأمرهم بتوحيد الله وعبادته إلا استهزؤوا به، وسَخِرُوا منه، كاستهزاءِ قومك بك -أيها النبي-. فكانت نتيجةُ فِعْلهم أنْ أهلَكَ الله مَنْ هم أشدُّ وأكثرُ قوةً من قومك، بسبب كفرهم وطغيانهم، ومضت أخبارهم، وصارت مثلًا يُرْوى؛ وهاأنتم تمرُّون بآثارهم وتعرفون أخبارهم؛ فاحذروا أن يكون مصيرُكُمْ مثلَ مصيرهم.

[9] ﴿وَلَئِن سَأَلۡتَهُم مَّنۡ خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ ٱلۡعَزِيزُ ٱلۡعَلِيمُ 9﴾:

ثم قال سبحانه لنبيه ﷺ: ولَئِنْ سألت -أيها النبي- هؤلاء المشركين المكذِّبين المستهزئين: مَنِ الذي خلَقَ السموات والأرض، وأوجدهما بعد العدم؟! فسوف يُقِرُّونَ قائلين: لقد خلقهنَّ اللهُ العزيزُ الذي دانت لعزَّته جميع المخلوقات، العليمُ الذي أحاط علمه بكلِّ شيء.

[10] ﴿ٱلَّذِي جَعَلَ لَكُمُ ٱلۡأَرۡضَ مَهۡدٗا وَجَعَلَ لَكُمۡ فِيهَا سُبُلٗا لَّعَلَّكُمۡ تَهۡتَدُونَ 10﴾:

وأضاف سبحانه أنه هو الذي ذلَّل لعبادِهِ الأرضَ، ومهَّدها وفرَشَها وبسَطَها، وجعَلَ لهم فيها طُرُقًا يسلُكُونها إلى حيث يقصدون؛ لعلَّهم يهتدون بسلوكها في سَيْرهم وأسفارهم إلى مَقَاصِدِهم وغاياتهم، ولعلَّهم أيضًا يهتدون إلى مُبْدِعِ هذا الكون؛ فيؤمنوا به ويشكروه.

[11] ﴿وَٱلَّذِي نَزَّلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءَۢ بِقَدَرٖ فَأَنشَرۡنَا بِهِۦ بَلۡدَةٗ مَّيۡتٗاۚ كَذَٰلِكَ تُخۡرَجُونَ 11﴾:

وأخبَرَ سبحانه أنه هو الذي نزَّل من السماء ماءً بقَدْرِ الحاجة والمصلحة، فلم يجعله طُوفانًا يُغْرِقهم، ولا شحيحًا لا يكفي حاجتهم، وهذا الماء أحيا به سبحانه بلدةً كانت قاحلةً يابسة، ليس فيها زرعٌ ولا نبات، واعلموا أنه كما أخرَجَ سبحانه هذا النباتَ وهذه الأشجارَ من هذه الأرضِ القاحلةِ اليابسة؛ فإنه هو الذي يُخْرِجُ الموتى مِنْ قبورهم يوم القيامة.

[12] ﴿وَٱلَّذِي خَلَقَ ٱلۡأَزۡوَٰجَ كُلَّهَا وَجَعَلَ لَكُم مِّنَ ٱلۡفُلۡكِ وَٱلۡأَنۡعَٰمِ مَا تَرۡكَبُونَ 12﴾:

وأخبَرَ سبحانه أنه هو الذي خلَقَ الأصنافَ كلَّها، وأوجدها بعد العدم، وسهَّل لكم ركوب السفن البحرية، وذلَّل لكم ركوبَ أنواعٍ مِنَ البهائم؛ كالخيلِ والبغَال، والحميرِ والجِمَال.

[13] ﴿لِتَسۡتَوُۥاْ عَلَىٰ ظُهُورِهِۦ ثُمَّ تَذۡكُرُواْ نِعۡمَةَ رَبِّكُمۡ إِذَا ٱسۡتَوَيۡتُمۡ عَلَيۡهِ وَتَقُولُواْ سُبۡحَٰنَ ٱلَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَٰذَا وَمَا كُنَّا لَهُۥ مُقۡرِنِينَ 13﴾:

ثم بيَّن سبحانه أنه خلَقَ هذه السفن وهذه الأنعام؛ لتستقرُّوا على ظهورها، ويدخُلُ في ذلك المركوباتُ الحديثةُ مِن سيارات وطائرات وغيرها، ثم تتذكَّروا نعمةَ ربِّكم في تسخيرها لكم، وتقولوا عند ركوبكم: سبحانَ الذي سخَّر لنا هذا الذي نَرْكَبُهُ وذلَّله لنا، ولولا تسخيرُهُ لنا، لما كنا مطيقين لذلك، ولا قادرين عليه، ولا ضابطين له.

[14] ﴿وَإِنَّآ إِلَىٰ رَبِّنَا لَمُنقَلِبُونَ 14﴾:

وبين سبحانه أن تقولوا عند ركوبكم أيضًا: وإنا إلى ربنا لراجعون وصائرون إليه.

[15] ﴿وَجَعَلُواْ لَهُۥ مِنۡ عِبَادِهِۦ جُزۡءًاۚ إِنَّ ٱلۡإِنسَٰنَ لَكَفُورٞ مُّبِينٌ 15﴾:

ثم أخبَرَ جل وعلا عن تناقُضِ هؤلاء المشركين الذين إذا سُئِلوا: مَنْ خلَقَ هذا الكون؟ فيقولون: خلَقَهُ الله، ومع ذلك فإنهم يعتقدون أن الملائكةَ بناتُ الله؛ فكيف تكون الملائكةُ بناتِهِ وهم مِنْ جملةِ خَلْقِهِ جل في علاه؟! تعالى الله عما يقول هؤلاء المجرِمون علوًّا كبيرًا، وهذا القولُ صدَرَ من هذا الإنسان الكافر؛ لأنه شديد الكفر والجحود لِنِعَمِ الله التي أنعَمَ بها عليه؛ وهذا يتضِحُ من خلالِ أقواله وأفعاله.

[16] ﴿أَمِ ٱتَّخَذَ مِمَّا يَخۡلُقُ بَنَاتٖ وَأَصۡفَىٰكُم بِٱلۡبَنِينَ 16﴾:

ثم قال جل وعلا توبيخًا لهؤلاء المشركين: أتزعمون -أيها المشركون- أن الله اتخذ لنفسِهِ مما يخلُقُ بناتٍ، وأنه خصَّكم بالبنين؟! أَلَا تَخْجَلُونَ من هذا القول الشنيع؟! هل يُعقَلُ أن يتخِذَ الله أولادَهُ من البنات اللائي تحتقرونهنَّ، وهن أقلُّ منزلةً ودرجةً من البنين، ويترُكَ لكم البنين الذين تحبونهم؟! وهذه الآية نزلت ردًّا على جماعةٍ مِنْ خُزَاعةَ؛ حيث قالوا: إن الملائكةَ بناتُ الله.

[17] ﴿وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُم بِمَا ضَرَبَ لِلرَّحۡمَٰنِ مَثَلٗا ظَلَّ وَجۡهُهُۥ مُسۡوَدّٗا وَهُوَ كَظِيمٌ 17﴾:

ثم وجَّه سبحانه لهم توبيخًا آخَرَ؛ فأخبَرَ أن هؤلاء المشركين إذا بُشِّرَ أحدهم بالأُنثَى -التي ينسُبُها لله- تعالى الله عن ذلك وتقدَّس -فإنه يَسْوَدَّ وجهُهُ من شدِّة الكراهة والبغض والحُزْن؛ بسبب كونها أنثى، ويَظَلُّ شديد الحزن ممتلئًا غَيْظًا وحَنَقًا، ومع ذلك تنسُبُونَ لله البنات، فتبًّا لكم؛ أيها الجاهلون بعظمة الله وعِزَّته وغناه عن الولد؛ سواءٌ ذكرًا أو أنثى.

[18] ﴿أَوَمَن يُنَشَّؤُاْ فِي ٱلۡحِلۡيَةِ وَهُوَ فِي ٱلۡخِصَامِ غَيۡرُ مُبِينٖ 18﴾:

وهذا توبيخٌ آخَرُ يوجِّهه سبحانه لهؤلاء المجرِمين، فيقول جل في علاه: أتنسُبُونَ لله البناتِ التي تنشأُ في الزينة، ولا تستطيعُ إظهارَ حُجَّتها إذا خُوصِمَتْ بسببِ ضعفها؟!

[19] ﴿وَجَعَلُواْ ٱلۡمَلَٰٓئِكَةَ ٱلَّذِينَ هُمۡ عِبَٰدُ ٱلرَّحۡمَٰنِ إِنَٰثًاۚ أَشَهِدُواْ خَلۡقَهُمۡۚ سَتُكۡتَبُ شَهَٰدَتُهُمۡ وَيُسۡـَٔلُونَ 19﴾:

وهؤلاء المشركون الذين تجرَّؤوا وقالوا: بأن الملائكة الذين هم عبادُ الرحمن إناثٌ! هل حضَرُوا وقت خَلْقِهم؟! كلَّا؛ إنهم لم يكونوا حاضرين، ولذلك سيكتُبُ الله قولَهم وشهادَتَهم، ويسألهم عنها يوم القيامة، ويعاقبهم على هذا الافتراء الشنيع.

[20] ﴿وَقَالُواْ لَوۡ شَآءَ ٱلرَّحۡمَٰنُ مَا عَبَدۡنَٰهُمۗ مَّا لَهُم بِذَٰلِكَ مِنۡ عِلۡمٍۖ إِنۡ هُمۡ إِلَّا يَخۡرُصُونَ 20﴾:

وقال هؤلاء المشركون مِنْ أهل مكَّة؛ على سبيلِ الاحتجاجِ بالأعذارِ الباطلة: لو شاء الرحمنُ، لحال بيننا وبين عبادة هذه الأصنام؛ قالوا ذلك مِنْ غيرِ علمٍ أو برهان، وإنما قالوه تخرُّصًا وكذبًا. وقولهم: ﴿لَوۡ شَآءَ ٱلرَّحۡمَٰنُ مَا عَبَدۡنَٰهُمۗ ﴾، كلمةُ حقٍّ أرادوا بها باطلًا؛ بقولهم: (إنَّ كَوْنَهُ سبحانه لم يمنعنا عن عبادتهم -وهو قادر على منعنا- دليلٌ على أننا على حق)، ورتَّبوا على ذلك أنَّ الله راضٍ عن فِعْلهم، وتناسَوْا أنَّ منعهم يتنافى مع كونهم مختارين، وهذا هو الباطل، ومعلومٌ أن الله جعلهم مختارين غير مجبورين؛ فاختاروا الكُفْرَ والشرك والضلال على الإيمانِ والتوحيد والهدى؛ فلو منعهم جل في علاه، لَمَا كانوا مختارين مكلَّفين، وقد كذَّب الله ظنَّهم هذا في آيات أخرى؛ فقال تعالى: ﴿وَلَا يَرۡضَىٰ لِعِبَادِهِ ٱلۡكُفۡرَۖ ﴾ [الزمر:7].

[21] ﴿أَمۡ ءَاتَيۡنَٰهُمۡ كِتَٰبٗا مِّن قَبۡلِهِۦ فَهُم بِهِۦ مُسۡتَمۡسِكُونَ 21﴾:

ثم سأل جل وعلا على سبيل الاستنكار: هل أنزَلْنا على هؤلاء المشركين كتابًا -قبل القرآن- يُخْبِرهم بصحَّة أقوالهم وأفعالهم، ويأمرهم بالشرك؛ فهم متمسِّكون بهذا الكتاب يأخُذُونَ بما فيه، ويحتجُّون به؟!

[22] ﴿بَلۡ قَالُوٓاْ إِنَّا وَجَدۡنَآ ءَابَآءَنَا عَلَىٰٓ أُمَّةٖ وَإِنَّا عَلَىٰٓ ءَاثَٰرِهِم مُّهۡتَدُونَ 22﴾:

فأجاب سبحانه على مقولتهم بأن الجوابَ: لا؛ وإنما احتجَّ هؤلاء المشركون بحُجَّةٍ واهيةٍ باطلة، وهي قولهم: إنا وجَدْنا آباءنا على مِلَّةٍ ودِين، وإنا على طريقتهم ومِلَّتهم ماشون سائرون.

[23] ﴿وَكَذَٰلِكَ مَآ أَرۡسَلۡنَا مِن قَبۡلِكَ فِي قَرۡيَةٖ مِّن نَّذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتۡرَفُوهَآ إِنَّا وَجَدۡنَآ ءَابَآءَنَا عَلَىٰٓ أُمَّةٖ وَإِنَّا عَلَىٰٓ ءَاثَٰرِهِم مُّقۡتَدُونَ 23﴾:

ثم سلَّي جل وعلا نبيه محمدًا ﷺ فقال له: وما أرسَلْنا مِنْ قبلك في أمَّة من الأمم مِنْ نبيٍّ ولا رسولٍ يحذِّرهم من الشرك، ويأمُرُهم بالتوحيد، إلا قال أشرافُ هذه الأمم ومنعَّموها: إنا وجَدْنا آباءنا على ملَّة ودين، وإنا على خطاهم سائرون؛ نقتدي بهم، ونمشي خلفهم.

[24] ﴿قَٰلَ أَوَلَوۡ جِئۡتُكُم بِأَهۡدَىٰ مِمَّا وَجَدتُّمۡ عَلَيۡهِ ءَابَآءَكُمۡۖ قَالُوٓاْ إِنَّا بِمَآ أُرۡسِلۡتُم بِهِۦ كَٰفِرُونَ 24﴾:

ثم قال لهم هذا الرسولُ المرسَلُ إليهم: ما رأيكم لو أني جئتكم بخيرٍ مما وجَدتُّم عليه آباءكم؟! أفبعد ذلك تتَّبعون آباءكم ولا تتَّبعونني؟! فما كان جوابهم لرسلهم إلا أن قالوا: إنا بما أُرْسِلتم به -من التوحيد، والبعث، والنشور- كافرون جاحدون غير مصدِّقين، وعيرُ منقادين.

[25] ﴿فَٱنتَقَمۡنَا مِنۡهُمۡۖ فَٱنظُرۡ كَيۡفَ كَانَ عَٰقِبَةُ ٱلۡمُكَذِّبِينَ 25﴾:

فما كان منه جل وعلا إلا أن انتقَمَ من هؤلاء المجرمين، لما كذَّبوا الحق، واتَّبعوا أهواءهم؛ فأهلكهم ودمَّرهم، فانظر -أيها النبي- كيف كان عاقبة المكذِّبين لأنبياء الله ورُسُله، وكيف كان مصيرُهم؟! فلْيَحْذَرْ قومك من تكذيبك؛ فيصيبهم مثلُ ما أصاب الأمم من قبلهم.

[26] ﴿وَإِذۡ قَالَ إِبۡرَٰهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوۡمِهِۦٓ إِنَّنِي بَرَآءٞ مِّمَّا تَعۡبُدُونَ 26﴾:

واذكر -أيها النبي- يوم أن قال إبراهيم عليه السلام لأبيه وقومه الذين كانوا يعبدون ما يعبده قومك: إنني براءٌ مما تعبدون من دون الله.

[27] ﴿إِلَّا ٱلَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُۥ سَيَهۡدِينِ 27﴾:

ثم استثنى عليه السلام، فقال: إلا الذي خلَقَني وأوجَدَني بعد العَدَم؛ فإنه سيهديني ويوفِّقني لطريق التوحيد والحق والصواب، ولما يُصلِحُ ديني ودنياي، وسببُ استثنائه لله من بين المعبودات: أنهم كانوا يعبدون الله مع أصنامهم.

[28] ﴿وَجَعَلَهَا كَلِمَةَۢ بَاقِيَةٗ فِي عَقِبِهِۦ لَعَلَّهُمۡ يَرۡجِعُونَ 28﴾:

ثم إن الله جل وعلا بفَضْله وكَرَمه، جعَلَ كلمة التوحيد: (لا إله إلا الله) باقيةً في عَقِبِ إبراهيم وفي ذريته، والبراءةَ من الشرك خَصْلةً حميدةً باقيةً في ذريته مِنْ بعده؛ لعله يرجعُ إليها مَنْ يُشرِكُ مِنْ ذريته بدعوة من يوحِّد منهم.

[29] ﴿بَلۡ مَتَّعۡتُ هَٰٓؤُلَآءِ وَءَابَآءَهُمۡ حَتَّىٰ جَآءَهُمُ ٱلۡحَقُّ وَرَسُولٞ مُّبِينٞ 29﴾:

ثم أخبَرَ جل وعلا أنه متَّع هؤلاء المشركين وآباءهم بالحياة وإبقائهم فيها، ولم يعاجِلْهم بالعقوبة والهلاك؛ فاغترُّوا بالمُهْلة، وأَكَبُّوا على الشهوات، حتى جاءهم القرآن الكريم، وجاءهم محمَّد ﷺ يبيِّن لهم التوحيد، ويحذِّرهم من الشرك.

[30] ﴿وَلَمَّا جَآءَهُمُ ٱلۡحَقُّ قَالُواْ هَٰذَا سِحۡرٞ وَإِنَّا بِهِۦ كَٰفِرُونَ 30﴾:

ثم بيَّن سبحانه أن هؤلاء المشركين لما جاءهم الحق -الذي لا مِرْيةَ فيه، ولا شكَّ يعتريه، على لسان محمد ﷺ؛ بهذا القرآن العظيم- كفَرُوا به وجحدوه، وقالوا: ما هذا إلا سِحْرٌ جاءنا به محمَّد لِيَسْحَرَنا به، وإنا بما جاءنا به كافرون جاحدون.

[31] ﴿وَقَالُواْ لَوۡلَا نُزِّلَ هَٰذَا ٱلۡقُرۡءَانُ عَلَىٰ رَجُلٖ مِّنَ ٱلۡقَرۡيَتَيۡنِ عَظِيمٍ 31﴾:

ثم بيَّن جل في علاه أن هؤلاء المشركين لما بَهَرَهم هذا القرآن، وعَرَفوا أنه مِنْ عند الله؛ كما قال تعالى: ﴿فَإِنَّهُمۡ لَا يُكَذِّبُونَكَ وَلَٰكِنَّ ٱلظَّٰلِمِينَ بِـَٔايَٰتِ ٱللَّهِ يَجۡحَدُونَ﴾ [الأنعام:33]، قالوا على سبيلِ العنادِ والحَسَد: إنْ كان هذا القرآنُ مِن عند الله حقًّا، فهلا نُزِّلَ على رجلٍ عظيمٍ في ماله وسلطانه، مِنْ إحدى هاتَيْنِ القريتَيْنِ: مكةَ، أو الطائف، قال قتادة وغيره: (الرجُلانِ هما: الوليدُ بن المُغِيرة مِنْ مكَّة، وعُرْوةُ بنُ مسعودٍ من الطائف).

[32] ﴿أَهُمۡ يَقۡسِمُونَ رَحۡمَتَ رَبِّكَۚ نَحۡنُ قَسَمۡنَا بَيۡنَهُم مَّعِيشَتَهُمۡ فِي ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَاۚ وَرَفَعۡنَا بَعۡضَهُمۡ فَوۡقَ بَعۡضٖ دَرَجَٰتٖ لِّيَتَّخِذَ بَعۡضُهُم بَعۡضٗا سُخۡرِيّٗاۗ وَرَحۡمَتُ رَبِّكَ خَيۡرٞ مِّمَّا يَجۡمَعُونَ 32﴾:

ثم إنه جل وعلا ردًّا على اقتراحهم هذا، قال: أهم يَقْسِمُونَ النبوَّةَ بآرائهم وأمزجتهم حيث شاؤوا؟! أَمَا علموا بأننا نحن الذين قَسَمْنا بينهم معيشتهم في الدنيا؟! ونحن الذين رفَعْنا بعضَهم فوق بعض دَرَجاتٍ في الدنيا؟! فهذا غنيٌّ، وهذا فقير، وهذا قويٌّ، وهذا ضعيف، وقد فعلنا ذلك ليستخدِمَ بعضُهم بعضًا في حوائجهم ومصالحهم؛ فرَضُوا بذلك ولم يعترضوا؛ فلماذا لا يَرْضَوْنَ باختيارنا لمحمد ﷺ؟! واعلم -أيها النبي- أن رحمة ربك بإدخالهم الجنة لو آمنوا واتقّوْا خَيْرٌ مما يجمعون من حُطَامِ الدنيا الفاني.

[33] ﴿وَلَوۡلَآ أَن يَكُونَ ٱلنَّاسُ أُمَّةٗ وَٰحِدَةٗ لَّجَعَلۡنَا لِمَن يَكۡفُرُ بِٱلرَّحۡمَٰنِ لِبُيُوتِهِمۡ سُقُفٗا مِّن فِضَّةٖ وَمَعَارِجَ عَلَيۡهَا يَظۡهَرُونَ 33﴾:

ثم أخبَرَ جل وعلا أنه لولا خشيةُ أن يفتتِنَ الناس، ويصيروا أمةً واحدةً في الكفر، لخصَصْنا هذه الدنيا بالنعم والمُغْرِيات للكفار؛ وجعَلْنا لهم القصور العالية، وجعلنا سُقُفها وسلالمها ومصاعدها التي يصعدون ويرتقون عليها مِنْ فِضَّة.

ولكنْ لحكمتِهِ ورحمتِهِ بعباده المؤمنين الذين ربما تستهويهم المُتَعُ والشهوات؛ كما قال تعالى: ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ ٱلشَّهَوَٰتِ مِنَ ٱلنِّسَآءِ وَٱلۡبَنِينَ وَٱلۡقَنَٰطِيرِ ٱلۡمُقَنطَرَةِ مِنَ ٱلذَّهَبِ وَٱلۡفِضَّةِ...﴾ [آل عمران:١٤]، لحكمتِهِ ورحمتِهِ بهم: قسَّم الأرزاق حسَبَ ما تقتضيه الحكمة الإلهية؛ فلو أُعطِيَتْ كلُّ نَفْسٍ ما اشتهت، لاستمرَأَ الخَلْقُ ذلك، وأنساهم ذِكْرَ الله وعبادته التي خلقوا لها؛ وحينئذ يكونُ الناسُ كلُّهم أمةً واحدة في الكفر.

[34] ﴿وَلِبُيُوتِهِمۡ أَبۡوَٰبٗا وَسُرُرًا عَلَيۡهَا يَتَّكِـُٔونَ 34﴾:

وأيضًا لجعَلَ جل وعلا لبيوت هؤلاء الكفار أبوابًا مِنْ فضة، ولجعَلَ لهم أيضًا سُرُرًا من فضة يتَّكئون عليها.

[35] ﴿وَزُخۡرُفٗاۚ وَإِن كُلُّ ذَٰلِكَ لَمَّا مَتَٰعُ ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَاۚ وَٱلۡأٓخِرَةُ عِندَ رَبِّكَ لِلۡمُتَّقِينَ 35﴾:

وأيضًا لَزَخْرَفَ لهم سبحانه دنياهم بأنواعِ الزخارف، واعلموا –أيها الناس- ليس كلُّ ذلك إلا مِنْ متاع الحياة الدنيا الفانية الزائلة التي يشوبها الكَدَرُ والتنغيص، والتي لا تتجاوَزُ الإقامةُ فيها إلا أيامًا معدودةً ليس لها قيمةٌ بالنسبة لنعيم الآخرة السرمدي، أما الآخرةُ، ونعيمها المقيمُ، فقد أعدَّه الله وهيَّأه لعباده المتقين إياه، بتوحيده، وفِعْلِ ما يحبه الله ويرضاه، والبعدِ عما يكرهه الله ويأباه.

[36] ﴿وَمَن يَعۡشُ عَن ذِكۡرِ ٱلرَّحۡمَٰنِ نُقَيِّضۡ لَهُۥ شَيۡطَٰنٗا فَهُوَ لَهُۥ قَرِينٞ 36﴾:

ثم بيَّن جل وعلا أن مَنْ يُعْرِضْ عن ذكرِ الرحمن، وهو القرآن الكريم، الذي أنزَلَهُ سبحانه رحمةً للعالمين، ويُعْرِضْ كذلك عن جميعِ ما يذكِّرُ به جل وعلا، ويفضِّلِ الاستمتاع بزهرة الحياة الدنيا، ويَصْرِفْ وقته كله في ذلك، نسلِّطْ عليه شيطانًا ليغويه، جزاءً له على إعراضه عن ذكر الله، ونجعلْ هذا الشيطانَ ملازمًا، ومصاحِبًا له، يمنعُهُ مِنْ فعلِ الخيرات، ويحُثُّهُ على فعل الذنوب والمنكرات.

[37] ﴿وَإِنَّهُمۡ لَيَصُدُّونَهُمۡ عَنِ ٱلسَّبِيلِ وَيَحۡسَبُونَ أَنَّهُم مُّهۡتَدُونَ 37﴾:

ثم بيَّن جل وعلا أن وظيفة هؤلاء الشياطين: أنهم يصُدُّونَ الفاسقين المعرِضين عن ذِكْرِ الله، ويحجُبُونهم عن الصراطِ المستقيم، والدينِ القويم، ويزيِّنون لهم باطلهم وضلالهم وغيَّهم حتى يظنوا أنهم مهتدون، وللحق مصيبون.

[38] ﴿حَتَّىٰٓ إِذَا جَآءَنَا قَالَ يَٰلَيۡتَ بَيۡنِي وَبَيۡنَكَ بُعۡدَ ٱلۡمَشۡرِقَيۡنِ فَبِئۡسَ ٱلۡقَرِينُ 38﴾:

ثم بيَّن جل وعلا أن هذا المُعرِضَ عن ذكر الرحمن؛ إذا ما جاء يوم القيامة، ومعه قرينُهُ الشيطان، للحساب والجزاء، يتولَّاه الندَمُ والحسرة، فيقول لقرينه: وَدِدتُّ أن بيني وبينك بُعْدَ ما بين المشرق والمغرب، فبئس القرينُ أنت؛ لقد أَغْوَيْتَني وأَبْعَدتَّني عن ذكر ربي.

[39] ﴿وَلَن يَنفَعَكُمُ ٱلۡيَوۡمَ إِذ ظَّلَمۡتُمۡ أَنَّكُمۡ فِي ٱلۡعَذَابِ مُشۡتَرِكُونَ 39﴾:

واعلموا -أيها المعرضون عن ذكر الله- أنه لن ينفعكم اليوم نَدَمُكم أو تمنِّيكم، بعد أن تبيَّن لكم أنكم كنتم ظالمين لأنفسكم بالشرك والمعاصي؛ فإنكم اليومَ أنتم وقرناؤكم مشترِكونَ في العذاب، كما كنتم في الدنيا مشتركين في الكفر والضلال، ولن يفيدكم اشتراكُكُمْ في الضلال إلا خسارًا وبعدًا عن رحمة الله.

[40] ﴿أَفَأَنتَ تُسۡمِعُ ٱلصُّمَّ أَوۡ تَهۡدِي ٱلۡعُمۡيَ وَمَن كَانَ فِي ضَلَٰلٖ مُّبِينٖ 40﴾:

ولما كان ﷺ حريصًا على هدايةِ قَوْمه، وكان يحزُنُهُ صدودُهُمْ عن الهدى والحق، قال جل وعلا مسلِّيًا له: هل تستطيعُ -أيها النبي- أن تُسمِعَ مَنْ أصمَّه الله عن سماع الحق؟! أو تَهْدِيَ مَنْ كان أعمى القلب والبصيرة؟! أو تَهْدِيَ من كان في ضلالٍ بيِّنٍ واضحٍ عن الحق؟! فاعلم أنك لن تستطيع هدايةَ مَنْ كان هذا شأنهم، وما دام أن الأمر كذلك، فسِرْ في طريق الدعوة التي أمَرَكَ الله بها، ولا تذهبْ نفسُكَ عليهم حَسَرات. واعلم أن الله طبَعَ على قلوبهم؛ بسبب إصرارهم على الكفر، ومحارَبةِ رسل الله؛ فإثباتهم على كفرهم جزاءً وليس ابتداءً.

[41] ﴿فَإِمَّا نَذۡهَبَنَّ بِكَ فَإِنَّا مِنۡهُم مُّنتَقِمُونَ 41﴾:

ثم بيَّن جل وعلا لنبيه ﷺ: أنه إذا توفَّاه قبل أن يرى انتقام الله مِنْ هؤلاء المشركين، فسوف ينتقِمُ الله منهم ويعاقبهم إذا أراد بحَسَبِ ما تقتضيه حكمتُهُ.

[42] ﴿أَوۡ نُرِيَنَّكَ ٱلَّذِي وَعَدۡنَٰهُمۡ فَإِنَّا عَلَيۡهِم مُّقۡتَدِرُونَ 42﴾:

أو يُرِيَ جل وعلا نبيه ﷺ العذابَ الذي وعَدَهم قبل موته، وهو قادرٌ سبحانه على هذا، وعلى هذا، ولا يستطيعون أن يَفُوتُوه، أو يهربوا منه.

[43] ﴿فَٱسۡتَمۡسِكۡ بِٱلَّذِيٓ أُوحِيَ إِلَيۡكَۖ إِنَّكَ عَلَىٰ صِرَٰطٖ مُّسۡتَقِيمٖ 43﴾:

ثم أمَرَ جل وعلا نبيه محمدًا ﷺ أن يستمسِكَ بالذي أمَرَه به في هذا القرآن الذي أوحاه إليه، ثم أخبَرَهُ بأنه على صراط مستقيم، لا اعوجاجَ فيه ولا اضطراب، وهو دينُ الإسلام. ولا شكَّ أنه ﷺ استمسَكَ بما أمَرَه الله به، وبذَلَ كلَّ جهده في إبلاغ الرسالة، ولكنَّ المقصود: أنه يؤمر ليبلِّغ أمته والدعاة والعلماء أن يستمسكوا بهذا الذِّكْر، وهذا الدِّينِ العظيم.

[44] ﴿وَإِنَّهُۥ لَذِكۡرٞ لَّكَ وَلِقَوۡمِكَۖ وَسَوۡفَ تُسۡـَٔلُونَ 44﴾:

واعلم -أيها النبي- أن هذا القرآنَ شرَفٌ وعزَّةٌ لك ولأمتك؛ حيث نزَلَ بلغتهم، وكُلِّفوا باتِّباعه، والاستمساكِ بتعاليمه، وإبلاغِهِ للعالم كله، وسوف يُسْألون يوم القيامة إذا لم يتَّبعوه، ولم يستمسكوا بتعاليمه، ولم يبلِّغوه لغيرهم.

[45] ﴿وَسۡـَٔلۡ مَنۡ أَرۡسَلۡنَا مِن قَبۡلِكَ مِن رُّسُلِنَآ أَجَعَلۡنَا مِن دُونِ ٱلرَّحۡمَٰنِ ءَالِهَةٗ يُعۡبَدُونَ 45﴾:

واسأل -أيها النبي- مَنْ أرسلنا قبلك من رسلنا: هل أَذِنَ الله بعبادةِ غيره، والإشراكِ به في مِلَّةٍ من الملل، أو دِينٍ من الأديان، أو شريعةٍ من الشرائع؟! وفي هذا تنبيهٌ لقريش على خَطَئِهم الفاحش، وشِرْكِهم القبيح من إصرارهم على عبادة غير الله؛ ودَلَّ هذا على أنه ليس للمشركين حُجَّةٌ نافعةٌ صحيحةٌ في شركهم وعبادتهم غير الله؛ لا مِنْ عقلٍ صريح، ولا نقلٍ عن الرسلِ صحيح.

[46] ﴿وَلَقَدۡ أَرۡسَلۡنَا مُوسَىٰ بِـَٔايَٰتِنَآ إِلَىٰ فِرۡعَوۡنَ وَمَلَإِيْهِۦ فَقَالَ إِنِّي رَسُولُ رَبِّ ٱلۡعَٰلَمِينَ 46﴾:

أخبَرَ جل وعلا نبيه محمدًا ﷺ أنه أرسَلَ كليمه موسى عليه السلام إلى الطاغية فِرْعَوْنَ وقومه المجرِمين، بالآياتِ التِّسْعِ الدالَّةِ على صِحَّة نبوَّته وما يدعو إليه، فقال موسى ناصحًا ومرشدًا لهم: إني رسولُ ربِّ العالمين.

[47] ﴿فَلَمَّا جَآءَهُم بِـَٔايَٰتِنَآ إِذَا هُم مِّنۡهَا يَضۡحَكُونَ 47﴾:

ثم بيَّن سبحانه أن موسى عليه السلام حين جاء إلى فرعونَ وقومِهِ بهذه الآياتِ والحجج، والبراهينِ الواضحةِ، قابلوه بالضَّحِكِ والسخرية، وما زادت هذه الآياتُ هؤلاء المشركين إلا كفرًا وعنادًا واستكبارًا.

[48] ﴿وَمَا نُرِيهِم مِّنۡ ءَايَةٍ إِلَّا هِيَ أَكۡبَرُ مِنۡ أُخۡتِهَاۖ وَأَخَذۡنَٰهُم بِٱلۡعَذَابِ لَعَلَّهُمۡ يَرۡجِعُونَ 48﴾:

أخبَرَ جل وعلا أنه عَرَض على فرعونَ وقومِهِ الآياتِ والمعجزات، وأنَّ كل آيةٍ أو معجزةِ تُعْرَضُ تكون أكبَرَ وأعظَمَ من التي سبقتها، وأنه أخَذَهم بألوانٍ مِن العذاب كالجَرَادِ والقُمَّلِ والضفادعِ والدم؛ وقد فعلنا كل ذلك من أجل أن يَرْجِعوا عن شِرْكهم وكُفْرهم إلى توحيد الله واتِّباع رسُله.

[49] ﴿وَقَالُواْ يَٰٓأَيُّهَ ٱلسَّاحِرُ ٱدۡعُ لَنَا رَبَّكَ بِمَا عَهِدَ عِندَكَ إِنَّنَا لَمُهۡتَدُونَ 49﴾:

ثم أخبَرَ جل وعلا أن فرعون وقومه قالوا لموسى إمَّا تهكُّمًا واستهزاءً، وإما توقيرًا واحترامًا؛ لأنهم كانوا يسمُّونَ العالِمَ: ساحرًا: يا أيها الساحرُ ادْعُ لنا ربَّك بما وعدتَّنا به مِن كشف العذاب عنَّا، لو أنَّا آمنَّا بك واتَّبعناك؛ فلو كُشِفَ عنا العذابُ، فسنهتدي لدعوتك، ونؤمن بك وبما جئتنا به.

[50] ﴿فَلَمَّا كَشَفۡنَا عَنۡهُمُ ٱلۡعَذَابَ إِذَا هُمۡ يَنكُثُونَ 50﴾:

فدعا موسى عليه السلام ربَّه، بكشفِ العذابِ عنهم، ولكنَّ الله جل وعلا أخبَرَ أنه لما كشَفَ العذاب وأزاله عنهم، إذا هم ينكُثُونَ عهدهم، ويستمرُّونَ على كُفْرهم وتكذيبهم.

[51] ﴿وَنَادَىٰ فِرۡعَوۡنُ فِي قَوۡمِهِۦ قَالَ يَٰقَوۡمِ أَلَيۡسَ لِي مُلۡكُ مِصۡرَ وَهَٰذِهِ ٱلۡأَنۡهَٰرُ تَجۡرِي مِن تَحۡتِيٓۚ أَفَلَا تُبۡصِرُونَ 51﴾:

ثم ذكَرَ جل وعلا جانبًا من تكبُّر فرعون وغَطْرسته وتجبُّره، واستخفافِهِ بعقولِ قومه، فقال: يا قوم، أليس لي وحدي مُلْكُ مصر؟! لا ينازعني فيه أحد؟! وهذه الأنهارُ الجاريةُ من النِّيلِ تجري مِنْ تحت قصوري وبساتيني؟! أفلا تنظُرُونَ إلى ذلك المُلْكِ العظيمِ؛ فتستدِلُّوا به على عظمتي؟!

[52] ﴿أَمۡ أَنَا۠ خَيۡرٞ مِّنۡ هَٰذَا ٱلَّذِي هُوَ مَهِينٞ وَلَا يَكَادُ يُبِينُ 52﴾:

ثم قال لقومه: هل أنا أفضلُ أم هذا الذي هو ضعيفٌ حقيرٌ ليس له مِنَ المُلْكِ شيء؟! ولا يُحسِنُ الكلام، ولا يستطيعُ أن يُفْصِحَ، وأن يُبِينَ عما في نفسه؟! يقصدُ بهذه الإساءةِ: كَلِيمَ الرحمنِ موسى عليه السلام.

[53] ﴿فَلَوۡلَآ أُلۡقِيَ عَلَيۡهِ أَسۡوِرَةٞ مِّن ذَهَبٍ أَوۡ جَآءَ مَعَهُ ٱلۡمَلَٰٓئِكَةُ مُقۡتَرِنِينَ 53﴾:

وقال لقومه أيضًا: لو كان موسى صادقًا فيما يدَّعي، فهَّلا تحلَّى بأَسْوِرَةٍ مِن ذَهَبٍ تدُلُّ على عِزِّهِ وغِناه؟! أو جاءت معه ملائكةٌ تَصُفُّ بجانبه تُصدِّقه فيما يدَّعي من النبوة والرسالة؟!

[54] ﴿فَٱسۡتَخَفَّ قَوۡمَهُۥ فَأَطَاعُوهُۚ إِنَّهُمۡ كَانُواْ قَوۡمٗا فَٰسِقِينَ 54﴾:

وبهذا الأسلوب الذي لا حُجَّةَ فيه ولا برهان، استخَفَّ فرعونُ عقولَ قومه؛ فأطاعوه وصدَّقوه، خِفَّةً منهم ورُعُونةً، إنهم كانوا قومًا فاسقين، أي: خارجين عن طاعة الله.

[55] ﴿فَلَمَّآ ءَاسَفُونَا ٱنتَقَمۡنَا مِنۡهُمۡ فَأَغۡرَقۡنَٰهُمۡ أَجۡمَعِينَ 55﴾:

وبسببِ طغيانِ فرعونَ وقومِهِ وعنادِهم، وإصرارِهم على الكُفْر والضلال، وتكذيبِ موسى؛ غَضِبَ الله عليهم غضبًا شديدًا، وكانت نتيجةُ هذا الغضب انتقامَ الله منهم بالإغراق بماء البحر.

[56] ﴿فَجَعَلۡنَٰهُمۡ سَلَفٗا وَمَثَلٗا لِّلۡأٓخِرِينَ 56﴾:

ثم بيَّن سبحانه أنه جعَلَهم قُدْوةً لمن عَمِلَ بعملهم -من الكفر والتكذيب، وطاعة أكابر المجرمين- في استحقاقِ العذاب، وجعَلَهم أيضًا عِظَةً وعِبْرةً للمعتبرين.

[57] ﴿وَلَمَّا ضُرِبَ ٱبۡنُ مَرۡيَمَ مَثَلًا إِذَا قَوۡمُكَ مِنۡهُ يَصِدُّونَ 57﴾:

أخبَرَ جل وعلا عن محاجَّة عبد الله بن الزِّبَعْرَى للنبيِّ ﷺ حينَ ضَرَبَ لهُ مثلًا بعبادةِ النَّصارى لعيسى بن مريمَ، عندما نزَلَ قوله تعالى: ﴿إِنَّكُمۡ وَمَا تَعۡبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنتُمۡ لَهَا وَٰرِدُونَ﴾ [الأنبياء:98]؛ فَفَرِحَ ابن الزِّبَعْرَى بذلك، وكان ذلك قبل إسلامه، فقال للنبي ﷺ: أخاصَّةٌ هذه الآيةُ -يا محمد- لنا ولآلهتنا؛ أم لجميع الأمم؟ فقال النبيُّ ﷺ: «هُوَ لَكُمْ وَلِآلِهَتِكُمْ وَلِجَمِيعِ الأُمَمِ»([2])، فقال: خَصَمْتُكَ وربِّ الكعبة؛ ألستَ تزعُمُ أن عيسى بنَ مريمَ نبيٌّ، وقد عبَدَتْهُ النصارى؟! فإنْ كان عيسى في النار، فقد رَضِينا أن نكون نحنُ وآلهتنا معه؛ فلما سَمِعَ مشركو مكَّة هذه المحاجَّةَ، فإذا أصواتُهم وصياحُهم ترتفِعُ فرحًا؛ ظنًّا بجهلهم أن ابن الزِّبَعْرَى انتصَرَ على النبي ﷺ؛ فأنزَلَ الله: ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ سَبَقَتۡ لَهُم مِّنَّا ٱلۡحُسۡنَىٰٓ أُوْلَٰٓئِكَ عَنۡهَا مُبۡعَدُونَ﴾ [الأنبياء:101]، أي: إن كلَّ من رضي أن يُعبَدَ من دون الله، فسوف يُلْقَى في النار؛ لأن الراضي كالفاعل، ولا شكَّ أن عيسى لم يكن راضيًا بذلك، وكذلك عُزَيْرٌ والأولياء الذين يُطَافُ على قبورهم، وتُذْبَحُ لهم الذبائح، ويُستغاثُ بهم، كلُّ هؤلاء وغيرهم لم يكونوا راضين بما يقوم به أَتْباعهم من أفعال شركية، واعلم -أيها النبي- أنَّ قومكَ من هذهِ المحاجَّةِ -أي: محاجَّةِ ابن الزِّبَعْرَى- يَعرضونَ عن الحقِّ بالجدالِ بهذهِ المحاجَّةِ الدَّاحضَةِ الواهية. [2] أخرجه الفاكهي في أخبار مكة (2/169، 1362)، قال الزيلعي في تخريج أحاديث الكشاف (3/254): غريب، وقال الطيبي في فتوح الغَيْب (14/162): ليس يثبُتُ.

[58] ﴿وَقَالُوٓاْ ءَأَٰلِهَتُنَا خَيۡرٌ أَمۡ هُوَۚ مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلَّا جَدَلَۢاۚ بَلۡ هُمۡ قَوۡمٌ خَصِمُونَ 58﴾:

ثم قال مشركو قريش: هل آلهتنا التي نعبُدُها خيرٌ وأفضلُ أم المسيحُ بنُ مريم؟! فإذا كان مَنْ عُبِدَ مِنْ دون الله سيدخُلُ النار، فنحن نرضى أن تكون آلهتنا مع عيسى -وهذا جهلٌ عظيمٌ منهم، ومخاصَمةٌ بالباطل- وما قال المشركون هذا القولَ إرادةً للحق، إنما قالوه لإرادةِ المخاصَمةِ والمجادَلةِ بالباطل، وهم قومٌ شديدو الخصومة، كثيرو اللِّدَدِ، عظيمو الجَدَلِ بالباطل ليُدْحِضوا به الحق.

[59] ﴿إِنۡ هُوَ إِلَّا عَبۡدٌ أَنۡعَمۡنَا عَلَيۡهِ وَجَعَلۡنَٰهُ مَثَلٗا لِّبَنِيٓ إِسۡرَٰٓءِيلَ 59﴾:

واعلموا أن عيسى بن مريم ما هو إلا عبدٌ مِنْ عبادنا، أنعمنا عليه، وفضَّلناه بالنبوَّة والحِكْمة، والعِلْمِ والعمل، وجعلناه مثالًا لبني إسرائيل يعرفون به قدرةَ الله جل في علاه على إيجادِهِ مِنْ غير أب.

[60] ﴿وَلَوۡ نَشَآءُ لَجَعَلۡنَا مِنكُم مَّلَٰٓئِكَةٗ فِي ٱلۡأَرۡضِ يَخۡلُفُونَ 60﴾:

ثم بيَّن جل وعلا وأكَّد على كمال قدرته، بأنه لو شاء، لأهلَكَ بني آدم جميعًا، وجعَلَ بدلًا منهم ملائكةً في الأرض يعمُرُونها ويخلُفُونهم فيها.

[61] ﴿وَإِنَّهُۥ لَعِلۡمٞ لِّلسَّاعَةِ فَلَا تَمۡتَرُنَّ بِهَا وَٱتَّبِعُونِۚ هَٰذَا صِرَٰطٞ مُّسۡتَقِيمٞ 61﴾:

واعلموا -أيها الناس- أن نزول عيسى عليه السلام مِنْ علامات الساعة الكبرى؛ فلا تشُكُّوا في قيامها، ولا تكذِّبوا بذلك، وقل لهم -أيها النبي-: اتَّبعوني فيما آمُرُكم به من التوحيدِ، واجتنابِ الشرك؛ فأنا أدعوكم إلى طريق مستقيمٍ موصِّلٍ إلى الحق.

[62] ﴿وَلَا يَصُدَّنَّكُمُ ٱلشَّيۡطَٰنُۖ إِنَّهُۥ لَكُمۡ عَدُوّٞ مُّبِينٞ 62﴾:

واحذروا أن يصُدَّكم الشيطان ويمنعكم عن اتِّباع الحق بهذه الوساوس التي يُلْقِيها في صدوركم؛ فإن الشيطان لكم عدوٌّ بَيِّنُ العداوة.

[63] ﴿وَلَمَّا جَآءَ عِيسَىٰ بِٱلۡبَيِّنَٰتِ قَالَ قَدۡ جِئۡتُكُم بِٱلۡحِكۡمَةِ وَلِأُبَيِّنَ لَكُم بَعۡضَ ٱلَّذِي تَخۡتَلِفُونَ فِيهِۖ فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُونِ 63﴾:

ولما بُعِثَ عيسى عليه السلام إلى بني إسرائيل، قال لهم: إني قد جئتُكُمْ بالدلائلِ الواضحاتِ على وحدانيَّة الله، وجئتكم بالنبوَّة والعلم؛ لأبيِّنَ لكم صوابَ ما تختلفون فيه، فاتقوا الله بتوحيدِهِ، وامتثالِ أمره، واجتنابِ نهيه، وصدِّقوني فيما أُخْبِركم به، وأطيعوني فيما آمُرُكم به.

[64] ﴿إِنَّ ٱللَّهَ هُوَ رَبِّي وَرَبُّكُمۡ فَٱعۡبُدُوهُۚ هَٰذَا صِرَٰطٞ مُّسۡتَقِيمٞ 64﴾:

واعلموا أن الله هو ربي وربُّكم؛ فوحِّدوه، وأَخْلِصوا له العبادة؛ فهذا هو الصراطُ المستقيم، والدينُ الحقُّ القويم.

[65] ﴿فَٱخۡتَلَفَ ٱلۡأَحۡزَابُ مِنۢ بَيۡنِهِمۡۖ فَوَيۡلٞ لِّلَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنۡ عَذَابِ يَوۡمٍ أَلِيمٍ 65﴾:

ثم أخبَرَ جل وعلا أن النصارى اختلفوا في أمر عيسى عليه السلام، وصاروا فِرَقًا وأحزابًا؛ فمنهم: مَنْ زعَمَ أنه الله، ومنهم مَنْ قال: إنه ابنُ الله، ومنهم مَنْ قال: ثالثُ ثلاثة -تعالى الله عما يقول الكافرون الظالمون علوًّا كبيرًا- فويلٌ وهلاكٌ وعذابٌ ينتظِرُ الذين ظلموا وتجاوزوا حدودهم في وَصْفِ عيسى عليه السلام بغير ما وصَفَهُ الله.

[66] ﴿هَلۡ يَنظُرُونَ إِلَّا ٱلسَّاعَةَ أَن تَأۡتِيَهُم بَغۡتَةٗ وَهُمۡ لَا يَشۡعُرُونَ 66﴾:

فهل ينتظر هؤلاء المكذِّبون المفترون المختلفون في أمر عيسى عليه السلام إلا الساعةَ أن تقوم عليهم، وتأتيهم فجأةً؟! وهم غيرُ متوقِّعين مجيئها، وغير مستعدين لها؟!

[67] ﴿ٱلۡأَخِلَّآءُ يَوۡمَئِذِۭ بَعۡضُهُمۡ لِبَعۡضٍ عَدُوٌّ إِلَّا ٱلۡمُتَّقِينَ 67﴾:

ثم بيَّن جل وعلا أن الأصحابَ والأصدقاءَ والأحِبَّاءَ حين تأتيهم الساعة، يعادي بعضُهم بعضًا، وتنقلِبُ محبتهم عداوة؛ إلا المتقين الذين تآخَوْا وتحابُّوا في الدنيا على توحيدِ اللهِ وطاعته، والعملِ في رضاه؛ نسأل الله الكريم من فضله.

[68] ﴿يَٰعِبَادِ لَا خَوۡفٌ عَلَيۡكُمُ ٱلۡيَوۡمَ وَلَآ أَنتُمۡ تَحۡزَنُونَ 68﴾:

ثم نادى جل وعلا هؤلاء المؤمنين المتحابِّين في الله، وقال لهم: يا عبادي، لا خوفٌ يلحقكم فيما تستقبلونه اليومَ من أمور، ولا حُزْنٌ يصيبكم فيما مضى.

[69] ﴿ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ بِـَٔايَٰتِنَا وَكَانُواْ مُسۡلِمِينَ 69﴾:

ثم بيَّن جل وعلا أنه لا خوفٌ عليهم ولا هم يحزنون؛ لأنهم آمنوا بالله، واتَّبعوا رُسُلَه، وصدَّقوا ما جاؤوهم به، وعملوا الصالحات، واستسلموا لله بالتوحيد، وانقادوا له بالطاعة.

[70] ﴿ٱدۡخُلُواْ ٱلۡجَنَّةَ أَنتُمۡ وَأَزۡوَٰجُكُمۡ تُحۡبَرُونَ 70﴾:

ثم أمَرَ جل وعلا بإدخالِ هؤلاء المؤمنين الجَنَّةَ دارَ النعيمِ المقيم، وإدخالِ كلِّ مَنْ كان على مثْلِ ما كانوا عليه؛ فيُنعَّمونَ ويُكْرَمونَ في جنات النعيم.

[71] ﴿يُطَافُ عَلَيۡهِم بِصِحَافٖ مِّن ذَهَبٖ وَأَكۡوَابٖۖ وَفِيهَا مَا تَشۡتَهِيهِ ٱلۡأَنفُسُ وَتَلَذُّ ٱلۡأَعۡيُنُۖ وَأَنتُمۡ فِيهَا خَٰلِدُونَ 71﴾:

ثم ذكَرَ جل وعلا بعضَ نعيمِ أهلِ الجنة وكرامتهم، فقال: إن أهل الجنة يُطافُ عليهم بالطعامِ في آنيةٍ مِنْ ذهب، وبالشرابِ في أكوابٍ من ذهب، ولهم في الجنة ما تشتهيه وتتمنَّاه أنفسهم مما لا عَيْنٌ رأت، ولا أُذُنٌ سَمِعَتْ، ولا خطَرَ على قلبِ بَشَر، وأنتم -يا أهل الجنة- خالدون ماكثون فيها أبدًا لا تخرُجُونَ منها.

[72] ﴿وَتِلۡكَ ٱلۡجَنَّةُ ٱلَّتِيٓ أُورِثۡتُمُوهَا بِمَا كُنتُمۡ تَعۡمَلُونَ 72﴾:

واعلموا -أيها المؤمنون- أن دخولكم هذه الجنة كان بسببِ أعمالِكُمُ الصالحةِ المقبولة، فجعَلَها جل في علاه مِنْ فضلِهِ ورحمتِهِ جزاءً لكم.

والباء في قوله: ﴿بِمَا﴾: باءُ السَّبَب، وليست باء العِوَض.

[73] ﴿لَكُمۡ فِيهَا فَٰكِهَةٞ كَثِيرَةٞ مِّنۡهَا تَأۡكُلُونَ 73﴾:

ثم اعلموا -أيها المؤمنون- أن لكم في الجنة مِنْ أنواع الفواكه والثمار الشهيِّة الشيءَ الكثيرَ، تتخيَّرون وتأكلون منها ما تشاؤون؛ نسأل الله الكريم من فضله.

[74] ﴿إِنَّ ٱلۡمُجۡرِمِينَ فِي عَذَابِ جَهَنَّمَ خَٰلِدُونَ 74﴾:

ثم أخبَرَ جل وعلا أن المجرِمينَ الذين اقترفوا الشِّرْكَ والكُفْرَ بالله ورسله في عذاب جهنَّم ماكثون، لا يتحوَّلون عنه ولا يزولون.

[75] ﴿لَا يُفَتَّرُ عَنۡهُمۡ وَهُمۡ فِيهِ مُبۡلِسُونَ 75﴾:

ثم بين سبحانه أن هذا العذاب لا يُخَفَّفُ عنهم، وهم فيه آيِسونَ مِنْ كلِّ خير ونجاة.

[76] ﴿وَمَا ظَلَمۡنَٰهُمۡ وَلَٰكِن كَانُواْ هُمُ ٱلظَّٰلِمِينَ 76﴾:

ثم بيَّن سبحانه بأنه لم يَظْلِمْهم بإدخالهم النار، ومُكْثِهم في العذاب، ولكنْ هم الذين ظلموا أنفسهم بالشِّرْكِ، وتكذيبِ الأنبياء والرسل.

[77] ﴿وَنَادَوۡاْ يَٰمَٰلِكُ لِيَقۡضِ عَلَيۡنَا رَبُّكَۖ قَالَ إِنَّكُم مَّٰكِثُونَ 77﴾:

وهؤلاء المجرمون بعد أن أدخَلَهم الله النار، يُنَادُونَ مالكًا وهو خازنُ جهنَّم، فيقولون: يا مالك، لِيُمِتْنا ربك؛ فهو أحبُّ إلينا من هذا العذاب الأليم؛ فيجيبهم مالك: إنكم ماكثون فيها أَبَدَ الآبدين، لا خروجَ لكم منها، ولا يُقْضَى عليكم؛ فتستريحوا مِنْ عذابها.

[78] ﴿لَقَدۡ جِئۡنَٰكُم بِٱلۡحَقِّ وَلَٰكِنَّ أَكۡثَرَكُمۡ لِلۡحَقِّ كَٰرِهُونَ 78﴾:

ثم يقول لهم مالكٌ مؤنِّبًا لهم: لقد جاءكم الله بالدِّين الحق، وأرسَلَ إليكم الرسل، وأنزَلَ عليكم الكتب، ولكنَّ أكثركم للحق كارهون، وعنه مُعْرِضون.

[79] ﴿أَمۡ أَبۡرَمُوٓاْ أَمۡرٗا فَإِنَّا مُبۡرِمُونَ 79﴾:

أخبَرَ جل وعلا أن المشركين يظنُّون أنهم أحكَمُوا ودبَّروا وكادوا للنبيِّ ﷺ كَيْدًا شديدًا لتكذيبِهِ وللصدِّ عن دينه؟! لقد خاب ظنهم؛ لأن مَكْرَهُ جل في علاه أعظمُ من مَكْرهم، وأنه سبحانه مُحْكِمٌ أمرًا ومدبِّرٌ تدبيرًا يعلو تدبيرهم، وأنه سوف يُهْلِكهم بالعذاب والنَّكَال.

[80] ﴿أَمۡ يَحۡسَبُونَ أَنَّا لَا نَسۡمَعُ سِرَّهُمۡ وَنَجۡوَىٰهُمۚ بَلَىٰ وَرُسُلُنَا لَدَيۡهِمۡ يَكۡتُبُونَ 80﴾:

ثم قال جل وعلا على سبيل التوبيخ: هل يظُنُّ هؤلاء الجهلة أنا لا نَسْمَعُ ما يُسِرُّونَ ويتناجَوْنَ به بينهم؟! بلى؛ نسمع ذلك، ونعلم به، وملائكتُنَا الحَفَظةُ يكتبون جميع ما يصدر عنهم من قول أو فعل.

[81] ﴿قُلۡ إِن كَانَ لِلرَّحۡمَٰنِ وَلَدٞ فَأَنَا۠ أَوَّلُ ٱلۡعَٰبِدِينَ 81﴾:

وقل -أيها النبي- لهؤلاء المشركين: إنْ ثبَتَ أنَّ للرحمنِ ولدًا كما تزعمون وتفترون، فأنا أوَّل العابدين لله تعالى.

[82] ﴿سُبۡحَٰنَ رَبِّ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ رَبِّ ٱلۡعَرۡشِ عَمَّا يَصِفُونَ 82﴾:

ثم نفى ﷺ الولَدَ عن الله تنزيهًا وتقديسًا له، فهو ربُّ السموات والأرض وما فيهنَّ وما بينهما، وربُّ العرش العظيم، وهو المتعالي عن كلِّ ما وصفه به هؤلاء الظالمون الفاسقون مِنْ صفاتٍ لا تليق بجلاله وعظمته وسلطانه؛ فهو الغنيُّ عن الولد وغيره.

[83] ﴿فَذَرۡهُمۡ يَخُوضُواْ وَيَلۡعَبُواْ حَتَّىٰ يُلَٰقُواْ يَوۡمَهُمُ ٱلَّذِي يُوعَدُونَ 83﴾:

ثم أمَرَ جل وعلا نبيه محمدًا ﷺ أن يترُكَ هؤلاء المفترين على الله أن يستمِرُّوا في أباطيلهم ولَهْوهم، حتى يلاقوا يومهم الذي هو يومُ القيامة، الذي سيحاسبهم الله فيه على أعمالهم، ثم يعاقبهم بالعقوبة التي يستحقُّونها، بعد أن أقام عليهم الحجة.

[84] ﴿وَهُوَ ٱلَّذِي فِي ٱلسَّمَآءِ إِلَٰهٞ وَفِي ٱلۡأَرۡضِ إِلَٰهٞۚ وَهُوَ ٱلۡحَكِيمُ ٱلۡعَلِيمُ 84﴾:

ثم أخبَرَ جل وعلا بأنه إلهُ جميعِ الكائناتِ السفليَّةِ والعلويَّة، وأنه المعبودُ بحقٍّ في السماء، والمعبودُ بحقٍّ في الأرض، وهو الحكيمُ في جميع أقواله وأفعاله، العليمُ بكل شؤون خَلْقه، لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء.

[٨٥] ﴿وَتَبَارَكَ ٱلَّذِي لَهُۥ مُلۡكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ وَمَا بَيۡنَهُمَا وَعِندَهُۥ عِلۡمُ ٱلسَّاعَةِ وَإِلَيۡهِ تُرۡجَعُونَ 85﴾:

وهذا الإلهُ المعبودُ بحقٍّ في السماء وفي الأرض، قد تعاظَمَ وتكاثَرَ خيره، وهو الواحدُ الأحَدُ الذي له ملك السموات والأرض وما فيهنَّ وما بينهنَّ، وهو سبحانه المتفرِّدُ بعلمِ الوقتِ

الذي تقوم فيه الساعة، وإليه -أيها الناس- تُرْجَعون مِنْ بعد مماتكم؛ فيجازي كلًّا بما عَمِل.

[86] ﴿وَلَا يَمۡلِكُ ٱلَّذِينَ يَدۡعُونَ مِن دُونِهِ ٱلشَّفَٰعَةَ إِلَّا مَن شَهِدَ بِٱلۡحَقِّ وَهُمۡ يَعۡلَمُونَ 86﴾:

ثم بيَّن جل وعلا أن الذين يُعبَدونَ من دون الله لا يَمْلِكونَ الشفاعةَ لأحد، بل لا يَشْفَعُ أحدٌ لأحدٍ إلا بإذن الله، ولا بد أن يكونَ الشافعُ والمشفوعُ له مِنْ أهلِ كلمةِ الحقِّ والإخلاصِ، كلمةِ: (لا إله إلا الله)، وهم على علمٍ وبصيرةٍ بما شَهِدوا به.

[87] ﴿وَلَئِن سَأَلۡتَهُم مَّنۡ خَلَقَهُمۡ لَيَقُولُنَّ ٱللَّهُۖ فَأَنَّىٰ يُؤۡفَكُونَ 87﴾:

واعلم -أيها النبي-: أنَّك لو سألت هؤلاء المشركين مِنْ قومك: مَنِ الذي خلقهم؟ لأجابوا مقرِّين ومعترفين بأنه: اللهُ جل في علاه؛ فما دمتم تُقِرُّونَ بذلك وتعترفون به، فكيف تصرفون العبادة إلى غيره سبحانه وتعالى؟!

[88] ﴿وَقِيلِهِۦ يَٰرَبِّ إِنَّ هَٰٓؤُلَآءِ قَوۡمٞ لَّا يُؤۡمِنُونَ 88﴾:

ثم قال النبي ﷺ شاكيًا لربه: يا ربِّ، إن هؤلاء القوم لا يؤمنون بك، ولا يوحِّدونك، ولا يُخْلِصون لك العبادة، ولا يصدِّقونني، ولا يتَّبعونني فيما أُرِسلْتُ به إليهم؛ فأمره جل وعلا أن يصفح عنهم، وأن يُعْرِضَ عما يلحقه منهم مِن أذًى، وهذا يسمَّى: صَفْحَ مُتَارَكةٍ، أي: أَعرِضْ عنهم واترُكْهم، ثم هدَّد جل في علاه هؤلاء الكافرين المعاندين، فأخبَرَ بأنهم سوف يعلمون ما يَلْقَوْنَهُ من البَلَاءِ والنَّكَالِ بسببِ كُفْرهم وعنادهم. والصفحُ في هذه الآية لا يعني التوقُّفَ عن الدعوة، بل يستمِرُّ في دعوته مع الإعراضِ عن أذاهم.

سورة الدُّخَان

سورة الدُّخَان مكيَّةٌ، وآياتها تسعٌ وخمسون آية.

[١] ﴿حمٓ 1﴾:

سبق الكلام على الحروف المقطَّعة في أول سورة البقرة.

[2] ﴿وَٱلۡكِتَٰبِ ٱلۡمُبِينِ 2﴾:

بدأ جل وعلا هذه السورةَ بالإقسامِ بهذا الكتابِ، وهو القرآنُ الواضحُ البيِّن؛ لشَرَفِهِ وعظمتِهِ، ولما احتواه من علوم الأوَّلين والآخرين وعلومِ الآخرة، ومِنْ أوامرَ ونواهٍ، وما فيه من الهدى والنور.

[3] ﴿إِنَّآ أَنزَلۡنَٰهُ فِي لَيۡلَةٖ مُّبَٰرَكَةٍۚ إِنَّا كُنَّا مُنذِرِينَ 3﴾:

وجاء جواب القَسَم مبيِّنًا أنه أنزله في ليلةٍ كثيرةِ الخيرِ والبركة، وهي ليلةُ القَدْرِ التي تتنزَّل فيها البَرَكات والرَّحَمات، ثم بيَّن سبحانه أنه أنزَلَ هذا القرآنَ؛ ليحذِّرَ الناسَ من الشرك والمعاصي، ويبيِّن لهم سبل السلام.

[4] ﴿فِيهَا يُفۡرَقُ كُلُّ أَمۡرٍ حَكِيمٍ 4﴾:

وبيَّن سبحانه أنه وضَّح وفصَّل في هذه الليلة كلَّ أحداث العامِ حتى العامِ القادمِ مِن خيرٍ وشرّ، وحياةٍ وموت، وفقرٍ وغِنًى، وبسطٍ وقبض.

[5] ﴿أَمۡرٗا مِّنۡ عِندِنَآۚ إِنَّا كُنَّا مُرۡسِلِينَ 5﴾:

وبيَّن سبحانه أن هذا الأمرَ الحكيمَ أَمْرٌ من عنده وحده جل في علاه، أي: أنَّ جميع ما يقدِّره الله تعالى وما يوجبه، فبأمره وإِذْنه وعلمه، وأخبَرَ سبحانه أنه هو الذي يُرسِلُ الرسل.

[6] ﴿رَحۡمَةٗ مِّن رَّبِّكَۚ إِنَّهُۥ هُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلۡعَلِيمُ 6﴾:

وأخبَرَ سبحانه أنه أرسل الرسل جميعًا؛ رحمةً منه بالمرسَلِ إليهم، وأنه جل وعلا السميعُ لجميع الأصوات، العليمُ بجميعِ أمورِ خَلْقه الظاهرة والباطنة.

[7] ﴿رَبِّ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ وَمَا بَيۡنَهُمَآۖ إِن كُنتُم مُّوقِنِينَ 7﴾:

ثم أخبَرَ سبحانه أنه خالِقُ ومدبِّرُ السمواتِ السبع، والأَرَضِينَ السبع، وما فيهنَّ، وما بينهما، والمتصرِّفُ في كل ذلك؛ فإن كنتم عالمين -أيها الناس- بذلك علمًا يفيد اليقين، فآمِنوا بآياتِ الله ورُسُله، وأَخْلِصوا له سبحانه العبادة وحده دون من سواه.

[8] ﴿لَآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ يُحۡيِۦ وَيُمِيتُۖ رَبُّكُمۡ وَرَبُّ ءَابَآئِكُمُ ٱلۡأَوَّلِينَ 8﴾:

ثم بيَّن سبحانه أنه يحبُ الإيمانُ به وإخلاصُ العبادة له وحده؛ لأنه لا معبودَ بحقٍّ إلا هو، وهو وحده المتفرِّدُ بالإحياء والإماتة، وهو الذي ربَّاكم وربَّى الأوَّلين والآخِرِينَ بنِعَمِهِ التي لا تُعَدُّ ولا تُحْصَى.

[9] ﴿بَلۡ هُمۡ فِي شَكّٖ يَلۡعَبُونَ 9﴾:

ثم أخبَرَ جل وعلا أن هؤلاء المشركين ليسوا موقنين بالبَعْث، وإنما يتندَّرون في أمره وفي التوحيد، ويذكُرُونهما على سبيل الهُزْءِ واللعب، وليس على سبيل الجِدِّ والإذعان.

[10] ﴿فَٱرۡتَقِبۡ يَوۡمَ تَأۡتِي ٱلسَّمَآءُ بِدُخَانٖ مُّبِينٖ 10﴾:

ثم أمَرَ جل وعلا نبيه محمدًا ﷺ تسليةً له: أن يَصْبِرَ وينتظِرَ حتى تأتي السماء بدُخَانٍ مُبِينٍ واضح.

[11] ﴿يَغۡشَى ٱلنَّاسَۖ هَٰذَا عَذَابٌ أَلِيمٞ 11﴾:

ثم بيَّن سبحانه أن هذا الدخانَ يغطِّي الناسَ ويعُمُّهم ويحيطُ بهم، ثم يقال لهم: هذا عذابٌ أليمٌ مُوجِع.

[12] ﴿رَّبَّنَا ٱكۡشِفۡ عَنَّا ٱلۡعَذَابَ إِنَّا مُؤۡمِنُونَ 12﴾:

ومِنْ شِدَّةِ هذا العذابِ فإنَّ الكفَّار يقولون متوسِّلين: ربنا اكشِفْ عنا هذا العذابَ، فإنْ كُشِفَ عنَّا، فإنا مؤمنون متَّبعون لما جاء به محمد ﷺ. وقد قيل: إن هذا الدُّخَانَ مِنْ أشراط الساعة، وإنه سيأتي ويمكُثُ أربعين يومًا، وقيل: إنه حدَثَ وانتهى؛ وذلك أن رسول الله ﷺ دعا على قريش لما ضايقوه وتآمروا على قتله؛ فقال: «اللَّهُمَّ، اجْعَلْهَا عَلَيْهِمَ سِنِينَ كَسِنِيْ يُوسُفَ»([3])؛ فأصيبوا بالقَحْطِ والجُوعِ حتى صار الواحدُ من شدَّة الجوع يرى كأن بينه وبين السماء دُخَانًا؛ فأرسلوا إلىه ﷺ يسألونه وينشُدُونَهُ بالرَّحِمِ والقرابةِ: أن يسأل الله أن يَكْشِفَ ما بهم ويُغِيَثهم؛ ففعَلَ ﷺ؛ فأغيثوا وتحسَّنت أحوالهم. [3] أخرجه البخاري (1006)، ومسلم (675)، عن أبي هريرة رضي الله عنه.

[13] ﴿أَنَّىٰ لَهُمُ ٱلذِّكۡرَىٰ وَقَدۡ جَآءَهُمۡ رَسُولٞ مُّبِينٞ 13﴾:

ثم يقال في شأنِ هؤلاءِ الكفار: كيف يتذكَّرون ويتَّعظون وقد جاءهم رسولٌ صادقٌ يبيِّنُ لهم ما يحتاجون إليه من أمور دينهم؟!

[14] ﴿ثُمَّ تَوَلَّوۡاْ عَنۡهُ وَقَالُواْ مُعَلَّمٞ مَّجۡنُونٌ 14﴾:

ثم بيَّن سبحانه أنهم تولَّوْا وأعرضوا عن هذا الرسول، وكذَّبوه، ولم يتَّبعوه، وقالوا عنه: إنَّ هناك بشرًا يعلِّمُهُ القرآنَ، وقالوا: إنه مجنونٌ يختلِطُ عليه الأمر.

[15] ﴿إِنَّا كَاشِفُواْ ٱلۡعَذَابِ قَلِيلًاۚ إِنَّكُمۡ عَآئِدُونَ 15﴾:

ثم أخبَرَ جل وعلا أنه برحمتِهِ وفضلِهِ سوف يُغِيثُ هؤلاء المشركين، ويرفع عنهم العذابَ والشدَّة، ومع ذلك سوف تَرَوْنَ كيف أنهم سيعودون إلى ما كانوا فيه مِنَ الكفر والضلال والتكذيب.

[16] ﴿يَوۡمَ نَبۡطِشُ ٱلۡبَطۡشَةَ ٱلۡكُبۡرَىٰٓ إِنَّا مُنتَقِمُونَ 16﴾:

وتذكَّر -أيها العاقل- لتعتبِرَ وتتَّعِظَ يوم أن يأخُذَ الله جميع الكفار ويعذِّبهم العذاب الأكبر يوم القيامة، وهو اليومُ الذي ينتقِمُ الله فيه مِنْ جميع الكفار والمجرِمين؛ حيث ينتقِمُ منهم انتقامًا يُذِلُّهم ويُخْزِيهم.

ويومُ البَطْشةِ الكبرى: قيل المرادُ به: يومُ القيامة، وقيل: هو يومُ بَدْرٍ يوم عادوا إلى تكذيب الرسول ﷺ ومحاربته.

[17] ﴿وَلَقَدۡ فَتَنَّا قَبۡلَهُمۡ قَوۡمَ فِرۡعَوۡنَ وَجَآءَهُمۡ رَسُولٞ كَرِيمٌ 17﴾:

واعلم -أيها النبي- أن الله امتحَنَ واختبَرَ قوم فرعون قبل قومك، وجاءهم موسى عليه السلام، وهو رسولٌ كريمٌ من عند الله رب العالمين؛ يأمُرُهم بعبادةِ الله وحده، وتَرْكِ عبادة ما سواه.

[18] ﴿أَنۡ أَدُّوٓاْ إِلَيَّ عِبَادَ ٱللَّهِۖ إِنِّي لَكُمۡ رَسُولٌ أَمِينٞ 18﴾:

ثم أخبَرَ سبحانه أن موسى طلَبَ من فرعون أن يُرسِلَ معه بني إسرائيل إلى الشام؛ ليتخلَّصوا من هذا العذاب وهذا الهَوَان، ويعيشوا أحرارًا يعبدون الله وحده لا شريكَ له، ثم بيَّن لهم أنه يَجِبُ عليهم أن يستجيبوا لدعوتِهِ وطاعةِ أمره؛ لأنه مرسَلٌ إليهم من اللهِ ربِّ العالمين، وأنه أمينٌ على ما أرسله الله به.

[19] ﴿وَأَن لَّا تَعۡلُواْ عَلَى ٱللَّهِۖ إِنِّيٓ ءَاتِيكُم بِسُلۡطَٰنٖ مُّبِينٖ 19﴾:

ثم قال موسى لفرعونَ وقومِهِ: واحذروا أن تتجبَّروا أو تتكبَّروا على أمر الله؛ فإنِّي أتيتكم مِنْ عنده بحُجَّةٍ ظاهرة بيِّنة.

[20] ﴿وَإِنِّي عُذۡتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمۡ أَن تَرۡجُمُونِ 20﴾:

ثم قال موسى لفرعون: إني عُذْتُ بالله، واحتَمَيتُ به، والتجأتُ إليه، واعتصَمْتُ به: أن تقتلوني رَجْمًا بالحجارة.

[21] ﴿وَإِن لَّمۡ تُؤۡمِنُواْ لِي فَٱعۡتَزِلُونِ 21﴾:

وقال عليه السلام أيضًا: وإنْ لم تؤمنوا بي، وتصدِّقوني وتتَّبعوني، فاترُكُوني ولا تُؤْذوني.

[22] ﴿فَدَعَا رَبَّهُۥٓ أَنَّ هَٰٓؤُلَآءِ قَوۡمٞ مُّجۡرِمُونَ 22﴾:

ثم إن موسى عليه السلام دعا ربَّه، وشكا إليه قومه، قائلًا: إنَّ هؤلاء -يا ربِّ- قومٌ مجرمون مجاوِزون لحدودهم، قد أجرموا في حقِّك بالشركِ والتكذيبِ لرسولك.

[23] ﴿فَأَسۡرِ بِعِبَادِي لَيۡلًا إِنَّكُم مُّتَّبَعُونَ 23﴾:

فلما لم يجيبوه، أمَرَهُ جل وعلا أن يجمعَ بني إسرائيل الذين صدَّقوه، وينطلِقَ بهم في الظلام، وأخبَرَهُ بأن فرعون وجنوده سوف يتَّبعونكم.

[24] ﴿وَٱتۡرُكِ ٱلۡبَحۡرَ رَهۡوًاۖ إِنَّهُمۡ جُندٞ مُّغۡرَقُونَ 24﴾:

ثم أمَرَهُ جل في علاه إذا وصَلَ البحرَ الأحمرَ هو ومن معه من بني إسرائيل: أن يضربه بعصاه؛ لكي يصيرَ جامدًا كَسَطْحِ الأرض، ثم يسيرَ فيه هو ومن معه، ثم أمَرَه إذا تجاوزوا البَحْرَ أن يترُكَهُ على حاله ولا يضربه بعصاه مرَّةً أخرى؛ لكي يسيرَ فيه فرعونُ وجُنْدُه؛ فإذا توسَّطوا البحر، أغرَقَهم الله وأهلَكَهم فيه.

[25] ﴿كَمۡ تَرَكُواْ مِن جَنَّٰتٖ وَعُيُونٖ 25﴾:

ثم بيَّن جل وعلا سوءَ عاقبةِ فرعونَ وقومه؛ فأخبَرَ أنهم بعد مَهْلَكِهم وإغراقِ اللهِ لهم، تركوا كثيرًا من البساتينِ والجنَّاتِ الناضرة، وعيونِ الماء الجارية.

[26] ﴿وَزُرُوعٖ وَمَقَامٖ كَرِيمٖ 26﴾:

وأخبر سبحانه أنهم تركوا كثيرًا من الزروعِ المتنوِّعة، والمنازلِ الجميلة المزينة بألوان الزينة والزخرفة.

[27] ﴿وَنَعۡمَةٖ كَانُواْ فِيهَا فَٰكِهِينَ 27﴾:

وأخبر جل شأنه أنهم تركوا كثيرًا من النعم وأنواع الحياة التي كانوا فيها مترَفين منعَّمين متلذذين.

[28] ﴿كَذَٰلِكَۖ وَأَوۡرَثۡنَٰهَا قَوۡمًا ءَاخَرِينَ 28﴾:

ثم أخبَرَ جل في علاه أنَّ هذه النِّعَمَ أورَثَهَا لقومٍ آخرين، وهم بنو إسرائيلَ الذين ما استطاعوا الذَّهَابَ مع موسى، أما موسى عليه السلام ومَنْ معه ممن ذهبوا إلى فِلَسْطِينَ فلم يرجعوا إلى مِصْرَ للاستمتاعِ بهذه النعم.

[29] ﴿فَمَا بَكَتۡ عَلَيۡهِمُ ٱلسَّمَآءُ وَٱلۡأَرۡضُ وَمَا كَانُواْ مُنظَرِينَ 29﴾:

ثم أخبَرَ جل وعلا أن أهلَ السموات وأهلَ الأرض، لم يحزنوا على هلاكِ فرعون وقومه، وبيَّن أنه لم يؤخِّر عقوبتهم، بل عجَّل سبحانه لهم العقوبةَ بإهلاكهم بالغَرَق؛ رُوِيَ عن علي رضي الله عنه أنه قال: (إِنَّ الْمُؤْمِنَ إِذَا مَاتَ، بَكَى عَلَيْهِ مُصَلَّاهُ مِنَ الأَرْضِ، وَمَصْعَدُ عَمَلِهِ مِنَ السَّمَاءِ)، ثُمَّ تَلا هذه الآية([4]). [4] أخرجه المقدسي في الأحاديث المختارة مما لم يخرجه البخاري ومسلم في صحيحيهما (2/ 358)، وقال: إِسْنَاده حسن.

[30] ﴿وَلَقَدۡ نَجَّيۡنَا بَنِيٓ إِسۡرَٰٓءِيلَ مِنَ ٱلۡعَذَابِ ٱلۡمُهِينِ 30﴾:

ثم امتَّن جل وعلا على بني إسرائيلَ بأنْ نجَّاهم وخلَّصهم من العذابِ المُهِينِ الذي كانوا يتلقَّوْنَهُ ليل نهار.

[31] ﴿مِن فِرۡعَوۡنَۚ إِنَّهُۥ كَانَ عَالِيٗا مِّنَ ٱلۡمُسۡرِفِينَ 31﴾:

ثم بين سبحانه أنهم كانوا يتلقون هذه العذاب مِنْ فرعون وقومه، والمتمثِّلِ في تذبيحِ أبنائهم، واستحياءِ نسائهم، وتسخيرِهم خَدَمًا وعبيدًا، ثم بيَّن سبحانه حالِ فرعون: أنه كان مستكبِرًا في الأرض بغير الحق، وأنه مِنَ الذين أسرفوا وتجاوزوا حدود الله بالشِّرْكِ، والإسرافِ في القتل، والبَغْيِ في الأرض.

[32] ﴿وَلَقَدِ ٱخۡتَرۡنَٰهُمۡ عَلَىٰ عِلۡمٍ عَلَى ٱلۡعَٰلَمِينَ 32﴾:

ثم بيَّن جل وعلا جانبًا آخَرَ من إكرامِهِ لبني إسرائيل؛ فأخبَرَ أنه اختارهم على عالَمِي زمانهم، وهكذا كلُّ نبيٍّ أتباعُهُ مختارُونَ على عالمي زمانهم.

[33] ﴿وَءَاتَيۡنَٰهُم مِّنَ ٱلۡأٓيَٰتِ مَا فِيهِ بَلَٰٓؤٞاْ مُّبِينٌ 33﴾:

وأخبَرَ سبحانه أنه أعطاهم من الآياتِ الباهرة، والمعجزاتِ الظاهرة: ما فيه اختبارٌ ظاهر، وامتحانٌ واضحٌ لهم؛ للنَّظَرِ كيف يعملون.

[34] ﴿إِنَّ هَٰٓؤُلَآءِ لَيَقُولُونَ 34﴾:

ثم عاد الحديثُ على كفَّار مكَّة؛ فأخبَرَ جل وعلا نبيه محمدًا ﷺ: أن قومه المشركين يقولون كلامًا يدل على إنكارهم واستبعادهم للبعث والنشور.

[35] ﴿إِنۡ هِيَ إِلَّا مَوۡتَتُنَا ٱلۡأُولَىٰ وَمَا نَحۡنُ بِمُنشَرِينَ 35﴾:

ثم بين سبحانه أنهم يقولون: ما هي إلا موتَتُنَا الأولى؛ فهي الموتةُ الأُولى والأخيرة، وما نحن بمبعوثين بعدها للحسابِ والثوابِ والعقاب.

[36] ﴿فَأۡتُواْ بِـَٔابَآئِنَآ إِن كُنتُمۡ صَٰدِقِينَ 36﴾:

ثم إن هؤلاء المشركين جادلوا بالباطل، ومِنْ ذلك: أنهم قالوا للنبيِّ ﷺ ومَنْ معه: فما دام الأمرُ كذلك بأنَّ هناك بعثًا ونشورًا، فارْجِعوا لنا آباءنا الذين ماتوا إنْ كنتم صادقين فيما تقولون، فأتاهم الردُّ الحاسمُ مِن الله جل في علاه في قولِهِ: ﴿إِنَّ يَوۡمَ ٱلۡفَصۡلِ مِيقَٰتُهُمۡ أَجۡمَعِينَ﴾ [الدخان:40]، أي: أنَّ لهم ميقاتَ يومٍ، وهو يومُ الفصل الذي سيحاسَبُونَ فيه، وعندها يَعْرِفون الحقيقة.

[37] ﴿أَهُمۡ خَيۡرٌ أَمۡ قَوۡمُ تُبَّعٖ وَٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِهِمۡ أَهۡلَكۡنَٰهُمۡۚ إِنَّهُمۡ كَانُواْ مُجۡرِمِينَ 37﴾:

واعلم -أيها النبي- أن هؤلاءِ الكفَّار من قومك، ليسوا خيرًا وأفضَلَ مِن قومِ تُبَّعٍ الذين كانوا أشدَّ منهم قوةً وأكثَرَ مالًا، ولا مِنَ الذين قبلهم ممَّن أهلكنا؛ كقوم عادٍ وثمودَ الذين كذَّبوا أنبياءهم ورسلهم؛ فقد أهلَكْنا ودمَّرنا جميع هؤلاء المجرمين المشركين؛ فهؤلاء ليسوا بأفضلَ ولا أقوى منهم حتى نَسْتَثْنِيهم من الهلاكِ والعذاب.

[38] ﴿وَمَا خَلَقۡنَا ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضَ وَمَا بَيۡنَهُمَا لَٰعِبِينَ 38﴾:

ثم أخبَرَ جل وعلا عن كمالِ قدرتِهِ، وتمامِ حكمتِهِ؛ فبيَّن أنه ما خلَقَ السموات والأرضَ وما بينهما عَبَثًا أو لهوًا.

[39] ﴿مَا خَلَقۡنَٰهُمَآ إِلَّا بِٱلۡحَقِّ وَلَٰكِنَّ أَكۡثَرَهُمۡ لَا يَعۡلَمُونَ 39﴾:

ثم أكد سبحانه أنه خلقهما بالحقِّ الذي اقتضته الحِكْمةُ الإلهية، وهي عبادةُ الله وحده لا شريك له، ولكنَّ أكثر الناس لا يعلمون ذلك؛ فلهذا لم يتفكَّروا في الحِكْمةِ مِنْ خَلْقِهما.

[40] ﴿إِنَّ يَوۡمَ ٱلۡفَصۡلِ مِيقَٰتُهُمۡ أَجۡمَعِينَ 40﴾:

ثم ردَّ جل وعلا على أولئك الذين يُنْكِرونَ البعثَ والنشور؛ فبيَّن سبحانه أن يومَ القيامة آتٍ لا ريبَ فيه، فقال: اعلموا -أيها الناس- أن يومَ الفصلِ والقضاءِ بين الخَلْقِ ومحاسبتِهِمْ على أعمالهم، والتمييزِ بين المحسِنِ والمسيء، هو ميقاتٌ للفَصْلِ والحُكْمِ بين الناس أجمعين.

[41] ﴿يَوۡمَ لَا يُغۡنِي مَوۡلًى عَن مَّوۡلٗى شَيۡـٔٗا وَلَا هُمۡ يُنصَرُونَ 41﴾:

وبيَّن سبحانه أنه في ذلك اليوم لا يَنْفَعُ أحدٌ أحدًا، ولا هم يُمنَعونَ من عذاب الله.

[42] ﴿إِلَّا مَن رَّحِمَ ٱللَّهُۚ إِنَّهُۥ هُوَ ٱلۡعَزِيزُ ٱلرَّحِيمُ 42﴾:

ثم استثنى جل وعلا أولئك الذين مَنَّ الله عليهم، وأدخَلَهم في رحمته؛ فإنهم سوف ينجِّيهم الله وينصُرُهم؛ إن الله هو العزيزُ الغالبُ المنتقِمُ من أعدائه، الرحيمُ بأوليائه.

[43] ﴿إِنَّ شَجَرَتَ ٱلزَّقُّومِ 43﴾:

ثم ذكَرَ جل وعلا طعامَ الكفَّار في جهنَّم، ومِنْ ذلك هذه الشجرةُ الملعونةُ في القرآن التي تنبُتُ في أصلِ الجحيم، والتي سمَّاها سبحانه: شجرةَ الزَّقُّوم.

[44] ﴿طَعَامُ ٱلۡأَثِيمِ 44﴾:

ثم أخبر سبحانه أنه جعلها طعامًا لكلِّ كافرٍ كثيرِ الذنوب، ومعها الضَّرِيعُ الذي لا يُسْمِنُ ولا يغني مِنْ جوعٍ، وهو المذكور في قوله تعالى: ﴿لَّا يُسۡمِنُ وَلَا يُغۡنِي مِن جُوعٖ﴾ [الغاشية:٧]، وأعظَمُ هذه الذنوبِ الشركُ بالله.

[45] ﴿كَٱلۡمُهۡلِ يَغۡلِي فِي ٱلۡبُطُونِ 45﴾:

ثم بيَّن سبحانه أن هذه الشجرةَ تَنْزِلُ في بطونِ الكفَّار كما يَنْزِلُ النُّحَاسُ الحارُّ المذاب؛ فتغلي في بطونهم.

[46] ﴿كَغَلۡيِ ٱلۡحَمِيمِ 46﴾:

ثم بين سبحانه أنها تغلي في بطونهم كغَلْيِ الماء الشديد الحرارة.

[47] ﴿خُذُوهُ فَٱعۡتِلُوهُ إِلَىٰ سَوَآءِ ٱلۡجَحِيمِ 47﴾:

ثم يقالُ لخَزَنةِ النار مِنَ الملائكةِ الغِلَاظِ الشِّدَاد: خذوا هذا الأثيم وجُرُّوه وعالجوه، واقذفوه في وَسَطِ جهنَّم.

[48] ﴿ثُمَّ صُبُّواْ فَوۡقَ رَأۡسِهِۦ مِنۡ عَذَابِ ٱلۡحَمِيمِ 48﴾:

ويقال لخَزَنةِ النارِ أيضًا: صُبُّوا فوقَ رأس هذا الأثيم مِنْ هذا الماءِ المغليِّ شديدِ الحرارة.

[٤٩] ﴿ذُقۡ إِنَّكَ أَنتَ ٱلۡعَزِيزُ ٱلۡكَرِيمُ 49﴾:

ثم يقال لهذا الكافر عند دخولِهِ النار: تَذَوَّقْ هذا العذابَ الشديد؛ فإنك أنتَ العزيزُ في قومِكَ، الكريمُ عليهم؛ حيثُ إنه كان يقولُ عن نفسه في الدنيا: (إنني أنا العزيزُ الكريم)؛ فلذلك يقال له يومَ القيامة هذا الكلامَ؛ تهكُّمًا واستهزاءً وسُخْرِيةً به.

[50] ﴿إِنَّ هَٰذَا مَا كُنتُم بِهِۦ تَمۡتَرُونَ 50﴾:

واعلموا -أيها الكفار المجرمون- أنَّ هذا العذابَ الذي أنتم فيه، والذي تقاسون شِدَّته وألَمَه، هو الذي كنتم تَشُكُّونَ فيه في الدنيا، وتستعجِلُونَ وقوعَهُ وتستهزئون به.

[51] ﴿إِنَّ ٱلۡمُتَّقِينَ فِي مَقَامٍ أَمِينٖ 51﴾:

ثم ذكَرَ سبحانه نعيمَ أهلِ التقوى والسعادةِ الذي حصَلوا عليه بفَضْلِ الله ورضاه أولًا، ثم بسببِ أعمالهم الصالحة، فذكَرَ أنهم في مجلسٍ آمِنٍ لا يَلْحَقُهم فيه خوف.

[52] ﴿فِي جَنَّٰتٖ وَعُيُونٖ 52﴾:

وذكَرَ سبحانه أنهم في جنَّاتٍ كثيرةِ الأشجار، جميلةِ المنظر، وكثيرةِ عيونِ الماء الجارية.

[53] ﴿يَلۡبَسُونَ مِن سُندُسٖ وَإِسۡتَبۡرَقٖ مُّتَقَٰبِلِينَ 53﴾:

ومن النعيمِ الذي يحصُلُ عليه أهلُ الجنة: أنهم يَلْبَسُونَ في الجنةِ ما رَقَّ من الدِّيباج، وما غَلُظَ من الإستبرق، متقابِلِينَ في مجالسهم؛ ينظُرُ بعضهم إلى بعض، بكاملِ المَحَبَّةِ والسرور، والفَرَحِ والأُنْسِ والحُبُور.

[54] ﴿كَذَٰلِكَ وَزَوَّجۡنَٰهُم بِحُورٍ عِينٖ 54﴾:

وإضافةً إلى ما سبَقَ مِن الكرامةِ والنعيم؛ فإنه جل في علاه يزوِّجهم بالحسان من الحُور العِين، وهن نساءٌ جميلاتٌ أعظَمَ ما يكون الجمال، مع نسائهم في الدنيا اللاتي خلَقَهُنَّ اللهُ خَلْقًا جديدًا، وجعَلَهُنَّ أحسَنَ من الحُور العِين.

[55] ﴿يَدۡعُونَ فِيهَا بِكُلِّ فَٰكِهَةٍ ءَامِنِينَ 55﴾:

وذكَرَ سبحانه أنَّ مِنْ نعيمِ أهلِ الجَنَّةِ: أنهم يطلُبُونَ جميع ما يشتهون مِنَ الفواكه والثمار، آمِنِينَ مِنِ انقطاعها، لا يَخْشَوْنَ منها ضررًا ولا فسادًا.

[56] ﴿لَا يَذُوقُونَ فِيهَا ٱلۡمَوۡتَ إِلَّا ٱلۡمَوۡتَةَ ٱلۡأُولَىٰۖ وَوَقَىٰهُمۡ عَذَابَ ٱلۡجَحِيمِ 56﴾:

ومن النعيم أيضًا: أنهم لا يذوقون في الجنةِ المَوْتَ؛ فإنهم قد ذاقوا المَوْتةَ الأُولى في الحياةِ الدنيا؛ فلا يتنغَّصُ عَيْشُهم بخوفِ الموت، وانقطاعِ ما هم فيه مِنَ النعيم، وقد نجَّاهم سبحانه مِنْ عذابِ جهنَّمِ الأليم.

[57] ﴿فَضۡلٗا مِّن رَّبِّكَۚ ذَٰلِكَ هُوَ ٱلۡفَوۡزُ ٱلۡعَظِيمُ 57﴾:

واعلموا أنَّ كلَّ ذلك الإكرامِ والنعيمِ لأهلِ الجَنَّةِ فضلٌ من ربِّك، وإحسانٌ وكَرَمٌ منه لعباده المتقين، كما أن النجاةَ مِنَ النار، ودخولَ الجنةِ، ونَيْلَ رضوان الله، هو الفَوْزُ العظيم الذي لا فَوْزَ أعظَمُ منه؛ نسأل الله الكريم من فضله.

[58] ﴿فَإِنَّمَا يَسَّرۡنَٰهُ بِلِسَانِكَ لَعَلَّهُمۡ يَتَذَكَّرُونَ 58﴾:

ثم ختَمَ جل وعلا السورةَ بذِكْرِ فضلِهِ وإحسانِهِ على نبيِّه ﷺ وعلى العرب: بأنه أنزَلَ هذا القرآنَ ميسَّرًا سَهْلَ الأسلوبِ بأفصَحِ اللهجات العربية؛ لعلَّهم يتذكَّرون فضل الله؛ فيشكروه، ويعتبروا بما جاء فيه من العِبَرِ والعظات.

[59] ﴿فَٱرۡتَقِبۡ إِنَّهُم مُّرۡتَقِبُونَ 59﴾:

فإنْ لم يتذكَّروا ويتَّعظوا، فانتظر -أيها النبي- ما وعَدَكَ ربك من الخير والنصر والظَّفَر، وانتظِرْ هَلَاكَهم إن استمرُّوا على الكفر والتكذيب؛ فإنهم أيضًا مرتقِبونَ ومنتظِرونَ ما يَحِلُّ بك مِنَ الموتِ والظهورِ عليك.

سورة الجاثية

سورةُ الجاثِيَة مكيَّةٌ، وآياتها سبعٌ وثلاثون آية.

[1] ﴿حمٓ 1﴾:

سبق الكلام على الحروف المقطَّعة في أول سورة البقرة.

[2] ﴿تَنزِيلُ ٱلۡكِتَٰبِ مِنَ ٱللَّهِ ٱلۡعَزِيزِ ٱلۡحَكِيمِ 2﴾:

بدَأَ جل وعلا هذه السورةَ بالإخبار أن هذا القرآنَ العظيمَ منزَّلٌ من عند الله، وأنه حاملٌ بين طَيَّاته الهدى والنور وأنه مِنَ الله العزيزِ الذي لا يَغْلِبُهُ غالب، الحكيمِ في خلقه وقدرته وتدبيره.

[3] ﴿إِنَّ فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ لَأٓيَٰتٖ لِّلۡمُؤۡمِنِينَ 3﴾:

ثم بيَّن جل وعلا أن في خلق السموات والأرضِ وخَلْقِ ما فيهما مِنْ آثارٍ دالَّةٍ على قدرة الله، وأدلَّةً وبراهينَ ساطعةً وواضحةً للمؤمنين؛ لأنهم هم الذين ينتفعون ويستدِلُّونَ بالمخلوقات على عَظَمة الخالق وحكمته.

[4] ﴿وَفِي خَلۡقِكُمۡ وَمَا يَبُثُّ مِن دَآبَّةٍ ءَايَٰتٞ لِّقَوۡمٖ يُوقِنُونَ 4﴾:

وبيَّن جل وعلا أنَّ خَلْقَكم -أيها الناس- من نُطْفة، ثم عَلْقةٍ، ثم مُضْغةٍ، ثم التدرُّجَ في مراحلِ أعماركم، وتشكيلَ أجسامِكم، واختلافَ ألسنتكم وألوانكم، وكذلك فيما يبُثُّ في الأرض من الدوابِّ التي لا تُحْصَى ولا تُعَدُّ؛ حيث جعَلَ في كل أرضٍ ما يناسبها مِن الدوابِّ والنباتِ والثمار، كلُّ هذا الصنعِ البديعِ: شواهدُ على عظمةِ اللهِ المُبدِعِ وقدرتِهِ وحكمته؛ وأدلَّةٌ ساطعةٌ، وبراهينُ ناصعةٌ؛ لقوم يوقنون بالله وشَرْعه.

[5] ﴿وَٱخۡتِلَٰفِ ٱلَّيۡلِ وَٱلنَّهَارِ وَمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مِن رِّزۡقٖ فَأَحۡيَا بِهِ ٱلۡأَرۡضَ بَعۡدَ مَوۡتِهَا وَتَصۡرِيفِ ٱلرِّيَٰحِ ءَايَٰتٞ لِّقَوۡمٖ يَعۡقِلُونَ 5﴾:

ثم بيَّن جل وعلا أنَّ في اختلافِ الليلِ والنهارِ وتعاقُبِهما على مَرِّ الدهور بمجيءِ الليل، وذَهَابِ النهارِ، والعكس، وما أنزَلَ اللهُ لكم من السماء مِنْ مطَرٍ فأحيا به الأرض بعد موتها، أي: خُلُوِّها من النبات؛ فأنبتَتْ زَرْعَها، وأخرَجَتْ خيرها، وفي تصريفِ الرياح مِنْ جميع الجهات لصالحكم ولخدمتكم؛ فاعلموا أنَّ في كلِّ ما سبق من النعم آياتٍ واضحاتِ الدَّلالةِ على وحدانيةِ الله، وكمالِ قدرته، وإنما ينتفِعُ بهذه الآياتِ الذين يُعمِلونَ عقولهم، ويتفكَّرون فيها.

[6] ﴿تِلۡكَ ءَايَٰتُ ٱللَّهِ نَتۡلُوهَا عَلَيۡكَ بِٱلۡحَقِّۖ فَبِأَيِّ حَدِيثِۭ بَعۡدَ ٱللَّهِ وَءَايَٰتِهِۦ يُؤۡمِنُونَ 6﴾:

واعلم -أيها النبي- أن تلك الآياتِ المذكورةَ هي حُجَجُ اللهِ الدالَّةُ على وحدانيتِهِ وكمالِ قدرته، وأن الله يُخْبِرُكَ بها بالحق؛ فبأي حديث بعد حديث الله، وبعد آياته يؤمِنُ هؤلاء ويصدِّقون؟!

[7] ﴿وَيۡلٞ لِّكُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٖ 7﴾:

ثم توعَّد جل وعلا بالعذابِ الأليمِ يومَ القيامة كلَّ أفَّاك أثيم، أي: كلَّ إنسان كثيرِ الكذب، كثير الذنوب المعاصي، ويدخُلُ في هؤلاء كلُّ الزنادقةِ والدهريين، والكَفَرةِ والمُلْحِدين.

[8] ﴿يَسۡمَعُ ءَايَٰتِ ٱللَّهِ تُتۡلَىٰ عَلَيۡهِ ثُمَّ يُصِرُّ مُسۡتَكۡبِرٗا كَأَن لَّمۡ يَسۡمَعۡهَاۖ فَبَشِّرۡهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٖ 8﴾:

ثم بيَّن سبحانه أن من صفاتِ هذا الأفَّاكِ الأثيمِ: أنه يسمعُ كتاب الله، وهو القرآنُ الكريمُ، يُقْرَأُ عليه صباحًا ومساءً، ثم يُصِرُّ على الكفرِ والضلالِ والاستكبار، وكأنه لم يسمعْ ما يتلى عليه من الآيات؛ فهذا وأمثاله بَشِّرْهُ -أيها النبي- بعذابٍ أليمٍ موجعٍ في نار جهنَّم يوم القيامة.

[9] ﴿وَإِذَا عَلِمَ مِنۡ ءَايَٰتِنَا شَيۡـًٔا ٱتَّخَذَهَا هُزُوًاۚ أُوْلَٰٓئِكَ لَهُمۡ عَذَابٞ مُّهِينٞ 9﴾:

ثم أخبَرَ جل وعلا أن هؤلاء الكفَّار إذا بلَغَهُمْ ووصَلَ إليهم شيءٌ من آيات القرآن، فإنهم يَسْخَرونَ ويستهزئون بها؛ فأولئك لهم في الآخرة عذابٌ أليمٌ يُهِينُهم ويُذِلُّهم ويفضحهم.

[10] ﴿مِّن وَرَآئِهِمۡ جَهَنَّمُۖ وَلَا يُغۡنِي عَنۡهُم مَّا كَسَبُواْ شَيۡـٔٗا وَلَا مَا ٱتَّخَذُواْ مِن دُونِ ٱللَّهِ أَوۡلِيَآءَۖ وَلَهُمۡ عَذَابٌ عَظِيمٌ 10﴾:

وبعد أن ذكَرَ جل وعلا سخريتهم واستهزاءهم بآيات الله؛ ذكَرَ أن مصيرهم جهنَّم، وأنها تنتظرهم، ولن يدفع عنهم عذابَ الله اختراعاتُهُمْ واكتشافاتُهُمْ، وما اكتسبوا في الدنيا مِنَ المالِ والولد، ولن تنفعهم آلهتهم التي عَبَدُوها من دون الله، ولهم في الآخرة عذابٌ عظيم.

[11] ﴿هَٰذَا هُدٗىۖ وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِـَٔايَٰتِ رَبِّهِمۡ لَهُمۡ عَذَابٞ مِّن رِّجۡزٍ أَلِيمٌ 11﴾:

ثم ذكَرَ جل وعلا أن هذا القرآنَ الذي أنزلناه عليك -أيها النبي- هُدًى ونورٌ لمن وفَّقه الله، أما أولئك الذين جحدوا ما في هذا القرآن مِنَ الآياتِ والبراهينِ الدالَّةِ على صحَّته وصدقِ مَنْ جاء به، فلهم أشدُّ أنواعِ العذابِ المُؤْلِمِ المُوجِع.

[12] ﴿ٱللَّهُ ٱلَّذِي سَخَّرَ لَكُمُ ٱلۡبَحۡرَ لِتَجۡرِيَ ٱلۡفُلۡكُ فِيهِ بِأَمۡرِهِۦ وَلِتَبۡتَغُواْ مِن فَضۡلِهِۦ وَلَعَلَّكُمۡ تَشۡكُرُونَ 12﴾:

أخبَرَ جل وعلا بفضلِهِ على عباده وإحسانِهِ إليهم؛ وذلك بتسخير البَحْر لهم؛ لتسيرَ فيه المراكبُ والسُّفُنُ بأمره وقدرته سبحانه؛ لتنقُلَكُمْ مِن مكان إلى مكان لم تَصِلُوا إليه إلا بشِقِّ الأنفس، ولتبتغوا من فضله بأنواعِ التجاراتِ والمكاسب، وتستخرجوا منه الحُلِيَّ والطعامَ كاللؤلؤِ والأسماكِ وغيرِ ذلك، ولعلَّكم بعد ذلك تشكرون الله على هذه النعم العظيمة.

[13] ﴿وَسَخَّرَ لَكُم مَّا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلۡأَرۡضِ جَمِيعٗا مِّنۡهُۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَأٓيَٰتٖ لِّقَوۡمٖ يَتَفَكَّرُونَ 13﴾:

ثم أخبَرَ جل وعلا أنه سخَّر لكم -أيها الناس- جميعَ ما خلَقَ في السموات من الكواكب والأنوار، والأضواء والأمطار، وجميعَ ما خلَقَ في الأرض مِنَ الدوابِّ والشجرِ والسُّفُنِ والمعادن وغير ذلك، وبيَّن أن جميع هذه النعم منه وحده، تفضَّل بها عليكم؛ لكي تعبدوه وحده لا شريكَ له، واعلموا أن فيما سخَّره سبحانه لكم علاماتٍ ودَلَالاتٍ لقوم يتفكَّرون في آيات الله وحججه وبراهينه؛ فيعتبرون بها.

[14] ﴿قُل لِّلَّذِينَ ءَامَنُواْ يَغۡفِرُواْ لِلَّذِينَ لَا يَرۡجُونَ أَيَّامَ ٱللَّهِ لِيَجۡزِيَ قَوۡمَۢا بِمَا كَانُواْ يَكۡسِبُونَ 14﴾:

وقل -أيها النبي- للذين آمنوا بالله واليوم الآخر، واتَّبعوك: أن يصبروا على أذيَّة المشركين الذين لا يَرْجُونَ ثواب الله، ولا يخافون عقابه؛ فإنَّ الله سبحانه وتعالى سيجازي كلَّ قومٍ بما كسبوا، وبما عَمِلَتْ أيديهم.

قال ابن عبَّاس رضي الله عنه في رواية عطاء: (أراد بقوله: ﴿قُل لِّلَّذِينَ ءَامَنُواْ﴾: عُمَرَ بنَ الخطَّاب رضي الله عنه خاصَّةً، وأراد بالذين: ﴿لَا يَرۡجُونَ أَيَّامَ ٱللَّهِ﴾: عبدَ اللهِ بنَ أُبَيٍّ ابْنَ سَلُولَ)، والعِبْرةُ بعمومِ اللفظ، لا بخصوصِ السبب.

[15] ﴿مَنۡ عَمِلَ صَٰلِحٗا فَلِنَفۡسِهِۦۖ وَمَنۡ أَسَآءَ فَعَلَيۡهَاۖ ثُمَّ إِلَىٰ رَبِّكُمۡ تُرۡجَعُونَ 15﴾:

واعلموا -أيها الناس- أن مَنْ عمل الأعمالَ الصالحة، وداوَمَ على ما يحبُّه الله ويرضاه، فإنما يقدِّم الخيرَ والسعادةَ لنفسه، ومَنْ عَمِلَ الأعمال السيئة، وأقام على ما يَكْرَهُهُ الله ويأباه، فإنما يجني على نَفْسه، ويقدِّمُ لها الشقاءَ والعذاب، ثم إلى ربِّكم تُرْجَعون؛ فيجازي كلًّا بما عَمِلَ وبما قدَّم.

[16] ﴿وَلَقَدۡ ءَاتَيۡنَا بَنِيٓ إِسۡرَٰٓءِيلَ ٱلۡكِتَٰبَ وَٱلۡحُكۡمَ وَٱلنُّبُوَّةَ وَرَزَقۡنَٰهُم مِّنَ ٱلطَّيِّبَٰتِ وَفَضَّلۡنَٰهُمۡ عَلَى ٱلۡعَٰلَمِينَ 16﴾:

ثم أخبَرَ جل وعلا أنه أعطى بني إسرائيلَ التوراةَ والإنجيلَ؛ ليكونا هدايةً ونورًا لهم، وأعطاهم الفَهْمَ والفقهَ للأحكام؛ ليحكُمُوا بين الناس بالعَدْل، وأعطاهم النبوَّة؛ فجعل أكثر الأنبياء من ذُرِّيَّةِ إبراهيم عليه السلام فيهم، ورزَقَهم جل في علاه أنواعَ المطاعم والمشارب الطيبة، وفضَّلهم على عالَمِي زمانهم؛ وهكذا فإنَّ أتباعَ كلِّ نبي مفضَّلون على عالمي زمانهم.

[17] ﴿وَءَاتَيۡنَٰهُم بَيِّنَٰتٖ مِّنَ ٱلۡأَمۡرِۖ فَمَا ٱخۡتَلَفُوٓاْ إِلَّا مِنۢ بَعۡدِ مَا جَآءَهُمُ ٱلۡعِلۡمُ بَغۡيَۢا بَيۡنَهُمۡۚ إِنَّ رَبَّكَ يَقۡضِي بَيۡنَهُمۡ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ فِيمَا كَانُواْ فِيهِ يَخۡتَلِفُونَ 17﴾:

ثم بيَّن جل وعلا نعمةً أخرى أنعَمَ بها على بني إسرائيل، وهي أنه أعطاهم دَلَالاتٍ تبيِّنُ لهم الحقَّ من الباطل، وتوضِّحُ لهم الحلالَ والحرام، فما وقَعَ الاختلافُ فيما بينهم إلا بعدما بلَغَهم العلمُ، ووصَلَ إليهم واضحًا جليًّا، وكان الحاملُ لهم على هذا الاختلافِ هو: بَغْيَ بعضهم على بعض، وظُلْمَ بعضهم لبعض، واعلم -أيها النبي- أن ربك يقضي بينهم بالعَدْل، ويَفْصِلُ بينهم بالحق يوم القيامة فيما كانوا فيه يختلفون في الدنيا، وفيما بَغَى بعضهم فيه على بعض.

[18] ﴿ثُمَّ جَعَلۡنَٰكَ عَلَىٰ شَرِيعَةٖ مِّنَ ٱلۡأَمۡرِ فَٱتَّبِعۡهَا وَلَا تَتَّبِعۡ أَهۡوَآءَ ٱلَّذِينَ لَا يَعۡلَمُونَ 18﴾:

ثم أخبَرَ جل وعلا نبيه محمدًا ﷺ: أنه شرَّع له شريعةً كاملة، وجعَلَهُ على منهاجٍ واضحٍ في أمر الدِّين، وأمَرَه بأن يمتثلها، وأن يعمل بأحكامها، وألَّا يتَّبِعَ أهواء الذين لا يؤمنون بالله، ولا يعلِّمون توحيد الله وشرائعه لعباده.

[19] ﴿إِنَّهُمۡ لَن يُغۡنُواْ عَنكَ مِنَ ٱللَّهِ شَيۡـٔٗاۚ وَإِنَّ ٱلظَّٰلِمِينَ بَعۡضُهُمۡ أَوۡلِيَآءُ بَعۡضٖۖ وَٱللَّهُ وَلِيُّ ٱلۡمُتَّقِينَ 19﴾:

واعلم -أيها النبي- أنك إذا اتَّبَعْتَ هؤلاء الضالِّين، فإنهم لن ينفعوك عند الله، ولن يجلبوا لك نفعًا، ولن يدفعوا عنك ضرًّا، وإن الظالمين المُجَاوِزينَ حدودَهُمْ ينصُرُ بعضهم بعضًا في الدنيا، واللهُ ناصرُ المؤمنين الذين جعلوا بينهم وبين عذابِهِ وقايةً بتوحيده، وفعلِ أوامره، واجتنابِ نواهيه.

[20] ﴿هَٰذَا بَصَٰٓئِرُ لِلنَّاسِ وَهُدٗى وَرَحۡمَةٞ لِّقَوۡمٖ يُوقِنُونَ 20﴾:

ثم اعلم -أيها النبي- أن هذا القرآنَ نورٌ وضياء، وأدلَّة ساطعة، وبراهين قاطعة، وقد أنزلناه؛ تبصيرًا للناسِ في جميعِ أمورهم، وإرشادًا لهم إلى الهُدَى ودِينِ الحق، ورحمةً واسعةً لمن آمَنَ وأيقَنَ به.

[٢١] ﴿أَمۡ حَسِبَ ٱلَّذِينَ ٱجۡتَرَحُواْ ٱلسَّيِّـَٔاتِ أَن نَّجۡعَلَهُمۡ كَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ سَوَآءٗ مَّحۡيَاهُمۡ وَمَمَاتُهُمۡۚ سَآءَ مَا يَحۡكُمُونَ 21﴾:

ثم سأل جل وعلا على سبيل الإنكار: هل ظَنَّ الذين اكتسبوا السيئاتِ من الكفر والمعاصي؛ أن نجعلهم في مرتبةٍ ودرجةٍ واحدةٍ مع الذين آمنوا بالله، واتَّبعوا أمره، وأقاموا على ما يحبُّه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال؟! هل ظنوا أن نساوي بينهم في الدنيا والآخرة؟! كلا! لا يستوون أبدًا؛ ساء ما ظنوا وما حَسِبُوا، وساء حُكْمُهم الذي حكموا به؛ فإن الله جل في علاه حَكَمٌ عدل.

[22] ﴿وَخَلَقَ ٱللَّهُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضَ بِٱلۡحَقِّ وَلِتُجۡزَىٰ كُلُّ نَفۡسِۭ بِمَا كَسَبَتۡ وَهُمۡ لَا يُظۡلَمُونَ 22﴾:

ثم أكَّد جل وعلا عدَمَ المساواة بين الفريقَيْنِ، فأخبَرَ بأنه هو الذي خلق السموات والأرضَ، وأوجَدَهما بعد العَدَم؛ بالحق والحكمة؛ ليختبِرَ الناسَ بتوحيدِهِ، وإخلاصِ العبادة له، وليجزيَ اللهُ كلَّ نفسٍ ما كسَبَتْ من خير أو شر، ولن يُظلَمُوا شيئًا من أعمالهم، وإنْ كان مثقالَ حَبَّةٍ مِنْ خردل.

[23] ﴿أَفَرَءَيۡتَ مَنِ ٱتَّخَذَ إِلَٰهَهُۥ هَوَىٰهُ وَأَضَلَّهُ ٱللَّهُ عَلَىٰ عِلۡمٖ وَخَتَمَ عَلَىٰ سَمۡعِهِۦ وَقَلۡبِهِۦ وَجَعَلَ عَلَىٰ بَصَرِهِۦ غِشَٰوَةٗ فَمَن يَهۡدِيهِ مِنۢ بَعۡدِ ٱللَّهِۚ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ 23﴾:

وانظر -أيها النبي- وتأمَّل: هل رأيتَ ذلك الشقيَّ الذي اتَّخذ هواه إلهًا له؛ فلا يَهْوَى شيئًا إلا فَعَلَهُ، وقد أضلَّه الله بعد معرفتِهِ، وبلوغِ العلمِ إليه، وقيامِ الحُجَّةِ عليه، أي: أنه كان ضالًّا متَّبِعًا لهواه، مع علمه بالحقِّ والهدى، ولكنه أصَرَّ على الكفر والضلال؛ فطبَعَ الله على سَمْعِهِ وقلبه، فلا يسمعُ مواعظَ الله، ولا يعقلُ شيئًا فيه هدايته ورُشْده، وجعَلَ على بَصَرِهِ غطاءً فلا يُبصِرُ به حججَ الله؟! فمن يوفِّقُ هذا الشقيَّ للحق بعد أن أضلَّه الله؟! أفلا تتذكَّرون وتتَّعظون أنَّ مَن فعَلَ الله به ذلك، فلن يهتدي أبدًا؟! وإضلالُ الله له هنا جزاءٌ له على جحوده وإصراره على الكفر والشرك، وليس ابتداءً.

[24] ﴿وَقَالُواْ مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا ٱلدُّنۡيَا نَمُوتُ وَنَحۡيَا وَمَا يُهۡلِكُنَآ إِلَّا ٱلدَّهۡرُۚ وَمَا لَهُم بِذَٰلِكَ مِنۡ عِلۡمٍۖ إِنۡ هُمۡ إِلَّا يَظُنُّونَ 24﴾:

وقال هؤلاء المشركون الدهريُّون منكرو البَعْث؛ على سبيلِ الجهلِ والعناد، وجحود الحق: ليس هناك حياةٌ إلا الحياةَ التي نحيا فيها، نموتُ نحن الآباء، ويحيا الأبناء، وما يُهْلِكُنا إلا مرورُ الأيام والليالي والسنين، وهذا الذي يقوله هؤلاء المشركون عن البعث ليس عن عِلْم، بل هو عن تخرُّصٍ وتوهُّمٍ وتخيُّل، وأيضًا يقولون ذلك تهرُّبًا من المسؤوليَّة؛ لأن الإيمان بالآخِرةِ يتطلَّبُ العمل لها.

[25] ﴿وَإِذَا تُتۡلَىٰ عَلَيۡهِمۡ ءَايَٰتُنَا بَيِّنَٰتٖ مَّا كَانَ حُجَّتَهُمۡ إِلَّآ أَن قَالُواْ ٱئۡتُواْ بِـَٔابَآئِنَآ إِن كُنتُمۡ صَٰدِقِينَ 25﴾:

وهؤلاء المشرِكون المعاندون، إذا تُقرَأُ عليهم آياتُ القرآنِ الواضحةُ في الأمر بالتوحيد، والدَّلَالةِ على البعثِ والنشور، لم يكن لهم مِنْ حُجَّةٍ إلا أن يقولوا: أَحْيُوا لنا آباءنا إنْ كنتم صادقين في قولكم: إنَّ هناك بعثًا بعد الموت.

[26] ﴿قُلِ ٱللَّهُ يُحۡيِيكُمۡ ثُمَّ يُمِيتُكُمۡ ثُمَّ يَجۡمَعُكُمۡ إِلَىٰ يَوۡمِ ٱلۡقِيَٰمَةِ لَا رَيۡبَ فِيهِ وَلَٰكِنَّ أَكۡثَرَ ٱلنَّاسِ لَا يَعۡلَمُونَ 26﴾:

وقل -أيها النبي- ردًّا على هؤلاء المشركين المكذِّبين بالبعث: اعلموا أن الله هو الذي يُحْيِيكم في الحياة الدنيا ما شاء لكم أن تَحْيَوْا، ثم يُمِيُتكم فيها عند انقضاء آجالكم، ثم يَجْمَعُكم ويعيدُكم يوم القيامة للحياة مرَّةً أخرى للجزاءِ والحساب، وهذا اليومُ الذي هو يومُ القيامة سوف يأتي لا شكَّ في ذلك، ولكنَّ أكثر الناس لا يعلمون حقيقة ذلك.

[27] ﴿وَلِلَّهِ مُلۡكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۚ وَيَوۡمَ تَقُومُ ٱلسَّاعَةُ يَوۡمَئِذٖ يَخۡسَرُ ٱلۡمُبۡطِلُونَ 27﴾:

واعلموا -أيها الناس- أن لله وحده مُلْكَ السموات والأرض؛ فهو الذي خلَقَهما، وأبدَعَهما على غير مثال سابق، ويومَ تجيءُ الساعةُ التي يُبعَثُ فيها الموتى من قبورهم ويحاسبون: تكون الخسارةُ على الكافرين الجاحدين الذين اختلقوا الأباطيل، وصدَّقوها، وآثروا الكفر على الإيمان.

[28] ﴿وَتَرَىٰ كُلَّ أُمَّةٖ جَاثِيَةٗۚ كُلُّ أُمَّةٖ تُدۡعَىٰٓ إِلَىٰ كِتَٰبِهَا ٱلۡيَوۡمَ تُجۡزَوۡنَ مَا كُنتُمۡ تَعۡمَلُونَ 28﴾:

وفي يوم القيامة سوف تَرَى -أيها النبي- أصحابَ كلِّ مِلَّةٍ ودِينٍ جاثمين على رُكَبهم مِن هَوْلِ ذلك اليوم، قال الحسَنُ: (بارِكِينَ على الرُّكَب)، كلُّ أمة تُدْعَى إلى صحيفة أعمالها، ثم يقالُ لهم: اليومَ تُجْزَوْنَ على أعمالكم في الدنيا بما تستحقُّون، لا ظُلْمَ اليوم.

[29] ﴿هَٰذَا كِتَٰبُنَا يَنطِقُ عَلَيۡكُم بِٱلۡحَقِّۚ إِنَّا كُنَّا نَسۡتَنسِخُ مَا كُنتُمۡ تَعۡمَلُونَ 29﴾:

ثم يقال لهؤلاء المشركين: هذا كتابُ أعمالكم الذي كَتَبَتْهُ عليكم الملائكةُ بين أيديكم، يَنْطِقُ عليكم بالحق؛ فإنَّ الله جل في علاه كان يأمُرُ الحَفَظَةَ أن تكتُبَ جميعَ أعمالكم الصالحة والطالحة، وربما يكون تسجيلُ الأعمال بالصَّوْتِ والصورة؛ فالله على كلِّ شيء قدير.

[30] ﴿فَأَمَّا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ فَيُدۡخِلُهُمۡ رَبُّهُمۡ فِي رَحۡمَتِهِۦۚ ذَٰلِكَ هُوَ ٱلۡفَوۡزُ ٱلۡمُبِينُ 30﴾:

ثم فصَّل جل وعلا، فأخبَرَ أن الذين آمنوا بالله ورسوله ﷺ في الدنيا، وامتثلوا أوامره، واجتنبوا نواهيه، فإنَّ الله يُدْخِلهم في جَنَّته ورضوانه، ولا شك أن هذا الثوابَ الجزيلَ هو الفوزُ المُبِينُ الذي لا فَوْزَ بعده.

[31] ﴿وَأَمَّا ٱلَّذِينَ كَفَرُوٓاْ أَفَلَمۡ تَكُنۡ ءَايَٰتِي تُتۡلَىٰ عَلَيۡكُمۡ فَٱسۡتَكۡبَرۡتُمۡ وَكُنتُمۡ قَوۡمٗا مُّجۡرِمِينَ 31﴾:

وأما الذين جحدوا آيات الله، وكذَّبوا رسله، فإن الله يبكِّتهم ويؤنِّبهم على استكبارهم واتِّباع شهواتهم، ويقالُ لهم: أفلم تكن آياتُ الله تتلى عليكم، فاستكبرتم عن الاستماعِ إليها، والإيمانِ بها، وكنتم قومًا مشرِكينَ تفعلون المعاصي، ولا تؤمنون بثوابٍ ولا عقاب؟!

[32] ﴿وَإِذَا قِيلَ إِنَّ وَعۡدَ ٱللَّهِ حَقّٞ وَٱلسَّاعَةُ لَا رَيۡبَ فِيهَا قُلۡتُم مَّا نَدۡرِي مَا ٱلسَّاعَةُ إِن نَّظُنُّ إِلَّا ظَنّٗا وَمَا نَحۡنُ بِمُسۡتَيۡقِنِينَ 32﴾:

وإذا قيل لهؤلاء المكذِّبين بالبعث: إن وَعْدَ الله بالبعثِ والنشور حقٌّ، والساعةُ آتيةٌ لا شكَّ في ذلك، قلتم منكِرِينَ لذلك: أيُّ شيءٍ هي الساعة؟! ما نظُنُّ قيامَهَا إلا توهُّمًا، وما نحن بمتيقِّنين من ذلك!

[33] ﴿وَبَدَا لَهُمۡ سَيِّـَٔاتُ مَا عَمِلُواْ وَحَاقَ بِهِم مَّا كَانُواْ بِهِۦ يَسۡتَهۡزِءُونَ 33﴾:

ثم بيَّن جل وعلا ما ترتَّب على أقوال هؤلاء المشرِكينَ الباطلة؛ حيث ظهَرَ لهم ما عملوا مِنَ الشركِ، والتكذيبِ بالبعثِ والنشور، ونزَلَ بهم العذابُ الذي كانوا يستهزئون به، ويستعجلون مجيئه.

[34] ﴿وَقِيلَ ٱلۡيَوۡمَ نَنسَىٰكُمۡ كَمَا نَسِيتُمۡ لِقَآءَ يَوۡمِكُمۡ هَٰذَا وَمَأۡوَىٰكُمُ ٱلنَّارُ وَمَا لَكُم مِّن نَّٰصِرِينَ 34﴾:

وفي يومِ القيامة يقالُ لهؤلاء المشركين؛ على سبيلِ التأنيبِ والزَّجْر: اليومَ نُهْمِلُكم ونترُكُكم في جهنَّم للعذاب، كما ترَكْتُمُ الإيمان بالله في الدنيا، والعمَلَ لهذا اليوم، وكنتم تُصِرُّونَ على الكفر والشرك والعناد؛ فمَسْكَنُكم الذي تأوون إليه هو نارُ جهنَّم، وليس لكم في هذا اليومِ مِن ناصرٍ ينصُرُكم ليخفِّفَ عنكم عذاب الله.

وعبَّر عن التركِ بالنِّسْيانِ؛ مُشاكَلةً لفعلهم، فإن الجزاءَ مِن جنس العمل؛ وإلا فالله لا تغيبُ عنه غائبةٌ، ولا تخفى عليه خافيةٌ في الأرضِ ولا في السماء، يَعْلَمُ خائنةَ الأعيُنِ وما تخفي الصدور، والنسيانُ بمعنى الذهولِ والسهو: ممتنِعٌ بالنسبةِ لله، وهو هنا: التركُ الدائمُ للكفَّارِ في العذابِ، عن علم منه سبحانه وعَمْد.

[35] ﴿ذَٰلِكُم بِأَنَّكُمُ ٱتَّخَذۡتُمۡ ءَايَٰتِ ٱللَّهِ هُزُوٗا وَغَرَّتۡكُمُ ٱلۡحَيَوٰةُ ٱلدُّنۡيَاۚ فَٱلۡيَوۡمَ لَا يُخۡرَجُونَ مِنۡهَا وَلَا هُمۡ يُسۡتَعۡتَبُونَ 35﴾:

ثم بيَّن جل وعلا الأسبابَ التي أدَّت بهؤلاء المشركين إلى هذا المصير السيِّئ؛ فأخبَرَ أن ذلكم العذابَ والنَّكَالَ الذي أصابهم، وخلودَهُمْ في النار؛ بسبب أنهم اتَّخذوا القرآن للاستهزاء والسخرية، وخَدَعَتْهُم زينةُ الحياةِ الدنيا، وزُخْرُفها الزائل؛ فاليومَ لا يُخرَجُونَ مِن النار أبدًا، ولا يُقبَلُ منهم معذرةٌ أو توبة.

[36] ﴿فَلِلَّهِ ٱلۡحَمۡدُ رَبِّ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَرَبِّ ٱلۡأَرۡضِ رَبِّ ٱلۡعَٰلَمِينَ 36﴾:

ثم ختَمَ جل وعلا السورةَ مخبِرًا أن له وحدَهُ الحَمْدَ والعظمةَ والثناءَ الكاملَ على نعمه التي لا تحصى، وله الحمدَ على ربوبيَّته؛ فهو ربُّ السموات وربُّ الأرض، وخالقهما ومدبِّرهما، وربُّ الخلائق أجمعين؛ حيث خلَقَهم وربَّاهم وأنعم عليهم بالنعم الظاهرة الباطنة.

[37] ﴿وَلَهُ ٱلۡكِبۡرِيَآءُ فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۖ وَهُوَ ٱلۡعَزِيزُ ٱلۡحَكِيمُ 37﴾:

وأخبَرَ سبحانه أن له وحدَهُ الكبرياءَ والعظمةَ والسلطانَ والجلالَ في السموات والأرض، وهو العزيزُ الذي لا يغالَب، والحكيمُ في أقوالِهِ وأفعالِهِ؛ فله الحمدُ المطلَقُ.

سورة الأحقاف

سورة الأحقاف مكيَّةٌ، وآياتها خمس وثلاثون آية.

[1] ﴿حمٓ 1﴾:

سبق الكلام على الحروف المقطَّعة في أول سورة البقرة.

[2] ﴿تَنزِيلُ ٱلۡكِتَٰبِ مِنَ ٱللَّهِ ٱلۡعَزِيزِ ٱلۡحَكِيمِ 2﴾:

بدأ جل وعلا السورةَ بالإخبارِ أن هذا القرآنَ العظيمَ الحامِلَ للهدى والنور، والجامعَ لكلِّ ما هو حسَنٌ وصِدْقٌ، منزَّلٌ من عند الله العزيزِ الذي لا يغالِبُهُ أحد، القاهِرِ لجميعِ خلقه، الحكيمِ في تصريفِهِ لشؤونهم.

[3] ﴿مَا خَلَقۡنَا ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضَ وَمَا بَيۡنَهُمَآ إِلَّا بِٱلۡحَقِّ وَأَجَلٖ مُّسَمّٗىۚ وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ عَمَّآ أُنذِرُواْ مُعۡرِضُونَ 3﴾:

واعلموا -أيها الناس- أن الله جل وعلا ما خلَقَ السموات والأرضَ وما بينهما إلا بالحقِّ الذي اقتضته حكمتُهُ وإرادته، وإلى الأجلِ الذي حدَّده الله، وهو يوم القيامة، يومَ تُبدَّلُ الأرض والسموات، ولكنَّ الذين جَحَدوا آيات الله مُعْرِضونَ عن مواعظِ القرآنِ وتوجيهاتِه، ولا يتفكَّرون في الآخرة، ولا فيما خُلِقوا من أجله، وهو عبادة الله وحده.

[4] ﴿قُلۡ أَرَءَيۡتُم مَّا تَدۡعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ أَرُونِي مَاذَا خَلَقُواْ مِنَ ٱلۡأَرۡضِ أَمۡ لَهُمۡ شِرۡكٞ فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِۖ ٱئۡتُونِي بِكِتَٰبٖ مِّن قَبۡلِ هَٰذَآ أَوۡ أَثَٰرَةٖ مِّنۡ عِلۡمٍ إِن كُنتُمۡ صَٰدِقِينَ 4﴾:

وقل -أيها النبي- لهؤلاء المشرِكينَ على سبيلِ التوبيخ والتأنيب: أرأيتم هذه الآلهةَ وهذه الأصنامَ والأوثانَ وغيرها مِن المخلوقاتِ التي تعبُدُونها مِن دون الله، أَرُوني هل خلَقُوا شيئًا من المخلوقات؟! أم أنَّ لهم شَرَاكةً مع الله في خلق السموات؟! فإذا لم يخلُقُوا شيئًا، ولم يكن لهم شراكةٌ في شيء، إذن: كيف تعبدون مِنْ دون الله ما لا يضُرُّ ولا يَنْفَعُ؟! أليس هذا هو الضلالَ والفسادَ المبين؟! ثم هاتوا -أيها المشركون- كتابًا من عند الله نزَلَ قبل هذا القرآن، أو بقيَّةً من علمٍ تؤيِّد عملكم، وتدُلُّ على صحة ما أنتم عليه من الشرك والضلال؛ إن كنتم صادقين فيما تزعمون.

[5] ﴿وَمَنۡ أَضَلُّ مِمَّن يَدۡعُواْ مِن دُونِ ٱللَّهِ مَن لَّا يَسۡتَجِيبُ لَهُۥٓ إِلَىٰ يَوۡمِ ٱلۡقِيَٰمَةِ وَهُمۡ عَن دُعَآئِهِمۡ غَٰفِلُونَ 5﴾:

واعلموا -أيها الناس- أنه لا يوجد أحدٌ أشدَّ ضلالًا وجهلًا من هؤلاء المشركين الذين يعبدون مِن دون الله هذه الأصنامَ وهذه الأوثانَ التي لا تجيبُ لهم دعاءً، ولا تسمعُ لهم كلامًا، ولا تَعْقِلُ لهم نداءً، ولو جلَسَ يخاطبها إلى يوم القيامة؛ لأن هذه الأصنام والأوثان غافلة عن عبادةِ مَنْ يعبُدُها؛ بل لا تُدرِكُ شيئًا، ولا تُحِسُّ بمَنْ حولها.

[6] ﴿وَإِذَا حُشِرَ ٱلنَّاسُ كَانُواْ لَهُمۡ أَعۡدَآءٗ وَكَانُواْ بِعِبَادَتِهِمۡ كَٰفِرِينَ 6﴾:

ثم بيَّن جل وعلا ما يحدُثُ بين العابدين والمعبودين يوم القيامة؛ فأخبَرَ بأن الناس إذا حُشِروا يوم القيامة للحساب، كانت الأولياء والأصنام والأوثان أعداءً لعابديها؛ حيثُ يتبرَّؤون ممن عبدوهم، وحينها يَلْعَنُ بعضُهم بعضًا، ويتبرَّأ بعضهم من بعض.

[7] ﴿وَإِذَا تُتۡلَىٰ عَلَيۡهِمۡ ءَايَٰتُنَا بَيِّنَٰتٖ قَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لِلۡحَقِّ لَمَّا جَآءَهُمۡ هَٰذَا سِحۡرٞ مُّبِينٌ 7﴾:

ثم أخبَرَ جل وعلا عن مشركي قريش: أنهم إذا تتلى علىهم آياتُ القرآنِ الواضحةُ الدَّلَالةِ على وحدانيَّةِ الله، وكمالِ قدرته، قالوا: هذا سِحْرٌ ظاهرٌ بيِّن.

[8] ﴿أَمۡ يَقُولُونَ ٱفۡتَرَىٰهُۖ قُلۡ إِنِ ٱفۡتَرَيۡتُهُۥ فَلَا تَمۡلِكُونَ لِي مِنَ ٱللَّهِ شَيۡـًٔاۖ هُوَ أَعۡلَمُ بِمَا تُفِيضُونَ فِيهِۚ كَفَىٰ بِهِۦ شَهِيدَۢا بَيۡنِي وَبَيۡنَكُمۡۖ وَهُوَ ٱلۡغَفُورُ ٱلرَّحِيمُ 8﴾:

ثم أخبَرَ جل وعلا أنَّ مِن أقوال هؤلاء المشركين أنهم يقولون: إن محمَّدًا اخترَعَ وألَّف واختلَقَ هذا القرآنَ مِن عند نفسه، فقل لهم -أيها النبي-: إنِ اختلقتُهُ مِن قِبَلِ نفسي، فالله قادرٌ على أن يعذِّبني، وحينها لا تملكون أن تدفعوا عني شيئًا من العذاب، واعلموا أن الله تعالى عالمٌ بما تخوضون فيه مِن التكذيبِ والمخاصَمةِ بالباطل، وكفى باللهِ شهيدًا عليَّ وعليكم، وحَكَمًا بيني وبينكم، وهو الغفورُ لمن تاب مِن الشركِ، وآمَنَ برسالتي، وصدَّق بالقرآن، الرحيمُ بعباده المؤمنين.

[9] ﴿قُلۡ مَا كُنتُ بِدۡعٗا مِّنَ ٱلرُّسُلِ وَمَآ أَدۡرِي مَا يُفۡعَلُ بِي وَلَا بِكُمۡۖ إِنۡ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَىٰٓ إِلَيَّ وَمَآ أَنَا۠ إِلَّا نَذِيرٞ مُّبِينٞ 9﴾:

ثم أمَرَ جل وعلا نبيه محمدًا ﷺ أن يقول لهؤلاء المشركين: ما أنا بأوَّلِ رسولٍ يُبعَثُ في قومه، فقد بعَثَ الله قبلي كثيرًا من الرُّسُلِ لأقوامهم، وأنزَلَ عليهم الكُتُبَ؛ فَلِمَ تستغربون دعوتي، وتستنكرون رسالتي؟! وما أنا إلا بشرٌ مِثْلُكم، لا أَعْلَمُ الغيب، ولا أعلم ما يكونُ في المستقبل، ولا أدري ماذا سيُفعَلُ بي ولا بكم، ما أنا إلا رسولٌ مِن عند اللهِ أَتَّبِعُ ما يوحيه الله إليَّ، ولا آتي بشيءٍ من عندي، وليس عليَّ حسابُكم؛ فما عليَّ إلا البلاغُ والنِّذارة.

[10] ﴿قُلۡ أَرَءَيۡتُمۡ إِن كَانَ مِنۡ عِندِ ٱللَّهِ وَكَفَرۡتُم بِهِۦ وَشَهِدَ شَاهِدٞ مِّنۢ بَنِيٓ إِسۡرَٰٓءِيلَ عَلَىٰ مِثۡلِهِۦ فَـَٔامَنَ وَٱسۡتَكۡبَرۡتُمۡۚ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يَهۡدِي ٱلۡقَوۡمَ ٱلظَّٰلِمِينَ 10﴾:

ومرةً أخرى أمَرَ جل وعلا نبيَّه ﷺ أن يقولَ لهؤلاء المشركين: أَخْبِروني لو كان هذا القرآن مِن عند الله، وكَفَرْتم به، ثم شَهِدَ بعضُ علماء بني إسرائيل كعبد الله بن سَلَامٍ أنه حقٌّ، وأنه يَحْمِلُ مِن التوحيدِ والتحذيرِ كما في الكتب التي أُنزِلَتْ على موسى وغيره من الأنبياء، ثم إنه بعد القناعةِ: آمَنَ بهذا القرآن، وعَمِلَ بما جاء فيه، أما أنتم، فجحَدتُّم ذلك استكبارًا وعلوًّا؛ أليس هذا من أعظمِ الظلم، وأشدِّ الكفر؟! واعلموا أن الله لا يوفِّقُ القومَ الذين ظلموا أنفُسَهم بالاستكبار عن الحقِّ بعد مَعْرِفته.

[11] ﴿وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَوۡ كَانَ خَيۡرٗا مَّا سَبَقُونَآ إِلَيۡهِۚ وَإِذۡ لَمۡ يَهۡتَدُواْ بِهِۦ فَسَيَقُولُونَ هَٰذَآ إِفۡكٞ قَدِيمٞ 11﴾:

وقال الجاحدون لنبوَّة محمد ﷺ من رؤساء قريش: لو كان الإيمانُ بهذا القرآنِ وهذا الدِّينِ خيرًا، ما سبَقَنَا إليه هؤلاءِ الفقراء؛ قالوا ذلك؛ استكبارًا بأنهم هم العظماءُ الأغنياء، وأما أصحابُ محمَّد ﷺ، فهم الضعفاءُ الفقراء؛ وحيث إنهم لم يهتدوا بالقرآنِ استكبارًا، ولم ينتفعوا بما فيه مِن الحق؛ ذمُّوه وطعنوا فيه، وقالوا: إنَّ هذا القرآنَ كَذِبٌ، وما هو إلا أساطير الأولين.

[12] ﴿وَمِن قَبۡلِهِۦ كِتَٰبُ مُوسَىٰٓ إِمَامٗا وَرَحۡمَةٗۚ وَهَٰذَا كِتَٰبٞ مُّصَدِّقٞ لِّسَانًا عَرَبِيّٗا لِّيُنذِرَ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ وَبُشۡرَىٰ لِلۡمُحۡسِنِينَ 12﴾:

أخبَرَ جل وعلا أنه قبل نزول هذا القرآن، أنزَلَ التوراةَ على موسى عليه السلام فيها الهدى والنور؛ يقتدي بها بنو إسرائيل، ثم جاء هذا القرآن مصدِّقًا للتوراة ولما قبله مِن الكتب المنزَّلة مِن عند الله، وموافِقًا لها، وأنزَلَهُ بلسان عربي؛ ليُنذِرَ به النبيُّ ﷺ الذين ظلموا أنفُسَهم بالشرك والمعاصي، ويبشِّرَ به المحسنين في عبادةِ الله، والمحسنين إلى عباد الله؛ بالفوز والنجاة والفلاح في الدارَيْن؛ نسأل الله الكريم، من فضله العظيم.

[13] ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ قَالُواْ رَبُّنَا ٱللَّهُ ثُمَّ ٱسۡتَقَٰمُواْ فَلَا خَوۡفٌ عَلَيۡهِمۡ وَلَا هُمۡ يَحۡزَنُونَ 13﴾:

واعلموا -أيها الناس- أن الذين قالوا: ربُّنا الله، ثم استقاموا على دينه وشرعه، أي: أنهم جَمَعُوا بين التوحيدِ الخالصِ والأعمالِ الصالحة، واستمروا عليها، فهؤلاء لا خوفٌ عليهم مِنْ فزع يوم القيامة وأهواله، ولا هم يحزنون على ما خلَّفوا وراءهم بعد مماتهم من حظوظ الدنيا.

وهذا فيه ثناءٌ على المؤمنينَ المخلِصِينَ الذين نبذوا الكُفْرَ والتعلُّقَ بما عليه الأسلافُ الضالُّون.

[14] ﴿أُوْلَٰٓئِكَ أَصۡحَٰبُ ٱلۡجَنَّةِ خَٰلِدِينَ فِيهَا جَزَآءَۢ بِمَا كَانُواْ يَعۡمَلُونَ 14﴾:

ثم بيَّن جل وعلا أن هؤلاءِ الذين آمنوا بالله، ثم استقاموا على دِينِهِ وشرعِهِ، هم أصحاب الجنَّة ماكثين فيها أبَدَ الآبدين؛ برحمة الله تعالى لهم، وبما قدَّموا من أعمال صالحة في الدنيا.

وقد قارن الشيخ محمد خير حجازي -مدرس التفسير بالحرم المكي- بين هذه الآية وبين قوله تعالى: ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ قَالُواْ رَبُّنَا ٱللَّهُ ثُمَّ ٱسۡتَقَٰمُواْ تَتَنَزَّلُ عَلَيۡهِمُ ٱلۡمَلَٰٓئِكَةُ﴾ [فصلت:30]، أي: أن الملائكة تبشِّرهم أنْ لا خوفٌ عليهم ولا هم يحزنون، فقال: إنَّ آيةَ الأحقاف أبلَغُ في البِشَارةِ مِن آية فُصِّلت؛ لأن الله جل وعلا هو الذي بشَّر في آية الأحقاف، أما في آية فُصِّلَتْ، فالملائكةُ هي التي بشّرت.

[١٥] ﴿وَوَصَّيۡنَا ٱلۡإِنسَٰنَ بِوَٰلِدَيۡهِ إِحۡسَٰنًاۖ حَمَلَتۡهُ أُمُّهُۥ كُرۡهٗا وَوَضَعَتۡهُ كُرۡهٗاۖ وَحَمۡلُهُۥ وَفِصَٰلُهُۥ ثَلَٰثُونَ شَهۡرًاۚ حَتَّىٰٓ إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُۥ وَبَلَغَ أَرۡبَعِينَ سَنَةٗ قَالَ رَبِّ أَوۡزِعۡنِيٓ أَنۡ أَشۡكُرَ نِعۡمَتَكَ ٱلَّتِيٓ أَنۡعَمۡتَ عَلَيَّ وَعَلَىٰ وَٰلِدَيَّ وَأَنۡ أَعۡمَلَ صَٰلِحٗا تَرۡضَىٰهُ وَأَصۡلِحۡ لِي فِي ذُرِّيَّتِيٓۖ إِنِّي تُبۡتُ إِلَيۡكَ وَإِنِّي مِنَ ٱلۡمُسۡلِمِينَ 15﴾:

أمَرَ جل وعلا الإنسانَ بالإحسانِ إلى والدَيْهِ، وأن يقدِّم إليهما كلَّ ما يؤدِّي إلى بِرِّهما وإكرامهما؛ فقد حملته أمُّه وعانت في حمله وفي ولادته، وكانت مُدَّةُ حملِهِ وفطامِهِ ثلاثين شهرًا؛ وفي ذِكْرِ هذه المشاقَّ دليلٌ على أن حقَّ الأم أعظمُ من حقِّ الأب، فإذا بلَغَ هذا الإنسانُ تمامَ اكتمال قوَّته وعقله وبلغ أربعين سنة، قال: ربِّ أَلْهِمني وأَعِنِّي أن أشكُرَ نعمتك التي أنعمتها عليَّ وعلى والديَّ، ووَفِّقْني للعمل الصالح الذي ترضاه، وأَصْلِحْ لي في ذريتي؛ فإني تبتُ إليك توبةً صادقةً نصوحًا، وإني من المستسلمين لك، والممتثلين لأمرك ونهيك.

وقد ذكَرْنا في آية سابقةٍ شبيهةٍ بهذه الآية: أن الله كرَّر وصيَّته للأبناء بآبائهم في عَشْرِ مواضع تقريبًا، ولم يُوصِ الآباءَ بأبنائهم إلا في تقسيمِ التَّرِكةِ في سورة النساء.

وعلَّل ذلك أستاذنا في التفسير الشيخ محمد الأمين الشنقيطي صاحب (أضواء البيان)، فقال: (لأنَّ بِرَّ الأبناء بآبائهم تكلُّفٌ وتطوُّعٌ، وليس مثلَ رعايةِ وعنايةِ الآباء بأبنائهم الذي هو جِبِلَّةٌ وطبيعةٌ طُبِعوا عليها).

ثم أضاف الشيخ: (أن الآباء هم السبَبُ في وجود الأبناء، وأن الله جلَّ في علاه هو مسبِّبُ الأسباب، وهو الخالقُ سبحانه وتعالى، وأنَّ مَنْ ضيَّع وأهمل حقَّ السببِ جديرٌ بأن يضيِّع ويُهمِلَ حقَّ المسبِّبِ، وهو الله تعالى).

وقال: قوله: (كَرْهًا) بفتح الكاف؛ كما في قراءة نافع وابن كَثِير، تعني: التَّعَبَ والمعاناة والألم الذي تعانيه الأم، ولا تعني: أنه كُرْهٌ، أي: بُغْضٌ، بخلافِ قوله: (كُرْهًا)، بضم الكاف، كما في قراءةِ عاصمٍ وحمزة والكسائيِّ، التي تعني: الأذى والبُغْضَ الذي يمرُّ بها.

وانظُرْ قول الأب في آخر الآية: ﴿وَأَصۡلِحۡ لِي فِي ذُرِّيَّتِيٓۖ إِنِّي تُبۡتُ إِلَيۡكَ وَإِنِّي مِنَ ٱلۡمُسۡلِمِينَ﴾؛ فالوالدُ حريصٌ على صلاحِ أولادِهِ مِن قبلِ وجودهم؛ فهو الذي اختار لهم الأم، وهو الذي اهتَمَّ وبذَلَ جهده وتفكيره بتنشئتهم تنشئةً صالحة، وهذا يعني أنه لا يُمكِنُ بِرُّهُ ومكافأته إلا لمن وفَّقه الله وأصلحه من ذُرِّيَّته.

[16] ﴿أُوْلَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنۡهُمۡ أَحۡسَنَ مَا عَمِلُواْ وَنَتَجَاوَزُ عَن سَيِّـَٔاتِهِمۡ فِيٓ أَصۡحَٰبِ ٱلۡجَنَّةِۖ وَعۡدَ ٱلصِّدۡقِ ٱلَّذِي كَانُواْ يُوعَدُونَ 16﴾:

ثم أخبَرَ جل وعلا أن أولئك الأبناء البَرَرةَ الذين ذُكِرَتْ أوصافهم، نتقبَّلُ منهم أحسنَ طاعاتهم وأفضل أعمالهم، ونمحو ونتجاوز عن سيئاتهم؛ فلا نؤاخذهم بها، ولا نعاقبهم عليها، وهم في عِدَادِ أهلِ الجنَّة الفائزين، وهذا وعدٌ صادقٌ من الله، كانوا يوعدون به في الدنيا، فاليومَ يُوَفَّوْنَ ما وُعِدوا به؛ ومَنْ أصدَقُ مِن الله حديثًا؟!

[17] ﴿وَٱلَّذِي قَالَ لِوَٰلِدَيۡهِ أُفّٖ لَّكُمَآ أَتَعِدَانِنِيٓ أَنۡ أُخۡرَجَ وَقَدۡ خَلَتِ ٱلۡقُرُونُ مِن قَبۡلِي وَهُمَا يَسۡتَغِيثَانِ ٱللَّهَ وَيۡلَكَ ءَامِنۡ إِنَّ وَعۡدَ ٱللَّهِ حَقّٞ فَيَقُولُ مَا هَٰذَآ إِلَّآ أَسَٰطِيرُ ٱلۡأَوَّلِينَ 17﴾:

أما ذلك الابنُ العاقُّ الفاجرُ الذي قال لوالدَيْهِ -بعد أن دَعَوَاهُ إلى توحيد الله والإيمان باليوم الآخر-: (أُفٍّ لكما)، أي: تضجُّرًا منكما، أَتَعِدَانِنِي أن أُخرَجَ مِنْ قبري؛ وقد سبَقَتِ القرونُ الكثيرةُ مِن قبلي، فماتوا ولم يُبعَثْ منهم أحد؟!؛ فيستغيث الوالدان بالله لهداية هذا الابن، ويقولان له: وَيْحَكَ، آمِنْ -أيها الولد- بالبعثِ والنشور؛ فإنَّ وعد الله بالبعثِ والنشورِ حقٌّ وصدقٌ؛ فيجيبهما قائلًا: ما هذا الكلامُ الذي تقولانِهِ إلا مِن تخاريفِ الأوَّلين، وأباطيلهم التي سطَّروها في كتبهم.

[18] ﴿أُوْلَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ حَقَّ عَلَيۡهِمُ ٱلۡقَوۡلُ فِيٓ أُمَمٖ قَدۡ خَلَتۡ مِن قَبۡلِهِم مِّنَ ٱلۡجِنِّ وَٱلۡإِنسِۖ إِنَّهُمۡ كَانُواْ خَٰسِرِينَ 18﴾:

ثم بيَّن جل وعلا أن أولئك المعاندين المكذِّبين بالبعث، وجَبَ عليهم العذاب، في عِدَادِ أممٍ مضَتْ مِن قبلهم من الجنِّ والإنس ساروا على طريقهم، واقتفَوْا أثرهم؛ إنهم كانوا -بشِرْكهم وتكذيبِهم- خاسرين لأنفُسِهم أعظَمَ الخسارة.

[19] ﴿وَلِكُلّٖ دَرَجَٰتٞ مِّمَّا عَمِلُواْۖ وَلِيُوَفِّيَهُمۡ أَعۡمَٰلَهُمۡ وَهُمۡ لَا يُظۡلَمُونَ 19﴾:

ثم بيَّن جل وعلا أنَّ لكلِّ فريقٍ من الفريقَيْنِ -المؤمنين والكفَّار- منازلَ ومراتبَ عند الله يوم القيامة، حسَبَ عملِ كلٍّ منهما؛ فللمؤمنين دَرَجاتُ النعيم، وللكافرين دَرَكاتُ الجحيم، وليوفِّيهم الله جزاء أعمالهم، وهم لا يُظلَمون بنَقْصِ حَسَنة، ولا بزيادةِ سيِّئة.

[20] ﴿وَيَوۡمَ يُعۡرَضُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ عَلَى ٱلنَّارِ أَذۡهَبۡتُمۡ طَيِّبَٰتِكُمۡ فِي حَيَاتِكُمُ ٱلدُّنۡيَا وَٱسۡتَمۡتَعۡتُم بِهَا فَٱلۡيَوۡمَ تُجۡزَوۡنَ عَذَابَ ٱلۡهُونِ بِمَا كُنتُمۡ تَسۡتَكۡبِرُونَ فِي ٱلۡأَرۡضِ بِغَيۡرِ ٱلۡحَقِّ وَبِمَا كُنتُمۡ تَفۡسُقُونَ 20﴾:

واذكروا -أيها الناس- يوم أن يُعرَضَ الذين كفروا على نار جهنَّم ليدخلوها، يقال لهم -توبيخًا وتبكيتًا وتقريعًا-: أذهبتم طيِّباتكم باشتغالِكُمْ بملذَّاتكم في الحياة الدنيا الزائلة، واغترَرْتُم بلذَّاتها، ورَضِيتم بشَهَواتها، وقد جاء يومُ الحسابِ الذي كنتم تكذِّبون به وتجحدونه؛ فاليومَ تُجزَوْنَ عذابَ الذلِّ والخِزْيِ والعارِ والفضيحة؛ بسببِ استكباركم على توحيدِ ربِّكم وطاعته، وبتجبُّركم وطغيانكم في الأرض بغير الحق، وبِفِسْقِكم وخروجِكم عن طاعة ربِّكم.

[21] ﴿وَٱذۡكُرۡ أَخَا عَادٍ إِذۡ أَنذَرَ قَوۡمَهُۥ بِٱلۡأَحۡقَافِ وَقَدۡ خَلَتِ ٱلنُّذُرُ مِنۢ بَيۡنِ يَدَيۡهِ وَمِنۡ خَلۡفِهِۦٓ أَلَّا تَعۡبُدُوٓاْ إِلَّا ٱللَّهَ إِنِّيٓ أَخَافُ عَلَيۡكُمۡ عَذَابَ يَوۡمٍ عَظِيمٖ 21﴾:

واذكر -أيها النبي- لقومك صَبْرَ ومعاناةَ نبيِّ الله هودٍ عليه السلام الذي هو أخو عادٍ في النَّسَبِ، لا في الدِّين؛ لعلَّهم يعتبرون ويتَّعظون؛ حيث أنذَرَ قومه أن تَحِلَّ بهم عقوبةُ الله -وهم في منازلهم الكائنةِ في الأحقافِ- بسببِ شِرْكهم وكُفْرهم وعنادهم، ثم أمره أن يُخبِرَ قومه أن جميعَ الأنبياء الذين جاؤوا قبل هود وبعده، قد أنذروا أقوامهم: ألا يشركوا مع الله شيئًا في عبادتهم له؛ وإني أحذِّركم كما حذَّروا أقوامهم ألا تقعوا في الشرك؛ لأني أخاف عليكم عذابًا عظيمًا يوم القيامة.

والأحقافُ: تَقَعُ في الرُّبُعِ الخالي من جزيرة العرب بين نَجْرانَ والبلادِ العربيَّةِ التي على ساحل البحر؛ اليمنِ وعُمَان والإماراتِ العربية، والأحقافُ عبارةٌ عن رمالٍ يجعلُ الله الرياحَ تَجْمَعُها متعرِّجةً كالجبال.

وقومُ هودٍ هم الذين قال الله عنهم: ﴿ٱلَّتِي لَمۡ يُخۡلَقۡ مِثۡلُهَا فِي ٱلۡبِلَٰدِ﴾ [الفجر:8]، أي: أنها أُمَّةٌ ذاتُ حضارةٍ فريدةٍ بلَغَتْ مكانة لم يبلُغْ مثلها أحد من الأمم الماضية، ثم اغترُّوا بما هم عليه من العلوِّ والرقيِّ حتى قالوا: ﴿مَنۡ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةًۖ ﴾ [فصلت:١٥].

[22] ﴿قَالُوٓاْ أَجِئۡتَنَا لِتَأۡفِكَنَا عَنۡ ءَالِهَتِنَا فَأۡتِنَا بِمَا تَعِدُنَآ إِن كُنتَ مِنَ ٱلصَّٰدِقِينَ 22﴾:

فأجاب هودًا قومُهُ قائلين: هل جئتَ إلينا لتَصْرِفنا عن عبادة آلهتنا؟! فأْتِنا بما تَعِدنا من العذاب العظيم؛ إن كنت من الصادقين فيما تَعِدنا وتهدِّدنا به.

[23] ﴿قَالَ إِنَّمَا ٱلۡعِلۡمُ عِندَ ٱللَّهِ وَأُبَلِّغُكُم مَّآ أُرۡسِلۡتُ بِهِۦ وَلَٰكِنِّيٓ أَرَىٰكُمۡ قَوۡمٗا تَجۡهَلُونَ 23﴾:

فقال لهم هُودٌ عليه السلام: إن العِلْمَ بوقتِ مجيءِ العذابِ عند الله لا عندي، أمَّا أنا، فعليَّ إبلاغُكم ما أُرسِلْتُ به إليكم؛ من دعوتكم إلى التوحيد، ونَهْيِكُم عن الشركِ والتنديد، ولكنِّي أراكم -بتكذيبكم وباستعجالكم العذاب- قومًا تجهلون ما يَنْفَعُكم في الدنيا والآخرة.

[24] ﴿فَلَمَّا رَأَوۡهُ عَارِضٗا مُّسۡتَقۡبِلَ أَوۡدِيَتِهِمۡ قَالُواْ هَٰذَا عَارِضٞ مُّمۡطِرُنَاۚ بَلۡ هُوَ مَا ٱسۡتَعۡجَلۡتُم بِهِۦۖ رِيحٞ فِيهَا عَذَابٌ أَلِيمٞ 24﴾:

ثم أخبَرَ جل وعلا بالنهاية التي كان عليها قومُ هودٍ، بعد أن استعجلوا العذاب؛ حيث إن الله أرسَلَ لهم سحابةً سوداءَ، فلما رأَوْها، قالوا: هذا عارضٌ يَحْمِلُ لنا المطَرَ النافعَ، وهو متوجِّهٌ إلى أوديتنا، فقال لهم هود: هذا ليس مطرًا أو غيثًا كما ظننتم، بل هو العذابُ الذي استعجلتموه، وهو عبارةٌ عن رِيحٍ فيها عذابٌ مؤلم موجع.

[25] ﴿تُدَمِّرُ كُلَّ شَيۡءِۭ بِأَمۡرِ رَبِّهَا فَأَصۡبَحُواْ لَا يُرَىٰٓ إِلَّا مَسَٰكِنُهُمۡۚ كَذَٰلِكَ نَجۡزِي ٱلۡقَوۡمَ ٱلۡمُجۡرِمِينَ 25﴾:

ثم بيَّن سبحانه أن هذه الريح تدمِّر كلَّ شيءٍ أتت عليه قابلٍ للدمار بأمرِ الله، وكانت النتيجةُ أن استمرَّتِ الريح عليهم سبعَ ليالٍ، وثمانية أيام حسومًا، وأصبحوا بعد ذلك لا يُرَى إلا مساكِنُهم التي كانوا يسكنون بها، وهكذا تَمَّ استئصالهم، بل انطمَسَتْ واندفَنَتْ في الترابِ حضارتهم وآثارهم، واعلموا -أيها الناس- أن مثل هذا العذاب هو جزاءُ المجرمين بسببِ إجرامِهم وطغيانِهم، ولعذابُ الآخرة أشدُّ لو كانوا يعلمون.

[26] ﴿وَلَقَدۡ مَكَّنَّٰهُمۡ فِيمَآ إِن مَّكَّنَّٰكُمۡ فِيهِ وَجَعَلۡنَا لَهُمۡ سَمۡعٗا وَأَبۡصَٰرٗا وَأَفۡـِٔدَةٗ فَمَآ أَغۡنَىٰ عَنۡهُمۡ سَمۡعُهُمۡ وَلَآ أَبۡصَٰرُهُمۡ وَلَآ أَفۡـِٔدَتُهُم مِّن شَيۡءٍ إِذۡ كَانُواْ يَجۡحَدُونَ بِـَٔايَٰتِ ٱللَّهِ وَحَاقَ بِهِم مَّا كَانُواْ بِهِۦ يَسۡتَهۡزِءُونَ 26﴾:

ثم أخبَرَ جل وعلا عن الحضارة التي وصَلَتْ إليها عادٌ، وهذا ينطبِقُ على الحضارةِ التي وصَلَ إليها الغربُ وأمريكا الآنَ، ثم أخبَرَ سبحانه أنه جعل لهم سمعًا يسمعون به، وأبصارًا يُبْصِرون بها، وأفئدةً يعقلون بها، أي: جعَلَ عندهم القُدْرةَ الكاملةَ على الفهمِ والهدى، ولكنَّهم غرَّتهم قوَّتهم وحضارتهم، فلم يشغلوا عقولهم ليتوصَّلوا -بهذه الآيات العظيمة التي وهَبَها الله لهم- إلى توحيدِ اللهِ، ومعرفةِ مرادِهِ مِن خَلْقه، ثم بيَّن جل في علاه أن ما أصابهم من دمار كان بسبب جحودهم لآيات الله القرآنية والكونية؛ ولهذا نزَلَ بهم عذابُ الله الذي كانوا يستهزئون به ويستعجلونه.

[27] ﴿وَلَقَدۡ أَهۡلَكۡنَا مَا حَوۡلَكُم مِّنَ ٱلۡقُرَىٰ وَصَرَّفۡنَا ٱلۡأٓيَٰتِ لَعَلَّهُمۡ يَرۡجِعُونَ 27﴾:

ثم خاطَبَ جل وعلا أهل مكَّة مخوِّفًا لهم، فقال: ولقد أهلَكْنا ما حول دياركم من القرى؛ كعادٍ وثمودَ وغيرهم، لما كذَّبوا رُسُلَهم، ولقد نوَّعْنا لهم الآياتِ الواضحاتِ الدالَّاتِ على وحدانية الله، وكمال قدرته؛ لعلهم يرجعون عن كُفْرهم إلى الإيمان بالله وتوحيده.

[28] ﴿فَلَوۡلَا نَصَرَهُمُ ٱلَّذِينَ ٱتَّخَذُواْ مِن دُونِ ٱللَّهِ قُرۡبَانًا ءَالِهَةَۢۖ بَلۡ ضَلُّواْ عَنۡهُمۡۚ وَذَٰلِكَ إِفۡكُهُمۡ وَمَا كَانُواْ يَفۡتَرُونَ 28﴾:

فلما جاءهم العذابُ، وحلَّ بهم الهلاكُ، هل نفعتهم آلهتهم التي كانوا يعبُدُونها من دون الله ويتقرَّبون إليها؟! بل الحقيقةُ: أنها غابت عنهم، ولم تُجِبْهم أو تَدْفَعْ عنهم، وكان سبَبَ ضياعهم وهلاكهم إفكُهُمْ وافتراؤُهم واتِّخاذُهم هذه الآلهة -التي لا تضُرُّ ولا تنفع- أربابًا من دون الله؛ فهذه نهاية كَذِبهم وافترائهم، وعبادتهم غير الله.

[29] ﴿وَإِذۡ صَرَفۡنَآ إِلَيۡكَ نَفَرٗا مِّنَ ٱلۡجِنِّ يَسۡتَمِعُونَ ٱلۡقُرۡءَانَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوٓاْ أَنصِتُواْۖ فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوۡاْ إِلَىٰ قَوۡمِهِم مُّنذِرِينَ 29﴾:

واذكر -أيها النبي- يوم أن بعَثْنا إليك طائفةً من الجنِّ يستمعون القرآن، عندما كنتَ تصلِّي وأنت عائدٌ مِن الطائفِ إلى مكَّة، فلما حضروا وأنت واقفٌ تصلِّي وتقرأ القرآن، قال بعضُهم لبعض: أَنْصِتوا لكي نفهم هذا الحديثَ العجيبَ، وهو القرآن، فلما فرَغْتَ من صلاتك، وقد أثَّر فيهم ما سمعوا من القرآن، انصرفوا إلى جماعاتهم مُنْذِرِينَ ومحذِّرين لهم من عقاب الله إنْ لم يؤمنوا به.

وهذه الآيةُ تدُلُّ على أن النبي ﷺ رسولٌ إلى الإنس والجن، وأن الجنَّ مثلُ الإنسِ؛ لهم ثوابٌ وعقابٌ وتكليفٌ؛ كما قال تعالى: ﴿وَلِكُلّٖ دَرَجَٰتٞ مِّمَّا عَمِلُواْۚ ﴾ [الأنعام:١٣٢].

[30] ﴿قَالُواْ يَٰقَوۡمَنَآ إِنَّا سَمِعۡنَا كِتَٰبًا أُنزِلَ مِنۢ بَعۡدِ مُوسَىٰ مُصَدِّقٗا لِّمَا بَيۡنَ يَدَيۡهِ يَهۡدِيٓ إِلَى ٱلۡحَقِّ وَإِلَىٰ طَرِيقٖ مُّسۡتَقِيمٖ 30﴾:

وهؤلاءِ الجنُّ الذين سمعوا القرآن من النبي ﷺ، أسلموا وآمنوا وصدَّقوا به، ثم ذهبوا إلى قومهم يدعونهم إلى الإسلام وإلى الإيمان، وقالوا: يا قومنا، إنا سَمِعْنا كتابًا أُنزِلَ مِن بعد موسى، وهذا الكتابُ مصدِّقٌ لما قبله مِن الكتبِ التي أنزلها الله على رُسُله، ثم إن هذا الكتاب يهدي إلى الدِّينِ الحقِّ وإلى الصراطِ المستقيم.

وقوله: ﴿مِنۢ بَعۡدِ مُوسَىٰ﴾، قال عطاءٌ: كانوا يهودًا، أي: أن هؤلاءِ النفَرَ من الجنِّ كانوا من اليهود؛ ولذلك لم يذكروا عيسى عليه السلام؛ مع أنه هو الذي كان قبلَ الرسولِ ﷺ؛ لأن موسى عليه السلام أُرسِلَ إلى اليهود؛ ولذلك فإنهم لا يعترفون بعيسى عليه السلام كسائرِ اليهود.

[31] ﴿يَٰقَوۡمَنَآ أَجِيبُواْ دَاعِيَ ٱللَّهِ وَءَامِنُواْ بِهِۦ يَغۡفِرۡ لَكُم مِّن ذُنُوبِكُمۡ وَيُجِرۡكُم مِّنۡ عَذَابٍ أَلِيمٖ 31﴾:

ثم استمروا في دعوة قَوْمهم إلى التوحيد قائلين: يا قومنا، استجيبوا لرسولِ الله ﷺ، واتَّبعوا ما جاءكم به؛ فإن ذلك سببٌ لمغفرةِ ذنوبِكم، ونجاتِكم من العذابِ الأليمِ الموجع.

[32] ﴿وَمَن لَّا يُجِبۡ دَاعِيَ ٱللَّهِ فَلَيۡسَ بِمُعۡجِزٖ فِي ٱلۡأَرۡضِ وَلَيۡسَ لَهُۥ مِن دُونِهِۦٓ أَوۡلِيَآءُۚ أُوْلَٰٓئِكَ فِي ضَلَٰلٖ مُّبِينٍ 32﴾:

واعلموا -يا قومنا- أن من لم يُجِبْ رسول الله ﷺ، ولم يُؤمِنْ ويتَّبعْ ما جاء به، فإنه ليس له قدرةٌ على الهرب من الله، ولن يَفُوتَ اللهَ أو يَسْبِقَهُ، وليس له مِن دونِ الله أنصارٌ وأعوانٌ يمنعون عنه عذابَ الله وعقابه، ومَنْ لا يجبْ داعي الله، فهو في ضلالٍ بيِّن واضح، وغَوَايةٍ ظاهرة.

[33] ﴿أَوَلَمۡ يَرَوۡاْ أَنَّ ٱللَّهَ ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضَ وَلَمۡ يَعۡيَ بِخَلۡقِهِنَّ بِقَٰدِرٍ عَلَىٰٓ أَن يُحۡـِۧيَ ٱلۡمَوۡتَىٰۚ بَلَىٰٓۚ إِنَّهُۥ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ قَدِيرٞ 33﴾:

ثم لَامَ جل وعلا الكفَّارَ على إنكارهم للبعث؛ فقال: ألم يعلم هؤلاءِ الكفَّارُ أن الله الذي أنشأ السموات والأرضَ على غيرِ مثالٍ سابق، ولم يَعْجِزْ أو يَتْعَبْ بخلقهِنَّ؛ ألم يعلموا أن الله قادرٌ على إحياء الموتى الذين خلَقَهم أوَّلًا؟! فكان الجوابُ مِن الله جل في علاه: بلى، إنه سبحانه على كلِّ شيء قدير، لا يُعْجِزُهُ شيءٌ في الأرض ولا في السماء.

[34] ﴿وَيَوۡمَ يُعۡرَضُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ عَلَى ٱلنَّارِ أَلَيۡسَ هَٰذَا بِٱلۡحَقِّۖ قَالُواْ بَلَىٰ وَرَبِّنَاۚ قَالَ فَذُوقُواْ ٱلۡعَذَابَ بِمَا كُنتُمۡ تَكۡفُرُونَ 34﴾:

ثم كرَّر جل وعلا تذكيرَ الناسِ بأحوال الكفَّار يوم القيامة؛ فقال: ويومَ يُعرَضُ الذين كفروا على نار جهنَّم ليدخُلُوها، يقال لهم -توبيخًا وتبكيتًا وتقريعًا-: أليس هذا العذابُ بحقٍّ؟! فيجيبون معترفين بذنوبهم قائلين: بلى وربِّنا إنه الحق، فيقال لهم: فذوقوا العذابَ بسببِ كُفْركم وجحودكم في الدنيا.

[35] ﴿فَٱصۡبِرۡ كَمَا صَبَرَ أُوْلُواْ ٱلۡعَزۡمِ مِنَ ٱلرُّسُلِ وَلَا تَسۡتَعۡجِل لَّهُمۡۚ كَأَنَّهُمۡ يَوۡمَ يَرَوۡنَ مَا يُوعَدُونَ لَمۡ يَلۡبَثُوٓاْ إِلَّا سَاعَةٗ مِّن نَّهَارِۭۚ بَلَٰغٞۚ فَهَلۡ يُهۡلَكُ إِلَّا ٱلۡقَوۡمُ ٱلۡفَٰسِقُونَ 35﴾:

ثم ختَمَ جل وعلا السورة بحَثِّ نبيه ﷺ على الصبر على ما يُصِيبُهُ مِن أذًى أو سخريةٍ مِن المعاندين الظالمين؛ حيثُ أمَرَه أن يصبِرَ كما صبَرَ أولو العزمِ والثباتِ مِن الرسلِ، وهم: نوحٌ، والخليلُ إبراهيم، وموسى، وعيسى، ومحمد؛ صلى الله عليهم جميعًا. وقد جمعهم أحدُ أهلِ العلم، في قوله:

أُولُو العَزْمِ نُوحٌ وَالخَلِيلُ ابْنُ آزَرٍ

وَمُوسَى وَعِيسَى وَالحَبِيبُ مُحَمَّدُ

ثم أمره سبحانه: ألَّا يستعجِلَ العذابَ لقومه؛ لأنه آتيهم لا شك ولا ريب في ذلك، وعندما يَرَوْنَ هذا العذاب، ويَحِلُّ بهم عذابُ جهنَّم في الآخرة، فكأنهم لم يلبثوا في الدنيا إلا ساعةً من نهار؛ من شدِّة ما يَلْقَوْنَ من العذاب، واعلموا أن هذا القرآن الذي أنذَرَكم به محمد ﷺ بلاغٌ كافٍ في وعظكم وإنذاركم، ثم ذكَرَ سبحانه أن الهلاك والبوار والخُسْران على الخارجين عن طاعة الله وأمَرَه.

سورة محمَّد

سورةُ محمَّد مدنيَّة، وآياتها ثمانٍ وثلاثون آية، ولها اسم ثاني هو: سورةُ القتالِ أو الجهاد.

[1] ﴿ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَصَدُّواْ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ أَضَلَّ أَعۡمَٰلَهُمۡ 1﴾:

بدأت السورةُ ببيانِ سوءِ عاقبةِ الكافرين، وحُسْنِ عاقبة المؤمنين؛ فأخبَرَ سبحانه أن الذين رفضوا الدخول في الإسلام، وصدُّوا الناسَ عن دِينِ الله، وهم كفَّار قريش ومَنْ نحا نحوهم، أحبَطَ الله أعمالهم التي كانوا يفتخرون بها؛ كإكرامِ الضيف، وصلةِ الأرحام، ومع أنها أعمال حَسَنةٌ إلا أنها مع كُفْرهم صارت أعمالًا حابطة ضائعة.

[2] ﴿وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ وَءَامَنُواْ بِمَا نُزِّلَ عَلَىٰ مُحَمَّدٖ وَهُوَ ٱلۡحَقُّ مِن رَّبِّهِمۡ كَفَّرَ عَنۡهُمۡ سَيِّـَٔاتِهِمۡ وَأَصۡلَحَ بَالَهُمۡ 2﴾:

ثم أخبَرَ سبحانه أن الذين أمنوا بالله، وعملوا الأعمال الصالحة، وشهدوا أن ما جاء به محمَّد ﷺ حق؛ فمَنْ كانت هذه حالهم، فقد كفَّر الله عنهم سيِّئاتهم التي عملوها، وأصلَحَ حالهم؛ حيث أرشَدَهم إلى أعمال الخير، وصفَّى نيَّاتِهم ومقاصِدَهم.

[3] ﴿ذَٰلِكَ بِأَنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ ٱتَّبَعُواْ ٱلۡبَٰطِلَ وَأَنَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱتَّبَعُواْ ٱلۡحَقَّ مِن رَّبِّهِمۡۚ كَذَٰلِكَ يَضۡرِبُ ٱللَّهُ لِلنَّاسِ أَمۡثَٰلَهُمۡ 3﴾:

ثم بيَّن جل وعلا أن ذلك الضلال كان بسبب أن الذين كفروا، اتَّبعوا الباطل الذي سوَّله لهم الشيطان؛ فأشركوا بالله، وعملوا بمعاصيه، وأما هدايةُ المؤمنين، وتكفيرُ سيئاتهم، فكانت بسببِ أنهم اتَّبعوا الحق من ربِّهم فآمنوا به ووحَّدوه، واتَّبعوا رسوله ﷺ، وعملوا الأعمال الصالحة التي يُحِبُّها الله ويرضاها، وبمثلِ هذا التبيينِ لحال الكافرين والمؤمنين يبيِّنُ الله للناس أمثالهم وأحوالهم بالخُسْران والنجاح؛ ليعتبروا ويسلُكُوا سبيل النجاح، ويبتعدوا عن طريق الضلال والخسران.

[4] ﴿فَإِذَا لَقِيتُمُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ فَضَرۡبَ ٱلرِّقَابِ حَتَّىٰٓ إِذَآ أَثۡخَنتُمُوهُمۡ فَشُدُّواْ ٱلۡوَثَاقَ فَإِمَّا مَنَّۢا بَعۡدُ وَإِمَّا فِدَآءً حَتَّىٰ تَضَعَ ٱلۡحَرۡبُ أَوۡزَارَهَاۚ ذَٰلِكَۖ وَلَوۡ يَشَآءُ ٱللَّهُ لَٱنتَصَرَ مِنۡهُمۡ وَلَٰكِن لِّيَبۡلُوَاْ بَعۡضَكُم بِبَعۡضٖۗ وَٱلَّذِينَ قُتِلُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ فَلَن يُضِلَّ أَعۡمَٰلَهُمۡ 4﴾:

ثم أمَرَ جل وعلا المؤمنين عند لقاء الكفَّار في ساحات المَعْرَكةِ: أن يَدْعوهم إلى الإسلام؛ فإنْ أبَوْا إلا القتالَ، فعليكم أن تضربوا أعناقهم، وأن تستمروا في ذلك حتى إذا أهلكتموهم قتلًا، فقَيِّدوا وَثَاقَ الأسرى منهم، وبعد ذلك يُنظَرُ في الأصلح: إما الاسترقاقِ، أو القتلِ أو الفِدْية، والنظَرُ في هذا يكون لوليِّ الأمر، وعليكم أن تستمروا في ذلك حتى تنتهي الحرب، واعلموا أن ما تقدَّم ذكره من أحكام هو الحقُّ الذي أمَرَكم الله به، ولو يشاء الله، لقضى على الكفار مِنْ غير أن يطلُبَ من المسلمين القتال والجهاد، ولكنْ أراد الله أن يعاقبهم بأيديكم؛ فلذلك شرَعَ لكم الجهاد، وليختبِرَكم بهم، وينصُرَ بكم دينه وشرعه، ثم أخبَرَ سبحانه بأن الذين قُتِلوا في سبيل الله لن يُحبِطَ الله ثوابَ أعمالهم.

[5] ﴿سَيَهۡدِيهِمۡ وَيُصۡلِحُ بَالَهُمۡ 5﴾:

ثم بيَّن سبحانه أن هؤلاءِ الشهداءَ -بسبب طاعتهم- سيَهْدِيهم الله إلى مرضاتِه، وسلوكِ الطريقِ الموصِّلة إلى جنَّته، وسيُصلِحُ لهم أحوالهم الدينية والدنيوية، وسيُصلِحُ لهم قلوبهم ونياتهم.

[6] ﴿وَيُدۡخِلُهُمُ ٱلۡجَنَّةَ عَرَّفَهَا لَهُمۡ 6﴾:

وبين سبحانه أنه في الآخرة سيُدْخِل هؤلاء الشهداء جنات النعيم التي لطالما اشتاقوا إليها، وقد عرَّفها الله لهم؛ فوصَفَها لهم، فاشتاقوا إليها، وسارعوا للفوزِ بها بالأعمال الموِّصلةِ إليها، ومن ذلك الجهادُ في سبيل الله، وقد عرَّفهم الله أيضًا منازلهم في الجنة، فإذا دخلوها، ذهبوا إلى منازلهم مباشَرةً.

[7] ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ إِن تَنصُرُواْ ٱللَّهَ يَنصُرۡكُمۡ وَيُثَبِّتۡ أَقۡدَامَكُمۡ 7﴾:

ثم وعَدَ جل وعلا عباده المؤمنين الذين آمنوا بالله ورسوله ﷺ وعملوا بشرعه؛ إذا استبسَلُوا وبذَلُوا الجهد ضدَّ خصمهم في نصرة دين الله، فإنه سبحانه سوف ينصُرُهم ويؤيِّدُهم بغَوْث منه، ويثبِّتُ أقدامهم؛ لأن النصر يكون مع الثبات والصبر.

[8] ﴿وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ فَتَعۡسٗا لَّهُمۡ وَأَضَلَّ أَعۡمَٰلَهُمۡ 8﴾:

أما الذين كفروا بالله ورسوله ﷺ، فهلاكًا وضعفًا وخُسْرانًا لهم، وأبطَلَ الله ثواب أعمالهم.

[9] ﴿ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمۡ كَرِهُواْ مَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ فَأَحۡبَطَ أَعۡمَٰلَهُمۡ 9﴾:

ثم بيَّن سبحانه أن ذلك العقابَ الواقعَ عليهم بسببِ أنهم كَرِهوا ما أنزَلَ الله على نبيه ﷺ مِن القرآن العظيم، وأبغضوه؛ فأحبَطَ الله أعمالهم وأبطَلَها؛ فلا ينتفعون بها في الدنيا ولا في الآخرة.

وقد استدلَّ بعض العلماء بهذه الآية على أن مَنْ كَرِهَ شيئًا مما أنزله الله، فقد كفَرَ.

[10] ﴿أَفَلَمۡ يَسِيرُواْ فِي ٱلۡأَرۡضِ فَيَنظُرُواْ كَيۡفَ كَانَ عَٰقِبَةُ ٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِهِمۡۖ دَمَّرَ ٱللَّهُ عَلَيۡهِمۡۖ وَلِلۡكَٰفِرِينَ أَمۡثَٰلُهَا 10﴾:

ثم وبَّخ جل وعلا كفَّار مكَّة، فقال: أفلم يسيروا في الأرض؛ فينظروا بعين الاعتبارِ إلى مصائرِ ونهاياتِ الأقوامِ التي كذَّبت رسُلَها مِنْ قبلهم؛ كعادٍ، وثمودَ، وقومِ لُوط؟! فإن الله قد دمَّرهم وأهلكهم وقضى عليهم بسببِ شِرْكهم، وتكذيبهم لأنبيائهم، وليعلم هؤلاء المعاندون أن هذه نهايةُ كلِّ من كفر بالله، ولم يتَّبِعْ أنبياءَه.

[11] ﴿ذَٰلِكَ بِأَنَّ ٱللَّهَ مَوۡلَى ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَأَنَّ ٱلۡكَٰفِرِينَ لَا مَوۡلَىٰ لَهُمۡ 11﴾:

واعلموا -أيها الناس- أن ذلك الذي حصَلَ مِن نجاةِ المؤمنين وتكريمهم، وعذابِ الكافرين وقَهْرهم؛ بسبب أن الله مَوْلى المؤمنين وناصرهم، وأنَّ الكافرين بالله الجاحدين بآياته، ليس لهم مَنْ ينصُرُهم ويمنعهم مِن عذابِ الله وسَخَطه.

[12] ﴿إِنَّ ٱللَّهَ يُدۡخِلُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ جَنَّٰتٖ تَجۡرِي مِن تَحۡتِهَا ٱلۡأَنۡهَٰرُۖ وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ يَتَمَتَّعُونَ وَيَأۡكُلُونَ كَمَا تَأۡكُلُ ٱلۡأَنۡعَٰمُ وَٱلنَّارُ مَثۡوٗى لَّهُمۡ 12﴾:

ثم ذكَرَ جل وعلا لُطْفه ورحمته بالمؤمنين، وبغضه للكافرين؛ فأخبَرَ أنه سوف يُدخِلُ الذين آمنوا بالله، واتَّبعوا رسوله ﷺ، وعملوا الأعمال الصالحة: جنَّاتٍ تجري من تحت أشجارها وقصورها الأنهارُ؛ إكرامًا لهم، وأما الذين كفروا، فإنهم يتمتَّعون في الدنيا أيامًا معدودات، ويأكُلُونَ ويَرْتَعونَ بالملذَّات كما تأكل الأنعام، ونهايةُ المطافِ: أن ثوابهم وبقاءهم السرمديَّ هو نارُ جهنَّمَ التي ستكون مسكنًا لهم.

[13] ﴿وَكَأَيِّن مِّن قَرۡيَةٍ هِيَ أَشَدُّ قُوَّةٗ مِّن قَرۡيَتِكَ ٱلَّتِيٓ أَخۡرَجَتۡكَ أَهۡلَكۡنَٰهُمۡ فَلَا نَاصِرَ لَهُمۡ 13﴾:

ثم سلَّى جل وعلا نبيه ﷺ ألَّا يَحْزَنَ على ما أصابه مِنْ أذى قومه له، ومِن إخراجه من بلدِهِ مكَّةَ التي أحبَّها، وقد وُلِدَ فيها وعاش فيها ثلاثةً وخمسين عامًا؛ حيث أخبَرَه وقال له: إن كثيرًا من القرى كانت أشدَّ قوةً ومَنَعةً من قريتك التي أخرجَتْكَ، ومع ذلك أهلَكْناها بسبب كفر أهلها وعنادهم، ولم يجدوا لهم ناصرًا أو مُعِينًا ينصُرُهم أو يُبعِدُ العذابَ عنهم.

[14] ﴿أَفَمَن كَانَ عَلَىٰ بَيِّنَةٖ مِّن رَّبِّهِۦ كَمَن زُيِّنَ لَهُۥ سُوٓءُ عَمَلِهِۦ وَٱتَّبَعُوٓاْ أَهۡوَآءَهُم 14﴾:

ثم ذكَرَ جل وعلا أنه لا مقارَنةَ ولا مساواةَ بين مَنْ يسيرُ في عمله وحياته على هُدًى وبرهانٍ مِن الله، وبصيرةٍ مِن أمره، وبين من حسَّن له الشيطانُ سُوءَ عمله الباطل واتَّبع هواه، فضَلَّ وأضَلَّ غيره؛ لا شك أنهما لا يستويان أبدًا.

[15] ﴿مَّثَلُ ٱلۡجَنَّةِ ٱلَّتِي وُعِدَ ٱلۡمُتَّقُونَۖ فِيهَآ أَنۡهَٰرٞ مِّن مَّآءٍ غَيۡرِ ءَاسِنٖ وَأَنۡهَٰرٞ مِّن لَّبَنٖ لَّمۡ يَتَغَيَّرۡ طَعۡمُهُۥ وَأَنۡهَٰرٞ مِّنۡ خَمۡرٖ لَّذَّةٖ لِّلشَّٰرِبِينَ وَأَنۡهَٰرٞ مِّنۡ عَسَلٖ مُّصَفّٗىۖ وَلَهُمۡ فِيهَا مِن كُلِّ ٱلثَّمَرَٰتِ وَمَغۡفِرَةٞ مِّن رَّبِّهِمۡۖ كَمَنۡ هُوَ خَٰلِدٞ فِي ٱلنَّارِ وَسُقُواْ مَآءً حَمِيمٗا فَقَطَّعَ أَمۡعَآءَهُمۡ 15﴾:

واعلموا أن صفة الجنة التي وعَدَها الله للمتقين: فيها أنهارٌ مِن ماءٍ طيِّبٍ لا يتغيَّرُ من طول المُكْث، وأنهارٌ مِن لَبَنٍ لم يتغيَّرْ طعمه، وأنهارٌ مِن خمرٍ في غايةِ اللذَّةِ لمن يشربها، وأنهارٌ مِن عسَلٍ قد صُفِّيَ من كل الشوائب، وفيها أيضًا من جميع الثمرات مِن مختلِفِ الفواكِهِ وغيرها، وأعظَمُ من ذلك: رضوانُ الله عليهم، ومغفرةُ ذنوبهم وتجاوُزُهُ عنها، بل وإبدالُها بحَسَناتٍ كرمًا منه سبحانه وإحسانًا؛ فهل يكون أهلُ الجنَّة مثلَ أهل النار الماكثين فيها لا يخرُجُونَ منها أبدًا، ويُسْقَونَ من ماء يكون في أشدَّ دَرَجاتِ الحرارة، فيقطِّعُ أمعاءهم، ثم يعاد إصلاحها ليستمرَّ عقابهم؟!

[16] ﴿وَمِنۡهُم مَّن يَسۡتَمِعُ إِلَيۡكَ حَتَّىٰٓ إِذَا خَرَجُواْ مِنۡ عِندِكَ قَالُواْ لِلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلۡعِلۡمَ مَاذَا قَالَ ءَانِفًاۚ أُوْلَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ طَبَعَ ٱللَّهُ عَلَىٰ قُلُوبِهِمۡ وَٱتَّبَعُوٓاْ أَهۡوَآءَهُمۡ 16﴾:

واعلم -أيها النبي- أن مِنْ هؤلاء المنافقين مَنْ يستمِعُ إليك بأُذُنِهِ دون أن يَعِيَ قلبُه مِن كلامك شيئًا، حتى إذا خرجوا من مجلسك، قالوا لأهل العلم الذين حضروا مجلسك -على سبيل السخرية والتهكُّم-: ماذا كان يقولُ محمَّدٌ قبل قليل؟! فاعلم أن أولئك هم المنافقون الذين ختَمَ الله على قلوبهم؛ فلا تَفْقَهُ الحقَّ ولا تهتدي إليه، واتَّبعوا أهواءهم في الكفر والضلال.

[17] ﴿وَٱلَّذِينَ ٱهۡتَدَوۡاْ زَادَهُمۡ هُدٗى وَءَاتَىٰهُمۡ تَقۡوَىٰهُمۡ 17﴾:

ثم بيَّن جل في علاه أن المؤمنين الذين اهتدَوْا لاتِّباعِ الحقِّ، واستجابوا له، فقد زادهم الله نورًا وبصيرة، ووفَّقهم للتقوى ويسَّرها لهم.

[18] ﴿فَهَلۡ يَنظُرُونَ إِلَّا ٱلسَّاعَةَ أَن تَأۡتِيَهُم بَغۡتَةٗۖ فَقَدۡ جَآءَ أَشۡرَاطُهَاۚ فَأَنَّىٰ لَهُمۡ إِذَا جَآءَتۡهُمۡ ذِكۡرَىٰهُمۡ 18﴾:

ثم قال جل وعلا لهؤلاء المنافقين على سبيل التوبيخ: هل تنتظرون الساعةَ أن تقوم عليكم فجأةً، وأنتم لا تشعُرُونَ بها؟! فقد جاءتكم علاماتها الدالَّة على قُرْبها -ومع ذلك لم تنتفعوا، ولم تؤمنوا- فمِنْ أين لكم التذكُّرُ الذي ينفعكم إذا جاءتكم الساعة؟! ومعلومٌ أنه عند قيامِ الساعةِ لا ينفعُ نفسًا إيمانُها لم تكن آمَنَتْ مِن قبلُ، أو كسَبَتْ في إيمانها خيرًا، ولا تُقبَلُ مِن أحدٍ توبةٌ أبدًا.

[19] ﴿فَٱعۡلَمۡ أَنَّهُۥ لَآ إِلَٰهَ إِلَّا ٱللَّهُ وَٱسۡتَغۡفِرۡ لِذَنۢبِكَ وَلِلۡمُؤۡمِنِينَ وَٱلۡمُؤۡمِنَٰتِۗ وَٱللَّهُ يَعۡلَمُ مُتَقَلَّبَكُمۡ وَمَثۡوَىٰكُمۡ 19﴾:

فإذا تبيَّن لك -أيها النبي- ما أخبَرَناك به عن حال السعداءُ وحال الأشقياء، فاعلم أنه لا معبودَ بحقٍّ إلا الله، واطلُبْ من ربك المغفرةَ لذنبك، واستغفِرْ للمؤمنين والمؤمنات؛ لأن ذلك مِن حقِّ المسلم على المسلم، واعلموا -أيها الناس- أن الله جل في علاه يعلم كلَّ تصرُّفاتكم التي تقع منكم ليلًا أو نهارًا.

وقوله: ﴿فَٱعۡلَمۡ﴾، لا شك أنَّ الرسولَ ﷺ يعلم ذلك، ولكنَّ المقصود هو أن يبلِّغ أمته.

وهذه الآيةُ فيها حَثٌّ وإلزامٌ للمسلمين بتعلُّم ما لا يتم إسلام المؤمن إلا بتعلُّمِهِ والقيامِ به مِن الأعمال الصالحة والواجبات؛ كالزكاة والصيام، والحج والصلاة، وغير ذلك، وقد ذكر شيخ الحديث البخاري  هذه الآية في صحيحه، فقال: (بابٌ: العلمُ قبلَ القولِ والعمل)، ثم ذكَرَ نص الآية: ﴿فَٱعۡلَمۡ أَنَّهُۥ لَآ إِلَٰهَ إِلَّا ٱللَّهُ﴾.

[20] ﴿وَيَقُولُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَوۡلَا نُزِّلَتۡ سُورَةٞۖ فَإِذَآ أُنزِلَتۡ سُورَةٞ مُّحۡكَمَةٞ وَذُكِرَ فِيهَا ٱلۡقِتَالُ رَأَيۡتَ ٱلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٞ يَنظُرُونَ إِلَيۡكَ نَظَرَ ٱلۡمَغۡشِيِّ عَلَيۡهِ مِنَ ٱلۡمَوۡتِۖ فَأَوۡلَىٰ لَهُمۡ 20﴾

ذكَرَ جل وعلا أن المؤمنين الذين آمنوا بالله، واتَّبعوا رسوله ﷺ، يتمنَّوْنَ أن يؤمروا بقتال الأعداء؛ ولذا تَجِدهم يقولون: هلا نُزِّلَتْ -يا رسول الله- سورةٌ جديدةٌ من القرآنِ تأمُرُنا بجهاد الكفار، أما المنافقون، فلهم موقفٌ آخَرُ لن تجد مثلَ وَصْفِ اللهِ له في هذه الآية؛ فإنهم إذا أُنزِلَتْ سورةٌ فيها ذكرُ الجهاد، رأيتَ الذين في قلوبهم شكٌّ في دين الله ونفاقٌّ، ينظرون إليك -أيها النبي- نظَرَ ذلك الذي شخَصَ بصَرُهُ عند الموت لفَزَعِهم الشديد، وخَوْفِهم من القتال، وكان الأَوْلى والأليقَ بهم أن يكون موقفهم إيجابيًّا لا سلبيًّا.

[21] ﴿طَاعَةٞ وَقَوۡلٞ مَّعۡرُوفٞۚ فَإِذَا عَزَمَ ٱلۡأَمۡرُ فَلَوۡ صَدَقُواْ ٱللَّهَ لَكَانَ خَيۡرٗا لَّهُمۡ 21﴾:

ثم بين سبحانه هذا الموقف الإيجابي الذي كان الأولى بهؤلاء المنافقين القيام به وهو أن يطيعوك، وأن يجيبوك بجوابٍ حَسَن، ولكن اعلم –أيها النبي- إذا جَدَّ الجِدّ، وحضَرَ القتال، فلو صدَقُوا الله في جهادهم وقتالهم الكفار، لكان خيرًا لهم في دنياهم وأُخْراهم.

[22] ﴿فَهَلۡ عَسَيۡتُمۡ إِن تَوَلَّيۡتُمۡ أَن تُفۡسِدُواْ فِي ٱلۡأَرۡضِ وَتُقَطِّعُوٓاْ أَرۡحَامَكُمۡ 22﴾:

ثم وجَّه جل وعلا الخطابَ للكفَّار على سبيل الزَّجْر لهم، فقال: هل عسَيْتم إن أعرَضْتم عن أمر الله، وتركتموه ولم تقوموا به؛ أن تَعِيثوا في الأرضِ الفساد؛ بالشِّرْكِ، والظلمِ، وسفكِ الدماءِ، وتقطيعِ الأرحام.

[23] ﴿أُوْلَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ لَعَنَهُمُ ٱللَّهُ فَأَصَمَّهُمۡ وَأَعۡمَىٰٓ أَبۡصَٰرَهُمۡ 23﴾:

ثم بيَّن سبحانه أن أولئك الذين يُفْسِدونَ في الأرضِ، ويقطِّعون الأرحام، قد أبعَدَهم الله، وطرَدَهم من رحمته؛ فعاقبهم بأنْ جعَلَهم لا يسمعون ما ينفعهم، ولا يُبْصِرون الخير والمعروف.

[24] ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ ٱلۡقُرۡءَانَ أَمۡ عَلَىٰ قُلُوبٍ أَقۡفَالُهَآ 24﴾:

ثم أمَرَ جل وعلا بتدبُّرِ القرآنِ وتفهُّمه، ونهى عن الإعراض عنه، فقال: هلَّا يتدبُّرُ هؤلاءِ آياتِ القرآن، ويُعمِلونَ عقولَهم وأفكارَهم فيها؟! فيتَّعظون بالمواعظ، وينزجرون بالزواجر، ويعرفون الحقَّ مِن الباطل؟! بل هؤلاءِ على قلوبهم أقفالٌ؛ فهم لا يفهمون، ولا يعقلون.

[25] ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ ٱرۡتَدُّواْ عَلَىٰٓ أَدۡبَٰرِهِم مِّنۢ بَعۡدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ ٱلۡهُدَى ٱلشَّيۡطَٰنُ سَوَّلَ لَهُمۡ وَأَمۡلَىٰ لَهُمۡ 25﴾:

واعلموا أن الذين ارتدُّوا على أدبارهم، ورجعوا كفَّارًا بعد إسلامهم -مِنْ بعدِ ما تبيَّن لهم الدين الحق- أولئك حسَّن وزيَّن لهم الشيطانُ رِدَّتهم وانتكاستهم، ومَدَّ لهم في آمالهم، ووعَدَهم بطول العمر، وهؤلاء الذين ارتدوا لن يضُرُّوا الله شيئًا، وسيُحبِطُ سبحانه أعمالهم.

[26] ﴿ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمۡ قَالُواْ لِلَّذِينَ كَرِهُواْ مَا نَزَّلَ ٱللَّهُ سَنُطِيعُكُمۡ فِي بَعۡضِ ٱلۡأَمۡرِۖ وَٱللَّهُ يَعۡلَمُ إِسۡرَارَهُمۡ 26﴾:

ثم بيَّن جل وعلا سبب رِدَّتهم، وهو: أنهم قالوا للذين كَرِهوا القرآنَ والإسلامَ -مِن المشركين أو اليهود-: سنُطِيعكم ونتعاون معكم في عداوةِ الرسول ﷺ، ومخالفةِ ما جاء به، واللهُ جل في علاه مطَّلِعٌ عليهم، ويَعْلَمُ سِرَّهم ونجواهم، ويعلم ما تآمروا به سرًّا مع أعدائه؛ فلذلك فضَحَهم، وبيَّن أمرهم لعباده المؤمنين؛ لئلَّا يغترُّوا بهم.

[27] ﴿فَكَيۡفَ إِذَا تَوَفَّتۡهُمُ ٱلۡمَلَٰٓئِكَةُ يَضۡرِبُونَ وُجُوهَهُمۡ وَأَدۡبَٰرَهُمۡ 27﴾:

ثم أخبَرَ جل وعلا عن حالة هؤلاء الكفَّار الشنيعةِ حين تتوفَّاهم الملائكةُ عند انتهاء آجالهم، وهم يَضْرِبون وجوههم وأدبارهم بمَقَامِعَ مِن حديد.

[28] ﴿ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمُ ٱتَّبَعُواْ مَآ أَسۡخَطَ ٱللَّهَ وَكَرِهُواْ رِضۡوَٰنَهُۥ فَأَحۡبَطَ أَعۡمَٰلَهُمۡ 28﴾:

ثم بيَّن سبحانه أن ذلك العذابَ الذي أصابهم، والنكالَ الذي حَلَّ بهم؛ بسبب أنهم اتَّبعوا وعَمِلوا ما يكرهه الله ويأباه مِن الأقوالِ والأعمال، وتَرَكوا وكَرِهوا ما يحبُّه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال -ومنها الجهادُ في سبيله، ومقاتَلَةُ أعدائه- فأحبَطَ الله أعمالهم، وأبطَلَ ثوابها.

[29] ﴿أَمۡ حَسِبَ ٱلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ أَن لَّن يُخۡرِجَ ٱللَّهُ أَضۡغَٰنَهُمۡ 29﴾:

ثم هدَّد جل وعلا هؤلاء المنافقين بكَشْفِ أستارِهم، وفضحِ أسرارِهم، فقال: هل يظُنُّ هؤلاءِ الذين في قلوبهم عداوةٌ وحقدٌ للإسلام والمسلمين أن لن يُبرِزَ اللهُ ما في قلوبهم، ويُطلِعَ الرسولَ ﷺ والمسلمين عليه؟!

[30] ﴿وَلَوۡ نَشَآءُ لَأَرَيۡنَٰكَهُمۡ فَلَعَرَفۡتَهُم بِسِيمَٰهُمۡۚ وَلَتَعۡرِفَنَّهُمۡ فِي لَحۡنِ ٱلۡقَوۡلِۚ وَٱللَّهُ يَعۡلَمُ أَعۡمَٰلَكُمۡ 30﴾:

بيَّن جل وعلا بعضَ مظاهر قُدْرته، فقال: ولو نشاء -أيها النبي- لَأَرَيْنَاكَ أشخاصهم، وعرَّفناكهم بأعيانهم، ولَتَعْرِفَنَّهم بعلامتِهِمُ الخاصَّةِ التي يتميَّزون بها وتظهر في وجوههم، ولَتَعْرِفَنَّهم في مقاصدِ كلامهم وفَلَتاتِ ألسنتهم، وما يُفْهَمُ من فحوى كلامهم، والله يعلم أعمالكم لا يخفى عليه شيء منها، وسيجازيكم ويحاسبكم عليها.

[31] ﴿وَلَنَبۡلُوَنَّكُمۡ حَتَّىٰ نَعۡلَمَ ٱلۡمُجَٰهِدِينَ مِنكُمۡ وَٱلصَّٰبِرِينَ وَنَبۡلُوَاْ أَخۡبَارَكُمۡ 31﴾:

ثم بيَّن جل وعلا سُنَّةً مِن سُنَنِهِ في خلقه؛ فقال: ولنختبرنَّكم -أيها المؤمنون- بالقتال والجهاد لأعداء الله؛ حتى نَعْلَمَ المجاهدين الصادقين الصابرين منكم، وغيرَ الصادقين والصابرين، وتتبيَّنَ أخبارُكم؛ لكي يَظْهَرَ الصادقُ منكم من الكاذب.

[32] ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَصَدُّواْ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ وَشَآقُّواْ ٱلرَّسُولَ مِنۢ بَعۡدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ ٱلۡهُدَىٰ لَن يَضُرُّواْ ٱللَّهَ شَيۡـٔٗا وَسَيُحۡبِطُ أَعۡمَٰلَهُمۡ 32﴾:

واعلموا أن هؤلاءِ الذين جحدوا دِينَ الله، وصدَّوا الناسَ عن الإيمان به، وعادَوُا الرسولَ ﷺ، مِن بعدِ ما تبيَّن لهم الحق، وثبَتَ لهم أن الرسول ﷺ صادق؛ هؤلاء لن يضُرُّوا الله شيئًا بسبب كُفْرهم وضلالهم، وسوف يُبطِلُ سبحانه أعمالهم التي عملوها في الدنيا؛ كإطعامِ الطعام، وصلةِ الأرحام؛ لأن الله لا يقبل عملًا من نَفْسٍ كافرة.

[33] ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ أَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُواْ ٱلرَّسُولَ وَلَا تُبۡطِلُوٓاْ أَعۡمَٰلَكُمۡ 33﴾:

يا أيها الذين آمنوا بالله واليوم الآخر، واتَّبعوا رسوله ﷺ، دَاوِموا على طاعةِ الله ورسوله ﷺ في فعلِ الأوامر، واجتنابِ النواهي، ولا تُفسِدوا أعمالكم، وتُذهِبوا أجرها بالرياء والشرك والمعاصي.

[34] ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَصَدُّواْ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ ثُمَّ مَاتُواْ وَهُمۡ كُفَّارٞ فَلَن يَغۡفِرَ ٱللَّهُ لَهُمۡ 34﴾:

واعلموا أن الذين كفروا بالله، وجَحَدوا آياته، وكذَّبوا رسوله ﷺ، وصدُّوا غيرهم عن الإيمان بالله وتوحيده، ثم لم يتوبوا من ذلك، ولم يُسْلِموا، وماتوا وهم كفَّار، فأولئك لن يَغْفِرَ الله لهم ذنوبهم، وقد حرَّم الله عليهم الجنة، ومأواهم النارُ خالدين فيها أبدًا.

[35] ﴿فَلَا تَهِنُواْ وَتَدۡعُوٓاْ إِلَى ٱلسَّلۡمِ وَأَنتُمُ ٱلۡأَعۡلَوۡنَ وَٱللَّهُ مَعَكُمۡ وَلَن يَتِرَكُمۡ أَعۡمَٰلَكُمۡ 35﴾:

وإذا كان الله جل وعلا لن يغفر للكافرين، فلا تضعُفُوا أنتم -أيها المؤمنون- عن قتالهم، ولا تخافوا وتجبُنُوا، ولا تُدْعوهم للسَّلْمِ والمصالحة -طلبًا للراحة والدَّعَة- وأنتم الغالبون القاهرون العالون على أعدائكم، والله جل في علاه معكم؛ ينصُرُكم ويؤيِّدكم ويثبِّتكم، وسيجازيكم على جهادِكم وصَبْرِكم، وصالحِ أعمالكم، ولن ينقُصَكم شيئًا مِن أجوركم.

[36] ﴿إِنَّمَا ٱلۡحَيَوٰةُ ٱلدُّنۡيَا لَعِبٞ وَلَهۡوٞۚ وَإِن تُؤۡمِنُواْ وَتَتَّقُواْ يُؤۡتِكُمۡ أُجُورَكُمۡ وَلَا يَسۡـَٔلۡكُمۡ أَمۡوَٰلَكُمۡ 36﴾:

واعلموا أنما حقيقةُ الحياة الدنيا: لعبٌ ولهوٌ وغرورٌ؛ لا ثباتَ لها، ولا اعتدادَ بها، وإنْ تؤمنوا بالله ورسوله ﷺ وبما جاء به، وتجعلوا بينكم وبين عذاب الله وقايةً؛ بتوحيدِهِ، وفعلِ ما يحبه الله ويرضاه، وتَرْكِ ما يكرهه الله ويأباه؛ يُعْطِكُمُ الله أجرَكُمْ وثوابَكُمْ في الآخرة، ولا يريدُ الله أن يكلِّفكم ما يشُقُّ عليكم؛ مِن أخذِ جميع أموالكم أو معظَمِها أخذًا يُضِرُّ بكم، إنما يأمركم بإخراج القليل منها في الزكاة الواجبة عليكم؛ إذا بلَغَتْ أموالُكم النِّصَاب.

[37] ﴿إِن يَسۡـَٔلۡكُمُوهَا فَيُحۡفِكُمۡ تَبۡخَلُواْ وَيُخۡرِجۡ أَضۡغَٰنَكُمۡ 37﴾:

ثم بيَّن جل وعلا جانبًا من حكمته في تشريعاته؛ فأخبَرَ أنه لو طلَبَ منكم إنفاقَ جميع أموالكم، وألحَّ عليكم في ذلك، فإنكم حينها سوف تبخلون وتمتنعون عن الاستجابة، وتَظْهَرُ حينها الأضغان والأحقاد.

[38] ﴿هَٰٓأَنتُمۡ هَٰٓؤُلَآءِ تُدۡعَوۡنَ لِتُنفِقُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ فَمِنكُم مَّن يَبۡخَلُۖ وَمَن يَبۡخَلۡ فَإِنَّمَا يَبۡخَلُ عَن نَّفۡسِهِۦۚ وَٱللَّهُ ٱلۡغَنِيُّ وَأَنتُمُ ٱلۡفُقَرَآءُۚ وَإِن تَتَوَلَّوۡاْ يَسۡتَبۡدِلۡ قَوۡمًا غَيۡرَكُمۡ ثُمَّ لَا يَكُونُوٓاْ أَمۡثَٰلَكُم 38﴾:

ثم ختَمَ جل وعلا السورة بالحثِّ على الإنفاق والجهاد في سبيل الله بالنَّفْسِ والمال؛ فقال سبحانه: ها أنتم -أيها المؤمنون- تُدْعَوْنَ إلى النفقة في جهاد أعداء الله، ونصرة دينه، فمنكم -أيها الناس- مَن يَبْخَلُ بالنفقةِ في سبيل الله، ومَن يَبْخَلْ، فإنما يبخلُ عن نفسه؛ لأن ما تقدِّمونه -أيها الناس- يكون رصيدًا لكم في الآخرة، واعلموا أن الله تعالى هو الغنيُّ عنكم، وأنتم الفقراءُ إليه؛ لحاجتكم إلى عونه وتوفيقه، وإنْ تُعْرِضوا عن الإيمانِ بالله، وامتثالِ أمره، فإنه سوف يُهْلِكُكم، ويخلُقُ بدلكم قومًا آخرين، ثم لا يكونون أمثالكم في الإعراض والبعد عن الخير؛ بل يطيعونه، ويطيعون رسوله ﷺ، ويجاهدون في سبيله بأموالهم وأنفسهم.

وكما بدأت السورةُ بالجهادِ بالنَّفْس، والإثخانِ في الكفَّار؛ حتى تكونَ كلمةُ الله هي العليا، ويعُمَّ الإسلامُ البلادَ والعباد؛ خُتِمَتْ بالجهاد بالمال والبذل للمجاهدين؛ ليتوافَرَ العتادُ والسلاح، والأكلُ والشربُ والمراكب؛ فالمالُ هو السند الثاني للمجاهدين بعد تأييد الله وتوفيقه.

سورة الفتح

سورةُ الفتح مدنيَّة، وآياتها تسعٌ وعشرون آية.

هذه السورةُ تتحدَّث عن فتحٍ أعظمَ مِن فتحِ بلدٍ، أو فتحِ عاصمةٍ؛ وذلك أنَّ رسولَ الله ﷺ وصحابته ذهبوا إلى مكَّة للعُمْرة؛ فلما وصلوا الحديبيةَ، منعهم أهل مكَّة، ثم ذهَبَ عثمان بن عفَّان بأمرٍ مِن رسولِ الله ﷺ ليشرَحَ لهم هدَفَ رسول الله، وأنه لم يأتِ إلا للعُمْرة وسيعود، فتأخَّر عثمان عن العَوْدةِ إلى رسول الله ﷺ، وشاع الخبَرُ أنه قُتِلَ؛ فأحزَنَ الخبَرُ الجميع، ثم قرَّروا الهجوم، فبايعوا الرسولَ ﷺ على القتالِ حتى الموت، ثم جاء عثمانُ ومعه وَفْدٌ مِن قريشٍ يطلُبُونَ من الرسول ﷺ أن يَرْجِعَ، وبعد مفاوَضاتٍ ومناقَشاتٍ اتفقوا على الصلحِ على أن يعودَ الرسولُ ﷺ وأصحابه، ويؤدُّوا العمرةِ في السنة القادمة، ولما عاد الرسول ﷺ، نزَلَتْ هذه السورة، فقال المسلمون: أيُّ فتح هذا؟! فأخبَرَهم ﷺ أنه فتحٌ حقيقيٌّ؛ لأن الله قال ذلك، فلما رجعوا إلى المدينة، انتشَرَ الخبَرُ، فجاءت القبائل من كلِّ أجزاء الجزيرة يُعْلِنونَ إسلامهم، فعلم الصحابة أنه فتحٌ كبيرٌ عظيم؛ لأن الذين دخلوا في الإسلام في ثلاثِ سنواتٍ بعد تلك المعاهَدةِ: أكثرُ مِن الذين دخلوا الإسلامَ خلالَ السنوات التي قبل المعاهَدةِ بثلاثةِ أضعافٍ بل أكثر؛ لأنه بعدها يسَّر الله فتح خيبر، ثم سائرِ مُدُن الجزيرة العربية بما في ذلك مكَّةُ والطائف.

[1] ﴿إِنَّا فَتَحۡنَا لَكَ فَتۡحٗا مُّبِينٗا 1﴾:

بدأت السورةُ بتبشير النبيِّ ﷺ أن الله جل وعلا فتَحَ له فتحًا بيِّنًا ظاهرًا فارقًا بين الحق والباطل، وهو الصلحُ الذي تَمَّ في الحديبية وما حصَلَ بعده مِن دخولِ الناسِ في دين الله أفواجًا.

[2] ﴿لِّيَغۡفِرَ لَكَ ٱللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنۢبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعۡمَتَهُۥ عَلَيۡكَ وَيَهۡدِيَكَ صِرَٰطٗا مُّسۡتَقِيمٗا 2﴾:

واعلم -أيها النبي- أنَّ هذا الجهد والكفاح والصبر وما تحمَّلْتَهُ في هذا الفتحِ، إنما يسَّره الله لك؛ ليغفِرَ لك ما تقدَّم من ذنبك وما تأخَّر، ويُتِمَّ نعمته عليك بإظهارِ دينك، ويُرْشِدَكَ طريقًا مستقيمًا لا عِوَجَ فيه ولا انحراف.

[3] ﴿وَيَنصُرَكَ ٱللَّهُ نَصۡرًا عَزِيزًا 3﴾:

وكذلك يقابِلُ هذا الجهدَ وهذا الصبرَ -أيها النبي- نَصْرُ الله لك على أعدائك نصرًا قويًّا تامًّا منيعًا لا يَتْبَعُهُ ذلٌّ، ولا يَدْفَعُهُ دافعٌ.

[4] ﴿هُوَ ٱلَّذِيٓ أَنزَلَ ٱلسَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ لِيَزۡدَادُوٓاْ إِيمَٰنٗا مَّعَ إِيمَٰنِهِمۡۗ وَلِلَّهِ جُنُودُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۚ وَكَانَ ٱللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمٗا 4﴾:

واعلموا أن الله جل وعلا بمَنِّهِ وكرمِهِ هو الذي أنزَلَ السكينةَ والطُّمَأْنينةَ والرضا على قلوبِ عبادِهِ المؤمنين؛ لئلَّا تضطرِبَ نفوسُهم، وتنزعِجَ مِن جرَّاءِ الصلح؛ ليزيدهم الله بتلك السكينة والطمأنينة إيمانًا يُضافُ إلى إيمانهم السابق، ثم بيَّن سبحانه أن له جنود السموات والأرض، وكان الله عليمًا بخَلْقه، لا يخفى عليه مِن أمورهم شيء، حكيمًا في تدبيره لأوليائه.

[5] ﴿لِّيُدۡخِلَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ وَٱلۡمُؤۡمِنَٰتِ جَنَّٰتٖ تَجۡرِي مِن تَحۡتِهَا ٱلۡأَنۡهَٰرُ خَٰلِدِينَ فِيهَا وَيُكَفِّرَ عَنۡهُمۡ سَيِّـَٔاتِهِمۡۚ وَكَانَ ذَٰلِكَ عِندَ ٱللَّهِ فَوۡزًا عَظِيمٗا 5﴾:

ثم بيَّن جل وعلا أنه أنزَلَ السكينةَ على قلوب المؤمنين، وأنه جعَلَ جنود السموات والأرض تحت سيطرتِهِ ومُلْكه؛ ليُدخِلَ سبحانه عباده المؤمنين والمؤمنات جنَّاتٍ تجري الأنهارُ من تحتِ أشجارِها وقصورِها، ماكثين فيها لا يخرُجُونَ منها أبدًا، ولا يتحوَّلون ولا يزولون عنها، وليكفِّرَ عنهم سيئاتهم، ويمحُوَ عنهم ذنوبهم وخطيئاتهم، وكان ذلك -أي: دخولُ الجنات، وتكفيرُ السيئات- عند الله فوزًا عظيمًا.

[6] ﴿وَيُعَذِّبَ ٱلۡمُنَٰفِقِينَ وَٱلۡمُنَٰفِقَٰتِ وَٱلۡمُشۡرِكِينَ وَٱلۡمُشۡرِكَٰتِ ٱلظَّآنِّينَ بِٱللَّهِ ظَنَّ ٱلسَّوۡءِۚ عَلَيۡهِمۡ دَآئِرَةُ ٱلسَّوۡءِۖ وَغَضِبَ ٱللَّهُ عَلَيۡهِمۡ وَلَعَنَهُمۡ وَأَعَدَّ لَهُمۡ جَهَنَّمَۖ وَسَآءَتۡ مَصِيرٗا 6﴾:

ثم بيَّن سبحانه أنه سوف يعذِّبُ المنافِقينَ والمنافقاتِ، والمشرِكينَ والمشرِكاتِ، الذين أرادوا خِذْلانَ المؤمنين وهزيمتَهُم، والذين ظنوا بالله ظنَّ السَّوْءِ أنه لا ينصُرُ دِينَه، ولا يُعْلي كلمتَه، وأنه يُدِيلُ أهل الباطل على أهل الحق إدالةً دائمة، وقالوا: غَرَّ هؤلاءِ دِينُهم؛ فهؤلاء يَرْجِعُ عليهم ظنُّهم؛ فينالهم الذل والهوان والخزي، وغَضِبَ الله عليهم، وطرَدَهم وأبعَدَهم من رحمته، وهيَّأ لهم جهنَّمَ ليسكنوها، ويقيموا فيها، وساءت لهم مسكنًا، وقَبُحَتْ إقامتهم فيها، وبئس منزلُهم منزلًا يصيرون إليه.

[7] ﴿وَلِلَّهِ جُنُودُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۚ وَكَانَ ٱللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا 7﴾:

واعلموا أن لله جنودَ السموات والأرض، وما يعلم جنودَ ربِّك إلا هو؛ فينصُرُ عباده المؤمنين بما شاء مِنْ جُنْدِه، وكان الله عزيزًا قويًّا غالبًا قاهرًا لكلِّ شيء، حكيمًا في خلقه وتدبيره لشؤون عباده.

[8] ﴿إِنَّآ أَرۡسَلۡنَٰكَ شَٰهِدٗا وَمُبَشِّرٗا وَنَذِيرٗا 8﴾:

واعلم -أيها النبي- أن الله جل وعلا قد أرسلَكَ شاهدًا على أمَّتك، فتشهدُ بإيمانِ مَنْ آمن، وبكفرِ مَنْ عانَدَ وكفَرَ وحارَبَ دعوتك، ومبشِّرًا للطائعين الصالحين بالجنَّةِ والثوابِ الكبير مِن الله لهم، ونذيرًا لأهل الكفر والمعاصي بالنارِ والعذابِ الأليم.

[9] ﴿لِّتُؤۡمِنُواْ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُۚ وَتُسَبِّحُوهُ بُكۡرَةٗ وَأَصِيلًا 9﴾:

وكما أرسلَكَ الله -أيها النبي- شاهدًا على أمَّتك ومبشِّرًا ونذيرًا لهم؛ فكذلك أرسلَكَ سبحانه لدعوةِ الناس إلى التوحيد، وتعليمِهم أمورَ دينهم؛ ليؤمنوا بالله ورسوله ﷺ، وينصُرُوا دين الله، ويعظِّموا رسوله ﷺ ويُجِلُّوه ويقوموا بحقوقه، وينزِّهوا الله عن الشريك وعن كل نقص أوَّلَ النهار وآخره، ويستمروا في تسبيح الله وتنزيهه عما لا يليق بعظمته.

[10] ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ ٱللَّهَ يَدُ ٱللَّهِ فَوۡقَ أَيۡدِيهِمۡۚ فَمَن نَّكَثَ فَإِنَّمَا يَنكُثُ عَلَىٰ نَفۡسِهِۦۖ وَمَنۡ أَوۡفَىٰ بِمَا عَٰهَدَ عَلَيۡهُ ٱللَّهَ فَسَيُؤۡتِيهِ أَجۡرًا عَظِيمٗا 10﴾:

واعلم -أيها النبي- أن الذين يبايعونك على الموت في سبيل الله مقابِلَ ثوابِ اللهِ بالجنَّةِ المُعَدَّةِ للشهداء في سبيله؛ إنما يبايِعونَ ويعاهِدونَ الله؛ طاعةً له جل في علاه، وامتثالًا لأمره، والمقصود بهذه البيعة هي بيعةُ الرِّضْوانِ التي تمَّت في الحديبية تحت الشجرة، وسُمِّيَتْ هذه المعاهدةُ: مبايَعةً؛ لأنها تمت بصفقة اليد، ثم بيَّن سبحانه أن من ينقُضُ هذه البيعة بعد توثيقها، فإنما عاقبة نقضه تعود عليه، أما مَنْ ثبَتَ على الوفاء بما عاهد الله عليه، وصبَرَ عند لقاء العدو، فسوف يُعْطِيهِ سبحانه مِن فضلِهِ أجرًا عظيمًا، وهو جَنَّةٌ عَرْضها كعَرْض السموات والأرض. وفي هذه الآية: إثباتُ صفةِ اليَدِ حقيقةً لله عز وجل بما يَلِيقُ به سبحانه؛ مِن غيرِ تحريفٍ ولا تعطيل، وغيرِ تمثيلٍ ولا تكييف.

[11] ﴿سَيَقُولُ لَكَ ٱلۡمُخَلَّفُونَ مِنَ ٱلۡأَعۡرَابِ شَغَلَتۡنَآ أَمۡوَٰلُنَا وَأَهۡلُونَا فَٱسۡتَغۡفِرۡ لَنَاۚ يَقُولُونَ بِأَلۡسِنَتِهِم مَّا لَيۡسَ فِي قُلُوبِهِمۡۚ قُلۡ فَمَن يَمۡلِكُ لَكُم مِّنَ ٱللَّهِ شَيۡـًٔا إِنۡ أَرَادَ بِكُمۡ ضَرًّا أَوۡ أَرَادَ بِكُمۡ نَفۡعَۢاۚ بَلۡ كَانَ ٱللَّهُ بِمَا تَعۡمَلُونَ خَبِيرَۢا 11﴾:

أخبَرَ جل وعلا نبيه ﷺ بما سوف يعتذِرُ به الذين تخلَّفوا من الأعراب عن الخروجِ معه إلى مكَّةَ من الأعذار الكاذبة؛ حيث قال له: إنهم سيقولون لك: لم نتخلَّفْ عنك باختيارنا؛ إنما شغَلَتْنا أموالنا وأهلونا، ثم طلبوا منه ﷺ أن يستغفِرَ لهم اللهَ على هذا الذنب، ثم بيَّن سبحانه بأنهم يقولون ذلك تَقِيَّةً ونفاقًا، ولا حقيقةَ لهذا الاعتذار وهذا الاستغفار في قلوبهم، فقل لهم -أيها النبي-: فمَنْ يملكُ لكم مِن الله شيئًا إنْ أراد بكم شرًّا، أو أراد بكم خيرًا؟! واعلموا أن الله عليمٌ بسرائركم وضمائركم، لا يخفى عليه شيءٌ من أعمال خَلْقه.

والأعرابُ هم سُكَّانُ الباديةِ الرُّحَّلُ الذين يتَّبعون أماكنَ العُشْبِ والمطر، أما العَرَبُ، فهم سُكَّانُ المُدُنِ المقيمون، وقد كان حول المدينة أعرابٌ مِن غِفَارٍ ومُزَيْنةَ وأسلَمَ وآخرين، فلما خرَجَ رسول الله ﷺ إلى العمرة، طلَبَ مِن الناسِ الذَّهَابَ معه تخوُّفًا من قريش أن يحاربوه، وهؤلاءِ الأعرابُ ظنُّوا ظنًّا سيِّئًا بأن قريشًا سوف يقضون على محمَّد ﷺ وأصحابه؛ ولذلك اعتذروا بهذه الأعذار الكاذبة التي فضَحَها الله تعالى.

[12] ﴿بَلۡ ظَنَنتُمۡ أَن لَّن يَنقَلِبَ ٱلرَّسُولُ وَٱلۡمُؤۡمِنُونَ إِلَىٰٓ أَهۡلِيهِمۡ أَبَدٗا وَزُيِّنَ ذَٰلِكَ فِي قُلُوبِكُمۡ وَظَنَنتُمۡ ظَنَّ ٱلسَّوۡءِ وَكُنتُمۡ قَوۡمَۢا بُورٗا 12﴾:

ثم أخبَرَ جل وعلا أنَّ الأمرَ ليس كما زعمتم وبيَّنتم في اعتذاركم مِن انشغالكم بالأموالِ والأولادِ أيها المنافقون، ولكنَّ حقيقة الأمر: أنكم ظننتم ظنًّا سيئًا؛ حيث ظننتم أن العدُوَّ سوف يستأصِلُ رسولَ اللهِ ومن معه من المؤمنين، فلا يَرْجِعُ إليكم منهم أحدٌ أبدًا، وحسَّن الشيطانُ ذلك الظنَّ وزيَّنه في قلوبكم حتى استحكَمَ فيها، وكنتم قومًا هالكين فاسدين، لا خَيْرَ فيكم.

[13] ﴿وَمَن لَّمۡ يُؤۡمِنۢ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦ فَإِنَّآ أَعۡتَدۡنَا لِلۡكَٰفِرِينَ سَعِيرٗا 13﴾:

واعلموا -أيها الناس- أن مَنْ لم يؤمنْ بالله واليوم والآخر، ويتَّبِعْ رسولَهُ ﷺ فيما جاء به، فهو كافرٌ مستحِقٌّ لعذاب الله في نارٍ شديدةِ الاستعارِ واللَّهَب.

[14] ﴿وَلِلَّهِ مُلۡكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۚ يَغۡفِرُ لِمَن يَشَآءُ وَيُعَذِّبُ مَن يَشَآءُۚ وَكَانَ ٱللَّهُ غَفُورٗا رَّحِيمٗا 14﴾:

واعلموا أيضًا أن الله هو وحده المتفرِّدُ بملك السموات والأرض، وما فيهما وما بينهما، يحكُمُ فيهما بما يريد؛ فيغفِرُ لمن وحَّده وآمَنَ به -بكرمه وفضله- ويعذِّبُ مَنْ كفَرَ به وعصاه -بحكمتِهِ وعدلِه- وهو سبحانه كثيرُ المغفرة لعباده المذنبين التائبين، كثيرُ الرحمة بعباده المستغفرين المنيبين.

[15] ﴿سَيَقُولُ ٱلۡمُخَلَّفُونَ إِذَا ٱنطَلَقۡتُمۡ إِلَىٰ مَغَانِمَ لِتَأۡخُذُوهَا ذَرُونَا نَتَّبِعۡكُمۡۖ يُرِيدُونَ أَن يُبَدِّلُواْ كَلَٰمَ ٱللَّهِۚ قُل لَّن تَتَّبِعُونَا كَذَٰلِكُمۡ قَالَ ٱللَّهُ مِن قَبۡلُۖ فَسَيَقُولُونَ بَلۡ تَحۡسُدُونَنَاۚ بَلۡ كَانُواْ لَا يَفۡقَهُونَ إِلَّا قَلِيلٗا 15﴾:

ثم أخبَرَ جل وعلا نبيه ﷺ بما سوف يقوله أولئك الذين تخلَّفوا من الأعراب عن الخروج معك، بعد أن خاب ظنُّهم فرجَعْتم سالمين من مكَّة؛ حيث إنهم سيقولون لك: إذا انطلَقْتَ -يا محمد- أنت وأصحابُكَ إلى غنائمِ خَيْبَرَ التي وعَدَكم الله بها، فدَعُونا نذهب معكم لنشارككم في جَمْعها، وقَصْدُهم بذلك أن يغيِّروا وعد الله لكم أن غنائمَ خيبر هي لمن شَهِدَ الحديبية، فقل لهم -أيها النبي-: لن تخرجوا معنا؛ لأن الله جل في علاه أخبَرَنا بأن غنائم خيبر هي لمن شَهِدَ الحديبية، وهذا عقابٌ لكم على معصيتكم برَفْضِكم الخروجَ معنا لمكَّة، وعلى سوءِ ظنِّكم بنا، وعندئذٍ سوف يرُدُّونَ عليكم قائلين: (إن الله لم يأمُرْكم بمنعنا من الخروج معكم، بل أنتم الذين تمنعوننا حسدًا منكم أن نشارِكَكُمْ في هذه الغنائم)، واعلم -أيها النبي- أن الأمر ليس كما زعموا، بل إنهم كانوا قومًا دأبهم الجهلُ والحُمْق، ولا يفقهون مِن أمورِ الدِّينِ إلا الشيء اليسير.

وما ذُكِرَ في هذه الآية لا ينطبِقُ على جميعِ الأعراب؛ فقد استثنى الله منهم خَلْقًا؛ فبعد أن قال تعالى: ﴿ٱلۡأَعۡرَابُ أَشَدُّ كُفۡرٗا وَنِفَاقٗا﴾ [التوبة:97]، قال: ﴿وَمِنَ ٱلۡأَعۡرَابِ مَن يُؤۡمِنُ بِٱللَّهِ وَٱلۡيَوۡمِ ٱلۡأٓخِرِ وَيَتَّخِذُ مَا يُنفِقُ قُرُبَٰتٍ عِندَ ٱللَّهِ وَصَلَوَٰتِ ٱلرَّسُولِۚ ...﴾ [التوبة:99]، فالله جل وعلا لا يَظْلِمُ مثقالَ ذرَّة، ويُكرِمُ أهلَ الفضل، ويُشِيدُ بمواقفهم.

[16] ﴿قُل لِّلۡمُخَلَّفِينَ مِنَ ٱلۡأَعۡرَابِ سَتُدۡعَوۡنَ إِلَىٰ قَوۡمٍ أُوْلِي بَأۡسٖ شَدِيدٖ تُقَٰتِلُونَهُمۡ أَوۡ يُسۡلِمُونَۖ فَإِن تُطِيعُواْ يُؤۡتِكُمُ ٱللَّهُ أَجۡرًا حَسَنٗاۖ وَإِن تَتَوَلَّوۡاْ كَمَا تَوَلَّيۡتُم مِّن قَبۡلُ يُعَذِّبۡكُمۡ عَذَابًا أَلِيمٗا 16﴾:

وقل -أيها النبي- للذين تخلَّفوا عن الجهاد والقتال مِن هؤلاء الأعراب: ستُدْعَوْنَ -فيما بعدُ- إلى قتالِ قومٍ أصحابِ قوَّةٍ وشدَّةٍ في الحرب، فتقاتلونهم؛ فإمَّا أن يُسْلِموا، وإما أن يُغْلَبوا أو يُؤْسَروا ويُبَادُوا، فإنْ تطيعوا وتجيبوا مَنْ دعاكم لهذا القتال، يُؤْتِكم الله أجرًا حسنًا في الدنيا بالمغنم، وفي الآخرة بدخول الجنة والنعيم المقيم، وإن تُعْرِضوا وتتولَّوْا كما تولَّيتم مِن قبلُ في غزوة الحديبية، فسيعذِّبكم الله عذابًا أليمًا في الدنيا؛ بالخِزْيِ والقتلِ والأسر، وفي الآخِرةِ؛ بعذابِ النار، وبئس القرار.

[17] ﴿لَّيۡسَ عَلَى ٱلۡأَعۡمَىٰ حَرَجٞ وَلَا عَلَى ٱلۡأَعۡرَجِ حَرَجٞ وَلَا عَلَى ٱلۡمَرِيضِ حَرَجٞۗ وَمَن يُطِعِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ يُدۡخِلۡهُ جَنَّٰتٖ تَجۡرِي مِن تَحۡتِهَا ٱلۡأَنۡهَٰرُۖ وَمَن يَتَوَلَّ يُعَذِّبۡهُ عَذَابًا أَلِيمٗا 17﴾:

ثم ذكَرَ جل وعلا أهلَ الأعذار، وبيَّن أنه ليس عليهم إِثْمٌ في التخلُّفِ عن الجهاد، وأما الإيمانُ والأعمالُ الصالحة التي يَقْدِرونَ عليها، فهم مثلُ غيرهم، وذكَرَ سبحانه مِن أهل الأعذار: الأعمى والأعرَجَ والمريضَ، ثم بيَّن سبحانه أنَّ مَنْ يطِعِ الله ورسوله ﷺ في امتثالِ أمرهما، واجتنابِ نهيهما، فإنه يُدخِلُهُ جنات تجري مِنْ تحتِ قصورها وأشجارها الأنهار، وأما مَنْ يَتَوَلَّ عن طاعة الله ورسوله ﷺ ويَقَعْ في الذنوب والمعاصي -ومن ذلك التخلُّفُ عن الجهاد في سبيل الله- فإن الله سبحانه يعذِّبه عذابًا موجعًا ومؤلمًا لا يعلم قَدْرَهُ إلا الله عز وجل.

[18] ﴿لَّقَدۡ رَضِيَ ٱللَّهُ عَنِ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ إِذۡ يُبَايِعُونَكَ تَحۡتَ ٱلشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمۡ فَأَنزَلَ ٱلسَّكِينَةَ عَلَيۡهِمۡ وَأَثَٰبَهُمۡ فَتۡحٗا قَرِيبٗا 18﴾:

أخبَرَ جل وعلا أنه رَضِيَ عن المؤمنين حين بايعوا الرسولَ ﷺ على الجهادِ والموتِ في سبيل الله، وهم تحت الشجرة في الحديبية، وهذه البَيْعةُ سُمِّيَتْ: بيعةَ الرِّضْوان، ثم بيَّن جل في علاه سبب رضاه عنهم: أنه عَلِمَ ما في قلوبهم من الصِّدْقِ والإيمانِ والإخلاص؛ فأنزَلَ سبحانه الطُّمَأْنينةَ عليهم، وثبَّت أقدامهم، وعوَّضهم فتحًا قريبًا، وهو فتحُ خيبر الذي تم بعد صُلْح الحديبية؛ جزاءً لهم عمَّا فاتهم بصُلْح الحديبية.

[19] ﴿وَمَغَانِمَ كَثِيرَةٗ يَأۡخُذُونَهَاۗ وَكَانَ ٱللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمٗا 19﴾:

وأخبَرَ سبحانه أنه رزَقَهم مغانمَ حصلوا عليها مِن أموالِ يهودِ خيبر، وكان جل في علاه عزيزًا في انتقامه، حكيمًا في تدبير أمور خَلْقه.

[20] ﴿وَعَدَكُمُ ٱللَّهُ مَغَانِمَ كَثِيرَةٗ تَأۡخُذُونَهَا فَعَجَّلَ لَكُمۡ هَٰذِهِۦ وَكَفَّ أَيۡدِيَ ٱلنَّاسِ عَنكُمۡ وَلِتَكُونَ ءَايَةٗ لِّلۡمُؤۡمِنِينَ وَيَهۡدِيَكُمۡ صِرَٰطٗا مُّسۡتَقِيمٗا 20﴾:

واعلموا أن الله جل وعلا وعَدَكم -أيها المؤمنون- مغانمَ كثيرةً تأخذونها بالفتوحاتِ الكثيرة التي تَتِمُّ على أيديكم في مستقبل الأيام، ومِنْ فضله عليكم: أنْ عجَّل لكم غنائمَ خيبر بدون جهد ولا قتال؛ وذلك بإلقاءِ الرعبِ في قلوبِ اليهود؛ حيث فتحوا حصونهم واستسلموا، ومِنْ فضله: أنه كفَّ أيديَ الناسِ عنكم؛ فلم ينلكم سوءٌ من حلفاء يهود خيبر الذين جاؤوا لنصرتهم؛ حيث قذَفَ الله الرُّعْبَ والخوفَ في قلوبهم، فرجعوا على أدبارهم خائبين، واعلموا أن الله تفضَّل عليكم بهذا التعجيلِ وكَفِّ الأيدي؛ ليكون ذلك علامةً تستدلُّون بها على صدق نبيِّكم ﷺ، وأن الله حافِظُكم وناصِرُكم ومُرشِدُكم طريقًا واضحًا بينًا لا اعوجاج فيه.

[21] ﴿وَأُخۡرَىٰ لَمۡ تَقۡدِرُواْ عَلَيۡهَا قَدۡ أَحَاطَ ٱللَّهُ بِهَاۚ وَكَانَ ٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ قَدِيرٗا 21﴾:

ثم بيَّن جل وعلا أنه وعَدَكم غنائمَ أخرى، ولكنْ لم تقدروا عليها في الحال، وهو فتحُ مكَّة؛ حيث فتحها الله لكم فيما بعدُ، ومِن فضله سبحانه عليكم: أنه حرَسَها لكم لِحِينِ أَخْذِكم إياها، وكان الله على كلِّ شيء قديرًا، لا يُعْجِزُهُ شيء في الأرض ولا في السماء.

[22] ﴿وَلَوۡ قَٰتَلَكُمُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَوَلَّوُاْ ٱلۡأَدۡبَٰرَ ثُمَّ لَا يَجِدُونَ وَلِيّٗا وَلَا نَصِيرٗا 22﴾:

واعلموا -أيها المؤمنون- أنه لو قاتلكم الذين كفروا من أهل مكَّة، لانهزموا أمامكم، ولم يثبُتُوا في المعركة، ثم وَلَّوْكُمْ ظهورهم، وحينها لا يجدون مُعِينًا يُعِينهم على قتالكم، ولا ناصرًا ينصُرُهم عليكم، ويَمْنَعُهم منكم.

[23] ﴿سُنَّةَ ٱللَّهِ ٱلَّتِي قَدۡ خَلَتۡ مِن قَبۡلُۖ وَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ ٱللَّهِ تَبۡدِيلٗا 23﴾:

واعلموا أن هذه هي سُنَّةُ الله التي مضَتْ في الأمم السابقة: أن الله ينصُرُ عباده المؤمنين؛ إذا التزموا ونفَّذوا أوامره، وأنه يخذُلُ الكافرين، وهي سنةٌ ثابتةٌ باقيةٌ، ولن تجد لسُنَّةِ الله تبديلًا، ولن تجد لسُنَّةِ الله تغييرًا.

[24] ﴿وَهُوَ ٱلَّذِي كَفَّ أَيۡدِيَهُمۡ عَنكُمۡ وَأَيۡدِيَكُمۡ عَنۡهُم بِبَطۡنِ مَكَّةَ مِنۢ بَعۡدِ أَنۡ أَظۡفَرَكُمۡ عَلَيۡهِمۡۚ وَكَانَ ٱللَّهُ بِمَا تَعۡمَلُونَ بَصِيرًا 24﴾:

واعلموا أن الله جل في علاه هو الذي منَّ عليكم بأنْ كَفَّ أيديَ مشركي مكَّة عنكم، فلم يقاتلوكم، وكَفَّ أيديَكُمْ عنهم، فلم تقاتلوهم، مِنْ بعد ما تمكَّنتم منهم، وقدَرْتم عليهم بلا عَهْد ولا عَقْد، وقد كانوا نحو ثمانين رجلًا مسلَّحين، جاؤوا من قِبَلِ التنعيمِ يريدون الهجومَ على المسلمين، ثم بيَّن سبحانه أنه بما تعملون -أيها الناس- بصيرٌ، لا يخفى عليه شيء من أعمالكم.

[25] ﴿هُمُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَصَدُّوكُمۡ عَنِ ٱلۡمَسۡجِدِ ٱلۡحَرَامِ وَٱلۡهَدۡيَ مَعۡكُوفًا أَن يَبۡلُغَ مَحِلَّهُۥۚ وَلَوۡلَا رِجَالٞ مُّؤۡمِنُونَ وَنِسَآءٞ مُّؤۡمِنَٰتٞ لَّمۡ تَعۡلَمُوهُمۡ أَن تَطَـُٔوهُمۡ فَتُصِيبَكُم مِّنۡهُم مَّعَرَّةُۢ بِغَيۡرِ عِلۡمٖۖ لِّيُدۡخِلَ ٱللَّهُ فِي رَحۡمَتِهِۦ مَن يَشَآءُۚ لَوۡ تَزَيَّلُواْ لَعَذَّبۡنَا ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنۡهُمۡ عَذَابًا أَلِيمًا 25﴾:

ثم بيَّن سبحانه أن كفَّار مكَّة هم الذين جحدوا وحدانية الله، ولم يتَّبعوا رسولَهُ ﷺ، وصدُّوكم عن العمرةِ، والطوافِ بالبيت الحرام، ومَنَعُوكم من ذَبْحِ الهَدْيِ المحبوسِ معكم في مَحِلِّه -وهو مكة- فعلوا كلّ ذلك ظلمًا وعدوانًا، ولولا وجودُ المستضعفين من المؤمنين والمؤمنات بين أظهُرِ المشركين -لم تميِّزوهم ولم تَعْرِفوهم- فكنا نخشى أن تطؤوهم بجيشكم فتقتلوهم؛ فيصيبكم بذلك إثمٌ وغَرَامةٌ وكفَّارةٌ، وعَيْبٌ أيضًا من المشركين بقولهم عنكم: (إنكم تقتُلُونَ أهل دينكم)؛ لولا ذلك، لأَذِنَ الله لكم في قتال أهل مكة، وسلَّطكم عليهم، وأعانكم على التغلُّب عليهم، ولكنْ لم يأذنِ الله لكم في قتالهم؛ رحمةً بالمؤمنين المستضعفين في مكَّة، وليُدخِلَ الله في رحمته مَنْ يشاء من عباده بأن يمُنَّ عليهم بالإيمان بعد الكفر، ولو تميَّز الذين آمنوا من الذين كفروا، وخرجوا مِنْ بين أظهُرِهم؛ لعذَّبنا الذين كفروا من أهل مكَّة عذابًا أليمًا مُوجِعًا؛ بأن نسلِّطكم عليهم، ونأذَنَ لكم في قتالهم، ونُعِينَكم على التغلُّب عليهم.

[26] ﴿إِذۡ جَعَلَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ فِي قُلُوبِهِمُ ٱلۡحَمِيَّةَ حَمِيَّةَ ٱلۡجَٰهِلِيَّةِ فَأَنزَلَ ٱللَّهُ سَكِينَتَهُۥ عَلَىٰ رَسُولِهِۦ وَعَلَى ٱلۡمُؤۡمِنِينَ وَأَلۡزَمَهُمۡ كَلِمَةَ ٱلتَّقۡوَىٰ وَكَانُوٓاْ أَحَقَّ بِهَا وَأَهۡلَهَاۚ وَكَانَ ٱللَّهُ بِكُلِّ شَيۡءٍ عَلِيمٗا 26﴾:

وتذَّكروا -أيها الناس- يوم أن جعَلَ الذين كفروا في قلوبهم أَنَفةَ الجاهليَّةِ الباعثةَ على الكِبْرِ وعدمِ قَبُولِ الحق؛ فرفضوا أن يكتبوا في وَرَقةِ الصلح: (بسم الله الرحمن الرحيم)، ورفضوا أن يُقِرُّوا برسالة محمد ﷺ، وأَنِفوا من دخول المسلمين في نَفْس السنة التي جاؤوا فيها، فأنزَلَ الله الطمأنينة والرضا في قلوب المؤمنين، فالتزَمُوا الشروط التي فيها تعظيمُ حُرُمات الله، ووافقوا على الصلح، وألزمهم الله كلمةَ التقوى، وهي: (لا إله إلا الله)، وحقوقها، فالتزموها، وقاموا بها، وكانوا أحقَّ بهذه الكلمةِ مِن غيرهم مِن المشركين والكفار، وكانوا هم مستأهليها دون غيرهم، وكان الله بكل شيء عليمًا، لا يعزُبُ عنه مثقالُ ذرَّة في السموات ولا في الأرض.

[27] ﴿لَّقَدۡ صَدَقَ ٱللَّهُ رَسُولَهُ ٱلرُّءۡيَا بِٱلۡحَقِّۖ لَتَدۡخُلُنَّ ٱلۡمَسۡجِدَ ٱلۡحَرَامَ إِن شَآءَ ٱللَّهُ ءَامِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمۡ وَمُقَصِّرِينَ لَا تَخَافُونَۖ فَعَلِمَ مَا لَمۡ تَعۡلَمُواْ فَجَعَلَ مِن دُونِ ذَٰلِكَ فَتۡحٗا قَرِيبًا 27﴾:

أخبَرَ جل وعلا أنه سيحقِّق لرسوله ﷺ الرؤيا التي رآها في منامه؛ حيث رأى ﷺ في المنام وهو في المدينةِ: أنه دخَلَ مكَّةَ وطاف بالبيت، فأخبَرَ أصحابه بذلك؛ فاستبشَرَ الصحابة، وتيقَّنوا أن الرؤيا سوف تتحقَّق هذا العام، فلما وقَعَ ما وقع في الحديبية من الصلح والهُدْنة، ورجعوا على أن يعودوا مِن قابِلٍ، وقع في نفوس بعض الصحابة مِن ذلك شيءٌ؛ فبيَّن لهم ﷺ أنه لم يُخْبِرْهم أنها ستتحقَّقُ في هذا العام، ثم في العامِ القادمِ تحقَّقت الرؤيا، ودخَلَ الرسول ﷺ مكة معتمرًا، وقد أدَّى هو وأصحابه العمرةَ في أمنٍ وأمانٍ بمشيئة الله وقدرته، وحلَقَ بعضهم رأسه، والبعضُ الآخَرُ قصَّر، لا يخافون أهل الشرك وغيرهم، ثم بيَّن سبحانه أنه عَلِمَ أن في صرفِ الرسولِ ﷺ وأصحابِهِ عن مكَّة، وعدَمِ دخولها ذلك العامَ: خيرًا ومصلحةً لهم، وأنهم لم يكونوا يعلمون ذلك؛ قال مجاهد: (إنَّ اللهَ استثنى فيما يَعْلَمُ لكي يعلِّمَ العباد أن يستثنوا بما لا يعلمون)، وفي ذلك العامِ الذي لم يدخلوا فيه مكة عوَّضهم جل في علاه فتحًا قريبًا، وهو صلحُ الحديبية، وفتحُ خيبرَ وأخذُ ما فيها من الغنائم.

[28] ﴿هُوَ ٱلَّذِيٓ أَرۡسَلَ رَسُولَهُۥ بِٱلۡهُدَىٰ وَدِينِ ٱلۡحَقِّ لِيُظۡهِرَهُۥ عَلَى ٱلدِّينِ كُلِّهِۦۚ وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ شَهِيدٗا 28﴾:

واعلموا -أيها الناس- أن الله جل وعلا هو الذي أرسل نبيه محمدًا ﷺ بالهدى، وهو العلمُ النافعُ الذي يَهْدِي من الضَّلَالة، ويَعْصِمُ من الغَوَاية، ودِينِ الحق، وهو دينُ الإسلام؛ ليعليه الله ويرفعه على كلِّ الأديان، وكفى بالله شهيدًا على صِحَّةِ ما أرسله به، وعلى ما وعَدَ به المؤمنينَ مِن ظهورِ الإسلامِ وعلوِّه على الأديانِ كلِّها.

[29] ﴿مُّحَمَّدٞ رَّسُولُ ٱللَّهِۚ وَٱلَّذِينَ مَعَهُۥٓ أَشِدَّآءُ عَلَى ٱلۡكُفَّارِ رُحَمَآءُ بَيۡنَهُمۡۖ تَرَىٰهُمۡ رُكَّعٗا سُجَّدٗا يَبۡتَغُونَ فَضۡلٗا مِّنَ ٱللَّهِ وَرِضۡوَٰنٗاۖ سِيمَاهُمۡ فِي وُجُوهِهِم مِّنۡ أَثَرِ ٱلسُّجُودِۚ ذَٰلِكَ مَثَلُهُمۡ فِي ٱلتَّوۡرَىٰةِۚ وَمَثَلُهُمۡ فِي ٱلۡإِنجِيلِ كَزَرۡعٍ أَخۡرَجَ شَطۡـَٔهُۥ فَـَٔازَرَهُۥ فَٱسۡتَغۡلَظَ فَٱسۡتَوَىٰ عَلَىٰ سُوقِهِۦ يُعۡجِبُ ٱلزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ ٱلۡكُفَّارَۗ وَعَدَ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ مِنۡهُم مَّغۡفِرَةٗ وَأَجۡرًا عَظِيمَۢا 29﴾:

ثم ختَمَ جل وعلا السورةَ بذكرِ رسولِ الله ﷺ وصحابتِهِ الكرامِ الذين اصطفاهم واختارهم لصُحْبةِ نبيِّه ﷺ، وبيَّن أنهم غِلَاظٌ شِدَادٌ على الكفَّار يسعَوْنَ غايةَ جهدهم في عداوتهم والبراءة منهم، وهم رحماءُ بينهم متحابُّون متعاطفون كالجسَدِ الواحد، تراهم مجتهدين في العبادة؛ يُكْثِرونَ الصلاةَ والركوعَ والسجود، يبتغون بعبادتهم فضلَ اللهِ ورحمتَهُ ورضوانه، وقد أثَّرت العبادةُ في وجوههم؛ حيث ترى على وجوههم البهاءَ والنور، واعلموا أن ذلك المذكورَ مِن وَصْفِهم قد وُصِفُوا به في التوراة، وأمَّا وَصْفُهم في الإنجيل: كمَثَلِ زرعٍ أخرَجَ فِرَاخَهُ، فآزره بفروعٍ منه صارت مثله، فقوَّاه في الاستواء وأعانه وشدَّه، فاستغلَظَتْ تلك الِفرَاخُ حتى استوَتْ بعد أن كانت دقيقةً نحيفة، ثم استقام الزرعُ على أعواده واكتمَلَ، فأصبَحَ جميلَ المنظر يُعجِبُ الزرَّاع، وهذا كحال الصحابة في تراحُمهم وتوادِّهم واجتماعهم، ونُصْرةِ بعضهم بعضًا في إقامةِ دِينِ الله والدعوة إليه؛ لإغاظة الكفَّار بكثرتهم واجتماعهم، ثم أخبَرَ سبحانه أنه وعد الذين آمنوا بالله ورسوله ﷺ بالمغفرةِ والأجرِ العظيم، في جناتِ النعيم، والله لا يُخْلِفُ الميعاد.

سورة الحُجُرات

سورةُ الحُجُراتِ مدنيَّة، وآياتها ثمانِيَ عَشْرةَ آيةً. والحُجُراتُ المقصودُ بها: غُرَفُ زوجاتِ النبيِّ ﷺ، وقد سميت بسورةِ الآداب.

[1] ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تُقَدِّمُواْ بَيۡنَ يَدَيِ ٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦۖ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَۚ إِنَّ ٱللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٞ 1﴾:

بدأت السورة بإرشاد المؤمنين إلى التأدُّب في حضرة النبي ﷺ؛ تعظيمًا لمقامه الشريف، صلواتُ ربِّي وسلامه عليه؛ حيث بدأت بهذا النداءِ المحبَّبِ إلى القلوب، أَلَا وهو الوصفُ بالإيمان، فقال جل في علاه: يا أيها الذين آمنوا بالله ورسوله، لا تقضوا أمرًا دون أمر الله ورسوله ﷺ مِن أمورِ الدِّينِ؛ فتبتدعوا في دين الله أمورًا لم يأذَنْ بها الله؛ قال ابن عبَّاس رضي الله عنه: (لا تقدِّموا أيَّ قولٍ أو فعلٍ على قولِ اللهِ أو قولِ رسولِهِ ﷺ وفعلِهِ)، فإذا ثبَتَ النصُّ، وجب على المؤمنين ألا يقدِّموا أيَّ رأي على رأيه ﷺ، ثم أمَرَ سبحانه عباده المؤمنين بأن يخافوا اللهَ في أقوالهم وأفعالهم وجميع أحوالهم؛ لأنه سميعٌ لأقوالهم، عليمٌ بنيًّاتهم وأفعالهم.

[2] ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَرۡفَعُوٓاْ أَصۡوَٰتَكُمۡ فَوۡقَ صَوۡتِ ٱلنَّبِيِّ وَلَا تَجۡهَرُواْ لَهُۥ بِٱلۡقَوۡلِ كَجَهۡرِ بَعۡضِكُمۡ لِبَعۡضٍ أَن تَحۡبَطَ أَعۡمَٰلُكُمۡ وَأَنتُمۡ لَا تَشۡعُرُونَ 2﴾:

ثم وجَّه جل وعلا نداءً آخَرَ إلى المؤمنين، بيَّن فيه وجوبَ احترامِهم وتعظيمِهم للرسولِ ﷺ؛ حيث نهاهم سبحانه أن يرفعوا أصواتهم فوق صوت النبيِّ، وهم في مجلسِهِ وبحضرتِهِ؛ إذا كلَّم بعضُهم بعضًا، ونهاهم أن يجهروا بمناداته كما يَجْهَرُ بعضُهم لبعض، وعليكم أن تميِّزوه في خطابه، فتنادوه: (يا نبيَّ الله، يا رسولَ الله)، ثم بيَّن سبحانه بأن نهيه للمؤمنين عن رفع الصوت عنده ﷺ؛ خَشْيةَ أن تبطُلَ أعمالُكم وأنتم لا تشعُرُونَ، ولا تُحِسُّونَ بذلك.

[3] ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصۡوَٰتَهُمۡ عِندَ رَسُولِ ٱللَّهِ أُوْلَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ ٱمۡتَحَنَ ٱللَّهُ قُلُوبَهُمۡ لِلتَّقۡوَىٰۚ لَهُم مَّغۡفِرَةٞ وَأَجۡرٌ عَظِيمٌ 3﴾:

ثم امتدَحَ جل وعلا الذين يَخْفِضونَ أصواتَهم في حَضْرةِ النبيِّ ﷺ، وعند مخاطَبته، وأخبَرَ سبحانه بأن أولئك الذين يَخْفِضونَ أصواتَهم عنده ﷺ، هم الذين اختبَرَ الله قلوبهم وأخلَصَها لتقواه وطاعته، ثم بيَّن جل في علاه أن لهؤلاء الغاضِّين أصواتهم عند رسول الله مغفرةً لذنوبهم، وثوابًا كبيرًا من الله تعالى، وهو دخولُ الجنة.

[٤] ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِن وَرَآءِ ٱلۡحُجُرَٰتِ أَكۡثَرُهُمۡ لَا يَعۡقِلُونَ 4﴾:

واعلم -أيها النبي- أن الذين ينادونك مِن وراءِ غُرَفِ أزواجِكَ بصوتٍ مرتفعٍ، أكثرُهم ليس لهم عقولٌ تَحْمِلُهم على التأدُّب معك؛ فلو كانوا يعقلون، لما انحطُّوا إلى هذه المرتبة من سوء الأدب، ولانتظروا حتى تخرُجَ إليهم.

ذكَرَ المفسِّرون: أن هاتين الآيتين (2-4) نزَلَتا في وفد من تميم، قَدِموا وافدين على النبي ﷺ، وكان ﷺ قائلًا في بيتِهِ وحُجُراتِ نسائه، فلم ينتظروا حتى يقومَ ﷺ مِن قيلولته، بل رفعوا أصواتهم قائلين: يا محمد، اخرُجْ لنا نفاخِرْكَ، وقد أحضروا معهم خطيبًا وشاعرًا، والعجَبُ أن الرسول ﷺ كان لطيفًا معهم، ثم إنه ﷺ كلَّف ثابتَ بنَ قَيْسٍ ليفاخِرَ خطيبهم، وكلَّف حسَّانَ بنَ ثابتٍ ليفاخِرَ شاعرهم؛ ليُثبِتَ لهم أن خطيبهم وشاعرهم ليسا بشيء بالنسبة لمن استقى معلوماته من النبي ﷺ، ومِن نور الوحي، ولكي يَعْرِفَ المسلمون أخلاقَ رسول الله ﷺ وتحمُّلَهُ للجَهَلةِ وعُنْفِهم؛ فلما انتهَوْا، قالوا: خطيبُ رسولِ اللهِ ﷺ غلَبَ خطيبنا، وشاعرُهُ غلَبَ شاعرنا، والمقصودُ: هو النهيُ عن رفعِ الصوت، والنهيُ عن أن يُقطَعَ في أمرٍ قبل أن ينظُرَ فيه رسولُ الله ﷺ، ويوافِقَ عليه.

[5] ﴿وَلَوۡ أَنَّهُمۡ صَبَرُواْ حَتَّىٰ تَخۡرُجَ إِلَيۡهِمۡ لَكَانَ خَيۡرٗا لَّهُمۡۚ وَٱللَّهُ غَفُورٞ رَّحِيمٞ 5﴾:

واعلم -أيها النبي- لو أن هؤلاء الذين رفعوا أصواتَهم مِن وراءِ حُجُراتِ أزواجك، صبروا حتى تخرُجَ إليهم، لكان خيرًا لهم عند الله، ومع ذلك: فإن الله جل في علاه واسعُ المغفرة والرحمة؛ يَغْفِرُ لعبادِهِ المسيئين؛ إذا تابوا وأنابوا ورجعوا إليه.

قيل: إن اللَّذَيْنِ رفعا أصواتهما، وقالا لرسول الله ﷺ: اخرُجْ إلينا نفاخِرْكَ، وقالا: نحن الذين مَدْحُنا زَيْنْ، وذمُّنا شَيْنْ، هما الأقرعُ بنُ حابس، والأحمقُ المطاعُ عُيَيْنةُ بنُ حِصْنٍ الفَزَاري.

[6] ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ إِن جَآءَكُمۡ فَاسِقُۢ بِنَبَإٖ فَتَبَيَّنُوٓاْ أَن تُصِيبُواْ قَوۡمَۢا بِجَهَٰلَةٖ فَتُصۡبِحُواْ عَلَىٰ مَا فَعَلۡتُمۡ نَٰدِمِينَ 6﴾:

ثم حذَّر جل وعلا من الأخبار وإشاعتها بدون تثبُّت، فقال: يا أيها الذين آمنوا بالله ورسوله ﷺ، إذا جاءكم أحد الفسَّاق الذين لا يبالون بالكذب بخبرٍ، فتثبَّتوا مما تسمعون منه، وتحقَّقوا من صحة ما يقول، وخاصَّةً الأخبارَ الهامَّة؛ كيلا تصيبوا قومًا بأذًى وجنايةٍ؛ فتندموا على ذلك أشدَّ الندم.

فالمطلوبُ من المؤمن: التحرِّي والتثبُّتُ حتى ولو كان الذي جاء بالخبر ليس مشهورًا بالفِسْق، وقد قيل في سبب نزول هذه الآية: إن رسول الله ﷺ بعَثَ الوليدَ بنَ عُقْبةَ بنِ أبي مُعَيْطٍ لأخذ الزكاة من بني المصطلِقِ، فلما سمعوا به، فَرِحوا وخرجوا لاستقباله، وظنَّ أنهم خرجوا لقتله، فرجَعَ إلى الرسول ﷺ، وقال: (إنهم منعوا الزكاة، وأرادوا قتلي)؛ فغَضِبَ ﷺ، وأشار عليه بعضُ الصحابة بأن يغزوهم، ثم ما لَبِثَ بنو المصطلِقِ بعد ذلك بفترة إلا أن أرسلوا الزكاة؛ فنزَلَتْ هذه الآية.

[7] ﴿وَٱعۡلَمُوٓاْ أَنَّ فِيكُمۡ رَسُولَ ٱللَّهِۚ لَوۡ يُطِيعُكُمۡ فِي كَثِيرٖ مِّنَ ٱلۡأَمۡرِ لَعَنِتُّمۡ وَلَٰكِنَّ ٱللَّهَ حَبَّبَ إِلَيۡكُمُ ٱلۡإِيمَٰنَ وَزَيَّنَهُۥ فِي قُلُوبِكُمۡ وَكَرَّهَ إِلَيۡكُمُ ٱلۡكُفۡرَ وَٱلۡفُسُوقَ وَٱلۡعِصۡيَانَۚ أُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلرَّٰشِدُونَ 7﴾:

واعلموا -أيها المؤمنون- أن فيكم رسولَ الله ﷺ الذي أرسله جل وعلا؛ لكي يهديكم إلى الحق، وإلى الطريق القويم؛ فلو أطاعكم ﷺ في كثيرٍ من الإشاعات التي يسمعها منكم، لوقَعْتُمْ في العَنَتِ والمشقَّة، ولكنَّ الله تفضَّل عليكم، فحبَّب إليكم الإيمان، وحسَّنه في قلوبكم، وكرَّه إليكم الكُفْرَ وهو الخروجُ عن دين الله، والفسوقَ وهو الخروجُ عن طاعة الله، والعصيانَ للهِ ورسولِهِ ﷺ وأوامِرِهما، وأولئك المتَّصفون بهذه الصفات هم الراشدون السالكون لطريق الحقِّ، المستقيمون عليه.

[8] ﴿فَضۡلٗا مِّنَ ٱللَّهِ وَنِعۡمَةٗۚ وَٱللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٞ 8﴾:

واعلموا -أيها المؤمنون- أن ذلك الخيرَ الذي حبَّبه الله لقلوبكم، ويسَّره لكم، وأعانكم عليه، والشرَّ الذي صرَفَهُ عنكم، وكرَّهكم فيه؛ إنما هو مَحْضُ فضلٍ مِن الله عليكم، وإحسانٍ منه إليكم، لم تنالوه بحولكم ولا بقوَّتكم، واللهُ عليمٌ بعبادِهِ وبما يصلحهم، حكيمٌ في تدبير أمور خَلْقه.

[9] ﴿وَإِن طَآئِفَتَانِ مِنَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ ٱقۡتَتَلُواْ فَأَصۡلِحُواْ بَيۡنَهُمَاۖ فَإِنۢ بَغَتۡ إِحۡدَىٰهُمَا عَلَى ٱلۡأُخۡرَىٰ فَقَٰتِلُواْ ٱلَّتِي تَبۡغِي حَتَّىٰ تَفِيٓءَ إِلَىٰٓ أَمۡرِ ٱللَّهِۚ فَإِن فَآءَتۡ فَأَصۡلِحُواْ بَيۡنَهُمَا بِٱلۡعَدۡلِ وَأَقۡسِطُوٓاْۖ إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلۡمُقۡسِطِينَ 9﴾:

أخبَرَ جل وعلا أنه إذا حدَثَ قتالٌ بين طائفتَيْنِ من المؤمنين، فالواجبُ على ولاةِ الأمر أن يتدخَّلوا بالسعيِ في الإصلاحِ بينهما، ودعوتِهما إلى الاحتكامِ إلى كتاب الله وسنة نبيه ﷺ؛ فإنْ رفضت إحدى الطائفتَيْنِ الحكمَ، وأصرَّت على البغي والاعتداء، فعليكم -أيها المؤمنون- أن تقاتلوها حتى تَرْجِعَ إلى حُكْمِ الله ورسوله ﷺ، وتَخْضَعَ له، فإن رجَعَتْ إلى حكم الله ورسوله ﷺ، فعليكم الإصلاحَ بينهما بالإنصاف، وعليكم أن تَعْدِلوا في جميع أحكامكم بألَّا تتجاوزوا فيها حُكْمَ الله ورسوله ﷺ، واعلموا أن الله يحبُّ العادلين الذين يُعْطُونَ كلَّ ذي حق حقه. وفي هذه الآية: إثباتُ صفةِ المحبَّةِ لله كما يليق بجلاله سبحانه وتعالى.

[10] ﴿إِنَّمَا ٱلۡمُؤۡمِنُونَ إِخۡوَةٞ فَأَصۡلِحُواْ بَيۡنَ أَخَوَيۡكُمۡۚ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ لَعَلَّكُمۡ تُرۡحَمُونَ 10﴾:

واعلموا -أيها الناس- أن المؤمنين إخوةٌ في الدِّين، وهذه الأخوَّةُ توجبُ عليهم أن يحبَّ المرء لأخيه ما يحبه لنفسه، ويَكْرَهَ لأخيه ما يكرهه لنفسه، فإنْ حصَلَ بين اثنين من المؤمنين تنازُعٌ وتخاصُمٌ وتقاتُلٌ، فأصلحوا بينهما، واجعلوا بينكم وبين عذاب الله وقايةً بفعلِ أوامرِه، واجتنابِ نواهيه؛ لعلَّكم تنالون رحمةَ الله ومغفرته ورضوانه.

[11] ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا يَسۡخَرۡ قَوۡمٞ مِّن قَوۡمٍ عَسَىٰٓ أَن يَكُونُواْ خَيۡرٗا مِّنۡهُمۡ وَلَا نِسَآءٞ مِّن نِّسَآءٍ عَسَىٰٓ أَن يَكُنَّ خَيۡرٗا مِّنۡهُنَّۖ وَلَا تَلۡمِزُوٓاْ أَنفُسَكُمۡ وَلَا تَنَابَزُواْ بِٱلۡأَلۡقَٰبِۖ بِئۡسَ ٱلِٱسۡمُ ٱلۡفُسُوقُ بَعۡدَ ٱلۡإِيمَٰنِۚ وَمَن لَّمۡ يَتُبۡ فَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلظَّٰلِمُونَ 11﴾:

يا أيها الذين آمنوا بالله ورسوله ﷺ، وعملوا بشريعته، اعلموا أن مِنْ حقوقِ المؤمنين بعضِهم على بعض: ألَّا يحتقِرَ الرجلُ منكم غيره من الرجال، وألَّا تحتقِرَ المرأةُ غيرها من النساء، وألَّا يَعِيبَ بعضكم على بعض بأي وجه مِن وجوه العيب؛ سواءٌ بحَضْرته أو غَيْبته، وألَّا يخاطِبَ أحدُكم أخاه بألفاظ يكرهها؛ كالسخريةِ، واللَّمْزِ، والتنابُزِ؛ كأنْ يقولَ له: يا أعرجُ، أو يا أعورُ، ونحو ذلك؛ فبئس التنابُزُ بالألقاب بعد أن هداكم الله، ودخَلْتم في الإسلام والإيمان، ومَنْ لم يتب من هذه الرذائل، وهذه الألفاظ المشينة، فأولئك هم الذين ظلموا أنفُسَهم بارتكابِ هذه المناهي التي أجمَعَ العلماءُ على تحريمها.

[١٢] ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱجۡتَنِبُواْ كَثِيرٗا مِّنَ ٱلظَّنِّ إِنَّ بَعۡضَ ٱلظَّنِّ إِثۡمٞۖ وَلَا تَجَسَّسُواْ وَلَا يَغۡتَب بَّعۡضُكُم بَعۡضًاۚ أَيُحِبُّ أَحَدُكُمۡ أَن يَأۡكُلَ لَحۡمَ أَخِيهِ مَيۡتٗا فَكَرِهۡتُمُوهُۚ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَۚ إِنَّ ٱللَّهَ تَوَّابٞ رَّحِيمٞ 12﴾:

أمَرَ جل وعلا عباده المؤمنين الذين آمنوا بالله، واتَّبعوا رسوله ﷺ، وعملوا بشرعه: أن يجتنبوا كثيرًا من الظنَّ السيِّئ بالمؤمنين، ومِنَ ذلك: اتهامُ أهلِ الخير أنَّ لهم أهدافًا سيئة، واعلموا أن الكثير من الظنون تُوقِعُ في الإثم، وخذوا بظاهر الناس، ولا تفتِّشوا عن عَوْراتهم وأسرارهم، وعليكم أن تبتعدوا عن الغِيبةِ؛ فإن الذي يغتاب أخاه المسلم كالذي يأكُلُ لحمه وهو ميت، ولا شك أنكم تكرهون ذلك، وخافوا الله -أيها المؤمنون- فيما أمَرَكم به ونهاكم عنه؛ إن الله توَّابٌ لعباده المؤمنين، رحيمٌ بهم.

قال الشيخ ابن عثيمين رحمه الله: (إن بعض الظنون لا تُجتنَبُ؛ بل تُقيَّدُ مع القرائن للوصول إلى الحق، وإنَّ قرائنَ الحال تُنزَّلُ منزلةَ المقال). ومثَّل لذلك، فقال: (إذا قام بجَنْبِكَ رجلٌ ورأيتَ رائحةَ الدخانِ واضحةً منه، فإنك تظُنُّ ظنًّا قريبًا جِدًّا من الحق: أنه من المدخِّنين، كذلك لو صلَّى بجنبك شخص يؤذيك منه رائحة الثوم، فإنه لا يخامِرُكَ شك أنه قد أكل أكلًا فيه ثوم، وكذلك لو شَمِمْتَ رائحةً من شاربٍ شَرِبَ شيئًا من المحرَّمات، فإنك تظُنُّ ظنًّا قويًّا أنه قد شرب كذا وكذا، وهذا ليس من الإثم؛ لأن له ما يؤيده).

[13] ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِنَّا خَلَقۡنَٰكُم مِّن ذَكَرٖ وَأُنثَىٰ وَجَعَلۡنَٰكُمۡ شُعُوبٗا وَقَبَآئِلَ لِتَعَارَفُوٓاْۚ إِنَّ أَكۡرَمَكُمۡ عِندَ ٱللَّهِ أَتۡقَىٰكُمۡۚ إِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٞ 13﴾:

اعلموا -أيها الناس- أنا خلقناكم مِن أبٍ واحد، وهو آدمُ، وأمٍّ واحدةٍ، وهي حوَّاء؛ فلا تفاضُلَ بينكم في الأنساب أو الأشكال أو الأجسام، وجعَلَكم سبحانه شعوبًا وقبائل؛ فيعرف بعضكم فضل بعض، ويعرف نسبه، لتتواصلوا فيما بينكم، وتتعاونوا على البر والتقوى، ويُفْهَمُ من هذا: أنه جل في علاه جعلكم شعوبًا وقبائل؛ لتتعارفوا، لا لتتعاركوا، أو يتفاخَرَ بعضكم على بعض، ثم بيَّن سبحانه أن الأكرمَ والأشرفَ والأرفعَ منزلةً عند الله هم أهلُ التقوى وأهلُ المغفرة والتسامح؛ إن الله عليمٌ بأحوالكم، وعليمٌ بالمتقين منكم، خبيرٌ بهم.

[14] ﴿قَالَتِ ٱلۡأَعۡرَابُ ءَامَنَّاۖ قُل لَّمۡ تُؤۡمِنُواْ وَلَٰكِن قُولُوٓاْ أَسۡلَمۡنَا وَلَمَّا يَدۡخُلِ ٱلۡإِيمَٰنُ فِي قُلُوبِكُمۡۖ وَإِن تُطِيعُواْ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ لَا يَلِتۡكُم مِّنۡ أَعۡمَٰلِكُمۡ شَيۡـًٔاۚ إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٞ رَّحِيمٌ﴾:

ثم أخبَرَ جل وعلا عن بعض الأعراب، وهم البَدْوُ الذين دخلوا في الإسلام، وقالوا: (آمَنَّا)، وامتنُّوا بذلك، فقل لهم -أيها النبي-: إنكم لم تؤمنوا الإيمانَ الكامل، ولكنكم دخَلْتم في الإسلام، ولم يَصِلَ الإيمانُ إلى قلوبكم؛ فلامهم سبحانه على امتنانهم؛ لأن المِنَّةَ للذي أنعَمَ عليهم بالدخول في الإسلام، وهو الله تعالى، واعلموا أنكم إن تطيعوا الله ورسوله ﷺ، فلن ينقُصَكم من ثواب أعمالكم شيئًا؛ إن الله غفورٌ لذنوب عباده التائبين، رحيمٌ بهم.

[15] ﴿إِنَّمَا ٱلۡمُؤۡمِنُونَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦ ثُمَّ لَمۡ يَرۡتَابُواْ وَجَٰهَدُواْ بِأَمۡوَٰلِهِمۡ وَأَنفُسِهِمۡ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِۚ أُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلصَّٰدِقُونَ 15﴾:

أخبَرَ جل وعلا بصفات عباده المؤمنين حقًّا، فقال: إنما المؤمنون على الحقيقةِ هم الذين آمنوا بالله، واتَّبعوا رسوله ﷺ، ولم يدخُلْ قلوبَهم ريبٌ، ولم يخالِطْها شكٌّ، ثم بعد ذلك جاهدوا في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم، وقدَّموها رخيصةً لله جلَّ في علاه، وأولئك هم الصادقون في إيمانهم الذين صدَّقوا إيمانهم بأعمالهم الجليلة، نسأل الله الكريم من فضله أن يشملنا برحمته.

[16] ﴿قُلۡ أَتُعَلِّمُونَ ٱللَّهَ بِدِينِكُمۡ وَٱللَّهُ يَعۡلَمُ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلۡأَرۡضِۚ وَٱللَّهُ بِكُلِّ شَيۡءٍ عَلِيمٞ 16﴾:

ثم أمَرَ جل وعلا نبيه محمدًا ﷺ أن يقولَ لهؤلاء الأعراب: هل تُخبِرونَ الله بقولكم: (آمَنَّا)؛ لتُعلِمُوهُ بذلك وتُشْعِرُوهُ به؟! والحالُ: أن الله يعلم ما في السموات والأرض، ويعلم سرَّكم وجهركم، ويعلم ما في ضمائركم، وأنه بكلِّ شيء عليم، لا يخفى ولا يغيب عليه شيءٌ مِن نيَّاتكم وأقوالكم وأعمالكم.

[17] ﴿يَمُنُّونَ عَلَيۡكَ أَنۡ أَسۡلَمُواْۖ قُل لَّا تَمُنُّواْ عَلَيَّ إِسۡلَٰمَكُمۖ بَلِ ٱللَّهُ يَمُنُّ عَلَيۡكُمۡ أَنۡ هَدَىٰكُمۡ لِلۡإِيمَٰنِ إِن كُنتُمۡ صَٰدِقِينَ 17﴾:

واعلم -أيها النبي- أن هؤلاء الأعراب يعتبرون إسلامَهُم مِنَّةً عليك؛ لأنهم آمنوا دون قتال ولا جهادٍ، فقل لهم: لا تعُدُّوا ذلك مِنَّةً عليَّ، ولا تعتبروه تفضُّلًا وتكرُّمًا منكم، بل حقيقةُ الأمر: أن الله هو الذي تفضَّل عليكم، وأنعم عليكم أن يسَّركم للإسلام، ووفَّقكم لقبوله، وشرَحَ صدركم للدخول فيه؛ فإن كنتم صادقين في إسلامكم، فلله المِنَّةُ عليكم.

[18] ﴿إِنَّ ٱللَّهَ يَعۡلَمُ غَيۡبَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۚ وَٱللَّهُ بَصِيرُۢ بِمَا تَعۡمَلُونَ 18﴾:

ثم ختَمَ جل وعلا السورة مبيِّنًا أنه لا تَخْفَى عليه خافية في الأرض ولا في السماء، وأنه يعلم السر وأخفى، وأنه بصيرٌ بأعمالكم، وسيجازيكم عليها، إنْ خيرًا فخيرٌ، وإنْ شرًّا فشرّ.

سورة ق

سورةُ (ق) مكيَّةٌ، وآياتها خمسٌ وأربعون آية، والمشهورُ: أن المفصَّل يبتدئ بـ (ق)، وينتهي بـ (الناس)، وهذه السورة شاملة؛ فقد اهتمَّ بها رسولُ الله ﷺ، وجعَلَ يخطُبُ بها في أيام الجمع([1])، لاحتوائها على المقاصِدِ الشرعية. [1] أخرجه مسلم رقم (872)، عن بنت لحارثة بن النعمان رضي الله عنها.

[١] ﴿قٓۚ وَٱلۡقُرۡءَانِ ٱلۡمَجِيدِ 1﴾:

ابتدأت السورة بحَرْفٍ من الحروفِ المقطَّعة، وهو الحرف: ﴿قٓۚ ﴾، وسبَقَ الكلامُ على الحروف المقطَّعة في أول سورة البقرة. ثم صار هذا الحرفُ اسمًا لهذه السورة العظيمة. ثم أقسَمَ جل وعلا بالقرآنِ المجيد -أي: صاحبِ الشَّرَفِ والرِّفْعةِ والكَرَم- أنك -أيها النبي- مرسَلٌ من عندنا، وصادقٌ فيما تبلِّغه عن ربك من البعثِ والحسابِ والجزاء، وهذا هو جواب القسم.

[2] ﴿بَلۡ عَجِبُوٓاْ أَن جَآءَهُم مُّنذِرٞ مِّنۡهُمۡ فَقَالَ ٱلۡكَٰفِرُونَ هَٰذَا شَيۡءٌ عَجِيبٌ 2﴾:

ثم أخبَرَ جل وعلا أن الكافرين المكذِّبين بالرسول ﷺ تعجَّبوا أنْ جاءهم منذِرٌ من البشر، وهو محمد ﷺ، يُنْذِرهم بالبعث، فكذَّبوا ذلك وأنكروه، وقالوا: إن هذا البعث الذي تحدَّثنا عنه -يا محمد- شيءٌ عجيبٌ وغريبٌ ومستبعد.

[3] ﴿أَءِذَا مِتۡنَا وَكُنَّا تُرَابٗاۖ ذَٰلِكَ رَجۡعُۢ بَعِيدٞ 3﴾:

ثم بيَّن جل وعلا وَجْهَ تعجُّبهم؛ حيث قالوا: أئذا مِتْنا -يا محمد- واستحالت أجسادنا إلى تراب، هل سنحيا ونرجع كما كنَّا؟! فكان جوابهم: لا يمكن ذلك، بل قالوا: إن رجوعَنَا إلى هذه الحياة الدنيا بعيدٌ غايةَ البعد، ومستحيلٌ حصوله؛ لأن العقل في رأيهم لا يصدِّقه.

[4] ﴿قَدۡ عَلِمۡنَا مَا تَنقُصُ ٱلۡأَرۡضُ مِنۡهُمۡۖ وَعِندَنَا كِتَٰبٌ حَفِيظُۢ 4﴾:

فرَدَّ جل وعلا على هؤلاء الكفَّار بقوله: اعلموا -أيها الكفار- بأننا نعلم علمًا تامًّا ما تأكُلُ الأرضُ مِنْ أجسادِ الناسِ الذين يموتون؛ فلا يَضِلُّ عنَّا شيء من ذلك، وعندنا كتابٌ محفوظٌ فيه جميع أحوال العباد؛ لا يضيِّعُ من سماتهم وخصائصهم شيئًا؛ سواءٌ قبل موتهم أو بعد موتهم، وهذا الكتابُ هو اللَّوْحُ المحفوظ.

[5] ﴿بَلۡ كَذَّبُواْ بِٱلۡحَقِّ لَمَّا جَآءَهُمۡ فَهُمۡ فِيٓ أَمۡرٖ مَّرِيجٍ 5﴾:

ثم بيَّن جل وعلا ما هو أشنعُ وأقبحُ من تعجُّبهم، وهو تكذيبهم بهذا القرآن حين جاءهم، وصاروا في أمرٍ مختلِطٍ مضطرِبٍ في شأن القرآن والرسول ﷺ، بسببِ الاعتقاداتِ التي توارثوها عن أسلافهم، ورسَخَتْ في أذهانهم، ووافَقَتْ أهواءهم؛ لأنها لا تطالبهم بتكاليف شرعية.

[6] ﴿أَفَلَمۡ يَنظُرُوٓاْ إِلَى ٱلسَّمَآءِ فَوۡقَهُمۡ كَيۡفَ بَنَيۡنَٰهَا وَزَيَّنَّٰهَا وَمَا لَهَا مِن فُرُوجٖ 6﴾:

ثم شرَعَ جل وعلا في بيان الأدلَّةِ على قدرته، فقال: ألم ينظُرْ هؤلاء المكذِّبون بالبعث في هذه السماء التي فوقهم، ويتفكَّروا كيف بنيناها ورفَعْناها بدون عَمَدٍ يرونها، ثم إننا زيَّنَّاها بالنجوم والشموس، ولم نجعل فيها شقوقًا أو صدوعًا؟!

[7] ﴿وَٱلۡأَرۡضَ مَدَدۡنَٰهَا وَأَلۡقَيۡنَا فِيهَا رَوَٰسِيَ وَأَنۢبَتۡنَا فِيهَا مِن كُلِّ زَوۡجِۭ بَهِيجٖ 7﴾:

وكذلك ألم ينظُرْ هؤلاء المكذِّبون بالبعث في هذه الأرض التي بسَطْناها وألقينا فيه جبالًا ثوابتَ لها؛ لئلا تَمِيدَ وتضطرِب، وجعلنا فيها الأنهار والبحار، وأنبتنا فيها صنوفَ النبات والأشجار التي تُبْهِجُ الناظر إليها؟!

[8] ﴿تَبۡصِرَةٗ وَذِكۡرَىٰ لِكُلِّ عَبۡدٖ مُّنِيبٖ 8﴾:

ثم بيَّن سبحانه أنه خلَقَ كل هذا تذكرةً وتبصرةً لأولي الألباب، ولا شك أن القادر على خَلْقِ هذه الأشياء بعد العَدَمِ، لا يُعْجِزُهُ البعثُ الذي استعظمه واستبعده المشركون.

[٩] ﴿وَنَزَّلۡنَا مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءٗ مُّبَٰرَكٗا فَأَنۢبَتۡنَا بِهِۦ جَنَّٰتٖ وَحَبَّ ٱلۡحَصِيدِ 9﴾:

واستمرَّ جل وعلا في بيان الأدلَّة على قدرته، فأخبَرَ أنه نزَّل من السماء مطرًا كثيرَ البَرَكةِ والخيرِ والمنافع، وأنبَتَ سبحانه بهذا المطر بساتينَ كثيرةَ الأشجار، منها ما يُحصَدُ كالقمحٍ والشعيرِ والذُّرَةِ وغيرها.

[10] ﴿وَٱلنَّخۡلَ بَاسِقَٰتٖ لَّهَا طَلۡعٞ نَّضِيدٞ 10﴾:

وبيَّن سبحانه أنه أنبت بهذا المطر أيضًا ما جعَلَ خلقه طويلًا ممتدًّا في السماء، كأشجارِ النخيلِ المليئةِ بالثمارِ المنتظِمةِ بعضُها فوق بعض.

[11] ﴿رِّزۡقٗا لِّلۡعِبَادِۖ وَأَحۡيَيۡنَا بِهِۦ بَلۡدَةٗ مَّيۡتٗاۚ كَذَٰلِكَ ٱلۡخُرُوجُ 11﴾:

ثم بيَّن جل وعلا أنه أنبَتَ ما أنبَتَ مِن هذه الثمار وهذه الأشجار؛ لتكونَ رِزْقًا للناسِ يقتاتون منها، وهذا المطَرُ الذي أنزله من السماء أحيا به بلدةً كانت مُجدِبةً، فأخرجت ثمارها ونباتها، وكما أن الله أخرَجَ هذه النباتاتِ مِن هذه الأرض التي كانت مَيْتةً، فكذلك هو قادرٌ سبحانه على إخراج الموتى من قبورهم للحساب والجزاء.

[12] ﴿كَذَّبَتۡ قَبۡلَهُمۡ قَوۡمُ نُوحٖ وَأَصۡحَٰبُ ٱلرَّسِّ وَثَمُودُ 12﴾:

واعلم -أيها النبي- أن هناك أقوامًا وأممًا كذَّبت قبلَ قومك الذين كذَّبوك؛ فكذَّب قومُ نوحٍ نبيَّهم، وكذَّب أصحابُ الرَّسِّ نبيهم، وكذَّبت ثمودُ نبيهم صالحًا.

[13] ﴿وَعَادٞ وَفِرۡعَوۡنُ وَإِخۡوَٰنُ لُوطٖ 13﴾:

وكذلك كذَّب عادٌ نبيَّهم هودًا، وكذَّب فرعونُ وقومُهُ نبيَّهم موسى، وكذَّب قومُ لُوطٍ نبيَّهم لوطٌ.

[14] ﴿وَأَصۡحَٰبُ ٱلۡأَيۡكَةِ وَقَوۡمُ تُبَّعٖۚ كُلّٞ كَذَّبَ ٱلرُّسُلَ فَحَقَّ وَعِيدِ 14﴾:

وأيضًا كذَّب أصحابُ الأَيْكةِ نبيَّهم، وكذَّب قومُ تُبَّعٍ نبيَّهم؛ فكلُّ هؤلاء الأقوام كذَّبت أنبياءها، ولم يؤمنوا بما جاؤوهم به مِن عند الله، فوجَبَ عليهم عذاب الله، وحلَّ بهم عقابه؛ فليحذَرْ قومك -أيها النبي- مِن تكذيبك؛ فيصيبهم ما أصاب الأمم السابقة قبلهم.

[15] ﴿أَفَعَيِينَا بِٱلۡخَلۡقِ ٱلۡأَوَّلِۚ بَلۡ هُمۡ فِي لَبۡسٖ مِّنۡ خَلۡقٖ جَدِيدٖ 15﴾:

ثم أعاد جل وعلا الحديث عن أمرِ البعثِ الذي أنكَرَتْهُ الأمم السابقة، فقال سبحانه: هل كنا عاجزين عند ابتداءِ خَلْقِ هؤلاء المشركين وإيجادِهم بعد العَدَم؟! فإذا كان الخلقُ والإيجادُ الأوَّلُ لم يُعْجِزْنا، فهل الإعادة تكون أصعب وفوق قدرتنا؟! بل إن هؤلاء المشركين في حَيْرةٍ وشكٍّ مِن قدرتنا على خَلْقهم مرَّةً ثانية بعد مَوْتهم وفنائهم.

[16] ﴿وَلَقَدۡ خَلَقۡنَا ٱلۡإِنسَٰنَ وَنَعۡلَمُ مَا تُوَسۡوِسُ بِهِۦ نَفۡسُهُۥۖ وَنَحۡنُ أَقۡرَبُ إِلَيۡهِ مِنۡ حَبۡلِ ٱلۡوَرِيدِ 16﴾:

ومن الأدلَّة على قدرته جل وعلا: أنه خلق الإنسان، وأوجده بعد العَدَم، وأنه يعلم ما يدورُ في خاطره، وما يختلِجُ في قلبه وضميره، ونحن أقربُ إليه مِنْ حَبْلِ الوريد، وهو عِرْقُ الدمِ المتصِلُ بالقلب، ولا يخفى علينا شيءٌ مِن أمره أبدًا.

[17] ﴿إِذۡ يَتَلَقَّى ٱلۡمُتَلَقِّيَانِ عَنِ ٱلۡيَمِينِ وَعَنِ ٱلشِّمَالِ قَعِيدٞ 17﴾:

ثم أخبَرَ جل وعلا أن هناك ملَكَيْنِ موكَّلَيْنِ بكتابة جميع أعمال العبد، أحدُهما: عن يمينة متهيِّئٌ لكتابة الحسنات، والآخَرُ: عن يساره متهيِّئٌ لكتابة السيئات. والله سبحانه ليس بحاجة إلى مَلَكٍ يخبره بأعمال عبده، ولكنْ وكَّلهما الله به؛ إلزامًا للحجة على عباده.

[18] ﴿مَّا يَلۡفِظُ مِن قَوۡلٍ إِلَّا لَدَيۡهِ رَقِيبٌ عَتِيدٞ 18﴾:

ثم بيَّن سبحانه أن هذا الإنسان ما يتكلَّم بكلمة، ولا يَلْفِظُ مِن لفظٍ مِن خيرٍ أو شرٍّ إلا عنده ملَكٌ رقيبٌ حافظٌ حاضرٌ مستعدٌّ لكتابة ما يقول وما يلفظ.

[19] ﴿وَجَآءَتۡ سَكۡرَةُ ٱلۡمَوۡتِ بِٱلۡحَقِّۖ ذَٰلِكَ مَا كُنتَ مِنۡهُ تَحِيدُ 19﴾:

ولقد جاءتك -أيها الإنسان- غَمْرةُ الموت وشدَّته وكربته بالحق الذي لا مَفَرَّ منه، وذلك الذي كنت تَفِرُّ وتهرُبُ منه.

[20] ﴿وَنُفِخَ فِي ٱلصُّورِۚ ذَٰلِكَ يَوۡمُ ٱلۡوَعِيدِ 20﴾:

ثم أخبَرَ جل وعلا أنه سينفُخُ في الصور نفخةَ البعث، وهو اليوم الذي توعَّد الله فيه الكافرين بالعذاب، ووعَدَ المؤمنين فيه بالثواب.

[21] ﴿وَجَآءَتۡ كُلُّ نَفۡسٖ مَّعَهَا سَآئِقٞ وَشَهِيدٞ 21﴾:

ثم جاءت كلُّ نَفْسٍ في ذلك اليوم معها سائقٌ من الملائكة يسوقها للعَرْض على الله، وشهيدٌ يَشْهَدُ عليها بأعمالها.

[22] ﴿لَّقَدۡ كُنتَ فِي غَفۡلَةٖ مِّنۡ هَٰذَا فَكَشَفۡنَا عَنكَ غِطَآءَكَ فَبَصَرُكَ ٱلۡيَوۡمَ حَدِيدٞ 22﴾:

ثم يقال للكافر في ذلك اليوم: لقد كنتَ -أيها العبدُ- في غَفْلةٍ عن هذا المصير، فأزَلْنا عنك غفلتك، وكشَفْنا عنك غطاءك الذي غطَّى قلبك، فبَصُرَك اليومَ نافذٌ تُبصِرُ به ما كنت تنكره في الدنيا مِن البعثِ والجزاء، والعذابِ والنَّكَال.

[23] ﴿وَقَالَ قَرِينُهُۥ هَٰذَا مَا لَدَيَّ عَتِيدٌ 23﴾:

ثم يقول قرينُهُ من الملائكةِ الموكَّلُ بكتابة أعماله: هذا الذي وكَّلتني به -يا رب- من بني آدم، قد أحضَرْتُهُ وأحضَرْتُ ديوان عمله.

[24] ﴿أَلۡقِيَا فِي جَهَنَّمَ كُلَّ كَفَّارٍ عَنِيدٖ 24﴾:

ثم يخاطِبُ الله السائقَ والشهيدَ، فيقول لهما: ألقيا في نارِ جهنَّمَ كلَّ كفًّارٍ كثيرِ الكفرِ والجحودِ لتوحيد الله ولقائه، معاندٍ كثيرِ العناد.

[25] ﴿مَّنَّاعٖ لِّلۡخَيۡرِ مُعۡتَدٖ مُّرِيبٍ 25﴾:

ومن صفات هذا الكافر: أنه منَّاعٌ للخير؛ فلا يبذُلُهُ، ولا يوصي ببذله، مريبٌ شاكٌّ في وعد الله ووعيده.

[26] ﴿ٱلَّذِي جَعَلَ مَعَ ٱللَّهِ إِلَٰهًا ءَاخَرَ فَأَلۡقِيَاهُ فِي ٱلۡعَذَابِ ٱلشَّدِيدِ 26﴾:

ومن صفات هذا الكافر أيضًا: أنه أشرَكَ في عبادة الله، فعبَدَ غيره معه، ثم يأمُرُ سبحانه الملكَيْنِ بأخذ هذا الكافر وإلقائه في نار جهنم، ليذوقَ العذابَ الشديد.

[27] ﴿قَالَ قَرِينُهُۥ رَبَّنَا مَآ أَطۡغَيۡتُهُۥ وَلَٰكِن كَانَ فِي ضَلَٰلِۭ بَعِيدٖ 27﴾:

ثم ذكَرَ جل وعلا التلاوُمَ بين الكافرِ وقرينِهِ الشيطان؛ حيث قال قرينُهُ الذي كان يزيِّنُ له سوءَ عمله: يا رب، إنني ما أطغَيْتُهُ ولم أُجبِرْهُ على الكفر والعصيان، ولكنْ هو الذي كان في بُعْدٍ عن الهدى، وعن الحق، فلما دعوتُّهُ، وجدتُّهُ مستعدًّا للضلال، ولو كان طالبًا للهدى، وكان مِنْ عبادك الصالحين، لَمَا استجاب لي؛ فليس لديَّ قوةٌ غيرُ الوسوسةِ وتزيينِ الباطل.

[28] ﴿قَالَ لَا تَخۡتَصِمُواْ لَدَيَّ وَقَدۡ قَدَّمۡتُ إِلَيۡكُم بِٱلۡوَعِيدِ 28﴾:

ثم قال جل وعلا: لا تتنازعوا لديَّ في هذا اليوم؛ فاليومُ هو يومُ الجزاء والحساب؛ ولا فائدةَ مِن التخاصُمِ والتنازُع، وقد سبق أن أنذَرْتُكم وحذَّرْتُكم في الدنيا على ألسنة رُسُلي من سوء عاقبةِ مَنْ كفَرَ بي وعصاني.

[29] ﴿مَا يُبَدَّلُ ٱلۡقَوۡلُ لَدَيَّ وَمَآ أَنَا۠ بِظَلَّٰمٖ لِّلۡعَبِيدِ 29﴾:

ثم اعلموا -أيها الكفار- أنه لا يُغيَّرُ القولُ لديَّ، ولستُ ظالمًا فأعذِّبَ أحدًا بغير جرم ارتكبه؛ فأنا حرَّمتُ الظلم على نفسي.

[30] ﴿يَوۡمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ ٱمۡتَلَأۡتِ وَتَقُولُ هَلۡ مِن مَّزِيدٖ 30﴾:

واذكُرْ -أيها النبي- يوم أن نقولَ لجهنَّم: هل امتلَأْتِ؟)، فتقولُ: (هل من زيادةٍ -يا رب- مِن الإنس والجن؟!)، وأجابت بذلك تأدُّبًا، وذلك أفضل من أن تقول: (لا). وفي هذه الحال حيث يعلم الجبَّار أن جهنَّم لم تمتلئ، فإنه يضع قَدَمَهُ، فينزوي بعضها إلى بعض، ثم تقول: (قَطْ قَطْ)، أي: كفى كفى، أو حسبي حسبي؛ كما ورَدَ ذلك في الحديث([2]). وأكثَرُ الفِرَقِ -وعلى رأسهم المعتزلة والأشاعرة- ينكرون أن لله سبحانه قَدَمًا تليق به، إلا أهلَ السنة والجماعة؛ فإنهم يُثْبِتُونَ ذلك له جل في علاه. [2] أخرجه البخاري (4848)، ومسلم (2848)، عن أبي هريرة رضي الله عنه.

[31] ﴿وَأُزۡلِفَتِ ٱلۡجَنَّةُ لِلۡمُتَّقِينَ غَيۡرَ بَعِيدٍ 31﴾:

ثم أخبَرَ جل وعلا أن الجنة سوف تُقَرَّبُ من المتقين الذين جعلوا بينهم وبين عذاب الله وقايةً؛ بفعلِ أوامره، واجتنابِ نواهيه؛ فهي غير بعيدة منهم؛ يَرَوْنَها، ويَرَوْنَ ما فيها.

[32] ﴿هَٰذَا مَا تُوعَدُونَ لِكُلِّ أَوَّابٍ حَفِيظٖ 32﴾:

ثم يقالُ لهم: أيها المتقون، إن هذا النعيم الذي تَرَوْنَهُ هو ما وعَدَ الله به كلَّ رجَّاعٍ عن المعصية إلى الطاعة، كثيرِ التوبة، حافظٍ لحدود الله وشرائعه.

[33] ﴿مَّنۡ خَشِيَ ٱلرَّحۡمَٰنَ بِٱلۡغَيۡبِ وَجَآءَ بِقَلۡبٖ مُّنِيبٍ 33﴾:

ثم يقال لهم أيضًا: واعلموا أن هذا النعيمَ لكلِّ من خشي الرحمن في السر والعلن، وحالَ غَيْبَتِهِ من الناس واختلائه بنفسه، واتَّجَهَ إلى ربه بقلبٍ مخلصٍ منيب، مستقيمٍ على طاعته.

[34] ﴿ٱدۡخُلُوهَا بِسَلَٰمٖۖ ذَٰلِكَ يَوۡمُ ٱلۡخُلُودِ 34﴾:

ثم يُقالُ لهم: ادخُلُوا الجنة بسَلَام؛ فهم يَسْلَمُونَ فيها مِن العذاب، ومن زوال النعم، ويسلِّمُ الله عليهم، وتسلَّمُ عليهم ملائكتُه، ذلك يوم الخلود، فيخلَّدون في الجنة، ويمكثون فيها.

[35] ﴿لَهُم مَّا يَشَآءُونَ فِيهَا وَلَدَيۡنَا مَزِيدٞ 35﴾:

ثم بيَّن سبحانه أن لهم في هذه الجنة كلَّ ما يتمنَّوْنَ وجميعَ ما يطلبون ويشتهون، ولهم زيادةٌ في النعيم، هي أعظمُ نعيمِ أهلِ الجنَّةِ على الإطلاق، وهو النظرُ إلى وجه الله الكريم، والتمتُّعُ بسماع كلامه، والتنعُّمُ بقربه، والفرَحُ بحلول رضوانه عليهم.

[36] ﴿وَكَمۡ أَهۡلَكۡنَا قَبۡلَهُم مِّن قَرۡنٍ هُمۡ أَشَدُّ مِنۡهُم بَطۡشٗا فَنَقَّبُواْ فِي ٱلۡبِلَٰدِ هَلۡ مِن مَّحِيصٍ 36﴾:

ثم أخبَرَ جل وعلا أنه أهلك كثيرًا من الأمم السابقة قبل قريش، وكانت أشدَّ منهم قُوَّةً، وأعظمَ آثارًا في الأرض؛ حيث بنَوُا الحصونَ المنيعة، والمنازلَ الرفيعة، فلما جاءهم عذابُ الله وحَلَّ بهم عقابه، فهل كان لهم مَهْرَبٌ أو مَفَرٌّ أو منقِذ؟!

[37] ﴿إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَذِكۡرَىٰ لِمَن كَانَ لَهُۥ قَلۡبٌ أَوۡ أَلۡقَى ٱلسَّمۡعَ وَهُوَ شَهِيدٞ 37﴾:

ثم أعلمَهم أن فيما حلَّ بالأمم السابقة مِن الهلاك والدمار، ذِكْرَى لمن كان له قلبٌ عظيمٌ حيٌّ، وعقلٌ راجح، وذكرى نافعةٌ لمن استمَعَ وأصغى إلى ما يُتْلى عليه من الوحي، وهو حاضرُ الفهم، متيقِّظُ القلب.

[38] ﴿وَلَقَدۡ خَلَقۡنَا ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضَ وَمَا بَيۡنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٖ وَمَا مَسَّنَا مِن لُّغُوبٖ 38﴾:

ثم أخبَرَ جل وعلا أنه خلق السموات والأرض وما فيهما وما بينهما -وأوجدهما بعد العَدَمِ على غير مثالٍ سابق- في ستة أيام، مِن غير تَعَبٍ ولا نصبٍ ولا إعياء؛ لا كما يقول اليهود ويفترون: (إن الله استراح يوم السبت)!

وهذه الأيام ليست كأيام الدنيا المعروفة؛ قال تعالى: ﴿وَإِنَّ يَوۡمًا عِندَ رَبِّكَ كَأَلۡفِ سَنَةٖ مِّمَّا تَعُدُّونَ﴾ [الحج:٤٧].

[39] ﴿فَٱصۡبِرۡ عَلَىٰ مَا يَقُولُونَ وَسَبِّحۡ بِحَمۡدِ رَبِّكَ قَبۡلَ طُلُوعِ ٱلشَّمۡسِ وَقَبۡلَ ٱلۡغُرُوبِ 39﴾:

ثم أمَرَ جل وعلا نبيه محمدًا ﷺ أن يَصْبِرَ على ما يقول هؤلاء المشركون من الكذب والافتراء والتكذيب، وأن ينزِّهَ الله جلَّ في عُلاه عما لا يليق بجلاله، وأن يتقرَّبَ إليه سبحانه بالعبادات والطاعات، قبل طلوعِ الشمسِ، وهو وقتُ الفجر، وقبلَ الغروبِ، وهو وقتُ العصر.

[40] ﴿وَمِنَ ٱلَّيۡلِ فَسَبِّحۡهُ وَأَدۡبَٰرَ ٱلسُّجُودِ 40﴾:

وكذلك أمَرَهُ سبحانه أن يُكْثِرَ من الصلاة في الليل، وأن يسبِّحَ الله ويذكُرَهُ بعد الصلوات.

[41] ﴿وَٱسۡتَمِعۡ يَوۡمَ يُنَادِ ٱلۡمُنَادِ مِن مَّكَانٖ قَرِيبٖ 41﴾:

واستمِعْ -أيها النبي- يوم يُنفَخُ في الصُّورِ للبعثِ والنشورِ مِن مكانٍ قريبٍ تسمعه جميع الخلائق.

[42] ﴿يَوۡمَ يَسۡمَعُونَ ٱلصَّيۡحَةَ بِٱلۡحَقِّۚ ذَٰلِكَ يَوۡمُ ٱلۡخُرُوجِ 42﴾:

ويومَ يَسْمَعُ الخلائق هذه النفخةَ، فإنهم يعلمون أن يوم البعث والنشور حقٌّ لا مِرْيةَ فيه، وأن ذلك اليومَ هو يومُ خروجِ الناس مِن قبورِهم، واجتماعِهم في صعيدٍ واحدٍ؛ للجزاء والحساب.

[43] ﴿إِنَّا نَحۡنُ نُحۡيِۦ وَنُمِيتُ وَإِلَيۡنَا ٱلۡمَصِيرُ 43﴾:

ثم بيَّن جل وعلا ما يدُلُّ على كمال قدرته؛ فأخبَرَ بأنه هو الذي يحيي الخَلْقَ ويميتهم في الدنيا حين انقضاء آجالهم، وأنه وحده إليه الرجوعُ للحساب والجزاء في الآخرة.

[44] ﴿يَوۡمَ تَشَقَّقُ ٱلۡأَرۡضُ عَنۡهُمۡ سِرَاعٗاۚ ذَٰلِكَ حَشۡرٌ عَلَيۡنَا يَسِيرٞ 44﴾:

واذكروا -أيها الناس- يوم أن تتصدَّع الأرض؛ فتُخرِجُ الموتى من قبورها مسرعةً إجابةً إلى الداعي، فاعلموا أن ذلك جمعٌ هيِّنٌ على الله، لا عُسْرَ فيه ولا مشقة.

[45] ﴿نَّحۡنُ أَعۡلَمُ بِمَا يَقُولُونَۖ وَمَآ أَنتَ عَلَيۡهِم بِجَبَّارٖۖ فَذَكِّرۡ بِٱلۡقُرۡءَانِ مَن يَخَافُ وَعِيدِ 45﴾:

ثم قال جل وعلا لنبيه: نحن أعلم -أيها الرسول- بما يقول هؤلاء الكفَّار مِن إنكار البعث والسخرية والاستهزاء بك وبرسالتك، ولكنِ اعلم: أنك لستَ بمسلَّطٍ عليهم؛ فتَقْسِرَهم على الإيمان والهدى وتسيِّرَهم كما تريد، وإنما بُعِثْتَ مبلِّغًا؛ وفي هذا ثناءٌ على المصطفى ﷺ، ثم أمَرَهُ سبحانه أن يعظ بهذا القرآن مَنْ عنده رغبةٌ في السلامة، ومن يخشى وعيدَ الله؛ لعله ينجو من النار التي هي بئس المصير؛ وفي هذا تسلية لنبيه ﷺ.

سورة الذاريات

سورة الذاريات مكيَّة، وآياتها ستُّون آية.

[1] ﴿وَٱلذَّٰرِيَٰتِ ذَرۡوٗا 1﴾:

ابتدأ جل وعلا السورة بالقسَمِ ببعض مخلوقاته، وله سبحانه أن يُقْسِمَ بما شاء، أما الإنسان، فليس له أن يُقْسِمَ إلا بالله جل في علاه؛ فأقسَمَ بالرياحِ التي تَذُرُّ الغُبَارَ والهَبَاءَ والترابَ في الفضاء.

[2] ﴿فَٱلۡحَٰمِلَٰتِ وِقۡرٗا 2﴾:

وأقسَمَ سبحانه بالسُّحُبِ التي تحمل الماءَ، كما تحمل ذواتُ الأربعِ الأحمالَ.

[3] ﴿فَٱلۡجَٰرِيَٰتِ يُسۡرٗا 3﴾:

وأقسَمَ سبحانه بالسفنِ التي تَحْمِلُ الأثقال، وتجري في البحر بكلِّ يُسْرٍ وسهولة.

[4] ﴿فَٱلۡمُقَسِّمَٰتِ أَمۡرًا 4﴾:

وأقسَمَ سبحانه بالملائكة التي تقسِّمُ الأمطار والأرزاق وشؤون البشر بأمر الله.

[5] ﴿إِنَّمَا تُوعَدُونَ لَصَادِقٞ 5﴾:

ثم جاء سبحانه بجواب القسَمِ، فقال: إن ما توعدون -أيها الناس- مِن البعث والحساب على الأعمال، ثم الجنةِ أو النارِ، لكائنٌ لا محالة.

[6] ﴿وَإِنَّ ٱلدِّينَ لَوَٰقِعٞ 6﴾:

ثم أكَّد سبحانه القسَمَ بقوله: واعلموا أن الثواب والجزاء على الأعمال في الدنيا والآخرة، واقعٌ وقوعًا لا رَيْبَ فيه في الوقت الذي قدَّره الله.

[7] ﴿وَٱلسَّمَآءِ ذَاتِ ٱلۡحُبُكِ 7﴾:

ثم عاد جل وعلا، وأقسَمَ قَسَمًا آخَرَ، فقال: وأُقْسِمُ بالسماءِ ذاتِ الجَمَالِ والبهاء، والحُسْنِ والاستواء، التي جَمَّلْتُها بالكواكب والشموس، والمجرَّات والأبراج.

[8] ﴿إِنَّكُمۡ لَفِي قَوۡلٖ مُّخۡتَلِفٖ 8﴾:

وبهذا القسم اعلموا -أيها المشركون المكذِّبون- أنكم لفي قولٍ مختلِفٍ مضطرِبٍ في القرآن وفي محمد ﷺ، واعلموا أن اختلافكم في القرآن لا يلتئِمُ ولا يجتمِعُ ولا يَرُوجُ إلا على مَنْ هو ضالٌّ في نفسه؛ لأنه قول باطل.

[9] ﴿يُؤۡفَكُ عَنۡهُ مَنۡ أُفِكَ 9﴾:

ثم بيَّن سبحانه أن هذا القرآن يُؤْفَكُ -أي: يُصْرَفُ- عن الإيمان به: من كذَّب به، وكذَّب برسول الله ﷺ.

[10] ﴿قُتِلَ ٱلۡخَرَّٰصُونَ 10﴾:

ثم لعَنَ جل وعلا هؤلاء الكذَّابين المشكِّكين في وعد الله ووعيده مِن أصحابِ القولِ المختلِف.

[11] ﴿ٱلَّذِينَ هُمۡ فِي غَمۡرَةٖ سَاهُونَ 11﴾:

ثم بين سبحانه أن الخراصين هم الذين في غفلةٍ وعمًى وجهالةٍ عن أمورِ الآخرة، وهم غافلون لاهون عما ينتظرهم من عذاب الله.

[12] ﴿يَسۡـَٔلُونَ أَيَّانَ يَوۡمُ ٱلدِّينِ 12﴾:

ثم أخبَرَ جل وعلا عن هؤلاء الكذَّابين: أنهم يَسْألونَ سؤالَ استبعادٍ وتكذيبٍ، فيقولون: متى يجيءُ يوم الجزاء الذي تحدِّثُنا عنه يا محمد؟!

[13] ﴿يَوۡمَ هُمۡ عَلَى ٱلنَّارِ يُفۡتَنُونَ 13﴾:

فيجيب سبحانه عن نبيه ﷺ، فيقول: إن يومَ الجزاءِ يومَ يدخلون جهنَّم، ويُحْرَقونَ ويعذَّبون فيها.

[14] ﴿ذُوقُواْ فِتۡنَتَكُمۡ هَٰذَا ٱلَّذِي كُنتُم بِهِۦ تَسۡتَعۡجِلُونَ 14﴾:

ثم يقال لهؤلاء المكذِّبين: ذوقوا هذا العذاب الذي كنتم تستعجلون وقوعَهُ استهزاءً وسخريةً، وتظنون أنه غير كائن.

[15] ﴿إِنَّ ٱلۡمُتَّقِينَ فِي جَنَّٰتٖ وَعُيُونٍ 15﴾:

ولما ذكَرَ جل وعلا حالَ أهل النار، ذكَرَ حالَ أهل الجنة؛ فأخبَرَ أن الذين اتقوا الله بفعل ما أمر الله به واجتناب ما نهى الله عنه؛ كائنون في بساتينَ فيها عيونٌ جاريةٌ لا يُمكِنُ وصفها وتخيُّلها.

[16] ﴿ءَاخِذِينَ مَآ ءَاتَىٰهُمۡ رَبُّهُمۡۚ إِنَّهُمۡ كَانُواْ قَبۡلَ ذَٰلِكَ مُحۡسِنِينَ 16﴾:

ثم بيَّن سبحانه أن أهلَ الجنة راضون بما أعطاهم ربُّهم من الكرامة والنعيم؛ لأنهم كانوا في الدنيا قبل دخولهم الجنة محسنين في إيمانهم وطاعتهم لربهم، وكانوا مُكْثِرِينَ من الأعمالِ الصالحةِ؛ الواجبةِ، والمستحبَّة.

[17] ﴿كَانُواْ قَلِيلٗا مِّنَ ٱلَّيۡلِ مَا يَهۡجَعُونَ 17﴾:

ثم بيَّن جل وعلا مظاهر إحسان أهل التقوى؛ فأخبَرَ أنهم كانوا ينامون القليل من الليل للتهجُّد.

[18] ﴿وَبِٱلۡأَسۡحَارِ هُمۡ يَسۡتَغۡفِرُونَ 18﴾:

وأخبر سبحانه أيضًا أنهم كانوا يُكْثِرونَ من الذِّكْرِ والدعاءِ والاستغفارِ في السَّحَر.

[19] ﴿وَفِيٓ أَمۡوَٰلِهِمۡ حَقّٞ لِّلسَّآئِلِ وَٱلۡمَحۡرُومِ 19﴾:

وأخبر سبحانه أن من مظاهرهم: أنهم كانوا يُوجِبونَ على أنفسهم نصيبًا معلومًا يُخْرِجونه من أموالهم للمحتاجين الذين يسألون الناس، والذين لا يسألونهم حياءً، تقرُّبًا إلى الله عز وجل.

[20] ﴿وَفِي ٱلۡأَرۡضِ ءَايَٰتٞ لِّلۡمُوقِنِينَ 20﴾:

واعلموا -أيها الناس- أن في الأرضِ علاماتٍ واضحاتِ الدَّلَالةِ على وحدانية الله، وكمال قدرته، وهذه الآياتُ ينتفِعُ بها أهلُ اليقين الذين لهم بصائرُ وإدراكٌ ونظَرٌ في عظيم صنع الله.

[21] ﴿وَفِيٓ أَنفُسِكُمۡۚ أَفَلَا تُبۡصِرُونَ 21﴾:

واعلموا أيضًا: أن في إيجاد أنفسكم بعد العدم على غير مثال سابق، وما فيها مِن آيات الخلق والتركيب؛ ما يدُلُّ على وحدانية الله، وكمال قدرته؛ أفلا تبصرون ذلك؛ فيقودَكُمْ إلى توحيد الله والإيمان به؟!

[22] ﴿وَفِي ٱلسَّمَآءِ رِزۡقُكُمۡ وَمَا تُوعَدُونَ 22﴾:

واعلموا أن في السماء أسبابَ رِزْقكم ومعاشِكم، وهو المطر الذي به حياةُ البلادِ والعباد، وفي السماء أيضًا: ما تُوْعَدُونَ مِن الثوابِ والعقاب، والجنةِ والنار؛ فإن جزاء الأعمال مكتوبٌ في السماء، والقضاءُ والقدَرُ يَنْزِلُ منها.

[23] ﴿فَوَرَبِّ ٱلسَّمَآءِ وَٱلۡأَرۡضِ إِنَّهُۥ لَحَقّٞ مِّثۡلَ مَآ أَنَّكُمۡ تَنطِقُونَ 23﴾:

ثم ختَمَ جل وعلا هذه الآياتِ بهذا القسَمِ؛ فأخبَرَ سبحانه أن ما أُخبِرَ به في هذه الآيات، وأنَّ ما تُوعَدونَ به، حقٌّ وصدقٌ؛ فلا ينبغي لكم أن تشُكُّوا فيه كما أنكم لا تشُكُّونَ في قدرتكم على النُّطْقِ بالكلام.

[24] ﴿هَلۡ أَتَىٰكَ حَدِيثُ ضَيۡفِ إِبۡرَٰهِيمَ ٱلۡمُكۡرَمِينَ 24﴾:

هل أتاك -أيها النبي- خبرُ إبراهيمَ وأضيافِهِ الملائكةِ الكرام؛ حيث أمَرَهم الله بزيارةِ إبراهيمَ، وتبشيرِهِ بالولد، وهم ذاهبون في طريقهم إلى قومِ لُوط.

[25] ﴿إِذۡ دَخَلُواْ عَلَيۡهِ فَقَالُواْ سَلَٰمٗاۖ قَالَ سَلَٰمٞ قَوۡمٞ مُّنكَرُونَ 25﴾:

فلما وصل الملائكة إلى إبراهيم عليه السلام ودخلوا عليه، سلَّموا عليه، فردَّ عليهم قائلًا: سلامٌ عليكم؛ أنتم قومٌ غرباء لا نعرفكم؛ فمن أنتم؟! وهؤلاء الملائكة أرسلهم الله لتعذيبِ قومِ لُوطٍ، وقَلْبِ بلادهم عليهم.

[26] ﴿فَرَاغَ إِلَىٰٓ أَهۡلِهِۦ فَجَآءَ بِعِجۡلٖ سَمِينٖ 26﴾:

ثم إن إبراهيم عليه السلام مضى إلى أهلِهِ في سُرْعةٍ وخُفْيةٍ عن ضَيْفه، ثم عاد وقدَّم لضيوفه عِجْلًا سمينًا أنضَجَهُ لهم شَيًّا.

[27] ﴿فَقَرَّبَهُۥٓ إِلَيۡهِمۡ قَالَ أَلَا تَأۡكُلُونَ 27﴾:

ثم إن إبراهيم عليه السلام قرَّب إليهم هذا الطعام، وقال لهم: تفضَّلوا، كُلُوا أيها الأضياف، لكنهم أعرَضُوا ولم يأكلوا، فتعجَّب من أمرهم، وقال لهم: أَلَا تأكُلُون؟!

[28] ﴿فَأَوۡجَسَ مِنۡهُمۡ خِيفَةٗۖ قَالُواْ لَا تَخَفۡۖ وَبَشَّرُوهُ بِغُلَٰمٍ عَلِيمٖ 28﴾:

وفي هذه اللحظةِ لما رأى أنهم أعرضوا عن الأكل، أحسَّ إبراهيمُ في نفسه الخوفَ منهم؛ ظنًّا منه أن امتناعهم إنما كان لِشَرٍّ يريدونه، فقالوا له: لا تَخَفْ؛ إنا رسُلُ ربِّك؛ ثم بشَّروه أن زوجته سارَةَ ستلِدُ له غلامًا ذا علمٍ كثيرٍ، عندما يبلُغُ مبالغَ الرجالِ، وهو إسحاق.

[29] ﴿فَأَقۡبَلَتِ ٱمۡرَأَتُهُۥ فِي صَرَّةٖ فَصَكَّتۡ وَجۡهَهَا وَقَالَتۡ عَجُوزٌ عَقِيمٞ 29﴾:

فلما سَمِعَتْ سارَةُ ما بشَّر به الملائكةُ، دُهِشَتْ، ثم أقبَلَتْ نحوهم وهي تصرُخُ، وضرَبَتْ بيدَيْها على جبينها تعجُّبًا من قولهم، وقالت: كيف أَلِدُ وأنا عجوزٌ عقيم؟!

[30] ﴿قَالُواْ كَذَٰلِكِ قَالَ رَبُّكِۖ إِنَّهُۥ هُوَ ٱلۡحَكِيمُ ٱلۡعَلِيمُ 30﴾:

فردت الملائكة عليها وقالت: لقد أخبَرْناك، وقلنا لك كما قال ربُّك، واللهُ على كلِّ شيء قدير، وهو سبحانه الحكيمُ في تدبيرِ وتصريفِ شؤونِ عباده، العليمُ بأحوالهم وما يُصْلِحهم.

[31] ﴿قَالَ فَمَا خَطۡبُكُمۡ أَيُّهَا ٱلۡمُرۡسَلُونَ 31﴾:

ولكنَّ إبراهيم عليه السلام لكثرةِ الملائكةِ شعَرَ أنهم مكلَّفون بأمرٍ أكبَرَ من هذه البِشَارة؛ فسألهم بعد هذه البِشَارةِ، فقال لهم: ما خبَرُكم أيها الملائكة؟ وما شأنُكم؟ وفِيمَ أُرسِلْتُم؟

[32] ﴿قَالُوٓاْ إِنَّآ أُرۡسِلۡنَآ إِلَىٰ قَوۡمٖ مُّجۡرِمِينَ 32﴾:

فقال الملائكة: لقد أرسَلَنا الله إلى قومٍ مجرِمينَ مجاوِزينَ لحدودهم؛ وهم قوم لوط.

[33] ﴿لِنُرۡسِلَ عَلَيۡهِمۡ حِجَارَةٗ مِّن طِينٖ 33﴾:

ثم قالوا: وإن مهمَّتنا التي أُرسِلْنا من أجلها: أن نُهْلِكَهُم برَجْمهم بحجارة من طينٍ متحجِّر.

[34] ﴿مُّسَوَّمَةً عِندَ رَبِّكَ لِلۡمُسۡرِفِينَ 34﴾:

وبيَّن سبحانه أن هذه الحجارةُ معلَّمةٌ بعلاماتٍ تعرف بها لكي نُهلِكَ بها هؤلاءِ المسرِفينَ على أنفسهم بالشرك، المجاوِزينَ حدودَهم بقبيح المعاصي والآثام.

[35] ﴿فَأَخۡرَجۡنَا مَن كَانَ فِيهَا مِنَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ 35﴾:

ثم أخبَرَ جل وعلا أنه أخرَجَ مَنْ كان في قُرَى قومِ لُوطٍ مِنْ أهلِ الإيمانِ والتوحيدِ، قبل نزولِ العذابِ على أهلها الفاسِقين المجرِمين.

[36] ﴿فَمَا وَجَدۡنَا فِيهَا غَيۡرَ بَيۡتٖ مِّنَ ٱلۡمُسۡلِمِينَ 36﴾:

ثم بيَّن سبحانه أنه لم يوجدْ في تلك القرى غيرُ بيتٍ واحدٍ من المسلمين، وهو أهلُ بيتِ لوطٍ عليه السلام، مما يدُلُّ على كثرة الفجَّار والفسَّاق في هذه القرى؛ قال سبحانه في هذه الآية: ﴿غَيۡرَ بَيۡتٖ مِّنَ ٱلۡمُسۡلِمِينَ﴾، وقال في الآية السابقة: ﴿فَأَخۡرَجۡنَا مَن كَانَ فِيهَا مِنَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ﴾؛ لأنَّ بيتَ لُوطٍ لم يكن جميعُ مَنْ فيه مِن المؤمنين، فامرأتُهُ أسلَمَتْ، ولكنها لم تؤمِنْ؛ ولذا لم تخرُجْ معهم؛ لأنها كانت منافِقةً وخائنة؛ حيثُ كانت على دِينِ قَوْمِها، وخيانتها أنها كانت تُخبِرُ الفسَّاقَ بضُيُوفِ زَوْجِها.

[37] ﴿وَتَرَكۡنَا فِيهَآ ءَايَةٗ لِّلَّذِينَ يَخَافُونَ ٱلۡعَذَابَ ٱلۡأَلِيمَ 37﴾:

وبعد أن أهلَكَ جل وعلا قومَ لُوطٍ؛ أخبَرَ أنه ترَكَ في قريتهم علامةً واضحةً بيِّنةً على هلاكهم؛ لتكونَ عِبْرةً وعظةً للذين يخافون العذابَ الأليمَ الموجع في الآخرة؛ وفي هذا: دليلٌ على قدرةِ اللهِ وانتقامِهِ من الكَفَرة الجاحدين، الذين يفعلون الفواحش والمنكَرات، ولم يؤمنوا بالله وآياته ورسله.

[38] ﴿وَفِي مُوسَىٰٓ إِذۡ أَرۡسَلۡنَٰهُ إِلَىٰ فِرۡعَوۡنَ بِسُلۡطَٰنٖ مُّبِينٖ 38﴾:

واعلموا -أيها الناس- أن في قصَّة موسى أيضًا آيةً عظيمة للذين يخافون العذابَ الأليم؛ حيثُ أرسَلَهُ الله إلى فرعونَ بالآياتِ والمعجِزاتِ الظاهرةِ البيِّنةِ الدالَّةِ على أنه رسولٌ من عند رب العالمين.

[39] ﴿فَتَوَلَّىٰ بِرُكۡنِهِۦ وَقَالَ سَٰحِرٌ أَوۡ مَجۡنُونٞ 39﴾:

ثم أخبر سبحانه أن فرعونَ وقومه أعرضوا عن اتِّباعِ موسى، وتكبَّر عليه وعلى دعوته، وتقوَّى بجماعته وجُنْده، وقال عن موسى: إنه ساحرٌ أو مجنون -وذلك للمغالَطةِ والإيهام- مع أنه يعلم أن موسى صادق، قال تعالى: ﴿وَجَحَدُواْ بِهَا وَٱسۡتَيۡقَنَتۡهَآ أَنفُسُهُمۡ ظُلۡمٗا وَعُلُوّٗاۚ ﴾ [النمل:١٤].

[40] ﴿فَأَخَذۡنَٰهُ وَجُنُودَهُۥ فَنَبَذۡنَٰهُمۡ فِي ٱلۡيَمِّ وَهُوَ مُلِيمٞ 40﴾:

وبسببِ تكبُّرِ فرعونَ وكفرِهِ وجحودِهِ وطغيانِهِ؛ أخذه جل وعلا وجنودَهُ، وطرَحَهم في البحر، فأهلَكَهم بالغرق، وأهلَكَ الله فرعون؛ لأنه أتى بذنوبٍ يستحقُّ العقابَ عليها؛ ومن ذلك: ادِّعاؤُهُ الربوبية، وتكذيبُهُ موسى، وطغيانُهُ في الأرض.

[41] ﴿وَفِي عَادٍ إِذۡ أَرۡسَلۡنَا عَلَيۡهِمُ ٱلرِّيحَ ٱلۡعَقِيمَ 41﴾:

واعلموا أيضًا أن في قصَّةِ عادٍ وإهلاكِهم آيةً عظيمةً للذين يخافون العذاب الأليم؛ حيث كذَّبوا رسولهم هودًا، فأرسَلَ اللهُ عليهم ريحًا شديدةً لا خيرَ فيها ولا بَرَكةَ.

[42] ﴿مَا تَذَرُ مِن شَيۡءٍ أَتَتۡ عَلَيۡهِ إِلَّا جَعَلَتۡهُ كَٱلرَّمِيمِ 42﴾:

ثم بين سبحانه أن هذه الريح من شدَّتها: أنها لا تمُرُّ على شيءٍ إلا أهلكَتْهُ ودمَّرته وأبادته وجعلته باليًا مفتَّتًا.

[43] ﴿وَفِي ثَمُودَ إِذۡ قِيلَ لَهُمۡ تَمَتَّعُواْ حَتَّىٰ حِينٖ 43﴾:

واعلموا أيضًا أن في قصَّةِ ثمودَ وإهلاكِهم آيةً عظيمةً للذين يخافون العذاب الأليم؛ حيث كذَّبوا رسولهم صالحًا؛ فقال لهم: تمتَّعوا في داركم ثلاثة أيام، وتمتَّعوا بالدنيا الفانية إلى حين وقت هَلَاكِكم.

[44] ﴿فَعَتَوۡاْ عَنۡ أَمۡرِ رَبِّهِمۡ فَأَخَذَتۡهُمُ ٱلصَّٰعِقَةُ وَهُمۡ يَنظُرُونَ 44﴾:

فأخبر سبحانه أنهم كذَّبوا رسولَهُمْ، واستكبروا على أمر ربِّهم؛ فأهلكهم الله بالصيحة العظيمة، وهم ينظُرُونَ إلى عقوبتهم بأعينهم.

[45] ﴿فَمَا ٱسۡتَطَٰعُواْ مِن قِيَامٖ وَمَا كَانُواْ مُنتَصِرِينَ 45﴾:

ثم بيَّن سبحانه أنهم ما قدَرُوا على النهوض لمَّا حلَّ بهم العذاب، وما استطاعوا الهرَبَ والفِرَارَ والنجاة، وما كانوا منتصرين لأنفسهم، ولا ممتنعين من عذاب الله بغيرهم.

[46] ﴿وَقَوۡمَ نُوحٖ مِّن قَبۡلُۖ إِنَّهُمۡ كَانُواْ قَوۡمٗا فَٰسِقِينَ 46﴾:

ثم أخبَرَ سبحانه أنه أهلَكَ قومَ نوحٍ مِن قَبْلِ هذه الأقوام؛ حيث أهلكهم بالطُّوفان؛ لأنهم كذَّبوا برسولهم لما جاءهم؛ فكانوا قومًا خارجين عن طاعة الله وتوحيده، مكذِّبين لرسوله، معانِدِين له.

[47] ﴿وَٱلسَّمَآءَ بَنَيۡنَٰهَا بِأَيۡيْدٖ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ 47﴾:

أخبَرَ جل وعلا أنه بنى السماء وأتقَنَها بقوَّةٍ وقدرةٍ، ووسَّعها توسيعًا كبيرًا، وهو قادرٌ على توسعتها أكثَرَ من ذلك. والأَيْدُ هنا بمعنى القوة والقدرة، وليس جمعَ يَدٍ، فجذرُ الأَيْد: (أ ي د)، وجذر اليَدِ والأيدي: (ي د ي)؛ فليس هذا من تأويل الصفات، كما يظُنُّ بعضهم، وقد حرَّر ذلك شيخنا الشنقيطي في (أضواء البيان)([1]). [1] ينظر: أضواء البيان (7/ 442).

[48] ﴿وَٱلۡأَرۡضَ فَرَشۡنَٰهَا فَنِعۡمَ ٱلۡمَٰهِدُونَ 48﴾:

ثم أخبر سبحانه أنه بسَطَ الأرضَ ووطَّأَها، وجعَلَها كالمِهَادِ -أي: الفراشِ- لينتفع بها الناسُ في سَيْرهم وسُكْناهم عليها، ثم أثنى سبحانه على نفسه، فقال: فنِعْمَ الماهدون نحن، وصدَقَ جل في علاه؛ فهو الفعَّال لما يريد.

[٤٩] ﴿وَمِن كُلِّ شَيۡءٍ خَلَقۡنَا زَوۡجَيۡنِ لَعَلَّكُمۡ تَذَكَّرُونَ 49﴾:

ثم أخبَرَ جل وعلا أنه خلَقَ مِن كلِّ شيءٍ صِنْفَيْنِ نوعَيْن مختلفَيْنِ، وكلٌّ منهما زوجٌ للآخر؛ فمثلًا خلَقَ السعادةَ والشقاوة، والهدى والضلال، والليلَ والنهار، والسماءَ والأرض، وهكذا، كلُّ ذلك لعلَّكم تتذكَّرون قُدْرةَ الله، وتستدلُّون بذلك على توحيدِ الله، وصدقِ وعدِهِ ووعيده.

[50] ﴿فَفِرُّوٓاْ إِلَى ٱللَّهِۖ إِنِّي لَكُم مِّنۡهُ نَذِيرٞ مُّبِينٞ 50﴾:

وما دام الأمر كذلك –أيها الناس- ففرُّوا إلى الله؛ بتوحيدِهِ والإيمان به، وبالتوبة والرجوع إليه؛ إنه لكم نذيرٌ بيِّنُ النِّذارةِ مِن عذاب الله وعقوبته.

[51] ﴿وَلَا تَجۡعَلُواْ مَعَ ٱللَّهِ إِلَٰهًا ءَاخَرَۖ إِنِّي لَكُم مِّنۡهُ نَذِيرٞ مُّبِينٞ 51﴾:

ثم أكَّد جل وعلا هذا الإنذارَ، فأمَرَ عباده أن يُخلِصوا العبادة له بالتوحيد، وألَّا يعبدوا معه إلهًا آخر؛ فإنه لكم نذيرٌ بيِّنُ النِّذارةِ من عذاب الله وعقوبته.

[52] ﴿كَذَٰلِكَ مَآ أَتَى ٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِهِم مِّن رَّسُولٍ إِلَّا قَالُواْ سَاحِرٌ أَوۡ مَجۡنُونٌ 52﴾:

سلَّى جل وعلا نبيه ﷺ، فقال له: وكما كذَّبك قومُكَ -أيها النبي- واتهموك بالسحر والجنون؛ فكذلك فعَلَتِ الأممُ السابقة مع أنبيائهم.

[53] ﴿ﭐ أَتَوَاصَوۡاْ بِهِۦۚ بَلۡ هُمۡ قَوۡمٞ طَاغُونَ 53﴾

ثم سأل سبحانه سؤال استنكار فقال: هل يا تُرَى أوصى الكفَّارُ السابقون الكفَّارَ اللاحقين أن يقولوا لكل رسول يأتيهم: أنتَ ساحرٌ ومجنون؟! الحقيقةُ: أنهم لم يتواصَوْا بذلك؛ ولكنْ حَمَلَهم على ذلك الكفرُ والطغيانُ والتكذيبُ وتجاوُزُ الحد، وكُرْهُهم لتغيير ما هم عليه.

[54] ﴿فَتَوَلَّ عَنۡهُمۡ فَمَآ أَنتَ بِمَلُومٖ 54﴾:

ثم أمَرَ جل وعلا نبيه ﷺ أن يُعرِضَ عن هؤلاء المكذِّبين المفترين، وألَّا يبالِيَ بهم؛ لأنه أدَّى ما عليه؛ حيث بلَّغ الرسالة، وأدَّى الأمانة، ونصَحَ الأمَّة؛ ولهذا فإنه لا يلحقه لومٌ من أحد.

[55] ﴿وَذَكِّرۡ فَإِنَّ ٱلذِّكۡرَىٰ تَنفَعُ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ 55﴾:

وأمر جل وعلا نبيه ﷺ أيضًا أن يَعِظَ بهذا القرآنِ مَنْ آمن به واتَّبعه؛ فإن قلوبهم تلين لذلك؛ فبالتذكير والموعظة ينتفِعُ أهلُ الإيمان، ومن يُرِدِ الله به خيرًا يَهْدِهِ ويصلِحْ قلبه ويُرْشِدْهُ لاتِّباع هذا القرآن العظيم.

[٥٦] ﴿وَمَا خَلَقۡتُ ٱلۡجِنَّ وَٱلۡإِنسَ إِلَّا لِيَعۡبُدُونِ 56﴾:

أخبَرَ جل وعلا أنه ما خلَقَ الثقلَيْنِ الإنس والجن إلا ليأمُرَهم بعبادتِهِ وحده لا شريك له، ثم يجازيهم على أعمالهم؛ فمَنْ عَمِلَ خيرًا، فجزاؤه الجنة، ومَنْ عَمِلَ شرًّا، فإنه يعذَّب بالنار.

قال الشيخُ العلَّامةُ الشِّنْقيطيُّ في تفسيره (أضواء البيان)([2]): (التحقيقُ في معنى هذه الآية: ﴿وَمَا خَلَقۡتُ ٱلۡجِنَّ وَٱلۡإِنسَ إِلَّا لِيَعۡبُدُونِ﴾، أي: إلا لآمُرَهم بعبادتي، وأختبِرَهم بالتكاليف، ثم أجازِيَهم على أعمالهم، إنْ خيرًا فخيرٌ، وإنْ شرًّا فشرّ). وقال الشيخ البسَّام: (التحقيقُ في قوله: ﴿وَمَا خَلَقۡتُ ٱلۡجِنَّ وَٱلۡإِنسَ إِلَّا لِيَعۡبُدُونِ﴾، أي: لأطلُبَ منهم عبادتي؛ فأُجَازِي المُحْسِنَ، وأعاقِبَ المسيءَ). [2] ينظر: أضواء البيان (7/ 444).

[57] ﴿مَآ أُرِيدُ مِنۡهُم مِّن رِّزۡقٖ وَمَآ أُرِيدُ أَن يُطۡعِمُونِ 57﴾:

ثم بيَّن سبحانه بأنه لا يريدُ مِن خلقه رِزْقًا، بل لم يطلُبْ منهم أن يرزُقُوا أنفسهم ولا غيرهم، ولا يريدُ منهم أن يُطْعِموه سبحانه.

[58] ﴿إِنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلرَّزَّاقُ ذُو ٱلۡقُوَّةِ ٱلۡمَتِينُ 58﴾:

وبين سبحانه أنه هو الرزَّاقُ المتكفِّلُ بأرزاق جميع المخلوقات، وأنه صاحبُ القوَّةِ المتينُ الذي له القوَّةُ والقدرةُ كلها، الذي لا يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء.

[59] ﴿فَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُواْ ذَنُوبٗا مِّثۡلَ ذَنُوبِ أَصۡحَٰبِهِمۡ فَلَا يَسۡتَعۡجِلُونِ 59﴾:

واعلموا -أيها الناس- أن للذين ظلموا أنفسهم بالشركِ والمعاصي، وبتكذيبِ محمَّدٍ ﷺ، نصيبًا مِن العذاب مثلَ نصيبِ مَنْ سَبَقهم من الأمم الكافرة؛ فلا يتعجَّلوا نزول العذاب بهم؛ فإنه آتيهم، دون شك أو ريب في ذلك.

[60] ﴿فَوَيۡلٞ لِّلَّذِينَ كَفَرُواْ مِن يَوۡمِهِمُ ٱلَّذِي يُوعَدُونَ 60﴾:

ثم أخبَرَ جل وعلا في ختامِ السورةِ بالهلاكِ والشقاءِ الأبديِّ الذي ينتظر هؤلاء الذين كفروا بالله، ولم يتَّبعوا رسوله ﷺ يوم القيامة؛ ذلك اليومُ الذي وعَدَهم الله فيه بالعذابِ والنكال، والخِزْيِ والبَوَار.

سورة الطُّور

سورة الطور مكيَّة، وآياتها تسعٌ وأربعون آية.

[1] ﴿وَٱلطُّورِ 1﴾:

أقسَمَ جل وعلا بعَدَدٍ من مخلوقاته، فأقسَمَ بالطُّور، وهو الجبَلُ المبارَكُ الذي تمَّت عنده مكالمة موسى عليه السلام لربه.

[2] ﴿وَكِتَٰبٖ مَّسۡطُورٖ 2﴾:

ثم أقسَمَ سبحانه بالقرآنِ العظيمِ المكتوبِ.

[3] ﴿فِي رَقّٖ مَّنشُورٖ 3﴾:

وبين سبحانه أن هذا القرآن العظيم مكتوب على جِلْدٍ رقيقٍ، مبسوطٍ ظاهرٍ لكلِّ أحد ينظُرُ إليه.

[4] ﴿وَٱلۡبَيۡتِ ٱلۡمَعۡمُورِ 4﴾:

وأقسَمَ سبحانه بالبيتِ المعمورِ الذي تعمُرُهُ الملائكةُ بالطواف فيه.

[5] ﴿وَٱلسَّقۡفِ ٱلۡمَرۡفُوعِ 5﴾:

وأقسَمَ سبحانه بهذه السماء العالية المرتفعة.

[6] ﴿وَٱلۡبَحۡرِ ٱلۡمَسۡجُورِ 6﴾:

وأقسَمَ سبحانه بالبَحْرِ المشتعِلِ نارًا يوم القيامة.

[7] ﴿إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ لَوَٰقِعٞ 7﴾:

ثم جاء جل وعلا بجوابِ القسَمِ؛ فأخبَرَ سبحانه أن عذابَ ربك -أيها النبي- حاصلٌ لا محالةَ لمن يستحقُّهُ من الكافرين باللهِ ورُسُله.

[8] ﴿مَّا لَهُۥ مِن دَافِعٖ 8﴾:

وبين سبحانه أن هذا العذاب لا يدفعه عنهم دافع، ولا يجدون عنه مهربًا.

[9] ﴿يَوۡمَ تَمُورُ ٱلسَّمَآءُ مَوۡرٗا 9﴾:

واعلموا -أيها الناس- أن هذا العذاب واقعٌ في ذلك اليوم الذي ترتجُّ فيه السماء، ويختلُّ فيه نظامها، وتضطرِبُ اضطرابًا شديدًا مِن هَوْلِ ذلك اليوم.

[10] ﴿وَتَسِيرُ ٱلۡجِبَالُ سَيۡرٗا 10﴾:

وفي ذلك اليومِ أيضًا تزولُ الجبالُ عن أماكنها، وتسيرُ عن مواضعها كسير السحاب.

[11] ﴿فَوَيۡلٞ يَوۡمَئِذٖ لِّلۡمُكَذِّبِينَ 11﴾:

ثم أخبَرَ سبحانه أن الهلاكَ والشقاءَ في ذلك اليوم على المكذِّبين بالله ورسوله.

[12] ﴿ٱلَّذِينَ هُمۡ فِي خَوۡضٖ يَلۡعَبُونَ 12﴾:

وبين سبحانه أن سبب هذا العذاب الذي وقع عليهم أنهم عاشوا حياتهم في لَهْوٍ ولعبٍ بالباطل، لا يذكُرُونَ حسابًا، ولا يخافونَ عقابًا.

[13] ﴿يَوۡمَ يُدَعُّونَ إِلَىٰ نَارِ جَهَنَّمَ دَعًّا 13﴾:

ثم بيَّن سبحانه أن المكذِّبين يُدْفَعُونَ في ذلك اليوم إلى النارِ دفعًا عنيفًا.

[14] ﴿هَٰذِهِ ٱلنَّارُ ٱلَّتِي كُنتُم بِهَا تُكَذِّبُونَ 14﴾:

ثم يقال لهؤلاء المكذِّبين على سبيل التوبيخ والإهانة: هذه هي النارُ التي كنتم تكذِّبون بها، وتسخرون منها.

[15] ﴿أَفَسِحۡرٌ هَٰذَآ أَمۡ أَنتُمۡ لَا تُبۡصِرُونَ 15﴾:

ثم يقال لهؤلاء الكفَّار على سبيل التوبيخ: هل هذه النارُ وهذا العذابُ الذي تشاهدونه هو مِن قَبِيلِ السِّحْر؟! كما كنتم تقولون في الدنيا لرسُلِ الله ولكُتُبِهِ: هذا سحرٌ، أم أنكم عُمْيٌ عن هذا كما كنتم عُمْيًا عن الحق في الدنيا؟! فاعلموا أن هذا العذاب حقيقة، وليس سحرًا.

[16] ﴿ٱصۡلَوۡهَا فَٱصۡبِرُوٓاْ أَوۡ لَا تَصۡبِرُواْ سَوَآءٌ عَلَيۡكُمۡۖ إِنَّمَا تُجۡزَوۡنَ مَا كُنتُمۡ تَعۡمَلُونَ 16﴾:

ثم يقال لهم: ادخلوا النار، وقاسوا حَرَّها وشِدَّتها، وصَبْرُكم عليها وعدَمُهُ سواءٌ، ولا خلاصَ لكم من العذاب؛ جزاءَ ما كنتم تعملون من الشرك والتكذيب والمعاصي.

[17] ﴿إِنَّ ٱلۡمُتَّقِينَ فِي جَنَّٰتٖ وَنَعِيمٖ 17﴾:

ولما وضَّح جل وعلا حال المجرِمين، ذكَرَ حال المؤمنين المتقين الذين اتقَوْا ربهم في الدنيا؛ بامتثالِ أوامره، واجتنابِ نواهيه؛ حيث أخبَرَ سبحانه أنه يجازيهم بجنَّات يتنعَّمون فيها.

[18] ﴿فَٰكِهِينَ بِمَآ ءَاتَىٰهُمۡ رَبُّهُمۡ وَوَقَىٰهُمۡ رَبُّهُمۡ عَذَابَ ٱلۡجَحِيمِ 18﴾:

ثم أخبَرَ سبحانه أنهم يتلذَّذون ويتفكَّهون بما أعطاهم الله عز وجل مما لا عَيْنٌ رأت، ولا أذنٌ سمعت، ولا خطَرَ على قلب بشر، فرحين مسرورين أن الله نجَّاهم من عذاب النار.

[19] ﴿كُلُواْ وَٱشۡرَبُواْ هَنِيٓـَٔۢا بِمَا كُنتُمۡ تَعۡمَلُونَ 19﴾:

ثم يقال لهؤلاء المتقين وهم في الجنة -على وجه التكريم-: كلوا واشربوا ما يَطِيبُ لكم، هنيئًا دون تنغيصٍ ولا كَدَر؛ بسبب ما كنتم عليهِ مِن التوحيدِ والأعمالِ الصالحة.

[20] ﴿مُتَّكِـِٔينَ عَلَىٰ سُرُرٖ مَّصۡفُوفَةٖۖ وَزَوَّجۡنَٰهُم بِحُورٍ عِينٖ 20﴾:

ثم بيَّن جل وعلا بعضَ ما يتنعَّمون به في الجنة؛ فأخبَرَ أنهم متكئون في جلوسهم، مرتاحون على أرائكَ مزيِّنةٍ بأنواع الزينة، مصفوفٍ بعضُها إلى جنبِ بعض، وأخبَرَ سبحانه أنه زوَّجهم بزوجاتٍ من الحُورِ العِينِ؛ وهنَّ نساءٌ جمَعْنَ كلَّ صفاتِ الجمالِ والحُسْنِ الظاهرة والباطنة، أعدَّهُنَّ الله لعباده المؤمنين المنعَّمين في جنات النعيم؛ إضافةً إلى زوجاتهم في الدنيا اللواتي جعَلَهُنَّ الله أحسَنَ مِن الحُورِ العِين.

[21] ﴿وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَٱتَّبَعَتۡهُمۡ ذُرِّيَّتُهُم بِإِيمَٰنٍ أَلۡحَقۡنَا بِهِمۡ ذُرِّيَّتَهُمۡ وَمَآ أَلَتۡنَٰهُم مِّنۡ عَمَلِهِم مِّن شَيۡءٖۚ كُلُّ ٱمۡرِيِٕۭ بِمَا كَسَبَ رَهِينٞ 21﴾:

ثم أخبَرَ جل وعلا أن هؤلاء المؤمنين الذين دخلوا الجنة، واتَّبعتهم ذريتهم بإيمان؛ قد أنعَمَ الله عليهم، وأتمَّ نعيمهم؛ بأنْ ألحَقَ بهم محبِّيهم مِن ذرِّيتهم المؤمنين إكرامًا للآباء، وإن لم يبلُغُوا مراتبَ آبائهم بأعمالهم، ثم بيَّن سبحانه أنه ما نقَصَ الآباءَ مِن أجور أعمالهم شيئًا، وبيَّن أن كلَّ امرئ مرهونٌ ومحبوسٌ بعمله، يُجْزَى به.

[22] ﴿وَأَمۡدَدۡنَٰهُم بِفَٰكِهَةٖ وَلَحۡمٖ مِّمَّا يَشۡتَهُونَ 22﴾:

ثم بيَّن جل وعلا جانبًا آخَرَ من نعيم أهل الجَنَّة؛ فأخبَرَ أنه زوَّدهم بما يشتهون مِن فاكهةٍ لذيذةٍ، ولَحْمٍ طيِّب، ومِن كلِّ ما اشتهَتْهُ أنفُسُهم وطَلَبَتْه.

[23] ﴿يَتَنَٰزَعُونَ فِيهَا كَأۡسٗا لَّا لَغۡوٞ فِيهَا وَلَا تَأۡثِيمٞ 23﴾:

ثم بيَّن سبحانه نوعًا آخر من نعيم أهل الجنة؛ فأخبر أنهم يتعاطَوْنَ فيما بينهم كؤوسَ الخَمْر، ويناوِلُ بعضُهم بعضًا إيَّاها، فيزدادُ بذلك أُنْسُهم ونعيمهم، غيرَ أن خَمْرَ الجنَّةِ ليست كخمرِ الدنيا، فهي لا تُذْهِبُ العقل، ولا تغطِّيه؛ فلا يجري بينهم لغوٌ أو كلامٌ باطلٌ؛ كما يحصُلُ لمن يشربون خمر الدنيا، مع أنها يحصُلُ بها نَشْوةٌ ولَذَّة.

[24] ﴿وَيَطُوفُ عَلَيۡهِمۡ غِلۡمَانٞ لَّهُمۡ كَأَنَّهُمۡ لُؤۡلُؤٞ مَّكۡنُونٞ 24﴾:

ثم بيَّن جل وعلا جانبًا آخر من نعيم أهل الجنة؛ فأخبَرَ أنه يطوفُ علىهم شبابٌ فتيانٌ يخدُمُونهم، ويناولونهم الطعامَ والشراب، كأنهم من حُسْنهم وبهائهم لؤلؤٌ مَصُونٌ في أصدافه، لم تَمَسَّهُ الأيدي، ووجهُ الشبه هو النعومةُ، وصفاءُ البَشَرة.

[25] ﴿وَأَقۡبَلَ بَعۡضُهُمۡ عَلَىٰ بَعۡضٖ يَتَسَآءَلُونَ 25﴾:

وبعد وصفِ النعيمِ الذي هُيِّئَ لهم، أخبَرَ جل وعلا أنهم يَسْألونَ بعضُهم البعضَ عن سبب هذا النعيم.

[26] ﴿قَالُوٓاْ إِنَّا كُنَّا قَبۡلُ فِيٓ أَهۡلِنَا مُشۡفِقِينَ 26﴾:

فبين سبحانه أنهم يقولون لبعضهم البعض: إنا كنا في دار الدنيا بين أهلِنا وَجِلِينَ خائِفِينَ مِن ربِّنا، مشفِقِينَ من عذابِهِ وعقابِه.

[27] ﴿فَمَنَّ ٱللَّهُ عَلَيۡنَا وَوَقَىٰنَا عَذَابَ ٱلسَّمُومِ 27﴾:

ولهذا فإن الله سبحانه تفضَّلَ علينا وأجارَنَا مِن عذابِ سَمُومِ جهنَّمَ الحارِّ الشديدِ الحرارة.

[28] ﴿إِنَّا كُنَّا مِن قَبۡلُ نَدۡعُوهُۖ إِنَّهُۥ هُوَ ٱلۡبَرُّ ٱلرَّحِيمُ 28﴾:

ثم قالوا: إنا كنا مِنْ قبلُ نعبُدُ الله وحده، لا نُشرِكُ به شيئًا، ونتضرَّعُ إليه أن ينجِّينا من عذاب النار وسَمُومِها، إنَّ ربَّنا هو البَرُّ كثيرُ الإحسانِ واللطف بنا، الرحيمُ الذي وَسِعَتْ رحمتُهُ كلَّ شيء.

[29] ﴿فَذَكِّرۡ فَمَآ أَنتَ بِنِعۡمَتِ رَبِّكَ بِكَاهِنٖ وَلَا مَجۡنُونٍ 29﴾:

ثم أمَرَ جل وعلا نبيه ﷺ أن يذكِّرَ قومه بهذا القرآن العظيم، وألَّا يكترِثَ بما يقولون؛ فأنت بنعمة الله عليك بالنبوَّة ورَجَاحةِ العقلِ لَسْتَ كاهنًا يخبر بالغيب، أو مجنونًا لا يَعْقِلُ ما يقول، كما يزعمون؛ فعليك الاستمرارَ في دَعْوَتك، واثبُتْ على ما أنت عليه من التذكير والوَعْظ والإرشاد، ولا يَثْنِيكَ كلامُهم: بأنك مجنونٌ أو ساحرٌ أو كذَّاب.

[30] ﴿أَمۡ يَقُولُونَ شَاعِرٞ نَّتَرَبَّصُ بِهِۦ رَيۡبَ ٱلۡمَنُونِ 30﴾:

ثم أنكَرَ جل وعلا على هؤلاء المشركين المعاندين ما يقولون في محمَّد ﷺ: أنه شاعر، وأنهم ينتظرون أن تصيبه حوادثُ الدَّهْرِ من الموت والفناء، وينتهي ما جاء به، وما يدعو إليه.

[31] ﴿قُلۡ تَرَبَّصُواْ فَإِنِّي مَعَكُم مِّنَ ٱلۡمُتَرَبِّصِينَ 31﴾:

فقل -أيها النبي- لهؤلاء المشركين: انتظروا موتي وفنائي، وأنا أنتظِرُ عاقبةَ أمري وأمركم، وستعلمون لمن تكونُ له العاقبة، وعلى مَنْ يتنزَّلُ النصر، ومَنِ الذي يصيبه العذاب.

[32] ﴿أَمۡ تَأۡمُرُهُمۡ أَحۡلَٰمُهُم بِهَٰذَآۚ أَمۡ هُمۡ قَوۡمٞ طَاغُونَ 32﴾:

ثم وبَّخ جل وعلا هؤلاء المشركين، فقال: هل حقًّا أمَرَتْهم عقولُهم -التي زعموا سلامتها- بهذه الأكاذيبِ والافتراءاتِ؟! أم أنهم قومٌ طاغون مجاوزون لحدودهم في الكُفْرِ والتكذيبِ والافتراء؟!

[33] ﴿أَمۡ يَقُولُونَ تَقَوَّلَهُۥۚ بَل لَّا يُؤۡمِنُونَ 33﴾:

أم أنهم يقولون: إنَّ محمدًا اختلَقَ هذا القرآن واخترَعَهُ مِنْ قِبَلِ نَفْسه؟! وسبَبُ هذه الفرية: هو كُفْرُهم وجحودُهم، وعدَمُ إيمانهم بالله، وتعلُّقُهم بما وجدوا عليه آباءهم.

[34] ﴿فَلۡيَأۡتُواْ بِحَدِيثٖ مِّثۡلِهِۦٓ إِن كَانُواْ صَٰدِقِينَ 34﴾:

فإنْ كان هؤلاء المشركون صادقين في قولهم: (إنَّ محمدًا اختلَقَ هذا القرآن مِن عندِ نفسه)، فعليهم -وهم الفصحاءُ البلغاء- أن يأتوا بحديثٍ مثلِهِ، وهذا تحدٍّ وتعجيزٌ لهم، وإظهارٌ لبطلانِ افترائهم وكَذِبهم.

[35] ﴿أَمۡ خُلِقُواْ مِنۡ غَيۡرِ شَيۡءٍ أَمۡ هُمُ ٱلۡخَٰلِقُونَ 35﴾:

ثم انتقَلَ سبحانه إلى توبيخٍ آخَرَ، فقال: هل خرَجَ هؤلاء لهذه الحياة بهذا الجَمَالِ، وهذا التكامُلِ، فجأةً مِن غير مبدِعٍ صوَّرهم فأحسَنَ صُوَرهم، كما يقول الدهريُّون أو الطبيعيُّون؟! أم أنهم هم الذين خلَقُوا أنفُسَهم على هذا النَّمَطِ الكاملِ الحَسَن؟!

[36] ﴿أَمۡ خَلَقُواْ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضَۚ بَل لَّا يُوقِنُونَ 36﴾:

ثم انتقَلَ جل في علاه إلى توبيخٍ آخَرَ، فقال: هل خلَقَ هؤلاءِ السموات والأرض؟! لأنه لا يمكنُ لعاقلٍ أن يقول: هما مِنْ خَلْقي، ولكنَّ حقيقة هؤلاء أنهم ليسوا على يقينٍ بوجودِ ربِّهم.

[37] ﴿أَمۡ عِندَهُمۡ خَزَآئِنُ رَبِّكَ أَمۡ هُمُ ٱلۡمُصَۜيۡطِرُونَ 37﴾:

ثم استمرَّ جل وعلا في توبيخهم، فقال: هل عند هؤلاء المشركين مفاتيحُ خزائنِ ربِّك من النبوَّةِ والرزق؛ فيعطُونَ مَنْ شاؤوا، ويمنعون مَنْ شاؤوا؟! أم هم المتسلِّطون على خَلْق الله وملكه بالقهر والغلبة؟!

[38] ﴿أَمۡ لَهُمۡ سُلَّمٞ يَسۡتَمِعُونَ فِيهِۖ فَلۡيَأۡتِ مُسۡتَمِعُهُم بِسُلۡطَٰنٖ مُّبِينٍ 38﴾:

ثم وبَّخهم سبحانه، فقال: أم لهم سُلَّمٌ يرقِّيهم إلى السماء؛ فيسمعوا كلامَ الملائكةِ ويطَّلعوا به على الغيب؟! فلْيَأْتِ مَنِ استمَعَ منهم إلى شيءٍ من ذلك بحُجَّةٍ واضحةٍ بيِّنةٍ تشهد له.

[39] ﴿أَمۡ لَهُ ٱلۡبَنَٰتُ وَلَكُمُ ٱلۡبَنُونَ 39﴾:

ثم وبَّخهم سبحانه، فقال: أم لله البنات؛ كما يزعمون افتراءً وكذبًا، ولهم البنون؟! وهذا تسفيهٌ منه سبحانه لأحلامهم، وتضليلٌ لعقولهم، فوبَّخهم سبحانه؛ لأنهم جعلوا القِسْمَ المحتقَرَ لديهم لله.

[40] ﴿أَمۡ تَسۡـَٔلُهُمۡ أَجۡرٗا فَهُم مِّن مَّغۡرَمٖ مُّثۡقَلُونَ 40﴾:

ثم وبَّخهم سبحانه، فقال: هل تسألهم -أيها النبي- أجرًا مقابِلَ تبليغك إياهم رسالةَ ربِّك؟! فهم مِنِ التزامِ هذا الأجر مُثقَلُونَ مُجْهَدونَ مُتْعَبون؟!

[41] ﴿أَمۡ عِندَهُمُ ٱلۡغَيۡبُ فَهُمۡ يَكۡتُبُونَ 41﴾:

وتوبيخٌ آخَرُ؛ حيث قال سبحانه: هل يدَّعي هؤلاء أنهم يعلمون الغيب؛ فهم يكتُبُونَ للناس ذلك ويُخْبِرونهم به؟! وأنَّى لهم ذلك؟!

[42] ﴿أَمۡ يُرِيدُونَ كَيۡدٗاۖ فَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ هُمُ ٱلۡمَكِيدُونَ 42﴾:

واستمَرَّ جل في علاه في توبيخهم، فقال: هل يريدون بتكذيبِكَ والافتراءِ عليك -أيها النبي- أن يقدحوا فيك؛ ليُفْسِدوا دعوتك؟! فكَيْدُهم ومكرهم راجعٌ إليهم، وضرَرُهُ عائدٌ عليهم، وهم المغلوبون المهزومون.

[43] ﴿أَمۡ لَهُمۡ إِلَٰهٌ غَيۡرُ ٱللَّهِۚ سُبۡحَٰنَ ٱللَّهِ عَمَّا يُشۡرِكُونَ 43﴾:

ثم وبَّخهم سبحانه أيضًا، فقال: هل لهم إلهٌ يستحِقُّ العبادةَ غيرُ الله؟! فتنزَّه وتقدَّس الله عما يشركون به مِن الأوثان والأصنام.

[44] ﴿وَإِن يَرَوۡاْ كِسۡفٗا مِّنَ ٱلسَّمَآءِ سَاقِطٗا يَقُولُواْ سَحَابٞ مَّرۡكُومٞ 44﴾:

ومِن شِدَّةِ فجورِ هؤلاءِ المشركين وطغيانهم أنهم: إذا رأَوْا قِطَعًا في السماء متَّجِهةً إلى الأرض عذابًا لهم، يقولون: هذا سحابٌ متراكِمٌ بعضُهُ فوق بعض، أي: أنهم مهما رأَوْا من الآياتِ الدالَّةِ على عظمة الله مثبِتةً لوجودِهِ، فإنهم يؤوِّلونها؛ لانغلاق عقولهم، وعمى بصائرهم.

[45] ﴿فَذَرۡهُمۡ حَتَّىٰ يُلَٰقُواْ يَوۡمَهُمُ ٱلَّذِي فِيهِ يُصۡعَقُونَ 45﴾:

ثم أمَرَ جل وعلا رسوله ﷺ أن يترُكَ هؤلاء المشركين، ويَدَعَهم وشأنهم، ولا يكترِثَ بهم؛ حيثُ دعاهم فأصرُّوا على الكفر، حتى يأتي اليومُ الذي فيه يهلكون، ثم يجازَوْنَ فيه بسيئات أعمالهم، وهو يوم القيامة، وهذا فيه تسليةٌ له ﷺ، وليس فيه منعُهُ من التذكير والدعوة، ولكنْ منعُهُ من الحزن عليهم.

[46] ﴿يَوۡمَ لَا يُغۡنِي عَنۡهُمۡ كَيۡدُهُمۡ شَيۡـٔٗا وَلَا هُمۡ يُنصَرُونَ 46﴾:

وفي ذلك اليومِ الذي فيه يُصْعَقونَ لا ينفعُهُمْ كيدهم الذي كادوا به رسول الله ﷺ في الدنيا، ولن يجدوا ناصرًا ينصُرُهم من عذاب الله في الآخرة.

[47] ﴿وَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُواْ عَذَابٗا دُونَ ذَٰلِكَ وَلَٰكِنَّ أَكۡثَرَهُمۡ لَا يَعۡلَمُونَ 47﴾:

ثم أخبَرَ سبحانه بأن لهؤلاء الذين ظلموا أنفُسَهم بالكفر والمعاصي عذابًا في الدنيا غيرَ عذابِ يوم القيامة، ولكنَّ أكثرهم لا يَعْلَمونَ ما أعدَّه الله لهم في الدنيا والآخرة.

[48] ﴿وَٱصۡبِرۡ لِحُكۡمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعۡيُنِنَاۖ وَسَبِّحۡ بِحَمۡدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ 48﴾:

ثم أمَرَ جل وعلا نبيه ﷺ أن يَصْبِرَ على أذى هؤلاءِ المشرِكِينَ، ولا يباليَ بهم، وأن يَمْضِيَ لأمرِ الله ونهيه، وأن يبلِّغَ ما أُرسِلَ به؛ فإنه بمَرْأًى منه سبحانه يراه ويرى أعماله، ويحوطه ويحفظه، وأمره أن يستعين على الصبر بتنزيه ربِّهِ عما لا يليق به؛ وذلك بأن يسبِّحه حين يقومُ مِنْ منامِهِ، أو مِنْ مجلسِهِ، أو حين يقومُ للصلاة.

[49] ﴿وَمِنَ ٱلَّيۡلِ فَسَبِّحۡهُ وَإِدۡبَٰرَ ٱلنُّجُومِ 49﴾:

ثم أمره جل وعلا أنْ ينزِّه ربَّه عما لا يليق به؛ في بعض الليل، وعند إدبار النجوم مِنْ آخِرِ الليل، وقبلَ صلاة الفجر.

سورة النجم

سورةُ النجمِ مكيَّة، وآياتها ثنتان وستون آية.

[1] ﴿وَٱلنَّجۡمِ إِذَا هَوَىٰ 1﴾:

بدأ جل وعلا السورةَ بالإقسامِ بنجومِ السماء إذا هوَتْ للغروب.

[2] ﴿مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمۡ وَمَا غَوَىٰ 2﴾:

ثم جاء جوابُ القسَمِ مخبِرًا أنَّ صاحبكم يا أهلَ قريش -وهو محمَّد ﷺ- ما حاد عن الطريق المستقيم، ولا اعتقَدَ باطلًا أبدًا.

[3] ﴿وَمَا يَنطِقُ عَنِ ٱلۡهَوَىٰٓ 3﴾:

وأخبر جل وعلا أن محمدًا ﷺ لا يتكلَّم عن هوًى نفسيٍّ، ورأيٍ شخصيٍّ فيما يبلِّغكم به من الرسالة.

[4] ﴿إِنۡ هُوَ إِلَّا وَحۡيٞ يُوحَىٰ 4﴾:

كما أخبر سبحانه أن النبي ﷺ لا يتكلَّم إلا بوحي يوحيه الله إليه.

[5] ﴿عَلَّمَهُۥ شَدِيدُ ٱلۡقُوَىٰ 5﴾:

ثم أخبَرَ جل وعلا أن الذي علَّم محمدًا ﷺ هذا القرآنَ هو جبريلُ عليه السلام الذي مِن صفاته: أنه شديدُ القوَّة.

[6] ﴿ذُو مِرَّةٖ فَٱسۡتَوَىٰ 6﴾:

ومن صفات جبريل عليه السلام: أنه ذو منظر حَسَن، وقد ظهَرَ واستوى للنبيِّ ﷺ على صورتِهِ الحقيقيَّةِ التي خلَقَهُ الله عليها.

[7] ﴿وَهُوَ بِٱلۡأُفُقِ ٱلۡأَعۡلَىٰ 7﴾:

وبين سبحانه أن جبريل عليه السلام ظهر في أُفُقِ السماء، وقد كان سادًّا للأفق مِن ضخامتِهِ، وكانت هذه هي الرؤيةَ الأُولى.

[8] ﴿ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّىٰ 8﴾:

وبين سبحانه أيضًا أن جبريل عليه السلام دنا مِن النبيِّ ﷺ إلى غارِ حِرَاءٍ.

[9] ﴿فَكَانَ قَابَ قَوۡسَيۡنِ أَوۡ أَدۡنَىٰ 9﴾:

كما بين سبحانه أن جبريل عليه السلام زاد في قُرْبِهِ حتى صار على مسافةِ قوسَيْنِ أو أقرَبَ من النبي ﷺ، ولكنْ بصورة بشريَّة؛ لأن الصورةَ التي سدَّت الأفق لا يُتصوَّرُ أن تدخُلَ الغار، ومعلوم أن الملائكةُ لهم القُدْرةُ في التحوُّلِ إلى أشكالِ البشَرِ، كما فعل الملائكة الذين كُلِّفُوا بإهلاك قوم لوط، لما زاروا نبيَّ اللهِ إبراهيمَ عليه السلام.

[10] ﴿فَأَوۡحَىٰٓ إِلَىٰ عَبۡدِهِۦ مَآ أَوۡحَىٰ 10﴾:

ثم إن جبريل بلَّغ النبيَّ ﷺ ما كلَّفه الله به من القرآنِ والهُدَى والنور، ولم يبيِّنْ ما أوحى به تعظيمًا له؛ لأن الإبهام يأتي مرادًا به التفخيمُ والتعظيم.

[11] ﴿مَا كَذَبَ ٱلۡفُؤَادُ مَا رَأَىٰٓ 11﴾:

ولما رأى النبيُّ ﷺ جبريلَ على صورتِهِ الحقيقيَّةِ، وتيقَّن منه، صدَّقه قلبه؛ لأن ما رآه ﷺ بعينِهِ، فقد رآه بقلبه.

[12] ﴿أَفَتُمَٰرُونَهُۥ عَلَىٰ مَا يَرَىٰ 12﴾:

ثم وجَّه سبحانه الخطابَ للمشركين، فقال على سبيلِ التوبيخ: أفتجادلونه وتخاصمونه فيما أراه الله بعينيه؟!

[13] ﴿وَلَقَدۡ رَءَاهُ نَزۡلَةً أُخۡرَىٰ 13﴾:

ثم أخبَرَ جل وعلا: أنَّ النبيَّ ﷺ رأى جبريلَ مرَّةً ثانيةً على صورته الحقيقية عندما أُسرِيَ به.

[14] ﴿عِندَ سِدۡرَةِ ٱلۡمُنتَهَىٰ 14﴾:

ثم بين سبحانه أنه رآه عند سِدْرةِ المنتهى، وهي شجرةٌ عظيمةٌ جدًّا فوق السماء السابعة. أما بعد ذلك، فكان يراه بصورةِ إنسانٍ؛ ليحصُلَ الأُنْسُ، وتَخِفُّ الهَيْبةُ والرَّوْعة.

[15] ﴿عِندَهَا جَنَّةُ ٱلۡمَأۡوَىٰٓ 15﴾:

وبين سبحانه أن عند تلك الشجرة: جنة المأوى الجامعةُ لكلِّ نعيم.

[16] ﴿إِذۡ يَغۡشَى ٱلسِّدۡرَةَ مَا يَغۡشَىٰ 16﴾:

وبين سبحانه أيضًا أن هذه الشجرةَ العظيمةَ يغشاها من أمرِ الله شيءٌ عظيمٌ لا يعلم وصفَهُ إلا الله عز وجل.

[17] ﴿مَا زَاغَ ٱلۡبَصَرُ وَمَا طَغَىٰ 17﴾:

ثم بيَّن جل وعلا ما كان عليه ﷺ مِن الثباتِ والأدَبِ، فأخبَرَ أنه كرَّس النظر بحسَبِ ما أُمِرَ به، ولم يتعدَّ المنظور، والمقصودُ: إثباتُ أنها رؤيةٌ بصريةٌ حقيقية.

[18] ﴿لَقَدۡ رَأَىٰ مِنۡ ءَايَٰتِ رَبِّهِ ٱلۡكُبۡرَىٰٓ 18﴾:

ثم بيَّن سبحانه أن النبي ﷺ رأى ليلةَ الإسراءِ مِن الآياتِ العظيمةِ التي تدُلُّ على قدرة الله وعظمته؛ حيث رأى السموات، وقابل الأنبياء، ورأى الجنة والنار، واطَّلَعَ على أشياء كثيرة من آيات الله العظمى.

[19] ﴿أَفَرَءَيۡتُمُ ٱللَّٰتَ وَٱلۡعُزَّىٰ 19﴾:

ثم لَامَ جل وعلا الكفَّارَ على عبادتهم لهذه الأصنام التي لا تضُرُّ ولا تنفع، والتي جعلوها شركاءَ لله، مع ما علموا من عظمته جل في علاه، وذكر سبحانه من هذه الأصنام: اللاتُ: وهو مأخوذٌ من اسمِ (الله)، وكانت بالطائف، والعُزَّى: قال مجاهدٌ: شجرةٌ كانت بغَطَفانَ كانوا يعبُدُونها، ثم أرسَلَ إليها رسولُ الله ﷺ خالدَ بنَ الوليد، فاجتثَّها.

[20] ﴿وَمَنَوٰةَ ٱلثَّالِثَةَ ٱلۡأُخۡرَىٰٓ 20﴾:

ثم ذكر سبحانه من الأصنام التي كان الكفار يعبدونها ولامهم عليها: مَنَاةُ: وهو صنَمٌ لخُزَاعةَ كان يعبُدُهُ أهل مكة.

[21] ﴿أَلَكُمُ ٱلذَّكَرُ وَلَهُ ٱلۡأُنثَىٰ 21﴾:

ثم وبَّخ جل وعلا هؤلاء المشركين الذين يُؤْثِرونَ النوعَ المحبوبَ وهو الذَّكَرُ من نصيبهم، ويجعلون له سبحانه النوعَ المذمومَ وهو بزَعْمهم الأنثى، والبناتُ عندهم محتقَرَات.

[22] ﴿تِلۡكَ إِذٗا قِسۡمَةٞ ضِيزَىٰٓ 22﴾:

ثم أخبر سبحانه أن هذه القسمةٌ شاذَّة غريبةٌ جائرة.

[23] ﴿إِنۡ هِيَ إِلَّآ أَسۡمَآءٞ سَمَّيۡتُمُوهَآ أَنتُمۡ وَءَابَآؤُكُم مَّآ أَنزَلَ ٱللَّهُ بِهَا مِن سُلۡطَٰنٍۚ إِن يَتَّبِعُونَ إِلَّا ٱلظَّنَّ وَمَا تَهۡوَى ٱلۡأَنفُسُۖ وَلَقَدۡ جَآءَهُم مِّن رَّبِّهِمُ ٱلۡهُدَىٰٓ 23﴾:

ثم عاد جل وعلا إلى بيانِ حقيقةِ هذه الأصنامِ المعبودة؛ فأخبَرَ أنها ليس لها مِن أوصافِ الكمالِ شيءٌ، إنما هي أسماء سمَّيتموها -أيها المشركون- آلهةً أنتم وآباؤكم، وليس عندكم حُجَّةٌ أو برهانٌ من الله تؤيِّدون به ما تقولون، بل إنكم ما تتبَّعون إلا الظنَّ وما تهواه أنفسكم الضالَّة، مع أنه جاءكم مَنْ ينبِّهكم إلى سوء رأيكم على لسان النبي ﷺ.

[24] ﴿أَمۡ لِلۡإِنسَٰنِ مَا تَمَنَّىٰ 24﴾:

وهل يظُنُّ الإنسانُ الكافرُ أن يحصُلَ على ما يتمنَّاه ويريده؛ بمجرَّد التمني؟! ومن ذلك: تمنِّي المشركين أن تشفع لهم هذه الآلهةُ الباطلة.

[25] ﴿فَلِلَّهِ ٱلۡأٓخِرَةُ وَٱلۡأُولَىٰ 25﴾:

فبين سبحانه أن هذا لن يكون؛ لأنَّ الأمر كله بيده وحده؛ فله سبحانه أمرُ الآخرةِ والأولى، يَهَبُ منها ما يشاء لمن يشاء برحمته وفضله، ويَمْنَعُ منها ما يشاء عمَّن يشاء بحكمته وعَدْله.

[26] ﴿وَكَم مِّن مَّلَكٖ فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ لَا تُغۡنِي شَفَٰعَتُهُمۡ شَيۡـًٔا إِلَّا مِنۢ بَعۡدِ أَن يَأۡذَنَ ٱللَّهُ لِمَن يَشَآءُ وَيَرۡضَىٰٓ 26﴾:

ثم أخبَرَ جل وعلا أنَّ كثيرًا من الملائكة الذين يعبُدُونَ الله ليلًا ونهارًا؛ ومع علوِّ منزلتهم، لا تنفعُ شفاعتهم شيئًا؛ إلا إذا رَضِيَ الله عن المشفوعِ له، وأَذِنَ للشافعِ أن يشفع، فإذا كان هذا حالَ الملائكةِ عند الله، فما بالُكُمْ بأصنامٍ أرضيَّةٍ ميِّتةٍ لا رُوحَ ولا حياة فيها؟! فهي بعيدةٌ كلَّ البعد عن الشفاعة، وكذلك الأولياء، ومَنْ هو أكبَرُ منهم، وهذه الآية أثبتَتِ الشفاعةَ بشرطَيْها.

[27] ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ لَا يُؤۡمِنُونَ بِٱلۡأٓخِرَةِ لَيُسَمُّونَ ٱلۡمَلَٰٓئِكَةَ تَسۡمِيَةَ ٱلۡأُنثَىٰ 27﴾:

ذكَرَ جل وعلا أن الكافرين الذين لا يصدِّقون بالآخرة يسمُّون الملائكةَ تسميةَ الأنثى، فيقولون: الملائكةُ بناتُ اللّه، ويسمُّون كلَّ واحد منهم ويصفونه بصفة الأنوثة.

[28] ﴿وَمَا لَهُم بِهِۦ مِنۡ عِلۡمٍۖ إِن يَتَّبِعُونَ إِلَّا ٱلظَّنَّۖ وَإِنَّ ٱلظَّنَّ لَا يُغۡنِي مِنَ ٱلۡحَقِّ شَيۡـٔٗا 28﴾:

ثم بيَّن سبحانه أن هؤلاء الذين لا يؤمنون بالآخرة لا عِلْمَ لهم بما يقولون؛ فهم لم يشهدوا خَلْقَ الملائكة، ولا جاءهم مِن الله حجةٌ أو برهانٌ، وما يزعمون ذلك إلا بناءً على ظنِّهم، والظَّنُّ لا تقومُ به حُجَّةٌ، ولا يثبُتُ به حقّ.

[29] ﴿فَأَعۡرِضۡ عَن مَّن تَوَلَّىٰ عَن ذِكۡرِنَا وَلَمۡ يُرِدۡ إِلَّا ٱلۡحَيَوٰةَ ٱلدُّنۡيَا 29﴾:

ثم أمَرَ جل وعلا نبيه ﷺ بالإعراض عن هؤلاء المستكبِرِينَ عن الإيمان واتِّباعِ القرآن، ولم يُرِدْ مِن تمسُّكِهِ بما هو عليه من الاستكبار إلا تحقيقَ شهواتِهِ ورغائبِهِ في الحياة الدنيا.

[30] ﴿ذَٰلِكَ مَبۡلَغُهُم مِّنَ ٱلۡعِلۡمِۚ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعۡلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِۦ وَهُوَ أَعۡلَمُ بِمَنِ ٱهۡتَدَىٰ 30﴾:

ثم بين سبحانه أن هذا غاية أمر هؤلاء المستكبرين، ومنتهى أَمَلِهم، واعلم -أيها النبي- أن ربك هو أعلم بمن ضَلَّ عن سبيله، واتَّبع هواه، وآثَرَ دنياه على أُخْراه، وهو أعلَمُ بمَنِ اهتدى إلى سبيل الحق والرشاد.

[31] ﴿وَلِلَّهِ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلۡأَرۡضِ لِيَجۡزِيَ ٱلَّذِينَ أَسَٰٓـُٔواْ بِمَا عَمِلُواْ وَيَجۡزِيَ ٱلَّذِينَ أَحۡسَنُواْ بِٱلۡحُسۡنَى 31﴾:

ثم بيَّن جل وعلا ما يدُلُّ على شمول مُلْكه لكلِّ شيء، فقال: ولله سبحانه وتعالى وحده مُلْكُ ما في السمواتِ وما في الأرض؛ ليجزي يوم القيامة الذين أساؤوا في أعمالهم بما يستحقُّون من العذاب، ويَجْزِيَ الذي أحسنوا بالجنة.

[32] ﴿ٱلَّذِينَ يَجۡتَنِبُونَ كَبَٰٓئِرَ ٱلۡإِثۡمِ وَٱلۡفَوَٰحِشَ إِلَّا ٱللَّمَمَۚ إِنَّ رَبَّكَ وَٰسِعُ ٱلۡمَغۡفِرَةِۚ هُوَ أَعۡلَمُ بِكُمۡ إِذۡ أَنشَأَكُم مِّنَ ٱلۡأَرۡضِ وَإِذۡ أَنتُمۡ أَجِنَّةٞ فِي بُطُونِ أُمَّهَٰتِكُمۡۖ فَلَا تُزَكُّوٓاْ أَنفُسَكُمۡۖ هُوَ أَعۡلَمُ بِمَنِ ٱتَّقَىٰٓ 32﴾:

ثم بيَّن جل وعلا أنَّ مِن صفات هؤلاء الذين أحسنوا: أنهم يجتنبون ويبتعدون عن كبائرِ الذنوبِ والمعاصي، ويبتعدون عن الفواحش؛ كالزنى، وغيره، ثم استثنى سبحانه الذين يقعون في شيءٍ مِن اللَّمَمِ، وهي الذنوبُ الصغار التي لا يُصِرُّ عليها صاحبها، أو التي يُلِمُّ بها المرَّةَ بعد المرَّة، على وجه النَّدْرةِ والقِلَّة، فهذه لا تُخْرِجُ العبدَ مِن كونِهِ من المحسنين، فمَنْ فعلها مع الإتيانِ بالواجبات، وتركِ الكبائرِ والفواحشِ المحرَّمات، فإنها تدخُلُ تحت مغفرةِ الله التي وَسِعَتْ كلَّ شيء، وهو سبحانه أعلَمُ بكم وبأحوالكم حين خلَقَ أباكم آدم مِنْ تراب، وأعلَمُ بكم وبحالكم وأنتم في بُطُونِ أمهاتكم لم تولدوا بعدُ، وإذا كان سبحانه بصيرًا بأحوالكم وأقوالكم، وأفعالكم فلا تزكُّوا أنفسكم، ولا تُخْبِروا الناس بطَهَارتها وزَكَاتها على وجه التمدُّح؛ فإنه سبحانه أعلَمُ بمَنِ اتقى عقابه، فاجتنَبَ معاصيه. وفي هذا تحذيرٌ مِن التفاخُرِ بالأعمال والأحساب والأنساب.

[33] ﴿أَفَرَءَيۡتَ ٱلَّذِي تَوَلَّىٰ 33﴾:

هل رأيتَ -أيها النبي- أعجَبَ من ذلك الذي أعرَضَ عن الإسلام. والمقصودُ به: هو الوليد بن المُغِيرة؛ حيث فكَّر في الإسلام، وأدرَكَ أنه حقٌّ، ثم ثَنَاهُ الكَفَرةُ لما قالوا له: (أتترُكُ ما كان عليه أسلافك العظام؟!).

[34] ﴿وَأَعۡطَىٰ قَلِيلٗا وَأَكۡدَىٰٓ 34﴾:

ثم بين سبحانه أن من صفات هذا الذي أعرض عن الإسلام -وهو الوليد بن المغيرة-: أنه أعطى صاحبه قليلًا مِنْ ماله، ثم توقَّف عن العطاء، وقطَعَ معروفه الذي كان يبذله للفقراء؟! فهو كالذي يمشي، فقابَلَتْهُ كُدْيةٌ -أي: صخرةٌ-فتوقَّف عن المشي.

[35] ﴿أَعِندَهُۥ عِلۡمُ ٱلۡغَيۡبِ فَهُوَ يَرَىٰٓ 35﴾:

ثم قال جل وعلا: وهل اطَّلَعَ هذا الإنسانُ المُمْسِكُ عن الإنفاق على علمِ الغيبِ، فعلم أن ما في يده سيَنْفَدُ من النفقة، وعَلِمَ أن غيره سيتحمَّل عنه العذاب؟!

[36] ﴿أَمۡ لَمۡ يُنَبَّأۡ بِمَا فِي صُحُفِ مُوسَىٰ 36﴾:

ثم قال سبحانه وتعالى: ألم يُخبَرْ هذا المدَّعي بما جاء في التوراة التي أنزلها الله على موسى عليه السلام.

[37] ﴿وَإِبۡرَٰهِيمَ ٱلَّذِي وَفَّىٰٓ 37﴾:

وقال سبحانه: وكذلك ألم ينبأ بما جاء في صُحُفِ إبراهيم عليه السلام الذي وفَّى ما أمَرَهُ الله به، وأتمَّه؟!

[38] ﴿أَلَّا تَزِرُ وَازِرَةٞ وِزۡرَ أُخۡرَىٰ 38﴾:

ثم بيَّن جل وعلا أن مما تضمَّنته تلك الصحف: ألَّا تَحْمِلَ نفسٌ ذنوبَ نفسٍ أُخرى.

[39] ﴿وَأَن لَّيۡسَ لِلۡإِنسَٰنِ إِلَّا مَا سَعَىٰ 39﴾:

ومما تضمنته تلك الصحف: أن كل إنسان ليس له إلا أجرُ سعيِهِ وعمله؛ فأولادُهُ والأعمالُ الصالحةُ كالوَقْفِ وغيره كلُّ ذلك مِنْ سعيه.

[40] ﴿وَأَنَّ سَعۡيَهُۥ سَوۡفَ يُرَىٰ 40﴾:

ثم بيَّن جل وعلا أن كل إنسان سوف يَرَى ويُبصِرُ سعيَهُ بنفسه يوم القيامة.

[41] ﴿ثُمَّ يُجۡزَىٰهُ ٱلۡجَزَآءَ ٱلۡأَوۡفَىٰ 41﴾:

كما بين سبحانه أن كل إنسان سوف يحاسَبُ ويجازى على أعماله التي عملها في الدنيا أوفى الجزاءِ وأتمَّه؛ إنْ خيرًا فخيرٌ، وإنْ شرًّا فشرّ.

[42] ﴿وَأَنَّ إِلَىٰ رَبِّكَ ٱلۡمُنتَهَىٰ 42﴾:

ثم أخبَرَ جل وعلا أن إليه وحده منتهى الأمورِ يوم القيامة، وإليه تصيرُ الأشياءُ والخلائقُ بالبعث والنشور.

[43] ﴿وَأَنَّهُۥ هُوَ أَضۡحَكَ وَأَبۡكَىٰ 43﴾:

وأخبر سبحانه أنه يُضحِكُ مَنْ يشاء ويُفْرِحُه، ويُبْكي مَنْ يشاءُ ويُحزِنُه، ويجعله قادرًا على ذلك؛ كلُّ ذلك برحمتِهِ وفضله، وبحكمتِهِ وعدله.

[44] ﴿وَأَنَّهُۥ هُوَ أَمَاتَ وَأَحۡيَا 44﴾:

كما أخبر سبحانه أنه هو وحده الذي يُمِيتُ الأحياءَ في الدنيا، وهو وحده الذي يحيي الموتى، ويَبْعَثُهم مِن قبورهم يومَ القيامة.

[45] ﴿وَأَنَّهُۥ خَلَقَ ٱلزَّوۡجَيۡنِ ٱلذَّكَرَ وَٱلۡأُنثَىٰ 45﴾:

ثم بيَّن جل وعلا أنه هو الذي خلَقَ الذكر والأنثى، وأوجدهما بعد العَدَم.

[46] ﴿مِن نُّطۡفَةٍ إِذَا تُمۡنَىٰ 46﴾:

وبيَّن سبحانه أنه خلَقَ هذَيْنِ الصنفَيْنِ -من الإنسانِ والحيوانِ- مِن نُطْفةِ المنيِّ التي تُصَبُّ في رحم الأنثى وتتدفَّق فيه.

[47] ﴿وَأَنَّ عَلَيۡهِ ٱلنَّشۡأَةَ ٱلۡأُخۡرَىٰ 47﴾:

وبيَّن سبحانه أنه هو الذي يُعِيدُ خَلْقَ هذه الخلائق مرةً أخرى يوم البعث والنشور؛ ليجازِيَ كلًّا بما عَمِلَ.

[48] ﴿وَأَنَّهُۥ هُوَ أَغۡنَىٰ وَأَقۡنَىٰ 48﴾:

وبيَّن سبحانه بأنه يُغنِي مَنْ يشاء من عباده، ويُفقِرُ مَنْ يشاء منهم.

[49] ﴿وَأَنَّهُۥ هُوَ رَبُّ ٱلشِّعۡرَىٰ 49﴾:

وبيَّن سبحانه أنه هو ربُّ النجمِ المعروفِ بالشِّعْرَى، وهو نجمٌ كان يُعبَدُ في الجاهلية من دون الله.

[50] ﴿وَأَنَّهُۥٓ أَهۡلَكَ عَادًا ٱلۡأُولَىٰ 50﴾:

ثم أخبَرَ جل وعلا أنه أهلَكَ الأممَ التي كذَّبت أنبياءها؛ فأهلَكَ عادًا قومَ هُود.

[51] ﴿وَثَمُودَاْ فَمَآ أَبۡقَىٰ 51﴾:

وأخبر سبحانه أيضًا أنه أهلَكَ ثمودَ قومَ صالح، أهلَكَهم الله وأبادهم، فلم يُبْقِ منهم أحدًا.

[52] ﴿وَقَوۡمَ نُوحٖ مِّن قَبۡلُۖ إِنَّهُمۡ كَانُواْ هُمۡ أَظۡلَمَ وَأَطۡغَىٰ 52﴾:

وأخبر سبحانه أنه أهلك قبل عادٍ وثمودَ: قومَ نوح؛ فأغرقهم بالطُّوفان، وقد كانوا أكثَرَ مجاوزةً للحدِّ من غيرهم، وأكثَرَ إسرافًا في الشركِ والتكذيب.

[53] ﴿وَٱلۡمُؤۡتَفِكَةَ أَهۡوَىٰ 53﴾:

وأخبر سبحانه أنه أهلَكَ المؤتفِكةَ، وهي مدائنُ قَوْمِ لُوطٍ؛ فأمَرَ الله جبريلَ فرفَعَها ثم نكَّسها وأهوى بها إلى الأرض، فجعَلَ عاليَهَا سافلَهَا.

[54] ﴿فَغَشَّىٰهَا مَا غَشَّىٰ 54﴾:

ثم أخبر سبحانه أنه ألبَسَها من العذاب ما ألبَسَها من الحجارة التي وقَعَتْ عليهم، وعُذِّبوا بألوان العذاب الأليم الذي لا يُمكِنُ وصفه، ولم يَنْجُ من هذه الأمم إلا رُسُلُهم ومَنْ آمن معهم.

[55] ﴿فَبِأَيِّ ءَالَآءِ رَبِّكَ تَتَمَارَىٰ 55﴾:

ثم ذكَّر سبحانه الإنسان بنعمه التي أنعَمَ بها عليه، وبيَّن له أن نِعَمَ الله وآلاءَهُ عليه عظيمةٌ وشاملةٌ له ولغيره؛ فبأي شيء -أيها الإنسان- منها تشُكُّ وتُنكِر؟!

[56] ﴿هَٰذَا نَذِيرٞ مِّنَ ٱلنُّذُرِ ٱلۡأُولَىٰٓ 56﴾:

واعلم -أيها الإنسان- أن محمدًا ﷺ رسولٌ أرسله الله كباقي الأنبياء الذين أرسلهم الله إلى البَشَر، وأن مهمَّته ﷺ ورسالته مثلُ رسائلهم لهداية البَشَر، وإنذار من خالف أمر الله وأمر رسوله ﷺ.

[57] ﴿أَزِفَتِ ٱلۡأٓزِفَةُ 57﴾:

ثم أخبَرَ جل وعلا أن الآزِفَة -أي: الساعةَ- قد اقترَبَ وقوعها.

[58] ﴿لَيۡسَ لَهَا مِن دُونِ ٱللَّهِ كَاشِفَةٌ 58﴾:

وبين سبحانه أنه لا يدفعها من دون الله أحدٌ؛ كما أنه لا يَعْلَمُ وَقْتَ وقوعها أحدٌ من البشر.

[59] ﴿أَفَمِنۡ هَٰذَا ٱلۡحَدِيثِ تَعۡجَبُونَ 59﴾:

ثم أنكَرَ جل وعلا على المشركين تعجُّبَهُمْ مِن القرآن واستهزاءَهُمْ به، وإعراضهم عنه.

[60] ﴿وَتَضۡحَكُونَ وَلَا تَبۡكُونَ 60﴾:

وأنكر عليهم أيضًا: أنهم يَضْحَكُونَ سخريةً واستهزاءً به عند سماعه، وكان الواجبُ عليهم أن يبكوا مِن زواجرِهِ خوفًا من الوعيد الذي ينتظِرُهم.

[61] ﴿وَأَنتُمۡ سَٰمِدُونَ 61﴾:

ثم بيَّن سبحانه أنهم بسبب عدم اكتراثهم بهذا القرآنِ؛ فإنهم لاهون ساهون في أغانيهم ولهوهم.

[62] ﴿فَٱسۡجُدُواْۤ لِلَّهِۤ وَٱعۡبُدُواْ 62﴾:

ثم أمَرَ جل في علاه هؤلاء المشركين أن يترُكُوا ما هم عليه من كفرٍ وضلالٍ، وأن يسجُدُوا لله إجلالًا له، ويعبدوه بإخلاص التوحيد له، وإفراده بالعبادة.

سورة القَمَر

سورةُ القمر مكيَّةٌ، وآياتها خمس وخمسون آية.

[1] ﴿ٱقۡتَرَبَتِ ٱلسَّاعَةُ وَٱنشَقَّ ٱلۡقَمَرُ 1﴾:

أخبَرَ جل وعلا أن الساعة التي هي جزءٌ من أجزاء الزمن، وهي آخِرُ ساعةٍ من ساعات أيام الدنيا، وهي عند طلوعِ الشمسِ من مغربها، قد اقتَربَتْ، وأخبَرَ سبحانه أن القمر انشق نصفَيْنِ معجزةً للنبيِّ ﷺ، وقد رأى هذا الانشقاقَ كثيرٌ من الناس.

[2] ﴿وَإِن يَرَوۡاْ ءَايَةٗ يُعۡرِضُواْ وَيَقُولُواْ سِحۡرٞ مُّسۡتَمِرّٞ 2﴾:

واعلم -أيها النبي- أن هؤلاء المشركين مهما رأَوْا من الأدلَّةِ أو المعجزاتِ التي تدُلُّ على صِدْقك، فإنهم سيُعرِضونَ، ولن يؤمنوا بالله وبرسوله، بل سيقولون لك على سبيل التكذيب: إنَّ هذا الذي أَتَيْتَ به ما هو إلا سحر.

[3] ﴿وَكَذَّبُواْ وَٱتَّبَعُوٓاْ أَهۡوَآءَهُمۡۚ وَكُلُّ أَمۡرٖ مُّسۡتَقِرّٞ 3﴾:

ثم أخبَرَ سبحانه أن هؤلاء الجاحدين كذَّبوا النبي ﷺ، واتَّبعوا ما دعتهم إليه أهواؤهم مِن التكذيب، ثم بيَّن سبحانه أن كلَّ أمر لا بدَّ له من نهاية، وهكذا أَمْرُ هؤلاء الكفار سينتهي إلى الخُسْران، وأما أمر المؤمنين، فسينتهي إلى الفلاحِ ورضا الله عنهم.

[4] ﴿وَلَقَدۡ جَآءَهُم مِّنَ ٱلۡأَنۢبَآءِ مَا فِيهِ مُزۡدَجَرٌ 4﴾:

واعلم -أيها النبي- أن كفار قريش قد جاءهم مِن أخبار الأمم السابقة، ومِن المعجِزات الظاهرة، والبراهينِ الواضحة: ما فيه زاجرٌ لهم يزجُرُهم عن طغيانهم، واستمرارِهِمْ على الكفرِ والشِّرْك، ويكفي شاهدًا على ذلك ما حَلَّ بديارهم مِن دَمَار.

[5] ﴿حِكۡمَةُۢ بَٰلِغَةٞۖ فَمَا تُغۡنِ ٱلنُّذُرُ 5﴾:

ثم بيَّن جل وعلا أن هذا القرآنَ حِكْمةٌ بالغةٌ تامَّةٌ مِن الله عليهم؛ لتقوم الحجَّةُ على هؤلاء المعاندين، ولا يبقى لهم عُذْرٌ، ولن تُغْنِيَ النُّذُرُ ولن تفيدَ المعاندين شيئًا؛ لأن عنادهم يَصْرِفهم عن قبول الحق.

[6] ﴿فَتَوَلَّ عَنۡهُمۡۘ يَوۡمَ يَدۡعُ ٱلدَّاعِ إِلَىٰ شَيۡءٖ نُّكُرٍ 6﴾:

إذا كان الأمرُ كذلك، فأعرِضْ -أيها النبي- عنهم واترُكْهم؛ حيث إنك بلَّغْتَهم الرسالةَ، وبيَّنتَ لهم الحقَّ، فأصروا على الكفر، وهؤلاء الكفار سوف يأتيهم يومٌ عظيمُ الأهوال، يَوْمَ يُنفَخُ في الصور، فيُدْعَوْنَ للجزاء والحساب، فيُبْصِرونَ أمرًا فظيعًا ينكرونَهُ استعظامًا له؛ لشدَّةِ الهَوْلِ وفظاعته.

[7] ﴿خُشَّعًا أَبۡصَٰرُهُمۡ يَخۡرُجُونَ مِنَ ٱلۡأَجۡدَاثِ كَأَنَّهُمۡ جَرَادٞ مُّنتَشِرٞ 7﴾:

بيَّن سبحانه أن هؤلاء الكفار الذين يُدْعَوْنَ للجزاء والحساب، سوف تكون أبصارُهُمْ كَلِيلةً ذَلِيلةً من الفزع والذل والهوان، يخرُجُونَ من قبورهم إلى أرضِ المَحْشَرِ مُسْرِعين؛ كأنهم جَرَادٌ مبثوثٌ في الأرض متكاثِرٌ جدًّا؛ لتفرُّقهم وانتشارهم، واختلاطِ بعضِهم ببعض.

[8] ﴿مُّهۡطِعِينَ إِلَى ٱلدَّاعِۖ يَقُولُ ٱلۡكَٰفِرُونَ هَٰذَا يَوۡمٌ عَسِرٞ 8﴾:

وبيَّن سبحانه أنهم يخرُجُونَ مسرِعينَ؛ استجابةً إلى الداعي الذي دعاهم لأرضِ المحشر، لا يخالفون ولا يتأخَّرون، وفي هذه الأثناء يقولُ الكافرون: هذا يومٌ صعبٌ شديدٌ غيرُ يسير.

[9] ﴿كَذَّبَتۡ قَبۡلَهُمۡ قَوۡمُ نُوحٖ فَكَذَّبُواْ عَبۡدَنَا وَقَالُواْ مَجۡنُونٞ وَٱزۡدُجِرَ 9﴾:

ذكَرَ جل وعلا أخبارَ الأُمَمِ المكذِّبةِ وما حل بهم من العَذَابِ والنَّكَالِ؛ تسليةً لرسولِهِ ﷺ، وتحذيرًا لكفار مكة، فقال سبحانه: لقد كذَّبَتْ -أيها النبي- قبل قومك أقوامٌ كثيرة، ومِن هذه الأقوامِ: قومُ نُوحٍ عليه السلام؛ حيث كذَّبوا عبدنا نوحًا، وقالوا: إنه مجنون، وانتهروه مهدِّدين له ومتوعِّدين بالإيذاء والتخويف؛ إن لم يَنْتَهِ عن دعوته.

[10] ﴿فَدَعَا رَبَّهُۥٓ أَنِّي مَغۡلُوبٞ فَٱنتَصِرۡ 10﴾:

ولما اشتدَّ الإيذاء على نُوحٍ، دعا ربَّه قائلًا: ربِّ إني ضعيفٌ عن مقاوَمةِ كَيْدِ هؤلاءِ الكفَّار المكذِّبين، فانصُرْني -يا رب- عليهم، وانتقِمْ لي منهم.

قال ذلك عندما يئس من إيمانهم؛ حيث قال تعالى له: ﴿أَنَّهُۥ لَن يُؤۡمِنَ مِن قَوۡمِكَ إِلَّا مَن قَدۡ ءَامَنَ﴾ [هود:٣٦].

[11] ﴿فَفَتَحۡنَآ أَبۡوَٰبَ ٱلسَّمَآءِ بِمَآءٖ مُّنۡهَمِرٖ 11﴾:

فأخبَرَ جل وعلا أنه استجاب لنُوحٍ؛ ففتَحَ أبوابَ السماء -أي: السحاب- فصَبَّتِ الماءَ صبًّا شديدًا.

[12] ﴿وَفَجَّرۡنَا ٱلۡأَرۡضَ عُيُونٗا فَٱلۡتَقَى ٱلۡمَآءُ عَلَىٰٓ أَمۡرٖ قَدۡ قُدِرَ 12﴾:

وأخبر سبحانه أنه فجَّر الأرضَ؛ فكانت كلُّها ينابيعَ تُخرِجُ ماءً كثيرًا غزيرًا، فالتقى ماءُ السماء مع ماءِ الأرض على أمرٍ قضاه الله وقدَّره، وهو هلاكُ هؤلاءِ الكافرين المعاندين.

[13] ﴿وَحَمَلۡنَٰهُ عَلَىٰ ذَاتِ أَلۡوَٰحٖ وَدُسُرٖ 13﴾:

ثم بيَّن جل وعلا أنه نجَّى نوحًا والذين آمنوا معه؛ بأنْ حمَلَهم على سفينةٍ ذاتِ خَشَبٍ عريضٍ مثبَّتٍ بالمسامير.

[14] ﴿تَجۡرِي بِأَعۡيُنِنَا جَزَآءٗ لِّمَن كَانَ كُفِرَ 14﴾:

وبين سبحانه أن هذه السفينةُ تجري برعايةِ وحفظِ الله، كما بيَّن سبحانه أنه أغرق الكافرين المكذِّبين جزاءً لهم على كُفْرِهم وتكذيبهم.

[15] ﴿وَلَقَد تَّرَكۡنَٰهَآ ءَايَةٗ فَهَلۡ مِن مُّدَّكِرٖ 15﴾:

ثم أخبَرَ جل وعلا أنه أبقى قِصَّةَ نُوحٍ مع قومه عِبْرةً ودليلًا لمن يأتي مِن بَعْدِهم؛ فهل مِن متَّعِظٍ ومعتبِر؟!

[16] ﴿فَكَيۡفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ 16﴾:

ثم وجَّه جلا وعلا قلوب السامعين إلى ما يُلْقى إليهم قبل ذكره، فسألهم: كيف رأيتُم عذابي ونُذُري لمن حَلَّ بهم العذاب، ونزَلَ بهم؟! ألم يكن عذابًا أليمًا فظيعًا لا يحيطُ به الوصف؟!

[17] ﴿وَلَقَدۡ يَسَّرۡنَا ٱلۡقُرۡءَانَ لِلذِّكۡرِ فَهَلۡ مِن مُّدَّكِرٖ 17﴾:

ثم بيَّن جل وعلا أنَّ مِن مظاهرِ فضلِهِ ورحمته: أنه جعَلَ القرآن سهلًا ميسَّرًا؛ حيث أنزله بأفصحِ لُغَة، وأقوم لسان، فكان فصيحًا واضحًا بيِّنًا؛ ولذا تَجِدُ أنَّ مَنْ رغبوا في الإسلامِ مِن الأعاجمِ يفهمونه بكلِّ يُسْرٍ وسهولة؛ فهل مِن متَّعِظٍ بمواعِظِه، معتبِرٍ بقصصِهِ وزواجِرِه؟!

[18] ﴿كَذَّبَتۡ عَادٞ فَكَيۡفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ 18﴾:

أخبَرَ جل وعلا أن عادًا كذَّبت نبيَّها هُودًا عليه السلام، ولم يؤمنوا به، ولم يتَّعظوا بإنذاره لهم؛ فهل علمتم ما حَلَّ بهم من العذاب والهلاك؟! إنه كان عذابًا أليمًا لا يحيطُ به الوصف.

[19] ﴿إِنَّآ أَرۡسَلۡنَا عَلَيۡهِمۡ رِيحٗا صَرۡصَرٗا فِي يَوۡمِ نَحۡسٖ مُّسۡتَمِرّٖ 19﴾:

ثم بيَّن سبحانه أنه أهلكهم بأن أرسَلَ عليهم ريحًا باردةً شديدةً جِدًّا، في يومٍ شديدِ العذابِ والشقاءِ عليهم، دائم الشُّؤْمِ والنَّحْس.

[20] ﴿تَنزِعُ ٱلنَّاسَ كَأَنَّهُمۡ أَعۡجَازُ نَخۡلٖ مُّنقَعِرٖ 20﴾:

وبيَّن سبحانه أن هذه الريح تَنْزِعُ الناسَ مِن شدَّتها، وتقتلعهم، فترفعهم ثم تدُكُّهم على أعناقهم؛ فيَهْلِكون؛ فأصبحت جُثَثُهم بعد الهلاك كأنها جذوعُ نَخْلٍ أصابتها الريحُ الشديدة فاقتلعتها.

[21-22] ﴿فَكَيۡفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ 21 وَلَقَدۡ يَسَّرۡنَا ٱلۡقُرۡءَانَ لِلذِّكۡرِ فَهَلۡ مِن مُّدَّكِرٖ 22﴾:

سبق تفسيرهما في الآيتَيْن: (16-17) من هذه السورة.

[23] ﴿كَذَّبَتۡ ثَمُودُ بِٱلنُّذُرِ 23﴾:

ثم أخبَرَ جل وعلا أن ثمودَ كذَّبت نبيها صالحًا عليه السلام، ولم يؤمنوا به، ولم يتَّعِظوا بنِذَارَتِهِ لهم.

[24] ﴿فَقَالُوٓاْ أَبَشَرٗا مِّنَّا وَٰحِدٗا نَّتَّبِعُهُۥٓ إِنَّآ إِذٗا لَّفِي ضَلَٰلٖ وَسُعُرٍ 24﴾:

ثم أخبَرَ سبحانه أن ثمودَ قالوا معاندين: كيف نتَّبِعُ بَشَرًا مثلَنَا -ليس بمَلَكٍ- بل هو من جِنْسِنا، وهو واحدٌ ونحن جماعةٌ كبيرة؟! لو فعلنا ذلك، لكنا في جنونٍ وبُعْدٍ عن الصواب.

[25] ﴿أَءُلۡقِيَ ٱلذِّكۡرُ عَلَيۡهِ مِنۢ بَيۡنِنَا بَلۡ هُوَ كَذَّابٌ أَشِرٞ 25﴾:

ثم قال قومُ صالح: هل اختَصَّ هذا الرجلُ مِن بيننا، فأُنزِلَ عليه الوحيُ دوننا؟! إنه لكذَّابٌ كثيرُ الكذبِ شديدُه.

[26] ﴿سَيَعۡلَمُونَ غَدٗا مَّنِ ٱلۡكَذَّابُ ٱلۡأَشِرُ 26﴾:

ولهذا هدد سبحانه قوم صالح بسبب تكذيبهم نبيهم عليه السلام فقال جل في علاه: فسيعلمون غدًا -قبَّحهم الله- حين يَنْزِلُ عليهم العذابُ مَنِ الكذَّابُ شديدُ الكذبِ المتكبِّر.

[27] ﴿إِنَّا مُرۡسِلُواْ ٱلنَّاقَةِ فِتۡنَةٗ لَّهُمۡ فَٱرۡتَقِبۡهُمۡ وَٱصۡطَبِرۡ 27﴾:

ثم أخبَرَ جل وعلا أنه سيلبِّي طَلَبَهم وهو إخراجُ الناقة لهم من الصخرة، وسيجعلُ ذلك امتحانًا واختبارًا لهم، ثم أمَرَهُ سبحانه بأن يصبِرَ على دعوته إياهم، وأذاهم له، وأن يرتقِبَ وينتظِرَ: هل يؤمنون أو يكفُرُونَ، ثم ينظُرُ ما يَحِلُّ بهم.

[28] ﴿وَنَبِّئۡهُمۡ أَنَّ ٱلۡمَآءَ قِسۡمَةُۢ بَيۡنَهُمۡۖ كُلُّ شِرۡبٖ مُّحۡتَضَرٞ 28﴾:

ثم قال جل وعلا لنبيِّه صالحٍ على سبيلِ الإرشادِ والتعليم: أخبِرْ -يا صالح- قومك أن الماء مقسومٌ بينهم وبين الناقة، لهم يومٌ، ولها يوم.

[29] ﴿فَنَادَوۡاْ صَاحِبَهُمۡ فَتَعَاطَىٰ فَعَقَرَ 29﴾:

ولكنَّ قومَ صالحٍ لم يناسبهم الأمر؛ فلذا نادَوْا صاحبهم، وهو أشقى القوم، وحضُّوه على عَقْرِ الناقة، فتناوَلَ سيفًا فعقَرَها، غيرَ مكترِثٍ بما سيترتَّبُ على هذا الأمرِ العظيم.

[30] ﴿فَكَيۡفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ 30﴾:

سبَقَ تفسيرها في الآية (16) مِن هذه السورة.

[31] ﴿إِنَّآ أَرۡسَلۡنَا عَلَيۡهِمۡ صَيۡحَةٗ وَٰحِدَةٗ فَكَانُواْ كَهَشِيمِ ٱلۡمُحۡتَظِرِ 31﴾:

ثم أخبَرَ سبحانه أن هذا العذابَ الذي نزَلَ بهم أنه أرسَلَ عليهم صيحةً واحدةً؛ فأُهلِكوا، وأُبِيدوا، وصاروا كالحَطَبِ الذي يَجْمَعُهُ صاحبُ الماشيةِ في الشتاء؛ ليكونَ حظيرةً تحيطُ بماشيتِهِ ليَحْفَظَها.

[32] ﴿وَلَقَدۡ يَسَّرۡنَا ٱلۡقُرۡءَانَ لِلذِّكۡرِ فَهَلۡ مِن مُّدَّكِرٖ 32﴾:

سبق تفسيرها في الآية (17) من هذه السورة.

[33] ﴿كَذَّبَتۡ قَوۡمُ لُوطِۭ بِٱلنُّذُرِ 33﴾:

ثم استأنَفَ جل وعلا، فأخبَرَ أن قومَ لُوطٍ ساروا على سَنَنِ المكذِّبين لرُسُلهم من الأقوامِ الماضية؛ فكذَّبوا نبيهم لوطًا عليه السلام، ولم يؤمنوا به، ولم يتَّعظوا بنذارته لهم.

[34] ﴿إِنَّآ أَرۡسَلۡنَا عَلَيۡهِمۡ حَاصِبًا إِلَّآ ءَالَ لُوطٖۖ نَّجَّيۡنَٰهُم بِسَحَرٖ 34﴾:

ثم أخبَرَ جل وعلا أنه أرسَلَ عليهم رِيحًا شديدةً ترميهم بالحَصْباءِ والحجارةِ الصغيرة، فهلَكُوا؛ إلا آلَ لوطٍ -أي: لوطًا وبناتِهِ- فأولئك نجَّاهم الله بخُرُوجهم من تلك القرية آخِرَ الليلِ، قبل نزول العذابِ الذي حَلَّ بهم صباحًا.

[35] ﴿نِّعۡمَةٗ مِّنۡ عِندِنَاۚ كَذَٰلِكَ نَجۡزِي مَن شَكَرَ 35﴾:

وأخبَرَ سبحانه أنه نجَّى آلَ لُوطٍ ومَنْ آمَنَ معه إنعامًا وإكرامًا لهم؛ وبمثلِ هذا ينجِّي اللهُ كلَّ مَنْ شكَرَ نعم الله عليه، وأتى بالتوحيدِ والإيمان والطاعة.

[36] ﴿وَلَقَدۡ أَنذَرَهُم بَطۡشَتَنَا فَتَمَارَوۡاْ بِٱلنُّذُرِ 36﴾:

ثم أخبَرَ جل وعلا أن لُوطًا أنذر قومَهُ، وخوَّفهم عذابَ اللهِ الشديد، وعقابَهُ الأليم، فلم يستجيبوا له، وشَكُّوا في الإنذار ولم يصدِّقوه.

[37] ﴿وَلَقَدۡ رَٰوَدُوهُ عَن ضَيۡفِهِۦ فَطَمَسۡنَآ أَعۡيُنَهُمۡ فَذُوقُواْ عَذَابِي وَنُذُرِ 37﴾:

ثم بيَّن سبحانه جُرْمهم القبيحَ الذي استحقُّوا به العذاب، وهو فعلُ فاحشةِ اللِّواط، والذي بسببه نزَلَتِ الملائكةَ لتعذيبهم؛ حيث جاؤوا مسرِعِينَ إلى لُوطٍ يراودونه على أضيافه؛ ليفعلوا بهم الفاحشةَ، كما هي عادتهم القبيحة، فطمَسَ الله أعينهم ومسَحَها، فلم يُبْصِروا شيئًا، ثم قيل لهم: ذوقوا عذابي الذي امترَيْتُمْ فيه، ولم تصدِّقوه، ولم تعملوا بنذارة نبيِّكم لُوطٍ عليه السلام.

[38] ﴿وَلَقَدۡ صَبَّحَهُم بُكۡرَةً عَذَابٞ مُّسۡتَقِرّٞ 38﴾:

ثم بيَّن جل وعلا أن هؤلاء المجرمين مِن قومِ لُوطٍ نزَلَ بهم العذابُ وقت الصبح، واستمرَّ حتى استأصلهم عن بَكْرةِ أبيهم؛ حيث أهلَكَهم الله بالحجارة التي أُرسِلَتْ عليهم، واقتلَعَتِ الملائكةُ قُرَاهم، ورفَعَتْها إلى السماء، ثم قَلَبَتْها، وجعَلَتْ عاليَهَا سافلَهَا.

[39-40] ﴿فَذُوقُواْ عَذَابِي وَنُذُرِ 39 وَلَقَدۡ يَسَّرۡنَا ٱلۡقُرۡءَانَ لِلذِّكۡرِ فَهَلۡ مِن مُّدَّكِرٖ 40﴾:

سبق تفسيرهما في الآيتين: (16-17) من هذه السورة.

[41] ﴿وَلَقَدۡ جَآءَ ءَالَ فِرۡعَوۡنَ ٱلنُّذُرُ 41﴾:

أخبَرَ جل وعلا أنَّ آلَ فرعونَ توالَتْ عليهم الإنذارات، وجاءتهم الآيةُ تِلْوَ الآية.

[42] ﴿كَذَّبُواْ بِـَٔايَٰتِنَا كُلِّهَا فَأَخَذۡنَٰهُمۡ أَخۡذَ عَزِيزٖ مُّقۡتَدِرٍ 42﴾:

فبيَّن سبحانه أن آل فرعون كذَّبوا بجميع الآيات؛ ولهذا أهلكهم الله بالغَرَق، وأخَذَهم أخذَ عزيزٍ قويٍّ غالبٍ لا يعجزه شيء.

[43] ﴿أَكُفَّارُكُمۡ خَيۡرٞ مِّنۡ أُوْلَٰٓئِكُمۡ أَمۡ لَكُم بَرَآءَةٞ فِي ٱلزُّبُرِ 43﴾:

ثم خوَّف جل وعلا كفَّار مكَّة، فقال سبحانه: هل أنتم -أيها المكذِّبون المعاندون الذين كذَّبتم رسولَ الله، وهو محمَّد ﷺ- خيرٌ وأكثر حصانةً ومَنَعةً ممن سبقكم؟! والجوابُ بالطبع: لا؛ فأنتم لستم بأكثَرَ منهم قوَّةً، ولا أوفَرَ عددًا، أم أنَّ لكم في الكتب المقدَّسةِ المنزَّلةِ مِن الله ما يُثبِتُ أنكم برآء، وأنكم غير مؤاخذين بكُفْركم؟!

[44] ﴿أَمۡ يَقُولُونَ نَحۡنُ جَمِيعٞ مُّنتَصِرٞ 44﴾:

ثم أخبَرَ جل وعلا أن هؤلاءِ الكفارَ بسببِ غُرُورهم يقولون: نحنُ جميعُنا يدٌ واحدةٌ، وسوف ننتصِرُ على مَنْ عادانا.

[45] ﴿سَيُهۡزَمُ ٱلۡجَمۡعُ وَيُوَلُّونَ ٱلدُّبُرَ 45﴾:

فردَّ سبحانه عليهم قولهم، وأخبَرَ أن جَمْعَ مشرِكِي مكَّةَ سيُهْزَمونَ ويولُّون الأدبار أمام المؤمنين، وهذا ما حدَثَ في وَقْعة بَدْر، فتمَّ -بحمد الله- نصر الإسلام، وهُزِمَ الجمعُ، وولَّوُا الدُّبُرَ، وقُتِلَ عُتَاتُهم؛ كأبي جهل وأمثاله، وأُسِرَ سبعون منهم، وهكذا الكفرُ والغرورُ يُهْلِكُ أصحابه.

[46] ﴿بَلِ ٱلسَّاعَةُ مَوۡعِدُهُمۡ وَٱلسَّاعَةُ أَدۡهَىٰ وَأَمَرُّ 46﴾:

ثم هدَّد جل وعلا هؤلاءِ الكفَّارَ، وأخبَرَ أن ما نزَلَ بهم من عذاب في الدنيا، إنما هو مقدِّمةٌ لما ينتظِرُهم من عذابِ يومِ القيامة، وهو بلا شَكٍّ عذابٌ أعظمُ وأفظعُ وأشدُّ مرارةً مما حدَثَ لهم يوم بدر؛ فهو جزاءٌ سرمديٌّ في النار؛ والعياذ بالله.

[47] ﴿إِنَّ ٱلۡمُجۡرِمِينَ فِي ضَلَٰلٖ وَسُعُرٖ 47﴾:

ثم بيَّن جل وعلا أن هؤلاء المجرِمينَ المجاوِزينَ حدودَهُمْ بالشرك والمعاصي، في ضلالٍ وغَوَاية، وتِيهٍ وحَيْرةٍ في الحياةِ الدنيا.

[48] ﴿يَوۡمَ يُسۡحَبُونَ فِي ٱلنَّارِ عَلَىٰ وُجُوهِهِمۡ ذُوقُواْ مَسَّ سَقَرَ 48﴾:

أما في الآخِرةِ فإنهم في نارِ السعيرِ التي تشتعِلُ في أجسامهم، وتُحرِقُ قلوبهم، وأنهم سيساقون على وجوههم إلى جهنَّمَ سَوْقًا، ويقالُ لهم إيلامًا وتعنيفًا: ذوقوا حَرَّ النارِ وآلامَهَا؛ جزاءً وفاقًا؛ لتكذيبهم رُسُلَ الله في كل ما جاؤوا به.

[49] ﴿إِنَّا كُلَّ شَيۡءٍ خَلَقۡنَٰهُ بِقَدَرٖ 49﴾:

ثم بيَّن سبحانه أن كل ما يوجد في هذه الحياة، فهو مقدَّرٌ ومكتوبٌ في اللوحِ المحفوظِ من الأَزَل، وأنه سبحانه أعطى كلَّ مخلوقٍ قدرةً على المهمَّة التي خُلِقَ لها.

[50] ﴿وَمَآ أَمۡرُنَآ إِلَّا وَٰحِدَةٞ كَلَمۡحِۭ بِٱلۡبَصَرِ 50﴾:

ثم أخبَرَ جل وعلا بعظيم قدرته، فقال: وما شأننا في الخَلْقِ والإيجادِ إلا أن نقولَ للشيء: (كُنْ)، فيكونُ، فيأتي كلَمْحِ البصر.

[51] ﴿وَلَقَدۡ أَهۡلَكۡنَآ أَشۡيَاعَكُمۡ فَهَلۡ مِن مُّدَّكِرٖ 51﴾:

واعلموا -يا معشر قريش- أنَّنا أهلَكْنا أشباهكم من المكذِّبين لأنبيائهم مِن الأمم الخالية، واستأصَلْنا شأفتهم بحسَبِ سُنَّتنا في أمثالهم، بشتى العقوبات، ومختلِفِ الوسائل؛ أفما كان لكم في ذلك مزدَجَرٌ تعتبرون به؟!

[52] ﴿وَكُلُّ شَيۡءٖ فَعَلُوهُ فِي ٱلزُّبُرِ 52﴾:

ثم بيَّن جل وعلا أن كلَّ أعمالِ هؤلاءِ الكفَّارِ محصاةٌ عليهم؛ فجميعُ ما فعلته الأمم مِن خيرٍ أو شَرٍّ مكتوبٌ ومحفوظ في الكتب التي بأيدي الملائكة، وسيحاسبون على النَّقيرِ والقِطْمير.

[53] ﴿وَكُلُّ صَغِيرٖ وَكَبِيرٖ مُّسۡتَطَرٌ 53﴾:

ثم بيَّن سبحانه أن كل شيء مِن أعمال الخَلْق، أقوالهم وأفعالهم وما هو كائنٌ، مسطورٌ في اللوحِ المحفوظ؛ صغيرُهُ وكبيرُه، وجليلُهُ وحقيرُه.

[٥٤] ﴿إِنَّ ٱلۡمُتَّقِينَ فِي جَنَّٰتٖ وَنَهَرٖ 54﴾:

ختَمَ جل وعلا السورة بذكر إكرامِهِ وإحسانِهِ للمتَّقين الذين يخافون الله، وأخبَرَ أنهم سيدخلون يوم القيامة الجَنَّةَ، ويتمتَّعون فيها ببساتينَ عظيمة، وأنهارٍ واسعة.

[55] ﴿فِي مَقۡعَدِ صِدۡقٍ عِندَ مَلِيكٖ مُّقۡتَدِرِۭ 55﴾:

وبين سبحانه أن هؤلاء المتقين في مجلسٍ كريم، لا لَغْوٌ فيه ولا تأثيم، مقرَّبون عند مَلِكٍ عظيم، قادرٍ على كل شيء. ولا شك أن النعيم على قَدْرِ المُنْعِم، ونحن في حياتنا نقولُ: (الهدايا على قَدْرِ مُهْدِيها)؛ فنسأل الله أن يمُنَّ علينا برحمتِهِ وكرمِهِ وفضله في هذه الليلةِ المبارَكةِ مِن العَشْرِ الأواخر في رمضان من عام 1434هـ.

سورة الرحمن

سورةُ الرحمنِ مدنيَّةٌ، وآياتها ثمانٍ وسبعون آية.

[1] ﴿ٱلرَّحۡمَٰنُ 1﴾:

افتُتِحَتْ هذه السورةُ بهذا الاسمِ الجليلِ (الرحمن)، وهو الله جل في علاه، صاحبُ الرحمةِ الكاملةِ في الدنيا والآخرة.

[2] ﴿عَلَّمَ ٱلۡقُرۡءَانَ 2﴾:

ثم عدَّد سبحانه نِعَمَهُ على عباده، وبدأ بأعظمها، وهو القرآن؛ فذكَرَ أنه علَّم نبيه ﷺ تلاوةَ آياته؛ حيثُ إنَّ جبريلَ قام بتعليمِ الرسولِ ﷺ القرآنَ بأَمْرٍ من الله، والرسولُ ﷺ علَّمه أمَّته.

[3] ﴿خَلَقَ ٱلۡإِنسَٰنَ 3﴾:

ثم ذكَرَ سبحانه أنه خلَقَ الإنسان، أي: أوجَدَهُ وكوَّنه على الصورة التي أراد الخالقُ المُبدِع.

[4] ﴿عَلَّمَهُ ٱلۡبَيَانَ 4﴾:

ثم ذكَرَ سبحانه أنه علَّم الإنسانَ البيانَ الذي يتمُّ به التفاهُمُ بين الخَلْقِ في جميعِ أمورهم. وتقديمُ القرآنِ على خَلْقِ الإنسان، فيه دَلَالةٌ على أن الله أوجَدَ له مَنْهَجَهُ قبل خلقه، وأنه نعمةٌ عظمى مِن اللهِ تستحِقُّ الشكر والامتثال.

[5] ﴿ٱلشَّمۡسُ وَٱلۡقَمَرُ بِحُسۡبَانٖ 5﴾:

ثم امتَنَّ جل وعلا على عبادِهِ بنعمةٍ أخرى، وهي أنه خلَقَ الشمسَ والقمر، وسخَّرهما يَجْرِيانِ بحسابٍ مُتْقَنٍ لا يختلِفُ ولا يضطرِب، ولا يتعدَّيان ما رُسِمَ لهما، ومن فوائد خلقهما: أنهما يدُلَّانِ على الشهورِ والسنينَ والفصولِ، ومواقيتِ الغَرْسِ والزَّرْعِ وجَنْيِ الثمار، ومواقيتِ العبادات.

[6] ﴿وَٱلنَّجۡمُ وَٱلشَّجَرُ يَسۡجُدَانِ 6﴾:

ومِن نِعَمِهِ سبحانه على عباده: هذه النجومُ التي خلَقَها في السماء؛ فهي زينةٌ للسماء، ورجومٌ للشياطين، ويُهتدَى بها في ظلماتِ البَرِّ والبحر، ومِن نِعَمِهِ: هذه الأشجارُ التي تنبُتُ في الأرض، والتي كلُّها تنقادُ لله، وتنفِّذ ما كُلِّفَتْ به بدقَّة، وهي كالمخلوقاتِ تسجُدُ لله سجودًا حقيقيًّا لا يعلمه إلا الله؛ مثلُ تسبيحِ الكائنات؛ قال تعالى: ﴿أَلَمۡ تَرَ أَنَّ ٱللَّهَ يَسۡجُدُۤ لَهُۥۤ مَن فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَن فِي ٱلۡأَرۡضِ﴾ [الحج:١٨].

[7] ﴿وَٱلسَّمَآءَ رَفَعَهَا وَوَضَعَ ٱلۡمِيزَانَ 7﴾:

ونعمةٌ أخرى امتَنَّ بها جل وعلا على عبادِهِ، وهي أنه خلَقَ هذه السماء ورفَعَها بدونِ أعمدةٍ مرئيَّةٍ، فجعَلَها سقفًا للأرضِ والفضاءِ الذي بينهما، وأنه شرَعَ العدلَ، وأمَرَ به في كل الأمور.

[8] ﴿أَلَّا تَطۡغَوۡاْ فِي ٱلۡمِيزَانِ 8﴾:

وبين سبحانه أنه شرع العدل لكيلا يتجاوز أحدٌ حدودَهُ فيَظْلِمَ ويجور.

[9] ﴿وَأَقِيمُواْ ٱلۡوَزۡنَ بِٱلۡقِسۡطِ وَلَا تُخۡسِرُواْ ٱلۡمِيزَانَ 9﴾:

ثم أمر سبحانه عباده أن يقيموا الوزنَ بالعَدْل، وألَّا ينقُصُوا الميزان إذا وزنوا للناس.

[10] ﴿وَٱلۡأَرۡضَ وَضَعَهَا لِلۡأَنَامِ 10﴾:

ونعمةٌ أخرى امتنَّ بها جل وعلا على عباده، وهي أنه خلَقَ هذه الأرضَ وبسَطَها لينتفع بها الناس، وقد هيأ فيها سبحانه مقوِّماتِ العيش، وقدَّر فيها أرزاقها.

[11] ﴿فِيهَا فَٰكِهَةٞ وَٱلنَّخۡلُ ذَاتُ ٱلۡأَكۡمَامِ 11﴾:

وأخبر سبحانه أنه خلَقَ في هذه الأرض أنواعَ الفواكهِ التي تتلذَّذون بأكلها، ومنها فاكهةُ النَّخْلِ ذات الأغلفة التي تغطِّي الثمرة، حتى إذا نَمَتْ، انشَقَّ الغِلَاف؛ لتتهيَّأ للنمو، ثم للنضح، قال ابن كثير (7/490): (أفرَدَ النخلَ بالذِّكْرِ؛ لشرفِهِ ونفعِهِ رَطْبًا ويابسًا؛ كما قال تعالى: ﴿وَٱلنَّخۡلَ بَاسِقَٰتٖ لَّهَا طَلۡعٞ نَّضِيدٞ 10 رِّزۡقٗا لِّلۡعِبَادِۖ ﴾ [ق:١٠–١١].

[12] ﴿وَٱلۡحَبُّ ذُو ٱلۡعَصۡفِ وَٱلرَّيۡحَانُ 12﴾:

ثم بيَّن سبحانه أنه خلَقَ فيها أنواعَ الحبوب المغطَّاة بالقشور، قوتًا لكم ولأنعامكم، وخلَقَ فيها أنواعَ النباتات التي تتميَّز برائحتها الزكية.

[13] ﴿فَبِأَيِّ ءَالَآءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ 13﴾:

ثم خاطَبَ جل وعلا الجنَّ والإنسَ على سبيلِ التقريرِ، وكرَّر ذلك للتأكيد، فقال سبحانه: فبأيِّ نِعَمِ ربِّكم أيها الجنُّ والإنسُ تكذبان؟! أي: أنها نِعَمٌ لا يُكذَّبُ بها.

[14] ﴿خَلَقَ ٱلۡإِنسَٰنَ مِن صَلۡصَٰلٖ كَٱلۡفَخَّارِ 14﴾:

ثم أخبَرَ جل وعلا أنه خلَقَ آدَمَ عليه السلام أبا البشَرَ مِن طِينٍ يابسٍ يُسمَعُ له صلصلةٌ تشبِهُ صوتَ الفخَّار، وهو الخزَفُ الذي طُبِخَ على النار.

[15] ﴿وَخَلَقَ ٱلۡجَآنَّ مِن مَّارِجٖ مِّن نَّارٖ 15﴾:

وأخبَرَ سبحانه أنه خلق إبليس -وهو أبو الجِنِّ- مِن لَهَبِ النارِ الصافي.

[16] ﴿فَبِأَيِّ ءَالَآءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ 16﴾:

سبق تفسيرها في الآية (13) من هذه السورة.

[17] ﴿رَبُّ ٱلۡمَشۡرِقَيۡنِ وَرَبُّ ٱلۡمَغۡرِبَيۡنِ 17﴾:

ثم أخبَرَ جل وعلا أن الذي أبدَعَ كلَّ هذه النعم هو ربُّ وخالقُ مَشْرِقَيِ الشمسِ ومَغْرِبَيْهما شتاءً وصيفًا.

[18] ﴿فَبِأَيِّ ءَالَآءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ 18﴾:

سبق تفسيرها في الآية (13) من هذه السورة.

[19] ﴿مَرَجَ ٱلۡبَحۡرَيۡنِ يَلۡتَقِيَانِ 19﴾:

ثم امتنَّ جل وعلا بنعمه على عباده في البحر؛ حيث أرسَلَ وأجرى البحرَيْنِ -العذبَ، والمالحَ- يلتقيان ويَجْرِيان جنبًا إلى جنب، ولا يَمْتَزِجان.

[20] ﴿بَيۡنَهُمَا بَرۡزَخٞ لَّا يَبۡغِيَانِ 20﴾:

ثم بيَّن سبحانه أنه جعَلَ بين البحرَيْنِ حاجزًا يَجْعَلُهما لا يختلِطانِ اختلاطًا يَذْهَبُ أحدُهما فيه بخصائصِ الآخر.

[21] ﴿فَبِأَيِّ ءَالَآءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ 21﴾:

سبق تفسيرها في الآية (13) من هذه السورة.

[22] ﴿يَخۡرُجُ مِنۡهُمَا ٱللُّؤۡلُؤُ وَٱلۡمَرۡجَانُ 22﴾:

ثم أخبَرَ جل وعلا أنه أنعَمَ على عباده باستخراج اللؤلؤ والمَرْجانِ مِن هذه البحار، واللؤلؤُ: هو الدُّرُّ الذي يخرُجُ من الصَّدَف، والمَرْجانُ: هو شجَرٌ أحمرُ يُصنَعُ منه الخَرَزُ المعروف.

[23] ﴿فَبِأَيِّ ءَالَآءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ 23﴾:

سبق تفسيرها في الآية (13) من هذه السورة.

[24] ﴿وَلَهُ ٱلۡجَوَارِ ٱلۡمُنشَـَٔاتُ فِي ٱلۡبَحۡرِ كَٱلۡأَعۡلَٰمِ 24﴾:

ثم بيَّن جل وعلا أنه وحده الذي سخَّر لكم السُّفُنَ التي تجري في البحرِ وتشُقُّهُ بإذنِ الله، وهي تشبِهُ الجبالَ في عَظَمتها وارتفاعها؛ فتنتفعون بها في أسفارِكم وتجاراتِكم وغيرِها.

[25] ﴿فَبِأَيِّ ءَالَآءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ 25﴾:

سبق تفسيرها في الآية (13) من هذه السورة.

[26] ﴿كُلُّ مَنۡ عَلَيۡهَا فَانٖ 26﴾:

ثم أخبَرَ جل وعلا أن كلَّ مَنْ على الأرض من المخلوقات الحيَّةِ يَفْنَى ويَبِيدُ وينتهي.

[27] ﴿وَيَبۡقَىٰ وَجۡهُ رَبِّكَ ذُو ٱلۡجَلَٰلِ وَٱلۡإِكۡرَامِ 27﴾:

وأخبر سبحانه أنه لن يبقى إلا اللهُ الواحدُ الأحد، صاحبُ الجلالِ والعَظَمةِ والكبرياءِ والمَجْد، وصاحبُ الإكرام، واسعُ الجود، كثيرُ الفضلِ والعطاء؛ سبحانه جل في علاه.

[28] ﴿فَبِأَيِّ ءَالَآءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ 28﴾:

سبق تفسيرها في الآية (13) من هذه السورة.

[29] ﴿يَسۡـَٔلُهُۥ مَن فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۚ كُلَّ يَوۡمٍ هُوَ فِي شَأۡنٖ 29﴾:

ثم أخبَرَ جل وعلا أن كلَّ مَنْ في السموات والأرض مفتقِرٌ إليه سبحانه، وأن جميعَ الخلائقِ محتاجةٌ إليه؛ فيسألونه حاجاتهم؛ فأهلُ السماء يسألونه المغفرة، وأهلُ الأرض يسألونه المغفرةَ والرِّزْق، ثم بيَّن سبحانه أنه في كلِّ ساعة وكلِّ لحظة: هو في شأنٍ مِنْ شؤون السائلين مِنْ خَلْقه؛ فيُغْنِي ويُفْقِر، ويُعِزُّ ويُذِلّ، ويَغْفِرُ ذنبًا، ويفرِّجُ كربًا، ويُحْيي ويميت.

[30] ﴿فَبِأَيِّ ءَالَآءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ 30﴾:

سبق تفسيرها في الآية (13) من هذه السورة.

[31] ﴿سَنَفۡرُغُ لَكُمۡ أَيُّهَ ٱلثَّقَلَانِ 31﴾:

ثم بيَّن جل وعلا أنه سينظُرُ في أمورِ الخلائقِ يومَ القيامة، ويجازيهم على أعمالهم التي عَمِلوها في دار الدنيا بعد إمهالٍ طويل.

[32] ﴿فَبِأَيِّ ءَالَآءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ 32﴾:

سبق تفسيرها في الآية (13) من هذه السورة.

[33] ﴿يَٰمَعۡشَرَ ٱلۡجِنِّ وَٱلۡإِنسِ إِنِ ٱسۡتَطَعۡتُمۡ أَن تَنفُذُواْ مِنۡ أَقۡطَارِ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ فَٱنفُذُواْۚ لَا تَنفُذُونَ إِلَّا بِسُلۡطَٰنٖ 33﴾:

ثم قال جل وعلا على سبيل التعجيزِ والتحدِّي: يا معشَرَ الجِنِّ والإنسِ، إنِ استطعتم أن تخرُجُوا من جوانب السموات والأرضِ وأطرافِهما هَرَبًا مِن عقاب الله، فافعلوا ذلك؛ ولكن اعلموا أنكم لن تَقْدِروا على ذلك إلا بقوَّةٍ ظاهرةٍ قاهرةٍ غالبة، ولا قوَّةَ لكم ولا سلطان؛ فأنى تستطيعون ذلك؟! وقوله: ﴿بِسُلۡطَٰنٖ﴾: قيل: بسُلْطانٍ من الله، وقال الضحَّاك: (إن استطعتم أن تهرُبُوا من الموت، فاهرُبُوا).

[34] ﴿فَبِأَيِّ ءَالَآءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ 34﴾:

سبق تفسيرها في الآية (13) من هذه السورة.

[35] ﴿يُرۡسَلُ عَلَيۡكُمَا شُوَاظٞ مِّن نَّارٖ وَنُحَاسٞ فَلَا تَنتَصِرَانِ 35﴾:

ثم أخبَرَ جل وعلا أنهم إذا حاولوا الهروبَ، فإنه سوف يُرسَلُ عليهم لهبٌ صافٍ من النار -لا دُخَانَ فيه- ونُحَاسٌ مُذابٌ يُصَبُّ على رؤوسهم؛ فلا ينصُرُ بعضُهم بعضًا، ولا يمنعُ بعضُهم بعضًا مِن عذاب الله.

[36] ﴿فَبِأَيِّ ءَالَآءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ 36﴾:

ثم خاطَبَ جل وعلا الجنَّ والإنسَ على سبيلِ التقريرِ، وكرَّر ذلك للتأكيد، فقال سبحانه: فبأيِّ نِعَمِ ربِّكم أيها الجنُّ والإنس تكذِّبان؟! أي: أنها نِعَمٌ لا يكذَّبُ بها. وهذه في ظاهر الأمر ليس نِعْمةً، لكنَّ إخباره بها في الدنيا يكونُ نعمةً، لإعطاءِ العبادِ فرصةً للتوبةِ والعملِ الصالح.

[37] ﴿فَإِذَا ٱنشَقَّتِ ٱلسَّمَآءُ فَكَانَتۡ وَرۡدَةٗ كَٱلدِّهَانِ 37﴾:

وفي هذا اليومِ يوم الانقلابِ الكونيِّ تتصدَّع السموات، فتنزلُ الملائكةُ، فتحيطُ بالخلائق من كل جانب، وتكونُ السماءُ مثلَ الوَرْدِ الأحمرِ من حرارة النار، وذلك مِن شدَّةِ هولِ ذلك اليومِ العظيم، ثم يعيدُ سبحانه تكوينهم على النحو الذي يصلُحُ للبقاء السَّرْمَدي.

[38] ﴿فَبِأَيِّ ءَالَآءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ 38﴾:

سبق تفسيرها في الآية (13) من هذه السورة.

[39] ﴿فَيَوۡمَئِذٖ لَّا يُسۡـَٔلُ عَن ذَنۢبِهِۦٓ إِنسٞ وَلَا جَآنّٞ 39﴾:

ثم بيَّن سبحانه أنه في ذلك اليومِ الرهيبِ لا يسْأَلُ أحدٌ مِن المذنبين مِن الإنسِ والجن عن ذنبه؛ لأنهم يُعْرَفونَ بسِيمَاهم، ولأنَّ كل شيء مثبَتٌ في صُحُفِ أعمالهم.

[40] ﴿فَبِأَيِّ ءَالَآءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ 40﴾:

سبق تفسيرها في الآية (13) من هذه السورة.

[41] ﴿يُعۡرَفُ ٱلۡمُجۡرِمُونَ بِسِيمَٰهُمۡ فَيُؤۡخَذُ بِٱلنَّوَٰصِي وَٱلۡأَقۡدَامِ 41﴾:

ثم ذكَرَ جل وعلا أن المجرمين المجاوِزين حُدُودَهم بالشركِ والمعاصي يومَ القيامةِ يُعْرَفونَ بعلاماتهم؛ كاسودادِ الوجوه، وزُرْقةِ العيون؛ ثم تأخُذُهم ملائكةُ العذابِ أَخْذةً بَشِعةً؛ بحيث يُجمَعُ بين مقدِّمةِ رأسِ أحدهم وقَدَمِه، ثم يُرمَى به في النار؛ عياذًا بالله من ذلك.

[42] ﴿فَبِأَيِّ ءَالَآءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ 42﴾:

ثم خاطَبَ جل وعلا الجنَّ والإنسَ على سبيلِ التقريرِ، وكرَّر ذلك للتأكيد، فقال سبحانه: فبأيِّ نِعَمِ ربِّكم أيها الجنُّ والإنسُ تكذِّبان؟! أي: أنها نِعَمٌ لا يُكذَّبُ بها. وكما قلتُ سابقًا، فإن ما ذُكِرَ في الآية السابقة أيضًا ليس نِعْمةً، وإنما أخبَرَ بها في الدنيا؛ ليعمَلَ الإنسانُ على الخلاصِ منها؛ فيكون نعمةً.

[43] ﴿هَٰذِهِۦ جَهَنَّمُ ٱلَّتِي يُكَذِّبُ بِهَا ٱلۡمُجۡرِمُونَ 43﴾:

ثم يقالُ لهؤلاء المجرمين علي سبيلِ التوبيخ: هذه نارُ جهنَّمَ التي كنتم بها تكذِّبون أيها المجرمون.

[44] ﴿يَطُوفُونَ بَيۡنَهَا وَبَيۡنَ حَمِيمٍ ءَانٖ 44﴾:

ثم بين سبحانه أنهم يشاهِدُون النار الآن بأمِّ أعينهم، وأنهم يسعَوْنَ متردِّدين بينها وبين الماءِ الشديدِ الحرارةِ والغَلَيان، فبالنار يحترقون، ومن هذا الماء يشربون.

[45] ﴿فَبِأَيِّ ءَالَآءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ 45﴾:

ثم خاطَبَ جل وعلا الجنَّ والإنسَ على سبيل التقريرِ، وكرَّر ذلك للتأكيدِ، فقال سبحانه: فبأيِّ نِعَمِ ربِّكم أيها الجنُّ والإنسُ تكذِّبان؟! أي: أنها نِعَمٌ لا يكذَّبُ بها. وهذه كما قلتُ: ليست نعمةً، وإنما هي جزاء، ولكنْ ذِكْرُها في الدنيا يكونُ نعمةً لتنبيهِ العبادِ للتوبة والعمل الصالح.

[46] ﴿وَلِمَنۡ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِۦ جَنَّتَانِ 46﴾:

ثم ذكَرَ جل وعلا نِعَمَهُ الأخرويَّةَ على عبادِهِ المؤمنين؛ فأخبَرَ أن مَنْ خاف ربَّه، خاف ذلك الموقف الذي سيحاسِبُ الله فيه عباده، فإن له جنتَيْن.

[47] ﴿فَبِأَيِّ ءَالَآءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ 47﴾:

سبق تفسيرها في الآية (13) من هذه السورة.

[48] ﴿ذَوَاتَآ أَفۡنَانٖ 48﴾:

ثم وصَفَ جل وعلا هاتَيْنِ الجنتَيْنِ، فأخبَرَ أنهما ذواتا أنواعٍ وألوانٍ مِن الأشجارِ والثمار، وذواتا أغصانٍ ناعمةٍ نَضِرةٍ، فيها ثمارٌ يانعةٌ لذيذة.

[49] ﴿فَبِأَيِّ ءَالَآءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ 49﴾:

سبق تفسيرها في الآية (13) من هذه السورة.

[50] ﴿فِيهِمَا عَيۡنَانِ تَجۡرِيَانِ 50﴾:

وفي كل واحدة من هاتَيْنِ الجنتَيْنِ عَيْنٌ تجري بالماءِ الزُّلَال، تَسْرَحانِ وتسقيانِ تلك الأشجارَ والأغصان.

[51] ﴿فَبِأَيِّ ءَالَآءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ 51﴾:

سبق تفسيرها في الآية (13) من هذه السورة.

[52] ﴿فِيهِمَا مِن كُلِّ فَٰكِهَةٖ زَوۡجَانِ 52﴾:

وفي هاتَيْنِ الجنتَيْنِ مِن جميع أنواع الفواكهِ والثمارِ صِنْفان، كلُّ صنفٍ مميَّزٌ عن الآخر بلذَّته ولونه.

[53] ﴿فَبِأَيِّ ءَالَآءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ 53﴾:

سبق تفسيرها في الآية (13) من هذه السورة.

[54] ﴿مُتَّكِـِٔينَ عَلَىٰ فُرُشِۭ بَطَآئِنُهَا مِنۡ إِسۡتَبۡرَقٖۚ وَجَنَى ٱلۡجَنَّتَيۡنِ دَانٖ 54﴾:

ومِن نِعَمِهِ جل وعلا على أهل الجنَّة: أنهم يَجْلِسونَ مرتاحين مستقرِّين كأحسَنِ ما يكونُ الجلوس، متَّكئين على فُرُشٍ فاخرة، بطائنها التي تلي الأرضَ مِن دِيباجٍ غليظ، فكيف بما يلي بَشَرتهم؟! فبالتأكيد أنه من ديباجٍ ناعم، وكذلك ثمَرُ الجنةِ الناضجُ قريبٌ منهم، يتناولونه متى شاؤوا، وكيف شاؤوا.

[55] ﴿فَبِأَيِّ ءَالَآءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ 55﴾:

سبق تفسيرها في الآية (13) من هذه السورة.

[56] ﴿فِيهِنَّ قَٰصِرَٰتُ ٱلطَّرۡفِ لَمۡ يَطۡمِثۡهُنَّ إِنسٞ قَبۡلَهُمۡ وَلَا جَآنّٞ 56﴾:

ثم ذكَرَ جل وعلا أن في هاتَيْنِ الجنتَيْنِ وعلى هذه الفُرُشِ نساءً غضيضاتِ الطَّرْفِ عن غير أزواجِهنَّ؛ فلا يَرَيْنَ شيئًا فيها أحسَنَ منهم، وهنَّ أبكارٌ لم يجامِعْهُنَّ أحدٌ قبلهم؛ لا من الجنِّ ولا من الإنس. وذكَرَ في هذه الآية الطَّمْثَ؛ وهو: دَمٌ يخرُجُ إذا افتُضَّتِ البَكَارةُ، يقال: طمَثَ الرجلُ امرأتَهُ: إذا أزال بَكَارَتَها، وأصلُ الطَّمْثِ: الجماعُ المؤدِّي إلى خروجِ دمِ الفتاةِ البِكْرِ عند أوَّلِ جماعٍ لها بعد زواجها، ثم أُطلِقَ على كلِّ جماع، وإنْ لم يكن معه دم، ويُطلَقُ أيضًا على الدمِ الخارجِ مِن قُبُلِ المرأةِ في فترة الحيض والنفاس.

[57] ﴿فَبِأَيِّ ءَالَآءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ 57﴾:

سبق تفسيرها في الآية (13) من هذه السورة.

[58] ﴿كَأَنَّهُنَّ ٱلۡيَاقُوتُ وَٱلۡمَرۡجَانُ 58﴾:

ثم وصَفَ جل وعلا هؤلاءِ النساءَ بأنهنَّ يُشبِهْنَ الياقوتَ والمرجانَ في صفاء بشرتهنَّ، ونعومة ملمسِهِنَّ، وحُمْرةِ خدودهِنَّ.

[59] ﴿فَبِأَيِّ ءَالَآءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ 59﴾:

سبق تفسيرها في الآية (13) من هذه السورة.

[60] ﴿هَلۡ جَزَآءُ ٱلۡإِحۡسَٰنِ إِلَّا ٱلۡإِحۡسَٰنُ 60﴾:

ثم ختَمَ جل وعلا هذه النِّعَمَ، فبيَّن أنه ليس جزاءُ مَنْ أحسَنَ العملَ بتوحيدِهِ وإخلاصِ العبادةِ له، إلا الإحسانَ في المثوبة؛ بدخولِ الجنة، والخلودِ في النعيم المقيم.

[61] ﴿فَبِأَيِّ ءَالَآءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ 61﴾:

سبق تفسيرها في الآية (13) من هذه السورة.

[62] ﴿وَمِن دُونِهِمَا جَنَّتَانِ 62﴾:

ثم أخبَرَ جل وعلا أن مِن دُونِ تلك الجنتَيْنِ في الفضيلةِ والقَدْرِ جنتَيْنِ أخريَيْنِ لمن خاف ربه، وكان عمله أقلَّ مِن أصحابِ الجنتَيْنِ السابقتَيْنِ، أي: أنه سبحانه يُنْزِلُ عباده الصالحين منازلهم حسَبَ التسلسُلِ المقبولِ عنده جل في علاه؛ وذلك بحسَبِ إيمانهم وأعمالهم.

[63] ﴿فَبِأَيِّ ءَالَآءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ 63﴾:

سبق تفسيرها في الآية (13) من هذه السورة.

[64] ﴿مُدۡهَآمَّتَانِ 64﴾:

ثم وصَفَ جل وعلا هاتَيْنِ الجنتَيْنِ بأنهما تُنْبِتَانِ النباتَ والرياحينَ الخضراءَ التي تضربُ إلى السوادِ مِن شدَّةِ خضرتها، ويخيَّلُ للناظر لهما من بعيدٍ أنهما قد اسودَّتا.

[65] ﴿فَبِأَيِّ ءَالَآءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ 65﴾:

سبق تفسيرها في الآية (13) من هذه السورة.

[66] ﴿فِيهِمَا عَيۡنَانِ نَضَّاخَتَانِ 66﴾:

وفي هاتَيْنِ الجنتَيْنِ عينانِ فَوَّارتانِ بالماءِ العَذْبِ الزُّلَالِ دائمًا أبدًا، لا تنقطِعانِ، ولا تَغُوران.

[67] ﴿فَبِأَيِّ ءَالَآءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ 67﴾:

سبق تفسيرها في الآية (13) من هذه السورة.

[68] ﴿فِيهِمَا فَٰكِهَةٞ وَنَخۡلٞ وَرُمَّانٞ 68﴾:

وفي هاتَيْنِ الجنتَيْنِ من جميعِ أصناف الفواكه؛ لا سيَّما النخلُ والرُّمَّان، وخُصَّتَا بالذِّكْرِ؛ لحُسْنِهما، وكثرةِ نفعهما.

[69] ﴿فَبِأَيِّ ءَالَآءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ 69﴾:

سبق تفسيرها في الآية (13) من هذه السورة.

[70] ﴿فِيهِنَّ خَيۡرَٰتٌ حِسَانٞ 70﴾:

ثم أخبَرَ جل وعلا أن في هذه الجنَّاتِ: زوجاتٍ خيِّراتِ الأخلاق، حسَناتِ الوجوه.

[71] ﴿فَبِأَيِّ ءَالَآءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ 71﴾:

سبق تفسيرها في الآية (13) من هذه السورة.

[72] ﴿حُورٞ مَّقۡصُورَٰتٞ فِي ٱلۡخِيَامِ 72﴾:

ثم بيَّن جل وعلا أن تلك الزوجاتِ الجميلاتِ مِن الحُورِ العِينِ محبوساتٌ في الخيام؛ فلَسْنَ بطوَّافاتٍ في الطُّرُقات، بل يُقصَرْنَ على أزواجهنَّ. والحوراءُ: مَنْ غلَبَ بياضُ عينَيْها سوادَهُما.

[73] ﴿فَبِأَيِّ ءَالَآءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ 73﴾:

سبق تفسيرها في الآية (13) من هذه السورة.

[74] ﴿لَمۡ يَطۡمِثۡهُنَّ إِنسٞ قَبۡلَهُمۡ وَلَا جَآنّٞ 74﴾:

وهؤلاء الزوجاتُ مِن الحُورِ العِينِ أبكارٌ، لم يجامِعْهُنَّ أحدٌ قبلهم؛ لا مِن الجنِّ، ولا من الإنس، ويُستحسَنُ هنا أن نذكُرَ أن زوجاتِهِمْ في الدنيا يكونُ خَلْقُهُنَّ وجمالُهُنَّ أحسنَ مِن الحور العين.

[75] ﴿فَبِأَيِّ ءَالَآءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ 75﴾:

سبق تفسيرها في الآية (13) من هذه السورة.

[76] ﴿مُتَّكِـِٔينَ عَلَىٰ رَفۡرَفٍ خُضۡرٖ وَعَبۡقَرِيٍّ حِسَانٖ 76﴾:

ثم بيَّن جل وعلا أن أصحابَ هذه الجناتِ متَّكِئون على وسائدَ وبُسُطٍ خُضْر، وفُرُشٍ منسوجةٍ نسجًا حسنًا فاخرًا.

[77] ﴿فَبِأَيِّ ءَالَآءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ 77﴾:

سبق تفسيرها في الآية (13) من هذه السورة.

[78] ﴿تَبَٰرَكَ ٱسۡمُ رَبِّكَ ذِي ٱلۡجَلَٰلِ وَٱلۡإِكۡرَامِ 78﴾:

ثم ختَمَ جل وعلا السورة مبيِّنًا أنه تكاثَرَتْ برَكةُ اسمِهِ سبحانه، وكَثُرَ خيره، وتقدَّس وتنزَّه عن أن يَظْلِمَ أحدًا؛ فهو أهلُ الكرم؛ حيثُ أنزَلَ عباده الصالحين منازلهم التي أهَّلهم لها بسببِ أعمالهم المقبولة؛ نسأل الله أن يَشْمَلَنا برحمته، وأن نفوزَ برضاه.

سورة الواقعة

سورة الواقعةِ مكيَّةٌ، وآياتها ستٌّ وتسعون آية.

[1] ﴿إِذَا وَقَعَتِ ٱلۡوَاقِعَةُ 1﴾:

بدأت هذه السورةُ بالإخبار عن الواقعة، وهي يوم القيامة الذي لا بدَّ مِن وقوعه، عندما يُنفَخُ في الصور لقيام الساعة.

[2] ﴿لَيۡسَ لِوَقۡعَتِهَا كَاذِبَةٌ 2﴾:

واعلموا -أيها الناس- أنه إذا قامت القيامةُ، وتحقَّق وقوعها، لم يكن هناك مَنْ يكذِّب بمجيئها؛ وحينئذٍ: سوف يَخسَرُ المبطِلونَ النافون للبعثِ؛ لأنهم يرونها عيانًا أمامهم. والواقعةُ: اسمٌ من أسماء يوم القيامة؛ مثل: الآزِفةِ والصاخَّة.

[3] ﴿خَافِضَةٞ رَّافِعَةٌ 3﴾:

ثم بيَّن جل وعلا أنَّ مِن أهوالِ يومِ القيامة: أنها تَخْفِضُ أقوامًا، وتَرْفَعُ آخرين، وقدَّم الخفضَ لتهويلِ الأمرِ، وهو أنَّ يومَ القيامةِ هولُهُ صعبٌ على الكلمات والألفاظ.

[4] ﴿إِذَا رُجَّتِ ٱلۡأَرۡضُ رَجّٗا 4﴾:

ثم ذكَرَ سبحانه أن الأرضَ تتزلزَلُ وتضطرِبُ اضطرابًا شديدًا.

[5] ﴿وَبُسَّتِ ٱلۡجِبَالُ بَسّٗا 5﴾:

ثم ذكَرَ جل شأنه أن الجبالَ تتفتَّت تفتيتًا دقيقًا.

[6] ﴿فَكَانَتۡ هَبَآءٗ مُّنۢبَثّٗا 6﴾:

وبيَّن جل في علاه أنَّ مِن شدَّة تفتيتها تصيرُ كالهَبَاءِ المنثورِ المتطايِرِ في الهواء.

[7] ﴿وَكُنتُمۡ أَزۡوَٰجٗا ثَلَٰثَةٗ 7﴾:

ثم بيَّن سبحانه وتعالى أن الناس ينقسمون إلى ثلاثةِ أصناف؛ فاثنانِ مِن الأصناف الثلاثة في الجنة، والثالثُ في النار. والراجحُ: أن المقصود بالخطابِ هما الثَّقَلانِ من الإنسِ والجِنِّ، من الأوَّلين والآخرين، وليس فقطْ للذين نزَلَتْ عليهم الآية.

[8] ﴿فَأَصۡحَٰبُ ٱلۡمَيۡمَنَةِ مَآ أَصۡحَٰبُ ٱلۡمَيۡمَنَةِ 8﴾:

ثم بيَّن سبحانه أوَّل هذه الأقسام، وهم أصحابُ الميمنةِ الذين يستلمون صحائفَهم باليمين، ثم يُسَارُ بهم إلى اليمينِ للجَنَّة؛ فما أعظَمَ شأنَهم، وما أفخَمَ أحوالَهم!

[9] ﴿وَأَصۡحَٰبُ ٱلۡمَشۡـَٔمَةِ مَآ أَصۡحَٰبُ ٱلۡمَشۡـَٔمَةِ 9﴾:

وأما القسمُ الثاني، فهم أصحابُ المشأمة، أي: أصحابُ الشمالِ الذين يستلمون صحائفَهم بالشمال، ثم يسارُ بهم إلى الشمالِ للنار، والعياذ بالله؛ فما أحقَرَ شأنَهم، وما أسوأ عاقبَتهم!

[10] ﴿وَٱلسَّٰبِقُونَ ٱلسَّٰبِقُونَ 10﴾:

وأما القسمُ الثالثُ، فهم القسمُ الأعلى، الذين سبقوا في الدنيا إلى الكمالاتِ الإيمانيَّة؛ مِن الإخلاصِ، والجهادِ، والأعمالِ الصالحات، وأعمالِ البِرِّ المتنوِّعةِ؛ فالسابقون في الدنيا إلى الخيراتِ هم السابقون في الآخرة إلى رضوان الله.

[11] ﴿أُوْلَٰٓئِكَ ٱلۡمُقَرَّبُونَ 11﴾:

ثم بين سبحانه أن السابقون إلى الخيرات في الدنيا هم المقرَّبون إلى الثوابِ والجزاءِ الأعظمِ عند الله. وربما يكونُ هذا التقسيمُ للإنسِ والجنِّ منذ عصر آدَمَ إلى قيام الساعة.

[12] ﴿فِي جَنَّٰتِ ٱلنَّعِيمِ 12﴾:

ثم بين سبحانه أنهم مقربون في الدَّرَجاتِ العليا في جنة عَدْن.

[13] ﴿ثُلَّةٞ مِّنَ ٱلۡأَوَّلِينَ 13﴾:

ثم بيَّن جل وعلا أنَّ هذا الصنفَ المختارَ مِن المؤمنين كثيرٌ منهم من المتقدِّمين من أمَّة محمَّد وغيرها.

[14] ﴿وَقَلِيلٞ مِّنَ ٱلۡأٓخِرِينَ 14﴾:

ثم بيَّن سبحانه أن قليلًا منهم مِن الآخِرين. وهذا يدُلُّ على فضل سَلَفِنا الصالحِ مِن أصحابِ محمَّدٍ ﷺ ومِن التابعين؛ فهم المقرَّبون إلى ثوابِ الله، وعظيمِ كرامته.

[15] ﴿عَلَىٰ سُرُرٖ مَّوۡضُونَةٖ 15﴾:

ثم بيَّن جل وعلا ما أعده للسابقين بالخيرات؛ فأخبَرَ أنهم في تلك الجنات على سُرُرٍ منسوجةٍ مِن خيوط الذهب، مزخرفةٍ بالدُّرِّ والياقوتِ والزبرجد.

[16] ﴿مُّتَّكِـِٔينَ عَلَيۡهَا مُتَقَٰبِلِينَ 16﴾:

ثم بيَّن سبحانه أن السابقين بالخيرات متكئين على هذه السرر يقابِلُ بعضُهم بعضًا.

[17] ﴿يَطُوفُ عَلَيۡهِمۡ وِلۡدَٰنٞ مُّخَلَّدُونَ 17﴾:

وهؤلاءِ السابقون بالخيراتِ يدُورُ عليهم لخِدْمتهم وِلْدانٌ في غاية الحُسْن، لا يَهْرَمونَ ولا يتغيَّرون.

[18] ﴿بِأَكۡوَابٖ وَأَبَارِيقَ وَكَأۡسٖ مِّن مَّعِينٖ 18﴾:

وبين سبحانه أن هؤلاء الولدان معهم أكوابٌ وأباريقُ، وكؤوس من خَمْرٍ لذيذةٍ خارجةٍ من عينٍ لا تَنْضُب، يدورون بها على أولئك السابقين بالخيرات.

[19] ﴿لَّا يُصَدَّعُونَ عَنۡهَا وَلَا يُنزِفُونَ 19﴾:

ثم بين سبحانه أن كؤوس الخمر هذه لا آفةَ فيها، ولا أذيَّة تعتريها؛ فلا يحصُلُ لهم صُدَاعٌ، ولا تذهبُ عقولهم من شربها.

[20] ﴿وَفَٰكِهَةٖ مِّمَّا يَتَخَيَّرُونَ 20﴾:

وبين سبحانه أن هؤلاء السابقين بالخيرات لهم في الجنة ما يتخيَّرون وما يشتهون مِن الفواكهِ اللذيذة.

[21] ﴿وَلَحۡمِ طَيۡرٖ مِّمَّا يَشۡتَهُونَ 21﴾:

وبين سبحانه أن لهم في الجنة مِن لَحْمِ الطيرِ ما يشتهون مِن أصنافِها وأجناسِها.

[22] ﴿وَحُورٌ عِينٞ 22﴾:

وبين سبحانه أن لهم في الجنَّةِ حُورٌ عِينٌ، وهنَّ النساءُ الجميلاتُ ذواتُ العيونِ الواسعةِ الجميلة، المَصُوناتُ العفيفاتُ.

[23] ﴿كَأَمۡثَٰلِ ٱللُّؤۡلُوِٕ ٱلۡمَكۡنُونِ 23﴾:

ثم شبه سبحانه الحور العين باللؤلؤُ المصونُ الذي لم يُمَسَّ، من شدة جمالهن، بالإضافةِ إلى نسائهم في الدنيا اللواتي جعَلَهُنَّ الله أجملَ مِن الحُور العين.

[24] ﴿جَزَآءَۢ بِمَا كَانُواْ يَعۡمَلُونَ 24﴾:

ثم بيَّن جل وعلا أن هذه النِّعَمَ كانت جزاءً لهم بما كانوا يعملون في الدنيا؛ بما أُمِروا به مِن التوحيدِ وكلِّ ما يحبُّه الله ويرضاه مِن الأقوال والأعمال.

[25] ﴿لَا يَسۡمَعُونَ فِيهَا لَغۡوٗا وَلَا تَأۡثِيمًا 25﴾:

ومما أنعَمَ الله به عليهم: أنهم لا يسمعون في الجنَّةِ ما فَحُشَ مِن القولِ، أو جلَبَ الإثم، وما لا فائدةَ منه؛ فلا يسمعونَ إلا الكلامَ الطيِّب.

[26] ﴿إِلَّا قِيلٗا سَلَٰمٗا سَلَٰمٗا 26﴾:

وبين سبحانه أنهم لا يسمعون إلا الكلام الطيب ومن ذلك: سَلَامُ بعضِهم على بعض، وتحيَّةُ بعضهم بعضًا.

[27] ﴿وَأَصۡحَٰبُ ٱلۡيَمِينِ مَآ أَصۡحَٰبُ ٱلۡيَمِينِ 27﴾:

ولما فرَغَ جل وعلا مِن ذكرِ أحوالِ السابقين، ذكَرَ أحوالَ نعيمِ أصحابِ اليمين، وما هم صائرون إليه مِن النعيم؛ فأخبَرَ أن أصحابَ اليمين عظيٌم شأنُهم، رفيعةٌ منزلتُهم.

[28] ﴿فِي سِدۡرٖ مَّخۡضُودٖ 28﴾:

ثم بين سبحانه أن أصحاب اليمين مستقِرُّونَ في جناتٍ مليئةٍ بشجرِ السِّدْرِ الذي خلا منه الشَّوْك.

[29] ﴿وَطَلۡحٖ مَّنضُودٖ 29﴾:

ومما أنعم الله به على أصحاب اليمين أنهم في جنات مليئة بشجر المَوْزِ المتراكِبِ بعضُهُ على بعض.

[30] ﴿وَظِلّٖ مَّمۡدُودٖ 30﴾:

ومما أنعم الله به عليهم أنهم في ظلٍّ ممتدٍّ دائمٍ لا يزول.

[31] ﴿وَمَآءٖ مَّسۡكُوبٖ 31﴾:

ومما أنعم الله به عليهم هذا الماءُ العذبِ الزُّلَالِ المنصبِّ، الذي يجري ويتدفَّق مِن عيونِ الجنة وأنهارها.

[32] ﴿وَفَٰكِهَةٖ كَثِيرَةٖ 32﴾:

ومما أنعم الله به على أصحاب اليمين أنواعًا من الفواكه اللذيذةٍ والكثيرةٍ.

[33] ﴿لَّا مَقۡطُوعَةٖ وَلَا مَمۡنُوعَةٖ 33﴾:

وبين سبحانه أن هذه الفواكه موجودةٍ على الدوام، لا تنقطِعُ في وقتٍ من الأوقات، بل إنها تقترِبُ ممن أراد قطعها.

[34] ﴿وَفُرُشٖ مَّرۡفُوعَةٍ 34﴾:

وأهلُ الجنة مع كلِّ هذا يجلسون على أَسِرَّةٍ عاليةٍ مرتفعة.

[35] ﴿إِنَّآ أَنشَأۡنَٰهُنَّ إِنشَآءٗ 35﴾:

ثم أخبَرَ جل وعلا أنه خلَقَ نساءَ أهل الجنة مِن الحُورِ العِينِ خَلْقًا جديدًا، وأنه يعيدُ خَلْقَ نسائهم في الدنيا خلقًا جديدًا، ويجعلهُنَّ أجملَ مِن الحور العين، ولا يُفْنيهِنَّ الموت.

[36] ﴿فَجَعَلۡنَٰهُنَّ أَبۡكَارًا 36﴾:

ثم بيَّن سبحانه أنه جعلَ نساء أهل الجنة من الحور العين أبكارًا -لم تُفْتَضَّ بكارتُهُنَّ بعدُ- متحبِّباتٍ إلى أزواجهنَّ، متساوياتٍ في السِّنِّ.

[37] ﴿عُرُبًا أَتۡرَابٗا 37﴾:

وبين سبحانه أنه أنشأ نساء أهل الجنة من الحور العين في غاية من الجمال وجعلهن أبكارًا، كما جعلهن محببات إلى أزواجهن على سن واحدة.

[38] ﴿لِّأَصۡحَٰبِ ٱلۡيَمِينِ 38﴾:

ثم بين سبحانه أن أنشأ هؤلاء النساء لأصحابِ اليمينِ الذين آمنوا بالله، وعملوا الصالحات في الدنيا تكريمًا لهم.

[39] ﴿ثُلَّةٞ مِّنَ ٱلۡأَوَّلِينَ 39﴾:

ثم بيَّن جل وعلا أن هذا الصنفَ المختارَ مِن أصحابِ اليمينِ كثيرٌ، منهم مِن المتقدِّمين من الأممِ السابقة.

[40] ﴿وَثُلَّةٞ مِّنَ ٱلۡأٓخِرِينَ 40﴾:

وبين سبحانه أيضًا أن كثيرًا منهم من أمة محمَّد ﷺ.

[41] ﴿وَأَصۡحَٰبُ ٱلشِّمَالِ مَآ أَصۡحَٰبُ ٱلشِّمَالِ 41﴾:

ثم شرَعَ جل وعلا في بيانِ أصحابِ الشمال، وهم الكفَّارُ والمشرِكون والملحِدون والمنافِقون نفاقًا اعتقاديًّا، وغيرُهم مِنْ مِلَلِ الكفر؛ فما حالُ هؤلاءِ القومِ وما جزاؤُهم؟

[42] ﴿فِي سَمُومٖ وَحَمِيمٖ 42﴾:

ثم بين سبحانه أن أصحاب الشمال في حَرٍّ ينفُذُ في مسامِّ الجسد.

[43] ﴿وَظِلّٖ مِّن يَحۡمُومٖ 43﴾:

ومن أحوال أصحاب الشمال أن شرابُهم مِن ماءٍ حارٍّ شديدِ الغَلَيان.

[44] ﴿لَّا بَارِدٖ وَلَا كَرِيمٍ 44﴾:

ومن أحوالهم أنه يُظِلُّهم دُخَانٌ شديدُ السواد. وهذا الدخان ليس ببارِد، ولا حسَنِ المنظر.

[45] ﴿إِنَّهُمۡ كَانُواْ قَبۡلَ ذَٰلِكَ مُتۡرَفِينَ 45﴾:

ثم ذكَرَ جل وعلا أعمال أصحاب الشمال التي استحقُّوا بها هذا العذاب، فأخبَرَ أنهم كانوا في الحياة الدنيا متنعِّمين، لا هَمَّ لهم إلا السعيُ وراءَ شهواتهم.

[46] ﴿وَكَانُواْ يُصِرُّونَ عَلَى ٱلۡحِنثِ ٱلۡعَظِيمِ 46﴾:

ومن أعمالهم أنهم كانوا يُصِرُّون على الجُرْمِ الكبيرِ الذي هو الشرك.

[47] ﴿وَكَانُواْ يَقُولُونَ أَئِذَا مِتۡنَا وَكُنَّا تُرَابٗا وَعِظَٰمًا أَءِنَّا لَمَبۡعُوثُونَ 47﴾:

ثم بين سبحانه أن أصحاب الشمال كانوا يُنْكِرون البعث، ويقولون -على وجه الاستبعاد والتكذيب-: أئذا مِتْنا وصِرْنا ترابًا وعظامًا باليةً أئنَّا لمبعوثون مرةً أخرى؟!

[48] ﴿أَوَءَابَآؤُنَا ٱلۡأَوَّلُونَ 48﴾:

وبين سبحانه أنهم كانوا يقولون: وهل سيُبعَثُ آباؤنا الذين ماتوا قبلنا؟!

[49] ﴿قُلۡ إِنَّ ٱلۡأَوَّلِينَ وَٱلۡأٓخِرِينَ 49﴾:

ثم أمَرَ جل وعلا رسوله ﷺ أن يجيبهم ويقولَ لهم: إن الأوَّلين من الأمم السابقة، والآخِرينَ مِن الأمم اللاحقة، سوف يجمعون.

[50] ﴿لَمَجۡمُوعُونَ إِلَىٰ مِيقَٰتِ يَوۡمٖ مَّعۡلُومٖ 50﴾:

وبين سبحانه أنهم سوف يجمعون في صعيدٍ واحد، وفي يومٍ مؤقَّتٍ محدَّدٍ لا يعلم وقتَ مجيئه إلا هو وحده سبحانه، وهو يومُ القيامة.

[51] ﴿ثُمَّ إِنَّكُمۡ أَيُّهَا ٱلضَّآلُّونَ ٱلۡمُكَذِّبُونَ 51﴾:

وقل -أيها النبي- لهؤلاء المشركين: إنكم -أيها الضالُّون- عن طريقِ التوحيدِ والهداية، والجاحدون ليوم البعث سوف تعذبون.

[52] ﴿لَأٓكِلُونَ مِن شَجَرٖ مِّن زَقُّومٖ 52﴾:

ثم أقسم سبحانه أنهم سوف يأكلون مِن شجَرِ الزَّقُّومِ، وهي شجرةٌ ملعونة، كريهةُ المنظرِ والطَّعْم.

[53] ﴿فَمَالِـُٔونَ مِنۡهَا ٱلۡبُطُونَ 53﴾:

ثم بين سبحانه أنهم سوف يأكُلُونَ منها حتى تمتلئ بطونُهم.

[54] ﴿فَشَٰرِبُونَ عَلَيۡهِ مِنَ ٱلۡحَمِيمِ 54﴾:

وبين سبحانه أنهم سوف يشربون عليها ماءً حارًّا يغلي بسببِ العَطَشِ الشديد؛ ولكنه شُرْبٌ لا يشفي الغليل.

[55] ﴿فَشَٰرِبُونَ شُرۡبَ ٱلۡهِيمِ 55﴾:

ثمَّ بيَّن سبحانه أنهم سوف يشربون ولا يرتوون؛ فكأنهم الإبلُ التي أُصِيبتْ بداءِ الهُيَام؛ فلا يُرْوِي لها الماء غليلًا.

[56] ﴿هَٰذَا نُزُلُهُمۡ يَوۡمَ ٱلدِّينِ 56﴾:

ثم اعلموا أن هذا الطعامَ وهذا الشرابَ هو ضيافَتُكُمُ التي أُعِدَّتْ وجُهِّزَتْ لكم يوم القيامة.

[57] ﴿نَحۡنُ خَلَقۡنَٰكُمۡ فَلَوۡلَا تُصَدِّقُونَ 57﴾:

واعلموا -أيها الناس- أن الله جل وعلا هو الذي خلقكم ولم تكونوا شيئًا، فلماذا لا تصدِّقون بالبعث؟! وهل الذي أوجَدَكم على غير مثالٍ سابقٍ يَعْجِزُ عن إعادتكم؟!

[58] ﴿أَفَرَءَيۡتُم مَّا تُمۡنُونَ 58﴾:

ثم ذكَرَ جل وعلا أربعةَ أدلَّةٍ تُثبِتُ صحةَ البعثِ، وإمكانيةَ وقوعه؛ حيث قال سبحانه في الدليل الأوَّل: أخبِروني -أيها المشركون- عن هذا المَنِيِّ الذي تَقْذِفونه في أرحامِ نسائِكم؟!

[59] ﴿ءَأَنتُمۡ تَخۡلُقُونَهُۥٓ أَمۡ نَحۡنُ ٱلۡخَٰلِقُونَ 59﴾:

ثم سأل سبحانه فقال: هل أنتم -أيها المشركون- خلَقْتموهُ، وخلَقْتم ما به مِن الحيواناتِ المَنَويَّة، ورتَّبتم عدَدَها وما تحملُ مِن صفاتٍ؛ في كونِ المخلوقِ منها ذكرًا أو أنثى؟! أم أن الله هو الذي خلَقَ ذلك وقدَّره سبحانه؟!

[60] ﴿نَحۡنُ قَدَّرۡنَا بَيۡنَكُمُ ٱلۡمَوۡتَ وَمَا نَحۡنُ بِمَسۡبُوقِينَ 60﴾:

ثم بين سبحانه أنه هو وحده الذي قدَّر لموتكم آجالًا مختلِفةً وأعمارًا متفاوتة، حسَبَ ما اقتضته حكمته ومشيئتُهُ سبحانه، وأنه سبحانه ليس بمغلوب على ذلك.

[61] ﴿عَلَىٰٓ أَن نُّبَدِّلَ أَمۡثَٰلَكُمۡ وَنُنشِئَكُمۡ فِي مَا لَا تَعۡلَمُونَ 61﴾:

ثم بين سبحانه أنه ليس بعاجِزٍ أن يغيِّرَ خلقكم يوم القيامة، ويُنْشِئَكم خلقًا يَحْمِلُ ما لا تعلمونه من الصفاتِ والأحوالِ التي تتناسَبُ مع حياتكم الأبدية الجديدة؛ فأهلُ الجنة لهم صفاتُهم وأحوالُهم التي تناسِبُهم، وأهلُ النارِ لهم صفاتُهم وأحوالُهم التي تناسِبُهم.

[62] ﴿وَلَقَدۡ عَلِمۡتُمُ ٱلنَّشۡأَةَ ٱلۡأُولَىٰ فَلَوۡلَا تَذَكَّرُونَ 62﴾:

ثم لَامَهم جل وعلا على عدَمِ إعمالِ عقولهم، ولفَتَ أنظارهم إلى ما يعلمونه مِن حالهم؛ حيث قال لهم: إنكم -أيها المشركون- تعلمون علمَ اليقينِ أن ابتداء خَلْقكم كان من نُطْفة، ثم عَلَقة، ثم مُضْغة؛ فهلا أدرَكْتم أنَّ إعادةَ خَلْقكم أسهلُ مِن خلقكم أوَّلَ مرَّة، ولم تكونوا شيئًا؛ مع أنه لا شيءَ صعبٌ عليه سبحانه.

[63] ﴿أَفَرَءَيۡتُم مَّا تَحۡرُثُونَ 63﴾:

ثم ذكر جل وعلا الدليلُ الثاني على صِحَّةِ البعث؛ حيث قال سبحانه: وأَخْبِروني عن هذا البِذْرِ الذي تُلْقُونَهُ في أرضكم عند حراثتها؟!

[64] ﴿ءَأَنتُمۡ تَزۡرَعُونَهُۥٓ أَمۡ نَحۡنُ ٱلزَّٰرِعُونَ 64﴾:

ثم سأل سبحانه فقال: هل أنتم الذين تُخْرِجونَهُ نباتًا من الأرض وتُنَمُّونه؟! أم نحن الذين نُنْبِته؟!

[65] ﴿لَوۡ نَشَآءُ لَجَعَلۡنَٰهُ حُطَٰمٗا فَظَلۡتُمۡ تَفَكَّهُونَ 65﴾:

ثم قال سبحانه: لو نشاءُ لجعَلْنا الزرعَ المحروثَ وما فيه مِن الثمارِ فتاتًا متحطِّمًا متكسِّرًا، لا نَفْعَ فيه ولا فائدة، فصِرْتم تتعجَّبون طويلًا مما حَلَّ بزرعكم وبما حصَلَ له.

[66] ﴿إِنَّا لَمُغۡرَمُونَ 66﴾:

ثم أخبر سبحانه أنهم سيقولون متعجِّبين: إنا لخاسرون خسارةً عظيمةً؛ حيثُ ذهَبَ مالنا بلا عِوَض.

[67] ﴿بَلۡ نَحۡنُ مَحۡرُومُونَ 67﴾:

وأخبر سبحانه أنهم سيقولون أيضًا: بل لقد حُرِمنا رِزْقَنا بهلاكِ زَرْعنا.

[68] ﴿أَفَرَءَيۡتُمُ ٱلۡمَآءَ ٱلَّذِي تَشۡرَبُونَ 68﴾:

ثم ذكر سبحانه الدليلُ الثالثُ على صِحَّةِ البعث؛ حيث قال سبحانه: وأَخْبِروني عن هذا الماءِ العذبِ الزُّلَالِ الذي تشربونه؟!

[69] ﴿ءَأَنتُمۡ أَنزَلۡتُمُوهُ مِنَ ٱلۡمُزۡنِ أَمۡ نَحۡنُ ٱلۡمُنزِلُونَ 69﴾:

ثم سأل سبحانه فقال: هل أنتم مَنْ أنزله من السحاب؟! أم نحن مَنْ أنزله لكم، ويسَّر لكم شُرْبَهُ والانتفاعَ به؟!

[70] ﴿لَوۡ نَشَآءُ جَعَلۡنَٰهُ أُجَاجٗا فَلَوۡلَا تَشۡكُرُونَ 70﴾:

ثم قال سبحانه: لو نشاء لجعلنا ذلك الماءَ مالحًا فاسدًا لا تستسيغون شُرْبه؛ فهلَّا تشكُرُونَ الله الذي أنعم عليكم بهذه النِّعَم؛ فتوحِّدوه وتطيعوا رسوله ﷺ؟!

[71] ﴿أَفَرَءَيۡتُمُ ٱلنَّارَ ٱلَّتِي تُورُونَ 71﴾:

ثم ذكر سبحانه الدليلُ الرابعُ على صِحَّةِ البعث؛ حيث قال سبحانه: وأَخْبِروني عن هذه النارِ التي تُوقِدونها؟!

[72] ﴿ءَأَنتُمۡ أَنشَأۡتُمۡ شَجَرَتَهَآ أَمۡ نَحۡنُ ٱلۡمُنشِـُٔونَ 72﴾:

ثم سأل سبحانه فقال: هل أنتم الذين خلَقْتم شجَرَها أم نحن الخالقون؟!

[73] ﴿نَحۡنُ جَعَلۡنَٰهَا تَذۡكِرَةٗ وَمَتَٰعٗا لِّلۡمُقۡوِينَ 73﴾:

واعلموا –أيها الناس_ أن الله خلَقْ هذه النار؛ ليذكِّركم حَرُّها نارَ جهنَّم، وتكونَ موعظةً وعِبْرةً للمعتبرِين، وليستمتِعَ بها العبادُ في إصلاحِ أطعمتهم وأدواتهم، ومنفعةً للمسافرين في قضاء حوائجهم المختلفة.

[74] ﴿فَسَبِّحۡ بِٱسۡمِ رَبِّكَ ٱلۡعَظِيمِ 74﴾:

وما دام الأمرُ كذلك، فقَدِّسْ -أيها النبي- ربَّك ونَزِّههُّ عمَّا لا يليق به؛ فهو العظيمُ الذي منَحَ النعمَ ليستمتِعَ وينتفِعَ بها التقيُّ والفاجر.

[75] ﴿فَلَآ أُقۡسِمُ بِمَوَٰقِعِ ٱلنُّجُومِ 75﴾:

ثم أقسَمَ جل وعلا بمساقطِ النجوم في مغارِبها في السماء.

[76] ﴿وَإِنَّهُۥ لَقَسَمٞ لَّوۡ تَعۡلَمُونَ عَظِيمٌ 76﴾:

وأخبَرَ سبحانه أن هذا القسَمَ عظيمُ القَدْر، ولكنكم لا تعلمون قيمته ومنزلته. قال علماء الإعجاز: (هذه النجومُ التي أقسَمَ الله بها كانت في الأجواءِ العليا فوق المجرَّات، وأنها احترَقَتْ أو تفتَّتت، ولكنَّ مواقعها ما زالت عظيمةً مهولة، والله أعلم).

[77] ﴿إِنَّهُۥ لَقُرۡءَانٞ كَرِيمٞ 77﴾:

ثم ذكَرَ جل وعلا المقسَمَ عليه، وهو هذا القرآنُ الكريم، فقال: اعلموا -أيها الناس- أن هذا القرآنَ كريمٌ؛ لاشتماله على مصالحِ العبادِ في الدنيا والآخرة.

[78] ﴿فِي كِتَٰبٖ مَّكۡنُونٖ 78﴾:

وبين سبحانه أن هذا القرآن مصونٌ مستورٌ عن أعيُنِ الخلقِ في كتابٍ عند الله، وهذا الكتابُ قيل: إنه اللوحُ المحفوظ، وقيل: هو المصحَفُ الذي بأيدينا.

[79] ﴿لَّا يَمَسُّهُۥٓ إِلَّا ٱلۡمُطَهَّرُونَ 79﴾:

وبيَّن سبحانه أنَّ هذا القرآنُ لا يَمَسُّهُ إلا الملائكةُ الكرامُ المطهَّرون؛ وهذا هو الراجحُ في هذه الآية. وقيل: لا يَمَسُّهُ إلا المتطهِّرون مِن الشركِ والجَنَابةِ والحَدَث.

[80] ﴿تَنزِيلٞ مِّن رَّبِّ ٱلۡعَٰلَمِينَ 80﴾:

وأخبَرَ سبحانه أن هذا القرآن منزَّلُ مِن عند الله ربِّ العالمين.

[81] ﴿أَفَبِهَٰذَا ٱلۡحَدِيثِ أَنتُم مُّدۡهِنُونَ 81﴾:

ثم قال سبحانه: وهذا القرآنُ الذي هذا شأنُهُ وقَدْرُه؛ هل يستحِقُّ منكم -أيها المشركون- أن تكذِّبوا به، وتُعْرِضوا عنه، ولا تصدِّقوه.

[82] ﴿وَتَجۡعَلُونَ رِزۡقَكُمۡ أَنَّكُمۡ تُكَذِّبُونَ 82﴾:

ثم قال سبحانه: وتجعلون شُكْرَ النعمِ التي تفضَّل الله بها عليكم: أنكم تكذِّبون به سبحانه؛ فتنسُبُونَ نزولَ الأمطارِ للأنواء، وتنسُبُونَ النجاةَ مِن المهالكِ في البحارِ وغيرها إلى مهارةِ القائِدِ ونحوِ ذلك؛ فتكذِّبون بكون ذلك كلِّه من عند الله.

[83] ﴿فَلَوۡلَآ إِذَا بَلَغَتِ ٱلۡحُلۡقُومَ 83﴾:

ثم بيَّن جل وعلا عَجْزَهم، فقال لهم: هل تستطيعون -أيها المشركون- إذا بلَغَتْ نَفْسُ أحدكم الحُلْقومَ عند النَّزْعِ أن تفعلوا له شيئًا ينقذه.

[84] ﴿وَأَنتُمۡ حِينَئِذٖ تَنظُرُونَ 84﴾:

وهل تستطيعوا –أيها المشركون- إنقاذه وأنتم حضورٌ عنده، وتنظرون إليه؛ بأن تُمْسِكوا رُوحَهُ في جَسَده، وتمنعوا خروجها؟!

[85] ﴿وَنَحۡنُ أَقۡرَبُ إِلَيۡهِ مِنكُمۡ وَلَٰكِن لَّا تُبۡصِرُونَ 85﴾:

واعلموا –أيها المشركون- أن الله سبحانه -بعِلْمِهِ وقُدْرتِهِ وملائكتِهِ الذين يقبضون روحه- أقرَبُ إليه منكم، ولكنْ لا ترون ذلك.

[86] ﴿فَلَوۡلَآ إِن كُنتُمۡ غَيۡرَ مَدِينِينَ 86﴾:

ثم سأل سبحانه فقال: فإذا كنتم -أيها المشركون- غيرَ مؤمنين بأن هناك بَعْثًا وحسابًا يوم القيامة.

[87] ﴿تَرۡجِعُونَهَآ إِن كُنتُمۡ صَٰدِقِينَ 87﴾:

فإذا كنتم كذلك فهل تستطيعون أن تُرجِعُوا هذه النَّفْسَ التي بلَغَتِ الحلقومَ إلى البَدَنِ الذي نُزِعَتْ منه؛ إن كنتم صادقين بأنه لا بَعْثَ ولا حسابَ ولا عقاب؟!

[88] ﴿فَأَمَّآ إِن كَانَ مِنَ ٱلۡمُقَرَّبِينَ 88﴾:

ثم ذكَرَ جل وعلا حالَ المحتضَرِينَ في الدنيا، وقسَّمهم إلى ثلاثة أقسام؛ فالقسمُ الأول: إنْ كان هذا الميِّتُ من المحسِنِينَ السابقينَ بالدرَجاتِ العلا.

[89] ﴿فَرَوۡحٞ وَرَيۡحَانٞ وَجَنَّتُ نَعِيمٖ 89﴾:

فبين سبحانه أن له عند ربه استراحةٌ وسرورٌ، وبهجةٌ ورزقٌ حسَنٌ، وجنةٌ واسعةٌ يتنعَّم فيها.

[90] ﴿وَأَمَّآ إِن كَانَ مِنۡ أَصۡحَٰبِ ٱلۡيَمِينِ 90﴾:

ثم ذكر سبحانه القسمُ الثاني فقال: وإنْ كان هذا الميِّتُ من أصحاب اليمين -وهم أقلُّ رتبةً من المقرَّبين-.

[91] ﴿فَسَلَٰمٞ لَّكَ مِنۡ أَصۡحَٰبِ ٱلۡيَمِينِ 91﴾:

فبين سبحانه أن الملائكة تبشره، وتقول له: سلامٌ حاصلٌ لك مِن إخوانِكَ أصحاب اليمين، ويَسْلَمُ مِن كلِ آفةٍ وشدَّةٍ وبليَّة.

[92] ﴿وَأَمَّآ إِن كَانَ مِنَ ٱلۡمُكَذِّبِينَ ٱلضَّآلِّينَ 92﴾:

ثم ذكر سبحانه القسمُ الثالثُ فقال: وإن كان هذا الميِّتُ من المكذِّبينَ بالله ورُسُلِهِ، الجاحِدِينَ بالبعثِ واليومِ الآخر، الضالِّينَ عن التوحيد والطاعة.

[93] ﴿فَنُزُلٞ مِّنۡ حَمِيمٖ 93﴾:

فبين سبحانه أن ضيافتُهُ التي أُعِدَّتْ له في النار: ماءٌ حارٌّ مَغْليٌّ تناهى في الحرارة، يشربه بعد أكله من الزَّقُّوم.

[94] ﴿وَتَصۡلِيَةُ جَحِيمٍ 94﴾:

وأنه يُجعَلُ في نارِ جهنَّم يَصْلَاها ويذوقها ويقاسي حرَّها وعذابها؛ نسأل الله السلامة والعافية.

[95] ﴿إِنَّ هَٰذَا لَهُوَ حَقُّ ٱلۡيَقِينِ 95﴾:

واعلم -أيها النبي- أن هذا الذي قصَصْناه عليك هو حقُّ اليقينِ الذي لا شكَّ فيه. وللحقِّ مراتبُ ثلاثٌ، هذه أقواها، والمرتبتان الأخرَيَانِ ذُكِرتا في سورة التكاثر: علمُ اليقين، وعَيْنُ اليقين.

[96] ﴿فَسَبِّحۡ بِٱسۡمِ رَبِّكَ ٱلۡعَظِيمِ 96﴾:

ثم أمَرَ سبحانه نبيه ﷺ في ختام هذه السورة أن يقدِّسَ ربَّه وينزِّهه عن كلِّ ما لا يليق.

سورة الحديد

سورةُ الحديد مدنيَّة، وآياتها تسع وعشرون آية.

[1] ﴿سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۖ وَهُوَ ٱلۡعَزِيزُ ٱلۡحَكِيمُ 1﴾:

افتتَحَ جل وعلا السورةَ مخبِرًا أن كلَّ مَنْ في السموات والأرض قدَّسه ومجَّده ونزَّهه، وهو المستحِقُّ للتنزيه والتقديس قولًا واعتقادًا وعملًا، ثم أخبَرَ أنه العزيزُ الذي لا ينازِعُهُ أحدٌ في سلطانه، الحكيمُ في ترتيبِ أمورِ عباده.

[2] ﴿لَهُۥ مُلۡكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۖ يُحۡيِۦ وَيُمِيتُۖ وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ قَدِيرٌ 2﴾:

ثم أخبَرَ جل وعلا أنه وحده له ملك السموات والأرض وما فيهما؛ فهو المالكُ المتصرِّفُ في خلقه، يحيي ما يشاء مِن الخَلْق، ويُمِيتُ ما يشاء من الخَلْق، وهو على كلِّ شيء قدير؛ لا يعجزه شيءٌ في الأرض ولا في السماء.

[3] ﴿هُوَ ٱلۡأَوَّلُ وَٱلۡأٓخِرُ وَٱلظَّٰهِرُ وَٱلۡبَاطِنُۖ وَهُوَ بِكُلِّ شَيۡءٍ عَلِيمٌ 3﴾:

ثم أخبَرَ جل وعلا أنَّ مُلْكَهُ دائمٌ باق؛ وأخبَرَ أنه الأوَّلُ فليس قبله شيء، والآخِرُ فليس بعده شيء، والظاهِرُ الذي ليس فوقه شيء، والباطنُ الذي ليس دونه شيءٌ؛ وهو بكلِّ شيءٍ عليم، لا يفوته شيء، ولا يخفى عليه شيء.

[٤] ﴿هُوَ ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٖ ثُمَّ ٱسۡتَوَىٰ عَلَى ٱلۡعَرۡشِۖ يَعۡلَمُ مَا يَلِجُ فِي ٱلۡأَرۡضِ وَمَا يَخۡرُجُ مِنۡهَا وَمَا يَنزِلُ مِنَ ٱلسَّمَآءِ وَمَا يَعۡرُجُ فِيهَاۖ وَهُوَ مَعَكُمۡ أَيۡنَ مَا كُنتُمۡۚ وَٱللَّهُ بِمَا تَعۡمَلُونَ بَصِيرٞ 4﴾:

أخبَرَ جل وعلا أنه وحده الذي خلَقَ السمواتِ والأرضَ بقُدْرته وحِكْمته في ستة أيام، قيل: إنها مِن أيام الدنيا، وقيل: بل هي من الأيَّام التي قال الله عنها: ﴿وَإِنَّ يَوۡمًا عِندَ رَبِّكَ كَأَلۡفِ سَنَةٖ مِّمَّا تَعُدُّونَ﴾ [الحج:47]، وربَّما كان هذا هو الأقربَ للصواب. ثم أخبَرَ سبحانه أنه علا وارتفع على العَرْش، واستوى استواءً يليق بجلاله وعظمته، لا نَعْرِفُ كيفيته؛ وهذا هو قول أهل السنة والجماعة، أما غيرُهم، فيؤوِّلون ويقولون: (استوى)، بمعنى: استولى، ويقالُ لهؤلاء: أليس اللهُ كان قبل ذلك مستوليًا على كل شيء بما في ذلك العرشُ؟! ثم أخبَرَ سبحانه أنه يعلم بواطنَ الأمور وظواهرها؛ فيعلم ما يدخُلُ في الأرضِ مِن حيوانٍ ومطَرٍ ومعادنَ وغيرِ ذلك، وما يخرُجُ منها مِن نباتٍ وزرعٍ وثمار، وما يَنْزِلُ مِن السماء مِن مَطَرٍ وغيره، وما يعرُجُ فيها مِن كلِّ شيء ومِن الملائكة والأعمال. ثم أخبَرَ سبحانه أنه مع عباده بعلمه في الأرض والجَوِّ والبحر، وفي كلِّ مكان، وهناك معيَّتان: معيَّةٌ خاصَّةٌ بالمؤمنين، وهي معيَّةُ الحفظِ والرعاية، ومعيَّةٌ عامَّةٌ بالبشَرِ وغيرهم؛ وهي معيَّةُ الرؤية والاطِّلاع والمتابعة وحفظ الأعمال وتسجيلها، واعلموا أن الله بما تعملون بصير، لا يخفى عليه شيءٌ من أعمالكم وأقوالكم.

[5] ﴿لَّهُۥ مُلۡكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۚ وَإِلَى ٱللَّهِ تُرۡجَعُ ٱلۡأُمُورُ 5﴾:

ثم أخبَرَ جل وعلا أن له وحده مُلْكَ السموات والأرض، يتصرَّفُ فيهما بما أراد، وكيف شاء؛ مِن أوامره القدريَّةِ والشرعيَّةِ الجاريةِ على الحِكْمةِ الربانيَّة، وإلى الله مرجعُ ومصيرُ كلِّ الأمور.

[6] ﴿يُولِجُ ٱلَّيۡلَ فِي ٱلنَّهَارِ وَيُولِجُ ٱلنَّهَارَ فِي ٱلَّيۡلِۚ وَهُوَ عَلِيمُۢ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ 6﴾:

ثم بيَّن جل وعلا أنه يجعلُ ظلامَ الليلِ يتسلَّل إلى النهار شيئًا فشيئًا حتى يغشاه الظلامُ، فيصير ليلًا بهيمًا، ثم يعودُ النهارُ ثانيةً فيتسلَّلُ شيئًا فشيئًا، حتى يعُمَّ نُورُ الشمسِ الكونَ المقابِلَ للشمس، ثم بيَّن سبحانه أنه عليمٌ بمكنوناتِ الصدورِ وأسرارِها وخواطِرِها.

[7] ﴿ءَامِنُواْ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦ وَأَنفِقُواْ مِمَّا جَعَلَكُم مُّسۡتَخۡلَفِينَ فِيهِۖ فَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ مِنكُمۡ وَأَنفَقُواْ لَهُمۡ أَجۡرٞ كَبِيرٞ 7﴾:

ثم حَثَّ جل وعلا عباده على الإيمانِ والإنفاقِ في سبيله، فأمَرَهم أن يؤمنوا بالله ورسوله ﷺ، وأن يُنْفِقوا من أموالهم التي جعلهم مستَخْلَفين فيها؛ وفي هذا دليلٌ على أن المالكَ الحقَّ هو الله؛ ولذا يجبُ على المستخلَفِ أن يُحْسِنَ التصرُّفَ في نعم الله التي استخلفه عليها، وأن يبذُلَ أمواله على النحو الذي يريد المستخلف، ثم أثنى سبحانه ومدَحَ الممتثِلين، فأخبَرَ أن الذين آمنوا من الناس، وأنفقوا مالهم في سبيل الله، لهم ثوابٌ عظيم، لا يعلمُ قَدْرهُ إلا الله.

[8] ﴿وَمَا لَكُمۡ لَا تُؤۡمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلرَّسُولُ يَدۡعُوكُمۡ لِتُؤۡمِنُواْ بِرَبِّكُمۡ وَقَدۡ أَخَذَ مِيثَٰقَكُمۡ إِن كُنتُم مُّؤۡمِنِينَ 8﴾:

ثم قال جل وعلا لهؤلاء المشركين توبيخًا لهم: وأيُّ عُذْرٍ لكم -أيها المشركون- على ترك الإيمان بالله ورسوله ﷺ؟! لا سيَّما والرسولُ ﷺ بين أظهُرِكم، وقد بيَّن لكم من آيات القرآن ما فيه بلاغٌ وحجةٌ لتؤمنوا به جل في علاه، وقد أخَذَ سبحانه عليكم العهودَ والمواثيقَ على هذا الإيمان؛ كما قال تعالى: ﴿وَإِذۡ أَخَذَ رَبُّكَ مِنۢ بَنِيٓ ءَادَمَ مِن ظُهُورِهِمۡ ذُرِّيَّتَهُمۡ وَأَشۡهَدَهُمۡ عَلَىٰٓ أَنفُسِهِمۡ أَلَسۡتُ بِرَبِّكُمۡۖ قَالُواْ بَلَىٰ شَهِدۡنَآۚ أَن تَقُولُواْ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ إِنَّا كُنَّا عَنۡ هَٰذَا غَٰفِلِينَ﴾ [الأعراف:١٧٢]، وحصَلَ ما يقتضي أن تؤمنوا لسببٍ مِن الأسباب: وعلى رأس هذه الأسباب وجودُ الرسول ﷺ بينكم يدعوكم إلى هذا الإيمان، ويُقْنِعُكم بوجوبِ الاعتصام به.

[9] ﴿هُوَ ٱلَّذِي يُنَزِّلُ عَلَىٰ عَبۡدِهِۦٓ ءَايَٰتِۭ بَيِّنَٰتٖ لِّيُخۡرِجَكُم مِّنَ ٱلظُّلُمَٰتِ إِلَى ٱلنُّورِۚ وَإِنَّ ٱللَّهَ بِكُمۡ لَرَءُوفٞ رَّحِيمٞ 9﴾:

ثم بيَّن سبحانه أن مِنْ نِعَمِهِ على عباده: أنه نزَّل على عبده محمَّد ﷺ آياتٍ واضحاتٍ؛ ليُخْرِجكم من ظلمات الكفر والجهل، إلى نور الإيمان والعلم، وأنه سبحانه كثيرُ الرحمةِ والرأفةِ بعباده المؤمنين؛ حيثُ أنزَلَ عليهم أفضلَ كتبه، وأرسل لهم أفضَلَ رسله.

[10] ﴿وَمَا لَكُمۡ أَلَّا تُنفِقُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ وَلِلَّهِ مِيرَٰثُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۚ لَا يَسۡتَوِي مِنكُم مَّنۡ أَنفَقَ مِن قَبۡلِ ٱلۡفَتۡحِ وَقَٰتَلَۚ أُوْلَٰٓئِكَ أَعۡظَمُ دَرَجَةٗ مِّنَ ٱلَّذِينَ أَنفَقُواْ مِنۢ بَعۡدُ وَقَٰتَلُواْۚ وَكُلّٗا وَعَدَ ٱللَّهُ ٱلۡحُسۡنَىٰۚ وَٱللَّهُ بِمَا تَعۡمَلُونَ خَبِيرٞ 10﴾:

ثم قال جل وعلا لأولئك الممسكين المانعين للنفقة في سبيل الله: فما لكم -أيها الناس- لا تنفقون مما رزقكم الله، وأنتم تعلمون أن أموالَكُمْ صائرةٌ إليه إن لم تُنْفِقوها في حياتكم في سبيل الله؛ لأن له سبحانه ميراثَ السموات والأرض، يَرِثُ كلَّ ما فيهما، واعلموا أنه لا يستوي مَنْ آمَنَ وهاجَرَ وأنفَقَ ماله وقاتَلَ في سبيل الله قبل فَتْح مكَّة؛ فأولئك أعظمُ منزلةً عند الله، وأرفعُ درجةً، من الذين أنفقوا أموالهم في سبيله وقاتلوا بعد فتح مكَّة، وقد وعد الله كِلا الفريقَيْنِ الجنةَ، واللهُ بما تعملون خبير، لا يخفى عليه شيءٌ مِن أعمالكم، وسيجازي كلًّا بما عَمِل.

[11] ﴿مَّن ذَا ٱلَّذِي يُقۡرِضُ ٱللَّهَ قَرۡضًا حَسَنٗا فَيُضَٰعِفَهُۥ لَهُۥ وَلَهُۥٓ أَجۡرٞ كَرِيمٞ 11﴾:

ثم حثَّ جل وعلا على الإنفاق في سبيله؛ فبيَّن أن مَنْ يُنْفِقْ في سبيل الله يرجو ثوابه كمَنْ يُقرِضُ لله، وأن مَنْ يفعلْ ذلك محتسبًا الأجرَ والثوابَ عند الله، فإن الله يضاعِفُ له أجره أضعافًا كثيرة، وله فوق ذلك جزاءٌ كريمٌ مِن الله، وهو دخولُ الجنة.

[12] ﴿يَوۡمَ تَرَى ٱلۡمُؤۡمِنِينَ وَٱلۡمُؤۡمِنَٰتِ يَسۡعَىٰ نُورُهُم بَيۡنَ أَيۡدِيهِمۡ وَبِأَيۡمَٰنِهِمۖ بُشۡرَىٰكُمُ ٱلۡيَوۡمَ جَنَّٰتٞ تَجۡرِي مِن تَحۡتِهَا ٱلۡأَنۡهَٰرُ خَٰلِدِينَ فِيهَاۚ ذَٰلِكَ هُوَ ٱلۡفَوۡزُ ٱلۡعَظِيمُ 12﴾:

ذكَرَ جل وعلا مشهدًا مما يكونُ يومَ الحشر، يومَ أن تَرَى حالَ المؤمنين المتَّقين يومَ القيامة وهم يعبُرُونَ الصراط؛ حيثُ يتقدَّمهم نُورُهم، فيكونُ أمامهم وعن يمينهم، ثم تستقبِلُهم الملائكة، وتقولُ لهم: بُشْراكم اليومَ تدخلون جنَّاتٍ واسعةً تجري من تحت أشجارها وقصورها الأنهار، لا تخرُجُونَ منها أبدًا؛ ذلك الجزاءُ الذي لا يقدَّر قدرُهُ هو الفوزُ العظيمُ لكم في الآخرة.

[13] ﴿يَوۡمَ يَقُولُ ٱلۡمُنَٰفِقُونَ وَٱلۡمُنَٰفِقَٰتُ لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱنظُرُونَا نَقۡتَبِسۡ مِن نُّورِكُمۡ قِيلَ ٱرۡجِعُواْ وَرَآءَكُمۡ فَٱلۡتَمِسُواْ نُورٗاۖ فَضُرِبَ بَيۡنَهُم بِسُورٖ لَّهُۥ بَابُۢ بَاطِنُهُۥ فِيهِ ٱلرَّحۡمَةُ وَظَٰهِرُهُۥ مِن قِبَلِهِ ٱلۡعَذَابُ 13﴾:

واذكر -أيها الإنسان- يوم أن يقول المنافقون والمنافقاتُ الذين أظهروا الإسلامَ، وأبطنوا الكفر؛ يقولون للمؤمنين وهم على الصراطِ على سبيلِ التذلُّلِ والتحسُّر: تريَّثوا في سيركم حتى نلحق بكم فنستضيءَ من نُوركم، فتقولُ لهم الملائكة سخريةً منهم: ارجعوا إلى الدنيا، واعملوا الصالحاتِ؛ لتحصُلُوا على مِثْلِ هذا النور، ولكنْ هيهاتَ هيهاتَ، وفي هذه الحال يُفْصَلُ بين المؤمنين والمنافقين بسُورٍ له باب، باطنُهُ الذي يلي المؤمنين فيه الرحمةُ، أي: فيه الجنَّة، وظاهرُهُ الذي يلي المنافقين فيه العذابُ، أي: فيه جهنَّمُ التي يعذَّبون فيها.

[14] ﴿يُنَادُونَهُمۡ أَلَمۡ نَكُن مَّعَكُمۡۖ قَالُواْ بَلَىٰ وَلَٰكِنَّكُمۡ فَتَنتُمۡ أَنفُسَكُمۡ وَتَرَبَّصۡتُمۡ وَٱرۡتَبۡتُمۡ وَغَرَّتۡكُمُ ٱلۡأَمَانِيُّ حَتَّىٰ جَآءَ أَمۡرُ ٱللَّهِ وَغَرَّكُم بِٱللَّهِ ٱلۡغَرُورُ 14﴾:

ثم ينادي المنافقون على المؤمنين، ويقولون لهم تضرُّعًا ورحمةً: يا معشَرَ المؤمنين، ألم نكنْ معكم في الإسلام، ونَعْمَلْ ما تعملون مِن صلاةٍ وصيامٍ ونفقةٍ وجهادٍ وغيرها؟! فيقولُ لهم المؤمنون: بلى كنتم معنا في ذلك في الظاهر، ولكنَّكم فتنتم أنفُسَكم بالنفاقِ وإبطانِ الكفر، وتربَّصتم بالنبيِّ ﷺ ومَنْ معه من المؤمنين الموتَ والهزيمةَ والاضمحلال، وشكَكْتُمْ في أمر الدِّين، وغرَّتكم الأمانيُّ الكاذبة، والأطماعُ الزائفة، وأقمتم على ذلك حتى انتهت آجالُكم، وجاءكم الموت، وخدَعَكُمُ الشيطان، فزيَّن لكم إبطانَ الكفر؛ فاطمأننتم إليه وأطعتموه.

[15] ﴿فَٱلۡيَوۡمَ لَا يُؤۡخَذُ مِنكُمۡ فِدۡيَةٞ وَلَا مِنَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْۚ مَأۡوَىٰكُمُ ٱلنَّارُۖ هِيَ مَوۡلَىٰكُمۡۖ وَبِئۡسَ ٱلۡمَصِيرُ 15﴾:

واعلموا -أيها المنافقون- في هذا اليومِ الرهيبِ لا يُقبَلُ منكم أن تَفْدُوا أنفُسَكم مِن العذاب -ولو دفَعْتم مثلَ ما في الأرض ذَهَبًا ومثله معه- فلن يَنْفَعَكم ولن يُقبَلَ منكم، ولا مِن الذين كفروا بالله ظاهرًا وباطنًا، واعلموا أن مَنْزِلَكم الذي تأوون إليه هو النار، فهي أَوْلى بكم؛ لِخُبْثِ نفوسكم، وبئس المصيرُ الذي صِرْتُم إليه، وقَدِمْتم عليه.

[16] ﴿أَلَمۡ يَأۡنِ لِلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ أَن تَخۡشَعَ قُلُوبُهُمۡ لِذِكۡرِ ٱللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ ٱلۡحَقِّ وَلَا يَكُونُواْ كَٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلۡكِتَٰبَ مِن قَبۡلُ فَطَالَ عَلَيۡهِمُ ٱلۡأَمَدُ فَقَسَتۡ قُلُوبُهُمۡۖ وَكَثِيرٞ مِّنۡهُمۡ فَٰسِقُونَ 16﴾:

ثم خاطَبَ جل وعلا عبادَهُ المؤمنين حاضًّا لهم على المداوَمةِ على الطاعة، فقال: ألم يَحِنِ الوقتُ للذين آمنوا بالله، وصدَّقوا الرسول ﷺ، واتَّبعوا هديه: أن تَلِينَ قلوبُهم عند ذكرِ اللهِ وسماعِ آياته؟! ولا يكونوا كاليهود والنصارى الذين لما طال عليهم الزمانُ، بدَّلوا كلام الله، فقسَتْ قلوبهم؛ فكثيرٌ من هؤلاء خارجون عن طاعة الله، ولكنِ استثنى سبحانه منهم نُخْبةً كانوا صالحين حفظًا لأهل كرامته.

[17] ﴿ٱعۡلَمُوٓاْ أَنَّ ٱللَّهَ يُحۡيِ ٱلۡأَرۡضَ بَعۡدَ مَوۡتِهَاۚ قَدۡ بَيَّنَّا لَكُمُ ٱلۡأٓيَٰتِ لَعَلَّكُمۡ تَعۡقِلُونَ 17﴾:

واعلموا -أيها الناس- أن الله جل وعلا يُحْيي الأرضَ القاحِلةَ الجَدْباءَ المَيْتةَ بإنزالِ المطر عليها؛ فتنبُتُ وتخضرُّ وتزهو، كذلك سبحانه هو قادرٌ على بَعْثِ الأجسام بعد موتها وإحيائها مرَّةً أخرى، وقد وضَّح سبحانه للناس الحُجَجَ والبراهينَ الدالَّةَ على كمال قدرته ووحدانيَّته؛ لكي يعقلوا ويتدبَّروا ما أنزل الله في القرآن.

[18] ﴿إِنَّ ٱلۡمُصَّدِّقِينَ وَٱلۡمُصَّدِّقَٰتِ وَأَقۡرَضُواْ ٱللَّهَ قَرۡضًا حَسَنٗا يُضَٰعَفُ لَهُمۡ وَلَهُمۡ أَجۡرٞ كَرِيمٞ 18﴾:

ثم أعاد جل وعلا الثناءَ على المنفقين في سبيل الله، ووعَدَ بمضاعَفةِ أجورهم، وجعَلَ ثقتهم في ثواب الله، كأنه إقراضٌ، فقال: واعلموا -أيها الناس- بأن المتصدِّقين والمتصدِّقات بأموالهم، الذين أنفقوا أموالهم في سبيل الله ابتغاءَ وجهه تعالى، يُضاعَفُ لهم ثوابُ إنفاقهم، ولهم فوق ذلك ثوابٌ جزيلٌ حسن، وهو الجنة.

[19] ﴿وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ بِٱللَّهِ وَرُسُلِهِۦٓ أُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلصِّدِّيقُونَۖ وَٱلشُّهَدَآءُ عِندَ رَبِّهِمۡ لَهُمۡ أَجۡرُهُمۡ وَنُورُهُمۡۖ وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَكَذَّبُواْ بِـَٔايَٰتِنَآ أُوْلَٰٓئِكَ أَصۡحَٰبُ ٱلۡجَحِيمِ 19﴾:

واعلموا -أيها الناس- أن الذين آمنوا بالله، وأقروا بوحدانيته، وصدَّقوا رسله واتَّبعوهم، أولئك هم في منزلة الصِّدِّيقين عند الله؛ لقوَّة إيمانهم وثقتهم بالله، واعلموا أن الذين استُشْهِدوا في المعارك في سبيل الله، لهم أجرٌ عظيمٌ عند الله، ونُورٌ يُكْرِمهم الله به، أما الذين كفروا بالله، وكذَّبوا بآياته وحُجَجه، فأولئك أصحابُ الجحيم، يعذَّبون فيها، لا أجر لهم ولا نُور.

[20] ﴿ٱعۡلَمُوٓاْ أَنَّمَا ٱلۡحَيَوٰةُ ٱلدُّنۡيَا لَعِبٞ وَلَهۡوٞ وَزِينَةٞ وَتَفَاخُرُۢ بَيۡنَكُمۡ وَتَكَاثُرٞ فِي ٱلۡأَمۡوَٰلِ وَٱلۡأَوۡلَٰدِۖ كَمَثَلِ غَيۡثٍ أَعۡجَبَ ٱلۡكُفَّارَ نَبَاتُهُۥ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَىٰهُ مُصۡفَرّٗا ثُمَّ يَكُونُ حُطَٰمٗاۖ وَفِي ٱلۡأٓخِرَةِ عَذَابٞ شَدِيدٞ وَمَغۡفِرَةٞ مِّنَ ٱللَّهِ وَرِضۡوَٰنٞۚ وَمَا ٱلۡحَيَوٰةُ ٱلدُّنۡيَآ إِلَّا مَتَٰعُ ٱلۡغُرُورِ 20﴾:

واعلموا -أيها الناس- أنما الحياة الدنيا التي تعيشون فيها، لَعِبٌ ولهوٌ كلَعِبِ الصبيانِ ولهوهم، وزينةٌ تتزيَّنون بها في ملابسكم ومساكنكم، وتفاخُرٌ بينكم بمتاعها كتفاخُرِ الأقران، وَتَباهٍ بكثرةِ الأموالِ والأولادِ كتكاثُرِ الدِّهْقان([3])؛ فلا تستحقُّ كلَّ هذا الحماسِ وهذا الوقتِ في طلبها. [3] الدِّهْقان: التاجرُ صاحب المال والعقار.

وهذه الدنيا مثَلُها كمثَلِ مطَرٍ أعجَبَ الزُّرَّاعَ نباتُهُ، لكنَّ عمره قصير، أسابيعُ، ثم يَهِيجُ، فتراه مصفرًّا بعد خُضْرته، ثم يكونُ فُتاتًا يابسًا تذروه الرياح. ثم بيَّن سبحانه أنَّ مَنْ أقبَلَ على الدنيا، ولم يجعلها زادًا للآخرة، فإن له في الآخرة عذابًا شديدًا، وأما من استفاد منها في طلب رضا الله، وجعلها سُلَّمًا للآخرة، فإن له مغفرةً لذنوبه ورضوانًا من الله، ثم اعلموا أن الحياةَ الدنيا لمن عَمِلَ لها ناسيًا آخِرَتَهُ ما هي إلا متاعُ الغرور، تتمتَّعون بها قليلًا، ثم إلى ربكم تُرْجَعون.

[21] ﴿سَابِقُوٓاْ إِلَىٰ مَغۡفِرَةٖ مِّن رَّبِّكُمۡ وَجَنَّةٍ عَرۡضُهَا كَعَرۡضِ ٱلسَّمَآءِ وَٱلۡأَرۡضِ أُعِدَّتۡ لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ بِٱللَّهِ وَرُسُلِهِۦۚ ذَٰلِكَ فَضۡلُ ٱللَّهِ يُؤۡتِيهِ مَن يَشَآءُۚ وَٱللَّهُ ذُو ٱلۡفَضۡلِ ٱلۡعَظِيمِ 21﴾:

ثم حَثَّ جل وعلا عباده على نيلِ مرضاةِ الله؛ فأمَرَهم أن يسارعوا في عملِ الخيراتِ والأعمالِ الصالحاتِ التي تكونُ سببًا في مغفرةِ الله لهم، وسببًا في إدخالهم جَنَّةٍ عَرْضُها كعَرْضِ السماء والأرض، وهذه الجنةُ هيَّأها سبحانه للذين آمنوا به، واتَّبعوا رسله، واعلموا أن ذلك الفضلَ يؤتيه الله مَنْ يشاء من عباده، واللهُ ذو الفضلِ العظيمِ على عباده المؤمنين.

[22] ﴿مَآ أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٖ فِي ٱلۡأَرۡضِ وَلَا فِيٓ أَنفُسِكُمۡ إِلَّا فِي كِتَٰبٖ مِّن قَبۡلِ أَن نَّبۡرَأَهَآۚ إِنَّ ذَٰلِكَ عَلَى ٱللَّهِ يَسِيرٞ 22﴾:

ثم بيَّن جل وعلا أنَّ ما يصابُ به العبادُ من المصائبِ في الأرضِ مِن جَدْبٍ أو زلزلةٍ أو كوارثَ ونحوِ ذلك، وما يصابون به في أنفُسِهم مِن مرضٍ أو موتٍ وغير ذلك؛ قد سبَقَ بذلك قضاؤه وقَدَره، وثبَتَ في اللوحِ المحفوظ مِن قبلِ أن يخلُقَ الخليقة. واعلموا أن إثباتَ هذه المصائبِ في اللوحِ المحفوظِ على كثرتها غيرُ عسيرٍ عليه جل في علاه.

[23] ﴿لِّكَيۡلَا تَأۡسَوۡاْ عَلَىٰ مَا فَاتَكُمۡ وَلَا تَفۡرَحُواْ بِمَآ ءَاتَىٰكُمۡۗ وَٱللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخۡتَالٖ فَخُورٍ 23﴾:

ثم بيَّن جل وعلا أنه فعَلَ ذلك؛ لكيلا تحزنوا على ما فاتكم مِن الدنيا، ولا تفرحوا بما أعطاكم الله مِن الدنيا فرَحَ أَشَرٍ وبَطَرٍ؛ فإن ذلك زائلٌ عن قريب، واللهُ لا يحبُّ كلَّ متكبِّرٍ بما أُعطِيَ من الدنيا، فخورٍ على الناس بما في يديه.

[24] ﴿ٱلَّذِينَ يَبۡخَلُونَ وَيَأۡمُرُونَ ٱلنَّاسَ بِٱلۡبُخۡلِۗ وَمَن يَتَوَلَّ فَإِنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلۡغَنِيُّ ٱلۡحَمِيدُ 24﴾:

ثم بيَّن جل وعلا أوصافَ هؤلاء المختالين الفخورين؛ فأخبَرَ أنهم يبخلون بما آتاهم الله مِن المال ولا ينفقونه في سبيل الله؛ بل وأقبَحُ من ذلك: أنهم يأمرون الناس بالبُخْل، ثم أخبَرَ سبحانه أن مَنْ يُعْرِضْ عن الإنفاق في سبيل الله، فإن الله هو الغنيُّ عنه وعن نفقته، الحميدُ الذي له كلُّ وصفٍ حسَنٍ وفعلٍ جميل.

[25] ﴿لَقَدۡ أَرۡسَلۡنَا رُسُلَنَا بِٱلۡبَيِّنَٰتِ وَأَنزَلۡنَا مَعَهُمُ ٱلۡكِتَٰبَ وَٱلۡمِيزَانَ لِيَقُومَ ٱلنَّاسُ بِٱلۡقِسۡطِۖ وَأَنزَلۡنَا ٱلۡحَدِيدَ فِيهِ بَأۡسٞ شَدِيدٞ وَمَنَٰفِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعۡلَمَ ٱللَّهُ مَن يَنصُرُهُۥ وَرُسُلَهُۥ بِٱلۡغَيۡبِۚ إِنَّ ٱللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٞ 25﴾:

أخبَرَ جل وعلا أنه أرسَلَ رسُلَهُ بالمعجزاتِ البيِّنة، وأنزَلَ معهم الشرائعَ والأحكامَ الظاهرة؛ لإفهامِ البشر بما يُصْلِحهم وينجِّيهم من النار، وأوجَدَ الميزانَ ليتَّبعوا ما أُمِروا به من العدل، ثم أخبَرَ سبحانه أنه خلَقَ الحديدَ، وجعَلَ فيه قوَّةً شديدة؛ حيث تُصنَعُ منه السيوفُ والرماحُ وما أشبه ذلك لردعِ العدوِّ؛ كما أن فيه منافعَ كثيرةً للناس؛ فيُصنَعُ منه السِّكِّينُ والفأسُ والقَدُّومُ والقُدُورُ ونحو ذلك، ولِيَعْلَمَ اللهُ مَن الذي سيتَّبِعُ الحقَّ منهم، فينصُرُ دينه، وينصُرُ رسله، ويستعمِلُ نعمه فيما خُلِقَتْ له، واعلموا أن الله جل في علاه قويٌّ لا يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء، عزيزٌ لا يغالب.

[26] ﴿وَلَقَدۡ أَرۡسَلۡنَا نُوحٗا وَإِبۡرَٰهِيمَ وَجَعَلۡنَا فِي ذُرِّيَّتِهِمَا ٱلنُّبُوَّةَ وَٱلۡكِتَٰبَۖ فَمِنۡهُم مُّهۡتَدٖۖ وَكَثِيرٞ مِّنۡهُمۡ فَٰسِقُونَ 26﴾:

ثم ذكَرَ جل وعلا ما أنعَمَ به على أنبيائه من النِّعَمِ الجسام؛ فأخبَرَ أنه أرسَلَ نوحًا وإبراهيم عليهما السلام إلى قومِهما؛ لهدايتهم وإرشادهم، وأنه لم يُرسِلْ بعدهما رُسُلًا بشرائعَ إلا مِنْ ذريتهما تشريفًا وتكريمًا لهما، ثم بيَّن سبحانه أن مِن ذُرِّيَّتهما أناسًا مهتدين إلى الحق، وكثيرٌ منهم خارجون عن طاعة الله وعن الطريق المستقيم.

[٢٧] ﴿ثُمَّ قَفَّيۡنَا عَلَىٰٓ ءَاثَٰرِهِم بِرُسُلِنَا وَقَفَّيۡنَا بِعِيسَى ٱبۡنِ مَرۡيَمَ وَءَاتَيۡنَٰهُ ٱلۡإِنجِيلَۖ وَجَعَلۡنَا فِي قُلُوبِ ٱلَّذِينَ ٱتَّبَعُوهُ رَأۡفَةٗ وَرَحۡمَةٗۚ وَرَهۡبَانِيَّةً ٱبۡتَدَعُوهَا مَا كَتَبۡنَٰهَا عَلَيۡهِمۡ إِلَّا ٱبۡتِغَآءَ رِضۡوَٰنِ ٱللَّهِ فَمَا رَعَوۡهَا حَقَّ رِعَايَتِهَاۖ فَـَٔاتَيۡنَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ مِنۡهُمۡ أَجۡرَهُمۡۖ وَكَثِيرٞ مِّنۡهُمۡ فَٰسِقُونَ 27﴾:

ثم أخبَرَ جل وعلا أنه أرسَلَ بعد نوحٍ وإبراهيمَ الرسُلَ متلاحقين رسولًا بعد رسول، حتى انتهت الرسالةُ في بني إسرائيلَ إلى عيسى بن مَرْيَم، وهو من ذرية إبراهيم مِن جهة أمِّه، وأعطاه سبحانه الإنجيلَ ليتحاكَمَ الناسُ إليه، وأنه جعَلَ في قلوبِ أتباعِهِ الحواريِّينَ الشفقةَ واللين، فكانوا متوادِّينَ متراحِمِينَ فيما بينهم، ولكن بعض هؤلاء الحواريِّينَ ابتدعوا للناسِ وغلَوْا في الدين، واخترعوا أمورًا لم يطلُبْها الله منهم قصدوا بها طاعة الله، وإنما طلَبَ منهم سبحانه القيامَ بالأعمالِ الصالحةِ التي توصِّلُ إلى رضوانه، ولم يُطلَبْ منهم الانقطاعُ للعبادةِ والرهبنة، ولكنْ بمرورِ الأيامِ لم يحافظوا على ما تقتضيه هذه الرهبانيةُ مِن الزهدِ والتقى والعفافِ حَقَّ المحافظة، بل بدَّلوا وحرَّفوا حتى صارت طقوسًا وبِدَعًا ما أنزَلَ الله بها من سلطان، وغيَّروا دين عيسى عليه السلام.

ثم أخبَرَ سبحانه أنه أعطى الذين آمنوا من الحواريِّين أَجْرَهُم وثوابهم، وأن كثيرًا منهم كانوا خارجين عن طاعة الله بالتكذيبِ بما جاءهم به رسولهم.

[28] ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَءَامِنُواْ بِرَسُولِهِۦ يُؤۡتِكُمۡ كِفۡلَيۡنِ مِن رَّحۡمَتِهِۦ وَيَجۡعَل لَّكُمۡ نُورٗا تَمۡشُونَ بِهِۦ وَيَغۡفِرۡ لَكُمۡۚ وَٱللَّهُ غَفُورٞ رَّحِيمٞ 28﴾:

وهذا نداءٌ مِن الله جل وعلا لعباده الذين آمنوا بالله حَقَّ الإيمان؛ حيث أمَرَهم سبحانه بأن يمتثلوا أوامره، ويجتنبوا نواهيه، وأن يؤمنوا برسوله محمد ﷺ؛ فإنْ فعلتم ذلك، فإنه سبحانه يُعْطِيكم ضِعْفَيْنِ مِن رحمته وفضله؛ لإيمانكم برسوله محمَّد ﷺ، وبمن قبله من الرسل، ويجعلُ لكم نُورًا تهتدون به يوم القيامة، ويَغْفِرُ لكم ذنوبكم، والله واسعُ المغفرةِ والرحمةِ لعباده المتقين التائبين.

[29] ﴿لِّئَلَّا يَعۡلَمَ أَهۡلُ ٱلۡكِتَٰبِ أَلَّا يَقۡدِرُونَ عَلَىٰ شَيۡءٖ مِّن فَضۡلِ ٱللَّهِ وَأَنَّ ٱلۡفَضۡلَ بِيَدِ ٱللَّهِ يُؤۡتِيهِ مَن يَشَآءُۚ وَٱللَّهُ ذُو ٱلۡفَضۡلِ ٱلۡعَظِيمِ 29﴾:

ثم ختَمَ جل وعلا السورةَ ببيان أن أَمْرَ النبوَّةِ ليس حسَبَ أهواءِ الناس، فقال سبحانه: اعلموا يا مَنْ آمنتم بمحمَّد ﷺ، وبمَنْ قبله مِن الرسل، أننا أعطيناكم هذا الأجرَ وهذا الثوابَ المضاعَفَ؛ لِيَعْلَمَ أهلُ الكتاب الذين يريدون أن يحتكروا فضل الله، وألَّا تخرُجَ الرسالةُ عنهم؛ فلم يؤمنوا بمحمد ﷺ؛ بأنهم لا يَقْدِرونَ على شيء من فضلِ الله يَكْسِبُونه لأنفسهم أو يمنحونه لغيرهم، وأن الفضلَ بيد الله وحده يؤتيه مَنْ يشاء مِنْ عباده؛ فهو صاحبُ الفضلِ العظيمِ على خَلْقه؛ فله الحمدُ في الأولى والآخرة.

سورة المجادلة

سورةُ المجادلَةِ مدنيَّةٌ، وآياتها ثنتان وعشرون آية.

[1] ﴿قَدۡ سَمِعَ ٱللَّهُ قَوۡلَ ٱلَّتِي تُجَٰدِلُكَ فِي زَوۡجِهَا وَتَشۡتَكِيٓ إِلَى ٱللَّهِ وَٱللَّهُ يَسۡمَعُ تَحَاوُرَكُمَآۚ إِنَّ ٱللَّهَ سَمِيعُۢ بَصِيرٌ 1﴾:

بدأت السورة بإخبار النبي ﷺ أن الله جل وعلا قد سَمِعَ قول هذه المرأة التي تناقشُهُ في شأن زوجها، وتتضرَّعُ إلى الله، وتذكُرُ ما حلَّ بها مِن مكروهٍ ومصيبة، وهذه المرأةُ هي خَوْلَةُ بنتُ ثَعْلَبةَ؛ جاءت إلى النبي ﷺ تراجِعُهُ، وتقولُ له: إنَّ زوجَهَا أَوْسَ بنَ الصامتِ الأنصاريَّ ظاهَرَ منها، وذكَرَتْ للنبيِّ أن زوجها استمتَعَ بها، وأنجَبَتْ منه أولادًا، فلما كَبِرَ سنُّها، ظاهَرَ منها، واعلم -أيها النبي- أن الله سبحانه يسمعُ ما تتراجَعانِ به، أي: يسمعُ ما تقولُ هي، وما تقول أنت جوابًا لها؛ إن الله سميعٌ لجميعِ الأصوات، بصيرٌ بكل شيء؛ ولهذا سَمِعَ سبحانه المحاوَرةَ، وأنزَلَ حكمَ الظهار.

والظهارُ: هو أن يقولَ الزَّوْجُ لزوجته: (أنتِ عليَّ كظهرِ أمي أو أختي)، أي: يحرِّمها على نفسه، وكان هذا معمولًا به في الجاهلية؛ فيعلِّقها كيف شاء إلى ما يشاء، وقد جاء الإسلامُ بتحريمِ ذلك؛ ولهذا مَنْ فعَلَ ذلك يُعطَى مهلةً أربعةَ أشهر، فإنْ عاد لرشده وكفَّر وجامعها، بَقِيَتْ في ذمَّته، أما إن مضت الأربعةُ أشهرٍ ولم يكفِّرْ أو يجامِعْ، فيحكُمُ القاضي بطلاقها.

[2] ﴿ٱلَّذِينَ يُظَٰهِرُونَ مِنكُم مِّن نِّسَآئِهِم مَّا هُنَّ أُمَّهَٰتِهِمۡۖ إِنۡ أُمَّهَٰتُهُمۡ إِلَّا ٱلَّٰٓـِٔي وَلَدۡنَهُمۡۚ وَإِنَّهُمۡ لَيَقُولُونَ مُنكَرٗا مِّنَ ٱلۡقَوۡلِ وَزُورٗاۚ وَإِنَّ ٱللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٞ 2﴾:

ثم ذمَّ جل وعلا الظهارَ، وأخبَرَ أن أولئك الذين يظاهرون من نسائهم، فيقولُ أحدهم لامرأته: (أنتِ عليَّ كظَهْرِ أمِّي أو أختي)، مخطئون فيما قالوا؛ فليست زوجاتُهُمْ بأمهاتِهم، وإنما أمهاتُهُمْ هنَّ اللائي ولَدْنَهم، ثم أخبَرَ سبحانه أن هؤلاء المظاهِرِينَ يقولون قولًا كاذبًا فظيعًا؛ لأنهم شبَّهوا الزوجاتِ بالأمهات، ومعروفٌ أن العَلَاقةَ مع الأمِّ تختلف اختلافًا كليًّا بالعَلَاقةِ مع الزوجة، وإنَّ الله جل في علاه كثيرُ العفوِ والمغفرةِ لمن تاب وأناب مما وقَعَ فيه من المخالفات.

[3] ﴿وَٱلَّذِينَ يُظَٰهِرُونَ مِن نِّسَآئِهِمۡ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُواْ فَتَحۡرِيرُ رَقَبَةٖ مِّن قَبۡلِ أَن يَتَمَآسَّاۚ ذَٰلِكُمۡ تُوعَظُونَ بِهِۦۚ وَٱللَّهُ بِمَا تَعۡمَلُونَ خَبِيرٞ 3﴾:

واعلموا -أيها المؤمنون- أن الذي يقعُ منه الظهار، ثم يَرْجِعُ عما قال نادمًا، ويريدُ أن يجامِعَ امرأته، فعليه الكفَّارةُ أولًا، وهي: عِتْقُ رقبةٍ مؤمنةٍ مِن قبلِ أن يَمَسَّ امرأتَهُ بالجماع، وهذا الحكمُ تُؤمَرونَ به على سبيل الوجوب، واللهُ بما تعملون خبيرٌ؛ فلا يخفى عليه شيء من نياتكم وأعمالكم، وسيجازيكم عليها، فمَنْ لم يجدْ رقبةً يُعْتِقُها، أو لم يجدْ ثمنها، فكفَّارته: صيامُ شهرَيْنِ متتابعَيْنِ من قبلِ أن يَمَسَّ زوجتَهُ بجماع.

[4] ﴿فَمَن لَّمۡ يَجِدۡ فَصِيَامُ شَهۡرَيۡنِ مُتَتَابِعَيۡنِ مِن قَبۡلِ أَن يَتَمَآسَّاۖ فَمَن لَّمۡ يَسۡتَطِعۡ فَإِطۡعَامُ سِتِّينَ مِسۡكِينٗاۚ ذَٰلِكَ لِتُؤۡمِنُواْ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦۚ وَتِلۡكَ حُدُودُ ٱللَّهِۗ وَلِلۡكَٰفِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ 4﴾:

ثم أخبَرَ سبحانه أنَّ مَنْ لم يستطعْ صيامَ الشهرَيْن، ولم يَقْدِرْ على ذلك لعذرٍ شرعي، فكفَّارةُ ظهارِهِ: إطعامُ ستِّين مسكينًا مِن قوتِ بَلدِهِ طعامًا يُشْبِعهم؛ وذلك قبل أن يَمَسَّ زوجته بجماع، واعلموا أن الله تعالى حكَمَ بذلك الحكمِ الذي ألزمكم به؛ لتؤمنوا بالله ورسوله ﷺ، وتطيعوا أمره، وتجتنبوا نهيه، واعلموا أيضًا أن تلك الأحكامَ المذكورةَ حدودُ الله لا يَحِلُّ لأحدٍ أن يتعدَّاها، وللكافرين بالله ورسوله ﷺ عذابٌ أليمٌ موجع.

[5] ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ يُحَآدُّونَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ كُبِتُواْ كَمَا كُبِتَ ٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِهِمۡۚ وَقَدۡ أَنزَلۡنَآ ءَايَٰتِۭ بَيِّنَٰتٖۚ وَلِلۡكَٰفِرِينَ عَذَابٞ مُّهِينٞ 5﴾:

واعلموا -أيها الناس- أن الذين يُبْغِضونَ الله ورسوله ﷺ، ويخالفون أمرهما، سَيَلْحَقُهم الخِزْيُ والذُّلُّ كما لَحِقَ الأمم التي كفَرَتْ وعانَدَتْ رُسُلَها من قبلهم، وقد أنزلنا عليكم آياتٍ واضحاتِ الدَّلَالةِ والحجَّة، وللكافرين الذين كفروا بالله ورسله، وجحَدَوا تلك الآيات، عذابٌ مُذِلٌّ أليمٌ؛ جزاءَ كبريائهم وكفرهم؛ وهكذا مَنْ عاند أولياءَ الله وعاداهم، فهو كمن شاقَّ الله ورسوله ﷺ؛ فإن الله يَصْرَعُهُ ويُخْزِيهِ ويَكْسِره؛ لأنه إنما عاداهم؛ لحملِ رسالةِ ربِّهم.

[6] ﴿يَوۡمَ يَبۡعَثُهُمُ ٱللَّهُ جَمِيعٗا فَيُنَبِّئُهُم بِمَا عَمِلُوٓاْۚ أَحۡصَىٰهُ ٱللَّهُ وَنَسُوهُۚ وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ شَهِيدٌ 6﴾:

ثم بيَّن سبحانه أن لهؤلاء المعاندين يومًا سوف يحييهم الله فيه جميعًا، ويَبْعَثُهم من قبورهم، ثم يُخْبِرُهم بما كسَبَتْ أيديهم، وليعلموا أن الله حَفِظَ ذلك في صحائفِ أعمالهم، بينما هم نَسُوا تلك الجرائمَ لاعتقادِهم أنه ليس هناك حسابٌ ولا جزاء، وهو سبحانه مطَّلِعٌ وناظِرٌ لا يغيبُ عنه شيء، ولا تخفى عليه خافية.

وقد كتَبَ الملائكةُ ذلك في صحائفِ أعمالهم؛ قال تعالى: ﴿مَّا يَلۡفِظُ مِن قَوۡلٍ إِلَّا لَدَيۡهِ رَقِيبٌ عَتِيدٞ﴾ [ق:١٨].

[7] ﴿أَلَمۡ تَرَ أَنَّ ٱللَّهَ يَعۡلَمُ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلۡأَرۡضِۖ مَا يَكُونُ مِن نَّجۡوَىٰ ثَلَٰثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمۡ وَلَا خَمۡسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمۡ وَلَآ أَدۡنَىٰ مِن ذَٰلِكَ وَلَآ أَكۡثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمۡ أَيۡنَ مَا كَانُواْۖ ثُمَّ يُنَبِّئُهُم بِمَا عَمِلُواْ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِۚ إِنَّ ٱللَّهَ بِكُلِّ شَيۡءٍ عَلِيمٌ 7﴾:

ألم تعلم -يا عبد الله- أن الله يعلم ما في السموات وما في الأرض؛ وهذا تأكيدٌ منه سبحانه بإحاطةِ عِلْمِهِ بكلِّ شيء، ثم أخبَرَ سبحانه أنه ما يتناجى ثلاثةٌ إلا وهو معهم، ويعلم ما يقولون وما يدبِّرون، ولا خمسةٌ إلا وهو سادِسُهم، يعلم ما به يتناجَوْنَ، ولا نجوى أقلَّ مِن هذه الأعداد ولا أكثَرَ منها إلا وهو عليمٌ بها في أي مكان كانوا؛ فمهما تستَّروا وتخافتوا، فإنهم تحت رؤيته وسمعه، ثم يخبرهم يوم القيامة بما عَمِلوا من خيرٍ أو شَرّ؛ توبيخًا لهم وتبكيتًا، أو تكريمًا إن كانت المناجاةُ في خير، وأنه لا مَفَرَّ منه إلا إليه، ثم يجازيهم؛ إنْ خيرًا فخيرٌ، وإنْ شرًّا فشرّ؛ إنه سبحانه بكلِّ شيء عليم، لا يخفى عليه شيء كائنًا ما كان.

[8] ﴿أَلَمۡ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ نُهُواْ عَنِ ٱلنَّجۡوَىٰ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا نُهُواْ عَنۡهُ وَيَتَنَٰجَوۡنَ بِٱلۡإِثۡمِ وَٱلۡعُدۡوَٰنِ وَمَعۡصِيَتِ ٱلرَّسُولِۖ وَإِذَا جَآءُوكَ حَيَّوۡكَ بِمَا لَمۡ يُحَيِّكَ بِهِ ٱللَّهُ وَيَقُولُونَ فِيٓ أَنفُسِهِمۡ لَوۡلَا يُعَذِّبُنَا ٱللَّهُ بِمَا نَقُولُۚ حَسۡبُهُمۡ جَهَنَّمُ يَصۡلَوۡنَهَاۖ فَبِئۡسَ ٱلۡمَصِيرُ 8﴾:

ثم أخبَرَ جل وعلا عن المنافقين واليهودِ الذين كانوا يتناجَوْنَ إذا رأَوُا المؤمنين، فنهاهم الله عن النجوى؛ لِمَا فيها من إيهامِ المُشاهِدِ أن فيها تخطيطًا لارتكابِ إثمٍ أو سوء، ثم رجعوا إلى ما نُهُوا عنه، وكانوا يتحدَّثون فيما بينهم بما هو إثمٌ في نفسه، وتَعَدٍّ على المؤمنين، وتواصٍ بمخالفةِ الرسول ﷺ، ثم بيَّن سبحانه أن هؤلاء المنافقين إذا جاؤوا إلى النبيِّ ﷺ، حيَّوْهُ بتحيَّةٍ لم يُحَيِّهِ الله بها؛ وهي قولهم: (السَّامُ عليك)، أي: الموتُ لك، يريدون ظاهرًا السلامَ، وباطنًا الموتَ، ويحدِّثون أنفسهم أنهم يخافون أن يعذِّبهم الله بقولهم؛ لأنه يعلم ما أسرُّوا، فردَّ الله عليهم: إنه يكفيكم عذابًا أن ستدخُلُونَ نار جهنَّم، وتصْلَوْن بحَرِّها؛ فبئست جهنمُ مرجِعًا ومستقرًّا لكم.

[9] ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ إِذَا تَنَٰجَيۡتُمۡ فَلَا تَتَنَٰجَوۡاْ بِٱلۡإِثۡمِ وَٱلۡعُدۡوَٰنِ وَمَعۡصِيَتِ ٱلرَّسُولِ وَتَنَٰجَوۡاْ بِٱلۡبِرِّ وَٱلتَّقۡوَىٰۖ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ ٱلَّذِيٓ إِلَيۡهِ تُحۡشَرُونَ 9﴾:

ثم أرشَدَ جل وعلا المؤمنين إذا تناجَوْا فيما بينهم ألَّا يتناجَوْا بما فيه إثمٌ وعدوانٌ ومعصيةٌ لرسول الله ﷺ، كما يفعلُ اليهودُ والمنافقون، بل عليكم أن تتناجَوْا بما فيه خيرٌ وطاعةٌ وإحسان، واتقوا الله فيما تأتون وما تذرون؛ فإليه تحشرون؛ فيُخْبِرُكم بجميعِ أعمالِكم وأقوالِكم التي أحصاها عليكم، ثم يجازيكم عليها؛ إنْ خيرًا فخيرٌ، وإنْ شرًّا فشرّ.

[10] ﴿إِنَّمَا ٱلنَّجۡوَىٰ مِنَ ٱلشَّيۡطَٰنِ لِيَحۡزُنَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَلَيۡسَ بِضَآرِّهِمۡ شَيۡـًٔا إِلَّا بِإِذۡنِ ٱللَّهِۚ وَعَلَى ٱللَّهِ فَلۡيَتَوَكَّلِ ٱلۡمُؤۡمِنُونَ 10﴾:

واعلموا -أيها المؤمنون- أنما التناجي بالإثمِ والعدوانِ ومعصيةِ الرسولِ يكونُ بتغريرِ الشيطانِ وتزيينِهِ وتسويله؛ لأجلِ أن يُوقِعَ الحُزْنَ في قلوبِ الذين آمنوا، وهذا التناجي لن يضُرَّ المؤمنين شيئًا؛ لأن الله تعالى وعَدَهم الكفاية، والنَّصْرَ على الأعداء، وعلى الله فليعتمِدِ المؤمنون، وليثقوا بوَعْده، وليفوِّضوا أمرهم إليه.

[11] ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ إِذَا قِيلَ لَكُمۡ تَفَسَّحُواْ فِي ٱلۡمَجَٰلِسِ فَٱفۡسَحُواْ يَفۡسَحِ ٱللَّهُ لَكُمۡۖ وَإِذَا قِيلَ ٱنشُزُواْ فَٱنشُزُواْ يَرۡفَعِ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ مِنكُمۡ وَٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلۡعِلۡمَ دَرَجَٰتٖۚ وَٱللَّهُ بِمَا تَعۡمَلُونَ خَبِيرٞ 11﴾:

يا من آمنتم بالله ورسوله ﷺ إذا قيل لكم: توسَّعوا في مجالسكم، فوسِّعوا، يوسع الله عليكم في الدنيا والآخرة، وإذا قيل لكم أيضًا: انهضوا وقُوموا من مجلسكم لسببٍ مِن الأسباب، فعليكم أن تبادروا بفعل الأمر، وتستجيبوا

لتحقيقِ المصلَحةِ العامَّة، واعلموا أن الله يرفعُ الذين آمنوا به ووحَّدوه، وصدَّقوا رسوله ﷺ واتبعوه، دَرَجاتٍ عاليات، ويزيدُ اللهُ رِفْعةً في الدَّرَجاتِ من جمَعَ العلمَ مع الإيمان، فيرفعهم الله دَرَجاتٍ عاليات في الدنيا والآخرة، واللهُ خبيرٌ بجميعِ أعمالكم، لا يخفى عليه منها شيء، وسيحاسبكم بها، ويجازيكم عليها.

[12] ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ إِذَا نَٰجَيۡتُمُ ٱلرَّسُولَ فَقَدِّمُواْ بَيۡنَ يَدَيۡ نَجۡوَىٰكُمۡ صَدَقَةٗۚ ذَٰلِكَ خَيۡرٞ لَّكُمۡ وَأَطۡهَرُۚ فَإِن لَّمۡ تَجِدُواْ فَإِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٞ رَّحِيمٌ 12﴾:

أمَرَ جل وعلا الصحابةَ الكرامَ إذا أرادوا أن يكلِّموا الرسولَ ﷺ في أمرٍ مِن أمورهم سِرًّا، فعليهم أن يقدِّموا قبل ذلك صدَقةً يتصدَّقون بها على الفقراء والمساكين؛ فإنَّ ذلك خيرٌ لهم؛ لما فيه مِن طاعة لله، ومِن تزكيةٍ للنفوسِ وتطهيرها، فإنْ لم تجدوا الصَّدَقةَ، وعجَزْتم عن ذلك، فإن الله رخَّص لكم في المناجاةِ بدون أن تقدِّموا صدقة؛ فإنه سبحانه غفورٌ لعباده التائبين، رحيمٌ بهم. وقد شُرِعَتِ الصدقةُ هنا بعد أن أكثَرَ الصحابةُ الأسئلةَ في أمورٍ لم تقَعْ، فقُرِّرَتِ الصدقةُ؛ لكي تكونَ الأسئلةُ عما يجبُ على المؤمن.

[13] ﴿ءَأَشۡفَقۡتُمۡ أَن تُقَدِّمُواْ بَيۡنَ يَدَيۡ نَجۡوَىٰكُمۡ صَدَقَٰتٖۚ فَإِذۡ لَمۡ تَفۡعَلُواْ وَتَابَ ٱللَّهُ عَلَيۡكُمۡ فَأَقِيمُواْ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتُواْ ٱلزَّكَوٰةَ وَأَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥۚ وَٱللَّهُ خَبِيرُۢ بِمَا تَعۡمَلُونَ 13﴾:

هل خِفْتم -أيها الصحابة الكرام- العَيْلةَ والفقر إذا قدَّمتم بين يدَيْ نجواكم صدقة؛ فحيث لم تَفْعَلوا ما أَمَرَكم الله به، وتاب عليكم؛ حيث رخَّص لكم في المناجاةِ مِن غيرِ تقديمِ صَدَقة؛ فتداركوا ذلك بالمحافَظةِ على إقامةِ الصلاة، وإعطاءِ زكاة أموالكم، وطاعةِ الله ورسوله ﷺ، واللهُ فيما تؤمرون به وتُنْهَوْنَ عنه, لا يخفى عليه شيءٌ مِن ذلك، وسوف يجازيكم عليه.

[14] ﴿أَلَمۡ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ تَوَلَّوۡاْ قَوۡمًا غَضِبَ ٱللَّهُ عَلَيۡهِم مَّا هُم مِّنكُمۡ وَلَا مِنۡهُمۡ وَيَحۡلِفُونَ عَلَى ٱلۡكَذِبِ وَهُمۡ يَعۡلَمُونَ 14﴾:

ألم تر -أيها النبي- إلى هؤلاء المنافقين الذين يتولَّوْنَ الكافرين من اليهود والنصارى وغيرهم ممَّن غَضِبَ الله عليهم بسببِ كُفْرهم ومعاصيهم، فاعلم أن هؤلاء المنافقين ليسوا مِن المسلمين، ولا مِن اليهود، ويَحْلِفُونَ بالله كاذبين أنهم مسلمون، وأنك رسولُ الله.

[15] ﴿أَعَدَّ ٱللَّهُ لَهُمۡ عَذَابٗا شَدِيدًاۖ إِنَّهُمۡ سَآءَ مَا كَانُواْ يَعۡمَلُونَ 15﴾:

ثم بيَّن سبحانه وتعالى أن جزاءَ هؤلاءِ الفَجَرةِ الكَذَبةِ عذابٌ في نهاية الشدَّة والألم، وهو الدَّرْكُ الأسفلُ في جهنَّم؛ إنهم ساء ما كانوا يعملون؛ حيث عملوا بما يُسخِطُ الله، ويوجِبُ عليهم العقوبةَ واللعنة.

[16] ﴿ٱتَّخَذُوٓاْ أَيۡمَٰنَهُمۡ جُنَّةٗ فَصَدُّواْ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ فَلَهُمۡ عَذَابٞ مُّهِينٞ 16﴾:

ثم أخبَرَ جل وعلا أن هؤلاء المنافقين اتَّخذوا أيمانهم وكثرةَ حَلِفهم تُرْسًا ووقايةً يتوقَّوْنَ ويحتمون بها مِن تكذيبهم، فصدُّوا أنفسهم وغيرهم عن الإيمانِ بالله واتِّباعِ رسوله ﷺ، وصدُّوا عن سبيلِ اللهِ وجهادِ الكفَّارِ واليهودِ بتثبيطهم وتخذيلهم؛ فأولئك لهم عذابٌ يُذِلُّهم ويُهِينهم، ويفضحهم ويخزيهم.

[17] ﴿لَّن تُغۡنِيَ عَنۡهُمۡ أَمۡوَٰلُهُمۡ وَلَآ أَوۡلَٰدُهُم مِّنَ ٱللَّهِ شَيۡـًٔاۚ أُوْلَٰٓئِكَ أَصۡحَٰبُ ٱلنَّارِۖ هُمۡ فِيهَا خَٰلِدُونَ 17﴾:

بيَّن جل وعلا أن أموالَ وأولادَ المنافقين التي يفتخرون بها لن تُغْنِيَ عنهم مِن عذابِ الله شيئًا، بل إن أولئك المنافقين هم أهلُ النار؛ وإنهم خالدون فيها أَبَدَ الآبدين.

[18] ﴿يَوۡمَ يَبۡعَثُهُمُ ٱللَّهُ جَمِيعٗا فَيَحۡلِفُونَ لَهُۥ كَمَا يَحۡلِفُونَ لَكُمۡ وَيَحۡسَبُونَ أَنَّهُمۡ عَلَىٰ شَيۡءٍۚ أَلَآ إِنَّهُمۡ هُمُ ٱلۡكَٰذِبُونَ 18﴾:

واذكر -أيها النبي- يوم يَبْعَثُ اللهُ هؤلاءِ المنافقين جميعًا من قبورهم يومَ القيامة للجزاء والحساب، فيَحْلِفُونَ له كما يحلفون لكم في الدنيا؛ بأنهم كانوا مؤمنين، معتقِدِينَ أن هذه الأيمان التي كانوا يتستَّرون بها في الدنيا سوف تنفعهم في الآخرة كما نفعتهم في الدنيا، حيثُ كفَّت أيدي المؤمنين عنهم؛ وهذا مِن شِدَّةِ شقاوتهم، ومزيدِ الطبعِ على قلوبهم، ونَسُوا أن يومَ القيامة تنكشِفُ فيه الحقائق، وتُفتضَحُ الأمور، والعياذ بالله؛ مِن الخزي والعار، بل إن حَلِفَهم سوف يزيدهم مَقْتًا؛ حيث يريهم الله أعمالهم السيئةَ المستنسَخَةَ أمام أعينهم، ثم بيَّن سبحانه أن هؤلاء المنافقين قد بلغوا حدًّا في الكذب لم يَبْلُغْهُ أحد غيرهم.

[19] ﴿ٱسۡتَحۡوَذَ عَلَيۡهِمُ ٱلشَّيۡطَٰنُ فَأَنسَىٰهُمۡ ذِكۡرَ ٱللَّهِۚ أُوْلَٰٓئِكَ حِزۡبُ ٱلشَّيۡطَٰنِۚ أَلَآ إِنَّ حِزۡبَ ٱلشَّيۡطَٰنِ هُمُ ٱلۡخَٰسِرُونَ 19﴾:

ثم بيَّن جل وعلا أن هؤلاء المنافقين تملَّكهم الشيطان، وغلَبَ عليهم، وأحاط بهم؛ فأنساهم ذِكْرَ الله وتوحيدَهُ، والعمَلَ بطاعته، واجتنابَ نواهيه؛ فاعلم أن أولئك المنافقين جُنْدُ الشيطان وجماعته؛ ألا إنهم هم الخاسرون المغبونون في الدنيا والآخرة.

[20] ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ يُحَآدُّونَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥٓ أُوْلَٰٓئِكَ فِي ٱلۡأَذَلِّينَ 20﴾:

واعلموا أن الذين يخالفون أوامِرَ الله ونواهيه، ويمتنعون عن أداء ما فرَضَهُ الله عليهم مِن الفرائض؛ فأولئك هم المحادُّونَ لله ولرسوله ﷺ، وهؤلاء من جملة الأذلِّين الأرذَلِينَ أصحابِ البَوَارِ والهلاكِ مِن الأوَّلين والآخرين.

[21] ﴿كَتَبَ ٱللَّهُ لَأَغۡلِبَنَّ أَنَا۠ وَرُسُلِيٓۚ إِنَّ ٱللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٞ 21﴾:

ثم أخبَرَ جل وعلا أنه قضى وقدَّر في سابِقِ علمِهِ أن يَغْلِبَ هو ورُسُلُهُ وأَتْباعُهم بالحُجَّةِ والبرهان، وبالسيف والسِّنَان؛ إن الله قويٌّ قادرٌ على كل شيء، عزيزٌ غالبٌ لا يُعْجِزُهُ شيء سبحانه وتعالى.

[22] ﴿لَّا تَجِدُ قَوۡمٗا يُؤۡمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلۡيَوۡمِ ٱلۡأٓخِرِ يُوَآدُّونَ مَنۡ حَآدَّ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ وَلَوۡ كَانُوٓاْ ءَابَآءَهُمۡ أَوۡ أَبۡنَآءَهُمۡ أَوۡ إِخۡوَٰنَهُمۡ أَوۡ عَشِيرَتَهُمۡۚ أُوْلَٰٓئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ ٱلۡإِيمَٰنَ وَأَيَّدَهُم بِرُوحٖ مِّنۡهُۖ وَيُدۡخِلُهُمۡ جَنَّٰتٖ تَجۡرِي مِن تَحۡتِهَا ٱلۡأَنۡهَٰرُ خَٰلِدِينَ فِيهَاۚ رَضِيَ ٱللَّهُ عَنۡهُمۡ وَرَضُواْ عَنۡهُۚ أُوْلَٰٓئِكَ حِزۡبُ ٱللَّهِۚ أَلَآ إِنَّ حِزۡبَ ٱللَّهِ هُمُ ٱلۡمُفۡلِحُونَ 22﴾:

ثم أثنى جل وعلا على عباده المؤمنين الصادقين بالبراءةِ مِن المنافِقين والمشرِكين؛ فقال: اعلم -أيها النبي- أنه لا يمكِنُ أن تجدَ قومًا يؤمنون بالله ورسوله ﷺ حقًّا، ويعملون بشَرْعه؛ يوالون ويحبُّون المشرِكينَ المعادِينَ لله ورسوله ﷺ، ويخالفون أمر الله، ولو كان هؤلاءِ المعادون هم مِن الأقارب؛ كالآباءِ الذين يجبُ طاعتهم، أو الأبناءِ الذين هم فِلْذاتُ الأكباد، أو الإخوانِ المناصرين لهم، أو العشيرةِ التي يُعتمَدُ عليها بعد الإخوان؛ فأولئك الذين لا يوالون أعداءَ الله هم الذين كتَبَ الله في قلوبهم الإيمان، وقوَّاهم بنَصْرِهِ وتأييده.

ومِن فضلِ الله عليهم: أنه يُدْخِلُهم في الآخِرةِ بساتينَ فسيحة، تجري مِن تحتِ قصورها الأنهار، ماكثين فيها أَبَدَ الآبدين، ولهم أكبَرُ النعيم وأفضله، وهو أنَّ الله يُحِلُّ عليهم رضوانه؛ فلا يَسْخَطُ عليهم أبدًا، ويرضَوْنَ عن ربِّهم بما يعطيهم من أنواعِ الكرامات؛ فاعلم أن أولئك الذين لا يوالون أعداء الله، هم أنصارُ الله وجنده الذين يمتثلون أوامره، ويجتنبون نواهيه، ويقاتلون أعداءه، وينصُرُونَ أولياءه، وهم الفائزون بسعادة الدنيا والآخرة.

سورة الحشر

سورةُ الحَشْر مدنيَّةٌ، وآياتها أربع وعشرون آية. وسُمِّيَتْ بسورة (الحشر)؛ لأن بني النَّضِيرِ عاهدوا الرسول ﷺ عندما قَدِمَ المدينةَ ألَّا يقاتلوه ولا يقاتلوا معه، ولما طلَبَ منهم الرسول ﷺ دَفْعَ دِيَةِ القتيلَيْنِ حسَبَ المعاهدة، تآمروا على إلقاءِ حَجَرٍ عليه لقتله ﷺ، فأعلمه الله بمَكْرهم، ثم أُمِرَ ﷺ بحصارهم حتى نزلوا على حكمه ﷺ فأجلاهم.

[1] ﴿سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلۡأَرۡضِۖ وَهُوَ ٱلۡعَزِيزُ ٱلۡحَكِيمُ 1﴾:

افتُتِحَتْ هذه السورةُ بالثناء على الله، وبتنزيهه عن كل ما لا يليقُ بذاته وجلاله؛ فأخبَرَ سبحانه أن جميع مَنْ في السموات والأرضِ ينزِّه الله عن كل ما لا يليقُ بجلاله وعظمته، وأنه العزيزُ الذي قهَرَ كلَّ شيء وغلبه، صاحبُ الحِكْمةِ البالغة، وهاتان الصفتان مِن موجِباتِ التسبيح له جل وعلا.

وتسبيحُ المخلوقات يكونُ بلسانِ الحال، ولسانِ المقال، وجمهورُ المحقِّقين على هذا؛ وليس بمستغرَبٍ أن يَنطِقَ الحجَرُ على الحقيقة؛ فقد قال ﷺ في الحديث الذي أخرجه مسلمٌ، والترمذي: «إِنِّي لأَعْرِفُ حَجَرًا بِمَكَّةَ كَانَ يُسَلِّمُ عَلَيَّ»([1])، وقد قال تَبَارَكَ وتعالى: ﴿وَلَٰكِن لَّا تَفۡقَهُونَ تَسۡبِيحَهُمۡۚ ﴾ [الإسراء:44]. [1] أخرجه مسلم (2277)، عن جابر بن سمرة رضي الله عنه.

[2] ﴿هُوَ ٱلَّذِيٓ أَخۡرَجَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنۡ أَهۡلِ ٱلۡكِتَٰبِ مِن دِيَٰرِهِمۡ لِأَوَّلِ ٱلۡحَشۡرِۚ مَا ظَنَنتُمۡ أَن يَخۡرُجُواْۖ وَظَنُّوٓاْ أَنَّهُم مَّانِعَتُهُمۡ حُصُونُهُم مِّنَ ٱللَّهِ فَأَتَىٰهُمُ ٱللَّهُ مِنۡ حَيۡثُ لَمۡ يَحۡتَسِبُواْۖ وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ ٱلرُّعۡبَۚ يُخۡرِبُونَ بُيُوتَهُم بِأَيۡدِيهِمۡ وَأَيۡدِي ٱلۡمُؤۡمِنِينَ فَٱعۡتَبِرُواْ يَٰٓأُوْلِي ٱلۡأَبۡصَٰرِ 2﴾:

أخبَرَ جل وعلا أنه هو الذي أخرَجَ الذين كفروا -وهم يهودُ بني النضير- مِن بيوتهم التي كانوا يسكُنُونَ بها حول المدينة، وكان هذا أوَّلَ إخراج لهم مِن جزيرة العرب؛ حيث أُخْرِجوا إلى بلاد الشام، ولم يتوقَّعِ المسلمون أن بني النضيرِ يُمكِنُ إخراجهم من ديارهم بهذه السهولة؛ لأنَّ حصونَهُمْ منيعةٌ، وأنهم أهلُ عدَدٍ وعُدَّة، حتى هم ظنوا أن حصونهم مانِعَتُهُمْ مِن بأس الله، ولكنَّ الله تعالى بقوَّتِهِ وقدرتِهِ لا يمنعه مانع، ولا يَرُدُّ حكمَهُ رادٌّ؛ فلذلك جاءهم بأسُ الله وقَدَرُهُ مِن حيث لم يخطُرْ لهم ببال، وبَثَّ في قلوبهم الهلَعَ والخوفَ حين جاء رسول الله ﷺ وأصحابه إليهم، فلم يستطيعوا إلى المقاوَمةِ سبيلًا، ولما أيقنوا بالجَلَاءِ، جعلوا يُخْرِبونَ ما استطاعوا من بيوتهم من الداخل، حَسَدًا وحِقْدًا؛ والمسلمون يُخْرِبونها من الخارج، فاتَّعِظوا -يا أهل البصائر والعقول- بما جرى لهم، واعلموا أن الغَدْرَ والخيانةَ مضرَّتُهُ على مرتكبه.

وبهذه الخاتمة للآية بقوله: ﴿فَٱعۡتَبِرُواْ﴾، وبما شاكلها، استدَلَّ الفقهاء بحجيَّة القياس.

[3] ﴿وَلَوۡلَآ أَن كَتَبَ ٱللَّهُ عَلَيۡهِمُ ٱلۡجَلَآءَ لَعَذَّبَهُمۡ فِي ٱلدُّنۡيَاۖ وَلَهُمۡ فِي ٱلۡأٓخِرَةِ عَذَابُ ٱلنَّارِ 3﴾:

ثم أخبَرَ جل وعلا أنه لولا هذا الجَلَاءُ الذي أصابهم وقدَّره عليهم، لنَالَهم عذابُ الله في الدنيا بالقتلِ والسبيِ، كما فعَلَ ببني قُرَيْظةَ، ولهم في الآخرة عذابٌ أليمٌ مُهِينٌ، لا يَعْلَمُ قدرَهُ إلا الله جل في علاه.

[4] ﴿ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمۡ شَآقُّواْ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥۖ وَمَن يُشَآقِّ ٱللَّهَ فَإِنَّ ٱللَّهَ شَدِيدُ ٱلۡعِقَابِ 4﴾:

ثم بيَّن جل وعلا أن ذلك الذي أصابهم مِن المحاصَرةِ والجَلَاء، وما ينتظرهم في الآخرة مِن عذاب النار؛ بسبب شدَّة عداوتهم لله ورسوله ﷺ، ونَقْضِهم للعهودِ والمواثيق، ومن يعادِ اللهَ ويحارِبُ رسولَهُ ﷺ، فإن الله شديد العقاب.

[5] ﴿مَا قَطَعۡتُم مِّن لِّينَةٍ أَوۡ تَرَكۡتُمُوهَا قَآئِمَةً عَلَىٰٓ أُصُولِهَا فَبِإِذۡنِ ٱللَّهِ وَلِيُخۡزِيَ ٱلۡفَٰسِقِينَ 5﴾:

ولما لَامَ بنو النَّضِيرِ رسولَ الله ﷺ والمسلمين في قَطْعِ النخيلِ والأشجار، وأرادوا بذلك العَيْبَ على الإسلام؛ ليَغِيظوا رسولَ الله ﷺ، أخبَرَ جل وعلا أن كل ما جرى من المؤمنين مِن قطعِ النخيل، وإحراقِ بعض الأشجار المُثْمَرة، فإنما كان بأمرِ اللهِ وإرادته؛ حيثُ سلَّط سبحانه المسلمين على قَطْعِ نَخْلهم وتحريقه؛ لإغاظةِ بني النضير، وليكونَ ذلك نكالًا وإذلالًا وخزيًا للخائنين للعهد.

[6] ﴿وَمَآ أَفَآءَ ٱللَّهُ عَلَىٰ رَسُولِهِۦ مِنۡهُمۡ فَمَآ أَوۡجَفۡتُمۡ عَلَيۡهِ مِنۡ خَيۡلٖ وَلَا رِكَابٖ وَلَٰكِنَّ ٱللَّهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُۥ عَلَىٰ مَن يَشَآءُۚ وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ قَدِيرٞ 6﴾:

واعلموا -أيها المؤمنون- أن ما جاءكم من أموالِ يهود بني النَّضِير؛ فقد يسَّر الله لكم الحصولَ عليه بدون جُهْدٍ ومشقَّة، ولا ركوبِ خيلٍ ولا إبل، وإنما هو بتسليط الله رسولَهُ ﷺ عليهم؛ فقذَفَ الله في قلوبهم الرعب -وهو مِن جُنْدِ الله- فهُزِموا به، والله يسلِّطُ رسله على مَنْ يشاء، والله على كلِّ شيء قدير، لا يُعْجِزُهُ شيء في الأرض ولا في السماء.

[7] ﴿مَّآ أَفَآءَ ٱللَّهُ عَلَىٰ رَسُولِهِۦ مِنۡ أَهۡلِ ٱلۡقُرَىٰ فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي ٱلۡقُرۡبَىٰ وَٱلۡيَتَٰمَىٰ وَٱلۡمَسَٰكِينِ وَٱبۡنِ ٱلسَّبِيلِ كَيۡ لَا يَكُونَ دُولَةَۢ بَيۡنَ ٱلۡأَغۡنِيَآءِ مِنكُمۡۚ وَمَآ ءَاتَىٰكُمُ ٱلرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَىٰكُمۡ عَنۡهُ فَٱنتَهُواْۚ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَۖ إِنَّ ٱللَّهَ شَدِيدُ ٱلۡعِقَابِ 7﴾:

واعلموا -أيها المؤمنون- أن هذه الأموالَ التي جاءت رسول الله ﷺ مِن أهل القرى؛ مِن غير ركوبِ خيلٍ ولا إبلٍ ولا مشقَة، فإنها لا تقسَّم تقسيم الغنائم، بل هي لله ولرسولِهِ ﷺ تُصرَفُ في وجوه البِرِّ والخير، ولذوي قرابةِ رسولِ الله ﷺ، ولليتامى الفقراء، وللمساكين ذوي الحاجةِ والبُؤْس، ولابنِ السبيل الذي انقطَعَ عنه ماله، وقد فعَلْنا ذلك؛ لئلا يكونَ المالُ متداوَلًا بين الأغنياءِ ينتفعون به وَحْدَهم، ويُحرَمَ منه الفقراءُ مع شدَّة حاجتهم للمال، ثم بيَّن سبحانه أن ما جاء به الرسول ﷺ يتعيَّن على العبادِ الأخذُ به واتِّباعه، ولا تَحِلُّ مخالفته؛ وهذا شاملٌ لأصول الدِّينِ وفروعه، ظاهرِهِ وباطنه، واتقوا الله -أيها الناس- بفعل أوامره، واجتناب نواهيه؛ إن الله شديدُ العقاب لمن خالف أمره ونهيه.

والحاصلُ: أن التعليلَ في عدَمِ قِسْمةِ المالِ بين جميع المحاربين أمران؛ أوَّلًا: أنه فَيْءٌ حصَلَ بغير حَرْب، والثاني: حتى لا يكونَ المالُ متداوَلًا بين الأغنياء الذين ليسوا في حاجة إليه.

[8] ﴿لِلۡفُقَرَآءِ ٱلۡمُهَٰجِرِينَ ٱلَّذِينَ أُخۡرِجُواْ مِن دِيَٰرِهِمۡ وَأَمۡوَٰلِهِمۡ يَبۡتَغُونَ فَضۡلٗا مِّنَ ٱللَّهِ وَرِضۡوَٰنٗا وَيَنصُرُونَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥٓۚ أُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلصَّٰدِقُونَ 8﴾:

ثم بيَّن جل وعلا أنه يُعطَى من المال الذي أفاء اللهُ به على رسولِهِ ﷺ أيضًا الفقراءُ المهاجرون الذين اضطَرَّهم كفَّارُ مكَّةَ إلى الخروجِ مِن ديارهم، ولم يُسمَحْ لهم بأخذِ شيءٍ من أموالهم معهم، ثم زكّاَهم جل في علاه؛ فذكَرَ أنهم فعلوا ذلك ابتغاءَ وَجْهِ الله، والدارِ الآخرة، وابتغاءَ مرضاةِ الله، ونُصْرةً لرسولِهِ ﷺ، ثم بيَّن سبحانه أنهم صادقون في إيمانهم؛ لأنهم صَدَّقَتْ أعمالُ جوارِحِهم أقوالَ ألسنتهم.

[9] ﴿وَٱلَّذِينَ تَبَوَّءُو ٱلدَّارَ وَٱلۡإِيمَٰنَ مِن قَبۡلِهِمۡ يُحِبُّونَ مَنۡ هَاجَرَ إِلَيۡهِمۡ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمۡ حَاجَةٗ مِّمَّآ أُوتُواْ وَيُؤۡثِرُونَ عَلَىٰٓ أَنفُسِهِمۡ وَلَوۡ كَانَ بِهِمۡ خَصَاصَةٞۚ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفۡسِهِۦ فَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡمُفۡلِحُونَ 9﴾:

ثم ذكَرَ جل وعلا الأنصارَ ومدَحَهم وزكَّاهم، وذكَرَ أنهم هم الذين استوطنوا المدينةَ قبل المهاجرين، وآمنوا قبلَ هِجْرةِ المهاجرين إليهم، وقد كانوا يُحِبُّونَ إخوانهم المهاجرين، وينصُرُونهم، ويُؤْوُونهم، ويقاسِمُونهم أموالهم، ولا يَجِدُونَ في صدورِهم حَسَدًا أو غيظًا أو حَرَجًا مما أُعطِيَ إخوانهم المهاجرون مما فضَّلهم الله وخصَّهم به؛ بل كانوا يقدِّمون إخوانهم المهاجرين على أنفُسِهم في كلِّ شيء من متاع الدنيا ومَحَابِّ النفوس -حتى لو كانوا في حاجةٍ وفَقْر- ومَنْ رزَقَهُ الله الإيثارَ، وعافاه مِن بُخْلِ نفسِهِ وحِرْصِها، كانَ مِن المفلِحينَ الفائزين فوزًا عظيمًا.

[10] ﴿وَٱلَّذِينَ جَآءُو مِنۢ بَعۡدِهِمۡ يَقُولُونَ رَبَّنَا ٱغۡفِرۡ لَنَا وَلِإِخۡوَٰنِنَا ٱلَّذِينَ سَبَقُونَا بِٱلۡإِيمَٰنِ وَلَا تَجۡعَلۡ فِي قُلُوبِنَا غِلّٗا لِّلَّذِينَ ءَامَنُواْ رَبَّنَآ إِنَّكَ رَءُوفٞ رَّحِيمٌ 10﴾:

ثم ذكَرَ جل وعلا الذين جاؤوا مِن بعدِ المهاجرين والأنصار -وهم الذين أسلموا بعد فَتْح مكَة، والتابعون لهم بإحسان إلى يوم الدين- يدعون الله قائلين: ربَّنا اغفِرْ لنا ولإخواننا الذين سبَقُونا بالإيمان، ولا تجعلْ -يا رب- في قلوبنا غِلًّا ولا حَسَدًا ولا عداوةً ولا بغضاءَ للذين آمنوا، ربَّنا إنك ذو رأفةٍ بعبادك، ورحمةٍ بهم؛ فاستجب لنا.

[11] ﴿أَلَمۡ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ نَافَقُواْ يَقُولُونَ لِإِخۡوَٰنِهِمُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنۡ أَهۡلِ ٱلۡكِتَٰبِ لَئِنۡ أُخۡرِجۡتُمۡ لَنَخۡرُجَنَّ مَعَكُمۡ وَلَا نُطِيعُ فِيكُمۡ أَحَدًا أَبَدٗا وَإِن قُوتِلۡتُمۡ لَنَنصُرَنَّكُمۡ وَٱللَّهُ يَشۡهَدُ إِنَّهُمۡ لَكَٰذِبُونَ 11﴾:

ثم ذكَرَ جل وعلا قصَّةَ عبدِ اللهِ بنِ أُبَيٍّ وأتباعِهِ مِن المنافقين الذين كان بينهم وبين اليهودِ مودَّةٌ وحِلْف، فقال سبحانه: أَلَا تعجبُ -أيها النبي- مِن شأن هؤلاءِ المنافقين الذين أظهَرُوا خلافَ ما أضمروا؟! يقولون ليهودِ بني قُرَيْظةَ والنضيرِ الذين كفروا برسالةِ محمَّدٍ ﷺ: لئن أُخرِجْتُمْ مِن المدينةِ لَنَخْرُجَنَّ معكم منها، ولا نطيعُ في عدَمِ نُصْرَتِكم أحدًا يريد أن يخوِّفنا أو يَخْذُلَنا عن نُصْرتكم، وإنْ قاتلوكم لَنُعِينَنَّكم عليهم، واللهُ يشهدُ إنَّ المنافقين لكاذبون فيما قالوا، وفيما ادَّعَوْا.

[12] ﴿لَئِنۡ أُخۡرِجُواْ لَا يَخۡرُجُونَ مَعَهُمۡ وَلَئِن قُوتِلُواْ لَا يَنصُرُونَهُمۡ وَلَئِن نَّصَرُوهُمۡ لَيُوَلُّنَّ ٱلۡأَدۡبَٰرَ ثُمَّ لَا يُنصَرُونَ 12﴾:

ثم إن الله جل وعلا كذَّبهم، وأخبَرَ أن اليهود لو أُخرِجوا، فلن يخرُجُوا معهم، وقد كان كذلك؛ فلم يخرُجِ المنافقون مع مَنْ أُخرِجَ من يهودِ بني النَّضِير، ولو قوتلَ اليهود، فلن يصدُقَ المنافقون في وَعْدهم إياهم بالوقوفِ معهم، وقد كان كذلك؛ فلم يقفوا مع بني قُرَيْظةَ لما قوتلوا فيما بعدُ، وعلى فرضِ أنهم نَصَرُوهم ووقَفُوا في القتال معهم، فلن يثبُتُوا، وسيولُّون الأدبار منهزمين هاربين.

[13] ﴿لَأَنتُمۡ أَشَدُّ رَهۡبَةٗ فِي صُدُورِهِم مِّنَ ٱللَّهِۚ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمۡ قَوۡمٞ لَّا يَفۡقَهُونَ 13﴾:

واعلموا -يا معاشر المسلمين- أنكم أشدُّ خوفًا وخشيةً في صدورِ هؤلاءِ المنافقين واليهود مِن اللهِ الذي خلَقَهم وأوجَدَهم، وخَوْفُهم من رسولِ الله وأصحابِهِ أشدُّ مِن خوفهم من الله؛ لأنهم قومٌ لا يفقهون قَدْرَ اللهِ وعظمَتَهِ جل في علاه.

[14] ﴿لَا يُقَٰتِلُونَكُمۡ جَمِيعًا إِلَّا فِي قُرٗى مُّحَصَّنَةٍ أَوۡ مِن وَرَآءِ جُدُرِۭۚ بَأۡسُهُم بَيۡنَهُمۡ شَدِيدٞۚ تَحۡسَبُهُمۡ جَمِيعٗا وَقُلُوبُهُمۡ شَتَّىٰۚ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمۡ قَوۡمٞ لَّا يَعۡقِلُونَ 14﴾:

ثم ذكَرَ جل وعلا صفةً مِن صفاتِ اليهود والمنافقين، وهي صفةُ الجُبْن؛ فأخبَرَ سبحانه أنهم لا يواجهون المسلمين وهم مجتمِعونَ في مكانٍ واحد، إلا إذا كانوا في قُرًى محصَّنةٍ بالأسوارِ والخنادق، أو مِن خَلْفِ الحيطانِ التي يستتِرُونَ بها لُجْبنهم ورَهْبَتهم، وبيَّن سبحانه وتعالى أن مِن أسباب هذا الجُبْنِ والخوفِ: أن بعضَهم عدوٌّ لبعض؛ ولذلك يحسبهم الناظرُ إليهم أنهم مجتمِعونَ ومتَّفقون، ولكنْ في الحقيقةِ قلوبُهم متفرِّقة، وذلك الاختلافُ والتشتُّتُ بسببِ أنهم قومٌ لا يعقلون شيئًا مما فيه صلاحهم؛ فإنَّ تشتيتَ القلوبِ يُوهِنُ قُوَاهم، ولو عقَلُوا، لعَرَفوا الحقَّ واتَّبعوه.

[15] ﴿كَمَثَلِ ٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِهِمۡ قَرِيبٗاۖ ذَاقُواْ وَبَالَ أَمۡرِهِمۡ وَلَهُمۡ عَذَابٌ أَلِيمٞ 15﴾:

واعلم -أيها النبي- أن مثَلَ هؤلاء اليهودِ من بني النَّضِيرِ فيما حَلَّ بهم من عقوبة الله، كمثَلِ الذين مِن قَبْلِهم من كفَّار قريش فيما وقَعَ لهم يومِ بَدْرٍ من الهزيمة، وكمثَلِ يهود بني قَيْنُقاعٍ الذين أُخْرِجوا من المدينة بسببِ غَدْرهم؛ حيث أُخْرِجوا

من المدينة قبل بني النضيرِ بزمنٍ قليل؛ فكلُّ هؤلاء ذاقوا سوءَ عاقبةِ كُفْرهم وعداوتهم لرسول الله ﷺ في الدنيا، ولهم مع ذلك عذابٌ أليمٌ في الآخرة.

[16] ﴿كَمَثَلِ ٱلشَّيۡطَٰنِ إِذۡ قَالَ لِلۡإِنسَٰنِ ٱكۡفُرۡ فَلَمَّا كَفَرَ قَالَ إِنِّي بَرِيٓءٞ مِّنكَ إِنِّيٓ أَخَافُ ٱللَّهَ رَبَّ ٱلۡعَٰلَمِينَ 16﴾:

ثم اعلَمْ -أيها النبي- أيضًا أن هؤلاء المنافقين الذين زيَّنوا الشرَّ والفسادَ ليهود بني النَّضِيرِ، ووعَدُوهم بأن ينصروهم، ثم تبرَّؤُوا منهم، كمثَلِ الشيطان الذي أغرى كفَّارَ مكَّةَ وغيرهم بالكُفْرِ، فلما رأى العذابَ، تبرَّأ منهم، وتخلَّى عنهم، وقال لهم: إني أخافُ عذابَ اللهِ وانتقامَهُ؛ إن قاتَلْتُ معكم.

[17] ﴿فَكَانَ عَٰقِبَتَهُمَآ أَنَّهُمَا فِي ٱلنَّارِ خَٰلِدَيۡنِ فِيهَاۚ وَذَٰلِكَ جَزَٰٓؤُاْ ٱلظَّٰلِمِينَ 17﴾:

ثم أخبَرَ جل وعلا أن جزاءَ وعاقبةَ المنافقين واليهودِ كعاقبةِ الشيطانِ ومَنْ تَبِعه على الكفر؛ أنهما جميعًا في نار جهنَّم يعذَّبان فيها، ماكثين فيها أبدًا، لا يخرُجُونَ منها؛ وذلك جزاءُ ومصيرُ الظالمين المجاوزين حدودَهُمْ بالشرك والمعاصي.

[18] ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَلۡتَنظُرۡ نَفۡسٞ مَّا قَدَّمَتۡ لِغَدٖۖ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَۚ إِنَّ ٱللَّهَ خَبِيرُۢ بِمَا تَعۡمَلُونَ 18﴾:

ثم حَثَّ جل وعلا المؤمنين على التقوى والنظَرِ في العواقبِ وما يقدِّمون من أعمال، فقال: يا أيها الذين آمنوا بالله ورسوله، وعَمِلوا بشرعه، اتقوا عقاب الله؛ بفعل أوامره، واجتناب نواهيه، ولْيَنْظُرْ كلُّ واحدٍ أيَّ شيء قدَّم من الأعمال ليوم القيامة، ثم أمَرَ سبحانه المؤمنين بالتقوى مرَّةً ثانيةً، وكرَّر سبحانه التقوى لأهميَّتها، واعلموا أن الله جل في علاه خبيرٌ بما تعملون؛ لا تخفى عليه خافية في السماء والأرض، وسوف يُجازِيكم بأعمالكم؛ إنْ خيرًا فخير، وإنْ شرًّا فشرّ.

[19] ﴿وَلَا تَكُونُواْ كَٱلَّذِينَ نَسُواْ ٱللَّهَ فَأَنسَىٰهُمۡ أَنفُسَهُمۡۚ أُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡفَٰسِقُونَ 19﴾:

واحذروا -أيها المؤمنون- أن تكونوا مِثْلَ اليهود والمنافقين ممَّن تركوا أمرَ الله وطاعتَهُ، ونَسُوا حقوقه؛ فأنساهم الله حظوظَ أنفسهم من العمل الصالح؛ فلم يعملوا بما ينجِّيهم من عذاب الله؛ ليكونَ الجزاءُ مِن جنسِ العمل، واعلموا أن أولئك الذين ترَكُوا أمر الله هم الخارجون عن طاعته وشريعته.

[20] ﴿لَا يَسۡتَوِيٓ أَصۡحَٰبُ ٱلنَّارِ وَأَصۡحَٰبُ ٱلۡجَنَّةِۚ أَصۡحَٰبُ ٱلۡجَنَّةِ هُمُ ٱلۡفَآئِزُونَ 20﴾:

ثم أخبَرَ جل وعلا أنه لا يستوي أصحابُ النارِ، وهم الفَسَقةُ الذين نَسُوا الله، وأصحابُ الجنةِ الذين اتقَوُا الله؛ فامتثلوا أوامره، واجتنبوا نواهيه؛ فاعلموا أن أصحابَ الجنة هم الفائزون الظافرون بكلِّ مطلوب، الناجون من كلِّ مكروه.

[21] ﴿لَوۡ أَنزَلۡنَا هَٰذَا ٱلۡقُرۡءَانَ عَلَىٰ جَبَلٖ لَّرَأَيۡتَهُۥ خَٰشِعٗا مُّتَصَدِّعٗا مِّنۡ خَشۡيَةِ ٱللَّهِۚ وَتِلۡكَ ٱلۡأَمۡثَٰلُ نَضۡرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمۡ يَتَفَكَّرُونَ 21﴾:

ثم ذكَرَ جل وعلا أن هذا القرآن العظيمَ الحاويَ للقوارعِ والنواهي، لو أنزله الله على جبل، لتفتَّت وتصدَّع من خشية الله تعالى، واعلموا -أيها الناس- أن هذه الأمثال نَضْرِبها لكم لعلكم تتَّعظون؛ فتحصُلُوا على رضا الله والنجاة من النار؛ وهذا إعلامٌ بعَظَمةِ القرآنِ وقوَّةِ تأثيرِهِ وتأنيبِهِ للعصاةِ الكَفَرةِ وغيرهم ممن أَصَمَّ أُذُنَهُ عن القرآن.

[22] ﴿هُوَ ٱللَّهُ ٱلَّذِي لَآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَۖ عَٰلِمُ ٱلۡغَيۡبِ وَٱلشَّهَٰدَةِۖ هُوَ ٱلرَّحۡمَٰنُ ٱلرَّحِيمُ 22﴾:

ثم ختَمَ جل وعلا السورة بعدَدٍ مِن أسماءِ الله الحسنى التي هو أهلٌ لها، وأهلٌ للمغفرة، فأخبَرَ سبحانه أنه هو الله الذي تَأْلَهُهُ القلوب، وهو الذي لا معبودَ بحَقٍّ غيرُهُ، لا إلهَ، إلا هو ولا ربَّ سواه، عالمُ السرِّ والعَلَن، يَعْلَمُ ما غاب عن العباد مما لم يُبْصِروه، وما شاهدوه وعَلِموه، ذو الرحمةِ الواسعةِ العامَّةِ التي وَسِعَتْ كلَّ شيء، ووصَلَتْ إلى كل حي؛ فهو رحمنُ الدنيا والآخِرةِ ورحيمُهما. ويرجِّحُ كثيرٌ من العلماء بأن (الله): هو الاسمُ الأعظم، وقد ذُكِرَ في القرآن (2602 مرة)، وكلُّها تعود إليه جل في علاه.

[23] ﴿هُوَ ٱللَّهُ ٱلَّذِي لَآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ ٱلۡمَلِكُ ٱلۡقُدُّوسُ ٱلسَّلَٰمُ ٱلۡمُؤۡمِنُ ٱلۡمُهَيۡمِنُ ٱلۡعَزِيزُ ٱلۡجَبَّارُ ٱلۡمُتَكَبِّرُۚ سُبۡحَٰنَ ٱللَّهِ عَمَّا يُشۡرِكُونَ 23﴾:

ثم أكَّد جل وعلا مرةً أخرى: أنه هو الله الذي لا معبودَ بحقٍّ غيرُهُ، لا إله إلا هو، ولا ربَّ سواه؛ وذلك اعتناءً واهتمامًا بأمرِ التوحيد، ثم أخبَرَ سبحانه أنه المَلِكُ الذي لا يزولُ مُلْكُه، المتصرِّفُ بالأمرِ والنهيِ في جميع خلقه، المالكُ لهم؛ فهم تحت

مُلْكه وقهره وإرادته، القُدُّوسُ الطاهرُ مِن كلِّ عيب، والمنزَّهُ عن كل نقص، السلامُ الذي سَلِمَ من كلِّ عيبٍ وآفةٍ ونقص، المؤمنُ الذي وهَبَ لعباده نعمةَ الأمنَ والأمان، والإيمان والاطمئنان، المصدِّقُ لرسله بإظهارِ المعجِزات، المهيمِنُ الذي هيمَنَ بعظمته وجلاله على جميع خلقه بما فيهم الملوكُ والزعماءُ والرؤساء، العزيزُ الذي لا يُغْلَبُ ولا يناله ذُلٌّ، الجبَّارُ الذي يَذِلُّ له مِن دونه سائرُ الخلق، المتكبِّرُ الذي له الكبرياءُ والعظمة؛ فتنزَّه سبحانه وتقدَّس في جلاله وعظمته عما يقوله ويفعله المشركون.

[24] ﴿هُوَ ٱللَّهُ ٱلۡخَٰلِقُ ٱلۡبَارِئُ ٱلۡمُصَوِّرُۖ لَهُ ٱلۡأَسۡمَآءُ ٱلۡحُسۡنَىٰۚ يُسَبِّحُ لَهُۥ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۖ وَهُوَ ٱلۡعَزِيزُ ٱلۡحَكِيمُ 24﴾:

ثم أخبَرَ جل وعلا أنه هو الإلهُ الخالقُ لجميع الأشياء، البارئُ المنشِئُ لها بطريقِ الاختراع، الموجِدُ لها بعد العدم، المصوِّرُ لمخلوقاته وَفْقَ ما يريد، له الأسماءُ الحسنى والصفاتُ العليا، ينزِّهه تعالى عن صفات العجزِ والنقصِ جميعُ ما في الكونِ بلسانِ الحال أو المقال؛ لأنه هو العزيزُ الذي لا يغالِبُهُ مغالِب، الحكيمُ في كلِّ الأمورِ التي يقضي بها.

تمَّ الكلامُ على سورةِ الحَشْرِ فَجْرَ يومِ العِيدِ مِن شهرِ رمضانَ عام 1434هـ؛ فالحمدُ لله على الإعانة، وصلَّى الله على نبيِّنا محمَّد، وعلى آلِهِ وصحبِهِ وسلَّم.

سورة الممتحنة

سورةُ الممتحنةِ مدنيَّةٌ، وآياتها ثلاثَ عَشْرَةَ آيةً.

[1] ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَتَّخِذُواْ عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمۡ أَوۡلِيَآءَ تُلۡقُونَ إِلَيۡهِم بِٱلۡمَوَدَّةِ وَقَدۡ كَفَرُواْ بِمَا جَآءَكُم مِّنَ ٱلۡحَقِّ يُخۡرِجُونَ ٱلرَّسُولَ وَإِيَّاكُمۡ أَن تُؤۡمِنُواْ بِٱللَّهِ رَبِّكُمۡ إِن كُنتُمۡ خَرَجۡتُمۡ جِهَٰدٗا فِي سَبِيلِي وَٱبۡتِغَآءَ مَرۡضَاتِيۚ تُسِرُّونَ إِلَيۡهِم بِٱلۡمَوَدَّةِ وَأَنَا۠ أَعۡلَمُ بِمَآ أَخۡفَيۡتُمۡ وَمَآ أَعۡلَنتُمۡۚ وَمَن يَفۡعَلۡهُ مِنكُمۡ فَقَدۡ ضَلَّ سَوَآءَ ٱلسَّبِيلِ 1﴾:

افتُتِحَتْ هذه السورةُ بنداءِ المؤمنين ألَّا يتخذوا أعداءَ الله وأعداءَ المؤمنين أولياءَ وأصدقاء، وألَّا يُظهِروا لهم المودَّة والمحبة، ولا يثقوا بهم فيبلِّغوهم أخبارَ الرسول ﷺ وأخبارَ المؤمنين التي لا ينبغي لأعدائهم أن يَطَّلعوا عليها؛ كما فعَلَ حاطبُ بنُ أبي بَلْتَعةَ رضي الله عنه عندما أرسَلَ كتابًا لقريشٍ يُخْبِرهم بما يريد أن يفعله الرسولُ ﷺ من حَرْبهم؛ وسببُ ذلك: أن هؤلاءِ المشركين جحدوا الحقَّ الذي جاء به محمَّد ﷺ، وأنهم سببُ إخراجِ الرسولِ ﷺ والمسلمين مِن مَكَّةَ؛ بسبب إيمانِهم وإخلاصِهم العبادةَ لله وحده، فإنْ كنتم -أيها المؤمنون- خرَجْتم من مكَّةَ هجرةَ وجهادًا في سبيل الله، وطلبًا لمرضاته، فكيف تُفْضُونَ إليهم بالمودَّةِ والمحبَّةِ سرًّا، وهو سبحانه أعلَمُ منهم ومنكم بما أخفَيْتم في قلوبكم مِن الخيرِ والشر؛ ولذلك أخبَرَ الرسولَ ﷺ بما فعَلَ حاطبٌ، وأمره أن يَلْحَقَ بالمرأة التي نقَلَتِ الكتابَ في مكانٍ يقال له: رَوْضَةُ خاخ، واعلموا أنَّ مَنْ يَفْعَلْ ذلك منكم، فقد أخطأ طريقَ الحقِ والصواب، وضَلَّ سواء السبيل. وهذه الآيةُ صريحةٌ في عدَمِ الثقةِ في الأعداء؛ مهما كانت القرابةُ أو أيُّ سبب آخر. وسبَبُ نزولها: أنَّ حاطبَ بنَ أبي بَلْتعةَ العَبْسيَّ كتَبَ كتابًا لقريشٍ يقولُ فيه: إن محمدًا ﷺ جاء إليكم بجيشٍ كاللَّيْلِ، أي: أنه عَمِلَ عملًا يسمَّى في الوقت الحاضر: الخِيَانةَ العظمى للأمَّة، وكان جُرْمُهُ يستحِقُّ عليه القتلَ عقوبة، ولكنَّ الرسول ﷺ حَفِظَ له مواقِفَهُ القديمةَ في البَيْعةِ تحتَ الشجرة، وفي حَرْبِهِ مع المسلمين في غزوة بَدْر؛ لاسيما وقد أقسَمَ أمامه أنه ما زال مسلِمًا، وأنَّ قصدَهُ أن يجعلَ له يدًا عند قريشٍ حتى لا ينكِّلوا بأسرته في مكَّة، ولعِظَمِ جريمتِهِ قال عُمَرُ بنُ الخطَّاب رضي الله عنه للرسولِ ﷺ: (دَعْنِي أَضْرِبْ عُنُقَهُ)([2])، ولكنَّ الرسولَ منَعَ عمر، وذكَرَ لعمر السببَ في عدمِ قتله. واستنتَجَ بعضُ المفسِّرين من هذه القضية: أن فَضْحَ الخائنين ومرتكبي الكبائرِ العظمى لا يُعَدُّ نميمةً، بل إنه واجبٌ. [2] انظر قصة حاطب عند البخاري (3081، 3983)، ومسلم (2494)، عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه.

[2] ﴿إِن يَثۡقَفُوكُمۡ يَكُونُواْ لَكُمۡ أَعۡدَآءٗ وَيَبۡسُطُوٓاْ إِلَيۡكُمۡ أَيۡدِيَهُمۡ وَأَلۡسِنَتَهُم بِٱلسُّوٓءِ وَوَدُّواْ لَوۡ تَكۡفُرُونَ 2﴾:

واعلموا -أيها المؤمنون- أنه لو تمكَّن منكم هؤلاءِ الأعداءُ الذين تُسِرُّونَ إليهم بالمودَّةِ والمحبة، فسوف تَظْهَرُ عداوتُهم وبُغْضُهم لكم، ولن يقف الأمرُ على ذلك، بل سوف يمُدُّونَ أيديهم بقَتْلِكم وسَبْيِكم وتشريدكم، وتسليطِ ألسنتهم بما يُؤْذِيكم من السب والشتم، وبعد هذا كله، فإنهم يتمنَّوْنَ لو تكونون كفارًا مثلهم؛ لتكونوا على مثل الذي هم عليه.

[3] ﴿لَن تَنفَعَكُمۡ أَرۡحَامُكُمۡ وَلَآ أَوۡلَٰدُكُمۡۚ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ يَفۡصِلُ بَيۡنَكُمۡۚ وَٱللَّهُ بِمَا تَعۡمَلُونَ بَصِيرٞ 3﴾:

ثم اعلموا -أيها المؤمنون- أنه لن تنفعكم قَرَابَاتُكم ولا أولادُكم يوم القيامة؛ فإنه جل في علاه في هذا اليومِ يَفْصِلُ بين أهلِ الإيمانِ وأهلِ الكفر، والله سبحانه بصيرٌ بأعمالكم وأقوالكم، لا يخفى عليه شيء منها؛ كما لا يخفى عليه شيءٌ في الأرض ولا في السماء.

[4] ﴿قَدۡ كَانَتۡ لَكُمۡ أُسۡوَةٌ حَسَنَةٞ فِيٓ إِبۡرَٰهِيمَ وَٱلَّذِينَ مَعَهُۥٓ إِذۡ قَالُواْ لِقَوۡمِهِمۡ إِنَّا بُرَءَٰٓؤُاْ مِنكُمۡ وَمِمَّا تَعۡبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ كَفَرۡنَا بِكُمۡ وَبَدَا بَيۡنَنَا وَبَيۡنَكُمُ ٱلۡعَدَٰوَةُ وَٱلۡبَغۡضَآءُ أَبَدًا حَتَّىٰ تُؤۡمِنُواْ بِٱللَّهِ وَحۡدَهُۥٓ إِلَّا قَوۡلَ إِبۡرَٰهِيمَ لِأَبِيهِ لَأَسۡتَغۡفِرَنَّ لَكَ وَمَآ أَمۡلِكُ لَكَ مِنَ ٱللَّهِ مِن شَيۡءٖۖ رَّبَّنَا عَلَيۡكَ تَوَكَّلۡنَا وَإِلَيۡكَ أَنَبۡنَا وَإِلَيۡكَ ٱلۡمَصِيرُ 4﴾:

واعلموا -أيها المؤمنون- أنه يجبُ أن تكونَ لكم في أبيكم إبراهيمَ الخليلِ أحسَنُ أسوةٍ هو ومَنْ معه من المؤمنين؛ حيث إنهم قالوا لقومهم الذين كانوا يعبُدُونَ الأصنام: إنا بُرَآءُ منكم ومما تعبُدُونَ من دون الله، ولقد كفَرْنا بكم وبهذه الآلهة التي تعبُدُونها، وقد بدت بيننا وبينكم العداوةُ والبغضاءُ أبدًا ما دُمْتُمْ على كُفْرِكم وجُحُودِكم؛ حتى تؤمنوا بالله وحده لا شريكَ له، ولكنْ ليس لكم أن تقتدوا بإبراهيمَ في حالةٍ واحدةٍ حينما قال لأبيه آزَرَ المشرِكِ: لأَسْتغفِرَنَّ لك ربي؛ حيث وعَدَ أباه بالاستغفار له أملًا في هدايته، ثم بيَّن له سبحانه أنه لا يستحِقُّ الاستغفار له؛ لأنه من أهل النار، واستغفارُ إبراهيم لأبيه كان قبل أن يتبيَّنَ لإبراهيم أن أباه عدُوٌّ لله؛ فلما تبيَّن له أنه عدوٌّ لله، تبرَّأ منه. ثم أمَرَ سبحانه عباده أن يقولوا في دعائهم، كما قال إبراهيم ومن معه: يا ربَّنا، إليك وحدَكَ فوَّضنا أمورَنَا، وإليك وحدَكَ رجَعْنا وتُبْنا، وإليك وحدك مَرْجِعُنا ومصيرُنا.

[5] ﴿رَبَّنَا لَا تَجۡعَلۡنَا فِتۡنَةٗ لِّلَّذِينَ كَفَرُواْ وَٱغۡفِرۡ لَنَا رَبَّنَآۖ إِنَّكَ أَنتَ ٱلۡعَزِيزُ ٱلۡحَكِيمُ 5﴾:

وأمرَهَم سبحانه أيضًا أنْ يقُولوا في دعائِهم: ربَّنا، لا تجعلنا فتنةً للذين كفروا بأن يَظْهَروا علينا، فيعذِّبونا ويفتنونا عن ديننا، فيظنُّوا أنهم على الحق، واغفِرْ لنا -يا ربِّ- ذنوبَنَا وسيِّئاتِنا وتقصيرَنا في عبادتك، ربَّنا إنك أنت العزيزُ الغالبُ الذي قهَرَ كلَّ شيء، الحكيمُ الذي يضَعُ الأشياءَ في مواضعها. والمقصودُ من هذه الآية: هو النهيُ الشديدُ عن موالاةِ الكفَّارِ والمشرِكينَ وغيرهم من أعداء الملَّة، أو محبَّتِهم، كما أنها أثنت على الخليلِ ومَنْ معه من المؤمنين؛ لأنه تبرَّأ من قومِهِ المشركين بما فيهم أبوه.

[6] ﴿لَقَدۡ كَانَ لَكُمۡ فِيهِمۡ أُسۡوَةٌ حَسَنَةٞ لِّمَن كَانَ يَرۡجُواْ ٱللَّهَ وَٱلۡيَوۡمَ ٱلۡأٓخِرَۚ وَمَن يَتَوَلَّ فَإِنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلۡغَنِيُّ ٱلۡحَمِيدُ 6﴾:

ثم كرَّر جل وعلا الحثَّ على الاقتداء بإبراهيمَ ومَنْ فعَلَ فعله، فقال سبحانه: لقد كان لكم في إبراهيمَ والذين آمنوا معه أُسْوةٌ وقُدْوةٌ حَسَنةٌ في بُغْضِ المشركين، والبراءةِ منهم ومن معبوداتهم؛ فاقتدوا بهم، وهذا الاقتداءُ يسهُلُ على مَنْ كان طمُعُه وهدفُهُ رضا الله، والفوزَ في اليوم الآخر، ومَن يُعرِضْ عن طاعةِ اللهِ، والتأسِّي برُسُلِه، فإن اللهَ هو الغنيُّ عن جميع خَلْقه، وهو الذي له الغنى التامُّ المطلَقُ من جميع الوجوه، الحميدُ في ذاته، وأسمائه، وصفاته، وأفعاله؛ سبحانه وتعالى.

[7] ﴿عَسَى ٱللَّهُ أَن يَجۡعَلَ بَيۡنَكُمۡ وَبَيۡنَ ٱلَّذِينَ عَادَيۡتُم مِّنۡهُم مَّوَدَّةٗۚ وَٱللَّهُ قَدِيرٞۚ وَٱللَّهُ غَفُورٞ رَّحِيمٞ 7﴾:

وبعد أن حذَّر جل وعلا عباده المؤمنين من الثقةِ بالمشرِكينَ وموالاتِهم ومحبَّتهم، قال سبحانه: عسى اللهُ أن يَجْعَلَ بينكم وبين الذين عادَيْتُمْ مِن أقاربكم مودَّةً ومحبَّةً إذا اهتدَوْا ودخلوا في الإسلام، فتزولُ عِلَّةُ الحذر؛ وحينئذٍ لهم ما للمسلمين، ثم أخبَرَ سبحانه بأنه قادرٌ على أن يغيِّرَ ما في النفوس، ويحوِّلَ القلوب، فتنشرح للإسلام، والله غفورٌ لعباده المؤمنين، رحيمٌ بهم.

[8] ﴿لَّا يَنۡهَىٰكُمُ ٱللَّهُ عَنِ ٱلَّذِينَ لَمۡ يُقَٰتِلُوكُمۡ فِي ٱلدِّينِ وَلَمۡ يُخۡرِجُوكُم مِّن دِيَٰرِكُمۡ أَن تَبَرُّوهُمۡ وَتُقۡسِطُوٓاْ إِلَيۡهِمۡۚ إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلۡمُقۡسِطِينَ 8﴾:

ثم استثنى جل وعلا المسالمين منهم الذين لم يُؤْذُوا المؤمنين مِن قرابتهم، ولم يقاتِلُوهم، أو مِن الذين يتعامَلُونَ معهم بصِدْق، ولا يجاهرون بالعَدَاءِ للمسلمين؛ فأخبَرَ سبحانه أنه لا ينهاكم -أيها المؤمنون- عن الذين لم يقاتلوكم من الكفَّار بسبب دينكم، ولم يُخْرِجوكم من بلادكم؛ فهؤلاءِ لا بأسَ بالعدلِ معهم، والإحسانِ إليهم، وبِرِّهم وصلتهم بسببِ القرابة؛ فإنه جل في علاه يحبُّ الذين يَعْدِلون في أقوالهم وأفعالهم وأحكامهم.

[9] ﴿إِنَّمَا يَنۡهَىٰكُمُ ٱللَّهُ عَنِ ٱلَّذِينَ قَٰتَلُوكُمۡ فِي ٱلدِّينِ وَأَخۡرَجُوكُم مِّن دِيَٰرِكُمۡ وَظَٰهَرُواْ عَلَىٰٓ إِخۡرَاجِكُمۡ أَن تَوَلَّوۡهُمۡۚ وَمَن يَتَوَلَّهُمۡ فَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلظَّٰلِمُونَ 9﴾:

ثم بيًّن سبحانه أنَّه ينهاكم –أيها المؤمنون- عن الذين قاتلوكم وعادَوْكم لأجل دينكم، وأخرَجُوكم وعاونوا على إخراجِكم مِن ديارِكم لأجلِ دينكم؛ فهؤلاءِ ينهاكم الله نَهْيًا شديدًا أكيدًا عن مودَّتهم ونصرتهم بالقولِ أو الفعل، ومَنْ يتولَّهم بالنصرةِ والمحبَّةِ والتأييد، فأولئك هم الظالمون لأنفُسِهم بمجاوَزَتهم حدودَ الله.

[10] ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ إِذَا جَآءَكُمُ ٱلۡمُؤۡمِنَٰتُ مُهَٰجِرَٰتٖ فَٱمۡتَحِنُوهُنَّۖ ٱللَّهُ أَعۡلَمُ بِإِيمَٰنِهِنَّۖ فَإِنۡ عَلِمۡتُمُوهُنَّ مُؤۡمِنَٰتٖ فَلَا تَرۡجِعُوهُنَّ إِلَى ٱلۡكُفَّارِۖ لَا هُنَّ حِلّٞ لَّهُمۡ وَلَا هُمۡ يَحِلُّونَ لَهُنَّۖ وَءَاتُوهُم مَّآ أَنفَقُواْۚ وَلَا جُنَاحَ عَلَيۡكُمۡ أَن تَنكِحُوهُنَّ إِذَآ ءَاتَيۡتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّۚ وَلَا تُمۡسِكُواْ بِعِصَمِ ٱلۡكَوَافِرِ وَسۡـَٔلُواْ مَآ أَنفَقۡتُمۡ وَلۡيَسۡـَٔلُواْ مَآ أَنفَقُواْۚ ذَٰلِكُمۡ حُكۡمُ ٱللَّهِ يَحۡكُمُ بَيۡنَكُمۡۖ وَٱللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٞ 10﴾:

يا أيها الذين آمنوا بالله ورسوله، إذا جاءكم النساءُ المؤمِناتُ مهاجِراتٍ مِن دارِ الكُفْر إلى دارِ الإسلام، فعليكم أن تمتحنوهُنَّ لتعرفوا صِدْقَ إيمانهنَّ، ومعلومٌ أنه لا يعلم حقيقةَ إيمانِ الإنسانِ إلا اللهُ جل في علاه؛ فإنْ غلَبَ على ظنكم أنهنَّ مؤمناتٌ، فلا ترُدُّوهُنَّ إلى الكفار، ثم بيَّن سبحانه العِلَّةَ في النهي عن إرجاعهنَّ؛ فأخبَرَ أنه لا يَحَلُّ تزويجُ المؤمنات للكفار، ولا يَحِلُّ للكفار أن يتزوَّجوا المؤمنات، وعليكم أن تعطوا أزواجَ اللاتي أسلَمْنَ ما أنفقوا عليهنَّ من المهور، ثم أخبَرَ سبحانه أنه لا حرَجَ ولا إثمَ عليكم أن تتزوَّجوا هؤلاء المهاجرات؛ إذا دفَعْتُمْ لهنَّ مهورهنَّ، ثم أمَرَ سبحانه عباده ألَّا يتمسَّكوا بعقود زوجاتهم الكافرات؛ فليس بينكم وبينهنَّ عِصْمةٌ ولا عَلَاقة.

ثم طلَبَ سبحانه منهم أن يسألوا الكفَّارَ مهورَ نسائهم اللاحقاتِ بهم إذا ارتدَدْنَ ولَحِقْنَ بهم، ولْيَسْأَلْكُمُ الكفَّارُ مهورَ نسائهم المهاجراتِ إليكم، والمرادُ: أنَّ عليكم أن تؤدُّوا لهم ذلك، واعلموا -أيها الناس- أن هذه الأحكام هي حُكْمُ الله يحكُمُ به بينكم؛ فاتَّبعوه ولا تخالفوه، وهو سبحانه عليمٌ بمصالح العباد، حكيمٌ في تشريعِهِ لهم، يَشْرَعُ ما تقتضيه الحكمةُ البالغة.

[11] ﴿وَإِن فَاتَكُمۡ شَيۡءٞ مِّنۡ أَزۡوَٰجِكُمۡ إِلَى ٱلۡكُفَّارِ فَعَاقَبۡتُمۡ فَـَٔاتُواْ ٱلَّذِينَ ذَهَبَتۡ أَزۡوَٰجُهُم مِّثۡلَ مَآ أَنفَقُواْۚ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ ٱلَّذِيٓ أَنتُم بِهِۦ مُؤۡمِنُونَ 11﴾:

ثم بيَّن سبحانه: أنه إذا ذهَبَ بعضُ نسائكم -أيها المؤمنون- إلى الكفار مرتدَّاتٍ، وطالبتم بالمهورِ، فلم يعطوكم، ثم غَزَوتُم وغَنِمْتم، فأعطوا مِن الغنيمةِ قبل قِسْمَتِها الذي ذهَبَتْ زوجته إلى دار الكفر، ولم يحصُلْ على تعويضٍ، فأعطوه مثلَ ما أنفَقَ، وخافوا الله الذي أنتم به مؤمنون؛ وذلك باتِّباعِ أوامره، واجتنابِ نواهيه.

[12] ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ إِذَا جَآءَكَ ٱلۡمُؤۡمِنَٰتُ يُبَايِعۡنَكَ عَلَىٰٓ أَن لَّا يُشۡرِكۡنَ بِٱللَّهِ شَيۡـٔٗا وَلَا يَسۡرِقۡنَ وَلَا يَزۡنِينَ وَلَا يَقۡتُلۡنَ أَوۡلَٰدَهُنَّ وَلَا يَأۡتِينَ بِبُهۡتَٰنٖ يَفۡتَرِينَهُۥ بَيۡنَ أَيۡدِيهِنَّ وَأَرۡجُلِهِنَّ وَلَا يَعۡصِينَكَ فِي مَعۡرُوفٖ فَبَايِعۡهُنَّ وَٱسۡتَغۡفِرۡ لَهُنَّ ٱللَّهَۚ إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٞ رَّحِيمٞ 12﴾:

يا أيها النبي، إذا جاءك النساءُ المؤمناتُ يعاهِدْنَكَ على: ألَّا يُشرِكْنَ بالله شيئًا، ولا يرتكِبْنَ جريمةَ السرقة، ولا جريمةَ الزنى التي هي مِن أسوأِ الفواحش، ولا يقتُلْنَ أولادَهُنَّ؛ كما كان يفعله أهل الجاهلية؛ خوفَ العار، أو خشيةَ الفقر، ولا يُلْحِقَنَّ بأزواجِهِنَّ ولدًا ليس منهم، ولا يخالِفْنَكَ في معروفٍ أمَرْتَهُنَّ به، فعلى هذه الشروطِ: بايِعْهُنَّ -أيها النبي- واطلُبْ مِن الله المغفرةَ لهنَّ؛ فهو سبحانه غفورٌ لذنوب عباده التائبين، كثيرُ الرحمة بهم.

[13] ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَتَوَلَّوۡاْ قَوۡمًا غَضِبَ ٱللَّهُ عَلَيۡهِمۡ قَدۡ يَئِسُواْ مِنَ ٱلۡأٓخِرَةِ كَمَا يَئِسَ ٱلۡكُفَّارُ مِنۡ أَصۡحَٰبِ ٱلۡقُبُورِ 13﴾:

ثم ختَمَ جل وعلا السورةَ بنهي عباده المؤمنين الذين آمنوا بالله ورسوله ﷺ؛ عن موالاةِ اليهودِ والنصارى وسائرِ الكفار الذين غَضِبَ الله عليهم، فاستحقُّوا الطردَ مِن رحمته؛ بسببِ كُفْرِهم وضلالهم؛ فحذَّر سبحانه من موالاتهم؛ سواءٌ كانوا أصدقاءَ أو أخلَّاءَ، وهؤلاءِ الفجَّارُ قد يئسوا من ثواب الآخرة ونعيمها؛ كما يَئِسَ الكفَّار المكذِّبون بالبعث والنشور من عودةِ أمواتهم إلى الحياةِ مرَّةً ثانية بعد أن يموتوا.

سورة الصَّفِّ

سورةُ الصفِّ مدنيَّةٌ، وآياتها أربعَ عَشْرَةَ آيةً.

[1] ﴿سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلۡأَرۡضِۖ وَهُوَ ٱلۡعَزِيزُ ٱلۡحَكِيمُ 1﴾:

أخبَرَ جل وعلا أن جميع مَنْ في السموات والأرض ينزِّهُ الله ويقدِّسه عما لا يليق به سبحانه مِن صفاتِ النقصِ والعَيْب، ثم أخبَرَ سبحانه أنه العزيزُ الذي لا يُغلَبُ، الحكيمُ في كلِّ ما يصدُرُ منه.

وفي هذه الآية: إرشادٌ لمشروعيَّةِ التسبيحِ في كلِّ وقت.

[2] ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفۡعَلُونَ 2﴾:

عاتَبَ جل وعلا عباده المؤمنين على عدم موافَقةِ العملِ للقول؛ فقال سبحانه: يا أيها الذين آمنوا بالله ورسوله ﷺ، لِمَ تقولون مِن الخيرِ ما لا تفعلونه؟!.

[3] ﴿كَبُرَ مَقۡتًا عِندَ ٱللَّهِ أَن تَقُولُواْ مَا لَا تَفۡعَلُونَ 3﴾:

ثم بين سبحانه أن هذا الفعلَ قد عَظُمَ جرمًا عند الله أن تقولوا ثم لا تفعلوا؛ لأنَّ الوفاءَ بالوعدِ دليلٌ على الصدقِ، وكريمِ الشِّيَم، وجميلِ الخصال؛ رُوِيَ في حديثٍ أخرجه أحمد، والترمذي، والدارمي، عن عبد الله بن سَلَام: أنَّ رجالًا مِن الصحابة قالوا: لو نَعْلَمُ العمَلَ الأفضلَ الذي هو أحبُّ الأعمال عند الله، لعملناه، فأنزَلَ الله تعالى: ﴿سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلۡأَرۡضِۖ وَهُوَ ٱلۡعَزِيزُ ٱلۡحَكِيمُ 1 يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفۡعَلُونَ﴾ [الصف:١-٢]، قال عبد الله بن سلام: فقرَأَها علينا رسولُ الله ﷺ([3]). وهذا الحديثُ ذكره ابنُ كَثِيرٍ في تفسيره، ثم قال: (إنَّ القولَ الذي لا يصدِّقه العمَلُ يسبِّبُ الذمَّ والمقت، والمقتُ: هو أشدُّ الكُرْهِ والبغض). [3] أخرجه أحمد في المسند (23789)، والترمذي (3309)، والدارمي (2435)، قال الشيخ الألباني في التعليقات الحسان على صحيح ابن حبان (4575): حسن صحيح.

[4] ﴿إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلَّذِينَ يُقَٰتِلُونَ فِي سَبِيلِهِۦ صَفّٗا كَأَنَّهُم بُنۡيَٰنٞ مَّرۡصُوصٞ 4﴾:

ثم بيَّن جل وعلا أنَّ مِن مَحَابِّ الله الجهادَ في سبيله، فهو سبحانه يُحِبُّ الذين يقاتلون في سبيله صفًّا كأنهم في وقوفهم يُشْبِهونَ الجِدَارَ الذي لا فَجَواتِ فيه، أي: متراصِّين متلاصقين ليس بينهم فَجَوات، وقد كانت حروبُ الأعرابِ قبل ذلك مطارَدةً كلٌّ يجري يلاحِقُ عدوَّه، أي: متفرِّقين.

[5] ﴿وَإِذۡ قَالَ مُوسَىٰ لِقَوۡمِهِۦ يَٰقَوۡمِ لِمَ تُؤۡذُونَنِي وَقَد تَّعۡلَمُونَ أَنِّي رَسُولُ ٱللَّهِ إِلَيۡكُمۡۖ فَلَمَّا زَاغُوٓاْ أَزَاغَ ٱللَّهُ قُلُوبَهُمۡۚ وَٱللَّهُ لَا يَهۡدِي ٱلۡقَوۡمَ ٱلۡفَٰسِقِينَ 5﴾:

واذكر -أيها النبي- لقومِكَ قصَّةَ عبدِهِ وكليمِهِ (موسى بنِ عِمْرانَ)؛ حين قال لقومه بني إسرائيلَ: يا قومِ، لِمَ تؤذونني وتخالفون أمري؛ فتتركوا القتال، وأنتم تعلمون صِدْقي فيما جئتُكم به مِن رسالة ربِّي؟! حيثُ رفضوا القتالَ مع موسى، وقالوا: ﴿إِنَّ فِيهَا قَوۡمٗا جَبَّارِينَ﴾ [المائدة:22]، ولكنْ لمَّا مالوا عن الحق بعد أن علموه غايةَ العِلْمِ، وآثروا الباطل على الحق، عاقبهم الله، فصرَفَ قلوبهم عن الهدى؛ نِقْمةً منه تعالى عليهم، والله سبحانه لا يَهْدِي كلَّ مَنْ خرَجَ عن طاعته وهديه.

والهدفُ مِن ذِكْرِ قصَّةِ موسى هو تسليةُ رسول الله ﷺ، وحثُّه على الصبرِ والاحتساب، وإخبارُهُ أن الأنبياء يتلقَّوْنَ مصاعبَ ومخالفاتٍ من قومهم، مع أنهم يعلمون أنهم رسُلُ الله، وينفِّذون تعاليمه؛ مثل مَنْ كانوا قبلهم من الأنبياء والمصلحين.

[6] ﴿وَإِذۡ قَالَ عِيسَى ٱبۡنُ مَرۡيَمَ يَٰبَنِيٓ إِسۡرَٰٓءِيلَ إِنِّي رَسُولُ ٱللَّهِ إِلَيۡكُم مُّصَدِّقٗا لِّمَا بَيۡنَ يَدَيَّ مِنَ ٱلتَّوۡرَىٰةِ وَمُبَشِّرَۢا بِرَسُولٖ يَأۡتِي مِنۢ بَعۡدِي ٱسۡمُهُۥٓ أَحۡمَدُۖ فَلَمَّا جَآءَهُم بِٱلۡبَيِّنَٰتِ قَالُواْ هَٰذَا سِحۡرٞ مُّبِينٞ 6﴾:

واذكر -أيها النبي- أيضًا لقومِكَ حين قال عيسى بنُ مريمَ لقومه: يا بني إسرائيلَ، إنِّي مرسَلٌ إليكم من الله، وإنِّي مصدِّقٌ بالتوراة وبكتبِ الله وأنبيائِهِ جميعًا؛ مَنْ تقدَّم منهم، ومَنْ تأخَّر، وذكَرَ تصديقه للتوراة؛ ليعلموا أنه مؤمِنٌ برسالةِ موسى لعلَّهم يهتدون، ثم قال لهم: وإني جئتُ لأبشِّركم ببعْثةِ رسولٍ سوف يأتي بعدي يسمَّى: (أحمدَ)، وهو محمَّدٌ ﷺ، ولما جاءهم محمَّدٌ ﷺ المبشَّر به بالأدلَّة الواضحة البينة، كذَّبوه وأعرضوا عنه وعما جاء به، وقالوا: إنَّ ما جئتَ به ما هو إلا أباطيل، وسِحْرٌ واضحٌ لا شك فيه.

[7] ﴿وَمَنۡ أَظۡلَمُ مِمَّنِ ٱفۡتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ ٱلۡكَذِبَ وَهُوَ يُدۡعَىٰٓ إِلَى ٱلۡإِسۡلَٰمِۚ وَٱللَّهُ لَا يَهۡدِي ٱلۡقَوۡمَ ٱلظَّٰلِمِينَ 7﴾:

ثم بيَّن جل وعلا أنه ليس هناك أشدُّ ظلمًا مِن ذلك الإنسانِ الذي يختلِقُ على الله الكذبَ؛ وذلك بنسبةِ الشريكِ والوَلَد إليه، ووَصْفِ آياتِهِ بالسحر، في حين أن الله يدعوه للإسلام، ثم بيَّن سبحانه أنه لا يُمكِنُ أن يُرشِدُ أو يوفِّقَ القومَ الظالمين؛ لإصرارهم على الكفرِ والشرك، ولِحَسدِهم بأنَّ الله بعَثَ نبيًّا ليس مِن بني يعقوبَ عليه السلام.

[8] ﴿يُرِيدُونَ لِيُطۡفِـُٔواْ نُورَ ٱللَّهِ بِأَفۡوَٰهِهِمۡ وَٱللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِۦ وَلَوۡ كَرِهَ ٱلۡكَٰفِرُونَ 8﴾:

ثم أخبَرَ جل وعلا أن اليهود والكفار يريدون أن يطفئوا دِينَ الله وشرعَهُ المنيرَ بطَعْنهم وافتراءاتهم؛ فهؤلاءِ مَثَلُهم كمَثَلِ مَنْ ينفُخُ في الشمسِ بفيه ليطفِئَ نُورَها، ويحجُبَ ضياءها، وأنى له ذلك؟! فليعلم هؤلاء المشركون بأنَّ الله مُتِمُّ نوره ولو كره الجاحدون المكذِّبون، ولا رادَّ لحُكْمِهِ وقضائِهِ جل في علاه.

[٩] ﴿هُوَ ٱلَّذِيٓ أَرۡسَلَ رَسُولَهُۥ بِٱلۡهُدَىٰ وَدِينِ ٱلۡحَقِّ لِيُظۡهِرَهُۥ عَلَى ٱلدِّينِ كُلِّهِۦ وَلَوۡ كَرِهَ ٱلۡمُشۡرِكُونَ 9﴾:

ثم أخبَرَ جل وعلا أنه بقدرته وحكمته بعَثَ رسوله محمدًا ﷺ بالقرآنِ الواضحِ البيِّن، والمِلَّةِ الحقَّة، وهي مِلَّةُ الإسلام؛ ليعليه على جميعِ الأديان؛ فيجعله دينًا شائعًا وغالبًا ومنتصِرًا على كلِّ الأديان، ولو كَرِهَ المشركون الذين أشركوا مع الله غيره، وما ذلك على الله بعزيز.

[10] ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ هَلۡ أَدُلُّكُمۡ عَلَىٰ تِجَٰرَةٖ تُنجِيكُم مِّنۡ عَذَابٍ أَلِيمٖ 10﴾:

ثم دَلَّ جل وعلا عباده المؤمنين على سبيلِ التجارةِ الرابِحةِ في الدنيا والآخرة، فقال سبحانه: هل أُرشِدُكم -أيها المؤمنون- على تجارةٍ عظيمةِ الرِّبْح، ثمرتُها النجاةُ مِن عذابٍ أليمٍ في الدنيا والآخرة.

[11] ﴿تُؤۡمِنُونَ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦ وَتُجَٰهِدُونَ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ بِأَمۡوَٰلِكُمۡ وَأَنفُسِكُمۡۚ ذَٰلِكُمۡ خَيۡرٞ لَّكُمۡ إِن كُنتُمۡ تَعۡلَمُونَ 11﴾:

ثم بيَّن سبحانه أن هذه التجارة هي أن تؤمنوا بالله ورسوله، إيمانًا صادقًا، لا يَشُوبُهُ شك ولا نفاق، وتجاهدوا أعداء الدين بالمال والنفس، لإعلاءِ كلمةِ الله، واعلموا أن هذا الإيمانَ وهذا الجهادَ خيرٌ لكم مِن كلِّ شيء في الدنيا؛ فخيرٌ من النفسِ والمالِ والولد؛ إن كنتم تعلمون ما ينفعكم ويضُرُّكم.

فجعَلَ سبحانه الإيمانَ والجهادَ هما التجارةَ الرابحةَ؛ تشبيهًا في الاستثمار على معنى المبادَلةِ والمعاوَضةِ، طلبًا لنيلِ الفضلِ والزيادةِ في الثواب، والرِّفْعةِ عند الله؛ لأن التجارةَ معاوَضةٌ بالمال لطلَبِ الربح.

[12] ﴿يَغۡفِرۡ لَكُمۡ ذُنُوبَكُمۡ وَيُدۡخِلۡكُمۡ جَنَّٰتٖ تَجۡرِي مِن تَحۡتِهَا ٱلۡأَنۡهَٰرُ وَمَسَٰكِنَ طَيِّبَةٗ فِي جَنَّٰتِ عَدۡنٖۚ ذَٰلِكَ ٱلۡفَوۡزُ ٱلۡعَظِيمُ 12﴾:

ثم أخبَرَ جل وعلا أن مَنْ يَفْعَلْ ذلك منكم أيها المؤمنون، أي: يُؤمِنْ بالله ويجاهِدْ في سبيله، فإن الله سوف يَغْفِرُ له جميع ذنوبه فيستُرُها عليه ويمحوها عنه فضلًا منه ورحمةً، ويُدخِلُهُ جنات تجري من تحت أشجارها وقصورها الأنهارُ، ويعطيكم قصورًا مشتمِلةً على كلِّ ما هو طيِّبٌ ونافع، وهذه القصورُ تُوجَدُ في جنَّاتٍ عاليةٍ دائمةٍ لا تنقطع، واعلموا أن ذلك الذي منحناه لكم مِن مغفرةِ الذنوبِ والخلودِ في الجنة، هو الفوزُ العظيمُ الذي لا فَوْزَ مثله.

[13] ﴿وَأُخۡرَىٰ تُحِبُّونَهَاۖ نَصۡرٞ مِّنَ ٱللَّهِ وَفَتۡحٞ قَرِيبٞۗ وَبَشِّرِ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ 13﴾:

ثم بيَّن جل وعلا إضافةً على ما تقدَّم من النعم؛ أنَّ الله منَحَكُمْ نعمةً أخرى تحبونها وتتطَّلعون إليها، وهي نَصْرٌ مِن الله سوف يأتيكم، وفتحٌ عاجلٌ يَتِمُّ على أيديكم، وبشِّر -أيها النبي- المؤمنين بهذا النصرِ؛ وهذا الفتحِ في الدنيا، ثم الجنَّةِ في الآخرة، حتى يزدادوا إيمانًا مع إيمانهم، وتزدادَ قلوبُهم انشراحًا وسرورًا. ولا شَكَّ أن فتحَ مكَّةَ ودخولَ الناسِ في دِينِ الله أفواجًا، يدخُلُ في هذا النصرِ، وهذا الفتحِ القريب.

[14] ﴿ﭐ يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ كُونُوٓاْ أَنصَارَ ٱللَّهِ كَمَا قَالَ عِيسَى ٱبۡنُ مَرۡيَمَ لِلۡحَوَارِيِّـۧنَ مَنۡ أَنصَارِيٓ إِلَى ٱللَّهِۖ قَالَ ٱلۡحَوَارِيُّونَ نَحۡنُ أَنصَارُ ٱللَّهِۖ فَـَٔامَنَت طَّآئِفَةٞ مِّنۢ بَنِيٓ إِسۡرَٰٓءِيلَ وَكَفَرَت طَّآئِفَةٞۖ فَأَيَّدۡنَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ عَلَىٰ عَدُوِّهِمۡ فَأَصۡبَحُواْ ظَٰهِرِينَ 14﴾

حضَّ جل وعلا عبادَهُ المؤمنين على نُصْرةِ دينه، فقال: يا أيها الذين آمنوا بالله ورسوله، كُونوا أنصارَ الله، بإعلاءِ كلمته، كما قال عيسى بنُ مَرْيَمَ للحواريِّين: مَنْ ينصُرُني ويعينني لتبليغ دعوة الله؟! فقال الحواريُّون: نحن ننصُرُكَ، فلما بلَّغ عيسى رسالةَ ربِّه، اهتدت طائفةٌ من بنى إسرائيل، وضَلَّتْ طائفةٌ أخرى؛ فقوَّى سبحانه ونصَرَ الذين آمنوا على عدوِّهم، وهم الطائفةُ الكافرة، وبهذا صار المؤمنون غالبين قاهرين لأعدائهم بفضلِ اللهِ أولًا، ثم بهذا النَّصْرِ الذي وفَّقهم إليه.

سورة الجمعة

سورة الجمعةُ مدنيَّة، وآياتُها إحدى عَشْرَةَ آيةً.

[1] ﴿يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلۡأَرۡضِ ٱلۡمَلِكِ ٱلۡقُدُّوسِ ٱلۡعَزِيزِ ٱلۡحَكِيمِ 1﴾:

افتُتِحَتْ هذه السورةُ بالثناء على الله، وتنزيهِهِ عن صفاتِ النقصِ والعيب، فأخبَرَ سبحانه أن جميعَ مَنْ في السموات والأرض ينزِّهُ اللهَ عن كلِّ ما لا يليق بجلالِهِ وعظمته، وأنه المالكُ لكلِّ شيء، المتصرِّفُ في الأشياء بقدرتِهِ وحِكْمته، المنزَّهُ عن كلِّ عيب ونقص، العزيزُ الذي كلُّ شيء تحت تصرُّفه وقهره، الحكيمُ في جميع ما يصدُرُ منه.

[2] ﴿هُوَ ٱلَّذِي بَعَثَ فِي ٱلۡأُمِّيِّـۧنَ رَسُولٗا مِّنۡهُمۡ يَتۡلُواْ عَلَيۡهِمۡ ءَايَٰتِهِۦ وَيُزَكِّيهِمۡ وَيُعَلِّمُهُمُ ٱلۡكِتَٰبَ وَٱلۡحِكۡمَةَ وَإِن كَانُواْ مِن قَبۡلُ لَفِي ضَلَٰلٖ مُّبِينٖ 2﴾:

ثم أخبَرَ جل وعلا أنه هو الذي أرسَلَ رسوله ﷺ إلى الأمَّةِ الأميَّةِ التي لا تَقْرَأُ ولا تكتُبُ، وهم العرَبُ، وهذا الرسولُ ﷺ اختاره الله منهم ومِنْ أشرَفِهم، وهو لا يعرفُ القراءةَ والكتابةَ مِثْلَهم، وقد أرسله سبحانه ليتلُوَ عليهم آياتِ القرآنِ ويوضِّحَ لهم الأدلَّةَ والبراهين، مع كونه أميًّا لا يقرأُ ولا يكتبُ، وأيضًا: لِيطهِّرَهُمْ من دَنَسِ الكفرِ والذنوب، ويعلِّمَهم القرآنَ والسنةَ النبويَّةَ المطهَّرة؛ لأنهم كانوا قبل بِعْثَتِهِ فيهم ومجيئِهِ إليهم في ضلالٍ واضحٍ من الشَّرِّ والكفرِ والتصرُّفاتِ السيئة، مثلُ: وَأْدِ البنات، وإغارةِ بعضِهم على بعض، والسَّلْبِ والنَّهْبِ، وهذا لا يعني أنه لم يكنْ فيهم موحِّدٌ؛ بل كان فيهم موحِّدون مثلُ: وَرَقةَ بنِ نَوْفَلٍ، وغيره، لكنْ لما كانوا قِلَّةً، صار الضلال عامًّا.

[3] ﴿وَءَاخَرِينَ مِنۡهُمۡ لَمَّا يَلۡحَقُواْ بِهِمۡۚ وَهُوَ ٱلۡعَزِيزُ ٱلۡحَكِيمُ 3﴾:

ثم أخبَرَ جل وعلا أنه أرسَلَ هذا الرسولَ ﷺ أيضًا في أقوامٍ آخرين لم يأتوا بعدُ، مِن الأميِّين العرَبِ، ومِن غيرهم من العَجَم؛ فهؤلاءِ سيتبعونهم على الهدى، وتعُمُّهم التزكية، وقيل: لمَّا يَلْحَقُوا بهم في الفَضْل؛ لأن الصحابةَ أفضلُ ممن جاء بعدهم، والله تعالى وحده هو العزيزُ الذي بعظمته وقدرته مكَّن هذا الأُمِّيَّ محمَّدًا ﷺ من إخراج هذه الأمة -بل الأممِ- مِن ظُلُماتِ الجهلِ والضلالِ إلى نُورِ الإسلام، وهو صاحبُ الحِكْمةِ البالغةِ التي بها اصطفاه مِن سائر البشر.

[4] ﴿ذَٰلِكَ فَضۡلُ ٱللَّهِ يُؤۡتِيهِ مَن يَشَآءُۚ وَٱللَّهُ ذُو ٱلۡفَضۡلِ ٱلۡعَظِيمِ 4﴾:

واعلموا -أيها الناس- أن إرسالَ خاتَمِ الرسلِ محمَّد ﷺ إلى الناس جميعًا: فضلٌ وكرَمٌ من الله لهم، وشرَّف الله به العرَبَ؛ حيث نزَلَ القرآن بلغتهم، ولا شك أن هذا الإرسالَ فضلٌ مِن الله يعطيه سبحانه لمن يشاء مِن خَلْقه، والله ذو الفضلِ الواسعِ الذي لا يساويه ولا يدانيه فَضْلٌ.

[5] ﴿مَثَلُ ٱلَّذِينَ حُمِّلُواْ ٱلتَّوۡرَىٰةَ ثُمَّ لَمۡ يَحۡمِلُوهَا كَمَثَلِ ٱلۡحِمَارِ يَحۡمِلُ أَسۡفَارَۢاۚ بِئۡسَ مَثَلُ ٱلۡقَوۡمِ ٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِـَٔايَٰتِ ٱللَّهِۚ وَٱللَّهُ لَا يَهۡدِي ٱلۡقَوۡمَ ٱلظَّٰلِمِينَ 5﴾:

ولما ترَكَ اليهودُ العمَلَ بالتوراة، ولم يؤمنوا بمحمَّد ﷺ، ضرَبَ الله لهم مثلًا بأنهم كُلِّفوا بالعملِ بالتوراةِ، وبما تضمَّنته من صفة الرسول ﷺ، وطلَبِ الإيمانِ به ومناصَرَتِه، ثم لم يمتثلوا بما احتوته؛ فهؤلاءِ مَثُلهم كمثَلِ الحمار الذي يَحْمِلُ الكتبَ النافعةَ الضخمة، ولا يناله منها إلا التعبُ والعناء؛ فما أقبَحَ هؤلاءِ مثَلًا؛ لتكذيبهم بآياتِ الله التي جاءت على لسانِ رسولِهِ ﷺ، واللهُ لا يوفِّقُ ولا يُرشِدُ القومَ الذين ظلموا أنفسهم بالشركِ والكفرِ وتكذيب الأنبياء. ويستفادُ مِن هذه الآية: أنه ينبغي لمن قرَأَ القرآن أن يَعْمَلَ بما تضمَّنه؛ لئلا يشمله هذا الوصفُ السَّيِّئ.

[6] ﴿قُلۡ يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ هَادُوٓاْ إِن زَعَمۡتُمۡ أَنَّكُمۡ أَوۡلِيَآءُ لِلَّهِ مِن دُونِ ٱلنَّاسِ فَتَمَنَّوُاْ ٱلۡمَوۡتَ إِن كُنتُمۡ صَٰدِقِينَ 6﴾:

وقل -أيها النبي- لهؤلاء اليهود: إنْ كنتم تزعُمُونَ أنكم أولياءُ الله وأحبَّاؤُهُ مِن دون الناس، فادعوا على أنفُسِكم بالموتِ والهلاك؛ إن كنتم صادقين في زَعْمكم. وقد نهى النبيُّ ﷺ عن تمنِّي الموت إلا عند التحدِّي والمباهَلة؛ سواءٌ كانت المباهَلةُ بين طرفَيْنِ؛ كالتي حصَلَتْ بين رسول الله ﷺ، وبين وَفْد نصارى نَجْرَانَ، وهي المذكورةُ في آية (61) مِن سورة آل عمران، أو كانتِ المباهَلةُ مطلوبةً من طَرَفٍ واحدٍ؛ كالتي طُلِبَتْ من اليهود في هذه الآية، وكالتي في الآية (94) من سورة البقرة؛ حيثُ طُلِبَ منهم الدعوةُ على أنفسهم بالموتِ والهلاكِ؛ إن كانوا كاذبين، فلم يفعلوا؛ لأنهم موقنون أنهم كاذبون، وفي مسند أحمد، ومسند البزَّار، عن ابن عبَّاس: «ولو أنَّ اليهودَ تمنَّوُا الموتَ، لَمَاتُوا، ورأوا مقاعِدَهم من النار»([4]). [4] أخرجه أحمد في مسنده (2225)، والبزار في مسنده (4814).

[7] ﴿وَلَا يَتَمَنَّوۡنَهُۥٓ أَبَدَۢا بِمَا قَدَّمَتۡ أَيۡدِيهِمۡۚ وَٱللَّهُ عَلِيمُۢ بِٱلظَّٰلِمِينَ 7﴾:

ثم أخبَرَ سبحانه أن اليهود لن يتمنَّوُا الموت أبدًا؛ لأنهم يعرفون أنهم كاذبون في زعمهم، ويعلمون سوءَ أفعالهم، وقبيحَ أعمالهم التي قدَّموها، واللهُ عليمٌ بالظالمينَ أمثالِ هؤلاء اليهود، وسيَجْزيهم بظُلْمهم عذابَ الجحيم؛ يقولُ الشيخ السَّعْديُّ في تفسيره: (هذه مباهَلةٌ مِن طَرفٍ واحدٍ، وهم اليهود).

[8] ﴿قُلۡ إِنَّ ٱلۡمَوۡتَ ٱلَّذِي تَفِرُّونَ مِنۡهُ فَإِنَّهُۥ مُلَٰقِيكُمۡۖ ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلَىٰ عَٰلِمِ ٱلۡغَيۡبِ وَٱلشَّهَٰدَةِ فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمۡ تَعۡمَلُونَ 8﴾:

وقل -أيها النبي- لهؤلاء اليهود: إنَّ الموتَ الذي رفَضْتم أن تتمَنَّوْهُ، فإنه واقعٌ بكم لا محالةَ، ثم تَرْجِعونَ بعد مماتكم إلى عالمِ غَيْبِ السموات والأرض، فيُخْبِرُكم بما كنتم تعملون في الدنيا، ثم يجازيكم على كلِّ أعمالكم بما تستحقون.

[9] ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَوٰةِ مِن يَوۡمِ ٱلۡجُمُعَةِ فَٱسۡعَوۡاْ إِلَىٰ ذِكۡرِ ٱللَّهِ وَذَرُواْ ٱلۡبَيۡعَۚ ذَٰلِكُمۡ خَيۡرٞ لَّكُمۡ إِن كُنتُمۡ تَعۡلَمُونَ 9﴾:

حثَّ جل وعلا عباده المؤمنين على إجابةِ النداءِ للصلاةِ يوم الجمعة، فقال سبحانه: يا أيها الذين آمنوا بالله ورسوله، إذا أذَّن المؤذِّنُ بين يدي الإمام، وهو على المِنْبَرِ في يومِ الجمعة للصلاة، فامضوا إلى ذِكْرِ اللهِ الذي هو الصلاة، والخُطْبة، واتركوا المعامَلةَ بالبيعِ والشراء، واعلموا أن ذلك الذي أمَرَكم اللهُ به خيرٌ لكم من التشاغُلِ بالبيعِ والشراءِ وابتغاءِ النفعِ الدنيويِّ؛ إن كنتم تعلمون ما هو خيرٌ لكم.

ويومُ الجُمُعةِ سُمِّيَ بذلك؛ لاجتماع المسلمين، والصلاةِ فيه، وسماعِ الخُطْبة، وقد كان يسمى قبل ذلك بيومِ العُرُوبة.

[10] ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ ٱلصَّلَوٰةُ فَٱنتَشِرُواْ فِي ٱلۡأَرۡضِ وَٱبۡتَغُواْ مِن فَضۡلِ ٱللَّهِ وَٱذۡكُرُواْ ٱللَّهَ كَثِيرٗا لَّعَلَّكُمۡ تُفۡلِحُونَ 10﴾:

فإذا فرَغْتم من أداءِ الصلاةِ -أيها المؤمنون- فانتشروا في الأرضِ لطلَبِ المكاسِبِ والتجارات، واطلُبُوا الرزقَ من الله جل في علاه بالسعيِ والعمل، واذكروا الله ذِكْرًا كثيرًا في جميع أحوالكم -ولا تُلْهِكم تجارتُكم عن ذكر الله- فمَنْ أكثَرَ مِن ذكرِ الله، كان مِن المفلِحين، الفائزين فوزًا عظيمًا.

[11] ﴿وَإِذَا رَأَوۡاْ تِجَٰرَةً أَوۡ لَهۡوًا ٱنفَضُّوٓاْ إِلَيۡهَا وَتَرَكُوكَ قَآئِمٗاۚ قُلۡ مَا عِندَ ٱللَّهِ خَيۡرٞ مِّنَ ٱللَّهۡوِ وَمِنَ ٱلتِّجَٰرَةِۚ وَٱللَّهُ خَيۡرُ ٱلرَّٰزِقِينَ 11﴾:

ثم عاتَبَ جل وعلا عبادَهُ المؤمنين الذين إذا رأَوْا تجارةً قادمة، أو سمعوا أصواتًا مصاحِبةً للعِيرِ التجاريَّةِ تُعلِنُ عن تجارتهم أنهم أحضروها للبيع، خرَجُوا من المسجد، وترَكُوكَ -أيها النبي- قائمًا؛ وذلك أن الصحابة  سمعوا تجارةً قادمةً، وظنوا أنه بانتهاء الصلاة يَصِحُّ لهم الانتشارُ لابتغاءِ الرزق؛ فذهبوا إلى العِيرِ التجاريَّةِ القادمة، وكان الرسولُ ﷺ يخطُبُ؛ حيثُ إن الخُطْبةَ في ذلك الوقتِ كانت بعد الصلاة، ثم أمَرَ سبحانه نبيَّه ﷺ أن يقولَ لهؤلاء: اعلموا أن ما عند الله مِن ثوابِ الآخرةِ خيرٌ مِن اللهوِ والتجارةِ التي خرَجْتم إليها، ثم اعلموا أن الله خيرُ الرازقين؛ لأنه مقسِّم الأرزاق.

سورة المنافقون

سورةُ المنافقون مدنيَّةٌ، وآياتُها إحدى عَشْرَةَ آيةً.

[1] ﴿إِذَا جَآءَكَ ٱلۡمُنَٰفِقُونَ قَالُواْ نَشۡهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ ٱللَّهِۗ وَٱللَّهُ يَعۡلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُۥ وَٱللَّهُ يَشۡهَدُ إِنَّ ٱلۡمُنَٰفِقِينَ لَكَٰذِبُونَ 1﴾:

عندما كان المنافقون يأتون إلى رسول الله ﷺ في مجلسِهِ، كانوا يقولون على سبيلِ الكَذِبِ والمخادَعة: نَشْهَدُ -يا محمد- أنك رسولٌ من عند الله حقًّا، واللهُ جل في علاه يعلم إنه لرسوله؛ فلستَ بحاجة إلى شهادتهم، ثم كذَّبهم الله في قولهم: ﴿نَشۡهَدُ﴾؛ فقال: واللهُ يَشْهَدُ إنكم -أيها المنافقون- لكاذبون؛ لأنه يعلم أنهم في ضمائرهم مكذِّبون، وأنهم لا يعتقدون ذلك. والنفاقُ نوعانِ: اعتقاديٌّ، وعَمَليٌّ؛ والمقصودُ بهذه السورةِ الأوَّلُ؛ وهو إظهارُ الإسلام، واعتقادُ الكفر.

[2] ﴿ٱتَّخَذُوٓاْ أَيۡمَٰنَهُمۡ جُنَّةٗ فَصَدُّواْ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِۚ إِنَّهُمۡ سَآءَ مَا كَانُواْ يَعۡمَلُونَ 2﴾:

واعلم -أيها النبي- أن هؤلاء المنافقين جعلوا أَيْمانهم الكاذبةَ التي حلفوا بها وقايةً وسترًا لهم لئلا يساء بهم الظنُّ؛ فيلاحَقوا ويعذَّبوا، ثم إنهم من خلالِ هذه الأَيْمانِ الكاذبةِ ستروا كُفْرهم، ومنَعُوا مَنْ يأنسون إليهم ويجالِسُونهم مِن الدخولِ في الإسلام، ومنعوا مَنْ أراد الإنفاقَ في سبيل الله؛ وذلك بالتشكيك في رسالة النبي ﷺ، ثم اعلم أن هؤلاءِ المنافقين أسوأُ كفرًا وضلالًا من الكفَّارِ الصرحاء؛ ولذلك كان عذابُهم في الآخرة أنهم في الدَّرْكِ الأسفل من النار.

[3] ﴿ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمۡ ءَامَنُواْ ثُمَّ كَفَرُواْ فَطُبِعَ عَلَىٰ قُلُوبِهِمۡ فَهُمۡ لَا يَفۡقَهُونَ 3﴾:

ثم بيَّن جل وعلا أن ذلك الذي أخبَرَ به سبحانه مِنْ كَذِبِهم وخِدَاعِهم وصدِّهم الناسَ عن سبيل الله، سببه: أنهم نطَقُوا بالشهادةِ ظاهرًا، ثم كفَرُوا بقلوبهم، فختَمَ سبحانه على قلوبهم؛ حيث صارت لا يدخُلُها الإيمانُ جزاءَ نفاقِهم ومعاداتِهم الكامِنةِ في نفوسهم، والظاهِرةِ على تصرُّفاتهم، ثم أكَّد سبحانه بأنهم قومٌ لا يَعْرِفونَ الخيرَ والإيمان.

[4] ﴿وَإِذَا رَأَيۡتَهُمۡ تُعۡجِبُكَ أَجۡسَامُهُمۡۖ وَإِن يَقُولُواْ تَسۡمَعۡ لِقَوۡلِهِمۡۖ كَأَنَّهُمۡ خُشُبٞ مُّسَنَّدَةٞۖ يَحۡسَبُونَ كُلَّ صَيۡحَةٍ عَلَيۡهِمۡۚ هُمُ ٱلۡعَدُوُّ فَٱحۡذَرۡهُمۡۚ قَٰتَلَهُمُ ٱللَّهُۖ أَنَّىٰ يُؤۡفَكُونَ 4﴾:

ثم أخبَرَ سبحانه نبيه ﷺ، فقال له: وإذا رأيتَ -أيها النبي- هؤلاءِ المنافقين، أعجبَتْكَ هَيْئاتهم ومناظِرُهم وأجسامُهم، وإن تكلَّموا تَسْمَعْ لكلامهم؛ لفصاحتِهم وحَلَاوةِ مَنْطِقهم، وفي الحقيقةِ إنها أجسامٌ خاويةٌ من العلمِ والخشيةِ مِن الله؛ كأنها خُشُبٌ مستنِدةٌ إلى جدارٍ لا تشفعُ ولا تنفعُ كما يقال، ثم أَلَا ترى أنهم كلَّما سمعوا صوتًا مرتفِعًا أو جَلَبةً في معسكرٍ ونحوه، ظنوا أنها موجَّهةٌ إليهم بسببِ جُبْنهم وذُلِّهم؟! واعلم -أيها النبي- أن هؤلاء المنافقين هم الأعداءُ الحقيقيون لك وللمؤمنين؛ فاحذَرْهم وحذِّر المؤمنين منهم، لعَنَهُمُ الله وأخزاهم؛ بسببِ مسالكهم وأفعالهم القبيحة، والعجَبُ كيف يرون الحق واضحًا أمامهم، ثم يُصرَفُونَ عنه إلى الضلالِ والنفاق؟!

[5] ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمۡ تَعَالَوۡاْ يَسۡتَغۡفِرۡ لَكُمۡ رَسُولُ ٱللَّهِ لَوَّوۡاْ رُءُوسَهُمۡ وَرَأَيۡتَهُمۡ يَصُدُّونَ وَهُم مُّسۡتَكۡبِرُونَ 5﴾:

وإذا قيل لهؤلاء المنافقين: هَلُمُّوا إلى رسوله ﷺ؛ ليستغفِرَ لكم، ويسأَلَ الله أن يُصلِحَ قلوبكم ويطهِّرها؛ فما كان مِن هؤلاء المنافقين إلا أن أشاحوا برؤوسهم شمالًا ويمينًا؛ استهزاءً وسخريةً، بل تراهم -أيها النبي- يُعرِضونَ عن الناصح لهم بكبرياءٍ وغرور.

[6] ﴿سَوَآءٌ عَلَيۡهِمۡ أَسۡتَغۡفَرۡتَ لَهُمۡ أَمۡ لَمۡ تَسۡتَغۡفِرۡ لَهُمۡ لَن يَغۡفِرَ ٱللَّهُ لَهُمۡۚ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يَهۡدِي ٱلۡقَوۡمَ ٱلۡفَٰسِقِينَ 6﴾:

واعلم -أيها النبي- أن هؤلاء المنافقين يتساوى عندهم استغفارُكَ لهم، وعدَمُ الاستغفار لهم، وحتى لو جاؤوك لتستغفِرَ لهم، فإنه جل في علاه لن يَغْفِرَ لهم؛ لأنهم أصروا على الزيغِ والضلالِ، فطبَعَ الله على قلوبهم، فهم لا يؤمنون، واعلموا أن الله لا يوفِّق ولا يُرشِدُ القومَ الجاحدين به وبآياته، الخارِجينَ عن طاعته؛ وفي هذا إخبارٌ من الله لنبيه ﷺ بعدَمِ صَلَاحِهم وهدايتهم.

[7] ﴿هُمُ ٱلَّذِينَ يَقُولُونَ لَا تُنفِقُواْ عَلَىٰ مَنۡ عِندَ رَسُولِ ٱللَّهِ حَتَّىٰ يَنفَضُّواْۗ وَلِلَّهِ خَزَآئِنُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ وَلَٰكِنَّ ٱلۡمُنَٰفِقِينَ لَا يَفۡقَهُونَ 7﴾:

ثم ذكَرَ جل وعلا عداوَتَهم الظاهِرةَ، وشيئًا من فُجُورهم المستور؛ وذلك قبل غَزْوةِ تَبُوكَ؛ فأخبَرَ سبحانه أن هؤلاء المنافقين يقولون للأنصار: لا تنفقوا على أصحابِ محمَّد ﷺ من المهاجرين؛ حتى تصيبهم مجاعة؛ فيتركوا نبيهم ﷺ، يقولون ذلك ظنًّا منهم أن عدَمَ الإنفاقِ على هؤلاء المؤمنين الذين هاجروا لله ولِنُصْرةِ رسوله ﷺ، وتركوا أوطانهم وأموالهم، سوف يجعلهم يتفرَّقون فيتركون رسول الله ﷺ. وتكذيبًا لهم عقَّب جل في علاه على ظنِّهم السيِّئ، فأخبَرَ بأن لله خزائنَ السموات والأرض، أي: أنَّ الرزقَ -أيها المنافقون- بيده سبحانه وحده لا بأيديكم، ولكنَّكم قومٌ تَجْهَلون بأن ما عند الله هو الرزقُ الأكمَلُ والأعظم.

[8] ﴿يَقُولُونَ لَئِن رَّجَعۡنَآ إِلَى ٱلۡمَدِينَةِ لَيُخۡرِجَنَّ ٱلۡأَعَزُّ مِنۡهَا ٱلۡأَذَلَّۚ وَلِلَّهِ ٱلۡعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِۦ وَلِلۡمُؤۡمِنِينَ وَلَٰكِنَّ ٱلۡمُنَٰفِقِينَ لَا يَعۡلَمُونَ 8﴾:

ومِن أقوالِ هؤلاء المنافقينَ القبيحةِ: قولُ رئيسهم عبدِ اللهِ بنِ أُبَيٍّ: لَئِنْ عُدْنا مِن هذه الغزوة -وهي غزوةُ بني المصطَلِقِ- إلى المدينةِ، لَيُخْرِجَنَّ الأعَزُّ منها الأذلَّ، ويعني بالأعز: نفسَهُ ومَنْ معه، وبالأذلِّ: رسولَ الله ﷺ ومَنْ معه، هكذا سوَّلت له نفسه؛ حيث زعَمَ أنه عزيزٌ، أي: ممتنِعٌ غالب، وأوغَلَ في الفِسْقِ والفجور، فقال: ما نحنُ ومحمَّدٌ وأصحابُهُ إلا كما قيل: (سَمِّنْ كَلْبَكَ يَأْكُلْكَ)، أَمَا واللهِ، لَئِنْ رجَعْنا إلى المدينةِ، لَيُخْرِجَنَّ الأعزُّ منها الأذلَّ، فكان الجوابُ الربَّاني: اعلموا -أيها المنافقون- أن العِزَّةَ والغلبةَ لله ولرسوله ﷺ وللمؤمنين، ولكنَّكم لا تعلمون أن العِزَّةَ والغلبة لأوليائه بسبب جَهْلكم وعنادكم.

[9] ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تُلۡهِكُمۡ أَمۡوَٰلُكُمۡ وَلَآ أَوۡلَٰدُكُمۡ عَن ذِكۡرِ ٱللَّهِۚ وَمَن يَفۡعَلۡ ذَٰلِكَ فَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡخَٰسِرُونَ 9﴾:

ثم نهى جل وعلا المؤمنين أن تُصِيبَهم صفةٌ من صفات المنافقين، وهي أنهم لا يذكُرُونَ الله إلا قليلًا، فقال سبحانه: يا أيها الذين آمنوا بالله ورسوله، وعملوا بشرعه، لا يَشْغَلْكم تدبيرُ أموالكم، والعنايةُ بشؤونِ أولادكم، عن القيامِ بحقوقِ ربِّكم، وأداءِ فرائضه التي طلَبَهَا منكم، واعلموا أن مَنِ اشتغَلَ بأمور الدنيا عن الدين، فأولئك هم الأشقياء الذين بلغوا أقصى دَرَجاتِ الخُسْرانِ؛ بسببِ غَفْلتهم وبُعْدهم عن دِينِ ربِّهم، وإيثارِهِمُ الفانيَ على الباقي.

[10] ﴿وَأَنفِقُواْ مِن مَّا رَزَقۡنَٰكُم مِّن قَبۡلِ أَن يَأۡتِيَ أَحَدَكُمُ ٱلۡمَوۡتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوۡلَآ أَخَّرۡتَنِيٓ إِلَىٰٓ أَجَلٖ قَرِيبٖ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُن مِّنَ ٱلصَّٰلِحِينَ 10﴾:

ثم حَثَّ جل وعلا المؤمنين على الإنفاقِ في سبيل الله، فقال: وأنفقوا -أيها المؤمنون بالله ورسوله ﷺ- بعضًا مما منَحَكم الله من الأموال، شُكْرًا على نِعَمِهِ عليكم؛ مِنْ قبلِ أن يَحِلَّ بكم الموتُ، وتشاهدوا علاماته؛ فيقولُ عند نزول الموت به: يا ربِّ، هلَّا أمهلتني وأخَّرْتَ موتي؛ فأتصدَّقَ بمالي، وأُصبِحُ تقيًّا صالحًا. ويستفادُ من الآية: أن الصدَقَة مِن أسبابِ الصلاحِ وصدقِ الإيمان، كما أنَّ المقصودَ بالإنفاق في الآية: هو الإنفاقُ في الخير على عمومه؛ فيدخُلُ فيه الإنفاقُ على الفقراءِ والمساكينِ وبناءِ المساجد وتجهيزِ المجاهدين في سبيلِ الله، ودَعْمِ المشاريعِ الخيريَّةِ بأنواعها.

[11] ﴿وَلَن يُؤَخِّرَ ٱللَّهُ نَفۡسًا إِذَا جَآءَ أَجَلُهَاۚ وَٱللَّهُ خَبِيرُۢ بِمَا تَعۡمَلُونَ 11﴾:

ثم بيَّن جل وعلا لذلك الذي يريدُ أن يؤخِّرَ الله له في الأجَلِ؛ لكي يتصدق فقال: اعلموا يقينًا أن الله جل في علاه لن يؤخِّرَ نفسًا إذا جاء وقتُ موتها، وانقضى عُمْرُها، ثم أخبَرَ سبحانه بأنه مطَّلِعٌ على جميعِ أعمالِ عبادِهِ الظاهرة والباطنة، وأنه سوفَ يُجَازِيهم عليها الجزاءَ الأوفى. وفي هذه الآية: الحثُّ على الاستعدادِ قبلَ حلولِ الأجل، وعلى الإنسانِ أن يهيِّئ الزادَ ليومِ المعاد.

سورة التغابُن

سورةُ التغابُنِ مدنيَّةٌ، وآياتها ثمانيَ عَشْرةَ آيةً.

[1] ﴿يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلۡأَرۡضِۖ لَهُ ٱلۡمُلۡكُ وَلَهُ ٱلۡحَمۡدُۖ وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ قَدِيرٌ 1﴾:

أخبَرَ جل وعلا أن جميعَ ما احتوته السمواتُ والأرضُ مِن ساكنٍ أو متحرِّكٍ ينزِّهه سبحانه تنزيهًا مستمِرًّا عن كل ما لا يليقُ بجلاله وعَظَمته، ثم بيَّن سبحانه أن له التصرُّفَ الكاملَ في كل شيء؛ فلا يخرُجُ مخلوقٌ عن ملكه، وله الثناءُ والمجدُ والشكرُ كلُّه في الأولى والأخرى، ثم بيَّن سبحانه أنه قادرٌ على كلِّ شيء؛ فهو قادرٌ على الإيجادِ والإعدام، والشفاءِ والإسقام؛ لا يُعْجِزه سبحانه شيء في الأرض ولا في السماء.

[2] ﴿هُوَ ٱلَّذِي خَلَقَكُمۡ فَمِنكُمۡ كَافِرٞ وَمِنكُم مُّؤۡمِنٞۚ وَٱللَّهُ بِمَا تَعۡمَلُونَ بَصِيرٌ 2﴾:

ثم بيَّن جل وعلا أنه هو الذي أوجَدَكم ومنَحَكم القدرةَ على العمل، وجعَلَ لكم القدرةَ على الاختيار؛ فمنكم مَنِ اختار الكُفْر؛ فلم يشكُرْ نعمةَ الله عليه، ورفَضَ الطاعة والعبادة، ومنكم مَنِ اختار الإيمان؛ فشكَرَ نعمة الله عليه، وعَمِلَ بأوامره ونواهيه، وله سبحانه الفضلُ؛ حيث مكَّنكم من الاختيارَيْن؛ وكلُّ نفسٍ تختارُ ما تهوى، ثم بيَّن سبحانه أنه مطَّلِعٌ على جميع أعمالكم مؤمنِكم وكافرِكم، وأنه سوف يَحْفَظُ لكلٍّ حقَّه، وسيجازي كلًّا بعمله.

[3] ﴿خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضَ بِٱلۡحَقِّ وَصَوَّرَكُمۡ فَأَحۡسَنَ صُوَرَكُمۡۖ وَإِلَيۡهِ ٱلۡمَصِيرُ 3﴾:

ثم بيَّن جل وعلا أنه خلَقَ السموات والأرض بحِكْمتِهِ البالغةِ، المتضمِّنةِ لمصالحِ سُكَّانِهما الدنيويَّةِ والأخرويَّة، وللدَّلَالةِ على قدرته، ثم أكَّد مرةً أخرى أنه هو الذي خلَقَكُمْ في أحسنِ صورةٍ، فأحسَنَ خَلْقَكم وصُوَرَكم، ثم أخبَرَ أن مرجعكم إليه وحده ليجازيكم على أعمالكم؛ إنْ خيرًا فخير، وإنْ شرًّا فشرّ.

[4] ﴿يَعۡلَمُ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ وَيَعۡلَمُ مَا تُسِرُّونَ وَمَا تُعۡلِنُونَۚ وَٱللَّهُ عَلِيمُۢ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ 4﴾:

ثم أخبَرَ جل وعلا أنه يعلمُ كلَّ ما في السموات والأرض؛ لا يخفى عليه شيءٌ في كونه، وأخبَرَ أنه يعلم النوايا والخواطر، وكلَّ ما تُخْفُونه، وأنه سبحانه عليمٌ بما تُكِنُّهُ الضمائر، وما تخفيه النفوسُ مِن الخفايا و السرائر.

[5] ﴿أَلَمۡ يَأۡتِكُمۡ نَبَؤُاْ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِن قَبۡلُ فَذَاقُواْ وَبَالَ أَمۡرِهِمۡ وَلَهُمۡ عَذَابٌ أَلِيمٞ 5﴾:

ثم وبَّخ جل وعلا هؤلاء المشركين، فقال لهم: ألم يبلُغْكُمْ -أيها المشركون- خبَرُ الذين كفروا بالله ورسله مِن الأممِ السابقة، التي أصرَّت على الكفر والعناد؛ كيف حلَّ بهم سوءُ عاقبةِ كُفْرهم، وسوءُ أفعالهم في الدنيا، ولهم في الآخِرةِ ما ينتظِرُهم من العذابِ الشديدِ المؤلمِ حقًّا.

[6] ﴿ذَٰلِكَ بِأَنَّهُۥ كَانَت تَّأۡتِيهِمۡ رُسُلُهُم بِٱلۡبَيِّنَٰتِ فَقَالُوٓاْ أَبَشَرٞ يَهۡدُونَنَا فَكَفَرُواْ وَتَوَلَّواْۖ وَّٱسۡتَغۡنَى ٱللَّهُۚ وَٱللَّهُ غَنِيٌّ حَمِيدٞ 6﴾:

ثم بيَّن جل وعلا سببَ هذا التعذيبِ والدمارِ الذي حَلَّ بهم، فأخبَرَ أنهم كانت تأتيهم رسُلُ الله بالآياتِ الواضحاتِ، والمعجِزاتِ المقنِعات، ولكنهم استكبروا وقالوا على سبيل الإنكار: هل يُعقَلُ أن يكون الذي يَهْدِينا إلى الحقِّ بشَرًا مثلنا؟! أي: استعظَمُوا أن يكون الرسولُ بشرًا، وهذا مِن تلبيسِ إبليسَ عليهم، وإلا فلو كان غيرَ بشرٍ، فكيف سيكونُ أسوةً وقدوةً؟! وكيف يَفْهَمهم ويَفْهمونه؟! فكفَرُوا برسولهم، وأعرضوا عن الحقِّ إعراضًا كاملًا ولم يقبلوه أبدًا؛ فاستغنى الله عنهم وعن طاعتهم، ثم بيَّن سبحانه أنه غنيٌّ عن الخَلْقِ أجمعين، وأنه حميدٌ في أقواله وأفعاله وصفاته.

[7] ﴿زَعَمَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوٓاْ أَن لَّن يُبۡعَثُواْۚ قُلۡ بَلَىٰ وَرَبِّي لَتُبۡعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِمَا عَمِلۡتُمۡۚ وَذَٰلِكَ عَلَى ٱللَّهِ يَسِيرٞ 7﴾:

أخبَرَ جل وعلا عن عناد كفَّار قريش، الذين ادَّعَوْا أنهم لن يُبْعَثُوا بعد موتهم؛ فأمَرَ سبحانه نبيَّه ﷺ أن يقولَ لهم: اعلموا -أيها الناس- أن البعثَ واقعٌ لا محالة، وأُقسِمُ بربي لَتُخْرَجُنَّ مِن قبوركم أحياءً، ثم لَتُخْبَرُنَّ بجميعِ أعمالكم التي عَمِلْتموها في حياتكم الدنيا، وسوف تُجْزَوْنَ عليها، واعلموا أن بعثكم مِن قبوركم أحياءً سهلٌ ويسيرٌ على الله تحقيقه؛ قال تعالى: ﴿إِنَّمَآ أَمۡرُهُۥٓ إِذَآ أَرَادَ شَيۡـًٔا أَن يَقُولَ لَهُۥ كُن فَيَكُونُ﴾ [يس:٨٢].

[8] ﴿فَـَٔامِنُواْ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦ وَٱلنُّورِ ٱلَّذِيٓ أَنزَلۡنَاۚ وَٱللَّهُ بِمَا تَعۡمَلُونَ خَبِيرٞ 8﴾:

وإذا عرَفْتم -أيها المشركون- هذه الحُجَجَ والبراهين، وتذكَّرتم ما حَلَّ بمَنْ سبقكم من الكفار مِن العقاب؛ فآمِنوا بالله ورسوله ﷺ، وصدِّقوا بهذا القرآن الذي أنزَلَهُ الله على نبيه محمد ﷺ، وجعله نورًا تخرُجُونَ به من ظلماتِ الكفرِ والضلال، إلى نورِ الإسلامِ والإيمان، واعلموا أن الله لا يخفى عليه شيءٌ مِن أقوالِكم وأفعالِكم، وسوف يجازيكم عليها.

[9] ﴿يَوۡمَ يَجۡمَعُكُمۡ لِيَوۡمِ ٱلۡجَمۡعِۖ ذَٰلِكَ يَوۡمُ ٱلتَّغَابُنِۗ وَمَن يُؤۡمِنۢ بِٱللَّهِ وَيَعۡمَلۡ صَٰلِحٗا يُكَفِّرۡ عَنۡهُ سَيِّـَٔاتِهِۦ وَيُدۡخِلۡهُ جَنَّٰتٖ تَجۡرِي مِن تَحۡتِهَا ٱلۡأَنۡهَٰرُ خَٰلِدِينَ فِيهَآ أَبَدٗاۚ ذَٰلِكَ ٱلۡفَوۡزُ ٱلۡعَظِيمُ 9﴾:

وتذكَّروا -أيها الناس- يوم أن يَجْمَع اللهُ الأوَّلينَ والآخِرينَ للحسابِ والجزاءِ في صعيدٍ واحد؛ فاعلموا أن ذلك هو يومُ التغابُنِ الذي يَظْهَرُ فيه غَبْنُ العصاةِ وخسارَتُهم بسببِ تَرْكهم الإيمان؛ فمن جاء في ذلك اليوم مؤمنًا بالله ورسوله ﷺ وكتابه، وعَمِلَ الأعمال الصالحة، فإن الله عز وجل يكفِّرُ عنه سيئاته التي اقترَفَهَا في الدنيا، ويُدخِلُهُ جنات تجري من تحت قصورها وأشجارها الأنهار، خالدين فيها خلودًا أبديًّا، لا يخرُجُونَ منها أبدًا؛ وذلك هو الفوزُ العظيم الذي لا يَعْدِلُهُ فَوْزٌ أبدًا.

[10] ﴿وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَكَذَّبُواْ بِـَٔايَٰتِنَآ أُوْلَٰٓئِكَ أَصۡحَٰبُ ٱلنَّارِ خَٰلِدِينَ فِيهَاۖ وَبِئۡسَ ٱلۡمَصِيرُ 10﴾:

أما أولئك الذين جحَدُوا وحدانية الله وقدرته، وكذَّبوا بالحجج والبراهين المنزَّلة على نبيِّه محمد ﷺ، فأولئك مآلهم جهنَّم، ماكثين فيها أبدًا، وبِئْسَتِ النارُ مرجعًا ومستقَرًّا لهم؛ لأنها جمَعَتْ كلَّ سُوءٍ وشدة، وشقاءٍ وعذاب.

[١١] ﴿مَآ أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذۡنِ ٱللَّهِۗ وَمَن يُؤۡمِنۢ بِٱللَّهِ يَهۡدِ قَلۡبَهُۥۚ وَٱللَّهُ بِكُلِّ شَيۡءٍ عَلِيمٞ 11﴾:

واعلموا أن جميعَ ما أصاب العبادَ مِن المصائبِ في الأبدانِ والأولادِ والأموالِ والكوارثِ والزلازِلِ وكلِّ الحوادثِ التي تحصُلُ في الكون، هي بإذنِ الله وعِلْمِهِ وإرادتِهِ الكونية؛ فمَنْ يؤمنْ بالله ويعلمْ أنه لا يصيبُهُ إلا ما قدَّره الله عليه، يهدِّئْ قلبه، أي: يسكن قلبه فيصبر ويرضى بقضاء الله، ثم بيَّن سبحانه أنه بكلِّ شيء عليم، أي: أنه عالمٌ بالمؤمنِ والعاصي، والمطمئنِّ والساخط، وعالمٌ بالمصيبةِ التي حصَلَتْ، وهل هي بسببِ الذنوبِ التي ارتُكِبَتْ أو بأمرٍ آخر؟! وهنا يثبِّتُ الله الذين آمنوا ويوطِّن أفئدتهم لقضاء الله وقدره، فيقولون: ﴿إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّآ إِلَيۡهِ رَٰجِعُونَ﴾ [البقرة:156]، ويقولون: [آل عمران:173]، ﴿حَسۡبُنَا ٱللَّهُ وَنِعۡمَ ٱلۡوَكِيلُ﴾ أما غيرُ المؤمِنِ، فيتضجَّرُ ويبكي أو يصرُخُ، وربما لطَمَ نفسَهُ، ومزَّق ثيابه.

[12] ﴿وَأَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُواْ ٱلرَّسُولَۚ فَإِن تَوَلَّيۡتُمۡ فَإِنَّمَا عَلَىٰ رَسُولِنَا ٱلۡبَلَٰغُ ٱلۡمُبِينُ 12﴾:

ثم حَثَّ جل وعلا عباده على امتثالِ أوامرِ اللهِ، وأوامرِ رسوله ﷺ؛ وذلك بطاعته سبحانه فيما شرَعَ، وطاعةِ رسوله ﷺ فيما بلَّغ، فإنْ أعرَضْتم عن إجابة الرسول ﷺ فيما دعاكم إليه مِن الإيمان والأعمالِ الصالحة؛ فليس عليه ضرَرٌ؛ لأنه ليس على الرسولِ إلا تبليغُ الرسالة، وقد بلَّغَ ﷺ الرسالة، وأدَّى الأمانة، ونصَحَ الأمَّة، وجاهَدَ في الله حق جهاده.

[13] ﴿ٱللَّهُ لَآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَۚ وَعَلَى ٱللَّهِ فَلۡيَتَوَكَّلِ ٱلۡمُؤۡمِنُونَ 13﴾:

واعلموا أن الله جل وعلا لا معبودَ بحقٍّ سواه، فهو وحده المستحِقُّ للعبادة، وعليكم أن تفوِّضوا أموركم -أيها المؤمنون- إليه، وتعتمدوا عليه وحده.

[14] ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ إِنَّ مِنۡ أَزۡوَٰجِكُمۡ وَأَوۡلَٰدِكُمۡ عَدُوّٗا لَّكُمۡ فَٱحۡذَرُوهُمۡۚ وَإِن تَعۡفُواْ وَتَصۡفَحُواْ وَتَغۡفِرُواْ فَإِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٞ رَّحِيمٌ 14﴾:

وهذا نداءٌ مِن الله جل وعلا لعباده المؤمنين يُخْبِرُهم أنَّ مِن أزواجِهم وأولادِهم مَنْ هو عدوٌّ لهم يَشْغَلونهم عن طاعة الله، وعن كثيرٍ مِن أمور الخير؛ فاحذروا أن تطيعوهم وتستجيبوا لهم، وإنْ تَعْفُوا عن ذنوبهم التي ارتكبوها، ولا تعاقِبُوهم عليها، وتستُرُوها عليهم؛ فهو خيرٌ لكم، فإنْ فعَلْتُمْ ذلك، فاعلموا أن اللهَ واسعُ المغفرةِ والرحمةِ لعباده الرحماء.

[15] ﴿إِنَّمَآ أَمۡوَٰلُكُمۡ وَأَوۡلَٰدُكُمۡ فِتۡنَةٞۚ وَٱللَّهُ عِندَهُۥٓ أَجۡرٌ عَظِيمٞ 15﴾:

واعلموا -أيها المؤمنون- أن أموالكم وأولادكم ابتلاءٌ واختبار؛ فربما يُوقِعُونكم في الإثمِ مِن حيثُ لا تحتسبون؛ كما جاء في الحديثِ: «إِنَّ الوَلَدَ مَبْخَلَةٌ مَجْبَنَةٌ»([5])؛ مَبْخَلَةٌ، أي: يجعلُهُ يَبْخَلُ بالصدقةِ وغيرها؛ خوفًا أن يَجُوعَ ولَدُه، ومَجْبَنَةٌ، أي: يَجْعَلُ الإنسانَ يجبُنُ عن الجهاد؛ خوفًا على ولده، واللهُ عنده ثوابٌ عظيمٌ لمن قدَّم طاعة الله وطاعة رسوله ﷺ على طاعة غيره؛ فإنه لا طاعةَ لمخلوقٍ في معصية الله. [5] أخرجه أحمد في المسند (17562)، وابن ماجه (3666)، عن يعلى العامري رضي الله عنه، وصحَّحه الألباني في صحيح ابن ماجه.

[16] ﴿فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ مَا ٱسۡتَطَعۡتُمۡ وَٱسۡمَعُواْ وَأَطِيعُواْ وَأَنفِقُواْ خَيۡرٗا لِّأَنفُسِكُمۡۗ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفۡسِهِۦ فَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡمُفۡلِحُونَ 16﴾:

أمَرَ جل وعلا عباده المؤمنين بتقواه، وذلك بفعل أوامره، واجتنابِ نواهيه؛ بحسَبِ الطاقةِ والجُهْد، ثم أمَرَهم بالسمع والطاعة لله ولرسوله في جميعِ أمورهم، وأمَرَهم بالإنفاقِ مِن مالِ الله الذي أعطاهم، النفقاتِ الشرعيَّةَ الواجبةَ والمستحَبَّة؛ فإنَّ الإنفاقَ في سبيل الله خيرٌ لكم في الدنيا والآخرة، واعلموا أن مَنْ وَقَاهُ الله شُحَّ نفسِهِ، وعافاه مِن البخلِ والحرصِ الشديدِ على المال، فأولئك هم المُفْلحونَ الفائزون فوزًا عظيمًا.

[17] ﴿إِن تُقۡرِضُواْ ٱللَّهَ قَرۡضًا حَسَنٗا يُضَٰعِفۡهُ لَكُمۡ وَيَغۡفِرۡ لَكُمۡۚ وَٱللَّهُ شَكُورٌ حَلِيمٌ 17﴾:

ثم حَثَّ جل وعلا عبادَهُ على النفقةِ، فأخبَرَ أن مَنْ وقاه الله شُحَّ نفسِهِ هو الذي يُنفِقُ أمواله في سبيل الله بإخلاصٍ وطِيبِ نفس، ومَنْ يفعلْ ذلك، فإنه يستحِقُّ الثوابَ المضاعَفَ، ومغفرةَ الذنوب، واللهُ سبحانه شكورٌ للمحسنين مِن عباده، حليمٌ لا يعاجِلٌ المقصِّرين بالعقوبة، بل يُمْهِلهم، فربما يحسنون فيدخلهم في رحمته.

[18] ﴿عَٰلِمُ ٱلۡغَيۡبِ وَٱلشَّهَٰدَةِ ٱلۡعَزِيزُ ٱلۡحَكِيمُ 18﴾:

ثم ختَمَ جل وعلا السورةَ بالإخبار أنه سبحانه هو الذي يَعْلَمُ ما غاب عن العباد، وما يشاهدونه، وهو العزيزُ الغالب، الذي قهَرَ كلَّ شيء، الحكيمُ في خلقه وأمره، الذي يضع الأشياءَ في مواضِعِها سبحانه وتعالى، جَلَّ في عُلاه.

سورة الطَّلاق

سورةُ الطلاقِ مدنيَّةٌ، وآياتها اثنتا عَشْرةَ آيةً، ولها اسمٌ ثانٍ: سورةُ النساءِ الصغرى.

[1] ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ إِذَا طَلَّقۡتُمُ ٱلنِّسَآءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَأَحۡصُواْ ٱلۡعِدَّةَۖ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ رَبَّكُمۡۖ لَا تُخۡرِجُوهُنَّ مِنۢ بُيُوتِهِنَّ وَلَا يَخۡرُجۡنَ إِلَّآ أَن يَأۡتِينَ بِفَٰحِشَةٖ مُّبَيِّنَةٖۚ وَتِلۡكَ حُدُودُ ٱللَّهِۚ وَمَن يَتَعَدَّ حُدُودَ ٱللَّهِ فَقَدۡ ظَلَمَ نَفۡسَهُۥۚ لَا تَدۡرِي لَعَلَّ ٱللَّهَ يُحۡدِثُ بَعۡدَ ذَٰلِكَ أَمۡرٗا 1﴾:

خاطب جل وعلا نبيَّه محمدًا ﷺ تشريفًا له، ولكي يَشْرَعَ لأمته، فيقول له: إذا عزَمْتَ -أيها النبي- أنت أو أيُّ أحدٍ مِن أمَّتك على طلاقِ إحدى نسائكم، فطلِّقُوهُنَّ مستقبِلاتٍ لعدَّتِهِنَّ؛ بشرطِ أن يكونَ الطلاق في طُهْرٍ لم تجامعها فيه، أو في حملٍ ظاهرٍ لا شك فيه، وعليكم أن تحفظوا اليومَ الذي وقَعَ فيه الطلاق؛ لتعرفوا نهايةَ العِدَّة، وهي ثلاثةُ قروء، أي: الطُّهْرُ الثالثُ غيرُ الطُّهْرِ الذي وقَعَ فيه الطلاقُ بالنسبةِ للمرأة التي تحيض، وخافوا اللهَ ربَّكم بفعل أوامرِه، واجتنابِ نواهيه، واعلموا أنه لا يجوزُ لكم إخراجُ المطلَّقةِ مِن مسكنها الذي تسكُنُ فيه؛ لأنها ما زالت في حُكْمِ الزوجةِ ما دام أن العِدَّةَ لم تنته؛، كما لا يجوزُ للمطلَّقةِ أن تخرُجَ مِن مَسْكَنها الذي عاشت فيه معكم قبلَ الطلاق؛ إلا إذا قارَفَتِ المطلَّقةُ عملًا قبيحًا؛ كالزنى؛ كما عند الجمهور، أما أبو حنيفةَ، فيرى أن سَلَاطَة اللسانِ فاحشةٌ، واعلموا أن ما سبَقَ ذكره هي أحكامُ الله، شرَعَها لكم؛ فلا يَحِلُّ لكم أن تتجاوزوها؛ فإنَّ مَنْ يتجاوَزْها، فقد أورَدَ نفسه مواردَ الهلاك، وأوقَعَها في مواقع الضرر، وعليك -أيها المطلِّق- أن تمتثِلَ إلى ما أمَرْناك به مِن أحكام، وأن تسعى في المصالَحةِ بينك وبين زَوْجتك؛ فإنك لا تَدْرِي لعلَّ الله يُحدِثُ بعد ذلك الطلاقِ أمرًا لا تتوقَّعه؛ فتراجِعَها؛ فإنه سبحانه مقلِّبُ القلوب؛ فربما ينقلِبُ البغضُ حبًّا، فتتم المراجعة. والطلاقُ: هو فَكُّ الارتباطِ، وحَلُّ عُقْدةِ النكاح، ولا شكَّ أنه أبغَضُ الحلالِ عند الله.

[2] ﴿فَإِذَا بَلَغۡنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمۡسِكُوهُنَّ بِمَعۡرُوفٍ أَوۡ فَارِقُوهُنَّ بِمَعۡرُوفٖ وَأَشۡهِدُواْ ذَوَيۡ عَدۡلٖ مِّنكُمۡ وَأَقِيمُواْ ٱلشَّهَٰدَةَ لِلَّهِۚ ذَٰلِكُمۡ يُوعَظُ بِهِۦ مَن كَانَ يُؤۡمِنُ بِٱللَّهِ وَٱلۡيَوۡمِ ٱلۡأٓخِرِۚ وَمَن يَتَّقِ ٱللَّهَ يَجۡعَل لَّهُۥ مَخۡرَجٗا 2﴾:

ثم أمَرَ جل وعلا الأزواجَ -عندما تقترِبُ عدَّةُ المطلَّقةِ على الانتهاء- أن يُمْسِكوا أزواجَهُنَّ بمعروفٍ، وهو المتعارَفُ عليه، أو يفارقوهُنَّ بمعروف، وكما أمَرَ سبحانه بتوثيقِ عقدِ النكاحِ بشاهدَيْن؛ فكذلك يجبُ توثيقُ الرَّجْعةِ أو الطلاقِ بشاهدَيْن عدلَيْنِ منكم، وعليكم -أيها الشهود- أن تؤدُّوا الشهادةَ خالصةً لله عندما تُطلَبُ منكم، واعلموا أن ذلكم الذي أمَرَكم الله به يتَّعِظُ ويعملُ به مَنْ كان يؤمِنُ بالله ورسوله ﷺ، ويؤمِنُ باليومِ الآخر، ثم ذكَرَ سبحانه كَرَمَهُ وَإحسانَهُ بالمتقين، فبيَّن أن من يَخَفِ الله فيعمَلْ بأوامره، ويجتنبْ نواهيه، فإنه يجعلُ له سبحانه مَخْرَجًا مِن كلِّ ضيق.

[3] ﴿وَيَرۡزُقۡهُ مِنۡ حَيۡثُ لَا يَحۡتَسِبُۚ وَمَن يَتَوَكَّلۡ عَلَى ٱللَّهِ فَهُوَ حَسۡبُهُۥٓۚ إِنَّ ٱللَّهَ بَٰلِغُ أَمۡرِهِۦۚ قَدۡ جَعَلَ ٱللَّهُ لِكُلِّ شَيۡءٖ قَدۡرٗا 3﴾:

وبيَّن سبحانه كذلك أن مَنْ يَخَفْهُ، فإنه يفتحُ له بابَ رزق لم يخطُرْ بباله، وبيَّن سبحانه أن مَنْ يعتمدْ عليه، فهو كافيه مِن كلِّ ما أهمَّه، واعلموا أن الله بالغُ أمرِهِ لا يُعْجِزُهُ شيء؛ قد جعَلَ لكلِّ شيء وقتًا مقدَّرًا؛ فهو الذي حدَّد العدَّة للمطلَّقة، والمتوفَّى عنها زوجُها، والتي لا تحيض، وكذلك جعَلَ للشِّدَّةِ قَدْرًا، وللرخاء قَدْرًا.

[4] ﴿وَٱلَّٰٓـِٔي يَئِسۡنَ مِنَ ٱلۡمَحِيضِ مِن نِّسَآئِكُمۡ إِنِ ٱرۡتَبۡتُمۡ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَٰثَةُ أَشۡهُرٖ وَٱلَّٰٓـِٔي لَمۡ يَحِضۡنَۚ وَأُوْلَٰتُ ٱلۡأَحۡمَالِ أَجَلُهُنَّ أَن يَضَعۡنَ حَمۡلَهُنَّۚ وَمَن يَتَّقِ ٱللَّهَ يَجۡعَل لَّهُۥ مِنۡ أَمۡرِهِۦ يُسۡرٗا 4﴾:

ثم بيَّن جل وعلا عِدَّةَ النساءِ المطلَّقاتِ اللاتي انقطَعَ عنهنَّ دمُ الحَيْض؛ لكِبَرِ سِنِّهِنَّ، وهي ما تسمَّى بالمرأةِ الآيِسة، فإذا شكَكْتم، فلم تدروا قَدْرَ عِدَّتِهِنَّ، فاعلموا أن عدتهنَّ ثلاثةُ أشهر، وكذلك النساءُ اللاتي لم يَحِضْنَ؛ لصِغَرِ سِنِّهِنَّ أو لسببٍ آخر؛ فعدَّتُهُنَّ ثلاثةُ أشهر، أما النساءُ الحواملُ، فتنتهي عدَّتُهُنَّ بوضعِ حَمْلِهِنَّ؛ سواءٌ كنَّ مطلقَّاتٍ أو متوفًّى عنهنَّ، واعلموا أن مَنْ يَخَفِ اللهَ، فينفِّذْ أحكامه، ييسِّرْ له أموره، ويسهِّلْها له في الدنيا والآخرة.

[5] ﴿ذَٰلِكَ أَمۡرُ ٱللَّهِ أَنزَلَهُۥٓ إِلَيۡكُمۡۚ وَمَن يَتَّقِ ٱللَّهَ يُكَفِّرۡ عَنۡهُ سَيِّـَٔاتِهِۦ وَيُعۡظِمۡ لَهُۥٓ أَجۡرًا 5﴾:

واعلموا أن ذلك الحُكْمَ الذي بيَّنه الله لكم في أمرِ الطلاقِ والعِدَّةِ، أنزله إليكم لتمتثلوه وتأتمروا به، وتَعْمَلوا بمقتضاه، ومَنْ يجعلْ بينه وبين عذاب الله وقايةً بفعلِ أوامره، واجتنابِ نواهيه؛ يكفِّرْ عنه سيئاته، ويَغْفِرْ له ذنوبه، ويستُرْ له عيوبه، ويُعْطِهِ أجرًا عظيمًا، وهو أن يُدخِلَهُ جنَّات النعيم.

[6] ﴿أَسۡكِنُوهُنَّ مِنۡ حَيۡثُ سَكَنتُم مِّن وُجۡدِكُمۡ وَلَا تُضَآرُّوهُنَّ لِتُضَيِّقُواْ عَلَيۡهِنَّۚ وَإِن كُنَّ أُوْلَٰتِ حَمۡلٖ فَأَنفِقُواْ عَلَيۡهِنَّ حَتَّىٰ يَضَعۡنَ حَمۡلَهُنَّۚ فَإِنۡ أَرۡضَعۡنَ لَكُمۡ فَـَٔاتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ وَأۡتَمِرُواْ بَيۡنَكُم بِمَعۡرُوفٖۖ وَإِن تَعَاسَرۡتُمۡ فَسَتُرۡضِعُ لَهُۥٓ أُخۡرَىٰ 6﴾:

ثم حَثَّ جل وعلا الأزواجَ بالعنايةِ بالمرأةِ المطلَّقة، فأمَرَهم أن يُسْكِنوا النساءَ المطلَّقاتِ أثناء عِدَّتِهِنَّ في بيوتهم التي كُنَّ فيها؛ بحسَبِ الوُسْعِ والطاقة، وعليكم -أيها الأزواج- ألَّا تضيِّقوا عليهنَّ في السكنى والنفقة، حتى تضطَرُّوهُنَّ إلى الخروجِ والتنازُلِ عن حقوقهنَّ، وإن كانت المطلَّقاتُ طلاقًا بائنًا مِن الحواملِ، فعلى الأزواجِ أن ينفقوا عليهنَّ النفقةَ المناسِبةَ حتى يَضَعْنَ حملهنَّ، فإنْ أرضَعْنَ لكم أولادَهُنَّ منكم، فعليكم أن توفُّوا لهن أجورَهُنَّ، وتَشَاوَرُوا بينكم -أيها الأزواج- بما هو معروفٌ غيرُ منكَر، فإنْ رفَضَتِ الأمُّ أن تُرضِعَ ولَدَها إلا بأجرةٍ أكثَرَ مما هو معروفٌ، فعليكم -أيها الأزواج- أن تبحثوا عن مُرْضِعةٍ أخرى تُرضِعُ ولدكم، وكذلك لو امتنَعَتْ عن إرضاعِهِ، سواءٌ بأُجْرةٍ أو بدونِ أُجْرةٍ، فابحثوا عن غيرها لترضع ولدكم.

[7] ﴿لِيُنفِقۡ ذُو سَعَةٖ مِّن سَعَتِهِۦۖ وَمَن قُدِرَ عَلَيۡهِ رِزۡقُهُۥ فَلۡيُنفِقۡ مِمَّآ ءَاتَىٰهُ ٱللَّهُۚ لَا يُكَلِّفُ ٱللَّهُ نَفۡسًا إِلَّا مَآ ءَاتَىٰهَاۚ سَيَجۡعَلُ ٱللَّهُ بَعۡدَ عُسۡرٖ يُسۡرٗا 7﴾:

ثم أمَرَ جل وعلا الأزواجَ المُوسِرِينَ أن يزيدوا في النفقةِ على زوجاتهم المطلَّقاتِ، وعلى أولادِهِ منهنَّ، ولا يبخلوا، أما مَنْ ضُيِّقَ عليه رزقه، فكان فقيرًا، فعليه أن يُنفِقَ مما أعطاه الله؛ فإنَّ الله لا يكلِّفُ أحدًا إلا بقَدْرِ طاقتِهِ واستطاعته؛ فلا يكلِّفُ الفقيرَ أن يعطي كما يعطي الغني، واعلموا أن الله سوف يَجْعَلُ بعد الشدَّةِ رخاءً، وبعد الضِّيِق سَعَةً.

[8] ﴿وَكَأَيِّن مِّن قَرۡيَةٍ عَتَتۡ عَنۡ أَمۡرِ رَبِّهَا وَرُسُلِهِۦ فَحَاسَبۡنَٰهَا حِسَابٗا شَدِيدٗا وَعَذَّبۡنَٰهَا عَذَابٗا نُّكۡرٗا 8﴾:

ثم أخبَرَ جل وعلا أن كثيرًا من القرى طغَتْ، ولم تمتثِلْ أوامرَ الله ورسله؛ فشدَّد سبحانه على أهلِها في الحسابِ بسببِ ما عملوا، وعذَّب أهلها عذابًا عظيمًا منكرًا في الدنيا.

[9] ﴿فَذَاقَتۡ وَبَالَ أَمۡرِهَا وَكَانَ عَٰقِبَةُ أَمۡرِهَا خُسۡرًا 9﴾:

وبسببِ طغيانِ أهلِ هذه القرى وكُفْرِها وعنادِها، تجرَّعوا جزاءَ ما عملوا، وآلَ أَمْرُهم إلى خسارةِ الدنيا والآخرة.

[10] ﴿أَعَدَّ ٱللَّهُ لَهُمۡ عَذَابٗا شَدِيدٗاۖ فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ يَٰٓأُوْلِي ٱلۡأَلۡبَٰبِ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْۚ قَدۡ أَنزَلَ ٱللَّهُ إِلَيۡكُمۡ ذِكۡرٗا 10﴾:

ثم أخبَرَ جل وعلا أنه أعَدَّ لهذه القرى الخاسِرةِ عذابًا شديدًا في الآخرة، وهو الخلودُ في نارِ جهنَّم، ثم أمَرَ سبحانه أُولي العقولِ الذين آمنوا بالله ورسلِهِ، وعَمِلوا بشَرْعِهِ: أن يخافوا الله ويَحْذَروه؛ فقد أرسَلَ اللهُ إليكم مَنْ يذكِّركم وينبِّهكم.

[11] ﴿رَّسُولٗا يَتۡلُواْ عَلَيۡكُمۡ ءَايَٰتِ ٱللَّهِ مُبَيِّنَٰتٖ لِّيُخۡرِجَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ مِنَ ٱلظُّلُمَٰتِ إِلَى ٱلنُّورِۚ وَمَن يُؤۡمِنۢ بِٱللَّهِ وَيَعۡمَلۡ صَٰلِحٗا يُدۡخِلۡهُ جَنَّٰتٖ تَجۡرِي مِن تَحۡتِهَا ٱلۡأَنۡهَٰرُ خَٰلِدِينَ فِيهَآ أَبَدٗاۖ قَدۡ أَحۡسَنَ ٱللَّهُ لَهُۥ رِزۡقًا 11﴾:

ثم بيَّن جل وعلا أنَّ هذا الذِّكْرَ هو الرسولُ ﷺ الذي يقرأُ عليكم آياتِ الله التي توضِّحُ لكم الحَقَّ من الباطل، ولكي يُخرِجَ الذين آمنوا بالله ورسوله ﷺ، وعملوا الأعمال الصالحة؛ مِن ظلماتِ الكُفْرِ إلى نورِ الإيمان، واعلموا أن من يؤمِنْ بالله ورسوله ﷺ، ويَعْمَلِ الأعمالَ الصالحة، فإن الله سوف يدخله جنَّاتٍ تجري من تحت قصورها وأشجارها الأنهار، ماكثين فيها أَبَدَ الآبدين، لا يخرُجُونَ منها أبدًا، ثم بيَّن سبحانه أنه قد وسَّع للمؤمن الصالح رِزْقَهُ في الجنة.

[12] ﴿ٱللَّهُ ٱلَّذِي خَلَقَ سَبۡعَ سَمَٰوَٰتٖ وَمِنَ ٱلۡأَرۡضِ مِثۡلَهُنَّۖ يَتَنَزَّلُ ٱلۡأَمۡرُ بَيۡنَهُنَّ لِتَعۡلَمُوٓاْ أَنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ قَدِيرٞ وَأَنَّ ٱللَّهَ قَدۡ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيۡءٍ عِلۡمَۢا 12﴾:

ثم أخبَرَ جل وعلا أنه هو وحدَهُ الذي خلَقَ السموات السبعَ، وأنه خلَقَ مثلهنَّ في العدد من الأرضين، وأخبَرَ بأنه ينزِّلُ الأمرَ بين السموات والأرضين، وهو الشرائعُ والأحكامُ الدينيَّةُ التي أوحاها إلى رسله لتذكيرِ العبادِ ووَعْظهم، وكذلك الأوامرُ الكونيَّةُ والقدريَّةُ التي يدبِّرُ بها الخَلْقَ؛ فينزِّلُ المطَرَ، ويُولِجُ الليلَ بالنهار، ويُولِجُ النهارَ بالليل، وغير ذلك؛ لتعلموا أن مَنْ قدَرَ على خلق ذلك، فإنه قادرٌ على كلِّ شيء، ولتعلموا أن الله محيطٌ بكل شيء مِنْ خَلْقه، لا يعزُبُ عنه مثقالُ ذرَّةٍ في الأرض ولا في السماء.

سورة التحريم

سورةُ التحريمِ مدنيَّةٌ، وآياتها اثنتا عَشْرةَ آيةً، ولها اسمٌ آخَرُ هو سورةُ النبيِّ.

[1] ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَآ أَحَلَّ ٱللَّهُ لَكَۖ تَبۡتَغِي مَرۡضَاتَ أَزۡوَٰجِكَۚ وَٱللَّهُ غَفُورٞ رَّحِيمٞ 1﴾:

افتُتِحَتْ هذه السورةُ بعتاب النبيِّ ﷺ عتابًا لطيفًا؛ حين حرَّم على نَفْسِهِ شربَ العَسَلِ؛ مراعاةً لخاطرِ زوجتَيْهِ: عائشةَ، وحفصةَ؛ في قصَّة معروفة، وقيل: إنه ﷺ حرَّم على نفسِهِ مارِيَةَ القِبْطيَّةَ؛ لإرضاءِ زوجتَيْهِ: عائشةَ، وحفصةَ، فقال سبحانه: يا أيها النبيُّ، لِمَ تمتنِعُ من شربِ العسَلَ، الذي أحلَّه اللهُ لك، تلتمِسُ بذلك رضا أزواجك؟! فإنه لا ينبغي لك تحريمُ ما أحَلَّ الله، واعلَمْ أن الله واسعُ المغفرة، عظيمُ الرحمة؛ فقد غفَرَ لنبيه ﷺ، ورَحِمَ الأمَّةَ حيثُ أنزَلَ كفَّارةَ اليمين، فصارت عامَّةً لجميع الأيمان، ويستفادُ مِن هذه الآية: منعُ تحريم ما أحَلَّ الله، وقد قال بعض العلماء: يمين تحريم ما أحل الله لا تنعقِدُ، وقال آخرون: تُعتبَرُ يمينًا؛ فإنْ رَغِبَ التحلُّلَ منها، كفَّر.

[2] ﴿قَدۡ فَرَضَ ٱللَّهُ لَكُمۡ تَحِلَّةَ أَيۡمَٰنِكُمۡۚ وَٱللَّهُ مَوۡلَىٰكُمۡۖ وَهُوَ ٱلۡعَلِيمُ ٱلۡحَكِيمُ 2﴾:

واعلموا -أيها المؤمنون- أن الله قد شرَعَ لكم ما تتحلَّلون به مِنْ أيمانكم؛ وذلك بالكفَّارة، وهي: إطعامُ عَشَرةِ مساكين، أو كِسْوتُهم، أو تحريرُ رَقَبة، فمَنْ لم يجدْ، فصيامُ ثلاثة أيام، واللهُ متولِّي أموركم بنَصْرِكم على أعدائكم، وهو العليمُ بما فيه استقامةُ أمورِكم، الحكيمُ في تدبيرِ شؤونِ حياتكم.

[3] ﴿وَإِذۡ أَسَرَّ ٱلنَّبِيُّ إِلَىٰ بَعۡضِ أَزۡوَٰجِهِۦ حَدِيثٗا فَلَمَّا نَبَّأَتۡ بِهِۦ وَأَظۡهَرَهُ ٱللَّهُ عَلَيۡهِ عَرَّفَ بَعۡضَهُۥ وَأَعۡرَضَ عَنۢ بَعۡضٖۖ فَلَمَّا نَبَّأَهَا بِهِۦ قَالَتۡ مَنۡ أَنۢبَأَكَ هَٰذَاۖ قَالَ نَبَّأَنِيَ ٱلۡعَلِيمُ ٱلۡخَبِيرُ 3﴾:

وتذكَّروا حين أسرَّ النبيُّ ﷺ إلى حَفْصةَ بسِرٍّ، وطلَبَ منها ألَّا تُخبِرَ به أحدًا، ولكنها لم تَحْفَظِ السرَّ، فأخبَرَتْ به عائشةَ، فجاءه ﷺ الخبَرُ من السماءِ أنها أفشَتْ سرَّه، فعاتب ﷺ حفصةَ، وأخبَرَها ببعضِ ما أخبَرَتْ به، وسكَتَ عن بعضٍ؛ تكرُّمًا وحياءً منه ﷺ، وبعد أن أخبَرَها ﷺ بخطئها وعاتبها، قالت: مَنْ أخبَرَكَ بذلك؟! فقال لها: أَخْبَرَنيَ اللهُ العليمُ بسرائرِ العباد، الخبيرُ الذي لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء.

[4] ﴿إِن تَتُوبَآ إِلَى ٱللَّهِ فَقَدۡ صَغَتۡ قُلُوبُكُمَاۖ وَإِن تَظَٰهَرَا عَلَيۡهِ فَإِنَّ ٱللَّهَ هُوَ مَوۡلَىٰهُ وَجِبۡرِيلُ وَصَٰلِحُ ٱلۡمُؤۡمِنِينَۖ وَٱلۡمَلَٰٓئِكَةُ بَعۡدَ ذَٰلِكَ ظَهِيرٌ 4﴾:

ثم وجَّه جل وعلا الخطابَ لعائشةَ وحفصةَ، فأمَرَهما أن يتوبا إلى الله مِن ذَنْبهما، ويُقْلِعا عن مخالَفةِ أمرِ رسول الله ﷺ؛ حيثُ مالت قلوبُهُما وانحرَفَتْ عما يجبُ عليهما من كتمانِ سرِّ رسول الله ﷺ، ومِنَ الحرصِ على راحتِهِ وعدمِ إيذائه، أما إذا تعاضَدَتَا وتعاوَنَتَا بما يسوؤه مِن الإفراطِ في الغَيْرةِ وإفشاءِ سرِّه، فإنَّ الله تعالى هو وليُّه وناصرُهُ، هو وجبريلُ والمؤمنون الصالحون، والملائكةُ بعد هؤلاءِ كلُّهم مظاهرون له ومُعِينون. والمعنى: أنَّ مَنْ يحاولْ إغضابَ النبي ﷺ أو إيذاءه، فإنه ليس من صالح المؤمنين.

[5] ﴿عَسَىٰ رَبُّهُۥٓ إِن طَلَّقَكُنَّ أَن يُبۡدِلَهُۥٓ أَزۡوَٰجًا خَيۡرٗا مِّنكُنَّ مُسۡلِمَٰتٖ مُّؤۡمِنَٰتٖ قَٰنِتَٰتٖ تَٰٓئِبَٰتٍ عَٰبِدَٰتٖ سَٰٓئِحَٰتٖ ثَيِّبَٰتٖ وَأَبۡكَارٗا 5﴾:

ثم وجَّه جل وعلا الخطابَ إلى زَوْجاتِ النبيِّ ﷺ، بعد ما حصَلَ منهنَّ مِن إفشاءِ سرِّه وإيذائه، فأخبَرَهُنَّ سبحانه أنه لو طلَّقَكُنَّ رسولُ الله ﷺ، فإنه سوف يُبْدِلُهُ أزواجًا خيرًا منكنَّ إسلامًا وإيمانًا، ومواظَبةً على العبادة، وإقلاعًا عن الذنوب، وخضوعًا لأوامر الرسول ﷺ، وهؤلاءِ الأزواجُ بعضُهُنَّ ثيِّباتٌ، وبعضُهُنَّ أبكارٌ. وقد جاء في نزول هذه الآية: أنَّ زوجاتِ النبيِّ ﷺ لما شاهَدْنَ الفتوحاتِ والغنائمَ، ورأَيْنَ زوجاتِ الصحابةِ والأنصارِ توسَّعْنَّ في النفقةِ والملبسِ نتيجةً لما يحصُلُ عليه أزواجُهُنَّ من الغنائم والفيء، وكان ﷺ يوزِّعُ على المحاربين والفقراء، ويكتفي هو بالكفاف، أي: لم يتوسَّعْ، فطلَبْنَ منه أن يمُدَّهُنَّ وأن يوسِّعَ عليهنَّ؛ فخيَّرَهُنَّ ﷺ بالبقاء معه على ما كان، أو الطلاق.

[6] ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ قُوٓاْ أَنفُسَكُمۡ وَأَهۡلِيكُمۡ نَارٗا وَقُودُهَا ٱلنَّاسُ وَٱلۡحِجَارَةُ عَلَيۡهَا مَلَٰٓئِكَةٌ غِلَاظٞ شِدَادٞ لَّا يَعۡصُونَ ٱللَّهَ مَآ أَمَرَهُمۡ وَيَفۡعَلُونَ مَا يُؤۡمَرُونَ 6﴾:

ثم قال جل وعلا: يا أيها الذين آمنوا بالله ورسوله، وعملوا بشرعه، اتَّخِذوا وقايةً لأنفسكم وأهليكم مِن غضبِ الله وسخَطِهِ؛ بامتثالِ أوامره، واجتنابِ نواهيه، واعلموا أن نتيجةَ العصيانِ وعدَمِ تنفيذ أوامر الله هو دخولُكُمْ نارًا عظيمة، وهذه النارُ حطَبُها الذي تُسَعَّرُ به هو الناسُ والحجارة، كما أنَّ على هذه النارِ ملائكةً أقوياءَ غلاظَ القلوبِ مكلفَّين بتعذيبِ أهل النار، وهؤلاءِ الملائكةُ لا يعصون أَمْرَ الله بحالٍ مِن الأحوال، بل ينفِّذون أوامر الله بدونِ إمهالٍ ولا تأخير.

[7] ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَا تَعۡتَذِرُواْ ٱلۡيَوۡمَۖ إِنَّمَا تُجۡزَوۡنَ مَا كُنتُمۡ تَعۡمَلُونَ 7﴾:

وفي هذا اليومِ العسيرِ وهو -يومُ القيامةِ- يقالُ للكفَّار عند إدخالهم النار: يا أيها الذين لم يؤمنوا بالله، وجحدوا دينه، وكذَّبوا رسله، وأعرضوا عن آياته، لا تعتذروا اليومَ؛ فقد فات الأوان، وذهَبَ وقتُ العمل، فلا يُجْدِي رجاءٌ ولا اعتذار؛ لأنكم إنما تثابون اليومَ، وتُعْطَوْنَ جزاءَ أعمالكم التي عملتموها في الدنيا.

[8] ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ تُوبُوٓاْ إِلَى ٱللَّهِ تَوۡبَةٗ نَّصُوحًا عَسَىٰ رَبُّكُمۡ أَن يُكَفِّرَ عَنكُمۡ سَيِّـَٔاتِكُمۡ وَيُدۡخِلَكُمۡ جَنَّٰتٖ تَجۡرِي مِن تَحۡتِهَا ٱلۡأَنۡهَٰرُ يَوۡمَ لَا يُخۡزِي ٱللَّهُ ٱلنَّبِيَّ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ مَعَهُۥۖ نُورُهُمۡ يَسۡعَىٰ بَيۡنَ أَيۡدِيهِمۡ وَبِأَيۡمَٰنِهِمۡ يَقُولُونَ رَبَّنَآ أَتۡمِمۡ لَنَا نُورَنَا وَٱغۡفِرۡ لَنَآۖ إِنَّكَ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ قَدِيرٞ 8﴾:

ثم ندَبَ جل وعلا عبادَهُ المؤمنين إلى المبادَرةِ بالتوبةِ النصوحِ، فقال سبحانه: يا معشَرَ من آمَنَ بالله ورسوله، وعَمِلَ بشرعه، توبوا إلى الله مِن ذنوبكم توبةً صادقةً خالصة؛ وذلك بالندمِ على الذنب، والإقلاعِ عنه، والعزمِ على عدَمِ العَوْدة، فإذا فعلتم ذلك، كان حقًّا على الله أن يمحُوَ سيئاتِ أعمالكم التي سلَفَتْ منكم، ويُدْخِلَكم بساتينَ تجرى من تحت أشجارها وقصورها الأنهار، يومَ لا يُخْزِي اللهُ النبيَّ ومَنْ آمن معه، فيرفعُ سبحانه في ذلك اليومِ مِن شَأْنِهم، ويُعْلي مِن قَدْرِهم؛ لأنَّ الخزيَ والسوءَ في ذلك اليومِ يكونُ على الكافرين ومَنْ على شاكلتهم.

ثم بيَّن سبحانه أن هؤلاءِ المؤمنين وهم على الصراطِ يسيرُ نُورُهم أمامهم، وعلى أيمانهم، ويقولون: يا ربَّنا، أَدِمْ علينا نُورَنا حتَّى نصلَ إلى دار السلام، وامْحُ عنا ما اقترفنا مِن الذنوبِ والمعاصي؛ إنك على كلِّ شيء قدير.

[9] ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ جَٰهِدِ ٱلۡكُفَّارَ وَٱلۡمُنَٰفِقِينَ وَٱغۡلُظۡ عَلَيۡهِمۡۚ وَمَأۡوَىٰهُمۡ جَهَنَّمُۖ وَبِئۡسَ ٱلۡمَصِيرُ 9﴾:

أمَرَ جل وعلا نبيه محمدًا ﷺ بقتالِ الكفَّارِ الذين يقفون في سبيلِ الدعوةِ بالسيف، وأن يجاهِدَ المنافقين الذين أبطنوا الكفر بالحُجَّةِ والوعظِ البليغ، وإقامة الحدود، وعليك أن تكونَ شديدًا على الكفَّار والمنافقين، ولا تعامِلَهم بالرأفةِ واللِين؛ لأنهم هكذا يعامِلون المؤمنين، وكما يقالُ في الأمثال: (لا يَفُلُّ الحديدَ إلا الحديدُ)؛ واعلم أن مصيرَ هؤلاءِ الكفَّار والمنافقين إلى جهنَّم، فهي مسكنهم الدائم، وقَبُحَ ذلك المرجعُ الذي يرجعون إليه.

[10] ﴿ضَرَبَ ٱللَّهُ مَثَلٗا لِّلَّذِينَ كَفَرُواْ ٱمۡرَأَتَ نُوحٖ وَٱمۡرَأَتَ لُوطٖۖ كَانَتَا تَحۡتَ عَبۡدَيۡنِ مِنۡ عِبَادِنَا صَٰلِحَيۡنِ فَخَانَتَاهُمَا فَلَمۡ يُغۡنِيَا عَنۡهُمَا مِنَ ٱللَّهِ شَيۡـٔٗا وَقِيلَ ٱدۡخُلَا ٱلنَّارَ مَعَ ٱلدَّٰخِلِينَ 10﴾:

ثم ضرَبَ جل وعلا مثَلَيْنِ: المثَلُ الأول: يبيِّنُ حال الكفار الذين لم ينتفعوا بعظاتِ الأنبياءِ والمرسلين، وعدَمِ استفادتهم بقرابة المؤمنين؛ فهذه زوجةُ نبيِّ اللهِ نُوحٍ، وزوجةُ نبيِّ الله لُوطٍ، كانتا في عِصْمةِ نَبِيَّيْنِ كريمَيْنِ، ولم تنتفعا بهَدْيهما، فوقَعَتْ منهما الخيانةُ لهما بما كانتا عليه مِن الكفرِ وعدَمِ الإيمان، وليست خيانةَ عِرْض؛ لأن فُرُشَ الأنبياءِ طهَّرها الله مِن الفساد، ثم بيَّن سبحانه أن كونهما زوجتَيْنِ لهذَيْنِ النبيَّيْنِ لم يَدْفَعْ ذلك عنهما شيئًا مِن عذابِ الله، ويومَ القيامة يقالُ لهما: ادخُلَا نارَ جهنَّمَ مع سائر الداخلين.

وبهذا يُعلَمُ أن الهدايةَ بيَدِ الله؛ كما قال تعالى لنبيه محمَّد ﷺ لمَّا حَزِنَ على عدَمِ إسلامِ عمِّه أبي طالب: ﴿إِنَّكَ لَا تَهۡدِي مَنۡ أَحۡبَبۡتَ وَلَٰكِنَّ ٱللَّهَ يَهۡدِي مَن يَشَآءُۚ ﴾ [القصص:56].

[11] ﴿وَضَرَبَ ٱللَّهُ مَثَلٗا لِّلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱمۡرَأَتَ فِرۡعَوۡنَ إِذۡ قَالَتۡ رَبِّ ٱبۡنِ لِي عِندَكَ بَيۡتٗا فِي ٱلۡجَنَّةِ وَنَجِّنِي مِن فِرۡعَوۡنَ وَعَمَلِهِۦ وَنَجِّنِي مِنَ ٱلۡقَوۡمِ ٱلظَّٰلِمِينَ 11﴾:

وأما المَثَلُ الثاني: فكان للذين آمنوا بالله وبرسله؛ حيثُ بيَّن سبحانه أن صلتهم بالكافرين لا تضُرُّهم ولا تؤثِّرُ فيهم ما داموا مستقيمين على الحق؛ فهذه زوجةُ فِرْعَوْنَ آسِيَةُ بنتُ مُزَاحِمٍ تلك المرأةُ الصالحةُ كانت تحت أعدى أعداءِ الله في الدنيا، وقد طلَبَتِ النجاةَ مِن زوجها فِرْعَوْنَ ومن عَمَله، وقالت في دعائها: ربِّ اجعلني قريبةً مِن رحمتك، وابنِ لي بيتًا في أعلى الجنة، وخَلِّصْني من أعمالِ فِرْعَوْنَ الخبيثة، وأَنْقِذْني من قومه الظالمين.

[12] ﴿وَمَرۡيَمَ ٱبۡنَتَ عِمۡرَٰنَ ٱلَّتِيٓ أَحۡصَنَتۡ فَرۡجَهَا فَنَفَخۡنَا فِيهِ مِن رُّوحِنَا وَصَدَّقَتۡ بِكَلِمَٰتِ رَبِّهَا وَكُتُبِهِۦ وَكَانَتۡ مِنَ ٱلۡقَٰنِتِينَ 12﴾:

وهذه مريمُ بنتُ عِمْرانَ تلك المرأةُ الصالحةُ التقيَّةُ النقيَّة، أثنى عليها جل وعلا أنها حَفِظَتْ فَرْجَها عن فاحشة الزنى؛ فجاء جبريلُ، فنفَخَ في جَيْبِ دِرْعِها([6])، فوصَلَتِ النفخةُ إلى المكان الذي يتكوَّنُ فيه الجنينُ بإذنِ الله، فحمَلَتْ بعيسى عليه السلام؛ فهو كلمةُ الله التي هي (كُنْ)، أي: أنَّ اللهَ خلَقَهُ بالأمر ِالذي هو (كن)؛ كما قال تعالى ردًّا على الغالين فيه: ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَىٰ عِندَ ٱللَّهِ كَمَثَلِ ءَادَمَۖ خَلَقَهُۥ مِن تُرَابٖ ثُمَّ قَالَ لَهُۥ كُن﴾ [آل عمران:59]. [6] دِرْعُ المرأةِ: قميصُها الذي تلبسه في البيت.

ثم أثنى عليها أنها صدَّقَتْ بكلمات ربها، وعَمِلَتْ بشرائعِهِ التي شرَعَها لعباده، وكتبِهِ المنزَّلةِ على رسله، ثم أثنى عليها سبحانه أنها كانت من المحافِظِينَ على طاعةِ اللهِ وعبادته.

سورة المُلْك

سورةُ المُلْكِ مكيَّةٌ، وآياتها ثلاثون آية؛ أخرَجَ أحمد وأهلُ السنن: أن هذه السورةَ تَشْفَعُ لصاحبِها الذي يَتْلُوها([1]). [1] أخرجه أحمد في المسند (7975)، وأبو داود (1400)، والترمذي (2891)، وابن ماجه (3786)، عن أبي هريرة رضي الله عنه، وصححه ابن الملقن في البدر المنير (3/562)، وحسنه الترمذي والألباني.

[1] ﴿تَبَٰرَكَ ٱلَّذِي بِيَدِهِ ٱلۡمُلۡكُ وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ قَدِيرٌ 1﴾:

بدأت السورةُ بتمجيدِ الله تعالى نفسَهُ، والإخبارِ أن الذي بيدِهِ وقدرتِهِ مُلْكُ السموات والأرض وما احتوتاه في الدنيا والآخرة، تكاثَرَ خيرُهُ وإحسانُهُ، وحاز نهايةَ التعظيم، وهو سبحانه بيدِهِ أمرُ الخلائق وتحت تصرُّفه؛ يفعلُ فيها ما يشاءُ بحسَبِ ما تقتضيه حِكْمته؛ لا يُعْجِزُهُ شيءٌ في الأرض ولا في السماء.

[2] ﴿ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلۡمَوۡتَ وَٱلۡحَيَوٰةَ لِيَبۡلُوَكُمۡ أَيُّكُمۡ أَحۡسَنُ عَمَلٗاۚ وَهُوَ ٱلۡعَزِيزُ ٱلۡغَفُورُ 2﴾:

ثم ذَكَر جل وعلا أنَّ مِن مظاهر قدرتِهِ أنه خلَقَ الموتَ الذي هو مفارَقةُ الرُّوحِ للجسَدِ، وخلَقَ الحياةَ التي هي اقتحامُ الرُّوحِ للبدَنِ مِن الثقلَيْنِ وغيرهم، واعلموا أن الله خلَقَ الموتَ والحياةَ؛ ليختبركم أيُّكم أحسَنُ عملًا، وليجازيكم بما عملتم من الثواب، وأحسَنُ العمَلِ هو ما كان خالصًا لوجهِ الله، وصوابًا مطابِقًا لتعاليمِ اللهِ ورسولِهِ ﷺ، أي: أَخْلَصُهُ وأَصْوَبُهُ، ولم يقل: أكثَرُ عملًا؛ لأن العِبْرةَ أن يكونَ خالصًا لوجهِ الله حسَبَ المنهجِ الذي جاء به رسُلُ الله، وهو العزيزُ الذي لا يغلبه شيء، الغفورُ للمقصِّرين إذا تابوا وأصلحوا، وذكَرَ المغفرةَ بعد العِزَّةِ؛ لأن العِزَّةَ تعني: القُدْرةَ والانتقام، والمغفرةَ تعني: غفرانَ ذنوبِ مَنْ تاب وعمل صالحًا.

[3] ﴿ٱلَّذِي خَلَقَ سَبۡعَ سَمَٰوَٰتٖ طِبَاقٗاۖ مَّا تَرَىٰ فِي خَلۡقِ ٱلرَّحۡمَٰنِ مِن تَفَٰوُتٖۖ فَٱرۡجِعِ ٱلۡبَصَرَ هَلۡ تَرَىٰ مِن فُطُورٖ 3﴾:

ثم ذكَرَ جل وعلا مَظْهَرًا آخَرَ مِن مظاهر قدرته، فذكَرَ أنه خلَقَ سبع سمواتٍ، فأبدَعَها وجعَلَها طِبَاقًا بعضُها فوق بعض؛ والناظرُ إليها لن يَجِدَ فيها اختلافًا أو اضطرابًا أو تشقُّقاتٍ، ثم أمَرَ سبحانه الناظِرَ أن يكرِّرَ النظَرَ في السماءِ؛ للبحث والتأكد، فلن يجدَ فيها شقوقًا أو تصدُّعاتٍ أو اختلافًا.

[4] ﴿ثُمَّ ٱرۡجِعِ ٱلۡبَصَرَ كَرَّتَيۡنِ يَنقَلِبۡ إِلَيۡكَ ٱلۡبَصَرُ خَاسِئٗا وَهُوَ حَسِيرٞ 4﴾:

ثم أمَرَ سبحانه الناظرَ ألَّا يَكْتَفي بإعادةِ النظر، بل أمره أن يعيدَ النظَرَ مرَّةً بعد مرَّةٍ؛ لعله يلتمِسُ خَلَلًا، ولكنْ سوف يعودُ له البصَرُ بعد البحثِ متعَبًا كالًّا خائبًا؛ لأنه لم يجدْ أيَّ اضطرابٍ أو خلل.

[5] ﴿وَلَقَدۡ زَيَّنَّا ٱلسَّمَآءَ ٱلدُّنۡيَا بِمَصَٰبِيحَ وَجَعَلۡنَٰهَا رُجُومٗا لِّلشَّيَٰطِينِۖ وَأَعۡتَدۡنَا لَهُمۡ عَذَابَ ٱلسَّعِيرِ 5﴾:

أخبَرَ جل وعلا أنه زيَّن السماء الدنيا التي نراها بأعيننا بالنجومِ والمَجَرَّاتِ والشموسِ، وأخرَجَ عز وجل بقدرتِهِ مِن هذه النجومِ شُهُبًا تنطلِقُ منها؛ لِتُحرِقَ الشياطينَ التي تحاوِلُ أن تسترِقَ السمع، وهذه إحدى فوائدِ خَلْقِ النجومِ في السماء الدنيا، والفائدةُ الثانية: أنها زِينةٌ وجمالٌ للسماء، والفائدةُ الثالثة: أنها تهدي السائرين؛ سواءٌ كانوا في البَرِّ أو في البحر، وهذه الفوائدُ الثلاثُ مذكورةٌ في القرآن، وربما لها فوائدَ أخرى؛ مثلُ: إضاءةِ الشموسِ، وإنضاجِها للثمار، وغير ذلك. ثم ذكَرَ جل في علاه أنه أعدَّ لهؤلاء الشياطين ومَنْ تَبِعهم مِن الكافرين في الآخرةِ عذابَ النار التي سوف يقاسُونَ مِن شِدَّةِ حرِّها.

[6] ﴿وَلِلَّذِينَ كَفَرُواْ بِرَبِّهِمۡ عَذَابُ جَهَنَّمَۖ وَبِئۡسَ ٱلۡمَصِيرُ 6﴾:

ثم أخبَرَ جل وعلا أنه أعَدَّ للذين كفروا به، وجحَدُوا رُسُلَهُ: عذابَ جهنَّم، وبئسَ المصيرُ مصيرُهم، وبئستِ النارُ مَسْكَنُهم ومأواهم.

[7] ﴿إِذَآ أُلۡقُواْ فِيهَا سَمِعُواْ لَهَا شَهِيقٗا وَهِيَ تَفُورُ 7﴾:

ثم بيَّن سبحانه أن هؤلاءِ الكافرين إذا أُلْقُوا في هذه النار -على وجهِ الإهانةِ والذُّلِّ- سمعوا لها صوتًا عاليًا فظيعًا مُرعِبًا، وهي تَغْلي بهم، كما يَغْلِي القِدْرُ بالطعام على النار.

[8] ﴿تَكَادُ تَمَيَّزُ مِنَ ٱلۡغَيۡظِۖ كُلَّمَآ أُلۡقِيَ فِيهَا فَوۡجٞ سَأَلَهُمۡ خَزَنَتُهَآ أَلَمۡ يَأۡتِكُمۡ نَذِيرٞ 8﴾:

ثم بيَّن سبحانه أن جهنَّمَ تكادُ تتقطَّعُ وينفصِلُ بعضُها عن بعضٍ؛ من شدَّة حَنَقها وغَيْظها على من يُلْقى فيها مِن الكفار؛ وفي هذا دليلٌ على أن النار لها إدراك، ثم أخبَرَ سبحانه أنه كلما أُلقِيَ فيها جماعةٌ من الجنِّ أو الإنسِ، سألهم خَزَنةُ جهنَّم: ألم يأتكم في الدنيا رسولٌ مِن عندِ الله يُنْذِرُكم النارَ ويحذِّركم عذابها؟!

[9] ﴿قَالُواْ بَلَىٰ قَدۡ جَآءَنَا نَذِيرٞ فَكَذَّبۡنَا وَقُلۡنَا مَا نَزَّلَ ٱللَّهُ مِن شَيۡءٍ إِنۡ أَنتُمۡ إِلَّا فِي ضَلَٰلٖ كَبِيرٖ 9﴾:

فيقولُ أهل النار جوابًا على سؤالِ خَزَنةِ جهنَّم: بلى، قد جاءنا نذيرٌ؛ فما كان منَّا إلا أنْ كذَّبناه ولم نصدِّقه، وقلنا له: ما نزَّل الله عليك -أيها الرسول- شيئًا من الوحي، وما أنت إلا في ذَهَابٍ عن الحق، وبعدٍ عن الصواب.

[10] ﴿وَقَالُواْ لَوۡ كُنَّا نَسۡمَعُ أَوۡ نَعۡقِلُ مَا كُنَّا فِيٓ أَصۡحَٰبِ ٱلسَّعِيرِ 10﴾:

ثم أخَذَ أهلُ النارِ يبكِّتون أنفُسَهم ويلومونها، ويقولون: لو كنَّا في الدنيا نَسْمَعُ سَمَاعَ مَنْ يريدُ الحقَّ، ويريدُ الاستجابةَ، أو كنَّا نعي ونفكِّرُ فيما دُعِينا إليه من الهداية والإرشاد، ما كنَّا مِن جملةِ أهلِ هذه النارِ المستَعِرة.

[11] ﴿فَٱعۡتَرَفُواْ بِذَنۢبِهِمۡ فَسُحۡقٗا لِّأَصۡحَٰبِ ٱلسَّعِيرِ 11﴾:

ثم بيَّن سبحانه أن هذا كان اعترافًا منهم بهذا الذَّنْبِ العظيمِ الذي ارتكبوه، وهو شِرْكُهم وكُفْرُهم بالله، وتكذيبُهم لأنبيائه؛ ولهذا فبُعْدًا بُعْدًا، وطَرْدًا طَرْدًا لكم مِن رحمةِ الله يا أصحابَ السعير.

[12] ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ يَخۡشَوۡنَ رَبَّهُم بِٱلۡغَيۡبِ لَهُم مَّغۡفِرَةٞ وَأَجۡرٞ كَبِيرٞ 12﴾:

ثم ذكَرَ جل وعلا إكرامَهُ وثوابَهُ للصالحين المؤمنين بالغَيْبِ أصحابِ الخشية؛ الذين يخافون ربَّهم خوفًا يجعلهم يؤدُّون الواجباتِ، ويترُكُونَ المنكَرات؛ هؤلاءِ لهم من ربِّهم مغفرةٌ عظيمةٌ، وأجرٌ بالغٌ في الكِبَر.

[13] ﴿وَأَسِرُّواْ قَوۡلَكُمۡ أَوِ ٱجۡهَرُواْ بِهِۦٓۖ إِنَّهُۥ عَلِيمُۢ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ 13﴾:

واعلموا -أيها الكفار- أن إسرارَكُمْ أو جَهْركم بالإساءةِ لمحمَّد ﷺ، فإنه جل وعلا سامعٌ له، بل إنه يَعْلَمُ ما يجولُ في صدورِكم مِنْ قبلِ أن تنطِقوا به؛ قال ابن عبَّاس رضي الله عنه: (نزَلَتْ في بعض المشرِكينَ الذين يقولون لبعضهم: أَسِرُّوا حديثَكُمْ؛ لكيلا يسمَعَ ربُّ محمَّد؛ فيُخْبِرَه).

[14] ﴿أَلَا يَعۡلَمُ مَنۡ خَلَقَ وَهُوَ ٱللَّطِيفُ ٱلۡخَبِيرُ 14﴾:

ثم أخبَرَ جل وعلا أنه أعلَمُ بشأن خلقه، وأعلَمُ بما يُضْمِرُهُ كلُّ واحد في قلبه؛ فهو سبحانه اللطيفُ الخبيرُ الذي لَطُفَ علمُهُ وخبَرُهُ حتى أدرَكَ السرائر والضمائر؛ فلا تخفى عليه خافية، وهو سبحانه يَعْلَمُ السرَّ وأخفى.

[15] ﴿هُوَ ٱلَّذِي جَعَلَ لَكُمُ ٱلۡأَرۡضَ ذَلُولٗا فَٱمۡشُواْ فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُواْ مِن رِّزۡقِهِۦۖ وَإِلَيۡهِ ٱلنُّشُورُ 15﴾:

ثم ذكَرَ جل وعلا إحسانَهُ وفضلَهُ على خلقه، فقال: هو الذي جعَلَ لكم الأرضَ سهلةً ممهَّدةً متَّسِعةَ الأرجاء؛ حتى تستقِرُّوا عليها، وتستطيعوا التنقُّلَ فيها كيف شئتم، وتستطيعوا زراعَتَها لأقواتكم؛ فامشوا في أطرافِها وجوانبِها، وكُلُوا مِن رزقِ الله الذي يخرُجُ لكم منها، ثم اعلموا أن إليه وحده مَرْجِعَكم وبَعْثَكم مِن قبورِكم للحسابِ والجزاء.

[16] ﴿ءَأَمِنتُم مَّن فِي ٱلسَّمَآءِ أَن يَخۡسِفَ بِكُمُ ٱلۡأَرۡضَ فَإِذَا هِيَ تَمُورُ 16﴾:

ثم هدَّد جل وعلا الكفار، فقال: هل أَمِنْتم -أيها الكفار- غضَبَ اللهِ العظيمِ الجليلِ الذي في السماءِ أن يَخْسِفَ بكم الأرضَ فتضطرِبَ وترتجَّ بقدرتِهِ وسلطانِهِ حتى تُهْلِكَكم؟!

[17] ﴿أَمۡ أَمِنتُم مَّن فِي ٱلسَّمَآءِ أَن يُرۡسِلَ عَلَيۡكُمۡ حَاصِبٗاۖ فَسَتَعۡلَمُونَ كَيۡفَ نَذِيرِ 17﴾:

ثم هددهم بتهديد آخر، فقال: أم أمنتم مَنْ في السماء أن يُرسِلَ عليكم ريحًا شديدةً محمَّلةً بالحصى والحجارة؛ فتُهْلِكَكم وتقضيَ عليكم؟! كما أهلَكَتْ قومَ لُوطٍ وعادٍ وأصحابَ الفيل مِنْ قبلكم؛ وحينئذٍ ستَرَوْنَ بأعينكم العذاب الذي أنذَرَكُمُ الله به.

[18] ﴿وَلَقَدۡ كَذَّبَ ٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِهِمۡ فَكَيۡفَ كَانَ نَكِيرِ 18﴾:

ولقد كذَّب الذين كانوا قبل كفَّار مكَّة من الأممِ السابقةِ التي عُوقِبَتْ بالصاعقةِ وبالخَسْفِ وبالغَرَقِ وغير ذلك؛ ألم تَرَوْا كيف كان إنكارُ الله لهم بأن استأصَلَهُمْ ودمَّرهم تدميرًا كاملًا؛ بسبب تكذيبهم بآيات الله؟!

[19] ﴿أَوَلَمۡ يَرَوۡاْ إِلَى ٱلطَّيۡرِ فَوۡقَهُمۡ صَٰٓفَّٰتٖ وَيَقۡبِضۡنَۚ مَا يُمۡسِكُهُنَّ إِلَّا ٱلرَّحۡمَٰنُۚ إِنَّهُۥ بِكُلِّ شَيۡءِۭ بَصِيرٌ 19﴾:

أولم ينظُرْ هؤلاء الكافرون إلى أسرابِ الطيورِ التي تطيرُ في عَنَانِ السماءِ تبسُطُ وتَقبِضُ أجنحتها في الهواء؟! ما يحفظها مِن الوقوعِ إلا الرحمنُ الذي وَسِعَتْ رحمتُهُ وقدرتُهُ كلَّ شيء؛ أَلَا يستحِقُّ الذي منحها هذه القدرةَ الإكبارَ والإجلالَ والإيمان؟! إنه سبحانه مطَّلِعٌ على كلِّ أحوال خَلْقه، ومدبِّرٌ لشؤونهم؛ على أحسنِ الوجوهِ وأحكمها.

[20] ﴿أَمَّنۡ هَٰذَا ٱلَّذِي هُوَ جُندٞ لَّكُمۡ يَنصُرُكُم مِّن دُونِ ٱلرَّحۡمَٰنِۚ إِنِ ٱلۡكَٰفِرُونَ إِلَّا فِي غُرُورٍ 20﴾:

بل أَخْبِروني -أيها الكافرون- هل لديكم جنودٌ وقوًى تنصُرُكم مِن غضب الرحمن، أو تستطيعون بها دَفْعَ العذاب عنكم؛ إن أراد الله بكم سوءًا؟! فما الكافرون إلا في خِدَاعٍ وضلالٍ عظيم، وجهلٍ تامّ.

[21] ﴿أَمَّنۡ هَٰذَا ٱلَّذِي يَرۡزُقُكُمۡ إِنۡ أَمۡسَكَ رِزۡقَهُۥۚ بَل لَّجُّواْ فِي عُتُوّٖ وَنُفُورٍ 21﴾:

بل أَخْبِروني -أيها الكافرون- مَنْ هذا الذي يزعُمُ أنه يستطيع أن يمُدَّكم بالرزقِ إذا أراد الله أن يَحْبِسَهُ عنكم؟! لقد تمادى الكافرون في الجدالِ بالباطل، وفي الاستكبارِ والطغيان، والابتعادِ عن الهداية، ولم يعتبِروا بما حصَلَ للأمم من قبلهم، ولم يتفكَّروا في نجاتهم؛ لأنهم غارقون في الجهلِ والكبرياء.

[22] ﴿أَفَمَن يَمۡشِي مُكِبًّا عَلَىٰ وَجۡهِهِۦٓ أَهۡدَىٰٓ أَمَّن يَمۡشِي سَوِيًّا عَلَىٰ صِرَٰطٖ مُّسۡتَقِيمٖ 22﴾:

ثم ضرَبَ جل في علاه مَثَلًا لأهلِ الكفر وأهلِ الإيمان، وأهلِ الباطل وأهلِ الحقِّ، فقال سبحانه: أفمَنْ يمشي منكَّسًا على وجهه، غارقًا في ظلمات الجهلِ والغرور، أحسَنُ وأفضَلُ ممن يسيرُ مستنيرًا بالوحي على صراطِ اللهِ المستقيمِ الواضحِ الذي لا اعوجاجَ فيه؟! قال قتادةُ: (الكافر أكَبَّ على المعاصي في الدنيا، فحشَرَهُ الله على وجهِهِ في الآخرةِ في النار، والمؤمِنُ استقام على أمرِ الله في الدنيا، فَحُشِرَ على قدمَيْهِ إلى الجنَّة).

[23] ﴿قُلۡ هُوَ ٱلَّذِيٓ أَنشَأَكُمۡ وَجَعَلَ لَكُمُ ٱلسَّمۡعَ وَٱلۡأَبۡصَٰرَ وَٱلۡأَفۡـِٔدَةَۚ قَلِيلٗا مَّا تَشۡكُرُونَ 23﴾:

قل -أيها النبي- لهؤلاء المشركين: اعلموا أن الله هو الذي أوجَدَكم بعد العدَم، وجعَلَكم مكتملي البِنْيةِ والمدارك، وجعَلَ لكم السمعَ لتسمعوا به، والأبصارَ لتبصروا بها، والقلوبَ لتعقلوا بها، ولكنكم قليلًا ما تشكُرُونَ الله الذي أنعَمَ عليكم بهذه النعم.

[24] ﴿قُلۡ هُوَ ٱلَّذِي ذَرَأَكُمۡ فِي ٱلۡأَرۡضِ وَإِلَيۡهِ تُحۡشَرُونَ 24﴾:

وقل -أيها النبي- لهؤلاء المشركين أيضًا: إن الله هو الذي خلَقَكم وبثَّكم ونشَرَكم في الأرض، وهو الذي يُعِيدُكم إليه مرَّةً أخرى يوم البعثِ والنشور؛ ليحاسِبَكم على أعمالكم، ويجازيكم عليها.

[25] ﴿وَيَقُولُونَ مَتَىٰ هَٰذَا ٱلۡوَعۡدُ إِن كُنتُمۡ صَٰدِقِينَ 25﴾:

ثم أخبَرَ سبحانه أن الكافرين يقولون استهزاءً واستبعادًا: متى سيتحقَّقُ هذا الوعدُ بالحَشْر؟! أَخْبِرونا بموعده إن كنتم صادقين فيما تقولون.

[26] ﴿قُلۡ إِنَّمَا ٱلۡعِلۡمُ عِندَ ٱللَّهِ وَإِنَّمَآ أَنَا۠ نَذِيرٞ مُّبِينٞ 26﴾:

فقل لهم –أيها النبي-: إنَّ العلمَ بوقتِ قيامِ الساعةِ قد اختَصَّ الله به وحده، وليس مما كُلِّفْتُ ببيانه، إنما مهمتي هي النِّذَارةُ والتخويفُ وإيضاحُ ما ينتظركم من عذاب الله؛ إنْ بقيتم على كفركم.

[27] ﴿فَلَمَّا رَأَوۡهُ زُلۡفَةٗ سِيٓـَٔتۡ وُجُوهُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَقِيلَ هَٰذَا ٱلَّذِي كُنتُم بِهِۦ تَدَّعُونَ 27﴾:

فلما رأى الكفَّارُ الوعدُ الذي سألوا عنه -وهو عذابُ الله- قريبًا منهم، ظهَرَتِ الذِّلَّةُ والكآبةُ على وجوههم، ثم قيل لهم على وجه التوبيخ والتأنيب: هذا هو الوعدُ الذي كنتم تُنْكِرونه وتستبعدونه، وكنتم تتعجَّلون وقوعه في الدنيا على وجهِ العنادِ والاستكبارِ والتحدِّي، بل وتستهزئون بمن يحذِّركم منه.

[28] ﴿قُلۡ أَرَءَيۡتُمۡ إِنۡ أَهۡلَكَنِيَ ٱللَّهُ وَمَن مَّعِيَ أَوۡ رَحِمَنَا فَمَن يُجِيرُ ٱلۡكَٰفِرِينَ مِنۡ عَذَابٍ أَلِيمٖ 28﴾:

قل -أيها النبي- لهؤلاء الكفار: أَخْبِروني إذا أماتني الله ومَنْ معي من المؤمنين، أو رَحِمَنا بفضلِهِ وإحسانِهِ، فأخَّر آجالَنَا ورزَقَنا النصرَ عليكم، وصرَفَ عنَّا عذابه؛ فمَنِ الذي يستطيعُ أن يَحْمِيَكم ويَمْنَعَكم مِن عذابِ اللهِ الأليمِ الموجعِ؛ إذا أراد أن يُنْزِله بكم؟!

[29] ﴿قُلۡ هُوَ ٱلرَّحۡمَٰنُ ءَامَنَّا بِهِۦ وَعَلَيۡهِ تَوَكَّلۡنَاۖ فَسَتَعۡلَمُونَ مَنۡ هُوَ فِي ضَلَٰلٖ مُّبِينٖ 29﴾:

وقل -أيها النبي- لهؤلاء الجاحدين: لقد صدَّقنا بالرحمنِ الذي دعَوْتُكم لعبادتِهِ؛ لتَسْلَموا من عقابه، وعَمِلْنا بشرعه، وأطعناه، وعليه وحده اعتمَدْنا وفوَّضْنا جميع أمورنا؛ فإن لم تستجيبوا وتؤمنوا به، فستعلمون عاجلًا أو آجلًا إذا نزَلَ عذاب الله؛ مَنِ الذي كان على الحقِّ، وعلى الطريق المستقيم؛ نحن أم أنتم؟! وهذا تهديدٌ ووعيدٌ لكلِّ مَنْ كفَرَ وأشرَكَ بالله.

[30] ﴿قُلۡ أَرَءَيۡتُمۡ إِنۡ أَصۡبَحَ مَآؤُكُمۡ غَوۡرٗا فَمَن يَأۡتِيكُم بِمَآءٖ مَّعِينِۭ 30﴾:

وقل -أيها النبي- لهؤلاء المشركين: ما رأيكم إنْ يَبِسَتْ آبارُكم وأنهارُكم، وليس في قعرِ الأرضِ أيُّ شَرْبةِ ماء؛ فمَنْ غيرُ اللهِ يأتيكم بماءٍ جارٍ على وجهِ الأرض؛ ليَسْقِيَكم؛ فيُدِرَّ به الضَّرْع، ويَسْقِيَ به الزَّرْع، وخَصَّ الماء؛ لأنه لا حياةَ بدونه، وهنا يقولُ المؤمنون: إنما يأتي به اللهُ إن شاء.

سورة القلم

سورةُ القلَمِ مكيَّةٌ، وآياتها ثنتانِ وخمسونَ آية.

[1] ﴿نٓۚ وَٱلۡقَلَمِ وَمَا يَسۡطُرُونَ 1﴾:

سبَقَ الكلامُ على الحروف المقطَّعة في أول سورة البقرة. ثم أقسَمَ جل وعلا بالقلَمِ الذي سُمِّيَتْ به هذه السورةُ، والقلَمُ: اسمُ جنسٍ يعُمُّ جميعَ الأقلامِ التي تُسَطَّرُ بها الكُتُبُ، وله جل وعلا أن يُقسِمَ بما شاء مِن خلقه، أما البشَرُ، فيحرُمُ عليهم القسَمُ بغير الله؛ إذْ لا شيء أعظَمُ منه جل وعلا، وهذا القسَمُ فيه تشريفٌ وتعظيمٌ وتكريمٌ للقلَم.

[2] ﴿مَآ أَنتَ بِنِعۡمَةِ رَبِّكَ بِمَجۡنُونٖ 2﴾:

ثم جاء جوابُ القسَمِ بقوله سبحانه: ما أنت؛ أيها النبي -بسببِ فضلِ اللهِ ونعمتِهِ عليك بحملِ الرسالةِ والنُّورِ- بضعيفِ العقل، ولا سفيهِ الرأي.

[3] ﴿وَإِنَّ لَكَ لَأَجۡرًا غَيۡرَ مَمۡنُونٖ 3﴾:

وإنَّ لك لأجرًا عظيمًا ودرجةً عاليةً عند الله ليس فيه لأحدٍ مِنَّةٌ عليك؛ وذلك بسببِ ما تلاقيه مِن شدائدَ في تبليغِ الرسالةِ والدعوة.

[4] ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٖ 4﴾:

ثم بيَّن سبحانه أن نبيه ﷺ على خُلُقٍ عظيم؛ وهذه شهادةٌ وتزكيةٌ مِن الله له ﷺ، وقد سُئِلَتْ أمُّ المؤمنين عائشةُ رضي الله عنها عن خُلُقِ النبيِّ ﷺ، فقالت: «كَانَ خُلُقُهُ القُرْآنَ»([2]). [2] أخرجه مسلم (746).

[5] ﴿فَسَتُبۡصِرُ وَيُبۡصِرُونَ 5﴾:

ثم بشَّر سبحانه نبيه ﷺ أنه عما قريبٍ سوف يَرَى هو ويَرَى مشركو مكَّةَ بأبصارهم أيكم الذي على حق والذي على باطل.

[6] ﴿بِأَييِّكُمُ ٱلۡمَفۡتُونُ 6﴾:

وحينها سوف تعلمون يا أهل مكة أيُّكم الذي أُصِيبَ بالخَبَال؟! قال مقاتِلٌ: هذا وعدٌ ووعيدٌ بعذابهم في بَدْر.

[7] ﴿إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعۡلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِۦ وَهُوَ أَعۡلَمُ بِٱلۡمُهۡتَدِينَ 7﴾:

ثم بيَّن سبحانه أنه هو وحدَهُ أعلمُ بمَنْ سلَكَ طريقَ الضلالِ والغَوَايةِ المؤدِّيَ إلى سَخَطِ الله، وهو أيضًا أعلَمُ بمَنْ سلَكَ طريقَ الهدايةِ وطريقَ الفائزين.

[8] ﴿فَلَا تُطِعِ ٱلۡمُكَذِّبِينَ 8﴾:

ولا تُطِعْ -أيها النبي- هؤلاءِ الكافرين المكذِّبين بآياتِ اللهِ ورسله، واثبُتْ على ما أنت عليه مِن الحقِّ الواضحِ البيِّن، ومع أنه ﷺ معصومٌ مِن الاستجابةِ لطَلَبهم، إلا أن الله قال له ذلك؛ تعليمًا للأمَّةِ والدعاةِ منهم.

[9] ﴿وَدُّواْ لَوۡ تُدۡهِنُ فَيُدۡهِنُونَ 9﴾:

ثم بيَّن سبحانه أن هؤلاءِ الكافرين يَوَدُّونَ لو تَلِينُ لهم؛ فلا تذكُرْ أنهم على باطل؛ وحينئذٍ سوف لا يناصبونَكَ العداء، ولا يَكِيلُونَ لك الاتِّهاماتِ بالجنونِ وغيره، قال بعض العلماء: الادِّهانُ هو: أن تتنازَلَ عن شيءٍ من أمورِ دِينِكَ لأجلِ دنياك، وهو خلافُ المداراةِ: وهي أن تتنازَلَ عن شيءٍ مِن أمورِ دنياك لأجلِ دينك، وقال بعضهم: المداهَنةُ: هي السكوتُ على المنكَرِ مع القُدْرةِ على تغييره؛ استجلابًا لمودَّةِ المأمورِ أو لأمورٍ أخرى.

[10] ﴿وَلَا تُطِعۡ كُلَّ حَلَّافٖ مَّهِينٍ 10﴾:

ثم ذكَرَ جل وعلا صفاتِ هذا المفاوِضِ للرسولِ ﷺ، ونهاه أن يتَّصِفَ بمثلِها فقال سبحانه: لا تُطِعْ -أيها النبي- مَنْ كان مِن صفاته: أنه كثيرُ الحَلِفِ، كذَّابٌ حقير.

[11] ﴿هَمَّازٖ مَّشَّآءِۭ بِنَمِيمٖ 11﴾:

ومِن صفاته: أنه مغتابٌ للناس، يمشي بينهم بالنميمة.

[12] ﴿مَّنَّاعٖ لِّلۡخَيۡرِ مُعۡتَدٍ أَثِيمٍ 12﴾:

ومِن صفاته: أنه بخيلٌ بالنفقة، متجاوِزٌ حدَّه في الاعتداء على الناس.

[13] ﴿عُتُلِّۭ بَعۡدَ ذَٰلِكَ زَنِيمٍ 13﴾:

ومِن صفاته: أنه كثيرُ الآثام، شديدٌ في كُفْره، فاحشٌ لئيم، وبعد كلِّ هذه الصفاتِ الذميمةِ ففي نَسَبِهِ رِيبة، يعني: تجمَّعَتْ فيه كلُّ صفات المكر والسوء.

[14] ﴿أَن كَانَ ذَا مَالٖ وَبَنِينَ 14﴾:

ثم بيَّن سبحانه أنه لأجلِ أنْ كان ذا مالٍ وثَرَاءٍ وبنينَ حمَلَهُ الشعورُ بالغنى على التكذيبِ بآيات الله.

[15] ﴿إِذَا تُتۡلَىٰ عَلَيۡهِ ءَايَٰتُنَا قَالَ أَسَٰطِيرُ ٱلۡأَوَّلِينَ 15﴾:

ثم بيَّن سبحانه أنه إذا قُرئَتْ على هذا المفاوِضِ آياتُ القرآن، يقولُ: ما هذه إلا قِصَصُ وحكاياتُ وخُرَافاتُ الأقوامِ السابقين.

[16] ﴿سَنَسِمُهُۥ عَلَى ٱلۡخُرۡطُومِ 16﴾:

ثم أخبَرَ سبحانه أنه مع كلِّ هذه الصفاتِ الشنيعةِ سوف يجعلُ لهذا الكافرِ علامةً على أنفِهِ يُعَيَّرُ بها طِيلَةَ حياته، وقد تمَّ ذلك في بَدْر.

[17] ﴿إِنَّا بَلَوۡنَٰهُمۡ كَمَا بَلَوۡنَآ أَصۡحَٰبَ ٱلۡجَنَّةِ إِذۡ أَقۡسَمُواْ لَيَصۡرِمُنَّهَا مُصۡبِحِينَ 17﴾:

ثم أخبَرَ جل وعلا أنه اختبَرَ أهلَ مكَّةَ بالجُوعِ والقَحْطِ بسببِ كُفْرِهم بنعمِ الله وتكذيبهم بمحمَّد ﷺ، كما اختبَرَ سبحانه مِنْ قبلُ أصحابَ الحديقةِ الذين تواطؤوا على حِرْمانِ الفقراء؛ وذلك حين حلفوا أن يَقْطِفوا ثمارَ حديقتهم في الصباحِ الباكرِ قبل أن يأتيهم الفقراءُ والمساكينُ؛ ليعطيهم مالكُ الحديقةِ ما اعتادوا أن يأخذوه كلَّ عام.

[18] ﴿وَلَا يَسۡتَثۡنُونَ 18﴾:

وقد بيَّن سبحانه أنهم لم يستثنوا في قولهم فيقولوا: (إنْ شاء الله). وقصَّةُ أصحابِ الجَنَّةِ: أن أباهم كان رجلًا صالحًا، وكانت عنده حديقةٌ، فكان إذا أثمَرَتْ يقسِّمُ الثمرةَ إلى ثلاثةِ أقسام: قِسْمٌ له ولأسرته، وقسمٌ لاحتياجاتِ المَزْرَعة، وقسمٌ للفقراءِ والمساكين، فلما مات، قال أبناؤه: لا نعطي الفقراء؛ فعاقبهم الله على سُوءِ نيَّتهم وفعلهم.

[19] ﴿فَطَافَ عَلَيۡهَا طَآئِفٞ مِّن رَّبِّكَ وَهُمۡ نَآئِمُونَ 19﴾:

ثم بيَّن سبحانه أنه أنزَلَ على حديقتهم نارًا أحرَقَتْها وأبادَتْها ليلًا، وهم نائمون.

[20] ﴿فَأَصۡبَحَتۡ كَٱلصَّرِيمِ 20﴾:

وبين سبحانه أنها أصبَحَتْ سوداءَ كالليل الأسوَدِ المظلِمِ شديدِ السواد.

[21] ﴿فَتَنَادَوۡاْ مُصۡبِحِينَ 21﴾:

ولما طلَعَ الصبحُ، نادى أصحاب الحديقة بعضُهم بعضًا.

[22] ﴿أَنِ ٱغۡدُواْ عَلَىٰ حَرۡثِكُمۡ إِن كُنتُمۡ صَٰرِمِينَ 22﴾:

وقالوا: هيَّا اخرُجُوا مبكِّرِينَ إلى حديقَتِكُمْ لأخذِ ثَمَرَتِها قبلَ مجيءِ الفقراءِ والمساكين؛ إن كنتم حريصين.

[23] ﴿فَٱنطَلَقُواْ وَهُمۡ يَتَخَٰفَتُونَ 23﴾:

فانطَلَقُ أصحاب الحديقة قاصِدِينَ حديقتهم، وهم يتهامَسُونَ بصوتٍ منخفِضٍ؛ لئلا يشعُرَ بهم أحدٌ.

[24] ﴿أَن لَّا يَدۡخُلَنَّهَا ٱلۡيَوۡمَ عَلَيۡكُم مِّسۡكِينٞ 24﴾:

وكان يقول بعضهم لبعض: احذروا أن يدخُلُ هذا البستانَ اليومَ عليكم أحدٌ مِن المساكينِ أو الفقراء.

[25] ﴿وَغَدَوۡاْ عَلَىٰ حَرۡدٖ قَٰدِرِينَ 25﴾:

ثم أخبَرَ سبحانه أنهم بكَّروا صباحًا على قَصْدِهم السيِّئِ، جازمين بقُدْرَتِهم على تنفيذِ ما عزموا عليه.

[26] ﴿فَلَمَّا رَأَوۡهَا قَالُوٓاْ إِنَّا لَضَآلُّونَ 26﴾:

فلما وصلوا إلى حديقتهم، ورأَوْها قد احترَقَتْ، أنكروها، وقالوا: لقد ضلَلْنا الطريق، وهذه ليست حديقَتَنَا.

[27] ﴿بَلۡ نَحۡنُ مَحۡرُومُونَ 27﴾:

ثم لما تأمَّلوا، علموا أنها حديقتهم، وأن اللهَ عاقَبَهم؛ فقالوا: إنها حديقتُنَا، ولكنَّا قد حُرِمْناها، وحُرِمْنا ثَمَرَها؛ بسببِ عَزْمِنا على منعِ المساكينِ مِن خيرها.

[28] ﴿قَالَ أَوۡسَطُهُمۡ أَلَمۡ أَقُل لَّكُمۡ لَوۡلَا تُسَبِّحُونَ 28﴾:

فقال أعقَلُهم: ألم أقُلْ لكم: اتقوا الله، ولا تَحْرِموا الفقراءَ نصيبَهُمْ، ونزِّهوا الله عما لا يليق به.

[29] ﴿قَالُواْ سُبۡحَٰنَ رَبِّنَآ إِنَّا كُنَّا ظَٰلِمِينَ 29﴾:

وحينئذٍ قالوا: تنزيهًا وتقديسًا لربِّنا وخالقنا، إنا كنا مجاوِزِينَ لحدِّنا، ولكنْ بعد أن فات الأوان.

[30] ﴿فَأَقۡبَلَ بَعۡضُهُمۡ عَلَىٰ بَعۡضٖ يَتَلَٰوَمُونَ 30﴾:

ثم أقبَلَ بعضُهم يلومُ بعضًا تحسُّرًا وندامةً على ما فعلوه.

[31] ﴿قَالُواْ يَٰوَيۡلَنَآ إِنَّا كُنَّا طَٰغِينَ 31﴾:

ثم قالوا: يا ويلَنَا ويا هلاكَنَا، إنا كنا متجاوِزِينَ حدودَ الله بعَزْمِنا حِرْمانَ المساكين مِن حقِّهم.

[32] ﴿عَسَىٰ رَبُّنَآ أَن يُبۡدِلَنَا خَيۡرٗا مِّنۡهَآ إِنَّآ إِلَىٰ رَبِّنَا رَٰغِبُونَ 32﴾:

فنَدِموا وتابوا ورجَوُا الله أن يَغْفِرَ لهم، فقالوا: عسى ربُّنا أن يعطينا خيرًا مِن هذه الحديقةِ، إنا إلى ربِّنا راجعون وطالبون منه الخيرَ والعفوَ والعافية.

[33] ﴿كَذَٰلِكَ ٱلۡعَذَابُۖ وَلَعَذَابُ ٱلۡأٓخِرَةِ أَكۡبَرُۚ لَوۡ كَانُواْ يَعۡلَمُونَ 33﴾:

ثم أخبَرَ جل وعلا أنه بمِثْلِ هذا العذابِ الدنيويِّ الذي أنزله على أصحابِ الحديقةِ يُعَذِّبُ كلَّ مَنْ خالف أمرَ الله وعصاه، ولم يؤدِّ حقَّ الله فيما أعطاه الله، ولَعَذَابُ الآخرةِ أكبَرُ وأشَدُّ مِن عذاب الدنيا، ولكنهم لا يعلمون.

[34] ﴿إِنَّ لِلۡمُتَّقِينَ عِندَ رَبِّهِمۡ جَنَّٰتِ ٱلنَّعِيمِ 34﴾:

واعلموا أن الله أعدَّ للمتقين الذين يجعلون بينه وبين عذابِهِ وقايةً -بتوحيده، وفعل أوامره، واجتناب نواهيه- جناتِ النعيم، فيها ما لا عَيْنٌ رأت، ولا أُذُنٌ سَمِعَتْ، ولا خطَرَ على قَلْب بَشَر.

[35] ﴿أَفَنَجۡعَلُ ٱلۡمُسۡلِمِينَ كَٱلۡمُجۡرِمِينَ 35﴾:

ثم قال جل وعلا على سبيلِ الاستنكار: أفنجعَلُ المسلمين الصادقين كالكافرين المشركين؟!

[36] ﴿مَا لَكُمۡ كَيۡفَ تَحۡكُمُونَ 36﴾:

وقال سبحانه: ما لكم كيف تحكُمُونَ -أيها المشرِكونَ- هذا الحُكْمَ الأعوجَ الجائر؟! وذلك أن مشركي مكَّةَ قالوا: إنْ كان هناك آخرةٌ وبَعْثٌ، فلن يكونَ محمَّدٌ وأتباعه أحسَنَ منا حالًا، وعلى أسوأ الأحوال: فسوف نتساوى معهم؛ هكذا غرَّهم الغرورُ، وسوَّلت لهم أنفسهم.

[37] ﴿أَمۡ لَكُمۡ كِتَٰبٞ فِيهِ تَدۡرُسُونَ 37﴾:

ثم وبَّخهم جل وعلا على كَذِبهم وافترائهم، فقال سبحانه: هل لكم -أيها المجرمون- كتابٌ أُنزِلَ عليكم قرأتموه ووجَدتُّمْ فيه أن المسلِمَ كالمشرِكِ المجرِم؟!

[38] ﴿إِنَّ لَكُمۡ فِيهِ لَمَا تَخَيَّرُونَ 38﴾:

وهل وجَدتُّمْ في ذلك الكتابِ أنَّ لكم ما تختارونه وتريدونه؟!

[39] ﴿أَمۡ لَكُمۡ أَيۡمَٰنٌ عَلَيۡنَا بَٰلِغَةٌ إِلَىٰ يَوۡمِ ٱلۡقِيَٰمَةِ إِنَّ لَكُمۡ لَمَا تَحۡكُمُونَ 39﴾:

أم أخذتم علينا عهودًا ومواثيقَ وأيمانًا -لا نخرُجُ منها إلى يوم القيامة- فيها أنَّ لكم ما تختارون وما تشتهون؟!

[40] ﴿سَلۡهُمۡ أَيُّهُم بِذَٰلِكَ زَعِيمٌ 40﴾:

فسَلْ -أيها النبي- هؤلاء المشركين: مَنِ الذي تكفَّل والتزَمَ لهم بهذا الحُكْمِ وضَمِنَهُ لهم يوم القيامة؟!

[41] ﴿أَمۡ لَهُمۡ شُرَكَآءُ فَلۡيَأۡتُواْ بِشُرَكَآئِهِمۡ إِن كَانُواْ صَٰدِقِينَ 41﴾:

أم أن آلهتهم تكفَّلت لهم بما يقولون: أن المسلمين كالمجرِمِينَ يوم القيامة؟! فليأتوا بهؤلاءِ الشركاءِ إن كانوا صادقين في زَعْمهم ودعواهم.

[42] ﴿يَوۡمَ يُكۡشَفُ عَن سَاقٖ وَيُدۡعَوۡنَ إِلَى ٱلسُّجُودِ فَلَا يَسۡتَطِيعُونَ 42﴾:

وأخبِرْ -أيها النبي- هؤلاء المشرِكينَ عن مجيءِ اللهِ يومَ القيامةِ؛ للفصلِ بين عباده، ومجازاتهم على أعمالهم، وأنه سبحانه يَكْشِفُ عن ساقِهِ الكريمةِ التي لا يُشْبِهُها شيء، ثم يُدْعَى الخلقُ للسجودِ له، فيسجُدُ المؤمنون الذين كانوا يسجُدُونَ لله طوعًا واختيارًا في الدنيا، أمَّا الكفَّارُ والمنافقون: فإنهم يحاوِلونَ السجودَ، فلا يستطيعون؛ لأنَّ ظهورهم تكونُ يابسةً لامتناعهم عن السجودِ لله في الدنيا، يقولُ ﷺ: «يَكْشِفُ ربُّنا عن ساقِهِ، فيسجُدُ له كلُّ مؤمنٍ ومؤمنةٍ، فيَبْقَى كلُّ مَنْ كان يسجُدُ في الدنيا رياءً وسُمْعةً، فيَذْهَبُ لِيَسْجُدَ، فيعودُ ظهرُهُ طَبَقًا واحدًا»([3]). [3] أخرجه البخاري (4919)، عن أبي سعيد رضي الله عنه.

[43] ﴿خَٰشِعَةً أَبۡصَٰرُهُمۡ تَرۡهَقُهُمۡ ذِلَّةٞۖ وَقَدۡ كَانُواْ يُدۡعَوۡنَ إِلَى ٱلسُّجُودِ وَهُمۡ سَٰلِمُونَ 43﴾:

ثم أخبَرَ جل وعلا عن هؤلاء المشرِكينَ بأن أبصارَهُمْ يومَ القيامةِ تكونُ خاشعةً لا تَطْرِفُ مِن شدَّةِ الخوفِ والهولِ، تغشاهم ذِلَّةٌ ومهانةٌ، وقد كانوا يُدْعَوْنَ إلى السجودِ في الدنيا وهم سالمونَ معافَوْنَ؛ فكانوا يتكبَّرون ويستهزئون؛ فعوقبوا بعدَمِ قُدْرَتِهم على السجودِ في الآخرة.

[44] ﴿فَذَرۡنِي وَمَن يُكَذِّبُ بِهَٰذَا ٱلۡحَدِيثِۖ سَنَسۡتَدۡرِجُهُم مِّنۡ حَيۡثُ لَا يَعۡلَمُونَ 44﴾:

ثم طلَبَ جل وعلا مِن نبيِّه محمَّدٍ ﷺ أن يترُكَ هؤلاءِ المكذِّبين بهذا القرآن، ولا ينشغِلَ بهم ولا يحزَنَ عليهم، وأخبَرَهُ سبحانه أنه سيتولَّى مجازاتَهُمْ بما يستحقُّون بعد أن أمدَّهم سبحانه بالأموالِ والأولادِ استدراجًا لهم في الدنيا مِن حيثُ لا يعلمون أنَّ هذا الاستدراجَ سببٌ لإهلاكهم.

[45] ﴿وَأُمۡلِي لَهُمۡۚ إِنَّ كَيۡدِي مَتِينٌ 45﴾:

ثم أخبَرَ سبحانه نبيه ﷺ أنه سوف يُمْهِلُهم حتى يزدادوا إثمًا وطغيانًا، ثم يأخُذُهم أخذَ عزيزٍ مقتدِر، ثم بيَّن سبحانه أن هذا الإمهالَ شكلٌ من أشكالِ كَيْدِهِ القويِّ الشديد، وفرصةٌ لمن تاب وندم.

[٤٦] ﴿أَمۡ تَسۡـَٔلُهُمۡ أَجۡرٗا فَهُم مِّن مَّغۡرَمٖ مُّثۡقَلُونَ 46﴾:

أم تسأل -أيها النبي- هؤلاءِ المشركين أجرًا دنيويًّا على دعوتك لهم فيُثْقِلَهم ذلك؛ ولهذا السببِ أعرضوا عن دعوتك خوفًا من أن يتكلَّفوا ما لا يطيقون؟!

[47] ﴿أَمۡ عِندَهُمُ ٱلۡغَيۡبُ فَهُمۡ يَكۡتُبُونَ 47﴾:

أم أن هؤلاء المشركين عندهم علمَ الغيبِ، فهم مطَّلعون عليه وينقُلُونَ عنه بأنهم لن يعذَّبوا على كُفْرهم وشِرْكهم؟!

[48] ﴿فَٱصۡبِرۡ لِحُكۡمِ رَبِّكَ وَلَا تَكُن كَصَاحِبِ ٱلۡحُوتِ إِذۡ نَادَىٰ وَهُوَ مَكۡظُومٞ 48﴾:

فاصبِرْ -أيها النبي- على أذى هؤلاء المشركين، واستمِرَّ في دعوتك، ولا تكُنْ كصاحبِ الحُوتِ، وهو يُونُسُ عليه السلام الذي ضَجِرَ مِن قومِهِ بعد أن بذَلَ جهده في دعوتهم، فلما ظنَّ -بسببِ إصرارِهم على الكُفْرِ، ويأسِهِ مِن إيمانهم- أن العقوبةَ ستقَعُ بهم، انطلَقَ إلى البحر لِيَرْكَبَ حتى يَسْلَمَ من مشاهَدةِ النَّكْبةِ إذا حلَّت بقومه، ولم ينتظِرِ الإذنَ مِن الله؛ ولهذا عاقبه الله بأن التقمَهُ الحُوت، ثم استغاث بالله وهو مغمومٌ مكروبٌ؛ فقال: ﴿لَّآ إِلَٰهَ إِلَّآ أَنتَ سُبۡحَٰنَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ ٱلظَّٰلِمِينَ﴾ [الأنبياء:87].

[49] ﴿لَّوۡلَآ أَن تَدَٰرَكَهُۥ نِعۡمَةٞ مِّن رَّبِّهِۦ لَنُبِذَ بِٱلۡعَرَآءِ وَهُوَ مَذۡمُومٞ 49﴾:

ولولا أنَّ الله تدارَكَ عبدَهُ يُونُسَ عليه السلام بأنْ رَحِمَهُ وقَبِلَ توبته، لَطُرِحُ من بطنِ الحُوتِ في الأرضِ الفضاءِ الخاليةِ الواسعةِ التي ليس فيها جبل ولا شجر يستر، وهو ملامٌ على ما حصَلَ منه، ولكنَّ الله برحمته أمَرَ الحُوتَ بإلقائه، وهو غير ملامٌ، وأنبَتَ عليه شجرةً من يَقْطِينٍ تُظِلُّه.

[50] ﴿فَٱجۡتَبَٰهُ رَبُّهُۥ فَجَعَلَهُۥ مِنَ ٱلصَّٰلِحِينَ 50﴾:

ثم أخبر سبحانه أنه اصطفى عبده يونس عليه السلام لرسالتِهِ، وجعَلَهُ من الصالحين، وأعاده إلى قومِهِ، فوجَدَهم نادمين على ما فعلوه معه، ثم استجابوا وأسلموا، فسَلِموا.

[51] ﴿وَإِن يَكَادُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَيُزۡلِقُونَكَ بِأَبۡصَٰرِهِمۡ لَمَّا سَمِعُواْ ٱلذِّكۡرَ وَيَقُولُونَ إِنَّهُۥ لَمَجۡنُونٞ 51﴾:

واعلَمْ -أيها النبي- أن هؤلاء المشركين عند سماعهم للقرآنِ كادوا أن يصيبوك بالعَيْنِ، حسدًا وحَنَقًا مِن عند أنفُسِهم، ولكنَّ الله حماك منهم، ويقولون: إنَّ هذا الرسولَ لمجنون، أي: لا عَقْلَ له، وما علموا أنهم هم الضالُّون.

[52] ﴿وَمَا هُوَ إِلَّا ذِكۡرٞ لِّلۡعَٰلَمِينَ 52﴾:

واعلموا –أيها الناس- أن هذا القرآنَ العظيم موعظةٌ وتذكيرٌ لكم جميعًا إنسكم وجنَّكم.

سورة الحاقَّة

سورةُ الحاقَّةِ مكيَّةٌ، وآياتها ثِنْتانِ وخمسون آية.

[1] ﴿ٱلۡحَآقَّةُ 1﴾:

بدأ سبحانه بذكر الحاقَّةُ: وهي اسمٌ مِن أسماءِ يومِ القيامة، وسُمِّيَتْ بذلك؛ لأنَّ مَجِيئَها ثابتٌ حقًّا.

[2] ﴿مَا ٱلۡحَآقَّةُ 2﴾:

ثم كرَّر سبحانه ذكر الحاقة؛ لهولِ الموقفِ وشدَّته وفظاعته.

[3] ﴿وَمَآ أَدۡرَىٰكَ مَا ٱلۡحَآقَّةُ 3﴾:

ثم وجَّه سبحانه الخطابَ لنبيه ﷺ، فقال: وما أدراك -أيها النبي- بأهوالِ يومِ القيامةِ التي مهما تخيَّلها متخيِّلٌ، فهي فوق ما يتخيَّل.

[4] ﴿كَذَّبَتۡ ثَمُودُ وَعَادُۢ بِٱلۡقَارِعَةِ 4﴾:

ثم بيَّن جل وعلا أحوالَ بعضِ الأممِ التي كذَّبتْ بيوم القيامة، وبيَّن ما ترتَّب على تكذيبهم مِن عذابٍ وانتقام، فأخبَرَ سبحانه بأن ثمودَ وهم قومُ صالح، وعادًا وهم قومُ هُودٍ، كذَّبوا بالقارعة التي هي يومُ القيامة، وسُمِّيَتْ بالقارعةِ؛ لأنها تَقْرَعُ القلوبَ.

[5] ﴿فَأَمَّا ثَمُودُ فَأُهۡلِكُواْ بِٱلطَّاغِيَةِ 5﴾:

ثم أخبَرَ جل وعلا أن ثمودَ أُهْلِكوا بالطاغية، وهو صوتٌ هائلٌ طاغٍ، وكانت منازلُ ثمودَ شمالَ الجزيرةِ العربية، وتسمَّى: الحِجْرَ، وما زالت آثارُهم وكتاباتُهم بالجبالِ التي نَحَتُوها وجعلوها قبورًا لموتاهم.

[6] ﴿وَأَمَّا عَادٞ فَأُهۡلِكُواْ بِرِيحٖ صَرۡصَرٍ عَاتِيَةٖ 6﴾:

ثم أخبَرَ جل وعلا أن عادًا أُهلِكوا بريحٍ قويَّةٍ عاصفةٍ شديدةِ البرودة.

[7] ﴿سَخَّرَهَا عَلَيۡهِمۡ سَبۡعَ لَيَالٖ وَثَمَٰنِيَةَ أَيَّامٍ حُسُومٗاۖ فَتَرَى ٱلۡقَوۡمَ فِيهَا صَرۡعَىٰ كَأَنَّهُمۡ أَعۡجَازُ نَخۡلٍ خَاوِيَةٖ 7﴾:

وبين سبحانه أنه سلط عليهم هذه الريحُ سبعَ ليالٍ، وثمانيةَ أيامٍ متتابِعة؛ فأهلكَتْهم حتى إنك لترى القومَ موتى كأنهم أصولُ نخلٍ منزوعةٍ بجذورِها من باطنِ الأرضِ.

[8] ﴿فَهَلۡ تَرَىٰ لَهُم مِّنۢ بَاقِيَةٖ 8﴾:

فهل ترى -أيها المخاطب- أحدًا بَقِيَ من قوم عاد بعد العذاب؟! وكانت منازلُ عادٍ بالرُّبْعِ الخالي بين نَجْرانَ والبحرِ العربي، وهم الذين بلغوا مِن القوَّةِ ما جعلهم يصابون بالغرورِ مثلَ أمريكا الآنَ، فأهلَكَهُمُ الله بهذا الهواءِ الذي يَحْمِلُ الأكسجينَ الذي تحيا به الأبدان: ﴿وَمَا يَعۡلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَۚ ﴾ [المدثر:31].

[9] ﴿وَجَآءَ فِرۡعَوۡنُ وَمَن قَبۡلَهُۥ وَٱلۡمُؤۡتَفِكَٰتُ بِٱلۡخَاطِئَةِ 9﴾:

ثم ذكَرَ سبحانه أن ممن عُوقِبَ: الطاغيةَ فِرْعَوْنَ؛ حيث جاء هو ومَنْ قبله مِن الأقوام، وقومُ لوط، جاؤوا بالأفعالِ الخاطئةِ من الكفرِ والشركِ والفواحشِ المنكَرة، وأفرَدَ سبحانه فرعونَ بالذِّكْرِ؛ لغرورِهِ واستكبارِهِ واستعبادِهِ لبني إسرائيل.

[10] ﴿فَعَصَوۡاْ رَسُولَ رَبِّهِمۡ فَأَخَذَهُمۡ أَخۡذَةٗ رَّابِيَةً 10﴾:

ثم بيَّن سبحانه أن جميعَ هؤلاءِ المجرمين عصَوْا رُسلَ الله التي أُرسِلَتْ إليهم، فأخَذَهم الله أَخْذةً عاليةً شديدة؛ ففرعونُ أغرَقَهُ الله وجنودَهُ في البحر، وقومُ لُوطٍ أرسَلَ الله عليهم حاصبًا، ثم اقتلَعَ قراهم، ثم جعَلَ عاليها سافلها؛ نظرًا لفعلهم الشنيع.

[11] ﴿إِنَّا لَمَّا طَغَا ٱلۡمَآءُ حَمَلۡنَٰكُمۡ فِي ٱلۡجَارِيَةِ 11﴾:

واذكروا -أيها الناس- ما جرى لقومِ نُوحٍ عليه السلام عندما أصرُّوا على الكفرِ والطغيان؛ كيف أن الله أغرَقَهُمْ بالطوفان، وأنجى سبحانه الذين آمنوا مع نُوحٍ حيث حَمَلَهم في السفينة التي صنَعَها نوحٌ بوحي من الله.

[12] ﴿لِنَجۡعَلَهَا لَكُمۡ تَذۡكِرَةٗ وَتَعِيَهَآ أُذُنٞ وَٰعِيَةٞ 12﴾:

ثم بيَّن سبحانه أنه جعَلَ هذه النعمةَ التي أنعَمَ بها على المؤمنين عِبْرةً وعظةً تحفظها الأجيالُ لِمَنْ بعدهم ليعتبروا.

[13] ﴿فَإِذَا نُفِخَ فِي ٱلصُّورِ نَفۡخَةٞ وَٰحِدَةٞ 13﴾:

واعلموا -أيها الناس- إذا نفَخَ المَلَكُ في البُوقِ النفخةَ الثانية.

[14] ﴿وَحُمِلَتِ ٱلۡأَرۡضُ وَٱلۡجِبَالُ فَدُكَّتَا دَكَّةٗ وَٰحِدَةٗ 14﴾:

وكذلك إذا رُفِعَتِ الأرضُ والجبالُ فحُطِّمتا ودُكَّتا دَكَّةً واحدة.

[15] ﴿فَيَوۡمَئِذٖ وَقَعَتِ ٱلۡوَاقِعَةُ 15﴾:

فإذا حصلت هذه الأمور العظيمة؛ فحينئذٍ تقع الواقعةُ، وهي يوم القيامة.

[16] ﴿وَٱنشَقَّتِ ٱلسَّمَآءُ فَهِيَ يَوۡمَئِذٖ وَاهِيَةٞ 16﴾:

وكذلك تتصدَّعُ السماءُ حتى تصيرَ ضعيفةً مسترخِيةً لا تماسُكَ فيها ولا صلابة، أي: أنَّ النفخةَ الثانيةَ هي إيذانٌ بالتغييرِ الكَوْني، والبَدْءِ بالتشكيلِ الكونيِّ الجديدِ الذي يتناسَبُ مع ما يريده الله صالحًا للحياةِ السرمديَّةِ التي تبدأ بهذه النَّفْخة.

[17] ﴿وَٱلۡمَلَكُ عَلَىٰٓ أَرۡجَآئِهَاۚ وَيَحۡمِلُ عَرۡشَ رَبِّكَ فَوۡقَهُمۡ يَوۡمَئِذٖ ثَمَٰنِيَةٞ 17﴾:

ثم بيَّن سبحانه أن الملائكة في ذلك اليومِ على جوانبِ السماءِ وأطرافِها؛ لتنفيذِ أوامر الله، ويَحْمِلُ عرشَ رِّبك -الذي هو فوقَ الكلِّ- يوم القيامةِ ثمانيةٌ مِن الملائكةِ العظام. قال الشيخ عبدالعزيز بن باز رحمه الله في قوله: ﴿وَيَحۡمِلُ عَرۡشَ رَبِّكَ فَوۡقَهُمۡ يَوۡمَئِذٖ ثَمَٰنِيَةٞ﴾: (يكونُ هذا يومَ القيامة، والمشهورُ أنه في الدنيا يَحْمِلُهُ أربعةُ أملاك)، وقال بعضهم: (إنَّ العرشَ معنويٌّ)؛ وهو خلافُ قولِ أهلِ السنَّةِ والجماعة؛ بل هو خلافُ قولِ الأنبياءِ والقرآن.

[18] ﴿يَوۡمَئِذٖ تُعۡرَضُونَ لَا تَخۡفَىٰ مِنكُمۡ خَافِيَةٞ 18﴾:

ثم بيَّن جل في علاه أن الناسَ في ذلك اليومِ سوف يُعرَضُونَ على الله للحسابِ والجزاء، لا يخفى عليه شيءٌ منهم، ولا مِن أسرارهم.

[١٩] ﴿فَأَمَّا مَنۡ أُوتِيَ كِتَٰبَهُۥ بِيَمِينِهِۦ فَيَقُولُ هَآؤُمُ ٱقۡرَءُواْ كِتَٰبِيَهۡ 19﴾:

ثم أخبَرَ جل وعلا أن مَنْ أوتي كتابه بيمينه، فإنه يقولُ على سبيلِ الفرَحِ والسرور: انظروا في كتابي واقرأوه.

[20] ﴿إِنِّي ظَنَنتُ أَنِّي مُلَٰقٍ حِسَابِيَهۡ 20﴾:

ثم يقول من شدة الفرح: واللهِ إني ظَنَنْتُ-أي: أيقَنْتُ- في الدنيا أني محاسَبٌ وموقوفٌ بين يدي الله.

[21] ﴿فَهُوَ فِي عِيشَةٖ رَّاضِيَةٖ 21﴾:

ثم بيَّن سبحانه أنه في عِيشَةٍ مَرْضيَّةٍ جامعةٍ لكلِّ الملاذّ.

[22] ﴿فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٖ 22﴾:

وبين سبحانه كذلك أنه في جنةٍ عاليةٍ مرتفعةِ المنازلِ والقصور.

[23] ﴿قُطُوفُهَا دَانِيَةٞ 23﴾:

وبين سبحانه أن ثمارُ أشجارِ الجنة اليانعةُ قريبةُ المتناوَل، سَهْلةُ القَطْفِ والأخذ.

[24] ﴿كُلُواْ وَٱشۡرَبُواْ هَنِيٓـَٔۢا بِمَآ أَسۡلَفۡتُمۡ فِي ٱلۡأَيَّامِ ٱلۡخَالِيَةِ 24﴾:

ثم يقالُ لهم -على وجه التكريم-: كلوا واشربوا -يا أهل الجنة- ما لَذَّ وطاب مِن طعامِ الجنَّةِ وشرابِها هنيئًا؛ بسببِ ما قدَّمتم من التوحيدِ والأعمالِ الصالحة في الأيامِ الماضيةِ في الحياة الدنيا.

[25] ﴿وَأَمَّا مَنۡ أُوتِيَ كِتَٰبَهُۥ بِشِمَالِهِۦ فَيَقُولُ يَٰلَيۡتَنِي لَمۡ أُوتَ كِتَٰبِيَهۡ 25﴾:

ثم أخبَرَ جل وعلا أن مَنْ أوتي كتابه بشماله، إذا رأى قبائحَ أعمالِهِ، فإنه يقول: يا ليتني لم أُعْطَ كتابي؛ لأن هذا دليلٌ على أني مستحِقٌّ للعذاب والنار.

[26] ﴿وَلَمۡ أَدۡرِ مَا حِسَابِيَهۡ 26﴾:

ويقولُ أيضًا: ويا ليتني لم أَعرِفْ شيئًا مِنْ حسابي، ولم أَدْرِ ما جزائي.

[27] ﴿يَٰلَيۡتَهَا كَانَتِ ٱلۡقَاضِيَةَ 27﴾:

ثم يقول: ويا ليتَ المَوْتةَ التي مِتُّها في الدنيا، كانت هي المَوْتةَ النهائيَّةَ، ولم أُبعَثُ بعدها.

[28] ﴿مَآ أَغۡنَىٰ عَنِّي مَالِيَهۡۜ 28﴾:

ثم يقولُ متحسِّرًا: ماذا استفدتُّ مِن مالي الذي جمعتُهُ في الدنيا؟! إنه لن يفديني، ولن يَدْفَعَ عني شيئًا مِن عذاب الله.

[29] ﴿هَلَكَ عَنِّي سُلۡطَٰنِيَهۡ 29﴾:

ويقول أيضًا: لقد أُسقِطَ في يدي، وذهَبَتْ حُجَّتي، ولن يَنْفَعَني اليومَ جنودٌ ولا مُلْكٌ، ولا مَنْصِبٌ، ولا جاه.

[30] ﴿خُذُوهُ فَغُلُّوهُ 30﴾:

ثم يقالُ لخَزَنةِ جهنَّمَ الغلاظِ الشِّدَادِ: خُذُوا هذا الكافرَ المجرِمَ، واجمعوا بين يدَيْهِ وعُنُقِهِ في الأغلال.

[31] ﴿ثُمَّ ٱلۡجَحِيمَ صَلُّوهُ 31﴾:

ويقال لهم أيضًا: ثم ألقوا هذا المجرم في نارِ جهنَّمَ؛ لِيَصْلَى حرَّها، ويقاسيَ عذابها.

[32] ﴿ثُمَّ فِي سِلۡسِلَةٖ ذَرۡعُهَا سَبۡعُونَ ذِرَاعٗا فَٱسۡلُكُوهُ 32﴾:

ثم اسلكوه في سلسلةٍ طُولها سبعون ذراعًا مِن سلاسلِ النارِ الشديدةِ الحرارةِ، قال سفيانُ: (إنها تدخُلُ في دُبُرِهِ وتخرُجُ مِن فَمِه)؛ نسأل الله السلامةَ والعافية.

[33] ﴿إِنَّهُۥ كَانَ لَا يُؤۡمِنُ بِٱللَّهِ ٱلۡعَظِيمِ 33﴾:

ثم بين سبحانه موجبُ هذا العذاب، فقال: إنه كان في الدنيا لا يعبُدُ الله وحده مخلِصًا له الدِّينَ، بل كان يُشرِكُ مع الله آلهةً أخرى.

[34] ﴿وَلَا يَحُضُّ عَلَىٰ طَعَامِ ٱلۡمِسۡكِينِ 34﴾:

وبيَّن سبحانه أنه لم تكنْ في قلبِهِ رحمةٌ للفقراءِ والمحتاجين؛ فلم يكنْ يُطْعِمُهم مِن ماله، ولم يكن يحُثُّ غيرَهُ على إطعامهم.

[35] ﴿فَلَيۡسَ لَهُ ٱلۡيَوۡمَ هَٰهُنَا حَمِيمٞ 35﴾:

ولهذه الأسباب بين سبحانه أنه ليس له اليومَ قريبٌ ينصُرُهُ ويساعِدُهُ، ولا مَنْ يدافِعُ عنه.

[36] ﴿وَلَا طَعَامٌ إِلَّا مِنۡ غِسۡلِينٖ 36﴾:

ثم بيَّن جل وعلا أنَّ هذا الكافر ليس له يومَ القيامةِ طعامٌ يأكُلُهُ في النار إلا ما يَسِيلُ مِن صديدِ أهلِ النارِ وقَيْحِهم، وورَدَ في آياتٍ أخرى: أن طعامَهُمُ الضريعُ وشجرةُ الزَّقُّوم.

[37] ﴿لَّا يَأۡكُلُهُۥٓ إِلَّا ٱلۡخَٰطِـُٔونَ 37﴾:

ثم بين سبحانه أنه هذا الطعام لا يأكله إلا الفاسقون المخطئون الضالُّونَ عن الصراطِ المستقيم، السالكون سبيلَ الجحيم؛ نسأل الله السلامة والعافية.

[38] ﴿فَلَآ أُقۡسِمُ بِمَا تُبۡصِرُونَ 38﴾:

ثم أقسَمَ جل وعلا بكلِّ شيء يُبصِرُهُ الخَلْق؛ كالسماءِ والأرضِ وغيرهما.

[39] ﴿وَمَا لَا تُبۡصِرُونَ 39﴾:

وأقسم سبحانه أيضًا بما لا يُبْصِرونه؛ كالملائكةِ والجِنِّ وغيرهما.

[40] ﴿إِنَّهُۥ لَقَوۡلُ رَسُولٖ كَرِيمٖ 40﴾:

وبين سبحانه أن هذا القرآنَ الذي بين أيديكم هو كلامُ الله، يتلوه عليكم رسولٌ عظيمُ الشرفِ والفضل، وهو محمَّدٌ ﷺ، تلقَّاه مِن رسولٍ كريمٍ، وهو جبريلُ عليه السلام.

[41] ﴿وَمَا هُوَ بِقَوۡلِ شَاعِرٖۚ قَلِيلٗا مَّا تُؤۡمِنُونَ 41﴾:

وبين سبحانه أن هذا القرآن ليس بقولِ شاعرٍ؛ كما تزعمون، ولكنكم لا تؤمنون به، والمؤمن به منكم قليل.

[42] ﴿وَلَا بِقَوۡلِ كَاهِنٖۚ قَلِيلٗا مَّا تَذَكَّرُونَ 42﴾:

وبين سبحانه أنه ليس بسَجْعٍ؛ كسَجْعِ الكُهَّانِ؛ كما يقول بعضكم، ولكنكم لا تتَّعظون وتعتبرون بآياته، والمتَّعِظُ به منكم قليل.

[43] ﴿تَنزِيلٞ مِّن رَّبِّ ٱلۡعَٰلَمِينَ 43﴾:

ثم بين سبحانه أن هذا القرآن كلامُ ربِّ العالمين أنزَلَهُ على رسولِهِ الأمينِ محمَّد ﷺ.

[44] ﴿وَلَوۡ تَقَوَّلَ عَلَيۡنَا بَعۡضَ ٱلۡأَقَاوِيلِ 44﴾:

واعلموا -أيها المشركون- لو أن محمدًا ﷺ افترى على اللهِ بعضَ الأقاويل -وحاشاه عن ذلك-.

[45] ﴿لَأَخَذۡنَا مِنۡهُ بِٱلۡيَمِينِ 45﴾:

فبين سبحانه أنه لو فعل ذلك لانتقَمَ الله منه شَرَّ انتقام، وأخَذَهُ سبحانه بشدَّةٍ وقوَّة.

[46] ﴿ثُمَّ لَقَطَعۡنَا مِنۡهُ ٱلۡوَتِينَ 46﴾:

وبين سبحانه أن من انتقام الله له أنه سيقطع منه نِيَاطَ قَلْبِهِ، وينهي حياته.

[47] ﴿فَمَا مِنكُم مِّنۡ أَحَدٍ عَنۡهُ حَٰجِزِينَ 47﴾:

ثم بين سبحانه أنه لن يستطيعَ أحدٌ منكم أن يَحْجُزَ عنه عقابَ الله، أو يدافِعَ عنه أو يَحْمِيَهُ.

[48] ﴿وَإِنَّهُۥ لَتَذۡكِرَةٞ لِّلۡمُتَّقِينَ 48﴾:

ثم أخبَرَ سبحانه أن هذا القرآنَ نورٌ وهدًى وتذكيرٌ للمتقين الذين يمتثلون أوامرَ الله، ويجتنبون نواهيه.

[49] ﴿وَإِنَّا لَنَعۡلَمُ أَنَّ مِنكُم مُّكَذِّبِينَ 49﴾:

ثم أخبَرَ جل وعلا أنه يَعْلَمُ أنَّ مِن الناسِ مَنْ يكذِّب بهذا القرآنِ مع وضوحِ آياته.

[50] ﴿وَإِنَّهُۥ لَحَسۡرَةٌ عَلَى ٱلۡكَٰفِرِينَ 50﴾:

ثم أخبَرَ سبحانه أن هذا القرآن الذي كذَّب به الكفار، سوف يكونُ حَسْرةً وندامةً عليهم.

[51] ﴿وَإِنَّهُۥ لَحَقُّ ٱلۡيَقِينِ 51﴾:

وأخبَرَ سبحانه أيضًا أن هذا القرآن حقٌّ ثابتٌ؛ لكونه صادرًا من الله الذي هو الحقُّ، ولا يصدُرُ منه إلا الحق.

[52] ﴿فَسَبِّحۡ بِٱسۡمِ رَبِّكَ ٱلۡعَظِيمِ 52﴾:

ثم ختَمَ جل وعلا السورةَ بأمرِ نبيَّه محمدٍ ﷺ أن يسبِّحَ اللهَ وينزِّهَهُ عما لا يليقُ بجلاله، وأن يقدِّسه بذكرِ أوصافِ الجَلَالِ والجَمَالِ والكَمَال، ولا شك أن كلَّ مَنِ اتَّبَعَ النبي ﷺ، فهو مأمورٌ بما أُمِرَ به.

سورة المعارج

سورةُ المعارِجِ مكيَّةٌ، وآياتها أربعٌ وأربعون آية.

[1] ﴿سَأَلَ سَآئِلُۢ بِعَذَابٖ وَاقِعٖ 1﴾:

أخبَرَ جل وعلا أنَّ أحدَ المشركين -الذين ينكرون البعثَ والحساب- سأل، أي: دعا على نفسِهِ وعلى قومِهِ أن يَنْزِلَ بهم العذابُ الذي توعَّد الله به الكافرين الذين أصرُّوا على كُفْرهم وجحودهم، قال ابن عبَّاس: (السائلُ هو النَّضِرُ بنُ الحارث)، فأخبَرَ سبحانه ردًّا على هذا المجرِمِ بأن هذا العذابَ واقعٌ على الكافرين لا شكَّ ولا ريبَ في ذلك؛ سواءٌ طُلِبَ ذلك أم لم يُطلَبْ.

[2] ﴿لِّلۡكَٰفِرِينَ لَيۡسَ لَهُۥ دَافِعٞ 2﴾:

ثم بين سبحانه أن هذا العذابُ واقع على هؤلاء الكفار، وأنه ليس له مانعٌ يمنعه مِن الله.

[3] ﴿مِّنَ ٱللَّهِ ذِي ٱلۡمَعَارِجِ 3﴾:

وبين سبحانه أن هذا العذاب الذي سيقع على الكفار أنه من الله ذي العلُوِّ والجلال والعظمة. وقد بين سبحانه أن بعضَ العذابِ وقَعَ على الكافرين في الدنيا؛ كإهلاكِ صناديدِ قريشٍ في معركةِ بَدْرٍ، ولكنَّ العذابَ الكاملَ يكونُ يومَ القيامةِ بدخولهم النار.

[4] ﴿تَعۡرُجُ ٱلۡمَلَٰٓئِكَةُ وَٱلرُّوحُ إِلَيۡهِ فِي يَوۡمٖ كَانَ مِقۡدَارُهُۥ خَمۡسِينَ أَلۡفَ سَنَةٖ 4﴾:

ثم أخبَرَ جل وعلا أن الملائكةَ ومعهم جبريلُ عليه السلام، يَصْعَدُونَ بين السماءِ والأرضِ يومَ القيامةِ في وقتٍ طولُهُ خمسون ألفَ سنةٍ مما نَعُدُّ في الدنيا.

[5] ﴿فَٱصۡبِرۡ صَبۡرٗا جَمِيلًا 5﴾:

ثم أمَرَ جل وعلا نبيه ﷺ أن يَصبِرَ على دعوتِهِ قومَهُ للتوحيد، وأن يَصبِرَ على ما يصيبه منهم مِن أذًى وسخريةٍ وتكذيبٍ صبرًا جميلًا لا جزَعَ فيه ولا شكوى لغير الله.

[6] ﴿إِنَّهُمۡ يَرَوۡنَهُۥ بَعِيدٗا 6﴾:

ثم بيَّن جل وعلا أنَّ هؤلاءِ المشركين بسببِ إنكارِهم للبعثِ والحسابِ يستبعِدُونَ وقوعَ العذابِ ونزولَهُ بهم، ويَرَوْنُ أن ذلك أمرٌ بعيدٌ صَعْبٌ التحقُّق.

[7] ﴿وَنَرَىٰهُ قَرِيبٗا 7﴾:

ولكن بيَّن سبحانه أنَّ الله يراه قريبًا واقعًا بهم لا محالة.

[8] ﴿يَوۡمَ تَكُونُ ٱلسَّمَآءُ كَٱلۡمُهۡلِ 8﴾:

ثم وصَفَ جل وعلا يومَ القيامةِ؛ فأخبَرَ أن السماء تكونُ غيرَ متماسِكةٍ مثلَ الرَّصَاصِ المُذَاب، وقيل: كالزيتِ المَغْلِيّ.

[9] ﴿وَتَكُونُ ٱلۡجِبَالُ كَٱلۡعِهۡنِ 9﴾:

ثم بين سبحانه أن الجبال تكون في ذلك اليوم هَشَّةً كالصُّوفِ المنفوشِ إذا طيَّرته الريح.

[10] ﴿وَلَا يَسۡـَٔلُ حَمِيمٌ حَمِيمٗا 10﴾:

وفي ذلك اليومِ لا يسألُ قريبٌ قريبَهُ، ولا صديقٌ صديقَهُ عن شأنِهِ وحاله؛ فالكلُّ مشغولٌ بنفسِهِ مِن شدَّةِ هولِ الموقف.

[11] ﴿يُبَصَّرُونَهُمۡۚ يَوَدُّ ٱلۡمُجۡرِمُ لَوۡ يَفۡتَدِي مِنۡ عَذَابِ يَوۡمِئِذِۭ بِبَنِيهِ 11﴾:

ثم أخبَرَ جل وعلا أن مِن أهوالِ يومِ القيامةِ: أن الكلَّ ينظُرُ بعضُهم لبعض؛ فلا يسألُهُ ولا يكلِّمه لانشغالِ كلِّ واحد بنفسه، وفي هذه اللحظاتِ العصيبةِ يتمنَّى المجرِمُ المكذِّبُ بالله وآياتِهِ ورسلِهِ لو يستطيعُ أن يَفْدِيَ نفسَهُ مِن عذابِ اللهِ بأعزِّ الناس إليه؛ كأولادِهِ.

[12] ﴿وَصَٰحِبَتِهِۦ وَأَخِيهِ 12﴾:

وكذلك يتمنى أن يفدي نفسه من عذاب الله بزوجتِهِ، وكذلك بأخيه.

[13] ﴿وَفَصِيلَتِهِ ٱلَّتِي تُـٔۡوِيهِ 13﴾:

وكذلك يتمنى أن يفدي نفسه من عذاب الله بعشيرتِهِ التي ينتمي إليها.

[14] ﴿وَمَن فِي ٱلۡأَرۡضِ جَمِيعٗا ثُمَّ يُنجِيهِ 14﴾:

بل مستعد أن يفدي نفسه من عذاب الله بكلِّ مَنْ في الأرض، ثم ينجو مِن عذابِ الله، ولكنْ هيهاتَ هيهاتَ، هذا هو وقتُ الجزاء. ولم يُذكَرْ في هذه الآياتِ الوالدان؛ لأنَّ ذلك مما يزيدُ من غضَبِ الله؛ حيث وصَّى جل وعلا بالوالدَيْنِ إحسانًا.

[15] ﴿كَلَّآۖ إِنَّهَا لَظَىٰ 15﴾:

كلَّا -أيها الكافر- فليس الأمرُ كما تتمنَّى، وإنما هي جهنَّمُ التي سيكونُ مصيرُكَ إليها؛ بسببِ كُفْرِكَ وجحودك، ولَظَى: اسمٌ مِن أسماءِ النار.

[16] ﴿نَزَّاعَةٗ لِّلشَّوَىٰ 16﴾:

ثم بيَّن سبحانه أن هذه النارَ مِن شدَّة حرِّها تَنْزِعُ الشَّوَى، والشَّوَى: جمعُ شَوَاةٍ، وهي جِلْدةُ الرأسِ؛ كما قال ابن عباس، ومجاهد، وغيرهما، وخُصَّتْ جِلْدةُ الرأسِ بالذِّكْرِ؛ لأنها أشدُّ الجسمِ حساسيةً وتأثُّرًا بالنار.

[17] ﴿تَدۡعُواْ مَنۡ أَدۡبَرَ وَتَوَلَّىٰ 17﴾:

وبيَّن سبحانه أن هذه النارَ تدعو إليها مَنْ أدبَرَ في الدنيا، وأعرَضَ عن التوحيدِ واتِّبَاعِ الرسولِ ﷺ.

[18] ﴿وَجَمَعَ فَأَوۡعَىٰٓ 18﴾:

وكذلك تدعو هذه النار مَنِ اشتغَلَ بجمعِ المالِ وكَنْزِهِ، ولم يُنفِقْ منه في سبيل الله.

[19] ﴿إِنَّ ٱلۡإِنسَٰنَ خُلِقَ هَلُوعًا 19﴾:

ثم ذكَرَ جل وعلا أن مِنْ طَبْعِ الإنسانِ: كثرةَ الهَلَعِ والضَّجَر.

[20] ﴿إِذَا مَسَّهُ ٱلشَّرُّ جَزُوعٗا 20﴾:

ثم بين سبحانه أن من صفات الإنسان: أنه إذا مسَّه الشرُّ من الأمراضِ أو الفقرِ أو المصائبِ ونحوِ ذلك، صار كثيرَ الضَّجَرِ والشكوى، ولا يرضى بما قضى اللهُ وقدَّر.

[21] ﴿وَإِذَا مَسَّهُ ٱلۡخَيۡرُ مَنُوعًا 21﴾:

ومن صفاته أيضًا: إذا مسَّه الخيرُ مِن الغنى والسَّعَةِ ونحو ذلك، صار شديدَ البُخْلِ والإمساكِ؛ فلا يُنفِقُ مما أعطاه الله، ولا يعترِفُ لله بالفضلِ، بل يقولُ: إنما اكتسبته بجُهْدي وعلمي بطُرُقِ التجارة.

[22] ﴿إِلَّا ٱلۡمُصَلِّينَ 22﴾:

ثم استثنى جل وعلا مِن الصفاتِ السابقةِ الشنيعةِ أهلَ الصلاحِ والإيمانِ؛ فقال سبحانه: إلا المصلِّين؛ فإنهم ليسوا مِن أهلِ الجَزَع والهَلَعِ والمَنْع.

[23] ﴿ٱلَّذِينَ هُمۡ عَلَىٰ صَلَاتِهِمۡ دَآئِمُونَ 23﴾:

ثم بيَّن سبحانه صفةَ هؤلاء المصلِّين أنهم: مقيمون للصلاة، مواظبون على أدائها في أوقاتها، دون أن يَشْغَلَهم عنها شاغل.

[24] ﴿وَٱلَّذِينَ فِيٓ أَمۡوَٰلِهِمۡ حَقّٞ مَّعۡلُومٞ 24﴾:

ومِن صفاتهم: أنهم جعلوا في أموالهم نصيبًا معيَّنًا فرَضَهُ الله عليهم، وهو الزكاةُ المفروضة.

[25] ﴿لِّلسَّآئِلِ وَٱلۡمَحۡرُومِ 25﴾:

وبين سبحانه أن هذا النصيبُ يُصرَفُ للفقيرِ الذي يستحِقُّ المعونة، والمحرومِ الذين لا يَسْأَل، ولكنْ تَظْهَرُ عليه علاماتُ الحاجة.

[26] ﴿وَٱلَّذِينَ يُصَدِّقُونَ بِيَوۡمِ ٱلدِّينِ 26﴾:

ومِن صفاتهم: أنهم يصدِّقون بيومِ البعثِ والحساب؛ فعَمِلوا لذلك.

[27] ﴿وَٱلَّذِينَ هُم مِّنۡ عَذَابِ رَبِّهِم مُّشۡفِقُونَ 27﴾:

ومِن صفاتهم: أنهم مِن عذابِ ربِّهم خائفون وَجِلون.

[28] ﴿إِنَّ عَذَابَ رَبِّهِمۡ غَيۡرُ مَأۡمُونٖ 28﴾:

ثم بين سبحانه سبب ذلك: لأنهم يعلمون أنَّ عذابَ اللهِ يجبُ أن يُحذَرَ ويُخَافَ منه، ولا ينبغي أن يأمنه أحدٌ.

[29] ﴿وَٱلَّذِينَ هُمۡ لِفُرُوجِهِمۡ حَٰفِظُونَ 29﴾:

ومِن صفاتهم: أنهم يصونون فُرُوجَهم ويحفظونها عن كلِّ ما حرَّم الله.

[30] ﴿إِلَّا عَلَىٰٓ أَزۡوَٰجِهِمۡ أَوۡ مَا مَلَكَتۡ أَيۡمَٰنُهُمۡ فَإِنَّهُمۡ غَيۡرُ مَلُومِينَ 30﴾:

ثم استثنى سبحانه من ذلك أزواجهم وما أحَلَّ الله لهم مِن الإماءِ والجواري؛ فإنهم غيرُ مؤاخذين.

[31] ﴿فَمَنِ ٱبۡتَغَىٰ وَرَآءَ ذَٰلِكَ فَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡعَادُونَ 31﴾:

ثم بين سبحانه أن مَنِ ابتغى لقضاءِ شهوتِهِ ووَطَرِهِ فِي غيرِ ما استثنى اللهُ مِن الزوجاتِ ومِلْكِ اليمين، فأولئك هم المعتدون المجاوِزونَ حدودَهُمْ.

[32] ﴿وَٱلَّذِينَ هُمۡ لِأَمَٰنَٰتِهِمۡ وَعَهۡدِهِمۡ رَٰعُونَ 32﴾:

ثم بين سبحانه أن مِن صفاتهم: أنهم يحفظون ويصونون أماناتِهِمْ، ويُوفُونَ بها؛ سواءٌ كانت تلك الأماناتُ مِن التكاليفِ الشرعيَّة، أو مِن حقوقِ العبادِ المرعيَّة.

[33] ﴿وَٱلَّذِينَ هُم بِشَهَٰدَٰتِهِمۡ قَآئِمُونَ 33﴾:

ومِن صفاتهم: أنهم يقومون بأداءِ الشهادةِ كما ينبغي؛ فلا يكتمونها، ولا يزيدون فيها، ولا ينقصون منها.

[34] ﴿وَٱلَّذِينَ هُمۡ عَلَىٰ صَلَاتِهِمۡ يُحَافِظُونَ 34﴾:

ومِن صفاتهم: أنهم يحافظون على صلواتهم المفروضةِ، ويداومون عليها على أكمَلِ وجهٍ، وأتمِّ صفة.

[35] ﴿أُوْلَٰٓئِكَ فِي جَنَّٰتٖ مُّكۡرَمُونَ 35﴾:

ثم أخبَرَ جل وعلا أن المتَّصفين بتلك الصفاتِ الحميدةِ في جِنَانٍ وبساتينَ عظيمة، يكرَّمون فيها بكلِّ أنواعِ التكريمِ مِن الحَفَاوةِ والتعظيم.

[36] ﴿فَمَالِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ قِبَلَكَ مُهۡطِعِينَ 36﴾:

ثم أنكَرَ جل وعلا على الكفَّار الذين كانوا في زمَنِ النبيِّ ﷺ؛ لأنهم يشاهدونه، ويشاهدون المعجِزاتِ التي أيَّده الله بها، وأهمُّها القرآنُ الكريم، ومع ذلك لم يؤمنوا به؛ فقال سبحانه لنبيه ﷺ: فأيُّ دافعٍ دفَعَ هؤلاءِ الكَفَرةَ المجرِمينَ إلى أن يسيروا مسرِعينَ نَحْوَكَ -أيها النبي-.

[37] ﴿عَنِ ٱلۡيَمِينِ وَعَنِ ٱلشِّمَالِ عِزِينَ 37﴾:

وبين سبحانه أن هؤلاء الكفرة يحرصون كل الحرص أن يجلسوا عن يمين النبي ﷺ وشماله على شَكْلٍ جماعاتٍ متفرِّقة.

[38] ﴿أَيَطۡمَعُ كُلُّ ٱمۡرِيٕٖ مِّنۡهُمۡ أَن يُدۡخَلَ جَنَّةَ نَعِيمٖ 38﴾:

هل يطمعون بفعلهم هذا أن يُدْخِلَهم اللهُ جنَّاتِ النعيم؟! وهم لم يؤمنوا بالله ورسوله ﷺ، وقد كانوا بسببِ غرورهم يظنُّون أن آلهتهم وأصنامهم سوف تُدخِلُهم الجنة، إنْ كانت هناك جَنَّة.

[39] ﴿كَلَّآۖ إِنَّا خَلَقۡنَٰهُم مِّمَّا يَعۡلَمُونَ 39﴾:

فرد الله عليهم فقال: كلا ليس الأمرُ كما يطمعون؛ فإنهم لن يدخُلُوها أبدًا ما لم يؤمنوا، ثم إنهم يعلمون أن الله خلَقَهم كغيرهم مِن ماءٍ مَهِين، ولكنهم لم يؤمنوا؛ فكيف لهم أن يطمعوا في دخولِ الجنة؟!

[40] ﴿فَلَآ أُقۡسِمُ بِرَبِّ ٱلۡمَشَٰرِقِ وَٱلۡمَغَٰرِبِ إِنَّا لَقَٰدِرُونَ 40﴾:

ثم أقسَمَ جل وعلا بربِّ المشارقِ والمغاربِ، وهو الله جل في علاه؛ بأنه على كلِّ شيء قدير، لا يُعْجِزه شيء في الأرض ولا في السماء، وجمَعَ سبحانه المشارِقَ؛ لأن الشمسَ كلَّ يومٍ تُشرِقُ مِن مَطلَعٍ غيرِ الذي قبله، وكذلك المغاربُ.

[41] ﴿عَلَىٰٓ أَن نُّبَدِّلَ خَيۡرٗا مِّنۡهُمۡ وَمَا نَحۡنُ بِمَسۡبُوقِينَ 41﴾:

ومن ذلك: أنه جل وعلا قادرٌ على إهلاكِ هؤلاءِ الكفار، واستبدالِهِمْ بخَلْقٍ آخَرَ أطوَعَ منهم وأفضَلَ، ولن يُعْجِزَهُ ذلك جل في علاه، بل لا يستطيعُ أن يَمْنَعَهُ سبحانه أحدٌ، ولكنَّ مشيئتَهُ اقتضَتْ تأخيرَ عقوبتهم إلى يومِ القيامة.

[42] ﴿فَذَرۡهُمۡ يَخُوضُواْ وَيَلۡعَبُواْ حَتَّىٰ يُلَٰقُواْ يَوۡمَهُمُ ٱلَّذِي يُوعَدُونَ 42﴾:

ثم أمَرَ جل وعلا نبيَّه محمدًا ﷺ أن يترُكَ هؤلاءِ الكفَّارَ يخوضون في باطلهم ويلعبون في دنياهم؛ حتى يلاقوا يوم القيامة الذي كانوا يُوعَدُونَ فيه بالعذاب.

[43] ﴿يَوۡمَ يَخۡرُجُونَ مِنَ ٱلۡأَجۡدَاثِ سِرَاعٗا كَأَنَّهُمۡ إِلَىٰ نُصُبٖ يُوفِضُونَ 43﴾:

ثم بين سبحانه أن ذلك اليوم الذي يوعدون فيه هو اليوم الذي سوف يخرُجُونَ فيه مِن قبورهم مسرِعينَ إلى مشهدِ القيامةِ والحساب؛ كأنهم في سِبَاقٍ أيُّهم يصلُ إلى النُّصُبِ المركوزِ في نهايةِ السباقِ أولًا، كما كانوا في الدنيا يتسابقون إلى الآلهة التي وضعوها للعبادةِ مِن دون الله.

[44] ﴿خَٰشِعَةً أَبۡصَٰرُهُمۡ تَرۡهَقُهُمۡ ذِلَّةٞۚ ذَٰلِكَ ٱلۡيَوۡمُ ٱلَّذِي كَانُواْ يُوعَدُونَ 44﴾:

ثم بين سبحانه أنهم في حالِ خروجِهِمْ مِن قبورِهم، وسَيْرِهم مسرِعين: تكون أبصارهم منكسِرةً نحوَ الأرض، تغشاهم رَهْبةٌ وذِلَّةٌ وحقارةٌ شديدة، ثم بيَّن سبحانه أن ذلك اليوم وما فيه مِن أهوالٍ عظامٍ كانوا قد أُنْذِروا في الدنيا أنهم ملاقوه، ولكنْ كانوا به يكذِّبون. وفي هذه الآيات إثباتُ يومِ القيامةِ؛ كما أن فيها حضَّ النبيِّ ﷺ بالاستمرار في الدعوة، وأن يشتغِلَ بما أُمِرَ به، ولا يثنيه كلامهم؛ لأنه ﷺ مبلِّغٌ رسالةَ ربِّه ومبشِّرُ المؤمنين، ومنذِرُ الكافرين، والهدايةُ بيد ربِّ العالمين.

سورة نوح

سورةُ نُوحٍ مكيَّةٌ، وآياتها ثمانٍ وعشرون آية.

[1] ﴿إِنَّآ أَرۡسَلۡنَا نُوحًا إِلَىٰ قَوۡمِهِۦٓ أَنۡ أَنذِرۡ قَوۡمَكَ مِن قَبۡلِ أَن يَأۡتِيَهُمۡ عَذَابٌ أَلِيمٞ 1﴾:

بدأت السورةُ بإخبارِ أن الله بعَثَ نوحًا إلى قومه، وأمَرَه أن يحذِّرهم من عبادة الأصنام، ومِن الشركِ والذنوبِ والمعاصي؛ مِن قبلِ أن يأتيهم عذابٌ موجعٌ في الدنيا والآخرة.

ونوحٌ عليه السلام هو أولُ الرُّسُلِ مِن ذُرِّيَّةِ آدم، وهو شيخُ الأنبياء؛ لأنه أطولهم عمرًا، وهو من أُولي العزمِ مِن الرُّسُلِ، وقوله: ﴿إِلَىٰ قَوۡمِهِۦٓ﴾ جعَلَتْ بعضَ المفسِّرين يقولون: إن نوحًا لم يُرسَلْ للبشَرِ كلِّهم، بل أُرسِلَ فقطْ إلى قومه، وقال آخرون: إنه أُرسِلَ إلى الناسِ كلِّهم؛ لأنه لا يُوجَدُ على الأرض في زمنه غيرُ قومه؛ واستدلُّوا بقوله: ﴿رَّبِّ لَا تَذَرۡ عَلَى ٱلۡأَرۡضِ مِنَ ٱلۡكَٰفِرِينَ دَيَّارًا﴾، قالوا: لو أن هناك أممًا غيرَ أمته، لم يَدْعُ عليهم.

[2] ﴿قَالَ يَٰقَوۡمِ إِنِّي لَكُمۡ نَذِيرٞ مُّبِينٌ 2﴾:

ثم أخبَرَ جل وعلا أن نوحًا ابتدَرَ أمر الله، فقال: -يا قومِ-، إني نذيرٌ لكم بيِّنُ الإنذارِ، مِن عقابِ الله إن استمرَرْتُمْ على كفركم وجحودكم.

[3] ﴿أَنِ ٱعۡبُدُواْ ٱللَّهَ وَٱتَّقُوهُ وَأَطِيعُونِ 3﴾:

ثم قال نوح عليه السلام وأطلُبُ منكم -يا قومِ- أن تعبدوا الله وحده لا شريك له، وأن تخافوا عقابه، وأن تطيعوني فيما آمُرُكم به وأنهاكم عنه، وهذه هي خلاصةُ الدعوة: عبادةُ الله وطاعتُهُ.

[4] ﴿يَغۡفِرۡ لَكُم مِّن ذُنُوبِكُمۡ وَيُؤَخِّرۡكُمۡ إِلَىٰٓ أَجَلٖ مُّسَمًّىۚ إِنَّ أَجَلَ ٱللَّهِ إِذَا جَآءَ لَا يُؤَخَّرُۚ لَوۡ كُنتُمۡ تَعۡلَمُونَ 4﴾:

واعلموا -يا قومِ- أنكم في حال استجَبْتُمْ لهذه الأمور، فإن الله سبحانه يمحو ذنوبكم، ويتجاوز عنها، ويَمُدُّ في أعماركم إلى الوقت الذي حدَّده الله، واعلموا أن الموتَ إذا جاء لا يؤخَّرُ أبدًا مهما كان الأمر، ولو كنتم تعلمون ذلك عِلْمَ يقينٍ، لسارعتم إلى الإيمان والطاعة.

[5] ﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي دَعَوۡتُ قَوۡمِي لَيۡلٗا وَنَهَارٗا 5﴾:

ثم قال نوحٌ عليه السلام لربِّه: ربِّ، إني دعَوْتُ قومي في جميعِ الأوقات، ولم أترُكْ دعوتهم أبدًا؛ لا في ليلٍ ولا في نهار.

[6] ﴿فَلَمۡ يَزِدۡهُمۡ دُعَآءِيٓ إِلَّا فِرَارٗا 6﴾:

ثم قال عليه السلام: ومع ذلك لم تَزِدْهم دعوتي لهم إلى الإيمانِ والحقِّ إلا هربًا وإعراضًا عنه، وإصرارًا على الكُفْرِ والعصيان.

[7] ﴿وَإِنِّي كُلَّمَا دَعَوۡتُهُمۡ لِتَغۡفِرَ لَهُمۡ جَعَلُوٓاْ أَصَٰبِعَهُمۡ فِيٓ ءَاذَانِهِمۡ وَٱسۡتَغۡشَوۡاْ ثِيَابَهُمۡ وَأَصَرُّواْ وَٱسۡتَكۡبَرُواْ ٱسۡتِكۡبَارٗا 7﴾:

وقال نوحٌ عليه السلام لربه أيضًا: وإني -يا ربِّ- كلما دعوتهم إلى توحيدِكَ والإيمانِ بك الذي هو سبَبٌ لمغفرةِ ذنوبهم؛ أدخلوا أصابعهم في آذانهم؛ لئلَّا يسمعوا كلامي، وغطَّوْا وجوهَهُمْ بالثيابِ مبالَغةً في الإعراض، وأصرُّوا على الكُفْرِ والشرك، واستكبروا عن قَبُولِ التوحيدِ استكبارًا شديدًا.

[8] ﴿ثُمَّ إِنِّي دَعَوۡتُهُمۡ جِهَارٗا 8﴾:

وقال نوح عليه السلام أيضًا: ثم إني -يا ربِّ- جهَرْتُ بدعوتهم إلى التوحيدِ، وصدَعْتُ به بين ظهرانَيْهِمْ بمَسْمَعٍ منهم كلِّهم.

[9] ﴿ثُمَّ إِنِّيٓ أَعۡلَنتُ لَهُمۡ وَأَسۡرَرۡتُ لَهُمۡ إِسۡرَارٗا 9﴾:

وقال عليه السلام: وجِئْتُهم -يا رب- مِنْ كلِّ باب ظننتُ أن يحصُلَ منه المقصودُ مِن استجابتهم للتوحيد، فأعلَنْتُ لهم الدعوةَ بصَوْتٍ مرتفِعٍ أحيانًا، وأسرَرْتُ لهم بها إسرارًا كثيرًا بصَوْتٍ خفيٍّ أحيانًا أخرى.

[10] ﴿فَقُلۡتُ ٱسۡتَغۡفِرُواْ رَبَّكُمۡ إِنَّهُۥ كَانَ غَفَّارٗا 10﴾:

ثم قال نوحٌ لقومه: يا قوم، اطلبوا المغفرةَ مِن ربِّكم على ما بدَرَ منكم مِن شِرْكٍ وتكذيبٍ ومعاص، واعلموا أن اللهَ كثيرُ المغفرةِ لعبادِهِ الموحِّدين التائبين المستغفرين.

[11] ﴿يُرۡسِلِ ٱلسَّمَآءَ عَلَيۡكُم مِّدۡرَارٗا 11﴾:

وقال نوح عليه السلام لقومه: واعلموا -يا قوم- أن مِن فوائدِ اللجوءِ إلى الله واستغفارِهِ: أن الله يرزُقُكُمْ بأنواعٍ من الرزق؛ فيُرسِلُ السماء عليكم بالمطَرِ المتتابع؛ فتحصُلُ لكم المنافع.

[12] ﴿وَيُمۡدِدۡكُم بِأَمۡوَٰلٖ وَبَنِينَ وَيَجۡعَل لَّكُمۡ جَنَّٰتٖ وَيَجۡعَل لَّكُمۡ أَنۡهَٰرٗا 12﴾:

واعلموا –يا قوم- أن من فوائد الاستغفار أيضًا: أنه يكثِّرُ لكم أموالكم وأولادكم، ويجعلُ لكم بساتينَ وحدائقَ، ويجعلُ لكم أنهارًا جاريةً حَسَنةَ المَنْظَر، كثيرةَ الفائدة.

[13] ﴿مَّا لَكُمۡ لَا تَرۡجُونَ لِلَّهِ وَقَارٗا 13﴾:

ثم قال نوحٌ عليه السلام لقومه: ما لكم -يا قوم- لا تعظمون الله حق تعظيمه، وأنتم تعلمون أن له سبحانه العظمة والكبرياء.

[14] ﴿وَقَدۡ خَلَقَكُمۡ أَطۡوَارًا 14﴾:

ثم بين سبحانه أنه هو الذي أوجَدَكم -أيها الناس- بعد العَدَم في أطوار متعددة، وخلَقَكُمْ سبحانه تدرُّجًا خَلْقًا مِن بعد خَلْق.

[15] ﴿أَلَمۡ تَرَوۡاْ كَيۡفَ خَلَقَ ٱللَّهُ سَبۡعَ سَمَٰوَٰتٖ طِبَاقٗا 15﴾:

ثم قال نوح عليه السلام لقومه: ألم تنظروا وتشاهدوا -يا قوم- كيف خلَقَ اللهُ السماوات السبعَ، وأوجدها بعد العدم، وجعَلَ كلَّ سماءٍ فوق الأخرى.

[16] ﴿وَجَعَلَ ٱلۡقَمَرَ فِيهِنَّ نُورٗا وَجَعَلَ ٱلشَّمۡسَ سِرَاجٗا 16﴾:

وكذلك خلق سبحانه القمَرَ وجعله في هذه السماوات نورًا لأهلِ الأرض، وخلق الشمس وجعلها أيضًا مصباحًا وهَّاجًا مضيئًا؟!

[17] ﴿وَٱللَّهُ أَنۢبَتَكُم مِّنَ ٱلۡأَرۡضِ نَبَاتٗا 17﴾:

وقال نوحٌ عليه السلام أيضًا: واعلموا –يا قوم- أن الله وحده هو الذي خلَقَ وأنشأ أصلَ أبيكم آدَمَ عليه السلام مِن الأرض.

[18] ﴿ثُمَّ يُعِيدُكُمۡ فِيهَا وَيُخۡرِجُكُمۡ إِخۡرَاجٗا 18﴾:

واعلموا –يا قوم- أيضًا أنه سوف يعيدكم حين تموتون؛ فتدفنون في هذه الأرض، ثم يُخْرِجُكم منها مرَّةً أخرى يومَ البعثِ والنشورِ للجزاء والحساب.

[19] ﴿وَٱللَّهُ جَعَلَ لَكُمُ ٱلۡأَرۡضَ بِسَاطٗا 19﴾:

وقال عليه السلام أيضًا: واعلموا أن الله وَحْدَهُ هو الذي مهَّد الأرض وبسَطَها، وفرَشَها لكم، وهيَّأها لانتفاعكم بها.

[20] ﴿لِّتَسۡلُكُواْ مِنۡهَا سُبُلٗا فِجَاجٗا 20﴾:

وقال عليه السلام: واعلموا أن الله جعل لكم الأرض كذلك لتستطيعوا السيرَ في طُرُقاتِها الواسعة، وهذا لا ينافي أن تكونَ الأرضُ كُرَوِيَّةً.

[21] ﴿قَالَ نُوحٞ رَّبِّ إِنَّهُمۡ عَصَوۡنِي وَٱتَّبَعُواْ مَن لَّمۡ يَزِدۡهُ مَالُهُۥ وَوَلَدُهُۥٓ إِلَّا خَسَارٗا 21﴾:

ثم قال نوحٌ: ربِّ، إن قومي عصَوْني فيما أمَرْتُهم به، وأنكروا ما دعَوْتُهم إليه، بل إنهم تركوني واتَّبع الضعفاءُ منهم رؤساءَهُمُ الضالِّين الذين طغَوْا بأموالهم واغترُّوا بأولادهم؛ فلم تَزِدْهم أموالُهم وأولادهم إلا ضلالًا على ضلالهم، وبعدًا من رحمةِ ربِّهم.

[22] ﴿وَمَكَرُواْ مَكۡرٗا كُبَّارٗا 22﴾:

ثم بين نوح عليه السلام أن الرؤساء من قومه مكروا مكرًا عظيمًا غايةً في الخبث.

[23] ﴿وَقَالُواْ لَا تَذَرُنَّ ءَالِهَتَكُمۡ وَلَا تَذَرُنَّ وَدّٗا وَلَا سُوَاعٗا وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسۡرٗا 23﴾:

ومن مكر هؤلاء القادة والرؤساء أنهم قالوا لأتباعهم: لا تترُكُوا عبادةَ آلهتكم، ولا يَصْرِفَنَّكُمْ نوحٌ عنها؛ فلا تترُكُوا عبادةَ وَدٍّ ويَغُوثَ ويَعُوقَ ونَسْرٍ، وهذه أسماءُ رجالٍ صالحين؛ لما ماتوا، زيَّن لهم الشيطان أن يصوِّروا صورهم على هيئةِ تماثيلَ؛ ليتذكَّروهم فينشطوا في العبادة، ثم طال العهد، وتوالت الأجيال، فدعاهم إبليسُ اللعينُ إلى عبادتها مِن دونِ الله، وقال للأجيالِ اللاحقةِ: إنَّ آباءكم ما صوَّروا تلك الصُّوَرَ، ولا عملوا تلك التماثيل، إلا لعبادتها؛ فأطاعوه وعبدوها مِن دون الله.

[24] ﴿وَقَدۡ أَضَلُّواْ كَثِيرٗاۖ وَلَا تَزِدِ ٱلظَّٰلِمِينَ إِلَّا ضَلَٰلٗا 24﴾:

فقال نوحٌ لربه: لقد أضَلَّ هؤلاء الرؤساءُ كثيرًا من الخَلْقِ وصدُّوهم عن توحيد الله والإيمان به؛ فلا تَزِدْ -يا رب- هؤلاء الظالمين المجاوِزِينَ حدودَهُمْ بالشرك والمعاصي، والصَّدِّ عن سبيل الله إلا ضلالًا وبُعْدًا عن الحق، وقد دعا نوحٌ عليهم بعد أن قال الله له: ﴿لَن يُؤۡمِنَ مِن قَوۡمِكَ إِلَّا مَن قَدۡ ءَامَنَ﴾ [هود:٣٦].

[25] ﴿مِّمَّا خَطِيٓـَٰٔتِهِمۡ أُغۡرِقُواْ فَأُدۡخِلُواْ نَارٗا فَلَمۡ يَجِدُواْ لَهُم مِّن دُونِ ٱللَّهِ أَنصَارٗا 25﴾:

ثم أخبَرَ جل وعلا أنَّه بسببِ خطيئةِ قومِ نُوحٍ، وتكذيبِهم لنبيِّهم، وإصرارِهم على عبادةِ غيرِ الله والإشراكِ به؛ أغرَقَهُمُ اللهُ بالطُّوفانِ الذي لم يُبْقِ منهم ولم يَذَرْ أحدًا، ثم يومَ القيامةِ يدخُلُونَ نارَ جهنَّمَ يعذَّبون فيها، ويقاسُونَ حرَّها، ولم يكن لهم -حينَ نزولِ العذاب بهم- نصيرٌ ينصُرُهم، ولا معاونٌ يعاوِنُهم ويدفعُ عنهم ما حَلَّ بهم.

[26] ﴿وَقَالَ نُوحٞ رَّبِّ لَا تَذَرۡ عَلَى ٱلۡأَرۡضِ مِنَ ٱلۡكَٰفِرِينَ دَيَّارًا 26﴾:

وبعد أن يَئِسَ نوحٌ عليه السلام من إيمانِهم وإقلاعِهم عن الكفر، دعا عليهم بالهلاك؛ فقال: ربِّ، لا تترُكْ على وجهِ الأرضِ من الكفار أحدًا حيًّا.

[27] ﴿إِنَّكَ إِن تَذَرۡهُمۡ يُضِلُّواْ عِبَادَكَ وَلَا يَلِدُوٓاْ إِلَّا فَاجِرٗا كَفَّارٗا 27﴾:

وقال عليه السلام: فإنك إنْ أبقَيْتَ منهم أحدًا، أضلُّوا عبادك عن توحيدِكَ والإيمانِ بك، وإنهم لا يَلِدُونَ إلا الكَفَرةَ الفَجَرةَ أمثالهم، وقد دعا عليهم نوحٌ بعد أن قال الله له: ﴿لَن يُؤۡمِنَ مِن قَوۡمِكَ إِلَّا مَن قَدۡ ءَامَنَ﴾ [هود:٣٦]. وبعد هذا المِشْوارِ الطويلِ في الدعوة، وبعد أن أخبَرَه ربُّه تعالى بأنه لن يؤمِنَ من قومِهِ إلا العددُ القليلُ الذي آمَنَ، حَقَّ لنوحٍ أن يَيْئَسَ، لأنه لم يترُكْ شيئًا يقرِّبهم إلى الإيمان بالله إلا فعله؛ وهذا الزمن الطويل الذي قضاه عليه السلام في دعوتهم أليس مُوجِبًا لليأس؟!

[28] ﴿رَّبِّ ٱغۡفِرۡ لِي وَلِوَٰلِدَيَّ وَلِمَن دَخَلَ بَيۡتِيَ مُؤۡمِنٗا وَلِلۡمُؤۡمِنِينَ وَٱلۡمُؤۡمِنَٰتِۖ وَلَا تَزِدِ ٱلظَّٰلِمِينَ إِلَّا تَبَارَۢا 28﴾:

وبعد أن دعا نوحٌ على الكفار، دعا لنفسِهِ ولأبوَيْهِ، ثم دعا لكلِّ مَنْ دخَلَ بيته مؤمِنًا بالله ورسوله، ثم دعا للمؤمنين والمؤمنات بالمغفِرةِ والرحمة، ثم عاد إلى الدعاءِ على الكافرين؛ فقال: ولا تَزِدْ -يا رب- المتصفين بالظلمِ إلا هلاكًا وخُسْرانًا ودمارًا في الدنيا والآخرة؛ فصلَّى الله وسلَّم على نُوحٍ وعلى نبيِّنا محمَّدٍ أفضَلَ الصلاةِ وأزكى التسليم.

سورة الجِنِّ

سورةُ الجِنِّ مكيَّةٌ، وآياتها ثمانٍ وعشرون آية.

[1] ﴿قُلۡ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ ٱسۡتَمَعَ نَفَرٞ مِّنَ ٱلۡجِنِّ فَقَالُوٓاْ إِنَّا سَمِعۡنَا قُرۡءَانًا عَجَبٗا 1﴾:

ابتدأتِ السورةُ بأمرِ الله جل وعلا لنبيه ﷺ أن يقولَ لقومه: إنَّ الله أوحى إليَّ أن جماعةً مِن الجِنِّ استمعوا لتلاوتي للقرآن؛ حيث كان ﷺ يصلِّي خارجَ مكَّةَ، ويجهرُ بقراءته؛ فمرَّت جماعةٌ مِن الجنِّ كانوا سائرين فسمعوه، وهو يقرأ القرآن؛ فتواصَوْا بالتزامِ الصمتِ والاستماعِ حتى انتهت السورة، فلما رجعوا إلى قومهم، قالوا: إنا سَمِعْنا قرآنًا عظيمًا بديعًا لم نسمعْ بمثله أبدًا. وقد قيل: إن السورةَ التي استمعوا إليها هي:(سورةُ اقرأ)، وقيل: (سورةُ الرحمن). والفائدةُ مِن إخبارِ الرسولِ ﷺ: إعلامُهُ أنَّه رسولٌ للثقلَيْن، وإخباره أيضًا أنَّ امتناع الكفَّار وتمرُّدهم عليه ليس إلا حفاظًا على زعامتهم وسيادتهم من أن يتَّبعوا غير كبرائهم الذين ماتوا؛ كما قال أبو جهل لأبي طالب: (أَتَرْغَبُ عن مِلَّةِ عبدِ المطَّلِب؟!)، كما أن الجنَّ لم يُرسَلْ إليهم رُسُلٌ منهم؛ فهم يتَّبعون الهدى الذي جاء به النبيُّ محمد ﷺ، وقال المفسِّرون: هؤلاءِ النفَرُ من الجنِّ كانوا على الديانة اليهودية، واستدلُّوا بقوله: ﴿قَالُواْ يَٰقَوۡمَنَآ إِنَّا سَمِعۡنَا كِتَٰبًا أُنزِلَ مِنۢ بَعۡدِ مُوسَىٰ﴾ [الأحقاف:30].

[2] ﴿يَهۡدِيٓ إِلَى ٱلرُّشۡدِ فَـَٔامَنَّا بِهِۦۖ وَلَن نُّشۡرِكَ بِرَبِّنَآ أَحَدٗا 2﴾:

ثم قال هؤلاءِ النفَرُ مِن الجِنِّ: وهذا القرآنُ يَهْدي إلى الحقِّ وإلى الطريقِ المستقيم؛ فصدَّقنا به، وآمنا بما اشتمَلَ عليه من الدعوة لإخلاصِ العبادةِ لله وحده، ولن نُشرِكَ بربِّنا وخالقنا أحدًا.

[3] ﴿وَأَنَّهُۥ تَعَٰلَىٰ جَدُّ رَبِّنَا مَا ٱتَّخَذَ صَٰحِبَةٗ وَلَا وَلَدٗا 3﴾:

ثم قال هؤلاءِ النفَرُ مِن الجنِّ على سبيلِ الثناء على الله: وإنه تعالى وتعاظَمَ جَلَالُ ربِّنا، وتنزَّه في ذاته وصفاته: عن أن يتخِذَ زوجةً، أو يكونَ له ولَدٌ؛ كما يقولُ الذين ينسُبُونَ إلى الله الزوجةَ والولَدَ مِن سُفَهاءِ الإنسِ والجن.

[4] ﴿وَأَنَّهُۥ كَانَ يَقُولُ سَفِيهُنَا عَلَى ٱللَّهِ شَطَطٗا 4﴾:

ثم قال هؤلاءِ النفَرُ مِن الجنِّ: وإن السُّفَهاءَ والجُهَلاءَ والحمقى كانوا يقولون على الله قولًا بعيدًا مجاوِزًا للحدِّ بادِّعائهم أن لله صاحبةً وولدًا.

[5] ﴿وَأَنَّا ظَنَنَّآ أَن لَّن تَقُولَ ٱلۡإِنسُ وَٱلۡجِنُّ عَلَى ٱللَّهِ كَذِبٗا 5﴾:

ثم قال هؤلاءِ النفَرُ مِن الجنِّ: وإننا ما تخيَّلنا ولا حَسِبْنا أن يفتري أحدٌ على الله الكذب -من الجِنِّ والإنس- بزعمِهِ أن لله صاحبةً أو ولدًا أو شريكًا.

[6] ﴿وَأَنَّهُۥ كَانَ رِجَالٞ مِّنَ ٱلۡإِنسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٖ مِّنَ ٱلۡجِنِّ فَزَادُوهُمۡ رَهَقٗا 6﴾:

ثم قال هؤلاء النفَرُ مِن الجنِّ: وإنه كان رجالٌ مِن الإنسِ يستجيرون برجالٍ من الجنِّ عند المخاوِفِ والأفزاع، فلما كان الجنُّ يَرَوْنَ أن الإنس يعوذون بهم مِن خَوْفِهم منهم، زادوهم خوفًا وإرهابًا، حتى يستمرُّوا في الاستجارة بهم؛ وذلك أن الأعراب كانوا إذا نزلوا واديًا، قالوا: (نعوذُ بسيِّدِ هذا الوادي مِن سُفَهاءِ قَوْمه)؛ ظنًّا منهم أن للجِنِّ قدرةً على النفعِ والضرِّ بغير إذن الله وتقديره.

[7] ﴿وَأَنَّهُمۡ ظَنُّواْ كَمَا ظَنَنتُمۡ أَن لَّن يَبۡعَثَ ٱللَّهُ أَحَدٗا 7﴾:

ثم قال هؤلاء النفَرُ مِن الجنِّ: وإنَّ سفهاءَ الجنِّ كانوا يظنُّون أن الله لن يَبْعَثَ أحدًا من الخلائق بعد الموت، وهذا هو نفسُهُ الظنُّ والاعتقاد الذي كنتم تعتقدونه أيُّها الكفار.

[8] ﴿وَأَنَّا لَمَسۡنَا ٱلسَّمَآءَ فَوَجَدۡنَٰهَا مُلِئَتۡ حَرَسٗا شَدِيدٗا وَشُهُبٗا 8﴾:

ثم قال هؤلاءِ النفَرُ مِن الجنِّ: ولقد أراد الجنُّ بلوغَ السماءِ لاستماعِ كلامِ أهلِها، فوجَدُوها بعد نزولِ القرآن قد مُلِئَتْ حَرَسًا شديدًا من الشُّهُبِ والملائكةِ الذين يحرُسُونها من مستَرِقِي السمع.

[9] ﴿وَأَنَّا كُنَّا نَقۡعُدُ مِنۡهَا مَقَٰعِدَ لِلسَّمۡعِۖ فَمَن يَسۡتَمِعِ ٱلۡأٓنَ يَجِدۡ لَهُۥ شِهَابٗا رَّصَدٗا 9﴾:

ثم قال هؤلاءِ النفَرُ مِن الجنِّ: وإنَّ الجنَّ كانوا يتَّخذون قبل بِعْثةِ محمَّد ﷺ من السماء مواضعَ ليستمعوا إلى أخبارِها ويُلْقُوها إلى الكهان، ولكنْ مَنْ يحاولِ الآنَ استراقَ السمعِ بعد نزولِ القرآنِ، يَجِدْ له شهابًا يرصُدُهُ حتى يُحرِقَهُ ويُهْلِكَهُ.

[10] ﴿وَأَنَّا لَا نَدۡرِيٓ أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَن فِي ٱلۡأَرۡضِ أَمۡ أَرَادَ بِهِمۡ رَبُّهُمۡ رَشَدٗا 10﴾:

ثم قال هؤلاءِ النفَرُ مِن الجنِّ: وإنا لا نعلمُ هل هذه الحراسةُ المشدَّدةُ، وهذه الشُّهُبُ التي ترصُدُ مَنْ يحاوِلُ استراقَ السمع، هل هو عذابٌ أراد الله أن يُنزِلَهُ بأهلِ الأرض، أم أن الله أراد أن يُرسِلَ لهم رسولًا يَهْدِيهم ويدُلُّهم على الخير.

[11] ﴿وَأَنَّا مِنَّا ٱلصَّٰلِحُونَ وَمِنَّا دُونَ ذَٰلِكَۖ كُنَّا طَرَآئِقَ قِدَدٗا 11﴾:

ثم قال هؤلاءِ النفَرُ مِن الجنِّ: وإنَّ منا مَنْ هو موصوفٌ بالصلاح، ومنا قومٌ دون ذلك كُفَّارٌ وفسَّاق، ولقد كنا قبل نزولِ القرآنِ جماعاتٍ متفرِّقةً متعدِّدة، كلُّ فرقة لها طريقٌ خاصٌّ في عملها وفي اعتقادها.

[12] ﴿وَأَنَّا ظَنَنَّآ أَن لَّن نُّعۡجِزَ ٱللَّهَ فِي ٱلۡأَرۡضِ وَلَن نُّعۡجِزَهُۥ هَرَبٗا 12﴾:

ثم قال هؤلاءِ النفَرُ مِن الجنِّ: ولقد تيقَّنَّا بعد أن آمنَّا أنَّ الله قادرٌ علينا، وأننا في قبضتِهِ وسلطانِهِ أينما كنا، ولن نُفْلِتَ مِن عقابِهِ هَرَبًا في أي بقعةٍ مِن بقاعِ الأرض، أو هربًا إلى السماءِ إذا أراد بنا سوءًا.

[13] ﴿وَأَنَّا لَمَّا سَمِعۡنَا ٱلۡهُدَىٰٓ ءَامَنَّا بِهِۦۖ فَمَن يُؤۡمِنۢ بِرَبِّهِۦ فَلَا يَخَافُ بَخۡسٗا وَلَا رَهَقٗا 13﴾:

ثم قال هؤلاءِ النفَرُ مِن الجنِّ: وإنا لما سَمِعْنا القرآنَ العظيمَ مِن النبيِّ ﷺ، آمنَّا به وبمَنْ أنزله، وصدَّقنا أنه مِن عند الله، ولم نكذِّبْ به كما كذَّب كفَّار الإنس، واعلموا -أيها المكلَّفون- أن مَنْ يصدِّقْ بربه، وبما أنزله على رسله، فلا يخاف نقصًا ولا طغيانًا ولا أذًى يلحقه.

[١٤] ﴿وَأَنَّا مِنَّا ٱلۡمُسۡلِمُونَ وَمِنَّا ٱلۡقَٰسِطُونَۖ فَمَنۡ أَسۡلَمَ فَأُوْلَٰٓئِكَ تَحَرَّوۡاْ رَشَدٗا 14﴾:

ثم قال هؤلاء النفر من الجن: ولقد أصبَحْنا بعد سماع القرآنِ فريقَيْن؛ فريقٌ: أسلَمَ لله، وخضَعَ له بالطاعة، وفريقٌ: كفَرَ وجحَدَ دين الله؛ ثم بينوا أن من أسلَمَ وخضَعَ لله بالطاعة، فأولئك سلكوا الطريقَ الموصِّلَ إلى السعادة، وقصدوا ما ينجِّيهم مِن عذاب الله.

[15] ﴿وَأَمَّا ٱلۡقَٰسِطُونَ فَكَانُواْ لِجَهَنَّمَ حَطَبٗا 15﴾:

ثم بينوا أيضًا أن الظالمين الجاحدين لدِينِ الله، فقد كانوا وَقُودًا للنار يُوقَدُ بهم؛ كما يُوقَدُ بكَفَرةِ الإنس.

[١٦] ﴿وَأَلَّوِ ٱسۡتَقَٰمُواْ عَلَى ٱلطَّرِيقَةِ لَأَسۡقَيۡنَٰهُم مَّآءً غَدَقٗا 16﴾:

ولو أنكم -أيها الكفار- استقمتم على الطريقة التي جاء بها الوحي، لفتَحَ عليكم سبحانه أبوابَ الرِّزْق، ولوسَّع عليكم في الدنيا. وخصَّ سبحانه الماء بالذِّكْرِ؛ لأنه لا تقومُ الحياة إلا به؛ قال تعالى: ﴿وَجَعَلۡنَا مِنَ ٱلۡمَآءِ كُلَّ شَيۡءٍ حَيٍّۚ أَفَلَا يُؤۡمِنُونَ﴾ [الأنبياء:٣0].

[17] ﴿لِّنَفۡتِنَهُمۡ فِيهِۚ وَمَن يُعۡرِضۡ عَن ذِكۡرِ رَبِّهِۦ يَسۡلُكۡهُ عَذَابٗا صَعَدٗا 17﴾:

ثم بين سبحانه أن هذه النعم التي ينعم بها على عباده ليختبِرَكُمْ بها فينظُرَ من يعترِفُ بالفضلِ؛ فيشكُرَ الله، ومَنْ تُطْغيه النعم؛ فيسقُطَ في الاختبار فيَهْلِكَ، وبين جل في علاه أن من يُعرِضْ عن القرآنِ، يُدخِلْهُ ربه عذابًا شديدًا.

[18] ﴿وَأَنَّ ٱلۡمَسَٰجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدۡعُواْ مَعَ ٱللَّهِ أَحَدٗا 18﴾:

ثم أخبَرَ جل وعلا أن المساجدَ المُعَدَّةَ للصلاةِ بُنِيَتْ لعبادةِ الله وتوحيدِهِ؛ فلا تعبُدُوا فيها أحدًا غيرَ الله، ولا تُشرِكوا به فيها شيئًا، لأنَّ الشركَ أكبَرُ الكبائر، وهو كُفْرٌ بالله.

[19] ﴿وَأَنَّهُۥ لَمَّا قَامَ عَبۡدُ ٱللَّهِ يَدۡعُوهُ كَادُواْ يَكُونُونَ عَلَيۡهِ لِبَدٗا 19﴾:

ثم بيَّن جل وعلا حالَ الجِنِّ لما قام النبيُّ ﷺ يصلِّي ويجهرُ بصوته، وهو لا يعلمُ بوجودهم؛ حيث إنهم تواردوا عليه وكادوا مِن شِدَّةِ التزاحُمِ أن يكونوا جماعاتٍ متراكِمةٍ قد التصَقَ بعضُهم ببعض؛ حِرْصًا على سماع القرآن، وليستوعبوا ما يقول.

[20] ﴿قُلۡ إِنَّمَآ أَدۡعُواْ رَبِّي وَلَآ أُشۡرِكُ بِهِۦٓ أَحَدٗا 20﴾:

وقل -أيها النبي- لهؤلاء الكفار: اعلموا -أيها الناس- أني أعبُدُ الله ربي وحده، ولا أُشرِكُ معه في العبادة أحدًا؛ وذلك أن قريشًا طلبوا منه ﷺ أن يتخلَّى عن الدعوة إلى الله، فأنزَلَ سبحانه هذه الآية.

[21] ﴿قُلۡ إِنِّي لَآ أَمۡلِكُ لَكُمۡ ضَرّٗا وَلَا رَشَدٗا 21﴾:

وقل لهم أيضًا: اعلموا أني لا أَمْلِكُ لكم ما يضُرُّكم، ولا أَمْلِكُ ما ينفعكم، وإنما الذي يَمْلِكُ ذلك هو الله تعالى وحده.

[22] ﴿قُلۡ إِنِّي لَن يُجِيرَنِي مِنَ ٱللَّهِ أَحَدٞ وَلَنۡ أَجِدَ مِن دُونِهِۦ مُلۡتَحَدًا 22﴾:

وقل لهم كذلك: اعلموا أني لن يُنْقِذَني من عذاب الله أحدٌ إنْ عَصَيْتُهُ، ولن أَجِدَ مِن دونِهِ ملجأً أو مَهْرَبًا مِن عذاب الله.

[23] ﴿إِلَّا بَلَٰغٗا مِّنَ ٱللَّهِ وَرِسَٰلَٰتِهِۦۚ وَمَن يَعۡصِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ فَإِنَّ لَهُۥ نَارَ جَهَنَّمَ خَٰلِدِينَ فِيهَآ أَبَدًا 23﴾:

وقل لهم -أيها النبي-: وإنما الذي أملكه هو تبليغُكم رسالةَ الله، وبعد تبليغكم رسالةَ الله اعلموا أن مَنْ يكفُرْ بالله ورسوله ﷺ، ويُعرِضْ عن دينه، فإن جزاءه نارُ جهنَّم لا يخرُجُ منها أبدًا. وقوله: ﴿وَمَن يَعۡصِ﴾، المعصيةُ هنا هي الكفر؛ لأنَّ مجرَّدَ المعصيةِ مع الإيمان، فإنها لا تُوجِبُ الخلودَ في النار.

[24] ﴿حَتَّىٰٓ إِذَا رَأَوۡاْ مَا يُوعَدُونَ فَسَيَعۡلَمُونَ مَنۡ أَضۡعَفُ نَاصِرٗا وَأَقَلُّ عَدَدٗا 24﴾:

واعلم -أيها النبي- أن هؤلاء الكفار لا يزالون على ما هم عليه مِن الإصرارِ على الكفرِ وعداوةِ النبيِّ ﷺ والمؤمنين إلى أن يَرَوُا الذي يوعدون به مِن العذابِ عيانًا؛ فسيعلمون حينئذٍ مَنِ الذين هم أضعَفُ ناصرًا ومُعِينًا وأقلُّ جندًا؟! حيث إن الكفار في يوم القيامة سيكونون في غاية الضعفِ والذِّلَّةِ والهوان.

[25] ﴿قُلۡ إِنۡ أَدۡرِيٓ أَقَرِيبٞ مَّا تُوعَدُونَ أَمۡ يَجۡعَلُ لَهُۥ رَبِّيٓ أَمَدًا 25﴾:

ثم لما استعجَلَ الكفَّارُ النبيَّ ﷺ، طلبًا للعذاب: أمَرَهُ جل وعلا أن يقولَ لهم: اعلموا -أيها الكفَّار- أن عذابَ الله نازلٌ بكم إن لم تؤمنوا لا ريبَ في ذلك، ولكنْ ما أدري هل هذا العذابُ الذي وُعِدتُّمْ به سيأتي بعد وقتٍ قريب أم بعد وقتٍ بعيد؟!

[26] ﴿عَٰلِمُ ٱلۡغَيۡبِ فَلَا يُظۡهِرُ عَلَىٰ غَيۡبِهِۦٓ أَحَدًا 26﴾:

واعلموا -أيها الناس- أن الله عالمٌ بما غاب عن أبصارِ خَلْقه، ولا يعلم بغيبِهِ أحدٌ من الناس كائنًا من كان.

[27] ﴿إِلَّا مَنِ ٱرۡتَضَىٰ مِن رَّسُولٖ فَإِنَّهُۥ يَسۡلُكُ مِنۢ بَيۡنِ يَدَيۡهِ وَمِنۡ خَلۡفِهِۦ رَصَدٗا 27﴾:

ثم استثنى سبحانه مَنِ ارتضاه واختاره مِن رُسُله؛ فإنه يُطْلِعُهُ على ما شاء منه بحسَبِ ما تقتضيه مصلحةُ الدعوة، وما تقتضيه حِكْمته؛ ليكونَ ذلك معجزةً لهذا الرسول، ثم يحفظُ سبحانه رسوله ﷺ بأن يَجْعَلَ له ملائكةً تحيطه مِن جميعِ جوانبه يحفظونه مِن كلِّ سوء.

[28] ﴿لِّيَعۡلَمَ أَن قَدۡ أَبۡلَغُواْ رِسَٰلَٰتِ رَبِّهِمۡ وَأَحَاطَ بِمَا لَدَيۡهِمۡ وَأَحۡصَىٰ كُلَّ شَيۡءٍ عَدَدَۢا 28﴾:

ثم بيَّن جل وعلا أنه يحفظُ رسلَهُ بملائكته؛ لِيَعْلَمَ سبحانه أنهم قد أبلغوا رسالاتِ ربِّهم، دون زيادةٍ أو نقصان؛ مع العلم أن الله عالم سلفًا بما هم فاعلون؛ لكنه سبحانه لكمالِ عَدْلِهِ لا يحاسِبُ العبادَ إلا بعد صدورِ الفعلِ مِن فاعله، كما أنه سبحانه أحاطَ عِلْمُهُ بما عند الرسل؛ فلا يخفى عليه شيء مِنْ أمورهم، وأحصى جل في علاه كلَّ شيء في هذا الكون إحصاءً تامًّا، وعَلِمَهُ علمًا كاملًا.

سورة المُزَّمِّل

سورةُ المزَّمِّلِ مكيَّةٌ، وآياتها عشرون آية.

[1] ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلۡمُزَّمِّلُ 1﴾:

بدأ جل وعلا بنداء نبيه ﷺ بهذا النداءِ الذي فيه تلطُّفٌ ومؤانَسةٌ له، فقال: يا أيها المتغطِّي بفراشه دَعِ التغطِّيَ والتلفُّف. وقد جاء في صحيحَي البخاريِّ ومسلمٍ([4]) أنَّ النبيَّ ﷺ لما جاءه جبريلُ، وهو يتعبَّد ربه في غارِ حِرَاءٍ، وأنزَلَ عليه: ﴿ٱقۡرَأۡ بِٱسۡمِ رَبِّكَ ٱلَّذِي خَلَقَ﴾ [العلق:١]، رجَعَ إلى زوجِهِ خديجةَ، وهو يرتعِدُ مِن رهبةِ الموقفِ الذي لم يَمُرَّ بمثله، فقال لها: زمِّلوني زمِّلوني، لقد خَشِيتُ على نَفْسي، ثم أخبَرَها بالخبر، فكان منها التثبيتُ والتطمين، ثم غطَّته بقطيفة، فتزمَّل بها، أي: التَفَّ بها. [4] أخرجه البخاري (4953)، ومسلم (160)، عن عائشة رضي الله عنها.

[2] ﴿قُمِ ٱلَّيۡلَ إِلَّا قَلِيلٗا 2﴾:

ثم أمر سبحانه نبيه ﷺ أن يقوم أغلب الليلِ بالصلاةِ إلا وقتًا يسيرًا.

[3] ﴿نِّصۡفَهُۥٓ أَوِ ٱنقُصۡ مِنۡهُ قَلِيلًا 3﴾:

ثم بين له سبحانه أن يقوم نصفَ الليل، أو ينقُصْ مِن النصفِ قليلًا حتى يَصِلَ إلى الثلث.

[4] ﴿أَوۡ زِدۡ عَلَيۡهِ وَرَتِّلِ ٱلۡقُرۡءَانَ تَرۡتِيلًا 4﴾:

وبين له سبحانه بأنه لا بأس أن يزيد على النصفِ قليلًا حتى يَصِلَ إلى الثلثَيْن، ثم أمره جل في علاه أن يقرأَ القرآنَ أثناء قيامِ الليلِ قراءةَ تفكُّرٍ وتثبُّتٍ، وتُؤَدةٍ وتمهُّل؛ ليكون عونًا له على فهم القرآن وتدبُّره.

[5] ﴿إِنَّا سَنُلۡقِي عَلَيۡكَ قَوۡلٗا ثَقِيلًا 5﴾:

واعلم -أيها النبي- أن الله سوف يُنزِلُ عليك قرآنًا عظيمًا مشتمِلًا على الحلالِ والحرامِ والحدودِ، وما يتعلَّقُ بالجهاد، وأخبارِ الدنيا والآخرة، وغيرِ ذلك؛ مِثْلُ قصصِ الأنبياء مع أقوامهم.

[6] ﴿إِنَّ نَاشِئَةَ ٱلَّيۡلِ هِيَ أَشَدُّ وَطۡـٔٗا وَأَقۡوَمُ قِيلًا 6﴾:

ثم اعلم -أيها النبي- أن الصلاة التي تنشأُ في جَوْفِ الليلِ بعد نومٍ تكونُ أشدَّ تأثيرًا في القلب، وأقرَبَ إلى تحصيلِ مقصودِ القرآن؛ لأن القلبَ يكون صافيًا من المشاغِلِ الدنيوية.

[7] ﴿إِنَّ لَكَ فِي ٱلنَّهَارِ سَبۡحٗا طَوِيلٗا 7﴾:

وأما في النهار فاعلم -أيها النبي- أن لك فيه تقلُّبًا وتصرُفًا في أمور حياتك، وانشغالًا في طَلَبِ الرزقِ وتبليغِ الدعوة؛ فلا تستطيعُ أن تتفرَّغ فيه للعبادة.

[٨] ﴿وَٱذۡكُرِ ٱسۡمَ رَبِّكَ وَتَبَتَّلۡ إِلَيۡهِ تَبۡتِيلٗا 8﴾:

واستعِنْ -أيها النبي- على دَعْوَتِكَ بذكرِ اللهِ وتسبيحِهِ ليلًا ونهارًا، وانقطِعْ لعبادة ربِّك وتبليغِ الرسالةِ انقطاعًا تامًّا، والتمِسْ ما عنده سبحانه، وتوكَّلْ عليه.

[9] ﴿رَّبُّ ٱلۡمَشۡرِقِ وَٱلۡمَغۡرِبِ لَآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ فَٱتَّخِذۡهُ وَكِيلٗا 9﴾:

واعلم أن الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى هو ربُّ المشرقِ والمغربِ ومالكهما والمتصرِّفُ فيهما، وأنه لا معبودَ بحقٍّ إلا هو؛ وها أنت قد عرَفْتَ ذلك، فاعتمِدْ عليه، وفوِّضْ أمرك إليه.

[10] ﴿وَٱصۡبِرۡ عَلَىٰ مَا يَقُولُونَ وَٱهۡجُرۡهُمۡ هَجۡرٗا جَمِيلٗا 10﴾:

ثم أمَرَ جل وعلا نبيه ﷺ بالصبرِ على ما يقولُ هؤلاءِ الكفَارُ مِن سبِّه وسبِّ ما جاء به، وأمَرَهُ أن يعتزِلَهم ويبتعِدَ عنهم بعد أن دعاهم فأَبَوْا، وله أن يقاطِعَهم مقاطعةً حَسَنةً جميلة؛ بألَّا يتعرَّض لهم، ولا ينشغِلَ بهم، ولا ينتقِمَ منهم.

[11] ﴿وَذَرۡنِي وَٱلۡمُكَذِّبِينَ أُوْلِي ٱلنَّعۡمَةِ وَمَهِّلۡهُمۡ قَلِيلًا 11﴾:

ثم قال جل وعلا على سبيلِ التهديد: اترُكْ -أيها النبي- لي هؤلاءِ المكذِّبين بآياتي، الجاحِدِينَ لدِينِ الله، أصحابَ الأموالِ والغنى والتَّرَف، ودَعْهم في باطلهم وقتًا قليلًا؛ فعقابُهُمْ ومحاسَبَتُهُمْ عندي.

[12] ﴿إِنَّ لَدَيۡنَآ أَنكَالٗا وَجَحِيمٗا 12﴾:

وليعلَمْ هؤلاءِ المكذِّبون بأن لهم عندنا يومَ القيامة قيودًا ثقيلةً توضعُ في أرجُلِهم إذلالًا لهم، وعندنا نارٌ شديدةُ الاشتعالِ سوف نُلْقِيهم فيها.

[13] ﴿وَطَعَامٗا ذَا غُصَّةٖ وَعَذَابًا أَلِيمٗا 13﴾:

وعندنا أيضًا طعامٌ لا يستساغُ ولا يُبلَعُ، بل يَنْشَبُ في الحَلْقِ لبشاعته وسوئه، كالزَّقُّوم والضَّرِيع، وأيضًا عندنا عذابٌ أليمٌ مُوجِعٌ، وهذا العذابُ يكونُ يومَ القيامةِ للكافرِينَ المحارِبينَ للدعوة.

[14] ﴿يَوۡمَ تَرۡجُفُ ٱلۡأَرۡضُ وَٱلۡجِبَالُ وَكَانَتِ ٱلۡجِبَالُ كَثِيبٗا مَّهِيلًا 14﴾:

ثم بيَّن سبحانه أنَّ في ذلك اليوم العظيم ترجُفُ الجبالُ والأرضُ وتتزلزلُ وتتحرَّكُ وتضطرِبُ، فتصيرُ الجبالُ الصُّلْبةُ الجامدةُ رَمْلًا وهَبَاءً.

[15] ﴿إِنَّآ أَرۡسَلۡنَآ إِلَيۡكُمۡ رَسُولٗا شَٰهِدًا عَلَيۡكُمۡ كَمَآ أَرۡسَلۡنَآ إِلَىٰ فِرۡعَوۡنَ رَسُولٗا 15﴾:

واعلموا -يا أهل مكة- أن الله أرسَلَ إليكم محمدًا ﷺ رسولًا عظيمَ الشأن رفيعَ المنزلة، وسيشهدُ عليكم يوم القيامة بأنه قد بلَّغكم رسالةَ الله أتمَّ تبليغ، كما أرسَلَ موسى عليه السلام رسولًا إلى الطاغيةِ فرعونَ يدعُوهُ إلى الحق.

[16] ﴿فَعَصَىٰ فِرۡعَوۡنُ ٱلرَّسُولَ فَأَخَذۡنَٰهُ أَخۡذٗا وَبِيلٗا 16﴾:

ثم بين سبحانه أن فرعون عصى موسى عليه السلام، فأخَذَ اللهُ فرعون وجنوده أخذًا شديدًا، وذلك بأن أغرَقَهُ الله في الدنيا في البحر، وفي الآخِرةِ هو في أشدِّ العذاب. وفي هاتَيْنِ الآيتَيْنِ: تحذيرٌ وتهديدٌ للمشركين إذا ما استمرُّوا في جحودهم وكُفْرهم؛ فقد يُعاقِبُهم الله عقابًا شديدًا لا يَقِلُّ عن عقابه جل في علاه لفرعونَ وجنودِهِ عندما عصى موسى عليه السلام.

[17] ﴿فَكَيۡفَ تَتَّقُونَ إِن كَفَرۡتُمۡ يَوۡمٗا يَجۡعَلُ ٱلۡوِلۡدَٰنَ شِيبًا 17﴾:

إذا كان الأمرُ -أيها المشركون- كما سمعتم مِن سوءِ عاقبةِ المكذِّبين والجاحدين؛ فكيف تحصِّنون أنفُسَكُمْ مِن عذابِ اللهِ يومَ القيامةِ إنِ استمرَرْتُمْ على كُفْرِكم وعصيانكم، ذلك اليومُ الذي من شِدَّةِ هَوْلِهِ يَشِيبُ فيه شَعْرُ الوِلْدان.

[18] ﴿ٱلسَّمَآءُ مُنفَطِرُۢ بِهِۦۚ كَانَ وَعۡدُهُۥ مَفۡعُولًا 18﴾:

وفي ذلك اليوم تتصدَّعُ السماء مع عِظَمها وصلابتها، وهذا اليومُ لا بدَّ مِن وقوعه، لا شكَ ولا ريبَ في ذلك؛ فهو وَعْدُ الله الذي لا يُخْلِفُ الميعاد.

[19] ﴿إِنَّ هَٰذِهِۦ تَذۡكِرَةٞۖ فَمَن شَآءَ ٱتَّخَذَ إِلَىٰ رَبِّهِۦ سَبِيلًا 19﴾:

واعلموا -أيها الناس- أن هذه الأخبارَ والمواعظَ التي تقدَّم ذِكْرُها تذكرةً وموعظةً لأولي الألباب؛ فمَنْ أراد مِن الغافلين الناسين الاتِّعاظَ والنجاةَ، اتَّخَذَ إلى رضا ربه سبيلًا؛ وذلك بتوحيدِهِ وإخلاصِ العبادةِ له جل في علاه.

[20] ﴿إِنَّ رَبَّكَ يَعۡلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدۡنَىٰ مِن ثُلُثَيِ ٱلَّيۡلِ وَنِصۡفَهُۥ وَثُلُثَهُۥ وَطَآئِفَةٞ مِّنَ ٱلَّذِينَ مَعَكَۚ وَٱللَّهُ يُقَدِّرُ ٱلَّيۡلَ وَٱلنَّهَارَۚ عَلِمَ أَن لَّن تُحۡصُوهُ فَتَابَ عَلَيۡكُمۡۖ فَٱقۡرَءُواْ مَا تَيَسَّرَ مِنَ ٱلۡقُرۡءَانِۚ عَلِمَ أَن سَيَكُونُ مِنكُم مَّرۡضَىٰ وَءَاخَرُونَ يَضۡرِبُونَ فِي ٱلۡأَرۡضِ يَبۡتَغُونَ مِن فَضۡلِ ٱللَّهِ وَءَاخَرُونَ يُقَٰتِلُونَ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِۖ فَٱقۡرَءُواْ مَا تَيَسَّرَ مِنۡهُۚ وَأَقِيمُواْ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتُواْ ٱلزَّكَوٰةَ وَأَقۡرِضُواْ ٱللَّهَ قَرۡضًا حَسَنٗاۚ وَمَا تُقَدِّمُواْ لِأَنفُسِكُم مِّنۡ خَيۡرٖ تَجِدُوهُ عِندَ ٱللَّهِ هُوَ خَيۡرٗا وَأَعۡظَمَ أَجۡرٗاۚ وَٱسۡتَغۡفِرُواْ ٱللَّهَۖ إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٞ رَّحِيمُۢ 20﴾:

ثم أخبَرَ سبحانه نبيه ﷺ أنه يعلم أنه يقومُ جزءًا مِن الليل، أحيانًا يكونُ أقلَّ مِن ثُلُثَيِ الليل، وأحيانًا يكونُ نِصْفَ الليل، وأحيانًا يكونُ ثُلُثَ الليل، ويقومُ معه طائفةٌ من أصحابه، واللهُ جل وعلا هو العالِمُ بمقاديرِ الليلِ والنهار، وقد عَلِمَ سبحانه أنكم لن تُطِيقوا -أيها الناس- قيامَ الليلِ كلِّه؛ ولذا تاب عليكم بالتخفيفِ عنكم، فصلُّوا ما تيسَّر لكم في الليل؛ فقد عَلِمَ سبحانه أنه سيكونُ مِن هذه الأمة ذوو أعذارٍ لا يستطيعون معها القيامَ بالليل؛ فهناك مَنْ يُعْجِزُهُ المرضُ عن قيام الليل، وآخرون ينتقِلُونَ للتجارةِ وكَسْبِ الرزق، وآخرون يجاهدون الأعداءَ؛ لإعلاءِ كلمةِ الله ونَشْرِ دينه.

وقدَّم سبحانه السَّعْيَ في الأرضِ على الجهادِ في سبيلِ الله؛ لأنَّ الإنسانَ يحتاجُ، بل يُضطَرُّ للنفقة على نفسِهِ وعلى أُسْرَتِهِ؛ ولأجلِ ذلك فقد خفَّف الله عليكم؛ فصلُّوا في الليلِ ما تيسَّر لكم، وأدُّوا الصلاةَ المفروضةَ في أوقاتها على الوجهِ الأكمل، وكذلك أدُّوا الزكاةَ الواجبةَ عليكم إلى مستحِقِّيها، وأنفقوا مِن أموالكم إنفاقًا حَسَنًا عن طِيبِ قَلْبٍ للمجاهدين في سبيلِ الله وغيرِهم، وعبَّر سبحانه عن الإنفاقِ بالإقراضِ؛ لأن المنفِقَ إنما قصَدَ رضا الله، والأجرَ المضاعَفَ؛ فكان شبيهًا بالإقراض، واعلموا أنه ما تقدِّموا لأنفسكم في الدنيا مِن صدقةٍ، تَجِدُوا ثوابها عند الله يوم القيامة خيرًا مما أبقيتم في الدنيا.

ثم أرشَدَ سبحانه عباده إلى الاستغفارِ؛ لأن الإنسان لا ينجو من السهوِ والتقصير، واعلموا أن الله سَتِيرٌ على أهلِ الذنوبِ والتقصيرِ التي دون الشرك، وأنه ذو رحمةٍ؛ فلا يعاقِبُهُمْ على الذنوب بعد توبتهم منها؛ إن أدَّوْا ما عليهم مِن حقوق للغير.

سورة المدّثر

سورةُ المدَّثِّرِ مكيَّةٌ، وآياتها ستٌّ وخمسون آية.

[1] ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلۡمُدَّثِّرُ 1﴾:

بدأت هذه السورةُ بتكليفِ النبيِّ ﷺ بالنهوضِ بمهمَّةِ الدعوةِ والتبليغِ بجدٍّ ونشاط، وقد افتتَحَها جل وعلا بملاطَفَتِهِ ومؤانسَتِهِ ﷺ، كما افتتَحَ سورةَ المزَّمِّل، فقال سبحانه: يا أيها المتغطِّي، أو الملتفُّ بفراشه.

[2] ﴿قُمۡ فَأَنذِرۡ 2﴾:

وهذا أمر منه جل في علاه لنبيه ﷺ بأن يقوم من مضجعه، وأن يحذر الناس من عذاب الله؛ إذا ما استمرُّوا في شركهم.

[3] ﴿وَرَبَّكَ فَكَبِّرۡ 3﴾:

ثم أمر سبحانه نبيه ﷺ أن يعظم ربه ويُبجِّله وحده بالتوحيد والعبادة.

[4] ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرۡ 4﴾:

وأمره سبحانه أن يطهر ثيابه من النجاسات والمستقذَرَات؛ فإنَّ طهارةَ الظاهرِ مِن تمامِ طهارةِ الباطن.

[5] ﴿وَٱلرُّجۡزَ فَٱهۡجُرۡ 5﴾:

وأمره سبحانه أن يستمِرَّ في تركِ الأصنامِ والأوثانِ وأعمالِ الشركِ كلِّها، وأن يتبرَّأ منها ومِن أهلها.

[6] ﴿وَلَا تَمۡنُن تَسۡتَكۡثِرُ 6﴾:

وأمره سبحانه أن يجعل عمله خالصًا لوجه الله لا يريدُ مِن أحدٍ جزاءً ولا شكورًا؛ ومن ذلك أنْ لا يمنَّ على الناس بما أسدى إليهم مِن النصائحِ والإرشادات، مستكثِرًا ذلك عليهم؛ فإن فضل الله أكثر.

[7] ﴿وَلِرَبِّكَ فَٱصۡبِرۡ 7﴾:

وأمره سبحانه أن يصبر على التكاليفِ والأوامرِ التي كُلِّفَ بها؛ فصبَرَ ﷺ حتى فاق كلَّ الصابرين.

[8] ﴿فَإِذَا نُقِرَ فِي ٱلنَّاقُورِ 8﴾:

ثم ذكَرَ جل وعلا جانبًا من أهوالِ يومِ القيامة، فقال سبحانه: فإذا نُفِخَ -أيها النبي- في القَرْنِ نفخةُ البعثِ والنشورِ، وهي النفخةُ الثانيةُ التي يكون بعدها الجزاءُ والحساب.

[9] ﴿فَذَٰلِكَ يَوۡمَئِذٖ يَوۡمٌ عَسِيرٌ 9﴾:

فاعلَمْ -أيها النبي- أن ذلك اليومَ -أي: يوم القيامة- سوف يكون يومًا صعبًا بسبب ما فيه من الأهوال الفظيعة.

[10] ﴿عَلَى ٱلۡكَٰفِرِينَ غَيۡرُ يَسِيرٖ 10﴾:

ثم بين سبحانه أنه يوم صعب على الكافرِينَ الجاحِدِينَ لدين الله، لا يُسْرَ فيه ولا فيما بعده. ومِن رحمةِ اللهِ بعبادِهِ المؤمنين: أن قال: ﴿عَلَى ٱلۡكَٰفِرِينَ﴾؛ ففي هذا إيناسٌ وتطمينٌ بأن أهوالَ يومِ القيامة ستتيسَّرُ على المؤمنين.

[11] ﴿ذَرۡنِي وَمَنۡ خَلَقۡتُ وَحِيدٗا 11﴾:

ثم أخبَرَ جل وعلا بقصَّةِ ذلك الضالِّ المعانِدِ الوليدِ بنِ المُغِيرَةِ، فقال سبحانه: اترُكْ -أيها النبي- لي هذا الشقيَّ، سأكفيك عقابه، الذي خلقتُهُ في بطنِ أمِّه وحيدًا فريدًا.

[12] ﴿وَجَعَلۡتُ لَهُۥ مَالٗا مَّمۡدُودٗا 12﴾:

ثم بين سبحانه أنه جعل لهذا المعاند مالًا كثيرًا.

[13] ﴿وَبَنِينَ شُهُودٗا 13﴾:

وبين سبحانه أنه خلق لهذا المعاند أولادًا كثيرين، وجعَلَهُمْ حضورًا عندَهُ في مكَّة لا يفارقونها لكَسْبِ العيش.

[14] ﴿وَمَهَّدتُّ لَهُۥ تَمۡهِيدٗا 14﴾:

وبين سبحانه أيضًا أنه بسط لهذا المعاند العيش والجاه، ومكنه مِن الدنيا وأسبابها.

[15] ﴿ثُمَّ يَطۡمَعُ أَنۡ أَزِيدَ 15﴾:

ومع كُلِّ هذه النعم التي أعطاها سبحانه لهذا المعاند، فإن له طمعٌ ورَغْبةٌ في الزيادةِ والاستكثارِ مع بقائه على الكُفْر.

[16] ﴿كَلَّآۖ إِنَّهُۥ كَانَ لِأٓيَٰتِنَا عَنِيدٗا 16﴾:

كلَّا ليس الأمر كما يظن هذا المعاند، فإننا لن نزيده شيئًا؛ لأنه كان معانِدًا لآياتنا، ومكذِّبًا بها -بعد تيقُّنه بصدقها وصوابها- كما قال تعالى: ﴿فَإِنَّهُمۡ لَا يُكَذِّبُونَكَ وَلَٰكِنَّ ٱلظَّٰلِمِينَ بِـَٔايَٰتِ ٱللَّهِ يَجۡحَدُونَ﴾ [الأنعام:٣٣]، بل سأَمْحَقُ هذه النِّعَمَ مِن بين يديه، ولن يَهْنَأَ بها أبدًا.

[17] ﴿سَأُرۡهِقُهُۥ صَعُودًا 17﴾:

وبسبب عناده وتكذيبه لآياتنا سوف نكلِّفه مشقَّةً مِن العذابِ، ونحمِّلُهُ ما لا يطيق.

[18] ﴿إِنَّهُۥ فَكَّرَ وَقَدَّرَ 18﴾:

ثم بين سبحانه أن هذا المجرم المعاند فكَّر وتأمَّل في شأنِ النبيِّ ﷺ، والقرآنِ الذي جاء به، ثم زوَّر في نفسه كلامًا يريد أن يقوله طعنًا في النبيِّ ﷺ، والقرآنِ الكريم.

[19] ﴿فَقُتِلَ كَيۡفَ قَدَّرَ 19﴾:

وبسبب ما قاله هذا المجرِمُ في النبيِّ ﷺ، وفي القرآنِ، فإن الله قاتَلَهُ ولعَنَهُ وأصابَهُ بالهلاك؛ إذْ كيف قدَّر هذا الكلامَ الباطل؟!

[20] ﴿ثُمَّ قُتِلَ كَيۡفَ قَدَّرَ 20﴾:

ثم إن الله قاتَلَهُ ولعَنَهُ وأصابَهُ بالهلاكِ مرَّةً ثانيةً؛ إذْ كيف يقدِّر هذا القولَ الشنيعَ الباطل؟!

[21] ﴿ثُمَّ نَظَرَ 21﴾:

ثم بين سبحانه أن هذا المجرم المعاند تأمَّل فيما سيقولُ في القرآن، وبماذا سيطعُنُ فيه. وقوله: ﴿ثُمَّ نَظَرَ﴾، هذه أقصَرُ آيةٍ في القرآن الكريم.

[22] ﴿ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ 22﴾:

ثم أخبر سبحانه أن هذا المجرم المعاند قطب وجهُهُ وكلَحَ وتغيَّر؛ لما ضاقت عليه الحِيَلُ ولم يَجِدْ ما يطعُنُ به في القرآن.

[23] ﴿ثُمَّ أَدۡبَرَ وَٱسۡتَكۡبَرَ 23﴾:

ثم أخبر سبحانه أن هذا المجرم المعاند تولى وأعرَضَ عن الإيمانِ والتوحيدِ، واستكبَرَ عن قول الحق، وعن التصديق بالقرآن.

[24] ﴿فَقَالَ إِنۡ هَٰذَآ إِلَّا سِحۡرٞ يُؤۡثَرُ 24﴾:

ثم قال هذا المجرِمُ المعاند على سبيلِ الغرورِ والجحود: ما هذا القرآنُ إلا سِحْرٌ ينقُلُهُ محمَّد عن الأوَّلين.

[25] ﴿إِنۡ هَٰذَآ إِلَّا قَوۡلُ ٱلۡبَشَرِ 25﴾:

ثم قال هذا المجرم المعاند: إن هذا القرآن ليس بكلامِ الله؛ بل هو مِن كلامِ المخلوقين تعلَّمه محمَّدٌ منهم، ثم ادَّعى أنه مِن عند الله.

[26] ﴿سَأُصۡلِيهِ سَقَرَ 26﴾:

ثم جاء الوعيدُ الشديدُ لهذا المجرِمِ المعانِدِ؛ بسببِ ما قاله في شأنِ النبيِّ ﷺ والقرآن؛ فأخبَرَ سبحانه أنه سيُدخِلُهُ نارَ جهنَّمَ يقاسي حرَّها وعذابها.

[27] ﴿وَمَآ أَدۡرَىٰكَ مَا سَقَرُ 27﴾:

ثم قال سبحانه لنبيه ﷺ وما أدراك -يا نبي الله- ما نار جهنم؟!

[28] ﴿لَا تُبۡقِي وَلَا تَذَرُ 28﴾:

اعلم –أيها النبي- أن هذه النار لا تُبْقِي، ولا تترُكُ أحدًا ممن دخَلَها إلا أحرقَتْهُ وأنهكَتْهُ، ثم يعودُ كما كان ليذوقَ العذاب مرَّةً أخرى.

[29] ﴿لَوَّاحَةٞ لِّلۡبَشَرِ 29﴾:

واعلم أيضًا –أيها النبي- أن هذه النارُ تسوِّدُ البَشَرةَ وتُحْرِقُها، وتغيِّرُ لونَ الجِلْد.

[30] ﴿عَلَيۡهَا تِسۡعَةَ عَشَرَ 30﴾:

واعلم –أيها النبي- أن هذه النار عليها مِن الخَزَنةِ تِسْعةَ عشَرَ من الملائكةِ الغلاظِ الشدادِ الذين لا يعصون الله ما أمرهم، ويفعلون ما يُؤْمَرون. وسَقَرُ: اسمٌ من أسماء النار.

[31] ﴿وَمَا جَعَلۡنَآ أَصۡحَٰبَ ٱلنَّارِ إِلَّا مَلَٰٓئِكَةٗۖ وَمَا جَعَلۡنَا عِدَّتَهُمۡ إِلَّا فِتۡنَةٗ لِّلَّذِينَ كَفَرُواْ لِيَسۡتَيۡقِنَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلۡكِتَٰبَ وَيَزۡدَادَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ إِيمَٰنٗا وَلَا يَرۡتَابَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلۡكِتَٰبَ وَٱلۡمُؤۡمِنُونَ وَلِيَقُولَ ٱلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٞ وَٱلۡكَٰفِرُونَ مَاذَآ أَرَادَ ٱللَّهُ بِهَٰذَا مَثَلٗاۚ كَذَٰلِكَ يُضِلُّ ٱللَّهُ مَن يَشَآءُ وَيَهۡدِي مَن يَشَآءُۚ وَمَا يَعۡلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَۚ وَمَا هِيَ إِلَّا ذِكۡرَىٰ لِلۡبَشَرِ 31﴾:

ثم أخبَرَ جل وعلا أنه ما جعَلَ خَزَنةَ النار إلا ملائكةً لشدَّتهم وقوَّتهم وغِلْظتهم، وما جعَلَ سبحانه عدَدَهم تسعةَ عشَرَ إلا اختبارًا ومِحْنةً للكافرين ليتضاعَفَ عذابهم -بتكذيبهم واستهزائهم- ويكثُرَ غضَبُ الله عليهم إن لم يتوبوا، وليزدادَ تصديقُ أهلِ الكتاب ويقينُهُمْ أن هذا الدِّينَ حقٌّ حين يجدون ما في القرآن موافِقًا لما في التوراةِ والإنجيل، ولِيَزْدَادَ الذين آمنوا إيمانًا مع إيمانهم حين يَرَوْنَ موافَقةَ القرآنِ للكُتُبِ السابقة، ولا يشُكُّ أهلُ الكتاب والمؤمنون في ذلك، وليقولَ الكافرون الجاحِدونَ ومعهم المنافقون الذين في قلوبهم مَرَضٌ: ماذا أراد اللهُ بهذا العدَدِ الغريبِ القليل؟! وبمِثْلِ هذا المَثَلِ المضروبِ يُضِلُّ الله مَنْ يشاءُ بحكمتِهِ وعَدْله، ويهدي مَنْ يشاءُ برحمتِهِ وعَدْله، وما مِن أحدٍ يعلمُ عدَدَ وجِنْسَ جنودِ ربِّك إلا هو سبحانه، وما هذه النارُ بخَزَنتها إلا تذكرةٌ وموعظةٌ للبشر؛ ليؤمنوا بالله ويوحِّدوه ويفروا من عذابها.

[32] ﴿كَلَّا وَٱلۡقَمَرِ 32﴾:

كلا ليس الأمرُ كما تظُنُّونَ -أيها المشركون- من أنكم قادرون على أن تَغْلِبوا خَزَنةَ جهنَّم؛ فأقسِمُ بالقمَرِ إذا أضاء نورُهُ الكونَ.

[33] ﴿وَٱلَّيۡلِ إِذۡ أَدۡبَرَ 33﴾:

وأقسم بالليلِ إذا ولَّى وذهَبَ.

[34] ﴿وَٱلصُّبۡحِ إِذَآ أَسۡفَرَ 34﴾:

وأقسم بالصبحِ إذا أشرَقَ.

[35] ﴿إِنَّهَا لَإِحۡدَى ٱلۡكُبَرِ 35﴾:

اعلموا -أيها الناس- أنَّ جهنَّمَ لإحدى الرزايا العظيمة، والدواهي الكبيرة.

[36] ﴿نَذِيرٗا لِّلۡبَشَرِ 36﴾:

واعلموا أيضًا أن الله جعل جهنم نذيرًا ينذر بها الناس جميعًا.

[37] ﴿لِمَن شَآءَ مِنكُمۡ أَن يَتَقَدَّمَ أَوۡ يَتَأَخَّرَ 37﴾:

ثم فصَّل سبحانه فقال: إنه جعل جهنم نذيرًا لمن أراد مِن العباد أن يتقدَّمَ؛ فينجو بتوحيد الله وطاعته، وفِعْلِ أوامره، واجتنابِ نواهيه، أو يتأخَّرَ؛ فيَهْلِك بالشرك والمعاصي. فإنَّ كلَّ ما يحدُثُ يوم القيامة من الأهوال العظيمةِ يَهُونُ عند جهنَّمَ في عِظَمِ حَجْمها، وشِدَّةِ حرِّها، والتي تسعَّرُ نيرانها ليلًا ونهارًا، ووَقُوُدها الناسُ والحجارة. وقوله: ﴿لِمَن شَآءَ﴾: ردٌّ على الجَبْريَّةَ الذين يقولون: إنَّ العبدَ مجبورٌ ولا مشيئةَ له.

[38] ﴿كُلُّ نَفۡسِۭ بِمَا كَسَبَتۡ رَهِينَةٌ 38﴾:

ثم أخبَرَ جل وعلا أن كلَّ نفسٍ يومَ القيامةِ مرهونةٌ عند الله بما كسَبَتْ؛ سواءٌ كان عملها صالحًا أو غيرَ ذلك، وبما أوجَبَهُ الله عليها مِن التوحيدِ والعبادة.

[٣٩] ﴿إِلَّآ أَصۡحَٰبَ ٱلۡيَمِينِ 39﴾:

ثم استثنى سبحانه المؤمنون الصادقون الذين فكُّوا الرِّهَانَ بأعمالهم الصالحة.

[40] ﴿فِي جَنَّٰتٖ يَتَسَآءَلُونَ 40﴾:

ثم أخبر سبحانه أن هؤلاء المؤمنين الصادقين في بساتينَ ونعيمٍ مقيم.

[41] ﴿عَنِ ٱلۡمُجۡرِمِينَ 41﴾:

وأخبر سبحانه أن هؤلاء المؤمنين وهم في الجنَّاتِ يتساءلون فيما بينهم عن أحوالِ الكافرين، وذلك قبل أن يَرَوْهُمْ.

[42] ﴿مَا سَلَكَكُمۡ فِي سَقَرَ 42﴾:

ثم بين سبحانه أنهم إذا رأَوْا الكفار وهم في النارِ سألوهم على سبيلِ التوبيخِ والتحقير: ما الذي أدخَلَكُمْ جهنَّم؟!

[43] ﴿قَالُواْ لَمۡ نَكُ مِنَ ٱلۡمُصَلِّينَ 43﴾:

فأجاب هؤلاء الكفار بحَسْرةٍ وندامةٍ فقالوا: إنَّ الذي أدَّى بنا إلى هذا المصيرِ السيِّئ: أننا لم نكُنْ نؤدِّي الصلاةَ في الدنيا.

[44] ﴿وَلَمۡ نَكُ نُطۡعِمُ ٱلۡمِسۡكِينَ 44﴾:

وقالوا أيضًا: إننا لم نكُنْ نتصدَّقُ؛ فنُحسِنَ إلى الفقراء والمساكين.

[45] ﴿وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ ٱلۡخَآئِضِينَ 45﴾:

وقالوا أيضًا: إننا كنا نتحدَّثُ مع أهل الباطل في باطلهم.

[46] ﴿وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوۡمِ ٱلدِّينِ 46﴾:

وقالوا أيضًا: إننا كنا نكذِّبُ بيومِ الحساب والجزاء.

[47] ﴿حَتَّىٰٓ أَتَىٰنَا ٱلۡيَقِينُ 47﴾:

ثم قالوا: لقد استمر بنا الحال على هذا العناد وهذا التكذيب حتى جاءنا الموت، فمِتْنا على هذه الضلالاتِ والمنكَرات، ورأينا بأمِّ أعيننا صِدْقَ ما كنا نكذِّبُ به ونُنْكِره؛ فهل لنا مِن عَوْدةٍ إلى الدنيا؛ فنكونَ من المحسنين؟!

[48] ﴿فَمَا تَنفَعُهُمۡ شَفَٰعَةُ ٱلشَّٰفِعِينَ 48﴾:

ثم أخبَرَ جل وعلا أن هؤلاءِ الكفَّارَ ليس لهم يومَ القيامةِ مَنْ يشفعُ لهم لينجِّيهم من عذاب الله، ومعلومٌ أنه لا يُؤذَنُ لأحد أن يَشْفَعَ لأصحابِ الشركِ والكفر في الخروج من النار، وإنما تنفعُ الشفاعةُ عصاةَ المؤمنين.

[49] ﴿فَمَا لَهُمۡ عَنِ ٱلتَّذۡكِرَةِ مُعۡرِضِينَ 49﴾:

ثم قال جل وعلا متعجِّبًا من إصرارهم على الكفر: فما لكم -أيها المشركون- عن القرآن وما فيه مِن المواعظِ والتذكيرِ معرِضين.

[50] ﴿كَأَنَّهُمۡ حُمُرٞ مُّسۡتَنفِرَةٞ 50﴾:

ثم وصف سبحانه غرورَهُمْ وكُرْهَهم للحقِّ، وفرارَهُمْ مِن محمَّد ﷺ؛ ودينه كأنهم الحُمُرُ الوحشيَّةُ.

[51] ﴿فَرَّتۡ مِن قَسۡوَرَةِۭ 51﴾:

وبين سبحانه أن وجه الشبه أن هذه الحمر الوحشية إذا رأت الأَسَدَ هرَبَتْ منه خوفًا وفزعًا، وكذلك هؤلاء الكفار بسبب غرورهم يهربون من النبي ﷺ ومن دعوته. وقَسْوَرَةُ: اسمٌ مِن أسماءِ الأسد.

[52] ﴿بَلۡ يُرِيدُ كُلُّ ٱمۡرِيٕٖ مِّنۡهُمۡ أَن يُؤۡتَىٰ صُحُفٗا مُّنَشَّرَةٗ 52﴾:

ثم بيَّن سبحانه أن هؤلاءِ المكذِّبينَ يريدون -حسدًا وعنادًا- أن يُنْزِلَ اللهُ على كلِّ واحد منهم كتابًا خاصًّا من السماء منشورًا فيه أن محمَّدًا رسولٌ مِن عند الله؛ كما أنزَلَ سبحانه القرآنَ على نبيِّه ﷺ، ولكنْ هيهاتَ أن ينالَ هؤلاءِ المجرِمونَ درَجةَ الأنبياء.

[53] ﴿كَلَّاۖ بَل لَّا يَخَافُونَ ٱلۡأٓخِرَةَ 53﴾:

ثم اعلموا -أيها المكذِّبون- أن الأمر ليس كما زعمتم، بل الحقُّ أنكم قومٌ لا تعترفون بالآخرة، ولا تصدِّقون بالبعث والجزاء والحساب، وطلَبُهُمْ هذا تحَدٍّ لصاحبِ الرسالة.

[54] ﴿كَلَّآ إِنَّهُۥ تَذۡكِرَةٞ 54﴾:

ثم بيَّن سبحانه أنَّ هذا القرآن حقًّا تذكرةٌ وموعظةٌ كافيةٌ لاتِّعاظكم أيها الناس.

[55] ﴿فَمَن شَآءَ ذَكَرَهُۥ 55﴾:

وبين سبحانه أن مَنْ شاء النجاةَ، فليتَّعِظْ بآياتِ هذا القرآن العظيم، وينتفِعْ بهداياتِهِ وإرشاداته.

[56] ﴿وَمَا يَذۡكُرُونَ إِلَّآ أَن يَشَآءَ ٱللَّهُۚ هُوَ أَهۡلُ ٱلتَّقۡوَىٰ وَأَهۡلُ ٱلۡمَغۡفِرَةِ 56﴾:

ثم بين سبحانه أن هذا التذكُّرَ والاتِّعاظَ لا يتمُّ إلا بمشيئةِ الله وإرادته، وقد شاء فجعَلَهُمْ مختارين، فاختاروا الضلالَ على الهدى، ثم بيَّن سبحانه أنه هو الذي يستحِقُّ أن يُتقَّى وأن تُطلَبَ منه المغفرةُ؛ فقد فتَحَ بابه للتائبين الذين يسألونه المغفرةَ والرحمة، ورحَّب بالمتقين المؤمنين، أما الذين يعرضون ويحاربون الرسل، فهم الذين قد طبَعَ الله على قلوبهم.

سورة القيامة

سورةُ القيامةِ مكيَّةٌ، وآياتها أربعون آية.

[1] ﴿لَآ أُقۡسِمُ بِيَوۡمِ ٱلۡقِيَٰمَةِ 1﴾:

افتتَحَ جل وعلا هذه السورةَ بهذه الإقسامات، فقال سبحانه: أُقْسِمُ بيوم القيامة، يومِ الحسابِ والجزاء، الذي لا شكَّ في وقوعه.

[2] ﴿وَلَآ أُقۡسِمُ بِٱلنَّفۡسِ ٱللَّوَّامَةِ 2﴾:

وأُقْسِمُ بالنَّفْسِ الطاهرةِ المؤمنةِ التوَّاقةِ للمعالي التي تلومُ نَفْسَها على أخطائها وتقصيرها في حق الله، أنكم -أيها الثقلان- سوف تبعثون وتحاسبون على جميعِ أعمالكم.

[3] ﴿أَيَحۡسَبُ ٱلۡإِنسَٰنُ أَلَّن نَّجۡمَعَ عِظَامَهُۥ 3﴾:

ثم سأل سبحانه: هل يظنُّ هذا الكافرَ أن الله لا يَقْدِرُ على جمعِ عظامه بعد تفرُّقها، ثم إحيائِهِ مرَّةً أخرى.

[4] ﴿بَلَىٰ قَٰدِرِينَ عَلَىٰٓ أَن نُّسَوِّيَ بَنَانَهُۥ 4﴾:

فأخبر سبحانه أنه قادرٌ على جَمْعها، وإعادةِ تركيبها، كما كانت، بل إن الله سبحانه قادرٌ على ما هو أعجَبُ مِن ذلك؛ إنه قادرٌ على إعادةِ البَنَانِ بمفاصلها المتناسِقَة وبَصَماتها التي لا يُشْبِهُ بعضُها بعضًا.

[5] ﴿بَلۡ يُرِيدُ ٱلۡإِنسَٰنُ لِيَفۡجُرَ أَمَامَهُۥ 5﴾:

ثم أخبَرَ جل وعلا أن الكافرَ المنكِرَ للبعثِ والحسابِ لا يريدُ أن يكُفَّ عن هذا الإنكارِ؛ لكي يستمِرَّ على فجورِهِ وشهواتِهِ وارتكابِ المعاصي كيف يشاء.

[6] ﴿يَسۡـَٔلُ أَيَّانَ يَوۡمُ ٱلۡقِيَٰمَةِ 6﴾:

وأخبر سبحانه أن هذا الكافر المنكر للبعث والحساب يسألُ سؤالَ سخريةٍ واستهزاءٍ واستبعادٍ: متى يومُ القيامة؟!

[7] ﴿فَإِذَا بَرِقَ ٱلۡبَصَرُ 7﴾:

فردَّ جل وعلا على هذا الكافرِ واصفًا له يومَ القيامة، فقال سبحانه: اعلَمْ -أيها المنكِرُ للبعث- أنه إذا زاغ البصَرُ وتحيَّر فَزَعًا مما يَرَى.

[8] ﴿وَخَسَفَ ٱلۡقَمَرُ 8﴾:

واعلم –أيها الكافر- أيضًا إذا انطمَسَ نُورُ القمر.

[9] ﴿وَجُمِعَ ٱلشَّمۡسُ وَٱلۡقَمَرُ 9﴾:

واعلم –أيها الكافر- كذلك إذا جُمِعَ بين الشمسِ والقمرِ في انطماسِ نُورِهما.

[10] ﴿يَقُولُ ٱلۡإِنسَٰنُ يَوۡمَئِذٍ أَيۡنَ ٱلۡمَفَرُّ 10﴾:

فاعلم أنك حينئذٍ سوف تقولُ: أين المَهْرَبُ والنجاةُ مِن قضاءِ اللهِ وقَدَره، وحسابِهِ وعذابه؟!

[11] ﴿كَلَّا لَا وَزَرَ 11﴾:

فيقالُ لهذا الكافر: كلا؛ فليس الأمرُ كما تتمنَّى؛ فإنه لا ملجأَ لك ولا مَنْجى مِن الوقوفِ أمام ربِّ العالمين للحسابِ والجزاء.

[12] ﴿إِلَىٰ رَبِّكَ يَوۡمَئِذٍ ٱلۡمُسۡتَقَرُّ 12﴾:

واعلم أنه إلى الله وحده مصيرُ الخلائقِ ومستَقَرُّهم يومَ القيامةِ الذي لا مَهْرَبَ منه، ثم يجازى كلٌّ بما يستحِقّ.

[13] ﴿يُنَبَّؤُاْ ٱلۡإِنسَٰنُ يَوۡمَئِذِۭ بِمَا قَدَّمَ وَأَخَّرَ 13﴾:

واعلم أنه في هذا اليومِ العظيمِ سوف يُخْبَرُ الإنسانُ بكلِّ ما قدَّم من أعمال؛ حَسَنِها وسيِّئها، قديمِها وحديثِها، مِن أولها إلى آخرها.

[14] ﴿بَلِ ٱلۡإِنسَٰنُ عَلَىٰ نَفۡسِهِۦ بَصِيرَةٞ 14﴾:

ثم أخبَرَ جل وعلا أن الإنسان سوف يَرَى كلَّ ما عَمِلَ في الدنيا بنفسِهِ مُسْتَنْسَخًا أمامه؛ وحينئذٍ يكونُ هو الذي يحكُمُ على نفسه؛ لأنه أعرَفُ بأعماله الحَسَنةِ والسيئة.

[15] ﴿وَلَوۡ أَلۡقَىٰ مَعَاذِيرَهُۥ 15﴾:

ثم بين سبحانه أنه حينها لا تنفعُهُ معاذيرُهُ إذا حاول أن يأتي بالمعاذير، أو حاوَلَ أن يجادِلَ أو يخفي أو يتنصَّل.

[16] ﴿لَا تُحَرِّكۡ بِهِۦ لِسَانَكَ لِتَعۡجَلَ بِهِۦٓ 16﴾:

ثم أرشَدَ جل وعلا نبيه ﷺ إلى كيفيَّةِ متابَعةِ الوحيِ في قراءةِ القرآن؛ فأمَرَه ألَّا يحرِّكَ لسانه بالقرآن عندما يقرأ جبريلُ عليه القرآن؛ حيث كان ﷺ يردِّدُ القراءةَ مع جبريلَ من أجلِ أن يتعجَّلَ بحفظِهِ؛ خشيةَ أن يتفلَّتَ عليه، فنهاه سبحانه عن ذلك.

[17] ﴿إِنَّ عَلَيۡنَا جَمۡعَهُۥ وَقُرۡءَانَهُۥ 17﴾:

ثم أخبَرَ جل شأنه نبيه ﷺ أنه تكفَّل بجمعِ القرآنِ في صدره ﷺ، وبقراءتِهِ عليه عن طريقِ الوحي.

[18] ﴿فَإِذَا قَرَأۡنَٰهُ فَٱتَّبِعۡ قُرۡءَانَهُۥ 18﴾:

ثم أمَرَ سبحانه نبيه ﷺ إذا نزَلَ عليه جبريلُ أن يستمِعَ لقراءتِهِ؛ لكي ينحُوَ نحوَهُ حتى يتقنه.

[19] ﴿ثُمَّ إِنَّ عَلَيۡنَا بَيَانَهُۥ 19﴾:

ثم أخبَرَ سبحانه نبيه ﷺ أنه تكفَّل ببيان ما أشكَلَ عليه فهمُهُ مِن معاني القرآنِ وأحكامِه.

[20] ﴿كَلَّا بَلۡ تُحِبُّونَ ٱلۡعَاجِلَةَ 20﴾:

كلا -أيها المشركون- فليس الأمرُ كما تقولون: مِن أنكم لن تُبْعَثوا بعد مماتكم، ولكنَّ الذي دعاكم لذلك هو محبَّتكم للحياة الدنيا وزينتِها.

[21] ﴿وَتَذَرُونَ ٱلۡأٓخِرَةَ 21﴾:

وبين سبحانه أيضًا تركهم العملِ للآخرةِ ونعيمِها.

[22] ﴿وُجُوهٞ يَوۡمَئِذٖ نَّاضِرَةٌ 22﴾:

ثم أخبَرَ جل وعلا أن وجوهَ أهلِ السعادةِ يومَ القيامةِ حَسَنةٌ مشرِقةٌ.

[23] ﴿إِلَىٰ رَبِّهَا نَاظِرَةٞ 23﴾:

ثم بين سبحانه أن هذه الوجوه الحسنة المشرقة تنظُرُ إلى ربِّها عيانًا بلا حِجَابٍ نَظْرةَ سُرُورٍ وحُبُور، وهذا أفضلُ نعيمٍ يتنعَّم به أهلُ الجنة يومَ القيامة؛ نسأل الله الكريم مِن فضله.

[24] ﴿وَوُجُوهٞ يَوۡمَئِذِۭ بَاسِرَةٞ 24﴾:

ثم بين سبحانه أن وجوهُ الفجَّار، تكونُ يومَ القيامةِ شديدةَ العبوسِ مظلِمةً.

[25] ﴿تَظُنُّ أَن يُفۡعَلَ بِهَا فَاقِرَةٞ 25﴾:

وبين سبحانه أن هذه الوجوه مستيقِنةً أنها بكُرْبة، وأنها ستصابُ بداهيةٍ ومصيبةٍ عظيمةٍ تُهْلِكُها وتَقْصِمُ ظَهْرَها مِن شدَّتها وقسوتها.

[26] ﴿كَلَّآ إِذَا بَلَغَتِ ٱلتَّرَاقِيَ 26﴾:

ثم أخبَرَ جل وعلا عن حالةِ الإنسانِ عند الاحتضار، فقال سبحانه: حقًّا -أيها المشركون- إذا وصَلَتِ الرُّوحُ إلى أعالي الصدرِ تهيئةً لفراقِ البَدَن.

[27] ﴿وَقِيلَ مَنۡۜ رَاقٖ 27﴾:

ثم قال بعضُ مَنْ حضر احتضاره: هل مِن معالِجٍ يعالجه؟!

[28] ﴿وَظَنَّ أَنَّهُ ٱلۡفِرَاقُ 28﴾:

ثم تأكَّد المحتضَرُ وحاضروه أن الذي هو فيه سكراتُ المَوْت، وأنه سيفارِقُ الدنيا؛ لأنه يرى أمامه ملائكةَ المَوْت.

[29] ﴿وَٱلۡتَفَّتِ ٱلسَّاقُ بِٱلسَّاقِ 29﴾:

ثم بيَّن سبحانه أن من علاماتِ خروجِ رُوحِهِ ونهايةِ حياتِهِ: أن إحدى ساقَيْهِ تلتصِقُ بالأخرى، فلا يستطيعُ تحريكَهُما.

[30] ﴿إِلَىٰ رَبِّكَ يَوۡمَئِذٍ ٱلۡمَسَاقُ 30﴾:

وحينئذٍ اعلم -أيها الإنسان- أن المرجعَ والمصيرَ يومَ القيامةِ إلى اللهِ وحده، ثم يحاسِبُ الجميعَ على أعمالهم، ثم ينتهي بهم الأمرُ: إما إلى الجنة، أو إلى النار.

[31] ﴿فَلَا صَدَّقَ وَلَا صَلَّىٰ 31﴾:

ثم بيَّن جل وعلا بعضَ الأسباب التي أدَّت إلى سوءِ عاقبةِ هذا الكافرِ المعانِدِ المنكِرِ للبعث؛ فأخبَرَ سبحانه أنه لم يصدِّقْ بالقرآن، ولم يصلِّ لله أبدًا.

[32] ﴿وَلَٰكِن كَذَّبَ وَتَوَلَّىٰ 32﴾:

وأخبر سبحانه أن هذا الكافر المعاند المنكر للبعث كذَّب بالقرآن، وأعرَضَ عن الإيمان.

[33] ﴿ثُمَّ ذَهَبَ إِلَىٰٓ أَهۡلِهِۦ يَتَمَطَّىٰٓ 33﴾:

وأخبر سبحانه أيضًا أن هذا الكفار المعاند المنكر للبعث ذهَبَ إلى أهلِهِ فرحًا يمشي بخُيَلاءَ افتخارًا أنه لم يتأثَّرْ بالدعوة، وأنه ما زال مصرًّا على كُفْرِهِ وجحوده.

[34] ﴿أَوۡلَىٰ لَكَ فَأَوۡلَىٰ 34﴾:

ثم هدَّد سبحانه هذا الكافرَ المتكبِّرَ المتبختِرَ بالهلاك؛ فقال له: هلاكًا لك بعد هلاك.

[35] ﴿ثُمَّ أَوۡلَىٰ لَكَ فَأَوۡلَىٰٓ 35﴾:

ثم أكد التهديد فقال له: ثم هلاكًا لك بعد هلاك؛ فقد كان الأَوْلى بك الامتثالُ لأمر الله لتُنجِّيَ نفسَكَ من النار، وتفوز برضا الله.

[36] ﴿أَيَحۡسَبُ ٱلۡإِنسَٰنُ أَن يُتۡرَكَ سُدًى 36﴾:

ثم ختَمَ جل وعلا السورةَ ببيانِ الحِكْمَةِ مِن الجزاءِ والحسابِ، وبيانِ جانبٍ مِن جوانبِ قُدْرته، فقال سبحانه: هل يظُنُّ ذلك الإنسانُ المنكِرُ للبعثِ بأنَّ الله خلَقَهُ، ثم تركَهُ هَمَلًا لا يؤمَرُ ولا يُنْهَى، ولا يحاسَبُ على تصرُّفاته؟!

[37] ﴿أَلَمۡ يَكُ نُطۡفَةٗ مِّن مَّنِيّٖ يُمۡنَىٰ 37﴾:

ثم سأل سبحانه سؤال تعجب: ألم يكُ هذا الإنسانُ في أصلِ خِلْقَتِهِ عبارةً عن نُطْفهٍ في صلبِ أبيه؟! تُصَبُّ في الأرحام.

[38] ﴿ثُمَّ كَانَ عَلَقَةٗ فَخَلَقَ فَسَوَّىٰ 38﴾:

ثم بين سبحانه أن هذه النطفة تصيرُ قطعةً من دمٍ جامد، ثم يصيرُ بَشَرًا ناطقًا سميعًا بصيرًا بإذن الله.

[39] ﴿فَجَعَلَ مِنۡهُ ٱلزَّوۡجَيۡنِ ٱلذَّكَرَ وَٱلۡأُنثَىٰٓ 39﴾:

ثم بين سبحانه أنه خلق من هذا الإنسان أولادًا ذكورًا وإناثًا.

[40] ﴿أَلَيۡسَ ذَٰلِكَ بِقَٰدِرٍ عَلَىٰٓ أَن يُحۡـِۧيَ ٱلۡمَوۡتَىٰ 40﴾:

ثم قال سبحانه علي سبيل التعجب: هل الذي أنشأ هذا الخَلْقَ السَّوِيَّ بعد العدَمِ ومِن هذه النُّطْفةِ والعَلَقةِ عاجزٌ أن يعيده كما بدأه؟! أليست الإعادةُ أيسَرَ مِن الإنشاء؟!

سورة الإنسان

سورةُ الإنسانِ مكيَّةٌ، وآياتها إحدى وثلاثون آية. وقد ذكَرَ جل وعلا في هذه السورة مبدأَ الإنسانِ وحياتَهُ ونهايته.

[1] ﴿هَلۡ أَتَىٰ عَلَى ٱلۡإِنسَٰنِ حِينٞ مِّنَ ٱلدَّهۡرِ لَمۡ يَكُن شَيۡـٔٗا مَّذۡكُورًا 1﴾:

أخبَرَ جل وعلا أنه قد مضى على الإنسانِ وهو آدَمُ عليه السلام وقتٌ من الزمانِ، وهو جُثَّةُ جمادٍ لا رُوحَ فيه، قيل: إن هذه المُدَّةَ هي أربعونَ سنةً، ثم نُفِخَتْ فيه الروح.

[2] ﴿إِنَّا خَلَقۡنَا ٱلۡإِنسَٰنَ مِن نُّطۡفَةٍ أَمۡشَاجٖ نَّبۡتَلِيهِ فَجَعَلۡنَٰهُ سَمِيعَۢا بَصِيرًا 2﴾:

ثم بيَّن سبحانه بأنه خلَقَ الإنسانَ من نُطْفةٍ مختلِطةً مِن ماءِ الرجلِ وماءِ المرأة، وهذه الأخلاطُ هي التي تَحْمِلُ الصفاتِ الوراثيَّةِ للجنين، ثم اختَبَرَهُ سبحانه بالتكاليف الشرعيَّةِ بعد أن أكمَلَ مراحلَ نموِّه؛ حيثُ جعله عاقلًا مميِّزًا ذا سمعٍ وبَصَر؛ لِيَسْمَعَ الحُجَجَ والبراهينَ التي تدُلُّ على الخالقِ جل في علاه؛ فتبيَّن من هاتَيْنِ الآيتَيْنِ معرفةُ مراحلِ خَلْقِ الإنسانِ الأُولى؛ حيث خلَقَ اللهُ آدَمَ أولًا، ثم خلَقَ النطفةَ التي خُلِقَ منها سائرُ البشر.

[3] ﴿إِنَّا هَدَيۡنَٰهُ ٱلسَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرٗا وَإِمَّا كَفُورًا 3﴾:

ثم بيَّن جل وعلا لهذا المكلَّفِ طريقَ الهدى وطريقَ الضلال، ثم خيَّره بعد ذلك، فإمَّا أن يكون شاكرًا لِنِعَمِ الله معترِفًا بفضلِهِ، عاملًا بما جاءت به رسُلُ الله؛ فيكونَ قد اختارَ طريقَ الهدى، وإمَّا أن يكونَ جاحدًا وكافرًا لِنِعَمِ الله؛ فيكونَ قد اختارَ طريقَ الضلال.

[4] ﴿إِنَّآ أَعۡتَدۡنَا لِلۡكَٰفِرِينَ سَلَٰسِلَاْ وَأَغۡلَٰلٗا وَسَعِيرًا 4﴾:

ثم أخبَرَ جل وعلا أنه هيَّأ ورصَدَ للكافرين الجاحدين سلاسلَ في نارِ جهنَّمَ يُسلَكونَ فيها، وأغلالًا تُغَلُّ بها أيديهم إلى أعناقهم، ويُوثَقُونَ بها، ونارًا مسعَّرةً تُحرِقُ أجسامهم.

[5] ﴿إِنَّ ٱلۡأَبۡرَارَ يَشۡرَبُونَ مِن كَأۡسٖ كَانَ مِزَاجُهَا كَافُورًا 5﴾:

ثم أخبَرَ جل وعلا أن الأبرار المخلِصِينَ في طاعتهم لله ورسوله ﷺ، المحبيِّنَ لله ورسوله ﷺ، يَشْرَبُونَ يومَ القيامة خمرًا لذيذةً ممزوجةً بكافور، فيشربون شرابًا حُلْوَ المذاق، طيِّبَ الرائحة، لا يُحدِثُ غَوْلًا ولا هَذَيانًا.

[6] ﴿عَيۡنٗا يَشۡرَبُ بِهَا عِبَادُ ٱللَّهِ يُفَجِّرُونَهَا تَفۡجِيرٗا 6﴾:

ثم بيَّن جل وعلا أن هذا الشرابَ الممزوجَ بالكافورِ، هو مِن عَيْنٍ جاريةٍ من عيونِ الجَّنة، يشربُ منها عبادُ اللهِ الأبرارُ، ويتصرَّفون فيها كيفما شاؤوا؛ فيُجْرُونها إلى حيث يريدون، وينتفعون بها كما يشاؤون. وقوله: ﴿يَشۡرَبُ﴾، أي: يَرْوَى، وعدَّى الفعلَ: (يَشْرَبُ) بالباء في قوله: ﴿بِهَا﴾، وتسمَّى: باءَ الإلصاق؛ ليضمِّنها معنى الرِّيّ.

[7] ﴿يُوفُونَ بِٱلنَّذۡرِ وَيَخَافُونَ يَوۡمٗا كَانَ شَرُّهُۥ مُسۡتَطِيرٗا 7﴾:

ثم بيَّن جل وعلا الأسبابَ التي أوصلَتْهُمْ إلى هذا النعيم؛ فمِن هذه الأسباب: أنهم كانوا في الدنيا يُوفُونَ بالنذورِ التي أوجبوها على أنفسهم، وأنهم كانوا يخافون أهوالَ يومِ القيامةِ التي بلَغَتْ أقصى دَرَجاتِ الشدَّةِ والفَزَع.

[8] ﴿وَيُطۡعِمُونَ ٱلطَّعَامَ عَلَىٰ حُبِّهِۦ مِسۡكِينٗا وَيَتِيمٗا وَأَسِيرًا 8﴾:

وبين سبحانه أنهم كانوا يُطْعِمونَ الطعام -مع حاجتهم إليه، وحبِّهم له- ويُؤْثِرونَ به على أنفُسِهم مَنْ يحتاجه مِن المساكينِ أو الأيتامِ أو الأسرى.

[9] ﴿إِنَّمَا نُطۡعِمُكُمۡ لِوَجۡهِ ٱللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنكُمۡ جَزَآءٗ وَلَا شُكُورًا 9﴾:

ثم بين سبحانه أن إطعامهم المساكين والأيتام لم يكن طَلَبًا للسُّمْعةِ والشُّهْرة، وإنما كان ذلك العمل لوجه الله تعالى، ولهذا يقولون في أنفسهم: إنما نُكْرِمُكم ونُحسِنُ إليكم؛ طلبًا لثوابِ اللهِ والدارِ الآخرة، ولا ننتظِرُ مِن أحدٍ من الناسِ مكافأةً أو ثناءً على هذا الكَرَمِ والإحسان.

[10] ﴿إِنَّا نَخَافُ مِن رَّبِّنَا يَوۡمًا عَبُوسٗا قَمۡطَرِيرٗا 10﴾:

ويقولون أيضًا: إنما نقدِّم لكم هذا الطعامَ مع حاجتنا إليه؛ لأننا نخافُ مِن ربِّنا يومًا تَعْبَسُ فيه الوجوهِ مِن شِدَّةِ هَوْلِه، وعِظَمِ أَمْرِه، وطُولِ بلائه.

[١١] ﴿فَوَقَىٰهُمُ ٱللَّهُ شَرَّ ذَٰلِكَ ٱلۡيَوۡمِ وَلَقَّىٰهُمۡ نَضۡرَةٗ وَسُرُورٗا 11﴾:

ثم أخبَرَ جل وعلا أنه نجَّى هؤلاءِ الذين كانوا يُطْعِمونَ المساكينَ والأيتامَ والأسرى مِن شَرِّ ذلك اليوم، وسلَّمهم من أهواله، وكافأهم بما ذكَرَ مِن أنواعِ النعيمِ الذي حَظُوا به عند ربهم، ومِن ذلك: أن الله أعطاهم نَضْرةً في وجوههم، وسرورًا في قلوبهم.

[12] ﴿وَجَزَىٰهُم بِمَا صَبَرُواْ جَنَّةٗ وَحَرِيرٗا 12﴾:

ومن ذلك أيضًا: أن الله أدخَلَهم بسببِ صَبْرِهم وإخلاصِهم جَنَّةً جامِعةً لكلِّ نعيم، وألبَسَهم فيها الحرير.

[13] ﴿مُّتَّكِـِٔينَ فِيهَا عَلَى ٱلۡأَرَآئِكِۖ لَا يَرَوۡنَ فِيهَا شَمۡسٗا وَلَا زَمۡهَرِيرٗا 13﴾:

ثم ذكَرَ جل وعلا بعضَ نعيمِ أهلِ الجنة؛ فأخبَرَ أنهم جالسون في الجنة جلسة المرتاح، متكؤون في جلوسهم على السُّرُرِ التي عليها اللباسُ المزيَّن، لا يرون في الجنةِ حرَّ الشمسِ الشديد، ولا يعانون مِن بَرْدِ الشتاءِ المُؤْذي.

[14] ﴿وَدَانِيَةً عَلَيۡهِمۡ ظِلَٰلُهَا وَذُلِّلَتۡ قُطُوفُهَا تَذۡلِيلٗا 14﴾:

ومن نعيم أهل الجنة أن ظلالَ أشجارِ الجنَّةِ قريبةٌ منهم، وأنَّ ثمارَهَا اليانعةَ قُرِّبَتْ لمتناوليها، وسُهِّلَتْ لهم تسهيلًا.

[15] ﴿وَيُطَافُ عَلَيۡهِم بِـَٔانِيَةٖ مِّن فِضَّةٖ وَأَكۡوَابٖ كَانَتۡ قَوَارِيرَا۠ 15﴾:

ثم بيَّن سبحانه أن الخدَمَ والوِلْدانَ يدورون على أهلِ الجنَّةِ بآنيةٍ للطعامِ مصنوعةٍ من الفضة، وأكوابٍ للشرابِ أيضًا من فضَّة، لكنها رقيقةٌ شفَّافةٌ كالزُّجَاجِ يُرَى ما بداخلها.

[16] ﴿قَوَارِيرَاْ مِن فِضَّةٖ قَدَّرُوهَا تَقۡدِيرٗا 16﴾:

ثم بين سبحانه أن في هذه القواريرِ المصنوعة من الفضة ما يشربونه على قَدْرِ ما تحصُلُ لهم به اللذَّةُ بلا زيادةٍ ولا نقص.

[17] ﴿وَيُسۡقَوۡنَ فِيهَا كَأۡسٗا كَانَ مِزَاجُهَا زَنجَبِيلًا 17﴾:

ثم بيَّن سبحانه أن أهلَ الجنَّةِ يُسْقَوْنَ في الجنةِ كأسًا من خمرٍ ممزوجةٍ بالزنجبيل.

[18] ﴿عَيۡنٗا فِيهَا تُسَمَّىٰ سَلۡسَبِيلٗا 18﴾:

وبين سبحانه أنهم يُسْقَوْنَ أيضًا مِن عَيْنٍ في الجنةِ يقالُ لها: السلسبيلُ.

[19] ﴿وَيَطُوفُ عَلَيۡهِمۡ وِلۡدَٰنٞ مُّخَلَّدُونَ إِذَا رَأَيۡتَهُمۡ حَسِبۡتَهُمۡ لُؤۡلُؤٗا مَّنثُورٗا 19﴾:

ثم بيَّن سبحانه أيضًا أنَّ مِن نعيمِ أهلِ الجنة: أنه يطوفُ عليهم لِخِدْمتهم وِلْدانٌ مخلَّدون، وهم غايةٌ في الحُسْنِ والنَّضَارة، إذا رأيتَهُمْ، حَسِبْتَهم مِن حُسْنهم لؤلؤًا منثورًا.

[20] ﴿وَإِذَا رَأَيۡتَ ثَمَّ رَأَيۡتَ نَعِيمٗا وَمُلۡكٗا كَبِيرًا 20﴾:

ومع هذا النعيم الذي أنعم الله به على أهل الجنة فإنك إذا قلَّبْتَ بصَرَك هنا وهناك في الجنة، رأيتَ نعيمًا مقيمًا، ومُلْكًا كبيرًا، مما لا عَيْنٌ رأت، ولا أُذُنٌ سَمِعَتْ، ولا خطَرَ على قَلْبِ بَشَر.

[21] ﴿عَٰلِيَهُمۡ ثِيَابُ سُندُسٍ خُضۡرٞ وَإِسۡتَبۡرَقٞۖ وَحُلُّوٓاْ أَسَاوِرَ مِن فِضَّةٖ وَسَقَىٰهُمۡ رَبُّهُمۡ شَرَابٗا طَهُورًا 21﴾:

ثم بيَّن سبحانه أيضًا أنَّ مِن نعيمِ أهلِ الجنةِ: أن فوقَ أجسامِهم ثيابًا مِن حريرٍ رقيق، ودِيباجًا غليظًا أخضَرَ اللون، مِن أجملِ وأرقِّ ما يكونُ مما يُلْبَسُ من الحرير، وتحلِّيهم الملائكةُ بأساورَ مِن فضة -ذكورًا وإناثًا- ويسقيهم اللهُ شرابًا طهورًا، وهذا الشرابُ يفوق النوعَيْنِ السابقَيْن، وهو تكريمٌ خاصٌّ لهم لأجلِ أنه أُسنِدَ سقيه إلى الله جل في علاه.

[22] ﴿إِنَّ هَٰذَا كَانَ لَكُمۡ جَزَآءٗ وَكَانَ سَعۡيُكُم مَّشۡكُورًا 22﴾:

ثم يقالُ لأهلِ الجنَّةِ على وجهِ التكريم: إنَّ هذا النعيمَ المقيمَ أُعِدَّ لكم، وهُيِّئَ لأجلِكم، وهو جزاءٌ ومكافأةٌ لكم على ما أسلفتموه مِن الأعمالِ الصالحة؛ إذْ كان عملكم مرضيًّا مقبولًا.

[23] ﴿إِنَّا نَحۡنُ نَزَّلۡنَا عَلَيۡكَ ٱلۡقُرۡءَانَ تَنزِيلٗا 23﴾:

ثم أخبَرَ جل وعلا أنه أنزَلَ على نبيه ﷺ هذا القرآنَ، وأنه أنزَلَهُ مفرَّقًا بحسَبِ ما تقتضيه كلُّ حالة؛ ليذكِّرَ الناسَ بما فيه مِن الوعدِ والوعيد، وليكونَ أسهَلَ لحفظِهِ وتفهُّمه ودراسته، وليثبِّتَ به فؤاد نبيه ﷺ.

[24] ﴿فَٱصۡبِرۡ لِحُكۡمِ رَبِّكَ وَلَا تُطِعۡ مِنۡهُمۡ ءَاثِمًا أَوۡ كَفُورٗا 24﴾:

ثم أمَرَ سبحانه نبيه ﷺ أن يَصْبِرَ على ما يناله مِن صعوباتٍ وأذًى مما يقتضي الصبر، وأن ينتظِرَ حكم الله وقضاءَهُ فيهم، كما أمَرَه ألَّا يطيعَ مِن هؤلاءِ المشرِكينَ مَنْ كان منغمِسًا في الآثامِ والشهوات، ومَنْ كان مبالِغًا في الكفرِ والجحود، قال المفسِّرون: (الآثِمُ والكَفُورُ هما عُتْبةُ بنُ ربيعةَ، والوليدُ بنُ المغيرةِ؛ حيث عرَضَا على الرسولِ ﷺ عروضًا كثيرةً لكي يتخلَّى عن دعوتِهِ لعبادة الله.

[25] ﴿وَٱذۡكُرِ ٱسۡمَ رَبِّكَ بُكۡرَةٗ وَأَصِيلٗا 25﴾:

ثم أمَرَ سبحانه نبيه ﷺ أن يداوِمَ على ذكرِ اسمِ الله ودعائه في أوَّلِ النهارِ وآخره.

[26] ﴿وَمِنَ ٱلَّيۡلِ فَٱسۡجُدۡ لَهُۥ وَسَبِّحۡهُ لَيۡلٗا طَوِيلًا 26﴾:

ثم أمَرَ جل وعلا نبيه ﷺ أن يصلِّيَ بالليل، وأن ينزِّهه سبحانه ويتهجَّدَ له زمنًا طويلًا.

[27] ﴿إِنَّ هَٰٓؤُلَآءِ يُحِبُّونَ ٱلۡعَاجِلَةَ وَيَذَرُونَ وَرَآءَهُمۡ يَوۡمٗا ثَقِيلٗا 27﴾:

ثم بيَّن سبحانه لنبيه ﷺ أن هؤلاءِ المشركين يحبُّون الدنيا ويُؤْثِرونها على الآخرة، ويترُكُونَ خلفَ ظهورهم العمَلَ ليوم القيامة، ولما فيه نجاتُهُمْ في يومٍ عظيمِ الأهوالِ والشدائد.

[28] ﴿نَّحۡنُ خَلَقۡنَٰهُمۡ وَشَدَدۡنَآ أَسۡرَهُمۡۖ وَإِذَا شِئۡنَا بَدَّلۡنَآ أَمۡثَٰلَهُمۡ تَبۡدِيلًا 28﴾:

أخبَرَ جل وعلا أنه خلَقَ هؤلاءِ المشركين بعد العَدَم، وأنه أحكَمَ خَلْقَهم، وجعَلَ أعضاءهم طيِّعةً حسَبَ إرادتهم، وجعلهم أقوياءَ أشدَّاء، ومع ذلك إذا شاء سبحانه أهلَكَهُمْ، وأتى بأشباههم في القوَّة، ولكنهم مطيعون لله، ممتثِلونَ لأوامره، ومع ذلك فأَمْرُهم بيده.

[29] ﴿إِنَّ هَٰذِهِۦ تَذۡكِرَةٞۖ فَمَن شَآءَ ٱتَّخَذَ إِلَىٰ رَبِّهِۦ سَبِيلٗا 29﴾:

واعلموا -أيها الناس- أن هذه السورةَ وما فيها مِن الآياتِ موعظةٌ لكم؛ فمَنْ أراد الانتفاعَ والاعتبارَ والنجاةَ، فعليه بالتوحيدِ، والعمَلِ الصالحِ الذي يوصله إلى مغفرة الله ورضوانه.

[30] ﴿وَمَا تَشَآءُونَ إِلَّآ أَن يَشَآءَ ٱللَّهُۚ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمٗا 30﴾:

واعلموا أيضًا أنكم ما تريدون أمرًا مِن الأمورِ إلا بتقديرِ الله ومشيئته، ثم أخبَرَ سبحانه أنه عليمٌ بأحوال عباده، حكيمٌ في تدبيرِهِ وصُنْعه. وقوله: ﴿وَمَا تَشَآءُونَ﴾، أي: أنَّ مشيئتكم هي مِنْحةٌ من الله؛ فهو الذي وهَبَكُمُ الاختيار، ووعَدَكُمْ بالثواب إنِ اختَرْتُمْ هدى الله.

[31] ﴿يُدۡخِلُ مَن يَشَآءُ فِي رَحۡمَتِهِۦۚ وَٱلظَّٰلِمِينَ أَعَدَّ لَهُمۡ عَذَابًا أَلِيمَۢا 31﴾:

ثم أخبَرَ سبحانه أنه يُدخِلُ مَنْ يشاء مِن عباده الصالحين الممتثِلِينَ لما جاءت به الرسُلُ في جنته، وأما الظالمون المتجاوِزونَ لحدودِ الله الذين اختاروا طريقَ الغَوَايةِ والضلال، فقد أعدَّ الله لهم عذابًا شديدًا موجعًا.

سورة المرسَلات

سورةُ المرسَلاتِ مكيَّةٌ، وآياتها خمسون آية.

[1] ﴿وَٱلۡمُرۡسَلَٰتِ عُرۡفٗا 1﴾:

افتُتِحَتْ السورةُ بهذه الأقسامِ التي أقسَمَ بها جل وعلا، وله أن يُقسِمَ سبحانه بما يشاء مِن خَلْقِهِ أو نفسِهِ أو صفةٍ مِن صفاته، فبدأ سبحانه فأقسَمَ بالرياحِ التي تَهُبُّ متتابِعةً لعذابِ الكافرين.

[2] ﴿فَٱلۡعَٰصِفَٰتِ عَصۡفٗا 2﴾:

وأقسَمَ سبحانه بالرياحِ الشديدةِ العَصْفِ التي تَقْلَعُ الأشجار، وتدمِّرُ الديار.

[3] ﴿وَٱلنَّٰشِرَٰتِ نَشۡرٗا 3﴾:

وأقسَمَ سبحانه بالرياحِ التي تسوقُ السُّحُبَ المحمَّلةَ بالمطَرِ، فتنشُرُ رحمة الله حيث تؤمر.

[4] ﴿فَٱلۡفَٰرِقَٰتِ فَرۡقٗا 4﴾:

وأقسَمَ سبحانه بالملائكةِ التي تأتي بالوحيِ الذي يفرِّقُ بين الحقِّ والباطل.

[5] ﴿فَٱلۡمُلۡقِيَٰتِ ذِكۡرًا 5﴾:

وأقسَمَ سبحانه بالملائكةِ التي تَنْزِلُ بالوحي.

[6] ﴿عُذۡرًا أَوۡ نُذۡرًا 6﴾:

ثم بيَّن سبحانه أن هذه الملائكةَ تَنزِلُ إعذارًا إلى الخَلْقِ؛ لئلا يكونَ للناسِ حُجَّةٌ على الله، وإنذارًا لهم بعقابِ الله؛ إن هم خالفوا أمره.

[7] ﴿إِنَّمَا تُوعَدُونَ لَوَٰقِعٞ 7﴾:

ثم بيَّن جل في علاه أنه أقسَمَ هذه الأقسامَ ليؤكِّدَ أن البعثَ حقٌّ، وأنه نازِلٌّ بكم لا محالةَ؛ وحينئذٍ تَتِمُّ المحاسبة، ويأخُذُ كلُّ واحدٍ منزلَهُ حسَبَ عمله.

[8] ﴿فَإِذَا ٱلنُّجُومُ طُمِسَتۡ 8﴾:

ثم بيَّن جل وعلا وقتَ يومِ القيامة، فقال سبحانه: فإذا النجومُ طُمِسَتْ وذهَبَ ضياؤها، وانمحى نُورُها.

[9] ﴿وَإِذَا ٱلسَّمَآءُ فُرِجَتۡ 9﴾:

وكذلك إذا السماءُ تشقَّقَتْ وتنزَّلَتْ منها الملائكة.

[10] ﴿وَإِذَا ٱلۡجِبَالُ نُسِفَتۡ 10﴾:

وكذلك إذا الجبالُ تطايَرَتْ وتناثَرَتْ، وصارت هَبَاءً منثورًا.

[11] ﴿وَإِذَا ٱلرُّسُلُ أُقِّتَتۡ 11﴾:

وكذلك إذا جاء الوقتُ المحدَّدُ للرسلِ وأتباعهم وهو يومُ القيامةِ للفَصْلِ والقضاءِ بينهم وبين أقوامهم.

[12] ﴿لِأَيِّ يَوۡمٍ أُجِّلَتۡ 12﴾:

ثم قال سبحانه على سبيلِ الاستفهامِ للتهويل: وهذه الأمورُ التي كانت متعلِّقةً بالرسلِ مِن تعذيبِ الكافرين، وإثابةِ المتقين، لأيِّ يوم أُخِّرَتْ؟!

[13] ﴿لِيَوۡمِ ٱلۡفَصۡلِ 13﴾:

فأجاب سبحانه وتعالى، فقال: إنها أُخِّرَتْ لهذا اليومِ العظيم، وهو يومُ القيامةِ الذي يَفْصِلُ فيه جل شأنه بين الخلائق.

[14] ﴿وَمَآ أَدۡرَىٰكَ مَا يَوۡمُ ٱلۡفَصۡلِ 14﴾:

ثم قال سبحانه: وما أعلمَكَ -أيها الإنسانُ- بيومِ الفَصْلِ وشدَّته وعظيمِ هَوْله؟

[15] ﴿وَيۡلٞ يَوۡمَئِذٖ لِّلۡمُكَذِّبِينَ 15﴾:

ثم أخبَرَ جل في علاه أنَّ الهلاكَ والخَسَارَ والشقاءَ في ذلك اليومِ العظيمِ على الكافرين المكذِّبين بالله ورُسُله وكُتُبه.

[16] ﴿أَلَمۡ نُهۡلِكِ ٱلۡأَوَّلِينَ 16﴾:

ثم وجَّه جل وعلا الخطابَ للمشرِكينَ المكذِّبينَ بالبعث، فقال سبحانه: ألم نُهْلِكْ -أيها الكفار- الأقوامَ السابقين الذين كذَّبوا برسلهم؛ كقَوْمِ نُوحٍ وعادٍ وثمود.

[17] ﴿ثُمَّ نُتۡبِعُهُمُ ٱلۡأٓخِرِينَ 17﴾:

ثم قال سبحانه: وكذلك ألحقنا بهم في العقابِ المتأخِّرين الذين ساروا على نَهْجِ مَنْ قبلهم في التكذيبِ والعصيان.

[18] ﴿كَذَٰلِكَ نَفۡعَلُ بِٱلۡمُجۡرِمِينَ 18﴾:

ثم ذكَرَ سبحانه أنه بمثلِ هذا العقابِ الفظيعِ يَفْعَلُ جل في علاه بهؤلاءِ المجرِمينَ مِن كفار مكَّة؛ بسبب تكذيبهم للنبي ﷺ.

[19] ﴿وَيۡلٞ يَوۡمَئِذٖ لِّلۡمُكَذِّبِينَ 19﴾:

ثم هدَّد سبحانه المكذِّبين بالبعث؛ فقال: إنَّ الهَلَاكَ والخَسَارَ في ذلك اليومِ على المكذِّبين باللهِ ورُسُلِهِ وكُتُبِه.

[20] ﴿أَلَمۡ نَخۡلُقكُّم مِّن مَّآءٖ مَّهِينٖ 20﴾:

ثم امتَنَّ جل وعلا على خَلْقِهِ بإيجادهم في هذه الحياةِ الدنيا، فقال: ألم نخلُقْكُمْ -أيها المكلَّفون- مِن ماءٍ ضعيفٍ حقيرٍ، وهو منيُّ الذَّكَر؟!

[21] ﴿فَجَعَلۡنَٰهُ فِي قَرَارٖ مَّكِينٍ 21﴾:

ثم بين سبحانه أنه بقدرته جعل هذا الماءَ في مكانٍ حصين، وهو الرَّحِمُ الموجودُ في حَوْضِ المرأةِ المحصَّنِ مِن جهاته الأربع.

[22] ﴿إِلَىٰ قَدَرٖ مَّعۡلُومٖ 22﴾:

ثم بين سبحانه أن هذا الماءُ يبقى في رَحِمِ المرأةِ إلى وقتٍ محدَّدٍ في علمِ الله.

[23] ﴿فَقَدَرۡنَا فَنِعۡمَ ٱلۡقَٰدِرُونَ 23﴾:

ثم أثنى سبحانه على ذاته بما هو أهله، قائلًا: إننا سوَّينا هذا المخلوقَ الذي في رَحِمِ المرأةِ في أحسنِ الصُّوَرِ والهيئات، فنِعْمَ المقدِّرُ الُمبْدِع.

[24] ﴿وَيۡلٞ يَوۡمَئِذٖ لِّلۡمُكَذِّبِينَ 24﴾:

ثم هدَّد سبحانه المكذِّبين بالبعث؛ فقال: إنَّ الهلَاَكَ والخَسَارَ في ذلك اليومِ على المكذِّبين باللهِ ورُسُلِهِ وكُتُبِه.

[25] ﴿أَلَمۡ نَجۡعَلِ ٱلۡأَرۡضَ كِفَاتًا 25﴾:

ثم استدَلَّ جل وعلا على إمكانيَّةِ البعثِ بدلائلَ أخرى، فقال: ألم نَجْعَلْ -أيها الناس- هذه الأرضَ التي تعيشون عليها كالأمِّ التي تَحْمِلُ البشَرَ في بطنها.

[26] ﴿أَحۡيَآءٗ وَأَمۡوَٰتٗا 26﴾:

ثم بين سبحانه أن هذه الأرض تضُمُّكم أحياءً في الدور، وأمواتًا في القبور، وبعضُ المعاصرين يقول: المقصودُ بهذه الآيةِ هو الجاذبيَّةُ الأرضيَّة، فيكونُ المعنى: ألم نَجْعَلِ الأرضَ جاذبةً لكم لتبقوا عليها أحياءً، ثم توضعون في القبورِ أمواتًا.

[27] ﴿وَجَعَلۡنَا فِيهَا رَوَٰسِيَ شَٰمِخَٰتٖ وَأَسۡقَيۡنَٰكُم مَّآءٗ فُرَاتٗا 27﴾:

ثم قال سبحانه: وجعَلْنا في الأرضِ جبالًا ثابتةً في أعماقِ الأرضِ، وعاليةً شاهقةً؛ لتكونَ أوتادًا للأرض؛ لكيلا تَمِيدَ بكم، وأسقيناكم ماءً عذبًا حُلْوًا سائغًا للشاربين.

[28] ﴿وَيۡلٞ يَوۡمَئِذٖ لِّلۡمُكَذِّبِينَ 28﴾:

ثم هدَّد سبحانه المكذِّبين بالبعث؛ فقال: إنَّ الهَلَاكَ والخَسَارَ في ذلك اليوم على المكذِّبين باللهِ ورُسُلِهِ وكُتُبِه.

[29] ﴿ٱنطَلِقُوٓاْ إِلَىٰ مَا كُنتُم بِهِۦ تُكَذِّبُونَ 29﴾:

ثم أخبَرَ جل وعلا عن مصير هؤلاءِ المكذِّبين، فقال: اذهبوا -أيها الكفار- إلى عذابِ جهنَّمَ الذي كنتم تكذِّبون به في الدنيا.

[30] ﴿ٱنطَلِقُوٓاْ إِلَىٰ ظِلّٖ ذِي ثَلَٰثِ شُعَبٖ 30﴾:

ثم يقال لهؤلاء المكذبين: اذهبوا فاستظِلُّوا بذلك الظِّلِّ المتكوِّنِ مِن دُخَانِ نارِ جهنَّمَ والذي افترَقَ ثلاثَ فِرَقٍ.

[31] ﴿لَّا ظَلِيلٖ وَلَا يُغۡنِي مِنَ ٱللَّهَبِ 31﴾:

ثم بين سبحانه أن هذا الظلُّ لا يُظِلُّ مَنْ يكون تحته مِن شدَّةِ الحر، ولا يدفعُ عنهم ألسنةَ النارِ الملتهِبة.

[32] ﴿إِنَّهَا تَرۡمِي بِشَرَرٖ كَٱلۡقَصۡرِ 32﴾:

ثم بين سبحانه أن جهنَّم ترمي بشَرَرٍ، كلُّ شَرَرةٍ بحَجْمِ القَصْرِ الشامخ.

[33] ﴿كَأَنَّهُۥ جِمَٰلَتٞ صُفۡرٞ 33﴾:

وبين سبحانه أن هذا الشرر يشبه في لونه وسُرْعةِ حَرَكَتِهِ الإِبِلِ الصُّفْر.

[34] ﴿وَيۡلٞ يَوۡمَئِذٖ لِّلۡمُكَذِّبِينَ 34﴾:

ثم هدَّد سبحانه المكذِّبين بالبعث؛ فقال: إنَّ الهَلَاكَ والخَسَارَ في ذلك اليومِ على المكذِّبين باللهِ ورُسُلِهِ وكُتُبِه.

[35] ﴿هَٰذَا يَوۡمُ لَا يَنطِقُونَ 35﴾:

وبين سبحانه أن في هذا اليومِ -يومِ القيامة- لا يَنطِقُ المكذِّبون بالبعثِ والنشور؛ لما هم فيه مِن الشدائد والأهوال.

[36] ﴿وَلَا يُؤۡذَنُ لَهُمۡ فَيَعۡتَذِرُونَ 36﴾:

وبين سبحانه أيضًا أنه لا يُسمَحُ لهم في الاعتذار فيعتذرون.

[37] ﴿وَيۡلٞ يَوۡمَئِذٖ لِّلۡمُكَذِّبِينَ 37﴾:

ثم هدَّد سبحانه المكذِّبين بالبعث؛ فقال: إنَّ الهَلَاكَ والخَسَارَ في ذلك اليومِ على المكذِّبين باللهِ ورُسُلِهِ وكُتُبِه.

[38] ﴿هَٰذَا يَوۡمُ ٱلۡفَصۡلِۖ جَمَعۡنَٰكُمۡ وَٱلۡأَوَّلِينَ 38﴾:

ثم يقالُ للكفار: هذا هو اليومُ الذي يَفْصِلُ الله فيه بين الخلائق، ويحكُمُ فيه جل في علاه بحُكْمِهِ العادلِ بين السعداءِ والأشقياء؛ ولذلك جمعكم سبحانه -أيها الكافرون- في هذا اليومِ مع أمثالكم مِن كفَّارِ الأممِ السابقة؛ ليحكُمَ بينكم جميعًا.

[39] ﴿فَإِن كَانَ لَكُمۡ كَيۡدٞ فَكِيدُونِ 39﴾:

ثم يقال لهؤلاء الكافرين: فإنْ كان لكم مَخْرَجٌ أو حِيلَةٌ في التخلُّصِ مِن عذابِ جهنَّمَ، فاحتالوا، وهذا يقالُ لهم على سبيلِ التهكُّم، وإلا فمن أين للمصفَّدين في نارِ جهنَّمَ اتخاذُ الحِيَلِ والمخارج.

[40] ﴿وَيۡلٞ يَوۡمَئِذٖ لِّلۡمُكَذِّبِينَ 40﴾:

ثم هدَّد سبحانه المكذِّبين بالبعث؛ فقال: إنَّ الهَلَاكَ والخَسَارَ في ذلك اليومِ على المكذِّبين باللهِ ورُسُلِهِ وكُتُبِه.

[41] ﴿إِنَّ ٱلۡمُتَّقِينَ فِي ظِلَٰلٖ وَعُيُونٖ 41﴾:

ثم وصَفَ جل وعلا الجنةَ وأهلَها، فقال: إن الذين خافوا ربَّهم، وعملوا بأوامره، واجتنبوا نواهيه، سوف يكونون يومَ القيامةِ في ظلالِ الأشجارِ يشاهدون عيونَ الأنهار.

[42] ﴿وَفَوَٰكِهَ مِمَّا يَشۡتَهُونَ 42﴾:

وبين سبحانه أن أهل الجنة يتنعَّمون بأنواعٍ كثيرةٍ مِن الفواكهِ التي تشتهيها أنفسهم.

[43] ﴿كُلُواْ وَٱشۡرَبُواْ هَنِيٓـَٔۢا بِمَا كُنتُمۡ تَعۡمَلُونَ 43﴾:

ثم يقال لأهل الجنة: كُلُوا مِن كلِّ ما لَذَّ وطاب، واشربوا هنيئًا مريئًا؛ جزاءً بما عَمِلْتم في الدنيا مِن الصالحاتِ والطاعات.

[44] ﴿إِنَّا كَذَٰلِكَ نَجۡزِي ٱلۡمُحۡسِنِينَ 44﴾:

واعلموا -أيها الناس- أن بمِثْلِ هذا الجزاءِ العظيمِ نجزي المحسِنِينَ ونُكْرِمُهم بسببِ أعمالهم الصالحة، وطاعتهم لربِّهم.

[45] ﴿وَيۡلٞ يَوۡمَئِذٖ لِّلۡمُكَذِّبِينَ 45﴾:

ثم هدَّد سبحانه المكذِّبين بالبعث؛ فقال: إنَّ الهَلَاكَ والخَسَارَ في ذلك اليومِ على المكذِّبين باللهِ ورُسُلِهِ وكُتُبِه.

[46] ﴿كُلُواْ وَتَمَتَّعُواْ قَلِيلًا إِنَّكُم مُّجۡرِمُونَ 46﴾:

ثم يقالُ للكفَّارِ على سبيلِ التهديدِ والوعيدِ في الدنيا: كلوا مِن لذائذِ الدنيا كما تأكُلُ الأنعام، واستمتِعُوا بشهواتها الفانية؛ فإنَّكم مُجْرِمُونَ لا تستحقُّونَ الإنعامَ والتكريمَ في الآخرة.

[47] ﴿وَيۡلٞ يَوۡمَئِذٖ لِّلۡمُكَذِّبِينَ 47﴾:

ثم هدَّد سبحانه المكذِّبين بالبعث؛ فقال: إنَّ الهَلَاكَ والخَسَارَ في ذلك اليومِ على المكذِّبين باللهِ ورُسُلِهِ وكُتُبِه.

[48] ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ ٱرۡكَعُواْ لَا يَرۡكَعُونَ 48﴾:

ثم بيَّن جل وعلا أنَّ مِن أحدِ أسبابِ دخولِ الكفَّارِ جهنَّمَ وتعذيبِهم فيها: أنهم إذا قيل لهم على سبيلِ النُّصْحِ والإرشاد: أطيعوا الله، وصَلُّوا له، فإنهم يرفُضُونَ استكبارًا وعنادًا.

[49] ﴿وَيۡلٞ يَوۡمَئِذٖ لِّلۡمُكَذِّبِينَ 49﴾:

ثم هدَّد سبحانه المكذِّبين بالبعث؛ فقال: إنَّ الهَلَاكَ والخَسَارَ في ذلك اليومِ على المكذِّبين باللهِ ورُسُلِهِ وكُتُبِه.

[50] ﴿فَبِأَيِّ حَدِيثِۭ بَعۡدَهُۥ يُؤۡمِنُونَ 50﴾:

ثم ختَمَ جل وعلا السورةَ متعجِّبًا مِن عدَمِ إيمانهم، فقال: فإذا لم يُؤْمِنْ هؤلاءِ الكفَّارُ بهذا القرآنِ الواضحِ البيِّنِ، فإنهم لن يؤمنوا بعده بشيء أبدًا.

سورة النّبأ

سورة النبإ مكيَّةٌ، وآياتها أربعون آية.

[1] ﴿عَمَّ يَتَسَآءَلُونَ 1﴾:

بدأ جل وعلا السورةَ بالإنكار على المشرِكينَ الذين أنكروا البَعْث؛ حيث إن الكفَّار لما جاءهم رسولُ الله ﷺ بالقرآن، وذكَرَ لهم البعثَ، حيَّرهم وأدهَشَهم، فأصبحوا يسأل بعضُهم بعضًا، لذا قال سبحانه: عن أي شيء يسأل هؤلاء المشركين؟

[2] ﴿عَنِ ٱلنَّبَإِ ٱلۡعَظِيمِ 2﴾:

فأجاب سبحانه فقال: إنهم يسألون عن هذا الأمرِ العظيمِ، وهذا الخبرِ الهامَّ الذي سمعوا عنه، وهو البعث بعد الموت.

[3] ﴿ٱلَّذِي هُمۡ فِيهِ مُخۡتَلِفُونَ 3﴾:

ثم بين سبحانه أنهم اختلفوا في هذا الأمر العظيم اختلافًا كثيرًا؛ فمنهم: مَنْ كذَّب بالرسول ﷺ وبالبعثِ، وهم الذين يقولون: ﴿وَمَا نَحۡنُ بِمَبۡعُوثِينَ﴾ [الأنعام:29]، ومنهم: الشاكُّ الذي يقول: ﴿إِن نَّظُنُّ إِلَّا ظَنّٗا وَمَا نَحۡنُ بِمُسۡتَيۡقِنِينَ﴾ [الجاثية:32]، ومنهم: المُقِرُّ الذي يزعُمُ أن آلهتَهُ تشفعُ له؛ حيث قالوا: ﴿هَٰٓؤُلَآءِ شُفَعَٰٓؤُنَا عِندَ ٱللَّهِۚ ﴾ [يونس:18].

[4] ﴿كَلَّا سَيَعۡلَمُونَ 4﴾:

ثم توعَّد جل وعلا المشرِكينَ، فقال سبحانه: ليس الأمرُ كما يزعُمُ هؤلاءِ المشركون الذين يُنكِرونَ البعثَ بعد الموت؛ بل الحقُّ أن الرسولَ ﷺ صادقٌ فيما يبلِّغه عن ربه، وأنَّ القرآنَ حقّ، وسوف يعلم هؤلاءِ المكذِّبون سُوءَ عاقبةِ كَذِبهم.

[5] ﴿ثُمَّ كَلَّا سَيَعۡلَمُونَ 5﴾:

ثم أكد سبحانه هذا التهديد فقال: وسوف يتأكَّد لهم ذلك عندما يَرَوْنَ النار أمامهم عيانًا بيانًا، ويَحِلُّ بهم العذابُ والنكال.

[6] ﴿أَلَمۡ نَجۡعَلِ ٱلۡأَرۡضَ مِهَٰدٗا 6﴾:

ثم أورَدَ جل وعلا تسعةَ أدلَّةٍ تدُلُّ على قدرته على البعثِ والإحياء، فقال سبحانه: أما خَلَقْنا -أيها الناس- الأرضَ، وجعلناها مهيَّأةً لكم تتقلَّبون فيها كيف شئتم؟!

[7] ﴿وَٱلۡجِبَالَ أَوۡتَادٗا 7﴾:

ثم بين سبحانه أنه خلق الجبال وجعلها مُثبِّتاتٍ للأرض؛ حتى لا تَمِيدَ ولا تضطربَ بكم؟!

[8] ﴿وَخَلَقۡنَٰكُمۡ أَزۡوَٰجٗا 8﴾:

وبين سبحانه أنه خلق الناس أصنافًا ذكورًا وإناثًا لتتناسلوا وتتكاثروا؟!

[9] ﴿وَجَعَلۡنَا نَوۡمَكُمۡ سُبَاتٗا 9﴾:

وبين سبحانه أنه خلق لكم النومَ؛ ليكون قَطْعًا لحَرَكتكم، وراحةً لأبدانكم.

[10] ﴿وَجَعَلۡنَا ٱلَّيۡلَ لِبَاسٗا 10﴾:

وبين سبحانه أنه خلق الليل بظلامِهِ؛ ليكون سكونًا وراحةً للكائنات؛ لتستعيدَ نشاطَهَا في النهار؛ فهو يستر الأجسام بظلامِهِ كاللباسِ الذي يستُرُ به الإنسانُ جسمه؟!

[11] ﴿وَجَعَلۡنَا ٱلنَّهَارَ مَعَاشٗا 11﴾:

وبين سبحانه أنه خلق النهار بضوئه لكي تتحرَّكوا فيه لتحصيل المعاش؟!

[12] ﴿وَبَنَيۡنَا فَوۡقَكُمۡ سَبۡعٗا شِدَادٗا 12﴾:

وبين سبحانه أنه خلق فوقكم سبعَ سمواتٍ محكَمة البناءِ، وفي غايةِ القوَّةِ والصلابةِ والشدَّة، ليس فيها شقوقٌ ولا صدوع؟!

[13] ﴿وَجَعَلۡنَا سِرَاجٗا وَهَّاجٗا 13﴾:

وبين سبحانه أنه خلق الشمس، وجعَلَ ضياءَها يجمعُ بين النور والحرارة؟! فالنُّورُ: ليرى المخلوقون بعضَهم، وطُرُقَ كسبهم، والحرارةُ: لكي تُطبَخَ الثمارُ فيستفادَ منها.

[14] ﴿وَأَنزَلۡنَا مِنَ ٱلۡمُعۡصِرَٰتِ مَآءٗ ثَجَّاجٗا 14﴾:

بين سبحانه أنه أنزل مِن السماء ماءً كثيرًا جدًّا منصبًّا بكثرة.

[15] ﴿لِّنُخۡرِجَ بِهِۦ حَبّٗا وَنَبَاتٗا 15﴾:

وبين سبحانه أنه أنزل هذا الماء الكثير لِيُخْرِجَ به أنواعًا من الحبوب والنباتات.

[16] ﴿وَجَنَّٰتٍ أَلۡفَافًا 16﴾:

وبين سبحانه أنه يخرج منه أيضًا أنواع الحدائقَ والبساتين الملتفَّةَ أشجارُها على بعضٍ لتشعُّبِ أغصانها. والشاهدُ من هذه الأدلَّة: أن مَنْ قدَرَ على خَلْق هذه الأشياء قادرٌ على إحياءِ الناسِ بعد موتهم.

[17] ﴿إِنَّ يَوۡمَ ٱلۡفَصۡلِ كَانَ مِيقَٰتٗا 17﴾:

ثم بيَّن جل وعلا جانبًا من يومِ القيامةِ الذي يتساءلُ عنه المكذِّبون به؛ فأخبَرَ أن يوم القيامة له وقتٌ محدَّد، وميعادٌ للأوَّلين والآخرين لا يُخْلِفُهُ الله تعالى، وهذا اليومُ يثابُ فيه الناسُ أو يعاقبون، كُلٌّ بحسَبِ عمله.

[18] ﴿يَوۡمَ يُنفَخُ فِي ٱلصُّورِ فَتَأۡتُونَ أَفۡوَاجٗا 18﴾:

ثم بيَّن سبحانه أن ذلك اليومَ يكونُ يوم أن ينفُخَ الملَكُ في الصُّورِ نَفْخةَ القيامِ مِن القبور، وهي النفخةُ الثانية، فتحضُرُونَ إلى الموقفِ جماعاتٍ كلُّ جماعةٍ مع إمامهم.

[19] ﴿وَفُتِحَتِ ٱلسَّمَآءُ فَكَانَتۡ أَبۡوَٰبٗا 19﴾:

وفي هذا اليومِ تُفْتَحُ السماءُ لنزولِ الملائكة، وتكونُ ذاتَ أبوابٍ كثيرة.

[20] ﴿وَسُيِّرَتِ ٱلۡجِبَالُ فَكَانَتۡ سَرَابًا 20﴾:

وفي هذا اليوم أيضًا تُنسَفُ الجبالُ وتُقلَعُ مِن أماكنها قلعًا حتى تكون كالهَبَاءِ المبثوث، ويعادَ إصلاحُ الآخرةِ حتى تكونَ صالحةً للحياة السرمدية.

[21] ﴿إِنَّ جَهَنَّمَ كَانَتۡ مِرۡصَادٗا 21﴾:

وبعد أن بيَّن جل وعلا جانبًا مِن جوانبِ قدرتِهِ في خَلْقه، بيَّن جزاء الكافرين؛ فأخبَرَ أن جهنَّم التي هي دارُ العذابِ في الآخرةِ، أرصدَهَا الله وأعدَّها يوم القيامة مكانًا يرتقِبُ فيه خَزَنَتُها مَنْ يستحقُّها بسوء أعماله.

[22] ﴿لِّلطَّٰغِينَ مَـَٔابٗا 22﴾:

ثم أكَّد سبحانه أنه هيَّأ جهنم وجعلها مرجعًا للمتجاوزين حدود الله.

[23] ﴿لَّٰبِثِينَ فِيهَآ أَحۡقَابٗا 23﴾:

ثم بين سبحانه أن هؤلاء الكافرين ماكثون في نار جهنم دهورًا متتابِعةً لا نهايةَ لها، ما عدا عصاةَ المؤمنين؛ فإنَّ بقاءهم في نار جهنَّم فقطْ؛ لتطهيرهم، ثم يخرجون إلى الجنَّة.

[24] ﴿لَّا يَذُوقُونَ فِيهَا بَرۡدٗا وَلَا شَرَابًا 24﴾:

وبين سبحانه أن هؤلاء الكافرين لا يذوقون في جهنم ما يُرِيحهم، ولا ما يُرْوِي ظمأهم.

[25] ﴿إِلَّا حَمِيمٗا وَغَسَّاقٗا 25﴾:

وبين سبحانه أن شرابهم في ذلك اليومِ الماءُ الحارُّ المغليُّ، وصديدُ أهل النار.

[26] ﴿جَزَآءٗ وِفَاقًا 26﴾:

ثم بيَّن سبحانه أنهم إنما استحقُّوا هذه العقوباتِ جزاءً لهم على ما عملوا من الأعمال الموصِّلة للنار.

[27] ﴿إِنَّهُمۡ كَانُواْ لَا يَرۡجُونَ حِسَابٗا 27﴾:

ثم بيَّن جل وعلا أنَّ هذا الجزاءَ والعذابَ الأليمَ بسبَبِ أنهم ما كانوا يخافون يوم الحساب ولا يتوقَّعونه.

[28] ﴿وَكَذَّبُواْ بِـَٔايَٰتِنَا كِذَّابٗا 28﴾:

وبين سبحانه أنهم كانوا يكذِّبون بالبعث، وكانوا يكذِّبون بجميع البراهين الدالَّة على التوحيد والنبوَّة والمعاد، وبجميع ما جاء في القرآن.

[29] ﴿وَكُلَّ شَيۡءٍ أَحۡصَيۡنَٰهُ كِتَٰبٗا 29﴾:

ثم أخبَرَ جل وعلا: أن كلَّ شيء مما عمله الكفَّار من قليل وكثير؛ فقد كُتِبَ في اللوحِ المحفوظ.

[30] ﴿ﭐ فَذُوقُواْ فَلَن نَّزِيدَكُمۡ إِلَّا عَذَابًا 30﴾

ثم يقالُ لهم توبيخًا وتقريعًا: فذوقوا -أيها المكذِّبون الجاحدون- فلن نَزِيدَكم إلا عذابًا فوق عَذَابِكم.

[31] ﴿إِنَّ لِلۡمُتَّقِينَ مَفَازًا 31﴾:

ثم بدأ جل وعلا في بيانِ ما أعَدَّ لعباده المتقين؛ فأخبَرَ سبحانه أن للمؤمنين الذين أطاعوا ربَّهم في الدنيا الفوزَ بالكرامةِ والثوابِ العظيم، في جنَّات النعيم.

[32] ﴿حَدَآئِقَ وَأَعۡنَٰبٗا 32﴾:

وأخبر سبحانه أن للمتقين بساتينُ كبيرةٌ عظيمةٌ جامعةٌ لكل ما حَسُنَ من الثمار، ولهم فيها أعنابٌ.

[33] ﴿وَكَوَاعِبَ أَتۡرَابٗا 33﴾:

وأخبر سبحانه أيضًا أن للمتقين زوجاتٌ حديثاتُ السنِّ قد استدارت نواهِدُهُنَّ، فبرَزَتْ وظهَرَتْ كالكعب، فلم يتكسَّرْ ثَدْيُها من شبابها وقوَّتها، وهنَّ في سِنِّ واحدة في أعدلِ سِنِّ الشباب، مع زوجاتهم؛ حيث أعاد الله خلقَهُنَّ بصورةٍ أحسنَ من الحُور العِين.

[34] ﴿وَكَأۡسٗا دِهَاقٗا 34﴾:

وأخبر سبحانه أن للمتقين أيضًا كأسًا مملوءةً مِن خمرٍ لَذَّةٍ للشاربين.

[35] ﴿لَّا يَسۡمَعُونَ فِيهَا لَغۡوٗا وَلَا كِذَّٰبٗا 35﴾:

وبين سبحانه أن هؤلاء المتقين لا يسمعون في الجنة إلا كلَّ طيب، ولا يسمعون فيها قولًا باطلًا، ولا قولًا فيه إثم، ولا يسمعون فيها ما لا فائدةَ فيه.

[36] ﴿جَزَآءٗ مِّن رَّبِّكَ عَطَآءً حِسَابٗا 36﴾:

ثم بيَّن جل وعلا أن هذا الجزاء الذي أعطاه للمتَّقين هو بفضلِ اللهِ وإحسانه، عطاءً كافيًا وافيًا لهم مِن ربَّهم.

[37] ﴿رَّبِّ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ وَمَا بَيۡنَهُمَا ٱلرَّحۡمَٰنِۖ لَا يَمۡلِكُونَ مِنۡهُ خِطَابٗا 37﴾:

ثم بين سبحانه أنه هو ربُّ السموات والأرض وربُّ ما بينهما، وهو صاحبُ الرحمةِ الواسعةِ التي وَسِعَتْ كلَّ شيء، وكلُّ ذلك بسببِ إيمانهم وعبادتهم، ثم بيَّن أن أهلَ السموات والأرض وما بينهما في ذلك اليومِ لا يَمْلِكونَ أن يسألوه سبحانه إلا فيما أَذِنَ لهم فيه.

[38] ﴿يَوۡمَ يَقُومُ ٱلرُّوحُ وَٱلۡمَلَٰٓئِكَةُ صَفّٗاۖ لَّا يَتَكَلَّمُونَ إِلَّا مَنۡ أَذِنَ لَهُ ٱلرَّحۡمَٰنُ وَقَالَ صَوَابٗا 38﴾:

ثم بيَّن جل وعلا أن جبريلَ عليه السلام ومعه جميعُ الملائكةِ يومَ القيامةِ مُصْطَفَوْنَ، لا يشفعون إلا لمن أَذِنَ له الرحمنُ في الشفاعة، وقال قولًا صدقًا وصوابًا، أي: آمَنَ بالله وحده، وعَمِلَ صالحًا.

[39] ﴿ذَٰلِكَ ٱلۡيَوۡمُ ٱلۡحَقُّۖ فَمَن شَآءَ ٱتَّخَذَ إِلَىٰ رَبِّهِۦ مَـَٔابًا 39﴾:

ثم بيَّن جل وعلا أن يوم القيامة هو اليومُ الحقُّ الثابتُ الذي يستحِقُّ العملَ له؛ لأنه يومُ الجزاءِ والحساب، واعلموا أن الله قد بيَّن لكم ما يَهْدِيكم استعدادًا لهذا اليوم، وما دام الأمرُ كذلك، فمَنْ شاء النجاةَ مِن أهوالِ ذلك اليوم، فليسلُكْ إلى ربه مَرْجِعًا يقرِّبه منه، ويُدْنِيهِ مِن كرامتِهِ وثوابه، ويباعِدُ بينه وبين عقابه، وهو الإيمانُ بالله وحده، والعمَلُ الصالح.

[40] ﴿إِنَّآ أَنذَرۡنَٰكُمۡ عَذَابٗا قَرِيبٗا يَوۡمَ يَنظُرُ ٱلۡمَرۡءُ مَا قَدَّمَتۡ يَدَاهُ وَيَقُولُ ٱلۡكَافِرُ يَٰلَيۡتَنِي كُنتُ تُرَٰبَۢا 40﴾:

واعلموا -أيها الناس- أن الله جل في علاه حذَّركم عذابًا قد دنا منكم، وهذا العذابُ سيكونُ يوم القيامة، يوم أن يُبصِرَ كلُّ إنسان ما قدَّم مِن خيرٍ أو شرٍّ مثبَتًا في صحيفته، وفي هذه اللحظةِ سوفَ يَندَمُ الكافرُ، فيقولُ مِن شدَّة ما يَلْقَى، ومِن هولِ ما يرى: يا ليتني لم أُخلَقْ، ولم أُبعَثْ، بل ليتني أعود ترابًا كالحيواناتِ بعد أن اقتَصَّ بعضُهم مِن بعضٍ، ثم يقالُ لها: كوني ترابًا.

سورة النازعات

سورةُ النازِعاتِ مكيَّةٌ، وآياتها ستٌّ وأربعون آية.

[1] ﴿وَٱلنَّٰزِعَٰتِ غَرۡقٗا 1﴾:

بدأتِ السورةُ بهذه الإقسامات؛ حيثُ أقسَمَ سبحانه بالملائكةِ التي تَنْزِعُ أرواحَ الكفَّار.

[2] ﴿وَٱلنَّٰشِطَٰتِ نَشۡطٗا 2﴾:

وأقسَمَ سبحانه بالملائكةِ التي تَقْبِضُ أرواحَ المؤمنين.

[3] ﴿وَٱلسَّٰبِحَٰتِ سَبۡحٗا 3﴾:

وأقسَمَ سبحانه بالملائكةِ التي تجوبُ آفاقَ السماء -كالذي يَسْبَحُ في الماء- وتَنْزِلُ بأمرِ اللهِ ووَحْيه.

[4] ﴿فَٱلسَّٰبِقَٰتِ سَبۡقٗا 4﴾:

وأقسَمَ سبحانه بالملائكةِ التي يَسْبِقُ بعضُها بعضًا في تدبيرِ أمرِ الله تعالى.

[5] ﴿فَٱلۡمُدَبِّرَٰتِ أَمۡرٗا 5﴾:

وأقسَمَ سبحانه بالملائكة التي تدبِّر شؤون الكون بأمرِ الله تعالى. وجوابُ القسَمِ هو: أنَّ يومَ القيامةِ حقٌّ، وأنكم -يا معشر الناس- سوف تُبْعثون وتحاسبون.

[6] ﴿يَوۡمَ تَرۡجُفُ ٱلرَّاجِفَةُ 6﴾:

ثم بيَّن جل وعلا أن يومَ القيامةِ سوف يكون بعد اليومِ الذي تضطرِبُ فيه الأرضُ بالنَّفْخةِ الأولى، وهي نفخةُ الإماتةِ التي يموتُ فيها كلُّ شيء على وجه الأرض.

[7] ﴿تَتۡبَعُهَا ٱلرَّادِفَةُ 7﴾:

ثم بين سبحانه أن النفخة الأولى تَتْبَعُها النفخةُ الثانيةُ التي يُحْيِيَ الله بها الناسَ وتُخْرِجهم مِن قبورهم.

[8] ﴿قُلُوبٞ يَوۡمَئِذٖ وَاجِفَةٌ 8﴾:

ثم أخبر سبحانه أن قلوبُ الكافرين تضطرِبُ خوفًا.

[9] ﴿أَبۡصَٰرُهَا خَٰشِعَةٞ 9﴾:

وأخبر سبحانه أيضًا أن أبصارُهم تخضَعُ لهولِ ما ترى مِن أحداثِ القيامة.

[10] ﴿يَقُولُونَ أَءِنَّا لَمَرۡدُودُونَ فِي ٱلۡحَافِرَةِ 10﴾:

ثم قال الكافرون المكذِّبون المستبعِدُونَ للبعث والنشور: هل نُرَدُّ إلى حالتنا الأولى، فنحيا بعد مَوْتنا، بعد أن هلَكْنا وأُدْخِلْنا القبور؟!

[11] ﴿أَءِذَا كُنَّا عِظَٰمٗا نَّخِرَةٗ 11﴾:

وقال الكافرون أيضًا: هل سيحصُلُ ذلك بعد أن صِرْنا عظامًا باليةً متفتِّتةً؟!

[12] ﴿قَالُواْ تِلۡكَ إِذٗا كَرَّةٌ خَاسِرَةٞ 12﴾:

ثم قالوا على سبيل الاستهزاء: فإذا صَحَّ ما تقولون: إننا سنحيا ونُبعَثُ مِن جديدٍ، فسوف نكون من الخاسرين!

[13] ﴿فَإِنَّمَا هِيَ زَجۡرَةٞ وَٰحِدَةٞ 13﴾:

ثم رَدَّ سبحانه على هؤلاء المكذِّبين، فقال: اعلموا -أيها الناس- أنما هي صيحةٌ واحدةٌ، وهي النفخةُ الثانية.

[14] ﴿فَإِذَا هُم بِٱلسَّاهِرَةِ 14﴾:

ثم بين سبحانه أن جميعُ الخلائقِ بعد النفخة الثانية أحياءٌ على أرضٍ مستويةٍ، بعد أن كانوا في بطنها في الدنيا.

[15] ﴿هَلۡ أَتَىٰكَ حَدِيثُ مُوسَىٰٓ 15﴾:

ثم خاطب جل وعلا نبيه ﷺ فقال: هل أتاك -أيها النبي- خبَرُ موسى عليه السلام؟!.

[16] ﴿إِذۡ نَادَىٰهُ رَبُّهُۥ بِٱلۡوَادِ ٱلۡمُقَدَّسِ طُوًى 16﴾:

ثم بين سبحانه لنبيه أنه كلم موسى عليه السلام بالوادي المطهَّر المبارَكِ المسمَّى: (طُوًى)، وهو الوادي الأيمَنُ مِن جبَلِ سَيْناء.

[17] ﴿ٱذۡهَبۡ إِلَىٰ فِرۡعَوۡنَ إِنَّهُۥ طَغَىٰ 17﴾:

ثم قال جل وعلا لموسى عليه السلام: اذهبْ -يا موسى- إلى الطاغية فِرْعَوْنَ؛ فإنه قد أجرَمَ وبالَغَ في العصيان والتكبُّر.

[18] ﴿فَقُلۡ هَل لَّكَ إِلَىٰٓ أَن تَزَكَّىٰ 18﴾:

وقل له متلطِّفًا معه في الحديث: هل لك رغبةٌ -يا فرعون- في أن تطهِّرَ نفسك من الآثام التي انغمَسْتَ فيها.

[19] ﴿وَأَهۡدِيَكَ إِلَىٰ رَبِّكَ فَتَخۡشَىٰ 19﴾:

وقل له أيضًا: فإذا رغبت -يا فرعون- في أن تطهر نفسك فسوف أُرِيَكَ السبيلَ إلى ذلك، وأُرشِدَكَ إلى طاعة ربِّك؛ فتحصُلَ على الخشية التي تُنْجِيكَ من عذاب الله.

[20] ﴿فَأَرَىٰهُ ٱلۡأٓيَةَ ٱلۡكُبۡرَىٰ 20﴾:

ثم بعد اللقاء وتنفيذ أمر الله، طلَبَ فرعونُ أن يرى المعجزةَ التي تُثبِتُ دعوى موسى، فأرى موسى فرعونَ العلامةَ العظمى، وهي: العصا التي انقلَبَتْ أَفْعى، واليَدُ التي صارت بيضاء.

[21] ﴿فَكَذَّبَ وَعَصَىٰ 21﴾:

ولكنَّ فرعون رَكِبَ رأسه، واغتَرَّ وكذَّب بهذه الآيات، وعصى ربَّه، ولم يؤمن به.

[22] ﴿ﭐثُمَّ أَدۡبَرَ يَسۡعَىٰ 22﴾:

ثم ولَّى فرعونُ معرِضًا عن الإيمان والتوحيد، باذلًا جهدَهُ في معارَضةِ موسى ومحاربته، مع تحقُّقه من أن موسى مُحِقٌّ فيما قال؛ كما ذكَرَ ذلك سبحانه في قوله تعالى: ﴿وَجَحَدُواْ بِهَا وَٱسۡتَيۡقَنَتۡهَآ أَنفُسُهُمۡ ظُلۡمٗا وَعُلُوّٗاۚ ﴾ [النمل:١٤].

[٢٣] ﴿فَحَشَرَ فَنَادَىٰ 23﴾:

ثم إن فرعونَ جمَعَ جنودَهُ وأهلَ مملكتِهِ في صعيدٍ واحد ونادى بأعلى صوته.

[24] ﴿فَقَالَ أَنَا۠ رَبُّكُمُ ٱلۡأَعۡلَىٰ 24﴾:

فقال لهم: اعلموا –أيها الناس- أني أنا ربُّكم الأعلى.

[25] ﴿فَأَخَذَهُ ٱللَّهُ نَكَالَ ٱلۡأٓخِرَةِ وَٱلۡأُولَىٰٓ 25﴾:

وهكذا عَمِيَتْ بصيرته، واغتَرَّ بقوَّته ومملكته وجنده، وكانت النتيجةُ أن الله انتقَمَ من فرعونَ بالعذابِ في الدنيا والآخرة.

[26] ﴿إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَعِبۡرَةٗ لِّمَن يَخۡشَىٰٓ 26﴾:

واعلموا -أيها الناس- أن في فرعون وما نزَلَ به مِن العذابِ موعظةً لمن يتقي الله ويخشى عقابه.

[27] ﴿ءَأَنتُمۡ أَشَدُّ خَلۡقًا أَمِ ٱلسَّمَآءُۚ بَنَىٰهَا 27﴾:

ثم خاطَبَ جل وعلا أولئك المكذِّبين الجاحدين، فقال سبحانه: هل بَعْثُكم يوم القيامة أصعبُ إبداعًا وإنشاءً في نَظَركم، أم خَلْقُ السماء التي أحكَمَ صُنْعَها ورَفْعَها فوقكم كالبناء، لا شقوقَ فيها ولا صدوعَ.

[28] ﴿رَفَعَ سَمۡكَهَا فَسَوَّىٰهَا 28﴾:

ثم بين سبحانه أنه خَلَقَ السماء وجعَلَ ارتفاعَهَا عاليًا شاهقًا، وسوَّاها على أبدعِ نظام.

[29] ﴿وَأَغۡطَشَ لَيۡلَهَا وَأَخۡرَجَ ضُحَىٰهَا 29﴾:

وبين سبحانه أنه جعَلَ ليلَ السماء مظلِمًا، ونهارَهَا مشرِقًا مضيئًا؟!

[30] ﴿وَٱلۡأَرۡضَ بَعۡدَ ذَٰلِكَ دَحَىٰهَآ 30﴾:

وبعد أن خَلْقِ جل وعلا السماء أخبر أنه خلَقَ الأرضَ التي بسَطَها ومهَّدَها لساكنيها.

[31] ﴿أَخۡرَجَ مِنۡهَا مَآءَهَا وَمَرۡعَىٰهَا 31﴾:

ثم أخبر سبحانه أنه أخرَجَ من الأرض عيونَ الماء والنباتاتِ التي يأكُلُها الناسُ والحيوان.

[32] ﴿وَٱلۡجِبَالَ أَرۡسَىٰهَا 32﴾:

وبعد ذلك أخبر جل وعلا أنه خلَقَ الجبالَ التي ثبَّت بها الأرضَ، فجعلها كالأوتاد؛ لتستقِرَّ وتسكُنَ بأهلها.

[33] ﴿مَتَٰعٗا لَّكُمۡ وَلِأَنۡعَٰمِكُمۡ 33﴾:

ثم بين سبحانه أن كلُّ هذه الأنعام التي خلَقَها إنما جعَلَها سبحانه منفعةً لكم ولأنعامكم تستمتعون بما فيها مِن الخَيْرات.

[34] ﴿فَإِذَا جَآءَتِ ٱلطَّآمَّةُ ٱلۡكُبۡرَىٰ 34﴾:

ثم أخبَرَ جل وعلا عن حال الأشقياءِ يومَ القيامة، فقال سبحانه: فإذا جاءت -أيها الناس- القيامةُ الكبرى، والداهية العظمى، التي تعُمُّ بأهوالها كلَّ شيء، وهي النفخة الثانية.

[35] ﴿يَوۡمَ يَتَذَكَّرُ ٱلۡإِنسَٰنُ مَا سَعَىٰ 35﴾:

في ذلك اليومِ الرهيبِ يتذكَّر الإنسانُ ما سعى وقدَّم من خير أو شر، وتُعرَضُ عليه أعمالُهُ ليُجَازَى عليها؛ وعندئذٍ: يعرف أهلُ الجنَّةِ منازِلَهم، وأهلُ النارِ منازِلَهم.

[36] ﴿وَبُرِّزَتِ ٱلۡجَحِيمُ لِمَن يَرَىٰ 36﴾:

وفي هذه الحالِ تَظْهَرُ النارُ، وتبرُزُ لكلِّ مُبْصِر؛ فيراها المجرِمون رأْيَ العين.

[37] ﴿فَأَمَّا مَن طَغَىٰ 37﴾:

ثم بيَّن سبحانه حالَ مَنْ تجاوَزَ حدودَ الله، وكفَرَ به وعصاه.

[38] ﴿وَءَاثَرَ ٱلۡحَيَوٰةَ ٱلدُّنۡيَا 38﴾:

وكذلك آثَرَ الفاني على الباقي، وقدَّمه عليه.

[39] ﴿فَإِنَّ ٱلۡجَحِيمَ هِيَ ٱلۡمَأۡوَىٰ 39﴾:

فأخبَرَ سبحانه أن من كان هذا حاله فإن منزله ومسكنه الذي يأوي إليه في الآخرة هو نارُ جهنَّم.

[40] ﴿وَأَمَّا مَنۡ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِۦ وَنَهَى ٱلنَّفۡسَ عَنِ ٱلۡهَوَىٰ 40﴾:

ثم بيَّن سبحانه حالَ مَنْ خاف منه ومِن عذابه وعقابه، ونهى نفسه عن هواها الذي يقيِّدها عن طاعة الله.

[41] ﴿فَإِنَّ ٱلۡجَنَّةَ هِيَ ٱلۡمَأۡوَىٰ 41﴾:

فأخبَرَ سبحانه أن منزله ومسكنه الذي يأوي إليه في الآخرة هو جنَّاتُ النعيم.

[42] ﴿يَسۡـَٔلُونَكَ عَنِ ٱلسَّاعَةِ أَيَّانَ مُرۡسَىٰهَا 42﴾:

ثم ختَمَ جل وعلا السورة بالحديثِ عن الساعة، فقال: اعلم -أيها النبي- أن المشركين المكذِّبين بالبعث يسألونك على سبيلِ الاستهزاء عن وقتِ قيامِ الساعة.

[43] ﴿فِيمَ أَنتَ مِن ذِكۡرَىٰهَآ 43﴾:

فأخبِرْهم –أيها النبي- أن أَمْرَها ليس إليك، وأنك لا تعلم متى تكون الساعة.

[44] ﴿إِلَىٰ رَبِّكَ مُنتَهَىٰهَآ 44﴾:

ثم بين سبحانه سبب ذلك فأخبر أن مرد أمر الساعة إليه وحده.

[45] ﴿إِنَّمَآ أَنتَ مُنذِرُ مَن يَخۡشَىٰهَا 45﴾:

وإنما واجبُكَ -أيها النبي- في شأن الساعة: أن تخوِّف وتُنذِرَ بها مَنْ يخشى مجيئها، ويخافُ مِن الوقوفِ بين يَدَيِ الله جل في علاه.

[46] ﴿كَأَنَّهُمۡ يَوۡمَ يَرَوۡنَهَا لَمۡ يَلۡبَثُوٓاْ إِلَّا عَشِيَّةً أَوۡ ضُحَىٰهَا 46﴾:

ثم بيَّن سبحانه أن هؤلاء الكفَّار عندما يَرَوْنَ قيام الساعة يتذكَّرون مُكْثَهم في الدنيا وقِصَرَهُ، وكأنه سُوَيْعاتٌ قليلةٌ بمقدارِ ما بين الظهرِ إلى غروبِ الشمس، أو ما بين طلوعِ الشمسِ إلى نصفِ النهار؛ لعِظَمِ ما يَرَوْنَ من أهوالها.

سورة عبَسَ

سورةُ عبَسَ مكيَّةٌ، وآياتها ثنتان وأربعون آية.

[1] ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّىٰٓ 1﴾:

افتُتِحَتْ هذه السورةُ بإرشاد النبيِّ ﷺ إلى كيفيَّةِ التعامُلِ مع ضعفاء المسلمين، فبيَّن جل وعلا: أن الرسولَ ﷺ ظهَرَ على وجهِهِ التغيُّرُ والعُبُوسُ والإعراض.

[2] ﴿أَن جَآءَهُ ٱلۡأَعۡمَىٰ 2﴾:

ثم بين سبحانه أن هذا العبوس والإعراض ظهر عليه ﷺ عندما جاءه الأعمى عبد الله بن أم مكتوم، يسأله عن أمور دينه، لأنه قطَعَ عليه كلامه؛ في حينِ أنه كان ﷺ منشغِلًا بدعوةِ صناديدِ قريشٍ؛ أمثال: عُتْبةَ وشَيْبةَ وأبي جهلٍ والوليدِ بنِ المُغِيرة؛ طمعًا في إسلامهم.

[3] ﴿وَمَا يُدۡرِيكَ لَعَلَّهُۥ يَزَّكَّىٰٓ 3﴾:

ثم قال جل وعلا معاتِبًا نبيَّه ﷺ: وما يُعلِمُكَ ويُخبِرُكَ عن حالِ هذا الأعمى -أيها النبي- فلعله بسؤاله يتطهَّرُ من ذنوبه.

[4] ﴿أَوۡ يَذَّكَّرُ فَتَنفَعَهُ ٱلذِّكۡرَىٰٓ 4﴾:

أو ينتفِعُ هذا الأعمى بما يسمعُهُ فيتَّعِظُ ويعتبِرُ ويستنيرُ قلبُهُ بنورِ الإيمان. أما الزعماءُ الذين عبَسْتَ في وجه الأعمى لأجلهم، فقد وصَلَتْهم الدعوةُ، وليس عليك إلا البلاغ وقد فعَلْتَ. ولاحِظْ أن الله جل وعلا قال: ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّىٰٓ﴾، ولم يقُلْ: (عَبَسْتَ وَتَوَلَّيْتَ)، وكأنَّ الحديث عن شخصٍ آخر؛ لأن المقصودَ هو العتابُ والإرشاد.

[5] ﴿أَمَّا مَنِ ٱسۡتَغۡنَىٰ 5﴾:

ثم قال سبحانه لنبيِّه ﷺ على وجهِ التفصيل: أما مَنْ جاءك -أيها النبي- وهو مستغنٍ بمالِهِ، معرِضٌ عن دين الله فلا تحرص عليه كثيرًا.

[6] ﴿فَأَنتَ لَهُۥ تَصَدَّىٰ 6﴾:

ثم قال سبحانه: فهل يَصِحُّ أن تتعرَّضَ –أيها النبي- لهذا المستغني، وتهتمَّ بكلامه؟!

[7] ﴿وَمَا عَلَيۡكَ أَلَّا يَزَّكَّىٰ 7﴾:

ثم بين سبحانه لنبيه ﷺ أنه ليس عليك ذنبٌ أو مسؤولية؛ إذا لم يتطهَّرْ هذا المعرض من دنَسِ الكفرِ والعصيان.

[8] ﴿وَأَمَّا مَن جَآءَكَ يَسۡعَىٰ 8﴾:

وأما هذا الأعمى الذي جاء إليك -أيها النبي- بنَفْسِهِ مسرِعًا حريصًا يريد معرفة دينه.

[9] ﴿وَهُوَ يَخۡشَىٰ 9﴾:

وجاء يسأل عن الحق خوفًا من عذابِ الله وعقابه.

[10] ﴿فَأَنتَ عَنۡهُ تَلَهَّىٰ 10﴾:

ولكنك –أيها النبي- تتشاغَلُ وتتلهَّى عنه بالانصرافِ عنه إلى رؤساءِ الكفرِ؛ لدعوتهم.

[11] ﴿كَلَّآ إِنَّهَا تَذۡكِرَةٞ 11﴾:

فاعلم -أيها النبي- أن الأمر ليس كما فعَلْتَ؛ بل الأمرُ: أن مثلَ هذا الإعراضِ لا يصحُّ أن يقع مع ملتمِسِ الهدى والرشاد، ولو كان الصارفُ لك عن ذلك أمرًا في صالح الإسلام، وما هذه السورةُ –أيها النبي- وما فيها من إرشاداتٍ إلا موعظةً وتذكرةً لك.

[12] ﴿فَمَن شَآءَ ذَكَرَهُۥ 12﴾:

فمن شاء –أيها النبي- الاتعاظ والتذكر من عباد الله فإنه يجده في هذه السورة وفي هذا الكتاب العظيم.

[13] ﴿فِي صُحُفٖ مُّكَرَّمَةٖ 13﴾:

واعلم -أيها النبي- أن هذه المواعظَ مثبَتةٌ في صحفٍ معظَّمةٍ موقَّرة.

[14] ﴿مَّرۡفُوعَةٖ مُّطَهَّرَةِۭ 14﴾:

وهذه الصحف رفيعةِ القَدْرِ عند الله، مطهَّرةٍ مصونة.

[15] ﴿بِأَيۡدِي سَفَرَةٖ 15﴾:

واعلم –أيها النبي- أيضًا أن هذه الصحف بأيدي ملائكةٍ جعَلَهم اللهُ سُفَراءَ بينه وبين رسله.

[16] ﴿كِرَامِۭ بَرَرَةٖ 16﴾:

واعلم أيضًا أن هؤلاءِ الملائكةُ كرامٌ على الله وأبرارٌ أطهار.

[17] ﴿قُتِلَ ٱلۡإِنسَٰنُ مَآ أَكۡفَرَهُۥ 17﴾:

ثم دعا سبحانه على الإنسان الكافر، فقال: قاتَلَ اللهُ هذا الكافرَ؛ ما أشَدَّ كُفْرَهُ بالله، مع كثرة إحسان الله إليه!

[18] ﴿مِنۡ أَيِّ شَيۡءٍ خَلَقَهُۥ 18﴾:

ثم لام سبحانه الكَفَرةَ المعانِدينَ، فقال: ألم ينظُرْ هذا الإنسانُ إلى أصلِ خلقِهِ من أنه خُلِقَ مِن نُطْفةٍ حقيرةٍ حتى يستغني عن الإيمان بربِّه؟!

[19] ﴿مِن نُّطۡفَةٍ خَلَقَهُۥ فَقَدَّرَهُۥ 19﴾:

وهذه النطفةُ جعَلَها سبحانه مقدَّرةً في رَحِمِ أمِّه أطوارًا حتى تم خَلْقه.

[20] ﴿ثُمَّ ٱلسَّبِيلَ يَسَّرَهُۥ 20﴾:

ثم بين سبحانه أنه بعد هذه الأطوارِ التي عاشَها في رَحِمِ أمِّه سهَّل الله له الخروجَ، ثم هداه النَّجْدَيْن، وسهَّل له الهدى إنْ رَغِبَ، والعصيانَ إنْ رَغِبَ.

[21] ﴿ثُمَّ أَمَاتَهُۥ فَأَقۡبَرَهُۥ 21﴾:

ثم بين سبحانه أنه أنعَمَ عليه إذا مات أن يوارى في القبرِ تكريمًا له.

[22] ﴿ثُمَّ إِذَا شَآءَ أَنشَرَهُۥ 22﴾:

ثم بين سبحانه أنه إذا شاء أحياه وبعَثَهُ بعد موته للحسابِ والجزاء.

[23] ﴿كَلَّا لَمَّا يَقۡضِ مَآ أَمَرَهُۥ 23﴾:

ثم هدد سبحانه الكافر، فقال: فليرتدِعِ هذا الكافرُ وينزجِرْ عن تكبُّره وتجبُّره؛ فإنه مع الإحسان إليه وتسويته بأحسنِ صورةٍ وإبلاغِهِ التكاليفَ الشرعية؛ فإنه لم يؤدِّ ما فرَضَ الله عليه من الإيمان والعمل الصالح.

[24] ﴿فَلۡيَنظُرِ ٱلۡإِنسَٰنُ إِلَىٰ طَعَامِهِۦٓ 24﴾:

ثم أرشَدَ سبحانه الإنسانَ إلى التدبُّر في أمرِ طعامِهِ، وكيف وصَلَ إليه بعد أن مَرَّ في مراحلَ متعدِّدة.

[25] ﴿أَنَّا صَبَبۡنَا ٱلۡمَآءَ صَبّٗا 25﴾:

فأخبر سبحانه أنه بقدرته أنزَلَ الماءَ مِن السحابِ على الأرض.

[26] ﴿ثُمَّ شَقَقۡنَا ٱلۡأَرۡضَ شَقّٗا 26﴾:

ثم أخبر سبحانه أنه شَقَّ الأرضَ بخروجِ النباتِ منها شقًّا بديعًا.

[27] ﴿فَأَنۢبَتۡنَا فِيهَا حَبّٗا 27﴾:

وأخبر سبحانه أنه أنبَتَ في الأرضِ أنواعَ الحبوبِ كالحِنْطةِ والشعير.

[28] ﴿وَعِنَبٗا وَقَضۡبٗا 28﴾:

وأخبر سبحانه أنه أنبَتَ فيها أنواعَ العنبِ اللذيذ، وأنواعَ الخُضَارِ؛ كالخَسِّ والبَقْدُونِسِ، والنَّعْناعِ والجِرْجِير.

[29] ﴿وَزَيۡتُونٗا وَنَخۡلٗا 29﴾:

وأخبر سبحانه أنه أنبَتَ فيها أشجارَ الزيتونِ والنخيل.

[30] ﴿وَحَدَآئِقَ غُلۡبٗا 30﴾:

وأخبر سبحانه أنه أنبَتَ فيها البساتينَ والحدائقَ ذاتَ الأشجارِ الكثيرةِ الملتفَّة.

[31] ﴿وَفَٰكِهَةٗ وَأَبّٗا 31﴾:

وأخبر سبحانه أنه أنبَتَ فيها أنواعَ الفاكهة، وهكذا أنبَتَ فيها الأبَّ، وهو التِّبْنُ وما تأكله البهائمُ والأنعام.

[32] ﴿مَّتَٰعٗا لَّكُمۡ وَلِأَنۡعَٰمِكُمۡ 32﴾:

ثم أخبَرَ سبحانه أنه جعَلَ هذا الطعامَ منفعةً لكم تنتفعونَ به أنتم وأنعامكم.

[33] ﴿فَإِذَا جَآءَتِ ٱلصَّآخَّةُ 33﴾:

ثم ختَمَ جل وعلا السورةَ بالحديثِ عن أهوالِ يومِ القيامة، فقال سبحانه: فإذا جاءتْ صيحةُ القيامةِ التي تصُخُّ الآذانَ، حتى تكادَ أن تُصِمَّها؛ حينئذٍ يندمُ المفرِّطون.

[34] ﴿يَوۡمَ يَفِرُّ ٱلۡمَرۡءُ مِنۡ أَخِيهِ 34﴾:

ثم بين سبحانه أنه في هذا اليومِ يَفِرُّ المرءُ من أعزِّ الناس عنده، وكلٌّ يقولُ: (نفسي نفسي). فبين سبحانه أنه يَفِرُّ من أخيه.

[35] ﴿وَأُمِّهِۦ وَأَبِيهِ 35﴾:

وبين سبحانه أنه يَفِرُّ من أمِّه وأبيه.

[36] ﴿وَصَٰحِبَتِهِۦ وَبَنِيهِ 36﴾:

وبين سبحانه أيضًا أنه يَفِرُّ من زوجتِهِ، ويَفِرُّ من بنيه.

[37] ﴿لِكُلِّ ٱمۡرِيٕٖ مِّنۡهُمۡ يَوۡمَئِذٖ شَأۡنٞ يُغۡنِيهِ 37﴾:

ثم بين سبحانه أن لكلِّ واحدٍ منهم في ذلك اليومِ همٌّ يشغله عن أقربائِهِ، ويَصْرِفُهُ عنهم.

[38] ﴿وُجُوهٞ يَوۡمَئِذٖ مُّسۡفِرَةٞ 38﴾:

ثم بين سبحانه أن في هذا اليومِ العظيمِ يومِ القيامةِ تَبْيَضُّ بعض الوجوه.

[39] ﴿ضَاحِكَةٞ مُّسۡتَبۡشِرَةٞ 39﴾:

وهذه الوجوه أيضًا تضحكُ وتستبشِرُ، وهي وجوهُ أهل التوحيد والإيمان.

[40] ﴿وَوُجُوهٞ يَوۡمَئِذٍ عَلَيۡهَا غَبَرَةٞ 40﴾:

وبين سبحانه أيضًا أن هناك وجوهٌ عليها غُبَارٌ وعُبُوسٌ لهولِ ما هم إليه ذاهبون.

[41] ﴿تَرۡهَقُهَا قَتَرَةٌ 41﴾:

ثم بيَّن جل وعلا أن هذه الوجوه التي عليها غَبَرةٌ تعلوها وتغشاها الذِّلَّةُ والصَّغَارُ، والسوادُ والظُّلْمة.

[42] ﴿أُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡكَفَرَةُ ٱلۡفَجَرَةُ 42﴾:

ثم ختَمَ سبحانه الآياتِ مبيِّنًا أن الوجوهَ الموصوفةَ بتلك الأوصافِ هي وجوهُ أولئك الذين جمعوا بين الكُفْر والفجور؛ فلذلك جمَعَ اللهُ لهم بين السَّوَادِ والغُبَار.

سورة التكوير

سورةُ التكوير مكيَّة، وآياتها تسعٌ وعشرون آية.

[1] ﴿إِذَا ٱلشَّمۡسُ كُوِّرَتۡ 1﴾:

بدأ جل وعلا بهذه الإقساماتِ؛ حيثُ أقسَمَ سبحانه بالشمسِ إذا تدوَّرت وصارت مثلَ الكُرَةِ، ومُحِيَ ضوؤها، وأُخرِجَتْ مِن مَسَارِها، ورُمِيَ بها في النار.

[2] ﴿وَإِذَا ٱلنُّجُومُ ٱنكَدَرَتۡ 2﴾:

وأقسَمَ سبحانه بالنجومِ إذا وقَعَتْ وتهاوت وتناثَرَتْ.

[3] ﴿وَإِذَا ٱلۡجِبَالُ سُيِّرَتۡ 3﴾:

وأقسَمَ سبحانه بالجبالِ إذا قُلِعَتْ عن الأرضِ ونُسِفَتْ عن أماكنها، وتفتَّتت وسارت في الهواءِ غُبَارًا.

[4] ﴿وَإِذَا ٱلۡعِشَارُ عُطِّلَتۡ 4﴾:

وأقسَمَ سبحانه بالنُّوقِ التي ببَطْنها أَجِنَّتُها إذا تُرِكَتْ هَمَلًا، وهي أنفَسُ الإبلِ عند العرب.

[5] ﴿وَإِذَا ٱلۡوُحُوشُ حُشِرَتۡ 5﴾:

وأقسَمَ سبحانه بالوحوشِ إذا جُمِعَتْ، وهي في حالة ذهولٍ مِن شدة الفزع؛ لكي يُقْضى من بعضها البعض.

[6] ﴿وَإِذَا ٱلۡبِحَارُ سُجِّرَتۡ 6﴾:

وأقسَمَ سبحانه بالبحارِ إذا تأجَّجَتْ نارًا.

[7] ﴿وَإِذَا ٱلنُّفُوسُ زُوِّجَتۡ 7﴾:

وأقسَمَ سبحانه بالنفوسِ إذا جُمِعَتْ بأشباهها، فيُجمَعُ الأبرارُ مع الأبرار، والفُجَّارُ مع الفُجَّار.

[8] ﴿وَإِذَا ٱلۡمَوۡءُۥدَةُ سُئِلَتۡ 8﴾:

وأقسَمَ سبحانه بالموءودة إذا سُئِلَتْ.

[9] ﴿بِأَيِّ ذَنۢبٖ قُتِلَتۡ 9﴾:

ثم بين سبحانه إذا سئلت عن السبب الذي لأجله قُتِلَتْ؛ فإنها ستجيب أنها قُتِلَتْ بلا ذنبٍ جَنَتْهُ، والمقصود هو تقريع وتبكيت الوائدين لبناتهم.

[10] ﴿وَإِذَا ٱلصُّحُفُ نُشِرَتۡ 10﴾:

وأقسَمَ سبحانه بصحف الأعمال إذا تطايرت لتقَعَ في أيدي أصحابها في موقفِ الحسابِ حتى لا يرتابوا فيها؛ المؤمنُ بيده اليمنى، والكافرُ بيده اليسرى.

[11] ﴿وَإِذَا ٱلسَّمَآءُ كُشِطَتۡ 11﴾:

وأقسَمَ سبحانه بالسماء إذا نُزِعَتْ كما يُنزَعُ الجِلْدُ من الذبيحة، وصارت كالمُهْل.

[12] ﴿وَإِذَا ٱلۡجَحِيمُ سُعِّرَتۡ 12﴾:

وأقسَمَ سبحانه بالنارِ إذا أُجِّجَتْ وأُوقِدَتْ وأُضرِمَتْ.

[13] ﴿وَإِذَا ٱلۡجَنَّةُ أُزۡلِفَتۡ 13﴾:

وأقسَمَ سبحانه بالجنةِ إذا أُدْنِيَتْ من عباد الله الصالحين، أي: أُعِدَّتْ لنزولهم.

[14] ﴿عَلِمَتۡ نَفۡسٞ مَّآ أَحۡضَرَتۡ 14﴾:

ثم جاء جوابُ القسَمِ لكلِّ ما سبق؛ حيث أخبَرَ سبحانه أنه إذا وقعَتْ كلُّ هذه الأحداث، فقد تَيَقَّنَتْ ووجَدَتْ كلُّ نفسٍ ما قدَّمَتْ من خير أو شر. قال الشيخ ابن عثيمين في دَرْسِ التفسيرِ عندما سُئِلَ عن قوله تعالى: ﴿إِذَا ٱلشَّمۡسُ كُوِّرَتۡ﴾ [التكوير:١]، فقال: (إن الشمسَ تدنو مِن الرؤوسِ قَدْرَ مِيلٍ، وإنَّ يومَ القيامةِ مقدارُهُ خمسونَ ألفَ سنةٍ، فتتعدَّد المواقف والحالات؛ فيكلِّم ويُختَمُ ويُحشَرُ المجرمون زُرْقًا، ثم تَسْوَدُّ وجوهُهم، وهو وقتٌ يحتمِلُ كلَّ الحالات المذكورة فيه، وقد أخرَجَ أحمد، والترمذي، عن ابن عمر رضي الله عنهما، قال: قال ﷺ: «مَنْ سَرَّهُ أَنْ يَنْظُرَ إِلَى يَوْمِ القِيَامَةِ كَأَنَّهُ رَأْيُ عَيْنٍ فَلْيَقْرَأْ: إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ، وَإِذَا السَّمَاءُ انْفَطَرَتْ»([1]). [1] أخرجه أحمد (4806، 4934) والترمذي (3333)، وصحَّحه الألباني.

[15] ﴿فَلَآ أُقۡسِمُ بِٱلۡخُنَّسِ 15﴾:

ثم أقسَمَ سبحانه قسمًا مؤكَّدًا بالخُنَّس، وهي: النجومُ المضيئةُ التي تختفي بالنهار، وتظهر بالليل.

[16] ﴿ٱلۡجَوَارِ ٱلۡكُنَّسِ 16﴾:

وأقسَمَ سبحانه بالنجومِ التي تسيرُ في أفلاكها، ثم تستتِرُ وقتَ غروبها.

[17] ﴿وَٱلَّيۡلِ إِذَا عَسۡعَسَ 17﴾:

وأقسمَ سبحانه بالليلِ إذا أقبَلَ أو أدبَرَ.

[18] ﴿وَٱلصُّبۡحِ إِذَا تَنَفَّسَ 18﴾:

وأقسَمَ سبحانه بالصبحِ حين يمتدُّ حتى يصيرَ نهارًا بيِّنًا.

[19] ﴿إِنَّهُۥ لَقَوۡلُ رَسُولٖ كَرِيمٖ 19﴾:

ثم جاء جوابُ القسَمِ مؤكَّدًا بعدَّةِ تأكيدات: أن هذا القرآنَ المنزَّلَ على النبيِّ ﷺ بواسطة جبريل، هو كلامُ الله.

[20] ﴿ذِي قُوَّةٍ عِندَ ذِي ٱلۡعَرۡشِ مَكِينٖ 20﴾:

ومن التأكيدات: أنَّ جبريلَ عليه السلام ذو قوَّة شديدة في القيام بما كُلِّفَ به، وأنه ذو جاهٍ ومنزلةٍ عند ربه.

[21] ﴿مُّطَاعٖ ثَمَّ أَمِينٖ 21﴾:

ومن التأكيدات أن جبريل عليه السلام مطاعٌ في الملأ الأعلى تُطِيعُهُ الملائكةُ المقرَّبون، وأنه مؤتمَنٌ على الوحي.

[22] ﴿وَمَا صَاحِبُكُم بِمَجۡنُونٖ 22﴾:

واعلموا -أيها العرب في مكة- أنَّ صاحبكم محمَّدًا ﷺ الذي أُرسِلَ إليكم ليس بمجنون.

[23] ﴿وَلَقَدۡ رَءَاهُ بِٱلۡأُفُقِ ٱلۡمُبِينِ 23﴾:

ثم أقسَمَ جل وعلا أن النبيَّ ﷺ رأى جبريلَ على صورتِهِ الحقيقيَّةِ التي خلقه الله عليها، وهو مقبِلٌ مِن جهةِ المشرِقِ بمطلعِ الشمسِ قد سَدَّ الأُفُق.

[24] ﴿وَمَا هُوَ عَلَى ٱلۡغَيۡبِ بِضَنِينٖ 24﴾:

وأقسَمَ سبحانه أن محمدًا ﷺ ليس ببخيلٍ بتبليغِ ما أُمِرَ بتبليغه، ولا متَّهَمٍ بالتقصيرِ ولا غيره.

[25] ﴿وَمَا هُوَ بِقَوۡلِ شَيۡطَٰنٖ رَّجِيمٖ 25﴾:

واعلموا -أيها الناس- أن هذا الذي يتكلَّم به محمد ﷺ -وهو القرآن الكريم- ليس بقولٍ ألقاه الشيطان على لسانه؛ كما افترَيْتُمْ وزعَمْتم.

[26] ﴿فَأَيۡنَ تَذۡهَبُونَ 26﴾:

ثم وبَّخهم جل وعلا، فقال لهم: فأيَّ طريقٍ تسلُكُونَ في تكذيبكم لهذا القرآن، أيها المشركون؟!

[27] ﴿إِنۡ هُوَ إِلَّا ذِكۡرٞ لِّلۡعَٰلَمِينَ 27﴾:

ثم بيَّن سبحانه أن هذا القرآن ذكر وموعظةٌ للخَلْقِ أجمعين.

[28] ﴿لِمَن شَآءَ مِنكُمۡ أَن يَسۡتَقِيمَ 28﴾:

وبين سبحانه أنه تذكيرٌ لمن شاء الاستقامةَ على الحَقِّ والإيمانِ والطاعة.

[29] ﴿وَمَا تَشَآءُونَ إِلَّآ أَن يَشَآءَ ٱللَّهُ رَبُّ ٱلۡعَٰلَمِينَ 29﴾:

واعلموا أنكم لا تَقْدِرونَ على فعل أي شيء، ومن ذلك الاستقامةُ، إلا بعد أن يَأْذَنَ اللهُ بذلك، وقد تكرَّم سبحانه على عباده، وجعَلَهم مختارين؛ فمَنْ شاء فليؤمن، ومَنْ شاء فليكفُرْ.

سورة الانفطار

سورةُ الانفطار مكيَّةٌ، وآياتها تسعَ عَشْرةَ آيةً.

[1] ﴿إِذَا ٱلسَّمَآءُ ٱنفَطَرَتۡ 1﴾:

بدأتِ السورةُ بهذه الإقسامات؛ حيث أقسَمَ سبحانه بالسماءِ إذا انشَقَّتْ وتغيَّر نظامها.

[2] ﴿وَإِذَا ٱلۡكَوَاكِبُ ٱنتَثَرَتۡ 2﴾:

وأقسَمَ سبحانه بالكواكبِ إذا تساقَطَتْ وتفرَّقت.

[3] ﴿وَإِذَا ٱلۡبِحَارُ فُجِّرَتۡ 3﴾:

وأقسَمَ سبحانه بالبحار إذا انفجَرَ بعضها على بعض، فصارت بحرًا واحدًا، واختلَطَ العَذْبُ منها بالمالح.

[4] ﴿وَإِذَا ٱلۡقُبُورُ بُعۡثِرَتۡ 4﴾:

وأقسَمَ سبحانه بالقبور إذا نُثِرَ تُرابُهَا، فخرَجَ منها الموتى للحشر.

[5] ﴿عَلِمَتۡ نَفۡسٞ مَّا قَدَّمَتۡ وَأَخَّرَتۡ 5﴾:

ثم جاء جوابُ القسَمِ؛ حيث أخبَرَ سبحانه أنه في هذا اليومِ سوف تَعْلَمُ كلُّ نفسٍ ما أسلَفَتْ مِن خيرٍ أو شَرّ.

[6] ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلۡإِنسَٰنُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ ٱلۡكَرِيمِ 6﴾:

ثم هدَّد جل وعلا هذا الإنسانَ المنكِرَ للبعثِ، فقال له: يا أيها الإنسان، أيُّ شيءٍ خدَعَكَ وجرَّأك على عصيانِ ربِّك العظيم.

[7] ﴿ٱلَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّىٰكَ فَعَدَلَكَ 7﴾:

وقال له سبحانه: كيف تتجرأ على ربك الذي أنعَمَ عليك بنعمةِ الوجودِ، فخلَقَكَ وجعلك سويًّا معتدِلَ القامةِ تامَّ الخلق.

[8] ﴿فِيٓ أَيِّ صُورَةٖ مَّا شَآءَ رَكَّبَكَ 8﴾:

وقال له أيضًا: ثم إن ربك صوَّرك فأحسَنَ صُورَتَك، وركَّبك في صورةٍ هي مِن أبهى الصُّوَرِ وأَجْمَلِها.

[9] ﴿كَلَّا بَلۡ تُكَذِّبُونَ بِٱلدِّينِ 9﴾:

ثم هدَّد سبحانه هؤلاء المشركين، فقال لهم: ارتدعوا -أيها المكذبون بالبعث- عن معاداةِ النبي ﷺ ومحاربته، ولا تغترُّوا بحِلْمِ الله عليكم؛ فإن حقيقة أمركم أنكم تكذِّبون بيوم الحساب والجزاء والبعث.

[10] ﴿وَإِنَّ عَلَيۡكُمۡ لَحَٰفِظِينَ 10﴾:

واعلموا -أيها الناس- أن أعمالكم محصاةٌ عليكم، فقد وكَّل بكم ملائكةً حَفَظةً يحفظون عليكم أعمالكم.

[11] ﴿كِرَامٗا كَٰتِبِينَ 11﴾:

وبين سبحانه أن هؤلاء الملائكة كرامًا كاتبين.

[12] ﴿يَعۡلَمُونَ مَا تَفۡعَلُونَ 12﴾:

وبين سبحانه أيضًا أن هؤلاء الملائكة يُحُصونَ كلَّ ما تعملون مِن خيرٍ وشَرّ.

[13] ﴿إِنَّ ٱلۡأَبۡرَارَ لَفِي نَعِيمٖ 13﴾:

ثم أخبَرَ سبحانه عن نتيجة ما يكتبه الملائكةُ مِن أعمال العباد؛ فبين سبحانه أن المؤمنين الذين اتقَوْا ربَّهم في الدنيا، فإنهم في بهجة وسرور.

[14] ﴿وَإِنَّ ٱلۡفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٖ 14﴾:

وبين سبحانه أن الكَفَرةُ الفجَّارُ الذين عصَوْا ربهم في الدنيا، فإنهم في نار يُحرَقُونَ فيها ويعذَّبون؛ فلا يَحْيَوْنَ فيها ولا يموتون.

[15] ﴿يَصۡلَوۡنَهَا يَوۡمَ ٱلدِّينِ 15﴾:

ثم بيَّن سبحانه أن هذه النار سوف يذوقون حرَّها، ويقاسون سعيرَهَا، يومَ الحسابِ والجزاءِ الذي كانوا يكذِّبون به في الدنيا.

[16] ﴿وَمَا هُمۡ عَنۡهَا بِغَآئِبِينَ 16﴾:

وببيَّن سبحانه أنهم لن يكونوا غائبين عن نار جهنَّم طَرْفةَ عين، بل إنهم خالدون فيها أَبَدَ الآباد.

[١٧] ﴿وَمَآ أَدۡرَىٰكَ مَا يَوۡمُ ٱلدِّينِ 17﴾:

ثم تحدَّث سبحانه عن عظمة يوم القيامة، فقال: وما أدراك -أيها الإنسان- ما أهوالُ وعَظَمةُ يومِ الحسابِ والجزاء.

[18] ﴿ثُمَّ مَآ أَدۡرَىٰكَ مَا يَوۡمُ ٱلدِّينِ 18﴾:

وأكد سبحانه عظمة هذا اليوم فقال: ثم ما أدراك -أيها الإنسان- ما أهوالُ وعَظَمةُ يومِ الحسابِ والجزاء.

[19] ﴿يَوۡمَ لَا تَمۡلِكُ نَفۡسٞ لِّنَفۡسٖ شَيۡـٔٗاۖ وَٱلۡأَمۡرُ يَوۡمَئِذٖ لِّلَّهِ 19﴾:

واعلموا -أيها الناس- أنَّ في ذلك اليومِ الرهيبِ لا يستطيعُ أحدٌ أن ينفع أحدًا، والأمرُ في ذلك اليوم لله وحده. اللهم يا مَنْ له الأمرُ كلُّه في كلِّ وقتٍ وكلِّ حين، ادخِلْنا برحمتك في عبادِكَ الصالحين.

سورة المطفَّفين

سورةُ المطفِّفين مكيَّةٌ، وآياتها سِتٌّ وثلاثون آية. عن ابن عبَّاس؛ أنَّ النبيَّ ﷺ لما قَدِمَ المدينةَ كانوا مِن أخبثِ الناسِ كيلًا؛ فأنزَلَ الله: ﴿وَيۡلٞ لِّلۡمُطَفِّفِينَ﴾، فأحَسَنُوا الكَيْلَ([2]). [2] أخرجه ابن ماجه (2223)، وحسَّنه الألباني.

[1] ﴿وَيۡلٞ لِّلۡمُطَفِّفِينَ 1﴾:

بدأت السورةُ بتهديدِ المطفِّفين، فقال سبحانه: الهَلَاكٌ والعَذَابٌ يومَ القيامةِ لمن يطفِّفُ المِكْيالَ والمِيزان، وللذين يَبْخَسُونَ حقوقَ الناس.

[2] ﴿ٱلَّذِينَ إِذَا ٱكۡتَالُواْ عَلَى ٱلنَّاسِ يَسۡتَوۡفُونَ 2﴾:

ثم بيَّن سبحانه أن هؤلاء المطفِّفين إذا اشترَوْا مِن الناس مَكِيلًا أو موزونًا، فإنهم يأخذونه وافيًا كاملًا لأنفسهم.

[3] ﴿وَإِذَا كَالُوهُمۡ أَو وَّزَنُوهُمۡ يُخۡسِرُونَ 3﴾:

أما إذا كالوا للناسِ أو وزَنُوا لهم، فإنهم ينقُصُونَ الكيلَ والوزن. وهذا ليس مِن الإنصافِ أو العَدْل؛ فكما أنك تريدُ أن تأخُذَ حقَّك كاملًا، فأيضًا يجبُ أن تعطي الناسَ حقوقَهُمْ كاملةً.

[4] ﴿أَلَا يَظُنُّ أُوْلَٰٓئِكَ أَنَّهُم مَّبۡعُوثُونَ 4﴾:

ثم قال جل وعلا متعجِّبًا مِن حالِ هؤلاء المطفِّفين: أَلَا يخطُرُ ببالِ هؤلاءِ الظَّلَمةِ: أنهم مبعوثون يومَ القيامة؟!

[5] ﴿لِيَوۡمٍ عَظِيمٖ 5﴾:

ثم وصَفَ جل وعلا يومَ القيامةِ أنه يومٌ عظيمٌ رهيبٌ؛ لما فيه مِن الأهوالِ الشديدة.

[6] ﴿يَوۡمَ يَقُومُ ٱلنَّاسُ لِرَبِّ ٱلۡعَٰلَمِينَ ﱉ﴾:

وهذا اليومُ هو اليومُ الذي يَقِفُ فيه الناسُ بين يَدَيِ اللهِ للعَرْضِ والحسابِ، خاضعين لله ربِّ العالمين؛ كلٌّ ينتظِرُ ويسألُ الله السلامة.

[٧] ﴿كَلَّآ إِنَّ كِتَٰبَ ٱلۡفُجَّارِ لَفِي سِجِّينٖ 7﴾:

ثم هدَّد سبحانه هؤلاء المطفِّفين، فقال: ارتدعوا -أيها المطفِّفون- عن الغَفْلة عن البعث والجزاء؛ فإنَّ كتاب أعمال الأشقياء والمنافقين لفي مكانٍ ضيِّقٍ مظلِمٍ في أسفلِ سافلين.

[٨] ﴿وَمَآ أَدۡرَىٰكَ مَا سِجِّينٞ 8﴾:

وهل تعلمون -أيها المطففون- ما هو سجِّين؟! إنه مكان ضيق مظلم؟

[9] ﴿كِتَٰبٞ مَّرۡقُومٞ 9﴾:

وهذا المكان الضيق المظلم هو سجن عظيم يعذب فيه المطففون، وقد سُطِّرَتْ فيه أسماء الأشقياء.

[10] ﴿وَيۡلٞ يَوۡمَئِذٖ لِّلۡمُكَذِّبِينَ 10﴾:

ثم هدَّد سبحانه المكذِّبين، فقال: الهَلَاكٌ والدَمَارٌ يومَ القيامةِ لكم، أيها المكذِّبون.

[11] ﴿ٱلَّذِينَ يُكَذِّبُونَ بِيَوۡمِ ٱلدِّينِ 11﴾:

ثم بين سبحانه أن المكذبين هم الذين يكذبون بيومِ الحسابِ والجزاء.

[12] ﴿وَمَا يُكَذِّبُ بِهِۦٓ إِلَّا كُلُّ مُعۡتَدٍ أَثِيمٍ 12﴾:

ثم بين سبحانه أنه لا يكذِّبُ بيوم الحساب والجزاء إلا كلُّ متجاوِزِ الحَدِّ في الكفر والضلال.

[13] ﴿إِذَا تُتۡلَىٰ عَلَيۡهِ ءَايَٰتُنَا قَالَ أَسَٰطِيرُ ٱلۡأَوَّلِينَ 13﴾:

ثم بيَّن جل وعلا صفة هذا المعتدي الأثيمِ؛ أنه إذا قُرِئَتْ عليه آياتُ القرآنِ، قال عنها: إنها أقاصيصُ الأوَّلين، وإنها أخبارُ الأمم الماضية.

[14] ﴿كَلَّاۖ بَلۡۜ رَانَ عَلَىٰ قُلُوبِهِم مَّا كَانُواْ يَكۡسِبُونَ 14﴾:

واعلموا أن الأمرَ ليس كما يقولُ هذا المكذِّبُ في القرآن، ولكنْ غَلبَ على قلبه وغطَّاه ما كسَبَهُ مِن الذنوبِ والآثام؛ حتى غطَّت على قلوبهم وأفكارهم، قال الحسَنُ: (الرَّيْنُ: هو الذنبُ على الذنبِ؛ حتى يعمى القلبُ فيَسْوَدَّ من الذنوب، والطبعُ على القلبِ أشدُّ مِن الرَّيْن).

[15] ﴿كَلَّآ إِنَّهُمۡ عَن رَّبِّهِمۡ يَوۡمَئِذٖ لَّمَحۡجُوبُونَ 15﴾:

ثم هدَّد سبحانه المشركين، فقال: وارتدعوا -أيها المشركون- عما تقولون؛ من أنكم يومَ القيامة تكونون مقرَّبين إلى الله، بل إنكم في الآخرة محجوبونَ عن رؤيةِ المولى جل وعلا فلا تَرَوْنَهُ؛ فكما أنكم حجَبْتم أنفُسَكم عن توحيدِ اللهِ في الدنيا؛ فإنكم تُحجَبُونَ عن رؤيةِ ربِّكم يوم القيامة.

[16] ﴿ثُمَّ إِنَّهُمۡ لَصَالُواْ ٱلۡجَحِيمِ 16﴾:

ثم بين سبحانه أن الكفَّارَ يُقذَفُ بهم في النارِ التي تشويهم بحَرِّها.

[17] ﴿ثُمَّ يُقَالُ هَٰذَا ٱلَّذِي كُنتُم بِهِۦ تُكَذِّبُونَ 17﴾:

ثم تقولُ ملائكةُ العذابِ للكفار: هذا هو العذابُ الذي كنتم لا تصدِّقونَ به في الدنيا.

[18] ﴿كَلَّآ إِنَّ كِتَٰبَ ٱلۡأَبۡرَارِ لَفِي عِلِّيِّينَ 18﴾:

ثم أخبَرَ سبحانه أنْ الأمرَ ليس كما يزعم هؤلاءِ المكذِّبون، ولكنِ اعلموا أنَّ كتابَ الأبرارِ المُمْتَثِلِينَ لأمرِ اللهِ ورسولِهِ ﷺ: في عِلِّيِّينَ، أي: مودَعٌ في أعلى الأمكنة.

[19] ﴿وَمَآ أَدۡرَىٰكَ مَا عِلِّيُّونَ 19﴾:

وما أدراك -أيها النبي- ما علِّيين؟!، إنها مراتب عالية!

[20] ﴿كِتَٰبٞ مَّرۡقُومٞ 20﴾:

واعلم -أيها النبي- أن كتاب الأبرار كتابٌ مسطَّرٌ مكتوبٌ فيه أعمالهم، وهو في عِلِّيِّينَ في أعلى درَجاتِ الجنة.

[21] ﴿يَشۡهَدُهُ ٱلۡمُقَرَّبُونَ 21﴾:

ثم بين سبحانه أن هذا الكتاب يحضُرُهُ المقرَّبون من الملائكة، ويشهدون بما فيه.

[22] ﴿إِنَّ ٱلۡأَبۡرَارَ لَفِي نَعِيمٍ 22﴾:

ثم أفاض جل وعلا في ذِكْرِ ما يتنعَّمُ به الأبرار، فأخبر سبحانه أن الأبرار في نعيم.

[23] ﴿عَلَى ٱلۡأَرَآئِكِ يَنظُرُونَ 23﴾:

ثم بين سبحانه بعض ما يتنعم به الأبرار، فمن ذلك: أنهم على الأَسِرَّةِ المرتفِعةِ العاليةِ ينظُرُونَ إلى ما أعَدَّ الله لهم من النعيمِ المقيم، وقيل: ينظُرُونَ إلى وجهِ اللهِ الكريم، نسأل الله الكريم مِن فضله.

[24] ﴿تَعۡرِفُ فِي وُجُوهِهِمۡ نَضۡرَةَ ٱلنَّعِيمِ 24﴾:

ثم بين سبحانه أنك تعرف -إذا نظَرْتَ إلى وجوههم- بهاءَ النعيم، وبهجةَ ونُورَ ونَضَارةَ الوجه.

[25] ﴿يُسۡقَوۡنَ مِن رَّحِيقٖ مَّخۡتُومٍ 25﴾:

ومما يتنعَّمُ به الأبرارُ: أنهم يُسقَوْنَ في الجنة من خمرٍ خالصةٍ صافيةٍ، وهي مختومةٌ محكَمٌ إغلاقها، لا يفُكُّها إلا أصحابها.

[26] ﴿خِتَٰمُهُۥ مِسۡكٞۚ وَفِي ذَٰلِكَ فَلۡيَتَنَافَسِ ٱلۡمُتَنَٰفِسُونَ 26﴾:

ثم بين سبحانه أنهم إذا شربوا هذا الخمر فاح مِن آخِرِها رِيحُ المِسْك، وهذه الخمر لا تُحدِثُ غَوْلًا، وفي ذلك النعيمِ المقيمِ فليتنافَسِ المتنافسون، وليتسابَقِ المتسابقون؛ بإخلاصِ العبادةِ لله، وفِعْلِ ما يُحِبُّهُ الله ويرضاه، وتَرْكِ ما يُبْغِضُهُ الله ويأباه.

[27] ﴿وَمِزَاجُهُۥ مِن تَسۡنِيمٍ 27﴾:

ثم بيَّن سبحانه أنَّ مزاج ذلك الشرابَ مِن عَيْنٍ يقال لها: تَسْنِيمٌ، أي: من عين رفيعة معنىً وحسًّا.

[28] ﴿عَيۡنٗا يَشۡرَبُ بِهَا ٱلۡمُقَرَّبُونَ 28﴾:

وبين سبحانه أن هذه العينُ يَشرَبُ منها المقرَّبون شرابًا صافيًا خالصًا، وهو أشرف شراب أهل الجنة.

[٢٩] ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ أَجۡرَمُواْ كَانُواْ مِنَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ يَضۡحَكُونَ 29﴾:

ثم ذكَرَ سبحانه المجرِمين في الدنيا، وأنهم كانوا يتندَّرون ويسخرون ويضحكون من الذين آمنوا.

[30] ﴿وَإِذَا مَرُّواْ بِهِمۡ يَتَغَامَزُونَ 30﴾:

وبين سبحانه أنهم إذا مروا بهم يتغامزون.

[31] ﴿وَإِذَا ٱنقَلَبُوٓاْ إِلَىٰٓ أَهۡلِهِمُ ٱنقَلَبُواْ فَكِهِينَ 31﴾:

وبين سبحانه أن هؤلاءِ المُجْرِمين إذا رَجَعُوا إلى أهليهم، تفكَّهوا وتلذَّذوا بالطعنِ والاستهزاءِ بعباد الله المؤمنين.

[32] ﴿وَإِذَا رَأَوۡهُمۡ قَالُوٓاْ إِنَّ هَٰٓؤُلَآءِ لَضَآلُّونَ 32﴾:

وبين سبحانه أن هؤلاء المجرمين إذا شاهدوا أهل الإيمان قالوا عنهم: إن هؤلاءِ ضلُّوا الطريق، وتاهوا باتِّباعهم للهدى.

[33] ﴿وَمَآ أُرۡسِلُواْ عَلَيۡهِمۡ حَٰفِظِينَ 33﴾:

فليعلم هؤلاءِ المجرمون أنهم ما بُعِثُوا رُقَباءَ يحفظون عليهم أعمالهم.

[34] ﴿فَٱلۡيَوۡمَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ مِنَ ٱلۡكُفَّارِ يَضۡحَكُونَ 34﴾:

ثم بيَّن جل وعلا أن الذين آمنوا بالله ورسوله ﷺ يَضْحَكُونَ يومَ القيامةِ مِن الكفَّار، لِما يَرَوْنَ ما هم فيه من الخِزْيِ والعار، والذي يضحكُ أخيرًا هو الفائز.

[35] ﴿عَلَى 6 يَنظُرُونَ 35﴾:

ثم أخبَرَ سبحانه أن المؤمنين جالسون على أسرَّةِ الدُّرِّ والياقوتِ، منعَّمونَ ينظرون إلى الكفَّار، ويضحكون منهم، لا شَمَاتةً، ولكنْ لضَحِكِ الكفَّارِ منهم في الدنيا.

[36] ﴿هَلۡ ثُوِّبَ ٱلۡكُفَّارُ مَا كَانُواْ يَفۡعَلُونَ 36﴾:

ثم قال سبحانه على سبيل السخرية والتهكُّم بهؤلاء الكفار: هل جُوزِيَ الكفارُ بهذا العذابِ بما كانوا يفعلونه في حياتِهِمُ الدنيا مِن الشِّرْكِ والكفرِ، والظلمِ والضلال؟! والجوابُ: نَعَمْ؛ جوزوا بعذابٍ لا يعلمه إلا ربُّ العالمين.

سورة الانشقاق

سورةُ الانشقاقِ مكيَّةٌ، وآياتها خمسٌ وعشرون آية.

[1] ﴿إِذَا ٱلسَّمَآءُ ٱنشَقَّتۡ 1﴾

بدأت السورة ببيانِ بعضِ أهوالِ يومِ القيامةِ، فقال سبحانه: إذا تشقَّقت السماء وتصدَّعت.

[2] ﴿وَأَذِنَتۡ لِرَبِّهَا وَحُقَّتۡ 2﴾:

وقال سبحانه: وإذا سَمِعَتْ السماء وأطاعَتْ أَمْرَ ربِّها في تصدُّعها، وحَقَّ لها أن تَسْمَعَ وتطيع.

[3] ﴿وَإِذَا ٱلۡأَرۡضُ مُدَّتۡ 3﴾:

ثم قال سبحانه: وإذا الأرضُ زادت سَعَةً.

[4] ﴿وَأَلۡقَتۡ مَا فِيهَا وَتَخَلَّتۡ 4﴾:

وقال سبحانه: وإذا أخرَجَتْ ما في بَطْنها من الموتى وغيرهم، وتبرَّأت من الأعمالِ التي ارتُكِبَتْ فوقها.

[5] ﴿وَأَذِنَتۡ لِرَبِّهَا وَحُقَّتۡ 5﴾:

وقال سبحانه: وإذا سَمِعَتْ وأطاعت أَمْرَ ربِّها، وحَقَّ لها أن تَسْمَعَ وتطيع.

[6] ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلۡإِنسَٰنُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَىٰ رَبِّكَ كَدۡحٗا فَمُلَٰقِيهِ 6﴾:

هذا نداءٌ مِن الله لكلِّ مكلَّف؛ لينظُرَ نتيجةَ عمله منذُ ولادتِهِ إلى موته، أخبَرَ فيه سبحانه عنه؛ أنه عاملٌ في هذه الحياة، ومُجِدٌّ في عمله، ثم في النهاية يلاقي ربَّه، فيكافئُهُ على عمله؛ إنْ خيرًا فخَيْرٌ، وإنْ شرًّا فشرّ.

[7] ﴿فَأَمَّا مَنۡ أُوتِيَ كِتَٰبَهُۥ بِيَمِينِهِۦ 7﴾:

ثم بيَّن سبحانه أنَّ مَنْ أُعطِيَ كتابَ أعماله بيمينه، وهو المؤمن الذي صدق في إيمانه.

[8] ﴿فَسَوۡفَ يُحَاسَبُ حِسَابٗا يَسِيرٗا 8﴾:

فبين سبحانه أنه سيحاسَبُ أيسَرَ الحساب، إذْ تُعْرَضُ عليه أعمالُهُ فيعرَّفُ بطاعته وبمعاصيه.

[9] ﴿وَيَنقَلِبُ إِلَىٰٓ أَهۡلِهِۦ مَسۡرُورٗا 9﴾:

وبين سبحانه أنه ينصرِفُ بعد هذا الحسابِ اليسيرِ إلى أهلِهِ في الجنة، وهو فَرِحٌ بما أٌعطِيَ.

[10] ﴿وَأَمَّا مَنۡ أُوتِيَ كِتَٰبَهُۥ وَرَآءَ ظَهۡرِهِۦ 10﴾:

وبين سبحانه أن من أُعطِيَ كتابَ أعماله بشمالِهِ مِن وراءِ ظهرِه، وهو الكافر.

[11] ﴿فَسَوۡفَ يَدۡعُواْ ثُبُورٗا 11﴾:

فبين سبحانه أنه سوف ينادي على نفسه بالهلاكِ.

[12] ﴿وَيَصۡلَىٰ سَعِيرًا 12﴾:

وبين سبحانه أنه سوف يدخُلُ نارًا مستعِرَةً يقاسي حرَّها وعذابها.

[13] ﴿إِنَّهُۥ كَانَ فِيٓ أَهۡلِهِۦ مَسۡرُورًا 13﴾:

ثم ذكر سبحانه سبب ذلك، بأنه كان في الدنيا مسرورًا مع أهله في لَهْوٍ وغفلة.

[14] ﴿إِنَّهُۥ ظَنَّ أَن لَّن يَحُورَ 14﴾:

ثم بيَّن سبحانه أن هذا الكافر ظَنَّ أنْ لن يَرْجِعُ إلى ربِّه فيحاسَبَ؛ لغرورِهِ وفِسْقه.

[15] ﴿بَلَىٰٓۚ إِنَّ رَبَّهُۥ كَانَ بِهِۦ بَصِيرٗا 15﴾:

فأكَّد سبحانه أنه سوف يَرْجِعُ ويحاسَبُ على أعماله التي كان الله مطَّلِعًا عليها، لا يخفى عليه شيءٌ منها.

[16] ﴿فَلَآ أُقۡسِمُ بِٱلشَّفَقِ 16﴾:

ثم أقسَمَ سبحانه قَسَمًا مؤكَّدًا بحُمْرةِ الأُفُقِ بعد غروب الشمس.

[17] ﴿وَٱلَّيۡلِ وَمَا وَسَقَ 17﴾:

وأقسِمَ سبحانه بالليلِ وما جمَعَ فيه مِن الخَلْق.

[18] ﴿وَٱلۡقَمَرِ إِذَا ٱتَّسَقَ 18﴾:

وأقسَمَ سبحانه بالقمرِ إذا تكامَلَ ضوؤُهُ ونُورُهُ في نصفِ الشهر، أي: صار بَدْرًا.

[19] ﴿لَتَرۡكَبُنَّ طَبَقًا عَن طَبَقٖ 19﴾:

ثم جاء جوابُ القسَمِ، فقال سبحانه: لَتُلَاقُنَّ -أيها الناس- في دنياكم منذُ أن تولدوا حتى تموتوا، أمورًا بعد أمور، وأحوالًا بعد أحوال، وجِيلًا بعد جِيل؛ إلى أن تصيروا إلى ربِّكم.

[20] ﴿فَمَا لَهُمۡ لَا يُؤۡمِنُونَ 20﴾:

ثم قال سبحانه: فأيُّ شيء حدَثَ لهؤلاء الكفَّار حتى جحدوا قُدْرةَ اللهِ على البعث؟!

[21] ﴿وَإِذَا قُرِئَ عَلَيۡهِمُ ٱلۡقُرۡءَانُ لَا يَسۡجُدُونَۤ 21﴾:

وأخبر سبحانه أنهم إذا قُرِئَ عليهم القرآنُ، لا يَخْضَعون له، ولا ينقادون لأوامره ونواهيه.

[22] ﴿بَلِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ يُكَذِّبُونَ 22﴾:

ثم أخبر سبحانه أن من طبيعةِ هؤلاء الكفار التكذيبُ.

[23] ﴿وَٱللَّهُ أَعۡلَمُ بِمَا يُوعُونَ 23﴾:

ثم أخبر سبحانه أنه أعلَمُ بما يَجْمَع هؤلاء الكفار في صدورهم مِن الكفرِ والتكذيبِ والحِقْدِ على المسلمين.

[24] ﴿فَبَشِّرۡهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ 24﴾:

ولذلك قال لنبيه ﷺ: فبَشِّرْهم -أيها النبي- بعذابٍ مؤلِمٍ مُوجِع؛ جزاءَ إعراضهم وإصرارهم على التكذيب.

[25] ﴿إِلَّا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ لَهُمۡ أَجۡرٌ غَيۡرُ مَمۡنُونِۭ 25﴾:

ثم استثنى جل وعلا مِن العذابِ الذين آمنوا بالله ورسوله؛ فأخبَرَ أنَّ لهم أجرًا لا ينقُصُ ولا ينقطِعُ مَدَدُه، ولا يمُنُّ به عليهم أحد، ويتنعَّمون فيه أبَدَ الآبدين.

سورة البروج

سورةُ البروجِ مكيَّةٌ، وآياتها ثِنْتانِ وعشرون آية.

[1] ﴿وَٱلسَّمَآءِ ذَاتِ ٱلۡبُرُوجِ 1﴾:

بدأ جل وعلا بهذه الإقساماتِ؛ فأقسَمَ سبحانه بالسماءِ ذاتِ الكواكبِ العظيمة، وهي اثنا عشَرَ بُرْجًا، وهي منازلُ القمر، والتي يَعْرِفُ بها أصحابُ المزارع مواسمَ الزَّرْع والغَرْس وجَنْي الثمار، وكذلك أهلُ الأغنامِ وأهلُ الإبل في الصحراء يَعْرِفونَ بها فصولَ السنة، الصيفَ والشتاء، والربيعَ والخريف.

[2] ﴿وَٱلۡيَوۡمِ ٱلۡمَوۡعُودِ 2﴾:

ثم أقسَمَ سبحانه باليومِ الموعودِ، وهو يومُ القيامةِ.

[3] ﴿وَشَاهِدٖ وَمَشۡهُودٖ 3﴾:

وأقسَمَ سبحانه بالشاهد والمشهود. وقد اختلَفَ المفسِّرون في الشاهد والمشهود، وذكروا فيه أقوالًا كثيرة، فقيل: الشاهدُ: يومُ الجُمُعة، والمشهودُ: يومُ عَرَفة، وقيل: الشاهدُ: هو محمَّد ﷺ، والمشهود: هو يوم الحساب، وأجمَعُ الأقوال: أنه كلُّ شاهد ومشهود؛ كما قال العلَّامة السَّعْدي .

[4] ﴿قُتِلَ أَصۡحَٰبُ ٱلۡأُخۡدُودِ 4﴾:

ثم جاء جوابُ القسَمِ، فقال سبحانه: قاتَلَ الله أصحابَ الأخدودِ الذين شقُّوا الأرضَ طُولًا، وجعلوها أخاديدَ، وأضرموا فيها النارَ؛ ليُحْرِقوا بها المؤمنين.

[5] ﴿ٱلنَّارِ ذَاتِ ٱلۡوَقُودِ 5﴾:

ثم وصَفَ سبحانه هذه النار، فأخبَرَ أنها نارٌ ملتهِبةٌ متأجِّجةٌ موقودةٌ بحطَبٍ كثير. وقصَّةُ أصحابِ الأخدودِ ذكَرَها مسلمٌ في صحيحه([3]). [3] أخرجها مسلم (3005)، عن صهيب رضي الله عنهما.

[6] ﴿إِذۡ هُمۡ عَلَيۡهَا قُعُودٞ 6﴾:

ثم بيَّن سبحانه أن هؤلاءِ المجرِمينَ جلسوا حولَ هذه النارِ العظيمةِ المتأجِّجةِ يُشْرِفونَ على المؤمنين، وهم يعذَّبون بها؛ فالذي يمتنِعُ عن الكفرِ يَقْذِفونه في النار، ثم يشاهِدونه وهو يُقذَفُ، والذي يكفُرُ يفرحون أنه كفَرَ ويتركونه.

[7] ﴿وَهُمۡ عَلَىٰ مَا يَفۡعَلُونَ بِٱلۡمُؤۡمِنِينَ شُهُودٞ 7﴾:

ثم بين سبحانه أن هؤلاء الكفَّار يَشْهَدُونَ على أنفُسِهم بما فعلوه بالمؤمنين.

[8] ﴿وَمَا نَقَمُواْ مِنۡهُمۡ إِلَّآ أَن يُؤۡمِنُواْ بِٱللَّهِ ٱلۡعَزِيزِ ٱلۡحَمِيدِ 8﴾:

وبين سبحانه أن هؤلاء الكفار ما أنكروا على المؤمنين وما عابوا منهم إلا أنْ آمنوا باللهِ العزيز: الذي لا يغلبه شيء، الحميد: المحمود في كل حال.

[9] ﴿ٱلَّذِي لَهُۥ مُلۡكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۚ وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ شَهِيدٌ 9﴾:

ثم بين سبحانه أن له مُلْكُ السموات والأرضِ يتصرَّفُ فيهما كيف يشاء، ويحكُمُ فيهما بما يريد، واللهُ على كلِّ شيء شهيد، لا يخفى عليه شيءٌ مِن فعلِ هؤلاءِ الطغاةِ الظالمين بمَنْ آمَنَ بالله، واتَّبع هداه؛ فكانت جريمَتُهُمْ وذنبُهُمْ فقطْ هو الإسلامَ والإيمانَ بالله، وهكذا تنقلِبُ الموازين عند الفَجَرةِ؛ فتكونُ الصفةُ الحميدةُ الحسَنةُ: ذميمةً سيِّئةً.

[10] ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ فَتَنُواْ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ وَٱلۡمُؤۡمِنَٰتِ ثُمَّ لَمۡ يَتُوبُواْ فَلَهُمۡ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمۡ عَذَابُ ٱلۡحَرِيقِ 10﴾:

واعلموا -أيها الناس- أن الذين عَذَّبوا وأحرقوا المؤمنين والمؤمنات بالنار ليفتنوهم عن دينهم، ثم لم يرجعوا عن كُفْرهم وطُغْيانهم، فلهم عذابُ جهنَّمَ المخزي بكُفْرهم. ومع جُرْمهم العظيم إنْ تابوا، أدخَلَهم الله في رحمته، وهذا مِنْ لُطْفِ اللهِ وإحسانِه، ورحمتِهِ وكَرَمه.

[11] ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ لَهُمۡ جَنَّٰتٞ تَجۡرِي مِن تَحۡتِهَا ٱلۡأَنۡهَٰرُۚ ذَٰلِكَ ٱلۡفَوۡزُ ٱلۡكَبِيرُ 11﴾:

ثم اعلموا أيضًا أن الذين أقروا بوحدانية الله في عبادته، وعملوا صالحًا، لهم بساتينُ تجري مِن تحتِ أشجارِها الأنهار، وهذا هو الظَّفَرُ الكبير لهم. وقد شاهَدَ العالَمُ في البُوسْنةِ والهِرْسِكِ وفي الأَنْدَلُسِ: لمَّا استولى الكَفَرةُ، صاروا يقتُلُونَ الناس بالجملةِ، لا لذنبٍ إلا أنهم مسلمون؛ فنسأل الله أن يعيدَ للإسلامِ والمسلمين عزَّهم ومَجْدهم.

[12] ﴿إِنَّ بَطۡشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ 12﴾:

واعلم -أيها النبي- أن أخذَ ربِّك وانتقامَهُ مِن الجبابرةِ والكَفَرةِ لغايةٍ في القوَّة والشدَّة.

[13] ﴿إِنَّهُۥ هُوَ يُبۡدِئُ وَيُعِيدُ 13﴾:

ثم اعلم أيضًا أن الله سبحانه وتعالى هو وحده الذي يَبْدَأُ الخَلْقَ ويُوْجِدُهم بعد العَدَم، ثم يميتهم ثم يعيدهم أحياءً مرَّةً أخرى.

[14] ﴿وَهُوَ ٱلۡغَفُورُ ٱلۡوَدُودُ 14﴾:

واعلم أيضًا أنه هو سبحانه الغَفُورُ: كثيرُ المغفرة لمن تاب مِن عبادِهِ وأناب، الودودُ: المتودِّدُ لأوليائه المُحِبُّ لهم حبًّا شديدًا.

[15] ﴿ذُو ٱلۡعَرۡشِ ٱلۡمَجِيدُ 15﴾:

واعلم ايضًا أنه هو سبحانه صاحبُ العَرْشِ العظيم، الذي هو أعظَمُ المخلوقات، وهو سبحانه المجيدُ: المستحِقُّ لكمالِ صفاتِ العُلُوِّ.

[16] ﴿فَعَّالٞ لِّمَا يُرِيدُ 16﴾:

واعلم أيضًا أنه سبحانه الفعَّالُ لما يريد، فإذا أراد شيئًا، قال له: (كُنْ)؛ فيكون.

[١٧] ﴿هَلۡ أَتَىٰكَ حَدِيثُ ٱلۡجُنُودِ 17﴾:

ثم قال جل وعلا لنبيه ﷺ: هل بلَغَكَ –أيها الرسول- خبَرُ كُفْرِ وعنادِ أولئك الجنود، وما حَلَّ بهم من العذابِ والنَّكَال.

[18] ﴿فِرۡعَوۡنَ وَثَمُودَ 18﴾:

ثم بين سبحانه أن هؤلاء الجنود هم فِرْعَوْنُ وثمودُ، أولو البأسِ والشدَّة.

[19] ﴿بَلِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ فِي تَكۡذِيبٖ 19﴾:

ومع ذلك: فإن كفَّار مكَّة مستمِرُّونَ في التكذيبِ الشديدِ لك ولما جِئْتَ به، ولم يعتبِروا بمَنْ كان قبلهم مِن الكفَّار.

[20] ﴿وَٱللَّهُ مِن وَرَآئِهِم مُّحِيطُۢ 20﴾:

ثم بيَّن سبحانه أنه محيطٌ بهم علمًا وقدرةً، وأنهم في قبضتِهِ؛ لا يفوتونه ولا يُعْجِزونه.

[21] ﴿بَلۡ هُوَ قُرۡءَانٞ مَّجِيدٞ 21﴾:

ثم ختَمَ جل وعلا السورةَ ببيانِ أن هذا الذي كذَّبوا به كتابٌ شريف، محفوظٌ من التحريف.

[22] ﴿فِي لَوۡحٖ مَّحۡفُوظِۭ 22﴾:

وبين سبحانه أن هذا القرآن مكتوبٌ في لَوْحٍ وهو أمُّ الكتابِ، محفوظٌ عند الله. وبذلك نفى سبحانه عن القرآنِ ما قالوا: من أنه شِعْر، وأنه أساطيرُ الأوَّلين.

سورة الطارق

سورة الطارق مكيَّةٌ، وآياتها سبعَ عَشْرةَ آيةً.

[1] ﴿وَٱلسَّمَآءِ وَٱلطَّارِقِ 1﴾:

بدأ جل وعلا بالإقسامِ بالسماءِ العظيمةِ ذاتِ الكواكبِ الساطعة، وأقسَمَ بالطارقِ الذي يَقْدَمُ ليلًا.

[2] ﴿وَمَآ أَدۡرَىٰكَ مَا ٱلطَّارِقُ 2﴾:

ثمَّ استفهَمَ سبحانه مشوِّقًا لهذا الطارقِ، فقال: وما أعلمَكَ -أيها النبي- بهذا الطارق؟!

[3] ﴿ٱلنَّجۡمُ ٱلثَّاقِبُ 3﴾:

ثم بيَّن سبحانه أن الطارق هو النَّجْمُ المضيءُ الذي يثقُبُ ضوؤُهُ الظلامَ، فيهتدي به الساري ليلًا، ويختفي نهارًا.

[4] ﴿إِن كُلُّ نَفۡسٖ لَّمَّا عَلَيۡهَا حَافِظٞ 4﴾:

ثم جاء جوابُ القسَمِ، وهو أنَّ كلَّ نَفْسٍ عليها حافظٌ من الملائكة يَحْفَظُها ويكتُبُ كلَّ ما يصدر منها من خير أو شر.

[5] ﴿فَلۡيَنظُرِ ٱلۡإِنسَٰنُ مِمَّ خُلِقَ 5﴾:

ثم أمَرَ جل وعلا أن يتفكَّر الإنسانُ مِن أين نشَأَ؟! وكيف وُجِدَ؟!

[6] ﴿خُلِقَ مِن مَّآءٖ دَافِقٖ 6﴾:

فبين سبحانه أن عليه أولًا أن يعرف أنه خُلِقَ من ماءٍ يخرج بتدفق وقوة.

[7] ﴿يَخۡرُجُ مِنۢ بَيۡنِ ٱلصُّلۡبِ وَٱلتَّرَآئِبِ 7﴾:

وبين سبحانه أن هذا الماء يخرَجَ من صُلْبِ الرجل، ويتدفق في رحمِ الأنثى، ثم إنه يختلِطُ بماء المرأة الذي ينزل مِن ترائبها؛ فتتكوَّنُ الأخلاطُ التي يُخْلَقُ منها الجنين.

[8] ﴿إِنَّهُۥ عَلَىٰ رَجۡعِهِۦ لَقَادِرٞ 8﴾:

ثم أخبَرَ جل وعلا أن الذي خلَقَ الإنسان ابتداءً قادرٌ على إعادته بعد موته.

[9] ﴿يَوۡمَ تُبۡلَى ٱلسَّرَآئِرُ 9﴾:

ثم بيَّن أن إعادتَهُ وبَعْثَهُ يكون في يوم القيامة، وهو اليومُ الذي تُختبَرُ فيه القلوب، وتُمتحَنُ، فيُعرَفُ ما فيها من الخفايا والأسرار.

[10] ﴿فَمَا لَهُۥ مِن قُوَّةٖ وَلَا نَاصِرٖ 10﴾:

وفي ذلك اليومِ لا يستطيعُ الإنسانُ المستحِقُّ للعذاب بقوَّتِهِ ومَنَعَتِهِ في نفسه أن يمتنِعَ مِن عذابِ الله، وليس له ناصرٌ ينصُرُهُ مما نزَلَ به من الكَرْب والبلاء.

[11] ﴿وَٱلسَّمَآءِ ذَاتِ ٱلرَّجۡعِ 11﴾:

ثم عاد سبحانه، وأقسَمَ بالسماءِ ذاتِ المطرِ المتكرِّر.

[12] ﴿وَٱلۡأَرۡضِ ذَاتِ ٱلصَّدۡعِ 12﴾:

وأقسَمَ سبحانه بالأرضِ التي تتشقَّقُ، فيخرُجُ منها النبات.

[13] ﴿إِنَّهُۥ لَقَوۡلٞ فَصۡلٞ 13﴾:

ثم جاء جوابُ القسَمِ مبيِّنًا أن هذا القرآن قولٌ فاصلٌ بين الحقِّ والباطل.

[14] ﴿وَمَا هُوَ بِٱلۡهَزۡلِ 14﴾:

وبين سبحانه أن هذا القرآن جِدٌّ لا لَعِبَ فيه ولا هَزْل؛ لأنه كلامُ ربِّ العالمين، وأحكم الحاكمين.

[15] ﴿إِنَّهُمۡ يَكِيدُونَ كَيۡدٗا 15﴾:

واعلموا -أيها الناس- أن هؤلاء المشرِكينَ يعملون المكايِدَ لإطفاء نُورِ الله، وصَدِّ الناسِ عن دِينِ الله بإثارةِ الفتنِ والقلاقلِ ونَشْرِ الشبهاتِ والشهوات.

[16] ﴿وَأَكِيدُ كَيۡدٗا 16﴾:

لكن أخبر سبحانه أنه يَكِيدهم كما هم يَكِيدون؛ وذلك بإمهالهم واستدراجهم ثم مجازاتهم.

[17] ﴿فَمَهِّلِ ٱلۡكَٰفِرِينَ أَمۡهِلۡهُمۡ رُوَيۡدَۢا 17﴾:

ثم أمَرَ جل وعلا نبيه ﷺ ألَّا يَسْأَلَ ربَّه تعجيلَ العقوبةِ والهلاكِ لهؤلاء المكذِّبين، بل أَمْهِلْهم قليلًا، وسترى عقابَ اللهِ الذي يَحِلُّ بهم، وفي هذا تسليةٌ للنبيِّ ﷺ بقربِ الفَرَجِ والنصرِ للمؤمنين، وتبشيرٌ له بقربِ هلاكِ الكافرين.

سورة الأعلى

سورةُ الأعلى مكيَّةٌ، وآياتها تِسْعَ عَشْرةَ آيةً.

[1] ﴿سَبِّحِ ٱسۡمَ رَبِّكَ ٱلۡأَعۡلَى 1﴾:

بدأت السورةُ بأمر النبيِّ ﷺ أن ينزِّه ربه العليَّ الكبيرَ عن صفاتِ النقصِ في ذاته وأسمائه وصفاته، وأفعالِهِ وأحكامه، والمقصودُ أن يأمُرَ المؤمنين بذلك.

[2] ﴿ٱلَّذِي خَلَقَ فَسَوَّىٰ 2﴾:

ثم بيَّن سبحانه أن هذا التنزيهَ لله؛ لأنه هو الذي خلَقَ الكائنات جميعًا، وسوَّى خَلْقَها، وجعَلَها منسَّقةً محكَمةً.

[3] ﴿وَٱلَّذِي قَدَّرَ فَهَدَىٰ 3﴾:

ثم بين سبحانه أنه هو الذي قدَّر لكلِّ مخلوقٍ مقاديرَه، وهداهُ لإتيانِ هذه الأقدار، ورعايةِ مصالِحِهِ واكتسابِ مقوِّماته؛ كما قال تعالى: ﴿أَعۡطَىٰ كُلَّ شَيۡءٍ خَلۡقَهُۥ ثُمَّ هَدَىٰ﴾ [طه:٥٠].

[4] ﴿وَٱلَّذِيٓ أَخۡرَجَ ٱلۡمَرۡعَىٰ 4﴾:

وبين سبحانه أنه هو الذي أنبَتَ العُشْبَ وما ترعاه الدوابُّ مِن النباتِ الأخضر.

[5] ﴿فَجَعَلَهُۥ غُثَآءً أَحۡوَىٰ 5﴾:

ثم بين سبحانه أنه هو الذي جعل هذا العشب بعد الخُضْرةِ باليًا يَمِيلُ إلى السواد.

[6] ﴿سَنُقۡرِئُكَ فَلَا تَنسَىٰٓ 6﴾:

ثم أخبَرَ جل وعلا نبيه محمدًا ﷺ؛ أنه سيقرِئُهُ هذا القرآنَ حتى يحفظه في صَدْره، ولن ينساه؛ لأنَّ الله عصمه من نِسْيانِ القرآن.

[7] ﴿إِلَّا مَا شَآءَ ٱللَّهُۚ إِنَّهُۥ يَعۡلَمُ ٱلۡجَهۡرَ وَمَا يَخۡفَىٰ 7﴾:

ثم استثنى سبحانه ما أراد تبديلَهُ مِن الآياتِ؛ وذلك بنسخه؛ فحينئذٍ يجعله ينساه؛ كما قال تعالى: ﴿مَا نَنسَخۡ مِنۡ ءَايَةٍ أَوۡ نُنسِهَا نَأۡتِ بِخَيۡرٖ مِّنۡهَآ أَوۡ مِثۡلِهَآۗ ﴾ [البقرة:١٠٦]، ثم بيَّن سبحانه أنه يعلم كلَّ ما يجهرُ به العبادُ، وكلَّ ما يخفونه من الأقوال والأفعال، لا تخفى عليه خافية في الأرض ولا في السماء.

[8] ﴿وَنُيَسِّرُكَ لِلۡيُسۡرَىٰ 8﴾:

ثم أخبَرَ سبحانه نبيه محمدًا ﷺ؛ أنه سيوفِّقه للشريعة السمحة، ويجعلُ حِفْظَ الوحي يسيرًا عليه، وكذلك سوف ييسِّرُ له القيامَ بتعاليمِهِ وتبليغه.

[9] ﴿فَذَكِّرۡ إِن نَّفَعَتِ ٱلذِّكۡرَىٰ 9﴾:

ثم أمَرَ جل وعلا نبيه ﷺ أن يداوِمَ على تذكيرِ الناسِ بهذا القرآن، وأن يبلِّغَ رسالةَ ربِّه للجميع، مستخدِمًا في ذلك الحِكْمةَ والموعظةَ الحَسَنة.

[10] ﴿سَيَذَّكَّرُ مَن يَخۡشَىٰ 10﴾:

ثم بيَّن له سبحانه أنه سيتَّعِظُ بهذا القرآن مَنْ يخشى الله ويخافُ عقابه.

[11] ﴿وَيَتَجَنَّبُهَا ٱلۡأَشۡقَى 11﴾:

ثم بيَّن سبحانه أن الذي يبتعِدُ عن هذه التذكرةِ هو ذلك الضالُّ الذي لا يؤمِنُ باللهِ ولا باليومِ الآخر، المُصِرُّ على الجحود عنادًا واستكبارًا.

[12] ﴿ٱلَّذِي يَصۡلَى ٱلنَّارَ ٱلۡكُبۡرَىٰ 12﴾:

ثم بيَّن جل وعلا مصيرَ هذا المعانِدَ، وهو دخولُ نارِ جهنَّمِ الكبيرةِ الفظيعةِ، فيقاسي حرَّها وعذابها.

[13] ﴿ثُمَّ لَا يَمُوتُ فِيهَا وَلَا يَحۡيَىٰ 13﴾:

ثم بيَّن سبحانه أن هذا الكافرَ لا يموتُ في هذه النارِ؛ فيستريحَ مِن شِدَّةِ العذابِ وألمه، ولا هو يحيا حياةً كريمةً ينتفِعُ بها.

[١٤] ﴿قَدۡ أَفۡلَحَ مَن تَزَكَّىٰ 14﴾:

ثم أخبَرَ سبحانه أنه قد فاز ونجا مِن النارِ مَنْ طهَّر نفسه بالإيمانِ وصالحِ الأعمال، وتخلَّى عن الشركِ والمعاصي.

[15] ﴿وَذَكَرَ ٱسۡمَ رَبِّهِۦ فَصَلَّىٰ 15﴾:

وأخبر سبحانه أيضًا أنه قد فاز ونجا من النار من أحضَرَ في قلبِهِ أسماءَ ربِّه وصفاته، وما تتضمَّنه من الجلال والكمال؛ متذكِّرًا عَظَمةَ الله جل في علاه، ثم أدَّى ما عليه من الصلوات المفروضة في وقتها بخشوعٍ وخضوع.

[16] ﴿بَلۡ تُؤۡثِرُونَ ٱلۡحَيَوٰةَ ٱلدُّنۡيَا 16﴾:

ومع أن الله سبحانه بيَّن للناس ما فيه نجاتُهُمْ إلا أنهم يُؤْثِرونَ اللذَّاتِ الفانيةَ العاجلةَ الكائنةَ في الدنيا، على الدارِ الآخرة الآجِلةِ الباقية؛ فلا يفعلون ما فيه فلاحُهم.

[17] ﴿وَٱلۡأٓخِرَةُ خَيۡرٞ وَأَبۡقَىٰٓ 17﴾:

ثم بين سبحانه على سبيل التأكيد أن الدارَ الآخرةَ التي لم يجتهدوا كثيرًا لأجلها -وهي الجنة- أفضلُ وأدومُ من الدنيا.

[١٨] ﴿إِنَّ هَٰذَا لَفِي ٱلصُّحُفِ ٱلۡأُولَىٰ 18﴾:

ثم ختَمَ جل وعلا هذه السورة مبيِّنًا أن هذه المواعظَ الفاضلةَ الساميةَ المذكورةَ في هذه السورة، مثبَتةٌ في الصُّحُفِ القديمةِ.

[19] ﴿صُحُفِ إِبۡرَٰهِيمَ وَمُوسَىٰ 19﴾:

ثم بين سبحانه أن هذه الصحف هي المنزَّلةِ على إبراهيم وموسى عليهما السلام؛ فهي مما توافَقَتْ عليه الشرائع؛ لاشتمالها على مصالح العباد في الدارَيْن.

سورة الغاشية

سورةُ الغاشيةِ مكيَّةٌ، وآياتها سِتٌّ وعشرون آية.

[1] ﴿هَلۡ أَتَىٰكَ حَدِيثُ ٱلۡغَٰشِيَةِ 1﴾:

بدأت السورةُ بالحديثِ عن أهوالِ يومِ القيامة، فقال جل وعلا: هل بلَغَكَ -أيها النبي- خبَرُ الداهيةِ العظيمةِ، وهي القيامةُ التي تغشى الخلائقَ بأهوالها المفزعة؟!

[2] ﴿وُجُوهٞ يَوۡمَئِذٍ خَٰشِعَةٌ 2﴾:

ثم بيَّن سبحانه أن الناس في ذلك اليوم على قسمَيْن؛ قسم: تكونُ وجوههم ذليلةً منكسِرةً خاضعةً مهِينةً، وهي وجوهُ الكَفَرة والمشركين؛ لأنها تنتظِرُ مصيرًا محزِنًا.

[3] ﴿عَامِلَةٞ نَّاصِبَةٞ 3﴾:

وبين سبحانه أن هذه الوجوهُ التي أوغَلَتْ في الضلال، كانت في الدنيا تعملُ من الأعمال ما به مشقَّةٌ وتَعَب، وهم يَحْسَبونَ أنهم يُحْسِنونَ صنعًا؛ حيث زيَّن لهم الشيطانُ أعمالهم الباطلة.

[4] ﴿تَصۡلَىٰ نَارًا حَامِيَةٗ 4﴾:

وبيَّن سبحانه أن أصحاب هذه الوجوه سوف تدخُلُ نارًا حاميةً قد اشتدَّت حرارتها.

[5] ﴿تُسۡقَىٰ مِنۡ عَيۡنٍ ءَانِيَةٖ 5﴾:

وبين سبحانه أن هؤلاء الكفار إذا عَطِشوا جيء لهم بماءٍ مِن يَنْبُوعٍ بلَغَ من الحرارة غايته.

[6] ﴿لَّيۡسَ لَهُمۡ طَعَامٌ إِلَّا مِن ضَرِيعٖ 6﴾:

وبين سبحانه أنهم إذا أحسُّوا بالجُوعِ، أكلوا طعامًا اسمُهُ الضَّرِيع، وهو نوعٌ مِن النباتِ فيه شَوْكٌ سيِّئُ الطعمِ تَأْنَفُ البهائمُ مِن أكله.

[7] ﴿لَّا يُسۡمِنُ وَلَا يُغۡنِي مِن جُوعٖ 7﴾:

وبين سبحانه أن هذا الطعامُ يضُرُّهم، ولا ينفعهم بحال؛ فلا يُسمِنُ أجسادَهم، ولا يسُدُّ جُوعَهم الشديد.

[8] ﴿وُجُوهٞ يَوۡمَئِذٖ نَّاعِمَةٞ 8﴾:

ثم جاء الحديثُ عن القِسْمِ الثاني مِن الناس، وهم الذين تكونُ وجوهُهُمْ في ذلك اليومِ ناعمةٌ، أي: ذاتَ نِعْمةٍ وبهجةٍ ونَضَارةٍ يبدو فيها النعيم، وهي وجوهُ المؤمنين.

[9] ﴿لِّسَعۡيِهَا رَاضِيَةٞ 9﴾:

وبين سبحانه أن هذه الوجوهُ لعَمَلِها الذي عملته في الدنيا راضيةٌ؛ لأنها قد أُعْطِيَتْ مِن الأَجرِ ما أرضاها.

[10] ﴿فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٖ 10﴾:

ثم بيَّن سبحانه بعضَ أنواعِ النعيمِ الذي أنعَمَ الله به على أصحابِ هذه الوجوه؛ فقال سبحانه: واعلموا أن أصحابَ هذه الوجوهِ في جَنَّةٍ عاليةِ المَحَالِّ والمنازلِ والدرَجات.

[11] ﴿لَّا تَسۡمَعُ فِيهَا لَٰغِيَةٗ 11﴾:

وبين سبحانه أن أصحاب هذه الوجوه لا يسمعون في الجنة كلمةَ لغوٍ وباطل.

[12] ﴿فِيهَا عَيۡنٞ جَارِيَةٞ 12﴾:

ثم بين سبحانه أنه أنعم على أصحاب هذه الوجوه بعيون تجري بالماء يفجِّرونها ويُصَرِّفونها كيف شاؤوا، وكما أرادوا.

[13] ﴿فِيهَا سُرُرٞ مَّرۡفُوعَةٞ 13﴾:

وبين سبحانه أنه أنعم عليهم بِسُرُرٍ مرتفعةٌ يجلسون ويَتَّكِئون عليها.

[14] ﴿وَأَكۡوَابٞ مَّوۡضُوعَةٞ 14﴾:

وبين سبحانه أنه أنعم عليهم بأكوابٍ وُضِعَتْ وهُيِّئَتْ للشاربين، وجُهِّزَتْ لهم.

[15] ﴿وَنَمَارِقُ مَصۡفُوفَةٞ 15﴾:

وبين سبحانه أنه أنعم عليهم بوسائدَ مِن الحريرِ والإِسْتَبْرَقِ وغيرِهما مصفوفةٌ بعضُها بجانب بعض.

[16] ﴿وَزَرَابِيُّ مَبۡثُوثَةٌ 16﴾:

وبين سبحانه أن فيها بُسُطٌ حِسَانٌ كثيرةٌ مفروشة.

[17] ﴿أَفَلَا يَنظُرُونَ إِلَى ٱلۡإِبِلِ كَيۡفَ خُلِقَتۡ 17﴾:

وبعد أن ذكَرَ جل وعلا الفريقَيْنِ السابقَيْن، قال للمنكرِينَ للبعثِ، المستبعِدِينَ إيجادَ الحياةِ في العظامِ الباليةِ المتناثِرةِ والأجسامِ التي تحوَّلت إلى تراب، فقال لهم: أفلا ينظُرُونَ إلى الإِبِلِ، وهو هذا المخلوقُ العجيبُ فيفكِّرَ أحدُهُمْ كيف خلَقَها اللهُ بما فيها مِن بديعِ الصَّنْعةِ وكِبَرِ الجِسْمِ؟!

[18] ﴿وَإِلَى ٱلسَّمَآءِ كَيۡفَ رُفِعَتۡ 18﴾:

وكذلك أفلا ينظرون إلى السماءِ البديعةِ في مَنْظَرِها؛ فيفكِّرَ كيف رفَعَ الله بناءَها، وأعلى سَمْكَها بلا عَمَدٍ ولا دعائمَ يرونها؟!

[19] ﴿وَإِلَى ٱلۡجِبَالِ كَيۡفَ نُصِبَتۡ 19﴾:

وكذلك أفلا ينظرون إلى الجبالِ؛ فيَهُولَهُ مَنْظَرُها ويفكِّرَ كيف وُضِعَتْ وضعًا ثابتًا لا اضطرابَ فيه؟!

[20] ﴿وَإِلَى ٱلۡأَرۡضِ كَيۡفَ سُطِحَتۡ 20﴾:

وكذلك أفلا ينظرون إلى الأرضِ التي يسيرُ عليها؛ فيفكِّرَ كيف مُهِّدَتْ على ما يقتضيه صلاح أمور ساكنيها وانتفاعهم بها؟!

[21] ﴿فَذَكِّرۡ إِنَّمَآ أَنتَ مُذَكِّرٞ 21﴾:

وبعد هذا التوبيخِ لأولئك المشرِكينَ؛ أمَرَ سبحانه وتعالى نبيه محمدًا ﷺ أن يداوِمَ على وَعْظِ هؤلاءِ الضالِّين، وتخويفِهم مِن الله ومِن عذابِهِ الأليم.

[22] ﴿لَّسۡتَ عَلَيۡهِم بِمُصَيۡطِرٍ 22﴾:

ثم بيَّن سبحانه لنبيه ﷺ أن دَوْرَهُ ووظيفتَهُ هو الوعظُ والإرشادُ وتبليغُ الرسالة، وأنه ليس عليهم بمسلَّطٍ وليس له إجبارُهُمْ على ما يريد، فأنت -أيها النبي- عليك البلاغ، واللهُ عليه الحساب.

[23] ﴿إِلَّا مَن تَوَلَّىٰ وَكَفَرَ 23﴾:

واعلم -أيها النبي- أن العذاب سوف يكون على مَنْ تولَّى مِن هؤلاء المشرِكينَ، وأعرَضَ عن الذكرى، وجحَدَ الحقَّ المعروضَ عليه.

[24] ﴿فَيُعَذِّبُهُ ٱللَّهُ ٱلۡعَذَابَ ٱلۡأَكۡبَرَ 24﴾:

ثم بين سبحانه أنه سوف يعذِّبه العذابَ الأكبَرَ في الآخرة.

[٢٥] ﴿إِنَّ إِلَيۡنَآ إِيَابَهُمۡ 25﴾:

ثم ختَمَ جل وعلا السورةَ ببيانِ أن مَرْجِعَ العباد يوم القيامة إلى الله وحده.

[26] ﴿ثُمَّ إِنَّ عَلَيۡنَا حِسَابَهُم 26﴾:

وأخبر سبحانه أنه هو وحدَهُ الذي سيتولَّى حسابهم وعقابهم.

سورة الفجر

سورةُ الفَجْرِ مكيَّةٌ، وآياتها ثلاثون آية.

[1] ﴿وَٱلۡفَجۡرِ 1﴾:

بدأ جل وعلا بهذه الإقسامات؛ حيث أقسَمَ سبحانه بالفجرِ وقتَ انبلاجِ الضوء.

[2] ﴿وَلَيَالٍ عَشۡرٖ 2﴾:

وأقسَمَ سبحانه بليالِي عَشْرِ ذي الحِجَّة.

[3] ﴿وَٱلشَّفۡعِ وَٱلۡوَتۡرِ 3﴾:

وأقسَمَ سبحانه بالعدَدِ المزدوِجِ مِنْ كلِّ شيء، وبالعدَدِ الفردِ مِن كلِّ شيء.

[4] ﴿وَٱلَّيۡلِ إِذَا يَسۡرِ 4﴾:

وأقسَمَ سبحانه بالليلِ إذا سَرَى وذهَبَ بظلامه.

[5] ﴿هَلۡ فِي ذَٰلِكَ قَسَمٞ لِّذِي حِجۡرٍ 5﴾:

وبعد هذه الإقساماتِ؛ قال سبحانه: هل فيما ذُكِرَ مِنْ هذه الأقسامِ مَقْنَعٌ لذي لبٍّ وعَقْل؟! أما جوابُ القسَمِ، فهو محذوفٌ تقديره: أُقسِمُ لكم أن الكفَّارَ سوف يعذَّبون بسببِ إصرارِهم على الكفرِ وعدَمِ الإيمان بالله.

[6] ﴿أَلَمۡ تَرَ كَيۡفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ 6﴾:

ثم أخبَرَ جل وعلا على سبيلِ الاستشهادِ بما أنزله مِن العذابِ على الأقوامِ السابِقةِ المشرِكةِ، فقال سبحانه: ألم تنظُرْ -أيها الإنسان- إلى ما فعَلَ ربُّك بقبيلة عاد؟!

[7] ﴿إِرَمَ ذَاتِ ٱلۡعِمَادِ 7﴾:

ثم بين سبحانه أن قبيلة عاد كانوا يسكُنُونَ مدينةَ (إِرَمَ) التي وصفها الله بأنها ذاتَ الأعمدةِ المحكَمةِ والمحصَّنة.

[8] ﴿ٱلَّتِي لَمۡ يُخۡلَقۡ مِثۡلُهَا فِي ٱلۡبِلَٰدِ 8﴾:

وبيَّن سبحانه أن مدينة (إرم) لم يُخلَقُ في البلادِ كلِّها مدينةٌ مثلُها. وعادٌ هم سُكَّانُ الأحقافِ الرمليَّةِ الواقعةِ بين حَضْرَمَوْتَ ونَجْرانَ بالرُّبْعِ الخالي شرقَ الجزيرةِ العربيَّة، ونبيُّهم هو هُودٌ عليه السلام.

[9] ﴿وَثَمُودَ ٱلَّذِينَ جَابُواْ ٱلصَّخۡرَ بِٱلۡوَادِ 9﴾:

وكذلك ألم تنظُرْ -أيها الإنسان- إلى ثمودَ الذين قطعوا الصخور، ونحتوا الجبالَ التي في وادي القرى، وجعلوها بيوتًا أو قبورًا لموتاهم؟! وثمودُ كانوا شمالَ الجزيرةِ العربيَّةِ على طريقِ الحَجِّ من الشمالِ إلى مكَّةَ في وادي القرى، وتسمَّى: الحِجْرَ.

[10] ﴿وَفِرۡعَوۡنَ ذِي ٱلۡأَوۡتَادِ 10﴾:

وكذلك ألم تنظُرْ -أيها الإنسان- إلى فرعونَ ذي الأوتاد؟! أي: الأهراماتِ، والمباني العظيمةِ التي شيَّدها هو ومَنْ قبله.

[11] ﴿ٱلَّذِينَ طَغَوۡاْ فِي ٱلۡبِلَٰدِ 11﴾:

ثم بيَّن سبحانه أن هؤلاءِ الذين سلَفَ ذِكْرُهم مِن عادٍ وثمودَ وفرعونَ قد طَغَوْا وتجبَّروا، وتجاوزوا حدودهم بكُفْرهم.

[12] ﴿فَأَكۡثَرُواْ فِيهَا ٱلۡفَسَادَ 12﴾:

وبيَّن سبحانه أن هؤلاءِ المتجبِّرين استعملوا سُلْطانهم في هَضْمِ حقوقِ الناسِ وظُلْمهم، فكانوا سببًا في إفسادِ البلاد.

[13] ﴿فَصَبَّ عَلَيۡهِمۡ رَبُّكَ سَوۡطَ عَذَابٍ 13﴾:

ولهذا عاقَبَهم الله بأن أنزَلَ عليهم عذابَهُ الشديد، وأخَذَهم أَخْذَ عزيزٍ مقتدِرٍ.

[14] ﴿إِنَّ رَبَّكَ لَبِٱلۡمِرۡصَادِ 14﴾:

واعلم -أيها النبي- أن ربَّك يرقُبُ عمَلَ كلِّ إنسان في الأرض، ويحصيه عليه، ويجازيه به؛ إنْ خيرًا فخير، وإنْ شرًّا فشرّ.

[15] ﴿فَأَمَّا ٱلۡإِنسَٰنُ إِذَا مَا ٱبۡتَلَىٰهُ رَبُّهُۥ فَأَكۡرَمَهُۥ وَنَعَّمَهُۥ فَيَقُولُ رَبِّيٓ أَكۡرَمَنِ 15﴾:

ثم فصَّل سبحانه، فقال: فأمَّا الإنسانُ الغافلُ عن ربِّه؛ إذا اختبَرَهُ، فأنعَمَ الله عليه، وأوسَعَ له في الرزق إكرامًا مِن الله له، فإنه يقولُ: (ربِّي أكرمني)، وما خطَرَ بباله أنه امتحانٌ له هل يشكُرُ؟! وهل يؤدِّي واجباتِ النعمةِ عليه؟!

[16] ﴿وَأَمَّآ إِذَا مَا ٱبۡتَلَىٰهُ فَقَدَرَ عَلَيۡهِ رِزۡقَهُۥ فَيَقُولُ رَبِّيٓ أَهَٰنَنِ 16﴾:

وقال سبحانه: وأما إذا رأى أن رزقه لا يأتيه إلا قليلًا وبتَعَبٍ، ظَنَّ أن ذلك إهانةٌ مِن الله له، وإذلالٌ لنفسه، فيتضجَّرُ ويتَّهِمُ ربَّه بالإساءةِ إليه ومَنْعِ الخير عنه، وغاب عنه أن الحياةَ كلَّها ابتلاءٌ وكَبَدٌ، وأن مَنْ ضُيِّقَ عليه رزقُه، وصبَرَ واحتسَبَ وشكَرَ الله على كل حال، فإنه هو الناجي حقًّا.

[17] ﴿كَلَّاۖ بَل لَّا تُكۡرِمُونَ ٱلۡيَتِيمَ 17﴾:

واعلموا أن الأمرَ ليس كما يعتقِدُ هذا الذي ابتُلِيَ -أي: اختُبِرَ- في إكرامِ اللهِ وإهانتِهِ، بل أنتم تفعلون ما هو شَرٌ مِن ذلك، ومن ذلك: أنكم لا تُكْرِمونَ اليتيم.

[18] ﴿وَلَا تَحَٰٓضُّونَ عَلَىٰ طَعَامِ ٱلۡمِسۡكِينِ 18﴾:

ومن ذلك: أنكم لا تحثون بعضُكم بعضًا على إطعامِ المِسْكِينِ وإصلاحِ شأنه.

[19] ﴿وَتَأۡكُلُونَ ٱلتُّرَاثَ أَكۡلٗا لَّمّٗا 19﴾:

ومن ذلك: أنكم تأكلون أموالَ اليتامى والنساءِ والضعفاءِ التي يترُكُها مَنْ يُتَوَفَّى منكم أكلًا شديدًا؛ فتجمعون بين نصيبِكم منه ونصيبِ غيركم.

[20] ﴿وَتُحِبُّونَ ٱلۡمَالَ حُبّٗا جَمّٗا 20﴾:

ومن ذلك: أنكم تَحْرِصون على جمعِ المالِ حرصًا شديدًا كأنكم مخلَّدون.

[21] ﴿كَلَّآۖ إِذَا دُكَّتِ ٱلۡأَرۡضُ دَكّٗا دَكّٗا 21﴾:

ثم زجَرَ سبحانه هؤلاءِ الكفَّارَ، فقال لهم: إذا أصرَرْتم -أيها الكفَّار- على كُفْرِكم وعلى هذه الأعمالِ السيئة، فانتظروا يومَ القيامةِ يوم أن تتحرَّكَ الأرضُ حركةً شديدةً، وتتزلزَلَ زلزالًا قويًّا.

[22] ﴿وَجَآءَ رَبُّكَ وَٱلۡمَلَكُ صَفّٗا صَفّٗا 22﴾:

وفي هذا اليوم يجئَ الربُّ سبحانَهُ مجيئًا يليقُ بجلالِهِ وعَظَمَتِه، والملائكةُ في هذه الحالِ يقفونَ صفوفًا تعظيمًا له. وقوله: ﴿وَجَآءَ رَبُّكَ﴾، جُلُّ الفرقِ الإسلامية كالأشاعرةِ والمعتزِلةِ وغيرهما، يؤوِّلون صفات الله الفعليَّة، ومِن ذلك صفةُ المجيءِ لله، فيقولون: (وجاء ربُّك، أي: وجاء أَمْرُ ربِّك، ونحو ذلك)، أما أهل السنة والجماعة، فيثبتون كلَّ ما أثبته الله لنفسه في كتابه، وأثبته له رسوله ﷺ في سنته؛ مِن غيرِ تحريفٍ ولا تعطيل، وغيرِ تكييفٍ ولا تمثيل، ومِن ذلك صفة المجيء؛ فإنهم يعلمون معناه ويؤمنون به ويثبتونه، ويقولون: وجاء ربُّك مجيئًا يليق بجلاله؛ لا نَعْرِفُ كنهه ولا كيفيته، كما لا نعرف كيفيَّةَ ذاته.

[23] ﴿وَجِاْيٓءَ يَوۡمَئِذِۭ بِجَهَنَّمَۚ يَوۡمَئِذٖ يَتَذَكَّرُ ٱلۡإِنسَٰنُ وَأَنَّىٰ لَهُ ٱلذِّكۡرَىٰ 23﴾:

وفي ذلك اليومِ العظيمِ يؤتى بنارِ جهنَّم تجُرُّها الملائكةُ بالسلاسلِ في مشهدٍ تنخلِعُ له القلوب، وحينها يتذكَّرُ الإنسانُ الكافرُ ما قدَّمه مِن خيرٍ وشر، ويتذكَّرُ ما وعَدَهُ به الأنبياءُ والرسُلُ مِن البعثِ والجزاءِ والحساب، وهذه الذكرى لا تنفعُهُ في هذا الموضع، فقد فات وقتُ العَمَل، وجاء وقتُ الحساب.

[24] ﴿يَقُولُ يَٰلَيۡتَنِي قَدَّمۡتُ لِحَيَاتِي 24﴾:

ثم بين سبحانه أن هذا الكافر حينما يرى هذا المشهد العظيم للنار، يقول: -وقد تملَّكته الحَسْرةُ والندامة-: يا ليتني قدَّمتُ في الدنيا ما ينفعني في الحياةِ الآخرةِ مِن الإيمانِ والعملِ الصالح.

[٢٥] ﴿فَيَوۡمَئِذٖ لَّا يُعَذِّبُ عَذَابَهُۥٓ أَحَدٞ 25﴾:

وبين سبحانه أنه في ذلك اليومِ لا أحَدَ يُعذِّبُ في الدنيا كعذابِ اللهِ للكافر.

[26] ﴿وَلَا يُوثِقُ وَثَاقَهُۥٓ أَحَدٞ 26﴾:

وبين سبحانه أيضًا أنه في ذلك اليوم لا يُقيِّدُ أحدٌ بالسلاسلِ والأغلالِ مثلَ تقييدِ اللهِ للكافر، أي: أن عذابَهُمْ يَصِلُ إلى درَجةِ تمنِّي الموت.

[27] ﴿يَٰٓأَيَّتُهَا ٱلنَّفۡسُ ٱلۡمُطۡمَئِنَّةُ 27﴾:

ثم خاطب سبحانه نَفْسَ الإنسانِ الطاهرةَ الزكيَّة، المطمئنَّةَ بوعدِ الله، فقال: يا أيتها النفس المطمئنة.

[28] ﴿ٱرۡجِعِيٓ إِلَىٰ رَبِّكِ رَاضِيَةٗ مَّرۡضِيَّةٗ 28﴾:

ثم أمر سبحانه هذه النفس المطمئنة أن تَرْجِعَ إلى ربِّها؛ راضيةً بما قَسَمَ اللهُ لها من الأجرِ والثواب، ومرضيًّا عنها من الله.

[29] ﴿فَٱدۡخُلِي فِي عِبَٰدِي 29﴾:

ثم أمَرَ جل وعلا هذه النَّفْسَ المطمئنَّةَ أن تدخُلَ الجنةَ مع مَنْ يدخُلُها مِن عبادِ اللهِ الصالحين.

[30] ﴿وَٱدۡخُلِي جَنَّتِي 30﴾:

وأمرها أن تدخُلَ في جنة الله التي وعَدَ الله عبادَهُ المتقين، وتتمتَّعَ فيها بما لا عَيْنٌ رأت، ولا أُذُنٌ سَمِعَتْ، ولا خطَرَ على قلب بشر.

سورة البَلَد

سورةُ البَلَدِ مكيَّةٌ، وآياتها عشرون آية.

[1] ﴿لَآ أُقۡسِمُ بِهَٰذَا ٱلۡبَلَدِ 1﴾:

بدأ جل وعلا بالقَسَمِ في هذه السورة بهذا البَلَدِ -وهو مكَّةُ المكرَّمةُ- قسمًا مؤكَّدًا، وقوله: ﴿لَآ﴾ للتنبيهِ والتأكيد.

[2] ﴿وَأَنتَ حِلُّۢ بِهَٰذَا ٱلۡبَلَدِ 2﴾:

ثم قال سبحانه: وأنتَ -أيها النبي- ساكنٌ بهذا البلد، وقد استحَلَّ المشركون تكذيبَكَ واتهامَكَ بالجنون والسحر والشعر.

[3] ﴿وَوَالِدٖ وَمَا وَلَدَ 3﴾:

ثم أقسَمَ سبحانه بآدَمَ وذُرِّيته.

[4] ﴿لَقَدۡ خَلَقۡنَا ٱلۡإِنسَٰنَ فِي كَبَدٍ 4﴾:

ثم جاء جوابُ القسَمِ مبيِّنًا أن الله جل في علاه خلَقَ الإنسانَ وجعَلَهُ في تعَبٍ ومشقَّة، وأنه لا يزالُ يقاسي من ضروبِ المتاعبِ منذ نشأتِهِ في بطنِ أمِّه إلى أن يصير رجلًا.

[5] ﴿أَيَحۡسَبُ أَن لَّن يَقۡدِرَ عَلَيۡهِ أَحَدٞ 5﴾:

ثم وبَّخ جل وعلا ذلك الإنسانَ الضالَّ المعانِدَ المغتَرَّ بقوَّته، فقال: هل يظنُّ هذا الشقيُّ الفاجرُ أن الله تعالى لا يَقْدِرُ عليه لشدَّته وقوَّته؟! وقد قيل: إن هذه الآيةَ نزَلَتْ في (أبي الأشدِّ بنِ كَلَدة)، وقد كان رجلًا طاغيةً جبَّارًا معاندًا يغترُّ بقوَّته.

[6] ﴿يَقُولُ أَهۡلَكۡتُ مَالٗا لُّبَدًا 6﴾:

ثم أخبَرَ سبحانه أن هذا الفاجرَ المعانِدَ كان يقولُ على سبيلِ التفاخُر: لقد أنفَقْتُ مالًا كثيرًا في عداوةِ محمَّدٍ وأصحابه.

[7] ﴿أَيَحۡسَبُ أَن لَّمۡ يَرَهُۥٓ أَحَدٌ 7﴾:

فرد سبحانه على مقولة هذا الفاجر، فقال: هل كان يظُنُّ هذا الكافرُ المعانِدُ أنَّ اللهَ لم يطَّلِعْ عليه عندما كان يُنفِقُ أمواله؟! وهل كان يظُنُّ أن الله لن يحاسِبَهُ أو يسأله عن ماله مِمَّ اكتسَبَهُ؟! وفيم أنفقه؟!

[٨] ﴿أَلَمۡ نَجۡعَل لَّهُۥ عَيۡنَيۡنِ 8﴾:

ثم بدأ جل وعلا بذكرِ بعضِ ما أنعَمَ به على هذا الإنسانِ الضالِّ المغترِّ، فقال سبحانه: ألم نَجْعَلْ له عينَيْنِ يُبْصِرُ بهما؟!

[9] ﴿وَلِسَانٗا وَشَفَتَيۡنِ 9﴾:

وكذلك ألم نجعل له لسانًا وشفتَيْنِ يَنطِقُ بهما؟!

[10] ﴿وَهَدَيۡنَٰهُ ٱلنَّجۡدَيۡنِ 10﴾:

وكذلك ألم نرشده إلى طريقِ الخير، وطريقِ الشر؟!

[11] ﴿فَلَا ٱقۡتَحَمَ ٱلۡعَقَبَةَ 11﴾:

وبعد أن أكمَلَ جل وعلا حَوَاسَّ وعَقْلَ هذا الفاجرِ المعانِدِ، هلَّا جاهَدَ النَّفْسَ والشيطانَ، وأنفَقَ ماله وعَمِلَ أعمالَ البِرِّ لاجتياز العَقَبة، وهي أهوالُ يومِ القيامة العظيمة.

[12] ﴿وَمَآ أَدۡرَىٰكَ مَا ٱلۡعَقَبَةُ 12﴾:

ثم قال سبحانه على سبيلِ التشويقِ والتفخيم: وما أعلَمَكَ -أيها الإنسان- شأنَ هذه العقبة، وكيفيَّةَ النجاة منها؟! ولا شكَّ أن النجاةَ مِن هذه العَقَبةِ لا يكونُ إلا بالإيمان بالله ورسوله ﷺ، والإكثارِ مِن العمل الصالح.

[13] ﴿فَكُّ رَقَبَةٍ 13﴾:

بعد ذلك بيَّن جل شأنه سبيلَ النجاةِ مِن هذه العَقَبة؛ فقال سبحانه: إنَّ النجاةَ مِن العَقَبةِ يكونُ بعتقِ الرَّقَبةِ في سبيل الله، أي: عِتْقِها مِن الرِّقِّ، أو مِن الديونِ والالتزاماتِ الصعبة.

[14] ﴿أَوۡ إِطۡعَٰمٞ فِي يَوۡمٖ ذِي مَسۡغَبَةٖ 14﴾:

وبين سبحانه أن النجاة من العقبة تكون أيضًا: بإطعام الفقيرِ في يومٍ عصيبِ ذي مَجَاعة.

[15] ﴿يَتِيمٗا ذَا مَقۡرَبَةٍ 15﴾:

ثم بين سبحانه أن هذا الإطعامُ يكونُ إما لليتيمِ الصغيرِ الذي فقَدَ أباه ولم يبلُغِ الحُلُمَ، ويكون مِن قرابته.

[16] ﴿أَوۡ مِسۡكِينٗا ذَا مَتۡرَبَةٖ 16﴾:

أو يكون هذا الإطعام لذلك المسكينِ الذي اشتَدَّ به الفقرُ وأجبرته الحاجة.

[17] ﴿ثُمَّ كَانَ مِنَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَتَوَاصَوۡاْ بِٱلصَّبۡرِ وَتَوَاصَوۡاْ بِٱلۡمَرۡحَمَةِ 17﴾:

ثم بيَّن سبحانه أنَّ الواجبَ على هذا المعانِدِ إذا أراد أن يكونَ ممَّن يقتحِمُ العَقَبةَ: أن يقومَ بهذه الأعمالِ الصالحة، ويكونَ أيضًا من الذين آمنوا بالله ورسوله ﷺ؛ لأن العملَ الصالح مع عَدمِ الإيمانِ لا فائدةَ منه ولا ينفعُ صاحبه، ويكونَ أيضًا ممن يَصْبِرُ ويُوصي غيرَهُ بالصبرِ على طاعة الله، والصبرِ عن معصيةِ الله، والصبرِ على أقدارِ اللهِ المُؤْلِمة، ويكونَ ممن يتواصى مع غيره برحمةِ الخَلْقِ والإحسانِ إليهم.

[18] ﴿أُوْلَٰٓئِكَ أَصۡحَٰبُ ٱلۡمَيۡمَنَةِ 18﴾:

ثم بيَّن سبحانه أن أولئك الذين وفَّقهم الله لاقتحامِ العَقَبةِ، وقاموا بهذه الأفعالِ الحميدةِ الجليلةِ، هم أصحابُ اليمين، أي: الذين يأخُذُونَ كُتُبَهم باليمين؛ فهم السعداءُ أصحابُ الجنَّةِ الخالدون فيها.

[19] ﴿وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِـَٔايَٰتِنَا هُمۡ أَصۡحَٰبُ ٱلۡمَشۡـَٔمَةِ 19﴾:

ثم بيَّن جل وعلا أن الذين كذَّبوا بآيات الله وجَحَدوا نبوَّة محمد ﷺ، هم أصحابُ الشمال، أي: هم الذين يأخُذُونَ كُتُبَهم بالشمال.

[20] ﴿عَلَيۡهِمۡ نَارٞ مُّؤۡصَدَةُۢ 20﴾:

ثم بيَّن جل في علاه نهايةَ أصحابِ الشمال؛ فأخبَرَ أن عليهم نارًا مطبِقةً مغلَقةً لا يستطيعون الخروجَ منها أبَدَ الآبدين.

سورة الشَّمْس

سورةُ الشَّمْسِ مكيَّةٌ، وآياتها خمسَ عَشْرةَ آيةً.

[1] ﴿وَٱلشَّمۡسِ وَضُحَىٰهَا 1﴾:

بدأ جل وعلا بهذه الإقسامات؛ حيث أقسَمَ سبحانه بالشمسِ وبضُحَاها، وهو وقتُ ارتفاعها بعد طُلُوعها.

[2] ﴿وَٱلۡقَمَرِ إِذَا تَلَىٰهَا 2﴾:

وأقسَمَ سبحانه بالقمرِ إذا تَبِعَ الشمسَ، فطلَعَ بعد غروبها.

[3] ﴿وَٱلنَّهَارِ إِذَا جَلَّىٰهَا 3﴾:

وأقسَمَ سبحانه بالنهار إذا جلَّى وأظهَرَ النُّورَ والضياء، وكشَفَ الظُّلْمة.

[4] ﴿وَٱلَّيۡلِ إِذَا يَغۡشَىٰهَا 4﴾:

وأقسَمَ سبحانه بالليل إذا غطَّى الأرضَ، فأظلَمَ ما عليها.

[5] ﴿وَٱلسَّمَآءِ وَمَا بَنَىٰهَا 5﴾:

وأقسَمَ سبحانه بالسماءِ وإحكامِ الله لخَلْقها وإتقانِهِ لها.

[6] ﴿وَٱلۡأَرۡضِ وَمَا طَحَىٰهَا 6﴾:

وأقسَمَ سبحانه بالأرضِ وبَسْطِها مِن كلِّ جانب.

[7] ﴿وَنَفۡسٖ وَمَا سَوَّىٰهَا 7﴾:

وأقسَمَ سبحانه بكلِّ نَفْسٍ خلَقَها الله وأتمَّ خَلْقها.

[8] ﴿فَأَلۡهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقۡوَىٰهَا 8﴾:

وهذه النفس عرَّفها الله حالها، وما فيها مِن حُسْنٍ وقُبْح.

[9] ﴿قَدۡ أَفۡلَحَ مَن زَكَّىٰهَا 9﴾:

ثم جاء جوابُ القسَمِ لهذه الإقسامات الأحدَ عشَرَ؛ مبيِّنًا سبحانه أنه قد فاز ونجا مَنْ طهَّر نفسه مِن الذنوبِ والعيوبِ وزكَّاها.

[10] ﴿وَقَدۡ خَابَ مَن دَسَّىٰهَا 10﴾:

وبين سبحانه أنه قد خاب وخَسِرَ مَنْ أضلَّها وأغواها، وعَمِلَ بما يكرهه الله ويأباه؛ مِن الذنوبِ والآثامِ والمعاصي.

[11] ﴿كَذَّبَتۡ ثَمُودُ بِطَغۡوَىٰهَآ 11﴾:

ثم أخبَرَ سبحانه أن ثمودَ كذَّبَتْ نبيَّها صالحًا بسبب طغيانها.

[12] ﴿إِذِ ٱنۢبَعَثَ أَشۡقَىٰهَا 12﴾:

ثم بين سبحانه أن أشقى القوم وهو (قُدَارُ بنُ سَالِفٍ) انطلق بسرعةٍ، فعقَرَ الناقة، وقال لصالحٍ على سبيلِ السخرية: ائتنا -يا صالح- بعذاب الله إنْ كنتَ من الصادقين.

[13] ﴿فَقَالَ لَهُمۡ رَسُولُ ٱللَّهِ نَاقَةَ ٱللَّهِ وَسُقۡيَٰهَا 13﴾:

ثم بيَّن سبحانه أن نبيَّهم صالحًا عليه السلام نهاهم عن إلحاقِ أيِّ أذًى بالناقة، وحذَّرهم من الاعتداءِ عليها وعلى شِرْبها من الماء، وحذَّرهم عقابَ الله وسَخَطَه.

[14] ﴿فَكَذَّبُوهُ فَعَقَرُوهَا فَدَمۡدَمَ عَلَيۡهِمۡ رَبُّهُم بِذَنۢبِهِمۡ فَسَوَّىٰهَا 14﴾:

ثم بيَّن سبحانه أنهم كذَّبوا نبيَّهم صالحًا، وقتلوا الناقة؛ فأهلكهم اللهُ بسببِ إجرامِهم؛ حيث أطبَقَ عليهم قُصُورَهم من فوقهم، وعمَّهم اللهُ بالهلاك، ولم يَنْجُ مِن العذابِ إلا صالحٌ ومَنْ آمَنَ معه؛ بفضلِ اللهِ ورحمته.

[15] ﴿وَلَا يَخَافُ عُقۡبَٰهَا 15﴾:

ثم ختَمَ جل وعلا السورةَ ببيان أنه سبحانه لا يخافُ مِن عاقبةِ إهلاكِ هؤلاءِ الكفَّارِ وتدميرِهم، كما يَخَافُ الحكَّامُ مِن عاقبةِ ظُلْمِهم وإيذائهم لشعوبهم؛ لأنهم يخافون ثورةَ هذه الشعوب.

سورة الليل

سورةُ الليل مكيَّةٌ، وآياتها إحدى وعشرون آيةً.

[1] ﴿وَٱلَّيۡلِ إِذَا يَغۡشَىٰ 1﴾:

بدأ جل وعلا بهذه الإقسامات؛ حيث أقسَمَ سبحانه بالليلِ إذا ستَرَ الخلائقَ بظلامِه.

[2] ﴿وَٱلنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّىٰ 2﴾:

وأقسَمَ سبحانه بالنهارِ إذا تجلَّى وانكشَفَ وأنار العالم.

[3] ﴿وَمَا خَلَقَ ٱلذَّكَرَ وَٱلۡأُنثَىٰٓ 3﴾:

وأقسَمَ سبحانه بنفسه أنه هو الذي خلَقَ الذكَرَ والأنثى.

[4] ﴿إِنَّ سَعۡيَكُمۡ لَشَتَّىٰ 4﴾:

ثم جاء جوابُ القسَمِ، فأخبَرَ سبحانه أنَّ عَمَلَكُم -أيها الناس- الذي تَعْمَلونَهُ متفرِّقٌ تفرُّقًا عظيمًا.

[5] ﴿فَأَمَّا مَنۡ أَعۡطَىٰ وَٱتَّقَىٰ 5﴾:

ثم فصَّل جل وعلا؛ فبيَّن أن الناس مِن حيثُ الأعمالُ ينقسمون إلى فريقَيْنِ؛ الفريق الأول: وهو مَنْ كانت أعماله تَهْدي إلى الجنة؛ فقال سبحانه: فأما مَن أنفَقَ مِن مالِهِ في سبيلِ الله، فأعطى الفقراءَ والمساكين وغيرهم، واتقى الله بفعلِ أوامرِهِ واجتنابِ نواهيه.

[6] ﴿وَصَدَّقَ بِٱلۡحُسۡنَىٰ 6﴾:

وكذلك صدَّق بالجنةِ التي أعدَّها الله للمتَّقين من عباده.

[7] ﴿فَسَنُيَسِّرُهُۥ لِلۡيُسۡرَىٰ 7﴾:

ثم بيَّن سبحانه أنَّ مَنِ اتصَفَ بهذه الصفاتِ الجليلةِ، فسوف يهيِّئه الله لعمل الخير، وسيكون من الفائزين.

[8] ﴿وَأَمَّا مَنۢ بَخِلَ وَٱسۡتَغۡنَىٰ 8﴾:

ثم ذكَرَ جل وعلا الفريقَ الثاني؛ وهو مَنْ كانت أعمالُهُ تَهْدي إلى النار؛ فقال سبحانه: وأمَّا مَنْ بَخِلَ بإنفاق المال، ولم يُعْطِ الفقراءَ والمساكينَ حقَّهم شحًّا وبخلًا، واستغنى عن الله وعن ثوابه. بل كذَّب بالجنة ونعيمها.

[9] ﴿وَكَذَّبَ بِٱلۡحُسۡنَىٰ 9﴾:

وكذلك كذَّب باليوم الآخر وبالجزاء والحساب، وكذَّب بكلِّ ما أوجَبَ الله على عباده مِن الإيمانِ والعملِ الصالح.

[10] ﴿فَسَنُيَسِّرُهُۥ لِلۡعُسۡرَىٰ 10﴾:

ثم بيَّن سبحانه أنَّ مَنِ اتصَفَ بهذه الأعمالِ السيِّئةِ الآنفةِ الذكر، فسوف يسهِّلُ الله له عمَلَ الشرِّ والوقوعَ فيه، والمقصودُ أن الله سوف يترُكُهُ وما اختار هو لنفسه.

[11] ﴿وَمَا يُغۡنِي عَنۡهُ مَالُهُۥٓ إِذَا تَرَدَّىٰٓ 11﴾:

ثم بيَّن سبحانه أن هذا الشقيُّ إذا هوى في نارِ جهنَّمَ، وهلَكَ فيها، فلن تنفعه أموالُهُ التي بَخِلَ بها، ولم يُنْفِقْها لمستحقِّيها، ولن تنجيه من عذاب الله.

[12] ﴿إِنَّ عَلَيۡنَا لَلۡهُدَىٰ 12﴾:

ثم أخبَرَ جل وعلا أنه بيَّن للناس طريقَ الهدى وطريقَ الضلالة، وبعد ذلك كلٌّ له اختيارُه.

[13] ﴿وَإِنَّ لَنَا لَلۡأٓخِرَةَ وَٱلۡأُولَىٰ 13﴾:

وبيَّن أنه وحده الذي يَمْلِكُ كلَّ ما في الدنيا وكلَّ ما في الآخرة، وأنه هو المتصرِّفُ الوحيدُ فيهما.

[14] ﴿فَأَنذَرۡتُكُمۡ نَارٗا تَلَظَّىٰ 14﴾:

واعلموا -أيها الناس- أن الله أنذَرَكم نارًا تلتهِبُ وتتوقَّدُ وتتوهَّجُ مِن شدَّة حرارتها.

[15] ﴿لَا يَصۡلَىٰهَآ إِلَّا ٱلۡأَشۡقَى 15﴾:

وهذه النارُ لا يَصْلَاها إلا الشقيُّ الشديدُ الشقاوة.

[16] ﴿ٱلَّذِي كَذَّبَ وَتَوَلَّىٰ 16﴾:

الذي كذَّب بالرسل، وبما جاؤوا به من الأدلَّة والبراهين، وأعرَضَ عن الإيمانِ وطاعةِ الله عز وجل، ويَصْلَاها المؤمنُ العاصي الذي غلَبَتْ سيِّئاتُهُ حسناتِهِ، إن لم يَشْمَلْهُ الله برحمته.

[17] ﴿وَسَيُجَنَّبُهَا ٱلۡأَتۡقَى 17﴾:

ثم بيَّن سبحانه أن هذه النار لن ينجو منها إلا مَنْ كان مِن أصحابِ التقوى الذين اتقَوُا الله بفعلِ أوامرِهِ، واجتنابِ نواهيه.

[18] ﴿ٱلَّذِي يُؤۡتِي مَالَهُۥ يَتَزَكَّىٰ 18﴾:

وهو أيضًا الذي يُنفِقُ مالَهُ ويَصرِفُهُ في وجوهِ الخيرِ؛ راجيًا بذلك تطهيرَ مالِهِ ونفسِهِ مِن الذنوب والمعاصي.

[19] ﴿وَمَا لِأَحَدٍ عِندَهُۥ مِن نِّعۡمَةٖ تُجۡزَىٰٓ 19﴾:

ثم بيَّن جل وعلا أن هذا التقيَّ الذي يُنفِقُ ماله في وجوهِ الخيرِ ليس لأحدٍ مِن الفقراءِ أو المساكينِ عنده نعمةٌ حتى يكافِئَهُ عليها.

[20] ﴿إِلَّا ٱبۡتِغَآءَ وَجۡهِ رَبِّهِ ٱلۡأَعۡلَىٰ 20﴾:

وإنما يُنفِقُ لوجهِ الله؛ طلبًا لرضا ربِّه الأعلى، وعظيمِ مَثُوبته. قيل: إن هذه الآياتِ نزَلَتْ تصوِّرُ قصَّةَ أبي بكرٍ مع مِسْطَحٍ رضي الله عنهما.

[21] ﴿وَلَسَوۡفَ يَرۡضَىٰ 21﴾:

واعلموا -أيها الناس- أنَّ مَنِ اتصَفَ بهذه الصفاتِ الحميدةِ، فسوف يُرْضِيهِ ربه في الآخرة بثوابِهِ وعظيمِ جزائه له.

سورة الضُّحى

سورةُ الضحى مكيَّةٌ، وآياتها إحدى عَشْرةَ آيةً.

[1] ﴿وَٱلضُّحَىٰ 1﴾:

بدأ جل وعلا بهذه الإقسامات؛ حيث أقسم سبحانه بوقتِ الضحى، وهو صَدْرُ النهارِ حين ترتفِعُ الشمس.

[2] ﴿وَٱلَّيۡلِ إِذَا سَجَىٰ 2﴾:

وأُقسِمُ سبحانه بالليل إذا اشتَدَّ ظلامه، وغطَّى كلَّ شيء في الوجود.

[3] ﴿مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَىٰ 3﴾:

ثم جاء جوابُ القسَمِ؛ فقال سبحانه: واللهِ، ما هجَرَكَ -أيها النبي- ربُّكَ منذُ أن اختارَكَ لرسالته، ولا أهمَلَكَ، ولا أبغَضَك.

[4] ﴿وَلَلۡأٓخِرَةُ خَيۡرٞ لَّكَ مِنَ ٱلۡأُولَىٰ 4﴾:

ثم بشَّر جل وعلا نبيه ﷺ أنَّ الجنةَ خيرٌ له مِن هذه الدنيا الفانية؛ قال الشيخ ابن عثيمين في دَرْسه في الحرَمِ المكيِّ في صباح الخميس: 28/3/1418هـ: (وقوله: ﴿وَلَلۡأٓخِرَةُ خَيۡرٞ لَّكَ مِنَ ٱلۡأُولَىٰ﴾، هذا خاصٌّ بالنبي ﷺ، أما سائرُ الناسِ، فقال جل وعلا: ﴿وَٱلۡأٓخِرَةُ عِندَ رَبِّكَ لِلۡمُتَّقِينَ﴾ [الزخرف:٣٥]، ولم يشترِطِ التقوى للنبيِّ ﷺ؛ لأنه إمامُ المتقين).

[5] ﴿وَلَسَوۡفَ يُعۡطِيكَ رَبُّكَ فَتَرۡضَىٰٓ 5﴾:

ثم بشَّره سبحانه أنه سوف يعطيه مِن الإنعامِ في الدنيا والآخرةِ ما تَرْضَى به نَفْسُهُ، وتَقَرُّ به عَيْنُهُ.

[6] ﴿أَلَمۡ يَجِدۡكَ يَتِيمٗا فَـَٔاوَىٰ 6﴾:

ثم عدَّد سبحانه بعضَ نعمه على نبيه ﷺ؛ فقال له: ألم يَجِدْكَ ربُّك نشأت يتيمًا، فآواك وشَمِلَكَ برعايته؟!

[7] ﴿وَوَجَدَكَ ضَآلّٗا فَهَدَىٰ 7﴾:

ووجَدَكَ ضالًّا لا تدري ما الإيمانُ والقرآنُ والشرائعُ، فهداك لذلك؟!

[8] ﴿وَوَجَدَكَ عَآئِلٗا فَأَغۡنَىٰ 8﴾:

ووجدك فقيرًا فأغناك الله؟! قال الشيخ ابن عثيمين في دَرْسه في الحرَمِ المكيِّ في صباح الخميس بتاريخ: 28/3/1418هـ: (وقوله: ﴿أَلَمۡ يَجِدۡكَ يَتِيمٗا فَـَٔاوَىٰ 6 وَوَجَدَكَ ضَآلّٗا فَهَدَىٰ 7 وَوَجَدَكَ عَآئِلٗا فَأَغۡنَىٰ﴾؛ لم يقل: فآواك، وهَدَاك، وأغناك؛ بل عمَّم؛ لأنه جل وعلا: هداك وهدى بك، وآواك وآوى بك، وأغناك وأغنى بك، والعموماتُ لا تنطبِقُ على كلِّ شخصٍ بعينه؛ لأن التعميم للعموم).

[9] ﴿فَأَمَّا ٱلۡيَتِيمَ فَلَا تَقۡهَرۡ 9﴾:

وبعد أن عدَّد سبحانه هذه النعم على نبيه ﷺ؛ أمره ألَّا يَقْهَرَ اليتيمَ ولا يستذِلَّه.

[10] ﴿وَأَمَّا ٱلسَّآئِلَ فَلَا تَنۡهَرۡ 10﴾:

وأمره ألَّا يزجُرَ السائلَ المستجدِيَ الذي يسألُ عن حاجةٍ وفَقْر، قال الشيخ ابن عثيمين في دَرْسه في الحرَمِ المكيِّ في صباحِ الخميسِ بتاريخ: 28/3/1418هـ: (السائلُ في قوله: ﴿وَأَمَّا ٱلسَّآئِلَ فَلَا تَنۡهَرۡ﴾، يحتمِلُ أن يكونَ السائلُ الفقيرَ، ويحتمِلُ أن يكونَ السائلُ للمسائِلِ العلمية، ويحتمِلُ أن يكونَ السائلُ للعارية)، ثم قال: (ويُحمَلُ المعنى على الجميع).

[11] ﴿وَأَمَّا بِنِعۡمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثۡ 11﴾:

ثم أمَرَهُ بالتحدُّث بنعمِ الله عليه، وإظهارِها للناس، وإشهارِها بينهم.

سورة الشَّرْح

سورةُ الشَّرْحِ مكيَّةٌ، وآياتها ثماني آيات.

[1] ﴿أَلَمۡ نَشۡرَحۡ لَكَ صَدۡرَكَ 1﴾:

بدأ جل وعلا بالامتنان على نبيه ﷺ، فقال سبحانه: ألم نَشْرَحْ لك صدرَكَ -أيها النبي- بالهدايةِ والإيمان، حتى تستوعِبَ الوحيَ، وتتحمَّلَ كلامَ المغرِضين، وحِقْدَ الحاقدين.

[2] ﴿وَوَضَعۡنَا عَنكَ وِزۡرَكَ 2﴾:

وحطَطْنا عنك ما أثقَلَ ظهرَكَ؛ بإعانتِكَ على تبليغِ الرسالةِ، وحَمْلِ تَبِعاتها.

[3] ﴿ٱلَّذِيٓ أَنقَضَ ظَهۡرَكَ 3﴾:

وبيَّن سبحانه أنه حَطَّ عنه هذا الحِمْلَ الذي أثقَلَ ظَهْرَهُ، وكدَّر خاطِرَهُ، فصار بسببه مهمومًا مغمومًا.

[4] ﴿وَرَفَعۡنَا لَكَ ذِكۡرَكَ 4﴾:

ثم أخبَرَ جل وعلا أنه جعَلَ نبيه ﷺ عاليَ الشأن، رفيعَ المنزِلة، وجعَلَ سمعتَهُ مثالًا يحتذي به الصالحون، وأخلاقَهُ قُدْوةً يتمثَّلُ بها المهتدون.

[5] ﴿فَإِنَّ مَعَ ٱلۡعُسۡرِ يُسۡرًا 5﴾:

واعلم -أيها النبي- أن مع الضيقِ فَرَجًا؛ فسيأتي الفرَجُ بعد الضِّيق، واليُسْرُ بعد العُسْر؛ فلا تَحْزَنْ ولا تَضْجَرْ.

[6] ﴿إِنَّ مَعَ ٱلۡعُسۡرِ يُسۡرٗا 6﴾:

ثم أكد سبحانه فقال: فإنَّ العُسْرَ السابقَ والمصاعبَ التي قابلتك -أيها النبي- سيكونُ بعدها يُسْرٌ آخر، قال ابن مسعود: (لن يَغْلِبَ عُسْرٌ يسرَيْنِ)، وقرأ الآية.

[7] ﴿فَإِذَا فَرَغۡتَ فَٱنصَبۡ 7﴾:

ثم أمَرَ جل وعلا نبيه ﷺ إذا فرَغَ مِن دعوةِ الناسِ أن يجتهِدَ في عبادة ربِّه.

[8] ﴿وَإِلَىٰ رَبِّكَ فَٱرۡغَب 8﴾:

وأمره أيضًا أن يَجْعَلَ همَّه ورغبته فيما عند الله، وأن يسأل الله فضله، متوكِّلًا عليه وحده في جميعِ شؤونه؛ فهو نِعْمَ المولى ونِعْمَ النصير.

سورة التِّين

سورةُ التِّينِ مكيَّةٌ، وآياتها ثماني آيات.

[1] ﴿وَٱلتِّينِ وَٱلزَّيۡتُونِ 1﴾:

بدأ جل وعلا هذه السورةَ بالإقسامِ بثَمَرةِ التِّينِ وثَمَرةِ الزيتون، وهما شَجَرتانِ مبارَكَتانِ مفيدتانِ مشهورتان في بلادِ الشامِ المبارَكة.

[2] ﴿وَطُورِ سِينِينَ 2﴾:

ثم أقسَمَ سبحانه بجَبَلِ الطُّورِ، وهو الجبَلُ المبارَكُ الذي كلَّم اللهُ موسى عليه السلام عنده.

[3] ﴿وَهَٰذَا ٱلۡبَلَدِ ٱلۡأَمِينِ 3﴾:

وأقسَمَ سبحانه بمكَّةَ البلدِ الأمينِ أشرَفِ البقاعِ على وجه الأرض.

[4] ﴿لَقَدۡ خَلَقۡنَا ٱلۡإِنسَٰنَ فِيٓ أَحۡسَنِ تَقۡوِيمٖ 4﴾:

ثم جاء جوابُ القسَمِ مبيِّنًا فيه سبحانه أنه خلَقَ الإنسان في أبدَعِ صُورة، وأحسَنِ شَكْل، وزيَّنه بالعقلِ والنطق، وفضَّله على كثير ممن خَلَق.

[5] ﴿ثُمَّ رَدَدۡنَٰهُ أَسۡفَلَ سَٰفِلِينَ 5﴾:

ثم بيَّن سبحانه أنه بعد هذا الحُسْنِ وبعد هذه النَّضَارةِ يكونُ مصيرُ هذا الإنسانِ إلى النار إذا لم يقُمْ بما أُمِرَ به من الإيمانِ باللهِ واليومِ الآخِرِ، وعبادةِ الله وحده لا شريكَ له.

[6] ﴿إِلَّا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ فَلَهُمۡ أَجۡرٌ غَيۡرُ مَمۡنُونٖ 6﴾:

ثم استثنى جل وعلا مِن هذا المصيرِ السيِّئِ أولئك الذين آمنوا بالله واليومِ الآخِرِ، وعَمِلوا الصالحاتِ، وشكروا الله على نِعَمه؛ وبسببِ إيمانهم وعَمَلِهِمُ الصالحِ فإن لهم ثوابًا دائمًا غيرَ مقطوع.

[7] ﴿فَمَا يُكَذِّبُكَ بَعۡدُ بِٱلدِّينِ 7﴾:

وبعد هذه الدلائلِ والبراهينِ الواضحةِ؛ فما الذي يَجْعَلُكَ -أيها الإنسان- تكذِّبُ بالله وباليومِ الآخِرِ وبالجزاءِ والحساب؟!

[8] ﴿أَلَيۡسَ ٱللَّهُ بِأَحۡكَمِ ٱلۡحَٰكِمِينَ 8﴾:

ثم ختَمَ جل وعلا السورةَ بهذا السؤالِ، مبيِّنًا أنه أحكَمُ الحاكمين، وأعدَلُ العادلين، ونحن نقول: نَعَمْ، وإنا على ذلك مِن الشاهدين، وما دام الأمرُ كذلك، أليس من الواجبِ إخلاصُ العبادةِ له وحده، واتِّباعُ رسوله ﷺ؟!

سورة العَلَق

سورةُ العَلَقِ مكيَّةٌ، وآياتها تسعَ عَشْرةَ آيةً. والآياتُ الخمسُ الأُولى هي أوَّل ما نزَلَ مِن القرآنِ على النبيِّ ﷺ.

[1] ﴿ٱقۡرَأۡ بِٱسۡمِ رَبِّكَ ٱلَّذِي خَلَقَ 1﴾:

بدأ جل وعلا السورةَ بأمر نبيِّه محمدٍ ﷺ أن يقرأَ القرآنَ مبتدِئًا ومستعينًا باسمِ ربِّه الذي خلَقَ كلَّ شيء.

[2] ﴿خَلَقَ ٱلۡإِنسَٰنَ مِنۡ عَلَقٍ 2﴾:

ثم بيَّن سبحانه على وجهِ الخصوصِ أنه خلَقَ الإنسانَ -وهو مِن أشرفِ المخلوقاتِ كلِّها- مِن العَلَق، والعَلَقُ: هو دَمٌ متجمِّدٌ متعلِّقٌ بالرحم، وهذا الدمُ المتجمِّدُ يكون مِن التقاءِ الحيوانِ المَنَويِّ الخارجِ مِن الذكَرِ بالبُوَيْضةِ الخارجةِ مِن الأنثى، وبعد الجماعِ تتكوَّنُ العَلَقةُ منهما معًا.

[3] ﴿ٱقۡرَأۡ وَرَبُّكَ ٱلۡأَكۡرَمُ 3﴾:

ثم كرَّر جل وعلا الأمرَ بالقراءة، فقال سبحانه: اقرأ -أيها النبي- فإنَّ ربك كريم.

[4] ﴿ٱلَّذِي عَلَّمَ بِٱلۡقَلَمِ 4﴾:

وبين سبحانه أن من كَرَمِهِ أنه علَّم الإنسانَ القراءةَ والكتابةَ بالقلم، ولا شك أن القلَمَ هو آلةُ الكتابةِ الذي تُسجَّلُ به المعارفُ بما في ذلك الكتُبُ السماوية؛ فهو الذي تُبنَى به الحضارات؛ فلذلك هو نِعْمةٌ مِن أعظمِ نِعَمِ الله على البشر.

[5] ﴿عَلَّمَ ٱلۡإِنسَٰنَ مَا لَمۡ يَعۡلَمۡ 5﴾:

وبين سبحانه أن من كَرَمِهِ: أنه علَّم الإنسانَ ما لم يكُنْ يَعْرِفُ مِن أنواعِ الفنونِ والعلوم، التي كانت سببًا في إخراجِهِ مِن ظلمةِ الجهلِ إلى نُورِ العِلْمِ والمعرفة.

[6] ﴿كَلَّآ إِنَّ ٱلۡإِنسَٰنَ لَيَطۡغَىٰٓ 6﴾:

ثم بيَّن جل وعلا الأسبابَ التي تَحْمِلُ الإنسانَ على الطغيان، فقال سبحانه: حقًّا إنَّ الإنسانَ الأحمقَ الجاهلَ الضالَّ ليتجاوَزُ الحدَّ في الطغيان والفجور.

[7] ﴿أَن رَّءَاهُ ٱسۡتَغۡنَىٰٓ 7﴾:

ثم بين سبحانه أن الإنسان يتجاوز حده في الطغيان والفجور في الغالب إذا رأى نفسَهُ ذا مالٍ وغِنًى وجاهٍ وعشيرة.

[8] ﴿إِنَّ إِلَىٰ رَبِّكَ ٱلرُّجۡعَىٰٓ 8﴾:

ثم هدَّد سبحانه هذا الإنسانَ الذي تجاوَزَ حدَّه، وأخبَرَهُ أن مَرَدَّهُ ومصيرَهُ إلى الله، فليس له عن ربِّه مَفَرٌّ ولا ملجأٌ، وسيجازيه على أفعاله وأقواله.

[9] ﴿أَرَءَيۡتَ ٱلَّذِي يَنۡهَىٰ 9﴾:

ثم قال سبحانه: عَجَبًا وأيَّ عجبٍ مِن هذا الأحمقِ -وهو أبو جهلٍ- الذي كان ينهى.

[10] ﴿عَبۡدًا إِذَا صَلَّىٰٓ 10﴾:

وبين سبحانه أن أبا جهل كان ينهى النبيَّ ﷺ أن يصلِّيَ عند الكعبة.

[11] ﴿أَرَءَيۡتَ إِن كَانَ عَلَى ٱلۡهُدَىٰٓ 11﴾:

ثم قال سبحانه: فإذا كان محمَّدٌ ﷺ على الاستقامة.

[12] ﴿أَوۡ أَمَرَ بِٱلتَّقۡوَىٰٓ 12﴾:

أو كان آمِرًا بتقوى الله والخوفِ منه، فهل يَحِقُّ لهذا الفاجرِ أن ينهاه عن ذلك؟!

[13] ﴿أَرَءَيۡتَ إِن كَذَّبَ وَتَوَلَّىٰٓ 13﴾:

ثم خاطَبَ جل وعلا نبيَّه محمدًا ﷺ، فقال: أَخْبِرْني -أيها النبي- عن حال هذا الشقيِّ الضالِّ الذي كذَّب بآيات الله، وأعرَضَ عنها.

[14] ﴿أَلَمۡ يَعۡلَم بِأَنَّ ٱللَّهَ يَرَىٰ 14﴾:

ثم قال سبحانه: ألم يَعْلَمْ هذا الشقي أن الله يراه ويسمعُهُ ويراقِبُ أعماله؟! وسوف يُحاسَبُ عليها؛ إنْ خيرًا فخير، وإنْ شرًّا فشرّ.

[15] ﴿كَلَّا لَئِن لَّمۡ يَنتَهِ لَنَسۡفَعَۢا بِٱلنَّاصِيَةِ 15﴾:

وليس الأمر كما يظُنُّ هذا الشقي؛ فَأُقْسِمُ إنْ لم يَنْتَهِ هذا الشقيُّ عن غيِّه وضلالِهِ، لنأخُذَنَّ بناصيته -وهي مقدِّمةُ الرأسِ فوق الجبهة- ولَنُذِيقَنَّهُ العذابَ الألي. وذكَرَ الناصية؛ لأنها هي التي تصدُرُ منها التوجيهات.

[16] ﴿نَاصِيَةٖ كَٰذِبَةٍ خَاطِئَةٖ 16﴾:

واعلم -أيها النبي- أن صاحب هذه الناصيةِ كاذبٌ فاجرٌ خاطئٌ.

[17] ﴿فَلۡيَدۡعُ نَادِيَهُۥ 17﴾:

وحيث إن النبيَّ ﷺ انتهَرَ أبا جهلٍ عندما نهاه عن الصلاةِ عند الكعبة، فقال هذا الشقيُّ: «عَلَامَ يتهدَّدني محمَّدٌ، وأنا أكثَرُ أهلِ الوادي ناديًا»، فقال سبحانه: فلْيَدْعُ هذا الشقيُّ عشيرتَهُ وأهلَ نادِيهِ؛ ليُنْقِذُوهُ مِن العذابِ الأليمِ الذي سيقَعُ عليه بسببِ كفرِهِ وجحوده.

[18] ﴿سَنَدۡعُ ٱلزَّبَانِيَةَ 18﴾:

ثم قال سبحانه: فليعلم هذا الشقي أننا سندعو له ملائكةً غلاظًا شدادًا يدفعونه إلى العذابِ دفعًا شديدًا.

[19] ﴿كَلَّا لَا تُطِعۡهُ وَٱسۡجُدۡۤ وَٱقۡتَرِب 19﴾:

واعلَمْ -أيها النبي- أن الأمرَ ليس كما يدَّعي هذا الشقيُّ المغرور، مِنْ أن عشيرتَهُ وأهلَهُ سينصُرُونَهُ؛ فإنه هو وعشيرتُهُ أعجزُ من أن يفعلوا ذلك؛ فلذلك اترُكْ هذا الشقيَّ في غيِّه وغروره، ولا تُطِعْهُ في تركِ الصلاة؛ فإنه لا يستطيعُ أن يستمِرَّ في إيذائه، واستمِرَّ أنت في نَشْرِ الدعوة، وكذلك استمِرَّ في المحافظةِ على أداء الصلاة التي تقرِّبُكَ من الله جل في علاه، واعلم أن الله حافظُكَ مِن هؤلاءِ الكَفَرةِ والمشركين.

سورة القَدْر

سورةُ القَدْرِ مكيَّةٌ، وآياتها خمسُ آيات.

[1] ﴿إِنَّآ أَنزَلۡنَٰهُ فِي لَيۡلَةِ ٱلۡقَدۡرِ 1﴾:

أخبَرَ جل وعلا نبيه محمدًا ﷺ أنه أنزَلَ هذا القرآنَ في ليلة القَدْر.

[2] ﴿وَمَآ أَدۡرَىٰكَ مَا لَيۡلَةُ ٱلۡقَدۡرِ 2﴾:

ثم قال له: وما أعلمَكَ -أيها النبي- ما ليلةُ القَدْر؟! وقد ورَدَ أن القرآنَ نزَلَ مِن اللَّوْحِ المحفوظِ كلُّه إلى بيت العزة في السماء الدنيا في ليلةِ القَدْر، ثم صار يَنْزِلُ منجَّمًا -أي: مقطَّعًا- على النبيِّ ﷺ حسَبَ الوقائعِ من الله مباشرة بواسطة جيريل، وحسَبَ ما يشاء الله على طُولِ حياتِهِ ﷺ مِن سنةِ تكليفِهِ بالرسالة إلى سنةِ موتِهِ ﷺ، وسُمِّيَتْ ليلةَ القَدْرِ؛ لأن الله يقدِّرُ فيها أحداثَ السنةِ كلها.

[3] ﴿لَيۡلَةُ ٱلۡقَدۡرِ خَيۡرٞ مِّنۡ أَلۡفِ شَهۡرٖ 3﴾:

ثم أخبَرَ جل وعلا أن العمَلَ في ليلةِ القَدْرِ أفضلُ مِن العملِ في ألفِ شهر، أي: أفضلُ مِن ثلاثٍ وثمانين سنةً وأربعةِ أشهُر.

[4] ﴿تَنَزَّلُ ٱلۡمَلَٰٓئِكَةُ وَٱلرُّوحُ فِيهَا بِإِذۡنِ رَبِّهِم مِّن كُلِّ أَمۡرٖ 4﴾:

وأخبَرَ سبحانه أن الملائكة ومعهم جبريلُ عليه السلام يَنْزِلونَ في ليلةِ القَدْرِ مِن السماءِ إلى الأرضِ بإذن الله ومعهم الأوامرُ الإلهية.

[5] ﴿سَلَٰمٌ هِيَ حَتَّىٰ مَطۡلَعِ ٱلۡفَجۡرِ 5﴾:

وأخبَرَ سبحانه أنَّ ليلةَ القَدْرِ تشتمِلُ على السلامِ مِن أولها حتى يطلُعَ الفجرُ؛ ليس فيها شرٌّ أو غمٌّ وهمّ.

سورة البيِّنة

سورةُ البيِّنةِ مدنيَّةٌ، وآياتها ثماني آيات.

[1] ﴿لَمۡ يَكُنِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنۡ أَهۡلِ ٱلۡكِتَٰبِ وَٱلۡمُشۡرِكِينَ مُنفَكِّينَ حَتَّىٰ تَأۡتِيَهُمُ ٱلۡبَيِّنَةُ 1﴾:

ابتدأَتِ هذه السورةُ ببيانِ أن الذين كفروا باللهِ وبرسولِهِ ﷺ مِن اليهودِ والنصارى والمشرِكينَ عَبَدةِ الأوثانِ والأصنامِ، لن ينتهوا عن كُفْرهم وضلالهم؛ حتى يتبيَّنَ لهم الحقُّ، وتأتيَهُمُ العَلَامةُ والحُجَّةُ الواضحةُ التي وُعِدوا بها في الكتبِ السماوية السابقة.

[2] ﴿رَسُولٞ مِّنَ ٱللَّهِ يَتۡلُواْ صُحُفٗا مُّطَهَّرَةٗ 2﴾:

ثم بيَّن سبحانه أن هذه العَلَامةَ التي وُعِدوا بها هي محمَّدٌ ﷺ الذي يتلو عليهم القرآنَ الكريمَ المنزَّهَ عن الباطل، والذي يَهْديهم ويصحِّح مسارهم.

[3] ﴿فِيهَا كُتُبٞ قَيِّمَةٞ 3﴾:

ثم بيَّن سبحانه أن هذا القرآنَ يحتوي على آياتٍ وأحكامٍ تَحمِلُ التعاليمَ القيِّمةَ المستقيمةَ المحكَمةَ التي لا عِوَجَ فيها، والتي تَهْدي إلى الحقِّ، وإلى الطريقِ المستقيم.

[4] ﴿وَمَا تَفَرَّقَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلۡكِتَٰبَ إِلَّا مِنۢ بَعۡدِ مَا جَآءَتۡهُمُ ٱلۡبَيِّنَةُ 4﴾:

ثم بيَّن جل وعلا أن اليهودَ والنصارى ما اختلفوا إلا بعد أنْ بُعِثَ رسولُ الله ﷺ للناسِ أجمعين؛ ليبيِّنَ لهم ما انطمَسَ مِن التعاليمِ السماوية، فلما تبيَّن لهم أنه النبيُّ الذي وُعِدوا به في التوراةِ والإنجيلِ، اختلفوا فيه ﷺ؛ فمنهم: مَنْ آمَنَ به، وأكثرهم: لم يُؤمِن به؛ لأنهم استعظموا أن تكونَ النبوَّةُ في غيرهم؛ كما قال تعالى عنهم: ﴿لِّئَلَّا يَعۡلَمَ أَهۡلُ ٱلۡكِتَٰبِ أَلَّا يَقۡدِرُونَ عَلَىٰ شَيۡءٖ مِّن فَضۡلِ ٱللَّهِ وَأَنَّ ٱلۡفَضۡلَ بِيَدِ ٱللَّهِ يُؤۡتِيهِ مَن يَشَآءُۚ ﴾ [الحديد:29]، وقد آتى جل وعلا محمَّدًا ﷺ النبوَّةَ.

[5] ﴿وَمَآ أُمِرُوٓاْ إِلَّا لِيَعۡبُدُواْ ٱللَّهَ مُخۡلِصِينَ لَهُ ٱلدِّينَ حُنَفَآءَ وَيُقِيمُواْ ٱلصَّلَوٰةَ وَيُؤۡتُواْ ٱلزَّكَوٰةَۚ وَذَٰلِكَ دِينُ ٱلۡقَيِّمَةِ 5﴾:

ثم بيَّن جل وعلا أن الأوامرَ التي حملها القرآنُ لليهودِ والنصارى والمشرِكينَ هي إخلاصُ العبادةِ لله وحدَهُ، وألَّا يُشْرِكوا به شيئًا، وأن يكونوا حنفاءَ مائِلِينَ عن الأديانِ كلِّها إلى دِينِ الإسلام، وأُمِروا أيضًا بإقامةِ الصلاةِ وإيتاءِ الزكاة، وذلك المأمورُ به هو دِينُ الاستقامةِ الذي أُمِرَ به جميعُ الرسل.

[6] ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنۡ أَهۡلِ ٱلۡكِتَٰبِ وَٱلۡمُشۡرِكِينَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَٰلِدِينَ فِيهَآۚ أُوْلَٰٓئِكَ هُمۡ شَرُّ ٱلۡبَرِيَّةِ 6﴾:

ثم أخبَرَ جل وعلا أن الذين كفروا بالله ورسوله ﷺ مِن اليهودِ والنصارى والمشرِكينَ عَبَدةِ الأوثان؛ هؤلاءِ جميعُهم يومَ القيامةِ في نارِ جهنَّم، ماكثين فيها أَبَدَ الآبدين، لا يخرُجُونَ منها أبدًا؛ لأنهم شَرُّ الخلق وأسوؤهم.

[7] ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ أُوْلَٰٓئِكَ هُمۡ خَيۡرُ ٱلۡبَرِيَّةِ 7﴾:

وبعد أن بيَّن جل وعلا جزاءَ الكافرين في الآخِرةِ؛ بيَّن جزاء المؤمنين؛ فأخبَرَ أن الذين آمنوا بالله، واتَّبعوا رسوله ﷺ، وعَمِلوا الأعمال الصالحة؛ أنهم خيرُ الخلائقِ في الدنيا والآخرة، وهم الذين يستحِقُّونَ الفضلَ من الله.

[8] ﴿جَزَآؤُهُمۡ عِندَ رَبِّهِمۡ جَنَّٰتُ عَدۡنٖ تَجۡرِي مِن تَحۡتِهَا ٱلۡأَنۡهَٰرُ خَٰلِدِينَ فِيهَآ أَبَدٗاۖ رَّضِيَ ٱللَّهُ عَنۡهُمۡ وَرَضُواْ عَنۡهُۚ ذَٰلِكَ لِمَنۡ خَشِيَ رَبَّهُۥ 8﴾:

ثم بين سبحانه أن ثواب هؤلاء عند خالِقِهِمْ في الآخرةِ جنَّاتِ إقامةٍ واستقرارٍ تجري من تحت قصورها وأشجارها الأنهارُ، وأنهم ماكثون في هذا النعيمِ أبَدَ الآبدين، لا ينقطِعُ عنهم أبدًا؛ فاللهُ سبحانه وتعالى رَضِيَ عنهم، وقَبِلَ أعمالهم الصالحة، ورَضُوا عنه بما أعدَّ لهم مِن النعيم المقيم، ثم بيَّن سبحانه أن هذا الجزاءَ والثوابَ الحسَنَ هو لمن خاف الله، وابتعَدَ عما يُغْضِبُهُ مِن الكفرِ والشرك، والذنوبِ والمعاصي.

سورة الزَّلْزَلة

سورةُ الزَّلْزَلةِ مدنيَّةٌ، وآياتها ثماني آيات.

[1] ﴿إِذَا زُلۡزِلَتِ ٱلۡأَرۡضُ زِلۡزَالَهَا 1﴾:

ابتدأَتِ السورةُ بالحديثِ عن الزلزالِ العظيمِ الذي سيحدُثُ يوم القيامة، فقال جل وعلا: إذا اضطَرَبَتِ الأرضُ وارتجَفَتْ وتحطَّم سَطْحُها.

[2] ﴿وَأَخۡرَجَتِ ٱلۡأَرۡضُ أَثۡقَالَهَا 2﴾:

وكذلك إذا لفَظَتْ ما فيها مِن كنوز وجميع ما انطمَرَ في بَطْنها، أما الموتى فقد أخرَجَهم الله منها بالنَّفْخة الثانية.

[3] ﴿وَقَالَ ٱلۡإِنسَٰنُ مَا لَهَا 3﴾:

ثم قال الإنسان منبهِرًا بما يَرَى ويُبصِر: ما الذي حدَث؟!

[4] ﴿يَوۡمَئِذٖ تُحَدِّثُ أَخۡبَارَهَا 4﴾:

ثم بيَّن جل وعلا أن الأرضَ في وقتِ الزلزالِ الرهيبِ سوف تُخْبِرُ بما كان يُعمَلُ عليها مِن خيرٍ أو شر.

[5] ﴿بِأَنَّ رَبَّكَ أَوۡحَىٰ لَهَا 5﴾:

وبين سبحانه أن ذلك الإخبارُ بسببِ أن الله جلَّت عظمته أمَرَها بذلك.

[6] ﴿يَوۡمَئِذٖ يَصۡدُرُ ٱلنَّاسُ أَشۡتَاتٗا لِّيُرَوۡاْ أَعۡمَٰلَهُمۡ 6﴾:

ثم أخبَرَ جل وعلا أن الناسَ يومَ القيامةِ سوف يَرْجِعونَ مِن موقفِ الحسابِ متفرِّقين جماعاتٍ جماعاتٍ بعد أن يقضي الله بينهم، بعضُهم مطمئِنٌّ، وبعضُهم يرتجفُ هَلَعًا وخوفًا؛ ثم يقالُ لكلِّ جماعة: انظروا أعمالَكُمُ التي عَمِلْتموها في الدنيا، وانظروا مآلكم في الآخرة.

[٧] ﴿فَمَن يَعۡمَلۡ مِثۡقَالَ ذَرَّةٍ خَيۡرٗا يَرَهُۥ 7﴾:

ثم بيَّن جل وعلا أن مَنْ كان يعملُ في الدنيا مِن الخيرِ أدنى عمَلٍ، فسوف يرى ثوابه.

[8] ﴿وَمَن يَعۡمَلۡ مِثۡقَالَ ذَرَّةٖ شَرّٗا يَرَهُۥ 8﴾:

وبين سبحانه أيضًا أن مَنْ كان يعمل الشرَّ في الدنيا، ولو كان قليلًا، فسوف يرى عقابه في الآخرة، أي: أنه لا يُفقَدُ شيءٌ مما قدَّم أيُّ إنسان صغيرًا كان أو كبيرًا مِن الخَيْرِ أو الشر.

سورة العاديات

سورةُ العادِياتِ مكيَّةٌ، وآياتها إحدى عَشْرةَ آية.

[1] ﴿وَٱلۡعَٰدِيَٰتِ ضَبۡحٗا 1﴾:

أقسَمَ جل وعلا في هذه السورة ببعض مخلوقاته، فأقسَمَ سبحانه بالخيلِ التي تعدو في سبيلِ الله وتجري بسرعةٍ؛ فيُسمَعُ لها عند جَرْيها صوتُ زفيرٍ شديد.

[2] ﴿فَٱلۡمُورِيَٰتِ قَدۡحٗا 2﴾:

ثم أقسَمَ سبحانه بالخيلِ التي تَقْدَحُ بحوافرها الحجارةَ عند جَرْيِها بسرعة؛ فيتطايَرُ منها الشَّرَرُ.

[3] ﴿فَٱلۡمُغِيرَٰتِ صُبۡحٗا 3﴾:

ثم أقسَمَ سبحانه بالخيلِ التي تُغِيُر على الأعداءِ وتُباغِتُهم صباحًا.

[4] ﴿فَأَثَرۡنَ بِهِۦ نَقۡعٗا 4﴾:

ثم بيَّن سبحانه أنَّ مِن صفاتِ هذه الخيلِ: أنها شديدةُ العَدْوِ لدرَجةِ أنها تُثِيُر الغُبَارَ بقوَّة.

[5] ﴿فَوَسَطۡنَ بِهِۦ جَمۡعًا 5﴾:

ثم بيَّن سبحانه أنَّ مِن صفاتِ هذه الخيلِ: أنها تتوسَّط في جموعِ الأعداءِ في قَلْب المعركة.

[٦] ﴿إِنَّ ٱلۡإِنسَٰنَ لِرَبِّهِۦ لَكَنُودٞ 6﴾:

ثم جاء جوابُ القسَمِ مخبِرًا أن الإنسانَ شديدُ الجحودِ والكفرِ بنعم الله؛ فهو يكتُمُ النعمة، ويُظهِرُ الحَسْرة.

[7] ﴿وَإِنَّهُۥ عَلَىٰ ذَٰلِكَ لَشَهِيدٞ 7﴾:

ثم بين سبحانه أن الإنسان في قَرَارةِ نفسِهِ معترِفٌ بجحوده وتقصيره، فتراه يُنفِقُ ماله في الشهواتِ والملذَّات، وليس للفقراءِ نصيبٌ في ماله.

[8] ﴿وَإِنَّهُۥ لِحُبِّ ٱلۡخَيۡرِ لَشَدِيدٌ 8﴾:

وبين سبحانه أن هذا الإنسانُ شديدُ الحُبِّ للمال، وشديدُ الحرصِ على جَمْعه، لا يُهِمُّهُ مِن أين جمعه، مِن حلالٍ أو مِن حرام، وهذا العمومُ لا يشملُ الذين اصطفاهم الله؛ كالأنبياء والشهداء والصالحين.

[9] ﴿أَفَلَا يَعۡلَمُ إِذَا بُعۡثِرَ مَا فِي ٱلۡقُبُورِ 9﴾:

ثم هدَّد جل وعلا هذا الإنسانَ الكنود؛ فقال سبحانه: أَلَا يَعْلَمُ هذا الجاهلُ المغترُّ المنكِرُ لنعمِ الله عليه أنَّ مصيرَهُ وعذابَهُ الذي ينتظره يوم القيامة؛ يوم أن تُقلَبُ القبورُ ويُبَعْثَرُ ما فيها من الموتى.

[10] ﴿وَحُصِّلَ مَا فِي ٱلصُّدُورِ 10﴾:

وأخبر سبحانه أن في ذلك اليوم يظهر ما استتَرَ في الصدورِ والضمائرِ مِن كلِّ ما احتوته مِن الخير والشر؟!

[11] ﴿إِنَّ رَبَّهُم بِهِمۡ يَوۡمَئِذٖ لَّخَبِيرُۢ 11﴾:

ثم بيَّن جل وعلا أنه لا يخفى عليه شيءٌ مما قدَّموا؛ فهو مطَّلِعٌ على جميع أعمالهم، ومجازيهم عليها.

سورة القارعة

سورةُ القارعةِ مكيَّةٌ، وآياتها إحدى عَشْرةَ آيةً.

[1] ﴿ٱلۡقَارِعَةُ 1﴾:

بدأ جل وعلا بذكر اسمٍ مِن أسماء يوم القيامة، وهي القارعةُ التي تَقْرَعُ قلوبَ الناسِ بأهوالها.

[2] ﴿مَا ٱلۡقَارِعَةُ 2﴾:

ثُمَّ هوَّل سبحانه أمر هذه القارعة مستفهِمًا عنها، فقال: أيُّ شيءٍ هذه القارعة؟!

[3] ﴿وَمَآ أَدۡرَىٰكَ مَا ٱلۡقَارِعَةُ 3﴾:

ثم زاد سبحانه في تهويلِ أمر هذه القارعة، فقال: وما أعلَمَكَ -أيها النبي- ما هذه القارعة؟!

[4] ﴿يَوۡمَ يَكُونُ ٱلنَّاسُ كَٱلۡفَرَاشِ ٱلۡمَبۡثُوثِ 4﴾:

ثم بيَّن جل وعلا شيئًا من أهوال هذه القارعة؛ فأخبَرَ سبحانه أن الناس في يومِ القيامة يخرُجُونَ مِن قبورهم فَزِعِينَ كأنهم فَرَاشٌ منتشِرٌ هنا وهناك، يموجُ بعضُهم في بعض، ويسيرون في كلِّ اتجاه بغيرِ انتظامٍ مِن شدة الفزع، وقد بيَّن سبحانه في آية أخرى بأنهم: ﴿جَرَادٞ مُّنتَشِرٞ﴾ [القمر:7]، والجَرَادُ يسيرُ في اتجاهٍ واحدٍ مثلَ سِرْبِ الطيور، ولعل يوم الحشر لطوله يمُرُّ به الخلقُ في عدَّة حالات، والمرادُ هو تشبيهُ الناس المتَّجِهِينَ إلى الحشر.

[5] ﴿وَتَكُونُ ٱلۡجِبَالُ كَٱلۡعِهۡنِ ٱلۡمَنفُوشِ 5﴾:

ثم بيَّن جل وعلا أن الجبالَ الرواسيَ في يوم القيامة عندما تندكُّ تكون كالصُّوفِ الذي مُزِّقَ وتفرَّقت أجزاؤه وتطايَرَ في الهواء.

[6] ﴿فَأَمَّا مَن ثَقُلَتۡ مَوَٰزِينُهُۥ 6﴾:

ثم أخبَرَ سبحانه أن مَنْ رجَحَتْ موازينُ حسناته، وزادَتْ حَسَناته على سيئاته.

[7] ﴿فَهُوَ فِي عِيشَةٖ رَّاضِيَةٖ 7﴾:

فبين سبحانه أنه في حياةٍ مَرْضيَّةٍ في الجنة، تَقَرُّ بها عينه، وتُسَرُّ بها نفسه.

[8] ﴿وَأَمَّا مَنۡ خَفَّتۡ مَوَٰزِينُهُۥ 8﴾:

ثم أخبَرَ جل وعلا أن من رجَحَتْ موازينُ سيئاته على حَسَناته، ولم تكن عنده حَسَنات.

[9] ﴿فَأُمُّهُۥ هَاوِيَةٞ 9﴾:

فبين سبحانه أن مأواه جهنَّم يَهْوي في قَعْرها.

[10] ﴿وَمَآ أَدۡرَىٰكَ مَا هِيَهۡ 10﴾:

ثم سأل سبحانه على سبيلِ التهويلِ والتفظيع: وما أدراك -أيها النبي- ما هذه الهاوية؟!

[11] ﴿نَارٌ حَامِيَةُۢ 11﴾:

فأجاب سبحانه أنها نارٌ قد اشتَدَّ حرُّها، وبلَغَ في الشدَّة إلى الغاية، اللهم نسألك السلامة لنا ولإخواننا المسلمين.

سورة التكاثر

سورةُ التكاثُرِ مدنيَّةٌ، وآياتها ثماني آيات.

[1] ﴿أَلۡهَىٰكُمُ ٱلتَّكَاثُرُ 1﴾:

أخبَرَ جل وعلا أن الناسَ انشغلوا عن طاعةِ الله بالتفاخُرِ والتباهي بكثرةِ الأموالِ والأولاد.

[2] ﴿حَتَّىٰ زُرۡتُمُ ٱلۡمَقَابِرَ 2﴾:

ثمَّ بيَّن سبحانهُ أنَّهم استمرُوا منشغلين عن طاعة الله حتى انتهَتْ أعمارُهم وهلَكُوا وصاروا إلى المقابِرِ، ودُفِنوا فيها قبلَ أن يقدِّموا خيرًا لأنفسهم، وهذه حالُ كثيرٍ مِن الناس؛ نسأل الله العافية.

[3] ﴿كَلَّا سَوۡفَ تَعۡلَمُونَ 3﴾:

ثم هدَّد جل وعلا أولئك الذين انشغلوا بالدنيا، وافتخروا بكثرةِ الأولادِ والأموالِ عن طاعة الله؛ فأخبَرَ سبحانه أنهم إذا بَقُوا على هذه الحالِ، فسوف يعرفون سوءَ عاقبة ذلك.

[4] ﴿ثُمَّ كَلَّا سَوۡفَ تَعۡلَمُونَ 4﴾:

ثم كرَّر سبحانه التهديدَ والوعيدَ؛ لتأكيدِ الحَسْرةِ والندامةِ التي ستواجههم.

[5] ﴿كَلَّا لَوۡ تَعۡلَمُونَ عِلۡمَ ٱلۡيَقِينِ 5﴾:

واعلموا -أيها الناس- أنْ لو كنتم تحقَّقتم مما ينتظركم في الآخرة، لَشَغَلَكُمْ ذلك عن التفاخر والتكالُبِ في طَلَبِ المال.

[6] ﴿لَتَرَوُنَّ ٱلۡجَحِيمَ 6﴾:

ثم أقسَمَ سبحانه وأكَّد أن الناس سوف يُبْصِرونَ الجحيمَ في الآخِرةِ بأبصارهم، ويعرفونه بقلوبهم، وهي نارٌ تنفُذُ من أجسامِ الناس إلى قلوبهم.

[7] ﴿ثُمَّ لَتَرَوُنَّهَا عَيۡنَ ٱلۡيَقِينِ 7﴾:

ثم أكَّد سبحانه أنهم سوف يَرَوْنَ الجحيمَ رؤيةً حقيقيةً لا شكَّ فيها ولا ريب.

ومراتبُ اليقينِ ثلاثة: ذكَرَ هنا اثنتَيْنِ:

الأُولى: عِلْمُ اليقين، ذُكِرَتْ في الآية رقم (5).

والثانيةُ: عَيْنُ اليقين، ذُكِرَتْ في الآية رقم (7).

والثالثةُ: حقُّ اليقين، ذُكِرَتْ في قوله تعالى: ﴿إِنَّ هَٰذَا لَهُوَ حَقُّ ٱلۡيَقِينِ﴾ [الواقعة:٩٥].

[8] ﴿ثُمَّ لَتُسۡـَٔلُنَّ يَوۡمَئِذٍ عَنِ ٱلنَّعِيمِ 8﴾:

ثم إنكم -أيها الناس- سوف تُسأَلُونَ في الآخرةِ عن أنواعِ النعيمِ التي أنعَمَ الله بها عليكم في الدنيا، والذي صرَفْتم حياتكم وجُهْدكم في تحصيله، مِن غير أن تَحْسُبوا لهذا اليوم حسابًا.

سورة العَصْر

سورةُ العَصْرِ مكيَّةٌ، وآياتها ثلاثُ آيات.

[1] ﴿وَٱلۡعَصۡرِ 1﴾:

أقسَمَ جل وعلا بالعَصْر، أي: الدَّهْرِ؛ لما فيه مِن العِبَرِ مِن جهةِ مرورِ الليلِ والنهار.

[2] ﴿إِنَّ ٱلۡإِنسَٰنَ لَفِي خُسۡرٍ 2﴾:

وأخبر سبحانه أن الإنسانَ في خُسْرانٍ في أعمالِهِ طولَ حياته؛ لأنه يفضِّلُ العاجلةَ على الآجلة، والإنسانُ كالتاجر؛ فقوَّتُهُ ومالُهُ إن صرَفَهما في الملذَّات والمُتَعِ حتى أدركه الموت، فهو في الآخرةِ من الخاسرين.

[3] ﴿إِلَّا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ وَتَوَاصَوۡاْ بِٱلۡحَقِّ وَتَوَاصَوۡاْ بِٱلصَّبۡرِ 3﴾:

ثم بيَّن جل وعلا أن الناجين الفائزين الحقيقيِّين هم الذين اتصفوا بأربعِ صفاتٍ، وهي:

الأُولى: الذين آمنوا بالله، واتَّبعوا رسوله ﷺ، وعملوا بشرعه.

والثانيةُ: الذين عملوا الأعمالَ الصالحة.

والثالثةُ: الذين تواصَوْا بالحق، أي: أوصى بعضُهم بعضًا بالثباتِ على الحق.

والرابعةُ: الذين تواصَوْا بالصبرِ على الشدائد؛ فأسألُ الله تعالى أن يجعلنا منهم.

قال الإمامُ الشافعيُّ رحمه الله : (لو ما أنزَلَ اللهُ على الناسِ إلا هذه السورةَ، لكَفَتْهم؛ لأنها شَمِلَتْ جميعَ علومِ القرآن).

سورة الهُمَزَة

سورةُ الهُمَزَةِ مكيَّةٌ، وآياتها تسعُ آيات.

وسببُ نزولها: أن الأخنَسَ بنَ شَرِيقٍ أحدَ صناديدِ الكفر، كان كثيرَ الوقيعةِ في المؤمنين، وكان كثيرَ الطَّعْنِ في رسولِ الله ﷺ، والعِبْرةُ بعمومِ اللفظ، لا بخصوصِ السبب.

[1] ﴿وَيۡلٞ لِّكُلِّ هُمَزَةٖ لُّمَزَةٍ 1﴾:

بدأت السورةُ بالتهديدِ بالعذابِ الشديدِ والهلاكِ والخِزْيِ والدمارِ لكلِّ مَنْ يَعِيبُ الناسَ ويغتابهم.

[2] ﴿ٱلَّذِي جَمَعَ مَالٗا وَعَدَّدَهُۥ 2﴾:

ثم أخبَرَ جل وعلا أنَّ مِنْ صفات هذا الشقيِّ: أنه جمَعَ مالًا كثيرًا، وأحصاه وحافَظَ عليه، فاغتَرَّ بنفسه، ولهذا السببِ صار ينتقِصُ الناسَ ويُؤْذِيهم ويغتابهم بسببِ كَثْرة ماله.

[3] ﴿يَحۡسَبُ أَنَّ مَالَهُۥٓ أَخۡلَدَهُۥ 3﴾:

وهل يظُنُّ هذا الأحمقُ الجاهلُ أنَّ ماله سيُبْقِيهِ في هذه الدنيا خالدًا مخلَّدًا فيها، وأنه سوف يُفلِتُ مِن الحساب؟! وفي هذا تنبيهٌ للمؤمن أن يَحْذَرَ مِن عدَمِ الاستعدادِ للدارِ الآخرة.

[4] ﴿كَلَّاۖ لَيُنۢبَذَنَّ فِي ٱلۡحُطَمَةِ 4﴾:

وليس الأمرُ كما يَحْسَبُهُ هذا الشقيُّ الذي جمَعَ المالَ وعدَّده، فأُقسِمُ أنه سيُطرَحُ في النار؛ التي تحطِّمَ كلَّ ما يلقى فيها.

[5] ﴿وَمَآ أَدۡرَىٰكَ مَا ٱلۡحُطَمَةُ 5﴾:

ثم قال سبحانه لنبيه محمد ﷺ: وما الذي أعلَمَكَ -أيها النبي- ما حقيقةُ هذه النارِ العظيمة؟!

[6] ﴿نَارُ ٱللَّهِ ٱلۡمُوقَدَةُ 6﴾:

ثم وصَفَ سبحانه هذه الحُطَمةَ، فبيَّن أنها نارُ اللهِ المشتعِلةُ الشديدةُ اللهَبِ، لا تخمُدُ أبدًا.

[7] ﴿ٱلَّتِي تَطَّلِعُ عَلَى ٱلۡأَفۡـِٔدَةِ 7﴾:

ثم بيَّن سبحانه أن هذه النارَ تخلُصُ إلى الأعماقِ، فتغشى القلوب.

[8] ﴿إِنَّهَا عَلَيۡهِم مُّؤۡصَدَةٞ 8﴾:

ثم بيَّن سبحانه أن هذه النارَ أبوابها مُطْبِقةٌ على الكفَّار، وعليها خَزَنةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لا يستطيعُ الخروجَ منها أحد. ثم بيَّن سبحانه أن أبوابَ جهنَّم قد شُدَّتْ بأعمدةٍ محكَمة.

[9] ﴿فِي عَمَدٖ مُّمَدَّدَةِۭ 9﴾:

ثم بيَّن سبحانه أن هذه الأعمدةَ تمتدُّ على طُولِ الأبوابِ تمنعهم مِن الخروجِ مِن النار.

سورة الفِيل

سورةُ الفِيلِ مكيَّةٌ، وآياتها خمسُ آيات.

[1] ﴿أَلَمۡ تَرَ كَيۡفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصۡحَٰبِ ٱلۡفِيلِ 1﴾:

بدأتِ السورةُ بخِطَابِ النبيِّ ﷺ؛ فقال جل وعلا: ألم تعلم -أيها النبي- ما فعَلَهُ ربُّك بأصحابِ الفيل؟!

وقصَّةُ أصحابِ الفيل: أن أَبْرَهَةَ قام ببناءِ كنيسةٍ عظيمةِ في صنعاء، وأراد أن تكونَ هذه الكنيسةُ مكانًا يحُجُّ الناسُ إليه بدلًا من الكعبة؛ حيث أغاظَهُمْ حجُّ الناسِ إلى مكة؛ ولهذا قام أَبْرَهَةُ بتسييرِ جيشٍ عظيمٍ إلى مكة؛ فلما وصلوا إلى وادي محسِّرٍ الذي بين مزدلِفةَ ومِنًى، أرسَلَ الله عليهم عذابه المذكور في هذه السورة، فأهلَكَهُمْ جميعًا.

[2] ﴿أَلَمۡ يَجۡعَلۡ كَيۡدَهُمۡ فِي تَضۡلِيلٖ 2﴾:

وهؤلاءِ الذين أرادوا هَدْمَ الكعبةِ -أيها النبي- ألم يُهْلِكْهم الله، ويَجْعَلْ مَكْرَهم وسَعْيَهم في تخريبِ الكعبة في ضَيَاع وخَسَار؟!

[3] ﴿وَأَرۡسَلَ عَلَيۡهِمۡ طَيۡرًا أَبَابِيلَ 3﴾:

وأنَّه سبحانهُ أرسَلَ عليهم طيرًا أَتَتْهم على شَكْلِ جماعاتٍ متتابِعةٍ بعضُها في إِثْرِ بعض.

[4] ﴿تَرۡمِيهِم بِحِجَارَةٖ مِّن سِجِّيلٖ 4﴾:

ثم بيَّن سبحانه أنَّ مهمةِ هذهِ الطيورِ: أنَّها تقذفُ هؤلاء المجرمين بحجارةٍ من طينٍ مُتحجِّرٍ، وقد قيل: إن مع كلِّ طيرٍ ثلاثةُ أحجارٍ، واحدةٌ في المِنْقار، وفي كلِّ رِجْلٍ حجَرٌ، وكلُّ حجَرٍ مكتوبٌ عليه اسمُ قتيله، وقيل: إن هذه الحجارةَ مسوَّمةٌ، أي: عليها علاماتُ العذاب.

[5] ﴿فَجَعَلَهُمۡ كَعَصۡفٖ مَّأۡكُولِۭ 5﴾:

ثم بيَّن جل وعلا أن هذه الحجارةَ لما سقَطَتْ على أفرادِ الجيشِ، ابتُلُوا بمرَضِ الجُدْريِّ، وجعَلَتْهم مُحَطَّمِينَ كأوراقِ الزرعِ اليابسةِ التي سقَطَتْ على الأرض، ومِن خِفَّتِها تَقْلِبها الريحُ وتنشُرُها.

وقد وُلِدَ النبيُّ ﷺ بعد حادثةِ الفيلِ بوقتٍ يسير، أي: بنَفْسِ العام.

سورة قُرَيْش

سورةُ قُرَيْشٍ مكيَّةٌ، وآياتها أربعُ آيات.

[1] ﴿لِإِيلَٰفِ قُرَيۡشٍ 1﴾:

أخبَرَ جل وعلا أنه فعَلَ ما فعَلَ بأصحابِ الفيلِ لأجلِ قريشٍ وأَمْنهم؛ ومِن أجلِ إيلافهم للرحلتَيْن.

[2] ﴿إِۦلَٰفِهِمۡ رِحۡلَةَ ٱلشِّتَآءِ وَٱلصَّيۡفِ 2﴾:

ثم بين سبحانه أن قريشًا أَلِفَتْ رحلتَيْنِ؛ رحلةً في الصيف للشام، ورحلةً في الشتاء لليمن، وهاتان الرحلتان لجلبِ البضائعِ التجارية، وكان العرَبُ في ذلك الوقتِ يعيشون بغيرِ أمان؛ حيث يُغِيرُ القويُّ منهم على الضعيف، أما أهلُ مكَّةَ، فكانت تجارَتُهم في الرحلتَيْنِ لا يتعرَّضُ لهما اللصوصُ وقُطَّاعُ الطريق؛ لأنهم سَدَنةُ البيت، فكلُّ العرَبِ يحترمونهم؛ لأنهم يعلمون أنهم سيؤخذون عندما يحُجُّونَ لو أساؤوا إليهم.

[3] ﴿فَلۡيَعۡبُدُواْ رَبَّ هَٰذَا ٱلۡبَيۡتِ 3﴾:

ومِن أجلِ هذه المكانةِ التي جعَلَها اللهُ لقريشٍ في قلوبِ العرب؛ فعليهم أن يوحِّدوا اللهَ ربَّ هذا البيتِ العظيم، وأن يُخْلِصوا له العبادة.

[4] ﴿ٱلَّذِيٓ أَطۡعَمَهُم مِّن جُوعٖ وَءَامَنَهُم مِّنۡ خَوۡفِۭ 4﴾:

ثم بين سبحانه أن الواجب عليهم عبادة ربهم وتوحيده لأنه هو الذي أطعمهم بسببِ تلك الرحلتَيْنِ مِن جوعٍ شديدٍ كانوا فيه قبلهما، ومِن خوفٍ شديدٍ كانوا فيه؛ إذْ كان العربُ يَسْبي بعضُهم بعضًا.

سورة الماعون

سورةُ الماعونِ مكيَّةٌ، وآياتها سبعُ آيات.

[1] ﴿أَرَءَيۡتَ ٱلَّذِي يُكَذِّبُ بِٱلدِّينِ 1﴾:

خاطَبَ جل وعلا نبيه ﷺ، وقال له: أخبْرِني -أيها النبي- هل رأيتَ أسوأَ وأعجبَ مِن حالِ هذا الإنسانِ الذي يكذِّب بالدِّين، أي: يكذِّب بالجزاءِ والحسابِ في الآخرة، ويُنكِرُ ما جئتَ به مِن ربِّك مِن حقٍّ وهدايةٍ للعالمين؟!

قال العلماء: (إذا قال الله: ﴿أَرَءَيۡتَ﴾، فمعناه: أَخبْرِني).

[2] ﴿فَذَٰلِكَ ٱلَّذِي يَدُعُّ ٱلۡيَتِيمَ 2﴾:

ثم بين سبحانه أنَّ مِن صفاتِ هذا المنكِرِ للبعثِ والجزاءِ: أنه يَدْفَعُ اليتيمَ دفعًا عنيفًا بجَفْوةٍ وغِلْظة، ويمنعه حقَّه في الإرث؛ حيث كان العرَبُ لا يورِّثونَ النساءَ والصِّبْيان، ويقولون: إن الذي يستحِقُّ الإرثَ هو الذي يَحْمِلُ السلاحَ، ويحمي العشيرة.

[3] ﴿وَلَا يَحُضُّ عَلَىٰ طَعَامِ ٱلۡمِسۡكِينِ 3﴾:

ومِن صفاتِ هذا المنكِرِ: أنه لا يحُثُّ غيره على إطعامِ المسكين؛ لأنَّ الرحمةَ نُزِعَتْ مِن قلبه، وإذا كان لا يحُثُّ غيره على ذلك، ولا يدعو إليه، فهو مِن باب أولى لا يفعلُهُ بنفسه.

قال الشيخ ابن عثيمين  في دَرْسه في الحرَمِ المكي ليلةَ الخميس بعد المغرب بتاريخ 27/3/1418هـ:

(قال العلماء: مَنْ لا يجد أقلَّ مِن نصف الكفاية، فهو الفقير، ومن وجَدَ أكثَرَ من نصفِ الكفايةِ، لكنه لا يجد الكفاية، فهو المسكين).

[٤] [5] ﴿فَوَيۡلٞ لِّلۡمُصَلِّينَ 4 ٱلَّذِينَ هُمۡ عَن صَلَاتِهِمۡ سَاهُونَ 5﴾:

ثم أخبَرَ جل وعلا أن الهلاكَ والعذابَ للمصلِّين المضيِّعين لوقتِ الصلاة. وأنَّهم الذين لا يُقِيمون الصلاة على الوجهِ المطلوب.

قال الشيخ ابن عثيمين  في دَرْسه في الحرَمِ المكي ليلةَ الخميس بعد المغرب بتاريخ 27/3/1418هـ:

(الحمدُ لله الذي لم يقُلْ: (وَيْلٌ للمصلِّين، الذين هم في صَلَاتِهِمْ ساهون)؛ لأنه لا يَسْلَمُ أحدٌ من السهوِ في الصلاة، بل قد سها النبيُّ ﷺ في الصلاةِ أكثَرَ مِن أربع مرات).

ثم قال: (وإنه لا يُعابُ على مَنْ لم يَصِلْ بين الآيتَيْنِ: الأولى: ﴿فَوَيۡلٞ لِّلۡمُصَلِّينَ﴾، والثانية: ﴿ٱلَّذِينَ هُمۡ عَن صَلَاتِهِمۡ سَاهُونَ﴾؛ لأن العلماء اختلفوا في ذلك، أَقصِدُ في الفصلِ والوصل، ولأنَّ السامعَ إذا توقَّف بعد: ﴿فَوَيۡلٞ لِّلۡمُصَلِّينَ﴾ ينبهِرُ ويسألُ لماذا؟ فيأتيه الجوابُ من الآية الثانية. وأما مَنْ لم يُصَلِّ، فليس له ويلٌ واحد؛ بل هو كافرٌ مخلَّدٌ في النار).

[6] ﴿ٱلَّذِينَ هُمۡ يُرَآءُونَ 6﴾:

ثم بين سبحانه أن من صفات هؤلاء المضيعين لوقت الصلاة: أنهم يتظاهرون بأعمالِ الخيرِ مراءاةً للناس.

[7] ﴿وَيَمۡنَعُونَ ٱلۡمَاعُونَ 7﴾:

وبين سبحانه أن من صفاتهم: أنهم يمنعون ما لم تَجْرِ العادةُ بمَنْعِهِ مِن الآنيةِ وغيرها مما لا تضُرُّ إعارتُه.

سورة الكَوْثَر

سورةُ الكَوْثَرِ مكيَّةٌ، وآياتها ثلاثُ آيات.

[1] ﴿إِنَّآ أَعۡطَيۡنَٰكَ ٱلۡكَوۡثَرَ 1﴾:

ابتدأتِ السورةُ بخطابِ النبيِّ ﷺ بأن الله أعطاه الخيرَ الكثيرَ الدائمَ في الدنيا والآخرة، ومِن ذلك: نَهْرُ الكَوْثَرِ الذي مَنْ شَرِبَ منه شَرْبةً واحدةً، لم يظمأْ بعدها أبدًا، وهذا تكريمٌ وتشريفٌ لمقامه الرفيع ﷺ.

[2] ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَٱنۡحَرۡ 2﴾:

ثم أمَرَ جل وعلا نبيه ﷺ أن يجعلَ صلاتَهُ لله وحده الذي أنعَمَ عليه بهذا الخيرِ الكثير، وكذلك أمَرَهُ أن يَجْعَلَ ذَبْحَهُ ونَحْرَهُ للإبلِ وغيرها لله وحده، بل أن يجعلَ جميعَ أعماله خالصةً لله وحده لا شريك له.

[3] ﴿إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ ٱلۡأَبۡتَرُ 3﴾:

واعلم -أيها النبي- أن الله رفَعَ ذِكْرَك، وأعلى منزلَتَك، وأنَّ مُبْغِضَكَ هو المنقطِعُ عن كلِّ خير، وعن الذِّكْرِ الحَسَن.

سورة الكافرون

سورةُ الكافرون مكيَّةٌ، وآياتها ستُّ آيات.

[١] ﴿قُلۡ يَٰٓأَيُّهَا ٱلۡكَٰفِرُونَ 1﴾:

أمَرَ جل وعلا نبيه محمدًا ﷺ أن يقولَ لهؤلاءِ الكفَّارِ الذين يَدْعونَهُ إلى عبادةِ الأوثانِ والأحجار: اعلموا -أيها الكفَّار- أنني أعبُدُ اللهَ وحده.

[2] ﴿لَآ أَعۡبُدُ مَا تَعۡبُدُونَ 2﴾:

وأمره أن يقول لهم: واعلموا -أيها الكفار- أنني لن أعبُدَ آلهتكم وأصنامكم أبدًا، وما دمتم مُصِرِّينَ على الكفر، فإنني بريءٌ مِن عبادة آلهتكم.

[3] ﴿وَلَآ أَنتُمۡ عَٰبِدُونَ مَآ أَعۡبُدُ 3﴾:

وأمره أن يقولَ لهم أيضًا: ولا أنتم -أيها المشركون- عابدون إلهيَ الحقَّ الذي أعبُدُهُ، وهو الله وحده؛ لعدَمِ امتثالِكُمْ لأمري بعبادته؛ لأنَّ عبادتكم له المقترِنةَ بالشركِ لا تسمَّى عبادةً.

[4] ﴿وَلَآ أَنَا۠ عَابِدٞ مَّا عَبَدتُّمۡ 4﴾:

وأمره أن يقولَ لهم أيضًا: ولا أنا عابدٌ في المستقبَلِ آلهتَكُمُ التي تعبُدُونها مِن دون الله.

[5] ﴿وَلَآ أَنتُمۡ عَٰبِدُونَ مَآ أَعۡبُدُ 5﴾:

وأمره أن يقولُ لهم: وأنتم كذلك لن تعبُدُوا في المستقبَلِ إلهيَ الحقَّ الذي أعبُدُهُ ما دمتم على هذه الحالِ مِن الإصرارِ على الكفر.

[6] ﴿لَكُمۡ دِينُكُمۡ وَلِيَ دِينِ 6﴾:

واعلموا -أيها المشركون- أن لكم جزاءَكم على أعمالِكم ودِينِكم الذي ارتضيتموه لأنفسكم، ولي جزائي على عَمَلي ودِيني الذي ارتضاهُ اللهُ لي.

قال الشيخ ابن عثيمين رحمه الله: (يعني: لكم عَمَلُكم ولي عملي الذي أَدِينُ الله به؛ فأنتم بريئون من ديني، وأنا بريءٌ مِن دينكم.

وهذه المقاطَعةُ تكونُ بعد رفضِ الإيمان؛ كما قال تعالى: ﴿وَإِن كَذَّبُوكَ فَقُل لِّي عَمَلِي وَلَكُمۡ عَمَلُكُمۡۖ أَنتُم بَرِيٓـُٔونَ مِمَّآ أَعۡمَلُ وَأَنَا۠ بَرِيٓءٞ مِّمَّا تَعۡمَلُونَ﴾ [يونس:٤١].

والتكرارُ في سورةِ الكافرون للتأكيد، والتأكيدُ في القرآنِ بالتَّكْرارِ كثيرٌ).

سورة النَّصْر

سورةُ النَّصْرِ مدنيَّةٌ، وآياتها ثلاثُ آيات.

وتسمَّى سورةَ التوديع؛ لأنه قد أخرَجَ الإمامَ أحمدَ، والدارميُّ، عن ابن عبَّاس، قال: لما نزَلَتْ سورة: ﴿إِذَا جَآءَ نَصۡرُ ٱللَّهِ وَٱلۡفَتۡحُ﴾، قال رسولُ الله: «نُعِيَتْ إليَّ نفسي»([4]). [4] أخرجه أحمد (1873)، والدارمي (80)، والطبراني في الكبير (9970). وصححه أحمد شاكر في المسند، وحسنه الألباني في مشكاة المصابيح (5969).

[1] ﴿إِذَا جَآءَ نَصۡرُ ٱللَّهِ وَٱلۡفَتۡحُ 1﴾:

بدأتِ السورةُ ببِشَارةِ النبيِّ ﷺ بالفتحِ الأعظمِ، وهو فتحُ مكَّة؛ حيثُ قال جل وعلا: إذا نصَرَكَ اللهُ -أيها النبي- على أعدائك، ورأيتَ انهزامَ أهلِ الشِّرْكِ وخِذْلانَهم، وفتَحَ عليك مكة.

[2] ﴿وَرَأَيۡتَ ٱلنَّاسَ يَدۡخُلُونَ فِي دِينِ ٱللَّهِ أَفۡوَاجٗا 2﴾:

ثم رأيتَ الكثيرَ مِن الناسِ يدخُلُونَ في الإسلامِ جماعاتٍ جماعات.

[3] ﴿فَسَبِّحۡ بِحَمۡدِ رَبِّكَ وَٱسۡتَغۡفِرۡهُۚ إِنَّهُۥ كَانَ تَوَّابَۢا 3﴾:

إذا رأيتَ ذلك، فسبِّحْ بحمدِ ربِّك وعظِّمْهُ على هذه النعم، واطلُبْ منه المغفرةَ لك ولأُمَّتك؛ إنه جل وعلا كثيرُ التوبة، عظيمُ الرحمةِ لعبادِهِ المؤمنين.

وكان فتحُ مَكَّةَ قد كسَرَ الطَّوْقَ الذي منَعَ القبائلَ مِن الدخولِ في الإسلام؛ لأن القبائلَ العربية تعلم أنَّ مَنْ يدخُلْ في الإسلام، فسوف يعاديه أهل مكة؛ فلما فتح الله مكَّةَ، لم يَخَفْ أحدٌ من القبائلِ مِن معاداةِ قريش؛ ولهذا تتابَعَتِ الوفودُ العربيَّةُ على المدينة معلِنةً إسلامها؛ ولذلك سُمِّيَ: عامَ الوفود.

سورة المَسَد

سورةُ المسَدِ مكيَّةٌ، وآياتها خمسُ آيات.

وقد نزَلَتْ في حقِّ ذلك الشقيِّ أبي لهبٍ، وهو أحدُ أعمامِ النبيِّ ﷺ، واسمه عبدُ العُزَّى بنُ عبدِ المطَّلِبِ بنِ هاشم؛ حيث كان مِن أشدِّ أعداءِ الإسلام.

وبعد أن نزَلَتْ هذه السورةُ في شأنه، سمَّاه الرسولُ ﷺ: أبا لَهَبٍ، وكانت زوجةُ أبي لهبٍ -واسمُها: أمُّ جميلٍ بنتُ حَرْبٍ أختُ أبي سفيان- تضَعُ الشَّوْكَ في طريق الرسول ﷺ.

[1] ﴿تَبَّتۡ يَدَآ أَبِي لَهَبٖ وَتَبَّ 1﴾:

بدأت السورةُ بذمِّ أبي لهبٍ، فقال سبحانه وتعالى: لقد هَلَكَتْ يدا ذلك الشقيِّ أبي لهب، وخاب وخَسِرَ بسببِ إيذائه للنبي ﷺ.

ومِن إيذائه: أنه كان يَتْبَعُ الرسولَ ﷺ إذا ذهَبَ إلى مِنًى يدعو الحجَّاجَ إلى الإسلامِ، ويقولُ للناسِ: (لا تصدِّقوه؛ إنه ابننا، وإنه صابئٌ).

[2] ﴿مَآ أَغۡنَىٰ عَنۡهُ مَالُهُۥ وَمَا كَسَبَ 2﴾:

ثم أخبَرَ جل وعلا أن المال الذي جمعه أبو لهبٍ من تجاراتِهِ لن يُفِيدَه، وكذلك ولَدُهُ الذي كان يَفْخَرُ به، لن يُغْنِيَ عنه مِن عذابِ الله شيئًا.

[3] ﴿سَيَصۡلَىٰ نَارٗا ذَاتَ لَهَبٖ 3﴾:

ثم أخبَرَ جل وعلا أن أبا لهبٍ سوف يَذُوقُ حَرَّ النارِ، ويُعذَّبُ بلظاها.

[4] ﴿وَٱمۡرَأَتُهُۥ حَمَّالَةَ ٱلۡحَطَبِ 4﴾:

وأخبر سبحانه أن امرأة أبا لهبٍ وهي أمُّ جَمِيلٍ؛ سوف تَذُوقُ حرَّ جهنم، وتُعذَّبُ بلظاها، جزاءَ عَدَاوَتِها وسبِّها للنبيِّ ﷺ.

ومِنْ إيذَائِهِمَا للنبيِّ ﷺ أنَّها كانَتْ تَأتي بِالحطبِ والشَّوكِ، وتَضعهُ في طريقِ النبيِّ؛ صلواتُ ربي وسلامه عليه.

[5] ﴿فِي جِيدِهَا حَبۡلٞ مِّن مَّسَدِۭ 5﴾:

ثم بيَّن جل وعلا أنَّ أمَّ جَمِيلٍ سوف يُلَفُّ حول عُنُقها حَبْلٌ مِن لِيفٍ خَشِنٍ، قد فُتِلَ فتلًا شديدًا تُعَذَّبُ به يومَ القيامة؛ لأنها كانت تَحْمِلُ حُزْمةً من الشجرِ والشوكِ، وتَرْبِطُهُ بحبلٍ مِن لِيفٍ مفتولٍ، ثم تضعُهُ في طريقِ الرسول ﷺ؛ فجعَلَ الله لها مِثْلَ هذا الحبلِ تُعذِّبُ به في جهنَّم، والجزاءُ مِن جنسِ العمل.

سورة الإخلاص

سورةُ الإخلاصِ مكيَّةٌ، وآياتها أربعُ آيات.

مِن فضائلِ هذه السورةِ: أنها تَعْدِلُ ثُلُثَ القرآنِ في المعنى والثواب؛ وعلى ذلك: فتلاوَتُها ثلاثَ مرَّاتٍ لا تُجْزِئُ عن تلاوةِ القرآن، وهذا يعني: أنَّ مَنْ أقسَمَ أن يقرأَ القرآنَ، فلا بدَّ أن يقرأَهُ مِن الفاتحةِ إلى سورةِ الناس.

[1] ﴿قُلۡ هُوَ ٱللَّهُ أَحَدٌ 1﴾:

أمَرَ جل وعلا نبيه ﷺ أن يقولَ للناس: إنَّ اللهَ متفرِّدٌ بالألوهيَّةِ، ومتفرِّدٌ بالربوبيَّة، ومتفرِّدٌ بأسمائه وصفاته لا يشارِكُهُ فيها أحد، وهذا هو معنى الأَحَد، وليس كما زعَمَتِ المعتزلةُ والأشاعرةُ وغيرهما: أنه الواحدُ الذي لا ينقسِمُ ولا يتجزَّأ، أي: ليس له أجزاء؛ ويُرَدُّ عليهم بقولِ اللهِ في آخرِ هذه السورة: ﴿وَلَمۡ يَكُن لَّهُۥ كُفُوًا أَحَدُۢ﴾؛ وهذا أفضلُ مِن قولهم وأشمل.

[2] ﴿ٱللَّهُ ٱلصَّمَدُ 2﴾:

ثم أمَرَه أن يقولَ لهم: إنَّ اللهَ وحدَهُ هو الذي يجبُ أن تَقْصِدَهُ المخلوقاتُ في قضاءِ الحوائجِ؛ لكونِهِ هو القادرَ على حلِّها.

[3] ﴿لَمۡ يَلِدۡ وَلَمۡ يُولَدۡ 3﴾:

وأمَرَه أن يقولَ لهم: إنَّ اللهَ غنيٌّ عن الولَدِ والصاحبة؛ فليس له والدٌ ولا ولَدٌ ولا زوجةٌ، وهو سبحانه لم يُولَدُ؛ لأنه لم يُسبَقْ بشيء، فهو الذي لا شيءَ قبله.

[4] ﴿وَلَمۡ يَكُن لَّهُۥ كُفُوًا أَحَدُۢ 4﴾:

وأمَرَه أن يقولَ لهم: إنَّ الله لا يُشْبِهُهُ ولا يساويهِ أحدٌ؛ فتبارَكَ اللهُ ربُّ العالمين.

سورة الفلق

سورةُ الفلَقِ مكيَّةٌ، وآياتُهَا خمسُ آيات.

[1] ﴿قُلۡ أَعُوذُ بِرَبِّ ٱلۡفَلَقِ 1﴾:

أمَرَ جل وعلا نبيَّه ﷺ أن يقولَ للناسِ: إني أستعيذُ بربِّ الصبحِ الذي يَفْلُقُ الظلامَ المغطِّيَ على الأشياءِ؛ فيعُمُّ النورُ، وتُرى الأشياءُ بوضوح.

[2] ﴿مِن شَرِّ مَا خَلَقَ 2﴾:

وأمَرَهُ أن يقولَ لهم: إني أستعيذُ باللهِ مِن شرورِ جميعِ المخلوقات.

[3] ﴿وَمِن شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ 3﴾:

وأمَرَهُ أن يقولَ لهم: إني أستعيذُ باللهِ مِن شرِّ الليلِ إذا أقبَلَ بظلامِهِ الكثيفِ الذي يغطِّي الأرض؛ لأنه إذا جاء الليلُ تنتشِرُ الحيَّاتُ والشياطين، ويكثُرُ الأشرارُ والفجَّار؛ ولهذا يقالُ في المثل: (اللَّيْلْ، أخفى للوَيْل).

[4] ﴿وَمِن شَرِّ ٱلنَّفَّٰثَٰتِ فِي ٱلۡعُقَدِ 4﴾:

وهكذا أمَرَهُ أن يقولَ لهم: إني أستعيذُ باللهِ مِن شرِّ الإناثِ السواحرِ؛ لأنَّ الغالبَ في جعلِ السحرِ مِهْنةً هنَّ النساءُ في الماضي، أما الآنَ، فالرجالُ أكثرُ مِن النساء، والنَّفْثُ يكونُ بعد أن يَلْفِظَ التمتماتِ والألفاظَ التي تُلْقَى من الشياطين، ينفُثُ مِن رِيقِهِ على ما يَعْقِدُهُ مِن شَعْرِ المسحورِ أو ملابسِهِ، فيتمُّ بذلك سِحْرُ المرادِ سحرُهُ مِن الناس؛ إنْ لم يكن قد تحصَّن بالأدعية المعروفة.

[5] ﴿وَمِن شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ 5﴾:

وأخيرًا: أمَرَهُ أن يقولَ لهم: إني أستعيذُ باللهِ مِن شَرِّ كلِّ حاسدٍ يحسُدُ الناسَ.

والاستعاذةُ مِن الحسَدِ، أي: الاستعاذةُ مِن العَيْن؛ لأنَّ العَيْنَ حقٌّ؛ كما ثبَتَ ذلك عن النبيِّ ﷺ([5])، وكما ورد: «أنها تُورِدُ الجمَلَ القِدْرْ، والرَّجُلَ القَبْرْ»([6]). [5] أخرجه البخاري (5408)، ومسلم (2187). [6] أخرجه القضاعي في مسند الشهاب (1057)، وصححه الألباني في صحيح الجامع (4144)، والصحيحة (1249).

والتحصُّنُ مِن السحرِ والعَيْنِ: مستحَبٌّ، والرسولُ ﷺ فعله، ولما مَرِضَ ﷺ، كانت عائشةُ تَرْقِيهِ بهاتَيْنِ السورتَيْنِ([7]). [7] أخرجه البخاري (5735).

والحسَدُ: هو تمنِّي زوالِ النِّعْمة، وهو أعمُّ؛ فقد يأتي مِن الإعجابِ بالمرئيِّ، فإذا لم يقلِ المعجَبُ: (اللهمَّ بارِكْ)، فربَّما يصابُ المرئيُّ بالعَيْن، والحسَدُ مِن صفاتِ اليهودِ الخبيثة.

سورة الناس

سورةُ الناسِ مكيَّةٌ، وآياتها سِتُّ آيات.

هذه السورةُ تميَّزت بكثرةِ الاستعاذة؛ حيثُ استعاذ بالربِّ والمَلِكِ والإله، والسببُ في ذلك: أن وَسْوَسةَ الشيطانِ قد تُخرِجُ مِن الملَّة، أما في سورةِ الفَلَقِ، فإنَّ ما ذُكِرَ فيها على فظاعتِهِ وسوئِهِ، فإنه لا يُخرِجُ مِن الملة.

[1] ﴿قُلۡ أَعُوذُ بِرَبِّ ٱلنَّاسِ 1﴾:

أمَرَ جل وعلا نبيه ﷺ أن يقولَ للناس: إني أستعيذُ وأعتصِمُ بخالقِ الناسِ ومربِّيهم؛ لأنه هو الوحيدُ القادرُ على رَدِّ كَيْدِ الكائدين.

[2] ﴿مَلِكِ ٱلنَّاسِ 2﴾:

وأستعيذُ بمالكِ أمرِ الناسِ، والمتصرِّفِ في شؤون حياتهم.

[3] ﴿إِلَٰهِ ٱلنَّاسِ 3﴾:

وأستعيذُ بإلهِ الناسِ ومعبودِهِمُ الحَقَّ، الذي يَصْرِفُ السوءَ مِن سِحْرِ وعَيْنِ وخبثِ شياطينِ الإنسِ والجن.

[4] ﴿مِن شَرِّ ٱلۡوَسۡوَاسِ ٱلۡخَنَّاسِ 4﴾:

ثم بيَّن سبحانه أن المستعاذَ منه هو شرُّ الشيطانِ اللعينِ الذي يَخْنُسُ وينهزمُ ويولِّي عند ذِكْرِ الله عز وجل.

[5] ﴿ٱلَّذِي يُوَسۡوِسُ فِي صُدُورِ ٱلنَّاسِ 5﴾:

وبيَّن سببَ الاستعاذةِ أنه هو الذي يوسوِسُ في صدورِ الناس؛ فيحبِّبُ إليهم الكفرَ والمعاصيَ حتى يُوْقِعَهم فيها. وللتخلُّصِ مِن هذا الشيطان: يجبُ الاستعاذةُ منه؛ لأنه إذا لم يستعِذِ الإنسانُ منه، استولى على قلبِهِ، وألقى فيه وساوسه؛ سواءٌ كانت في العقيدةِ أو في التخطيطِ لارتكابِ الجرائمِ ونحوِ ذلك.

[6] ﴿مِنَ ٱلۡجِنَّةِ وَٱلنَّاسِ 6﴾:

ثم بيَّن جل وعلا أن الوساوِسَ كثيرًا ما تكونُ مِن الجنِّ، وأحيانًا تكونُ مِن الناس، والشيطانُ له أساليبُ عجيبةٌ في الوسوسة؛ فأحيانًا يأتي بصفةِ أنه يَطْمَعُ في شيء، وأحيانًا يأتي بصفةِ الناصحِ، وهو يعامِلُ كلَّ شخصٍ بحسَبِ الطريقةِ التي توصِّلُهُ إلى تحقيقِ ما يوسوِسُ به؛ فنعوذُ باللهِ منه ومِن شَرِّ كلِّ ذي شَرّ.