قاموس الكبائر
قَامُوسُ الكَبَائِرِ
قَامُوسُ الكَبَائِرِ
اللَّجْنَةُ الْعِلْمِيَّةُ بِجَمْعِيَّةِ خِدْمَةِ الْمُحْتَوَى الْإِسْلَامِيِّ بِاللُّغَاتِ
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
المقدمة
الحمد لله الذي هدى عباده إلى صراطه المستقيم، وجعل التقوى حِصنًا منيعًا من عذابه الأليم، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:
فإن من أسمى ما يطمئن القلب ويهدئ النفس هو التأمل في تعاليم الإسلام السامية، والوقوف عند أوامر الله ونواهيه، وخاصة ما يتعلق بعظائم الذنوب وكبيره التي حذر الله منها في كتابه المبين، وحذر منها رسوله صلى الله عليه وسلم في السنة المطهرة؛ لعظيم خطرها وأثرها على الفرد والمجتمع؛ قال الله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلۡأَرۡضِ لِيَجۡزِيَ ٱلَّذِينَ أَسَٰٓـُٔواْ بِمَا عَمِلُواْ وَيَجۡزِيَ ٱلَّذِينَ أَحۡسَنُواْ بِٱلۡحُسۡنَى 31 ٱلَّذِينَ يَجۡتَنِبُونَ كَبَٰٓئِرَ ٱلۡإِثۡمِ وَٱلۡفَوَٰحِشَ إِلَّا ٱللَّمَمَۚ إِنَّ رَبَّكَ وَٰسِعُ ٱلۡمَغۡفِرَةِ...﴾ [النجم: 31-32].
وقال النبي ﷺ: «اجْتَنِبُوا السَّبْعَ المُوبِقَاتِ» [1]. [1] رواه البخاري برقم (2766)، ومسلم برقم (89).
والكبائر تشمل كل الذنوب العظيمة في حق الله أو في حق عباده، وقد جاءت الشريعة الغراء محذرة من الوقوع فيها، وبيّنت عواقبها الوخيمة في الدنيا والآخرة.
على أنَّ رحمة الله الواسعة فتحت باب التوبة لكل من تاب وأناب، فقد قال عز وجل: ﴿وَإِنِّي لَغَفَّارٞ لِّمَن تَابَ وَءَامَنَ وَعَمِلَ صَٰلِحٗا...﴾ [طه: 82].
من أجل ذلك؛ جاء هذا الكتاب ليبين حقيقة الكبيرة وآثارهَا، مستندًا إلى نصوص القرآن والسنة، مع بيان سبيل التوبة والخلاص منها.
وقد أعدَّ هذا العمل اللجنة العلمية بجمعية خدمة المحتوى الإسلامي باللغات بالتعاون مع جمعية الدعوة وتوعية الجاليات بالربوة، حرصًا منهم على نشر هذا العلم القيم، مع مراعاة مناسبته للترجمة لغير الناطقين بالعربية، إيمانًا بأهمية إيصال رسالة الإسلام للجميع.
نسأل الله تعالى أن يكتب هذا الجهد في ميزان الحسنات، وأن ينفع به جميع الناس.
وصلى الله وسلم على نبينا محمد
تمهيد
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:
فإن أصل الشر في العالم كله هو الذنوب، فهي سبب كل خزي وهوان وذلة وخسران ودمار، فما أهبط آدم وذريته من الجنة إلا بسببها، وما أهلك قوم نوح بالطوفان إلا بسبب معصية الله، ولا أرسل الله الريح على عاد ولا الصيحة على ثمود إلا بسبب معاصيهم وتكذيبهم رسل ربهم، فهي سبب كل بليَّة ومنشأ كل رزيَّة، وهذا يعم كل ذنب، لكن أثر الكبائر في ذلك أعظم من غيرها.
تعريف الكبيرة والصغيرة:
الكبيرة: هي كل ذنب قُرِن به وعيد أو لعن أو حدٌّ بنص من كتاب الله أو سنة رسول الله ﷺ، أو عُلِم أن مفسدته كمفسدة ما قُرِن به وعيد أو حدٌّ أو لعن، أو كان أكثر من مفسدته، أو أشعر بتهاون مرتكبه في دينه.
وعليه فالصغيرة: هي كل ذنب لم يدخل في الحد السابق للكبيرة، فهي ما لم يتوعَّد عليه بعذاب، وما لم يقترن به حدٌّ أو لعن أو وعيد، وما لم يُشعِر بتهاون مرتكبه بأمر الشرع.
الفرق بين الكبيرة والصغيرة:
1- الكبيرة مقترن بها وعيد أو حد أو لعن ونحو ذلك، والصغيرة لم يقترن بها شيء من ذلك.
2- الكبيرة تُشعِر بتهاون مرتكبها بأمر الشرع، والصغيرة ليست كذلك.
3- الكبائر يحتاج فاعلها إلى توبة حتى تُكفَّر عنه، أما الصغائر فتُكفَّر بالتوبة، أو باجتناب الكبائر، أو بالمصائب التي تصيب الإنسان، أو بالأعمال الصالحة.
قال تعالى: ﴿إِن تَجۡتَنِبُواْ كَبَآئِرَ مَا تُنۡهَوۡنَ عَنۡهُ نُكَفِّرۡ عَنكُمۡ سَيِّـَٔاتِكُمۡ وَنُدۡخِلۡكُم مُّدۡخَلٗا كَرِيمٗا 31﴾ [النساء: 31]، وقال تعالى: ﴿وَأَقِمِ ٱلصَّلَوٰةَ طَرَفَيِ ٱلنَّهَارِ وَزُلَفٗا مِّنَ ٱلَّيۡلِۚ إِنَّ ٱلۡحَسَنَٰتِ يُذۡهِبۡنَ ٱلسَّيِّـَٔاتِۚ ذَٰلِكَ ذِكۡرَىٰ لِلذَّٰكِرِينَ 114﴾ [هود: 114].
وعن عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله ﷺ: «مَا مِنْ مُصِيبَةٍ تُصِيبُ المُسْلِمَ إِلَّا كَفَّرَ اللهُ بِهَا عَنْهُ، حَتَّى الشَّوْكَةِ يُشَاكُهَا» [2]. [2] رواه البخاري برقم (5649)، ومسلم برقم (2572).
وعن أبي هريرة رضي الله عنه، أن رسول الله ﷺ كان يقول: «الصَّلَواتُ الخَمْسُ، وَالجُمُعَةُ إِلى الجُمُعَةِ، وَرَمَضَانُ إِلى رَمَضَانَ، مُكَفِّرَاتٌ مَا بَيْنَهُنَّ إِذَا اجْتُنِبَ الكَبَائِرُ» [3]. [3] رواه مسلم برقم (233).
مخاطر وأضرار الكبائر الدينية والدنيوية:
ارتكاب الكبائر مؤدٍّ إلى مخاطر وأضرار كثيرة في الدنيا والآخرة، منها:
- أن الكبائر تعرض صاحبها أن يكون متوعَّدًا بعدم دخول الجنة؛ فعن جبير بن مطعم رضي الله عنه، أنه سمع النبي ﷺ يقول: «لَا يَدْخُلُ الجَنَّةَ قَاطِعٌ» [4]. أي: قاطع رحم. [4] رواه البخاري برقم (5984)، ومسلم برقم (2556).
وعن حذيفة رضي الله عنه قال: سمعت النبي ﷺ يقول: «لَا يَدْخُلُ الجَنَّةَ قَتَّاتٌ» [5]. أي: نمام. [5] رواه البخاري برقم (6056)، ومسلم برقم (105).
- أن بعضها سبب لعذاب القبر؛ فعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: مَرَّ النَّبِيُّ ﷺ بِقَبْرَيْنِ، فَقَالَ: «إِنَّهُمَا لَيُعَذَّبَانِ، وَمَا يُعَذَّبَانِ فِي كَبِيرٍ، أَمَّا أَحَدُهُمَا فَكَانَ لَا يَسْتَتِرُ مِنَ البَوْلِ، وَأَمَّا الآخَرُ فَكَانَ يَمْشِي بِالنَّمِيمَةِ»[6]. [6] رواه البخاري برقم (218)، ومسلم برقم (292).
- أنها من أسباب شدة العذاب في الآخرة؛ فعن عائشة رضى الله عنها قالت: قال رسول الله ﷺ: «أَشَدُّ النَّاسِ عَذَابًا يَوْمَ القِيَامَةِ الَّذِينَ يُضَاهُونَ بِخَلْقِ اللهِ»[7]. يضاهون: يشابهون، والمراد: المصورون. [7] رواه البخاري برقم (5954) ، ومسلم برقم (2107).
- أنها سبب للَّعن مِن قِبَل الله ورسوله، فعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: «لَعَنَ رَسُولُ اللهِ ﷺ المُتَشَبِّهِينَ مِنَ الرِّجَالِ بِالنِّسَاءِ، وَالمُتَشَبِّهَاتِ مِنَ النَّسَاءِ بِالرِّجَالِ»[8]. [8] رواه البخاري برقم (5885).
وعن عبد الله بن مسعود رضى الله عنه قال: «لَعَنَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ آكِلَ الرِّبَا وَمُؤْكِلَهُ» [9]. [9] رواه مسلم برقم (1597).
- أنها من أسباب حبوط العمل وبطلانه؛ فعن بريدة رضي الله عنه قال: إن النبي ﷺ قال: «مَنْ تَرَكَ صَلَاةَ الْعَصْرِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ» [10]. [10] رواه البخاري برقم (553).
- أنها تؤدي إلى إقامة الحدود الشرعية على مرتكبها إن كانت من الذنوب التي فيها حد، كما قال تعالى: ﴿وَٱلسَّارِقُ وَٱلسَّارِقَةُ فَٱقۡطَعُوٓاْ أَيۡدِيَهُمَا جَزَآءَۢ بِمَا كَسَبَا نَكَٰلٗا مِّنَ ٱللَّهِۗ وَٱللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٞ 38﴾ [المائدة: 38]، وقال عز وجل: ﴿ٱلزَّانِيَةُ وَٱلزَّانِي فَٱجۡلِدُواْ كُلَّ وَٰحِدٖ مِّنۡهُمَا مِاْئَةَ جَلۡدَةٖ...﴾ [النور: 2]، وقال سبحانه: ﴿وَٱلَّذِينَ يَرۡمُونَ ٱلۡمُحۡصَنَٰتِ ثُمَّ لَمۡ يَأۡتُواْ بِأَرۡبَعَةِ شُهَدَآءَ فَٱجۡلِدُوهُمۡ ثَمَٰنِينَ جَلۡدَةٗ وَلَا تَقۡبَلُواْ لَهُمۡ شَهَٰدَةً أَبَدٗاۚ وَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡفَٰسِقُونَ 4﴾ [النور: 4].
- أنها سبب لزوال النعم وتغيرها قال تعالى: ﴿ذَٰلِكَ بِأَنَّ ٱللَّهَ لَمۡ يَكُ مُغَيِّرٗا نِّعۡمَةً أَنۡعَمَهَا عَلَىٰ قَوۡمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنفُسِهِمۡ...﴾ [الأنفال: 53].
قال السعدي رحمه الله: "﴿ذَلِكَ﴾ العذاب الذي أوقعه الله بالأمم المكذبين وأزال عنهم ما هم فيه من النعم والنعيم، بسبب ذنوبهم وتغييرهم ما بأنفسهم، فإن الله لم يَكُ مغيِّرًا نعمة أنعمها على قوم من نعم الدين والدنيا، بل يبقيها ويزيدهم منها، إن ازدادوا له شكرا ﴿حَتَّىٰ يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنفُسِهِمۡ﴾ من الطاعة إلى المعصية، فيكفروا نعمة الله ويبدلوها كفرًا، فيسلبهم إياها ويغيِّرها عليهم كما غيروا ما بأنفسهم، ولله الحكمة في ذلك والعدل والإحسان إلى عباده، حيث لم يعاقبهم إلا بظلمهم" [11]. [11] تفسير السعدي (ص: 324).
- أنها سبب لظهور الفساد في الأرض؛ فإنه يظهر بسبب المعاصي، ومن باب أولى ما كان منها كبيرة، قال تعالى: ﴿ظَهَرَ ٱلۡفَسَادُ فِي ٱلۡبَرِّ وَٱلۡبَحۡرِ بِمَا كَسَبَتۡ أَيۡدِي ٱلنَّاسِ لِيُذِيقَهُم بَعۡضَ ٱلَّذِي عَمِلُواْ لَعَلَّهُمۡ يَرۡجِعُونَ 41﴾ [الروم: 41].
- أنها من أسباب حرمان العلم، فإن العلم نور يقذفه الله في القلب، والمعصية تطفئ ذلك النور، ولما جلس الشافعي بين يدي مالك وقرأ عليه أعجبه ما رأى من وفور فطنته، وتوقُّد ذكائه، وكمال فهمه؛ فقال: "إني أرى الله قد ألقى على قلبك نورًا، فلا تطفئه بظلمة المعصية" [12]. [12] ينظر: مناقب الشافعي للبيهقي (1/ 104).
- أنها من أسباب تعسير الأمور على مرتكبها، فلا يتوجَّه لأمر إلا يجده مغلقًا دونه، أو متعسِّرًا عليه، وهذا كما أنَّ من اتقى الله جعل له من أمره يسرًا، فمن عطَّل التقوى وارتكب الكبائر جعل له من أمره عسرًا، قال تعالى: ﴿فَبِظُلۡمٖ مِّنَ ٱلَّذِينَ هَادُواْ حَرَّمۡنَا عَلَيۡهِمۡ طَيِّبَٰتٍ أُحِلَّتۡ لَهُمۡ وَبِصَدِّهِمۡ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ كَثِيرٗا 160 وَأَخۡذِهِمُ ٱلرِّبَوٰاْ وَقَدۡ نُهُواْ عَنۡهُ وَأَكۡلِهِمۡ أَمۡوَٰلَ ٱلنَّاسِ بِٱلۡبَٰطِلِۚ وَأَعۡتَدۡنَا لِلۡكَٰفِرِينَ مِنۡهُمۡ عَذَابًا أَلِيمٗا 161﴾ [النساء: 160-161].
- أنها تسبب ظلمة في قلب مرتكبها، يحسُّ بها كما يحس بظلمة الليل، فتصير ظلمة المعصية لقلبه كالظلمة الحسِّية لبصره، فإنَّ الطاعة نور، والمعصية ظلمة، وكلَّما قويت الظلمة ازدادت حيرته، حتى يقع في البدع والضلالات والأمور المهلكة وهو لا يشعر، فَعَنْ حُذَيْفَةَ، قَالَ: كُنَّا عِنْدَ عُمَرَ، فَقَالَ: أَيُّكُمْ سَمِعَ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَذْكُرُ الفِتَنَ؟ فَقَالَ قوْمٌ: نَحْنُ سَمِعْنَاهُ، فَقَالَ: لَعَلَّكُمْ تَعْنُونَ فِتْنَةَ الرَّجُلِ فِي أَهْلِهِ وَجَارِهِ؟ قَالُوا: أَجَلْ، قَالَ: تِلْكَ تُكَفِّرُهَا الصَّلَاةُ وَالصِّيَامُ وَالصَّدَقَةُ، وَلَكِنْ أَيُّكُمْ سَمِعَ النَّبِيَّ ﷺ يَذْكُرُ الَّتِي تَمُوجُ مَوْجَ الْبَحْرِ؟ قَالَ حُذَيْفَةُ: فَأَسْكَتَ الْقَوْمُ، فَقُلْتُ: أَنَا، قَالَ: أَنْتَ لِلَّهِ أَبُوكَ، قَالَ حُذَيْفَةُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: «تُعْرَضُ الفِتَنُ عَلَى القُلُوبِ كَالْحَصِيرِ عُودًا عُودًا، فَأَيُّ قَلْبٍ أُشْرِبَهَا، نُكِتَ فِيهِ نُكْتَةٌ سَوْدَاءُ، وَأَيُّ قَلْبٍ أَنْكَرَهَا، نُكِتَ فِيهِ نُكْتَةٌ بَيْضَاءُ، حَتَّى تَصِيرَ عَلَى قَلْبَيْنِ، عَلَى أَبْيَضَ مِثْلِ الصَّفَا فَلَا تَضُرُّهُ فِتْنَةٌ مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ، وَالآخَرُ أَسْوَدُ مُرْبَادًّا كَالْكُوزِ، مُجَخِّيًا لَا يَعْرِفُ مَعْرُوفًا، وَلَا يُنْكِرُ مُنْكَرًا، إِلَّا مَا أُشْرِبَ مِنْ هَوَاهُ» [13]. [13] صحيح مسلم برقم (144).
- أنها سبب وقوع العداوة والبغضاء وتسلط العدو، كما قال تعالى: ﴿وَمِنَ ٱلَّذِينَ قَالُوٓاْ إِنَّا نَصَٰرَىٰٓ أَخَذۡنَا مِيثَٰقَهُمۡ فَنَسُواْ حَظّٗا مِّمَّا ذُكِّرُواْ بِهِۦ فَأَغۡرَيۡنَا بَيۡنَهُمُ ٱلۡعَدَاوَةَ وَٱلۡبَغۡضَآءَ إِلَىٰ يَوۡمِ ٱلۡقِيَٰمَةِۚ وَسَوۡفَ يُنَبِّئُهُمُ ٱللَّهُ بِمَا كَانُواْ يَصۡنَعُونَ 14﴾ [المائدة: 14]، فمتى ترك الناس بعض ما أمرهم الله به، وارتكبوا ما نهى الله عنه، وقعت بينهم العداوة والبغضاء وتسلط عليهم الأعداء [14]. [14] ينظر: مجموع الفتاوى (3/ 421).
- أنها سبب لفساد المجتمع لما فيها من تفشي الأخلاق الذميمة مثل: الكذب، والبهتان والغيبة، والنميمة، والغش، والخداع، والكبر، والفخر، وأكل الناس أموال بعضهم البعض بالباطل، وفساد الحياة، وانتشار الأذية بين الناس كما في السحر ونحوه، وتفشي الفواحش أيضًا مثل: الزنى، واللواط، والتخنث، والتشبه بين الرجال والنساء[15]. [15] ينظر: الداء والدواء لابن القيم (1/ 132).
موقف أهل السنة من مرتكب الكبيرة وأحاديث الوعد والوعيد:
ذهب أهل السنة إلى أن مرتكب الكبيرة والتي هي دون الشرك والكفر الأكبر أنه مؤمن ناقص الإيمان، قد نقص إيمانه بقدر ما ارتكب من معصية، فلا يُسلب اسم الإيمان منه بالكلية ولا يُعطى اسم الإيمان بإطلاق، فهو مؤمن ناقص الإيمان، أو مؤمن بإيمانه فاسق بكبيرته، وحكمه في الآخرة أنه تحت مشيئة الله إن شاء غفر له وأدخله الجنة بلا سابقة عذاب، وإن شاء عذبه بقدر جُرمه ثم يخرجه ويدخله الجنة مع المؤمنين، وقد يتطهر في الدنيا قبل الآخرة من الكبيرة، وذلك بالتوبة النصوح، أو بإقامة الحد عليه، أو بالمصائب، أو بكثرة الأعمال الصالحة فيأتي يوم القيامة ولا عذاب عليه.
وأما ما جاء من الأحاديث في الوعيد لأهل الكبائر، مثل حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله ﷺ: «لَا يَزْنِي الزَّانِي حِينَ يَزْنِي وَهُوَ مُؤْمِنٌ، وَلَا يَشْرَبُ الخَمْرَ حِينَ يَشْرَبُ وَهُوَ مُؤْمِنٌ، وَلَا يَسْرِقُ حِينَ يَسْرِقُ وَهُوَ مُؤْمِنٌ»[16]. فالمقصود أنه يزول عنه مسمى الإيمان الكامل ويبقى الإسلام، إلى أن يترك هذا الذنب ويتوب منه فيعود له الإيمان مرة ثانية، فالإيمان الكامل منفي عنه حال ارتكابه هذه الكبائر فقط، لكن يبقى له أصل الإيمان؛ لأنه قد وردت أحاديث أخرى في الوعد بدخول الجنة لمن مات لا يشرك بالله شيئًا وإن زنى وإن سرق، مثل حديث أبي ذر رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «أَتَانِي آتٍ مِنْ رَبِّي، فَبَشَّرَنِي أَنَّهُ مَنْ مَاتَ مِنْ أُمَّتِي لَا يُشْرِكُ بِاللَّهِ شَيْئًا دَخَلَ الجَنَّةَ»، قُلْتُ: وَإِنْ زَنَى وَإِنْ سَرَقَ؟ قَالَ: «وَإِنْ زَنَى وَإِنْ سَرَقَ» [17]. [16] رواه البخاري برقم (2475)، ومسلم برقم (57). [17] رواه البخاري برقم (1237)، ومسلم برقم (94).
كيفية التصدي للكبائر ومعالجتها:
- نشر التوعية بين أفراد المجتمع بخطورة المعاصي وخصوصًا الكبائر، وأنها سبب نزول العقوبات والبلايا على المجتمع كله، كما قال تعالى: ﴿وَٱتَّقُواْ فِتۡنَةٗ لَّا تُصِيبَنَّ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنكُمۡ خَآصَّةٗۖ وَٱعۡلَمُوٓاْ أَنَّ ٱللَّهَ شَدِيدُ ٱلۡعِقَابِ 25﴾ [الأنفال: 25].
- تعلم العلم الشرعي؛ فإن في تعلمه زجرًا للنفس عن المعاصي؛ لأن من وقف على العقوبات المترتبة على هذه الذنوب انزجرت نفسه عن الوقوع فيها.
- القيام بواجب النهي عن المنكر، عن طريق نهي الفسقة وزجرهم عن الكبائر، فعن النعمان بن بشير رضي الله عنه، عن النبي ﷺ قال: «مَثَلُ القَائِمِ عَلَى حُدُودِ اللَّهِ وَالوَاقِعِ فِيهَا، كَمَثَلِ قَوْمٍ اسْتَهَمُوا عَلَى سَفِينَةٍ، فَأَصَابَ بَعْضُهُمْ أَعْلَاهَا وَبَعْضُهُمْ أَسْفَلَهَا، فَكَانَ الَّذِينَ فِي أَسْفَلِهَا إِذَا اسْتَقَوْا مِنَ المَاءِ مَرُّوا عَلَى مَنْ فَوْقَهُمْ، فَقَالُوا: لَوْ أَنَّا خَرَقْنَا فِي نَصِيبِنَا خَرْقًا وَلَمْ نُؤْذِ مَنْ فَوْقَنَا، فَإِنْ يَتْرُكُوهُمْ وَمَا أَرَادُوا هَلَكُوا جَمِيعًا، وَإِنْ أَخَذُوا عَلَى أَيْدِيهِمْ نَجَوْا، وَنَجَوْا جَمِيعًا» [18]. [18] رواه البخاري برقم (2493).
قوله: «القَائِمِ عَلَى حُدُودِ اللَّهِ» أي: المستقيم مع أوامر الله تعالى ولا يرتكب ما نهى الله تعالى عنه، والآمر بالمعروف الناهي عن المنكر. «الوَاقِعِ فِيهَا» التارك للمعروف المرتكب للمنكر. «اسْتَهَمُوا» اقترعوا ليأخذ كل منهم سهمًا أي: نصيبًا. «أَخَذُوا عَلَى أَيْدِيهِمْ» منعوهم من خرق السفينة.
- التربية الإيمانية السليمة من الأسرة، ومراقبة الآباء لأبنائهم خصوصًا في مرحلة المراهقة، مما يترتب عليها بناء جيل من الشباب الصالح المصبغ بالصبغة الإيمانية المنطبع بالأخلاق السوية.
- إيجاد البديل المشروع للمعاصي، فإن الله تعالى لم يحرم شيئًا إلا جعل فيما أحله كفاية عما حرمه، فمثلًا الزنى يكون علاجه بالتزويج المبكر للشباب، والسرقة تعالج بإيجاد فرص العمل للأفراد، والغيبة والوقوع في أعراض الناس بشَغْل الفراغ بالطاعة أو بما شرعه الله من المباحات، وهكذا يكون الأمر في كل معصية أو كبيرة.
- استغلال طاقات الشباب وتوجيهها إلى ما ينفع الأمة في أمور الدين والدنيا، كتعلم العلم الشرعي، ونشر الدعوة الإسلامية، وتعلم العلوم النظرية والتطبيقية التي تفيد في أمور الدنيا، كالطب والهندسة والتجارة وما إلى ذلك، وكذا تعلم بعض الصناعات والحرف المفيدة كالنجارة والحدادة وغير ذلك، فإن النفس إن لم تنشغل بالطاعة انشغلت بالمعصية.
- تعاهد المسلم لإيمانه باستمرار؛ فإن الإيمان يبلى في القلب كما يبلى الثوب، فينبغي تعاهده بالإكثار من الطاعات التي تزيد الإيمان في القلب.
- أن يبتعد المسلم عن كل ما يدعوه إلى المعصية، خصوصًا مع انتشار وسائل التواصل الاجتماعي والمواقع التي تنشر الفجور والإلحاد وكل ما يغضب الله، فينبغي على المسلم ألا يفتح على نفسه بابًا من أبواب الشر على نفسه، فإن من فتحه دخله، فعن النواس بن سمعان رضي الله عنه، عن رسول الله ﷺ قال: «ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا، وَعَلَى جَنَبَتَيِ الصِّرَاطِ سُورَانِ، فِيهِمَا أَبْوَابٌ مُفَتَّحَةٌ، وَعَلَى الأَبْوَابِ سُتُورٌ مُرْخَاةٌ، وَعَلَى بَابِ الصِّرَاطِ دَاعٍ يَقُولُ: أَيُّهَا النَّاسُ، ادْخُلُوا الصِّرَاطَ جَمِيعًا، وَلَا تَتَعَرَّجُوا، وَدَاعٍ يَدْعُو مِنْ فَوْقِ الصِّرَاطِ، فَإِذَا أَرَادَ أَنْ يَفْتَحَ شَيْئًا مِنْ تِلْكَ الأَبْوَابِ، قَالَ: وَيْحَكَ لَا تَفْتَحْهُ، فَإِنَّكَ إِنْ تَفْتَحْهُ تَلِجْهُ (أَيْ: تَدْخُلْهُ)، وَالصِّرَاطُ: الْإِسْلَامُ، وَالسُّورَانِ: حُدُودُ اللَّهِ، وَالأَبْوَابُ المُفَتَّحَةُ: مَحَارِمُ اللَّهِ، وَذَلِكَ الدَّاعِي عَلَى رَأْسِ الصِّرَاطِ: كِتَابُ اللَّهِ، وَالدَّاعِي مِنْ فَوْقِ الصِّرَاطِ: وَاعِظُ اللَّهِ فِي قَلْبِ كُلِّ مُسْلِمٍ» [19]. [19] رواه أحمد برقم (17634).
- قيام ولاة الأمر ومن لهم ولاية على المسلمين بواجب حفظ الدين، من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وإزالته، وإقامة الحدود، ونحو ذلك، فعن معقل بن يسار رضي الله عنه مرفوعًا: «مَا مِنْ عَبْدٍ يَسْتَرْعِيهِ اللَّهُ رَعِيَّةً، يَمُوتُ يَوْمَ يَمُوتُ، وَهُوَ غَاشٌّ لِرَعِيَّتِهِ؛ إِلَّا حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الجَنَّةَ» [20]. وقال ﷺ: «مَنْ رَأَى مِنْكُمْ مُنْكَرًا فَلْيُغَيِّرْهُ بِيَدِهِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِلِسَانِهِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِقَلْبِهِ، وَذَلِكَ أَضْعَفُ الإِيمَانِ» [21]. وهذه المرتبة لمن كان له قوة وسلطة أو ولاية. [20] رواه البخاري برقم (٧١٥٠) ، ومسلم برقم (١٤٢) واللفظ له. [21] رواه مسلم برقم (٤٩).
وختامًا نسأل الله أن يحفظ قلوبنا وجوارحنا على طاعته، وأن يجنبنا الذنوب ما ظهر منها وما بطن، كبيرها وصغيرها.
الشرك بالله
الشرك بالله هو أعظمُ ذنبٍ عُصِيَ اللهُ تعالى به على الإطلاق، وهو مُنافٍ للإيمانِ باللهِ وتَوْحيدِهِ، قال تعالى: ﴿...إِنَّ ٱلشِّرۡكَ لَظُلۡمٌ عَظِيمٞ 13﴾ [لقمان: 13]، وعن عبدِ اللهِ بنِ مَسعودٍ رضي الله عنه قال: سَأَلْتُ النَّبِيَّ ﷺ: أَيُّ الذَّنْبِ أَعْظَمُ عِندَ اللَّهِ؟ قَالَ: «أَنْ تَجْعَلَ لِلهِ نِدًّا وَهُوَ خَلَقَكَ» [22]. والنِدُّ: الشَّريك. [22] رواه البخاري برقم (4477)، ومسلم برقم (86).
وحقيقةُ الشركِ: هو اتخاذ الشريك أو الند مع الله جل وعلا في الربوبية أو في العبادة أو في الأسماء والصفات، وأن يصرف العبد حقًا من حقوق الله أو نوعًا من أنواع العبادة لغير الله، فكل اعتقاد، أو قول، أو عمل ثبت أنه مأمور به من الشارع؛ فصرفُه لله وحده توحيد وإيمان وإخلاص، وصرفُه لغيره شرك وكفر.
فيدخل في الشرك دعاء الأموات، وطلب الحوائج منهم، والنذر لهم والاستعانة بهم، وكذلك السجود لغير الله، والذبح لغير الله، وشبه ذلك.
وأدلة تحريم الشرك وبيان شناعته وعِظَم جُرمه كثيرة؛ منها:
قال تعالى: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ لَا يَغۡفِرُ أَن يُشۡرَكَ بِهِۦ وَيَغۡفِرُ مَا دُونَ ذَٰلِكَ لِمَن يَشَآءُۚ وَمَن يُشۡرِكۡ بِٱللَّهِ فَقَدِ ٱفۡتَرَىٰٓ إِثۡمًا عَظِيمًا 48﴾ [النساء: 48]، وقال سبحانه: ﴿...إِنَّهُۥ مَن يُشۡرِكۡ بِٱللَّهِ فَقَدۡ حَرَّمَ ٱللَّهُ عَلَيۡهِ ٱلۡجَنَّةَ وَمَأۡوَىٰهُ ٱلنَّارُۖ وَمَا لِلظَّٰلِمِينَ مِنۡ أَنصَارٖ 72﴾ [المائدة: 72]، وقال تعالى: ﴿وَلَقَدۡ أُوحِيَ إِلَيۡكَ وَإِلَى ٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِكَ لَئِنۡ أَشۡرَكۡتَ لَيَحۡبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ ٱلۡخَٰسِرِينَ 65 بَلِ ٱللَّهَ فَٱعۡبُدۡ وَكُن مِّنَ ٱلشَّٰكِرِينَ 66﴾ [الزمر: 65 - 66].
وعن أبي بكرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «أَلَا أُنَبِّئُكُمْ بِأَكْبَرِ الكَبَائِرِ؟» ثَلاَثًا، قَالُوا: بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: «الإِشْرَاكُ بِاللَّهِ، وَعُقُوقُ الوَالِدَيْنِ، وَقَتْلُ النَّفْسِ، وَشَهَادَةُ الزُّورِ» [23]. [23] رواه البخاري برقم (4477)، ومسلم برقم (86).
وللشرك أضرار كثيرة منها:
- أن الشرك مُحبِطٌ لجميع الأعمال، قال تعالى: ﴿...وَلَوۡ أَشۡرَكُواْ لَحَبِطَ عَنۡهُم مَّا كَانُواْ يَعۡمَلُونَ 88﴾ [الأنعام: 88].
- أن مَن مات عليه ولم يتب منه؛ فهو خالدٌ مُخلَّد في النار، فعن جابر رضي الله عنه قال: أَتَى النَّبِيَّ ﷺ رَجُلٌ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، مَا المُوجِبَتَانِ؟ فَقَالَ: «مَنْ مَاتَ لَا يُشْرِكُ بِاللَّهِ شَيْئًا دَخَلَ الجَنَّةَ، وَمَنْ مَاتَ يُشْرِكُ بِاللَّهِ شَيْئًا دَخَلَ النَّارَ» [24]. [24] رواه مسلم برقم (93).
- أن المشرك غير معصوم الدم والمال؛ فعن ابن عمر رضي الله عنهما، أن رسول الله ﷺ قال: «أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَشْهَدُوا أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ، وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ، فَإِذَا فَعَلُوا ذَلِكَ عَصَمُوا مِنِّي دِمَاءَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ إِلَّا بِحَقِّ الإِسْلَامِ، وَحِسَابُهُمْ عَلَى اللَّهِ» [25]. [25] رواه البخاري برقم (25)، ومسلم برقم (22).
- أن المشرك لا يجد عونًا ولا مددًا من الله على ما يلقاه من مصائب الدنيا، وتستولي عليه الشياطين من كل جانب، ويعيش في قلق واضطراب، وخوف دائم وحزن لازم، قال تعالى: ﴿...وَمَن يُشۡرِكۡ بِٱللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ ٱلسَّمَآءِ فَتَخۡطَفُهُ ٱلطَّيۡرُ أَوۡ تَهۡوِي بِهِ ٱلرِّيحُ فِي مَكَانٖ سَحِيقٖ﴾ [الحج: 31].
يقول السعدي رحمه الله في تفسير هذه الآية: "...كذلك المشرك، فالإيمان بمنزلة السماء، محفوظة مرفوعة، ومن ترك الإيمان بمنزلة الساقط من السماء، عُرضة للآفات والبليات، فإما أن تخطفه الطير فتقطعه أعضاء، كذلك المشرك إذا ترك الاعتصام بالإيمان تخطَّفته الشياطين من كل جانب، ومزقوه، وأذهبوا عليه دينه ودنياه" [26]. [26] تفسير السعدي (ص: 538).
-أن المشرك لا يغسَّل، ولا يكفَّن، ولا يصلى عليه، ولا يدفن في مقابر المسلمين.
سبل الوقاية من الشرك:
يحمي المسلم نفسه من الوقوع في الشرك بأن:
- يتعلم التوحيد والعقيدة الصحيحة، ويعمل بموجب ما تعلَّمه، قال تعالى: ﴿فَٱعۡلَمۡ أَنَّهُۥ لَآ إِلَٰهَ إِلَّا ٱللَّه...﴾ [محمد: 19]، يقول الإمام ابن القيم رحمه الله: "قال تعالى: ﴿فَٱعۡلَمۡ أَنَّهُۥ لَآ إِلَٰهَ إِلَّا ٱللَّه...﴾، فالعلم بوحدانيته تعالى، وأنه لا إله إلا هو مطلوب لذاته، وإن كان لا يُكتفى به وحده، بل لا بد معه من عبادته وحده لا شريك له، فهما أمران مطلوبان لأنفسهما: أن يعرف الرب تعالى بأسمائه وصفاته وأفعاله وأحكامه، وأن يعبد بموجبها ومقتضاها، فكما أن عبادته مطلوبة مرادة لذاتها، فكذلك العلم به ومعرفته، وأيضًا فإن العلم من أفضل أنواع العبادات" [27]. [27] مفتاح دار السعادة (1/ 178).
- أن يتجنب الشرك الأصغر؛ كيسير الرياء، والحلف بغير الله، وقول الرجل للرجل: ما شاء الله وشئت، وهذا من الله ومنك، وأنا بالله وبك، وتوكلت على الله وعليك، ونحو ذلك، فإن الشرك الأصغر وسيلة إلى الشرك الأكبر.
- أن يعرف صور الشرك وأنواعه المنتشرة بين الناس كي يجتنبها ولا يقع فيها.
- أن يدعوَ الله عز وجل أن يثبِّته على التوحيد وأن يجنِّبه الشرك، قال تعالى مخبرًا عن إبراهيم عليه السلام: ﴿وَإِذۡ قَالَ إِبۡرَٰهِيمُ رَبِّ ٱجۡعَلۡ هَٰذَا ٱلۡبَلَدَ ءَامِنٗا وَٱجۡنُبۡنِي وَبَنِيَّ أَن نَّعۡبُدَ ٱلۡأَصۡنَامَ 35﴾ [إبراهيم: 35]، وقد كان رسول الله ﷺ يكثر أن يقول: «يَا مُقَلِّبَ القُلُوبِ ثَبِّتْ قَلْبِي عَلَى دِينِكَ» [28]. [28] رواه الترمذي برقم (2140).
الكذب على الله ورسوله
الكذب بوجه عام من كبائر الذنوب، ومن أشنع وأبشع أنواع الكذب: الكذب على الله ورسوله ﷺ، قال السعدي: "لا أحد أعظم ظلمًا، ولا أكبر جُرمًا، ممن كذب على الله، بأن نسب إلى الله قولًا أو حكمًا وهو تعالى بريء منه، وإنما كان هذا أظلم الخلق؛ لأن فيه من الكذب وتغيير الأديان أصولها، وفروعها، ونسبةُ ذلك إلى الله ما هو من أكبر المفاسد" [29]. [29] تفسير السعدي (ص: 265).
ومن أنواع الكذب أن يفسر كلام الله بغير ما أراد الله؛ لأن المقصود من الكلام معناه، فإذا قال: أراد الله بكذا كذا وكذا، فهو كاذب على الله، شاهد على الله بما لم يرده الله عز وجل، وكذا إذا فسر كلام رسوله ﷺ بغير ما أراد.
وأدلة تحريم الكذب على الله ورسوله وبيان شناعته وعِظَمِ جُرمه كثيرة، منها:
قال تعالى: ﴿قَالُواْ ٱتَّخَذَ ٱللَّهُ وَلَدٗاۗ سُبۡحَٰنَهُۥۖ هُوَ ٱلۡغَنِيُّۖ لَهُۥ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلۡأَرۡضِۚ إِنۡ عِندَكُم مِّن سُلۡطَٰنِۭ بِهَٰذَآۚ أَتَقُولُونَ عَلَى ٱللَّهِ مَا لَا تَعۡلَمُونَ 68 قُلۡ إِنَّ ٱلَّذِينَ يَفۡتَرُونَ عَلَى ٱللَّهِ ٱلۡكَذِبَ لَا يُفۡلِحُونَ 69 مَتَٰعٞ فِي ٱلدُّنۡيَا ثُمَّ إِلَيۡنَا مَرۡجِعُهُمۡ ثُمَّ نُذِيقُهُمُ ٱلۡعَذَابَ ٱلشَّدِيدَ بِمَا كَانُواْ يَكۡفُرُونَ70﴾ [يونس: 68 - 70].
فمن كذب على الله تعالى وزعم أن له زوجة أو ولدًا أو شريكًا فهو كافر بالله تعالى.
وقال تعالى: ﴿وَيَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ تَرَى ٱلَّذِينَ كَذَبُواْ عَلَى ٱللَّهِ وُجُوهُهُم مُّسۡوَدَّةٌۚ أَلَيۡسَ فِي جَهَنَّمَ مَثۡوٗى لِّلۡمُتَكَبِّرِينَ60﴾ [الزمر: 60].
قال السمعاني: "ومعنى كذبوا على الله، أي: زعموا أن الله اتخذ ولدًا أو شريكًا، ويقال: هو عام في كل كذب على الله" [30]. [30] تفسير السمعاني (4/ 478).
وقال تعالى: ﴿وَمَنۡ أَظۡلَمُ مِمَّنِ ٱفۡتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ كَذِبًاۚ أُوْلَٰٓئِكَ يُعۡرَضُونَ عَلَىٰ رَبِّهِمۡ وَيَقُولُ ٱلۡأَشۡهَٰدُ هَٰٓؤُلَآءِ ٱلَّذِينَ كَذَبُواْ عَلَىٰ رَبِّهِمۡۚ أَلَا لَعۡنَةُ ٱللَّهِ عَلَى ٱلظَّٰلِمِينَ18﴾ [هود: 18].
وقال تعالى: ﴿وَلَا تَقُولُواْ لِمَا تَصِفُ أَلۡسِنَتُكُمُ ٱلۡكَذِبَ هَٰذَا حَلَٰلٞ وَهَٰذَا حَرَامٞ لِّتَفۡتَرُواْ عَلَى ٱللَّهِ ٱلۡكَذِبَۚ إِنَّ ٱلَّذِينَ يَفۡتَرُونَ عَلَى ٱللَّهِ ٱلۡكَذِبَ لَا يُفۡلِحُونَ 116 مَتَٰعٞ قَلِيلٞ وَلَهُمۡ عَذَابٌ أَلِيمٞ117﴾ [النحل: 116-117].
قال ابن حجر الهيتمي: "ولا ريب أن تعمُّد الكذب على الله ورسوله في تحليل حرام أو تحريم حلال كفر محض" [31]. [31] الزواجر عن اقتراف الكبائر (1/ 162).
وعن المغيرة بن شعبة رضي الله عنه، قال: سمعت النبي ﷺ يقول: «إِنَّ كَذِبًا عَلَيَّ لَيْسَ كَكَذِبٍ عَلَى أَحَدٍ، مَنْ كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّدًا، فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ» [32]. [32] رواه البخاري برقم (1291)، ومسلم برقم (933).
قال النووي: "فيه تعظيم تحريم الكذب عليه ﷺ، وأنه فاحشة عظيمة، وموبقة كبيرة، ولكن لا يكفر بهذا الكذب إلا أن يستحله، هذا هو المشهور من مذاهب العلماء" [33]. [33] شرح مسلم (1/ 69).
وقال ابن القيم: "الكذب على رسول الله ﷺ موجبًا لدخول النار، واتخاذ منزلًا منها مُبوَّءًا، وهو المنزل اللازم الذي لا يفارقه صاحبه" [34]. [34] مدارج السالكين (1/ 379).
وللكذب على الله ورسوله أضرار كثيرة، منها:
- الكذب على الله هو سبيل المشركين، قال تعالى: ﴿وَلَا تَقُولُواْ لِمَا تَصِفُ أَلۡسِنَتُكُمُ ٱلۡكَذِبَ هَٰذَا حَلَٰلٞ وَهَٰذَا حَرَامٞ لِّتَفۡتَرُواْ عَلَى ٱللَّهِ ٱلۡكَذِبَۚ إِنَّ ٱلَّذِينَ يَفۡتَرُونَ عَلَى ٱللَّهِ ٱلۡكَذِبَ لَا يُفۡلِحُونَ 116 مَتَٰعٞ قَلِيلٞ وَلَهُمۡ عَذَابٌ أَلِيمٞ 117﴾ [النحل: 116- 117].
قال ابن كثير: "نهى تعالى عن سلوك سبيل المشركين، الذين حلَّلوا وحرَّموا بمجرد ما وضعوه واصطلحوا عليه من الأسماء بآرائهم، من البَحِيرَةِ والسَّائِبَةِ والوَصِيلَةِ والْحَامِ، وغير ذلك مما كان شرعًا لهم ابتدعوه في جاهليتهم" [35]. [35] تفسير ابن كثير (4/ 609).
- الكذب على الله ورسوله سبب تبديل التشريع الإلهي من تحريم ما أحل الله، أو تحليل ما حرم الله.
- يؤدي إلى البدع ومحدثات الأمور، قال ابن كثير: "ويدخل في هذا – أي في قوله تعالى: ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلَالٌ وَهَذَا حَرَامٌ﴾- كل من ابتدع بدعة ليس له فيها مستند شرعي، أو حلَّل شيئًا مما حرَّم الله، أو حرَّم شيئًا مما أباح الله، بمجرد رأيه وتشهيه" [36]. [36] تفسير ابن كثير (4/ 609).
سبل الوقاية من الوقوع في جريمة الكذب على الله ورسوله:
- العلم قبل القول والعمل.
- لزوم سنة النبي ﷺ، واجتناب البدع؛ فعن العرباض بن سارية رضي الله عنه، قال رسول الله ﷺ: «عَلَيْكُمْ بِسُنَّتِي وَسُنَّةِ الخُلَفَاءِ المَهْدِيِّينَ الرَّاشِدِينَ، تَمَسَّكُوا بِهَا وَعَضُّوا عَلَيْهَا بِالنَّوَاجِذِ (أَيْ: الأَضْرَاسِ)، وَإِيَّاكُمْ وَمُحْدَثَاتِ الأُمُورِ، فَإِنَّ كُلَّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ، وَكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ» [37]. [37] رواه أبو داود برقم (4607).
- تحري الصدق، فعن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه، قال: قال رسول الله ﷺ: «عَلَيْكُمْ بِالصِّدْقِ، فَإِنَّ الصِّدْقَ يَهْدِي إِلَى البِرِّ، وَإِنَّ البِرَّ يَهْدِي إِلَى الجَنَّةِ، وَمَا يَزَالُ الرَّجُلُ يَصْدُقُ وَيَتَحَرَّى الصِّدْقَ حَتَّى يُكْتَبَ عِنْدَ اللَّهِ صِدِّيقًا، وَإِيَّاكُمْ وَالكَذِبَ، فَإِنَّ الكَذِبَ يَهْدِي إِلَى الفُجُورِ، وَإِنَّ الفُجُورَ يَهْدِي إِلَى النَّارِ، وَمَا يَزَالُ الرَّجُلُ يَكْذِبُ وَيَتَحَرَّى الكَذِبَ حَتَّى يُكْتَبَ عِنْدَ اللَّهِ كَذَّابًا» [38]. [38] رواه البخاري برقم (6094)، ومسلم برقم (2607).
- النظر في عاقبة الكذب على الله ورسوله في الدنيا والآخرة.
- وجود علماء يدافعون ويدفعون الكذب عن الله ورسوله ﷺ.
البدعة
الابتداع في الدِّين من كبائر الذنوب، وما عُصي الله تعالى بذنب بعد الشرك أحبُّ إلى إبليس من البدعة، قال ابن القيم رحمه الله: "يريد الشيطان أن يظفر بالعبد في عَقَبة من سبع عقبات، بعضها أصعب من بعض، لا ينزل منه من العقبة الشاقة إلى ما دونها إلا إذا عجز عن الظفر به فيها:
العقبة الأولى: عقبة الكفر بالله وبدينه ولقائه، وبصفات كماله، وبما أخبرت به رسله عنه، فإنه إن ظفر به في هذه العقبة بردت نار عداوته واستراح، فإن اقتحم هذه العقبة ونجا منها ببصيرة الهداية، وسلم معه نور الإيمان، طلبه على العقبة الثانية: وهي عقبة البدعة، إما باعتقاد خلاف الحق الذي أرسل الله به رسوله وأنزل به كتابه، وإما بالتعبد بما لم يأذن به الله من الأوضاع والرسوم المحدثة في الدين، التي لا يقبل الله منها شيئًا" [39]. [39] مدارج السالكين (1/ 237).
وحقيقة البدعة: هي طريقة في الدين مخترعة تضاهي الشرعية، يُقصد بالسلوك عليها المبالغة في التعبد لله سبحانه [40]. [40] الاعتصام للشاطبي (1/50).
والبدعة المنهي عنها ما كانت في أمور الدين، أما أمور الدنيا مثل اختراع الناس السيارات أو الطائرات أو الحاسب الآلي أو شبه ذلك مما اخترعه الناس أو الهاتف أو غير ذلك، كل ذلك لا يسمى بدعة، وإن سمي بدعة من حيث اللغة.
وقد تركَنا النبي ﷺ على المحجة البيضاء، ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك، وما من خير إلا وحثنا عليه، وما من شر إلا وقد حذرنا منه، فلم يدَع ﷺ لقائل مقالًا؛ ولهذا فمن أحدث شيئًا في دين الله تعالى لم يأذن به الله، ولم يشرعه رسوله فلا خير فيه، بل هو مردود على صاحبه، فكل أمر لم يكن عليه النبي ﷺ ولا خلفاؤه الراشدون، وصحابته المرضيون، فلا يصح التعبد لله تعالى به؛ فلنرضَ لأنفسنا ما رضي به القوم لأنفسهم، فإنهم على علم وقفوا، وببصر نافذ كفُّوا.
واعلم أن كل بدعة في الدين محرمة وضلالة، والضلال وأهله في النار، والأدلة على تحريمها كثيرة، نذكر منها:
قال الله تعالى محذرًا من اتباع غير كتابه وسنة نبيه: ﴿ٱتَّبِعُواْ مَآ أُنزِلَ إِلَيۡكُم مِّن رَّبِّكُمۡ وَلَا تَتَّبِعُواْ مِن دُونِهِۦٓ أَوۡلِيَآءَۗ قَلِيلٗا مَّا تَذَكَّرُونَ 3﴾ [الأعراف: 3].
وقال سبحانه: ﴿أَمۡ لَهُمۡ شُرَكَٰٓؤُاْ شَرَعُواْ لَهُم مِّنَ ٱلدِّينِ مَا لَمۡ يَأۡذَنۢ بِهِ ٱللَّهُ...﴾ [الشورى: 21].
وعن عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله ﷺ: «مَنْ أَحْدَثَ فِي أَمْرِنَا هَذَا مَا لَيْسَ مِنْهُ فَهُوَ رَدٌّ» [41]. [41] رواه البخاري برقم (2697)، ومسلم برقم (1718).
- وعن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال: كان رسول الله ﷺ يقول: «أَمَّا بَعْدُ فَإِنَّ خَيْرَ الحَدِيثِ كِتَابُ اللهِ، وَخَيْرُ الهُدَى هُدَى مُحَمَّدٍ، وَشَرُّ الأُمُورِ مُحْدَثَاتُهَا وَكُلُّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ» [42]. [42] رواه مسلم برقم (867).
وعن حذيفة بن اليمان رضى الله عنهما قال: "كُلُّ عِبَادَةٍ لَمْ يَتَعَبَّدْهَا أَصْحَابُ رَسُولِ اللهِ ﷺ فَلَا تَعَبَّدُوهَا، فَإِنَّ الأَوَّلَ لَمْ يَدَعْ لِلآخِرِ مَقَالًا، فَاتَّقُوا اللهَ يَا مَعْشَرَ القُرَّاءِ وَخُذُوا طَرِيقَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ" [43]. [43] الباعث على إنكار البدع والحوادث (ص: 16).
وعن سفيان الثوري رحمه الله قال: "البِدْعَةُ أَحَبُّ إِلَى إِبْلِيسَ مِنَ المَعْصِيَةِ، وَالمَعْصِيَةُ يُتَابُ مِنْهَا، وَالبِدْعَةُ لَا يُتَابُ مِنْهَا" [44]. [44] رواه اللالكائي في شرح أصول الاعتقاد (ص: 238).
وللبدعة عدة محاذير وأضرار، منها:
- أنه قد عُلم بالتجارب والخبرة السارية في العالم مِن أول الدنيا إلى اليوم أن العقول غير مستقلة بمصالحها، وبالتالي لابد من شرع يسير عليه الإنسان الذي خلقه ربه، وهو أعلم بمصالحه ومضاره، فإذا لم يسِر على مراد ربه أضرَّ بنفسه وعرَّضها لمواطن الهلَكة.
- المبتدع متبع للهوى؛ لأن العقل إذا لم يكن متبعًا للشرع، لم يبق له إلا الهوى والشهوة، والله تعالى يقول لعبده داود عليه السلام: ﴿...وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ﴾ [ص: 26].
-أن الشريعة جاءت كاملة لا تحتمل الزيادة ولا النقصان؛ فقد قال الله تعالى: ﴿...ٱلۡيَوۡمَ أَكۡمَلۡتُ لَكُمۡ دِينَكُمۡ وَأَتۡمَمۡتُ عَلَيۡكُمۡ نِعۡمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ ٱلۡإِسۡلَٰمَ دِينٗا...﴾ [المائدة: 3]، فمن ابتدع في الدين فقد زعم أن الشريعة ناقصة، وأن النبي ﷺ كتم شيئًا من الوحي.
- أن المبتدع معاند للشرع، ومشاق له؛ لأن الشارع قد عين للتعبد طرقًا خاصة على وجوه خاصة، وقصر الخلق عليها بالأمر والنهي، والوعد والوعيد، وأخبر أن الخير فيها، وأن الشر في تعدِّيها، إلى غير ذلك؛ لأن الله يعلم ونحن لا نعلم، وأنه إنما أرسل الرسول ﷺ رحمة للعالمين، فالمبتدع راد لهذا كله؛ فإنه يزعم أن ثم طرقًا أخرى، وليس ما حصره الشارع بمحصور، ولا ما عيَّنه بمتعين، كأن الشارع يعلم ونحن أيضًا نعلم، بل ربما يُفهم من استدراكه الطرق على الشارع أنه علم ما لم يعلمه الشارع، وهذا إن كان مقصودًا للمبتدع، فهو كفر بالشريعة والشارع، وإن كان غير مقصود، فهو ضلال مبين.
الوقاية:
ومن سبل الوقاية من الوقوع في هذه الكبيرة العظيمة:
- الاعتصام بالكتاب والسنة، بالإضافة إلى نشر ذلك وتبليغه للناس على أكبر قدر ممكن، قال الله تعالى: ﴿وَٱعۡتَصِمُواْ بِحَبۡلِ ٱللَّهِ جَمِيعٗا وَلَا تَفَرَّقُواْ...﴾ [آل عمران: 103]، وحبل الله: الإسلام والقرآن والسنة.
- الاعتماد على الكتاب والسنة فقط في أمور العقيدة التي لا مجال للاجتهاد والاستحسان والقياس فيها، وترك الخوض في المتشابه؛ لأن الخوض فيه علامة على أهل الزيغ والبدع، وسبب كل بلاء ومصيبة دخلت على المسلمين.
- تطبيق السنة في سلوك الفرد وسلوك المجتمع، وذلك بتطبيق ما عَلِمه الإنسان من السنة على سلوكه في جميع مجالات الحياة، فتطبيق السنة يجعل البدعة أمرًا منكرًا في المجتمع، تظهر ملامحها البشعة ومظهرها السيء، وتدل بنفسها على ما تحمله من قبح وتهديد للإسلام والمسلمين.
- الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فالبدع في بدايتها تكون صغيرة ثم تكبر، يبتدعها فرد وسرعان ما يلتف حوله أهل الأهواء، فإذا قام الآمرون بالمعروف الناهون عن المنكر بدورهم في المجتمع أماتوا البدع وأحيوا السنن.
- الرد على ما يوجَّه إلى الدين من حملات ظاهرة أو خفية، وكشف مظاهر الابتداع، وتسليط الضوء عليها من القرآن والسنة لمنعها من التغلغل والانتشار، والاحتراز من كل خروج عن حدود السنة مهما قل أثره أو صغر أمره.
- منع العامة من القول في الدين بغير علم وعدم اعتبار آرائهم المخالفة للشرع مهما كانت مناصبهم.
الرياء
الرياء كبيرة من كبائر الذنوب التي تُحبط العمل؛ إذ هو أحد أنواع الشرك التي حذر منها الشرع، فقد قال ﷺ: «إِنَّ أَخْوَفَ مَا أَخَافُ عَلَيْكُمُ الشِّرْكُ الْأَصْغَرُ» قَالُوا: وَمَا الشِّرْكُ الأَصْغَرُ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: «الرِّيَاءُ...» [45]. [45] رواه أحمد برقم (23630).
وحقيقة الرياء: أن يعمل العبدُ العملَ لا يبتغي به وجهَ الله وحده، سواء كان عمله للناس وحدهم، أو كان لله وابتُغي معه أيضًا نظر الناس إليه، فكلاهما رياء.
وقد يكون الرياء في أصل الإيمان فيكون كفرًا ونفاقًا، وقد يكون في بعض الأعمال التي ليست من أصل الإيمان فيكون شركًا أصغر.
الأدلة:
وقد وردت الأدلة على تحريم الرياء، ومنها:
قال الله تعالى: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تُبۡطِلُواْ صَدَقَٰتِكُم بِٱلۡمَنِّ وَٱلۡأَذَىٰ كَٱلَّذِي يُنفِقُ مَالَهُۥ رِئَآءَ ٱلنَّاسِ وَلَا يُؤۡمِنُ بِٱللَّهِ وَٱلۡيَوۡمِ ٱلۡأٓخِرِ...﴾ [البقرة: 264].
وقال سبحانه: ﴿إِنَّ ٱلۡمُنَٰفِقِينَ يُخَٰدِعُونَ ٱللَّهَ وَهُوَ خَٰدِعُهُمۡ وَإِذَا قَامُوٓاْ إِلَى ٱلصَّلَوٰةِ قَامُواْ كُسَالَىٰ يُرَآءُونَ ٱلنَّاسَ...﴾ [النساء: 142].
وقال تبارك وتعالى: ﴿...فَمَن كَانَ يَرۡجُواْ لِقَآءَ رَبِّهِۦ فَلۡيَعۡمَلۡ عَمَلٗا صَٰلِحٗا وَلَا يُشۡرِكۡ بِعِبَادَةِ رَبِّهِۦٓ أَحَدَۢا 110﴾ [الكهف: 110]. أي: لا يشرك ولا يُرائي بعمله أحدًا.
وقال سبحانه: ﴿فَوَيۡلٞ لِّلۡمُصَلِّينَ 4 ٱلَّذِينَ هُمۡ عَن صَلَاتِهِمۡ سَاهُونَ 5 ٱلَّذِينَ هُمۡ يُرَآءُونَ 6﴾ [الماعون: 4 - 6].
الأضرار:
أضرار الرياء:
-الرياء سبب للخلود في النار إذا وقع في أصل الإيمان؛ إذ هو حينئذ كفر ونفاق، قال تعالى: ﴿وَإِذَا لَقُواْ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ قَالُوٓاْ ءَامَنَّا وَإِذَا خَلَوۡاْ إِلَىٰ شَيَٰطِينِهِمۡ قَالُوٓاْ إِنَّا مَعَكُمۡ إِنَّمَا نَحۡنُ مُسۡتَهۡزِءُونَ 14﴾ [البقرة: 14]، وقال سبحانه: ﴿إِنَّ ٱلۡمُنَٰفِقِينَ فِي ٱلدَّرۡكِ ٱلۡأَسۡفَلِ مِنَ ٱلنَّارِ وَلَن تَجِدَ لَهُمۡ نَصِيرًا 145﴾ [النساء: 145].
-الرياء سبب لحبوط عمل صاحبه، فعن أبي هريرة رضى الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «قَالَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: أَنَا أَغْنَى الشُّرَكَاءِ عَنِ الشِّرْكِ، مَنْ عَمِلَ عَمَلًا أَشْرَكَ فِيهِ مَعِي غَيْرِي، تَرَكْتُهُ وَشِرْكَهُ» [46]. [46] رواه مسلم برقم (2985).
فالمرائي ليس له في الآخرة من أجر على أعماله التي عملها من أجل الناس، فعن محمود بن لبيد رضي الله عنه، أن رسول الله ﷺ قال: «إِنَّ أَخْوَفَ مَا أَخَافُ عَلَيْكُمُ الشِّرْكُ الأَصْغَرُ»، قَالُوا: وَمَا الشِّرْكُ الأَصْغَرُ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قال: «الرِّيَاءُ، يَقُولُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ لَهُمْ يَوْمَ القِيَامَةِ إِذَا جُزِيَ النَّاسُ بِأَعْمَالِهِمْ: اذْهَبُوا إِلَى الَّذِينَ كُنْتُمْ تُرَاءُونَ فِي الدُّنْيَا فَانْظُرُوا هَلْ تَجِدُونَ عِنْدَهُمْ جَزَاءً» [47]. [47] رواه أحمد برقم (23630).
- الرياء سببٌ لدخول النار، فعن أبي هريرة رضى الله عنه قال: قال ﷺ: «إِنَّ أَوَّلَ النَّاسِ يُقْضَى عَلَيْهِ يَوْمَ القِيَامَةِ رَجُلٌ اسْتُشْهِدَ، فَأُتِيَ بِهِ فَعَرَّفَهُ نِعَمَهُ فَعَرَفَهَا، قَالَ: فَمَا عَمِلْتَ فِيهَا؟ قَالَ: قَاتَلْتُ فِيكَ حَتَّى اسْتُشْهِدْتُ، قَالَ: كَذَبْتَ، وَلَكِنَّكَ قَاتَلْتَ لِأَنْ يُقَالَ: جَرِيءٌ، فَقَدْ قِيلَ، ثُمَّ أُمِرَ بِهِ فَسُحِبَ عَلَى وَجْهِهِ حَتَّى أُلْقِيَ فِي النَّارِ، وَرَجُلٌ تَعَلَّمَ العِلْمَ وَعَلَّمَهُ وَقَرَأَ القُرْآنَ، فَأُتِيَ بِهِ فَعَرَّفَهُ نِعَمَهُ فَعَرَفَهَا، قَالَ: فَمَا عَمِلْتَ فِيهَا؟ قَالَ: تَعَلَّمْتُ العِلْمَ وَعَلَّمْتُهُ وَقَرَأْتُ فِيكَ القُرْآنَ، قَالَ: كَذَبْتَ، وَلَكِنَّكَ تَعَلَّمْتَ العِلْمَ لِيُقَالَ: عَالِمٌ، وَقَرَأْتَ القُرْآنَ لِيُقَالَ: هُوَ قَارِئٌ، فَقَدْ قِيلَ، ثُمَّ أُمِرَ بِهِ فَسُحِبَ عَلَى وَجْهِهِ حَتَّى أُلْقِيَ فِي النَّارِ، وَرَجُلٌ وَسَّعَ اللَّهُ عَلَيْهِ، وَأَعْطَاهُ مِنْ أَصْنَافِ المَالِ كُلِّهِ، فَأُتِيَ بِهِ فَعَرَّفَهُ نِعَمَهُ فَعَرَفَهَا، قَالَ: فَمَا عَمِلْتَ فِيهَا؟ قَالَ: مَا تَرَكْتُ مِنْ سَبِيلٍ تُحِبُّ أَنْ يُنْفَقَ فِيهَا إِلَّا أَنْفَقْتُ فِيهَا لَكَ، قَالَ: كَذَبْتَ، وَلَكِنَّكَ فَعَلْتَ لِيُقَالَ: هُوَ جَوَادٌ، فَقَدْ قِيلَ، ثُمَّ أُمِرَ بِهِ فَسُحِبَ عَلَى وَجْهِهِ، ثُمَّ أُلْقِيَ فِي النَّارِ» [48]. [48] رواه مسلم برقم (1905).
- الرياء سبب للفضيحة يوم القيامة على رؤوس الخلائق، فعن جندب رضي الله عنه قال: قال ﷺ: «مَنْ سَمَّعَ سَمَّعَ اللَّهُ بِهِ يَوْمَ القِيَامَةِ، وَمَنْ يُرَائِي يُرَائِي اللَّهُ بِهِ» [49]. ومعنى يرائي الله به، أي: يُنَادى عليه يوم القيامة بأنه كان مُسمِّعًا مُرائيًا. [49] رواه البخاري برقم (6499).
الوقاية:
سبل الوقاية من الرياء:
-أن يعلم أن الله مطلع على سريرته، ويعلم ما يخفيه صدره، قال تعالى: ﴿أَلَمۡ يَعۡلَمُوٓاْ أَنَّ ٱللَّهَ يَعۡلَمُ سِرَّهُمۡ وَنَجۡوَىٰهُمۡ وَأَنَّ ٱللَّهَ عَلَّٰمُ ٱلۡغُيُوبِ 78﴾ [التوبة: 78].
- - استحضار مراقبة الله تعالى للعبد، وهي منزلة "الإحسان" التي ذكرها النبي ﷺ في حديث جبريل، وهي «أَنْ تَعْبُدَ اللهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ، فَإِنَّهُ يَرَاكَ» [50]. [50] رواه مسلم برقم (97).
- أن يحقق الإخلاص في كل أقواله وأعماله، ويبتغي بها كلها وجه الله تعالى.
- أن يعلم أن الناس لا يملكون له نفعًا ولا ضرًا، وأنه إذا أخلص العمل لله رضيَ الله عنه وأحبه، فيوضع له القبول ويحبه الناس بلا حاجة منه إلى مُراءاتهم؛ فعن أبي هريرة رضى الله عنه قال: قال ﷺ: «إِنَّ اللَّهَ إِذَا أَحَبَّ عَبْدًا دَعَا جِبْرِيلَ فَقَالَ: إِنِّي أُحِبُّ فُلَانًا فَأَحِبَّهُ، قَالَ: فَيُحِبُّهُ جِبْرِيلُ، ثُمَّ يُنَادِي فِي السَّمَاءِ فَيَقُولُ: إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ فُلَانًا فَأَحِبُّوهُ، فَيُحِبُّهُ أَهْلُ السَّمَاءِ، قَالَ ثُمَّ يُوضَعُ لَهُ القَبُولُ فِي الأَرْضِ، وَإِذَا أَبْغَضَ عَبْدًا دَعَا جِبْرِيلَ فَيَقُولُ: إِنِّي أُبْغِضُ فُلَانًا فَأَبْغِضْهُ، فَيُبْغِضُهُ جِبْرِيلُ، ثُمَّ يُنَادِي فِي أَهْلِ السَّمَاءِ: إِنَّ اللَّهَ يُبْغِضُ فُلَانًا فَأَبْغِضُوهُ، قَالَ: فَيُبْغِضُونَهُ، ثُمَّ تُوضَعُ لَهُ البَغْضَاءُ فِي الأَرْضِ» [51]. [51] رواه البخاري برقم (3209)، ومسلم برقم (2637).
- أن يستعيذ العبدُ بالله تعالى من الرياء، وفي الحديث عن النبي ﷺ قوله: «أَيُّهَا النَّاسُ، اتَّقُوا هَذَا الشِّرْكَ؛ فَإِنَّهُ أَخْفَى مِنْ دَبِيبِ النَّمْلِ»، فَقَالَ لَهُ: مَنْ شَاءَ اللهُ أَنْ يَقُولَ وَكَيْفَ نَتَّقِيهِ، وَهُوَ أَخْفَى مِنْ دَبِيبِ النَّمْلِ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: «قُولُوا: اللَّهُمَّ إِنَّا نَعُوذُ بِكَ مِنْ أَنْ نُشْرِكَ بِكَ شَيْئًا نَعْلَمُهُ، وَنَسْتَغْفِرُكَ لِمَا لَا نَعْلَمُ» [52]. [52] رواه أحمد برقم (١٩٦٠٦).
وكان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يقول في دعائه: "اللَّهُمَّ اجْعَلْ عَمَلِي كُلَّهُ صَالِحًا، وَاجْعَلْهُ لِوَجْهِكَ خَالِصًا، وَلَا تَجْعَلْ لِأَحَدٍ فِيهِ شَيْئًا" [53]. وعن علي بن أبي طالب رضى الله عنه أنه كان يدعو الله فيقول: "اللَّهُمَّ طَهِّرْ قَلْبِي مِنَ النِّفَاقِ، وَصَدْرِي مِنَ الغِلِّ، وَأَعْمَالِي مِنَ الرِّيَاءِ" [54]. [54] رواه ابن أبي شيبة في المصنف برقم (2951). [53] مجموع فتاوى ابن تيمية (1/99).
- الاستعانة بالله تعالى على التخلص من الرياء، قال الله تعالى عن المؤمنين: ﴿إِيَّاكَ نَعۡبُدُ وَإِيَّاكَ نَسۡتَعِينُ 5﴾ [الفاتحة ٥].
- إخفاء العبادة وعدم إظهارها؛ إلا ما كان يشرع إظهاره من العبادات كالأذان وصلاة الجماعة وما أشبههما مما لا يُمكن ولا يُشرع إخفاؤه.
ترك الصلاة
الصلاة لها مكانة عالية في الإسلام، فهي عمود الدين، وهي أول عبادة بعد الشهادتين، فعن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله ﷺ: «بُنِيَ الإِسْلَامُ عَلَى خَمْسٍ: شَهَادَةِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، وَإِقَامِ الصَّلَاةِ، وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ، وَحَجِّ البَيْتِ، وَصَوْمِ رَمَضَانَ» [55]. [55] رواه البخاري برقم (8)، ومسلم برقم (21).
وترك الصلاة من أعظم الذنوب، وصاحبه يُخشى عليه من الكفر، فعن جابر رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إِنَّ بَيْنَ الرَّجُلِ وَبَيْنَ الشِّرْكِ وَالْكُفْرِ، تَرْكَ الصَّلَاةِ» [56]. [56] رواه مسلم برقم (134).
الأدلة:
وأدلة تحريم ترك الصلاة وبيان شناعته وعِظَمِ جُرمه كثيرة، منها:
قال سبحانه: ﴿فَخَلَفَ مِنۢ بَعۡدِهِمۡ خَلۡفٌ أَضَاعُواْ ٱلصَّلَوٰةَ وَٱتَّبَعُواْ ٱلشَّهَوَٰتِۖ فَسَوۡفَ يَلۡقَوۡنَ غَيًّا 59﴾ [مريم: 59] أي: يلقون عذابًا مضاعفًا شديدًا، ويذكر المفسرون أن إضاعة الصلاة إما بتركها بالكُلِّيَّة، وإما بتأخيرها عن أوقاتها [57]. [57] ينظر: تفسير ابن كثير (5/ 243).
وقال تعالى: ﴿مَا سَلَكَكُمۡ فِي سَقَرَ 42 قَالُواْ لَمۡ نَكُ مِنَ ٱلۡمُصَلِّينَ 43﴾ [المدثر: 42 - 43]، فترك الصلاة من أسباب دخول جهنم، أعاذنا الله منها.
وقال عز وجل: ﴿فَوَيۡلٞ لِّلۡمُصَلِّينَ 4 ٱلَّذِينَ هُمۡ عَن صَلَاتِهِمۡ سَاهُونَ 5﴾ [الماعون: 4 - 5].
قال السعدي: "﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ﴾ أي: الملتزمون لإقامة الصلاة، ولكنهم ﴿عَنْ صَلاتِهِمْ سَاهُونَ﴾ أي: مضيِّعون لها، تاركون لوقتها، مفوِّتون لأركانها، وهذا لعدم اهتمامهم بأمر الله حيث ضيَّعوا الصلاة، التي هي أهم الطاعات، وأفضل القربات" [58]. [58] تفسير السعدي (ص: 935).
وعن بريدة رضي الله عنه، عن النبي ﷺ قال: «العَهْدُ الَّذِي بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمُ الصَّلَاةُ، فَمَنْ تَرَكَهَا فَقَدْ كَفَرَ» [59]. [59] رواه الترمذي برقم (261).
وعن شقيق بن عبد الله -وهو أحد التابعين- قال: "كَانَ أَصْحَابُ مُحَمَّدٍ ﷺ لَا يَرَوْنَ شَيْئًا مِنَ الأَعْمَالِ تَرْكُهُ كُفْرٌ غَيْرَ الصَّلَاةِ" [60]. [60] رواه الترمذي برقم (2622).
الأضرار:
ولترك الصلاة أضرار كثيرة، منها:
- ضياع شعيرة عظيمة من شعائر الإسلام الظاهرة.
- تارك الصلاة معرَّض لأن يقع في الكفر عياذًا بالله، فقد اختلف الفقهاء: هل هو كافر تجري عليه أحكام الكفار؟ أم هو مرتكب لكبيرة من كبائر الذنوب؟
- تارك الصلاة لا حظَّ له في الإسلام، فعن المِسْوَرِ ابْنِ مَخْرَمَةَ أَنَّهُ دَخَلَ عَلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رضي الله عنه مِنَ اللَّيْلَةِ الَّتِي طُعِنَ فِيهَا، فَأَيْقَظَ عُمَرَ لِصَلَاةِ الصُّبْحِ، فَقَالَ: عُمَرُ: "نَعَمْ، وَلَا حَظَّ فِي الإِسْلَامِ لِمَنْ تَرَكَ الصَّلَاةَ" فَصَلَّى عُمَرُ، وَجُرْحُهُ يَثْعَبُ دَمًا"[61]. يثعب دمًا: يجري ويتفجر. [61] موطأ مالك برقم (51).
قال الباجي رحمه الله: "قول عمر: (لا حظ في الإسلام لمن ترك الصلاة) يعني: أنه لا نصيب له في الإسلام، ولا تُقبل منه أعماله؛ إذ الصلاة أول أعمال الإسلام قبولًا وأرفعها شأنًا، فمن ترك الصلاة بطل نصيبه من سائر أعمال الإسلام، ولم ينتفع بها، ولم يكن له نصيب منها" [62]. [62] المنتقى شرح الموطأ (1/ 86).
- ترك الصلاة خيبة وخسران يوم القيامة؛ فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إِنَّ أَوَّلَ مَا يُحَاسَبُ بِهِ العَبْدُ يَوْمَ القِيَامَةِ مِنْ عَمَلِهِ صَلَاتُهُ، فَإِنْ صَلَحَتْ فَقَدْ أَفْلَحَ وَأَنْجَحَ، وَإِنْ فَسَدَتْ فَقَدْ خَابَ وَخَسِرَ» [63]. [63] رواه الترمذي برقم (413).
قال عون بن عبد الله رحمه الله: "إِنَّ العَبْدَ إِذَا أُدْخِلَ قَبْرَهُ سُئِلَ عَنْ الصَّلَاةِ، أَوَّلَ شَيْءٍ يُسْأَلُ عَنْهُ، فَإِنْ جَازَتْ لَهُ نُظِرَ فِيمَا دُونَ ذَلِكَ مِنْ عَمَلِهِ، وَإِنْ لَمْ تُجَزْ لَهُ لَمْ يُنْظَرْ فِي شَيْءٍ مِنْ عَمَلِهِ بَعْدُ" [64]. [64] الكبائر للذهبي (ص: 20).
- من ترك صلاة واحدة غضب الله عليه، قال ابن عباس رضي الله عنهما: "مَنْ تَرَكَ صَلَاةً وَاحِدَةً مُتَعَمِّدًا لَقِيَ اللهَ تَعَالَى وَهُوَ عَلَيْهِ غَضْبَانُ" [65]. [65] الكبائر للذهبي (ص: 20).
- أُمر النبي ﷺ بقتال تاركي الصلاة، عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما، أن رسول الله ﷺ قال: «أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَشْهَدُوا أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ، وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ، فَإِذَا فَعَلُوا ذَلِكَ عَصَمُوا مِنِّي دِمَاءَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ إِلَّا بِحَقِّ الإِسْلَامِ، وَحِسَابُهُمْ عَلَى اللَّهِ» [66]. [66] رواه البخاري برقم (25)، ومسلم برقم (22).
- حرمان النور الذي أخبر عنه النبي ﷺ حيث قال: «الصَّلاةُ نُورٌ» [67]. [67] رواه مسلم برقم (223).
- ترك الصلاة يشيع في المجتمع المسلم الفواحش والمنكرات؛ لأن محافظة المسلمين على الصلاة يقيهم ويقي المجتمع من الفحشاء والمنكر، كما قال تعالى: ﴿...وَأَقِمِ الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ...﴾ [العنكبوت: 45].
الوقاية:
سبل الوقاية من الوقوع في كبيرة ترك الصلاة:
- معرفة عظيم قدر الصلاة في الإسلام، وتعلُّم ذلك من القرآن الكريم والسنة المطهرة.
- تعلُّم صفة صلاة النبي ﷺ، فعن مالك بن الحُويرث رضي الله عنه، عن النبي ﷺ قال: «صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي» [67]. [67] رواه البخاري برقم (631)، ومسلم برقم (674).
- المحافظة على أداء الصلوات المفروضة في المسجد مع جماعة المسلمين، ولا يجعل المسلمُ شيئًا يشغله عن الصلاة في وقتها، قال تعالى: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تُلۡهِكُمۡ أَمۡوَٰلُكُمۡ وَلَآ أَوۡلَٰدُكُمۡ عَن ذِكۡرِ ٱللَّهِۚ وَمَن يَفۡعَلۡ ذَٰلِكَ فَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡخَٰسِرُونَ 9﴾ [المنافقون: 9]، قال ابن حجر الهيتمي: "قال جماعة من المفسرين: المراد بذكر الله هنا الصلوات الخمس، فمن اشتغل عن الصلاة في وقتها بماله كبيعه أو صنعته أو ولده كان من الخاسرين" [68]. [68] الزواجر عن اقتراف الكبائر (1/ 220).
- البعد عن أصدقاء السوء وأهل المعاصي الذين يضيَّعون الصلوات.
- تعويد الأطفال على الصلاة في الصغر، فعن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما قال: قال رسول الله ﷺ: «مُرُوا أَوْلَادَكُمْ بِالصَّلَاةِ وَهُمْ أَبْنَاءُ سَبْعِ سِنِينَ، وَاضْرِبُوهُمْ عَلَيْهَا وَهُمْ أَبْنَاءُ عَشْرٍ» [69]. [69] رواه أبو داود برقم (495).
- الإكثار من نوافل الصلوات؛ لأنها تجبر الخلل الموجود في الفرائض؛ فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إِنَّ أَوَّلَ مَا يُحَاسَبُ بِهِ العَبْدُ يَوْمَ القِيَامَةِ مِنْ عَمَلِهِ صَلَاتُهُ؛ فَإِنْ صَلَحَتْ فَقَدْ أَفْلَحَ وَأَنْجَحَ، وَإِنْ فَسَدَتْ فَقَدْ خَابَ وَخَسِرَ، فَإِنِ انْتَقَصَ مِنْ فَرِيضَتِهِ شَيْءٌ، قَالَ الرَّبُّ عَزَّ وَجَلَّ: انْظُرُوا هَلْ لِعَبْدِي مِنْ تَطَوُّعٍ، فَيُكْمَلُ بِهَا مَا انْتَقَصَ مِنَ الفَرِيضَةِ، ثُمَّ يَكُونُ سَائِرُ عَمَلِهِ عَلَى ذَلِكَ» [70]. [70] رواه الترمذي برقم (413).
- معرفة الأجر الكبير المُتحصِّل عند أداء الصلاة؛ فهي أحبُّ عمل يؤدِّيه المسلم؛ طاعةً لله، كما أنَّها الوسيلة التي يتَّصل من خلالها العبد بخالقه، فيدعوه، ويطلب معونته.
- الحرص والتنبُّه إلى ضرورة المبادرة إلى الصلاة في أول وقتها، ويمكن استخدام الوسائل التي تُعين على ذلك، كضبط المُنبه، أو طلب التذكير من صديق، أو متابعة شيء يتضمن أوقات الصلاة بدقة، وغيرها من الوسائل.
منع الزكاة
الزكاة ركن من أركان الإسلام، وصدقة واجبة تؤخذ من الغني وتعطى للفقير، ومنعها من كبائر الذنوب التي نفى الله عن أهلها الإيمان، وتوعدهم بألوان الوعيد، وتهددهم بأنواع العذاب الشديد في الحياة وبعد الممات، من الهلاك في الدنيا والشقاء والخسران في الآخرة، فمنع الزكاة شؤم على من بخل بها، وعلى المجتمع الذي يُقرُّه على ذلك، ولا ينكر عليه سوء صنيعه.
ومن منع الزكاة جحودًا لا شك في كفره وخروجه من ملة الإسلام، بخلاف من منعها بخلًا بها وشحًّا، فهذا ذنبه عظيم جسيم؛ لما ورد من الآيات والأحاديث الدالة على أن منعها من كبائر الذنوب التي رتب الله تعالى عليها العقوبات الدنيوية والأخروية.
الأدلة:
وقد وردت أدلة كثيرة في الكتاب والسنة للترهيب من منع الزكاة، منها:
قول الله تعالى: ﴿...وَٱلَّذِينَ يَكۡنِزُونَ ٱلذَّهَبَ وَٱلۡفِضَّةَ وَلَا يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ فَبَشِّرۡهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٖ 34 يَوۡمَ يُحۡمَىٰ عَلَيۡهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكۡوَىٰ بِهَا جِبَاهُهُمۡ وَجُنُوبُهُمۡ وَظُهُورُهُمۡۖ هَٰذَا مَا كَنَزۡتُمۡ لِأَنفُسِكُمۡ فَذُوقُواْ مَا كُنتُمۡ تَكۡنِزُونَ 35﴾ [التوبة: 34- 35].
وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال: «مَنْ آتَاهُ اللَّهُ مَالًا، فَلَمْ يُؤَدِّ زَكَاتَهُ، مُثِّلَ لَهُ مَالُهُ شُجَاعًا أَقْرَعَ، لَهُ زَبِيبَتَانِ، يُطَوِّقُهُ يَوْمَ القِيَامَةِ، يَأْخُذُ بِلَهْزَمَتَيْهِ -يَعْنِي شِدْقَيْهِ- ثُمَّ يَقُولُ: أَنَا مَالُكَ، أَنَا كَنْزُكَ» ثم تلا: ﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْرًا لَهُمْ بَلْ هُوَ شَرٌّ لَهُمْ سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ180﴾ [71]. [آل عمران: 180] [71] رواه البخاري برقم (1403).
وعن أبي هريرة رضِي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلّم: «مَا مِنْ صَاحِبِ ذَهٍَب وَلَا فِضَّةٍ لَا يُؤَدِّي مِنْهَا حَقَّهَا إِلَّا إِذَا كَانَ يَوْمُ القِيَامَةِ، صُفِّحَتْ لَهُ صَفَائِحُ مِنْ نَاٍر، فَأُحْمِيَ عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ، فَيُكْوَى بِهَا جَنْبُهُ وَجَبِينُهُ وَظَهْرُهُ، كُلَّمَا بَرَدَتْ أُعِيدَتْ لَهُ، فِي يَوٍْم كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنٍَة، حَتَّى يُقْضَى بَيْنَ الْعِبَادِ، فَيَرَى سَبِيلَهُ، إِمَّا إِلَى الجَنَّةِ وَإِمَّا إِلَى النَّارِ» [72]. [72] رواه مسلم برقم (987).
وها هو تصرف الصديق الأكبر أبي بكر رضي الله عنه مع هؤلاء الذين منعوا الزكاة بعد وفاة النبي ﷺ، حيث قاتلهم حتى تابوا وأدوا زكاة أموالهم، فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: لَمَّا تُوُفِّيَ النَّبِيُّ ﷺ وَاستخَلَفَ أَبُو بَكْرٍ، وَكَفَرَ مَن كَفَرَ مِنْ العَرَبِ، قَالَ عُمَرُ: يَا أَبَا بَكْرٍ، كَيْفَ تُقَاتِلُ النَّاسَ وَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَقُولُوا: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، فَمَنْ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، عَصَمَ مِنِّي مَالَهُ وَنَفْسَهُ إِلَّا بِحَقِّهِ، وَحِسَابُهُ عَلَى اللَّهِ؟» قال أبو بكر: وَاللَّهِ لَأُقَاتِلَنَّ مَنْ فَرَّقَ بَيْنَ الصَّلاَةِ وَالزَّكَاةِ، فَإِنَّ الزَّكَاةَ حَقُّ المَالِ، وَاللَّهِ لَوْ مَنَعُونِي عَنَاقًا (هي الأنثى من ولد المعز التي لم تبلغ سنة) كَانُوا يُؤَدُّونَهَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لَقَاتَلْتُهُمْ عَلَى مَنْعِهَا. قَالَ عُمَرُ: فَوَاللَّهِ مَا هُوَ إِلَّا أَنْ رَأَيْتُ أَنْ قَدْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَ أَبِي بَكْرٍ لِلْقِتَالِ، فَعَرَفْتُ أَنَّهُ الحَقُّ [73]. [73] رواه البخاري برقم (1399)، ومسلم برقم (20).
الأضرار:
ومن أضرار منع الزكاة:
- أن منع الزكاة من أوصاف المشركين، فالمانع للزكاة متشبه بهم، ومن تشبه بقوم، فهو منهم؛ قال تعالى: ﴿...وَوَيۡلٞ لِّلۡمُشۡرِكِينَ 6 ٱلَّذِينَ لَا يُؤۡتُونَ ٱلزَّكَوٰةَ...﴾ [فصلت: 6- 7].
-البخل بالزكاة من أمارات النفاق وموجِباته، قال تعالى في وصف المنافقين: ﴿...وَلَا يُنْفِقُونَ إِلَّا وَهُمْ كَارِهُونَ 54﴾ [التوبة: 54].
- الابتلاء بمنع المطر، فعن ابن عمر رضي الله عنهما، قال رسول الله ﷺ: «...وَلَمْ يَمْنَعُوا زَكَاةَ أَمْوَالِهِمْ، إِلَّا مُنِعُوا القَطْرَ مِنَ السَّمَاءِ، وَلَوْلَا البَهَائِمُ لَمْ يُمْطَرُوا» [74]. [74] رواه ابن ماجه برقم (4019).
- يؤدي إلى مَحْق المال وذهابه بأنواع موجبات الهلاك وأسباب التلف.
- منع الزكاة يؤدي إلى نشر البغضاء في المجتمع بين الفقراء والأغنياء.
الوقاية:
من سبل الوقاية من الوقوع في هذه الكبيرة:
- أن يعلم المسلم أن المال مال الله، وأن الفضل بيد الله يؤتيه من يشاء، فالله جل وعلا هو الذي وهب وله ما أعطى، وهو الذي أمره بأداء تلك الفريضة إلى ذويها المحتاجين إليها، وما أنت إلا مُستخلَف على ذلك المال، فإن شاء الله تعالى أعطاك وإن شاء منعك.
- أن يستحضر المؤدي لها فضل أدائها، وعقوبة منعها، فإذا علم أن الله سيخلف له وهو خير الرازقين، وأنه يربيها له وينميها حتى تصير كجبل أحد من الحسنات، وأن مؤديها بشَّره الله بأنه لا خوف عليه في الدنيا، ولا هو بالذي يحزن في الآخرة، سارع إليها واستبق الخيرات، وإذا علم عقوبة مانعها خاف من عذاب الله الدنيوي والأخروي، وامتثل أمر الله تعالى فرجَا ثوابه، وخاف عقابه.
- أن يستعيذ بالله تعالى من البخل، فقد كان رسول الله ﷺ يأمر بالاستعاذة منه، عن مصعب بن سعد قال: كان سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه يأمر بخمس، ويذكرهن عن النبي ﷺ أنه كان يأمر بهن: «اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ البُخْلِ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنَ الجُبْنِ، وَأَعُوذُ بِكَ أَنْ أُرَدَّ إِلَى أَرْذَلِ العُمُرِ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ فِتْنَةِ الدُّنْيَا، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ عَذَابِ القَبْرِ» [75]. [75] رواه البخاري برقم (6365).
الزنا
الزنا كبيرة عظيمة تدل على فساد الدين والأخلاق، ويتعدى ضررها إلى الشعوب والمجتمعات بالضعف والفساد والزوال، وأخبر النبي ﷺ أن كثرة الزنا وانتشاره هو أحد علامات الساعة؛ فعن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «مِنْ أَشْرَاطِ السَّاعَةِ أَنْ يُرْفَعَ العِلْمُ، وَيَثْبُتَ الجَهْلُ، وَيُشْرَبَ الخَمْرُ، وَيَظْهَرَ الزِّنَا» [76]. [76] البخاري برقم (80)، ومسلم برقم (2671).
الأدلة:
وأدلة تحريم الزنا وبيان شناعته وعِظَمِ جُرمه كثيرة، منها:
قال تعالى: ﴿وَلَا تَقۡرَبُواْ ٱلزِّنَىٰٓۖ إِنَّهُۥ كَانَ فَٰحِشَةٗ وَسَآءَ سَبِيلٗا 32﴾ [الإسراء: 32].
وقال سبحانه: ﴿ٱلزَّانِيَةُ وَٱلزَّانِي فَٱجۡلِدُواْ كُلَّ وَٰحِدٖ مِّنۡهُمَا مِاْئَةَ جَلۡدَةٖۖ وَلَا تَأۡخُذۡكُم بِهِمَا رَأۡفَةٞ فِي دِينِ ٱللَّهِ إِن كُنتُمۡ تُؤۡمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلۡيَوۡمِ ٱلۡأٓخِرِۖ وَلۡيَشۡهَدۡ عَذَابَهُمَا طَآئِفَةٞ مِّنَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ 2﴾ [النور: 2].
وقال تبارك وتعالى: ﴿وَٱلَّذِينَ لَا يَدۡعُونَ مَعَ ٱللَّهِ إِلَٰهًا ءَاخَرَ وَلَا يَقۡتُلُونَ ٱلنَّفۡسَ ٱلَّتِي حَرَّمَ ٱللَّهُ إِلَّا بِٱلۡحَقِّ وَلَا يَزۡنُونَۚ وَمَن يَفۡعَلۡ ذَٰلِكَ يَلۡقَ أَثَامٗا 68 يُضَٰعَفۡ لَهُ ٱلۡعَذَابُ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ وَيَخۡلُدۡ فِيهِۦ مُهَانًا 69 إِلَّا مَن تَابَ وَءَامَنَ وَعَمِلَ عَمَلٗا صَٰلِحٗا فَأُوْلَٰٓئِكَ يُبَدِّلُ ٱللَّهُ سَيِّـَٔاتِهِمۡ حَسَنَٰتٖۗ وَكَانَ ٱللَّهُ غَفُورٗا رَّحِيمٗا 70﴾ [الفرقان: 68 - 70].
وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال النبي ﷺ: «لَا يَزْنِي الزَّانِي حِينَ يَزْنِي وَهُوَ مُؤْمِنٌ» [77]. [77] رواه البخاري برقم (2475)، ومسلم برقم (100).
وعن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: سَألْتُ النَّبِيَّ ﷺ: أَيُّ الذَّنْبِ أَعْظَمُ عِنْدَ اللَّهِ؟ قَالَ: «أَنْ تَجْعَلَ لِلَّهِ نِدًّا وَهُوَ خَلَقَكَ»، قُلْتُ: إِنَّ ذَلِكَ لَعَظِيمٌ، قُلْتُ: ثُمَّ أَيُّ؟ قَالَ: «وَأَنْ تَقْتُلَ وَلَدَكَ تَخَافَ أَنْ يَطْعَمَ مَعَكَ»، قُلْتُ: ثُمَّ أَيُّ؟ قَالَ: «أَنْ تُزَانِيَ حَلِيلَةَ جَارِكَ» [78]. [78] رواه البخاري برقم (4477)، ومسلم برقم (86).
وعن عبادة بن الصامت رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «خُذُوا عَنِّي، خُذُوا عَنِّي، البِكْرُ بِالْبِكْرِ جَلْدُ مِائَةٍ وَنَفْيُ سَنَةٍ، وَالثَّيِّبُ بِالثَّيِّبِ جَلْدُ مِائَةٍ وَالرَّجْمُ» [79]. [79] رواه مسلم برقم (1690).
والزنا كله محرم وكبيرة من كبائر الذنوب، لكن بعض أنواع الزنا أشد غضبًا ومقتًا عند الله من بعض، فمن أشد أنواع الزنا وأبغضها إلى الله:
- زنا المحارم: عن البراء بن عازب رضي الله عنه قال: «لَقِيتُ عَمِّي وَمَعَهُ رَايَةٌ، فَقُلْتُ لَهُ: أَيْنَ تُرِيدُ؟ قَالَ: بَعَثَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَى رَجُلٍ نَكَحَ امْرَأَةَ أَبِيهِ، فَأَمَرَنِي أَنْ أَضْرِبَ عُنُقَهُ، وَآخُذَ مَالَهُ» [80]. [80] رواه أبو داود برقم (4457).
- الزنا بزوجة الجار: عن المقداد بن الأسود رضي الله عنه قال: سَأَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَصْحَابَهُ عَنِ الزِّنَا؟ قَالُوا: حَرَامٌ، حَرَّمَهُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ، فَقَالَ: «لَأَنْ يَزْنِيَ الرَّجُلُ بِعَشْرِ نِسْوَةٍ، أَيْسَرُ عَلَيْهِ مِنْ أَنْ يَزْنِيَ بِامْرَأَةِ جَارِهِ» [81]. [81] رواه البخاري في الأدب المفرد برقم (103).
- الزنا بنساء المجاهدين: عن سليمان بن بريدة، عن أبيه رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «حُرْمَةُ نِسَاءِ المُجَاهِدِينَ عَلَى القَاعِدِينَ كَحُرْمَةِ أُمَّهَاتِهِمْ، وَمَا مِنْ رَجٍُل مِنَ القَاعِدِينَ يُخْلِفُ رَجُلًا مِنَ المُجَاهِدِينَ فِي أَهْلِهِ فَيَخُونُهُ فِيهِمْ، إِلَّا وَقَفَ لَهُ يَوْمَ القِيَامَةِ، فَيَأْخُذُ مِنْ عَمَلِهِ مَا شَاءَ، فَمَا ظَنُّكُمْ؟» [82]. [82] رواه مسلم برقم (1897).
- زنا الشيوخ كبار السن: عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «ثَلَاثَةٌ لَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ القِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ، وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ، وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ: شَيْخٌ زَانٍ، وَمَلِكٌ كَذَّابٌ، وَعَائِلٌ مُسْتَكْبِرٌ» [83]. [83] رواه مسلم برقم (172).
الأضرار:
وللزنا أضرار كثيرة، منها:
- يرتفع الإيمان عن العبد في حال وقوعه في الزنا، فإذا تاب رجع إليه الإيمان، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «إِذَا زَنَى الرَّجُلُ خَرَجَ مِنْهُ الإِيمَانُ كَانَ عَلَيْهِ كَالظُّلَّةِ، فَإِذَا انْقَطَعَ رَجَعَ إِلَيْهِ الإِيمَانُ» [84]. [84] رواه أبو داود برقم (4690).
- الزنا يسبب غضب الله ومقته وعذابه.
- يستوجب العقوبة الشرعية في الدنيا، وهو الرجم حتى الموت إذا كان متزوجًا، أو الجلد مائة جلدة إذا كان بكرًا.
- الزنا يؤدي إلى اختلاط الأنساب، فتتفكك الأسر، وتقع الوحشة بينهم، وينهار المجتمع.
- ظهور أمراض لم تكن في العصور السابقة، مثل مرض الإيدز.
- الزنا يُذهب الحياء والأمانة.
الوقاية:
سبل الوقاية من الوقوع في جريمة الزنا:
- الزواج من أقوى أسباب الوقاية من الزنا، فمن لم يستطع الزواج فعليه بالصوم؛ روى عبد الله بن مسعود رضي الله عنه، عن النبي ﷺ، قال: «مَنِ اسْتَطَاعَ البَاءَةَ فَلْيَتَزَوَّجْ، فَإِنَّهُ أَغَضُّ لِلْبَصَرِ، وَأَحْصَنُ لِلْفَرْجِ، وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَعَلَيْهِ بِالصَّوْمِ، فَإِنَّهُ لَهُ وِجَاءٌ» [85]. [85] رواه البخاري برقم (1905)، ومسلم برقم (1400).
- حفظ الجوارح، وغض البصر، كما قال تعالى: ﴿قُل لِّلۡمُؤۡمِنِينَ يَغُضُّواْ مِنۡ أَبۡصَٰرِهِمۡ وَيَحۡفَظُواْ فُرُوجَهُمۡۚ ذَٰلِكَ أَزۡكَىٰ لَهُمۡۚ إِنَّ ٱللَّهَ خَبِيرُۢ بِمَا يَصۡنَعُونَ 30 وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ...﴾ [النور: 30-31]، وعن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي ﷺ قال: «إِنَّ اللَّهَ كَتَبَ عَلَى ابْنِ آدَمَ حَظَّهُ مِنَ الزِّنَا، أَدْرَكَ ذَلِكَ لَا مَحَالَةَ، فَزِنَا العَيْنِ النَّظَرُ، وَزِنَا اللِّسَانِ المَنْطِقُ، وَالنَّفْسُ تَمَنَّى وَتَشْتَهِي، وَالفَرْجُ يُصَدِّقُ ذَلِكَ أَوْ يُكَذِّبُهُ» [86]. [86] رواه البخاري برقم (6612)، ومسلم برقم (2657).
- عدم الخلوة بامرأة أجنبية؛ فعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: سمعت النبي ﷺ يقول: «لَا يَخْلُوَنَّ رَجُلٌ بِامْرَأٍَة إِلَّا وَمَعَهَا ذُو مَحْرَمٍ» [87]. [87] رواه البخاري برقم (3006)، ومسلم برقم (1341).
- التزام المرأة المسلمة بالحجاب الذي أمر الله به في سورة النور والأحزاب، وتجنب التبرج الذي نهى الشرع عنه.
- عدم الدخول للمواقع الإباحية، أو التواصل مع أصدقاء السوء من رجال ونساء.
- الترغيب في التوبة بشروطها الثلاثة (الإقلاع عن الزنا - الندم - العزم ألا يعود إليها)، قال تعالى في وصف عباد الرحمن: ﴿...وَلَا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا 68 يُضَٰعَفۡ لَهُ ٱلۡعَذَابُ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ وَيَخۡلُدۡ فِيهِۦ مُهَانًا 69 إِلَّا مَن تَابَ وَءَامَنَ وَعَمِلَ عَمَلٗا صَٰلِحٗا فَأُوْلَٰٓئِكَ يُبَدِّلُ ٱللَّهُ سَيِّـَٔاتِهِمۡ حَسَنَٰتٖۗ وَكَانَ ٱللَّهُ غَفُورٗا رَّحِيمٗا 70﴾ [الفرقان: 68 - 70].
السرقة
السرقة كبيرة من كبائر الذنوب التي تخل بأمانة الإنسان ودينه، وقد أوجب الله تعالى فيها الحد، وهو قطع اليد متى توفرت شروطه، ونفى الإيمان عن صاحبها حال ارتكابه هذه الكبيرة، وأوجب عليه اللعن.
وهناك أنواع أخرى لها تعلق بالسرقة وإن اختلف الحكم فيها، منها، الاختلاس، والنهب، والنشل، وكل واحد من هذا الأعمال القبيحة له حكمه وجزاؤه.
الأدلة:
وأدلة تحريم السرقة وبيان شناعتها وعِظَمِ جُرمها كثيرة، منها:
قوله تعالى: ﴿وَٱلسَّارِقُ وَٱلسَّارِقَةُ فَٱقۡطَعُوٓاْ أَيۡدِيَهُمَا جَزَآءَۢ بِمَا كَسَبَا نَكَٰلٗا مِّنَ ٱللَّهِۗ وَٱللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٞ 38﴾ [المائدة: 38].
قال ابن شهاب الزهري: "نَكَّلَ اللهُ بالقَطْعِ في سَرِقَةِ أَمْوَالِ النَّاسِ، وَاللهُ عَزِيزٌ في انتِقَامِهِ مِنَ السَّارِقِ، حَكِيمٌ فِيمَا أَوْجَبَهُ مِنْ قَطْعِ يَدِهِ" [88]. [88] الكبائر للذهبي (ص: 97).
وعن أبي هريرة رضي الله عنه، قال: قال النبي ﷺ: «لَا يَزْنِي الزَّانِي حِينَ يَزْنِي وَهُوَ مُؤْمِنٌ، وَلَا يَسْرِقُ حِينَ يَسْرِقُ وَهُوَ مُؤْمِنٌ» [89]. [89] رواه البخاري برقم (2475)، ومسلم برقم (75).
وعن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي ﷺ قال: «لَعَنَ اللَّهُ السَّارِقَ، يَسْرِقُ البَيْضَةَ فَتُقْطَعُ يَدُهُ، وَيَسْرِقُ الحَبْلَ فَتُقْطَعُ يَدُهُ» [90]. [90] رواه البخاري برقم (6810)، ومسلم برقم (1687).
وعن عائشة رضي الله عنها قالت: قال النبي ﷺ: «تُقْطَعُ اليَدُ فِي رُبُعِ دِينَارٍ فَصَاعِدًا» [91]. [91] رواه البخاري برقم (6789)، ومسلم برقم (1684).
وعن عروة بن الزبير، أنَّ امْرَأَةً سَرَقَتْ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي غَزْوَةِ الفَتْحِ، فَفَزِعَ قَوْمُهَا إِلَى أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ يَسْتَشْفِعُونَهُ، قَالَ عُرْوَةُ: فَلَمَّا كَلَّمَهُ أُسَامَةُ فِيهَا، تَلَوَّنَ وَجْهُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَقَالَ: «أَتُكَلِّمُنِي فِي حَدٍّ مِنْ حُدُودِ اللَّهِ»، قَالَ أُسَامَةُ: اسْتَغْفِرْ لِي يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَلَمَّا كَانَ العَشِيُّ قَامَ رَسُولُ اللَّهِ خَطِيبًا، فَأَثْنَى عَلَى اللَّهِ بِمَا هُوَ أَهْلُهُ، ثُمَّ قَالَ: «أَمَّا بَعْدُ، فَإِنَّمَا أَهْلَكَ النَّاسَ قَبْلَكُمْ: أَنَّهُمْ كَانُوا إِذَا سَرَقَ فِيهِمُ الشَّرِيفُ تَرَكُوهُ، وَإِذَا سَرَقَ فِيهِمُ الضَّعِيفُ أَقَامُوا عَلَيْهِ الحَدَّ، وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ، لَوْ أَنَّ فَاطِمَةَ بِنْتَ مُحَمَّدٍ سَرَقَتْ لَقَطَعْتُ يَدَهَا»، ثُمَّ أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِتِلْكَ المَرْأَةِ فَقُطِعَتْ يَدُهَا، فَحَسُنَتْ تَوْبَتُهَا بَعْدَ ذَلِكَ وَتَزَوَّجَتْ، قَالَتْ عَائِشَةُ رضي الله عنها: "فَكَانَتْ تَأْتِي بَعْدَ ذَلِكَ فَأَرْفَعُ حَاجَتَهَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ" [92]. [92] رواه البخاري برقم (4304)، ومسلم برقم (1688).
وهذا الحد الشديد وهو قطع اليد سببه التعدي على مال الغير، وهو حدٌّ رادع فيه عبرة لمن تُحدِّثه نفسه بسرقة أموال الناس، وهو أيضًا تطهير للسارق من ذنبه، وإرساء لقواعد الأمن والطمأنينة في المجتمع، وحفظ لأموال الناس.
الأضرار:
وللسرقة أضرار كثيرة، منها:
-السرقة تنافي كمال الإيمان، للحديث السابق: «وَلَا يَسْرِقُ حِينَ يَسْرِقُ وَهُوَ مُؤْمٌِن».
- السارق متوعَّد بالعذاب في الآخرة إن لم يتب، إضافة على ما يلاقيه من عار في الدنيا.
- أنها سبب لقطع يد السارق.
- يُحرم السارق من إجابة الدعاء، فعن أبي هريرة رضي الله عنه، قال: «ذَكَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الرَّجُلَ يُطِيلُ السَّفَرَ أَشْعَثَ أَغْبَرَ، يَمُدُّ يَدَيْهِ إِلَى السَّمَاءِ، يَا رَبِّ، يَا رَبِّ، وَمَطْعَمُهُ حَرَامٌ، وَمَشْرَبُهُ حَرَامٌ، وَمَلْبَسُهُ حَرَامٌ، وَغُذِّيَ بِالْحَرَامِ، فَأَنَّى يُسْتَجَابُ لِذَلِكَ» [93]. [93] رواه مسلم برقم (1015).
- أنها دليل على دناءة النفس وحقارة الشأن.
- الناس لا يأمنون السارق على شيء ولو كان تافهًا.
الوقاية:
سبل الوقاية من الوقوع في السرقة:
- تطبيق الحد بقطع يد السارق من أقوى أسباب علاج السرقة في المجتمع.
- الترغيب بحفظ الأمانة والترهيب من الخيانة بالسرقة ونحوها.
- تذكُّر بركة الرزق الحلال على الأسرة كلها، وشؤم السرقة وتأثيرها على جميع الأسرة.
- تربية الأطفال على التعفف وعدم الاعتداء على حقوق الغير وممتلكاتهم، وتوفير ما يلزم الطفل من احتياجاته الأساسية حتى لا يوسوس له الشيطان بالسرقة، وإبعاده عن أصدقاء السوء الذين يزينون له مثل هذه السلوكيات.
- الاكتفاء بالحلال من الحرام من الرزق وأبوابه والسعي في ذلك، ودعاء الله عز وجل، ومن ذلك ما جاء في الحديث عن النبي ﷺ: «اللَّهُمَّ اكْفِنِي بِحَلَالِكَ عَنْ حَرَامِكَ، وَأَغْنِنِي بِفَضْلِكَ عَمَّنْ سِوَاكَ» [94]. [94] رواه الترمذي برقم (٣٥٦٣).
شرب الخمر
الخمر من الخبائث التي حرَّمتها الشريعة، ولعنت من يتعاطاها أو يشارك فيها بصُنعٍ أو ببيعٍ أو بحملٍ أو بسقيٍ أو غير ذلك، فشرب الخمر كبيرة من كبائر الذنوب التي تُعرِّض صاحبها للوعيد الشديد في الآخرة، مع ما يصيب مقترفها من عواقب سيئة في الدنيا.
وأخبر النبي ﷺ أن انتشار شرب الخمر وذيوعه هو أحد علامات يوم القيامة؛ فعن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «مِنْ أَشْرَاطِ السَّاعَةِ أَنْ يُرْفَعَ العِلْمُ، وَيُثْبَتَ الجَهْلُ، وَيُشْرَبَ الخَمْرُ، وَيَظْهَرَ الزِّنَا» [95]. [95] البخاري برقم (80)، ومسلم برقم (2671).
ويدخل في حكم الخمر، كل ما أسكر وغيَّب العقل، مثل جميع أنواع المخدرات والحشيشة، فكلها حرام، لا يجوز تعاطي شيء منها، فعن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله ﷺ: «كُلُّ مُسْكِرٍ خَمْرٌ، وَكُلُّ مُسْكرٍ حَرَامٌ، وَمَنْ شَرِبَ الخَمْرَ فِي الدُّنْيَا فَمَاتَ وَهُوَ يُدْمِنُهَا وَلَمْ يَتُبْ، لَمْ يَشْرَبْهَا فِي الآخِرَةِ» [96]. [96] رواه مسلم برقم (2003).
الأدلة:
وأدلة تحريم شرب الخمر وبيان شناعته وعِظَمِ جُرمه كثيرة، منها:
قال الله تعالى: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ إِنَّمَا ٱلۡخَمۡرُ وَٱلۡمَيۡسِرُ وَٱلۡأَنصَابُ وَٱلۡأَزۡلَٰمُ رِجۡسٞ مِّنۡ عَمَلِ ٱلشَّيۡطَٰنِ فَٱجۡتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمۡ تُفۡلِحُونَ 90 إِنَّمَا يُرِيدُ ٱلشَّيۡطَٰنُ أَن يُوقِعَ بَيۡنَكُمُ ٱلۡعَدَٰوَةَ وَٱلۡبَغۡضَآءَ فِي ٱلۡخَمۡرِ وَٱلۡمَيۡسِرِ وَيَصُدَّكُمۡ عَن ذِكۡرِ ٱللَّهِ وَعَنِ ٱلصَّلَوٰةِۖ فَهَلۡ أَنتُم مُّنتَهُونَ 91﴾ [المائدة: 90-91].
وعن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: «كُنْتُ سَاقِيَ القَوْمِ يَوْمَ حُرِّمَتِ الخَمْرُ فِي بَيْتِ أَبِي طَلْحَةَ، فَإِذَا مُنَادٍ يُنَادِي، فَقَالَ: اخْرُجْ فَانْظُرْ، فَخَرَجْتُ فَإِذَا مُنَاٍد يُنَادِي: أَلَا إِنَّ الخَمْرَ قَدْ حُرِّمَتْ، فَقَالَ لِي أَبُو طَلْحَةَ: اخْرُجْ فَأَهْرِقْهَا، فَأَهْرَقْتُهَا، فَجَرَتْ فِي سِكَكِ المَدِينَةِ» [97]. [97] رواه البخاري برقم (2464)، ومسلم برقم (1980).
وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال النبي ﷺ: «لَا يَزْنِي الزَّانِي حِينَ يَزْنِي وَهُوَ مُؤْمِنٌ، وَلَا يَشْرَبُ الخَمْرَ حِينَ يَشْرَبُ وَهُوَ مُؤْمِنٌ» [98]. [98] رواه البخاري برقم (2475)، ومسلم برقم (100).
وعن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله ﷺ: «لَعَنَ اللَّهُ الخَمْرَ، وَشَارِبَهَا، وَسَاقِيَهَا، وَبَائِعَهَا، وَمُبْتَاعَهَا، وَعَاصِرَهَا، وَمُعْتَصِرَهَا، وَحَامِلَهَا، وَالمَحْمُولَةَ إِلَيْهِ» [99]. [99] رواه أبو داود برقم (3674).
وعن أبي الدرداء رضي الله عنه قال: أوصاني خليلي ﷺ: «لَا تَشْرَبِ الخَمْرَ، فَإِنَّهَا مِفْتَاحُ كُلِّ شَرٍّ» [100]. [100] رواه ابن ماجه برقم (3371).
وعن أبي الدرداء رضي الله عنه عن النبي ﷺ قال: «لَا يَدْخُلُ الجَنَّةَ، مُدْمِنُ خَمْرٍ» [101]. [101] رواه ابن ماجه برقم (3376).
الأضرار:
ومن العقوبات والمخاطر المترتبة على تلك الكبيرة:
- من شرب الخمر لم تُقبل له صلاة أربعين يومًا، فقد ورد عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما قال: قال رسول الله ﷺ: «مَنْ شَرِبَ الخَمْرَ لَمْ تُقْبَلْ لَهُ صَلَاةٌ أَرْبَعِينَ صَبَاحًا، فَإِنْ تَابَ تَابَ اللَّهُ عَلَيْهِ، فَإِنْ عَادَ لَمْ يَقْبَلِ اللَّهُ لَهُ صَلَاةً أَرْبَعِينَ صَبَاحًا، فَإِنْ تَابَ تَابَ اللَّهُ عَلَيْهِ، فَإِنْ عَادَ لَمْ يَقْبَلِ اللَّهُ لَهُ صَلَاةً أَرْبَعِينَ صَبَاحًا، فَإِنْ تَابَ تَابَ اللَّهُ عَلَيْهِ، فَإِنْ عَادَ الرَّابِعَةَ لَمْ يَقْبَلِ اللَّهُ لَهُ صَلَاةً أَرْبَعِينَ صَبَاحًا، فَإِنْ تَابَ لَمْ يَتُبِ اللَّهُ عَلَيْهِ، وَسَقَاهُ مِنْ نَهْرِ الخَبَالِ» قِيلَ: يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ: وَمَا نَهْرُ الخَبَالِ؟ قَالَ: نَهْرٌ مِنْ صَدِيدِ أَهْلِ النَّارِ [102]. [102] رواه الترمذي برقم (1862).
- إن مات شاربها ولم يتب منها حَرُمت عليه في الآخرة، فعن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما، أن رسول الله ﷺ قال: «مَنْ شَرِبَ الخَمْرَ فِي الدُّنْيَا ثُمَّ لَمْ يَتُبْ مِنْهَا، حُرِمَهَا فِي الآخِرَةِ» [103]. [103] رواه البخاري برقم (5575)، ومسلم برقم (2003).
- أنها توقع العداوة والبغضاء بين المسلمين، وتهدم كثيرًا من الأُسر، فكثير من حالات الطلاق وتشتت الأولاد هو بسبب إدمان شرب الخمر، فالذي يشرب الخمر ويغيِّب عقلَه يصبح بلا وعي؛ وقد يرتكب من الموبقات ما تقشعر منه الأبدان، فالخمر أم الخبائث ومفتاح كل شر.
- أنها تستهلك أموال متعاطيها فيما يضر ولا ينفع، وسوف يُسأل الإنسان عن ماله من أين اكتسبه وفيما أنفقه، فعن أبي برزة الأسلمي رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «لَا تَزُولُ قَدَمَا عَبْدٍ يَوْمَ القِيَامَةِ حَتَّى يُسْأَلَ عَنْ عُمُرِهِ فِيمَا أَفْنَاهُ، وَعَنْ عِلْمِهِ فِيمَ فَعَلَ، وَعَنْ مَالِهِ مِنْ أَيْنَ اكْتَسَبَهُ وَفِيمَ أَنْفَقَهُ، وَعَنْ جِسْمِهِ فِيمَ أَبْلَاهُ» [104]. [104] رواه الترمذي برقم (2417).
- الخمر تزيد الهموم همومًا، والمشاكل تعقيدًا، لا كما يقول البطَّالون: إنها تجلب المسرة والفرح، وإن كان فهو فرح مزيَّف مغشوش، وسُرور كاذب، سرعان ما يذهب، ويعقبه ندم وحسرة، وهم وغم لأوقات طويلة.
- تناول المسكر يؤدي إلى كثير من الأضرار الحسية والمعنوية، ويكفي من ضرره أنه يذهب العقل الذي شرف الله تعالى به الإنسان.
الوقاية:
ومن سبل الوقاية من تعاطيها وإدمانها:
- تعظيم أمر الله ونهيه، وسرعة امتثال الأمر واجتناب النهي؛ ذلك أن الإنسان إذا اعتقد بكمال رحمة الله وحكمته فيما خلق وقدر، وفيما أمر ونهى، رضي بكل تعاليم ربه وأحكامه، وتقبلها بقبول حسن، وسارع إلى تنفيذها دون ضجر أو حرج.
- العلم بما ينتج عن تعاطي المسكرات من نتائج سيئة، وتصرفات مخزية، وذل ومهانة، وخزي وندامة.
- الإرادة والإصرار على التغيير، فلابد من العزم وبذل الوسع.
- الابتعاد عن أصدقاء السوء، ومصاحبة الطيبين الصالحين، وسوف يجد منهم العون الكثير بإذن الله.
- توجد بعض العلاجات الطبية التي تُساعد في علاج من أدمن الخمر، أو المخدرات، فيمكن الاستفادة منها والذهاب إلى الأطباء والمراكز المتخصصة.
الربا
الربا كبيرة من أعظم الذنوب، وهي محاربة لله ولرسوله ﷺ، وتُعرِّض صاحبها لأضرار شديدة في الدنيا والآخرة، كما أنها تفسد الحياة الاقتصادية، وتؤثر على الفرد والمجتمع.
والربا هو الزيادة على الدَّين مقابل الأجل مطلقًا، وهو أيضًا الزيادة في مبادلة شيئين يجري فيهما الربا، ويسمى ربا الفَضْل، وأما ربا النَّسِيئة فهو تأخير القبض في بيع كل جنسين اتفقا في علة ربا الفَضْل.
عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «الذَّهَبُ بِالذَّهَبِ، وَالْفِضَّةُ بِالفِضَّةِ، وَالبُرُّ بِالبُرِّ، وَالشَّعِيرُ بِالشَّعِيرِ، وَالتَّمْرُ بِالتَّمْرِ، وَالمِلْحُ بِالمِلْحِ، مِثْلًا بِمِثْلٍ، يَدًا بِيَدٍ، فَمَنْ زَادَ أَوِ اسْتَزَادَ فَقَدْ أَرْبَى، الآخِذُ وَالمُعْطِي فِيهِ سَوَاءٌ» [105]. [105] رواه البخاري برقم (2177)، ومسلم برقم (1584).
ومعاملات وطرق الربا كثيرة، فعلى المسلم أن يعرفها ويحذر منها، ويبتعد عنها، وأن لا يُقدِم على أي معاملة إلا بعد أن يتعلم حكمها.
الأدلة:
ولقد ورد في التحذير من الربا نصوص كثيرة في الكتاب والسنة، منها:
قول الله تعالى: ﴿ٱلَّذِينَ يَأۡكُلُونَ ٱلرِّبَوٰاْ لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ ٱلَّذِي يَتَخَبَّطُهُ ٱلشَّيۡطَٰنُ مِنَ ٱلۡمَسِّۚ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمۡ قَالُوٓاْ إِنَّمَا ٱلۡبَيۡعُ مِثۡلُ ٱلرِّبَوٰاْۗ وَأَحَلَّ ٱللَّهُ ٱلۡبَيۡعَ وَحَرَّمَ ٱلرِّبَوٰاْۚ فَمَن جَآءَهُۥ مَوۡعِظَةٞ مِّن رَّبِّهِۦ فَٱنتَهَىٰ فَلَهُۥ مَا سَلَفَ وَأَمۡرُهُۥٓ إِلَى ٱللَّهِۖ وَمَنۡ عَادَ فَأُوْلَٰٓئِكَ أَصۡحَٰبُ ٱلنَّارِۖ هُمۡ فِيهَا خَٰلِدُونَ 275﴾ [البقرة: 275].
وقال عز وجل: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَذَرُواْ مَا بَقِيَ مِنَ ٱلرِّبَوٰٓاْ إِن كُنتُم مُّؤۡمِنِينَ 278 فَإِن لَّمۡ تَفۡعَلُواْ فَأۡذَنُواْ بِحَرۡبٖ مِّنَ ٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦ...﴾ [البقرة: 278- 279].
وقال سبحانه: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَأۡكُلُواْ ٱلرِّبَوٰٓاْ أَضۡعَٰفٗا مُّضَٰعَفَةٗۖ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ لَعَلَّكُمۡ تُفۡلِحُونَ 130﴾ [آل عمران: 130].
وعن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي ﷺ قال: «اجْتَنِبُوا السَّبْعَ المُوبِقَاتِ» (أي: المُهْلِكات)، قَالوا: يَا رَسُولَ اللهِ وَمَا هُنَّ؟ قَالَ: «الشِّرْكُ بِاللَّهِ، وَالسِّحْرُ، وَقَتْلُ النَّفْسِ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ، وَأَكْلُ الرِّبَا، وَأَكْلُ مَالِ اليَتِيمِ، وَالتَّوَلِّي يَوْمَ الزَّحْفِ، وَقَذْفُ المُحْصَنَاتِ المُؤْمِنَاتِ الغَافِلَاتِ» [106]. [106] رواه البخاري برقم (2766)، ومسلم برقم (89).
وعن سمرة بن جندب رضي الله عنه قال: قال النبي ﷺ: «رَأَيْتُ اللَّيْلَةَ رَجُلَيْنِ أَتَيَانِي، فَأَخْرَجَانِي إِلَى أَرْضٍ مُقَدَّسَةٍ، فَانْطَلَقْنَا حَتَّى أَتَيْنَا عَلَى نَهْرٍ مِنْ دَمٍ، فِيهِ رَجُلٌ قَائِمٌ، وَعَلَى وَسَطِ النَّهْرِ رَجُلٌ، بَيْنَ يَدَيْهِ حِجَارَةٌ، فَأَقْبَلَ الرَّجُلُ الَّذِي فِي النَّهْرِ، فَإِذَا أَرَادَ الرَّجُلُ أَنْ يَخْرُجَ رَمَى الرَّجُلُ بِحَجَرٍ فِي فِيهِ، فَرَدَّهُ حَيْثُ كَانَ، فَجَعَلَ كُلَّمَا جَاءَ لِيَخْرُجَ رَمَى فِي فِيهِ بِحَجَرٍ، فَيَرْجِعُ كَمَا كَانَ، فَقُلْتُ: مَا هَذَا؟ فَقَالَ: الَّذِي رَأَيْتَهُ فِي النَّهْرِ آكِلُ الرِّبَا» [107]. [107] رواه البخاري برقم (2085)، ومسلم برقم (2275).
الأضرار:
والتعامل بالربا له أضرار كثيرة، منها:
- آكل الربا متوعد بالوعيد الشديد والعذاب الأليم في الآخرة، وقد آذنه الله تعالى ورسوله ﷺ بالحرب، قال تعالى: ﴿فَإِن لَّمۡ تَفۡعَلُواْ فَأۡذَنُواْ بِحَرۡبٖ مِّنَ ٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦ...﴾ [البقرة: 279].
- أنه قد تعرض للعنة رسول الله ﷺ؛ فعن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال: «لَعَنَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ آكِلَ الرِّبَا، وَمُؤْكِلَهُ، وَكَاتِبَهُ، وَشَاهِدَيْهِ، وَقَالَ: هُمْ سَوَاءٌ» [108]. [108] رواه مسلم برقم (1598).
- أنه أكلٌ لأموال الناس بالباطل، قال تعالى: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَأۡكُلُوٓاْ أَمۡوَٰلَكُم بَيۡنَكُم بِٱلۡبَٰطِلِ إِلَّآ أَن تَكُونَ تِجَٰرَةً عَن تَرَاضٖ مِّنكُمۡ...﴾ [النساء: 29]، والمعنى كما قال الطبري: "لا يأكل بعضكم أموال بعض بما حُرِّم عليه من الربا والقمار، وغير ذلك من الأمور التي نهاكم الله عنها إلا أن تكون تجارة" [109]. [109] تفسير الطبري (6/ 625).
- أن الأموال المكتسبة من الربا ممحوقة البركة، قال تعالى: ﴿يَمۡحَقُ ٱللَّهُ ٱلرِّبَوٰاْ وَيُرۡبِي ٱلصَّدَقَٰتِۗ وَٱللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ 276﴾ [البقرة: 276]، قال السعدي: "﴿يمحق الله الربا﴾ أي: يُذهبه ويُذهب بركته ذاتًا ووصفًا، فيكون سببًا لوقوع الآفات فيه ونزع البركة عنه، وإن أنفق منه لم يؤجر عليه، بل يكون زادًا له إلى النار" [110]. [110] تفسير السعدي (ص117).
وعن ابن مسعود رضي الله عنه، عن النبي ﷺ، قال: «مَا أَحَدٌ أَكْثَرَ مِنَ الرِّبَا إِلَّا كَانَ عَاقِبَةُ أَمْرِهِ إِلَى قِلَّةٍ» [111]. [111] رواه ابن ماجه برقم (2279).
- أن الربا يزرع الأحقاد في القلوب، وينزع منها الرأفة والرحمة، وبذلك تموت الأخوة، وتتفكك بنية المجتمع.
- أن الربا جريمة اجتماعية إذا تفشت في مجتمع من المجتمعات دمرته وقوَّضت بنيانه.
الوقاية:
سبل الوقاية من التعامل بالربا:
- تحقيق الإيمان، قال تعالى: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَأۡكُلُواْ ٱلرِّبَوٰٓاْ أَضۡعَٰفٗا مُّضَٰعَفَةٗ...﴾ [آل عمران: 130]، وهذا يدل على أن الإيمان هو السبب الداعي والموجب لامتثال ذلك الأمر، واجتناب ذلك النهي؛ لأن الإيمان هو التصديق الكامل بما يجب التصديق به، المستلزم لأعمال الجوارح [112]. [112] ينظر تفسير السعدي (ص148).
- تحقيق التقوى: قال تعالى: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَأۡكُلُواْ ٱلرِّبَوٰٓاْ أَضۡعَٰفٗا مُّضَٰعَفَةٗۖ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ لَعَلَّكُمۡ تُفۡلِحُونَ 130﴾ [آل عمران: 130].
- الحرص على نيل رحمة الله، قال الله تعالى بعد النهي عن الربا: ﴿وَأَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَٱلرَّسُولَ لَعَلَّكُمۡ تُرۡحَمُونَ 132﴾ [آل عمران: 132].
- استحضار الموت، وما يكون يوم القيامة من أهوال، قال تعالى بعد آيات الربا: ﴿وَٱتَّقُواْ يَوۡمٗا تُرۡجَعُونَ فِيهِ إِلَى ٱللَّهِۖ ثُمَّ تُوَفَّىٰ كُلُّ نَفۡسٖ مَّا كَسَبَتۡ وَهُمۡ لَا يُظۡلَمُونَ 281﴾ [البقرة: 281].
- الخوف من النار، قال الله تعالى بعد النهي عن الربا: ﴿وَٱتَّقُواْ ٱلنَّارَ ٱلَّتِيٓ أُعِدَّتۡ لِلۡكَٰفِرِينَ 131﴾ [آل عمران: 131].
- تعلُّم الأحكام الشرعية، ومنها أحكام البيوع وأحكام الربا، قال عمر بن الخطاب: "لَا يَبِعْ فِي سُوقِنَا إِلَّا مَنْ قَدْ تَفَقَّهَ فِي الدِّينِ" [113]. وفي لفظٍ: "وَإِلَّا أَكَلَ الرِّبَا شَاءَ أَوْ أَبَى" [114]. [113] رواه الترمذي برقم (487). [114] الترغيب والترهيب للأصبهاني (810).
- الاكتفاء بالحلال من الحرام من الرزق وأبوابه، ودعاء الله عز وجل، ومن ذلك ما جاء في الحديث عن النبي ﷺ: «اللَّهُمَّ اكْفِنِي بِحَلَالِكَ عَنْ حَرَامِكَ، وَأَغْنِنِي بِفَضْلِكَ عَمَّنْ سِوَاكَ» [115]. [115] رواه الترمذي برقم (٣٥٦٣).
عقوق الوالدين
عقوق الوالدين من أكبر الكبائر، ومن أخطرها بعد الشرك بالله تعالى؛ لذا جمع الله بين حقه وحق الوالدين في أكثر من آية، منها قوله تعالى: ﴿وَٱعۡبُدُواْ ٱللَّهَ وَلَا تُشۡرِكُواْ بِهِۦ شَيۡـٔٗاۖ وَبِٱلۡوَٰلِدَيۡنِ إِحۡسَٰنٗا...﴾ [النساء: 36]، وقال تبارك وتعالى: ﴿وَوَصَّيۡنَا ٱلۡإِنسَٰنَ بِوَٰلِدَيۡهِ حَمَلَتۡهُ أُمُّهُۥ وَهۡنًا عَلَىٰ وَهۡنٖ وَفِصَٰلُهُۥ فِي عَامَيۡنِ أَنِ ٱشۡكُرۡ لِي وَلِوَٰلِدَيۡكَ إِلَيَّ ٱلۡمَصِيرُ 14﴾ [لقمان: 14].
وحقيقة عقوق الوالدين: هو أن يصدر من الإنسان ما يتأذى به والداه من قول أو فعل، أو ترك الإحسان إليهما، ويدخل في ذلك عصيانهما فيما يأمرانه به، إلا في حالة أن يأمراه بالشرك أو بمعصية الله تعالى، فلا يطعهما في هاتين الحالتين؛ لأنه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق، مع الترفق بهما والإحسان إليهما، قال تعالى: ﴿وَإِن جَٰهَدَاكَ عَلَىٰٓ أَن تُشۡرِكَ بِي مَا لَيۡسَ لَكَ بِهِۦ عِلۡمٞ فَلَا تُطِعۡهُمَاۖ وَصَاحِبۡهُمَا فِي ٱلدُّنۡيَا مَعۡرُوفٗا...﴾ [لقمان: 15].
وقد سئل كعب الأحبار رحمه الله عن عقوق الوالدين ما هو؟ قال: "هُوَ إِذَا أَقْسَمَ عَلَيْهِ أَبُوهُ أَوْ أُمُّهُ لَمْ يَبَرَّ قَسَمَهُمَا، وَإِذَا أَمَرَاهُ بِأَمْرٍ لَمْ يُطِعْ أَمْرَهُمَا، وَإِذَا سَأَلَاهُ شَيْئًا لَمْ يُعْطِهِمَا، وَإِذَا ائْتَمَنَاهُ خَانَهُمَا" [116]. [116] الكبائر للذهبي (ص: 41).
الأدلة:
وأدلة تحريم عقوق الوالدين وبيان شناعته وعِظَمِ جُرمه كثيرة، منها:
قوله تعالى: ﴿وَقَضَىٰ رَبُّكَ أَلَّا تَعۡبُدُوٓاْ إِلَّآ إِيَّاهُ وَبِٱلۡوَٰلِدَيۡنِ إِحۡسَٰنًاۚ إِمَّا يَبۡلُغَنَّ عِندَكَ ٱلۡكِبَرَ أَحَدُهُمَآ أَوۡ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُل لَّهُمَآ أُفّٖ وَلَا تَنۡهَرۡهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوۡلٗا كَرِيمٗا 23 وَٱخۡفِضۡ لَهُمَا جَنَاحَ ٱلذُّلِّ مِنَ ٱلرَّحۡمَةِ وَقُل رَّبِّ ٱرۡحَمۡهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرٗا 24﴾ [الإسراء: 23- 24].
عن أبي بكرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «أَلَا أُنَبِّئُكُمْ بِأَكْبَرِ الكَبَائِرِ؟»، قُلْنَا: بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: «الإِشْرَاكُ بِاللَّهِ، وَعُقُوقُ الوَالِدَيْنِ، وَشَهَادَةُ الزُّورِ، أَوْ قَوْلُ الزُّورِ» [117]. [117] رواه البخاري برقم (2654)، ومسلم برقم (87).
وعن أنس رضي الله عنه قال: سئل النبي ﷺ عن الكبائر، فقال: «الإِشْرَاكُ بِاللَّهِ، وَعُقُوقُ الوَالِدَيْنِ، وَقَتْلُ النَّفْسِ، وَشَهَادَةُ الزُّورِ» [118]. [118] رواه البخاري برقم (2653)، ومسلم برقم (144).
وعن المغيرة بن شعبة رضي الله عنه، عن النبي ﷺ قال: «إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَ عَلَيْكُمْ عُقُوقَ الأُمَّهَاتِ...» [119]. [119] رواه البخاري برقم (2408)، ومسلم برقم (593).
الأضرار:
ولعقوق الوالدين أضرار كثيرة، منها:
- عقوق الوالدين من أسباب حرمان العبد من نظر الله إليه يوم القيامة، وحرمان له من دخول الجنة؛ فعن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله ﷺ: «ثَلَاثَةٌ لَا يَنْظُرُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ إِلَيْهِمْ يَوْمَ القِيَامَةِ: العَاقُّ لِوَالِدَيْهِ، وَالمَرْأَةُ المُتَرَجِّلَةُ، وَالدَّيُّوثُ، وَثَلَاثَةٌ لَا يَدْخُلُونَ الجَنَّةَ: العَاقُّ لِوَالِدَيْهِ، وَالمُدْمِنُ عَلَى الخَمْرِ، وَالمَنَّانُ بِمَا أَعْطَى» [120]. [120] رواه النسائي برقم (2562).
- العاق كافر بنعمة الله سبحانه وبإحسان والديه، قال تبارك وتعالى: ﴿...أَنِ ٱشۡكُرۡ لِي وَلِوَٰلِدَيۡكَ إِلَيَّ ٱلۡمَصِيرُ 14﴾ [لقمان: 14].
- عقوق الوالدين من أسباب سخط الله تعالى، فعن عبد الله بن عمر رضي الله عنه قال: "رِضَا الرَّبِّ فِي رِضَا الوَالِدِ، وَسَخَطُ الرَّبِّ فِي سَخَطِ الوَالِدِ" [121]. [121] رواه البخاري في الأدب المفرد برقم (2).
- العقوق يحدث زعزعة في الأسرة وبالتالي في المجتمع بأسره، فمن لا يبر والديه لا يبره أبناؤه، ولا يبر جيرانَه ومجتمعه.
الوقاية:
سبل الوقاية من عقوق الوالدين:
- تحاشي إيذاء الوالدين بأدنى أذية فقد قال تعالى: ﴿فَلَا تَقُل لَّهُمَآ أُفّٖ﴾، وهذا أدنى مراتب الأذى نبه به على ما سواه، والمعنى لا تؤذهما أدنى أذية، ﴿وَلَا تَنۡهَرۡهُمَا﴾ أي: لا تزجرهما ولا تتكلم لهما كلامًا خشنًا، ﴿وَقُل لَّهُمَا قَوۡلٗا كَرِيمٗا﴾ بلفظ يحبانه، وتأدب وتلطف بكلام لين حسن يلذ على قلوبهما، وتطمئن به نفوسهما، وذلك يختلف باختلاف الأحوال والعوائد والأزمان [122]. [122] ينظر تفسير السعدي (ص: 5).
- معرفة أن الوالدين هما أحق الناس بحسن الصُّحبة والمعاملة، فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَنْ أَحَقُّ النَّاسِ بِحُسْنِ صَحَابَتِي؟ قَالَ: «أُمُّكَ»، قَالَ: ثُمَّ مَنْ؟ قَالَ: «ثُمَّ أُمُّكَ»، قَالَ: ثُمَّ مَنْ؟ قَالَ: «ثُمَّ أُمُّكَ»، قَالَ: ثُمَّ مَنْ؟ قَالَ: «ثُمَّ أَبُوكَ» [123]. [123] رواه البخاري برقم (5971)، ومسلم برقم (2548).
- أن يعلم أنه مهما أحسن إلى والديه فإنه لم يجزهما حقهما، وأن حقهما أعظم من جميع إحسانه، فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «لَا يَجْزِي وَلَدٌ وَالِدًا، إِلَّا أَنْ يَجِدَهُ مَمْلُوكًا فَيَشْتَرِيَهُ فَيُعْتِقَهُ» [124]. أي: لا يقوم ولد بما لأبيه عليه من حق، ولا يكافئه بإحسانه به، إلا أن يصادفه مملوكًا فيعتقه. [124] رواه مسلم برقم (1510).
"وَرَأَى ابْنُ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما رَجُلًا قَدْ حَمَلَ أُمَّهُ عَلَى رَقَبَتِهِ وَهُوَ يَطُوفُ بِهَا حَوْلَ الكَعْبَةِ، فَقَالَ الرَّجُلُ: يَا ابْنَ عُمَرَ، أَتَرَانِي جَزَيْتُهَا؟ قَالَ: لَا، وَلَا بِطَلْقَةٍ وَاحِدَةٍ مِنْ طَلْقَاتِهَا، وَلَكِنْ قَدْ أَحْسَنْتَ، وَاللَّهُ يُثِيبُكَ عَلَى القَلِيلِ كَثِيرًا" [125]. [125] ينظر الكبائر للذهبي (ص: 42).
- مجاهدة النفس في إرضاء الوالدين، وهو نوع من أنواع الجهاد في سبيل الله، فعن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما، قال: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ، يَسْتَأْذِنُهُ فِي الجِهَادِ فَقَالَ: «أَحَيٌّ وَالِدَاكَ؟»، قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: «فَفِيهِمَا فَجَاهِدْ» [126]. [126] رواه البخاري برقم (3004)، ومسلم برقم (2549).
- اتِّقاء سبِّ الرجل لوالدَي مَن يتشاجر معه؛ فيدفع ذلك خصمه لسب والديه، فعن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما، أن رسول الله ﷺ قال: «إِنَّ مِنْ أَكْبَرِ الكَبَائِرِ أَنْ يَلْعَنَ الرَّجُلُ وَالِدَيْهِ»، قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَكَيْفَ يَلْعَنُ الرَّجُلُ وَالِدَيْهِ؟ قَالَ: «يَسُبُّ الرَّجُلُ أَبَا الرَّجُلِ، فَيَسُبُّ أَبَاهُ، وَيَسُبُّ أُمَّهُ فَيَسُبُّ أُمَّهُ» [127]. [127] رواه البخاري برقم (5973)، ومسلم برقم (90).
- الحرص على عدم إحزان الوالدين، فعن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما قال: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: جِئْتُ أُبَايِعُكَ عَلَى الهِجْرَةِ، وَتَرَكْتُ أَبَوَيَّ يَبْكِيَانِ، فَقَالَ: «ارْجِعْ عَلَيْهِمَا فَأَضْحِكْهُمَا كَمَا أَبْكَيْتَهُمَا» [128]. [128] رواه أبو داود برقم (2528).
- تعليم الصغار بر الوالدين منذ الصغر.
قطيعة الرحم
قطيعة الرحم، والإساءة إلى الأرحام، أو التهرب من أداء حقوقهم؛ صفة من صفات الخاسرين الذين قطعوا ما أمر الله به أن يوصل، بل إن ذلك جريمة وكبيرة من كبائر الذنوب، ولا يفعل مثل هذا الجُرم إلا من قسا قلبه وقلَّت مروءته وانعدم إحساسه بالمسؤولية.
والأرحام: هم الأقارب من جهة الأب ومن جهة الأم، وقطيعة الرحم تكون بهجرهم، والإعراض عن الزيارة المستطاعة لهم، وعدم مشاركتهم في مسراتهم، وعدم مواساتهم في أحزانهم، كما تكون بتفضيل غيرهم عليهم في الصِّلات والعطاءات الخاصة، التي هم أحق بها من غيرهم.
الأدلة:
وأدلة تحريم قطع الرحم كثيرة، منها:
قال الله تعالى: ﴿فَهَلۡ عَسَيۡتُمۡ إِن تَوَلَّيۡتُمۡ أَن تُفۡسِدُواْ فِي ٱلۡأَرۡضِ وَتُقَطِّعُوٓاْ أَرۡحَامَكُمۡ 22 أُوْلَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ لَعَنَهُمُ ٱللَّهُ فَأَصَمَّهُمۡ وَأَعۡمَىٰٓ أَبۡصَٰرَهُمۡ 23﴾ [محمد: 22- 23].
وقال تبارك وتعالى: ﴿وَٱلَّذِينَ يَنقُضُونَ عَهۡدَ ٱللَّهِ مِنۢ بَعۡدِ مِيثَٰقِهِۦ وَيَقۡطَعُونَ مَآ أَمَرَ ٱللَّهُ بِهِۦٓ أَن يُوصَلَ وَيُفۡسِدُونَ فِي ٱلۡأَرۡضِ أُوْلَٰٓئِكَ لَهُمُ ٱللَّعۡنَةُ وَلَهُمۡ سُوٓءُ ٱلدَّارِ 25﴾ [الرعد: 25].
﴿...وَيَقۡطَعُونَ مَآ أَمَرَ ٱللَّهُ بِهِۦٓ أَن يُوصَلَ...﴾
أي: ويقطعون الرحم التي أمرهم الله بوصلها [129]. [129] تفسير الطبري (13/ 514).
- عن جبير بن مطعم رضي الله عنه أنه سمع النبي ﷺ يقول: «لَا يَدْخُلُ الجَنَّةَ قَاطِعٌ» [130]. يعني قاطع رحم. [130] رواه مسلم برقم (5984).
وعن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي ﷺ قال: «خَلَقَ اللَّهُ الخَلْقَ، فَلَمَّا فَرَغَ مِنْهُ قَامَتِ الرَّحِمُ، فَأَخَذَتْ بِحَقْوِ الرَّحْمَنِ (مَوْضِعِ شَدِّ الإِزَارِ)، فَقَالَ: مَهْ، قَالَتْ: هَذَا مَقَامُ العَائِذِ بِكَ مِنَ القَطِيعَةِ، قَالَ: أَلَا تَرْضَيْنَ أَنْ أَصِلَ مَنْ وَصَلَكِ، وَأَقْطَعَ مَنْ قَطَعَكِ، قَالَتْ: بَلَى يَا رَبِّ، قَالَ: فَذَاكِ» قال أبو هريرة: اقرءوا إن شئتم: ﴿فَهَلۡ عَسَيۡتُمۡ إِن تَوَلَّيۡتُمۡ أَن تُفۡسِدُواْ فِي ٱلۡأَرۡضِ وَتُقَطِّعُوٓاْ أَرۡحَامَكُمۡ 22﴾ [131]. [محمد: 22] [131] رواه البخاري برقم (4830)، ومسلم برقم (2554).
وعن عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله ﷺ: «الرَّحِمُ مُعَلَّقَةٌ بِالعَرْشِ تَقُولُ: مَنْ وَصَلَنِي وَصَلَهُ اللَّهُ، وَمَنْ قَطَعَنِي قَطَعَهُ اللَّهُ» [132]. [132] رواه البخاري برقم (5989)، ومسلم برقم (2555).
الأضرار:
ومن أضرار وعقوبات هذه الكبيرة:
- قاطع الرحم ملعون في كتاب الله تعالى، كما في الآيات السابقة.
- وقد جعل الله من صفات الفاسقين الخاسرين قطع ما أمر الله به أن يوصل، ومن ذلك صلة الأرحام، قال تعالى: ﴿ٱلَّذِينَ يَنقُضُونَ عَهۡدَ ٱللَّهِ مِنۢ بَعۡدِ مِيثَٰقِهِۦ وَيَقۡطَعُونَ مَآ أَمَرَ ٱللَّهُ بِهِۦٓ أَن يُوصَلَ وَيُفۡسِدُونَ فِي ٱلۡأَرۡضِۚ أُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡخَٰسِرُونَ 27﴾ [البقرة: 27].
- قاطع الرحم تُعجَّل له العقوبة في الدنيا، مع ما يُدَّخر له من العقوبة في الآخرة؛ فعن أبي بكرة رضي الله عنه، عن رسول الله ﷺ قال: «مَا مِنْ ذَنْبٍ أَجْدَرُ أَنْ يُعَجِّلَ اللَّهُ لِصَاحِبِهِ العُقُوبَةَ فِي الدُّنْيَا مَعَ مَا يَدَّخِرُ لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنَ البَغْيِ وَقَطِيعَةِ الرَّحِمِ» [133]. [133] رواه أبو داود برقم (4902).
- ومن أعظم العقوبات التي يعاقَب بها قاطع الرحم أن يُحرم من دخول الجنة، فعن جبير بن مطعم رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «لَا يَدْخُلُ الجَنَّةَ قَاطِعٌ» [134]. [134] رواه البخاري برقم (5984)، ومسلم برقم (2556).
- لا يُرفع لقاطع الرحم عمل ولا يقبله الله منه، فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: سمعت النبي ﷺ يقول: «إِنَّ أَعْمَالَ بَنِي آدَمَ تُعْرَضُ عَلَى اللَّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى عَشِيَّةَ كُلِّ خَمِيسٍ لَيْلَةَ الْجُمُعَةِ فَلَا يُقْبَلُ عَمَلُ قَاطِعِ رَحِمٍ» [135]. [135] رواه أحمد برقم (10272).
الوقاية:
وسبل الوقاية من الوقوع في مخاطر هذه الكبيرة هي:
- أن يتذكر المسلم فضل صلة الرحم، فيكون باعثًا له على المحافظة عليها، ومنها: عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «مَنْ سَرَّهُ أَنْ يُبْسَطَ لَهُ رِزْقُهُ، أَوْ يُنْسَأَ لَهُ فِي أَثَرِهِ (أَيْ: يُمَدَّ لَهُ فِي عُمُرِهِ)، فَلْيَصِلْ رَحِمَهُ» [136]. [136] رواه البخاري برقم (2067)، ومسلم برقم (2557).
-مُقابلة الإساءة بالإحسان، والقطع بالوصل؛ فعن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما عن النبي ﷺ قال: «لَيْسَ الوَاصِلُ بِالْمُكَافِئِ، وَلَكِنَّ الوَاصِلَ الَّذِي إِذَا قُطِعَتْ رَحِمُهُ وَصَلَهَا» [137]. [137] رواه البخاري برقم (5991).
- قبول الأعذار والصفح عن الإساءة، فهي من أخلاق الأنبياء والمرسلين صلوات الله وسلامه عليهم، ويُضرب المثل في ذلك بيوسف عليه السلام رغم ما فعله إخوته به؛ إلا أنه عفى عنهم وتجاوز عن فعلتهم ليبقي حبل الود موصولًا بينهم.
- الجود بالنفس والمال على الأرحام دون انتظار المقابل منهم، واجتناب المنة عليهم وتحميلهم ما لا طاقة لهم به، والتواضع وحسن الخلق معهم، والصبر والترفع عن أخطائهم وزلاتهم، وإحسان الظن بهم، وعدم الإكثار من لومهم ومعاتبتهم.
- الحرص على تجميع الأقارب فيما بينهم؛ كدعوتهم في المناسبات والولائم، وزيارتهم، والتواصل معهم على الهاتف.
- تعويد الأطفال وتربيتهم على أهمية صلة الرحم؛ ليقتدوا بذلك ويطبقوه عندما يكبروا.
- حل المشكلات العائلية بالمشورة واللطف، خاصة ما يتعلق بقضايا الميراث.
- ترك التكلف مع الأقارب الذي يؤدي إلى القطيعة.
الكهانة والعِرافة والتنجيم وإتيان من يتلبس بهذه المنكرات
الكهانة والعِرافة والتنجيم ذنوب عظيمة تقدح في عقيدة صاحبها؛ فهو إما أنه يدَّعي معرفة الغيب، أو يُرْجِع الأمورَ إلى النجوم، وكل هذا قادح في التوحيد.
والكاهن هو الذي يُخبِر عن المغيَّبات في المستقبل، وقيل: الذي يُخبِر عما في الضمير.
والعرَّاف هو الذي يدَّعي معرفة الأمور بمقدمات يستدل بها على المسروق ومكان الضالة ونحو ذلك.
والمنجِّم هو الذي يستخدم علم التنجيم والتأثير، فيقول مثلًا: إذا ظهر نجم كذا والْتَقى بنجم كذا، فمعناه أنه سيحدث كذا وكذا، أو إذا وُلد لفلان ولد في برج كذا، فإنه سيحصل كذا وكذا له من الغنى والفقر أو السعادة والشقاوة ونحو ذلك، فيستدلون بحركة النجوم على حال الأرض وحال الناس فيها [138]. [138] ينظر تيسير العزيز الحميد (ص351).
ويشمل هذا مَن يُخبِر عن المغيَّبات، أو يدعي معرفة الأمور الغائبة، أو الشخص الذي يستنتج الأمور الغيبية بواسطة الأبراج أو رسم الخط على الرمال أو بالحصى أو بالنظر في الفنجان أو قراءة الكف ونحوها، فكل من ادَّعى علم الغيب بأي وسيلة من الوسائل المذكورة أو غيرها فهو كاذب كافر [139]. [139] ينظر عقيدة التوحيد للفوزان (ص: 97).
ويجب التنبه إلى أن إتيان الكُهان والعرَّافين ونحوهم من الدجالين من الذنوب العظيمة التي ورد التحذير منها، ويترتب على الوقوع فيها كثير من المفاسد في أمور الدين والدنيا.
الأدلة:
وقد دلت الأدلة على حرمة الكهانة والعِرافة والتنجيم وإتيان من يتلبس بهذه المنكرات، منها:
قول الله تعالى: ﴿قُتِلَ ٱلۡخَرَّٰصُونَ 10 ٱلَّذِينَ هُمۡ فِي غَمۡرَةٖ سَاهُونَ 11 يَسۡـَٔلُونَ أَيَّانَ يَوۡمُ ٱلدِّينِ 12﴾ [الذاريات: 10 - 12].
أي: لُعِنَ المُتَكَهِّنُون الذين يَتَخَرَّصُون (والخرص هو الكذب والتخمين) الكذبَ والباطلَ، وقال ابن عباس رضي الله عنهما: "هُمُ الكَهَنَةُ" [140]. [140] ينظر تفسير الطبري (21/ 492).
وَعَنْ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَامَ الحُدَيْبِيَةِ، فَأَصَابَنَا مَطَرٌ ذَاتَ لَيْلَةٍ، فَصَلَّى لَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الصُّبْحَ، ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَيْنَا فَقَالَ: «أَتَدْرُونَ مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ؟»، قُلْنَا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، فَقَالَ: «قَالَ اللَّهُ: أَصْبَحَ مِنْ عِبَادِي مُؤْمِنٌ بِي وَكَافِرٌ بِي، فَأَمَّا مَنْ قَالَ: مُطِرْنَا بِرَحْمَةِ اللَّهِ وَبِرِزْقِ اللَّهِ وَبِفَضْلِ اللَّهِ، فَهُوَ مُؤْمِنٌ بِي، كَافِرٌ بِالكَوْكَبِ، وَأَمَّا مَنْ قَالَ: مُطِرْنَا بِنَجْمِ كَذَا، فَهُوَ مُؤْمِنٌ بِالكَوْكَبِ كَافِرٌ بِي» [141]. [141] رواه البخاري برقم (4147)، ومسلم برقم (71).
في هذا الحديث انقسم العباد إلى قسمين:
القسم الأول: مؤمن بالله جل وعلا، وهو الذي نسب هذه النعمة وأضافها إلى الله وشكر الله عليها، وعرف أنها من عند الله، وحمد الله وأثنى عليه بها.
والقسم الثاني: كافر بالله، والكافرون نوعان:
النوع الأول: من كفر كفرًا أصغر، كمن يقول: مطرنا بنوء أو بنجم كذا وكذا، يعتقد أن النوء والنجم والكوكب سبب في المطر، فهذا كفره كفر أصغر؛ لأنه لم يعتقد التشريك والاستقلال، ولكنه جعل ما ليس سببًا سببًا، ونسب النعمة إلى غير الله، فقوله من أقوال أهل الكفر، وهو كفر أصغر بالله جل وعلا.
والنوع الثاني: كافر الكفر الأكبر، وهو الذي اعتقد أن المطر أثر من آثار الكواكب والنجوم، وأنها هي التي تفضَّلت بالمطر، وهي التي تحرَّكت بحركٍة لما توجَّه إليها عابدوها فأنزلت المطر إجابة لدعوة عابديها، وهذا كفر أكبر بالإجماع؛ لأنه اعتقاد ربوبية وإلهية لغير الله جل وعلا [142]. [142] ينظر التمهيد لشرح كتاب التوحيد للشيخ صالح آل الشيخ (ص: 356).
وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله ﷺ: «مَنِ اقْتَبَسَ عِلْمًا مِنَ النُّجُومِ، اقْتَبَسَ شُعْبَةً مِنَ السِّحْرِ زَادَ مَا زَادَ» [143]. أي: كلما ازداد تعلمًا للتنجيم ازداد توغُّلًا في السحر، وازداد بالتالي ذنبه وإثمه. [143] رواه أبو داود برقم (3905).
وعن أبي مسعود الأنصاري رضي الله عنه: «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَهَى عَنْ ثَمَنِ الكَلْبِ، وَمَهْرِ البَغِيِّ، وَحُلْوَانِ الكَاهِنِ» [144]. وحُلْوان الكاهن: أجرته على كهانته. [144] رواه البخاري برقم (2237)، ومسلم برقم (1567).
وعن معاوية بن الحكم السُّلَمي رضي الله عنه قال: قلت: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنِّي حَدِيثُ عَهْدٍ بِجَاهِلِيَّةٍ، وَقَدْ جَاءَ اللهُ بِالإِسْلَامِ، وَإِنَّ مِنَّا رِجَالًا يَأْتُونَ الكُهَّانَ قَالَ: «فَلَا تَأْتِهِمْ» [145]. [145] رواه مسلم برقم (537).
وعن صفية، عن بعض أزواج النبي ﷺ، عن النبي ﷺ قال: «مَنْ أَتَى عَرَّافًا فَسَأَلَهُ عَنْ شَيْءٍ لَمْ تُقْبَلْ لَهُ صَلَاةٌ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً» [146]. [146] رواه مسلم برقم (2230).
وعن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي ﷺ قال: «مَنْ أَتَى حَائِضًا أَوْ امْرَأَةً فِي دُبُرِهَا أَوْ كَاهِنًا فَقَدْ كَفَرَ بِمَا أُنْزِلَ عَلَى مُحَمدٍ» [147]. [147] رواه الترمذي برقم (135).
قال القرطبي في شأن الكهان: "ويجب على من وَلِيَ الحِسْبة (وهو الذي يُشرف على مراقبة الأسواق وأمور الآداب) أن يقيمهم من الأسواق ويُنكر عليهم أشدَّ النكير، ولا يدع أحدًا يأتيهم لذلك" [148]. [148] المفهم لما أشكل من تلخيص مسلم (5/ 633).
الأضرار:
ومن أضرار الكهانة والعِرافة والتنجيم وإتيان من يتلبس بهذه المنكرات:
- أن صاحبها داخل في مُسمَّى الطاغوت، وإتيان هؤلاء نوع من التحاكم إلى الطاغوت، والطاغوت هو كل ما عُبد من دون الله، قال الله تعالى: ﴿أَلَمۡ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ يَزۡعُمُونَ أَنَّهُمۡ ءَامَنُواْ بِمَآ أُنزِلَ إِلَيۡكَ وَمَآ أُنزِلَ مِن قَبۡلِكَ يُرِيدُونَ أَن يَتَحَاكَمُوٓاْ إِلَى ٱلطَّٰغُوتِ وَقَدۡ أُمِرُوٓاْ أَن يَكۡفُرُواْ بِهِۦۖ وَيُرِيدُ ٱلشَّيۡطَٰنُ أَن يُضِلَّهُمۡ ضَلَٰلَۢا بَعِيدٗا 60﴾ [النساء: 60] ذكر الطبري عن قتادة ما يفيد أن هذه الآية نزلت في رجلين: رجل من الأنصار ورجل من اليهود في منازعة كانت بينهما في حق، فلجئا إلى كاهن بالمدينة يحكم بينهما، وتركا نبي الله ﷺ، فعاب الله عز وجل ذلك [149]. [149] تفسير الطبري (7/ 191).
- أنها من أفعال أهل الجاهلية الأولى، قال البخاري: "قال جابر: كَانَتِ الطَّوَاغِيتُ الَّتِي يَتَحَاكَمُونَ إِلَيْهَا، فِي جُهَيْنَةَ وَاحِدٌ، وَفِي أَسْلَمَ وَاحِدٌ، وَفِي كُلِّ حَيٍّ وَاحِدٌ، كُهَّانٌ يَنْزِلُ عَلَيْهِمُ الشَّيْطَانُ..." وَقَالَ عِكْرِمَةُ: " الجِبْتُ: بِلِسَانِ الحَبَشَةِ شَيْطَانٌ، وَالطَّاغُوتُ: الكَاهِنُ" [150]. [150] صحيح البخاري (6/ 45).
- أنها من افتتان الإنس بالإنس، والإنس بالجن؛ فعن عائشة رضي الله عنها قالت: سَأَلَ أُنَاسٌ النَّبِيَّ ﷺ عَنِ الكُهَّانِ، فَقَالَ: «إِنَّهُمْ لَيْسُوا بِشَيٍْء»، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَإِنَّهُمْ يُحَدِّثُونَ بِالشَّيْءِ يَكُونُ حَقًّا، قَالَ: فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «تِلْكَ الْكَلِمَةُ مِنَ الحَقِّ يَخْطَفُهَا الجِنِّيُّ، فَيُقَرْقِرُهَا فِي أُذُنِ وَلِيِّهِ كَقَرْقَرَةِ الدَّجَاجَةِ، فَيَخْلِطُونَ فِيهِ أَكْثَرَ مِنْ مِائَةِ كَذْبَةٍ» [151]. [151] رواه البخاري برقم (7561)، ومسلم برقم (2228).
أي: يكذب الكاهن مع الكلمة التي ألقاها إليه وليُّه من الشياطين مائة كذبة، أو يكذب الشيطان مع الكلمة التي استرقها من السماء مائة كذبة، ويخبر بالجميع وليه من الإنس، فيفتتن الإنسُ بالإنسِ الكاهن، ويفتتنان بوليِّهما من الشياطين، ويقبلون ما جاءوا به من الصدق والكذب، لكونهم قد يَصْدقون فيما يأتون به من خبر السماء [152]. [152] ينظر تيسير العزيز الحميد (ص223).
- أن من أتى عرَّافًا فسأله عن شيء لم تُقبل له صلاة أربعين ليلة، كما ورد في الحديث السابق.
الوقاية:
وللوقاية من الكهانة والعِرافة والتنجيم ونحوهم أسباب منها:
- اليقين التام أنه لا يعلم الغيب إلا الله، قال تعالى: ﴿قُل لَّا يَعۡلَمُ مَن فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ ٱلۡغَيۡبَ إِلَّا ٱللَّهُ...﴾ [النمل: 65]، وقال سبحانه: ﴿وَعَلَّمَ ءَادَمَ ٱلۡأَسۡمَآءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمۡ عَلَى ٱلۡمَلَٰٓئِكَةِ فَقَالَ أَنۢبِـُٔونِي بِأَسۡمَآءِ هَٰٓؤُلَآءِ إِن كُنتُمۡ صَٰدِقِينَ 31 قَالُواْ سُبۡحَٰنَكَ لَا عِلۡمَ لَنَآ إِلَّا مَا عَلَّمۡتَنَآۖ إِنَّكَ أَنتَ ٱلۡعَلِيمُ ٱلۡحَكِيمُ 32﴾ [البقرة: 31، 32]، فلم يكن لهم إلا الإقرار بالعجز أن يعلموا إلا ما علمهم بقولهم: ﴿سُبۡحَٰنَكَ لَا عِلۡمَ لَنَآ إِلَّا مَا عَلَّمۡتَنَآ...﴾ فكان في ذلك أوضح الدلالة وأَبين الحجة على كذب مقالة كل من ادَّعى شيئًا من علوم الغيب من الكهنة المنجِّمة [153]. [153] تفسير الطبري (1/ 527، 528).
- تحقيق العبودية لله تعالى مع الكفر بالطاغوت، ومَنِ ادَّعى معرفة الغيب أو أرجع الأمور إلى النجوم وأنها مؤثرة بذاتها فقد تعدَّى وطغى وجاوز الحدَّ وكفر وصار طاغوتًا، قال تعالى: ﴿...فَمَن يَكۡفُرۡ بِٱلطَّٰغُوتِ وَيُؤۡمِنۢ بِٱللَّهِ فَقَدِ ٱسۡتَمۡسَكَ بِٱلۡعُرۡوَةِ ٱلۡوُثۡقَىٰ لَا ٱنفِصَامَ لَهَاۗ وَٱللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: 256]، عن سعيد بن جبير قال: "الطَّاغُوتُ: الكَاهِنُ" [154]. [154] تفسير الطبري (4/ 557).
- تعلم التوحيد وتعليمه ومعرفة ما يضاده، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وإقامة العقوبات الشرعية على من يعمل هذه الأعمال الشيطانية.
صنع التماثيل
صُنع التماثيل من الكبائر التي حذر منها الشرع، ولعن فاعلها، وتوعَّد عليها بالعقاب الشديد، وهي من أكبر أسباب عبادة الأوثان والشرك بالله تعالى.
وحقيقة صنع التماثيل: أن يصنع العبد صورة يماثل بها ما خلقه الله من ذوات الأرواح؛ سواء كانت من حجر أو طين أو حديد أو نحاس أو غيرها من المواد.
وقد أجمع العلماء على تحريم صنع التماثيل وتحريم اقتنائها [155]. [155] ينظر فتح الباري (10/ 391).
قال النووي رحمه الله: "وأجمعوا على منع ما كان له ظِلٌّ ووجوب تغييره، قال القاضي: إلا ما ورد في اللعب بالبنات لصغار البنات والرخصة في ذلك" [156]. [156] شرح مسلم (14/82).
الأدلة:
ووردت نصوص كثيرة في السنة في التحذير من التصوير وصنع التماثيل، منها:
عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله ﷺ قال: «إِنَّ الَّذِينَ يَصْنَعُونَ هَذِهِ الصُّوَرَ يُعَذَّبُونَ يَوْمَ القِيَامَةِ يُقَالُ لَهُمْ أَحْيُوا مَا خَلَقْتُمْ» [157]. [157] رواه البخاري برقم (5607)، ومسلم برقم (2108).
وعن مسلم بن صبيح قال: كنا مع مسروق في دار يسار بن نمير، فرأى في بيته تماثيل، فقال: سمعت عبد الله بن مسعود رضي الله عنه يقول: سمعت النبي ﷺ يقول: «إِنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَذَابًا عِنْدَ اللَّهِ يَوْمَ القِيَامَةِ المُصَوِّرُونَ» [158]. [158] رواه البخاري برقم (5950)، ومسلم برقم (2109).
وعن أبي زرعة قال: دخلت مع أبي هريرة رضي الله عنه في دار مروان فرأى فيها تصاوير، فقال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: قال الله عز وجل: «وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذَهَبَ يَخْلُقُ خَلْقًا كَخَلْقِي؟ فَلْيَخْلُقُوا ذَرَّةً، أَوْ لِيَخْلُقُوا حَبَّةً، أَوْ لِيَخْلُقُوا شَعِيرَةً» [159]. [159] رواه البخاري برقم (7559)، ومسلم برقم (2111).
وعن سعيد بن أبي الحسن قال: كُنْتُ عِنْدَ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، إِذْ أَتَاهُ رَجُلٌ فَقَالَ: إِنِّي إِنْسَانٌ إِنَّمَا مَعِيشَتِي مِنْ صَنْعَةِ يَدِي، وَإِنِّي أَصْنَعُ هَذِهِ التَّصَاوِيرَ، فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: لَا أُحَدِّثُكَ إِلَّا مَا سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، سَمِعْتُهُ يَقُولُ: «مَنْ صَوَّرَ صُورَةً، فَإِنَّ اللَّهَ مُعَذِّبُهُ حَتَّى يَنْفُخَ فِيهَا الرُّوحَ، وَلَيْسَ بِنَافِخٍ فِيهَا أَبَدًا»، فَرَبَا الرَّجُلُ رَبْوَةً شَدِيدَةً (أَيْ: عَلَا نَفَسُهُ وَضَاقَ صَدْرُهُ وَذُعِرَ وَامْتَلَأَ خَوْفًا)، وَاصْفَرَّ وَجْهُهُ، فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: وَيْحَكَ، إِنْ أَبَيْتَ إِلَّا أَنْ تَصْنَعَ، فَعَلَيْكَ بِهَذَا الشَّجَرِ، كُلِّ شَيْءٍ لَيْسَ فِيهِ رُوحٌ [160]. [160] رواه البخاري برقم (2225)، ومسلم برقم (2110).
وعن أبي طلحة رضي الله عنه، عن رسول الله ﷺ قال: «لَا تَدْخُلُ المَلَائِكَةُ بَيْتًا فِيهِ كَلْبٌ وَلَا صُورَةٌ» [161]. قال البخاري: يريد التماثيل التي فيها الأرواح. [161] رواه البخاري برقم (4002)، ومسلم برقم (2106).
وعن أبي الهياج الأسدي قال: قال لي علي بن أبي طالب: "أَلَا أَبْعَثُكَ عَلَى مَا بَعَثَنِي عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ لَا تَدَعَ تِمْثَالًا إِلَّا طَمَسْتَهُ وَلَا قَبْرًا مُشْرِفًا إِلَّا سَوَّيْتَهُ" [162]. [162] رواه مسلم برقم (969).
قال ابن تيمية: "فأمره بمحو التمثالين الصورة الممثلة على صورة الميت، والتمثال الشاخص المشرف فوق قبره، فإن الشرك يحصل بهذا وبهذا" [163]. [163] مجموع الفتاوى (17/462).
الأضرار:
ولصنع التماثيل أضرار كثيرة منها:
- أنها سبب للشرك بالله تعالى، فعن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله تعالى: ﴿وَقَالُواْ لَا تَذَرُنَّ ءَالِهَتَكُمۡ وَلَا تَذَرُنَّ وَدّٗا وَلَا سُوَاعٗا وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسۡرٗا 23﴾ [نوح: 23]، قال: "أَسْمَاءُ رِجَالٍ صَالِحِينَ مِنْ قَوْمِ نُوحٍ، فَلَمَّا هَلَكُوا أَوْحَى الشَّيْطَانُ إِلَى قَوْمِهِمْ، أَنِ انْصِبُوا إِلَى مَجَالِسِهِمُ الَّتِي كَانُوا يَجْلِسُونَ أَنْصَابًا (أي: تماثيل) وَسَمُّوهَا بِأَسْمَائِهِمْ، فَفَعَلُوا، فَلَمْ تُعْبَدْ، حَتَّى إِذَا هَلَكَ أُولَئِكَ وَتَنَسَّخَ العِلْمُ عُبِدَتْ" [164]. [164] رواه البخاري برقم (4920).
- أن فيه منازعة لله تعالى ومشاركة له في صفة من أعظم صفاته، وهي صفة الخلق.
- أنه سبب لغضب الله تعالى على العبد يوم القيامة، فالمصوِّرون شرار الخلق عند الله، فعن عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها، أَنَّ أُمَّ حَبِيبَةَ، وَأُمَّ سَلَمَةَ رضي الله عنهما ذَكَرَتَا كَنِيسَةً رَأَيْنَهَا بِالحَبَشَةِ فِيهَا تَصَاوِيرُ، فَذَكَرَتَا لِلنَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: «إِنَّ أُولَئِكِ إِذَا كَانَ فِيهِمُ الرَّجُلُ الصَّالِحُ فَمَاتَ، بَنَوْا عَلَى قَبْرِهِ مَسْجِدًا، وَصَوَّرُوا فِيهِ تِلْكَ الصُّوَرَ، فَأُولَئِكِ شِرَارُ الخَلْقِ عِنْدَ اللَّهِ يَوْمَ القِيَامَةِ» [165]. [165] رواه البخاري برقم (427)، ومسلم برقم (528).
- أنه سبب لأن يحق على فاعله لعنة النبي ﷺ، فعن أبي جحيفة رضي الله عنه «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَعَنَ المُصَوِّرَ» [166]. [166] رواه البخاري برقم (2238).
- أنه سبب للعذاب الشديد يوم القيامة، كما سبق في الأحاديث.
- أن الملائكة لا تدخل بيتًا فيه صورة أو تمثال كما في حديث سابق.
- أنه مشابهة للكفار من النصارى وغيرهم.
الوقاية:
سبل الوقاية من هذه الكبيرة:
- أن يستحضر العبدُ غضبَ الله عليه يوم القيامة وتكليفه أن ينفخ الروح في هذا التمثال وليس بمستطيع أن ينفخ، وكونه قد تحق عليه لعنة نبيه.
- أن يعلم إذا كان ممن يتخذ صنع التماثيل مهنة له أنَّ من ترك شيئًا لله عوَّضه الله خيرًا منه في الدنيا والآخرة؛ فإنه إذا ترك ذلك لله رزقه الله رزقًا حلالًا من حيث لا يحتسب.
وليتذكر أثر الكسب المحرم في عدم استجابة دعائه وعدم صلاح أولاده ونجابتهم.
وأما إن كان ممن يرتكب هذا الفعل من باب الترفيه عن النفس أو ما يسمونه بالهواية فهو أجدر أن يتركه لله تعالى، ويستبدله بغيره مما أحله الله من زينة الحياة الدنيا، فإن أبى إلا أن يفعله فليصنع تماثيل لما ليس فيه روح كالشجر والبنايات والجمادات.
-إزالة التماثيل وكسرها ممن له سلطة كالجهات المسؤولة والمختصة، والرجل في بيته.
اللواط
اللواط وهو إتيان الذكور في الدبر كبيرة من كبائر الذنوب، وهي تنكيس للفطرة السليمة التي خلق الله الناس عليها، فتهدم الأخلاق، وتمحق الرجولة، وتقطع النسل، وتفسد المجتمع، وتستوجب غضب الله تعالى والعذاب الشديد، قال تعالى عن قوم لوط: ﴿فَلَمَّا جَآءَ أَمۡرُنَا جَعَلۡنَا عَٰلِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمۡطَرۡنَا عَلَيۡهَا حِجَارَةٗ مِّن سِجِّيلٖ مَّنضُودٖ 82 مُّسَوَّمَةً عِندَ رَبِّكَۖ وَمَا هِيَ مِنَ ٱلظَّٰلِمِينَ بِبَعِيدٖ 83﴾ [هود: 82 - 83].
الأدلة:
وأدلة تحريم اللواط وبيان شناعته وعِظَمِ جُرمه كثيرة، منها:
قال تعالى مخبرًا عن قول لوط عليه السلام لقومه: ﴿أَتَأۡتُونَ ٱلذُّكۡرَانَ مِنَ ٱلۡعَٰلَمِينَ 165 وَتَذَرُونَ مَا خَلَقَ لَكُمۡ رَبُّكُم مِّنۡ أَزۡوَٰجِكُمۚ بَلۡ أَنتُمۡ قَوۡمٌ عَادُونَ 166﴾ [الشعراء: 165- 166]، ﴿عَادُونَ﴾ أي: تتجاوزون ما أباح لكم ربكم، وأحله لكم من الفروج إلى ما حرم عليكم منها [167]. [167] تفسير الطبري (17/ 630).
وقال سبحانه: ﴿وَلُوطًا إِذۡ قَالَ لِقَوۡمِهِۦٓ أَتَأۡتُونَ ٱلۡفَٰحِشَةَ مَا سَبَقَكُم بِهَا مِنۡ أَحَدٖ مِّنَ ٱلۡعَٰلَمِينَ 80 إِنَّكُمۡ لَتَأۡتُونَ ٱلرِّجَالَ شَهۡوَةٗ مِّن دُونِ ٱلنِّسَآءِۚ بَلۡ أَنتُمۡ قَوۡمٞ مُّسۡرِفُونَ 81﴾ [الأعراف: 80 - 81].
وعن عبد الله بن عباس رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «مَنْ وَجَدْتُمُوهُ يَعْمَلُ عَمَلَ قَوْمِ لُوطٍ، فَاقْتُلُوا الفَاعِلَ وَالمَفْعُولَ بِهِ» [168]. [168] رواه أبو داود برقم (4462).
وعن جابر رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «إِنَّ أَخْوَفَ مَا أَخَافُ عَلَى أُمَّتِي عَمَلُ قَوْمِ لُوطٍ» [169]. [169] رواه الترمذي برقم (1457).
الأضرار:
وللواط أضرار كثيرة، منها:
- صاحبه معرَّض للوعيد الشديد في الآخرة.
- قلة النكاح الحلال، وكثرة العنوسة.
- تقليل النسل أو انقطاعه تمامًا، وذلك بوأد ماء الحياة، فهو كمن يبذر الحب في أرضٍ لا تصلح للزراعة.
"واللواط يُحدث الهم والغم والنفرة عن الفاعل والمفعول" [170].
- قال ابن القيم رحمه الله: [170] زاد المعاد (4/ 241 - 242) باختصار.
وأيضًا: فإنه يسوِّد الوجه ويُظلم الصدر ويطمس نور القلب.
وأيضًا: فإنه يوجب النفرة والتباغض الشديد والتقاطع بين الفاعل والمفعول ولا بد.
وأيضًا: فإنه يفسد حال الفاعل والمفعول فسادًا لا يكاد يُرجى بعده صلاح إلا أن يشاء الله بالتوبة النصوح.
وأيضًا: فإنه من أكبر أسباب زوال النعم وحلول النقم.
وأيضًا: فإنه يُذهب بالحياء جملة، والحياء هو حياة القلوب فإذا فقدها القلب استحسن القبيح واستقبح الحسن، وحينئذ فقد استحكم فساده.
وأيضًا: فإنه يورث من الوقاحة والجرأة ما لا يورثه سواه.
- ظهور أمراض لم تكن في العصور السابقة، مثل مرض الإيدز.
- يؤدي إلى السحاق أو الزنا، فباستغناء الرجال بالرجال يستغني النساء بالنساء، أو ربما لجأت المرأة إلى غير زوجها؛ لتشبع غريزتها.
الوقاية:
سبل الوقاية من الوقوع في جريمة اللواط:
- الزواج من أقوى أسباب الوقاية من اللواط، فمن لم يستطع الزواج فعليه بالصوم؛ روى عبد الله بن مسعود رضي الله عنه، عن النبي ﷺ، قال: «مَنِ اسْتَطَاعَ البَاءَةَ فَلْيَتَزَوَّجْ، فَإِنَّهُ أَغَضُّ لِلْبَصَرِ، وَأَحْصَنُ لِلْفَرْجِ، وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَعَلَيْهِ بِالصَّوْمِ، فَإِنَّهُ لَهُ وِجَاءٌ» [171]. [171] رواه البخاري برقم (1905)، ومسلم برقم (1400).
- عدم نظر الرجل إلى عورة الرجل؛ فعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه، أن رسول الله ﷺ قال: «لَا يَنْظُرُ الرَّجُلُ إِلَى عَوْرَةِ الرَّجُلِ، وَلَا المَرْأَةُ إِلَى عَوْرَةِ المَرْأَةِ، وَلَا يُفْضِي الرَّجُلُ إِلَى الرَّجُلِ فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ، وَلَا تُفْضِي المَرْأَةُ إِلَى المَرْأَةِ فِي الثَّوْبِ الوَاحِدِ» [172]. [172] رواه مسلم برقم (338).
- عدم الدخول إلى المواقع الإباحية، أو التواصل مع أصدقاء السوء من رجال ونساء.
- التفريق بين الأولاد الصغار في المضاجع –سواء كانوا ذكورًا أو إناثًا- إذا بلغوا عشر سنين، فعن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما، قال: قال رسول الله ﷺ: «مُرُوا أَوْلَادَكُمْ بِالصَّلَاةِ وَهُمْ أَبْنَاءُ سَبْعِ سِنِينَ، وَاضْرِبُوهُمْ عَلَيْهَا وَهُمْ أَبْنَاءُ عَشْرٍ، وَفَرِّقُوا بَيْنَهُمْ فِي المَضَاجِعِ» [173]. [173] رواه أبو داود برقم (495).
- التخويف من عاقبة كبيرة اللواط في الدنيا والآخرة.
- الحرص التام على غرس العقيدة الصحيحة، وتثبيت دعائمها وتعهدها دائما في نفوس الأفراد والمجتمعات: فالانحراف السلوكي إنما هو ناتج عن خلل في العقيدة في كثير من الأحيان.
إفطار يوم من رمضان بغير عذر
فرض الله صيام شهر رمضان على المؤمنين، فقال: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ كُتِبَ عَلَيۡكُمُ ٱلصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى ٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِكُمۡ لَعَلَّكُمۡ تَتَّقُونَ 183﴾ [البقرة: 183].
وصيام شهر رمضان أحد أركان الإسلام، فعن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله ﷺ: «بُنِيَ الإِسْلَامُ عَلَى خَمْسٍ: شَهَادَةِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، وَإِقَامِ الصَّلَاةِ، وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ، وَالحَجِّ، وَصَوْمِ رَمَضَانَ» [174]. [174] رواه البخاري برقم (8)، ومسلم برقم (16).
فمن تعمَّد إفطار شهر رمضان أو يوم منه بلا عذر فقد عصى الله تعالى، وتعدى على ركن من أركان الدين، واقترف كبيرة من كبائر الذنوب.
قال الحافظ الذهبي رحمه الله: "وعند المؤمنين مقرر: من ترك صوم رمضان بلا مرض ولا غرض؛ فإنه شر من الزاني والمكَّاس ومدمن الخمر، بل يشكون في إسلامه، ويظنون به الزندقة والانحلال" [175]. [175] ينظر فيض القدير (4/ 311).
الأدلة:
وأدلة تحريم إفطار يوم من رمضان بغير عذر وبيان شناعته وعِظَمِ جُرمه كثيرة، منها:
عن أبي أُمامة رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «بَيْنَا أَنَا نَائِمٌ إِذْ أَتَانِي رَجُلَانِ فَانْطَلَقَا بِي، فَإِذَا قَوْمٌ مُعَلَّقُونَ بِعَرَاقِيبِهِمْ (أَيْ مُؤَخَّرِ القَدَمِ)، مُشَقَّقَةٌ أَشْدَاقُهُمْ (أَيْ جَانِبُ الفَمِ) تَسِيلُ أَشْدَاقُهُمْ دَمًا، قُلْتُ: مَنْ هَؤُلَاءِ؟ قَالَ: هَؤُلَاءِ الَّذِينَ يُفْطِرُونَ قَبْلَ تَحِلَّةِ صَوْمِهِمْ» [176]. [176] رواه النسائي في الكبرى برقم (3273) مختصرًا.
وقد وردت عدة آثار تفيد أن الصحابة رضي الله عنهم كانوا يعاقبون من أفطر في رمضان بغير عذر، منها: عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه أُتي بشيخ شرب الخمر في رمضان، فقال: "لِلْمَنْخِرَيْنِ لِلْمَنْخِرَيْنِ –وَهُوَ صَوٌت يَخْرُجُ مِنْ مِنْخَرِ الْحِمَارِ– وَوِلْدَانُنَا صِيَاٌم –يَعْنِي صِغَارَنَا صِيَامٌ وَأَنْتَ مُفْطِرٌ-، ثُمَّ ضَرَبَهُ ثَمَانِينَ، وَصَيَّرَهُ إِلَى الشَّامِ".
وعن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أنه أُتي برجل قد شرب الخمر في رمضان، فضربه ثمانين، ثم ضربه من الغد عشرين، وقال: "ضَرَبْنَاكَ العِشْرِينَ لِجُرْأَتِكَ عَلَى اللهِ، وَإِفْطَارِكَ فِي رَمَضَانَ".
وعن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال: "مَنْ أَفْطَرَ يَوْمًا مِنْ رَمَضَانَ مُتَعَمِّدًا لَمْ يَقْضِهِ أَبَدًا طُولَ الدَّهْرِ".
- وعن ابن مسعود رضي الله عنه: "مَنْ أَفْطَرَ يَوْمًا مِنْ رَمَضَانَ مِنْ غَيْرِ رُخْصَةٍ لَمْ يُجْزِهِ صِيَامُ الدَّهْرِ وَإِنْ صَامَهُ" [177]. [177] ينظر لهذه الآثار المحلى لابن حزم (4/ 311).
الأضرار:
وللإفطار في رمضان بغير عذر أضرار كثيرة، منها:
- ترك ركن من أركان الإسلام.
- الاستهانة بأوامر الله تعالى.
- الجرأة على مخالفة فرض الله تعالى والإفطار أمام الناس، وهذه تستوجب عدم عفو الله تعالى عنه، ولا يمكن معرفة إفطار هذا المتجرئ على الله إلا إذا جهر هو بقوله أو بفعله، فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «كُلُّ أُمَّتِي مُعَافى إِلَّا المُجَاهِرِيْنَ» [178].
- تشجيع غيره على إشاعة هذه المعصية، والله توعد على ذلك بالعذاب، فقال تعالى: ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ يُحِبُّونَ أَن تَشِيعَ ٱلۡفَٰحِشَةُ فِي ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَهُمۡ عَذَابٌ أَلِيمٞ فِي ٱلدُّنۡيَا وَٱلۡأٓخِرَةِۚ وَٱللَّهُ يَعۡلَمُ وَأَنتُمۡ لَا تَعۡلَمُونَ 19﴾ [النور: 19]. [178] رواه البخاري برقم (6069)، ومسلم برقم (2990).
الوقاية:
سبل الوقاية من الوقوع في الفطر في رمضان بغير عذر:
- التعود على الصيام منذ الصغر؛ فعن الرُّبَيِّعِ بِنْتِ مُعَوِّذٍ رضي الله عنها قالت: أَرْسَلَ النَّبِيُّ ﷺ غَدَاةَ عَاشُورَاءَ إِلَى قُرَى الأَنْصَار «مَنْ أَصْبَحَ مُفْطِرًا، فَلْيُتِمَّ بَقِيَّةَ يَوْمِهِ وَمَنْ أَصْبَحَ صَائِمًا، فَلْيَصُمْ» قَالَتْ: فَكُنَّا نَصُومُهُ بَعْدُ، وَنُصَوِّمُ صِبْيَانَنَا، وَنَجْعَلُ لَهُمُ اللُّعْبَةَ مِنَ العِهْنِ -أَيْ الصُّوفِ-، فَإِذَا بَكَى أَحَدُهُمْ عَلَى الطَّعَامِ أَعْطَيْنَاهُ ذَاكَ حَتَّى يَكُونَ عِنْدَ الإِفْطَارِ [179].
- تربية النفس على الصبر، فعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه، أن النبي ﷺ قال: «وَمَنْ يَتَصَبَّرْ يُصَبِّرْهُ اللَّهُ» [180]. [179] رواه البخاري برقم (1960)، ومسلم برقم (1136).
- ترغيب النفس فيما عند الله من الثواب العظيم على الصيام، فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «قَالَ اللَّهُ: كُلُّ عَمَلِ ابْنِ آدَمَ لَهُ، إِلَّا الصِّيَامَ، فَإِنَّهُ لِي وَأَنَا أَجْزِي بِهِ» [181]. [180] رواه البخاري برقم (1960)، ومسلم برقم (1136).
وعن سهل بن سعد رضي الله عنه، عن النبي ﷺ قال: «إِنَّ فِي الجَنَّةِ بَابًا يُقَالُ لَهُ الرَّيَّانُ، يَدْخُلُ مِنْهُ الصَّائِمُونَ يَوْمَ القِيَامَةِ، لَا يَدْخُلُ مِنْهُ أَحَدٌ غَيْرُهُمْ، يُقَالُ: أَيْنَ الصَّائِمُونَ؟ فَيَقُومُونَ لَا يَدْخُلُ مِنْهُ أَحَدٌ غَيْرُهُمْ، فَإِذَا دَخَلُوا أُغْلِقَ فَلَمْ يَدْخُلْ مِنْهُ أَحَدٌ» [182]. [181] رواه البخاري برقم (1904)، ومسلم برقم (1151).
السخرية والاستهزاء [182] رواه البخاري برقم (1896)، ومسلم برقم (1152).
إن سخرية المسلم من أخيه المسلم واستهزاءه به كبيرة من الكبائر، وهي من صفات الكفار والمنافقين، وفاعلها متوعَّد بالعقاب الشديد، ويزداد إثم هذه الكبيرة إذا وقعت في حق عباد الله الصالحين.
وسخرية المسلم من أخيه واستهزاؤه به لها صور شتى، منها: استحقاره والاستهانة به، والتنبيه على عيوبه ونقائصه ليُضْحَكَ منه، وقد يكون ذلك بالمحاكاة بالفعل أو القول أو الإشارة، أو الضحك على كلامه إذا تخبط فيه أو غلط، أو على صنعته، أو على قبيح صورته، وغير ذلك مما فيه تنقص.
الأدلة:
الأدلة على تحريم السخرية والاستهزاء بالمسلم:
قال الله تعالى: ﴿زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ ٱلۡحَيَوٰةُ ٱلدُّنۡيَا وَيَسۡخَرُونَ مِنَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْۘ وَٱلَّذِينَ ٱتَّقَوۡاْ فَوۡقَهُمۡ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِۗ وَٱللَّهُ يَرۡزُقُ مَن يَشَآءُ بِغَيۡرِ حِسَابٖ 212﴾ [البقرة: 212].
قال السعدي رحمه الله: "يخبر تعالى أن الذين كفروا بالله وبآياته ورسله، ولم ينقادوا لشرعه، أنهم زُيِّنت لهم الحياة الدنيا، فزُيِّنت في أعينهم وقلوبهم، فرضوا بها، واطمأنوا بها وصارت أهواؤهم وإراداتهم وأعمالهم كلها لها، فأقبلوا عليها، وأكبوا على تحصيلها، وعظموها، وعظموا من شاركهم في صنيعهم، واحتقروا المؤمنين، واستهزأوا بهم وقالوا: أهؤلاء منَّ الله عليهم من بيننا؟" [183].
وهذا من ضعف عقولهم ونظرهم القاصر، فإن الدنيا دار ابتلاء وامتحان، وسيحصل الشقاء فيها لأهل الإيمان والكفران، بل المؤمن في الدنيا، وإن ناله مكروه، فإنه يصبر ويحتسب، فيخفف الله عنه بإيمانه وصبره ما لا يكون لغيره. [183] تفسير السعدي (ص: 95).
وإنما الشأن كل الشأن، والتفضيل الحقيقي، في الدار الباقية، فلهذا قال تعالى: ﴿وَٱلَّذِينَ ٱتَّقَوۡاْ فَوۡقَهُمۡ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ﴾ فيكون المتقون في أعلى الدرجات، متمتعين بأنواع النعيم والسرور، والبهجة والحبور، والكفار تحتهم في أسفل الدركات، معذبين بأنواع العذاب والإهانة، والشقاء السرمدي، الذي لا منتهى له، ففي هذه الآية تسلية للمؤمنين، ونعي على الكافرين.
وقال سبحانه: ﴿ٱلَّذِينَ يَلۡمِزُونَ ٱلۡمُطَّوِّعِينَ مِنَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ فِي ٱلصَّدَقَٰتِ وَٱلَّذِينَ لَا يَجِدُونَ إِلَّا جُهۡدَهُمۡ فَيَسۡخَرُونَ مِنۡهُمۡ سَخِرَ ٱللَّهُ مِنۡهُمۡ وَلَهُمۡ عَذَابٌ أَلِيمٌ 79﴾ [التوبة: 79].
قال ابن كثير رحمه الله: "هذا من صفات المنافقين، لا يَسلم أحد من عيبهم ولمزهم في جميع الأحوال، حتى ولا المتصدقون يَسلمون منهم، إن جاء أحد منهم بمال جزيل قالوا: هذا مُراءٍ، وإن جاء بشيء يسير على قدر جهده وطاقته قالوا: إن الله لغني عن صدقة هذا. وقوله: ﴿فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ﴾ هذا من باب المقابلة على سوء صنيعهم واستهزائهم بالمؤمنين؛ لأن الجزاء من جنس العمل، فعاملهم معاملة من سخر بهم، انتصارًا للمؤمنين في الدنيا، وأعد للمنافقين في الآخرة عذابًا أليمًا" [184].
وقال سبحانه: ﴿إِنَّهُۥ كَانَ فَرِيقٞ مِّنۡ عِبَادِي يَقُولُونَ رَبَّنَآ ءَامَنَّا فَٱغۡفِرۡ لَنَا وَٱرۡحَمۡنَا وَأَنتَ خَيۡرُ ٱلرَّٰحِمِينَ 109 فَٱتَّخَذۡتُمُوهُمۡ سِخۡرِيًّا حَتَّىٰٓ أَنسَوۡكُمۡ ذِكۡرِي وَكُنتُم مِّنۡهُمۡ تَضۡحَكُونَ 110 إِنِّي جَزَيۡتُهُمُ ٱلۡيَوۡمَ بِمَا صَبَرُوٓاْ أَنَّهُمۡ هُمُ ٱلۡفَآئِزُونَ 111﴾ [المؤمنون: 109 - 111]. [184] تفسير ابن كثير (4/ 184) بتصرف واختصار.
وقال تعالى: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا يَسۡخَرۡ قَوۡمٞ مِّن قَوۡمٍ عَسَىٰٓ أَن يَكُونُواْ خَيۡرٗا مِّنۡهُمۡ وَلَا نِسَآءٞ مِّن نِّسَآءٍ عَسَىٰٓ أَن يَكُنَّ خَيۡرٗا مِّنۡهُنَّۖ وَلَا تَلۡمِزُوٓاْ أَنفُسَكُمۡ وَلَا تَنَابَزُواْ بِٱلۡأَلۡقَٰبِۖ بِئۡسَ ٱلِٱسۡمُ ٱلۡفُسُوقُ بَعۡدَ ٱلۡإِيمَٰنِۚ وَمَن لَّمۡ يَتُبۡ فَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلظَّٰلِمُونَ 11﴾ [الحجرات: 11].
وقال سبحانه: ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ أَجۡرَمُواْ كَانُواْ مِنَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ يَضۡحَكُونَ 29 وَإِذَا مَرُّواْ بِهِمۡ يَتَغَامَزُونَ 30 وَإِذَا ٱنقَلَبُوٓاْ إِلَىٰٓ أَهۡلِهِمُ ٱنقَلَبُواْ فَكِهِينَ 31 وَإِذَا رَأَوۡهُمۡ قَالُوٓاْ إِنَّ هَٰٓؤُلَآءِ لَضَآلُّونَ 32 وَمَا أُرْسِلُوا عَلَيْهِمْ حَافِظِينَ 33 فَالْيَوْمَ الَّذِينَ آمَنُوا مِنَ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ 34 عَلَى ٱلۡأَرَآئِكِ يَنظُرُونَ 35 هَلۡ ثُوِّبَ ٱلۡكُفَّارُ مَا كَانُواْ يَفۡعَلُونَ 36﴾ [المطففين: 29- 36].
قال السعدي رحمه الله: "أخبر تعالى أن المجرمين كانوا في الدنيا يسخرون بالمؤمنين، ويستهزئون بهم، ويضحكون منهم، ويتغامزون بهم عند مرورهم عليهم، احتقارًا لهم وازدراء، ومع هذا تراهم مطمئنين، لا يخطر الخوف على بالهم ﴿وَإِذَا انْقَلَبُوا إِلَى أَهْلِهِمُ﴾ صباحًا أو مساء ﴿انْقَلَبُوا فَكِهِينَ﴾ أي: مسرورين مغتبطين. وهذا من أعظم ما يكون من الاغترار، أنهم جمعوا بين غاية الإساءة والأمن في الدنيا، حتى كأنهم قد جاءهم كتاب من الله وعهد، أنهم من أهل السعادة، وقد حكموا لأنفسهم أنهم أهل الهدى، وأن المؤمنين ضالون، افتراء على الله، وتجرؤًا على القول عليه بلا علم.
قال تعالى: ﴿وَمَا أُرْسِلُوا عَلَيْهِمْ حَافِظِينَ﴾ أي: وما أرسلوا وكلاء على المؤمنين ملزمين بحفظ أعمالهم، حتى يحرصوا على رميهم بالضلال، وما هذا منهم إلا تعنت وعناد وتلاعب، ليس له مستند ولا برهان، ولهذا كان جزاؤهم في الآخرة من جنس عملهم، قال تعالى: ﴿فَالْيَوْمَ﴾ أي: يوم القيامة ﴿الَّذِينَ آمَنُوا مِنَ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ﴾ حين يرونهم في غمرات العذاب يتقلبون، وقد ذهب عنهم ما كانوا يفترون، والمؤمنون في غاية الراحة والطمأنينة ﴿عَلَى الأرَائِكِ﴾ وهي السُّرر المزينة ﴿يَنْظَرُونَ﴾ إلى ما أعد الله لهم من النعيم، وينظرون إلى وجه ربهم الكريم [185]. [185] تفسير السعدي (ص: 916).
﴿هَلْ ثُوِّبَ الْكُفَّارُ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾ أي: هل جُوزوا من جنس عملهم؟ فكما ضحكوا في الدنيا من المؤمنين ورموهم بالضلال، ضحك المؤمنون منهم في الآخرة، ورأوهم في العذاب والنكال، الذي هو عقوبة الغي والضلال. نعم، ثوبوا (أي: جُوزوا) ما كانوا يفعلون، عدلًا من الله وحكمة، والله عليم حكيم"
وعن أبي ذر رضي الله عنه قال: كَانَ بَيْنِي وَبَيْنَ رَجُلٍ مِنْ إِخْوَانِي كَلَامٌ، وَكَانَتْ أُمُّهُ أَعْجَمِيَّةً، فَعَيَّرْتُهُ بِأُمِّهِ، فَشَكَانِي إِلَى النَّبِيِّ ﷺ، فَلَقِيتُ النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ: «يَا أَبَا ذَرٍّ، إِنَّكَ امْرُؤٌ فِيكَ جَاهِلِيَّةٌ»، قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَنْ سَبَّ الرِّجَالَ سَبُّوا أَبَاهُ وَأُمَّهُ، قَالَ: «يَا أَبَا ذَرٍّ، إِنَّكَ امْرُؤٌ فِيكَ جَاهِلِيَّةٌ...» [186].
وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «المُسْلِمُ أَخُو المُسْلِمِ، لَا يَظْلِمُهُ وَلَا يَخْذُلُهُ، وَلَا يَحْقِرُهُ، التَّقْوَى هَاهُنَا -وَيُشِيرُ إِلَى صَدْرِهِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ- بِحَسْبِ امْرِئٍ مِنَ الشَّرِّ أَنْ يَحْقِرَ أَخَاهُ المُسْلِمَ، كُلُّ المُسْلِمِ عَلَى المُسْلِمِ حَرَامٌ، دَمُهُ، وَمَالُهُ، وَعِرْضُهُ» [187]. [186] رواه البخاري برقم (30)، ومسلم برقم (1661).
الأضرار:
[187] رواه مسلم برقم (2564).
أضرار السخرية من المسلم والاستهزاء به:
- أنها معصية لله تعالى، وكبيرة من الكبائر.
- أن فاعل ذلك يصير فاسقًا، وهذا يترتب عليه رد شهادته، قال القرطبي بعد أن ذكر قوله تعالى: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا يَسۡخَرۡ قَوۡمٞ مِّن قَوۡمٍ عَسَىٰٓ أَن يَكُونُواْ خَيۡرٗا مِّنۡهُمۡ...﴾ إلى قوله: ﴿...بِئۡسَ ٱلِٱسۡمُ ٱلۡفُسُوقُ بَعۡدَ ٱلۡإِيمَٰنِ...﴾ [الحجرات: 11] قال: "قيل: المعنى أن من لقَّب أخاه أو سَخِرَ منه فهو فاسق" [188].
- أنها من أخلاق الكفار والمنافقين، فإن دأبهم الاستهزاء بأهل الإيمان في كل عصر. [188] تفسير القرطبي (16/ 328).
- أنها تؤدي إلى انشغال الساخر والمستهزئ بمن يسخر منه ويستهزئ به حتى ينسى ما افترضه الله عليه من عبادته وذكره، كما قال تعالى: ﴿فَٱتَّخَذۡتُمُوهُمۡ سِخۡرِيًّا حَتَّىٰٓ أَنسَوۡكُمۡ ذِكۡرِي...﴾ [المؤمنون: 110].
- أنها كثيرًا ما تقترن بالغيبة المحرمة؛ فهي سبيل للوقوع فيها ولا بد؛ فإن المستهزئ أكثر ما يستهزئ بغيره ويسخر منه في غيبته.
- أن كثيرًا ما يكون الاستهزاء والسخرية نتيجة لاحتقار الناس، وهو من الكبر المذموم المتوعَّد صاحبه بالعقاب الأليم، ففي الحديث الصحيح عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه، عن النبي ﷺ قال: «لَا يَدْخُلُ الجَنَّةَ مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ مِنْ كِبْرٍ»، قَالَ رَجُلٌ: إِنَّ الرَّجُلَ يُحِبُّ أَنْ يَكُونَ ثَوْبُهُ حَسَنًا وَنَعْلُهُ حَسَنَةً، قَالَ: «إِنَّ اللَّهَ جَمِيلٌ يُحِبُّ الجَمَالَ، الكِبْرُ بَطَرُ الحَقِّ وَغَمْطُ النَّاسِ» [189]. بطر الحق: دفعه وإنكاره ترفُّعًا وتجبُّرًا. غمط الناس: احتقارهم.
- أنها من أكبر أسباب انتشار العداوة والبغضاء بين أفراد المجتمع، وربما كانت سببًا للاقتتال بين أفراده. [189] رواه مسلم برقم (91).
- أنه قد يكون فيها استهزاء بخِلقة الله؛ خصوصًا إذا سخر المرء من غيره لأجل شيء في خِلقته كصورته أو صوته أو لونه.
- السخرية والاستهزاء تفقد الساخر الوقار، وتسقط عنه المروءة.
الوقاية:
سبل الوقاية من السخرية والاستهزاء:
- خشية الله عز وجل والخوف من بطشه المترتب على معصيته.
- أن يشغل الإنسان نفسه بما ينفعه في أمر دينه ودنياه؛ حتى لا يترك لنفسه مجالًا للانشغال بعيوب إخوانه.
- ترك الكبر واحتقار الناس؛ فإن كثيرًا ممن يسخرون من غيرهم إنما حملهم على ذلك تكبرهم على إخوانهم واحتقارهم لهم.
- ترك صحبة السوء التي ربما كانت سببًا في ذلك؛ فإن مجالسهم لا تخلو من السخرية من الناس، التي يرون فيها سبيلًا من سبل الفكاهة.
- أن يعلم أن ما به من نعم فمن الله، وأن الله قادر على أن يسلبه ما هو فيه ويصيِّره إلى حالة أسوأ ممن يسخر منه.
- أن يزجر الإنسان غيره إذا ما رآه يسخر من إخوانه ولا يوافقه في فعله؛ حتى لا يتمادى في هذا الأمر.
أكل أموال الناس بالباطل
حَذَّرَ الإسلام من أكل أموال الناس بالباطل، وجعله من كبائر الذنوب، فقال الله تبارك وتعالى: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَأۡكُلُوٓاْ أَمۡوَٰلَكُم بَيۡنَكُم بِٱلۡبَٰطِلِ...﴾ [النساء: 29]، وعن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي ﷺ قال: «لَيَأْتِيَنَّ عَلَى النَّاسِ زَمَانٌ لَا يُبَالِي المَرْءُ بِمَا أَخَذَ المَالَ، أَمِنَ الحَلَالِ أَمْ مِنْ حَرَامٍ» [1]. [1] رواه البخاري برقم (2083).
وعن أبي هريرة رضي الله عنه، أن رسول الله ﷺ قال: «أَتَدْرُونَ مَنِ المُفْلِس؟ "قَالُوا: المُفْلِسُ فِينَا مَنْ لَا دِرْهَمَ لَهُ وَلَا مَتَاعَ، فَقَالَ: إِنَّ المُفْلِسَ مِنْ أُمَّتِي يَأْتِي يَوْمَ القِيَامَةِ بِصَلَاةٍ، وَصِيَامٍ، وَزَكَاةٍ، وَيَأْتِي قَدْ شَتَمَ هَذَا، وَقَذَفَ هَذَا، وَأَكَلَ مَالَ هَذَا، وَسَفَكَ دَمَ هَذَا، وَضَرَبَ هَذَا، فَيُعْطَى هَذَا مِنْ حَسَنَاتِهِ، وَهَذَا مِنْ حَسَنَاتِهِ، فَإِنْ فَنِيَتْ حَسَنَاتُهُ قَبْلَ أَنْ يُقْضَى مَا عَلَيْهِ أَخَذَ مِنْ خَطَايَاهُمْ فَطُرِحَتْ عَلَيْهِ، ثُمَّ طُرِحَ فِي النَّارِ» [2]. [2] رواه مسلم برقم (2581).
وحقيقة أكل أموال الناس بالباطل: هو الاستيلاء على أموال الناس من غير وجه حق مشروع، وله صور كثيرة جدًّا، منها: السرقة - الرشوة - أكل أموال اليتامى ظلمًا - الربا - القِمَار - الغصب - الغش - الاحتكار - التطفيف في الميزان ... إلخ.
وأدلة تحريم أكل أموال الناس بالباطل وبيان شناعته وعِظَمِ جُرمه كثيرة، منها:
قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَأۡكُلُوٓاْ أَمۡوَٰلَكُم بَيۡنَكُم بِٱلۡبَٰطِلِ...﴾ [البقرة: 188]، قال القرطبي: "اتفق أهل السنة على أن من أخذ ما وقع عليه اسم مال قلَّ أو كثر أنه يفسق بذلك، وأنه محرم عليه أخذه" [3]. [3] تفسير القرطبي (2/ 340).
وقال تعالى عن اليهود: ﴿وَتَرَىٰ كَثِيرٗا مِّنۡهُمۡ يُسَٰرِعُونَ فِي ٱلۡإِثۡمِ وَٱلۡعُدۡوَٰنِ وَأَكۡلِهِمُ ٱلسُّحۡتَۚ لَبِئۡسَ مَا كَانُواْ يَعۡمَلُونَ 62﴾ [المائدة: 62]، قال ابن كثير: "أي: يبادرون إلى ذلك من تعاطي المآثم والمحارم والاعتداء على الناس، وأكلهم أموالهم بالباطل" [4]. [4] تفسير ابن كثير (3/ 144).
وعن أبي بَكْرَة رضي الله عنه، قال رسول الله ﷺ: «إِنَّ دِمَاءَكُمْ، وَأَمْوَالَكُمْ، وَأَعْرَاضَكُمْ، حَرَامٌ عَلَيْكُمْ» [5]. [5] رواه البخاري برقم (67)، ومسلم برقم (1679).
وعن خولة الأنصارية رضي الله عنها قالت: سمعت النبي ﷺ يقول: «إِنَّ رِجَالًا يَتَخَوَّضُونَ فِي مَالِ اللَّهِ بِغَيْرِ حَقٍّ، فَلَهُمُ النَّارُ يَوْمَ القِيَامَةِ» [6]. [6] رواه البخاري برقم (3118).
وعن أم سلمة رضي الله عنها، عن النبي ﷺ قال: «إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ، وَإِنَّكُمْ تَخْتَصِمُونَ إِلَيَّ، وَلَعَلَّ بَعْضَكُمْ أَنْ يَكُونَ أَلْحَنَ بِحُجَّتِهِ مِنْ بَعْضٍ، وَأَقْضِي لَهُ عَلَى نَحْوِ مَا أَسْمَعُ، فَمَنْ قَضَيْتُ لَهُ مِنْ حَقِّ أَخِيهِ شَيْئًا فَلَا يَأْخُذْ، فَإِنَّمَا أَقْطَعُ لَهُ قِطْعَةً مِنَ النَّارِ» [7]. [7] رواه البخاري برقم (2458)، ومسلم برقم (1713).
ولأكل أموال الناس بالباطل أضرار كثيرة، منها:
- اختلال النظام الاقتصادي للمجتمع كله؛ لأن المال هو قوام حياة الناس وبفساده تفسد الحياة، قال الله تعالى: ﴿وَلَا تُؤۡتُواْ ٱلسُّفَهَآءَ أَمۡوَٰلَكُمُ ٱلَّتِي جَعَلَ ٱللَّهُ لَكُمۡ قِيَٰمٗا...﴾ [النساء: 5] قال ابن كثير: " قِيَامًا: أي تقوم بها معايشهم من التجارات وغيرها" [8]. [8] تفسير ابن كثير (2/ 214).
- يكثر الظلم والمظالم التي تستوجب العقوبة الربانية، فقد عاقب الله تعالى قوم شعيب عليه السلام لما طفَّفوا الميزان، فأكلوا أموال الناس بالباطل.
- انتشار الفقر، فيزداد الفقير فقرًا، ويزداد الغني ثراءً وتَغَوُّلًا وظلمًا.
- ضياع الحقوق بين الناس، ونزع البركة من حياتهم.
- يمنع من قبول الدعاء، فعن أبي هريرة رضي الله عنه، قال: «ذَكَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الرَّجُلَ يُطِيلُ السَّفَرَ، أَشْعَثَ أَغْبَرَ، يَمُدُّ يَدَيْهِ إِلَى السَّمَاءِ، يَا رَبِّ، يَا رَبِّ، وَمَطْعَمُهُ حَرَامٌ، وَمَشْرَبُهُ حَرَامٌ، وَمَلْبَسُهُ حَرَامٌ، وَغُذِّيَ بِالْحَرَامِ، فَأَنَّى يُسْتَجَابُ لِذَلِكَ» [9]. [9] رواه مسلم برقم (1015).
- أكل الحرام دليل على ضعف الدين وعدم اليقين.
- أكل أموال الناس بالباطل يوجب العداوة والبغضاء بين الناس، قال تعالى: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ ٱلشَّيۡطَٰنُ أَن يُوقِعَ بَيۡنَكُمُ ٱلۡعَدَٰوَةَ وَٱلۡبَغۡضَآءَ فِي ٱلۡخَمۡرِ وَٱلۡمَيۡسِرِ وَيَصُدَّكُمۡ عَن ذِكۡرِ ٱللَّهِ وَعَنِ ٱلصَّلَوٰةِۖ فَهَلۡ أَنتُم مُّنتَهُونَ 91﴾ [المائدة ٩١]. وما في الميسر من غلبة أحدهما للآخر، وأخذ ماله الكثير في غير مقابلة.
سبل الوقاية من الوقوع في جريمة أكل أموال الناس بالباطل:
- التعفف عن أموال الناس، قال تَعَالَى: ﴿لِلۡفُقَرَآءِ ٱلَّذِينَ أُحۡصِرُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ لَا يَسۡتَطِيعُونَ ضَرۡبٗا فِي ٱلۡأَرۡضِ يَحۡسَبُهُمُ ٱلۡجَاهِلُ أَغۡنِيَآءَ مِنَ ٱلتَّعَفُّفِ تَعۡرِفُهُم بِسِيمَٰهُمۡ لَا يَسۡـَٔلُونَ ٱلنَّاسَ إِلۡحَافٗا...﴾ [البقرة: 273]، وعن حكيم بن حزام رضي الله عنه، عن النبي ﷺ قال: «مَنْ يَسْتَعْفِفْ يُعِفَّهُ اللَّهُ، وَمَنْ يَسْتَغْنِ يُغْنِهِ اللَّهُ» [10]. [10] رواه البخاري برقم (1427)، ومسلم برقم (1034).
- الاجتهاد في الكسب الحلال، فعن أبي هريرة رضي الله عنه، أن رسول الله ﷺ قال: «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَأَنْ يَأْخُذَ أَحَدُكُمْ حَبْلَهُ، فَيَحْتَطِبَ عَلَى ظَهْرِهِ خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَأْتِيَ رَجُلًا، فَيَسْأَلَهُ أَعْطَاهُ أَوْ مَنَعَهُ» [11]. [11] رواه البخاري برقم (1470)، ومسلم برقم (1042).
- اتقاء الأموال المشبوهة وطرق الكسب المشبوهة، فعن النعمان بن بشير رضي الله عنهما، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إِنَّ الحَلَالَ بَيِّنٌ، وَإِنَّ الحَرَامَ بَيِّنٌ، وَبَيْنَهُمَا مُشْتَبِهَاتٌ لَا يَعْلَمُهُنَّ كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ، فَمَنِ اتَّقَى الشُّبُهَاتِ، اسْتَبْرَأَ لِدِينِهِ وَعِرْضِهِ، وَمَنْ وَقَعَ فِي الشُّبُهَاتِ وَقَعَ فِي الحَرَامِ، كَالرَّاعِي يَرْعَى حَوْلَ الحِمَى يُوشِكُ أَنْ يَرْتَعَ فِيهِ، أَلَا وَإِنَّ لِكُلِّ مَلِكٍ حِمًى، أَلَا وَإِنَّ حِمَى اللَّهِ مَحَارِمُهُ» [12]. [12] رواه البخاري برقم (52)، ومسلم برقم (1599).
- القناعة والرضى بما قسمه الله من الرزق الحلال بعد الأخذ بأسباب الكسب، فعن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما، أن رسول الله ﷺ، قال: «قَدْ أَفْلَحَ مَنْ أَسْلَمَ، وَرُزِقَ كَفَافًا، وَقَنَّعَهُ اللَّهُ بِمَا آتَاهُ» [13]. [13] رواه مسلم برقم (1054).
- إطعام الأولاد من حلال، فتنشأ قلوبهم وأبدانهم على حُبِّ أكل الحلال.
- تعميق معنى الغنى الحقيقي في قلوب المؤمنين، فعن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي ﷺ، قال: «لَيْسَ الغِنَى عَنْ كَثْرَةِ العَرَضِ، وَلَكِنَّ الغِنَى غِنَى النَّفْسِ» [14]. [14] رواه البخاري برقم (6446)، ومسلم برقم (1051).
- الخوف من عقوبة الله في الدنيا والآخرة، فعن جندب بن عبد الله رضي الله عنه قال: «إِنَّ أَوَّلَ مَا يُنْتِنُ مِنَ الإِنْسَانِ بَطْنُهُ، فَمَنِ اسْتَطَاعَ أَنْ لَا يَأْكُلَ إِلَّا طَيِّبًا فَلْيَفْعَلْ» [15]. [15] رواه البخاري برقم (7152).
السِّحر
السحر كبيرة من كبائر الذنوب، وبسبب السحر يقع الفساد في المجتمع، والساحر شخص ضال مضل، يعمل عمل الشياطين، وربما مات على الكفر.
والسحر عُقَدٌ ورَقى وكلام يتكلم به الساحر أو يكتبه، أو يعمل شيئًا يؤثر في بدن المسحور أو قلبه أو عقله من غير مباشرة له، وله حقيقة، فمنه ما يقتل، ومنه ما يُمْرِض، ومنه ما يأخذ الرجل عن زوجته فيمنعه وطأها، ومنه ما يُفرِّق بين المرء وزوجه، وما يُبَغِّض أحدهما إلى الآخر، أو يُحبِّب بين الاثنين [16]. [16] الإقناع للحجاوي (4/ 307).
والأدلة في حرمة السحر، وأنه من الكبائر كثيرة، منها:
قول الله تعالى: ﴿وَٱتَّبَعُواْ مَا تَتۡلُواْ ٱلشَّيَٰطِينُ عَلَىٰ مُلۡكِ سُلَيۡمَٰنَۖ وَمَا كَفَرَ سُلَيۡمَٰنُ وَلَٰكِنَّ ٱلشَّيَٰطِينَ كَفَرُواْ يُعَلِّمُونَ ٱلنَّاسَ ٱلسِّحۡرَ وَمَآ أُنزِلَ عَلَى ٱلۡمَلَكَيۡنِ بِبَابِلَ هَٰرُوتَ وَمَٰرُوتَۚ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنۡ أَحَدٍ حَتَّىٰ يَقُولَآ إِنَّمَا نَحۡنُ فِتۡنَةٞ فَلَا تَكۡفُرۡۖ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنۡهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِۦ بَيۡنَ ٱلۡمَرۡءِ وَزَوۡجِهِۦۚ وَمَا هُم بِضَآرِّينَ بِهِۦ مِنۡ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذۡنِ ٱللَّهِۚ وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمۡ وَلَا يَنفَعُهُمۡۚ وَلَقَدۡ عَلِمُواْ لَمَنِ ٱشۡتَرَىٰهُ مَا لَهُۥ فِي ٱلۡأٓخِرَةِ مِنۡ خَلَٰقٖۚ وَلَبِئۡسَ مَا شَرَوۡاْ بِهِۦٓ أَنفُسَهُمۡۚ لَوۡ كَانُواْ يَعۡلَمُونَ 102﴾ [البقرة: 102].
وعن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي ﷺ قال: «اجْتَنِبُوا السَّبْعَ المُوبِقَاتِ»، قَالوا: يَا رَسُولَ اللهِ وَمَا هُنَّ؟ قال: «الشِّرْكُ بِاللَّهِ، وَالسِّحْرُ، وَقَتْلُ النَّفْسِ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ، وَأَكْلُ الرِّبَا، وَأَكْلُ مَالِ اليَتِيمِ، وَالتَّوَلِّي يَوْمَ الزَّحْفِ، وَقَذْفُ المُحْصَنَاتِ المُؤْمِنَاتِ الغَافِلَاتِ» [17]. [17] رواه البخاري برقم (2766)، ومسلم برقم (89).
وللسحر أضرار كثيرة، منها:
- أنه علم يضر ولا ينفع، قال تعالى: ﴿...وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمۡ وَلَا يَنفَعُهُمۡ...﴾ [البقرة: 102].
- أن صاحبه ليس له نصيب في نعيم الآخرة، قال سبحانه: ﴿...وَلَقَدۡ عَلِمُواْ لَمَنِ ٱشۡتَرَىٰهُ مَا لَهُۥ فِي ٱلۡأٓخِرَةِ مِنۡ خَلَٰقٖ...﴾ [البقرة: 102] قال الشيخ السعدي: "﴿وَلَقَدۡ عَلِمُواْ﴾ أي: اليهود ﴿لَمَنِ ٱشۡتَرَىٰهُ﴾ أي: رغب في السحر رغبة المشتري في السلعة ﴿مَا لَهُۥ فِي ٱلۡأٓخِرَةِ مِنۡ خَلَٰق﴾ أي: نصيب، بل هو موجب للعقوبة، فلم يكن فعلهم إياه جهلًا، ولكنهم استحبوا الحياة الدنيا على الآخرة" [18]. [18] تفسير السعدي (ص61).
- أنه سبيل لعدم الفلاح، قال الله تبارك وتعالى: ﴿قَالَ مُوسَىٰٓ أَتَقُولُونَ لِلۡحَقِّ لَمَّا جَآءَكُمۡۖ أَسِحۡرٌ هَٰذَا وَلَا يُفۡلِحُ ٱلسَّٰحِرُونَ77﴾ [يونس: 77]، وقال تعالى: ﴿وَأَلۡقِ مَا فِي يَمِينِكَ تَلۡقَفۡ مَا صَنَعُوٓاْۖ إِنَّمَا صَنَعُواْ كَيۡدُ سَٰحِرٖۖ وَلَا يُفۡلِحُ ٱلسَّاحِرُ حَيۡثُ أَتَىٰ 69﴾ [طه: 69].
- أنه عمل المفسدين، قال عز من قائل: ﴿فَلَمَّآ أَلۡقَوۡاْ قَالَ مُوسَىٰ مَا جِئۡتُم بِهِ ٱلسِّحۡرُۖ إِنَّ ٱللَّهَ سَيُبۡطِلُهُۥٓ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يُصۡلِحُ عَمَلَ ٱلۡمُفۡسِدِينَ 81﴾ [يونس: 81]، ومن ذلك ما يقع من إفساد بين الناس بالتفريق بين الأزواج وغير ذلك، قال الله عز وجل: ﴿...فَيَتَعَلَّمُونَ مِنۡهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِۦ بَيۡنَ ٱلۡمَرۡءِ وَزَوۡجِهِ...﴾ [البقرة: 102].
- أنه تأثير بالباطل على الخلق وتخويف لهم، قال الله تعالى: ﴿وَجَآءَ ٱلسَّحَرَةُ فِرۡعَوۡنَ قَالُوٓاْ إِنَّ لَنَا لَأَجۡرًا إِن كُنَّا نَحۡنُ ٱلۡغَٰلِبِينَ 113 قَالَ نَعَمۡ وَإِنَّكُمۡ لَمِنَ ٱلۡمُقَرَّبِينَ 114 قَالُواْ يَٰمُوسَىٰٓ إِمَّآ أَن تُلۡقِيَ وَإِمَّآ أَن نَّكُونَ نَحۡنُ ٱلۡمُلۡقِينَ 115 قَالَ أَلۡقُواْۖ فَلَمَّآ أَلۡقَوۡاْ سَحَرُوٓاْ أَعۡيُنَ ٱلنَّاسِ وَٱسۡتَرۡهَبُوهُمۡ وَجَآءُو بِسِحۡرٍ عَظِيمٖ 116﴾ [الأعراف: 113 - 116].
- أن صاحبه معرَّض للقتل، فعن بجالة التميمي قال: "كُنتُ كَاتِبًا لِجزءِ بنِ مَعَاوِيَةَ فَأَتَانَا كِتَابُ عُمَرَ قَبْلَ مَوْتِهِ بِسَنَةٍ: أَنِ اقتُلُوا كُلَّ سَاحِرٍ، فَقَتَلْنَا ثَلاثَةً سَحَرَةً" [19]. [19] رواه أحمد برقم (1657).
وللوقاية من السحر أسباب، منها:
- الحذر منه وعدم تعلمه، قال تعالى: ﴿...وَلَٰكِنَّ ٱلشَّيَٰطِينَ كَفَرُواْ يُعَلِّمُونَ ٱلنَّاسَ ٱلسِّحۡرَ وَمَآ أُنزِلَ عَلَى ٱلۡمَلَكَيۡنِ بِبَابِلَ هَٰرُوتَ وَمَٰرُوتَۚ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنۡ أَحَدٍ حَتَّىٰ يَقُولَآ إِنَّمَا نَحۡنُ فِتۡنَةٞ فَلَا تَكۡفُرۡ...﴾ [البقرة: 102].
- تحقيق الإيمان والتقوى والإكثار من الطاعات، قال تعالى بعد التحذير من السحر: ﴿وَلَوۡ أَنَّهُمۡ ءَامَنُواْ وَٱتَّقَوۡاْ لَمَثُوبَةٞ مِّنۡ عِندِ ٱللَّهِ خَيۡرٞۚ لَّوۡ كَانُواْ يَعۡلَمُونَ 103﴾ [البقرة: 103].
- التوقي من السحر وأذاه يكون بالمحافظة على أذكار الصباح والمساء، وسؤال الله العافية، والإكثار من قراءة القرآن ولا سيما سورة الإخلاص والمعوذتين ثلاث مرات مساءً وصباحًا.
- تجنب الحسد الذي يؤدي إلى البغضاء بين الناس وعمل السحر في كثير من الأحيان.
قتل النفس
قتل النفس العمد كبيرة من أكبر الكبائر، وجريمة من أعظم الجرائم، جاء الوعيد عليها في القرآن الكريم، قال تعالى: ﴿وَمَن يَقۡتُلۡ مُؤۡمِنٗا مُّتَعَمِّدٗا فَجَزَآؤُهُۥ جَهَنَّمُ خَٰلِدٗا فِيهَا وَغَضِبَ ٱللَّهُ عَلَيۡهِ وَلَعَنَهُۥ وَأَعَدَّ لَهُۥ عَذَابًا عَظِيمٗا 93﴾ [النساء: 93].
وأدلة تحريم القتل العمد وبيان شناعته كثيرة؛ منها:
قال سبحانه: ﴿مِنۡ أَجۡلِ ذَٰلِكَ كَتَبۡنَا عَلَىٰ بَنِيٓ إِسۡرَٰٓءِيلَ أَنَّهُۥ مَن قَتَلَ نَفۡسَۢا بِغَيۡرِ نَفۡسٍ أَوۡ فَسَادٖ فِي ٱلۡأَرۡضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ ٱلنَّاسَ جَمِيعٗا وَمَنۡ أَحۡيَاهَا فَكَأَنَّمَآ أَحۡيَا ٱلنَّاسَ جَمِيعٗا...﴾ [المائدة: 32].
قال تعالى: ﴿وَٱلَّذِينَ لَا يَدۡعُونَ مَعَ ٱللَّهِ إِلَٰهًا ءَاخَرَ وَلَا يَقۡتُلُونَ ٱلنَّفۡسَ ٱلَّتِي حَرَّمَ ٱللَّهُ إِلَّا بِٱلۡحَقِّ وَلَا يَزۡنُونَۚ وَمَن يَفۡعَلۡ ذَٰلِكَ يَلۡقَ أَثَامٗا 68 يُضَٰعَفۡ لَهُ ٱلۡعَذَابُ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ وَيَخۡلُدشۡ فِيهِۦ مُهَانًا 69 إِلَّا مَن تَابَ وَءَامَنَ وَعَمِلَ عَمَلٗا صَٰلِحٗا فَأُوْلَٰٓئِكَ يُبَدِّلُ ٱللَّهُ سَيِّـَٔاتِهِمۡ حَسَنَٰتٖۗ وَكَانَ ٱللَّهُ غَفُورٗا رَّحِيمٗا 70﴾ [الفرقان: 68 - 70].
وعن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي ﷺ قال: «اجْتَنِبُوا السَّبْعَ الْمُوبِقَات»، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ وَمَا هُنَّ؟ قَالَ: «الشِّرْكُ بِاللَّهِ، وَالسِّحْرُ، وَقَتْلُ النَّفْسِ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ، وَأَكْلُ الرِّبَا، وَأَكْلُ مَالِ اليَتِيمِ، وَالتَّوَلِّي يَوْمَ الزَّحْفِ، وَقَذْفُ المُحْصَنَاتِ المُؤْمِنَاتِ الغَافِلَات» [20]. [20] رواه البخاري برقم (2766)، ومسلم برقم (89).
وعن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنِ الكَبَائِرِ فَقَالَ:«الشِّرْكُ بِاللَّهِ، وَقَتْلُ النَّفْسِ، وَعُقُوقُ الوَالِدَيْنِ» [21]. [21] رواه البخاري برقم (5977)، ومسلم برقم (88).
وعن ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله ﷺ: «لَنْ يَزَالَ المُؤْمِنُ فِي فُسْحَةٍ مِنْ دِينِهِ، مَا لَمْ يُصِبْ دَمًا حَرَامًا» [22]. والمعنى: أن المسلم إذا وقع في أي ذنب كان له في الدين والشرع مخرج إلا القتل، فإن أمره صعب [23]. [22] رواه البخاري برقم (6862). [23] ينظر كشف المشكل من حديث الصحيحين لابن الجوزي (2/ 590).
وعن عبد الله بن عمر رضي الله عنه قال: "إِنَّ مِنْ وَرَطَاتِ الأُمُورِ، الَّتِي لَا مَخْرَجَ لِمَنْ أَوْقَعَ نَفْسَهُ فِيهَا، سَفْكُ الدَّمِ الحَرَامِ بِغَيْرِ حِلِّهِ" [24]. [24] رواه البخاري برقم (6863).
وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: لَقَدْ سَمِعْتُ نَبِيَّكُمْ ﷺ يَقُولُ: «يَجِيءُ المَقْتُولُ يَوْمَ القِيَامَةِ آخِذًا رَأْسَهُ - إِمَّا قَالَ: بِشِمَالِهِ، وَإِمَّا بِيَمِينِهِ - تَشْخَبُ أَوْدَاجُهُ فِي قُبُلِ عَرْشِ الرَّحْمَنِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى، يَقُولُ: يَا رَبِّ، سَلْ هَذَا فِيمَ قَتَلَنِي» [25]. [25] رواه أحمد برقم (2142 - 3445)، والترمذي برقم (3029).
وللقتل أضرار كثيرة منها:
- أن الله عز وجل يغضب على القاتل ويلعنه، كما أنه توعده يوم القيامة بالعذاب العظيم في جهنم وساءت مصيرًا، قال تعالى: ﴿وَمَن يَقۡتُلۡ مُؤۡمِنٗا مُّتَعَمِّدٗا فَجَزَآؤُهُۥ جَهَنَّمُ خَٰلِدٗا فِيهَا وَغَضِبَ ٱللَّهُ عَلَيۡهِ وَلَعَنَهُۥ وَأَعَدَّ لَهُۥ عَذَابًا عَظِيمٗا 93﴾ [النساء: 93].
- أنه يتسبب في إزهاق روح القاتل؛ فإن القاتل يُقتل قصاصًا، فعن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «لَا يَحِلُّ دَمُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ، يَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنِّي رَسُولُ اللَّهِ، إِلَّا بِإِحْدَى ثَلَاثٍ: النَّفْسُ بِالنَّفْسِ، وَالثَّيِّبُ الزَّانِي، وَالمَارِقُ مِنَ الدِّينِ التَّارِكُ لِلْجَمَاعَةِ» [26]. [26] رواه البخاري برقم (6878)، ومسلم برقم (1676).
وقوله ﷺ: «النَّفْسُ بِالنَّفْسِ». المقصود به: القصاص، أي: أنه إذا قتل إنسانٌ إنسانًا عمدًا فإنه يُقتل به.
- أن القتل يُشيع الخوف والقلق في المجتمع، ويثير العداوة والبغضاء فيه.
سبل الوقاية من الوقوع في جريمة القتل:
يحمي المسلم نفسه من الوقوع في جريمة القتل بما يلي:
- أن ينقِّي قلبه من الحقد والغل والحسد، وأن يعوِّد نفسه أن يحب لأخيه ما يحبه لنفسه.
- أن يتجنب الوسائل التي قد تهوي به في مستنقع هذه الجريمة، ومنها أن يشير إلى أخيه المسلم بالسلاح، فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال أبو القاسم ﷺ: «مَنْ أَشَارَ إِلَى أَخِيهِ بِحَدِيدَةٍ، فَإِنَّ المَلَائِكَةَ تَلْعَنُهُ، حَتَّى يَدَعَهُ وَإِنْ كَانَ أَخَاهُ لِأَبِيهِ وَأُمِّه» [27]. وفي رواية: «لَا يُشِرْ أَحَدُكُمْ إِلَى أَخِيهِ بِالسِّلَاحِ، فَإِنَّهُ لَا يَدْرِي أَحَدُكُمْ لَعَلَّ الشَّيْطَانَ يَنْزِعُ فِي يَدِهِ فَيَقَعَ فِي حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ» [28]. [27] رواه مسلم برقم (2616). [28] رواه مسلم برقم (2617).
وقوله ﷺ: «لَعَلَّ الشَّيْطَانَ يَنْزِعُ فِي يَدِهِ». معناه: يرمي في يده ويحقق ضربته ورميته.
- أن يتجنب الفتن –وهي كل خلاف يكون بين المسلمين- حتى لا يصيب دمًا حرامًا، عن أبي بَكْرَةَ رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «إِنَّهَا سَتَكُونُ فِتَنٌ، أَلَا ثُمَّ تَكُونُ فِتْنَةٌ القَاعِدُ فِيهَا خَيْرٌ مِنَ المَاشِي فِيهَا، وَالمَاشِي فِيهَا خَيْرٌ مِنَ السَّاعِي إِلَيْهَا، أَلَا فَإِذَا نَزَلَتْ أَوْ وَقَعَتْ، فَمَنْ كَانَ لَهُ إِبِلٌ فَلْيَلْحَقْ بِإِبِلِهِ، وَمَنْ كَانَتْ لَهُ غَنَمٌ فَلْيَلْحَقْ بِغَنَمِهِ، وَمَنْ كَانَتْ لَهُ أَرْضٌ فَلْيَلْحَقْ بِأَرْضِهِ»، قَالَ: فَقَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَرَأَيْتَ مَنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ إِبِلٌ وَلَا غَنَمٌ وَلَا أَرْضٌ؟ قَالَ: «يَعْمِدُ إِلَى سَيْفِهِ فَيَدُقَّ عَلَى حَدِّهِ بِحَجَرٍ، ثُمَّ لِيَنْجُ إِنِ اسْتَطَاعَ النَّجَاءَ، اللَّهُمَّ هَلْ بَلَّغْتُ؟ اللَّهُمَّ هَلْ بَلَّغْتُ؟ اللَّهُمَّ هَلْ بَلَّغْتُ؟»، قَالَ: فَقَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَرَأَيْتَ إِنْ أُكْرِهْتُ حَتَّى يُنْطَلَقَ بِي إِلَى أَحَدِ الصَّفَّيْنِ، أَوْ إِحْدَى الفِئَتَيْنِ، فَضَرَبَنِي رَجُلٌ بِسَيْفِهِ، أَوْ يَجِيءُ سَهْمٌ فَيَقْتُلَنِي؟ قَالَ: «يَبُوءُ بِإِثْمِهِ وَإِثْمِكَ، وَيَكُونُ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ» [29]. [29] رواه مسلم برقم (2887).
أكل مال اليتيم
أكل مال اليتيم من الذنوب الكبيرة التي تُعرِّض صاحبها للوعيد الشديد في الآخرة، مع ما يصيب مقترفها من عواقب سيئة في الدنيا، إضافةً لما تُفضي إليه من فساد الحياة الاجتماعية بين الأفراد.
ولقد كان من الأمور الظاهرة لبعثة النبي ﷺ أنه ينهى عن أكل مال اليتيم، ففي قصة جعفر بن أبي طالب رضي الله عنه في حديثه مع النجاشي أنه قال له: "وَأَمَرَنَا بِصِدْقِ الحَدِيثِ، وَأَدَاءِ الأَمَانَةِ، وَصِلَةِ الرَّحِمِ، وَحُسْنِ الجِوَارِ، وَالكَفِّ عَنِ المَحَارِمِ وَالدِّمَاءِ، وَنَهَانَا عَنِ الفَوَاحِشِ وَقَوْلِ الزُّورِ، وَأَكْلِ مَالِ اليَتِيمِ، وَقَذْفِ المُحْصَنَةِ" [30]. [30] رواه أحمد برقم (1740).
والمراد بأكل مال اليتيم أخذه بغير حق أو إتلافه عليه بأي نوع من أنواع الإتلاف، فيشمل التعدي عليه بإحراق ونحوه، وعبَّر بالأكل؛ لأنه أعظم ما يحتاج فيه إلى المال، أو لأن عامة أموالهِم في ذلك الوقت الأنعام (البهائم)، وهي يُؤكل لحمُها ويُشرب لبنُها.
وقد نص الشرع على أن أكل مال اليتيم ظلمًا من الكبائر، ووردت جملة من الأدلة على تحريمه، فمنها:
قول الله تعالى: ﴿وَءَاتُواْ ٱلۡيَتَٰمَىٰٓ أَمۡوَٰلَهُمۡۖ وَلَا تَتَبَدَّلُواْ ٱلۡخَبِيثَ بِٱلطَّيِّبِۖ وَلَا تَأۡكُلُوٓاْ أَمۡوَٰلَهُمۡ إِلَىٰٓ أَمۡوَٰلِكُمۡۚ إِنَّهُۥ كَانَ حُوبٗا كَبِيرٗا 2﴾ [النساء: 2]. أي: إثمًا عظيمًا [31]. [31] تفسير الطبري (6/356).
وقال سبحانه: ﴿وَٱبۡتَلُواْ ٱلۡيَتَٰمَىٰ حَتَّىٰٓ إِذَا بَلَغُواْ ٱلنِّكَاحَ فَإِنۡ ءَانَسۡتُم مِّنۡهُمۡ رُشۡدٗا فَٱدۡفَعُوٓاْ إِلَيۡهِمۡ أَمۡوَٰلَهُمۡۖ وَلَا تَأۡكُلُوهَآ إِسۡرَافٗا وَبِدَارًا أَن يَكۡبَرُواْۚ وَمَن كَانَ غَنِيّٗا فَلۡيَسۡتَعۡفِفۡۖ وَمَن كَانَ فَقِيرٗا فَلۡيَأۡكُلۡ بِٱلۡمَعۡرُوفِۚ فَإِذَا دَفَعۡتُمۡ إِلَيۡهِمۡ أَمۡوَٰلَهُمۡ فَأَشۡهِدُواْ عَلَيۡهِمۡۚ وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ حَسِيبٗا 6﴾ [النساء: 6].
وقال تبارك وتعالى: ﴿وَلَا تَقۡرَبُواْ مَالَ ٱلۡيَتِيمِ إِلَّا بِٱلَّتِي هِيَ أَحۡسَنُ حَتَّىٰ يَبۡلُغَ أَشُدَّهُ...﴾ [الأنعام: 152].
وقال عز وجل: ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ يَأۡكُلُونَ أَمۡوَٰلَ ٱلۡيَتَٰمَىٰ ظُلۡمًا إِنَّمَا يَأۡكُلُونَ فِي بُطُونِهِمۡ نَارٗاۖ وَسَيَصۡلَوۡنَ سَعِيرٗا 10﴾ [النساء: 10].
قال السعدي: "وهذا أعظم وعيد ورد في الذنوب، يدل على شناعة أكل أموال اليتامى وقبحها، وأنها موجبة لدخول النار؛ فدل ذلك أنها من أكبر الكبائر، نسأل الله العافية" [32]. [32] تفسير السعدي (ص165).
وعن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي ﷺ قال: «اجْتَنِبُوا السَّبْعَ المُوبِقَاتِ» (أي: المُهْلِكات)، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ وَمَا هُنَّ؟ قَالَ:«الشِّرْكُ بِاللَّهِ، وَالسِّحْرُ، وَقَتْلُ النَّفْسِ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ، وَأَكْلُ الرِّبَا، وَأَكْلُ مَالِ اليَتِيمِ، وَالتَّوَلِّي يَوْمَ الزَّحْفِ، وَقَذْفُ المُحْصَنَاتِ المُؤْمِنَاتِ الغَافِلَاتِ» [33]. [33] رواه البخاري برقم (2766)، ومسلم برقم (89).
ولأكل مال اليتيم ظلمًا أضرار كثيرة منها:
- أنه يعرض صاحبه للوعيد الشديد الوارد في النصوص.
- أن صاحبه لم يمتثل النهي عن قهر اليتيم، قال تعالى: ﴿فَأَمَّا ٱلۡيَتِيمَ فَلَا تَقۡهَرۡ 9﴾ [الضحى: 9].
- أنه أكلٌ لأموال الناس بالباطل، وقد قال تعالى: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَأۡكُلُوٓاْ أَمۡوَٰلَكُم بَيۡنَكُم بِٱلۡبَٰطِلِ...﴾ [النساء: 29].
- أنه سبب لوقوع الحقد والبغضاء بين أفراد المجتمع.
- أنه سبب لذهاب البركة من مال من فعله، قال الشيخ السعدي رحمه الله: "ومن الأسباب الدينية لِمَحْق الرزق: المعاملات المحرمة كالربا والغش، وأكل أموال الناس بالباطل، فصاحبها يظن -بل يجزم- أنها توسِّع عليه الرزق؛ ولهذا تجرأ عليها، والله تعالى يعامله بنقيض قصده ... وكذلك الغش وأكل أموال اليتامى والأوقاف بغير حق من أكبر أسباب المحق؛ مع ما على صاحبها من الإثم والعقوبة" [34]. [34] الدرة البهية (ص99، 100).
- ذكر بعض أهل العلم أنه سبب لحصول سوء الخاتمة، أعاذنا الله من ذلك، قال ابن دقيق العيد: "أكل مال اليتيم مجرَّب لسوء الخاتمة، والعياذ بالله" [35]. [35] ينظر تشنيف المسامع بجمع الجوامع للزركشي (2/ 1012)، والزواجر عن اقتراف الكبائر للهيتمي (1/ 417).
وللوقاية من أكل مال اليتيم ظلمًا أسباب، منها:
- الخوف من عذاب الآخرة؛ فإن الله توعَّد الذين يأكلون أموال اليتامى ظلمًا أنهم سيصلون سعيرًا.
- الحرص على إصلاح مال اليتيم لا إفساده، واستشعار اطلاع الله على مَن يريد إفساد مال اليتيم، قال تعالى: ﴿...وَيَسۡـَٔلُونَكَ عَنِ ٱلۡيَتَٰمَىٰۖ قُلۡ إِصۡلَاحٞ لَّهُمۡ خَيۡرٞۖ وَإِن تُخَالِطُوهُمۡ فَإِخۡوَٰنُكُمۡۚ وَٱللَّهُ يَعۡلَمُ ٱلۡمُفۡسِدَ مِنَ ٱلۡمُصۡلِحِ...﴾ [البقرة: 220].
قال الطبري في تفسير هذه الآية: "إن ربكم -وإن أذن لكم في مخالطتكم اليتامى على ما أذن لكم به- فاتقوا الله في أنفسكم أن تخالطوهم وأنتم تريدون أكل أموالهم بالباطل، وتجعلون مخالطتكم إياهم ذريعة لكم إلى إفساد أموالهم، وأكلها بغير حقها، فتستوجبوا بذلك منه العقوبة التي لا قِبل لكم بها، فإنه يعلم من خالط منكم يتيمه، فشاركه في مطعمه ومشربه ومسكنه ما الذي يقصد بمخالطته إياه: إفساد ماله وأكله بالباطل، أم إصلاحه وتثميره؛ لأنه لا يخفى عليه منه شيء، ويعلم أيكم المريد إصلاح ماله، من المريد إفساده" [36]. [36] تفسير الطبري (3/ 707).
- استحضار حال اليتيم، فإن حاله تقتضي الرأفة به ورحمته؛ لكونه صغيرًا فقد أباه.
- تذكير النفس بما ورد في إهانة اليتيم، قال تعالى: ﴿كَلَّاۖ بَل لَّا تُكۡرِمُونَ ٱلۡيَتِيمَ 17﴾ [الفجر: 17]، قال الشيخ السعدي رحمه الله: "لامهم الله على عدم اهتمامهم بأحوال الخلق المحتاجين، فقال: ﴿كَلَّاۖ بَل لَّا تُكۡرِمُونَ ٱلۡيَتِيمَ 17﴾ [الفجر: 17] الذي فقد أباه وكاسبه، واحتاج إلى جبر خاطره والإحسان إليه، فأنتم لا تكرمونه بل تهينونه، وهذا يدل على عدم الرحمة في قلوبكم، وعدم الرغبة في الخير" [37]. [37] تفسير السعدي (ص924).
- الحرص على الإحسان إلى اليتيم الذي أمر الله به في قوله تعالى: ﴿وَإِذۡ أَخَذۡنَا مِيثَٰقَ بَنِيٓ إِسۡرَٰٓءِيلَ لَا تَعۡبُدُونَ إِلَّا ٱللَّهَ وَبِٱلۡوَٰلِدَيۡنِ إِحۡسَانٗا وَذِي ٱلۡقُرۡبَىٰ وَٱلۡيَتَٰمَىٰ وَٱلۡمَسَٰكِينِ...﴾ [البقرة: 83].
التولي يوم الزحف
التولِّي يوم الزحف كبيرة من أكبر الكبائر، وهي علامة على ضعف الإيمان، وعلى الجُبْن والذلة والمهانة.
وحقيقةُ التولي يوم الزحف: الفرار من ميدان القتال عند ملاقاة الكفار الذين لم يزيدوا على ضِعف عدد المسلمين، إلا أن يكون قد فرَّ المجاهدُ متحرفًا من جهة إلى أخرى، ليكون أمكن له في القتال، أو ليتحيَّز إلى جماعة من المسلمين يستنجد بها.
وقد تظاهرت أدلة الكتاب والسنة على تحريمه وعدِّه من أكبر الكبائر، منها:
قال تعالى: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ إِذَا لَقِيتُمُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ زَحۡفٗا فَلَا تُوَلُّوهُمُ ٱلۡأَدۡبَارَ 15 وَمَن يُوَلِّهِمۡ يَوۡمَئِذٖ دُبُرَهُۥٓ إِلَّا مُتَحَرِّفٗا لِّقِتَالٍ أَوۡ مُتَحَيِّزًا إِلَىٰ فِئَةٖ فَقَدۡ بَآءَ بِغَضَبٖ مِّنَ ٱللَّهِ وَمَأۡوَىٰهُ جَهَنَّمُۖ وَبِئۡسَ ٱلۡمَصِيرُ 16﴾ [الأنفال: 15، 16].
فانظر كيف يبوء المتولي يوم الزحف بغضب الله تعالى، مع ما أعدَّ الله تعالى له في الآخرة من عذاب جهنم.
وعن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي ﷺ قال: «اجْتَنِبُوا السَّبْعَ المُوبِقَاتِ» (أي: المُهْلِكات)، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ وَمَا هُنَّ؟ قَالَ: «الشِّرْكُ بِاللَّهِ، وَالسِّحْرُ، وَقَتْلُ النَّفْسِ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ، وَأَكْلُ الرِّبَا، وَأَكْلُ مَالِ اليَتِيمِ، وَالتَّوَلِّي يَوْمَ الزَّحْفِ، وَقَذْفُ المُحْصَنَاتِ المُؤْمِنَاتِ الغَافِلَاتِ» [38]. [38] رواه البخاري برقم (2766)، ومسلم برقم (89).
وعن أبي أيوب الأنصاري رضي الله عنه أن رسول الله ﷺ قال: «مَنْ جَاءَ يَعْبُدُ اللَّهَ، وَلَا يُشْرِكْ بِهِ شَيْئًا، وَيُقِيمُ الصَّلَاةَ، وَيُؤْتِي الزَّكَاةَ، وَيَجْتَنِبُ الكَبَائِرَ كَانَ لَهُ الجَنَّة»، فَسَأَلُوهُ عَنِ الكَبَائِرِ، فَقَالَ: «الإِشْرَاكُ بِاللَّهِ، وَقَتْلُ النَّفْسِ المُسْلِمَةِ، وَالفِرَارُ يَوْمَ الزَّحْفِ» [39]. [39] رواه النسائي برقم (4009).
وللتولي يوم الزحف أضرار كثيرة على الفرد والمجتمع، منها:
- أن المتولِّي يوم الزحف معرَّض لغضب الله تعالى ولنار جهنم إلا إذا تاب وأناب.
- الذي يفر يوم الزحف غير متحيز إلى فئة أو متحرف لقتال إنما يخاف الموت في سبيل الله، وهذا دليل على ضعف الإيمان.
- التولي عن القتال سبب في تسلط أعداء الإسلام على المسلمين وهزيمتهم وقهرهم.
- من تولى من الزحف فقد ارتكب جريمة عظمى في حق المجتمع، وأصبح منبوذًا يُنظر إليه شَزْرًا، وهو في نفسه منتقَص يرى نفسه ذليلًا دون غيره في الرجولة والشجاعة.
وسبل الوقاية من الوقوع في هذه الكبيرة:
- الثبات عند ملاقاة العدو، ومداومة ذكر الله تعالى، فقد أمرنا الله تعالى بذلك، فقال سبحانه: ﴿يٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ إِذَا لَقِيتُمۡ فِئَةٗ فَٱثۡبُتُواْ وَٱذۡكُرُواْ ٱللَّهَ كَثِيرٗا لَّعَلَّكُمۡ تُفۡلِحُونَ 45﴾ [الأنفال: 45].
- دعاء الله تعالى بالصبر والثبات عند ملاقاة الأعداء، فهي دعوة المجاهدين الصالحين من قبلنا، قال تعالى: ﴿وَلَمَّا بَرَزُواْ لِجَالُوتَ وَجُنُودِهِۦ قَالُواْ رَبَّنَآ أَفۡرِغۡ عَلَيۡنَا صَبۡرٗا وَثَبِّتۡ أَقۡدَامَنَا وَٱنصُرۡنَا عَلَى ٱلۡقَوۡمِ ٱلۡكَٰفِرِينَ 250 فَهَزَمُوهُم بِإِذۡنِ ٱللَّهِ...﴾ [البقرة: 250 - 251]، وقال عز من قائل: ﴿وَكَأَيِّن مِّن نَّبِيّٖ قَٰتَلَ مَعَهُۥ رِبِّيُّونَ كَثِيرٞ فَمَا وَهَنُواْ لِمَآ أَصَابَهُمۡ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ وَمَا ضَعُفُواْ وَمَا ٱسۡتَكَانُواْۗ وَٱللَّهُ يُحِبُّ ٱلصَّٰبِرِينَ 146 وَمَا كَانَ قَوۡلَهُمۡ إِلَّآ أَن قَالُواْ رَبَّنَا ٱغۡفِرۡ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسۡرَافَنَا فِيٓ أَمۡرِنَا وَثَبِّتۡ أَقۡدَامَنَا وَٱنصُرۡنَا عَلَى ٱلۡقَوۡمِ ٱلۡكَٰفِرِينَ 147﴾ [سورة آل عمران: 146- 147].
- الاستعاذة بالله من أن يموت في الجهاد مُدْبِرًا غير مُقْبِل، فعن أبي اليسر رضي الله عنه، أن رسول الله ﷺ كان يدعو: «اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الهَدْمِ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنَ التَّرَدِّي، وَأَعُوذُ بِكَ مِنَ الغَرَقِ وَالحَرَقِ وَالهَرَمِ، وَأَعُوذُ بِكَ أَنْ يَتَخَبَّطَنِي الشَّيْطَانُ عِنْدَ المَوْتِ، وَأَعُوذُ بِكَ أَنْ أَمُوتَ فِي سَبِيلِكَ مُدْبِرًا، وَأَعُوذُ بِكَ أَنْ أَمُوتَ لَدِيغًا» [40]. [40] رواه أبو داود برقم (1552).
- استحضار الثواب الجزيل الذي رتَّبه الله تعالى على الجهاد في سبيله من أجر وغنيمة عند النصر، أو جنة عرضها السماوات والأرض عند الاستشهاد في سبيل الله مقبلًا غير مدبر، فلقد أعد الله في الجنة مائة درجة للمجاهدين في سبيله ما بين الدرجتين كما بين السماء والأرض، ومن الأحاديث العظيمة في فضل الشهادة ما رواه المقدام بن معدي كرب رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «لِلشَّهِيدِ عِنْدَ اللَّهِ سِتُّ خِصَالٍ: يُغْفَرُ لَهُ فِي أَوَّلِ دَفْعَةٍ مِنْ دَمِهِ، وَيَرَى مَقْعَدَهُ مِنَ الجَنَّةِ، وَيُجَارُ مِنْ عَذَابِ القَبْرِ، وَيَأْمَنُ مِنَ الفَزَعِ الأَكْبَرِ، وَيُوضَعُ عَلَى رَأْسِهِ تَاجُ الوَقَارِ، اليَاقُوتَةُ مِنْهَا خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا، وَيُزَوَّجُ اثْنَتَيْنِ وَسَبْعِينَ زَوْجَةً مِنَ الحُورِ العِينِ، وَيُشَفَّعُ فِي سَبْعِينَ مِنْ أَقَارِبِهِ» [41]. [41] رواه الترمذي برقم (1663).
- أن يستحضر المسلم خطورة أن يُؤتى المسلمون من قِبله، فيكون سببًا في هزيمة المسلمين، فيتسلط عليهم الأعداء.
قذف المحصنات
قذف المحصنات من كبائر الذنوب والآثام التي رتب الله تعالى عليها عقوبات دنيوية وأخروية، مما يدل على خطورتها وعِظَم جُرم مرتكبها، فقد حرصت الشريعة الإسلامية على المحافظة على المجتمع الإسلامي، وعدم نشر الفواحش والرذائل فيه مما يَنْخُرُ في جسده، ويقوِّض أركانه.
وحقيقة القذف: الرمي بالزنا أو اللواط وهو إتيان الذكور في الدبر، فكل من رمى مسلمًا أو مسلمة محصنًا وعفيفًا بالزنا، فقال له: زنيت، أو يا زاني، فيجب عليه جلد ثمانين جلدة، ولا تقبل له شهادة أبدًا، وهو من الفاسقين؛ إلا أن يأتي بأربعة شهداء يصدِّقونه في ادعائه.
والأدلة على تحريمه كثيرة، نذكر منها:
قوله تعالى: ﴿وَٱلَّذِينَ يَرۡمُونَ ٱلۡمُحۡصَنَٰتِ ثُمَّ لَمۡ يَأۡتُواْ بِأَرۡبَعَةِ شُهَدَآءَ فَٱجۡلِدُوهُمۡ ثَمَٰنِينَ جَلۡدَةٗ وَلَا تَقۡبَلُواْ لَهُمۡ شَهَٰدَةً أَبَدٗاۚ وَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡفَٰسِقُونَ 4 إِلَّا ٱلَّذِينَ تَابُواْ مِنۢ بَعۡدِ ذَٰلِكَ وَأَصۡلَحُواْ فَإِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٞ رَّحِيمٞ 5﴾ [النور: 4 - 5].
- وقال تعالى مبينًا أن مرتكب تلك الكبيرة مطرود من رحمته في الدنيا والآخرة، مع ما أعد الله له من أليم العقاب وشديد العذاب: ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ يَرۡمُونَ ٱلۡمُحۡصَنَٰتِ ٱلۡغَٰفِلَٰتِ ٱلۡمُؤۡمِنَٰتِ لُعِنُواْ فِي ٱلدُّنۡيَا وَٱلۡأٓخِرَةِ وَلَهُمۡ عَذَابٌ عَظِيمٞ 23 يَوۡمَ تَشۡهَدُ عَلَيۡهِمۡ أَلۡسِنَتُهُمۡ وَأَيۡدِيهِمۡ وَأَرۡجُلُهُم بِمَا كَانُواْ يَعۡمَلُونَ 24 يَوۡمَئِذٖ يُوَفِّيهِمُ ٱللَّهُ دِينَهُمُ ٱلۡحَقَّ وَيَعۡلَمُونَ أَنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلۡحَقُّ ٱلۡمُبِينُ 25﴾ [النور: 23- 25].
وعن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي ﷺ قال: «اجْتَنِبُوا السَّبْعَ المُوبِقَاتِ» (أي: المُهْلِكات)، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ وَمَا هُنَّ؟ قَالَ: «الشِّرْكُ بِاللَّهِ، وَالسِّحْرُ، وَقَتْلُ النَّفْسِ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ، وَأَكْلُ الرِّبَا، وَأَكْلُ مَالِ اليَتِيمِ، وَالتَّوَلِّي يَوْمَ الزَّحْفِ، وَقَذْفُ المُحْصَنَاتِ المُؤْمِنَاتِ الغَافِلَاتِ» [42]. [42] رواه البخاري برقم (2766)، ومسلم برقم (89).
وعن سعيد بن زيد رضي الله عنه، عن النبي ﷺ قال: «إِنَّ مِنْ أَرْبَى الرِّبَا الِاسْتِطَالَةُ فِي عِرْضِ المُسْلِمِ بِغَيْرِ حَقٍّ» [43]. [43] رواه أبو داود برقم (4867).
فعلى المسلم أن يمسك لسانه عن أعراض المسلمين، وعن الخوض فيما حرم الله تعالى، وإلا فهو متوعَّد بالوعيد الشديد.
وأضرار هذه الكبيرة وعواقبها وخيمة على الفرد والجماعة، فمنها:
- يمقت الله القذف، ويعدُّ فاعله فاسقًا ليس بعدل عند الله وعند الناس، ملعونًا في الدنيا والآخرة، ومن لعنه الله تعالى فقد خسر خسرانًا مبينًا.
- القاذف لا تُقبل شهادته إلا إذا أحدث توبة ورجع وأناب، ومن أهل العلم من رأى عدم قبول شهادته أبدًا تاب أو لم يتب.
- تشهد على القاذف جوارحه زيادة في الخزي والعار على رؤوس الأشهاد، ويجب على ولي أمر المسلمين أن يطبق عليه حد القذف كما هو مسطور في كتاب الله تعالى؛ جزاء وفاقًا على خوضه في أعراض المسلمين حتى يرتدع هو، وحتى يرتدع غيره ممن تسوِّل لهم أنفسهم ذلك.
- القذف يكون فيه انتهاك لأعراض المسلمين والمسلمات، ويسبب العداوة والبغضاء بين الناس، ويشيع الفواحش في المجتمع المسلم.
- القذف من علامات الإفلاس الخُلُقي والضعف الديني، ومن الموبقات التي توبق صاحبها في النار.
سبل الوقاية من كبيرة القذف:
يصون المسلم نفسه من الوقوع في هذه المعصية بما يلي:
- أن يتذكر أن الله بكل شيء بصير، يرى مكانه ويسمع كلامه، فيحفظ لسانه عن القذف، وسائر الذنوب، ويدرك أنه مؤاخذ عليه في الدنيا والآخرة؛ فإن الحد إذا لم يعاقَب صاحبه عليه في الدنيا أُخِّر إلى يوم القيامة؛ فعن أبي هريرة رضي الله عنه، أن النبي ﷺ قال: «مَنْ قَذَفَ مَمْلُوكَهُ بِالزِّنَا، يُقَامُ عَلَيْهِ الحَدُّ يَوْمَ القِيَامَةِ، إِلَّا أَنْ يَكُونَ كَمَا قَالَ» [44]. [44] رواه البخاري برقم (6858)، ومسلم برقم (1660).
- أن يعلم عاقبة ما يقدم عليه من انتهاك عرض مسلم، وإشاعة الفاحشة في المجتمع، وكيف أنها من الموبقات، قال تعالى: ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ يُحِبُّونَ أَن تَشِيعَ ٱلۡفَٰحِشَةُ فِي ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَهُمۡ عَذَابٌ أَلِيمٞ فِي ٱلدُّنۡيَا وَٱلۡأٓخِرَةِۚ وَٱللَّهُ يَعۡلَمُ وَأَنتُمۡ لَا تَعۡلَمُونَ19﴾ [النور: 19].
- أن يعلم أن القذف فيه حَقان: حق لله تعالى، وحق لعبده المقذوف، فإذا كان حق الله تعالى مبنيًّا على المسامحة، فهل سينجو من فصل القضاء بين العباد يوم المُقاصَّة؟! فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال ﷺ: «لَتُؤَدُّنَّ الحُقُوقَ إِلَى أَهْلِهَا يَوْمَ القِيَامَةِ حَتَّى يُقَادَ لِلشَّاةِ الجَلْحَاءِ مِنَ الشَّاةِ القَرْنَاءِ» [45]. ولا يحصل التخلُّص من ذلك إلا بالاستغفار والندم، والعزم على ألا يعود، وأن يكذِّب نفسه، وأن يطلب المسامحة من المظلوم، فيكون بهذا قد تاب بأداء الحقين. [45] رواه مسلم برقم (2582).
-إقامة الحد على القاذف وقد أجمع العلماء على وجوب الحد على من قذف محصنًا، وهو أن يجلد ثمانين جلدةً، لقول الله تعالى: ﴿وَٱلَّذِينَ يَرۡمُونَ ٱلۡمُحۡصَنَٰتِ ثُمَّ لَمۡ يَأۡتُواْ بِأَرۡبَعَةِ شُهَدَآءَ فَٱجۡلِدُوهُمۡ ثَمَٰنِينَ جَلۡدَةٗ وَلَا تَقۡبَلُواْ لَهُمۡ شَهَٰدَةً أَبَدٗاۚ وَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡفَٰسِقُونَ 4﴾ [النور: 4].
الانتحار
قتل النفس كبيرة عظيمة، وقتل الإنسان نفسَه -وهو المعروف بالانتحار- نوع من أنواع قتل النفس التي حرم الله، وهو جدير بأن يكون أفظع أنواع القتل؛ لأن حرص الإنسان على حياته أمر فطري، يبعد كل البعد أن تثور عليه عوامل الغضب والانتقام [46]. [46] موارد الظمآن لدروس الزمان للسلمان (5/ 79، 80).
والانتحار أن ينحر الإنسان نفسه، أي: يقتلها بسكين، أو بتناول مادة سامة، أو أن يتعمد أن يرمي نفسه من مكان مرتفع، أو يخنق نفسه، أو يضرب نفسه بالرصاص، ونحو ذلك.
ولقد وردت النصوص الشرعية بحرمة الانتحار، منها:
قول الله تعالى: ﴿وَلَا تَقۡتُلُوٓاْ أَنفُسَكُمۡۚ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ بِكُمۡ رَحِيمٗا 29 وَمَن يَفۡعَلۡ ذَٰلِكَ عُدۡوَٰنٗا وَظُلۡمٗا فَسَوۡفَ نُصۡلِيهِ نَارٗاۚ وَكَانَ ذَٰلِكَ عَلَى ٱللَّهِ يَسِيرًا 30﴾ [النساء: 29 - 30].
وقوله: ﴿أَنفُسَكُمۡ﴾ يراد به نفس القاتل وهو الانتحار، ويراد بأنفسكم: إخوانكم كما في قوله تعالى: ﴿...وَلَا تَلۡمِزُوٓاْ أَنفُسَكُمۡ...﴾ [الحجرات: 11]، فالآية شاملة لهذا وهذا [47]. [47] تفسير العثيمين (1/ 253).
وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: شهدنا مع رسول الله ﷺ خيبر، فقال رسول الله ﷺ لِرَجُلٍ ممن معه يَدَّعِي الإسلام: «هَذَا مِنْ أَهْلِ النَّارِ» فَلَمَّا حَضَرَ القِتَالُ قَاتَلَ الرَّجُلُ مِنْ أَشَدِّ القِتَالِ وَكَثُرَتْ بِهِ الجِرَاحُ فَأَثْبَتَتْهُ، فَجَاءَ رَجُلٌ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَرَأَيْتَ الَّذِي تَحَدَّثْتَ أَنَّهُ مِنْ أَهْلِ النَّارِ، قَدْ قَاتَلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ مِنْ أَشَدِّ القِتَالِ فَكَثُرَتْ بِهِ الجِرَاحُ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «أَمَا إِنَّهُ مِنْ أَهْلِ النَّارِ» فَكَادَ بَعْضُ المُسْلِمِينَ يَرْتَابُ، فَبَيْنَمَا هُوَ عَلَى ذَلِكَ إِذْ وَجَدَ الرَّجُلُ أَلَمَ الجِرَاحِ، فَأَهْوَى بِيَدِهِ إِلَى كِنَانَتِهِ فَانْتَزَعَ مِنْهَا سَهْمًا فَانْتَحَرَ بِهَا، فَاشْتَدَّ رِجَالٌ مِنَ المُسْلِمِينَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، صَدَّقَ اللَّهُ حَدِيثَكَ، قَدْ انْتَحَرَ فُلَانٌ فَقَتَلَ نَفْسَهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «يَا بِلَالُ قُمْ فَأَذِّنْ، لَا يَدْخُلُ الجَنَّةَ إِلَّا مُؤْمِنٌ، وَإِنَّ اللَّهَ لَيُؤَيِّدُ هَذَا الدِّينَ بِالرَّجُلِ الفَاجِرِ» [48]. [48] رواه البخاري برقم (6606).
وعن ثابت بن الضحاك رضي الله عنه، عن النبي ﷺ قال: «مَنْ قَتَلَ نَفْسَهُ بِشَيْءٍ عُذِّبَ بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ» [49]. [49] رواه البخاري برقم (6105)، ومسلم برقم (110).
وعن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي ﷺ قال: «مَنْ تَرَدَّى مِنْ جَبَلٍ فَقَتَلَ نَفْسَهُ، فَهُوَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ يَتَرَدَّى فِيهِ خَالِدًا مُخَلَّدًا فِيهَا أَبَدًا، وَمَنْ تَحَسَّى سُمًّا فَقَتَلَ نَفْسَهُ، فَسُمُّهُ فِي يَدِهِ يَتَحَسَّاهُ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدًا مُخَلَّدًا فِيهَا أَبَدًا، وَمَنْ قَتَلَ نَفْسَهُ بِحَدِيدَةٍ، فَحَدِيدَتُهُ فِي يَدِهِ يَجَأُ بِهَا فِي بَطْنِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدًا مُخَلَّدًا فِيهَا أَبَدًا» [50]. [50] رواه البخاري برقم (5778)، ومسلم برقم (109).
وعن جندب بن عبد الله رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «كَانَ فِيمَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ رَجُلٌ بِهِ جُرْحٌ، فَجَزِعَ، فَأَخَذَ سِكِّينًا فَحَزَّ بِهَا يَدَهُ، فَمَا رَقَأَ الدَّمُ حَتَّى مَاتَ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: بَادَرَنِي عَبْدِي بِنَفْسِهِ، حَرَّمْتُ عَلَيْهِ الجَنَّةَ» [51]. [51] رواه البخاري برقم (3463)، ورواه مسلم برقم (113).
وللانتحار أضرار كثيرة، منها:
- أن صاحبه معرَّض للعذاب الشديد في النار ما لم يعفُ الله عنه.
- أن صاحبه اعتدى على نفسه وفرط في الأمانة، ونفس الإنسان ليست ملكًا له فهو لم يخلق نفسه ولا عضوًا من أعضائه، بل ولا خَلِيَّةً من خلاياه، وإنما نفسه وديعة وأمانة عنده استودعه الله إياها، فلا يجوز له التفريط فيها، ولا التصرف فيها إلا على وفق الشرع، فكيف بالاعتداء عليها بالتخلص منها؟![52]. [52] ينظر: موارد الظمآن (5/ 80).
- أنه أحد أسباب شيوع الفزع والاضطراب في المجتمع، وكم من أسرة تأثرت نفسيًّا وماليًّا ومجتمعيًّا بسبب قتل عائلها لنفسه.
- أنه أحد أسباب انهيار المجتمعات كما هو حاصل في الدول التي ينتشر فيها الانتحار؛ فصار المنتحر داعيًّا لغيره أن يقلده في حال عدم قدرته على مواجهة الأمور.
وللوقاية من الانتحار أسباب، منها:
- زيادة الإيمان عمومًا؛ فالانتحار مظهر من مظاهر القلق وضعف الإيمان.
- الحرص على الإيمان بالقدر، والانتحار أقل ما يكون في المسلمين، وأكثر ما يكون في غير المسلمين؛ لأن الكافر لا يؤمن بقضاء الله ولا بقدره.
- الصبر؛ فكثيرًا ما يقع الانتحار فرارًا من بلاء أو مصيبة.
- الخوف من الله وخشيته، قال تعالى: ﴿وَمَن يُطِعِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ وَيَخۡشَ ٱللَّهَ وَيَتَّقۡهِ فَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡفَآئِزُونَ 52﴾ [النور: 52].
- الحرص على ذكر الله، قال تعالى: ﴿ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَتَطۡمَئِنُّ قُلُوبُهُم بِذِكۡرِ ٱللَّهِۗ أَلَا بِذِكۡرِ ٱللَّهِ تَطۡمَئِنُّ ٱلۡقُلُوبُ 28﴾ [الرعد: 28].
- مقاومة اليأس؛ فربما أدى اليأس إلى الانتحار.
- الابتعاد عن الأسباب المُهَيِّجَة على الانتحار، فمنها الخوف مما يكون في المستقبل، ومنها كثرة الهموم، ومنها كثرة فعل الجرائم.
- ترك متابعة الهوى ومقاومة الخواطر السيئة التي تؤدي إلى التفكير في الانتحار.
- التوكل على الله تعالى في جلب المنافع ودفع المضار، قال تعالى: ﴿...وَمَن يَتَوَكَّلۡ عَلَى ٱللَّهِ فَهُوَ حَسۡبُهُ...﴾ [الطلاق: ٣]. حسبه، أي: كافيه.
- الإقبال على الله بالتوبة والإنابة وترك المعاصي والذنوب، ومنها تعاطي المخدرات والمُسْكِرات فإنها من أسباب الانتحار.
قطع الطريق
تُعَدُّ جريمة قطع الطريق من كبائر الذنوب؛ إذ هي نوع من الإفساد في الأرض، وفاعلها متوعَّد بالوعيد الشديد في الدنيا والآخرة.
وحقيقة قطع الطريق: هو الهجوم على الناس في الطرق بالسلاح علانية؛ لأخذ أموالهم أو قتلهم أو إخافتهم، فتنقطع الطريق بذلك، ولا يسلكها الناس خوفًا من قُطَّاع الطريق.
الأدلة على تحريم قطع الطريق:
قال تعالى: ﴿إِنَّمَا جَزَٰٓؤُاْ ٱلَّذِينَ يُحَارِبُونَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ وَيَسۡعَوۡنَ فِي ٱلۡأَرۡضِ فَسَادًا أَن يُقَتَّلُوٓاْ أَوۡ يُصَلَّبُوٓاْ أَوۡ تُقَطَّعَ أَيۡدِيهِمۡ وَأَرۡجُلُهُم مِّنۡ خِلَٰفٍ أَوۡ يُنفَوۡاْ مِنَ ٱلۡأَرۡضِۚ ذَٰلِكَ لَهُمۡ خِزۡيٞ فِي ٱلدُّنۡيَاۖ وَلَهُمۡ فِي ٱلۡأٓخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ 33﴾ [المائدة: 33].
قال السعدي رحمه الله في تفسير هذه الآية: "المحاربون لله ولرسوله، هم الذين بارزوه بالعداوة، وأفسدوا في الأرض بالكفر والقتل وأخذ الأموال وإخافة السبل.
والمشهور أن هذه الآية الكريمة في أحكام قُطَّاع الطريق، الذين يَعرضون للناس في القرى والبوادي، فيغصبونهم أموالهم، ويقتلونهم، ويخيفونهم، فيمتنع الناس من سلوك الطريق التي هم بها، فتنقطع بذلك، فأخبر الله أن جزاءهم ونكالهم -عند إقامة الحد عليهم- أن يُفعل بهم واحد من هذه الأمور؛ فعقوبتهم تكون بحسب جرائمهم، فإنهم إن قتلوا وأخذوا مالًا تحتَّم قتلُهم وصلبُهم، حتى يشتهروا ويختزوا ويرتدع غيرهم.
وإن قتلوا ولم يأخذوا مالًا تحتم قتلهم فقط، وإن أخذوا مالًا ولم يقتلوا تحتَّم أن تُقطَّع أيديهم وأرجلهم من خلاف، اليد اليمنى والرجل اليسرى.
وإن أخافوا الناس ولم يقتلوا ولا أخذوا مالًا نُفُوا من الأرض، فلا يُتركون يأوون في بلد حتى تظهر توبتهم" [53]. [53] تفسير السعدي (ص: 229).
وقال تعالى مخبرًا عن قول لوط لقومه منكرًا عليهم: ﴿أَئِنَّكُمۡ لَتَأۡتُونَ ٱلرِّجَالَ وَتَقۡطَعُونَ ٱلسَّبِيلَ وَتَأۡتُونَ فِي نَادِيكُمُ ٱلۡمُنكَرَ...﴾ [العنكبوت: 29].
قال ابن كثير رحمه الله: "... وكانوا مع هذا يكفرون بالله، ويكذبون رسوله ويخالفونه ويقطعون السبيل، أي: يقفون في طريق الناس يقتلونهم ويأخذون أموالهم"[54]. [54] تفسير ابن كثير (6/ 276).
وَعَنْ أَبِي قِلَابَةَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: «قَدِمَ أُنَاسٌ مِنْ عُكْلٍ (قَبِيلَةٌ مِنْ قَبَائِلِ الْعَرَبِ)، فَاجْتَوَوُا المَدِينَةَ (أَيْ: لَمْ تُلَائِمْهُمْ وَكَرِهُوهَا لِمَرَضٍ أَصَابَهُمْ)، فَأَمَرَهُمُ النَّبِيُّ ﷺ بِلِقَاحٍ (وَهِيَ الإِبِلُ الحَلُوبُ)، وَأَنْ يَشْرَبُوا مِنْ أَبْوَالِهَا وَأَلْبَانِهَا، فَانْطَلَقُوا، فَلَمَّا صَحُّوا قَتَلُوا رَاعِيَ النَّبِيِّ ﷺ، وَاسْتَاقُوا النَّعَمَ (أَيْ: أَخَذُوا الْإِبِلَ وَسَرَقُوهَا)، فَجَاءَ الخَبَرُ فِي أَوَّلِ النَّهَارِ، فَبَعَثَ فِي آثَارِهِمْ، فَلَمَّا ارْتَفَعَ النَّهَارُ جِيءَ بِهِمْ، فَأَمَرَ فَقُطِعَتْ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ، وَسُمِرَتْ أَعْيُنُهُمْ (أَيْ: فُقِئَتْ بِحَدِيدَةٍ مُحَمَّاةٍ)، وَأُلْقُوا فِي الْحَرَّةِ (هِيَ أَرْضٌ ذَاتُ حِجَارَةٍ سَوْدَاءَ خَارِجَ بُنْيَانِ المَدِينَةِ) يَسْتَسْقُونَ فَلَا يُسْقَوْنَ» قَالَ أَبُو قِلَابَةَ: «فَهَؤُلَاءِ سَرَقُوا وَقَتَلُوا، وَكَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ، وَحَارَبُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ» [55]. [55] رواه البخاري برقم (233)، ومسلم برقم (1671).
ولقطع الطريق أضرار كثيرة، منها:
إن قطع الطريق في بلاد الإسلام من الأمور العظيمة التي يترتب عليها العديد من المضار، نذكر منها:
- أنه يؤدي إلى عدم استقرار أمن البلاد، ويشيع فيها الخوف والاضطراب، والذي ينعكس على الحالة الاجتماعية والاقتصادية بالضرر؛ لأن الناس إذا لم يأمنوا على أنفسهم وأموالهم أحجموا عن كثير من أعمال التجارة وغيرها من أمورهم خوفًا على أموالهم وأنفسهم.
- قاطع الطريق يعرِّض نفسه لغضب الله تعالى فقد جعله القرآن محاربًا لله ولرسوله، وأيضًا فإنه إن وقع بأيدي أولياء الأمور فإنهم ينزلون به العقوبة الشرعية التي منها قتله وصلبه، أو قطع يده ورجله، أو النفي من الأرض، فيكون قد نكَّل بنفسه بسبب فعلته هذه.
سبل الوقاية من جريمة قطع الطريق:
- نشر التوعية بين الناس بخطورة هذا الفعل، وما شرعه الله عليه من عقوبة في الدنيا والآخرة؛ حتى ينزجر من تُسوِّل له نفسه أن يفعل ذلك.
- أن يقوم المسلم بما افترضه الله عليه تجاه إخوانه المسلمين من إخراج الزكاة ورعاية الأيتام ونحو ذلك من الأمور التي يكون في تركها أثر كبير في انتشار الفقر والحقد بين أفراد المجتمع، مما قد يدفع بعض ضعاف النفوس إلى الالتجاء لما لا يُرضي الله من الجرائم ومنها قطع الطرق على المسلمين لأخذ أموالهم.
- إقامة الحد والعقوبة الشرعية على قطاع الطريق من قبل ولي الأمر.
الكذب
إن الكذب من الكبائر التي حذر منها الإسلام، وهو من الأخلاق الذميمة في الشرع، وكذا في أعراف الناس في الجاهلية قبل الإسلام، خصوصًا من كان منهم صاحب شرف ومكانة، كما قال أبو سفيان –وكان لا يزال مشركًا- في قصته مع هرقل ملك الروم التي حضرها بعضُ كبراء قريش: «وَايْمُ اللَّهِ، لَوْلَا أَنْ يُؤْثِرُوا عَلَيَّ الكَذِبَ (أَيْ: يَحْكُوا عَنِّي أَنَّنِي كَذَبْتُ) لَكَذَبْتُ» [56]. [56] رواه البخاري برقم (4553).
ولقد كان من الأمور الظاهرة لبعثة النبي ﷺ أنه ينهى عن الكذب ويأمر بالصدق، ففي قصة جعفر بن أبي طالب رضي الله عنه في حديثه مع النجاشي أنه قال له: «وَأَمَرَنَا بِصِدْقِ الحَدِيثِ، وَأَدَاءِ الْأَمَانَةِ، وَصِلَةِ الرَّحِمِ، وَحُسْنِ الجِوَارِ، وَالكَفِّ عَنِ المَحَارِمِ وَالدِّمَاءِ» [57]. [57] رواه أحمد برقم (1740).
ويعرف العلماء الكذب بأنه: الإخبار بالشيء بخلاف ما هو عليه على وجه العلم والتعمد.
الأدلة على تحريم الكذب:
قال تعالى: ﴿...إِنَّ ٱللَّهَ لَا يَهۡدِي مَنۡ هُوَ مُسۡرِفٞ كَذَّابٞ﴾ [غافر: 28].
وعن عبد الله بن مسعودٍ رضي الله عنه، عن النبي ﷺ قَالَ: «عَلَيْكُمْ بِالصِّدْقِ، فَإِنَّ الصِّدْقَ يَهْدِي إِلَى البِرِّ، وَإِنَّ البِرَّ يَهْدِي إِلَى الجَنَّةِ، وَمَا يَزَالُ الرَّجُلُ يَصْدُقُ وَيَتَحَرَّى الصِّدْقَ حَتَّى يُكْتَبَ عِنْدَ اللَّهِ صِدِّيقًا، وَإِيَّاكُمْ وَالكَذِبَ، فَإِنَّ الكَذِبَ يَهْدِي إِلَى الفُجُورِ، وَإِنَّ الفُجُورَ يَهْدِي إِلَى النَّارِ، وَمَا يَزَالُ الرَّجُلُ يَكْذِبُ وَيَتَحَرَّى الكَذِبَ حَتَّى يُكْتَبَ عِنْدَ اللَّهِ كَذَّابً» [58]. [58] رواه البخاري برقم (6094)، ومسلم برقم (2607).
وعن سَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ يومًا: «هَلْ رَأَى أَحَدٌ مِنْكُمْ رُؤْيَا؟» قُلْنَا: لَا، قَالَ: «لَكِنِّي رَأَيْتُ اللَّيْلَةَ رَجُلَيْنِ أَتَيَانِي فَأَخَذَا بِيَدِي، فَأَخْرَجَانِي إِلَى الْأَرْضِ المُقَدَّسَةِ، فَإِذَا رَجُلٌ جَالِسٌ، وَرَجُلٌ قَائِمٌ، بِيَدِهِ كَلُّوبٌ مِنْ حَدِيدٍ، يُدْخِلُ ذَلِكَ الكَلُّوبَ فِي شِدْقِهِ (أَيْ: جَانِبِ فَمِهِ) حَتَّى يَبْلُغَ قَفَاهُ، ثُمَّ يَفْعَلُ بِشِدْقِهِ الآخَرِ مِثْلَ ذَلِكَ، وَيَلْتَئِمُ شِدْقُهُ هَذَا، فَيَعُودُ فَيَصْنَعُ مِثْلَهُ، قُلْتُ: مَا هَذَا؟ ... قَالَ: أَمَّا الَّذِي رَأَيْتَهُ يُشَقُّ شِدْقُهُ، فَكَذَّابٌ يُحَدِّثُ بِالكَذْبَةِ، فَتُحْمَلُ عَنْهُ حَتَّى تَبْلُغَ الآفَاقَ، فَيُصْنَعُ بِهِ إِلَى يَوْمِ القِيَامَةِ» [59]. [59] رواه البخاري برقم (1386).
وعن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي ﷺ قَالَ: «آيَةُ الْمُنَافِقِ ثَلَاثٌ: إِذَا حَدَّثَ كَذَبَ، وَإِذَا وَعَدَ أَخْلَفَ، وَإِذَا اؤْتُمِنَ خَانَ»[60]. [60] رواه البخاري برقم (33)، ومسلم برقم (59).
وعن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما قال: قال رسول الله ﷺ: «أَرْبَعٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ كَانَ مُنَافِقًا خَالِصًا، وَمَنْ كَانَتْ فِيهِ خَصْلَةٌ (أَيْ: صِفَةٌ) مِنْهُنَّ كَانَتْ فِيهِ خَصْلَةٌ مِنْ نِفَاقٍ حَتَّى يَدَعَهَا: إِذَا اؤْتُمِنَ خَانَ، وَإِذَا حَدَّثَ كَذَبَ، وَإِذَا عَاهَدَ غَدَرَ، وَإِذَا خَاصَمَ فَجَر» [61]. [61] رواه البخاري برقم (34)، ومسلم برقم (58).
وللكذب أضرار كثيرة، منها:
- أنه يجر الكاذب إلى الفجور، والفجور من أسباب دخول النار.
- مَن أكثر من الكذب كتبه الله عنده كذَّابًا، وكفى ذمًّا للعبد أن يُلقَّب عند ربه وفي الملأ الأعلى بـ "الكذاب".
- الكذب من أسباب عذاب القبر، فيوكل بالكذاب مَلَك يشق فمه بخطاف من حديد، فإذا التأم عاد ففعل به مثل ذلك إلى أن تقوم الساعة.
- الكذب من أفعال المنافقين وصفاتهم؛ فيُخشى على فاعله إذا أكثر منه وتمادى فيه أن يصير منافقًا خالصًا.
- أنه سبب لضياع الحقوق، وفشو الظلم، ووقوع التخاصم بين الناس، كما هو مشاهد في الكذب الذي يقع في الشهادات.
- أنه سبب لانعدام الثقة بين أفراد المجتمع الذي يفشو فيه ذلك الخُلق الذميم؛ وبهذا تتفكك أواصر الترابط بين أفراده، ولا يُقبل من أحد عهد ولا ميثاق.
- أنه سبب لانعدام الثقة في كثير من الأخبار التي يتناقلها أفراد المجتمع فيما بينهم، حتى لا يقبل أحد من أحد شيئًا.
-الكذب يمحق البركة، وينقص الرزق، كما قال النبي ﷺ: «البَيِّعَانِ بِالْخِيَارِ مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا، فَإِنْ صَدَقَا وَبَيَّنَا بُورِكَ لَهُمَا فِي بَيْعِهِمَا، وَإِنْ كَتَمَا وَكَذَبَا مُحِقَتْ بَرَكَةُ بَيْعِهِمَا» [62]. [62] رواه البخاري برقم (2079)، ومسلم برقم (1532).
-الكذب يحرم صاحبه هداية الله أو كمالها بحسب كذبه، كما قال الله تعالى: ﴿...إِنَّ ٱللَّهَ لَا يَهۡدِي مَنۡ هُوَ مُسۡرِفٞ كَذَّابٞ﴾ [غافر: 28].
سبل الوقاية من الكذب:
- من أعظم هذه السبل: التربية منذ الصغر على خلق الصدق؛ فإن من نشأ على شيء شبَّ عليه، ومن شبَّ على شيء شاب عليه.
- أن يعرف العبد ما يصيبه من جرَّاء كذبه في قبره ويوم القيامة من العذاب الأليم، وأنه مذموم عند ربه مكتوب عنده "كذاب".
- أن يعلم فضيلة الصدق، وما أعده الله للصادقين من عاقبة حميدة في الدنيا والآخرة، ويعلم أن الصدق يهدي إلى البر، وأن البر يهدي إلى الجنة، وعن أبي أُمامَةَ رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «أَنَا زَعِيمٌ (أَيْ: ضَامِنٌ) بِبَيْتٍ فِي رَبَضِ الجَنَّةِ (أَيْ: حَوَالِيِّ الجَنَّةِ) لِمَنْ تَرَكَ الْمِرَاءَ وَإِنْ كَانَ مُحِقًّا، وَبِبَيْتٍ فِي وَسَطِ الجَنَّةِ لِمَنْ تَرَكَ الكَذِبَ وَإِنْ كَانَ مَازِحًا، وَبِبَيْتٍ فِي أَعْلَى الجَنَّةِ لِمَنْ حَسَّنَ خُلُقَهُ» [63]. [63] رواه أبو داود برقم (4800).
- أن يجتنب المسلمُ كثرةَ الكلام، فإن من كثر كلامه كثر سَقطه (أي: غلطه).
- أن لا يتحدث بكل ما يسمعه حتى يتثبت منه؛ فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «كَفَى بِالْمَرْءِ كَذِبًا أَنْ يُحَدِّثَ بِكُلِّ مَا سَمِعَ» [64]. [64] رواه مسلم في مقدمة صحيحه برقم (5).
قال النووي رحمه الله: "فيه الزجر عن التحديث بكل ما سمع الإنسان؛ فإنه يسمع في العادة الصدق والكذب، فإذا حدث بكل ما سمع فقد كذب؛ لإخباره بما لم يكن" [65]. [65] شرح مسلم (1/ 75).
- أن يعلم الإنسان أنه يصير بكذبه محتقَرًا عند أهله وأصدقائه عندما ينكشف كذبه عليهم، وأن الثقة ستسقط بكلامه، فلا يُقبل منه بعد ذلك شيء.
شَهادة الزُّور
شهادة الزور كبيرة من الكبائر عظيمة الضرر على صاحبها وعلى المجتمع؛ فكم من حق ثابت ضاع بسببها، وكم من باطل وقع نتيجة لها.
قال ابن القيم رحمه الله: "ولا خلاف بين المسلمين أن شهادة الزور من الكبائر" [66]. [66] إعلام الموقعين (2/ 228).
وحقيقة شهادة الزور هي الشهادة بالكذب ليتوصل بها إلى الباطل؛ من قتل نفس، أو أخذ مال، أو تحليل حرام، أو تحريم حلال.
والأدلة على حرمة شهادة الزور متعددة، منها:
قول الله تعالى: ﴿...فَٱجۡتَنِبُواْ ٱلرِّجۡسَ مِنَ ٱلۡأَوۡثَٰنِ وَٱجۡتَنِبُواْ قَوۡلَ ٱلزُّورِ﴾ [الحج: 30].
قال الشيخ السعدي: "﴿وَٱجۡتَنِبُواْ قَوۡلَ ٱلزُّورِ﴾ أي: جميع الأقوال المحرمات، فإنها من قول الزور الذي هو الكذب، ومن ذلك شهادة الزور" [67]. [67] تفسير السعدي (ص537).
وقال سبحانه في وصف عباد الرحمن: ﴿وَٱلَّذِينَ لَا يَشۡهَدُونَ ٱلزُّورَ وَإِذَا مَرُّواْ بِٱللَّغۡوِ مَرُّواْ كِرَامٗا 72﴾ [الفرقان: 72].
وعن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: ذكر رسول الله ﷺ الكبائر فقال: «الشِّرْكُ بِاللَّهِ، وَقَتْلُ النَّفْسِ، وَعُقُوقُ الوَالِدَيْنِ، فَقَالَ: أَلَا أُنَبِّئُكُمْ بِأَكْبَرِ الكَبَائِرِ؟ قَالَ: قَوْلُ الزُّورِ، أَوْ قَالَ: شَهَادَةُ الزُّورِ» [68]. [68] رواه البخاري برقم (5977)، ومسلم برقم (88).
وعن أبي بَكْرَةَ رضي الله عنه قال: قال النبي ﷺ: «أَلَا أُنَبِّئُكُمْ بِأَكْبَرِ الكَبَائِرِ؟» ثَلَاثًا، قَالُوا: بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: «الإِشْرَاكُ بِاللَّهِ، وَعُقُوقُ الوَالِدَيْنِ. وَجَلَسَ وَكَانَ مُتَّكِئًا فَقَالَ: أَلَا وَقَوْلُ الزُّورِ»، قَالَ: فَمَا زَالَ يُكَرِّرُهَا حَتَّى قُلْنَا: لَيْتَهُ سَكَتَ –أَيْ شَفَقَةً عَلَيْهِ وَكَرَاهَةً لِمَا يُزْعِجُهُ وَيُغْضِبُهُ–[69]. [69] رواه البخاري برقم (2654)، ومسلم برقم (87).
وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «مَنْ لَمْ يَدَعْ قَوْلَ الزُّورِ وَالعَمَلَ بِهِ فَلَيْسَ لِلَّهِ حَاجَةٌ فِي أَنْ يَدَعَ طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ» [70]. [70] رواه البخاري برقم (1903).
قال ابن بطال: "قول الزور هو الكذب، وهو محرم على المؤمنين، وهذا الحديث في شاهد الزور تغليظ شديد ووعيد كبير" [71]. [71] شرح صحيح البخاري (9/ 250).
ولقد كان من الأمور الظاهرة لبعثة النبي ﷺ أنه ينهى عن قول الزور، ففي قصة جعفر بن أبي طالب رضي الله عنه في حديثه مع النجاشي أنه قال له: «وَأَمَرَنَا بِصِدْقِ الحَدِيثِ، وَأَدَاءِ الْأَمَانَةِ، وَصِلَةِ الرَّحِمِ، وَحُسْنِ الجِوَارِ، وَالكَفِّ عَنِ المَحَارِمِ وَالدِّمَاءِ، وَنَهَانَا عَنِ الفَوَاحِشِ، وَقَوْلِ الزُّورِ، وَأَكْلِ مَالِ اليَتِيمِ، وَقَذْفِ المُحْصَنَةِ» [72]. [72] رواه أحمد برقم (1740).
ولشهادة الزور أضرار كثيرة على الفرد والمجتمع، منها:
- أنها تُعرِّض صاحبَها للعذاب الشديد، وصاحبها يبيع آخرته بدنيا غيره.
- أنها إعانة للظالم وخذلان للمظلوم، فهي وسيلة لضياع الحقوق؛ فبها يقع إتلاف النفوس والأموال، ورمي الأبرياء بما هم منه براء، وتحليل ما حرم الله، وتحريم ما حلل الله.
- أنها سبب في بث الفوضى وإغراء المجرمين على اقتراف الجرائم، فينالون من أعراض الناس وأموالهم ما يشتهون وهم آمنون من العقوبة؛ لأنهم يجدون شاهد الزور يساعدهم على الإفلات منها [73]. [73] موارد الظمآن (1/ 373).
- أن شاهد الزور ظلمَ الذي شهد له بأن ساق إليه المال الحرام، فأخذه بشهادته، فوجبت له النار إلا أن يعفو الله عنه، وقد قال رسول الله ﷺ: «مَنْ قَضَيْتُ لَهُ بِحَقِّ أَخِيهِ شَيْئًا بِقَوْلِهِ فَإِنَّمَا أَقْطَعُ لَهُ قِطْعَةً مِنَ النَّارِ فَلَا يَأْخُذْهَا» [74]. [74] رواه البخاري برقم (7168)، ومسلم برقم (1713).
- أن صاحبها يناله سخط الناس وكراهيتهم بسببها، بل يناله سخط الظالم الذي شهد له بها، قال ابن حزم: "أول من يزهد في الغادر من غدر له الغادر، وأول من يمقت شاهد الزور من شهد له به، وأول من تهون الزانية في عينه الذي يزني بها" [75]. [75] الأخلاق والسير في مداواة النفوس (ص 28).
- خداع الحاكم وإظهار غير الحقيقة له، مما يؤدّي إلى الحكم بالباطل.
ومن سبل الوقاية من شهادة الزور أمور منها:
- الخوف من الله، واستحضار أن هذا يُكتب في صحيفة الأعمال.
- تقوى الله عز وجل فهي جماع الخير كله.
- حفظ اللسان، واجتناب الكذب، والاعتصام بالصدق، فمن اعتاد إطلاق اللسان في غير خيرٍ ربما أداه إلى الكذب وشهادة الزور.
- الحرص على أكل الحلال؛ فإن الطمع في المال قد يدعو إلى شهادة الزور، وأخذ مقابل على ذلك.
- اجتناب الحقد والحسد؛ فإنهما من دواعي العداوة التي قد تؤدي إلى شهادة الزور.
أكل المَيْتَةِ ولحم الخنزير
تكاثرت نصوص الشريعة على تحريم أكل الميتة ولحم الخنزير، وتحريم أكل الميتة موافق للمعقول؛ لأن الحيوان إذا مات حتْفَ أنفه احتبس دمه في عروقه وتعفن وفسد وحصل من أكله ما لا ينبغي، ويستثنى من هذا السمك والجراد بنص الشرع، وأما لحم الخنزير فسبب تحريمه نجاسته.
والميتة هي كل ما مات بلا ذكاة شرعية من ذبح أو نحر أو ما يقوم مقام ذلك مما أسال الدم.
الدليل على تحريم أكل الميتة ولحم الخنزير:
قال تعالى: ﴿إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيۡكُمُ ٱلۡمَيۡتَةَ وَٱلدَّمَ وَلَحۡمَ ٱلۡخِنزِير...﴾ [البقرة: 173].
وقال سبحانه: ﴿حُرِّمَتۡ عَلَيۡكُمُ ٱلۡمَيۡتَةُ وَٱلدَّمُ وَلَحۡمُ ٱلۡخِنزِيرِ...﴾ [المائدة: 3].
وقال جل ذكره: ﴿قُل لَّآ أَجِدُ فِي مَآ أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَىٰ طَاعِمٖ يَطۡعَمُهُۥٓ إِلَّآ أَن يَكُونَ مَيۡتَةً أَوۡ دَمٗا مَّسۡفُوحًا أَوۡ لَحۡمَ خِنزِيرٖ فَإِنَّهُۥ رِجۡسٌ...﴾ [الأنعام: 145].
وعن جعفر بن أبي طالب رضي الله عنه أنه قال للنجاشي: "كُنَّا قَوْمًا أَهْلَ جَاهِلِيَّةٍ نَعْبُدُ الْأَصْنَامَ، وَنَأْكُلُ الْمَيْتَةَ ... فَكُنَّا عَلَى ذَٰلِكَ حَتَّى بَعَثَ اللَّٰهُ إِلَيْنَا رَسُولًا ... فَصَدَّقْنَاهُ وَآمَنَّا بِهِ وَاتَّبَعْنَاهُ عَلَى مَا جَاءَ بِهِ، فَعَبَدْنَا اللَّٰهَ وَحْدَهُ، فَلَمْ نُشْرِكْ بِهِ شَيْئًا، وَحَرَّمْنَا مَا حَرَّمَ عَلَيْنَا، وَأَحْلَلْنَا مَا أَحَلَّ لَنَا، فَعَدَا عَلَيْنَا قَوْمُنَا، فَعَذَّبُونَا وَفَتَنُونَا عَنْ دِينِنَا لِيَرُدُّونَا إِلَى عِبَادَةِ الْأَوْثَانِ مِنْ عِبَادَةِ اللَّٰهِ، وَأَنْ نَسْتَحِلَّ مَا كُنَّا نَسْتَحِلُّهُ مِنَ الْخَبَائِثِ" [76]. [76] رواه أحمد برقم (1740).
أضرار أكل الميتة ولحم الخنزير:
- إن في أكل الميتة أو لحم الخنزير معصية لله ولرسوله، والمعصية سبب كل شر يلحق بالإنسان فما من مصيبة تصيب الإنسان في دينه ولا دنياه إلا وسببها معصية الله تعالى، قال تعالى: ﴿...فَلۡيَحۡذَرِ ٱلَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنۡ أَمۡرِهِۦٓ أَن تُصِيبَهُمۡ فِتۡنَةٌ أَوۡ يُصِيبَهُمۡ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [النور: 63].
- لحم الخنزير يورث الدياثة، قال بعض العلماء: "والنصارى أكثروا من لحم الخنزير فأورثهم الدياثة وعدم الغيرة" [77]. [77] الانتصارات الإسلامية للصرصري (2/ 653).
- أكل الميتة ولحم الخنزير يتسبب في كثير من الأمراض والأضرار كما ذكر الأطباء.
سبل الوقاية من أكل الميتة ولحم الخنزير:
- إن من أهم ما يَزْجُرُ المرء عن أكل الميتة ولحم الخنزير هو خوف الله عز وجل، وأن يعلم أن هذا فيه غضب الله تعالى.
- نشر أضرار أكل هذه اللحوم وما تسببه لآكلها من أمراض فتاكة، وما تورثه فيه من صفات خبيثة.
- العناية بطريقة الذبح الشرعية، وبيانها ونشرها بين المسلمين، والبعد عن الأماكن التي لا تلتزم بالذبح الشرعي.
- الاستغناء بالحلال الطَّيب الكثير عن الحرام الضار والنجس.
المَيْسِر (القِمار)
إن الميسر (القمار) من أكل أموال الناس بالباطل، وهو من الذنوب الكبيرة التي تُعرِّض صاحبها للوعيد في الآخرة، مع ما يصيب مقترفها من عواقب سيئة في الدنيا، إضافةً لما تُفضي إليه من فساد الحياة الاجتماعية.
والقمار والميسر كلاهما بمعنى واحد، وحقيقته: كل لعب يؤدي إلى المخاطرة بفقد المال نتيجة لذلك اللعب، أو كل معاملة لا يخلو فيها إما أن يكون غارمًا أو غانمًا، فإنها من الميسر المحرم؛ قال الذهبي رحمه الله: "الميسر هو القمار بأي نوع كان، نَرْد أو شطرنج أو فُصُوص أو كعاب أو جوز أو بيض أو حصى أو غيره، وهو من أكل أموال الناس بالباطل الذي نهى الله عنه بقوله: ﴿وَلَا تَأۡكُلُوٓاْ أَمۡوَٰلَكُم بَيۡنَكُم بِٱلۡبَٰطِلِ...﴾ [البقرة: 188]" [78]. [78] الكبائر (ص 88).
وأدلة تحريم القمار وبيان شناعته وعِظَمِ جُرمه كثيرة، منها:
قال الله تعالى: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ إِنَّمَا ٱلۡخَمۡرُ وَٱلۡمَيۡسِرُ وَٱلۡأَنصَابُ وَٱلۡأَزۡلَٰمُ رِجۡسٞ مِّنۡ عَمَلِ ٱلشَّيۡطَٰنِ فَٱجۡتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمۡ تُفۡلِحُونَ 90 إِنَّمَا يُرِيدُ ٱلشَّيۡطَٰنُ أَن يُوقِعَ بَيۡنَكُمُ ٱلۡعَدَٰوَةَ وَٱلۡبَغۡضَآءَ فِي ٱلۡخَمۡرِ وَٱلۡمَيۡسِرِ وَيَصُدَّكُمۡ عَن ذِكۡرِ ٱللَّهِ وَعَنِ ٱلصَّلَوٰةِۖ فَهَلۡ أَنتُم مُّنتَهُونَ 91﴾ [المائدة: 90-91].
وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَنْ قَالَ لِصَاحِبِهِ: تَعَالَ أُقَامِرْكَ؛ فَلْيَتَصَدَّقْ» [79]. [79] رواه البخاري برقم (4860)، ومسلم برقم ؛(1647).
قال ابن حجر الهيتمي: "فإذا اقتضى مُطْلَق القول طلب الكفارة والصدقة المُنْبِئَة عن عظيم ما وجبت أو سُنَّت، فما ظنك بالفعل والمباشرة؟" [80]. [80] الزواجر عن اقتراف الكبائر (2/ 329).
وعن بُريدة بن الحُصَيْبِ رضي الله عنه قال: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَنْ لَعِبَ بِالنَّردَشِيرِ فَكَأَنَّمَا صَبَغَ يَدَهُ فِي لَحْمِ الْخِنْزِيرِ وَدَمِهِ» [81]. [81] رواه مسلم برقم (2260)، النردشير: هو النرد.
وعن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه، أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «مَنْ لَعِبَ بِالنَّرْدِ فَقَدْ عَصَى اللَّهَ وَرَسُولَهُ» [82]. [82] رواه أبو داود برقم (4938).
قال ابن حجر العسقلاني: "القمار حرام باتفاق، والدعاء إلى فعله حرام" [83]. [83] فتح الباري (8/ 479).
وللقمار أضرار كثيرة، منها:
- أن التكسب من القمار حرام، وكل لحم نبت من حرام فالنار أولى به، فعن كعب بن عُجْرَةَ رضي الله عنه قال: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إِنَّهُ لَا يَرْبُو لَحْمٌ نَبَتَ مِنْ سُحْتٍ إِلَّا كَانَتِ النَّارُ أَوْلَى بِهِ» [84]. [84] رواه الترمذي برقم (614).
- المقامر لا يُقبل دعاؤه، فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: «ذَكَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الرَّجُلَ يُطِيلُ السَّفَرَ، أَشْعَثَ أَغْبَرَ، يَمُدُّ يَدَيْهِ إِلَى السَّمَاءِ، يَا رَبِّ، يَا رَبِّ، وَمَطْعَمُهُ حَرَامٌ، وَمَشْرَبُهُ حَرَامٌ، وَمَلْبَسُهُ حَرَامٌ، وَغُذِّيَ بِالْحَرَامِ، فَأَنَّى يُسْتَجَابُ لِذَلِكَ» [85]. [85] رواه مسلم برقم (1015).
- القمار يَصُدُّ عن ذكر الله وعن الصلاة، ويدفع بالمتلاعبين إلى أسوأ الأخلاق، وأقبح العادات.
- القمار يوقع العداوة والبغضاء بين الناس ويوسع شقة الخلاف، قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ ٱلشَّيۡطَٰنُ أَن يُوقِعَ بَيۡنَكُمُ ٱلۡعَدَٰوَةَ وَٱلۡبَغۡضَآءَ فِي ٱلۡخَمۡرِ وَٱلۡمَيۡسِرِ وَيَصُدَّكُمۡ عَن ذِكۡرِ ٱللَّهِ وَعَنِ ٱلصَّلَوٰةِۖ فَهَلۡ أَنتُم مُّنتَهُونَ 91﴾ [المائدة: 91].
- غالبًا ما يصاحب لعب القمار كبائر أخرى مثل تعاطي المسكرات والمخدرات.
- القمار يهدم البيوت والأُسر، فغالبًا ما يؤدي إلى عدم نفقة المقامر على أهله، وربما أدى إلى الطلاق.
- المقامر يتبلَّد إحساسه ولا يعبأ بما يمس العرض والدين.
- القمار هواية آثمة تلتهم الوقت والجهد، وتعوّد على الخمول والكسل، وتعطل الأمة عن العمل والإنتاج.
سبل الوقاية من الوقوع في جريمة القمار والميسر
- تحرِّي أكل الحلال، قال تعالى: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ كُلُواْ مِمَّا فِي ٱلۡأَرۡضِ حَلَٰلٗا طَيِّبٗا وَلَا تَتَّبِعُواْ خُطُوَٰتِ ٱلشَّيۡطَٰنِۚ إِنَّهُۥ لَكُمۡ عَدُوّٞ مُّبِينٌ 168﴾ [البقرة: 168].
- الاجتهاد في الكسب الحلال، فعن أبي هريرة رضي الله عنه، أن رسول الله ﷺ قَالَ: «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَأَنْ يَأْخُذَ أَحَدُكُمْ حَبْلَهُ، فَيَحْتَطِبَ عَلَى ظَهْرِهِ خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَأْتِيَ رَجُلًا، فَيَسْأَلَهُ أَعْطَاهُ أَوْ مَنَعَهُ» [86]. [86] رواه البخاري برقم (1470)، ومسلم برقم (1042).
- القناعة والرضى بما قسمه الله من الرزق الحلال بعد الأخذ بأسباب الكسب، فعن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما، أن رسول الله ﷺ قَالَ: «قَدْ أَفْلَحَ مَنْ أَسْلَمَ، وَرُزِقَ كَفَافًا، وَقَنَّعَهُ اللَّهُ بِمَا آتَاهُ» [87]. [87] رواه مسلم برقم (1054).
- النظر في عواقب الأمور، فكل مال اكتُسِب من القمار فهو شؤم على صاحبه، بل وسيحاسبه الله عليه يوم الحساب، فعن أبي برزة الأسلمي رضي الله عنه قال: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «لَا تَزُولُ قَدَمَا عَبْدٍ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حَتَّى يُسْأَلَ عَنْ عُمُرِهِ فِيمَا أَفْنَاهُ، وَعَنْ عِلْمِهِ فِيمَ فَعَلَ، وَعَنْ مَالِهِ مِنْ أَيْنَ اكْتَسَبَهُ وَفِيمَ أَنْفَقَهُ، وَعَنْ جِسْمِهِ فِيمَ أَبْلَاهُ» [88]. [88] رواه الترمذي برقم (2417).
أَذَى الجار
إن حُسن الخلق من الأمور التي اعتنت بها الشريعة وعظَّمت من شأنها، ومن أبرز ما حث عليه الشرع من الأخلاقِ الإحسانُ إلى الجار، وفي المقابل جعل الشرع أذى الجار من الذنوب العظيمة التي توَّعد صاحبها بالعقاب الشديد.
وأذى الجار هو كل فعل أو قول يحصل منه ضرر للجار، حتى خوف الجار من شر جاره يُعد نوعًا من الأذى المعاقَب عليه شرعًا.
ومن صور هذا الأذى: الاعتداء بالضرب أو السب، أو إلقاء القمامة أمام بيت الجار، أو رفع الصوت بما يزعجه خصوصًا في أوقات الراحة والسكينة المعتادة، أو التضييق عليه عند مداخل بابه، ومن هذا أيضًا إذا كان له نخلة أو شجرة حول جدار جاره فكان يسقيها حتى يؤذي جاره بهذا السقي، وكذا النظر إلى حريمه والتعدي على عرضه، أو التجسس عليه، ونحو ذلك.
وههنا أمر مهم ينبغي التنبه له، وهو أن حق الجوار لا يقتصر على الجار المسلم فقط، بل تحرم أذية الجار ولو كان ذميًّا؛ فعن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما، أَنَّهُ ذَبَحَ شَاةً فَقَالَ: أَهْدَيْتُمْ لِجَارِي الْيَهُودِيِّ؛ فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «مَا زَالَ جِبْرِيلُ يُوصِينِي بِالْجَارِ، حَتَّى ظَنَنْتُ أَنَّهُ سَيُوَرِّثُهُ» [89]. [89] رواه أبو داود برقم (5152).
والجار هو القريب منك، وهذا يشمل المُلاصق، وما زاد على ذلك فيرجع فيه إلى العرف وما يعتبره الناس جارًا.
الأدلة على تحريم أذى الجار:
عن أبي شُرَيْحٍ رضي الله عنه، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «وَاللَّهِ لَا يُؤْمِنُ، وَاللَّهِ لَا يُؤْمِنُ، وَاللَّهِ لَا يُؤْمِنُ" قِيْلَ: وَمَنْ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: "الَّذِي لَا يَأْمَنُ جَارُهُ بَوَائِقَهُ» [90]. [90] رواه البخاري برقم (6016).
بوائقه: شروره وظلمه وعدوانه وغدره وخيانته، فالذي لا يأمن جارُه من ذلك ليس بمؤمن، وإذا كان يفعل ذلك ويوقعه فعلًا فهو أشد، وفي هذا دليل على تحريم العدوان على الجار؛ سواء كان ذلك بالقول أو بالفعل، فإنْ فعلَ فإنه ليس بمؤمن، والمعنى أنه ليس متصفًا بصفات المؤمنين في هذه المسألة التي خالف بها الحق[91]. [91] ينظر: شرح رياض الصالحين للشيخ ابن عثيمين (3/ 178).
وعن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي ﷺ قَالَ: «مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلَا يُؤْذِ جَارَهُ» [92]. [92] رواه البخاري برقم (5185)، ومسلم برقم (47).
وعن أبي هريرة رضي الله عنه، قال: قَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ فُلَانَةَ يُذْكَرُ مِنْ كَثْرَةِ صَلَاتِهَا، وَصِيَامِهَا، وَصَدَقَتِهَا، غَيْرَ أَنَّهَا تُؤْذِي جِيرَانَهَا بِلِسَانِهَا، قَالَ: «هِيَ فِي النَّارِ»، قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَإِنَّ فُلَانَةَ يُذْكَرُ مِنْ قِلَّةِ صِيَامِهَا، وَصَدَقَتِهَا، وَصَلَاتِهَا، وَإِنَّهَا تَصَدَّقُ بِالْأَثْوَارِ مِنَ الْأَقِطِ -وَهُوَ اللَّبَنُ الجَامِدُ المُسْتَحْجِرُ- وَلَا تُؤْذِي جِيرَانَهَا بِلِسَانِهَا، قَالَ: «هِيَ فِي الجَنَّةِ» [93]. [93] رواه أحمد برقم (9675).
وعن عبد الله بن مسعودٍ رضي الله عنه قال: سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ: أَيُّ الذَّنْبِ عِنْدَ اللَّهِ أَكْبَرُ؟ قَالَ: «أَنْ تَجْعَلَ لِلَّهِ نِدًّا وَهُوَ خَلَقَكَ»، قُلْتُ: ثُمَّ أَيٌّ؟ قَالَ: «ثُمَّ أَنْ تَقْتُلَ وَلَدَكَ خَشْيَةَ أَنْ يُطْعَمَ مَعَكَ»، قُلْتُ: ثُمَّ أَيٌّ؟ قَالَ: «أَنْ تُزَانِيَ بِحَلِيلَةِ جَارِكَ» [94]. [94] رواه البخاري برقم (4761)، ومسلم برقم (86).
قال النووي رحمه الله: "وقوله ﷺ: "أن تزاني حليلة جارك" هي زوجته، سُمِّيت بذلك لكونها تحل له، ومعنى تزاني: تزني بها برضاها، وذلك يتضمن الزنى، وإفسادها على زوجها، واستمالة قلبها إلى الزاني، وذلك أفحش، وهو مع امرأة الجار أشد قُبحًا وأعظم جُرمًا؛ لأن الجار يتوقَّع من جاره الذبَّ عنه وعن حريمه، ويأمن بوائقه ويطمئن إليه، وقد أُمِر بإكرامه والإحسان إليه، فإذا قابل هذا كله بالزنى بامرأته وإفسادها عليه مع تمكُّنه منها على وجه لا يتمكن غيره منه كان في غاية من القبح" [95]. [95] شرح مسلم (2/ 81).
وعن المقداد بن الأسود رضي الله عنه قال: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِأَصْحَابِهِ: «مَا تَقُولُونَ فِي الزِّنَا؟»، قَالُوا: حَرَّمَهُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ، فَهُوَ حَرَامٌ إِلَى يَوْمِ القِيَامَةِ، قَالَ: فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِأَصْحَابِهِ:«لَأَنْ يَزْنِيَ الرَّجُلُ بِعَشْرِ نِسْوَةٍ أَيْسَرُ عَلَيْهِ مِنْ أَنْ يَزْنِيَ بِامْرَأَةِ جَارِهِ» قَالَ: فَقَالَ:«مَا تَقُولُونَ فِي السَّرِقَةِ؟»، قَالُوا: حَرَّمَهَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ فَهِيَ حَرَامٌ، قَالَ: «لَأَنْ يَسْرِقَ الرَّجُلُ مِنْ عَشْرَةِ أَبْيَاتٍ، أَيْسَرُ عَلَيْهِ مِنْ أَنْ يَسْرِقَ مِنْ جَارِهِ» [96]. [96] رواه أحمد برقم (23854).
الأضرار المترتبة على أذى الجار:
إن لأذى الجار من العواقب الوخيمة على صاحبه ما لو علمه كلُّ صاحب نفس غير سوية لارتدع عن هذا الفعل، فمنها:
- أنه سبب من أسباب دخول النار عياذًا بالله تعالى.
- أنه من الأعمال التي تدل على نقصان إيمان صاحبها.
- أن إيذاء الجار إثمه أكبر من إيذاء أي شخص آخر ليس بجار.
- أن فاعل ذلك لا خير فيه ولا فيما يعمله من عمل صالح، طالما اقترن ذلك بأذى الجار، وقد سبق ذلك في الأحاديث التي أوردناها.
- أنه سبب لوقوع الشحناء والبغضاء بين أفراد المجتمع، وقد قال ﷺ في حديث أبي الدَّرداء رضي الله عنه: «أَلَا أُخْبِرُكُمْ بِأَفْضَلَ مِنْ دَرَجَةِ الصِّيَامِ وَالصَّلَاةِ وَالصَّدَقَةِ؟» قَالُوا: بَلَى، قَالَ: «صَلَاحُ ذَاتِ البَيْنِ؛ فَإِنَّ فَسَادَ ذَاتِ البَيْنِ هِيَ الحَالِقَةُ» [97]. والحالقة أي: الماحية والمزيلة للدِّين والثواب والخير، فأذى الجار سبب من أسباب فساد ذات البين الذي هو مفسدة لدين المتخاصمين. [97] رواه الترمذي برقم (2509).
سبل الوقاية من أذى الجار:
- الخوف من عقوبة الله في الآخرة، وتحقيق التقوى.
- أن يعلم أنه متوعَّد بالنار، وأن أعماله الصالحة لن تنفعه مع أذى الجيران، ولن يشفع له منها شيء.
- أن يحرص المسلم على كمال إيمانه؛ فإذا ما نظر إلى نصوص الشرع وجد أنه ما من سبيل إلى ذلك مع أذيته لجيرانه؛ فيرتدع حينها.
- أن يصبر الجار على أذى جاره، ولا يقابل أذاه بالأذى بل بالإحسان؛ فإنه إذا فعل ذلك قلَّ الشر بينهما، وربما كان ذلك سببًا في انكفاف المؤذي عن أذاه، أو عدم تماديه فيه، قال تعالى: ﴿وَلَا تَسۡتَوِي ٱلۡحَسَنَةُ وَلَا ٱلسَّيِّئَةُۚ ٱدۡفَعۡ بِٱلَّتِي هِيَ أَحۡسَنُ فَإِذَا ٱلَّذِي بَيۡنَكَ وَبَيۡنَهُۥ عَدَٰوَةٞ كَأَنَّهُۥ وَلِيٌّ حَمِيمٞ 34 وَمَا يُلَقَّىٰهَآ إِلَّا ٱلَّذِينَ صَبَرُواْ وَمَا يُلَقَّىٰهَآ إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٖ 35﴾ [فصلت: 34- 35].
- أن يتذكر المسلم عظيمَ حق الجار؛ فعن عائشة رضي الله عنها، عن النبي ﷺ قَالَ: «مَا زَالَ جِبْرِيلُ يُوصِينِي بِالْجَارِ، حَتَّى ظَنَنْتُ أَنَّهُ سَيُوَرِّثُهُ» [98]. [98] رواه البخاري برقم (6014)، ومسلم برقم (2624).
- أن يتذكر فضل الإحسان إلى الجار وإكرامه؛ فعن أبي شريح العدوي رضي الله عنه قال: سمعت أذناي، وأبصرت عيناي، حين تكلم النبي ﷺ فقال: «مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَاليَوْمِ الآخِرِ فَلْيُكْرِمْ جَارَهُ» [99]. [99] رواه البخاري برقم (6019)، ومسلم برقم (48).
تكفير المسلمين
قضايا التكفير من القضايا المهمة والمسائل العظيمة التي لا يجوز لكل أحد اقتحامها ولا التنصُّب لها، ذلكم لأن التسرع في التكفير والوقوع فيه أو الخلط في أحكامه والكلام عنه بلا ضابط شرعي، ينجم عنه شرور عظمى وفتن كبرى، فكم من فتن وقعت فيها الأمة الإسلامية بسبب اعتقاد خاطئ في تكفير المسلمين، وعدم الرجوع إلى العلماء المحققين؛ وسؤالهم والأخذ عنهم.
وقد ظهر ذلك جليًّا في تتابع المواقف السيئة لأهل البدع الذين يتبنَّون التكفير بالكبيرة والتسرع في التكفير، ويبنون على ذلك الخروج بالسلاح على المسلمين، وسفك دماءهم.
والأدلة على تحريم تكفير المسلم بغير حق كثيرة، منها:
عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله ﷺ: «أَيُّمَا امْرِئٍ قَالَ لِأَخِيهِ: يَا كَافِرُ، فَقَدْ بَاءَ بِهَا أَحَدُهُمَا، إِنْ كَانَ كَمَا قَالَ، وَإِلَّا رَجَعَتْ عَلَيْهِ» [100]. [100] رواه البخاري برقم (6104)، ومسلم برقم (60).
وعن ثابت بن الضَّحاك رضي الله عنه، عن النبي ﷺ قال: «مَنْ رَمَى مُؤْمِنًا بِكُفْرٍ فَهُوَ كَقَتْلِهِ» [101]. [101] رواه البخاري برقم (6105).
ومن مخاطر تكفير المسلمين:
- أن التكفير يقود صاحبه إلى استحلال دم المكفَّر، فيقع في كبيرة القتل وهي من أكبر الكبائر، قال تعالى: ﴿وَمَن يَقۡتُلۡ مُؤۡمِنٗا مُّتَعَمِّدٗا فَجَزَآؤُهُۥ جَهَنَّمُ خَٰلِدٗا فِيهَا وَغَضِبَ ٱللَّهُ عَلَيۡهِ وَلَعَنَهُۥ وَأَعَدَّ لَهُۥ عَذَابًا عَظِيمٗا 93﴾ [النساء: 93].
- أنه يمزق المجتمع المسلم، ويغذِّى الفُرقة والشحناء بين المسلمين، بل ربما أدى إلى إهدار المسلمين دماء بعضهم بعضًا، وقد حذَّر النبي ﷺ من ذلك أشد تحذير؛ فعن جَرِيرٍ رضي الله عنه، أن النبي ﷺ قال: «لَا تَرْجِعُوا بَعْدِي كُفَّارًا، يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقَابَ بَعْضٍ» [102]. [102] رواه البخاري برقم (121)، ومسلم برقم (65).
قال الخطابي: "معناه لا يُكفِّر بعضُكم بعضًا فتستحلوا قتال بعضكم بعضًا" [103]. [103] ينظر: شرح مسلم للنووي (2/ 55).
ومن السبل التي تعين على الوقاية من هذه الظاهرة المقيتة:
- أن يعلم المسلم أن الحكم بالتكفير ليس إلينا، بل هو إلى الله تعالى ورسوله ﷺ، فهو من الأحكام الشرعية التي مردُّها إلى الكتاب والسنة، فيجب التثبت فيه غاية التثبت، فلا يُكفَّر إلا من دل الكتاب والسنة على كفره، والأصل في المسلم بقاء إسلامه حتى يتحقق زوال ذلك عنه بمقتضى الدليل الشرعي، ولا يجوز التساهل في تكفيره بأي حال من الأحوال.
- الرجوع إلى أهل العلم الراسخين وسؤالهم عن ما يُشْكِلُ في مسائل التكفير.
- نشر الوعي الديني الصحيح بواسطة العلماء الثقات، وتكثيف الحملات الواعية والمخلصة لتوعية المجتمع وبخاصة الشباب، ومقابلة الغلو في التكفير بالمنهج الشرعي القائم على الدليل والفهم الصحيح.
- نشر الآيات الرادعة، والأحاديث الوازعة لمن تلبس بهذا الداء العضال؛ حتى يرتدع هؤلاء المارقون المتهورون، فعن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما، عن النبي ﷺ قال: «مَنْ قَتَلَ مُعَاهَدًا لَمْ يَرِحْ رَائِحَةَ الجَنَّةِ، وَإِنَّ رِيحَهَا يُوجَدُ مِنْ مَسِيرَةِ أَرْبَعِينَ عَامًا» [104]. فإذا كان هذا حال من قتل كافرًا معاهدًا أو ذميًّا يعيش في بلاد الإسلام، فما بالنا بمن خرج على المسلمين يستبيح دماءهم، ويستحل أموالهم؟! [104] رواه البخاري برقم (6914).
- التنبيه على وظيفة الأسرة المسلمة؛ لتقوم بمسؤوليتها في تحصين الأبناء ضد هذا الفكر المنحرف، وذلك بنشر الوعي الأسري، وتنمية روح المسؤولية لدى الآباء والأمهات نحو أبنائهم، وتوطيد أواصر الصلة بين أفراد الأسرة.
- نشر المنهج الوسط في ذلك وهو منهج أهل السنة والجماعة، والإفادة من التقنية الإعلامية وبرامج التواصل الاجتماعي في رفع مستوى الوعي بهذه الظاهرة.
اللَّعنُ والسَّبُّ والاستطالة في عرض المسلم
إن أمر الأخلاق في الإسلام عظيم، وهو من الأمور التي أَوْلتها الشريعة أهمية بالغة، فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «إِنَّمَا بُعِثْتُ لِأُتَمِّمَ صَالِحَ الأَخْلَاقِ» [105]. لذلك وردت نصوص الشريعة بتحريم لعن المسلم أو سبه أو التعرض لعرضه بأي صورة من الصور. [105] رواه أحمد برقم (8952).
واللعن: هو طلب الطرد والإبعاد من رحمة الله، وأما السب: فهو الشتم، وأما الاستطالة في عرض المسلم: فهي النيل منه واحتقاره، وثلاثتها محرم، بل كبيرة من الكبائر.
الأدلة على تحريم لعن المسلم وسبه والاستطالة في عرضه:
قال تعالى: ﴿وَٱلَّذِينَ يُؤۡذُونَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ وَٱلۡمُؤۡمِنَٰتِ بِغَيۡرِ مَا ٱكۡتَسَبُواْ فَقَدِ ٱحۡتَمَلُواْ بُهۡتَٰنٗا وَإِثۡمٗا مُّبِينٗا 58﴾ [الأحزاب: 58].
قال السعدي رحمه الله: "أذية المؤمنين عظيمة، وإثمها عظيم، ولهذا قال فيها: ﴿وَٱلَّذِينَ يُؤۡذُونَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ وَٱلۡمُؤۡمِنَٰتِ بِغَيۡرِ مَا ٱكۡتَسَبُواْ﴾ أي: بغير جناية منهم موجبة للأذى ﴿فَقَدِ ٱحۡتَمَلُواْ﴾ على ظهورهم ﴿بُهۡتَٰنٗا﴾ حيث آذوهم بغير سبب ﴿وَإِثۡمٗا مُّبِينٗا﴾ حيث تعدوا عليهم، وانتهكوا حرمةَ أمرِ الله باحترامها، ولهذا كان سب آحاد المؤمنين موجبًا للتعزير (أي: للعقوبة)، بحسب حالته وعلو مرتبته، فتعزير من سب الصحابة أبلغ، وتعزير من سب العلماء وأهل الدين، أعظم من غيرهم" [106]. [106] تفسير السعدي (ص: 671).
وعن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «سِبَابُ المُسْلِمِ فُسُوقٌ، وَقِتَالُهُ كُفْرٌ» [107]. [107] رواه البخاري برقم (48)، ومسلم برقم (64).
وعن ثابت بن الضَّحاك رضي الله عنه، أن رسول الله ﷺ قال: «مَنْ لَعَنَ مُؤْمِنًا فَهُوَ كَقَتْلِهِ» [108]. "كقتله" يعني في الإثم. [108] رواه البخاري برقم (6047)، ومسلم برقم (110).
وَعَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، أَنَّ عَبْدَ الْمَلِكِ بْنَ مَرْوَانَ قَامَ مِنَ اللَّيْلِ، فَدَعَا خَادِمَهُ، فَكَأَنَّهُ أَبْطَأَ عَلَيْهِ، فَلَعَنَهُ، فَلَمَّا أَصْبَحَ قَالَتْ لَهُ أُمُّ الدَّرْدَاءِ: سَمِعْتُكَ اللَّيْلَةَ لَعَنْتَ خَادِمَكَ حِينَ دَعَوْتَهُ، وَقَدْ سَمِعْتُ أَبَا الدَّرْدَاءِ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «لَا يَكُونُ اللَّعَّانُونَ شُفَعَاءَ وَلَا شُهَدَاءَ يَوْمَ القِيَامَةِ» [109]. [109] رواه مسلم برقم (2598).
وعن أبي الدَّرداء رضي اللَّه عنه قال: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إِنَّ العَبْدَ إِذَا لَعَنَ شَيْئًا صَعَدَتِ اللَّعْنَةُ إِلَى السَّمَاءِ فَتُغْلَقُ أَبْوَابُ السَّمَاءِ دُونَهَا، ثُمَّ تَهْبِطُ إِلَى الأَرْضِ فَتُغْلَقُ أَبْوَابُهَا دُونَهَا، ثُمَّ تَأْخُذُ يَمِينًا وَشِمَالًا، فَإِذَا لَمْ تَجِدْ مَسَاغًا رَجَعَتْ إِلَى الَّذِي لُعِنَ، فَإِنْ كَانَ لِذَلِكَ أَهْلًا وَإِلَّا رَجَعَتْ إِلَى قَائِلِهَا» [110]. [110] رواه أبو داود برقم (4905).
وعن سعيد بن زَيدٍ رضي اللَّه عنه، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قال: «إِنَّ مِنْ أَرْبَى الرِّبَا الِاسْتِطَالَةَ فِي عِرْضِ المُسْلِمِ بِغَيْرِ حَقٍّ» [111]. [111] رواه أبو داود برقم (4876).
قوله ﷺ: "أَرْبَى الرِّبَا" أي: أكثرها وبالًا وأشدُّها في التَّحريم "الاستطالة": إطالة اللسان في غيبة أحد أو قذفه أو شتمه؛ يعني: غيبة النَّاس وقذفهم أشدُّ من أكل الربا وأخذه وإعطائه؛ لأن نفس المسلم أشرف من ماله، فإيذاء يتعلَّق بنفسه أشدُّ من ضررٍ يتعلَّق بماله [112]. [112] ينظر المفاتيح في شرح المصابيح (5/ 241).
أضرار لعن المسلم أو شتمه أو الاستطالة في عرضه:
- أنه أشد تحريمًا من أكل الربا.
- أنه سبب من أسباب العذاب؛ لأن الله جعل أذية المؤمنين مما يأثم به المرء كما سبق في آية سورة الأحزاب، والنبي ﷺ جعل لعن المسلم فسوقًا، وأنه كقتله في الإثم.
- أنه سبب لحرمان اللاعن من أن يكون شفيعًا أو شهيدًا عند الله يوم القيامة، وهي مرتبة لا يعطيها الله إلا للملائكة والأنبياء والصالحين.
- أن الملعون إن لم يكن مستحقًّا لما رماه به اللاعن فإن لعنته تُرَدُّ عليه؛ فيكون ذلك سببًا في إصابته هو باللعنة.
- أن مَن لُعن إذا سمع من يلعنه ويشتمه أو بلغه عنه ذلك؛ فإن هذا قد يدفعه إلى أن يلعنه ويشتمه هو أيضًا، فيكون اللاعنُ قد تسبب لنفسه باللعن والشتم، ويزداد الضرر إذا كان لعنه وشتمه لوالدَي غيره؛ فإنه بذلك يتسبب في لعن وشتم والديه، وهو من أكبر الكبائر؛ فعن عبد اللَّه بن عَمرٍو رضي اللَّه عنهما قال: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إِنَّ مِنْ أَكْبَرِ الكَبَائِرِ أَنْ يَلْعَنَ الرَّجُلُ وَالِدَيْهِ». قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَكَيْفَ يَلْعَنُ الرَّجُلُ وَالِدَيْهِ؟ قَالَ: «يَسُبُّ الرَّجُلُ أَبَا الرَّجُلِ، فَيَسُبُّ أَبَاهُ وَيَسُبُّ أُمَّهُ» [113]. [113] رواه البخاري برقم (5973)، ومسلم برقم (90).
- أنها من أسباب انتشار العداوة بين المسلمين، وفساد ذات البَين، وانعدام المودة والمحبة التي أُمر المسلمون أن تسود بينهم، فعن الزُّبَيْرِ بْنِ العَوَّامِ رضي اللَّه عنه قال: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «دَبَّ (أَيْ: سَرَى) إِلَيْكُمْ دَاءُ الأُمَمِ قَبْلَكُمْ: الحَسَدُ، وَالبَغْضَاءُ، وَالبَغْضَاءُ هِيَ الحَالِقَةُ، حَالِقَةُ الدِّينِ لَا حَالِقَةُ الشَّعْرِ، وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ، لَا تُؤْمِنُوا حَتَّى تَحَابُّوا، أَفَلَا أُنَبِّئُكُمْ بِشَيْءٍ إِذَا فَعَلْتُمُوهُ تَحَابَبْتُمْ، أَفْشُوا السَّلَامَ بَيْنَكُم» [114]. [114] رواه الترمذي برقم (2510).
سبل الوقاية من لعن المسلم أو شتمه أو الاستطالة في عرضه:
- أن يعلم المسلم ما يصيبه بسبب لعن أخيه أو سبه أو التعرض لعرضه من رجوع اللعنة عليه، وما يبوء به من إثم، واستحقاقه غضب الله وعذابه؛ فإن العاقل لا يعرض نفسه للعنة الله أو غضبه وعذابه من أجل كلمة يقولها ليشفي بها غيظًا في صدره.
- أن يربي الإنسان نفسه على محبة إخوانه المسلمين؛ فإذا ما وطَّن نفسه على ذلك كان في هذا أكبر زاجر له على عدم سبهم أو شتم أحد منهم، فالمرء لا يسب من يحب.
- أن يوطِّن نفسه على عدم الغضب؛ فإن كثيرًا من السِّباب بين المسلمين وتعرضهم لأعراض بعض إنما يكون بسبب الغضب، كما هو مشاهد من كثير من الناس، وهذه كانت وصية رسول الله ﷺ للرجل الذي قال له: أوصني، فقال رسول الله ﷺ: «لَا تَغْضَبْ»، فَرَدَّدَ مِرَارًا، قال: «لَا تَغْضَبْ» [115]. [115] رواه البخاري برقم (6116).
- أن يربِّي المسلم أبناءه على الأخلاق الحميدة، والآداب الرشيدة، فمن نشأ على شيء شبَّ عليه، فمن تربى على الأخلاق الطيبة لا تكاد تراه يصدر منه شيء من لعن أو شتم لغيره؛ لأن نفسه لا تطاوعه لذلك.
- حفظ أعراض الناس بإقامة الحد أو التعزير على من يجترأ عليها.
- مراقبة الله في هذا اللسان، وأنه من أسباب أن يكب العبد في النار للأحاديث الكثيرة في هذا.
النَّميمة
إن تهذيب النفوس من الأمور التي اعتنت بها الشريعة اعتناءًا بالغًا، خصوصًا ما كان منها يتعدى ضرره إلى بقية المجتمع، وإنَّ خُلق النميمة من أذمِّ ما يمكن أن يتخلق به المسلم، وهو يدل على خِسَّةِ صاحبه، وقد جاء ذمه في القرآن وعلى لسان النبي ﷺ.
والنميمة: هي نقل كلام الناس بعضهم إلى بعض على وجه الإفساد بينهم، وهي أيضًا: كشف ما يُكره كشفه، سواء أَكَرِهَهُ المنقول عنه أو المنقول إليه أو غيرهما، وسواء كان كشفه بقول أو كتابة أو رمز أو إشارة.
الأدلة على تحريم النميمة:
النميمة محرمة بإجماع المسلمين، وقد تظاهر على تحريمها الدلائل الصريحة من الكتاب والسُّنة وإجماع الأمة؛ فمن ذلك:
قال تعالى: ﴿وَلَا تُطِعۡ كُلَّ حَلَّافٖ مَّهِينٍ 10 هَمَّازٖ مَّشَّآءِۭ بِنَمِيمٖ 11﴾ [القلم: 10- 11].
قال القرطبي: "أي: يمشي بالنميمة بين الناس ليفسد بينهم" [116]. [116] تفسير القرطبي (18/ 232).
وقال سبحانه: ﴿وَيۡلٞ لِّكُلِّ هُمَزَةٖ لُّمَزَةٍ 1﴾ [الهمزة: 1].
قال ابن عباس رضي الله عنهما: "هم المشَّاءون بالنميمة، المفرِّقون بين الأحبة، الباغون للبُرآء العيب"[117]. [117] تفسير البغوي (8/ 529).
وقال تعالى: ﴿وَٱمۡرَأَتُهُۥ حَمَّالَةَ ٱلۡحَطَبِ 4﴾ [المسد: 4].
وقد قيل لها ذلك؛ لأنها كانت تحطب الكلام، وتمشي بالنميمة، وتُعيِّر رسول الله ﷺ بالفقر [118]. [118] ينظر: تفسير الطبري (24/ 720).
وعن حذيفة رضي الله عنه، أنه بلغه أن رجلًا يَنِمُّ الحديثَ، فقال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «لَا يَدْخُلُ الجَنَّةَ نَمَّامٌ» [119]. [119] رواه البخاري برقم (6056)، ومسلم برقم (105).
وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: مَرَّ النبي ﷺ بقبرين، فقال: «إِنَّهُمَا لَيُعَذَّبَانِ، وَمَا يُعَذَّبَانِ فِي كَبِيرٍ، أَمَّا أَحَدُهُمَا فَكَانَ لَا يَسْتَتِرُ مِنَ البَوْلِ، وَأَمَّا الْآخَرُ فَكَانَ يَمْشِي بِالنَّمِيمَةِ» [120]. [120] رواه البخاري برقم (218)، ومسلم برقم (292).
قال الخطابي: "قوله: "وَمَا يُعَذَّبَانِ فِي كَبِيرٍ" معناه: أنهما لم يُعذَّبا في أمر كان يكبُر عليهما أو يَشُقُّ فعله لو أرادا أن يفعلاه، وهو التنزه من البول وترك النميمة، ولم يُرِد أن المعصية في هاتين الخصلتين ليست بكبيرة في حق الدين، وأن الذنب فيهما هيِّن سهل" [121]. [121] معالم السنن (1/ 19).
وعن عبد الرحمن بن غنم رضي الله عنه، عن النبي ﷺ قال: «خِيَارُ عِبَادِ اللَّهِ الَّذِينَ إِذَا رُؤُوا ذُكِرَ اللَّهُ، وَشِرَارُ عِبَادِ اللَّهِ الْمَشَّاؤُونَ بِالنَّمِيمَةِ، المُفَرِّقُونَ بَيْنَ الأَحِبَّةِ، البَاغُونَ البُرَآءَ العَنَتَ» [122]. [122] رواه أحمد برقم (17998).
"البَاغُونَ البُرَآءَ العَنَتَ" أي: يطلبون لهم الهلاك والتعب بأن يتهموهم بالفواحش.
وعن أبي الدرداء رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «أَلَا أُخْبِرُكُمْ بِأَفْضَلَ مِنْ دَرَجَةِ الصِّيَامِ وَالصَّلَاةِ وَالصَّدَقَةِ؟»، قَالُوا: بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ. قَالَ: «إِصْلَاحُ ذَاتِ البَيْنِ، وَفَسَادُ ذَاتِ البَيْنِ الحَالِقَةُ» [123]. [123] رواه أبو داود برقم (4919)، والحالقة: التي تحلق الدين، أي: تُذهبه وتغيِّره. ومعلوم أن النمام يُفسد بين الناس ولا بد.
وعن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: إن محمدًا ﷺ قال: «أَلَا أُنَبِّئُكُمْ مَا العِضَةُ؟ هِيَ النَّمِيمَةُ القَالَةُ بَيْنَ النَّاسِ» [124]. [124] رواه مسلم برقم (2606).
والعِضَة: الكذب والبهتان.
أضرار النميمة:
إن للنميمة أضرارًا عظيمة؛ إذ إن ضررها لا يتوقف على النمام، وإنما يتعدى إلى غيره، فمن أضرارها:
- أنها قد تكون سببًا لعدم دخول الجنة؛ فالنمام متوعَّد بألا يدخل الجنة.
- أنها من أسباب عذاب القبر.
- النمام ممقوت عند الله مذموم عنده؛ فقد سبق في آية سورة القلم أن الله ذم أحد الكفار بأنه نمام، وهذا الذم ينسحب على كل من يفعل هذه الفعلة.
- أن النمام ممقوت عند الناس، فلا تكاد تجد نمامًا إلا ويُذكر بالذم والسوء، بل مثل هذا لا تكاد تجد له صاحبًا، فالنميمة سبب لاجتناب الناس له.
- النميمة تُربي في صاحبها الدناءة، خصوصًا إذا ما صارت خُلُقًا له؛ لأنه قد عوَّد نفسه على التشفي من الناس بتصرفات فيها كيد وخسة ونفاق.
- النميمة من أسباب شيوع البغضاء بين الناس لاسيما بين الأقارب والأصدقاء، فتقطع الأرحام، وتفسد المودَّات، وتنشغل القلوب بالعداوات، وقد زار بعض السلف أخًا له فنمَّ له عن صديقه، فقال له: "يا أخي أطلت الغيبة، وجئتني بثلاث جنايات: بغَّضتَ إليَّ صديقي، وشغلت قلبي بسببه، واتهمت نفسك الأمينة".
وعن يحيى بن أبي كثير أنه قال: "يُفسد النمام في ساعةٍ ما لا يُفسد الساحر في سَنَة" [125]. [125] حلية الأولياء (3/ 70).
وقال ابن حبان عن النميمة: "تهتك الأستار، وتفشي الأسرار، وتورث الضغائن، وترفع المودة، وتجدد العداوة، وتبدد الجماعة، وتهيج الحقد، وتزيد الصَّد" [126]. [126] روضة العقلاء (ص180).
- قد يصل بالنمام الحال إلى التجسس على الغير ليصل إلى أخبارٍ يستطيع نقلها إلى من ينم لهم، فتكون النميمة قد جرَّته إلى معصية أخرى.
سبل الوقاية من النميمة:
- أن يعلم النمامُ ما له عند الله تعالى من عذابٍ في القبر ويومَ القيامة.
- أن يربي الإنسان نفسه على خشية الله؛ فحينئذ تستحضر نفسُهُ عقوبةَ هذه الكبيرة فتنزجر عنها.
- أن يعلم أنه إن عُرف بهذه الخصلة فلن يجد له صاحبًا، ولن يأتمنه أحدٌ على كلمة يقولها أمامَه، فيصير منبوذًا بين الناس.
- أن يتقي اللهَ مَن تبلغه النميمةُ ولا يصدِّقها، بل عليه أن يعتقد فسق من نقل إليه الكلام ويترك مجالسته، ولا يظن بأخيه الغائب السوء.
- أن ينهى النمامَ عن ذلك، وينصحه، ويقبِّح له فعله، وأن يحذر منه؛ فإن من نمَّ إليك نمَّ عليك.
الغيبة
إن الغيبة من الأخلاق المذمومة التي نهى عنها الشرع، وشنَّع على من يتصف بها أشد تشنيع، حتى جعلها بمثابة أكل المرء للحم أخيه المسلم وهو ميت.
وحقيقية الغيبة: أن يتكلم الإنسان في حق أخيه المسلم أثناء غيابه بما يكرهه مما هو فيه، ما لم تدعُ إلى ذلك مصلحة راجحة، عن أبي هريرة رضي الله عنه، أن رسول الله ﷺ قال: «أَتَدْرُونَ مَا الغِيبَةُ؟»، قَالُوا: اللَّٰهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: «ذِكْرُكَ أَخَاكَ بِمَا يَكْرَهُ»، قِيلَ: أَفَرَأَيْتَ إِنْ كَانَ فِي أَخِي مَا أَقُولُ؟ قَالَ: «إِنْ كَانَ فِيهِ مَا تَقُولُ، فَقَدِ اغْتَبْتَهُ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ، فَقَدْ بَهَتَّهُ» [127]. [127] رواه مسلم برقم (2589).
أدلة تحريم الغيبة:
قال تعالى: ﴿... وَلَا يَغۡتَب بَّعۡضُكُم بَعۡضًاۚ أَيُحِبُّ أَحَدُكُمۡ أَن يَأۡكُلَ لَحۡمَ أَخِيهِ مَيۡتٗا فَكَرِهۡتُمُوهُۚ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَۚ إِنَّ ٱللَّهَ تَوَّابٞ رَّحِيمٞ﴾ [الحجرات: 12].
وقال عز من قائل: ﴿وَيۡلٞ لِّكُلِّ هُمَزَةٖ لُّمَزَةٍ 1﴾ [الهمزة: 1].
﴿وَيۡلٞ﴾ وادي يسيل من صديد أهل النار وقيحهم. ﴿لِّكُلِّ هُمَزَةٖ﴾ يعني: لكل مغتاب للناس، يغتابهم وينتقصهم. ويعني باللُّمزة: الذي يعيب الناس، ويطعن فيهم [128]. [128] ينظر تفسير الطبري (24/ 616).
وعن أبي برزة الأسلمي رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «يَا مَعْشَرَ مَنْ آمَنَ بِلِسَانِهِ، وَلَمْ يَدْخُلِ الإِيمَانُ قَلْبَهُ، لَا تَغْتَابُوا المُسْلِمِينَ، وَلَا تَتَّبِعُوا عَوْرَاتِهِمْ، فَإِنَّهُ مَنِ اتَّبَعَ عَوْرَاتِهِمْ يَتَّبِعِ اللَّهُ عَوْرَتَهُ، وَمَنْ يَتَّبِعِ اللَّهُ عَوْرَتَهُ يَفْضَحْهُ فِي بَيْتِهِ» [129]. [129] رواه أبو داود برقم (4880).
وَعَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ: قُلْتُ لِلنَّبِيِّ ﷺ: حَسْبُكَ مِنْ صَفِيَّةَ كَذَا وَكَذَا -تَعْنِي قَصِيرَةً- فَقَالَ ﷺ: «لَقَدْ قُلْتِ كَلِمَةً لَوْ مُزِجَتْ بِمَاءِ البَحْرِ لَمَزَجَتْهُ»، قَالَتْ: وَحَكَيْتُ لَهُ إِنْسَانًا، فَقَالَ: «مَا أُحِبُّ أَنِّي حَكَيْتُ إِنْسَانًا وَإِنَّ لِي كَذَا وَكَذَا» [130]. [130] رواه أبو داود برقم (4875).
"مَزَجَتْه "خالطَتْه مخالطةً يتغير بها طعمه أو ريحه لشدة نتنها وقبحها، وهذا من أبلغ الزواجر عن الغيبة. قولها: "وحكيت له إنسانًا" أي: قلَّدتُ له بالفعل حركة إنسان يكرهها، وهو من الغيبة المحرمة، كأن يمشي مُتعارِجًا أو مُطأطِئًا وغير ذلك من الهيئات يحكي بذلك صاحبها [131]. [131] ينظر: تطريز رياض الصالحين (ص 841).
وعن أبي بَكْرَةَ رضي الله عنه قال: خَطَبَنَا النَّبِيُّ ﷺ يوم النَّحْرِ قَالَ: «أَتَدْرُونَ أَيُّ يَوْمٍ هَذَا؟»، قُلْنَا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، فَسَكَتَ حَتَّى ظَنَنَّا أَنَّهُ سَيُسَمِّيهِ بِغَيْرِ اسْمِهِ، قَالَ: «أَلَيْسَ يَوْمَ النَّحْرِ؟» قُلْنَا: بَلَى، قَالَ: «أَيُّ شَهْرٍ هَذَا؟» قُلْنَا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، فَسَكَتَ حَتَّى ظَنَنَّا أَنَّهُ سَيُسَمِّيهِ بِغَيْرِ اسْمِهِ، فَقَالَ: «أَلَيْسَ ذُو الحِجَّةِ؟»، قُلْنَا: بَلَى، قَالَ: «أَيُّ بَلَدٍ هَذَا؟»، قُلْنَا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، فَسَكَتَ حَتَّى ظَنَنَّا أَنَّهُ سَيُسَمِّيهِ بِغَيْرِ اسْمِهِ، قَالَ:« أَلَيْسَتْ بِالْبَلْدَةِ الحَرَامِ؟»، قُلْنَا: بَلَى، قَالَ: «فَإِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ، كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا، فِي شَهْرِكُمْ هَذَا، فِي بَلَدِكُمْ هَذَا، إِلَى يَوْمِ تَلْقَوْنَ رَبَّكُمْ، أَلَا هَلْ بَلَّغْتُ؟» قَالُوا: نَعَمْ، قَالَ: «اللَّهُمَّ اشْهَدْ، فَلْيُبَلِّغِ الشَّاهِدُ الْغَائِبَ، فَرُبَّ مُبَلَّغٍ أَوْعَى مِنْ سَامِعٍ، فَلَا تَرْجِعُوا بَعْدِي كُفَّارًا، يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقَابَ بَعْضٍ» [132]. [132] رواه البخاري برقم (67)، ومسلم برقم (1218).
وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «كُلُّ المُسْلِمِ عَلَى المُسْلِمِ حَرَامٌ، دَمُهُ، وَمَالُهُ، وَعِرْضُهُ» [133]. [133] رواه مسلم برقم (2564).
أضرار الغيبة:
- أنها سبب من أسباب العذاب يوم القيامة.
- أن المغتاب مُعرَّض لأَنْ يكون من المفلسين يوم القيامة، كما في حديث أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي ﷺ أنه قال: «أَتَدْرُونَ مَا المُفْلِسُ؟» قَالُوا: المُفْلِسُ فِينَا مَنْ لَا دِرْهَمَ لَهُ وَلَا مَتَاعَ، فَقَالَ: «إِنَّ المُفْلِسَ مِنْ أُمَّتِي يَأْتِي يَوْمَ القِيَامَةِ بِصَلَاةٍ، وَصِيَامٍ، وَزَكَاةٍ، وَيَأْتِي قَدْ شَتَمَ هَذَا، وَقَذَفَ هَذَا، وَأَكَلَ مَالَ هَذَا، وَسَفَكَ دَمَ هَذَا، وَضَرَبَ هَذَا، فَيُعْطَى هَذَا مِنْ حَسَنَاتِهِ، وَهَذَا مِنْ حَسَنَاتِهِ، فَإِنْ فَنِيَتْ حَسَنَاتُهُ قَبْلَ أَنْ يُقْضَى مَا عَلَيْهِ أُخِذَ مِنْ خَطَايَاهُمْ فَطُرِحَتْ عَلَيْهِ، ثُمَّ طُرِحَ فِي النَّارِ» [134]. [134] رواه مسلم برقم (2581).
- أن الغيبة سبب لهجران صاحبها من قِبَل الصالحين؛ فإن أهل العلم قد نصوا على عدم القعود مع من يغتاب المسلمين وعلى هجره.
- أنها قد تكون سببًا من أسباب تعرض المغتاب للغيبة هو الآخر؛ لأن من اغتابه إذا بلغه غيبته له ربما كافأه بالمثل، فيكون قد تسبب لنفسه أن يُطعن فيها.
- أنها سبب لوقوع العداوة بين المغتاب ومن اغتابه إذا ما بلغته غيبته له؛ فتنقطع أواصر الأخوة الإيمانية.
- أن من يغتاب المسلمين ويتتبع عوراتهم ويفضحهم، فإن الله عز وجل يعاقبه بعقوبة من جنس عمله بأن يفضحه ولو كان في جوف بيته.
سبل الوقاية من الغيبة:
- أن يتربى المسلم على خشية الله تعالى، ويعلم أن غيبته لأخيه تستوجب غضب الله عز وجل وعقابه.
- أن يدرِّب المسلم نفسه على ترك الغيبة، وأن يعالج نفسه من هذا الخلق السيئ، فعن عبد الله بن وهب رحمه الله قال: "نذرت أني كلما اغتبت إنسانًا أن أصوم يومًا، فأجهدني (أي: أتعبني)، فكنت أغتاب وأصوم، فنويت أني كلما اغتبت إنسانًا، أن أتصدق بدرهم، فمن حُبِّ الدراهم تركت الغيبة" [135]. [135] ينظر: سير أعلام النبلاء (9/ 228).
- أن يعلم أن غيبته لأخيه سَتُفسِدُ الأخوة بينهما وتسبب العداوة والبغضاء.
- أن يعلم المغتاب أن التَّشفِّي من الغير بغيبته هو من أفعال لِئَامِ الناس وسفلتهم، فمن عظمت نفسه عنده فعليه أن ينزهها عن هذه الأفعال الدنيئة.
- أن يعلم المغتاب أنه بغيبته ينقص قدره عند كثير ممن يجالسهم، وقد يحتقروه من أجل خوضه في أعراض الناس.
- أن يشغل الإنسانُ نفسَه بما ينفعه في دنياه وأخراه؛ فإنه كثيرًا ما تكون الغيبة بسبب الفراغ وقضاء الأوقات في ذكر عيوب الناس.
- الابتعاد عن أصدقاء السوء الذين لا ينهونه عن اغتياب المسلمين، بل يشاركونه فيها.
- أن يربي الإنسان نفسه على علو الهمة وطلب المعالي؛ لأن كثيرًا من المغتابين ما دفعهم إلى الغيبة إلا الحسد ومحبة الانتقاص من غيرهم من أجل رفع أنفسهم التي لم يجدوا لرفعها سبيلًا إلا الانتقاص من غيرهم.
الظُّلم
الظلم كبيرة عظيمة حذر منها القرآن الكريم والسنة المطهرة تحذيرًا بليغًا؛ وذلك لما يترتب عليها من آثار سيئة تضر بالأفراد والمجتمعات، وتفسد الدنيا والآخرة.
والظلم ثلاثة أنواع:
1- ظلم العبد لنفسه بالشرك والكفر:
وهذا أعظم صور الظلم، ولا يغفره الله تعالى إلا بالتوحيد؛ فعن عبد الله بن مسعودٍ رضي الله عنه قال: لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ: ﴿ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَلَمۡ يَلۡبِسُوٓاْ إِيمَٰنَهُم بِظُلۡمٍ...﴾ [الأنعام: 82] شَقَّ ذَلِكَ عَلَىٰ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ، وَقَالُوا: أَيُّنَا لَمْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «لَيْسَ كَمَا تَظُنُّونَ، إِنَّمَا هُوَ كَمَا قَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ: ﴿...يَٰبُنَيَّ لَا تُشۡرِكۡ بِٱللَّهِۖ إِنَّ ٱلشِّرۡكَ لَظُلۡمٌ عَظِيمٞ﴾ [لقمان: 13]» [136]. [136] رواه البخاري برقم (32)، ومسلم برقم (124).
2- ظلم العبد لنفسه بالذنوب والمعاصي:
قال تعالى: ﴿...وَمَن يَتَعَدَّ حُدُودَ ٱللَّهِ فَقَدۡ ظَلَمَ نَفۡسَهُۥ...﴾ [الطلاق: 1] والمقصود بحدود الله: نواهيه، قال القرطبي: "أي هذه الأحكام التي بينها هي أحكام الله على العباد، وقد منع التجاوز عنها، فمن تجاوز فقد ظلم نفسه وأوردها مورد الهلاك" [137]. [137] تفسير القرطبي (18/ 157).
وهذا الظلم تحت مشيئة الله إن شاء غفره وإن شاء عذب عليه، ومن أسباب مغفرته: التوبة والاستغفار والحسنات الماحية والمصائب المكفِّرة ونحو ذلك.
3- ظلم العبد لغيره:
وهذا مثل أن يعتدي على غيره بالسَّب أو الضرب أو القتل، أو أن يأخذ من ماله شيئًا بغير وجه حق، أو يقتطع من أرضه ولو بمقدار شبر، أو أن يماطله في حق من حقوقه وهو قادر على أن يؤديه إليه، أو أن يستأجر أجيرًا فيستوفي منه عمله ولا يعطيه أجره، ونحو ذلك.
وهذا لا يغفره الله تعالى إلا بتأدية حقوق المظلومين واسترضائهم [138]. [138] ينظر: الوابل الصيب من الكلم الطيب (ص 19).
وظلم العبد لغيره هو ما نحن بصدد بيانه في هذه الورقات.
وأدلة تحريم الظلم وبيان شناعته وعِظَمِ جُرمه كثيرة، منها:
قال تعالى: ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ يَأۡكُلُونَ أَمۡوَٰلَ ٱلۡيَتَٰمَىٰ ظُلۡمًا إِنَّمَا يَأۡكُلُونَ فِي بُطُونِهِمۡ نَارٗاۖ وَسَيَصۡلَوۡنَ سَعِيرٗا 10﴾ [النساء: 10].
وعن أبي ذَرٍّ رضي الله عنه، عن النبي ﷺ فيما يروي عن الله تبارك وتعالى أنه قال: «يَا عِبَادِي، إِنِّي حَرَّمْتُ الظُّلْمَ عَلَى نَفْسِي وَجَعَلْتُهُ بَيْنَكُمْ مُحَرَّمًا فَلَا تَظَالَمُوا» [139]. [139] رواه مسلم برقم (2577).
وعن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما، أن رسول الله ﷺ قال: «اتَّقُوا الظُّلْمَ، فَإِنَّ الظُّلْمَ ظُلُمَاتٌ يَوْمَ القِيَامَةِ» [140]. [140] رواه مسلم برقم (2578).
قال ابن الجوزي معلقًا على هذا الحديث: "اعلم أن الظلم يشتمل على معصيتين عظيمتين: إحداهما: أخذ ما للغير بغير حق. والثانية: مبارزة الآمر بالعدل بالمخالفة، وهذه المعصية فيه أدهى؛ لأنه لا يكاد يقع الظلم إلا للضعيف الذي لا يقدر على الانتصار إلا بالله عز وجل، وإنما ينشأ الظلم من ظلمة القلب، ولو استنار بنور الهدى لنظر في العواقب، فإذا سعى المتقون بنورهم الذي اكتسبوه في الدنيا من التقوى ظهرت ظلمات الظالم فاكتنفته (أي: أحاطت به)" [141]. [141] كشف المشكل من حديث الصحيحين (2/ 559).
وعن عائشة رضي الله عنها، أن رسول الله ﷺ قال: «مَنْ ظَلَمَ قِيدَ شِبْرٍ (أَيْ: قَدْرَ شِبْرٍ) مِنَ الْأَرْضِ، طُوِّقَهُ مِنْ سَبْعِ أَرَضِينَ» [142]. [142] رواه البخاري برقم (2453)، ومسلم برقم (1612).
ومعنى التطويق: أن يخسف الله تعالى به الأرض فتصير البقعة المغصوبة منها في عنقه يوم القيامة كالطوق، وقيل: هو أن يُطوَّق حملها يوم القيامة، أي: يكلَّف حملها يوم القيامة [143]. [143] ينظر: عمدة القاري للعيني (15/ 113).
وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ثَلَاثَةٌ أَنَا خَصْمُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ: رَجُلٌ أَعْطَى بِي ثُمَّ غَدَرَ، وَرَجُلٌ بَاعَ حُرًّا فَأَكَلَ ثَمَنَهُ، وَرَجُلٌ اسْتَأْجَرَ أَجِيرًا فَاسْتَوْفَى مِنْهُ وَلَمْ يُعْطِهِ أَجْرَهُ» [144]. [144] رواه البخاري برقم (2227).
وللظلم أضرار كثيرة، منها:
- أن الظالم متوعَّد بالعذاب الشديد يوم القيامة، حتى وإن كان هذا الظلم في شيء يسير.
- أنه يجلب غضب الرب وسخطه، وتحيط به الظلمات يوم القيامة.
- أن الظلم سبب في انهيار المجتمعات والشعوب والدول، فعن أبي بكر الصديق رضي الله عنه أنه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إِنَّ النَّاسَ إِذَا رَأَوْا ظَالِمًا، فَلَمْ يَأْخُذُوا عَلَى يَدَيْهِ أَوْشَكَ أَنْ يَعُمَّهُمُ اللَّهُ بِعِقَابٍ مِنْهُ» [145]. [145] رواه الترمذي برقم (3057).
ويقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: "إن الناس لم يتنازعوا في أن عاقبة الظلم وخيمة وعاقبة العدل كريمة، ولهذا يُروى: إن الله ينصر الدولة العادلة وإن كانت كافرة، ولا ينصر الدولة الظالمة وإن كانت مؤمنة" [146]. [146] مجموع الفتاوى (28/ 63).
- معصية الظلم متعدية للغير وهو المظلوم، فلا يغفره الله تعالى حتى يرد الظالمُ إلى المظلوم حقه ويسترضيه.
- أن دعاء المظلوم مستجاب فيمن ظلمه؛ فعن معاذ بن جبل رضي الله عنه، أن رسول الله ﷺ قال له حين بعثه إلى اليمن: «وَاتَّقِ دَعْوَةَ المَظْلُومِ؛ فَإِنَّهُ لَيْسَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ اللَّهِ حِجَابٌ» [147]. [147] رواه البخاري برقم (1496)، ومسلم برقم (29).
- أن الناس يخافون من الظالم لبطشه وفُحشه، فهو شر الناس منزلةً عند الله يوم القيامة، فعن عائشة رضي الله عنها، عن النبي ﷺ قال: «إِنَّ شَرَّ النَّاسِ عِنْدَ اللَّهِ مَنْزِلَةً يَوْمَ القِيَامَةِ مَنْ تَرَكَهُ النَّاسُ اتِّقَاءَ شَرِّهِ» [148]. [148] رواه البخاري برقم (5685)، ومسلم برقم (2591).
سبل الوقاية من الوقوع في جريمة الظلم:
- أن يتذكر الإنسانُ قدرةَ الله تعالى عليه، يقول عمر بن عبد العزيز رحمه الله: "إذا دعتك قدرتك على ظلم الناس، فاذكر قدرة الله تعالى عليك" [149]. [149] سير أعلام النبلاء (5/ 131).
- النظر في عاقبة الظلم في الدنيا والآخرة، وأنه يُعجَّل للظالم العقوبة في الدنيا مع ما ينتظره من عذاب شديد في الآخرة، عن أبي بكرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «مَا مِنْ ذَنْبٍ أَجْدَرُ أَنْ يُعَجِّلَ اللَّهُ لِصَاحِبِهِ العُقُوبَةَ فِي الدُّنْيَا مَعَ مَا يَدَّخِرُ لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنَ البَغْيِ (أَيِ: الظُّلْمِ) وَقَطِيعَةِ الرَّحِمِ» [150]. [150] رواه الترمذي برقم (2511).
- رد الظالم عن ظلمه بما يُستطاع؛ فعن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «انْصُرْ أَخَاكَ ظَالِمًا أَوْ مَظْلُومًا» فَقَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَنْصُرُهُ إِذَا كَانَ مَظْلُومًا، أَرَأَيْتَ إِنْ كَانَ ظَالِمًا كَيْفَ أَنْصُرُهُ؟ قَالَ: تَمْنَعُهُ مِنَ الظُّلْمِ فَإِنَّ ذَلِكَ نَصْرُهُ» [151]. [151] رواه البخاري برقم (6952).
- عدم الميل للظالمين ولا إعانتهم على ظلمهم ولا موافقتهم فيه، قال تعالى: ﴿وَلَا تَرۡكَنُوٓاْ إِلَى ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ فَتَمَسَّكُمُ ٱلنَّارُ وَمَا لَكُم مِّن دُونِ ٱللَّهِ مِنۡ أَوۡلِيَآءَ ثُمَّ لَا تُنصَرُونَ 113﴾ [هود: 113].
قال السعدي رحمه الله: "﴿وَلَا تَرۡكَنُوٓاْ﴾ أي: لا تميلوا ﴿إِلَى ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ﴾ فإنكم إذا ملتم إليهم، ووافقتموهم على ظلمهم، أو رضيتم ما هم عليه من الظلم ﴿فَتَمَسَّكُمُ ٱلنَّارُ﴾ إن فعلتم ذلك ﴿وَمَا لَكُم مِّن دُونِ ٱللَّهِ مِنۡ أَوۡلِيَآءَ﴾ يمنعونكم من عذاب الله، ولا يُحصِّلون لكم شيئًا من ثواب الله ﴿ثُمَّ لَا تُنصَرُونَ﴾ أي: لا يُدفع عنكم العذاب إذا مسكم.
ففي هذه الآية: التحذير من الركون إلى كل ظالم، والمراد بالركون، الميل والانضمام إليه بظلمه وموافقته على ذلك، والرضا بما هو عليه من الظلم. وإذا كان هذا الوعيد في الركون إلى الظلمة، فكيف حال الظلمة بأنفسهم؟!! نسأل الله العافية من الظلم" [152]. [152] تفسير السعدي (ص: 391).
- الاتعاظ بحال الأمم السابقة التي أهلكها الله بسبب كفرهم وظلمهم، قال تعالى بعد ذكره إهلاك فرعون وجنوده: ﴿...فَٱنظُرۡ كَيۡفَ كَانَ عَٰقِبَةُ ٱلظَّٰلِمِينَ﴾ [القصص: 40].
وعن أبي موسى رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «إِنَّ اللَّهَ لَيُمْلِي لِلظَّالِمِ، فَإِذَا أَخَذَهُ لَمْ يُفْلِتْهُ»، ثم قرأ: ﴿وَكَذَٰلِكَ أَخۡذُ رَبِّكَ إِذَآ أَخَذَ ٱلۡقُرَىٰ وَهِيَ ظَٰلِمَةٌۚ إِنَّ أَخۡذَهُۥٓ أَلِيمٞ شَدِيدٌ 102﴾ [هود: 102] [153]. [153] رواه البخاري برقم (4686)، ومسلم برقم (2583).
- التخلص من المظالم في الدنيا قبل الآخرة، فعن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي ﷺ قال: «مَنْ كَانَتْ عِنْدَهُ مَظْلَمَةٌ لِأَخِيهِ، مِنْ عِرْضٍ أَوْ مِنْ شَيْءٍ، فَلْيَتَحَلَّلْهُ مِنْهُ اليَوْمَ (أَيْ: يَطْلُبْ مِنْهُ العَفْوَ وَالمُسَامَحَةَ وَيُؤَدِّيَ إِلَيْهِ مَظْلَمَتَهُ) قَبْلَ أَنْ لَا يَكُونَ دِينَارٌ وَلَا دِرْهَمٌ؛ إِنْ كَانَ لَهُ عَمَلٌ صَالِحٌ أُخِذَ مِنْهُ بِقَدْرِ مَظْلَمَتِهِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ حَسَنَاتٌ أُخِذَ مِنْ سَيِّئَاتِ صَاحِبِهِ فَحُمِلَ عَلَيْهِ» [154]. [154] رواه البخاري برقم (2449).
الخِيانة
الخيانة من كبائر الذنوب؛ فهي أحد أبرز صفات المنافقين التي يتميزون بها، كما في حديث أبي هريرة رضى الله عنه، أن رسول الله ﷺ قال: «آيَةُ الْمُنَافِقِ ثَلَاثٌ: إِذَا حَدَّثَ كَذَبَ، وَإِذَا وَعَدَ أَخْلَفَ، وَإِذَا اؤْتُمِنَ خَانَ» [155]. [155] رواه البخاري برقم (33)، ومسلم برقم (59).
وللخيانة صور كثيرة منها: خيانة الأمانة في المال، وخيانة الرجل لصاحبه في أهله، وخيانة الأمة أو الأوطان بالدلالة على عوراتها، وخيانة الشخص لمن استشاره، وخيانة المسلمين بعدم النصح لهم حين يتوجب النصح، وغير ذلك.
والأدلة على تحريم الخيانة كثيرة، منها:
قال تعالى: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَخُونُواْ ٱللَّهَ وَٱلرَّسُولَ وَتَخُونُوٓاْ أَمَٰنَٰتِكُمۡ وَأَنتُمۡ تَعۡلَمُونَ 27﴾ [الأنفال: 27].
وقال تعالى: ﴿...إِنَّ ٱللَّهَ لَا يُحِبُّ ٱلۡخَآئِنِينَ﴾ [الأنفال: 58].
وقال تعالى: ﴿ذَٰلِكَ لِيَعۡلَمَ أَنِّي لَمۡ أَخُنۡهُ بِٱلۡغَيۡبِ وَأَنَّ ٱللَّهَ لَا يَهۡدِي كَيۡدَ ٱلۡخَآئِنِينَ 52﴾ [يوسف: 52].
وعن بُرَيدة بن الحُصَيب رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «حُرْمَةُ نِسَاءِ المُجَاهِدِينَ عَلَى القَاعِدِينَ كَحُرْمَةِ أُمَّهَاتِهِمْ، وَمَا مِنْ رَجُلٍ مِنَ القَاعِدِينَ يَخْلُفُ رَجُلًا مِنَ المُجَاهِدِينَ فِي أَهْلِهِ فَيَخُونُهُ فِيهِمْ، إِلَّا وَقَفَ لَهُ يَوْمَ القِيَامَةِ، فَيَأْخُذُ مِنْ عَمَلِهِ مَا شَاءَ، فَمَا ظَنُّكُمْ؟» [156]. [156] رواه مسلم برقم (1897).
معناه: ما تظنون في رغبته في أخذ حسناته والاستكثار منها فى ذلك المقام، أى: لا يُبقي منها شيئًا إن أمكنه[157]. [157] شرح مسلم للنووي (13/ 42).
وأضرار الخيانة كثيرة، منها:
- أنها سبب من أسباب مقت الله للعبد، فقد قال سبحانه وتعالى: ﴿...إِنَّ ٱللَّهَ لَا يُحِبُّ ٱلۡخَآئِنِينَ﴾ [الأنفال: 58].
- أنها من أسباب دخول النار يوم القيامة كما سبق في حديث الخائن لمن خرج يجاهد في سبيل الله؛ فإن هذا المجاهد يقتص منه يوم القيامة بأخذ ما يريده من حسناته حتى تفنى، فلا يكون للخائن إلا ما عمله من سيئات فيدخل بها النار.
- أنها من أسباب خبث طوية الإنسان، فإذا وطَّن نفسه عليها فسد باطنه ولا بد.
- أنها من صفات المنافقين، فيُخشى على فاعلها أن يتمادى في باقي الصفات فيكون منافقًا خالصًا، كما روى عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما، أن النبي ﷺ قَالَ: «أَرْبَعٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ كَانَ مُنَافِقًا خَالِصًا، وَمَنْ كَانَتْ فِيهِ خَصْلَةٌ مِنْهُنَّ، كَانَتْ فِيهِ خَصْلَةٌ مِنَ النِّفَاقِ حَتَّى يَدَعَهَا: إِذَا اؤْتُمِنَ خَانَ، وَإِذَا حَدَّثَ كَذَبَ، وَإِذَا عَاهَدَ غَدَرَ، وَإِذَا خَاصَمَ فَجَرَ» [158]. [158] رواه البخاري برقم (34)، ومسلم برقم (58).
- أنه يُفضح يوم القيامة على رؤوس الأشهاد، فعن ابن عمر رضي الله عنهما، عن النبي ﷺ قَالَ: «الغَادِرُ يُرْفَعُ لَهُ لِوَاءٌ يَوْمَ القِيَامَةِ، يُقَالُ: هَذِهِ غَدْرَةُ فُلَان بْنِ فُلَان» [159]. [159] رواه البخاري برقم (6177)، ومسلم برقم (1735).
سبل الوقاية من الخيانة:
- أن يعلم الخائن أن الله تعالى يبغضه ولا يحبه، وأنه لا يوفقه في صنيعه، ولا يصلح له أعماله، كما قال تعالى: ﴿...وَأَنَّ ٱللَّهَ لَا يَهۡدِي كَيۡدَ ٱلۡخَآئِنِينَ﴾ [يوسف: 52].
- أن يستحضر الخائن ما له في قلوب العباد من بغض واحتقار له، فإنه حتمًا ولا بد ستفتضح خيانته للناس، وخصوصًا إذا صارت الخيانة خُلُقًا له يتكرر منه، فإن ستر الله سيُهتَك عنه.
- أن يستعيذ بالله من الخيانة، فقد كان النبي ﷺ يستعيذ منها، فعن أبي هريرة رضي الله عنه، قال رسول الله ﷺ: «اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الخِيَانَةِ، فَإِنَّهَا بِئْسَتِ البِطَانَةُ» [160]. [160] رواه أبو داود برقم (1547).
التكذيب بالقدر
القدر هو تقدير الله تعالى للأشياء في القِدَم، وعلمه سبحانه أنها ستقع في أوقات معلومة وعلى صفات مخصوصة، وكتابته لذلك، ومشيئته له، ووقوعها على حسب ما قدرها، وخلقه لها.
والتكذيب بالقدر من البدع التي ظهرت مُبكِّرًا في أواخر عهد الصحابة رضي الله عنهم وأُدخِلت على عقائد المسلمين، وهو من أعظم الذنوب التي يدور صاحبها بين الفسق والكفر.
وحقيقة التكذيب بالقدر: أن يعتقد العبد أن أفعال العباد وطاعتهم ومعاصيهم لم تدخل تحت قضاء الله وقدره، فالله سبحانه وتعالى على زعمهم لا يقدر على أفعال العباد ولا شاءها منهم، ولكنهم يعملونها دون مشيئة الله وقدرته، وأن الله لا يقدر أن يهدي ضالًّا ولا يضل مهتديًا، فأثبتوا خالقًا مع الله سبحانه، وهذا إشراك مع الله في الربوبية، بل ربما زاد بعضهم على ذلك أن الله لم يعلم الأمور قبل وقوعها، وهؤلاء شرٌّ من الطائفة الأولى، ومن نفى علم الله بالأشياء قبل وقوعها فهو كافر بالله العظيم.
الأدلة على كون التكذيب بالقدر من عظائم الذنوب:
قال تعالى: ﴿إِنَّ ٱلۡمُجۡرِمِينَ فِي ضَلَٰلٖ وَسُعُرٖ 47 يَوۡمَ يُسۡحَبُونَ فِي ٱلنَّارِ عَلَىٰ وُجُوهِهِمۡ ذُوقُواْ مَسَّ سَقَرَ 48 إِنَّا كُلَّ شَيۡءٍ خَلَقۡنَٰهُ بِقَدَرٖ 49﴾ [القمر: 47 - 49].
وهذه الآية نزلت فيمن يُكذِّب بقدر الله تعالى؛ فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: "جَاءَ مُشْرِكُو قُرَيْشٍ يُخَاصِمُونَ رَسُولَ اللهِ ﷺ فِي القَدَرِ، فَنَزَلَتْ ﴿يَوۡمَ يُسۡحَبُونَ فِي ٱلنَّارِ عَلَىٰ وُجُوهِهِمۡ ذُوقُواْ مَسَّ سَقَرَ 48 إِنَّا كُلَّ شَيۡءٍ خَلَقۡنَٰهُ بِقَدَرٖ 49﴾" [1]. [1] رواه مسلم برقم (2656).
وعن عطاء بن أبي رباح قال: "أَتَيْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما فقلت له: قَدْ تُكُلِّمَ فِي القَدَرِ، فقال: أَوَقَدْ فَعَلُوهَا؟ فَقُلْتُ: نَعَمْ، قال: فَوَاللَّهِ مَا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ إِلَّا فِيهِمْ ﴿ذُوقُواْ مَسَّ سَقَرَ 48 إِنَّا كُلَّ شَيۡءٍ خَلَقۡنَٰهُ بِقَدَرٖ 49﴾ أُولَئِكَ شِرَارُ هَذِهِ الأُمَّةِ، لَا تَعُودُوا مَرْضَاهُمْ، وَلَا تُصَلُّوا عَلَى مَوْتَاهُمْ، إِنْ أَرَيْتَنِي أَحَدًا مِنْهُمْ فَقَأْتُ عَيْنَيْهِ بِأَصْبُعِي هَاتَيْنِ" [2]. [2] رواه البيهقي في القضاء والقدر (406).
وعن يحيى بن يعمر قال: كَانَ أَوَّلَ مَنْ قَالَ فِي القَدَرِ بِالْبَصْرَةِ مَعْبَدٌ الْجُهَنِيُّ، فَانْطَلَقْتُ أَنَا وَحُمَيْدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْحِمْيَرِيُّ حَاجَّيْنِ أَوْ مُعْتَمِرَيْنِ فَقُلْنَا: لَوْ لَقِينَا أَحَدًا مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَسَأَلْنَاهُ عَمَّا يَقُولُ هَؤُلَاءِ فِي الْقَدَرِ، فَوُفِّقَ لَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ دَاخِلًا الْمَسْجِدَ، فَاكْتَنَفْتُهُ أَنَا وَصَاحِبِي أَحَدُنَا عَنْ يَمِينِهِ وَالْآخَرُ عَنْ شِمَالِهِ، فَظَنَنْتُ أَنَّ صَاحِبِي سَيَكِلُ الْكَلَامَ إِلَيَّ، فَقُلْتُ: أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ إِنَّهُ قَدْ ظَهَرَ قِبَلَنَا نَاسٌ يَقْرَءُونَ الْقُرْآنَ، وَيَتَقَفَّرُونَ الْعِلْمَ (أَيْ: يَطْلُبُونَهُ)، وَذَكَرَ مِنْ شَأْنِهِمْ، وَأَنَّهُمْ يَزْعُمُونَ أَنْ لَا قَدَرَ، وَأَنَّ الْأَمْرَ أُنُفٌ (أَيْ: مُسْتَأْنَفٌ لَمْ يُسْبَقْ بِهِ قَدَرٌ وَلَا عِلْمٌ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى وَإِنَّمَا يَعْلَمُهُ بَعْدَ وُقُوعِهِ). قَالَ ابْنُ عُمَرَ: فَإِذَا لَقِيتَ أُولَئِكَ فَأَخْبِرْهُمْ أَنِّي بَرِيءٌ مِنْهُمْ، وَأَنَّهُمْ بُرَآءُ مِنِّي، وَالَّذِي يَحْلِفُ بِهِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ لَوْ أَنَّ لِأَحَدِهِمْ مِثْلَ أُحُدٍ ذَهَبًا فَأَنْفَقَهُ مَا قَبِلَ اللَّهُ مِنْهُ حَتَّى يُؤْمِنَ بِالْقَدَرِ. ثُمَّ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ قَالَ: بَيْنَمَا نَحْنُ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ذَاتَ يَوْمٍ، إِذْ طَلَعَ عَلَيْنَا رَجُلٌ شَدِيدُ بَيَاضِ الثِّيَابِ، شَدِيدُ سَوَادِ الشَّعْرِ، لَا يُرَى عَلَيْهِ أَثَرُ السَّفَرِ، وَلَا يَعْرِفُهُ مِنَّا أَحَدٌ، حَتَّى جَلَسَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ، فَأَسْنَدَ رُكْبَتَيْهِ إِلَى رُكْبَتَيْهِ، وَوَضَعَ كَفَّيْهِ عَلَى فَخِذَيْهِ... قَالَ: فَأَخْبِرْنِي عَنِ الْإِيمَانِ، قَالَ: «أَنْ تُؤْمِنَ بِاللَّهِ، وَمَلَائِكَتِهِ، وَكُتُبِهِ، وَرُسُلِهِ، وَالْيَوْمِ الْآخِرِ، وَتُؤْمِنَ بِالْقَدَرِ خَيْرِهِ وَشَرِّهِ». قَالَ: ثُمَّ انْطَلَقَ فَلَبِثْتُ مَلِيًّا، ثُمَّ قَالَ لِي: «يَا عُمَرُ، أَتَدْرِي مَنِ السَّائِلُ؟» قُلْتُ: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: «فَإِنَّهُ جِبْرِيلُ أَتَاكُمْ يُعَلِّمُكُمْ دِينَكُمْ» [3]. [3] رواه مسلم برقم (8).
أضرار التكذيب بالقدر:
- أنه من أسباب وقوع العبد في الشرك بالله؛ فإن هذا القول فيه قَدْحٌ لتوحيد الربوبية الذي من أصوله أن الله تعالى هو خالق كل شيء، كما قال سبحانه: ﴿ٱللَّهُ خَٰالِقُ كُلِّ شَيۡءٖ...﴾ [الزمر: 62].
- أنه من أسباب فساد إيمان العبد، كما في حديث جبريل الذي سبق ذكره، والذي سُئل فيه النبي ﷺ عن الإيمان، فذكر من أركان الإيمان: الإيمان بالقدر.
- التكذيب بالقدر سببٌ لدخول العبد النار، فإن فاعله فاسق الفسق الاعتقادي، وهذا إذا لم يكن قد بلغ إلى حد نفي علم الله تعالى، أما إن بلغ به الأمر إلى نفي علم الله للأشياء قبل وقوعها فإنه يكون قد كفر بالله تعالى.
- التكذيب بالقدر يجعل العبد خائفًا قلقًا غير مطمئن، يقول أحد السلف: من لم يؤمن بالقدر لم يتهنَّ بعيشه.
كيفية الوقاية من الوقوع في التكذيب القدر:
- التمسك بالعلم الشرعي من كتاب الله وسنة رسوله ﷺ، وتدبر القرآن؛ فإنه مليء بالآيات التي تدل على الإيمان بقضاء الله وقدره.
- اتباع منهج السلف في مسائل الاعتقاد، وطرح كلام مَن يخالفهم مِن المتكلمين.
- ملازمة علماء الأمة ممن عُرِف بصحة الاعتقاد، والبعد عن أهل البدع.
- عدم الخوض في علوم الفلسفة والمنطق ونحوها من العلوم العقلية المحضة التي كانت سببًا لظهور كثير من هذه الآراء الاعتقادية الفاسدة.
اتخاذ القبور مساجد
اتخاذ قبور الصالحين أو غيرهم مساجد مما نهت عنه الشريعة الغراء، وهو كبيرة من الكبائر، ووسيلة إلى الشرك عياذًا بالله، وقد تواترت النصوص على لعن من فعل ذلك.
واتخاذ القبور مساجد يحصل بثلاث صور:
الصورة الأولى: بناء المسجد على القبر.
الصورة الثانية: الصلاة على القبر، وإن لم يكن هناك مسجد بُنِيَ على هذا القبر.
الصورة الثالثة: أن يصلي إلى القبر، يعني يجعله تجاه قبلته في الصلاة والدعاء.
فكل من هذه الصور مفردة داخلة في الاتخاذ المنهي عنه، وقد تتداخل بعض هذه الصور مع بعض، فقد يبني بعضُ الناسِ المسجدَ على القبر، ثم يجعل هذا القبر تجاه قبلته، أو يجعله تحته يصلي عليه.
الأدلة على تحريم اتخاذ القبور مساجد:
قال تعالى: ﴿وَأَنَّ ٱلۡمَسَٰجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدۡعُواْ مَعَ ٱللَّهِ أَحَدٗا 18﴾ [الجن: 18].
وعن عائشة رضي الله عنها، قالت: قال رسول الله ﷺ في مرضه الذي لم يَقُمْ منه: «لَعَنَ اللَّهُ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ»، وَلَوْلَا ذَٰلِكَ أُبْرِزَ قَبْرُهُ غَيْرَ أَنَّهُ خَشِيَ أَنْ يُتَّخَذَ مَسْجِدًا [4]. [4] رواه البخاري برقم (1390)، ومسلم برقم (529).
وعن أبي هريرة رضي الله عنه، أن رسول الله ﷺ قال: «قَاتَلَ اللَّهُ الْيَهُودَ، اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ» [5]. [5] رواه البخاري برقم (437)، ومسلم برقم (530).
وعن عائشة رضي الله عنها قالت: لَمَّا اشْتَكَى النَّبِيُّ ﷺ ذَكَرَتْ بَعْضُ نِسَائِهِ كَنِيسَةً رَأَيْنَهَا بِأَرْضِ الحَبَشَةِ يُقَالُ لَهَا: مَارِيَةُ، وَكَانَتْ أُمُّ سَلَمَةَ، وَأُمّ حَبِيبَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَتَتَا أَرْضَ الحَبَشَةِ، فَذَكَرَتَا مِنْ حُسْنِهَا وَتَصَاوِيرَ فِيهَا، فَرَفَعَ رَأْسَهُ، فَقَالَ: «أُولَئِكِ إِذَا مَاتَ مِنْهُمُ الرَّجُلُ الصَّالِحُ بَنَوْا عَلَى قَبْرِهِ مَسْجِدًا، ثُمَّ صَوَّرُوا فِيهِ تِلْكَ الصُّورَةَ أُولَئِكِ شِرَارُ الخَلْقِ عِنْدَ اللَّهِ» [6]. [6] رواه البخاري برقم (1341)، ومسلم برقم (528).
قال ابن رجب الحنبلي رحمه الله: "هذا الحديث يدل على تحريم بناء المساجد على قبور الصالحين، وتصوير صورهم فيها كما يفعله النصارى، ولا ريب أن كل واحد منهما محرم على انفراد، فتصوير صور الآدميين محرم، وبناء القبور على المساجد بانفراده محرم" [7]. [7] فتح الباري (3/ 202).
وعن جندب رضي الله عنه قال: سمعت النبي ﷺ قبل أن يموت بخمس، وهو يقول: «أَلَا وَإِنَّ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ كَانُوا يَتَّخِذُونَ قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ وَصَالِحِيهِمْ مَسَاجِدَ، أَلَا فَلَا تَتَّخِذُوا الْقُبُورَ مَسَاجِدَ، إِنِّي أَنْهَاكُمْ عَنْ ذَلِكَ» [8]. [8] رواه مسلم برقم (532).
وعن أبي مرثد الغنوي رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «لَا تَجْلِسُوا عَلَى الْقُبُورِ، وَلَا تُصَلُّوا إِلَيْهَا» [9]. [9] رواه مسلم برقم (972).
ولاتخاذ القبور مساجد أضرارًا عظيمة منها:
- أنها أحد وسائل الشرك؛ فإن الغلو في الأنبياء والصالحين مما أوقع الكثير في الشرك، فإن بناء المساجد على القبور مؤدٍّ إلى تعظيم مَن في هذه القبور، حتى يصل هذا التعظيم إلى العبادة، ودعاء مَن في هذه القبور من دون الله، بل بعضهم قد بلغ من الغلو أن يطوف بهذا القبر، وأن يتمسح به كما يفعل بالكعبة المشرفة.
- أن فيه تعرضًا للعنة الله تعالى، حتى وإن لم يَعبد هذا المتخِذ مَن في القبر، فإن اللعنة قد جاءت على مجرد الاتخاذ، بل قد وصف النبي ﷺ فاعل ذلك بأنه من شرار الناس.
- أن فيها تشبهًا بالكفار من اليهود والنصارى وغيرهم من أهل الشرك.
سبل الوقاية من هذه المعصية:
- إن من أعظم ما يحجب المسلم عن هذه الكبيرة، بل وعن كل أمر يوقعه في الشرك هو أن يتعلم المرء التوحيد ويعمل به، ويدعو له.
- ينبغي على أهل العلم أن يجتهدوا في بيان هذه الأمور لعامة الناس والتحذير منها، فهم المنوط بهم ذلك، وعلى أولياء الأمور معاونتهم وتيسير السبل لهم في أداء هذا الواجب.
- عدم رفع القبور ولا زخرفتها ولا بناء القِبَابِ عليها ولا تَجْصِيصِهَا، حتى لا يكون ذلك ذريعة أن تُتخذ مسجدًا، فعن أبي الهياج الأسدي، قال: قَالَ لِي عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ: أَلَا أَبْعَثُكَ عَلَى مَا بَعَثَنِي عَلَيْهِ رَسُولُ اللهِ ﷺ؟ أَنْ لَا تَدَعَ تِمْثَالًا إِلَّا طَمَسْتَهُ وَلَا قَبْرًا مُشْرِفًا إِلَّا سَوَّيْتَهُ [10]. وعن جابر رضي الله عنها؛ قال: نَهَى رَسُولُ اللهِ ﷺ أَنْ يُجَصَّصَ الْقَبْرُ، وَأَنْ يُقْعَدَ عَلَيْهِ، وَأَنْ يُبْنَى عَلَيْهِ [11ٌ]. [10] رواه مسلم برقم (969). [11] رواه مسلم برقم (970).
- أن يلتزم المسلم فهم السلف لنصوص القرآن، وأن يكون دَأْبَ كل مسلم أن من جاءه بشيء لم يفعله السلف من الصحابة رضي الله عنهم فإنه لا يُقبل منه.
الذبح لغير الله
يعد الذبح لغير الله من الشرك الأكبر الذي لا يُغفر؛ فإن الله تعالى يقول: ﴿قُلۡ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحۡيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ ٱلۡعَٰلَمِينَ 162 لَا شَرِيكَ لَهُۥۖ وَبِذَٰلِكَ أُمِرۡتُ وَأَنَا۠ أَوَّلُ ٱلۡمُسۡلِمِينَ 163﴾ [الأنعام: 162- 163]، ونسكي: ذبحي للبهائم. فجعل سبحانه الذبح من العبادات التي يَتقرب بها العبدُ له وحده؛ فمن صرف شيئًا منها لغير الله فقد أشرك به.
قال ابن كثير رحمه الله: "يأمره تعالى أن يخبر المشركين الذين يعبدون غير الله ويذبحون لغير اسمه، أنه مخالف لهم في ذلك؛ فإن صلاته لله ونسكه على اسمه وحده لا شريك له، وهذا كقوله تعالى: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَٱنۡحَرۡ 2﴾ [الكوثر: 2] أي: أخلص له صلاتك وذبيحتك، فإن المشركين كانوا يعبدون الأصنام ويذبحون لها، فأمره الله تعالى بمخالفتهم والانحراف عما هم فيه، والإقبال بالقصد والنية والعزم على الإخلاص لله تعالى " [12]. [12] تفسير ابن كثير (3/ 381).
وحقيقة الذبح لغير الله: أن يذكر العبد اسم غير الله على الذبيحة فيقول مثلًا: هذه ذبيحة لكذا، أو أن يذبحها بنية التقرب إلى من هو دون الله سبحانه من صَنَمٍ أو قبر أو جِنٍّ أو اتقاء لشره في ظنه؛ وإن لم يذكر شيئًا، كما قد يفعله من يتقربون إلى الأولياء أو الكواكب بالذبح والبخور ونحو ذلك، وهؤلاء مشركون، وذبيحتهم لا يباح أكلها بحال من الأحوال لأمرين: الأول أنها مما أُهِلَّ به لغير الله، والثاني أنها ذبيحة مشرك.
ومن الأدلة على تحريم الذبح لغير الله:
قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيۡكُمُ ٱلۡمَيۡتَةَ وَٱلدَّمَ وَلَحۡمَ ٱلۡخِنزِيرِ وَمَآ أُهِلَّ بِهِۦ لِغَيۡرِ ٱللَّهِ...﴾ [البقرة: 173].
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "قوله تعالى: ﴿...وَمَآ أُهِلَّ بِهِۦ لِغَيۡرِ ٱللَّهِ...﴾ ظاهره: أنه ما ذُبح لغير الله، مثل أن يقال: هذا ذبيحة لكذا، وإذا كان هذا هو المقصود: فسواء لفظ به أو لم يلفظ " [13]. [13] اقتضاء الصراط المستقيم (2/ 64).
وقال السعدي: "﴿...وَمَآ أُهِلَّ بِهِۦ لِغَيۡرِ ٱللَّهِ...﴾ أي: ذُبح لغير الله، كالذي يذبح للأصنام والأوثان من الأحجار، والقبور ونحوها " [14]. [14] تفسير السعدي (ص: 82).
وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَأۡكُلُواْ مِمَّا لَمۡ يُذۡكَرِ ٱسۡمُ ٱللَّهِ عَلَيۡهِ وَإِنَّهُۥ لَفِسۡقٞ...﴾ [الأنعام: 121].
وتحريم الأكل هنا يدل على تحريم الفعل وهو الذبح لغير الله، قال السعدي في تفسير هذه الآية: "ويدخل تحت هذا المنهي عنه، ما ذُكر عليه اسم غير الله كالذي يذبح للأصنام، وآلهتهم، فإن هذا مما أُهِلَّ لغير الله به، المحرم بالنص عليه خصوصًا " [15]. [15] تفسير السعدي (ص: 271).
وعن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «لَعَنَ اللَّهُ مَنْ ذَبَحَ لِغَيْرِ اللَّهِ» [16]. [16] رواه مسلم برقم (1978).
قال النووي رحمه الله: "وأما الذبح لغير الله فالمراد به أن يذبح باسم غير الله تعالى، كمن ذبح للصنم أو الصليب أو لموسى أو لعيسى صلى الله عليهما أو للكعبة ونحو ذلك، فكل هذا حرام ولا تحل هذه الذبيحة، سواء كان الذابح مسلمًا أو نصرانيًّا أو يهوديًّا، نص عليه الشافعي واتفق عليه أصحابنا، فإن قصد مع ذلك تعظيم المذبوح له غير الله تعالى والعبادة له كان ذلك كفرًا، فإن كان الذابح مسلمًا قبل ذلك صار بالذبح مرتدًّا " [17]. [17] شرح مسلم (13/ 141).
قال الشيخ ابن عثيمين رحمه الله: "الذبح إزهاق الروح بإراقة الدم على وجه مخصوص ويقع على وجوه:
الأول: أن يقع عبادة بأن يقصد به تعظيم المذبوح له والتذلل له والتقرب إليه، فهذا لا يكون إلا لله تعالى على الوجه الذي شرعه الله تعالى، وصرفه لغير الله شرك أكبر، ودليله قوله تعالى: ﴿قُلۡ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحۡيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ ٱلۡعَٰلَمِينَ 162﴾ [الأنعام:162]، والنسك هو الذبح.
الثاني: أن يقع إكرامًا لضيف أو وليمة لعرس أو نحو ذلك، فهذا مأمور به إما وجوبًا أو استحبابًا؛ لقوله ﷺ: "مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلْيُكْرِمْ ضَيْفَهُ " [18]. وقوله ﷺ لعبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه: «أَوْلِمْ وَلَوْ بِشَاةٍ» [19]. [18] رواه البخاري برقم (6018). [19] رواه البخاري برقم (2048).
الثالث: أن يقع على وجه التمتع بالأكل أو الاتجار به ونحو ذلك، فهذا من قسم المباح، فالأصل فيه الإباحة؛ لقوله تعالى: ﴿أَوَلَمۡ يَرَوۡاْ أَنَّا خَلَقۡنَا لَهُم مِّمَّا عَمِلَتۡ أَيۡدِينَآ أَنۡعَٰمٗا فَهُمۡ لَهَا مَٰلِكُونَ 71 وَذَلَّلۡنَٰهَا لَهُمۡ فَمِنۡهَا رَكُوبُهُمۡ وَمِنۡهَا يَأۡكُلُونَ 72﴾ [يس: 71-72]، وقد يكون مطلوبًا أو منهيًا عنه حسب ما يكون وسيلة له " [20]. [20] شرح الأصول الثلاثة ضمن مجموع الفتاوى (6 / 62).
أضرار الذبح لغير الله:
- أنه شرك بالله تعالى، وهذا يقتضي أن يُخلَّد فاعله في النار.
- الذبح لغير الله موجب للعنته سبحانه للذابح، كما في حديث علي بن أبي طالب رضي الله عنه السابق.
طرق الوقاية من الذبح لغير الله:
- أن يتعلم العبد من مسائل التوحيد ما يخلِّص به عبادته من الشرك؛ فإن التوحيد أول ما أوجبه الله على العباد.
- أن يعلم العبد أن النفع والضر بيد الله تعالى كما قال تعالى: ﴿...قُلۡ أَفَٱتَّخَذۡتُم مِّن دُونِهِۦٓ أَوۡلِيَآءَ لَا يَمۡلِكُونَ لِأَنفُسِهِمۡ نَفۡعٗا وَلَا ضَرّٗا...﴾ [الرعد: 16]، وقال تعالى: ﴿قُلِ ٱدۡعُواْ ٱلَّذِينَ زَعَمۡتُم مِّن دُونِهِۦ فَلَا يَمۡلِكُونَ كَشۡفَ ٱلضُّرِّ عَنكُمۡ وَلَا تَحۡوِيلًا 56﴾ [الإسراء: 56]، فإن بعض من يذبح لغير الله إنما يفعل ذلك خوفًا ممن يذبح له أو رجاء في نفعه، فإذا علم العبد أن النفع والضر بيد الله وحده كان ذلك من أعظم ما يحجزه عن هذا الأمر المفسد لدنياه وآخرته.
الأمن من مكر الله
الأمن من مكر الله تعالى من أخطر الكبائر على الإنسان؛ فإنه مفتاح القعود عن الخيرات، وسبيل إلى الانغماس في المحرمات.
وحقيقة الأمن من مكر الله تعالى: هو الاسترسال في المعاصي مع الاتكال على رحمة الله تعالى وعفوه.
قال بعض السلف: "مِن الأمن لمكر الله: إقامة العبد على الذنب يتمنى على الله المغفرة " [21]. [21] تفسير ابن أبي حاتم (5/ 1529).
وأدلة تحريم الأمن من مكر الله وبيان شناعته وعِظَمِ جُرمه كثيرة، منها:
قال تبارك وتعالى: ﴿أَفَأَمِنَ أَهۡلُ ٱلۡقُرَىٰٓ أَن يَأۡتِيَهُم بَأۡسُنَا بَيَٰتٗا وَهُمۡ نَآئِمُونَ 97 أَوَأَمِنَ أَهۡلُ ٱلۡقُرَىٰٓ أَن يَأۡتِيَهُم بَأۡسُنَا ضُحٗى وَهُمۡ يَلۡعَبُونَ 98 أَفَأَمِنُواْ مَكۡرَ ٱللَّهِۚ فَلَا يَأۡمَنُ مَكۡرَ ٱللَّهِ إِلَّا ٱلۡقَوۡمُ ٱلۡخَٰسِرُونَ 99﴾ [الأعراف: 97 - 99].
قال ابن كثير رحمه الله: " ﴿أَفَأَمِنُواْ مَكۡرَ ٱللَّهِۚ﴾ أي: بأسه ونقمته وقدرته عليهم وأخذه إياهم في حال سهوهم وغفلتهم ﴿فَلَا يَأۡمَنُ مَكۡرَ ٱللَّهِ إِلَّا ٱلۡقَوۡمُ ٱلۡخَٰسِرُونَ﴾؛ ولهذا قال الحسن البصري رحمه الله: المؤمن يعمل بالطاعات وهو مُشفق وَجِل خائف، والفاجر يعمل بالمعاصي وهو آمن " [22]. [22] تفسير ابن كثير (3/ 451).
وقال تعالى: ﴿أَفَأَمِنَ ٱلَّذِينَ مَكَرُواْ ٱلسَّيِّـَٔاتِ أَن يَخۡسِفَ ٱللَّهُ بِهِمُ ٱلۡأَرۡضَ أَوۡ يَأۡتِيَهُمُ ٱلۡعَذَابُ مِنۡ حَيۡثُ لَا يَشۡعُرُونَ 45 أَوۡ يَأۡخُذَهُمۡ فِي تَقَلُّبِهِمۡ فَمَا هُم بِمُعۡجِزِينَ 46 أَوۡ يَأۡخُذَهُمۡ عَلَىٰ تَخَوُّفٖ فَإِنَّ رَبَّكُمۡ لَرَءُوفٞ رَّحِيمٌ 47﴾ [النحل: 45 - 47].
وقال سبحانه: ﴿أَفَأَمِنُوٓاْ أَن تَأۡتِيَهُمۡ غَٰشِيَةٞ مِّنۡ عَذَابِ ٱللَّهِ أَوۡ تَأۡتِيَهُمُ ٱلسَّاعَةُ بَغۡتَةٗ وَهُمۡ لَا يَشۡعُرُونَ 107﴾ [يوسف: 107].
وقال تعالى: ﴿وَلَقَدۡ أَرۡسَلۡنَآ إِلَىٰٓ أُمَمٖ مِّن قَبۡلِكَ فَأَخَذۡنَٰهُم بِٱلۡبَأۡسَآءِ وَٱلضَّرَّآءِ لَعَلَّهُمۡ يَتَضَرَّعُونَ 42 فَلَوۡلَآ إِذۡ جَآءَهُم بَأۡسُنَا تَضَرَّعُواْ وَلَٰكِن قَسَتۡ قُلُوبُهُمۡ وَزَيَّنَ لَهُمُ ٱلشَّيۡطَٰنُ مَا كَانُواْ يَعۡمَلُونَ 43 فَلَمَّا نَسُواْ مَا ذُكِّرُواْ بِهِۦ فَتَحۡنَا عَلَيۡهِمۡ أَبۡوَٰبَ كُلِّ شَيۡءٍ حَتَّىٰٓ إِذَا فَرِحُواْ بِمَآ أُوتُوٓاْ أَخَذۡنَٰهُم بَغۡتَةٗ فَإِذَا هُم مُّبۡلِسُونَ 44﴾ [الأنعام: 42 - 44].
﴿...حَتَّىٰٓ إِذَا فَرِحُواْ بِمَآ أُوتُوٓاْ...﴾ أي: حتى إذا ظنوا أن الذي نزل بهم من السوء لم يكن انتقامًا من الله، وأن الخير الذي أصابهم كان باستحقاقهم ﴿...أَخَذۡنَٰهُم بَغۡتَةٗ...﴾ أي: فاجأهم عذابنا من حيث لا يشعرون. قال الحسن البصري رحمه الله في هذه الآية: مُكِر بالقوم ورب الكعبة؛ أُعطوا حاجتهم ثم أُخذوا [23]. [23] ينظر: تفسير ابن أبي حاتم (4/ 1291)، والتفسير البسيط للواحدي (8/ 140).
وعن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: "أَكْبَرُ الْكَبَائِرِ الْإِشْرَاكُ بِاللَّهِ، وَالْأَمْنُ مِنْ مَكْرِ اللَّهِ، وَالْقُنُوطُ مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ، وَالْيَأْسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ" [24]. [24] رواه معمر بن راشد في جامعه (19701).
وللأمن من مكر الله أضرار كثيرة، منها:
- إفساد العقيدة الإسلامية الصحيحة؛ فالأمن من مكر الله من صفات اليهود الذين جزموا لأنفسهم بدخول الجنة، ولئن دخلوا النار فما هي إلا أيامًا معدودات ويخرجون منها إلى الجنة. كذلك فهو من صفات المُرْجِئَةِ المبتدعة الذين قالوا: لا يضر مع الإيمان ذنب.
- خسارة الدنيا والآخرة؛ قال تعالى: ﴿...فَلَا يَأۡمَنُ مَكۡرَ ٱللَّهِ إِلَّا ٱلۡقَوۡمُ ٱلۡخَٰسِرُونَ 99﴾ [الأعراف: 99].
- أن الله عز وجل يستدرج الذين يأمنون مكره ويعطيهم من نعمه مع معصيتهم له، حتى يباغتهم بعقابه؛ فعن عقبة بن عامر رضي الله عنه، عن النبي ﷺ قال: «إِذَا رَأَيْتَ اللَّهَ يُعْطِي الْعَبْدَ مِنَ الدُّنْيَا عَلَى مَعَاصِيهِ مَا يُحِبُّ، فَإِنَّمَا هُوَ اسْتِدْرَاجٌ» ثم تلا رسول الله ﷺ: ﴿فَلَمَّا نَسُواْ مَا ذُكِّرُواْ بِهِۦ فَتَحۡنَا عَلَيۡهِمۡ أَبۡوَٰبَ كُلِّ شَيۡءٍ حَتَّىٰٓ إِذَا فَرِحُواْ بِمَآ أُوتُوٓاْ أَخَذۡنَٰهُم بَغۡتَةٗ فَإِذَا هُم مُّبۡلِسُونَ 44﴾ [الأنعام: 44] [25]. [25] رواه أحمد برقم (17311).
- إذا أمن العبد مكر الله لم يراقب الله في أفعاله وتمادى في معاصيه ولم يتب منها، وتقاعس عن فعل الخيرات.
- الأمن من مكر الله يمرض القلب بالكبر والعُجب والغرور.
سبل الوقاية من الوقوع في جريمة الأمن من مكر الله:
- تعلم العقيدة الصحيحة عقيدة أهل السنة والجماعة، فأهل السنة وسطٌ بين طرفين، الطرف الأول الذين يُقنِّطون الناس من رحمة الله فيكفِّرون بالكبائر، والطرف الثاني وهم الذين يُجرِّئون الناس على المعصية، وكأنهم ضمنوا لهم دخول الجنة.
- التوسط بين الخوف والرجاء، فيُغلِّب العبدُ الخوفَ من الله في حالة كثرة النعم؛ لأن العبد لا يدري لعل هذا استدراج، ويغلِّب الخوف أيضًا في حالة كثرة عباداته؛ لأنه لا يدري إن كان الله تعالى قد تقبلها منه أم لا؟ لهذا مدح الله المؤمنين بقوله: ﴿وَٱلَّذِينَ يُؤۡتُونَ مَآ ءَاتَواْ وَّقُلُوبُهُمۡ وَجِلَةٌ...﴾ [المؤمنون: 60]، وقد سألت عائشة رضي الله عنها رسول الله ﷺ عن هذه الآية، فقالت: أَهُمُ الَّذِينَ يَشْرَبُونَ الخَمْرَ وَيَسْرِقُونَ؟ قال: "لَا يَا بِنْتَ الصِّدِّيقِ، وَلَكِنَّهُمُ الَّذِينَ يَصُومُونَ وَيُصَلُّونَ وَيَتَصَدَّقُونَ، وَهُمْ يَخَافُونَ أَنْ لَا تُقْبَلَ مِنْهُمْ ﴿أُوْلَٰٓئِكَ يُسَٰرِعُونَ فِي ٱلۡخَيۡرَٰتِ وَهُمۡ لَهَا سَٰبِقُونَ 61﴾ [المؤمنون: 61] " [26]. [26] رواه الترمذي برقم (3175).
ويُغلِّب الرجاء في حال الكرب والشدة وعند حضور الموت.
- النظر في قصص الماضين وأحوال السابقين، وأخذ العبرة والعظة، وكيف أنهم أمِنوا مكر الله تعالى وانغمسوا في المعاصي فأهلكهم الله تعالى.
- ومن علاج الأمن من مكر الله تعالى أن يستشعر العبد أنه لا يدري أغفرت سيئاته وقبلت حسناته أم لا؟ ثم بعد ذلك بما يختم له، فإنما الأعمال بالخواتيم، وفوق ذلك أن يخاف على نفسه فإن القلوب بيد الله يُقَلِّبُهَا كيف يشاء.
التحايل على شرع الله
لقد أمر الله عباده بأمور وحذَّر مِن تركها، ونهى عن أشياء وحذَّر مِن اقترابها، إلا أن بعض الناس يحتالون لترك بعض الأوامر أو فعل بعض النواهي؛ فيقعون في ذنب عظيم، وهو التحايل على شرع الله؛ فيتشبهون باليهود والمنافقين في أفعالهم.
والمراد بالتحايل على شرع الله: فِعْل الحِيَل للهروب من الأحكام الشرعية، والحِيَل: طرق ووسائل خفية تُستحل بها المحارم وتُسقط بها الواجبات.
فكل حُكم عُمِل بالحيلة كحيل إسقاط الزكاة، أو التحايل على أكل الربا أو الرشوة أو في بيعٍ أو شراءٍ أو غير ذلك، فهو مردود مذموم محرَّم [27]. [27] ينظر إبطال الحيل لابن بطة (ص51).
وقد دلت الأدلة الشرعية على حرمة التحايل على شرع الله، ومن هذه الأدلة:
قول الله تعالى: ﴿وَسۡـَٔلۡهُمۡ عَنِ ٱلۡقَرۡيَةِ ٱلَّتِي كَانَتۡ حَاضِرَةَ ٱلۡبَحۡرِ إِذۡ يَعۡدُونَ فِي ٱلسَّبۡتِ إِذۡ تَأۡتِيهِمۡ حِيتَانُهُمۡ يَوۡمَ سَبۡتِهِمۡ شُرَّعٗا وَيَوۡمَ لَا يَسۡبِتُونَ لَا تَأۡتِيهِمۡۚ كَذَٰلِكَ نَبۡلُوهُم بِمَا كَانُواْ يَفۡسُقُونَ 163وَإِذۡ قَالَتۡ أُمَّةٞ مِّنۡهُمۡ لِمَ تَعِظُونَ قَوۡمًا ٱللَّهُ مُهۡلِكُهُمۡ أَوۡ مُعَذِّبُهُمۡ عَذَابٗا شَدِيدٗاۖ قَالُواْ مَعۡذِرَةً إِلَىٰ رَبِّكُمۡ وَلَعَلَّهُمۡ يَتَّقُونَ 164 فَلَمَّا نَسُواْ مَا ذُكِّرُواْ بِهِۦٓ أَنجَيۡنَا ٱلَّذِينَ يَنۡهَوۡنَ عَنِ ٱلسُّوٓءِ وَأَخَذۡنَا ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ بِعَذَابِۭ بَـِٔيسِۭ بِمَا كَانُواْ يَفۡسُقُونَ 165فَلَمَّا عَتَوۡاْ عَن مَّا نُهُواْ عَنۡهُ قُلۡنَا لَهُمۡ كُونُواْ قِرَدَةً خَٰسِـِٔينَ 166﴾ [الأعراف: 163- 166].
قال ابن بطة العكبري رحمه الله: "ألا ترى أن الله عز وجل مَسَخَ قومًا قردة باستعمالهم الحيلة في دينهم، ومخادعتهم لربهم، مع أنهم أظهروا التمسك وتحريم ما حرمه رب العالمين مع فساد باطنهم وقبيح مرادهم، فقال عز وجل: ﴿وَسۡـَٔلۡهُمۡ عَنِ ٱلۡقَرۡيَةِ ٱلَّتِي كَانَتۡ حَاضِرَةَ ٱلۡبَحۡرِ إِذۡ يَعۡدُونَ فِي ٱلسَّبۡتِ﴾، ذُكر لنا -والله أعلم- أن الحيتان كانت تأتيهم يوم السبت آمنة، فلا يعرضون لها، ثم لا يرونها إلى يوم السبت الآخر، فلما طال نظرهم إليها وتأسفهم عليها تشاوروا فيها، فقال بعضهم لبعض: إن الله عز وجل إنما حرمها يوم السبت، فاصنعوا لها المصائد يوم الجمعة، فإذا جاء يوم السبت فدخلت فيها فخذوها يوم الأحد، ففعلوا ذلك، وكان ما قصَّ الله عز وجل علينا مِن خبرهم" [28]. [28] ينظر إبطال الحيل (ص: 50-51).
وعن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما، أنه سمع رسول الله ﷺ يقول عام الفتح وهو بمكة: «إِنَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ حَرَّمَ بَيْعَ الْخَمْرِ وَالْمَيْتَةِ وَالْخِنْزِيرِ وَالْأَصْنَامِ»، فَقِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَرَأَيْتَ شُحُومَ الْمَيْتَةِ، فَإِنَّهَا يُطْلَى بِهَا السُّفُنُ، وَيُدْهَنُ بِهَا الْجُلُودُ، وَيَسْتَصْبِحُ بِهَا النَّاسُ؟ فَقَالَ: «لَا، هُوَ حَرَامٌ»، ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عِنْدَ ذَلِكَ: «قَاتَلَ اللَّهُ الْيَهُودَ؛ إِنَّ اللَّهَ لَمَّا حَرَّمَ شُحُومَهَا جَمَلُوهُ، ثُمَّ بَاعُوهُ، فَأَكَلُوا ثَمَنَهُ» [29]. [29] البخاري برقم (2236)، ومسلم برقم (1581).
ومعنى "يُطلى ": يُدهن. "يستصبح بها الناس ": يجعلونها في مصابيحهم يستضيئون بها. «جملوه»: أذابوه. وفي هذا بيان بطلان كل حيلة يحتال بها توصل إلى محرم، وأنه لا يتغير حكمه بتغير هيئته وتبديل اسمه [30]. [30] ينظر معالم السنن للخطابي (3/ 133).
وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «لَا تَرْتَكِبُوا مَا ارْتَكَبَتِ الْيَهُودُ، فَتَسْتَحِلُّوا مَحَارِمَ اللَّهِ بِأَدْنَى الْحِيَلِ» [31]. [31] رواه ابن بطة في إبطال الحيل (ص: 46).
وللتحايل على شرع الله أضرار كثيرة، منها:
- أن المحتال على شرع الله ليحل حرامًا أو يحرم حلالًا ملعون متوعد بالعقاب في الدنيا والآخرة.
- أن التحايل من مكائد الشيطان في إغواء الإنسان، قال ابن القيم رحمه الله: "ومن مكائده التي كاد بها الإسلام وأهله: الحِيَلُ والمكر والخداع، الذي يتضمن تحليل ما حَرَّمه الله، وإسقاط ما فرضه ومضادَّتَه في أمره ونهيه، وهي من الرأي الباطل الذي اتفق السلف على ذَمِّه" [32]. [32] إغاثة اللهفان (1/ 581).
- أنه شبيه بالنفاق ونوع من مخادعة لله سبحانه، والله سبحانه وتعالى قال في صفة أهل النفاق من مظهري الإسلام: ﴿وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَقُولُ ءَامَنَّا بِٱللَّهِ وَبِٱلۡيَوۡمِ ٱلۡأٓخِرِ وَمَا هُم بِمُؤۡمِنِينَ 8 يُخَٰدِعُونَ ٱللَّهَ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَمَا يَخۡدَعُونَ إِلَّآ أَنفُسَهُمۡ وَمَا يَشۡعُرُونَ 9﴾ [البقرة: 8، 9] إلى قوله: ﴿وَإِذَا لَقُواْ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ قَالُوٓاْ ءَامَنَّا وَإِذَا خَلَوۡاْ إِلَىٰ شَيَٰطِينِهِمۡ قَالُوٓاْ إِنَّا مَعَكُمۡ إِنَّمَا نَحۡنُ مُسۡتَهۡزِءُونَ 14 ٱللَّهُ يَسۡتَهۡزِئُ بِهِمۡ وَيَمُدُّهُمۡ فِي طُغۡيَٰنِهِمۡ يَعۡمَهُونَ 15﴾ [البقرة: 14، 15]، وقال سبحانه: ﴿إِنَّ ٱلۡمُنَٰفِقِينَ يُخَٰدِعُونَ ٱللَّهَ وَهُوَ خَٰدِعُهُم...﴾ [النساء: 142]، وقال في صفة المنافقين: ﴿وَإِن يُرِيدُوٓاْ أَن يَخۡدَعُوكَ فَإِنَّ حَسۡبَكَ ٱللَّهُ...﴾ [الأنفال: 62] الآية.
فأخبر سبحانه أن هؤلاء المخادعين مخدوعون وهم لا يشعرون بذلك، وأن الله خادِعٌ مَن يخادعه، وأن المخدوع يكفيه الله شر مَن خدَعه، والمخادعة هي الاحتيال والمراوغة بإظهار الخير مع إبطال خلافه لتحصيل المقصود.
- أنه مشابهة لليهود والنصارى في سبيلهم، وكان الرسول الرؤوف الرحيم ﷺ يحذر أمَّته سلوك سبيل أهل الغضب والضلال من اليهود والنصارى، ويلعنهم على ما ارتكبوه من أنواع الحيل، وينهى عن التشبه بهم في استحلال المحارم بالاحتيال؛ لعلمه بما أوقع الله بهم على ذلك من الخزي والنكال.
- أنه نوعٌ من التلاعب بالأحكام الشرعية، قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: "من المحال أن يحرم الشارع علينا أمرًا نحن محتاجون إليه، ثم لا يبيحه إلا بحيلة لا فائدة فيها، وإنما هي من جنس اللعب" [33]. [33] ينظر الفتاوى الكبرى لابن تيمية (4/ 29) (6/ 6، 19).
وللوقاية من الوقوع في التحايل على شرع الله وسائل، منها:
- تقوى الله والعلم بأحكامه، قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: "ولقد تأملت أغلب ما أوقع الناس في الحيل فوجدته أحد شيئين: إما ذنوبٌ جوزوا عليها تضييقًا في أمورهم، ولم يستطيعوا دفعها إلا بالحيل، فلم تزدهم الحيل إلا بلاء، كما جرى لأصحاب السبت من اليهود، كما قال تعالى: ﴿فَبِظُلۡمٖ مِّنَ ٱلَّذِينَ هَادُواْ حَرَّمۡنَا عَلَيۡهِمۡ طَيِّبَٰتٍ أُحِلَّتۡ لَهُمۡ...﴾ [النساء: 160] وهذا ذنب عملي. وإما مبالغة في التشديد لما اعتبروه من تحريم الشارع فاضطرهم هذا الاعتقاد إلى الاستحلال بالحيل؛ وهذا من خطأ الاجتهاد، وإلا فمن اتَّقى الله، وأخذ ما أحل له، وأدى ما وجب عليه، فإنه لا يحوجه إلى الحيل المبتدعة أبدًا، فإنه سبحانه لم يجعل علينا في الدين من حرج، وإنما بعث نبينا بالحنيفية السمحة، فالسبب الأول هو الظلم، والثاني عدم العلم" [34]. [34] الفتاوى الكبرى (4/ 29).
- الاتعاظ والاعتبار بما حل بالأمم السابقة من هلاك ودمار، بسبب تحايلهم على شرع الله عز وجل.
- أن تُتَلَقَّى أحكام الله بطيب نفس وانشراح صدر، وأن يتيقن العبد أن الله لم يأمره إلا بما في فعله صلاح، ولم ينهه إلا عما في فعله فساد، وأن المأمور به بمنزلة الطعام الذي هو قوام العبد، والمنهي عنه بمنزلة السموم التي هي هلاك البدن وسقمه [35]. [35] ينظر الفتاوى الكبرى لابن تيمية (6/ 105).
القُنوط واليأس من رحمة الله
القُنوط واليأس من رحمة الله من أخطر الكبائر على الإنسان؛ فإنهما مفتاح القعود عن الخيرات، وسبيل إلى الانغماس في المحرمات.
والمراد بالقُنوط: أن يستبعد الإنسان رحمة الله، ويستبعد حصول المطلوب، والمراد باليأس: أن يستبعد الإنسان زوال المكروه [36]. [36] القول المفيد على كتاب التوحيد لابن عثيمين: (2/ 107).
وقد وردت الأدلة على حرمة القُنوط واليأس من رحمة الله، ومنها:
قول الله سبحانه: ﴿يَٰبَنِيَّ ٱذۡهَبُواْ فَتَحَسَّسُواْ مِن يُوسُفَ وَأَخِيهِ وَلَا تَاْيۡـَٔسُواْ مِن رَّوۡحِ ٱللَّهِۖ إِنَّهُۥ لَا يَاْيۡـَٔسُ مِن رَّوۡحِ ٱللَّهِ إِلَّا ٱلۡقَوۡمُ ٱلۡكَٰفِرُونَ 87﴾ [يوسف: 87].
وقوله عزَّ وجل مخبرًا عن قول الملائكة لإبراهيم عليه السلام: ﴿ قَالُواْ بَشَّرۡنَٰكَ بِٱلۡحَقِّ فَلَا تَكُن مِّنَ ٱلۡقَٰنِطِينَ 55 قَالَ وَمَن يَقۡنَطُ مِن رَّحۡمَةِ رَبِّهِۦٓ إِلَّا ٱلضَّآلُّونَ 56﴾ [الحجر: 55، 56].
وقول الله تعالى: ﴿وَلَئِنۡ أَذَقۡنَا ٱلۡإِنسَٰنَ مِنَّا رَحۡمَةٗ ثُمَّ نَزَعۡنَٰهَا مِنۡهُ إِنَّهُۥ لَيَـُٔوسٞ كَفُورٞ 9﴾ [هود: 9].
وقوله: ﴿وَإِذَآ أَنۡعَمۡنَا عَلَى ٱلۡإِنسَٰنِ أَعۡرَضَ وَنَـَٔا بِجَانِبِهِۦ وَإِذَا مَسَّهُ ٱلشَّرُّ كَانَ يَـُٔوسٗا 83﴾ [الإسراء: 83].
وقوله تعالى: ﴿قُلۡ يَٰعِبَادِيَ ٱلَّذِينَ أَسۡرَفُواْ عَلَىٰٓ أَنفُسِهِمۡ لَا تَقۡنَطُواْ مِن رَّحۡمَةِ ٱللَّهِۚ إِنَّ ٱللَّهَ يَغۡفِرُ ٱلذُّنُوبَ جَمِيعًاۚ إِنَّهُۥ هُوَ ٱلۡغَفُورُ ٱلرَّحِيمُ 53﴾ [الزمر: 53].
وعن فَضَالة بن عُبَيْد رضي الله عنه عن رسول الله ﷺ قال: «ثَلَاثَةٌ لَا تَسْأَلْ عَنْهُمْ: رَجُلٌ نَازَعَ اللَّهَ رِدَاءَهُ؛ فَإِنَّ رِدَاءَهُ الْكِبْرِيَاءُ وَإِزَارَهُ الْعِزَّةُ، وَرَجُلٌ شَكَّ فِي أَمْرِ اللَّهِ، وَالْقَنُوطُ مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ» [37]. [37] رواه أحمد برقم (23943).
وعن ابنِ عبَّاسٍ رضي الله عنهما أنَّ رجُلًا قالَ: يا رسُولَ اللهِ ما الكبائِرُ؟ قالَ ﷺ: «الشِّرْكُ بِاللَّهِ، وَالْإِيَاسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ، وَالْقُنُوطُ مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ» [38]. [38] كشف الأستار عن زوائد البزار 106.
وعن ابن مسعود رضي الله عنه قال: "أَكْبَرُ الْكَبَائِرِ الْإِشْرَاكُ بِاللَّهِ، وَالْأَمْنُ مِنْ مَكْرِ اللَّهِ، وَالْقُنُوطُ مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ، وَالْيَأْسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ" [39]. [39] مصنف عبد الرزاق (20759).
قال أبو العباس القرطبي: "وكذلك ينبغي للتائب والمستغفر وللعامل أن يجتهد في القيام بما عليه من ذلك، موقنًا أن الله تعالى يقبل عمله ويغفر ذنبه؛ فإن الله تعالى قد وعد بقبول التوبة الصادقة والأعمال الصالحة، فأما لو عمل هذه الأعمال وهو يعتقد أو يظن أن الله تعالى لا يقبلها وأنها لا تنفعه، فذلك هو القُنوط من رحمة الله واليأس من روح الله، وهو من أعظم الكبائر" [40]. [40] المفهم لما أشكل من تلخيص مسلم (7/ 5، 6).
وللقُنوط واليأس من رحمة الله أضرار كثيرة، منها:
- أنه جهل بالله وأسمائه وصفاته؛ فإن الإنسان إذا حدث له القُنوط من رحمة الله لما يرى من رداءة نفسه وقلة طاعته له ييأس حينئذ من رحمته وذلك من المهالك؛ لأنه يقنط من رحمته الواسعة، ولم يتدارك ما فاته من التلف، ولم يرجو الله في توفيقه إياه على ما يحب ويرضى وعفوه عما مضى، فكأنه شك أو أنكر اسمه الغفور الرحيم العفو القدير.
- أن ذلك إساءة ظن بكرم الله ورحمته وجوده ومغفرته.
- أن ذلك يؤدي إلى ترك الأعمال الصالحة ويبعد الإنسان من التوبة مع الجرأة على المعاصي والاستكثار منها، قال الشيخ السعدي: "وللقنوط من رحمة الله واليأس من روحه سببان محذوران: أحدهما: أن يُسرف العبد على نفسه ويتجرأ على المحارم فيصر عليها، ويصمم على الإقامة على المعصية، ويقطع طمعه من رحمة الله؛ لأجل أنه مقيم على الأسباب التي تمنع الرحمة، فلا يزال كذلك حتى يصير له هذا وصفًا وخُلقًا لازمًا، وهذا غاية ما يريده الشيطان من العبد، ومتى وصل إلى هذا الحد لم يُرْجَ له خير إلا بتوبة نصوح وإقلاع قوي. الثاني: أن يقوى خوف العبد بما جنت يداه من الجرائم، ويضعف علمه بما لله من واسع الرحمة والمغفرة، ويظن بجهله أن الله لا يغفر له ولا يرحمه ولو تاب وأناب، وتضعف إرادته فييأس من الرحمة، وهذا من المحاذير الضارة الناشئة من ضعف علم العبد بربه، وما له من الحقوق، ومن ضعف النفس وعجزها ومهانتها. فلو عرف هذا ربه ولم يخلد إلى الكسل، لعلم أن أدنى سعي يوصله إلى ربه، وإلى رحمته وجوده وكرمه" [41]. [41] القول السديد (ص122، 123).
- أن صاحبه معرض للإصابة بكثير من الأمراض البدنية والنفسية والعصبية.
وللوقاية من القنوط واليأس من رحمة الله أمور منها:
- العلم بسعة رحمة الله، قال تعالى: ﴿...وَرَحۡمَتِي وَسِعَتۡ كُلَّ شَيۡءٖ...﴾ [الأعراف: 156]، وعن أبي هريرة رضي الله عنه، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إِنَّ اللَّهَ خَلَقَ الرَّحْمَةَ يَوْمَ خَلَقَهَا مِائَةَ رَحْمَةٍ، فَأَمْسَكَ عِنْدَهُ تِسْعًا وَتِسْعِينَ رَحْمَةً، وَأَرْسَلَ فِي خَلْقِهِ كُلِّهِمْ رَحْمَةً وَاحِدَةً، فَلَوْ يَعْلَمُ الْكَافِرُ بِكُلِّ الَّذِي عِنْدَ اللَّهِ مِنَ الرَّحْمَةِ لَمْ يَيْئَسْ مِنَ الْجَنَّةِ، وَلَوْ يَعْلَمُ الْمُؤْمِنُ بِكُلِّ الَّذِي عِنْدَ اللَّهِ مِنَ الْعَذَابِ لَمْ يَأْمَنْ مِنَ النَّارِ» [42]. [42] رواه البخاري برقم (6469)، ومسلم برقم (2752، 2755).
- إحسان الظن بالله، عن جابر رضي الله عنه قال: سمعت النبي ﷺ، قبل وفاته بثلاث يقول: «لَا يَمُوتَنَّ أَحَدُكُمْ إِلَّا وَهُوَ يُحْسِنُ بِاللَّهِ الظَّنَّ» [43]. ومعنى حسن الظن بالله تعالى: أن يظن أن الله يرحمه ويعفو عنه [44]. [43] رواه مسلم برقم (2877). [44]ٍ شرح مسلم للنووي (17/ 210).
- الانكفاف عن الذنوب، والإكثار من الطاعات.
- الجمع بين الخوف من الله مع الرجاء لما عنده؛ لأن من غلب خوفه وقع في نوع من اليأس، ومن غلب رجاؤه وقع في نوع من الأمن من مكر الله [45]. [45] ينظر المستدرك على مجموع الفتاوى (1/ 147).
القول على الله بلا علم
إن القول على الله تعالى بغير علم من أكبر الكبائر، وهو أعظم المحرمات عند الله وأشدها إثمًا؛ فإنه يتضمن الكذب على الله، ونسبته إلى ما لا يليق به، وتغيير دينه وتبديله، ونفي ما أثبته وإثبات ما نفاه، وتحقيق ما أبطله وإبطال ما حققه، وعداوة من والاه وموالاة من عاداه، وحُبَّ ما أبغضه وبغض ما أحبه، ووصفه بما لا يليق به في ذاته وصفاته وأقواله وأفعاله.
فليس في أجناس المحرمات أعظم عند الله منه، ولا أشد إثمًا، وهو أصل الشرك والكفر، وعليه أُسِّست البدع والضلالات، فكل بدعة مضلَّة في الدين أساسها القول على الله بلا علم [46]. [46] ينظر مدارج السالكين لابن القيم (1/572- 573).
والأدلة على تحريمه كثيرة، منها:
قال تعالى: ﴿قُلۡ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ ٱلۡفَوَٰحِشَ مَا ظَهَرَ مِنۡهَا وَمَا بَطَنَ وَٱلۡإِثۡمَ وَٱلۡبَغۡيَ بِغَيۡرِ ٱلۡحَقِّ وَأَن تُشۡرِكُواْ بِٱللَّهِ مَا لَمۡ يُنَزِّلۡ بِهِۦ سُلۡطَٰنٗا وَأَن تَقُولُواْ عَلَى ٱللَّهِ مَا لَا تَعۡلَمُونَ 33﴾ [الأعراف: 33].
قال ابن القيم رحمه الله في تفسير هذه الآية: "... فرتب المحرمات أربع مراتب، وبدأ بأسهلها وهو الفواحش، ثم ثنَّى بما هو أشد تحريمًا منه وهو الإثم والظلم، ثم ثلَّث بما هو أعظم تحريمًا منهما وهو الشرك به سبحانه، ثم ربَّع بما هو أشد تحريمًا من ذلك كله وهو القول عليه بلا علم، وهذا يعم القول عليه سبحانه بلا علم في أسمائه وصفاته وأفعاله وفي دينه وشرعه" [47]. [47] إعلام الموقعين عن رب العالمين (1/ 31).
وقال سبحانه: ﴿وَلَا تَقُولُواْ لِمَا تَصِفُ أَلۡسِنَتُكُمُ ٱلۡكَذِبَ هَٰذَا حَلَٰلٞ وَهَٰذَا حَرَامٞ لِّتَفۡتَرُواْ عَلَى ٱللَّهِ ٱلۡكَذِبَۚ إِنَّ ٱلَّذِينَ يَفۡتَرُونَ عَلَى ٱللَّهِ ٱلۡكَذِبَ لَا يُفۡلِحُونَ 116 مَتَٰعٞ قَلِيلٞ وَلَهُمۡ عَذَابٌ أَلِيمٞ 117﴾ [النحل:116ـ 117]
وقال جل من قائل: ﴿...فَمَنۡ أَظۡلَمُ مِمَّنِ ٱفۡتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ كَذِبٗا لِّيُضِلَّ ٱلنَّاسَ بِغَيۡرِ عِلۡمٍۚ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يَهۡدِي ٱلۡقَوۡمَ ٱلظَّٰلِمِينَ 144﴾ [الأنعام: 144].
وقال أبو بكر الصديق رضي الله عنه: "أَيُّ أَرْضٍ تُقِلُّنِي، وَأَيُّ سَمَاءٍ تُظِلُّنِي، إِذَا قُلْتُ عَلَى اللَّهِ مَا لَا أَعْلَمُ" [48]. [48] رواه مالك في الموطأ رواية أبي مصعب الزهري (2079).
وعن أنس رضي الله عنه أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قرأ على المنبر: ﴿وَفَٰكِهَةٗ وَأَبّٗا 31﴾ [عبس:31] ؛ فقال: هَذِهِ الْفَاكِهَةُ قَدْ عَرَفْنَاهَا، فَمَا الأَبُّ؟ ثُمَّ رَجَعَ إِلَى نَفْسِهِ فَقَالَ: لَعَمْرُكَ إِنَّ هَذَا لَهُوَ التَّكَلُّفُ يَا عُمَرُ [49]. [49] رواه ابن أبي شيبة (32103).
ومن مخاطر القول على الله بلا علم:
- أنه أصل الشرك والكفر، يقول ابن القيم: "أصل الشرك والكفر هو القول على الله بلا علم" [50]. [50] مدارج السالكين (1/ 573).
- أنه من أعظم مقاصد إبليس، ومن أُولى مساعيه لإغواء بني آدم، قال تعالى: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ كُلُواْ مِمَّا فِي ٱلۡأَرۡضِ حَلَٰلٗا طَيِّبٗا وَلَا تَتَّبِعُواْ خُطُوَٰتِ ٱلشَّيۡطَٰنِۚ إِنَّهُۥ لَكُمۡ عَدُوّٞ مُّبِينٌ 168 إِنَّمَا يَأۡمُرُكُم بِٱلسُّوٓءِ وَٱلۡفَحۡشَآءِ وَأَن تَقُولُواْ عَلَى ٱللَّهِ مَا لَا تَعۡلَمُونَ 169﴾ [البقرة: 168- 169].
- أنه سبب في ضلال صاحبه وإضلاله لغيره، وكفى إثمًا بإضلال الناس وإغوائهم؛ قال تعالى: ﴿لِيَحۡمِلُوٓاْ أَوۡزَارَهُمۡ كَامِلَةٗ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ وَمِنۡ أَوۡزَارِ ٱلَّذِينَ يُضِلُّونَهُم بِغَيۡرِ عِلۡمٍۗ أَلَا سَآءَ مَا يَزِرُونَ 25﴾ [النحل: 25]، وعن أبي هريرة رضي الله عنه، أن رسول الله ﷺ قال: «مَنْ دَعَا إِلَى هُدًى كَانَ لَهُ مِنَ الْأَجْرِ مِثْلُ أُجُورِ مَنْ تَبِعَهُ، لَا يَنْقُصُ ذَلِكَ مِنْ أُجُورِهِمْ شَيْئًا، وَمَنْ دَعَا إِلَى ضَلَالَةٍ كَانَ عَلَيْهِ مِنَ الْإِثْمِ مِثْلُ آثَامِ مَنْ تَبِعَهُ، لَا يَنْقُصُ ذَلِكَ مِنْ آثَامِهِمْ شَيْئًا» [51]. [51] رواه مسلم برقم (2674).
ومن سبل الوقاية من هذه الكبيرة:
- أن يعلم الإنسان أنه موقوف بين يدي الله تعالى فيسأله عن كل صغيرة وكبيرة، والله تعالى يقول: ﴿وَلَا تَقۡفُ مَا لَيۡسَ لَكَ بِهِۦ عِلۡمٌۚ إِنَّ ٱلسَّمۡعَ وَٱلۡبَصَرَ وَٱلۡفُؤَادَ كُلُّ أُوْلَٰٓئِكَ كَانَ عَنۡهُ مَسۡـُٔولٗا 36﴾ [الإسراء: 36]. أي: لا تقل ما ليس لك به علم، ولا تقل رأيت ولم تر، وسمعت ولم تسمع، فإن الله تعالى سائلك عن ذلك كله [52]. [52] تفسير الطبري (14/ 593).
- إذا كان من يكذب على النبي ﷺ متوعَّد بأن يتبوأ مقعده من النار، كما ورد عن أنس رضي الله عنه قال: إنه ليمنعني أن أحدثكم حديثًا كثيرًا أن النبي ﷺ قال: «مَنْ تَعَمَّدَ عَلَيَّ كَذِبًا فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ» [53]. فما بالنا بالمتقوِّل على الله بغير علم، وكفى بذلك رادعًا عن الوقوع في هذه الكبيرة. [53] رواه البخاري برقم (108)، ومسلم في مقدمة صحيحه (2).
- تطبيق عقوبة التعزير (أي: التأديب) على من يتجرأ على الله سبحانه فيصفه أو يتقوَّل عليه بغير علم أو يحرِّم ما أحل الله أو يحل ما حرم الله، فإذا تم ذلك انقمع هؤلاء المتصدرون للعامة الذين يريدون إضلالهم ابتغاء الفتنة وإشاعة الفواحش في المجتمعات الإسلامية.
- أن يقوم علماء أهل السنة بنشر العلم الشرعي، وبيان زيف هؤلاء المتقوِّلين على الله بغير علم.
- تكثير أهل العلم بطلب العلم، وألا يترك التصدر في مجال الفتوى والتعليم للجهال.
ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر
إنَّ الله عز وجل قد اختار هذه الأمة من بين سائر الأمم، فجعلها خير أمة أُخرجت للناس، لكن هذه الخيرية مشروطة بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، قال تعالى: ﴿كُنتُمۡ خَيۡرَ أُمَّةٍ أُخۡرِجَتۡ لِلنَّاسِ تَأۡمُرُونَ بِٱلۡمَعۡرُوفِ وَتَنۡهَوۡنَ عَنِ ٱلۡمُنكَرِ...﴾ [آل عمران: 110].
وإنَّ ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من صفات اليهود المغضوب عليهم ومن صفات المنافقين، وهو كبيرة من الكبائر، توعَّد الشرع عليها بالعقاب الأليم في الدنيا والآخرة.
وأشد منه: الأمر بالمنكر والنهي عن المعروف، وهو من أخص صفات المنافقين، وقد توعدهم الله تعالى بالعذاب الشديد، قال تعالى: ﴿ٱلۡمُنَٰفِقُونَ وَٱلۡمُنَٰفِقَٰتُ بَعۡضُهُم مِّنۢ بَعۡضٖۚ يَأۡمُرُونَ بِٱلۡمُنكَرِ وَيَنۡهَوۡنَ عَنِ ٱلۡمَعۡرُوفِ وَيَقۡبِضُونَ أَيۡدِيَهُمۡۚ نَسُواْ ٱللَّهَ فَنَسِيَهُمۡۚ إِنَّ ٱلۡمُنَٰفِقِينَ هُمُ ٱلۡفَٰسِقُونَ 67 وَعَدَ ٱللَّهُ ٱلۡمُنَٰفِقِينَ وَٱلۡمُنَٰفِقَٰتِ وَٱلۡكُفَّارَ نَارَ جَهَنَّمَ خَٰلِدِينَ فِيهَاۚ هِيَ حَسۡبُهُمۡۚ وَلَعَنَهُمُ ٱللَّهُۖ وَلَهُمۡ عَذَابٞ مُّقِيمٞ 68﴾ [التوبة: 67، 68].
والأمر بالمعروف: هو الترغيب في كل ما ينبغي قوله أو فعله مما أمر به الشرع، كالأمر بالصلاة، والزكاة، والحج، والإحسان إلى الفقراء، ونصرة المظلوم.
والنهي عن المنكر: هو الترغيب في ترك ما ينبغي تركه، أو تغيير ما ينبغي تغييره مما أمر الشرع بتركه، كالأمر بترك الزنى، وشرب الخمر، والخلوة بالنساء، وكسر آلات الملاهي والمعازف.
وهما واجبان على كل مكلَّف من المسلمين بحسب الاستطاعة، فإذا كان يستطيع تغيير المنكر باليد -مثل: أمير أو مسئول في قرية أو شيخ قبيلة أو الرجل في بيته أو نحو ذلك- فإنه يغيِّر باليد، وإذا كان لا يستطيع أن يغيِّر باليد فإنه ينكر باللسان باللين والرفق، وإذا عجز عن الإنكار باللسان وترتب على ذلك مفسدة أنكر بالقلب.
والمقصود بالإنكار بالقلب بغض المعصية والتبرؤ منها وعدم حضورها، وهو أضعف الإيمان؛ فعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «مَنْ رَأَى مِنْكُمْ مُنْكَرًا فَلْيُغَيِّرْهُ بِيَدِهِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِلِسَانِهِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِقَلْبِهِ، وَذَلِكَ أَضْعَفُ الْإِيمَانِ» [54]. [54] رواه مسلم برقم (49).
لكن ينبغي أن يُعلم أن وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وجوب على الكفاية، فإن قام به البعض سقط عن الباقين، أما إن لم يقم به أحد أَثِم كلُّ مَن حضره أو علم به.
الأدلة على تحريم ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر:
قال تعالى: ﴿لُعِنَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنۢ بَنِيٓ إِسۡرَٰٓءِيلَ عَلَىٰ لِسَانِ دَاوُۥدَ وَعِيسَى ٱبۡنِ مَرۡيَمَۚ ذَٰلِكَ بِمَا عَصَواْ وَّكَانُواْ يَعۡتَدُونَ 78 كَانُواْ لَا يَتَنَاهَوۡنَ عَن مُّنكَرٖ فَعَلُوهُۚ لَبِئۡسَ مَا كَانُواْ يَفۡعَلُونَ 79﴾ [المائدة: 78، 79].
وقال سبحانه: ﴿وَٱلۡمُؤۡمِنُونَ وَٱلۡمُؤۡمِنَٰتُ بَعۡضُهُمۡ أَوۡلِيَآءُ بَعۡضٖۚ يَأۡمُرُونَ بِٱلۡمَعۡرُوفِ وَيَنۡهَوۡنَ عَنِ ٱلۡمُنكَرِ...﴾ [التوبة: 71].
قال بعض أهل العلم: "أفهمت الآية أنَّ مَن ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر خرج من المؤمنين " [55]. [55] ينظر الزواجر عن اقتراف الكبائر (2/ 271).
وقال القرطبي: "جعل الله تعالى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فَرْقًا بين المؤمنين والمنافقين" [56]. [56] الجامع لأحكام القرآن (4/ 47).
وعن أبي بكر الصديق رضي الله عنه قال: يا أيها الناس، إنكم تقرءون هذه الآية، وتضعونها على غير مواضعها: ﴿...عَلَيۡكُمۡ أَنفُسَكُمۡۖ لَا يَضُرُّكُم مَّن ضَلَّ إِذَا ٱهۡتَدَيۡتُمۡ...﴾ [المائدة: 105]، وإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: «مَا مِنْ قَوْمٍ يُعْمَلُ فِيهِمْ بِالْمَعَاصِي، ثُمَّ يَقْدِرُونَ عَلَى أَنْ يُغَيِّرُوا، ثُمَّ لَا يُغَيِّرُوا، إِلَّا يُوشِكُ أَنْ يَعُمَّهُمُ اللَّهُ مِنْهُ بِعِقَابٍ» [57]. [57] رواه أبو داود برقم (4338).
وعن جرير بن عبد الله رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «مَا مِنْ رَجُلٍ يَكُونُ فِي قَوْمٍ يُعْمَلُ فِيهِمْ بِالْمَعَاصِي، يَقْدِرُونَ عَلَى أَنْ يُغَيِّرُوا عَلَيْهِ، فَلَا يُغَيِّرُوا، إِلَّا أَصَابَهُمُ اللَّهُ بِعَذَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَمُوتُوا» [58]. [58] رواه أبو داود برقم (4339).
وعن عائشة رضي الله عنها قالت: دَخَلَ عَلَيَّ رَسُولُ اللهِ ﷺ فَعَرَفْتُ فِي وَجْهِهِ أَنْ قَدْ حَفَزَهُ (أي: أعجله) شَيْءٌ، فَتَوَضَّأَ، ثُمَّ خَرَجَ فَلَمْ يُكَلِّمْ أَحَدًا، فَدَنَوْتُ مِنَ الْحُجُرَاتِ، فَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ يَقُولُ: مُرُوا بِالْمَعْرُوفِ، وَانْهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ، مِنْ قَبْلِ أَنْ تَدْعُونِي فَلَا أُجِيبَكُمْ، وَتَسْأَلُونِي فَلَا أُعْطِيَكُمْ، وَتَسْتَنْصِرُونِي فَلَا أَنْصُرَكُمْ» [59]. [59] رواه أحمد برقم (25255).
أضرار ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر:
- أنه سبب في لعن الله تعالى لتارك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، كما وقع لبني إسرائيل حين تركوه.
- أن تارك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر متوعَّد بالعذاب الشديد في الدنيا قبل الآخرة.
- أنه مانع لإجابة الدعاء كما في الحديث السابق.
- أنه سبب من أسباب ضعف الإيمان وموت الغيرة في قلب المسلم على دينه وعلى انتهاك حرمات الله.
- أنه يدل على التهاون بالمعاصي، وقلة الاكتراث بها.
- أنه سبب لعموم العذاب، فالأصل أن يحل العذاب على صاحب المعصية وحده، لكن إن تركه الناس ولم يُنكروا عليه عمهم الله جميعًا بالعقاب، كما في الحديث السابق: «إِلَّا يُوشِكُ أَنْ يَعُمَّهُمُ اللَّهُ مِنْهُ بِعِقَابٍ». وكما في حديث النعمان بن بشير رضي الله عنه، عن النبي ﷺ قال: «مَثَلُ الْقَائِمِ عَلَى حُدُودِ اللَّهِ وَالْوَاقِعِ فِيهَا، كَمَثَلِ قَوْمٍ اسْتَهَمُوا عَلَى سَفِينَةٍ، فَأَصَابَ بَعْضُهُمْ أَعْلَاهَا وَبَعْضُهُمْ أَسْفَلَهَا، فَكَانَ الَّذِينَ فِي أَسْفَلِهَا إِذَا اسْتَقَوْا مِنَ الْمَاءِ مَرُّوا عَلَى مَنْ فَوْقَهُمْ، فَقَالُوا: لَوْ أَنَّا خَرَقْنَا فِي نَصِيبِنَا خَرْقًا وَلَمْ نُؤْذِ مَنْ فَوْقَنَا، فَإِنْ يَتْرُكُوهُمْ وَمَا أَرَادُوا هَلَكُوا جَمِيعًا، وَإِنْ أَخَذُوا عَلَى أَيْدِيهِمْ نَجَوْا، وَنَجَوْا جَمِيعًا» [60]. [60] رواه البخاري برقم (2493).
قوله: "الْقَائِمِ عَلَى حُدُودِ اللَّهِ" أي: المستقيم مع أوامر الله تعالى ولا يرتكب ما نهى الله تعالى عنه والآمر بالمعروف الناهي عن المنكر. "الْوَاقِعِ فِيهَا " التارك للمعروف المرتكب للمنكر. "اسْتَهَمُوا" اقترعوا ليأخذ كل منهم سهمًا أي: نصيبًا. "أَخَذُوا عَلَى أَيْدِيهِمْ" منعوهم من خرق السفينة.
- أن ذلك يُجرئ العصاة والفسقة على الإكثار من المعاصي إذا لم يُردعوا عنها، فيزداد الشر، وتعظم المصيبة الدينية والدنيوية، ويكون لهم الشوكة والظهور، ثم بعد ذلك يضعف أهل الخير عن مقاومة أهل الشر، حتى لا يقدرون على ما كانوا يقدرون عليه أوَّلًا.
- أنه سبب لقلة العلم، وكثرة الجهل، فإن المعصية -مع تكررها وصدورها من كثير من الأشخاص، وعدم إنكار أهل الدين والعلم لها- يُظَن أنها ليست بمعصية، وربما ظن الجاهل أنها عبادة مستحسنة، وأي مفسدة أعظم من اعتقاد ما حرَّم الله حلالًا؟ وانقلاب الحقائق على النفوس ورؤية الباطل حقًّا؟ [61]. [61] ينظر تفسير السعدي (ص: 241).
سبل الوقاية من ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر:
- أن يتذكر الإنسان أن تركه هذا سيكون سببًا في غضب الله ولعنته وأليم عذابه.
- أن يعلم أن تركه للعصاة دون دعوتهم إلى الله من أسباب عذابه هو أيضًا وإن لم يشاركهم في معاصيهم.
- فهم النصوص الشرعية على مراد الله تعالى لا على ما تهواه النفوس، فإن بعض الناس يفسر قوله تعالى: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ عَلَيۡكُمۡ أَنفُسَكُمۡۖ لَا يَضُرُّكُم مَّن ضَلَّ إِذَا ٱهۡتَدَيۡتُمۡ...﴾ [المائدة: 105] بأنه ليس عليه إلا أن يقوم بالدين في خاصة نفسه دون أمر بمعروف أو نهي عن منكر لغيره، وهذا فهم باطل، بل معناها الصحيح: لا يضركم من ضل بعد أن تأمروه بالمعروف وتنهوه عن المنكر، أما قبل ذلك فالضرر يعم الكل كما سبق في الحديث.
- خشية الله وحده؛ فإن كثيرًا ممن يتركون الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إنما يدفعهم إلى ذلك خوف من يأمرونه أو من ينهونه.
- عدم المبالاة باللوم من الناس، واعتزاز المسلم بدينه؛ فلا يستحيي من أن يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، حتى وإن كان في مجتمع قد عمَّته المعاصي بحيث يصير بأمره ونهيه غريبًا بينهم بفعله هذا.
- ترك مداهنة وموافقة الناس طمعًا فيما في أيديهم، أو خوفًا من ضياع مصلحة عندهم، أو حصول وحشة بينه وبين من يأمره أو من ينهاه.
- استحضار النية الصالحة والأجر العظيم في مهمة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وأنها مهمة الأنبياء والمرسلين وأتباعهم إلى يوم الدين.
- طلب العلم ومعرفة ما هو المنكر وما هو المعروف، قبل الأمر والنهي.
كتمان العلم
إن كتمان العالِم لما ينبغي له أن يبيِّنه من علوم الدين وشرائعه مما وردت النصوص بتحريمه ولعن فاعله، وهو من صفات اليهود والنصارى التي ذمهم بها القرآن.
وبيان العلم وتبليغه للناس فرض كفاية، وقد يكون فرض عين إذا لم يوجد غيره، وكتمان العلم يحصل بعدم البيان لما وجب أن يُبيَّن من أمور الشريعة، فليس كل كتمان يُعَدُّ مذمومًا، بل المذموم كتمان ما وجب بيانه؛ فإنَّ بعض المسائل قد لا تحتملها عقول العوام فيجب حينئذ كتمانها، وكذا كتمان المسائل التي فيها رخص قد يتخذها بعض السفهاء طريقًا لارتكاب المحظورات، وكذا ينبغي كتمان العلم عمن يخاصم به ويجادل بالباطل كأهل البدع.
الأدلة على تحريم كتمان العلم:
قال تعالى: ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ يَكۡتُمُونَ مَآ أَنزَلۡنَا مِنَ ٱلۡبَيِّنَٰتِ وَٱلۡهُدَىٰ مِنۢ بَعۡدِ مَا بَيَّنَّٰهُ لِلنَّاسِ فِي ٱلۡكِتَٰبِ أُوْلَٰٓئِكَ يَلۡعَنُهُمُ ٱللَّهُ وَيَلۡعَنُهُمُ ٱللَّٰعِنُونَ 159﴾ [البقرة: 159].
قال ابن كثير رحمه الله: "هذا وعيد شديد لمن كتم ما جاءت به الرسل من الدلالات البينة على المقاصد الصحيحة والهدى النافع للقلوب، من بعد ما بينه الله تعالى لعباده في كتبه، التي أنزلها على رسله.
قال أبو العالية: "نزلت في أهل الكتاب، كتموا صفة محمد ﷺ. ثم أخبر أنهم يلعنهم كل شيء على صنيعهم ذلك، فكما أن العالِم يستغفر له كل شيء، حتى الحوت في الماء والطير في الهواء، فهؤلاء الذين يكتمون يلعنهم الله ويلعنهم اللاعنون" [62]. [62] تفسير ابن كثير (1/ 472).
وقال تعالى: ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ يَكۡتُمُونَ مَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ مِنَ ٱلۡكِتَٰبِ وَيَشۡتَرُونَ بِهِۦ ثَمَنٗا قَلِيلًا أُوْلَٰٓئِكَ مَا يَأۡكُلُونَ فِي بُطُونِهِمۡ إِلَّا ٱلنَّارَ وَلَا يُكَلِّمُهُمُ ٱللَّهُ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمۡ وَلَهُمۡ عَذَابٌ أَلِيمٌ 174 أُوْلَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ ٱشۡتَرَوُاْ ٱلضَّلَٰلَةَ بِٱلۡهُدَىٰ وَٱلۡعَذَابَ بِٱلۡمَغۡفِرَةِۚ فَمَآ أَصۡبَرَهُمۡ عَلَى ٱلنَّارِ 175﴾ [البقرة: 174، 175].
وقال جل ذكره: ﴿وَإِذۡ أَخَذَ ٱللَّهُ مِيثَٰقَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلۡكِتَٰبَ لَتُبَيِّنُنَّهُۥ لِلنَّاسِ وَلَا تَكۡتُمُونَهُۥ فَنَبَذُوهُ وَرَآءَ ظُهُورِهِمۡ وَٱشۡتَرَوۡاْ بِهِۦ ثَمَنٗا قَلِيلٗاۖ فَبِئۡسَ مَا يَشۡتَرُونَ 187﴾ [آل عمران: 187].
قال السعدي رحمه الله: "الميثاق هو العهد الثقيل المؤكَّد، وهذا الميثاق أخذه الله تعالى على كل من أعطاه الكتبَ وعلَّمه العلم، أن يبيِّن للناس ما يحتاجون إليه مما علمه الله، ولا يكتمهم ذلك ويبخل عليهم به، خصوصًا إذا سألوه، أو وقع ما يوجب ذلك، فإن كل من عنده علم يجب عليه في تلك الحال أن يبينه، ويوضح الحق من الباطل.
فأما الموفَّقون، فقاموا بهذا أتم القيام، وعلَّموا الناس مما علَّمهم الله، ابتغاء مرضاة ربهم، وشفقة على الخلق، وخوفًا من إثم الكتمان.
وأما الذين أوتوا الكتاب، من اليهود والنصارى ومن شابههم، فنبذوا هذه العهود والمواثيق وراء ظهورهم، فلم يعبأوا بها، فكتموا الحق، وأظهروا الباطل، تجرؤًا على محارم الله، وتهاونًا بحقوق الله، وحقوق الخلق، واشتروا بذلك الكتمان ثمنًا قليلًا وهو ما يحصل لهم إن حصل من بعض الرياسات، والأموال الحقيرة، من سفلتهم المتبعين أهواءهم، المقدِّمين شهواتهم على الحق.
﴿فَبِئۡسَ مَا يَشۡتَرُونَ﴾ لأنه أخس العوض، والذي رغبوا عنه -وهو بيان الحق الذي فيه السعادة الأبدية والمصالح الدينية والدنيوية- أعظم المطالب وأجلها، فلم يختاروا الدنيء الخسيس ويتركوا العالي النفيس، إلا لسوء حظهم وهوانهم، وكونهم لا يصلحون لغير ما خُلقوا له" [63]. [63] تفسير السعدي (ص: 160).
وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «مَنْ سُئِلَ عَنْ عِلْمٍ فَكَتَمَهُ أَلْجَمَهُ اللَّهُ بِلِجَامٍ مِنْ نَارٍ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» [64]. قال الإمام الخطابي عند شرح الحديث: وهذا في العلم الذي يتعين عليه فرضه، كمن رأى كافرًا يريد الإسلام، يقول علموني الإسلام، وما الدين؟ وكيف أصلي؟ وكمن جاء مستفتيًا في حلال، أو حرام فإنه يلزم في مثل هذا أن لا يمنعوا الجواب عما سئلوا عنه، ويترتب عليه الوعيد والعقوبة، وليس الأمر كذلك في نوافل العلم التي لا ضرورة بالناس إلى معرفتها [65]. [64] رواه أبو داود برقم (3658). [65] معالم السنن (4/85).
وعن الأعرج، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: "إِنَّ النَّاسَ يَقُولُونَ أَكْثَرَ أَبُو هُرَيْرَةَ، وَلَوْلاَ آيَتَانِ فِي كِتَابِ اللَّهِ مَا حَدَّثْتُ حَدِيثًا، ثُمَّ يَتْلُو: ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ يَكۡتُمُونَ مَآ أَنزَلۡنَا مِنَ ٱلۡبَيِّنَٰتِ وَٱلۡهُدَىٰ مِنۢ بَعۡدِ مَا بَيَّنَّٰهُ لِلنَّاسِ فِي ٱلۡكِتَٰبِ أُوْلَٰٓئِكَ يَلۡعَنُهُمُ ٱللَّهُ وَيَلۡعَنُهُمُ ٱللَّٰعِنُونَ 159 إِلَّا ٱلَّذِينَ تَابُواْ وَأَصۡلَحُواْ وَبَيَّنُواْ فَأُوْلَٰٓئِكَ أَتُوبُ عَلَيۡهِمۡ وَأَنَا ٱلتَّوَّابُ ٱلرَّحِيمُ 160﴾ [66]. [البقرة: 159، 160]. [66] رواه البخاري: 118
أضرار كتمان العلم:
- إن من أظهر أضرار كتمان العلم انتشار الجهل بأمور الشريعة، والجهل رأس كل خطيئة، فما عَصى اللهَ عز وجل إلا جاهلٌ، سواء كان جاهلًا بحكم ما ارتكبه من معصية، أو كان عالمًا بها لكنه جاهل بمكانة مَن يعصيه؛ إذ العلم بالله يورث الخشية، قال تعالى: ﴿...إِنَّمَا يَخۡشَى ٱللَّهَ مِنۡ عِبَادِهِ ٱلۡعُلَمَٰٓؤُاْ...﴾ [فاطر: 28].
- أن كتمان العلم مما يضعف الأمة ويورثها تسلط الكفار عليها، فإن العلم إذا قلَّ كثرت الموبقات والمعاصي، وترك الناس أبواب الطاعة، وركنوا إلى الدنيا ولا بد.
- أن كتمان العلم من أسباب لعنة الله، بل تصيب كاتمي العلم لعنة الملائكة والمؤمنين ودواب الأرض وهوامها.
- أن كتمان العلم من أظهر صفات علماء اليهود والنصارى.
كيفية الوقاية من كتمان العلم:
- أن يستحضر العبد معنى لعنة الله له وأنها طرد من رحمته وإبعاد له، ويعلم أنه إنما تعلَّم العلم لينال به رضى الله ورحمته؛ فإذا ما كان كتمانه للعلم يجرُّ عليه غضبَ ربه ولعنته وإبعاده له فلأي شيء تعلم العلم؟!
- أن يستحضر العبد ثواب تعليم العلم، وأن كل من يعمل به يكون له مثل أجره، كما في حديث أبي هريرة رضي الله عنه، أن رسول الله ﷺ قال: «مَنْ دَعَا إِلَى هُدًى كَانَ لَهُ مِنَ الْأَجْرِ مِثْلُ أُجُورِ مَنْ تَبِعَهُ، لَا يَنْقُصُ ذَلِكَ مِنْ أُجُورِهِمْ شَيْئًا» [67]. [67] رواه مسلم برقم (2674).
- أن يستحضر ما جاء في تبليغ سنة النبي ﷺ من الأجر العظيم، وأن فاعل ذلك ينال من نضرة الوجه في الدنيا والآخرة بقدر ما يُبَلِّغُ من هذه السنة؛ فعن زيد بن ثابت رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «نَضَّرَ اللَّهُ امْرَأً سَمِعَ مِنَّا حَدِيثًا فَحَفِظَهُ حَتَّى يُبَلِّغَهُ» [68]. [68] رواه أبو داود برقم (3660).
كتم الشهادة بلا عذر شرعي
إن أداء الشهادة من الأمور العظيمة؛ إذ بها تُحفظ حقوق الناس، لذا جاءت النصوص الشرعية تارة تحث على أدئها، وتارة تحذر من كتمانها، فيلزم المسلم أن يقيم الشهادة ولو كانت على نفسه أو ولده أو والده، كما قال تعالى: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ كُونُواْ قَوَّٰمِينَ بِٱلۡقِسۡطِ شُهَدَآءَ لِلَّهِ وَلَوۡ عَلَىٰٓ أَنفُسِكُمۡ أَوِ ٱلۡوَٰلِدَيۡنِ وَٱلۡأَقۡرَبِينَ...﴾ [النساء: 135].
وكتم الشهادة هو أن يمتنع عن أداء ما شهده أو أُشهد عليه إذا ما طُلب منه ذلك، ولم يكن له عذر في الامتناع، كأن يخاف من سلطان ظلوم، وكذا يشترط ألا يكون هناك من يغني عنه ممن شهد معه ما استشهد عليه؛ فإن الشهادة فرض على الكفاية، إذا دُعي جماعة فأجاب منهم عدد يقوم به الحق ويثبت سقط الإثم عن الباقيين، أما إذا لم يكن غير شاهد واحد أو اثنان لا تقوم الشهادة إلا بهما فحينئذ تجب عليهما الإجابة.
واعلم أن الحرمة تكون بالامتناع عن أداء الشهادة في حقوق الآدميين، فلو توقف شخص ما عن أداء شهادة يقام بها حد على زانٍ مثلًا، فإنه لا يدخل في وعيد الامتناع عن الشهادة، والله أعلم.
الأدلة على حرمة كتمان الشهادة:
قال تعالى: ﴿...وَلَا تَكۡتُمُواْ ٱلشَّهَٰدَةَۚ وَمَن يَكۡتُمۡهَا فَإِنَّهُۥٓ ءَاثِمٞ قَلۡبُهُۥ...﴾ [البقرة: 283].
قال الربيع بن أنس رحمه الله في تفسير هذه الآية: "فلا يحل لأحد أن يكتم شهادة هي عنده، وإن كانت على نفسه والوالدين، ومن يكتمها فقد ركب إثمًا عظيمًا " [69]. [69] تفسير الطبري (5/ 126).
وقال تعالى: ﴿...وَلَا يَأۡبَ ٱلشُّهَدَآءُ إِذَا مَا دُعُواْ...﴾ [البقرة: 282].
وقال عز وجل: ﴿...وَلَا نَكۡتُمُ شَهَٰدَةَ ٱللَّهِ إِنَّآ إِذٗا لَّمِنَ ٱلۡأٓثِمِينَ 106﴾ [المائدة: 106].
وقال سبحانه: ﴿...وَأَقِيمُواْ ٱلشَّهَٰدَةَ لِلَّهِ...﴾ [الطلاق: 2].
أضرار كتم الشهادة بغير عذر:
- أن كتمها من المعاصي الكبيرة، بل نص العلماء على أن من كتم الشهادة مع قدرته على أدائها فهو فاسق [70]. [70] ينظر المحلى (12/ 39).
- أنه من أكبر أسباب ضياع الحقوق بين الناس.
- أنه قد يكون سببًا لضياع الأنساب إذا ما توقَّف لُحُوقُ نسب شخص ما على شهادة غيره له.
- أن كاتم الشهادة قريب من شاهد الزور؛ لأن كليهما مضيع لحق غيره، خائن للأمانة.
- أنه من أسباب فساد المجتمع وهلاكه؛ فشيوع كتمان الشهادة مؤدٍّ إلى الظلم بين الناس، وهو بدوره سبب للهلاك.
- أن كتمان الشهادة من الأخلاق المنافية للأخوة بين المجتمع، وسبب للعداوة والبغضاء.
طرق الوقاية من كتمان الشهادة:
- الخوف من الله تعالى، ومعرفة أن هذا الفعل مما يأثم به العبد ويستحق به العقوبة.
- أن يعلم الإنسان أن الجزاء من جنس العمل، وأن فعله هذا خذلان منه لصاحب حق، وأنه غالبًا ما سيذوق من هذا الخذلان جزاء وفاقًا.
- أن يعلم المسلم أهمية إقامة الشهادة، وأنها ليست أمرًا هينًا يُجيب الشاهد أو لا يجيب، بل إنها في بعض المواضع تكون واجبة عليه أن يؤديها.
- ألا يخشى المسلم من تأدية الشهادة الواجبة عليه، فإن بعض الناس قد يحجبه عن أداء ما وجب عليه من الشهادة مخافة أو تجنب اللوم ممن يشهد عليه، فيجب أن يكون المؤمن قويًّا في أمر دينه لا يخاف في الله لومة لائم، فيشهد بالحق على أي أحد كائنًا من كان.
مُعاداة أولياء الله وأذيتهم
معاداة أولياء الله تعالى وأذيتهم تُعد من الذنوب العظيمة التي توعَّد الله فاعلها بالحرب. وأولياء الله هم المؤمنون الأتقياء، كما قال تعالى: ﴿أَلَآ إِنَّ أَوۡلِيَآءَ ٱللَّهِ لَا خَوۡفٌ عَلَيۡهِمۡ وَلَا هُمۡ يَحۡزَنُونَ 62 ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَكَانُواْ يَتَّقُونَ 63﴾ [يونس: 62، 63].
وسواء كانت المعاداة لأولياء الله وأذيتهم بالفعل أو القول أو حتى مجرد بُغض القلب؛ فإن كل هذا متوعَّد عليه، لكن التفاوت يكون في العقوبة، فبقدر الأذية تكون العقوبة والإثم.
ومن صور معاداة أولياء الله وأذيتهم: التعدي عليهم بالضرب أو الشتم أو السجن، أو غيبتهم، أو الطعن فيهم بالتبديع والتضليل والتفسيق بغير وجه حق.
الأدلة على تحريم معاداة أولياء الله وأذيتهم:
قال تعالى: ﴿وَٱلَّذِينَ يُؤۡذُونَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ وَٱلۡمُؤۡمِنَٰتِ بِغَيۡرِ مَا ٱكۡتَسَبُواْ فَقَدِ ٱحۡتَمَلُواْ بُهۡتَٰنٗا وَإِثۡمٗا مُّبِينٗا 58﴾ [الأحزاب: 58].
وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «إِنَّ اللَّهَ قَالَ: مَنْ عَادَى لِي وَلِيًّا فَقَدْ آذَنْتُهُ بِالْحَرْبِ» [71]. [71] رواه البخاري برقم (6502).
ففي هذا الحديث: أن الذي يُعادي أولياء الله فقد أعلن الله تعالى عليه الحرب، فالذي يعادي أولياء الله محارِب لله عز وجل، ومن حارب الله فهو مهزوم مخذول لا تقوم له قائمة [72]. [72] شرح رياض الصالحين للعثيمين (2/ 61).
وَعَنْ عَائِذِ بْنِ عَمْرٍو، أَنَّ أَبَا سُفْيَانَ، أَتَى عَلَى سَلْمَانَ، وَصُهَيْبٍ، وَبِلَالٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ فِي نَفَرٍ، فَقَالُوا: وَاللَّهِ مَا أَخَذَتْ سُيُوفُ اللَّهِ مِنْ عُنُقِ عَدُوِّ اللَّهِ مَأْخَذَهَا. قَالَ: فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: أَتَقُولُونَ هَذَا لِشَيْخِ قُرَيْشٍ وَسَيِّدِهِمْ؟ فَأَتَى النَّبِيَّ ﷺ فَأَخْبَرَهُ، فَقَالَ: «يَا أَبَا بَكْرٍ لَعَلَّكَ أَغْضَبْتَهُمْ، لَئِنْ كُنْتَ أَغْضَبْتَهُمْ، لَقَدْ أَغْضَبْتَ رَبَّكَ» فَأَتَاهُمْ أَبُو بَكْرٍ فَقَالَ: يَا إِخْوَتَاهُ أَغْضَبْتُكُمْ؟ قَالُوا: لَا، يَغْفِرُ اللَّهُ لَكَ يَا أَخِي [73]. [73] رواه مسلم برقم (2504).
أضرار معاداة أولياء الله وأذيتهم:
- أن في هذا تعرض لغضب الله ومعاداته وحربه، كما في الحديث القدسي: «مَنْ عَادَى لِي وَلِيًّا فَقَدْ آذَنْتُهُ بِالْحَرْبِ»، وهذا الوعيد الشديد بالحرب من الله لم يُذكر إلا في أكل الربا ومعاداة أولياء الله، ومن عاداه الله تعالى لا يُفلح أبدًا.
- ومن أضرار معاداة أولياء الله والطعن فيهم أنها قد تكون سببًا للطعن في الدين والتنفير منه، كما إذا كان الطعن في الصحابة، أو في أهل العلم؛ فإن في هذا إسقاط لمنزلتهم عند عوام الناس، مما قد يكون مانعًا للناس من الاستفادة من علمهم ودعوتهم إلى الله، وهذا إثم وخطر عظيم.
الوقاية من أذية أولياء الله ومعاداتهم:
- أن يعوِّد المسلمُ نفسَه على تعظيم المؤمنين المتقين لا سيما أهل العلم منهم، وكذلك الزهاد العُبَّاد، وأن يحبهم ويقرِّبهم منه ويتواضع معهم، قال تعالى: ﴿وَلَا تَطۡرُدِ ٱلَّذِينَ يَدۡعُونَ رَبَّهُم بِٱلۡغَدَوٰةِ وَٱلۡعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجۡهَهُۥۖ مَا عَلَيۡكَ مِنۡ حِسَابِهِم مِّن شَيۡءٖ وَمَا مِنۡ حِسَابِكَ عَلَيۡهِم مِّن شَيۡءٖ فَتَطۡرُدَهُمۡ فَتَكُونَ مِنَ ٱلظَّٰلِمِينَ 52﴾ [الأنعام: 52].
قال السعدي رحمه الله: "أي: لا تطرد عنك وعن مجالستك أهلَ العبادة والإخلاص، رغبة في مجالسة غيرهم، من الملازمين لدعاء ربهم، في أول النهار وآخره، وهم قاصدون بذلك وجه الله، ليس لهم من الأغراض سوى ذلك الغرض الجليل، فهؤلاء ليسوا مستحقين للطرد والإعراض عنهم، بل مستحقون لموالاتهم ومحبتهم وإدنائهم وتقريبهم؛ لأنهم الصفوة من الخلق وإن كانوا فقراء، والأعزاء في الحقيقة وإن كانوا عند الناس أذلاء. وقد امتثل ﷺ هذا الأمر، أشد امتثال، فكان إذا جلس الفقراء من المؤمنين صبر نفسَه معهم، وأحسن معاملتهم، وألان لهم جانبه، وحسن خُلُقَه، وقربهم منه، بل كانوا هم أكثر أهل مجلسه رضي الله عنهم.
وكان سبب نزول هذه الآيات: أن أناسًا من قريش قالوا للنبي ﷺ: إن أردت أن نؤمن لك ونتبعك، فاطرد فلانًا وفلانًا -أناسًا من فقراء الصحابة- فإنا نستحيي أن ترانا العرب جالسين مع هؤلاء الفقراء. فحمله ﷺ حبُّه لإسلامهم واتباعهم له، فحدثته نفسه بذلك. فعاتبه الله بهذه الآية ونحوها " [74]. [74] تفسير السعدي (ص: 257).
- إن من سبل الوقاية من أذية أولياء الله أن يعلم العبد أن معاداتهم معاداة لله، وأن معاداة الله للإنسان تعني هلكته ولا بد سواء في الدنيا أم في الآخرة، بل إن مجرد فعل ما يغضبهم بغير حق فيه غضب الله تعالى، كما قال النبي ﷺ لأبي بكر الصديق رضي الله عنه في الحديث السابق ذكره.
وهذا الحديث فيه ملمح مهم، وهو أن أبا بكر من أولياء الله بلا خلاف، بل هو أفضل هذه الأمة بعد نبيها ﷺ، ومع ذلك فقد أخبره النبي ﷺ بأن إغضابه لسلمان وبلال وصهيب فيه غضب الله تعالى، هذا مع منزلة أبي بكر هذه، فكيف يكون الحال بمن هو دونه في الفضيلة ممن يترصد بأولياء الله تعالى، أو يتعمد أذيَّتهم ممن ليس له منزلةٌ عند الله أصلًا.
- حسن الظن بالعلماء وأهل العلم، وحمل أقوالهم وأعمالهم على أحسن المحامل.
التَّشبه بالكفار
إن تشبه المسلم بالكفار من الذنوب الكبيرة التي حذر منها الشرع أشدَّ تحذير، والتي تُعرِّض المسلم إلى غضب الله ولعنته؛ ذلك لأن الكفار أولياء الشيطان وحزبه، فأراد الشرعُ وضعَ فاصل بين أهل الإيمان وأهل الكفر، وكذا فإن المشابهة في الظاهر تورث الموافقة في الأخلاق والطِّباع.
وحقيقة التشبه بالكفار: هي تقليد الكفار بشتى أصنافهم، في عقائدهم أو عباداتهم أو عاداتهم، وكذا في أنماط السلوك التي هي من خصائصهم.
وللتشبه بالكفار صور كثيرة جدًّا؛ فيدخل فيه ما يتبنَّاه بعض الناس من أفكار هدَّامة مثل العلمانية واللبرالية، والتي وردت إلينا من بلاد الكفار الذين فصلوا بين دينهم وأمور حياتهم.
وكذا الاشتغال بعلم الكلام والفلسفة والمنطق ونحوها من العلوم التي أتت إلينا قديمًا من اليونانيين الوثنيين.
وكذا ما تفعله بعض الفِرق المبتدعة من تحريف نصوص الكتاب والسُّنة؛ تشبهًا باليهود والنصارى في تحريفهم لآيات الله.
وكذا ما يفعله بعض المسلمين في عباداتهم مما يشابه عبادات الكفار؛ من اتخاذ القبور مساجد، والتعلق بالمقبورين، وصنع الصور والتماثيل للعظماء والصالحين، والغلوِّ فيهم.
وكذا ما يفعله بعض المسلمين من مشاركة اليهود والنصارى وغيرهم من الكفار في الاحتفال بأعيادهم، فهذا الاحتفال تشبُّه بهم في عقائدهم؛ إذ إن هذه الأعياد جزء من عقيدتهم ودينهم.
وكذا التشبه بالكفار في الأخلاق السيئة التي اشتهروا بها، وذمهم الله بها في كتابه مثل: الحسد، والبغي، وتلبيس الحق بالباطل، والبخل بالمال والعلم، والتفرق والاختلاف، وجحود ما مع الآخرين من الحق عند الخصومات.
وكذا اعتياد التحدث بلغتهم لغير ضرورة، وكذا حَلقُ اللِّحى وإطالة الشوارب، وكذا التسمي بأسماء من خصائص أسماء الكفار، مثل: جورج وبطرس ويوحنا وما أشبه ذلك، وأيضًا لبس الثياب التي يختص بها الكفار كلبس قبعاتهم، وأيضًا ما يستحدثونه من ثياب وقصَّات للشعر في هذه العصور.
ولو وجد شيء مشترك، فعله المسلمون والكافرون، فلا يسمى هذا تشبها، فالأمور التي للمسلمين فيها نفع يجوز لهم أن يأخذوها من عدوهم، ولا يسمى تشبها؛ لما فيه من الإعداد والنفع العام للمسلمين، وهكذا الأشياء التي اشترك فيها المسلمون، وصارت من عادة الجميع لا يكون فيها تشبه، وإنما التشبه يكون فيما اختصوا به.
الأدلة على تحريم التشبه بالكفار:
قال تعالى: ﴿وَلَا تَكُونُواْ كَٱلَّذِينَ تَفَرَّقُواْ وَٱخۡتَلَفُواْ مِنۢ بَعۡدِ مَا جَآءَهُمُ ٱلۡبَيِّنَٰتُۚ وَأُوْلَٰٓئِكَ لَهُمۡ عَذَابٌ عَظِيمٞ 105﴾ [آل عمران: 105].
قال الطبري رحمه الله: "يعني بذلك جل ثناؤه: ﴿وَلَا تَكُونُواْ﴾ يا معشر الذين آمنوا ﴿كَٱلَّذِينَ تَفَرَّقُواْ﴾ من أهل الكتاب ﴿وَٱخۡتَلَفُواْ﴾ في دين الله وأمره ونهيه ﴿مِنۢ بَعۡدِ مَا جَآءَهُمُ ٱلۡبَيِّنَٰتُۚ﴾ من حجج الله فيما اختلفوا فيه، وعلموا الحق فيه فتعمدوا خلافه، وخالفوا أمر الله، ونقضوا عهده وميثاقه جراءةً على الله ﴿ وَأُوْلَٰٓئِكَ لَهُمۡ﴾ يعني: ولهؤلاء الذين تفرقوا واختلفوا من أهل الكتاب من بعد ما جاءهم ﴿عَذَابٌ﴾ من عند الله ﴿عَظِيمٞ﴾. يقول جل ثناؤه: فلا تتفرقوا، يا معشر المؤمنين، في دينكم تفرقَ هؤلاء في دينهم، ولا تفعلوا فعلهم، وتستنوا في دينكم بسنتهم، فيكون لكم من عذاب الله العظيم مثل الذي لهم " [75]. [75] تفسير الطبري (7/ 92).
وعن أبي سعيد رضي الله عنه، أن النبي ﷺ قال: «لَتَتَّبِعُنَّ سَنَنَ مَنْ قَبْلَكُمْ شِبْرًا بِشِبْرٍ وَذِرَاعًا بِذِرَاعٍ، حَتَّى لَوْ سَلَكُوا جُحْرَ ضَبٍّ لَسَلَكْتُمُوهُ». قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى. قَالَ: «فَمَنْ؟» [76]. [76] رواه البخاري: 3456، ومسلم: 2669.
أي: لتتبعن طريق الذين كانوا قبلكم، «شِبْرًا بِشِبْرٍ وَذِرَاعًا بِذِرَاعٍ» هذا كناية عن شدة الموافقة لهم في المخالفات والمعاصي، وكذلك قوله: «لَوْ سَلَكُوا جُحْرَ ضَبٍّ» والضب: حيوان تأكله الأعراب، ووجه التخصيص: بجحر الضب، لشدة ضيقه ورداءته، ومع ذلك فإنهم لاقتفائهم آثارهم واتباعهم طرائقهم لو دخلوا في مثل هذا الضيق الرديء لوافقوهم. قولهم: "يا رسول الله اليهود والنصارى " يعني: قالوا: يا رسول الله، هم اليهود والنصارى؟ قوله: «فَمَنْ؟» أي: قال رسول الله ﷺ: فمَن غيرهم، وهذا استفهام على وجه الإنكار، أي: ليس المراد غيرهم [77]. [77] ينظر: عمدة القاري (16/ 43).
وعن ابن عُمَرَ رضي اللَّه عنهما قال: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَنْ تَشَبَّهَ بِقَوْمٍ فَهُوَ مِنْهُمْ» [78]. [78] رواه أبو داود: 4031.
أي: من شبَّه نفسه بالكفار في اللِّباس وغيره، أو بالفُسَّاق أو الفُجَّار «فَهُوَ مِنْهُمْ » أي: في الإثم [79]. وهو وعيد شديد قد يصل إلى الكفر إذا تشبه بهم في الكفر والعياذ بالله. [79] مرقاة المفاتيح (7/ 2782).
وعن جُنْدُبٍ رضي اللَّه عنه قال: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ قَبْلَ أَنْ يَمُوتَ بِخَمْسٍ، وَهُوَ يَقُولُ: «أَلَا وَإِنَّ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ كَانُوا يَتَّخِذُونَ قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ وَصَالِحِيهِمْ مَسَاجِدَ، أَلَا فَلَا تَتَّخِذُوا الْقُبُورَ مَسَاجِدَ، إِنِّي أَنْهَاكُمْ عَنْ ذَلِكَ» [80]. [80] رواه مسلم: 532.
وَعَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ: لَمَّا اشْتَكَى النَّبِيُّ ﷺ ذَكَرَتْ بَعْضُ نِسَائِهِ كَنِيسَةً رَأَيْنَهَا بِأَرْضِ الْحَبَشَةِ يُقَالُ لَهَا: مَارِيَةُ، وَكَانَتْ أُمُّ سَلَمَةَ وَأُمُّ حَبِيبَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَتَتَا أَرْضَ الْحَبَشَةِ، فَذَكَرَتَا مِنْ حُسْنِهَا وَتَصَاوِيرَ فِيهَا، فَرَفَعَ رَأْسَهُ، فَقَالَ: «أُولَئِكَ إِذَا مَاتَ مِنْهُمُ الرَّجُلُ الصَّالِحُ بَنَوْا عَلَى قَبْرِهِ مَسْجِدًا، ثُمَّ صَوَّرُوا فِيهِ تِلْكَ الصُّورَةَ أُولَئِكَ شِرَارُ الْخَلْقِ عِنْدَ اللَّهِ» [81]. [81] رواه البخاري: 1341، ومسلم: 528.
وعن ابن عُمَرَ رضي اللَّه عنهما، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «خَالِفُوا الْمُشْرِكِينَ، وَفِّرُوا اللِّحَى، وَأَحْفُوا الشَّوَارِبَ» [82]. [82] رواه البخاري: 5892، ومسلم: 259.
أضرار التشبه بالكفار:
إن للتشبه بالكفار أضرارًا جسيمة على الفرد والأُمَّة معًا، نذكر منها:
- أن المتشبه بالكفار متوعَّد بالعذاب يوم القيامة على قدر تشبهه.
- أن المشاركة في الهيئة الظاهرة تورث تقاربًا بين المتشبِّه والمتشبَّه بهم، يقود إلى الموافقة في الأخلاق والأعمال، بل ربما زاد ذلك ليَصِل إلى الموافقة في العقائد، فنجد كثيرًا من هؤلاء المتشبهين بالكفار في الهيئة الظاهرة يحملون أفكارًا واعتقادات غريبة عن الإسلام، بل قد تكون هدَّامة تنافي العقيدة الإسلامية الصحيحة.
- المشابهة في الهيئة الظاهرة تورث نوعًا من المودة والموالاة في الباطن لهؤلاء الكفار؛ لأن التشبه إنما يصدر عن إعجاب وإحساس بتفوق الآخرين.
- من المشاهَد المعروف أن هؤلاء المسلمين الذين يتشبهون بالكفار في لباسهم أو سلوكهم وعاداتهم، يميلون إلى حبهم، وتقديرهم، والإعجاب بهم، وفي الجانب الآخر نجدهم يحتقرون المسلمين المتمسكين بما هم عليه من لباس وسلوك وعادات.
- أن التشبه بالكفار يؤدي بالمسلمين إلى تبعيتهم والخضوع لهم، كما هو مشاهد في عصرنا.
سبل الوقاية من التشبه بالكفار:
- ينبغي على المسلم أن يعلم أن التشبه بالكفار من المعاصي التي تجلب له غضب الله وعذابه.
- أن يعلم أن نبيَّه ﷺ كان يخالف أهل الكفر من يهود ونصارى ووثنيين، وقد أمر أمته بمخالفتهم، فينبغي على المسلم اتباع هدي نبيه وسنته، بدلًا من مخالفته واتباع سُنَّة من لا خلاق (نصيب) لهم في الآخرة.
- أن يتخذ المسلمُ رسولَ الله ﷺ قدوة له وأسوة، يتشبه به في كل شيء إن استطاع، قال تعالى: ﴿لَّقَدۡ كَانَ لَكُمۡ فِي رَسُولِ ٱللَّهِ أُسۡوَةٌ حَسَنَةٞ لِّمَن كَانَ يَرۡجُواْ ٱللَّهَ وَٱلۡيَوۡمَ ٱلۡأٓخِرَ وَذَكَرَ ٱللَّهَ كَثِيرٗا 21﴾ [الأحزاب: 21].
- أن يعلم المسلم أنه ليس شيء من أمور الكفار في دينهم وعاداتهم وتقاليدهم إلا وهو: إما فاسد وإما ناقص، والخير كل الخير في التمسك بدين الإسلام المتمثل في الكتاب والسنة الصحيحة.
- أن لا يغتر المسلم بما وصل إليه الكفار من تقدمٍ علمي وتكنولوجي وصناعي وعسكري، فقد قال تعالى: ﴿لَا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ فِي ٱلۡبِلَٰدِ 196مَتَٰعٞ قَلِيلٞ ثُمَّ مَأۡوَىٰهُمۡ جَهَنَّمُۖ وَبِئۡسَ ٱلۡمِهَادُ 197﴾ [آل عمران: 196، 197]؛ لأن هذه العلوم والصناعات ليست من خصوصيات الكفار -وإن احتكروها- لأنها إمكانات بشرية، لا بد أن تتوفر عند مَن يحرص عليها وينميها ويجدُّ في تحصيلها، سواء كان مسلمًا أو كافرًا.
- أن يستحضر المسلمُ عداوة هؤلاء الكفار له، قال تعالى: ﴿...إِنَّ ٱلۡكَٰفِرِينَ كَانُواْ لَكُمۡ عَدُوّٗا مُّبِينٗا 101﴾ [النساء: 101]، فالعاقل لا يتخذ عدوه قدوة له يتشبه به في كل شيء، بل إذا رآه سالكًا طريقًا في عباداته أو عاداته أو سلوكه أو مظهره سلك طريقًا غير طريقه.
- القيام بواجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في هذه المسألة المهمة، وبيان مظاهرها، والتحذير من مخاطرها.
سَبُّ الصَّحابة
سب الصحابة جرم عظيم وكبيرة من كبائر الذنوب، التي تطعن في دين العبد، وتجعله أقرب للنفاق وللكفر، عياذًا بالله، فما أعظمه مِن ذنب أن يبادر شخص إلى سبِّ أصحاب النبي ﷺ الذين نصروا الدين وبلغوه للناس، وقد زكاهم الله تعالى ورضي عنهم.
ومِن السنة الواضحة البيِّنة الثابتة المعروفة ذِكْرُ محاسن أصحابِ رسولِ الله ﷺ كلِّهم أجمعين، والكفُّ عن ذكر مساوئهم، فمَن سبَّ أصحاب رسول الله ﷺ أو أحدًا منهم، أو طعن عليهم، أو عرَّض بعيبهم، أو عاب أحدًا منهم بقليل أو كثير، فهو مبتدع رافضي خبيث مخالف، بل حبهم سنة، والدعاء لهم قربه، والاقتداء بهم وسيلة، والأخذ بآثارهم فضيلة [83]. [83] رواه البخاري: 5892، ومسلم: 259.
قال النووي رحمه الله: "واعلم أن سبَّ الصحابة رضي الله عنهم حرام من فواحش المحرمات، سواء مَنْ لَابَسَ الفتنَ منهم وغيره؛ لأنهم مجتهدون في تلك الحروب مُتأوِّلون" [84]. [84] شرح صحيح مسلم (16/ 93).
وجميع الصحابة رضي الله عنهم عدول، وقد أجمع العلماء على عدالتهم؛ لما جاء في الكتاب والسنة من الثناء الحسن عليهم، والمدح لهم، ونقل الإجماع على عدالتهم جمع من العلماء.
وقد وردت الأدلة على فضل الصحابة وحُرمة سبهم، فمن ذلك:
قول الله تعالى: ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ يُؤۡذُونَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ لَعَنَهُمُ ٱللَّهُ فِي ٱلدُّنۡيَا وَٱلۡأٓخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمۡ عَذَابٗا مُّهِينٗا 57﴾ [الأحزاب: 57].
قال السعدي: "وهذا يشمل كل أذية قولية أو فعلية مِن سبٍّ وشتم أو تنقُّص له أو لدينه أو ما يعود إليه بالأذى " [85]. وسبُّ صحابته ﷺ يعود إليه بالأذى. [85] تفسير السعدي: (ص671).
وقوله سبحانه: ﴿وَٱلَّذِينَ يُؤۡذُونَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ وَٱلۡمُؤۡمِنَٰتِ بِغَيۡرِ مَا ٱكۡتَسَبُواْ فَقَدِ ٱحۡتَمَلُواْ بُهۡتَٰنٗا وَإِثۡمٗا مُّبِينٗا 58﴾ [الأحزاب: 58].
قال ابن كثير رحمه الله: "ومِنْ أكثر مَن يدخل في هذا الوعيد الكفرة بالله ورسوله، ثم الرافضة الذين يتنقصون الصحابة ويعيبونهم بما قد برأهم الله منه، ويصفونهم بنقيض ما أخبر الله عنهم؛ فإن الله عز وجل قد أخبر أنه قد رضي عن المهاجرين والأنصار ومدَحهم، وهؤلاء الجهلة الأغبياء يسبُّونهم ويتنقصونهم، ويذكرون عنهم ما لم يكن ولا فعلوه أبدًا، فهم في الحقيقة منكوسو القلوب يذمُّون الممدوحين، ويمدحون المذمومين " [86]. [86] تفسير ابن كثير (6/ 480، 481).
وقوله عز وجل: ﴿مُّحَمَّدٞ رَّسُولُ ٱللَّهِۚ وَٱلَّذِينَ مَعَهُۥٓ أَشِدَّآءُ عَلَى ٱلۡكُفَّارِ رُحَمَآءُ بَيۡنَهُمۡۖ تَرَىٰهُمۡ رُكَّعٗا سُجَّدٗا يَبۡتَغُونَ فَضۡلٗا مِّنَ ٱللَّهِ وَرِضۡوَٰنٗاۖ سِيمَاهُمۡ فِي وُجُوهِهِم مِّنۡ أَثَرِ ٱلسُّجُودِۚ ذَٰلِكَ مَثَلُهُمۡ فِي ٱلتَّوۡرَىٰةِۚ وَمَثَلُهُمۡ فِي ٱلۡإِنجِيلِ كَزَرۡعٍ أَخۡرَجَ شَطۡـَٔهُۥ فَـَٔازَرَهُۥ فَٱسۡتَغۡلَظَ فَٱسۡتَوَىٰ عَلَىٰ سُوقِهِۦ يُعۡجِبُ ٱلزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ ٱلۡكُفَّارَۗ وَعَدَ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ مِنۡهُم مَّغۡفِرَةٗ وَأَجۡرًا عَظِيمَۢا 29﴾ [الفتح: 29].
قال الإمام مالك رحمه الله: "مَنْ أَصْبَحَ فِي قَلْبِهِ غَيْظٌ عَلَى أَحَدٍ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَدْ أَصَابَتْهُ الْآيَةُ" [87]. [87] حلية الأولياء: (6/ 327).
قال ابن كثير رحمه الله: "ومن هذه الآية استدل الإمام مالك رحمه الله على تكفير الروافض الذين يبغضون الصحابة، قال: لأنهم يغيظونهم، ومن غاظ الصحابة فهو كافر لهذه الآية. ووافقه طائفة من العلماء على ذلك " [88]. [88] تفسير ابن كثير (7/ 362) باختصار وتصرف يسير.
وعن أبي سعيدٍ الخُدْرِيِّ رضي الله عنه قال: قال النبي ﷺ: «لَا تَسُبُّوا أَصْحَابِي، فَلَوْ أَنَّ أَحَدَكُمْ أَنْفَقَ مِثْلَ أُحُدٍ ذَهَبًا مَا بَلَغَ مُدَّ أَحَدِهِمْ وَلَا نَصِيفَهُ» [89]. [89] رواه البخاري: 3673، ومسلم: 2541.
أي: لو أنفق أحدكم مثل جبل أُحُد ذهبًا ما بلغ ثوابه في ذلك ثوابَ نفقة أحد أصحابي مُدًّا ولا نصف مُدٍ، والمد: ملء كفَّي الرجل المعتدل [90] [90] ينظر: شرح مسلم للنووي (16/ 93).
وسبُّ الصحابة يتضمن أضرارًا كثيرة، منها:
- أنه طَعْنٌ في النبي ﷺ ؛ قال الإمام مالك رحمه الله: "إِنَّمَا هَؤُلَاءِ قَوْمٌ أَرَادُوا الْقَدْحَ فِي النَّبِيِّ ﷺ فَلَمْ يُمْكِنْهُمْ ذَلِكَ، فَقَدَحُوا فِي أَصْحَابِهِ حَتَّى يُقَالَ: رَجُلُ سَوْءٍ كَانَ لَهُ أَصْحَابُ سَوْءٍ، وَلَوْ كَانَ رَجُلًا صَالِحًا كَانَ أَصْحَابُهُ صَالِحِينَ" [91]. [91] ينظر: الصارم المسلول (ص580).
- أنه ردٌّ على الله تعالى؛ حيث أخبر سبحانه أنه رضي عنهم، فيأتي من يرد على ربه ويطعن فيهم؛ قال القرطبي: "مَن نقص واحدًا من الصحابة أو طعن عليه في روايته؛ فقد ردَّ على الله رب العالمين، وأبطل شرائع المسلمين " [92]. [92] تفسير القرطبي (16/ 297).
- أنه يؤدي إلى الكفر؛ قال ابن تيمية: "وصرَّح جماعات من أصحابنا بكفر الخوارج المعتقدين البراءة من علي وعثمان، وبكفر الرافضة المعتقدين لسبِّ جميع الصحابة، الذين كفروا الصحابة وفسَّقوهم وسبُّوهم " [93]. [93] الصارم المسلول (ص570).
- سب الصحابة رضي الله عنهم والطعن في دينهم وعدالتهم هو طعن في الدين وأصله وإبطال للشريعة لأنه يؤدي إلى عدم توافر النقل المأمون لها.
وللوقاية من الوقوع في سب الصحابة:
- أن يتعلم المسلم فضائلهم ومكانتهم، فربما يكون مَن سبَّهم جاهلًا بحيث لم تقم عليه حجة النص بفضلهم والنهي عن سبهم؛ فهذا حُكمه أن يُعلَّم ويُعرَّف، فإن تمادى فهو فاسق وإن عاند في ذلك اللهَ تعالى أو رسولَه ﷺ فهو كافر مشرك [94]. [94] الإحكام لابن حزم (1/ 149).
- أن يدعوَ المسلم بأن لا يجعل اللهُ في قلبه غلًّا لأحد من المسلمين، لاسيما أفاضل المسلمين من الصحابة رضي الله عنهم، قال الله تعالى -بعد أن ذكر الصحابة من مهاجرين وأنصار وأثنى عليهم-: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ 10﴾ [الحشر: 10].
- رد الشبهات المتعلقة في الطعن بهم، والأخذ بالمحكم البين في بيان فضلهم ومنزلتهم.
الكِبر
الكِبر مرض خطير، وداء عُضال، وهو كبيرة من كبائر الذنوب، موجب لغضب الرحمن، وسبب عظيم من أسباب الحرمان، بسببه أُخرج إبليس من ملكوت السماء، وطُرد من رحمة الله سبحانه، فهو خُلق شيطاني ذميم، وهو أول ذنب عُصي الله به، وهو من أسباب الكفر والضلال.
وحقيقة الكبر: أنه مرض في القلب، من رؤية النفس فوق الخلق، واحتقار الناس، وعدم قبول الحق. كما عرَّفه بذلك النبي ﷺ في الحديث الصحيح عن عبد الله بن مسعودٍ رضي الله عنه، عن النبي ﷺ قال: «لَا يَدْخُلُ الجَنَّةَ مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ مِنْ كِبْرٍ»، قَالَ رَجُلٌ: إِنَّ الرَّجُلَ يُحِبُّ أَنْ يَكُونَ ثَوْبُهُ حَسَنًا ونَعْلُهُ حَسَنَةً، قَالَ: «إِنَّ اللَّهَ جَمِيلٌ يُحِبُّ الجَمَالَ، الكِبْرُ بَطَرُ الحَقِّ وغَمْطُ النَّاسِ» [95]. بطر الحق: دفعه وإنكاره ترفُّعًا وتجبُّرًا. وغمط الناس: احتقارهم. [95] رواه مسلم: 91.
ومن مظاهر الكبر: ازدراء الآخرين واحتقارهم والترفع عنهم، والاختيال في المشية بين الناس، وإسبال الثياب، ومحبة أن يقوم الناس له تعظيمًا وتبجيلًا، وعدم قبول الحق والجدال بالباطل، وعدم الاعتراف بالخطأ والتمادي فيه.
والأدلة على تحريم الكبر والتحذير من التلبس به كثيرة، منها:
قال تعالى: ﴿وَإِذۡ قُلۡنَا لِلۡمَلَٰٓئِكَةِ ٱسۡجُدُواْ لِأٓدَمَ فَسَجَدُوٓاْ إِلَّآ إِبۡلِيسَ أَبَىٰ وَٱسۡتَكۡبَرَ وَكَانَ مِنَ ٱلۡكَٰفِرِينَ 34﴾ [البقرة: 34].
وقال تعالى: ﴿وَيَوۡمَ يُعۡرَضُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ عَلَى ٱلنَّارِ أَذۡهَبۡتُمۡ طَيِّبَٰتِكُمۡ فِي حَيَاتِكُمُ ٱلدُّنۡيَا وَٱسۡتَمۡتَعۡتُم بِهَا فَٱلۡيَوۡمَ تُجۡزَوۡنَ عَذَابَ ٱلۡهُونِ بِمَا كُنتُمۡ تَسۡتَكۡبِرُونَ فِي ٱلۡأَرۡضِ بِغَيۡرِ ٱلۡحَقِّ وَبِمَا كُنتُمۡ تَفۡسُقُونَ 20﴾ [الأحقاف: 20].
وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «ثَلَاثَةٌ لَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَلَا يُزَكِّيهِمْ، وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ: شَيْخٌ زَانٍ، وَمَلِكٌ كَذَّابٌ، وَعَائِلٌ (أَيْ: فَقِيرٌ) مُسْتَكْبِرٌ» [96]. [96] رواه مسلم: 107.
وعن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي ﷺ قال: «تَحَاجَّتِ النَّارُ وَالجَنَّةُ، فَقَالَتِ النَّارُ: أُوثِرْتُ بِالْمُتَكَبِّرِينَ وَالمُتَجَبِّرِينَ ...» الحديث [97]. [97] رواه مسلم: 2846.
وعَنْ سَلَمَةَ بْنِ الْأَكْوَعِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَجُلًا أَكَلَ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِشِمَالِهِ فَقَالَ ﷺ: «كُلْ بِيَمِينِكَ»، قَالَ: لَا أَسْتَطِيعُ، قَالَ: «لَا اسْتَطَعْتَ»، مَا مَنَعَهُ إِلَّا الْكِبْرُ. قَالَ: فَمَا رَفَعَهَا إِلَى فِيهِ [98]. أَيْ: فَمَا اسْتَطَاعَ رَفْعَهَا بَعْدَ ذَلِكَ إِلَى فَمِهِ. [98] رواه مسلم: 2021.
وعن ابن عمر رضي الله عنهما، أن رسول الله ﷺ قال: «لَا يَنْظُرُ اللَّهُ إِلَى مَنْ جَرَّ ثَوْبَهُ خُيَلَاءَ» [99]. [99] رواه البخاري: 5738، ومسلم: 2058.
وعن أبي هريرة رضي الله عنه، قال: قال رسول الله ﷺ، «إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ قَدْ أَذْهَبَ عَنْكُمْ عُبِّيَّةَ الجَاهِلِيَّةِ، وَفَخْرَهَا بِالْآبَاءِ، مُؤْمِنٌ تَقِيٌّ، وَفَاجِرٌ شَقِيٌّ، أَنْتُمْ بَنُو آدَمَ وَآدَمُ مِنْ تُرَابٍ، لَيَدَعَنَّ رِجَالٌ فَخْرَهُمْ بِأَقْوَامٍ، إِنَّمَا هُمْ فَحْمٌ مِنْ فَحْمِ جَهَنَّمَ، أَوْ لَيَكُونُنَّ أَهْوَنَ عَلَى اللَّهِ مِنَ الجِعْلَانِ الَّتِي تَدْفَعُ بِأَنْفِهَا النَّتْنَ» [100]. [100] رواه أبو داود: 5116.
ومن مخاطر الكبر وأضراره:
- أنه مانع من الهدى والاستبصار بآيات العزيز الغفار جل وعلا، قال تعالى: ﴿سَأَصۡرِفُ عَنۡ ءَايَٰتِيَ ٱلَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي ٱلۡأَرۡضِ بِغَيۡرِ ٱلۡحَقِّ...﴾ [الأعراف: 146].
- أنه سبب من أسباب الختم على القلوب، فلا تفقه عن الله شيئًا ولا تعقل ولا تنتفع بالهدى والنور الذي أُنزل إليها، قال سبحانه: ﴿...كَذَٰلِكَ يَطۡبَعُ ٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ قَلۡبِ مُتَكَبِّرٖ جَبَّارٖ 35﴾ [غافر: 35].
- أنه جالب لغضب الله، ولعذابه الشديد، ومانع من محبته سبحانه: ﴿...إِنَّهُۥ لَا يُحِبُّ ٱلۡمُسۡتَكۡبِرِينَ 23﴾ [سورة النحل: 23]. وعن حارثة بن وهب الخزاعي رضي الله عنه قال: سمعت النبي ﷺيقول: «...أَلَا أُخْبِرُكُمْ بِأَهْلِ النَّارِ: كُلُّ عُتُلٍّ، جَوَّاظٍ، مُسْتَكْبِرٍ» [101]. والعتل: الغليظ جافي الطِّباع القاسي غير منقاد للحق. والجواظ: كل من يجمع المال ويمنع ما يجب فيه. [101] رواه البخاري: 4918، ومسلم: 2853.
- أنه يورث البعد عن الله والبعد عن الناس، والشعور بالعزلة وضيق النفس وقلقها، واشمئزاز الناس منه وتفرقهم من حوله.
- أن المتكبرين يُحشرون يوم القيامة في حجم الذَّر وهو النمل الصغير، فعن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده رضي الله عنه، عن النبي ﷺ قال: «يُحْشَرُ الْمُتَكَبِّرُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَمْثَالَ الذَّرِّ فِي صُوَرِ الرِّجَالِ، يَغْشَاهُمُ الذُّلُّ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ، فَيُسَاقُونَ إِلَى سِجْنٍ فِي جَهَنَّمَ يُسَمَّى بُولَسَ، تَعْلُوهُمْ نَارُ الْأَنْيَارِ، يُسْقَوْنَ مِنْ عُصَارَةِ أَهْلِ النَّارِ طِينَةِ الْخَبَالِ» [102]. [102] رواه الترمذي: 2492.
فقد عاملهم الله بنقيض قصدهم، فهم قصدوا التكبر على الناس والتعالي عليهم في الدنيا، فعاقبهم الله تعالى بأن حشرهم في حجم الذر في الصغر والحقارة.
ومن سبل الوقاية من الكبر:
- تأمل ما في كتاب الله تعالى، وسنة رسوله ﷺ، من الوعيد الشديد للمتكبرين، وبغض الله تعالى لهم.
- التذكر دومًا أنه من مساوئ الأخلاق، وأن العبد لا ينبغي له التكبر، فهو صفة الخالق المستغني، وأن المتكبِّر مكروه من المخلوقين، فالناس لا تحب معاشرة من يستعلي عليهم.
- عندما يتكبر الإنسان ويشعر بالزهو بنفسه، فليعلم أن كل ما أوتيه من علم أو مال أو عقل أو توفيق أو نجاح أو فلاح إنما هو من الله تعالى، قال سبحانه: ﴿وَمَا بِكُم مِّن نِّعۡمَةٖ فَمِنَ ٱللَّهِ...﴾ [النحل: 53].
- أن يقتدي بالنبي ﷺ فمع كونه سيد ولد آدم وأرفعهم مقامًا إلا أنه كان أكثر الخلق تواضعًا، فقد كان يسلِّم على الصبيان، وكانت الأَمَة تأخذ بيده في أسواق المدينة في حاجتها، وكان مبتسمًا بشوشًا.
- لينظر المتكبر المختال في أصله ومآله، فأصله من تراب ثم من نطفة قذرة، ومآله إلى الموت والتراب.
- أن ينظر في سِير وأخبار المتكبرين، كيف كانوا؟ وإلى أي شيء صاروا؟ من إبليس والنمرود إلى فرعون، إلى هامان، إلى قارون، إلى أبرهة وأبي جهل، إلى أُبي بن خلف، إلى سائر الطغاة والجبارين والمجرمين، في كل العصور والبيئات، فإن ذلك مما يخوِّف النفس، ويحملها على التوبة والإقلاع، خشية أن تصير إلى نفس المصير، وكتاب الله عز وجل، وسنة النبي ﷺ، وكتب التاريخ، خير شاهد ومعين على ذلك.
الغِش
الغش في التعامل من الأمور التي شاعت في أسواق المسلمين في البيع والشراء، أو الصناعات، حتى صار من يجتنب ذلك في معاملاته أفراد قليلون يشار إليهم في كل سوق أو تجارة؛ كما قال النبي ﷺ في حديث حذيفة: «فَيُصْبِحُ النَّاسُ يَتَبَايَعُونَ، فَلَا يَكَادُ أَحَدٌ يُؤَدِّي الأَمَانَةَ، فَيُقَالُ: إِنَّ فِي بَنِي فُلَانٍ رَجُلًا أَمِينًا» [103]. [103] رواه البخاري: 6497، ومسلم: 143.
وحقيقة الغش المحرم: أنْ يعلمَ صاحب السلعة من نحو بائع أو مُشترٍ فيها شيئًا لو اطلع عليه مريدُ أخذِها ما أخذها بذلك المقابل، فيجب عليه أن يُعلمه به قبل عقد البيع أو الشراء أو نحوهما.
وللغش صور كثيرة منها: أن يدَّعي البائع أن ما يبيعه مصنوع من قماش أو صوف معين مع علمه بأنه صُنع مما هو دونه، وكذا ما يفعله البعض من خلط اللبن بالماء، ومن يضع الجيد من الطعام أو غيره على ظاهر بضاعته ليُخفي به الرديء منه.
ومن الغش أن يبيع الشيء المستعمل على أنه جديد؛ خصوصًا إذا كان معيبًا وقد أصلحه بصورة تخفى على المشتري، ومنه أيضًا أن يتعامل بنقود مزورة.
ومنه ما يُفعل في الغنم ممن يضع لها ماءً فيه ملح حتى تُكثر الشرب منه فيزداد وزنها فيبيعها بأغلى من ثمنها، ومنه بيع الشيء بعد فساده أو انتهاء صلاحيته خصوصًا إذا انضم إلى ذلك أن يُزوِّر له تاريخًا يوهم أنه ما زال صالحًا للاستخدام.
ويدخل في ذلك أيضًا الحصول على شهادات علمية لا يستحقها المرء؛ سواء حصل عليها بغشه في الامتحانات، أو أن يستأجر من يُعِدُّ له بحثًا ليحصل به على درجة علمية يصير بها في عداد الباحثين أو المدرسين أو نحو ذلك.
ومن الغش غش الراعي للرعية من الرؤساء، والحكام، والمديرون، والرجل في أهله، وغيرهم ممن لهم الرعاية على الناس، ويكون الغش بظلمهم، وعدم تأدية الحقوق أو النصح لهم.
الأدلة على تحريم الغش:
عن أبي هريرة رضي الله عنه، أن رسول الله ﷺ قال: «مَنْ غَشَّنَا فَلَيْسَ مِنَّا» [104]. [104] رواه مسلم: 101.
وعن أبي هريرة رضي الله عنه، أن رسول الله ﷺ مَرَّ على صُبْرة طعام (أي: كومة مجموعة من طعام) فأدخل يده فيها، فنالت أصابعه بللًا فقال: «مَا هَذَا يَا صَاحِبَ الطَّعَامِ؟» قال: أصابته السماء (أي: المطر) يا رسول الله، قال: «أَفَلَا جَعَلْتَهُ فَوْقَ الطَّعَامِ كَيْ يَرَاهُ النَّاسُ، مَنْ غَشَّ فَلَيْسَ مِنِّي» [105]. [105] رواه مسلم: 102.
وعن تميم الداري رضي الله عنه، أن النبي ﷺ قال: «الدِّينُ النَّصِيحَةُ» قلنا: لمن؟ قال: «لِلَّهِ وَلِكِتَابِهِ وَلِرَسُولِهِ وَلِأَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ وَعَامَّتِهِمْ» [106]. والغش ضد النصيحة. [106] رواه مسلم: 55.
وَعَنْ جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْبَجَلِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: "بَايَعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَلَى السَّمْعِ وَالطَّاعَةِ، وَأَنْ أَنْصَحَ لِكُلِّ مُسْلِمٍ ". وَكَانَ جَرِيرٌ إِذَا بَاعَ الشَّيْءَ أَوِ اشْتَرَاهُ قَالَ: "أَمَا إِنَّ الَّذِي أَخَذْنَا مِنْكَ أَحَبُّ إِلَيْنَا مِمَّا أَعْطَيْنَاكَ فَاخْتَرْ " [107]. [107] رواه البخاري: 57، ومسلم: 56، وأبو داود واللفظ له: 4945.
أضرار الغش:
إن للغش أضرارًا كثيرة، منها ما يختص بالفرد ومنها ما يتعدى إلى المجتمع برمَّته، فمنها:
- أنه معصية لله عز وجل، وكبيرة من الكبائر؛ إذ تبرأ النبي ﷺ من فاعله بقوله: «لَيْسَ مِنَّا».
- أن فيه خيانة من المرء لأخيه المسلم؛ فكلما تمادى فيه المرء أُشرِب قلبه الخيانة حتى يمتلئ بها، وكفى بها عقوبة فإنها من أخلاق المنافقين؛ فعن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي ﷺ قال: «آيَةُ الْمُنَافِقِ ثَلَاثٌ: إِذَا حَدَّثَ كَذَبَ، وَإِذَا وَعَدَ أَخْلَفَ، وَإِذَا اؤْتُمِنَ خَانَ» [108]. [108] رواه البخاري: 33، ومسلم: 59.
- أنه سبب لأكل الحرام؛ فإن المال الذي يحصل عليه من الغش مال حرام يُدخِله صاحبه على نفسه وعلى أولاده، فيتسبب في دخوله النار، بل قد يُدخل أبناءه النار بسببه، فلا يصلح الله له ذريته ولا يوفقهم إلى عمل صالح عقوبة لأبيهم؛ فعن كعب بن عُجْرَةَ رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «إِنَّهُ لَا يَرْبُو (أَيْ: يَزِيدُ) لَحْمٌ نَبَتَ مِنْ سُحْتٍ (أَيْ: حَرَامٍ) إِلَّا كَانَتِ النَّارُ أَوْلَى بِهِ» [109]. [109] رواه البخاري: 33، ومسلم: 59.
- أنه يمنع من قبول الدعاء، فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: "ذَكَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الرَّجُلَ يُطِيلُ السَّفَرَ، أَشْعَثَ أَغْبَرَ، يَمُدُّ يَدَيْهِ إِلَى السَّمَاءِ، يَا رَبِّ، يَا رَبِّ، وَمَطْعَمُهُ حَرَامٌ، وَمَشْرَبُهُ حَرَامٌ، وَمَلْبَسُهُ حَرَامٌ، وَغُذِّيَ بِالحَرَامِ، فَأَنَّى يُسْتَجَابُ لِذَلِكَ " [110]. [110] رواه مسلم: 1015.
- أن الغش يربي في الغاش خِسة النفس ودناءة الهمة؛ بسبب خوفه من انكشاف كذبه على الناس وتدليسه عليهم.
- أنه سبب لفقد الثقة بين الناس في تعاملاتهم مع بعضهم البعض.
- أنه من أسباب تدهور التجارات والصناعات وكسادها؛ فإنه ما من أمة انتشر فيها الغش وعُرف عن أهلها إلا كان ذلك سببًا في إعراض أغلب الناس عن شراء بضائعهم.
سبل الوقاية من الغش:
- أن يُربِّي الإنسان نفسه على الخوف من الله؛ فإنه وإن استطاع غش الناس فلن يقدر على كتم شيء عمن لا يغيب عنه مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء.
- أن يعلم أن الرزق قد قُدِّر وفُرغ منه، وأنه لن ينال بغشه شيئًا لم يُقدَّر له، بل قد يكون غشه سببًا في تضييق رزقه؛ فإن العبد يُحرم الرزق بالذنب يصيبه.
- أن يعوِّد نفسه على الصدق والأمانة، ويبتعد عن الكذب والخيانة.
- أن يُربِّي نفسه على القناعة والرضى بما قسمه الله له، وأن العبرة ليست بما يحصله من أموال، بل بأن يبارك الله له في رزقه.
- أن يعلم أن بيانه لعيب السلعة وصدقه وعدم غشه من أسباب البركة، وأن كتمه لعيب السلعة وكذبه وغشه من أسباب ذهابها؛ فعن حكيم بن حزام رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «الْبَيِّعَانِ (أَيِ: الْبَائِعُ وَالْمُشْتَرِي) بِالْخِيَارِ مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا، فَإِنْ صَدَقَا وَبَيَّنَا بُورِكَ لَهُمَا فِي بَيْعِهِمَا، وَإِنْ كَتَمَا وَكَذَبَا مُحِقَتْ (أَيْ: ذَهَبَتْ) بَرَكَةُ بَيْعِهِمَا» [111]. [111] رواه البخاري: 2079، ومسلم: 1532.
- أن يعلم أن غشه وإن خفي على الناس مدة فإنه لا بد أن ينكشف، فيكون ذلك سببًا لإعراض الناس عن التعامل معه، وتتوقف تجارته أو صناعته من أجل ذلك، فهو وإن ضر بغيره فلا بد أن يؤول هذا الضرر عليه في النهاية بعد انكشافه.
الغَدر
الغدر صفة خبيثة تنافي الفطرة السليمة وكبيرة من الكبائر؛ ولذا فقد عصم الله تبارك وتعالى الأنبياء والرسل من هذه الكبيرة، فعندما سأل هرقل عظيم الروم أبا سفيان قبل إسلامه عن النبي ﷺ: هل يغدر؟ قال أبو سفيان: لا، فقال هرقل: وكذلك الرسل لا تغدر [112]. [112] رواه البخاري: 7، ومسلم: 1773.
قال الحافظ ابن حجر العسقلاني رحمه الله: "الغدر حرام باتفاق، سواء كان في حق المسلم أو الذمي" [113]. [113] فتح الباري (6/ 280).
والغدر هو الرجوع عما يبذله الإنسان من نفسه ويضمن الوفاء به. وعدم الوفاء بما أعلن الإنسان الالتزام به أو قطعه على نفسه من عهد أو ميثاق، سواء فيما بينه وبين الله تعالى، أو فيما بينه وبين الناس.
وأدلة تحريم الغدر وبيان شناعته وعِظَمِ جُرمه كثيرة، منها:
قال تعالى: ﴿ٱلَّذِينَ يَنقُضُونَ عَهۡدَ ٱللَّهِ مِنۢ بَعۡدِ مِيثَٰقِهِۦ وَيَقۡطَعُونَ مَآ أَمَرَ ٱللَّهُ بِهِۦٓ أَن يُوصَلَ وَيُفۡسِدُونَ فِي ٱلۡأَرۡضِۚ أُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡخَٰسِرُونَ 27﴾ [البقرة: 27].
وقال سبحانه: ﴿وَٱلَّذِينَ يَنقُضُونَ عَهۡدَ ٱللَّهِ مِنۢ بَعۡدِ مِيثَٰقِهِۦ وَيَقۡطَعُونَ مَآ أَمَرَ ٱللَّهُ بِهِۦٓ أَن يُوصَلَ وَيُفۡسِدُونَ فِي ٱلۡأَرۡضِ أُوْلَٰٓئِكَ لَهُمُ ٱللَّعۡنَةُ وَلَهُمۡ سُوٓءُ ٱلدَّارِ 25﴾ [الرعد: 25].
وعن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله ﷺ: «إِذَا جَمَعَ اللَّهُ الأَوَّلِينَ وَالآخِرِينَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، يُرْفَعُ لِكُلِّ غَادِرٍ لِوَاءٌ، فَقِيلَ: هَذِهِ غَدْرَةُ فُلَانِ بْنِ فُلَانٍ» [114]. [114] رواه البخاري: 3188، ومسلم: 1738.
وعن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما، أن رسول الله ﷺ قال: «أَرْبَعٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ كَانَ مُنَافِقًا خَالِصًا، وَمَنْ كَانَتْ فِيهِ خَصْلَةٌ مِنْهُنَّ كَانَتْ فِيهِ خَصْلَةٌ مِنَ النِّفَاقِ حَتَّى يَدَعَهَا: إِذَا اؤْتُمِنَ خَانَ، وَإِذَا حَدَّثَ كَذَبَ، وَإِذَا عَاهَدَ غَدَرَ، وَإِذَا خَاصَمَ فَجَرَ» [115]. [115] رواه البخاري: 34، ومسلم: 58.
وَعَنْ بُرَيْدَةَ بْنِ الْحُصَيْبِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا أَمَّرَ أَمِيرًا عَلَى جَيْشٍ أَوْ سَرِيَّةٍ أَوْصَاهُ فِي خَاصَّتِهِ بِتَقْوَى اللَّهِ وَمَنْ مَعَهُ مِنَ الْمُسْلِمِينَ خَيْرًا، ثُمَّ قَالَ: «اغْزُوا بِاسْمِ اللَّهِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، قَاتِلُوا مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ، اغْزُوا وَلَا تَغُلُّوا (أَيْ: لَا تَخُونُوا فِي الْغَنَائِمِ)، وَلَا تَغْدِرُوا، وَلَا تُمَثِّلُوا (أَيْ: لَا تُشَوِّهُوا الْقَتْلَى بِقَطْعِ الْأُنُوفِ وَالْآذَانِ)، وَلَا تَقْتُلُوا وَلِيدًا (أَيْ: طِفْلًا صَغِيرًا)» [116]. [116] رواه مسلم: 1731.
وَعَنْ سُلَيْمِ بْنِ عَامِرٍ قَالَ: كَانَ بَيْنَ مُعَاوِيَةَ وَبَيْنَ أَهْلِ الرُّومِ عَهْدٌ، وَكَانَ يَسِيرُ فِي بِلَادِهِمْ حَتَّى إِذَا انْقَضَى الْعَهْدُ أَغَارَ عَلَيْهِمْ، فَإِذَا رَجُلٌ عَلَى دَابَّةٍ أَوْ عَلَى فَرَسٍ، وَهُوَ يَقُولُ: اللَّهُ أَكْبَرُ، وَفَاءٌ لَا غَدْرَ، وَإِذَا هُوَ عَمْرُو بْنُ عَبَسَةَ، فَسَأَلَهُ مُعَاوِيَةُ عَنْ ذَلِكَ، فَقَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «مَنْ كَانَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ قَوْمٍ عَهْدٌ فَلَا يَحِلَّنَّ عَهْدًا، وَلَا يَشُدَّنَّهُ حَتَّى يَمْضِيَ أَمَدُهُ أَوْ يَنْبِذَ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ» قَالَ: فَرَجَعَ مُعَاوِيَةُ بِالنَّاس [117]. [117] رواه الترمذي: 1850.
قوله: (وكان يسير في بلادهم) أي: كان معاوية رضي الله عنه يذهب بجيشه قبل انقضاء العهد ليقرب من بلاد الروم حين انقضى العهد (وفاء لا غدر) أي: ليكن منكم وفاء لا غدر (فلا يحلن عهدًا ولا يشدنَّه) أي: لا يغيِّرن عهدًا ولا ينقضه بوجه (حتى يمضي أَمَده) أي: تنقضي غايته (أو ينبِذ إليهم) أي: يرمي عهدهم إليهم بأن يخبرهم بأنه نقض العهد إذا خاف الخيانة منهم (على سواء) أي: ليكون خصمه مساويًا معه في النقض؛ كيلا يكون ذلك منه غدرًا؛ لقوله تعالى: ﴿وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِن قَوۡمٍ خِيَانَةٗ فَٱنۢبِذۡ إِلَيۡهِمۡ عَلَىٰ سَوَآءٍۚ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يُحِبُّ ٱلۡخَآئِنِينَ 58﴾ [الأنفال: 58] أي: يُعلمهم أنه يريد أن يغزوهم، وأن الصلح قد ارتفع، فيكون الفريقان في علم ذلك سواء [118]. [118] ينظر: تحفة الأحوذي (5/ 169).
وللغدر أضرار كثيرة، منها:
- الغدر صفة ذميمة لا يتحلى بها إلا فاقد الإيمان من كافر مشرك أو منافق أو من تشبه بهم، قال تعالى: ﴿إِنَّ شَرَّ ٱلدَّوَآبِّ عِندَ ٱللَّهِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ فَهُمۡ لَا يُؤۡمِنُونَ 55 ٱلَّذِينَ عَٰهَدتَّ مِنۡهُمۡ ثُمَّ يَنقُضُونَ عَهۡدَهُمۡ فِي كُلِّ مَرَّةٖ وَهُمۡ لَا يَتَّقُونَ 56﴾ [الأنفال: 55، 56].
والمقصود بالذين عاهدت منهم: زعماء بني قريظة من اليهود، ينقضون عهدهم ويخونون في كل معاهدة، وهم لا يتقون أي: لا يبالون بعاقبة غدرهم.
- فضيحة الغادر يوم القيامة بنصب راية له بقدر غدرته، ويقال: هذه غدرة فلان بن فلان، كما في الحديث السابق.
- الغادر ملعون مطرود من رحمة الله، ومتوعَّد بالعذاب الشديد يوم القيامة.
- الغادر يحذره الناس فلا يطمئنون إلى مخالطته ولا معاملته.
- الغدر دليل على خسة النفس وحقارتها.
- الغدر وعدم الوفاء يفضي إلى العداوة والبغضاء وانعدام الثقة بين المجتمع والأفراد.
سبل الوقاية من الوقوع في جريمة الغدر:
- التوعية الدينية بأهمية الوفاء بالعهد والتحذير من الغدر ونقض العهد؛ فقد أمر الله تعالى بالوفاء بالعهد، ومدح المؤمنين بذلك وأنهم لا ينقضون العهود، قال عز وجل: ﴿ٱلَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهۡدِ ٱللَّهِ وَلَا يَنقُضُونَ ٱلۡمِيثَٰقَ 20﴾ [الرعد: 20]، وقال تعالى: ﴿...وَأَوۡفُواْ بِٱلۡعَهۡدِۖ إِنَّ ٱلۡعَهۡدَ كَانَ مَسۡـُٔولٗا 34﴾ [الإسراء: 34]، وقال سبحانه: ﴿وَأَوۡفُواْ بِعَهۡدِ ٱللَّهِ إِذَا عَٰهَدتُّمۡ وَلَا تَنقُضُواْ ٱلۡأَيۡمَٰنَ بَعۡدَ تَوۡكِيدِهَا وَقَدۡ جَعَلۡتُمُ ٱللَّهَ عَلَيۡكُمۡ كَفِيلًاۚ إِنَّ ٱللَّهَ يَعۡلَمُ مَا تَفۡعَلُونَ 91﴾ [النحل: 91].
-أن يستحضر الغادر ما له في قلوب العباد من بُغض واحتقار له، فإنه حتمًا ولا بد سيفتضح غدره للناس، وخصوصًا إذا صار الغدر خُلُقًا له يتكرر منه، فإن ستر الله سيُهتَك عنه.
المَكرُ والخَديعة
إن خلق المكر والخداع من أخبث وأحط الأخلاق التي يمكن أن يتخلق بها الإنسان عمومًا، فضلًا عن أن يكون هذا الإنسان من المسلمين، فهو خلق مذموم في كل أمة مخالف للفطَر السليمة والنفوس السوية، لا يتخلق به إلا من خبثت نفسه وفسدت طويته.
والمكر: هو إيصال المكروه إلى الإنسان من حيث لا يشعر [119]. [119] ينظر: التعريفات (ص: 227).
والمخادعة: هي الاحتيال والمراوغة بإظهار الخير مع إبطان خلافه؛ ليحصل مقصود المخادع [120]. [120] ينظر: إغاثة اللهفان (1/340).
والمكر والخداع من كبائر الباطن، والذم على هذه الكبائر أعظم من الذم على الكبائر الظاهرة؛ لعظم مفسدتها، وسوء أثرها ودوامه، فإن آثارها تدوم بحيث تصير حالًا للشخص وهيئة راسخة في قلبه، بخلاف آثار معاصي الجوارح فإنها سريعة الزوال بمجرد الإقلاع، مع التوبة والاستغفار والحسنات الماحية والمصائب المكفرة [121]. [121] ينظر: الزواجر عن اقتراف الكبائر (1/ 43).
لكن ينبغي أن ينتبه لأمر، وهو أنه ليس كل مكر يكون مذمومًا ولا كل خديعة تكون ملومة، فإن المكر يكون محمودًا في أمور الحرب ومع الأعداء، وكذلك الخداع؛ فعن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال: قال النبي ﷺ : «الْحَرْبُ خَدْعَةٌ» [122]. [122] رواه البخاري: 3030، ومسلم: 1739.
وقد اتفق العلماء على جواز خداع الكفار في الحرب، إلا أن يكون فيه نقضُ عهدٍ أو أمان فلا يحل [123] [123] ينظر: شرح مسلم للنووي (12/ 45).
أدلة تحريم المكر والخديعة:
قال تعالى: ﴿...وَلَا يَحِيقُ ٱلۡمَكۡرُ ٱلسَّيِّئُ إِلَّا بِأَهۡلِهِ...﴾ [فاطر: 43].
أي: وما يعود وبال ذلك المكر إلا عليهم أنفسهم دون غيرهم [124]. [124] ينظر: تفسير ابن كثير (6/ 559).
وفي حديث عياض بن حمار المجاشعي رضي الله عنه، أن رسول الله ﷺ ذكر أهل النار فذكر منهم: "وَرَجُلٌ لَا يُصْبِحُ وَلَا يُمْسِي إِلَّا وَهُوَ يُخَادِعُكَ عَنْ أَهْلِكَ وَمَالِكَ" [125]. [125] رواه مسلم: 2865.
والمعنى: يخادعك في أهلك ومالك ويطمع فيهما صباح مساء أي: في أكثر أحواله، فيظهر عندك الأمانة والعفة ويخون فيهما.
وعن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «المَكْرُ وَالْخَدِيعَةُ فِي النَّارِ» [126]. [126] رواه ابن حبان في صحيحه : 567.
أي: صاحبهما يستحق دخولها؛ لأن الداعي إلى ذلك الحرص في الدنيا والشح عليها، والرغبة فيها [127]. [127] ينظر: فيض القدير (6/ 186).
وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «المُؤْمِنُ غِرٌّ كَرِيمٌ، وَالفَاجِرُ خِبٌّ لَئِيمٌ» [128]. [128] رواه أبو داود: 4790.
قوله ﷺ: "المؤمن غِرٌّ كريم " أي: ليس بصاحب مكر فهو ينخدع لانقياده ولينه، والمعنى أن المؤمن المحمود من طبعه قلة الفطنة للشر وترك البحث عنه، وليس ذلك منه جهلًا، ولكنه كرم ومسامحة وحُسن خلق، ولذلك أتبعه ﷺ بالوصف بالكرم، وعكسه صفة الفاجر، فإنه "خِبٌّ لَئِيمٌ " أي: خبيث، خدَّاع، بخيل [129]. [129] ينظر: قوت المغتذي على جامع الترمذي للسيوطي (1/ 475)
أضرار المكر والخديعة:
- أنهما سبب لدخول النار؛ لقوله ﷺ: «المكرُ والخديعةُ في النارِ» أي: صاحبهما في النار.
- أنهما من أخلاق أهل الكفر والفجور واللؤم، فمن ألِفَت نفسُه مثل هذه الأخلاق فسدت طويَّته وخبثت نفسه، وخرج بطبعه عن طباع أهل الكرم.
- أنهما من أسباب فساد المجتمع؛ فإن المكر والخديعة بهما يتوصل الإنسان للإضرار بغيره بكل صورة، فبهما يتوصل إلى أخذ مال غيره بغير حق، وبهما يتعدى على عرضه وشرفه.
- أنهما من أسباب شيوع العداوة بين أفراد الجماعة الواحدة، وحصول الفرقة بين أفرادها، بل عدم اطمئنان المسلم لأخيه فلا يأمن جانبه؛ فيحصل الشتات والتنافر بين الناس وخوف بعضهم من بعض.
- أنهما سبب للفقر وسوء العاقبة في الدنيا قبل الآخرة، قال ابن القيم رحمه الله: "وقد شاهد الناس عِيانًا أنه من عاش بالمكر مات بالفقر" [130]. [130] إغاثة اللهفان من مصائد الشيطان (1/613).
وما قصة امرأة العزيز التي مكرت بيوسف عليه السلام لما لم يُطعها إلى المعصية بخافية عنا؛ فإنها لما مكرت بيوسف حتى أدخلته السجن، كان عاقبة أمره إلى عز، وعاقبة أمرها إلى هوان.
طرق الوقاية من خلق المكر والخديعة:
- معرفة ما يترتب على هذا الخلق من عذابٍ في الآخرة، فهذا من أكبر الزواجر عن هذا الخلق.
- أن يعلم الإنسان أن الجزاء من جنس العمل، فإن مَن مكر مكر الله به، ومن مكر الله به أهلكه وجعل عاقبته عاقبة سوء، فقديمًا قالوا: من حفر حفرة لأخيه وقع فيها. فمن عرف أن مكره يحيق به في النهاية انزجر عن المكر بإخوانه.
- أن يستحضر المكَّار والمخادع ما له في قلوب العباد من بغض واحتقار له، فإنه حتمًا ولا بد سيفتضح أمام الناس، وخصوصًا إذا صار ذلك خُلُقًا له يتكرر منه، فإن ستر الله سيُهتَك عنه.
- ومن أعظم ما يقي المجتمع من مثل هذا الخلق التربية السليمة من قِبل الآباء لأبنائهم؛ فإن من شب على شئ شاب عليه، فمن تربى على كرم الطبع وسلامة السريرة عاش طيلة عمره على هذه الخصال، بخلاف من تربى على المكر والخداع فإنه قلما ينزع عن مثل هذا.
- صاحب المكر والخديعة يكون منبوذًا عند الناس.
البُهتان
الخوض في أعراض المسلمين من الذنوب التي حذر منها الشرع، وأبشع صورة من صُوَره أن يتكلم المرء في حق أخيه بما ليس فيه مما يكرهه، ولذلك جاءت النصوص بذم هذا الخلق، بل عَدَّه أهل العلم من الكبائر.
وحقيقة البهتان: ذكر الغير في حال غيبته بما يكرهه، مما ليس فيه، كذبًا عليه.
وهو أشد من الغيبة، بل هو من أشد أنواع الكذب، فقد جمع البهتانُ بين الغيبة والكذب معًا، فعن أبي هريرة رضي الله عنه، أن رسول الله ﷺ قال: «أَتَدْرُونَ مَا الْغِيبَةُ؟». قَالُوا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. قَالَ: «ذِكْرُكَ أَخَاكَ بِمَا يَكْرَهُ». قِيلَ: أَفَرَأَيْتَ إِنْ كَانَ فِي أَخِي مَا أَقُولُ؟ قَالَ: «إِنْ كَانَ فِيهِ مَا تَقُولُ فَقَدِ اغْتَبْتَهُ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ فَقَدْ بَهَتَّهُ» [131]. [131] رواه مسلم: 2589.
الأدلة على تحريم البهتان:
قال تعالى: ﴿وَمَن يَكۡسِبۡ خَطِيٓـَٔةً أَوۡ إِثۡمٗا ثُمَّ يَرۡمِ بِهِۦ بَرِيٓـٔٗا فَقَدِ ٱحۡتَمَلَ بُهۡتَٰنٗا وَإِثۡمٗا مُّبِينٗا 112﴾ [النساء: 112].
قال السعدي رحمه الله: "﴿وَمَن يَكۡسِبۡ خَطِيٓـَٔةً﴾ أي: ذنبًا كبيرًا ﴿أَوۡ إِثۡمٗا﴾ ما دون ذلك ﴿ثُمَّ يَرۡمِ بِهِۦ﴾ أي: يتهم بذنبه ﴿بَرِيٓـٔٗا﴾ من ذلك الذنب، وإن كان مذنبًا ﴿فَقَدِ ٱحۡتَمَلَ بُهۡتَٰنٗا وَإِثۡمٗا مُّبِينٗا﴾ أي: فقد حمل فوق ظهره بهتًا للبريء وإثمًا ظاهرًا بيِّنًا.
وهذا يدل على أن ذلك من كبائر الذنوب وموبقاتها، فإنه قد جمع عدة مفاسد: كسب الخطيئة والإثم، ثم رَمْي مَن لم يفعلها بفعلها، ثم الكذب الشنيع بتبرئة نفسه واتهام البريء.
ثم ما يترتب على ذلك من العقوبة الدنيوية، حيث تندفع عمن وجبت عليه، وتقام على من لا يستحقها.
ثم ما يترتب على ذلك أيضًا من كلام الناس في البريء، إلى غير ذلك من المفاسد التي نسأل الله العافية منها ومن كل شر" [132]. [132] تفسير السعدي (ص: 201).
وقال تعالى عن بني إسرائيل: ﴿وَبِكُفۡرِهِمۡ وَقَوۡلِهِمۡ عَلَىٰ مَرۡيَمَ بُهۡتَٰنًا عَظِيمٗا 156﴾ [النساء: 156].
وقال عز وجل: ﴿وَٱلَّذِينَ يُؤۡذُونَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ وَٱلۡمُؤۡمِنَٰتِ بِغَيۡرِ مَا ٱكۡتَسَبُواْ فَقَدِ ٱحۡتَمَلُواْ بُهۡتَٰنٗا وَإِثۡمٗا مُّبِينٗا 58﴾ [الأحزاب: 58].
قال ابن كثير في تفسير هذه الآية: "وهذا هو البهت البيِّن أن يحكى أو ينقل عن المؤمنين والمؤمنات ما لم يفعلوه، على سبيل العيب والتنقص لهم، ومن أكثر من يدخل في هذا الوعيد الكفرة بالله ورسوله، ثم الرافضة الذين يتنقصون الصحابة ويعيبونهم بما قد برَّأهم الله منه " [133]. [133] تفسير ابن كثير (6/ 480).
وعن عُبادة بن الصامت رضي الله عنه، أن رسول الله ﷺ قال وحوله عصابة من أصحابه: «تَعَالَوْا بَايِعُونِي عَلَى أَنْ لَا تُشْرِكُوا بِاللَّهِ شَيْئًا، وَلَا تَسْرِقُوا، وَلَا تَزْنُوا، وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ، وَلَا تَأْتُوا بِبُهْتَانٍ تَفْتَرُونَهُ بَيْنَ أَيْدِيكُمْ وَأَرْجُلِكُمْ، وَلَا تَعْصُونِي فِي مَعْرُوفٍ، فَمَنْ وَفَى مِنْكُمْ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ، وَمَنْ أَصَابَ مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا فَعُوقِبَ بِهِ فِي الدُّنْيَا فَهُوَ لَهُ كَفَّارَةٌ، وَمَنْ أَصَابَ مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا فَسَتَرَهُ اللَّهُ، فَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ، إِنْ شَاءَ عَاقَبَهُ، وَإِنْ شَاءَ عَفَا عَنْهُ» قَالَ: فَبَايَعْتُهُ عَلَى ذَلِكَ [134]. [134] رواه البخاري: 3892، ومسلم: 1709.
قال الخطابي مفسرًا معنى البهتان في هذا الحديث: "ومعناه هنا قذف المحصنات والمحصنين، وهو من جملة الكبائر، وقد يدخل في ذلك الكذب على الناس، والاغتياب لهم ورميهم بالعظائم، وكل ما يلحق بهم العار والفضيحة " [135]. [135] أعلام الحديث باختصار (1/ 151).
وقال رسول الله ﷺ في التحذير من بهتان المؤمن: «مَنْ قَالَ فِي مُؤْمِنٍ مَا لَيْسَ فِيهِ أَسْكَنَهُ اللَّهُ رَدْغَةَ الخَبَالِ حَتَّى يَخْرُجَ مِمَّا قَالَ» [136]. [136] رواه أبو داود: 3597، وأحمد: 5385.
ردغة الخبال: هي عُصارة أهل النار وصديدهم.
أضرار البهتان:
- البهتان كبيرة من الكبائر التي تزيد على الغيبة؛ إذ فيها غيبة وكذب، ومعلوم أن كلًّا منهما كبيرة متوعدٌ عليها بالعذاب، فما بالك بالبهتان الذي جمع بينهما.
- أنه من أسباب انتشار العداوة والبغضاء بين المسلمين، كما هو الحال في الغيبة، بل هو أشد لما فيه من الافتراء على الغير بما ليس فيه.
- أن البهتان نوع من أنواع الظلم، وقد يعرِّض الشخصَ البريءَ الذي تُكلِّم فيه كذبًا وظلمًا إلى أن تناله عقوبات دنيوية بغير وجه حق، فيكون من أشد أنواع الظلم.
- أنه سبب للطعن في عرض فاعله؛ فإننا نشاهد أن غالب من يبلغه عن أحد أنه يطعن فيه أنه يسارع هو الآخر بالطعن فيمن طعن فيه.
- البهتان يؤدي إلى تعرض فاعله للعقوبات الشرعية من جَلدٍ ونحوه، إذا كان بهتانه برمي محصن، ويصير فاسقًا مردود الشهادة بفعلته هذه، قال تعالى: ﴿وَٱلَّذِينَ يَرۡمُونَ ٱلۡمُحۡصَنَٰتِ ثُمَّ لَمۡ يَأۡتُواْ بِأَرۡبَعَةِ شُهَدَآءَ فَٱجۡلِدُوهُمۡ ثَمَٰنِينَ جَلۡدَةٗ وَلَا تَقۡبَلُواْ لَهُمۡ شَهَٰدَةً أَبَدٗاۚ وَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡفَٰسِقُونَ 4﴾ [النور: 4].
- البهتان من أسباب إشاعة الفواحش؛ فإن الناس ينفرون من المعصية حتى يذيع صيتها ويتكلم كثيرٌ منهم بأن فلانًا يفعلها -حتى وإن كان هذا الكلام كذبًا وبهتانًا- فحينئذٍ تسهل المعصية على نفوسهم، ولذلك جاء الوعيد الشديد في إشاعة الفواحش، قال تعالى: ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ يُحِبُّونَ أَن تَشِيعَ ٱلۡفَٰحِشَةُ فِي ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَهُمۡ عَذَابٌ أَلِيمٞ فِي ٱلدُّنۡيَا وَٱلۡأٓخِرَةِۚ وَٱللَّهُ يَعۡلَمُ وَأَنتُمۡ لَا تَعۡلَمُونَ 19﴾ [النور: 19].
سبل الوقاية من البهتان:
- خوف الله عز وجل، والاهتمام بإصلاح القلب وتقوية الإيمان؛ فإن هذا الخُلُق لا يكاد يصدر عن مؤمن صالح القلب، وإنما هو من أخلاق المنافقين والكفار، كما يتضح ذلك من قصة الإفك التي اختلقها المنافقون على أم المؤمنين عائشة.
- أن يُشغِل الإنسانُ نفسَه بما ينفعه حتى لا تنشغل النفس بالخوض في أعراض الناس؛ فالنفس إن لم تشغلها بالطاعة شغلتك بالمعصية.
- ترك مجالسة أهل السوء ممن ليس لهم همٌّ إلا الخوض في أعراض المسلمين.
- تجنب كثرة الكلام بلا فائدة، فالكلام مفتاحٌ لأغلب معاصي اللسان.
- تطهير القلب من الحقد والحسد؛ إذ هما من دواعي الانتقاص للغير بما فيه وبما ليس فيه.
- أن يحذر المفتري أن تصيبه دعوةٌ ممن افترى عليه تُفسد عليه دينه ودنياه؛ فَعَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: "شَكَا أَهْلُ الْكُوفَةِ سَعْدًا إِلَى عُمَرَ، فَعَزَلَهُ، ... فَسَأَلَ عَنْهُ أَهْلَ الْكُوفَةِ وَلَمْ يَدَعْ مَسْجِدًا إِلَّا سَأَلَ عَنْهُ، وَيُثْنُونَ مَعْرُوفًا، حَتَّى دَخَلَ مَسْجِدًا لِبَنِي عَبْسٍ، فَقَامَ رَجُلٌ مِنْهُمْ يُقَالُ لَهُ أُسَامَةُ بْنُ قَتَادَةَ يُكَنَّى أَبَا سَعْدَةَ قَالَ: أَمَا إِذْ نَشَدْتَنَا فَإِنَّ سَعْدًا كَانَ لَا يَسِيرُ بِالسَّرِيَّةِ، وَلَا يَقْسِمُ بِالسَّوِيَّةِ، وَلَا يَعْدِلُ فِي الْقَضِيَّةِ. قَالَ سَعْدٌ: أَمَا وَاللَّهِ لَأَدْعُوَنَّ بِثَلَاثٍ: اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ عَبْدُكَ هَذَا كَاذِبًا، قَامَ رِيَاءً وَسُمْعَةً، فَأَطِلْ عُمْرَهُ، وَأَطِلْ فَقْرَهُ، وَعَرِّضْهُ بِالْفِتَنِ ". وَكَانَ بَعْدُ إِذَا سُئِلَ يَقُولُ: شَيْخٌ كَبِيرٌ مَفْتُونٌ، أَصَابَتْنِي دَعْوَةُ سَعْدٍ. قَالَ الرَّاوِي: "فَأَنَا رَأَيْتُهُ بَعْدُ، قَدْ سَقَطَ حَاجِبَاهُ عَلَى عَيْنَيْهِ مِنَ الْكِبَرِ، وَإِنَّهُ لَيَتَعَرَّضُ لِلْجَوَارِي فِي الطُّرُقِ يَغْمِزُهُنَّ " [137]. [137] رواه البخاري: 755.
الحسد
إن الحسد من الصفات الذميمة، وهو من معاصي القلوب، وهو أول ذنب عُصي الله تعالى به؛ حيث حسد إبليسُ آدمَ على تفضيل الله له فلم يسجد له، فحمله الحسد على المعصية، وهو الذي حمل ابنَ آدم الأول على أن قتل أخاه حين حسده، وهو من أخلاق اليهود التي ذمهم الله بها قال تعالى: ﴿أَمۡ يَحۡسُدُونَ ٱلنَّاسَ عَلَىٰ مَآ ءَاتَىٰهُمُ ٱللَّهُ مِن فَضۡلِهِ...﴾ [النساء: 54]، وقد وردت الشريعة بذمه وتحريمه، ونَصَّ العلماء على كونه من كبائر الذنوب.
والمقصود بالحسد: أن يكره نعمة الله على غيره ويتمنى زوالها عنه، سواء كان ذلك مع تمنيها لنفسه أو مع عدمه. أما إذا تمنى حصول النعمة لنفسه دون تمني زوالها عن غيره فهذا من الغِبطة، ولا مانع منه شرعًا.
الأدلة على تحريم الحسد:
قال تعالى: ﴿وَدَّ كَثِيرٞ مِّنۡ أَهۡلِ ٱلۡكِتَٰبِ لَوۡ يَرُدُّونَكُم مِّنۢ بَعۡدِ إِيمَٰنِكُمۡ كُفَّارًا حَسَدٗا مِّنۡ عِندِ أَنفُسِهِم...﴾ [البقرة: 109].
وقال تبارك وتعالى: ﴿وَمِن شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ 5﴾ [الفلق: 5].
وعن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي ﷺ قال: «إِيَّاكُمْ وَالظَّنَّ، فَإِنَّ الظَّنَّ أَكْذَبُ الْحَدِيثِ، وَلَا تَحَسَّسُوا، وَلَا تَجَسَّسُوا، وَلَا تَحَاسَدُوا، وَلَا تَدَابَرُوا، وَلَا تَبَاغَضُوا، وَكُونُوا عِبَادَ اللَّهِ إِخْوَانًا»[1]. [1] رواه البخاري، برقم (6064)، ومسلم، برقم (2563).
وعن أنس بن مالك رضي الله عنه، أن رسول الله ﷺ قال: «لَا تَبَاغَضُوا، وَلَا تَحَاسَدُوا...»[2]. [2] رواه البخاري، برقم (6076)، ومسلم، برقم (2558).
وعن الزبير بن العوام رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «دَبَّ إِلَيْكُمْ دَاءُ الْأُمَمِ قَبْلَكُمْ: الْحَسَدُ، وَالْبَغْضَاءُ هِيَ الْحَالِقَةُ، لَا أَقُولُ تَحْلِقُ الشَّعْرَ وَلَكِنْ تَحْلِقُ الدِّينَ»[3]. [3] رواه الترمذي، برقم (2510).
وللحسد أضرار كثيرة، منها:
- أنه يأكل حسنات الحاسد كما تأكل النار الحطب كما ورد في بعض الآثار.
- أن فيه فساد قلب المرء؛ فإنه معصية من المعاصي القلبية، ومعاصي القلوب كما ذكر أهل العلم قد تكون أعظم من معاصي الجوارح، ومن خطورتها أنها تخفى على كثير من الناس، حتى يظن المرء أنه ليست له ذنوب، مع كونه يروح ويغدو في سخط الله بسبب هذه المعاصي التي لا يشعر بها.
- أن الحاسد قد لا يكتفي بالحسد، بل يسعى في ضرر المحسود، يؤذيه بكلامه، أو بالسعي في إزالته عن وظيفته، أو السعي فيما يضره في نفسه، وفي بدنه، أو في دينه، فيجمع بين الحسد والظلم.
- أن الحاسد لا بد وأن ينشغل قلبه بالمحسود، وهذا يصرفه عن الإقبال على مصالح دينه ودنياه، بل إن الحسد يأكل قلب صاحبه ويعكِّر صفاء نفسه، وربما لم يتضرر المحسود بشيء، فيكون الحاسد هو الخاسر الوحيد.
سبل الوقاية من الوقوع في كبيرة الحسد:
- أن يعلم الحاسد أن أول من يتضرر بحسده هذا هو نفسه، فإنه بذلك صار عاصيًا لله تعالى، وهو مضيِّع لحسناته بمعصيته هذه، فعليه أن يُقلع عنها قبل أن تُهلكه.
- أن يعلم أن حسده هذا فيه تسخُّط على قدر الله؛ فإن النعم التي يحسد عليها غيره هي من فضل الله على هذا الغير، فالحاسد منازع لله في أمره الكوني، فعليه أن يُعمِّق إيمانه بقضاء الله وقدره، ويعلم أن العطاء والمنع بيد الله، وأن له سبحانه الحكمة البالغة فيما أعطى وفيما منع.
- أن يعلم أنه لن يغيِّر شيئًا من أمر الله، وأنه بحسده لا يستطيع أن يحوِّل شيئًا من فضل الله عن غيره إلى نفسه، وإذا ما حصل وذهبت نعمةٌ بسبب حسده فهذا من قدر الله، وليس له هو فيه شيء إلا أنه كان سببًا، لكنه ضر نفسه بتسببه هذا؛ فإنه معاقب عليه في دنياه وآخرته.
- الاستعاذة بالله من داء الحسد، ومن الحساد. قال تعالى: ﴿وَمِن شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ 5﴾ [الفلق: 5].
- المحافظة على الأذكار، ومن ذلك أذكار الصباح والمساء.
- أن يحب المسلم لأخيه من الخير ما يحبه لنفسه، وأن يفرح أن يرى فضل الله على إخوانه من العلم أو الرزق.
الرِّشوة
الرشوة من أعظم الجرائم التي حذر منها الشرع وتوعد عليها باللعن، وذلك لما لها من أضرار عامة وخطيرة على الأمة، وهي نوع من أنواع أكل أموال الناس بالباطل.
وحقيقة الرشوة: أن يدفع شخص مالًا إلى من له منصب أو إلى من يشفع له عنده؛ ليتوصل به إلى تحصيل غرض ليس له حق فيه، فهي كل ما يُعطى لإبطال حق أو إحقاق باطل.
فيدخل فيها دفع المال إلى بعض أصحاب المناصب لتحصيل الوظائف، أو لأخذ شيء من أموال المسلمين مما ليس له فيه حق، أو دفع المال لبعض القضاة حتى يحكم له بالباطل أو نحو ذلك.
لكن ينبغي التنبه هنا إلى أمر، وهو ما إذا كان الإنسان له حق لا يستطيع تحصيله إلا بدفع الرشوة، أو سيقع عليه ظلم لا يستطيع رفعه إلا بالرشوة، فلا شيء حينئذٍ عليه؛ لأنه في حكم المضطر، ولا يكون رشوة إلا في حق الآخذ لا المعطي.
الأدلة على تحريم الرشوة:
قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَأۡكُلُوٓاْ أَمۡوَٰلَكُم بَيۡنَكُم بِٱلۡبَٰطِلِ وَتُدۡلُواْ بِهَآ إِلَى ٱلۡحُكَّامِ لِتَأۡكُلُواْ فَرِيقٗا مِّنۡ أَمۡوَٰلِ ٱلنَّاسِ بِٱلۡإِثۡمِ وَأَنتُمۡ تَعۡلَمُونَ 188﴾ [البقرة: 188].
قال الشيخ أبو بكر الجزائري رحمه الله: "بيَّن الله تعالى في هذه الآية حكم أكل أموال المسلمين بالباطل، وأنه حرام فلا يحل لمسلم أن يأكل مال أخيه بغير طيب نفس منه. وذكر نوعًا هو شر أنواع أكل المال بالباطل، وهو دفع الرشوة إلى القضاة والحاكمين ليحكموا لهم بغير الحق؛ فيورِّطوا القضاة في الحكم بغير الحق؛ ليأكلوا أموال إخوانهم بشهادة الزور واليمين الغموس الفاجرة وهي التي يحلف فيها المرء كاذبًا "[4]. [4] أيسر التفاسير (1/ 169)ٍ.
وقال تعالى ذامًّا اليهود: ﴿سَمَّٰعُونَ لِلۡكَذِبِ أَكَّٰلُونَ لِلسُّحۡتِۚ...﴾ [المائدة: 42].
وقال سبحانه: ﴿وَتَرَىٰ كَثِيرٗا مِّنۡهُمۡ يُسَٰرِعُونَ فِي ٱلۡإِثۡمِ وَٱلۡعُدۡوَٰنِ وَأَكۡلِهِمُ ٱلسُّحۡتَۚ لَبِئۡسَ مَا كَانُواْ يَعۡمَلُونَ 62﴾ [المائدة: 62].
وقد فسر السلفُ من الصحابة والتابعين السُّحت بالرشوة[5]. [5] ينظر: تفسير الطبري (8/ 428 وما بعدها).
وعن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما قال: «لَعَنَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الرَّاشِيَ وَالْمُرْتَشِيَ»[6]. [6] رواه أبو داود، برقم (3580).
وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: «لَعَنَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الرَّاشِيَ وَالْمُرْتَشِيَ فِي الْحُكْمِ»[7]. [7] رواه الترمذي، برقم (1336).
وَعَنْ عَابِسٍ الْغِفَارِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَتَخَوَّفُ عَلَى أُمَّتِهِ سِتَّ خِصَالٍ: «إِمْرَةَ الصِّبْيَانِ، وَكَثْرَةَ الشُّرَطِ، وَالرِّشْوَةَ فِي الْحُكْمِ ...»[8]. الحديث [8] رواه الطبراني في "المعجم الكبير"، برقم (18/37)، وأحمد، برقم (16040 بمعناه).
وعن عبد الله بن مسعودٍ رضي الله عنه قال: "الرِّشْوَةُ فِي الْحُكْمِ كُفْرٌ، وَهِيَ بَيْنَ النَّاسِ سُحْتٌ"[9]. [9] رواه الطبراني في "المعجم الكبير"، برقم (9100).
أضرار جريمة الرشوة:
- الرشوة تجعل صاحبها مستحقًّا للعنة النبي ﷺ سواء كان الراشي أو المرتشي أو الواسطة بينهما.
- أنها نوع من أكل أموال الناس بالباطل، فالمال الذي يتحصل من الرشوة مال حرام، يمنع استجابة الدعاء، فعن أبي هريرة رضي الله عنه، قال: «ذَكَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَسَلَّمَ الرَّجُلَ يُطِيلُ السَّفَرَ، أَشْعَثَ أَغْبَرَ، يَمُدُّ يَدَيْهِ إِلَى السَّمَاءِ، يَا رَبِّ، يَا رَبِّ، وَمَطْعَمُهُ حَرَامٌ، وَمَشْرَبُهُ حَرَامٌ، وَمَلْبَسُهُ حَرَامٌ، وَغُذِّيَ بِالْحَرَامِ، فَأَنَّى يُسْتَجَابُ لِذَلِكَ»[10]. [10] رواه مسلم، برقم (1015).
- أنها من صفات اليهود المذمومة في القرآن الكريم، والتي استحقوا بها غضب الله تعالى ولعنته.
- أنها من أسباب انتشار الظلم، الذي هو من أكبر أسباب سقوط الأمم وتفكك روابط الانتماء إليها عند أفرادها، فالإنسان إذا ما أحس أنه يُؤخَذُ حقه بالباطل مات في قلبه ولاؤه لأمته ولمجتمعه الذي يعيش فيه.
- أن الرشوة من أكبر أسباب انحطاط الأمم؛ لأنها تكون سببًا في تولي الوظائف والمهام ممن لا يستحقها ولا يتقنها وليس لها بأهل، فيفسدون أكثر مما يصلحون، ولا يكون لمثل هؤلاء هَمٌّ إلا تحصيل مصالحهم الخاصة ولو على حساب المهام التي كان من المفترض أن يؤدوها.
- قطع الحق على أصحابه وإيصاله إلى غيرهم.
- نشر الحقد والفوضى والكره بين أبناء المجتمع.
سبل الوقاية من جريمة الرشوة:
- أن يعلم العبد أن الله تعالى رقيب عليه، يحاسبه يوم القيامة على ما اقتطعه من حقوق المسلمين بغير وجه حق، وأن فعله هذا سبب للعنة النبي صلى الله عليه وسلم، وسبب لدخوله النار.
- التعفف عن أكل أموال الناس بالباطل، قال تعالى: ﴿لِلۡفُقَرَآءِ ٱلَّذِينَ أُحۡصِرُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ لَا يَسۡتَطِيعُونَ ضَرۡبٗا فِي ٱلۡأَرۡضِ يَحۡسَبُهُمُ ٱلۡجَاهِلُ أَغۡنِيَآءَ مِنَ ٱلتَّعَفُّفِ تَعۡرِفُهُم بِسِيمَٰهُمۡ لَا يَسۡـَٔلُونَ ٱلنَّاسَ إِلۡحَافٗاۗ...﴾ [البقرة: 273]، وعن حكيم بن حزام رضي الله عنه، عن النبي ﷺ قال: «مَنْ يَسْتَعْفِفْ يُعِفَّهُ اللَّهُ، وَمَنْ يَسْتَغْنِ يُغْنِهِ اللَّهُ»[11]. [11] رواه البخاري، برقم (1427)، ومسلم، برقم (1034).
- الاجتهاد في الكسب الحلال، واتقاء الأموال المشبوهة وطرق الكسب المشبوهة، فعن النعمان بن بشير رضي الله عنهما قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إِنَّ الْحَلَالَ بَيِّنٌ، وَإِنَّ الْحَرَامَ بَيِّنٌ، وَبَيْنَهُمَا مُشْتَبِهَاتٌ لَا يَعْلَمُهُنَّ كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ، فَمَنِ اتَّقَى الشُّبُهَاتِ، اسْتَبْرَأَ لِدِينِهِ وَعِرْضِهِ، وَمَنْ وَقَعَ فِي الشُّبُهَاتِ وَقَعَ فِي الْحَرَامِ، كَالرَّاعِي يَرْعَى حَوْلَ الْحِمَى يُوشِكُ أَنْ يَرْتَعَ فِيهِ، أَلَا وَإِنَّ لِكُلِّ مَلِكٍ حِمًى، أَلَا وَإِنَّ حِمَى اللَّهِ مَحَارِمُهُ»[12]. [12] رواه البخاري، برقم (52)، ومسلم، برقم (1599).
- تعميق معنى الغنى الحقيقي في قلوب الناس، فعن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي ﷺ قال: «لَيْسَ الْغِنَى عَنْ كَثْرَةِ الْعَرَضِ (أَيْ: الْمَالِ)، وَلَكِنَّ الْغِنَى غِنَى النَّفْس»[13]. [13] رواه البخاري، برقم (6446)، ومسلم، برقم (1051).
- القناعة والرضى بما قسمه الله من الرزق الحلال بعد الأخذ بأسباب الكسب، فعن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما، أن رسول الله ﷺ ، قال: «قَدْ أَفْلَحَ مَنْ أَسْلَمَ، وَرُزِقَ كَفَافًا (أَيْ: الْقَدْرَ الَّذِي يَكْفِيهِ)، وَقَنَّعَهُ اللَّهُ بِمَا آتَاهُ»[14]. [14] رواه مسلم، برقم (1054).
- اختيار الموظفين في المناصب بناًء على حسن سيرتهم وسلوكهم وأخلاقهم.
-محاسبة المرتشين والفاسدين، وجعل العقوبة المناسبة الرادعة، من قبل الجهات المختصة.
التَّجَسُّسُ على المسلمين
التجسس على المسلمين لصالح غيرهم من أخطر الأمور التي تضر بأمن الأمة المسلمة، وهو مع ذلك من الكبائر العظيمة التي قد تصل بصاحبها إلى الكفر وتدل غالبًا على نفاقه؛ لأنها تدل على إرادته الشر بأمة الإسلام، وعدم مبالاته بالإضرار بهم، مقابل حصوله على فتات من الدنيا يلقيه له أعداء الإسلام.
الأدلة على حرمة التجسس على بلاد الإسلام لصالح الكفار:
قال الله عز وجل: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَتَّخِذُواْ عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمۡ أَوۡلِيَآءَ...﴾ [الممتحنة: 1]، وقد ترجم البخاري بقوله: "باب الجاسوس " ثم ذكر هذه الآية، وهذا ذهاب منه إلى أن التجسس من باب تولِّي أعداء الله تعالى[15]. [15] ينظر: صحيح البخاري (4/ 59).
وَعَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: بَعَثَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنَا وَالزُّبَيْرَ، وَالْمِقْدَادَ بْنَ الْأَسْوَدِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ، قَالَ: «انْطَلِقُوا حَتَّى تَأْتُوا رَوْضَةَ خَاخٍ، فَإِنَّ بِهَا ظَعِينَةً (أَيْ: امْرَأَةً فِي هَوْدَجٍ -وَهُوَ مَا يُوضَعُ عَلَى ظَهْرِ الْحَيَوَانِ لِتَرْكَبَ فِيهِ النِّسَاءُ-)، وَمَعَهَا كِتَابٌ فَخُذُوهُ مِنْهَا»، فَانْطَلَقْنَا تَعَادَى -أَيْ تَتَبَاعَدُ- بِنَا خَيْلُنَا حَتَّى انْتَهَيْنَا إِلَى الرَّوْضَةِ، فَإِذَا نَحْنُ بِالظَّعِينَةِ، فَقُلْنَا أَخْرِجِي الْكِتَابَ، فَقَالَتْ: مَا مَعِي مِنْ كِتَابٍ، فَقُلْنَا: لَتُخْرِجَنَّ الْكِتَابَ أَوْ لَنُلْقِيَنَّ الثِّيَابَ، فَأَخْرَجَتْهُ مِنْ عِقَاصِهَا (الْعِقَاصُ: هُوَ الشَّعْرُ الْمَضْفُورُ)، فَأَتَيْنَا بِهِ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، فَإِذَا فِيهِ: مِنْ حَاطِبِ بْنِ أَبِي بَلْتَعَةَ إِلَى أُنَاسٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ يُخْبِرُهُمْ بِبَعْضِ أَمْرِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ:«يَا حَاطِبُ مَا هَذَا؟»، قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، لَا تَعْجَلْ عَلَيَّ إِنِّي كُنْتُ امْرًَأ مُلْصَقًا فِي قُرَيْشٍ (أَيْ مُضَافًا إِلَيْهِمْ وَلَسْتُ مِنْهُمْ)، وَلَمْ أَكُنْ مِنْ أَنْفُسِهَا، وَكَانَ مَنْ مَعَكَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ لَهُمْ قَرَابَاتٌ بِمَكَّةَ يَحْمُونَ بِهَا أَهْلِيهِمْ وَأَمْوَالَهُمْ، فَأَحْبَبْتُ إِذْ فَاتَنِي ذَلِكَ مِنَ النَّسَبِ فِيهِمْ، أَنْ أَتَّخِذَ عِنْدَهُمْ يَدًا يَحْمُونَ بِهَا قَرَابَتِي، وَمَا فَعَلْتُ كُفْرًا وَلَا ارْتِدَادًا، وَلَا رِضًا بِالْكُفْرِ بَعْدَ الْإِسْلَامِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «لَقَدْ صَدَقَكُمْ»، قَالَ عُمَرُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ دَعْنِي أَضْرِبْ عُنُقَ هَذَا الْمُنَافِقِ، قَالَ: «إِنَّهُ قَدْ شَهِدَ بَدْرًا، وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ اللَّهَ أَنْ يَكُونَ قَدِ اطَّلَعَ عَلَى أَهْلِ بَدْرٍ فَقَالَ: اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ فَقَدْ غَفَرْتُ لَكُمْ»[16]. [16] رواه البخاري، برقم (3007)، ومسلم، برقم (2494).
فالذي منع النبي ﷺ من قتل حاطب أنه شهد بدرًا، وأهل بدر لهم فضيلة عظيمة.
أضرار تجسس المسلم على بلاد الإسلام:
إن تجسس المسلم على بلاده لصالح غير المسلمين له أضرار عديدة منها:
- أنه يتسبب في نقل أسرار المسلمين إلى غيرهم من أعدائهم، مما قد يؤدي إلى تسهيل قتل هؤلاء الكفار للمسلمين والإغارة على بلادهم، وأخذ ما في أيديهم وأسر نسائهم وأولادهم.
- أنه قد يمكِّن الكفار من إفساد دين المسلمين عليهم إذا ما تمكنوا من بلاد الإسلام وقتل أهل العلم ونشر الكفر في بلادهم، كما يفعله الكفار وإخوانهم في بلاد المسلمين.
- أنه قد يكون سببًا في قتل من يتلبَّس في هذا الفعل الشنيع.
- أنه قد يكون سببًا في دخول الجاسوس في عداد الزنادقة والمنافقين، خصوصًا إذا ما تمادى في ذلك وصار له عادة، فإنه بهذا يوشك أن يزول الإيمان من قلبه حتى يصير منافقًا خالصًا، ولاؤه لأعداء الله وحدهم.
سبل الوقاية من ظاهرة التجسس:
-أن يعلم المسلم أنه إذا أقدم على هذه الفعلة الشنيعة فإنه يكون قد خسر آخرته واستحق عقوبة الله تعالى في الآخرة، بالإضافة إلى خذلان الله تعالى له في الدنيا.
- أن يعمل المسلم على تقوية إيمانه بالله، وتعلُّم العقيدة الصحيحة، لاسيما عقيدة الولاء للمسلمين والبراء من الكافرين.
- التوعية الدينية من قبل الهيئات المعنية لخطورة التجسس على الأمة المسلمة.
- اتخاذ الحيطة والحذر من قبل الجهات العسكرية والأمنية بعدم كشف شيء من المعلومات المهمة وكتمان تحركاتها العسكرية.
- أن يعلم أنه من الظلم المعرض صاحبه للعذاب، قال تعالى: ﴿...وَمَن يَتَوَلَّهُمۡ فَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلظَّٰلِمُون﴾ [الممتحنة: 9]، قال السعدي في تفسيره على هذا الآية: وذلك الظلم يكون بحسب التولي، فإن كان توليًا تامًا، صار ذلك كفرًا مخرجًا عن دائرة الإسلام، وتحت ذلك من المراتب ما هو غليظ، وما هو دون ذلك[17]. [17] تفسير السعدي (ص857).
المِراءُ والجِدالُ بالباطل
من أمارات الضلال، ومن علامات الزيغ، ترك الهدي المتمثِّل في كتاب الله تعالى وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم، والاشتغال بالجدال والمراء بالباطل؛ فإنه من أكثر مداخل الشيطان التي يجد للناس منها مدخلًا إليهم، وذلك لأن كل واحد من المتجادلين، يريد أن يثبت حجته، ويدحض حجة خصمه، ويُظهر ضعفه، وربما حقَّر رأيه وسفَّه عقله، وكثيرًا ما يصحب ذلك دفع الحق وعدم قبوله، فيكون قد وقع في الكِبر باحتقار مَن أمامه وردِّ الحق، فيكون الجدال سببًا للقطيعة بينهما، مع ما يجده كل واحد منهما من الضغينة والحقد بسبب الجدال.
وحقيقة الجدال: هو الخصومة لرفع حق أو إثبات باطل ومنه قصد إفحام الغير، وتعجيزه، وتنقيصه؛ بالقدح في كلامه، ونسبته إلى القصور والجهل فيه. والمراء: طعن في كلام الغير؛ بإظهار خلل فيه، من غير أن يرتبط به غرض سِوى تحقير الغير.
والجدال نوعان:
الجدال منه ما هو مذموم، ومنه ما هو محمود. أما المحمود فهو ما تعلق بإظهار الحق والدلالة عليه والدعوة إليه، قال تعالى: ﴿ٱدۡعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِٱلۡحِكۡمَةِ وَٱلۡمَوۡعِظَةِ ٱلۡحَسَنَةِۖ وَجَٰدِلۡهُم بِٱلَّتِي هِيَ أَحۡسَنُۚ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعۡلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِۦ وَهُوَ أَعۡلَمُ بِٱلۡمُهۡتَدِينَ 125﴾ [النحل: 125].
وأما المذموم مثل الجدال بالباطل والجهل أو الجدال لطمس نور الحق، أو الجدال لإظهار المزيَّة والتقليل من شأن الآخرين.
وأكثر ما يكون الجدال والمراء في المشتغلين بعِلم الكلام والفلسفة والمنطق ونحوها من العلوم التي ليس فيها نفع ولا فائدة.
وقد نهى الله تعالى ورسوله عن الجدال بالباطل في غير ما آية وحديث، ومن ذلك:
قال الله تعالى: ﴿مَا يُجَٰدِلُ فِيٓ ءَايَٰتِ ٱللَّهِ إِلَّا ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ فَلَا يَغۡرُرۡكَ تَقَلُّبُهُمۡ فِي ٱلۡبِلَٰدِ 4﴾ [غافر: 4].
قال ابن كثير رحمه الله: "يقول تعالى: ما يدفع الحق ويجادل فيه بعد البيان وظهور البرهان ﴿إِلَّا ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ﴾ أي: الجاحدون لآيات الله وحججه وبراهينه"[18]. [18] تفسير ابن كثير (7/ 129).
ويقول البربهاري رحمه الله: "واعلم -رحمك الله- أنها ما كانت زندقة قط، ولا كفر ولا شك ولا بدعة ولا ضلالة ولا حيرة في الدين إلا من الكلام وأصحاب الكلام والجدل والمراء والخصومة، والعجب كيف يجترئ الرجل على المراء والخصومة والجدال، والله تعالى يقول: ﴿مَا يُجَٰدِلُ فِيٓ ءَايَٰتِ ٱللَّهِ إِلَّا ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ﴾ ؟! فعليك بالتسليم والرضى بالآثار وأهل الآثار، والكف والسكوت"[19]. [19] شرح السنة (ص: 87).
وقال تعالى: ﴿...كَذَٰلِكَ يُضِلُّ ٱللَّهُ مَنۡ هُوَ مُسۡرِفٞ مُّرۡتَابٌ 34 ٱلَّذِينَ يُجَٰدِلُونَ فِيٓ ءَايَٰتِ ٱللَّهِ بِغَيۡرِ سُلۡطَٰنٍ أَتَىٰهُمۡۖ كَبُرَ مَقۡتًا عِندَ ٱللَّهِ وَعِندَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْۚ كَذَٰلِكَ يَطۡبَعُ ٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ قَلۡبِ مُتَكَبِّرٖ جَبَّارٖ 35﴾ [غافر: 34، 35].
قال ابن كثير: "أي: الذين يدفعون الحق بالباطل، ويجادلون الحجج بغير دليل وحجة معهم من الله، فإن الله يمقت على ذلك أشد المقت؛ ولهذا قال تعالى: ﴿كَبُرَ مَقۡتًا عِندَ ٱللَّهِ وَعِندَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ﴾ أي: والمؤمنون أيضًا يبغضون من تكون هذه صفته، فإن من كانت هذه صفته، يطبع الله على قلبه، فلا يعرف بعد ذلك معروفًا، ولا ينكر منكرًا؛ ولهذا قال: ﴿كَذَٰلِكَ يَطۡبَعُ ٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ قَلۡبِ مُتَكَبِّرٖ جَبَّارٖ﴾ أي: عن اتباع الحق ﴿جَبَّارٖ﴾"[20]. [20] تفسير ابن كثير (7/ 144).
وعن عائشة رضي الله عنها، عن النبي ﷺ قال: «إِنَّ أَبْغَضَ الرِّجَالِ إِلَى اللَّهِ الْأَلَدُّ الْخَصِمُ»[21]. [21] رواه البخاري، برقم (2457)، ومسلم، برقم (2668).
وعن أبي أُمامَةَ رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «مَا ضَلَّ قَوْمٌ بَعْدَ هُدًى كَانُوا عَلَيْهِ إِلَّا أُوتُوا الْجَدَلَ ». ثُمَّ تَلَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ هذه الآية: ﴿...مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلَّا جَدَلَۢاۚ بَلۡ هُمۡ قَوۡمٌ خَصِمُونَ﴾ [الزخرف: 58][22]. [22] رواه الترمذي، برقم (3253).
وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «جِدَالٌ فِي الْقُرْآنِ كُفْرٌ»[23]. [23] رواه أحمد، برقم (7508).
ومن مخاطر المراء والجدال بالباطل:
- أنه من صفات الكفار الجاحدين لآيات الله تعالى المعاندين لرسله، كما تقدم في الآيات السابقة.
- يؤدي إلى سوء العاقبة بالحرمان من المنزلة العالية في الجنة، والثواب الجزيل؛ فعن أبي أُمامَةَ رضي الله عنه قال: قال ﷺ: «أَنَا زَعِيمٌ (أَيْ: ضَامِنٌ) بِبَيْتٍ فِي رَبَضِ الجَنَّةِ (أَيْ: حَوَالَيِ الْجَنَّةِ وَأَطْرَافِهَا) لِمَنْ تَرَكَ الْمِرَاءَ وَإِنْ كَانَ مُحِقًّا»[24]. [24] رواه أبو داود، برقم (4800).
- بغض الناس وكراهيتهم للمجادل، فَيَتَحاشَونَه خشية أن يؤذيهم بجداله، والجدال سبب في الهجر، وقطع حبال المودة، وإفساد ذات البين، وامتلاء القلوب بالضغائن والأحقاد، ودفع الحق وعدم قبوله.
- حرمان الوصول إلى الحق ومعرفة الصواب، وغياب السعادة المترتبة على هذا الوصول، ورفع البركة وذهاب الخير، قال بعض أهل العلم: "المجالسة للمناصحة فتح باب الفائدة، والمجالسة للمناظرة غلق باب الفائدة"[25]. [25] الإبانة الكبرى لابن بطة (2/ 548).
- الاستمرار في الجدال يؤدي إلى التمادي في الباطل، والتمسك بالخطأ.
ومن سبل الوقاية من هذا الأمر الخطير:
- تربية النفس على محبة الله وتوحيده ومعرفته، والسعي لتحصيل مرضاته.
- القيام بواجب النصيحة، والتحلي بآدابها؛ بحيث تؤتي ثمارها في توجيه المناظر إلى الجدال بالتي هي أحسن.
- سعي المربي الجاد إلى تربية الناس على حُبِّ الحق وقبوله من أي إنسان جاء به.
- الابتعاد عن تعلم فن الجدل والمناظرة قبل اكتمال الأهلية في العلم، فإن كان ولا بد من الجدال، فالواجب التأدب بآداب الجدال التي بينتها كتب الدعوة إلى الإسلام.
- غرس مفاهيم احترام الآخرين وتقديرهم، ولو اختلفت الأفكار والأقوال، والابتعاد عن مفهوم إلغاء المخالفين.
- تعويد النفس على الجرأة والشجاعة في الاعتراف بالخطأ.
- الابتعاد عن الأشخاص المتعصبين والذين يحبون الخوض بالباطل، وکذلك الامتناع عن مناقشة مثل هؤلاء الأشخاص؛ حيث سيجر الإنسان إلى الجدال والمراء، وإن کان غير قاصد لذلك.
- اختيار السکوت في کل مورد يحتمل فيه أن يکون الجدال بالباطل، وکلما استمر هذا السکوت مدة أطول، وتحمل الإنسان الضغط النفسي، فإن ذلك سيوفر الأرضية المساعدة للتخلص من شر هذه الحالة السلبية، ومعالجة هذه الصفة فی النفس.
- التفکر الدقيق في النتائج السلبية والعواقب الوخيمة المترتبة على هذه الصفة الذميمة.
التَّنابُزُ بالألقاب المكروهة
اتفق العلماء على تحريم تلقيب الإنسان بما يكرهه، سواء كان صفة له أو لأبيه أو لأمه أو غيرهما مما يكره، فإن هذا الفعل فيه من سوء الخلق الشيء الكثير، وقد جاءت النصوص الشرعية بالنهي عنه.
ومعنى التنابز بالألقاب: هو دعاء المرء صاحبه بما يكرهه من اسم أو صفة. والتسمية والتنادي والتداعي بالألقاب المكروهة. والتلقيب المنهي عنه: هو ما يكرهه المدعو به لكونه ذمًّا له، كفُلان القصير، أو الأعرج، أو تلقيب الغير باسم يكره أن يُنادى به، حتى لو لم يكن فيه انتقاص له مثل تصغير اسمه، فأما ما يحبه فلا بأس به.
ومن صور التنابز أيضًا أن يُعيَّر الإنسانُ بذنب قد تاب منه أو أُقيم عليه الحد بسببه، قال ابن عباس رضي الله عنهما: "التنابز بالألقاب أن يكون الرجل عمل السيئات ثم تاب منها، وراجع الحق، فنهى الله أن يُعيَّر بما سلف من عمله"[26]. [26] تفسير الطبري (21/ 371).
أما إذا كان الشخص لا يُعرف إلا بهذا اللقب، فهذا لا شيء فيه، كما أن بعض العلماء يُلقَّب بالقصير أو الأعمش أو الأعرج، وذلك لأنها قد صارت علامات يُعرفون بها، ولم يكن يُقصَد بها انتقاصهم.
الأدلة على تحريم التنابز بالألقاب المكروهة:
قال تعالى: ﴿...وَلَا تَنَابَزُواْ بِٱلۡأَلۡقَٰبِۖ بِئۡسَ ٱلِٱسۡمُ ٱلۡفُسُوقُ بَعۡدَ ٱلۡإِيمَٰنِۚ وَمَن لَّمۡ يَتُبۡ فَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلظَّٰلِمُونَ﴾ [الحجرات: 11].
قال السعدي رحمه الله: "أي: لا يُعيِّر أحدكم أخاه، ويلقِّبه بلقبِ ذمٍّ يكره أن يُطلق عليه، وهذا هو التنابز، وأما الألقاب غير المذمومة، فلا تدخل في هذا.
﴿...بِئۡسَ ٱلِٱسۡمُ ٱلۡفُسُوقُ بَعۡدَ ٱلۡإِيمَٰنِۚ...﴾ أي: بئسما تبدلتم عن الإيمان والعمل بشرائعه وما تقتضيه، بالإعراض عن أوامره ونواهيه، باسم الفسوق والعصيان، الذي هو التنابز بالألقاب.
﴿...وَمَن لَّمۡ يَتُبۡ فَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلظَّٰلِمُونَ﴾ فهذا هو الواجب على العبد، أن يتوب إلى الله تعالى، ويخرج من حق أخيه المسلم باستحلاله، والاستغفار والمدح له مقابلة على ذمه"[27]. [27] تفسير السعدي (ص: 801).
وعن عائشة رضي الله عنها قالت: قُلْتُ لِلنَّبِيِّ ﷺ: حَسْبُكِ مِنْ صَفِيَّةَ كَذَا وَكَذَا. تَعْنِي قَصِيرَةً، فَقَالَ ﷺ: «لَقَدْ قُلْتِ كَلِمَةً لَوْ مُزِجَتْ بِمَاءِ الْبَحْرِ لَمَزَجَتْهُ». قَالَتْ: وَحَكَيْتُ لَهُ إِنْسَانًا، فَقَالَ: «مَا أُحِبُّ أَنِّي حَكَيْتُ إِنْسَانًا، وَإِنَّ لِي كَذَا وَكَذَا»[28]. [28] رواه أبو داود، برقم (4875).
ومعنى: "حسبك من صفية كذا وكذا " أي: يكفيك من عيوبها أنها قصيرة. "مزجته " خالطته مخالطة يتغير بها طعمه أو ريحه؛ لشدة نتنِها وقبحِها. قولها: "وحكيت له إنسانًا " أي: حَكَت وقلَّدت له بالفعل حركة إنسان يكرهها، كأن تمشي متعارجة أو مطأطئة، وغير ذلك من الهيئات تحكي بذلك صاحبها. قوله: "ما أحب أني حكيت إنسانًا " أي: أن هذا العمل غير جائز.
أضرار التنابز بالألقاب المكروهة:
- أنه معصية لله تعالى، بل كبيرة من الكبائر، وفاعله فاسق، كما في الآية السابقة.
- أن فاعله يتسبب لنفسه أن يقابله غيره بنبزه هو أيضًا بما يكره من الألقاب، أو حتى سبه والطعن عليه.
- أنه من أكبر أسباب انتشار العداوة والبغضاء بين الناس، وقد قَالَ ﷺ: «وَلَا تَبَاغَضُوا، وَكُونُوا عِبَادَ اللَّهِ إِخْوَانًا»[29]. [29] رواه البخاري، برقم (6064)، ومسلم، برقم (2558).
- أن صاحب هذا الفعل مُعرَّض لأَنْ يكون من المفلسين يوم القيامة، كما في حديث أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «أَتَدْرُونَ مَا المُفْلِسُ؟». قَالُوا: الْمُفْلِسُ فِينَا مَنْ لَا دِرْهَمَ لَهُ وَلَا مَتَاعَ. فَقَالَ: «إِنَّ الْمُفْلِسَ مِنْ أُمَّتِي يَأْتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِصَلَاةٍ، وَصِيَامٍ، وَزَكَاةٍ، وَيَأْتِي قَدْ شَتَمَ هَذَا، وَقَذَفَ هَذَا، وَأَكَلَ مَالَ هَذَا، وَسَفَكَ دَمَ هَذَا، وَضَرَبَ هَذَا، فَيُعْطَى هَذَا مِنْ حَسَنَاتِهِ، وَهَذَا مِنْ حَسَنَاتِهِ، فَإِنْ فَنِيَتْ حَسَنَاتُهُ قَبْلَ أَنْ يُقْضَى مَا عَلَيْهِ أُخِذَ مِنْ خَطَايَاهُمْ فَطُرِحَتْ عَلَيْهِ، ثُمَّ طُرِحَ فِي النَّارِ»[30]. [30] رواه مسلم، برقم (2581).
كيفية الوقاية من التنابز بالألقاب:
- أن يتربى المسلم على خشية الله تعالى، ويعلم أن هذه المعصية تعرضه لغضب الله عز وجل وعقابه.
- الحرص على التربية السليمة من قبل الأسرة، فمثل هذا لا يخرج ممن تربى في أسرة صالحة علَّمت أولادها الأخلاق الكريمة.
- أن يحرص المسلم على زيادة إيمانه؛ فإن الإيمان يصد صاحبه عن كثير من المعاصي.
- نشر الوعي الديني بين أفراد المجتمع، ومنه تعليم المسلمين أنهم إخوة، والأخ لا يسمي أخاه بما يكرهه.
- الابتعاد عن أصدقاء السوء الذين لا ينهونه عن التنابز بالألقاب، بل يشاركونه فيها.
- أن يضع الإنسان نفسه مكان هذا الشخص الذي يتكلم فيه، فهل يرضى هذا على نفسه!
ترك صلاة الجمعة بغير عذر
صلاة الجمعة شعيرة من شعائر الإسلام الظاهرة، والتي أمر الله تعالى بالمحافظة عليها والسعي إليها وعدم تركها فقال: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَوٰةِ مِن يَوۡمِ ٱلۡجُمُعَةِ فَٱسۡعَوۡاْ إِلَىٰ ذِكۡرِ ٱللَّهِ وَذَرُواْ ٱلۡبَيۡعَۚ ذَٰلِكُمۡ خَيۡرٞ لَّكُمۡ إِن كُنتُمۡ تَعۡلَمُونَ 9 فَإِذَا قُضِيَتِ ٱلصَّلَوٰةُ فَٱنتَشِرُواْ فِي ٱلۡأَرۡضِ وَٱبۡتَغُواْ مِن فَضۡلِ ٱللَّهِ وَٱذۡكُرُواْ ٱللَّهَ كَثِيرٗا لَّعَلَّكُمۡ تُفۡلِحُونَ 10﴾ [الجمعة: 9، 10].
وعن حفصة أم المؤمنين زوج النبي صلى الله عليه وسلم رضي الله عنها، أن النبي ﷺ قال: «رَوَاحُ الْجُمُعَةِ وَاجِبٌ عَلَى كُلِّ مُحْتَلِمٍ»[31]. [31] رواه النسائي، برقم (1371).
وقد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم عن وعيد تارك صلاة الجمعة بالختم على قلبه، فعن عبد الله بن عمر وأبي هريرة رضي الله عنهما، أنهما سمعا رسول الله ﷺ يقول على أعواد منبره: «لَيَنْتَهِيَنَّ أَقْوَامٌ عَنْ وَدْعِهِمُ الْجُمُعَاتِ، أَوْ لَيَخْتِمَنَّ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ، ثُمَّ لَيَكُونُنَّ مِنَ الْغَافِلِينَ»[32]. [32] رواه مسلم، برقم (865).
قال ابن عبد البر: "الختم على القلوب مثل الطبع عليها وهذا وعيد شديد؛ لأن من طُبع على قلبه وخُتم عليه لم يعرف معروفًا ولم ينكر منكرًا"[33]. [33] الاستذكار (5/ 117).
وقال القاضي عياض: "العقاب والوعيد والطبع والختم إنما يكون على الكبائر"[34]. [34] إكمال المعلم (3/ 265).
وأدلة تحريم ترك صلاة الجمعة بدون عذر وبيان شناعته وعِظَمِ جُرمه كثيرة، منها:
عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه، أن النبي ﷺ، قال لقوم يتخلفون عن الجمعة: «لَقَدْ هَمَمْتُ أَنْ آمُرَ رَجُلًا يُصَلِّي بِالنَّاسِ، ثُمَّ أُحَرِّقَ عَلَى رِجَالٍ يَتَخَلَّفُونَ عَنِ الْجُمُعَةِ بُيُوتَهُمْ»[35]. [35] رواه مسلم، برقم (865).
وعن أبي الجعد الضمري رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «مَنْ تَرَكَ الْجُمُعَةَ ثَلَاثًا مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ، فَهُوَ مُنَافِقٌ»[36]. [36] رواه ابن خزيمة، برقم (1857).
وفي رواية عنه أن رسول الله ﷺ قال: «مَنْ تَرَكَ ثَلَاثَ جُمَعٍ تَهَاوُنًا بِهَا، طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قَلْبِهِ»[37]. [37] رواه أبو داود، برقم (1052).
ولترك صلاة الجمعة بغير عذر أضرار كثيرة، منها:
- ضياع شعيرة عظيمة ومظهر من مظاهر الإسلام يجمع المسلمين.
- يطبع الله على قلب المتخلف عنها، ويختم عليه.
- المتخلف عن صلاة الجمعة نبذ الإسلام وراء ظهره، فعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: "من ترك الجمعة ثلاث جُمَع متواليات فقد نبذ الإسلام وراء ظهره"[38]. [38] رواه أبو يعلى الموصلي في "مسنده " (5/ 102).
- قلة العلم بسبب غيابه عن سماع الموعظة والتذكير في خطبة الجمعة.
- رد شهادته، قال يزيد بن هارون: إن عبد الملك بن يعلى وكان قاضي البصرة قال: "من ترك ثلاث جمع من غير عذر لم تَجُزْ شهادته"[39]. [39] أخبار القضاة لوكيع (2 / 17).
سبل الوقاية من الوقوع في ترك صلاة الجمعة بغير عذر
- تعظيم يوم الجمعة في القلوب ومعرفة قدره، فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «خَيْرُ يَوْمٍ طَلَعَتْ عَلَيْهِ الشَّمْسُ يَوْمُ الْجُمُعَةِ: فِيهِ خُلِقَ آدَمُ، وَفِيهِ أُدْخِلَ الْجَنَّةَ، وَفِيهِ أُخْرِجَ مِنْهَا»[40]. [40] رواه مسلم، برقم (854).
- معرفة الفضل العظيم لمن تجهَّز لصلاة الجمعة، وسارع إليها، وأنصت للخطبة، فعن سلمان الفارسي رضي الله عنه قال: قال النبي ﷺ: «لَا يَغْتَسِلُ رَجُلٌ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، وَيَتَطَهَّرُ مَا اسْتَطَاعَ مِنْ طُهْرٍ، وَيَدَّهِنُ مِنْ دُهْنِهِ، أَوْ يَمَسُّ مِنْ طِيبِ بَيْتِهِ، ثُمَّ يَخْرُجُ فَلَا يُفَرِّقُ بَيْنَ اثْنَيْنِ، ثُمَّ يُصَلِّي مَا كُتِبَ لَهُ، ثُمَّ يُنْصِتُ إِذَا تَكَلَّمَ الْإِمَامُ، إِلَّا غُفِرَ لَهُ مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجُمُعَةِ الْأُخْرَى»[41]. [41] رواه البخاري، برقم (883).
وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال النبي ﷺ: «إِذَا كَانَ يَوْمُ الْجُمُعَةِ وَقَفَتِ الْمَلَائِكَةُ عَلَى بَابِ الْمَسْجِدِ يَكْتُبُونَ الْأَوَّلَ فَالْأَوَّلَ، وَمَثَلُ الْمُهَجِّرِ (أَيْ: الْمُبَكِّرِ إِلَى الْمَسْجِدِ) كَمَثَلِ الَّذِي يُهْدِي بَدَنَةً، ثُمَّ كَالَّذِي يُهْدِي بَقَرَةً، ثُمَّ كَبْشًا، ثُمَّ دَجَاجَةً، ثُمَّ بَيْضَةً، فَإِذَا خَرَجَ الْإِمَامُ طَوَوْا صُحُفَهُمْ، وَيَسْتَمِعُونَ الذِّكْرَ»[42]. [42] رواه البخاري، برقم (929)، ومسلم، برقم (850).
- عدم الإسراف في السهر ليلة الجمعة لئلا يُفضي إلى النوم عن صلاة الجمعة.
- ترك التجارة ساعة إقامة صلاة الجمعة، قال تعالى: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَوٰةِ مِن يَوۡمِ ٱلۡجُمُعَةِ فَٱسۡعَوۡاْ إِلَىٰ ذِكۡرِ ٱللَّهِ وَذَرُواْ ٱلۡبَيۡعَۚ...﴾ [الجمعة: 9].
- تربية النشأ الصغار على الذهاب للجمعة، وتعظيم هذا اليوم في نفوسهم.
- على وليِّ الأمر أن يعاقب المتخلفين عن صلاة الجمعة بلا عذر، بما يكون رادعًا لهم ولغيرهم.
تأخير الصلاة عن وقتها
الصلاة لها مكانة عالية في الإسلام، فهي عمود الدين، وهي أول عبادة بعد الشهادتين، فعن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله ﷺ: «بُنِيَ الإِسْلامُ عَلَى خَمْسٍ: شَهَادَةِ أَنْ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، وَإِقَامِ الصَّلاةِ، وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ، وَحَجِّ البَيْتِ، وَصَوْمِ رَمَضَانَ»[43]. [43] رواه البخاري، برقم (8)، ومسلم، برقم (21).
وإن الله عز وجل قد جعل للصلاة مواقيت أوجب على المؤمنين تأديتها فيها؛ قال تعالى: ﴿...إِنَّ ٱلصَّلَوٰةَ كَانَتۡ عَلَى ٱلۡمُؤۡمِنِينَ كِتَٰبٗا مَّوۡقُوتٗا﴾ [النساء: 103].
قال السعدي في تفسير هذه الآية: "أي: مفروضًا في وقته، فدل ذلك على فرضيتها، وأن لها وقتًا لا تصح إلا به، وهو هذه الأوقات التي قد تقررت عند المسلمين صغيرهم وكبيرهم، عالمهم وجاهلهم، وأخذوا ذلك عن نبيهم محمد صلى الله عليه وسلم بقوله: «صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي». ودل قوله: ﴿عَلَى ٱلۡمُؤۡمِنِينَ﴾ على أن الصلاة ميزان الإيمان، وعلى حسب إيمان العبد تكون صلاته وتتم وتكمل"[44]. [44] تفسير السعدي (ص: 199).
فلا يحل لأحد أن يؤخر صلاةً عن وقتها الذي حدده الله لها بلا عذر شرعي، وإلا وقع في كبيرة من كبائر الذنوب. وقد "اتفق الفقهاء على تحريم تأخير الصلاة حتى يخرج وقتها بلا عذر شرعي"[45]. [45] الموسوعة الفقهية (١٠/٨).
الأدلة على أن تأخير الصلاة من الكبائر:
قال تعالى: ﴿فَخَلَف مِنۢ بَعۡدِهِمۡ خَلۡفٌ أَضَاعُواْ ٱلصَّلَوٰةَ وَٱتَّبَعُواْ ٱلشَّهَوَٰتِۖ فَسَوۡفَ يَلۡقَوۡنَ غَيًّا 59﴾ [مريم: 59]. ﴿غَيًّا﴾ أي: عذابًا مضاعفًا شديدًا.
قال الثعلبي: "قال ابن مسعود وإبراهيم والقاسم بن مخيمرة: أخَّروها عن مواقيتها، وصلوا لغير وقتها"[46]. [46] تفسير الثعلبي: (17/ 40).
وقال تعالى: ﴿فَوَيۡلٞ لِّلۡمُصَلِّينَ 4 ٱلَّذِينَ هُمۡ عَن صَلَاتِهِمۡ سَاهُونَ 5﴾ [الماعون: 4، 5].
والمقصود بالسهو عن الصلاة هنا تأخيرها عن وقتها، فعن مصعب بن سعد بن أبي وقاص قال: قلت لأبي: "أرأيت قول الله عز وجل: ﴿ٱلَّذِينَ هُمۡ عَن صَلَاتِهِمۡ سَاهُونَ﴾: أهي تركها؟ قال: لا ولكن تأخيرها عن وقتها"[47]. [47] تفسير الطبري (24/ 659).
وقال السعدي رحمه الله: "﴿فَوَيۡلٞ لِّلۡمُصَلِّينَ﴾ أي: الملتزمون لإقامة الصلاة، ولكنهم ﴿عَن صَلَاتِهِمۡ سَاهُونَ﴾ أي: مضيِّعون لها، تاركون لوقتها، مفوِّتون لأركانها، وهذا لعدم اهتمامهم بأمر الله حيث ضيَّعوا الصلاة، التي هي أهم الطاعات، وأفضل القربات"[48]. [48] تفسير السعدي (ص: 935).
وعن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما، أن رسول الله ﷺ قال: «الَّذِي تَفُوتُهُ صَلَاةُ الْعَصْرِ، كَأَنَّمَا وُتِرَ أَهْلَهُ وَمَالَهُ»[49]. [49] رواه البخاري، برقم (552)، ومسلم، برقم (626).
ومعنى الحديث: أن الذي تفوته صلاة العصر، فلا يصليها في وقتها المحدد، فكأنه بقي بلا أهل ولا مال، فليحذر من تفويتها كما يحذر من ذهاب أهله وماله[50]. [50] ينظر: شرح صحيح مسلم للنووي (5/ 126).
وعن أبي المليح قال: كنا مع بُريدة رضي الله عنه في غزوة في يوم ذي غيم، فقال: بكِّروا بصلاة العصر، فإن النبي ﷺ قال: «مَنْ تَرَكَ صَلَاةَ الْعَصْرِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ»[51]. [51] رواه البخاري، برقم (553).
وعن سمرة بن جندب رضي الله عنه قال: كان رسول الله ﷺ مما يكثر أن يقول لأصحابه: «هَلْ رَأَى أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنْ رُؤْيَا » قَالَ: فَيَقُصُّ عَلَيْهِ مَنْ شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَقُصَّ، وَإِنَّهُ قَالَ ذَاتَ غَدَاةٍ: «إِنَّهُ أَتَانِي اللَّيْلَةَ آتِيَانِ، وَإِنَّهُمَا ابْتَعَثَانِي، وَإِنَّهُمَا قَالَا لِي: انْطَلِقْ، وَإِنِّي انْطَلَقْتُ مَعَهُمَا، وَإِنَّا أَتَيْنَا عَلَى رَجُلٍ مُضْطَجِعٍ، وَإِذَا آخَرُ قَائِمٌ عَلَيْهِ بِصَخْرَةٍ، وَإِذَا هُوَ يَهْوِي بِالصَّخْرَةِ لِرَأْسِهِ فَيَثْلَغُ (أَيْ: يَكْسِرُ) رَأْسَهُ، فَيَتَدَهْدَهُ (يَنْحَطُّ مِنْ عُلُوٍّ إِلَى سُفْلٍ) الْحَجَرُ هَاهُنَا، فَيَتْبَعُ الْحَجَرَ فَيَأْخُذُهُ، فَلَا يَرْجِعُ إِلَيْهِ حَتَّى يَصِحَّ رَأْسُهُ كَمَا كَانَ، ثُمَّ يَعُودُ عَلَيْهِ فَيَفْعَلُ بِهِ مِثْلَ مَا فَعَلَ الْمَرَّةَ الْأُولَى. قَالَ: قُلْتُ لَهُمَا: سُبْحَانَ اللَّهِ مَا هَذَانِ؟ قَالَ: قَالَا لِي: انْطَلِقْ انْطَلِقْ... قَالَا لِي: أَمَا إِنَّا سَنُخْبِرُكَ، أَمَّا الرَّجُلُ الْأَوَّلُ الَّذِي أَتَيْتَ عَلَيْهِ يُثْلَغُ رَأْسُهُ بِالْحَجَرِ، فَإِنَّهُ الرَّجُلُ يَأْخُذُ الْقُرْآنَ فَيَرْفُضُهُ وَيَنَامُ عَنِ الصَّلَاةِ الْمَكْتُوبَةِ»[52]. [52] رواه البخاري، برقم (7047).
أضرار تأخير الصلاة عن وقتها:
- أنه سبب من أسباب عذاب القبر، فيوكَّل به ملك يكسر عظام جمجمته بالحجارة.
- أنه من أسباب العذاب الشديد يوم القيامة.
- أنه من أسباب حبوط العمل كما سبق فيمن ترك صلاة العصر حبط عمله.
- الصلاة هي أول ما يحاسب عليه العبد يوم القيامة، فإن صلحت فقد أفلح، وإن فسدت فقد خاب وخسر، ومن تعمد إخراج الصلاة عن وقتها فهو ممن لم تصلح صلاته على الوجه المطلوب، فيُخشى عليه الخسران، كما روى أبو هريرة رضي الله عنه، عن رسول الله ﷺ أنه قال: «إِنَّ أَوَّلَ مَا يُحَاسَبُ بِهِ الْعَبْدُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنْ عَمَلِهِ صَلَاتُهُ، فَإِنْ صَلَحَتْ فَقَدْ أَفْلَحَ وَأَنْجَحَ، وَإِنْ فَسَدَتْ فَقَدْ خَابَ وَخَسِرَ»[53]. [53] رواه الترمذي، برقم (413).
وقال عون بن عبد الله رحمه الله: "إن العبد إذا أُدخل قبره سُئل عن الصلاة أول شيء يُسأل عنه، فإن جازت له نُظِر فيما دون ذلك من عمله، وإن لم تُجَز له لم يُنظر في شيء من عمله بعدُ"[54]. [54] الكبائر للذهبي (ص: 20).
سبل الوقاية من تأخير الصلاة عن وقتها:
- أن يعلم المسلم أنه لا شيء أهم من صلاته بعد الشهادتين، فهي أول ما يحاسب عليه يوم القيامة، فينبغي أن يحافظ على أدائها في أول وقتها.
- أن لا يخاف على فوات رزقه فيؤخر الصلاة، فإن كثيرًا من الناس يؤخرون الصلاة من أجل تجارتهم وأعمالهم، قال تعالى: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تُلۡهِكُمۡ أَمۡوَٰلُكُمۡ وَلَآ أَوۡلَٰدُكُمۡ عَن ذِكۡرِ ٱللَّهِۚ وَمَن يَفۡعَلۡ ذَٰلِكَ فَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡخَٰسِرُونَ 9﴾ [المنافقون: 9]، قال ابن حجر الهيتمي: "قال جماعة من المفسرين: المراد بذكر الله هنا الصلوات الخمس، فمن اشتغل عن الصلاة في وقتها بماله كبيعه أو صنعته أو ولده كان من الخاسرين"[55]. [55] الزواجر عن اقتراف الكبائر (1/ 220).
وينبغي أن يعلم أن رزقه بيد مَن يصلي له، بل إن الصلاة سبب من أسباب الرزق، قال تعالى: ﴿وَأۡمُرۡ أَهۡلَكَ بِٱلصَّلَوٰةِ وَٱصۡطَبِرۡ عَلَيۡهَاۖ لَا نَسۡـَٔلُكَ رِزۡقٗاۖ نَّحۡنُ نَرۡزُقُكَۗ...﴾ [طه: 132].
- أن يحافظ المسلم على صلاة الجماعة في المسجد، فإن من حافظ عليها في المسجد لا يكاد يؤخر صلاة عن وقتها، أما من اعتاد الصلاة في بيته فإنه ربما انشغل بما لا ينفك عنه إلا مع أذان المؤذن للصلاة التي تليها.
- أن يعوِّد المسلم نفسه على النوم مبكرًا، وعدم إجهاد النفس فوق طاقتها في الأعمال، وكذا التقلل من الطعام عند النوم؛ ليسهل عليه القيام لصلاة الفجر.
ولذلك فلا بد للإنسان من أن يجعل له أسبابًا توقظه، مثل: أن يجعل ساعة، أو يكلم بعض أهله أو أصحابه لينبهوه.
- أن يترك مجالسة أصحاب السوء ممن يتهاونون في صلاتهم؛ فإنهم يؤثرون فيه ولا بد، ويكونون سببًا في تكاسله عن صلاته حتى يجمع بين الصلاتين والثلاثة بسبب جلوسه معهم.
ترك الحج
حج البيت الحرام لمن استطاع إليه سبيلًا ركنٌ من أركان الإسلام، قال ابن كثير: "وقد وردت الأحاديث المتعددة بأنه أحد أركان الإسلام ودعائمه وقواعده، وأجمع المسلمون على ذلك إجماعًا ضروريَّا، وإنما يجب على المكلف في العمر مرة واحدة بالنص والإجماع"[56]. [56] تفسير ابن كثير (2/ 81).
وعن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله ﷺ: «بُنِيَ الْإِسْلَامُ عَلَى خَمْسٍ: شَهَادَةِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، وَإِقَامِ الصَّلَاةِ، وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ، وَالْحَجِّ، وَصَوْمِ رَمَضَانَ»[57]. فمن تركه بدون عذر فقد ارتكب كبيرة من كبائر الذنوب. [57] رواه البخاري، برقم (8)، ومسلم، برقم (16).
وأدلة تحريم ترك الحج مع الاستطاعة وبيان شناعته وعِظَمِ جُرمه كثيرة، منها:
قال الله تعالى: ﴿...وَلِلَّهِ عَلَى ٱلنَّاسِ حِجُّ ٱلۡبَيۡتِ مَنِ ٱسۡتَطَاعَ إِلَيۡهِ سَبِيلٗاۚ وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ ٱللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ ٱلۡعَٰلَمِينَ﴾ [آل عمران: 97]. قال ابن كثير: "قوله: ﴿وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ ٱللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ ٱلۡعَٰلَمِينَ﴾ قال ابن عباس ومجاهد وغير واحد: أي ومن جحد فريضة الحج فقد كفر، والله غني عنه"[58]. [58] تفسير ابن كثير (2/ 81- 84).
وصح عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه قال: "مَنْ مَاتَ وَلَمْ يَحُجَّ وَهُوَ يَجِدُ سَعَةً، فَلْيَمُتْ إِنْ شَاءَ يَهُودِيًّا، وَإِنْ شَاءَ نَصْرَانِيًّا. وَلَقَدْ هَمَمْتُ أَنْ أَبْعَثَ رِجَالًا إِلَى الْأَمْصَارِ فَيَنْظُرُونَ مَنْ كَانَ لَهُ سَعَةٌ وَلَمْ يَحُجَّ أَنْ يَضْرِبُوا عَلَيْهِ الْجِزْيَةَ، وَاللَّهِ مَا هُمْ بِمُسْلِمِينَ، وَاللَّهِ مَا هُمْ بِمُسْلِمِينَ"[59]. ومثل ذلك الحديث لا يقال من قبل الرأي فيكون في حكم المرفوع. [59] ينظر: الزواجر عن اقتراف الكبائر (1/ 330).
وقال عبد الله بن عباس رضي الله عنهما: " مَا مِنْ أَحَدٍ لَمْ يَحُجَّ وَلَمْ يُؤَدِّ زَكَاةَ مَالِهِ إِلَّا سَأَلَ الرَّجْعَةَ عِنْدَ الْمَوْتِ، فَقِيلَ لَهُ: إِنَّمَا يَسْأَلُ الرَّجْعَةَ الْكُفَّارُ! قَالَ: إِنَّ ذَلِكَ فِي كِتَابِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، قال الله تعالى: ﴿وَأَنفِقُواْ مِن مَّا رَزَقۡنَٰكُم مِّن قَبۡلِ أَن يَأۡتِيَ أَحَدَكُمُ ٱلۡمَوۡتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوۡلَآ أَخَّرۡتَنِيٓ إِلَىٰٓ أَجَلٖ قَرِيبٖ فَأَصَّدَّقَ...﴾ أي: أُؤَدِّيَ الزَّكَاةَ ﴿...وَأَكُن مِّنَ ٱلصَّٰلِحِينَ...﴾ [المنافقون: 10] أي: أَحُجَّ"[60]. [60] رواه الترمذي، برقم (3316).
وعن سعيد بن جبير رحمه الله قال: "مات لي جار موسر لم يحج فلم أصلِّ عليه"[61]. [61] ينظر: الزواجر عن اقتراف الكبائر (1/ 331).
ولترك فريضة الحج بدون عذر أضرار كثيرة، منها:
- ضياع ركن من أركان الإسلام، فتارك الحج بدون عذر قد هدم ركنًا من أركان دينه، فهو على خطر عظيم.
- زوال شعيرة عظيمة من شعائر الإسلام، وهو اجتماع المسلمين في أداء مناسك الحج.
- وقوع خسائر دينية ودنيوية بترك الحج؛ فإن الله تعالى يقول: ﴿لِّيَشۡهَدُواْ مَنَٰفِعَ لَهُمۡ...﴾ [الحج: 28]، قال ابن عباس: منافع الدنيا والآخرة؛ أما منافع الآخرة فرضوان الله، وأما منافع الدنيا فما يصيبون من منافع البُدن والربح والتجارات[62]. [62] تفسير ابن كثير (5/ 414).
سبل الوقاية من الوقوع في جريمة ترك الحج بدون عذر:
- أن يعلم المسلم أن الحج ركن من أركان الإسلام، وأن يستحضر الوعيد في تركه.
- أن يعلم أنه إذا حج وأنفق من ماله، فإن الله سيخلفه مالًا خيرًا مما أنفقه وهو خير الرازقين، فلا يبخل بماله ولا يصده الشيطان ويبخِّله.
- أن نربي الأطفال الصغار على الحج ونعوِّدهم عليه، فعن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما قال: رفعت امرأة صبيًّا لها، فقالت: يا رسول الله، ألهذا حَجٌّ؟ قال: «نَعَمْ، وَلَكِ أَجْرٌ»[63]. [63] رواه مسلم، برقم (1336).
الطعن في الأنساب
جعل الله تعالى الأنساب بين الناس سببًا في تعارف بعضهم ببعض، والتواصل فيما بينهم، وبها تُحفظ الحقوق، ويتناصر الناس ويتعاونون، ولذلك حرم سبحانه وتعالى الطعن في الأنساب، وجعله من أفعال أهل الجاهلية المذمومة، وهو كبيرة من الكبائر، ونوع من أنواع القذف المحرم.
وحقيقة الطعن في الأنساب: هو عيب الإنسان والطعن في نسبه بأنه ليس ابن فلان أو ليس من آل فلان، أو عيب الإنسان بأن آباءه من عائلة فقيرة أو ضعيفة أو نحو ذلك.
الأدلة على تحريم الطعن في الأنساب:
قال تعالى: ﴿وَٱلَّذِينَ يُؤۡذُونَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ وَٱلۡمُؤۡمِنَٰتِ بِغَيۡرِ مَا ٱكۡتَسَبُواْ فَقَدِ ٱحۡتَمَلُواْ بُهۡتَٰنٗا وَإِثۡمٗا مُّبِينٗا 58﴾ [الأحزاب: 58].
قال ابن علان الشافعي رحمه الله: "ولا شبهة في أن الطعن في النسب، من أعظم أنواع الأذى، فالآية تشمله شمولًا بيِّنًا"[64]. [64] دليل الفالحين لطرق رياض الصالحين (8/ 421).
وعن أبي مالك الأشعري رضي الله عنه، أن النبي ﷺ قال: «أَرْبَعٌ فِي أُمَّتِي مِنْ أَمْرِ الْجَاهِلِيَّةِ، لَا يَتْرُكُونَهُنَّ: الْفَخْرُ فِي الْأَحْسَابِ، وَالطَّعْنُ فِي الْأَنْسَابِ، وَالِاسْتِسْقَاءُ بِالنُّجُومِ، وَالنِّيَاحَةُ»[65]. [65] رواه مسلم، برقم (934).
وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «أَرْبَعٌ مِنْ أَمْرِ الْجَاهِلِيَّةِ لَنْ يَدَعَهُنَّ النَّاسُ: النِّيَاحَةُ عَلَى الْمَيِّتِ، وَالطَّعْنُ فِي الْأَنْسَابِ...»[66]. [66] رواه أحمد، برقم (10809).
وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: كان رسول الله ﷺ يقول: «اثْنَانِ هُمَا كُفْرٌ: النِّيَاحَةُ، وَالطَّعْنُ فِي النَّسَبِ»[67]. [67] رواه أحمد، برقم (8905).
وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: "خلال (أي: صفات) من خلال الجاهلية: الطعن في الأنساب والنياحة"[68]. [68] رواه البخاري، برقم (3850).
قال ابن العربي رحمه الله: "قوله: "من أمور الجاهلية " يعني: أنها معاصٍ وذنوب يأتونها مع اعتقادهم بأنها حرام، وهكذا جميع المعاصي توجب اسم الفسوق وحقيقته، ولا توجب حقيقة الكفر، وقد يُطلَق عليها اسم الكفر، وقد روى مسلم: "اثنتان في الناس هما كفر: الطعن في النسب، والنياحة على الميت " ومعنى تشبيههما بالكفر: أنهما من أفعال الكفر"[69]. [69] المسالك في شرح موطأ مالك (3/ 578).
أضرار الطعن في الأنساب:
- أنه معصية لله تعالى، قال القاضي عياض رحمه الله بعد أن ذكر قوله تعالى: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِنَّا خَلَقۡنَٰكُم مِّن ذَكَرٖ وَأُنثَىٰ وَجَعَلۡنَٰكُمۡ شُعُوبٗا وَقَبَآئِلَ لِتَعَارَفُوٓاْۚ...﴾ [الحجرات: 13] "فعرَّف نعمته بالأنساب للتعارف والتواصل، فمن تسوَّر (أي: تجرأ واعتدى) على قطعها والغمص منها (أي: الانتقاص منها)، فقد كفر نعمة ربه وخالف مراده"[70]. [70] إكمال المعلم (1/ 326).
- أنه سبب لفسق الطاعن؛ إذ هو سبٌّ منه وقذف لمن طعن في نسبه.
- أنه من أفعال أهل الجاهلية، بل من أفعال الكفر، وإن لم يكن الكفر المخرج من الملة.
- أن فيه أذية للمؤمنين، وقد قال قتادة: "إياكم وأذى المؤمن، فإن الله يحوطه، ويغضب له"[71]. [71] تفسير الطبري (19/ 180).
- أنه قد يكون سببًا للطعن في نسب من ارتكب هذه المعصية؛ فإن كثيرًا من الناس يرد السب والقذف بمثله، فيكون الطاعن قد تسبب بالطعن في نسب نفسه، وهذا من أكبر الكبائر؛ فعن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما قال: قال رسول الله ﷺ: «إِنَّ مِنْ أَكْبَرِ الْكَبَائِرِ أَنْ يَلْعَنَ الرَّجُلُ وَالِدَيْهِ» قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَكَيْفَ يَلْعَنُ الرَّجُلُ وَالِدَيْهِ؟ قَالَ: «يَسُبُّ الرَّجُلُ أَبَا الرَّجُلِ، فَيَسُبُّ أَبَاهُ، وَيَسُبُّ أُمَّهُ فَيَسُبُّ أُمَّهُ»[72]. [72] رواه البخاري، برقم (5973)، ومسلم، برقم (90).
كيفية الوقاية من الطعن في الأنساب:
- أن يعلم الطاعن في الأنساب أنه عاصٍ لله تعالى، وأنه ليس أشأم على المرء من معصية ربه.
- أن يعلم أنه متعرِّض لغضب الله تعالى عليه من أجل أذيته للمؤمنين.
- أن يعلم أنه بفعله هذا مشابه لأهل الجاهلية في أفعالهم وتصرفاتهم، وقد ثبت عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أنه قال: قال رسول الله ﷺ: «مَنْ تَشَبَّهَ بِقَوْمٍ فَهُوَ مِنْهُمْ»[73]. [73] رواه أبو داود، برقم (4031).
- نشر المحبة والألفة بين أفراد المجتمع المسلم، فإن العداوة من أكبر الدوافع لارتكاب مثل هذه المآثم.
- أن يتربى المسلمون على أنهم جميعًا إخوة؛ ولا يليق بأخ أن يطعن على أخيه في شيء يؤذيه به.
- الأخذ على أيدي السفهاء ممن يرتكبون مثل هذه الأفعال، فلا أقل من هجر مثل هذا لينزجر هو وغيره.
- عدم تصديق هؤلاء الطُّعَّان، فينبغي على المسلم ألا يقبل خبرًا إلا من عدل، ولا شك أن من يطعن في نسب غيره ليس بعدل طالما لم يأت ببينة، قال تعالى: ﴿لَّوۡلَآ إِذۡ سَمِعۡتُمُوهُ ظَنَّ ٱلۡمُؤۡمِنُونَ وَٱلۡمُؤۡمِنَٰتُ بِأَنفُسِهِمۡ خَيۡرٗا وَقَالُواْ هَٰذَآ إِفۡكٞ مُّبِينٞ 12﴾ [النور: 12].
أي: هلَّا إذ سمع المؤمنون والمؤمنات هذا الإفك العظيم ظنوا سلامة من افتُرِي عليه ذلك من إخوانهم المؤمنين، وقالوا: هذا كذب واضح[74]. [74] المختصر في تفسير القرآن الكريم (1/ 351).
-أن يعلم أن جميع الناس من آدم عليه السلام، وأن أكرم الناس بحسب التقوى لله تعالى.
سَبُّ الدَّهر
إن سب الدهر محرم شرعًا، وهو من الكبائر؛ وذلك لما فيه من أذية لله تعالى، فإنه يقتضي أحد أمرين: إما شتم الله تعالى لأنه الخالق له، أو الإشراك به إن اعتقد أن للدهر تصرف في الخلق.
والمقصود بسب الدهر: هو أن يشتم الزمان ويعيبه ويلومه ويتسخط مما وقع فيه، ويضيف هذا الشيء الواقع إلى الزمان، مع أن الأمر كله بيد الله عز وجل، وسواء عبر عن الدهر بالزمن أو اليوم أو الوقت فهو حرام، كقول بعضهم: يوم أسود، أو يوم أغبر، ويقصد بذلك الشتم.
وسب الدهر ينقسم إلى ثلاثة أقسام:
الأول: أن يقصد الخبر المحض دون اللوم والشتم، فهذا جائز، مثل أن يقول: تعبنا من شدة حر هذا اليوم أو برده، وما أشبه ذلك؛ لأن الأعمال بالنيات، ومثل هذا اللفظ صالح لمجرد الخبر، ومنه قوله تعالى: ﴿...سَبۡعٌ عِجَافٞ...﴾ [يوسف: 43]، ﴿...سَبۡعٞ شِدَادٞ...﴾ [يوسف: 48]، ﴿...وَقَالَ هَٰذَا يَوۡمٌ عَصِيبٞ﴾ [هود: 77].
الثاني: أن يسب الدهر على أنه هو الفاعل، كأن يعتقد بسبِّه الدهرَ أن الدهر هو الذي يفعل الأمور من خير وشر، فهذا شرك أكبر؛ لأنه اعتقد أن مع الله خالقًا؛ لأنه نسب المخلوقات إلى غير الله تعالى، وكل من اعتقد أن مع الله خالقًا فهو كافر، كما أن من اعتقد أن مع الله إلهًا يستحق أن يُعبد فإنه كافر.
الثالث: أن يسب الدهر لا لاعتقاده أنه هو الفاعل، بل يعتقد أن الله هو الفاعل، لكن يسبُّه لأنه محل لهذا الأمر المكروه عنده؛ فهذا محرم، ولا يصل إلى درجة الشرك، وهو من السفه في العقل والضلال في الدين؛ لأن حقيقة سبِّه تعود إلى الله سبحانه؛ لأن الله تعالى هو الذي يُصرِّف الدهر ويكون فيه ما أراد من خير أو شر، فليس الدهر فاعلًا، وليس هذا السب بكفر؛ لأنه لم يسب الله تعالى مباشرة[75]. [75] ينظر: مجموع فتاوى ورسائل العثيمين (10/ 823).
الأدلة على تحريم سب الدهر:
عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: يُؤْذِينِي ابْنُ آدَمَ يَسُبُّ الدَّهْرَ، وَأَنَا الدَّهْرُ، بِيَدِي الْأَمْرُ أُقَلِّبُ اللَّيْلَ وَالنَّهَار»[76]. [76] رواه البخاري، برقم (4826)، ومسلم، برقم (2246).
قوله تعالى: "وأنا الدهر " أي: مدبر الدهر ومصرفه؛ لقوله تعالى: ﴿...وَتِلۡكَ ٱلۡأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيۡنَ ٱلنَّاسِ...﴾ [آل عمران: 140]، ولقوله في الحديث نفسه: «أُقَلِّبُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ»، والليل والنهار هما الدهر.
وقوله: «أُقَلِّبُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ» أي: ذواتهما وما يحدث فيهما؛ فالليل والنهار يُقلَّبان من طول إلى قصر إلى تساوٍ، والحوادث تتقلب فيه في الساعة وفي اليوم وفي الأسبوع وفي الشهر وفي السنة، قال تعالى: ﴿قُلِ ٱللَّهُمَّ مَٰلِكَ ٱلۡمُلۡكِ تُؤۡتِي ٱلۡمُلۡكَ مَن تَشَآءُ وَتَنزِعُ ٱلۡمُلۡكَ مِمَّن تَشَآءُ وَتُعِزُّ مَن تَشَآءُ وَتُذِلُّ مَن تَشَآءُۖ بِيَدِكَ ٱلۡخَيۡرُۖ إِنَّكَ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ قَدِيرٞ 26﴾ [آل عمران: 26]، وهذا أمر ظاهر، وهذا التقليب له حكمة قد تظهر لنا وقد لا تظهر؛ لأن حكمة الله أعظم من أن تحيط بها عقولنا، ومجرد ظهور سلطان الله عز وجل وتمام قدرته هو من حكمة الله؛ لأجل أن يخشى الإنسان صاحب هذا السلطان والقدرة، فيتضرع ويلجأ إليه[77]. [77] ينظر: مجموع فتاوى ورسائل العثيمين (10/ 828، 830).
وعن أبي هريرة رضي الله عنه، أن رسول الله ﷺ قال: «لَا يَقُولَنَّ أَحَدُكُمْ: يَا خَيْبَةَ الدَّهْرِ؛ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الدَّهْر»[78]. [78] رواه البخاري، برقم (6182)، ومسلم، برقم (2246).
وعن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي ﷺ قال: «يَقُولُ اللَّهُ: يَشْتُمُنِي عَبْدِي، وَهُوَ لَا يَدْرِي، يَقُولُ: وَادَهْرَاهُ، وَادَهْرَاهُ، وَأَنَا الدَّهْرُ»[79]. [79] رواه أحمد، برقم (7988).
أضرار سب الدهر:
- أن فيه سبًّا لله تعالى، وهذا إذا كان قصدُ الساب بسبِّه مَن قدَّر هذه الأقدار التي في الدهر، فيرجع السبُّ بذلك على الله تعالى؛ لأنه هو المدبر للأمور وليس الدهر، وهذا قد يودي بصاحبه إلى الكفر عياذًا بالله.
- وكذا فإنه قد يكون شركًا إذا قصد بسبِّه نفس الدهر لاعتقاده أنه الفاعل لما يكره، وهذا الاعتقاد شرك أكبر، لأنه ظنَّ التدبير في المخلوق، وهذا ما كان عليه أهل الجاهلية.
- أن فيه اعتراضًا على قضاء الله وقدره، فلا يكاد أحد يسب الدهر إلا وهو يقصد بذلك ما وقع له فيه مما يكره، وهذا إذا كان سبه للدهر باعتباره أنه محل هذه الأقدار.
- أن في شتم الدهر أذية لله تعالى، وقد قال الله تعالى: ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ يُؤۡذُونَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ لَعَنَهُمُ ٱللَّهُ فِي ٱلدُّنۡيَا وَٱلۡأٓخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمۡ عَذَابٗا مُّهِينٗا 57﴾ [الأحزاب: 57]، ففاعله متعرض للعنة الله تعالى له، متوعد بالعذاب المهين.
- أن في هذا الفعل ما يدل على رُعونة صاحبه وحماقته، فلا تكاد تظهر مثل هذه الأفعال من أحد إلا نقص قدره عند أصحاب العقول السليمة؛ لما في فعله من السفه الظاهر.
طرق الوقاية من سب الدهر:
- تعلم العلم الشرعي؛ فإن في النصوص الشرعية من الزجر ما يردع أمثال هؤلاء السفهاء عن مثل هذه السفاهات.
- نشر الوعي بين المسلمين، وخصوصًا الوعي بأمور العقيدة التي ينبغي أن يكون عليها العبد، لاسيما مسائل القضاء والقدر.
- التأدب مع الله تعالى، والتسليم له، والعلم بأن التسخط لا يعود على صاحبه بشيء إلا بسخط الله تعالى عليه، فإن كثيرًا ممن يلجؤون إلى مثل هذه السفاهات إنما يفعلونها من باب التسخط على أقدار الله عليهم، فعن أنس بن مالك رضى الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «إِنَّ اللَّهَ إِذَا أَحَبَّ قَوْمًا ابْتَلَاهُمْ، فَمَنْ رَضِيَ فَلَهُ الرِّضَا، وَمَنْ سَخِطَ فَلَهُ السُّخْطُ»[80]. [80] رواه الترمذي، برقم (2396).
- أن يتعلم المسلم التوحيد ويحققه في حياته، ويعلم أن ما أصابه لم يكن ليخطأه وما أخطأه لم يكن ليصيبه، وأن الله وحده المتصرف في هذه الكون وحده لا شريك له.
- أن يربي المسلم نفسه على حسن الخلق عمومًا، وعلى هجر السب واللعن، فلا تعتاد نفسه شيئًا من ذلك، فعن عبد الله بن مسعود رضى الله عنه، قال: قال رسول الله ﷺ: «لَيْسَ الْمُؤْمِنُ بِالطَّعَّانِ وَلَا اللَّعَّانِ وَلَا الْفَاحِشِ وَلَا الْبَذِيءِ»[81]. [81] رواه الترمذي، برقم (1977).
تغيير خَلق الله
إن تغيير خلق الله من الكبائر العظيمة التي انتشرت بين بعض المسلمين، بعد أن شاع بين المسلمين تقليد الكفار، وهذه الكبيرة تتعدد صورها، ومن أكثر هذه الصور انتشارًا: الوشم، والوشر، والنمص، والوصل، والتفليج، وعمليات التجميل لزيادة الحُسن والجمال.
والوشم هو: أن يقوم الإنسان بعمل نقوش على جسمه بغرز إبرةٍ أو نحوها حتى تؤثر فيه، ثم يحشوه بالكُحل أو المِداد أو نحو ذلك، فيخضرَّ، وأغلب ما يكون ذلك في اليد والكف.
وأما الوشر فهو: أن تُحَدِّد المرأةُ أسنانها وتُرقِّقها.
وأما النمص فهو: نتف الشعر بالمنقاش أو نحوه من الحاجب حتى يَرِقَّ.
وأما الوصل فهو: أن تَصِلَ المرأةُ شعرَها بشعرٍ آخر.
وأما التفليج: هو أن يتكلف الإنسان التفريق بين أسنانه والمباعدة بينها.
وهذه الأمور الأربعة ورد النهي فيها من الشرع للنساء خاصة؛ وذلك لأن الأصل فعلها منهن دون الرجال، لكن ينسحب التحريم على الرجال أيضًا إذا ما وقع منهم، بل قد يكون الأمر في حقهم أشد؛ فإذا كانت المرأة التي من شأنها المبالغة في التجمُّل قد نُهيت عن ذلك لما فيه من تغيير خلق الله، فما بالنا بالرجل الذي الأصل فيه عدم التكلف في التجمُّل، فإنَّ فِعل ذلك من الرجل قد يكون -مع كونه تغييرًا لخلق الله- تشبهًا أيضًا بالنساء، وهو كبيرة أخرى، بل وفيه خنوثة وخروج عن الرجولة.
وأيضًا مما يتنبَّه له أن التحريم غير مقتصر على من فعل هذا بنفسه، وإنما يتعدى إلى فاعل ذلك بغيره، فالتحريم يعم الواصلة وهي من تصل الشعر بشعر النساء، والمستوصلة وهي من يُعمل بها ذلك، وأيضًا النامصة وهي التي تنقش الحاجب، والمتنمِّصة وهي التي يُنقش حاجبها، والواشمة وهي التي تصنع الوشم في جسم غيرها، والمستوشمة وهي المعمول بها ذلك.
الأدلة على تحريم تغيير خلق الله:
قال تعالى حكاية عن إبليس: ﴿...وَلَأٓمُرَنَّهُمۡ فَلَيُبَتِّكُنَّ ءَاذَانَ ٱلۡأَنۡعَٰمِ وَلَأٓمُرَنَّهُمۡ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلۡقَ ٱللَّهِۚ وَمَن يَتَّخِذِ ٱلشَّيۡطَٰنَ وَلِيّٗا مِّن دُونِ ٱللَّهِ فَقَدۡ خَسِرَ خُسۡرَانٗا مُّبِينٗا﴾ [النساء: 119].
قال السعدي رحمه الله: "وهذا يتناول تغيير الخِلقة الظاهرة بالوشم والوشر والنمص والتفلج للحسن، ونحو ذلك مما أغواهم به الشيطان فغيَّروا خلقة الرحمن"[82]. [82] تفسير السعدي (ص: 203).
وعن عبد الله بن مسعودٍ رضي الله عنه قال رسول الله ﷺ: «لَعَنَ اللَّهُ الْوَاشِمَاتِ وَالْمُوتَشِمَاتِ، وَالْمُتَنَمِّصَاتِ وَالْمُتَفَلِّجَاتِ لِلْحُسْنِ الْمُغَيِّرَاتِ خَلْقَ اللَّهِ»[83]. [83] رواه البخاري، برقم (4886)، ومسلم، برقم (2152).
وعن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي ﷺ قال: «لَعَنَ اللَّهُ الْوَاصِلَةَ وَالْمُسْتَوْصِلَةَ، وَالْوَاشِمَةَ وَالْمُسْتَوْشِمَةَ»[84]. [84] رواه البخاري، برقم (5933).
وعن عائشة رضي الله عنها، أن امرأة من الأنصار زوَّجت ابنتها، فتَمَعَّط (أي: تساقط) شعر رأسها، فجاءت إلى النبي ﷺ فذكرت ذلك له، فقالت: إن زوجها أمرني أن أصِل في شعرها، فقال: «لَا، إِنَّهُ قَدْ لُعِنَ الْمُوصِلَاتُ»[85]. [85] رواه البخاري، برقم (5205)، ومسلم، برقم (2123).
وَعَنْ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، أَنَّهُ سَمِعَ مُعَاوِيَةَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ -عَامَ حَجَّ وَهُوَ عَلَى الْمِنْبَرِ وَتَنَاوَلَ قُصَّةً مِنْ شَعْرٍ (أَيْ: قِطْعَةَ شَعْرٍ مِنْ جِهَةِ مُقَدِّمَةِ الرَّأْسِ) كَانَتْ فِي يَدِ حَرَسِيٍّ- يَقُولُ: يَا أَهْلَ الْمَدِينَةِ أَيْنَ عُلَمَاؤُكُمْ؟ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَنْهَى عَنْ مِثْلِ هَذِهِ، وَيَقُولُ: «إِنَّمَا هَلَكَتْ بَنُو إِسْرَائِيلَ حِينَ اتَّخَذَ هَذِهِ نِسَاؤُهُمْ»[86]. [86] رواه البخاري، برقم (5938)، ومسلم، برقم (2127).
وعن أبي رَيْحانَةَ رضي الله عنه قال: «بَلَغَنَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَهَى عَنِ الْوَشْرِ، وَالْوَشْم»[87]. [87] رواه النسائي، برقم (5111).
ولتغيير خلق الله أضرار كثيرة، منها:
- إن من أعظم أضرار تغيير خلق الله أن ينال صاحب هذا الفعل -سواء كان فاعلًا أو مفعولًا به – لعنة الله التي تستوجب الطرد من رحمته تعالى.
- أن فيه تولِّيًا للشيطان، وكفى بالمرء حُمقًا أن يتولى عدوه وأن يُعرض عن ربه ومولاه، كما قال تعالى عن إبليس: ﴿...وَلَأٓمُرَنَّهُمۡ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلۡقَ ٱللَّهِۚ وَمَن يَتَّخِذِ ٱلشَّيۡطَٰنَ وَلِيّٗا مِّن دُونِ ٱللَّهِ فَقَدۡ خَسِرَ خُسۡرَانٗا مُّبِينٗا﴾ [النساء: 119].
- أن فيه أيضًا الهلاك، كما في حديث معاوية السابق أن النبي ﷺ قال: «إِنَّمَا هَلَكَتْ بَنُو إِسْرَائِيلَ حِينَ اتَّخَذَ هَذِهِ نِسَاؤُهُمْ»[88]. [88] رواه البخاري، برقم (3468)، ومسلم، برقم (2127).
- أن في بعض صور هذا التغيير تمثيلًا للإنسان بنفسه وتعذيبًا لها، كما في الوشم، خاصةً إذا أراد قلعه بعد ذلك من الجسم، فإنه لا ينقلع غالبًا إلا بشيء من الضرر لصاحبه.
سبل الوقاية من هذه الكبائر:
- أن يعلم المسلم ما يترتب على هذه الأفعال من غضب الله عليه وأنه تولي للشيطان، وأنه يهلك نفسه، بل قد يكون من أسباب هلاك الأمة كلها، كما سبق في حديث معاوية رضي الله عنه.
- أن يرضى المؤمن بما قسمه الله له، بما في ذلك جمال وجهه وجسمه؛ فإن كل شيء هو رزق من الله تعالى، حتى الصورة التي يخلق الله عليها الإنسان، فمن الناس من يعطيه الله الجمال، ومنهم من يعطيه الصحة، ومنهم من يعطيه المال، وكلها أرزاق مقسومة ينبغي الرضا بها والتسليم لها.
- أن تستبدل المرأة هذه المحرمات بما أحله الله لها؛ فإن الله ما حرم شيئًا إلا وجعل للعباد بدلًا عنه من الحلال ما يغنيهم عن الحرام، فمثلًا الوشم يمكن الاستغناء عنه بالحِنَّاء؛ فإن النقوش التي تُصنع بها مما أحله الشرع، وكذا الوصل فإن بعض الأعشاب والأدوية لو استعملته المرأة لأطال شعرها وفعل فيه أفضل مما يفعله الوصل، وكذا في سائر ما يدخل في هذا الباب ينبغي أن يبحث المرء عما أحله الله له، فإن فيه الكفاية عن الحرام.
اليمين الغَموس
اليمين الغموس جرأة عظيمة بالحلف بالله كاذبًا، وتؤدي إلى ضياع الحقوق وإفساد حال المجتمع.
واليمين الغموس هي التي يحلفها الإنسان عامدًا عالمًا أن الأمر بخلاف ما حلف عليه؛ ليُلْحق بغيره باطلًا، أو يُبطل بها حقًّا، كأن يقتطع بها مال امرئ مسلم، وسميت غَموسًا؛ لأنها تغمس الحالف في الإثم في الدنيا، وفي النار يوم القيامة[89]. [89] ينظر: الزواجر عن اقتراف الكبائر (2/ 304).
وقد وردت الأدلة في حرمة اليمين الغموس وعدِّها من الكبائر، منها:
قول الله تعالى: ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ يَشۡتَرُونَ بِعَهۡدِ ٱللَّهِ وَأَيۡمَٰنِهِمۡ ثَمَنٗا قَلِيلًا أُوْلَٰٓئِكَ لَا خَلَٰقَ لَهُمۡ فِي ٱلۡأٓخِرَةِ وَلَا يُكَلِّمُهُمُ ٱللَّهُ وَلَا يَنظُرُ إِلَيۡهِمۡ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمۡ وَلَهُمۡ عَذَابٌ أَلِيمٞ 77﴾ [آل عمران: 77].
وقوله سبحانه: ﴿وَلَا تَتَّخِذُوٓاْ أَيۡمَٰنَكُمۡ دَخَلَۢا بَيۡنَكُمۡ فَتَزِلَّ قَدَمُۢ بَعۡدَ ثُبُوتِهَا وَتَذُوقُواْ ٱلسُّوٓءَ بِمَا صَدَدتُّمۡ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ وَلَكُمۡ عَذَابٌ عَظِيمٞ 94﴾ [النحل: 94]، دخلًا: مكرًا وخيانة.
وقد ذكر البخاري هذه الآية في باب اليمين الغموس، قال العيني موضِّحًا مناسبة ذلك: "وجه ذكر هذه الآية لليمين الغموس ورود الوعيد على من حلف كاذبًا متعمدًا"[90]. [90] صحيح البخاري (8/ 137)، وعمدة القاري (23/ 193).
وعن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما، قال: جاء أعرابي إلى النبي ﷺ، فقال: يا رسول الله، ما الكبائر؟ قَالَ: «الْإِشْرَاكُ بِاللَّهِ» ، قَالَ: ثُمَّ مَاذَا؟ قَالَ: «ثُمَّ عُقُوقُ الْوَالِدَيْنِ»، قَالَ: ثُمَّ مَاذَا؟ قَالَ: «الْيَمِينُ الْغَمُوسُ»، قُلْتُ: وَمَا الْيَمِينُ الْغَمُوسُ؟ قَالَ: «الَّذِي يَقْتَطِعُ مَالَ امْرِئٍ مُسْلِمٍ هُوَ فِيهَا كَاذِبٌ»[91]. [91] رواه البخاري، برقم (6920).
وعن عبد الله بن مسعودٍ رضي الله عنه، قال: قال رسول الله ﷺ: «مَنْ حَلَفَ يَمِينَ صَبْرٍ لِيَقْتَطِعَ بِهَا مَالَ امْرِئٍ مُسْلِمٍ لَقِيَ اللَّهَ وَهُوَ عَلَيْهِ غَضْبَانُ "، فأنزل الله تصديق ذلك: (إِنَّ ٱلَّذِينَ يَشۡتَرُونَ بِعَهۡدِ ٱللَّهِ وَأَيۡمَٰنِهِمۡ ثَمَنٗا قَلِيلًا أُوْلَٰٓئِكَ لَا خَلَٰقَ لَهُمۡ فِي ٱلۡأٓخِرَةِ) إلى آخر الآية، قال: فدخل الأشعث بن قيس، وقال: ما يحدثكم أبو عبد الرحمن (وهو ابن مسعود رضي الله عنه)؟ قلنا: كذا وكذا، قال: فيَّ أُنزلت، كانت لي بئر في أرض ابن عم لي، قال النبي ﷺ: «بَيِّنَتُكَ أَوْ يَمِينُهُ»، فقلت: إذن يحلف يا رسول الله، فقال النبي ﷺ: «مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينِ صَبْرٍ يَقْتَطِعُ بِهَا مَالَ امْرِئٍ مُسْلِمٍ وَهُوَ فِيهَا فَاجِرٌ لَقِيَ اللَّهَ وَهُوَ عَلَيْهِ غَضْبَانُ»[92]. ويمين الصبر هي التي ألزم بها الحالف عند حاكم ونحوه. [92] رواه البخاري، برقم (4549)، ومسلم، برقم (138).
وعن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي ﷺ قال: «ثَلَاثَةٌ لَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ: رَجُلٌ حَلَفَ عَلَى سِلْعَةٍ لَقَدْ أَعْطَى بِهَا أَكْثَرَ مِمَّا أَعْطَى وَهُوَ كَاذِبٌ، وَرَجُلٌ حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ كَاذِبَةٍ بَعْدَ الْعَصْرِ لِيَقْتَطِعَ بِهَا مَالَ امْرِئٍ مُسْلِمٍ، وَرَجُلٌ مَنَعَ فَضْلَ مَاءٍ، فَيَقُولُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ: الْيَوْمَ أَمْنَعُكَ فَضْلِي كَمَا مَنَعْتَ فَضْلَ مَا لَمْ تَعْمَلْ يَدَاكَ»[93]. [93] رواه البخاري، برقم (446)، ومسلم، برقم (108).
عن وائل بن حُجر رضي الله عنه، قال: جاء رجل من حَضْرَمَوت ورجل من كِنْدة إلى النبي ﷺ، فقال الحَضْرَمي: يا رسول الله، إن هذا قد غلبني على أرض لي كانت لأبي، فقال الكِنْدي: هي أرضي في يدي أزرعها ليس له فيها حق، فقال رسول الله ﷺ للحضرمي: «أَلَكَ بَيِّنَةٌ؟» قال: لا، قال: «فَلَكَ يَمِينُهُ»، قال: يا رسول الله، إن الرجل فاجر لا يبالي على ما حلف عليه، وليس يتورع من شيء، فقال: «لَيْسَ لَكَ مِنْهُ إِلَّا ذَلِكَ»، فانطلق ليحلف، فقال رسول الله ﷺ لما أدبر: «أَمَا لَئِنْ حَلَفَ عَلَى مَالِهِ لِيَأْكُلَهُ ظُلْمًا لَيَلْقَيَنَّ اللَّهَ وَهُوَ عَنْهُ مُعْرِضٌ»[94]. [94] رواه مسلم، برقم (139).
وعن أبي أُمامة رضي الله عنه، أن رسول الله ﷺ قال: «مَنِ اقْتَطَعَ حَقَّ امْرِئٍ مُسْلِمٍ بِيَمِينِهِ فَقَدْ أَوْجَبَ اللَّهُ لَهُ النَّارَ، وَحَرَّمَ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ» فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ: وَإِنْ كَانَ شَيْئًا يَسِيرًا يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: «وَإِنْ قَضِيبًا مِنْ أَرَاكٍ»[95]. [95] رواه مسلم، برقم (137).
ولليمن الغموس أضرار كثيرة منها:
- أنها سبب للوعيد الشديد من نيل غضب الله والتعرض لعذابه.
- أن الكذب في نفسه جريمة؛ لأنه قَلْب للحقائق وتعمية على الناس وإضلال لهم عن الحقيقة وداعية فَقْد الثقة في المعاملة والمحادثة، فإن انضم إليه تأكيده بالأيمان الكاذبة الفاجرة التي فيها عدمُ تعظيمِ أسماء الله المقدَّسة وصفاته العالية كانت الجريمة أكبر، فإذا أضيف إلى ذلك قطع الحقوق عن أربابها والحيلولة بينهم وبينها كان فُحْشُ الجريمة نهايًة، فهي وسيلة لنيل الحرام، وجعل الْمُحِق في صورة الْمُبطل، والْمُبطل في صورة الْمُحِق[96]. [96] ينظر: إكمال المعلم " للقاضي عياض (1/ 434)، والأدب النبوي للخولي (ص81).
- أن عاقبة حلفه إلى قِلَّةٍ في ماله، فعن ثابت بن الضَّحاك رضي الله عنه، عن النبي ﷺ قال: «مَنِ ادَّعَى دَعْوَى كَاذِبًَة لِيَتَكَثَّرَ بِهَا لَمْ يَزِدْهُ اللَّهُ إِلَّا قِلًَّة، وَمَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينِ صَبْرٍ فَاجِرَةٍ»[97]. [97] رواه مسلم، برقم (110)، وأصله عند البخاري، برقم (6652).
قال القاضي عياض: "ولم يأت في الحديث هنا الخبر عن هذا الحالف، إلا أن تعطفه على قوله قبلُ: "ومن ادعى دعوى كاذبة ليتكثر بها لم يزده الله بها إلا قلة " أي: وكذلك الحالف اليمين الفاجرة مثل هذا"[98]. [98] إكمال المعلم (1/ 392).
- أنها توقع العداوة والبغضاء بين الناس.
- هذه اليمين الغموس لعظم خطرها لا كفارة فيها سوى التوبة، ورد الحقوق والمظالم لأهلها.
ومن سبل الوقاية من اليمين الغموس أمور منها:
- مراقبة الله واستحضار اطلاعه على كل شيء.
- الخوف من الله وخشيته.
- حفظ اللسان، واجتناب الكذب، والاعتصام بالصدق، فمَن اعتاد إطلاق اللسان في غير خير ربما أداه إلى الكذب بل الحلف بالله كاذبًا.
- الحرص على أكل الحلال؛ فإن اليمين الغموس أحد أسباب أكل أموال الناس بالباطل.
إنفاق السِّلع بالحَلف الكاذب
إن مسألة ترويج التاجر لسلعته بالحلف الكاذب من الأمور التي عمَّت في كثير من أسواق المسلمين، وهي من كبائر الذنوب، وقد ورد الوعيد عليها في نصوص الشرع الحنيف.
وحقيقة هذه المسألة: أن يحلف التاجر على وجود مزايا في بضاعته وهو يعلم أنها ليست فيها، أو أن يحلف بعدم وجود عيب فيها مع كونه عالم بما فيها من عيوب تخفى عن المشتري، وكذا أن يحلف أنه قد اشتراها بكذا مع كذبه في ذلك، يريد بذلك كله أن يروِّج لسلعته، وأن يزيد في قيمتها.
وهذه المسألة نوع من أنواع اليمين الغموس، لكن خُصَّ منه هذا النوع بالوعيد من بين أنواع اليمين الغموس؛ لأن فيها أيضًا أَكْلًا لأموال الناس بالباطل.
وفي وجوب الكفارة فيها خلاف: فذهب جمهور العلماء إلى عدم وجوب الكفارة؛ لأنها من الكبائر، وهي أعظم إثمًا من أن تكفرها كفارة يمين، وإنما عليه التوبة والاستغفار.
الأدلة على تحريم إنفاق السلعة بالحلف الكاذب:
قال تعالى: ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ يَشۡتَرُونَ بِعَهۡدِ ٱللَّهِ وَأَيۡمَٰنِهِمۡ ثَمَنٗا قَلِيلًا أُوْلَٰٓئِكَ لَا خَلَٰقَ لَهُمۡ فِي ٱلۡأٓخِرَةِ وَلَا يُكَلِّمُهُمُ ٱللَّهُ وَلَا يَنظُرُ إِلَيۡهِمۡ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمۡ وَلَهُمۡ عَذَابٌ أَلِيمٞ 77﴾ [آل عمران: 77].
قال السعدي رحمه الله في تفسير هذه الآية: "ويدخل في ذلك كل من أخذ شيئًا من الدنيا في مقابلة ما تركه من حق الله أو حق عباده، وكذلك من حلف على يمين يقتطع بها مال معصوم فهو داخل في هذه الآية، فهؤلاء (لَا خَلَٰقَ لَهُمۡ فِي ٱلۡأٓخِرَةِ) أي: لا نصيب لهم من الخير ﴿وَلَا يُكَلِّمُهُمُ ٱللَّهُ﴾ يوم القيامة غضبًا عليهم وسخطًا؛ لتقديمهم هوى أنفسهم على رضا ربهم ﴿وَلَا يُزَكِّيهِمۡ﴾ أي: يطهرهم من ذنوبهم، ولا يزيل عيوبهم ﴿وَلَهُمۡ عَذَابٌ أَلِيمٞ﴾ أي: موجع للقلوب والأبدان، وهو عذاب السخط والحجاب، وعذاب جهنم، نسأل الله العافية"[99]. [99] تفسير السعدي (ص: 136).
وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «ثَلَاثَةٌ لَا يَنْظُرُ اللَّهُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَلَا يُزَكِّيهِمْ، وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ، رَجُلٌ كَانَ لَهُ فَضْلُ مَاءٍ بِالطَّرِيقِ، فَمَنَعَهُ مِنَ ابْنِ السَّبِيلِ، وَرَجُلٌ بَايَعَ إِمَامًا لَا يُبَايِعُهُ إِلَّا لِدُنْيَا، فَإِنْ أَعْطَاهُ مِنْهَا رَضِيَ، وَإِنْ لَمْ يُعْطِهِ مِنْهَا سَخِطَ، وَرَجُلٌ أَقَامَ سِلْعَتَهُ بَعْدَ الْعَصْرِ، فَقَالَ: وَاللَّهِ الَّذِي لَا إِلَهَ غَيْرُهُ لَقَدْ أُعْطِيتُ بِهَا كَذَا وَكَذَا، فَصَدَّقَهُ رَجُلٌ ». ثم قرأ هذه الآية: ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ يَشۡتَرُونَ بِعَهۡدِ ٱللَّهِ وَأَيۡمَٰنِهِمۡ ثَمَنٗا قَلِيلًا أُوْلَٰٓئِكَ لَا خَلَٰقَ لَهُمۡ فِي ٱلۡأٓخِرَةِ وَلَا يُكَلِّمُهُمُ ٱللَّهُ وَلَا يَنظُرُ إِلَيۡهِمۡ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمۡ وَلَهُمۡ عَذَابٌ أَلِيمٞ 77﴾ [آل عمران: 77][100]. [100] رواه البخاري، برقم (2358)، ومسلم، برقم (108).
وعن أبي ذَرٍّ رضي الله عنه، عن النبي ﷺ قال: «ثَلَاثَةٌ لَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ» قَالَ: فَقَرَأَهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثَلَاثَ مِرَارٍ، قَالَ أَبُو ذَرٍّ: خَابُوا وَخَسِرُوا، مَنْ هُمْ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: «الْمُسْبِلُ، وَالْمَنَّانُ، وَالْمُنَفِّقُ سِلْعَتَهُ بِالْحَلِفِ الْكَاذِبِ»[101]. [101] رواه مسلم، برقم (106).
أضرار إنفاق السلعة بالحلف الكاذب:
- إن من أعظم هذه الأضرار أنها سبب لعدم نظر الله للعبد يوم القيامة وعدم تكليمه إياه، ونظر الله للعبد يوم القيامة وتكليمه يشتمل على رحمته به وتكريمه له، فمن حُرِمه فقد عرَّض نفسه لعذاب الله وعدم مبالاته به، بل صرحت الأدلة السابقة أيضًا بكونه سبب من أسباب العذاب الأليم.
- أن إنفاق السلعة بالحلف الكاذب كبيرة مركبة من عدة كبائر، وهي: الكذب، والخيانة، واليمين الغموس، والغش، وأكل أموال الناس بالباطل، وفي كل واحدة منها وعيد شديد، فكيف إذا اجتمعت كلها؟! نسأل الله العافية.
- أنها سبب لذهاب البركة من البيع، وليعلم العبد أن من بورك له في شيء فهو الرابح على الحقيقة، فلا خير في رزق ذهبت بركته؛ فقلما يُنتفع بمثل هذا الرزق، فعن حكيم بن حزام رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «الْبَيِّعَانِ بِالْخِيَارِ مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا، فَإِنْ صَدَقَا وَبَيَّنَا بُورِكَ لَهُمَا فِي بَيْعِهِمَا، وَإِنْ كَتَمَا وَكَذَبَا مُحِقَتْ بَرَكَةُ بَيْعِهِمَا»[102]. و «الْبَيِّعَانِ» هما البائع والمشتري «بِالْخِيَارِ» لهما حق الخيار في أن يمضيا البيع أو ينقضاه «مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا» أي: من مجلس العقد «بَيَّنَا» أي: بيَّن كلٌّ منهما للآخر ما يحتاج إلى بيانه من عيب ونحوه في السلعة «كَذَبًَا» في الأوصاف «مُحِقَتْ» من المحق وهو النقصان وذهاب البركة. [102] رواه البخاري، برقم (2079)، ومسلم، برقم (1532).
وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «الْحَلِفُ مَنْفَقَةٌ لِلسِّلْعَةِ، مَمْحَقَةٌ لِلْبَرَكَةِ» وفي رواية: «مَمْحَقَةٌ لِلرِّبْحِ»[103]. [103] رواه البخاري، برقم (2087)، ومسلم، برقم (1606).
- أنها وسيلة لأكل الحرام؛ فالمال المتحصل بالكذب والتدليس في البيع مال حرام، فما بالك إذا كان هذا الكذب مقترنًا بالحلف أيضًا.
- أن من روَّج سلعته بالحلف الكاذب لا يُقبل دعاؤه؛ لأنه آكل للمال الحرام، فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: «ذَكَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الرَّجُلَ يُطِيلُ السَّفَرَ، أَشْعَثَ أَغْبَرَ، يَمُدُّ يَدَيْهِ إِلَى السَّمَاءِ، يَا رَبِّ، يَا رَبِّ، وَمَطْعَمُهُ حَرَامٌ، وَمَشْرَبُهُ حَرَامٌ، وَمَلْبَسُهُ حَرَامٌ، وَغُذِّيَ بِالْحَرَامِ، فَأَنَّى يُسْتَجَابُ لِذَلِكَ»[104]. [104] رواه مسلم، برقم (1015).
سبل الوقاية من الحلف الكاذب على السلع:
- التعفف عن أموال الناس؛ فعن حكيم بن حزام رضي الله عنه، عن النبي ﷺ قال: «مَنْ يَسْتَعْفِفْ يُعِفَّهُ اللَّهُ، وَمَنْ يَسْتَغْنِ يُغْنِهِ اللَّهُ»[105]. [105] رواه البخاري، برقم (1427)، ومسلم، برقم (1034).
- الاجتهاد في الكسب الحلال والبعد عن الحرام؛ قال تعالى: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ كُلُواْ مِمَّا فِي ٱلۡأَرۡضِ حَلَٰلٗا طَيِّبٗا وَلَا تَتَّبِعُواْ خُطُوَٰتِ ٱلشَّيۡطَٰنِۚ إِنَّهُۥ لَكُمۡ عَدُوّٞ مُّبِينٌ 168﴾ [البقرة: 168].
- اتقاء الأموال المشبوهة وطرق الكسب المشبوهة، فعن النعمان بن بشير رضي الله عنهما، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إِنَّ الْحَلَالَ بَيِّنٌ، وَإِنَّ الْحَرَامَ بَيِّنٌ، وَبَيْنَهُمَا مُشْتَبِهَاتٌ لَا يَعْلَمُهُنَّ كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ، فَمَنِ اتَّقَى الشُّبُهَاتِ، اسْتَبْرَأَ لِدِينِهِ وَعِرْضِهِ، وَمَنْ وَقَعَ فِي الشُّبُهَاتِ وَقَعَ فِي الْحَرَامِ، كَالرَّاعِي يَرْعَى حَوْلَ الْحِمَى يُوشِكُ أَنْ يَرْتَعَ فِيهِ، أَلَا وَإِنَّ لِكُلِّ مَلِكٍ حِمًى، أَلَا وَإِنَّ حِمَى اللَّهِ مَحَارِمُهُ»[106]. [106] رواه البخاري، برقم (52)، ومسلم، برقم (1599).
- القناعة والرضى بما قسمه الله من الرزق الحلال بعد الأخذ بأسباب الكسب، فعن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما، أن رسول الله ﷺ، قال: «قَدْ أَفْلَحَ مَنْ أَسْلَمَ، وَرُزِقَ كَفَافًا، وَقَنَّعَهُ اللَّهُ بِمَا آتَاهُ»[107]. [107] رواه مسلم، برقم (1054).
- أن يعلم أن رزقه قد قُدِّر له وهو ما زال في بطن أمه، وأن استعجاله بالحرام لن يزيد في رزقه شيئًا، بل بالعكس ستُمحق بركة هذا الرزق.
- تعميق معنى الغنى الحقيقي في قلوب المؤمنين، فعن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي ﷺ، قال: «لَيْسَ الْغِنَى عَنْ كَثْرَةِ الْعَرَضِ، وَلَكِنَّ الْغِنَى غِنَى النَّفْسِ»[108]. [108] رواه البخاري، برقم (6446)، ومسلم، برقم (1051).
- الخوف من عقوبة الله في الدنيا والآخرة، فعن جندب بن عبد الله رضي الله عنه قال: «إِنَّ أَوَّلَ مَا يُنْتِنُ مِنَ الْإِنْسَانِ بَطْنُهُ، فَمَنِ اسْتَطَاعَ أَنْ لَا يَأْكُلَ إِلَّا طَيِّبًا فَلْيَفْعَلْ»[109]. [109] رواه البخاري، برقم (7152).
نقص الكيل والميزان
إن جريمة نقص الكيل والميزان من أخطر الجرائم التي تقع في الأسواق، وهي تُنبئ عن خِسة فاعلها لما فيها من خيانة؛ لذلك توعد عليها الشرع بالعقوبة الشديدة.
ونقص الكيل والميزان يُعرف بالتطفيف، وإنما قيل لفاعل هذه الجريمة: مُطفِّف؛ لأنه لا يكاد يسرق في المكيال والميزان إلا الشيء الخفيف الطفيف.
الأدلة على تحريم نقص الكيل والميزان:
قال تعالى: ﴿وَيۡلٞ لِّلۡمُطَفِّفِينَ 1 ٱلَّذِينَ إِذَا ٱكۡتَالُواْ عَلَى ٱلنَّاسِ يَسۡتَوۡفُونَ 2 وَإِذَا كَالُوهُمۡ أَو وَّزَنُوهُمۡ يُخۡسِرُونَ 3 أَلَا يَظُنُّ أُوْلَٰٓئِكَ أَنَّهُم مَّبۡعُوثُونَ 4 لِيَوۡمٍ عَظِيمٖ 5 يَوۡمَ يَقُومُ ٱلنَّاسُ لِرَبِّ ٱلۡعَٰلَمِينَ 6﴾ [المطففين: 1 - 6].
قال السعدي رحمه الله في تفسير هذه الآيات: "﴿وَيۡلٞ﴾ كلمة عذاب ووعيد ﴿لِّلۡمُطَفِّفِينَ﴾ فسَّر الله المطففين بقوله: ﴿ٱلَّذِينَ إِذَا ٱكۡتَالُواْ عَلَى ٱلنَّاسِ﴾ أي: أخذوا منهم ﴿يَسۡتَوۡفُونَ﴾ يستوفونه كاملًا من غير نقص ﴿وَإِذَا كَالُوهُمۡ أَو وَّزَنُوهُمۡ﴾ أي: إذا أعطوا الناس حقهم الذي للناس عليهم بكيل أو وزن، ﴿يُخۡسِرُونَ﴾ أي: ينقصونهم ذلك، إما بمكيال وميزان ناقصين، أو بعدم ملء المكيال والميزان، أو نحو ذلك، فهذا سرقة لأموال الناس، وعدم إنصاف لهم منهم. ودلت الآية الكريمة، على أن الإنسان كما يأخذ من الناس الذي له، يجب عليه أن يعطيهم كل ما لهم من الأموال والمعاملات.
ثم توعَّد تعالى المطففين، وتعجب من حالهم وإقامتهم على ما هم عليه، فقال: ﴿أَلَا يَظُنُّ أُوْلَٰٓئِكَ أَنَّهُم مَّبۡعُوثُونَ لِيَوۡمٍ عَظِيمٖ يَوۡمَ يَقُومُ ٱلنَّاسُ لِرَبِّ ٱلۡعَٰلَمِينَ﴾ فالذي جرَّأهم على التطفيف عدم إيمانهم باليوم الآخر، وإلا فلو آمنوا به، وعرفوا أنهم يقومون بين يدي الله، يحاسبهم على القليل والكثير، لأقلعوا عن ذلك وتابوا منه[110]. [110] تفسير السعدي (ص: 915).
وقال سبحانه مخبرًا عن شعيب عليه السلام أنه قال لقومه: ﴿...فَأَوۡفُواْ ٱلۡكَيۡلَ وَٱلۡمِيزَانَ وَلَا تَبۡخَسُواْ ٱلنَّاسَ أَشۡيَآءَهُمۡ وَلَا تُفۡسِدُواْ فِي ٱلۡأَرۡضِ بَعۡدَ إِصۡلَٰحِهَاۚ...﴾ [الأعراف: 85].
وقال: ﴿وَيَٰقَوۡمِ أَوۡفُواْ ٱلۡمِكۡيَالَ وَٱلۡمِيزَانَ بِٱلۡقِسۡطِۖ وَلَا تَبۡخَسُواْ ٱلنَّاسَ أَشۡيَآءَهُم...﴾ [هود: 85].
وقال تبارك وتعالى: ﴿وَٱلسَّمَآءَ رَفَعَهَا وَوَضَعَ ٱلۡمِيزَانَ 7 أَلَّا تَطۡغَوۡاْ فِي ٱلۡمِيزَانِ 8 وَأَقِيمُواْ ٱلۡوَزۡنَ بِٱلۡقِسۡطِ وَلَا تُخۡسِرُواْ ٱلۡمِيزَانَ 9﴾ [الرحمن: 7 - 9].
﴿...وَوَضَعَ ٱلۡمِيزَانَ﴾ شرع العدل وأمر به حتى انتظم أمر العالم واستقام ﴿أَلَّا تَطۡغَوۡاْ فِي ٱلۡمِيزَانِ8﴾ فعل ذلك لئلا تطغوا في الميزان بأن تعتدوا وتتجاوزوا الحدود ﴿...وَلَا تُخۡسِرُواْ ٱلۡمِيزَانَ﴾ أي: ولا تنقصوا الميزان، بل كونوا عادلين فلا زيادة ولا نقصان[111]. [111] ينظر: التفسير الواضح (3/ 581).
وعن نافع قال: كان ابن عمر يمر بالبائع فيقول: "اتَّقِ الله، وأوفِ الكيل والوزن بالقسط، فإن المطففين يوقفون يوم القيامة حتى إن العرق ليُلجمهم إلى أنصاف آذانهم".
وعن علي رضي الله عنه "أنه مَرَّ على رجل وهو يزن الزَّعفران وقد أرجح الميزان، فكفأ الميزان، وقال: أقم الوزن بالقسط، ثم أرجح بعد ذلك ما شئت"[112]. [112] ذكرهما الثعلبي في تفسيره (29/ 43).
ومن الأضرار المترتبة على نقص الكيل والميزان:
- أن التطفيف في الميزان سبب لتوعد الله للعبد بالعذاب الشديد.
- أنه سبب للعقوبات التي ينزلها الله على الناس؛ من القحط ومنع المطر وشدة العيش وظلم السلطان؛ فعن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال: أقبل علينا رسول الله ﷺ فقال: «يَا مَعْشَرَ الْمُهَاجِرِينَ خَمْسٌ إِذَا ابْتُلِيتُمْ بِهِنَّ، وَأَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ تُدْرِكُوهُنَّ: لَمْ تَظْهَرِ الْفَاحِشَةُ فِي قَوْمٍ قَطُّ، حَتَّى يُعْلِنُوا بِهَا، إِلَّا فَشَا فِيهِمُ الطَّاعُونُ وَالْأَوْجَاعُ الَّتِي لَمْ تَكُنْ مَضَتْ فِي أَسْلَافِهِمُ الَّذِينَ مَضَوْا، وَلَمْ يَنْقُصُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ، إِلَّا أُخِذُوا بِالسِّنِينَ، وَشِدَّةِ الْمَئُونَةِ، وَجَوْرِ السُّلْطَانِ عَلَيْهِمْ...»[113]. [113] رواه ابن ماجه، برقم (4019).
- أنه يورث في النفس دناءة ونفاقًا؛ إذ هو باب من أبواب الخيانة، وهي من صفات المنافقين.
سبل الوقاية من نقص الكيل والميزان:
- أن يعلم المطفِّف ما له عند الله من العذاب وأليم العقاب، وأنه ممقوت من ربه متوعد بعذابه.
- أن يعلم المرء أن ما يحصله من مال حرام سيكون سببًا لعدم استجابة دعائه؛ فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّ اللَّهَ طَيِّبٌ لَا يَقْبَلُ إِلَّا طَيِّبًا، وَإِنَّ اللَّهَ أَمَرَ الْمُؤْمِنِينَ بِمَا أَمَرَ بِهِ الْمُرْسَلِينَ، فَقَالَ: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلرُّسُلُ كُلُواْ مِنَ ٱلطَّيِّبَٰتِ وَٱعۡمَلُواْ صَٰلِحًاۖ إِنِّي بِمَا تَعۡمَلُونَ عَلِيمٞ 51﴾ [المؤمنون: 51] وقال: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ كُلُواْ مِن طَيِّبَٰتِ مَا رَزَقۡنَٰكُمۡ ...﴾ [البقرة: 172] ثُمَّ ذَكَرَ الرَّجُلَ يُطِيلُ السَّفَرَ أَشْعَثَ أَغْبَرَ، يَمُدُّ يَدَيْهِ إِلَى السَّمَاءِ، يَا رَبِّ، يَا رَبِّ، وَمَطْعَمُهُ حَرَامٌ، وَمَشْرَبُهُ حَرَامٌ، وَمَلْبَسُهُ حَرَامٌ، وَغُذِّيَ بِالْحَرَامِ، فَأَنَّى يُسْتَجَابُ لِذَلِكَ؟»[114]. [114] رواه مسلم، برقم (1015).
- التفقه في الدين وخاصة في أمور البيع والشراء وما يحتاجه التاجر، حتى لا يقع في المعاملات المحرمة وهو لا يدري. قال عمرُ بنُ الخطابِ: "لا يبعْ في سوقِنا إلا من تفقَّه في الدينِ"[115]. [115] رواه الترمذي، برقم (487).
الدِّياثة
إن الدياثة من الذنوب العظيمة التي تدل على ضعف الإيمان وقلَّة المروءة أو انعدامها، وتوحي بنقص الرجولة والشهامة، والانغماس في الخسة والقذارة.
والدياثة هي أن يُقِرَّ الإنسان أهله على فعل الفاحشة أو مقدماتها، يعني: يستحسنه فيهم ويرضى به، فالديوث هو من لا غيرة له على أهله وحريمه.
وهذا المرض غالبًا ما يتأتى من ذلة النفس وضعف النخوة والحمية، لذلك قيل: إن كل أمة ضعفت الغيرة في رجالها ضعفت الصيانة في نسائها، وقد يتأتى هذا المرض في النفوس من تعاطي بعض الأشياء كما قيل في لحم الخنزير: إنه يورث الدياثة، وكما قال شيخ الإسلام ابن تيمية في الحشيشة: إنها تورث في متعاطيها تخنُّث ودياثة[116]. [116] ينظر: مجموع الفتاوى (28/ 339).
قال الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى: "أصل الدين الغيرة، ومن لا غيرة له لا دين له؛ فالغيرة تحمي القلب فتحمي له الجوارح، فتدفع السوء والفواحش، وعدم الغيرة يميت القلب، فتموت له الجوارح؛ فلا يبقى عندها دفع البتة.
ومثل الغيرة في القلب مثل القوة التي تدفع المرض وتقاومه، فإذا ذهبت القوة وجد الداء المحل قابلًا، ولم يجد دافعًا، فتمكن، فكان الهلاك"[117]. [117] الجواب الكافي: (68).
الأدلة على تحريم الدياثة:
عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما: قال رسول الله ﷺ: «ثَلَاثَةٌ لَا يَنْظُرُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ: الْعَاقُّ لِوَالِدَيْهِ، وَالْمَرْأَةُ الْمُتَرَجِّلَةُ، وَالدَّيُّوثُ ...»[118]. [118] رواه النسائي، برقم (2562).
وعن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما، أن رسول الله ﷺ قال: «ثَلَاثَةٌ قَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الْجَنَّةَ: مُدْمِنُ الْخَمْرِ، وَالْعَاقُّ، وَالدَّيُّوثُ الَّذِي يُقِرُّ فِي أَهْلِهِ الْخُبْثَ»[119]. [119] رواه أحمد، برقم (5372).
أضرار الدياثة:
- إن الديوث متوعَّد بالوعيد الشديد في الآخرة؛ بأنه لا يدخل الجنة ابتداء مع مَن يدخلها مِن المؤمنين، وأنه محروم من نظر الله إليه يوم القيامة، والحرمان من نظر الله يقتضي الحرمان من رحمته ولا بد.
- أن الديوث يصير شخصًا لا قيمة له في المجتمع؛ فمن لا يغار على محارمه فأولى به ألا يغار على شيء بعد ذلك، فلو أُخِذ ماله لم يغضب لذلك، ولو تسلَّط عدوٌّ على أُمَّته لم يكن له همة في الدفاع عنها، فهو شخص قد فسدت فطرته وماتت غيرته ونخوته.
- من العواقب الوخيمة في الدنيا أن الدياثة سبب في وقوع أهله في الزنا، وهو من أكبر الكبائر، وله أضرار كثيرة، منها اختلاط الأنساب، والذي يتبعه ذهاب أموال الميراث إلى أجنبي، بل واختلاط أبنائه بأبناء غيره، فتخلو بنته بمن ليس أخًا لها، ويخلو ابنه بمن ليست أختًا له.
سبل الوقاية من الدياثة:
الأصل أن هذا الأمر مما يخالف الفِطَر السليمة، وأن من عنده شيء من كرامة ونخوة لا يقبل على نفسه هذا الأمر، فالمرء يدفع عن شرفه ولو مات في سبيل ذلك، فكيف إن كان عرضه يُنتهَك برضاه، ولكن يمكن أن نذكر شيئًا مما قد يسهم في حل هذه المشكلة:
- أن يعرف الإنسان العقوبة الشديدة المترتبة على هذا الفعل.
- أن يعلم أنه حقير في نظر الناس، وفي نظر الملائكة الذين يحفظونه، بل وفي نظر نفسه.
- أن يحاول الآباء مراقبة ما يشاهده أبناؤهم على الشبكة العنكبوتية، فقد حدث في السنوات الأخيرة ترويج لهذه الأمور من قِبل بلاد الكفر ومن ضعاف الإيمان، فليحذر المرء من مشاهدة هذه الأمور حتى لا تؤثر في نفسيته فيهون عليه فعلها.
- عدم تناول شيء من الأطعمة أو المواد التي تورث هذا الخُلق الخبيث، كأكل لحم الخنزير وشرب الخمر وتعاطي المخدرات.
- غض البصر، وترك النظر إلى الصور المحرمة.
- تقوية الإيمان، فإن قوة الإيمان تزيد الغيرة وضعفه يضعفها.
التَّبرج
لقد كرَّم الإسلامُ المرأةَ، وحافظ عليها وعلى حقوقها، ومِن جملة ذلك أن أُمِرت المرأة بالحجاب؛ حفاظًا عليها من جهة، ومراعاة لأخلاق المجتمع من جهة أخرى، إلا أن بعض النساء يَظهرْن متبرجات أمام الرجال غير المحارم؛ فيقعن في معصية عظيمة، تجلب الإثم وتفسد المجتمع.
والتبرج هو أن تُظهر المرأةُ شيئًا مِن محاسنها مما كان ينبغي لها أن تسترَه.
ويدخل في ذلك التجمل بالثياب الظاهرة، وضَرْب الأرض برجلها؛ ليَعلم الرجال ما تُخفي من زينتها، ومنه أيضًا أن تلبس ثوبًا رقيقًا يصف لون جسمها، أو تلبس الضيق الذي يصف حجم بدنها، أو القصير الذي يُظهر شيئًا من ساقها أو قدمها، أو تُبدي شيئًا من شعرها أو عنقها، أو تمشي متبخترة مُمِيلة لأكتافها، ونحو ذلك[120]. [120] ينظر: تفسير الطبري (17/ 364)، ومجموع فتاوى ورسائل العثيمين (12/ 281).
وللتبرج أضرار كثيرة، منها:
- أن ذلك من المنكرات العظيمة والمعاصي الظاهرة، التي يكثر الفساد بسببها، ويقلد النساء بعضُهن بعضًا فيها.
- أنه من أسباب دخول النار.
- أنه يترتب على التبرج ظهور الفواحش والزنا وارتكاب الجرائم وقلة الحياء وعموم الفساد.
- أنه من أعظم أسباب حلول العقوبات ونزول النقمات، لا سيما عند انتشاره وعدم تغييره وإنكاره؛ فعن أبي بكر الصديق رضي الله عنه أنه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إِنَّ النَّاسَ إِذَا رَأَوُا الْمُنْكَرَ لَا يُغَيِّرُونَهُ أَوْشَكَ أَنْ يَعُمَّهُمُ اللَّهُ بِعِقَابِهِ»[121]. [121] رواه أبو داود، برقم (4338).
- أنه من أعظم أسباب الفتنة؛ فعن أسامة بن زيد رضي الله عنهما قال: قال رسول الله ﷺ: «مَا تَرَكْتُ بَعْدِي فِتْنَةً هِيَ أَضَرُّ عَلَى الرِّجَالِ مِنَ النِّسَاءِ»[122]. [122] رواه البخاري، برقم (5096)، ومسلم، برقم (2740)، واللفظ له.
-أنه تشبه بنساء أهل الكفر والفسق، وقد حذرنا النبي ﷺ من ذلك؛ فعن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله ﷺ: «مَنْ تَشَبَّهَ بِقَوْمٍ فَهُوَ مِنْهُمْ»[123]. [123] رواه أبو داود، برقم (4031).
سبل الوقاية من التبرج:
- امتثال أمره سبحانه وأمر رسوله ﷺ.
- اقتداء المسلمات بالصحابيات الفضليات رضي الله عنهن في التحجب والتستر وامتثال أمر الله ورسوله ﷺ، فعن عائشة رضي الله عنها قالت: "يرحم الله نساء المهاجرات الأُوَل، لما أنزل الله: ﴿...وَلۡيَضۡرِبۡنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَىٰ جُيُوبِهِنَّۖ...﴾ [النور: 31] شققن مروطهن فاختمرن بها"[124]. أي: لما نزلت هذه الآية الآمرة بالحجاب سارعت المهاجرات رضي الله عنهن بامتثال ذلك فلبسن الخمار. [124] رواه البخاري، برقم (4758).
- البعد عن التشبه بالكافرات والفاسقات وتقليدهن في اللباس وغيره.
- أخذ الرجال على أيدي نسائهن، ومنعهن مما حرم الله عليهن، وإلزامهن التحجب والتستر.
- استحضار أن الله خبير بما يصنعه الناس، وأنه لا يخفى عليه خافية، وفي ذلك تحذير للمؤمن من ارتكاب ما حرم الله عليه، والإعراض عما شرع الله له[125]. [125] ينظر: التبرج للشيخ ابن باز (ص3، 7، 11).
- تعلم معنى الحجاب الشرعي وضوابطه وشروطه، ويشترط للباس المرأة وحجابها باختصار:
1- أن يكون الحجاب ساترًا لجميع البدن.
2- أن يكون ثخينًا لا يشفّ عما تحته.
3- أن يكون فضفاضًا غير ضيّق.
4- أن لا يكون مزينًا يستدعي أنظار الرجال.
5- أن لا يكون مطيّبًا.
6- أن لا يكون لباس شهرة.
7- أن لا يُشبه لباس الرجال.
8- أن لا يشبه لباس الكافرات.
9- أن لا يكون فيه تصاليب ولا تصاوير لذوات الأرواح
النِّياحة على الميت
إن النياحة على الميت من كبائر الذنوب، وقد ورد الوعيد عليها في كثير من نصوص الشرع الحنيف، وهي دليل على الجزع والتسخُّط على قدر الله تعالى، فينبغي للمسلم إذا ما نزل به بلاء أو مصيبة أن يستقبله بالرضى، فإن لم يقدر فليس أقل من الصبر وعدم فعل شيء ينافيه.
وحقيقة النياحة: هي الصراخ والعَويل عند حصول المصيبة، مع الندب أي: تعديد محاسن الميت.
وكثيرًا ما تكون النياحة سببًا في محرمات أخرى، مثل: لطم الخدود، وشق الجيوب -والجيب هو الفتحة التي في أعلى الثوب يُدخِل منها المرء رأسه ليلبسه- ومثل: حلق الشعر أو نتفه، أو تسويد الوجه، أو إلقاء التراب على الرأس، أو الدعاء بالويل والهلاك، وغير ذلك.
الأدلة على تحريم النياحة على الميت:
قال الله تعالى: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ إِذَا جَآءَكَ ٱلۡمُؤۡمِنَٰتُ يُبَايِعۡنَكَ عَلَىٰٓ أَن لَّا يُشۡرِكۡنَ بِٱللَّهِ شَيۡـٔٗا وَلَا يَسۡرِقۡنَ وَلَا يَزۡنِينَ وَلَا يَقۡتُلۡنَ أَوۡلَٰدَهُنَّ وَلَا يَأۡتِينَ بِبُهۡتَٰنٖ يَفۡتَرِينَهُۥ بَيۡنَ أَيۡدِيهِنَّ وَأَرۡجُلِهِنَّ وَلَا يَعۡصِينَكَ فِي مَعۡرُوفٖ فَبَايِعۡهُنَّ وَٱسۡتَغۡفِرۡ لَهُنَّ ٱللَّهَۚ إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٞ رَّحِيمٞ 12﴾ [الممتحنة: 12].
قال الطبري رحمه الله: "وقوله: ﴿وَلَا يَعۡصِينَكَ فِي مَعۡرُوف﴾ يقول: ولا يعصينك يا محمد في معروف من أمر الله عز وجل تأمرهن به. وذُكِر أن ذلك المعروف الذي شرط عليهن أن لا يعصين رسول الله ﷺ فيه هو النياحة" ["تفسير الطبري" (22/ 594)].
وعن عبد الله بن مسعودٍ رضي الله عنه قال: قال النبي ﷺ: «لَيْسَ مِنَّا مَنْ لَطَمَ الْخُدُودَ، وَشَقَّ الْجُيُوبَ، وَدَعَا بِدَعْوَى الْجَاهِلِيَّةِ» [رواه البخاري: 1294، ومسلم: 103].
ودعوى الجاهلية فى هذا الحديث هى: النياحة، وندبة الميت، والدعاء بالويل وشبهه. ["إكمال المعلم بفوائد مسلم" للقاضي عياض (1/ 376)].
وعن أبي بردة بن أبي موسى، قال: وَجِعَ أبو موسى وجعًا فغُشي عليه، ورأسه في حجر امرأة من أهله فصاحت امرأة من أهله، فلم يستطع أن يرد عليها شيئًا، فلما أفاق قال: أَنَا بَرِيءٌ مِمَّا بَرِئَ مِنْهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بَرِئَ مِنَ الصَّالِقَةِ، وَالْحَالِقَةِ، وَالشَّاقَّةِ [رواه البخاري: 1296، ومسلم: 104].
الصالقة: هي التي ترفع صوتها عند المصيبة، والحالقة: هي التي تحلق شعرها عند المصيبة، والشاقة: التي تشق ثوبها عند المصيبة. ["شرح مسلم" للنووي (2/ 110)].
وعن أم عطية رضي الله عنها قالت: أَخَذَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَعَ الْبَيْعَةِ، أَلَّا نَنُوحَ، فَمَا وَفَتْ مِنَّا امْرَأَةٌ، إِلَّا خَمْسٌ [رواه البخاري: 1306، ومسلم: 936].
وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «اثْنَتَانِ فِي النَّاسِ هُمَا بِهِمْ كُفْرٌ: الطَّعْنُ فِي النَّسَبِ، وَالنِّيَاحَةُ عَلَى الْمَيِّتِ» (رواه مسلم: 67).
أي: من أعمال أهل الكفر وعادتهم وأخلاق الجاهلية، وهما خصلتان مذمومتان محرمتان فى الشرع ["إكمال المعلم بفوائد مسلم" للقاضي عياض (1/ 326)].
وعن أبي مالك الأشعري رضي الله عنه أن النبي ﷺقال: «النَّائِحَةُ إِذَا لَمْ تَتُبْ قَبْلَ مَوْتِهَا، تُقَامُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَعَلَيْهَا سِرْبَالٌ مِنْ قَطِرَانٍ، وَدِرْعٌ مِنْ جَرَبٍ» [رواه مسلم: 934].
السربال: الثوب، والدرع: ما كان لاصقًا بالبدن، والمعنى أن جلدها أجرب والعياذ بالله، والجرب معروف، هو عبارة عن حكة يتشقق منها الجلد، وإذا كان جلدها من جرب وعليها سربال من قطران صار هذا أشد اشتعالًا في النار، والعياذ بالله ["شرح رياض الصالحين" للعثيمين (6/ 402)].
وعن أبي أمامة رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لَعَنَ الْخَامِشَةَ وَجْهَهَا، وَالشَّاقَّةَ جَيْبَهَا، وَالدَّاعِيَةَ بِالْوَيْلِ وَالثُّبُورِ [رواه ابن ماجه: 1585].
الخامشة وجهها: أي جارحته بأظفارها، والداعية: أي على نفسها، بالويل: أي الحزن والمشقة، والثبور: الهلاك، تقول: يا حزني يا هلاكي [ينظر: "فيض القدير" (5/ 267)].
وعن علي بن ربيعة، قال: أول من نيح عليه بالكوفة قرظة بن كعب، فقال المغيرة بن شعبة: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «مَنْ نِيحَ عَلَيْهِ، فَإِنَّهُ يُعَذَّبُ بِمَا نِيحَ عَلَيْهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» [رواه البخاري: 1291، ومسلم: 933].
أضرار النياحة على الميت:
- أنه سبب للتعرض للعن الرسول ﷺ وبراءته ممن فعل ذلك، وهو سبب للعذاب الشديد يوم القيامة.
- أن فيه ضياع ثواب الصبر على المصيبة، فيجتمع على العبد المصيبة والإثم، ويفوته الأجر والثواب، قال تعالى: ﴿...إِنَّمَا يُوَفَّى ٱلصَّٰبِرُونَ أَجۡرَهُم بِغَيۡرِ حِسَابٖ﴾ [الزمر: 10].
- أنه من أسباب عذاب من نِيح عليه، إن كان هذا الفعل قد أمر به قبل موته، أو كانت عادته فاقتدى به أهلُه بعد موته.
سبل الوقاية من النياحة:
- من أهم هذه السبل رسوخ عقيدة الإيمان بالقضاء والقدر في القلب، فيعلم العبدُ أن ما أصابه لم يكن ليخطئه، فَعَنِ ابْنِ الدَّيْلَمِيِّ، قَالَ: أَتَيْتُ أُبَيَّ بْنَ كَعْبٍ، فَقُلْتُ لَهُ: وَقَعَ فِي نَفْسِي شَيْءٌ مِنَ الْقَدَرِ، فَحَدِّثْنِي بِشَيْءٍ لَعَلَّ اللَّهَ أَنْ يُذْهِبَهُ مِنْ قَلْبِي، قَالَ: "... "لَوْ أَنْفَقْتَ مِثْلَ أُحُدٍ ذَهَبًا فِي سَبِيلِ اللَّهِ مَا قَبِلَهُ اللَّهُ مِنْكَ حَتَّى تُؤْمِنَ بِالْقَدَرِ، وَتَعْلَمَ أَنَّ مَا أَصَابَكَ لَمْ يَكُنْ لِيُخْطِئَكَ، وَأَنَّ مَا أَخْطَأَكَ لَمْ يَكُنْ لِيُصِيبَكَ، وَلَوْ مِتَّ عَلَى غَيْرِ هَذَا لَدَخَلْتَ النَّارَ"، قَالَ: ثُمَّ أَتَيْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مَسْعُودٍ، فَقَالَ مِثْلَ ذَلِكَ، قَالَ: ثُمَّ أَتَيْتُ حُذَيْفَةَ بْنَ الْيَمَانِ، فَقَالَ مِثْلَ ذَلِكَ، قَالَ: ثُمَّ أَتَيْتُ زَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ فَحَدَّثَنِي عَنِ النَّبِيِّ ﷺ مِثْلَ ذَلِكَ . [رواه أبو داود: 4699].
- أن يعلم أن كل شيء يحدث فهو بأمر الله تعالى؛ فينبغي على المسلم التسليم لأمره تعالى، قال عز وجل: ﴿مَآ أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذۡنِ ٱللَّهِۗ...﴾ [التغابن: 11].
- أن يعلم أنَّ تسخطه لا يفيد شيئًا، ولا يدفع عنه بلاًء، وإنما يزيده بُعدًا من الله، وتفويتًا لما يناله من أجر إذا ما صبر وسلَّم لأمر الله.
- أن يصبر ويسترجع؛ فيقول: إنا لله وإنا إليه راجعون، حتى يناله الأجر الجزيل من الله، قال تعالى: ﴿...وَبَشِّرِ ٱلصَّٰبِرِينَ 155 ٱلَّذِينَ إِذَآ أَصَٰبَتۡهُم مُّصِيبَةٞ قَالُوٓاْ إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّآ إِلَيۡهِ رَٰجِعُونَ 156 أُوْلَٰٓئِكَ عَلَيۡهِمۡ صَلَوَٰتٞ مِّن رَّبِّهِمۡ وَرَحۡمَةٞۖ وَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡمُهۡتَدُونَ 157) [البقرة: 155 - 157].
- أن يرجع العبد على نفسه باللوم والنظر في حاله مع ربه؛ فإن عامة ما يصيب الإنسان من مصائب وبلايا إنما هو من قِبَل نفسه وبسبب ذنوبه، قال تعالى: ﴿وَمَآ أَصَٰبَكُم مِّن مُّصِيبَةٖ فَبِمَا كَسَبَتۡ أَيۡدِيكُمۡ وَيَعۡفُواْ عَن كَثِيرٖ 30﴾ [الشورى: 30].
- يجوز البكاء على الميت، ما لم يصحبه نياحة ولطم للخدود ونحو ذلك...فقد بكى النبي صلى الله عليه وسلم لوفاة ابن ابنته زينب رضي الله عنها. عن أسامة بن زيد رضي الله عنه قال: كنا عند النبي ﷺ؛ إذ جاءه رسول إحدى بناته يدعوه إلى ابنها في الموت، فقال النبي ﷺ: «ارْجِعْ فَأَخْبِرْهَا أَنَّ لِلَّهِ مَا أَخَذَ، وَلَهُ مَا أَعْطَى، وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِأَجَلٍ مُسَمًّى، فَمُرْهَا فَلْتَصْبِرْ وَلْتَحْتَسِبْ». فأعادت الرسول أنها قد أقسمت لتأتينها، فقام النبي صلى الله عليه وسلم، وقام معه سعد بن عبادة ومعاذ بن جبل، فدفع الصبي إليه ونفسه تقعقع، كأنها في شن، ففاضت عيناه، فقال له سعد: يا رسول الله. قال: «هَذِهِ رَحْمَةٌ جَعَلَهَا اللَّهُ فِي قُلُوبِ عِبَادِهِ، وَإِنَّمَا يَرْحَمُ اللَّهُ مِنْ عِبَادِهِ الرُّحَمَاءُ» [رواه البخاري: ٧٣٧٧].
قتل الذِّمِّي بغير حق
إن الحفاظ على النفس من الضروريات الخمس التي جاءت بها الشريعة الإسلامية، ولذلك توعد الله عز وجل قاتل النفس بغير حق بالعذاب الشديد.
ومن القتل بغير حق: قتل الذمي؛ لأنه معصوم الدم، وهو كبيرة من الكبائر، ومثله قتل المعاهَد والمستأمَن.
والذمي: هو غير المسلم من اليهود والنصارى الذين يقيمون في دار الإسلام بموجب عقد الذمة.
والمعاهَد والمستأمَن: هو غير المسلم الذي أعطاه المسلمون عهدًا أو أمانًا في دار الإسلام.
الأدلة على حرمة قتل الذمي بغير حق:
قال تعالى: ﴿وَٱلَّذِينَ لَا يَدۡعُونَ مَعَ ٱللَّهِ إِلَٰهًا ءَاخَرَ وَلَا يَقۡتُلُونَ ٱلنَّفۡسَ ٱلَّتِي حَرَّمَ ٱللَّهُ إِلَّا بِٱلۡحَقِّ وَلَا يَزۡنُونَۚ وَمَن يَفۡعَلۡ ذَٰلِكَ يَلۡقَ أَثَامٗا 68 يُضَٰعَفۡ لَهُ ٱلۡعَذَابُ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ وَيَخۡلُدۡ فِيهِۦ مُهَانًا 69 إِلَّا مَن تَابَ وَءَامَنَ وَعَمِلَ عَمَلٗا صَٰلِحٗا فَأُوْلَٰٓئِكَ يُبَدِّلُ ٱللَّهُ سَيِّـَٔاتِهِمۡ حَسَنَٰتٖۗ وَكَانَ ٱللَّهُ غَفُورٗا رَّحِيمٗا 70﴾ [الفرقان: 68 - 70].
وقال سبحانه: ﴿مِنۡ أَجۡلِ ذَٰلِكَ كَتَبۡنَا عَلَىٰ بَنِيٓ إِسۡرَٰٓءِيلَ أَنَّهُۥ مَن قَتَلَ نَفۡسَۢا بِغَيۡرِ نَفۡسٍ أَوۡ فَسَادٖ فِي ٱلۡأَرۡضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ ٱلنَّاسَ جَمِيعٗا وَمَنۡ أَحۡيَاهَا فَكَأَنَّمَآ أَحۡيَا ٱلنَّاسَ جَمِيعٗاۚ...﴾ [المائدة: 32].
قال السعدي رحمه الله: "يقول تعالى: ﴿مِنۡ أَجۡلِ ذَٰلِكَ﴾ الذي ذكرناه في قصة ابنَي آدم، وقتل أحدهما أخاه، وسَنِّه القتلَ لمن بعده، وأن القتل عاقبته وخيمة وخسارة في الدنيا والآخرة ﴿كَتَبۡنَا عَلَىٰ بَنِيٓ إِسۡرَٰٓءِيلَ﴾ أهل الكتب السماوية ﴿أَنَّهُۥ مَن قَتَلَ نَفۡسَۢا بِغَيۡرِ نَفۡسٍ أَوۡ فَسَادٖ فِي ٱلۡأَرۡضِ﴾ أي: بغير حق ﴿فَكَأَنَّمَا قَتَلَ ٱلنَّاسَ جَمِيعٗا﴾؛ لأنه ليس معه داع يدعوه إلى التبيين، وأنه لا يقدم على القتل إلا بحق، فلما تجرأ على قتل النفس التي لم تستحق القتل عُلم أنه لا فرق عنده بين هذا المقتول وبين غيره، وإنما ذلك بحسب ما تدعوه إليه نفسه الأمَّارة بالسوء. فتجرؤه على قتله، كأنه قتل الناس جميعًا.
وكذلك من أحيا نفسًا أي: استبقى أحدًا، فلم يقتله مع دعاء نفسه له إلى قتله، فمنعه خوف الله تعالى من قتله، فهذا كأنه أحيا الناس جميعًا؛ لأن ما معه من الخوف يمنعه من قتل من لا يستحق القتل" ["تفسير السعدي" (ص: 229)].
وعن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي ﷺ قال: «اجْتَنِبُوا السَّبْعَ الْمُوبِقَاتِ» (أي: المُهْلِكات)، قالوا: يا رسول الله وما هُنَّ؟ قال: «الشِّرْكُ بِاللَّهِ، وَالسِّحْرُ، وَقَتْلُ النَّفْسِ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ...» [رواه البخاري: 2766، ومسلم: 89].
وعن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: سُئِلَ النبي ﷺ عن الكبائر قال: «الْإِشْرَاكُ بِاللَّهِ، وَعُقُوقُ الْوَالِدَيْنِ، وَقَتْلُ النَّفْسِ، وَشَهَادَةُ الزُّورِ» [رواه البخاري: 2653، ومسلم: 88].
وعن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما، عن النبي ﷺ قال: «الْكَبَائِرُ: الْإِشْرَاكُ بِاللَّهِ، وَعُقُوقُ الْوَالِدَيْنِ، وَقَتْلُ النَّفْسِ، وَالْيَمِينُ الْغَمُوسُ» [رواه البخاري: 6675].
وعن ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله ﷺ: «لَنْ يَزَالَ الْمُؤْمِنُ فِي فُسْحَةٍ مِنْ دِينِهِ، مَا لَمْ يُصِبْ دَمًا حَرَامًا» (رواه البخاري: 6862).
قوله: «فِي فُسْحَةٍ مِنْ دِينِهِ» أي: في سعة من رحمة الله عز وجل. «مَا لَمْ يُصِبْ دَمًا حَرَامًا» طالما أنه لم يقتل نفسًا بغير حق.
وعن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما، عن النبي ﷺ قال: «مَنْ قَتَلَ مُعَاهَدًا لَمْ يَرَحْ (أي: لَمْ يَشُمَّ) رَائِحَةَ الْجَنَّةِ، وَإِنَّ رِيحَهَا تُوجَدُ مِنْ مَسِيرَةِ أَرْبَعِينَ عَامًا» [رواه البخاري: 3166)].
وعن علي رضي الله عنه، عن النبي ﷺ قال: «ذِمَّةُ الْمُسْلِمِينَ وَاحِدَةٌ، فَمَنْ أَخْفَرَ مُسْلِمًا فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ، لَا يُقْبَلُ مِنْهُ صَرْفٌ وَلَا عَدْلٌ» [رواه البخاري: 1870، ومسلم: 1370].
«ذِمَّةُ الْمُسْلِمِينَ وَاحِدَةٌ» أي: أن أمان المسلمين سواءٌ صدر من واحد أو أكثر شريف أو وضيع، فإذا أمَّن أحدٌ من المسلمين كافرًا وأعطاه ذمًة لم يكن لأحد نقضه، فيستوي في ذلك الرجل والمرأة والحُرُّ والعبد؛ لأن المسلمين كنفس واحدة. «فَمَنْ أَخْفَرَ مُسْلِمًا» أي: من نقض أمان مسلم فتعرض لكافر أمَّنه مسلم. «صَرْفٌ وَلَا عَدْلٌ» توبة ولا فدية، أو نافلة ولا فريضة.
وعن أبي بَكْرَةَ رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «مَنْ قَتَلَ مُعَاهَدًا فِي غَيْرِ كُنْهِهِ (أي: فِي غَيْرِ وَقْتِهِ الَّذِي يَجُوزُ فِيهِ قَتْلُهُ) حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ» [رواه أبو داود: 2760].
أضرار قتل الذمي بغير حق:
- أن قتل الذمي ومن له حكمه من معاهَد ومستأمَن كبيرة من الكبائر، ورد الوعيد الشديد على فاعلها، بل قد يكون ذلك سببًا لعدم دخول الجنة، كما سبق في الأحاديث.
- أنه غدر ونقض للعهد وهو من صفات المنافقين، فعن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما، أن النبي ﷺ قال: «أَرْبَعٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ كَانَ مُنَافِقًا خَالِصًا، وَمَنْ كَانَتْ فِيهِ خَصْلَةٌ مِنْهُنَّ كَانَتْ فِيهِ خَصْلَةٌ مِنَ النِّفَاقِ حَتَّى يَدَعَهَا: إِذَا اؤْتُمِنَ خَانَ، وَإِذَا حَدَّثَ كَذَبَ، وَإِذَا عَاهَدَ غَدَرَ، وَإِذَا خَاصَمَ فَجَرَ» [رواه البخاري: 34، ومسلم: 58].
- أنه سبب من أسباب صد الناس عن دين الله، فإن حسن معاملة أهل الذمة في حدود ما جاء به الشرع قد يكون سببًا في هداية بعضهم إلى الإسلام، وعلى النقيض فإن نقض العهد معهم وعدم الوفاء لهم بما تعهدنا لهم به سبب في تنفيرهم من الدخول في دين الله.
- أنه سبب في إيجاد مدخل لأعداء الإسلام في التشنيع على الإسلام بأنَّ أهله ليس لهم عهد.
سبل الوقاية من قتل الذمي بغير حق:
- خوف الله تعالى، واستحضار ما توعد به من شدة العذاب على هذه الكبيرة، وأنها قد تكون سببًا في عدم دخول فاعلها الجنة.
- استحضار فاعل ذلك أنه بهذا يصد الناس عن سبيل الله.
- محاولة تصفية الخلافات والعداوات بين المسلمين وأهل الذمة المقيمين بينهم قبل أن تحتدم وتصل إلى القتال المؤدي لقتل بعضهم بعضًا.
- رفع الجهل عن المسلمين بتعريفهم حقوقَ أهل الذمة بما في ذلك حُرمة دمائهم وأموالهم.
نُشوز المرأة على زوجها
إنَّ شأن الأسرة في الإسلام عظيم، وقد أَوْلته الشريعة أهمية بالغة، ومن أهم ما تقوم عليه الأسرة طاعةُ المرأة لزوجها، بحيث وصفت الشريعة من خرجت عن هذه الطاعة بـ (الناشز)، ومن أجلِّ صور هذه الطاعة طاعتها له إذا ما طلبها إلى فراشه للجماع، فإنه لا يجوز لها أن تمنعه من نفسها، ويُعد حينئذ كبيرة من الكبائر، توعَّد الشرع عليها بالعقاب الشديد.
فالمقصود بنشوز المرأة على زوجها هو: أن تترك طاعته فيما أُمرت بطاعته فيه، أو أن تترفع عليه في تعاملها معه.
فالمرأة مأمورة بطاعة زوجها في كل ما يأمرها به بالمعروف مما ليس فيه معصية لله، فتطيعه في أمر خدمته، ورعاية أبنائه، ولا تخرج من بيته إلا بإذنه ما لم تكن ضرورة اضطرتها إلى الخروج، ولا تُمكِّن أحدًا من دخول بيت زوجها وهو يكره أن يدخل حتى ولو كان أقرب قريب لها، ولا تصوم تطوُّعًا وهو حاضر إلا بإذنه، وإذا طلبها للفراش وجب عليها طاعته، ولو أدى ذلك إلى إفساد صيام تطوعٍ لها؛ فإذا ما عصت المرأة زوجها في شيء من ذلك فهي ناشز.
الأدلة على تحريم نشوز المرأة على زوجها:
قال تعالى: ﴿...وَٱلَّٰتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَٱهۡجُرُوهُنَّ فِي ٱلۡمَضَاجِعِ وَٱضۡرِبُوهُنَّۖ فَإِنۡ أَطَعۡنَكُمۡ فَلَا تَبۡغُواْ عَلَيۡهِنَّ سَبِيلًاۗ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلِيّٗا كَبِيرٗا﴾ [النساء: 34].
قال السعدي رحمه الله: "﴿وَٱلَّٰتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ﴾ أي: ارتفاعهن عن طاعة أزواجهن بأن تعصيه بالقول أو الفعل، فإنه يؤدبها بالأسهل فالأسهل ﴿فَعِظُوهُنَّ﴾ أي: ببيان حكم الله في طاعة الزوج ومعصيته والترغيب في الطاعة، والترهيب من معصيته، فإن انتهت فذلك المطلوب، وإلا فيهجرها الزوج في المضجع بأن لا يضاجعها ولا يجامعها بمقدار ما يحصل به المقصود، وإلا ضربها ضربًا غير مبرح، فإن حصل المقصود بواحد من هذه الأمور وأطعنكم ﴿فَلَا تَبۡغُواْ عَلَيۡهِنَّ سَبِيلًا﴾ أي: فقد حصل لكم ما تحبون فاتركوا معاتبتها على الأمور الماضية، والتنقيب عن العيوب التي يضر ذكرها ويحدث بسببه الشر" ["تفسير السعدي" (ص: 177)].
وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «إِذَا دَعَا الرَّجُلُ امْرَأَتَهُ إِلَى فِرَاشِهِ فَأَبَتْ، فَبَاتَ غَضْبَانَ عَلَيْهَا لَعَنَتْهَا الْمَلَائِكَةُ حَتَّى تُصْبِحَ» [رواه البخاري: 3237، ومسلم: 1436]ٍ.
وفي رواية عن أبي هريرة رضي الله عنه أيضًا قال: قال رسول الله ﷺ: «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، مَا مِنْ رَجُلٍ يَدْعُو امْرَأَتَهُ إِلَى فِرَاشِهَا، فَتَأْبَى عَلَيْهِ، إِلَّا كَانَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ سَاخِطًا عَلَيْهَا حَتَّى يَرْضَى عَنْهَا» [رواه مسلم: 1436].
وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال النبي ﷺ: «أُرِيتُ النَّارَ، فَلَمْ أَرَ مَنْظَرًا كَالْيَوْمِ قَطُّ أَفْظَعَ، وَرَأَيْتُ أَكْثَرَ أَهْلِهَا النِّسَاءَ». قَالُوا: بِمَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: «بِكُفْرِهِنَّ». قِيلَ: يَكْفُرْنَ بِاللَّهِ؟ قَالَ: «يَكْفُرْنَ الْعَشِيرَ، وَيَكْفُرْنَ الْإِحْسَانَ، لَوْ أَحْسَنْتَ إِلَى إِحْدَاهُنَّ الدَّهْرَ كُلَّهُ، ثُمَّ رَأَتْ مِنْكَ شَيْئًا، قَالَتْ: مَا رَأَيْتُ مِنْكَ خَيْرًا قَطُّ».
والمعنى: أن الله تعالى أرى نبيه ﷺ النارَ، فرأى أكثر أهلها من النساء بسبب إنكارهن حق الزوج وإحسانه، فلو أحسن الرجل إلى امرأته مدة عمره، ثم رأت منه شيئًا لا يوافق مزاجها ولا يعجبها قالت: ما رأيت منك خيرًا فيما مضى من الأزمنة.
وعن أبي هريرة رضي الله عنه، أن رسول الله ﷺ قال: «لَا يَحِلُّ لِلْمَرْأَةِ أَنْ تَصُومَ وَزَوْجُهَا شَاهِدٌ إِلَّا بِإِذْنِهِ، وَلَا تَأْذَنَ فِي بَيْتِهِ إِلَّا بِإِذْنِهِ» [رواه البخاري: 5195، ومسلم: 1026].
وعن طلق بن علي رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «إِذَا الرَّجُلُ دَعَا زَوْجَتَهُ لِحَاجَتِهِ فَلْتَأْتِهِ، وَإِنْ كَانَتْ عَلَى التَّنُّورِ» [رواه الترمذي: 1160].
أي: إذا دعاها للجماع فلتجب دعوته وإن كانت تخبز على الفرن، مع أنه شغل شاغل يصعب التفرغ منه إلى غيره إلا بعد انتهائه [ينظر: "تحفة الأحوذي" (4/ 272)].
أضرار نشوز المرأة على زوجها:
- أنه معصية لله تعالى، وسبب من أسباب دخول النار.
- أن نشوزها إن كان بالامتناع من الفراش كان ذلك داعيًا لأن تلعنها الملائكة طيلة هذه الليلة وسخط الله عليها فيها.
- أنه قد يؤدي بالزوج إلى أن يقع في الحرام من نظرٍ إلى النساء الأجانب، أو الوقوع -عياذًا بالله- في الزنا.
- أن أول من يجني عواقب هذا النشوز هي الزوجة؛ فإنه يجيز للزوج هجرها بل وضربها إن لم تنزجر بالهجر.
- أنه قد يكون سببًا لطلاقها كذلك، وتفكك الحياة الأسرية، وضياع الأطفال بعد الطلاق.
وربما لم يقتصر الأمر على الطلاق، بل يؤول إلى مشاكل بين أسرة الزوج وأسرة الزوجة، أو لجوء كل منهما إلى المحاكم ومحاولة الإضرار بالآخر.
-أن الزوجة الناشز لا تستحق على زوجها سكنى، ولا نفقة.
سبل الوقاية من النشوز:
- أن يقوم الآباء والأمهات بتربية بناتهن على معرفة حقوق الزوج قبل الزواج؛ فإن غالب النشوز إنما يكون بسبب سوء التربية للبنات.
- أن تعتني الزوجة بأمر العلم الشرعي، فتتعلم حقوق الزوج عليها، وتنظر في أقوال النبي صلى الله عليه وسلم لتعرف إلى أي مدى حث على طاعة الزوج.
- أن تبتعد الزوجة عن صحبة السوء من النساء اللاتي لا يتقين الله ولا يعرفن ما عليهن من حقوق وواجبات حتى لا يؤلِّبنها على زوجها، أو تتسرب إليها هذه الطباع والأخلاق الذميمة منهن.
- أن تبتعد الزوجة أيضًا عما يُروَّج له من أصحاب الدعوات الباطلة من التسوية بين المرأة والرجل وغيرها مما لا غرض له إلا تدمير الأسرة المسلمة، وتعرف أنه لا خير إلا فيما جاءها من قِبَل الكتاب والسنة.
- ألا يسعى أهل الزوجة إلى التدخل بينها وبين زوجها أو تشجيعهم لها على معصيته، بل عليهم ألا يتدخلوا إلا للإصلاح بينهما بالمعروف، ولتنبيه الزوجة على حقوق زوجها، ونهيها عن النشوز عليه.
- أن يقوم الزوج بقوامته على زوجته بالصورة الصحيحة، فلا يكون مفرِّطًا بحيث تضيع شخصيته عند المرأة فلا تُقيم له وزنًا، وفي نفس الوقت لا يُفْرِط في استخدام حقه بما يحملها على النفور منه؛ فالإفراط والتفريط مؤديان إلى نشوز المرأة.
إفساد المرأة على زوجها أو إفساد الرجل على زوجته
إذا كان الإفساد بين الناس مما حرمته الشريعة؛ فإن إفساد المرأة على زوجها أشد تحريمًا من غيره، لذلك خصَّته الشريعة بوعيد خاص دون غيره من باقي أنواع الإفساد بين الناس؛ وذلك لما له من ضرر على أمر الترابط الأسري الذي اعتنت الشريعة بتماسكه بكل طريق.
ويحصل الإفساد بين المرأة وزوجها بأي فعل أو قول أو تلميح يُفسد هذه المرأة على زوجها ويُبغِّضه إليها، سواء كان مَن فَعل ذلك له مصلحة؛ كأن يريد الزواج منها أو لا، أو حتى من امرأة أخرى أرادت الزواج من الرجل أو عدمه.
وينسحب الحكم أيضًا على من أفسد رجلًا على امرأته، سواء كان المفسِدُ امرأةً أخرى أو رجلًا مثله.
الأدلة على تحريم إفساد المرأة على زوجها:
قال تعالى: ﴿...فَيَتَعَلَّمُونَ مِنۡهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِۦ بَيۡنَ ٱلۡمَرۡءِ وَزَوۡجِهِ...﴾ [البقرة: 102].
فجعل الله تعالى التفريق بين المرء وزوجه من أعمال السحرة ومن عاونهم من الشياطين، بل النص عليه بالخصوص دون غيره من أنواع السحر يدل على خطورة هذا النوع من الضرر، وأنه مِن أضرِّ ما يحصل بسبب السحر.
وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «لَيْسَ مِنَّا مَنْ خَبَّبَ امْرَأَةً عَلَى زَوْجِهَا» [رواه أبو داود: 2175]. ومعنى خبَّب: أفسد.
وعن بُريدة رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «لَيْسَ مِنَّا مَنْ حَلَفَ بِالْأَمَانَةِ، وَمَنْ خَبَّبَ عَلَى امْرِئٍ زَوْجَتَهُ أَوْ مَمْلُوكَهُ فَلَيْسَ مِنَّا» [رواه أحمد: 22980].
وعن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال: قال رسول الله ﷺ: «إِنَّ إِبْلِيسَ يَضَعُ عَرْشَهُ عَلَى الْمَاءِ، ثُمَّ يَبْعَثُ سَرَايَاهُ، فَأَدْنَاهُمْ مِنْهُ مَنْزِلًَة أَعْظَمُهُمْ فِتْنًَة، يَجِيءُ أَحَدُهُمْ فَيَقُولُ: فَعَلْتُ كَذَا وَكَذَا، فَيَقُولُ: مَا صَنَعْتَ شَيْئًا، قَالَ ثُمَّ يَجِيءُ أَحَدُهُمْ فَيَقُولُ: مَا تَرَكْتُهُ حَتَّى فَرَّقْتُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ امْرَأَتِهِ، قَالَ: فَيُدْنِيهِ مِنْهُ وَيَقُولُ: نَعَمْ أَنْتَ» [رواه مسلم: 2813].
أضرار إفساد المرأة على زوجها:
- أنه كبيرة من الكبائر؛ وعليه فصاحبه متوعد بالعذاب يوم القيامة.
- أنه من أفعال الشياطين والسحرة، ففاعله متشبه بأخبث المخلوقات.
- أنه من أكثر ما يفرح به إبليس.
- أنه سبب من أسباب فساد العلاقات الأسرية وهدمها، والذي بدوره يساهم في فساد المجتمع.
- أنه من أسباب العداوة بين الناس، بل قد يتسبب في قتال بعضهم بعضًا إذا ما علم الرجل أن غيره يريد أن يُفسد امرأتَه عليه.
سبل الوقاية من إفساد المرأة على زوجها:
- أن يعلم من يفعل ذلك ما له عند الله في الآخرة من شدة العذاب.
- أن يربي الإنسانُ نفسَه على الشهامة والمروءة التي تدعوه إلى ترك الأعمال الدنيئة كالإفساد بين الناس؛ لأجل تحصيل مصلحة، أو التشفِّي من غيره بأعمال فيها خسة ونذالة.
- أن يعلم -إن كان ممن يفعل ذلك لمصلحةٍ كتزوج من المرأة- أنه لن ينال إلا ما قُدِّر له، فقد لا تقبل به المرأة بعد ذلك، وإن قبلت به فربما جعلها الله له ابتلاء يُفسد عليه عيشه. وأما إن لم يكن له مصلحة في ذلك، فليحذر أيضًا من أن يسلط الله عليه مَن يُفسد بينه وبين زوجته؛ فإن الجزاء من جنس العمل.
- أن تتفطن المرأة التي يحاول الغير الإفساد بينها وبين زوجها إلى ما يحاك لها، وأنه وإن أظهر لها الآن أنه هو الرجل الحقيقي الذي تستحقه، وأن زوجها هذا يسيء عشرتها ولا يوليها ما تستحقه من الرعاية أنَّ هذا المفسد شخصٌ دنيء النفس لئيم الطبع، وأنها إن تزوجت منه بعد زوجها فلن ترى من مثله خيرًا.
- يجب على المرأة أن تبتعد عن صحبة نساء السوء اللاتي يزرعن بينها وبين زوجها الشقاق.
- يجب عليها أن تبتعد عن الدعوات الباطلة التي يروِّج لها أعداء الدين لإفساد النساء على أزواجهن.
- أن يتقيَ أهلُ المرأةِ اللهَ، ولا يفسدوا ابنتهم على زوجها، فكثيرًا ما يحصل هذا الإفساد من أمِّ المرأة، وتتسبب في طلاق ابنتها بحجة أنها تدافع عن ابنتها، وأنها تأتي لها بحقوقها من هذا الزوج الذي تدعي الأم أنه يهضم حقوقها.
- أن تتذكر المرأة حق زوجها والفضل بينهما، وألا تتسرع في اتخاذ قرارها، أو السماع لغيرها.
طلب المرأة الطلاق من غير بأس
إن أمر الأسرة واستقرارها مما أَوْلته الشريعة أهمية بالغة، ولذلك وضع الله تعالى حلولًا يُلجأ إليها لمعالجة ما قد يقع بين الزوجين من خلاف، هذه الحلول بمثابة حوائل أمام وقوع الطلاق، وما ذلك إلا بسبب أهمية بقاء هذه العلاقة المقدسة، فإذا طلبت المرأة الطلاق من غير سبب فإنها بذلك تكون عاصية لربها، مخالفة لمراده من شرعه للزواج.
ومعنى طلب الطلاق من غير بأس أي: طلبه بلا سبب شرعي يبيح للمرأة أن تطلب الطلاق، كأن يكون في عشرتها للرجل ضرر على دينها أو دنياها، أما مع انعدام الضرر فيكون طلب الطلاق حرامًا.
ومن صور الضرر الديني: أن يكون الرجل فاسقًا، كأن يكون يترك الصلاة، أو يشرب الخمر، أو يتعاطى المخدرات، أو ممن يمتلئ بيته بالمعازف ونحوها من المفسقات.
ومن صور الضرر الدنيوي: أن تكون المرأة كارهة للرجل لعيب في خُلقه؛ كاتصافه بالشدة والحدة، وسرعة التأثر، وكثرة الغضب، والانتقاد لأدنى فعل، والعتاب على أدنى نقص. أو لعيب في خلقته كدمامة أو نقص في بعض حواسه.
الأدلة على تحريم طلب المرأة الطلاق من غير بأس:
عن ثوبان رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «أَيُّمَا امْرَأَةٍ سَأَلَتْ زَوْجَهَا طَلَاقًا فِي غَيْرِ مَا بَأْسٍ، فَحَرَامٌ عَلَيْهَا رَائِحَةُ الْجَنَّةِ» [رواه أبو داود: 2226].
أضرار طلب المرأة الطلاق من غير بأس:
- أن مَن تطلب الطلاق من غير بأس متوعَّدة من الله تعالى بعدم دخول الجنة.
- أن فيه فساد البنيان الاجتماعي الذي أراده الله تعالى وهو الأسرة التي هي نواة المجتمع.
- أنه سبب من أسباب ضياع الأطفال، فيصير الطفل إما إلى أبيه وإما إلى أمه، مع أن الأصل أن يكون بينهما جميعًا يُدلي كل منهما إليه بنصيبه من تربيته ورعايته، بل قد لا يجد هذا ولا هذا، فبعض الأسر التي انفصل فيها الرجل عن المرأة يتملص كل منهما عن حضانة الأطفال، فبذلك يضيعون ولا يتربون التربية الصحيحة، فيصيرون وبالًا على المجتمع.
- أنه موافَقة لمراد الشياطين، بل هذا الفعل من أعظم ما يفرح به الشيطان، فالتفريق بين المرأة وزوجها من أعظم أماني الشياطين وأهدافهم، قال تعالى: ﴿...وَلَٰكِنَّ ٱلشَّيَٰطِينَ كَفَرُواْ يُعَلِّمُونَ ٱلنَّاسَ ٱلسِّحۡرَ وَمَآ أُنزِلَ عَلَى ٱلۡمَلَكَيۡنِ بِبَابِلَ هَٰرُوتَ وَمَٰرُوتَۚ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنۡ أَحَدٍ حَتَّىٰ يَقُولَآ إِنَّمَا نَحۡنُ فِتۡنَةٞ فَلَا تَكۡفُرۡۖ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنۡهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِۦ بَيۡنَ ٱلۡمَرۡءِ وَزَوۡجِهِ...﴾ [البقرة: 102]. وعن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال: قال رسول الله ﷺ: «إِنَّ إِبْلِيسَ يَضَعُ عَرْشَهُ عَلَى الْمَاءِ، ثُمَّ يَبْعَثُ سَرَايَاهُ، فَأَدْنَاهُمْ مِنْهُ مَنْزِلًَة أَعْظَمُهُمْ فِتْنًَة، يَجِيءُ أَحَدُهُمْ فَيَقُولُ: فَعَلْتُ كَذَا وَكَذَا، فَيَقُولُ: مَا صَنَعْتَ شَيْئًا، قَالَ: ثُمَّ يَجِيءُ أَحَدُهُمْ فَيَقُولُ: مَا تَرَكْتُهُ حَتَّى فَرَّقْتُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ امْرَأَتِهِ، قَالَ: فَيُدْنِيهِ مِنْهُ وَيَقُولُ: نَعَمْ أَنْتَ» [رواه مسلم: 2813].
كيفية الوقاية من طلب المرأة الطلاق بغير بأس:
- نشر العلم الشرعي، خصوصًا المسائل المتعلقة بأمور الزواج والأسرة بين الشباب المُقدمين على الزواج، فبهذا يعلم كل منهما ما له وما عليه، ومن ذلك أن تعلم المرأة ما لها عند الله إذا ما طلبت الطلاق بغير عذر، فترتدع عن ذلك.
- التربية السليمة للبنات من قِبَل أهلهن، فتخرج البنت وقد علمت أن أمر الزواج ليس مجرد نزهة تذهب إليه متى شاءت وتتركه إذا دخلها الملل منه، بل هو بناء مهم، عليه يقوم المجتمع كله.
- أن يحسن الرجل التعامل مع المرأة ويصبر عليها، ويكرمها حتى لا يجعل لها سببًا لطلب الطلاق.
- أن يُحسن الرجل اختيار المرأة التي سيتزوجها فيختار امرأة صالحة، من أسرة تحسن التربية والتأديب؛ فإن مثل هذه الأفعال كثيرًا ما تصدر عن نساء قليلة الديانة أو التربية، بل بعضهن قد تطلب ذلك لأجل أن تدع زوجها وتتزوج آخر قد تعرفت به من خلال طرق غير شرعية.
- عدم الانصياع للدعوات النسوية التي يروج لها أعداء الإسلام ممن يُقدِّمون الزواج على أنه تقييد للمرأة عن حريتها، فهؤلاء ليس لهم هم إلا نشر الفساد، وتقويض الأسرة، وهدم المجتمع.
- ألّا تتسرع المرأة بطلب الطلاق إلا بعد سؤال أهل العلم، واستشارة أهل المشورة.
إفشاء الرجل سِرَّ زوجته والعكس
لا شك أن ما يحدث بين الزوجين من أمور الاستمتاع والجماع، هو من الأمانة التي يجب حفظها ويحرم إفشاؤها، وبهذا صرحت النصوص الشرعية، بل هو مما تقتضيه الفطرة السليمة، والعقل الصحيح، ومروءة الإنسان السوي.
والمقصود من الإفشاء هنا هو التكلم بما يدور بين الرجل وزوجته في فراش الزوجية مما يتحدثان به أو يفعلانه، سواًء وقع من الزوجة أو الزوج، وسواء كان الإفشاء لأحد من الأصدقاء أو الأقارب، أو حتى أن تتكلم الزوجة بذلك مع أمها وأختها؛ لأن ما يجري بين الرجل وأهله لا يليق بالإنسان العاقل أن يتحدث به، وإنما هو سر يكون بينه وبين أهله، لا يجوز له إفشاؤه أو إظهاره.
الأدلة على تحريم إفشاء الرجل سر زوجته والمرأة سر زوجها:
عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «إِنَّ مِنْ أَشَرِّ النَّاسِ عِنْدَ اللَّهِ مَنْزِلًَة يَوْمَ الْقِيَامَةِ، الرَّجُلُ يُفْضِي إِلَى امْرَأَتِهِ، وَتُفْضِي إِلَيْهِ، ثُمَّ يَنْشُرُ سِرَّهَا» [رواه مسلم: 1437/ 123].
قوله ﷺ: «يُفْضِي إِلَى امْرَأَتِهِ» أي: يصل إليها بالاستمتاع والجماع.
وفي لفظ آخر عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «إِنَّ مِنْ أَعْظَمِ الْأَمَانَةِ عِنْدَ اللَّهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، الرَّجُلُ يُفْضِي إِلَى امْرَأَتِهِ، وَتُفْضِي إِلَيْهِ، ثُمَّ يَنْشُرُ سِرَّهَا» [رواه مسلم: 1437/ 124].
قوله ﷺ: «إِنَّ مِنْ أَعْظَمِ الْأَمَانَةِ» أي: من أعظم خيانة الأمانة.
أضرار إفشاء الرجل سر زوجته والمرأة سر زوجها:
- أنه خيانة لأمانةٍ هي من أعظم الأمانات عند الله تعالى، فما بين الزوجين أمانة بينهما.
- إن هذا الفعل يجعل صاحبه من شر الناس عند الله يوم القيامة.
- قد يتسبب هذا الفعل في جَعْل سيرة المتحدث بذلك على ألسنة الناس يهمزونه بهذا، ويخوضون في عرضه، فإن كثيرًا من الناس لا يحفظ مثل هذه الأسرار.
- أنه قد يتسبب في حدوث الطلاق، فإن الرجل إذا علم أن زوجته قد تحدثت بذلك مع أحد ربما أخذته الغيرة ففارق زوجته، أو على الأقل تشاجرا من أجل هذا.
- أنه باب من أبواب انصراف الرجل إلى غير زوجته والمرأة إلى غير زوجها؛ فإن الرجل إذا تحدث مع صاحبه بما يكون بينه وبين زوجته، وتحدث صاحبه معه بذلك أيضًا، فربما رأى من زوجة صاحبه ما لا يكون من امرأته، فتزهد نفسه فيها وتتوقَّ إلى غيرها، وكذا يكون الحال بالنسبة للزوجة إذا ما تحدثت مع صاحبتها بذلك.
كيفية الوقاية من إفشاء الرجل سر زوجته والمرأة سر زوجها:
- أن يعلم الرجل والمرأة أن هذا مما يغضب الله تعالى، وأن فاعل ذلك من شر الناس عند الله منزلة يوم القيامة.
- أن يربي الآباء أبناءهم على الأخلاق السوية؛ فإن مثل هذه الأمور لا تخرج من صاحب خلق كريم.
- أن يربي المرء نفسه على الحياء والغيرة، فهما من أعظم ما يمنعه من هذه المعصية.
- أن يربي المرء نفسه على حفظ الأمانة وكتم الأسرار.
- ترك أصحاب السوء ومجالس اللغو مما يقع فيها مثل هذا الحديث.
تعطُّر المرأة عند خروجها
لقد حافظ الإسلام على المجتمع، وسَدَّ الطُّرق المؤدية إلى الفساد، وأمر المرأة بالحجاب والسِّتر، وأمرها بعدم التعطر عند الخروج؛ حفاظًا عليها من جهة، ومراعاة لأخلاق المجتمع من جهة أخرى، إلا أن بعض النساء يَخرجن متطيبات؛ فيقعن في معصية عظيمة تجلب الإثم وتفسد المجتمع.
ويُلحق بالطيب (أي: العطر) ما في معناه؛ فإن الطيب إنما مُنع منه لما فيه من تحريك شهوة الرجال، وربما يكون سببًا لتحريك شهوة المرأة أيضًا، فما كان فيه هذا المعنى التحق به مثل: حُسن الملابس، ولبس الحلي الذي يظهر أثره في الزينة، وإظهار بعض ما أُمِرت المرأة بستره من أجزاء جسدها، وكذا الاختلاط بالرجال [ينظر: "إحكام الأحكام " لابن دقيق العيد (2/ 139، 140)، و "فتح الباري " لابن حجر (2/ 349)].
وقد وردت الأدلة في تحريم خروج المرأة متعطرة، منها:
عن زينب امرأة عبد الله بن مسعود رضي الله عنهما قالت: قال لنا رسول الله ﷺ: «إِذَا شَهِدَتْ إِحْدَاكُنَّ الْمَسْجِدَ فَلَا تَمَسَّ طِيبًا» [رواه مسلم: 443].
وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «أَيُّمَا امْرَأَةٍ أَصَابَتْ بَخُورًا فَلَا تَشْهَدْ مَعَنَا الْعِشَاءَ الْآخِرَةَ» [رواه مسلم: 444].
وعن أبي هريرة رضي الله عنه، أن رسول الله ﷺ قال: «لَا تَمْنَعُوا إِمَاءَ اللَّهِ مَسَاجِدَ اللَّهِ، وَلَكِنْ لِيَخْرُجْنَ وَهُنَّ تَفِلَاتٌ» [رواه أبو داود: 565]. يعني: غير متطيبات.
وعن مولى أبي رُهم، أن أبا هريرة رضي الله عنه لقِي امرأة متطيِّبة تريد المسجد، فقال: يا أَمَة الجبار أين تريدين؟ قالت: المسجد، قال: وله تطيبتِ؟ قالت: نعم، قال: فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: «أَيُّمَا امْرَأَةٍ تَطَيَّبَتْ ثُمَّ خَرَجَتْ إِلَى الْمَسْجِدِ لَمْ تُقْبَلْ لَهَا صَلَاةٌ حَتَّى تَغْتَسِلَ» [رواه ابن ماجه: 4002].
وعن عمرة بنت عبد الرحمن أنها سمعت عائشة رضي الله عنها تقول: "لَوْ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ رَأَى مَا أَحْدَثَ النِّسَاءُ لَمَنَعَهُنَّ الْمَسْجِدَ كَمَا مُنِعَتْ نِسَاءُ بَنِي إِسْرَائِيلَ " [رواه البخاري: 869، ومسلم: 445].
تشير عائشةُ رضي الله عنها إلى أن النبي ﷺ كان يُرخِّص في بعض ما يُرخِّص فيه حيث لم يكن في زمنه فسادٌ، ثم طرأ الفساد وحدث بعده، فلو أدرك ما حدث بعده لما استمر على الرخصة، بل نهى عنه؛ فإنه إنما يأمر بالصلاح، وينهى عن الفساد [ينظر: "فتح الباري " لابن رجب (8/ 41)].
قال أبو محمد بن حزم: "فإن استأذن النساءُ أزواجَهن في حضور الصلاة في المسجد، ففرض عليهم الإذن لهن، ولا يخرجن إلا تفلات غير متطيبات ولا متزينات، فإن تطيبن أو تزيَّن لذلك فهن عاصيات لله تعالى خارجات بخلاف ما أُمِرْنَ، فلا يحل إرسالهن حينئذٍ أصلًا " [ينظر: "المحلى " (3/ 104، 113)].
وعن أبي موسى رضي الله عنه عن النبي ﷺ قال: «كُلُّ عَيْنٍ زَانِيَةٌ، وَالْمَرْأَةُ إِذَا اسْتَعْطَرَتْ فَمَرَّتْ بِالْمَجْلِسِ فَهِيَ كَذَا وَكَذَا» يعني: زانية [رواه الترمذي: 2786].
يعني: إذا تعطَّرت المرأةُ ومرَّت بمجلس فقد هيَّجت شهوةَ الرجال بعطرها، وحملَتْهم على النظر إليها، فكلُّ مَن نظرَ إليها فقد زنا بعينه، ويحصل لها إثمٌ بأن حملَتْه على النظر وشوَّشتْ قلبَه، وإذا كانت هي سببَ زناه بالعين فتكون هي أيضًا زانيًة؛ باشتراكها في الإثم [ينظر: "المفاتيح في شرح المصابيح " (2/ 220)].
ولخروج المرأة متعطرة أضرار كثيرة، منها:
- أنه من المنكرات والمعاصي الظاهرة، التي يكثر الفساد بسببها، ويقلد النساء بعضُهن بعضًا فيها.
- أنه سبب لإثارة الشهوات المحرمة، ومن أسباب الفتنة؛ فعن أسامة بن زيد رضي الله عنهما قال: قال رسول الله ﷺ: «مَا تَرَكْتُ بَعْدِي فِتْنًَة هِيَ أَضَرُّ عَلَى الرِّجَالِ مِنَ النِّسَاءِ» [رواه البخاري: 5096، ومسلم: 2740].
- يترتب عليه ظهور الفواحش وارتكاب الجرائم وقلة الحياء وعموم الفساد.
- أن المرأة التي تفعل ذلك ليس لها أجر في تلك الصلاة التي صلتها، إذا خرجت من بيتها قاصدة المسجد وهي واضعة للطيب.
- أن المرأة التي تفعل ذلك تُشبه الزانية عياذًا بالله.
-أن هذا الفعل تشبُّه بأهل الكفر والفسق؛ فعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه عن النبي ﷺ قال: «كَانَتْ امْرَأَةٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ قَصِيرَةٌ تَمْشِي مَعَ امْرَأَتَيْنِ طَوِيلَتَيْنِ، فَاتَّخَذَتْ رِجْلَيْنِ مِنْ خَشَبٍ وَخَاتَمًا مِنْ ذَهَبٍ مُغْلَقٍ مُطْبَقٍ (أَيْ فَارِغٍ) ثُمَّ حَشَتْهُ مِسْكًا، وَهُوَ أَطْيَبُ الطِّيبِ، فَمَرَّتْ بَيْنَ الْمَرْأَتَيْنِ، فَلَمْ يَعْرِفُوهَا، فَقَالَتْ بِيَدِهَا هَكَذَا». [رواه مسلم: 2252]. أي: حركت يدها ليفوح المسك فتَنجذِبَ الأنظار إليها.
وقد حذرنا النبي ﷺ من التشبه بذلك؛ فعن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله ﷺ: «مَنْ تَشَبَّهَ بِقَوْمٍ فَهُوَ مِنْهُمْ» [رواه أبو داود: 4031].
- أنه من أعظم أسباب حلول العقوبات ونزول النقمات؛ فعن أبي بكر الصديق رضي الله عنه أنه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إِنَّ النَّاسَ إِذَا رَأَوُا الْمُنْكَرَ لَا يُغَيِّرُونَهُ أَوْشَكَ أَنْ يَعُمَّهُمُ اللَّهُ بِعِقَابِهِ» [رواه أبو داود: 4338].
كيفية الوقاية من خروج المرأة متعطرة أسباب، منها:
- التأدب بتأديب الله، وامتثال أمره سبحانه.
- تقوى الله تعالى، قال الشيخ ابن باز رحمه الله: "فالواجب على النساء أن يتقين الله، وأن يحذرن أسباب الفتنة من الزينة والطيب وإبراز بعض المحاسن " [ "مجموع فتاوى ومقالات متنوعة " (16/ 272)].
- استحضار أن الله خبير بما يصنعه الناس، وأنه لا يخفى عليه خافية، وفي ذلك تحذير للمؤمن من ركوب ما حرم الله عليه، والإعراض عما شرع الله له [ينظر: "التبرج " للشيخ ابن باز (ص3، 7، 11)].
- أخذ الرجال على أيدي نسائهن، ومنعهن مما حرم الله عليهن، وإلزامهن التحجب والتستر وترك التعطر عند الخروج أو بحضرة الرجال.
- اقتداء المسلمات بالصحابيات الفضليات رضي الله عنهن في التحجب والتستر وامتثال أمر الله ورسوله ﷺ.
- البعد عن التشبه بالكافرات والفاسقات وتقليدهن في اللباس والتعطر وغيره.
- أن تعلم المرأة أنه يباح لها استعمال الطيب بما ليس فيه فساد وفتنة، وذلك في بيتها وبين زوجها ومحارمها.
التحليل بعد الطلقة الثالثة
لقد أنعم الله علينا بهذا الدين العظيم الذي لم يترك جانبًا من جوانب الحياة إلا بيَّن أحكامه؛ ومن ذلك أحكام الزواج والطلاق وما يتعلق بهما؛ إلا أن بعض الناس يتحايلون على أحكام الشرع؛ فيعرِّضون أنفسهم لغضب الله ولعنته.
والتحليل بعد الطلقة الثالثة أحد صور التحايل على أحكام الشرع، وهو أن يطلق الرجل امرأته ثلاثًا، فيأتي رجل آخر فيتزوجها على شريطة أن يطلقها بعد جماعها؛ لتحل لزوجها الأول [ينظر: "النهاية في غريب الحديث " (1/ 431)].
وهذا التحليل جريمة عظيمة وكبيرة من الكبائر، يبوء فيها بالإثم ثلاثةٌ: المطلِّق حيث رضي بالتحليل، والمرأة المطلَّقة حيث طاوعت ورضيت به، والزوج المحلِّل حيث رضي بذلك وفعل هذه الجريمة، فيكون كل من المطلق والمرأة والمحلل فاسقًا؛ لإقدامهم على هذه الفاحشة [ينظر: "الزواجر عن اقتراف الكبائر " (2/ 44)ٍ].
وقد وردت الأدلة على حرمة التحليل بعد الطلقة الثالثة، فمن ذلك:
قول الله تعالى: ﴿فَإِن طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُۥ مِنۢ بَعۡدُ حَتَّىٰ تَنكِحَ زَوۡجًا غَيۡرَهُۥۗ فَإِن طَلَّقَهَا فَلَا جُنَاحَ عَلَيۡهِمَآ أَن يَتَرَاجَعَآ إِن ظَنَّآ أَن يُقِيمَا حُدُودَ ٱللَّهِۗ وَتِلۡكَ حُدُودُ ٱللَّهِ يُبَيِّنُهَا لِقَوۡمٖ يَعۡلَمُونَ 230﴾ [البقرة: 230].
قال السعدي رحمه الله: "يقول تعالى: ﴿فَإِن طَلَّقَهَا﴾ أي: الطلقة الثالثة ﴿فَلَا تَحِلُّ لَهُۥ مِنۢ بَعۡدُ حَتَّىٰ تَنكِحَ زَوۡجًا غَيۡرَهُۥ﴾ أي: نكاحًا صحيحًا ويطؤها (أي: يجامعها)؛ لأن النكاح الشرعي لا يكون إلا صحيحًا، ويدخل فيه العقد والوطء، وهذا بالاتفاق. ويشترط أن يكون نكاح الثاني نكاح رغبة، فإن قصد به تحليلها للأول فليس بنكاح، ولا يفيد التحليل، فإذا تزوجها الثاني راغبًا ووطئها ثم فارقها وانقضت عدتها ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيۡهِمَآ﴾ أي: على الزوج الأول والزوجة ﴿أَن يَتَرَاجَعَآ﴾أي: يجددا عقدًا جديدًا بينهما؛ لإضافته التراجع إليهما، فدل على اعتبار التراضي. ولكن يشترط في التراجع أن يظنَّا ﴿أَن يُقِيمَا حُدُودَ ٱللَّهِ﴾بأن يقوم كل منهما بحق صاحبه، وذلك إذا ندما على عشرتهما السابقة الموجبة للفراق، وعزما أن يبدلاها بعشرة حسنة، فهنا لا جناح عليهما في التراجع " [ "تفسير السعدي " باختصار (ص: 102)].
وقال سبحانه: ﴿وَإِذَا طَلَّقۡتُمُ ٱلنِّسَآءَ فَبَلَغۡنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمۡسِكُوهُنَّ بِمَعۡرُوفٍ أَوۡ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعۡرُوفٖۚ وَلَا تُمۡسِكُوهُنَّ ضِرَارٗا لِّتَعۡتَدُواْۚ وَمَن يَفۡعَلۡ ذَٰلِكَ فَقَدۡ ظَلَمَ نَفۡسَهُۥۚ وَلَا تَتَّخِذُوٓاْ ءَايَٰتِ ٱللَّهِ هُزُوٗاۚ...﴾ [البقرة: 231].
قوله سبحانه: ﴿...وَلَا تَتَّخِذُوٓاْ ءَايَٰتِ ٱللَّهِ هُزُوٗاۚ...﴾ بعد أن ذكر الطلاق والرجعة والخلع والنكاح الْمُحَلَّلَ والنكاح بعده وغير ذلك - دليلٌ على أن الاستهزاء بدين الله من الكبائر، فكل من أتى بالنكاح غير قاصد به مقصود النكاح بل التحليل ونحوه فقد اتخذ آيات الله هُزُوًا حيث تكلم بكلمة العقد وهو غير معتقد للحقيقة التي توجبها هذه الكلمة من مقصود النكاح [ينظر: "إقامة الدليل على إبطال التحليل " لشيخ الإسلام ابن تيمية، ضمن "الفتاوى الكبرى " (6/ 22، 260)].
وعن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: "لَعَنَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْمُحِلَّ وَالْمُحَلَّلَ لَهُ" [رواه الترمذي: 1120].
وعن عقبة بن عامر رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «أَلَا أُخْبِرُكُمْ بِالتَّيْسِ الْمُسْتَعَارِ»، قَالُوا: بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: «هُوَ الْمُحَلِّلُ، لَعَنَ اللَّهُ الْمُحَلِّلَ، وَالْمُحَلَّلَ لَهُ» [رواه ابن ماجه: 1936].
قال ابن القيم رحمه الله: "وهذا إما خبر عن الله فهو خبر صدق، وإما دعاء فهو دعاء مستجاب قطعًا، وهذا يفيد أنه من الكبائر الملعون فاعلها " [ "زاد المعاد " (5/ 156].
وقد نقل شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله الإجماع على حرمته فقال: "واتفق على تحريم ذلك أصحاب رسول الله ﷺ والتابعون لهم بإحسان " [ "مجموع الفتاوى " (32/ 155)].
ومن أضرار التحليل بعد الطلقة الثالثة أمور، منها:
- أن فاعله ملعون، مرتكب لكبيرة من الكبائر، ومتوعَّد بالعذاب الشديد.
- أنه نوع من الاستهزاء بأحكام الله، وفيه مخادعة لله تعالى، وقد قال أيوب السَّخْتِيَانى: "يخادعون الله كأنما يخادعون آدميًّا " [ "صحيح البخاري " (9/ 24)].
- أن فيه مشابهة لأهل النفاق؛ وذلك أن المنافق يُظهر أنه مسلم ملتزم لأوامر الإسلام ظاهرًا وباطنًا، وهو في الباطن غير ملتزم لها، وكذلك المحلِّل يظهر أنه زوج، وأنه يريد النكاح، ويُسمي المهر، ويُشهِد على رضا المرأة، وفي الباطن بخلاف ذلك؛ لا يريد أن يكون زوجًا، ولا أن تكون المرأة زوجة له، ولا يريد بذل المهر، ولا القيام بحقوق النكاح، وقد أظهر خلاف ما أبطن وأنه مريد لذلك، والله يعلم والحاضرون والمرأة وهو والمطلِّق أن الأمر ليس كذلك، وأنه غير زوج على الحقيقة، ولا هي امرأته على الحقيقة [ينظر: "إغاثة اللهفان " لابن القيم (1/ 493)].
- أنه صِنف من أصناف السِّفاح والزنا؛ فعن عمر بن نافع، عن أبيه، أنه قال: "جاء رجل إلى ابن عمر رضي الله عنهما، فسأله عن رجل طلَّق امرأته ثلاثًا، فتزوجها أخ له من غير مؤامرة منه؛ ليحلها لأخيه، هل تحل للأول؟ قال: لا، إلا نكاح رغبة، كنا نعد هذا سفاحًا على عهد رسول الله ﷺ " [ "مستدرك الحاكم " (2/199)].
- أنَّ فيه تجاوزًا لحدود الله؛ فعن عبَّاد بن منصور قال: "جاء رجل إلى الحسن فقال: إن رجلًا من قومي طلَّق امرأته ثلاثًا فندم وندمَتْ، فأردت أن أنطلق فأتزوجها وأصدقها صداقًا ثم أدخل بها كما يدخل الرجل بامرأته، ثم أطلقها حتى تحل لزوجها، قال: فقال له الحسن: اتَّقِ اللَّه يا فتى، ولا تكونن مسمار نار لحدود اللَّه " [مصنف ابن أبي شيبة: 17972].
ومعناه: النهي عن أن يكون مُحَلِّلًا فيجمع بين الزوجين كما يجمع المسمار بين الخشبتين. وقال: مسمار نار، أي: يعاقَب على ذلك بالنار [ينظر: "التنبيهات المستنبطة على الكتب المدونة والمختلطة " للقاضي عياض (2/ 665)].
- أنه ضعف في شخصية فاعليه وتنكيس للفطرة، وقد شبهه النبي ﷺ بالتيس المستعار، وذلك أن الفطر السليمة والقلوب التي لم يتمكن منها مرض الجهل والتقليد تنفر من التحليل أشد نِفار، وتُعيِّر به أعظم تعيير، حتى إن كثيرًا من النساء تُعيِّر المرأة به أكثر مما تُعيِّر بالزنا [ينظر: "إغاثة اللهفان " (1/ 492)].
- أن التحايل صفة من صفات اليهود ومشابهة لهم، وهم الذين لعنهم الله وغضب عليهم فقد تحايلوا في انتهاك حرمات الله، قال ﷺ: «قَاتَلَ اللَّهُ الْيَهُودَ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الشُّحُومَ فَبَاعُوهَا وَأَكَلُوا أَثْمَانَهَا» [رواه البخاري: 2223، ومسلم: 1583].
وللوقاية من التحليل بعد الطلقة الثالثة وسائل، منها:
- مراقبة الله، وترك مخادعته، وترك التحايل على أحكام الشرع.
- الاعتناء بطلب العلم الشرعي، لاسيما المرتبط بأحكام النكاح والطلاق.
- أن يعلم المسلم ما يصيبه بسبب هذه الكبيرة من الإثم، واستحقاقه غضب الله ولعنته وعذابه؛ فإن العاقل لا يعرض نفسه لغضب الله ولعنته وعذابه.
- مراعاة الضوابط الشرعية عند إرادة الطلاق؛ قال ابن القيم رحمه الله: "واعلم أن مَن اتقى الله في طلاقه، فطلَّق كما أمره الله ورسوله وشرعَه له أغناه عن ذلك كله، ولهذا قال تعالى بعد أن ذكر حكم الطلاق المشروع: ﴿... وَمَن يَتَّقِ ٱللَّهَ يَجۡعَل لَّهُۥ مَخۡرَجٗا﴾ [الطلاق: 2]؛ فإن الطلاق الذي شرعه الله سبحانه أن يطلقها طاهرًا من غير جماع، ويطلقها واحدة، ثم يدعها حتى تنقضي عدتها، فإن بدا له أن يمسكها في العدة أمسكها، وإن لم يراجعها حتى انقضت عدتها أمكنه أن يستقبل العقد عليها مِن غير زوج آخر، وإن لم يكن له فيها غرض لم يضره أن تتزوج بزوج غيره، فمَن فعل هذا لم يندم، ولم يحتجْ إلى حيلة ولا تحليل " [ "إغاثة اللهفان " بتصرف (1/ 499)].
تشبُّه الرجال بالنساء والنساء بالرجال
إن ظاهرة تشبه الرجال بالنساء والنساء بالرجال قد فشت في كثير من المجتمعات الإسلامية، وهي غريبة كل الغربة عن أخلاق الإسلام، بل عن مقتضى الفطرة، وقد نهى الشرع عنها أشد النهي، ولعن من يتلبَّس بها.
وحقيقة التشبه: هو أن يفعل الرجل شيئًا مما تختص به النساء عادةً من لباس أو كلام أو حركة أو نحو ذلك، والعكس أيضًا بالنسبة للنساء.
ومن صور تشبه الرجال بالنساء: ما يفعله البعض من خضب أيديهم وأظافرهم بالحناء ونحوها، أو خضاب الشعر بألوان تُظهر صاحبه بصورة مؤنثة، وكذا تصفيف الشعر كتصفيف النساء، وحلق اللحية، ولبس الذهب والحرير، ولبس الأساور في اليد والسلاسل في العنق ولو كانت من غير ذهب، ولبس الملابس الرقيقة والضيقة، ولبس ألوان من الثياب فيها خنوثة كالبنفسجي الخالص ونحوه، وأيضًا مضغ العلك، والتمايل في السير كما تتمايل المرأة، والتحدث بصوت فيه رقة وأنوثة.
وعكس ذلك يقال أيضًا في تشبه المرأة بالرجال، من لبس النساء للبنطال والقميص، وترجلها في مشيتها، وقص شعرها قصًة تشبه الرجال، ونحو ذلك.
أدلة تحريم تشبه الرجال بالنساء والنساء بالرجال:
عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: "لَعَنَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْمُتَشَبِّهِينَ مِنَ الرِّجَالِ بِالنِّسَاءِ، وَالْمُتَشَبِّهَاتِ مِنَ النِّسَاءِ بِالرِّجَالِ " [رواه البخاري: 5885].
وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: "لَعَنَ النَّبِيُّ ﷺ الْمُخَنَّثِينَ مِنَ الرِّجَالِ، وَالْمُتَرَجِّلَاتِ مِنَ النِّسَاءِ، وَقَالَ أَخْرِجُوهُمْ مِنْ بُيُوتِكُمْ، وَأَخْرَجَ فُلَانًا، وَأَخْرَجَ عُمَرُ فُلَانًا ". [رواه البخاري: 6834].
وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: "لَعَنَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الرَّجُلَ يَلْبَسُ لِبْسَةَ الْمَرْأَةِ، وَالْمَرْأَةَ تَلْبَسُ لِبْسَةَ الرَّجُلِ " [رواه أبو داود: 4098].
وعن أبي هريرة رضي الله عنه، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أُتِيَ بِمُخَنَّثٍ قَدْ خَضَبَ يَدَيْهِ وَرِجْلَيْهِ بِالْحِنَّاءِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَا بَالُ هَذَا؟». فَقِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، يَتَشَبَّهُ بِالنِّسَاءِ. فَأُمِرَ بِهِ، فَنُفِيَ إِلَى النَّقِيعِ، فَقِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَلَا نَقْتُلُهُ ؟ قَالَ: «إِنِّي نُهِيتُ عَنْ قَتْلِ الْمُصَلِّينَ» [رواه أبو داود: 4928].
المخنث: من يُشبه النساء في أخلاقه وكلامه وحركاته، فإن كان من أصل الخلقة لم يكن عليه لوم، وعليه أن يتكلف إزالة ذلك، وإن كان بقصدٍ منه وتكلُّف له فهو المذموم [ "عون المعبود " (13/ 188)].
وعن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما، عن النبي ﷺ أنه قال: «ثَلَاثَةٌ لَا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ؛ الْعَاقُّ بِوَالِدَيْهِ، وَالدَّيُّوثُ، وَرَجُلَةُ النِّسَاءِ» [رواه الحاكم في "المستدرك ": 244].
أضرار تشبه الرجال بالنساء والنساء بالرجال:
- أن المتشبه معرَّض لأن تصيبه لعنة الله ولعنة النبي صلى الله عليه وسلم.
- أنه متوعَّد بعدم دخول الجنة.
- أنه يُعرِّض نفسه للنفي من المكان الذي هو فيه، كما فعل النبي ﷺ مع أحد المخنثين في الحديث السابق.
- أن التشبه سبب في شيوع الفواحش والمنكرات من لواط وسحاق.
- أنه يجعل صاحبه منبوذًا من غالب أفراد جنسه الذي ينتمي إليه، منظورًا إليه بعين الاحتقار، ويصير مثارًا للسخرية والاستهزاء.
- مخالفة الفطرة السليمة التي فطر الله الناس عليها.
سبل الوقاية من هذا الخلق الذميم:
- أن يستحضر العبد غضب الله ولعنته له بسبب فعلته هذه، فينزجر عنها.
- إن كان هذا التشبه شيئًا في خلقة الإنسان، ليس له فيه يد، فعليه أن يحاول أن يتخلص منه بكل سبيل يقدر عليه. قال ابن حجر رحمه الله: "وأما ذم التشبه بالكلام والمشي فمختص بمن تعمد ذلك، وأما من كان ذلك من أصل خلقته فإنما يؤمر بتكلف تركه، والإدمان على ذلك بالتدريج، فإن لم يفعل وتمادى دخله الذم، ولا سيما إن بدا منه ما يدل على الرضا به " [ "فتح الباري " (10/ 332)].
- على الآباء والأمهات دور مهم، بأن يقوموا بتربية أولادهم على الرجولة وزرع النخوة في نفوسهم، وتربية البنات بتعليمهن ما يجب أن تكون عليه المرأة من خُلُق النساء وترك ما تدعوا إليه المنظمات النسوية، وما قد يرونه في وسائل الإعلام من ترجل بعض النساء.
- أن يبتعد المسلم عن التشبه بالكفار، ويعلم أن التشبه بهم من الأمور المحرمة، فإن ظاهرة تشبه أحد الجنسين بالآخر ما انتشرت بين المسلمين هذا الانتشار إلا بسبب التشبه بالكفار الذين لا حد عندهم فاصل بين الذكورة والأنوثة في الغالب الأعم.
- القيام بواجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، حتى لا يستشري هذا المرض ويقلد الناسُ بعضهم بعضًا فيه.
لُبْس الحرير والذهب للرجال
حرَّم الله تعالى على عباده المؤمنين بعض متع الدنيا ومنعهم منها، لحكمة له في ذلك، وليختبرهم بهذا على أمر الطاعة له، مع ادخارها لهم في الآخرة، وإن من هذا المتاع لبس الذهب والحرير للرجال، فإنه حرامٌ عليهم في الدنيا، مع كونه مما وُعِدوا بلُبْسِه في الآخرة.
أما لبس الحرير فإنه يحرم على الرجال، ويحرم أيضًا الجلوس على الحرير واتخاذه فُرشًا أو سترًا. وكذلك لبس الذهب فحرام أيضًا على الرجال، سواء كان خاتمًا أو قلادة في العنق أو أسورة في اليد، أو غير ذلك من صور اللبس والتحلي به.
وكذلك يحرم إلباس الصبي الحرير، لعموم النهي، ولأن تمكين الصغير من المحرم، يؤدي إلى أنه يعتاده ويعسر فطامه عنه.
والحرير المحرم هو الحرير الطبيعي المعروف، وأما الحرير الصناعي فإنه جائز؛ ولا يدخل في النهي.
الأدلة على تحريم لبس الحرير والذهب على الرجال:
عن أنس بن مالك رضي الله عنه، عن النبي ﷺ قال: «مَنْ لَبِسَ الْحَرِيرَ فِي الدُّنْيَا فَلَنْ يَلْبَسَهُ فِي الْآخِرَةِ» [رواه البخاري: 5832، ومسلم: 2073].
وعن ابن عمر رضي الله عنهما قال: رَأَى عُمَرُ عُطَارِدًا التَّمِيمِيَّ يُقِيمُ بِالسُّوقِ حُلًَّة سِيَرَاءَ (أَيْ: ثَوْبَ حَرِيرٍ مُخَطَّطٍ)، وَكَانَ رَجُلًا يَغْشَى الْمُلُوكَ وَيُصِيبُ مِنْهُمْ، فَقَالَ عُمَرُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي رَأَيْتُ عُطَارِدًا يُقِيمُ فِي السُّوقِ حُلَّةً سِيَرَاءَ، فَلَوِ اشْتَرَيْتَهَا فَلَبِسْتَهَا لِوُفُودِ الْعَرَبِ إِذَا قَدِمُوا عَلَيْكَ وَلَبِسْتَهَا يَوْمَ الْجُمُعَةِ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إِنَّمَا يَلْبَسُ الْحَرِيرَ فِي الدُّنْيَا مَنْ لَا خَلَاقَ (أَيْ: نَصِيبَ) لَهُ فِي الْآخِرَةِ» [رواه البخاري: 948، ومسلم: 2068].
وعن حذيفة رضي الله عنه قال: "نَهَانَا النَّبِيُّ ﷺ أَنْ نَشْرَبَ فِي آنِيَةِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ، وَأَنْ نَأْكُلَ فِيهَا، وَعَنْ لُبْسِ الْحَرِيرِ وَالدِّيبَاجِ، وَأَنْ نَجْلِسَ عَلَيْهِ " [رواه البخاري: 5837، 2067].
وعن البراء بن عازب رضي الله عنه قال: "أَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِسَبْعٍ وَنَهَانَا عَنْ سَبْعٍ: أَمَرَنَا بِعِيَادَةِ الْمَرِيضِ ... وَنَهَانَا عَنْ خَوَاتِيمِ الذَّهَبِ، وَعَنِ الشُّرْبِ فِي الْفِضَّةِ، أَوْ قَالَ: آنِيَةِ الْفِضَّةِ، ... وَعَنْ لُبْسِ الْحَرِيرِ وَالدِّيبَاجِ وَالْإِسْتَبْرَقِ " [رواه البخاري: 5635، ومسلم: 2066]. والديباج والاستبرق نوعان من الحرير.
وعن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال: إِنَّ نَبِيَّ اللَّهِ ﷺ أَخَذَ حَرِيرًا، فَجَعَلَهُ فِي يَمِينِهِ، وَأَخَذَ ذَهَبًا فَجَعَلَهُ فِي شِمَالِهِ، ثُمَّ قَالَ: «إِنَّ هَذَيْنِ حَرَامٌ عَلَى ذُكُورِ أُمَّتِي» [رواه النسائي: 5144].
وعن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ رَأَى خَاتَمًا مِنْ ذَهَبٍ فِي يَدِ رَجُلٍ، فَنَزَعَهُ فَطَرَحَهُ، وَقَالَ: «يَعْمِدُ أَحَدُكُمْ إِلَى جَمْرَةٍ مِنْ نَارٍ فَيَجْعَلُهَا فِي يَدِهِ». فَقِيلَ لِلرَّجُلِ بَعْدَ مَا ذَهَبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: خُذْ خَاتَمَكَ انْتَفِعْ بِهِ، قَالَ: لَا وَاللَّهِ، لَا آخُذُهُ أَبَدًا وَقَدْ طَرَحَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ [رواه مسلم: 2090].
أضرار لبس الحرير والذهب للرجال:
- الوعيد الشديد في من لبس الحرير في الدنيا فإنه يحرم لبسه في الآخرة، حتى وإن دخل الجنة.
- أنه تشبه بالكفار المؤْثرين للدنيا على الآخرة، الذين يقال لهم في الآخرة توبيخًا: ﴿...أَذۡهَبۡتُمۡ طَيِّبَٰتِكُمۡ فِي حَيَاتِكُمُ ٱلدُّنۡيَا وَٱسۡتَمۡتَعۡتُم بِهَا...﴾ [الأحقاف: 20].
- أن في لبس الحرير والذهب تشبهًا بالنساء؛ فإنه غالب لبسهم.
- أن الحرير يورث بملابسته للبدن أنوثة وتخنُّثًا، فإنَّ لُبسه يُكسِب القلب صفة من صفات الإناث، ولهذا لا تكاد تجد من يلبسه في الأكثر إلا وعلى شمائله من التخنيث والتأنيث والرَّخاوة ما لا يخفى.
- أن في لبس الذهب والحرير من الفخر والخيلاء ما يكسر قلوب الفقراء.
سبل الوقاية من لبس الحرير والذهب:
- أن يستحضر العبدُ عقاب الله له، حتى ينزع عنه هذا اللباس، فإنه يلبس جمرة من نار كما سبق في الحديث.
- أن يعلم أن نعيم الآخرة هو الباقي، وأن نعيم الدنيا فانٍ، فلا يضيع التنعم بلبس الذهب والحرير في الجنة على سبيل الخلود من أجل أن يلبسها أيامًا معدودة في الدنيا.
- أن يترك المسلم التشبه بالكفار، وأن يقتدي بالنبي ﷺ وأصحابه رضي الله عنهم؛ فإن كثيرًا ممن ابتُلي بهذه المعصية إنما كان بسبب تشبهه بالكفار.
- أن يزهد الإنسان في متاع الدنيا؛ فإنك تجد كثيرًا ممن يلبس الذهب والحرير هم أهل الدنيا، ومن لا يُلقون للآخرة بالًا.
إسبال الثياب
تضافرت النصوص الشرعية على تحريم إسبال الثياب أسفل الكعبين، وفاعل ذلك متوعَّد بأن يُعذِّب الله ما نزل من الكعبين بالنار، ويزداد الوعيد في حق من فعل ذلك كبرًا وخُيلاء، وفاعله متوعَّد بأن لا ينظر الله إليه، ولا يكلمه، ولا يزكيه يوم القيامة، وله عذاب أليم.
وهذا في حق الرجال دون النساء، بل حكمهن في ذلك على عكس ما جاء في حق الرجال؛ فإن المرأة ترخي ثوبها أسفل الكعبين حتى لا يبدو من قدميها شيء.
والإسبال هو إرخاء الثياب تحت الكعبين، والكعبان هما العظمان الناتئان أسفل الساق.
ومما ينبغي التنبيه عليه في هذا المقام: أن التحريم يشمل القميص، والإزار (وهو ثوب يُلبس على النصف الأسفل من الجسد)، والسراويل، والبنطال.
الأدلة على تحريم الإسبال:
عن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي ﷺ قال: «مَا أَسْفَلَ مِنَ الْكَعْبَيْنِ مِنَ الْإِزَارِ فَفِي النَّارِ» [رواه البخاري: 5787].
وعن زيد بن أسلم، عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال: دَخَلْتُ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَعَلَيَّ إِزَارٌ، فَقَالَ: «مَنْ هَذَا؟». قُلْتُ: عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ. قَالَ: «إِنْ كُنْتَ عَبْدَ اللَّهِ فَارْفَعْ إِزَارَكَ»، فَرَفَعْتُ إِلَى نِصْفِ السَّاقَيْنِ، فَلَمْ تَزَلْ إِزْرَتُهُ حَتَّى مَاتَ [رواه أحمد: 6263].
وعن عبد الرحمن أبي العلاء قال: سألت أبا سعيد الخدري رضي الله عنه عن الإزار، فقال: على الخبير سقطْت، قال رسول الله ﷺ: «إِزْرَةُ الْمُسْلِمِ إِلَى نِصْفِ السَّاقِ وَلَا حَرَجَ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْكَعْبَيْنِ، وَمَا كَانَ أَسْفَلَ مِنَ الْكَعْبَيْنِ فَهُوَ فِي النَّارِ، مَنْ جَرَّ إِزَارَهُ بَطَرًا (أَيْ: تَكَبُّرًا) لَمْ يَنْظُرِ اللَّهُ إِلَيْهِ» [رواه أبو داود: 4093].
وعن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله ﷺ: «مَنْ جَرَّ ثَوْبَهُ خُيَلَاءَ، لَمْ يَنْظُرِ اللَّهُ إِلَيْهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ». فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: إِنَّ أَحَدَ شِقَّيْ ثَوْبِي يَسْتَرْخِي، إِلَّا أَنْ أَتَعَاهَدَ ذَلِكَ مِنْهُ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إِنَّكَ لَسْتَ تَصْنَعُ ذَلِكَ خُيَلَاءَ» [رواه البخاري: 3665، ومسلم: 2085].
وعن أبي ذَرٍّ رضي الله عنه، عن النبي ﷺ قال: «ثَلَاثَةٌ لَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ». قَالَ: فَقَرَأَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ثَلَاثَ مِرَارٍ، قَالَ أَبُو ذَرٍّ: خَابُوا وَخَسِرُوا، مَنْ هُمْ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: «الْمُسْبِلُ، وَالْمَنَّانُ، وَالْمُنَفِّقُ سِلْعَتَهُ بِالْحَلِفِ الْكَاذِبِ» [رواه مسلم: 106].
وعن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما، أَنَّهُ رَأَى رَجُلًا يَجُرُّ إِزَارَهُ، فَقَالَ: مِمَّنْ أَنْتَ؟ فَانْتَسَبَ لَهُ، فَإِذَا رَجُلٌ مِنْ بَنِي لَيْثٍ، فَعَرَّفَهُ ابْنُ عُمَرَ فَقَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بِأُذُنَيَّ هَاتَيْنِ يَقُولُ: «مَنْ جَرَّ إِزَارَهُ لَا يُرِيدُ بِذَلِكَ إِلَّا الْمَخِيلَةَ (يَعْنِي: الْكِبْرِيَاءَ)، فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَنْظُرُ إِلَيْهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» [رواه مسلم: 2085].
وعن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما، أن النبي ﷺ قال: «بَيْنَمَا رَجُلٌ يَجُرُّ إِزَارَهُ مِنَ الْخُيَلَاءِ، خُسِفَ بِهِ، فَهُوَ يَتَجَلْجَلُ (أَيْ: يَتَحَرَّكُ) فِي الْأَرْضِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ» [رواه البخاري: 3485].
وعن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله ﷺ: «مَنْ جَرَّ ثَوْبَهُ خُيَلَاءَ لَمْ يَنْظُرِ اللَّهُ إِلَيْهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ». فَقَالَتْ أُمُّ سَلَمَةَ: فَكَيْفَ يَصْنَعْنَ النِّسَاءُ بِذُيُولِهِنَّ؟ قَالَ: «يُرْخِينَ شِبْرًا»، فَقَالَتْ: إِذًا تَنْكَشِفُ أَقْدَامُهُنَّ، قَالَ: «فَيُرْخِينَهُ ذِرَاعًا، لَا يَزِدْنَ عَلَيْهِ» [رواه الترمذي: 1731].
قال ابن حجر رحمه الله: "وفي هذه الأحاديث أن إسبال الإزار للخيلاء كبيرة، وأما الإسبال لغير الخيلاء، فظاهر الأحاديث تحريمه ". [فتح الباري: 10/263].
أضرار إسبال الثياب:
- أنه سبب من أسباب دخول النار.
- أنه سبب لعدم نظر الله تعالى إلى العبد يوم القيامة، وعدم تكليمه له، إذا كان الدافع إليه العجب والكبر.
- أنه سبب لعدم تزكية الله تعالى للعبد، وعدم تزكية الله للعبد يعني: عدم تطهيره من ذنوبه وآثارها، وهو مؤدٍّ إلى العذاب.
- أنه من أسباب تعرض الثياب للنجاسة، كما قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه لشاب رآه يَجُرُّ ثوبه: "يَا ابْنَ أَخِي ارْفَعْ ثَوْبَكَ، فَإِنَّهُ أَنْقَى لِثَوْبِكَ، وَأَتْقَى لِرَبِّكَ ". [رواه البخاري: 3700].
- أنه سبب لعدم اكتمال عبودية المرء لربه، كما قال النبي ﷺ: «إِنْ كُنْتَ عَبْدَ اللَّهِ فَارْفَعْ إِزَارَكَ»؛ إذ العبودية الكاملة تقتضي الانقياد التام.
سبل الوقاية من إسبال الثياب:
- الحرص على تعلم العلم الشرعي؛ فإن كثيرًا ممن يقع منهم ذلك إنما يحصل عن جهل بالحكم الشرعي لهذه المسألة.
- تذكر عذاب الله تعالى الشديد، وما ورد من الوعيد على لسان النبي صلى الله عليه وسلم في هذه المعصية، وأنها أمر يسهل تجنبه، فلا تستحق التعرض ليسير العذاب فضلًا عن مثل هذا الوعيد الشديد.
- تربية النفس وتطهيرها من الأخلاق الذميمة خصوصًا الكبر، الذي ربما كان من أكبر أسباب الوقوع في هذه الكبيرة.
- تعويد المسلم نفسه على التشبه بأهل الإيمان والتقوى، وترك التشبه بأهل الكفر والفسق ممن صار ديدنهم إسبال الثياب، بل ربما سخر بعضهم ممن قصَّر ثوبه اقتداء بالنبي ﷺ.
الأكل والشرب في آنية الذهب والفضة
جاءت نصوص الشرع بالنهي عن الأكل والشرب في آنية الذهب والفضة، ونص العلماء على كونه من الكبائر، وذلك لما اقترن بهذا النهي من وعيد شديد، وألحق بعض أهل العلم بهما سائر أنواع الاستعمال لهذه الآنية فتحرم أيضًا، بل إن مجرد اقتناء مثل هذه الآنية حرام؛ لأن اقتناء ذلك يجر إلى استعماله.
والمقصود من الإناء هنا: هو كل ما يُستعمل في غرضٍ ما، فيدخل في ذلك الصُّحُون والأطباق والسكاكين والملاعق التي يُأكل بها، وكذا الكُؤُوس والأباريق المعدَّة للشرب، وكذا المِكْحَلَة التي يوضع فيها الكُحل، والخِلَّة التي يُخرج بها المرء ما بين أسنانه من طعام، وغير ذلك.
ويقع التحريم على ما كان من هذه الآنية خالصًا من الذهب أو الفضة، وكذا ما دخله واحد منهما وإن كان أكثره من غيرهما، كما لو كان الإناء من نحاس ويده من ذهب فإنه يحرم، لكن يستثنى من ذلك الضَّبَّة الصغيرة من الفضة فإنها تحل، والضبة هي شريط يُجمع به جانِبَيِ الإناء إذا انكسر، وكذا يحرم الأكل والشرب فيما طُلي بهما.
الأدلة على تحريم الأكل والشرب في آنية الذهب والفضة:
عن ابن أبي ليلى، قال: كان حذيفة رضي الله عنه بالمدائن، فاستسقى، فأتاه دِهْقَانٌ (أي: رجل من زعماء الفُرس) بقدح فضة فرماه به، فقال: إني لم أرمه إلا أني نهيته فلم ينته، وإن النبي ﷺ نهانا عن الحرير والدِّيباج، والشرب في آنية الذهب والفضة، وقال: «هُنَّ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا، وَهِيَ لَكُمْ فِي الْآخِرَةِ» [رواه البخاري: 5632، ومسلم: 2067].
وعن أم سلمة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله ﷺ: «مَنْ شَرِبَ فِي إِنَاءٍ مِنْ ذَهَبٍ أَوْ فِضَّةٍ، فَإِنَّمَا يُجَرْجِرُ فِي بَطْنِهِ نَارًا مِنْ جَهَنَّمَ» (رواه البخاري: 5634، ومسلم: 2065).
وعن البراء بن عازب رضي الله عنه قال: أمرنا رسول الله ﷺ بسبع، ونهانا عن سبع: «أَمَرَنَا بِعِيَادَةِ الْمَرِيضِ... وَنَهَانَا عَنْ خَوَاتِيمَ -أَوْ عَنْ تَخَتُّمٍ- بِالذَّهَبِ، وَعَنْ شُرْبٍ بِالْفِضَّةِ» [رواه البخاري: 6235، ومسلم: 2066)].
وعن أبي شيخ الهنائي، أن معاوية رضي الله عنه قال لِنَفَرٍ من أصحاب النبي ﷺ: أتعلمون أن رسول الله ﷺ نهى عن الشرب في آنية الذهب والفضة؟ قالوا: اللَّهُمَّ نعم [رواه أحمد: 16864].
قال ابن القطان رحمه الله: "وأجمع العلماء أنه لا يجوز لمسلم أن يأكل ولا أن يشرب في آنية الذهب والفضة " [الإقناع في مسائل الإجماع (١/ ٣٢٦)].
أضرار الأكل والشرب في آنية الذهب والفضة:
- أن الأكل والشرب في آنية الذهب والفضة معصية لله ولرسوله ﷺ.
- أنه سبب لشدة العذاب يوم القيامة؛ ففاعل ذلك متوعَّد بأن يُصب في بطنه نار جهنم يوم القيامة.
- أنه تشبه بالكفار المُؤْثِرِين للدنيا على الآخرة، الذين يقال لهم في الآخرة توبيخًا: ﴿...أَذۡهَبۡتُمۡ طَيِّبَٰتِكُمۡ فِي حَيَاتِكُمُ ٱلدُّنۡيَا وَٱسۡتَمۡتَعۡتُم بِهَا...﴾ [الأحقاف: 20].
- أن الشريعة جاءت بذم الخُيَلاء والفخر، والشرب في مثل هذه الآنية مؤدٍّ إليهما ولابد، فوجب منع سببهما.
- أن فيه كسرًا لقلوب الفقراء؛ فإن من لا يقدر على سَدِّ جوعه من الطعام والشراب إذا ما رأى غيره يأكل ويشرب في مثل هذا انكسرت نفسه.
سبل الوقاية من الأكل والشرب في هذه الآنية:
- خشية الله تعالى، والنظر إلى ما يصيب الإنسان من عذاب في الآخرة بسبب هذا الاستعمال الذي نُهي عنه.
- الزهد في الدنيا، وعدم الانْكِباب على متاعها وزينتها، والتذكر دائما أنها زائلة.
- أن ينظر المسلم في سِيَر السلف الصالح وعلى رأسهم النبي ﷺ ، ليعلم ما كانوا عليه من ترك التَّنَعُّم وخشونة العيش، ويحاول أن يربي نفسه على سِيَرِهِم.
- عدم التطلع إلى ما عليه أهل الدنيا من الكفار والفساق من نعيم، قال تعالى: ﴿وَلَا تَمُدَّنَّ عَيۡنَيۡكَ إِلَىٰ مَا مَتَّعۡنَا بِهِۦٓ أَزۡوَٰجٗا مِّنۡهُمۡ زَهۡرَةَ ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَا لِنَفۡتِنَهُمۡ فِيهِۚ وَرِزۡقُ رَبِّكَ خَيۡرٞ وَأَبۡقَىٰ 131﴾ [طه: 131].
قال السعدي رحمه الله: "أي: لا تمد عينيك معجبًا، ولا تكرر النظر مستحسنًا إلى أحوال الدنيا والممتَّعين بها، من المآكل والمشارب اللذيذة، والملابس الفاخرة، والبيوت المزخرفة، والنساء المجمَّلة، فإن ذلك كله زهرة الحياة الدنيا، تبتهج بها نفوس المغترين، وتأخذ إعجابًا بأبصار المعرضين، ويتمتع بها -بقطع النظر عن الآخرة- القوم الظالمون، ثم تذهب سريعًا، وتمضي جميعًا، وتقتل محبيها وعشاقها، فيندمون حيث لا تنفع الندامة، ويعلمون ما هم عليه إذا قدموا في القيامة.
﴿وَرِزۡقُ رَبِّكَ﴾ العاجل من العلم والإيمان وحقائق الأعمال الصالحة، والآجل من النعيم المقيم والعيش السليم في جوار الرب الرحيم ﴿خَيۡر﴾ مما متعنا به أزواجًا، في ذاته وصفاته (وَأَبْقَى) لكونه لا ينقطع، أُكُلُها دائم وظلها.
وفي هذه الآية إشارة إلى أن العبد إذا رأى من نفسه طموحًا إلى زينة الدنيا وإقبالًا عليها أن يُذكِّرها ما أمامها من رزق ربه، وأن يوازن بين هذا وهذا " [ "تفسير السعدي " (ص: 516) باختصار].
- أن يعلم أن الإسراف في التنعُّم يضر به في نفسه وأخلاقه، فهو يميت الهمم ويضعف النفس من أن تنبعث إلى المكارم قُنُوعًا بما هي فيه من المتاع؛ فأنت لا تكاد تجد عالمًا من العلماء -حتى وإن كان من علماء الدنيا- أو نابغًا في فن من الفنون، إلا وهو زاهد في مثل هذه التفاهات والزينة التي لا تجلب له نفعًا.
- أن يتعلم المسلم العلم الشرعي، فإن من تعلَّم الشرع تجنب ما نهى الله عنه، وعرف كيف يجد بديلًا عن كل ما حَرُمَ عليه.
التصوير
تصوير الصور ذوات الروح من الكبائر التي حذر منها الشرع، وتوعَّد عليها بالعقاب، ولعن فاعلها.
وحقيقة التصوير: أن يصنع العبد صورًة يضاهي بها ما خلقه الله من ذوات الأرواح؛ سواء كانت هذه الصورة مجسَّمة كالتماثيل، أم غير مجسمة كما هو الحال فيما يصوره البعض من رسوم على الأوراق والأقمشة.
وكذا ما يُسمى الآن بالتصوير بالكاميرا (الفوتوغرافي)، وإن اختلف فيه العلماء، فمنهم من عدَّه من التصوير المنهي عنه، ومنهم من جعله من باب حبس الظل فيكون حكمه حكم الصورة التي تظهر في المرآة، فالأولى التنزه عنه خروجًا من خلاف العلماء، إلا إذا دعت الضرورة له فلا يحرم اتفاقًا.
قال النووي رحمه الله: "قال أصحابنا وغيرهم من العلماء: تصوير صورة الحيوان حرام شديد التحريم، وهو من الكبائر لأنه متوعد عليه بهذا الوعيد الشديد المذكور في الأحاديث وسواء صنعه بما يمتهن أو بغيره فصنعته حرام بكل حال لأن فيه مضاهاة لخلق الله تعالى، وسواء ما كان في ثوب أو بساط أو درهم أو دينار أو فلس أو إناء أو حائط أو غيرها وأما تصوير صورة الشجر ورحال الإبل وغير ذلك مما ليس فيه صورة حيوان فليس بحرام هذا حكم نفس التصوير ". [شرح مسلم: 14/81].
وقد سُئل الشيخ ابن باز رحمه الله: ما رأيكم فيمن يقول: إن التصوير الفوتوغرافي للإنسان جائز، أما التصوير الذي يكون برسم اليد فهو الحرام؟
فأجاب: "التصوير لا يجوز، لا باليد ولا بغير اليد، التصوير كله منكر، والرسول عليه الصلاة والسلام لعن المصورين، وقال ﷺ: «أَشَدُّ النَّاسِ عَذَابًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ الْمُصَوِّرُونَ»، وقال: «كُلُّ مُصَوِّرٍ فِي النَّارِ»، والمصوِّر يعذَّب بكل صورة صورها لنفسه في نار جهنم.
ولما رأى النبي ﷺ صورة في قِرامٍ (أي: ستر) لعائشة، قبضه ومزَّقه وقال: «إِنَّ أَصْحَابَ هَذِهِ الصُّوَرِ يُعَذَّبُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيُقَالُ لَهُمْ: أَحْيُوا مَا خَلَقْتُمْ»
فالواجب على كل مسلم أن يحذر التصوير، وقد ثبت عنه صلى الله عيه وسلم أنه لعن آكل الربا، ولعن موكله، ولعن المصور، ولعن الواشمة والمستوشمة، يعني الحذر من هذا، فآكل الربا، والواشمة، وتصوير ذوات الأرواح كتصوير حمام أو دجاج أو بعير أو إنسان أو عصفور أو غيره كل هذا فيه روح لا يجوز تصويره، لا في الأوراق، ولا في الخِرَق، ولا في الخشب، ولا في غيره، ولا مجسم كذلك لا يجوز " [ "مجموع فتاوى ابن باز " (28/ 337)].
وسُئل الشيخ ابن عثيمين رحمه الله: عن حكم التصوير؟
فأجاب: "التصوير نوعان: أحدهما: تصوير باليد. والثاني: تصوير بالآلة.
فأما التصوير باليد فحرام، بل هو كبيرة من كبائر الذنوب؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم، لعن فاعله، ولا فرق بين أن يكون للصورة ظل أو تكون مجرد رسم على القول الراجح لعموم الحديث، وإذا كان التصوير هذا من الكبائر، فتمكين الإنسان غيره أن يصوِّر نفسه إعانة على الإثم والعدوان، فلا يحل.
وأما التصوير بالآلة وهي (الكاميرا) التي تنطبع الصورة بواسطتها من غير أن يكون للمصور فيها أثر بتخطيط الصورة وملامحها، فهذه موضع خلاف بين المتأخرين، فمنهم من منعها، ومنهم من أجازها، فمن نظر إلى لفظ الحديث منع؛ لأن التقاط الصورة بالآلة داخل في التصوير، ولولا عمل الإنسان بالآلة بالتحريك والترتيب وتحميض الصورة لم تُلتقط الصورة.
ومن نظر إلى المعنى والعلة أجازها؛ لأن العلة هي مضاهاة خلق الله، والتقاط الصورة بالآلة ليس مضاهاة لخلق الله، بل هو نقل للصورة التي خلقها الله تعالى نفسها، فهو ناقل لخلق الله لا مضاهٍ له.
قالوا: ويوضح ذلك أنه لو قلد شخص كتابة شخص لكانت كتابة الثاني غير كتابة الأول، بل هي مشابهة لها، ولو نقل كتابته بالصورة الفوتوغرافية لكانت الصورة هي كتابة الأول، وإن كان عملُ نقلِها من الثاني، فهكذا نقل الصورة بالآلة الفوتوغرافية (الكاميرا) الصورة فيه هي تصوير الله، نُقِل بواسطة آلة التصوير.
والاحتياط الامتناع من ذلك؛ لأنه من المتشابهات، ومن اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه، لكن لو احتاج إلى ذلك لأغراض معينة كإثبات الشخصية فلا بأس به؛ لأن الحاجة ترفع الشبهة؛ لأن المفسدة لم تتحقق في المشتبه فكانت الحاجة رافعة لها " [ "مجموع فتاوى ورسائل العثيمين " (2/ 253)].
أما التصوير بالفيديو وخصوصًا لما فيه نفع فأمره أخف، وإن كان الأولى التنزه عنه، وقد سُئل الشيخ ابن باز رحمه الله: ما حكم تصوير المحاضرات بجهاز الفيديو للاستفادة منها في أماكن أخرى لتعم الفائدة؟
فأجاب: "هذا محل نظر، وتسجيلها بالأشرطة أمر مطلوب ولا يحتاج معها إلى الصورة، ولكن الصورة قد يُحتاج إليها بعض الأحيان حتى يُعرف ويُتحقق أن المتكلم فلان، فالصورة توضح المتكلم، وقد يكون ذلك لأسباب أخرى.
فأنا عندي في هذا توقف، من أجل ما ورد من الأحاديث في حكم التصوير لذوات الأرواح وشدة الوعيد في ذلك.
وإن كان جماعة من إخواني أهل العلم رأوا أنه لا بأس بذلك للمصلحة العامة. ولكن أنا عندي بعض التوقف في مثل هذا؛ لعِظَم الخطر في التصوير، ولما جاء فيه من الأحاديث الثابتة في الصحيحين وغيرهما في بيان أن: "أشد الناس عذابًا يوم القيامة المصورون "، وأحاديث لعن المصورين، إلى غير ذلك من الأحاديث، والله ولي التوفيق " [ "مجموع فتاوى ابن باز " (5/ 375)].
ولقد ورد في التحذير من التصوير نصوص كثيرة في السنة، منها:
عن عائشة رضي الله عنها قالت: دخل عليَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا متسترة بقِرَامٍ (أي: ستر) فيه صورة، فتلوَّن وجهه، ثم تناول الستر فهَتَكه، ثم قال: «إِنَّ مِنْ أَشَدِّ النَّاسِ عَذَابًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ، الَّذِينَ يُشَبِّهُونَ بِخَلْقِ اللَّهِ» [رواه البخاري:5954، ومسلم: 2107] أي يشبِّهون ما يصنعونه بخلق الله، وفي رواية: «مِنْ أَشَدِّ النَّاسِ عَذَابًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ الَّذِينَ يُصَوِّرُونَ هَذِهِ الصُّوَرَ» [البخاري: 6109].
وَعَنْ أَبِي زُرْعَةَ قَالَ: دَخَلْتُ مَعَ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فِي دَارِ مَرْوَانَ فَرَأَى فِيهَا تَصَاوِيرَ، فَقَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: «وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذَهَبَ يَخْلُقُ خَلْقًا كَخَلْقِي؟ فَلْيَخْلُقُوا ذَرًَّة، أَوْ لِيَخْلُقُوا حَبًَّة، أَوْ لِيَخْلُقُوا شَعِيرًَة» [رواه البخاري: 7559، ومسلم: 2111].
وَعَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي الْحَسَنِ قَالَ: كُنْتُ عِنْدَ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، إِذْ أَتَاهُ رَجُلٌ فَقَالَ: إِنِّي إِنْسَانٌ إِنَّمَا مَعِيشَتِي مِنْ صَنْعَةِ يَدِي، وَإِنِّي أَصْنَعُ هَذِهِ التَّصَاوِيرَ، فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: لَا أُحَدِّثُكَ إِلَّا مَا سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، سَمِعْتُهُ يَقُولُ: «مَنْ صَوَّرَ صُورَةً، فَإِنَّ اللَّهَ مُعَذِّبُهُ حَتَّى يَنْفُخَ فِيهَا الرُّوحَ، وَلَيْسَ بِنَافِخٍ فِيهَا أَبَدًا»، فَرَبَا الرَّجُلُ رَبْوًَة شَدِيدًَة (أَيْ: عَلَا نَفَسُهُ وَضَاقَ صَدْرُهُ، وَذُعِرَ وَامْتَلَأَ خَوْفًا)، وَاصْفَرَّ وَجْهُهُ، فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: وَيْحَكَ، إِنْ أَبَيْتَ إِلَّا أَنْ تَصْنَعَ، فَعَلَيْكَ بِهَذَا الشَّجَرِ، كُلِّ شَيْءٍ لَيْسَ فِيهِ رُوحٌ [رواه البخاري: 2225، ومسلم: 2110].
وللتصوير عدة أضرار منها:
- أن فيه منازعًة لله تعالى ومشاركًة له في صفة من أعظم صفاته، وهي صفة الخَلق.
- أنه سبب لغضب الله تعالى على العبد يوم القيامة، فالمصوِّرون شرار الخلق عند الله، فعن عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها، أن أم حبيبة وأم سلمة رضي الله عنهما ذكرتا كنيسة رأينها بالحبشة فيها تصاوير، فذكرتا للنبي ﷺ فقال: «إِنَّ أُولَئِكِ إِذَا كَانَ فِيهِمُ الرَّجُلُ الصَّالِحُ فَمَاتَ، بَنَوْا عَلَى قَبْرِهِ مَسْجِدًا، وَصَوَّرُوا فِيهِ تِلْكَ الصُّوَرَ، فَأُولَئِكِ شِرَارُ الْخَلْقِ عِنْدَ اللَّهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» [رواه البخاري: 427، ومسلم: 528].
- أنه سبب لأن يحق على فاعله لعنة النبي صلى الله عليه وسلم، فعن أبي جُحَيْفَةَ رضي الله عنه أن رسول الله ﷺ لَعَنَ المُصَوِّرَ [رواه البخاري: 2238].
- أنه سبب للعذاب الشديد يوم القيامة، فَعَنْ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا، أَنَّهَا اشْتَرَتْ نُمْرُقَةً (أَيْ: وِسَادَةً صَغِيرَةً) فِيهَا تَصَاوِيرُ، فَلَمَّا رَآهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَامَ عَلَى الْبَابِ، فَلَمْ يَدْخُلْهُ، فَعَرَفَتْ فِي وَجْهِهِ الْكَرَاهِيَةَ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَتُوبُ إِلَى اللَّهِ وَإِلَى رَسُولِهِ ﷺ، مَاذَا أَذْنَبْتُ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَا بَالُ هَذِهِ النُّمْرُقَةِ؟» قُلْتُ: اشْتَرَيْتُهَا لَكَ لِتَقْعُدَ عَلَيْهَا وَتَتَوَسَّدَهَا. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إِنَّ أَصْحَابَ هَذِهِ الصُّوَرِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يُعَذَّبُونَ، فَيُقَالُ لَهُمْ: أَحْيُوا مَا خَلَقْتُمْ» وَقَالَ: «إِنَّ الْبَيْتَ الَّذِي فِيهِ الصُّوَرُ لَا تَدْخُلُهُ الْمَلَائِكَةُ» [رواه البخاري: 2105، ومسلم: 2107].
- أن الملائكة لا تدخل بيتًا فيه صورة كما في الحديث السابق.
- أنه يتسبب في كشف عورات النساء واطلاع الرجال عليها.
- أنه وسيلة لتعليق الصور وتعظيمها.
سبل الوقاية من هذه الكبيرة:
- أن يستحضر العبد غضب الله عليه يوم القيامة وتكليفه أن ينفخ الروح في هذه الصورة وليس بمستطيع أن ينفخ، وكونه قد تحق عليه لعنة نبيه صلى الله عليه وسلم.
- أن يعلم إذا كان ممن يتخذ التصوير مهنة له أن من ترك شيئًا لله عوَّضه الله خيرًا منه في الدنيا والآخرة؛ فإنه إذا ترك التصوير لله رزقه الله زرقًا حلالًا طيبًا من حيث لا يحتسب.
وليتذكر أثر الكسب المحرم في عدم استجابة دعائه وعدم صلاح أولاده ونجابتهم.
وأما إن كان ممن يرتكب هذا الفعل من باب الترفيه عن النفس أو ما يسمونه بالهواية فهو أجدر أن يتركه لله تعالى، ويستبدله بغيره مما هو مباح كتصوير الجبال والأنهار والأشجار ونحوها فلا حرج في ذلك.
الرسم باليد
تصوير الصور ذوات الروح عن طريق الرسم باليد من الكبائر التي حذَّر منها الشرع، وتوعَّد عليها بالعقاب ولعن فاعلها.
ويحرم رسم ذوات الأرواح باليد سواء كان على الألواح أو الأوراق أو الأقمشة ونحوها، وكذلك يحرم اقتناء هذه الأشياء.
قال النووي رحمه الله: "قال أصحابنا وغيرهم من العلماء: تصوير صورة الحيوان حرام شديد التحريم، وهو من الكبائر لأنه متوعد عليه بهذا الوعيد الشديد المذكور في الأحاديث وسواء صنعه بما يمتهن أو بغيره فصنعته حرام بكل حال لأن فيه مضاهاة لخلق الله تعالى، وسواء ما كان في ثوب أو بساط أو درهم أو دينار أو فلس أو إناء أو حائط أو غيرها وأما تصوير صورة الشجر ورحال الإبل وغير ذلك مما ليس فيه صورة حيوان فليس بحرام ". [شرح مسلم: 14/81].
ولقد ورد في التحذير من ذلك نصوص كثيرة في السنة، منها:
عن عائشة رضي الله عنها قالت: دخل عليَّ رسول الله ﷺ وأنا متسترة بقِرَامٍ (أي: ستر) فيه صورة، فتلوَّن وجهه، ثم تناول الستر فهَتَكه، ثم قال: «إِنَّ مِنْ أَشَدِّ النَّاسِ عَذَابًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ، الَّذِينَ يُشَبِّهُونَ بِخَلْقِ اللَّهِ» [رواه البخاري:5954، ومسلم: 2107]. أي يشبهون ما يصنعونه بخلق الله، وفي رواية: «مِنْ أَشَدِّ النَّاسِ عَذَابًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ الَّذِينَ يُصَوِّرُونَ هَذِهِ الصُّوَرَ» [البخاري: 6109].
وعن أبي زُرْعَةَ، قال: دخلت مع أبي هريرة رضي الله عنه في دار مروان فرأى فيها تصاوير، فقال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: قال الله عز وجل: «وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذَهَبَ يَخْلُقُ خَلْقًا كَخَلْقِي؟ فَلْيَخْلُقُوا ذَرَّةً، أَوْ لِيَخْلُقُوا حَبًَّة، أَوْ لِيَخْلُقُوا شَعِيرًَة» [رواه البخاري: 7559، ومسلم: 2111].
وَعَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي الْحَسَنِ قَالَ: كُنْتُ عِنْدَ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، إِذْ أَتَاهُ رَجُلٌ فَقَالَ: إِنِّي إِنْسَانٌ إِنَّمَا مَعِيشَتِي مِنْ صَنْعَةِ يَدِي، وَإِنِّي أَصْنَعُ هَذِهِ التَّصَاوِيرَ. فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: لَا أُحَدِّثُكَ إِلَّا مَا سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، سَمِعْتُهُ يَقُولُ: «مَنْ صَوَّرَ صُورَةً، فَإِنَّ اللَّهَ مُعَذِّبُهُ حَتَّى يَنْفُخَ فِيهَا الرُّوحَ، وَلَيْسَ بِنَافِخٍ فِيهَا أَبَدًا»، فَرَبَا الرَّجُلُ رَبْوًَة شَدِيدًَة (أَيْ: عَلَا نَفَسُهُ وَضَاقَ صَدْرُهُ وَذُعِرَ وَامْتَلَأَ خَوْفًا)، وَاصْفَرَّ وَجْهُهُ، فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: وَيْحَكَ، إِنْ أَبَيْتَ إِلَّا أَنْ تَصْنَعَ، فَعَلَيْكَ بِهَذَا الشَّجَرِ، كُلِّ شَيْءٍ لَيْسَ فِيهِ رُوحٌ [رواه البخاري: 2225، ومسلم: 2110].
وللتصوير عدة أضرار منها:
- أنه سبب للشرك بالله تعالى، ومن أعمال النصارى الضالين المشركين، فعن عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها، أن أم حبيبة وأم سلمة رضي الله عنهما ذكرتا كنيسة رأينها بالحبشة فيها تصاوير، فذكرتا للنبي ﷺ فقال: «إِنَّ أُولَئِكِ إِذَا كَانَ فِيهِمُ الرَّجُلُ الصَّالِحُ فَمَاتَ، بَنَوْا عَلَى قَبْرِهِ مَسْجِدًا، وَصَوَّرُوا فِيهِ تِلْكَ الصُّوَرَ، فَأُولَئِكِ شِرَارُ الْخَلْقِ عِنْدَ اللَّهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» [رواه البخاري: 427، ومسلم: 528].
- أن فيه منازعًة لله تعالى ومشاركًة له في صفة من أعظم صفاته، وهي صفة الخلق.
- أنه سبب لغضب الله تعالى على العبد يوم القيامة، فالمصوِّرون شرار الخلق عند الله، كما في الحديث السابق.
- أنه سبب لأن يحق على فاعله لعنة النبي ﷺ، فعن أبي جُحَيْفَةَ رضي الله عنه أن رسول الله ﷺ لَعَنَ المُصَوِّرَ [رواه البخاري: 2238].
- أنه سبب للعذاب الشديد يوم القيامة، فَعَنْ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا، أَنَّهَا اشْتَرَتْ نُمْرُقَةً (أَيْ: وِسَادًَة صَغِيرًَة) فِيهَا تَصَاوِيرُ، فَلَمَّا رَآهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَامَ عَلَى الْبَابِ، فَلَمْ يَدْخُلْهُ، فَعَرَفَتْ فِي وَجْهِهِ الْكَرَاهِيَةَ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَتُوبُ إِلَى اللَّهِ وَإِلَى رَسُولِهِ ﷺ، مَاذَا أَذْنَبْتُ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَا بَالُ هَذِهِ النُّمْرُقَةِ؟» قُلْتُ: اشْتَرَيْتُهَا لَكَ لِتَقْعُدَ عَلَيْهَا وَتَتَوَسَّدَهَا. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إِنَّ أَصْحَابَ هَذِهِ الصُّوَرِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يُعَذَّبُونَ، فَيُقَالُ لَهُمْ: أَحْيُوا مَا خَلَقْتُمْ» وَقَالَ: «إِنَّ الْبَيْتَ الَّذِي فِيهِ الصُّوَرُ لَا تَدْخُلُهُ الْمَلَائِكَةُ» [رواه البخاري: 2105، ومسلم: 2107].
- أن الملائكة لا تدخل بيتًا فيه صورة كما في الحديث السابق.
سبل الوقاية من هذه الكبيرة:
- أن يستحضر العبد غضب الله عليه يوم القيامة وتكليفه أن ينفخ الروح في هذه الصورة وليس بمستطيع أن ينفخ.
- أن يعلم إذا كان ممن يتخذ الرسم باليد مهنة له أن من ترك شيئًا لله عوَّضه الله خيًرا منه في الدنيا والآخرة؛ فإنه إذا تركه لله رزقه الله زرقًا حلالًا طيبًا من حيث لا يحتسب.
وليتذكر أثر الكسب المحرم في عدم استجابة دعائه وعدم صلاح أولاده ونجابتهم.
وأما إن كان ممن يرتكب هذا الفعل من باب الترفيه عن النفس أو ما يسمونه بالهواية فهو أجدر أن يتركه لله تعالى، ويستبدله بغيره مما هو مباح كتصوير الجبال والأنهار والأشجار ونحوها فلا حرج في ذلك.
عدم التَّنزه من البول
إن الطهارة من الأمور التي أولاها الشرع أهمية بالغة؛ قال تعالى: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرۡ 4﴾ [المدثر: 4]، أي: طهِّرها عن جميع النجاسات، في جميع الأوقات، خصوصًا في الدخول في الصلوات [ينظر: "تفسير السعدي " (ص: 895)].
وقال سبحانه: ﴿...لَّمَسۡجِدٌ أُسِّسَ عَلَى ٱلتَّقۡوَىٰ مِنۡ أَوَّلِ يَوۡمٍ أَحَقُّ أَن تَقُومَ فِيهِۚ فِيهِ رِجَالٞ يُحِبُّونَ أَن يَتَطَهَّرُواْۚ وَٱللَّهُ يُحِبُّ ٱلۡمُطَّهِّرِينَ﴾ [التوبة: 108]، وقال عز وجل: ﴿...إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ﴾ [البقرة: 222].
وقد ورد الوعيد الشديد على عدم التنزه من البول، وأنه سبب من أسباب عذاب القبر.
والتنزه من البول هو: أن يحرص الإنسان على تجنب إصابة البول له سواء في ثيابه أو بدنه، فيحذر من رشاش البول أن يصيبه، ويغسل محل خروج البول جيدًا.
ومما ينبغي التنبه له أن الوعيد وإن جاء في البول فإنه ينسحب على الغائط (البراز)، فيجب أيضًا التنزه منه بأن يغسل محل الخروج جيدًا، حتى لا يتبقى عليه شيءٌ.
الأدلة على تحريم عدم التنزه من البول:
عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: مَرَّ النَّبِيُّ ﷺ بِحَائِطٍ مِنْ حِيطَانِ الْمَدِينَةِ أَوْ مَكَّةَ، فَسَمِعَ صَوْتَ إِنْسَانَيْنِ يُعَذَّبَانِ فِي قُبُورِهِمَا، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «يُعَذَّبَانِ، وَمَا يُعَذَّبَانِ فِي كَبِيرٍ». ثُمَّ قَالَ: «بَلَى، كَانَ أَحَدُهُمَا لَا يَسْتَتِرُ مِنْ بَوْلِهِ، وَكَانَ الْآخَرُ يَمْشِي بِالنَّمِيمَةِ» [رواه البخاري: 216، ومسلم: 292].
ومعنى: «لَا يَسْتَتِرُ مِنْ بَوْلِهِ» : لا يستبرئ منه ولا يتحفَّظ عن الإصابة به، قال الخطابي رحمه الله: "قوله: «وَمَا يُعَذَّبَانِ فِي كَبِيرٍ» معناه: أنهما لم يُعذَّبا في أمر كان يكبُر عليهما أو يَشُقُّ فعله لو أرادا أن يفعلاه، وهو التنزه من البول وترك النميمة، ولم يُرِد أن المعصية في هاتين الخصلتين ليست بكبيرة في حق الدين، وأن الذنب فيهما هيِّن سهل" [ "معالم السنن " (1/ 19)].
وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: [أَكْثَرُ عَذَابِ الْقَبْرِ مِنَ الْبَوْلِ] [رواه ابن ماجه: 348].
وعن أبي وائل رحمه الله قال: كان أبو موسى الأشعري رضي الله عنه يُشدِّد في البول ويقول: "إِنَّ بَنِي إِسْرَائِيلَ كَانَ إِذَا أَصَابَ ثَوْبَ أَحَدِهِمْ قَرَضَهُ " أَيْ: قَطَعَهُ [رواه البخاري: 226، ومسلم: 273].
وعن عبد الرحمن ابن حسنة رضي الله عنه قال: خَرَجَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَفِي يَدِهِ كَهَيْئَةِ الدَّرَقَةِ (وَهُوَ تُرْسٌ مِنْ جِلْدٍ)، فَوَضَعَهَا ثُمَّ جَلَسَ خَلْفَهَا، فَبَالَ إِلَيْهَا، فَقَالَ بَعْضُ الْقَوْمِ: انْظُرُوا يَبُولُ كَمَا تَبُولُ الْمَرْأَةُ. فَسَمِعَهُ فَقَالَ ﷺ: «أَوَمَا عَلِمْتَ مَا أَصَابَ صَاحِبَ بَنِي إِسْرَائِيلَ؟ كَانُوا إِذَا أَصَابَهُمْ شَيْءٌ مِنَ الْبَوْلِ قَرَضُوهُ بِالْمَقَارِيضِ، فَنَهَاهُمْ صَاحِبُهُمْ فَعُذِّبَ فِي قَبْرِهِ» [رواه النسائي: 30].
أضرار عدم التنزه من البول:
- أنه سبب من أسباب عذاب القبر.
- أنه سبب لبطلان الصلاة؛ لأن من شروط صحة الصلاة طهارة البدن والثوب.
- أن فيه تشبهًا بالكفار؛ فإن عدم التنزه من البول هو شعار النصارى.
- أنه نوعٌ من القذر الذي تأباه الفطر السليمة، وتركٌ للطهارة والنظافة التي هي من شعائر الإسلام.
- أنه قد يُسبب رائحًة كريهًة في ثياب الإنسان؛ والعاقل يأبى أن يكون بهذه الصفة بين الناس.
سبل الوقاية من عدم التنزه من البول:
- أن يستحضر المسلم ما يصيبه من عذاب بسبب هذه المعصية، خصوصًا إذا علم أنها من المعاصي التي يسهل عليه تركها، بل هي معصية من المعاصي التي لا تدعوا النفس إليها كما في غيرها من المعاصي التي تتعلق بالشهوات.
- أن يتَّبع سنة النبي في قضاء حاجته، فيبول جالسًا؛ فعن عائشة رضي الله عنها قالت: "مَنْ حَدَّثَكُمْ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَبُولُ قَائِمًا فَلَا تُصَدِّقُوهُ، مَا كَانَ يَبُولُ إِلَّا قَاعِدًا " [رواه الترمذي: 12]؛ لأن التبول قائمًا -وإن كان جائزًا- فإنه قد يؤدي إلى رجوع شيء من البول إليه، فإن اضطر إلى القيام فليختر موضعًا من الأرض رخوًا ويتجنب الأرضَ الصلبة.
- أن يتحرى المسلم كمال التطهر من البول والغائط، حتى يغلبَ على ظنه نظافة محل خروج البول والغائط، لكن يتجنب أن يصل به الأمر إلى الوسواس.
- أن يحذر التشبه بالكفار الذين لا يأبهون لأمر التنزه من البول، ومن ذلك أن يتجنب استعمال ما يُسمى بالحمامات الإفرنجية التي ليس فيها ماءٌ يُتطهر به؛ لأنه قد لا يكفيه ما وُضع بجانبها من مناديل للتطهر؛ فيخرج وقد بقي عليه بقية من نجاسة.
- التفقه في الدين وتعلم كيفية الطهارة الصحيحة من الاستنجاء والاستجمار.
التوبة
التوبة: هي الندم على ما سلف من المعاصي، مع الإقلاع عنها في الحال، والعزم على عدم العودة إليها؛ خوفًا من الله وحياءً منه، ورجاءً لرحمته.
أهمية التوبة:
إن أمر التوبة من الأهمية بمكان في حق كل مسلم يرجو الله والدار الآخرة؛ لأن التوبة من الذنوب واجبة على كل أحد، والمقصود هنا التوبة النصوح، وهي التوبة من جميع الذنوب، وليس مجرد التوبة من ذنب مع الإقامة على غيره، قال تعالى: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ تُوبُوٓاْ إِلَى ٱللَّهِ تَوۡبَةٗ نَّصُوحًا عَسَىٰ رَبُّكُمۡ أَن يُكَفِّرَ عَنكُمۡ سَيِّـَٔاتِكُمۡ وَيُدۡخِلَكُمۡ جَنَّٰتٖ تَجۡرِي مِن تَحۡتِهَا ٱلۡأَنۡهَٰرُ يَوۡمَ لَا يُخۡزِي ٱللَّهُ ٱلنَّبِيَّ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ مَعَهُۥ...﴾ [التحريم: 8].
قال الطبري رحمه الله في تفسير هذه الآية: "ارجعوا من ذنوبكم إلى طاعة الله، وإلى ما يرضيه عنكم ﴿تَوۡبَةٗ نَّصُوحًا﴾ أي: رجوعًا لا تعودون فيها أبدًا ". [ "تفسير الطبري " (23/ 105)].
وكذا فإن عدم التوبة من الذنب يجر صاحبه إلى غيره من الذنوب، فإن المعصية تجر المعصية، فيُخشى على من ترك التوبة أن تتراكم عليه المعاصي حتى يُطبع على قلبه.
وأيضًا فإن الإصرار على المعصية وعدم التوبة منها يزيد من عِظَمها عند الله، كما قال أهل العلم: إن الإصرار على الصغيرة يقلبها كبيرة. فما بالك بمن أصر على الكبائر نفسها.
فضل التوبة والنصوص الواردة في الترغيب فيها:
إن للتوبة فضائل عظيمة، منها:
- أنها سبب لمحبة الله تعالى، قال الله تعالى: ﴿...إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلتَّوَّٰبِينَ...﴾ [البقرة: 222].
- أنها سبب لمغفرة الذنوب والخطايا ورفع العقوبة المتوعَّد بها على المعصية، قال تعالى: ﴿وَٱلَّذِينَ لَا يَدۡعُونَ مَعَ ٱللَّهِ إِلَٰهًا ءَاخَرَ وَلَا يَقۡتُلُونَ ٱلنَّفۡسَ ٱلَّتِي حَرَّمَ ٱللَّهُ إِلَّا بِٱلۡحَقِّ وَلَا يَزۡنُونَۚ وَمَن يَفۡعَلۡ ذَٰلِكَ يَلۡقَ أَثَامٗا 68 يُضَٰعَفۡ لَهُ ٱلۡعَذَابُ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ وَيَخۡلُدۡ فِيهِۦ مُهَانًا 69 إِلَّا مَن تَابَ وَءَامَنَ وَعَمِلَ عَمَلٗا صَٰلِحٗا فَأُوْلَٰٓئِكَ يُبَدِّلُ ٱللَّهُ سَيِّـَٔاتِهِمۡ حَسَنَٰتٖۗ وَكَانَ ٱللَّهُ غَفُورٗا رَّحِيمٗا 70﴾ [الفرقان: 68 - 70].
- أنها من أسباب الفلاح، قال تعالى: ﴿...وَتُوبُوٓاْ إِلَى ٱللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ ٱلۡمُؤۡمِنُونَ لَعَلَّكُمۡ تُفۡلِحُونَ﴾ [النور: 31].
- أنها من أسباب دخول الجنة، قال تعالى: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ تُوبُوٓاْ إِلَى ٱللَّهِ تَوۡبَةٗ نَّصُوحًا عَسَىٰ رَبُّكُمۡ أَن يُكَفِّرَ عَنكُمۡ سَيِّـَٔاتِكُمۡ وَيُدۡخِلَكُمۡ جَنَّٰتٖ تَجۡرِي مِن تَحۡتِهَا ٱلۡأَنۡهَٰرُ...﴾ [التحريم: 8]، وقال سبحانه: ﴿إِلَّا مَن تَابَ وَءَامَنَ وَعَمِلَ صَٰلِحٗا فَأُوْلَٰٓئِكَ يَدۡخُلُونَ ٱلۡجَنَّةَ وَلَا يُظۡلَمُونَ شَيۡـٔٗا 60﴾ [مريم: 60].
- أنها اجتباء واصطفاء من الله تعالى لعبده التائب، كما قال تعالى عن آدم عليه السلام: ﴿ثُمَّ ٱجۡتَبَٰهُ رَبُّهُۥ فَتَابَ عَلَيۡهِ وَهَدَىٰ 122﴾ [طه: 122].
شروط التوبة:
وللتوبة شروط لا تتحقق إلا بها:
الشرط الأول: الإخلاص لله، بأن يكون قصد الإنسان بتوبته وجه الله عز وجل، وأن يتوب الله عليه، ويتجاوز عما فعل من المعصية، لا يقصد بذلك مراءاة الناس والتقرب إليهم، ولا يقصد بذلك دفع الأذية من السلطات وولي الأمر.
الشرط الثاني: ندم القلب على المعصية، والندم هو توجع القلب على الشيء.
الشرط الثالث: الإقلاع عن المعصية في الحال، فإن ادعى العاصي أنه قد تاب دون إقلاع فهذه توبة كاذبة، فلا يُعقل ممن يشرب الخمر أن يقول: قد تبت من شُربها وفي يده كأس منها يشربه، فهذا يشبه الاستهزاء.
الشرط الرابع: العزم على عدم العودة إليها في المستقبل.
الشرط الخامس: أن تكون قبل معاينة الموت، قال تعالى: ﴿وَلَيۡسَتِ ٱلتَّوۡبَةُ لِلَّذِينَ يَعۡمَلُونَ ٱلسَّيِّـَٔاتِ حَتَّىٰٓ إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ ٱلۡمَوۡتُ قَالَ إِنِّي تُبۡتُ ٱلۡـَٰٔنَ...﴾ [النساء: 18].
كيفية التوبة من الكبائر الشركية:
التوبة من الكبائر الشركية يشترط فيها ما يشترط في غيرها من الذنوب مما سبق ذكره، لكن تحتاج بالإضافة إلى ذلك إلى أمور زائدة حتى تصح وتكون مقبولة، فالشرك إما أن يكون شركًا أكبر، وإما أصغر، فمن وقع في الشرك الأكبر فعليه أن يرجع إلى الإسلام بمعاودة النطق بالشهادتين، وأن ينتهي عما هو عليه من الأعمال أو الأقوال الشركية انتهاءً لا رجعة فيه، كما قال تعالى: ﴿قُل لِّلَّذِينَ كَفَرُوٓاْ إِن يَنتَهُواْ يُغۡفَرۡ لَهُم مَّا قَدۡ سَلَفَ...﴾ [الأنفال: 38].
وأما إن كان شركًا أصغرَ فيشترط له ما سبق من الشروط العامة للتوبة، لكن قد يحتاج مع ذلك إلى قول: لا إله إلا الله، فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «مَنْ حَلَفَ فَقَالَ فِي حَلِفِهِ: وَاللَّاتِ وَالْعُزَّى، فَلْيَقُلْ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ» [رواه البخاري: 4860، ومسلم: 1647].
كيفية التوبة من الكبائر إذا كانت في حق الله:
أما من وقع في كبيرة من الذنوب وكانت حقًّا خالصًا لله وليست مما يُعَدُّ شركًا به؛ كالزنى وشرب الخمر، فيكفيه في التوبة منها ما ذكرناه في شروط التوبة السابق ذكرها.
كيفية التوبة من الكبائر إذا كانت في حق المخلوق:
إذا كانت الكبيرة متعلقة بحق من حقوق الآدميين فيحتاج للتوبة منها بخلاف الشروط السابق ذكرها أن يَرُدَّ المظالم إلى أهلها.
وهذه المظالم إما أن تكون في الأنفس بالقتل العمد، فيشترط أن يسلِّم نفسه لولي القتيل ليقتص منه، إلا إن عفى الولي عن القصاص وقَبِل الدية.
أو أن تكون المظلمة في المال نحو الغصب والخيانة والسرقة، فعليه رد ما أخذه إلى صاحبه إن استطاع، وإلا طلب منه أن يسامحه.
وأما إن كانت المظلمة في الأعراض فعليه أن يستحلها من صاحبها ويطلب منه أن يسامحه، إلا إذا كانت مما إذا ذكره أدى إلى مفسدة كبيرة، فليجتهد في الإحسان إليه والدعاء له.
والله أعلم وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.