ويُستحبُّ إخراجُهَا عَنِ الجنينِ إذَا نُفخَتْ فيهِ الرُّوحُ، وهو ما تمَّ لَهُ أربعة أشهر؛ فقد كانَ السَّلفُ يُخرجُونَها عنهُ، كَمَا وردَ عَنْ عثمانَ رَضَي اللَّهُ عَنْهُ وغيرِهِ.
ويجب أن يُخرجَهَا عن نفسِهِ، وعَمَّنْ تلزمه نفقته، من زوجة وولد أو قريبٍ.
ولا تجب إِلَّا عَلَى مَنْ عِندَهُ مَا يُؤدّي بِهِ زكاة الفطر زائداً عنْ حاجَتِهِ لقُوتِهِ، وقوتِ مَنْ يعولهم، وزائداً عن حوائجه الأصلية في يوم العيد وليلته؛ لأنَّ ذَلِكَ أهم فيجب تقديمُهُ على زكاة الفطر، فعنْ جَابِرٍ رَضِي اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ النبيَّ ﷺ قَالَ:(ابدأ بِنَفْسِكَ فَتَصَدَّقُ عليْهَا، فإنْ فَضَل شيءٌ فَلِأَهْلِكَ)رَواهُ مُسْلِمٌ[2].() أخرجه مسلم (۹۹۷).
والحكمة من مشروعية زكاة الفطر ما يلي:
1- تطهيرُ الصَّائِمِ ممَّا عسى أن يكون قد وقعَ منهُ في صيامِهِ، مِنَ اللَّغْوِ والرَّفْثِ.
2- إغناء الفقراء والمساكين عن السؤال في يوم العيد، وإدخال السرور عليهم؛ ليكون العيد يوم فرح وسرور لجميع فئات المجتمع.
فعن ابن عباس رَضِي اللَّهُ عَنْهُمَا:(فَرَضَ رَسولُ اللَّهِ زكاةَ الفِطْرِ طُهْرَةً للصائم مِن اللَّغْوِ والرَّفَثِ، وَطُعْمَةً لِلْمَسَاكِينِ)رواه أبو داود[3].() أخرجه أبو داود (١٦۰۹)، وابن ماجه (۱۸۲۷).
3- إظهار شُكرِ نِعْمَةِ اللهِ على العبدِ بإتمام صيام شهر رمضان وقيامه، وفعل ما تيسر من الأعمالِ الصَّالحة في هذا الشهر المبارك.
والواجب في زكاة الفطرِ صاعٌ من غالب قوتِ أهل البلد من بر، أو تمر، أو زبيب، أو أَقِط[4]، أو أُرز، أو ذرةٍ، أو غير ذلك؛ لدلالة الأحاديث الثابتة عن النبي ﷺ على ذلك، ومقدارُ الصاع بالوزنِ ثلاثة كيلو جرامات تقريباً[5].() الأقط: هو لبن مٌجفّف يابس مُسْتَحجر، يُتخذ من اللبن المخيض. انظر: النهاية في غريب الحديث (1/57)، والمصباح المنير (۱/ ۱۷).() وهذا تقدير اللجنة الدائمة للإفتاء.
ولا يُجزئ إخراجُ قيمة الطعام نقداً؛ لأنَّ ذَلِكَ خلافُ مَا أَمَرَ بِه رسولُ الله ﷺ، ولأنَّهُ مخالف لعمل الصحابة، فقد كانُوا يُخرجونَهَا صاعاً من طعام.
ووقت وجوب زكاة الفطر غروب الشمس من ليلة العيد؛ لأنَّه الوقت الَّذِي يكون به الفطرُ من رمضان، ولإخراجها وقتانِ: وقت فضيلة، ووقتُ جواز.
فأما وقتُ الفضيلةِ: فهوَ منْ طلوع فجر يوم العيد إلى قبيل أداء صلاة العيد، لحديث ابن عمر رضي الله عنهما:(أَنَّ النبي ﷺ أَمَرَ بِزَكَاةِ الْفِطْرِ أَنْ تُؤَدَّى قَبْلَ خُرُوجِ النَّاسِ إِلَى الصَّلَاةِ) متفق عليه[6].() أخرجه البخاري (۱٥۰۹)، ومسلم (۹۸6)، واللفظ لمسلم.
وأما وقتُ الجواز: فهو قبل العيد بيوم أو يومين؛ لفعل الصحابة فقد كانوا يعطون قبل الفطر بيوم أو يومين[7]، ولا يجوز تأخيرها عن صلاة العيد فإِنْ أَخَرَها فهي صدقة من الصدقات؛ لحديث ابن عباس رَضي اللَّهُ عَنْهُما أَنَّ النبيَّ ﷺ قال في زكاة الفطرِ:(مَنْ أَدَاهَا قَبْلَ الصَّلَاةِ، فَهِيَ زَكَاةٌ مَقْبُولَةٌ، وَمَنْ أَدَاهَا بَعْدَ الصَّلَاةِ، فَهِيَ صَدَقَةٌ مِنَ الصَّدَقَات)[8].رواه أبو داود[9].() أخرجه البخاري (١٥١١).() قوله: (صدقة من الصدقات) يعني: التي يُتصدق بها في سائر الأوقات.() أخرجه أبو داود (١٦۰۹)، وابن ماجه (۱۸۲۷).
وتُصرف زكاة الفطر للفقراء والمساكين، دون بقية الأصنافِ الثمانية من أهل الزكاة؛ لحديث ابن عباس رَضَي اللَّهُ عَنْهُما المتقدّم:(فَرَضَ رَسولُ اللَّهِ ﷺ زكاةَ الفِطْرِ طُهْرَةً للصائم مِن اللَّغْوِ والرَّفَثِ، وطُعْمَةً للمساكين).
فاحرصوا رعاكُمُ اللهُ على إخراج زكاة الفطر في وقتها الشرعي، طيِّبةً بها نفوسكم، سائلين الله تعالى أن يجعلَها طهرة لكُم، وتكفيراً لسيِّئَاتِكم، وَاللهُ أَعْلَمُ.
ثانيًا: أحكام صلاة العيد:
شرع الله تعالى لعبادِهِ في ختام شهرِ رمضان صلاة العيد، ولهذهِ الصلاة والعيدِ أحكام وسنن، منها:
1 - الحرص على أداء صلاة العيد، فهِيَ فرضُ كفاية، بل ذهب بعضُ أهل العلم إلى وجوبها.
2- يُسنُ الغُسلُ لصلاة العيد والتنظف والتطيب.
3- ويُسن أن يَلْبَسَ أحسن ثيابِهِ ويخرُجَ على أكمل هيئةٍ؛ لكن دون لبس مُحرَّمٍ أو حلق لحية.
4- ويُسن خروج النساء لصلاة العيد حتى الحُيَّض؛ لكن بلا تزيُّن أو تبرُّج أو تطيُّب.
5- ويُسن أن يَطْعَمَ قبل خروجه لصلاة عيد الفطر، والأفضل أن يأكل تمرات وتراً، فعنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضَي اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ:(كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَا يَغْدُو يَوْمَ الفِطْرِ حَتَّى يَأْكُل ثَمَرَاتٍ)رواه البخاري[10].وزاد الإمام أحمد، وعلقه البخاري:(وَيَأْكُلُهُنَّ وِترًا)[11].() أخرجه البخاري (٩٥٣).() علقه البخاري (٩٥٣)، ووصله أحمد (١٩/ ٢٨٧)، رقم (١٢٢٦٨).
6- ويُسن التكبير ليلة عيد الفطر عند ثبوتِ دخول شهر شوال حمداً للهِ عَلَى إكمال صيام شهر رمضان لقوله تعالى:﴿وَلِتُكۡمِلُواْ ٱلۡعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُواْ ٱللَّهَ عَلَىٰ مَا هَدَىٰكُمۡ وَلَعَلَّكُمۡ تَشۡكُرُونَ﴾[سورة البقرة: ١٨٥]،ويستمر ذلك إلى فراغ الخطيب منْ خُطبة العيد، وصفَتُهُ: (الله أكبر، الله أكبر، لا إلهَ إِلَّا الله، الله أكبر الله أكبر ولله الحمد). ويتأكَّد التكبيرُ من حين خروجه من بيته إلى المصلَّى كَمَا ثبت عنِ ابنِ عمرَ رَضِي اللَّهُ عَنْهما[12]، ويَجَهرُ بِهِ الرجال في البيوت والمساجد والطرق والأسواق، ويُسِرُّ بِهِ النِّسَاءُ.() أخرجه ابن المنذر في الأوسط (٢٥٠/٤)، والفريابي في أحكام العيدين (۳۹).
7- مخالفة الطريق، فيذهب إلى صلاة العيد من طريق، ويرجعُ من طريق آخر؛ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ رَضِي الله عَنْهُمَا، قَالَ:«كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا كَانَ يَوْمُ عِيدٍ خَالَفَ الطَّرِيقَ»رواه البخاريُّ[13]،ويُستحبُّ لَهُ أنْ يذهب إلى صلاة العيد ماشياً.() أخرجه البخاري (٩٨٦).
8- ولا بأس بتهنئةِ النَّاسِ بعضهم بعضًا يوم العيد، بأنْ يقول لغيرِهِ: تَقَبَّلَ اللهُ منا ومنك فقد " كان أصحاب رسولِ اللهِ ﷺ إذا التقوا يومَ العِيدِ يَقُولُ بعضُهم لِبَعْضٍ: تقبل الله منا ومِنْكَ"[14]، مع إظهارِ البَشَاشَةِ والفَرَحِ فِي وَجْهِ مَنْ يَلْقَاهُ.() فتح الباري (٤٤٦/٢).
اللهم أعد رمضان علينا أعواماً عديدة وأزمنة مديدة، ونحن وجميع المسلمين في عزٍّ ونصر وتمكين وثبات على الدين، يا رب العالمين، واللهُ أَعْلَمُ.
جمع المؤلف في هذا المؤلف ما تيسر كتابته مختصرًا من الأحكام الفقهية في أبواب الطهارة والصلاة والجنائز، معتمدًا فيه على ما جاء في كتاب الله تعالى وما صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.
Authored by Shaykh al-Islam, the erudite scholar, Imam Muhammad ibn ‘Abdul-Wahhāb (may Allah have mercy upon him) 1115-1206 AH Verification, revision, and Hadīth reference provided by: Dr. Sa‘īd ibn ‘Ali ibn Wahf al-Qahtān In the Name of Allah, the Most Compassionate, the Most Merciful
Series of the Writings of His Eminence Shaykh (41) Written by His Eminence Shaykh Muhammad ibn Sālih al-‘Uthaymīn May Allah forgive him, his parents, and all Muslims. Published by Shaykh Muhammad ibn Sālih al-‘Uthaymīn Charity Foundation