من معالم التوحيد

من معالم التوحيد

من معالم التوحيد

Language: English
Prepared by: عبدالرازق بن عبدالمحسن البدر
Version: 1.0
Translations 11
Bengali Spanish French Indonesian +7
Attachments 7
PDF
Audio
Video
+3

من معالم التوحيد

عبدالرازق بن عبدالمحسن البدر

بِسمِ ٱللَّهِ ٱلرَّحمَٰنِ ٱلرَّحِيمِ

الحمد لله ربِّ العالمين، والعاقبةُ للمُتَّقين، وأشهدُ أن لا إله إلَّا اللهُ وحدَه لا شريكَ له، وأشهد أنَّ مُحمَّدًا عبدُه ورسولُه، صلى الله وسلَّم عليه وعلى آله وأصحابه أجمعين، أمَّا بعد:

فإنَّ التَّوحيد هو أوَّلُ الدِّين وآخرُه، وباطنُه وظاهره، وهو أوَّل دعوة الرُّسل وآخرها، وهو معنى قول لا إله إلَّا الله، لأجله خُلِقَت الخليقةُ وأُرسِلَت الرُّسلُ وأُنزِلَت الكتب وبه افترق النَّاس إلى مؤمنين وكفَّار وسعداء أهل الجنَّة وأشقياء أهل النَّار، وهو أوَّل واجب على المكلَّف، وهو حقيقةُ دين الإسلام الَّذي لا يقبلُ اللهُ من أحدٍ دينًا سواه، فأمره عظيمٌ للغاية، وكبيرٌ جدًّا وكلُّ واحدٍ منَّا مُحتاجٌ إليه تذكرةً وتبصرةً، وفي هذه الرِّسالة «من معالم التَّوحيد»، شيءٌ من البيان لمنارات التَّوحيد ومعالمه، من خلال المسائل الآتية:

المسألة الأولى: خصائصُ التَّوحيد وفضائلُه.

المسألة الثَّانية: حدُّ التَّوحيد وحقيقتُه.

المسألة الثَّالثة: تحقيقُ التَّوحيد وتكميلُه.

المسألة الرَّابعة: نواقضُ التَّوحيد ونواقصُه.

المسألة الخامسة: مصدرُ التَّوحيد ومنبعُه.

المسألة السَّادسة: ثمارُ التَّوحيد وفوائدُه.

فهذه ستُّ مسائل يدور حولها الحديث في هذه الرِّسالة بإيجازٍ واختصارٍ، وكلُّ مسألةٍ من هذه المسائل تحتاج إلى بسطٍ وسَعَةٍ في البيان، لكنَّني سأجتَزئ فيها منَ الكلام ما يُحقِّقُ المقصودَ بإذن الله ـ تبارك وتعالى ـ، ومنه وحده يُستَمَدُّ العونُ ويُستَمْنَحُ التَّوفيق:

المسألة الأولى:

خصائص التَّوحيد وفضائله

اعلم أنَّ التَّوحيد له خصائصُ كثيرةٌ وفضائلُ عديدةٌ تدلُّ على مكانته العليا، ومنزلته الرَّفيعة، وسأشير هنا إلى عشرٍ منها:

الأولى: أنَّه الغايةُ الَّتي خُلِقنا لأجلها وأُوجِدْنا لتحقيقها؛ كما يدلُّ لذلك قول الله سبحانه وتعالى : ﴿وَمَا خَلَقۡتُ ٱلۡجِنَّ وَٱلۡإِنسَ إِلَّا لِيَعۡبُدُونِ 56 ﴾ [سورة الذاريات] ومعنى ﴿إِلَّا لِيَعۡبُدُونِ ﴾ أي ليُوَحِّدُونِ، فالتَّوحيد هو الغاية الَّتي خُلِقنا لأجلها في هذه الحياة، والله سبحانه وتعالى لم يخلقنا عبثًا ولم يترُكنا ـ أيضًا ـ سُدًى وهمَلًا، بل خَلَقَ الخلْقَ ليعبدوه، وأوجدهم ـ تبارك وتعالى ـ ليوحِّدوه، وكفى بهذا دلالةً على عِظَمِ شأن التَّوحيد وعُلوِّ شأنه.

الأمر الثَّاني: أنَّ التَّوحيد هو مِحْوَر دعوة الأنبياء والمرسلين، بمعنى: أنَّ كلَّ نبيٍّ بعثه الله عز وجل فإنَّ دعوتَه ترتكز على التَّوحيد وتقومُ عليه، وهذا أدلَّتُه كثيرةٌ؛ منها: قول الله سبحانه وتعالى : ﴿وَلَقَدۡ بَعَثۡنَا فِي كُلِّ أُمَّة رَّسُولًا أَنِ ٱعۡبُدُواْ ٱللَّهَ وَٱجۡتَنِبُواْ ٱلطَّٰغُوتَ ﴾ [النحل: 36]، وقول الله جل جلاله: ﴿وَمَآ أَرۡسَلۡنَا مِن قَبۡلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلَّا نُوحِيٓ إِلَيۡهِ أَنَّهُۥ لَآ إِلَٰهَ إِلَّآ أَنَا۠ فَٱعۡبُدُونِ 25 ﴾ [سورة الأنبياء]، وقال الله عزوجل: ﴿وَسۡـَٔلۡ مَنۡ أَرۡسَلۡنَا مِن قَبۡلِكَ مِن رُّسُلِنَآ أَجَعَلۡنَا مِن دُونِ ٱلرَّحۡمَٰنِ ءَالِهَة يُعۡبَدُونَ 45 ﴾ [سورة الزخرف]، وقال جل جلاله: ﴿وَٱذۡكُرۡ أَخَا عَادٍ إِذۡ أَنذَرَ قَوۡمَهُۥ بِٱلۡأَحۡقَافِ وَقَدۡ خَلَتِ ٱلنُّذُرُ مِنۢ بَيۡنِ يَدَيۡهِ وَمِنۡ خَلۡفِهِۦٓ أَلَّا تَعۡبُدُوٓاْ إِلَّا ٱللَّهَ ﴾ [الأحقاف: 21] والنُّذرُ: الرسل؛ أي: أنَّ الرُّسلَ قبلَه وبعدَه مُتَّفِقون على هذه الغَاية ﴿أَلَّا تَعۡبُدُوٓاْ إِلَّا ٱللَّهَ ﴾، فالتَّوحيد مُرتَكَزُ دعوةِ الأنبياء والمرسلين؛ ولهذا فإنَّ أوَّلَ كلمةٍ يسمعُها الأقوامُ من أنبيائهم، وأوَّلَ ما يبدؤونَهم به في باب الدَّعوة إلى الله: الدَّعوةُ إلى توحيده؛ لأنَّه هو الأساسُ الَّذي يُبنى عليه الدِّين؛ فإنَّ مَثَلَ الدِّين مَثَلُ شجرة، ومنَ المعلوم أنَّ الشَّجرةَ لها أصلٌ ولها فرع، ولا يستَقيم أمرُ شجرةٍ إلَّا بأصلها، ولا يستَقيم أمرُ الدِّين إلَّا بأساسه وهو التَّوحيد ﴿أَلَمۡ تَرَ كَيۡفَ ضَرَبَ ٱللَّهُ مَثَلا كَلِمَة طَيِّبَة كَشَجَرَة طَيِّبَةٍ أَصۡلُهَا ثَابِت وَفَرۡعُهَا فِي ٱلسَّمَآءِ 24 ﴾ [سورة إبراهيم]، وكما أنَّ الشَّجرةَ إذا قُطع أصلُها ماتَت، فكذلكَ الدِّينُ إذا لم يَقُمْ على التَّوحيد لم يُنتَفَعْ به، فمنزلةُ التَّوحيد منَ الدِّين منزلةُ الأصول منَ الأشجار والقَواعد من البُنيان.

وممَّا يدُلُّ على أنَّ التَّوحيدَ مِحوَرُ دعوة الأنبياء والمرسلين ومُرتَكَزُ رسالتِهم قولُ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم فيما صحَّ عنه: «الأَنْبِيَاءُ إِخْوَةٌ مِنْ عَلَّاتٍ، وَأُمَّهَاتُهُمْ شَتَّى، وَدِينُهُمْ وَاحِدٌ»([1]) أي عقيدتُهم واحدةٌ، كلُّهم دعاةٌ إلى توحيد الله، وأُمَّهاتُهم شتَّى أي شرائعُهم مُختَلفةٌ ﴿لِكُلّ جَعَلۡنَا مِنكُمۡ شِرۡعَة وَمِنۡهَاجاۚ ﴾ [المائدة: 48]. () أخرجه مسلم (2365) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.

الأمر الثَّالث: من خصائص التَّوحيد أنَّه أوَّلُ واجب على المُكلَّف؛ فأوَّلُ ما يجبُ على الإنسان للدُّخول في هذا الدِّين هو التَّوحيد، وأوَّلُ ما يَبدأُ به الإنسانُ من الدَّعوة إلى الله سبحانه وتعالى هو التَّوحيد، وهذا يدلُّ عليه دلائلُ عديدةٌ؛ منها: قول النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم: «أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَشْهَدُوا أَنْ لاَ إِلَهَ إِلَّا اللهُ» الحديث([2])، ومنها قوله صلى الله عليه وسلملمعاذ بن جبل رضي الله عنه عندما بعثه إلى اليَمن: «إِنَّكَ تَقْدَمُ عَلَى قَوْمٍ أَهْلِ كِتَابٍ، فَلْيَكُنْ أَوَّلَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ عِبَادَةُ الله عز وجل» الحديث([3])؛ وفي روايةٍ بلفظ: «إِنَّكَ تَقْدَمُ عَلَى قَوْمٍ مِنْ أَهْلِ كِتَابٍ، فَلْيَكُنْ أَوَّلَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَى أَنْ يُوَحِّدُوا الله تعالى»([4])، وفي روايةٍ بلفظ: «إِنَكَ سَتَأْتِي قَوْمًا أَهْلَ كِتَابٍ، فَإِذَا جِئْتَهُمْ، فَادْعُهُمْ إِلَى أَنْ يَشْهَدُوا أَنْ لَا إِلَهَ إِلَا اللهُ، وَأَنَّ مُحَمَدًا رَسُولُ الله»([5])، فالتَّوحيد هو أوَّلُ ما يجبُ على المُكلَّفين وبه يُبدَؤون، وهو أوَّلُ ما يدخُلُ الإنسان به في هذا الدِّين، فالدِّين قائمٌ على التَّوحيد وهو أساسُه الَّذي عليه يُبنَى. () أخرجه البخاري (25، 1399)، ومسلم (21، 22) من حديث أبي هريرة وابن عمر وغيرهم رضي الله عنهم. () أخرجه البخاري (1458)، ومسلم (19). () أخرجه البخاري (7372). () أخرجه البخاري (1496).

الأمر الرَّابع: من خصائص التَّوحيد أنَّه سببُ الأمن والاهتداء في الدُّنيا والآخرة، واقرأ هذا في قول الله سبحانه وتعالى : ﴿ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَلَمۡ يَلۡبِسُوٓاْ إِيمَٰنَهُم بِظُلۡمٍ أُوْلَٰٓئِكَ لَهُمُ ٱلۡأَمۡنُ وَهُم مُّهۡتَدُونَ 82 ﴾ [سورة الأنعام]، فالأمن بيد الله، ولا يعطيه سبحانه وتعالى إلَّا للمُوحِّد الَّذي يُخلِصُ الدِّينَ له سبحانه وتعالى ، ولمَّا نَزَلَت هذه الآية ـ كما جاء في الحديث الصَّحيح ـ شقَّ أمرُها على الصَّحابة رضي الله عنهم وأتوا النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم وقالوا: «يا رسُولَ الله! أيُّنَا لم يظلمْ نفسَه؟» يعني ما منَّا إلَّا وقَد ظَلَم نفسَه، والله يقُول: ﴿ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَلَمۡ يَلۡبِسُوٓاْ إِيمَٰنَهُم بِظُلۡمٍ أُوْلَٰٓئِكَ لَهُمُ ٱلۡأَمۡنُ وَهُم مُّهۡتَدُونَ 82 ﴾، فمعنى ذلك لا حظَّ لنا منَ الأمن والاهتدَاء؛ لأنَّ كلَّ واحدٍ منَّا قد ظَلَم نفسَه، فقال النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم: «لَيْسَ ذَاكَ ـ يعني ليس هذا هو معنى الظُّلم في الآية ـ؛ أَمَا قَرَأْتُمْ قَوْلَ العَبْدِ الصَّالِحِ ـ يعني لقمان الحكيم ـ ﴿إِنَّ ٱلشِّرۡكَ لَظُلۡمٌ عَظِيم 13 ﴾ [سورة لقمان]»، ففسَّر ـ عليه الصَّلاة والسَّلام ـ الظُّلم في هذه الآية بالشِّرك؛ فأفاد هذا السِّياق أنَّ مَن آمن ولم يُشرِكْ؛ له الأمن والاهتداء في الدُّنيا والآخرة، فهذه من خصائص التَّوحيد: مَنْ كان مُوحِّدًا منحه الله سبحانه وتعالى الأمن والاهتداء في الدُّنيا والآخرة.

الأمر الخامس: من خصائص التَّوحيد أنَّ التَّوحيد فيه السَّلامةُ من الاضطراب والتَّناقض، بخلاف العقائد الأخرى، فهي مُضطَرِبةٌ ومتناقضةٌ، يدلُّ لذلك قوله سبحانه وتعالى : ﴿وَلَوۡ كَانَ مِنۡ عِندِ غَيۡرِ ٱللَّهِ لَوَجَدُواْ فِيهِ ٱخۡتِلَٰفا كَثِيرا 82 ﴾ [سورة النساء]، فالعقائد الَّتي يخترعها النَّاس ويُحْدِثونها، فيها من الاضطراب والتَّنَاقض الشَّيء الكثير، أمَّا الإيمانُ الصَّحيح والاعتقاد السَّليم والتَّوحيد الرَّاسخ المُستَمَدُّ مِن كتاب الله وسنَّةِ نبيِّه صلى الله عليه وسلمفهو سالِمٌ مِن ذلكَ كلِّهِ.

سادسًا: من خصائص التَّوحيد أنَّه مُوافقٌ للفِطَر السَّليمة والعقول المستقيمة؛ فالتَّوحيد هو دينُ الفطرة، ولو تُرِكَ الإنسانُ وفطرتَه لما قبِل غير التَّوحيد؛ لأنَّه يتوافَقُ مع الفطرة، بل هُو الفطرة كما قالَ الله سبحانه وتعالى ﴿فَأَقِمۡ وَجۡهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاۚ فِطۡرَتَ ٱللَّهِ ٱلَّتِي فَطَرَ ٱلنَّاسَ عَلَيۡهَاۚ لَا تَبۡدِيلَ لِخَلۡقِ ٱللَّهِۚ ذَٰلِكَ ٱلدِّينُ ٱلۡقَيِّمُ وَلَٰكِنَّ أَكۡثَرَ ٱلنَّاسِ لَا يَعۡلَمُونَ 30 ﴾ [سورة الروم]، أمَّا الشِّرك فهو خروجٌ عن الفطرة وانحرافٌ عنها، ولهذا جاء في «صحيح مسلم» حديثٌ قدسيٌّ، قال الله تعالى فيه: «وإِنِّي خَلَقْتُ عِبَادِي حُنَفَاءَ كُلَّهُمْ، وَإِنَّهُمْ أَتَتْهُمُ الشَّيَاطِينُ فَاجْتَالَتْهُمْ عَنْ دِينِهِمْ»([6])؛ خلقتُ عبادي حنفاءَ: أي على الفطرة الَّتي هي التَّوحيد، فأتَتْهم الشَّياطين فاجتَالتْهُم أي حرَفتهم عن دينهم. () أخرجه مسلم (2865) من حديث عياض بن حمار المُجاشعي رضي الله عنه.

وجاء في «الصَّحيح» من حديث أبي هريرة رضي الله عنه عن النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم أنَّه قال: «مَا مِنْ مَوْلُودٍ إِلَّا يُولَدُ عَلَى الفِطْرَةِ، فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ، وَيُنَصِّرَانِهِ كَمَا تُنْتِجُونَ البَهِيمَةَ، هَلْ تَجِدُونَ فِيهَا مِنْ جَدْعَاءَ، حَتَّى تَكُونُوا أَنْتُمْ تَجْدَعُونَهَا؟»([7])، وفي رواية: «فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ، أَوَ يُنَصِّرَانِهِ، أَوَ يُمَجِّسَانِهِ، كَمَا تُنْتَجُ البَهِيمَةُ بَهِيمَةً جَمْعَاءَ، هَلْ تُحِسُّونَ فِيهَا مِنْ جَدْعَاءَ؟»([8])، فالبهيمة تخرج من بطن أمِّها جمعاءَ مُكتَمِلَةَ الأُذنَيْن والأطراف، فإذا انقطعَت منها رجْلٌ أو يدٌ أو أذُنٌ أو نحو ذلك فليس هذا مِن أصل خِلقَتِها وإنَّما هذا بفعل النَّاس بعدما خرجَتْ تامَّةً كاملةً، قال صلى الله عليه وسلم: «حَتَّى تَكُونُوا أَنْتُمْ تَجْدَعُونَهَا» فكذلكَ المولود يُولَد على الفطرة، فإذا تنصَّر أو تهوَّد أو تمجَّس أو وقع في أيِّ نوعٍ من أنواع الانحراف والزَّيغ والضَّلال والباطل فهذا بفعل الأبوين أو المحيط الَّذي ينشأُ فيه. () أخرجه البخاري (6599). () أخرجه البخاري (1358)، ومسلم (2658).

وينشَأ ناشئُ الفتيَان منَّا*** على ما كانَ عوَّده أبُوه

قال صلى الله عليه وسلم: «فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ، أَوَ يُنَصِّرَانِهِ، أَوَ يُمَجِّسَانِهِ» ولم يقل: «أو يُسَلِّمَانِه» لأنَّه نَشَأَ ووُلِد على الفطرة، فالتَّوحيد هو دين الفطرة، وأمَّا الشِّرك وغيره من الضَّلال والباطل كلُّ ذلك مصادِمٌ للفطرة مُبايِنٌ لها، وأما موافقته للعقول المستقيمة، فإنَّ العقلَ المستقيم الَّذي لم يَزِغْ ولم ينحرِفْ لا يَرضَى بغير التَّوحيد ولا يَقبَلُ إلَّا التَّوحيد، فمَن هذَا الَّذي عنده عقلٌ سليمٌ ويرضى بتعدُّد الآلهة! أو التَّعلُّق بقبابٍ أو تراب ﴿ءَأَرۡبَاب مُّتَفَرِّقُونَ خَيۡرٌ أَمِ ٱللَّهُ ٱلۡوَٰحِدُ ٱلۡقَهَّارُ 39 مَا تَعۡبُدُونَ مِن دُونِهِۦٓ إِلَّآ أَسۡمَآء سَمَّيۡتُمُوهَآ أَنتُمۡ وَءَابَآؤُكُم مَّآ أَنزَلَ ٱللَّهُ بِهَا مِن سُلۡطَٰنٍۚ ﴾ [سورة يوسف].

قال مُوَحِّدُ الجاهليَّة زيدُ بنُ عمرو بنِ نُفَيْل حين فارق دينَ قومه([9]): () «السِّيرة» لابن إسحاق (2/96).

أربًّا واحدًا أم ألف ربٍّ*** أدينُ إذا تقسَّمت الأمورُ

عزلتُ اللَّاتَ والعُزَّى جميعًا*** كذلك يَفعَلُ الجَلِدُ الصَّبُورُ

فلا عُزَّى أدينُ ولا ابنَتَيْهَا*** ولا صنمَيْ بني عمرٍو أديرُ

«وكان يعيبُ على قريْشٍ ذبائحَهم ويقول: الشَّاةُ خلقها اللهُ وأنزلَ لها من السَّماءِ الماءَ وأنبتَ لها من الأرض ثمَّ تذبحونها على غير اسم الله إنكارًا لذلك وإعظامًا له»([10]). () «صحيح البخاري» (3826).

فليس في العقول أبينُ ولا أجلى من معرفتها بكمال خالق هذا العالم وتنزيهه عن العيوب والنَّقائص وإفراده وحده بالذُلِّ والخضوع، وجاءت الرُّسل بالتَّذكرة بهذه المعرفة وتفصيلها، فحسنُ التَّوحيد وقبحُ الشِّرك مُستَقِرٌّ في العقول والفطر، معلومٌ لمن كان له قلبٌ حيٌّ وعقلٌ سليمٌ وفطرةٌ صحيحةٌ.

الأمر السَّابع: من خصائص التَّوحيد أنَّ التَّوحيد هو الرَّابطة الحقيقيَّة الباقية المُستَمرَّة في الدُّنيا والآخرة، ولا يوجدُ رابطةٌ بين النَّاس إطلاقًا مثلُ رابطة التَّوحيد؛ لأنَّ هذه الرَّابطةَ الَّتي بين أهل التَّوحيد والإيمان رابطةٌ باقيةٌ مستمرَّةٌ دائمةٌ في الدُّنيا والآخرة ﴿ٱلۡأَخِلَّآءُ يَوۡمَئِذِۭ بَعۡضُهُمۡ لِبَعۡضٍ عَدُوٌّ إِلَّا ٱلۡمُتَّقِينَ 67 ﴾ [سورة الزخرف]، وقال في آية أخرى: ﴿وَتَقَطَّعَتۡ بِهِمُ ٱلۡأَسۡبَابُ 166 ﴾ [سورة البقرة] أي العلائق والصِّلات؛ فكلُّ صلةٍ مُنقطِعَةٌ، وكلُّ حبٍّ ذاهبٌ، وكلُّ تواصلٍ زائلٌ إلَّا الحبَّ والصِّلةَ والتَّواصلَ في التَّوحيد والإيمان بالله عز وجل، فما كان لله دام واتَّصل، وما كان لغَيره انقطع وانفصَل، فمهما كانت الرَّابطة قويَّةً ومهما كانت الصِّلة عميقةً ستَنتَهي إمَّا في الدُّنيا أو في الآخرة ـ قطعًا ـ إلَّا الصِّلةَ الَّتي تكون على توحيد الله سبحانه وتعالى وحسن الإيمانِ به، فهذه صلةٌ دائمةٌ مُستمرَّةٌ باقيةٌ في الدُّنيا والآخرة.

الأمر الثَّامن: من خصائص التَّوحيد سلامة مصدره، فهو مأخوذٌ مِن معينٍ عذب ومَوْرِدٍ زُلالٍ، مُستَمدٌّ من كتاب الله ذي الجلال، ومِن سنَّة رسولِه ـ صلوات الله وسلامه عليه ـ الَّذي لا ينطق عن الهوى إن هُو إلَّا وحيٌ يوحى، وهذَا جانبٌ سيأتي تفصيلُه.

الأمر التَّاسع: من خصائص التَّوحيد الثَّبات والحفظ، والله ـ تبارك وتعالى ـ تكفَّل بحفظ هذا التَّوحيد وحفظِ هذا الدِّين وبقائه، قال الله عز وجل: ﴿هُوَ ٱلَّذِيٓ أَرۡسَلَ رَسُولَهُۥ بِٱلۡهُدَىٰ وَدِينِ ٱلۡحَقِّ لِيُظۡهِرَهُۥ عَلَى ٱلدِّينِ كُلِّهِۦ وَلَوۡ كَرِهَ ٱلۡمُشۡرِكُونَ 33 ﴾ [سورة التوبة]، وقال جل جلاله: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ يُدَٰفِعُ عَنِ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ ﴾ [الحج: 38]، وقال سبحانه وتعالى : ﴿وَكَانَ حَقًّا عَلَيۡنَا نَصۡرُ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ 47 ﴾ [سورة الروم]، وقال عز وجل: ﴿يُثَبِّتُ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ بِٱلۡقَوۡلِ ٱلثَّابِتِ فِي ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَا وَفِي ٱلۡأٓخِرَةِۖ ﴾ [إبراهيم: 27].

الأمر العاشر: من خصائص التَّوحيد اشتماله على ثمارٍ كثيرةٍ وفضائلَ عديدةٍ وآثارٍ مُتنوِّعةٍ في الدُّنيا والآخرة، سيأتي الحديث عن شيء منها في تمام هذا الموضوع وختامه.

المسألة الثانية:

حدُّ التَّوحيد وحقيقتُه

التَّوحيد: مصدرٌ للفعل وحَّد يوحِّد توحيدًا، وهو أصلٌ يدلُّ على الإفراد، وتوحيدُ الله إفرادُه سبحانه وتعالى ونفيُ الشَّريك عنه في حقوقه جل جلاله وخصائصِه، فلا شريكَ له في شيءٍ من خصائصِه، ولا في شيءٍ من حقُوقِه سبحانه وتعالى على عباده.

فالرُّبوبيَّة ـ وهي التَّصرُّف في هذا الكَون خلقًا ورزقًا وإحياءً وإماتةً وتدبيرًا ـ هذا من خصائص الله عز وجل.

وأسماؤه الحُسنَى وصفاتُه العليا ومشيئتُه النَّافذة وقُدرتُه الشَّاملة وعلمُه الواسعُ وكمالُه جل جلاله في أسمائه وصفاته هذَا من خصائص الله عز وجل، فمَنْ جعل لأحدٍ من المخلوقات شيئًا من خصائص الله نقضَ بذلك توحيدَه.

وحقوق الله سبحانه وتعالى على العباد أن يعبدُوه ولا يشركُوا به شيئًا كما في حديث مُعاذ رضي الله عنه، قال له النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم: «يَا مُعَاذُ؛ تَدْرِي مَا حَقُّ الله عَلَى العِبَادِ؟ وَمَا حَقُّ العِبَادِ عَلَى الله؟» قال: قلتُ: اللهُ ورسولهُ أعلمُ، قال: «فَإِنَّ حَقَّ الله عَلَى العِبَادِ أَنْ يَعْبُدُوا اللهَ، وَلَا يُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا، وحَقَّ العِبَادِ عَلَى الله عز وجل أَنْ لَا يُعَذِّبَ مَنْ لَا يُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا»([11]) فالعبادةُ حقٌّ لله سبحانه وتعالى ؛ فمَن صرف شيئًا من العبادة لغَير الله نقضَ بذلك توحيدَه. () أخرجه البخاري (2856، 5967)، ومسلم (30).

فالتَّوحيد: هو إفرادُ الله جل جلاله بحقوقه وخصائصه، والشِّرك: هو تسويةُ غير الله بالله عز وجل في شيءٍ من حقوقه أو خصائصه، فهذه حقيقة التَّوحيد: أن نُفْردَ الله سبحانه وتعالى وأن لا نجعل معه شريكًا كما قال عز وجل: ﴿وَٱعۡبُدُواْ ٱللَّهَ وَلَا تُشۡرِكُواْ بِهِۦ شَيۡـٔاۖ ﴾ [النساء: 36]، وقال جل جلاله: ﴿۞وَقَضَىٰ رَبُّكَ أَلَّا تَعۡبُدُوٓاْ إِلَّآ إِيَّاهُ ﴾ [الإسراء: 23]، وقال سبحانه وتعالى : ﴿وَمَآ أُمِرُوٓاْ إِلَّا لِيَعۡبُدُواْ ٱللَّهَ مُخۡلِصِينَ لَهُ ٱلدِّينَ ﴾ [البينة: 5]، والآيات في هذا المعنى كثيرةٌ.

وبهذا يتبيَّن أنَّ التَّوحيدَ أقسامٌ ثلاثة: توحيدُ الرُّبوبيَّة، وتوحيدُ الأسماء والصِّفات، وتوحيدُ الألوهيَّة.

أمَّا توحيد الرُّبوبيَّة: فهو إفرادُ الله سبحانه وتعالى بالاعتقاد بأنَّه وحده الخالقُ الرَّازق المالك المُنعِمُ المُتصرِّف الَّذي لا شريكَ له في شيءٍ من ذلك، قال تعالى: ﴿قُلۡ مَن رَّبُّ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ قُلِ ٱللَّهُۚ ﴾ [الرعد: 16]، وقال تعالى: ﴿قُل لِّمَنِ ٱلۡأَرۡضُ وَمَن فِيهَآ إِن كُنتُمۡ تَعۡلَمُونَ 84 سَيَقُولُونَ لِلَّهِۚ قُلۡ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ 85 قُلۡ مَن رَّبُّ ٱلسَّمَٰوَٰتِ ٱلسَّبۡعِ وَرَبُّ ٱلۡعَرۡشِ ٱلۡعَظِيمِ 86 سَيَقُولُونَ لِلَّهِۚ قُلۡ أَفَلَا تَتَّقُونَ 87 قُلۡ مَنۢ بِيَدِهِۦ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيۡء وَهُوَ يُجِيرُ وَلَا يُجَارُ عَلَيۡهِ إِن كُنتُمۡ تَعۡلَمُونَ 88 سَيَقُولُونَ لِلَّهِۚ قُلۡ فَأَنَّىٰ تُسۡحَرُونَ ﴾ [سورة المؤمنون]، وقال تعالى: ﴿ذَٰلِكُمُ ٱللَّهُ رَبُّكُمۡۖ فَتَبَارَكَ ٱللَّهُ رَبُّ ٱلۡعَٰلَمِينَ ﴾ [سورة غافر]، وقال تعالى: ﴿ٱللَّهُ خَٰلِقُ كُلِّ شَيۡء وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡء وَكِيل﴾ [سورة الزمر] وغيرها من الآيات.

والقسم الثَّاني: توحيد الأسماء والصِّفات: وهُو إفراده سبحانه وتعالى بأسمائه الحسنى وصفاته العُلا الواردة في كتابه وسنَّة نبيِّه ح، قال الله تعالى: ﴿ٱللَّهُ لَآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَۖ لَهُ ٱلۡأَسۡمَآءُ ٱلۡحُسۡنَىٰ 8 ﴾ [سورة طه]، وقال سبحانه وتعالى : ﴿قُلِ ٱدۡعُواْ ٱللَّهَ أَوِ ٱدۡعُواْ ٱلرَّحۡمَٰنَ أَيّا مَّا تَدۡعُواْ فَلَهُ ٱلۡأَسۡمَآءُ ٱلۡحُسۡنَىٰۚ ﴾ [الإسراء: 110] ، قال ـ جلَّ وعلا ـ: ﴿هُوَ ٱللَّهُ ٱلَّذِي لَآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَۖ عَٰلِمُ ٱلۡغَيۡبِ وَٱلشَّهَٰدَةِۖ هُوَ ٱلرَّحۡمَٰنُ ٱلرَّحِيمُ 22 هُوَ ٱللَّهُ ٱلَّذِي لَآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ ٱلۡمَلِكُ ٱلۡقُدُّوسُ ٱلسَّلَٰمُ ٱلۡمُؤۡمِنُ ٱلۡمُهَيۡمِنُ ٱلۡعَزِيزُ ٱلۡجَبَّارُ ٱلۡمُتَكَبِّرُۚ سُبۡحَٰنَ ٱللَّهِ عَمَّا يُشۡرِكُونَ 23 هُوَ ٱللَّهُ ٱلۡخَٰلِقُ ٱلۡبَارِئُ ٱلۡمُصَوِّرُۖ لَهُ ٱلۡأَسۡمَآءُ ٱلۡحُسۡنَىٰۚ يُسَبِّحُ لَهُۥ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۖ وَهُوَ ٱلۡعَزِيزُ ٱلۡحَكِيمُ 24 ﴾ [سورة الحشر].

والقسم الثَّالث: توحيد الألوهيَّة وهو إفراد الله سبحانه وتعالى بالعبادة كالدُّعاء، والرَّجاء، والخوف، والنَّذر، والذَّبح، والصَّلاة، والصِّيام إلى غير ذلك من العبادات، وإخلاص الدِّين له والبراءة منَ الشِّرك كما قال اللهُ جل جلاله: ﴿وَمَآ أُمِرُوٓاْ إِلَّا لِيَعۡبُدُواْ ٱللَّهَ مُخۡلِصِينَ لَهُ ٱلدِّينَ ﴾، وقال عز وجل: ﴿أَلَا لِلَّهِ ٱلدِّينُ ٱلۡخَالِصُۚ ﴾ [الزمر: 3]، وقال عز وجل: ﴿قُلۡ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحۡيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ ٱلۡعَٰلَمِينَ 162 لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَٰلِكَ أُمِرۡتُ ﴾ [سورة الأنعام]، وقال النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم: «مَنْ مَاتَ وَهُوَ يَدْعُو مِنْ دُونِ الله نِدًّا دَخَلَ النَّارَ»([12]) هذا هو التَّوحيد وهذه حقيقته. () أخرجه البخاري (4497) واللَّفظ له، ومسلم (92) من حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه.

ولكلِّ قسمٍ من هذه الأقسام الثَّلاثة ضدٌّ؛ «فإذا عرفت أنَّ توحيد الرُّبوبيَّة هو الإقرار بأنَّ الله تعالى هو الخالق، الرَّازق، المحيي، المميت، المدبِّر لجميع الأمور، المتصرِّف في كلِّ مخلوقاته، لا شريك له في ملكه؛ فضِدُّ ذلك هو اعتقاد العبد وجودَ متصرِّفٍ مع الله غيره فيما لا يقدر عليه إلَّا الله عز وجل.

وإذا عرفتَ أنَّ توحيد الأسماء والصِّفات هو أن يُدعى اللهُ بما سمَّى به نفسه، ويُوصف بما وصف به نفسه، ووصفه به رسولُه محمَّدٌ ح، ويُنفى عنه التَّشبيه والتَّمثيل؛ فضدُّ ذلك شيئان، ويَعمُّهما اسم الإلحاد:

أحدهما: نفي ذلك عن الله عز وجل، وتعطيله عن صفات كماله، ونعوت جلاله الثَّابتة بالكتاب والسنَّة.

وثانيهما: تشبيه صفات الله تعالى بصفات خلقه، وقد قال تعالى: ﴿لَيۡسَ كَمِثۡلِهِ شَيۡء وَهُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلۡبَصِيرُ ﴾ [سورة الشورى]، وقال تعالى: ﴿يَعۡلَمُ مَا بَيۡنَ أَيۡدِيهِمۡ وَمَا خَلۡفَهُمۡ وَلَا يُحِيطُونَ بِهِۦ عِلۡما ﴾ [طه: 110].

وإذا عرفت أنَّ توحيد الألوهيَّة هو إفراد الله تعالى بجميع أنواع العبادة، ونفي العبادة عن كلِّ ما سوى الله ـ تبارك وتعالى ـ؛ فضدُّ ذلك هو صرف شيءٍ من أنواع العبادة لغير الله عز وجل، وهذا هو الغالب على عامَّة المشركين، وفيه الخصومة بين جميع الرُّسل وأممها»([13]). () «معارج القبول» للشَّيخ حافظ الحكمي (1/418).

المسألة الثَّالثة:

تحقيق التَّوحيد وتكميله

وتحقيق التَّوحيد درجةٌ عليا ومنزلةٌ مُنيفةٌ ورتبة شريفةٌ، ذكر النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم أنَّ أهلَها يدخلونَ الجنَّة يومَ القيامة بدُون حساب ولا عذَاب في الحديث المشهور حديثِ ابنِ عبَّاس وغيره رضي الله عنه قال صلى الله عليه وسلم: «ومَعَهُمْ سَبْعُونَ أَلْفًا يَدْخُلُونَ الجَنَّةَ بِغَيْرِ حِسَابٍ ولَا عَذَابٍ» ثمَّ ذكرهم بقوله: «هُمُ الَّذِينَ لَا يَرْقُونَ، ولَا يَسْتَرْقُونَ، ولَا يَتَطَيَّرُونَ، ولاَ يَكْتَوُون وعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُون»([14]) فهذه درجةٌ عاليةٌ في التَّوحيد وهي تحقيق التَّوحيد وتكميلُه. () أخرجه البخاري (5705)، ومسلم (220).

وتحقيقُ التَّوحيد المراد به: تتميمُ التَّوحيد وتكميلُه وتصفِيَتُه وتنقِيَتُه من شوائب الشِّرك والبدع والمعاصي، وهذه الأمور الثَّلاثة يُسمِّيها أهلُ العلم: العوائق الَّتي تعوق السَّائر في سَيْره إلى الله والدَّار الآخرة: عائقُ الشِّرك وعائق البدعة وعائق المعصية.

أمَّا عائقُ الشِّرك؛ فالخلاص منه بإخلاص التَّوحيد لله، وأمَّا عائقُ البدعة؛ فالخلاصُ منه بلزوم السُّنَّة واتِّباعِ الرَّسول صلى الله عليه وسلم والسَّير على منهاجه، وأمَّا عائقُ المعصيَة؛ فبالبُعد عنها والحذَر منَ الوقوع فيها والتَّوبة النَّصوح إلى الله سبحانه وتعالى إذا وقع في شيءٍ من الذُّنوب والمعاصي، فإذا كانَ العبدُ بهذه الرُّتبة فإنَّه بلغَ تحقيقَ التَّوحيد.

وتحقيقُ التَّوحيد ـ أيضًا ـ على رُتبتَيْن، تحقيقٌ واجبٌ وتحقيقٌ مستحبٌّ، وكلُّ أهل الرُّتبتَيْن يدخلون الجنَّة يومَ القيامة بدون حسابٍ ولا عذابٍ:

الرُّتبة الأولى من تحقيق التَّوحيد: هي رُتبة المقتَصدين، والمقتصِد: هو مَنْ فَعلَ الواجبَ وتركَ المُحرَّم، فإذا كان العبد هذه حالُه مُحافِظًا على الواجبات والفرائض مُجانبًا للمُحرَّمات والكبائر والآثام؛ فإنَّه قد حقَّق التَّوحيد التَّحقيقَ الواجبَ وكان منَ المُقتَصِدين، وهُم ممَّنْ يدخُلُ الجنَّة بدون حسابٍ ولا عذابٍ، فهذه رُتبة.

والرُّتبة الثَّانية أعلى مِن هذه الرُّتبة وهي: تحقيقُ التَّوحيد التَّحقيقَ المُستَحَبَّ وهي مرتبةُ السَّابقين بالخيرات، وهمُ الَّذين مع حفظهم وعنايتهم بالواجبات وبُعدهم عن الكبائر والمُحرَّمات نافسوا في الرَّغائب والنَّوافل والمُستحبَّات.

فهؤلاء المُحقِّقون للتَّوحيد بقسمَيْهم ـ المقتصدين والسَّابقين بالخيرات ـ كلُّهم يدخلُ الجنَّة يومَ القيامة بدون حسابٍ ولا عذابٍ، وقد قال الله تعالى: ﴿ثُمَّ أَوۡرَثۡنَا ٱلۡكِتَٰبَ ٱلَّذِينَ ٱصۡطَفَيۡنَا مِنۡ عِبَادِنَا فَمِنۡهُمۡ ظَالِم لِّنَفۡسِهِ وَمِنۡهُم مُّقۡتَصِد وَمِنۡهُمۡ سَابِقُۢ بِٱلۡخَيۡرَٰتِ بِإِذۡنِ ٱللَّهِ ذَٰلِكَ هُوَ ٱلۡفَضۡلُ ٱلۡكَبِيرُ 32 جَنَّٰتُ عَدۡن يَدۡخُلُونَهَا ﴾ [سورة فاطر ] أي: يدخل جنَّات عدنٍ الثَّلاثةُ: الظَّالم لنفسه، والمُقتصِد، والسَّابق بالخيرات.

أمَّا المقتصِد والسَّابق بالخيرات؛ فإنَّ دخولهما إلى الجنَّة دخولا أوَّليًّا بدون حساب.

وأمَّا الظَّالم لنفسه بالذُّنوب الَّتي دونَ الشِّرك، فإنَّه يدخل الجنَّة، لكن لا يدخلها دخولًا أوَّليًّا بدون حسابٍ ولا عذاب كالمقتصد والسَّابق بالخيرات؛ بل يكون عُرْضةً للعذاب والحساب، وهو تحت مشيئة الله عز وجل إن شاء عذَّبَه وإن شاء غفر له.

المسألة الرَّابعة:

نواقض التَّوحيد ونواقصُه

التَّوحيد له نواقض وله نواقص؛ ونواقضُ التَّوحيد هي الَّتي تُحبِطُ العملَ وتبطل الدِّين كلَّه، وهي الكفرُ بالله والشِّركُ والنِّفاقُ الخالص، الكُفر بأنواعه والشِّركُ بأنواعه والنِّفاقُ الأكبر بأنواعه هذه كلُّها نواقضُ للتَّوحيد تنقُضُ التَّوحيد مِن أصلِه وتهدِمُه من أساسِه، فالشِّركُ الأكبَر بأنواعه، والكفر الأكبرُ بأنواعه، والنِّفاق الأكبر بأنواعه كلُّها ناقضَةٌ للتَّوحيد وهادمةٌ له من الأساس، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ ٱلۡمُنَٰفِقِينَ فِي ٱلدَّرۡكِ ٱلۡأَسۡفَلِ مِنَ ٱلنَّارِ ﴾ [النساء: 145]، وقال تعالى: ﴿وَمَن يَكۡفُرۡ بِٱلۡإِيمَٰنِ فَقَدۡ حَبِطَ عَمَلُهُۥ ﴾ [المائدة: 5]، وقال تعالى : ﴿وَلَقَدۡ أُوحِيَ إِلَيۡكَ وَإِلَى ٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِكَ لَئِنۡ أَشۡرَكۡتَ لَيَحۡبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ ٱلۡخَٰسِرِينَ 65 ﴾ [سورة الزمر]، فالتَّوحيد ينتَقِضُ وينهدِمُ ويبطُلُ بالشِّرك الأكبر بأنواعه، والنِّفاق الأكبر بأنواعه، والكفر الأكبر بأنواعه، وهذه الجملة يطول الحديث في الكلام عليها وذكر تفاصيلها.

وأمَّا نواقص التَّوحيد فهي الأمور الَّتي تُنقِصُ التَّوحيد ولا تُبطِله ولا تَهدِمُه منَ الأساس؛ ومِن ذلك الكفرُ الأصغر، والنِّفاق العملي، مثل ما ورد في الحديث: «آيَةُ المُنَافِقِ ثَلَاثٌ: إِذَا حَدَّثَ كَذَبَ، وَإِذَا وَعَدَ أَخْلَفَ، وَإِذَا اؤْتُمِنَ خَانَ»([15])؛ هذه نواقص التَّوحيد إذا وُجِدَت في العبد نقصَ توحيدُه ونقصَ إيمانُه، وكذلك الشِّرك الأصغر والألفاظ الشِّركيَّة الَّتي لا يقصد الإنسان حقيقتَها وإنَّما تقع على لسانه، هذه تُنقص توحيدَه، أمَّا إذا اعتقد حقيقتَها كانت من الشِّرك الأكبر النَّاقض للتَّوحيد. () أخرجه البخاري (33)، ومسلم (58) من حديث أبي هريرة ا.

ولهذا ينبغي على المؤمن أن يكونَ على رعايةٍ لتوحيده وعنايةٍ به بإبعاده عن كلِّ ناقضٍ وناقصٍ.

قال الشَّيخ عبد الرَّحمن بن حسن :: «واعلم أنَّ ضدَّ التَّوحيد الشِّركُ؛ وهو ثلاثة أنواع: شرك أكبر، وشرك أصغر، وشرك خفي.

والدَّليل على الشِّرك الأكبر، قوله تعالى: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ لَا يَغۡفِرُ أَن يُشۡرَكَ بِهِۦ وَيَغۡفِرُ مَا دُونَ ذَٰلِكَ لِمَن يَشَآءُۚ وَمَن يُشۡرِكۡ بِٱللَّهِ فَقَدۡ ضَلَّ ضَلَٰلَۢا بَعِيدًا 116 ﴾ [سورة النساء ]، وقوله تعالى: ﴿وَقَالَ ٱلۡمَسِيحُ يَٰبَنِيٓ إِسۡرَٰٓءِيلَ ٱعۡبُدُواْ ٱللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمۡۖ إِنَّهُۥ مَن يُشۡرِكۡ بِٱللَّهِ فَقَدۡ حَرَّمَ ٱللَّهُ عَلَيۡهِ ٱلۡجَنَّةَ وَمَأۡوَىٰهُ ٱلنَّارُۖ وَمَا لِلظَّٰلِمِينَ مِنۡ أَنصَار72 ﴾ [سورة المائدة].

وهو أربعة أنواع:

النَّوع الأوَّل: شرك الدَّعوة، والدَّليل عليه قوله تعالى: ﴿فَإِذَا رَكِبُواْ فِي ٱلۡفُلۡكِ دَعَوُاْ ٱللَّهَ مُخۡلِصِينَ لَهُ ٱلدِّينَ فَلَمَّا نَجَّىٰهُمۡ إِلَى ٱلۡبَرِّ إِذَا هُمۡ يُشۡرِكُونَ 65 لِيَكۡفُرُواْ بِمَآ ءَاتَيۡنَٰهُمۡ وَلِيَتَمَتَّعُواْۚ فَسَوۡفَ يَعۡلَمُونَ 66 ﴾ [سورة العنكبوت].

النَّوع الثَّاني: شرك النِّيَّة، وهي: الإرادة والقصد، والدَّليل عليه قوله تعالى: ﴿مَن كَانَ يُرِيدُ ٱلۡحَيَوٰةَ ٱلدُّنۡيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيۡهِمۡ أَعۡمَٰلَهُمۡ فِيهَا وَهُمۡ فِيهَا لَا يُبۡخَسُونَ 15 أُوْلَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ لَيۡسَ لَهُمۡ فِي ٱلۡأٓخِرَةِ إِلَّا ٱلنَّارُۖ وَحَبِطَ مَا صَنَعُواْ فِيهَا وَبَٰطِل مَّا كَانُواْ يَعۡمَلُونَ 16 ﴾ [سورة هود].

النَّوع الثَّالث: شرك الطَّاعة، والدَّليل عليه قوله تعالى: ﴿ٱتَّخَذُوٓاْ أَحۡبَارَهُمۡ وَرُهۡبَٰنَهُمۡ أَرۡبَابا مِّن دُونِ ٱللَّهِ وَٱلۡمَسِيحَ ٱبۡنَ مَرۡيَمَ وَمَآ أُمِرُوٓاْ إِلَّا لِيَعۡبُدُوٓاْ إِلَٰها وَٰحِداۖ لَّآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَۚ سُبۡحَٰنَهُۥ عَمَّا يُشۡرِكُونَ 31 ﴾ [سورة التوبة] وتفسيرها الَّذي لا إشكال فيه، هو: طاعة العلماء والعُبَّاد في معصية الله سبحانه، لا دُعَاؤُهم إيَّاهم، كما فسَّرها رسول الله صلى الله عليه وسلم لعديِّ بن حاتم، لمَّا سأله، فقَال: لسْنَا نعْبُدُهم، فذَكَر له أنَّ عبادَتَهم طاعتُهم في المعصية.

النَّوع الرَّابع: شرك المحبَّة، والدَّليل عليه قوله تعالى: ﴿وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ ٱللَّهِ أَندَادا يُحِبُّونَهُمۡ كَحُبِّ ٱللَّهِ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ أَشَدُّ حُبّا لِّلّهِ وَلَوۡ يَرَى ٱلَّذِينَ ظَلَمُوٓاْ إِذۡ يَرَوۡنَ ٱلۡعَذَابَ أَنَّ ٱلۡقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعا وَأَنَّ ٱللَّهَ شَدِيدُ ٱلۡعَذَابِ 165 ﴾ إلى قوله: ﴿وَمَا هُم بِخَٰرِجِينَ مِنَ ٱلنَّارِ 167 ﴾ [سورة البقرة ].

والنَّوع الثَّاني: شركٌ أصغر، وهو الرِّياء، والدَّليل عليه قوله تعالى: ﴿فَمَن كَانَ يَرۡجُواْ لِقَآءَ رَبِّهِۦ فَلۡيَعۡمَلۡ عَمَلا صَٰلِحا وَلَا يُشۡرِكۡ بِعِبَادَةِ رَبِّهِۦٓ أَحَدَۢا 110 ﴾ [سورة الكهف].

والنَّوع الثَّالث: شركٌ خفيٌّ، والدَّليل عليه قوله صلى الله عليه وسلم: «الشِّرْكُ في هَذِهِ الأُمَّةِ أَخْفَى مِنْ دَبِيبِ النَّمْلِ على الصَّفَاةِ السَّوْدَاءِ في ظُلْمَةِ اللَّيْلِ»، وكفَّارته قوله صلى الله عليه وسلم: «اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أُشْرِكَ بكَ شَيْئًا وأَنَا أَعْلَمُ، وأَسْتَغْفِرُكَ من الذَّنْبِ الَّذِي لَا أَعْلَمُ».

والكفرُ كُفْران:

كفرٌ يخرج منَ المِلَّة، وهو خمسةُ أنواع:

النَّوع الأوَّل: كفرُ التَّكذيب، والدَّليل عليه، قوله تعالى: ﴿وَمَنۡ أَظۡلَمُ مِمَّنِ ٱفۡتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ كَذِبًا أَوۡ كَذَّبَ بِٱلۡحَقِّ لَمَّا جَآءَهُۥٓۚ أَلَيۡسَ فِي جَهَنَّمَ مَثۡوى لِّلۡكَٰفِرِينَ 68 ﴾ [سورة العنكبوت].

النَّوع الثَّاني: كفرُ الاستكبار والإباء مع التَّصديق، والدَّليل عليه، قوله: ﴿وَإِذۡ قُلۡنَا لِلۡمَلَٰٓئِكَةِ ٱسۡجُدُواْ لِأٓدَمَ فَسَجَدُوٓاْ إِلَّآ إِبۡلِيسَ أَبَىٰ وَٱسۡتَكۡبَرَ وَكَانَ مِنَ ٱلۡكَٰفِرِينَ 34 ﴾ [سورة البقرة].

النَّوع الثَّالث: كفر الشَّكِّ، وهو كفرُ الظَّنِّ، والدَّليل عليه قوله تعالى: ﴿وَدَخَلَ جَنَّتَهُۥ وَهُوَ ظَالِم لِّنَفۡسِهِۦ قَالَ مَآ أَظُنُّ أَن تَبِيدَ هَٰذِهِۦٓ أَبَدا 35 وَمَآ أَظُنُّ ٱلسَّاعَةَ قَآئِمَة وَلَئِن رُّدِدتُّ إِلَىٰ رَبِّي لَأَجِدَنَّ خَيۡرا مِّنۡهَا مُنقَلَبا 36 قَالَ لَهُۥ صَاحِبُهُۥ وَهُوَ يُحَاوِرُهُۥٓ أَكَفَرۡتَ بِٱلَّذِي خَلَقَكَ مِن تُرَاب ثُمَّ مِن نُّطۡفَة ثُمَّ سَوَّىٰكَ رَجُلا 37 ﴾ [سورة الكهف].

النَّوع الرَّابع: كفر الإعراض، والدَّليل عليه قوله تعالى: ﴿وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ عَمَّآ أُنذِرُواْ مُعۡرِضُونَ 3 ﴾ [سورة الأحقاف].

النَّوع الخامس: كفرُ النِّفاق، والدَّليل عليه قوله تعالى: ﴿ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمۡ ءَامَنُواْ ثُمَّ كَفَرُواْ فَطُبِعَ عَلَىٰ قُلُوبِهِمۡ فَهُمۡ لَا يَفۡقَهُونَ 3 ﴾ [سورة المنافقون].

وكفرٌ أصغَر لا يخرج من الملَّة، وهو: كفرُ النِّعمة؛ والدَّليل عليه قوله تعالى: ﴿وَضَرَبَ ٱللَّهُ مَثَلا قَرۡيَة كَانَتۡ ءَامِنَة مُّطۡمَئِنَّة يَأۡتِيهَا رِزۡقُهَا رَغَدا مِّن كُلِّ مَكَان فَكَفَرَتۡ بِأَنۡعُمِ ٱللَّهِ فَأَذَٰقَهَا ٱللَّهُ لِبَاسَ ٱلۡجُوعِ وَٱلۡخَوۡفِ بِمَا كَانُواْ يَصۡنَعُونَ﴾ [النحل: 112]، وقوله: ﴿إِنَّ ٱلۡإِنسَٰنَ لَظَلُوم كَفَّار34 ﴾ [سورة إبراهيم].

وأمَّا النِّفاق: فهو نوعان: نفاقٌ اعتقاديٌّ، ونفاق عمليٌّ.

فأمَّا الاعتقادي:

فهو ستَّةُ أنواع:

تكذيبُ الرَّسول، أو تكذيب بعض ما جاء به الرَّسول، أو بغضُ الرَّسول، أو بغضُ ما جاء به الرَّسول، أو المسرَّةُ بانخفاض دينِ الرَّسول، أو الكراهيةُ لانتصار دين الرَّسول؛ فهذه الأنواع السِّتَّة، صاحبُها من أهل الدَّرك الأسفل من النَّار، نعوذُ بالله من الشِّقاق والنِّفاق.

وأمَّا النِّفاق العملي:

فهو خمسةُ أنواعٍ:

إذا حدَّث كذَب، وإذا خاصَم فجر، وإذا عاهد غَدَر، وإذا ائْتُمِنَ خان، وإذا وعَدَ أخلف؛ والله ـ أعلم»([16]). () «الدُّرر السَّنيَّة» (3/66).

المسألة الخامسة:

مصدر التَّوحيد ومنبعُه

التَّوحيد دينٌ صحيحٌ وإيمانٌ قويمٌ مُستَمَدٌّ من كتاب الله وسنَّة نبيِّه ـ عليه الصَّلاة والسَّلام ـ، وهو الدِّين الوحيد الَّذي نزل به وحيٌ من السَّماء، وكلُّ ما عند النَّاس من عقائد مُغَايِرَةٍ للتَّوحيد ومُنافِيةٍ له؛ فهي عقائدُ نابتةٌ في الأرض اخترعها النَّاسُ وأحدثوها وأوجَدُوها، فالتَّوحيد هو العقيدة الوحيدة الَّتي نزلت منَ السَّماء بوحي الله، وهو دين الله الَّذي رضيَه لعباده، قال الله تعالى: ﴿وَرَضِيتُ لَكُمُ ٱلۡإِسۡلَٰمَ دِيناۚ ﴾ [المائدة: 3]، وقال تعالى: ﴿وَمَن يَبۡتَغِ غَيۡرَ ٱلۡإِسۡلَٰمِ دِينا فَلَن يُقۡبَلَ مِنۡهُ ﴾ [سورة آل عمران: 85]، وقال تعالى: ﴿وَمَن يَرۡغَبُ عَن مِّلَّةِ إِبۡرَٰهِـۧمَ إِلَّا مَن سَفِهَ نَفۡسَهُ﴾ [البقرة: 130]، وقال تعالى: ﴿إِنَّ ٱلدِّينَ عِندَ ٱللَّهِ ٱلۡإِسۡلَٰمُ﴾ [آل عمران: 19]؛ فالتَّوحيد هو وحيٌ منَ الله عز وجل مُنزَّلٌ على عباده، وهو دينُ الله الَّذي خَلَقَ الخلْقَ لأجله وأوجدَهُم لتَحقيقِه، ولهذا مرَّ معنا قوله تعالى: ﴿وَلَقَدۡ بَعَثۡنَا فِي كُلِّ أُمَّة رَّسُولًا أَنِ ٱعۡبُدُواْ ٱللَّهَ وَٱجۡتَنِبُواْ ٱلطَّٰغُوتَ ﴾ [النحل: 36]، ﴿أَتَىٰٓ أَمۡرُ ٱللَّهِ فَلَا تَسۡتَعۡجِلُوهُۚ سُبۡحَٰنَهُۥ وَتَعَٰلَىٰ عَمَّا يُشۡرِكُونَ 1 يُنَزِّلُ ٱلۡمَلَٰٓئِكَةَ بِٱلرُّوحِ مِنۡ أَمۡرِهِۦ عَلَىٰ مَن يَشَآءُ مِنۡ عِبَادِهِۦٓ أَنۡ أَنذِرُوٓاْ أَنَّهُۥ لَآ إِلَٰهَ إِلَّآ أَنَا۠ فَٱتَّقُونِ 2 ﴾ [سورة النحل].

وأمَّا ما سوى التَّوحيد من العقائد فهي عقائد نبتَت في الأرض واختُرعت وأوجدها النَّاس، ولهذا كان من طريقة الأنبياء في إبطال العقائد الَّتي بين النَّاس من شركٍ وكفرٍ ونفاقٍ وغير ذلك من أنواع الضَّلال بيانُ أنَّه لم ينزِلْ به وحيٌ، وقَد مرَّ معنا قولُ يوسف ؛ لصاحِبَيِ السِّجن: ﴿ءَأَرۡبَاب مُّتَفَرِّقُونَ خَيۡرٌ أَمِ ٱللَّهُ ٱلۡوَٰحِدُ ٱلۡقَهَّارُ 39 مَا تَعۡبُدُونَ مِن دُونِهِۦٓ إِلَّآ أَسۡمَآء سَمَّيۡتُمُوهَآ أَنتُمۡ وَءَابَآؤُكُم مَّآ أَنزَلَ ٱللَّهُ بِهَا مِن سُلۡطَٰنٍۚ ﴾ [سورة يوسف]، وقال الله عزوجل في سورة النَّجم: ﴿أَفَرَءَيۡتُمُ ٱللَّٰتَ وَٱلۡعُزَّىٰ 19 وَمَنَوٰةَ ٱلثَّالِثَةَ ٱلۡأُخۡرَىٰٓ 20 أَلَكُمُ ٱلذَّكَرُ وَلَهُ ٱلۡأُنثَىٰ 21 تِلۡكَ إِذا قِسۡمَة ضِيزَىٰٓ 22 إِنۡ هِيَ إِلَّآ أَسۡمَآء سَمَّيۡتُمُوهَآ أَنتُمۡ وَءَابَآؤُكُم مَّآ أَنزَلَ ٱللَّهُ بِهَا مِن سُلۡطَٰنٍۚ ﴾ [سورة النجم]، وقال هود عليه السَّلام لقَومِه: ﴿أَتُجَٰدِلُونَنِي فِيٓ أَسۡمَآء سَمَّيۡتُمُوهَآ أَنتُمۡ وَءَابَآؤُكُم مَّا نَزَّلَ ٱللَّهُ بِهَا مِن سُلۡطَٰن فَٱنتَظِرُوٓاْ إِنِّي مَعَكُم مِّنَ ٱلۡمُنتَظِرِينَ 71 ﴾ [سورة هود].

فالتَّوحيد مصدرُه ومنبعُه كتابُ الله عز وجل وسنَّةُ نبيِّه ح، مأخوذٌ مِن هذا المورد العَذْب والمنهل الصَّافي؛ وأمَّا العقائد الَّتي عند النَّاس فمصدرها؛ إمَّا ما تُملِيهِ عليهم عقولُهم الفاسدةُ وتُوجِبُه آراؤهم الكاسدة، أو هي وحيٍ من شياطينهم المارقة، «والوحيُ وحيَان: وحيٌ من الرَّحمن ووحيٌ منَ الشَّيطان، قال تعالى: ﴿وَإِنَّ ٱلشَّيَٰطِينَ لَيُوحُونَ إِلَىٰٓ أَوۡلِيَآئِهِمۡ لِيُجَٰدِلُوكُمۡۖ وَإِنۡ أَطَعۡتُمُوهُمۡ إِنَّكُمۡ لَمُشۡرِكُونَ 121 ﴾ [سورة الأنعام]، وقال تعَالى: ﴿وَكَذَٰلِكَ جَعَلۡنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوّا شَيَٰطِينَ ٱلۡإِنسِ وَٱلۡجِنِّ يُوحِي بَعۡضُهُمۡ إِلَىٰ بَعۡض زُخۡرُفَ ٱلۡقَوۡلِ غُرُوراۚ ﴾ [الأنعام: 112]، وقال تعَالى: ﴿هَلۡ أُنَبِّئُكُمۡ عَلَىٰ مَن تَنَزَّلُ ٱلشَّيَٰطِينُ 221 ﴾ [سورة الشعراء]، وقد كان المُختَار بن أبي عُبَيد من هذا الضَّرب حتَّى قيل لابن عُمَر وابن عبَّاس، قيل لأحدهما: إنَّه يقول إنَّه يوحى إليه؛ فقال: ﴿وَإِنَّ ٱلشَّيَٰطِينَ لَيُوحُونَ إِلَىٰٓ أَوۡلِيَآئِهِمۡ لِيُجَٰدِلُوكُمۡ﴾، وقيل للآخر: إنَّه يقول إنَّه يُنَزَّلُ عليه؛ فقال: ﴿هَلۡ أُنَبِّئُكُمۡ عَلَىٰ مَن تَنَزَّلُ ٱلشَّيَٰطِينُ 221 ﴾»([17]). () «مجموع الفتاوى» لابن تيمية (13/75).

فالشَّيطان يُوحِي إلى أهل الضَّلال بعقائد وأفكار ووساوس وخطرات يؤمنون بها ثمَّ يدْعُون النَّاسَ إليها بهذَا الوحي الَّذي نَزَل عليهم منَ الشَّيطان، أو أمور يتوصَّل إليها الإنسانُ بذوقِه الفاسد، ثمَّ تنشأ عن ذلك أعمالٌ وعباداتٌ وطقوس يقول في الاستدلال لها: جرَّبْنا أو جرَّبَ مشايخُنا؛ والدِّينُ لا يُؤخَذ بالتَّجارِب، أو أعمال يأخذها منَ المنامات؛ يقول: رأيتُ في المنام كذَا وكذَا، ويبني عليه دينًا أو عقيدةً، وهكذا دوالَيْك منَ المصادر الَّتي يستمدُّ منها كثيرٌ منَ النَّاس عقائدَ ما أنزلَ اللهُ ـ تبارك وتعالى ـ بها من سُلطان.

إذًا؛ فالعقيدة المباركة عقيدةُ التَّوحيد الَّتي هي دينُ الله سبحانه وتعالى الَّذي لا يقبلُ الله دينًا سواه عقيدةٌ مُستمَدَّةٌ من مَورِدٍ عذبٍ ومَنهلٍ صافٍ، ومَن نَهلَ منَ المورد الأوَّل والمنهل العَذْب وجَدَ بقيَّةَ المنابع كَدِرَةً ومُلوَّثَةً، لكن لا يعرف الإنسانُ تلوُّثَ هذه المصادر إلَّا إذا عرف المنبعَ الصَّافي النَّقيَّ الَّذي هو وحيُ الله سبحانه وتعالى وتنزيله، ولهذا كثيرٌ من المشركين بعد هدايتهم ودخولهم في التَّوحيد يتبيَّنُ لهم أنَّهم كانوا قومًا لا يعقلون، بينما هم في وقتِ ضلالهم وشركهم وباطلهم يظنُّون أنَّ ذلكَ هو العَقلُ الصَّحيح والدِّينُ القويم.

ولهذا كان بعضُ الصَّحابة ي أحيانًا يَجلِسون يذكرونَ مِن أخبارهم الغَريبة عندما كانوا على الشِّرك ويحمدونَ الله الَّذي هداهُم إلى الإسلام والتَّوحيد؛ عَن أبي عثمان النَّهْدي ـ وقد أدرك الجاهليَّة وأسلم على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يره ـ، يقول: «كُنَّا في الجاهليَّة نعبُدُ حجرًا، فسمعْنَا مناديًا ينادي: يا أهلَ الرِّحال! إنَّ ربَّكم قد هَلَك فالتَمسُوا رَبًّا ـ يعني الحجر الَّذي معهم الَّذي يعبدونه ضاعَ وفُقِد ـ، قال: فخرجنا على كلِّ صعبٍ وذلولٍ، فبينَا نحنُ كذلكَ نطلب إذا نحن بمنادٍ ينادي: إنَّا قد وجَدْنَا ربَّكم أو شَبَهَه, قال: فجئنا فإذا حجرٌ فنحرنا عليه الجُزُر»([18]) وجدوا حجرًا آخرَ مثل ذاك الحجر أو مقاربًا له، فجاءوا به واتَّجهوا إليه يعبدونه ويرجونه ويصرفون له الدُّعاءَ والرَّجاءَ والذَّبائح، أين عقول هؤلاء؟! () أخرجه ابن أبي شيبة في «مصنَّفه» (33914)، وابن سعد في «الطَّبقات الكبرى» (7/97)، وأبو نعيم في «معرفة الصَّحابة» (4707) وإسناده حسن.

على أنَّهم في وقتِ هذا العمل وهذه الممارسة يصفون أنبياء الله عز وجل ورسلَه بالجنون ويعدُّون أنفسَهم أنَّهم هم العُقلاء، لكن إذا أنار الله جل جلاله البصائرَ بالتَّوحيد والإيمان وهدى اللهُ عز وجل القلوبَ لهذا الإسلام تبيَّن للإنسان فساد ما عليه المشركون وأنَّ تلك المصادر التي اعتمدوها مُلوَّثةٌ مَشُوبةٌ بكلِّ باطلٍ وضلالٍ، وتبيَّن أنَّ كلَّ مُشرْكٍ فاسدُ العَقل.

المسألة السادسة:

ثمار التَّوحيد وفوائده

للتَّوحيد ثمارٌ لا تُحصَى وفوائدُ لا تُعدُّ ولا تُستَقْصى، وانظر إشارة إلى ذلك في قوله جل جلاله: ﴿أَلَمۡ تَرَ كَيۡفَ ضَرَبَ ٱللَّهُ مَثَلا كَلِمَة طَيِّبَة كَشَجَرَة طَيِّبَةٍ أَصۡلُهَا ثَابِت وَفَرۡعُهَا فِي ٱلسَّمَآءِ 24 تُؤۡتِيٓ أُكُلَهَا كُلَّ حِينِۭ ﴾ [سورة إبراهيم] أي ثمارها وفوائدها.

ففوائد التَّوحيد وثمارُه على العبد في دنياه وأخراه لا حدَّ لها ولا حَصْرَ، بل نقول قولًا كلِّيًّا:

إنَّ كلَّ خيرٍ يناله العبد في الدُّنيا والآخرة، وكلَّ شرٍّ ينجو منه العبد في الدُّنيا والآخرة هو من ثمار التَّوحيد وأثرٌ مِن آثاره، وإذا دخلنا في شيءٍ من التَّفاصيل في ثمار التَّوحيد وآثاره؛ فإنَّ مِنْ أَعظَمِ ثمار التَّوحيد وآثاره أنَّه يُصحِّحُ الأعمالَ ويُزَكِّيها؛ إذ الأعمالُ أيًّا كانَت ومهما كانَت لا تصحُّ منَ العامل ولا تُقبَلُ منه إلَّا بالتَّوحيد، فهو للأعمال كالأساس للبُنيان وكالأصُول للأشجَار، ولهذا قال الله تعالى: ﴿وَمَنۡ أَرَادَ ٱلۡأٓخِرَةَ وَسَعَىٰ لَهَا سَعۡيَهَا وَهُوَ مُؤۡمِن فَأُوْلَٰٓئِكَ كَانَ سَعۡيُهُم مَّشۡكُورا 19 ﴾ [سورة الإسراء]، وقال عز وجل: ﴿مَنۡ عَمِلَ صَٰلِحا مِّن ذَكَرٍ أَوۡ أُنثَىٰ وَهُوَ مُؤۡمِن فَلَنُحۡيِيَنَّهُۥ حَيَوٰة طَيِّبَة وَلَنَجۡزِيَنَّهُمۡ أَجۡرَهُم بِأَحۡسَنِ مَا كَانُواْ يَعۡمَلُونَ 97 ﴾ [سورة النحل]، فالتَّوحيد هُو الَّذي يُصحِّح الأعمال ويُزَكِّيها، ولو كان عند الإنسان من الأعمال الشَّيءُ الكثيرُ والعددُ الوفيرُ؛ فإنَّها لا تُقبَلُ منه إلَّا إذا كانَت قائمةً على التَّوحيد قال الله تعالى: ﴿وَمَا مَنَعَهُمۡ أَن تُقۡبَلَ مِنۡهُمۡ نَفَقَٰتُهُمۡ إِلَّآ أَنَّهُمۡ كَفَرُواْ بِٱللَّهِ وَبِرَسُولِهِۦ ﴾ [التوبة: 54]، وقال تعالى: ﴿وَمَن يَكۡفُرۡ بِٱلۡإِيمَٰنِ فَقَدۡ حَبِطَ عَمَلُهُ﴾ [المائدة: 5]، وقال: ﴿وَلَقَدۡ أُوحِيَ إِلَيۡكَ وَإِلَى ٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِكَ لَئِنۡ أَشۡرَكۡتَ لَيَحۡبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾ [الزمر: 65]؛ فالتَّوحيد يُصحِّحُ الأعمالَ، ولا تصحُّ إلَّا به.

والتَّوحيد سببُ الفلاح والرِّفعة في الدُّنيا والآخرة ﴿أُوْلَٰٓئِكَ عَلَىٰ هُدى مِّن رَّبِّهِمۡۖ وَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡمُفۡلِحُونَ 5 ﴾ [سورة البقرة]؛ فأهل التَّوحيد هم أهلُ الاهتداء، وأهلُ الفلاح، والفلاح هي أعظم كلمةٍ قيلت في حيازَة الخير، فالمُفلِح هو مَنْ حاز خيرَ الدُّنيا والآخرة، ولا يُحازُ الخيرُ ولا يُظفَر به في الدُّنيا والآخرة إلَّا بالتَّوحيد لله وإخلاص الدِّين له سبحانه وتعالى .

ومِن ثمار التَّوحيد: أنَّه سببٌ للفَوز بكرامة الله عز وجل وجنَّتِه وسببٌ للنَّجاة من عذابِ الله وسخَطِه، فمنْ لقِيَ اللهَ سبحانه وتعالى مُوحِّدًا دخَل الجنَّةَ، ومَنْ لقِيَ اللهَ ـ والعياذ بالله ـ مُشرِكًا دخل النَّارَ وخُلِّد فيها أبدَ الآباد، قال الله عز وجل: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ لَا يَغۡفِرُ أَن يُشۡرَكَ بِهِۦ وَيَغۡفِرُ مَا دُونَ ذَٰلِكَ لِمَن يَشَآءُۚ ﴾ [النساء: 48]، فالتَّوحيد من آثاره وثماره الفوزُ بالجنَّة والنَّجاة من النَّار.

فإن كان مُحقِّقًا للتوحيد التَّحقيقَ الواجب أو التَّحقيقَ المُستَحبَّ فنجاته نجاةٌ من الدُّخول، أمَّا إذا كان مُوحِّدًا لكنَّه ارتكب معاصي وآثامًا دون الشِّرك فنجاته نجاةٌ من الخلود؛ لأنَّه لا يَخلُدُ في النَّار إلَّا المُشرِك، كما جاء في الحديث: «أَمَرَ المَلَائِكَةَ أَنْ يُخْرِجُوا مِنَ النَّارِ مِنْ كَانَ لَا يُشْرِكُ باللهِ شَيْئًا مِمَّنْ أَرَادَ اللهُ تعالى أَنْ يَرْحَمَهُ مِمَّنْ يَقُولُ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ»([19]). () أخرجه البخاري (7437)، ومسلم (182) من حديث أبي هريرة ا.

ومن ثماره أنَّه أعظم أسباب شرح الصَّدر، وعلى حسب كماله وقوَّتِه وزيادته يكون انشراحُ صدرِ صاحبه.

قال الله تعالى: ﴿أَفَمَن شَرَحَ ٱللَّهُ صَدۡرَهُۥ لِلۡإِسۡلَٰمِ فَهُوَ عَلَىٰ نُور مِّن رَّبِّهِ﴾ [الزمر: 22]، وقال تعالى: ﴿فَمَن يُرِدِ ٱللَّهُ أَن يَهۡدِيَهُۥ يَشۡرَحۡ صَدۡرَهُۥ لِلۡإِسۡلَٰمِۖ وَمَن يُرِدۡ أَن يُضِلَّهُۥ يَجۡعَلۡ صَدۡرَهُۥ ضَيِّقًا حَرَجا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي ٱلسَّمَآءِۚ ﴾ [الأنعام: 125]، فالهدى والتَّوحيد من أعظم أسباب شرح الصَّدر، والشِّرك والضَّلال من أعظم أسباب ضيقه.

ومن ثماره أنَّ الله تكفَّل لأهله بالعِزِّ والنَّصر في الدُّنيا والتَّمكين في الأرض وصلاح الأحوال، قال تعالى: ﴿وَعَدَ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ مِنكُمۡ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ لَيَسۡتَخۡلِفَنَّهُمۡ فِي ٱلۡأَرۡضِ كَمَا ٱسۡتَخۡلَفَ ٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِهِمۡ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمۡ دِينَهُمُ ٱلَّذِي ٱرۡتَضَىٰ لَهُمۡ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّنۢ بَعۡدِ خَوۡفِهِمۡ أَمۡناۚ يَعۡبُدُونَنِي لَا يُشۡرِكُونَ بِي شَيۡـاۚ وَمَن كَفَرَ بَعۡدَ ذَٰلِكَ فَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡفَٰسِقُونَ 55 ﴾ [سورة النور].

ومنها: أنَّ التَّوحيد يفتَحُ للعبد بابَ الخيرِ والسُّرورِ واللَّذَّةِ والفرحِ والابتهاجِ والطُّمأنينةِ، قال تعالى: ﴿ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَتَطۡمَئِنُّ قُلُوبُهُم بِذِكۡرِ ٱللَّهِۗ أَلَا بِذِكۡرِ ٱللَّهِ تَطۡمَئِنُّ ٱلۡقُلُوبُ 28 ﴾ [سورة الرعد]، وقال تعالى: ﴿فَإِمَّا يَأۡتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدى فَمَنِ ٱتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشۡقَىٰ 123 وَمَنۡ أَعۡرَضَ عَن ذِكۡرِي فَإِنَّ لَهُۥ مَعِيشَة ضَنكا وَنَحۡشُرُهُ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ أَعۡمَىٰ 124 ﴾ [سورة طه].

وبعد؛ فهذه معالمُ يسيرةٌ حول هذا الموضوع العظيم، وأسأل الله عز وجل أن ينفعنا جميعًا بما علَّمنا، وأن يجعله حجَّةً لنا لا علينا، وأن يهدِيَنا سواءَ السَّبيل.

والله أعلم وصلَّى الله وسلَّم على عبده ورسوله نبيِّنا مُحمَّد وآله وصحبه أجمعين.