الغاية من الحياة

الغاية من الحياة

الغَايَةُ مِنَ الْحَيَاةِ

Language: English
Prepared by: اللجنة العلمية بجمعية خدمة المحتوى الإسلامي باللغات
Version: 1.0
Translations 0
Attachments 7
PDF
Audio
Video
+3

الغَايَةُ مِنَ الْحَيَاةِ

(وُجُودُ الْخَالِقِ)

اللجنة العلمية بجمعية خدمة المحتوى الإسلامي باللغات

يتساءَلُ الإنسانُ في رحلتِه العَقْليَّةِ عنْ أَصْل الكَوْنِ ومُنشئِه:

مَنْ خَلَقَ السماواتِ والأرضَ وما فيهما مِنَ المخلوقاتِ؟

كيف يَنتظمُ ويَستقر هذا الكونُ العظيمُ بقوانينه التي تضبِطُه ضبطًا دَقيقًا على مَرِّ السِّنِينَ؟

هل خَلَقَ هذا الكونُ نفسَه؟ أم جاءَ مِنْ لا شيء؟ أم وُجِد صُدْفَةً؟ مَنْ خَلَقَكَ أيُّها الإنسانُ؟

لو نَظرتَ إلى جسدِك تَحْتَ المِجهر؛ لَرَأَيْتَ عالَمًا مِنَ الدِّقة والإعجازِ، فكل خَلِيَّة في جَسدِك تَحْمِلُ في طَيَّاتها معلوماتٍ وِراثِيَّة شَفْراتُها مُعَقَّدة. هل سألتَ نفسَك: مَنْ كَتَبَ هذه الشَّفراتِ؟ ومَنْ وَضَعَهَا في مكانِها الصحيحِ؟

كُلُّ بِناء شَاهِق، وكلُّ بَيْتٍ مُتواضِعٍ، يَحْكي قصةَ صانِعِه؛ هل يُعْقَلُ أن يُوجد هذا الكونُ الفَسِيحُ بِجَمالِه ودِقَّتِهِ وانضباطِ تفاصيلِه بلا صَانِعٍ؟!

أيُّها الإنسانُ: كما لا يَقبل عقلُك أن يقال لكَ: إنَّ هاتفًا ذكيًّا مُتْقَنَ الصُّنعِ ظَهَرَ فَجْأةً بِلا مُصَمِّمٍ ولا صَانِعٍ، أو أنَّ شبكةً مُعَقَّدةً مِنَ الأجهزَة تَعمَلُ بتَناغُمٍ ودِقَّةٍ بِلا مُبَرْمِج أو مُشْرِفٍ، فكذلك لا يَقبلُ العقلُ الصحيحُ أنْ يُقالَ له: إنَّ هذا الكونَ العظيمَ بِكُلِّ ما فيه مِنْ نِظَامٍ وإبدَاعٍ وقوانِينَ دَقيقةٍ ونظامٍ مُتْقَنٍ قد وُجِدَ بِلا خَالِقٍ؟!

وتأتي الآيةُ القرآنيةُ واضحةً لتوجيهِ العَقْلِ نَحْوَ التأمُّلِ العَميقِ في هذا السؤال المِحْوَرِيِّ. يقول الله الخالق سبحانه وتعالى: ﴿أَمۡ خُلِقُواْ مِنۡ غَيۡرِ شَيۡءٍ أَمۡ هُمُ ٱلۡخَٰلِقُونَ 35﴾ [الطور: 35]، لتَضَعَنا الآيةُ أمامَ ثلاثَةِ احتمالاتٍ عَقليةٍ:

1. هل يُمكِنُ للكَوْنِ أنْ يكونَ قد وُجدَ مِنَ العَدمِ؟ وهذا مُسْتَحِيلٌ؛ فالعدَمُ لا يُوجِد شيئًا.

2. هل يُمكِنُ أنْ يكوَن قد خَلَقَ نفسَه؟ وهذا أيضًا مُسْتَحِيلٌ؛ فالشَّيءُ لا يَخْلُقُ نَفْسَه.

3. يَبْقَى الاحتمَالُ المَنْطِقِيُّ، وهو أنَّ لِهذا الكونِ خَالِقًا عَظِيمًا قَدِيرًا.

إنَّ كُلَّ قطعةٍ مِنْ هذا الكونِ، مِنْ أصغَرِ ذَرَّةٍ إلى أكبرِ مَجَرَّةٍ، تدلُّ على عظمةِ خالِقِها؛ يَسْتَحِيلُ عَقْلاً أنْ يكونَ هذا النِّظامُ الدَّقِيقُ قد نَشأَ مِنَ الفَوْضَى. إنَّ العقلَ يَرْفُضُ أن يكُونَ هذا الكونُ نَشَأَ مِنَ العَدَمِ، أو أنَّ هذا النظامَ البَدِيعَ المُعَقَّدَ نِتَاجُ صُدفةٍ عَمْياء!

(صِفَاتُ الْخَالِقِ)

وَكَمَا أنَّ العقل الصَّحيحَ والفِطْرَةَ السَّوِيَّةَ يَقُودانِ الإنسانَ إلى الإيمَانِ بِوجُود خالِقٍ للكَوْنِ؛ فإنَّهما يَدْفَعَانِنَا أيضًا للتأمُّلِ فِي صفاتِ هذا الخَالِقِ وَحَقِّهِ عَلَينا.

إنَّ التأمُّلَ فِي صفاتِ هذا الخَالِقِ يَفْتَحُ لنَا أبوابًا مِنَ الإِدراكِ العَمِيقِ حَوْلَ ضَرُورَةِ اتِّصَافِهِ بالكَمالِ المُطْلَقِ وتَنْزِيهِهِ عنْ كلِّ نَقصٍ.

وهذا يَعنِي أنَّ الخَالِقَ يَتَّصفُ بِكُلِّ صِفاتِ الجَمَالِ والكَمَالِ والجَلالِ والعَظَمَةِ، فهو سبحانَه القادِرُ على كلِّ شيءٍ، العالِمُ بكلِّ شيء، الحكيم في كلِّ ما خَلَقَ وَقَدَّرَ. وهذا الكمالُ ليسَ مجرَّدَ احتمالٍ؛ بلَ ضَرورة عقليَّة؛ لأنَّ أيَّ نَقْصٍ في صفاتِه سَيُؤَدِّي إلى خَلَلٍ في الخَلق والتَّدبِير، وهو ما يَتَنَافَى معَ ما نَشهدُه مِن إتقانٍ في الكون.

كما أنَّ التنزِيهَ عنِ النَّقْصِ يَقتضِي أنْ يكُونَ الخَالِقُ غَنِيًّا عنْ مَخلُوقاتِه، فلا يَحتاجُ إلى أَحَدٍ؛ بلِ الجميعُ مُفْتقرونَ إليهِ في وجُودِهم وبقائِهم. وهو سبحانَه مُنَزَّهٌ عنِ الشَّريكِ والولَدِ؛ لأنَّهما مِن مَظاهرِ النَّقصِ والعَجزِ، واللهُ عزَّ وجلَّ مُنَزَّهٌ عن ذلك كلِّه.

إنَّ النَّظرَ إلى الكَوْنِ بتأمُّلٍ وتدبُّرٍ يَقُودُنا إلى اليَقِينِ بأنَّ مَن أَوجدَ هذا الكَوْنَ بهذا الإبداعِ لا يُمكنُ أن يكونَ إلا خَالقًا كاملًا في ذاتِه وصفاتِه وأفعالِه، منزَّهًا عنْ كلِّ عيبٍ ونقصٍ، مستحقًا للعِبادَةِ والخُضُوعِ وَحْدَه.

وإثباتُ صِفاتِ الكَمالِ للربِّ سُبْحانه، يَقتضِي وحدانِيَّتَه، وأنَّه المُتَفَرِّد بالكَمال عنْ كُلِّ مَن سِواه، فالكمال التَّامُّ لا يَلِيقُ إلا بِواحِدٍ؛، فوجَبَ أن يَكونَ هو وحدَه المُسْتَحِقُّ للعبادةِ دُون مَنْ سِوَاه.

واللهُ سُبْحانه ليسَ مُجَرَّدَ مُوجِدٍ للكون فحسب! بَلْ هو المالِكُ المُتصرِّفُ فيه، الذي بِيدِه أمْرُ كُلِّ شيء، والذِي يُدبِّر شؤونَه بحِكمته؛ فلا يَحدُث في هذا الكون شَيء إلا بإذنِه ومَشِيئتِه. وهو الرَّزَّاقُ الذي تَكَفَّلَ بأرزاق عِبادِه، فأوجَد لهم ما يحتاجُونَ إليه مِن أسبابِ الحياةِ والبَقَاءِ.

فإذا كان اللهُ هو الخَالقُ العظِيمُ المُتَّصفُ بصفاتِ الكَمال والعَظَمة، وهو الذي أوجدنا وأوجد الكون مِنَ العَدم، وهو مالك جميعِ ما فيه، وهو الذي يَرْزُقُنا ويُحِيطُنا برحمتِه، وهو المُدَبِّر المُتَصَرِّف بكلِّ شيء؛ أفلا يَجِبُ علينا أنْ نَشْكُرَه، ونبحثَ كيفَ نَكسَب رِضاه، وكيف نؤدِّي حقَّه الواجبَ علينا، وأن نعمل لتحقيقِ الغايَةِ التي خَلَقَنَا لأجلِها؟!

(الْغَايَةُ مِنَ الْخَلْقِ)

هل مِنَ المَنْطِق أنْ يخلُقَنَا اللهُ، ثُمَّ لا يُبَيِّنُ لنا ما الذي يُريدُه مِنَّا؟

لمَاذا نحنُ هُنَا؟ ما الغَايَةُ والهَدَفُ مِن وُجُودِنَا فِي الحَياة؟

مَا الذي سَيَحْدُث لنَا بَعْدَ المَوْتِ؟

تأملْ مَعِيَ: لَوْ أنَّ إنْسانًا بَنَى قَصرًا فَخمًا، وزوَّدَه بأحدثِ وَسائِلِ التِّكنولُوجيَا، حتى إذا انْتَهى مِن تَشْيِيدِهِ؛ أَقْدمَ فَجأةً على هدمِهِ بالكامِلِ. هلْ يُمكنُ أنْ نَصِفَ هذا الإنسانَ بالحِكمة؟ أليسَ مِنَ البَدِيهِيِّ أنْ يُعتبرَ تَصَرُّفًا كهذا عَبَثيًا لا يَليقُ بعاقِلٍ؟

فإذا كانَ هذا الفِعلُ غيرَ مَقبولٍ في حقِّ إنسانٍ، فكيفَ نَتَخَيَّلُ أنَّ اللهَ الحكيمُ الخبيرُ، قد خَلَقَ هذا الكونَ البدِيعَ بإبداعٍ وإتقانٍ، ثم يَهْدِمه بِلا هدفٍ أو حِكمةٍ؟!

لقد خَلَقَ اللهُ البَشَرَ لحِكمةٍ عظيمةٍ، وهي عبادتُه وحدَه لا شريكَ له، وليَختبرَهم في هذه الدنيا، وجَعلَ لهم مِيعَادًا يُبعثونَ فيه يومَ القيامةِ؛ لِيُحَاسَبوا على أعمالِهم؛ فَمَنْ آمنَ بالله واستَجَابَ لدعوتِه؛ كانَ له نَعِيمُ الجنَّةِ خالدًا فيها، ومَنْ أعرضَ عَنِ الحَقِّ؛ كانَ مِن أهل النَّار.

(حَقُّ اللهُ عَلَى الْبَشَرِ أَنْ يَعْبُدُوهُ وَلَا يُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا)

إنَّ العبادةَ لا تكونُ إلا لِمَنْ يَستحقُّها، ومِن أعظمِ مُقَوِّمَاتِ استِحقاقِ العِبادةِ أنْ يكونَ المَعْبُودُ هو الخَالِقُ المُدَبِّرُ الرَّازِقُ المُتَّصِفُ بصفاتِ الكَمالِ.

أمَّا مَنْ عَدَاه مِن مخلوقاتٍ ضَعِيفَةٍ عاجِزَةٍ لا تَمْلِكُ لنَفْسِها نفعًا ولا ضَرًّا؛ فلا يَجُوزُ أن يُصرَفَ لها شيءٌ مِنَ العِبادَةِ.

إنَّ عبادةَ هذه الأصنَام والمَخْلُوقاتِ الضَّعِيفة تُعدُّ انْحِرافًا عَنِ الفِطرةِ السَّليمة التَّي تُقرُّ بوجوبِ عبادةِ اللهَ وحدَه، خِالقِ الكون سُبْحانه.

فالعبادةُ حقٌّ واجِبٌ علينا؛ لأنَّها الغَايةُ مِن وُجُودِنا، وهي دليلُ شُكْرِنا وإقرارِنا بِرُبوبِيَّةِ اللهِ وألُوُهِيَّتِهِ.

ومَن أعرَضَ عنْ عبادةِ اللهِ، أَوْ أَشْرَكَ معه غيرَه؛ فقدْ ظَلَمَ نفْسَه، وحَادَ عنِ الطَّريق المستقيمِ الذي أرادَه اللهُ لعبادِه، وسَيَنَالُ جزاءَ فِعلِه في الآخرةِ.

تخيَّلْ أنَّ شَخصًا مَنَحَكَ مِلْيونَ دُولاراً، كيَف سيكون رَدُّ فعلِك تُجَاهه؟ لا شكَّ أنَّك ستشكرُه وتُثْنِي عليه بامْتِنَانٍ.

والآن، لو قالَ لك شخصٌ آخر: إنه سيمنَحُك مِلْيونَين مقابل أن تعطيَه بصرَك، هلْ ستقبَلُ؟ بالتأكيد؛ لا يَقْبَلُ ذلك عاقِلٌ!

فتأمَّلْ أنَّ اللهَ سبحانَه وتعالى هو مَن خلقَك وأكرمَك بالسمْعِ والبَصَرِ، وأحاطَك بِنِعَمٍ لا تُحْصى. هو الذي يُجري الدَّمَ في عروقِك، ويرزقُك الماءَ والهواءَ، وأنت في كلِّ لَحْظَةٍ بحَاجَةٍ إليه. لولا رحمتُه وعنايتُه، لهلكتَ وتلاشتْ قُوَّتُكَ. بلْ إنَّه سبحانه تكفَّل برزقِك وأنت جَنِينٌ في بطن أمِّك، عاجزٌ لا تملِك مِن أمرِك شيئًا.

ألا يَسْتَحِقُّ هذا الخَالقُ العظيمُ أن تبحثَ عنْ رِضاه؟! ألا يَستحقُّ أن تَشكرَه على نِعمِه، وتُؤمنَ بالرُّسلِ الذين أرسلَهم ليرشدُوك إلى طريقِ الحقِّ والسَّعادَةِ؟!

أفلا يَستحقُّ هذا الخالقُ العظيمُ أنْ تَعْبُدَهُ كما يريد هو، لا كما تريدُ أنت؟!

تأملْ لو أردتَ أن تُهْدِيَ أمَّك هديَّةً، هلْ كنتَ ستختارُ ما يُرضِي هَواكَ، أمْ كنتَ ستجتهد في معرفةِ ما تحبُّه هِيَ؛ لتُسعدَها بما يناسبُها؟ كذلك عِبادةُ اللهِ جلَّ وعَلا، لا ينبغي أن تكونَ وَفقَ أهوائِنا أو عاداتِنا الموروثةِ، بلْ كما أرادَها هو سبحانَه، وعلى النحو الذي أمرنا به.

فالعبادةُ ليستْ مجردَ طُقُوسٍ أو عاداتٍ؛ بل هي إعلانٌ للخضوع التَّامِّ والمحبةِ الصادقةِ للخالِقِ، واعترافٌ بأنَّ مَن خلقَنا وأسبغَ علينا نِعمَه أحقُّ بأن نَعْبُدَهُ وحدَه لا شريك له على الوجه الذي يرتضيه. أنعبدُ اللهَ كما نشاءُ نحن، بينما هو العليمُ الحكيمُ الذي يعلم ما يَصلُحُ لنا وما يَرْتَضِيهِ؟

إنَّ العبادةَ الحَقَّة تَنْبُعُ من إدراكِنا لعظمةِ اللهِ واستشعارِنا لفضلِه ورحمتِه. وكلما اقتربنا من تنفيذِ أوامرِه، وأخلصْنَا في طاعتِه كما أرادَ؛ زادَ قُرْبُنا منه، وزادَ رِضاهُ عنَّا. أفلا تَسْتَحِقُّ هذه العَلاقَةُ المُقَدَّسَةُ أن نُخْلِصَ لها تمامَ الإخلاصِ، بعيدًا عن أهوائِنا وتقاليدِنا؟

(إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللهِ الْإِسْلَامُ)

لذلك أرسلَ اللهُ الكثيرَ مِنَ الأنبياءِ والمرسلينَ؛ لِيخبرونا عنِ الغايةِ مِن وجودِنا في الدنيا، وعنِ الهَدفِ مِن الحياة، وكلُّ الرسل كانت رسالتُهمْ واحدةً؛ وهي رسالةُ الإسلامِ، ولكنْ هُناك مَنْ قام بالتَّحريفِ والتغييرِ لِما جاءَ بهِ الرُّسُلُ السابقين، فأرسلَ اللهُ خاتَمَ الرُّسُلِ محمدًا ﷺ، وأنزلَ عليه آخرَ الرِّسالاتِ للبشريَّةِ وهي القرآنُ الكريمُ، وهُناكَ الكثيرُ مِنَ الأدلَّةِ العقليَّةِ والعلميَّةِ التي تُثْبِتُ أنَّ القُرآنَ كلامُ اللهِ، وأنَّه الكِتابُ الوحِيدُ الذي لم يَتَعَرَّضْ للتحريفِ والتَّغْيِيرِ، وقد أخبرَنا اللهُ في القُرآنِ أنَّه لنْ يَقبلَ مِنَ الإنسانِ غيرَ دِينِ الإسلامِ، وأنَّ جميعَ الرُّسُلِ كانتْ رِسالتُهم واحدةً وهي الدَّعوةُ لتوحيدِ الخَالِق وعِبادَتِه وحدَه لا شريكَ له.

ما يُميِّزُ الإسلامَ عن غيرِه مِنَ الأدَيْانِ هو أنَّ المسلمين هم الوحيدُون القادِرون على تقديمِ الأدلَّةِ العقليَّةِ والحقائقَ العلميَّةِ، بالاعتمادِ على مَصادرِ المَعرفَةِ المَوْثُوقَةِ لإثباتِ أنَّ القُرآنَ الكرِيمَ الذي بَيْنَ أيدينا اليومَ هو كلامُ اللهِ الخالِقِ سبحانَه، المَحْفُوظ مِن التغييرِ والتَّحريف.

فالقرآنُ الكريمُ هو الكتابُ الذي أنزلَه اللهُ على نبيِّهِ محمدٍ ﷺ، وقد تحدَّى به البشريَّةَ مُنْذُ أكثرَ مِن أربعةَ عَشَرَ قَرْنًا أنْ يأتُوا بمثلِه، أو حتى بِسُورة واحدةٍ مثلِه، فَعَجَزُوا عن ذلك، وما زالَ التَّحَدي قائمًا إلى يومِنا هذا دُونَ أنْ يتمكَّنَ أحدٌ مِنَ الإتيانِ بشيءٍ يماثلُه في البَلاغَة، والبَيَانِ، والإعجازِ، والتشريعِ، وقد قال اللهُ في القرآن مُتحدِّيًا الخَلْقَ كلَّهم: ﴿قُل لَّئِنِ ٱجۡتَمَعَتِ ٱلۡإِنسُ وَٱلۡجِنُّ عَلَىٰٓ أَن يَأۡتُواْ بِمِثۡلِ هَٰذَا ٱلۡقُرۡءَانِ لَا يَأۡتُونَ بِمِثۡلِهِۦ وَلَوۡ كَانَ بَعۡضُهُمۡ لِبَعۡضٖ ظَهِيرٗا 88﴾ [الإسراء: 88]، ومع ذلك لم يستطعْ أحدٌ على مَرِّ العصورُ أنْ يأتيَ بشيءٍ مثلِه أو حتى مُقَارِبٍ له. والإعجاز في القرآن ليس فقط في لغتِه التي بَلَغَتْ قِمَّةَ الفَصَاحَةِ والَبيانِ؛ بلْ يمتدُّ لِيشملَ دلائلَ عقليَّةً وعلميَّةً تؤكدُّ أنَّهُ كلامُ اللهِ:

فالقرآنُ تحدَّثَ عنْ حقائقَ علمية لم تُكتشفْ إلا بعد قُرونٍ مِنْ نزولِه، مثل مراحِل تطوُّر الجَنِين في رَحِمِ الأمِّ، حيثُ يقولُ اللهُ سبحانه عَنْ خَلْقِ الإنسانِ: ﴿وَلَقَدۡ خَلَقۡنَا ٱلۡإِنسَٰنَ مِن سُلَٰلَةٖ مِّن طِينٖ 12 ثُمَّ جَعَلۡنَٰهُ نُطۡفَةٗ فِي قَرَارٖ مَّكِينٖ 13 ثُمَّ خَلَقۡنَا ٱلنُّطۡفَةَ عَلَقَةٗ فَخَلَقۡنَا ٱلۡعَلَقَةَ مُضۡغَةٗ فَخَلَقۡنَا ٱلۡمُضۡغَةَ عِظَٰمٗا فَكَسَوۡنَا ٱلۡعِظَٰمَ لَحۡمٗا ثُمَّ أَنشَأۡنَٰهُ خَلۡقًا ءَاخَرَۚ فَتَبَارَكَ ٱللَّهُ أَحۡسَنُ ٱلۡخَٰلِقِينَ 14﴾ [المؤمنون: 12-14].

مَنِ الذي أَخْبَرَ الرسولَ محمدًا ﷺ عن هذه الحَقَائِقِ، ولم يَكُنْ في زَمنِهم أجهزةٌ طِبيَّةٌ تَكْشِفُ عن مِثل هذه الأمور؟! وهذا مثالٌ واحدٌ من عشرات الأمثلة الأخرى التي تُبَيِّنُ لكلِّ مُنْصِفٍ أنَّ مصدرَ هذا القرآنِ رَبَّانِيٌّ، وأنَّهُ كتابٌ سماوِيٌّ نَزَلَ مِن خالِق الكَوْنِ سبحانَه.

والقرآنُ هو الكِتابُ الوحيدُ الذي تكفَّلَ اللهُ بحفظِه، فقال: ﴿إِنَّا نَحۡنُ نَزَّلۡنَا ٱلذِّكۡرَ وَإِنَّا لَهُۥ لَحَٰفِظُونَ 9﴾ [الحجر: 9]. وعلى مَدَى القُرونِ؛ بَقِيَ القرآنُ كما هو، مَحْفُوظًا فِي صُدُور المَلايينِ، ومكتوبًا بِدِقَّةٍ في المَصَاحفِ، دون زِيادَة أو نُقْصَانٍ، بخِلافِ الكُتُبِ الأخْرى التي تعرضَتْ للتَّحْرِيفِ والتَّبْدِيل.

والقرآنُ جاء بتشريعاتٍ متكامِلة تُنَظِّمُ حياةَ الفَرْدِ والمجتمعِ، وتُوازِن بين الرُّوحِ والمادَّةِ، وهو ما لم تستطعْ الفَلْسفَاتُ البشريَّةُ أنْ تُحَقِّقَهُ. قوانينُ القرآنِ تُخَاطِبُ العقلَ وتتلاءَمُ معَ الفِطرة؛ فالقرآنُ ليس كتابًا بشريًا؛ بلْ هو رِسالةُ اللهِ للبشريَّةِ، مَلِيءٌ بالدلائِلِ العقليَّةِ والعِلميَّةِ، ومَحْفُوظٌ مِنَ التَّحريفِ؛ لِيبقَى دليلًا خالدًا على صِدقِ رسالةِ الإسلامِ وإعجازِها.

إذا كانَ القرآنُ الكريمُ يَتضمَّنُ دلائلَ واضحةً تُثبتُ أنَّهُ كلامُ اللهِ؛ فإنَّ التَّصرفَ العَقلانِيَّ والمَنْطِقِيَّ هو الإيمانُ به، واتباعُ ما جاء فيه، بدلًا مِنَ الاعتمادِ على كُتُبٍ أُخرى تأثرتْ بِتَدَخُّلِ البَشَرِ في تأليفِها.

فالعقلُ السلِيمُ يقودُنا إلى أنَّ كلامَ الخالِق، الذي أبْدَعَ الكونَ وأتْقَنَ نِظامَه، هو أَصْدَقُ مَصْدَرٍ لمعرفة الحقيقة. وعندما نَجِدُ في القرآنِ هذا الإعجازَ في اللغة، والحقائِق العِلميَّةِ، والتشريعاتِ المُتكاملَةِ، إضافةً إلى حِفظِه مِنَ التَّحريفِ عَبْرَ العُصورِ؛ فلا مَفَرَّ من التسليمِ بأنَّه كلامُ اللهِ.

وعليه: فإنَّ الإيمانَ بما جاء في القرآن ليس فقط خِيارًا إيمانيًا؛ بلْ هو قرارٌ عَقْلَانِيٌّ يتماشَى معَ مَنْطِقِ البحثِ عنِ الحقائقِ. قال تعالى: ﴿إِنَّ هَٰذَا ٱلۡقُرۡءَانَ يَهۡدِي لِلَّتِي هِيَ أَقۡوَمُ...﴾ [الإسراء: 9]، فهو يُرْشِدُ الإنسانَ إلى الطَّريقِ المستقيمِ، ويُجِيبُ عن أسئلتِه الكُبرَى في الوجُودِ، ويَدلُّه على الغَايَةِ مِن حياتِه.

وقد بيَّن اللهُ سبحانَه وتعالى في القرآن الكريم أنَّه لم يخلُقْنا عَبَثًا، وإنما خَلَقَنَا لِعبادتِه وحدَه، فقال تعالى: ﴿أَفَحَسِبۡتُمۡ أَنَّمَا خَلَقۡنَٰكُمۡ عَبَثٗا وَأَنَّكُمۡ إِلَيۡنَا لَا تُرۡجَعُونَ 115 فَتَعَٰلَى ٱللَّهُ ٱلۡمَلِكُ ٱلۡحَقُّۖ لَآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ ٱلۡعَرۡشِ ٱلۡكَرِيمِ 116 وَمَن يَدۡعُ مَعَ ٱللَّهِ إِلَٰهًا ءَاخَرَ لَا بُرۡهَٰنَ لَهُۥ بِهِۦ فَإِنَّمَا حِسَابُهُۥ عِندَ رَبِّهِۦٓۚ إِنَّهُۥ لَا يُفۡلِحُ ٱلۡكَٰفِرُونَ 117﴾ [المؤمنون: 115-117].

وأخبرنا اللهُ في القرآنِ أنَّ هذه الحياة الدنيا التي نَعيشُها هي مُجَرَّد مرحلَة مُؤقَّتة ستنتهي قَريبًا، ولكنَّ الحياةَ الحقيقيَّةَ الأبَدِيَّةَ ستكون في الآخِرة، حين يَدخُل المؤمنون الجَنَّةَ، ويدخل الكافِرون النَّارَ. قال الله تعالى: ﴿وَمَا هَٰذِهِ ٱلۡحَيَوٰةُ ٱلدُّنۡيَآ إِلَّا لَهۡوٞ وَلَعِبٞۚ وَإِنَّ ٱلدَّارَ ٱلۡأٓخِرَةَ لَهِيَ ٱلۡحَيَوَانُۚ لَوۡ كَانُواْ يَعۡلَمُونَ 64﴾ [العنكبوت: 64].

فالخالقُ الذي أوجدَنا مِنَ العَدَمِ، قادِرٌ بكُلِّ تأكيدٍ على أن يُعيدَنا إلى الحياة بَعْدَ الموت. وفيما حولَنا مِن آياتِ اللهِ في الكون نشهدُ دليلًا مَلْموسًا على قدرةِ اللهِ الْلَامُتناهية في إحياءِ ما كان مَيِّتًا. فكما يُخرِج اللهُ النَّارَ مِنَ الشجرِ الأخضرِ، ويُخرج الزَّرعَ والثِّمارَ مِنَ الأرضِ اليَابِسَةِ، ويَخلُق الجَنين فِي بَطْنِ أمه مِن نُطْفَة؛ فإنَّه سبحانه قادِرٌ على أن يُحْيِيَ المَوتَى، ويبعثَهم مِن قبورِهم للجَزاءِ يومَ القيامة، فالله على كل شيء قدير.

قال الله سبحانه في القرآن الكريم: ﴿وَضَرَبَ لَنَا مَثَلٗا وَنَسِيَ خَلۡقَهُۥۖ قَالَ مَن يُحۡيِ ٱلۡعِظَٰمَ وَهِيَ رَمِيمٞ 78 قُلۡ يُحۡيِيهَا ٱلَّذِيٓ أَنشَأَهَآ أَوَّلَ مَرَّةٖۖ وَهُوَ بِكُلِّ خَلۡقٍ عَلِيمٌ 79 ٱلَّذِي جَعَلَ لَكُم مِّنَ ٱلشَّجَرِ ٱلۡأَخۡضَرِ نَارٗا فَإِذَآ أَنتُم مِّنۡهُ تُوقِدُونَ 80 أَوَلَيۡسَ ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضَ بِقَٰدِرٍ عَلَىٰٓ أَن يَخۡلُقَ مِثۡلَهُمۚ بَلَىٰ وَهُوَ ٱلۡخَلَّٰقُ ٱلۡعَلِيمُ 81 إِنَّمَآ أَمۡرُهُۥٓ إِذَآ أَرَادَ شَيۡـًٔا أَن يَقُولَ لَهُۥ كُن فَيَكُونُ 82 فَسُبۡحَٰنَ ٱلَّذِي بِيَدِهِۦ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيۡءٖ وَإِلَيۡهِ تُرۡجَعُونَ 83﴾ [يس: 78-83].

ومِنَ الجَوْرِ والظُّلم أن تَنْقَضِيَ حياةُ الظالِم والمظلوم دون حسابٍ أو جَزاءٍ. كيف يُعقلُ أنْ ينجوَ الجَانِي مِن عِقابِه، بينما يُحرَم المظلومُ مِن حقِّه؟ إنَّ اللهَ سبحانه وتعالى قد جَعلَ يومَ القيامةِ مَوعدًا للعدالَة؛ ليُجَازِيَ كلَّ إنسانٍ بما قَدَّم، فيُثَابُ كلُّ مُحْسِنٍ على أعمالِه الحسنَةِ، ويُعاقَبُ كلُّ مُسِيءٍ وظالِمٍ على سيئاتِه وجَورِه، قال تعالى: ﴿أَمۡ نَجۡعَلُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ كَٱلۡمُفۡسِدِينَ فِي ٱلۡأَرۡضِ أَمۡ نَجۡعَلُ ٱلۡمُتَّقِينَ كَٱلۡفُجَّارِ 28﴾ [ص: 28].

(لِمَاذَا الْإِسْلَامُ؟)

يتساءل الإنسان: لماذا الإسلام وليس غيره من الأديان؟!

لقد أرسل الله رسلًا وأنزل كتبًا لنعرف من هو الله وكيف نعبده. وقد بيَّن الله لنا أن هذه الحياة اختبار، وأنَّ مَنْ يَعبُد اللهَ ويَعملُ صالحًا؛ سيكافأ بالجنة، ومن يُعرض عن الله ويرفض عبادته أو يعبد غيره؛ فسيحاسبه الله على رفضه للحق يوم القيامة، قال تعالى: ﴿إِنَّهُۥ مَن يَأۡتِ رَبَّهُۥ مُجۡرِمٗا فَإِنَّ لَهُۥ جَهَنَّمَ لَا يَمُوتُ فِيهَا وَلَا يَحۡيَىٰ 74 وَمَن يَأۡتِهِۦ مُؤۡمِنٗا قَدۡ عَمِلَ ٱلصَّٰلِحَٰتِ فَأُوْلَٰٓئِكَ لَهُمُ ٱلدَّرَجَٰتُ ٱلۡعُلَىٰ 75 جَنَّٰتُ عَدۡنٖ تَجۡرِي مِن تَحۡتِهَا ٱلۡأَنۡهَٰرُ خَٰلِدِينَ فِيهَاۚ وَذَٰلِكَ جَزَآءُ مَن تَزَكَّىٰ 76﴾ [طه: 74-76].

إنَّ الدِّين الذي جاء به جميعُ الرُّسُلِ هو الإسلامُ، ويعني: الخُضُوعَ والاسْتِسْلامَ لإرادةِ الخَالِقِ، وعبادةَ اللهَ وحدَه لا شريكَ له، والإيمانَ بجميعِ الرُّسُلِ.

إنَّ أكبرَ ما يُمَيِّزُ الإنسانَ عن سائِر المَخلُوقاتِ هو العَقل، ووظيفتُه: التفكيرُ والبَحثُ عنِ الحقائِق.

إنَّ الإسلامَ دِينٌ يتوافَقُ معَ العَقلِ السَّلِيمِ والفِطرَةِ السَّوِيَّةِ، فهو يُقَدِّمُ إجاباتٍ مَنْطِقيةٍ للأسئلةِ الوجُوديَّة الكُبرى: لماذا نحنُ هنا؟ وما الهَدفُ مِن حياتِنا؟ وما المَصيِر بَعْدَ المَوْت؟

والإسلامُ يوجِبُ الإيمانَ بجميعِ الرُّسُلِ، فيؤمنُ المسلمون كما أخبرَ اللهُ في القرآن أنَّ عِيسى عبدُ اللهِ ورسولُه، وأنه ليس ابن اللهِ؛ لأنَّ اللهَ عظيمٌ وحَاشَاهُ أن يكونَ له زوجةٌ أو وَلَدٌ، فهو غَنِيٌّ عنهُما وعنْ كُلِّ شيءٍ، وقد أخبرَنا اللهُ في القرآنِ أنَّ عِيسى كانَ نبيًا أعطاهُ اللهُ كثيرًا مِنَ المُعجزاتِ، وأنَّ اللهَ أرسلَه لدعوةِ قومِه إلى عبادةِ اللهَ وحدَهُ لا شريكَ له، وأخبرنَا أنَّ عِيسى لم يَطْلُبْ مِنَ النَّاسِ أن يعبدُوه؛ بلْ هو بنفسِه كان يَعْبُدُ خَالِقَه. فإذا أردتَ أن تكونَ مُؤمنًا بِعيسى على الحقيقةِ التي يُحبُّها اللهُ؛ فعليكَ أن تَدْخُلَ في الإسلام، وتؤمنَ بما ذَكر اللهُ في القُرآنِ؛ فهو الكتابُ المَحفُوظ الذي جاءَ ليُجَدِّدَ رِسالةَ التَّوْحِيدِ التي بَعثَ اللهُ بها جميعَ الأنبياءِ والرُّسُل السابقين.

وأخبرَنا اللهُ في القرآنِ أنَّ عِيسى أَمَرَ قومَه بعبادةِ اللهِ وحدَه، وحذَّرَهُم مِنَ الشِّركِ؛ قال الله في القرآن الكريم: ﴿لَقَدۡ كَفَرَ ٱلَّذِينَ قَالُوٓاْ إِنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلۡمَسِيحُ ٱبۡنُ مَرۡيَمَۖ وَقَالَ ٱلۡمَسِيحُ يَٰبَنِيٓ إِسۡرَٰٓءِيلَ ٱعۡبُدُواْ ٱللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمۡۖ إِنَّهُۥ مَن يُشۡرِكۡ بِٱللَّهِ فَقَدۡ حَرَّمَ ٱللَّهُ عَلَيۡهِ ٱلۡجَنَّةَ وَمَأۡوَىٰهُ ٱلنَّارُۖ وَمَا لِلظَّٰلِمِينَ مِنۡ أَنصَارٖ 72 لَّقَدۡ كَفَرَ ٱلَّذِينَ قَالُوٓاْ إِنَّ ٱللَّهَ ثَالِثُ ثَلَٰثَةٖۘ وَمَا مِنۡ إِلَٰهٍ إِلَّآ إِلَٰهٞ وَٰحِدٞۚ وَإِن لَّمۡ يَنتَهُواْ عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنۡهُمۡ عَذَابٌ أَلِيمٌ 73 أَفَلَا يَتُوبُونَ إِلَى ٱللَّهِ وَيَسۡتَغۡفِرُونَهُۥۚ وَٱللَّهُ غَفُورٞ رَّحِيمٞ 74 مَّا ٱلۡمَسِيحُ ٱبۡنُ مَرۡيَمَ إِلَّا رَسُولٞ قَدۡ خَلَتۡ مِن قَبۡلِهِ ٱلرُّسُلُ وَأُمُّهُۥ صِدِّيقَةٞۖ كَانَا يَأۡكُلَانِ ٱلطَّعَامَۗ ٱنظُرۡ كَيۡفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ ٱلۡأٓيَٰتِ ثُمَّ ٱنظُرۡ أَنَّىٰ يُؤۡفَكُونَ 75﴾ [المائدة: 72-75].

(سَلْ نَفْسَكَ أَيُّهَا الْإِنْسَانُ)

أيُّها الإنسانُ، كيفَ يَقْبَلُ عَقلُك أن يكونَ الصَّنَمُ الذي صنعتَه بيدَيْك هو الإلهُ الذي تَسْجُدُ له وتَطْلُبُ منه العَونَ؟! كيف تَقبل أن تَعبدَ بَقَرَةً تُذبحُ وتُؤكلُ؟! هلْ مِنَ المَنطقِ أن يَعبدَ العاقِلُ مَخلوقًا مثلَه، يَجُوعُ ويَعْطَشُ ولا يَملك لنفسِه دَفْعَ المَوت أوِ الضُّرِّ؟! وكيفَ تَعبدُ عيسى ابن مريم، وهو بَشَرٌ كان يحتاج إلى الطعام والشراب، وكان يتوجه إلى خالِقه بالصلاة؟! أيمكن للعقل أن يتصور أنَّ الإله يُصَلِّي لنفسه؟!

أليس اللهُ هو المتَّصِفُ بالعظمة، المتفرِّدُ في كمالِه، المنزَّهُ عَنِ الشَّبِيه والمَثيل، وكلُّ ما في الكون تحت قدرتِه وسُلْطانِه؟ كيف يُعقلُ أن يَتنازَلَ خالِقُ السماواتِ والأرضِ ليُولَدَ كَطِفْلٍ، ثُمَّ يُسلِّم نفسه لخلْقِه ليَصلِبوه؟ إنَّ مَن يُصلبُ ويُقتَل هُمُ البشرُ الفَانُونَ، أمَّا الخالقُ فهو الحَيُّ الذي لا يَموتُ، القيُّومُ الذي لا تَأخذُهُ سِنَةٌ ولا نَوم. أليس مِن كمالِ عظمتِه وجلالِه أن يكونَ مُنَزَّهًا عن مِثل هذا؟

لقدْ أخبرنَا اللهُ في القَرآنِ الكريمِ أنَّ جميعَ الرُّسُل جاؤُوا برسالةٍ واحدَةٍ تتلخَّص في دعوة أقوامِهم إلى عبادةِ اللهِ وحدَه لا شريك له. ولكنْ عبر الزَّمن حَرَّفَ البعضُ هذه الرِّسالةَ الخالِدة، فَطَمَسُوا نُورَ التوحيدِ الذي جاء به الأنبياءُ، فأَرسلَ اللهُ آخِر الرُّسل محمدًا ﷺ، وأنزلَ عليه القرآنَ الكريمَ؛ لِيُجدِّدَ رسالةَ التَّوْحِيد التي جاءَ بها جميعُ الرُّسُلِ مِن قَبْلُ.

أيُّها الإنسانُ: إنَّ الحقَّ الذي حَمَلَه الرُّسُل جميعًا هو أنَّ اللهَ وحدَه المُستَحِقُّ للعبادةِ، لا الأصنامَ ولا الأشجارَ ولا الحيواناتِ، ولا المسيحَ عِيسى عليه السلام ولا الطبيعةَ، ولا الشمسَ ولا القمرَ

وإنَّ الإنسانَ يُولد على فِطرة الإسلامِ النَّقِيَّةِ، تلك الفِطرة التي تَهديه إلى ربِّه بالفِطرة والعَقْل، لكنَّ البيئةَ المحيطةَ مِن عائلةٍ أو مُجتمعٍ؛ قد تُغَيِّرُ هذه الفِطرة وتدفَعُه إلى طريقٍ آخَر.

قَارِنْ بينَ دِينٍ يَأمرُك بعبادةِ الخَالِق الواحدِ الكاملِ، وبينَ دِينٍ يَصِفُ الإلهَ بالعَجْزِ والضَّعْفِ، فأيٌّ منهما يَتَمَاشَى معَ العَقل والفِطرة؟

وخِتاماً نَقُولُ لكَ أيُّهَا الإنسانُ:

إنَّ الإسلامَ دِينُ العَقل والفِطرة، وهو الدِّين الوَحيدُ الذي شرعَه الخالِقُ العظيمُ للبشريَّةِ، وهو دِينُ الخَير والسَّعادة للناس جميعًا، لا يُفضِّلُ عِرْقًا على عِرْق، ولا لَونًا على لَون، والنَّاسُ فيهِ سَواسِية، لا يتميَّزُ أحدٌ في الإسلامِ علَى غيرِه إلا بِقَدْرِ عَمَلِهِ الصَّالح، وهو الدِّينُ الوحيدُ الذي يُؤْمِنُ بجميعِ الأنبياءِ، ويَجعلُ عَلاقَةَ العبدِ بخالِقِه مُباشرة بدون الحَاجَةِ لواسطةٍ، وهو الدِّين الذي يأمُرُ بالتَّفكرِ والتَّدبُّر، ويَحُثُّ على إِعمالِ العَقل والمَنطق.

فيَجبُ على كلِّ إنسانٍ عاقِلٍ أن يُبَادِرَ إلى الدُّخولِ في الإسلام؛ وذلك بأنْ يُؤمِنَ بالله رَبًّا، وبالإسلامِ دِينًا، وبمُحَمَّدٍ رَسولًا، وهذا أمرٌ ليس للإنسانِ فيه اختِيار؛ لأنَّ اللهَ سيسألُه يومَ القِيامة عمَّا أجابَ بِهِ الرُّسُلَ؛ فإنْ كان مُؤمنًا؛ فله الفَوزُ والفَلاحُ العظِيم، وإنْ كانَ كَافِرًا؛ فله الخُسرانُ المُبين.

فإذا أردتَ سعادةَ الدنيا والآخِرة، وأردتَ أنْ تتخذَ أعظمَ قَرَارٍ في حياتِك؛ فعليكَ أنْ تَدْخُلَ في الإسلامِ، وذلك بأنْ تقولَ هذه الكَلمَاتِ مُؤمِنًا بها مِن قلبِك:

(أَشْهَدُ أن لَا إلهَ إلا اللهُ، وأشهدُ أن مُحمدًا رسولُ اللهِ)، وبهذا تكونُ مُسْلِمًا.

قال الله تعالى في القرآن الكريم:

﴿وَمَن يَبۡتَغِ غَيۡرَ ٱلۡإِسۡلَٰمِ دِينٗا فَلَن يُقۡبَلَ مِنۡهُ وَهُوَ فِي ٱلۡأٓخِرَةِ مِنَ ٱلۡخَٰسِرِينَ 85﴾ [آل عمران: 85]

(ثُمَّ تبدأُ في تعلُّم شَرائِع الإسلامِ شيئًا فشيئًا؛ لتقومَ بما أوجبَهُ اللهُ عليكَ)

ويمكن التعرف على الإسلام بزيارة هذا الموقع: byenah.com