التوحيد في ضوء عقيدة الإمام الشافعي رحمه الله ونصوصه ومروياته

التوحيد في ضوء عقيدة الإمام الشافعي رحمه الله ونصوصه ومروياته

كتاب التوحيد

Language: English
Prepared by: د/سفيان عبدالعزيز قاضي
Version: 2.0
Translations 1
Indonesian
Attachments 7
PDF
Audio
Video
+3

كتاب التوحيد

(في ضوء عقيدة الإمام الشافعي ونصوصه ومروياته )

تأليف

د/سفيان عبدالعزيز قاضي

تقديم

أ.د. وصي الله محمد عباس

(المدرس بالحرم المكي الشريف وجامعة أم القرى)

مُقدّمة

الحمد لله الذي خلق السماوات والأرض، وجعل الظلمات والنور، ثم الذين كفروا بربهم يعدلون، والحمد لله الذي لا يُؤدى شُكر نعمة من نِعَمِهِ؛ إلا بنعمة منه توجب على مؤدي ماضي نعمه بأدائها نعمةً حادثةً، يجب عليه شكره بها، ولا يبلغ الواصفون كُنه عظمته. الذي هو كما وصف نفسه، وفوق ما يصفه به خلقه، أحمده حمداً كما ينبغي لكرم وجهه وعِز جلاله، وأستعينه استعانةَ من لا حول له ولا قوة إلا به، وأستهديه بهداه الذي لا يضل من أنعم به عليه، وأستغفره لما أَزلفت وَأَخرت: استغفار من يُقر بعبوديته، ويعلم أنه لا يغفر ذنبه ولا ينجيه منه إلا هو، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمداً عبده ورسوله.([1]) أما بعد: () خطبة الإمام الشافعي على كتابه الرسالة: ص 8.

اعلم أن أول ما دعت إليه الرسل وأنزل الله لأجله الكتب وخلق الله لأجله الخلق وفطر الناس عليها هو موضوع العقيدة والتوحيد، وهو المعروف الأكبر، يكفر به الذنوب، وأول ما يسأل عنه في القبر، وشرطٌ في الشفاعة، وفي دخول الجنة والنجاة من الخلود في النار.

فمن تدبر في كتاب الله الكريم، وعرف الإسلام، وطالع سيرة الأنبياء والمرسلين، واطلع على حياة الصحابة والتابعين وعباد الله الصالحين: عرف أن التوحيد حق الله على العبيد، لأجله خُلِقت الدنيا والآخرة، والجنة والنار، وبه حقَّت الحاقَّة ووقعت الواقعة، فلا صلاح للعباد ولا الأمن والاهتداء، ولا حياة طيبة ولا نصر وتمكين، ولا نجاة من خزي الدنيا وعذاب الآخرة - إلا بمعرفة التوحيد والبراءة من الشرك وأهله.

والتوحيد هو: إثبات الإلهية لله وحده، بأن يشهد أن لا إله إلا هو، ولا يعبد إلا إياه، ولا يتوكل إلا عليه، ولا يوالي إلا له، ولا يعادي إلا فيه، ولا يعمل إلا لأجله، وذلك يتضمن توحيد الألوهية والربوبية وتوحيد الإثبات ما أثبته الله لنفسه من الأسماء والصفات.

فالقرآن كله توحيد لأنه إما لبيان التوحيد وبيان مناقضاته ومنقصاته، وإما إخبار عن أهل التوحيد وما أكرمهم الله به أو إخبار عن المشركين وما انتقم الله تعالى منهم به في الدنيا وما أعد لهم في الآخرة، وإما أحكام حلال وحرام وهذا من حقوق التوحيد فالقرآن كله في التوحيد، قاله ابن القيم.

ونظرا لأهمية هذا العلم فقد اهتم علماءنا السلف أشد الاهتمام ببدء تصحيح العقائد قبل القيام بأداء الأعمال والأحكام، وجعلوه في مقصد حياتهم وأهم العلوم والواجبات، وذلك موضوع كتاب كبير.

فقد بذلوا من الحظ الكبير من مصنفاتهم في بيان ما يجب لله من العبادة والوحدانية والفردانية منها ما هو باسم السنة مثل: السنة لابن أبي شيبة "ت235هـ"، أو السنة لأحمد بن حنبل "ت241هـ"، أو باسم الفقة الأكبر، مثل: الفقه الأكبر أو الأبسط المنسوب إلى الإمام أبى حنيفة رحمه الله "ت 150 هـ"، ومن أوائل من صنفوا في ذلك: الإمام ابن خزيمة "ت 311 هـ " وكتابه: التوحيد، والإمام أبو حاتم الرازي "ت327هـ" وكتابه "أصل السنة واعتقاد الدين"، والإمام أبو بكر الإسماعيلي "ت371هـ" الذي وسم كتابه بـ"اعتقاد أئمة الحديث"، وأبو القاسم اللالكائي "ت 418هـ" وكتابه "شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة"، وغيرهم كثير لا تحصى كثرة مثل المزني " ت 264 هـ" والدارمي "ت 280 هـ " والخلال " ت 311 هـ " والبربهاري "ت 329 هـ "، وأبو عثمان الصابوني" ت449هـ " ومَن حذا بحذوهم في التصنيف في مجالات الدين.

فمن هؤلاء العلماء الذين أسهموا بحظ وافر في هذا العلم وأكثر الأئمة اتباعا، وأقواهم احتجاجا، وأصحهم قياسا، وأبينهم بيانا، وأفصحهم لسانا، الإِمام عالم العصر، ناصر الحديث، فقيه الملة وإمام أهل السنة والجماعة: الإمام الشافعي رحمه الله، فإنه بيّن وأفصح عقيدته ومذهبه عن الله وصفاته وما يجب على العبد من معرفة دينه ونبيه ومعاده، كما صرّح خطورة الشرك وأصنافه وأهله.

وهو أبو عبد الله محمد بن إدريس بن العباس بن عثمان بن السائب ابن عبيد بن عبد يزيد بن هاشم بن المطلب بن عبد مناف المطلبي. مولده بغزة سنة 150 هـ ووفاته بمصر سنة 204 هـ.

سكن بمكة والعراق وفلسطين ومصر، وسمي بالعراق بناصر السنة وبمصر مؤسس علم الفقه، لعظم ما نفع الله به الأمة من العودة الصادقة إلى السنة في مسائل الاعتقاد والأحكام.

قال داود بن علي: " اجتمع للشافعي رحمه الله من الفضائل ما لم تجتمع لغيره: فأول ذلك: شرف نسبه ومنصبه، وأنه من رهط النبي صلى الله عليه وسلم وصحة الدين وسلامة الاعتقاد من الأهواء والبدع ".

وكان من أعلم الناس بالتوحيد والسنة، وأشدهم تمسكاً بهما، وأكثرهم ثواباً في الاستنباط، وأكرههم للشرك ووسائله، وأغضبهم للكلام وأهله، فقد رفع راية الحق ضد المتكلين الذين أهملوا جانب التوحيد والاعتقاد وأقبلوا على كتب الفلسفة والمنطق وسكتوا عن الشرك وأهله والكلام في النهي عن المنكر وتركوا السنة لأجل أقوال الناس، حتى تواتر عنه هذه العبارة: " حكمي في أهل الكلام أن يضربوا بالجريد، ويجلسوا على الإبل، ويطاف بهم في العشائر والقبائل، وينادى عليهم: هذا جزاء من ترك الكتاب والسنة، وأقبل على الكلام".

قال إبراهيم بن محمد بن عرفة ابن نفطويه:

مَثَلُ الشافعيّ في العلماءِ *** مَثَلُ البدر في نجوم السماء

كان والله معدِنا لعلومٍ*** سيّدَ الناس أفقهَ الفقهاءِ

راجحاً عالماً كريمَ طباعٍ*** سيّد الناس أحلَم الحلماءِ

اقتدى بالنبي في حسن قول*** وأقام البَوَارَ للسفهاء

فمعرفة عقيدة هذا الإمام الكبير في الحقيقة معرفة الاعتقاد الذي جرى عليه الصحابة والتابعون، فهو إمام الموحدين، وقدوة السالكين، والذي يقرأ كتبه يعرف مدى قوة استدلاله واهتمامه بالعقيدة الصحيحة، فمؤلفاته رحمه الله ومذهبه ليست مقصورة في الفقه والأحكام، بل هو مذهب جامع متكامل للفقه الأكبر – ألا وهو التوحيد والسنة –.

ولأجل أهمية التوحيد والإيمان به عند هذ الإمام فقد رجع خلق كثير في زمنه وبعده عن العقائد الفاسدة، رجعوا من الكلام في القدر والخلق بالقرآن إلى الإيمان به، رجعوا من التعصب للرجال إلى السنة، قال أبو ثور: " لولا أن الله من علي بالشافعي للقيت الله وأنا ضال ".

وروي عن اسحاق بن راهويه وجماعة من العراقيين – الذين اشتهر مقالتهم في القدر والإيمان - قولهم: "ما تركنا بدعتنا حتى رأينا الشافعي ".

وَقَالَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ: " مَا رَأَيْتُ أَحَدًا أَتْبَعَ لِلْأَثَرِ مِنَ الشَّافِعِيِّ".

ونظراً لأهمية هذا الباب من الدين لمستُ من الحاجة إلى توضيح جملة من المسائل موثقة من كتبه رحمه الله أو كتب تلامذته أو من سار على نهجه لتحذو أمتنا بطريقتهم ولتعرف مدى اعتقاد هذا الإمام الكبير خلال مصنفاته لا من خلال دعوى يدّعيها أحد عليه.

فقد ابتليت هذه الأمة بدخول الثقافات الوافدة والمناهج الكلامية في الدراسات الإسلامية، فقد أدخلوا المنتسبين إلى المذاهب ما ليس منه وخلطوها بما هو غريب عنها، وشاع ذلك في بطون الأمهات التي صنف فيها المتكلمون وبالتالي نُسب إلى إمامنا الشافعي رحمه الله بعض الاعتقاد في الشرك عند القبور وغيرها وأُشيع عنه بعض المسائل، لا ذكر له في كتبه ولا عند تلامذته، لا أساس له عند التحقيق، بل إنه نصّ على خلاف ذلك.

فموضوع هذا الكتاب هو بيان ما جرى عليه الصحابة والتابعون ومن سار على نهجهم من الاعتقاد، فانهم كانوا في التوحيد متفقون على نهج واحد لا يزيغ عنها إلا هالك، فلن يصلح آخر هذه الأمة إلا بما صلح به اولها، فلا عز ولا رفعة إلا بالعودة الصادقة إلى ما كان عليه الصحابة والتابعون ومن أخذ منهم من الصالحين قولًا واعتقادًا وعملًا.

أسأل الله العليم الحكيم رب العرش الكريم أن يوفقني الصواب فيما تناولت، وأن يهديني إلى السداد والرشاد فيما استخرجت، وأن يخلص لي نيتي فهو من وراء القصد وهو الهادي إلى الصراط المستقيم، وصلى الله على نبيينا محمدا وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيراً.

كتبه

د/سفيان عبدالعزيز قاضي

التمهيد وصية الإمام الشافعي رحمه الله

قال الربيع بن سليمان: " قُرِئَ على محمد بن إدريس الشافعي رحمه الله وأنا حاضر: هذا الكتاب كتبه محمد بن إدريس بن العباس الشافعي، في شعبان سنة ثلاث ومائتين: وأَشْهَدَ اللهَ عَالمَ خائِنَةِ الأعْين وما تُخْفِي الصّدورُ، وكفى به، جل ثناؤه، شهيداً.

ثمَّ مَنْ سمِعَه: أنّه يشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأنّ محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وسلم، لم يَزَلْ يَدِينُ بذلك، وبه يَدِين حتى يتوفَّاه الله تعالى ويبعثه عليه إن شاء الله تعالى، وإنَّه يُوصِي نفسه وجماعةَ مَنْ سَمِعَ وصيَّتَه: بإحْلاَل ما أحَلَّ الله تبارك وتعالى في كتابه ثم على لسان نبيه صلى الله عليه وسلم، وتحريمِ ما حرَّمَ الله في الكتاب، ثم في السّنة ولا يجاوزون من ذلك إلى غيره؛ فإن مُجَاوَزَتَهَ ترْكُ فَرْضِ الله، وترك ما خالف الكتاب والسنة وهما من المحدثات، والمحافظة على أداء فرائض الله في القول والعمل، والكفِّ عن مَحارِمه خوفاً لله عز وجل، وكثرة ذكر الوقوف بين يدي ربه { يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدًا} ، وأن ينزل الدنيا حيثُ أَنْزَلَها اللهُ عز وجل؛ فإنّه لم يجعلها دار مقام، إلا مقام مدة عاجلة الانقطاع، وإنما جعلها دار عمل وجعل الآخرة دار قرارٍ وجزاءٍ بما عمل في الدنيا من خير أو شر، إن لم يعف جلّ ثناؤه، وأن لا يُخَالَّ أحداً إلا أحداً خاله لله ممن يعقل الخَلَّة لله تبارك وتعالى، ويرجى منه إفادة علم في دين وحسن أدب في دنيا، وأن يعرف المرء زمانه، ويرغب إلى الله تعالى في الخلاص من شرّ نفسِه فيه، ويمسك عن الإسراف بقول أو فعل في أمرٍ لا يلزمه، وأن يُخْلِصَ النيَّة لله فيما قالَ وعمِل؛ فإنّ الله يَكْفِي مما سواه، ولا يكفي منه شيء غيره. وأَوْصَى متى حَدَثَ به حَدَثُ الموتِ الذي كتبَ الله عز وجل على خلقه، الذي أسأل الله العَوْنَ عليه وعلى ما بَعْدَه، وكفاية كلِّ هَوْلٍ دُونَ الجنّةِ برحمته.

ومحمد بن إدريس يسأل الله القادر على ما يشاء أنْ يصلِّي على محمدٍ عبدِه ورسولِه، وأن يرحمه؛ فإنه فقير إلى رحمته، وأن يُجِيرَهُ من النار؛ فإنه غَنِيٌّ عن عذابه، وأن يَخْلُفَه في جميع ما خلف بأفْضَلِ ما خلف به أحداً من المؤمنين، وأن يكفيهم فقده، ويَجْبُرَ مصيبتهم من بعده، وأن يقِيهُمْ مَعَاصِيَه وإتيان ما يقبح بهم، والحاجة إلى أحدٍ من خلقه بقدرته.([2]) () انظر الوصية: في الأم للشافعي (4/ 128)، مناقب الشافعي للبيهقي (2/ 288)، وصية الشافعي لسعد الدين الكتبي:ص:1، تفسير الإمام الشافعي (1/ 466).

باب فضل التوحيد وما يكفر به من الذنوب

قال تعالى: {الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ} (الأنعام: ٨٢)

عن عبادة بن الصامت قال: قال رسول الله: صلى الله عليه وسلم: |#| "من شهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدا عبده ورسوله، وأن عيسى عبد الله ورسوله، وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه، والجنة حق، والنار حق، أدخله الله الجنة على ما كان من العمل".([3]) () رواه البخاري: كتاب الأنبياء، باب قوله تعالى: يا أهل الكتاب لا تغلوا في دينكم، رقم الحديث (3252). ومسلم: كتاب الإيمان، باب الدليل على أن من مات على التوحيد دخل الجنة قطعا، رقم الحديث (28).

وعن عتبان رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "فإن الله حرم على النار من قال: لا إله إلا الله يبتغي بذلك وجه الله ".([4]) () رواه البخاري: كتاب الصلاة، باب المساجد في البيوت ، رقم الحديث (415). ومسلم: كتاب المساجد ومواضع الصلاة باب الرخصة في التخلف عن الجماعة بعذر، رقم الحديث (33).

قال الإمام الشافعي رحمه الله في وصف دخول الناس في الإسلام: "الإسلام أن تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله وتبرأ مما خالف الإسلام من دين فإذا فعلت فهذا كمال وصف الإسلام". ([5]) () الأم للشافعي :( 5/298).

وروى الإمام الشافعي رحمه الله بسنده عَنْ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: "لَا يَحِلُّ دَمُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ إلَّا بِإِحْدَى ثَلَاثٍ، كُفْرٍ بَعْدَ إيمَانٍ، أَوْ زِنًا بَعْدَ إحْصَانٍ، أَوْ قَتْلِ نَفْسٍ بِغَيْرِ نَفْسٍ".([6]) () رواه في الأم (1/ 294)، ورواه النسائي في السنن، كتاب تحريم الدم، باب ذكر ما يحل به الدم، رقم الحديث: (4019)، وابن ماجة، كتاب الحدود، بَابُ لَا يَحِلُّ دَمُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ، إِلَّا فِي ثَلَاثٍ، رقم الحديث : (2533) ، وصححه الألباني:(الإرواء 2196) .

باب أن التوحيد أول واجب على المكلف وأنه قبل الصلاة والزكاة

قال تعالى: { وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزكاة وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ} (البينة: ٥)

قال الإمام الشافعي رحمه الله بعد هذه الآية: " فأبان الله أنه فرض عليهم أن يعبدوه مخلصين له الدين ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة ".([7]) () الأم للشافعي( 2 / 3 ).

عن ابن عباس - رضي الله عنهما -: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما بعث معاذا إلى اليمن، قال له: " إنك تأتي قوما من أهل الكتاب، فليكن أول ما تدعوهم إليه شهادة أن لا إله إلا الله- وفي رواية-: إلى أن يوحدوا الله، فإن هم أطاعوك لذلك فأعلمهم أن الله افترض عليهم خمس صلوات في كل يوم وليلة، فإن هم أطاعوك لذلك، فأعلمهم أن الله افترض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم فترد على فقرائهم، فإن هم أطاعوك لذلك، فإياك وكرائم أموالهم، واتق دعوة المظلوم؛ فإنه ليس بينها وبين الله حجاب".([8]) () رواه البخاري: كتاب المغازي، باب بعث أبي موسى ومعاذ إلى اليمن قبل حجة الوداع، رقم الحديث (4090). ومسلم: كتاب الإيمان، باب الدعاء إلى الشهادتين وشرائع الإسلام ، رقم الحديث (19).

قال الإمام الشافعي رحمه الله: " الصلاة هي أبين ما افترض الله عز وجل عليه بعد توحيد الله وشهادة أن محمدا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - والإيمان بما جاء به من الله تبارك وتعالى ".([9]) ()الأم للشافعي (1/ 292).

وَقَالَ أيضاً: " طَلَبُ الْعِلْمِ أَفْضَلُ مِنْ صَلاةِ النَّافِلَةِ ".([10]) () شرح السنة للبغوي (1/ 280).

جاء رجل عند الشافعي فقال: " أي الأعمال عند الله أفضل "؟ ، قال الشافعي: ما لا يقبل عملا إلا به. قال: وما ذاك؟ قال: الإيمان بالله الذي لا إله إلا هو، أعلى الأعمال درجة، وأشرفها منزلة، وأسناها حظًّا، قال الرجل: ألا تخبرني عن الإيمان: قول وعمل، أو قول بلا عمل؟ ، قال الشافعي: الإيمان عمل لله، والقول بعض ذلك العمل ".([11]) () انظر: مناقب الشافعي للبيهقي (1/ 387).

باب تفسير التوحيد وشهادة أن لا إله إلا الله

وعن أبي مالك عن أبيه (طارق بن أشيم رضي الله عنه) عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "من قال: لا إله إلا الله، وكفر بما يعبد من دون الله حرم ماله ودمه، وحسابه على الله ".([12]) () رواه مسلم: كتاب الإيمان، باب الأمر بقتال الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله محمد رسول الله ويقيموا الصلاة، رقم الحديث (23).

روى الشافعي بسنده عن عبادة بن الصامت رضي الله عنه قال: " أخذ علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم ستاً كما أخذ على النساء: " أن لا تشركوا بالله شيئا ولا تسرقوا ولا تزنوا ولا تقتلوا أولادكم ولا يعضه بعضكم بعضا وأن لا تعصوني في معروف أمرتكم به فمن أصاب منكم منهن واحدة فعجلت عقوبته فهو كفارته ومن أخرت عقوبته فأمره إلى الله عز وجل إن شاء عذبه وإن شاء غفر له ".([13]) () السنن المأثورة للشافعي: (ص: 438)، ورواه البخاري، كتاب الإيمان، بَابٌ: عَلاَمَةُ الإِيمَانِ حُبُّ الأَنْصَارِ، رقم الحديث: 18، ورواه مسلم: كتاب الحدود، بَابُ الْحُدُودُ كَفَّارَاتٌ لِأَهْلِهَا، رقم الحديث (1709).

قال الإمام الشافعي رحمه الله: " فأما فرضُ الله على القلب من الإيمان: فالإقرار والمعرفة والعَقْد، والرضا والتسليم بأنّ الله لا إله إلا هو وحده لا شريك له، لم يتخذ صاحبة ولا ولداً، وأن محمداً، صلى الله عليه وسلم، عبده ورسوله، والإقرار بما جاء من عند الله من نَبِيّ أو كتاب. فذلك ما فرض الله جل ثناؤه، على القلب ".([14]) () مناقب الشافعي للبيهقي (1/ 389)

وقال أيضاً: " ولو شهد شاهدان أن رجلاً ارتد عن الإيمان أو امرأة سئلا، فإن أكذبا الشاهدين قيل لهما: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، وتبراء مما خالف الإسلام من الأديان، فإن أقر بهذا لم يُكشفا أكثر منه، وكان هذا توبة منهما، ولو أقرا وتابا قُبل منهما".([15]) () انظر: الأم للشافعي: ( 6/ 159)

قال أبو العباس بن سريج البغدادي([16]): " توحيد أهل العلم وجماعة المسلمين أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله".([17]) () هو أبو العباس أحمد بن عمر بن سريج البغدادي، القاضي الشافعي، من تلامذة الإمام، صاحب المصنفات، قال الشيخ أبو إسحاق "كان ابن سريج يفضل على جميع أصحاب الشافعي حتى على المزني". وتوفي سنة 306هـ ببغداد. انظر: السير (14/201 – 204)، طبقات الشافعية للسبكي(2/89 – 91). ()الحجة في بيان المحجة لأبي القاسم التيمي (1/96 – 97)، بيان تلبيس الجهمية لابن تيمية (1/487)، إعلام الموقعين عن رب العالمين لابن القيم (4/191).

باب الخوف من الشرك وأنه أعظم من حقوق العباد

{إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَٰلِكَ لِمَن يَشَاءُ وَمَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَىٰ إِثْمًا عَظِيمًا } (النساء: ٤٨)

وعن معاذ بن جبل رضي الله عنه قال: " كنت رديف النبي صلى الله عليه وسلم على حمار، فقال لي: "يا معاذ، أتدري ما حق الله على العباد، وما حق العباد على الله"؟ قلت: الله ورسوله أعلم. قال: "حق الله على العباد أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئا، وحق العباد على الله أن لا يعذب من لا يشرك به شيئا، قلت: يا رسول الله، أفلا أبشر الناس؟ قال: لا تبشرهم فيتكلوا".([18]) () رواه البخاري: كتاب الجهاد باب اسم الفرس والحمار ، رقم الحديث (2701). ومسلم: كتاب الإيمان، باب الدليل على أن من مات على التوحيد دخل الجنة قطعا، رقم الحديث (30).

وروى الإمام الشافعي بسنده عن ابْنَ مَسْعُودٍ رضي الله عنه قال سَأَلْتُ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَيُّ الْكَبَائِرِ أَكْبَرُ؟ فَقَالَ: " أَنْ تَجْعَلَ لِلَّهِ نِدًّا وَهُوَ خَلَقَك قُلْتُ ثُمَّ أَيُّ؟ قَالَ أَنْ تَقْتُلَ وَلَدَك مِنْ أَجْلِ أَنْ يَأْكُلَ مَعَك".([19]) () رواه في الأم (6/ 3)، والحديث أخرجه البخاري، كتاب تفسير القرآن، بَابُ قَوْلِهِ تَعَالَى: {فَلاَ تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ}، رقم: 4477، ومسلم: كتاب الإيمان، بَابُ كَوْنِ الشِّرْكِ أَقْبَحَ الذُّنُوبِ، وَبَيَانِ أَعْظَمِهَا بَعْدَهُ، رقم الحديث (86).

وعن ابن مسعود رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "من مات وهو يدعو من دون الله نداً دخل النار".([20]) () رواه البخاري: كتاب التفسير باب قوله: ومن الناس من يتخذ من دون الله أندادا، رقم الحديث (4227).

ولمسلم عن جابر رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "من لقي الله لا يشرك به شيئا دخل الجنة، ومن لقيه يشرك به شيئا دخل النار".([21]) () رواه مسلم: كتاب الإيمان باب من مات لا يشرك بالله شيئا دخل الجنة ومن مات مشركا دخل النار، رقم الحديث (93).

قال الإمام الشافعي: " وجدنا الدماء أعظم ما يُعصى الله تعالى بها بعد الشرك ".([22]) () الأم للشافعي: (7/ 53)

وقد صرّح الشافعي رحمه الله أن كتب المشركين إذا غنمت أُتلف ما وجد فيها من كتب الشرك دون غيره".([23]) () انظر: الأم للشافعي (4 / 263).

وأبطل وصية بناء الكنيسة أو الوصية بكتابة التوراة والإنجيل([24]). () انظر: الأم للشافعي (4 / 213).

وقد صرّح أيضاً بإبطال النكاح إذا كان الولي من أهل الشرك، وإن كان أقرب الناس إليه، لما أن الله قطع الولاية بين المسلمين والمشركين.([25]) () انظر: المصدر السابق (5/ 8)

باب أن الدين هو الانقياد والقبول التام واخلاص العبادة لله

روى الامام الشافعي بسنده عن أبي هريرة - رضي الله عنه - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "لا أزال أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله، فإذا قالوا لا إله إلا الله فقد عَصَمُوا مِنِّي دِمَاءَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ إِلَّا بحقها، وحسابهم على الله ".([26]) ()رواه في الأم (4/ 181)، تفسير الإمام الشافعي (2/ 927)، والحديث رواه البخاري: كتاب الاعتصام، باب الاقتداء بسنن رسول الله صلى الله عليه وسلم رقم الحديث 7284، ورواه مسلم: كتاب الإيمان، باب الأمر بقتال الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله محمد رسول الله، رقم الحديث: (32، 33).

قال الإمام الشافعي رحمه الله: " والإقرار بالإيمان وجهان: فمن كان من أهل الأوثان ومن لا دين له يدعي أنه دين نبوة ولا كتاب فإذا شهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله فقد أقر بالإيمان ومتى رجع عنه قتل، ومن كان على دين اليهودية والنصرانية فهؤلاء يدعون دين موسى وعيسى صلوات الله وسلامه عليهما وقد بدلوا منه وقد أخذ عليهم فيهما الإيمان بمحمد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فكفروا بترك الإيمان به واتباع دينه مع ما كفروا به من الكذب على الله قبله فقد قيل لي إن فيهم من هو مقيم على دينه يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله ويقول لم يبعث إلينا فإن كان فيهم أحد هكذا فقال أحد منهم أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله لم يكن هذا مستكمل الإقرار بالإيمان حتى يقول وإن دين محمد حق أو فرض وأبرأ مما خالف دين محمد - صلى الله عليه وسلم - أو دين الإسلام فإذا قال هذا فقد استكمل الإقرار بالإيمان". ([27]) () الأم للشافعي (6/ 171).

قال الإمام الشافعي رحمه الله: " حقن الله الدماء، ومنع الأموال إلا بحقها بالإيمان بالله، وبرسوله أو عهد من المؤمنين بالله ورسوله لأهل الكتاب، ثم روى بسنده: عن أبي سلمة عن أبي هريرة أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "لا أزال أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله فإذا قالوها فقد عصموا....([28]) ()الأم للشافعي (1/ 293).

باب ما جاء في الاستسقاء بالأنواء والنجوم

(فَلَوْلَا إِذَا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ (83) وَأَنتُمْ حِينَئِذٍ تَنظُرُونَ (84) (الواقعة: ٨٢)

وعن أبي مالك الأشعري رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " أربع في أمتي من أمر الجاهلية لا يتركونهن: الفخر بالأحساب، والطعن في الأنساب، والاستسقاء بالنجوم والنياحة". وقال: "النائحة إذا لم تتب قبل موتها تقام يوم القيامة وعليها سربال من قطران، ودرع من جرب".([29]) () رواه مسلم: كتاب الجنائز، باب التشديد في النياحة (2 / 644) رقم الحديث (934).

روى الإمام الشافعي بسنده عن زيد بن خالد رضي الله عنه قال: "صلى لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة الصبح بالحديبية على إثر سماء كانت من الليل، فلما انصرف أقبل على الناس فقال: هل تدرون ماذا قال ربكم؟. قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: قال: أصبح من عبادي مؤمن بي وكافر، فأما من قال: مطرنا بفضل الله ورحمته، فذلك مؤمن بي كافر بالكوكب، وأما من قال: مطرنا بنوء كذا وكذا، فذلك كافر بي مؤمن بالكوكب".([30]) () رواه الشافعي في الأم (1/ 288) ورواه البخاري: كتاب الاستسقاء باب قول الله تعالى: (وتجعلون رزقكم أنكم تكذبون) رقم الحديث (991). ومسلم: كتاب الإيمان، باب بيان كفر من قال مطرنا بالنوء، رقم الحديث (71).

عن ابن عباس قال: مطر الناس على عهد النبي صلى الله عليه وسلم فقال: " أصبح من الناس شاكر ومنهم كافر، قالوا: هذه رحمة الله، وقال بعضهم: لقد صدق نوء كذا وكذا"، قال: فنزلت هذه الآية: (فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ) حتى بلغ (وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ)".([31]) () رواه مسلم: كتاب الإيمان، باب بيان كفر من قال مطرنا بالنوء، رقم الحديث (73).

قال الإمام الشافعي رحمه الله: " من قال مطرنا بفضل الله ورحمته فذلك إيمان بالله لأنه يعلم أنه لا يمطر ولا يعطي إلا الله عز وجل وأما من قال مطرنا بنوء كذا، وكذا على ما كان بعض أهل الشرك يعنون من إضافة المطر إلى أنه أمطره نوء كذا فذلك كفر كما قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لأن النوء وقت، والوقت مخلوق لا يملك لنفسه، ولا لغيره شيئا، ولا يمطر، ولا يصنع شيئا ".([32]) () الأم للشافعي (1/ 288)

باب ما جاء في كراهية الحلف بغير الله

(لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَٰكِن يُؤَاخِذُكُم بِمَا عَقَّدتُّمُ الْأَيْمَانَ ۖ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ ذَٰلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ ۚ كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ) (المائدة: ٨٩)

عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "الحلف منفقة للسلعة، ممحقة للكسب".([33]) () رواه البخاري: كتاب البيوع، باب يمحق الله الربا ويربي الصدقات، رقم الحديث (1981). ومسلم: كتاب المساقاة باب النهي عن الحلف في البيع، رقم الحديث (1606).

قال الامام الشافعي: " وكل يمين بغير الله فهي مكروهة منهي عنها من قِبل قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن الله ينهاكم أن تحلفوا بآبائكم ومن كان حالفا فليحلف بالله أو ليسكت" . ([34]) ()الأم للشافعي (7/ 64)، والحديث أخرجه البخاري في كتاب الأيمان والنذور: باب لا تحلفوا بآبائكم. رقم الحديث: (6108) ومسلم في كتاب الأيمان: باب النهي عن الحلف بغير الله تعالى ، رقم الحديث :(1646)

وروى الإمام الشافعي بسنده عَنِ ابْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما، قَالَ: " كَانَ أَكْثَرَ أَيْمَانِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " لَا، وَمُصَرِّفِ الْقُلُوبِ".([35]) () السنة لابن أبي عاصم (1/ 105).

قال الإمام الشافعي رحمه الله: " فكل من حلف بغير الله كرهت له وخشيت أن تكون يمينه معصية ". ([36]) ()الأم للشافعي (7/ 64).

قال الربيع قال: سمعت الشافعي رحمه الله يقول: " من حلف باسم من أسماء الله فحنث فعليه الكفارة، لأن اسم الله غير مخلوق، ومن حلف بالكعبة أو بالصفا والمروة، فليس عليه الكفارة، لأنه مخلوق، وذاك غير مخلوق". ([37]) () انظر : آداب الشافعي ومناقبه لابن أبي حاتم ( 193) والإبانة الكبرى لابن بطة (5/ 274) ، وشرح أصول اعتقاد أهل السنة اللالكائي (1/221 ) .

باب ما جاء في الرقية

عن عوف بن مالك الأشجعي رضي الله عنه قال: كنا نرقي في الجاهلية، فقلنا: يا رسول الله! كيف ترى في ذلك؟ ، فقال صلى الله عليه وسلم: "اعرضوا علي رقاكم، لا بأس بالرقى ما لم يكن فيه شرك".([38]) () رواه مسلم، كتاب السلام، باب لا بأس بالرقى ما لم يكن فيه شرك، رقم الحديث (2200).

عن جابر ابن عبد الله -رضي الله عنهما- قال: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الرقى، فجاء آل عمرو بن حزم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالوا: يا رسول الله: إنه كانت عندنا رقية نرقي بها من العقرب، وإنك نهيت عن الرقى، قال: فعرضوها عليه، فقال صلى الله عليه وسلم: "ما أرى بأساً، من استطاع منكم أن ينفع أخاه، فليفعل".([39]) () رواه مسلم، كتاب السلم، باب استحباب الرقية من العين والحمة والنملة، رقم الحديث (2199).

قال الربيع بن سليمان: " سَأَلْت الشَّافِعِيَّ عَنْ الرُّقْيَةِ فَقَالَ: " لا بأس أن يرقي الرجل بكتاب الله وما يعرف من ذكر الله قلت: أيرقي أهل الكتاب المسلمين؟ فقال: نعم إذا رقوا بما يعرف من كتاب الله أو ذكر الله فقلت: وما الحجة في ذلك؟ قال: غير حجة، فأما رواية صاحبنا وصاحبك فإن مالكا أخبرنا عن يحيى بن سعيد عن عمرة بنت عبد الرحمن أن أبا بكر دخل على عائشة وهي تشتكي ويهودية ترقيها فقال أبو بكر: " ارقيها بكتاب الله"([40]) فقلت للشافعي: فإنا نكره رقية أهل الكتاب فقال: ولم وأنتم تروون هذا عن أبي بكر ولا أعلمكم تروون عن غيره من أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - خلافه وقد أحل الله جل ذكره طعام أهل الكتاب ونساءهم وأحسب الرقية إذا رقوا بكتاب الله مثل هذا أو أخف".([41]) () والحديث أخرجه مالك في الموطأ (3 / 121) وابن أبي شيبة (8 / 50 / 3663) والبيهقي (9 / 349) وإسناد رواته ثقات مع انقطاع يسير، انظر سلسلة الصحيحة (6/ 1167). ()الأم للشافعي (7/ 241).

باب ما جاء في الذبح لغير الله

(قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَٰلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ) (الأنعام: ١٦٢ – ١٦٣)

عن علي رضي الله عنه قال: حدثني رسول الله صلى الله عليه وسلم بأربع كلمات : " لعن الله من ذبح لغير الله، لعن الله من لعن والديه، لعن الله من آوى محدثا، لعن الله من غير منار الأرض" .([42]) () رواه مسلم: كتاب الأضاحي باب تحريم الذبح لغير الله تعالى، ولعن فاعله، رقم الحديث (1978).

قال الامام الشافعي رحمه الله: " أصل النسك أنه لله ".([43]) () مختصر المزني، ص: (285).

وقال: " وَالْعَقْلُ مُضْطَرٌّ إلَى أَنْ يَعْلَمَ أَنَّ كُلَّ مَا تُقُرِّبَ بِهِ إلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ إذَا كَانَ نَفِيسًا كُلَّمَا عَظُمَتْ رَزِيَّتُهُ عَلَى الْمُتَقَرِّبِ بِهِ إلَى اللَّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى كَانَ أَعْظَمَ لِأَجْرِهِ ".([44]) () الأم للشافعي (2/ 245).

قال الإمام الشافعي رحمه الله: " وإن كان لهم ذبح آخر يُسمون عليه غير اسم الله تعالى مثل اسم المسيح، أو يذبحونه بسم دون الله تعالى لم يحلّ هذا من ذبائحهم ". ([45]) () الأم للشافعي ( 2 / 231).

قال: فإن كانت ذبائحهم يسمونها لله تعالى فهي حلال. ([46]) ()المصدر السابق: (2 / 231).

قال: " فإذا زعم زاعم أن المسلم إذا نسي اسم الله تعالى أُكلت ذبيحته، وإن تركه استخفافاً لم تؤكل ذبيحته كان من يدعه على الشرك أولى أن تُترك ذبيحته ". ([47]) () المصدر السابق: (2/ 254).

وقال شيخ الشافعية أبو القاسم الرافعي: "اعلم أن الذبح للمعبود وباسمه نازل بمنزلة السجود له، وكل واحد منهما نوع من أنواع التعظيم والعبادة المخصوصة بالله تعالى الذي هو المستحق بالعبادة".([48]) () العزيز شرح الوجيز للرافعي :( 12 / 84).

وقال الشربيني الشافعي رحمه الله: " ولا يقول الذَّابِحُ وَالصَّائِدُ بِاسْمِ مُحَمَّدٍ، وَلَا (بِسْمِ اللَّهِ، وَاسْمِ مُحَمَّدٍ) وَلَا بِاسْمِ اللَّهِ، وَمُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِالْجَرِّ: أَيْ لَا يَجُوزُ لَهُ ذَلِكَ لِإِيهَامِهِ التَّشْرِيكَ ".([49]) ()مغني المحتاج إلى معرفة معاني ألفاظ المنهاج (6/ 107).

وقال أيضا: " وَقَدْ نَصَّ الشَّافِعِيُّ عَلَى أَنَّهُ لَوْ قَالَ: أَذْبَحُ لِلنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَوْ تَقَرُّبًا لَهُ لَا يَحِلُّ أَكْلُهَا ".([50]) ()المصدر السابق (6/ 107).

وقال النووي: " قال أصحابنا ولا يجوز أن يقول الذابح باسم محمد ولا باسم الله واسم محمد بل من حق الله تعالى أن يجعل الذبح باسمه واليمين باسمه والسجود له لا يشاركه في ذلك مخلوق ".([51]) ()المجموع شرح المهذب (8/ 408).

وقال النووي في قوله: "من ذبح لغير الله": " المراد به أن يذبح باسم غير اسم الله تعالى، كمن يذبح للصنم أو للصليب أو لموسى أو لعيسى صلى الله عليهما وسلم، أو للكعبة ونحو ذلك، وكل هذا حرام، ولا تحل هذه الذبيحة سواء كان الذابح مسلمًا أو نصرانيًا أو يهوديًا نص عليه الشافعي واتفق عليه أصحابنا، فإن قصد مع ذلك تعظيم المذبوح له غير الله والعبادة له، كان ذلك كفرًا، فإن كان الذابح مسلمًا قبل ذلك صار بالذبح مرتدًا ".([52]) ()شرح النووي على مسلم (13/ 141).

باب ما جاء في النذر لغير الله

(يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْمًا كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا) (الإنسان: ٧)

(وَمَا أَنفَقْتُم مِّن نَّفَقَةٍ أَوْ نَذَرْتُم مِّن نَّذْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ ) (البقرة: ٢٧٠)

روى الإمام الشافعي رحمه الله بسنده عن عائشة - رضي الله عنها - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "من نذر أن يطيع الله فليطعه، ومن نذر أن يعصي الله فلا يعصه".([53]) ()رواه في الأم (7/ 72) ومسند الشافعي (2/ 75).

وروى بسنده عن عمران بن الحصين: " لَا وَفَاءَ لِنَذْرٍ فِي مَعْصِيَةِ اللَّهِ وَلَا فِيمَا لَا يَمْلِكُ ابْنُ آدَمَ".([54]) () رواه في الأم (2/ 280) ، والحديث أخرجه البخاري : كتاب الأيمان والنذور، باب من مات وعليه نذر، رقم الحديث (6700 ) .

قال الإمام الشافعي رحمه الله: " هذا عمل فيما بينه وبين الله لا يلزمه إلا بإيجابه على نفسه بعينه".([55]) ()الأم للشافعي (2 / 256).

وقال: "وَإِذَا قَالَ الرجل: عَلَيَّ نَذْرُ حَجٍّ إنْ شَاءَ فُلَانٌ، فَلَيْسَ عَلَيْهِ شَيْءٌ وَلَوْ شَاءَ فُلَانٌ. إنَّمَا النَّذْرُ مَا أُرِيدَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ بِهِ، لَيْسَ عَلَى مَعَانِي الْعُلُوِّ وَلَا مَشِيئَةِ غَيْرِ النَّاذِرِ".([56]) () الأم للشافعي (2/ 283).

(أَيُشْرِكُونَ مَا لَا يَخْلُقُ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ)

باب: قول الله تعالى (الأعراف: ١٩١)

وقوله تعالى: (وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِن قِطْمِيرٍ (13) إِن تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ) (فاطر: ١٣ – ١٤)

عن أنس رضي الله عنه قال: "شج النبي صلى الله عليه وسلم يوم أحد وكسرت رباعيته. فقال: "كيف يفلح قوم شجوا نبيهم؟ "فنزلت: {لَيْسَ لَكَ مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ}.([57]) () رواه البخاري معلقا: كتاب المغازي، باب قول الله تعالى: (ليس لك من الأمر شيء). ورواه مسلم: كتاب الجهاد والسير، باب غزوة أُحد، رقم الحديث(1791).

عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قام رسول الله صلى الله عليه وسلم حين أنزل عليه: {وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ}. فقال: "يا معشر قريش- أو كلمة نحوها- اشتروا أنفسكم، لا أغني عنكم من الله شيئا، يا عباس بن عبد المطلب: لا أغني عنك من الله شيئا، يا صفية عمة رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا أغني عنك من الله شيئا، و يا فاطمة بنت محمد: سليني من مالي ما شئت، لا أغني عنك من الله شيئا".([58]) () رواه البخاري: كتاب التفسير تفسير سورة الشعراء باب قوله تعالى: (وأنذر عشيرتك الأقربين) رقم الحديث (4493). ومسلم: كتاب الإيمان باب قوله تعالى: (وأنذر عشيرتك الأقربين) رقم الحديث (206).

وروى الإمام الشافعي بسنده أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إِنِّي وَاللَّهِ لا يُمْسِكُ النَّاسُ عَلَيَّ بِشَيْءٍ إِلا أَنِّي لا أُحِلُّ إِلا مَا أَحَلَّ اللَّهُ فِي كِتَابِهِ، وَلا أُحَرِّمُ إِلا مَا حَرَّمَ اللَّهُ فِي كِتَابِهِ، يَا فَاطِمَةُ بِنْتَ رَسُولِ اللَّهِ، يَا صَفِيَّةُ عَمَّةُ رَسُولِ اللَّهِ، اعْمَلا لِمَا عِنْدَ اللَّهِ، فَإِنِّي لا أُغْنِي عَنْكُمَا مِنَ اللَّهِ شَيْئًا".([59]) ()رواه في الأم (1/ 100) ومسند الشافعي(1/ 312).

باب في الشفاعة

قال تعالى: (وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لَا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى) (النجم: ٢٦)

قال تعالى: (قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِير) (سبأ: ٢٢)

وعن أبي هريرة رضي الله عنه أنه سأل النبي صلى الله عليه وسلم: "من أسعد الناس بشفاعتك؟ قال: من قال: لا إله إلا الله خالصا من قلبه".([60]) () رواه البخاري: كتاب العلم باب الحرص على الحديث، رقم الحديث (99).

روى الشافعي بسنده عن أبي هريرة، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " أعطيت خمسا لم يعطهن أحد قبلي جعلت لي الأرض مسجدا، وطهورا ونصرت بالرعب وأحلت لي الغنائم وأرسلت إلى الأحمر، والأبيض، وأعطيت الشفاعة".([61]) () السنن المأثورة للشافعي (ص: 242).

قال الشافعي: "فكان خِيرتُهُ المصطفى لوحيه، المنتخبُ لرسالته المفضلُ على جميع خلقه، بفتحِ رحمته، وختمِ نبوته، وأعمِّ ما أرسل به مرسلٌ قبله المرفوعُ ذِكرُهُ مع ذِكرِه في الأولى، والشافعُ المشفَّعُ في الأخرى، أفضلُ خلقه نفساً، وأجمعُهُم لكل خُلُق رَضِيَهُ في دينٍ ودنيا. وخيرُهم نسباً وداراً محمداً عبدَه ورسولَه".([62]) () الرسالة للشافعي (1/ 12).

قَالَ الشَّافِعِيُّ: "وَاسْتَنْبَطْت الْبَارِحَةَ آيَتَيْنِ، فَمَا أَشْتَهِي بِاسْتَنْباطِهِمَا الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا-: قوله (يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مَا مِنْ شَفِيعٍ إِلَّا مِنْ بَعْدِ إذْنِهِ )، وَفِي كِتَابِ اللَّهِ هَذَا كَثِيرٌ، وقوله (مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ، إِلَّا بِإِذْنِهِ) فَتَعَطَّلَ الشُّفَعَاءُ، إلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ".([63]) () أحكام القرآن للشافعي - جمع البيهقي (2/ 181).

فانظر فقه الإمام أنه قيّد شفاعة النبي صلى الله عليه وسلم بالآخرة، ولا تقع إلا بإذن الله لمن يشاء ويرضى.

باب اثبات عذاب القبر

قال تعالى: (فَوَقَاهُ اللَّهُ سَيِّئَاتِ مَا مَكَرُوا وَحَاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذَابِ (45) النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ ) (غافر: ٤٥ – ٤٦)

قال ابن كثير: " وهذه الآية أصل كبير في استدلال أهل السنة على عذاب البرزخ في القبور، وهي قوله: {ﭐ النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا}".([64]) ()تفسير ابن كثير(7/ 146).

عن البراء بن عازب رضي الهه عنه قال أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: " إذا أقعد المؤمن في قبره أتي ثم شهد أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، فذلك قوله:{يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ}، نزلت في عذاب القبر، يُقال له: من ربك؟ فيقول :ربي الله، ونبيي محمد- صلى الله عليه وسلم-".([65]) ()رواه البخاري، كتاب الجناز، باب ما جاء في عذاب القبر رقم الحديث(1369).

وعن عوف بن مالك رضي الله عنه قال: " صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم على جنازة فحفظت من دعائه وهو يقول: (اللهم اغفر له وارحمه وعافه واعف عنه وأكرم نزله ووسع مدخله واغسله بالماء والثلج والبرد ونقه من الخطايا كما ينقي الثوب الأبيض من الدنس وأبدله دارا خيرا من داره وأهلا خيرا من أهله وزوجا خيرا من زوجه وأدخله الجنة وأعذه من عذاب القبر ومن عذاب النار). حتى تمنيت أن أكون أنا الميت لدعاء رسول الله صلى الله عليه وسلم على ذلك الميت".([66]) () رواه مسلم، كتاب الجنائز، باب الدعاء للميت في الصلاة، رقم الحديث (2229).

قال الإمام الشافعي رحمه الله في دعائه للميت: " وأحب أن يقول: اللهم عبدك، وابن عبدك، وابن أمتك كان يشهد أن لا إله إلا أنت، وأن محمدا عبدك، ورسولك وأنت أعلم به اللهم إن كان محسنا فزد في إحسانه، وارفع درجته، وقه عذاب القبر، وكل هول يوم القيامة، وابعثه من الآمنين، وإن كان مسيئا فتجاوز عنه، وبلغه بمغفرتك".([67]) () الأم للشافعي (1/ 309)

باب الحكمة من زيارة القبور

عن بريدة ابن الحصيب رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها ". ([68])، وفي رواية: فإنها تذكركم الآخرة."([69]) () رواه مسلم، كتاب الجنائز، باب استئذان النبي ربه في زيادة قبر أمه، رقم الحديث (977). ()رواه أحمد في مسنده (5 / 361)؛ وأبو داود (2/ 72، 131) والنسائي في السنن (4 / 89) ، وصححه الألباني : سلسلة الصحيحة (2/ 545) .

روى الشافعي بسنده إلى أبي سعيد الخدري أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: " ونهيتكم عن زيارة القبور فزوروها، ولا تقولوا هجرا".([70]) ()رواه في الأم (1/ 317) ، والحديث أخرجه ابو داود (2/ 72، 131) ، وأحمد (3/ 237،250) وصححه الألباني :سلسلة الصحيحة(886) .

والهجر، بالضم: الكلام القبيح. قال الإمام الشافعي رحمه الله: " وذلك مثل الدعاء بالويل والثبور، والنياحة".([71]) () الأم للشافعي (1 / 278 ) .

قال الإمام الشافعي رحمه الله: "إذا زرت تستغفر للميت ويرق قلبك، وتذكر أمر الآخرة فهذا مما لا أكرهه، ولا أحب المبيت في القبور للوحشة على البائت".([72]) ()المصدر السابق (1/ 317).

باب حكم البناء على القبور وتجصيصها

عن جَابِرِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ: " نَهَى رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ تَجْصِيصِ الْقُبُورِ، وَالْكِتَابَةِ عَلَيْهَا، وَالْجُلُوسِ عَلَيْهَا، وَالْبِنَاءِ عَلَيْهَا".([73]) () رواه الطحاوي بهذا اللفظ في شرح معاني الآثار (1/ 515)، ورواه مسلم بمعناه (3/ 62) وأبو داود (2/ 71) والنسائي (1/ 284 - 285، 286) والترمذي (2/ 155) وصححه، وابن أبى شيبة (4/134، 136، 137) والحاكم (1/ 370) والبيهقي (4/ 4) وأحمد (3/ 295).

عن ابن عباس - رضي الله عنهما - في قول الله تعالى: (وَقَالُوا لا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلا تَذَرُنَّ وَدّاً وَلا سُوَاعاً وَلا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْراً ) قال: "هذه أسماء رجال صالحين من قوم نوح، فلما هلكوا أوحى الشيطان إلى قومهم: أن انصبوا إلى مجالسهم التي كانوا يجلسون فيها أنصابا وسموها بأسمائهم، ففعلوا ولم تعبد حتى إذا هلك أولئك ونسي العلم، عبدت".([74]) ()رواه البخاري: كتاب التفسير، تفسير سورة نوح باب: (ولا تذرن ودا ولا سواعا ولا يغوث ويعوق)، رقم الحديث (4636).

وقال غير واحد من السلف: " لما ماتوا عكفوا على قبورهم، ثم صوروا تماثيلهم ثم طال عليهم الأمد فعبدوهم.([75]) () إغاثة اللهفان لابن القيم (1 / 184).

وعَنْ طَاوُسٍ: "إنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَهَى أَنْ تُبْنَى الْقُبُورُ أَوْ تُجَصَّصَ".([76]) () رواه الشافعي في الأم (1/ 316).

وقال الإمام الشافعي رحمه الله: "أكره أن يعظم مخلوق، حتى يجعل قبره مسجدًا مخافة الفتنة عليه، وعلى من بعده من الناس".([77]) () شرح النووي على صحيح مسلم(7/ 38).

وقال رحمه الله: "وأحب أن لا يزاد في القبر تراب من غيره وليس بأن يكون فيه تراب من غيره بأس إذا زيد فيه تراب من غيره ارتفع جدا، وإنما أحب أن يشخص على وجه الأرض شبرا أو نحوه وأحب أن لا يبنى، ولا يجصص فإن ذلك يشبه الزينة والخيلاء، وليس الموت موضع واحد منهما، ولم أر قبور المهاجرين والأنصار مجصصة ".([78]) ()الأم للشافعي (1/ 316).

وقال رحمه الله بعد حديث طاؤس: "وَقَدْ رَأَيْت مِنْ الْوُلَاةِ مَنْ يَهْدِمَ بِمَكَّةَ مَا يُبْنَى فِيهَا فَلَمْ أَرَ الْفُقَهَاءَ يَعِيبُونَ ذَلِكَ ".([79]) () الأم للشافعي (1/ 316).

قال محمد بن الحسن الشيباني رحمه الله: "وَنَكْرَهُ أَنْ يُجَصَّصَ أَوْ يُطَيَّنَ، أَوْ يُجْعَلَ عِنْدَهُ مَسْجِدٌ، أَوْ عَلَمٌ، أَوْ يُكْتَبُ عَلَيْهِ".([80]) ()الآثار لمحمد بن الحسن (2/ 191).

باب: ما جاء في التغليظ في عبادة غير الله بأي وسيلة كانت .

عن عائشة: " أن أم سلمة ذكرت لرسول الله صلى الله عليه وسلم كنيسة رأتها بأرض الحبشة وما فيها من الصور، فقال: "أولئك إذا مات فيهم الرجل الصالح- أو العبد الصالح - بنوا على قبره مسجدا، وصوروا فيه تلك الصور، أولئك شرار الخلق عند الله".([81]) () رواه البخاري: كتاب الصلاة باب هل تنبش قبور مشركي الجاهلية ويتخذ مكانها مساجد ، رقم الحديث (417). ومسلم: كتاب المساجد ومواضع الصلاة باب النهي عن بناء المساجد على القبور واتخاذ الصور فيها والنهي عن اتخاذ القبور مساجد، رقم الحديث (528).

وعنها قالت: " لما نزل برسول الله صلى الله عليه وسلم طفق يطرح خميصة له على وجهه، فإذا اغتم بها كشفها فقال - وهو كذلك -: "لعنة الله على اليهود والنصارى، اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد، يحذر ما صنعوا، ولولا ذلك أبرز قبره، غير أنه خشي أن يتخذ مسجدا".([82]) () رواه البخاري: كتاب الصلاة باب الصلاة في البيعة، رقم الحديث (425). ومسلم: كتاب المساجد ومواضع الصلاة باب النهي عن بناء المساجد على القبور واتخاذ الصور فيها والنهي عن اتخاذ القبور مساجد، رقم الحديث (531).

عن جندب بن عبد الله قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم قبل أن يموت بخمس وهو يقول: "إني أبرأ إلى الله أن يكون لي منكم خليل؛ فإن الله قد اتخذني خليلا، كما اتخذ إبراهيم خليلا. ولو كنت متخذا من أمتي خليلا لاتخذت أبا بكر خليلا، ألا وإن من كان قبلكم كانوا يتخذون قبور أنبيائهم مساجد، ألا فلا تتخذوا القبور مساجد، فإني أنهاكم عن ذلك".([83]) () رواه مسلم: كتاب المساجد ومواضع الصلاة باب النهي عن بناء المساجد على القبور واتخاذ الصور فيها، رقم الحديث (532).

قال الإمام الشافعي رحمه الله: " صنف كفروا بالله، فابتدعوا ما لم يأذن به الله، ونصبوا بأيديهم حجارة وَخُشُبَاً، وَصُوَرَاً استحسنوا، ونبزوا أسماء افتعلوا، ودعوها آلهة عبدوها، فإذا استحسنوا غير ما عبدوا منها، ألقوه ونصبوا بأيديهم غيره، فعبدوه: فأولئك العرب وسلكت طائفة من العجم سبيلهم في هذا، وفي عبادة ما استحسنوا من حوت، ودابة، ونجم، ونار، وغيره، فذكر الله لنبيه جواباً من جواب بعض مَن عبد غيره من هذا الصنف، فحكى جل ثناؤه عنهم قولهم: إنا وجدنا آباءنا على أمة، وإنا على آثارهم مقتدون.

وحكى تبارك وتعالى عنهم: (لا تذرن آلهتكم، ولا تذرن وداً ولا سواعاً، ولا يغوث ويعوق ونسرا، وقد أضلوا كثيرًا) وقال تبارك وتعالى: (واذكر في الكتاب إبراهيم. إنه كان صدّيقاً نبياً إذ قال لأبيه: يا أبت! لم تعبد ما لا يسمع، ولا يبصر، ولا يغني عنك شيئا؟! ) وقال: (واتل عليهم نبأ إبراهيم إذ قال لأبيه وقومه: ما تعبدون؟ قالوا: نعبد أصناما فنظل لها عاكفين. قال: هل يسمعونكم إذ تدعون أو ينفعونكم، أو يضرون؟! ) وقال في جماعتهم، يذكّرهم مِن نِعَمِهِ، ويخبرهم ضلالتهم عامة، ومَنَّه على مَن آمن منهم: (واذكروا نعمة الله عليكم إذ كنتم أعداء فألف بين قلوبكم، فأصبحتم بنعمته إخواناً، وكنتم على شفا حفرة من النار فأنقذكم منها. كذلك يبين الله لكم آياته لعلكم تهتدون)، فكانوا قبل إنقاذه إياهم بمحمد صلى الله عليه وسلم أهلَ كفر في تفرقهم، واجتماعهم. يجمعهم أعظم الأمور: الكفرُ بالله، وابتداع ما لم يأذن به الله. تعالى عما يقولون علواً كبيراً. لا إله غيره، وسبحانه، وبحمده ربُّ كل شيء وخالقهُ". اهـ ([84]) () الرسالة للشافعي (1/ 10).

باب الصلاة عند القبور، وإن لم يبن المسجد

قال تعالى: (وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا) (الجن: ١٨)

عن جندب بن عبد الله قال: "سمعت النبي صلى الله عليه وسلم قبل أن يموت بخمس وهو يقول: "إني أبرأ إلى الله أن يكون لي منكم خليل؛ فإن الله قد اتخذني خليلا، كما اتخذ إبراهيم خليلا. ولو كنت متخذا من أمتي خليلا لاتخذت أبا بكر خليلا، ألا وإن من كان قبلكم كانوا يتخذون قبور أنبيائهم مساجد، ألا فلا تتخذوا القبور مساجد، فإني أنهاكم عن ذلك".([85]) ()رواه مسلم: كتاب المساجد ومواضع الصلاة باب النهي عن بناء المساجد على القبور واتخاذ الصور فيها، رقم الحديث (532).

وروى الإمام الشافعي بسنده إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "الأرض كلها مسجد إلا المقبرة والحمام".([86]) () رواه الشافعي في الأم: (1/ 112)، والحديث أخرجه ابو داود في سننه، كتاب الصلاة، باب المواضع التي لا تجوز فيها الصلاة، رقم الحديث (492)، والترمذي، كتاب الصلاة باب ما جاء أن الأرض كلها مسجد إلا المقبرة والحمام، رقم الحديث (317)؛ وابن ماجه، كتاب المساجد، باب المواضع التي تكره فيها الصلاة، رقم الحديث (745).

قال الإمام الشافعي رحمه الله بعد ايراد هذا الحديث: " وجدت هذا الحديث في كتابي في موضعين: أحدهما منقطع والآخر عن أبي سعيد عن النبي - صلى الله عليه وسلم، وبهذا نقول ومعقول أنه كما جاء في الحديث ولو لم يبينه؛ لأنه ليس لأحد أن يصلي على أرض نجسة؛ لأن المقبرة مختلطة التراب بلحوم الموتى وصديدهم وما يخرج منهم وذلك ميتة".([87]) ()الأم للشافعي (1/ 112).

وقال: " لو صلى رجل إلى جنب ذلك القبر، أو فوقه كرهته له ".([88]) ()المصدر السابق (1/ 112).

باب ما جاء في النهي عن الغلو في قبور الصالحين

عَنْ شَقِيقٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: " إِنَّ مِنْ شِرَارِ النَّاسِ مَنْ تُدْرِكُهُمُ السَّاعَةُ وَهُمْ أَحْيَاءٌ، وَمَنْ يَتَّخِذُ الْقُبُورَ مَسَاجِدَ".([89]) () رواه ابن أبي شيبة في المصنف (3/ 30)، ورواه أحمد من طريق ابن مسعود (1/ 405، 435) وابن حبان في «صحيحه» (15/ 260 - 261/ 6847) والطبراني في «المعجم الكبير» (10/ رقم: 10413) والبزار (4/ 151/ 3420) وابن خزيمة في «صحيحه» (789) وأبو نعيم في «أخبار أصبهان» (1/ 142)، وصححه الألباني: صحيح الجامع الصغير وزيادته (2/ 1028).

روى مالك في الموطأ: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "اللهم لا تجعل قبري وثنا يعبد، اشتد غضب الله على قوم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد".([90]) () رواه مالك في الموطأ، كتاب قصر الصلاة في السفر، باب جامع الصلاة، رقم الحديث (85)، ورواه أحمد في مسنده عن أبي هريرة موصولا عن النبي صلى الله عليه وسلم(2/246)، وصححه الألباني: مشكاة المصابيح (1/ 234).

ولابن جرير بسنده عن سفيان عن منصور عن مجاهد: (أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى) قال: كان يلت لهم السويق، فمات فعكفوا على قبره".([91]) () تفسير الطبري: (22/ 523).

وروى سليمان بن حرب من طريقه إلى أبي صالح قال: " اللات " الذي كان يقوم على آلهتهم وكان يلت لهم السويق " والعزى " نخلة كانوا يعلقون عليها الستور والعهن " ومناة " حجر بقديد ".([92]) () انظر: تفسير الطبري (22/ 524)، ومجموع الفتاوى (27/ 358)،

وكذا قال أبو الجوزاء عن ابن عباس: كان يلت السويق للحاج.([93]) () رواه البخاري: كتاب التفسير، باب: أفرأيتم اللات والعزى. رقم الحديث (4578).

وعن ابن عباس - رضي الله عنهما - قال: "لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم زائرات القبور، والمتخذين عليها المساجد والسرج".([94]) () رواه أبو داود في السنن، كتاب الجنائز، باب في زيارة النساء القبور، رقم الحديث (3236). والترمذي في السنن ،كتاب الصلاة، باب ما جاء في كراهية أن يتخذ على القبر مسجدا. رقم الحديث (320) وقال: (حديث حسن).

قال شيخ الإسلام: " حكى بعضهم عن الشافعي أنه قال: " إني إذا نزلت بي شدة أجيء فأدعو عند قبر أبي حنيفة فأجاب " أو كلاما هذا معناه. وهذا كذلك معلوم كذبه بالاضطرار عند من له معرفة بالنقل، فإن الشافعي لما قدم بغداد لم يكن ببغداد قبر ينتاب للدعاء عنده البتة، بل ولم يكن هذا على عهد الشافعي معروفا، وقد رأى الشافعي بالحجاز واليمن والشام والعراق ومصر من قبور الأنبياء والصحابة والتابعين، من كان أصحابها عنده وعند المسلمين، أفضل من أبي حنيفة، وأمثاله من العلماء. فما باله لم يتوخَّ الدعاء إلا عنده؟ ، ثم أصحاب أبي حنيفة الذين أدركوه، مثل أبي يوسف ومحمد وزفر والحسن بن زياد وطبقتهم، لم يكونوا يتحرون الدعاء، لا عند قبر أبي حنيفة ولا غيره، ثم قد تقدم عند الشافعي ما هو ثابت في كتابه من كراهة تعظيم قبور المخلوقين خشية الفتنة بها، وإنما يضع مثل هذه الحكايات من يقل علمه ودينه."([95]) ()اقتضاء الصراط المستقيم (2/ 206).

باب أن سبب ضلال بني آدم وتركهم دينهم هو الغلو في الصالحين.

قال تعالى: (يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلَا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الحق) (النساء: ١٧١)

عن ابن عباس - رضي الله عنهما - في قول الله تعالى: {وَقَالُوا لا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلا تَذَرُنَّ وَدّاً وَلا سُوَاعاً وَلا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْراً ?}، قال: "هذه أسماء رجال صالحين من قوم نوح، فلما هلكوا أوحى الشيطان إلى قومهم: أن انصبوا إلى مجالسهم التي كانوا يجلسون فيها أنصابا وسموها بأسمائهم، ففعلوا ولم تعبد حتى إذا هلك أولئك ونسي العلم، عبدت".([96]) () رواه البخاري: كتاب التفسير، تفسير سورة نوح باب: ولا تذرن ودا ولا سواعا ولا يغوث ويعوق. رقم الحديث (4636).

وقال ابن القيم: قال غير واحد من السلف: " لما ماتوا عكفوا على قبورهم، ثم صوروا تماثيلهم ثم طال عليهم الأمد فعبدوهم".([97]) ()إغاثة اللهفان (1 / 184).

وعن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم، إنما أنا عبد فقولوا: عبد الله ورسوله".([98]) () رواه البخاري: كتاب الأنبياء باب قول الله تعالى: واذكر في الكتاب مريم إذ انتبذت من أهلها. رقم الحديث (3261).

قال الإمام الشافعي رحمه الله: "وأكره أن يبنى على القبر مسجد، وأن يسوى أو يصلى عليه، وهو غير مسوى أو يصلى إليه، وإن صلى إليه أجزأه، وقد أساء، أخبرنا مالك أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال «قاتل الله اليهود، والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد لا يبقى دينان بأرض العرب» (قال): وأكره هذا للسنة، والآثار، وأنه كره والله تعالى أعلم أن يعظم أحد من المسلمين يعني يتخذ قبره مسجدا، ولم تؤمن في ذلك الفتنة، والضلال على من يأتي بعد فكره والله أعلم لئلا يوطأ فكره، والله أعلم لأن مستودع الموتى من الأرض ليس بأنظف الأرض، وغيره من الأرض أنظف".([99]) ()الأم للشافعي (1/ 317)

باب ما ينتفع به الميت

قال تعالى: (وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى (39) وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَى)|| (النجم: ٤٠)

عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " إذا مات الإنسان انقطع عنه عمله إلا من ثلاثة: إلا من صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له ".([100]) () رواه مسلم :كتاب الوصية، باب: ما يلحق الإنسان من الثواب بعد وفاته ، رقم الحديث : (1631).

وعن أبي الدرداء رضي الله عنه قال قال النبي صلى الله عليه وسلم: "دعوة المرء المسلم لأخيه بظهر الغيب مستجابة، عند رأسه ملك موكل، كلما دعا لأخيه بخير، قال الملك الموكل به: آمين ولك بمثل".([101]) () رواه مسلم كتاب الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار، باب فضل الدعاء للمسلمين بظهر الغيب ، رقم الحديث : (2733) .

وعن سعيد بن جبير عن ابن عباس: "أن امرأة جاءت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت: إن أمي نذرت أن تحج فماتت قبل أن تحج، أفأحج عنها؟ قال: نعم فحجى عنها، أرأيت لو كان على أمك دين أكنت قاضيته؟ قالت: نعم قال: اقضوا الله، فإن الله أحق بالوفاء".([102]) () رواه البخاري كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة ، باب من شبه أصلا معلوما بأصل مبين، قد بين الله حكمهما، ليفهم السائل ، رقم الحديث : (7315 ) .

قال الإمام الشافعي رحمه الله: "يلحق الميت من فعل غيره وعمله ثلاث: حج يؤدى عنه ومال يتصدق به عنه، أو يقضى ودعاء فأما ما سوى ذلك من صلاة، أو صيام فهو لفاعله دون الميت، وإنما قلنا بهذا دون ما سواه استدلالا بالسنة في الحج خاصة والعمرة مثله قياسا".([103]) () الأم للشافعي (4/ 126).

قال النووي: "وفيه أن الدعاء يصل ثوابه إلى الميت وكذلك الصدقة وهما مجمع عليهما وكذلك قضاء الدين كما سبق وأما الحج فيجزي عن الميت عند الشافعي وموافقيه وهذا داخل في قضاء الدين إن كان حجا واجبا وإن كان تطوعا وصى به فهو من باب الوصايا وأما إذا مات وعليه صيام فالصحيح أن الولي يصوم عنه وسبقت المسألة في كتاب الصيام وأما قراءة القرآن وجعل ثوابها للميت والصلاة عنه ونحوهما فمذهب الشافعي والجمهور أنها لا تلحق الميت".([104]) ()شرح النووي على مسلم (11/ 85)

وقال رحمه الله: " وأما الدعاء فإن الله عز وجل ندب العباد إليه وأمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - به، فإذا جاز أن يدعى للأخ حيا جاز أن يدعى له ميتا ولحقه إن شاء الله تعالى بركة ذلك مع أن الله عز ذكره واسع لأن يوفي الحي أجره ويدخل على الميت منفعته، وكذلك كلما تطوع رجل عن رجل صدقة تطوع".([105]) () الأم للشافعي (4/ 126).

قال ابن كثير في تفسير قوله تعالى: (وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى) [النجم: ٣٩]. " ومن هذه الآية الكريمة استنبط الشافعي رحمه الله، ومن اتبعه أن القراءة لا يصل إهداء ثوابها إلى الموتى؛ لأنه ليس من عملهم ولا كسبهم؛ ولهذا لم يندب إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم أمته ولا حثهم عليه، ولا أرشدهم إليه بنص ولا إيماء، ولم ينقل ذلك عن أحد من الصحابة، رضي الله عنهم، ولو كان خيرا لسبقونا إليه، وباب القربات يقتصر فيه على النصوص، ولا يتصرف فيه بأنواع الأقيسة والآراء".([106]) () تفسير ابن كثير (7/ 465).

باب ما جاء في النياحة على الميت

عن أبي هريرة: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "اثنتان في الناس هما بهم كفر: الطعن في النسب، والنياحة على الميت".([107]) () رواه مسلم: كتاب الإيمان ، باب إطلاق اسم الكفر على الطعن في السن والنياحة، رقم الحديث (67).

وعن ابن مسعود مرفوعا: "ليس منا من ضرب الخدود، وشق الجيوب، ودعا بدعوى الجاهلية".([108]) ()رواه البخاري كتاب الجنائز، بَابُ مَا يُنْهَى مِنَ الوَيْلِ وَدَعْوَى الجَاهِلِيَّةِ عِنْدَ المُصِيبَةِ، رقم الحديث : (12322)، ومسلم: كتاب الإيمان، بَابُ تَحْرِيمِ ضَرْبِ الْخُدُودِ وَشَقِّ الْجُيُوبِ وَالدُّعَاءِ بِدَعْوَى الْجَاهِلِيَّةِ، رقم الحديث:(103).

عَنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قال قال النبي صلى الله عليه وسلم: " مَنْ نِيحَ عَلَيْهِ يُعَذَّبْ بِمَا نِيحَ عَلَيْهِ ".([109]) () رواه البخاري ،كتاب الجنائز، باب ما يكره من النياحة على الميت، ومسلم :كتاب الجنائز، باب الميت يعذب ببكاء أهله عليه.

قال الإمام الشافعي رحمه الله: "وأكره المآتم، وهو اجتماع الرجال والنساء؛ لما فيه من تجديد الحزن ".([110]) () الحوادث والبدع ،(ص: 175)

وقَالَ: " وَأُحِبُّ تَعْزِيَةَ أَهْلِ الْمَيِّتِ رَجَاءَ الْأَجْرِ بِتَعْزِيَتِهِمْ وَأَنْ يُخَصَّ بِهَا خِيَارُهُمْ وَضُعَفَاؤُهُمْ عَنْ احْتِمَالِ مُصِيبَتِهِمْ وَيُعَزَّى الْمُسْلِمُ بِمَوْتِ أَبِيهِ النَّصْرَانِيِّ فَيَقُولُ: " أَعْظَمَ اللَّهُ أَجْرَك وَأَخْلَفَ عَلَيْك " وَيَقُولُ فِي تَعْزِيَةِ النَّصْرَانِيِّ لِقَرَابَتِهِ " أَخْلَفَ اللَّهُ عَلَيْك وَلَا نَقَصَ عَدَدَك، وَأُحِبُّ لِقَرَابَةِ الْمَيِّتِ وَجِيرَانِهِ أَنْ يَعْمَلُوا لِأَهْلِ الْمَيِّتِ فِي يَوْمِهِمْ وَلَيْلَتِهِمْ طَعَامًا يَسَعُهُمْ فَإِنَّهُ سُنَّةٌ وَفِعْلُ أَهْلِ الْخَيْرِ".([111]) () مختصر المزني (8/ 134).

وقال: وَأُرَخِّصُ فِي الْبُكَاءِ بِلَا نَدْبٍ وَلَا نِيَاحَةٍ لِمَا فِي النَّوْحِ مِنْ تَجْدِيدِ الْحُزْنِ وَمَنْعِ الصَّبْرِ وَعَظِيمِ الْإِثْمِ وَرُوِيَ عَنْ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَنَّهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: " إنَّ الْمَيِّتَ لَيُعَذَّبُ بِبُكَاءِ أَهْلِهِ عَلَيْهِ".([112]) () الأم للشافعي (1/ 318).

باب من تبرك بشجرة أو حجر ونحوهما

عن أبي واقد الليثي قال: "خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى حنين ونحن حدثاء عهد بكفر، وللمشركين سدرة يعكفون عندها، وينوطون بها أسلحتهم، يقال لها: ذات أنواط، فمررنا بسدرة، فقلنا: يا رسول الله اجعل لنا ذات أنواط كما لهم ذات أنواط. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: الله أكبر إنها السنن، قلتم والذي نفسي بيده كما قالت بنو إسرائيل لموسى: (اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلهة* قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ) [الأعراف: ١٣٨]. لتركبن سنن من كان قبلكم".([113]) () رواه الترمذي في السنن كتاب: أبواب الفتن، بَابُ مَا جَاءَ لَتَرْكَبُنَّ سُنَنَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ(4/ 476) رقم الحديث: (2180)والنسائي في السنن (10/ 100)، وابن أبي عاصم في السنة (1/ 37) وصححه الألباني انظر: مشكاة المصابيح(3/ 1489).

وذكر البيهقي أن الشافعي بلغه أن بأندلس كُمَّةً لمالك - يعني قلنسوة - يُستسقى بها فقال: " كرهت أن أفعل ذلك."([114]) () انظر: مناقب الشافعي للبيهقي (1/ 508).

قال النووي رحمه الله: "لا يجوز أن يطاف بقبره صلى الله عليه وسلم ويكره إلصاق الظهر والبطن بجدار القبر قاله أبو عبيد الله الحليمي وغيره قالوا ويكره مسحه باليد وتقبيله بل الأدب أن يبعد منه كما يبعد منه لو حضره في حياته صلى الله عليه وسلم هذا هو الصواب الذي قاله العلماء وأطبقوا عليه ولا يغتر بمخالفة كثيرين من العوام وفعلهم ذلك، فإن الاقتداء والعمل إنما يكون بالأحاديث الصحيحة وأقوال العلماء ولا يلتفت إلى محدثات العوام وغيرهم وجهالاتهم، وقد ثبت في الصحيحين عن عائشة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (من أحدث في ديننا ما ليس منه فهو رد) ".([115]) ()المجموع شرح المهذب (8/ 275).

باب ما جاء في السحر

قال تعالى: (وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خلاق وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أنفسهم لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ) (البقرة: ١٠٢)

قال تعالى: (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هَؤُلَاءِ أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلًا) (النساء: ٥١)

قال عمر: الجبت: السحر، والطاغوت: الشيطان. وقال جابر: "الطواغيت كهان كان ينزل عليهم الشيطان، في كل حي واحد".([116]) ()رواه البخاري: كتاب التفسير، باب وإن كنتم مرضى أو على سفر أو جاء أحد منكم من الغائط، معلقا. قال ابن حجر: (وصله عبد بن حميد في تفسيره، ومسدد... وإسناده قوي). انظر: (فتح الباري 8 / 252).

وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "اجتنبوا السبع الموبقات". قالوا: يا رسول الله وما هن؟ قال: "الشرك بالله، والسحر، وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم، والتولي يوم الزحف، وقذف المحصنات الغافلات المؤمنات".([117]) () رواه البخاري: كتاب الوصايا باب قول الله تعالى: (إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما إنما يأكلون في بطونهم نارا وسيصلون سعيرا)رقم الحديث (2615). ومسلم: كتاب الإيمان باب بيان الكبائر وأكبرها. رقم الحديث (89).

قال الإمام الشافعي رحمه الله: " أخبرنا سفيان عن عمرو بن دينار أنه سمع بجالة يقول كتب عمر: " أن اقتلوا كل ساحر وساحرة، فقتلنا ثلاث سواحر".([118]) ()الأم للشافعي (1/ 293)، مسند الشافعي (ص: 383)

قال الإمام الشافعي رحمه الله: " وأخبرنا أن حفصة زوج النبي - صلى الله عليه وسلم - قتلت جارية لها سحرتها ".([119]) ()الأم للشافعي (1/ 293).

قال الإمام الشافعي رحمه الله: "والسحر اسم جامع لمعان مختلفة فيقال للساحر صف السحر الذي تسحر به فإن كان ما يسحر به كلام كفر صريح استتيب منه فإن تاب، وإلا قتل، وأخذ ماله فيئا، وإن كان ما يسحر به كلاما لا يكون كفرا وكان غير معروف، ولم يضر به أحدا نهي عنه فإن عاد عزر".([120]) () المصدر السابق (1/ 293).

باب ما جاء في التطير

قال تعالى: (فَإِذَا جَاءَتْهُمُ الْحَسَنَةُ قَالُوا لَنَا هذه وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُوا بِمُوسَى وَمَنْ معه أَلَا إِنَّمَا طَائِرُهُمْ عِنْدَ اللَّهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ} (الأعراف: ١٣١)

عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "لا عدوى، ولا طيرة، ولا هامة، ولا صفر".([121]) () رواه البخاري: كتاب الطب، باب لا هامة ولا صفر، رقم الحديث (5425). ومسلم: كتاب السلام باب لا عدوى ولا طيرة ولا هامة ولا صفر، رقم الحديث (2220).

وعن عبد الله ابن عمرو: "من ردته الطيرة عن حاجته فقد أشرك، قالوا: فما كفارة ذلك؟ قال: أن يقول: اللهم لا خير إلا خيرك، ولا طير إلا طيرك، ولا إله غيرك".([122]) () رواه أحمد (11/ 624) وابن وهب في "جامعه"( 1/110)، والبزار (3046)، وصححه الهيثمي في المجمع (5/105)، والألباني في صَحِيح الْجَامِع: (6264)، والسلسلة الصَّحِيحَة: (1065).

قال الإمام الشافعي رحمه الله: "وَكَانَتِ الْعَرَبُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ إِذَا لَمْ يَرَ طَائِرًا سَانِحًا، فَرَأَى طَائِرًا فِي وَكْرِهِ حَرَّكَهُ مِنْ وَكْرِهِ لِيَطِيرَ، فَيَنْظُرُ أَيَسْلُكُ طَرِيقَ الأَشَائِمِ؟ أَوْ طَرِيقَ الأَيَامِنِ؟ ، فَيُشْبِهُ قول النبي صلى الله عليه وسلم: " أقروا الطير على مكناتها"( أي لا تحركوها فإن تحريكها وما تعلمون به من الطيرة لا يصنع شيئا وإنما يصنع فيما تتوجهون له قضاء الله عز وجل) وقد سئل النبي صلى الله عليه وسلم عن الطيرة فقال: «إنما ذلك شيء يجده أحدكم في نفسه فلا يصدنكم".([123]) () آداب الشافعي ومناقبه (ص: 114)، السنن المأثورة للشافعي (ص: 342).

قال: " إن علم العرب كان في زجر الطير والبوارح والخط والاعتياف، كان أحدهم إذا غدا من منزله يريد أمرا نظر أول طائر يراه فإن سنح عن يساره واجتاز عن يمينه قال: هذه طير الأيامن فمضى في حاجته ورأى أنه سيستنجحها وإن سنح عن يمينه فمر عن يساره قال: هذه طير الأشائم فرجع وقال: هذه حاجة مشؤومة".([124]) () آداب الشافعي ومناقبه (ص: 113).

باب ما جاء في الكهانة والتنجيم

روى مسلم في صحيحه عن بعض أزواج النبي صلى الله عليه وسلم عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من أتى عرافا فسأله عن شيء فصدقه، لم تقبل له صلاة أربعين يوما".([125]) ()رواه مسلم: كتاب السلام باب تحريم الكهانة وإتيان الكهَّان، رقم الحديث : (2230). وعند أحمد زيادة لفظة: "فصدقه". انظر:(4 / 68).

قال البخاري في صحيحه: قال قتادة: "خلق الله هذه النجوم لثلاث: زينة للسماء، ورجوما للشياطين، وعلامات يهتدى بها. فمن تأول فيها غير ذلك أخطأ وأضاع نصيبه، وتكلف ما لا علم له به".([126]) () رواه البخاري معلقا. كتاب بدء الخلق، باب في النجوم (3/1168 - 1169).

وقال ابن عباس - في قوم يكتبون أبا جاد وينظرون في النجوم-: "ما أرى من فعل ذلك له عند الله من خلاق".([127]) ()رواه عبد الرزاق في المصنف(11 / 26) رقم الحديث (19805).

وذكر الرازي والبيهقي أن الإمام الشافعي أمر بدفن الكتب التي كانت عنده في النجوم، وجعل على نفسه أن لا ينظر فيه أبداً، وقال البيهقي: "فأحرق الشافعي بعد ذلك الكتب، وما عَاوَدَ النظر في شيء منها ".([128]) ()مناقب الشافعي للبيهقي (2/ 126).

وقال الإمام الشافعي رحمه الله: " وَلا تَشْتَغِلْ بِالْكَلامِ، فَإِنِّي قَدِ اطَّلَعْتُ مِنْ أَهْلِ الْكَلامِ عَلَى التَّعْطِيلِ، وَلَا تَشْتَغِلْ بِالنُّجُومِ، فَإِنَّهُ يَجُرُّ إِلَى التَّعْطِيلِ".([129]) () ذم الكلام وأهله لأبي إسماعيل الهروي، ص: (251)، وجَمْعُ الْجُيُوشِ وَالدَّسَاكِرِ عَلَى ابْنِ عَسَاكِرَ، ص: (60).

باب قول ما شاء الله ثم شئت

عن ابن عباس رضي الله عنهما: "أن رجلا قال للنبي صلى الله عليه وسلم: ما شاء الله وشئت. فقال: أجعلتني لله ندا؟ بل ما شاء الله وحده ".([130]) ()رواه ابن أبي شيبة( 10/346)، والبخاري في "الأدب المفرد" (783)، وابن ماجه (2117)، والنسائي في "عمل اليوم والليلة" (988)، وابن أبي الدنيا في "الصمت" (345)، والطحاوي في "شرح مشكل الآثار" (235).

روي الإمام الشافعي بسنده عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "لا تقولوا: ما شاء الله وشاء فلان، ولكن قولوا: ما شاء الله ثم شاء فلان"([131]). ()رواه أبو داود في السنن، كتاب الأدب، بَابُ لَا يُقَالُ خَبُثَتْ نَفْسِي (4/ 295)، وأحمد في مسنده (38/ 300) وابن أبي شيبة (5/ 340)، وصححه الألباني سلسلة الصحيحة (1/ 263).

روي الإمام الشافعي بسنده عَنْ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ قَالَ: " خَطَبَ رَجُلٌ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ وَمَنْ يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ رَشَدَ وَمَنْ يَعْصِهِمَا فَقَدْ غَوَى فَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - اُسْكُتْ فَبِئْسَ الْخَطِيبُ أَنْتَ، ثُمَّ قَالَ: النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَنْ يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ رَشَدَ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ غَوَى، وَلَا تَقُلْ وَمَنْ يَعْصِهِمَا".([132]) ()الأم للشافعي (1/ 232) .

قَال الإمام الشَّافِعِيُّ بعد الحديث: " وَابْتِدَاءُ الْمَشِيئَةِ مُخَالَفَةٌ لِلْمَعْصِيَةِ؛ لِأَنَّ طَاعَةَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَمَعْصِيَتَهُ تَبَعٌ لِطَاعَةِ اللَّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى وَمَعْصِيَتِهِ؛ لِأَنَّ الطَّاعَةَ وَالْمَعْصِيَةَ مَنْصُوصَتَانِ بِفَرْضِ الطَّاعَةِ مِنْ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ فَأَمَرَ بِهَا رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَجَازَ أَنْ يُقَالَ فِيهِ مَنْ يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لِمَا وَصَفْت، وَالْمَشِيئَةُ إرَادَةُ اللَّهِ تعالى".([133]) () الأم للشافعي (1/ 232).

وقال: " لِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَبْدٌ مِنْ عِبَادِهِ قَامَ فِي خَلْقِ اللَّهِ بِطَاعَةِ اللَّهِ وَفَرَضَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى عَلَى عِبَادِهِ طَاعَتَهُ لِمَا وَفَّقَهُ اللَّهُ تَعَالَى مِنْ رُشْدِهِ وَمَنْ قَالَ: " وَمَنْ يَعْصِهِمَا " كَرِهْت ذَلِكَ الْقَوْلَ لَهُ حَتَّى يُفْرِدَ اسْمَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، ثُمَّ يَذْكُرَ بَعْدَهُ اسْمَ رَسُولِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَا يَذْكُرُهُ إلَّا مُنْفَرِدًا."([134]) () الأم للشافعي (1/ 232).

وقال الشافعي رحمه الله: " قال الله عز وجل : (وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ) [التكوير: 29] فأعلم خلقه أن المشيئة له دون خلقه وأن مشيئتهم لا تكون إلا أن يشاء الله عز وجل فيقال لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - ما شاء الله، ثم شئت، ويقال من يطع الله ورسوله على ما وصفت من أن الله تبارك وتعالى تعبد الخلق بأن فرض طاعة رسول الله، فإذا أطيع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقد أطيع الله بطاعة رسوله".([135]) () المصدر السابق (1/ 232).

باب قوله تعالى: (وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ الله)

قال تعالى: (قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بأمره وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ} (التوبة: ٢٤)

عن أنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من ولده ووالده والناس أجمعين". ([136]) () رواه البخاري: كتاب الإيمان، باب حب الرسول من الإيمان. رقم الحديث (15). ومسلم: كتاب الإيمان، باب وجوب محبة رسول الله أكثر من الأهل والولد والوالد والناس أجمعين. رقم الحديث (44).

وعنه رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ثلاث من كن فيه وجد بهن حلاوة الإيمان: أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله، وأن يكره أن يعود في الكفر بعد إذ أنقذه الله منه، كما يكره أن يقذف في النار".([137]) () رواه البخاري: كتاب الإيمان، باب حلاوة الإيمان، رقم الحديث (16). ومسلم: كتاب الإيمان، باب بيان خصال من اتصف بهن وجد حلاوة الإيمان، رقم الحديث (43).

وفي رواية: "لا يجد أحد حلاوة الإيمان حتى يحب المرء لا يحبه إلا لله".([138]) () رواه البخاري: كتاب الأدب باب الحب في الله. رقم الحديث (5694).

وروى الإمام الشافعي رحمه الله بسنده عن عباس بن عبد المطلب، أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول: " ذاق طعم الإيمان من رضي بالله ربا، وبالإسلام دينا، وبمحمد رسولا ".([139]) ()الإبانة الكبرى لابن بطة (2/ 667).

وَقال الرَّبِيعِ عَنِ الشَّافِعِيِّ قَالَ: اتَّفَقَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى أَنَّ حُبَّ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَرْضٌ بَلْ لَا يَتِمُّ الْإِيمَانُ وَالْإِسْلَامُ إِلَّا بِكَوْنِهِ أَحَبَّ إِلَى الْعَبْدِ مِنْ نَفْسِهِ، فَضْلًا عَنْ غَيْرِهِ، وَاتَّفَقُوا أَنَّ حُبَّهُ لَا يَتَحَقَّقُ إِلَّا بِاتِّبَاعِ آثَارِهِ وَالتَّسْلِيمِ لِمَا جَاءَ بِهِ وَالْعَمَلِ عَلَى سُنَّتِهِ وَتَرْكِ مَا خَالَفَ قَوْلَهُ لِقَوْلِهِ، وَهَاتَانِ مُقَدِّمَتَانِ بُرْهَانِيَّتَانِ لَا يَحْتَاجَانِ إِلَى تَقْرِيرٍ".([140]) () مناقب الشافعي للبيهقي (1/ 473).

قال الامام الشافعي: " النَّاسُ كُلُّهُمْ عِبَادُ اللَّهِ تَعَالَى لَا يَخْرُجُ أَحَدٌ مِنْهُمْ مِنْ عُبُودِيَّتِهِ وَأَحَقُّهُمْ بِالْمَحَبَّةِ أَطْوَعُهُمْ لَهُ وَأَحَقُّهُمْ مِنْ أَهْلِ طَاعَتِهِ بِالْفَضِيلَةِ أَنْفَعُهُمْ لِجَمَاعَةِ الْمُسْلِمِينَ مِنْ إمَامٍ عَدْلٍ أَوْ عَالِمٍ مُجْتَهِدٍ أَوْ مُعِينٍ لِعَامَّتِهِمْ وَخَاصَّتِهِمْ وَذَلِكَ أَنَّ طَاعَةَ هَؤُلَاءِ طَاعَةٌ عَامَّةٌ كَثِيرَةٌ فَكَثِيرُ الطَّاعَةِ خَيْرٌ مِنْ قَلِيلِهَا وَقَدْ جَمَعَ اللَّهُ تَعَالَى النَّاسَ بِالْإِسْلَامِ وَنَسَبَهُمْ إلَيْهِ فَهُوَ أَشْرَفُ أَنْسَابِهِمْ، وقَالَ: فَإِنْ أَحَبَّ امْرُؤٌ فَلْيُحِبَّ عَلَيْهِ."([141]) () الأم للشافعي (6/ 223).

باب قوله تعالى: (وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ)

قال تعالى: (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ) (الأنفال: ٢)

وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: (حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ) قالها إبراهيم - عليه السلام - حين ألقي في النار، وقالها محمد صلى الله عليه وسلم حين قالوا له: (إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ)} .([142]) () رواه البخاري: كتاب التفسير، باب قوله: "الذين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم". رقم الحديث (4287).

قال الشافعي: "أَنَّ النَّاسَ فِي أَحْوَالٍ شَتَّى: مُتَوَكِّلٌ عَلَى نَفْسِهِ أَوْ عَلَى مَالِهِ أَوْ عَلَى زَرْعِهِ أَوْ عَلَى سُلْطَانٍ أَوْ: عَلَى عَطِيَّةِ النَّاسِ، وَكُلُّ مُسْتَنِدٍ إلَى حَيٍّ يَمُوتُ أَوْ عَلَى شَيْءٍ يَفْنَى: يُوشِكُ أَنْ يَنْقَطِعَ بِهِ، فَنَزَّهَ اللَّهُ نَبِيَّهُ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) وَأَمَرَهُ أَنْ يَتَوَكَّلَ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ".([143]) ()أحكام القرآن للشافعي- جمع البيهقي-(2/ 180) تفسير الإمام الشافعي (3/ 1159).

باب قول الله تعالى: (إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ) (آل عمران: ١٧٥)

عن عائشة - رضي الله عنها - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "من التمس رضا الله بسخط الناس رضي الله عنه وأرضى عنه الناس، ومن التمس رضا الناس بسخط الله سخط الله عليه، وأسخط عليه الناس".([144]) () رواه أبوداود في الزهد (ص: 277) وأحمد في الزهد (ص: 135) وابن حبان في صحيحه (1/ 511)، وصححه الألباني انظر :صحيح الجامع (6097) .

قال الإمام الشافعي رحمه الله في وصيته: " وأن لا يخال أحدا إلا أحدا خاله لله فمن يفعل الخلة في الله - تبارك وتعالى - يرجى منه إفادة علم في دين وحسن أدب في الدنيا".([145]) () الأم للشافعي (4/ 128)، مناقب الشافعي للبيهقي (2/ 289).

قال تلميذه يونس بن عبد الأعلى: قال لي الشافعي: " يا أبا موسى، لو جهدت كل الجهد على أن ترضى الناس كلهم فلا سبيل إليه، فإذا كان كذلك فأخلص عملك ونيتك لله عز وجل".([146]) () مناقب الشافعي للبيهقي (2/ 173).

وقال الربيع: سمعت الشافعي يقول: " لا يعرف الرياء إلا مخلص ".([147]) () المصدر السابق (2/ 173).

باب قوله تعالى: (فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّىٰ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا) (النساء: ٦٥)

عن مالك بن أنس رحمه الله مرسلا ً، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "تركتُ فيكم أمرين لن تضلوا ما تمسكتم بهما: كتاب الله، وسنة رسوله".([148]) () رواه مالك في الموطأ كتاب القدر باب النهي عن القول بالقدر (2/ 899)، وصححه الألباني: سلسلة الصحيحة (4/ 361).

قَالَ عبد الله بن زبير الْحُمَيْدِيَّ: " كُنَّا عِنْدَ الشَّافِعِيِّ فَأَتَاهُ رَجُلٌ فَسَأَلَهُ عَنْ مَسْأَلَةٍ فَقَالَ: قَضَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَذَا وَكَذَا، فَقَالَ الرَّجُلُ لِلشَّافِعِيِّ: مَا تَقُولُ أَنْتَ؟ فَقَالَ: سُبْحَانَ اللَّهِ تَرَانِي فِي كَنِيسَةٍ، تَرَانِي فِي بَيْعَةٍ، تَرَى عَلَى وَسَطِي زُنَّارًا، أَقُولُ قَضَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَذَا وَكَذَا، وَأَنْتَ تَقُولُ لِي مَا تَقُولُ أَنْتَ؟ ".([149]) () رواه أبو نعيم في الحلية( 9/ 106 )، والبيهقي في المناقب( 1/ 474).

وَقَالَ الرَّبِيعُ عَنِ الشَّافِعِيِّ: " مَتَى رَوَيْتُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَدِيثًا صَحِيحًا فَلَمْ آخُذْ بِهِ فَأُشْهِدُكُمْ أَنَّ عَقْلِي قَدْ ذَهَبَ".([150]) () رواه أبو نعيم في الحلية( 9 / 106)، وابن ابي حاتم في آداب الشافعي ومناقبه (ص: 50) والبيهقي في مناقب الشافعي (1/ 474).

قال الربيع بن سليمان: " سمعت الشافعي يقول: " كل مسألة تكلمت فيها صح الخبر فيها عن النبي، صلى الله عليه وسلم، عند أهل النقل بخلاف ما قلت - فأنا راجع عنها في حياتي وبعد موتي ".([151]) () انظر : الأم للشافعي( 7/ 184) وتوالي التأسيس ص :(93).

قال الحميدي: سأل رجل الشافعي بمصر عن مسألة فأفتاه وقال: قال النبي صلى الله عليه وسلم كذا. فقال الرجل: أتقول بهذا؟. ، قال: أرأيت في وسطي زِنَّاراً؟ أتراني خرجت من الكنيسة؟ أقول: قال النبي صلى الله عليه وسلم، وتقول لي: أتقول بهذا؟ أروي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا أقول به؟ ".([152]) () حلية الأولياء (9/ 106) وتوالي التأسيس. ص:63 ومفتاح الجنة. ص: (54).

باب الوصية بالحق والصبر

قال تعالى: (وَالْعَصْرِ (1) إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ (2) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ) (العصر: ١ – ٣)

قال الإمام الشافعي رحمه الله: "لو ما أنزل الله حجة على خلقه إلا هذه السورة لكفتهم".([153]) ()تفسير الإمام الشافعي (3/ 1461).

قال: "وأحق الناس بالصبر للحق أهل السنة من أهل دين الله تعالى".([154]) () الأم للشافعي: (4 / 221).

وقال يونس الصدفي: " ما رأيت أعقل من الشافعي، ناظرته يومًا في مسألة ثم افترقنا ولقيني فأخذ بيدي ثم قال: يا أبا موسى ألا يستقيم أن نكون إخوانا وإن لم نتفق في مسألة ".([155]) ()مسند الشافعي (1/ 16).

قال الذهبي: " هذا يدل على كمال عقل هذا الإِمام وفقه نفسه، فما زال النظراء يختلفون ".([156]) () مسند الشافعي (1/ 16).

باب أن الإيمان يزيد بالطاعة وأنه قول وعمل

قال تعالى: (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ) (الأنفال: ٢)

عن أبي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "الإيمان بضع وسبعون أو بضع وستون شعبة فأفضلها قول لا إله إلا الله وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من الإيمان".([157]) () رواه مسلم، كتاب الإيمان، باب شعبة الإيمان، صحيح مسلم، رقم الحديث(58).

عن أنس بن مالك رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "يخرج من النار من قال لا إله إلا الله وفي قلبه وزن شعيرة من خير، ويخرج من النار من قال لا إله إلا الله وفي قلبه وزن برة من خير وبخرج من النار من قال لا إله إلا الله وفي قلبه وزن ذرة من خير".([158]) () رواه البخاري، كتاب الإيمان، باب زيادة الإيمان ونقصانه، رقم الحديث: (44) ومسلم: كتاب الإيمان، باب أدنى أهل الجنة منزلة فيها، رقم الحديث: (193).

قيل لسفيان بن عيينة هل الإيمان يزيد وينقص؟ ، قال: أليس تقرأون: {فزادهم إيماناً}، {وزدناهم هدى} في غير موضع، قيل: فينقص؟ قال:" ليس شيء يزيد إلا وهو ينقص".([159]) () رواه الآجري في الشريعة (ص 117)، وابن بطة في الإبانة (برقم: 1142) والخلال السنة (برقم: 1042).

قال الإمام الشافعي رحمه الله: "ولو كان هذا الإيمان كله واحداً لا نقصان فيه ولا زيادة - لم يكن لأحد فيه فضل، واستوى الناس، وبطل التفضيل. ولكن بتمام الإيمان دَخل المؤمنون الجنة، وبالزيادة في الإيمان تفاضل المؤمنون بالدرجات عند الله في الجنة، وبالنقصان من الإيمان دخل المُفَرِّطون النار".([160]) () مناقب الشافعي للبيهقي (1/ 393)، آداب الشافعي ومناقبه لابن أبي حاتم (ص: 147).

وجاء رجلان عند الشافعي وتناظرا في مسألة الإيمان، فذهب أحدهما إلى القول بعدم زيادة الإيمان ونقصانه، فحكمَ الشافعي رحمه الله: أن الإيمان قول وعمل يزيد وينقص.([161]) () انظر القصة في آداب الشافعي لابن أبي حاتم (ص 192)، والحلية لأبي نعيم (10/115)، وشرح الاعتقاد لللالكائي (5/962)، ومناقب الشافعي للبيهقي (1/ 387).

ومن أبياته رحمه الله:

شهدت بأن الله لا شيء يره*** وأشهد أن البعث حق وأُخلِصُ

وأن عرى الإيمان قول مبين *** وفعل زكي قد يزيد وينقص

وأن أبا بكر خليفة ربه*** وكان أبو حفص على الخير يحرص

وأُشهد ربي أن عثمان اضل*** وأن عليا فضله متخصص

أئمة حق يهتدى بهداهم*** لحا الله من إياهم يتنقص

فما لعتاه يشهدون سفاهة*** وما لسفيه لا يحيص ويخرص.([162]) () انظر: شرح أصول اعتقاد أهل السنة للإمام اللالكائي( 7/1391) ومناقب الشافعي للرازي ( 48 – 49) وتاريخ دمشق (10/ 190) ومناقب الشافعي للبيهقي (1/440، 441).

باب الإيمان بالقدر خيره وشره

عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: "الإيمان أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، وتؤمن بالقدر خيره وشره".([163]) () رواه مسلم: كتاب الإيمان، باب بيان الإيمان والإسلام والإحسان ووجوب الإيمان بإثبات قدر الله. رقم الحديث (8).

وعن عبادة بن الصامت: أنه قال لابنه: يا بني، إنك لن تجد طعم الإيمان حتى تعلم أن ما أصابك لم يكن ليخطئك، وما أخطأك لم يكن ليصيبك، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "إن أول ما خلق الله القلم، فقال له: اكتب، فقال: رب وماذا أكتب؟ قال: اكتب مقادير كل شيء حتى تقوم الساعة" يا بني، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "من مات على غير هذا فليس مني".([164]) () رواه أبو داود في السنن، كتاب السنة، باب في القدر. رقم الحديث (4700). وانظر :السنة لابن أبي عاصم (1 /48-49).

سئل الشافعي رحمه الله عن القدر فقال:

وما شئتَ كان وإن لم أشأ*** وما شئتُ إن لم تشأْ لم يكن

خلقتَ العباد على ما علمتَ*** ففي العلم يَمْضي الفتى واـلمُسِن

على ذا مَنَنْتَ وهذا خذلْتَ*** وهذا أعنتَ وذا لم تُعن

فمنهم شقيٌّ ومنهم سعيدٌ*** ومنهم قَبيحٌ ومنهم حَسَن.([165]) () تاريخ دمشق (10/ 191)، وطبقات الشافعية (1/ 295)، وتوالي التأسيس: ص:75، وانظر: مناقب الشافعي للبيهقي (2/ 109).

بابٌ في الأسماء والصفات

(وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بها وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أسمائه سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) (الأعراف: ١٨٠).

(قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرحمن أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الحسنى وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا) (الإسراء: ١١٠).

عَن ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله -صلى الله عليه وسلم-: "مَا قَالَ عَبْدٌ قَطُّ- إذَا أَصابَهُ هَمَّ أوْ حَزَنٌ-: اللَّهُمَّ إِنِّي عَبْدُكَ، ابْنُ عَبْدِكَ، ابْنُ أَمَتِكَ، نَاصيَتِي بِيَدِكَ، مَاضٍ فِيَّ حُكْمُكَ، عَدْلٌ فِيَّ قَضَاؤُكَ. أَسْألكَ بِكُلِّ اسْم هُوَ لَكَ سَمَّيْتَ بِهِ نَفْسَكَ، أَوْ أنْزَلْتَهُ فِي كِتَابِكَ، أوْ عَلَّمْتَهُ أحَداً مِنْ خَلْقِكَ، أوِ اسْتَأثَرْتَ بِهِ فِي عِلْمِ الْغَيْب عِنْدَكَ، أنْ تَجْعَلَ الْقُرْآنَ رَبِيعَ قَلْبِي وَنُورَ بَصَرِي، وَجَلاءَ حَزَنِي، وَذَهَابَ هَمِّي، إِلاَّ أذْهَبَ الله هَمَّهُ وَأبْدَلَهُ مَكَانَ حُزْنِهِ فَرَحاً". قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، يَنْبَغِي لَنَا أنْ نَتَعَلَّمَ هذِهِ الْكَلِمَاتِ؟ ، قَالَ: "أجَلْ، يَنْبَغِي لِمَنْ سَمِعَهُنَّ أنْ يَتَعَلَّمَهُنّ"([166]). () رواه أحمد في مسنده (6/ 247) و أبو يعلى ( 156 / 1 ) والطبراني في " الكبير " (3/74/1) و ابن حبان في صحيحه( 2372 ) و الحاكم ( 1 / 50)، وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة (1 / 337 ).

وقد سئل الإمام الشافعي رحمه الله عن الأسماء والصفات فقال: "آمنت بالله وبما جاء عن الله، على مراد الله، وآمنت برسول الله، وبما جاء عن رسول الله على مراد رسول الله ".([167]) () انظر: لمعة الاعتقاد (ص: 7).

أورد ابن قدامة بسنده إلى الرّبيع بن سُلَيْمَان قَالَ سَأَلت الشَّافِعِي رَضِي الله عَنهُ عَن صِفَات من صِفَات الله تَعَالَى فَقَالَ: " حرَام على الْعُقُول أَن تمثل الله تَعَالَى وعَلى الأوهام أَن تحده وعَلى الظنون أَن تقطع وعَلى النُّفُوس أَن تفكر وعَلى الضمائر أَن تعمق وعَلى الخواطر أَن تحيط وعَلى الْعُقُول أَن تعقل إِلَّا مَا وصف بِهِ نَفسه فِي كِتَابه أَو على لِسَان نبيه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم ".([168]) ()ذم التأويل لابن قدامة (ص: 23).

وقال : " لأن العلم بذلك لا يدرك بالعقل ولا بالرؤية ولا بالفكر".([169]) () العلو للعلي الغفار (ص: 166).

وقال أيضاً: "لله أسماء وصفات لا يسع أحدًا ردها، ومن خالف بعد ثبوت الحجة عليه كفر، وأما قبل قيام الحجة فإنه يعذر بالجهل، ونثبت هذه الصفات وننفي عنه التشبيه، كما نفى عنه نفسه فقال:( لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ)".([170]) () انظر: فتح الباري لابن حجر (13/ 407).

باب في عرش الرحمن

عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "إِنَّ فِي الجَنَّةِ مِائَةَ دَرَجَةٍ، أَعَدَّهَا اللَّهُ لِلْمُجَاهِدِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، مَا بَيْنَ الدَّرَجَتَيْنِ كَمَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ، فَإِذَا سَأَلْتُمُ اللَّهَ، فَاسْأَلُوهُ الفِرْدَوْسَ، فَإِنَّهُ أَوْسَطُ الجَنَّةِ وَأَعْلَى الجَنَّةِ وفَوْقَهُ عَرْشُ الرَّحْمَنِ، وَمِنْهُ تَفَجَّرُ أَنْهَارُ الجَنَّةِ".([171]) () رواه البخاري كتاب الجهاد والسير، بَابُ دَرَجَاتِ المُجَاهِدِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ. رقم الحديث: (2790).

وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " أَلاَ تَأْمَنُونِي وَأَنَا أَمِينُ مَنْ فِي السَّمَاءِ، يَأْتِينِي خَبَرُ السَّمَاءِ صَبَاحًا وَمَسَاءً ".([172]) () رواه البخاري، كتاب المغازي، بَابُ بَعْثِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ عَلَيْهِ السَّلاَمُ، وَخَالِدِ بْنِ الوَلِيدِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، إِلَى اليَمَنِ. رقم الحديث (4351).

قال الإمام الشافعي رحمه الله: " وكل ما علا فهو سماء والعرش أعلا السماوات، فهو على العرش سبحانه وتعالى كما أخبر بلا كيف، بائن من خلقه، غير مماس من خلقه: (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شيء وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ} [الشورى: ١١].([173]) () تفسير الإمام الشافعي (3/ 1063).

وروى الذهبي بسنده إلى مُحَمَّد بن إِسْمَاعِيل التِّرْمِذِيّ قال: سَمِعت الْمُزنِيّ يَقُول: " لَا يَصح لأحد تَوْحِيد حَتَّى يعلم أَن الله على الْعَرْش بصفاته قلت مثل أَي شَيْء قَالَ سميع بَصِير عليم قدير".([174]) ()أخرجه ابْن مَنْدَه فِي تَارِيخه، وانظر العلو للعلي الغفار (ص: 186).

باب أن الله استوى على العرش

قال تعالى: (أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْضَ فَإِذَا هِيَ تَمُورُ* أَمْ أَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حاصباً فَسَتَعْلَمُونَ كَيْفَ نَذِيرِ) (الملك: ١٧).

وقال: (إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يرفعه) (فاطر: ١٠).

وقال: (وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَاهَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَبْلُغُ الأسباب) (غافر: ٣٦).

روى الإمام الشافعي رحمه الله بسنده عن معاوية بن الحكم السلمي قال: قلت يا رسول الله: إن لي جارية ترعى غنيمات لي وأنا أطلعتها يوماً اطلاعة، فوجدت ذئباً قد ذهب منها بشاة، وأنا من بني آدم أسف كما يأسفون فصككتها صكة، فعظم ذلك على النبي صلى الله عليه وسلم، فقلت أفلا أعتقها، فقال: ادعها لي، فدعوتها فقال لها النبي صلى الله عليه وسلم: "أين الله؟ "، قالت: الله في السماء، قال: فمن أنا، قالت: أنت رسول الله، فقال: "اعتقها فإنها مؤمنة".([175]) () رواه ابن خزيمة في كتاب التوحيد، بَابُ ذِكْرِ الدَّلِيلِ عَلَى أَنَّ الْإِقْرَارَ بِأَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ فِي السَّمَاءِ مِنَ الْإِيمَانِ (1/ 283) ومسلم في معناه ، كتاب المساجد وموضع الصلاة، باب تحريم الكلام في الصلاة، ونسخ ما كان من إباحته، وأبو داود، كتاب الصلاة باب: تشميت العاطس، وأحمد في مسنده(5/447- 448)، واللالكائي في السنة (3/392).

وعن جابر رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال في خطبته يوم عرفات: "ألا! هل بلغت؟ فقالوا: نعم، فجعل يرفع أصبعه إلى السماء وينكبها إليهم ويقول: "اللهم اشهد".([176]) () رواه مسلم: كتاب الحج، باب حجة النبي صلى الله عليه وسلم (4/41).

قال الإمام الشافعي رحمه الله: " السُّنَّةُ الَّتِي أَنَا عَلَيْهَا وَرَأَيْتُ أَصحاب الْحَدِيثِ عَلَيْهَا، مِثْلَ سُفْيَانَ وَمَالِكٍ وَغَيْرِهِمَا، الْإِقْرَارُ بِشَهَادَةِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، إِلَى أَنْ قَالَ: وَإِنَّ اللَّهَ فَوْقَ عَرْشِهِ فِي سَمَائِهِ يَقْرُبُ مِنْ خَلْقِهِ كَيْفَ شَاءَ، وَيَنْزِلُ عَلَى سَمَاءِ الدُّنْيَا كَيْفَ شَاءَ ".([177]) ()انظر: إثبات صفة العلو لابن قدامة (ص123-124، برقم108) واعتقاد الشافعي للهكاري ص 17، وسير أعلام النبلاء للذهبي (10/79)، والعلو للعلي الغفار للذهبي: (ص120) ولم يجزم بصحته، ومجموع الفتاوى (4/182-183) وأورده ابن القيم في اجتماع الجيوش الإسلامية (ص165)، وأوردها أيضا كما في مختصر الصواعق (2/213) وقال: "ذكره الحافظ عبد الغني في كتاب اعتقاد الشافعي". وأورده السيوطي في كتاب الأمر بالإتباع والنهي عن الابتداع (ص207-210، برقم 328-329).

سئل شيخ الإسلام أبو العباس أحمد بن تيمية - رحمه الله -: عن رجلين اختلفا في الاعتقاد، فقال أحدهما: من لا يعتقد أن الله سبحانه وتعالى في السماء فهو ضال. وقال الآخر: إن الله سبحانه لا ينحصر في مكان وهما شافعيان فبينوا لنا ما نتبع من عقيدة الشافعي رضي الله عنه وما الصواب في ذلك؟

فقال في الجواب:

" الحمد لله، اعتقاد الشافعي - رضي الله عنه - واعتقاد سلف الإسلام كمالك والثوري والأوزاعي وابن المبارك وأحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه؛ وهو اعتقاد المشايخ المقتدى بهم كالفضيل بن عياض وأبي سليمان الداراني وسهل بن عبد الله التستري وغيرهم. فإنه ليس بين هؤلاء الأئمة وأمثالهم نزاع في أصول الدين. وكذلك أبو حنيفة - رحمة الله عليه - فإن الاعتقاد الثابت عنه في التوحيد والقدر ونحو ذلك موافق لاعتقاد هؤلاء واعتقاد هؤلاء هو ما كان عليه الصحابة والتابعون لهم بإحسان وهو ما نطق به الكتاب والسنة".([178]) () مجموع الفتاوى (5/ 256).

قال الإمام العلامة فقيه الملة ([179]) المزني رحمه الله: " عَال على عَرْشه فِي مجده بِذَاتِهِ وَهُوَ دَان بِعِلْمِهِ من خلقه أحَاط علمه بالأمور وأنفذ فِي خلقه سَابق الْمَقْدُور وَهُوَ الْجواد الغفور: (يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ).([180]) () هكذا وصفه الذهبي في سير أعلام النبلاء: (12/ 492) ()شرح السنة للمزني (ص: 75)

باب إثبات الرؤية لله سبحانه

قال تعالى: (وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (22) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ) ( القيامة: ٢٢ – ٢٣)

عن جرير بن عبد الله البجلي قال: " كنا جلوساً مع النبي صلى الله عليه وسلم، فنظر إلى القمر ليلة أربعة عشر فقال: إنكم سترون ربكم كما ترون هذا القمر لا تضامون في رؤيته".([181]) () رواه البخاري، كتاب التوحيد، باب{وجوه يومئذ ناضرة}رقم الحديث(7435)، ومسلم، كتاب الإيمان، باب معرفة طريق الرؤية، رقم الحديث (299)

وروى صهيب عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إذا دخل أهل الجنة الجنة نودوا: يا أهل الجنة! إن لكم عند الله موعداً لم تروه، فيقولون: ما هو، ألم يبيض وجوهنا، ويزحزحنا عن النار، ويدخلنا الجنة؟ قال: فيكشف الحجاب فينظرون إليه، قال: فوالله ما أعطاهم الله شيئاً أحب إليهم من النظر إليه، ثم تلى: (لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وزيادة) [يونس: 26]".([182]) () رواه مسلم، كتاب الإيمان، باب إثبات رؤية المؤمنين ربهم سبحانه وتعالى، رقم الحديث (181).

قال المزني: سمعت ابن هرم القرشي، يقول: سمعت الشافعي يقول في قول الله عز وجل: (كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ) قال: "هذا دليل على أن أولياءه يرونه يوم القيامة ".([183]) () مناقب الشافعي للبيهقي (1/ 420).

وقيل للشافعي رحمه الله: ما تقول في حديث الرؤية؟ فقال: يا بن أسد، إقض عليَّ حييتُ أو متّ: إن كلّ حديث يصحّ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإني أقول به وإن لم يبلغني".([184]) ()المصدر السابق (1/ 421).

قال الربيع بن سليمان: كنت ذات يوم عند الشافعي رحمه الله وجاءه كتاب من الصَّعِيد - وهو اسم موضع - يسألونه عن قول الله جل ذكره: (كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ) فكتب فيه: لَمَّا حجب الله قوماً بالسخط دلّ على أن قوماً يرونه بالرّضا، قلت له: أَوَتَدِينُ بهذا يا سيدي؟ فقال: والله لو لم يوقن محمد بن إدريس أنه يرى ربه في المعاد لما عبده في الدنيا".([185]) () المصدر السابق (1/ 419).

باب: إن رحمة الله يغلب غضبه

(قُلْ يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ الله إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جميعا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ) (الزمر: ٥٣)

عن أبي هريرة رضي الله عنه، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " إن الله كتب كتابا قبل أن يخلق الخلق: إن رحمتي سبقت غضبي، فهو مكتوب عنده فوق العرش".([186]) () رواه البخاري: كتاب التوحيد، باب قول الله تعالى: {بل هو قرآن مجيد في لوح محفوظ} رقم الحديث: (7554) ومسلم: كتاب التوبة، بَابٌ فِي سِعَةِ رَحْمَةِ اللهِ تَعَالَى وَأَنَّهَا سَبَقَتْ غَضَبَهُ، رقم الحديث: (2751)

قال المزني: دخلت على الشافعي في مرض موته، قال: ثم رمى بطرفه نحو السماء واستَعْبر، ثم أنشأ يقول:

ولما قسا قلبي وضاقت مذاهبي*** جعلت رجائي دون بابك سلما

تعاظمني ذنبي فلما قرنته*** بعفوك ربي كان عفوك أعظما

فما زلت ذا عفو عن الذنب لم تزل*** تجود وتعفو منة وتكرما

فإن تنتقم مني فلست بآيس*** ولو دخلت نفسي بجرمي جهنما

ولولاك لم يٌغوى بإبليس عابد*** فكيف وقد أغوى صفيك آدما

وإني لآتي الذنب أعرف قدره*** وأعلم أن الله يعفو ترحما ([187]) () انظر الأبيات: مناقب الشافعي للبيهقي (2/ 293)، توالي التأسيس، ص: 83.

باب حكم مرتكب الكبيرة

قال تعالى: (إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يشاء وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا) (النساء: ١١٦)

وقال تعالى: (وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بينهما فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ الله فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وأقسطوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ} (الحجرات: ٩)

قال الشَّافِعِي رحمه الله: " فذكر اللَّه - عز وجل - اقتتال الطائفتين، والطائفتان الممتنعتان: الجماعتان كل واحدة ممتنع أشد الامتناع، أو أضعف إذا لزمها اسم الامتناع، وسماهم اللَّه تعالى المؤمنين، وأمر بالإصلاح بينهم، فحق على كل أحد دعاء المؤمنين إذا افترقوا وأرادوا القتال، أن لا يُقاتلوا حتى يُدعَوا إلى الصلح، إلى أن قال: " وأمر اللَّه - عز وجل - بقتال الفئة الباغية، وهي مسماة باسم الإيمان، حتى تفيء إلى أمر اللَّه، فإن فاءت لم يكن لأحد قتالها؛ لأن اللَّه - عز وجل - إنما أذن في قتالها في مدة الامتناع بالبغي إلى أن تفيء".([188]) () الأم للشافعي (4/ 226).

روى الامام الشافعي بسنده إلى عبادة بن الصامت، قال: " كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، في مجلس فقال: "بايعوني على أن لا تشركوا بالله شيئا. وقرأ عليهم الآية، وقال: فمن وفى منكم فأجره على الله، ومن أصاب من ذلك شيئاً فعوقب به فهو كفارة له، ومن أصاب من ذلك شيئاً فستره الله عليه فهو إلى الله، إن شاء غفر له، وإن شاء عذَّبه."([189]) () الحديث من هذا الوجه في مسند الشافعي (1/ 15 – 16)، وقد رواه البخاري بنحوه وفي كتاب المغازى، باب وفود الأنصار إلى النبي صلى الله عليه وسلم بمكة وبيعة العقبة، وكتاب الحدود: باب الحدود كفارة، رقم الحديث :( 244).

قال الإمام الشافعي رحمه الله: " لم أسمع في الحدود حديثاً أبين من هذا".([190]) () مناقب الشافعي للبيهقي (1/ 428).

وقال فيمن نظر إلى فرج حرام لتلذذ أو غير شهادة عامداً: " كان حرِجاً إلا أن يعفو الله عز وجل عنه".([191]) () المصدر السابق (1/ 429).

روى الامام الشافعي بسنده إلى جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ، يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ - وَأَشَارَ بِأَصَابِعِهِ إِلَى أُذُنَيْهِ -: " يَخْرُجُ نَاسٌ فَيَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ ".([192]) () السنة لابن أبي عاصم (2/ 404).

وقال في أبياته:

تعاظمني ذنبي فلما قرنته*** بعفوك ربي كان عفوك أعظما

وأيقنت أن العفو منك سجية*** تجود وتعفو منَّة وتكرُّما

فلولاك لا يغوى بإبليس عالم*** فكيف وقد أغوى صفيَّك آدما ([193]) () انظر الأبيات: مناقب الشافعي للبيهقي (2/ 293)، توالي التأسيس. ص: 83.

باب في مجانبة أهل الأهواء والكلام

قال تعالى: (وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ حَتَّى إِذَا خَرَجُوا مِنْ عِنْدِكَ قَالُوا لِلَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مَاذَا قَالَ آنفا أُولَئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ (16) وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ) (محمد: ١٦ – ١٧).

عن زياد بن علاقة عن عمه قال كان النبي صلى الله عليه وسلم يقول: "اللهم إني أعوذ بك من منكرات الأخلاق والأعمال والأهواء ".([194]) () رواه الترمذي في السنن، أبواب الدعوات، باب دعاء أم سلمة، رقم الحديث: 3591، وابن أبي شيبة في المصنف (6/ 77) وابن أبي عاصم في السنة (1/ 12) والحاكم في المستدرك(1/ 714)، وصححه الألباني في صحيح الجامع الصغير وزيادته (1/ 278) .

قال الإمام الشافعي رحمه الله: " لأن يلقى الله العبدُ بكل ذنب ما خلا الشرك بالله خير من أن يلقاه بشيء من الهوى".([195]) () مناقب الشافعي للبيهقي (1/ 452).

قال أبو ثور قال: سمعت الشافعي يقول: " من ارتدى بالكلام لم يفلح".([196]) () المصدر السابق (1/ 463).

قال البيهقي تعليقاً على الكلام الشافعي: " وإنما يعني - والله أعلم - كلام أهل الأهواء الذين تركوا الكتاب والسنة، وجعلوا مُعَوَّلهم عقولهم، وأخذوا في تَسْوِيَة الكتاب عليها، وحين حُمِلت إليهم السنة بزيادة بيان لنقض أقاويلهم - اتهموا رواتها، وأعرضوا عنها، فأما أهل السنة فمذهبهم في الأصول مبني على الكتاب والسنة، وإنما أخذ من أخذ منهم في العقل إبطالا لمذهب من زعم أنه غير مستقيم على العقل، وبالله التوفيق."([197]) ()مناقب الشافعي للبيهقي (1/ 467)

باب من سب الدهر فقد آذى الله

قال تعالى: (وَقَالُوا مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدهر وَمَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ علم إِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ} (الجاثية: ٢٤)

عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أن الله سبحانه وتعالى قال: يؤذيني ابن آدم، يسب الدهر، وأنا الدهر، أقلب الليل والنهار".([198]) () رواه البخاري: كتاب التفسير تفسير سورة الجاثية، باب: وما يهلكنا إلا الدهر. رقم الحديث (4549) ومسلم: كتاب الألفاظ من الأدب، باب النهي عن سب الدهر. رقم الحديث (2246).

وروى الشافعي بسنده وفيه: "لا تسبوا الدهر؛ فإن الله هو الدهر ".([199]) () انظر: تفسير الإمام الشافعي (3/ 1253) والحديث رواه مسلم: كتاب الألفاظ من الأدب، باب النهي عن سب الدهر. رقم الحديث (2246).

قال الإمام الشافعي رحمه الله : " إن العرب كان من شأنها أن تذم الدهر، وتسبه عند المصائب التي تنْزل بهم، من موت، أو هرم، أو تلف، أو غير ذلك، فيقولون: إنما يهلكنا الدهر وهو الليل والنهار، ويقولون: أصابتهم قوارع الدهر، وأبادهم الدهر، فيجعلون الليل والنهار يفعلان الأشياء، فيذمون الدهر بأنه الذي يفنيهم، ويفعل بهم. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا تسبوا الدهر"، على أنه الذي يفنيكم والذي يفعل بكم هذه الأشياء، فإنكم إذا سببتم فاعل هذه الأشياء، فإنما تسبون الله تبارك وتعالى، فإنه فاعل هذه الأشياء".([200]) () مناقب الشافعي للبيهقي (1/ 336).

باب النهي عن سب الريح

عن أبي بن كعب رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "لا تسبوا الريح، فإذا رأيتم ما تكرهون فقولوا: اللهم إنا نسألك من خير هذه الريح وخير ما فيها، وخير ما أمرت به، ونعوذ بك من شر هذه الريح، وشر ما فيها، وشر ما أمرت به".([201]) () رواه الترمذي في السنن :كتاب الفتن، باب النهي عن سب الرياح، رقم الحديث (2252). وقال: هذا حديث حسن صحيح، وانظر مسند أحمد (35/ 75)، والسنن الكبرى للنسائي (9/ 341) والأدب المفرد للبخاري (ص: 251) . وصحه الألباني : سلسلة الصحيحة (6/ 598) .

وروى الإمام الشافعي بسنده إلى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – أنه قال: "لَا تَسُبُّوا الرِّيحَ، وَعُوذُوا بِاَللَّهِ مِنْ شَرِّهَا".

ثم قال رحمه الله بعد الحديث: "لا ينبغي شتم الريح فإنها خلق مطيع لله، وجند من جنوده، يجعلها الله رحمة إذا شاء، ونقمة إذا شاء ".([202]) () الأم للشافعي (1/ 290).

باب فضل السنة ومكانتها

قال تعالى: (لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ) (التوبة: ١٢٨)

عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا خَطَبَ احْمَرَّتْ عَيْنَاهُ، وَعَلَا صَوْتُهُ، وَاشْتَدَّ غَضَبُهُ، حَتَّى كَأَنَّهُ مُنْذِرُ جَيْشٍ يَقُولُ: " صَبَّحَكُمْ وَمَسَّاكُمْ"، وَيَقُولُ: " بُعِثْتُ أَنَا وَالسَّاعَةُ كَهَاتَيْنِ"، وَيَقْرُنُ بَيْنَ إِصْبَعَيْهِ السَّبَّابَةِ، وَالْوُسْطَى، وَيَقُولُ: «أَمَّا بَعْدُ، فَإِنَّ خَيْرَ الْحَدِيثِ كِتَابُ اللهِ، وَخَيْرُ الْهُدَى هُدَى مُحَمَّدٍ، وَشَرُّ الْأُمُورِ مُحْدَثَاتُهَا، وَكُلُّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ".([203]) () رواه البخاري، كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة، باب بَابُ الِاقْتِدَاءِ بِسُنَنِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم رقم الحديث : (7277)، ومسلم: كتاب الجمعة، بَابُ تَخْفِيفِ الصَّلَاةِ وَالْخُطْبَةِ، رقم لحديث (867).

وعن المقدام بن معد يكرب قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم: " أَلَا إِنِّي أُوتِيتُ القُرآنَ وَمِثلَهُ مَعَهُ، أَلَا يُوشِكُ رَجُلٌ شَبعَان عَلَى أَرِيكَتِهِ يَقُولُ: عَلَيكُم بِهَذَا القُرآنِ، فَمَا وَجَدتُم فِيهِ مِن حَلَالٍ فَأَحِلُّوهُ، وَمَا وَجَدتُم فِيهِ مِن حَرَامٍ فَحَرِّمُوهُ، أَلَا وَإِنَّ مَا حَرَّمَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ كَمَا حَرَّمَ اللَّهُ ".([204]) () رواه أبو داود، كتاب السنة، باب في لزوم السنة ، وحسنه الألباني في "السلسلة الصحيحة" (2870)

قال الإمام الشافعي رحمه الله: " كل ما سنَّ رسول الله مما ليس فيه كتاب، وفيما كتبنا في كتابنا هذا، من ذِكرِ ما مَنَّ الله به على العباد من تَعَلُّم الكتاب والحكمة: دليلٌ على أن الحكمة سنة رسول الله ".([205]) () الرسالة للشافعي (1/ 33).

وقال رحمه الله: " ما من أحد إلا ويَذهب عليه سنّة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتعزب عنه، فمهما قلتُ من قولٍ أو أصَّلْتُ من أصْلٍ فيه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، خلاف ما قلتُ - فالقول ما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو قولي".([206]) () مناقب الشافعي للبيهقي (1/ 475).

وقال رحمه الله: " أَنَّ اللَّهَ جَعَلَ الْإِيمَانَ بِرَسُولِهِ مَقْرُونَا بِالْإِيمَانِ بِهِ فَسُنَّةُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُبَيِّنَةٌ عَنِ اللَّهِ مَعْنَى مَا أَرَادَ دَلِيلَهُ عَلَى خَاصِّهِ وَعَامِّهِ، وَلَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ هَذَا لِأَحَدٍ مِنْ خَلْقِهِ غَيْرَ رَسُولِهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ".([207]) ()السنة للمروزي (ص: 108).

باب الحث على اتباع السنة وترك الأهواء

قال تعالى: (فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أهواءهم وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ الله إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ) (القصص: ٥٠).

عَنْ أَبِي بَرْزَةَ الْأَسْلَمِيِّ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "إن مما أخشى عليكم من بعدي بطونكم وفروجكم ومضلات الأهواء".([208]) () رواه ابن أبي عاصم في السنة ( 1/ 12) رقم الحديث : (14)، وأحمد في مسنده (33/ 18) والبزار (9/ 292) وصححه الألباني. انظر: صَحِيح التَّرْغِيبِ وَالتَّرْهِيب: ص: (52)

قال الإمام الشافعي رحمه الله: "ما ناظرتُ أحداً قط إلا أحببتُ أن يوفَّق أو يسدد أو يُعان ويكون له رعاية من الله تعالى وحفظ، وما ناظرتُ أحداً إلا ولم أُبالِ بيَّنَ الله تعالى الحق على لساني أو لسانه ".([209]) () انظر: مناقب الشافعي للبيهقي (1/ 175) وتوالي التأسيس ص (65).

قَالَ أَبُو حَاتِمِ بْنُ حِبَّان: "إنَّ الشَّافِعِيِّ لَهُ ثَلاثُ كَلِمَاتٍ مَا تَكَلَّمَ بِهَا أَحَدٌ فِي الْإِسْلَامِ قَبْلَهُ، وَلا تَفَوَّهَ بِهَا أَحَدٌ بَعْدَهُ، الأُولَى: إِذَا صَحَّ لَكُمُ الْحَدِيثُ، فَخُذُوا بِهِ، وَدَعُوا قَوْلِي، والثَّانِيَةُ: مَا نَاظَرْتُ أَحَدًا فَأَحْبَبْتُ أَنْ يُخْطِئَ، والثَّالِثَةُ: وَدِدْتُ أَنَّ النَّاسَ لَوْ تَعَلَّمُوا هَذِهِ الْكُتُبَ، وَلَمْ يَنْسُبُوهَا إِلَيّ ".([210]) () آداب الشافعي ومناقبه (ص: 247).

باب في ذم أهل الكلام ([211]) وطرق استدلالهم () والمراد بالعلم الكلام: إثبات العقائد الدينية بالأدلة العقلية المذكورة في قواعد المنطق وقوانين الفلسفة، وهو منهج اعتبار العقل مصدراً مقدماً على النقل في التعامل مع مصادر التشريع. انظر: الملل والنحل( 1/ 23)، ودرء تعارض العقل والنقل( 1/ 178).

قال تعالى: (اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا واحداً سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ) (التوبة: ٣١).

عن عدي بن حاتم: أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ هذه الآية: (اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا واحداً سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ) (التوبة: ٣١). فقلت له: إنا لسنا نعبدهم. قال: أليس يحرمون ما أحل الله فتحرمونه، ويحلون ما حرم الله فتحلونه. فقلت: بلى. قال: فتلك عبادتهم".([212]) () رواه الترمذي في السنن :كتاب تفسير القرآن ، باب ومن سورة التوبة، رقم الحديث (3095) وابن عبد البر في جامع بيان العلم وفضله(2/ 976) والطبراني في المعجم الكبير(17/ 92) وحسنه الألباني، انظر: سلسلة الصحيحة (7/ 861) .

عَن زِيَاد بن حدير قَالَ: قَالَ لِي عُمَرُ: هَلْ تَعْرِفُ مَا يَهْدِمُ الْإِسْلَامَ؟ قَالَ: قُلْتُ: لَا. قَالَ: يَهْدِمُهُ زَلَّةُ الْعَالِمِ وَجِدَالُ الْمُنَافِقِ بِالْكِتَابِ وَحُكْمُ الْأَئِمَّةِ المضلين ".([213]) () رواه الدارمي في السنن (1/ 295) وصححه الألباني :انظر مشكاة المصابيح بتحقيقه (1/ 89).

قال الإمام الشافعي رحمه الله: "حكمي في أهل الكلام أن يضربوا بالجريد، ويجلسوا على الإبل، ويطاف بهم في العشائر والقبائل، وينادى عليهم: هذا جزاء من ترك الكتاب والسنة، وأقبل على الكلام".([214]) ()انظر: ذم الكلام للهروي ص(252)، الحجة في بيان المحجة (1/ 225)، وجامع بيان العلم وفضله (2/ 193)، والحلية (9/116)، وشرف أصحاب الحديث ص(78).

وقال : " لأن يبتلى المرء بكل ما نهى الله عنه ما عدا الشرك به، خير من النظر في الكلام".([215]) () انظر: الحجة في بيان المحجة للأصبهاني(1/104)، وذم الكلام للهروي ص255.

وقال: " لَوْ أَنَّ رَجُلا أَوْصَى بِكُتُبِهِ مِنَ الْعِلْمِ لآخَرَ، وَكَانَ فِيهَا كُتُبُ الْكَلامِ، لَمْ تَدْخُلْ فِي الْوَصِيَّةِ، لأَنَّهُ لَيْسَ مِنَ الْعِلْمِ ".([216]) () شرح السنة للبغوي (1/ 218).

باب ترك الحدث في الدين من تمام الإتباع

قال تعالى: (وَلَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وسعها وَلَدَيْنَا كِتَابٌ يَنْطِقُ بِالْحَقِّ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (62) بَلْ قُلُوبُهُمْ فِي غَمْرَةٍ مِنْ هَذَا وَلَهُمْ أَعْمَالٌ مِنْ دُونِ ذَلِكَ هُمْ لَهَا عَامِلُونَ (63) حَتَّى إِذَا أَخَذْنَا مُتْرَفِيهِمْ بِالْعَذَابِ إِذَا هُمْ يَجْأَرُونَ) (المؤمنون: ٦٢ – ٦٤)

قال الإمام الشافعي رحمه الله: " لا يجوز لأحد أن يقول برأيه لأنه لا مبين لرأيه أصواب هو أم خطأ وإنما على الناس أن يتبعوا طاعة الله وطاعة رسوله - صلى الله عليه وسلم - وهو كتاب الله عز وجل وسنة نبيه - صلى الله عليه وسلم - وإذا غبي علمهما على أحد فالدلائل عليهما لأنهما اللذان رضي الله عز وجل ورسوله - صلى الله عليه وسلم - لعباده وأمروا باتباعه - صلى الله عليه وسلم ".([217]) () انظر الأم للشافعي (6/ 219).

قال الإمام الشَّافِعِيّ رحمه الله: "...وَلَكِنَّا نَتَّبِع السُّنَّة فِعْلًا أَوْ تَرْكًا".([218]) () انظر فتح الباري(3/ 475).

باب ما جاء في ذم البدع

روي عن مَالِكَ بْنَ أَنَسٍ أنه قال: (إِيَّاكُمْ وَالْبِدَعَ) فَقِيلَ: يَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ وَمَا الْبِدَعُ؟ قَالَ: (أَهْلُ الْبِدَعِ الَّذِينَ يَتَكَلَّمُونَ فِي أَسْمَاءِ اللَّهِ وَصِفَاتِهِ وَكَلامِهِ وَعِلْمِهِ وَقُدْرَتِهِ، وَلا يَسْكُتُونَ عَمَّا سَكَتَ عَنْهُ الصَّحَابَةُ وَالتَّابِعُونَ لَهُمْ بُإِحْسَانٍ)([219]). ()أحاديث في ذم الكلام وأهله لأبي الفضل المقريء: (ص: 82)

روى الإمام الشافعي رحمه الله بسنده عن النبي صلى الله عليه وسلم -: "ما تركت شيئا مما أمركم الله به إلا وقد أمرتكم به ".([220]) ()رواه الشافعي في الرسالة: (ص87) وعنه البيهقي (7/ 76) والخطيب في الفقيه والمتفقه (1/ 270) مرسلا عن المطلب بن حنطب. قال الشيخ الألباني إسناده مرسل حسن، وذكر للحديث شواهد يتقوى بها (انظر: سلسلة الصحيحة: 4/ 417).

قال الإمام مالك رحمه الله: "من ابتدع في الإسلام بدعة يراها حسنة فقد زعم أن محمداً صلى الله عليه وسلم خان الرسالة، لأن الله يقول: (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دينا) }.([221]) ()نقلها الشاطبي في الاعتصام (1/49، 2/18) وعزاها إلى ابن حبيب عن ابن الماجشون عن مالك وانظر: منهج الإمام مالك في إثبات العقيدة ص (99).

قال الإمام الشافعي رحمه الله: " ما ناظرت أحداً علمت أنه مقيم على بدعة".([222]) () مناقب الشافعي للبيهقي (1/ 175).

قال البيهقي: "لأن المقيم على البدعة قلّما يرجع بالمناظرة عن بدعته، وإنما كان يُنَاظِر من يرجو رجوعَه إلى الحقِّ إذا بَيَّنَه له. وبالله التوفيق.([223]) ()مناقب الشافعي للبيهقي (1/ 175).

باب قوله صلى الله عليه وسلم من أحدث في أمرنا ما ليس منه فهو رد

عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه أنه قال لما رأى جماعة في المسجد متحلقين وبين أيديهم حصى ورجل يقول: هللوا مائة فيهللون، ويقول: سبحوا مائة فيسبحون، فقال لهم رضي الله عنه: "والذي نفسي بيده إنكم لعلى ملة هي أهدى من ملة محمد صلى الله عليه وسلم أو مفتتحوا باب ضلالة".([224]) () رواه الدارمي في السنن: باب كراهية أخذ الرأي. (1/68) رقم الحديث: ( 210 ).

قال الإمام الشافعي رحمه الله: " كل من تكلم بكلام في الدين، أو في شيء من هذه الأهواء ليس فيه إمام متقدم من النبي وأصحابه فقد أحدث في الإسلام حدثًا. وقد قال رسول الله، صلى الله عليه وسلم: " من أحدث حدثا أو آوى محدثاً في الإسلام فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، لا يقبل الله منه صرفا ولا عدلا".([225]) ()مناقب الشافعي للبيهقي (2/ 335)

وقال في أبياته:

لم يبرح الناس حتى أحدثوا بدعاً *** في الدين بالرأي لم يبعث بها الرسل ([226]) () انظر الأبيات: في ذم الكلام للهروي: (4/310) وتاريخ دمشق: (10/ 190)

باب تقديم النقل على العقل

قال تعالى: (وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ من أمرهم وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا) (الأحزاب: ٣٦).

قال تعالى: (فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا) (النساء: ٦٥).

قال الإمام الشافعي رحمه الله: "لا نترك الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بأن يدخله القياس، ولا يوضع القياس مع السنة".([227]) () مناقب الشافعي للبيهقي (1/ 478).

قال أحمد بن حنبل: سألت الشافعي عن القياس فقال: " ضرورة".([228]) ()المصدر السابق (1/ 478).

قَالَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: "وَلَيْسَ فِي سُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَّا اتِّبَاعُهَا بِفَرْضِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، وَالْمَسْأَلَةُ بِكَيْفَ فِي شَيْءٍ قَدْ ثَبَتَتْ فِيهِ السُّنَّةُ مَا لَا يَسَعُ عَالِمًا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ ".([229]) () الشريعة للآجري (3/ 1127).

وقال رَحمَه الله: "وتقام سنة رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم - مَعَ كتاب الله عَزَّ وَجَلَّ مقَام الْبَيَان عَن الله عَزَّ وَجَلَّ وَلَيْسَ شَيْء من سنَن رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم - يُخَالف كتاب الله فِي حَال، لِأَن الله عَزَّ وَجَلَّ قد أعلم خلقه أَن رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم - يهدي إِلَى صِرَاط مُسْتَقِيم، وَقَول من قَالَ: يعرض السّنة عَلَى الْقُرْآن فَإِن وَافَقت ظَاهره، وَإِلَّا استعملنا ظَاهر الْقُرْآن، وَتَركنَا الحَدِيث، فَهَذَا جهل، وَقد قصّ الله علينا أَن ننتهي إِلَى سنة نبيه، وَلَيْسَ لنا مَعهَا من الْأَمر شَيْء إِلَّا التَّسْلِيم لَهَا واتباعها، وَلَا تعرض عَلَى قِيَاس وَلَا عَلَى شَيْء غَيرهَا، وكل مَا سواهَا من قَول الْآدَمِيّين تبع لَهَا".([230]) ()الحجة في بيان المحجة (2/ 328).

باب ما جاء في الغناء والتغبير

قال تعالى: (وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّخِذَهَا هزوا أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ) (لقمان: ٦)

عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ، أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ هذه الآية فَقَالَ: " الْغِنَاءُ، وَالَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ".([231]) ()رواه ابن أبي شيبة في المصنف (4/ 368). والبخاري في "الأدب المفرد " (1265)، والحاكم في المستدرك (2 / 411) وصححه الألباني : سلسلة الصحيحة (6/ 1017).

قال الإمام الشافعي رحمه الله: "خلّفت في العراق شيئاً يسمى التغْبِير وضعته الزنادقة، يشتغلون به عن القرآن".([232])، وفي رواية: "يَشْغَلُونَ بِهِ النَّاسَ عَنِ الْقُرْآنِ"([233]). والمغبرة: قوم يغبرون بذكر الله تعالى بدعاء وتضرع.([234]) ()مناقب الشافعي للبيهقي (1/ 283)، مناقب الشافعي للأبري (ص: 90) () انظر: آداب الشافعي ومناقبه لابن أبي حاتم: ص:(310) وحلية الأولياء: (9/ 146) وتلبيس إبليس:ص (230). ()لسان العرب: (6/ 107).

وقال الأزهري: " وقد سموا ما يطربون فيه من الشعر في ذكر الله تغبيرا، كأنهم إذا تناشدوها بالألحان طرّبوا فرقّصوا وأرهجوا ، فسموا مغبرة لهذا المعنى".([235]) () تهذيب اللغة (8/ 123).

وقال الأزهري أيضاً : "ورُوي عن الشافعي رضي الله عنه أنه قال: أرى الزنادقة وضعوا هذا التغبير ليصدوا عن ذكر الله وقراءة القرآن".([236]) ()تهذيب اللغة (8/ 123).

وقال الشافعي رحمه الله في قول اللَّه - عز وجل -: (وَأَنْتُمْ سَامِدُونَ) الآية، قال: يقال: هو الغناء، بالحميرية.([237]) () تفسير الإمام الشافعي (3/ 1298)، أحكام القرآن للشافعي - جمع البيهقي (2/ 178).

قال الإمام الشافعي رحمه الله رحمه الله عن التلاوة أثناء الطواف: "والقراءة أفضل ما تكلّم به المرء".([238]) ()مناقب الشافعي للبيهقي (1/ 411).

عَنْ أبي الطيب طاهر بْن عَبْدِ اللَّهِ الطَّبَرِيّ قَالَ: قال الإمام الشافعي رحمه الله: "الغناء لهو مكروه يشبه الباطل ومن استكثر مِنْهُ فهو سفيه شهادته ".([239]) ()تلبيس إبليس (ص: 205).

باب ما جاء في فضائل الصحابة

قال تعالى: (وَالسَّابِقُونَ الأولون من المهاجرين وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رضي الله عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أبداً ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ) (التوبة: ١٠٠).

قال تعالى: (لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا) (الفتح: ١٨).

عن أبي هريرة _رضي الله عنه_ قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "لا تسبوا أصحابي لا تسبوا أصحابي فوالذي نفسي بيده لو أن أحدكم أنفق مثل أحد ذهبا ما أدرك مد أحدهم ولا نصيفه".([240]) () رواه مسلم : كتاب فضائل الصحابة رضي الله تعالى عنهم، باب تحريم سب الصحابة رضي الله عنهم ، رقم الحديث (2540) .

قَالَ الرَّبِيعُ بْنُ سُلَيْمَانَ: سَمِعْتُ الشَّافِعِيَّ يَقُولُ: " أَفْضَلُ النَّاسِ بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَبُو بَكْرٍ ثُمَّ عُمَرُ ثُمَّ عُثْمَانُ ثُمَّ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ".([241]) () ذم الكلام وأهله لأبي إسماعيل الهروي ( 4 / 308 )، وسير أعلام النبلاء للذهبي (10 /31) ومناقب الشافعي للبيهقي: ( 1 / 433).

قال أبو علي الحسين بن هشام بن عمر البلدي: "هذه وصية محمد بن إدريس الشافعي رضي الله عنه: أوصى أن خير الناس بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم، أبو بكر، ثم عمر، ثم عثمان، ثم علي بن أبي طالب، رضوان الله عليهم أجمعين، وأتولاهم، وأستغفر لهم، ولأهل الجمل وصفين، القاتلين والمقتولين، وجميع أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أجمعين".([242]) () وصية الشافعي ص (45 – 46) واعتقاد الشافعي للهكاري ص (15)، وإثبات صفة العلو لابن قدامة المقدسي ص (122) والأمر بالاتباع والنهي عن الابتداع للسيوطي ص (127).

عن يونس بن عبد الأعلى، قال: سمعت الشافعي يقول: " سئل عمرُ بن عبد العزيز عن أهل صفّين؟ فقال: تلك دماء طهَّر الله منها يدي فلا أحِبُّ أن أخْضِب لساني بها".([243]) () آداب الشافعي ومناقبه لابن أبي حاتم (ص: 238) ومناقب الشافعي للبيهقي (1/ 449).

باب في ذم الشيعة والرافضة

قال تعالى: (وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعَى فِي خرابها أُولَئِكَ مَا كَانَ لَهُمْ أَنْ يَدْخُلُوهَا إِلَّا خائفين لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ) (البقرة: ١١٤).

عن العِرْباض بن سَارِية، قال: صلّى بنا رسول الله، صلى الله عليه وسلم، صلاة الصبح، ثم أقبل علينا فوعظنا موعظة وجِلَت منها القلوب، وذَرَفَتْ منها العيون. فقلنا: يا رسول الله، صلى الله عليك كأنها موعظة مُودِّع، فأوصنا. فقال: "أوصيكم بتقوى الله تعالى، والسمع والطاعة وإن أُمِّر عَليكم عَبْدٌ؛ فإنه من يعش منكم فسيرى اختلافاً كثيراً، فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين، عضُّوا عليها بالنَوَاجِذِ. وإياكم ومُحْدثَات الأمور؛ فإن كل بدعة ضلالة".([244]) () رواه الدارمي في سننه، باب اتباع السنة( 1/ 44 – 45)، وابن ماجه في مقدمة سننه: باب اتباع سنة الخلفاء الراشدين (1/ 16، 17)، والترمذي في كتاب العلم، باب ما جاء في الأخذ بالسنة واجتناب البدع( 2/ 112 – 113)، والحاكم في المستدرك. (1/ 95 – 96) وصححه الألباني : سلسلة الصحيحة (6/ 526).

قال الإمام الشافعي رحمه الله: الخلفاء الراشدون هم: "أبو بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعُثْمَانَ وَعَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُم".([245]) ()الشريعة للآجري (4/ 1767).

وقال رحمه الله: " ما كلمت رجلا في بدعة قطّ إلا كان يتشيع ".([246]) () مناقب الشافعي للبيهقي (1/ 467).

قَالَ يُونُسَ بْنَ عَبْدِ الْأَعْلَى سَمِعْتُ الشَّافِعِيَّ يَقُولُ: " أُجِيزُ شَهَادَةَ أَهْلِ الْأَهْوَاءِ كُلِّهِمْ إِلَّا الرَّافِضَةَ، فَإِنَّهُ يَشْهَدُ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ".([247]) () مناقب الشافعي للبيهقي (1/ 468)، والسنن الكبرى( 10/ 209).

قَالَ الْمُزَنِيُّ: سَمِعْتُ الشَّافِعِيَّ يَقُولُ لِلرَّبِيعِ: " يَا رَبِيعُ، اِقْبَلْ مِنِّي ثَلاثَةَ أَشْيَاءَ، لَا تَخُوضَنَّ فِي أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَإِنَّ خَصْمَكَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ".([248]) () ذم الكلام وأهله لأبي إسماعيل الهروي (4/ 287 – 289) وانظر: الإمام الشافعي وموقفه من الرافضة (ص: 45).

قَالَ أَبُو شُعَيْبٍ وَأَبُو ثَوْرٍ، عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدِ بْنِ إِدْرِيسَ الشَّافِعِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى قَالَ: الْقَوْلُ فِي السُّنَّةِ الَّتِي أَنَا عَلَيْهَا وَرَأَيْتُ أَصْحَابَنَا عَلَيْهَا أَهْلَ الْحَدِيثِ الَّذِينَ رَأَيْتُهُمْ وَأَخَذْتُ عَنْهُمْ مِثْلَ سُفْيَانَ وَمَالِكٍ وَغَيْرِهِمَا: وأَعْرِفُ حَقَّ السَّلَفِ الَّذِينَ اِخْتَارَهُمْ اللهُ تَعَالَى لِصُحْبَةِ نَبِيِّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَالْأخْذُ بِفَضَائِلِهِمْ، وَأُمْسِكُ عَمَّا شَجَرَ بَيْنَهُمْ صَغِيرِهِ وَكَبِيرِهِ".([249]) () اعتقاد الشافعي للهكاري ص (17).

باب ما جاء في ذمة الله وذمة نبيه

قال تعالى: (وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ وَلَا تَنْقُضُوا الْأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كفيلا إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ) (النحل: ٩١).

روى الإمام الشافعي رحمه الله بسنده عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ بُرَيْدَةَ عَنْ أَبِيهِ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ إذَا بَعَثَ سَرِيَّةً أَوْ جَيْشًا أَمَّرَ عَلَيْهِمْ قَالَ: إذَا لَقِيت عَدُوًّا مِنْ الْمُشْرِكِينَ فَادْعُهُمْ إلَى ثَلَاثِ خِصَالٍ، أَوْ ثَلَاثِ خِلَالٍ - شَكَّ عَلْقَمَةُ - اُدْعُهُمْ إلَى الْإِسْلَامِ فَإِنْ أَجَابُوك فَاقْبَلْ مِنْهُمْ وَكُفَّ عَنْهُمْ ثُمَّ اُدْعُهُمْ إلَى التَّحَوُّلِ مِنْ دَارِهِمْ إلَى دَارِ الْمُهَاجِرِينَ فَإِنْ أَجَابُوك فَاقْبَلْ مِنْهُمْ وَأَخْبِرْهُمْ أَنَّهُمْ إنْ فَعَلُوا أَنَّ لَهُمْ مَا لِلْمُهَاجِرِينَ وَعَلَيْهِمْ مَا عَلَيْهِمْ، وَإِنْ اخْتَارُوا الْمُقَامَ فِي دَارِهِمْ أَنَّهُمْ كَأَعْرَابِ الْمُسْلِمِينَ يَجْرِي عَلَيْهِمْ حُكْمُ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ كَمَا يَجْرِي عَلَى الْمُسْلِمِينَ وَلَيْسَ لَهُمْ فِي الْفَيْءِ شَيْءٌ إلَّا أَنْ يُجَاهِدُوا مَعَ الْمُسْلِمِينَ فَإِنْ لَمْ يُجِيبُوك إلَى الْإِسْلَامِ فَادْعُهُمْ إلَى إعْطَاءِ الْجِزْيَةِ، فَإِنْ فَعَلُوا فَاقْبَلْ مِنْهُمْ وَدَعْهُمْ، فَإِنْ أَبَوْا فَاسْتَعِنْ بِاَللَّهِ عَلَيْهِمْ وَقَاتِلْهُمْ".([250]) () رواه في الأم (4/ 182)، وانظر :مسند الشافعي (4/ 28)، ورواه مسلم في معناه: كتاب الجهاد والسير، باب تأمير الإمام الأمراء على البعوث ووصيته إياهم بآداب الغزو وغيرها. رقم الحديث (1731).

باب الدين النصيحة

قال تعالى: (وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ المنكر وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) (آل عمران: ١٠٤).

وروى الامام الشافعي بسنده إلى ابن مسعود رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "ثلاثٌ لا يَغِلُّ عليهن قلبُ مسلم: إخلاصُ العمل لله، والنصيحةُ للمسلمين، ولزوم، جماعتهم، فإنّ دعوتهم تحيط من روائهم".([251]) ()رواه في الرسالة (1/ 401)، والحديث أخرجه ابن ماجه وصححه الألباني: في الصحيحة " رقم (404)، و في: صحيح الجامع الصغير " رقم (6766).

وروى الإمام الشافعي بسنده إلى جَرير بن عبد الله رضي الله عنه أنه قال: " بَايَعْتُ النَّبِيَّ عَلَى النُّصْحِ لِكُلِّ مُسْلِمٍ".([252]) () رواه في الرسالة (1/ 50)، والحديث في صحيح مسلم: كتاب الإيمان، بابُ بَيَانِ أَنَّ الدِّينَ النَّصِيحَةُ، رقم الحديث: (82).

قال الامام الشافعي: "ونصيحةُ المسلمين من طاعة الله، وطاعةُ الله جامعة للخَير".([253]) () الرسالة للشافعي (1/ 50).

باب في ترك التأويل والرجوع إلى السنة

قال تعالى: (هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ متشابهات فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تأويله وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا الله وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ ربنا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ} (آل عمران: ٧).

قال الإمام الشافعي رحمه الله: "وأن يَعْلمَ أنَّ عالِمًا إن رُوِيَ عنه قولٌ يُخالِف فيه شيْئًا سنَّ فيه رسولُ الله سنةً، لوْ عَلِمَ سنةَ رسولِ الله لمْ يُخالِفْها، وانْتَقَلَ عَنْ قَوْلِهِ إلى سنَّةِ النبي - إنْ شاءَ الله - وإنْ لم يَفْعل كان غيْرَ مُوَسَّعٍ له، فكيف والحُجَجُ في مثل هذا لِلَّهِ قائمَةٌ على خَلْقِه، بما افْتَرَضَ مِن طاعة النبي، وأبانَ مِنْ مَوْضِعِه الذي وَضَعَهُ به مِن وحْيِه ودِينِه وأهْلِ دِينِه".([254]) () الرسالة للشافعي (1/ 198).

قال: "والقُرَآن على ظاهره، حتى تأتي دلالة منه أو سنة أو إجماع بأنه على باطن دون ظاهر".([255]) () المصدر السابق (1/ 580).

و قال في الاستثناء في الحج([256]): "ولو ثبت حديث عروة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في الاستثناء لم أعده إلى غيره لأنه لا يحل عندي خلاف ما ثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم".([257]) () وهو قول الحاج: إن حبسني حابس فمحلي حيث حبستني. () الأم للشافعي (2/ 172).

باب لزوم جماعة المسلمين وإمامهم.

قال تعالى: (وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جهنم وَسَاءَتْ مَصِيرًا) (النساء: ١١٥).

وروى الامام الشافعي بسنده عن عبادة بن الصامت، قال: "بايعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم على السمع والطاعة في العسر واليسر والمنشط والمكره وأن لا ننازع الأمر أهله وأن نقوم أو نقول بالحق لا نخاف في الله لومة لائم".([258]) ()السنن المأثورة للشافعي (ص: 438)

عن ابن عباس رضي الله عنهما قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "يد الله على الجماعة ".([259]) () رواه التِّرْمِذِيِّ في السنن: كِتَابُ الْفِتَنِ، بَابٌ فِي لُزُومِ الْجَمَاعَةِ. رقم الحديث (2166)، وصححه الألباني : انظر: صحيح الجامع (رقم1848).

عن أبي هريرة، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "الصوم يوم تصومون، والفطر يوم تفطرون، والأضحى يوم تضحون"، قال الإمام الترمذي: وفسر بعض أهل العلم هذا الحديث، فقال: إنما معنى هذا أن الصوم والفطر مع الجماعة وعظم الناس.([260]) () رواه الترمذي، أبواب الصوم، باب ما جاء في أن الفطر يوم تفطرون، والأضحى يوم تضحون. وصححه الالباني: انظر إرواء الغليل (4/ 11).

قال عبد الله بن مسعود -رضي الله عنه: "إنما الجماعة ما وافق طاعة الله، وإن كنت وحدك". ([261]) ()انظر شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة لللالكائي: (1/ 109).

قال الإمام الشافعي رحمه الله: " وأمْرُ رسول الله بلزوم جماعة المسلمين مما يُحتج به في أن إجماع المسلمين - إن شاء الله – لازمٌ ".([262]) ()الرسالة للشافعي (1/ 403).

قال المزني: " وَالطَّاعَة لأولي الْأَمر فِيمَا كَانَ عِنْد الله عز وَجل مرضيا وَاجْتنَاب مَا كَانَ عِنْد الله مسخطا، وَترك الْخُرُوج عِنْد تعديهم وجورهم وَالتَّوْبَة إِلَى الله عز وَجل كَيْمَا يعْطف بهم على رعيتهم. . . وَلَا يتْرك حُضُور صَلَاة الْجُمُعَة وصلاتها مَعَ بر هَذِه الْأمة وفاجرها لَازم مَا كَانَ من الْبِدْعَة بريا فَإِن ابتدع ضلالا فَلَا صَلَاة".([263]) () شرح السنة للمزني (ص: 87).

باب أن النبي صلى الله عليه وسلم عبدُ الله ورسوله

قال تعالى: (سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آياتنا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ) (الإسراء: ١).

وعن عمر رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم، إنما أنا عبد فقولوا: عبد الله ورسوله".([264]) () رواه البخاري: كتاب الأنبياء باب قول الله تعالى: واذكر في الكتاب مريم إذ انتبذت من أهلها. رقم الحديث (3261).

قال الامام الشافعي رحمه الله في صفة دعاء الجنازة: وأحب أن يقول العبد: " اللهم عبدك وابن عبدك وابن أمتك، كان يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً عبدك ورسولك".([265]) () الأم للشافعي (1/ 323)

قال رحمه الله في بيان حكم المرتد: "وإن قُدّم ليقتل فشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً عبده ورسوله وقتله بعض الولاة الذين لا يرون أن يستتاب بعض المرتدين فيمراثه لورثة المسلمين، وعلى قاتله الكفارة والدّية".([266]) () المصدر السابق: (4 / 291).

قال ابن أبي العز الحنفي رحمه الله: " واعلم أن كمال المخلوق في تحقيق عبوديته لله تعالى. وكلما ازداد العبد تحقيقا للعبودية ازداد كماله وعلت درجته ومن توهم أن المخلوق يخرج عن العبودية بوجه من الوجوه، وأن الخروج عنها أكمل، فهو أجهل الخلق وأضلهم، قال تعالى: {وقالوا اتخذ الرحمن ولدا سبحانه بل عباد مكرمون} [سورة الأنبياء: 26]، إلى غير ذلك من الآيات. وذكر الله نبيه صلى الله عليه وسلم باسم العبد في أشرف المقامات، فقال في ذكر الإسراء: {سبحان الذي أسرى بعبده} [سورة الإسراء: 1]. وقال تعالى: {وأنه لما قام عبد الله يدعوه} [سورة الجن: 19]. وقال تعالى: {فأوحى إلى عبده ما أوحى} [سورة النجم: 10]. وقال تعالى: {وإن كنتم في ريب مما نزلنا على عبدنا} [سورة البقرة: 23]. وبذلك استحق التقديم على الناس في الدنيا والآخرة، ولذلك يقول المسيح عليه السلام يوم القيامة، إذا طلبوا منه الشفاعة بعد الأنبياء عليهم السلام: "اذهبوا إلى محمد، عبد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، فحصلت له تلك المرتبة بتكميل عبوديته لله تعالى".([267]) () شرح الطحاوية لابن أبي العز الحنفي: (ص: 149)

باب فضل الصلاة والسلام على النبي الكريم

قال تعالى: (إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النبي يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا)ﱠ (الأحزاب: ٥٦).

عن أنس بن مالك عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " من صلَّى عَلَيَّ واحدة صلى الله عليه عشر صلوات وحط عنه عشر خطيئات، ورفع له عشر درجات".([268]) () رواه مسلم، كتاب الصلاة، باب الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم، رقم الحديث (408).

وقال صلى الله عليه وسلم: " من صلَّى عَلَيَّ حين يصبح عشرًا، وحين يمسي عشرًا أدركته شفاعتي يوم القيامة".([269]) () رواه الطبراني في المعجم الكبير(10/ 120) وحسنه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب: (1/ 345-356).

قال الإمام الشافعي رحمه الله: "فصلّى الله على نبينا كلّما ذكرهُ الذاكرون وغفل عن ذكره الغافلون. وصلى الله عليه في الأوَّلين والآخرين، أفضل وأكثر وأزكى ما صلَّى على أحدٍ من خلقه، وزكَّانا وإيّاكم بالصّلاة عليه أفضل ما زكّى أحداً من أمته بصلاته عليه. والسلام عليه ورحمة الله وبركاته".([270]) ()الرسالة للشافعي (1/ 16).

باب قوله صلى الله عليه وسلم: والسلام كما قد علمتم.

قال تعالى: (إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا (8) لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وتوقروه وَتُسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا) (الفتح: ٨ – ٩)

روى الامام الشافعي رحمه الله بسنده عن أبي مسعود الأنصاري رضي الله عنه أنه قال: أتانا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في مجلس سعد بن عبادة، فقال له بشير بن سعد: أمرنا اللَّه أن نصلي عليك يا نبي اللَّه؛ فكيف نصلي عليك؟ ، فسكت النبي - صلى الله عليه وسلم - حتى تمنينا أنه لم يسأله، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قولوا: "اللهم صل على محمد وعلى آل محمد، كما صليت على إبراهيم، وبارك على محمد وعلى محمد، كما باركت على إبراهيم في العالمين. إنك حميد مجيد".([271]) وزاد في رواية: "والسلام كما قد علمتم".([272]) () رواه البخاري: كتاب حديث الأنبياء: رقم الحديث(3369). ومالك في المؤطا: (2/ 230) واللفظ له. ()انظر: تفسير الإمام الشافعي (3/ 1217)، مسند الشافعي(1/ 97)، والحديث أخرجه مسلم: كتاب الصلاة ، باب الصلوة على النبي صلى الله عليه وسلم رقم الحديث: (405).

قال الإمام الشافعي رحمه الله: " يكره للرجل أن يقول: قال الرسول، ولكن يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، تعظيما له".([273]) () مناقب الشافعي للبيهقي (1/ 425).

قال الإمام الشافعي رحمه الله: " ذكره الله عند الإيمان بالله والأذان، ويحتمل ذكره عند تلاوة القرآن، وعند العمل بالطاعة والوقوف عن المعصية، فصلّى الله على نبينا كلّما ذكرهُ الذاكرون ".([274]) () انظر الرسالة: 16