شرح الأربعين النووية

شرح الأربعين النووية

قام مركز الترجمة بجمعية الدعوة وتوعية الجاليات بالربوة بالشراكة مع جمعية خدمة المحتوى الإسلامي باللغات بإعداد "شرح الأربعين النووية". وحرص المركز على ترجمتها لينتشر خيرها لغير الناطقين بالعربية لكثرة عددهم في هذا الزمان. وقد قام على إعداد هذا الشرح ثلة من طلبة العلم فحرروا المادة العلمية من مصادرها الأصلية، مع الحرص على ذكر الشرح مختصرًا معضدًا بالفوائدَ النافعةِ بطريقةٍ مختصرة رصينة مناسبة للترجمة.

Language: English
Prepared by: اللَّجْنَةُ الْعِلْمِيَّةُ بِجَمْعِيَّةِ خِدْمَةِ الْمُحْتَوَى الْإِسْلَامِيِّ بِاللُّغَاتِ
Version: 3.0
Translations 0
Attachments 7
PDF
Audio
Video
+3

شَرْحُ الأَرْبَعِينَ النَّوَوِيَّةِ

إعداد القسم العلمي

بِسۡمِ ٱللَّهِ ٱلرَّحۡمَٰنِ ٱلرَّحِيمِ

المُقَدِّمَة

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، أَمَّا بعد:

فإن من نعم الله علينا أن حفظ لنا الكتاب المبين؛ قال تعالى: ﴿إِنَّا نَحۡنُ نَزَّلۡنَا ٱلذِّكۡرَ وَإِنَّا لَهُۥ لَحَٰفِظُونَ﴾ [الحجر: 9 ].

وإنَّ من لازم حفظِ الله لكتابه: حفظُه سبحانه لسنة نبيه صلى الله عليه وسلم التي أنزلت معه، ﴿هُوَ ٱلَّذِي بَعَثَ فِي ٱلۡأُمِّيِّـۧنَ رَسُولٗا مِّنۡهُمۡ يَتۡلُواْ عَلَيۡهِمۡ ءَايَٰتِهِۦ وَيُزَكِّيهِمۡ وَيُعَلِّمُهُمُ ٱلۡكِتَٰبَ وَٱلۡحِكۡمَةَ وَإِن كَانُواْ مِن قَبۡلُ لَفِي ضَلَٰلٖ مُّبِينٖ﴾ [الجمعة: 2]، والحكمة في الآية هي السُّنَّةُ.

فَحَفِظَ اللهُ سُنَّته صلى الله عليه وسلم في بادئ الأمر في صدور الرجال، ثم حُفظت في كتب مصنفةٍ موصولةٍ إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم.

وقد اعتنى العلماء بالسنة النبوية حفظًا، وتدوينًا، وجمعًا، واختصارًا، فألَّفوا في ذلك الجوامع والمختصرات، وإن من الكتب العظيمة المختصرة: ما جمعه الإمام النووي رحمه الله، فقد برع في جمع هذه الأحاديث الأربعين من جوامع كَلِمِ الرسول صلى الله عليه وسلم، فهي مع زيادات الحافظ ابن رجب الحنبلي رحمه الله التي أتمها إلى خمسين تُعَدُّ قواعد كلية وأصولاً عامة في شريعة الإسلام.

وقد درج العلماء على شرح هذه الأحاديث، وقد قام مركز الترجمة بجمعية الدعوة وتوعية الجاليات بالربوة بالشراكة مع جمعية خدمة المحتوى الإسلامي باللغات بإعداد «شرح الأربعين النووية». وحرص المركز على ترجمتها؛ لينتشر خيرها لغير الناطقين بالعربية؛ لكثرة عددهم في هذا الزمان.

وقد قام على إعداد هذا الشرح ثلة من طلبة العلم، فحرروا المادة العلمية من مصادرها الأصلية، مع الحرص على ذكر الشرح مختصرًا مُعضَّدًا بالفوائد النافعة بطريقة مختصرة رصينة مناسبة للترجمة.

فنسأل الله أن يجعل ما كُتِبَ في موازين الحسنات، وأن ينفع بهذا الجهد جميع الأنام.

وصلى الله وسلم على نبينا محمد.

الحديث الأول

عَنْ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ أَبِي حَفْصٍ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ: سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: «إنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ، وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى فَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ فَهِجْرَتُهُ إلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ، وَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ لِدُنْيَا يُصِيبُهَا أَوْ امْرَأَةٍ يَنْكِحُهَا فَهِجْرَتُهُ إلَى مَا هَاجَرَ إلَيْهِ». رَوَاهُ إِمَامَا الْمُحَدِّثِينَ أَبُو عَبْدِ اللهِ مُحَمَّدُ بنُ إِسْمَاعِيل بن إِبْرَاهِيم بن الْمُغِيرَة بن بَرْدِزبَه الْبُخَارِيُّ، وَأَبُو الْحُسَيْنِ مُسْلِمُ بنُ الْحَجَّاج بن مُسْلِم الْقُشَيْرِيُّ النَّيْسَابُورِيُّ فِي صَحِيحَيْهِمَا اللذِينِ هُمَا أَصَحُّ الْكُتُبِ الْمُصَنَّفَةِ.

الشرح:

يُبَيِّنُ النبيُّ صلى الله عليه وسلم أنَّ كل الأعمال معتبرة بالنية، وأن قبول الأعمال أو ردها، وترتُّب أجورها متعلق بالنية، وهذا الحكم عام في جميع الأعمال من العبادات والمعاملات، وأن لكل امرئ ما نوى، فمن قصد بعمله منفعةً؛ لم يَنَلْ إلا تلك المنفعة ولا ثواب له، ومن قصد بعمله التقرب إلى الله تعالى؛ نال من عمله المثوبة والأجر ولو كان عملًا عاديًّا، كالأكل والشرب.

ثم ضرب النبي صلى الله عليه وسلم مثلًا لبيان تأثير النية في الأعمال مع تساويهما في الصورة الظاهرة، فبَيَّن أنَّ من قصد بهجرته وترك وطنه ابتغاء مرضات ربه، فهجرته هجرة شرعية مقبولة يثاب عليها؛ لصدق نيته، ومن قصد بهجرته منفعةً دنيوية، من مال، أو جاه، أو تجارة، أو زوجة؛ فلا ينال من هجرته إلا تلك المنفعة التي نواها، ولا نصيب له من الأجر والثواب.

الفوائد:

1- الحث على الإخلاص، فإن الله لا يقبل من العمل إلا ما كان خالصًا، وابتُغي به وجهه.

2- أن الأعمال العادية إذا فعلها المكلف على سبيل العادة؛ ليس له ثواب عليها، حتى يقصِدَ بها التقرب إلى الله.

3- النية يُفرَّق بها بين العبادات بعضها عن بعض، وأيضًا العبادات عن العادات.

الحديث الثاني

عَنْ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ أَيْضًا قَالَ: بَيْنَمَا نَحْنُ جُلُوسٌ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَاتَ يَوْمٍ، إذْ طَلَعَ عَلَيْنَا رَجُلٌ شَدِيدُ بَيَاضِ الثِّيَابِ، شَدِيدُ سَوَادِ ‌الشَّعَرِ، لَا يُرَى عَلَيْهِ أَثَرُ السَّفَرِ، وَلَا يَعْرِفُهُ مِنَّا أَحَدٌ. حَتَّى جَلَسَ إلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَسْنَدَ رُكْبَتَيْهِ إلَى رُكْبَتَيْهِ، وَوَضَعَ كَفَّيْهِ عَلَى فَخِذَيْهِ، وَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ أَخْبِرْنِي عَنِ الْإِسْلَامِ. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «الْإِسْلَامُ أَنْ تَشْهَدَ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، وَتُقِيمَ الصَّلَاةَ، وَتُؤْتِيَ الزَّكَاةَ، وَتَصُومَ رَمَضَانَ، وَتَحُجَّ الْبَيْتَ إنْ اسْتَطَعْت إلَيْهِ سَبِيلًا». قَالَ: صَدَقْت . فَعَجِبْنَا لَهُ يَسْأَلُهُ وَيُصَدِّقُهُ! قَالَ: فَأَخْبِرْنِي عَنِ الْإِيمَانِ. قَالَ: «أَنْ تُؤْمِنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ، وَتُؤْمِنَ بِالْقَدَرِ خَيْرِهِ وَشَرِّهِ». قَالَ: صَدَقْت. قَالَ: فَأَخْبِرْنِي عَنِ الْإِحْسَانِ. قَالَ: «أَنْ تَعْبُدَ اللَّهَ كَأَنَّك تَرَاهُ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاك» قَالَ: فَأَخْبِرْنِي عَنِ السَّاعَةِ. قَالَ: «مَا الْمَسْئُولُ عَنْهَا بِأَعْلَمَ مِنْ السَّائِلِ» قَالَ: فَأَخْبِرْنِي عَنْ أَمَارَاتِهَا، قَالَ: «أَنْ تَلِدَ الْأَمَةُ رَبَّتَهَا، وَأَنْ تَرَى الْحُفَاةَ الْعُرَاةَ الْعَالَةَ رِعَاءَ الشَّاءِ يَتَطَاوَلُونَ فِي الْبُنْيَانِ». ثُمَّ انْطَلَقَ، فَلَبِثْنَا مَلِيًّا، ثُمَّ قَالَ: «يَا عُمَرُ أَتَدْرِي مَنِ السَّائِلُ». قُلْتُ: اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. قَالَ: «فَإِنَّهُ جِبْرِيلُ أَتَاكُمْ يُعَلِّمُكُمْ دِينَكُمْ». رَوَاهُ مُسْلِمٌ.

الشرح:

يُخبِرُ عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنّ جبريل عليه السلام خرج على الصحابة رضي الله عنهم بصورةِ رجلٍ لا يُعرف، ومن صفاته أن ثيابَه شديدة البياض، وشعرَه شديد السواد، لا يُرى عليه أَثَرُ السَّفَر من ظهور التعب، والغبار، وتفرُّق الشَّعَر، واتساخ الثياب، ولا يَعرفه أحدٌ من الحاضرين، وهم جلوس عند النبي صلى الله عليه وسلم، فَجَلسَ بين يدي النبي صلى الله عليه وسلم جِلْسَة المُتَعلِّم، فسأله عن الإسلام، فأجابه بهذه الأركان التي تتضمن الإقرار بالشهادتين، والمحافظة على الصلوات الخمس، وأداء الزكاة لمستحقيها، وصيام شهر رمضان، وأداء فريضة الحج على المستطيع.

فقال السائل: صدقت، فاستغرب الصحابةُ من سؤالِه الدَّالِّ على عَدَمِ معرفتِه فيما يَظهر، ثم تصديقِه.

ثم سأله عن الإيمان، فأجابه بهذه الأركان الستة المتضمنة الإيمان بوجود الله تعالى وصفاته، وإفراده بأفعاله كالخلق، وإفراده بالعبادة، وأن الملائكة التي خلقها الله من نور عباد مُكْرَمون لا يعصون الله تعالى وبأمره يعملون، والإيمان بالكتب المنزلة على الرُّسُل من عند الله تعالى، كالقرآن والتوراة والإنجيل وغيرها، وأن أخرها القرآن وأنه ناسخ للشرائع السابقة، وبالرسل المبلِّغين عن الله دينَه ومنهم نوح، وإبراهيم، وموسى، وعيسى، وغيرهم ، وآخرهم محمد صلى الله عليهم وسلم، وغيرهم من الأنبياء والرسل، والإيمان باليوم الآخر، ويدخل فيه ما بعد الموت من القبر والحياة البرزخية، وأن الإنسان يُبعث بعد الموت ويُحاسب، ويكون مصيره إما إلى الجنة وإما إلى النار، والإيمان بأنَّ الله قدَّرَ الأشياء حسبما سَبَق به علمُه واقتضته حكمتُه وكتابته لذلك، ومشيئته له، ووقوعها على حسب ما قدَّرها، وخلقه لها.

ثم سأله عن الإحسان، فأخبره أن الإحسان أن يَعبُدَ اللهَ كأنه يراه، فإن لم يَتَحقَّق له الوصولُ إلى هذه المنزلة؛ فإن الله تعالى يراه؛ فلْيَعبُدِ اللهَ تعالى مع استحضار مراقبة الله إياه واطلاعه عليه، فالأولى منزلة المشاهدة، وهي أعلى، والثانية منزلة المراقبة.

ثم سأله متى الساعة فبيَّن النبيُّ صلى الله عليه وسلم أنَّ عِلْمَ الساعة ممّا استأثر الله بعلمه، فلا يعلمه أحد من الخلق، لا المسؤول عنها ولا السائل.

ثم سأله عن علامات الساعة، فبين أنَّ مِن علاماتِها كثرةَ السراري وأولادِها، أو كثرةَ عقوقِ الأولاد لأمهاتِهم يعاملونهن معاملة الإماء، وأن رعاةَ الغنم والفقراء تُبسط لهم الدنيا في آخر الزمان، فيتفاخرون في زخرفة المباني وتشييدِها.

ثم أخبر النبيُّ صلى الله عليه وسلم أنَّ السائل هو جبريل جاء لتعليم الصحابة هذا الدين الحنيف.

الفوائد:

1- حُسْن خُلُقِ النبي صلى الله عليه وسلم، وأنه يجلس مع أصحابه ويجلسون إليه.

2- مشروعية الرفق بالسائل وتقريبه؛ ليتمكن من السؤال غير مُنْقَبِضٍ ولا خائف.

3- الأدب مع المعلِّم كما فعل جبريل عليه السلام، حيث جلس أمام النبي صلى الله عليه وسلم جِلْسَة المتأدِّب ليأخذ منه.

4- بيان أن أركان الإسلام خمسة، وأن أركان الإيمان ستة.

5- عند اجتماع الإسلام والإيمان يُفسَّر الإسلام بالأعمال الظاهرة، والإيمان بالأعمال الباطنة.

6- بيان أن الدين درجات متفاوتة، فالدرجة الأولى: الإسلام، والثانية: الإيمان، والثالثة: الإحسان، وهو أعلاها.

7- الأصل في السائل عدم العلم، والجهل هو الباعث على السؤال؛ لذلك عَجِب الصحابةُ من سؤال جبريل عليه السلام وتصديقِه.

8- أن من الفقه في الدعوة والتعليم البدء بالأهمِّ فالأهمِّ؛ لأنَّه بُدىء بالشهادَتين في تفسير الإسلام، وبُدىء بالإيمان بالله في تفسير الإيمان.

9- أن من أساليب التعليم: سؤال أهل العلم ما لا يجهله السائل؛ ليُعَلِّم غيرَه.

10- علم الساعة مِمَّا استأثر الله بعلمه؛ ولها أمارات تدل على قرب وقوعها.

الحديث الثالث

عَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا قَالَ: سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: «بُنِيَ الْإِسْلَامُ عَلَى خَمْسٍ: شَهَادَةِ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، وَإِقَامِ الصَّلَاةِ، وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ، وَحَجِّ الْبَيْتِ، وَصَوْمِ رَمَضَانَ». رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ، وَمُسْلِمٌ.

الشرح:

شَبَّهَ النبيُّ صلى الله عليه وسلم الإسلامَ بِبِناءٍ مُحْكَمٍ بأركانه الخمسة الحاملة لذلك البُنيان، وبقية خصال الإسلام كتتمة البنيان.

وأولُ هذه الأركان: الشهادتان؛ شهادة أن لا إله إلا الله وأنَّ محمدًا رسول الله، وهما ركن واحد؛ لا تنفك إحداهما عن الأخرى، ينطق العبد بهما معترفًا بوحدانية الله واستحقاقه للعبادة وحده دون ما سواه، وعاملًا بمقتضاها، ومؤمنًا برسالة محمد صلى الله عليه وسلم مُتَّبِعًا له.

والركن الثاني: إقامة الصلاة، وهي الصلوات الخمس المفروضات في اليوم والليلة: الفجر، والظهر، والعصر، والمغرب، والعشاء، بشروطها وأركانها وواجباتها.

والركن الثالث: إخراج الزكاة المفروضة، وهي عبادة ماليَّة واجبة في كل مال بَلَغَ قَدْرًا مُحَدّدًا في الشرع، تُعطى لمستحقيها ممن حددهم الشارع الحكيم.

والركن الرابع: الحج، وهو قَصْدُ مكة لإقامة المَناسك، تَعبُّدًا لله عز وجل.

والركن الخامس: صوم رمضان، وهو الإمساك عن الأكل والشرب وغيرهما من المفطرات بِنِيَّةِ التعبُّد لله، من طلوع الفجر إلى غروب الشمس.

الفوائد:

1- تلازم الشهادتين؛ فلا تصح إحدهما إلا بالأخرى؛ لذا جعلهما ركنًا واحدًا.

2- الشهادتان هما أساس الدين، فلا يُقبل قولٌ ولا عملٌ إلا بهما.

الحديث الرابع

عَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ: حَدَّثَنَا رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ الصَّادِقُ الْمَصْدُوقُ: «إنَّ أَحَدَكُمْ يُجْمَعُ خَلْقُهُ فِي بَطْنِ أُمِّهِ أَرْبَعِينَ يَوْمًا، ثُمَّ يَكُونُ عَلَقَةً مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ يَكُونُ مُضْغَةً مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ يُرْسَلُ إلَيْهِ الْمَلَكُ فَيَنْفُخُ فِيهِ الرُّوحَ، وَيُؤْمَرُ بِأَرْبَعِ كَلِمَاتٍ: بِكَتْبِ رِزْقِهِ، وَأَجَلِهِ، وَعَمَلِهِ، وَشَقِيٍّ أَمْ سَعِيدٍ؛ فَوَاَللَّهِ الَّذِي لَا إلَهَ غَيْرُهُ إنَّ أَحَدَكُمْ لَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ الْجَنَّةِ حَتَّى مَا يَكُونُ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا إلَّا ذِرَاعٌ فَيَسْبِقُ عَلَيْهِ الْكِتَابُ فَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ فَيَدْخُلُهَا. وَإِنَّ أَحَدَكُمْ لَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ حَتَّى مَا يَكُونُ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا إلَّا ذِرَاعٌ فَيَسْبِقُ عَلَيْهِ الْكِتَابُ فَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ الْجَنَّةِ فَيَدْخُلُهَا». رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ، وَمُسْلِمٌ.

الشرح:

قال ابن مسعود رضي الله عنه: حدثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو الصادق في قوله، والمصدَّق حيث صَدَّقَه الله تعالى: إن أحدكم يُجمع خلقه، وذلك أن الرجل إذا أتى أهله فمَنِيُّه المتفرِّق يُجمع في بطن المرأة أربعين يومًا نطفة.

ثم يكون علقة وهي الدم الغليظ الجامد، وهذا في الأربعين الثانية.

ثم يكون مضغة وهي قطعة من اللحم قدر ما يُمضَغ، وهذا في الأربعين الثالثة.

ثم يرسِل الله إليه الملك، فينفخ فيه الروح بعد انتهاء الأربعين الثالثة.

ويُؤمر الملك أن يكتب أربع كلمات وهي: رزق العبد، وهو ما مقدار ما سيحصل عليه من الرزق في عمره.

وأجله، وهو مدة بقائه في الدنيا.

وعمله، ما هو، وشقيٌ أو سعيد.

ثم أقسم النبي صلى الله عليه وسلم أن الواحد ليعمل بعمل أهل الجنة ويكون عمله صالحًا، أي فيما يظهر للناس، ويظل كذلك حتى ما يكون بينه وبين الجنة إلا ذراع، أي: ما يبقى بينه وبين أن يَصِلَها إلا كمن بقي بينه وبين موضع من الأرض ذراع، فيغلب عليه الكتاب وما قُدِّر عليه فعند ذلك يعمل بعمل أهل النار فيُختم له به فيدخل النار؛ لأن شرط قبول عمله أن يثبت عليه ولا يُبدِّل، وآخَرُ من الناس يعمل أعمال أهل النار حتى يقترب من أن يدخلها، وكأن بينه وبين النار مقدار ذراع من الأرض، فيغلب عليه الكتاب وما قُدِّر عليه فيعمل بعمل أهل الجنة فيختم له بذلك فيدخل الجنة.

الفوائد:

1- بيان مراحل خلق الإنسان.

2- وجوب الإيمان بالقضاء والقدر.

3- الخوف من سوء العاقبة، والحث على سؤال الله الثبات إلى الممات.

4- التحذير من الاغترار بصور الأعمال؛ فإنما الأعمال بالخواتيم.

5- هذا الحديث في حق من لا يعمل إخلاصًا وإيمانًا، بل يعمل بعمل أهل الجنة فيما يبدو للناس فقط، أما من يعمل بعمل أهل الجنة حقيقة، إخلاصًا وإيمانًا، فالله تعالى أعدل وأكرم وأرحم من أن يَخذُلَه في نهاية عمره، قال تعالى: ﴿يُثَبِّتُ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ بِٱلۡقَوۡلِ ٱلثَّابِتِ فِي ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَا وَفِي ٱلۡأٓخِرَةِۖ وَيُضِلُّ ٱللَّهُ ٱلظَّٰلِمِينَۚ وَيَفۡعَلُ ٱللَّهُ مَا يَشَآءُ﴾ [إبراهيم: 27]

الحديث الخامس

عَنْ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ أُمِّ عَبْدِ اللَّهِ عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا، قَالَتْ: قَالَ: رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَنْ أَحْدَثَ فِي أَمْرِنَا هَذَا مَا لَيْسَ مِنْهُ فَهُوَ رَدٌّ». رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ، وَمُسْلِمٌ.

وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ: «مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ».

الشرح:

يُبَيِّنُ النبيُّ صلى الله عليه وسلم أنَّ مَن اخترَعَ في الدِّينِ شيئًا أو عَمِلَ عملًا لم يَدُل عليه دليلٌ من الكتاب والسنة، فهو مَردودٌ على صاحبِه غير مقبول عند الله.

الفوائد:

1- العبادات مبناها على ما جاء في الكتاب والسنة، فلا نعبد الله تعالى إلا بما شَرَعَ لا بالبدع والمُحْدَثات.

2- الدين ليس بالرأي والاستحسان، وإنما بالاتباع للرسول صلى الله عليه وسلم.

3- هذا الحديث دليلٌ على كمال الدين.

4- البدعة هي كل ما أُحْدِثَ في الدين ولم يَكنْ على عهدِ النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه من عقيدةٍ أو قولٍ أو عملٍ.

5- هذا الحديث أصلٌ من أصول الإسلام، وهو كالميزان للأعمال، فكما أنَّ كلَّ عَمَلٍ لا يُراد به وجه الله تعالى، فليس لعامله فيه ثواب، فكذلك كلُّ عمل لا يكون وِفْقَ ما جاء به رسول الله صلى الله عليه وسلم فهو مردود على عامله.

6- الحديث قاعدة في رد البدع المحدثات والمنكرات الواقعات.

7- المُحْدَثات المنهي عنها ما كان من أمور الدين وليس الدنيا.

الحديث السادس

عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، قَالَ: سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: «إنَّ الْحَلَالَ بَيِّنٌ، وَإِنَّ الْحَرَامَ بَيِّنٌ، وَبَيْنَهُمَا أُمُورٌ مُشْتَبِهَاتٌ لَا يَعْلَمُهُنَّ كَثِيرٌ مِنْ النَّاسِ، فَمَنْ اتَّقَى الشُّبُهَاتِ فَقْد اسْتَبْرَأَ لِدِينِهِ وَعِرْضِهِ، وَمَنْ وَقَعَ فِي الشُّبُهَاتِ وَقَعَ فِي الْحَرَامِ، كَالرَّاعِي يَرْعَى حَوْلَ الْحِمَى يُوشِكُ أَنْ يَرْتَعَ فِيهِ، أَلَا وَإِنَّ لِكُلِّ مَلِكٍ حِمًى، أَلا وَإِنَّ حِمَى اللَّهِ مَحَارِمُهُ، أَلا وَإِنَّ فِي الْجَسَدِ مُضْغَةً إذَا صَلَحَتْ صَلَحَ الْجَسَدُ كُلُّهُ، وَإذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الْجَسَدُ كُلُّهُ، أَلَا وَهِيَ الْقَلْبُ». رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ، وَمُسْلِمٌ.

الشرح:

يُبَيِّنُ النبيُّ صلى الله عليه وسلم قاعدةً عامةً في الأشياء، وأنها تنقسم في الشريعة إلى ثلاثة أقسام: حَلال بَيِّن، وحرام بَيِّن، وأمور مشتبهات غير واضحة الحكم من حيث الحِلِّ والحُرْمة، لا يعلم حُكمَها كثير من الناس.

فمَن ترك تلك الأشياء المشتبهة عليه؛ سَلِم دينُه بالبُعد عن الوقوع في الحرام، وسَلِم له عِرضُه من كلام الناس بما يَعيبون عليه بسبب ارتكابه هذا المشتبه.

ومَن لم يجتنب المشتبهات؛ فقد عَرَّض نفسَه إما للوقوع في الحرام، أو نيل الناس من عرضه.

وضرب الرسول صلى الله عليه وسلم مثلًا ليُبيِّن حال من يرتكب الشبهات وأنه كالراعي يرعى ماشيتَه قُرْبَ أرضٍ قد حماها صاحبها، فتوشك ماشيةُ الراعي أن ترعى في هذا الحمى لقربها منه، فكذلك من يفعل ما فيه شبهة، فإنه بذلك يقترب من الحرام فيوشك أن يقع فيه.

وبعدها أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن في الجسد مضغة (وهي القلب) يصلح الجسد بصلاحها، ويفسد بفسادها.

الفوائد:

1- الحديث قاعدة في اتقاء الشبهات.

2- الترغيب في ترك المشتبِه، الذي لم يَتبيّن حكمُه.

3- الحديث دليل على أن الحلال واضح لا يخفى حله، وكذا الحرام، وبين الحلال والحرام أمر مشتبه حكمه يخفى على أكثر الناس، فينبغي تركه، وسؤال أهل العلم عما يَجْهَلُ مَن خفي الحكم عليه.

4- أهمية صلاح القلب في صلاح الأعمال.

الحديث السابع

عَنْ أَبِي رُقَيَّةَ تَمِيمِ بْنِ أَوْسٍ الدَّارِيِّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «الدِّينُ النَّصِيحَةُ. قُلْنَا: لِمَنْ؟ قَالَ لِلَّهِ، وَلِكِتَابِهِ، وَلِرَسُولِهِ، وَلِأَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ وَعَامَّتِهِمْ». رواه مسلم.

الشرح:

أَخبَرَ النبيُّ صلى الله عليه وسلم بأنَّ الدين قائمٌ على الإخلاص والصدق، حتى يؤدَّى كما أوجب الله، كاملًا دون تقصير أو غش.

فقيل للنبي صلى الله عليه وسلم: لمن تكون النصيحة؟ فقال:

أولًا: النصيحة لله سبحانه وتعالى: بإخلاص العمل له، وعدم الإشراك به، وأن نؤمن بربوبيته وألوهيته وأسمائه وصفاته، وتعظيم أمره، والدعوة إلى الإيمان به.

ثانيًا: النصيحة لكتابه وهو القرآن الكريم: بأن نعتقد أنه كلامُه، وآخِرُ كتبِه، وأنه ناسخ لجميع الشرائع قبله، ونعظِّمه، ونتلوه حق تلاوته، ونعمل بمُحْكَمِه، والتسليم بمتشابهه، ونَذُبُّ عن تأويل المُحرِّفين له، ونعتبر بمواعظه، ونشر علومه، والدعوة إليه.

ثالثًا: النصيحة لرسوله محمد صلى الله عليه وسلم: بأن نعتقدَ أنه آخِرُ الرسل، ونصدِّقَه فيما جاء به، ونَمتَثِلَ أمرَه، ونجتنبَ نهيَه، وأن لا نتعبدَ لله إلا بما جاء به، ونُعظِّمَ حقَّه، ونوقرَه، ونَبُثَّ دعوته، ونَنشُرَ شريعتَه، ونَنفيَ التُّهَمَ عنه.

رابعًا: النصيحة لأئمة المسلمين: بمعاونتهم على الحق، وعدم منازعتهم الأمر، والسمع والطاعة لهم في طاعة الله.

خامسًا: النصيحة للمسلمين: بالإحسان إليهم ودعوتهم، وكَفِّ الأذى عنهم، ومحبة الخير لهم، والتعاون معهم على البر والتقوى.

الفوائد:

1- الأمر بالنصيحة للجميع.

2- عِظَم منزلة النصيحة من الدين.

3- من النصيحة: تصفية النفس من الغش للمنصوح له، وإرادة الخير له.

4- حسن تعليم الرسول صلى الله عليه وسلم حيث يذكر الشيء مُجملًا ثم يُفصّله.

5- البدء بالأهم فالأهم، حيث بدأ النبي صلى الله عليه وسلم بالنصيحة لله، ثم لكتابه، ثم لرسوله صلى الله عليه وسلم، ثم لأئمة المسلمين، ثم لعامتهم.

الحديث الثامن

عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «أُمِرْت أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَشْهَدُوا أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ، وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ، فَإِذَا فَعَلُوا ذَلِكَ عَصَمُوا مِنِّي دِمَاءَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ إلَّا بِحَقِّ الْإِسْلَامِ، وَحِسَابُهُمْ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى». رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ، وَمُسْلِمٌ.

الشرح:

يخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن الله أمره بمقاتلة المشركين حتى يشهدوا بأن لا معبود بحق إلا الله وحده لا شريك له، ويشهدوا لمحمد صلى الله عليه وسلم بالرسالة، ويعملوا بمقتضى هذه الشهادة من المحافظة على الصلوات الخمس في اليوم والليلة، ويعطوا الزكاة المفروضة لمستحقيها. فإذا فعلوا هذه الأمور؛ فإن الإسلام يعصم دماءهم وأموالهم، فلا يحل قتلهم إلا إذا ارتكبوا جريمة أو جناية يستحقون عليها القتل بموجب أحكام الإسلام، ثم يوم القيامة يتولى الله تعالى حسابهم حيث يعلم سرائرهم.

الفوائد:

1- الأحكام إنما تجري على الظواهر، والله يتولى السرائر.

2- أهمية الدعوة إلى التوحيد، وأنه أول ما يُبدأ به في الدعوة.

3- لا يعني هذا الحديث إكراه المشركين على الدخول في الإسلام، بل هم مخيرون بين الدخول في الإسلام أو دفع الجزية؛ فإن أَبَوْا؛ فليس إلا المقاتلة بموجب أحكام الإسلام.

4- أن دماء وأموال المسلمين معصومة.

5- إثبات الحساب في الآخرة.

الحديث التاسع

عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ صَخْرٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ: سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: «مَا نَهَيْتُكُمْ عَنْهُ فَاجْتَنِبُوهُ، وَمَا أَمَرْتُكُمْ بِهِ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ، فَإِنَّمَا أَهْلَكَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ كَثْرَةُ مَسَائِلِهِمْ وَاخْتِلَافُهُمْ عَلَى أَنْبِيَائِهِمْ». رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ، وَمُسْلِمٌ.

الشرح:

بيَّن لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه إذا نهانا عن شيء؛ وجب علينا اجتنابه بدون استثناء، وإذا أمرنا بشيء؛ فعلينا أن نفعل منه ما نطيق.

ثم حذرنا حتى لا نكون كبعض الأمم السابقة حينما أكثروا من الأسئلة على أنبيائهم مع مخالفتهم لهم، فعاقبهم الله بأنواع من الهلاك والدمار، فينبغي أن نخالفهم في معتقدهم وطريقتهم؛ حتى لا نهلك كما هلكوا.

الفوائد:

1- الحديث قاعدة في بيان الواجب في إتيان المأمور واجتناب المحظور.

2- النهي لم يُرخَّص في ارتكاب شيء منه؛ لأنه مقدور على تركه، والأمر قُيِّدَ بالاستطاعة.

3- النهي عن كثرة السؤال، وقد قسَّم العلماء السؤال إلى قسمين: أحدهما: ما كان على وجه التعليم لما يحتاج إليه من أمر الدين، فهذا مأمور به، ومن هذا النوع أسئلة الصحابة. والثاني: ما كان على وجه التعنُّت والتكلُّف، وهذا هو المنهي عنه.

4- تحذير هذه الأمة من مخالفة نبيها، كما وقع في الأمم التي قبلها.

5- المنهي عنه يشمل القليل والكثير؛ لأنه لا يتأتّى اجتنابه إلا باجتناب قليله وكثيره، فمثلًا: نهانا عن الرّبا فيشمل قليله وكثيره.

6- ترك الأسباب المُفضية إلى المحرم؛ لأن ذلك من معنى الاجتناب.

7- لا ينبغي للإنسان إذا سمع أمر الرسول صلى الله عليه وسلم أن يقول: هل هو واجب أم مستحبّ؛ بل عليه بالمبادرة إلى الفعل؛ لقوله: «فَأْتُوا مِنْهُ مَا استَطَعْتُمْ».

8- كثرة المسائل سبب للهلاك ولا سيّما في الأمور التي لا يمكن الوصول إليها، مثل المسائل الغيبية، وكيفية أحوال يوم القيامة، فلا نكثر السؤال فيها فنهلك، ونكون متنطّعين.

الحديث العاشر

عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إنَّ اللَّهَ طَيِّبٌ لَا يَقْبَلُ إلَّا طَيِّبًا، وَإِنَّ اللَّهَ أَمَرَ الْمُؤْمِنِينَ بِمَا أَمَرَ بِهِ الْمُرْسَلِينَ فَقَالَ تَعَالَى: يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنْ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا، وَقَالَ تَعَالَى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ ثُمَّ ذَكَرَ الرَّجُلَ يُطِيلُ السَّفَرَ أَشْعَثَ أَغْبَرَ يَمُدُّ يَدَيْهِ إلَى السَّمَاءِ: يَا رَبِّ! يَا رَبِّ! وَمَطْعَمُهُ حَرَامٌ، وَمَشْرَبُهُ حَرَامٌ، وَمَلْبَسُهُ حَرَامٌ، وَغُذِيَ ‌بِالْحَرَامِ، فَأَنَّى يُسْتَجَابُ لِذَلك». رواه مسلم.

الشرح:

أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن الله طيب قدوس منزه عن النقائص والعيوب، ومتصف بالكمالات، ولا يقبل من الأعمال والأقوال والاعتقادات إلا ما كان طيبًا، وهو الخالص لله، الموافق لهدي النبي صلى الله عليه وسلم، ولا ينبغي أن يتقرب إلى الله إلا بذلك. ومن أعظم ما يحصل به طِيبة الأعمال للمؤمن: طيب مطعمه، وأن يكون من حلال، فبذلك يزكو عمله، ولذا أمر الله المؤمنين بالذي أمر به المرسلين من أكل الحلال وعمل الصالحات، فقال: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلرُّسُلُ كُلُواْ مِنَ ٱلطَّيِّبَٰتِ وَٱعۡمَلُواْ صَٰلِحًاۖ إِنِّي بِمَا تَعۡمَلُونَ عَلِيمٞ﴾ [المؤمنون: 51]. وَقَالَ: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ كُلُواْ مِن طَيِّبَٰتِ مَا رَزَقۡنَٰكُمۡ﴾ [البقرة: 172]. ثم حذَّر صلى الله عليه وسلم من أكل الحرام الذي يُفسد العمل ويَمنع قبوله ويُبعد معه استجابة الدعاء، مهما بذل من أسباب القبول الظاهرة؛ منها: أولًا: إطالة السفر في وجوه الطاعات، كحج وجهاد وصلة رحم وغير ذلك. ثانيًا: التواضع ومظاهر الحاجة؛ فهو متفرق الشعر لعدم تمشيطه، متغير لونه ولون ثيابه من التراب. ثالثًا: يرفع يديه إلى السماء بالدعاء. رابعًا: يتوسل إلى الله بأسمائه ويُلِحُّ في ذلك: يا رب يا رب! ومع هذه الأسباب لإجابة الدعاء لم يُسمع له؛ وذلك لأن مطعومه ومشروبه وملبوسه حرام، وغذي بالحرام. فبعيد أن يُستجاب لمن هذه صفته، وكيف يُستجاب له!

الفوائد:

1- كمال الله عزوجل في ذاته، وصفاته وأفعاله، وأحكامه.

2- الأمر بإخلاص العمل لله عزوجل، والمتابعة للنبي صلى الله عليه وسلم.

3- استعمال ما يشجع على العمل، حيث قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إِنَّ الله أَمَرَ المُؤمنينَ بِمَا أَمَرَ بِهِ المُرسَلِيْنَ»، فإذا علم المؤمن أن هذا من مأمورات المرسلين؛ فإنه يتقوَّى ويتشجّع على الامتثال.

-من موانع استجابة الدعاء: أكل الحرام.

-من أسباب إجابة الدعاء خمسة أشياء: أحدها: إطالة السفر؛ لما فيه من الانكسار الذي هو من أعظم أسباب الإجابة. الثاني: حالة الإضطرار. الثالث: مد اليدين إلى السماء. الرابع: الإلحاح على الله بتكرير ذكر ربوبيته، وهو من أعظم ما يطلب به إجابة الدعاء. الخامس: إطابة المأكل والمشرب.

-أكل الحلال الطيب من الأسباب المعينة للعمل الصالح.

-الطيب ضد الخبيث، فإذا وُصف به تعالى أريد به أنه منزه عن النقائص مقدس عن الآفات، وإذا وُصف به العبد أريد به أنه البعيد عن رذائل الأخلاق وقبائح الأعمال والمتحلي بأضداد ذلك، وإذا وُصف به الأموال أريد به كونه حلالًا من خيار الأموال.

الحديث الحادي عشر

عَنْ أَبِي مُـحَمَّدٍ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ سِبْطِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَرَيْحَانَتِهِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا، قَالَ: «حَفِظْت مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دَعْ مَا ‌يَرِيبُكَ إلَى مَا لَا ‌يَرِيبُكَ». رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَالنَّسَائِيّ ، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ.

الشرح:

أَمَرَ النبي صلى الله عليه وسلم بترك ما يُشَكُّ فيه من الأقوال والأعمال أنه منهي عنه أو لا، أهو حرام أو حلال، إلى ما لا شك فيه مما تيقَّنتَ حُسْنَهُ وحِلَّه.

الفوائد:

1- على المسلم بناء أموره على اليقين وترك المشكوك فيه، وأن يكون في دينه على بصيرة.

2- النهي عن الوقوع في الشبهات.

3- إذا أردت الطمأنينة والاستراحة فاترك المشكوك فيه واطرحه جانبًا.

4- رحمة الله بعباده؛ إذ أمرهم بما فيه راحة النفس والبال ونهاهم عمّا فيه قلق وحيرة.

5- إذا تعارض الشك واليقين أخذنا باليقين وأعرضنا عن الشك.

الحديث الثاني عشر

عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مِنْ حُسْنِ إسْلَامِ الْمَرْءِ تَرْكُهُ مَا لَا يَعْنِيهِ». حَدِيثٌ حَسَنٌ، رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَغَيْرُهُ هكذا [1].

الشرح:

[1] هذا الحديث حسَّنه النووي، وضعَّفه غيره منهم أحمد والبخاري؛ لكنَّ معناه صحيح، دلَّت عليه الأحاديث الصحيحة.

بيَّن النبي صلى الله عليه وسلم: أن من كمال حسن إسلام المسلم وتمام إيمانه: ابتعاده عما لا يَعنيه ولا يخصه ولا يَهُمُّه وما لا يفيده من الأقوال والأفعال، أو مما لا يَعنيه من أمور الدين والدنيا، فالاشتغال بما ليس للإنسان ربما شَغَلَهُ عما يَعنيه، أو أداه إلى ما يلزمه اجتنابه؛ فإن الإنسان مسؤول عن أعماله يوم القيامة.

الفوائد:

1- الناس يتفاوتون في الإسلام، وأنه يزداد حسنًا ببعض الأعمال الصالحة.

2- ترك اللغو والفضول من الأقوال والأفعال دليل على كمال إسلام المرء.

3- الحث على الاشتغال فيما يعني المرءَ من شؤون دِينه ودنياه، فإذا كان مِن حُسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه، فمِن حُسنه إذًا اشتغالُه فيما يعنيه.

4- قال ابن القيم رحمه الله: وقد جمع النبي صلى الله عليه وسلم الورع كله في كلمة واحدة، فقال: "«مِنْ حُسْنِ إِسْلَامِ الْمَرْءِ: تَرْكُهُ مَا لَا يَعْنِيهِ»، فهذا يعُمُّ الترك لما لا يعني: من الكلام، والنظر، والاستماع، والبطش، والمشي، والفكر، وسائر الحركات الظاهرة والباطنة، فهذه كلمة شافية في الورع".

5- وقال ابن رجب: "هذا الحديث أصل عظيم من أصول الأدب".

6- الحث على طلب العلم؛ لأن به يَعرفُ الإنسان ما يعنيه مما لا يعنيه.

7- الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والنصحية مما تَعنِي الإنسان؛ لأنه مأمور بها.

8- يدخل في عموم معنى الحديث: الابتعاد عما لا يعني مما حرم الله عزوجل وما كرهه النبي صلى الله عليه وسلم، وكذلك ما لا يحتاج إليه من أمور أخروية كحقائق الغيب، وتفاصيل الحكم في الخلق والأمر، ومنها السؤال والبحث عن مسائل مُقَدَّرَة ومفترضة لم تقع، أو لا تكاد تقع، أو لا يتصور وقوعها.

الحديث الثالث عشر

عَنْ أَبِي حَمْزَةَ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ خَادِمِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى يُحِبَّ لِأَخِيهِ مَا يُحِبُّ لِنَفْسِهِ». رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ، وَمُسْلِمٌ.

الشرح:

بين النبي صلى الله عليه وسلم أنه لا يتحقق الإيمان الكامل لأحد من المسلمين حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه من الطاعات وأنواع الخيرات في الدين والدنيا، ويكره له ما يكره لنفسه، فإن رأى في أخيه المسلم نقصًا في دينه؛ اجتهد في إصلاحه، وإن رأى فيه خيرًا؛ سدده وأعانه، ونصحه.

الفوائد:

1- وجوب محبة المرء لأخيه ما يحب لنفسه؛ لأن نفي كمال الإيمان عمَّن لا يحب لأخيه ما يحب لنفسه يدل على وجوب ذلك.

2- عِظَمُ حق الأخوة في الله.

3- تحريم كل ما ينافي هذه المحبة من الأقوال والأفعال كالغش، والغيبة، والحسد، والعدوان على نفس المسلم أو ماله أو عرضه.

4- استحباب استخدام بعض الألفاظ المحفِّزة على الفعل؛ لقوله: «لأخِيهِ».

5- أن من الإيمان أيضًا أن يُبغض لأخيه ما يُبغض لنفسه من الشر، ولم يَذكره؛ لأن حب الشيء مستلزم لبغض نقيضه، فتَرَكَ التنصيص عليه اكتفاءً.

6- محبة المسلم الخير لأخيه تعُمُّ الطاعات والمباحات الدنيوية والأخروية.

الحديث الرابع عشر

عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لَا يَحِلُّ دَمُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ إلَّا بِإِحْدَى ثَلَاثٍ: الثَّيِّبُ الزَّانِي، وَالنَّفْسُ بِالنَّفْسِ، وَالتَّارِكُ لِدِينِهِ الْمُفَارِقُ لِلْجَمَاعَةِ». رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ، وَمُسْلِمٌ.

الشرح:

بَيَّنَ النبي صلى الله عليه وسلم أن دم المسلم حرام، إلا إن فعل واحدة من خصال ثلاث: الأولى: من وقع في فاحشة الزنا، وكان قد أحصن بأن وطئ بعقد صحيح؛ فيحل قتله بالرجم. الثانية: من قتل نفسًا معصومة عمدًا بغير حق؛ قُتِلَ بشروطه. الثالثة: الخارج عن جماعة المسلمين؛ إما بترك دينه الإسلام كله بالردة، أو المفارق بغير ردة بترك بعضه كأهل البغي، وقُطَّاع الطريق، والمحاربين من الخوارج وغيرهم.

الفوائد:

1- تحريم فعل هذه الخصال الثلاث، وأن من فعل واحدة منها استحق عقوبة القتل: إما كفرًا، وهو المرتد عن الإسلام، وإما حدًّا، وهما: الثيب الزاني، والقاتل عمدًا.

2- وجوب حفظ الأعراض ونقائها.

3- وجوب احترام المسلم، وأنه معصوم الدم.

4- الحث على التزام جماعة المسلمين وعدم مفارقتهم.

5- حُسْنُ تعليم النبي صلى الله عليه وسلم حيث يَأتي كلامه أحيانًا بالتقسيم؛ لأن التقسيم يحصر المسائل ويجمعها وهو أسرع حفظًا.

6- شَرَعَ الله الحدود لردع الجُناة، ولحماية المجتمع ووقايته من الجرائم.

7- تطبيق هذه الحدود من اختصاص ولي الأمر.

8- أسباب القتل أكثر من ثلاثة؛ ولكنها لا تخرج عنها، قال ابن العربي فيما نقله الحافظ: ‌"وَلَا ‌تَخْرُجْ ‌عَنْ ‌هَذِهِ ‌الثَّلَاثَةِ بِحَالٍ فَإِنَّ مَنْ سَحَرَ أَوْ سَبَّ نَبِيَّ اللهِ كُفِّرَ فَهُوَ دَاخِلٌ فِي التَّارِكِ لِدِينِهِ".

الحديث الخامس عشر

عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ؛ فَلْيَقُلْ خَيْرًا أَوْ لِيَصْمُتْ، وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ؛ فَلْيُكْرِمْ جَارَهُ، وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ؛ فَلْيُكْرِمْ ضَيْفَهُ». رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ، وَمُسْلِمٌ.

الشرح:

بَيَّنَ النبيُّ صلى الله عليه وسلم أنَّ العبدَ المؤمن بالله واليوم الآخر الذي إليه معاده وفيه مجازاته بعمله، يَحُثُّه إيمانُه على فعل هذه الخصال:

الأولى: القول الحسن: من التسبيح والتهليل، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، والإصلاح بين الناس، والكلام الطيب، فإنْ لم يفعل فلْيلزم السكوت، ويَكُفَّ أذاه، ويحفظ لسانه.

الثاني: إكرام الجار: بالإحسان إليه، وعدم إيذائه.

الثالث: إكرام الضيف القادم لزيارتك: بطِيْبِ الكلام، وإطعام الطعام، ونحو ذلك.

الفوائد:

1- الإيمان بالله واليوم الآخر أَصْلٌ لكلِّ خير، ويَبعث على فعل الصالحات.

2- التحذير من آفات اللسان.

3- الإسلام دِين الأُلفة والكرم.

4- هذه الخصال من شُعَب الإيمان ومن الآداب المحمودة.

5- كثرة الكلام قد تَجُرُّ إلى المكروه أو المحرَّم، والسلامة في عدم الكلام إلا في الخير.

الحديث السادس عشر

عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، أَنْ رَجُلًا قَالَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَوْصِنِي. «قَالَ: لَا تَغْضَبْ»، فَرَدَّدَ مِرَارًا، قَالَ: «لَا تَغْضَبْ» . رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.

الشرح:

طَلبَ أحدُ الصحابة رضوان الله عليهم من النبي صلى الله عليه وسلم أن يَدُلَّه على شيء ينفعه، فأمره ألّا يغضب، ومعنى ذلك أن يَجتنبَ الأسبابَ التي تحمله على الغضب، وأن يَضبطَ نفسَه إذا حَصَل له الغضب، فلا يَتَمادى مع غضبه بالقتل أوالضرب أو السب ونحو ذلك.

وردَّدَ الرجلُ طَلَبَ الوصيةِ مَرَّات، فلم يَزِدْه صلى الله عليه وسلم في الوصية على «لَا تَغْضَبْ».

الفوائد:

1- التحذير من الغضب وأسبابه، فإنه جِماعُ الشر، والتحرُّزُ منه جماعُ الخير.

2- الغضب لله كالغضب عند انتهاك محارم الله من الغضب المحمود.

3- فضيلة ضبط النفس عن الغضب عند وقوع أسبابه.

4- تَكرار الكلام عند الحاجة حتى يَعِيَه السامعُ ويُدرك أهميتَه.

5- فضيلة طلب الوصية من العالِم.

الحديث السابع عشر

عَنْ أَبِي يَعْلَى شَدَّادِ بْنِ أَوْسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، عَنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «إنَّ اللَّهَ كَتَبَ الْإِحْسَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ، فَإِذَا قَتَلْتُمْ فَأَحْسِنُوا الْقِتْلَةَ، وَإِذَا ذَبَحْتُمْ فَأَحْسِنُوا الذِّبْحَةَ، وَلْيُحِدَّ أَحَدُكُمْ شَفْرَتَهُ، وَلْيُرِحْ ذَبِيحَتَهُ». رَوَاهُ مُسْلِمٌ.

الشرح:

يُخبرُ النبيُّ صلى الله عليه وسلم أن الله تعالى أوجبَ علينا الإحسانَ في كل الأشياء، والإحسان: هو مراقبة الله على الدوام، في عبادته، وفي بذل الخير وكف الأذى عن المخلوقين، ومن ذلك: الإحسان في قتل القِصاص، وذبح ما حَلَّ أكله.

فالإحسان في القتل عند القصاص: بأن يختار أسهلَ الطُّرُق وأخَفَّها وأسرعَها زهوقًا للمقتول.

والإحسان في الذبح عند الذكاة: بأن يَرفُقَ بالبهيمة بإحداد الآلة، وألّا تُحَدَّ أمام الذبيحة وهي تنظر إليها، وألَّا تُذبح وهناك مِنَ الماشية من ينظر إليها.

الفوائد:

1- رحمة الله عزوجل ولطفه بالخلق.

2- إحسان القتل والذبح بأن يكون على الوجه المشروع.

3- كمال الشريعة واشتمالها على كل خير، ومن ذلك رحمة الحيوان والطير والرفق به.

4- النهي عن المُثْلة بالإنسان بعد قتله.

5- تحريم كل ما فيه تعذيب للحيوان.

الحديث الثامن عشر

عَنْ أَبِي ذَرٍّ جُنْدَبِ بْنِ جُنَادَةَ، وَأَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا، عَنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «اتَّقِ اللَّهَ حَيْثُمَا كُنْت، وَأَتْبِعِ السَّيِّئَةَ الْحَسَنَةَ تَمْحُهَا، وَخَالِقِ النَّاسَ بِخُلُقٍ حَسَنٍ». رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: حَدِيثٌ حَسَنٌ، وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ: حَسَنٌ صَحِيحٌ[2].

الشرح:

[2] هذا الحديث حسَّنه النووي، وضعَّفه غيره منهم الدار قطني؛ لكن معناه صحيح دلَّت عليه الأحاديث الصحيحة.

يأمر النبي صلى الله عليه وسلم بثلاثة أمور، الأول: تقوى الله وذلك بفعل الواجبات، وترك المحرمات، في كل مكان وزمان وحال، في السر والعلانية، وفي العافية والبلاء وغير ذلك، الثاني: إذا وقعت في سيئة، فافعل بعدها حسنة من صلاة وصدقة وبر وصلة وتوبة وغير ذلك، فإن ذلك يمحو السيئة. الثالث: عامِلِ الناس بأخلاق حسنة، مِنْ تبسم في وجوههم، ورفق ولين وبذل معروف وكف أذى.

الفوائد:

1- فضل الله عزوجل على العباد في رحمته ومغفرته وعفوه.

2- اشتمل الحديث على الحقوق الثلاثة: حق الله بالتقوى، وحق النفس بفعل الحسنات بعد السيئات، وحق الناس بالمعاملة بالأخلاق الحسنة.

3- الترغيب في فعل الحسنات بعد السيئات، وحسن الخلق وهما من خصال التقوى، وإنما أُفرد بالذكر للحاجة إلى بيانها.

4- الحث على مراقبة الله في جميع الأحوال والأوقات.

5- الترغيب بحسن الخلق من طلاقة الوجه، وكف الأذى، ونحوه.

الحديث التاسع عشر

عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا قَالَ: كُنْتُ خَلْفَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمًا، فَقَالَ: «يَا غُلَامِ! إنِّي أُعَلِّمُك كَلِمَاتٍ: احْفَظْ اللَّهَ يَحْفَظْك، احْفَظْ اللَّهَ تَجِدْهُ تُجَاهَك، إذَا سَأَلْت فَاسْأَلِ اللَّهَ، وَإِذَا اسْتَعَنْت فَاسْتَعِنْ بِاَللَّهِ، وَاعْلَمْ أَنَّ الْأُمَّةَ لَوْ اجْتَمَعَتْ عَلَى أَنْ يَنْفَعُوكَ بِشَيْءٍ لَمْ يَنْفَعُوكَ إلَّا بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللَّهُ لَك، وَإِنْ اجْتَمَعُوا عَلَى أَنْ يَضُرُّوكَ بِشَيْءٍ لَمْ يَضُرُّوكَ إلَّا بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللَّهُ عَلَيْكَ؛ رُفِعَتْ الْأَقْلَامُ، وَجَفَّتْ الصُّحُفُ». رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ.

وَفِي رِوَايَةِ غَيْرِ التِّرْمِذِيِّ: «احْفَظْ اللَّهَ تَجِدْهُ أَمَامَكَ، تَعَرَّفْ إلَى اللَّهِ فِي الرَّخَاءِ يَعْرِفْكَ فِي الشِّدَّةِ، وَاعْلَمْ أَنَّ مَا أَخْطَأَكَ لَمْ يَكُنْ لِيُصِيبَكَ، وَمَا أَصَابَكَ لَمْ يَكُنْ لِيُخْطِئَكَ، وَاعْلَمْ أَنَّ النَّصْرَ مَعَ الصَّبْرِ، وَأَنْ الْفَرَجَ مَعَ الْكَرْبِ، وَأَنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا».

الشرح:

يُخبرُ ابنُ عباس رضي الله عنهما أنه كان صغيرًا راكبًا مع النبي صلى الله عليه وسلم على دابة، فقال له عليه الصلاة والسلام: إني أُعلِّمك أمورًا وأشياءَ ينفعك الله بها:

احفظ الله؛ بِحفظِ أوامرِه، واجتنابِ نواهيه، بحيث يَجِدُكَ في الطاعات والقربات، ولا يجدُكَ في المعاصي والآثام، فإن فعلتَ ذلك؛ كان جزاؤك أن يحفظَك الله من مكاره الدنيا والآخرة، وينصرَك في مُهماتِك أينما توجَّهتَ.

وإذا أردتَ أن تسأل شيئًا، فلا تسألْ إلا الله؛ فإنه وحده الذي يُجيب السائلين.

وإذا أردتَ العونَ فلا تستعنْ إلا بالله.

ولْيكُن عندك يقينٌ أنه لن تحصل لك منفعة ولو اجتمع على منفعتِك أهلُ الأرض جميعًا إلا ما كتبه الله لك، ولن يحصُلَ عليك ضرر ولو اجتمع على ضُرِّكَ أهلُ الأرض جميعًا إلا ما قدَّره الله عليك.

وأن هذا الأمر قد كَتَبه الله عز وجل وقدّره وفْقَ ما اقتضته حكمته وعلمه، ولا تبديل لما كتبه الله.

وأن مَنْ حَفِظَ اللهَ بِحفظِ أوامرِه واجتنابِ نواهيه؛ فإن الله سبحانه مع العبد يعلم ما هو عليه وينصره ويؤيده. وأن الإنسان إذا أطاع الله في الرخاء؛ فإن الله يجعل له عند الشدة فرجًا ومخرجًا، وليرض كل عبد بما قدَّره الله عليه من خير وشر. ومع الشدائد والمحن يلتزم العبد الصبر، فإن الصبر مفتاح الفرج، وأن الكرب إذا اشتد جاء الفرج من الله، وأن العسر إذا حصل أعقبه الله باليسر.

الفوائد:

1- أهمية تعليم الصغار والأطفال أمورَ الدين من التوحيد والآداب وغير ذلك.

2- الجزاء من جنس العمل.

3- الأمر بالاعتماد على الله، والتوكل عليه دون غيره، وهو نعم الوكيل.

4- الإيمان بالقضاء والقدر والرضا به، وأن الله قدَّر كل شيء.

5- من أضاع أمر الله فإن الله يُضَيِّعُه ولا يَحفظُه.

6- البشارة العظيمة أن الإنسان إذا أصابه العسر فلينتظر اليسر.

7- تسلية العبد عند حصول المصيبة، وفوات المحبوب في قوله: «وَاعْلَم أن مَا أَصَابَكَ لَمْ يَكُن لِيُخطِئكَ، وَمَا أخطأَكَ لَمْ يَكُن لِيُصِيبَكَ» فالجملة الأولى تسلية في حصول المكروه، والثانية تسلية في فوات المحبوب.

الحديث العشرون

عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ عُقْبَةَ بْنِ عَمْرٍو الْأَنْصَارِيِّ الْبَدْرِيِّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إنَّ مِمَّا أَدْرَكَ النَّاسُ مِنْ كَلَامِ النُّبُوَّةِ الْأُولَى: إذَا لَمْ تَسْتَحِ فَاصْنَعْ مَا شِئْتَ». رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.

الشرح:

أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن مما جاء فيه الوصية عن الأنبياء المتقدمين، وتداوله الناس بينهم وتوارثوه عنهم قرنًا بعد قرن، حتى وصل إلى أول هذه الأمة، انظر إلى ما تريد أن تفعله فإن كان مما لا يُستحيا منه؛ فافعله، وإن كان مما يُستحيا منه فدعه؛ فإن المانع من فعل القبائح هو الحياء، فمن لم يكن له حياءٌ، انهمك في كل فحشاء ومنكر.

الفوائد:

1- الحياء أصل الأخلاق الكريمة.

2- الحياء صفة من صفات الأنبياء عليهم السلام، وهو من المأثور عنهم.

3- الحياء يجعل المرء المسلم يفعل ما يَجمُلُ ويَزِينُ، ويترك ما يُدَنِّسُ ويَشِينُ.

4- قال النووي: "الأمر فيه للإباحة، أي: إذا أردتَّ فعل شيء فإن كان مما لا تَستَحيي إذا فعلتَه من الله ولا من الناس؛ فافعله، وإلا فلا، وعلى هذا مدار الإسلام، وتوجيه ذلك: أن المأمور به الواجب والمندوب يُستحيى من تركه، والمنهي عنه الحرام والمكروه يُستحيى من فعله، وأما المباح فالحياء من فعله جائز، وكذا من تركه، فتضمَّن الحديث الأحكام الخمسة. وقيل: هو أمر تهديد، ومعناه: إذا نُزع منك الحياء؛ فافعل ما شئت؛ فإن الله مجازيك عليه، وقيل: هو أمر بمعنى الخبر، أي: من لا يَستَحيي يصنع ما أراد".

الحديث الحادي والعشرون

عَنْ أَبِي عَمْرٍو وَقِيلَ: أَبِي عَمْرَةَ سُفْيَانَ بْنِ عَبْدِ اللهِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ: «قُلْت: يَا رَسُولَ اللَّهِ! قُلْ لِي فِي الْإِسْلَامِ قَوْلًا لَا أَسْأَلُ عَنْهُ أَحَدًا غَيْرَك؛ قَالَ: قُلْ: آمَنْتُ بِاَللَّهِ ثُمَّ اسْتَقِمْ». رَوَاهُ مُسْلِمٌ.

الشرح:

سَأَلَ الصحابيُّ سفيانُ بنِ عبدِ الله رضي الله عنه النبيَّ صلى الله عليه وسلم أنْ يُعَلِّمَه قولًا جامِعًا لمعاني الإسلام يَتَمَسَّكُ به ولا يَسأل عنه غيرَه، فقال له صلى الله عليه وسلم: قل: وَحَّدْتُ اللهَ، وآمنتُ أنه ربي وإلهي وخالقي ومعبودي الحق لا شريك له، ثم انْقَدْ لطاعة الله بأداء فرائضه وترك محارمه، واستمر عليها.

الفوائد:

1- أصلُ الدين هو الإيمان بالله بربوبيته وألوهيته وأسمائه وصفاته.

2- أهمية الاستقامة بعد الإيمان، والاستمرار في العبادة، والثبات على ذلك.

3- الإيمان شرط لقبول الأعمال .

4- الإيمان بالله، يشمل ما يجب اعتقادُه من عقائد الإيمان وأصوله، وما يتبع ذلك من أعمال القلوب والجوارح، والانقياد والاستسلام لله باطنًا وظاهرًا.

5- الاستقامةُ: مُلازَمَةُ الطريق، بفعل الواجبات وترك المنهيات.

الحديث الثاني والعشرون

عَنْ أَبِي عَبْدِ اللهِ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْأَنْصَارِيِّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ: أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: أَرَأَيْتَ إذَا صَلَّيْتُ الْمَكْتُوبَاتِ، وَصُمْتُ رَمَضَانَ، وَأَحْلَلْتُ الْحَلَالَ، وَحَرَّمْتُ الْحَرَامَ، وَلَمْ أَزِدْ عَلَى ذَلِكَ شَيْئًا؛ أَأَدْخُلُ الْجَنَّةَ، قَالَ: «نَعَمْ». رَوَاهُ مُسْلِمٌ.

وَمَعْنَى: «حَرَّمْتُ الحَرَامَ»: اجْتَنَبْتُهُ.

وَمَعْنَى: «أَحْلَلْتُ الحَلَالَ»: فَعَلْتُهُ مُعْتَقِدًا حِلَّهُ.

الشرح:

سأل رجلٌ النبيَ صلى الله عليه وسلم، فقال: أخبرني إذا أنا صليت الصلوات الخمس المفروضات ولم أزد عليها شيئًا من النوافل، وصمت رمضان ولم أتطوع بغيره، واعتقدت حِلَّ الحلال وفَعَلته، واعتقدت حُرمة الحرام واجتنبته، أأدخل الجنة؟ فقال النبيَ صلى الله عليه وسلم: «نعم تدخل الجنة».

الفوائد:

1- حرص الصحابة رضي الله عنهم على فعل ما يدخل الجنة، ويبعدهم عن النار.

2- حرص المسلم على فعل الفرائض وترك المحرمات، وأن تكون غايته دخول الجنة.

3- أهمية فعل الحلال واعتقاد حِلَّه، وتحريم الحرام واعتقاد حرمته.

4- فعل الواجبات وترك المحرمات سبب لدخول الجنة.

5- يُسْرُ الإسلام وسهولته، وأن طريق الجنة يسير على من يسَّره الله عليه.

6- تبشير المعلم السائل بالخير حيث وجد له سبيلاً.

الحديث الثالث والعشرون

عَنْ أَبِي مَالِكٍ الْحَارِثِ بْنِ عَاصِمٍ الْأَشْعَرِيِّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «الطُّهُورُ شَطْرُ الْإِيمَانِ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ تَمْلَأُ الْمِيزَانَ، وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ تَمْلَآنِ أَوْ: تَمْلَأُ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ، وَالصَّلَاةُ نُورٌ، وَالصَّدَقَةُ بُرْهَانٌ، وَالصَّبْرُ ضِيَاءٌ، وَالْقُرْآنُ حُجَّةٌ لَكَ أَوْ عَلَيْكَ، كُلُّ النَّاسِ يَغْدُو، فَبَائِعٌ نَفْسَهُ فَمُعْتِقُهَا أَوْ مُوبِقُهَا». رَوَاهُ مُسْلِمٌ.

الشرح:

يخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن فعل الطهارة الحسية بالوضوء والغسل نصف الإيمان.

وأن قول: «الحمد لله» وهو الثناء عليه سبحانه، ووصفه بصفات الكمال، وأن «الحمد لله» توزن يوم القيامة فتملأ ميزان الأعمال.

وأن قول: «سبحان الله والحمد لله» وهو تنزيه الله عن كل نَقْصٍ، ووصفه بالكمال التام الذي يليق بجلاله مع محبته، وتعظيمه سبحانه تملأ ما بين السماوات والأرض.

وأن «الصلاة نور» للعبد في قلبه، وفي وجهه، وفي قبره، وفي حشره.

وأن «الصدقة برهان» ودليل على صدق إيمان المؤمن، واختلافه عن المنافق الذي يمتنع منها لكونه لا يُصَدِّقُ بموعودها.

وأن «الصبر ضياء» وهو حبس النفس عن الجَزَع والتَّسَخُّط، وهو نور يحصل معه حرارة وإحراق، كضياء الشمس؛ لأنه شاق ويحتاج إلى مجاهدة النفس وحبسها عما تهواه؛ فلا يزال صاحبه مستضيئًا مهتديًا مستمرًّا على الصواب. وتتجلى حقيقة الصبر في: الصبر على طاعة الله بفعلها، وعلى المعصيته بتركها، وعلى المصائب والمكاره بالرضا وعدم الجزع.

وأن «القرآن حجة لك» بتلاوته والعمل به، أو «حجة عليك» بتركه دون عمل أو تلاوة.

ثم أخبر صلى الله عليه وسلم أن كل الناس يسعون وينتشرون ويقومون من نومهم ويخرجون من بيوتهم لأعمالهم المختلفة، فمنهم من يستقيم على طاعة الله فيُعْتِق نفسَه من النار، ومنهم من ينحرف عن ذلك ويقع في المعاصي فيهلكها بدخولها النار.

الفوائد:

1- الطهارة طهارتان: طهارة الظاهر تكون بالوضوء والغُسل، وطهارة الباطن تكون بالتوحيد والإيمان والعمل الصالح.

2- أهمية ذكر الله تعالى، وخصوصًا بالتسبيح والتحميد.

3- أهمية المحافظة على الصلاة؛ فهي نور للعبد في الدنيا ويوم القيامة.

4- الصدقة دليل على صدق الإيمان.

5- أهمية العمل بالقرآن وتصديقه؛ ليكون حجةً لك لا عليك.

6- النفس إن لم تشغلها بالطاعة؛ شغلتك بالمعصية.

7- كل إنسان لا بد أن يعمل؛ فإما أن يعتق نفسه بالطاعة، أو يوبقها بالمعصية.

8- الصبر يحتاج إلى تَحَمُّلٍ واحتسابٍ وفيه مشقة.

الحديث الرابع والعشرون

عَنْ أَبِي ذَرٍّ الْغِفَارِيِّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيمَا يَرْوِيهِ عَنْ رَبِّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى، أَنَّهُ قَالَ: «يَا عِبَادِي: إنِّي حَرَّمْتُ الظُّلْمَ عَلَى نَفْسِي، وَجَعَلْتُهُ بَيْنَكُمْ مُحَرَّمًا؛ فَلَا تَظَالَمُوا. يَا عِبَادِي! كُلُّكُمْ ضَالٌّ إلَّا مَنْ هَدَيْتُهُ، فَاسْتَهْدُونِي أَهْدِكُمْ. يَا عِبَادِي! كُلُّكُمْ جَائِعٌ إلَّا مَنْ أَطْعَمْتُهُ، فَاسْتَطْعِمُونِي أُطْعِمْكُمْ. يَا عِبَادِي! كُلُّكُمْ عَارٍ إلَّا مَنْ كَسَوْتُهُ، فَاسْتَكْسُونِي أَكْسُكُمْ. يَا عِبَادِي! إنَّكُمْ تُخْطِئُونَ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ، وَأَنَا أَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا؛ فَاسْتَغْفِرُونِي أَغْفِرْ لَكُمْ. يَا عِبَادِي! إنَّكُمْ لَنْ تَبْلُغُوا ضُرِّي فَتَضُرُّونِي، وَلَنْ تَبْلُغُوا نَفْعِي فَتَنْفَعُونِي. يَا عِبَادِي! لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ كَانُوا عَلَى أَتْقَى قَلْبِ رَجُلٍ وَاحِدٍ مِنْكُمْ، مَا زَادَ ذَلِكَ فِي مُلْكِي شَيْئًا. يَا عِبَادِي! لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ كَانُوا عَلَى أَفْجَرِ قَلْبِ رَجُلٍ وَاحِدٍ مِنْكُمْ، مَا نَقَصَ ذَلِكَ مِنْ مُلْكِي شَيْئًا. يَا عِبَادِي! لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ قَامُوا فِي صَعِيدٍ وَاحِدٍ، فَسَأَلُونِي، فَأَعْطَيْتُ كُلَّ وَاحِدٍ مَسْأَلَتَهُ، مَا نَقَصَ ذَلِكَ مِمَّا عِنْدِي إلَّا كَمَا يَنْقُصُ الْمِخْيَطُ إذَا أُدْخِلَ الْبَحْرَ. يَا عِبَادِي! إنَّمَا هِيَ أَعْمَالُكُمْ أُحْصِيهَا لَكُمْ، ثُمَّ أُوَفِّيكُمْ إيَّاهَا؛ فَمَنْ وَجَدَ خَيْرًا فَلْيَحْمَدِ اللَّهَ، وَمَنْ وَجَدَ غَيْرَ ذَلِكَ فَلَا يَلُومَنَّ إلَّا نَفْسَهُ». رَوَاهُ مُسْلِمٌ.

الشرح:

يُبيِّنُ النبيُّ صلى الله عليه وسلم أنَّ الله سبحانه وتعالى حَرَّم الظلم على نفسه، وجعله مـحرّمًا بين خلقِه؛ فلا يَظلم أحد أحدًا.

وأن الخلقَ كلَّهم ضالون عن طريق الحق إلا بهداية الله وتوفيقه، ومن سَألَها اللهَ وفَّقَه وهَدَاهُ.

وأن الخلق فقراء إلى الله محتاجون إليه في جميع حوائجهم من طعام ولباس وغيرها، ومن سأل الله قضى حاجته وكفاه.

وأنهم يذنبون بالليل والنهار، والله تعالى يستر ويتجاوز عند سؤال العبد المغفرة.

وأنهم لا يستطيعون أن يضروا الله أو ينفعوه بشيء.

وأنهم لو كانوا على أتقى قلب رجل واحد ما زادت تقواهم في ملك الله شيئاً.

ولو كانوا على أفجر قلب رجل واحد ما نقص فجورهم من ملكه شيئًا؛ لأنهم ضعفاء فقراء إلى الله، محتاجون إليه في كل حال وزمان ومكان، وهو الغني سبحانه.

وأنهم لو قاموا في مقام واحد إنسُهم وجنُّهم، أولُهم وآخِرُهم يسألون اللهَ فأعطى كلَّ واحد منهم ما سأل، ما نقص ذلك مما عند الله شيئًا، كالإبرة لو أُدْخِلت البحرَ ثم أُخْرِجت لم يَنقص البحر بذلك شيء، وهذا لكمال غناه سبحانه.

وأن الله سبحانه يحفظ أعمالَ العبادِ ويُحصيها عليهم، ثم يُوفِّيهم إياها يوم القيامة، فمن وجد جزاء عمله خيرًا؛ فليحمد الله على توفيقه لطاعته، ومن وجد جزاء عمله شيئًا غير ذلك؛ فلا يلومَنَّ إلا نفسَه الأمارةَ بالسوءِ التي قادتْه إلى الخُسران.

الفوائد:

1- هذا الحديث مما يرويه النبي صلى الله عليه وسلم عن ربه، ويسمى بالحديث القدسي أو الإلهي، وهو الذي لفظه ومعناه من الله، غير أنه ليست فيه خصائص القرآن التي امتاز بها عما سواه ، من التعبد بتلاوته، والطهارة له، والتحدي والإعجاز، وغير ذلك.

2- ما يحصل للعباد من علم أو هداية، فبهداية الله وتعليمه لهم.

3- ما أصاب العبد من خير؛ فمن فضل الله تعالى، وما أصابه من شر؛ فمن نفسه وهواه.

4- من أحسن فبتوفيق الله، وجزاؤه فضل من الله فله الحمد، ومن أساء فلا يلومن إلا نفسه.

5- تحريم الظلم، وتوجيه العباد إلى عدم التظالم؛ لأنه وخيم العاقبة.

6- مشروعية السعي بطلب الهداية والرزق وغيرها بالدعاء والتضرع إلى الله.

7- وجوب الاستغفار من جميع الذنوب.

8- بيان سعة رحمة الله بعباده؛ حيث الرزق الكبير، والمغفرة الواسعة.

الحديث الخامس والعشرون

عَنْ أَبِي ذَرٍّ الْغِفَارِيِّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ «أَنَّ نَاسًا مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالُوا لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ ذَهَبَ أَهْلُ الدُّثُورِ بِالْأُجُورِ؛ يُصَلُّونَ كَمَا نُصَلِّي، وَيَصُومُونَ كَمَا نَصُومُ، وَيَتَصَدَّقُونَ بِفُضُولِ أَمْوَالِهِمْ. قَالَ: «أَوَلَيْسَ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ مَا تَصَّدَّقُونَ، إنَّ بِكُلِّ تَسْبِيحَةٍ صَدَقَةً، وَكُلِّ تَكْبِيرَةٍ صَدَقَةً، وَكُلِّ تَحْمِيدَةٍ صَدَقَةً، وَكُلِّ تَهْلِيلَةٍ صَدَقَةً، وَأَمْرٌ بِمَعْرُوفٍ صَدَقَةٌ، وَنَهْيٌ عَنْ مُنْكَرٍ صَدَقَةٌ، وَفِي بُضْعِ أَحَدِكُمْ صَدَقَةٌ». قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَيَأْتِي أَحَدُنَا شَهْوَتَهُ وَيَكُونُ لَهُ فِيهَا أَجْرٌ، قَالَ: «أَرَأَيْتُمْ لَوْ وَضَعَهَا فِي حَرَامٍ أَكَانَ عَلَيْهِ وِزْرٌ، فَكَذَلِكَ إذَا وَضَعَهَا فِي الْحَلَالِ، كَانَ لَهُ أَجْرٌ». رَوَاهُ مُسْلِمٌ.

الشرح:

اشتكى بعض فقراء الصحابة حالهم وفقرهم للنبي صلى الله عليه وسلم وعدم تصدُّقهم بالأموال ليحصلوا على الأجور الكثيرة كما حصل عليها إخوانهم أصحاب المال الكثير وليفعلوا الخير مثلهم؛ حيث إنهم يصلون كما نصلي، ويصومون كما نصوم، ويتصدقون بفضول أموالهم ولا نتصدق! فدلَّهم النبي صلى الله عليه وسلم على ما يَقْدِرون عليه من الصدقات،‏ فقال صلى الله عليه وسلم: أوليس قد جعل الله لكم ما تصَّدَّقون به على أنفسكم، فإن قولكم: (سبحان الله) يكون لكم أجر صدقة، وكذا قول: (الله أكبر) صدقة، وقول: (الحمد لله) صدقة، وقول: (لا إله إلا الله) صدقة، والأمر بالمعروف صدقة، والنهي عن المنكر صدقة. بل ‏وفي جِماع أحدكم لزوجته صدقة، فتعجَّبوا، وقالوا: يا رسول الله، أيأتي أحدنا شهوته ويكون له فيها أجر، قال: أرأيتم لو وضعها في حرام من زنًا أو غيره أكان عليه فيها إثم، فكذلك إذا وضعها في الحلال كان له أجر.

الفوائد:

1- تنافس الصحابة على فعل الخيرات، وحرصهم في نيل عظيم الأجر والفضل من عند الله تعالى.

2- كثرة وجوه أعمال الخير، وأنها تشمل كل عمل يقوم به المسلم بنية صالحة وقصد حسن.

3- يسر الإسلام وسهولته، فكل مسلم يجد ما يعمله ليطيع الله به.

4- قال النووي: "وفي هذا دليل على أن المباحات تصير طاعات بالنيات الصادقات، فالجماع يكون عبادة إذا نوى به قضاء حق الزوجة ومعاشرتها بالمعروف الذي أمر الله تعالى به، أو طلب ولد صالح، أو إعفاف نفسه أو إعفاف الزوجة ومنعهما جميعًا من النظر إلى حرام، أو الفكر فيه، أو الهَمِّ به، أو غير ذلك من المقاصد الصالحة".

5- ضرب المثل والقياس؛ ليكون أوضح وأوقع في نفس السامع.

6- فضيلة ذكر الله من التسبيح والتحميد والتكبير والتهليل؛ وهن الباقيات الصالحات، وأنها تبلغ بصاحبها الدرجات العالية.

الحديث السادس والعشرون

عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «كُلُّ سُلَامَى مِنَ النَّاسِ عَلَيْهِ صَدَقَةٌ، كُلَّ يَوْمٍ تَطْلُعُ فِيهِ الشَّمْسُ تَعْدِلُ بَيْنَ اثْنَيْنِ صَدَقَةٌ، وَتُعِينُ الرَّجُلَ فِي دَابَّتِهِ فَتَحْمِلُهُ عَلَيْهَا أَوْ تَرْفَعُ لَهُ عَلَيْهَا مَتَاعَهُ صَدَقَةٌ، وَالْكَلِمَةُ الطَّيِّبَةُ صَدَقَةٌ، وَبِكُلِّ خُطْوَةٍ تَمْشِيهَا إلَى الصَّلَاةِ صَدَقَةٌ، وَتُمِيطُ الْأَذَى عَنْ الطَّرِيقِ صَدَقَةٌ». رَوَاهُ البُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ.

الشرح:

بيَّن النبي صلى الله عليه وسلم أن على كل مسلم مكلَّف كل يوم بعدد كل مَفصِل من مَفَاصل عظامه صدقة تطوع لله تعالى على سبيل الشكر له على العافية، وأن جعل عظامه مفاصل يتمكن بها من القبض والبسط. وأن تلك الصدقة تُؤدَّى بأعمال البر كلها ولا تتوقف على إعطاء مال. ومنها: عدلك وإصلاحك بيـن متخاصمين صدقةٌ. وفي إعانتك لعاجز في دابته فتحمله عليها أو ترفع له متاعه صدقةٌ. والكلمة الطيبة من ذكر ودعاء وسلام وغيرها صدقةٌ. وبكل خطوةٍ تمشيها إلى الصلاة صدقةٌ. وإزالة ما يُتَأذّى به عن الطريق صدقةٌ.

الفوائد:

1- تركيب عظام الآدمي وسلامتها من أعظم نعم الله تعالى عليه، فيحتاج كل عظم منها إلى تصدق عنه بخصوصه؛ ليتم شكر تلك النعمة.

2- الترغيب في تجديد الشكر كل يوم؛ لدوام تلك النِّعم.

3- الترغيب في المداومة على النوافل والصدقات كل يوم.

4- فضل الإصلاح بين الناس.

5- الحث على معونة الرجل أخاه؛ لأن معونته إياه صدقة.

6- الحث على حضور الجماعات والمشي إليها، وعمارة المساجد بذلك.

7- وجوب احترام طرق المسلمين بتجنب ما يؤذيهم أو يضر بهم.

الحديث السابع والعشرون

عَنِ النَّوَّاسِ بْنِ سَمْعَانَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «الْبِرُّ حُسْنُ الْخُلُقِ، وَالْإِثْمُ مَا حَاكَ فِي صَدْرِك، وَكَرِهْتَ أَنْ يَطَّلِعَ عَلَيْهِ النَّاسُ». رَوَاهُ مُسْلِمٌ.

وَعَنْ وَابِصَةَ بْنِ مَعْبَدٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ: أَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ: «جِئْتَ تَسْأَلُ عَنْ الْبِرِّ»، قُلْتُ: نَعَمْ. فقَالَ: «اسْتَفْتِ قَلْبَكَ، الْبِرُّ مَا اطْمَأَنَّتْ إلَيْهِ النَّفْسُ، وَاطْمَأَنَّ إلَيْهِ الْقَلْبُ، وَالْإِثْمُ مَا حَاكَ فِي النَّفْسِ وَتَرَدَّدَ فِي الصَّدْرِ، وَإِنْ أَفْتَاكَ النَّاسُ وَأَفْتَوْكَ». حَدِيثٌ حَسَنٌ، رَوَيْنَاهُ في مُسْنَدَي الْإِمَامَيْنِ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ، وَالدَّارِمِيّ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ.

الشرح:

أخبر النبي صلى الله عليه وسلم عن البِرِّ والإثم، فقال: إن أعظم خصال البر حسن الخُلُق مع الله بالتقوى، ومع الخَلْق باحتمال الأذى، وقلة الغضب، وبسط الوجه، وطيب الكلام، والصلة والطاعة واللطف والمبرة وحسن العشرة والصحبة. وأن البِرَّ ما سكن إليه القلب والنفس.

وأما الإثم فما تحرك في النفس من المشتبهات وتردد دون أن ينشرح الصدر له، وحصل في القلب منه الشك، والخوف من كونه ذنبًا، ولم تُرِد أن تظهره لكونه قبيحًا لأعيان وأماثل الناس وكُمَّلِهم؛ وذلك لأن النفس بطبعها تحب اطلاع الناس على خيرها، فإذا كَرِهَت الاطلاع على بعض أفعالها فهو إثم لا خير فيه، وإن أفتاك الناس فلا تأخذ بفتواهم ما دامت علامة الشبهة تتردد في نفسك؛ فإن الفتوى لا تزيل الشبهة ما دامت الشبهة صحيحة وكان المفتي يفتي بغير علم؛ أما إذا كانت الفتوى بناء على دليل شرعي؛ فالواجب على المستفتي الرُّجوعُ إليه، وإنْ لم ينشرح له صدرُه.

الفوائد:

1- الحث على مكارم الأخلاق؛ لأن حسن الخلق من أعظم خصال البر.

2- الحق والباطل لا يلتبس أمرهما على المؤمن، بل يعرف الحق بالنور الذي في قلبه، وينفر عن الباطل فينكره.

3- من علامات الإثم: قلق القلب واضطرابه، وكراهة اطلاع الناس عليه.

4- قال السندي: "هذا في المشتبهات من الأمور التي لا يعلم الناس فيها بتعيين أحد الطرفين؛ وإلا فالمأمور به في الشرع من غير ظهور دليل فيه على خلاف ذلك من البر، والمنهي عنه كذلك من الإثم، ولا حاجة فيهما إلى استفتاء القلب وطمأنينته".

5- المخاطب في الحديث أصحاب الفطرة السليمة، لا أصحاب القلوب المنكوسة التي لا تَعرِف معروفًا ولا تُنكِر منكرًا إلا ما أُشرِبَ من هواها.

6- قال الطِّيبِي: قيل فُسِّرَ البر في الحديث بمعانٍ شَتَّى، ففسَّره في موضع بما اطمأنت إليه النفس واطمأن إليه القلب، وفسَّره في موضع بالإيمان، وفي موضع بما يُقَرِّبُك إلى الله، وهنا بحسن الخُلق، وفَسَّر حسن الخلق: باحتمال الأذى وقلة الغضب وبسط الوجه وطِيب الكلام، وكلُّها متقاربة في المعنى.

الحديث الثامن والعشرون

عَنْ أَبِي نَجِيحٍ الْعِرْبَاضِ بْنِ سَارِيَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ: «وَعَظَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَوْعِظَةً وَجِلَتْ مِنْهَا الْقُلُوبُ، وَذَرَفَتْ مِنْهَا الْعُيُونُ، فَقُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ! كَأَنَّهَا مَوْعِظَةُ مُوَدِّعٍ فَأَوْصِنَا، قَالَ: أُوصِيكُمْ بِتَقْوَى اللَّهِ، وَالسَّمْعِ وَالطَّاعَةِ وَإِنْ تَأَمَّرَ عَلَيْكُمْ عَبْدٌ، فَإِنَّهُ مَنْ يَعِشْ مِنْكُمْ فَسَيَرَى اخْتِلَافًا كَثِيرًا، فَعَلَيْكُمْ بِسُنَّتِي وَسُنَّةِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ الْمَهْدِيينَ، عَضُّوا عَلَيْهَا بِالنَّوَاجِذِ، وَإِيَّاكُمْ وَمُحْدَثَاتِ الْأُمُورِ؛ فَإِنَّ كُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ». رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَاَلتِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ.

الشرح:

وَعَظَ النبيُّ صلى الله عليه وسلم أصحابَه مَوعظةً بَلِيْغَةً خافتْ منها القلوبُ، ودَمَعتْ منها العيونُ، فقالوا: يا رسول الله كأنها مَوعظةُ مُودِّعٍ؛ لِمَا رأوا مِن مبالغتِه صلى الله عليه وسلم في الموعظة، فطلبوا وصيةً ليتمسكوا بها مِن بعده، فقال: أوصيكم بتقوى الله عزوجل، وذلك بفعل الواجبات، وترك المحرمات.

والسمع والطاعة، أي: للأمراء، وإنْ تَأَمَّر عليكم عَبْدٌ أو استولى عليكم، أي: صار أدنى الخَلْقِ أميرًا عليكم فلا تَسْتَنْكِفُوا عن ذلك وأطيعوه إذا لم يأمر بمعصية، مخافةَ إثارةِ الفتن؛ فإنه مَن يعِش منكم فسيرى اختلافًا كثيرًا.

ثم بَيَّنَ لهم المَخْرَجَ مِن هذا الاختلاف، وذلك بالتمسُّك بِسُنَّتِهِ وسُنّةِ الخلفاء الراشدين المهديين مِن بعده، أبي بكر الصديق، وعمر بن الخطاب، وعثمان بن عفان، وعلي بن أبي طالب رضي الله عنهم أجمعين، والعَضِّ عليها بالنواجذ، أي: الأضراس الأخيرة، يعني بذلك الجِدَّ في لزوم السنة والتمسك بها.

وحَذَّرَهم من الأمور المُحدَثة المُبْتَدَعة في الدِّين؛ فإنَّ كلَّ بدعةٍ ضلالةٌ.

الفوائد:

1- العناية بالمواعظ وترقيق القلوب.

2- أهمية تقوى الله عزوجل في كل الأوقات والأحوال.

3- السمع والطاعة لِمَن تولَّى أمر المؤمنين في غير معصية.

4- الاختلاف واقع في هذه الأمة، وعند حدوثِهِ يلزم الرجوعَ إلى سُنَّة رسول الله صلى الله عليه وسلم والخلفاء الراشدين.

5- الأمر باتباع الخُلَفاء الراشدين المهديين الأربعة مِن بعد النبي صلى الله عليه وسلم، وهم أبو بكر وعمر وعثمان وعلي رضي الله عنهم.

6- النهيُ عن الابتداع في الدِّين، وأنَّ كل البدع ضلالة.

7- أهمية التَّمَسُّكِ بالسُّنّة واتباعها.

الحديث التاسع والعشرون

عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ: قُلْت يَا رَسُولَ اللَّهِ! أَخْبِرْنِي بِعَمَلٍ يُدْخِلُنِي الْجَنَّةَ وَيُبَاعِدْنِي مِنْ النَّارِ، قَالَ: «لَقَدْ سَأَلْتَ عَنْ عَظِيمٍ، وَإِنَّهُ لَيَسِيرٌ عَلَى مَنْ يَسَّرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ: تَعْبُدُ اللَّهَ لَا تُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا، وَتُقِيمُ الصَّلَاةَ، وَتُؤْتِي الزَّكَاةَ، وَتَصُومُ رَمَضَانَ، وَتَحُجُّ الْبَيْتَ، ثُمَّ قَالَ: أَلَا أَدُلُّكَ عَلَى أَبْوَابِ الْخَيْرِ، الصَّوْمُ جُنَّةٌ، وَالصَّدَقَةُ تُطْفِئُ الْخَطِيئَةَ كَمَا يُطْفِئُ الْمَاءُ النَّارَ، وَصَلَاةُ الرَّجُلِ فِي جَوْفِ اللَّيْلِ، ثُمَّ تَلَا: تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ حَتَّى بَلَغَ يَعْمَلُونَ، ثُمَّ قَالَ: أَلَا أُخْبِرُكَ بِرَأْسِ الْأَمْرِ وَعَمُودِهِ وَذِرْوَةِ سَنَامِهِ، قُلْت: بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ. قَالَ: رَأْسُ الْأَمْرِ الْإِسْلَامُ، وَعَمُودُهُ الصَّلَاةُ، وَذِرْوَةُ سَنَامِهِ الْجِهَادُ، ثُمَّ قَالَ: أَلَا أُخْبِرُكَ بِمَلَاكِ ذَلِكَ كُلِّهِ، فقُلْت: بَلَى يَا رَسُولَ اللَّه! فَأَخَذَ بِلِسَانِهِ وَقَالَ: كُفَّ عَلَيْك هَذَا. قُلْتُ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ وَإِنَّا لَمُؤَاخَذُونَ بِمَا نَتَكَلَّمُ بِهِ، فَقَالَ: ثَكِلَتْك أُمُّكَ وَهَلْ يَكُبُّ النَّاسَ عَلَى وُجُوهِهِمْ أَوْ قَالَ عَلَى مَنَاخِرِهِمْ إلَّا حَصَائِدُ أَلْسِنَتِهِمْ»! . رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ.

الشرح:

قال معاذ رضي الله عنه: كنت مع النبي صلى الله عليه وسلم في سفر، فأصبحت يوماً قريباً منه ونحن نسير، فقلت: يا رسول الله أخبرني بعمل يدخلني الجنة ويباعدني عن النار، قال: لقد سألتني عن عمل عظيم فِعْلُهُ على النفوس، وإنه لَهَيِّنٌ سَهْلٌ على من يَسَّرَهُ الله عليه؛ أَدِّ فرائض الإسلام، الأول: تعبد الله وحده ولا تشرك به شيئًا. الثاني: تقيم الصلوات الخمس المفروضات في اليوم والليلة: الفجر، والظهر، والعصر، والمغرب، والعشاء بشروطها وأركانها وواجباتها وسننها. الثالث: تخرج الزكاة المفروضة، وهي عبادة مالية واجبة في كل مال بلغ قدرًا محددًا في الشرع، تعطى لمستحقيها. الرابع: تصوم رمضان، وهو الإمساك عن الأكل والشرب وغيرهما من المفطرات بنية التعبد لله، من طلوع الفجر إلى غروب الشمس. الخامس: تحج البيت بقصد مكة لإقامة المناسك، تعبدًا لله عزوجل. ثم قال صلى الله عليه وسلم: ألا أُعرِّفك على الطريق الموصلة لأبواب الخير وذلك بإتْبَاع تلك الفرائض بالنوافل، أولًا: صوم التطوع، وهو مانع من الوقوع في المعاصي وذلك بكسر الشهوة، وإضعاف القوة. ثانيًا: صدقة التطوع تطفئ الخطيئة بعد اقترافها وتذهبها وتمحو أثرها. ثالثًا: صلاة التهجد في ثلث الليل الآخر، ثم قرأ صلى الله عليه وسلم قوله تعالى: ﴿تَتَجَافَىٰ جُنُوبُهُمۡ﴾ أي: تتباعد ﴿عَنِ ٱلۡمَضَاجِعِ﴾ أي: المراقد ﴿يَدۡعُونَ رَبَّهُمۡ﴾ بالصلاة والذكر والقراءة والدعاء. ﴿خَوۡفٗا وَطَمَعٗا وَمِمَّا رَزَقۡنَٰهُمۡ يُنفِقُونَ، فَلَا تَعۡلَمُ نَفۡسٞ مَّآ أُخۡفِيَ لَهُم مِّن قُرَّةِ أَعۡيُنٖ﴾ أي: ما تَقَّرُ به أعينهم يوم القيامة وفي الجنة من نعيم، ﴿جَزَآءَۢ بِمَا كَانُواْ يَعۡمَلُونَ﴾ ثم قال صلى الله عليه وسلم: «ألا أخبرك بأصل الدين، وعموده الذي يعتمد عليه، وذروة سنامه»، قال معاذ رضي الله عنه: بلى، يا رسول الله، قال النبي صلى الله عليه وسلم: «رَأْسُ الْأَمْرِ: الْإِسْلَامُ» وهو الشهادتان، وبهما يصبح مع الإنسان أصل الدين. «وَعَمُودُهُ: الصَّلَاةُ»، فلا إسلام بلا صلاة، كما أنه لا يكون البيت بلا عمود، فمن صلى قَوِيَ دِينه وارتفع، «وَذِرْوَةُ سَنَامِهِ: الْجِهَادُ» أي: وارتفاعه بالجهاد وبذل الجَهد في قتال أعداء الدين لإعلاء كلمة الله. ثم قال صلى الله عليه وسلم: ألا أخبرك بإحكام وإتقان ما مضى، فأخذ صلى الله عليه وسلم بلسان نفسه وقال: امنع هذا ولا تكلم بما لا يعنيك. قال معاذ: هل يؤاخذنا ويحاسبنا ربنا ويعاقبنا بكل ما نتكلم به،! قال صلى الله عليه وسلم: فقدتك أمك!، وليس المراد به الدعاء عليه، ولكنها من كلام العرب لتنبيهه إلى أمر كان ينبغي أن ينتبه له ويعرفه، ثم قال: وهل يُلقي الناس ويسقطهم على وجوههم في النار إلا حصائد ألسنتهم من الكفر والقذف والشتم والغيبة والنميمة والبهتان ونحوها.

الفوائد:

1- حِرص الصحابة رضي الله عنهم على العلم، ولهذا يَكثُرُ منهم سؤال النبي صلى الله عليه وسلم عنه.

2- فقه الصحابة رضي الله عنهم؛ لعلمهم أن الأعمال سبب لدخول الجنة.

3- ترتب دخوله الجنة على الإتيان بأركان الإسلام الخمسة، وهي: التوحيد والصلاة والزكاة والصيام والحج.

4- رأس الدين وأغلى المهمَّات وأعلى الواجبات توحيد الله، عبادته وحده لا شريك له.

5- السؤال الذي صدر من معاذ رضي الله عنه سؤال عظيم؛ لأنه في الحقيقة هو سِرُّ الحياة والوجود، فكل موجود في هذه الدنيا من بني آدم أو من الجنّ غايته إما الجنة وإما النار، فلذلك كان هذا السؤال عظيمًا.

6- رحمة الله بعباده أن فتح لهم أبواب الخير ليتزودوا من أسباب الأجر ومغفرة الذنوب.

7- فضل التقرب بالنوافل بعد أداء الفرائض.

8- الصلاة من الإسلام بمنزلة العمود الذي تقوم عليه الخيمة، يذهب الإسلام بذهابها، كما تسقط الخيمة بسقوط عمودها.

9- وجوب حِفْظِ اللسان عما يَضر الإنسان في دينه.

10- كَفُّ اللسان وضبطه وحبسه هو أصل الخير كله.

الحديث الثلاثون

عَنْ أَبِي ثَعْلَبَةَ الْخُشَنِيِّ جُرْثُومِ بنِ نَاشِرٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَال: «إنَّ اللَّهَ تَعَالَى فَرَضَ فَرَائِضَ فَلَا تُضَيِّعُوهَا، وَحَدَّ حُدُودًا فَلَا تَعْتَدُوهَا، وَحَرَّمَ أَشْيَاءَ فَلَا تَنْتَهِكُوهَا، وَسَكَتَ عَنْ أَشْيَاءَ رَحْمَةً لَكُمْ غَيْرَ نِسْيَانٍ فَلَا تَبْحَثُوا عَنْهَا». حَدِيثٌ حَسَنٌ، رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ في سننه، وَغَيْرُهُ.

الشرح:

يُخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن الله أوجب أشياء وفرض فرائض فالتزموها ولا تُفرِّطوا فيها بالترك أو التهاون، وجعل لكم حواجز وزواجر مقدرةً تحجزكم وتزجركم عما لا يرضاه، فلا تزيدوا عليها عمَّا أمر به الشرع، وحرَّم محرمات فلا تتناولوها ولا تقربوها، وما عدا ذلك تركها وسكت عنها رحمة بعباده، فتبقى على أصل إباحتها فلا تبحثوا عنها.

الفوائد:

1- الحديث دليل على أن الله هو المُشَرِّع فالأمر بيده سبحانه.

2- تضمَّن الحديث قواعد الشرع حكمًا وإباحةً؛ إذ الحكم الشرعي إمَّا مسكوتٌ عنه أو متكلَّم به، وهو إما: مأمورٌ به وجوبًا أو ندبًا، أو منهيٌّ عنه تحريمًا أو كراهةً، أو مباحًا.

3- أن ما سكت الله عنه فلم يَفرضه، ولم يَحُدَّه، ولم يَنهَ عنه؛ فهو الحلال.

4- حُسن بيان النبي صلى الله عليه وسلم؛ حيث ساق الحديث بهذا التقسيم الواضح البيِّن .

5- وجوب المحافظة على فرائض الله تعالى.

6- تحريم التعدي على حدود الله تعالى.

الحديث الحادي والثلاثون

عَنْ أَبِي الْعَبَّاسِ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ السَّاعِدِيّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ دُلَّنِي عَلَى عَمَلٍ إذَا عَمِلْتُهُ أَحَبَّنِي اللَّهُ وَأَحَبَّنِي النَّاسُ؛ فَقَالَ: «ازْهَدْ فِي الدُّنْيَا يُحِبُّك اللَّهُ، وَازْهَدْ فِيمَا عِنْدَ النَّاسِ يُحِبُّك النَّاسُ». حَديثٌ حَسَنٌ، رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ، وَغَيْرُهُ بِأَسَانِيدَ حَسَنَةٍ(3).

الشرح:

[3] هذا الحديث حسَّنه النووي، وضعَّفه غيره منهم ابن رجب؛ لكن معناه صحيح دلَّت عليه الأحاديث الصحيحة.

سَأل رجل النبي صلى الله عليه وسلم أن يُرشده إلى عمل إذا عَمِله أحبه الله وأحبه الناس، فقال له صلى الله عليه وسلم: يُحبك الله إذا تركت الفاضل من الدنيا، وما لا ينفعك في الآخرة، وتركت ما قد يكون فيه ضرر في دِينك، ويُحبك الناس إذا زهدت بما في أيديهم من الدنيا؛ لأنهم يحبونها بطبعهم، ومن زاحمهم عليها أبغضوه، ومن تركها لهم أحبوه.

الفوائد:

1- فضيلة الزهد في الدنيا، هو: أن يترك ما لا ينفع في الآخرة.

2- مرتبة الزهد أعلى من الورع؛ لأن الورع تَرْكُ ما قد يضر، والزهد ترك ما لا ينفع في الآخرة.

3- قال السندي: إن الدنيا محبوبة عند الناس فمن يزاحمهم فيها يصير مبغوضًا عندهم بقدر ذلك، ومن تركهم ومحبوبهم يكون محبوبًا في قلوبهم بقدر ذلك.

الحديث الثاني والثلاثون

عَنْ أَبِي سَعِيدٍ سَعْدِ بْنِ مَالِكِ بْنِ سِنَانٍ الْخُدْرِيّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «لَا ضَرَرَ وَلَا ضِرَارَ». حَدِيثٌ حَسَنٌ، رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ، وَالدَّارَقُطْنِيّ، وَغَيْرُهُمَا مُسْنَدًا.

وَرَوَاهُ مَالِكٌ فِي الْمُوَطَّإِ عَنْ عَمْرِو بْنِ يَحْيَى عَنْ أَبِيهِ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُرْسَلًا، فَأَسْقَطَ أَبَا سَعِيدٍ.

وَلَهُ طُرُقٌ يُقَوِّي بَعْضُهَا بَعْضًا.

الشرح:

بَيَّنَ النبيُّ صلى الله عليه وسلم أنه يَجِبُ دفعُ الضررِ بمختلف أنواعه ومظاهره عن النفس وعن الآخرين، فلا يَحِلُّ لأحدٍ أن يُؤذيَ نفسَه أو غيرَه على حَدٍّ سواء.

ولا يَحلُّ له أن يقابِلَ الضررَ بالضرر؛ لأن الضررَ لا يُزال بالضرر إلا على سبيل القصاص دون تعدٍّ.

الفوائد:

1- النهي عن المُجازاة بأكثر من المِثْل.

2- لم يأمر اللهُ عبادَه بشيء يضرُّهم.

3- الحديث قاعدة في تحريم الضرر والضرار بالقول أو بالفعل أو بالترك.

4- من قواعد الشريعة: أن "الضرر يُزال"، فالشريعة لا تُقِرُّ الضرر، وتنكر الإضرار.

الحديث الثالث والثلاثون

عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «لَوْ يُعْطَى النَّاسُ بِدَعْوَاهُمْ لَادَّعَى رِجَالٌ أَمْوَالَ قَوْمٍ وَدِمَاءَهُمْ، لَكِنَّ الْبَيِّنَةَ عَلَى الْمُدَّعِي، وَالْيَمِينَ عَلَى مَنْ أَنْكَرَ». حَدِيثٌ حَسَنٌ، رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ، وَغَيْرُهُ هَكَذَا، وَبَعْضُهُ فِي الصَّحِيحَيْنِ.

الشرح:

بيَّن النبي صلى الله عليه وسلم أنه لو يُعطى الناس بمجرد دعواهم من غير أدلة ولا قرائن؛ لادَّعى أُناس أموال قوم ودماءَهم، ولكن يجب على المدعي تقديم البينة والدليل بما يُطَالِبُ به، فإن لم يكن له بينة؛ فتُعرض الدعوى على المدعى عليه، فإن أنكرها فعليه الحلف ويبرأ مما يطالبه به المدعي من مال أو غيره.

الفوائد:

1- قال ابن دقيق العيد: هذا الحديث أصل من أصول الأحكام، وأعظم مرجع عند التنازع والخصام.

2- الشريعة جاءت لحماية أموال الناس ودمائهم عن التلاعب.

3- القاضي لا يحكم إلا بالبينات.

4- كُلُّ من ادعى دعوى خالية عن برهان؛ فهي مردودة، سواء كانت في الحقوق والمعاملات أو في مسائل الإيمان والعلم.

الحديث الرابع والثلاثون

عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: «مَنْ رَأَى مِنْكُمْ مُنْكَرًا فَلْيُغَيِّرْهُ بِيَدِهِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِلِسَانِهِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِقَلْبِهِ، وَذَلِكَ أَضْعَفُ الْإِيمَانِ». رَوَاهُ مُسْلِمٌ.

الشرح:

يأمر النبي صلى الله عليه وسلم بتغيير المنكر وهو كل ما نهى الله عنه ورسوله، ويكون ذلك بحسب الاستطاعة.

فإذا رأى منكرًا؛ فيجب عليه تغييره باليد إن كان له قدرة،

فإن عجز عن ذلك؛ فليغيره بلسانه بأن ينهى مرتكبه ويُبيِّن له ضرره ويرشده إلى الخير بدل هذا الشر.

فإن عجز عن هذه المرتبة؛ فليغيره بقلبه بأن يَكرَه هذا المنكر ويَعزِم أنه لو قدر على تغييره لفعل.

والتغيير بالقلب أضعف مراتب الإيمان في تغيير المنكر.

الفوائد:

1- الحديث أصل في بيان مراتب تغيير المنكر.

2- الأمر بالتَّدَرُّج في النهي عن المنكر، كلٌّ بحسب استطاعته وقدراته.

3- النهي عن المنكر باب عظيم في الدين ولا يسقط عن أحد، ويُكَلَّف به كل مسلم بحسب استطاعته.

4- الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من خصال الإيمان، والإيمان يزيد وينقص.

5- يُشترط في النهي عن المنكر: العلم بكون ذلك الفعل منكرًا.

6- يُشترط في تغيير المنكر: أن لا يترتب عليه منكر أعظم منه.

7- للنهي عن المنكر آداب وشروط ينبغي على المسلم أن يتعلمها.

8- إنكار المنكر يحتاج إلى سياسة شرعية، وإلى علم وبصيرة.

9- عدم الإنكار بالقلب يدل على ضعف الإيمان.

الحديث الخامس والثلاثون

عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لَا تَحَاسَدُوا، وَلَا تَنَاجَشُوا، وَلَا تَبَاغَضُوا، وَلَا تَدَابَرُوا، وَلَا يَبِعْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَيْعِ بَعْضٍ، وَكُونُوا عِبَادَ اللَّهِ إخْوَانًا، الْمُسْلِمُ أَخُو الْمُسْلِمِ، لَا يَظْلِمُهُ، وَلَا يَخْذُلُهُ، وَلَا يَحْقِرُهُ، التَّقْوَى هَاهُنَا، وَيُشِيرُ إلَى صَدْرِهِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، بِحَسْبِ امْرِئٍ مِنْ الشَّرِّ أَنْ يَحْقِرَ أَخَاهُ الْمُسْلِمَ، كُلُّ الْمُسْلِمِ عَلَى الْمُسْلِمِ حَرَامٌ: دَمُهُ وَمَالُهُ وَعِرْضُهُ». رَوَاهُ مُسْلِمٌ.

الشرح:

أوصى النبي صلى الله عليه وسلم المسلم بأخيه المسلم خيرًا، وبيَّن بعض ما يجب عليه من الواجبات والآداب نحوهم؛ ومن ذلك: الوصية الأولى: (لَا تَحَاسَدُوا)؛ بأن يتمَنَّ بعضكم زوال نعمة بعض. الثانية: (لَا تَنَاجَشُوا)؛ بأن يزيد أحدكم في ثمن السلعة وهو لا يريد شراءها؛ وإنما يريد نفع البائع، أو الإضرار بالمشتري. الثالثة: (لَا تَبَاغَضُوا)؛ وهي إرادة المَضرَّة، وهي ضد المحبة؛ إلا إذا كان البغض في الله تعالى؛ فإنه واجب. الرابعة: (لَا تَدَابَرُوا)؛ بأن يُعْطِ كلُّ واحد منكم أخاه دُبره وقَفَاه فَيُعرض عنه ويهجره. الخامسة: (لَا يَبِعْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَيْعِ بَعْضٍ) بأن يقول لمن اشترى سلعة: عندي مثلها بأقل منها أو أجود منها بسعرها. ثم أوصى عليه الصلاة والسلام بوصية جامعة مفادها: كونوا إخوة بترك ما ذكر من منهيات، وبذل المودة والرفق والشفقة والملاطفة والتعاون في الخير، مع صفاء القلوب والنصيحة بكل حال. ومن مقتضيات هذه الأخوة: ألا يَظلم أخاه المسلم ويعتدي عليه. وألا يترك أخاه المسلم يُظلم فيخذله في مقام يستطيع أن ينتصر له، ويرفع عنه الظلم. وألا يحتقره وينظر إليه بعين الاستنقاص والازدراء؛ وهو ناتج عن كِبر في القلب، ثم بين النبي صلى الله عليه وسلم ثلاث مرات أن التقوى في القلب، ومن كان في قلبه التقوى التي تقتضي حسن الخلق، وخشية الله ومراقبته؛ فإنه لا يحتقر مسلمًا. وكافيه من خصال الشر ورذائل الأخلاق احتقار أخيه المسلم؛ وذلك لكِبرٍ في قلبه. ثم أكد صلى الله عليه وسلم على ما مضى بأن (كُلَّ الْمُسْلِمِ عَلَى الْمُسْلِمِ حَرَامٌ: دَمُهُ)؛ بأن يعتدي عليه بقتل أو ما دونه كجرح أو ضرب ونحوها. وكذا (مَالُهُ)؛ بأن يأخذ منه بغير حق. وكذا (عِرْضُهُ)؛ بأن يذمه في نفسه أو حَسَبِه أو أهله.

الفوائد:

1- الأمر بكل ما تقتضيه الأخوة الإيمانية، والنهي عن ما يضادها من الأقوال والأعمال.

2- عمدة التقوى ما في القلب من معرفة الله، وخشيته ومراقبته، وهذه التقوى ينتج عنها الأعمال الصالحة.

3- الانحراف الظاهر يدل على ضعف تقوى القلب.

4- النهي عن أذية المسلم بأيِّ وجه من الوجوه من قول أو فعل.

5- ليس من الحسد أن يتمنى المسلم أن يكون مثل غيره، دون تمني زوالها عن الآخر، وهذا يسمى غِبْطَة؛ وهي جائزة تُعين على المسابقة إلى الخيرات.

6- الإنسان بطبعه يكره أن يَفوقه أحد في شيء من الفضائل، فإن أحب زوالها عن الآخر؛ فهو الحسد المذموم، وإن أحب المسابقة؛ فهي الغبطة الجائزة.

7- ليس من بيع المسلم عَلَى بَيْعِ أخيه أن يُبَيِّن للمشتري أنه خُدِع في شرائه خداعًا فاحشًا؛ فهذا من مقتضيات النصيحة، بشرط أن تكون نيته نصح أخيه المشتري لا الإضرار بالبائع، والأعمال بالنيات.

8- ليس من بيع المسلم عَلَى بَيْعِ أخيه إذا كان البائعان لم يتراضيا ولم يستقر الثمن بينهما.

9- ليس من التباغض المنهي عنه في الحديث البغض في الله فهو واجب، ومن أوثق عُرَى الإيمان.

الحديث السادس والثلاثون

عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «مَنْ نَفَّسَ عَنْ مُؤْمِنٍ كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ الدُّنْيَا نَفَّسَ اللَّهُ عَنْهُ كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَمَنْ يَسَّرَ عَلَى مُعْسِرٍ، يَسَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، وَمَنْ سَتَرَ مُسْلِمًا سَتَرَهُ اللهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ ، وَاَللَّهُ فِي عَوْنِ الْعَبْدِ مَا كَانَ الْعَبْدُ فِي عَوْنِ أَخِيهِ، وَمَنْ سَلَكَ طَرِيقًا يَلْتَمِسُ فِيهِ عِلْمًا سَهَّلَ اللَّهُ لَهُ بِهِ طَرِيقًا إلَى الْجَنَّةِ، وَمَا اجْتَمَعَ قَوْمٌ فِي بَيْتٍ مِنْ بُيُوتِ اللَّهِ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ، وَيَتَدَارَسُونَهُ بَيْنَهُمْ؛ إلَّا نَزَلَتْ عَلَيْهِمْ السَّكِينَةُ، وَغَشِيَتْهُمْ الرَّحْمَةُ، وَحَفَّتْهُمُ المَلائِكَةُ، وَذَكَرَهُمْ اللَّهُ فِيمَنْ عِنْدَهُ، وَمَنْ بَطَّأَ بِهِ عَمَلُهُ لَمْ يُسْرِعْ بِهِ نَسَبُهُ». رَوَاهُ مُسْلِمٌ بِهَذَا اللَّفْظِ.

الشرح:

بيَّن النبي صلى الله عليه وسلم أن جزاء المسلم عند الله من جنس ما يعمله مع إخوانه المسلمين؛ فمن نفَّس أو فرَّج أو أزال أو كشف عن مؤمنٍ كربةً وشدة من كُرَب الدنيا؛ جازاه الله بأن ينفَّس عنه كربةً من كُرَبِ يوم القيامة. ومن يَسَّر على مُعسرٍ وسهَّل عليه وأزال عسرته؛ يسَّر الله عليه في الدنيا والآخرة. ومن ستر مسلمًا فاطَّلع منه على ما لا ينبغي إظهاره من الزلات والعثرات؛ ستره الله في الدنيا والآخرة. والله يكون معيناً لعبده، ما كان العبد سائرًا في إعانة أخيه في مصالحه الدينية والدنيوية، والإعانة تكون بالدعاء والبدن والمال وغير ذلك، ومن مشى إلى تحصيل علمٍ شرعيٍ، قاصدًا به وجه الله تعالى؛ سهَّل الله له به طريقًا إلى الجنة. وما اجتمع قومٌ في بيتٍ من بيوت الله، يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم، إلا نزلت عليهم الطمأنينة والوقار، وغطَّتهم وعمَّتهم رحمة الله، وحفَّتْهم الملائكة، وأثنى الله عليهم في المقرَّبين عنده، وكفى شرفًا ذِكرُ اللهِ العبدَ في الملأ الأعلى. ومَن كان عمله ناقصًا؛ لم يُلحقه بمرتبة أصحاب الأعمال، فينبغي ألا يَتكل على شرف النسب وفضيلة الآباء ويُقَصِّر في العمل.

الفوائد:

1- قال ابن دقيق العيد: هذا حديث عظيم، جامع لأنواع من العلوم والقواعد والآداب، فيه فضل قضاء حوائج المسلمين ونفعهم بما يتيسر؛ من علم، أو مال، أو معاونة، أو إشارة بمصلحة، أو نصيحة، أو غير ذلك.

2- الترغيب في التيسير على المعسر.

3- الحث على عون العبد المسلم، وأن الله تعالى يُعين المُعِين حسب إعانته لأخيه.

4- مِنْ ستر المسلم: عدمُ تتبع عوراته، وقد رُوي عن بعض السلف أنه قال: أدركت قومًا لم يكن لهم عيوب، فذكروا عيوب الناس، فذكر الناس لهم عيوبًا، وأدركت قومًا كانت لهم عيوب، فَكَفُّوا عن عيوب الناس، فنُسِيت عيوبهم.

5- ليس من لوازم الستر على الناس ترك المنكر وعدم تغييره، بل يُغيَّر ويُستر، وهذا في حق مَن لا يُعرَف بالفساد والتمادي في الطغيان، وأما من عُرِف بذلك؛ فإنه لا يُستحب الستر عليه؛ بل يُرفع أمره إلى مَن له الولاية، إذا لم يخَفْ من ذلك مفسدة؛ وذلك لأن الستر عليه يُغريه على الفساد، ويُجَرِّؤُه على أذية العباد، ويُجَرِّئُ غيره من أهل الشر والعناد.

6- الحث على طلب العلم وتلاوة القرآن وتدارسه.

7- قال النووي: في هذا دليل لفضل الاجتماع على تلاوة القرآن في المسجد... ويلحق بالمسجد في تحصيل هذه الفضيلة الاجتماع في مدرسة ورباط ونحوهما إن شاء الله تعالى.

8- أن الجزاء إنما رَتَّبه الله على الأعمال لا على الأنساب.

الحديث السابع والثلاثون

عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيمَا يَرْوِيهِ عَنْ رَبِّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى، قَالَ: «إنَّ اللَّهَ كَتَبَ الْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ، ثُمَّ بَيَّنَ ذَلِكَ، فَمَنْ هَمَّ بِحَسَنَةٍ فَلَمْ يَعْمَلْهَا كَتَبَهَا اللَّهُ عِنْدَهُ حَسَنَةً كَامِلَةً، وَإِنْ هَمَّ بِهَا فَعَمِلَهَا كَتَبَهَا اللَّهُ عِنْدَهُ عَشْرَ حَسَنَاتٍ إلَى سَبْعِمِائَةِ ضِعْفٍ إلَى أَضْعَافٍ كَثِيرَةٍ، وَإِنْ هَمَّ بِسَيِّئَةٍ فَلَمْ يَعْمَلْهَا كَتَبَهَا اللَّهُ عِنْدَهُ حَسَنَةً كَامِلَةً، وَإِنْ هَمَّ بِهَا فَعَمِلَهَا كَتَبَهَا اللَّهُ سَيِّئَةً وَاحِدَةً». رَوَاهُ البُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ فِي صَحِيحَيْهِمَا بِهَذِهِ الحُرُوفِ.

الشرح:

يُبَيِّنُ الرسولُ صلى الله عليه وسلم أنَّ الله قَدَّر الحسناتِ والسيئاتِ، ثم بَيَّنَ لِلْمَلَكَيْنِ كيف يَكْتُبَانِهَا: فمَن أراد وقصد وعَزَم على فعل الحسنة؛ كُتبتْ له حسنة واحدة كاملة وإن لم يعملْها، فإن عَمِلها فإنها تُضاعف بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضِعفٍ إلى أضعاف كثيرة، والزيادة بحسب ما في القلب من الإخلاص وتَعَدِّي النَّفْع ونحو ذلك.

ومَن أراد وقصد وعزم على فعل السيئة، ثم تَرَكها لله؛ كُتبت له حسنة، وإن تركها تشاغلًا عنها مع عدم فعل أسبابها؛ لم تُكتب شيئًا، وإن تركها عَجزًا عنها؛ كُتبتْ عليه نِيَّتُه، وإن عملها كُتبت له سيئة واحدة.

الفوائد:

1- هذا الحديث مما يرويه النبي صلى الله عليه وسلم عن ربه، ويسمى بالحديث القدسي أو الإلهي، وهو الذي لفظه ومعناه من الله، غير أنه ليست فيه خصائص القرآن التي امتاز بها عما سواه، من التعبد بتلاوته والطهارة له والتحدي والإعجاز وغير ذلك.

2- إثبات كتابة الله تعالى الحسنات والسيئات، ثم بيانه ذلك لعباده حتى يعلموا ذلك، ويكونوا على بصيرة من أمرهم، فيمتثلوا أمره ويجتنبوا نهيه على هدى من ربّهم.

3- بيانُ فضل الله تعالى العظيم على هذه الأمة في كتابة الحسنات كاملة ومضاعفتها، وعدم كتابة السيئات إلا بعد فعلها وكتابتها سيئة واحدة.

4- الزيادة في مضاعفة الحسنات بحسب ما في القلب من الإخلاص وتَعَدِّي النَّفْع ونحو ذلك، فيضاعفها الله برحمته وفضله.

5- بيان الفضل الذي يترتب للعبد على ترك السيئة وهِجران لذته، وترك شهوته من أجل ربه عزوجل رغبةً في ثوابه، ورهبةً من عقابه.

6- مِنْ لُطف الله تعالى بالأمة أن ضاعف لها حسناتها ولم يُضاعف سيئاتها.

7- كتابة الملائكة لجميع الأعمال من أعمال القلوب والجوارح.

الحديث الثامن والثلاثون

عَنْ أَبِي هُرَيْرَة رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ: «مَنْ عَادَى لِي وَلِيًّا فَقْد آذَنْتُهُ بِالْحَرْبِ، وَمَا تَقَرَّبَ إلَيَّ عَبْدِي بِشَيْءٍ أَحَبَّ إلَيَّ مِمَّا افْتَرَضْتُهُ عَلَيْهِ، وما يَزَالُ عَبْدِي يَتَقَرَّبُ إلَيَّ بِالنَّوَافِلِ حَتَّى أُحِبَّهُ، فَإِذَا أَحْبَبْتُهُ كُنْتُ سَمْعَهُ الَّذِي يَسْمَعُ بِهِ، وَبَصَرَهُ الَّذِي يُبْصِرُ بِهِ، وَيَدَهُ الَّتِي يَبْطِشُ بِهَا، وَرِجْلَهُ الَّتِي يَمْشِي بِهَا، وَلَئِنْ سَأَلَنِي لَأُعْطِيَنَّهُ، وَلَئِنْ اسْتَعَاذَنِي لَأُعِيذَنَّهُ». رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.

الشرح:

أخبر النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث القدسي أن الله عزوجل قال: من آذى وليًا من أوليائي وأغضبه وأبغضه؛ فقد أعلمته وأعلنت عليه العداوة، والولي هو: المؤمن التقي، وعلى قَدْرِ ما للعبد من الإيمان والتقوى؛ يكون نصيبه من ولاية الله. وما تقرَّب المسلم إلى ربه بشيء أحب إليه مما افترضه وأوجبه عليه من فعل الطاعات وترك المحرمات، وما يزال المسلم يتقرب إلى ربه بالنوافل مع الفرائض؛ حتى ينال محبة الله، فإذا أَحبه الله كان سبحانه مُسددًا له في هذه الأعضاء الأربعة؛ فلا يسمع إلا ما يرضي الله، ولا ينظر إلا إلى ما يحب الله النظر إليه ويرضاه، ولا يعمل بيده إلا ما يرضي الله، ولا يمشي برجله إلا إلى ما يرضي الله؛ ولا يسعى إلا إلى ما فيه الخير، ومع هذا إن سأل الله شيئًا؛ فإن الله يعطيه ما سأل، فيكون مُجاب الدعوة، ولئن استعاذ بالله ولجأ إليه طلبًا للحماية؛ فإن الله سبحانه يُعيذه ويَحميه مما يخاف.

الفوائد:

1- هذا الحديث مما يرويه النبي صلى الله عليه وسلم عن ربه، ويسمى بالحديث القدسي أو الإلهي، وهو الذي لفظه ومعناه من الله، غير أنه ليست فيه خصائص القرآن التي امتاز بها عما سواه، من التعبد بتلاوته والطهارة له والتحدي والإعجاز وغير ذلك.

2- النهي عن إيذاء أولياء الله، والترغيب في حُبهم، والاعتراف بفضلهم.

3- الأمر بمعاداة أعداء الله وتحريم موالاتهم.

4- من ادَّعى ولاية الله بدون اتباع شرعه؛ فهو كاذب في دعواه.

5- تُنال ولاية الله بفعل الواجبات وترك المحرمات.

6- من أسباب محبة الله للعبد وإجابة دعوته: فعل النوافل بعد القيام بالواجبات وترك المحرمات.

7- الدلالة على شرف الأولياء ورفعة منزلتهم وأن الله يدافع عنهم.

الحديث التاسع والثلاثون

عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «إنَّ اللَّهَ تَجَاوَزَ لِي عَنْ أُمَّتِي الْخَطَأَ وَالنِّسْيَانَ وَمَا اسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ». حَدِيثٌ حَسَنٌ، رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ، وَالْبَيْهَقِيُّ، وَغَيْرُهُمَا [4].

الشرح:

[4] هذا الحديث حسَّنه النووي وضعَّفه غيره منهم ابن رجب؛ لكن معناه صحيح دلت عليه الأحاديث الصحيحة.

يخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن الله عفا له عن أمته في ثلاثة أحوال، الأولى: الخطأ، وهو ما صدر منهم عفوًا دون تعمد، وهو أن يقصد المسلم بفعله شيئًا، فيصادف فعله غير ما قصده. والثانية: النسيان: وهو أن يكون المسلم متذكرًا لشيء، ولكن ينساه عند الفعل؛ فلا إثم في ذلك. الثالثة: الإكراه ، فقد يُكره العبد على فعل شيء لا يريده مع عدم قدرته على دفع الإكراه، وحينئذٍ لا يقع عليه الإثم أو الحرج.

الفوائد:

1- فضل الله على النبي محمد صلى الله عليه وسلم وأمته.

2- سعة رحمة الله عز وجل ولطفه بعباده؛ حيث رفع عنهم الإثم إذا صدرت منهم المعصية على هذه الأحوال الثلاثة.

3- رفعُ الإثم لا يعني رفع الحكم، فمثلًا من نسي الوضوء، وصلى ظانًّا أنه متطهر؛ فلا إثم عليه بذلك، ولكن يلزمه الوضوء وإعادة الصلاة.

4- لا بد في رفع الإثم بالإكراه من توفر الشروط، مثل أن يكون المكِره قادرًا على تنفيذ ما هدد به.

الحديث الأربعون

عَنِ ابْن عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا قَالَ: أَخَذَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِمَنْكِبِي، وَقَالَ: «كُنْ فِي الدُّنْيَا كَأَنَّك غَرِيبٌ أَوْ عَابِرُ سَبِيلٍ».

وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ رضي الله عنهما يَقُولُ: «إذَا أَمْسَيْتَ فَلَا تَنْتَظِرْ الصَّبَاحَ، وَإِذَا أَصْبَحْتَ فَلَا تَنْتَظِرْ الْمَسَاءَ، وَخُذْ مِنْ صِحَّتِك لِمَرَضِك، وَمِنْ حَيَاتِك لِمَوْتِك». رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.

الشرح:

ذكر ابن عمر رضي الله عنهما بأن النبي صلى الله عليه وسلم أخذ بمنكبه وهو: مجمع العضد والكتف، وقال له: كن في الدنيا كأنك غريب قَدِمَ بلدًا لا مَسْكَنَ له فيه يؤويه، ولا ساكن يؤنسه، خالٍ عن الأهل والعيال والعلائق التي هي سبب الاشتغال عن الخالق؛ بل كن أشد من الغريب وهو عابر السبيل المار على الطريق طالبًا وطنه؛ لأن الغريب قد يسكن في بلاد الغربة ويقيم فيها، بخلاف عابر السبيل القاصد للبلد، فإن من شأنه التخفف وعدم التوقف، والحرص على وصول بلده، فكما أن المسافر لا يحتاج إلى أكثر مما يبلغه إلى غاية سفره، فكذلك لا يحتاج المؤمن في الدنيا إلى أكثر مما يبلغه المحل. فعمل ابن عمر رضي الله عنهما بهذه النصيحة وكان يقول: إذا أصبحت فلا تنتظر المساء، وإذا أمسيت فلا تنتظر الصباح، وعُدَّ نفسك في أهل القبور؛ ولأن العمر لا يخلو عن صحة ومرض؛ فبادر أيام صحتك بالطاعة لمرضك؛ واغتنم الأعمال الصالحة في الصحة قبل أن يحول بينك وبينها المرض، واغتنم حياتك في الدنيا، فاجمع فيها ما ينفعك بعد موتك.

الفوائد:

1- استحباب وضع المعلم كفه على كتف المتعلم عند التعليم؛ للتأنيس والتنبيه.

2- الابتداء بالنصيحة والإرشاد لمن لم يطلب ذلك.

3- حسن تعليم النبي صلى الله عليه وسلم بضرب الأمثال المقنعة، بقوله: «كُنْ فِي الدُّنْيَا كَأَنَّكَ غَريْبٌ أَوْ عَابِرُ سَبِيْلٍ».

4- اختلاف الناس في سيرهم إلى الآخرة؛ فعابر السبيل، منزلته أعلى في الزهد من منزلة الغريب.

5- بيان قِصَرِ الأمل، والاستعداد للموت.

6- الحديث لا يدل على ترك الرزق وتحريم ملذات الدنيا؛ ولكن يدل على الترغيب في الزهد فيها، والتقلل منها.

7- المسارعة إلى الأعمال الصالحة قبل أن لا يقدر عليها، ويحول بينك وبينها مرض أو موت.

8- فضيلة عبد الله بن عمر رضي الله عنهما حيث تأثّر بهذه الموعظة من رسول الله صلى الله عليه وسلم وعمل بها.

9- وطن المؤمنين هي الجنة فهو غريب على الدنيا، وهو مسافر للدار الاخرة، فلا يُعلِّق قلبه بشيء من بلد الغربة، بل يجعل قلبه متعلقًا بوطنه الذي يرجع إليه، ولتكن إقامته في الدنيا قضاء لحاجته وجهازًا للرجوع إلى وطنه.

الحديث الحادي والأربعون

عَنْ أَبِي مُحَمَّدٍ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى يَكُونَ هَوَاهُ تَبَعًا لِمَا جِئْتُ بِهِ». حَدِيثٌ صَحِيحٌ، رُوِّيْنَاهُ فِي كِتَابِ الْحُجَّةِ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ [5].

الشرح:

[5] هذا الحديث حسَّنه النووي وضعَّفه غيره منهم ابن رجب؛ لكن معناه صحيح دلت عليه الأحاديث الصحيحة.

بين النبي صلى الله عليه وسلم أن الإنسان لا يكون مؤمنًا كامل الإيمان الواجب حتى تكون محبته تابعة لما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم من الأوامر والنواهي وغيرها، فيحب ما أمر به، ويكْرَهُ ما نَهَى عنه.

الفوائد:

1- الحديث قاعدة في التسليم للشرع والانقياد له.

2- تحذير الإنسان من أن يُحَكِّمَ العقلَ أو العادة ويقدمه على ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم، ففاعل ذلك قد نُفي الإيمان عنه.

3- وجوب تحكيم الشريعة في كل شيء، لقوله: «لِمَا جِئتُ به».

4- أن الإيمان يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية.

الحديث الثاني والأربعون

عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ: سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: «يَا ابْنَ آدَمَ! إِنَّكَ مَا دَعَوْتَنِي وَرَجَوْتَنِي غَفَرْتُ لَك عَلَى مَا كَانَ مِنْكَ وَلَا أُبَالِي، يَا ابْنَ آدَمَ! لَوْ بَلَغَتْ ذُنُوبُكَ عَنَانَ السَّمَاءِ ثُمَّ اسْتَغْفَرْتَنِي غَفَرْتُ لَكَ، يَا ابْنَ آدَمَ! إنَّكَ لَوْ أتَيْتَنِي بِقُرَابِ الْأَرْضِ خَطَايَا ثُمَّ لَقِيتَنِي لَا تُشْرِكُ بِي شَيْئًا لَأَتَيْتُكَ بِقُرَابِهَا مَغْفِرَةً». رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: حَدِيثٌ حَسَنٌ.

الشرح:

أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن الله تبارك وتعالى قال في الحديثِ القدسيِّ: يا ابنَ آدمَ ما دمْتَ تدْعونِي وتَرْجو رَحْمتي، ولمْ تَقْنَطْ؛ سترت ذنبَكَ ومحوته ولا أهتَمُّ بهذه الذُّنوبِ والمعاصِي ولو كانَت عظيمة ومنَ الكبائرِ. يا ابن آدم: لو كَثُرَت ذُنوبُك كثرةً تَملَأُ ما بينَ السَّماءِ والأرضِ بحيث تَبلُغُ أقطارَها وتَعُمَّ نَواحِيَها، ثمَّ استَغفَرتَني؛ محوتُ وسترتُ لك جميعَها غيرَ مُبالٍ بكَثرتِها. يا ابنَ آدمَ: إنَّك لو أتيتَني بعدَ الموتِ بمِلْءِ الأرضِ ذُنوبًا ومَعاصِيَ، وكنتَ قد مِتَّ مُوحِّدًا لا تُشرِكُ بي شيئًا؛ لقابَلتُ هذه الذُّنوبَ والْمعاصِيَ، بمِلْءِ الأرض، مَغفِرةً؛ لأنَّني واسِعُ المغفرةِ، وأغفِرُ كل الذنوب إلا الشِّرك.

الفوائد:

1- هذا الحديث مما يرويه النبي صلى الله عليه وسلم عن ربه، ويسمى بالحديث القدسي أو الإلهي، وهو الذي لفظه ومعناه من الله، غير أنه ليست فيه خصائص القرآن التي امتاز بها عما سواه، من التعبد بتلاوته والطهارة له والتحدي والإعجاز وغير ذلك.

2- سعة رحمة الله تعالى ومغفرته وفضله.

3- فضل التوحيد، وأن الله يغفر للموحدين الذنوب والمعاصي.

4- خطر الشرك وأن الله لا يغفر للمشركين إذا ماتوا على الشرك.

5- قال ابن رجب: وقد تضمن هذا الحديث الأسباب الثلاثة التي تحصل بها مغفرة الذنوب: الأول: الدعاء مع الرجاء. الثاني: الاستغفار وطلب التوبة. الثالث: الموت على التوحيد.

6- الذنوب ثلاثة أنواع: الأول: الشرك بالله؛ وهذا لا يغفره الله، قال الله عز وجل: ﴿إِنَّهُۥ مَن يُشۡرِكۡ بِٱللَّهِ فَقَدۡ حَرَّمَ ٱللَّهُ عَلَيۡهِ ٱلۡجَنَّةَ﴾ [المائدة: 72]. الثاني: ظلم العبد نفسه فيما بينه وبين ربه من ذنوب ومعاصي؛ فإن الله عزوجل يغفر ذلك، ويتجاوز إن شاء. الثالث: ذنوب لا يترك الله منها شيئًا؛ وهي ظلم العباد بعضهم بعضًا، فلابد من القصاص.

الحديث الثالث والأربعون

عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَلْحِقُوا الْفَرَائِضَ بِأَهْلِهَا، فَمَا أَبْقَتِ الْفَرَائِضُ فَلِأَوْلَى رَجُلٍ ذَكَرٍ». خَرَّجَهُ البُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ.

الشرح:

يأمر النبي صلى الله عليه وسلم القائمين على قسمة التركة أن يوزعوها على مستحقيها بالقسمة العادلة الشرعية كما أراد الله تعالى، فيعطى أصحاب الفروض المقدرة فروضهم في كتاب الله، وهي الثلثان والثلث والسدس والنصف والربع والثمن، فما بقي بعدها، فإنه يعطى إلى من هو أقرب إلى الميت من الرجال، ويسمون العَصَبَة.

الفوائد:

1- الحديث قاعدة في قسمة التركة.

2- أن قسمة التركة تكون بالبداءة بأهل الفرائض.

3- أن ما بقي بعد الفروض فللعصبة.

4- تقديم الأقرب فالأقرب، فلا يَرِثُ عاصبٌ بَعيدٌ كالعم، مع وجود عاصب قريب كالأب.

5- أنه لا شيء للعاصب إذا استغرقت الفروض التركة، أي: لم يبق منها شيئًا.

الحديث الرابع والأربعون

عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «الرَّضَاعَةُ تُحَرِّمُ مَا تُحَرِّمُ الْوِلَادَةُ». خَرَّجَهُ البُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ.

الشرح:

بيَّنَ النبيُّ صلى الله عليه وسلم أنه يحرم من الرضاع ما يحرم من الولادة والنسب من خال أو عم أو أخ...، وتبيح الرضاعة ما تبيح الولادة من الأحكام.

الفوائد:

1- الحديث قاعدة في أحكام الرضاع.

2- قال ابن حجر: قوله: «الرضاعة تحرم ما تحرم الولادة» أي: وتبيح ما تبيح، وهو بالإجماع فيما يتعلق بتحريم النكاح وتوابعه، وانتشار الحرمة بين الرضيع وأولاد المرضعة، وتنزيلهم منزلة الأقارب في جواز النظر والخلوة والسفر، ولكن لا يترتب عليه باقي أحكام الأمومة من التوارث ووجوب الإنفاق والعتق بالملك والشهادة والعقل وإسقاط القصاص.

3- إثبات حكم التحريم بالرضاع تحريمًا مؤبدًا.

4- دلت الأحاديث الأخرى أن التحريم بالرضاعة يثبت بخمس رضعات معلومات، وأن تكون في السنتين الأوليين.

5- المحرمات بالنسب هن: الأمهات، ويدخل فيهنّ الجدات، وإن علون من قبل الأمّ أو الأب. والبنات: ويدخل فيهنّ بنات البنات، وبنات الأولاد، وإن سفلن. والأخوات: سواءٌ أكنّ من قبل الأب والأم، أو من قبل أحدهما. والعمّات: ويدخل فيهنّ جميع أخوات الأب الشقيقات وغير الشقيقات، وكذلك جميع أخوات أجدادك، وإن علون. والخالات: ويدخل فيهنّ جميع أخوات الأم الشقيقات، وغيرهنّ، وكذلك جميع أخوات الجدات، وإن علون، سواء أكنّ جدات من الأب أم من الأم. وبنات الأخ، وبنات الأخت، ويدخل فيهنّ بناتهنّ، وإن سفلن.

6- المحرمات بالرضاع، فيحرم من الرضاع ما يحرم من النسب، فكل امرأة حَرُمت من النسب حَرُمَ مثلها من الرضاع إلا أم أخيه وأخت ابنه من الرضاع فلا تحرم.

الحديث الخامس والأربعون

عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَامَ الْفَتْحِ وَهُوَ بِمَكَّةَ يَقُولُ: «إِنَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ حَرَّمَ بَيْعَ الْخَمْرِ وَالْمَيْتَةِ وَالْخِنْزِيرِ وَالْأَصْنَامِ»، فَقِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَرَأَيْتَ شُحُومَ الْمَيْتَةِ فَإِنَّهُ يُطْلَى بِهَا السُّفُنُ، وَيُدْهَنُ بِهَا الْجُلُودُ، وَيَسْتَصْبِحُ بِهَا النَّاسُ، فَقَالَ: «لَا، هُوَ حَرَامٌ»، ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم عِنْدَ ذَلِكَ: «قَاتَلَ اللَّهُ الْيَهُودَ، إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَ عَلَيْهِم الشُحُومَ، فَأَجْمَلُوهُ، ثُمَّ بَاعُوهُ، فَأَكَلُوا ثَمَنَهُ». خَرَّجَهُ البُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ.

الشرح:

سمع جابر بن عبد الله رضي الله عنهما النبي صلى الله عليه وسلم يقول عام الفتح، وهو بمكة: إن الله ورسوله حرم بيع الخمر والميتة والخنزير والأصنام. فقيل: يا رسول الله، هل يحل أن نبيع شحوم الميتة؛ لأنها يطلى بها السفن، ويدهن بها الجلود، ويوقد بها الناس سرجهم. فقال: لا، بيعها حرام. ثم قال صلى الله عليه وسلم عند ذلك: أهلك الله اليهود ولعنهم؛ إن الله لما حرم عليهم شحوم البهائم أذابوها، ثم باعوا دهنها فأكلوا ثمنه.

الفوائد:

1- الميتة: هي ما فارقت الحياة بدون تذكية شرعية.

2- قال النووي: الميتة والخمر والخنزير: أجمع المسلمون على تحريم بيع كل واحد منها.

3- قال القاضي عياض: تضمن هذا الحديث أن ما لا يحل أكله والانتفاع به لا يجوز بيعه، ولا يحل أكل ثمنه، كما في الشحوم المذكورة في الحديث.

4- ذهب كثير من العلماء إلى أن المراد بقوله صلى الله عليه وسلم: (هُوَ حَرَامٌ) بيع الميتة وشحومها لا الانتفاع.

5- كل حيلة يتوصل بها إلى تحليل محرم؛ فهي باطلة.

الحديث السادس والأربعون

عَنْ أَبِي بُرْدَةَ، عَنْ أَبِيهِ ـ أَبِي مُوسَى الأَشْعَريِّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعَثَهُ إِلَى الْيَمَنِ، فَسَأَلَهُ عَنْ أَشْرِبَةٍ تُصْنَعُ بِهَا، فَقَالَ: وَمَا هِيَ، قَالَ: «الْبِتْعُ وَالْمِزْرُ»، فَقِيلَ لِأَبِي بُرْدَةَ: مَا الْبِتْعُ، قَالَ: نَبِيذُ الْعَسَلِ، وَالْمِزْرُ نَبِيذُ الشَّعِيرِ، فَقَالَ: «كُلُّ مُسْكِرٍ حَرَام» خرجه البخاري.

وَخَرَّجَهُ مُسْلِمٌ وَلَفْظُهُ قَالَ : بَعَثَنِي رَسُولُ اَلله أَنَا وَمُعَاذٌ إِلَى الْيَمَنِ، فَقُلْتُ : يَا رَسُولُ اَللَّهِ! إِنَّ شَرَابًا يُصْنَعُ بِأَرْضِنَا يُقَال لَهُ: المِزَرُ مِنَ الشَّعِيرِ، وَشَرَابٌ يُقَالُ لَهُ: البِتعُ مِنَ العَسَلِ، فَقَالَ: «كُلُّ مُسْكِرٍ حَرَامٌ».

وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ : «فَقَالَ: كُلُّ مَا أَسْكَرَ عَنِ اَلصَّلَاةِ فَهُوَ حَرَامٌ».

وَفِي رِوَايَةٍ لَهُ: «وَكَانَ رَسُولُ الله قَدْ أُعْطِيَ جَوَامِعَ الكَلِمِ بِخَوَاتِمِهِ، فَقَالَ: أَنْهَى عَنْ كُلِّ مُسْكِرٍ أَسْكَرَ عَنْ اَلصَّلَاةِ».

الشرح:

يخبر أبو موسى الأشعري رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم أرسله إلى اليمن، فسأله عن أشربة تصنع بها هل هي حرام. فاستفسر النبي صلى الله عليه وسلم عنها. فقال أبو موسى رضي الله عنه: هي البتع: نبيذ العسل، والمزر: نبيذ الشعير. فقال النبي صلى الله عليه وسلم وكان قد أوتي جوامع الكلم: (كُلُّ مُسْكِرٍ حَرَامٌ).

الفوائد:

1- النبيذ: هو الماء الذي يُجْعَلُ فيه التمر أو العسل أو الشعير ونحوها؛ فيكتسب منها طعمًا ومذاقًا حلوًا. وقد يتخمر بعد ذلك ويصبح مسكرًا.

2- الحديث قاعدة في تحريم جميع أنواع المسكرات كالخمر والحشيشة وغيرها.

3- أهمية السؤال عن ما يحتاج إليه المسلم.

4- كان أول ما حرمت الخمر عند حضور وقت الصلاة لما صلى بعض المهاجرين وقرأ في صلاته فخلط في قراءته؛ فنزل قوله تعالى: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَقۡرَبُواْ ٱلصَّلَوٰةَ وَأَنتُمۡ سُكَٰرَىٰ حَتَّىٰ تَعۡلَمُواْ مَا تَقُولُونَ﴾ [النساء: 43]. 5- وكان منادي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ينادي: لا يقرب الصلاةَ سكران. ثم إن الله حرمها على الإطلاق بقوله: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ إِنَّمَا ٱلۡخَمۡرُ وَٱلۡمَيۡسِرُ وَٱلۡأَنصَابُ وَٱلۡأَزۡلَٰمُ رِجۡسٞ مِّنۡ عَمَلِ ٱلشَّيۡطَٰنِ فَٱجۡتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمۡ تُفۡلِحُونَ إِنَّمَا يُرِيدُ ٱلشَّيۡطَٰنُ أَن يُوقِعَ بَيۡنَكُمُ ٱلۡعَدَٰوَةَ وَٱلۡبَغۡضَآءَ فِي ٱلۡخَمۡرِ وَٱلۡمَيۡسِرِ وَيَصُدَّكُمۡ عَن ذِكۡرِ ٱللَّهِ وَعَنِ ٱلصَّلَوٰةِۖ فَهَلۡ أَنتُم مُّنتَهُونَ﴾ [المائدة: 90، 91].

6- أن الله تعالى حرَّم الخمر لما تشتمل عليه من الأضرار والمفاسد العظيمة في الدين والعقل والبدن والمال.

7- العبرة في التحريم وجود صفة الإسكار؛ فإذا اتصف النبيذ بالإسكار؛ فهو محرم، وإذا لم يتصف بالإسكار؛ فهو مباح.

الحديث السابع والأربعون

عَنِ الْمِقْدَامِ بْنِ مَعْدِي كَرِبَ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: «مَا مَلَأَ آدَمِيٌّ وِعَاءً شَرًّا مِنْ بَطْنٍ، بِحَسْبِ ابْنِ آدَمَ أُكُلَاتٌ يُقِمْنَ صُلْبَهُ، فَإِنْ كَانَ لَا مَحَالَةَ، فَثُلُثٌ لِطَعَامِهِ، وَثُلُثٌ لِشَرَابِهِ، وَثُلُثٌ لِنَفَسِهِ». رَوَاهُ الإِمَامُ أَحْمَدُ، والتِّرْمِذِيُّ، وَالنَّسَائِيُّ، وابْنُ مَاجَهْ، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: حَدِيثٌ حَسَنٌ.

الشرح:

يرشدنا النبي الكريم صلى الله عليه وسلم إلى أصل من أصول الطب، وهو الوقاية التي يقي بها الإنسان صحته، وهي التقليل من الأكل، بل يأكل بقدر ما يَسُدُّ رَمَقَه ويُقَوِّيه على أعماله اللازمة، وإن شر وعاء مُلئ هو البطن؛ لِمَا ينتج عن الشِّبَع من الأمراض المهلكة، ثم إن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: إذا كان الإنسان لابد له من الشبع، فليجعل الأكل بمقدار الثلث، والثلث الآخر للشرب، والثلث للنفس حتى لا يحصل عليه ضيق وضرر، وكسل عن تأدية ما أوجب الله عليه في أمر دينه أو دنياه.

الفوائد:

1- الأصل عدم التوسع في الأكل والشرب، وهذا أصل جامع لأصول الطب كلها؛ لما في كثرة الشبع من الأمراض والأسقام.

2- الغاية من الأكل، هي حفظ الصحة والقوة وبهما سلامة الحياة.

3- لملء البطن من الطعام أضرار بدنية ودينية، قال عمر رضي الله عنه: «إِيَّاكُمْ وَالْبَطْنَةَ؛ فَإِنَّهَا مَفْسَدَةٌ لِلْجِسْمِ، وَمَكْسَلَةٌ عَنِ الصَّلَاةِ».

4- الأكل من حيث الحكم على أقسام: واجب، وهو ما به تُحفظ الحياة ويؤدي تركه إلى ضرر. جائز، وهو ما زاد على القدر الواجب ولا يُخشى ضرره. مكروه، وهو ما يُخشى ضرره. محرم، وهو ما يُعلم ضرره. ومستحب، وهو ما يُستعان به على عبادة الله وطاعته وقد أجمل ذلك في الحديث في ثلاث مراتب: أولها: ملء البطن. ثانيها: أكلات أو لقيمات يقمن صلبه. ثالثها: قوله: «ثلث لطعامه وثلث لشرابه وثلث لنفسه» وهذا كله إذا كان جنس المأكول حلالًا.

5- الحديث قاعدة من قواعد الطب، وحيث إن علم الطب مداره على ثلاثة أصول: حفظ القوة والحمية والاستفراغ، فقد اشتمل الحديث على الأولين منها، كما في قوله تعالى: ﴿وَكُلُواْ وَٱشۡرَبُواْ وَلَا تُسۡرِفُوٓاْۚ إِنَّهُۥ لَا يُحِبُّ ٱلۡمُسۡرِفِينَ﴾ [الأعراف: 31].

6- كمال هذه الشريعة حيث اشتملت على مصالح الإنسان في دينه ودنياه.

7- من علوم الشريعة أصولُ الطب وأنواع منه، كما جاء في العسل والحبة السوداء.

8- اشتمال أحكام الشريعة على الحكمة، وأنها مبنية على درء المفاسد وجلب المصالح.

الحديث الثامن والأربعون

عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «أَرْبَعٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ كَانَ مُنَافِقًا، وَإِنْ كَانَتْ خَصْلَةٌ مِنْهُنَّ فِيهِ كَانَتْ فِيهِ خَصْلَةٌ مِنْ النِّفَاقِ حَتَّى يَدَعَهَا: مَنْ إِذَا حَدَّثَ كَذَبَ، وإِذَا وَعَدَ أَخْلَفَ، وإذَا خَاصَمَ فَجَرَ، وَإِذَا عَاهَدَ غَدَرَ». خَرَّجَهُ البُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ.

الشرح:

حذر النبي صلى الله عليه وسلم من أربع خصال إذا اجتمعت في مسلم كان شديد الشبه بالمنافقين بسببها، وهذا فيمن كانت هذه الخصال غالبة عليه، وأما من يندر منه ذلك؛ فليس داخلاً فيه. وهي:

الأولى: إذا حدث تعمد الكذب وعدم الصدق في كلامه. الثانية: إذا وعد وعدًا لم يفِ به وأخلفه. الثالثة: إذا تخاصم وتشاجر مع أحد كان خصامه شديدًا، ومال عن الحق، واحتال في رده وإبطاله، وقال الباطل والكذب. الرابعة: إذا عاهد عهدًا لم يوف به، وغدر بصاحبه. فإن النفاق هو: إظهار ما يبطن خلافه، وهذا المعنى موجود في صاحب هذه الخصال، ويكون نفاقه في حق من حدثه، ووعده، وائتمنه، وخاصمه، وعاهده من الناس، لا أنه منافق في الإسلام فيظهره وهو يبطن الكفر. ومن كانت فيه خصلة من هذه الخصال؛ كان فيه صفة من النفاق حتى يتركها.

الفوائد:

1- بيان بعض علامات المنافق للتخويف والتحذير من الوقوع فيها.

2- المقصود من الحديث: أن هذه الخصال خصال نفاق، وصاحبها شبيه بالمنافقين في هذه الخصال، ومتخلق بأخلاقهم، لا أنه منافق يظهر الإسلام وهو يبطن الكفر. وقيل: هذا محمول على من غلبت عليه هذه الخصال وتهاون بها، واستخف بأمرها؛ فإن من كان كذلك كان فاسد الاعتقاد غالبًا.

3- النفاق نوعان: الأول: نفاق اعتقادي يخرج صاحبه عن الإيمان، وهو إظهار الإسلام وإخفاء الكفر، والثاني: نفاق عملي، وهو التشبه بالمنافقين في أخلاقهم، وهذا لا يخرج صاحبه عن الإيمان، إلا أنه كبيرة من الكبائر.

4- قال ابن حجر: وقد أجمع العلماء على أن من كان مصدقًا بقلبه ولسانه وفعل هذه الخصال لا يحكم عليه بكفر، ولا هو منافق يخلد في النار.

الحديث التاسع والأربعون

عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «لَوْ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَوَكَّلُونَ عَلَى اللَّهِ حَقَّ تَوَكُّلِهِ لَرَزَقَكُمْ كَمَا يَرْزُقُ الطَّيْرَ تَغْدُو خِمَاصًا وَتَرُوحُ بِطَانًا». رَوَاهُ الإِمَامُ أَحْمَدُ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَالنَّسَائِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ، وَابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ، وَالْحَاكِمُ، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: حَسَنٌ صَحِيحٌ.

الشرح:

يَحُثُّنا النبيُّ صلى الله عليه وسلم أن نَعتَمِد على الله عز وجل في استجلاب المنافع ودفع المضار في أمور الدنيا والدين، فإنه لا يُعطي ولا يَمنع ولا يَضر ولا يَنفع إلا هو سبحانه وتعالى.

وأن نفعل الأسباب التي تَجْلب المنافع وتدفع المضار مع صدق الاعتماد على الله، فمتى فعلنا ذلك؛ رزَقَنا اللهُ كما يرزق الطير التي تخرج صباحًا وهي جياع، ثم تعود مساءً وهي ممتلئة البطون، وهذا الفعلُ من الطير نوعٌ من الأسباب في السعي لطلب الرزق، دون التواكل والتكاسل.

الفوائد:

1- فضيلة التوكل، وأنه من أعظم الأسباب التي يُسْتَجْلَبُ بها الرزق.

2- التوكل لا ينافي فعل الأسباب، فإنه أخبر أن التوكل الحقيقي لا يضادُّه الغدوُّ والرَّوَاحُ في طلب الرزق.

3- أن الأخذ بالأسباب من كمال التوكل على الله.

4- اهتمام الشريعة بأعمال القلوب؛ لأن التوكل عمل قلبيٌّ.

5- التعلق بالأسباب فقط نقصٌ في الدين، وترك الأسباب نقصٌ في العقل.

الحديث الخمسون

عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ بُسْرٍ قَالَ: أَتَى النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَجُلٌ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ إِنَّ شَرَائِعَ الْإِسْلَامِ قَدْ كَثُرَتْ عَلَيْنَا، فَبَابٌ نَتَمَسَّكُ بِهِ جَامِعٌ؟ قَالَ: «لَا يَزَالُ لِسَانُكَ رَطْبًا مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ». خَرَّجَهُ الإِمَامُ أَحْمَدُ بِهَذَا اللَّفْظِ.

وَخَرَّجَهُ اَلتِّرْمِذِيُّ ، وَابْنُ مَاجَهْ ، وَابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ بِمَعْنَاهُ ، وَقَالَ اَلتِّرْمِذِي : حَسَنٌ غَرِيبٍ.

وَكُلُّهُمْ خَرَّجَهُ مِنْ رِوَايَةِ عَمْرِو بْنِ قَيْسٍ الْكَنَدِيِّ ، عَنْ عَبْدِ اَللَّهِ بْنِ بُسْرٍ .

الشرح:

شَكَى رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم بأن نوافل العبادات قد كثرت عليه حتى عجز عنها لضعفه، ثم سأل النبي صلى الله عليه وسلم أن يدله على عملٍ يسير مُسْتجلب لثواب كثير يتعلق به ويستمسك. فأرشده صلى الله عليه وسلم بأن يكون لسانه طريًا متحركًا من دوام ذكر الله سبحانه وتعالى في كل وقت وحال؛ من تسبيح وتحميد واستغفار ودعاء ونحو ذلك.

الفوائد:

1- فضل المداومة على ذكر الله تعالى.

2- من عظيم فضل الله تيسير أسباب الأجر.

3- تفاضل العباد في نصيبهم من أبواب البر والخير.

4- كثرة ذكر الله باللسان تسبيحًا وتحميدًا وتهليلًا وتكبيرًا وغير ذلك مع مواطأة القلب يقوم مقام كثير من نوافل الطاعات.

5- مراعاته صلى الله عليه وسلم للسائلين بإجابة كلٍّ بما يناسبه.

وصلى الله وسلم على نبينا محمد.