التحذير من البدع
رسالة لطيفة مختصرة في موضوع البدع في الدين الإسلامي، تؤكد أن الاحتفال بالمولد النبوي وغيره من المناسبات الدينية المستحدثة ليس له أساس في الإسلام. تستند إلى أدلة الوحيين من القرآن والسنة النبوية التي تحث على اتباع ما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم وتحذر من الابتداع في الدين. وتوضح أن البدع تعدّ تجاوزًا لتعاليم الدين وتعرض الدين للنقص والزيادة، مما يتعارض مع كمال الدين الذي أكمله الله جل جلاله.
التحذير من البدع
لسماحة الشيخ العلامة عبدالعزيز بن عبدالله بن باز رحمه الله
مقدمة المؤسسة
الحمد للَّه وصلَّى اللَّه وسلَّم على رسول اللَّهِ وعلى آله وأصحابه ومن اهتدى بهداه أما بعد:
فيطيب «لمؤسسة الشيخ عبدالعزيز بن باز الخيرية» أن تضع بين يدي القارئ الكريم كتاب «التحذير من البدع» لسماحة الشيخ عبدالعزيز بن باز رحمه الله ضمن سلسلة إصداراتها لرسائل ومؤلفات سماحة الشيخ.
نسألُ اللَّهَ أن ينفع به كل من قرأه، وأن يجزي الأجر والمثوبة لكل من ساهم في نشره، وأن يجعله من العلم النافع الذي يجري أجره على سماحة شيخنا رحمه الله وغفر له، وجمعنا وإياه والقارئ الكريم مع الأحبه محمد صلى الله عليه وسلم وصحبه.
مؤسسة الشيخ عبد العزيز بن باز الخيرية للتواصل مع المؤسسة على العنوان التالي: الإيميل: [email protected] هاتف: 0114354444 صندوق بريد رقم: 341919 الرياض: 11333
الرسالة الأولى
حكم الاحتفال بالمولد النبوي وغيرها[(1)]
[(1)]مجموع فتاوى ابن باز (1/178).
الحمد للَّه والصَّلاة والسَّلام على رسول اللَّه وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهداه أما بعد:
فقد تكرر السّؤال، من كثير من الناس عن حكم الاحتفال بمولد النبي صلى الله عليه وسلم والقيام له في أثناء ذلك، وإلقاء السلام عليه، وغير ذلك مما يفعل في الموالد.
الجواب: لا يجوز الاحتفال بمولد الرسول صلى الله عليه وسلم ولا غيره؛ لأن ذلك من البدع المحدثة في الدين؛ لأن الرّسول صلى الله عليه وسلم لم يفعله، ولا خلفاؤه الرّاشدون، ولا غيرهم من الصّحابة رضوان اللَّه عليهم ولا التّابعون لهم بإحسان في القرون المفضلة، وهم أعلم الناس بالسنة، وأكمل حبًا لرسول للَّه صلى الله عليه وسلم، ومتابعة لشرعه ممّن بعدهم، وقد ثبت عن النّبي صلى الله عليه وسلم أنّه قال: «مَنْ أَحْدَثَ فِي أَمْرِنَا هَذَا مَا لَيْسَ فِيهِ فَهُوَ رَدٌّ»[(2)] أي: مردود عليه. [(2)]رواه البخاري في كتاب الصلح، باب إذا اصطلحوا على صلح جور فالصلح مردود برقم (2550)، ومسلم في كتاب الأقضية، باب نقض الأحكام الباطلة ورد محدثات الأمور برقم (1718).
وقال في حديث آخر: «عَلَيْكُمْ بِسُنَّتِي وَسُنَّةِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ الْمَهْدِيِّينَ مِنْ بَعْدِي، تَمَسَّكُوا بِهَا وَعَضُّوا عَلَيْهَا بِالنَّوَاجِذِ وَإِيَّاكُمْ وَمُحْدَثَاتِ الأُمُورِ،فَإِنَّ كُلَّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ وَكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلاَلَةٌ»[(3)]. [(3)]رواه ابن داود في كتاب السنة، باب لزوم السنة برقم (4607)، والترمذي في كتاب العلم، باب الأخذ بالسنة واجتناب البدع برقم (2676).
ففي هذين الحديثين تحذير شديد من إحداث البدع والعمل بها، وقد قال اللَّه سبحانه في كتابه المبين: [الحَشر: 7] {وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا} وقال عز وجل: [النُّور: 63] {فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ *}. وقال سبحانه وتعالى: [الأحزَاب: 21] {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا *}.
وقال تعالى: [التّوبَة: 100] {وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ *}.
وقال تعالى: [المَائدة: 3] {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِيناً}.
والآيات في هذا المعنى كثيرة، وإحداث مثل هذه الموالد، يفهم منه أن اللَّه سبحانه لم يكمل الدين لهذه الأمة، وأن الرّسول ـ عليه الصَّلاة والسَّلام ـ لم يبلغ ما ينبغي للأمة أن تعمل به حتى جاء هؤلاء المتأخرون فأحدثوا في شرع اللَّه مالم يأذن به، زاعمين أن ذلك ممّا يقربهم إلى اللَّه، وهذا بلا شك فيه خطر عظيم، واعتراض على اللَّه سبحانه وعلى رسوله صلى الله عليه وسلم، واللَّه سبحانه قد أكمل الدين، وأتم عليهم النّعمة.
والرّسول صلى الله عليه وسلم قد بلّغ البلاغ المبين، ولم يترك طريقا يوصل إلى الجنة ويباعد عن النار إلا بيّنه للأمة.
كما ثبت في الحديث الصحيح عن عبداللَّه بن عمر ـ رضي الله عنهما ـ: قال رسول صلى الله عليه وسلم: «مَا بَعَثَ اللهُ مِنْ نَبِيٍّ قَبْلِي إِلاَّ كَانَ حَقًّا عَلَيْهِ أَنْ يَدُلَّ أُمَّتَهُ عَلَى خَيْرِ مَا يَعْلَمُهُ لَهُمْ، وَيُنْذِرَهُمْ شَرَّ مَا يَعْلَمُهُ لَهُمْ»[(4)] [رواه مسلم في صحيحه]. [(4)]رواه مسلم في كتاب الإمارة، باب وجوب الوفاء بيعة الخلفاء الأول فالأول برقم (1844).
ومعلوم أن نبينا محمد صلى الله عليه وسلم هو أفضل الأنبياء وخاتمهم، وأكملهم بلاغا ونصحا، فلو كان الاحتفال بالموالد من الدين الذي يرضاه الله ـ سبحانه ـ لبيّنه الرسول صلى الله عليه وسلم للأمة، أو فعله في حياته، أو فعله أصحابه رضي الله عنهم فلما لم يقع شئ من ذلك علم أنه ليس من الإسلام في شئ، بل هو من المحدثات التي حذر الرسول صلى الله عليه وسلم منها أمته، كما تقدم ذكر ذلك، في الحديثين السابقين.
وقد جاء في معناهما أحاديث أخرى مثل قوله صلى الله عليه وسلم في خطبة الجمعة: «أَمَّا بَعْدُ: فَإِنَّ خَيْرَ الْحَدِيثِ كِتَابُ اللهِ، وَخَيْرُ الْهُدَيِ هُدَيُ مُحَمَّدٍ صلى الله عليه وسلم وَشَرُّ الأُمُورِ مُحْدَثَاتُهَا، وَكُلُّ بِدْعَةٍ ضَلاَلَةٌ»[(5)]. [(5)]رواه مسلم في كتاب الجمعة، باب تخفيف الصلاة والخطبة برقم (867).
والآيات والأحاديث في هذا الباب كثيرة، وقد صرح جماعة من العلماء بإنكار الموالد والتحذير منها؛ عملا بالأدلة المذكورة وغيرها، وخلف بعض المتأخرين فأجازها إذا لم تشمل على شئ من المنكرات كالغلو في رسول الله صلى الله عليه وسلم واختلاط النساء بالرجال، واستعمال آلات الملاهي، وغير ذلك مما ينكره الشرع المطهر، وظنوا أنها من البدع الحسنة، والقاعدة الشرعية رد ما تنازع فيه الناس إلى كتاب اللَّه، وسنة رسوله محمد صلى الله عليه وسلم.
كما قال اللَّه عز وجل: [النِّسَاء: 59] {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَومِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً *}.
وقال تعالى: [الشّورى: 10] {وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ ذَلِكُمُ اللَّهُ}.
وقد رددنا هذه المسألة ـ وهي الاحتفال بالمولد ـ إلى كتاب الله سبحانه فوجدناه يأمرنا باتباع الرسول صلى الله عليه وسلم فيما جاء به، ويحذرنا عما نهى عنه، ويخبرنا بأن اللَّه سبحانه قد أكمل لهذه الأمة دينها، وليس هذا الاحتفال مما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم فيكون ليس من الدين الذي أكمله اللَّه لنا وأمرنا بإتباع الرسول فيه، وقد رددنا ذلك أيضا إلى سنة الرسول صلى الله عليه وسلم فلم نجد فيها أنه فعله، ولا أمر به ولا فعله أصحابه رضي الله عنهم فعلمنا بذلك أنه ليس من الدين، بل هو من البدع المحدثة، ومن التشبه بأهل الكتاب من اليهود والنصارى في أعيادهم، وبذلك يتضح لكل من له أدنى بصيرة، ورغبة في الحق، وإنصاف في طلبه أنّ الاحتفال بالموالد ليس من دين الإسلام، بل هو من البدع المحدثات، التي أمر اللَّه سبحانه ورسوله صلى الله عليه وسلم بتركها والحذر منها، ولا ينبغي للعاقل أن يغترّ بكثرة الفاعلين، وإنما يعرف الحق بالأدلة الشرعية كما قال تعالى عن اليهود والنصارى: [البَقَرَة: 111] {وَقَالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلاَّ مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ*}، وقال تعالى: [الأنعَام: 116] {وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ}.
ثم إن غالب هذه الاحتفالات بالموالد ـ مع كونها بدعة ـ لا تخلو من اشتمالها على منكرات أخرى، كاختلاط النساء بالرجال، واستعمال الأغاني والمعازف وشرب المسكرات والمخدرات وغير ذلك من الشرور، وقد يقع فيها ما هو أعظم من ذلك وهو الشرك الأكبر وذلك بالغلو في رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم أو غيره من الأولياء، ودعائه، والاستغاثة به، وطلبه المدد واعتقاده أنه يعلم الغيب، ونحو ذلك من الأمور الكفرية التي يتعاطاها الكثير من الناس، حين احتفالهم بمولد النبي صلى الله عليه وسلم وغيره ممّن يسمونهم بالأولياء، وقد صح عن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم أنه قال: «إِيَّاكُمْ وَالْغُلُوَّ فِي الدِّينِ فَإِنَّمَا أَهْلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمُ الْغُلُوُّ فِي الدِّينِ»[(6)]. [(6)] رواه ابن ماجه في كتاب المناسك، باب قدر حصى الرمي برقم (3029)، والنسائي في كتاب المناسك والحج، باب التقاط الحصى برقم (3057).
وقال ـ عليه الصَّلاة والسَّلام ـ: «لاَ تُطْرُونِي كَمَا أَطْرَتِ النَّصَارَى ابْنَ مَرْيَمَ،إِنَّمَا أَنَا عَبْدٌ، فَقُولُوا عَبْدُ اللهِ وَرَسُولُهُ» [(7)] أخرجه البخاري في صحيحه من حديث عمر رضي الله عنه. [(7)]رواه البخاري في كتاب الأنبياء، باب {وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ إِذِ انْتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا مَكَاناً شَرْقِيًّا *} برقم (3261).
ومن العجائب أن الكثير من الناس ينشط ويجتهد في حضور هذه الاحتفالات المبتدعة، ويدافع عنها، ويتخلف عمّا أوجب اللَّه عليه من حضور الجمع والجماعات، ولا يرفع بذلك رأسا ولا يرى أنه أتى منكرا عظيما، ولاشك أن ذلك من ضعف الإيمان وقلة البصيرة، وكثرة ما ران على القلوب من صنوف الذنوب والمعاصي، نسأل اللَّه العافية لنا ولسائر المسلمين.
ومن ذلك: أن بعضهم يظن أن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم يحضر المولد، ولهذا يقومون له محيين ومرحبين، وهذا من أعظم الباطل، وأقبح الجهل؛ فإن الرسول صلى الله عليه وسلم لا يخرج من قبره قبل يوم القيامة، وروحه في أعلى عليين عند ربه في دار الكرامة، كما قال اللَّه تعالى في سورة المؤمنين: [المؤمنون: 15-16] {ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذَلِكَ لَمَيِّتُونَ * ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ تُبْعَثُونَ *}.
وقال النّبي صلى الله عليه وسلم: «أَنَا أَوَّلُ مَنْ يَنْشَقُّ عَنْهُ الْقَبْرُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ،وَأَنَا أَوَّلُ مُشَفَّعٍ»[(8)] ـ عليه من ربّه أفضل الصّلاة والسلام ـ فهذه الآية الكريمة، والحديث الشريف، وما جاء في معناهما من الآيات والأحاديث، كلها تدل على أن النّبي صلى الله عليه وسلم وغيره من الأموات إنما يخرجون من قبورهم يوم القيامة، وهذا أمر مجمع عليه بين علماء المسلمين ليس فيه نزاع بينهم، فينبغي لكل مسلم التنبه لهذه الأمور الحذر ممّا أحدثه الجهّال وأشباههم من البدع والخرافات التي ما أنزل اللَّه بها من سلطان واللَّه المستعان وعليه التكلان، ولا حول ولا قوة إلا باللَّه. [(8)]رواه مسلم في كتاب الفضائل، باب في تفضيل نبينا على جميع الخلائق برقم (2278).
أمّا الصلاة والسّلام على رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم فهي من أفضل القربات ومن الأعمال الصالحات كما قال اللَّه تعالى: [الأحزَاب: 56] {إِنَّ اللَّهَ وَمَلاَئِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا *}.
وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «مَنْ صَلَّى عَلَيَّ صَلاَةً وَاحِدة صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ بِهَا عَشْرًا»[(9)] وهي مشروعة في جميع الأوقات، ومتأكّدة في آخر كلّ صلاة، بل واجبة عند جمع من أهل العلم في التشهد الأخير من كلّ صلاة،وسنّة مؤكدة في مواضع كثيرة، منها ما بعد الأذان، وعند ذكره ـ عليه الصَّلاة والسَّلام ـ، وفي يوم الجمعة وليلتها كما دلت على ذلك أحاديث كثيرة. [(9)]رواه مسلم في كتاب الصلاة، باب استحباب القول مثل قول المؤذن برقم (384).
واللَّه المسؤول أن يوفقنا وسائر المسلمين للفقه في دينه والثبات عليه، وأن يمن على الجميع بلزوم السنة، والحذر من البدعة، إنه جواد كريم، وصلّى الله على نبيّنا محمد وعلى آله وصحبه.
الرسالة الثانية
حكم الاحتفال بليلة الإسراء والمعراج[(10)]
[(10)]مجموع فتاوى الشيخ ابن باز (1/185).
الحمد للَّه والصلاة والسلام على رسول اللَّه، وعلى آله وصحبه أما بعد:
فلا ريب أن الإسراء والمعراج من آيات اللَّه العظيمة الدّالة على صدق رسوله محمد صلى الله عليه وسلم، وعلى عظم منزلته عند اللَّه عز وجل، كما أنها من الدلائل على قدرة اللَّه الباهرة، وعلى علوه سبحانه وتعالى على جميع خلقه، قال اللَّه سبحانه وتعالى: [الإسرَاء: 1] {سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ *}.
وتواتر عن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم أن الله عرج به إلى السماوات، وفتحت له أبوابها حتى جاوز السماء السابعة، فكلمه ربه سبحانه بما أراد، وفرض عليه الصلوات الخمس، وكان الله سبحانه فرضها أولا خمسين صلاة، فلم يزل نبينا محمد صلى الله عليه وسلم يراجعه ويسأله التخفيف، حتى جعلها خمسا، فهي خمس في الفرض، وخمسون في الأجر؛ لأن الحسنة بعشر أمثالها، فلله الحمد والشكر على جميع نعمه.
وهذه الليلة التي حصل فيها الإسراء والمعراج، لم يأت في الأحاديث الصحيحة تعيينها لا في رجب ولا غيره، وكل ما ورد في تعيينها فهو غير ثابت عن النبي صلى الله عليه وسلم عند أهل العلم بالحديث، وللَّه الحكمة البالغة في إنساء الناس لها، ولو ثبت تعيينها لم يجز للمسلمين أن يخصوها بشيء من العبادات، ولم يجز لهم أن يحتفلوا بها؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه رضي الله عنهم لم يحتفلوا بها، ولم يخصوها بشيء، ولو كان الاحتفال بها أمرا مشروعا لبينه الرسول صلى الله عليه وسلم للأمة إما بالقول وإما بالفعل ولو وقع شيء من ذلك لعرف واشتهر، ولنقله الصحابة رضي الله عنهم إلينا، فقد نقلوا عن نبيهم صلى الله عليه وسلم كل شيء تحتاجه الأمة، ولم يفرطوا في شيء من الدّين، بل هم السابقون إلى كل خير، فلو كان الاحتفال بهذه الليلة مشروعا لكانوا أسبق النّاس إليه، والنبي صلى الله عليه وسلم هو أنصح الناس للناس، وقد بلّغ الرسالة غاية البلاغ، وأدى الأمانة، فلو كان تعظيم هذه الليلة والاحتفال بها من دين الله لم يغفله النبي صلى الله عليه وسلم ولم يكتمه، فلما لم يقع شيء من ذلك، علم أن الاحتفال بها، وتعظيمها ليسا من الإسلام في شيء وقد أكمل اللَّه لهذه الأمة دينها، وأتم عليها النّعمة، وأنكر على من شرع في الدين ما لم يأذن به اللَّه، قال سبحانه وتعالى في كتابه المبين من سورة المائدة: [المَائدة: 3] {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِيناً}، وقال عزَّ وجل في سورة الشورى: [الشّورى: 21] {أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ وَلَوْلاَ كَلِمَةُ الْفَصْلِ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ *}.
وثبت عن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم في الأحاديث الصّحيحة: التّحذير من البدع، والتصريح بأنها ضلالة، تنبيها للأمة على عظم خطرها، وتنفيرا لهم من اقترافها.
ومن ذلك ما ثبت في الصحيحين عن عائشة رضي الله عنها عن النّبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «مَنْ عَمِلَ عَمَلاً لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا، فَهْوَ رَدٌّ»[(11)]. [(11)]سبق تخريجه (ص6) بلفظ: «مَنْ أَحْدَثَ فِي أَمْرِنَا هَذَا مَا لَيْسَ فِيهِ فَهُوَ رَدٌّ».
وفي صحيح مسلم عن جابر رضي الله عنه قال:كان رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم يقول في خطبته يوم الجمعة: «أَمَّا بَعْدُ: فَإِنَّ خَيْرَ الْحَدِيثِ كِتَابُ اللَّهِ، وَخَيْرُ الْهُدَيِ هُدَيُ مُحَمَّدٍ صلى الله عليه وسلم وَشَرُّ الأُمُورِ مُحْدَثَاتُهَا، وَكُلُّ بِدْعَةٍ ضَلاَلَةٌ»[(12)]. [(12)]سبق تخريجه (ص9).
وفي السنن عن العرباض بن سارية رضي الله عنه أنه قال: وَعَظَنَا رَسُولُ صلى الله عليه وسلم مَوْعِظَةً بَلِيغَةً وَجِلَتْ مِنْهَا الْقُلُوبُ،وَذَرَفَتْ مِنْهَا الْعُيُونُ، فقلنا: يَا رَسُولَ اللهِ، كَأَنَّها مَوْعِظَةُ مُوَدِّعٍ، فَأوْصِانَا فَقَالَ:«أُوصِيكُمْ بِتَقْوَى اللهِ وَالسَّمْعِ وَالطَّاعَةِ، وَإِنْ تَأَمَّرَ عَلَيْكُمْ عَبْدٌ،فَإِنَّهُ مَنْ يَعِشْ مِنْكُمْ فَسَيَرَى اخْتِلاَفًا كَثِيرًا،فَعَلَيْكُمْ بِسُنَّتِي وَسُنَّةِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ الْمَهْدِيِّينَ من بعدي تَمَسَّكُوا بِهَا،وَعَضُّوا عَلَيْهَا بِالنَّوَاجِذِ، وَإِيَّاكُمْ وَمُحْدَثَاتِ الأُمُورِ، فَإِنَّ كُلَّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ،وَكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلاَلَةٌ[(13)] والأحاديث في هذا المعنى كثيرة. [(13)]سبق تخريجه (ص6).
وقد ثبت عن أصحاب رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم، وعن السلف الصالح بعدهم، التحذير من البدع والترهيب منها، وما ذاك إلا لأنّها زيادة في الدّين، وشرع لم يأذن به الله، وتشبّه بأعداء الله من اليهود والنصارى في زيادتهم في دينهم، وابتداعهم فيه ما لم يأذن به الله، ولأن لازمها التّنقص للدين الإسلامي، واتهامه بعدم الكمال، ومعلوم ما في هذا من الفساد العظيم، والمنكر الشنيع، والمصادمة لقول اللَّه عزَّ وجل: [المَائدة: 3] {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ} والمخالفة الصريحة لأحاديث الرّسول عليه ـ الصَّلاة والسَّلام ـ المحذرة من البدع والمنفرة منها.
وأرجو أن يكون فيما ذكرناه من الأدلة كفاية ومقنع لطالب الحق في إنكار هذه البدعة: أعني بدعة الاحتفال بليلة الإسراء والمعراج، والتحذير منها، وأنها ليست من دين الإسلام في شيء.
ولما أوجب اللَّه من النصح للمسلمين، وبيان ما شرع الله لهم من الدّين، وتحريم كتمان العلم، رأيت تنبيه إخواني المسلمين على هذه البدعة، التي قد فشت في كثير من الأمصار، حتى ظنها بعض الناس من الدين، واللَّه المسؤول أن يصلح أحوال المسلمين جميعا، ويمنحهم الفقه في الدين، ويوفقنا وإيّاهم للتمسك بالحق والثبات عليه، وترك ما خالفه، إنه ولي ذلك والقادر عليه.
وصلى اللَّه وسلَّم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.
الرسالة الثالثة
حكم الاحتفال بليلة النصف من شعبان[(14)]
[(14)]فتاوى الشيخ عبدالعزيز بن باز (1/187).
الحمد للَّه الذي أكمل لنا الدين وأتم علينا النعمة، والصلاة والسلام على نبيه ورسوله محمد نبي التوبة والرحمة أمّا بعد:
فقد قال الله تعالى: [المَائدة: 3] {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِيناً}، وقال تعالى: [الشّورى: 21] {أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ}.
وفي الصحيحين عن عائشة رضي الله عنها عن النّبي صلى الله عليه وسلم قال: «مَنْ أَحْدَثَ فِي أَمْرِنَا هَذَا مَا لَيْسَ فِيهِ فَهُوَ رَدٌّ»[(15)]، وفي صحيح مسلم عن جابر رضي الله عنه، أن النّبي صلى الله عليه وسلم كان يقول في خطبة الجمعة «أَمَّا بَعْدُ: فَإِنَّ خَيْرَ الْحَدِيثِ كِتَابُ اللَّهِ، وَخَيْرُ الْهُدَيِ هُدَيُ مُحَمَّدٍ صلى الله عليه وسلم وَشَرُّ الأُمُورِ مُحْدَثَاتُهَا، وَكُلُّ بِدْعَةٍ ضَلاَلَةٌ»[(16)] والآيات والأحاديث في هذا المعنى كثيرة، وهي تدل دلالة صريحة على أن اللَّه سبحانه وتعالى قد أكمل لهذه الأمة دينها، وأتم عليها نعمته، ولم يتوف نبيه عليه الصلاة والسلام إلاّ بعد ما بلّغ البلاغ المبين، وبين للأمة كل ما شرعه اللَّه لها من أقوال وأعمال، وأوضح صلى الله عليه وسلم أن كل ما يحدثه الناس بعده وينسبونه إلى دين الإسلام من أقوال أو أعمال، فكله بدعة مردود على من أحدثه، ولو حسن قصده، وقد عرف أصحاب رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم الأمر، وهكذا علماء الإسلام بعدهم، فأنكروا البدع وحذروا منها، كما ذكر ذلك كل من صنف في تعظيم السنة وإنكار البدعة، كابن وضاح، والطرطوشي، وأبي شامة وغيرهم. [(16)] سبق تخريجه (ص9). [(15)]سبق تخريجه (ص6).
ومن البدع التي أحدثها بعض الناس: بدعة الاحتفال بليلة النصف من شعبان، وتخصيص يومها بالصيام، وليس على ذلك دليل يجوز الاعتماد عليه، وقد ورد في فضلها أحاديث ضعيفة لا يجوز الاعتماد عليها، أمّا ما ورد في فضل الصلاة فيها، فكله موضوع، كما نبه على ذلك كثير من أهل العلم، وسيأتي ذكر بعض كلامهم إن شاء اللَّه.
وورد فيها أيضًا آثار عن بعض السلف من أهل الشام وغيرهم، والذي أجمع عليه جمهور العلماء أن الاحتفال بها بدعة، وأن الأحاديث الواردة في فضلها كلها ضعيفة، وبعضها موضوع، وممن نبه على ذلك الحافظ ابن رجب، في كتابه: (لطائف المعارف) وغيره، والأحاديث الضعيفة إنّما يعمل بها في العبادات التي قد ثبت أصلها بأدلة صحيحة، أما الاحتفال بليلة النصف من شعبان، فليس له أصل صحيح حتى يستأنس له بالأحاديث الضعيفة.
وقد ذكر هذه القاعدة الجليلة الإمام: أبو العباس شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله وأنا أنقل لكةأيها القارئ، ما قاله بعض أهل العلم في هذه المسألة، حتى تكون على بيّنة في ذلك، وقد أجمع العلماء رحمهم الله على أن الواجب: رد ما تنازع فيه الناس من المسائل إلى كتاب اللَّه عزَّ وجل، وإلى سنة رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم، فما حكما به أو أحدهما فهو الشرع الواجب الإتباع، وما خالفهما وجب إطراحه، وما لم يرد فيهما من العبادات فهو بدعة لا يجوز فعله، فضلا عن الدعوة إليه وتحبيذها.
كما قال سبحانه في سورة النساء: [النِّسَاء: 59] {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَومِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً *}، وقال اللَّه عز وجل: [النِّسَاء: 65] {فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا *}، والآيات في هذا المعنى كثيرة، وهي نص في وجوب رد مسائل الخلاف إلى الكتاب والسنة، ووجوب الرّضى بحكمهما، وأن ذلك هو مقتضى الإيمان، وخير للعباد في العاجل والآجل، وأحسن تأويلا أي: عاقبة.
وقال الحافظ ابن رجب رحمه الله في كتابه: (لطائف المعارف) في هذه المسألة ـ بعد كلام سبق ـ ما نصه: «وليلة النصف من شعبان كان التابعون من أهل الشام، كخالد بن معدان، ومكحول، ولقمان بن عامر وغيرهم، يعظمونها ويجتهدون فيها في العبادة، وعنهم أخذ الناس فضلها وتعظيمها، وقد قيل: إنه بلغهم في ذلك آثار إسرائيلية، فلما اشتهر ذلك عنهم في البلدان، اختلف الناس في ذلك فمنهم من قبله منهم، ووافقهم على تعظيمها، منهم طائفة من عباد أهل البصرة وغيرهم، وأنكر ذلك أكثر علماء الحجاز، منهم: عطاء، وابن أبي مليكة، ونقله عبدالرحمن بن زيد بن أسلم، عن فقهاء أهل المدينة، وهو قول أصحاب مالك وغيرهم، وقالوا:ذلك كله بدعة، واختلف علماء أهل الشام في صفة إحيائها على قولين:
أحدهما: أنه يستحب إحياؤها جماعة في المساجد، كان خالد بن معدان ولقمان بن عامر وغيرهما يلبسون فيها أحسن ثيابهم، ويتبخرون ويتكحلون، ويقومون في المسجد ليلتهم تلك، ووافقهم إسحاق بن راهويه على ذلك، وقال في قيامها في المساجد جماعة: ليس ذلك ببدعة، نقله حرب الكرماني في مسائله.
والثاني: أنه يكره الاجتماع فيها في المساجد للصلاة والقصص والدعاء، ولا يكره أن يصلي الرجل فيها لخاصة نفسه، وهذا قول الأوزاعي إمام أهل الشام وفقيههم وعالمهم، وهذا هو الأقرب إن شاء اللَّه تعالى، إلى أن قال: ولا يعرف للإمام أحمد كلام في ليلة نصف شعبان، ويتخرج في استحباب قيامها عنه روايتان: من الروايتين عنه في قيام ليلتي العيد، فإنه (في رواية) لم يستحب قيامها جماعة؛ لأنه لم ينقل عن النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه، واستحبها (في رواية)، لفعل عبدالرحمن بن يزيد بن الأسود لذلك وهو من التابعين، فكذلك قيام ليلة النصف، لم يثبت فيها شيء عن النبي صلى الله عليه وسلم ولا عن أصحابه، وثبت فيها عن طائفة من التابعين من أعيان فقهاء أهل الشام» انتهى المقصود من كلام الحافظ ابن رجب رحمه الله، وفيه التصريح منه بأنه لم يثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم ولا عن أصحابه رضي الله عنهم شيء في ليلة النصف من شعبان، وأما ما اختاره الأوزاعي رحمه الله من استحباب قيامها للأفراد، واختيار الحافظ ابن رجب لهذا القول، فهو غريب وضعيف؛ لأن كل شيء لم يثبت بالأدلة الشرعية كونه مشروعًا، لم يجز للمسلم أن يحدثه في دين اللَّه، سواء فعله مفردًا أو في جماعة، وسواء أسره أو أعلنه؛ لعموم قول النبي صلى الله عليه وسلم: « مَنْ عَمِلَ عَمَلاً لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا، فَهْوَ رَدٌّ»[(17)] وغيره من الأدلة الدالة على إنكار البدع والتحذير منها. [(17)]سبق تخريجه (ص6) بلفظ: «مَنْ أَحْدَثَ فِي أَمْرِنَا هَذَا مَا لَيْسَ فِيهِ فَهُوَ رَدٌّ».
وقال الإمام أبو بكر الطرطوشي رحمه الله في كتابه: (الحوادث والبدع) ما نصه: «وروى ابن وضاح عن زيد بن أسلم، قال: ما أدركنا أحدا من مشيختنا ولا فقهائنا يلتفتون إلى النصف من شعبان، ولا يلتفتون إلى حديث مكحول، ولا يرون لها فضلا على ما سواها».
وقيل لابن أبي مليكة: إن زيادا النميري يقول: «إن أجر ليلة النصف من شعبان كأجر ليلة القدر»، فقال:«لو سمعته وبيدي عصا لضربته» وكان زياد قاصا، انتهى المقصود.
وقال العلامة الشوكاني رحمه الله في: (الفوائد المجموعة) ما نصه: حديث: «يا علي من صلى مئة ركعة ليلة النصف من شعبان يقرأ في كل ركعة بفاتحة الكتاب وقل هو اللَّه أحد عشر مرات قضى اللَّه له كل حاجة...»[(18)]إلخ. [(18)]موضوع، وفي ألفاظه المصرحة بما يناله فاعلها من الثواب ما لا يمتري إنسان له تمييز في وضعه، ورجاله مجهولون، وقد روي من طريق ثانية وثالثة كلها موضوعة ورواتها مجاهيل، وقال في: (المختصر): حديث صلاة نصف شعبان باطل.
ولابن حبان من حديث علي: « إِذَا كَانَتْ لَيْلَةُ النِّصْفِ مِنْ شَعْبانَ فَقُومُوا لَيْلَهَا وَصُومُوا نَهَارَهَا»[(19)] ضعيف، وقال في: (اللآلئ): مئة ركعة في نصف شعبان بالإخلاص عشر مرات مع طول فضله، للديلمي وغيره موضوع، وجمهور رواته في الطرق الثلاث مجاهيل ضعفاء، قال:واثنتا عشرة ركعة بالإخلاص ثلاثين مرة موضوع وأربع عشرة ركعة موضوع. [(19)]رواه ابن ماجه في كتاب إقامة الصلاة والسنة فيها، باب ما جاء في ليلة النصف من شعبان برقم (1388).
وقد اغتر بهذا الحديث جماعة من الفقهاء كصاحب (الإحياء) وغيره وكذا من المفسرين، وقد رويت صلاة هذه الليلة ـ أعني: ليلة النصف من شعبان ـ على أنحاء مختلفة كلها باطلة موضوعة، ولا ينافي هذا رواية التّرمذي من حديث عائشة لذهابه صلى الله عليه وسلم إلى البقيع، ونزول الرب ليلة النصف إلى سماء الدنيا، وأنه يغفر لأكثر من عدة شعر غنم بني كلب، فإن الكلام إنما هو في هذه الصلاة الموضوعة في هذه الليلة، على أن حديث عائشة هذا فيه ضعف وانقطاع، كما أن حديث علي الذي تقدم ذكره في قيام ليلها، لا ينافي كون هذه الصلاة موضوعة، على ما فيه من الضعف حسبما ذكرناه» انتهى المقصود.
وقال الحافظ العراقي: «حديثُ صلاة ليلةِ النصف موضوع على رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم وكذب عليه».
وقال الإمام النووي في كتاب: (المجموع): «الصلاة المعروفة بصلاة الرّغائب، وهي اثنتا عشرة ركعة بين المغرب والعشاء، ليلة أول جمعة من رجب، وصلاة ليلة النصف من شعبان مئة ركعة، هاتان الصلاتان بدعتان منكرتان، ولا يغتر بذكرهما في كتاب: (قوت القلوب)، و(إحياء علوم الدين)، ولا بالحديث المذكور فيهما، فإن كل ذلك باطل، ولا يغتر ببعض من اشتبه عليه حكمهما من الأئمة فصنف ورقات في استحبابهما، فإنه غالط في ذلك».
وقد صنف الشيخ الإمام أبو محمد عبدالرحمن بن إسماعيل المقدسي كتابا نفيسا في إبطالهما، فأحسن فيه وأجاد،وكلام أهل العلم في هذه المسألة كثير جدا،ولو ذهبنا ننقل كل ما اطلعنا عليه من كلام في هذه المسألة، لطال بنا الكلام، ولعل فيما ذكرنا كفاية ومقنعا لطالب الحق.
ومما تقدم من الآيات والأحاديث وكلام أهل العلم، يتضح لطالب الحق أن الاحتفال بليلة النصف من شعبان بالصلاة أو غيرها، وتخصيص يومها بالصيام بدعة منكرة عند أكثر أهل العلم، وليس له أصل في الشرع المطهر، بل هو مما حدث في الإسلام بعد عصر الصحابة رضي الله عنهم، ويكفي طالب الحق في هذا الباب وغيره قول الله عز وجل: [المَائدة: 3] {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ} وما جاء في معناها من الآيات، وقول النبي صلى الله عليه وسلم: «مَنْ أَحْدَثَ فِي أَمْرِنَا هَذَا مَا لَيْسَ فِيهِ فَهُوَ رَدٌّ»[(20)] وما جاء في معناه من الأحاديث، وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم: «لاَ تَخْتَصُّوا لَيْلَةَ الْجُمُعَةِ بِقِيَامٍ مِنْ بَيْنِ اللَّيَالِي، وَلاَ تَخُصُّوا يَوْمَها بِالصِّيَامٍ مِنْ بَيْنِ الأَيَّامِ إِلاَّ أَنْ يَكُونَ فِي صَوْمٍ يَصُومُهُ أَحَدُكُمْ»[(21)] فلو كان تخصيص شيء من الليالي، بشيء من العبادة جائزا، لكانت ليلة الجمعة أولى من غيرها؛ لأن يومها هو خير يوم طلعت عليه الشمس، بنص الأحاديث الصحيحة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما حذر النبي صلى الله عليه وسلم من تخصيصها بقيام من بين الليالي دل ذلك على أن غيرها من الليالي من باب أولى،لا يجوز تخصيص شيء منها بشيء من العبادة، إلا بدليل صحيح يدل على التخصيص. [(20)]سبق تخريجه (ص6). [(21)]رواه مسلم في كتاب الصيام، باب كراهية صيام يوم الجمعة منفردا برقم (1144).
ولما كانت ليلة القدر وليالي رمضان يشرع قيامها والاجتهاد فيها، نبّه النّبي صلى الله عليه وسلم على ذلك، وحثّ الأمة على قيامها، وفعل ذلك بنفسه، كما في الصحيحين عن النّبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «مَنْ قَامَ رَمَضَانَ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ»[(22)] و «مَنْ قَامَ لَيْلَةَ الْقَدْرِ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ»[(23)] فلو كانت ليلة النصف من شعبان، أو ليلة أول جمعة من رجب أو ليلة الإسراء والمعراج يشرع تخصيصها باحتفال أو شيء من العبادة ، لأرشد النبي صلى الله عليه وسلم الأمة إليه، أو فعله بنفسه، ولو وقع شيء من ذلك لنقله الصحابة رضي الله عنهم إلى الأمة، ولم يكتموه عنهم، وهم خير الناس، وأنصح الناس بعد الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، ورضي اللَّه عن أصحاب رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم وأرضاهم، وقد عرفت آنفا من كلام العلماء أنه لم يثبت عن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم، ولا عن أصحابه رضي الله عنهم شيء في فضل ليلة أول جمعة من رجب، ولا في ليلة النصف من شعبان، فعلم أن الاحتفال بهما بدعة محدثة في الإسلام، وهكذا تخصيصها بشيء من العبادة، بدعة منكرة، وهكذا ليلة سبع وعشرين من رجب، التي يعتقد بعض الناس أنها ليلة الإسراء والمعراج، لا يجوز تخصيصها بشيء من العبادة، كما لا يجوز الاحتفال بها، للأدلة السابقة، هذا لو علمت، فكيف والصحيح من أقوال العلماء أنها لا تعرف، وقول من قال: أنها ليلة سبع وعشرين من رجب، قول باطل لا أساس له في الأحاديث الصحيحة. [(23)]رواه البخاري في كتاب الصوم، باب من صام رمضان إيمانا واحتسابا ونية برقم (1802). [(22)]رواه البخاري في كتاب صلاة التراويح، باب فضل من قام رمضان برقم (1905)، ومسلم في كتاب صلاة المسافرين وقصرها، باب الترغيب في قيام رمضان برقم (759).
ولقد أحسن من قال:
وخير الأمور السالفات على الهدى
وشر الأمور المحدثات البدائع
والله المسؤول أن يوفقنا وسائر المسلمين للتمسك بالسنة والثبات عليها، والحذر مما خالفها، إنه جواد كريم، وصلى اللَّه وسلم على عبده ورسوله نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.