فهم السلف الصالح للنصوص الشرعية والرد على الشبهات حوله

فهم السلف الصالح للنصوص الشرعية والرد على الشبهات حوله

كتاب يناقش جملة من القضایا المتعلقة بفهم السلف الصالح للنصوص الشرعیة تعزیزًا لهذا الأصل و إعلاء من مقامه، ليكون ردًا على الهجمة الشرسة على المنهج السلفی ودعاته، التی یقوم بها بعض أهل الأهواء والجهلة من هذه الأمة.

Language: English
Prepared by:
Version: 1.0
Translations 0
Attachments 7
PDF
Audio
Video
+3

فهم السلف الصالح للنصوص الشرعية ورد الشبهات حوله

تأليف

أ.د.عبد الله بن عمر الدميجي

الأستاذ بالدراسات العليا بقسم العقيدة

جامعة أم القرى-مكة المكرمة

القسم الأول: فهم السلف الصالح للنصوص الشرعية

ويتكون من ثلاثة فصول:

الفصل الأول: حقيقة فهم السلف الصالح للنصوص الشرعية.

الفصل الثاني: أهمية فهم السلف الصالح للنصوص وعناية العلماء بتدوينه.

الفصل الثالث: أدلة حجية فهم السلف الصالح وثمرات الالتزام به.

الفصل الأول: حقيقة فهم السلف للنصوص الشرعية

وفيه ثلاثة مباحث:

المبحث الأول: معنى "الفهم" وعلاقته بالعلم والفقه والتفسير.

المبحث الثاني: معنى مصطلح "السلف".

المبحث الثالث: المراد بفهم السلف.

المبحث الأول: معنى الفهم وعلاقته بالعلم والفقه والتفسير.

الفهم في اللغة: هو: "معرفتك الشيء بالقلب، فَهمه فَهْما وفهَما وفهامة: علمه، وفهمت الشيء: عقلته وعرفته."[1] لسان العرب مادة "فهم" 12/459.

قال ابن فارس: "الفاء والهاء والميم: علم الشيء كذا يقولون علماء اللغة."[2] معجم مقاييس اللغة "فهم" 4/457.

وفي التنزيل قال الله تعال: {فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ} [الأنبياء: 79.]، أي: "علمناه القضية."[3] معالم التنزيل للبغوي 3/172. وذكر الشنقيطي أن ذلك باجتهاد من النبيين. ينظر: أضواء البيان 4/597.

و"فقّهنا القضاء الفاصل الناسخ الذي أراد الله تبارك وتعالى أن يستقرّ في النازلة."[4] المحرر الوجيز لابن عطية 10/177.

وعن علي رضي الله تعالى عنه، قال: "...إنه لا خير في عبادة لا علم فيها، ولا علم لا فهم فيه، ولا قراءة لا تدبر فيها."[5] أخرجه الدارمي في السنن، المقدمة، باب: "من قال: العلم الخشية وتقوى الله" ح: 303، 1/75، وفيه ليث بن أبي سليم "صدوق اختلط جدًا ولم يتميز حديثه فتُرِكَ". التقريب، 464. ط. عوامة.

وقد بوّب البخاري في صحيحه باب: "الفهم في العلم"، وذكر حديث ابن عمر لما سألهم النبي صلى الله عليه وسلم عن الشجرة التي مثلها مثل المسلم، فأراد ابن عمر أن يقول: "هي النخلة"، فإذا هو أصغر القوم فسكت، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "هي النخلة."[6] قال الحافظ ابن حجر عند ذلك: "الفهم فطنة يفهم بها صاحبها من الكلام ما يقترن به من قول أو فعل".[7] وعليه فالفهم هو: الإدراك، وهو ما تقرر في النفس من العلوم.[8] كتاب العلم. باب: الفهم في العلم، ح: 72، فتح الباري 10/198. فتح الباري 1/199. تذكير الخلف بوجوب اعتماد فهم السلف، وليد بن راشد السعيدان، ص2.

أما الفقه فهو: العلم بالشيء والفهم له. والفقه في الأصل: الفهم[9]. يقال: "فقه: بالضم إذا صار الفقه له سجية، وفقه: بالفتح إذا سبق غيره إلى الفهم، وفقه بالكسر إذا فهم"[10]. قال الله تعالى: {ليتفقهوا في الدين} [التوبة: 122] أي: ليكونوا علماء به. لسان العرب "فقه" 13/522. وينظر النهاية في غريب الحديث والأثر 3/465. فتح الباري 10/198. وينظر المفردات في غريب القرآن للراغب، ص384.

ومنه قوله تعال: {قالوا يشعيب ما نفقة كثيرا مما تقول} [هود: 91] أي ما نفهم كما قال القرطبي[11] وغيره. الجامع لأحكام القرآن 9/91.

ودعا النبي صلى الله عليه وسلم لابن عمه ابن عباس، رضي الله تعالى عنهما، فقال: "اللهم فقّهه في الدين"[12]. أي: فهّمه[13]. وقال: "من يرد ا لله به خيرا يفقّهه في الدين"[14]. أخرجه البخاري في كتاب الوضوء، باب: وضع الماء عند الخلاء (143)، ومسلم في فضائل الصحابة، باب: فضائل عبد الله بن عباس رضي الله عنهما (2477). من حديث ابن عباس رضي الله عنهما. النهاية 3/465. وينظر اللسان 3/522. أخرجه البخاري في كتاب العلم، باب: من يرد الله به خيرا يفقهه، (71)، ومسلم في كتاب الإمارة، باب: قوله ص: "لا تزال طائفة من أمتي..."، (1037). من حديث معاوية رضي الله عنه.

قال الراغب: "الفقه: هو التوصل إلى علم غائب بعلم شاهد. فهو أخص من العلم، قال تعالى: ﴿فَمَالِ هَٰٓؤُلَآءِ ٱلۡقَوۡمِ لَا يَكَادُونَ يَفۡقَهُونَ حَدِيثٗا﴾ [النساء: 78]، والفقه: العلم بأحكام الشريعة... وفقه: أي فهم"[15]. المفردات ص384.

وقد جاء في وصف كلام النبي صلى الله عليه وسلم أنه "كان فصلاً يفقهه كل أحد، لم يكن يسرده سردا"[16]. يفقهه يعني: يفهمه. أخرجه الإمام أحمد في مسنده 6/138.

قال ابن القيم: "الفقه هو: فهم المعنى المراد"[17]، والفهم هو إدراك معاني الألفاظ. إعلام الموقعين 1/332.

وبهذا يتبين أن معاني ألفاظ الفهم والفقه والعلم متقاربة.

والفهم التام: هو ثمرة التدبر والتأمل بعد معرفة التفسير. ودائرة التدبر أوسع وأرحب من دائرة التفسير.

والتفسير هو الجزء المعبر عنه من الفهم. وهو المتناقل عبر الأجيال بالرواية والكتابة، وهو الكاشف عن بعض فهم السلف لا كله. والتفسير المنقول عن الصحابة قليل بالقياس إلى غيرهم، وليس معنى ذلك أن فهمهم دون فهم غيرهم! حاشا وكلا. ولكن لقربم من العهد النبوي وهم عرب أقحاح يفهمون كلام الله تعالى، فما كانوا يحتاجون إلى تفسيره كما يحتاج إلى ذلك من جاء من بعدهم.

والفهم نوعان:

الأول: فهم ذهني معرفي: وهو المعنى الذي يفهمه المخاطب وتقوم عليه بها لحجة، ويترتب عليه استنباط الأحكام وأنواع الدلالات، ويساعد على هذا الفهم أسباب النزول وسياق الآيات والنصوص الأخرى وتفسير الغريب ومعرفة المعاني واللغة وغير ذلك من أدوات المفسرين والوقوف على أقوالهم.

الثاني: فهم قلبي إيماني: وهو ثمرة للفهم الأول ينتج عن تأمّل وتدبّر وتفكّر القارئ في القرآن وفيما يمرّ به من آيات كريمة؛ يعرف معانيها ويفهم دلالاتها بحيث لا يحتاج معها أن يراجع التفاسير فيقف عندها متأملاً ليحرك بها قلبه، ويعرض نفسه وعمله عليها، إن كان من أهلها حمد الله، وإن كان من غير أهلها حاسب نفسه واستعتب[18]. بتصرف من مقال فضيلة د. عمر المقبل. بعنوان: مفتاح حياة القلب 2/2. منشور في الشبكة في موقع المسلم بتاريخ 6/9/1428 ه.

والنوع الأول: هو الذي عبر عنه حبر الأمة، رضي الله تعالى عنه، في ذكره الوجه الأول والثاني من أوجه التفسير في قوله: "وجه تعرفه العرب من كلامها، وتفسير لا يعذر أحد بجهالته، وتفسير يعلمه العلماء، وتفسير لا يعلمه إلا الله"[19]. رواه ابن جرير في تفسيره برقم (71) 1/75. وينظر: مقدمة في أصول التفسير، لابن تيمية ص115.

والنوع الثاني: هو الذي عناه أمير المؤمنين علي ابن أبي طالب رضي الله تعالى عنه لما قيل له: "هل عندكم شيء من الوحي إلا ما في كتاب الله؟" قال: "لا. والذي فلق الحبة وبرأً النسمة، ما أعلمه إلا فهما يعطيه الله رجلاً في القرآن، وما في هذه الصحيفة..."[20]. وهو داخل في التفسير الذي يعلمه العلماء على تقسيم ابن عباس رضي الله عنمها. أخرجه البخاري في: الجهاد، باب: فكاك الأسير، ح: (3047) 6/193.، ومسلم في الإيمان، ح: (131) وغيرهما.

والأول: آلته: علوم اللسان والعربية والمعاجم، وأساليب العرب والبلاغة ونحو ذلك. أما مصادره فكما تقدم.

والثاني: آلته: زكاة النفس وقوة الإيمان ورقة القلب.

وهذا يختلف الناس فيه اختلافا كبيرا، ففهم الصديق رضي الله تعالى عنه للآية غير فهم أبي جهل لها مع أنهم يستويان في العربية وأساليبها[21]. بل إن الإنسان لتمر عليه الآية في صفاء فكر وحضور قلب وقوة إيمان فيفهم منها من المعاني ما لم يخطر له على بال؛ مع أنه قد يكون حفظها وكررها مئات المرات. بل إن بعض العامة ليفهم من الآيات في بعض الأوقات ما لا يفهمه أساطين اللغة وعلماء البلاغة. وهذا من أدلة إعجاز هذا الكتاب العزيز الذي لا تنقضي عجائبه ولا يخلق عن كثرة الرد...[22]. كما ورد وصفه في الحديث الذي أخرجه الترمذي 4/51.، وغيره عن علي رضي الله عنه قال: نزل جبريل عليه السلام على النبي ص فأخبره أنها ستكون فتن. قال: فما المخرج منها؟ قال: كتاب الله. فيه نبأ ما قبلكم...إلخ.قال الترمذي: حديث غريب لا نعرفه إلا من حديث حمزة الزيات، وإسناده مجهول، وفي حديث الحارث مقال.والحديث رواه أحمد في المسند 1/91.، والدارمي 2/435.، وابن أبي شيبة في المصنف 12/61.، وله شاهد من حديث عمر بن الخطاب أخرجه رزين، وآخر عن ابن مسعود وفيه إبراهيم بن مسلم وهو لين الحديث. والحديث ذكره الألباني في الضعيفة 1776. ولذلك قسم العلماء العقل إلى عقلين: عقل إدراك، وهو العقل الذي يناط به التكليف، وهو إدراك الأشياء وفهمها. وهو الذي أثبته الله تعالى للكفار والمنافقين وغيرهم، وهذا لا يتعلق به مدح ولا ذم لذاته. والعقل الثاني عقل رشد. وهو إحسان التصرف، وهو العقل الحامل لصاحبه على الانتفاع بالعقل، وهو مناط المدح في الإنسان، وهذا هو الذي نفاه الله تعالى عن الكافرين والمنافقين. ينظر تفسير سورتي الفاتحة والبقرة لابن عثيمين 2/420.، ويراجع مجموع الفتاوى 9/276.، 16/336.

وهذا الفهم لا يتعلق بالحلال والحرام واستنباط الأحكام وغير ذلك كما في النوع الأول.

ولا يدخل في هذا الفهم الصوفي المسمى بالإشاري والرمزي واعتقاد أن للقرآن ظاهرا وباطنا، وما ينبني على ذلك من انحرافات[23]. وهو يحتص بعلوم الخاطر وعلوم المشاهدات والكاشفات، وهو ما تفردت به الصوفية. ينظر: "التعرف لمذهب أهل التصوف'' (ص100). وينظر تفصيل هذا الموضوع وفرق ما بين فهم السلف والتفسير الباطني وتفسير الصوفية: "الموافقات للشاطبي" 4/231-261.، وكتاب: "التفسير والمفسرون" للدكتور محمد حسين الذهبي رحمه الله 2/337-416.، و2/377.، في شروط وضوابط قبول التفسير الإشاري.

والتفسير الباطني الإشاري على نوعين:

تفسير يخالف الكتاب والسنة والنص فهذا باطل كتأويلات القرامطة وسائر الباطنية ومنهم غلاة الصوفية، كتأويلهم الصلاة والصيام والحج بغير ما دلت عليه النصوص.

تفسير لا يخالف الكتاب والسنة وهذا فيه تفصيل:

ما كان في نفسه حقا لكن النص لا يدل عليه، وهذا الذي يسميها الصوفية (التفسير الإشاري) ويكثر في كتبهم مثل (حقائق التفسير) لأبي عبد الرحمن السلمي وغيره مثل تفسيرهم (والذين معه) أبو بكر (أشداء على الكفار) عمر (رحماء بينهم) عثمان (تراهم ركعا سجدا) عليّ.

فهذا إذا قيل إنه المعنى المراد بالآية فهو (كذب على الله إما متعمداً أو مخطئا)[24]. مجموع الفتاوى 13/214.

ما كان في نفسه حقاً والنص يحتمل الإشارة إليه فيقال إنه من باب الاعتبار والقياس لا أنه المعنى المراد بالنص ولكنه يشير إليه فهذا كأقسام القياس منه الصحيح ومنه الباطل والصحيح منه ما توفرت فيه الشروط التالية:

1. أن يكون معنى صحيحا في نفسه دلت عليه الأدلة.

2. ألا يناقض معنى النص الأصلي ولا ينافيه.

3. أن يكون في اللفظ إشعار به يحتمل ذلك المعنى.

4.أن يكون بينه وبين معنى النص الأصلي ارتباط وتلازم. مثل تفسير قوله تعالى: ﴿لَّا يَمَسُّهُۥٓ إِلَّا ٱلۡمُطَهَّرُونَ﴾ [الواقعة: 179]، بأنه اللوح المحفوظ وكما أنه لا يمسه إلا بدن طاهر فمعاني القرآن لا يذوقها إلا القلوب الطاهرة، وهي قلوب المتقين (كان هذا معنى صحيحا واعتبارا صحيحا)[25]. المصدر نفسه 13/242.، وينظر التبيان في أقسام القرآن لابن القيم 1/168، 409.، والشاطبي في الموافقات 4/232.

المبحث الثاني: معنى مصطلح السلف

معنى السلف لغة:

السين واللام والفاء تدل على تقدم وسبق، ومن ذلك السلف الذين مضوا[1]. فالسلف في اللغة عبارة تطلق على من تقدمك من آبائك وذوي قرابتك الذين هم فوقك في السن والفضل[2]. معجم مقاييس اللغة لابن فارس 3/95 مادة (سلف). ينظر: القاموس المحيط 3/153.، ولسان العرب 9/159.، مادة (سلف). وينظر: النهاية في غريب الحديث والأثر 2/390.

كما تطلق على معان أخر متقاربة، لكنها في أغلب استعمالاتها تدور حول معنى التقدم والمضي والسبق الزمني[3]، فالسلف والسالف والسليف كلها أسماء لكل متقدم. ينظر: تهذيب اللغة 12/431-432 مادة (سلف) والمصادر المذكورة أعلاه.

وقد استعملت كلمة سلف في القرآن على المعنى نفسه في ثمانية مواضع من القرآن الكريم، كما في قوله تعالى: ﴿فَمَن جَآءَهُۥ مَوۡعِظَةٞ مِّن رَّبِّهِۦ فَٱنتَهَىٰ فَلَهُۥ مَا سَلَفَ﴾ [البقرة: 275]، أي ما سبق وتقدم. ونحوهما ورد في قوله تعالى: ﴿عَفَا ٱللَّهُ عَمَّا سَلَفَۚ﴾ [المائدة: 90]، وقوله: {يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ} [الأنفال: 38]، وقوله: ﴿فَجَعَلۡنَٰهُمۡ سَلَفٗا وَمَثَلٗا لِّلۡأٓخِرِينَ﴾ [الزخرف: 56]. وفي قراءة حمزة والكسائي: [سلفاً بضم السين واللام][4] أي: "...مقدمة يتقدمون إلى النار كفار قومك، يا محمد، من قريش، وكفار قومك لهم بالأثر"[5]. كما استعمل اللفظ نفسه في السنة النبوية للدلالة على المعنى ذاته كما في قوله صلى الله عليه وسلم لابنته فاطمة، رضي الله تعالى عنها، لما أخبرها بدنو أجله: "نعم السلف أنا لك"[6]، وقوله صلى الله عليه وسلم لحكيم بن حزام، رضي الله تعالى عنه: "أسلمت على ما سلف من خير"[7]. لما ذكر بعض الأعمال الصالحة التي كان يعملها في جاهليته. الإقناع في القراءات السبع لابن الباذش 2/761. تفسير الطبري 25/85. أخرجه البخاري في كتاب الاستئذان، باب: من ناجى بين يدي الناس ولم يجبر بسر صاحبه... (6285). ومسلم في فضائل الصحابة، باب: من فضائل فاطمة، (2450)، من حديث عائشة رضي الله عنها. أخرجه البخاري في كتاب الزكاة، باب: من تصدق في الشرك ثم أسلم، (1436)، ومسلم في الإيان، باب: بيان حكم عمل الكافر إذا أسلم بعده، (123).

كما ورد استعمال اللفظ في السنة بمعنى: القرض، وبيع السلم، وهما يؤولان في نهاية الأمر إلى المعنى الأول من السبق والتقدم.

معنى السلف اصطلاحاً وإطلاقاته:

أما من حيث المعنى الاصطلاحي، فله إطلاقان:

الأول: إطلاقه على حقبة زمنية معينة "المفهوم التاريخي للمصطلح" ويدل عليه حديث عمران بن حصين، رضي الله تعالى عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم: "خيركم قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم"[8]. أخرجه البخاري في كتاب الشهادات، باب: لا يشهد على شهادة جؤر إذا شهد (2651)، ومسلم في فضائل الصحابة، باب: فضل الصحابة ثم الذين يلونهم، (2535).

ولذلك جاءت عبارات العلماء في تحديد السلف على أنهم:

جمهور أصحاب القرون المفضلة من الصحابة والتابعين وتابعي التابعين، وهذا قول جماهير العلماء قدياً وحديثا[9] وكانت وفاة آخر أتباع التابعين سنة (221ه) كما سيأتي. ينظر: التحف من مذاهب السلف للشوكاني (ص7و8و11)، ولوامع الأنوار البهية 1/20.، ووسطية أهل السنة بين الفرق د. محمد بن باكريم (ص98). وهناك من اعترض على هذا التحديد الزمني. ينظر: تقرير كلامه والرد عليه، كتاب موقف الاتجاه العقلاني الإسلامي المعاصر من النص الشرعي، د. سعد بن بجاد العتيبي (ص350-352).

ومنهم من زاد فيه إلى عصر الإمام أحمد (ت241ه). قال الحافظ ابن رجب رحمه الله: "وفي زماننا يتعين كتابة كلام السلف المقتدى بهم إلى زمن الشافعي (ت204ه) وأحمد (ت241ه) وإسحاق (ت238ه) وأبي عبيد (ت224ه)..."[10]. وقد أشار إليه الإمام الآجري[11] من قبل، وغيره من المتقدمين. ينظر: فضل علم السلف على علم الخلف لابن رجب (ص60) تحقيق: يحيى مختار غزاوي. الشريعة 1/175.

وهناك من قصره على جيل الصحابة والتابعين[12]. كالقاضي عياض في ترتيب المدارك وتقريب المسالك لمعرفة أعلام مذهب مالك 2/39.، وكالغزالي في إلجام العوام (ص53).

ومنهم من قصره على جيل الصحابة فقط[13]. وهو استعمال التابعين كما سيأتي. وهو قول عدد من شراح الرسالة لابن أبي زيد القيرواني. ينظر: وسطية أهل السنة (ص97). وانظر (ص29) إطلاقه على الصحابة من قبل التابعين من هذا البحث.

وشذ من تجاوز به إلى من كان قبل الخمسمائة للهجرة[14]. كالبيجوري في تحفة المريد شرح جوهرة التوحيد (ص91)، ط. أولى 1304 بدار الكتب.

والعمدة في ذلك الحديث المذكور آنفا. لكن هذا يقتضي تحديد معنى (القرن) وكذلك عدد القرون التالية لقرن النبي صلى الله عليه وسلم الموصوفة بالخيرية.

أما القرن في اللغة: فقد قال ابن الأعرابي: "هو الوقت من الزمان"[15]. وقال ابن الأثير: "القرن: أهل كل زمان"[16]. قال في اللسان: "الأمة تأتي بعد الأمة"[17]. تهذيب الأسماء واللغات 3/369.، وينظر: اللسان 13/334.، مادة (قرن). النهاية 4/51. اللسان 13/334.

واختلف في المراد به اصطلاحا على قولين:

منهم من حدده. واختلفوا في تحديده من عشرة أعوام إلى مئة وعشرين عاما[18]. والمشهور مئة عام، ويدل عليه حديث عبد الله بن بسر. قال: وضع النبي صلى الله عليه وسلم يده على رأسي فقال: "يعيش هذا الغلام قرنا" فعاش مئة سنة[19]. فتح الباري 7/8.، وينظر: لسان العرب 13/334. رواه الحاكم في المستدرك 4 /500.، والطبراني والبزار كما في مجمع الزوائد 9/404.، قال الهيثمي: "رجال أحد إسنادي البزار رجال الصحيح غير الحسن بن أيوب الحضرمي وهو ثقة". وجود إسناده الحافظ ابن حجر في إتحاف المهرة 6/535.، والشوكاني في در السحاب (ص429)، وصححه الألباني في الصحيحة رقم (2660).

ومنهم من أطلقه. وهم في ذلك على أقوال، منها:

القرن هو مقدار التوسط في أعمار أهل كل زمان[20]. مأخوذ من الاقتران، وكأنه المقدار الذي يقترن فيه أهل ذلك الزمان في أعمارهم وأحوالهم[21]. قال الحافظ: "وهذا أعدل الأقوال"[22]. وعبر عنه بأنهم "أهل زمان واحد متقارب اشتركوا في أمر من الأمور المقصودة" وذهب إلى أن "مدة القرن تختلف باختلاف أعمار أهل كل زمان"[23]. وعلى هذا فقرن قوم نوح يختلف عن قرن أمة محمد صلى الله عليه وسلم. النهاية في غريب الحديث 4/51.، وفتح الباري 7/8.، وعون المعبود 12/410. النهاية في غريب الحديث 4/51. فتح الباري 7/8. فتح الباري 7/8.

وقال الأزهري: "القرن أهل كل مدة كان فيها نبي أو كان فيها طبقة من أهل العلم قلت السنون أو كثرت"[24]؛ ولذا قال السيوطي: "الأصح أنه لا ينضبط بمدة"[25]. التهذيب مادة (ق.ر.ن) 3/205. ينظر: عون المعبود 10/174.، باب: في فضل أصحاب رسول الله ص.

وقال الحربي: "القرن كل أمة هلكت فلم يبق منها أحدا"[26]. تهذيب الأسماء واللغات 3/269. وينظر: فتح الباري7/8.، والمجموع المغيث 2/699.، والنهاية 4/51.، ولسان العرب 13/333.، وشرح مسلم للنووي، ح: (3535) 16/85.، وفتح الباري، ح: (3650) 7/5.، وعون المعبود 12/410.

وهذه الأقوال متقاربة ولعل أظهرها القول الأول، ويشهد له حديث النبي صلى الله عليه وسلم: "أعمار أمتي بين الستين والسبعين، وأقلهم من يجوز ذلك"[27]. كما يشهد له الواقع. فإن آخر أتباع التابعين موتا كان سنة 221 ه كما قال الحافظ: "واتفقوا على أن آخر من كان من أتباع التابعين ممن يقبل قوله من عاش إلى حدود العشرين ومئتين. وفي هذا الوقت ظهرت البدع ظهورا فاشيا، وأطلقت المعتزلة ألسنتها، ورفعت الفلاسفة رؤوسها، وامتحن أهل العلم ليقولوا بخلق القرآن، وتغيرت الأحوال تغيرًا شديدا..."[28]. أخرجه الترمذي وحسنه في كتاب الزهد، باب: ما جاء في فناء أعار هذه الأمة...،(2331)، بنحوه، وابن ماجه في كتاب الزهد، باب: الأمل والأجل، (4236)، واللفظ له، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه. وحسنه الألباني في الصحيحة برقم: (757). الفتح 7/8.

وعلى هذا فقرن النبي صلى الله عليه وسلم هم الصحابة. والثاني: التابعون، والثالث: تابعوهم[29]. شرح صحيح مسلم للنووي 16/85.

وقيل: قرنه: أصحابه والذين يلونهم: أبناؤهم. والثالث: أبناء أبنائهم.

وذهب شيخ الإسلام إلى تفصيل أكثر وهو أن الاعتبار في القرون الثلاثة بجمهور أهل القرن وهو وسطه، وجمهور الصحابة انقرضوا بانقضاء الخلفاء الأربعة. وجمهور التابعين انقرضوا في أواخر عصر أصاغر الصحابة. وجهور تابعي التابعين انقرضوا في أواخر الدولة الأموية وأول الدول العباسية[30]. مجموع الفتاوى 10/357.

وهذا يخرج على قول الحافظ ابن حجر، فالصحابة اشتركوا في رؤية النبي صلى الله عليه وسلم والتابعون اشتركوا في معاصرة الصحابة ورؤيتهم. وهكذا.

فشرف الصحابة وفضلوا برؤية النبي صلى الله عليه وسلم، كما شرف التابعون برؤية الصحابة، رضوان الله تعالى عليهم، والتلقي عنهم، وشرف أتباعهم برؤية من رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم، كما ورد في الصحيحين من حديث أبي سعيد الخدري، رضي الله تعالى عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "يأتي على الناس زمان، فيغزو فئام من الناس، فيقولون: فيكم من صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فيقولون: نعم، فيفتح لهم. ثم يأتي على الناس زمان؛ فيغزو فئام من الناس، فيقال لهم: فيكم من صاحب أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فيقولون: نعم. فيفتح لهم. ثم يأتي على الناس زمان فيغزو فئام من الناس، فيقال: هل فيكم من صاحب من صاحب أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فيقولون: نعم، فيفتح لهم"[31]. وهذا الحديث فيه إشارة إلى معنى القرن المقصود. أخرجه البخاري في فضائل الصحابة، باب: فضائل أصحاب النبي ص ومن صحب النبي أو رآه من المسلمين فهو من أصحابه، (2649) 7/5، ومسلم في فضائل الصحابة. باب: فضائل الصحابة، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم، ح: (2532) 4/1962.

وعن واثلة بن الأسقع، رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا تزالون بخير ما دام فيكم من رآني وصاحبني، والله لا تزالون بخير ما دام فيكم من رأى من رآني، وصاحب من صاحبني"[32]، قال النووي: "وفي هذا الحديث معجزات لرسول الله صلى الله عليه وسلم وفضل الصحابة والتابعين وتابعيهم"[33]. أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف ح: (32407) وابن أبي عاصم في السنة ح: (1035) والطبراني في الكبير 22/85.، ح:(207) وفي مسند الشاميين 1/452.، ح: (799) قال في الزوائد 10/20.: رواه الطبراني من طرق ورجاله أحدها رجال الصحيح، وحسنه الحافظ ابن حجر في الفتح 7/5. شرح مسلم 16/66.

وبنحوه ما ورد عن ابن عباس، رضي الله تعالى عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "تسمعون ويسمع منكم، ويسمع ممن سمع منكم"[34]. أخرجه أبو داوود في العلم ح: (3659) وأحد في المسند 1/321 وابن حبان ح: (77) والحاكم في المستدرك 1/95. وقال: صحيح على شرط الشيخين ووافقه الذهبي وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة ح: (1784) 4/390.

وعن أحمد بإسناد حسن عن أبي هريرة، رضي الله تعالى عنه، قال: سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أي الناس خير؟"، قال: "أنا والذين معي، ثم الذين على الأثر، ثم الذين على الأثر، ثم كأنه رفض من بقي"[35]. المسند 2/340.، وجود الأرنؤوط إسناده.

أما عن عدد القرون المفضلة فقد قال عمران، رضي الله عنه: "فلا أدري أذكر بعد قرنه قرنين أو ثلاثة"[36] لكن قال الحافظ: "وجاء في أكثر الطرق بغير شك فيها - أي في عدد القرون - عن النعمان بن بشير عند أحمد، وعن مالك عند مسلم عن عائشة"[37]. وفي البخاري ومسلم عن ابن مسعود من غير شك[38] أيضا. تقديم تخريجه (ص 23) (كذا في الأصل) - أخرجه البخاري في كتاب الشهادات، باب: لا يشهد على شهادة جؤر إذا شهد (2651)، ومسلم في فضائل الصحابة، باب: فضل الصحابة ثم الذين يلونهم، (2535). فتح الباري 7/9-10. كتاب: فضائل أصحاب النبي ص (3651)، ومسلم في كتاب: فضائل الصحابة، باب: فضل الصحابة، ثم الذين يلونهم (2533).

فهما قرنان بعد قرن النبي، أو ثلاثة بقرنه، عليه الصلاة والسلام.

وعلى هذا فالسلف بهذا المعنى هم جمهور أهل القرون الثلاثة المفضلة من الصحابة والتابعين وتابعي التابعين الذين شهد لهم النبي صلى الله عليه وسلم بالخيرية. وهذا هو المقصود بالسلف في هذا المبحث.

وقد جعل الإمام الذهبي نهاية القرن الثالث وحدده بسنة ثلاثمائة هو الحد الفاصل بين المتقدمين والمتأخرين[39]. ميزان الاعتدال: المقدمة (ص4).

واستعمال لفظ (السلف) وإطلاقه على الصحابة معروف عند التابعين لأنهم سلفهم، فقد أخرج البخاري في كتاب "الجهاد والسير" من صحيحه، باب الركوب على الدابة الصعبة والفحولة[40] من الخيل: وقال راشد بن سعد: "كان السلف يستحبون الفحولة لأنها أجرى وأجسر"[41]. وراشد بن سعد من التابعين[42]، فسلفه هم الصحابة، رضي الله تعالى عنهم. (الفحولة): جمع فحل: وهو الذكر من الحيوان. وأجرى: من الجري. (وأجسر): أي: أقدم على المسالك الوعرة. أخرجه البخاري معلقا في كتاب الجهاد والسير، تحت باب: الركوب على الدابة...ورقمه (50). تقريب التهذيب (ص204، ط. عوامة) عده الحافظ من الطبقة الثالثة، وهي الوسطى من التابعين، توفي رحمه الله سنة: (108ه) وقيل: (113).

وأخرج مسلم في مقدمة صحيحه عن محمد بن عبد الله بن قهزاذ قال: سمعت علي بن شقيق يقول: سمعت عبد الله بن المبارك يقول على رؤوس الناس: "دعوا حديث عمرو بن ثابت فإنه كان يسب السلف"[43]. وعمرو بن ثابت من الطبقة الوسطى من التابعين، وهو معروف بالرفض[44]. مقدمة صحيح مسلم 1/16. ينظر: ميزان الاعتدال للذهبي 3/249.

وعلى هذه السنن: جرى البخاري فأخرج في كتاب: "الأطعمة"، باب: ما كان السلف يدخرون في بيوتهم وأسفارهم من الطعام واللحم وغيره. وذكر قول عائشة وأسماء أنهما صنعتا للنبي صلى الله عليه وسلم وأبي بكر سفرة، وساق حديث ادخار لحوم الأضاحي المشهور[45]. صحيح البخاري (5423). وينظر: ضوابط فهم السنة النبوية (ص15) د. عبدالله بن وكيل الشيخ، ضمن ندوة فهم السنة النبوية، المقامة في الرياض، في 4/6/1430ه.

الثاني: إطلاقه على منهج محدد غير مرتبط بزمن معين "المفهوم المنهجي": ثم إن السبق الزمني ليس كافيا في تعيين السلف المقتدى بهم؛ لأنه عاش في هذه القرون المفضلة من هم من سلف المبتدعة وأهل الأهواء، أمثال ذي الخويصرة في عهد النبي صلى الله عليه وسلم، وصبيغ بن عسل في عهد عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه، وظهور الخوارج في عهد علي رضي الله تعالى عنه، وكذلك بدأ التشيع والرفض على يد عبد الله بن سبأ في عهده رضي الله تعالى عنه، وظهرت القدرية في أواخر زمن الصحابة على يد معبد الجهني (ت80ه).

وكان من زعماء المرجئة الأوائل غيلان الدمشقي (ت105ه). وظهر التجهم على يد الجعد بن درهم (قيل: ت124ه) أستاذ الجهم بن صفوان (ت128ه)، والاعتزال على يد واصل بن عطاء (ت131ه).

ولكنها كانت حالات فردية شاذة في أغلبها لا تمثل أهل تلك الحقبة الزمنية المباركة، وما إن يبرز شيء منها إلا ويقابل من الأمة ممثلة في ولاتها وعلمائها وأفرادها بقمعهم وردعهم وتفنيد شبههم وكف أذاهم عن المسلمين.

لذا كان من المستحسن تقييد ذلك المصطلح إما ب(الجمهور ليخرج منهم الشواذ، أو بوصف (السلف الصالح)[46]، مع أن الذي عليه العمل هو الثاني "السلف الصالح" ولا يطلق الأول إلا في المسائل الخلافية العملية أي الفقهيات. ليخرج الطالح من أهل الأهواء، أو بالتقييد المنهجي بالالتزام واتباع الكتاب والسنة ظاهرا وباطنا قولا وعملاً. لذلك قال الإمام السفاريني، رحمه الله: "المراد بمذهب السلف ما كان عليه الصحابة الكرام، رضوان الله عليهم، وأعيان التابعين لهم بإحسان وأتباعهم وأئمة الدين ممن شهد له بالإمامة، وعرف عظم شأنه في الدين وتلقى الناس كلامهم خلفا عن سلف دون من رمي ببدعة أو شهر بلقب غير مرضي مثل الخوارج والروافض والقدرية والمرجئة والجبرية والجهمية والمعتزلة والكرامية ونحو هؤلاء"[47]. وهذا قيد بياني على الصحيح يحسن ذكره وليس بلازم، فيذكر عند الاقتضاء ولا تثريب على من لم ينص عليه، لأن المفهوم المتبادر إلى الذهن عند إطلاق السلف هم السلف الصالح من الصحابة والتابعين وأتباعهم. .فهي زيادة بيان وتأكيد. والله أعلم. لوامع الأنوار 1/20.

فمن تلبس بشيء من هذه الأهواء والبدع ونحوها فلا يعد من السلف المقتدى بهم ولو عاش في تلك القرون المفضلة.

ويشهد لذلك قول الإمام الأوزاعي رحمه الله قال: "كتب إليّ قتادة من البصرة: إن كانت الدار فرقت بيننا وبينك؛ فإن ألفة الإسلام بين أهلها جامعة"[48]. يعني أن رابطة الاعتصام بالكتاب والسنة ومفارقة الأهواء وأهلها هي الجامعة بين أهل السنة وإن تباعدت بينهم الأوطان والأزمان. سير أعلام النبلاء 7/121.

ومع ذلك فإن لفظ السلف لا يعني القديم بإطلاق كما سيأتي بيانه لاحقا إن شاء الله.

وبناء عليه فمفهوم السلف مرتبط بهذا المنهج وإن تأخر به الزمان، فمن التزمه فهو سلفي وإن كان في العصور المتأخرة، فأطلقت الدعوة السلفية على دعوة شيخ الإسلام ابن تيمية وتلامذته، وعلى دعوة الإمام محمد بن عبد الوهاب وأتباعه، وعلى كل من اتبع ذلك المنهج من المتقدمين والمتأخرين، ممن أحيا سنة السلف المتقدمين ودعا إلى الالتزام بما كانوا عليه من الفهم والعمل والاعتقاد.

ويعضد ذلك ما ورد في بعض روايات حديث الافتراق في بيان منهج الفرقة الناجية "ما أنا عليه وأصحابي"[49]. أخرجه الترمذي في كتاب: الإيمان، باب: ما جاء في افتراق هذه الأمة، (2641)، من حديث عبد الله بن عمرو. وقال: "هذا حديث حسن غريب، مفسّر لا نعرفه مثل هذا إلا من هذا الوجه". وحسنه الألباني في صحيح الترمذي (2129).

فالنبي صلى الله عليه وسلم لم يحصر الفرقة الناجية على أهل حقبة زمنية محددة، وإنما بمنهج واضح محدد المعالم: وهو ما كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه رضوان الله تعالى عليهم، وذلك يشمل ما كانوا عليه في الاعتقادات والعبادات والمعاملات والسلوك والأخلاق...إلخ.

وهذا هو الضابط الأساس في تحديد مفهوم السلف، وما تقدم من حقبة تاريخية أو منهجية فهي في الحقيقة راجعة إليه، ومقيدة به.

ويزيد عليه أن كل من سار على منهجهم واقتفى أثرهم وإن تأخر به الزمان فهو منهم، ومنسوب إليهم؛ فسلف المسلمين الصالح هم الصحابة رضوان الله تعالى عليهم والتابعون وأتباعهم أصحاب القرون المفضلة، ثم كل من سلك سبيلهم ونهج منهجهم إلى يوم الدين فهو منسوب إليهم.

فهذان المدلولان متلازمان فأهل القرون الثلاثة المفضلة لا يعد أحدهم من السلف ما لم يكن على ما كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه – على منهج الكتاب والسنة - ومن جاء من بعدهم لا يعد من أتباع السلف ما لم يسر على طريقتهم في فهم الكتاب والسنة، والعمل بهما ظاهرا وباطنا.

وهذا المعنى المنهجي هو المرادف لمصطلح أهل السنة والجماعة وهم:

ولا شك أن التابعين وتابعيهم قد حصل لهم من العلم بمراد الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم ما هو أقرب إلى منزلة الصحابة ممن دونم، فهم تلامذتهم، تلقوا العلم على أيديهم، ولازموهم، واشتغلوا بحفظ علومهم تعلما وتعليما وتدوينا، و"أجمعوا على اتباع الصحابة فيما ورد عنهم، والأخذ بقولهم، والفتيا به، من غير نكير من أحد منهم..."[50]. إجمال الإصابة في أقوال الصحابة للعلائي (ص66)، تحقيق محمد سليان الأشقر.

ومن المعلوم: "أن كل من كان بكلام المتبوع وأحواله وبواطن أموره وظواهرها أعلم، وهو بذلك أقوم، كان أحق بالاختصاص به"[51]. مجموع الفتاوى 4/91.

ولذا قال الإمام الشاطبي: "التزم التابعون في الصحابة سيرتهم مع النبي صلى الله عليه وسلم حتى فقهوا، ونالوا ذروة الكمال في العلوم الشرعية"[52]. ولهذا كان ما فهمه الصحابة والتابعون وتابعوهم من القرآن والسنة أولى أن يصار إليه مما فهمه من بعدهم[53]. الموافقات 1/95. ينظر: الصواعق المرسلة 2/509.، وإعلام الموقعين 4/118.

قال السفاريني رحمه الله تعالى: "المراد بمذهب السلف ما كان عليه الصحابة الكرام – رضوان الله عليهم - وأعيان التابعين لهم بإحسان وأتباعهم، وأئمة الدين الذين شهد لهم بالإمامة، وعرف عظم شأنهم في الدين، وتلقى الناس كلامهم خلفا عن سلف، دون من رمي ببدعة، أو شهر بلقب غير مرضي، مثل: الخوارج، والروافض، والقدرية، والمرجئة، والجبرية، والجهمية، والمعتزلة، والكرامية، ونحو هؤلاء.."[54]. فمن كان من هذه الأهواء والبدع ونحوها فلا يعد من السلف المقتدى بهم، ولو عاش في تلك القرون المفضلة. لوامع الأنوار البهية 1/20.

وهناك تقسيم آخر لمصطلح السلف باعتبار مدلولاته، فيمكن تقسيمه إلى مدلولات ثلاثة:

الأول: مدلول زمني: وهم الصحابة والتابعون لهم بإحسان وأتباعهم أصحاب القرون الثلاثة المفضلة.

الثاني: مدلول منهجي: وهو سلوك منهج النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه وأتباعهم في التعامل مع النصوص علما وعملا واعتقادا.

الثالث: مدلول مذهبي: وهو التطبيق العملي للمدلول المنهجي، وهو ما قرره السلف من مسائل استنبطوها من نصوص الكتاب والسنة في العلم والعمل، وأهمها: أقوالهم ومذهبهم في الاعتقاد[55]. وممن أشار إلى هذا التقسيم الثلاثي الزنيدي في كتاب السلفية وقضايا العصر (ص33). وراجح الكردي في: الاتجاه السلفي بين الأصالة والمعاصرة (ص12-16).

والفرق بين المدلول المنهجي والمدلول المذهبي، أن المدلول المنهجي يبين الأصول والقواعد العامة التي سلكها السلف الصالح رضي الله تعالى عنهم في التعامل مع النصوص وهي القواعد اللازم اتباعها في كل زمان ومكان والتعامل مع النوازل والمستجدات على ضوئها وبهذا لا يجرج المرء عن المنهج السلفي في تعامله مع قضايا مستجدة لم تكن معروفة زمن السلف الصالح رضوان الله عليهم ما دام على منهجهم، فالمدلول المنهجي يعني بالدلائل ومناهج الاستدلال.

أما المدلول المذهبي: فهو المسائل التفصيلية التي قرر السلف فيها مذهبهم كمذهبهم في الأسماء والصفات ومسائل الإيمان والتوحيد والقدر.

ولا يخفى ما بين المدلولين من علاقة؛ فالمذهبي تطبيق للمنهجي، لكن المنهجي يتسم بالشمول والمرونة، والتعامل على ضوئه مع المستجدات دون المذهبي المحدّد. والمنهجي يعنى بالدلائل والمذهبي يعنى بالمسائل، والعقيدة دلائل ومسائل.

وبناء على هذا المعنى جاز الانتساب إلى السلفية بمفهومها المنهجي والمذهبي. فمن التزم هذا المنهج قولا وعملاً ظاهرا وباطنا فهو سلفي وإن تأخر به الزمان[56]. في النسبة إلى السلف ينظر: الأنساب للسمعاني 3/273.، أو مختصره اللباب لابن الأثير 2/126.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "لا عيب على من أظهر مذهب السلف وانتسب إليه واعتزى إليه، بل يجب قبول ذلك منه فإن مذهب السلف لا يكون إلا حقا"[57]، وذكر أن الانتساب في الأصول إلى غير الكتاب والسنة مما يسوغ فيه الاجتهاد[58]. مجموع الفتاوى 4/149. مجموع الفتاوى 6/56.

وقد يوصف بها الرجل إخبارا عن حاله كما قال الذهبي عن الدارقطني: "لم يدخل الرجل أبدا في علم الكلام ولا الجدال ولا خاض في ذلك، بل كان سلفيا"[59]. السبر 13/457.

ومصطلح السلف بهذا الاعتبار يرادف مصطلح "أهل السنة والجماعة" وهم: "المجتمعون على التمسك بالكتاب والسنة من الصحابة والتابعين وأئمة الهدى المتبعين لهم، ومن سلك سبيلهم في القول والعمل والاعتقاد إلى يوم الدين"[60]. وهناك تفصيل لهذه العلاقة في بحث: "مفهوم أهل السنة والجماعة" يسر الله إخراجه.

وحقيقة الانتساب إلى السلف الصالح تكون من جهتين:

من جهة التزام منهجهم في التلقي والاستدلال.

ومن جهة القول بقولهم في أصول مسائل الدين العلمية والعملية التي تميزهم عن أهل الأهواء والبدع والبراءة من مقالاتهم البدعية"[61]. ينظر: ضابط الخروج عن أهل السنة والجماعة: الاعتصام للشاطبي 2/200-201.، ط. المكتبة التجارية.

ولذا قال الإمام ابن المبارك فيما نقله عنه تلميذه البربهاري: "أصل الثنتين والسبعين هوى أربعة أهواء، فمن هذه الأربعة أهواء تشعبت الاثنتان والسبعون هوى: القدرية والمرجئة والشيعة والخوارج. فمن قدم أبا بكر وعمر وعثمان وعليا على أصحاب رسول صلى الله عليه وسلم ولم يتكلم في الباقين إلا بخير، ودعا لهم فقد خرج من التشيع أوله وآخره، ومن قال الإيمان قول وعمل يزيد وينقص فقد خرج من الإرجاء أوله وآخره، ومن قال: الصلاة خلف كل بر وفاجر، والجهاد مع كل خليفة، ولم ير الخروج على السلطان بالسيف ودعا لهم بالصلاح فقد خرج من قول الخوارج أوله وآخره. ومن قال: المقادير كلها من الله عز وجل خيرها وشرها، يضل من يشاء ويهدي من يشاء فقد خرج من قول القدرية أوله وآخره، وهو صاحب سنة"[62]. شرح السنة للبربهاري (57).

وهو بهذا ذكر رحمه الله بعض ما تتميز به هذه الفرق، وإن كان عندها من البدع الأخرى ما هو أكبر مما ذكر.

لذا كان الكبار من علماء السلف المتقدمين ينصون عند ذكر عقائدهم على ما يقابل باطل كل قول أو فعل اشتهرت به طائفة من المبتدعة وتميزت به وإن كان من المسائل العملية كالمسح على الخفين، والرجم، والصلاة خلف كل إمام برا كان أو فاجرا ونحوها[63]. ينظر: اعتقاد الإمام أحمد في شرح الأصول 1/160-164.، واعتقاد علي بن المديني 1/165-169.، واعتقاد أبي زرعة وأبي حاتم وجماعة من السلف 1/176-177.

ولفظ (السلف) هنا لا يعني القديم بإطلاق – كما تقدم -، كما أن اللفظ المقابل له وهو (الخلَف) لا يعني المتأخر بإطلاق. بل لفظ الخلَف يعني الطالح في أحد معنييه إذا كان بفتح اللام؛ لأنه يشمل الصالح والطالح، أما بإسكانها (خلْف) فهو للطالح لا غير، ولا تكون للصالح بحال كما في قوله تعال: {فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ} [مريم: 59].

وعليه فإن لفظ (السلف) هنا يعني السلف الصالح؛ بدليل أن هذا اللفظ عند الإطلاق يعني كل سالك في الاقتداء بالصحابة رضي الله عنهم حتى ولو كان في عصرنا[64]. ينظر: حكم الانتماء.. لبكر أبو زيد (ص36).

والسلفية نسبة فاضلة، لأنها إضافة إلى السلف الأول الذين أثنى الله تعالى عليهم ورسوله صلى الله عليه وسلم وامتدحهم وأمر باتباعهم، فهي انتساب إلى منهج الصحابة رضوان الله عليهم ومن سار على منهجهم وهديهم من أصحاب القرون الثلاثة المفضلة إيمانا واعتقادا، فقها وفهما، عبادة وسلوكا، تربية وتزكية. فهي "اصطلاح جامع يطلق للدلالة على منهج السلف الصالح في تلقي الإسلام وفهمه والعمل به، وللدلالة على ملتزمين بهذا المنهج قديمًا وحديثا"[65]. الموقف المعاصر من المنهج السلفي في البلاد العربية. د. مفرح القوسي (ص28).

وهذا الانتساب ليس مقتصرا على الجانب العقدي العلمي فقط، بل شامل لجميع الجوانب التي تناوله الإسلام من العبادات والمعاملات والسلوك والأخلاق والآداب ونحوها.

كما أن هذا الانتساب ليس انتساباً حزبياً تحتكره فئة من الناس، أو يكون مقصورا على بلد أو إقليم من الأرض؛ بل هو منهج الإسلام الصحيح الذي سار عليه الصحابة رضوان الله تعالى عليهم ومن تبعهم بإحسان، وكل من سار على نهجهم واتبع سبيلهم فهو منسوب إليهم في أي زمان ومكان.

المبحث الثالث: المراد بفهم السلف

بعد أن تبين لنا معنى الفهم المقصود هنا وأنه شامل للمعاني الدالة عليها الألفاظ الواردة، واستنباط الأحكام وأنواع الدلالات، كما يشمل الاستنباطات والمفاهيم المستنبطة من إيحاءات النص ودلالاته غير المباشرة.

وعرفنا معنى السلف والمقصود به هنا المعنى الأول التاريخي – وهم أصحاب القرون الثلاثة المفضلة من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم والتابعين وتابعيهم بإحسان -.

بقي أن نحدد معنى "فهم السلف" المراد في هذا البحث.

وفيما ظهر لي – والعلم عند الله تعالى- أن المراد بذلك: ما علمه وفقهه واستنبطه الصحابة والتابعون وأتباعهم من مجموع النصوص الشرعية أو آحادها مرادا لله تعالى ولرسوله صلى الله عليه وسلم مما يتعلق بمسائل الدين العلمية والعملية، مما أثر عنهم من قول أو فعل أو تقرير.

وهذا يقتضي إجماعهم أو إطباق جهورهم على فهم ذلك النص أو انتشار فهم آحادهم وظهوره مع عدم وجود مخالف منهم لذلك القول.

وهو على تعبير الإمام الشافعي عن الإجماع، وهو حكاية عدم العلم بالمخالف أو المنازع وذلك حسب علمهم[1]. ينظر: كلام الإمام الشافعي في الاحتياط في ادعاء الاجماع الرسالة رقم (1559،1249،1248)، وينظر: مجموع الفتاوى 19/271.

ولم يقتصر على فهم الصحابة فقط لثبوت الخيرية لتابعيهم وأتباعهم كما تقدم. ولهذا يقول الشاطبي: "التزم التابعون مع الصحابة سيرتهم مع النبي صلى الله عليه وسلم حتى فقهوا ونالوا ذروة الكمال في العلوم الشرعية"[2]. ولذا كان ما فهمه الصحابة والتابعون وتابعوهم من القرآن والسنة أولى أن يصار إليه مما فهمه من بعدهم"[3]. الموافقات 1/95. الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة لابن القيم 2/509.، وينظر: إعلام الموقعين 4/118.، وموقف الاتجاه العقلاني المعاصر (ص 376).

وهذا مما يخرج اجتهاد أفراد الصحابة أو من دونهم في بيان بعض الأحكام الجزئية أو تفسير أفرادهم لبعض الآيات القرآنية التي اختلفوا فيها وتعددت أقوالهم أو لم يشتهر ذلك عنهم، أو جانب الصواب فيها بعضهم. فهذا يعد فهما وقولا لبعض السلف، وليس هو "فهم السلف" والفرق بين الأمرين واضح.

فمعنى "فهم السلف" هو ما فهموه مرادا لله تعالى أو لرسوله صلى الله عليه وسلم من تلك النصوص "ومستندهم في معرفة مراد الرب تعالى من كلامه ما يشاهدونه من فعل رسوله صلى الله عليه وسلم وهديه، وهو يفصل القرآن ويفسره"[4]. أعلام الموقعين 4/153.

فما أمرهم به أو نهاهم عنه اتبعوه، وما أخبرهم به صدقوه، وما أشكل عليهم فهمه سألوه، ويترتب على ذلك ما يلي:

1. التصديق به والإيمان والإذعان الكامل إن كان النص من الأمور العلمية الخبرية.

2. العمل به وتطبيقه قدر المستطاع إن كان من الأمور العملية الطلبية فعلاً أو تركا.

3. إن كان قد سكت عنه الشارع مع وجود المقتضي[5]، فيسكت عنه، ولا يتقرب إلى الله تعالى به. وهذا القيد يخرج المصالح المرسلة والعادة والبراءة الأصلية كما لا يخفى.

4. نزل ما تركه النبي صلى الله عليه وسلم من العبادات مع وجود المقتضى له، والحكم بأن فعلها بدعة.

5. الحكم بجواز ما سكت عنه الشارع من العادات والمعاملات مما فيه مصلحة ملائمة لجنس تصرفات الشارع وداخلة في مقاصده، واعتبار منع ذلك غلوا في الدين. قال الله تعالى: {فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى} [الليل:5] أي فعل المأمور به؟ {وَاتَّقَى} [الليل :5] ترك المحذور ﴿وَصَدَّقَ بِٱلۡحُسۡنَىٰ﴾ [الليل:6] صدق بما أخبر الله تعالى به ورسوله. ﴿فَسَنُيَسِّرُهُۥ لِلۡيُسۡرَىٰ﴾ [الليل:7] طريق النجاح والفلاح.

وهذا يعني أنه يتعين على المسلم الحريص على دينه أن ينظر إلى ما فهمه من النصوص الشرعية دالا على اعتقاد أو عمل فيعرضه على فهم السلف الصالح من هذه النصوص هل اعتقدوا ذلك أم لا، وهل عملوا به أم لا؟ فيحمد الله على الموافقة ويستغفر الله من المخالفة فيراجع نفسه ويتهم علمه وفهمه. وهذا ما دلت عليه النصوص القرآنية والآثار النبوية والسلفية الحاثة على اتباع السلف رحمهم الله التي سيأتي ذكرها إن شاء الله تعالى.

يقول الحافظ ابن رجب رحمه الله – وهي كلمة نفيسة جدا لكل طالب علم يرجو النجاة لنفسه -: "فالذي يتعين على المسلم الاعتناء به والاهتمام أن يبحث عما جاء عن الله ورسوله، ثم يجتهد في فهم ذلك والوقوف على معانيه، ثم يشتغل بالتصديق إن كان من الأمور العلمية، وإن كان من لأمور العملية بذل وسعه في الاجتهاد في فعل ما يستطيعه من الأوامر واجتناب ما ينهى عنه فتكون همته مصروفة بالكلية إلى ذلك لا إلى غيره. وهكذا كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم والتابعون لهم بإحسان في طلب العلم النافع من الكتاب والسنة"[6]. جامع العلوم والحكم (ص79)، وينظر نحوه: شرح العقيدة الطحاوية (ص291 ).

وقبله قال شيخه شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله لما سئل عما يجب على المسلم اعتقاده في القرآن قال: "الذي يجب على الإنسان اعتقاده في ذلك وغيره ما دل عليه كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم واتفق عليه سلف المؤمنين الذين أثنى الله عليهم وعلى من اتبعهم، وذم من اتبع غير سبيلهم"[7]. مجموع الفتاوى 12/235.

فالوقوف على فهم السلف الصالح هو المرحلة الثانية لطالب العلم بعد الوقوف على الأدلة الشرعية من الكتاب والسنة ليضبط فهمه لهذه النصوص، ويسلم من الانحراف إفراطا أو تفريطا.

ومن المعلوم بيقين أن من أكبر أسباب الابتداع في الدين هو الانحراف في فهم النصوص، وما انحرفت الخوارج إلا لانحرافهم في فهم نصوص الوعيد، والضابط لهذا الفهم هو فهم الصحابة رضوان الله تعالى عليهم ثم أتباعهم من أصحاب القرون المفضلة، ولذلك احتج عليهم ابن عباس رضي الله تعالى عنهما بقوله لما ناظرهم: "ولم يكن فيكم أحد ممن صحب رسول الله صلى الله عليه وسلم...."[8] أخرجه عبد الرزاق في مصنفه ح: (18678)، والنسائي في الكبرى ح: (8575) 5/166.، والحاكم في المستدرك ح: (2656) 2/164.، وصححه ووافقه الذهبي، والبيهقي في السنن الكبرى 8/179.

يعني ليدلهم على الفهم الصحيح لهذه النصوص، ويقوّم ما اعوج من فهومهم للفهم الصحيح، وما تنشأ الشبهات التي تصرف الناس عن الحق إلا بسبب الخطأً في الفهم للدليل الشرعي، فيفهمونه على غير مراد الله تعالى ومراد رسوله صلى الله عليه وسلم.

وكم من عائب قولا صحيحا وآفته من الفهم السقيم[9] البيت للمتنبي. ينظر: ديوانه بشرح الواحدي 1/171.

ولهذا يقول ابن القيم عن الخوارج:

ولهم نصوص قصروا في فهمها فأتوا من التقصير في العرفان[10] الكافية الشافية في الانتصار للفرقة الناجية (القصيدة النونية) لابن القيم رقم (2197) (ص175).

كما أن من المعلوم أن كل اعتقاد وعمل تعبدي فهو قائم على هذا الفهم الذي فهمه المتعبد من الدليل الشرعي إن كان صوابا أو خطأً وهو ما يعتقده مرادا لله تعالى أو لرسوله صلى الله عليه وسلم من تلك النصوص.

ومعنى هذا أن كل اعتقاد اعتقده السلف الصالح من الصحابة فمن بعدهم من أصحاب القرون المفضلة في الله تعالى وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وسائر أصول الدين؛ فهو مبني على ما فهموه من نصوص الكتاب والسنة مرادا لله تعالى ولرسوله صلى الله عليه وسلم.

وكل اعتقاد مخالف لاعتقادهم فهو مخالف لما فهموه من هذه النصوص وأنه ليس مرادا لله ورسوله صلى الله عليه وسلم منها عندهم.

وكل عمل تعبدي عمله السلف الصالح تقربا إلى الله تعالى فهو مبني على فهمهم للأدلة الشرعية الدالة على ذلك وأنه مراد لله تعالى ولرسوله صلى الله عليه وسلم عندهم.

وكل عمل تعبدي مخالف لعمل السلف الصالح فهو مخالف لما فهموه من الأدلة الشرعية، وليس مرادا لله ورسوله عندهم من هذه النصوص.

وكل اعتقاد وعمل تعبدي تركه السلف الصالح مع وجود المقتضي فهو مما لم تدل عليه النصوص الشرعية بحسب فهمهم، وعليه فهو ليس مراد الله ورسوله صلى الله عليه وسلم وليس عليه أمره صلى الله عليه وسلم فهو إذا ليس من الدين في شيء، بل هو بدعة وضلالة.

ومن الأمثلة على ذلك ما فهمه السلف الصالح من نصوص الكتاب والسنة الدالة على تعظيم الله تعالى وتوقيره وتوحيده وعدم صرف شيء من أنواع العبادات القلبية والعملية والقولية لغيره تعالى، وعدم اتخاذ الوسائط بين الله تعالى وبين خلقه في قضاء الحاجات وقبول الدعوات وكشف الكربات، وعدم التوسل بالأموات ولو كان النبي صلى الله عليه وسلم ونحوها كقول عمر: "اللهم إنا كنا نتوسل إليك بنبينا فتسقينا، وإنا نتوسل إليك بعم نبينا فأسقنا"[11]، وذلك بمحضر من الصحابة، ولم ينقل عن أحد منهم اعتراض. أخرجه البخاري في صحيحه (1010)، ومسلم (897).

ومراده بالتوسل هنا التوسل بدعاء النبي صلى الله عليه وسلم في حياته والتوسل بدعاء العباس بعد لحوقه صلى الله عليه وسلم بالرفيق الأعلى.

وكذلك توحيده تعالى بأسمائه الحسنى وصفاته العلا والتوسل إليه بها، وعدم رد شيء مما وصف الله تعالى به نفسه أو وصفه به رسوله صلى الله عليه وسلم. وأن ما توهمه المتأخرون من أن القول بظاهر هذه النصوص يوهم التشبيه وعدم التنزيه فهو فهم مخالف لفهم السلف الصالح الذي فهموه مرادا لله ورسوله من تلك النصوص، فلا يلتفت إلى فهم من خالفهم. فكل فهم في العقيدة لا يعرفه السلف فهو محدث باطل.

وبناء على ما تقدم فقد أصبح اتباع السلف الصالح في فهمهم لمسائل العقيدة وأدلتها شعارا وأصلاً من أصول أهل السنة والجماعة، قال الأوزاعي: "العلم ما جاء عن أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم وما لم يجئ عن واحد منهم فليس بعلم"[12]. جامع بيان العلم وفضله (ص 319).

فهذا شريك بن عبد الله يفخر بأنه أخذ علمه عن التابعين عن الصحابة، يقول عباد بن العوام: قدم علينا شريك بن عبدالله فقلنا له: يا أبا عبد الله إن عندنا قوما من المعتزلة ينكرون هذه الأحاديث: (إن الله عز وجل ينزل إلى السماء الدنيا) و(أهل الجنة يرون ربهم)، فحدثني شريك بنحو من عشرة أحاديث في هذا وقال: أما نحن فأخذنا ديننا عن (أبناء)[13] عن صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم فهم عمن أخذوه؟[14] ولذلك قال الإمام أحمد في رسالته في السنة: "أصول السنة عندنا التمسك بما كان عليه أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم والاقتداء بهم، وترك البدع..."[15]. كذا ولعلها: عن أبناء الصحابة. أخرجه الطبراني في كتاب الصفات ح: (65) (ص 43) وأورده الذهبي في السير 8/208. شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة 1/156.، وطبقات الحنابلة 1/241.

كما أن شعار أهل البدع هو ترك انتحال اتباع السلف[16]. مجموع الفتاوى 4/155.

ومن الأمثلة على ذلك قول ابن تيمية في مناظراته في العقيدة الواسطية: "فقد أمهلت من خالفني في شيء منها - يعني العقيدة الواسطية التي تمثل عقيدة السلف - ثلاث سنين، فإن جاء بحرف واحد عن القرون الثلاثة يخالف ما ذكرته فأنا راجع عن ذلك، وعليّ أن آتي بنقول جميع الطوائف عن القرون الثلاثة يوافق ما ذكرته"[17]. مجموعة الرسائل الكبرى 1/417.

وفهم السلف رحمهم الله تعالى شامل لثلاثة أمور:

1- فهمهم للأصول الكلية من أصول الدين أو فروعه وهذا ما سبق الكلام عليه.

2- فهمهم لنص شرعي بعينه.

ويظهر ذلك بالتصريح بهذا الفهم في بيان معناه وتفسيره، أو العمل به إن كان من المسائل العملية أو الاحتجاج به في رد ما يخالف مفهوم ذلك النص، وهذا ما يختلف الحكم فيه إذا كان عن صحابي أو من دونه. وإذا كان مجمعا عليه أم لا. فإذا كان مجمعا عليه فهو حجة ملزمة بلا شك، ويلحق به ما نقل عن آحادهم فيما أثر عنهم مما اشتهر عنهم ولم يخالفه فيه غيره منهم[18]. وسواء كان ذلك في أصول الدين أو فروعه[19]. قال ابن تيمية: "أما أقوال الصحابة، إن انتشرت ولم تنكر في زمانهم فهي حجة عند جماهير العلماء، وإن تنازعوا رد ما تنازعوا فيه إلى الله ورسوله، ولم يكن قول بعضهم حجة على خالفة بعضهم له باتفاق العلماء، وإن قال بعضهم قولا ولم يقل بعضهم بخلافه ولم ينتشر فهذا فيه نزاع، وجمهور العلماء يحتجون به"[20]. ينظر: إعلام الموقعين 4/127. ينظر: المصدر السابق 4/126. مجموع الفتاوى 20/14.

وكذلك أقوالهم في التفسير وفهمهم للآيات ف" لاريب أن أقوالهم في التفسير أصوب من أقوال من بعدهم، وقد ذهب بعض أهل العلم إلى أن تفسيرهم – أي الصحابة – في حكم المرفوع قال أبو عبد الله الحاكم: "وتفسير الصحابي عندنا في حكم المرفوع"[21]. ومراده أنه في حكم الاستدلال به والاحتجاج لا أنه إذا كان للصحابي في الآية قول فلنا أن نقول: هذا القول قول رسول الله صلى الله عليه وسلم..."[22]. معرفة علوم الحديث للحاكم (ص20)، ونقله عنه الحافظ في النكت 2/531.، وتعقبه، والسخاوي في فتح المغيث 1/143.، وتعقب ابن حجر، وينظر قريب منه: المستدرك 2/285.، ط. دار الفكر. وينظر: حاشية سنن أبي داود 2/413. إعلام الموقعين 4/153.

على أن في المسألة من التفصيل ما ليس هذا مكان بسطه، كما أن هناك تفريقا بين قول الصحابي وقول التابعي في الاستدلال والاحتجاج[23]. إعلام الموقعين 4/155.

3- الاجتهاد في فهم مسألة من المسائل التي لم يرد النص الشرعي صريحا في بيانها، وإنما تفهم على ضوء عموم النصوص والمقاصد الشرعية العامة. فلا شك أن اجتهاد آحادهم في هذه المسألة أولى من اجتهادنا إذا لم يكن له مخالف منهم كما قال الإمام الشافعي: "إنه فوقنا في كل عقل وعلم وفضل وسبب ينال به علم، أو يدرك به صواب، ورأيهم لنا خير من رأينا لأنفسنا"[24]. مناقب الشافعي للرازي (ص49)، والبيهقي في المدخل إلى السنن الكبرى (1/45-44)، وفي المناقب له أيضا 1/442.، قال في المناقب: "وذكر الشافعي في الرسالة القديمة..." فذكره. وكذلك ابن القيم في إعلام الموقعين 1/80 حيث نسبه إلى الشافعي في الرسالة البغدادية القديمة... ولذا لم نعثر عليه في كتاب الرسالة المطبوع.

يقول ابن القيم: "فإذا وجد فيها قول لأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم والذين هم سادات الأمة، وقدوة الأئمة، وأعلم الناس بكتاب ربهم وسنة نبيهم صلى الله عليه وسلم وقد شاهدوا التنزيل وعرفوا التأويل، ونسبة من بعدهم في العلم كنسبتهم إليهم في الفضل والدين، كان الظن – والحالة هذه - بأن الصواب في جهتهم، والحق في جانبهم من أقوى الظنون، وهو أقوى من الظن المستفاد من كثير من الأقيسة، هذا ما لا يمتري فيه عاقل منصف، وكان الرأي الذي يوافق رأيهم هو الرأي السداد الذي لا رأي سواه. وإذا كان المطلوب في الحادثة إنما هو ظن راجح... فلا شك أن الظن الذي يحصل لنا بقول الصحابي الذي لم يخالف أرجح..."[25]. إعلام الموقعين 4/147. وينظر: المصدر نفسه 1/81.

ولذا كان من أصول الإمام أحمد أنه "إذا اختلف الصحابة تخير من أقوالهم ما كان أقربها إلى الكتاب والسنة، ولم يجرج عن أقوالهم، فإن لم يتبين له موافقة أحد الأقوال حكى الخلاف فيها ولم يجزم بقول"[26]. إعلام الموقعين 1/31.

ومع ذلك فإننا لا ندّعي العصمة لآحاد السلف الصالح مع ثبوتها لجماعتهم "إن الله لا يجمع أمتي على ضلالة"[27]. فقد يجانب الصواب بعض أفرادهم، وهم في ذلك معذورون ومأجورون، لكن لا نقلده ولا نجرحه، ف"معرفة فضل أئمة الإسلام ومقاديرهم وحقوقهم ومراتبهم، وأن فضلهم وعلمهم ونصحهم لله ورسوله لا يوجب قبول كل ما قالوه، وما وقع في فتاويهم من المسائل التي خفي عليهم فيها ما جاء به الرسول فقالوا بمبلغ علمهم والحق في خلافها لا يوجب اطراح أقوالهم جملة فلا نؤثم ولا نعصم، ولا نسلك بهم مسلك الرافضة في علي ولا مسلكهم في الشيخين، بل نسلك مسلكهم أنفسهم فيمن قبلهم من الصحابة، فإنهم لا يؤثمونهم ولا يعصمونهم..."[28]. أخرجه الترمذي في كتاب الفتن، باب: ما جاء في لزوم الجماعة ح: (2167) 5/466.، والدارمي في المقدمة، باب (8)، وأحمد في المسند 5/145. وصححه الألباني في صحيح الجامع ح: (1848). إعلام الموقعين 3/283.

ومن المعلوم أن فهم الصحابة مقدم على فهم التابعين، وفهم التابعين مقدم على فهم تابعي التابعين، وهلمّ جرا "وكلما كان العهد إلى الرسول أقرب كان الصواب أغلب، وهذا حكم بحسب الجنس لا بحسب كل فرد من المسائل"[29]. إعلام الموقعين 4/118.

وفهم السلف والاحتجاج به يتناول جانبين من العلم:

الأول: تلك المسائل العلمية والعملية التي بين فيها السلف فهمهم بقول أو فعل أو تقرير، سواء كانت من المسائل المجمع عليها عندهم أو التي عليها جمهورهم. وهذه تختلف أحكامها باختلاف حالاتها كما تقدم.

الثاني: الاقتداء بالسلف في مسالك العلم والتحصيل والنظر ومناهج الاستدلال، وترتيب الأدلة وطريقة النظر في مسائل الخلاف، وهذه حررها علماء أصول الفقه في مصنفاتهم كالإمام الشافعي ومن احتذى حذوه من العلماء مهتدين بما عمل به السلف في هذا الجانب.

والعناية بهذا الباب من العلم لا تقل أهمية عن النوع الأول، وقد شاء الله أن يحمل هذا السلف المبارك رسالة الإسلام إلى أمم الأرض جميعا وانداحت دائرة الإسلام في زمن يسير حتى كادت تشمل عامة الأرض وحين ذاك وجد علماء السلف أنفسهم أمام حوادث لا تنتهي، وأعراف متنوعة ومجتمعات مختلفة وألسنة متعددة.[30] فلم يقفوا أمام هذه النوازل والمستجدات مكتوفي الأيدي، بل اجتهدوا في استنباط الأحكام وسبل التعامل معها على ضوء الكتاب والسنة مما يبين الحق ويزيل الشبهة ويحقق مقاصد الشريعة الغراء، إيمانا منهم بأن الكتاب والسنة صالح ومصلح لكل زمان ومكان، شامل لكل ما تحتاج إليه البشرية من أمور دينها، ولذا قال الإمام الشافعي رحمه الله: "فليست تنزل في أحد من أهل دين الله نازلة إلا وفي كتاب الله سبيل الهدى فيها"[31]، قال الله تعالى: ﴿وَلَا يَأۡتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئۡنَٰكَ بِٱلۡحَقِّ وَأَحۡسَنَ تَفۡسِيرًا﴾ [الفرقان: 33.]. ضوابط فهم السنة النبوية (ص19). الرسالة 1/20.

وقال الشعبي: "ما ابتدع أحد بدعة إلا وفي كتاب الله بيانها"[32]. مجموع الفتاوى 5/27.

وقال الإمام أحمد: "إنه ما من مسألة إلا وقد تكلم فيها الصحابة أو في نظيرها"[33]. مجموع الفتاوى 19/200.، وينظر: 19/285.، والفتاوى الكبرى 1/491.

وقال ابن تيمية: "لم يبق مسألة في الدين إلا وتكلم فيها السلف"[34]. وقال: "فإنه لما فتحت البلاد، وانتشر الإسلام حدثت جميع أجناس الأعمال فتكلموا فيها بالكتاب والسنة، وإنما تكلم بعضهم بالرأي في مسائل قليلة"[35]. مجموع الفتاوى 13/27. مجموع الفتاوى 19/200.

والمقصود أن السلف عرفوا أن في الوحي غنية عما سواه. ولم يحوّجنا الله تعالى إلى رأي فلان ولا الفلسفة الفلانية ولا المنطق الفلاني، ومن الشواهد على ذلك أن كثيرا من المخالفين للسلف من كبار أهل الكلام وغيرهم رجعوا إلى الوحي بعد أذاقوا مرارة البعد عنه، وعلموا ضياع أنفسهم حين نأوا عنه وأقروا على أنفسهم بالخطأ، وذكروا أهمية الرجوع إلى الوحي[36]. ينظر بعض هذه التحسرات والتأوهات والاعترافات لثلة من أساطينهم: شرح الطحاوية (ص227)، فما بعدها، وينظر (ص104) فما بعدها من هذا الكتاب.

الفصل الثاني: أهمية فهم السلف الصالح وعناية العلماء بتدوينه

وفيه مبحثان:

المبحث الأول: أهمية فهم السلف الصالح.

المبحث الثاني: عناية العلماء بتدوينه من خلال مأثوراتهم القولية والعملية.

المبحث الأول: أهمية فهم السلف الصالح.

من المعلوم أن الله تعالى أنزل القرآن الكريم ﴿تِبۡيَٰنٗا لِّكُلِّ شَيۡءٖ﴾ [النحل: 89]، {تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ} [يوسف: 111]، {كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ} [هود: 1]، ﴿بِلِسَانٍ عَرَبِيّٖ مُّبِينٖ﴾ [الشعراء: 195]، ومع ذلك بعث تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم {بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ} [ابراهيم: 4]، وكلفه تعالى ببيان القرآن الكريم فقال تعالى: ﴿وَأَنزَلۡنَآ إِلَيۡكَ ٱلذِّكۡرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيۡهِمۡ وَلَعَلَّهُمۡ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [النحل: 44].

فقام الرسول صلى الله عليه وسلم بذلك خير قيام فبين ما نزل إليه من ربه من الكتاب والحكمة. و كان المتلقي لهذا البيان هم صحابته الكرام الذين اختارهم الله لصحبة نبيه وتبليغ دينه من بعده فأحسنوا القيام بذلك فهما وعلما واعتقادًا، وحمل الأمانة من بعدهم أتباعهم بإحسان من التابعين، ومن بعدهم من الأئمة.

ومن المعلوم أن نصوص الشارع الحكيم في مجملها واضحة محكمة لا غموض فيها ولا التباس ولا ألغاز ولا طلاسم، ولكن لحكمة يعلمه الله تعالى أنزل مع هذه الآيات المحكمات أخر متشابهات فقال عز وجل: ﴿هُوَ ٱلَّذِيٓ أَنزَلَ عَلَيۡكَ ٱلۡكِتَٰبَ مِنۡهُ ءَايَٰتٞ مُّحۡكَمَٰتٌ هُنَّ أُمُّ ٱلۡكِتَٰبِ وَأُخَرُ مُتَشَٰبِهَٰتٞۖ﴾ [آل عمران: 7] وأمر بالإيمان بالكتاب كله، ورد متشابهه إلى محكمه.

كما أن الاختلاف في الأمة من سنن الله الكونية، وهو واقع بينهم لا محالة، ومن أكبر أسبابه الغلط في فهم النص، وفهمه على غير مراد الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم، ولذلك قال شيخ الإسلام مبينا أسباب الخلاف الوارد في الأمة: "قد يكون لخطأ الدليل والذهول عنه، وقد يكون لعدم سماعه، وقد يكون للغلط في فهم النص، وقد يكون لاعتقاد معارض راجح"[1]. مقدمة في أصول التفسير (ص55). وينظر: رفع الملام عن الأئمة الأعلام.

فكان حريا الرجوع إلى علم السلف الصالح من الصحابة فمن بعدهم المبني على فهمهم لهذه النصوص، فالسلف علمهم أتم وأحكم، وأعلم وأسلم، فلهذا كانوا أعرف الناس بالحق وأدلته وبطلان ما يعارضه[2]. وكانوا أعظم الناس قياما بدين الله تعالى، لا تأخذهم في الله لومة لائم، ولا تصدهم عن سبيل الله العظائم، بل يتكلم أحدهم بالحق الذي عليه، ويتكلم في أحب الناس إليه من أجل دينه وإيمانه. درء التعارض 7/179.

وهناك عدة اعتبارات تدل على أهمية الرجوع إلى فهمهم وعلمهم لمعرفة حقيقة المراد من النصوص الشرعية، وتقديمه على غيره من الفهوم، وهي خصائص لا تجتمع في غيرهم لذلك كان فهمهم مقدما على غيره من الفهوم، ومن أهم هذه الميزات:

سلامة مصادرهم في التلقي: فقد تلقوا الدين بتجرد تام وإيمان كامل وتسليم مطلق، لم يحاكموه إلى غيره.

يصور لنا الحافظ اللالكائي أولئك القوم في قول: "فأخذوا الإسلام عنه مباشرة، وشرائعه مشاهدة وأحكامه معاينة من غير واسطة ولا سفير بينهم وبينه وصلة، فجاولوها عيانا وحفظوا عنه شفاهاّ وتلقفوه من فيه رطبا وتلقنوه من لسانه عذبا، واعتقدوا جميع ذلك حقا، وأخلصوا بذلك من قلوبهم يقينا، فهذا دين أخذ أوله عن رسول الله صلى الله عليه وسلم مشافهة، لم يشبه لبس ولا شبهة، ثم نقلها العدول عن العدول من غير تحامل ولا ميل، ثم الكافة عن الكافة، والصافة عن الصافة، والجماعة عن الجماعة، أخذ كف بكف، وتمسك خلف بسلف..."[3]. شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة 1/22-23.

لم تشب أفهامهم شبهات خارجية لأنه لم يظهر بعد ما يكدر تلك الأفهام الصافية، بل كان النبي صلى الله عليه وسلم يحميها من أن تشوبها شائبة خارجية، فأنكر على عمر لما رأى معه قطعة من التوراة، وقال: "ألم آتكم بها بيضاء نقية..."[4]، قال: "قد تركتكم على البيضاء، ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك[5]. وقال ابن عباس رضي الله عنهما: "يا معشر المسلمين، كيف تسألون أهل الكتاب عن شيء وكتابكم الذي أنزل الله على نبيكم أحدث الأخبار بالله محضا لم يشب"[6]. وقد امتثلوا ذلك بالكلية فهذا ابن مسعود رضي الله تعالى عنه يأتيه رجل بكتاب من الشام فنظر فيها بن مسعود فدعا بطست ثم دعا بماء فمرسه فيه، وقال: "إنما هلك من كان قبلكم باتباعهم الكتب وتركهم كتابهم"[7]. أخرجه أحمد 3/387.، والدارمي (435)، وابن أبي عاصم في السنة (50)، والبزار في كشف الأستار (124)، والبيهقي في شعب الإيمان (177)، والبغوي في شرح السنة (126) من حديث جابر، وفيه: مجالد بن سعيد وهو ضعيف، وله شواهد من أجلها حسّنه الألباني في إرواء الغليل (1589). أخرجه ابن ماجه في كتاب السنة، باب: اتباع الخلفاء الراشدين (43)، وأحمد 4/126.، والحاكم 1/96.، من حديث العرباض بن سارية رضي الله عنه، وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة (937). أخرجه البخاري في كتاب التوحيد، باب: قوله تعالى: {كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ}...، (7527). أخرجه الدارمي في المقدمة، باب: من لم ير كتابة الحديث، ح: (477).

وهذه الكتب التي ترجمت بعد ذلك هي التي أفسدت أفهام المسلمين وغرست الشبهات في عقولهم، فحصل عندهم من الشك وعدم اليقين ما لا يخفى، ولبست على الناس ما نزل إليهم، ولا نزال نرى ضحاياها حتى في عصرنا الحاضر بعد هذا الانفتاح المعرفي وولع بعض طلبة العلم بالقراءة والاستماع إلى المفتونين فأفسدت أفهامهم وأضعفت إيمانهم، باسم الانفتاح ومحاربة الانغلاق، والاطلاع على ما عند الآخر. والله المستعان.

سلامة منهجهم في فهم النصوص والسؤال عما أشكل عليهم وحرصهم على ذلك:

من المعلوم أن النبي صلى الله عليه وسلم لم ينتقل إلى الرفيق الأعلى –ب أبي هو وأمي ونفسي - إلا بعد أن بلغ البلاغ المبين، وبين ما نزل إليه من ربه، وما من خير إلا ودل أمته عليه، وما من شر إلا وحذرها منه كما قال صلى الله عليه وسلم في الحديث الذي رواه عبد الله بن عمرو بن العاص: "إنه لم يكن نبي قبلي إلا كان حقا عليه أن يدل أمته على خير ما يعلمه لهم، وينذرهم شر ما يعلمه لهم"[8]. أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الإمارة، باب: وجوب الوفاء ببيعة الخلفاء الأول فالأول ح: (1844)، 3/1472.

وقد فعل صلى الله عليه وسلم حتى قال أبو ذر رضي الله تعالى عنه: "لقد تركنا محمد صلى الله عليه وسلم وما يحرك طائر جناحيه في السماء إلا ذكر لنا منه علما"[9]. أخرجه الإمام أحمد في مسنده 5/162، 153.

بل كان النبي صلى الله عليه وسلم يصحح لهم رضوان الله عليهم ما قد أساؤوا فهمه من النصوص الشرعية، كما صحح النبي صلى الله عليه وسلم لعمار بن ياسر ما فهمه من آية التيمم فتمرغ كما يتمرغ البعير لما أجنب فقال له النبي صلى الله عليه وسلم : "إنما كان يكفيك أن تصنع هكذا..." الحديث[10]. أخرجه البخاري ح: (338) 1/75.، ومسلم ح: (368) 1/280.

وكذلك في قصة عدي وما فهمه من آية: ﴿حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَكُمُ ٱلۡخَيۡطُ ٱلۡأَبۡيَضُ مِنَ ٱلۡخَيۡطِ ٱلۡأَسۡوَدِ مِنَ ٱلۡفَجۡرِۖ﴾ِ [البقرة: 187]. فجعل تحت وساده عقالين، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: "إن وسادك لعريض إن ذاك الخيط الأبيض والأسود تحت وساداك"[11]. أخرجه البخاري ح: (4509) 6/26.، ومسلم ح: (1090) 2/766.

وقال عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه: "قام فينا رسول الله صلى الله عليه وسلم مقاما، فذكر بدء الخلق حتى دخل أهل الجنة منازلهم، وأهل النار منازلهم حفظ ذلك من حفظه ونسيه من نسيه."[12] فتلقى ذلك الصحابة رضوان الله عليهم وفهموه ووعوه وبلغوه لمن بعدهم. وكان إذا أشكل عليهم شيء من ذلك سألوا عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم أو من علمه منهم. فكانوا أحرص ما يكونون على فهم القرآن والسنة رضوان الله عليهم، ولعلنا نسوق بعض النماذج الدالة على ذلك الحرص: أخرجه البخاري في كتاب بدء الخلق، باب: ما جاء في قول الله تعالى: {وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ} ح: (3192) 6/286.، ومسلم بنحوه في الفتن، باب: إخبار النبي فيما يكون إلى قيام الساعة ح: (2892) 4/2217.وأخرج البخاري نحوه عن حذيفة في كتاب القدر، باب: {وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَرًا مَقْدُورًا} ح: (6604) 11/494.

أ- فهذا عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه، يقول: "والذي لا إله غيره ما أنزل الله سورة من كتاب الله إلا وأنا أعلم أين نزلت، ولا أنزلت آية في كتاب الله إلا وأنا أعلم فيم أنزلت، ولو أعلم أحذا أعلم مني بكتاب الله تبلغه الإبل لركبت إليه."[13] أخرجه البخاري في كتاب فضائل القرآن، باب: القراء من أصحاب رسول الله ص(5002)، ومسلم في فضائل الصحابة، باب: فضل ابن مسعود وأمه، (2462)، بنحوه.

ب- وعائشة رضي الله تعالى عنها، يقول عنها ابن أبي مليكة: "إنها كانت لا تسمع شيئا لا تعرفه إلا راجعت فيه حتى تعرفه."[14] أخرجه البخاري في كتاب العلم، باب: من سمع شيئا فراجع حتى عرفه، (103).

ج- وروى الإمام مالك في الموطأ: أن ابن عمر أقام على حفظ البقرة ثماني سنين يتعلمها[15]، والذي حمله على ذلك: ما جاء في كتاب الله تعالى، من قوله: {كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ} وتدبر الكلام بدون فهم معانيه غير ممكن. كتاب القرآن. باب: ما جاء في القرآن ح: (11) 1/205.

ومن المعلوم أن كل كلام يقصد منه فهم معانيه دون مجرد ألفاظه. والعادة تمنع أن يقرأ قوم كتابا في فن من العلوم كالطب أو الحساب ولا يستشرحوه، فكيف بكتاب الله الذي فيه عصمتهم، وبه نجاتهم وسعادتهم وقيام دينهم ودنياهم[16]؛ لذلك قال ابن تيمية رحمه الله: "وكانت معرفة الصحابة لمعاني القرآن أكمل من حفظهم لحروفه، وقد بلغوا تلك المعاني إلى التابعين أعظم مما بلغوا حروفه..."[17]. مقدمة في أصول التفسير (ص37). مجموع الفتاوى 17/353.

د-وهذا ليس قاصرا على الصحابة، بل على أتباعهم من القرون المفضلة، فهذا مجاهد يقول: "عرضت المصحف على ابن عباس ثلاث عرضات، من فاتحته إلى خاتمته، أوقفه عند كل آية وأسأله عنها"[18]. أخرجه ابن جرير الطبري في التفسير 2/524.

وطلب فهم النصوص أمر مؤكد عندهم كما دلت عليه الآيات الآمرة بالتدبر. قال الحسن البصري: "ما أنزل الله آية إلا وهو يحب أن يعلم ما أراد بها"[19]. ذكره عنه ابن تيمية في درء تعارض العقل والنقل 1/208.

سلامة فطرهم لم تتلوث بأي شائبة من العقائد والوساوس والأفكار الدخلة.

فقد كانت أمية السلف الصالح وسلامة فطرهم مما ساعدهم على فهم النصوص الشرعية فهما سليما، لم تؤثر فيه الخواطر والأفكار الوافدة، ومن ثم أصبحت هذه النصوص الشرعية هي المهيمن الوحيد والمعيار الحاكم على ما يرد على الإنسان من أفكار وهواجس "وهذا ما لم يتهيأ لسواهم ممن أتى بعدهم، بعدما حدث الامتزاج الثقافي بين المسلمين والأمم الأخرى إلا من احتمى بمنهجهم وسلك سبيلهم"[20]. مناهج البحث في العقيدة الإسلامية (ص441) د. عبد الرحمن الزنيدي.

وهذا ما لم يتوفر للخلف بعد أن اختلطت الأفكار، ودخلت عليهم الوافدات العقدية الفلسفية والكلامية والباطنية وغيرها.

هم كانوا أحرص الناس على العمل بما سمعوه، ولا يمكن العمل إلا عن فهم وعلم ودراية.

أ-وقد شهد النبي صلى الله عليه وسلم للصحابة بذلك فقال: "ما من نبي بعثه الله في أمة قبلي، إلا كان له من أمته حواريون وأصحاب، يأخذون بسنته ويقتدون بأمره، ثم إنه تخلف من بعدهم خلوف يقولون ما لا يفعلون، ويفعلون ما لا يؤمرون"[21]. أخرجه مسلم في كتاب الإيمان، باب: بيان كون النهي عن المنكر من الإيان...،(50)، من حديث ابن مسعود رضي الله عنه.

ب-وعن أبي عبد الرحمن السلمي قال: "حدثنا الذين كانوا يقرئوننا القرآن كعثمان بن عفان، وعبد الله بن مسعود وغيرهما: أنهم كانوا إذا تعلموا عشر آيات لم يجاوزوها حتى يتعلموا ما فيها من العلم والعمل. قالوا: فتعلمنا القرآن والعلم والعمل جميعا"[22]. وقال ابن مسعود: "كان الرجل منا إذا تعلم عشر آيات لم يجاوزهن حتى يعرف معانيهن والعمل بهن"[23]. وتقدم أن ابن عمر أقام ثماني سنين على حفظ سورة البقرة يتعلمها. أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف، برقم: (9978) 10/460، والفريابي في فضائل القرآن، برقم (169)، والطبري في تفسيره 1/80. أخرجه ابن جرير في التفسير 1/44.

ولهذا كان عمل الصحابة حجة عند أهل السنة والجماعة، وقاطع للنزاع عند الاختلاف في فهم النص. قال أبو داوود: "إذا تنازع الخبران نظر إلى ما عمل به أصحابه رضي الله عنهم من بعده"[24] . وذلك لأن عملهم المبني على ما فهموه من النصوص لا يخرج في الغالب عن أن يكون ذلك مبنيا على: السنن كتاب الصلاة. باب: من قال: لا يقطع الصلاة شيء. ح: (720).

ما سمعه من النبي صلى الله عليه وسلم.

ما سمعه ممن سمعه من النبي صلى الله عليه وسلم.

أن يكون على ما فهمه من ذلك النص، وهو أقرب الفهوم إلى الحق لكمال علمه باللغة ودلالة اللفظ[25]، ولقرائن أخرى سبقت الإشارة إليها، وهو ما اتفق عليه ملؤهم، ولذلك لم ينقل ما ينكر عليه ذلك الفهم المخالف للحق في كلام الله تعالى وكلام رسوله صلى الله عليه وسلم لو كان الأمر كذلك. ينظر إعلام الموقعين لابن القيم 4/129.، حين ذكر أن ما يفتي به الصحابي لا يخرج عن ستة أوجه - فذكرها، ومنها ما ذكر أعلاه.

وفي هذا إشارة إلى أن أقوال الصحابة وما فهموه من النصوص ولا سيما في مجال العقيدة ترجع إلى السنة، وليست آراء اجتهادية خالصة، ومن ثم حكم المحدثون على هذا النوع بالرفع الحكمي وأنزلوه منزلة المرفوع الصريح[26]. ينظر: تدريب الراوي للسيوطي 1/193،190.، وينظر: الدليل النقلي في الفكر الكلامي بين الحجية والتوظيف (ص251) د. أحمد قوشتي.

قال ابن تيمية: "ونحن نعلم أن القرآن قرأه الصحابة والتابعون وأتباعهم وأنهم كانوا أعلم بتفسيره ومعانيه، كما أنهم أعلم بالحق الذي بعث الله به رسوله صلى الله عليه وسلم، فمن خالف قولهم، وفسر القرآن بخلاف تفسيرهم فقد أخطأ في الدليل والمدلول جميعا..."[27]. مقدمة في أصول التفسير (ص91).

وعليه فإن من الضروري أن تكون مثالية ذلك الجيل محل اتفاق بين أهل القبلة وأن يكون فهمهم للإسلام ونصوصه مقياسا للفهم الصحيح للإسلام ونصوصه، ومرجعا يتحاكم إليه عند التنازع في فهم أصل من أصول الإسلام أو نص من نصوصه.

كما يجب أن يكون الواقع العملي لهم مرجعا لجميع المسلمين في التطبيق الصحيح للإسلام. قال تعالى: ﴿فَإِنۡ ءَامَنُواْ بِمِثۡلِ مَآ ءَامَنتُم بِهِۦ فَقَدِ ٱهۡتَدَواْۖ وَّإِن تَوَلَّوۡاْ فَإِنَّمَا هُمۡ فِي شِقَاقٖۖ فَسَيَكۡفِيكَهُمُ ٱللَّهُۚ وَهُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلۡعَلِيمُ﴾ [البقرة: 137].

وبهذا يعلم أيضاً أن أي قدح في جيل السلف الصالح أو تشكيك في أهليتهم ليكونوا قدوة في فهم الإسلام وتطبيقه هو في الحقيقة طعن في الإسلام وقدح في نجاح النبي صلى الله عليه وسلم في تبليغه وتربيته أصحابه عليه، بل هو رد للشهادة الإلهية لذلك الجيل بالصدق والفلاح، كما قال تعالى: ﴿۞ لَّقَدۡ رَضِيَ ٱللَّهُ عَنِ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ إِذۡ يُبَايِعُونَكَ تَحۡتَ ٱلشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمۡ فَأَنزَلَ ٱلسَّكِينَةَ عَلَيۡهِمۡ وَأَثَٰبَهُمۡ فَتۡحٗا قَرِيبٗا﴾ [الفتح:18]، وقال عز وجل: ﴿مُّحَمَّدٞ رَّسُولُ ٱللَّهِۚ وَٱلَّذِينَ مَعَهُۥٓ أَشِدَّآءُ عَلَى ٱلۡكُفَّارِ رُحَمَآءُ بَيۡنَهُمۡۖ تَرَىٰهُمۡ رُكَّعٗا سُجَّدٗا يَبۡتَغُونَ فَضۡلٗا مِّنَ ٱللَّهِ وَرِضۡوَٰنٗاۖ سِيمَاهُمۡ فِي وُجُوهِهِم مِّنۡ أَثَرِ ٱلسُّجُودِۚ ذَٰلِكَ مَثَلُهُمۡ فِي ٱلتَّوۡرَىٰةِۚ وَمَثَلُهُمۡ فِي ٱلۡإِنجِيلِ كَزَرۡعٍ أَخۡرَجَ شَطۡـَٔهُۥ فَـَٔازَرَهُۥ فَٱسۡتَغۡلَظَ فَٱسۡتَوَىٰ عَلَىٰ سُوقِهِۦ يُعۡجِبُ ٱلزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ ٱلۡكُفَّارَۗ وَعَدَ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ مِنۡهُم مَّغۡفِرَةٗ وَأَجۡرًا عَظِيمَۢا﴾ [الفتح:29].

أن الصحابة شاهدوا الوحي والتنزيل، وهذا أورثهم مزيد فهم لا يشاركهم فيه غيرهم. وقد نقله عنهم تلامذتهم من التابعين ثم أتباعهم.

وتقدم كلام ابن مسعود رضي الله تعالى عنه وقسمه على أنه ما نزلت آية إلا ويعلم فيمن نزلت وأين نزلت، ويقول علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه: "سلوني عن كتاب الله، فإنه ليس من آية إلا وقد عرفت بليل نزلت أم بنهار في سهل أم في جبل"[28]. أخرجه ابن سعد في الطبقات 2/338.، وابن عساكر في تاريخ دمشق 42/398.

قال ابن تيمية رحمه الله: "وللصحابة فهم في القرآن يخفى على أكثر المتأخرين، كما أن لهم معرفة بأمور السنة وأحوال الرسول لا يعرفها أكثر المتأخرين. فإنهم شهدوا الرسول والتنزيل، وعاينوا الرسول وعرفوا من أقواله وأفعاله وأحواله مما يستدلون به على[مراده][29] ما لم يعرفه أكثر المتأخرين الذين لم يعرفوا ذلك فطلبوا الحكم مما اعتقدوه من إجماع أو قياس"[30]. في الأصل: "مرادهم". مجموع الفتاوى 19/200.

ويقول الشاطبي في تعداد مرجحات الاعتماد على بيان الصحابة: "والثاني: مباشرتهم للوقائع والنوازل، وتنزيل الوحي بالكتاب والسنة؛ فهم أقعد في فهم القرائن الحالية، وأعرف بأسباب النزول، ويدركون ما لا يدركه غيرهم بسبب ذلك، والشاهد يرى ما لا يرى الغائب، فمتى جاء عنهم تقييد بعض المطلقات أو تخصيص بعض العمومات، فالعمل عليه صواب، وهذا وإن لم ينقل عن أحد منهم خلاف في المسألة، فإن خالف بعضهم فالمسألة اجتهادية"[31]. الموافقات 4/128.

فهذه المعرفة لها أثرها الكبير في مزيد اختصاصهم بفهم معاني ما أنزل الله في كتابه لا تظهر إلا بمعرفة سبب نزولها، وهذه الخاصية لا تكون إلا لأولئك الذين شاهدوا التنزيل وفهموا التأويل.

ومن الأمثلة على ذلك:

أ- ما فهمه أبو أيوب رضي الله تعالى عنه من قوله تعالى: ﴿وَأَنفِقُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ وَلَا تُلۡقُواْ بِأَيۡدِيكُمۡ إِلَى ٱلتَّهۡلُكَةِ﴾ [البقرة:195]، لما حمل رجل يوم القسطنطينية على العدو فقال الناس: مه! لا إله إلا الله، يلقي بنفسه إلى التهلكة... فذكر أبو أيوب سبب نزولها وقال: "فالإلقاء بالأيدي إلى التهلكة أن نقيم في أموالنا ونصلحها وندع الجهاد"[32]. فمعرفة أبي أيوب ومعاصرته لنزول الآية كانت سببا في زيادة العلم بمعنى الآية الصحيح. أخرجه البيهقي في السنن الكبرى، كتاب: جماع أبواب الخير، باب: جواز انفراد الرجل والرجال بالغزو في بلاد العدو 9/99.

ب- ومن ذلك تصحيح عائشة رضي الله تعالى عنها لفهم عروة لقوله تعالى: ﴿إِنَّ ٱلصَّفَا وَٱلۡمَرۡوَةَ مِن شَعَآئِرِ ٱللَّهِۖ فَمَنۡ حَجَّ ٱلۡبَيۡتَ أَوِ ٱعۡتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيۡهِ أَن يَطَّوَّفَ بِهِمَاۚ﴾ [البقرة:158]، ففهم من الآية ألا جناح على من لم يطف بهما، فأنكرت عليه ذلك، وبينت أن الآية نزلت في الأنصار الذين كانوا يتحرجون أن يطوفوا بالصفا والمروة، لما كانوا يهلون في جاهليتهم لمناة الطاغية، فسألوا النبي صلى الله عليه وسلم، فأنزل الله هذه الآية[33]، ونظائره كثيرة. أخرجه البخاري في كتاب الحج، باب: وجوب السعي بين الصفا والمروة... (1643)، ومسلم في كتاب الحج، باب: بيان أن السعي بين الصفا والمروة ركن...(1277)، من حديث عائشة رضي الله عنها.

وهناك النصوص الكثيرة التي لا يفهم معناها المراد كاملاً إلا بمعرفة سبب النزول، مثل قول الله تعالى: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ عَلَيۡكُمۡ أَنفُسَكُمۡۖ لَا يَضُرُّكُم مَّن ضَلَّ إِذَا ٱهۡتَدَيۡتُمۡۚ﴾ [المائدة: 105][34]. وقوله تعالى: ﴿لَا تَحۡسَبَنَّ ٱلَّذِينَ يَفۡرَحُونَ بِمَآ أَتَواْ وَّيُحِبُّونَ أَن يُحۡمَدُواْ بِمَا لَمۡ يَفۡعَلُواْ فَلَا تَحۡسَبَنَّهُم بِمَفَازَةٖ مِّنَ ٱلۡعَذَابِۖ﴾ [آل عمران: 188][35] وغيرهما. ينظر: تفسير الطبري 9/44. ينظر: البخاري كتاب: التفسير، باب: قوله: {لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْا...} ح: (4291)، ومسلم ح: (2778).

هم أعلم الناس بلغة القرآن الكريم، لغة العرب فقد نزل القرآن بلسانهم

﴿بِلِسَانٍ عَرَبِيّٖ مُّبِينٖ﴾ [الشعراء:195] جريا على معهودهم في الكلام وعادتهم في الخطاب من غير تعلم للغة ولا مدارسة واكتساب لأساليبها، ولا يعلم أحد أفصح لسانا وأسد بيانا، وأقوم خطابا من أهل القرون الأولى المفضلة، وأولاهم في هذا الفضل والسبق أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال الشاطبي معددًا اعتبارات تقديم فهمهم للنصوص على أفهام غيرهم: "أحدها: معرفتهم باللسان العربي، فإنهم عرب فصحاء لم تتغير ألسنتهم، ولم تنزل عن رتبتها العليا فصاحتهم، فهم أعرف في فهم الكتاب والسنة من غيرهم، فإذا جاء عنهم قول أو عمل واقع موقع البيان؛ صح اعتماده من هذه الجهة"[36]. ويقول: "ما نقل من فهم السلف الصالح في القرآن فإنه كله جار على ما تقتضيه العربية، وما تدل عليه الأدلة الشرعية"[37]. الموافقات 4/128. الموافقات 4/253.

ومما لا شك فيه أن الجهل باللسان العربي من أكبر أسباب سوء الفهم للنصوص الشرعية، ولهذا قال الحسن البصري عن المبتدعة: "أهلكتهم العجمة"[38]، وقال الشافعي: "ما جهل الناس ولا اختلفوا إلا لتركهم لسان العرب وميلهم إلى لسان أرسطوطاليس"[39]. التاريخ الكبير للبخاري 5/93.. سير أعلام النبلاء 10/74.

قال السيوطي: "وقد وجدت السلف قبل الشافعي أشاروا إلى ما أشار إليه من أن سبب الابتداع الجهل بلسان العرب"[40]. صوت المنطق (ص22).

ثم إن اللغة التي ينبغي أن تعد مرجعا في تفسير القرآن الكريم وفهم نصوصه هي اللغة التي كانت متداولة في عصر التنزيل دون الالتفات إلى اللغة الحادثة[41]. وما طرأ عليها في العصور التالية من دلالات الألفاظ مما لا ينبغي تحكيمه في فهم القرآن الكريم[42]. ينظر: محاسن التأويل للقاسمي 1/236. منهج السياق في فهم القرآن (ص36) د. عبد الرحمن بودرع. كتاب الأمة العدد 111، محرم 1427ه.

يقول ابن تيمية رحمه الله: "ومن لم يعرف لغة الصحابة التي كانوا يتخاطبون بها ويخاطبهم بها النبي صلى الله عليه وسلم عادتهم في الكلام، وإلا حرف الكلم عن مواضعه. فإن كثيرًا من الناس ينشأ على اصطلاح قومه وعادتهم في الألفاظ ثم يجد تلك الألفاظ في كلام الله أو رسوله أو الصحابة فيظن أن مراد الله أو رسوله أو الصحابة بتلك الألفاظ ما يريده بذلك أهل عادته واصطلاحه، ويكون مراد الله ورسوله والصحابة خلاف ذلك"[43]. ثم ذكر أمثلة على ذلك. مجموع الفتاوى 1/243.

ومعلوم أن بني آدم يتخاطبون، ويكلم بعضهم بعضا، ويفهم بعضهم مراد بعض علما ضروريا أعظم من علمهم بالعلوم النظرية، ومعرفتهم مراد المتكلم لهم بكلامه أتم وأقوى وبهذا من معرفتهم بتلك القوانين التي وضعها أربابها للقدح في إفادة الخطاب اليقين[44]. ينظر تحريف الاستدلال (ص161) من كتاب تحريف معاني الألفاظ، عميرة الرشيدي.

يتبين أن لغة جيل الصحابة وأتباعهم هي اللغة التي يتعين فهم كلام الله تعالى وكلام رسوله صلى الله عليه وسلم على ضوئها، لا ما ورد استعماله عند المتأخرين، وكم جنت المصطلحات الحادثة والألفاظ المجملة وتحميل الألفاظ من المعاني المحدثة التي لم يستعملها العرب من قبل من جنايات فظيعة على عقائد المسلمين وزرعت الشبه في أذهانهم.

أنهم أعظم الناس عقلاً وفهماً وحسا وإدراكا، وأزكاهم وأنفذهم بصيرة.

وذلك لأن قوة الإيمان والتقوى واعتقاد الحق الثابت يقوي الإدراك ويصححه ويجعل للعبد فرقانا ونورا يفرق به بين الحق والباطل، قال الله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا وَيُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ...} [الأنفال:29]، وقال تعالى: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَءَامِنُواْ بِرَسُولِهِۦ يُؤۡتِكُمۡ كِفۡلَيۡنِ مِن رَّحۡمَتِهِۦ وَيَجۡعَل لَّكُمۡ نُورٗا تَمۡشُونَ بِهِۦ وَيَغۡفِرۡ لَكُمۡۚ وَٱللَّهُ غَفُورٞ رَّحِيمٞ﴾ [الحديد:28]، وقال تعالى: ﴿وَٱلَّذِينَ ٱهۡتَدَوۡاْ زَادَهُمۡ هُدٗى وَءَاتَىٰهُمۡ تَقۡوَىٰهُمۡ﴾ [محمد: 17]، وقال سبحانه: ﴿وَلَوۡ أَنَّهُمۡ فَعَلُواْ مَا يُوعَظُونَ بِهِۦ لَكَانَ خَيۡرٗا لَّهُمۡ وَأَشَدَّ تَثۡبِيتٗا﴾ [النساء:66].

ولا شك أن الصحابة والتابعين وأتباعهم هم خير من حقق هذه الخصال فتحقق لهم موعود الله تعالى الذي لا يخلف، ولذا فهم "أكمل الناس عقلا، وأعدلهم قياسا، وأصوبهم رأيا، وأسدهم كلاما، وأصحهم نظرا وأهداهم استدلالا، وأقومهم جدلا، وأتمهم فراسة، وأصدقهم إلهاما وأحدهم بصرا ومكاشفة وأصوبهم سمعا"[45]. كيف وقد ورد التنزيل موافقا لاجتهادات بعضهم كما حصل لعمر غير مرة كما في فداء الأسرى، والحجاب وغيرهما"[46]. مجموع الفتاوى 4/9. ينظر بعض هذه الموافقات: الشريعة للآجري 2/301.

ويقول عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه: "إن الله تعالى نظر إلى قلوب العباد فوجد قلب محمد صلى الله عليه وسلم خبر قلوب العباد؛ فاصطفاه لنفسه وابتعثه برسالته، ثم نظر في قلوب العباد بعد قلب محمد صلى الله عليه وسلم فوجد قلوب أصحابه خير قلوب العباد فجعلهم وزراء نبيه، يقاتلون على دينه، فما رأه المسلمون حسنا فهو عند الله حسن وما رأه المسلمون سيئا فهو عند الله سيء"[47]. أخرجه أحد 1/389.، ح: (3600)، والطبراني ح: (8582)، والطيالسي ح: (243) وحسن الأرناؤوط إسناد الإمام أحمد.

ولهذا يقول عبد لله بن عمر رضي الله تعالى عنهما: "من كان منكم مستنا فليستن بمن قد مات، أولئك أصحاب محمد وكانوا خير هذه الأمة؛ أبرها قلوبا وأعمقها علما، وأقلها تكلفا... قوم اختارهم الله لصحبة نبيه، ونقل دينه، فتشبهوا بأخلاقهم وطرائقهم، فهم أصحاب محمد كانوا على الهدى المستقيم"[48]. وورد ذلك عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه[49]، وعن الحسن البصري[50]، ونحوه في رسالة عمر بن عبد العزيز لعدي بن أرطاة[51]. حلية الأولياء 1/305. جامع بيان العلم وفضله، لابن عبد البر، مع اختلاف يسير في بعض الألفاظ (ص 419-418)، وشرح السنة للبغوي 1/214. أخرجه ابن بطة في الإبانة الكبرى 1/319. سنن أبي داود (عون المعبود 12/365)، والشريعة للآجري ح: (529) 1/555.، وابن بطة في الكبرى ح: (560) 2/335.

فمن المحال أن يحرم الله من هذه صفته الفهم الصحيح للدين الذي حملوه لنا، وبلغوه ثم يوفق إلى فهمه الصحيح من جاء من بعدهم.

ولذا قال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما لما بعثه علي رضي الله عنه لمحاورة الخوارج فقال لهم في أول ما قال: "أتيتكم من عند صحابة النبي صلى الله عليه وسلم من المهاجرين والأنصار من عند ابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم وصهره، وعليهم نزل القرآن فهم أعلم بتأويله منكم، وليس فيكم منهم أحد"[52]. تقدم تخريجه.

يقول قتادة رحمه الله: "إن الخوارج خرجوا وأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يومئذ كثير بالمدينة والشام والعراق، وأزواجه يومئذ أحياء؛ والله إن خرج منهم ذكر ولا أنثى حروريا قط. ولا رضوا الذي هم عليه، ولا مالؤوهم فيه..."[53]. تفسير الطبري 3/178.

قال علي بن الفضيل لأبيه: "يا أبت. ما أحلى كلام أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم! فقال: يا بني: وتدري لم حلا؟ قال: لا؛ يا أبت. قال: لأنهم أرادوا الله به"[54]. أخرجه البيهقي في الشعب ح: (1608).

وفي هذا يقول الإمام الشافعي: "وقد أثنى الله تبارك وتعالى على أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم في القرآن والتوراة والإنجيل، وسبق لهم على لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم من الفضل ما ليس لأحد بعدهم. فرحمهم الله، وهنّاهم بما آتاهم من بلوغ أعلى منازل الصديقين والشهداء والصالحين، هم أدوا إلينا سنن رسول الله صلى الله عليه وسلم وشاهدوه والوحي ينزل عليه، فعلموا ما أراد رسول الله صلى الله عليه وسلم عاما وخاصا، وعزما وإرشادا وعرفوا من سنته ما عرفنا وجهلنا" قال: "وهم فوقنا في كل علم واجتهاد، وورع وعقل، وأمر استدرك به علم، واستنبط به، آراؤهم أحمد وأولى بنا من آرائنا لأنفسنا"[55]. تقدم تخريجه.

بل إن السلف الصالح رضوان الله عليهم هم أكثر الأمة بركة لقربهم وشدة اتباعهم للنبي صلى الله عليه وسلم ظاهرا وباطنا، ليس ذلك في فهم نصوص الكتاب والسنة بل حتى في الغزو والحروب الطاحنة مع أعداء الله تعالى. كما تقدم في الصحيحين من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله تعالى عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "يأتي على الناس زمان، فيغزو فئام من الناس، فيقولون: فيكم من صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فيقولون: نعم، فيفتح لهم. ثم يأتي على الناس زمان فيغزو فئام من الناس، فيقال لهم: فيكم من صاحب أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فيقولون: نعم. فيفتح لهم. ثم يأتي على الناس زمان فيغزو فئام من الناس، فيقال: هل فيكم من صاحب من صاحب أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فيقولون: نعم، فيفتح لهم"[56]. تقدم تخريجه.

وكما فتح الله لهم الأمصار فقد فتح قلوبهم للنور الإلهي والوحي الرباني، وفتح لهم قلوب العباد فاستناروا بنور الله، واستضاؤوا بهدي نبيهم صلى الله عليه وسلم. ولما ذكر النبي صلى الله عليه وسلم مثل ما بعثه الله به من الهدى والعلم قال: "كمثل غيث أصاب أرضا، وكانت منها طائفة قبلت الماء وأنبتت العشب الكثير، وكانت منها طائفة أمسكت الماء فسقى الناس وزرعوا، وكانت منها طائفة إنما هي قيعان لا تمسك ماء ولا تنبت كلا، فذلك مثل من فقه في دين الله ونفعه بما بعثني الله به من الهدى والعلم، ومثل من لم يرفع بذلك رأسا، ولم يقبل هدى الله الذي أرسلت به"[57]. أخرجه البخاري في كتاب العلم، باب: فضل من علم وعلم ح: (79) 1/211، ومسلم في الفضائل. باب: بيان مثل ما بعث النبي ص من الهدى والعلم ح: (2282) 4/1787.

قال ابن تيمية: "ومن المستقر في أذهان المسلمين: أن ورثة الرسل وخلفاء الأنبياء هم الذين قاموا بالدين علما وعملاً ودعوة إلى الله والرسول، فهؤلاء أتباع الرسول حقا، وهم بمنزلة الطائفة الطيبة من الأرض التي زكت، فقبلت الماء فأنبتت الكلأ والعشب الكثير، فزكت في نفسها وزكا الناس بها، وهؤلاء هم الذين جمعوا بين البصيرة في الدين والقوة في الدعوة، ولذلك كانوا ورثة الأنبياء الذين قال الله تعالى فيهم: ﴿وَٱذۡكُرۡ عِبَٰدَنَآ إِبۡرَٰهِيمَ وَإِسۡحَٰقَ وَيَعۡقُوبَ أُوْلِي ٱلۡأَيۡدِي وَٱلۡأَبۡصَٰرِ﴾ [ص:45] فالأيدي القوة في أمر الله، والأبصار البصائر في دين الله، فبالبصائر يدرك الحق، وبالقوة يتمكن من تبليغه وتنفيذه والدعوة إليه، فهذه الطبقة كان لها قوة الحفظ والفهم والفقه في الدين والبصر والتأويل ففجرت من النصوص أنهار العلوم، واستنبطت منها كنوزها، ورزقت فيها فهما خاضا..."[58]. مجموع الفتاوى 4/93-92.

وقال: "من كان له خبرة بالنظريات والعقليات وبالعمليات علم أن مذهب الصحابة دائما أرجح من قول من بعدهم"[59]، ومذهبهم مبني على ما فهموه من نصوص الكتاب والسنة. بل قال الحافظ ابن حجر: "فكيف لا يوثق بما اتفق عليه أهل القرون الثلاثة وهم خير القرون بشهادة صاحب الشريعة صلى الله عليه وسلم"[60]. المصدر نفسه 4/93. فتح الباري 13/408.

وخلاصة الأمر: أنه كلما كانت عدالة الشخص أكمل كان لذلك أثر في موافقته الحق أكثر من غيره. وهذا ما أوجب تقديم فهم الصحابة وأتباعهم على غيرهم ممن جاء من بعدهم.

عن ابن عمر أنه بلغه أن رجلا نال من عثمان رضي الله عنه فدعاه فأقعده بين يديه فقرأ عليه: ﴿لِلۡفُقَرَآءِ ٱلۡمُهَٰجِرِينَ ٱلَّذِينَ أُخۡرِجُواْ مِن دِيَٰرِهِمۡ وَأَمۡوَٰلِهِمۡ يَبۡتَغُونَ فَضۡلٗا مِّنَ ٱللَّهِ وَرِضۡوَٰنٗا وَيَنصُرُونَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥٓۚ أُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلصَّٰدِقُونَ﴾ فقال: "من هؤلاء أنت؟" فقال: "لا." ثم قرأ: ﴿وَٱلَّذِينَ تَبَوَّءُو ٱلدَّارَ وَٱلۡإِيمَٰنَ مِن قَبۡلِهِمۡ يُحِبُّونَ مَنۡ هَاجَرَ إِلَيۡهِمۡ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمۡ حَاجَةٗ مِّمَّآ أُوتُواْ وَيُؤۡثِرُونَ عَلَىٰٓ أَنفُسِهِمۡ وَلَوۡ كَانَ بِهِمۡ خَصَاصَةٞۚ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفۡسِهِۦ فَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡمُفۡلِحُونَ﴾ فقال: "لا." ثم قرأ عليه: ﴿وَٱلَّذِينَ جَآءُو مِنۢ بَعۡدِهِمۡ يَقُولُونَ رَبَّنَا ٱغۡفِرۡ لَنَا وَلِإِخۡوَٰنِنَا ٱلَّذِينَ سَبَقُونَا بِٱلۡإِيمَٰنِ وَلَا تَجۡعَلۡ فِي قُلُوبِنَا غِلّٗا لِّلَّذِينَ ءَامَنُواْ رَبَّنَآ إِنَّكَ رَءُوفٞ رَّحِيمٌ﴾ قال: "من هؤلاء أنت؟" قال: "أرجو أن أكون منهم." قال: "لا والله لا يكون منهم من يتناولهم، وكان في قلبه الغل عليهم"[61] وروي عن محمد بن علي بن الحسين عن أبيه نحوه. ينظر: الجامع لأحكام القرآن للقرطبي 20/373.، ط. التركي والمحرر الوجيز 5/228.

ويضاف إلى هذه المسوغات والاعتبارات الدالة على أهمية فهم السلف وتقديمه على سائر الفهوم ما سيأتي - إن شاء الله تعالى - في الفصل التالي من الأدلة الدالة على حجية فهم السلف وتقديمه على غيره.

المبحث الثاني: عناية العلماء بتدوين فهم السلف من خلال مأثوراتهم القولية والعملية

إن أمرا هذا شأنه لجدير بأن تصرف الهمم إلى جمعه وتدوينه والعناية به.

وقد بدأ ذلك مبكرا مع تدوين السنة النبوية؛ لأنه في جملته من السنة – كما أسلفنا - وخاصة موروث الصحابة رضوان الله تعالى عليهم، كما روى صالح بن كيسان قال: "اجتمعت أنا والزهري ونحن نطلب العلم فقلنا: نكتب السنن، فكتبنا ما جاء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: ثم قال الزهري: نكتب ما جاء عن الصحابة فإنه سنة. قال: فقلت أنا: لا، ليس بسنة. لا نكتبه. قال: فكتب ولم أكتب؛ فأنجح وضيعت"[62]. أخرجه عبد الرزاق في مصنفه رقم (20488).

ولهذا فلفظ السنة "يطلق على ما عمل عليه الصحابة وجد في الكتاب والسنة أو لم يوجد؛ لكونه اتباعا لسنة ثبتت عندهم لم تنقل إلينا أو اجتهادًا مجمعا عليه منهم، أو من خلفائهم..."[63]. الموقعات 4/4.

وتظهر عناية العلماء هذا الموروث النفيس فيما أودعوه في مصنفاتهم المبكرة من آثار قولية وعملية للصحابة والتابعين وتابعيهم بإحسان الذي هو نتاج ما فهموه من النصوص وذلك ظاهر فيما يلي:

ما أودعوه في كتب الصحاح والسنن والمسانيد من آثار الصحابة والتابعين إما مسندا وإما معلقا، وقد أودع الإمام البخاري تراجم صحيحه جملة كبيرة من آثار السلف القولية والعملية، وتبعه في ذلك الإمام الترمذي رحمه الله تعالى.

ما حوته كتب المصنفات والمعاجم من آثار مسندة للصحابة والتابعين وأتباعهم من كم هائل لهذا التراث. ومن الأمثلة على ذلك مصنفا عبد الرزاق وابن أبي شيبة، فقد حوى مصنف عبد الرزاق ما يزيد على واحد وعشرين ألف حديث وأثر، عامتها من أقوال السلف كما حوى مصنف ابن أبي شيبة نحو تسعة عشر ألف حديث وأثر عامتها من أقوال السلف كذلك[64]. ينظر: ضوابط فهم السنة د. عبد الله وكيل الشيخ (ص18).

ما حوته كتب "السنة" و"الرد على الجهمية" وكتب العقيدة المتقدمة من آثار مسندة إلى السلف الصالح رضوان الله عليهم مثل: كتاب "السنة" و"الرد على الجهمية" لمحمد بن عبد الله الجعفي، شيخ البخاري، ولأبي داود السجستاني ولعبدالله بن أحمد بن حنبل، ولأبي بكر الأثرم، ولحنبل بن إسحاق، ولحرب الكرماني، ولعثمان بن سعيد الدارمي، ولنعيم بن حماد الخزاعي، ولأبي بكر الخلال، ولأبي بكر بن خزيمة، ولعبد الرحمن بن أبي حاتم، ولأبي القاسم الطبراني، ولأبي الشيخ الأصبهاني، ولأبي عبد الله بن منده، ولأبي عمر الطلمنكي، ولأبي بكر الأجري، ولأبي القاسم اللالكائي، ولابن بطة في إبانتيه ولقوام السنة في الحجة، ولنصر بن إبراهيم المقدسي في الحجة أيضا، وغيرهم. ومن قبلهم مثل: كتاب (الإيمان) لابن أبي شيبة، و(الإيمان) لأبي عبيد القاسم بن سلام، و(العلم) لابن أبي خيثمة، وغيرهم[65]. وهذه أكثرها، وهناك كتب حديثة عنيت بتعداد الكتب والرسائل المروية عن السلف رحمهم الله مثل: منهج أهل السنة في تدوين العقيدة للحنيني، وتدوين علم العقيدة للطريف، وتاريخ تدوين العقيدة السلفية للبرجس، وغيرهم.ينظر: في هذا بيان تلبيس الجهمية 8/538.

وكذلك ما حوته كتب التفسير بالمأثور من نصوص مسندة عن السلف الصالح رحمهم الله مثل: تفسير عبد الرزاق، وعبد بن حميد، ودحيم، وسنيد، وابن جرير الطبري، وأبي بكر ابن المنذر، وتفسير عبد الرحمن بن أبي حاتم... وغير ذلك من كتب التفسير. وقد جمع السيوطي في الدر المنشور كما هائلا من آثار السلف رحمهم الله من مصادر بعضها مفقود.

ما حوته كتب التاريخ والتراجم والطبقات والسير، مثل: الطبقات الكبرى لابن سعد، وتاريخ بغداد، وحلية الأولياء، وتاريخ دمشق، وسير أعلام النبلاء وغيرها.

ما حوته كتب الفقهاء وشراح الحديث، ككتب المذاهب الأربعة، والمحلى، وكتب ابن عبد البر، والسنن الكبرى للبيهقي، والمغني لابن قدامة، والمجموع للنووي، وفتح الباري وغيرهم من أصحاب الموسوعات الفقهية والحديثية الكثيرة.

وغير ذلك مما يصعب حصره من آثار السلف الصالح المسندة وغير المسندة.

وهذا دليل قاطع على عناية علماء الأمة بفهم السلف الصالح وعلومهم وفقههم للنصوص الشرعية والأحكام العلمية والعملية المستنبطة منها. فلم يكن دورهم النقل فقط ؛ بل التثبت والتمحيص أولا ثم العلم والعمل ثانيا. وعليه فإن من المعلوم أنه "ليس العلم كثرة النقل والبحث والكلام، ولكن نور يميز به صحيح الأقوال من سقيمها، وحقها من باطلها، وما هو من مشكاة النبوة مما هو من آراء الرجال."[66] اجتماع الجيوش الإسلامية (ص80). وينظر: بيان فضل علم السلف على علم الخلف (ص38).

ولذلك قال الإمام مالك: "إن العلم ليس بكثرة الرواية، إنما العلم نور يقذفه الله في القلب."[67] رواه ابن أبي حاتم في تفسيره 10/3180.، والبيهقي في المدخل (ص231)، والخطيب في الجامع 2/174.

قال أحمد بن صالح المصري: "تأويل قوله – أي الإمام مالك – "نور" يريد به فهم العلم ومعرفة معانيه"[68]. ذكره ابن كثير في تفسيره 6/531.

وقال الخطيب البغدادي: "إن العلم هو الفهم والدراية، وليس بالإكثار والتوسع في الرواية"[69]. الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع 2/174.، وينظر: إيضاح الحجة (ص134).

وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم أوتي جوامع الكلم، واختصر لهم الكلام اختصارا. ولذلك قيل: "كلام السلف قليل كثير البركة، لكن كلام الخلف كثير قليل البركة"[70]. شرح العقيدة الطحاوية (ص73)، ط. المكتب الإسلامي، تحقيق الألباني. وينظر: قطف الجنى الداني شرح مقدمة رسالة القيرواني 1/3.، د. عبد المحسن العباد.

وقد عرف أتباع السلف قيمة علمهم فعدوه أفضل العلوم. قال الحافظ ابن رجب رحمه الله: "فأفضل العلوم في تفسير القرآن ومعاني الحديث والكلام في الحلال والحرام ما كان مأثورا عن الصحابة والتابعين وتابعيهم... فضبط ما روي عنهم في ذلك أفضل العلوم مع تفهمه وتعقله والتفقه فيه، وما حدث بعدهم من التوسع لا خير في كثير منه، إلا أن يكون شرحا لكلام يتعلق بكلامهم، وأما ما كان خالفا لكلامهم فأكثره باطل، أو لا منفعة فيه، وفي كلامهم في ذلك كفاية وزيادة، فلا يوجد في كلام من بعدهم من حق إلا وهو في كلامهم موجود بأوجز لفظ وأخصر عبارة، ولا يوجد في كلام من بعدهم من باطل إلا وفي كلامهم ما يبين بطلانه لمن فهمه وتأمله، ويوجد في كلامهم من المعاني البديعة والمآخذ الدقيقة ما لا يهتدي إليه من بعدهم ولا يلم به، فمن لم يأخذ العلم من كلامهم فاته ذلك الخير كله مع ما يقع في كثير من الباطل متابعة لمن تأخر عنهم"[71]. فضل علم السلف عن علم الخلف (ص67-68).

بل إن من أراد أن ينسب فهما أو قولا للسلف فعليه أن يسلك أحد أمرين:

الاستقراء التام لأقوالهم المبثوثة في كتب التفسير والحديث، ولآثار التي رويت عنهم بالأسانيد، وتقدم ذكر طائفة من مضاف هذه الأقوال.

النقل عمن هو خبير بأقوالهم وأعمالهم وتقريراتهم[72]. ينظر: بيان تلبيس الجهمية 8/537-538.، ومجموع الفتاوى 4/152.، وموقف الاتجاه العقلاني المعاصر من النص الشرعي (ص387)، د. سعد بن بجاد العتيبي.

وهذا يبين مدى أهمية العناية بتدوين أقوال وآثار السلف رحمهم الله تعالى.

وللناس المنتسبين إلى السنة والجماعة في تحصيل وضبط مذهب السلف وتقريره طريقان:

الطريق الأول: تحصيل مذهب السلف وضبطه بالنقل، وذلك من وجهين:

الأول: أن يستفيض ذكر هذا القول أو هذه المسألة في كلام الأئمة المتقدمين ولا يظهر بينهم من أعيانهم نزاع. مثل اشتهار واستفاضة قولهم: "الإيمان قول وعمل يزيد وينقص"، "وكلام الله منزل غير مخلوق" ونحوها.

الثاني: أن ينص بعض علماء المسلمين الكبار من المعروفين بالسنة على أن هذا إجماع عند السلف. كما نص على ذلك الإجماع في مسألة الإيمان الإمام محمد بن نصر المروزي وابن عبد البر وشيخ الإسلام وابن رجب ونحوهم.

والوجهان يرجعان إلى الإجماع المنضبط والاستفاضة والشهرة وعدم العلم بالمخالف.

الطريق الثاني: تحصيل مذهب السلف وضبطه بالفهم والاستدلال فقط. أي ما فهمه الناقل مذهباً للسلف ولا يلزم أن يكون كذلك وهذا محل العطب فهما وعلما ونسبة. فإذا تحصل لواحد منهم في مسائل من النظر أن هذا هو الموافق للكتاب والسنة أو لبعض أقوال السلف أو قول واحد منهم غير مستفيض ولا مشهور نتيجة اجتهاد منه جعل هذا عنده قول السلف ومذهبهم. "لأن السلف لا يقولون إلا الصواب، وهذا هو الصواب، فهذا هو الذي يجرئ المبتدعة على أن يزعم كل منهم أنه على مذهب السلف..."[73]. مجموع الفتاوى 4/151.، وممن قرر ذلك د. يوسف الغفيص - حفظه الله - في شرحه للمعة الاعتقاد وشرح حديث الافتراق لشيخ الإسلام، (غير مطبوع) ومنشور مفرغا في الشبكة العنكبوتية.

وهذا الطريق أصله من كلام طائفة من أهل البدع المنتسبين للسنة والجماعة وبعض الفقهاء. وهذا كنسبة أبي الحسن الأشعري إلى السلف على أن الله ليس بجسم[74]، بناء على ما فهمه من مذهبهم، لأنهم أطبقوا على ذم التشبيه، والتأكيد على التنزيه. مع أنهم لم ينصوا على نفي الجسمية لاعتبارها من الألفاظ المجملة الموهمة. وعليه فليس هذا من مذهب السلف ولا قول لهم. ومثل قول بعضهم أن مذهب السلف هو تفويض معاني الأسماء والصفات بناء على ما فهمه من عبارات لبعض الأئمة والأمر ليس كذلك[75]. مقالات الإسلاميين 1/211. ينظر: شرح النووي لمسلم 1/24.، وما نقله شيخ الإسلام عن الجويني في الدرر 2/146.، ولمعة الاعتقاد لابن قدامة 1/6.

وهذا الطريق - أعني الثاني - مسلك غير سديد. هو أحد أسباب انقسام المنتسبين إلى السلفية في العصور المتأخرة واختلافهم بناء على اختلافهم في الفهم الذي جعلوه مذهبا للسلف، والأمر ليس كذلك. والطريق السديد السليم المعتمد هو الطريق الأول: طريق النقل الثابت لإجماعهم أو ما استفاض واشتهر عنهم عند العلماء المتقدمين. والله أعلم.

الفصل الثالث: أدلة حجية فهم السلف وثمرات الالتزام به

وفيه مبحثان:

المبحث الأول: أدلة حجية فهم السلف.

المبحث الثاني: ثمرات الالتزام به.

المبحث الأول: أدلة حجية فهم السلف.

بعد أن ذكرنا في الفصل السابق أهمية فهم السلف، وبعض الاعتبارات الدالة على ذلك وتقديمه على غيره من الفهوم؛ يحسن بنا في هذا المقام أن نفصل الأدلة الشرعية الدالة على وجوب تقديم فهم السلف، والرجوع إليه عند التنازع والاختلاف، وعده الفيصل في فهم دلالات النصوص ومراد الله تعالى ورسوله من هذه النصوص[1]، وما ترتب على هذا الفهم من طريقة ومنهج في الاستدلال بالنصوص والعمل بها. وهذه الأدلة منها ما هو صريح في دلالته ومنها ما ليس بصريح، ومنها ما هو دال بمنطوقه ومنها هو دال بمفهومه، ومن هذه الأدلة: عد فضيلة د. عثمان بن علي حسن (فهم السلف الصالح لنصوص الكتاب والسنة) القاعدة العاشرة من قواعد الاستدلال على مسائل الاعتقاد عند أهل السنة والجماعة. كما في منهج الاستدلال على مسائل الاعتقاد عند أهل السنة والجماعة 2/501-527.

أولا: الأدلة القرآنية:

قال الله تعال: ﴿وَٱلسَّٰبِقُونَ ٱلۡأَوَّلُونَ مِنَ ٱلۡمُهَٰجِرِينَ وَٱلۡأَنصَارِ وَٱلَّذِينَ ٱتَّبَعُوهُم بِإِحۡسَٰنٖ رَّضِيَ ٱللَّهُ عَنۡهُمۡ وَرَضُواْ عَنۡهُ وَأَعَدَّ لَهُمۡ جَنَّٰتٖ تَجۡرِي تَحۡتَهَا ٱلۡأَنۡهَٰرُ خَٰلِدِينَ فِيهَآ أَبَدٗاۚ ذَٰلِكَ ٱلۡفَوۡزُ ٱلۡعَظِيمُ﴾ [التوبة: 110].

فالآية صريحة في الثناء على المتبعين للسابقين الأولين من المهاجرين والأنصار، وهم أئمة السلف الصالح وقادتهم رضي الله تعالى عنهم وأرضاهم. والاتباع شامل للاعتقاد والعمل المبني على صحة الفهم. وهذا المدح يتضمن صحة ما كانوا عليه من ذلك، كما دلت بالمفهوم على بطلان ما خالفهم في ذلك. فدلت على أن فهمهم حجة على من بعدهم في مسائل العقيدة والعمل[2]. تذكير الخلف بوجوب اعتماد فهم السلف لأدلة الكتاب والسنة (ص8) للشيخ وليد بن راشد السعيدان.

وقد احتج الإمام مالك بهذه الآية على وجوب اتباع الصحابة رضوان الله عليهم[3]. إعلام الموقعين 4/123.، وقد فصل ابن القيم في ست صفحات دلالة هذه الآية على وجوب اتباعهم رضي الله تعالى عنهم، ثم ذكر ستة وأربعين وجها في الاستدلال على وجوب اتباعهم يحسن الرجوع إليها، إعلام الموقعين 4/123-152.

ومثل هذه الآية في الدلالة الآيات التي أثنى الله تعالى فيها على الصحابة رضوان الله تعالى عليهم، مثل قوله تعالى: {مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ} الآية، وقوله تعالى: {لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ} الآية، وغيرها من الآيات الآمرة باتباعهم.

"وهذا كله تنبيه للأمة على صحة مسلكهم، ووضوح حجتهم والأمر باتباع آثارهم، وأن فهمهم هو الفهم الصحيح، وما سواه مما عارضه فهو فهم سقيم عاطل، ورأي باطل"[4]. ينظر: المصدر السابق (ص9).

2.قال تعالى: ﴿فَإِنۡ ءَامَنُواْ بِمِثۡلِ مَآ ءَامَنتُم بِهِۦ فَقَدِ ٱهۡتَدَواْۖ وَّإِن تَوَلَّوۡاْ فَإِنَّمَا هُمۡ فِي شِقَاقٖۖ فَسَيَكۡفِيكَهُمُ ٱللَّهُۚ وَهُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلۡعَلِيمُ﴾ [البقرة: 137].

فقيد الهداية بالإيمان بمثل ما آمن به الرسول صلى الله عليه وسلم وأصحابه، فالإيمان الأمثل كإيمان الصحابة[5]. ينظر: زاد المسير 1/134.، وذكر قولين آخرين.

ولا شك أن هذا الإيمان إنما هو نتيجة الفهم الثاقب والعلم الصائب للوحي الرباني، و كما أنه لا يمكن لمن جاء من بعدهم أن يتساووا معهم في كمية الإيمان، فدل على أنه لم يبق إلا المساواة في الكيفية، وهو المنهج والسبيل والفهم المذكور في الآية التالية.

3.وقال تعالى: ﴿وَمَن يُشَاقِقِ ٱلرَّسُولَ مِنۢ بَعۡدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ ٱلۡهُدَىٰ وَيَتَّبِعۡ غَيۡرَ سَبِيلِ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ نُوَلِّهِۦ مَا تَوَلَّىٰ وَنُصۡلِهِۦ جَهَنَّمَۖ وَسَآءَتۡ مَصِيرًا﴾ [النساء: 115].

ومما لا شك فيه أن السلف الصالح من الصحابة والتابعين وأتباعهم بإحسان هم أولى الناس دخولا فيمن سماهم الله هنا "المؤمنين" محذرا ومتوعدًا من اتبع غير سبيلهم، "وقد شهد الله لأصحاب نبيه صلى الله عليه وسلم ومن تبعهم بإحسان بالإيمان، فعلم قطعا أنهم المراد بالآية الكريمة"[6]. مجموع الفتاوى 2/4.

وعليه فالآية آمرة باتباع سبيل السلف الصالح متوعدة من خالفهم واتبع غير سبيلهم بالخذلان والنار، ومن المعلوم أنه "قد ضمنت لهم العصمة في اجتماعهم من الخطأ تشريفا لهم وتعظيما لنبيهم..."[7]. تفسير ابن كثير 2/325.

وهذه الآية قد استدل بها العلماء على أن إجماع هذه الأمة حجة قاطعة[8]، وأنها معصومة من الخطأ. ومعنى ذلك أن مخالفة فهم السلف وما كانوا عليه خرق للإجماع؛ لأنه قد اتبع غير سبيلهم، بل جعل الله تعالى مشاقة الرسول صلى الله عليه وسلم واتباع غير سبيل المؤمنين متلازمين، فكل من شاق الرسول من بعد ما تبين له الهدى فقد اتبع غير سبيل المؤمنين، وكل من اتبع غير سبيل المؤمنين فقد شاق الرسول صلى الله عليه وسلم[9]. ومن أول من استدل بها الشافعي في أحكام القرآن (18، 19)وينظر كلامه في: حجية الإجماع: الرسالة (ص471)، وكلام ابن كثير في استدلال الشافعي بها على الإجماع في التفسير 2/414.، ط. دار طيبة 1422ه، وينظر: التمهيد لابن عبد البر 1/143.، ط. وزارة الأوقاف بالمغرب، والفقيه والمتفقه للبغدادي 1/400.، ط. 1421ه، وقواطع الأدلة في الأصول 1/464.، وروضة الناظر 1/131.، ومجموع الفتاوى 19/178-179.، وإعلام الموقعين 4/152.، وغيرها. ينظر: مجموع الفتاوى 19/193-194.، وذكر فيها أقوالاً ثلاثة قال: "والقول الثالث الوسط أنها تدل على وجوب اتباع سبيل المؤمنين وتحريم اتباع غير سبيلهم، ولكن مع تحريم مشاقة الرسول من بعد ما تبين له الهدى".

كما تفيد الآية أن متابعة سبيلهم- وهي طريقهم في عقائدهم وأعمالهم -[10] من الواجبات المتحتمات، فالنهي عن مخالفة سبيلهم يتضمن الأمر باتباع سبيلهم، واتباعهم يكون باعتماد ما اعتمدوه وأجمعوا عليه من القول والعمل، ومن المعلوم أن الأقوال والأعمال إنما تصدر عن فهم، ومتابعتهم في أقوالهم واعتقاداتهم تتضمن متابعتهم في فهمهم؛ لأن من خالفهم في الفهم فلزاما أن يخالفهم في القول والعمل...[11]. تفسير ابن سعدى 2/165. تذكير الخلف بوجوب اعتاد فهم السلف (ص8). وينظر: تفسير ابن سعدي 2/164.

وللإمام القصاب الكرجي[12] كلام نفيس عند كلامه على ما ورد عن السلف من تفسير لآيات الصفات فقال: "إن كان السلف صحابيا فتأويله مقبول متبع لأنه شاهد الوحي والتنزيل، وعرف التفسير والتأويل... فأما إذا لم يكن السلف صحابيا نظرنا في تأويله؛ فإن تابعه عليه الأئمة المشهورون من نقلة الحديث والسنة، ووافقه الثقات الأثبات تابعناه وقبلناه ووافقناه، فإنه – وإن لم يكن إجماعا حقيقيا- إلا أن فيه مشابهة الإجماع إذ هو سبيل المؤمنين، وتوافق المتقين، الذين لا يجتمعون على الضلالة، ولأن الأئمة لو لم يعلموا أن ذلك عن الرسول والصحابة لم يتابعوه عليه...[13]. هو أبو أحمد، محمد بن علي بن محمد الكرجي القصاب – سمي بذلك بسبب ما أهراق من دماء الكفار في مغازيه -، قضى وقتا من عمره في الجهاد في سبيل الله، من مصنفاته: كتاب ثواب الأعمال، وكتاب عقاب الأعال، وشرح السنة وغيرها، وله تفسير مطبوع سماه "نكت القرآن"، توفي رحمه الله سنة (360ه). الوافي بالوفيات 4/85.، وسير أعلام النبلاء 16/213. بيان تلبيس الجهمية ط. المجمع 6/401.، نقلا عن: الفصول في الأصول عن الأئمة الفحول إلزاما لذوي البدع والفضول للكرجي. وينظر: منهج الاستدلال لعثمان حسن 2/506.

4.قوله تعال: ﴿كُنتُمۡ خَيۡرَ أُمَّةٍ أُخۡرِجَتۡ لِلنَّاسِ تَأۡمُرُونَ بِٱلۡمَعۡرُوفِ وَتَنۡهَوۡنَ عَنِ ٱلۡمُنكَرِ وَتُؤۡمِنُونَ بِٱللَّهِۗ﴾ [آل عمران].

وهذه الخيرية دليل على صحة ما كان عليه الصحابة من العقيدة والعمل، وهي نابعة من سلامة الفهم عن الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم، والآية خطاب للصحابة في المقام الأول، فهم سلف الأمة، ووصفهم بهذه الخيرية تنبيه على سلامة ما كانوا عليه من الفهم والتأصيل المثمر لسلامة العقيدة وصحة العمل، وحث على الاقتداء بهم في ذلك[14]. ينظر: تذكير الخلف بوجوب اعتماد فهم السلف (ص 8).

5.وبنحوها قوله تعالى: ﴿وَكَذَٰلِكَ جَعَلۡنَٰكُمۡ أُمَّةٗ وَسَطٗا﴾ الآية [البقرة:143]، والوسط: الخيار العدول[15]. والموصوف بذلك هم الصحابة رضوان الله تعالى عليهم. ويلحق بهم من اتبعهم بإحسان في علومهم وأفهامهم، وما يترتب على ذلك من الاعتقاد والقول والعمل، فهي في دلالتها كالآية قبلها[16]. البخاري، ح: (3161). الوسط: العدل. ينظر في دلالة الآية على المطلوب: الفقيه والمتفقه للخطيب البغدادي 1/406.، وقواطع الأدلة في الأصول 1/464.، والإبهاج شرح المنهاج للسبكي 2/358.، وارشاد الفحول (ص140).

6.يقول ابن القيم: "فهم خير الأمم وأعدلها في أقوالهم وأعمالهم وإراداتهم ونياتهم، وهذا استحقوا أن يكونوا شهداء للرسل على أممهم يوم القيامة، والله تعالى يقبل شهادتهم عليهم، فهم شهداؤه، ولهذا نوه بهم ورفع ذكرهم وأثنى عليهم..."[17]. إعلام الموقعين 4/133.

وفي هذا أعظم تزكية لهم، إذ لا يقبل في الشهادة إلا من كان عدلا في القضاء الشرعي في الدنيا، فكيف بمن يكون مختارا من قبل الله تعالى ليشهد بين يديه على الأمم يوم يقوم الناس لرب العالمين... إنها حقا لمنقبة عظيمة لا يفي التعبير بقدرها وجلالتها.

ثانيا: الأحاديث النبوية:

ومن الأحاديث النبوية الدالة على وجوب تقديم فهم السلف الصالح من الصحابة ومن بعدهم من القرون المفضلة وما ترتب عليه من طريقة ومنهج في الاستدلال ما يلي:

1.قوله صلى الله عليه وسلم: "...فإنه من يعش منكم فسيرى اختلافا كثيرا، فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين، عضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كل محدثة بدعة، وإن كل بدعة ضلالة"[18]. رواه أحد 4/126.، وأبو داود 4/200.، والترمذي 5/44.، وقال: حسن صحيح، وابن ماجه 1/18.، وصححه الألباني في الصحيحة (ح: 2735).

فهذا أمر صريح باتباع سنة الخلفاء الراشدين رضوان الله عليهم وهم أئمة السلف وخيارهم، والأمر إذا خلا من الصارف فهو مقتض للوجوب، فدل على وجوب الاستنان بهم رضوان الله عليهم في الفهم والعلم والاعتقاد والعمل.

وهذا أمر باتباع الخلفاء الراشدين رضوان الله عليهم أجمعين، فكيف إذا كان الصحابة مجتمعين يفهمون من النص أمرا معينا[19]. القرآن الكريم ومنزلته بين السلف ومخالفيهم، لمحمد هشام بن لعل حمد طاهري (ص753). وانظر: توجيه ابن القيم لدلالة هذا الحديث: إعلام الموقعين 4/140.

قال الشاطبي: "فقرن عليه السلام – كما ترى - سنة الخلفاء الراشدين بسنته، وأن من اتباع سنته اتباع سنتهم، وأن المحدثات خلاف ذلك، ليست منها في شيء؛ لأنهم رضي الله عنهم فيما سنوا إما متبعون لسنة نبيهم عليه السلام نفسها، وإما متبعون لما فهموه من سنته صلى الله عليه وسلم في الجملة والتفصيل على وجه يخفى على غيرهم مثله لا زائدة على ذلك"[20]. الاعتصام 1/88. وينظر 1/187.

2.قوله صلى الله عليه وسلم: "خير القرون قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم، ثم يجيء أقوام تسبق شهادة أحدهم يمينه، ويمينه شهادته"[21]. تقدم تخريجه وبنحوه حديث أبي هريرة عن النبي ص، أنه قال حين سئل: أي الناس خير؟ فقال: "أنا ومن معي، ثم الذين على الأثر، ثم الذين على الأثر"، رواه أحمد 2/297.، وأبو نعيم في الحلية 2/78.، بسند حسن. وورد من حديث واثلة رفعه: "لا تزالون بخير ما دام فيكم من رآني وصاحبني، والله لا تزالون بخير ما دام فيكم من رأى من رآني وصاحب من صاحبني" أخرجه ابن أبي شيبة 13/178.، وإسناده حسن. قاله الحافظ في الفتح 7/7.

وهذا الحديث رواه خمسة عشر صحابيا[22]. وقد نص على تواتره جماعة من أهل الفن والاختصاص[23]. انظر: معجم فقه السلف، لمحمد المنتصر الكتاني 1/7. نص على ذلك الحافظ ابن حجر في الإصابة 1/12.، والسيوطي في متواتره. والكتاني كذلك 1/7. ينظر: نظم المتناثر من الحديث المتواتر، لأبي عبد الله محمد بن جعفر الكتاني (ص199).

فدل ذلك على أن أهل هذه القرون الثلاثة الذين هم السلف الصالح خير الأمة بإطلاق، قال ابن القيم: "وذلك يقتضي تقديمهم في كل باب من أبواب الخير، وإلا لو كان خيرا من بعض الوجوه فلا يكونون خير القرون مطلقا"[24]. فدل على أنهم خير الأمة فهماً، وأزكاها علماً، وأعمقها تأصيلاً، وأحسنها عملاً واعتقادا. فهل يعقل أن هؤلاء السلف لم يشتمل قرنهم على ناطق بالصواب في تلك المسائل ولم يفهموا الحق الذي فيها حتى جاء من بعدهم فعرفوا حكم الله الذي جهله أولئك السادة، وأصابوا الحق الذي أخطأه أولئك الأئمة، سبحانك هذا بهتان عظيم. إعلام الموقعين 4/136.

وبما أنهم أفضل ممن بعدهم كما دل عليه الكتاب والسنة "فالاقتداء بهم خير من الاقتداء بمن بعدهم، وذلك أن إجماعهم لا يكون إلا معصوما، وإذا تنازعوا فالحق لا يخرج عنهم"[25]. مجموع الفتاوى 13/24.

ويشبه هذا الحديث في الدلالة جميع الأحاديث والآثار التي مدحت الصحابة وأثنت عليهم وحثت على الاقتداء بهم مثل: "لا تسبوا أصحابي..."[26]، والنجوم أمنة للسماء، فإذا ذهبت النجوم آتى السماء ما توعد، وأنا أمنة لأصحابي..."[27]، ونحوها[28]. أخرجه البخاري في كتاب فضائل أصحاب النبي ص، باب: قول النبي ص: "لو كنت متخذا خليلا"، (3673)، من حديث أبي سعيد رضي الله عنه. وأخرجه مسلم في كتاب فضائل الصحابة، باب: تحريم سب الصحابة، (2540)، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه. أخرجه مسلم في كتاب فضائل الصحابة، باب: بيان أن النبي ص أمان لأصحابه، (2531)، من حديث أبي موسى الأشعري رضي الله عنه. ينظر توجيه دلالات هذه النصوص: إعلام الموقعين 4/137.، فما بعدها.

وعليه "فترجيح منهج آخر غير منهج الصحابة فيه إبطال لجميع النصوص التي تدل على فضلهم؛ إذ كيف يفضل قوم على غيرهم وهم لم يهتدوا إلى المنهج الصحيح في فهم الدين"[29]. أثر الاتجاه العقدي في التفسير (ص42)٠ رسالة جامعية –ماجستير- للباحث/ ياسر بن ماطر المطرفي، جامعة الإمام ،قسم العقيدة (1420ه).

3.وعن أبي واقد الليثي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال يوما: "إنها ستكون فتن" قالوا: فكيف لنا يا رسول الله؟ أو كيف نصنع؟ قال: "ترجعون إلى أمركم الأول"[30]. أي: ما عليه سلفكم، وهذا شامل لفهمهم للنصوص وعملهم بمقتضاها. رواه الطبراني في الكبير 3/249.، والأوسط 8/294.، قال الهيثمي في المجمع 3/303: "وفيه: عبد الله بن صالح وقد وثق وفيه ضعف، وبقية رجاله رجال الصحيح." وصححه الألباني في: الصحيحة، (ح: 3165).

والخطاب وإن كان للصحابة رضوان الله عليهم، فكأنه يشير إلى فتنة الاختلاف وما حصل بين الصحابة وكأنه يشير إلى أن ترجعوا إلى أمركم الأول زمنه عليه الصلاة والسلام وزمن الشيخين قبل ظهور الفتن والاختلاف.

والشاهد من الحديث أنه كلما قرب العهد من النبوة وصدر الإسلام فهو أسلم من الفتن وأقرب للصواب. وفيه إشارة إلى أن السلامة في الرجوع إلى ما عليه السلف الأول. والعلم عند الله.

ثالثا: مأثورات الصحابة والأئمة المتقدمين:

كثرت النصوص الواردة عن الصحابة والتابعين وأئمة الدين المقتدى بهم من بعدهم في الحث على الاقتداء بالسلف الصالح وترسم خطاهم في كل فهم وعلم وعمل واعتقاد.

وقد تقدم معنا في بيان أهمية فهم السلف نقول متعددة لبعض الصحابة في هذا الأمر كابن عمر وابن مسعود[31] ومن بعدهم كالحسن البصري والشافعي. وإليك هذا النزر اليسير من مأثور أقوالهم الناصحة في هذا الموضوع الخطير. زيادة على ما سبقت الإشارة إليه. ينظر أيضا: إعلام الموقعين 4/139.، ففيه جملة نفيسة من هذه النصوص.

1. فعن حذيفة بن اليمان رضي الله تعالى عنه قال: "يا معشر القراء، خذوا طريق من كان قبلكم، فوالله لئن استقمتم لقد سبقتم سبقا بعيدًا، ولئن تركتموه يمينا وشمالا، لقد ضللتم ضلالاً بعيدا"[32]. أخرجه البخاري في كتاب الاعتصام، باب: الاقتداء بسنن رسول الله ص، (7282) بنحوه.

ومن المحال أن يكون الصواب في غير طريق من سبق إلى كل خير على الإطلاق[33]. إعلام الموقعين 4/139.

ولهذا قال المسيب بن رافع: "كانوا - أي الصحابة - إذا نزلت قضية ليس فيها من رسول الله صلى الله عليه وسلم أثر اجتمعوا وأجمعوا، فالحق فيما رأوا"[34]. أخرجه الدارمي (برقم 115).

2. وقال ابن مسعود رضي الله تعالى عنه: "تعلموا العلم قبل أن يقبض...وعليكم بالعتيق"[35]. والعتيق: هو الأمر الأول كما تقدم في الحديث، وهو ما عليه المتقدمون من السلف الصالح رضوان الله تعالى عليهم. وهو شامل لفهمهم وعملهم واعتقادهم رضي الله تعالى عنهم. سنن الدارمي 1/22.، و1/164.

3. وبنحوه ما رواه عثمان بن حاضر قال: قلت لابن عباس رضي الله تعالى عنهما: أوصني. قال: "عليك بالاستقامة، واتبع الأمر الأول، ولا تبتدع"[36]. رواه ابن بطة في الإبانة 1/319.

4. وقال عمر بن عبد العزيز رحمه الله في رسالته المشهورة إلى عدي بن أرطأة في شأن القدر وكان مما جاء فيها: "...فعليكم بلزوم السنة، فإن السنة إنما سنها من قد عرف ما في خلافها من الخطأ والزلل، والحمق والتعمق، فارض لنفسك ما رضي القوم لأنفسهم؛ فإنهم عن علم وقفوا، وببصر نافذ قد كفُّوا، ولهم كانوا على كشف الأمور أقوى، وبفضل لو كان فيه أحرى. فلئن قلتم: أمر حدث بعدهم، ما أحدثه بعدهم إلا من ابتغى غير سنتهم، ورغب بنفسه عنهم، إنهم لهم السابقون فقد تكلموا فيه بما يكفي، ووصفوا منه ما يشفي، فما دونهم مقصر، وما فوقهم محسّر، لقد قصر عنهم قوم فجفوا، وطمح عنهم آخرون فغلوا، وإنهم بين ذلك لعلى هدى مستقيم..." إلى أن قال: "لقد قرؤوا منه –يعني القرآن- ما قرأتم، وعلموا من تأويله ما جهلتم..."[37]. رواه أبو داود في سننه، عون المعبود 12/365.، والآجري في الشريعة (رقم: 539) 1/555.، وابن بطة في الإبانة (ح 560) 2/335. وبنحوه جاء عن عبد العزيز بن عبد الله بن أبي سلمة. ذكره ابن تيمية في مجموع الفتاوى 4/7-8..

5. وقال مطرف بن عبد الله بن الشخير لرجل قال: لا تحدثونا إلا بالقرآن. فقال له مطرف: "إنا والله ما نريد بالقرآن بدلا ولكنا نريد من هو أعلم بالقرآن منا"[38]. أخرجه البيهقي في المدخل (ص 331)، وابن عبد البر في جامع بيان العلم وفضله 1/191.

6. وقال الأوزاعي: "اصبر نفسك على السنة، وقف حيث وقف القوم، وقل بما قالوا، وكف عما كفوا، واسلك سبيل سلفك الصالح، فإنه يسعك ما وسعهم"[39]. وقال: "عليك بآثار من سلف وإن رفضك الناس"[40]. أخرجه أبو نعيم في حلية الأولياء 6/143. أخرجه الآجري في الشريعة (رقم: 127) 1/262.

7. وقال الإمام مالك: "لا نصلي خلف المبتدع منهم..."، إلى أن قال: "والتسليم للسنن لا تعارض برأي ولا تدافع بقياس، وما تأوله منها السلف الصالح تأولناه وما عملوا به عملناه، وما تركوه تركناه، ويسعنا أن نمسك عما أمسكوا ونتبعهم فيما بينوا، ونقتدي بهم فيما استنبطوه ورأوه في الحوادث، ولا نخرج من جماعتهم فيما اختلفوا فيه وفي تأويله"[41]. ينظر: اجتماع الجيوش الإسلامية، لابن القيم (ص 155)، تحقيق: عواد المعتق.

وهو القائل للعبارة المشهورة التي تعد منهجا في التغيير والإصلاح: "لا يصلح آخر هذه الأمة إلا ما أصلح أولها"[42]. الشفاء للقاضي عياض 2/71.

8. قال عباد بن عباد أبو عتبة الخواص –من أتباع التابعين الزهاد-: "اعقلوا. والعقل نعمة فرب ذي عقل قد شغل قلبه بالتعمق فيما هو عليه ضرر عن الانتفاع بما يحتاج إليه، حتى صار عن ذلك ساهيا، ومن فضل عقل المرء ترك النظر فيما لا نظر فيه، حتى يكون فضل عقله وبالا عليه في ترك مناقشة من هو دونه في الأعمال الصالحة، أو رجل شغل قلبه ببدعة قلد فيها دينه رجلا دون أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، أو اكتفى برأيه فيما لا يرى الهدى إلا فيها!! ولا يرى الضلالة إلا تركها!! بزعم أنه أخذها من القرآن وهو يدعو إلى فراق القرآن، أفما كان للقرآن حملة قبله وقبل أصحابه يعملون بمحكمه ويؤمنون بمتشابهه ؟! وكانوا منه على منار أوضح الطريق، وكان القرآن إمام رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم إماما لأصحابه، و كان أصحابه أئمة لمن بعدهم، رجال معروفون منسوبون في البلدان متفقون في الرد على أصحاب الأهواء..." فذكر شيئا من صفاتهم، ثم قال: "...لأنهم لم يطلبوا أثر السالفين ولم يقتدوا بالمهاجرين..." إلى أن قال: "عليكم بالقرآن فأتموا به وأُمُّوا به، وعليكم بطلب أثر الماضين...[43]. رواه الدارمي في سننه المقدمة باب: في رسالة عباد بن عباد الخواص (ح655) 1/127.، في رسالة طويلة. وقد نقلت هذه النصيحة مع طولها لما فيها من العمق والمعاني الدقيقة، وحاجتنا إلى مثلها في هذه العصور المتأخرة.

9. وقال أبو الحسن الأشعري (ت324ه) - في طوره الأخير -: "قولنا الذي نقول به، وديننا الذي ندين لله به، التمسك بكتاب ربنا وسنة نبينا، وما روي عن الصحابة والتابعين، وأئمة الحديث، ونحن بذلك معتصمون..."[44]. الإبانة عن أصول الديانة (ص8). وينظر: العين والأثر (ص110).

10. وقال أبو نصر السجزي (ت444ه): "أهل السنة هم الثابتون على اعتقاد ما نقله إليهم السلف الصالح رحمهم الله عن الرسول صلى الله عليه وسلم أو عن أصحابه رضي الله عنهم فيما لم يثبت فيه نص من الكتاب ولا عن الرسول صلى الله عليه وسلم؛ لأنهم رضي الله عنهم أئمة، وقد أمرنا باقتداء آثارهم، واتباع سنتهم، وهذا أظهر مما يحتاج فيه إلى برهان"[45]. الرسالة إلى أهل زبيد (ص99).

11. وقال الإمام الذهبي (ت748ه): "فإن أحببت يا عبد الله الإنصاف فقف مع نصوص القرآن والسنة، ثم انظر ما قاله الصحابة والتابعون وأئمة التفسير في هذه الآيات، وما حكوه من مذاهب السلف، فإما أن تنطق بعلم وإما أن تسكت بعلم"[46]. العلو للعلي الغفار (ص16).

رابعا: الإجماع:

قد انعقد إجماع أهل السنة والجماعة على أن خير قرون هذه الأمة في الأعمال والأقوال والاعتقادات وغيرها من كل فضيلة القرن الأول ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم.

وقد حكى هذا الإجماع ابن تيمية فقال: "من المعلوم بالضرورة لمن تدبر الكتاب والسنة وما اتفق عليه أهل السنة والجماعة من جميع الطوائف أن خير هذه الأمة - في الأعمال والأقوال والاعتقادات وغيرها من كل فضيلة أن خيرها - القرن الأول ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم، كما ثبت ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم من غير وجه، وأنهم أفضل من الخلف في كل فضيلة من علم وعمل وإيمان وعقل، ودين وبيان وعبادة، وأنهم أولى بالبيان لكل مشكل. هذا لا يدفعه إلا من كابر المعلوم بالضرورة من دين الإسلام، وأضله الله على علم"[47]. مجموع الفتاوى 4/158.

أما إجماع التابعين على الأخذ بقول الصحابة وأتباعهم وعدم مخالفتهم فقد حكاه غير واحد، منهم العلائي (ت:761ه) حيث يقول: "الوجه السادس: وهو المعتمد أن التابعين أجمعوا على اتباع الصحابة فيما ورد عنهم، والأخذ بقولهم والفتيا به من غير نكير من أحد منهم"[48]. إجمال إصابة في أقوال الصحابة، (ص66)، تحقيق: الأشقر.

والإجماع الذي ينضبط هو ما كان عليه السلف الصالح، إذ بعدهم كثر الاختلاف وانتشر في الأمة[49]. العقيدة الواسطية، (ص256)، بشر الشيخ محمد خليل هراس.

وهو ما أيده ابن القيم رحمه الله تعالى بقوله: "أما إذا قال الرجل قولا - أي من الصحابة - ولم يخالفه غيره، فلا يعلم أن السابقين سوغوا خلاف ذلك القول"[50]. إعلام الموقعين 4/127.

خامسا: المعقول والاعتبار الصحيح:

ومن ذلك:

1. أن من المتقرر عند عامة المسلمين أن الصحابة هم أكمل الأمة عقولاً وأشدها اتباعا، وأقواها إيمانا، وأزكاها علماً، وأتمها فهماً، وأنه لا كان ولا يكون - بعد الأنبياء - مثلهم في الإيمان والعلم والفهم والعمل. فمن المحال الممتنع أن مَن هذه صفته يكون مَن بعده من الخلف أتم معرفة بالحق وأقعد بالفهم الصحيح منه. وقد بسطنا القول في هذه المسألة في الفصل الثاني: أهمية فهم السلف وما يترتب عليه من العلم والعمل[51]. (ص63).

2. أنه عند اختلاف فهم السلف مع فهم الخلف فلا تخلوا لحال من أحد أمرين:

أ. إما أن يكون الحق مع القوم الذين اصطفاهم الله لصحبة خير خلقه وصفوة رسله.

ب. وإما أن يكون الحق مع قوم إنما أخذوا علومهم من المنطق اليوناني ومن القواعد الفلسفية المناقضة للمعقول والمنقول.. فأي الفريقين أحق بمعرفة وفهم ما أنزل الله على رسوله صلى الله عليه وسلم، ومراد الله تعالى ومراد رسوله صلى الله عليه وسلم[52]!؟ ينظر: ضوابط فهم السنة، د. عبد الله وكيل الشيخ (ص18).

ولذا فإن "أصل وقوع أهل الضلال في مثل هذا التحريف الإعراض عن فهم كتاب الله تعالى كما فهمه الصحابة والتابعون، ومعارضة ما دل عليه بما يناقضه وهذا من أعظم المحادة لله ولرسوله لكن على وجه النفاق والخداع"[53]. درء تعارض العقل والنقل 5/383.

3. أن أساطين علماء الخلف قد اعترفوا بخطأ ما هم عليه من الفهم وطرائق الاستدلال، وندموا على ما تعلموه مما هو مخالف لفهم السلف، وأنهم لم يكن معهم إلا الوهم والخيالات الفاسدة والظنون الكاذبة المورثة لعذاب الشك والحيرة وعدم اليقين[54]. ونصوصهم في هذا التراجع والاعتراف أكثر من أن تجمع في هذا المختصر[55]. ينظر: الاستقامة 1/79.، ومجموع الفتاوى 4/23.، وغيرها. ينظر: شرح الطحاوية (ص227-228)، وللباحث بحث في جمع هذه التراجعات ودراستها وتحليلها، يسر الله إخراجه.

في مقابل ذلك يقول ابن تيمية: "وأما أهل السنة والحديث فما يعلم عن أحد من علمائهم ولا صالح عامتهم رجع قط عن قوله واعتقاده..."[56]. نقض المنطق (ص42)، ط. دار الباز بمكة.

ومن أقوى أدلة المتراجعين الواضحة الجلية: ما ذكره أبو المعالي الجويني -وهو أحدهم- في: "العقيدة النظامية" لما رجع عن التأويل مستدلا على ذلك بفعل الصحابة قال: "وهم صفوة الإسلام، والمستقلون بأعباء الشريعة، وكانوا لا يألون جهدا في ضبط قواعد الملة والتواصي بحفظها، وتعليم الناس ما يحتاجون إليه منها، فلو كان تأويل هذه الآي والظواهر مسوغا ومحتوما لأوشك أن يكون اهتمامهم بها فوق اهتمامهم بفروع الشريعة"[57]. العقيدة النظامية (ص33)، تحقيق: الكوثري، ط. 1412.ه، المكتبة الأزهرية.

ومعلوم أن التأويل الكلامي إنما هو ثمرة للفهم السقيم للنصوص الشرعية المخالف لفهم سلف الأمة رضوان الله تعالى عليهم.

4. من المحال أن تكون القرون الثلاثة المفضلة - بما فيها قرنه صلى الله عليه وسلم الذي بعث فيه - غير عالمين ولا فاهمين للحق ولا قائلين عاملين به؛ "لأن ضد ذلك إما عدم العلم والقول، وإما اعتقاد نقيض الحق، وقول خلاف الصدق، وكلاهما ممتنع: أما القول الأول [أنهم غير عالمين]: فلأن من في قلبه حياة وطلب للعلم، أو نهمة في العبادة، يكون البحث عن هذا الباب والسؤال عنه، ومعرفة الحق فيه أكبر مقاصده وأعظم مطالبه... وليست النفوس الصحيحة إلى شيء أشوق منها إلى معرفة هذا الأمر. وهذا أمر معلوم بالفطرة الوجدية، فكيف يتصور مع قيام هذا المقتضي - الذي هو من أقوى المقتضيات - أن يتخلف عنه مقتضاه في أولئك السادة في مجموع عصورهم؟! هذا لا يكاد يقع في أبلد الخلق، وأشدهم إعراضا عن الله، وأعظمهم إكبابا على طلب الدنيا، والغفلة عن ذكر الله تعالى. فكيف يقع في أولئك؟! وأما كونهم كانوا معتقدين فيه غير الحق أو قائليه [وهو القول الثاني]: فهذا لا يعتقده مسلم ولا عاقل عرف حال القوم"[58]. الفتوى الحموية الكبرى، لابن تيمية (ص180)، ط. التويجري، وينظر: مجموع الفتاوى 5/7-8.

5. من المعلوم أن لاستنباط الأحكام من النصوص الشرعية ركنين أساسيين كما قال الشاطبي: "أحدهما علم لسان العرب. وثانيهما علم أسرار الشريعة ومقاصدها. |أما الركن الأول فقد كان وصفا غريزيا في الصحابة والتابعين والعرب الخلص فلم يكونوا في حاجة لقواعد تضبطه لهم. كما أنهم كسبوا الاتصاف بالركن الثاني من طول صحبتهم لرسول الله صلى الله عليه وسلم ومعرفتهم الأسباب التي ترتب عليها التشريع حيث كان ينزل القرآن وترد السنة نجوما بحسب الوقائع، مع صفاء الخاطر فأدركوا المصالح، وعرفوا المقاصد التي راعاها الشارع في التشريع"[59]. الموافقات 1/5.

ولذلك فلم يكن بهم حاجة "إلى النظر في الإسناد وأحوال الرواة، وعلل الحديث والجرح والتعديل، ولا النظر إلى قواعد الأصول وأوضاع الأصوليين، بل قد غنوا عن ذلك كله فليس في حقهم إلا أمران:

أحدهما: قال الله كذا وقال رسوله كذا.

والثاني: معناه كذا وكذا.

وهم أسعد الناس بهاتين المقدمتين، وأحظى الأمة بهما فقواهم متوفرة مجتمعة عليهما..."[60]. إعلام الموقعين 4/149.

وتقدم تفصيل ذلك في بيان الأهمية واختصاصهم ببعض الأمور دون غيرهم وهو ما يجعل فهمهم مقدما على فهوم غيرهم.

لذلك أصبح من المقرر عند أتباع السلف أن من الأدلة على إبطال الأقوال الخاطئة في فهم النصوص وتفسيرها عند المتأخرين هو عدم قول الصحابة والتابعين به كما تقدم في احتجاج ابن عباس على الخوارج أنه ليس فيهم أحد من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وهم أعلم بتأويله[61]. وفي هذا يقول الشاطبي رحمه الله: "والدليل على ذلك أنه لم ينقل عن السلف الصالح من الصحابة والتابعين تفسير للقرآن يماثله أو يقاربه، ولو كان عندهم معروفا لنقل؛ لأنهم كانوا أحرى بفهم ظاهر القرآن وباطنه باتفاق الأئمة، ولا يأتي آخر هذه الأمة بأهدى مما كان عليه أولها، ولا هم أعرف بالشريعة منهم"[62]، ويقول: "فإن السلف الصالح من الصحابة والتابعين ومن يليهم كانوا أعرف بالقرآن وبعلومه وما أودع فيه..."[63]. ولذلك جعلوا قولهم هو المقدم عند التعارض كما ذهب إلى ذلك الإمام ابن جرير الطبري شيخ المفسرين عند تفسير معنى الدلوك في قوله تعالى: {أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ} [الإسراء: 78] فقال: "فإن يكن من كلام عبد الله - يعني ابن مسعود - فلا شك أنه كان أعلم بذلك من أهل الغريب الذين ذكرت قولهم، وأن الصواب في ذلك قوله دون قولهم..."[64]. تقدم. الموافقات 4/248. المصدر نفسه 2/127. تفسير الطبري 15/28.

ولما ذكر تفسير الصحابة والتابعين لقوله تعالى: ﴿وَمِنَ ٱلَّيۡلِ فَسَبِّحۡهُ وَأَدۡبَٰرَ ٱلسُّجُودِ﴾ [ق: 40] ثم أعقبه بأقوال بعض المفسرين قال: "وأولى الأقوال في ذلك بالصحة قول من قال: هما الركعتان بعد المغرب لإجماع الحجة من أهل التأويل على ذلك - يعني هم السلف الصالح من الصحابة وأتباعهم- ولو لا ما ذكرت من إجماعها عليه لرأيت أن القول في ذلك ما قاله ابن زيد - أي النوافل - ...إلخ[65]. تفسير الطبري 26/182.

وقال رحمه الله في الرد على من فسر قوله تعالى: (وفيه يعصرون) بخلاف قول السلف بقوله: "وذلك تأويل يكفي على خطئه خلافه قول جميع أهل العلم من الصحابة والتابعين"[66]. تفسير الطبري 13/234.، ويعني الرد على من فسرها ب (ينجون من الجدب والقحط بالغيث).

ولهذا قال أبو شامة: "ومما لا يعجبني من تصرفات المصنفين أنهم يذكرون مذهبهم في مسألة ثم يقولون: وقال فلان كذا - أي بخلاف ذلك - ويذكرون واحدا من كبار الصحابة"[67]. وهذا في أقوالهم وفتاواهم فكيف بفهمهم للنصوص الشرعية وطريقتهم ومنهجهم في التعامل معها. المؤمل في الرد إلى الأمر الأول (ص146).

6. من المعلوم أن كل من كان بالمتبوع ألصق، وبكلامه وأحواله وبواطن أموره وظواهرها أعلم، كان بالاختصاص به أحق.

ولا شك أن أسعد الناس بذلك هم صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم الذين صحبوا الرسول صلى الله عليه وسلم وشاهدوا التنزيل وعرفوا التأويل، ثم يأتي من بعدهم التابعون وتابعوهم من أهل السنة والجماعة الذين غنوا بالقرآن والسنة حفظاً وتعلما وتعليما، رواية ودراية[68]، حتى قال الإمام الشافعي رحمه الله: "إذا رأيت رجلا من أصحاب الحديث فكأني رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم حياً"[69]. وفي رواية: "إذا رأيت رجلاً من أصحاب الحديث فكأني رأيت رجلا من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، جزاهم الله خيرا، هم حفظوا لنا الأصل، فلهم علينا الفضل"[70]. موقف الاتجاه الإسلامي العقلاني المعاصر من النص الشرعي، د. سعد بن بجاد العتيبي (ص357). أخرجه الخطيب في مشرق أصحاب الحديث (ص46). أخرجه أبو نعيم في الحلية 9/109.

وقال إبراهيم الحربي: "لا أعلم عصابة خيرا من أصحاب الحديث إنما يغدو أحدهم ومعه محبرة، فيقول: كيف فعل النبي؟ وكيف صلى؟ إياكم أن تجالسوا أهل البدع، فإن الرجل إذا أقبل ببدعة فليس يفلح"[71]. سير أعلام النبلاء 25/363.

سادساً: التجربة التاريخية:

إن المتأمل بعين بصيرته لتاريخ المسلمين يشهد أن التجربة التاريخية قد دلت على صحة هذا المسلك، ومن الأمثلة على ذلك ما يلي:

1. أن من المشاهد في أي علم كان أن "المتأخر لا يبلغ من الرسوخ في علم ما بلغه المتقدم، ..فتحقق الصحابة بعلوم الشريعة ليس كتحقق التابعين، والتابعون ليسوا كتابعيهم، وهكذا إلى الآن، ومن طالع سيرهم وأقوالهم وحكاياتهم أبصر العجب في هذا المعنى"، ولذا "فعادت كتب المتقدمين، وكلامهم وسيرهم أنفع لمن أراد الأخذ بالاحتياط في العلم، على أي نوع كان، وخصوصا علم الشريعة الذي هو العروة الوثقى"[72]. الموافقات 1/74.

2. وذكر شيخ الإسلام وجهاً آخر لدلالة التجربة فقال: "وهذا يعلم تارة بموارد النزاع بينهم وبين غيرهم، فلا تجد مسألة خولفوا فيها، إلا وقد تبين أن الحق معهم، تارة بإقرار مخالفيهم ورجوعهم إليهم دون رجوعهم إلى غيرهم، أو بشهادتهم على مخالفيهم بالضلال والجهل. وتارة بشهادة المؤمنين الذين هم شهداء الله في الأرض، وتارة بأن كل طائفة تعتصم بهم فيما خالفت فيه الأخرى، وتشهد بالضلال على كل من خالفها أعظم مما تشهد به عليهم"[73]. نقض المنطق (ص8)، ويراجع مجموع الفتاوى 13/24-25.

3. ومن وجوه التجربة ما كانوا عليه من الاتفاق في الاعتقاد وأصول الدين وأصول المنهج، والمسائل العلمية الكبرى، فلا تكاد تجد بينهم فرقا، وهذا من أدل الدلائل على صحة هذا المسلك وسلامته وتقدمه على غيره. يقول قوام السنة الأصبهاني رحمه الله: "ومما يدل على أن أهل الحديث هم أهل الحق أنك لو طالعت جميع كتبهم المصنفة من أولهم إلى آخرهم قديمهم وحديثهم، مع اختلاف بلدانهم وزمانهم، وتباعد ما بينهم من الديار، وسكون كل واحد منهم قطرا من الأقطار، وجدتهم في بيان الاعتقاد على وتيرة واحدة، ونمط واحد، يجرون على طريقه ولا يحيدون عنها ولا يميلون فيها، قولهم في ذلك واحد، ونقلهم واحد، لا ترى فيهم اختلافاً ولا تفرقا في شيء ما وإن قل، بل لو جمعت جميع ما جرى على ألسنتهم ونقلوه عن سلفهم وجدته كأنه جاء عن قلب واحد، وجرى على لسان واحد، وهل على الحق دليل أبين من هذا؟!"[74]. الحجة في بيان المحجة، الأصبهاني 2/224.

القول بإحداث فهم جديد للنص الشرعي لم يفهمه السلف:

ولعل من المناسب أن ختم هذا البحث بالإجابة على سؤال قد يرد على ذهن القارئ بعد التطواف السابق، وهو هل يمكننا استحداث فهم جديد للنص الشرعي لم يؤثر عن السلف أو لا يجوز ذلك؟

من المعلوم أن الله تعالى قد أمر في كتابه العزيز بتدبر آياته فقال تعالى: ﴿كِتَٰبٌ أَنزَلۡنَٰهُ إِلَيۡكَ مُبَٰرَكٞ لِّيَدَّبَّرُوٓاْ ءَايَٰتِهِۦ وَلِيَتَذَكَّرَ أُوْلُواْ ٱلۡأَلۡبَٰبِ﴾ [ص: 29] وعاب على الذين لا يتدبرون القرآن: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ ٱلۡقُرۡءَانَۚ وَلَوۡ كَانَ مِنۡ عِندِ غَيۡرِ ٱللَّهِ لَوَجَدُواْ فِيهِ ٱخۡتِلَٰفٗا كَثِيرٗا ﴾ [النساء: 82] والتدبر إنما هو التأمل والتفكر والاستنباط ونبينا صلى الله عليه وسلم قد أوتي جوامع الكلم فيتكلم بالألفاظ القليلة التي تحتمل معاني كثيرة تقتضي من أهل العلم استنهاض الهمم في استنباطها وبيانها، وقد بين الخليفة الراشد علي بن أبي طالب رضي الله عنه أن الله يختص بعض خلقه بفهم لكتابه تعالى فقال لما سئل هل خصهم النبي صلى الله عليه وسلم -أهل البيت - دون الناس. فقال: "لا، والذي فلق الحبة وبرأ النسمة إلا فهماً يعطيه الله تعالى رجلاً في كتاب الله، وما في هذه الصحيفة..."[75]. أخرجه البخاري في الصحيح في كتاب العلم (ح111) وفي الجهاد (ح3047)، ومسلم في الإيمان (ح131)، وتقدم (ص37).

قال الشيخ الشنقيطي رجه الله: "فقوله: (إلا فهما...) يدل على أن فهم كتاب الله تتجدد به العلوم والمعارف التي لم تكن عند عامة الناس"[76]. أضواء البيان 3/110.

وقد ذكر ابن مسعود رضي الله عنه في وصفه القرآن العظيم بأنه: "لا تنقضي عجائبه"[77]. أخرجه عبد الرزاق في المصنف (ح6017)، وسعيد بن منصور في سننه (7).

ولذا كان التابعون يستنبطون معاني من القرآن الكريم لم يذكرها الصحابة رضوان الله عليهم[78]. ينظر: مجموع الفتاوى 13/59-60.، و13/332-333.

وعليه فقد أجاز العلماء استنباط معان وفهوم ودلالات من النصوص الشرعية لم ينص عليها السلف الصالح، ولكن بشروط وضوابط[79] من أهمها: من هذه الشروط ما ذكره ابن القيم رحمه الله في التبيان في أقسام القرآن 1/168.، والشاطبي في الموافقات 4/232.

1. ألا يتعارض هذا المعنى مع فهم السلف الصالح، لأنه لو عارضه للزم منه تخطئة وتجهيل الصحابة في فهمهم القرآن الكريم، وأنهم أجمعوا على هذه الجهالة والضلالة، كما يلزم منه نسبة الأمة إلى الجهل والخطأً في قرونها المفضلة، ويلزم منه القول بخلو العصر ممن هو قائم لله بحجة، وهذا باطل.

2. أن يكون المعنى الجديد موافقاً للسان العربي، لكونه لسان الملة والدين، قال تعال: ﴿إِنَّا جَعَلۡنَٰهُ قُرۡءَٰنًا عَرَبِيّٗا لَّعَلَّكُمۡ تَعۡقِلُونَ﴾ [الزخرف:3] وقال تعال: ﴿نَزَلَ بِهِ ٱلرُّوحُ ٱلۡأَمِينُ * عَلَىٰ قَلۡبِكَ لِتَكُونَ مِنَ ٱلۡمُنذِرِينَ * بِلِسَانٍ عَرَبِيّٖ مُّبِينٖ﴾ [الشعراء:193-195].

3. أن يكون له شاهد يؤيده من القرآن أو السنة، فالقرآن يشهد بعضه لبعض، والسنة تبين وتفصل ذلك[80]. ينظر: ضوابط المصطلحات العقدية والفكرية عند أهل السنة والجماعة، د. سعود بن نمر العتيبي (ص245)، وموقف الاتجاه العقلاني المعاصر من النص الشرعي، د. سعد بن بجاد العتيبي (ص379).

فإن انخرم شرط من هذه الشروط كان من التقول على الله بغير علم الذي حرمه الله تعالى: ﴿قُلۡ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ ٱلۡفَوَٰحِشَ مَا ظَهَرَ مِنۡهَا وَمَا بَطَنَ وَٱلۡإِثۡمَ وَٱلۡبَغۡيَ بِغَيۡرِ ٱلۡحَقِّ وَأَن تُشۡرِكُواْ بِٱللَّهِ مَا لَمۡ يُنَزِّلۡ بِهِۦ سُلۡطَٰنٗا وَأَن تَقُولُواْ عَلَى ٱللَّهِ مَا لَا تَعۡلَمُونَ﴾ [الأعراف:33].

المبحث الثاني: ثمرات الالتزام بفهم السلف الصالح ومنهجهم

لا شك أن الالتزام بفهم السلف الصالح لنصوص الكتاب والسنة العاصمة من كل فتنة مضلة له ثمرات يانعة وآثار نافعة، تحفظ المرء في عقيدته وعبادته وتعصمه بإذن الله من الأهواء والمفاهيم الشاذة والأفكار المنحرفة؛ وما سُلّت السيوف، وأزهقت الأرواح وسفكت الدماء وانتهكت الحرمات وكفر المسلمون بعضهم بعضا وفرقت جماعتهم قديما وحديثا إلا بسبب التأويل الباطل المبني على الفهم السقيم للنصوص الشرعية المخالف لفهم السلف الصالح رضوان الله تعالى عليهم. ومن أبرز ثمرات الالتزام بفهم السلف:

1. معرفة مراد الله تعالى ومراد رسوله صلى الله عليه وسلم إذ هي غاية كل مسلم يريد الاعتصام بالكتاب والسنة قولا وعملاً ظاهرا وباطنا لينجو من الفتن ويحقق عبودية ربه على هدى وبصيرة. ولا سبيل إلى معرفة ذلك إلا عن طريق فهم السلف الصالح لهذه النصوص الشرعية.

فمقصود السلف هو معرفة مراد الله عز وجل ومراد رسوله صلى الله عليه وسلم الذي هو ينبوع الهدى، وهو غاية السالكين وطريق النجاة لطالبيها، كما أن الانحياز إلى جانب الصحابة وأتباعهم والتمسك بطريقتهم وهديهم هو عين الفلاح، وأساس النجاح.

فأسعد الناس وأسدّهم رأيا في أمور الدين جميعها وما يقرب من رب العالمين هو من تلقى من "مشكاة الوحي المبين، ورغب بعقله وفطرته وإيمانه عن آراء المتهوكين، وتشكيكات المشككين، وتكلفات المتنطعين، واستمطر ديم الهداية من كلمات أعلم الخلق برب العالمين، فإن كلماته الجوامع النوافع في هذا الباب وفي غيره كفت وشفت، وجمعت وفرقت، وأوضحت وبينت، وحلت محل التفسير والبيان لما تضمنه القرآن"[81]. شفاء العليل 1/18.

ثم إن عامة ما عند السلف من العلم والإيمان هو ما استفادوه من نبيهم صلى الله عليه وسلم الذي أخرجهم الله به من الظلمات إلى النور، وهداهم به إلى صراط العزيز الحميد الذي قال الله فيه: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَءَامِنُواْ بِرَسُولِهِۦ يُؤۡتِكُمۡ كِفۡلَيۡنِ مِن رَّحۡمَتِهِۦ وَيَجۡعَل لَّكُمۡ نُورٗا تَمۡشُونَ بِهِۦ وَيَغۡفِرۡ لَكُمۡۚ وَٱللَّهُ غَفُورٞ رَّحِيمٞ * لِّئَلَّا يَعۡلَمَ أَهۡلُ ٱلۡكِتَٰبِ أَلَّا يَقۡدِرُونَ عَلَىٰ شَيۡءٖ مِّن فَضۡلِ ٱللَّهِ وَأَنَّ ٱلۡفَضۡلَ بِيَدِ ٱللَّهِ يُؤۡتِيهِ مَن يَشَآءُۚ وَٱللَّهُ ذُو ٱلۡفَضۡلِ ٱلۡعَظِيمِ} [الحديد:28-29]. وقال تعالى: ﴿لَقَدۡ مَنَّ ٱللَّهُ عَلَى ٱلۡمُؤۡمِنِينَ إِذۡ بَعَثَ فِيهِمۡ رَسُولٗا مِّنۡ أَنفُسِهِمۡ يَتۡلُواْ عَلَيۡهِمۡ ءَايَٰتِهِۦ وَيُزَكِّيهِمۡ وَيُعَلِّمُهُمُ ٱلۡكِتَٰبَ وَٱلۡحِكۡمَةَ وَإِن كَانُواْ مِن قَبۡلُ لَفِي ضَلَٰلٖ مُّبِينٍ﴾ [آلعمران:164]، وقال تعالى: ﴿وَكَذَٰلِكَ أَوۡحَيۡنَآ إِلَيۡكَ رُوحٗا مِّنۡ أَمۡرِنَاۚ مَا كُنتَ تَدۡرِي مَا ٱلۡكِتَٰبُ وَلَا ٱلۡإِيمَٰنُ وَلَٰكِن جَعَلۡنَٰهُ نُورٗا نَّهۡدِي بِهِۦ مَن نَّشَآءُ مِنۡ عِبَادِنَاۚ وَإِنَّكَ لَتَهۡدِيٓ إِلَىٰ صِرَٰطٖ مُّسۡتَقِيمٖ * صِرَٰطِ ٱللَّهِ ٱلَّذِي لَهُۥ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلۡأَرۡضِۗ أَلَآ إِلَى ٱللَّهِ تَصِيرُ ٱلۡأُمُورُ} [الشورى:52-53].

ولا شك أن أعلم الناس بهذا الصراط وأحرصهم على الهداية إليه هم صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم وأتباعهم من أئمة السلف الصالح، ولذلك قال عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه: "إذا لقيتم الذين يتبعون المتشابه فخذوهم بالسنن، فإن أصحاب السنن أعلم بكتاب الله تعالى"[82]. أخرجه الدارمي في سننه (ح121) 1/47.، والآجري في الشريعة (ح93) 1/240.، واللالكائي في شرح الأصول (ح203) 1/123.، والأصبهاني في الحجة (ص248).

2. حسم مادة الابتداع وإغلاق باب البدعة والإحداث في الدين؛ لأن المبتدعة عادة ما يتعلقون ببعض النصوص ويتأولونها على غير تأويلها، ويفهمونها على غير مراد الله ومراد رسوله صلى الله عليه وسلم ولكن على مرادهم هم لتوافق أهواءهم وما استحدثوه من البدع. وفهم السلف هو الفيصل في هذه المسألة، وهو الحق الذي ليس بعده إلا الضلال، قال تعالى: ﴿فَإِنۡ ءَامَنُواْ بِمِثۡلِ مَآ ءَامَنتُم بِهِۦ فَقَدِ ٱهۡتَدَواْۖ وَّإِن تَوَلَّوۡاْ فَإِنَّمَا هُمۡ فِي شِقَاقٖۖ فَسَيَكۡفِيكَهُمُ ٱللَّهُۚ وَهُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلۡعَلِيمُ﴾ [البقرة:137].

قال ابن تيمية: "وفي الجملة من عدل عن مذاهب الصحابة والتابعين وتفسيرهم إلى ما يخالف ذلك كان مخطئاً في ذلك، بل مبتدعا، وإن كان مجتهدًا مغفورا له خطؤه...". إلى أن قال: "ونحن نعلم أن القرآن قرأه الصحابة والتابعون وتابعوهم، وأنهم كانوا أعلم بتفسيره ومعانيه، كما أنهم أعلم بالحق الذي بعث الله به رسوله صلى الله عليه وسلم، فمن خالف قولهم، وفسر القرآن بخلاف تفسيرهم فقد أخطأ في الدليل والمدلول..."[83]. مقدمة في أصول التفسير (ص91).

بل إن العدول عن فهم السلف للنصوص هو من أخطر أبواب الانحراف والضلال، فمن فسر القرآن الكريم والسنة المطهرة "وتأوله على غير التفسير المعروف عن الصحابة رضي الله تعالى عنهم والتابعين فهو مفتر على الله عز وجل، ملحد في آيات الله، محرف للكلم عن مواضعه، وهذا فتح لباب الزندقة والإلحاد وهو معلوم البطلان من دين الإسلام"[84]. مجموع الفتاوى 13/243. وينظر 13/361.، و15/94.، و16/51.

ولهذا قال صلى الله عليه وسلم: "أخوف ما أخاف على أمتي منافق عليم اللسان يجادل بالقرآن"[85]. أخرجه أحمد 1/22، 44., والبيهقي في الشعب (ح1641) وصححه الألباني في الجامع (ح239).

وقال عبّاد بن عباد الخواص الشامي: "اتقوا الله فإنكم في زمان رَقّ فيه الورع وحمل العلم مفسدوه؛ فأحبّوا أن يُعرفوا بحمله؛ فنطقوا فيه بالهوى لما أدخلوا فيه من الخطأ، وحرفوا الكلم عما تركوا من الحق إلى ما عملوا به من باطل، فكيف يهتدي المسترشد إذا كان الدليل حائراً"[86]. سنن الدارمي 1/805.، وحلية الأولياء 8/283.

3. العصمة من التفرق والاختلاف المذموم. ولذلك قال عمر بن الخطاب لابن عباس رضي الله تعالى عنهم: "كيف تختلف هذه الأمة ونبيها واحد وقبلتها واحدة؟ قال ابن عباس: يا أمير المؤمنين؛ إنما أنزل علينا القرآن فقرأناه، وعلمنا فيمن نزل، وإنه سيكون بعدنا أقوام يقرؤون القرآن ولا يدرون فيمن نزل، فيكون لهم فيه رأيٌ، فإذا كان لهم فيه رأي اختلفوا، فإذا اختلفوا اقتتلوا"[87]. أخرجه معمر بن راشد في جامعة (20368)، وأخرجه أبو عبيد في فضائل القرآن (17)، وسعيد بن منصور (برقم42)، تحقيق الحميد، والخطيب في الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع 2/194(برقم1587)، والبيهقي في شعب الإيمان (رقم2086). وانظر: كنز العمال (رقم4167).

4. الطمأنينة القاطعة لشوائب الاحتمالات المقدرة، الرافعة للإشكالات المتوهمة. فمتى اطمأن المتفقه وطالب العلم إلى أن فهمه للدليل موافق لفهم السلف الصالح كان ذلك حاسما للترددات شاهدا صادقا على صحة الاستدلال بالدليل مصدقا له.

5. السكوت عما سكت عنه الصحابة والسلف - وخاصة فيما يتعلق بمسائل الاعتقاد والإيمان - فالسكوت عنه أولى وأليق وأسلم. وأن الخلف لم يأتوا فيه إلا بباطل من القول وزور؛ ولذلك قال بعض السلف: "عليكم بآثار من سلف، فإنهم جاؤوا بما يكفي ويشفي، ولم يحدث بعدهم خير كان لم يعلموه"[88]. قال إبراهيم النخعي: "لم يدخر لكم شيء خُبّئ عن القوم لفضل عندكم"[89]. مجموع الفتاوى 4/158. الموافقات 4/78.

وتقدم كلام الصحابة والأئمة في ذلك، والأمر بالسكوت عما سكت القوم عنه. فما سكتوا إلا لعلمهم بأن السكوت هو المتعين في مثل هذه الأمور.

6. معرفة السنة من البدعة. والضابط في ذلك هو فهم السلف الصالح رضوان الله عليهم ومنهجهم. فكل دين وعبادة لم يكن معروفا عند السلف، فهو من الابتداع والإحداث في الدين، وتقدم مأخذ ابن عباس على الخوارج: بأنه ليس فيهم أحد من صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم، الذين هم أعلم الناس بتأويل القرآن.

فدل على: أن الحجة بفهم ومنهج الصحابة وما كانوا عليه وليس العكس، وأن أهل البدع هم الذين انشقوا عن الجماعة وخالفوا الصحابة والأئمة. ولذلك "فلا أحد يسلم من البدعة، ولا يسلم له عقيدة إلا أن يسلم كما أسلم السلف، وأن يفهم النصوص كما فهموا، ويترك علم ما لم يكلف، وهذا مسلك أئمة السنة"[90]. إثار الحق على الخلق (ص 122).

وعن الحسن رحمه الله تعالى قال: "لو أن رجلاً أدرك السلف الأول ثم بعث اليوم ما عرف من الإسلام شيئا" قال: ووضع يده على خده ثم قال: "إلا هذه الصلاة" ثم قال: أما والله على ذلك لمن عاش في هذه النكراء، ولم يدرك ذلك السلف الصالح فرأى مبتدعا يدعو إلى بدعته، ورأى صاحب دنيا يدعو إلى دنياه، فعصمه الله عن ذلك، وجعل قلبه يحنّ إلى ذلك السلف الصالح يسأل عن سبيلهم، ويقتص آثارهم، ويتبع سبيلهم ليعوضنّ أجراً عظيما، فكذلك فكونوا إن شاء الله"[91]. أخرجه ابن وضاح في البدع والنهي عنه (ص74)، وذكره الشاطبي في مقدمة الاعتصام (ص26) ط. رشيد رضا.

ومن عدل عن سبيلهم "وقع في البدع التي مضمونها أنه يقول على الله ورسوله ما لا يعلم أو غير الحق، وهذا مما حرمه الله ورسوله..."[92]. مجموع الفتاوى 7/288.

فالشاهد على المتخاصمين، الحكم بين المتنازعين: "النظر في حال السلف، وهل كانوا يفهمون هذه النصوص على هذا النحو أم لا؟ وهل كانوا آخذين فيها؟ أم كانوا تاركين لها أو غافلين عنها؟! مع القطع بتحققهم بفهم القرآن، ويشهد لهم بذلك النبي صلى الله عليه وسلم، والجم الغفير، فلينظر امرؤ أين يضع قدمه"[93]. الموافقات 3/376. وينظر: القرآن الكريم ومنزلته بين السلف ومخالفيهم (ص759).

القسم الثاني: شبهات العصرانيين الإسلاميين في عدم اعتماد فهم السلف الصالح للنصوص الشرعية وتفنيدها

إن من أهم وظائف العلماء وطلاب العلم وحماة العقيدة دحض شبهات المخالفين والمناوئين والرد عليها، كما ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم: "يحمل هذا العلم من كل خلف عدوله ينفون عنه تحريف الغالين وانتحال المبطلين وتأويل الجاهلين"[1]. أخرجه ابن وضاح في البدع والنهي عنها (ص1)، والخطيب في شرف أصحاب الحديث (ص29)، وابن عدي في الكامل 1/153.، والآجري في الشريعة ح 11/157.، كلهم عن إبراهيم بن عبد الرحمن مرسلا. وقد ورد من طرق أخرى مرفوعا عن ابن عمر وأبي هريرة وابن مسعود، وأسامة بن زيد، ومعاذ بن جبل، وأبي أمامة، وعلي بن أبي طالب. ينظر: مواطن رواياتهم في كشف الأستار 1/86.، والكامل 1/153.، وشرف أصحاب الحديث (ص28-29). وصححه الإمام أحمد كما في رواية مهنا شرف أصحاب الحديث (ص29)، وقد أشار الحافظ في الإصابة 11/192.، إلى إرساله وتعدد طرقه، وكذلك الألباني، وذكر أن العلائي صحح بعض طرقه في بغية الملتمس. ينظر تعليقه على مشكاة المصابيح 1/83،82.

وما فتئ علماء الأمة وحماة الملة يقومون في كل زمان بهذه الوظيفة السامية، نصيحة لله تعالى ولكتابه، ولرسوله، ولأئمة المسلمين، وعامتهم.

وتشبها بالقوم، وترسما لخطاهم، ووفاء بالوعد الذي قطعته على نفسي في بحث سابق[2] بأن أدون ما ظهر لي من شبهات يحتج بها الرافضون الاعتماد على فهم السلف الصالح للنصوص والرد عليها، فقد تيسر لي أن أجمع هذه الشبهات التي تكررت في كتاباتهم وتعليلاتهم للتنصل من الالتزام ببعض النصوص، وفهمها فهما جديدًا خالفا لما فهمه السلف الصالح رضوان الله عليهم. وهو القسم الأول من هذه الدراسة.

ولأن الطاعنين في الاعتماد على فهم السلف على مشارب شتى-كما سيأتي بيانه -كان الاختيار والاقتصار على تفنيد شبهات أقربهم للحق، الذين يحترمون النص الشرعي وفهم السلف الصالح له في الجملة، إلا أنهم لا يلتزمون به، ويسوغون التنصل منه في بعض النصوص مستندين في ذلك على بعض الشبهات الموروثة عن المتكلمين أو من بعض المفكرين المعاصرين من العلمانيين وأشياخهم من المستشرقين وغيرهم، فوجدوا في ذلك ما مسوغات موهومة سهلت لهم التنصل من العمل بتلك النصوص، والحصول على مرونة في استحداث مفاهيم جديدة لها مع أنهم يحترمونها - في الجملة - ويعز عليهم تخطّيها، ولو تجرأ بعضهم على ذلك لما قبله منهم قراؤهم الذين لا يزالون يحتفظون لهذه النصوص من القداسة والتعظيم ما يمليه عليهم دينهم، وهم - في زعمهم - يحتاجون لهذه المرونة والمفاهيم الجديدة لهذه النصوص بحيث لا تتصادم مع المفاهيم والمبادئ التي رأوها من المسلمات والضروريات المعاصرة.

وهؤلاء هم من اشتهر الاصطلاح على تسميتهم ب "العصرانيين الإسلاميين " ووصفهم "بالعصرنة" يبين مدى تأثرهم بالمدرسة العصرانية الحديثة. وتقييدهم ب "الإسلاميين" لتمييزهم عن غير الإسلاميين من العلمانيين واللبراليين وأمثالهم، مع ما في هذه النسبة من خلاف، كما سيأتي.

ومع أن هذه الفئة ليست على درجة واحدة من تعظيم النص والاحتجاج به، ولا على تقدير فهم السلف والتعامل معه؛ إلا أنه يجمعهم عدم الالتزام بفهم السلف للنصوص، وتسويغهم إحداث فهم جديد لبعض النصوص، وإن لم يكن معروفا عند السلف يتواءم مع معطيات العصر والمفاهيم الفكرية المعاصرة.

وكانت أهم هذه الشبهات ما يلي:

الشبهة الأولى: أن السلف غير معصومين، وفهمهم مصدر بشري، فلا يقاس على ما مصدره الوحي في الالتزام به. وعليه وجب التفريق بين الشريعة والفقه.

الشبهة الثانية: أنه وقع الخلاف بين السلف في فهم النصوص، بل قد وقع الخطأ من بعضهم وأخذ بعضهم من الإسرائيليات وهذا مانع من الالتزام بفهمهم.

الشبهة الثالثة: اعتماد فهم السلف يؤدي إلى الجمود والتقليد، وإغلاق باب الاجتهاد في النوازل.

الشبهة الرابعة: أن اعتماد فهم السلف يخالف ما أراد الله تعالى به من تدبر القرآن الكريم.

الشبهة الخامسة: اعتماد فهم السلف يؤدي إلى تجميد العقل والحركة العلمية.

الشبهة السادسة: اعتماد فهم السلف دافعه الحماس وتقديس الأشخاص وغريزة حب الآباء والأجداد.

الشبهة السابعة: اعتماد فهم السلف اجترار للماضي، واستفتاء للأموات في شأن الأحياء.

الشبهة الثامنة: فهم السلف من التراث، والتراث لفظ مجمل يحتمل الحق والباطل.

الشبهة التاسعة: أن فهم السلف مناسب ومتناسق لعصرهم وقد تغير العصر فلا بد من تغير الفهم، لأن القرآن والسنة صالحان لكل زمان ومكان.

ويختم البحث بأهم النتائج ثم قائمة المراجع والمصادر والفهرس العام للموضوعات.

وبين يدي هذه الشبهات والرد عليها أود أن أنبه إلى ما يلي:

أولا: لا يلزم من ذكر الشبهة أن تكون قد ورد التنصيص عليها بحرفيتها عندهم، أو أنهم قد قالوا بها جميعا، وإنما هي ظاهرة ومستنبطة من مجموع طروحاتهم وتعليلاتهم، فنذكر – أحياناً - بين يدي الشبهة نماذج من أقوال بعضهم، يفهم منها معنى هذه الشبهة، كما قد تفهم من مواقفهم من فهم السلف الصالح وإن لم يصرحوا بذلك.

وأحيانا قد نذكر ما قد يصلح أن يكون فيه شبهة، وإن لم نقف على تصريح لهم بذلك، لتكتمل الصورة، ويحصل الرد على جميع هذه الشبهات المنصوص عليها، والمحتملة. وشيخ الإسلام قد يدلل أحياناً للمخالفين ويذكر ما فيه شبهة استدلال لهم وإن لم يذكره المخالف لقلة علمه وإحاطته بالنصوص الشرعية ثم يعود عليه بالإبطال وبيان بطلان دلالته على قول المخالف، من ثم يستكمل إبطال شبهاتهم وما يمكن أن يكون لهم فيه شبهة دليل.

وبناء على ذلك فهذه الشبهات على ثلاثة أنواع:

منها ما صرحوا به ونصوا عليه في تقريرهم المسائل والتعامل مع النصوص.

منها ما لم نقف لهم على نص صريح فيه، لكنه مفهوم من مجمل كلامهم ومنهجية تعاملهم مع النصوص وفهم السلف لها.

منها ما لم يذكروا لا نصاً ولا مفهوماً - حسب علمي - ولكنه يمكن أن تكون فيه شبهة دليل لما طرحوه من قضايا ومواقف من فهم السلف الصالح للنصوص.

ثانيا: إن بعض هؤلاء العلماء والمفكرين قد نجد لهم أقوالا أخرى تناقض ما قرره بعضهم هنا، وتدل على خلافه، وهذا كثير في مؤلفاتهم - أي الاضطراب والتناقض - وهو ملازم لمن اعتمد على الرأي وحده، لعدم انضباطه، ولأنه لا ينطلق من منهجية ثابتة واضحة المعالم، متماسكة البناء، وإنما هي آراء وأهواء تتغير وتتبدل، بحسب الظروف والمؤثرات كما قال تعالى: ﴿وَلَوۡ كَانَ مِنۡ عِندِ غَيۡرِ ٱللَّهِ لَوَجَدُواْ فِيهِ ٱخۡتِلَٰفٗا كَثِيرٗا﴾ [النساء:82]. لكن أثر هذه الشبهة نجده ظاهرا عنده في الجانب التطبيقي، واقعاً في فتاويه، أو مواقفه من بعض النصوص المعينة، وقد يكون هذا تحولا، وتغييراً للموقف ونسخاً لما سبق، مع أن ظاهرة هذا التحول كبيرة عند هؤلاء المفكرين، وهذا دليل على اهتزاز المنهج عندهم من أصله، والتحول والرجوع إلى الصواب محمدة يشكر عليها صاحبها، سواء كان كلياً أو جزئيا، ويدعى له بحسن الختام، ويظهر هذا التحول عند د. محمد عمارة ود. فهمي هويدي وغيرهما.

لكنني كما أسلفت ليس غرضي البحث في تقرير الموقف وإثباته ولا الحكم على قائله، إنما هو منحصر في بيان الشبهات والأدلة التي قد تكون دالة على هذا الموقف العام من فهم السلف الصالح رضي الله عنهم والرد عليها وتفنيدها.

تمهيد

أولاً: في معاني مفردات القسم الثاني.

ثانياً: أهم الأسباب المؤدية إلى عدم التزام فهم السلف للنصوص عند العصرانيين الإسلاميين.

أولاً: في معاني مفردات القسم الثاني:

1- الشبهات: جمع شبهة، وهي لغة: الالتباس والاختلاط. قال في اللسان: "والمشتبهات من الأمور: المشكلات"[3]. وقال صاحب مختار الصحاح: "الشبهة: الالتباس، والمشتبهات من الأمور: المشكلات. والمتشابهات: المتماثلات"[4]. وقال الفيومي: "الشبهة في العقيدة: المأخذ الملبس، سميت شبهة لأنها تشبه الحق له"[5]. لسان العرب مادة ش ب ه 13/503. مختار الصحاح 1/354. المصباح المنير (ص433).

وفي الاصطلاح: "هي وارد يرد على القلب، يحول بينه وبين انكشاف الحق له"[6]، وذلك بسبب التباس الحق بالباطل بحيث لا يتبين عنده، قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "والشبهة التي يضل بها بعض الناس، وهي ما يشتبه فيها الحق والباطل"[7]، وقال: "ولا يشتبه على الناس الباطل المحض، بل لا بد أن يشاب بشيء من الحق"[8]. مفتاح دار السعادة 394. تحقيق: عبد الرحمن قائد، وينظر: إغاثة اللهفان (ص171). التدمرية (ص106). مجموع الفتاوى 8/37.

ولذلك قال المناوي: "الشبهة مشابهة الحق للباطل والباطل للحق من وجه، إذا حقق النظر فيه ذهب"[9]. التوقيف على مهمات التعاريف (ص422). وهناك تعريفات أخرى ينظر: التعريفات للجرجاني (ص131).

فالشبهة إذن: ما يلتبس فيه وجه الحق بالباطل، فيظن الباطل بها حقا.

والمراد بالشبهة هنا: ما يظنه المخالف دليلا له في تقرير جواز تنصله وعدم التزامه بفهم السلف الصالح للنصوص الشرعية، والأمر ليس كذلك.

2- المراد بالعصرانيين "الإسلاميين": هم العلماء والمفكرون المسمون ب"الإسلاميين"[10] الذين تأثروا جزئيا بالمدرسة العصرانية العقلانية[11] التي ترفض كليا أو جزئيا اعتماد النصوص الشرعية في سائر شؤون الحياة من العلمانيين، ومن يسمى باليسار الإسلامي. تنقسم المدرسة المسماة بالعقلانية المعاصرة إلى ثلاث طوائف: الأولى: من ينكر الوحي الإلهي بالكلية، وهم العلمانيون الذين قال فيهم عماد الدين خليل: إنهم يرون "أي مخطط من مخططات الحياة الإنسانية - الاجتماعية والسياسية والاقتصادية والتربوية وغيرها - يجب أن يصدر عن عقل الإنسان" أي بعيدا عن الدين وأهله. تهافت العلمانية (ص53). الثانية: لا تنكر قداسة الوحي مباشرة، وتظهر احترامه في الظاهر، لكنها تفرغه من مضمونه وتطبيقه، وتقرر ما يبطل الوحي وتجعله لا قيمة له ولا أثر، ويمثل هذه المدرسة، محمد عابد الجابري وأضرابه، وهو ممن تأثر بالمدرسة النصرانية التجريدية على العموم خاصة بعد جيل مفكري الثورة الفرنسية كفولتير وجان جوك روسو، وهم أقرب الطوائف إلى الحق ولذلك ميزوا ب"الإسلاميين": محمد عابد، والجابري وأضرابه. الثالثة: وهمم من أشير إلى تعريفهم أعلاه وهم من يسمون بالعقلانيين الإسلاميين العصرانيين وهم موضوع هذه الدراسة، وهم أقرب هذه الطوائف إلى الحق ولذلك ميزوا ب(الإسلاميين)، وهذا التقسيم الثلاثي هو أقرب وأشبهما يكون بالتقسيم الثلاث القديم فقد كان هناك الفلاسفة الخلص، والفلاسفة المنتمون إلى الإسلام، والمتكلمون، فالأولى هي امتداد للأولى، والثانية للثانية، والثالثة وهم المسمون بالعقلانيين الإسلاميين يمثلون ويشابهون المتكلمين القداما في أحوالهم وأهدافهم ومنطلقاتهم بل وفي أحكامهم. ينظر معنى العصرانية وجذورها التاريخية والفكرية كتاب: "العصرانيون بين مزاعم التجديد وميادين التغريب" لمحمد الناصر (ص5) فما بعدها. أما مصطلح "الإسلاميين" فهو بغض النظر عن الإشكالات والمحاذير حول هذا المصطلح كان مستعملا قديما كما في كتاب أبي الحسن الأشعري (324) مقالات الإسلاميين، وأبي القاسم البلخي (316) بالعنوان نفسه، على معنى غير الاصطلاح الحديث. إلا أن ابتداء إطلاقه في العصر الحديث كان على يد المستشرقين ثم استعمله تلامذتهم من العلمانيين، ويعنون به فئة معينة من المناوؤن لهم والمشتغلين بالرد عليهم من الدعاة والمفكرين والمنتمين إلى الجماعات الإسلامية.

وسلكوا منهجا توفيقيا – أو تلفيقيا – بين أطروحات أولئك وبين المرجعية الإسلامية التي يتبنونها في الجملة، ويدعون إليها، - ولذلك خصوا ب"الإسلاميين" تمييزا لهم عن المدرسة العصرانية العامة - لكنهم يرون معارضة الشريعة لبعض ما يسمونه بمقتضيات العصر، وبالتالي فإن التقدم العلمي والثقافة المعاصرة يستلزمان - في زعمهم - إعادة تأويل بعض النصوص الشرعية والتعاليم الدينية "التقليدية" في ضوء المفاهيم الفلسفية والعلمية السائدة.

ثانيا: أهم الأسباب المؤدية إلى عدم اعتماد فهم السلف للنصوص عند العصرانيين الإسلاميين:

من خلال دراسة موقف هذه الطائفة من النصوص الشرعية وسعيهم الدؤوب لإيجاد المخارج التي تسمح بالتنصل من التزام فهم السلف الصالح لبعض النصوص، ومن ثم فهمها فهما جديدا مرنا يعطيهم الحرية في إعادة النظر في إعمال بعض النصوص أو تركها لمخالفتها الواقع في نظرهم، وعدم مناسبتها للعصر الحديث، ظهر لي أن أهم أسباب هذا الموقف ما يلي:

التهوين من مكانة النص الشرعي ودلالته، بتأكيد وتوسيع دائرة الظنية في دلالته أو ثبوته. مع تقرير إمكانية معارضته بنص مثله أو بغيره، وتأويله على خلاف ظاهره، أو حمله على المجاز[12] أو تفويض معناه وتفريغه من دلالته، فإذا كان هذا ما يتعلق بالنص الشرعي ذاته فمن باب أولى سيهون من قيمة فهم السلف له، وعدم الالتزام به. فقد قرر جمهورهم ما قرره المتكلمون من ظنية خبر الآحاد، وأنه لا يفيد العلم وقرر بعضهم أن أكثر نصوص الكتاب ظنية الدلالة، وأن أكثر نصوص السنة ظنية الثبوت والدلالة معاً. الاجتهاد في الشريعة للقرضاوي (ص107-108). بل زادوا على المتكلمين بطرد علة القول بعدم حجية خبر الآحاد في العقيدة إلى بعض مسائل الأحكام العملية التي لا يكفي في ظنهم الالتزام فيها إلا بما هو قطعي، مع تقريرهم أن "معظم الأحكام ثابت بنصوص ظنية...ربما تصل إلى %99 من أحكام الشريعة، وهي دائرة مرنة قابلة للتجدد والتطور، ويدخل فيها الاجتهاد". "التطرف العلماني" للقرضاوي (ص64). وقد تم تفصيل ذلك في كتاب: أصول أهل السنة والجماعة في التعامل مع النصوص الشرعية ومواقف العصرانيين الإسلاميين من ذلك للباحث.

الجهل بحقيقة منهج السلف ومذهبهم وفهمهم للنصوص. أو تجاهلهم لذلك؛ يدل عليه هذه الشبهات التي أثاروها، فأكثرها قائم على عدم فهم حقيقة فهم السلف ومنهجهم - كما سيأتي تفصيله إن شاء الله -، ومن الأمثلة على ذلك عدم فهمهم لمذهب السلف في نصوص الصفات، واضطرابهم، وظنهم أن مذهب السلف هو التفويض[13]. ينظر عل سبيل المثال: عقيدة المسلم للغزالي رحمه الله (ص45،47) ودستور الوحدة الثقافية له (ص 86)، وسر تأخر العرب والمسلمين (ص56)، فصول في العقيدة بين السلف والخلف للقرضاوي (ص 56-65،84)، والمرجعية العليا في الإسلام له (ص303و309 و331-332 و352). وينظر كتاب التراث في ضوء العقل، د. محمد عمارة (ص13 و83)، وقراءة النص الديني بين التأويل الغربي والتأويل الإسلامي له (ص23). وينظر: أدب الاختلاف في الإسلام، د. طه العلواني (ص39)، وإعمال العقل، د. لؤي الصافي (ص113).

محاكمة مذهب السلف وفهمهم إلى أراء وأفكار وتصرفات خاطئة لبعض المنتسبين لهم، ثم يعمم هذا الخطأً ويتخذ ذريعة للطعن في فهم السلف، ومن ثم عدم الالتزام به. وفي الشبهات التالية والرد عليها نماذج من ذلك، ومنها زعم بعض هؤلاء المنتسبين اطراح السلف للعقل، وإهماله بالكلية[14]، مع احتجاجهم بالنصوص الضعيفة والإسرائيليات. ينظر: مجموع الفتاوى 16/251-253.، و19/160-162.

غلبة النزعة الدفاعية غير المنضبطة، وبروح انهزامية منبهرة بالغرب ومدنيته، للرد على ما نسب إلى الإسلام من شبهات يثيرها الغرب وأتباعهم، فينبري هؤلاء الفضلاء للرد عليها، ولكن بالتأويلات والآراء الخطرة، المخالفة لفهم السلف للنصوص الشرعية، وخاصة فيما يتعلق بقضايا السياسة والجهاد والمرأة والولاء والبراء. فيصطدمون بفهم السلف لهذه النصوص، فيلجؤون إلى التنصل من التزامه وحجيته.

مثلهم في ذلك مثل المعتزلة وغيرهم من المتكلمين في مواجهة الملاحدة وأصحاب الديانات المخالفة، فيأتون بالحجج الضعيفة، ويلتزمون الالتزامات الفاسدة.

الواقعية المفرطة، والنزعة التوفيقية وذلك نتيجة الرضوخ للواقع، ومحاولة تأويل النصوص وفهمها فهما جديدا مخالفا لفهم السلف، بحيث تقر الواقع بما فيه من مخالفات شرعية، في محاولة يائسة لإضفاء الشرعية عليها، أو على الأقل التقليل من خالفتها للأحكام الشرعية. ومحاولة التوفيق بين الطروحات الفكرية والفلسفية الغربية وبين الشريعة الإسلامية مثل: التوفيق بين الديمقراطية ونظام الحكم السياسي في الإسلام، أو حقوق الإنسان في الغرب وحقوقه في الشريعة الإسلامية...ونحو ذلك.

ولذا فبدلا من الدعوة إلى تغيير واقعنا إلى ما فيه عزنا وسعادتنا في الدنيا والآخرة بأن يكون موافقا لديننا، وما يريده الله تبارك وتعالى منا، بدلا من أن نسلم واقعنا إذا بنا نسعى لأن نطوع إسلامنا للواقع. وهذه بلا شك مشكلة كبيرة.

نرقع دنيانا بتمزيق ديننا فلا ديننا يبقى ولا ما نرقع[15] ينظر: ديوان عدي بن زيد العبادي (ص200) وينسب إلى عبد الله بن المبارك. كما في تاج العروس 21/121.

ومع أننا قد لا يمكننا تطبيق الإسلام بكليته وشموله أحياناً، لضخامة الحواجز، وعجز المسلمين ففي هذه الحالة يرد إعمال قوله تعالى:

﴿فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ مَا ٱسۡتَطَعۡتُمۡ﴾ [التغابن: 16]، لا أن نخادع أنفسنا ونبرر عجزنا بإلباس تقصيرنا لباس الشريعة والدين. ونتعسف في ذلك بدعوى أن الشريعة لا تلزم بذلك، أو أنه لا يخالف الشريعة، ونسعى إلى إرضاء المخالفين من المفكرين العلمانيين أو الغربيين بدلا من السعي إلى ما يرضي الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم: {وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ إِنْ كَانُوا مُؤْمِنِينَ} [التوبة: 62].

ومعلوم أن لأهل الإسلام في حال العجز والضعف وتسلط العدو منهجاً في التطبيق وفي التنظير. أما منهجهم في التطبيق، فإنه يكون بحسب الاستطاعة، وبما لا يترتب عليه مفسدة أكبر منه، على أن يكون ملتزماً مجتهداً في التطبيق بتمامه متى زالت تلك الحالة، وهذا التدرج في التطبيق هو من إعمال قواعد الشريعة كقاعدة الضرورة، وتعلق العمل بالقدرة، وقد روي مثله عن عمر رضي الله عنه.

أما التنظير: فإنهم لا ينطقون بالباطل مهما كانت الشدة، ولا يقلبون الحقائق في الطرح العلمي والفتوى مراعاة لذلك مهما كانت الظروف، وغاية الأمر أنهم قد يضطرون إلى السكوت عن بعض الحق في بعض الأوقات إذا كان في إظهاره مفسدة ومضرة محققة، ولكنهم إن سكتوا عن بعض الحق أحياناً إضطراراً فإنهم لا يقرون الباطل أبداً.

وعليه فإن المرء إذا لم يستطع أن يقول الحق فلا يقول الباطل كما قال النبي صلى الله عليه وسلم في حديث أبي هريرة رضي الله عنه: "من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيراً أو ليصمت.."[16]. أخرجه البخاري: ح(6138) (ص1069) ومسلم: ح(173) (ص41).

ثم هذا التدرج ليس مقصوداً بذاته، وإنما هو وسيلة لتحقيق وتطبيق الشرع بكامله، وتقدير ذلك ليس للعامة من الناس؛ وإنما لمن رزقه الله بصيرة في الدين وفقهاً في التنزيل.

التأثر ببعض الشبهات التغريبية نتيجة إدمان بعضهم القراءة لأولئك المخالفين من المستشرقين وأتباعهم من العصرانيين العقلانيين، والتأثر بشبهاتهم، يضاف إلى ذلك اتساع دائرة التغريب في البلاد الإسلامية بكل صوره وأشكاله، حتى أصبح أمرا واقعا ومألوفا، لا بد من التعايش معه في نظرهم.

ضعف الالتزام بالمنهج العلمي المنضبط وآلياته المعروفة وذلك للأسباب التالية:

أ. ضعف البناء الشرعي عند بعضهم، ترتب على ذلك بعض الاجتهادات الشاذة والأخطاء العلمية ونسبة الأقوال إلى غير أهلها.

ب. الغلو فيما أسموه – معقولا - واتباعه وتحكيمه، فأدى ذلك إلى تجاوزات منهجية، وتناقضات واضحة في المواقف والأفكار، وهذه نتيجة حتمية لتحكيم الهوى أو ما سموه "العقل" وقد قال تعالى: {فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ} [القصص: 50]. وقال تعالى: {إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الْأَنْفُسُ وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمُ الْهُدَى} [النجم: 23].

ومعلوم أن الالتزام بفهم السلف ومنهجهم قد يحول أحيانا بين المرء وبين ما يشتهي من حمل النصوص على رأيه، فيلجأ إلى التماس وسائل تمكنه من التنصل من هذا الالتزام، دون رد صريح للنص الوارد.

ج. إعمال مبدأ التيسير والتخفيف في غير محله، والغلو في تتبع الرخص وشاذ الأقوال، إذا كان يتناسب مع معطيات العصر، دون النظر إلى قوة الدليل وحجيته. فالأصل في الترجيح يجب أن يكون لقوة الدليل والبرهان، لا لأهواء الناس ورغباتهم ومسايرة واقعهم.

د. الخلل في استخدام المصطلحات، وعدم تحريرها، أو ترك الالتزام بمدلولها المتعارف عليه عند العلماء، أو التساهل في ضوابطها مثل: المقاصد، والمصالح، والاجتهاد، والتجديد، والوسطية...ونحو ذلك.

ه. المغالطات الظاهرة، وخلط الأمور العادية ببعض المسائل التعبدية التي وردت فيها نصوص صريحة بالأمر بها أو النهي عنها والوعيد المترتب على ذلك، كإدراج الأمر بإعفاء اللحية وتقصير الثوب والنقاب وترك سماع الأغاني على أنها من قبيل العادات الجزئية التي تتأثر بظروف الزمان والمكان، كالملابس والمراكب وطريقة الجلوس ونحوها[17]. مع وضوح الفروق بين الأمرين. ينظر: الثقافة الإسلامية بين الأصالة والمعاصرة. للقرضاوي (ص58-59).

وبعد هذه المقدمة والتمهيد حان الشروع في ذكر تلك الشبهات التي أستند إليها العصرانيون الإسلاميون، والرد عليها بما يفتح الله به، ومنه تعالى وحده أستمد العون والتسديد، وهو حسبنا ونعم الوكيل.

الشبهات ورد عليها

الشبهة الأولى

أن السلف غير معصومين، وفهمهم مصدر بشري، فلا يقاس على ما مصدره الوحي، فكيف يقاس عليه في وجوب الاتباع، ومن ثم وجب التفريق بين الشريعة والفقه، فالشريعة مصدر رباني واجب الاتباع، والفقه مصدر بشري غير ملزم[1]، وفهم السلف هو من الفقه البشري. ينظر: الثقافة العربية الإسلامية بين الأصالة والمعاصرة، د. القرضاوي (ص63-68).

يقول د. أحمد كمال أبو المجد: "البشر كل البشر يؤخذ من كلامهم ويترك، ويقبل من آرائهم ويرفض، ويناقشون فيما يقولون ويفعلون"[2]. حوار لا مواجهة (ص86).

ويقول د. محمد سليم العوا: "لا يعد كلام الفقهاء شريعة، ولا يحتج به على أنه دين، بل يحتج على أنه فهم لنصوص الشريعة، وهو سبيل إلى فهم أفضل لهذه النصوص، وكيفية إعمالها، لكنه ليس معصوما، ويقع فيه الخطأ كما يقع فيه الصواب"[3]. الفقه الإسلامي في طريق التجديد (ص185)، وكتاب: تيارات الفكر الإسلامي كلاهما للدكتور محمد عمارة.

ويقرر جمال الدين عطية أن "الكتابات الفقهية ما هي إلا اجتهادات بشرية، ليس لها إلزام شرعي..."[4]. نحو فقه جديد للأقليات لجمال الدين عطية (ص62)، وينظر: أزمة العقل المسلم د. عبد الحميد أبو سليمان (ص94).

جواب الشبهة الأولى:

أما دعوى أن السلف غير معصومين فهذا الأمر لا نزاع فيه، ودعوى لا مبرر لها، ولم يقل أحد إن أفراد السلف معصومون، ولا أن أحدا غير الرسل أمره حتم على الإطلاق. بل قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "قد اتفق المسلمون على أنه ليس من المخلوقين من أمره حتم إلا الرسل"[5]، وقال: "قد أجمع جميع سلف المسلمين، وأئمة الدين من جميع الطوائف أنه ليس بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم أحد معصوم، ولا محفوظ من الذنوب ولا من الخطايا"[6]. بغية المرتاد (ص495). جامع الرسائل 1/266.

أما ما أجمع عليه السلف، وهو المراد هنا - كما تقدم في بيان المراد بفهم السلف - فإجماعهم حجة، وإجماعهم معصوم، وقد قال صلى الله عليه وسلم: "لا تجتمع أمتي على ضلالة"[7]، ولذلك فمذهبهم لا يكون إلا حقا. لذا قال شيخ الإسلام رحمه الله تعالى: "وذلك أن إجماعهم لا يكون إلا معصوما، وإذا تنازعوا فالحق لا يجرج عنهم، فيمكن طلب الحق في بعض أقاويلهم، ولا يحكم بخطأ قول من أقوالهم حتى يعرف دلالة الكتاب والسنة على خلافه"[8]. أخرجه الترمذي في كتاب الفتن، باب: ما جاء في لزوم الجماعة ج2167 5/466.، والدارمي في سننه، المقدمة، باب 8، وأحمد في المسند 5/145،وصححه الألباني في صحيح الجامع ح(1848). مجموع الفتاوى 13/24.

فهم وإن جاز الخطأ من آحادهم إلا أنه: "من الممتنع أن يقولوا في كتاب الله الخطأ المحض، ويمسك الباقون عن الصواب، فلا يتكلمون به... فالمحظور: إنما هو خلو عصرهم عن ناطق بالصواب، واشتماله على ناطق بغيره فقط، فهذا هو المحال"[9]. إعلام الموقعين 4/155.

وبناء على ذلك قامت القاعدة التي تقرر أن: إجماع السلف على فهم النصوص هو المعتبر وعليه سمي السلف الصالح أهل السنة والجماعة؛ لأهم يأخذون بالسنة المفسرة للقرآن، وبإجماع الصحابة على معانيه، فاجتمعوا على ذلك، ولم يتفرقوا، فسموا أهل السنة والجماعة[10]. ينظر: الاعتصام للشاطبي 2/260-264.

أما التفريق بين الشريعة والفقه، أو بين النصوص وفهم السلف لها، بكون الأولى مصدرها الوحي والثانية مصدرها البشر؛ فتكون الأولى معصومة والثانية قابلة للخطأً والصواب، فهذا التفريق من حيث الجملة صحيح ولا اعتراض عليه، ولكنه يحتاج إلى تحرير وتفصيل:

1. لا شك أن ثمة فرقأً بين الشريعة والفقه؛ فالشريعة هي الوحي المعصوم - كتابا وسنة - الواجب الاتباع. أما الفقه فهو أفهام المجتهدين[11]؛ وهو شامل لمسائل الإجماع والخلاف. فأما الإجماع فهو معصوم[12]، وأما الخلاف فغير معصوم. عرف الأصوليون الفقه بأنه: "العلم بالأحكام الشرعية العملية المستنبطة من أدلته التفصيلية". ينظر: شرح التلويح على التوضيح 1/12.، وجمع الجوامع مح حاشية العطار 1/58. ينظر: موقف الاتجاه العقلاني الإسلامي المعاصر من النص الشرعي، د .سعد بن بجاد العتيبي (ص385).

والكلام هنا إنما هو في فهم عموم السلف للنصوص، وهو من الإجماع المعصوم كما تقدم.

2. أن الفقه علم مصدره نصوص الشريعة الكتاب والسنة إضافة إلى المصادر التي أقرتها الشريعة كالإجماع والقياس وقول الصحابي وغيرها، وعليه فإن الفقه مرتبط ارتباطا وثيقا بنصوص الشريعة، منها يؤخذ، وبها يصحح، ولا شرعية له بغير ذلك[13]. يراجع في التدليل على ذلك والرد على شبهات المخالفين كتاب: الثبات والشمول في الشريعة الإسلامية، د. عابد بن محمد السفياني (ص546-569).

3. أن ما يبلغه الفقيه من الشريعة؛ إما أن يكون منقولا عن صاحب الشريعة؛ فيكون الفقيه مبلغا يجب اتباعه طاعة لله ورسوله؛ وإما أن يكون مستنبطا من المنقول عن صاحب الشريعة، ولذلك قال الشاطبي: (إن المفتي شارع من وجه، لأن ما يبلغه من الشريعة إما منقول عن صاحبها، وإما مستنبط من المنقول، فالأول يكون فيه مبلغاً والثاني يكون فيه قائًما مقامه في إنشاء الأحكام، وإنشاء الأحكام إنما هو للشارع...)[14]، منها حديث وذكر عدة أدلة في بيان أن المفتي قائم في الأمة مقام النبي صلى الله عليه وسلم[15]، منها حديث: "إن العلماء ورثة الأنبياء، وإن الأنبياء لم يورثوا دينارا ولا درهاً وإنما ورثوا العلم"[16]، ومنها أنه نائب عنه في تبليغ الأحكام لقوله صلى الله عليه وسلم: "ألا ليبلغ الشاهد منكم الغائب"[17] وقال صلى الله عليه وسلم: "بلغوا عني ولو آية"[18]، وقال: "سمعون ويسمع منكم"[19]. قال الشاطبي: (وإذا كان كذلك فهو معنى كونه قائما مقاما النبي صلى الله عليه وسلم)[20] وعلق على ذلك الشيخ عبد الله دراز قائلا: (القيام مقامه صلى الله عليه وسلم يكون بجملة أمور منها: الوراثة في علم الشريعة بوجه عام ومنها إبلاغها للناس وتعليمها للجاهل بها والإنذار بها كذلك، ومنها بذل الوسع في استنباط الأحكام...)[21]. الموافقات 4/245. المصدر نفسه 4/244-246. أخرجه أبو داود (3641) والترمذي (2682) وابن حبان في صحيحه (88). أخرجه البخاري (ح:4406) ومسلم (ح:7679). أخرجه البخاري (ح: 3461). أخرجه أبو داود (2641) من حديث ابن عباس (ح: 3659) وصححه الألباني في الصحيحة: (ح: 1784) الموافقات 4/244. المصدر نقسه 4/244.

4. الفقيه من أولي الأمر الذين أمر الله تعالى بطاعتهم بقوله تعالى: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ أَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُواْ ٱلرَّسُولَ وَأُوْلِي ٱلۡأَمۡرِ مِنكُمۡۖ فَإِن تَنَٰزَعۡتُمۡ فِي شَيۡءٖ فَرُدُّوهُ إِلَى ٱللَّهِ وَٱلرَّسُولِ إِن كُنتُمۡ تُؤۡمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلۡيَوۡمِ ٱلۡأٓخِرِۚ ذَٰلِكَ خَيۡرٞ وَأَحۡسَنُ تَأۡوِيلًا﴾ [النساء: 59] وهم من أولي الأمر الذين يستنبطونه منهم، قال تعالى: ﴿وَلَوۡ رَدُّوهُ إِلَى ٱلرَّسُولِ وَإِلَىٰٓ أُوْلِي ٱلۡأَمۡرِ مِنۡهُمۡ لَعَلِمَهُ ٱلَّذِينَ يَسۡتَنۢبِطُونَهُۥ مِنۡهُمۡۗ﴾ [النساء:83].

وهم أهل الذكر الذين أمرنا الله تعالى بسؤالهم للعمل بفتاويهم، قال تعالى: {فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ} [النحل:43].

ومما لا شك فيه أن العلماء داخلون دخولا أوليا في (أولي الأمر) الذين أمرنا الله تعالى بطاعتهم في آية النساء، بل ورد تفسير (أولي الأمر) بالعلماء عن بعض الصحابة والتابعين. قال ابن عباس: هم "أهل طاعة الله عز وجل الذين يعلمون الناس معاني دينهم، ويأمرونهم بالمعروف، وينهون عن المنكر، فأوجب الله طاعتهم على العباد"[22]. أخرجه الحاكم في مستدركه ح(1431/328)، والبيهقي في المدخل ح(1266/238)، وابن أبي حاتم في التفسير ح(35534/989)، والطبري في التفسير 7/180.، واللالكائي في شرح الأصول ح(178/73).

وقال جابر بن عبد الله: ﴿وَأُوْلِي ٱلۡأَمۡرِ مِنكُمۡۖ﴾ [النساء:59]: أولو الفقه، وأولو الخير"[23]. أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف ح(1133073/244)، والطبري في التفسير 7/179 .، والحاكم في المستدرك ح1430/328.، وابن أبي حاتم في التفسير ح 35533/988.

وكذا ورد تفسيرها بالعلماء عن مجاهد وعطاء وابن أبي نجيح، والحسن، وأبي العالية، والنخعي، وميمون بن مهران وغيرهم[24]. وهو قول الإمام مالك[25]. ينظر: المرويات عن هؤلاء مسندة في المصادر المذكورة أعلاه. وينظر: سنن سعيد بن منصور 4/1287-1291.، والفقيه والمتفقه للبغدادي 1/126-131.، والدر المنثور 2/197. تفسير القرطبي 5/229.، وابن العربي 1/496.، وفتح القدير 1/481.

ولا يشكل على هذا ما ورد عن بعض الصحابة كأبي هريرة[26]، وبعض التابعين، وتابعيهم كميمون بن مهران، وابن زيد ومقاتل والكلبي[27] أن المراد بأولي الأمر هم الأمراء. أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف ح1133071/143.، وسعيد بن منصور 4/1287.، والطبري 7/176.، والبيهقي في المدخل ح 1267/238. تفسير الطبري 7/177.، والمصادر المذكورة أعلاه.

ولذا كان أشهر الأقوال وأصحها - وهو قول المحققين من العلماء - أن "أولي الأمر"، تشملهم جميعا. كما قرر ذلك الجصاص[28]، وابن العربي[29]، وابن تيمية[30]، وابن القيم[31]، وابن كثير[32]، وغيرهم[33]. أحكام القرآن 1/210. أحكام القرآن 1/496. مجموع الفتاوى 10/345،344. إعلام الموقعين 2/14.، و3/541. تفسير ابن كثير 4/136. فتح الباري 8/254.، وفتح البيان 3/156.، ومحاس التنزيل للقاسمي 5/1344.

وعلى كل فالآية صريحة في الأمر بطاعة من ليس بنبي ولا رسول. وقد عد العلماء هذه الآية - أعني آية النساء - من الأدلة الدالة على حجية الإجماع. قال الرازي: "والدليل على ذلك - أي الإجماع - أن الله أمر بطاعة أولي الأمر على سبيل الجزم في هذه الآية، ومن أمر الله بطاعته على سبيل الجزم لابد أن يكون معصوما عن الخطأً"[34]. التفسير الكبير 9/148.

وهو قول جهور المفسرين[35]، والأصوليين[36]، بل عد الشيخ محمد رشيد رضا دلالة هذه الآية على حجية الإجماع أقوى من دلالة قوله تعالى: ﴿وَمَن يُشَاقِقِ ٱلرَّسُولَ مِنۢ بَعۡدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ ٱلۡهُدَىٰ وَيَتَّبِعۡ غَيۡرَ سَبِيلِ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ نُوَلِّهِۦ مَا تَوَلَّىٰ وَنُصۡلِهِۦ جَهَنَّمَۖ وَسَآءَتۡ مَصِيرًا﴾ [النساء:115][37]. ينظر: روح المعاني 5/87.، وتفسير المنار 5/155.، وابن سعدي (ص202)، وأضواء البيان 1/261. ينظر: قواطع الأدلة 3/214.، شرح اللمع 2/680.، المستصفى 1/299. تفسير المنار5/172.، وينظر فيما تقدم المسائل الأصولية في الآية، تأليف د. عبد العزيز العويد (ص 30-34).

وعلى كل: "فإن العالم بالشريعة إذا اتبع في قوله، وانقاد له الناس في حكمه، فإنما اتبع من حيث هو عالم حاكم بها، وحاكم بمقتضاها، لا من جهة أخرى، فهو في الحقيقة مبلغ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، المبلغ عن الله عز وجل، فيتلقى منه ما بلغ على العلم بأنه بلغ، وعلى غلبة الظن بأنه بلغ، لا من جهة كونه منتصبا للحكم مطلقا، إذ لا يثبت ذلك لأحد على الحقيقة، وإنما هو ثابت للشريعة المنزلة على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وثبت ذلك له عليه الصلاة والسلام وحده دون سائر الخلق من جهة دليل العصمة والبرهان بأن كل ما يقوله أو يفعله حق"[38]. وهذا رد على دعوى الكهنوتية، وأن الاتباع للسلف في فهمهم من الكهنوتية المنفية عن الإسلام وأهله. الاعتصام 2/342.

5. إن هذا التفريق بين الشريعة والفقه يكون مبررا ومقبولا لو كان في سياق الرد على الذين يتعصبون لأقوال وآراء أئمتهم، ولو خالفت النصوص الشرعية الصحيحة؛ فالنصوص أصل قائم بذاته، لا يحتاج إلى غيره، ولا يفتقر إلى سواه، ولا يكون كلام العلماء أصلاً قائما بذاته، بل يفتقر إلى نصوص الشرع لاعتباره واعتماده.

قال الشاطبي: "إن تحكيم الرجال من غير التفات إلى كونهم وسائل للحكم الشرعي المطلوب شرعا ضلال، وما توفيقي إلا بالله، وإن الحجة القاطعة والحاكم الأعلى هو الشرع لا غيره"[39]. الاعتصام 2/355.

وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: "وليس لأحد أن يحتج بقول أحد في مسائل النزاع، وإنما الحجة: النص والإجماع، ودليل مستنبط من ذلك تقرر مقدماته بالأدلة الشرعية، لا بأقوال بعض العلماء؛ فإن أقوال العلماء يحتج لها بالأدلة الشرعية، ولا يحتج بها على الأدلة الشرعية"[40]. ولذا فإن "جماع الفرقان بين الحق والباطل، والهدى والضلال أن يجعل الله ما بعث به رسله، وأنزل به كتبه هو الحق، وما سواه من كلام الناس يعرض عليه؛ فإن وافقه فهو حق، وإن خالفه فهو باطلا"[41]. مجموع الفتاوى 26/202. المصدر نفسه 13/135-136.

أما إذا جعل التفريق بين الشريعة والفقه ذريعة وسلما، وفي سياق التبرير لإعادة النظر في الأحكام الشرعية[42] ودلالات النصوص، أو في سياق الدعوة إلى تجديد الخطاب الديني مسايرة للعصر، وذلك في مقابل اتباع سبيل علماء الأمة المتقدمين؛ فإن هذا التفريق بهذا الاعتبار يكون مشكلاً وملبسا، ويكون سبيلاً إلى عزل النصوص عن فهم علماء الأمة لها، وذريعة ليتجرأ أهل الأهواء والجهلة ليقول من شاء ما شاء في كلام الله تعالى، وكلام رسوله صلى الله عليه وسلم بحجة بشرية تلك الأفهام وعدم عصمتها[43]. يقول القرضاوي في كتابه الاجتهاد في الشريعة الإسلامي (ص107،108): "لا تقتصر إعادة النظر في أحكام "الرأي"، أو "النظر" وهي التي أنتجها الاجتهاد فيما لا نص فيه...بل يمكن أن يشمل بعض الأحكام التي أثبتتها نصوص ظنية الثبوت، كأحاديث الآحاد أو ظنية الدلالة. وأكثر نصوص الكتاب والسنة كذلك" يعني إعادة النظر في أكثر الأحكام الشرعية التي دلت عليها النصوص من الكتاب والسنة. ينظر: موقف الاتجاه العقلاني الإسلامي المعاصر من النص الشرعي (ص 385،386)..

فهي كلمة حق كادت أن تكون ذريعة وسلما لباطل، كما قال علي رضي الله عنه عن الخوارج حين قالوا: لا حكم إلا لله، قال: "كلمة حق أريد بها باطل"[44]. تاريخ الطبري 5/73.، والكامل 3/334-336.

6. ومن المقطوع به أن نصوص الشريعة في حاجة إلى علماء فقهاء يشرحون هذه النصوص، وينزلونها على الواقع، ويستنبطون الأحكام منها. وإلا كنا كما قالت الخوارج في علي رضي الله تعالى عنه: "إنه يحكم الرجال في كتاب الله"[45]. ينظر: البداية والنهاية 7/280.

وإذا كانت النصوص تحتاج إلى الفقهاء لبيانها وتطبيقها والاستنباط منها فمن الأحق بهذا البيان؟ لا شك أن كل عاقل سيقول: الأحق به من كانت عنده الأهلية العلمية.

فهل هناك أكثر أهلية من السلف الصالح رضوان الله عليهم؟!

وإذا وقع الخلاف في فهم بعض النصوص فمن الذي يرجع إليه في بيان الحق؟!

قال ابن تيمية رحمه الله تعالى: "والطريق إلى معرفة ما جاء به الرسول أن تعرف ألفاظه الصحيحة، وما فسرها به الذين تلقوا عنه اللفظ والمعنى، ولغتهم التي كانوا يتخاطبون بها، وما حدث من العبارات وتغير من الاصطلاحات"[46]. بيان تلبيس الجهمية 1/473.

ولذا بين الإمام الشاطبي رحمه الله تعالى أن اعتماد فهم السلف للنصوص رافع للخلاف فيها من وجوه، منها:

أن المجتهد متى نظر في دليل على مسألة احتاج إلى البحث عن أمور كثيرة، لا يستقيم إعمال الدليل دونها، والنظر في أعمال المتقدمين قاطع لاحتمالاتها حتما، ومعين لناسخها من منسوخها، ومبين لمجملها... إلى غير ذلك، فهو عون في سلوك سبيل الاجتهاد عظيم..

وأيضا فإن ظواهر الأدلة إذا اعتبرت من غير اعتماد على الأولين فيها مؤدية إلى التعارض والاختلاف، وهو مشاهد معنى، ولأن تعارض الظواهر كثير، مع القطع بأن الشريعة لا اختلاف فيها.

ولذلك لا تجد فرقة من الفرق الضالة، ولا أحدا من المختلفين في الأحكام، لا الفروعية ولا الأصولية يعجز عن الاستدلال على مذهبه بظواهر من الأدلة... بل قد شاهدنا ورأينا من الفساق من يستدل على مسائل الفسق بأدلة، ينسبها إلى الشريعة المنزهة... فلهذا كله يجب على كل ناظر في الدليل الشرعي مراعاة ما فهم منه الأولون، وما كانوا عليه في العمل به، فهو أحرى بالصواب. وأقوم في العلم والعمل[47]. الموافقات 3/76.، وينظر: موقف الاتجاه العقلاني المعاصر من النص الشرعي (ص378).

قال أبو داود: "إذا تنازع الخبران نظر إلى ما عمل به أصحابه رضي الله تعالى عنهم من بعده"[48]، وعملهم مبني على فهمهم معنى الخبرين. السنن: كتاب الصلاة، باب: من قال: لا يقطع الصلاة شيء ح(720).

ومن المعلوم أن مثل هذا التفريق بين الشريعة والفقه يوهن من مقام الفقه، ويقلل من قيمته، وهذا التوهين أثر من آثار علم الكلام المذموم، فقد كان سببًا في التقليل من شأن الفقه، ووصفه بأنه (ظن) لا (علم) وإنما العلم والقطع إنما هو عند المتكلمين في زعمهم.

يقول ابن تيمية رحمه الله تعالى: "إن طوائف كبيرة من أهل الكلام من المعتزلة وهو [كذا] أصل هذا الباب... ومن تبعهم من الأشعرية... ومن اتبعهم من الفقهاء يعظمون من الكلام الذي يسمونه أصول الدين، حتى يجعلون مسائله قطعية، ويوهنون من أمر الفقه، الذي هو معرفة أحكام الأفعال، حتى جعلوه من باب الظنون لا العلوم، وقد رتبوا على ذلك أصولا، انتشرت في الناس... مع أن هذه الأصول التي ادعوها في ذلك باطلة واهية..."[49]. الاستقامة 1/47-49.

كما أن من المعلوم أنه ليس كل الفقه ظنيا؛ بل فيه من القطعيات ما لا يخفى كوجوب الصلاة، والزكاة والحج واستقبال القبلة، ووجوب الوضوء والغسل من الجنابة، وتحريم الخمر والفواحش، وغير ذلك مما يعلم من الدين بالضرورة، وما يعلم من الدين ضرورة جزء من الفقه[50]، بل إن ما لا بد للناس منه من العلم مما يجب عليهم، وبحسب علمهم ويباح، فهو معلوم مقطوع به"[51]. مجموع الفتاوى 13/118. المصدر نفسه 13/118.

كما أن تقسيم الدين إلى أصول وفروع هو تقسيم محدث، لم يكن معروفا عند السلف "قسمها طائفة من الفقهاء والمتكلمين، وهي على المتكلمين والأصوليين أغلب"[52]، وقد فرقوا بين ما أسموه أصولا وفروعا، ووضعوا عليه أحكاما باطلة بعقولهم وآرائهم، مثل التكفير بالخطأ في مسائل الأصول دون الفروع، ومثل إثبات الفروع بخبر الآحاد دون الأصول، وغير ذلك.[53] والحق "أن الجليل من كل واحد من الصنفين مسائل أصول والدقيق مسائل فروع"[54] وقسمها في موضع أخر إلى علميات وعمليات. مجموع الفتاوى 6/56. ينظر: مختصر الصواعق المرسلة (ص413)، فقد عدد هذه الفروق وأبطلها بالحجة والبرهان. مجموع الفتاوى 6/57،56.

وزاد عليها المعاصرون تقسيمات جديدة كتقسيم الدين إلى ثابت ومتغير، وتقسيم الأدلة إلى أصول كلية ملزمة، وإلى جزئيات فرعية خاضعة للنظر والاجتهاد.

وهذه من الألفاظ المجملة التي تحتمل حقا وباطلا لكنها تتخذ ذريعة لتمرير الباطل وتسويغه، والله المستعان.

الشبهة الثانية

إنه قد وقع الخلاف بينهم في فهم النصوص، بل قد وقع الخطأ في فهم بعضهم، وأخذ بعضهم من الإسرائيليات، فكيف نلزم باتباعهم؟[55]! ينظر: موقف الاتجاه العقلاني الإسلامي (ص380).

والجواب على هذه الشبهة من وجوه:

أولاً: أننا قررنا في الجواب على الشبهة الأولى أنهم غير معصومين. وما دام الأمر كذلك، فاحتمال الخلاف بينهم وارد، بل وقوع الخطأ في فهم بعض النصوص عند بعضهم غير مستبعد، ولكن كلامنا هنا، فيما أجمعوا عليه من الفهم، ولم يختلفوا فيه. أو لم يعرف لهم مخالف في ذلك الفهم المشهور عنهم.

ثانيا: يجب أن يعلم أن النبي صلى الله عليه وسلم بين لأصحابه معاني القرآن كما بين لهم ألفاظه، فقوله تعالى: ﴿لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيۡهِمۡ﴾ [النحل:44] يتناول هذا وهذا ولا معنى لبيان ألفاظه دون بيان معانيه بل البيان للمعاني هو المتعين، ولا يمكن بيان المعاني إلا بعد تبليغ الألفاظ.

وقال تعالى: ﴿إِنَّآ أَنزَلۡنَٰهُ قُرۡءَٰنًا عَرَبِيّٗا لَّعَلَّكُمۡ تَعۡقِلُونَ﴾ [يوسف:2] وعقل الكلام متضمن لفهمه.

ومن المعلوم أن كل كلام فالمقصود منه فهم معانيه، دون مجرد ألفاظه، فالقرآن أولى بذلك.

وأيضا فالعادة تمنع أن يقرأ قوم كتابا في فن من العلم، كالطب والحساب، ولا يستوضحوه، فكيف بكلام الله تعالى الذي هو عصمتهم، وبه نجاتهم وسعادتهم، وقيام دينهم ودنياهم؟

ولهذا كان النزاع بين الصحابة في تفسير القرآن قليلاً جدا، وهو وإن كان في التابعين أكثر منه في الصحابة فهو قليل بالنسبة إلى من بعدهم. وكلما كان العصر أشرف كان الاجتماع والائتلاف والعلم والبيان فيه أكثر[56]. مقدمة في أصول التفسير (ص 35-37).

والتابعون تلقوا التفسير عن الصحابة كما تلقوا عنهم علم السنة، ومن التابعين من تلقى جميع التفسير عن الصحابة، كما قال مجاهد: "عرضت المصحف على ابن عباس ثلاث عرضات من فانحته إلى خاتمته. أوقفه عند كل آية منه، وأسأله عنها"[57]. أخرجه الطبري في تفسيره 1/90.

ثالثا: أن أكثر الخلاف الواقع بين السلف في فهم القرآن والسنة إنما يرجع إلى اختلاف التنوع لا اختلاف التضاد[58]. ومن ذلك: ينظر: مقدمة في أصول التفسير (ص38).

أن يعبر كل منهما عن معنى الاسم بغير ما عبر به الآخر، والمسمى واحد، وكل اسم يدل على معنى لا يدل عليه الآخر، مع أن كليهما حق، بمنزلة تسمية الله تعالى بأسمائه الحسنى، فهي أسماء متعددة لمسمى واحد، وهذا نحو تفسيرهم "الصراط المستقيم" فمنهم من فسره بالإسلام، ومنهم من فسره بالقرآن، ومنهم من فسره بالسنة والجماعة، ونحو ذلك مثل تفسير: (وشاهد ومشهود) و (ليال عشر) وغيرها؛ وهو محتمل لهذه المعاني كلها.

أن يذكر كل منهم من تفسير الاسم بعض أنواعه أو أعيانه، على سبيل التمثيل والتقريب للمخاطب، لا على سبيل الحصر والإحاطة مثل تفسير بعضهم للظالم لنفسه بأنه: المؤخر للصلاة عن وقتها. والآخر قال: هو البخيل، والثالث قال: هو الذي يصوم عن الطعام لا عن الآثام... ونحو ذلك. فهذه الأقوال غير متنافية، بل كل ذكر نوعا مما تناولته الآية.

أن يذكر أحدهم لنزول الآية سببا، ويذكر الآخر سببا آخر لا يتنافى مع الأول، ومن الممكن نزولها لأجل السببين جميعا، أو نزولها مرتين؛ مرة لهذا ومرة لهذا[59]. مع أنهم قد يطلقون أحيانا أن هذه الآية نزلت في كذا، ومرادهم أن هذا داخل في الآية، وإن لم يكن السبب، كما تقول: عني بهذه الآية كذا[60]. ينظر الأمثلة على ذلك وتفصيل المسألة: مقدمة في أصول التفسير (ص 38-45)، وينظر: اقتضاء الصراط المستقيم 1/149-151. المصدر نفسه (ص48).

رابعا: وأما ما صح عن السلف أنهم اختلفوا فيه اختلاف تضاد فهذا نادر بالنسبة إلى ما لم يختلفوا فيه، وعلى وجه أخص ما يتعلق بمسائل الاعتقاد، فإنهم لم يختلفوا إلا في مسائل قليلة جدا، ليس فيها من مسائل الأصول شيء ومعلوم أن النادر لا حكم له.

وعليه فإن "أقوال الصحابة إن انتشرت ولم تنكر في زمانهم فهي حجة عند جماهير العلماء، وإن تنازعوا رد ما تنازعوا فيه إلى الله ورسوله، ولم يكن قول بعضهم حجة على مخالفة بعضهم له باتفاق العلماء، وإن قال بعضهم قولا ولم يقل بعضهم بخلافه ولم ينتشر فهذا فيه نزاع، وجهور العلماء يحتجون به"[61]. مجموع الفتاوى 20/14.

وإذا كانت المسألة اجتهادية لم يرد نص شرعي صريح في بيانها، وإنما تفهم على ضوء عمومات النصوص، ومقاصد الشريعة العامة فلا شك أن اجتهاد آحادهم في هذه المسألة أولى من اجتهادنا، إذا لم يكن لهم مخالف منهم، قال الإمام الشافعي: "إنهم فوقنا في كل عقل وعلم وفضل وسبب ينال به علم، أو يدرك به صواب، ورأيهم لنا خير من رأينا لأنفسنا"[62]. مناقب الشافعي للرازي (ص49)، والبيهقي في المدخل إلى السنن الكبرى 1/45،44.، وفي المناقب له أيضا 1/442.، وفيه: "وذكر الشافعي في الرسالة القديمة..." فذكره،ونحوه في إعلام الموقعين 1/80. حيث نسبه إليه في الرسالة البغدادية القديمة...، ولذا لم نعثر عليه في كتاب الرسالة المطبوع.

وكان من أصول الإمام أحمد أنه "إذا اختلف الصحابة تخير من أقوالهم ما كان أقربها إلى الكتاب والسنة، ولم يجرج عن أقوالهم، فإن لم يتبين له موافقة أحد الأقوال حكى الخلاف فيها، ولم يجزم بقول"[63]. إعلام الموقعين 1/31.

وفي المسألة تفصيل ليس هذا مكان بسطه[64]. ينظر: فضل علم السلف لابن رجب، وينظر: تفصيل ذلك فيما تقدم في فهم السلف.

وهذا في تفسيرهم وفتاواهم المستنبطة من النصوص، فكيف بفهمهم للنصوص وإدراكهم لمعانيها.

وعليه فإن اختلافهم مع قلته لا يبرر أبدا اطراح ما أجمعوا عليه، أو اشتهر عنهم من فهم للنصوص الشرعية.

خامساً: وأما الإسرائيليات التي نقلها بعضهم فالأصل فيها – مع قلتها – أنها ليست فهما منهم للنصوص الشرعية، وإنما هي آثار نقلها بعضهم عن بعض أهل الكتاب، والموقف السلفي منها واضح، كما بينه النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: "لا تصدقوا أهل الكتاب ولا تكذبوهم وقُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا"[65]، فهي على أنواع ثلاثة: أخرجه البخاري من حديث أبي هريرة في كتاب التفسير، باب {قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا} ح(4485).

منها: ما له شاهد من كتاب الله تعالى وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم فهذا لا مانع من قبوله.

ومنها: ما يدل على بطلانه الكتاب والسنة، فهذا يجب رده واطراحه.

ومنها: ما ليس في الكتاب والسنة ما يدل على قبوله أو رده فهذا يتوقف فيه مخافة أن يكون حقا فيرد، أو باطلاً فيقبل.

الشبهة الثالثة

إن التزام فهم السلف يؤدي إلى الجمود والتقليد، وإغلاق باب الاجتهاد، واستنباط أحكام النوازل وغيرها[1]. ينظر: تجديد الفكر الإسلامي- إطار- جديد د. أحمد كمال أبو المجد (ص38)، ضمن بحوث مؤتمر التجديد في الفكر الإسلامي، وأبعاد غائبة عن الفكر الإسلامي المعاصر د. طه جابر فياض العلواني (ص27)، مجلة: قضايا إسلامية معاصرة، العدد: 5 عام 1999.

الجواب على الشبهة الثالثة:

وللإجابة على ذلك نقول، ومن الله نستمد العون والتسديد:

أولا: أن الزعم بأن التزام فهم السلف يؤدي إلى الجمود والتقليد، وإغلاق باب الاجتهاد في النوازل وغيرها زعم باطل، وفرية ظاهرة، وشبهة داحضة، تدل على جهل القائل أو تجاهله بمنهج السلف المنادي بالتزام فهم السلف للنصوص الشرعية، لأن أتباع هذا المنهج هم الذين كسروا أغلال الجمود والتقليد والتبعية بغير دليل والتعصب لآراء الرجال، وفتحوا باب الاجتهاد لأهله، وهذا ما فهموه من فهم السلف الصالح للنصوص الشرعية، والأثار الآمرة بتجريد الطاعة، وتوحيد المتابعة للرسول صلى الله عليه وسلم دون أحد سواه، قال تعالى: ﴿وَمَآ ءَاتَىٰكُمُ ٱلرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَىٰكُمۡ عَنۡهُ فَٱنتَهُواْۚ﴾ [الحشر:7]، وقال عز اسمه: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ} [الأنفال:24]، وقال تعالى: {فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ} [القصص:50].

وقال صلى الله عليه وسلم: "من أحدث في أمرنا ما ليس منه فهو رد"[2]. أخرجه البخاري في (الصلح:5) ح(2697)، وابن ماجه في المقدمة باب: 2 ح(14)، وأحمد 6/27.، من حديث عائشة. وأخرجه مسلم في (الأقضية: باب:17) ح(4493) بلفظ: "من عمل عملا..." من حديث عائشة رضي الله عنها أيضا.

وقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: "السنة ما سنه الله ورسوله، لا تجعلوا خطأ الرأي سنة للأمة"[3]. جامع بيان العلم وفضله 2/136.

وقال علي رضي الله عنه: "إن هذه القلوب أوعية، فخيرها أوعاها للخير، والناس ثلاثة، فعالم رباني، ومتعلم على سبيل النجاة، وهمج رعاع أتباع كل ناعق، لم يستضيئوا بنور الله، ولم يلجؤوا إلى ركن وثيق"[4]. جامع بيان العلم 2/112.، قال ابن عبد البر: "إسناده مشهور عند أهل العلم".

وقال ابن مسعود رضي الله عنه: "ألا لا يقلّدن أحدكم دينه رجلا، إن آمن آمن، وإن كفر كفر، فإنه لا أسوة في الشراء"[5]. جامع بيان العلم 2/114.

وقال أيضا: "اغد عالما أو متعلما، ولا تغد امّعة فيما بين ذلك" وسئل عن الإمعة فقال: "كنا ندعو الإمعة في الجاهلية الذي يدعى إلى الطعام فيذهب معه بآخر، وهو فيكم اليوم المحقب[6] دينه الرجال"[7]. أراد الذي يقلد دينه لكل أحد. أي يجعل دينه تابعا لدين غيره بلا حجة ولا برهان ولا روية، وهو من الإرداف على الحقيبة. (النهاية 1/412). جامع بيان العلم (2/112).

وقال ابن عباس رضي الله عنه: "ويل للأتباع من عثرات العالم، قيل: كيف ذلك؟ قال: يقول العالم شيئا برأيه، ثم يجد من هو أعلم برسول الله صلى الله عليه وسلم منه؛ فيترك قوله، ثم تمضي الأتباع"[8]. جامع بيان العلم (2/112).

ويقول: "أراهم سيهلكون، أقول: قال رسولا لله صلى الله عليه وسلم ويقولون: أبو بكر وعمر"[9]. أخرجه أحمد 1/337.، وإسحاق بن راهويه كما في المطالب العالية 1/360.، والخطيب في الفقيه والمتفقه 1/145.، وابن عبد البر في جامع بيان العلم وفضله 2/239-240.، من طرق عنه بأسانيد صحيحة، وبألفاظ متقاربة.

ونصوصهم في هذا المعنى يصعب حصرها، وعلى نهجهم سار من جاء من بعدهم من الأئمة في مختلف العصور، ومنهم الأئمة الأربعة، ونصوصهم في النهي عن تقليدهم وتقليد غيرهم مشهورة معروفة، حتى حكى الإمام الشافعي اجتماع العلماء على أن من استبانت له سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يكن له أن يدعها لقول أحد[10]. إعلام الموقعين 3/201.

وقال الإمام أبو حنيفة: "لا يحل لأحد أن يقول بقولنا حتى يعلم من أين أخذناه"[11]. الانتقاء لابن عبد البر (ص145). وذكره في إعلام الموقعين عن أبي يوسف 2/201.

وقال مالك: "ليس لأحد بعد النبي صلى الله عليه وسلم إلا ويؤخذ من قوله ويترك إلا النبي صلى الله عليه وسلم"[12]. إرشاد السالك 1/227.

وقال أحمد: "لا تقلدني ولا تقلد مالكا ولا الشافعي ولا الثوري ،وخذ من حيث أخذوا"[13]. مجموع الفتاوى 20/211-212.، وإعلام الموقعين 2/201.

قال ابن حزم: "فهذا مالك ينهى عن تقليده، وكذلك أبو حنيفة، وكذلك الشافعي، فلاح الحق لمن لم يغش نفسه، ولم تسبق إليه الضلالة، نعوذ بالله منها"[14]. الإحكام 2/294.

وعلى منوالهم سار على خطاهم واتبع منهجهم من جاء من بعدهم من أئمة المنهج السلفي، الداعين إلى الالتزام بفهم السلف الصالح للنصوص كالأئمة، ابن جرير الطبري، وابن عبد البر والبغوي والسمعاني وابن تيمية وابن القيم وابن كثير والذهبي...وغيرهم.

وفي العصور المتأخرة الإمام محمد بن عبد الوهاب والشوكاني والصنعاني وأعلام الدعوة السلفية المعاصرة، وقد لقوا في سبيل نبذ التقليد ومحاربة التعصب المذهبي وفتح باب الاجتهاد لمن هو أهله من العنت والمشقة والحرب الشعواء ما هو ظاهر للمتأمل كدعوى انتحال مذهب خامس، والخروج عما كان عليه العلماء...إلخ.

ففي القرون المتأخرة عد الاجتهاد اجتراء على الشريعة، وابتداعا في الدين جديدا، في بقاع كثيرة من العالم الإسلامي، وكانت هذه القضية هي أكبر التهم الموجهة للمجددين لمنهج السلف مثل شيخ الإسلام ابن تيمية وابن عبد الوهاب والشوكاني، نال من نال منهم بسببها السجن والضرب والحرب والتشويه.

هؤلاء هم المتمسكون بفهم السلف الصالح للنصوص الشرعية ومنهجهم، فهل يصح أن يقال: إن التزام فهم السلف يؤدي إلى الجمود والتقليد وغلق باب الاجتهاد؟! أم أن المتعصبة للمذاهب المقلدين للرجال دينهم هم الذين أغلقوا باب الاجتهاد، وأوجبوا التقليد، وجعلوا الاجتهاد بدعة وجريمة، يستحق المنادي بها العقوبة والتعزير؟

ثانيا: أن الاجتهاد المنضبط فيما لا نص فيه ضرورة شرعية، انعقد الإجماع على وجوبه إلى سقوط التكليف، وذلك بفناء الدنيا، والإجماع على وجوبه منقول عن الصحابة، فهو إجماع متقدم، ولا عبرة بمخالفة من خالف من الأصوليين المتأخرين ومقلدة المذاهب، وذلك لأن: "الوقائع في الوجود لا تنحصر، فلا يصح دخولها تحت الأدلة المنحصرة، ولذا احتيج إلى فتح باب الاجتهاد والقياس..."[15]. الموافقات للشاطبي 1/104.

والحكمة من فرضه على المسلمين هو الابتلاء، كما قال الإمام الشافعي: "ابتلى طاعتهم في الاجتهاد، كما ابتلى طاعتهم في غيره مما فرض عليهم"[16]. الرسالة (ص22) رقم: 59.

وهو ضروري لإقامة الحياة الطبيعية لهذه الأمة على أساس دينها الحنيف، وشريعتها الربانية التي من طبيعتها الحركة والنمو والتجديد، وهو السبيل الأعظم لحفظ هذا المجتمع وحفظ عقيدته وشريعته، وتطبيق أحكامها على الحوادث المتجددة.

كما أنه كاشف لزيف من يدعي أن الدين خاص بزمان قد مضى، أو أن الشريعة لا تصلح لهذا الزمان.

فهل يتصور من حماة الشريعة وحراس العقيدة أن يلتزموا ما يمنع من أداء هذا الواجب الشرعي الحتمي والضروري لحياة المسلمين في كنف شريعتهم الإلهية؟! أم أن التزامهم بفهم السلف الصالح رضوان الله عليهم هو الذي حملهم على الانعتاق من طغيان التقليد، وفتح باب الاجتهاد بعد أن بقي قرونا عديدة مغلقا محرما فتحه، ويعدّ المجدد الداعي إلى فتحه قد اجترأ على الشريعة وابتدع دينا جديدًا لم يكن مألوفا ولا معروفا عند أولئك المقلدة. وهل قام بهذا التجديد أحد سوى الدعاة للالتزام بفهم السلف للنصوص، الملتزمين بمنهجهم في التلقي والاستدلال في العلم والعمل.

ثالثًا: وكما تقدم أن المتمسكين بفهم ومنهج السلف الصالح للنصوص هم الذين فتحوا باب الاجتهاد بعد إغلاقه، وهم الذين حاربوا التقليد والتبعية بغير دليل ولا برهان، إلا أنهم لم يتركوا الحبل على الغارب ليدعي كل مدع ما شاء في كلام الله تعالى، ويتلاعب بدينه وشرعه باسم الاجتهاد، وكأنه حمى مستباح لكل راتع، بل حددوا الاجتهاد فيم يكون، وقرروا القاعدة: (لا اجتهاد في مقابل النص)[17]، وبينوا من هو المجتهد، وما هي شروطه وضوابط الاجتهاد، وكانوا في ذلك وسطا بين طرفين: ينظر: المستصفى 2/354.، والإحكام للآمدي 4/164.، ومجموع الفتاوى 33/143.، وإعلام الموقعين 3/389.، وإرشاد الفحول 2/221

لا هم مع بعض الأصوليين المتأخرين المقلدة الذين وضعوا شروطاً تعجيزية مؤداها إغلاق لباب الاجتهاد ولكن بصورة غير مباشرة، والتي "لا يخفى أن مستندهم في اشتراط هذه الشروط ليس نصا من كتاب ولا سنة، يصرح بأن هذه الشروط لا يصح دونها عمل بكتاب ولا سنة..."[18]، بل لقد تمادى الأمر ببعضهم حتى منع الاجتهاد تماما، وأنه ينبغي التوقف عن التطاول إليه حتى يجيء المهدي آخر الزمان؛ فيفتح بنفسه باب الاجتهاد. قال صاحب مراقي السعود: الإقليد في الأسماء والصفات والاجتهاد والتقليد للشنقيطي (ص81-83).

والمجمع اليوم عليه الأربعة وقفو غيرها الجميع منعه

حتى يجيء الفاطم المجدًد (دين الهدى لأنه مجدد)[19] المصدر نفسه (ص 80). وينظر: السلفية وقضايا العصر للزنيدي (ص227-230).

ولا هم مع الفوضوية التي ينادي بها هؤلاء العصرانيون التي تنادي بفتح باب الاجتهاد لكل مفكر بعد أن كان امتيازا يحتكره الفقهاء حتى يستطيع المفكر باسم الاجتهاد أن يتحكم في النصوص الشرعية، ويحدث لها من المعاني المستجدة ما يروق له، متجاوزا في ذلك الفهوم السلفية السائقة.

بل يرى الشيخ القرضاوي أن مجال الاجتهاد في كل مسألة شرعية ليس فيها دليل قطعي الثبوت، قطعي الدلالة، سواء كانت من المسائل الأصلية الاعتقادية أو من المسائل العلمية الفرعية[20]، وعليه فهو يرى إعادة النظر في بعض الأحكام التي أثبتتها نصوص ظنية الثبوت كأحاديث الآحاد أو ظنية الدلالة. قال: "وأكثر نصوص القرآن والسنة كذلك، فقد يبد للمجتهد اليوم فهم لم يبد للسابقين"[21]. ينظر: الاجتهاد في الشريعة الإسلامية (ص56) و (ص170). المصدر السابق (ص107-108).

بل يرى أن: "معظم الأحكام ثابت بنصوص ظنية، أما ما ثبت بالقطعيات فهو قليل، بل قليل جدا... والدائرة الأخرى التي ثبتت بأحكام ظنية هي الدائرة والأكبر والأوسع، وربما تصل إلى %99 من أحكام الشريعة، وهي دائرة مرنة قابلة للتجدد والتطور، ويدخل فيها الاجتهاد..."[22] التطرف العلماني (ص64) ط. أولى 1422ه، ن. دار الشروق.

ولذا ينفي د. محمد عمارة قاعدة لا اجتهاد مع النص بل يرى أن الخطأ والخطر كان في هذه المقولة[23]. معالم المنهج الإسلامي (ص100-103 و124).

وعليه فأتباع المنهج السلفي وسط في باب الاجتهاد بين هذين القولين المتطرفين، كما هو منهجهم في جميع المسائل، وسط بين الإفراط والتفريط، من بين فرث ودم لبنا خالصا سائغًا للشاربين، و"كلا طرفي قصد الأمور ذميم"[24]. شطر من بيت قيل: إنه لأبي سليمان الخطابي شطره الأول: ولا تغل في شيء من الأمر واقتصد وقيل غير ذلك. وينظر: قرى الضيف لابن أبي الدنيا 4/383.، تحقيق: عبد الله المنصور.

فالاجتهاد في عرفهم هو: "بذل الجهد واستفراغ الوسع من قبل الفقيه، لاستخراج الأحكام الشرعية من أدلتها"[25]. السلفية وقضايا العصر (ص 225).

فالاجتهاد في الأحكام الشرعية يمثل تخصصا علميا له رجاله من علماء الشريعة، الذين بذلوا جهدهم في تحصيله والتمكن فيه، والتأهل للاستنباط من الأدلة الشرعية ما تدعو إليه الحاجة من أحكام النوازل والمستجدات، ويبقى من وراءهم من العامة والمثقفين والمفكرين والمختصين بمجالات العلوم الأخرى – اجتماعية وتقنية وغيرها - عيالا عليهم، يستمدون منهم. فهم في مجال العلم الشرعي كالأطباء في ميدان الطب، والمهندسين في ميدان الهندسة وهكذا[26]. ينظر: السلفية وقضايا العصر (ص227).

وقد يحتاج المجتهد الفقيه في بعض القضايا إلى استطلاع رأي بعض المختصين في الفنون الأخرى، حتى تكون نظرته واقعية مطابقة للواقع، لأن الحكم على الشيء فرع عن تصوره.

أما إقرار العلماء لقاعدة لا اجتهاد مع النص فليس حكرا على العقول، ولا غلقا لباب الاجتهاد، كما توهم بعضهم، وإنما قرروا ذلك حماية للدين؛ ذلك أن دين المسلمين مبني على اتباع كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم، وما اتفقت عليه الأمة، وهذه الثلاثة هي أصول معصومة - كما تقدم - وما تنازعت فيه الأمة ردوه إلى الله والرسول، وما جاء في هذه الأصول حق لا باطل فيه؛ واجب الاتباع، لا يجوز تركه بحال، عام الوجوب، لا يجوز ترك شيء مما دلت عليه هذه الأصول، وليس لأحد الخروج عما دلت عليه[27]. مهما اختلفت الأزمان والأماكن. ينظر: مجموع الفتاوى 19/5. و20/164.

كما أن مما يعلم بالاضطرار من دين الإسلام فساد الرأي المخالف للنص وبطلانه – وإن سمي اجتهادا – كما أنه لا تحل الفتيا به ولا القضاء، وإن وقع فيه من وقع بنوع تأويل وتقليد، كما نقل ابن القيم رحمه الله تعالى اتفاق سلف الأمة وأئمتها على ذمه وإخراجه من جملة العلم[28]. ينظر: إعلام الموقعين 1/67،61.، وينظر: موقف الاتجاه العقلاني الإسلامي المعاصر من النص الشرعي (ص 406)٠

رابعا: أن الشارع الحكيم قد فرق بين الاتباع والتقليد؛ فأثنى على الاتباع وذم التقليد، قال الحافظ ابن عبد البر: قال أبو عبد الله بن خويز منداد البصري المالكي: "التقليد معناه في الشرع: الرجوع إلى قول لا حجة لقائله عليه، وذلك ممنوع منه في الشريعة، والاتباع: ما ثبت عليه الحجة. وقال في موضع أخر: "كل من اتبعت قوله من غير أن يجب عليك قبوله لدليل يوجب ذلك، فأنت مقلده، وكل من أوجب عليك الدليل اتباع قوله فأنت متبعه ..."[29] جامع بيان العلم وفضله 2/117. وينظر نسخه أخرى تحقيق: مسعد السعدني (ص393) ط. أولى 1421ه.

وقد أثنى الله تعالى على الاتباع؛ فقال عز وجل: ﴿فَٱتَّبِعُونِي يُحۡبِبۡكُمُ ٱللَّهُ﴾ [آل عمران:31]، وقال: {وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ} [الأعراف:158]، كما أثنى الله تعالى على اتباع السلف بما في ذلك اتباعهم في فهمهم النصوص الشرعية فقال تعالى: ﴿وَٱلسَّٰبِقُونَ ٱلۡأَوَّلُونَ مِنَ ٱلۡمُهَٰجِرِينَ وَٱلۡأَنصَارِ وَٱلَّذِينَ ٱتَّبَعُوهُم بِإِحۡسَٰنٖ رَّضِيَ ٱللَّهُ عَنۡهُمۡ وَرَضُواْ عَنۡهُ وَأَعَدَّ لَهُمۡ جَنَّٰتٖ تَجۡرِي تَحۡتَهَا ٱلۡأَنۡهَٰرُ خَٰلِدِينَ فِيهَآ أَبَدٗاۚ ذَٰلِكَ ٱلۡفَوۡزُ ٱلۡعَظِيمُ﴾ [التوبة:100]، فالآية قصد بها مدح السابقين، والثناء عليهم، وبيان استحقاقهم أن يكونوا أئمة متبوعين... كما اقتضت الثناء على من اتبعهم، فالرضوان عمن اتبعهم دليل على أن اتباعهم صواب ليس بخطأ... كما أنه إذا كان اتباعهم موجب الرضوان لم يكن ترك اتباعهم موجب للرضوان[30]. إعلام الموقعين 4/127-129.

كما ذم سبحانه وتعالى بعض صور الاتباع، وهو أحد أنواع التقليد الذموم كقوله تعالى: ﴿وَمَن يُشَاقِقِ ٱلرَّسُولَ مِنۢ بَعۡدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ ٱلۡهُدَىٰ وَيَتَّبِعۡ غَيۡرَ سَبِيلِ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ نُوَلِّهِۦ مَا تَوَلَّىٰ وَنُصۡلِهِۦ جَهَنَّمَۖ وَسَآءَتۡ مَصِيرًا﴾ [النساء:115].

فالتقليد الذي نهى عنه السلف واجتنبوه على ثلاثة أنواع:

الأول: الإعراض عما أنزل الله وعدم الالتفات إليه اكتفاء بتقليد الآباء.

الثاني: تقليد من لا يعلم المقلد أنه أهل لأن يؤخذ بقوله.

الثالث: التقليد بعد قيام الحجة وظهور الدليل على خلاف قول المقلد.

وقد ذم الله تعالى هذه الأنواع الثلاثة من التقليد في غير موضع من كتابه كما في قوله تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ ٱتَّبِعُواْ مَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ قَالُواْ بَلۡ نَتَّبِعُ مَآ أَلۡفَيۡنَا عَلَيۡهِ ءَابَآءَنَآۚ أَوَلَوۡ كَانَ ءَابَآؤُهُمۡ لَا يَعۡقِلُونَ شَيۡـٔٗا وَلَا يَهۡتَدُونَ﴾ [البقرة:170]، وقال تعالى: ﴿وَكَذَٰلِكَ مَآ أَرۡسَلۡنَا مِن قَبۡلِكَ فِي قَرۡيَةٖ مِّن نَّذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتۡرَفُوهَآ إِنَّا وَجَدۡنَآ ءَابَآءَنَا عَلَىٰٓ أُمَّةٖ وَإِنَّا عَلَىٰٓ ءَاثَٰرِهِم مُّقۡتَدُونَ﴾ {قَالَ أَوَلَوْ جِئْتُكُمْ بِأَهْدَى مِمَّا وَجَدْتُمْ عَلَيْهِ آبَاءَكُمْ} [الزخرف:23-24]، وقال تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمۡ تَعَالَوۡاْ إِلَىٰ مَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ وَإِلَى ٱلرَّسُولِ قَالُواْ حَسۡبُنَا مَا وَجَدۡنَا عَلَيۡهِ ءَابَآءَنَآۚ﴾ [المائدة: 104]، وهذا في القرآن كثير، يذم فيه من أعرض عما أنزله الله وقنع بتقليد الآباء... وهذا القدر من التقليد هو مما اتفق السلف والأئمة الأربعة على ذمه وتحريمه[31]. إعلام الموقعين 2/187-188.

ويستثنى من ذلك العامة، فإن العامة لا بد لها من تقليد علمائها عند النازلة تنزل بها؛ لأنها لا تتبين موقع الحجة، قال ابن عبد البر: "ولم يختلف العلماء أن العامة عليها تقليد علمائها، وأنهم المرادون بقول الله عز وجل: {فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ} [النحل:43]"[32]، وقد يسميه بعضهم نوعا من أنواع الاتباع لا التقليد. لأنهم بنوا تقليدهم على دليل، وهو هذه الآية ومثيلاتها. جامع بيان العلم وفضله 2/115.

والغرض من هذا بيان أن اتباع السلف في فهمهم النصوص الشرعية هو من الاتباع المشروع الذي دلت عليه النصوص الشرعية والإجماع والاعتبار الصحيح، كما قد بسط في غير هذا الموضع، وليس من التقليد المذموم.

خامسا: أن أصحاب هذا الاتجاه العصراني الذين يعيبون على أهل السنة اتباعهم، والتزامهم بفهم السلف الصالح، ويرون ذلك من التقليد المذموم؛ نجد الكثير منهم قد وقع فيما اتهم به غيره، فنجد عندهم أسماء تتكرر كثيرا يعتمدون عليهم ويقلدونهم في منهجهم المبتدع في الاستدلال والتعامل مع النصوص الشرعية كالجويني والغزالي والرازي وابن رشد، والأفغاني ومحمد عبده...وأمثالهم[33]. ينظر على سبيل المثال: المرجعية العليا للقرآن والسنة للقرضاوي (ص 122-123) والسلطة في الإسلام، د. عبد الجواد ياسين (ص106،37). وينظر: موقف الاتجاه العقلاني الإسلامي المعاصر من النص الشرعي (ص377).

في مقابل ذلك نجد قلة استشهادهم بالصحابة أو التابعين أو الأئمة المعروفين الذين لهم قدم صدق في العالمين.

الشبهة الرابعة

قد يقول قائل: إن التزام فهم السلف يخالف ما أمر الله تعالى به من تدبر القرآن الكريم، لأن التدبر مطلق ويمكن أن يظهر للمتدبر في العصور المتأخرة من المفاهيم والمعاني ما لم يظهر للسلف المتقدمين. وهذه الشبهة وإن لم أقف على استدلال مباشر بها من العصرانيين الإسلاميين إلا أنها مما يمكن أن يستدل به على عدم الالتزام بفهم السلف لنصوص القرآن. ولذلك ذكرتها ضمن الشبهات التي يمكن أن يستدل بها على ذلك[34]. وهذا مسلك سار عليه العلماء ويظهر ذلك جليا عند شيخ الإسلام ابن تيمية وابن القيم رحمه الله تعالى فيذكرون شبه المخالفين ويزيدون عليها ما يمكن أن يحتج به على تلك المقولة من النصوص الشرعية وذلك لإحكام النقض لها ورد جميع ما يمكن أن يستدل به عليها لكونه أكثر علما وإحاطة بالأدلة الشرعية من أولئك المخالفين الذين قلت بضاعتهم بنصوص الشرع فلذلك لم يذكروها ضمن أدلتهم الشرعية.

الجواب على هذه الشبهة من وجوه:

أولاً: مما لا شك فيه أن الله تعالى قد أمرنا بتدبر القرآن الكريم، قال تعالى: ﴿كِتَٰبٌ أَنزَلۡنَٰهُ إِلَيۡكَ مُبَٰرَكٞ لِّيَدَّبَّرُوٓاْ ءَايَٰتِهِۦ وَلِيَتَذَكَّرَ أُوْلُواْ ٱلۡأَلۡبَٰبِ﴾ [ص:29].

كما أنكر على الذين لا يتدبرون القران: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ ٱلۡقُرۡءَانَ أَمۡ عَلَىٰ قُلُوبٍ أَقۡفَالُهَآ﴾ [محمد:24]، وعاب على الذين يقرؤون كتابهم من غير فهم وتدبر من أهل الكتاب؛ فقال تعالى: ﴿وَمِنۡهُمۡ أُمِّيُّونَ لَا يَعۡلَمُونَ ٱلۡكِتَٰبَ إِلَّآ أَمَانِيَّ وَإِنۡ هُمۡ إِلَّا يَظُنُّونَ﴾ [البقرة:78].

وبناء عليه كان نهج الصحابة رضوان الله عليهم استنباط معان ودلالات من النصوص غير منصوص عليها من الشارع في القرآن والسنة، وقد وصف ابن مسعود رضي الله عنه القرآن الكريم بأنه: "مأدبة الله، فتعلموا مأدبة الله ما استطعتم"، وبأنه "لا تنقضي عجائبه..."[35]، وكان التابعون يستنبطون من القرآن معاني لم يذكرها الصحابة، فهم قد "تلقوا التفسير عن الصحابة، كما تلقوا عنهم السنة، وإن كانوا قد يتكلمون في بعض ذلك بالاستنباط والاستدلال، كما يتكلمون في بعض السنن بالاستنباط والاستدلال"[36]، والاستنباط هو ثمرة التدبر الذي هو ثمرة فهم المعنى ودلالاته. أخرجه عبد الرزاق في مصنفه ح(2017) وابن المبارك في الزهد (808) وسعيد بن منصور في سننه ح (7) والحاكم في المستدرك 1/555. و1/566.، وغيرهم روي مرفوعا وموقوفا على عبد الله بن مسعود رضي الله عنه. وقال: (صحيح الإسناد وأقره الذهبي) وذكره الألباني في الصحيحة (660) 2/268.، وقال عند الموقوف: هذا بإسناد لا بأس به في المتابعات، وضعفه في ضعيف الجامع ح(2022) 2/202. مجموع الفتاوى 13/332-333.

وعليه فإن التمسك بفهم السلف للنصوص لا يمكن أن يخالف ما أمر الله تعالى به، ولو كان كذلك لكان المتبعون للسلف هم أول من ينكره ولا يلتزمه، كما خالفوا وأنكروا بالقول والفعل على من قال بقفل باب الاجتهاد كما تقدم.

والواقع أننا نجدهم هم الذين ينادون بضرورة تدبر القرآن الكريم وإعمال العقل في فهم معانيه ودقائقه، واستنباط الأحكام من نصوصه، قال الإمام البغوي: "من العلم ما يدرك بالتلاوة والدراية، وهو النص، ومنه ما يدرك بالاستنباط، وهو القياس على المعاني المودعة في النصوص"[37]. معالم التنزيل 2/255.

ثانياً: إن التمسك بفهم السلف يضبط الاستنباط والتدبر، ويحدد مساره ويوجهه إلى الوجهة السليمة، حتى لا يتقول متقول على كلام الله ورسوله وشرعه ودينه باسم الاستنباط وغيره، كما كان عند الصوفية وإشاراتهم والباطنية وضلالاتهم، وغيرهم من طوائف الضلال "وقد تبين أن من فسر القرآن أو الحديث على غير التفسير المعروف عن الصحابة والتابعين فهو مفتر على الله، ملحد في آيات الله، محرف للكلم عن مواضعه، وهو فتح لباب الزندقة والإلحاد، وهو معلوم البطلان بالاضطرار من دين الإسلام"[38]. مجموع الفتاوى 13/243.

ثالثاً: ما تقدم إنما هو في الفهم الذي اتفق عليه السلف، أو لم يذكر عنهم فيه خلاف، أما ما اختلف السلف في فهمه، ونقل عنهم الخلاف في ذلك فهذا لا بأس على الخلف أن يجتهدوا ويتخيروا الأقرب إلى الصواب مما نقل إليهم من الفهوم.

رابعاً: إن الاستمساك بفهم السلف الصالح هو شرط أساس لصحة الاستنباط والتدبر الصحيح، فلا بد للاستنباط والتدبر من معرفة المعنى الصحيح للنص-كما تقدم - وهذه المعرفة لابد أن تكون سابقة للاستنباط والتدبر، والمعنى الصحيح هو ما فهمه السلف الصالح من ذلك النص. ولذلك ذكر العلماء ضوابط وشروطا للاستنباط الصحيح، منهم شيخ الإسلام ابن تيمية[39]، وابن القيم[40]، والشاطبي[41]، ومن المتأخرين علال الفاسي[42] وغيرهم. المصدر نفسه 13/241-242. التبيان في أقسام القرآن 1/168-169. الموافقات 4/232. مقاصد الشريعة (91).

وتتمثل هذه الضوابط في النقاط التالية:

أن لا يناقض هذا المعنى – المستنبط - ما ورد عن الصحابة في تفسير الآية؛ لأنه لو ناقضه للزم منه تجهيل الصحابة في فهمهم القرآن، وأنهم أجمعوا على الجهالة والضلالة. وهذا معلوم البطلان. وهذا معنى الشرط الأول والثاني عند ابن القيم[43]. ضوابط استعمال المصطلحات العقدية والفكرية عند أهل السنة والجماعة، د. سعود العتيبي (ص246).

وذلك لأن الاستنباط تابع للمعنى الصحيح للآية مبني عليه، ولذا فلا بد أن يكون المعنى المستنبط منه صحيحا ثابتا، ثم لابد أن يكون بينه وبين معنى الآية ارتباط وتلازم، وألا يعد استنباطه من الآية تفسيرا لها بإطلاق، ولا معنى الآية مقصورا عليه. قال القرطبي: "والنقل والسماع لابد منه في ظاهر التفسير أولا، ليتقي به مواطن الغلط، ثم بعد ذلك يتسع الفهم والاستنباط، فلا مطمع للوصول إلى الباطن قبل إحكام الظاهر"[44]؛ لأن "من ادعى فهم أسرار القرآن ولم يحكم التفسير الظاهر، فهو كمن ادعى البلوغ إلى صدر البيت قبل أن يجاوز الباب"[45] والمعنى الصحيح الظاهر من الآية هو ما فهمه السلف منها. الجامع لأحكام القرآن 1/59. الإتقان للسيوطي 2/267.

أن يكون موافقا للسان العربي، لكونه لسان الملة والدين، وهذا هو الشرط الأول عند الشاطبي، وينتظم في معناه الشرط الثالث عند ابن القيم، قال الشاطبي: "كل معنى مستنبط من القرآن غير جار على اللسان العربي فليس من علوم القرآن في شيء، لا مما يستفاد منه، ولا ممن يستفاد به، ومن ادعى فيه ذلك فهو في دعواه مبطل"[46]. الموافقين 4/224.، تحقيق: مشهور بن حسن ط. أول 1417، ن. دار ابن عفان.

أن يكون له شاهد يوافقه من القرآن أو السنة، وهذا هو الشرط الثاني عند الشاطبي وزاد بعضهم: أن يكون المعنى المستنبط مفيدًا، غير متكلف[47]. ينظر: معالم الاستنباط في علم التفسير، نايف الزهراني (ص28).

خامسا: وبناء على ما تقدم فإن القول بإحداث فهم جديد للنص الشرعي لم يقل به السلف فيه تفصيل:

إن كان المراد من ذلك استنباط ما لا يتعارض مع فهم السلف، ولا يلزم منه نسبة الخطأ إلى السابقين، فهذا ممكن بشرط قوة الدليل؛ لأن القرآن لا تنقضي عجائبه، والرسول صلى الله عليه وسلم أوتي جوامع الكلم، ولا يزال المسلمون يستنبطون من الكتاب والسنة معان جديدة، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء، والقرآن كالنهر يرد عليه فيأخذ منه بقدر ما قسمه الله له.

وإن كان الفهم مخالفا لما فهمه السلف من النص فهذا لا يقبل؛ لأنه يلزم منه نسبة الأمة إلى الجهل والخطأ في القرون المفضلة، كما أن فيه القول بخلو العصر من قائم به لله بحجة[48]، وهذا باطل؛ لأنه لا تجتمع أمة محمد صلى الله عليه وسلم على ضلالة كما تقدم. ينظر: موقف الاتجاه العقلاني الإسلامي من النص الشرعي (ص379).

سادساً: وبناء على ما تقدم فالاستمساك بفهم السلف لا يمكن بحال أن يحول دون تدبر القرآن الكريم الذي أمر الله تعالى به، بل يضبطه ويصحح مساره، ومن مجالات التدبر والاستنباط:

من جهة دلالة النصوص على بعض المعاني الأخرى التي لا تخالف فهم السلف.

ومن جهة استنباط الأحكام للنوازل المستجدة من هذه النصوص ودلالاتها على بعض الأحكام.

ومن جهة الاختيار والترجيح بين المعاني التي ظهرت للسلف وتعددت مفاهيمهم لها.

ومن جهة نظر القارئ لحاله هو مع هذه الآيات، وأين موقعه من تطبيقها أو انطباقها عليه؟ وهذا جانب مهم من التدبر غفل عنه كثير من طلبة العلم فضلا عن غيرهم.

الشبهة الخامسة

إن التزام فهم السلف يؤدي إلى تجميد العقل.

مع أن: "العقل هو أول الأدلة، وليس ذلك فقط، بل هو أصلها الذي يعرف به صدقها"[1]، وأن القرآن "لا يذكر العقل إلا في مقام التعظيم والتنبيه إلى وجوب العمل به، والرجوع إليه"[2]. تيارات الفكر الإسلامي د. محمد عمارة (ص70). وينظر: المرجعية العليا للقرآن والسنة د. القرضاوي (ص352). القرآن والسلطان د. فهمي هويدي (ص49).

فاحتمال التعارض بين العقل والنقل وارد عندهم، "فإذا حدث وبدا أن هناك تعارضا بين ظاهر النص وبرهان العقل؛ وجب تأويل النص - دون تعسف - بما يتفق مع برهان العقل"[3]. الدولة الإسلامية بين العلمانية والسلطة الدينية د. محمد عمارة (ص16). وينظر: المرجعية العليا (ص123،122).

ويقول د. محمد عمارة: "وهل هناك أزمة فكرية أسوء وأشد من توقف عقل الأمة عن الإضافة الخلاقة، ووقوفه عند الأعتاب مستفتيا، يستفتي أمواتاً الحلول لمشكلات الأحياء"[4]. أزمة الفكر المعاصر (ص57).

ولذلك يدعو د. أحمد كمال أبو المجد "إلى توسيع دائرة العقل والإفساح له ليؤدي دوره في ميدان التشريع"[5]، ويرى أن: "الأزمة الحقيقية في ثقافتنا المعاصرة أن العقل قد أنزل عن سلطانه"[6]. حوار لا مواجهة (ص13). وينظر: العقل وموقعه من المنهجية الإسلامية د. طه العلواني (ص18) بحث في مجلة إسلامية المعرفة، العدد 6 عام 1996م. حوار لا مواجهة (ص36 و44).

ثم يعرّض بها أسماه "مدرسة الجمود على الموجود" والتي من خصائصها: "الاستغراق الكامل في النصوص، ...واعتبار ذلك من الاتباع المحمود لا الابتداع المذموم" والتي يتلخص منهجها بأن الشريعة حاكمة لا محكومة، وأن على المؤمنين أن يطبقوا أحكامها الكلية والجزئية"[7]. المصدر نفسه (ص38). وينظر: تجديد الفكر الإسلامي إطار جديد – مداخل أساسية له. (ص37) ضمن بحوث مؤتمر التجديد في الفكر الإسلامي. ن. المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية - القاهرة 1423ه.

ثم يعلق ويستدرك على هذه المدرسة بقوله: "نحن لا نخفي استدراكنا على كل المعقولات المكونة لهذا المنهج – أي المنهج السلفي -واعتقادنا بأنها تؤدي إلى انكماش الحضارة الإسلامية، وتراجع شأن المسلمين"[8]. حوار لا مواجهة (ص39).

ولذا يدعو د. عبد الجواد ياسين إلى ضرورة إعادة قراءة النص الخالص من القرآن والسنة ولكن: "ليس بمعناها السلفي الذي يكاد يستغرقه الحجم الهائل من الأحاديث والمرويات" وتنحية المصادر اللانصية التي اعتمدتها المنظومة السلفية النصوصية[9]، واستبعاد ما يخالف العقل[10]. السلطة الإسلام (ص126). المصدر نفسه (ص 120-121).

الجواب على الشبهة الخامسة:

هذه الشبهة يرددها من يسمون أنفسهم بالعقلانيين قديما وحديثا على اختلاف مشاربهم، في مقابل من يصفونهم ب"النصيين"، وهي شبهة مستوردة من الفلاسفة المتقدمين، ومن المفكرين الغربيين في العصر الحديث.

وقد ظهرت عند المعتزلة[11] متأثرين بالفلاسفة، ثم تأثر بها سائر المتكلمين من الأشاعرة والماتريدية. ولذلك يمجد ويعتمد هؤلاء العصرانيون المناهج الكلامية القديمة من المعتزلة والأشعرية. ينظر: السلطة في الإسلام، عبد الجواد ياسين (ص258،126،106،37)، والمرجعية العليا للقرآن والسنة، د. القرضاوي (ص122-123).

كما برزت في العصر الحاضر عند المنتسبين للعقلانية في عالمنا العربي، المتأثرين بالموقف الغربي من الوحي، الذي يعد عندهم كابحا للعقل وحادا لنشاطه، فعندهم إما الجمود على ما ظنوه وحيا، ومن ثم عمى العقل، وإما التحرر من سلطة الوحي، ومن ثم استنارة العقل واستقلاله وتنوع نشاطاته!

وهؤلاء الغربيون إن وجد عندهم ما يبرر هذا الموقف العدائي لما يسمونه وحيا، وهي سلطة الكنيسة وخرافاتها البعيدة عن الوحي المنزل على أنبياء الله ورسله، أو ما توارثوه عن الفلاسفة الذين اعتمدوا العقل المجرد؛ لأنهم رأوا أن العقل أوثق وسيلة ممكنة لعبور هذه الحياة بعد يأسهم من مورد أعلى منه، وذلك إما لأنهم لم يعرفوا الوحي أصلا، أو عرفوا شيئا يسمى وحيا، ثم اكتشفوا زيفه فكفروا به[12]. هذا ما قاله سيمياس الفيثاغورثي في تبريره اعتماد الفلاسفة اليونان العقل.... عن تاريخ الفلسفة اليونانية، يوسف أكرم (ص91).

فهذا المبرر - إن وجد عندهم – لا وجود له في ديننا الإسلامي - ولله الحمد -، فقد أغنانا الله عن ذلك، وكفانا المؤونة في ركوب هذه الطريقة المتعرجة التي لا يأمن العنت راكبها، فالوحي الرباني الذي بين أيدينا هو بعينه الوحي المنزل من عند الله تعالى على رسوله صلى الله عليه وسلم، لم يتغير، ولم يتبدل، ولذا لا يمكن أن يعارض الحقائق العقلية البرهانية.

وقد كان اعتماد الوحي عند صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم وتابعيهم بإحسان مع توفر العقل السليم هو السبيل إلى قيام حياة إنسانية تتحلى في كل جوانبها بالكمال – الممكن بشريا - آمنوا بهذا الدين في وعيهم، وتحققوه في حياتهم، فلم يكن وجودهما مشكلة، بل المشكلة في فقدهما، أو فقد أحدهما[13]. السلفية وقضايا العصر (ص199).

وإنما كانت المشكلة في افتراض العدائية والتعارض بينهما، ومن ثم ما ترتب على ذلك من مواقف؛ إما باطراح الوحي بالكلية واعتماد العقل لتتحرر الإنسانية وتستنير كما زعموا، وإما بالالتفاف على الوحي دون مصادمة، وتطويعه وتأويله أو تفويضه ليستسلم للعقل ويسايره، واشتراط موافقة العقل حتى نسلم له. هذا من جهة. ومن جهة أخرى هناك من ينادي باطراح العقل وإهماله؛ لأن كثيرا "من المتصوفة يذمون العقل ويعيبونه، ويرون أن الأحوال العالية والمقامات الرفيعة لا تحصل إلا مع عدمه، ويقرون من الأمور بما يكذب به صريح العقل ويمدحون السكر والجنون والوله، وأمورا من المعارف والأحوال التي لا تكون إلا مع زوال العقل والتمييز، كما يصدقون بأمور يعلم بالعقل الصريح بطلانها ممن لم يعلم صدقه"[14]. مجموع الفتاوى 3/338.

وفي مقابل هذا الشطط والانحراف من الطرفين وجد من الأفراد المنتسبين للسلف من لا يستعمل دلالة العقل، ورأى أن ذلك بدعة فأعرض عنها[15]، كما وجد منهم من رفعه فوق منزلته[16]، والمعصوم من عصمه الله. مجموع الفتاوى 16/251-253.، و19/160-162. المصدر نقسه 3/339.

وبين هؤلاء وأولئك كان المنهج السلفي الوسطي المعتدل، الذي يمثل وسطية الإسلام واعتداله، والمبني على فهم سلف الأمة لنصوص الشرع وتطبيقاهم العملية لها. لذا كان الرد على هذه الشبهة هو ببيان هذا المنهج من هذه القضية الخطرة والمتمثل فيما يلي:

أولاً: أن العقل المقصود هنا[17]، والذي يعنيه السلف في أطروحاتهم وتقريراتهم هو تلك الغريزة الإنسانية التي يعلم بها الإنسان ويعقل، وهي كقوة البصر في العين والذوق في اللسان، فهي شرط في المعقولات والمعلومات، وهي مناط التكليف، وبها يمتاز الإنسان عن سائر الحيوانات[18]. لأن العقل يطلق على أربعة أشياء: الغريزة التي يعقل بها الإنسان. العلوم الضرورية التي يفرق بها بين المجنون الذي رفع عنه القلم والعاقل المكلف. العلوم المكتسبة التي تدعو الإنسان إلى فعل ما ينفعه، وترك ما يضره. العمل بالعلم. وهو من لوازم العقل، وبه يفسر. ينظر: بغية المرتاد (ص260)، مجموع الفتاوى 9/286.، والعقل في الاستعمال الشرعي عقلان: الأول: عقل إدراك، وهو الذي يناط به التكليف، وهو ما يعنيه العلماء في العبادات والمعاملات أن من شروطها أن يكون عاقلا، وهو المعني في الحديث: "رفع القلم عن ثلاثة..."، وهو المقصود بالعلوم الضرورية، وهذا لا يلحق به مدح ولا ذم. الثاني: عقل الرشد، وهو الذي يحسن به المرء التصرف، وهو الذي تعلق به المدح والذم في القرآن الكريم مثل قوله تعالى: {أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا} [الحج:46]، ومثل: {إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ} [الرعد:4] ونحوها. ينظر: مجموع الفتاوى 3/338-339، درء التعارض 1/89.، مفتاح دار السعادة (ص120)، الأذكياء لابن الجوزي (ص23).

أما عند غيرهم ممن يسمون أنفسهم بالعقلانيين فلا يزال مفهومه عندهم غامضا، وهم أكثر الناس حيرة واضطرابا في تعريفه، بل حتى عند الغرب، مع كثرة الاتجاهات العقلية عندهم. وهذا ما اعترف به أحد كبار المنظرين العرب للعلمانية اليوم[19]. عادل ضاهر في كتابه أولية العقل نقد أطروحات الإسلام السياسي (ص18).

وهو عند طائفة من الفلاسفة: الإله[20]. المعجم الفلسفي (ص423).

وقال الجويني: "فإن قيل: فما العقل عندكم؟ قلنا: ليس الكلام فيه بالهين"[21]. البرهان 1/19.

والسؤال الذي يطرح نفسه؛ ما هو العقل الذي يوزن به كلام الله ورسوله؟ وأي عقولكم الذي تريدون أن يكون معيارا للنص الشرعي، ثم ما هو العقل المعاصر الذي يجب أن يحسب له ألف حساب، أهو عقل المسلم المؤمن إيمانا جازما بصحة ما ورد في النصوص الشرعية أم عقل المرتابين في دينهم المنهزمين نفسيا أمام مدنية الآخرين الدنيوية، أم عقل الكافر بدين الله تعالى وبكتابه وبرسوله صلى الله عليه وسلم[22]. ينظر: موقف الاتجاه العقلاني الإسلامي المعاصر من النص الشرعي (ص126).

ثانياً: والعقل عند السلف هبة من الله تعالى ومنة ربانية، أكرم الله به الإنسان وفضله به على كثير من خلقه وجعله مناط التكليف، وشرع له من الأحكام ما يكفل حمايته باعتباره أحد الضرورات الخمس التي أنزلت الشرائع بالمحافظة عليها، وحرم ما يضعفه أو يزيله أو يفسده.

ثالثاً: وللعقل عند علماء السلف أهمية كبيرة، فهو كما قال الشافعي: "آلة التمييز"[23]، وهو "آلة العلم وميزانه الذي يعرف به صحيحه من سقيمه، وراجحه من مرجوحه، والمرآة التي يعرف بها الحسن من القبيح"[24]. قواطع الأدلة في الأصول للسمعاني (ص249)، مجلة معهد المخطوطات العربية عام 1402، ، تحقيق: د. محمد حسن هيتو عن المنهج السلفي للزنيدي (ص233). مفتاح دار السعادة (ص120).

ولهذا فهو عندهم "شرط في معرفة العلوم، وكمال وصلاح الأعمال، وبه يكمل العلم والعمل، لكنه ليس مستقلا بذلك"[25]. مجموع الفتاوى 3/338-339.

رابعاً: والعقل عند السلف جزء من الإنسان المخلوق، ومن ثم فإن المعرفة الناتجة عنه تبقى دون العلم الذي يقدمه الوحي، إنه علم الإنسان أمام علم الله وهي معادلة واضحة وعقلية[26]. فهو غير معصوم من الزلل، وهو آلة إدراكية محدودة كمحدودية الحواس، لها حدود لا تتجاوزها، يقول الشاطبي: "إن الله جعل للعقول في إدراكها حدا تنتهي إليه لا تتعداه، ولم يجعل لها سبيلا إلى الإدراك في كل مطلوب، ولو كانت كذلك لاستوت مع الباري تعالى في إدراك جميع ما كان، وما يكون، وما لا يكون إذ لو كان كيف كان يكون؟ فمعلومات الله لا تتناهى، ومعلومات العبد متناهية، والمتناهي لا يساوي ما لا يتناهى"[27]. السلفية وقضايا العصر (ص197). الاعتصام 3/216.

خامساً: ومن احترام السلف للعقل أنهم لم يزجوا به فيما لا يحسنه، ولا يملك آلته، ولا يدخل في طوره، وإنما استعملوه فيما أمر الله تعالى باستعماله فيه؛ فإن الله تعالى وجه عقل المسلم إلى:

استمداده دينه من مشكاة النبوة، وبين أن ركونه إلى عقله، واعتماده عليه - وخاصة في المجال العقدي والأمور الغيبة - هلكة وضلال، وظنون وأهواء، قال تعالى: {إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الْأَنْفُسُ وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمُ} [النجم:23]، وقال تعالى: {فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ} [القصص:50]. والعقل السليم يقرر التسليم للنص الشرعي ويأبى المعارضة والرد لما ورد عن الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم.

تدبره وتفكره واعتباره في كتاب الله المتلو إيمانا وتصديقا وفهما وإدراكا، قال الله تعالى: {كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ} [ص:29]، وقال تعالى: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ ٱلۡقُرۡءَانَ أَمۡ عَلَىٰ قُلُوبٍ أَقۡفَالُهَآ﴾ [محمد:24]، وقد عاب الله تعالى على أهل الكتاب الذين لا يتدبرون الكتاب؛ فقال عز اسمه: ﴿وَمِنۡهُمۡ أُمِّيُّونَ لَا يَعۡلَمُونَ ٱلۡكِتَٰبَ إِلَّآ أَمَانِيَّ وَإِنۡ هُمۡ إِلَّا يَظُنُّونَ﴾ [البقرة:78]، والأماني: التلاوة المجردة، يعني من غير تدير لمعناه، قال ابن عباس: "يعني: غير عارفين بمعاني الكتاب"[28]، وقيل في معناها غير ذلك[29]. تفسير البغوي 1/69. تفسير الطبري 1/374.، والسمعاني 1/99.

تدبره وتفكره واعتباره في آيات الله المجلَّوة؛ في الكون، والحياة البشرية والمادية، والتعرف على سنن الله فيها، وتسخيرها للجنس البشري، قال تعالى: ﴿قُلِ ٱنظُرُواْ مَاذَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۚ وَمَا تُغۡنِي ٱلۡأٓيَٰتُ وَٱلنُّذُرُ عَن قَوۡمٖ لَّا يُؤۡمِنُونَ﴾ [يونس: 101]، وقوله تعالى: ﴿إِنَّ فِي خَلۡقِ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ وَٱخۡتِلَٰفِ ٱلَّيۡلِ وَٱلنَّهَارِ لَأٓيَٰتٖ لِّأُوْلِي ٱلۡأَلۡبَٰبِ﴾ [آل عمران:190]، وقوله: ﴿وَفِي ٱلۡأَرۡضِ ءَايَٰتٞ لِّلۡمُوقِنِينَ﴾ [الذاريات:20]، وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "تفكروا في آلاء الله، ولا تفكروا في الله"[30]. أخرجه الطبراني في الأوسط 2456، واللالكائي في شرح السنة 1/119.، والبيهقي في الشعب 1/75.، من حديث ابن عمر مرفوعا قال الهيثمي في المجمع1/81: "وفيه الوازع بن نافع وهو متروك".وأخرج نحوه أبو نعيم في الحلية 6/88-67.، وغيره من حديث أبي هريرة، وأخرجه البيهقي في الأسماء والصفات عن ابن عباس موقوفا (ص420).والحديث حتنه الألباني بجميع طرقه كما في الصحيحة ح(1788) 4/395.، صحيح الجامع ح(2972 و2973) 3/49.

سادساً: ولذا كان المكان الطبيعي للعقل من الوحي عند السلف أن يكون تحت الوحي، تابعا ومسترشًدا ومستبصرا ومستنيرا، فالوحي هو الحاكم والموجه وله السيادة، والعقل تابع يمارس دوره في حدود صلاحياته التي رسمها له الوحي، وفي ظل توجيهاته، ولا يمكن أن يستقيم سيره إلا من خلال هذه التبعية، فإن التزم بها أثمر وأبدع، وإن خرج عنها كان وبالا على نفسه وعلى من اتبعه.

بل إن العقل لا يمكن أن يستغني عن الوحي في الأمور الخارجة عن نطاقه "فإن اتصل به - أي بالعقل - نور الإيمان والقرآن كان كنور العين إذا اتصل بها نور الشمس والنار، وإن انفرد بنفسه لم يبصر الأمور التي يعجز وحده عن دركها، وإن عزل بالكلية كانت الأقوال والأفعال مع عدمه: أمورا حيوانية، قد يكون فيها محبة وذوق ووجد كما قد يحصل للبهيمة... والرسل جاءت بما يعجز العقل عن دركه، لم تأت بما يعلم بالعقل امتناعه"[31]، وإنما يكفيك من العقل "أن يعلمك صدق الرسول ومعاني كلامه"[32]. مجموع الفتاوى 3/339. درء التعارض 1/138.

سابعاً: إن اختلاق مشكلة تعارض العقل والنقل تزييف للحقيقة، مبني على تصورات خاطئة، مشوهة لكل من العقل والوحي على حد سواء، وهو في ظن المجتهد والناظر نفسه، وليس في واقع الأمر وهو "نتيجة جهلين عظيمين: جهل بالوحي، وجهل بالعقل، أما الجهل بالوحي فإن المعارض لم يفه مضمونه وما دل عليه، بل فهم منه خلاف الحق الذي دل عليه، وأريد به... وأما الجهل بالعقل فإنه لا يتصور أن العقل الصحيح يعارض الوحي أبدا، ولكن الجاهل يظن أن تلك الشبهة عقلية، وهي جهلية خيالية..."[33] لأنه لا يمكن وقوع التعارض بين حقيقتين، ولذلك لم يكن هذا التعارض مطروحا ولا معروضا عند الصحابة. ولو وجد شيء من التعارض بين ما ظنه وتوهه بعض الناس معقولا وبين الوحي. فالأمر محسوم عند السلف، فالمقدم هو الشرع، وهو الأسلم والأعلم والأحكم؛ لأنه الحق الذي لا يأتيه الباطل، ولا يتطرق إليه الشك، ولا يعتريه التنافر والتناقض فماذا بعد الحق إلا الضلال، والله تعالى هو الحق، وكلامه حق، ورسوله حق، وما خالف ذلك فهو الباطل المحض، الذي لا يقوم على صحته دليل، بل الأدلة الصحيحة التي تنتهي مقدماتها إلى الضروريات تدل على بطلانه. الصواعق المرسلة 4/1207.

والإيمان بالإسلام دينا وبمحمد صلى الله عليه وسلم نبيا ورسولا يقتضي التسليم المطلق له بدون معارض قال تعالى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤۡمِنُونَ حَتَّىٰ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيۡنَهُمۡ ثُمَّ لَا يَجِدُواْ فِيٓ أَنفُسِهِمۡ حَرَجٗا مِّمَّا قَضَيۡتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسۡلِيمٗا﴾ [النساء:65]، وقال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤۡمِنٖ وَلَا مُؤۡمِنَةٍ إِذَا قَضَى ٱللَّهُ وَرَسُولُهُۥٓ أَمۡرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ ٱلۡخِيَرَةُ مِنۡ أَمۡرِهِمۡۗ وَمَن يَعۡصِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ فَقَدۡ ضَلَّ ضَلَٰلٗا مُّبِينٗا﴾ [الأحزاب:36]، وقال تعالى: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تُقَدِّمُواْ بَيۡنَ يَدَيِ ٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦۖ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَۚ إِنَّ ٱللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٞ﴾ [الحجرات:1].

فتقديم العقل أو الذوق أو القياس على النص الشرعي تقدم بين يدي الله ورسوله، ولذا كان من الأصول المتفق عليها بين السلف من الصحابة والتابعين، ومن سار على نهجهم وطريقتهم أنه لا يقبل من أحد قط أن يعارض القرآن، لا برأيه ولا ذوقه ولا معقوله ولا قياسه ولا وجده[34]. بل والعقل السليم يقتضي ذلك. درء تعارض العقل والنقل 5/299-300.

يقول الشاطبي رحمه الله تعالى: "الواجب تقديم ما حقه التقديم وهو الشرع، وتأخير ما حقه التأخير وهو نظر العقل، فلا يصح تقديم الناقص المفتقر حاكما على الكامل المستغني، فهذا خلاف المعقول والمنقول"[35]. الاعتصام 3/228.

ويلزم من تقديم العقل على الوحي أحد أمرين لا مناص عن أحدهما وهو الطعن في الوحي، أو الطعن في علم الله تعالى الذي عارض القاطع العقلي، وكل واحد من القولين كفر.

ومن أصول الإيمان بنبوة محمد صلى الله عليه وسلم العظيمة التي لا يتحقق الإيمان إلا بها أصلان:

التسليم بكمال بلاغ النبي صلى الله عليه وسلم للدين في جميع مسائله ودلائله.

وجوب التسليم والأخذ بكل ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم من الدين بغير قيد أو شرط.

أما من اشترط انتفاء المعارض العقلي لقبول خبر الرسول صلى الله عليه وسلم "فهو في الحقيقة ليس مؤمنا بالرسول صلى الله عليه وسلم، ولا متلقيا عنه الأخبار بشأن الربوبية، فلا فرق عنده بين أن يخبر الرسول صلى الله عليه وسلم بشيء من ذلك أو لم يخبر به؛ فإن ما أخبر به إذا لم يعلمه بعقله لا يصدق به، بل يتأوله أو يفوضه، وما لم يخبر به إن علمه بعقله آمن به، فلا فرق عند من سلك هذا السبيل بين وجود الرسول وإخباره، وبين عدم الرسول وعدم إخباره، وكان ما يذكر من القرآن والحديث والإجماع في هذا الباب عديم الأثر عنده، وهذا قد صرح به أئمة أهل الطريق، وذكر أن من اشترط هذا الشرط فقد أشبه الذين قالوا: {لَنْ نُؤْمِنَ حَتَّى نُؤْتَى مِثْلَ مَا أُوتِيَ رُسُلُ اللَّهِ اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ} [الأنعام:124]"[36] شرح العقيدة الأصبهانية (ص40).

وذلك كقول متأخرهم؛ الرازي وغيره أن الأدلة النقلية لا يستفاد منها العلم ولا اليقين، إنما هي أدلة لفظية ظنية[37]. الأربعين في أصول الدين للرازي (ص416-418)، والمطالب العالية له 9/113-118.، وينظر: المواقف للإيجي مع شرحه 1/208.، وغاية المرام للآمدي (ص 123).

ثامناً: وبناء على كل ما تقدم فلا يمكن أن يكون التمسك بفهم السلف للنصوص الشرعية عائقا للعقل كابتا له - كما يتوهّمه بعضهم -، بل ضابطا له مصححا لمساره، فالمنهج السلفي المبني على فهم السلف الصالح للنصوص يقوم على ضبط عقل المسلم بإطارات غائية ومنهجية، وبأصول عقدية وخلقية وتشريعية، كما يقوم بتطهيره من الجوانب التي قد تعكر صفوه وتؤخر مسيره، ونحرف مساره من بدع وخرافات وفلسفات وأهواء. ثم هو بعد ذلك يدفع بالعقل لينطلق في الارتقاء والبناء تحقيقا للمصالح ودرء للمفاسد وتشييدا لبناء الأمة الحضاري المنشود[38]. ينظر: أبعاد غائبة عن الفكر الإسلامي المعاصر. طه جابر فياض العلواني (ص13) ضمن مجلة قضايا إسلامية معاصرة، عدد: 5،عام 1999م.

فهو مسلك وسط - كما هو شأنه في سائر أموره - يرفض المسلك الذي يغلو في تقدير العقل وتمجيده، وإعماله في غير مجاله الذي حدده له الشارع الحكيم، وإقحامه فيما ليس في مقدوره، كما يرفض إهماله والتقليل من قيمته وأهميته وتعطيله عن وظيفته التي خلقه الله لها وكلفه بها، كما تقدم.

فالسلفيون هم العقلانيون حقا[39]، الذين وضعوا العقل في إطاره الصحيح، واستعملوه فيما يبدع فيه، وحموه من المزالق والمتاهات التي قد تحرفه عن طريقه ومساره الصحيح. فمن "سلك الطرق النبوية السامية علم أن العقل الصريح مطابق للنقل الصحيح، وقال بموجب هذا وهذا"[40]، و"أن المعقول الصريح لا يدرك إلا على موافقة أقوال الرسل، لا على مخالفتها"[41]. لفضيلة الشيخ أ.د. جعفر شيخ إدريس مقالة بعنوان: "السلفيون هم العقلانيون" ساقها على صيغة حوارية رائعة بين متهم للسلف بالجمود وعدم العقلانية، وبين مدافع مبين للحقيقة. نشرت هذه المقالة في مجلة البيان في العدد: 248 شهر ربيع الثاني 1429ه. الصفدية. لشيخ الإسلام ابن تيمية 1/147. المصدر نفسه 2/111.

والإمام الشافعي - رحمه الله تعالى - إنما ألف كتابه "الرسالة" لتأصيل منهج التعامل العقلي مع الشرع. والإفادة منه في استنباط الأحكام وتطبيقها.

تاسعاً: أما الدعوة إلى محاكمة النص الشرعي إلى مقررات عقلية ذاتية، ترجع إلى قناعات فردية، واجتهادات ذاتية، وفهم كل واحد بحسبه فلا شك أنه موقف خطر يؤدي إلى زعزعة الثقة بالنص الشرعي وتعظيمه، ويفتح الباب لكل جاهل ومغرض ليتوصل منه إلى الطعن في الثوابت الشرعية، والتفلت من أحكامها.

ويزيد الأمر خطورة أن يصدر ذلك من المنتسبين للعلم والدعوة ممن ينتظر منهم دعوة الأمة إلى التمسك بدينها، والاعتصام بكتاب ربها وسنة نبيها صلى الله عليه وسلم، وتعظيم النصوص الشرعية، والتسليم لمقتضاها، والتحاكم إليها والعمل بها، وتقديمها على من عداها.

عاشراً: كما أن دعوى أن هذا المسلك يؤدي إلى توقف الإضافة العلمية وتكريس العقلية السكونية - التي ترى أن التغير الذي يحدث عبر التاريخ إنما هو تغير كمي وليس نوعيا - دعوى يردها تاريخ أتباع منهج السلف، والذي يبرز أن هذا المنهج هو رائد تنشيط الحركة العلمية، وفكها من أسار التقليد، والجمود، وتحرير العقل من سلطة الخرافة والأفكار المنحرفة[42]. ينظر: موقف الاتجاه العقلاني الإسلامي المعاصر من النص الشرعي (ص383).

والمتأمل لتاريخ الإنتاج العلمي للمسلمين يرى ذلك واضحا جليا، أمثال تصانيف ابن عبد البر، والنووي، وابن تيمية وابن القيم، وابن كثير والذهبي، وابن حجر، وابن مفلح، وابن رجب، ومحمد بن عبد الوهاب، والصنعاني، والشوكاني، وأمثالهم.

الحادي عشر: بقي أن نشير إلى أن هذه التهمة وهي أن المنهج السلفي ينكر الحجة العقلية ليس جديدًا، فهذا شيخ الإسلام ابن تيمية يذكر هذه التهمة ويرد عليها بقوله: "ومن العجب أن أهل الكلام يزعمون أن أهل الحديث والسنة أهل تقليد، ليسوا أهل نظر واستدلال، وأنهم ينكرون حجة العقل، وربما حكى إنكار النظر عن بعض أئمة السنة، وهذا ما ينكرونه عليهم"

قال: "فيقال لهم: ليس هذا بحق، فإن أهل السنة والحديث لا ينكرون ما جاء به القرآن، هذا أصل متفق عليه بينهم، والله قد أمر بالنظر والاعتبار والتدبر والتفكر في غير آية، ولا يعرف عن أحد من سلف الأمة ولا أئمة السنة وعلمائها أنه أنكر ذلك، بل كلهم متفقون على الأمر بما جاءت به الشريعة، من النظر والتفكر والاعتبار والتدبر وغير ذلك، ولكن وقع اشتراك في لفظ النظر والاستدلال ولفظ الكلام فإنهم أنكروا ما ابتدعه المتكلمون من باطل؛ نظرهم وكلامهم واستدلالهم، فاعتقدوا أن إنكار هذا مستلزم لإنكار جنس النظر والاستدلال"[43]. مجموع الفتاوى 4/55-56.

كما أنكر ابن القيم على من رد ما قاله الفلاسفة في بحوثهم الفلكية والطبيعية من حق وباطل، وظن أن من ضرورة تصديق الرسل رد ما علمه هؤلاء بالعقل الضروري، وعلموا مقدماته بالحس فنازعوهم فيه، وزعموا أن الرسل جاؤوا بما يقولون... إلى أن قال: "وضرر الدين وما جاءت به الرسل بهؤلاء من أعظم الضرر، وهو كضرره بأولئك الملاحدة، فهما ضرران على الدين؛ ضرر من يطعن فيه، وضرر من ينصره بغير طريقه"[44] . مفتاح دار السعادة 2/212.

الشبهة السادسة

أن التزام فهم السلف دافعه الحماس وتقديس الأشخاص، وغريزة حب الآباء والأجداد.

فيرى د. عبد الحميد أبو سليمان أن من أوجه القصور في الممارسة المنهجية ما وصفه بإضفاء القدسية على أقوال السلف فيما ورد عنهم من فهم واجتهادات، وإلحاقها بالسنة والوحي[45]. ينظر: أزمة العقل المسلم (ص94).

ويعلل د. محمد عمارة ذلك فيقول: "بسبب القداسة التي أضفاها المنهج السلفي على النصوص امتدت هذه القداسة إلى العصر الذي قيلت فيه تلك النصوص، وشاع في الحركة السلفية تعظيم الماضي، وزاد ذلك التعظيم كلما ازداد هذا الماضي إيغالا في القدم..."[46]. تيارات الفكر الإسلامي (ص139).

ويرى د. العلواني أن من أسباب ذلك: "غريزة احترام الآباء وتعظيم التراث، إضافة إلى تأثير بعض النصوص التي ربطت بين الماضي والخيرية"[47]. أبعاد غائبة عن الفكر الإسلامي المعاصر (ص43) مجلة قضايا إسلامية معاصرة.

ويقرر د. عبد الحميد أبو سليمان أنه لا سبيل إلى الاستفادة من فكر التراث بمنهجية إيجابية سليمة تهدف إلى خبرة وعلم أوسع لمعالجة قضايا العصر "ما لم تصف الرؤية والمفهوم الفكري لدلالة تراث العلماء من رجال السلف!! وتزل عنهم القدسية، وتنحصر بمنهج سليم في نصوص الكتاب وصحيح السنة"[48]. أزمة العقل المسلم (ص94).

جواب الشبهة السادسة:

تتلخص هذه الشبهة كما دلت عليه النقولات السابقة فيما يلي:

أن إضفاء "القداسة" على أقوال السلف، وما ورد عنهم قصور في الممارسة المنهجية.

أن هذه القداسة إنما هي بسبب تعظيم النصوص، وتأثير بعض النصوص التي ربطت بين الماضي والخيرية. وبسبب غريزة احترام الآباء والأجداد، وتعظيم التراث.

أنه لا سبيل إلى الاستفادة من فكر التراث إلا بإزالة هذه القداسة وتصفية الرؤية والمفهوم الفكري من رجال السلف.

والجواب على ذلك:

أولاً: إن هذه القداسة والتعظيم التي أضفاها المنهج السلفي على النصوص الشرعية إنما هي سمة من سمات هذا المنهج وخصائصه العظام التي يتميز بها عن بقية مناهج أهل الأهواء والبدع، التي أضفت هذه القداسة والتعظيم على أهواء البشر، في مقابل التهوين والتقليل من هيبة النص الشرعي، وتقديمه والتسليم له.

وهذا التعظيم والقداسة للنص الشرعي إنما هو ثمرة تعظيم الله تعالى وتقديسه وتعظيم رسوله صلى الله عليه وسلم واستجابة لأمره تعالى وأمر رسوله صلى الله عليه وسلم قال الله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤۡمِنٖ وَلَا مُؤۡمِنَةٍ إِذَا قَضَى ٱللَّهُ وَرَسُولُهُۥٓ أَمۡرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ ٱلۡخِيَرَةُ مِنۡ أَمۡرِهِمۡۗ وَمَن يَعۡصِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ فَقَدۡ ضَلَّ ضَلَٰلٗا مُّبِينٗا﴾ [الأحزاب:36]، وقال تعالى: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تُقَدِّمُواْ بَيۡنَ يَدَيِ ٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦۖ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَۚ إِنَّ ٱللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٞ﴾ [الحجرات:1]، وقال تعالى: {ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ} [الحج:30]، وقال تعالى: ﴿ذَٰلِكَۖ وَمَن يُعَظِّمۡ شَعَٰٓئِرَ ٱللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقۡوَى ٱلۡقُلُوبِ﴾ [الحج:32]، والنصوص في هذا المعنى يصعب استقصاؤها.

ثانيا: إن من تعظيم هذه النصوص حمايتها وحراستها من تحريف الغالين وتأويل الجاهلين وانتحال المبطلين، وهذا يقتضي فهم هذه النصوص على فهم حواريي رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه الذين شهدوا التنزيل، وتلقوه بلفظه ومعناه، غضا طريا من رسول الله صلى الله عليه وسلم، لم تشبه شائبة، ولم يتلطخ بأهواء البشر واجتهاداتهم. ثم أخذه عنهم كذلك تلامذتهم من التابعين وأتباعهم.

ثالثًا: إن الله تعالى قد شهد بفضل السلف الصالح وأثنى عليهم، كما شهد لهم الرسول صلى الله عليه وسلم بالفضل والخيرية. وأمر سبحانه ورسوله صلى الله عليه وسلم باتباع سبيلهم والاقتداء بهم، فأتباع المنهج السلفي يعظمون ما أمر الله ورسوله بتعظيمه وتقديمه.

رابعا: إن هذا التعظيم منضبط بالضوابط الشرعية العلمية التي تمنع من الانحراف إلى الغلو والعصمة والابتداع، أو الجفاء، والاستخفاف والازدراء.

خامسا: إن تعظيم فهم السلف لم يكن دون وعي - كما قال بعضهم – وليس لكونهم الآباء والأجداد، وإلا لامتدّ هذا التعظيم لمن قبلهم من المشركين كما فعل القوميون، أو لابتدأ بالخلف من الآباء والأجداد الأقربين، وقدم فهومهم على فهوم غيرهم من المتقدمين.

وإنما كان هذا التعظيم لاعتبارات وضوابط شرعية دلت عليها النصوص، وإجماع منعقد على فضلهم وتقدمهم في كل فضيلة، من علم وعمل وإيمان وعقل ودين وعبادة مما لا يدفعه إلا من كابر ما هو معلوم من الدين بالضرورة، وأضله الله على علم[49]. ينظر: مجموع الفتاوى 4/158.، وفي كلام الواسطية كلام رائق عنهم، رحمهم الله وسلك بنا سبيلهم وحشرنا في زمرتهم.

إضافة إلى دلالة المعقول والاعتبار الصحيح[50]. ينظر تفصيل ذلك: فهم السلف الصالح للنصوص الشرعية (ص71-88).

فهو مسلك مستنده الكتاب والسنة، ويؤيده العقل وإجماع الأمة[51]. كما تشهد له التجربة التاريخية. موقف الاتجاه العقلاني (ص387).

فالمتأخر لا يبلغ من الرسوخ في العلم الشرعي ما بلغه المتقدم، فتحقق الصحابة بعلوم الشريعة ليس كتحقق التابعين والتابعون ليسوا كتابعيهم[52]، وهكذا دواليك. ينظر: الموافقات 1/74.

ومن واقع التجربة أيضا أنك لا تجد مسألة خولف فيها السلف إلا وقد تبين أن الحق معهم[53]. ينظر: نقض المنطق (ص8).

كما أن ما كانوا عليه من الاتفاق في الاعتقاد وأصول الدين وأصول المنهج، والأحكام العملية الكبرى لمن أكبر الأدلة على أنه الحق، بل "وهل على الحق دليل أبين من هذا"[54]. الحجة في بيان المحجة لقوام السنة 2/224.

سادسا: إن أي منهج لفهم الكتاب والسنة لا يأخذ في الاعتبار فهم السلف الصالح لهما فهو منهج سقيم، يفتح الباب على مصراعيه ليتقول من شاء على الله تعالى ودينه ما شاء. ويصبح الدين ونصوصه ألعوبة بين أيدي أهل الأهواء؛ وفوضى، تتعدد معانيه بتعدد قرائه، وسينشأ منها دين، يمكن أن يسمى بأي اسم سوى الدين الإسلامي[55]. ينظر: القراءة الجديدة للنص الديني، د. عبد الحميد النجار (ص185). وينظر: مواقف العصرانيين الإسلاميين على النص الشرعي للباحث. ضمن كتاب: أصول أهل السنة والجماعة في التعامل مع النص الشرعي.

وسيلبس على الناس ما نزل إليهم، وستختلط البدعة بالسنة، والحق بالباطل، وسيفتح باب الاختلاف والتفرق المذموم الذي جاء الإسلام بوأده وسد كل طريق يؤدي إليه. ولأصبح القرآن عضين[56] وكان الناس شيعا كل حزب بما لديهم فرحون. أي مفرقا. المفردات (ص338).

وكل هذا مما يؤدي إلى إضعاف مكانة النص الشرعي، وإهماله، وهذا هدف رئيس لأغلب المذاهب المعاصرة التي تنادي بإعادة قراءة النص وفهمه.

سابعًا: في مقابل التقليل من شأن السلف؛ نجد عند أتباع هذه المدرسة التبجيل والتعظيم للخلف من المتكلمين والمتفلسفة، وتكرار الاستشهاد بأقوالهم، واعتماد منهجهم في التلقي والاستدلال كالجويني والغزالي وابن رشد والرازي ومحمد عبده، والأفغاني وغيرهم[57] كما تقدم، بل وملاحدة اليونان كأرسطو وأفلاطون، ثم كفرة الغرب المتأخرين. ينظر: موقف الاتجاه العقلاني (ص377).

كما نلحظ قلة الاستشهاد بآثار السلف الصالح من الصحابة وأتباعهم إلا إذا كانت تخدم ما يريدون تقريره، فنجدهم يحتفون بذلك، ويبدؤون ويعيدون، وقد يحملونه ما لا يحتمل، كاستشهادهم - حسب فهمهم - فيما ادعوه أن عمر رضي الله عنه قدم المصلحة على النص عام المجاعة[58]. مع أن فعل عمر رضي الله عنه لو صح ذلك عنه إنما هو إعمال لما ورد في الحديث: "ادرؤوا الحدود بالشبهات"[59]. مع أنه لم يصح هذا عن عمر[60] أصلاً، وعليه فلا حاجة إلى التوجيه، وإنما يصار إلى التوجيه لو ثبت[61]. ورد مرفوعا إلى النبي ص وأخرجه ابن عدي وغيره من حديث عمر بن عبد العزيز مرسلا. وأخرجه الترمذي في الحدود ح(1424) 1/33.، وضعفه الدارقطني في سننه (ص324) والحاكم في المستدرك 4/384-385.، والخطيب 5/331.، من حديث عائشة بإسناد ضعيف بلفظ: "ادرؤوا الحدود عن المسلمين ما استطعتم..." ضعفه الألباني في الضعيفة ح52197/222. والإرواء ح(2316 و1355) وضعيف الجامع (258 و259)، وقال السخاوي في المقاصد الحسنة 46: أخرجه ابن حزم في كتابه "الإيصال بسند صحيح". وقال الشيخ ابن باز رحمه الله تعالى: الحديث له طرق فيها ضعيف، لكن مجموعها يشد بعضها بعضا، ويكون من باب الحسن لغيره، ولهذا احتج بها العلماء على درء الحدود بالشبهات. الموقع الرسمي لسماحته ج(25). وأخرجه البيهقي في السنن (238) عن ابن مسعود موقوفا عليه بسند صحيح. أخرجه ابن أبي شيبة 10/27.، وعبد الرزاق في المصنف برقم (18990 و18991) بأسانيد ضعيفة، ولذا ضعفه الألباني في الإرواء ح(2428). كما تقدم في تخريجه أعلاه هامش. للدكتور محمد بلتاجي كتاب نفيس عن منهج عمر رضي الله عنه في التشريع ناقش هذه القضية مناقشة جيدة..

فهؤلاء ينطبق عليهم ما ذكره ابن القيم رحمه الله تعالى: "ولعله لا يسع المفتي والحاكم عند الله أن يفتي ويحكم بقول فلان وفلان من المتأخرين من مقلدي الأئمة، ويأخذ برأيه وترجيحه، ويترك الفتوى والحكم بقول البخاري وإسحاق... بل يرى تقديم قول المتأخرين من أتباع من قلده على فتوى أبي بكر وعمر وعثان وعلي وابن مسعود... - وذكر فقهاء الصحابة -، فلا يدري ما عذره عند الله إذا سوى بين أقوال أولئك وفتاويهم، وأقوال هؤلاء وفتاويهم، فكيف إذا رجحها عليها؟!"[62]. إعلام الموقعين 4/118.

ومن المعلوم أن الآثار والفتاوى السلفية "أولى بالأخذ بها من آراء المتأخرين وفتاويهم، وأن قربها إلى الصواب – من حيث الجملة - بحسب قرب أهلها من عصر الرسول صلوات الله وسلامه عليه وعلى آله، وأن فتاوى الصحابة أولى أن يؤخذ بها من فتاوى التابعين، وفتاوى التابعين أولى من فتاوي تابعي التابعين، وهكذا، وكلما كان العهد بالرسول أقرب كان الصواب أغلب، وهذا حكم بحسب الجنس لا بحسب كل فرد من المسائل... ولكن المفضلون في العصر المتقدم أكثر من المفضلين في العصر المتأخر، وهكذا الصواب في أقوالهم أكثر من الصواب في أقوال من بعدهم، فإن التفاوت بين علوم المتقدمين والمتأخرين كالتفاوت الذي بينهم في الفضل والدين"[63]. إعلام الموقعين 4/118.

وعلى كل فلكل خلف سلف. "والمرء على دين خليله، فلينظر أحدكم من يخالل"[64]، و﴿ٱلۡأَخِلَّآءُ يَوۡمَئِذِۭ بَعۡضُهُمۡ لِبَعۡضٍ عَدُوٌّ إِلَّا ٱلۡمُتَّقِينَ﴾ [الزخرف:67]. أخرجه أبو داود ح(4833) أدب: 16 والترمذي ح(2378) (زهد:45) وقال: "حسن غريب" وأحمد في المسند 2/334،303.، والبيهقي في شعب الإيمان، وحسنه الألباني في تخريجه مشكاة المصابيح ح(5019).

الشبهة السابعة

أن التزام فهم السلف اجترار للماضي، واستفتاء للأموات في شأن الأحياء... ونحوها من الألفاظ التي يفهم منها التنقص[1]. ينظر: أزمة الفكر الإسلامي المعاصر، د. محمد عمارة (ص57). وينظر: تيارات الفكر الإسلامي (ص125-127)، وموقف الاتجاه العقلاني المعاصر من النص الشرعي (ص363).

والجواب على هذه الشبهة من وجوه:

أولاً: أن أكثر من حمل لواء هذه الشبهة، وساقها مساق الانتقاص والازدراء هم غلاة العصرانية الذين يرفضون الاعتماد على الشريعة الإسلامية كليا أو جزئيا في تنظيم شؤون الحياة من العلمانيين، ومن يسمى باليسار الإسلامي، ومن على شاكلتهم ومنهم: عبد الله العروي، ومحمود أمين العالم، وجابر عصفور، ومعن زيادة، وحسين أحمد أمين... وأمثالهم[2]. ينظر: التراث وتحديات العصر في الوطن العربي (ص551)، الخطاب العربي المعاصر (ص65)، الإسلام والحداثة (ص180)، وينظر: السلفية وقضايا العصر للزنيدي (ص102).

وهؤلاء خارج حدود دراستنا هذه، لكن هناك من تأثر ولو جزئيا بهذه الشبهة ممن هو داخل في حدود دراستنا. كما تقدم.

ثانيا: أن هؤلاء جعلوا السلفية والماضوية تهمة وعيبا وعارا، تقليدا منهم للمفكرين الغربيين الذين جعلوا ترك الكنيسة ورجالات الدين وكل ما كان يمت إلى الدين بصلة - خاصة في العصور الوسطى عندهم - من أكبر عوائق النهضة الأوروبية الحديثة، فناصبوها العداء، والنفرة والتحرر، ولهم في ذلك ما يبرره، فجاء هؤلاء المقلدة من المفكرين العرب الذين يقيسون تاريخ أمتهم وواقعه على ما جرى في التاريخ الأوروبي ويسقطون بالتالي - الأحكام التي تصدق على التحولات الفكرية للغرب على أمتهم الإسلامية؛ دينا وتاريخا وواقعا[3]. مع البون الشاسع والفارق الكبير بين الحالين؛ بين الخرافة والحق، بين اجتهادات البشر وتخرصاتهم وبين الوحي الرباني المعصوم. ينظر: السلفية وقضايا العصر للزنيدي (ص101).

ثالثًا: أن هذه المنقصة في نظر هؤلاء عند النظر فيها بموضوعية وإنصاف ومنهجية سليمة تعد منقبة لأصحاب المنهج السلفي ف: "تلك شكاة ظاهر عنك عارها"[4]، وصحته تتجلى على مستويين: شطر من بيت لأبي ذؤيب الهذلي تمثل به ابن الزبير رضي الله عنه لما عيروه بأمه ذات النطاقين ومعناه: أي ارتفع عنك ولم يعلق بك، وشطره الأول: "وعيرني الواشون أني أحبها" ذكره البخاري في كتاب الأطعمة، باب: الخبز المرقق ح(5388).

على المستوى النظري: فهذا المنهج يقوم على الاعتصام بنصوص الوحي، وفق منهج من تلقاها قبل غيرهم، وهم سلف الأمة وخيارها وأعلمها وأعدلها، ولا شك أن هذا ماض مجيد، نفخر به ونعتز وفي نفس الأمر فهذه النصوص وفق هذا المنهج لا يحدها زمن، فالأخذ بها واجب على مر الزمان، وفق هذا المنهج حسبما يقرره العلماء المعتبرون.

أما على المستوى التطبيقي: فإن خير من تمثل هذا المنهج، وقام بتطبيقه واقعا ملموسا في هذه الحياة، هم صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم التابعون ثم تابعوهم، على وجه الإجمال.

والمقصود من ذلك منهجهم في فهم النصوص، وتنزيلها على الواقع، وهذا ما عناه الإمام مالك رحمه الله تعالى بمقولته المشهورة: "لا يصلح آخر هذه الأمة إلا بما صلح به أولها"[5]، وليس المقصود – بحال - الرجوع إلى وسائل عصرهم في الحياة العمرانية في أساليبها في الإنتاج والنقل، والتعليم، والتطبيب، وتشييد المدن، وتجهيز الجيوش، وبناء المدارس والمستشفيات والمصانع[6]، فهذه من المصالح المرسلة التي سخرها الله تعالى. الشفاء للقاضي عياض 2/71. قواعد المنهج السلفي، د. مصطفى حلمي (ص51).

بل إن من أعظم خصائص منهجهم ربط الحياة الواقعية بالشريعة عن طريق الاجتهاد، في تحقيق مناط الأحكام المبنية على النصوص الشرعية، وهذا مما يجعل هذا المنهج ممتدا عبر الزمان، مبرزا – بحق - صلاحية الشريعة وإصلاحها لكل زمان ومكان، وثبوتها وشموليتها[7]. ينظر: الموقف المعاصر من الفكر السلفي (ص529).، وموقف الاتجاه العقلاني الإسلامي المعاصر من النص الشرعي (ص383).

ومن هنا ندرك أنه لا تعارض بين الرجوع إلى الماضي وبين التقدم، بل نستطيع القول إن التقدم الحقيقي بمعناه المتكامل لن يتم لأمة الإسلام ما لم تتمسك بشريعة الإسلام كما أنزلها الله على نبيه صلى الله عليه وسلم، وتاريخ الإسلام شاهد على أن العلاقة بين التقدم والتمسك بالشريعة علاقة مطردة[8]. المصدر نفسه (ص383).

وعليه فما كان عليه السلف الصالح رضوان الله تعالى عليهم ليس منهجا فحسب ولا مذهبا فقط، بل هو منهج، قام عليه المذهب؛ منهج في فهم النصوص الشرعية والتعامل معها ظاهراً وباطنا، وتنزيلها على الوقائع والمستجدات يضبط الاجتهاد، ويضبط النظر والاستدلال.

ومذهب في الأمور الغيبية التي لا مجال فيها للاجتهاد وإعمال الرأي كمسائل العقيدة والصفات وسائر الأمور الغيبية. فلهم مذهبهم الثابت ونصوصهم وتقريراتهم لمثل هذه المسائل الثابتة التي لا تتغير ولا تتأثر بظروف الزمان والمكان.

ثم إنه لا يجوز أن نعتمد في هذه المسألة المقاييس المادية الصرفة، كما هو شأن المفهوم الغربي للتقدم والتأخر؛ لأن المقاييس الإسلامية تنظر للدنيا والآخرة، وتقوم على نطرة شاملة لما يصلح للإنسان وما يصلح في نفس الأمر[9]. موقف الاتجاه العقلاني الإسلامي المعاصر من النص الشرعي (ص383).

رابعًا: وبناء على ما تقدم فإن السلفية اليوم تقوم على:

دعوة الأمة المسلمة إلى الرجوع إلى ماضيها المشرق بالاعتصام بكتاب ربها وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم على فهم سلفها الصالح رضوان الله عليهم في العلم والعمل والسلوك والأخلاق والتعامل...إلخ.

الدعوة إلى نبذ كل ما ألحق بهذا الدين من موروثات الماضي إبان جمودها وتخلفها، وما ألحق بتراثها وتاريخها من بدع ومحدثات وخرافات أضيفت إلى الدين وهو منها براء، ودخلت إلى المسلمين إبان الفتوحات الإسلامية الشاملة من موروثات الأمم السابقة والجاهليات المتعاقبة. فتأثر بها بعض المسلمين وأضافوها إلى الدين، وتوارثوها جيلا بعد جيل حتى ظن كثير من الجاهلين أنها من صميم الدين وحقائقه.

فقامت السلفية بسل سيف الحرب على هذه الموروثات الباطلة بالدعوة إلى العودة إلى العقيدة الإسلامية في صفائها ونقائها وتوحيدها الخالص. وتخليصها من كل البدع والمحدثات، ويمثل هذه المقاومة في عصورها المتأخرة دعوة الشيخ محمد عبد الوهاب الإصلاحية، والدعوات والأفراد الذين جاؤوا من بعده يشاطرونه الرأي ويوافقونه في المنهج في تنقية العقيدة من هذه الموروثات الجاهلية.

كما تقوم أيضا بمقاومة الاختراق الغربي للعقل المسلم، أدى انبهار كثير من أبناء المسلمين بمنطق اليونان وفلسفة الإغريق إلى أن سرقوا بها وظنوها حقائق فاعتنقوها، وسعى كثير منهم جاهدين إلى تطويع حقائق الإسلام ونصوصه لهذه اللوثات الفكرية الوافدة. فقاوم علماء السلفية هذا الاختراق ووقفوا سدا منيعا أمامها، وكشفوا عوارها، وبينوا زيفها، ويمثلهم في ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى وتلامذته. ومن قبلهم الأئمة الكبار في ردودهم على الجهمية وسائر طوائف الفرق. ومن بعدهم من سار على منهجهم، واقتفى أثرهم في الذب عن الدين والذود عن حياضه.

واليوم يقف كثير من أبناء المسلمين في هذا العصر منبهرين بالثقافة الغربية وطروحاتها الفكرية، في مقابل ما تعانيه بلادهم من ركود وتحلف أدى إلى استحواذ هذه الثقافة على عقولهم، وسقوطهم أسرى هذه المدنية المادية إلى درجة التقديس، الذي يجعل بعضهم لا يرى سبيلاً للنهوض بأمتهم ولا لرقيها الحضاري إلا بالتقليد الكامل والأعمى للثقافة الغربية، والسلفية اليوم - في هذا المسار – تسعى - ونرجو أن تكون كذلك - لمقاومة هذا الاختراق، وترشيد العقل المسلم من خلال ربطه بتعاليم الوحي الإلهي التي يستكمل بها نضجه واستحضار هويته ليتفاعل بعد ذلك مع الفكر الوافد بنظرة واقعية ناقدة مبصرة، فيقبل ما صفى، ويطرح ما كدر. ويتفاعل مع واقعه بنظرة شرعية واعية، بلغت الآخرة، ولم تنس الدنيا، يستلهم منهج السلف الصالح في تعاملهم مع الحياة في إطار اعتصامهم بكتاب ربهم وسنة نبيهم صلى الله عليه وسلم وعلى ضوئها[10]. ينظر: السلفية وقضايا العصر (ص107).

فمرجع السلفية ليس الماضي بإطلاق؛ ولكنه شيء محدد مما قام في الماضي متمثلا في الكتاب والسنة، وفق الفهم الصحيح لهما والمتمثل في فهم الصحابة رضوان الله عليهم ومن تبعهم بإحسان.

وعليه فإن السلفية اليوم تنظر إلى الماضي فتأخذ وتستمسك بالجانب الإيجابي منه، ومن أولوياته فهم السلف الصالح رضوان الله تعالى عليهم للنصوص الشرعية وتطبيقاتهم الفكرية والعملية لها، وتطرح كل ما ارتبط بالماضي من سلبيات، لا تمت إلى الدين بصلة، وتسعى جاهدة لتنقية عقول وأفكار المسلمين من موروثات الماضي البائدة والدخيلة على دينها.

الشبهة الثامنة

أن فهم السلف من التراث. والتراث كلمة مجملة تحتمل حقا وباطلاً وصوابا وخطأ، فكذلك فهم السلف.

يقول د. القرضاوي: "إننا لسنا مع الذين يضفون القدسية أو العصمة على كل ما مضى، ولا مع خصوص الذين ينأون بجانبهم عن كل موروث، لا لشيء إلا لأنه قديم، ولكن لابد من التخير والانتقاء"[11]. الثقافة العربية الإسلامية (ص63).

ويشير إلى أن كلمة التراث قد أسيئ فهمها، ووضعت في غير موضعها، وذلك أن التراث يحتوي الحق والباطل، والصواب والخطأ، ومثل لذلك ببعض الروايات الإسرائيلية - خاصة في التفسير - وبعض كلام الفلاسفة، ومباحث علم الكلام، وبعض شطحات التصوف[12]. المصدر نفسه (ص63).

ويشير د. أبو المجد إلى التراث على أنه: تعبير غامض يشير إلى الناتج الحضاري للأمة... وهو مزيج من أمرين؛ من روح الإسلام ومبادئه ونصوصه وتوجيهاته، ومن أمور لا تتناهى عددا من ظروف البيئة وخصائص الشعوب والأمكنة، وملابسات الحوادث... إلى أن قال: "إننا نحتاج إلى فرز التراث من ناحية، وتجاوزه من ناحية أخرى، نفرزه لتعرف ما يعد منه إسلاما، وما يعد من عامة أصول الناس وظروف الزمان والمكان..". إلى أن يصل إلى القول: "ونتجاوزه، لأن من حق كل جيل - بل من واجبه - أن تكون له تجربته، وأن يثري بها النصوص، ويثريها بالنصوص، غير مقلد، وهو قادر على الاجتهاد"[13]. حوار لا مواجهة (ص43).

ويدعو د. طه العلواني إلى إعادة قراءة التراث قراءة نقدية تحليلية معرفية... وفق منهجية معرفية مع الاحتكام إلى الكتاب والسنة لنخرج من الرفض المطلق له، أو القبول المطلق، أو التلفيق والانتقاء العشوائي، وذلك لأن "التراث فكر نسبي مقيد بحدود الزمان والمكان"[14]. إسلامية المعرفة بين الأمس واليوم (ص26).

إلا أنه لا يبخس التراث حقه على اعتبار كونه منطلقا من نص موحى مطلق، يجعل نسبة الحقيقة فيه أكثر من ذلك الفكر المنفصل المنبت عن الوحي، ومع ذلك فإنه يرى وجوب وضع التراث في موضعه النسبي، حتى إنه - في نظره - لا يعدو أن يكون أفكارا أو معالجات وتفسيرات لواقع متغير[15]. إسلامية المعرفة (ص26).

الجواب على الشبهة الثامنة:

أولاً: دعوى أن التراث كلمة مجملة تحتمل حقا وباطلاً وصوابا وخطأ فهذه حق، وبها نقول إذا عنينا بالتراث معناه الشمولي وهو جميع ما ورثه المتقدمون من علوم ومعارف ورؤى واجتهادات معرفية...إلخ.

ثانيا: وبناء عليه فإن الواجب هو التفريق بين الحق والباطل، من هذا الموروث المعرفي، وبين الصواب والخطأ.

ثالثًا: لكن هذا التفريق لابد أن يقوم على مرجعية ثابتة، ومعيار دقيق، ومنهجية مستقيمة توزن بها هذه المعارف والموروثات، فيعرف الغث من السمين والحق من الباطل. لا أن يكون قائما على الانتقائية المبنية على الهوى، فيؤخذ من التراث ما يروق، ويرد ما عداه، كما هو حال هؤلاء العصرانيين.

رابعا: ومما لا خلاف فيه أن الوحي المعصوم بشقيه الكتاب والسنة هو المرجعية الأساس لهذا التمييز وهو معيار الحق المعصوم. وهو ما أمرنا الله تعالى بالرد إليه عند التنازع والاختلاف كما قال عز وجل : ﴿فَإِن تَنَٰزَعۡتُمۡ فِي شَيۡءٖ فَرُدُّوهُ إِلَى ٱللَّهِ وَٱلرَّسُولِ إِن كُنتُمۡ تُؤۡمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلۡيَوۡمِ ٱلۡأٓخِرِۚ ذَٰلِكَ خَيۡرٞ وَأَحۡسَنُ تَأۡوِيلًا﴾ [النساء:59]. ﴿وَمَا ٱخۡتَلَفۡتُمۡ فِيهِ مِن شَيۡءٖ فَحُكۡمُهُۥٓ إِلَى ٱللَّهِۚ﴾ [الشورى:10].

ويلحق بهذه المرجعية فهم الصحابة رضوان الله تعالى عليهم ومن تبعهم لهذا الوحي، وتطبيقهم العملي لما فهموه، وذلك بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو ما أشار إليه النبي صلى الله عليه وسلم لما ذكر الافتراق وتعدد مناهجه بين الميزان الشرعي الذي يعرف به الحق من الباطل بقوله صلى الله عليه وسلم: "ما أنا عليه وأصحابي"[16]. وهو سبيل المؤمنين الذين أمرنا الله تعالى باتباعه في قوله عز وجل: ﴿وَمَن يُشَاقِقِ ٱلرَّسُولَ مِنۢ بَعۡدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ ٱلۡهُدَىٰ وَيَتَّبِعۡ غَيۡرَ سَبِيلِ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ نُوَلِّهِۦ مَا تَوَلَّىٰ وَنُصۡلِهِۦ جَهَنَّمَۖ وَسَآءَتۡ مَصِيرًا﴾ [النساء:115]. إلى غير ذلك من الأدلة الدالة على ضرورة التزام فهمهم رضوان الله عليهم لهذا الوحي. أخرجه الترمذي في الإيمان ح 518/26.، قال: هذا حديث مفسر غريب، لا نعرفه مثل هذا إلا من هذا الوجه، وأخرجه الحاكم في المستدرك 1/129،128 وقد ورد الحديث من طرق يقوي بعضها بعضا. أما حديث الافتراق فهو حديث صحيح ينظر تخريجه في تخريج كتاب الشريعة ح121/178.، والآجري في الشريعة ح123/179.، وقد صححه الألباني في الصحيحة ح(203).

خامسا: وبناء على ما تقدم فإن فهم السلف الصالح لنصوص الوحي هو من التراث الحق لا الباطل، وفهمهم هو الفهم الأمثل لهذا الوحي الذي قام عليه التطبيق العملي للإسلام الذي يستحق أن يكون النموذج المحتذى لمن بعدهم للأسباب والأدلة الكثيرة المعروفة.

ويفصل شيخ الإسلام رحمه الله تعالى الموقف الشرعي من هذا التراث بقوله: "الحق الذي لا باطل فيه هو ما جاءت به الرسل عن الله، وذلك في حقنا يعرف بالكتاب والسنة والإجماع، وأما ما لم تجيء به الرسل عن الله، أو جاءت به لكن ليس لنا طريق موصلة إلى العلم به؛ ففيه الحق والباطل؛ فلهذا كانت الحجة الواجبة الاتباع: الكتاب والسنة والإجماع..."[17]. مجموع الفتاوى 19/5.

ثم بين أن هذه الحجة مبنية على أصلين:

أحدهما: أن هذا ما جاء به الرسول.

الثاني: أن ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم وجب اتباعه.

أما الأولى: فهي مقدمة علمية مبناها على العلم بالإسناد، والعلم بالمتن وذلك لأهل العلم بالكتاب والسنة والإجماع لفظا ومعنى، وإسنادا ومتتا، وأما الثانية فهي إيمانية، ضدها الكفر أو النفاق، وقد دخل في بعض ذلك طوائف من المتكلمة والمتفلسفة والمتآمرة والمتصوفة، وذلك لبعض الأمور القادحة في الرسالة... فذكرها.

ثم بين أن ما سوى ذلك فإما أن يكون مأثورا عن الأنبياء أولا؟

أما الأول: فيدخل فيه الإسرائيليات مما بأيدي المسلمين وأيدي أهل الكتاب وذلك قد لبس حقه بباطله قال النبي صلى الله عليه وسلم: "إذا حدثكم أهل الكتاب فلا تصدقوهم ولا تكذبوهم؛ فإما أن يحدثوكم بباطل فتصدقوه، وإما أن يحدثوكم بحق فتكذبوها"[18]. تقدم تخريجه في آخر الجواب عن الشبهة الثانية.

ولكن يسمع ويروى، إذا علمنا موافقته لما علمناه؛ لأنه مؤنس مؤكد، وقد علم أنه حق. وأما إثبات حكم بمجرده فلا يجوز اتفاقا...

وأما الثاني: مما يروى عن الأوائل من المتفلسفة ونحوهم، وما يلقى في قلوب المسلمين يقظة ومناما. وما دلت عليه الأقيسة الأصلية أو الفرعية، وما قاله الأكابر من هذه الملة، علماؤها وأمراؤها، فهذا التقليد والقياس والإلهام، فيه الحق والباطل، لا يرد كله ولا يقبل كله.. بل يقبل منها ما وافق الحق، ويرد منها ما كان باطلا[19]. مجموع الفتاوى 19/5-7.

وهذا ما كان يقوم به علماء المنهج السلفي قديما وحديثا من دراسة نقدية للتراث البشري، والإفادة من النافع الصائب - كفهم السلف للنصوص - وإطراح الضار الفاسد ككثير من الأفكار التي أدخلها المبتدعة وأهل الأهواء في تراث المسلمين وإن ظنوه فهماً ومذهبا للسلف.

وعليه فإن من التجني، وعدم المنهجية والعدل؛ التعامل مع التراث وكأنه وحدة واحدة، واعتبار فهم الصحابة وأتباعهم لنصوص الوحي من التراث المشتمل على الباطل، المسوغ لاطراحه والإتيان بفهم جديد لنصوص الشرع غاب عن جميع أهل القرون المفضلة، أو أن يكون قائما على الانتقائية غير المنضبطة القائمة على الهوى. أما أن تكون هذه الدعوى ذريعة لتجاوزه بالكلية فهذه تعني أن نبحث عن دين سوى الدين الإسلامي.

الشبهة التاسعة

أن فهم السلف مناسب ومتناسق لعصرهم، وقد تغير العصر، فلابد من تغير الفهم؛ لأن القرآن والسنة صالحان لكل زمان ومكان.

لذلك يدعو القرضاوي إلى العودة إلى الأصول والكليات السلفية، وليس إلى أقوال السلف الجزئية، فيقول عن الجزئية: "فهذه تتأثر بظروف الزمان والمكان والعوائد والأحوال، وهي تتغير بتغير موجباتها، ولهذا ندع بعض أقوال السلف لأنها كانت ملائمة لهم..." وهذا الكلام من حيث التنظير مسلم، لا إشكال فيه، وإنما يرد الإشكال في الجانب التطبيقي في الأمثلة التي أوردها تطبيقا لذلك فيقول: "ربما وجد في محيط الصحوة الإسلامية اليوم من يتشدد في تقصير الثوب، أو إطالة اللحية، أو لبس النقاب..." ثم أشار إلى أهمية هذه المظاهر في هذه المرحلة فقال: "وذلك مهم في هذه المرحلة لأنه من مظاهر التميز ودلائل التحدي.." وليس إلا! وكأنها لم ترد فيها النصوص الشرعية الصريحة والصحيحة الآمرة بذلك.

ثم يقرر بعد ذلك أن: "اتباع السلف يوجب علينا أن نجتهد لعصرنا كما اجتهدوا لعصرهم، وأن نفكر بعقولنا لتنظيم حياتنا كما فكروا هم بعقولهم، وأن نراعي زماننا وبيئتنا وأعرافنا... كما راعوا هم كل ذلك"[20]. الثقافة العربية الإسلامية بين الأصالة والمعاصرة (ص59،58).

ويعلل د. أحمد كمال أبو المجد ذلك ب"أن الأولين كانوا يجتهدون في إطار واقع لم تعد كثير من عناصره قائمة بيننا..."[21]، ويرى العلواني أن الدعوة إلى عدم تجاوز فهم أصحاب القرون الثلاثة الأولى للقرآن الكريم أنه توجه خطير، يحصر معاني القرآن في دائرة فهم زمن محدد، ومن في مستوى نسقهم المعرفي[22]. تجديد الفكر الإسلامي (ص42) ضمن بحوث التجديد في الفكر الإسلامي. ينظر: مناهج التجديد، تحرير: عبد الجبار الرفاعي (ص133).

ولذا فهو يدعو إلى تجريد وتنقية معارف وحيه من سائر آثار النسبية البشرية، التي أحاطت بمطلقه، وحجبت أنواره، وأخضعته لوحيها الذاتي وحكمت عليه بتاريخانيتها، وحكمت بمحكمه أيديولوجياتها، وثقافتها وأعرافها وتقاليدها وقاموسها اللغوي[23]. ينظر: أزمة الإنسانية، ودور القرآن في الخلاص منها (ص82).

كما يقرر د. جمال الدين عطية أن هذه الاجتهادات كانت استجابة لظروف زمانية ومكانية مختلفة عن ظروفنا الحالية، وإننا بحاجة إلى اجتهادات جديدة تراعي ظروفنا، وتعالج مستجدات الأمور[24]. نحو فقه جديد للأقليات (ص64).

الجواب على الشبهة التاسعة:

أولاً: إن هذه الدعوى تفتح الباب أمام العلمانيين الذين ينادون بتاريخية النص[25] "والتاريخية الجزئية التي يراد بها إخضاع النص لأثر الزمان والمكان والمخاطب مطلقا" وهذا ما يؤدي إلى أن أحكام الشريعة نسبية وليست مطلقة، وأنها أحكام تتعلق بوقائع وحوادث جزئية، ولذلك اجتهدوا في توظيف بعض علوم القرآن لتكون أساسا ومبررا لقبول تاريخية النص الشرعي كأسباب النزول، والناسخ والمنسوخ، والمكي والمدني، ونحوها. ويرادها: إخضاع الوجود بما فيه لرؤية مادية زمانية مكانية قائمة على الحتمية والنسبية والصيرورة، وبناء على ذلك فليست الأديان والوحي إلا تجليات لتطور العقل عبر التاريخ والتجارب، ينظر: موقف الاتجاه العقلاني الإسلامي (ص462).

وبهذه الدعوى الباطلة، وبحجة تغير الواقع المعاصر عن الواقع الذي جاءت فيه تلك النصوص يتم تعطيل أحكام الشريعة وتكون غير ملزمة لمن يأتي بعد عصر التنزيل[26]. ينظر: التاريخ والتجديد، لحسن حنفي (ص157،62).

هذا يؤدي إلى انتهاك قدسية النص الشرعي ليتحول من حاكم إلى محكوم، وتكون المرجعية للإنسان والواقع، ويكون النص الشرعي مجرد غطاء للتبرير، وعليه أن يرضخ للواقع، وإلا فلن يكون صالحا لكل زمان ومكان بزعم أصحاب هذه الدعوى الزائفة[27]. ينظر: العلمانيون والقرآن (ص847)، وموقف الاتجاه الفلسفي المعاصر من النص الشرعي (ص465)، وموقف الاتجاه العقلاني الإسلامي المعاصر من النص الشرعي (ص466).

ثانيا: ومع أن أصحاب الاتجاه العصراني الإسلامي- موضوع دراستنا - قد تصدوا وردوا على هذه الدعوى - أعني: تاريخية النص[28] إلا أن آثارها قد ظهرت في كثير من طروحاهم[29]، وتم إعمالها في بعض المسائل التطبيقية[30] التي قد يفهم منها القول بتاريخية جزئية ببعض النصوص. منهم د. القرضاوي في كتابه: كيف نتعامل مع القرآن (ص63-65)، ود. محمد عمارة في كتابه: سقوط الغلو العلماني (ص18-22)، وممن تصدى لها ورد عليها: د. عبد المجيد النجار في كتابه: خلافه الإنسان (ص108-110)، وفقه التدين 1/71،70. ينظر: إسلامية المعرفة بين الأمس واليوم، د. العلواني (ص23،22)، والنظرية الإسلامية للعلاقات الدولية، د. عبد الحميد أبو سليمان (ص157-161). ويبدو أن مدرسة: "الإسلام اليوم" هي من هذا القبيل!! ينظر بحث: تجديد الفكر الإسلامي، د. أبو المجد (ص49)، وحوار لا مواجهة (ص44)، وينظر من فقه الدولة في الإسلام، د. القرضاوي (ص175،67) وغيرها.

وقد أشاد بعضهم بالمعتزلة لتفطنهم للمنهج التاريخي في نقد الأخبار "حيث تقرأ متون الروايات على ضوءا لظروف والملابسات"[31] . السلطة في الإسلام لعبد الجواد ياسين (ص119).

ومن أبرز مظاهر هذا الأثر هو طعنهم في القاعدة الشرعية القائلة العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب وهي قاعدة أصولية تجمع بين عموم اللفظ وبين سبب النزول، فتفسر اللفظ العام في ضوء سبب النزول عندما يوجد - وهو قليل - وقد دل عليها الشرع واللغة وأجمعت عليها الأمة[32]. وهذا ظاهر في الطعن فيها صراحة، أو عند تفسيرهم للنصوص. ينظر: الإسلام في مواجهة التحديات (ص207)، وكيف نتعامل مع القرآن العظيم (ص252)، وموقف الاتجاه العقلاني الإسلامي المعاصر من النص الشرعي (ص469).

وممن ضعف هذه القاعدة د. الغنوشي[33]، كما أن ممن شكك فيها د. القرضاوي[34]. الحريات العامة في الدولة الإسلامي (ص129). من فقه الدولة في الإسلام (ص175).

ومن لوازم توهين هذه القاعدة وربط النصوص بأسبابها فتح الباب أمام أهل الأهواء لتحديد ما يؤخذ وما يرد من أحكام الشريعة حسب أهوائهم، فترد النصوص بدعوى أن تلك الأحكام جاءت لأسباب خاصة، وهذا ما يفقد الشريعة شمولها وخلودها.

وهذا ما صرح به العصرانيون الإسلاميون والعلمانيون. فذهب د. فهمي هويدي إلى أن دراسة أسباب ورود الحديث: سوف يسمح بتحديد الالتزام بكل حديث، وسيرفع حرجا عن المسلمين، يعانون منه نتيجة اللبس القائم في هذا المجال[35]. ينظر: القرآن والسلطان (ص58).

بينما يقول خليل عبد الكريم – العلماني اليساري-: "إنها سوف ترفع الحرج والعنت عن المخاطبين بتلك النصوص اليوم، لأنها نصوص تاريخية"[36]. شدو الربابة في أحوال الصحابة (ص86)، وينظر: النص- السلطة - الحقيقية لحامد أبو زيد(ص139).

يعني أن العمل ببعض الأحاديث محرج للمسلمين، وهذا المخرج يعفيهم من العمل بها، وبهذا يرتفع الحرج عنهم!!

وهذا للأسف حال من يصطدم عقله ورأيه وهواه مع النص الشرعي، فيظل يبحث عن مخرج من هذه الأزمة؛ لأن إلغاء النص بدون سبب لا يقبل عنده إن كان إسلاميا، وإن كان علمانيا فلا يقبل ذلك عند قرائه، ممن يعظمون النص الشرعي في الجملة[37]. موقف الاتجاه العقلاني الإسلامي المعاصر من النص الشرعي (ص490).

ثالثًا: أن هذه الدعوى مبنية على ما أحدثه بعض المعاصرين من مفهوم جديد لقاعدة "تغير الفتوى بتغير الزمان" فجعلوها بمعنى تغير الحكم الشرعي بتغير الزمان. وهذا المفهوم الجديد لا أصل له عند السلف الصالح وما نسب للإمام الشاطبي والإمام ابن القيم[38] في هذا المعنى لا يدل على هذا المفهوم الحادث عند العصرانيين، ومعلوم الفرق بين الحكم الشرعي والفتوى. عقد ابن القيم فصلا في إعلام الموقعين 3/3.، بعنوان: (في تغير الفتوى واختلافها بحسب تغير الأزمنة والأمكنة والأحوال والنيات والعوائد) لكن حمل الناس كلام ابن القيم ما لا يحتمله كدعواهم تقديم المصلحة على النص عنده رحمه الله وحاشاه من ذلك.

فالشريعة ثابتة، كليات وجزئيات، وما كان حكما لله تعالى فهو كذلك إلى يوم القيامة الواجب واجب، والمندوب مندوب، والحرام حرام، وتغير الفتوى إنما هو بحسب تغير اجتهاد المجتهد، وبحسب تحقيق مناط، واختلاف وقائع، لا تغير في أحكام الشريعة ولا اختلاف[39]. ينظر تفصيل ذلك في: الثبات والشمول في الشريعة الإسلامية (ص447-489).

لذا فهذا التغير مقتصر على بعض الفتاوى المتصلة بالمعاملات دون العبادات، والتغير أوجبه عندهم تغير المصالح والأعراف والعادات إذا كان مما يلحظ فيه ذلك، ولذا فالفتوى تقسم باعتبار ثباتها إلى نوعين:

الأول: لا يتغير عن حالة واحدة هو عليها لا بحسب الأزمنة ولا الأمكنة ولا اجتهاد الأئمة...

والآخر: ما يتغير بحسب اقتضاء المصلحة له زماناً ومكاناً وحالا كمقادير التعزيرات وأجناسها[40]، وبحسب تحقيق مناط الحكم، وتحقيق المصلحة ومراعاة العرف فيه إذا كان مما يلحظ فيه ذلك كما تقدم. ينظر: إغاثة اللهفان 1/330.

وعليه فإن تغير الفتوى لهذه الاعتبارات ليس تغييرا للحكم الشرعي، بل هو تغير في مناط الحكم أنتج واقعة جديدة تحتاج إلى فتوى غير الأولى وهذا دليل على عدل الشريعة ومراعاتها لاختلاف الوقائع والأحوال، |كيف لا وهي من لدن حكيم عليم فهو سبحانه أحكم الحاكمين وأعدل العادلين.

رابعا: إنه ما من مسألة من مسائل الدين إلا وقد تكلم فيها السلف[41]. مجموع الفتاوى 13/27.

وهذه المسائل على نوعين:

أ- مسائل علمية يجب الإيمان بها، مثل الأسماء والصفات، والملائكة واليوم الأخر ونحوه من الغيبيات، فهذه المسائل لا علاقة لها بتغير العصر.

ب- مسائل الأحكام العملية، فهذه يحقق مناط الحكم فيها وفقا لمنهج السلف والأئمة في ذلك. ومن ثم تغير الفتوى فيها متوقف على تحقيق المناط[42]، والمناط قد يتغير في العصر الواحد. وعليه فلا علاقة بين تغير الفتوى وتغير العصر. تنقيح المناط: هو أن يذكر المجتهد الوصف المعتبر في الحكم من غير المعتبر وإثبات الوصف المعتبر وهو الوصف الذي يصلح للتعديل، وتخريج المناط: هو بحث المجتهد عنه وإظهاره عن طريق الاستنباط والاجتهاد، وتحقيق المناط: هو تنزيله على تلك الواقعة بعينها ولذا، فالتنقيح: الحكم الأصلي، والتخريج: هو البحث والاجتهاد، والتحقيق: هو التطبيق على النازلة المعينة، ينظر: الموافقات 4/60،57.، وينظر: الثبات والشمول في الشريعة (ص228-235).

خامسا: إن المشابهة بين الناس في العادات والأحوال التي تمر بها البشرية في شتى أعصارها أمر مسلم به، وهذه العادات والأحوال تكاد تكون محصورة، من حيث إمكانية تحديد أوجه الشبه بينها، حتى وإن لم يمكن حصر جزئياتها وأفرادها، وذلك لأن البشر يشتركون في طبيعة الإنسان عقلا وروحا وجسدا... إلى غير ذلك من أوجه التشابه، فإذا كان الأمر كذلك أمكن جمع أطراف هذه الوقائع وجزئياتها، عن طريق رد المتماثلات إلى بعضها، ثم تربط بالأصول الشرعية كل حسب ما يشبهه، ويكون الاجتهاد هنا اجتهادا في تحقيق المناط[43]. وهو تنزيل الحكم الشرعي المستنبط من النص على تلك الواقعة المعينة المشخصة. يقول الشاطبي: "ولو فرض ارتفاع هذا الاجتهاد لم تنزل الأحكام الشرعية على أفعال المكلفين إلا في الذهن... فلا يكون الحكم واقعا عليها إلا بعد المعرفة بأن هذا المعين يشمله ذلك المطلق، أو ذلك العام". موقف الاتجاه العقلاني المعاصر من النص الشرعي (ص387،386).

فالقضايا المستجدة والحادثة ليست بحاجة إلى فهم جديد للنص يختلف عن فهم السلف، وإنما تحتاج إلى فقيه يفهم النص على حقيقته كما فهمه السلف ثم ينقح العلة - التي هي المناط - من ذلك الحكم الذي دل عليه النص، ويخرجها ويبينها، ثم يحققها على هذه القضية المستجدة التي تحتاج إلى بيان الحكم الشرعي فيها. وهذه مهمة الفقيه في كل زمان ومكان.

الخاتمة

بعد استكمال هذا البحث، والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات، يحسن بالباحث أن ينبه إلى أبرز النتائج التي ظهرت له من خلاله، ومن أهمها:

أولا: نتائج القسم الأول:

أن ألفاظ الفهم والفقه والعلم متقاربة المعاني إن لم تكن مترادفة، والفهم التام هو ثمرة التدبر والتأمل بعد فهم التفسير، والتفسير المنقول عن السلف هو الكاشف عن بعض فهمهم للآيات القرآنية.

أن الفهم نوعان: الأول: ذهني معرفي وهو فهم الخطاب الشرعي لتقوم به الحجة على المكلف، ويشمل تفسير الغريب واستنباط الأحكام، وآلته علم العربية والمعاجم. والآخر: قلبي إيماني: ينكشف للمتأمل والمتدبر حين يمعن النظر في النصوص الشرعية، وآلته زكاة النفس وقوة الإيمان، وهو ثمرة للنوع الأول وناتج عنه.

أن مصطلح السلف له إطلاقان: الأول: إطلاقه على الحقبة التاريخية لصدر هذه الأمة، وهم الصحابة والتابعون وأتباع التابعين الذين شهد لهم النبي ص بالخيرية، وهذا هو المعني في هذا البحث. الثاني: المصطلح المنهجي: وهو كل من كان على ما عليه النبي ص وأصحابه من أمور الدين، وذلك شامل لما كانوا عليه في الاعتقادات والعبادات والمعاملات والسلوك والأخلاق وإن تأخر بهم الزمان، وهذا المصطلح هو المرادف لمصطلح "أهل السنة والجماعة". وهو الذي يجوز أن ينتسب إليه المتأخرون بشرط التزام منهج السلف المتقدمين في التلقي والاستدلال والقول بقولهم وما فهموه من مسائل الاعتقاد والأصول التي تميزهم عن أهل الأهواء والبدع.

أن المراد بفهم السلف هو: ما علمه وفقهه واستنبطه الصحابة والتابعون وأتباعهم من مجموع النصوص الشرعية أو أفرادها مرادًا لله تعالى ولرسوله ص مما يتعلق بمسائل الدين العلمية والعملية، مما أثر عنهم بقول أو فعل أو تقرير بشرط عدم المخالف من نص أو قول مماثل.

ضرورة التفريق بين ما كان فهما وقولا لبعض السلف وبين "فهم وقول السلف"، فالثاني يقتضي إجماعهم أو اتفاق جمهورهم مع عدم وجود المخالف منهم، بينما الأول يدخل فيه اجتهاد أفرادهم في بيانهم لبعض الأحكام الجزئية، أو تفسيراتهم لبعض الآيات القرآنية التي اختلفوا فيها وتعددت أقوالهم، أو لم يشتهر ذلك عنهم، أو جانب بعضهم الصواب فيها.

أن الوقوف على فهم السلف للنصوص الشرعية هو المتعين على طالب العلم المريد للحق بعد الوقوف على نصوص الكتاب والسنة.

أن أكبر أسباب الابتداع في الدين والانحراف عن المنهج الحق (الوسط) والوقوع في الغلو والإفراط أو في الجفاء والتفريط قديما وحديثا هو الانحراف في فهم النصوص الشرعية، والتفلت من فهم السلف لها. ولذلك ظهرت بعض التيارات الفكرية المعاصرة والمنابذة للحق.

أن منشأ أكثر الشبهات التي تصرف الناس عن الحق هو الخطأ في الفهم للدليل الشرعي، فيفهمه الإنسان على غير مراد الله تعالى ومراد رسوله ص. وقد يكون بسبب الذهول عن الدليل أصلاً وعدم الوقوف عليه أو لاعتقاد معارض راجح.

أن الضابط للفهم الصحيح للنصوص الشرعية هو متابعة فهم السلف الصالح لها.

أن كل اعتقاد وعمل تعبدي فهو مبني على ما فهمه المتعبد من النصوص الشرعية مرادا لله ورسوله ص إن صوابا أو خطأ، ولذا فاعتقاد السلف وتعبدهم مبني على ما فهموه مرادا لله ورسوله. والاعتقاد والتعبد المخالف لما كانوا عليه فهو محالف لما فهموه مرادا لله ورسوله، وما تركوه مع وجود المقتضي فهو مما لم تدل عليه الأدلة الشرعية بحسب فهمهم، وليس مرادا لله ولرسوله عندهم فهو إذا ليس من الدين في شيء عندهم، وليس عليه أمر الله ورسوله ومن ثم فهو رد، وعليه فكل فهم في العقيدة لم يفهمه السلف فهو محدث باطل.

أن اتباع السلف في فهمهم أصبح شعارا لأهل السنة والجماعة، وأصلا من أصولهم، كما أن شعار أهل البدع هو ترك انتحال اتباع السلف.

أن القول باعتماد ما أجمع عليه السلف من فهم نصوص الكتاب والسنة ليس إغلاقا لباب التدبر في كلام الله تعالى كما أمر عز وجل، فكلام الله تعالى لا تنقضي عجائبه، فهناك مساحات شاسعة للتدبر من جهة دلالة النصوص على بعض المعاني الأخرى، ومن جهة استنباط الأحكام المستجدة، ومن جهة ثالثة نظر إلى القارئ لحاله مع هذه الآيات، وأين موقعه من تطبيقها أو انطباقها عليه وهذا جانب مهم من التدبر، وهو ما غفل عنه كثير من طلبة العلم فضلا عن غيرهم.

تختلف حجية قول آحاد السلف فيما إذا كان عن صحابي أو من دونه، وإذا كان مجمعا عليه أو لا. وإذا كان خالفه غيره منهم أو لا. وكلما كان العهد إلى الرسول أقرب كان الصواب أغلب، وهذا حكم بحسب الجنس لا بحسب كل فرد، ففهم الصحابة أولى من فهم التابعين، وفهم التابعين أولى من فهم أتباع التابعين.

فهم السلف يشمل فهمهم للأصول الكلية لأصول الدين وفروعه، كما يشمل فهمهم لنص شرعي بعينه، ويشمل الاجتهاد في مسألة من المسائل التي لم يرد فيها نص أيضا.

الاقتداء بفهم السلف يتناول تلك المسائل التي بين فيها السلف فهمهم بقول أو فعل أو تقرير، كما يشمل الاقتداء بهم في مسالك العلم والعمل ومناهج الاستدلال وترتيب الأدلة، وطريقة النظر في مسائل الخلاف والترجيح.

أن السلف الصالح قد وجدوا أنفسهم بعد الفتوحات أمام حوادث وأعراف ومستجدات لا تنتهي ومجتمعات مختلفة وألسنة وثقافات متعددة، فاجتهدوا في استنباط الأحكام وسبل التعامل معها من الكتاب والسنة بما يبين الحق ويزيل الشبهة إيمانا منهم بأن الكتاب والسنة صالح ومصلح لكل زمان ومكان، وفيهما الغنية عما سواهما فلم يحوجهم ذلك إلى رأي فلان ولا إلى الفلسفة والمنطق اليونانيين.

أن كثيرا من المخالفين للسلف من كبار أهل الكلام وغيرهم رجعوا إلى الوحي وإلى ما فهمه السلف بعد أن ذاقوا مرارة البعد عنه، وعلموا ضياع أنفسهم حين نأوا عنه، وأقروا على أنفسهم بالخطأ.

أن علم السلف الصالح أتم وأحكم، وأعلم وأسلم ممن جاء بعدهم؛ لأنهم كانوا أعرف الناس بالحق وأدلته، وبطلان ما يعارضه، فلهذا - ولاعتبارات أخرى كثيرة - كان نفهمهم لنصوص الشريعة مقدما على فهوم من بعدهم.

أن للسلف الصالح من الخصائص والميزات التي لا تجتمع في غيرهم ما يوجب تقديم فهمهم على فهوم المتأخرين، كسلامة مصادرهم في التلقي، وحرصهم على العلم وفهمه والعمل بما عملوه، ومشاهدتهم الوحي والتنزيل مما أورثهم مزيد فهم لا يشاركهم فيه غيرهم، كما أنهم أعظم الناس عقلاً وفهما وحسا وإدراكا وذلك ثمرة قوة إيمانهم وتقواهم.

أن السلف أعلم الناس بلغة القرآن ولغة نبيهم ص، ولغتهم هي اللغة المعتمدة في فهم النصوص الشرعية دون اللغة الحادثة، وما طرأ عليها في العصور التالية من دلالات الألفاظ مما لا ينبغي تحكيمه في فهم القرآن الكريم.

أن من موروث السلف ما عده العلماء "سنة"، ولذلك لاقى من العلماء ما يليق به من العناية والحفظ والتدوين.

أن الأمر باتباع السلف الصالح والحث عليه قد دلت عليه الدلائل الكثيرة من القرآن الكريم والسنة النبوية وموروثات السلف أنفسهم ومن جاء من بعدهم من أئمة الهدى ودين الحق المقتدى بهم. وكذلك دل عليه الإجماع والعقل والاعتبار الصحيح.

جواز استنباط معان وفهوم ودلالات جديدة من النصوص لم ينص عليها السلف الصالح لكن بشروط وضوابط من أهمها: ألا يعارض هذا المعنى ما فهمه وفسره السلف الصالح به النص.

أن التأويل المذموم -عند المتأخرين - هو ثمرة الفهم السقيم للنصوص الشرعية المخالف لفهم السلف الصالح.

أن فهم السلف هو السبيل الوحيد لمعرفة مراد الله ومراد رسوله ص، وهو الحاسم لمادة الابتداع المغلق لبابها الضابط في معرفة السنة من البدعة، العاصم من الفرقة والاختلاف المورث للطمأنينة النفسية القاضي على عوامل الشك والارتياب.

ثانيًاً: نتائج القسم الثاني:

خطورة التهوين من مكانة أدلة الشرع ونصوص الوحيين ودلالته بتوسيع دائرة الظنية وتعميمها أو افتراض إمكانية معارضته بأي معارض.

خطورة استحداث مفاهيم جديدة للنصوص الشرعية تخالف ما كان عليه السلف الصالح رضوان الله عليهم لما يترتب على ذلك من مخالفتهم في العلم والعمل بهذه النصوص.

مع التسليم بالتفريق بين الشريعة والفقه على اعتبار أن الأولى هي النصوص الشرعية والثانية هي اجتهاد الفقهاء إلا أنه لا يصح أن يتخذ ذريعة للتهوين من الفقه، أو التبرير لإعادة النظر في الأحكام الشرعية التي أطبق عليها علماء الأمة المتقدمون، أو دلالات النصوص، أو في سياق الدعوة إلى تجديد الخطاب الديني واستحداث مفاهيم جديدة للنصوص الشرعية مسايرة للعصر.

أن أكثر الخلاف الواقع بين السلف في فهم النصوص إنما هو من اختلاف التنوع لا اختلاف التضاد، وما وقع بين بعضهم من اختلاف التضاد مع قلته وندرته فلا يكون قول بعضهم حجة على بعضهم الأخر، وإنما يرد ما تنازعوا فيه إلى الكتاب والسنة ويرجح ما رجحه الدليل، كما لا يكون مبررا لاطراح ما أجمعوا عليه، أو اشتهر عنهم من فهم للنصوص الشرعية.

أن التمسك بفهم السلف للنصوص من أقوى العوامل الداعية إلى الاجتهاد المنضبط، وإلى محاربة التقليد من غير دليل، وأن الملتزمين بفهم السلف للنصوص هم الذين فتحوا باب الاجتهاد المنضبط بعد إغلاقه، وهم الذين حاربوا التقليد والتبعية بغير دليل، ولا برهان، إلا أنهم لم يتركوا الحبل على الغارب ليدعي كل مدع ما شاء في كلام الله تعالى، ويتلاعب بدينه وشرعه باسم الاجتهاد.

أن التزام فهم السلف الصالح للنصوص الشرعية يدعو إلى تدبر القرآن الكريم، ويحث عليه ويضبطه، ويبين شروطه ومجالاته ويحدد مساره، ويوجهه الوجهة السليمة، حماية لكلام الله تعالى وكلام رسوله ص ودينه وشرعه.

إن الاستمساك بالمنهج السلفي القائم على فهم السلف للنصوص هو الذي يضبط عقل المسلم بضوابط غائية ومنهجية، وبأصول عقدية وخلقية وتشريعية، كما يقوم بتطهيره من الجوانب التي تعكر صفوه، وتؤخر مسيره، من بدع وخرافات، وفلسفات وأهواء، ثم هو بعد ذلك يدفع بالعقل لينطلق فيما يحسنه من الارتقاء في التشييد والبناء، تحقيقا اللمصالح، ودرءً للمفاسد، فهو مسلك وسط؛ يرفض المسلك الذي يغلو في تقدير العقل وتمجيده والزجّ به في غير مجاله الذي حدده له خالقه، وإقحامه فيما ليس في مقدوره، كما يرفض إهماله والتقليل من قيمته وأهميته، وتعطيله عن وظيفته التي خلقه الله تعالى لها، وكلفه بها.

إن من أهم خصائص وسمات المنهج السلفي القائم على فهم السلف للنصوص هو تعظيم وتقدير النصوص الشرعية حق قدرها والتسليم لها، وعدم معارضتها، أو التقدم عليها، وأن هذا من تعظيم شعائر الله تعالى التي أمر أن تعظم، وأن من تعظيم هذه النصوص حمايتها وحراستها من تحريف الغالين وانتحال المبطلين وتأويل الجاهلين، وهذا يقتضي فهمها على فهم حواريي رسول الله ص وأصحابه وتلامذته رضوان الله عليهم، كما يقتضي ذلك تعظيم من عظمه الله ورسوله، وقد أثنى الله تعالى على الصحابة، وشهد لهم الرسول ص بالفضل والخيرية هم وأتباعهم، وهو تعظيم منضبط بالضوابط الشرعية المانعة من الغلو والعصمة والابتداع، أو الجفاء والاستخفاف والازدراء.

إن المنهج السلف يقوم على الدعوة بالرجوع إلى ماضي المسلمين المشرق بالاعتصام بكتاب ربها وسنة رسوله ص على فهم سلفها الصالح في العلم والعمل والسلوك والأخلاق والتعامل... كما يدعو إلى نبذ كل ما ألحق بهذا الدين من موروثات الماضي إبان جمود الأمة وتخلفها، وما ألحق بتراثها من بدع ومحدثات وخرافات أضيفت إلى الدين وهو منها براء.

إن الشريعة ثابتة، بكلياتها وجزئياتها، وما كان حكما لله فهو كذلك إلى قيام الساعة، الواجب واجب، والمندوب مندوب، والحرام حرام، وتغير الفتوى إنما هو بحسب اجتهاد المجتهد وتحقيق مناط واختلاف وقائع، وتحقيق مصلحة ومراعاة عرف إذا كان مما يلحظ فيه ذلك.

أن التراث كلمة مجملة تحتمل حقا وباطلا، ولا بد من التفريق بين الحق والباطل ليؤخذ الحق ويطرح الباطل، لكن هذا التفريق ليس عشوائيًا أو اعتباطًا، نأخذ ما نهوى، ونطرح ما لا نريد، وإنما يقوم على معيار دقيق ومنهجية مستقيمة توزن بها هذه المعارف والموروثات، فيؤخذ الحق ومنه فهم السلف الصالح للنصوص الشرعية، ويطرح الباطل، وهو كل ما خالف الكتاب والسنة.

إن هذه المصطلحات العامة كالتراث والثابت والمتغير أصبحت تتخذ لإهمال الأدلة، أو تأويلها، أو عطفها على الأهواء والرد على فقهاء المسلمين ثم تنسب إلى الفهم الجديد الصحيح للدين، لتسويغها وتسويقها بين المسلمين.

والله أعلم، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.