مجموعة زاد الفقه (4)

مجموعة زاد الفقه (4)

هذا الكتاب تم إعداده من قبل قسم المحتوى التعليمي بقناة زاد العلمية لصالح برنامج أكاديمية زاد مع مؤسسة International Islamic Academy Online Inc و ذلك بهدف تقريب العلم الشرعي للراغبين فيه عن طريق الإنترنت و عن طريقِ قناةٍ تلفزيونية خاصة سعيا لتحقيق المقصد الأساس الذي هو نشر و ترسيخ العلم الشرعي الرصين، المبني على أسسٍ علميةٍ صحيحةٍ، وفقَ معتقدٍ سليمٍ، قائمٍ على كتاب الله و سنةِ رسوله - صلى الله عليه وسلم - بشكلٍ عصري ميسرٍ. ويحتوي هذا الكتاب على شرح ميسَّر لفقه البيع، والإجارة، والأصول التي يدُور عليها التحريم في المعاملات، وفقه النكاح، والأَيْمان والنُّذور، والأطعمة، بطريقةٍ عصريَّة إبداعيَّة، مع دعم كلِّ ذلك بالصُّور الفوتوغرافيَّة، وعرض بشكلٍ بسيطٍ سهلٍ، يعتمد على الدليل بشكلٍ كبير، خالٍ من غريبِ الألفاظ والخلافات.

Language: English
Prepared by:
Version: 1.0
Translations 0
Attachments 7
PDF
Audio
Video
+3

الفقه (4)

سلسلة زاد العلمية:

سلسلة متكاملة تهدف إلى تقريب العلم الشرعي للراغبين فيه، وتوعية المسلم بما لا يسعه جهله من دينه، ونشرُ العلم الشرعي الرصين، القائم على كتابِ اللهِ وسنّةِ رسوله صلى الله عليه وسلم، صافيًا نقيًّا، وبطرحٍ عصريٍّ مُيسّرٍ، وبإخراجٍ احترافيِّ.

كتاب الفقه (4):

يحتوي هذا الكتاب على شرح ميسَّر لفقه البيع، والإجارة، والأصول التي يدُور عليها التحريم في المعاملات، وفقه النكاح، والأَيْمان والنُّذور، والأطعمة، بطريقةٍ عصريَّة إبداعيَّة، مع دعم كلِّ ذلك بالصُّور الفوتوغرافيَّة، وعرض بشكلٍ بسيطٍ سهلٍ، يعتمد على الدليل بشكلٍ كبير، خالٍ من غريبِ الألفاظ والخلافات.

الفقه (4)

إعداد مجموعة زاد

الإصدار الأول

جميع الحقوق محفوظة. ولا يسمح بإعادة إصدار هذا الكتاب أو نقله في أي شكل أو واسطة، سواء أكانت إلكترونية أو ميكانيكيـــة، بما في ذلك التصوير بالنسخ (فوتوكوبي)، أو التسجيل، أو التخزين والاسترجاع، دون إذن خطي من الناشر.

كلمة الناشر

الحمد ﷲ رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد.

فإن العلم الشرعي من أهم الضرورات التي يحتاجها المسلمُ في حياته، وتحتاجُها الأمةُ كلُّها في مَسيرتِها الحضاريةِ؛ لذا جاءت النصوص الشرعية في الإعلاء من شأنه وشأنِ حامِليه، قال تعالى: ﴿شَهِدَ ٱللَّهُ أَنَّهُۥ لَآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ وَٱلۡمَلَٰٓئِكَةُ وَأُوْلُواْ ٱلۡعِلۡمِ قَآئِمَۢا بِٱلۡقِسۡطِۚ لَآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ ٱلۡعَزِيزُ ٱلۡحَكِيمُ﴾ (آل عمران: ١٨) قال الشوكاني رحمه الله: «المرادُ بأولي العلمِ هنا علماءُ الكتابِ والسُّنةِ» وقال تعالى: ﴿وَقُل رَّبِّ زِدۡنِي عِلۡمٗا﴾ (طه: ١١٤) وفي الحديث: «من سلك طريقًا يلتمس فيه علمًا سهل اﷲ له به طريقًا إلى الجنة» رواه مسلم.

وتأتي هذه السلسلة العلمية خدمة للمجتمع، بهدف إيصال العلم الشرعي إلى الناسِ بشتّى الطُّرُقِ، وتيسير سبلهِ، وتقريبه للراغبين فيه، ونرجو أن تكون رافدة ومعينة للبرامج العلمية والقراءة الذاتية وعونًا لمن يبتغي التزود من العلم والثقافة الشرعية، سعيًا لتحقيق المقصد الأساسِ الذي هو نشرُ وترسيخُ العلمِ الشرعي الرصينِ، المبني على أسسٍ علميةٍ صحيحةٍ، وفقَ معتقدٍ سليمٍ، قائمٍ على كتابِ اﷲِ وسنةِ رسوله صلى الله عليه وسلم، ‬بشكلٍ عصريٍّ ميسَّرٍ، فنسأل اﷲ تعالى للجميع العلم النافع والعمل الصالح والتوفيق والسداد والإخلاص.‬

المحتويات

البيعُ وأركانُه وحكمُه وشروطُه

البيوعُ المَنْهيُّ عَنْها، والخيارُ في البَيْعِ

الإجارةُ وأركانُها وحكمُها وشروطُها وأنواعُها

الأُصولُ التي يدورُ عليها التحريمُ في المعاملاتِ

الرِّبا وحكمُه وأقسامُه وعِلتُه والصَّرفُ

الغِشُّ، والغَرَر، وصورُهما المعاصرةُ

بَيْعُ الأَسْهُمِ والسَّنداتِ وبِطاقاتِ الائتمانِ والإجارةِ المنتهيةِ بالتَّمْليكِ والتَّأْمينِ

النكاحُ وحكمُه وعقدُه وشروطُه والمحرماتُ في النكاح، والنكاحُ المنهيُّ عنه

الطلاقُ وحكمُه، وصيغتُه، وأقسامُه

الأَيْمانُ والنُّذور وأحكامُهما

الأطعمةُ، والأصل فيها، وأقسامُها

البيع

الوحدة الأولى: البيع

البَيْعُ

لا يَكادُ يَخْلُو مسلمٌ منَ الحاجَةِ إلى التَّعامُلِ بالبَيْعِ والشِّراءِ؛ لِذا كانَ الواجبَ على كُلِّ مَنْ لَهُ عَلاقَةٌ بالسُّوقِ تَعَلُّمُ أَحْكامِ البَيْعِ والشِّراءِ، فَكثيرٌ منَ المُخالَفاتِ إِنَّما تَقَعُ بِسَبَبِ الجَهْلِ بِأَحْكامِ الشَّرْعِ فيها، وقد كانَ الخُلَفاءُ يُلْزِمُونَ النَّاسَ بالتَّفَقُّهِ في أَحْكامِ البَيْعِ، وقد جاءَ الإِسْلامُ في هَذا البابِ بِجُمْلَةٍ منَ الأَحْكامِ والآدابِ، تَحْفَظُ المَصْلَحَةَ العامَّةَ، وتُبْعِدُ الإِنْسانَ عَنِ الوُقُوعِ في الغَرَرِ أَوِ المَيْسِرِ أَوِ الرِّبا أو غَيْرِهِ منَ المَحْظُوراتِ.

تَعْريفُ البَيْعِ:

البَيْعُ في اللُّغَةِ: أَخْذُ شَيْءٍ وإِعْطاءُ شَيْءٍ، فَهو مَأْخُوذٌ منَ الباعِ؛ إِذْ كُلُّ واحِدٍ منَ المُتَبايِعَيْنِ يَمُدُّ باعَه إلى الآخَرِ.

واصْطِلاحًا: مُبادَلَةُ المالِ بالمالِ تَمْليكًا وتَملُّكًا.

والمالُ: هو كُلُّ ما يُقْتَنَى ويَحوزُهُ الإِنْسانُ، سَواءٌ أكان عَيْنًا أَمْ مَنْفَعةً: كذَهَبٍ أو فِضَّةٍ أو نَقْدٍ، أو حَيوانٍ أو نَباتٍ، ويَدْخُلُ في تَعريفِهِ مَنافَعُ الشَّيءِ؛ كالرُّكوبِ واللُّبْسِ والسُّكْنى.

وَمن واقِعِ هَذا التَّعْريفِ يَتَّضِحُ الآتي:

أَنَّ البَيْعَ يكونُ من طَرَفَيْنِ تَحْصُلُ بينَهُما المُبادَلَةُ.

أَنْ يَقَعَ هَذا التَّبادُلُ عَلىَ مالٍ، أو ما في حُكْمِهِ، وهو المَنْفَعَةُ.

أَنَّ ما لَيْسَ بِمالٍ أو لَيْسَ في حُكْمِ المالِ لا يَصِحُّ بَيْعُهُ.

اسْتِمْرارُ حُكْمِ هذه المُبادَلَةِ، بَأَنْ يَمْلِكَ كُلٌّ منَ الطَّرَفَيْنِ ما وقَعَ عليه العَقْدُ، مِلْكًا مُؤبَّدًا.

أَرْكانُ البَيْعِ

الصِّيغَةُ

المُتَعاقِدانِ

مَحِلُّ العَقْدِ

أرْكانُ البَيْعِ:

أَرْكانُ البَيْعِ ثَلاثَةٌ:

الأولُ: الصِّيغَةُ: وتكون إِمَّا قوليَّةً أو فِعْليَّةً.

فالقوليَّةُ لَها رُكْنانِ:

أ- الإيجابُ: وهو اللَّفْظُ الصَّادِرُ منَ البائِعِ؛ كَأَنْ يَقُولَ: بِعْتُ.

ب- القَبُولُ: وهُو اللَّفْظُ الصَّادِرُ منَ المُشْتَري، كَأَنْ يَقُولَ: اشْتَرَيْتُ.

ويَكْثُرُ هَذا في البُيُوعِ ذاتِ القيمَةِ، كَبَيْعِ العَقاراتِ والسَّيَّاراتِ ونَحْوِهِ.

والفِعْليَّةُ: المُرادُ بها المُعاطاةُ؛ بِأَنْ يَدْفَعَ البائِعُ سِلْعَةً، ويَدْفَعَ إليهِ المُشْتَري ثَمَنَها المَعْلُومَ دونَ التَّلَفُّظِ، وهَذا الفِعْلُ منَ الطَّرَفَيْنِ هو الإيجابُ والقَبُولُ، ويَكْثُرُ هَذا في المَحَلَّاتِ مُوَحَّدَةِ الأَسْعارِ، أَوِ السِّلَعِ الَّتي أُلْصِقَ عَلَيْها السِّعْرُ ونحوه.

الرُّكْنُ الثاني: المُتَعاقِدانِ: البائِعُ والمُشْتَري.

الرُّكْنُ الثالثُ: مَحَلُّ العَقْدِ: وهو ما وقَعَ عليه التَّعاقُدُ؛ أَيِ: الثَّمَنُ والمُثْــمَنُ.

الفَرْقُ بينَ مَحَلِّ العَقْدِ ومَجْلِسِ العَقْدِ:

أَنَّ مَحَلَّ العَقْدِ: هو ما وقَعَ عليه التَّعاقُدُ، كَسَيَّارَةٍ وبَيْتٍ وخُبْزٍ ونَحْوِهِ.

ومَجْلِسُ العَقْدِ: هو المَكانُ الَّذي وقَعَ فيهِ التَّعاقُدُ.

حُكْمُ البَيْعِ:

البَيْعُ جائِزٌ بالكِتابِ والسُّنَّةِ والإِجْماعِ:

قالَ تعالى: ﴿بَقَرَةٌ لَّا ذَلُولٌ﴾ (البقرة: 275).

وَقالَ النبيُّ صلى الله عليه وسلم: «البَيِّعانِ بالخيارِ ما لَمْ يَتَفَرَّقا، فَإِنْ صَدَقا وبَيَّنا بُورِكَ لَهُما في بَيْعِهِما، وإِنْ كَتَما وكَذَبا مُحِقَتْ بَرَكَةُ بَيْعِهِما» متفق عليه.

وَما زالَ النبيُّ صلى الله عليه وسلم يَبيعُ ويَشْتَري حَتَّى تَوَفَّاهُ اﷲ تعالى.

وَقد أَجْمع العُلَماءُ على ذَلِكَ في الجُمْلَةِ؛ قال ابنُ قُدامَةَ رحمه الله: «أَجْمع المسلمُونَ على جَوازِ البَيْعِ في الجُمْلَةِ».

كما أَنَّ الحِكْمَةَ تَقْتَضيهِ؛ لِأَنَّ حاجَةَ الإِنْسانِ قد تَتَعَلَّقُ بِما في يَدِ صاحِبِهِ، وصاحِبُهُ لا يَبْذُلُهُ بِغَيْرِ عِوَضٍ، ولا سَبيل لذلك إلا بالبَيْعِ، فَفي تَجْويزِ البَيْعِ تَحْقيقُ المَصْلَحَةِ لِلطَّرَفَيْنِ، وتَيْسيرُ أُمُورِهِما.

شُرُوطُ صِحَّةِ عَقْدِ البَيْعِ:

يُشَتْرَطُ لِصِحَّةِ البَيْعِ سَبْعَةُ شُرُوطٍ:

الأولُ: التَّراضي بينَ البائِعِ والمُشْتَري؛ فَلا يَصِحُّ بَيْعُ المُكْرَهِ.

قالَ تعالى: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَأۡكُلُوٓاْ أَمۡوَٰلَكُم بَيۡنَكُم بِٱلۡبَٰطِلِ إِلَّآ أَن تَكُونَ تِجَٰرَةً عَن تَرَاضٖ مِّنكُمۡۚ﴾ (النساء: 29).

وَقالَ النبيُّ صلى الله عليه وسلم: «إِنَّما البَيْعُ عن تَراضٍ». أخرجهُ ابنُ ماجَه، وصحَّحَهُ الأَلبانيُّ.

أَمَّا إِنْ كانَ الإِكْراهُ بِحَقٍّ فَيكونُ البَيْعُ صحيحًا؛ كَأَنْ يُكرِهَ الحاكِمُ شَخْصًا على بَيْعِ بَيْتِهِ لِوَفاءِ دَيْنِهِ الَّذي حَلَّ، والَّذي يُطالِبُ به غُرَماؤُهُ.

الثاني: أَنْ يكونَ كُلٌّ منَ البائِعِ والمُشْتَري جائِزَ التَّصَرُّفِ.

وَجائِزُ التَّصَرُّفِ مَنْ جَمع أَرْبَعةَ أَوْصافٍ: الحُرِّيَّةَ والبُلُوغَ والعَقْلَ والرُّشْدَ.

فَلا يَصِحُّ تَصَرُّفُ صَغيرٍ بِغَيْرِ إِذْنِ وليِّهِ، فَإِنْ أَذِنَ لَهُ صحَّ بَيْعُهُ.

ويُسْتَثْنَى من ذَلِكَ الشَّيْءُ اليَسيرُ، الَّذي جَرَتِ العادَةُ ببيع وشراء الصِّغارِ إيَّاهُ، فَلا بَأْسَ بِهِ.

الثالثُ: أَنْ تَكُونَ السِّلْعَةُ مُباحَةَ النَّفْعِ.

فَلا يَجُوزُ بَيْعُ ما لا نَفْعَ فيهِ كالحَشَراتِ الَّتي لا يُنْتَفَعُ بها، فَإِنْ أَمْكَنَ الِانْتِفاعُ بها جازَ بَيْعُها وشِراؤُها.

وَلا ما نَفْعُهُ مُحَرَّمٌ كالخَمْرِ والخِنْزيرِ والتَّماثيلِ وآلاتِ المُوسيقَى وأَشْرِطَةِ الغِناءِ والدُّخانِ والصُّلْبانِ ونَحْوِهِ.

وَلا ما فيهِ مَنْفَعَةٌ لا تُباحُ إِلَّا حالَ الِاضْطِرارِ كالمَيْتَةِ.

لِقولِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم: «إِنَّ اﷲَ ورسولَهُ حَرَّمَ بَيْعَ الخَمْرِ والمَيْتَةِ والخِنْزيرِ والأَصْنامِ»، فَقيلَ: يا رسولَ اﷲِ، أَرَأَيْتَ شُحُومَ المَيْتَةِ، فإنَّها يُطْلَى بها السُّفُنُ، ويُدْهَنُ بها الجُلُودُ، ويَسْتَصْبِحُ بها النَّاسُ؟ فَقالَ: «لا، هو حَرامٌ»، ثم قال رسولُ اﷲِ صلى الله عليه وسلم عندَ ذَلِكَ: «قاتَلَ اﷲُ اليَهُودَ! إِنَّ اﷲَ لَمَّا حَرَّمَ شُحُومَها جَمَلُوهُ، ثم باعُوهُ، فَأَكَلُوا ثَمَنَهُ». متفق عليه.

وَلِقولِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم: «إِنَّ اﷲَ عزوجل إِذا حَرَّمَ أَكْلَ شَيْءٍ حَرَّمَ ثَمَنَهُ». أخرجهُ أحمدُ، وصحَّحَهُ الأَلبانيُّ.

الرابعُ: أَنْ يكونَ المَبيعُ مملُوكًا للبائِعِ، أو مَأْذُونًا لَهُ في بَيْعِهِ وقْتَ العَقْدِ؛ لِقولِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم: «لا تَبِعْ ما لَيْسَ عندَكَ». أخرجهُ أبوداود والترمذيُّ، وصحَّحَهُ الأَلبانيُّ.

ما حُكْمُ بَيْعِ المَلابِسِ العاريَةِ أَوِ المَلابِسِ الدَّاخِليَّةِ أَوِ العُطُورِ والمِكْياجاتِ لِلنِّساءِ، وقد يسْتَعْمِلُها البعضُ اسْتِعْمالًا مُحَرَّمًا؟

لا بَأْسَ في ذَلِكَ، فالأَصْلُ في كُلِّ البُيُوعِ الحِلُّ، إِلَّا ما قامَ الدَّليلُ على تَحْريمِهِ، واسْتِعْمالُ هذه الأشياءِ اسْتِعْمالًا مُحَرَّمًا خارِجٌ عَنِ الأَصْلِ، ولا يَنْبَغي أَنْ يُسْأَلَ المُشْتَري عن طَريقَةِ اسْتِعْمالِهِ للمُباحِ.

فَإِنْ باعَ ما لا يَمْلِكُهُ، أو ما لَمْ يُؤْذَنْ لَهُ فيهِ، فَإِنَّ البَيْعَ في هذه الحالَةِ يكونُ مَوْقُوفًا على إِجازَةِ المالِكِ لَهُ، فَإِنْ أَجازَهُ المالِكُ مَضَى، وإِلَّا بَطَلَ.

الخامسُ: أَنْ يكونَ المَبيعُ مَعْلومًا بالمُشاهَدَةِ أَوِ الوَصْفِ الَّذي يَزُولُ به الغَرَرُ؛ لِنَهْيِ رسولِ اﷲِ صلى الله عليه وسلم عن بَيْعِ الغَرَرِ. أخرجهُ مسلمٌ.

السادسُ: أَنْ يكونَ الثَّمَنُ مَعْلُومًا، وذَلِكَ بِتَحْديدِ سِعْرِ السِّلْعَةِ المَبيعَةِ؛ لِأَنَّ جَهالَةَ الثَّمَنِ غَرَرٌ، والغَرَرُ مَنْهيٌّ عَنْهُ.

السابعُ: أَنْ يكونَ المَبيعُ مَقْدُورًا على تَسْليمِهِ، فَلا يَصِحُّ بَيْعُ بَعيرٍ شارِدٍ، وطَيْرٍ في الهَواءِ ونَحْوِهِما؛ لِأنَّه أَشْبَهُ بالمَعْدُومِ، ويَدْخُلُ في بَيْعِ الغَرَرِ المَنْهيِّ عَنْهُ؛ إِذْ قد يَبْذُلُ المُشْتَري الثَّمَنَ ولا يَسْتَفيدُ.

البُيُوعُ المَنْهيُّ عَنْها:

الأَصْلُ في البُيُوعِ الحِلُّ؛ لِقولِهِ تعالى: ﴿وَأَحَلَّ ٱللَّهُ ٱلۡبَيۡعَ﴾ (البقرة: 275) إِلَّا أَنَّ الشَّارِعَ الحَكيمَ نَهَى عن بَعْضِ البُيُوعِ لِحِكَمٍ جَليلَةٍ، ومن هذه البُيُوعِ:

البَيْعُ والشِّراءُ بَعْدَ الأَذانِ الثاني يَوْمَ الجُمُعَةِ لِمَنْ تَلْزَمُهُ صَلاةُ الجُمُعَةِ. لِقولِهِ تعالى: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَوٰةِ مِن يَوۡمِ ٱلۡجُمُعَةِ فَٱسۡعَوۡاْ إِلَىٰ ذِكۡرِ ٱللَّهِ وَذَرُواْ ٱلۡبَيۡعَۚ﴾ (الجمعة: 9).

بَيْعُ الأشياءِ لِمَنْ يَسْتَعْمِلُها اسْتِعْمالًا مُحَرَّمًا. كَبَيْعِ السِّلاحِ وقْتَ الفِتْنَةِ، أو بَيْعِ العِنَبِ لِمَنْ يَتَّخِذُهُ خَمْرًا؛ لِقولِهِ تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُواْ عَلَى ٱلۡبِرِّ وَٱلتَّقۡوَىٰۖ وَلَا تَعَاوَنُواْ عَلَى ٱلۡإِثۡمِ وَٱلۡعُدۡوَٰنِۚ﴾ (المائدة: 2).

بَيْعُ المسلمِ على بَيْعِ أَخيهِ، أو شِراؤُهُ على شِراءِ أَخيهِ. لِقولِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم: «لا يَبِعْ بَعْضُكُمْ على بَيْعِ بَعْضٍ». متفق عليه.

والصُّورَةُ المَنْهيُّ عَنْها هيَ ما إِذا كانت بَعْدَ تَمامِ الصَّفْقَةِ، وانْتِهاءِ البَيْعِ؛ كَأَنْ يَتَراضَى المُتَبايِعانِ على ثَمَنِ سِلْعَةٍ، فَيَجيءَ آخَرُ فَيَقُولَ للمُشْتَري: أَنا أَبيعُكَ مِثْلَ هذه السِّلْعَةِ بِأَنْقَصَ من هَذا الثَّمَنِ، وكَذا في الشِّراءِ، ويكونُ العَرْضُ منَ المُشْتَري على البائِعِ، فَيَقُولُ: أَنا أَشتَري منْكَ هذه السِّلْعَةَ بِأكثرَ.

أمَّا لَوْ كانَ قَبْلَ البَيْعِ، فَلا بَأْسَ أَنْ يَرْفَعَ هَذا السِّعْرَ، وهَذا يُخْفِضُهُ، كما هو الحالُ في المَحَلَّاتِ.

بَيْعُ العينَةِ. لِقولِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم: «إِذا تَبايَعْتُمْ بالعينَةِ، وأَخَذْتُمْ أَذْنابَ البَقَرِ، ورَضيتُمْ بالزَّرْعِ، وتَرَكْتُمُ الجِهادَ، سَلَّطَ اﷲُ عَلَيْكُمْ ذُلًّا لا يَنْزِعُهُ حَتَّى تَرْجِعُوا إلى دينِكُمْ». أخرجهُ أَبُو داوُدَ، وصحَّحَهُ الأَلبانيُّ.

وصورةُ بيعِ العينَةِ: أَنْ يَبيعَ شَخْصٌ سِلْعَةً لِآخَرَ بثَمَنٍ مُؤَجَّلٍ لمدةِ سنةٍ مثلًا، يَثْبُتُ في ذِمَّةِ المُشْتَري، ثمَّ يَشْتَريَها بِعَيْنها منهُ البائِعُ نَفْسُهُ بِثَمَنٍ أَقَلَّ نقدًا، فيثبت في ذِمَّةِ المُشْتَري مَبْلَغٌ مُؤَجَّلٌ، وقدِ اسْتَلَمَ أَقَلَّ منهُ نَقْدًا، فَكَأنَّه اقْتَرَضَ المَبْلَغَ النَّقْديَّ في مُقابِلِ مبلغٍ أَزْيَدَ منهُ مُؤَجَّلٍ، والسِّلْعَةُ مُجَرَّدُ صُورَةٍ وحيلَةٍ، لَيْسَتْ مَقْصُودَةً أصلًا؛ وبذلكَ تكونُ العينَةُ حيلَةً على القَرْضِ الرِّبَويِّ.

مثال: اشترى زيدٌ من عَمْرو ساعَتَهُ بـ ١٠٠٠ ريال مؤجلةً لِستَّة أشْهُرٍ واستلم الساعة، ثم باعها زيد على عمرو مرة أخرى بـ٨٠٠ ريال نقدًا في المجلس فأصبح في يدِ زيدٍ ٨٠٠ ريال وفي ذِمَّتِهِ ١٠٠٠ ريال، وكانت الساعةُ مجرَّدَ حيلةٍ على القرض الرِّبوي.

وَسُمِّيَتْ عينَةً؛ لِأَنَّ المُشْتَريَ يَأْخُذُ مَكانَ السِّلْعَةِ عَيْنًا، والعَيْنُ: هو النَّقْدُ.

بَيْعُ العينَةِ

يبيعه السيارة دَيْنا في ذمته بقيمة 100000 ريال

يبيعه السيارةَ نفسَها نقْدًا بقيمة 80000 ريال

بَيْعُ التَّوَرُّقِ

يبيعُهُ السَّيارةَ دَيْنا في ذمته بقيمة 100000 ريال

يبيع السيارة نقْدًا بقيمة 80000 ريال على شخصٍ آخر

المُتَوَرِّق

بَيْعُ التَّوَرُّقِ: ومنَ المُباحاتِ بَيْعُ التَّوَرُّقِ، وهو غيرُ داخلٍ في العينَةِ المحرَّمةِ.

صُورَتُهُ: أَنْ يَشْتَريَ سِلْعَةً بالأَجَلِ من شَخْصٍ، ثم يَبيعَها لِشَخْصٍ آخَرَ بالنَّقْدِ بقصد الحصول على السيولة، وبِغَيْرِ تَواطُؤٍ مع البائِعِ الأولِ.

وَهيَ جائِزَةٌ عندَ الحاجَةِ، إذا لم يجد مَنْ يُقْرِضُه قَرْضًا حَسَنًا.

وَسُمِّيَ بالتَّوَرُّقِ؛ منَ الوَرِقِ، وهو الفِضَّةُ؛ لِأنَّه لَمْ يُرِدِ السِّلْعَةَ أَصْلًا؛ إِنَّما أَرادَ أَنْ يُحَوِّلَها إلى ورِقٍ.

بَيْعُ الثِّمارِ قَبْلَ بُدُوِّ صَلاحِها. لِحديثِ ابنِ عُمَرَ رضي الله عنهما: أَنَّ رسولَ اﷲِ صلى الله عليه وسلم نَهَى عن بَيْعِ الثِّمارِ حَتَّى يَبْدُوَ صَلاحُها، نَهَى البائِعَ والمُبْتاعَ. متفق عليه.

وَيُعْرَفُ بُدُوُّ صَلاحِها: بِاحْمِرارِ ثِمارِ النَّخيلِ أَوِ اصْفِرارِها، وفي الحَبِّ: أَنْ يَيْبَسَ ويَشْتَدَّ، ونَحْوُ ذَلِكَ في بَقيَّةِ الثِّمارِ.

النَّجْشُ: وهو زيادَةُ الشَّخْصِ في ثَمَنِ السِّلْعَةِ المَعْرُوضَةِ للبَيْعِ، وهو لا يُريدُ شِراءَها، وإِنَّما ليَغُرَّ غَيْرَهُ بها، ويُرَغِّبَهُ فيها، ويَرْفَعَ سِعْرَها، وقد نَهَى النبيُّ صلى الله عليه وسلم عَنِ النَّجْشِ. متفق عليه.

نشاط

1 - عَرِّفِ البَيْعَ لُغَةً واصْطِلاحًا، مع بَيانِ الأُمُورِ الَّتي تَلْزَمُ منَ التَّعْريفِ.

2 - اخْتَلَفَ أَهْلُ العِلْمِ في البَيْعِ بالمُعاطاةِ، اذْكُرِ الرَّاجِحَ مع التَّعْليلِ؛ مُسْتَعينًا بِمَصادِرَ خارِجيَّةٍ.

3 - قالَ تعالى: ﴿وَأَحَلَّ ٱللَّهُ ٱلۡبَيۡعَ وَحَرَّمَ ٱلرِّبَوٰاْۚ﴾ لِمَ جَمع اﷲ بينَ البَيْعِ والرِّبا في الآيَةِ؟ أَعْمِلْ عقْلَك.

4 - من شُرُوطِ البَيْعِ: (أَنْ تَكُونَ السِّلْعَةُ مُباحَةَ النَّفْعِ) ، اشْرَحْ هذه العِبارَةَ.

5 - ما بَيْعُ العينَةِ؟ وما وجْهُ التَّحْريمِ فيهِ؟

6 - اذْكُرِ الخِلافَ في بَيْعِ التَّوَرُّقِ، مع بَيانِ الرَّاجِحِ، مستعينًا بِمَصادِرَ خارِجيَّةٍ.

7 - ما العِلَّةُ في تَحْريمِ بَيْعِ الثِّمارِ قَبْلَ بُدُوِّ صَلاحِها؟ اسْتَعِنْ بِمَصادِرَ خارِجيَّةٍ.

أَنْواعُ الخيارِ

خيارُ المَجْلِسِ

خيارُ الشَّرْطِ

خيارُ العَيبِ

خيارُ الغَبْنِ

خيارُ التَّدليسِ

الخيارُ في البَيْعِ:

الخيارُ في البَيْعِ: هو طَلَبُ خَيْرِ الأَمْرَيْنِ من إِمْضاءِ العَقْدِ أو فَسْخِهِ.

أَقْسامُ الخيارِ: أَقْسامُ الخيارِ عَديدَةٌ، أَهَمُّها:

خيارُ المَجْلِسِ. والمُرادُ بِخيارِ المَجْلِسِ: أَنْ يَثْبُتَ لِكُلٍّ منَ المُتَبايِعَيْنِ الخيارُ ما داما في المَكانِ الَّذي تَعاقَدا فيهِ، ويُسَمَّى مَكانَ التَّبايُعِ؛ لِقولِ رسولِ اﷲِ صلى الله عليه وسلم: «البَيِّعانِ بالخيارِ ما لَمْ يَتَفَرَّقا». متفق عليه.

خيارُ الشَّرْطِ. والمُرادُ به الشَّرْطُ الَّذي يَتَّفِقُ عليه المُتَعاقِدانِ، ويَتَراضَيانِ بِهِ، وإِنْ شاءا أَنْفَذا البَيْعَ، وإِنْ شاءا أَبْطَلاهُ.

كَأَنْ يَقُولَ: أَشْتَري منْكَ السَّيَّارَةَ ولي الخيار يومان، فَإِنْ رَضيتُ بها، وإِلَّا رَدَدْتُها، والواجبُ الِالتِزامُ بالشَّرْطِ منَ الطَّرَفَيْنِ؛ لِقولِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم: «المسلمُونَ على شُرُوطِهِمْ». أخرجهُ أَبُو داوُدَ، وصحَّحَهُ الأَلبانيُّ.

خيارُ العَيْبِ: وَهو أَنْ يَظْهَرَ في المَبيعِ ما يُنْقِصُ قيمَتَهُ، فَإِنِ اشْتَرَى شَخْصٌ سِلْعَةً، ثم تَبَيَّنَ أَنَّها مَعيبَةٌ، فَلَهُ الحَقُّ في فَسْخِ البَيْعِ، وإِرْجاعِ السِّلْعَةِ وأَخْذِ ما دَفَعَ، أو إِبْقائِها وأَخْذِ فَرْقِ العَيْبِ، أو إِبْقائِها بِغَيْرِ شَيْءٍ؛ لِأَنَّ الأَصْلَ سَلامَةُ المُتَعاقَدِ عليه؛ الثَّمَنِ والمُثْمَنِ، فَإِنْ تَبَيَّنَ عَيْبُ أَحَدِهِما كانَ للمُتَضَرِّرِ فَسْخُ العَقْدِ.

وَهو خيارٌ ثابِتٌ في العَقْدِ ضِمْنًا، ولَو لَمْ يَنْطِقْ به المُتَعاقِدانِ.

وَضابِطُ العَيْبِ الَّذي يَحْصُلُ به الفَسْخُ: «ما أَوْجَبَ نُقْصانَ ثَمَنِ السِّلْعَةِ في عادَةِ التُّجَّارِ».

خيارُ الغَبْنِ: وَهو أَنْ يُغْبَنَ المَشْتَري في السِّلْعَةِ غَبْنًا يَخْرُجُ عَنِ العادَةِ والعُرْفِ، وهو مُحَرَّمٌ، كَأَنِ اشْتَرَى سِلْعَةً بِضِعْفِ ثَمَنِها، أو أكثرَ، فَهو بالخيارِ بينَ الإِمْساكِ والفَسْخِ، وقد يَقَعُ الغبنُ على البائِعِ أحيانًا.

خيارُ التَّدْليسِ: كَأَنْ يُظْهِرَ البائِعُ السِّلْعَةَ بِمَظْهَرٍ مَرْغُوبٍ فيهِ وهي خاليَةٌ منْهُ؛ كَأَنْ يَضَعَ على السِّلعَةِ علامةَ شَرِكةٍ عالميَّةٍ مشهورة وهي ليسَتْ كذلكَ، أو يغيِّر ملامِحَ السيارةِ لتبدُوَ جديدةً، وهَذا الفِعْلُ مُحَرَّمٌ، والمُشْتَري بالخيارِ بينَ الإِمْساكِ أَوِ الفَسْخِ وأَخْذِ ما دَفَعَ.

الإِقالَةُ في البَيْعِ:

البَيْعُ عَقْدٌ لازِمٌ، فَإِذا تَمَّ العَقْدُ فقد وجَبَ البَيْعُ، إِلَّا أنَّه يُسْتَحَبُّ للمسلمِ أَنْ يُقيلَ عَثْرَةَ أَخيهِ إِنْ نَدِمَ في البَيْعِ، فَيْفَسَخَ العَقْدَ؛ ولَهُ فَضْلٌ كَبيرٌ؛ فقد قال رسولُ اﷲِ صلى الله عليه وسلم: «مَنْ أَقالَ مسلمًا أَقالَهُ اﷲُ عَثْرَتَهُ يومَ القيامَةِ». أخرجهُ أبوداود وابنُ ماجَه، وصحَّحَهُ الأَلبانيُّ.

الإِشْهادُ على البَيْعِ:

يُسْتَحَبُّ الإِشْهادُ على عَقْدِ البَيْعِ؛ لِقولِهِ تعالى: ﴿وَأَشۡهِدُوٓاْ إِذَا تَبَايَعۡتُمۡۚ﴾ (البقرة: 282) فَفي ذَلِكَ مَزيدُ ضَمانٍ وإِثْباتٍ للحَقِّ.

آدابُ البَيْعِ:

يَنْبَغي للبائِعِ أَنْ يَتَحَلَّى بِبَعْضِ اْلآدابِ الَّتي أَمرَ بها الشَّرْعُ، وهيَ:

السَّماحَةُ في البَيْعِ والشِّراءِ. قال النبيُّ صلى الله عليه وسلم: «رَحِمَ اﷲُ رَجُلاً سَمْحًا إِذا باعَ وإِذا اشْتَرَى، وإِذا قَضَى وإِذا اقْتَضَى». أخرجهُ البُخاريُّ.

الصِّدْقُ في المُعامَلَةِ. قال صلى الله عليه وسلم: «التَّاجِرُ الصَّدُوقُ الأَمينُ مع النِّبيِّينَ والصِّدِّيقينَ والشُّهْداءِ». أخرجهُ الترمذيُّ، وحَسَّنَهُ.

عَدَمُ الحَلِفِ ولَو كانَ صادِقًا. قال تعالى: ﴿وَٱحۡفَظُوٓاْ أَيۡمَٰنَكُمۡۚ﴾ (المائدة: 89) وقال صلى الله عليه وسلم: «والحَلِفُ مَنْفَقَةٌ لِلسِّلْعَةِ ممحَقَةٌ للبَرَكَةِ». متفق عليه.

بَيْعُ التَّقْسيطِ:

بَيْعُ التَّقْسيطِ منَ البُيُوعِ الَّتي يَنْبَغي الِاهْتِمامُ بِمَعْرِفَةِ أَحْكامِها؛ لِأنَّه قَدِ انْتَشَرَ انْتِشارًا كَبيرًا بينَ المسلمينَ في مُعامَلاتِهِمْ، وأَهَمُّ ما فيهِ الآتي:

يَجُوزُ بَيْعُ سِلْعَةٍ أو شِراؤُها إلى أَجَلٍ مَعْلُومٍ، بِزيادَةٍ في ثَمَنِها، عَمَّا لَوْ كانت نَقْدًا، وهَذا في قولِ عامَّةِ أَهْلِ العِلْمِ، قال الشَّيْخُ ابنُ بازٍ رحمه الله: «قد شَذَّ بَعْضُ أَهْلِ العِلْمِ فَمَنَعَ الزِّيادَةَ لِأَجْلِ الأَجَلِ، وظَنَّ ذَلِكَ منَ الرِّبا، وهو قولٌ لا وجْهَ لَهُ».

واسْتَدَلُّوا لِجَوازِ بَيْعِ التَّقْسيطِ بالآتي:

قولِهِ تعالى: ﴿وَأَحَلَّ ٱللَّهُ ٱلۡبَيۡعَ﴾ (البقرة: 275) والآيَةُ نَصٌّ في كُلِّ بَيْعٍ؛ إِلَّا ما قامَ الدَّليلُ على تَحْريمِهِ، فَكُلُّ ما هو بَيْعٌ فَهو حَلالٌ، ولا يَنْبَغي الخَلْطُ بينَ البَيْعِ وبينَ القُرُوضِ، أو بَيْعِ الرِّبَويَّاتِ.

جَرَى عَمَلُ المسلمينَ على جَوازِ زيادَةِ الثَّمَنِ مُقابِلَ التَّأْجيلِ من غَيْرِ نَكيرٍ منْهُمْ.

يَشْتَمِلُ بَيْعُ التَّقْسيطِ على مَنْفَعَةٍ للبائِعِ والمُشْتَري؛ فَإِنَّ التَّاجِرَ وافَقَ على التَّأْجيلِ ليَنْتَفِعَ بالزِّيادَةِ، والمُشْتَري رَضيَ بالزِّيادَةِ للمُهْلَةِ، وعَجْزِهِ عن تَسْليمِ الثَّمَنِ نقدًا، فَكِلاهُما حَصَلَتْ لَهُ مَنْفَعَةٌ بِهذه المُعامَلَةِ، دونَ الوُقُوعِ في مَحْظُورٍ شَرْعيٍّ.

مَسائِلُ في بَيْعِ التَّقْسيطِ:

يَنْتَقِلُ المُلْكُ على التَّمامِ للمُشْتَري، حَتَّى لَوْ بَقيَ في ذِمَّتِهِ بَقيَّةُ الثَّمَنِ، فَيَمْلِكُ أَنْ يَبيعَ السِّلْعَةَ لِشَخْصٍ آخَرَ، ثم يَقُومُ هو بِتَسْديدِ الثَّمَنِ الَّذي في ذِمَّتِهِ.

إِذا تَأَخَّرَ المُشْتَري في دَفْعِ الأَقْساطِ عن مَوْعِدِهِ، فَلا يَجُوزُ إِلْزامُهُ بَأَيِّ زيادَةٍ على الدَّيْنِ، سَواءٌ بِشَرْطٍ سابِقٍ أَمْ بِدونِ شَرْطٍ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ رِبًا محرَّمٌ.

نشاط

1 - ما المُرادُ بالخيارِ في البَيْعِ، مُبَيِّنًا الحِكْمَةَ من تَشْريعِهِ في البَيْعِ؟ وماذا يَسْتَفيدُ المُتَعاقِدانِ من خيارِ الشَّرْطِ؟

2 - اشْتَرَى شَخْصٌ سَيَّارَةً من آخَرَ، ثم تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّ بها عَيْبًا، فَهَلْ لَهُ رَدُّها؟ وجِّهْ ما تَقُولُ.

3 - ما المُرادُ بالإِقالَةِ في البَيْعِ؟ وما فَضْلُها؟

4 - ذَهَبَ بَعْضُ أَهْلِ العِلْمِ إلى تَحْريمِ بَيْعِ التَّقْسيطِ، اذْكُرْ أَصْحابَ هَذا القولِ، مع ذِكْرِ أَهَمِّ ما اسْتَدَلُّوا بِهِ.

2 الإجارة

الوحدة الثانية: الإِجارَة

الإِجارَةُ

تَعْريفُ الإِجارَةِ:

لَغَةً: مُشْتَقَّةٌ منَ الأَجْرِ، وهو العِوَضُ المُقابَلُ بِعَمَلٍ، ومنهُ قولُهُ تعالى: ﴿لَوۡ شِئۡتَ لَتَّخَذۡتَ عَلَيۡهِ أَجۡرٗا﴾ (الكهف: 77) وقولُهُ تعالى: ﴿فَإِنۡ أَرۡضَعۡنَ لَكُمۡ فَـَٔاتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ (الطلاق: 6).

اصْطِلاحًا: عَقْدٌ على مَنْفَعَةٍ مَعْلُومَةٍ، أو على عَمَلٍ مَعْلُومٍ، في زَمَنٍ مَعْلُومٍ، بِعِوَضٍ مَعْلُومٍ.

وَهيَ نَوْعٌ منَ البَيْعِ؛ لِأَنَّها في الحَقيقَةِ بَيْعٌ للمَنافِعِ.

الفَرْقُ بينَ عَقْدِ البَيْعِ وعَقْدِ الإِجارَةِ:

أَنَّ عَقْدَ البَيْعِ على العَيْنِ، وعَقْدَ الإِجارَةِ على المَنْفَعَةِ.

أَنَّ عَقْدَ البَيْعِ يَنْقُلُ المِلْكَ في العَيْنِ للمُشْتَري، وعليه ضَمانُها، وعَقْدَ الإِجارَةِ تَبْقَى العَيْنُ فيهِ مَمْلُوكَةً للمُؤَجِّرِ، وعليه ضَمانُها.

أَرْكانُ عَقْدِ الإِجارَةِ:

لِعَقْدِ الإِجارَةِ أَرْبَعَةُ أَرْكانٍ:

1 - الأولُ: الصِّيغَةُ: وهيَ الإيجابُ والقَبُولُ، وتكون لَفْظيَّةً في الغالِبِ.

وَتكون صيغَةُ الإِجارَةِ فِعْليَّةً بالمُعاطاةِ، كما لَوْ وضَعَ أَجْهِزَةً أو مُعِدَّاتٍ للإيجارِ بِسِعْرٍ مُحَدَّدٍ ثابِتٍ؛ كَتَأْجيرِ الدَّرَّاجاتِ والسيَّاراتِ ونَحْوِها.

2 - الثاني: المُتَعاقِدانِ: وهُما المُؤَجِّرُ والمُسْتَأْجِرُ.

3 - الثالثُ: المَعْقُودُ عليه: وهو المَنْفَعَةُ، وتكون مَنْفَعَةَ عَيْنٍ أو مَنْفَعَةَ عَمَلٍ.

4 - الرابعُ: الأُجْرَةُ: وهيَ ما يَلْتَزِمُ المُسْتَأْجِرُ بِبَذْلِهِ؛ عِوَضًا عَنِ المَنْفَعَةِ الَّتي يَمْتَلِكُها، أَوِ العَمَلِ الَّذي قُدِّمَ لَهُ.

حُكْمُ الإِجارَةِ:

الإِجارَةُ جائِزَةٌ بالكِتابِ والسُّنَّةِ والإِجْماعِ.

قالَ تعالى: ﴿فَإِنۡ أَرۡضَعۡنَ لَكُمۡ فَـَٔاتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ (الطلاق: 6) وقال تعالى: ﴿لَوۡ شِئۡتَ لَتَّخَذۡتَ عَلَيۡهِ أَجۡرٗا﴾ (الكهف: 77).

وَعن عائِشَةَ رضي الله عنها قالَتْ: «اسْتَأْجَرَ رسولُ اﷲِ صلى الله عليه وسلم، وأَبُو بَكْرٍ رَجُلًا من بَني الدِّيلِ هاديًا خِرِّيتًا». أخرجهُ البُخاريُّ.

والخِرِّيتُ: هو الماهِرُ بالطُّرُقِ والمَسالِكِ الخَفيَّةِ في الصَّحْراءِ.

والإِجْماعُ: قال ابنُ قُدامَةَ: «أَجْمع العُلَماءُ في كُلِّ عَصْرٍ وكلِّ مِصْرٍ على جَوازِ الإِجارَةِ».

الحِكْمَةُ من مَشْرُوعيَّةِ الإِجارَةِ:

الإِجارَةُ منَ العُقُودِ الَّتي تُحَقِّقُ مَصالِحَ كَبيرَةً لِلنَّاسِ؛ إِذْ لَيْسَ كُلُّ إِنْسانٍ يَسْتَطيعُ أَنْ يَفْعَلَ كُلَّ شَيْءٍ بِنَفْسِهِ، فَيَحْتاجُ أَنْ يَسْتَأْجِرَ عامِلًا أو غَيْرَهُ، وكَذا لا يَسْتَطيعُ أَنْ يَشْتَريَ كُلَّ شَيْءٍ، فَيْحَتاجُ أَنْ يَسْتَأْجِرَ الدَّوابَّ والبُيُوتَ ونَحْوَهُ؛ لِذا أَباحَ اﷲُ الإِجارَةَ تَيْسيرًا لِلنَّاسِ، وقَضاءً لِحاجاتِهِمْ.

شُرُوطُ عَقْدِ الإِجارَةِ:

الأولُ: التَّراضي بينَ الطَّرَفَيْنِ.

الثاني: أَنْ يكونَ العاقِدانِ جائِزَيِ التَّصَرُّفِ.

الثالثُ: أَنْ تَكُونَ المَنْفَعَةُ والأُجْرَةُ مَعْلُومَةً؛ ليَزُولَ عَنْهُما الجَهالَةُ والغَرَرُ.

الرابعُ: أَنْ تَكُونَ المَنْفَعَةُ مُباحَةً.

الخامسُ: أَنْ تَكُونَ المَنْفَعَةُ مَمْلُوكَةً للمُؤَجِّرِ أو مَأْذُونًا لَهُ فيها.

السادسُ: أَنْ تَكُونَ المُدَّةُ مَعْلُومَةً؛ لِأَنَّ جَهالَةَ المُدَّةِ غَرَرٌ، ويُفْضي إلى التَّنازُعِ.

وَيُشْتَرَطُ في المَنْفَعَةِ أَنْ تَكُونَ مُباحَةً، فَلا يَجُوزُ الإِجارَةُ على مَنْفَعَةٍ مُحَرَّمَةٍ، كالغِناءِ والرَّقْصِ وتَعْليمِ السِّحْرِ وعِلْمِ تَأْثيرِ النُّجُومِ وتَعْليمِ المُوسيقَى، وحَمْلِ المُحَرَّماتِ؛ كالِاسْتِئْجارِ على حَمْلِ الخَمْرِ والدُّخانِ ونَحْوِهِ.

وَكُلُّ ما كانَ مُباحَ النَّفْعِ جازَ الِاسْتِئْجارُ عليه، كاسْتِئْجارِ العَقاراتِ والدَّوابِّ والثِّيابِ ونَحْوِهِ، وكَذا في الأَعْمالِ، كالِاسْتِئْجارِ لِلنَّظافَةِ والصِّيانَةِ والبِناءِ ونَحْوِهِ.

فَلا تَصِحُّ الإِجارَةُ على المُحَرَّماتِ؛ كَإِجارَةِ المُغَنِّي والرَّاقِصَةِ والطَّبَّالينَ والفِرَقِ المُوسيقيَّةِ، وإِجارَةِ السَّحَرَةِ والمُشَعْوِذينَ للبُيُوتِ، وإِجارَةِ آلاتِ المُوسيقَى، ومُعِدَّاتِ الدُّخانِ ونَحْوِهِ؛ لِما في ذَلِكَ منَ التَّعاوُنِ على الإِثْمِ والعُدْوانِ.

أَنْواعُ الإِجارَةِ

إِجارَةٌ على أَعْيانٍ

إِجارَةٌ على أَشْخاصٍ

أَجيرٌ خاصٌّ

أَجيرٌ مُشْتَرَكٌ

أَنْواعُ الإِجارَةِ:

1 - النَّوْعُ الأولُ: «إِجارَةُ أَعْيانٍ» وهي الإِجارَةُ على مَنْفَعَةِ عَيْنٍ مُعَيَّنَةٍ ؛ كَأَنْ يَقُولَ: أَجَّرْتُكَ هذه السَّيَّارَةَ، أو هَذا البَيْتَ أو هذه المَزْرَعَةَ، أَوِ المُعَدَّاتِ... إلخ.

2 - النَّوْعُ الثاني: «إِجارَةُ أَشْخاصٍ» وهي الإِجارَةُ على أَداءِ عَمَلٍ مَعْلُومٍ، كالإِجارَةِ على أَنْ يُوَصِّلَهُ بالسَّيَّارَةِ لِمَكانِ كَذا، أو يُصْلِحَ لَهُ السِّباكَةَ، أو يَدْهُنَ لَهُ العِمارَةَ أو طبيبًا يخلع ضرسه، أو مهندسًا يرسم له مخططًا، ونَحْوَهُ.

وَإِجارَةُ الأَشْخاصِ نَوْعانِ: أَجيرٌ خاصٌّ - أَجيرٌ مُشْتَرَكٌ.

الأَجيرُ الخاصُّ: هو مَنْ يَعْمَلُ لِشَخْصٍ مُعَيَّنٍ مُدَّةً مُعَيَّنَةً، كالمُوَظَّفينَ في الدَّوائِرِ الحُكُوميَّةِ والشَّرِكاتِ الخاصَّةِ مُدَّةَ ساعاتِ الدَّوامِ، وكالخَدَمِ في البُيُوتِ والسَّائِقينَ، ومَنِ اسْتُؤْجِرَ للحِراسَةِ، ونَحْوِهِمْ.

وَلا يَجُوزُ لَهُ العَمَلُ لِغَيْرِ مُسْتَأْجِرِهِ الزَّمَنَ المُتَّفَقَ عليه.

وَهَذا يَأْخُذُ أُجْرَتَهُ بِتَسْليمِ نَفْسِهُ لِصاحِبِ العَمَلِ الزَّمَنَ المُتَّفَقَ عليه، ولا يَضُرُّهُ إِنْ لَمْ يُعْطِهِ صاحِبُ العَمَلِ عَمَلًا في هذه المُدَّةِ، ويَسْتَحِقُّ كامِلَ أُجْرَتِهِ.

الأَجيرُ المُشْتَرَكُ: هو الَّذي يَعْمَلُ لِأكثرَ من شَخْصٍ؛ أَيْ: لِعامَّةِ النَّاسِ، ولا يَلْتَزِمُ بِوَقْتٍ لِأَحَدٍ، بَلْ يَلْتَزِمُ بِإِنْهاءِ العَمَلِ، كالميكانيكيِّ والنَّجَّارِ والخَيَّاطِ والحَلَّاقِ في وِرَشِهم والسَّوَّاقِ على الطُّرُقاتِ، والأَطِبَّاءِ في عياداتِهِمْ، وشَرِكاتِ المُقاوَلاتِ، ونَحْوِهِ.

وَهَذا لا يَأْخُذُ الأُجْرَةَ المُتَّفَقَ عَلَيْها حَتَّى يُنهيَ العَمَلَ، سَواءٌ طالَ زَمَنُ العَمَلِ أَمْ قَصُرَ، فَإِنْ أَكْمَلَ العَمَلَ اسْتَحَقَّ الأُجْرَةَ، وإِنْ لَمْ يُنْهِهِ، فَلا أُجْرَةَ لَهُ، ولا يَأْخُذُ أُجْرَةً على مُقَدِّماتِ عَمَلٍ لم يَتِمَّ.

لا يَجُوزُ للمُسْتَأْجِرِ إِنِ اسْتَأْجَرَ دارًا ليَتَّخِذَها سَكَنًا أَنْ يَتَّخِذَها لِغَيْرِ ذَلِكَ، إِلَّا بالِاتِّفاقِ بينَ المُؤَجِّرِ والمُسْتَأْجِرِ.

يَجِبُ على المُسْتَأْجِرِ إِعْطاءُ الأَجيرِ أُجْرَتَهُ كامِلَةً عندَ إِنْهاءِ عَمَلِهِ؛ لِقولِهِ صلى الله عليه وسلم: «أَعْطُوا الأَجيرَ أَجْرَهُ قَبْلَ أَنْ يَجِفَّ عَرَقُهُ». أخرجهُ ابنُ ماجَهْ، وصحَّحَهُ الأَلبانيُّ، وعن أَبي هُرَيرَةَ رضي الله عنه عَنِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم، قال: «قالَ اﷲُ: ثَلاثَةٌ أَنا خَصْمُهُمْ يَوْمَ القيامَةِ، ومنْهُمْ: ورَجُلٌ اسْتَأْجَرَ أَجيرًا فاسْتَوْفَى منْهُ، ولَمْ يُعْطِهِ أَجْرَهُ» أخرجهُ البُخاريُّ.

الفَرْقُ بينَ الأَجيرِ الخاصِّ والأَجيرِ المُشْتَرَكِ:

أَنَّ الأَجيرَ الخاصَّ يَسْتَحِقُّ أُجْرَتَهُ بِتَسْليمِ نَفْسِهِ مُدَّةَ العَمَلِ، وأَمَّا الأَجيرُ المُشْتَرَكُ، فَيَسْتَحِقُّ أُجْرَتَهُ بِإنْهاءِ العَمَلِ وإِكْمالِهِ.

فالموظَّفُ في دائرةٍ أجيرٌ خاصٌّ، والميكانيكي في ورشتهِ أجيرٌ مشتركٌ.

لا يَجُوزُ للمَرْأَةِ أَنْ تُؤَجِّرَ نَفْسَها بِغَيْرِ إِذْنِ زَوْجِها، كَعَمَلِها مُوظَّفَةً أو مُدَرِّسَةً ونَحْوَهُ.

نشاط

1 - يُعْتَبَرُ عَقْدُ الإِجارَةِ من عُقُودِ المُعاوَضاتِ. اشْرَحْ ذَلِكَ من واقِعِ فَهْمِكَ.

2 - بِمَ يُوافِقُ عَقْدُ الإِجارَةِ عَقْدَ البَيْعِ؟ وفيمَ يُفارِقُهُ؟

3 - منَ المُتَقَرِّرِ في عَقْدِ الإِجارَةِ أَنَّ المُسْتَأْجِرَ يَمْلِكُ المَنْفَعَةَ، فَهَلْ يَمْلِكُ بَيْعَها؟ اسْتَعِنْ بِمَصادِرَ خارِجيَّةٍ.

4 - اسْتَأْجَرَ رَجُلٌ مُغَنِّيًا لِإِحْياءِ حَفْلِ زِفافٍ، فَما حُكْمُ إِعْطائِهِ الأُجْرَةَ؟ اذْكُرْ كَلامَ أَهْلِ العِلْمِ في تِلْكَ المَسْأَلَةِ.

5 - أَنْشيءْ جَدْوَلًا تُبَيِّنُ فيهِ الفُرُوقَ بينَ الأَجيرِ الخاصِّ والأَجيرِ المُشْتَرَكِ.

6 - بَيِّنْ من أَيِّ أَنْواعِ الإِجارَةِ هذه الأَعْمالُ: الحَلَّاقُ في مَحَلِّهِ - السَّبَّاكُ في ورْشَتِهِ - الضَّابِطُ في العَسْكَريَّةِ - الطَّبيبُ في المُسْتَشْفَى - المُدَرِّسُ في المَدْرَسَةِ - الشَّغَّالَةُ في البَيْتِ؟

٣ الأصول التي يدور عليها التحريم في باب المعاملات

الوحدة الثالثة: الأصول التي يدور عليها التحريم في باب المعاملات

الأُصُولُ الَّتي يَدُورُ عَلَيْها التَّحْريمُ

الرِّبا

الغِشُّ

الغَرَرُ

الأُصُولُ الَّتي يَدُورُ عَلَيْها التَّحْريمُ في بابِ المُعامَلاتِ

هُناكَ جُمْلَةٌ منَ الأُصُولِ الَّتي يَدُورُ عَلَيْها التَّحْريمُ والمَنْعُ في المُعامَلاتِ الماليَّةِ في الشَّريعَةِ الإِسْلاميَّةِ، وإِلَيْكَ أَهَمُّها:

الأولُ: الرِّبا:

خَطَرُ الرِّبا عَظيمٌ جِدًّا، فَلَمْ يَتَوَعَّدِ اﷲُ تعالى أَحَدًا بِحَرْبه إِلَّا المُرابيَ، قال تعالى: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَذَرُواْ مَا بَقِيَ مِنَ ٱلرِّبَوٰٓاْ إِن كُنتُم مُّؤۡمِنِينَ 278 فَإِن لَّمۡ تَفۡعَلُواْ فَأۡذَنُواْ بِحَرۡبٖ مِّنَ ٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦۖ﴾ (البقرة: 278-279) ولا يُمْكِنُ التَّحَرُّزُ منهُ إِلَّا بِمَعْرِفَةِ أَحْكامِهِ؛ ليَسْلَمَ دينُ العَبْدِ، ويَنْجُوَ من عَذابِ اﷲِ تعالى.

تَعْريفُ الرِّبا:

الرِّبا لُغَةً: الزِّيادَةُ، ومنهُ قولُه تعالى: ﴿وَمِنۡ ءَايَٰتِهِۦٓ أَنَّكَ تَرَى ٱلۡأَرۡضَ خَٰشِعَةٗ فَإِذَآ أَنزَلۡنَا عَلَيۡهَا ٱلۡمَآءَ ٱهۡتَزَّتۡ وَرَبَتۡۚ﴾ (فصلت: 39)؛ أَيْ: زادَتْ.

اصْطِلاحًا: الزِّيادَةُ في أَشْياءَ مَخْصُوصَةٍ، وقيلَ: فَضْلُ مالٍ بِلا عِوَضٍ، في مُعاوَضَةِ مالٍ بِمالٍ.

حُكْمُ الرِّبا: الرِّبا مُحَرَّمٌ بالكِتابِ والسُّنَّةِ والإِجْماعِ.

قالَ تعالى: ﴿وَأَحَلَّ ٱللَّهُ ٱلۡبَيۡعَ وَحَرَّمَ ٱلرِّبَوٰاْۚ فَمَن جَآءَهُۥ مَوۡعِظَةٌ مِّن رَّبِّهِۦ فَٱنتَهَىٰ فَلَهُۥ مَا سَلَفَ وَأَمۡرُهُۥٓ إِلَى ٱللَّهِۖ وَمَنۡ عَادَ فَأُوْلَٰٓئِكَ أَصۡحَٰبُ ٱلنَّارِۖ هُمۡ فِيهَا خَٰلِدُونَ 275 يَمۡحَقُ ٱللَّهُ ٱلرِّبَوٰاْ وَيُرۡبِي ٱلصَّدَقَٰتِۗ وَٱللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ 276 إِنَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ وَأَقَامُواْ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتَوُاْ ٱلزَّكَوٰةَ لَهُمۡ أَجۡرُهُمۡ عِندَ رَبِّهِمۡ وَلَا خَوۡفٌ عَلَيۡهِمۡ وَلَا هُمۡ يَحۡزَنُونَ 277 يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَذَرُواْ مَا بَقِيَ مِنَ ٱلرِّبَوٰٓاْ إِن كُنتُم مُّؤۡمِنِينَ 278 فَإِن لَّمۡ تَفۡعَلُواْ فَأۡذَنُواْ بِحَرۡبٖ مِّنَ ٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦۖ وَإِن تُبۡتُمۡ فَلَكُمۡ رُءُوسُ أَمۡوَٰلِكُمۡ لَا تَظۡلِمُونَ وَلَا تُظۡلَمُونَ﴾ (البقرة: 275-279).

وَقالَ رسولُ اﷲِ صلى الله عليه وسلم: «اجْتَنِبُوا السَّبْعَ المُوبِقاتِ»، قالُوا: يا رسولَ اﷲِ، وما هُنَّ؟ قال: «الشِّرْكُ بِاﷲِ، والسِّحْرُ، وقَتْلُ النَّفْسِ الَّتي حَرَّمَ اﷲُ إِلَّا بالحَقِّ، وأَكْلُ الرِّبا، وأَكْلُ مالِ اليَتيمِ، والتَّوَلِّي يَوْمَ الزَّحْفِ، وقَذْفُ المُحْصَناتِ المُؤْمناتِ الغافِلاتِ» متفق عليه.

وَعن جابِرٍ رضي الله عنه: أَنَّ رسولَ اﷲِ صلى الله عليه وسلم قال: «لَعَنَ اﷲُ آكِلَ الرِّبا، ومُوكِلَهُ، وشاهِدَيْهِ، وكاتِبَهُ»، وقال: «هُمْ سَواءٌ» أخرجهُ مسلمٌ.

الإِجْماعُ. قال ابنُ قُدامَةَ: «أَجْمَعَتِ الأُمَّةُ على أَنَّ الرِّبا مُحَرَّمٌ».

قالَ الماوَرْديُّ: «إِنَّ الرِّبا لَمْ يَحِلَّ في شَريعَةٍ قَطُّ؛ لِقولِهِ تعالى: ﴿وَأَخۡذِهِمُ ٱلرِّبَوٰاْ وَقَدۡ نُهُواْ عَنۡهُ﴾ (النساء: 161)».

الحِكْمَةُ في تَحْريمِ الرِّبا:

ذَكَرَ أَهْلُ العِلْمِ أَوْجُهًا كثيرَةً في تَحْريمِ الرِّبا، منْها:

أَنَّ فيهِ إِضْرارًا بالفُقَراءِ والمُحْتاجينَ؛ بِمُضاعَفَةِ الدُّيُونِ عليهمْ عندَ عَجْزِهِمْ عن تَسْديدِها.

أنَّه يُؤَدِّي إلى انْهيارِ الأَخْلاقِ بِسَبَبِ انْعِدامِ التَّعاوُنِ والتَّراحُمِ بينَ أَفْرادِهِ، فيقطعُ المعْرُوفَ بينَ المسلمينَ؛ وينعدِمُ بَذْلُ القَرْضِ الحَسَنِ.

أنَّه يُعَوِّدُ المُرابيَ على الكَسَلِ والخُمُولِ، والِابْتِعادِ عَنِ الِاشْتِغالِ بالمَكاسِبِ المُباحَةِ النَّافِعَةِ.

ويَتَرَتَّبُ على السَّابِقِ أَنَّ فيهِ تَعْطيلًا للمَكاسِبِ والصِّناعاتِ والحِرَفِ والتِّجاراتِ؛ لِأَنَّ المُرابيَ يَرْبَحُ دونَ أَدْنَى عَمَلٍ، فَلِمَ التَّعَبُ والمَشَقَّةُ؟!

أَنَّ فيهِ أَكْلًا لِأَمْوالِ النَّاسِ بالباطِلِ؛ فَإِنَّ تَعامُلَ النَّاسِ في مَعايِشِهِمْ قائِمٌ على الِاسْتِفادَةِ منَ الطَّرَفَيْنِ، في مُقابِلِ عَمَلٍ يَقُومُ به أو عَيْنٍ يَدْفَعُها إليهِ، والرِّبا خالٍ منَ الأَمْرَيْنِ.

أَنَّ الرِّبا يُؤدِّي إِلى ارْتِفاعِ أَسْعارِ السِّلعِ والخِدْماتِ؛ لأنَّ أَصْحابَ المشْروعاتِ الإنتاجيَّةِ عِندما يَقْترضُون لتمْويلِ مَشْروعاتِهِم فإنَّهم سيَضطرُّون لرَفْعِ أَسْعارِ مُنْتَجاتِهِم على النَّاسِ لِتَغْطيةِ تَكاليفِ الإِنْتاجِ المُرْتَفِعَةِ بسَببِ الرِّبا.

أنَّ الرِّبا يُؤدِّي إِلى هُبوطِ القوَّةِ الشِّرائيَّةِ بأَيْدي النَّاسِ؛ لأنَّهُ من المُقرَّرِ اقْتِصاديًّا أنَّه كُلَّما ازْدادتِ التَّدفُّقاتُ النَّقديةُ بسَببِ القُروضِ التي تَضُخُّها البُنوكُ وغَيْرُها من أَرْبابِ الأمْوالِ في البَلدِ، فإنِّ ذلك يُؤدِّي إلى ضَعفِ القُوَّةِ الشِّرائيةِ لعُمْلةِ البَلدِ؛ بسَببِ أنَّ تلك الأَمْوالَ لم تَكُنْ مَصْحوبةً بمَشْروعاتٍ إنتاجيَّةٍ أو بسَلَعٍ، وهذا بخِلافِ الرِّبحِ المَشْروعِ فإنَّهُ ناتجٌ عن ارْتِباطِ المالِ بالعملِ، فالتَّدفُّقاتُ النَّقْديةُ التي تتحقَّقُ وفْقًا لهذا النِّظامِ مُرْتَبِطةٌ بتَدفُّقاتٍ مُقابَلةٍ من السِّلعِ والخِدْماتِ الضَّروريَّةِ للمُجْتمعِ.

كَلامُ الغَرْبِ في تَحْريمِ الرِّبا، والأَخْذِ بالنِّظامِ الإِسْلاميِّ الماليِّ:

دَعا مَجْلِسُ الشُّيُوخِ الفَرَنْسيُّ إلى ضَمِّ النِّظامِ المَصْرِفيِّ الإِسْلاميِّ لِلنِّظامِ المَصْرِفيِّ في فَرَنْسا، وقالَ: «إِنَّ النِّظامَ المَصْرِفيَّ الَّذي يَعْتَمِدُ على قَواعِدَ مُسْتَمَدَّةٍ منَ الشَّريعَةِ الإِسْلاميَّةِ مُريحٌ للجَميعِ، سَواءٌ كانُوا مسلمينَ أو غَيْرَ مسلمينَ».

وَجاءَ ِفي مَجَلَّةِ (تشالينجز): «أَظُنُّ أَنَّنا بِحاجَةٍ أكثرَ في هذه الأَزْمَةِ إلى قِراءَةِ القُرآنِ بَدَلًا منَ الإِنْجيلِ لِفَهْمِ ما يَحْدُثُ بِنا وبِمَصارِفِنا؛ لِأنَّه لَوْ حاوَلَ القائِمُونَ على مَصارِفِنا احْتِرامَ ما ورَدَ في القُرآنِ من تَعاليمَ وأَحْكامٍ وطَبَّقُوها، ما حَلَّ بِنا ما حَلَّ من كَوارِثَ وأَزَماتٍ، وما وصَلَ بِنا الحالُ إلى هَذا الوَضْعِ المُزْري؛ لِأَنَّ النُّقُودَ لا تَلِدُ النُّقُودَ».

وَقالَ بَعْضُ الِاقْتِصاديِّينَ العالَميِّينَ: «المالُ لا يُنْتِجُ مالًا» ثم عَقَّبَ: «إِنَّ أَيَّ عَمَليَّةِ ائْتِمانٍ أو قَرْضٍ لا بُدَّ أَنْ تُواجَهَ بِأُصُولٍ مُحَدَّدَةٍ، وإِنَّ مَنْعَ بَيْعِ النُّقُودِ بالنُّقُودِ أَوِ المالِ بالمالِ هو الحَلُّ الأَمْثَلُ للأَزَماتِ الِاقْتِصاديَّةِ في العالَمِ كُلِّهِ».

وَهَذا هو مَبْدَأُ الرِّبا في الإِسْلامِ، وقد حَسَمَهُ القُرآنُ بِقولِهِ: ﴿وَحَرَّمَ ٱلرِّبَوٰاْۚ﴾ (البقرة: 275).

وَكَتَبَ (لاسكين) مَقالَةً بِعُنْوانِ: «هَلْ تأَهَّلَتْ (وول ستريت) لِاعْتِناقِ مَبادِئِ الشَّريعَةِ الإِسْلاميَّةِ» تَكَلَّمَ فيها عَنِ المَخاطِرِ الَّتي تُحْدِقُ بالرَّأْسِماليَّةِ، وقَدَّمَ سِلْسِلَةً منَ المُقْتَرَحاتِ حُلُولًا، في مُقَدِّمَتِها تَطْبيقُ مَبادِئِ الشَّريعَةِ الإِسْلاميَّةِ.

كما طالَبَ رَئيسُ تَحْريرِ صَحيفَةِ (لوجورنال دفينانس) بِضَرُورَةِ تَطْبيقِ الشَّريعَةِ الإِسْلاميَّةِ في المَجالِ الماليِّ والِاقْتِصاديِّ لِوَضْعِ حَدٍّ للأَزْمَةِ الَّتي تَهُزُّ أَسْواقَ اْلعالَمِ.

الفَوائِدُ البَنْكيَّةُ على الوَدائِعِ الجاريَةِ رِبًا:

الوَدائِعُ الجاريَةُ المُودَعَةُ في البَنْكِ منَ النَّاحيَةِ الفِقْهيَّةِ: عِبارَةٌ عن قَرْضٍ مُقَدَّمٍ منَ العَميلِ للبَنْكِ، والفائِدَةُ زيادَةٌ على هَذا القَرْضِ، وهَذا هو عَيْنُ الرِّبا؛ لِذا انْعَقَدَ الإِجْماعُ على تَحْريمِ هذه الفَوائِدِ.

فَإِنْ قيلَ: البَنْكُ لَمْ يَقْتَرِضْ منَ العَميلِ شَيْئًا؟!

فالجَوابُ: أَنَّ البَنْكَ يَضْمَنُ هَذا المَبْلَغَ للعَميلِ بِكُلِّ حالٍ، ولا يُضمَنُ بكل حالٍ في الأموالِ المقبوضةِ بإذنِ مالكها إلا القرضُ، فاشتراطُ البنكِ على نفسه الضمانَ بكلِّ حال يصيِّرُ المعامَلةَ قَرْضًا، بينما لو كانت العلاقةُ بينهما شَركةً شرعيَّةً أو مضارَبةً شرعيةً، لاشْتركَ البنكُ والعَميلُ في المكسَبِ والخَسارةِ، وهذا لا يوجدُ البتَّةَ في الودائعِ الجاريةِ.

أَقْسامُ الرِّبا:

الرِّبا نوْعان:

النوعُ الأوَّلُ: رِبا الدُّيونِ

وهو الرِّبا الذي يكونُ في عُقُودِ المدايناتِ، كالقُروضِ، والبيوعِ الآجِلةِ.

وهو على نوعين:

1- الزِّيادةُ في الدَّينِ عند حُلولهِ:

وصُورةُ ذَلِكَ: أَنْ يَكونَ في ذِمَّةِ شَخْصٍ لآخَرَ دَينٌ - سَواءٌ أَكانَ مَنْشؤُهُ قَرْضًا أَمْ بَيْعًا آجِلًا أَمْ غَيْرَ ذلك - فإِذا حَلَّ الأَجَلُ ولم يُسدِّدِ المَدينُ زادَهُ الدَّائنُ في المُهْلةِ في مُقابِلِ أَنْ يَزيدَ المَدينُ في قيمةِ الدَّينِ.مِثالُ ذلك: أَنْ يَشْتريَ شَخْصٌ سيَّارةً من آخَرَ بخَمْسينَ ألفَ ريالٍ، تَحِلُّ بَعْدَ ثَلاثِ سَنواتٍ، فلمَّا جاء مَوعدُ السَّدادِ ولم يتمكَّنِ المُشتري منَ السَّدادِ، قال لَهُ البائعُ: لَكَ مُهْلةٌ أُخْرى سَنَةٌ رابعةٌ، ليَزيدَ الدَّينَ، ويُصْبِحَ خَمْسةً وخَمْسينَ ألفَ ريالٍ.

فهذه الزِّيادةُ هيَ أَخْطرُ أَنْواعِ الرِّبا وأشدُّها تَحريمًا.

وهيَ من أَشْهرِ صُورِ رِبا الجاهِليةِ؛ قال قَتادَةُ: «إنَّ رَبا الجاهِليةِ أَنْ يَبيعَ الرَّجُلُ البَيْعَ إِلى أَجَلٍ مُسمًّى، فإِذا حَلَّ الأَجَلُ ولَمْ يَكُنْ عندَ صاحبه قَضاءٌ زاد وأخَّرَ عَنْهُ».

٢- الزِّيادةُ المَشْروطةُ في أَصْلِ القَرْضِ:

وصُورةُ ذلك: أَنْ يُقرِضَ شَخْصٌ آخَرَ مَبْلغًا منَ المالِ، ويَشْترِطَ المُقرِضُ على المُقْترِضِ أَنْ يَرُدَّ المَبْلغَ ومَعَهُ زيادةٌ.

ويُسمَّى هذا النَّوعُ: رِبا القُروضِ؛ لأنَّ الزِّيادةَ مَشْروطةٌ في ابْتِداءِ عَقدِ القَرْضِ، وليس عِندَ السَّدادِ.

النَّوعُ الثَّاني: رِبا البُيوعِ:

وهو الرِّبا الذي يَكونُ في عُقودِ المُعاوَضاتِ والمُبادَلاتِ التِّجاريَّةِ.

وهو قِسمانِ:

1 - القِسمُ الأوَّلُ: رِبا الفَضْلِ، وهُو بَيعُ المالِ الرِّبويِّ بجِنْسِهِ مُتفاضِلًا.

شَرْحُ التَّعريفِ:

المالُ الرِّبويُّ: هو المالُ الذي يَجْري فيه رِبا البُيوعِ، وهو نَوعانِ:

الأولُ: النَّقْدانِ: الذَّهَبُ والفِضَّةُ.

ويَلْحَقُ بهما ما كان في مَعْناهما، كالأَوْراقِ النَّقْديَّةِ.

الثَّاني: الأَطْعمةُ التي تُقتاتُ وتُدَّخَرُ؛ وهيَ الأَصْنافُ الأَرْبعةُ المَنْصوصِ عَلَيها، وهي: البُرُّ والتَّمْرُ والشَّعيرُ والمِلْحُ.

ويَلْحَقُ بها ما كان في معناها: كالأُرْزِ والعَدَسِ والتَّوابِلِ ونَحْوِهِ.

بجِنْسِه: أي: جِنْسِ المالِ الرِّبويِّ.

فالذَّهَبُ بأَنْواعِهِ جِنْسٌ، والتَّمرُ بأنَواعِهِ جِنْسٌ، والأُرْزُ بأَنْواعِهِ جِنْسٌ، والعَدَسُ بأَنْواعِهِ جِنْسٌ، والرِّيالاتُ السُّعوديَّةُ بأَنْواعِها جِنْسٌ، والجُنَيهاتُ المِصريَّةُ بأَنْواعِها جِنْسٌ، وهكذا.

مُتفاضِلًا: أَيْ بدونِ تَساوٍ في المِقْدارِ عِندَ البَيعِ.

ودَليلُ التَّحريمِ: حديثُ عُبادَةَ بنِ الصَّامتِ رضي الله عنه عَنِ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم أنَّه قال: «الذَّهَبُ بالذَّهَبِ، والفِضَّةُ بالفِضَّةِ، والبُرُّ بالبُرِّ، والشَّعيرُ بالشَّعيرِ، والتَّمْرُ بالتَّمْرِ، والمِلْحُ بالمِلْحِ، مِثْلًا بِمِثْلٍ، سَواءً بِسَواءٍ، يَدًا بيَدٍ، فَإِذا اخْتَلَفَتْ هذه الأَصْنافُ، فَبيعُوا كَيْفَ شِئْتُمْ، إِذا كانَ يَدًا بيَدٍ» رواه مسلم.

وبمُوجِبِ هذا الحديثِ وغَيرِهِ منَ النُّصوصِ الواردةِ في هذا البابِ، فإِنَّ الأَحْوالَ بينَ المَبيعَيْنِ ثلاثةٌ:

الأولى: إن اتحدَ الجِنْسُ، كالذَّهَبِ بالذَّهَبِ، والفِضَّةِ بالفِضَّةِ، والدُّولارِ بالدُّولارِ، والرِّيالِ بالرِّيالِ، والبُرِّ بالبُرِّ، والأُرْزِ بالأُرْزِ، فيُشترطُ فيهِ شَرْطانِ:

1 - التَّقابُضُ في مَجْلِسِ العَقْدِ.

2 - التَّماثُلُ بينَ المَبيعَيْنِ.

فَيجوز أنْ يُباعَ مِائَةُ جِرامٍ ذَهَبًا بِمِائَةِ جِرامٍ ذَهَبًا، بِشَرْطِ القَبْضِ في مَجْلِسِ العَقْدِ، ويَحْرُمُ بَيْعُ مِائَةِ جِرامٍ فِضَّةً بِمِائَةٍ وخَمْسينَ جِرامًا فِضَةً، ولو كانَ في مَجْلسِ العَقْدِ.

لِفَهْمِ مَسائِلِ رِبا البُيُوعِ، لا بُدَّ من فَهْمِ أَمْرَيْنِ:

الجِنْسِ - العِلَّةِ:

أَمَّا الجِنْسُ: فالذَّهَبُ جِنْسٌ، والفِضَّةُ جِنْسٌ، والشعيرُ جِنْسٌ، والبرُّ جِنْسٌ.

وأَمَّا العِلَّةُ:

فَهي في الذَّهَبِ والفِضَّةِ: الثَّمَنيَّةُ؛ لأنها أخصُّ وصفٍ يمكن أن يناطَ به الحُكمُ، فَيُقاسُ عليهما في جريان الربا كُلُّ ما جُعِلَ ثَمَنًا لِلسِّلَعِ؛ كالأَوْراقِ النَّقْديَّةِ أَوِ المَعادِنِ النَّقْديَّةِ، وتُعْتَبَرُ عُمْلَةُ الدَّوْلَةِ الواحِدَةِ جِنْسًا واحِدًا، فالرِّيالُ جِنْسٌ، والجُنَيْهُ جِنْسٌ، والدُّولارُ جِنْسٌ، وهَكَذا.

وَفي المَطْعُوماتِ الأَرْبَعَةِ: القُوتُ والادِّخار؛ لأَنَّهما أَخَصُّ أَوصافِ الأَربَعةِ المَذكورَةِ، فَيُقاسُ عَلَيْها في جريان الربا الأُرْزُ والذُّرَةُ والفُولُ والعَدَسُ وسائِرُ الحُبُوبِ، وما شابَهَ المِلْحَ، كالكَمُّونِ والفلْفلِ ونَحْوِهِ.

والقوتُ: هو ما تَقُومُ به بنية الإنسان، لا ما يُتَرَفَّهُ به.

والمُدَّخَر: ما يحفظ لفتراتٍ طَويلةٍ، دونَ أنْ يفْسُد في الظُّروفِ الطَّبيعيَّةِ، فلا يدخلُ فيه ما يُدَّخَر في الثلاجاتِ.

الثانيَةُ: إِنِ اخْتَلَفَ الجِنْسُ واتَّفَقَتِ العِلَّةُ؛ جازَ التَّفاضُلُ، واشْتُرِطَ التَّقابُضُ في مَجْلِسِ العَقْدِ؛ كَبَيْعِ التَّمْرِ بالشَّعيرِ، والبُرِّ بالمِلْحِ، والذَّهبِ بالفضةِ.

فَيَجُوزُ بَيْعُ صاعِ تَمْرٍ بِصاعَيْ شَعيرٍ، بِشَرْطِ القَبْضِ في مَجْلِسِ العَقْدِ، ويَجُوزُ مِائَةُ دُولارٍ بِثَلاثِ مِائَةِ ريالٍ؛ بِشَرْطِ القَبْضِ في مَجْلِسِ العَقْدِ، فجاز التفاضُلُ وحَرُم تأخيرُ القبض (النسيئة(.

الثالثَةُ: إِنِ اخْتَلَفَتِ العِلَّةُ -وَبالتالي اختلف الجِنْسُ- جاز الأمران: التَّفاضُلُ والتَّأْجيلُ؛ كالذَّهَبِ بالبُرِّ، والفِضَّةِ بالشَّعيرِ، وتُلاحِظُ أَنَّ العِلَّةَ مُخْتَلِفَةٌ، فهَذا ثَمَنٌ، والآخَرُ مَطْعُومٌ.

فَيَجُوزُ مِائَةُ صاعِ بُرٍّ بِمِائَتَيْ ريالٍ، ولَو حَصَلَ تَأْخيرٌ في القَبْضِ.

خُلاصَةٌ في بيعِ الرِّبوياتِ

إن اتَّحَد الجنسُ وجَبَ التماثلُ والتقابضُ.

إن اختلف الجنس واتحدت العلةُ: وجَب التقابضُ وجاز التفاضُلُ.

إن اختلفت العِلةُ أو انتفَتْ أو وُجِدَت في أَحَدِ المبيعين دونَ الآخرِ جاز التفاضُلُ وتأخيرُ القبضُ.

عِندَ انتفاءِ العِلَّةِ الرِّبَويَّةِ؛ فَإنه يَجُوزُ التَّفاضُلُ، ويَجُوزُ تَأْخيرُ القَبْضِ، فَيَجُوزُ بَيْعُ طُنِّ حَديدٍ بِاثْنَيْنِ، ولَو تَأَخَّرَ القَبْضُ، وبَيْعُ سَيَّارَةٍ بِسَيَّارَتَيْنِ، وبَيْعُ الثِّيابِ بالثِّيابِ، والبُرْتُقالِ بالبُرْتُقالِ، والتُّفَّاحِ بالتُّفَّاحِ، مُتَفاضِلًا ومُؤَجَّلًا.

كما يُباعُ الربويُّ بغيره متفاضِلًا ومؤجَّلا، كالبرِّ بالحديدِ، والشَّعيرِ بالثِّياب، لعَدَم وُجُود عِلَّةِ الرِّبا في أَحَدِ المبيعَيْنِ.

الرِّبَويَّاتُ السِتَّةٌ: الذَّهَبُ والفِضَّةُ - والبُرُّ والشَّعيرُ والتَّمْرُ والمِلْحُ.

النُّقودُ وسائرُ العُمْلاتِ تُلحَقُ بالذَّهبِ والفِضَّةِ بعِلَّةِ الثَّمَنيَّةِ

الحبوبُ وكلُّ ما كان قوتًا مُدَّخرًا يُلحقُ بالمطعوماتِ بعلة القُوتِ والادخار

2 - القِسمُ الثَّاني: رِبا النَّسيئةِ

هو الرِّبا الذي يَكونُ سببُهُ التَّأخيرَ، مَأخوذٌ من النَّسَأ وهو التَّأخيرُ.

تَعريفُه: هو بَيعُ المالِ الرِّبويِّ بمالٍ رِبويٍّ يتَّفِقُ مَعَهُ في العِلَّةِ، مع عَدمِ التَّقابُضِ في الحالِ.

شَرحُ التَّعريفِ: المالُ الرِّبويُّ: سَبَقَ.

يتَّفِقُ مَعَهُ في العِلَّةِ: أَيْ: أَنْ يَكونَ للعِوضَينِ العِلَّةُ الرِّبويةُ نَفْسُها، بأَنْ يَكونَ كلاهما منَ الأَثْمانِ، أو كلاهما منَ الأَطْعمةِ التي تُقْتاتُ وتُدَّخَرُ، سواء اتَّحَدَ جِنْسُهُما أَوِ اخْتَلَفا.

التَّقابضُ: المُرادُ به التَّسليمُ والتَّسلُّمُ الفَوريُّ في مَجلِسِ العَقْدِ نَفْسِه.

من أَمْثلتِهِ:

1 - مُبادَلةُ صاعِ تَمْرٍ بصاعِ بُرٍّ، مَع عَدمِ التَّقابُضِ في الحالِ.

2 - مُبادَلةُ أَلفِ ريالٍ سُعوديٍّ بأَلْفي جُنيهٍ مِصريٍّ، مع عَدَمِ التَّقابُضِ.

أدِلَّةُ تَحريمِهِ:

قال رسولُ اﷲِ صلى الله عليه وسلم: «الذَّهَبُ بالذَّهَبِ، والفِضَّةُ بالفِضَّةِ، والبُرُّ بالبُرِّ، والشَّعيرُ بالشَّعيرِ، والتَّمْرُ بالتَّمْرِ، والمِلْحُ بالمِلْحِ، مِثْلًا بِمِثْلٍ، سَواءً بِسَواءٍ، يَدًا بيَدٍ، فَإِذا اخْتَلَفَتْ هذه الأَصْنافُ، فَبيعُوا كَيْفَ شِئْتُمْ، إِذا كانَ يَدًا بيَدٍ» أخرجهُ مسلمٌ.

وَقالَ رسولُ اﷲِ صلى الله عليه وسلم عن بَيْعِ الفِضَّةِ بالفِضَّةِ نَسيئَةً: «ما كانَ يَدًا بيَدٍ فَلا بَأْسَ بِهِ، وما كانَ نَسيئَةً فَهو رِبًا» أخرجهُ مسلمٌ.

أَخْطاءٌ شائعةٌ في بَيعِ وشِراءِ الذَّهبِ أوِ الفِضَّةِ:

لا يَجوزُ بَيعُ الذَّهبِ المُستعَملِ بذَهبٍ جَديدٍ مع دَفْعِ الفَرْقِ.

والصَّوابُ: أَنْ يُباعَ الذَّهبُ المُستعَملُ ثم يُقبَضَ ثَمنُهُ، ثم يُشْترى به ذَهَبٌ جَديدٌ.

لا يَجوزُ بيعُ الفِضَّةِ وشِراؤها إِلى أجلٍ أو بالتَّقسيطِ: فإنَّ هذا داخلٌ في رِبا النَّسيئةِ.

لا يَجوزُ اسْتِرجاعُ الذَّهبِ بَعدَ شِرائهِ وأخْذُ ذَهبٍ دونَهُ في الثَّمنِ مع دَفْعِ الفَرْقِ؛ لأنَّهُ بيعُ ذَهبٍ بذَهبٍ مع زيادةٍ.

والصَّحيحُ: بيعُ الذَّهبِ وأخْذُ ثَمنِهِ، ثم شِراءُ الذَّهبِ الآخَرِ.

لا يَجوزُ حَجْزُ الذَّهبِ بدَفْعِ بعضِ القيمةِ وتأخيرِ قَبضِ الذَّهبِ؛ لأنَّ هذا رِبا نَسيئةٍ.

والواجبُ دَفعُ قيمةِ الذَّهبِ كاملةً، وأَخْذُ ما وقَعَ عليه العَقدُ منَ الذَّهبِ؛ لقولِهِ صلى الله عليه وسلم: «فَإِذا اخْتَلَفَتْ هذه الأصناف، فَبيعُوا كيف شِئْتم إِذا كانَ يَدًا بيَدٍ»؛ أخرجهُ مسلمٌ.

فدَّلتْ تِلك الأحاديثُ على وُجوبِ التَّقابُضِ في مُبادَلةِ الرِّبويِّ بالرِّبويِّ، إِذا كان مُتَّفِقًا معه في العِلَّةِ الرِّبويَّةِ.

وبِناء عَلَيهِ، فإذا اخْتَلفتِ العِلَّةُ جازتِ النَّسيئةُ، كأنْ يَبيعَهُ طعامًا بذهبٍ، أو بُرًّا بفِضَّةٍ ونَحوَ ذلك، فلا بأسَ، ولو تأخَّر القَبضُ؛ للاخْتِلافِ في عِلَّةِ الرِّبا، فهذا ثَمنٌ، وهذا من المَطعُوماتِ.

شِراءُ الرِّبويِّ ببِطاقةِ الصَّرَّافِ:

إِذا أَرادَ شَخصٌ شِراءَ سلعةٍ يُشْترطُ فيها التَّقابضُ كذَهبٍ أو فِضةٍ ببطاقةِ الصَّرافِ الإلكترونيِّ، فلا مانعَ من ذلك إِنِ اشْترى ببطاقةِ الصَّرفِ، التي يتمُّ فيها الخَصمُ للقيمةِ من حسابِ العَميلِ الجاري وإيداعُها في حِسابِ البائعِ مُباشَرةً؛ لأنَّ هذا حقيقةً قبضٌ شرعيٌّ، إِذْ يَتمكَّنُ البائعُ من التَّصرُّفِ في ثَمنِ السِّلعةِ بمُجرَّدِ إتمامِ العَمليَّةِ.

الصَّرفُ

تعريف الصَّرفِ:

الصَّرفُ لغةً: تحويلُ الشيءِ عن وجههِ وتغييرُه، يقال: صَرَفَه يصرفُه صَرْفًا إذا ردَّه.

والصَّرفُ اصْطِلاحًا: هو بيعُ النَّقدِ بالنَّقدِ، سواء اتحَدَ الجِنْسُ أم اختَلَفَ.

والمراد بالنقدِ: الذَّهبُ والفضَّةُ، وما يقومُ مقامَهُما، كالأوراقِ النَّقْديةِ، وسائرِ الفلوسِ.

حالاتُ الصَّرفِ:

للصَّرفِ حالتان، كما هُو موضَّحٌ في التَّعْريفِ:

الحال الأولى: أن تكون النقودُ من جنسٍ واحد، كدولارٍ بدولارٍ، فيُشْترطُ شَرْطانِ:

1- الأوَّلُ: التَّساوي.

2- الثَّاني: التَّقابُضُ قبلَ التفرُّقِ.

الحالُ الثَّانيةُ: أنْ تَكونَ النُّقودُ من جِنْسينِ مُخْتلِفينَ، كريالٍ بدُولارٍ، فيُشْترطُ شَرْطٌ واحدٌ فقط، وهو التَّقابُضُ قَبْلَ التَّفرُّقِ، ولا يُشْترَطُ التَّساوي.

الأدِلَّةُ:

هيَ نفسُ الأدِلَّةِ المذكورةِ في رِبا الفَضلِ والنَّسيئةِ.

بيعُ العُمْلاتِ في الفُورِكسِ ونَحوِه:

لا بأس من حيثُ الأصلُ في الاتجار بالعملاتِ، فإن اختلفت العُملةُ، كبيعِ اليورو بالدولارِ، جاز، واشترط التقابضُ في مجلس العقدِ.

وإن اتَّحدَتِ العُمْلةُ، كبَيعِ رياٍل بريالينِ، اشتُرط للجواز أمران: التَّساوي، والتَّقابُضُ في مَجْلسِ العَقدِ؛ وذلك لأن اتحاد العملة بمثابة اتحاد الجنس الربوي.

نشاط

1 - لِمَ كانت فَوائِدُ الوَدائِعِ الجاريَةِ مُحَرَّمَةً ورِبَويَّةً؟

2 - قاعِدَةُ الشَّرْعِ في الرِّبا: «أَنَّ كُلَّ قَرْضٍ جَرَّ نَفْعًا فَهو رِبًا». اشْرَحْ هذه العِبارَةَ.

3 - اذْكُرْ صُوَرَ رِبا النَّسيئَةِ، مُبَيِّنًا عِلَّةَ الرِّبا في النَّقْدَيْنِ.

4 - بَيِّنْ حُكْمَ المُعامَلاتِ الآتيَةِ مُعَلِّلًا؛ على ضَوْءِ ما دَرَسْتَ:

أ- باعَ رَجُلٌ مِائَةَ جِرامٍ منَ الذَّهَبِ، بِمِائَةِ جِرامٍ منَ الذَّهَبِ يَقْبِضُها بَعْدَ شَهْرٍ.

ب- باعَ خَمْسينَ جِرامًا منَ الفِضَّةِ بِعَشْرَةِ جِراماتٍ منَ الفِضَّةِ يَقْبِضُها في اليَوْمِ التَّالي.

ج- باعَ صاعًا منَ التَّمْرِ الجَيِّدِ بِصاعَيْنِ منَ التَّمْرِ الرَّديءِ، وتَمَّ التَّقابُضُ في نَفْسِ المَجْلِسِ.

د- باعَ خَمْسينَ كيلُو جِرامًا منَ البُرِّ بِشاةٍ يَقْبِضُها بَعْدَ أُسْبُوعٍ.

هـ- باعَ مائةَ دُولارٍ بِمائَتَيْ دُولارٍ نَسيئَةً.

و- اشْتَرَى أَلْفَ ريالٍ سُعُوديٍّ بثَلاثةِ آلافِ جُنيهٍ مِصْريٍّ، وحَصَلَ التَّقابُضُ بمَجْلسٍ العَقْدِ.

الثاني: الغِشُّ

تَعْريفُ الغِشِّ:

الغِشُّ لُغَةً: نَقيضُ النُّصْحِ، يُقالُ: غَشَّهُ، ويَغُشُّهُ غِشًّا؛ أَيْ: لَمْ يَنْصَحْهُ، وأَظْهَرَ لَهُ خِلافَ ما أَضْمَرَهُ.

واصْطِلاحًا: كَتْمُ عَيْبٍ لَوْ عَلِمَهُ طَرَفُ العَقْدِ الآخَرُ لَمْ يَقْبَلْهُ.

حُكْمُ الغِشِّ:

الغِشُّ منَ الأَعْمالِ المُحَرَّمَةِ، فقد قال تعالى: ﴿وَيۡلٌ لِّلۡمُطَفِّفِينَ 1 ٱلَّذِينَ إِذَا ٱكۡتَالُواْ عَلَى ٱلنَّاسِ يَسۡتَوۡفُونَ 2 وَإِذَا كَالُوهُمۡ أَو وَّزَنُوهُمۡ يُخۡسِرُونَ﴾ (المطففين: 1-3). فَذَمَّ اﷲ تعالى الغِشَّ، وتَوَعَّدَ فاعِلَهُ بالنَّارِ.

وأخرجَ مسلمٌ في صحيحهِ: أَنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم مَرَّ على صُبْرَةِ طَعامٍ، فَأَدْخَلَ يَدَهُ فيها، فَنالَتْ أَصابِعُهُ بَلَلًا، فَقالَ: «ما هَذا يا صاحِبَ الطَّعامِ»؟ قال: أَصابَتْهُ السَّماءُ يا رسولَ اﷲِ، قال: «أَفَلا جَعَلْتَهُ فَوْقَ الطَّعامِ كَيْ يَراهُ النَّاسُ؟! مَنْ غَشَّ فَلَيْسَ منِّي» أخرجهُ مسلمٌ.

فَدَلَّتِ الأَدِلَّةُ على أَنَّ الغِشَّ حرامٌ، وهَذا بِاتِّفاقِ أَهْلِ العِلْمِ.

صُوَرُ الغِشِّ:

للغِشِّ صُوَرٌ كثيرَةٌ، منْها:

كِتْمانُ عَيْبِ السِّلْعَةِ. بحيث لا يُظهِرُه البائعُ للمشتري.

الغِشُّ في الميزانِ. بِوَضْعِ ثِقَلٍ أَسْفَلَ كِفَّةِ الميزانِ، أو يَزيدُ مِعْيارَهُ، أو وضْعِ بَعْضِ السِّلَعِ الفاسِدَةِ في الكيسِ قَبْلَ الوَزْنِ، ونَحْوِهِ.

الغِشُّ في المَباني والطُّرُقِ والجسور وغيرها. وهو كثيرٌ مُنْتَشِرٌ، فَبينَ الحينِ والآخَرِ تَقَعُ العَمائِرُ، وسُرْعانَ ما تَتْلَفُ الطُّرُقُ، نَتيجَةً للغِشِّ في الأَساساتِ والخَرَساناتِ.

مسألة:

بَعْضُ الباعَةِ حَتَّى يَبْرَأَ من تَبِعَةِ المَبيعِ، يَقُولُ في بَيْعِهِ: السَّيَّارَةُ كُلُّها عُيُوبٌ، أَوِ: العِمارَةُ كُومَةُ تُرابٍ، ونَحْوَهُ.

وَهَذا لا يُبَرِّئُهُ حَتَّى يَنُصَّ على العَيْبِ الَّذي يَعْلَمُهُ، فَمَنْ عَلِمَ عَيْبًا ثم كَتَمَهُ، وقال ما سَبَقَ، لَمْ تَبْرَأْ ذِمَّتُهُ في قولِ أكثرِ أَهْلِ العِلْمِ؛ لِكِتْمانِهِ العَيْبَ المَعْلُومَ، والواجبُ عليه أَنْ يُبَيِّنَهُ، وإِلَّا كانَ غِشًّا.

الثالث: الغَرَرُ

النَّهيُ عنِ الغَرَرِ أَصْلٌ عَظيمٌ من أُصُولِ البُيُوعِ في الفِقْهِ الإسْلاميِّ، ويَدْخُلُ في مَسائِلَ لا حَصْرَ لَها.

تَعْريفُهُ:

الغَرَرُ لُغَةً: النُّقْصانُ والخَطَرُ والجَهْلُ.

واصْطِلاحًا: مَجْهُولُ العاقِبَةِ أو مَسْتُورُها.

وَقيلَ: «ما لا يُقْدَرُ على تَسْليمِهِ، أو لا تُعْرَفُ حَقيقَتُهُ ومِقْدارُهُ».

حُكْمُ الغَرَرِ: الغَرَرُ مُحَرَّمٌ؛ لِنَهْيِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم عن بَيْعِ الغَرَرِ، كما في صحيحِ مسلمٍ من حديثِ أَبي هُرَيرَةَ رضي الله عنه.

وَضابِطُ الغَرَرِ المَمْنُوعِ في المُعامَلاتِ:

1 - أَنْ يكونَ الغَرَرُ كثيرًا.

2 - إِمْكانُ التَّحَرُّزِ منهُ دونَ حَرَجٍ ومَشَقَّةٍ.

3 - أَلَّا تَدْعُوَ الحاجَةُ إليهِ.

مَجالاتُهُ:

كثيرٌ منَ البُيُوعِ المَنْهيِّ عَنْها في الشَّرْعِ تَدُورُ على الغَرَرِ، كالنَّهْيِ عن بَيْعِ المُلامَسَةِ والمُنابَذَةِ، وبَيْعِ الحَصاةِ، وبَيْعِ الثَّمَرَةِ قَبْلَ بُدُوِّ صَلاحِها، وبَيْعِ الحَمْلِ في البَطْنِ، واللَّبَنِ في الضَّرْعِ، وبَيْعِ غَيْرِ المَقْدُورِ على تَسْليمِهِ، كالطَّيْرِ في الهَواءِ، والسَّمَكِ في الماءِ، والنَّهْيِ عن بَيْعِ ما لا يَمْلِكُ.

وَفي العَصْرِ الحديثِ:

يَجْري الغَرَرُ في صُوَرٍ كثيرَةٍ، أَشْهَرُها: التَّأْمينُ التِّجاريُّ ، وبَيْعُ اليانَصيبِ، والتَّسْويقُ الشَّبَكيُّ والهَرَميُّ، وكُلُّ ما حُرِّمَ من أَجْلِ المَيْسِرِ؛ فقد حُرِّمَ لِأنَّه مَجْهُولُ العاقِبَةِ، فَيكونُ أَيْضًا منَ الغَرَرِ المَنْهيِّ عَنْهُ، الَّذي يُفْضي إلى العَداوَةِ والبَغْضاءِ بينَ المسلمينَ.

قالَ شَيْخُ الإِسْلامِ في الغَرَرِ: «يُفْضي إلى مَفْسَدَةِ المَيْسِرِ، الَّتي هيَ إيقاعُ العَداوَةِ والبَغْضاءِ، مع ما فيهِ من أَكْلِ المالِ بالباطِلِ، الَّذي هو نَوْعٌ منَ الظَّلْمِ، فَفي بَيْعِ الغَرَرِ ظُلْمٌ وعَداوَةٌ وبَغْضاءُ».

نشاط

1 - عَرِّفِ الغِشَّ لُغَةً واصْطِلاحًا، مع ذِكْرِ جُمْلَةٍ منَ الصُّوَرِ المُعاصِرَةِ للغِشِّ.

2 - عَرِّفِ الغَرَرَ لُغَةً واصْطِلاحًا، وبَيِّنْ حُكْمَهُ وأَقْسامَهُ.

3 - ما أَشْهَرُ الصُّوَرِ المُعاصِرَةِ الَّتي يَجْري فيها الغَرَرُ؟

4 - من الأصولِ التي يدورُ عليها التحريمُ في الشَّرعِ الإسلامي، القمارُ والميسرُ، اكتُب في ذلك بحثًا مختصرًا.

٤ بعض النوازل المالية المعاصرة

الوحدة الرابعة: بعض النوازل المالية المعاصرة

بَعْضُ النَّوازِلِ الماليَّةِ المُعاصِرَةِ

بَيْعُ الأَسْهُمِ:

السَّهْمُ: هو الحِصَّةُ الَّتي يَشْتَرِكُ بها المُساهِمُ في رَأْسِ مالِ شَرِكَةِ المُساهَمَةِ.

الحُكْمُ: يَجُوزُ بَيْعُ وشِراءُ أَسْهُمِ الشَّرِكاتِ الَّتي تُزاوِلُ نَشاطًا مُباحًا، كالشَّرِكاتِ الزِّراعيَّةِ والصِّناعيَّةِ الخاليَةِ منَ المُعامَلاتِ المُحَرَّمَةِ، بِشَرْطِ أَنْ يكونَ البائِعُ مالِكًا لِلسَّهْمِ، فَإِنْ كانت تُزاوِلُ نَشاطًا مُحَرَّمًا، كَبَيْعِ الخُمُورِ أَوِ الدُّخانِ ونَحْوِها، فَلا يَجُوزُ بَيْعُها ولا شِراؤُها.

وَلا يَجُوزُ التَّعامُلُ بِأَسْهُمِ الشَّرِكاتِ المُخْتَلَطَةِ، وهيَ أَسْهُمُ الشَّرِكاتِ الَّتي تكون مُعامَلاتُها في الأَصْلِ مُباحَةً، لَكِنَّها تَتَعامَلُ بالحرامِ في أَخْذِ الفَوائِدِ الرِّبَويَّةِ، أَوِ الِاسْتِقْراضِ بِفائِدَةٍ، أو تُبْرِمُ عُقُودًا فاسِدَةً، وبه صَدَرَ قَرارُ المَجْمَعِ الفِقْهيِّ؛ لِأَنَّ القاعِدَةَ أنَّه عندَ اجْتِماعِ الحَلالِ والحرامِ يُغَلَّبُ جانِبُ التَّحْريمِ احْتياطًا.

بَيْعُ السَّنَداتِ:

السَّنَدُ: هو تَعَهُّدٌ مَكْتُوبٌ منَ المَصْرِفِ أَوِ الشَّرِكَةِ لِحامِلِهِ، بِسَدادِ مَبْلَغٍ بِفائِدَةٍ مُحَدَّدَةٍ، مُقابِلَ ما يَدْفَعُهُ العَميلُ للمَصْرِفِ أَوِ الشَّرِكَةِ.

الحُكْمُ: التَّعامُلُ بالسَّنَداتِ مُحَرَّمٌ شَرْعًا؛ لِأَنَّها عِبارَةٌ عن قَرْضٍ رِبَويٍّ.

الفَرْقُ بينَ السَّهْمِ والسَّنَدِ:

السَّهْمُ: يُمَثِّلُ حِصَّةً في الشَّرِكَةِ، فَصاحِبُهُ شَريكٌ في الشَّرِكَةِ، فَيَرْبَحُ ويَخْسَرُ مَعَها.

أَمَّا السَّنَدُ: فَهو يُمَثِّلُ دَيْنًا على الشَّرِكَةِ، فَصاحِبُهُ مُقْرِضٌ لِلشَّرِكَةِ، فَلا يَجُوزُ لَهُ أَخْذُ الزِّيادَةِ على قَرْضِهِ، حَتَّى لا يكونَ قَرْضًا جَرَّ نَفْعًا.

أَنْواعُ بِطاقاتِ الِائْتِمانِ

بِطاقَةٌ مُغَطَّاةٌ

بِطاقَةٌ غَيْرُ مُغَطَّاةٍ

بِفائِدَةٍ

بِغَيْرِ فائِدَةٍ

بِفائِدَةٍ عندَ تَأَخُّرِ السَّدادِ

بِطاقاتُ الِائْتِمانِ:

تَعْريفُها: «هيَ البِطاقَةُ الصَّادِرَةُ من بَنْكٍ أو غَيْرِهِ، تُخَوِّلُ لِحامِلِها شَراءَ حاجاتِهِ منَ السِّلَعِ أَوِ الخِدْماتِ من رَصيدِهِ، أو دَيْنًا على ذِمَّةِ المُصْدِرِ، إِنْ لَمْ يَكُنْ لَدَيْهِ رَصيدٌ».

أَشْهَرُ أَمْثِلَةِ البِطاقَةِ الِائْتِمانيَّةِ: الأَمْريكان إِكْسِبْريس - الفيزا - الماسْتَرْ كارد.

أَنْواعُها: بِطاقاتُ الِائْتِمانِ نَوْعانِ:

الأولُ: بِطاقاتُ الِائْتِمانِ المُغَطَّاةُ بِرَصيدٍ نَقْديٍّ لِحامِلِها. ويَسْتَحِقُّ مُصْدِرُها أُجْرَةً مَعْلُومَةً مُقابِلَ إِصْدارِها.

حُكْمُها: هَذا النَّوْعُ جائِزٌ؛ لِأَنَّ حامِلَها يَسْتَعْمِلُ رَصيدَهُ الشَّخْصيَّ، فَلا يُوجَدُ فيها قَرْضٌ أَصْلًا، أَمَّا ما يَدْفَعُهُ لِإِخْراجِها فَهيَ رُسُومٌ جائِزَةٌ.

الثاني: بِطاقاتُ الِائْتِمانِ غَيْرُ المُغَطَّاةِ بِرَصيدٍ نَقْديٍّ، وهيَ ثَلاثَةُ أَنْواعٍ:

1 - النَّوْعُ الأولُ: وسيلَةُ شِراءٍ بالِاقْتِراضِ منَ المُصْدِرِ، دونَ تَرْتيبِ فائِدَةٍ على القَرْضِ مُطْلَقًا.

حُكْمُها: جائِزَةٌ؛ لِخُلُوِّها منَ المَحْظُورِ الشَّرْعيِّ.

2 - النَّوْعُ الثاني: وسيلَةُ شِراءٍ بالِاقْتِراضِ منَ المُصْدِرِ، مع تَرْتيبِ فائِدَةٍ على الدَّيْنِ بِكُلِّ حالٍ، سَواءٌ تَأَخَّرَ في السَّدادِ أَمْ لَمْ يَتَأَخَّرْ.

حُكْمُها: مُحَرَّمَةٌ؛ لِاشْتِمالِها على الرِّبا.

3- النَّوْعُ الثالثُ: وسيلَةُ شِراءٍ بالِاقْتِراضِ منَ المُصْدِرِ، بشرط إن تَأَخَّرَ عَنِ السَّدادِ تَرَتَّبَ على ذلك فائِدَةٌ.

حُكْمُها: مُحَرَّمَةٌ؛ لِاشْتِمالِها على شَرْطِ الرِّبا.

أَحْكامٌ في البِطاقَةِ الِائْتِمانيَّةِ:

إِذا كانَتِ البِطاقَةُ غَيرَ مُغَطَّاةٍ، فَلا يَجُوزُ إِصْدارُها أَوِ اسْتِعْمالُها إِلَّا إِذا كانت كَقَرْضٍ حَسَنٍ؛ أَيْ: بدون فَوائِدَ مُطْلَقًا.

يَجُوزُ لِمُصْدِرِ البِطاقَةِ أَنْ يَأْخُذَ رُسُومًا عندَ إِصْدارِها أو تَجْديدِها، بِصِفَتِها أَجْرًا فِعْليًّا على ما يُقَدِّمُهُ من خِدْمَةٍ، بِشَرْطِ أَلَّا تَرْتَبِطَ الرُّسُومُ بِمَبْلَغِ القَرْضِ أو مُدَّتِهِ.

عقدُ إجارةٍ على السَّيَّارة خمسَ سنواتٍ ينتهي في محرم 1438هـ

الإِجارَةُ المُنْتَهيَةُ بالتَّمْليكِ:

ينتقلُ الملكُ إلى المستأجِرِ في محرم 1438هـ

الإِجِارَةُ المنتهيةُ بالتمليكِ

تَعْريفُها:

اتِّفاقُ طَرَفَيْنِ على أَنْ يَقُومَ أَحَدُهُما بِتَأْجيرِ الآخَرِ سِلْعَةً مُعَيَّنَةً «عَقارًا - سَيَّارَةً» مُقابِلَ أُجْرَةٍ مُحَدَّدَةٍ، تُدْفَعُ على أَقْساطٍ، لِمُدَّةٍ مُحَدَّدَةٍ، وعندَ نِهايَةِ المُدَّةِ وسَدادِ جَميعِ الأَقْساطِ، يَنْتَهي عَقْدُ الإِجارَةِ بِتَمَلُّكِ المُسْتَأْجِرِ لِتِلْكَ السِّلْعَةِ.

وَحَقيقَةُ هَذا العَقْدِ: أنَّه عَقْدُ بَيْعٍ مَسْتُورٍ بِعَقْدِ إِجارَةٍ، فَكِلا العاقِدَيْنِ يُريدُ البَيْعَ منَ اللَّحْظَةِ الأولى، فَهو بَيْعُ تَقْسيطٍ، أُخِّرَ فيهِ انْتِقالُ المِلْكِ إلى سَدادِ آخِرِ قِسْطٍ.

وفي تقريرِ الصُّورِ الجائزةِ من هذا العَقدِ جاءَ في قَرارِ مجمَعِ الفقهِ الإسْلاميِّ أنه:

لا بد من وُجُودِ عَقْدين مُنفصِلينِ، يستقلُّ كلٌّ منهما عن الآخرِ زمانًا، بحيث يكونُ إبرامُ عقدِ البيعِ بعدَ عقدِ الإجارةِ، وأن تكون الإجارةُ فعليةً وليست ساترةً للبيعِ.

أو أنْ يعقِدَ عَقْدَ إِجارةٍ، مع إعْطاءِ المالكِ الخيارَ للمُسْتأجِرِ بعدَ الانتهاءِ من وفاءِ جَميعِ الأقْساطِ الإيجاريةِ المستحقَّةِ في شراءِ العينِ المسْتأجَرَةِ بسِعْرِ السُّوقِ عندَ انتهاءِ مُدَّةِ الإجارَةِ.

أو أن يعقِدَ عَقْدَ إجارةٍ يمكِّن المستأجرَ من الانتفاعِ بالعينِ المؤجرة مقابل أجرةٍ معلومةٍ، في مُدَّةٍ مَعلومةٍ، وأن يقترنَ به وعْدٌ ببيعِ العَينِ المؤجرةِ للمستأجرِ بعد سدادِ كاملِ الأجرةِ، بثمنٍ يتفقُ عليه الطَّرَفان.

التأمين

تعاوني

تجاري

التَّأْمينُ:

يَنْقَسِمُ التَّأْمينُ إلى نَوْعَيْنِ:

الأولُ: تَأْمينٌ تَعاوُنيٌّ:

تَعْريفُهُ: تَأْمينٌ يَتِمُّ عن طَريقِ مُساهَمَةِ أَشْخاصٍ بِمَبالِغَ نَقْديَّةٍ، تُخَصَّصُ لِتَعْويضِ مَنْ يُصيبُهُ الضَّرَرُ؛ تَبَرُّعًا منْهُمْ، ومُواساةً لِبَعْضِهِمْ بَعْضًا، عندَ نُزُولِ الكَوارِثِ.

حُكْمُهُ: جائِزٌ؛ للآتي:

لِتَماشيهِ مع الأُصُولِ والقَواعِدِ الشَّرْعيَّةِ.

لِخُلُوِّهِ منَ المَحْظُوراتِ الشَّرْعيَّةِ.

لِقيامِهِ على التَّعاوُنِ المَحْضِ، وتَفْتيتِ الأَخْطارِ، وتَوْزيعِ المَسْؤُوليَّةِ.

لِكَوْنِهِ لا يَهْدُفُ إلى الرِّبْحِ.

لا يَضُرُّ جَهْلُ المُساهِمينَ في التَّأْمينِ التَّعاوُنيِّ بِتَحْديدِ ما يَعُودُ عليهم منَ النَّفْعِ؛ لأنهم مُتَبَرِّعُونَ، فَلا مُخاطَرَةَ ولا غَرَرَ، ولا مُقامَرَةَ، بِخِلافِ التَّأْمينِ التِّجاريِّ -كما سيأتي- فإنَّهُ عَقْدُ مُعاوَضَةٍ ماليَّةٍ تِجاريَّةٍ.

الثاني: تَأْمينٌ تِجاريٌّ:

تَعْريفُهُ: عَقْدٌ يَتِمُّ بينَ طَرَفَيْنِ: شَرِكَةِ التَّأْمينِ والمُؤَمَّنِ عليه؛ يَقُومُ المؤَمَّنُ عليه بِدَفْعِ مَبْلَغٍ مُحَدَّدٍ لِتِلْكَ الشَّرِكَةِ، على أَنْ تَتَعَهَّدَ بِمُقْتَضاهُ بِدَفْعِ مَبْلَغٍ أكثرَ أو أَقَلَّ، عندَ إِصابَة المؤَمَّنِ عليه بِحادِثٍ أو كارِثَةٍ، أو ما يُصيبُ بَيْتَهُ أو سَيَّارَتَهُ ونَحْوَهِ.

حُكْمُهُ: وهو مُحَرَّمٌ؛ للآتي:

اِشْتِمالُهُ على الغَرَرِ الفاحِشِ. فَلا يَدْري الشَّخْصُ ماذا يَأْخُذُ؟ ولا تَدْري الشَّرِكَةُ ماذا تَدْفَعُ؟ ولا يُعْلَمُ وقْتُ وُقُوعِ الخَطَرِ، ولا مِقْدارُهُ، وهَذا هو عَيْنُ الغَرَرِ المُحَرَّمِ.

اِشْتِمالُهُ على المَيْسِرِ. لِأَنَّ ما يَدْفَعُهُ المؤَمَّنُ عليه قد لا يَعُودُ، أو يَعُودُ أَقَلَّ أو أكثرَ، وقد يَتَضاعَفُ أَضْعافًا كثيرَةً.

اِشْتِمالُهُ على الرِّبا بِنَوْعَيْهِ: الفَضْلِ، والنَّسيئَةِ. بِدَفْعِ مَبْلَغٍ ثم أَخْذِهِ أكثرَ أو أَقَلَّ مع تَأْخيرِ القَبْضِ.

اِشْتِمالُهُ على الرِّهانِ المُحَرَّمِ. لِقيامِهِ على الحَظِّ المَحْضِ.

الفَرْقُ بينَ التَّأمينِ التَّعاونيِّ والتِّجاريِّ:

أَنَّ الأقساطَ في التَّأمينِ التَّعاونيِّ لا تَملِكُها إِدارةُ الصُّندوقِ، بَلْ تبقى تبرُّعًا يُنفَقُ منها على مَن تَنطَبِقُ عليهم الشُّروطُ.

في حينِ أنَّ إدارةَ صَناديقِ التأمينِ التِّجاريِّ تتمَلَّكُ تلك الاشتراكاتِ منَ المُنْتسبينَ، وتدخلُ في حِسابها الشَّخْصيِّ، مُقابلَ أنْ تَلتزمَ بما تمَّ الاتِّفاقُ عليه.

صَدَرَ قَرارُ المَجْمَعِ الفِقْهيِّ الدَّوْليِّ بِتَحْريمِ التَّأْمينِ التِّجاريّ بِجَميعِ أَنْواعِهِ، سَواءٌ كانَ على النَّفْسِ، أَوِ البَضائِعِ التِّجاريَّةِ، أو غَيْرِ ذَلِكَ منَ الأَمْوالِ.

أَثْبَتَتْ إِحْدَى الإِحْصائيَّاتِ لِأَحَدِ الخُبَراءِ الأَلْمانِ أَنَّ نِسْبَةَ ما يُعادُ إلى النَّاسِ مِمَّا يَدْفَعُونَ في التَّأْمينِ لا يَبْلُغُ 2.9%.

نشاط

1 - بَيِّنِ الفَرْقَ بينَ الأَسْهُمِ والسَّنَداتِ من حيثُ: التَّعْريفُ - الحُكْمُ.

2 - اذْكُرْ أَقْسامَ البِطاقَةِ الِائْتِمانيَّةِ، مع بَيانِ حُكْمِ كُلِّ قِسْمٍ، ودَليلِهِ.

3 - ما حُكْمُ إِصْدارِ بِطاقَةٍ ائْتِمانيَّةٍ، مع اشْتِراطِ زيادَةٍ على القَرْضِ عندَ تَأَخُّرِ السَّدادِ لِمُدَّةِ سَنَةٍ؟

4 - بَيِّنِ الصِّلَةَ بينَ الغَرَرِ وعَقْدِ الإِجارَةِ المُنْتَهيَةِ بالتَّمْليكِ.

5 - بَيِّنِ الفَرْقَ بينَ التَّأْمينِ التَّعاوُنيِّ والتَّأْمينِ التِّجاريِّ؛ من حيثُ: التَّعْريفُ - الحُكْمُ.

المسابقاتُ والقمارُ المعاصرُ

حُكْمُ المُسابَقاتِ:

حرَّمَت الشَّريعَةُ الإسلاميَّةُ المُسابَقاتِ إِلَّا في أُمُورٍ ثَلاثَةٍ، وهيَ الخَيْلُ والإِبِلُ والسِّهامُ؛ لِقولِ رسولِ اﷲِ صلى الله عليه وسلم: «لا سَبَقَ إِلَّا في خُفٍّ، أوْ نَصْلٍ، أو حافِرٍ». رَواهُ أحمدُ وأبوداود والترمذيُّ والنَّسائيُّ، وصحَّحَهُ الأَلبانيُّ.

السَّبَقُ: ما يُجْعَلُ منَ المالِ رَهْنًا في المُسابَقَةِ.

الخُفُّ: الإِبِلُ.

النَّصْلُ: السِّهامُ والنَّبْلُ.

الحافِرُ: الخَيْلُ.

ويَصِحُّ أَنْ يكونَ العِوَضُ (السَّبَقُ) من أَحَدِ المُتَسابِقَيْنِ، أو من كِلَيْهِما، أو من طَرَفٍ ثالِثٍ.

وَيُقاسُ على الثَّلاثَةِ المَذْكُورَةِ في الحديثِ كُلُّ ما أَعانَ على الجِهادِ في سَبيلِ اﷲِ، ونَصْرِ دينِهِ، كالمُسابَقَةِ على الدَّبَّاباتِ والطَّائِراتِ والسِّلاحِ والرِّمايَةِ ونَحْوِها.

ويَدْخُلُ في اْلإِباحَةِ المُسابَقاتُ على العُلُومِ الشَّرْعيَّةِ، كَحِفْظِ القُرآنِ والسُّنَّةِ، والدِّراساتِ الشَّرْعيَّةِ.

وَعليه يَحْرُمُ كُلُّ مَسابَقَةٍ دُفِعَ فيها عِوَضٌ، في غَيْرِ الثَّلاثَةِ المَذْكُورَةِ في الحديثِ: «خُفٍّ، أو نَصْلٍ، أو حافِرٍ»، حَتَّى ولَو كانت مُباحَةً، كالمُسابَقاتِ في أُمُورِ الجُغْرافْيا والرِّياضيَّاتِ والتَّاريخِ ونَحْوِها، وتُباحُ بغيرِ عِوَضٍ.

ويَزْدادُ التَّحْريمُ في المُسابَقاتِ الفَنِّيَّةِ، كَمَعْرِفَةِ اسْمِ فَنَّانٍ أو فَنَّانَةٍ، أو صُورَتِهِ، أَوِ اسْمِ فيلمٍ أو أُغْنيَّةٍ أو مَنِ المُخْرِجُ، أو مَنِ المُطْرِبُ!!

من أَشْهَرِ صُوَرِ القِمارِ المُعاصِرِ:

القِمارُ الهاتِفيُّ، أو عن طَريقِ القَنَواتِ الفَضائيَّةِ: وذَلِكَ عن طَريقِ الِاتِّصالِ بالجِهَةِ المُنَظِّمَةِ للمُسابَقَةِ بَمَبْلَغٍ يَسيرٍ أو كثيرٍ، فَإِنْ وقَعَ عليه الِاخْتيارُ رَبِحَ مَبْلَغًا كَبيرًا أو سَيَّارَةً، أو تَضيعُ عليه مَبالِغُ اتِصالاتِهِ.

فَهذه المُسابَقاتُ تَقُومُ على المُخاطَرَةِ والمَيْسِرِ الصَّريحِ؛ لِأَنَّها تَتَضَمَّنُ غُرْمًا مُحَقَّقًا وغُنْمًا مُحْتَمَلًا.

التَّسْويقُ الشَّبَكيُّ والهَرَميُّ: إِذْ يَشْتَرِطُونَ دَفْعَ مَبْلَغٍ منَ المالِ لِلدُّخُولِ في تِلْكَ العَمَليَّةِ، ثم قد يَرْبَحُ المُشْتَرِكُ أو يَخْسَرُ.

اليانَصيبُ: وهيَ عِبارَةٌ عن مُسابَقَةٍ يَشْتَري فيها النَّاسُ تَذاكِرَ بِمَبالِغَ زَهيدَةٍ؛ لِكَسْبِ مَبالِغَ كَبيرَةٍ منَ المالِ عن طَريقِ السَّحْبِ بِطَريقِ القُرْعَةِ، وهيَ منَ المَيْسِرِ المُحَرَّمِ.

وَكُلُّ هَذا من أَكْلِ أَمْوالِ النَّاسِ بالباطِلِ، وقد قال اﷲُ تعالى: ﴿وَلَا تَأۡكُلُوٓاْ أَمۡوَٰلَكُم بَيۡنَكُم بِٱلۡبَٰطِلِ﴾ (البقرة: 188).

نشاط

1 - اكْتُبْ بَحْثًا مُخْتَصَرًا في حُكْمِ (المسابقاتِ التلفزيونيةِ) مُسْتَنِدًا للأَدِلَّةِ منَ الكِتابِ والسُّنَّةِ.

2 - من واقِعِ دِراسَتِكَ بَيِّنْ بدقَّةٍ سببَ تَحريمِ مُسابقاتِ الهاتِفِ والتِّلْفازِ وغيرِهِما.

3 - من أَحسَنِ ما صُنِّفَ في بابِ المُسابَقاتِ في الفِقهِ الإِسلاميِّ كتابُ: الفُرُوسيَّة لابنِ القيِّمِ، فبعدَ أَنْ تَطَّلِعَ عليه اكتُبْ جُملةً مِمَّا استفَدْتَه من هذا الكتابِ.

٥ فقه الأسرة (النكاح)

الوحدة الخامسة: فقه الأسرة (النكاح)

فقه الأُسْرَة

النِّكاحُ

حَثَّتِ الشَّريعَةُ الإِسْلاميَّةُ على النِّكاحِ؛ لِما فيهِ منَ المَصالِحِ الكثيرَةِ والفَوائِدِ العَظيمَةِ على الفَرْدِ والمُجْتَمَعِ، ولا تَتَحَقَّقُ المَصالِحُ الكامِلَةُ منَ النِّكاحِ، إِلَّا إِذا كانَ على هَدْيِ رسولِنا صلى الله عليه وسلم، فَحَريٌّ بالمسلمِ، ومَنْ أَرادَ أَنْ يُقْدِمَ على الزَّواجِ أَنْ يَتَفَقَّهَ في أَحْكامِهِ.

تَعْريفُ النِّكاحِ:

النِّكاحُ لُغَةً: الضَّمُّ والتَّداخُلُ، يُقالُ: تَناكَحَتِ الأَشْجارُ، إِذا انْضَمَّ بَعْضُها إلى بَعْضٍ، وتَداخَلَتْ أَغْصانُها.

واصْطِلاحًا: عَقْدٌ يُحِلُّ اسْتِمْتاعَ كُلِّ واحِدٍ منَ الزَّوْجَيْنِ بالآخَرِ، على وجْهٍ مَشْرُوعٍ.

والنِّكاحُ مَشْرُوعٌ بالكِتابِ والسُّنَّةِ والإِجْماعِ:

قالَ اﷲُ تعالى: ﴿فَٱنكِحُواْ مَا طَابَ لَكُم مِّنَ ٱلنِّسَآءِ مَثۡنَىٰ وَثُلَٰثَ وَرُبَٰعَۖ﴾ (النساء: 3).

قال صلى الله عليه وسلم: «يا مَعْشَرَ الشَّبابِ، مَنِ اسْتَطاعَ منْكُمُ الباءَةَ فَلْيَتَزَوَّجْ، ومَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَعليه بالصَّوْمِ؛ فإنَّهُ لَهُ وِجاءٌ». متفق عليه.

والباءَةُ: في لُغَةِ العَرَبِ تُطْلَقُ على مَعْنَيَيْنِ: الأولُ: الجِماعُ. الثاني: مُؤَنُ النِّكاحِ.

وَقد تَزَوَّجَ النبيُّ صلى الله عليه وسلم، وقالَ: «وأَتَزَوَّجُ النِّساءَ، فَمَنْ رَغِبَ عن سُنَّتي فَلَيْسَ منِّي». متفق عليه.

قالَ ابنُ قُدامَةَ: «أَجْمع المسلمُونَ على أَنَّ النِّكاحَ مَشْرُوعٌ».

حُكْمُ النِّكاحِ:

الأصلُ في النِّكاح الإباحَةُ، وقد يكونُ واجبًا؛ إِنْ كانَ الشَّخْصُ عندَهُ شَهْوَةٌ، ويَخافُ على نَفْسِهِ الحرامَ.

ويكونُ مُسْتَحَبًّا؛ إِنْ كانَ عندَهُ شَهْوَةٌ، ولا يَخافُ على نَفْسِهِ الحرامَ.

الحِكْمَةُ من مَشْرُوعيَّتِهِ:

ﷲِ الحْكِمْةُ البالِغَةُ في تَشْريعاتِهِ وأَحْكامِهِ، وقد ذَكَرَ أَهْلُ العِلْمِ أَوْجُهًا كثيرَةً في الحِكْمَةِ من تَشْريعِ النِّكاحِ؛ منْها: بَقاءُ النَّسْلِ البَشَريِّ، وتَكْثيرُ عَدَدِ المسلمينَ، وأنَّه أَعْوَنُ على غَضِّ البَصَرِ، وإِعْفافِ الفُرُوجِ، وحِمايَةٌ للمُجْتَمَعِ منَ الوُقُوعِ في الفَواحِشِ، وحُصُولُ السَّكَنِ والأُنْسِ بينَ الزَّوْجَيْنِ، وغَيْرُ ذَلِكَ منَ المَصالِحِ العَظيمَةِ.

اخْتيارُ الزَّوْجَةِ:

يُسَنُّ أَنْ تَكُونَ الزَّوْجَةُ ذاتَ دينٍ وعَفافٍ؛ لِقولِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم: «تُنْكَحُ المَرْأَةُ لِأَرْبَعٍ: لِمالِها، ولِحَسَبها، ولِجَمالِها، ولِدينِها، فاظْفَرْ بِذاتِ الدِّينِ تَرِبَتْ يَداكَ». متفق عليه.

فَإِنْ كانت صاحِبَةَ دينٍ، فَلا حَرَجَ بَعْدَ ذَلِكَ أَنْ تَكُونَ غَنيَّةً، أو حَسيبَةً، أو جَميلَةً.

وَيُفَضَّلُ أَنْ تَكُونَ بِكْرًا؛ لِقولِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم لِجابِرٍ رضي الله عنه: «هَلَّا تَزَوَّجْتَ بِكْرًا؛ تُلاعِبُها وتُلاعِبُكَ». متفق عليه. فَإِنْ وُجِدَتْ مَصْلَحَةٌ في نِكاحِ الثَّيِّبِ فَلا بَأْسَ.

وَيُسَنُّ أَنْ تَكُونَ ولُودًا؛ لِأَنَّ هَذا يُساهِمُ في تَكْثيرِ الأُمَّةِ، قال النبيُّ صلى الله عليه وسلم: «تَزَوَّجُوا الوَدُودَ الوَلُودَ؛ فَإِنِّي مُكاثِرٌ بِكُمُ الأُمَمَ».

أخرجهُ أَبُو داوُدَ، وصحَّحَهُ الأَلبانيُّ.

اخْتيارُ الزَّوْجِ:

على المَرْأَةِ أَلَّا تَقْبَلَ إِلَّا مَنْ كانَ مَرْضيًّا في دينِهِ وخُلُقِهِ، فَعن أَبي حاتِمٍ المُزَنيِّ رضي الله عنه قال: قال رسولُ اﷲِ صلى الله عليه وسلم: «إِذا خَطَبَ إِلَيْكُمْ مَنْ تَرْضَوْنَ دينَهُ وخُلُقَهُ فَزَوِّجُوهُ، إِلَّا تَفْعَلُوا تَكُنْ فِتْنَةٌ في الأَرْضِ، وفَسادٌ عَريضٌ» قالَها ثَلاثَ مَرَّاتٍ. أخرجهُ الترمذيُّ، وحَسَّنَهُ.

فالدِّينُ والخُلُقُ هُما الأَساسُ الَّذي يَقُومُ عليه البَيْتُ، وهُما المَدْخَلُ الصَّحيحُ لِاخْتيارِ الزَّوْجِ الصَّالِحِ.

عَقْدُ النِّكاحِ:

أَرْكانُهُ:

لِعَقْدِ النِّكاحِ رُكْنانِ:

الأولُ: الزَّوْجانِ الخاليانِ منَ المَوانِعِ الشَّرْعيَّةِ الَّتي تَمْنَعُ صِحَّةَ النِّكاحِ.

الثاني: الإيجابُ والقَبُولُ.

فالإيجابُ: اللَّفْظُ الصَّادِرُ منَ الوَليِّ أو مَنْ يَقُومُ مَقامَهُ؛ كَأَنْ يَقُولَ لِلزَّوْجِ: زَوَّجْتُكَ فُلانَةَ أو أَنْكَحْتُكَها.

والقَبُولُ: اللَّفْظُ الصَّادِرُ منَ الزَّوْجِ أو مَنْ يَقُومُ مَقامَهُ؛ كَأَنْ يَقُولَ: قَبِلْتُ هَذا النِّكاحَ، أو هَذا التَّزْويجَ.

ويَنْعَقِدُ النِّكاحُ بِكُلِّ لَفْظٍ يَدُلُّ عليه، ولا يَقْتَصِرُ على لَفْظِ الإِنْكاحِ أَوِ التَّزْويجِ على الأرجح؛ لأنه لا تَعبُّدَ في ألفاظِهِ، فيصح بما جَرَى به العرف.

شُرُوطُ عَقْدِ النِّكاحِ

تَعْيينُ الزَّوْجَيْنِ

الوَليُّ

رِضا المَرْأَةِ

الإِشْهادُ

شُرُوطُ صِحَّتِهِ:

لِعَقْدِ النِّكاحِ أَرْبَعَةُ شُرُوطٍ:

الأولُ: تَعْيينُ الزَّوْجَيْنِ؛ لِتَصِحَّ الشَّهادَةُ عليهما.

الثاني: رِضا المَرْأَةِ؛ لِقولِهِ صلى الله عليه وسلم: «لا تُنْكَحُ الأَيِّمُ حَتَّى تُسْتَأْمَرَ، ولا تُنْكَحُ البِكْرُ حَتَّى تُسْتَأْذَنَ». متفق عليه.

الثالثُ: الوَليُّ؛ فَلا تُنْكَحُ المَرْأَةُ إِلَّا بِوَليٍّ، ولَو كانت ثَيِّبًا على الرَّاجحِ؛ لِقولِهِ صلى الله عليه وسلم: «لا نِكاحَ إِلَّا بِوَليٍّ». أخرجهُ أحمدُ وأبوداود والترمذيُّ، وصحَّحَهُ الأَلبانيُّ.

وَقالَ صلى الله عليه وسلم: «لا تُزَوِّجُ المَرْأَةُ المَرْأَةَ، ولا تُزَوِّجُ المَرْأَةُ نَفْسَها». رَواهُ ابنُ ماجَه، وصحَّحَهُ الأَلبانيُّ.

وَلِحديثِ عائِشَةَ رضي الله عنها أَنَّ رسولَ اﷲِ صلى الله عليه وسلم قال: «أَيُّما امْرَأَةٍ نَكَحَتْ بِغَيْرِ إِذْنِ وليِّها، فَنِكاحُها باطِلٌ فَنِكاحُها باطِلٌ فَنِكاحُها باطِلٌ». أخرجهُ أحمدُ والترمذيُّ، وحَسَّنَهُ.

وَيُشْتَرَطُ في الوَليِّ: العَقْلُ، والبُلُوغُ، والذُّكُورَةُ، والعَدالَةُ، والرُّشْدُ، مع كَوْنِهِ عالِمًا بِمَصالِحِ مُوَلِّيَتِهِ.

ولا تَصِحُّ وِلايَةُ المَرْأَةِ في النِّكاحِ بِحالٍ؛ فالمَرْأَةُ لا تَمْلِكُ تَزْويجَ نَفْسِها ولا غَيْرِها.

المَهْرُ: هو المالُ الذي تَستحِقُّه الزَّوجةُ على زَوْجِها بالعَقدِ عليها أو بالدُّخولِ بها، أو بالخَلْوةِ الصَّحيحةِ بالزَّوجةِ، مع إمكانِ الوَطْءِ وعدمِ امتناعِها.

وهو حقٌّ واجبٌ للمرأةِ على الرَّجُلِ؛ قال تعالى: ﴿وَءَاتُواْ ٱلنِّسَآءَ صَدُقَٰتِهِنَّ نِحۡلَةٗۚ﴾ (النساء: 4)، وفي تَشريعِ المَهْرِ إظهارٌ لخَطَرِ هذا العَقْدِ ومَكانَتِه، وإعزازٌ للمرأةِ وإِكرامٌ لها.

والمَهْرُ ليس شرطًا في عقد الزَّواج ولا رُكنًا عندَ جُمهورِ الفُقهاءِ، وإنَّما أَثَرٌ من آثارِهِ المُترتِّبَةِ عليه، فإذا تَمَّ العَقْدُ بِدونِ ذِكْرِ المَهْرِ صحَّ عندَ الجمهورِ، ويَثْبُتُ لها مَهْرُ المِثلِ.

الأَحَقُّ بالوِلايَةِ:

أَحَقُّ النَّاسِ بِوِلايَةِ المَرْأَةِ أَبُوها، ثُمَّ أَبُوهُ وإِنْ عَلا، ثم ابنُها وإِنْ سَفَلَ، ثُمَّ أَخُوها الشَّقيقُ، ثُمَّ الأَخُ لِأَبٍ، ثم أَوْلادُهُمْ وإِنْ سَفَلُوا، ثُمَّ العَمُّ، ثم الأَقْرَبُ فالأَقْرَبُ منَ العَصَبَةِ.

وَإِذا كانَ الأقْرَبُ لَيْسَ أَهْلًا للوِلايَةِ انْتَقَلَتْ إلى مَنْ بَعْدَه، وإِنْ سَقَطَتْ وِلايَتُهُمْ جَميعًا، زَوَّجَها السُّلْطانُ.

امْرَأَةٌ تَقُولُ: أُريدُ أَنْ أَتَزَوَّجَ، ولَيْسَ لي وليٌّ في البَلَدِ الَّتي أَنا فيها؟

الجَوابُ: إِنْ فُقِدَ الوَليُّ أَوِ القاضي المسلمُ، كما هو الحالُ في بِلادِ غير المسلمين، فَيُمْكِنُ لِجَماعَةِ المسلمينَ هُناكَ أَنْ يَتَوَلَّوْا عَقْدَ النِّكاحِ؛ فَتُوَكِّلُ المَرْأَةُ مَنْ يَتَوَلَّى أَمْرَها في النِّكاحِ، كَإِمامِ المَسْجِدِ أو غَيْرِهِ، مِمَّنْ يُعْرَفُ بالعَدالَةِ وضَبْطِ الأُمُورِ.

قالَ ابنُ قُدامَةَ: «فَإِنْ لَمْ يُوجَدْ للمَرْأَةِ وليٌّ ولا ذُو سُلْطانٍ، فَعن أحمدَ ما يَدُلُّ على أَنَّه يُزَوِّجُها رَجُلٌ عَدْلٌ بِإِذْنِها». اهـ.

الرابعُ: الإِشْهادُ على العَقْدِ؛ لِقولِهِ صلى الله عليه وسلم: «لا نِكاحَ إِلَّا بِوَليٍّ وشاهِدَيْ عَدْلٍ». أخرجهُ ابنُ حِبَّانَ والبَيْهَقيُّ، وصحَّحَهُ الأَلبانيُّ.

يُسَنُّ إِعْلانُ النِّكاحِ لِقولِهِ صلى الله عليه وسلم: «أَعْلِنُوا النِّكاحَ». رَواهُ أحمدُ، قال الأَرْناؤُوطُ: حَسَنٌ لِغَيْرِهِ.

كما يُسَنُّ الضَّرْبُ بالدُّفِّ والغِناءُ المُباحُ، الَّذي لَيْسَ فيهِ وصْفُ الجَمالِ والحُبِّ والغَزَلِ؛ ليَخْرُجَ بِذَلِكَ عن نِكاحِ السِّرِّ، ويَظْهَرَ الفَرَحُ بِما أَحَلَّ اﷲُ منَ الطَّيِّباتِ، ويُشْهَرَ بينَ الخاصِّ والعامِّ، والقَريبِ والبَعيدِ.

فعن عائِشَةَ رضي الله عنها أنَّها زَفَّتِ امْرَأةً إلى رَجُلٍ منَ الأَنْصارِ، فَقالَ نَبيُّ اﷲِ صلى الله عليه وسلم: «يا عائِشَةُ، ما كانَ مَعَكُمْ لَهْوٌ؟ فَإِنَّ الأنْصارَ يُعْجِبُهُمُ اللَّهْوُ». أخرجهُ البُخاريُّ. والمُرادُ باللَّهْوِ: ضَرْبُ الدُّفِّ ونَحْوُهُ.

مُنْكَراتُ الأَفْراحِ:

لا يَجُوزُ أَنْ يَشْتَمِلَ حَفْلُ النِّكاحِ على اخْتِلاطٍ، أو تَبَرُّجٍ، أو عَزْفٍ على المَعازِفِ، أو غِناءٍ مُشْتَمِلٍ على غَزَلٍ مُحَرَّمٍ، أو فاحِشِ القولِ، أو مُجُونٍ ورَقْصٍ.

سُئِلَ الإِمامُ مالِكٌ رحمه الله عَنِ الغِناءِ؟ فَقالَ: «إِنَّما يَفْعَلُهُ عندَنا الفُسَّاقُ».

قالَ الشَّافِعيُّ رحمه الله: «إِنَّ الرَّجُلَ إِذا جَمع النَّاسَ لِسَماعِ غِناءِ الجاريَةِ فَهو سَفيهٌ مَرْدُودُ الشَّهادَةِ».

ولما سُئِلَ الإِمامُ أحمدُ عن الغناءِ؟ قال: «الغِناءُ يُنبِتُ النِّفاقَ في القلبِ».

وقال شيخُ الإسلامِ: «إن آلاتِ اللهو كلَّها حرامٌ».

فَأَيُّ مسلمٍ عاقِلٍ بَعْدَ هَذا يَرْضَى أَنْ يَبْدَأَ حَياتَهُ الزَّوْجيَّةَ بِمِثْلِ هذه المُنْكَراتِ العَظيمَةِ؟!

المُحَرَّماتُ في النِّكاحِ

المحَرَّماتُ على الرَّجُلِ بالنَّسَبِ

الأمُّ وإنْ عَلَتْ

البَناتُ وإنْ نَزَلْنَ

الأَخَواتُ مُطْلَقًا

بَناتُ الأَخِ وبَناتُ الأُخْتِ

العَمَّاتُ والخالاتُ

تَنْقَسِمُ المُحَرَّماتُ في النِّكاحِ إلى قسمينِ:

القِسْمُ الأولُ: اللَّاتي يَحْرُمْنَ تَحْريمًا مُؤَبَّدًا.

أَسْبابُ التَّحْريمِ المُؤَبَّدِ:

النَّسَبُ «القَرابَةُ» - الرَّضاعُ - المُصاهَرَةُ.

1- أَوَّلًا: مَنْ يَحْرُمْنَ بالنَّسَبِ «القَرابَةِ». وهُنَّ:

الأُمُّ. وإِنْ عَلَتْ.

البَناتُ. وبَناتُهُنَّ وإِنْ نَزَلْنَ، وبَناتُ الأَبْناءِ وإِنْ نَزَلْنَ.

الأَخَواتُ. الشَّقيقاتُ أو لِأَبٍ أو لِأُمٍّ.

بَناتُ الأَخِ وبَناتُ الأُخْتِ. وإِنْ نَزَلْنَ.

العَمَّاتُ والخالاتُ. دونَ بَناتِهِنَّ.

والدَّليلُ: قولُهُ تعالى: ﴿حُرِّمَتۡ عَلَيۡكُمۡ أُمَّهَٰتُكُمۡ وَبَنَاتُكُمۡ وَأَخَوَٰتُكُمۡ وَعَمَّٰتُكُمۡ وَخَٰلَٰتُكُمۡ وَبَنَاتُ ٱلۡأَخِ وَبَنَاتُ ٱلۡأُخۡتِ... ﴾ الآية (النساء: 23).

ويحلُّ ما سِوَى ذلك من النِّساءِ، لقولهِ تعالى بعْدَ ما عَدَّدَ المحرَّماتِ منَ النِّساءِ: ﴿وَأُحِلَّ لَكُم مَّا وَرَآءَ ذَٰلِكُمۡ﴾ (النساء: 24).

2 - ثانيًا: مَنْ يَحْرُمْنَ بالرَّضاعِ. يَحْرُمُ بالرَّضاعِ ما يَحْرُمُ بالنَّسَبِ؛ فَكُلُّ امْرَأَةٍ حَرُمَتْ بالنَّسَبِ منَ الأَقْسامِ السَّابِقَةِ؛ حَرُمَ مِثْلُها بالرَّضاعِ؛ لِقولِهِ تعالى: ﴿حُرِّمَتۡ عَلَيۡكُمۡ﴾ إلى قوله: ﴿وَأُمَّهَٰتُكُمُ ٱلَّٰتِيٓ أَرۡضَعۡنَكُمۡ وَأَخَوَٰتُكُم مِّنَ ٱلرَّضَٰعَةِ﴾ (النساء: 23)، وقال النبيُّ صلى الله عليه وسلم: «يَحْرُمُ منَ الرَّضاعِ ما يَحْرُمُ منَ النَّسَبِ». متفق عليه.

وَحَتَّى يكونَ الرَّضاعُ مُحَرِّمًا للمَرْأَةِ، فَلا بُدَّ من شَرْطَيْنِ:

أَنْ يكونَ الرَّضاعُ في الحَوْلَيْنِ. أَنْ يكونَ الرَّضاعُ خَمْسَ رَضَعاتٍ مُشْبِعاتٍ.

الُمحَرَّماتُ على الرَّجُلِ بالمُصاهَرَةِ

أُمُّ الزَّوْجَةِ

بِنْتُ الزَّوْجَة

زَوْجَةُ الأَبِ

زَوْجَةُ الِابنِ

3- ثالِثًا: مَنْ يَحْرُمْنَ بالمُصاهَرَةِ. وهُنَّ أَرْبَعٌ:

الأولى: أُمُّ الزَّوْجَةِ. وإِنْ عَلَتْ؛ لِقولِهِ تعالى: ﴿وَأُمَّهَٰتُ نِسَآئِكُمۡ﴾ (النساء: 23) فَمَتَى عَقَدَ النِّكاحَ على امْرَأَةٍ حَرُمَ عليه جَميعُ أُمَّهاتِها منَ النَّسَبِ والرَّضاعِ وإِنْ عَلَوْنَ، ولا يُشْتَرَطُ أَنْ يَدْخُلَ بالمَرْأَةِ.

الثانيةُ: الرَّبائِبُ. وهُنَّ بَناتُ الزَّوْجَةِ، ولا تَحْرُمُ الرَّبيبَةُ إِلَّا بالدُّخُولِ بِأُمِّها؛ لِقولِهِ تعالى: ﴿وَرَبَٰٓئِبُكُمُ ٱلَّٰتِي فِي حُجُورِكُم مِّن نِّسَآئِكُمُ ٱلَّٰتِي دَخَلۡتُم بِهِنَّ فَإِن لَّمۡ تَكُونُواْ دَخَلۡتُم بِهِنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيۡكُمۡ﴾ (النساء: 23).

فَإِنْ فارَقَ المَرْأَةَ قَبْلَ أَنْ يَدْخُلَ بها حَلَّتْ لَهُ ابنَتُها.

الرَّبيبَةُ: هيَ بِنْتُ زَوْجةِ الرَّجُلِ منْ غيرِهِ، وإِنْ نَزَلَتْ؛ وسُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِتَرْبيَتِهِ إيَّاها.

كُلُّ نِساءِ الصِّهْرِ حَلالٌ لِلرَّجُلِ، إِلَّا أُمَّ الزَّوْجَةِ وإِنْ عَلَتْ، وبِنْتَ الزَّوْجَةِ وإِنْ نَزَلَتْ، وزَوْجة الأب وإن علا، وزوجة الابن وإن نزل.

الثالثَةُ: حَلائِلُ الأَبْناءِ. أَيْ: زَوْجاتُ أَبْناءِ الرَّجُلِ وأَبْناءِ أَبْنائِهِ وإِنْ نَزَلُوا؛ لِقولِهِ تعالى: ﴿وَحَلَٰٓئِلُ أَبۡنَآئِكُمُ ٱلَّذِينَ مِنۡ أَصۡلَٰبِكُمۡ﴾ (النساء: 23) ويَحْرُمْنَ بِمُجَرَّدِ العَقْدِ؛ لِعُمُومِ الآيَةِ.

الرابعَةُ: زَوْجاتُ الأَبِ وإِنْ عَلا، من نَسَبٍ أو رَضاعٍ؛ لِقولِهِ تعالى: ﴿وَلَا تَنكِحُواْ مَا نَكَحَ ءَابَآؤُكُم مِّنَ ٱلنِّسَآءِ إِلَّا مَا قَدۡ سَلَفَۚ إِنَّهُۥ كَانَ فَٰحِشَةٗ وَمَقۡتٗا وَسَآءَ سَبِيلًا﴾ (النساء: 22)، وسَواءٌ دَخَلَ بِهِنَّ أَمْ لَمْ يَدْخُلْ؛ لِعُمُومِ الآيَةِ.

وَهو من أَقْبَحِ الأَفْعالِ؛ لِذا وصَفَهُ اﷲُ تعالى بِأَوْصافٍ عَظيمَةٍ، فَقالَ: ﴿إِنَّهُۥ كَانَ فَٰحِشَةٗ وَمَقۡتٗا وَسَآءَ سَبِيلًا﴾ (النساء: 22) وقال البَراءُ بْنُ عازِبٍ رضي الله عنه: لَقيتُ خالي ومَعَهُ الرَّايَةُ، فَقُلْتُ: أَيْنَ تُريدُ؟ قال: «أَرْسَلَني رسولُ اﷲِ صلى الله عليه وسلم إلى رَجُلٍ تَزَوَّجَ امْرَأَةَ أَبيهِ من بَعْدِهِ أَنْ أَضْرِبَ عُنُقَهُ، أو أَقْتُلَهُ». رَواهُ الترمذيُّ، وحَسَّنَهُ.

القِسْمُ الثاني: من يحرُمْن تحريمًا مُؤقَّتًا. وهُنَّ نَوْعانِ:

الأولُ: مَنْ تَحْرُمُ لِأَجْلِ الجَمْعِ، وهو كالآتي:

الجَمْعُ بينَ الأُخْتَيْنِ. سَواءٌ كانَتا منَ النَّسَبِ أَمْ منَ الرَّضاعِ؛ لِقولِهِ تعالى: ﴿وَأَن تَجۡمَعُواْ بَيۡنَ ٱلۡأُخۡتَيۡنِ﴾ (النساء: 23).

الجَمْعُ بينَ المَرْأَةِ وعَمَّتِها، وبينَ المَرْأَةِ وخالَتِها؛ لِقولِهِ صلى الله عليه وسلم: «لا يُجْمَعُ بينَ المَرْأَةِ وعَمَّتِها، ولا بينَ المَرْأَةِ وخالَتِها». متفق عليه.

الجَمْعُ بينَ أكثرَ من أَرْبَعِ نِسْوَةٍ؛ لِقولِهِ تعالى: ﴿فَٱنكِحُواْ مَا طَابَ لَكُم مِّنَ ٱلنِّسَآءِ مَثۡنَىٰ وَثُلَٰثَ وَرُبَٰعَۖ﴾ (النساء: 3) وقَدِ انْعَقَدَ الإِجْماعُ على ذَلِكَ.

النَّوْعُ الثاني: ما كانَ التَّحْريمُ لِعارِضٍ يَزُولُ، وبَيانُهُ كالآتي:

المُعْتَدَّةُ منَ الغَيْرِ؛ لِقولِهِ تعالى: ﴿وَلَا تَعۡزِمُواْ عُقۡدَةَ ٱلنِّكَاحِ حَتَّىٰ يَبۡلُغَ ٱلۡكِتَٰبُ أَجَلَهُۥۚ﴾ (البقرة: 235).

الزَّانيَةُ إِذا عُلِمَ زِناها حَتَّى تَتُوبَ وتَنْقَضيَ عِدَّتُها؛ لِقولِهِ تعالى: ﴿ٱلزَّانِي لَا يَنكِحُ إِلَّا زَانِيَةً أَوۡ مُشۡرِكَةٗ وَٱلزَّانِيَةُ لَا يَنكِحُهَآ إِلَّا زَانٍ أَوۡ مُشۡرِكٌۚ وَحُرِّمَ ذَٰلِكَ عَلَى ٱلۡمُؤۡمِنِينَ﴾ (النور: 3).

المُطَلَّقَةُ ثَلاثًا، فَتَحرمُ على زوجِها الذي طلَّقها ثلاثًا، حَتَّى يَطَأَها زَوْجٌ غَيْرُه بِنِكاحٍ صحيحٍ؛ لِقولِهِ تعالى: ﴿ٱلطَّلَٰقُ مَرَّتَانِۖ﴾ (البقرة: 229) إلى قولِهِ: ﴿فَإِن طَلَّقَهَا﴾ (البقرة:230) يَعْني: الثالثَةَ، ﴿فَلَا تَحِلُّ لَهُۥ مِنۢ بَعۡدُ حَتَّىٰ تَنكِحَ زَوۡجًا غَيۡرَهُۥۗ﴾ (البقرة:230).

المُحْرِمَةُ حَتَّى تَحِلَّ من إِحْرامِها؛ لِقولِهِ صلى الله عليه وسلم: «لا يَنْكِحُ المُحْرِمُ، ولا يُنْكَحُ، ولا يَخْطُبُ». أخرجهُ مسلمٌ.

يَحْرُمُ أَنْ يَتَزَوَّجَ كافِرٌ بِمسلمَةٍ بالإِجْماعِ؛ لِقولِهِ تعالى: ﴿وَلَا تُنكِحُواْ ٱلۡمُشۡرِكِينَ حَتَّىٰ يُؤۡمِنُواْۚ﴾ (البقرة: 221).

لا يَتَزَوَّجُ المسلمُ امْرَأَةً كافِرَةً؛ إِلَّا العفيفة الكِتابيَّةَ؛ لِقولِهِ تعالى: ﴿ٱلۡيَوۡمَ أُحِلَّ لَكُمُ ٱلطَّيِّبَٰتُۖ وَطَعَامُ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلۡكِتَٰبَ حِلٌّ لَّكُمۡ وَطَعَامُكُمۡ حِلٌّ لَّهُمۡۖ وَٱلۡمُحۡصَنَٰتُ مِنَ ٱلۡمُؤۡمِنَٰتِ وَٱلۡمُحۡصَنَٰتُ مِنَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلۡكِتَٰبَ مِن قَبۡلِكُمۡ إِذَآ ءَاتَيۡتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ (المائدة: 5).

النِّكاحُ المَنْهيُّ عَنْهُ:

الأولُ: نِكاحُ الشِّغارِ؛ لِأَنَّ رسولَ اﷲِ صلى الله عليه وسلم نَهَى عَنِ الشِّغارِ. قال ابنُ عُمَرَ رضي الله عنهما: «والشِّغارُ أَنْ يُزَوِّجَ الرَّجُلُ ابنَتَهُ على أَنْ يُزَوِّجَهُ الآخَرُ ابنَتَهُ، لَيْسَ بينَهُما صَداقٌ». متفق عليه.

الثَّاني: نِكاحُ المُحَلِّلِ. وهو أَنْ يَتَزَوَّجَ الرَّجُلُ المُطَلَّقَةَ ثَلاثًا، ليُحَلِّلَها للأَوَّلِ، ثم يُطَلِّقَها.

وكَذَلِكَ إِنْ نَوَى التَّحْليلَ بِلا شَرْطٍ يُذْكَرُ في العَقْدِ، أَوِ اتَّفَقا عليه قَبْلَ العَقْدِ؛ فَفي جَميعِ هذه الأَحْوالِ يَبْطُلُ النِّكاحُ؛ لِقولِهِ صلى الله عليه وسلم: «أَلا أُخْبِرُكُمْ بالتَّيْسِ المُسْتَعارِ»، قالُوا: بَلَى، يا رسولَ اﷲِ، قال: «هو المُحَلِّلُ، لَعَنَ اﷲُ المُحَلِّلَ، والمُحَلَّلَ لَهُ». أخرجهُ ابنُ ماجَه، وحَسَّنَهُ الأَلبانيُّ.

الثالثُ: نِكاحُ المُتْعَةِ. وهو أَنْ يَنْكِحَ الرَّجُلُ المَرْأَةَ بِشَيْءٍ منَ المالِ، مُدَّةً مُعَيَّنَةً، يَنْتَهي النِّكاحُ بِانْتِهائِها من غَيْرِ طَلاقٍ.

وَقد أُبيحَ في أَوَّلِ الإِسْلامِ ثم نُهيَ عَنْهُ؛ قال رسولُ اﷲِ صلى الله عليه وسلم: «يا أَيُّها النَّاسُ، إِنِّي قد كُنْتُ أَذِنْتُ لَكُمْ في الِاسْتِمْتاعِ منَ النِّساءِ، وإِنَّ اﷲَ قد حَرَّمَ ذَلِكَ إلى يَوْمِ القيامَةِ». أخرجهُ مسلمٌ.

وأخرجَ البُخاريُّ ومسلمٌ من حديثِ الحَسَنِ وعَبْدِ اﷲِ ابنَيْ مُحَمَّدِ بْنِ الحَنَفيَّةِ عن أَبيهِما أنَّه سَمِعَ عَليَّ بْنَ أَبي طالِبٍ رضي الله عنه يَقُولُ لِابنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما: «نَهَى رسولُ اﷲِ صلى الله عليه وسلم عن مُتْعَةِ النِّساءِ يَوْمَ خَيْبَرَ، وعن أَكْلِ لُحُومِ الحُمُرِ الإِنْسيَّةِ».

وَهو مُحَرَّمٌ بالإِجْماعِ، لَمْ يُبِحْهُ مِمَّنْ يَنْتَسِبُ إلى الإِسْلامِ إِلَّا الرَّوافِضُ.

قالَ القُرْطُبيُّ: «أَجْمع السَّلَفُ والخَلَفُ على تَحْريمِها -أَيِ: المُتْعَةِ- إِلَّا مَنْ لا يُلْتَفَتُ إليهِ منَ الرَّوافِضِ».

ونكاحُ المُتْعَةِ مُشْتَمِلٌ على مَفاسِدَ عَظيمَةٍ، من ضَياعِ الأَوْلادِ، وتَشَتُّتِهِمْ، وانْحِطاطِ النِّساءِ، وابْتِزازِهِنَّ، واخْتِلاطِ الأَنْسابِ، وانْتِشارِ الرَّذيلَةِ والإِباحيَّةِ والِانْحِلالِ.

مع كونهِ منافيًا لِمَقاصِدِ النِّكاحِ، من دَوامِهِ وتَكْوينِ بَيْتٍ، وتَأْليفِ أُسْرَةٍ، وإِبْقاءِ نَسْلٍ، وتَكْثيرِ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ صلى الله عليه وسلم.

وُصِفَتْ إِحْدَى المُدُنِ الَّتي شاعَتْ فيها المُتْعَةُ، بِأَنَّها المَدينَةُ الأكثرُ انْحِلالًا على الصَّعيدِ الأَخْلاقيِّ في آسْيا!!

وثمَّةَ أسئلةٌ مهمةٌ:

هَلْ تَقِلُّ المَفاسِدُ الَّتي تَتَرَتَّبُ على الزِّنا عَنِ المَفاسِدِ الَّتي تَتَرَتَّبُ على المُتْعَةِ؟!

وما السَّبيلُ إلى مَعْرِفَةِ النَّاسِ أَبْناءَهُمْ؟!

ومَنِ الَّذي يَضْمَنُ اسْتِبْراءَ المَرْأَةِ رَحِمَها؛ لِتَعْرِفَ حَمْلَها من عَدَمِهِ؟! فيفضي إلى اختلاطِ الأنسابِ.

وبِمَ يُوصَفُ هَذا المجتمَعُ الَّذي يَعِجُّ بِأَبْناءٍ بِلا والِدٍ، ولا راعٍ، ولا مَسْؤُولٍ؟!

نشاط

قالَ العُلَماءُ: تَجْري الأَحْكامُ الخَمْسَةُ في النِّكاحِ، بَيِّنْ مُرادَهُمْ من ذَلِكَ.

عَقَدَ رَجُلٌ وهو مُحْرِمٌ بالحَجِّ لِشَخْصَيْنِ النِّكاحَ، فَما حُكْمُ العَقْدِ؟ اسْتَعِنْ بِمَصادِرَ خارِجيَّةٍ.

اكْتُبْ بَحْثًا مُخْتَصَرًا في تَزْويجِ الأَيِّمِ نَفْسَها بِدونِ وليٍّ.

أَيُّهُما أَقْوَى في الِاشْتِراطِ في عَقْدِ النِّكاحِ: الإِشْهادُ أَمِ الإِعْلانُ؟ مع ذِكْرِ الدَّليلِ.

ارْسُمْ هَيْكَلًا تُبَيِّنُ فيهِ المُحَرَّماتِ على الرَّجُلِ من قَريباتِهِ، ومن قَريباتِ زَوْجَتِهِ.

اذْكُرِ الفَرْقَ في تَحْريمِ الرَّبيبَةِ دونَ سائِرِ نِساءِ الصِّهْرِ، مُعَلِّلًا أو مُسْتَدِلًّا.

اكْتُبْ مُخْتَصَرًا في المُحَرَّماتِ منَ النِّساءِ مُؤَقَّتًا.

اخْتَلَفَ أَهْلُ العِلْمِ في تَكْفيرِ تارِكِ الصَّلاةِ، وبالتَّالي في الحُكْمِ على عَقْدِ نِكاحِهِ، ما الرَّاجِحُ من وِجْهَةِ نَظَرِكَ؟

٦ تابع فقه الأسرة (الطلاق(

الوحدة السادسة: تابع فقه الأسرة (الطلاق)

الطَّلاقُ

تَعْريفُ الطَّلاقِ:

الطَّلاقُ لُغَةً: التَّخْليَةُ والإِرْسالُ، يُقالُ: أَطْلَقْتَ النَّاقَةَ، إِذا أَزَلْتَ قَيْدَها، وخَلَّيْتَها وأَرْسَلْتَها.

اصْطِلاحًا: حَلُّ عَقْدِ النِّكاحِ.

ويكونُ الطَّلاقُ حَلَّ كُلِّ العَقْدِ: إِذا كانَ طَلاقًا بائِنًا، لا رَجْعَةَ لِلزَّوْجِ فيهِ.

ويكونُ حَلَّ بَعْضِهِ: إِذا كانَ طَلاقًا رَجْعيًّا، لِلزَّوْجِ حَقُّ الرَّجْعَةِ فيهِ.

الحِكْمَةُ من مَشْرُوعيَّة الطَّلاقِ:

شُرِعَ الطَّلاقُ؛ لِأَنَّ فيهِ حَلًّا للمُشْكِلاتِ الزَّوْجيَّةِ عندَ الحاجَةِ إليهِ، وبِخاصَّةٍ عندَ عَدَمِ الوِفاقِ، وكَثْرَةِ النِّزاعِ والشِّقاقِ، الَّتي لا يَتَمَكَّنُ الزَّوْجانِ مَعَها من إِقامَةِ حُدُودِ اﷲِ، واسْتِمْرارِ الحَياةِ الزَّوْجيَّةِ، ثم لَعَلَّ اﷲَ يُوَسِّعُ على كُلٍّ منْهُما، قال تعالى: ﴿وَإِن يَتَفَرَّقَا يُغۡنِ ٱللَّهُ كُلّٗا مِّن سَعَتِهِۦۚ﴾ (النساء: 130).

مَشْرُوعيَّتُهُ:

الطَّلاقُ مَشْرُوعٌ بالكِتابِ والسُّنَّةِ والإِجْماعِ.

قالَ تعالى: ﴿ٱلطَّلَٰقُ مَرَّتَانِ فَإِمۡسَاكُۢ بِمَعۡرُوفٍ أَوۡ تَسۡرِيحُۢ بِإِحۡسَٰنٖۗ﴾ (البقرة: 229).

وَعَنِ ابنِ عُمَرَ رضي الله عنهما، قال: طَلَّقْتُ امْرَأَتي وهيَ حائِضٌ، فَأَتَى عُمَرُ النبيَّ صلى الله عليه وسلم، فَذَكَرَ ذَلِكَ لَهُ، فَقالَ النبيُّ صلى الله عليه وسلم: «ليُراجِعْها، فَإِذا طَهُرَتْ فَإِنْ شاءَ فَلْيُطَلِّقْها». رَواهُ مسلمٌ.

قالَ ابنُ قُدامَةَ: «أَجْمع النَّاسُ على جَوازِ الطَّلاقِ».

المرجِعُ في الطَّلاقِ يجبُ أن يكُونَ إلى القَضاءِ، فهو الذي يحكُمُ فيه، ويَقْضي على النزاعات الناشئة بسَببهِ.

حُكْمُ الطَّلاقِ:

يَخْتَلِفُ حُكْمُ الطَّلاقِ بِاخْتِلافِ الأَحْوالِ، على النَّحْوِ الآتي:

الإِباحَةُ: يكونُ مُباحًا، عندَ الحاجَةِ إليهِ؛ كَسُوءِ خُلُقِ المَرْأَةِ وسُوءِ عِشْرَتِها، والشِّقاقِ المُسْتَمِرِّ.

الكَراهَةُ: يكونُ مَكْرُوهًا، عندَ عَدَمِ الحاجَةِ إليهِ؛ لِأنَّه يُلْحِقُ الضَّرَرَ بالزَّوْجَيْنِ؛ ولِأنَّه يُزيلُ النِّكاحَ المُشْتَمِلَ على المَصالِحِ المَنْدُوبِ إِلَيْها.

التَّحْريمُ: يكونُ مُحَرَّمًا، كما لَوْ طَلَّقَها وهيَ حائِضٌ أو نُفَساءُ، أو في طُهْرٍ جامَعَها فيهِ، كالطَّلاقِ البِدْعيِّ.

الوجوبُ: يكونُ واجبًا؛ كَطَلاقِ المُولي -الَّذي يَحْلِفُ أَلَّا يُجامِعَ زَوْجَتَهُ أكثرَ من أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ- إِذا مَضَتِ المُدَّةُ دونَ أَنْ يَفيءَ ويَطَأَ زَوْجَتَهُ، فَيُوجِبُ عليه القاضي الطَّلاقَ.

الِاسْتِحْبابُ: يكونُ مُسْتَحَبًّا لِلضَّرَرِ؛ كَأَنْ تَتَضَرَّرَ المَرْأَةُ بِاسْتِدامَةِ النِّكاحِ، فَيُسْتَحَبُّ لِإِزالَةِ الضَّرَرِ عَنْها.

صيغَةُ الطَّلاقِ:

صيغَةُ الطَّلاقِ هيَ ما يَقَعُ به الطَّلاقُ منَ الأَلْفاظِ والعِباراتِ، ويُشْتَرَطُ التَّلَفُّظُ بها، فَلا يَقَعُ الطَّلاقُ بالنِّيَّةِ؛ لِقولِهِ صلى الله عليه وسلم: «إِنَّ اﷲَ تَجاوَزَ لِأُمَّتي عَمَّا وسْوَسَتْ، أو حَدَّثَتْ به أَنْفُسَها، ما لَمْ تَعْمَلْ به أو تَكَلَّمْ». متفق عَلَيْه.

الحَلِفُ بالطَّلاقِ منَ الأَخْطاءِ الشَّائِعَةِ.

كَأَنْ يَقُولَ: «عَلَيَّ الطَّلاقُ إنْ ذهبتِ لِبَيْتِ أَهْلِكِ»، أو «لَتَخْرُجِنَّ الآنَ منَ البَيْتِ» أو «إِنْ فَعَلتِ كَذا فأنْتِ طالقٌ»!! وهَذا شَأنُهُ عظيمٌ، فجُمْهورُ الفَقَهاءِ على وقوعِ الطَّلاقِ فيما إذا خالفت الزوجةُ المحلوفَ عَليْهِ، أو وقَعَ الشَّرطُ.

واخْتارَ شيخُ الإسلامِ أنَّ الزوجَ إذا قَصَدَ بِهَذا الكَلامِ مَنْعَ المَرْأَةِ من فِعْلِ شَيْءٍ، أو حَثَّها على فِعْلِ شَيْءٍ -وَهَذا هو الغالِبُ- فإنَّهُ يَجْري مَجْرَى اليَمينِ، وهَذا القَولُ بالرَّغِم من يُسْرِهِ، لكِنَّه لا يخَفِّفُ من خَطَرِ هَذا الأَمْرِ.

صيغَةُ الطَّلاقِ

صَريحٌ

كِنايَةٌ

وَتنْقَسِمُ الصِّيغَةُ إلى قسمينِ، هُما:

الأولُ: أَلْفاظٌ صَريحَةٌ:

هيَ الأَلْفاظُ الَّتي لا تَحْتَمِلُ غَيْرَ الطَّلاقِ، وهو لَفْظُ )الطَّلاقِ (وما تَصَرَّفَ منْهُ، كقولهِ: أَنْتِ طالِقٌ ومُطَلَّقَةٌ وطَلَّقْتُكِ... ونَحْوُ ذَلِكَ.

ويَقَعُ بها الطَّلاقُ ولَو لَمْ يَنْوِهِ، سَواءٌ كانَ جادًّا أَمْ مازِحًا؛ لِقولِهِ صلى الله عليه وسلم: «ثَلاثٌ جَدُّهُنَّ جَدٌّ، وهَزْلُهُنَّ جَدٌّ: النِّكاحُ، والطَّلاقُ، والرَّجْعَةُ». أخرجهُ أبوداود والترمذيُّ وابنُ ماجَه، وحَسَّنَهُ الأَلبانيُّ.

الثاني: أَلْفاظُ كِنايَةٍ:

هيَ الأَلْفاظُ الَّتي تَحْتَمِلُ الطَّلاقَ وغَيْرَهُ.

وَلا يَقَعُ بها طَلاقٌ، إِلَّا إِذا نَوَى الزَّوْجُ الطَّلاقَ عندَ تَلَفُّظِهِ بها؛ لِأَنَّ هذه الأَلْفاظَ لَيْسَتْ مُتَمَحِّضَةً في الطَّلاقِ، بَلْ تَحْتَمِلُهُ وغَيْرَهُ.

مِثْلُ: أَنْتِ خَليَّةٌ، أَوِ الحَقي بِأَهْلِكِ، أَوِ اخْرُجي، أو أَنْتِ حُرَّةٌ، أو لا حاجَةَ لي فيكِ، ونَحْوُهُ، مِمَّا يَحْتَمِلُ الطَّلاقَ وغَيْرَهُ، فَلا يَقَعُ الطَّلاقُ بها إِلَّا بِنيَّةِ الطَّلاقِ مَعَها.

لَفْظُ: (أَنْتِ طالِقٌ أو طَلَّقْتُكِ أو مُطلَّقَةٌ) صَريحٌ في الطَّلاقِ.

وأَلْفاظُ: (أَنْتِ خَليَّةٌ) أو (بَريَّةٌ) أو (حُرَّةٌ) أَوِ (الحَقي بِأَهْلِكِ) أَوِ (اُخْرُجي) منَ الكِناياتِ.

أَقْسامُ الطَّلاقِ بِاعْتِبارِ مُوافَقَتِهِ لِلشَّرْعِ

طَلاقٌ سُنِّيٌّ

طَلاقٌ بِدْعيٌّ

أَقْسامُ الطَّلاقِ بِاعْتِبارِ مُوافَقَتِهِ لِلشَّرْعِ:

يَنْقَسِمُ الطَّلاقُ بِهَذا الِاعْتِبارِ إلى قسمينِ:

الأولُ: طَلاقُ السُّنَّةِ: وهو الطَّلاقُ الواقِعُ بطَلقَةٍ واحِدَةٍ في طُهْرٍ لَمْ يَحْصُلْ فيهِ جِماعٌ، أو حالَ كَوْنِ الزَّوْجَةِ حامِلًا.

ودَليلُهُ منَ الكِتابِ: قولُهُ تعالى: ﴿ يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ إِذَا طَلَّقۡتُمُ ٱلنِّسَآءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ (الطلاق: 1) أَيْ: في الوَقْتِ الَّذي يَشْرَعْنَ فيهِ في اسْتِقْبالِ العِدَّةِ، وهو الطُّهْرُ بَعْدَ الحَيْضِ، من غَيْرِ جِماعٍ.

ومنَ السُّنَّةِ: عَنِ ابنِ عُمَرَ رضي الله عنهما أنَّه طَلَّقَ امْرَأَتَهُ وهِىَ حائِضٌ، فَذَكَرَ ذَلِكَ عُمَرُ رضي الله عنه لِلنَّبيِّ صلى الله عليه وسلم فَقالَ: «مُرْهُ فَلْيُراجِعْها، ثم ليُطَلِّقْها طاهِرًا، أو حامِلًا». أخرجهُ مسلمٌ.

الإِجْماعُ: فقد أَجْمع العُلَماءُ على أَنَّ المُطَلِّقَ لِلسُّنَّةِ هو الَّذي يُطَلِّقُ امْرَأَتَهُ في طُهْرٍ لَمْ يَمَسَّها فيهِ، طَلْقَةً واحِدَةً.

لَيْسَ المَقْصُودُ بالطَّلاقِ السُّنِّيِّ أنَّه مَسْنُونٌ ومُسْتَحَبٌّ، إِنَّما المُرادُ: الطَّلاقُ الواقِعُ في الوَقْتِ المَشْرُوعِ، وعلى الصِّفَةِ المَشْرُوعَةِ.

الثاني: طَلاقُ البِدْعَةِ، أَوِ الطَّلاقُ البِدْعيُّ: ويكونُ بالإِخْلالِ بِسُنَّةِ الطَّلاقِ في أَحَدِ أَمْرَيْنِ:

عَدَدُ الطَّلاقِ. كَأَنْ يُطَلِّقَها أكثرَ من طَلْقَةٍ بِلَفْظٍ واحِدٍ، أو مُتَفَرِّقاتٍ قَبْلَ انْقِضاءِ العِدَّةِ، كقولهِ: أَنْتِ طالِقٌ ثَلاثًا، أو بالثَّلاثِ، أو أَنْتِ طالِقٌ طالِقٌ طالِقٌ، أو أَنْتِ طالِقٌ أَنْتِ طالِقٌ أَنْتِ طالِقٌ.

وَقْتُ الطَّلاقِ. كَأَنْ يُطَلِّقَها وهيَ حائِضٌ، أو في طُهْرٍ جامَعَها فيهِ، ولَمْ يَتَبَيَّنْ حَمْلُها.

وَقَدِ اخْتَلَفَ أَهْلُ العِلْمِ في وُقُوعِ الطَّلاقِ في الحَيْضِ، والجُمْهُورُ على وُقُوعِهِ.

طَلاقُ الغَضْبانِ:

اعْلَمْ أَنَّ الغَضَبَ أَقْسامٌ ثَلاثَةٌ:

الأولُ: أَنْ يَحْصُلَ للإِنْسانِ مَبادِئُهُ وأَوائِلُهُ؛ بِحيثُ لا يَتَغَيَّرُ عليه عَقْلُهُ ولا ذِهْنُهُ، ويَعْلَمُ ما يَقُولُ وما يَقْصِدُ، فَهَذا يَقَعَ طَلاقُهُ بِلا إِشْكالٍ.

الثاني: أَنْ يَبْلُغَ به الغَضَبُ نِهايَتَهُ؛ بِحيثُ يَنْغَلِقُ عليه بابُ العِلْمِ والإِرادَةِ، فَلا يَعْلَمُ ما يَقُولُ ولا ما يُريدُ، فهَذا لا خِلافَ في عَدَمِ وُقُوعِ طَلاقِهِ.

الثالثُ: مَنْ تَوَسَّطَ في الغَضَبِ بينَ المَرْتَبَتَيْنِ، فَتَعَدَّى مَبادِئَهُ، ولَمْ يَنْتَهِ إلى آخِرِهِ، فَهَذا فيهِ خِلافٌ، وأُصُولُ الشَّرْعِ تَدُلُّ على عَدَمِ نُفُوذِ طَلاقِهِ.

أَقْسامُ الطَّلاقِ باعْتِبارِ الرَّجْعَةِ فيهِ

طَلاقٌ رَجْعيٌّ

طَلاقٌ بائِنٌ

أَقْسامُ الطَّلاقِ بِاعْتِبارِ الرَّجْعَةِ فيهِ:

يَنْقَسِمُ الطَّلاقُ بِهَذا الِاعْتِبارِ إلى قسمينِ:

1 - الأولُ: طَلاقٌ رَجْعيٌّ: وهو الَّذي يَمْلِكُ مَعَهُ الزَّوْجُ رَجْعَةَ زَوْجَتِهِ المَدخُولِ بها، في فترة العِدَّة، دونَ أَنْ يُشْتَرَطَ رِضاها، ودونَ عَقْدٍ جَديدٍ، أو مَهْرٍ جديدٍ.

والمُطَلَّقَةُ الرَّجْعيَّةُ: هيَ الزَّوْجَةُ المَدْخُولُ بها، المُطَلَّقَةُ دونَ الثَّلاثِ، ما دامَتْ في العِدَّةِ.

وَهيَ في تِلْكَ الحالِ زَوْجَةٌ، يَجِبُ على الزَّوْجِ الإِنْفاقُ عَلَيْها، ويَرِثُها وتَرِثُهُ، قال تعالى: ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَٰلِكَ﴾ (البقرة: 228).

يَكْفي في الرَّجْعَةِ أَنْ يَقُولَ الزَّوْجُ لِزَوْجَتِهِ: (راجَعْتُكِ)، ويُسَنُّ الإِشْهادُ على ذَلِكَ.

2 - الثاني: طَلاقٌ بائِنٌ: هو الَّذي لا يَمْلِكُ الزَّوْجُ مَعَهُ رَجْعَةَ زَوْجَتِهِ إِلَّا بِعَقْدٍ جَديدٍ.

والبَيْونَةُ نَوْعانِ:

بينُونَةٌ صُغْرَى: وهيَ الرَّجْعيَّةُ الَّتي عَدَدُ طَلاقِها دونَ الثَّلاثِ، لَكِنِ انْتَهَتْ عِدَّتُها.

وَمِثْلُها مَنْ لا عِدَّةَ لَها، وهيَ المُطَلَّقَةُ قَبْلَ الدُّخُولِ، فَيَحِلُّ لِزَوْجِها أَنْ يَتَزَوَّجَها بِعَقْدٍ جَديدٍ.

بينُونَةٌ كُبْرَى: وهو طَلاقُ مَنِ اكْتَمَلَ عَدَدُ الطَّلَقاتِ في حَقِّها؛ بِأَنْ كانَ ذَلِكَ آخِرَ الثَّلاثِ.

فَلا تَحِلُّ لِلزَّوْجِ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ نِكاحًا صحيحًا، ويَحْصُلَ جِماعٌ، ثم يُفارِقَها الثاني بِطَلاقٍ أو مَوْتٍ.

الفَرْقُ بينَ البينُونَةِ الصُّغْرَى والكُبْرَى: أَنَّ المَرْأَةَ في البينُونَةِ الصُّغْرَى تَحِلُّ بِعَقْدٍ جَديدٍ، وفي الكُبْرَى لا تَحِلُّ إِلَّا بِعَدْ أَنْ تَتَزَوَّجَ زَوْجًا آخَرَ، ثم تَحْصُلَ المُفارَقَةُ.

نشاط

1 - تَجْري الأَحْكامُ الخَمْسَةُ في الطَّلاقِ، وضِّحْ ذَلِكَ بالتَّفْصيلِ.

2 - اكْتُبْ بَحْثًا مُخْتَصَرًا في الحَلِفِ بالطَّلاقِ، مُبَيِّنًا فيهِ قولَ الجُمْهُورِ.

3 - ما حُكْمُ قولِ الرَّجُلِ لِزَوْجَتِهِ: أُطَلِّقُكِ - تَطْلُقينَ؟ اسْتَعِنْ بِمَصْدَرٍ خارِجيٍّ.

4 - البِدْعَةُ من مُصْطَلَحاتِ العَقيدَةِ، فَلِمَ اسْتُعْمِلَتْ في الطَّلاقِ، وهو حُكْمٌ فِقْهيٌّ؟!

5 - اكْتُبْ ضابِطًا تُبَيِّنُ فيهِ الأَحْوالَ الَّتي يَجُوزُ فيها لِلزَّوْجِ أَنْ يُراجِعَ زَوْجَتَهُ.

٧ الأَيمان والنُّذور

الوحدة السابعة: الأَيمان والنُّذور

الأَيْمانُ والنُّذُورُ

تَعْريفُ الأَيْمانِ:

الأَيْمانُ لُغَةً: جَمْعُ يَمينٍ، ومن مَعانيهِ القَسَمُ والقُوَّةُ والبَرَكَةُ، وسُمِّيَ الحَلِفُ يَمينًا؛ لأنهم كانُوا إِذا تَحالَفُوا ضَرَبَ كُلُّ واحِدٍ منْهُمْ بيَمينِهِ على يَمينِ صاحِبِهِ.

واصْطِلاحًا: تَوْكيدُ الشَّيْءِ المَحْلُوفِ عليه بِذِكْرِ اسْمِ اﷲِ، أو صِفَةٍ من صِفاتِهِ.

والأَيْمانُ مَشْرُوعَةٌ بالكِتابِ والسُّنَّةِ والإِجْماعِ.

قالَ تعالى: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ ٱللَّهُ بِٱللَّغۡوِ فِيٓ أَيۡمَٰنِكُمۡ وَلَٰكِن يُؤَاخِذُكُم بِمَا عَقَّدتُّمُ ٱلۡأَيۡمَٰنَۖ﴾ (المائدة: 89).

وَقالَ رسولُ اﷲِ صلى الله عليه وسلم: «وَإِنِّي واﷲِ -إِنْ شاءَ اﷲُ- لا أَحْلِفُ على يَمينٍ، فَأَرَى غَيْرَها خَيْرًا منْها، إِلَّا أَتَيْتُ الَّذي هو خَيْرٌ، وتَحَلَّلْتُها». متفق عليه.

قالَ ابنُ قُدامَةَ: «أَجْمَعَتِ الأُمَّةُ على مَشْرُوعيَّةِ اليَمينِ وثُبُوتِ أَحْكامِها».

حُكْمُ اليَمينِ:

الأَصْلُ أَنَّها مُباحَةٌ.

وَتَجِبُ: إِذا كانَ المَقْصُودُ بها إِثْباتَ الحَقِّ، أو في دَعْوَى عندَ الحاكِمِ؛ ليُدْفَعَ بها الظُّلْمُ.

وَتُسْتَحَبُّ: إِذا تَوَقَّفَ عَلَيْها فِعْلُ مُسْتَحَبٍّ، كَأَنْ يَتَرَتَّبَ عَلَيْها إِصْلاحٌ بينَ المُتَخاصِمينَ.

وَتُكْرَهُ: كَأَنْ يَحْلِفَ على البَيْعِ والشِّراءِ، دونَ داعٍ.

وَتَحْرُمُ: كَأَنْ يَحْلِفَ كاذِبًا، أو كانت على فِعْلِ مُحَرَّمٍ، أو تَرْكِ واجبٍ.

أَقْسامُ اليَمينِ من حيثُ انْعِقادُها

يَمينٌ لَغْوٌ

يَمينٌ غَمُوسٌ

يَمينٌ مُنْعَقِدَةٌ

أَقْسامُ اليَمينِ:

تَنْقَسِمُ اليَمينُ من حيثُ انْعِقادُها إلى ثَلاثَةِ أَقْسامٍ:

1 - الأولُ: اليَمينُ اللَّغْوُ: وهو الحَلِفُ من غَيْرِ قَصْدِ اليَمينِ، كَأَنْ يَقُولَ: لا واﷲِ، وبَلَى واﷲِ.

وَهذه اليَمينُ لا كَفَّارَةَ فيها، ولا مُؤاخَذَةَ؛ لِقولِهِ تعالى: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ ٱللَّهُ بِٱللَّغۡوِ فِيٓ أَيۡمَٰنِكُمۡ﴾ (المائدة: 89).

2 - الثاني: اليَمينُ الغَمُوسُ: وهيَ الحَلِفُ على أَمْرٍ ماضٍ كاذِبًا مُتَعَمِّدًا، وهيَ كَبيرَةٌ منَ الكَبائِرِ، وتَجِبُ التَّوْبَةُ منْها، ورَدُّ الحُقُوقِ إلى أَصْحابها إِذا تَرَتَّبَ عَلَيْها ضَياعُ حُقُوقٍ.

قالَ النبيُّ صلى الله عليه وسلم: «الكَبائِرُ: الإِشْراكُ بِاﷲِ، وعُقُوقُ الوالِدَيْنِ، وقَتْلُ النَّفْسِ، واليَمينُ الغَمُوسُ». أخرجهُ البُخاريُّ.

وَسُمِّيَتْ غَمُوسًا؛ لِأَنَّها تَغْمِسُ صاحِبَها في الإِثْمِ، ثم تَغْمِسُهُ في نارِ جَهَنَّمَ -عياذًا بِاﷲِ.

3 - الثالثُ: اليَمينُ المُنْعَقِدَةُ: وهيَ اليَمينُ على أَمْرٍ مُسْتَقْبَلٍ قاصِدًا لليَمينِ.

فَهذه يَمينٌ يَلْزَمُ الوَفاءُ بها أو إِخْراجُ الكَفَّارَةِ في حالِ الحِنْثِ؛ لِقولِهِ تعالى: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ ٱللَّهُ بِٱللَّغۡوِ فِيٓ أَيۡمَٰنِكُمۡ وَلَٰكِن يُؤَاخِذُكُم بِمَا عَقَّدتُّمُ ٱلۡأَيۡمَٰنَۖ فَكَفَّٰرَتُهُۥٓ إِطۡعَامُ عَشَرَةِ مَسَٰكِينَ مِنۡ أَوۡسَطِ مَا تُطۡعِمُونَ أَهۡلِيكُمۡ أَوۡ كِسۡوَتُهُمۡ أَوۡ تَحۡرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَن لَّمۡ يَجِدۡ فَصِيَامُ ثَلَٰثَةِ أَيَّامٍ ذَٰلِكَ كَفَّٰرَةُ أَيۡمَٰنِكُمۡ إِذَا حَلَفۡتُمۡۚ وَٱحۡفَظُوٓاْ أَيۡمَٰنَكُمۡۚ كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ ٱللَّهُ لَكُمۡ ءَايَٰتِهِۦ لَعَلَّكُمۡ تَشۡكُرُونَ﴾ (المائدة: 89).

الحِنْثُ: هو التَّراجُعُ عَنِ اليَمينِ، وعَدَمُ الوَفاءِ بها.

كَفَّارَةُ اليَمينِ:

الكَفَّارَةُ: ما يُخْرِجُهُ الحانِثُ في يَمينِهِ، من إِطْعامٍ أو كِسْوَة أو عِتْقٍ أو صَوْمٍ؛ تَكْفيرًا لِحِنْثِهِ في يَمينِهِ.

وَقد فَرَضَ اﷲُ تعالى كَفَّارَةَ اليَمينِ بِقولِهِ: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ ٱللَّهُ بِٱللَّغۡوِ فِيٓ أَيۡمَٰنِكُمۡ وَلَٰكِن يُؤَاخِذُكُم بِمَا عَقَّدتُّمُ ٱلۡأَيۡمَٰنَۖ فَكَفَّٰرَتُهُۥٓ إِطۡعَامُ عَشَرَةِ مَسَٰكِينَ مِنۡ أَوۡسَطِ مَا تُطۡعِمُونَ أَهۡلِيكُمۡ أَوۡ كِسۡوَتُهُمۡ أَوۡ تَحۡرِيرُ رَقَبَةٖۖ فَمَن لَّمۡ يَجِدۡ فَصِيَامُ ثَلَٰثَةِ أَيَّامٖۚ ذَٰلِكَ كَفَّٰرَةُ أَيۡمَٰنِكُمۡ إِذَا حَلَفۡتُمۡۚ وَٱحۡفَظُوٓاْ أَيۡمَٰنَكُمۡۚ﴾ (المائدة: 89).

وَهيَ على التَّرْتيبِ المَذْكُورِ في الآيَةِ: فَيُخَيَّرُ بينَ إِطْعامِ عَشَرَةِ مَساكينَ، أو كِسْوَتِهِمْ، أو عِتْقِ رَقَبَةٍ مُؤْمنَةٍ.

فَمَنْ عَجَزَ عَنِ الثَّلاثَةِ انْتَقَلَ إلى صَوْمِ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ، ولا يَجُوزُ الإِقْدامُ على الصِّيامِ إِذا اسْتَطاعَ الإِطْعامَ أَوِ الكِسْوَةَ أو عِتْقَ الرَّقَبَةِ.

والِاحْتياطُ التَّتابُعُ فيهِنَّ؛ لِقِراءَةِ ابنِ مَسْعُودٍ رضي الله عنه: «فَصيامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ مُتَتابِعَةٍ».

كلُّ مَنْ حَرَّمَ على نَفْسِهِ شَيْئًا مِمَّا أَحَلَّهُ اﷲُ لَهُ، ثمَّ أرادَ الرُّجُوعَ فعليه كَفَّارَةُ يَمينٍ:

كَأَنْ حَرَّمَ على نَفْسِهِ طَعامًا أو ثيابًا أو مَكانًا، ثمَّ أَرادَ أَنْ يرجِعَ في ذلك فَعليه كَفَّارَةُ يَمينٍ، قال تعالى: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَآ أَحَلَّ ٱللَّهُ لَكَۖ تَبۡتَغِي مَرۡضَاتَ أَزۡوَٰجِكَۚ وَٱللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ 1 قَدۡ فَرَضَ ٱللَّهُ لَكُمۡ تَحِلَّةَ أَيۡمَٰنِكُمۡۚ﴾ (التحريم: 1، 2)، فَجَعَلَ تعالى تَحْريمَهُ ما أَحَلَّهُ اﷲُ عليه يَمينًا مُكَفَّرَةً.

وَكَذَلِكَ إِنْ قال لِزَوْجَتِهِ: تَحْرُمينَ عَلَيَّ، أو أَنْتِ مُحَرَّمَةٌ عَلَيَّ إِنْ فَعَلتِ كَذا، ولَمْ يَنْوِ طَلاقًا أو ظِهارًا، فَعليه كَفَّارَةُ يَمينٍ.

وَقْتُ الكَفَّارَةِ:

تَجِبُ الكَفَّارَةُ على الشَّخْصِ إِذا حَنَثَ في يَمينِهِ، ولَمْ يَفِ بِمُوجِبها.

يَجُوزُ تَقْديمُ الكَفَّارَةِ على الحِنْثِ، ويَجُوزُ تَأْخيرُها عَنْهُ.

فَإِنْ قَدَّمَها سُمِّيَتْ تَحِلَّةَ الأَيْمانِ، وإِنْ أَخَّرَها كانت كَفَّارَةً.

والدَّليلُ: قولُ النبيِّ صلى الله عليه وسلم: «إِذا حَلَفْتَ على يَمينٍ، فَرَأَيْتَ غَيْرَها خَيْرًا منْها، فَكَفِّرْ عن يَمينِكَ وأْتِ الَّذي هو خَيْرٌ». متفق عليه.

وَفي رِوايَةٍ للبُخاريِّ: «إِذا حَلَفْتَ على يَمينٍ، فَرَأَيْتَ غَيْرَها خَيْرًا منْها، فَأْتِ الَّذي هو خَيْرٌ، وكَفِّرْ عن يَمينِكَ». فَدَلَّتِ الأَحاديثُ على جَوازِ التَّقْديمِ والتَّأْخيرِ.

ما مَعْنَى أَنْ تَكُونَ اليَمينُ مُنْعَقِدَةً؟

أي: أَنْ يَقْصِدَ الحالِفُ عَقْدَها على أَمْرٍ مُسْتَقْبَلٍ، فَلا تكون مُجَرَّدَ كَلِمَةٍ تَجْري على اللِّسانِ.

حُكْمُ الحِنْثِ في اليَمينِ:

يَخْتَلِفُ حُكْمُ الحِنْثِ في اليَمينِ بِحَسَبِ المَحْلُوفِ عليه، على النَّحْوِ الآتي:

أَوَّلًا: يُسَنُّ الحِنْثُ في اليَمينِ إِذا كانَ خَيْرًا، كَمَنْ حَلَفَ على فِعْلٍ مَكْرُوهٍ، أو تَرْكِ مَنْدُوبٍ، فَيَفْعَلُ الَّذي هو خَيْرٌ، ويُكَفِّرُ عن يَمينِهِ.

ثانيًا: يَجِبُ الحِنْثُ في اليَمينِ إِذا حَلَفَ على تَرْكِ واجبٍ، ويُكَفِّرُ عن يَمينِهِ؛ كَمَنْ حَلَفَ أَلَّا يَصِلَ رَحِمَهُ، أو حَلَفَ على فِعْلِ مُحَرَّمٍ؛ كَمَنْ حَلَفَ لَيَشْرَبَنَّ الخَمْرَ.

ثالِثًا: يُباحُ الحِنْثُ في اليَمينِ، كما إِذا حَلَفَ على فِعْلِ مُباحٍ، أو على تَرْكِهِ، ويُكَفِّرُ عن يَمينِهِ.

الحَلِفُ بِغَيْرِ اللهِ تعالى:

لا يَجُوزُ الحَلِفُ بِغَيْرِ اﷲِ تعالى؛ كقولهِ: والنبيِّ، وحَياتِكَ، وحَياةِ أُمِّي، وحَياتي عندَكَ، والنِّعْمَةِ، وقَبْرِ فُلانٍ، والعِشْرَةِ، والعَيْشِ والمِلْحِ، وِشَرَفي، والحُسَيْنِ، والأَمانَةِ، والكَعْبَةِ، والمُرْسيِّ (أَبُو العَبَّاسِ.!)

لِقولِهِ صلى الله عليه وسلم: «مَنْ حَلَفَ بِغَيْرِ اﷲِ فقد أَشْرَكَ». أخرجهُ أحمدُ وأَبُو داوُدَ، وصحَّحَهُ الأَلبانيُّ.

وَفي الصَّحيحَيْنِ عَنِ ابنِ عُمَرَ رضي الله عنهما أَنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم أَدْرَكَ عُمَرَ رضي الله عنه في رَكْبٍ وهو يَحْلِفُ بِأَبيهِ، فَناداهُمُ الرَّسُولُ صلى الله عليه وسلم: «أَلا إِنَّ اﷲَ عزوجل يَنْهاكُمْ أَنْ تَحْلِفُوا بِآبائِكُمْ، فَمَنْ كانَ حالِفًا فَلْيَحْلِفْ بِاﷲِ أو ليَصْمُتْ».

قالَ عُمَرُ رضي الله عنه: «فَواﷲِ ما حَلَفْتُ بها مُنْذُ سَمِعْتُ رسولَ اﷲِ صلى الله عليه وسلم نَهَى عَنْها ذاكِرًا، ولا آثِرًا».

وَقالَ صلى الله عليه وسلم: «لا تَحْلِفُوا بِآبائِكُمْ ولا بِأُمَّهاتِكُمْ ولا بالأَنْدادِ؛ (أَيِ: الأَصْنامِ)، ولا تَحْلِفُوا إِلَّا بِاﷲِ، ولا تَحْلِفُوا إِلَّا وأَنْتُمْ صادِقُونَ» رَواهُ أبوداود والنَّسائيُّ، وصحَّحَهُ الأَلبانيُّ.

قالَ ابنُ مَسْعُودٍ رضي الله عنه: «لَأَنْ أَحْلِفَ بِاﷲِ كاذِبًا أَحَبُّ إِلَيَّ من أَنْ أَحْلِفَ بِغَيْرِهِ صادِقًا».

قالَ شَيْخُ الإِسْلامِ: «لِأَنَّ حَسَنَةَ التَّوْحيدِ أَعْظَمُ من حَسَنَةِ الصِّدْقِ، وسَيِّئَةَ الكَذِبِ أَسْهَلُ من سَيِّئَةِ الشِّرْكِ».

نشاط

أ- من أَيِّ أَقْسامِ اليَمينِ ما يَأْتي:

واﷲِ لَتَأْكُلَنَّ من هَذا الطَّعامِ.

يَحْلِفُ كَذِبًا أَنَّ هَذا المالَ لَهُ.

وايْمُ اﷲِ لَأَزُورَنَّ صَديقي اليَوْمَ.

واﷲِ لا أَصُومُ الجُمُعَةَ القادِمَةَ.

ب- ما حُكْمُ الحِنْثِ في الحالاتِ الآتيَةِ:

١- حَلَفَ على طَلاقِ زَوْجَتِهِ.

٢- حَلَفَ على تَرْكِ صَلاةِ العَصْرِ.

٣- أَقْسَمَ بِاﷲِ لَيَصُومَنَّ الِاثْنَيْنِ والخَميسَ هَذا الأُسْبُوعَ.

٤- حَلَفَ أَنْ يَشْرَبَ الخَمْرَ.

جـ- اكْتُبْ بَحْثًا مُخْتَصَرًا عن كَفَّارَةِ اليَمينِ على ضَوْءِ ما دَرَسْتَ.

النُّذُورُ

تَعْريفُ النَّذْرِ:

النَّذْرُ لُغَةً: الإيجابُ، تَقُولُ: نَذَرْتُ كَذا؛ أَيْ: أَوْجَبْتُهُ على نَفْسي.

واصْطِلاحًا: إِلْزامُ مُكَلَّفٍ نَفْسَهُ شَيْئًا ﷲِ تعالى، لَيْسَ واجبًا بِأَصْلِ الشَّرْعِ.

حُكْمُ النَّذْرِ:

النَّذْرُ من حيثُ الأَصْلُ مَكْرُوهٌ؛ للأدلة الآتيةِ:

حديثُ ابنِ عُمَرَرضي الله عنهما أَنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم نَهَى عَنِ النَّذْرِ، وقالَ: «إِنَّهُ لا يَرُدُّ شَيْئًا، وإِنَّما يُسْتَخْرَجُ به منَ الشَّحيحِ». متفق عليه.

وَفي البُخاريِّ عَنِ ابنِ عُمَرَرضي الله عنهما قال: أَوَلَمْ يُنْهَوْا عَنِ النَّذْرِ؟! إِنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم قال: «إنَّ النَّذر لا يُقَدِّمُ شَيْئًا ولا يُؤَخِّرُ، وإِنَّما يُسْتَخْرَجُ بالنَّذْرِ منَ البَخيلِ».

وَلِابنِ ماجَه: «إِنَّما يُسْتَخْرَجُ به منَ اللَّئيمِ»، وصحَّحَهُ الأَلبانيُّ.

وَلِأَنَّ النَّاذِرَ يُلْزِمُ نَفْسَهُ بِشَيْءٍ لا يَلْزَمُهُ بِأَصْلِ الشَّرْعِ، فَيُحْرِجُ نَفْسَهُ، ويُثْقِلُها بِذَلِكَ.

وَلِأَنَّ المسلمَ مُطالَبٌ بِفِعْلِ الخَيْرِ بِلا نَذْرٍ، فَلا يَنْبَغي أَنْ يَشْرُطَهُ على اﷲِ تعالى.

أَلْفاظُ النَّذْرِ:

يُشْتَرَطُ في النَّذْرِ المُلْزِمِ أَنْ يكونَ بِلَفْظٍ، فَلا تَكْفي النِّيَّةُ.

لَيْسَ لِلنَّذْرِ لَفْظٌ مُعَيَّنٌ، بَلْ كُلُّ ما يَدُلُّ على الِالتِزامِ، فَهو نَذْرٌ، مِثْلُ: نَذْرٌ عَلَيَّ، أو عَلَيَّ ﷲِ كَذا، أو ﷲِ عَلَيَّ كَذا، أو عاهَدْتُ اﷲَ إِنْ شَفَى اﷲُ مَريضي أَنْ أَفْعَلَ كَذا. وهَذا قولُ جُمْهُورِ الفُقَهاءِ.

إِنْ لَمْ يَحْمِلِ اللَّفْظُ مَعْنَى الِالتِزامِ فَلا يُعَدُّ نَذْرًا إِلَّا بالنِّيَّةِ، شَأْنُهُ شَأْنُ الكِناياتِ؛ كَأَنْ يَقُولَ: إِنْ حَصَلْتُ على وظيفَةٍ فَسَأُخْرِجُ مَبْلَغَ أَلْفَ ريالٍ، فَلَيْسَ هَذا نَذْرًا، إِلَّا بالنِّيَّةِ.

تنبيه: تَعْقيبُ اللَّفْظِ بالمَشيئَةِ لا يَلْزَمُ به شَيْءٌ، كقولهِ: إِنْ نَجَحْتُ فَلِلَّهِ عَلَيَّ أَنْ أَصُومَ يَوْمًا إِنْ شاءَ اﷲُ.

أَقْسامُ النَّذْرِ

نَذْرُ الطَّاعَةِ

النَّذْرُ المُطْلَقُ

نَذْرُ المَعْصيَةِ

نَذْرُ اللَّجاجِ

النَّذْرُ المُباحُ

يَنْقَسِمُ النَّذْرُ من حيثُ الوَفاءُ به إلى خَمْسَةِ أَقْسامٍ:

1 - الأولُ: نَذْرُ الطَّاعَةِ. كَقولِ النَّاذِرِ: «ﷲِ عَلَيَّ نَذْرٌ إِنْ نَجَحْتُ لَأُصَلِّيَنَّ كَذا وكَذا»، أَوْ: «لَأَصُومَنَّ» ونَحْوَهُ منَ الطَّاعاتِ، فَهَذا النَّذْرُ يَجِبُ الوَفاءُ بِهِ؛ لِقولِ اﷲِ تَبارَكَ وتعالى: ﴿وَلۡيُوفُواْ نُذُورَهُمۡ﴾ (الحـج: 29)؛ ولِقولِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم: «مَنْ نَذَرَ أَنْ يُطيعَ اﷲَ فَلْيُطِعْهُ». رَواهُ البُخاريُّ.

2 - الثاني: نَذْرُ المَعْصيَةِ. كَأَنْ يَقُولَ: ﷲِ عَلَيَّ نَذْرٌ أَنْ أَشْرَبَ الخَمْرَ، أو أَتْرُكَ الصَّلاةَ، فَهَذا نَذْرٌ مُحَرَّمٌ لا يَجُوزُ الوَفاءُ بِهِ؛ لِقولِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم: «وَمَنْ نَذَرَ أَنْ يَعْصيَ اﷲَ فَلا يَعْصِهِ». رَواهُ البُخاريُّ.

ويُكَفِّرُ كَفَّارَةَ يَمينٍ، لِعُمُومِ قولِهِ صلى الله عليه وسلم: «كَفَّارَةُ النَّذْرِ كَفَّارَةُ اليَمينِ». أخرجهُ مسلمٌ.

وَلَوْ نَذَرَ مَكْرُوهًا، كَمَنْ نَذَرَ طَلاقَ زَوْجَتِهِ، اسْتُحِبَّ لَهُ عَدَمُ الوَفاءِ بالنَّذْرِ، ويُكَفِّرُ كَفَّارَةَ يَمينٍ.

3 - الثالثُ: النَّذْرُ المُطْلَقُ. مِثْلُ أَنْ يَقُولَ الرَّجُلُ: ﷲِ عَلَيَّ نَذْرٌ، ولَمْ يَذْكُرْ شَيْئًا، فَيَجِبُ عليه كَفَّارَةُ يَمينٍ؛ لِحديثِ عُقْبَةَ بْنِ عامِرٍرضي الله عنه قال: قال رسولُ اﷲِ صلى الله عليه وسلم: «كَفَّارَةُ النَّذْرِ إِذا َلْم يُسَمَّ كَفَّارَةُ يَمينٍ». رَواهُ الترمذيُّ، وحَسَّنَهُ.

4 - الرابعُ: نَذْرُ اللَّجاجِ والغَضَبِ. وهو النَّذْرُ الَّذي يَمْنَعُ النَّاذِرُ فيهِ نَفْسَهُ من فِعْلِ شَيْءٍ أو يَحْمِلُها عليه، فَهو أَشْبَهُ باليَمينِ، كقولهِ: إِنْ كَلَّمْتُ فُلانًا فَعَلَيَّ حَجٌّ، أو فَعَلَيَّ صَوْمُ سَنَةٍ.

فَفي هذه الحالَةِ يُخَيَّرُ العَبْدُ بينَ التِزامِ ما نَذَرَهُ أو كَفَّارَةِ يَمينٍ؛ لِحديثِ عِمْرانَ بْنِ حُصَيْنٍ رضي الله عنه قال: سَمِعْتُ رسولَ اﷲِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: «لا نَذْرَ في غَضَبٍ، وكَفَّارَتُهُ كَفَّارَةُ يَمينٍ». رَواهُ النَّسائيُّ، وإِسْنادُهُ ضَعيفٌ.

5 - الخامسُ: النَّذْرُ المُباحُ. كما لَوْ نَذَرَ أَنْ يَلْبَسَ ثَوْبَهُ أو يَرْكَبَ سَيَّارَتَهُ، فَهَذا يُخَيَّرُ بينَ فِعْلِهِ أو أَنْ يكَفِّرَ كَفَّارَة يَمينٍ إِنْ لَمْ يَفْعَلْهُ؛ لِقولِهِ صلى الله عليه وسلم: «كَفَّارَةُ النَّذْرِ كَفَّارَةُ يَمينٍ». أخرجهُ مسلمٌ.

ثم اعْلَمْ أَنَّ النَّذْرَ عِبادَةٌ، لا يَجُوزُ صَرْفُها لِغَيْرِ اﷲِ تعالى، فَمَنْ نَذَرَ لِغَيْرِ اﷲِ فقد أَشْرَكَ.

واعْلَمْ أَنَّ مَنْ نَذَرَ لِمَخْلُوقٍ لَمْ يَنْعَقِدْ نَذْرُهُ، ولا وفاءَ عليه، بَلْ ولا يَجُوزُ الوَفاءُ به بِاتِّفاقِ العُلَماءِ.

لَوْ قال: أُعاهِدُ اﷲَ، أو عاهَدْتُ اﷲَ أَنْ أَفْعَلَ كَذا:

فَيُفَرَّقُ بينَ ما إِذا كانَ العَهْدُ على طاعَةٍ، فَيكونُ نَذْرًا، ويَجِبُ الوَفاءُ بِهِ.

أو كانَ العَهْدُ على مُباحٍ فَيكونُ يَمينًا، ويُخَيَّرُ بينَ الوَفاءِ أو كَفَّارَةِ اليَمينِ.

قالَ شَيْخُ الإِسْلامِ: «فَإِذا قال: أُعاهِدُ اﷲَ أَنِّي أَحُجُّ العامَ فَهو عَهْدٌ ونَذْرٌ ويَمينٌ، وإِنْ قال: لا أُكَلِّمُ زَيْدًا. فَيَمينٌ وعَهْدٌ لا نَذْرٌ». اهـ.

قالَ تعالى: ﴿وَأَوۡفُواْ بِٱلۡعَهۡدِۖ إِنَّ ٱلۡعَهۡدَ كَانَ مَسۡـُٔولٗا﴾ (الإسراء: 34).

نشاط

اخْتَلَفَ أَهْلُ العِلْمِ في حُكْمِ النَّذْرِ، اذْكُرِ الخِلافَ مُخْتَصَرًا، مُرَجِّحًا ومُسْتَدِلًّا.

اكْتُبْ مُخْتَصَرًا في أَلْفاظِ النَّذْرِ.

ما عَلاقَةُ نَذْرِ اللَّجاجِ والغَضَبِ باليَمينِ؟

ما الأَحْوالُ الَّتي يَجُوزُ أو يَجِبُ على النَّاذِرِ فيها الِانْتِقالُ إلى كَفَّارَةِ يَمينٍ؟

٨ الأطعمة

الوحدة الثامنة: الأطعمة

الأَطْعِمَةُ

تَعْريفُ الأَطْعِمَةِ: جَمْعُ طَعامٍ، وهو ما يَأْكُلُهُ أو يَشْرَبُهُ الإِنْسانُ ويَتَغَذَّى به منَ الأَقْواتِ وغَيْرِها.

والأَصْلُ في جَميعِ المَطْعُوماتِ والمَشْرُوباتِ الطَّيِّبَةِ الحِلُّ، والأَصْلُ في كُلِّ ما هو ضارٌّ أو خَبيثٌ التَّحْريمُ؛ لِقولِهِ تعالى: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ كُلُواْ مِمَّا فِي ٱلۡأَرۡضِ حَلَٰلٗا طَيِّبٗا﴾ (البقرة: 168)؛ وقولِهِ تعالى: ﴿فَكُلُواْ مِمَّا رَزَقَكُمُ ٱللَّهُ حَلَٰلٗا طَيِّبٗا﴾ (النحل: 114).

والنُّصُوصُ الدَّالَّةُ على هَذا الأَصْلِ مُسْتَفيضَةٌ، فَما لَمْ يَأْتِ الدَّليلُ على تَحْريمِهِ منَ الطَّعامِ والشَّرابِ يَبْقَى على أَصْلِ الإِباحَةِ، وقد بَيَّنَ اﷲُ لِعِبادِهِ ما حَرَّمَهُ عليهمْ منَ المَطاعِمِ والمَشارِبِ؛ قال تعالى: ﴿وَقَدۡ فَصَّلَ لَكُم مَّا حَرَّمَ عَلَيۡكُمۡ إِلَّا مَا ٱضۡطُرِرۡتُمۡ إِلَيۡهِۗ﴾ (الأنعام: 119).

أَقْسامُ الطَّعامِ

طَعامٌ نَباتيٌّ

طَعامٌ حَيَوانيٌّ

حَيَواناتٌ مائيَّةٌ

حَيَواناتٌ بَرِّيَّةٌ

أنواعُ الطَّعامِ:

يَنْقَسِمُ الطَّعامُ إلى قسمينِ: نَباتيٌّ وحَيَوانيٌّ.

1 - أَوَّلًا: الطَّعامُ النَّباتيُّ: هو كُلُّ ما يَنْبُتُ في الأَرْضِ من أَشْجارٍ وأَعْشابٍ وحُبُوبٍ وغَيْرِها.

والأَصْلُ أنَّه مُباحٌ كُلُّهُ؛ لِقولِهِ تعالى: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ كُلُواْ مِمَّا فِي ٱلۡأَرۡضِ حَلَٰلٗا طَيِّبٗا﴾ (البقرة: 168).

وَلا يَحْرُمُ منهُ إِلَّا الآتي:

ما في أَكْلِهِ ضَرَرٌ بالبَدَنِ، كالسُّمِّ؛ لِقولِهِ تعالى: ﴿وَلَا تُلۡقُواْ بِأَيۡدِيكُمۡ إِلَى ٱلتَّهۡلُكَةِ﴾ (البقرة: 195).

ما كانَ ضارًّا بالعَقْلِ، كالخَمْرِ والمُخَدِّراتِ؛ لِقولِهِ صلى الله عليه وسلم: «كُلُّ مُسْكِرٍ خَمْرٌ، وكُلُّ مُسْكِرٍ حَرامٌ». أخرجهُ مسلمٌ.

2 - ثانيًا: الطَّعامُ الحَيَوانيُّ: وهو على نَوْعَيْنِ:

الأولُ: حَيَواناتٌ مائيَّةٌ: وهيَ الَّتي تَعيشُ في الماءِ كالبِحارِ والأَنْهارِ والبُحَيْراتِ... إلخ، والأَصْلُ أَنَّها مُباحَةٌ كُلُّها؛ لِقولِهِ تعالى: ﴿وَمَا يَسۡتَوِي ٱلۡبَحۡرَانِ هَٰذَا عَذۡبٌ فُرَاتٌ سَآئِغٌ شَرَابُهُۥ وَهَٰذَا مِلۡحٌ أُجَاجٌۖ وَمِن كُلّٖ تَأۡكُلُونَ لَحۡمٗا طَرِيّٗا﴾ (فاطر: 12)؛ وقَولِهِ تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمۡ صَيۡدُ ٱلۡبَحۡرِ وَطَعَامُهُۥ مَتَٰعٗا لَّكُمۡ﴾ (المائدة: 96)؛ وقولِهِ صلى الله عليه وسلم لَمَّا سُئِلَ عَنِ البَحْرِ: «هو الطَّهُورُ ماؤُهُ، الحِلُّ مَيْتَتُهُ». أخرجهُ أحمدُ وأبوداود والترمذيُّ وصحَّحَهُ، والنَّسائيُّ وابنُ ماجَه.

وَلا يَحْرُمُ منْها إِلَّا ما فيهِ ضَرَرٌ؛ لِقولِهِ تعالى: ﴿وَلَا تُلۡقُواْ بِأَيۡدِيكُمۡ إِلَى ٱلتَّهۡلُكَةِ﴾ (البقرة: 195).

الثاني: حَيَواناتٌ بَرِّيَّةٌ: وهيَ الَّتي تَعيشُ في البَرِّ، والأَصْلُ أَنَّها مُباحَةٌ كُلُّها؛ لِقولِهِ تعالى: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ كُلُواْ مِمَّا فِي ٱلۡأَرۡضِ حَلَٰلٗا طَيِّبٗا﴾ (البقرة: 168)، إِلَّا ما ورَدَ الشَّرعُ بتَحريمِهِ، وفْقَ الضَّوابِطِ الآتيَةِ:

1- أَوَّلًا: ما نَصَّ الشَّارِعُ على تَحْريمِهِ بِعَيْنِهِ. كالخِنْزيرِ؛ لِقولِهِ تعالى: ﴿حُرِّمَتۡ عَلَيۡكُمُ ٱلۡمَيۡتَةُ وَٱلدَّمُ وَلَحۡمُ ٱلۡخِنزِيرِ﴾ (المائدة: 3).

وَكالحُمُرِ الأَهْليَّةِ؛ لِأَنَّ رسولَ اﷲِ صلى الله عليه وسلم «نَهَى يَوْمَ خَيْبَرَ عن لُحُومِ الحُمُرِ الأَهْليَّةِ». متفق عليه.

2 - ثانيًا: ما وضَعَ لَهُ ضابِطًا، كالَّذي لَهُ نابٌ منَ السِّباعِ، ومِخْلَبٌ منَ الطَّيْرِ. لِنَهْيِ رسولِ اﷲِ صلى الله عليه وسلم عن كُلِّ ذي نابٍ منَ السِّباعِ، وعن كُلِّ ذي مِخْلَبٍ منَ الطَّيْرِ. أخرجهُ مسلمٌ.

والمُرادُ مِخْلَبٌ يَصْطادُ بِهِ، ونابٌ يَصْطادُ بِهِ، حَتَّى يتحقَّقَ مَعْنى الافْتراسِ.

3 - ثالِثًا: ما أَمرَ الشَّارِعُ بِقَتْلِهِ. كقولهِ صلى الله عليه وسلم: «خَمْسٌ فَواسِقُ، يُقْتَلْنَ في الحَرَمِ: الفَأْرَةُ، والعَقْرَبُ، والحُدَيَّا، والغُرابُ، والكَلْبُ العَقُورُ». متفق عليه.

أو نَهَى عن قَتْلِهِ. كما صحَّ عنه صلى الله عليه وسلم أنَّه «نَهَى عن قَتْلِ أَرْبَعٍ منَ الدَّوابِّ: النَّمْلَةُ، والنَّحْلَةُ، والهُدْهُدُ، والصُّرَدُ». أخرجهُ أحمدُ وأبوداود وابنُ ماجَه، وصحَّحَهُ الأَلبانيُّ.

أَكْلُ الحَيَّاتِ: الحَيَّاتُ منَ المُحَرَّماتِ؛ لِما فيها منَ السُّمِّ، الَّذي قد يُلْحِقُ الضَّرَرَ بِآكِلِها؛ ولِأَنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم أَمرَ بِقَتْلِها، ولَو كانت مِمَّا يَحِلُّ أَكْلُهُ لَما أَمرَ بِقَتْلِها، وأَهْدَرَها دونَ الانتِفاعِ بها.

القُنْفُذُ حَلالٌ؛ لِقولِهِ تعالى: ﴿قُل لَّآ أَجِدُ فِي مَآ أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَىٰ طَاعِمٖ يَطۡعَمُهُۥٓ إِلَّآ أَن يَكُونَ مَيۡتَةً أَوۡ دَمٗا مَّسۡفُوحًا أَوۡ لَحۡمَ خِنزِيرٍ فَإِنَّهُۥ رِجۡسٌ أَوۡ فِسۡقًا أُهِلَّ لِغَيۡرِ ٱللَّهِ بِهِۦۚ﴾ (الأنعام: 145) فالأَصْلُ الجَوازُ حَتَّى يَثْبُتَ خِلافُهُ.

نص الصورة: الصُّرَد

4 - رابِعًا: ما تَوَلَّدَ مِمَّا يَحِلُّ أَكْلُهُ ومِمَّا يَحْرُمُ أَكْلُهُ. كالبَغْلِ فقد حَرَّمَ رسولُ اﷲِ صلى الله عليه وسلم لُحُومَ البِغالِ كما عند أحمدَ والترمذيِّ، بسند صحيح.

5 - خامِسًا: ما يَتَغَذَّى على الجيَفِ والنَّجاساتِ. كالنَّسْرِ والغُرابِ والجَلَّالَةِ.

فقد «نَهَى رسولُ اﷲِ صلى الله عليه وسلم عن أَكْلِ الجَلَّالَةِ وأَلْبانِها». أخرجهُ أبوداود والترمذيُّ وابنُ ماجَه، وصحَّحَهُ الأَلبانيُّ.

والجَلَّالَةُ: هيَ الَّتي تَأْكُلُ العَذِرَةَ والفَضَلاتِ، وتَتَغَذَّى على النَّجاساتِ والقَذاراتِ؛ حَتَّى يَتَغَيَّرَ ريحُها.

وَتكون منَ الإِبِلِ والبَقَرِ والغَنَمِ والدَّجاجِ وغَيْرِهِ.

ويَحْرُمُ لَحْمُها ولَبَنُها وبَيْضُها وكُلُّ ما يَتَوَلَّدُ عَنْها؛ حَتَّى تُحْبَسَ وتُعْلَفَ بالطَّاهِراتِ.

لَحْمُ الخَيْلِ: حَلالٌ؛ اسْتِصْحابًا للأَصْلِ، وهو الحِلُّ حِتَّى يَأْتيَ دَليلٌ على المَنْعِ؛ ولِما في الصَّحيحَيْنِ من حديثِ أَسْماءَ رضي الله عنها قالَتْ: «نَحَرْنا على عَهْدِ رسولِ اﷲِ صلى الله عليه وسلم فَرَسًا فَأَكَلْناهُ».

الضِّفدَعُ: يَحْرُمُ أَكْلُ الضِّفْدَعِ؛ لِنَهْيِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم عن قَتْلِها، ولا سَبيلَ لِأَكْلِها إِلَّا بَقَتْلِها، كما أَنَّها مُسْتَخْبَثَةٌ جِدًّا؛ فإنَّها تَتَغَذَّى غالِبًا على الحَشَراتِ، كالذُّبابِ والنَّمْلِ والجَرادِ والعَناكِبِ والعَقارِبِ والخَنافِسِ والصَّراصيرِ، وكَذَلِكَ الدِّيدانُ.

الضَّبُّ: الضَّبُّ حَلالٌ عندَ جُمْهُورِ العُلَماءِ؛ لِما رَواهُ البُخاريُّ عن خالِدِ بْنِ الوَليدِ رضي الله عنه قال: أُتيَ النبيُّ صلى الله عليه وسلم بِضَبٍّ مَشْويٍّ، فَأَهْوَى إليهِ ليَأْكُلَ، فَقيلَ لَهُ: إِنَّهُ ضَبٌّ، فَأَمْسَكَ يَدَهُ، فَقالَ خالِدٌ: أَحَرامٌ هُوَ؟ قال: «لا، ولَكِنَّهُ لا يكونُ بِأَرْضِ قَوْمي، فَأَجِدُني أَعافُهُ»، فَأَكَلَ خالِدٌ ورسولُ اﷲِ صلى الله عليه وسلم يَنْظُرُ.

وَمنَ المُحَرَّماتِ:

المُنْخَنِقَةُ: وهيَ الَّتي تُخْنَقُ فَتَمُوتُ، إِمَّا قَصْدًا أو بِغَيْرِ قَصْدٍ.

المَوْقُوذَةُ: وهيَ الَّتي تُضْرَبُ بِعَصًا أو شَيْءٍ ثَقيلٍ، فَتَمُوتُ.

والمُتَرَدِّيَةُ: وهيَ الَّتي تَتَرَدَّى من مَكانٍ عالٍ، فَتَمُوتُ.

النَّطيحَةُ: وهيَ الَّتي تَنْطَحُها أُخْرَى، فَتَقْتُلُها.

ما أَكَلَ السَّبُعُ: وهيَ الَّتي يَعْدُو عَلَيْها حَيَوانٌ مُفْتَرِسٌ، فَيَأْكُلُ بَعْضَها، فَتَمُوتُ بِسَبَبِ ذَلِكَ.

فَما أُدْرِكَ من هذه الخَمْسَةِ وبه حَياةٌ، فَذُكِّيَ، فإنَّهُ حَلالُ الأَكْلِ؛ لِقولِهِ تعالى في آيَةِ التَّحْريمِ: ﴿إِلَّا مَا ذَكَّيۡتُمۡ﴾ (المائدة: 3).

مَنِ اضْطُرَّ إلى مُحَرَّمٍ بِأَنْ خافَ الضَّرَرَ الشَّديدَ إِنْ لَمْ يَأْكُلْهُ؛ حَلَّ لَهُ منهُ ما يَدْفَعُ الضَّرُورَةَ فَقَطْ؛ لِقولِهِ تعالى: ﴿قُل لَّآ أَجِدُ فِي مَآ أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَىٰ طَاعِمٖ يَطۡعَمُهُۥٓ إِلَّآ أَن يَكُونَ مَيۡتَةً أَوۡ دَمٗا مَّسۡفُوحًا أَوۡ لَحۡمَ خِنزِيرٖ فَإِنَّهُۥ رِجۡسٌ أَوۡ فِسۡقًا أُهِلَّ لِغَيۡرِ ٱللَّهِ بِهِۦۚ فَمَنِ ٱضۡطُرَّ غَيۡرَ بَاغٖ وَلَا عَادٖ فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ (الأنعام: 145).

نشاط

1 - ما الأَصْلُ في الأَطْعِمَةِ والأَشْرِبَةِ، مع ذِكْرِ الدَّليلِ؟

2 - اذْكُرْ باختصارٍ ضَوابِطَ التَّحْريمِ في أَكْلِ الحَيَوانِ.

3 - ذَكَرَ أَهْلُ العِلْمِ حِكْمَةً في تَحْريمِ ما يَفْتَرِسُ منَ الطُّيُورِ والحَيَوانِ، اذْكُرْها مُسْتَعينًا بِمَصادِرَ خارِجيَّةٍ.

4 - ما وجْهُ تَحْريمِ أَكْلِ ما أَمرَ الشَّارِعُ بِقَتْلِهِ، أو نَهَى الشَّارِعُ عن قَتْلِهِ؟

5 - حَرَّمَ اﷲُ في كتابه العَزيزِ: المُنْخَنِقَةَ والمَوْقُوذَةَ والمُتَرَدِّيَةَ والنَّطيحَةَ وما أَكَلَ السَّبُعُ، ما وجْهُ تَحْريمِ هذه الأشياءِ؟

المصادر

الشَّرحُ الممْتِعُ على زادِ المسْتَقْنِع، للشَّيخِ محمَّد صالح العُثَيمين.

الفِقْهُ الميسَّرُ، لمجموعةٍ منَ العُلماءِ بِإشْرافِ الشَّيخِ صالح آل الشَّيخِ.

مُختَصَرُ الفِقْهِ الإِسْلاميِّ، لمحمَّدِ بنِ إبْراهيمَ التُّوَيْجِريّ.

رسالةٌ في الفِقهِ الميَسَّرِ، للشَّيخِ صالِح السَّدْلان.

فتاوَى الشَّيخين ابنِ بازٍ وابنِ عثَيْمينَ رَحِمهُما الله.

قَراراتُ مجْمعِ الفِقهِ الإِسْلاميِّ.

فتاوَى اللَّجْنَةِ الدَّائمَةِ في الممْلكَةِ العربيَّةِ السعوديَّةِ.

فقهُ البيعِ والاسْتيثاقِ، والتَّطبيقُ المعاصِرُ د. علي السَّالوس.

فقهُ المعامَلاتِ الماليَّةِ المعاصِرة د. سعْد بن تُرْكي الخَثْلان.

المعاملاتُ الماليَّةُ المعاصِرَةُ في الفِقْهِ الإسْلاميِّ د. مُحمَّد عُثْمان شبير.

البِطاقاتُ البنكيَّةُ الإِقْراضيَّة، دِراسةٌ فِقْهيَّةٌ قانونيَّةٌ اقتصاديَّةٌ، د. عَبد الوهَّاب إبْراهيم أبوسليمان.

مَوْسوعَةُ القَضايا الفِقْهيَّةِ المعاصرَةِ والاقتِصادِ الإسْلاميِّ د. علي السَّالوس.

والله وليُّ التوفيق

فهرس المحاضرات

رقم المحاضرة

بداية المحاضرة

رقم الصفحة التي تبدأ منها المحاضرة

أسبوع إلقاء المحاضرة

البيع

الأسبوع الأول

حكم البيع

الأسبوع الأول

الرابع: أن يكون المبيع مملوكًا للبائع

الأسبوع الأول

بيع العينة

الأسبوع الثاني

الخيار في البيع

الأسبوع الثاني

الإقالة في البيع

الأسبوع الثاني

الإجارة

الأسبوع الثالث

شروط عقد الإجارة

الأسبوع الثالث

النوع الثاني: إجارة أشخاص

الأسبوع الثالث

الأصول التي يدور عليها التحريم في باب المعاملات

الأسبوع الرابع

الحكمة في تحريم الربا

الأسبوع الرابع

أقسام الربا

الأسبوع الرابع

النوع الثاني: ربا البيوع

الأسبوع الخامس

لفهم مسائل ربا البيوع، لا بد من فهم أمرين

الأسبوع الخامس

القسم الثاني: ربا النسيئة

الأسبوع الخامس

الصرف

الأسبوع السادس

الثاني: الغش

الأسبوع السادس

الثالث: الغرر

الأسبوع السادس

بعض النوازل المالَّية المعاصرة (بيع الأسهم)

الأسبوع السابع

بطاقات الائتمان

الأسبوع السابع

الإجارة المنتهية بالتمليك

الأسبوع السابع

التأمين

الأسبوع الثامن

المسابقات والقمار المعاصر (حكم المسابقات(

الأسبوع الثامن

فقه الأسرة (النكاح(

الأسبوع الثامن

عقد النكاح

الأسبوع التاسع

الأحق بالولاية

الأسبوع التاسع

المحرمات في النكاح

الأسبوع التاسع

النكاح المنهي عنه

الأسبوع العاشر

الطلاق

الأسبوع العاشر

صيغة الطلاق

الأسبوع العاشر

أقسام الطلاق باعتبار موافقته للشرع

الأسبوع الحادي عشر

الأيمان والنذور

الأسبوع الحادي عشر

كفارة اليمين

الأسبوع الحادي عشر

النذور

الأسبوع الثاني عشر

الأطعمة

الأسبوع الثاني عشر

رابعًا: ما تولد مما يحل أكله ومما يحرم أكله

الأسبوع الثاني عشر

فهرس المحتويات

البَيْع

الفَرْقُ بيْنَ محَلِّ العقْدِ ومجْلِسِ العَقْد

حُكْمُ بيْعِ المَلابِسِ الدَّاخلِّيَّةِ أوِ العارِيَةِ

البُيُوعُ المَنْهِيُّ عنْهَا

الْخِيَارُ فِي الْبَيْعِ

بَيْعُ التَّقْسِيطِ

الإِجَارَة

الفَرْق بَيْن عَقْد البَيْع وَعَقْد الإِجارَة

الْفَرْقُ بَيْنَ الْأَجِيرِ الْخَاصِّ وَالْأَجِيرِ الْمُشْتَرَكِ

الْأُصُولُ الَّتِي يَدُورُ عَلَيْهَا التَّحْرِيمُ فِي بَابِ الْمُعَامَلَاتِ

الرِّبا

كَلَامُ الْغَرْبِ فِي تَحْرِيمِ الرِّبَا، وَالْأَخْذِ بِالنِّظَامِ الْإِسْلَامِيِّ الْمَالِيِّ

الْفَوَائِدُ الْبَنْكِيَّةُ عَلَى الْوَدَائِعِ الْجَارِيَةِ

أَخْطاءٌ شائعةٌ في بَيعِ وشِراءِ الذَّهبِ أوِ الفِضَّةِ

شِراءُ الرِّبويِّ ببِطاقةِ الصَّرَّافِ

الصَّرْف

بيعُ العُمْلاتِ في الفُورِكسِ ونَحوِه

الْغِشُّ

الْغَرَرُ

من صور الغَرَرِ فِي الْعَصْرِ الْحَدِيثِ

بَعْضُ النَّوَازِلِ الْمَالِيَّةِ الْمُعَاصِرَةِ

الْفَرْقُ بَيْنَ السَّهْمِ وَالسَّنَدِ

بِطَاقَاتُ الِائْتِمَانِ

الْإِجَارَةُ الْمُنْتَهِيَةُ بِالتَّمْلِيكِ

التَّأْمِينُ

الفَرْقُ بينَ التَّأمينِ التَّعاونيِّ والتِّجَاريِّ

المسابقاتُ والقِمارُ المعاصِرُ

أشهر صور القمار المعاصر

فقه الأُسرة

الْأَحَقُّ بِالْوِلَايَةِ

مُنْكَرَاتُ الْأَفْرَاحِ

الْمُحَرَّمَاتُ فِي النِّكَاحِ

النِّكَاحُ الْمَنْهِيُّ عَنْهُ

الطَّلَاق

الْحَلِفُ بِالطَّلَاقِ

الْفَرْقُ بَيْنَ الْبَيْنُونَةِ الصُّغْرَى وَالْكُبْرَى

الأَيْمَانُ وَالنُّذُورُ

وَقْتُ كَفَّارَةِ الْيَمِينِ

الْحَلِفُ بِغَيْرِ اللهِ تَعَالَى

النُّذُور

الْأَطْعِمَةُ

مِنَ الْمُحَرَّمَاتِ