مجموعة زاد الحديث(3)

مجموعة زاد الحديث(3)

هذا الكتاب تم إعداده من قبل قسم المحتوى التعليمي بقناة زاد العلمية لصالح برنامج أكاديمية زاد مع مؤسسة International Islamic Academy Online Inc و ذلك بهدف تقريب العلم الشرعي للراغبين فيه عن طريق الإنترنت و عن طريقِ قناةٍ تلفزيونية خاصة سعيا لتحقيق المقصد الأساس الذي هو نشر و ترسيخ العلم الشرعي الرصين، المبني على أسسٍ علميةٍ صحيحةٍ، وفقَ معتقدٍ سليمٍ، قائمٍ على كتاب الله و سنةِ رسوله - صلى الله عليه وسلم - بشكلٍ عصري ميسرٍ. ويحتوي هذا الكتاب على نخبةٍ من أهم الأحاديث النبوية، التي تمثل أصول الشريعة، وأصول الأخلاق والآداب والمعاملات، مستقاةً من أهم كتب شروح الحديث والعقيدة والآداب الشرعية، مع شروحها، وذكر أهم فوائدها ولطائفها في شتى المجالات.

Language: English
Prepared by:
Version: 1.0
Translations 1
Portuguese
Attachments 7
PDF
Audio
Video
+3

الحديث (3)

سلسلة زاد العلمية:

سلسلة متكاملة تهدف إلى تقريب العلم الشرعي للراغبين فيه، وتوعية المسلم بما لا يسعه جهله من دينه، ونشرُ العلم الشرعي الرصين، القائم على كتابِ اللهِ وسنّةِ رسوله ﷺ، صافيًا نقيًّا، وبطرحٍ عصريٍّ مُيسّرٍ، وبإخراجٍ احترافيِّ.

كتاب الحديث (3):

يحتوي هذا الكتاب على نخبةٍ من أهم الأحاديث النبوية، التي تمثل أصول الشريعة، وأصول الأخلاق والآداب والمعاملات، مستقاةً من أهم كتب شروح الحديث والعقيدة والآداب الشرعية، مع شروحها، وذكر أهم فوائدها ولطائفها في شتى المجالات.

الحديث (3)

إعداد مجموعة زاد

الإصدار الأول

جميع الحقوق محفوظة. ولا يسمح بإعادة إصدار هذا الكتاب أو نقله في أي شكل أو واسطة، سواء أكانت إلكترونية أو ميكانيكيـــة، بما في ذلك التصوير بالنسخ (فوتوكوبي)، أو التسجيل، أو التخزين والاسترجاع، دون إذن خطي من الناشر.

كلمة الناشر

الحمد ﷲ رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد.

فإن العلم الشرعي من أهم الضرورات التي يحتاجها المسلمُ في حياته، وتحتاجُها الأمةُ كلُّها في مَسيرتِها الحضاريةِ؛ لذا جاءت النصوص الشرعية في الإعلاء من شأنه وشأنِ حامِليه، قال تعالى: ﴿شَهِدَ ٱللَّهُ أَنَّهُۥ لَآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ وَٱلۡمَلَٰٓئِكَةُ وَأُوْلُواْ ٱلۡعِلۡمِ قَآئِمَۢا بِٱلۡقِسۡطِۚ لَآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ ٱلۡعَزِيزُ ٱلۡحَكِيمُ﴾ (آل عمران: ١٨) قال الشوكاني رحمه الله: «المرادُ بأولي العلمِ هنا علماءُ الكتابِ والسُّنةِ»، وقال تعالى: ﴿وَقُل رَّبِّ زِدۡنِي عِلۡمًا﴾ (طه: ١١٤)، وفي الحديث: «من سلك طريقًا يلتمس فيه علمًا سهل الله له به طريقًا إلى الجنة» رواه مسلم.

وتأتي هذه السلسلة العلمية خدمة للمجتمع، بهدف إيصال العلم الشرعي إلى الناسِ بشتّى الطُّرُقِ، وتيسير سبلهِ، وتقريبه للراغبين فيه، ونرجو أن تكون رافدة ومعينة للبرامج العلمية والقراءة الذاتية وعونًا لمن يبتغي التزود من العلم والثقافة الشرعية، سعيًا لتحقيق المقصد الأساسِ الذي هو نشرُ وترسيخُ العلمِ الشرعي الرصينِ، المبني على أسسٍ علميةٍ صحيحةٍ، وفقَ معتقدٍ سليمٍ، قائمٍ على كتابِ الله وسنةِ رسوله ﷺ، ‬بشكلٍ عصريٍّ ميسَّرٍ، فنسأل الله تعالى للجميع العلم النافع والعمل الصالح والتوفيق والسداد والإخلاص.‬

المحتويات

حديث: الحلال بيّن.

حديث: ما نهيتكم عنه.

حديث: احفظ الله يحفظك.

حديث: اتق الله حيثما كنت.

حديث: قل آمنت بالله ثم استقم.

حديث: إن الله كتب الحسنات والسيئات.

حديث: من يستعفف يعفه الله.

حديث: أنبئيني عن خُلق رسول الله

حديث: لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر

حديث: إذا لم تستح فاصنع ماشئت

حديث: من كان يؤمن بالله واليوم الآخر

حديث: أتدرون ما الغيبة؟

حديث: المؤمن للمؤمن كالبنيان

حديث: هل تُنصرون وترزقون إلا بضعفائكم

حديث: انظروا إلى من أسفل منكم

حديث: لا حسد إلا في اثنتين

حديث: لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه

حديث: تلك عاجل بشرى المؤمن

حديث: سددوا وقاربوا

حديث: لا يلدغ المؤمن من جحر مرتين

الحديث الأول

الحديث الأول: «إن الحلال بيّن...»

عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ رضي الله عنه قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ الله ﷺ، يَقُولُ - وَأَهْوَى النُّعْمَانُ بِإِصْبَعَيْهِ إِلَى أُذُنَيْهِ -: «إِنَّ الْحَلَالَ بَيِّنٌ، وَإِنَّ الْحَرَامَ بَيِّنٌ، وَبَيْنَهُمَا مُشْتَبِهَاتٌ لَا يَعْلَمُهُنَّ كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ، فَمَنِ اتَّقَى الشُّبُهَاتِ اسْتَبْرَأَ لِدِينِهِ وَعِرْضِهِ، وَمَنْ وَقَعَ فِي الشُّبُهَاتِ وَقَعَ فِي الْحَرَامِ، كَالرَّاعِي يَرْعَى حَوْلَ الْحِمَى، يُوشِكُ أَنْ يَرْتَعَ فِيهِ، أَلَا وَإِنَّ لِكُلِّ مَلِكٍ حِمًى، أَلَا وَإِنَّ حِمَى الله مَحَارِمُهُ، أَلَا وَإِنَّ فِي الْجَسَدِ مُضْغَةً، إِذَا صَلَحَتْ صَلَحَ الْجَسَدُ كُلُّهُ، وَإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الْجَسَدُ كُلُّهُ، أَلَا وَهِيَ الْقَلْبُ» متفق عليه.

راوي الحديث

النعمانُ بنُ بشيرٍ، أبو عبد الله، الخزرجيُّ، الأنصاريُّ، من أَجِلاء الصَّحابةِ رضي الله عنهم، من أهلِ المدينةِ، وهو أولُ مولودٍ وُلِدَ في الأنصارِ بَعْد الهِجْرةِ، روى عن النبيِّ ﷺ، وعن خالِه عبدِ اللهِ بنِ رواحةَ وعُمَرَ وعائشةَ رضي الله عنهم، ولي القضاءَ بدمشق، وتوفي سنة 65 هـ.

شرح المفردات

(وَأَهْوَى النُّعْمَانُ بِإِصْبَعَيْهِ إِلَى أُذُنَيْهِ) أي: مدَّهما إليهما ليأخُذَهما؛ إشارةً إلى تيقُّنه من السماع .

(فَمَنِ اتَّقَى الشُّبُهَات اسْتَبْرَأَ لِدِينِهِ وَعِرْضِهِ) بيَّن النبيُّ ﷺ أن متَّقِي الشُّبهات قد برَأَ دينُهُ من النقـصِ؛ لأن من اجتنب الأمورَ المشتبهاتِ سيجتنبُ الحرامَ من بابِ أولى، وفي رواية للبخاري: «فمن ترَكَ ما شُبِّهَ عليه من الإِثْمِ، كان لما اسْتَبَانَ أتْركَ»، وصان عرضَهُ عن كلامِ الناسِ فيه.

(كَالرَّاعِي يَرْعَى حَوْلَ الْحِمَى، يُوشِكُ أَنْ يَرْتَعَ فِيهِ) الحمى: هي الأرض التي يُمنع الناس من الرعي والصيد فيها.

أي: كالرَّاعي الذي يرْعَى دوابَّهُ حَوْلَ الأرْضِ المحمِيَّةِ، الخَضْراءِ كثيرةِ العُشْبِ، يوشِكُ أن ترْعَى فيها، وكذا المسْلِمُ يجبُ أنْ يبتَعِدَ عن الشُّبُهاتِ التي هي حمى المحرمات التي أُمِرنا باجتنابِها، فإن اقْترَبَ منها أوشكَ أن يقَعَ فيها.

(أَلَا وَإِنَّ لِكُلِّ مَلِكٍ حِمًى، أَلَا وَإِنَّ حِمَى الله مَحَارِمُهُ) فالله سبحانه وتعالى هو الملِكُ حقًّا، وقد حَمَى الشَّرِيعةَ بسِيَاجٍ مُحْكَمٍ مَتينٍ، فحرَّمَ على النَّاسِ كلَّ ما يَضُرُّهُم في دِينِهِم ودُنيَاهُم.

(أَلَا وَإِنَّ فِي الْجَسَدِ مُضْغَةً) وهي القِطْعةُ من اللحْمِ.

سمِّيَ القلبُ بذلك لسُرْعةِ تقلُّبِهِ؛ لذلك كان أكثر دعاءِ النبيِّ ﷺ: «يا مقلبَ القلوب ثبِّتْ قلبي على دينك» أخرجه أحمد والترمذي، وصححه الألباني.

الشرح الإجمالي للحديث

اشتملَ هذا الحديثُ على قضيَّتينِ أساسيَّتينِ، هما: تصْحيحُ العَمَلِ، وَسَلامةُ القَلْبِ.

وهاتان القضيّتان من الأهمِيَّةِ بمكانٍ؛ فإصْلاحُ الظَّاهرِ والباطنِ يكونُ له أكبرُ الأثرِ في استقامةِ حَياةِ النَّاسِ وفقَ منهجِ الله القويمِ.

وقد اتفق العلماءُ على جَلالةِ هذا الحديثِ وكثرةِ فوائدِهِ، وأنه أحَدُ الأحادِيثِ التي عليها مَدَارُ الإسْلامِ.

هذا الحديثُ أصلٌ لقاعدةٍ شرعيةٍ مُهمَّة، وهي: وجوبُ سدِّ الذرائعِ إلى المحرَّماتِ، وإغلاق كلِّ بابٍ يوصلُ إليها، فتحرُمُ مُصَافَحَةُ النِّساءِ والخُلوةُ بالأجْنبيَّةِ؛ لأنه طَريقٌ مُوصِلٌ إلى الزِّنا، ومِثلُ ذلك أيْضًا: حُرْمَةُ قَبُولِ الموظَّفِ لهَدَايا العُمَلاءِ؛ سدًّا لذَريعَةِ الرَّشْوةِ.

فوائد الحديث

1- أن الأشياءَ مِن حيث الحلُّ والحرمةُ تنقسِمُ إلى ثلاثةِ أقْسامٍ:

أ- حلالٌ بيِّنٌ.

ب- حرامٌ بيِّن.

ج- أمورٌ مشتبهةٌ

وهذا القِسْمُ قد اكتسَبَ الشَّبَهَ من الحلالِ والحَرَامِ، فتنازَعَهُ الطَّرفانِ؛ ولذلك خَفِيَ أمرُهُ على كثيرٍ من الناسِ، والتبسَ عليهم حُكمُهُ.

2- وجودُ هذه المشتبـهاتِ لا ينـافي ما تقرَّرَ في النُّصُوصِ من وُضُوحِ الدِّينِ، كقول الله عزوجل: ﴿وَنَزَّلۡنَا عَلَيۡكَ ٱلۡكِتَٰبَ تِبۡيَٰنًا لِّكُلِّ شَيۡءٍ﴾ (النحل: 89)، وقوله: ﴿ يُبَيِّنُ ٱللَّهُ لَكُمۡ أَن تَضِلُّواْۗ وَٱللَّهُ بِكُلِّ شَيۡءٍ عَلِيمُۢ﴾ (النساء: 176).

كما قال ﷺ: «تركتُكُم على البَيْضاءِ، ليلُها كنهارِهَا، لا يزيغُ عنها بعدي إلا هَالكٌ» رواه أحمد و ابن ماجه، وصححه الألباني، وذلك لأن الاشتباه ليس من ناحية النص ولكن من ناحية من ينظر في النص.

3- أن تلك المشْتَبِهاتِ واضحةٌ عند بعض العلماء، وخافيةٌ على غيرِهِم؛ لذا أمر الله تعالى بسُؤالِ أهْلِ الذِّكرِ والعلمِ، فقال تعالى: ﴿فَسۡـَٔلُوٓاْ أَهۡلَ ٱلذِّكۡرِ إِن كُنتُمۡ لَا تَعۡلَمُونَ﴾ (النحل: 43)؛ لأنَّ خفاء الحُكم لا يمكن أن يعمَّ جميعَ الناسِ.

4- أن المسْلمَ في حالِ اشْتباهِ الأُمُورِ يسْلكُ جانبَ الوَرَعِ، ويَرُدُّ الأمرَ لمن يثقُ في دِينهِ وعلمِهِ وأمانتهِ.

5- الحثُّ على اتقاءِ الشُّبُهاتِ، وهذا مَشْرُوطٌ بما إذا وُجد ما يدلُّ على أنها شُبهة، وإلا كان ذلك وِسْواسًا.

6- أن تبرِئةَ العِرْضِ أمرٌ مطْلوبٌ شَرْعًا، فينبغي على العبْدِ أن يبتعِدَ عن كلِّ ما يدنِّسُ عِرضَهُ، ويعرِّض سمعتَهُ أو أهلَهُ أو ذريتَهُ لمقالةِ السُّوءِ، وفي السُّنة أن النبيَّ ﷺ قال لرجلينِ من الأنصارِ لما رأياه واقفا مع زوجِهِ صفيةَ رضي الله عنها ليلا فأسْرَعَا، فقال لهما: «على رِسْلِكما، إنها صَفيَّةُ» أخرجه البخاري ومسلم.

7- أن المَدَارَ في الصَّلاحِ والفَسَادِ على القلبِ، إذا صلح صلح الجسَدُ كلُّهُ، وإذا فسَدَ فسَدَ الجسد كلُّه، ولا سَبيلَ للفَوْزِ بالجنَّةِ، ونَعِيمِ الدُّنيا والآخِرَةِ، إلا بتعهُّدِ القَلْبِ والاعْتناءِ بصَلاحِهِ، قال تعالى: ﴿يَوۡمَ لَا يَنفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ 88 إِلَّا مَنۡ أَتَى ٱللَّهَ بِقَلۡبٍ سَلِيمٍ 89 ﴾ (الشعراء: 88، 89)، وعليه فيجِبُ العنايةُ بالقَلْبِ أكثرَ من العِنَايةِ بعَمَلِ الجَوَارحِ؛ ولا صَلاحَ للقلوبِ حتى تستقرَّ فيها معْرفةُ الله وعظمتهُ ومحبتهُ وخشيتهُ ورجاؤُهُ، وهذا هو حقيقةُ التوحيدِ، أن يكونَ القلبُ يألَهُ ويتوجَّهُ ويقصدُ الله وحدَه لا شريكَ له، وينصرفُ عمَّا سِواه.

نشاط

1- ماذا تفهمُ من تلك العِبارةِ: «وَأَهْوَى النُّعْمَانُ بِإِصْبَعَيْهِ إِلَى أُذُنَيْهِ»؟ وهل لها نظائرُ في السُّنَّةِ النبويةِ؟

2- أعدَّ بحثًا في الأَحَادِيثِ التي عليها مَدَارُ الإسْلامِ.

3- كيف تجمَعُ بين وُجُودِ مُشْتبهاتٍ في الدِّينِ، وقولهِ تعالى: ﴿وَنَزَّلۡنَا عَلَيۡكَ ٱلۡكِتَٰبَ تِبۡيَٰنًا لِّكُلِّ شَيۡءٍ﴾ (النحل: ٨٩)

4- كيف توظِّفُ هذا الحَدِيثَ في توجِيهِ الناس إلى سُؤَالِ أهْلِ العِلْمِ؟

الحديث الثاني

الحديث الثاني: «ما نهيتكم عنه فاجتنبوه...»

عَنْ أَبِي هُرَيْرَة رضي الله عنه أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ قَالَ: «مَا نَهَيْتُكُمْ عَنْهُ فَاجْتَنِبُوهُ، وَمَا أَمَرْتُكُمْ بِهِ فأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ، فَإِنَّمَا أَهْلَكَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ كَثْرَةُ مَسَائِلِهِمْ، وَاخْتِلَافُهُمْ عَلَى أَنْبِيَائِهِمْ» متفق عليه.

راوي الحديث

أبو هريرة، عبد الرحمن بن صخر الدوسي، راوية الإسلام، لزم النبي ﷺ، فروى عنه أكثر من خمسة آلاف حديث، ولاه أمير المؤمنين عمر رضي الله عنه البحرين، ثم عزله، وولي المدينة سنوات في خلافة بني أمية، توفي عام 59هـ.

شرح المفردات

(مَا نَهَيْتُكُمْ عَنْهُ) النهيُ: طَلَبُ الكَفِّ على وَجْهِ الاسْتعْلاءِ.

(فَاجْتَنِبُوهُ) أي: ابتعدُوا عنه، فكُونوا في جَانبٍ وهو في جانب آخر.

(وما أمرتكم به) الأمر: طلب الفعل على وجه الاستعلاء.

(فأتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ) أي: افعلوا منه ما اسْتطَعْتُم، أي: ما قدِرْتُم عليه.

(الَّذِيْنَ مِنْ قَبْلِكُمْ) يشْمَلُ اليَهُودَ والنَّصَارى وغيرَهُم، والمتبَادَرُ أنَّهم اليَهُودُ والنَّصَارَى.

(مَسَائِلِهِمْ) أي: أسْئلتِهِم.

(وَاخْتِلافُهُمْ عَلَى أَنْبِيَائِهِمْ) أيْ: وأهْلكَهُم عَدَمُ الطَّاعَةِ والانقيادِ لأنبيائهم.

الشرح الإجمالي للحديث

دَلَّ هذا الحديثُ على أن مَن امْتثلَ ما أَمَرَ بهِ النبيُّ ﷺ، وانتَهَى عمَّا نَهَى عنه، وكان مُشْتَغِلًا بذلكِ، سَلِمَ من الهَلاكِ، وحَصَلَ له النَّجاةُ في الدُّنيا والآخَرةِ، ومَن خَالفَ ذلك، واشْتغَلَ بخَوَاطرِهِ وما يسْتَحْسِنُهُ، وَقَعَ فِيمَا حَذَّرَ منه النبيُّ ﷺ من حَالِ أهْلِ الكتابِ، الذين هَلَكُوا بِكَثْرةِ مَسَائلهِم، واخْتلافِهِم على أنبيَائهِم، وعَدَمِ انقيَادِهِم وطاعتِهِم لرُسُلِهِم.

فوائد الحديث

1- بيانُ الفَرْقِ بينَ المنهِياتِ والمأمُوراتِ: أن المنهيَّاتِ قال فيها: «فَاجْتَنِبُوهُ» ولم يقلْ ما استطعتُم؛ ووجهُهُ: أن النَّهْيَ كفٌّ، وكلُّ إنسانٍ يسْتَطِيعُ الكَفَّ، فالكفُّ أهونُ من الفِعْلِ، وأما المأمُوراتُ فإنها إيجَادٌ، قد يسْتطيعُ الشَّخصُ وقد لا يستطيعُ؛ ولهذا قال في الأمرِ: «فأتُوا مِنْهُ مَا استَطَعتُمْ».

فالإنسانُ إذا لم يقْدِرْ على فِعْلِ الواجِبِ كلِّه فليفَعَلْ ما اسْتطاعَ، مثال ذلك أن على المسلم أنْ يُصَليَ الفَريضَةَ قَائمًا، فإذا لم يَسْتَطِعْ صلى جالسًا، وإلا صلى مُتَّكِئًا.

2- أن المنهِيَ عنه يشْمَلُ القليلَ والكَثيرَ؛ لأنه لا يتأتَّى اجْتنابُهُ، إلا باجْتنابِ قَليلِهِ وكثيرِهِ، فمَثَلًا: نُهِينَا عن الرِّبا، فيشْمَلُ قليلَهُ وَكَثيرَهُ، ونُهِينَا عن الخمْرِ فيَشْمَلُ قليلَهُ وكثيرَهُ.

3- للنَّهيِ صِيغةٌ، وهي (لا تفعَلْ)، وينقسم النهي في دَلالةِ النُّصُوصِ الشَّرْعيَّةِ إلى قِسْمَينِ:

الأول: نَهْيُ تحْريمٍ: وهو كلُّ ما نَهَى الشَّرعُ عن فِعْلهِ على سَبيلِ الإلزامِ، كالنَّهْيِ عن شُرْبِ الخَمْرِ والزِّنا والرِّبا والغِيبةِ والنَّميمَةِ. وهذا يُعَاقَبُ المكلَّفُ على فِعْلهِ، ويُثابُ على ترْكِهِ امتثالا للشرع.

الثاني: نَهْيُ كراهَةٍ: وهو كلُّ ما نَهَى الشَّرعُ عن فِعْلهِ على سَبِيلِ التنْزيهِ، كالنَّهيِ عن التَّخَصُّرِ وفرْقَعَةِ الأَصَابعِ وتشْبيكِها في الصَّلاةِ، والنَّهيِ عن الأكلِ مُتَّكِئًا. وهذا لا يُعَاقَبُ على فِعْلهِ، و يُثابُ على تركِهِ امتثالا للشرع.

4- أنه لا يجبُ من فِعْلِ المأْمُورِ إلا ما كان مُسْتطاعًا.

وللأَمْرِ عدة صيغ أشهرها (افْعَلْ)، وينقسم الأمر في دَلالةِ النُّصُوصِ الشَّرعِيَّةِ إلى قِسْمَينِ:

الأولُ: أمرُ إيجابٍ: وهو كلُّ ما أمَرَ به الشَّرعُ على سبيلِ الإلزامِ، كإقامةِ الصَّلاةِ وإيتاءِ الزكاةِ. وَيُثابُ فاعِلُهُ، ويعاقَبُ تارِكُهُ.

الثاني: أمرُ استحبابٍ: وهو كلُّ ما أمَرَ به الشَّرعُ على سَبِيلِ النَّدْبِ، كالإشْهَادِ في البيعِ وصلاة الاستخارة. ويثابُ فاعلُهُ ولا يعاقبُ تاركُهُ.

والأصلُ في الأمْرِ الوُجُوبُ، وفي النهي التحريم إلا إذا دلَّتْ قرينةٌ تصرفُهُما عن ذلك.

5- أنَّ كثْرَةَ أسئلة بني إسرائيل لأنبيائهم كانت سَبَبا في هلاكهم والتشديد عليهم.

ثم اعلمْ أنَّ السُّؤالَ عن أمور الدِّين ضَرْبانِ:

الأولُ: محمودٌ، وهو سؤالُ الشخصِ عمَّا يحتاجه، قال الله تعالى: ﴿فَسۡـَٔلُوٓاْ أَهۡلَ ٱلذِّكۡرِ إِن كُنتُمۡ لَا تَعۡلَمُونَ﴾ (النحل: 43).

الثاني: مذمومٌ، ومنه:

السُّؤالُ عمَّا أخْفَاه الله تعالى عن عِبَادِهِ، واستأثَرَ بعلمِهِ.

والسُّؤالُ على وجْهِ العَبَثِ والتعنُّتِ والاسْتهْزاءِ، كسُؤَالِ الكفَّارِ للأنبياءِ؛ عِنادًا واسْتكبارًا.

وسُؤالُ العلماءِ عن الأَغَاليطِ، تَحرِّيًا لزَلاتِهِم.

والسُّؤالُ عن المَسَائلِ النَّادِرَةِ الوُقُوعِ، التي لا طائلَ من وَرَائها.

6- التحذيرُ من الاختلافِ على الأنبياءِ، وأنَّ الواجِبَ على المسْلمِ أنْ يوافقَ الأنبياءَ عليهم الصَّلاةُ والسَّلامُ، وأنْ يعتقِدَ أنَّهم أفضَلُ عِبَادِ الله، أكرَمَهُم الله تعالى بالرِّسالةِ، وأن خاتمَهُم محمدٌ رسولُ الله ﷺ، أرسله إلى جَمِيعِ النَّاسِ، وشَريعتُه هي دينُ الإسلامِ الذي ارتضاه الله تعالى لعِبَادِهِ، وأنَّ الله لا يقْبَلُ من أحَدٍ دِينًا سِوَاه، قال تعالى: ﴿إِنَّ ٱلدِّينَ عِندَ ٱللَّهِ ٱلۡإِسۡلَٰمُۗ﴾ (آل عمران: 19).

نشاط

1- جاءَ في الحَديثِ التفْريقُ بينَ الأمْرِ والنَّهْيِ، فما وجْهُهُ؟

2- أعدَّ بحثًا عن أسْبابِ هَلاكِ الأُممِ.

3- بمَ توجِّهُ من يبحثُ في الأمْرِ الشرعيِّ : هل هُو للوُجُوبِ أم للاسْتحْبابِ؟

4- ما المرادُ بالنَّهْيِ عن كثْرةِ الأسْئلةِ الواردِ في الحديثِ، وقد أَمَرَ الله تعالى بسُؤَالِ أهْلِ الذِّكرِ؟

الحديث الثالث

الحديث الثالث: «يا غلام، إني أعلمك كلمات...»

عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما قَالَ: كُنْتُ خَلْفَ رَسُولِ الله ﷺ يَوْمًا، فَقَالَ: «يَا غُلَامُ، إِنِّي أُعَلِّمُكَ كَلِمَاتٍ، احْفَظِ الله يَحْفَظْكَ، احْفَظِ الله تَجِدْهُ تُجَاهَكَ، إِذَا سَأَلْتَ فَاسْأَلِ الله، وَإِذَا اسْتَعَنْتَ فَاسْتَعِنْ بِالله، وَاعْلَمْ أَنَّ الأُمَّةَ لَوْ اجْتَمَعَتْ عَلَى أَنْ يَنْفَعُوكَ بِشَيْءٍ لَمْ يَنْفَعُوكَ إِلَّا بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ الله لَكَ، وَلَوْ اجْتَمَعُوا عَلَى أَنْ يَضُرُّوكَ بِشَيْءٍ لَمْ يَضُرُّوكَ إِلَّا بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ الله عَلَيْكَ، رُفِعَتِ الأَقْلَامُ وَجَفَّت الصُّحُفُ» رواه الترمذي، وقال: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ.

راوي الحديث

عبد الله بن عباس بن عبد المطلب الهاشمي، حبر الأمة وترجمان القرآن، أسلم صغيرًا، ولازم النبي ﷺ، كان الخلفاء يجلونه، وكُفَّ بصره في آخر عمره، كان يجلس للعلم، فيجعل يومًا للفقه، ويومًا للتأويل، ويومًا للمغازي، ويومًا للشعر، ويومًا لوقائع العرب، توفي بالطائف عام 68هـ .

شرح المفردات

(اِحْفَظِ الله) هذه كلمةٌ عظيمةٌ جليلةٌ، أي: احفظْ حُدُودَ الله تعالى، وحُقوقَهُ، وأَوامِرَهُ، ونواهيَهُ، بالوُقُوفِ عِنْدَ أَوَامِرِهِ بالامْتثالِ، وعندَ نواهِيهِ بالاجْتنابِ، وعَندَ حُدُودِهِ، فلا يتجاوزُ ما أَمَرَ به، فمن فَعَلَ ذلك، فهو من الحافِظِين لحُدُودِ الله، الذين مَدَحَهُم الله في كتابِهِ، قال عزوجل: ﴿هَٰذَا مَا تُوعَدُونَ لِكُلِّ أَوَّابٍ حَفِيظٍ 32 مَّنۡ خَشِيَ ٱلرَّحۡمَٰنَ بِٱلۡغَيۡبِ وَجَآءَ بِقَلۡبٍ مُّنِيبٍ﴾ (ق: 32، 33).

(يحفظك) يقيك من الشرور في أمر الدنيا والآخرة.

والمقابلة بين حفظ العبد لحدود الله وحفظ الله له نظِيرُ المقابلة في قولهِ تعالى: ﴿فَٱذۡكُرُونِيٓ أَذۡكُرۡكُمۡ﴾ (البقرة: 152)، وقوله تعالى: ﴿إِن تَنصُرُواْ ٱللَّهَ يَنصُرۡكُمۡ﴾ (محمد: 7).

(احْفَظِ الله تَجِدهُ تُجَاهَكْ) أي: تجد الله عزوجل أَمَامَك، يدُلُّك على كلِّ خيرٍ ويقرِّبُك إليه ويهدِيك إليه، ويذُودُ عَنك كلَّ شرٍّ.

(رُفعَت الأَقْلامُ، وَجَفّت الصُّحُفُ) أي: إنَّ ما كتبه الله عزوجل قد انتهى، فالأقلامُ رُفِعَت والصُّحُفُ جَفَّت، ولا تبديلَ لكلماتِ الله تعالى.

الشرح الإجمالي للحديث

هذا الحديثُ أصلٌ عظيمٌ في مراقبةِ الله، ومراعاةِ حقوقهِ، والتفويضِ لأمرهِ، والتوكُّلِ عليه، وشهودِ توحيدِهِ وتفرُّدِهِ، وعجزِ الخلائقِ كلِّهم وافتقارِهِم إليه.

ففيه الوصيَّةُ العَظِيمةُ من الرَّسُولِ ﷺ حيثُ أرْشدَ بحفْظِ أوَامِرِ الله تعالى واجتنابِ نواهيهِ، وأن الله يحفَظُ من قامَ بذلك في حَرَكاتهِ وسَكَناتهِ، وفي دنياه وآخرتهِ، وأن على العبدِ ألا يعلِّقَ أمورَهُ وحاجاتِهِ بغيرِ الله، بل يستعينُ بالله ويتوكل عليه في جميع أحوالهِ وأمورِهِ، وأن الناسَ لو اجتمعوا كلهُم وَحَاولوا بأقوالهِم وأفعالهِم على أن يجْلبُوا له نفْعًا أو يَدْفعُوا عنه ضُرًّا لم يستطيعوا ضُرَّه ولا نفعَه، إلا بما كتبهُ الله تعالى له.

فوائد الحديث

1- حُسنُ خلقِ النبيِّ ﷺ حيثُ لاطَفَ ابنَ عباسٍ رضي الله عنهما بقولهِ: «يَا غُلام، إني أُعَلِّمُكَ كَلِماتٍ».

2- أن من حَفِظَ الله حفِظهُ الله وهداه ودلَّهُ على ما فيه الخيرُ، وأن مِنْ لازِمِ حِفْظِ الله تعالى له أن يمنع عنه الشَّرَّ.

3- أن من أضاعَ دينَ الله فإن الله يُضَيَّعُه ولا يحفظُه، قال تعالى: ﴿وَلَا تَكُونُواْ كَٱلَّذِينَ نَسُواْ ٱللَّهَ فَأَنسَىٰهُمۡ أَنفُسَهُمۡۚ أُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡفَٰسِقُونَ﴾ (الحشر: 19).

من أعظمِ ما يجبُ على العبدِ حِفْظُهُ:

الصلاةُ، فقد أمَرَ الله بالمحافظةِ عليها، فقال: ﴿حَٰفِظُواْ عَلَى ٱلصَّلَوَٰتِ وَٱلصَّلَوٰةِ ٱلۡوُسۡطَىٰ﴾ (البقرة: 238)

والطهارةُ، فإنها مفتاحُ الصَّلاةِ، وقال النبيُّ ﷺ: «لا يحافِظُ على الوُضُوءِ إلا مؤمنٌ» أخرجه أحمد وابن ماجه، وصححه الأرناؤوط.

ومن أعظم ما يجب حِفظُهُ من نَوَاهِي الله عزوجل: اللسانُ والفَرْجُ، فعن أبي هُريرةَ رضي الله عنه عن النبيِّ ﷺ قال: «من حَفِظَ ما بيْنَ لحييْهِ وما بينَ رِجْليهِ دَخَلَ الجنةَ» أخرجه الحاكم وصححه.

حِفظُ اللهِ لعبدِهِ نوعانِ:

أحدُهُما: حِفظُه له في مصالحِ دُنياه، كحفظِهِ في بَدَنهِ وولدهِ وأهلهِ ومالهِ.

الثاني، وهو النوعُ الأشْرَفُ: حِفظُ الله للعبدِ في دينهِ وإيمانهِ، فيحفظُهُ في حياتهِ من الشُّبهاتِ المضلةِ، ومن الشَّهَواتِ المحرمةِ، ويحفظ عليه دينَهُ عند مَوْتهِ، فيتوفَّاهُ على الإيمانِ.

4- أن الخَلْق لنْ يستطيعوا أن ينفَعوا أَحَدًا، إلا إذا كان الله تعالى قد كتبَهُ له، ولن يسْتَطِيعوا أن يضرّوا أَحَدًا إلا أنْ يكُونَ الله تعالى قد كتَبَ ذلك عليه.

5- وُجُوبُ إفرادِ الله تعالى بالعِبَادةِ، فمن عَلِمَ أنه لا ينفعُ ولا يضُرُّ، ولا يعْطِي ولا يمنعُ غيرُ الله، أوجبَ ذلك إفرادَهُ بالخوْفِ والرَّجاءِ، والمحبَّةِ والسُّؤالِ، والتضرُّعِ والدُّعَاءِ، وإفرادَهُ بالاسْتعانةِ، قال تعالى: ﴿قُلۡ أَفَرَءَيۡتُم مَّا تَدۡعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ إِنۡ أَرَادَنِيَ ٱللَّهُ بِضُرٍّ هَلۡ هُنَّ كَٰشِفَٰتُ ضُرِّهِۦٓ أَوۡ أَرَادَنِي بِرَحۡمَةٍ هَلۡ هُنَّ مُمۡسِكَٰتُ رَحۡمَتِهِۦۚ قُلۡ حَسۡبِيَ ٱللَّهُۖ عَلَيۡهِ يَتَوَكَّلُ ٱلۡمُتَوَكِّلُونَ﴾ (الزمر: 38)، وقال تعالى: ﴿مَّا يَفۡتَحِ ٱللَّهُ لِلنَّاسِ مِن رَّحۡمَةٍ فَلَا مُمۡسِكَ لَهَاۖ وَمَا يُمۡسِكۡ فَلَا مُرۡسِلَ لَهُۥ مِنۢ بَعۡدِهِۦۚ وَهُوَ ٱلۡعَزِيزُ ٱلۡحَكِيمُ﴾ (فاطر: 2).

6- أَّن كلَّ شيءٍ مكتوبٌ مفروغٌ منه، فقد ثبَتَ عن النَّبيِّ ﷺ أنه قال: «كَتَبَ الله مَقَادِيرَ الْخَلَائِقِ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِخَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ». أخرجه مسلم.

وعن جابرٍ رضي الله عنه أنَّ النبيَّ ﷺ قال: «لا يؤمن عَبْدٌ حتَّى يؤْمِنَ بالقَدَرِ خَيرِهِ وشَرِّهِ، حتى يعْلَمَ أنَّ ما أصابَهُ لم يكن لِيخطئَهُ، وأنَّ ما أخْطأَه لم يكنْ ليُصِيبَهُ» أخرجه أحمد والترمذي، وصححه الألباني.

قال عبيدُ الله بن عُتبةَ:

وَاصْبِرْ عَلَى القَدَرِ المَحْتُومِ وَارْضَ بِهِ

وَإِنْ أَتَاكَ بِمَا لاَ تَشْتَهِي القَدَرُ

فَمَا صَفَا لاِمْرِئٍ عَيْشٌ يُسَرُّ بِهِ

إِلاَّ سَيَتْبَعُ يَوْمًا صَفْوَهُ كَدَرُ

نشاط

1- كيف جمع هذا الحديثُ في سُطُورٍ ما أفاضت فيه كتُبُ التنميةِ البشريةِ في مجلداتٍ؟

2- في سُطُورٍ قليلةٍ بيِّن كيف يحفظُ العبدُ دينَهُ، وكيف يحفَظُ الله تعالى عَبْدَهُ؟

3- كيف أسَّسَ هذا الحديثُ لقاعِدَةِ الشَّريعةِ في توْحيدِ الله تعالى؟

4- اشْتمَلَ الحديثُ على أَصْلينِ عَظِيمينِ في التوحيدِ، ما هُمَا؟

الحديث الرابع

الحديث الرابع: «اتق الله حيثما كنت...»

عَنْ أَبِي ذَرٍّ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «اتَّقِ الله حَيْثُمَا كُنْتَ، وَأَتْبِعِ السَّيِّئَةَ الحَسَنَةَ تَمْحُهَا، وَخَالِق النَّاسَ بِخُلُقٍ حَسَنٍ» رواه الترمذي، وقال: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ.

راوي الحديث

أبو ذر جندب بن جنادة الغفاري، رابعُ من دخل في الإسلامِ وقيل: الخامسُ، قَدِم أبو ذر على رسولِ الله ﷺ وهو بمكَّةَ، فأسلم ثم رجع إلى قومِهِ فكانَ يَسْخَرُ بآلهتهِم، توفي أبو ذرٍّ في الربذة سنة 32 هـ، وصلى عليه عبدُ الله بن مسعودٍ رضي الله عنه في النَّفَرِ الذين شهدوا موتَهُ.

شرح المفردات

(اتَّقِ الله) أي: اتَّخِذْ وقايةً من عِذَابِ الله عزوجل، وذلك بفعْلِ أوَامرِهِ واجْتنابِ نواهيهِ.

والتقوى: وَصيَّةُ الله للأوَّلين والآخِرِين، قال تعالى: ﴿وَلَقَدۡ وَصَّيۡنَا ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلۡكِتَٰبَ مِن قَبۡلِكُمۡ وَإِيَّاكُمۡ أَنِ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَۚ﴾ (النساء: 131).

(وَأَتْبِعِ السَّيِّئَةَ الحَسَنَةَ تَمْحُهَا) أي: إذا فعلت سيئةً فأتبِعْها بحسَنةٍ، فهذه الحسَنةُ تمحو السَّيئَةَ.

الحديث الرابع: «اتق الله حيثما كنت...»

اختلفَ العُلَمَاءُ رحمهم الله: هل المرادُ بالحَسَنةِ التي تمحو السَّيئةَ هي التَّوْبةُ وحدها، أو المرَادُ أي حَسَنةٍ من عَمَلٍ صَالحٍ ونحوِهِ؟

والصَّوابُ: أن الحَسَنةَ تمحُو السَّيئَةَ، وإن لم تكنْ توْبةً، كالصَّلاةِ والصَّومِ والصَّدقةِ والصِّلةِ وعِيَادةِ المرِيضِ والذِّكْرِ والاسْتغفارِ ونحوه، لقوله تعالى: ﴿وَأَقِمِ ٱلصَّلَوٰةَ طَرَفَيِ ٱلنَّهَارِ وَزُلَفًا مِّنَ ٱلَّيۡلِۚ إِنَّ ٱلۡحَسَنَٰتِ يُذۡهِبۡنَ ٱلسَّيِّـَٔاتِۚ﴾ (هود: 114).

والحَسَنةُ: اسمٌ جامعٌ لكلِّ ما يقرِّبُ إلى الله تعالى.

(وَخَالِق النَّاسَ بِخُلُقٍ حَسَنٍ) الخُلُقُ الحَسَنُ: كفُّ الأذَى، وبذْلُ النَّدَى، والصَّبْرُ على الأَذَى، أي: على أَذَى الغَيْرِ، والوَجْهُ الطَّلقُ.

الشرح الإجمالى للحديث

هذا حَدِيثٌ عَظِيمٌ جَمَعَ فيه رَسُولُ الله ﷺ بين حَقِّ الله وحُقُوقِ العِبَادِ.

فحقُّ الله على عِبَادِهِ أن يتَّقُوه حَقَّ تُقاتهِ، باجْتنابِ المنْهيَّاتِ وأَدَاءِ الواجِبَاتِ، وهذه الوَصِيَّةُ هي وَصِيةُ الله للأوَّلين والآخِرِين.

ثم لما كان العبْدُ لا بدَّ أنْ يحْصُلَ منه تقصيرٌ في حَقِّ الله تعالى أمَرَ ﷺ بما يدْفَعُ ذلك ويمحُوهُ، وهو أنْ يُتْبِعَ السَّيئةَ الحسَنَةَ، ثم أمَرَ ﷺ بمعامَلَةِ النَّاسِ بخُلُقٍ حَسَنٍ، وهو الجانبُ الثاني في الحَدِيثِ، بأن تكُفَّ عنهم أذاكَ من كلِّ وجهٍ، وتعفوَ عن مَسَاوِئهِم وأذيَّتهِم لك، وأخصُّ ما يكونُ الخُلُقُ الحَسَنُ: سعةُ الحِلْمِ على الناسِ، والصَّبرُ عليهم، وعَدَمُ الضَّجَرِ منهم، وبَشَاشَةُ الوجْهِ لهم.

فوائد الحديث

1- وجوبُ تقوى الله عزوجل حيثما كان الإنسانُ.

وإذا كان إظْهَارُكَ للتقْوى يحْصُلُ به التأسِّي والاتباعُ، فإعْلانُها أحْسَنُ وأفْضَلُ، أما إذا كان لا يحصُلُ بالإظْهارِ فائدةٌ فالإسْرارُ أفْضَلُ.

2- ضرُورةُ الاستغفارِ من الذُّنوبِ، والتوبةِ منها، وعدمِ الإصرارِ عليها، ففي الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبيِّ ﷺ قال: «أذنبَ عبدٌ ذنبًا فقال: ربي، إني عملت ذنبًا فاغفرْ لي، فقال الله: علم عبدي أن له ربًّا يغفر الذنب ويأخذ بالذنب، قد غفرت لعبدي، ثم أذنبَ ذنبًا آخرَ .. إلى أن قال في الرابعة: فليعملْ ما شاء».

وقد أخبر الله تعالى في وصف المتقين أنه قد تقعُ منهم أحيانا الكبائرُ، غير أنهم يستغفِرون ولا يُصِرُّون على الذنبِ، قال الله تعالى: ﴿وَٱلَّذِينَ إِذَا فَعَلُواْ فَٰحِشَةً أَوۡ ظَلَمُوٓاْ أَنفُسَهُمۡ ذَكَرُواْ ٱللَّهَ فَٱسۡتَغۡفَرُواْ لِذُنُوبِهِمۡ وَمَن يَغۡفِرُ ٱلذُّنُوبَ إِلَّا ٱللَّهُ وَلَمۡ يُصِرُّواْ عَلَىٰ مَا فَعَلُواْ وَهُمۡ يَعۡلَمُونَ ﴾ (آل عمران: 135).

للخطايا مكفراتٌ كثيرةٌ في الشَّرعِ، منها:

الوُضوءُ: قال رسولُ الله ﷺ: «من توضَّأ فأحْسَنَ الوُضُوءَ خَرَجَت خطاياه من جَسَدِهِ حتى تخرجَ من تحتِ أظفارِهِ» رواه مسلم.

الصَّلاةُ: قال رسولُ الله ﷺ: «أرأيتُمْ لو أنَّ نهرًا بِبَابِ أحَدِكُم يغتسلُ فيه كلَّ يومٍ خمسَ مراتٍ هل يبقى من درنهِ شيءٌ؟ قالوا: لا يبقى من درنهِ شيءٌ. قال: فذلك مثل الصَّلَواتِ الخمْسِ، يمحو الله بهنَّ الخطايا» متفق عليه.

الصَّومُ: قال رسولُ الله ﷺ: «من صام رمضانَ إيمانًا واحْتسابًا غُفِرَ له ما تقَدَّمَ من ذنبِهِ». متفق عليه.

العُمْرةُ: قال رسولُ الله ﷺ: «العُمْرةُ إلى العُمْرةِ كفارةٌ لما بينَهُما» رواه مسلم.

الحَجُّ: قال رسولُ الله ﷺ: «من حَجَّ هذا البيْتَ فلم يرفُثْ ولم يفسُقْ خَرَج من ذُنوبهِ كيوْم وَلَدَتْهُ أمُّه» متفق عليه.

الصَّدَقةُ: قال رسولُ الله ﷺ: «الصَّدَقةُ تطْفِئُ الخطيئَةَ كما يُطفِئُ الماءُ النَّارَ» رواه الترمذي.

3- فضلُ الله عزوجل على العِبادِ؛ حيث جعل الحسنات ماحية للسيئات.

وهل يُشترطُ أن ينويَ بهذه الحَسَنةِ أنه يمحو السَّيئةَ التي فَعَلَ؟

ظاهرُ الحديثِ: لا، وأن مجرَّد فعلِ الحَسَناتِ يذهبُ السَّيئاتِ، وهذا من نعْمَةِ الله عزوجل على العبادِ، ومن مقتضى كوْنِ رَحْمَتهِ سبقت غَضَبَهُ.

وهل تكفِّرُ الأعمالُ الصالحةُ الكبائرَ والصَّغائرَ، أم لا تكفِّرُ سِوى الصَّغائرِ؟ فقال بعضُهُم: تكفِّر الكبائرَ والصغائرَ، وذهب أكثرُ العلماءِ إلى أنها لا تكفِّرُ سوى الصَّغائرِ، أما الكبائرُ فلا بد لها من توبةٍ خاصَّةٍ.

4- الحثُّ على مُخَالقَةِ الناسِ بالخُلُقِ الحَسَنِ، لقوله: «وَخَالِقِ النَّاسَ بِخُلُقٍ حَسَنٍ» وقوله : «إِنَّ الله رَفِيْقٌ يُحِبُّ الرِّفْقَ فِي الأَمْرِ كُلِّهِ» أخرجه البخاريُّ.

نشاط

1- كيف يحقِّقُ العبدُ تقوى الله تعالى في السِّرِّ والعَلَنِ؟

2- اكتبْ بحْثًا يسِيرًا في فَضْلِ الاستغفارِ وأثرِهِ على العبْدِ، في الدُّنيا والآخِرَةِ.

3- في ضَوْءِ هذا الحديثِ تكلَّمْ عن حُسْنِ الخُلُقِ.

الحديث الخامس

الحديث الخامس: «قل آمنت بالله...»

عَنْ سُفْيَانَ بْنِ عَبْدِ الله الثَّقَفِي رضي الله عنه قال: قلت: يا رسول الله أخبِرْني أمْرًا في الإسْلامِ، لا أسألُ عنه أحدًا بعْدَك؟ فقال ﷺ: «قُلْ آمنتُ بالله، ثمَّ اسْتقِمْ» أخرجه مسلم.

راوي الحديث

سفيانُ بن عبدِ اللهِ بن ربيعة الثقفي، صحابيٌّ، وَفِدَ على النبيِّ ﷺ، واستعمله عُمرُ رضي الله عنه على صَدَقاتِ الطَّائفِ، وقد رَوى عن النبيِّ ﷺ وعن عُمَرَ رضي الله عنه ، وشهد حنينًا.

شرح المفردات

(قل آمَنْتُ بِالله) أي: حقِّقْ كلمةَ التوحيدِ، شهادة أن لا إلهَ إلا الله وأنَّ محمَّدًا رسولُ الله، وامتنعْ عن كلِّ ما ينافي العقيدةَ الصَّحيحةَ، والإيمانَ الكاملَ.

(ثم استقمْ) أي: على طاعة الله، وهو مطابقٌ لقوله تعالى: ﴿فَٱسۡتَقِمۡ كَمَآ أُمِرۡتَ﴾ (هود: 112).

والاستقامةُ: هي سُلُوكُ الصِّراطِ المسْتقيمِ والدِّينِ القيِّمِ، من غيرِ اعْوِجاجٍ أو مَيَلانٍ عنه، ويشْمَلُ فِعْلَ الطَّاعاتِ الظَّاهرةِ والباطنةِ وتركَ النواهي.

قال ابنُ عباسٍ رضي الله عنهما في قول الله تعالى: ﴿فَٱسۡتَقِمۡ كَمَآ أُمِرۡتَ﴾ (هود: 112): «ما نزلت على رسولِ الله ﷺ في جميعِ القرآن آيةٌ، كانت أشدَّ ولا أشقَّ عليه من هذه الآية؛ ولذلك قال ﷺ لأصحابهِ حينَ قالوا: قد أسرَعَ إليك الشَّيْبُ؟ فقال: «شيبتني (هودٌ) وأخواتها»». أخرجه الترمذي، وحسنه الألباني.

قال أبو بكرٍ رضي الله عنه في قوله تعالى: ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ قَالُواْ رَبُّنَا ٱللَّهُ ثُمَّ ٱسۡتَقَٰمُواْ﴾ (فصلت: ٣٠): «لم يشركوا بالله شيئًا».

فالشِّركُ من أعظمِ الذنوبِ التي يقترِفُها العَبْدُ في حقِّ الله تعالى ربِّهِ وخالقِهِ، وهو أن تجْعَلَ مع الله ندًّا في العِبادَةِ، فعن ابن مسعودٍ رضي الله عنه قَالَ: سَأَلْتُ النَّبِيَّ ﷺ: أَيُّ الذَّنْبِ أَعْظَمُ عِنْدَ اللَّهِ؟ قَالَ: «أَنْ تَجْعَلَ لِلَّهِ نِدًّا وَهُوَ خَلَقَكَ»، قُلْتُ: إِنَّ ذَلِكَ لَعَظِيمٌ، قُلْتُ: ثُمَّ أَيُّ؟ قَالَ: «ثُمَّ أَنْ تَقْتُلَ وَلَدَكَ تَخَافُ أَنْ يَطْعَمَ مَعَكَ»، قُلْتُ: ثُمَّ أَيُّ؟ قَالَ: «ثُمَّ أَنْ تُزَانِيَ بِحَلِيلَةِ جَارِكَ» رواه البخاري.

ومن عِظَمِ ذنبِ الشِّركِ أن الله لا يغفرُه مطْلقًا، قال تعالى: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ لَا يَغۡفِرُ أَن يُشۡرَكَ بِهِۦ وَيَغۡفِرُ مَا دُونَ ذَٰلِكَ لِمَن يَشَآءُۚ وَمَن يُشۡرِكۡ بِٱللَّهِ فَقَدِ ٱفۡتَرَىٰٓ إِثۡمًا عَظِيمًا﴾ (النساء: 48).

ومن الشِّركِ: دعاءُ غيرِ الله، وفعل السحر والنَّذْرُ للأولياءِ والصَّالحين، والاسْتغاثةُ بهم والتقرُّبُ إليهم؛ بحجَّةِ أنَّهُم شُفَعَاءُ عندَ الله تعالى.

وأعظمُ الاستقامةِ أن يحقِّقَ العَبدُ توحيدَ الله عزوجل، بأن يؤمِنَ بأن الله وحدَه هو المستحِقُّ للعِبَادةِ بكلِّ صُوَرِها، وهو معنى: لا إله إلا الله، فيُخلص العَمَلَ لله وحدَهُ.

الشرح الإجمالي للحديث

قال القاضي عياض رحمه الله: «هذا من جَوَامعِ كلِمِه ﷺ» اهـ. فقد جمع هذا الحديثُ معانيَ الإسلامِ والإيمانِ كلَّها، فقد طلب هذا الرَّجُلُ من النبيِّ ﷺ كلامًا جامعًا للخيرِ، موصِلًا صاحبَهُ إلى الفَلاحِ، فأمَرَهُ النبيُّ ﷺ بالإيمانِ بالله، الذي يشْمَلُ ما يجِبُ اعتقادُهُ من عَقَائدِ الإيمانِ، وأُصُولهِ، وما يتبعُ ذلك من أعْمالِ القلوبِ، والانقيادِ والاستسلامِ لله، باِطنًا وظاهرًا، ثم الدَّوامِ على ذلك، والاسْتقامةِ عليه إلى المماتِ، وهو نظيرُ قوله تعالى: ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ قَالُواْ رَبُّنَا ٱللَّهُ ثُمَّ ٱسۡتَقَٰمُواْ تَتَنَزَّلُ عَلَيۡهِمُ ٱلۡمَلَٰٓئِكَةُ أَلَّا تَخَافُواْ وَلَا تَحۡزَنُواْ وَأَبۡشِرُواْ بِٱلۡجَنَّةِ ٱلَّتِي كُنتُمۡ تُوعَدُونَ ﴾ (فصّلت: ٣٠)، فرتَّبَ على الإيمانِ والاستقامةِ السَّلامةَ من جميعِ الشُّرورِ، وحصولَ الجنَّةِ وجمِيعَ المحَابِّ.

فوائد الحديث

1- حِرصُ الصَّحابةِ رضي الله عنهم على العِلْمِ، وذلك لما يَرِدُ على النبيِّ ﷺ منهم من الأسْئلةِ.

2- رجاحةُ عقْلِ هذا الصَّحابيِّ الجليلِ رضي الله عنه؛ حيث سألَ هذا السُّؤالَ العَظِيمَ الذي فيه النهايةُ، ويُستغنَى به عن سؤالِ أيِّ أحدٍ.

3- أنَّ الإنسانَ ينبغي له أن يسألَ عن العِلمِ السُّؤالَ الجامِعَ المانعَ؛ حتَّى لا تشتبهَ عليه العُلومُ وتختلطَ.

4- أنَّ النبيَّ ﷺ أُعطِيَ جَوَامعَ الكلِمِ؛ حيث جمَعَ كلَّ الدِّين في كلمتينِ: «آمَنتُ بِالله، ثُمَّ استَقِم»، وقد تقدَّم أن القرآنَ يشْهَدُ لهذا المعنى.

أنه ينبغي للإنسانِ أن يتفقَّدَ نفسَه دائمًا: هل هو مستقيمٌ أو غيرُ مستقيمٍ؟ فإن كان مُسْتقيمًا حمد الله وأثنى عليه، وسأل الله الثباتَ، وإن كان غيرَ مستقيمٍ وَجَبَ عليه الاستقامةُ، وأن يعدِّلَ سيرَه إلى الله عزوجل.

فمن أخَّرَ الصَّلاةَ عن وقتِها فهو غيرُ مستقيمٍ.

ومَن منع الزكاةَ فهو غيرُ مستقيمٍ.

وإن اعتدى على الناسِ في أعراضِهِم فهو غيرُ مستقيمٍ.

وإن كان يغشُّ الناسَ ويخادِعُهُم في البيعِ والشِّراءِ والإجارةِ والتأجيرِ وغيرِ ذلك، فهو غيرُ مستقيم.

فالاستقامةُ وَصْفٌ عامٌّ شَاملٌ لجميعِ الأعْمالِ، وهي واجِبةٌ وليست نفْلًا كما يظنُّ بَعْضُ الناس، فيَجِبُ مُلازمةُ الاستقامةِ على الحقِّ والهُدَى حتَّى بُلوغِ الأجَلِ.

نشاط

1- اذكرْ أمْثلةً لجَوَامِعِ كَلمِ النَّبيِّ ﷺ.

2- في الحَدِيثِ فِقْهُ الصَّحَابةِ رضي الله عنهم في السُّؤَالِ، بيِّنْ ذلك.

3- اذكُرْ صورا مُعاصِرةً من عدمِ الاستقامةِ.

الحديث السادس

الحديث السادس: «... فإن خلق نبيّ الله...»

عَنْ سَعْدِ بْنِ هِشَامٍ رحمه الله قَالَ: انْطَلَقْتُ إِلَى عَائِشَةَ رضي الله عنها فَقُلْتُ: يَا أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ، أَنْبِئِينِي عَنْ خُلُقِ رَسُولِ الله ﷺ، قَالَتْ: «أَلَسْتَ تَقْرَأُ الْقُرْآنَ؟» قُلْتُ: بَلَى، قَالَتْ: «فَإِنَّ خُلُقَ نَبِيِّ الله ﷺ كَانَ الْقُرْآنَ» رواه مسلم.

راوي الحديث

عائشة الصديقة بنت أبي بكر، أم المؤمنين، زوج رسول الله ﷺ، وأحب نسائه إليه، وأفقه نساء المسلمين، كانت عالمة بالشرع، ولها علم كبير بالأدب والشعر، وكان أكابر الصحابة يراجعونها في أمور الدين، وكان مسروق إذا روى عنها يقول: حدثتني الصديقة بنت الصديق، خرجت يوم الجمل لعلي رضي الله عنه، ثم رجعت عن ذلك، وردها علي رضي الله عنه إلى بيتها معززة مكرمة، توفيت عام 58هـ.

شرح المفردات

سعد بن هشام رحمه الله: تابعيٌّ جليلُ القدْرِ.

(فَإِنَّ خُلُقَ نَبِيِّ الله ﷺ كَانَ الْقُرْآنَ) أي: في العَمَلِ به، والوُقُوفِ عِنْدَ حُدُودِهِ، والتأدُّبِ بآدابهِ، والاعْتبارِ بأمْثالهِ وقَصَصِهِ، وتدبُّرِهِ وحُسْنِ تلاوتهِ.

الشرح الإجمالي للحديث

في هذا الحديثِ بيَّنَتْ عائشةُ رضي الله عنها أنَّ النبيَّ ﷺ كان خُلقُهُ القُرْآنَ، فكان متمسِّكًا بآدابهِ وأوامرِهِ ونواهيهِ ومحاسِنِهِ، يوضِّحُهُ أن جميعَ ما فُصِّلَ في كتابِ الله تعالى من مكارِمِ الأخلاقِ ومحاسِنِ الآدابِ مما قصَّهُ أو حَثَّ عليه أو ندَبَ إليه كان ﷺ مُتحليًّا مُتخلِّقًا به، وبالغًا فيه من المراتبِ أقْصَاها، وكلُّ ما نَهَى الله تعالى عنه كان ﷺ لا يحومُ حَوْلَهُ، ولا يُدَانيهِ، قال تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ (القلم: 4).

فَضْلُ حُسْنِ الخُلُقِ:

سُئِلَ النبيُّ ﷺ: مَنْ أَحَبُّ عبَادِ الله إلى الله تعالى؟ قال: «أحْسَنُهُم خُلُقًا» أخرجه الطبراني، وصححه الألباني.

وفي روايةٍ لابنِ حبانَ سئل ﷺ: ما خَيْرُ ما أُعْطِيَ الإنسانُ؟ قال: «حسْنُ الخُلُقِ» وصححه الألباني.

وعن عبدِ الله بنِ عُمَرَ رضي الله عنهما قال: سمعتُ رسولَ الله ﷺ يقولُ: «ألا أُخْبرُكم بأَحَبِّكم إليَّ، وأَقْرَبِكُم مِني مجْلسًا يومَ القِيامةِ؟» -أعادها مرتين أو ثلاثا- قالوا: نعم، يا رسولَ الله، قال: «أَحْسَنُكم خُلُقًا». أخرجه أحمد والترمذي، وصححه الألباني.

وقال ﷺ: «مَا مِنْ شيءٍ أثقَلُ في ميزانِ المؤمنِ يومَ القيامةِ من خُلُقٍ حَسَنٍ، إن الله يكرَهُ الفاحِشَ البَذِيءَ، وإنَّ صاحبَ حُسْنِ الخُلُقِ ليبلغُ به درجةَ صَاحِبِ الصَّوْمِ و الصَّلاةِ» أخرجه أحمد والترمذي، وصحَّحه الألبانيُّ.

فوائد الحديث

1- أرادت عائشةُ رضي الله عنها بقولها: «كان خلقَهُ القرآنُ» مثل قوله تعالى: ﴿خُذِ ٱلۡعَفۡوَ وَأۡمُرۡ بِٱلۡعُرۡفِ وَأَعۡرِضۡ عَنِ ٱلۡجَٰهِلِينَ﴾ (الأعراف: 199) الآية، وقوله تعالى: ﴿ إِنَّ ٱللَّهَ يَأۡمُرُ بِٱلۡعَدۡلِ وَٱلۡإِحۡسَٰنِ وَإِيتَآيِٕ ذِي ٱلۡقُرۡبَىٰ وَيَنۡهَىٰ عَنِ ٱلۡفَحۡشَآءِ وَٱلۡمُنكَرِ وَٱلۡبَغۡيِۚ يَعِظُكُمۡ لَعَلَّكُمۡ تَذَكَّرُونَ﴾ (النحل: 90) وقوله تعالى: ﴿وَٱصۡبِرۡ عَلَىٰ مَآ أَصَابَكَۖ﴾ (لقمان: 17) وقوله تعالى: ﴿فَٱعۡفُ عَنۡهُمۡ وَٱصۡفَحۡۚ﴾ (المائدة: 13) ونحوه من الآياتِ الدَّالةِ علي تَهْذيبِ الأَخْلاقِ الذَّمِيمَةِ، وتحْصِيلِ الأخْلاقِ الحمِيدةِ.وقال ابنُ كثيرٍ: «ومعنى هذا أنه ﷺ صار امتثالُ القرآنِ - أمرًا ونهيًا- سَجيَّةً له، وَتَرَكَ طبْعَهُ الجِبِلِّيَّ، فمهما أمَرَه به القرآنُ فَعَلَه، ومهما نهَاه عنه ترَكَهُ، هذا مَعَ ما جَبَلهُ الله عليه من الخُلُقِ العَظِيمِ من الحيَاءِ، والكَرَمِ، والشَّجَاعةِ، والصَّفْحِ، والحِلْمِ، وكلِّ خُلُقٍ جميلٍ».

2- في الحديثِ الإرشادُ إلى التَّحَلِّي بحُسْنِ الخُلُقِ، وحُسْنُ الخلُقِ يكونُ مع اللَّهِ تعالى، ومع عبادِ اللَّه.

فحُسْنُ الخلُقِ مع اللَّه تعالى: يكونُ بالرضا بحكمِهِ شرعًا وقَدَرًا، وتَلَقِّي ذلك بالانشِراحِ وعَدَمِ التضَجُّرِ، وعَدَم الأَسَى والحُزْنِ، وحمده وشكرِهِ على بلائهِ ونعمائهِ سرًّا وعلنًا.

وحُسنُ الخلقِ مع الخلْقِ هو كفُّ الأَذَى، وَبذْلُ النَّدَى، وطَلاقَةُ الوَجْهِ:

كفُّ الأَذَى: بألا يؤذِيَ النَّاسَ لا بلسَانِهِ، ولا بجَوَارِحِهِ.

بَذْلُ النَّدَى: يعني العَطَاءَ، من مَالٍ وعِلْمٍ وَجَاهٍ وغير ذلك.

طَلاقَةُ الوجْهِ: أن يلاقِيَ النَّاسَ بوَجْهٍ مُنبَسِطٍ.

نشاط

1- بيِّن فِقهَ أمِّ المؤمِنين عَائِشةَ رضي الله عنها في جَوَابِها على السَّائِلِ عن خُلُقِ النبيِّ ﷺ.

2- اذكر نماذجَ من القرآنِ يتأتَّي للمُسْلمِ التخَلُّقُ بها.

3- اكتبْ مختَصَرًا في حُسْنِ الخُلُقِ.

4- تكلَّمْ عن حَاجَةِ الدُّعَاةِ للتخلُّقِ بأخْلاقِ النبيِّ ﷺ.

الحديث السابع

الحديث السابع: «إن الله كتب الحسنات والسيئات...»

عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، فِيمَا يَرْوِي عَنْ رَبِّهِ عزوجل قَالَ: «إِنَّ الله كَتَبَ الحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ ثُمَّ بَيَّنَ ذَلِكَ، فَمَنْ هَمَّ بِحَسَنَةٍ فَلَمْ يَعْمَلْهَا كَتَبَهَا الله لَهُ عِنْدَهُ حَسَنَةً كَامِلَةً، فَإِنْ هُوَ هَمَّ بِهَا فَعَمِلَهَا كَتَبَهَا الله لَهُ عِنْدَهُ عَشْرَ حَسَنَاتٍ، إِلَى سَبْعِمِائَةِ ضِعْفٍ إِلَى أَضْعَافٍ كَثِيرَةٍ، وَمَنْ هَمَّ بِسَيِّئَةٍ فَلَمْ يَعْمَلْهَا كَتَبَهَا الله لَهُ عِنْدَهُ حَسَنَةً كَامِلَةً، فَإِنْ هُوَ هَمَّ بِهَا فَعَمِلَهَا كَتَبَهَا الله لَهُ سَيِّئَةً وَاحِدَةً» متفق عليه.

شرح المفردات

(كَتَبَ) أي: قدَّرَ وُقُوعَهَا وكَتَبَ ثوابَها أو عقابها.

(هَمَّ) يقالُ: هَمَّ الرَّجُلُ بِالأَمْرِ: إذا عَزَمَ على القِيَامِ به، فالمرادُ بالهمِّ العَزْمُ، لا مجرَّدَ حَدِيثِ النَّفْسِ.

(فَلَمْ يَعْمَلْهَا) أي: الحَسَنةَ لعَائقٍ حالَ بينَهُ وبينَ فِعْلها، أو السَّيئةَ خَوْفًا من الله عزوجل.

(ضِعْفٍ) أي: مِثْلٍ.

(كامِلةً) أي: يُؤجرُ عليها، ولو لم يفعلْها، وكان فَقَطْ مجرَّدَ هَمٍّ وقَصْدٍ إلى فعلها.

الشرح الإجمالي للحديث

في هذا الحديثِ بيَّن النبيُّ ﷺ أن الله كتبَ الحَسَناتِ والسَّيئاتِ، وكتابتُهُ للحَسَناتِ والسَّيئاتِ تشْمَلُ مَعْنَيينِ:

المعنى الأولُ: الكتابةُ السَّابقةُ، وهي الكتابةُ في اللوْحِ المحفوظِ، كما قال الله تعالى: ﴿وَكُلُّ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ مُّسۡتَطَرٌ﴾ (القمر: 53).

المعنى الثاني: كتابةٌ لاحِقةٌ، فإذا عَمِلَ الإنسَانُ العَمَلَ كُتِب له حَسَبَ ما تقتضِيهِ الحكمةُ والعَدْلُ والفَضْلُ.

ثم بيَّن النبيُّ ﷺ ذلك، وأنَّ الإنسانَ إذا همَّ بحَسَنةٍ فلم يعملها كتبها الله تعالى حَسَنةً كاملةً؛ فإن عملها كتَبَها الله عَشرَ حَسَناتٍ إلى سبعمائةِ ضعفٍ، إلى أضْعَافٍ كثيرةٍ.

وهذا التَّفاوُتُ مبنيٌّ على الإخْلاصِ والمتابعَةِ؛ فكلما كان الإنسانُ في عبادتهِ أخْلَصَ لله كان أجْرُهُ أكثَرَ، وكلما كان الإنسانُ في عِبَادتهِ أتبعَ للرَّسُولِ ﷺ كانت عبادتُهُ أكمَلَ، وثوابُهُ أكثَرَ.

أما السَّيئةُ، فقال: «وَمَنْ هَمَّ بِسَيِّئَةٍ فَلَمْ يَعْمَلْهَا كَتَبَهَا الله لَهُ عِنْدَهُ حَسَنَةً كَامِلَةً» كرجلٍ همَّ أن يسرِقَ فذكر الله عزوجل فأدركه خوفُ الله، فترك السَّرِقةَ، فإنه يُكتبُ له بذلك حَسَنةٌ كاملةٌ؛ لأنه ترَكَ فعلَ المعصيةِ لله تعالى فأُثيبَ على ذلك.

فإن عَمِل السَّيئةَ كتبت عليه سيئةٌ واحدةٌ، لا تزيدُ، لقوله تعالى: ﴿مَن جَآءَ بِٱلۡحَسَنَةِ فَلَهُۥ عَشۡرُ أَمۡثَالِهَاۖ وَمَن جَآءَ بِٱلسَّيِّئَةِ فَلَا يُجۡزَىٰٓ إِلَّا مِثۡلَهَا وَهُمۡ لَا يُظۡلَمُونَ﴾ (الأنعام: 160).

مُضَاعفةُ الحَسَناتِ:

قال تعالى: ﴿مَّن ذَا ٱلَّذِي يُقۡرِضُ ٱللَّهَ قَرۡضًا حَسَنًا فَيُضَٰعِفَهُۥ لَهُۥٓ أَضۡعَافًا كَثِيرَةًۚ﴾ (البقرة: 245)، وقال تعالى: ﴿مَن جَآءَ بِٱلۡحَسَنَةِ فَلَهُۥ عَشۡرُ أَمۡثَالِهَاۖ﴾ (الأنعام: 160).

وأخرج الإمامُ أحمدُ وأبو داود وصحَّحه الألباني من حديثِ عبدِ الله بنِ عمْرٍو رضي الله عنهما قال: قال رسولُ الله ﷺ: «خُلَّتانِ لا يحْصِيهِمَا رَجُلٌ مسْلمٌ إلا دَخَلَ الجنَّةَ، وهما يَسيرٌ ومَن يَعملُ بهما قَليلٌ، تسبحُ الله دبُرَ كلِّ صلاةٍ عشْرًا، وتحمدُهُ عَشْرًا، وتكبِّرُهُ عَشْرًا، قال: فذلك خمْسُون ومِائةٌ باللسانِ، وألفٌ وخمسُمائةٍ في الميزانِ، فإذا أَخَذْتَ مضْجَعَكَ تسبِّحُهُ وتكبِّرُهُ وتحمَدُهُ مِائةً، فتلك مائةٌ باللسانِ وألفٌ في المِيزانِ، فأيكم يَعْمَلُ في اليوْمِ والليلةِ ألفينِ وخمسُمائةِ سيئةٍ؟!».‏

فوائد الحديث

1- إثباتُ كتابةِ الحَسَناتِ والسَّيئاتِ وُقوعًا وَثوابًا وعِقابًا، وأنَّ الحسَناتِ الواقِعَةَ والسَّيئاتِ الواقِعَةَ قد فُرِغ منها وكتبتْ واستقرَّتْ.

مُضَاعَفَةُ ثَوابِ الحَسَناتِ تكونُ باعْتبارِ الزَّمانِ، كثَوَابِ العَمَلِ الصَّالحِ في العَشْرِ الأُوَلِ من ذِي الحِجَّةِ.

وباعتبارِ المكانِ، كالصَّلاةِ في المسْجِدِ الحرَامِ.

وباعتبارِ نوع العَمَلِ، فالفَرْضُ أفضَلُ من النَّفْلِ والتَّطوُّعِ.

وباعتبارِ العامِلِ، كفَضْلِ الصحابةِ رضي الله عنهم على مَن بَعْدَهم.

وتفاضُلُ العَمَلِ يكونُ بالإِخْلاصِ لله تعالى، والمتابعةِ لرسولِ الله ﷺ.

الهمُّ بسيئةٍ بمكَّةَ يوجِبُ العِقابَ، ولو همَّ بها وهو خارجها، قال ابنُ مسعودٍ رضي الله عنه : «ما من عَبْدٍ يَهِمُّ بخطِيئَةٍ فلم يعمَلْها فتكتبُ عليه، ولو هَمَّ بقتل الإِنسَانِ عنْدَ البَيْتِ وهو بِعَدَنٍ أذاقَهُ الله من عَذابٍ أَليمٍ»، وقال الضَّحَّاك: «إنَّ الرَّجُلَ ليهمُّ بالخطِيئةِ بمكَّةَ وهو بأرضٍ أخرى ولم يعملها فتُكتبُ عليه». قال الله تعالى: ﴿وَمَن يُرِدۡ فِيهِ بِإِلۡحَادِۭ بِظُلۡمٍ نُّذِقۡهُ مِنۡ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ (الحج: 25).

2- أنَّ مَن همَّ بالسَّيئةِ ولم يعمَلْها كتَبَها الله حَسَنةً كامِلةً، فإنْ هَمَّ بها وَعَمِلَهَا كتَبَها الله سيئةً واحِدةً، ولكن السَّيِّئَاتُ منها الكبَائِرُ، ومنها الصَّغَائرُ، كما أن الحَسَناتِ منها واجِبَاتٌ ومنها تطَوُّعَاتٌ، ولكلٍّ منهُما الحكمُ والثَّوابُ المناسبُ.

وإذا نوى الشَّرَّ، وَعَمِلَ العَمَلَ الذي يوصِلُ إليه، ولكنَّه عَجَزَ عنه؛ فإنه يُكتَبُ عليه إثمُ الفاعِلِ؛ كما ورد فيمن التَقَيا بسَيْفِهِما من المسلمين: «إذا التقى المسلِمَانِ بسيْفِهِما، فالقاتلُ والمقْتُولُ في النَّارِ» قالوا: يا رَسولَ الله، هذا القاتلُ فما بالُ المقتولِ؟! قال: «لأنه كان حريصًا على قتْلِ صاحبهِ» أخرجه البخاري.

نشاط

1- ما القاعدةُ في كتابةِ الله تعالى للأشْياءِ؟

2- علامَ تُبنى مُضَاعَفةُ الحَسَناتِ عندَ الله تعالى؟

3- يسْتَدِلُّ بعضُهُم على جَوَازِ فعلِ المعاصي بأنَّ الله تعالى كَتَبَ السَّيِّئَاتِ، كيف تجيبُ عليْهِم؟

4- ما حُكْمُ الهَمِّ بالسَّيئَةِ في الأمَاكِنِ المعظَّمةِ شَرْعًا؟ استدلَّ لما تقولُ.

الحديث الثامن

الحديث الثامن: «ومن يستعفف يعفّه الله...»

عَنْ حَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ رضي الله عنه عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «وَمَنْ يَسْتَعْفِفْ يُعِفَّهُ الله، وَمَنْ يَسْتَغْنِ يُغْنِهِ الله، ومن يَتَصَبَّرْ يُصّبِّرْه الله» متفق عليه. وفي مسلم عن أبي سعيد الخُدْري رضي الله عنه : «وَمَا أُعْطِيَ أَحَدٌ مِنْ عَطَاءٍ خَيْرٌ وَأَوْسَعُ مِنَ الصَّبْرِ».

راوي الحديث

حكيم بن حزام بن خويلد القرشي، ولد حكيم في جوف الكعبة وعاش مائة وعشرين سنة، ستين سنة في الجاهلية وستين في الإسلام، مات سنة ٤٥هـ.

شرح المفردات

(يَسْتَعْفِفْ) أَيْ: يَمْتَنِعْ عَنِ السُّؤَالِ، ويكفَّ عن الحَرَامِ.

(يُعِفَّهُ الله) أَيْ: إِنَّهُ يُجَازِيه عَلَى اسْتِعْفَافه، بِصِيَانَةِ وَجْهِهِ وَدَفْعِ فَاقَتهِ.

وقيل: إما يَرْزُقهُ مِنْ الْمَالِ مَا يَسْتَغْنِي بِهِ عَن السُّؤَالِ، أو يَرْزُقهُ الْقَنَاعَةَ.

(وَمَنْ يَسْتَغْنِ) أَيْ: يُظْهِر الْغِنَى بِالِاسْتِغْنَاءِ عَنْ أَمْوَالِ النَّاسِ، والتُّعفُّفِ عَنِ السُّؤَالِ، حَتَّى يَحْسَبَهُ الْجَاهِلُ غَنِيًّا مِنَ التَّعَفُّفِ.

(يُغْنِهِ الله) أَيْ: يَجْعَلْهُ غَنِيًّا، أَيْ: بِالْقَلْبِ.

(ومن يَتَصَبَّرْ) أي: يتكلف الصَّبْرَ، ويتحملْ مرارتَهُ. والصبر: حَبْسُ النَّفْسِ عن كلِّ ما يكْرَهُهُ الله ولا يحبُّهُ، من اعْتِقادٍ أو قَوْلٍ أو عَمَلٍ.

(يُصَبِّرهُ اللَّه) أَيْ: فَإِنَّهُ يُقَوِّيه وَيُمَكِّنُهُ مِنْ نَفْسِهِ، حَتَّى تَنْقَادَ لَهُ.

أثنى الله تعالى على المتعفِّفِين، فقال: ﴿لِلۡفُقَرَآءِ ٱلَّذِينَ أُحۡصِرُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ لَا يَسۡتَطِيعُونَ ضَرۡبًا فِي ٱلۡأَرۡضِ يَحۡسَبُهُمُ ٱلۡجَاهِلُ أَغۡنِيَآءَ مِنَ ٱلتَّعَفُّفِ تَعۡرِفُهُم بِسِيمَٰهُمۡ لَا يَسۡـَٔلُونَ ٱلنَّاسَ إِلۡحَافًاۗ﴾ (البقرة: 273).

الشرح الإجمالي للحديث

هذا الحديثُ اشْتَمَلَ على أربعِ جملٍ جامِعَةٍ نافِعَةٍ:

الأولى: قوله: «ومن يستعفِفْ يعفَّهُ الله».

الثانية: قوله: «ومَنْ يَسْتَغْنِ يُغْنِهِ الله».

هاتانِ الجُمْلتانِ مُتلازِمَتانِ، فإنَّ كمَالَ العبْدِ في إِخْلاصِهِ لله تعالى؛ رَغْبةً ورَهْبةً وتعلُّقًا به دُونَ المخلوقِين، فعليه أن يسْعَى لتحقيقِ هذا الكَمَالِ، ويعملَ كلَّ سَبَبٍ يوصِلُهُ إلى ذلك، حتى يكُونَ عَبْدًا لله حَقًّا، حُرًّا مِنْ رِقِّ المخْلُوقِين.

وذلك بأنْ يجاهِدَ نفسَهُ بانصرافِها عن أَمْرَينِ:

الأولُ: التَّعَلُّقُ بالمخلوقين بالاسْتعفافِ عمَّا في أيْدِيهم، فلا يطلبه بمقالهِ ولا بلسانِ حالهِ.

ثم يُتَمِّمُ ذلك بمجَاهَدَةِ نفْسِهِ على الأمْرِ الثاني، وهو: الاسْتغناءُ بالله، والثِّقةُ بكفايتهِ، فإنه منْ يتوكلْ على الله فهو حسْبُهُ.

وكلُّ واحدٍ من الأمْرَينِ يمدُّ الآخَرَ فيقويِّه، فكلما قَوِيَ تعلُّقُه بالله ضَعُفَ تعلُّقُهُ بالمخلوقين، وبالعكسِ.

الثالثة: قوله: «ومن يتصبَّر يصبِّره الله».

الرَّابعةُ: «وَمَا أُعْطِيَ أَحَدٌ مِنْ عَطَاءٍ خَيْرٌ وَأَوْسَعُ مِنَ الصَّبْرِ».

وفِيهِما أنَّ مَنْ حَمَلَ نفسَهُ على الصَّبْرِ، فإن الله تعالى يعِينُهُ عليه، وأنَّ الصَّبرَ أفضَلُ عَطاءٍ من الله وأوسعُهُ وأعظمُهُ.

وإنما كان الصَّبرُ أعظمَ العطايا؛ لأنه يتعلقُ بجميعِ أمورِ العبْدِ، فكلُّ حالةٍ من أحوالهِ تحتاجُ إلى صبرٍ، فيحتاجُ إلى الصَّبرِ على طاعةِ الله، حتى يقُومَ بها ويؤدِّيها، وإلى صَبْرٍ عن مَعْصِيَةِ الله حتى يتركَهَا لله، وإلى صَبْرٍ على أقْدَارِ الله المؤْلمةِ، فلا يتسخَّطُها، بل إلى صَبْرٍ على نعَمِ الله ومحبُوباتِ النَّفْسِ، فلا يدعُ النَّفْسَ تمرَحُ وتفرَحُ الفَرَحَ المذْمومَ، بل يشْتغلُ بشُكْرِ الله، فهو في كلِّ أحْوَالهِ يحْتاجُ إلى الصَّبرِ، وبالصَّبرِ يَنالُ الفَلاحَ.

فوائد الحديث

1- ذمُّ سُؤالِ النَّاسِ أمْوالَهم وما آتاهُمُ الله من مَتاعِ الحياةِ الدُّنيا، والترغِيبُ في التعفُّفِ عن السُّؤالِ، لما فيهِ من إِراقةِ مَاءِ الوَجْهِ، وإهدارِ كَرَامةِ الإِنسانِ، فلا يجُوزُ إلّا لحاجَةٍ ماسَّةٍ على قَدْرِ الكِفايةِ عِنْدَ العَجْزِ عن السَّعْيِ، قال ﷺ: «مَا يَزَالُ الرَّجُلُ يَسْأَلُ النَّاسَ حَتَّى يَأْتِيَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ لَيْسَ فِي وَجْهِهِ مُزْعَةُ لَحْمٍ». متفق عليه

2- بيانُ فضْلِ كلٍّ من الاستعفافِ والصَّبرِ والاستغناءِ عمَّا في أيدي الآخرين.

3- أن الأخْلاقَ الكريمةَ يمكنُ اكتِسَابُها والوُصُولُ إليها عن طريقِ التعوُّدِ عليها.

4- الوَعْدُ النبويُّ الصَّادقُ المتجَلِّي في قوله: «ومن يستعفِفْ يعفَّه الله»، أي: من يطلب العفَّةَ لنفسِهِ ولا يسْألْ غَيْرَ ربِّهِ يعفَّهُ الله، فيكفيه وَيَسُدُّ حاجتَهُ.

وكذلك مَنْ يتصبَّرْ ويتكلف الصَّبرَ، فإن الله تعالى يصبِّرُه ويجعَلُهُ من الصَّابِرين.

5- بيانُ فضْلِ حَبْسِ النَّفسِ عن سُؤالِ غيرِ الله تعالى.

أخرج مسلمٌ عَنْ صُهَيْبٍ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «عَجَبًا لأَمْرِ الْمُؤْمِنِ إِنَّ أَمْرَهُ كُلَّهُ خَيْرٌ، وَلَيْسَ ذَاكَ لأَحَدٍ إِلا لِلْمُؤْمِنِ، إِنْ أَصَابَتْهُ سَرَّاءُ شَكَرَ فَكَانَ خَيْرًا لَهُ، وَإِنْ أَصَابَتْهُ ضَرَّاءُ صَبَرَ فَكَانَ خَيْرًا لَهُ».

وأخبر النبيُّ ﷺ بأنَّ الصَّبرَ عندَ الصَّدْمةِ الأُولى، فعن أنسٍ رضي الله عنه قال: «مرَّ النبيُّ ﷺ بامْرأةٍ تبكي عنْد قبرٍ، فقال: اتقي الله واصبرِي. قالت: إليْكَ عنِّي؛ فإنك لم تُصَبْ بمصيبَتي، ولم تعْرِفْهُ، فقيل لها: إنَّه النبيُّ ﷺ، فأتتْ بَابَ النبيِّ ﷺ فلم تجِدْ عِنْدَه بوَّابِين، فقالت: لم أعرِفْك، فقال: إنما الصَّبْرُ عِنْدَ الصَّدْمَةِ الأُولى» أخرجه البخاري.

قال ابنُ القيمِ: «فإنَّ مُفاجآتِ المصِيبةِ بغْتةً لها رَوْعةٌ تزَعْزِعُ القلْبَ، وتُزْعِجُهُ بصَدْمِها، فإنْ صَبَرَ الصَّدْمةَ الأُولى انكسَرَ حَدُّها، وضعُفت قوتُها، فهَانَ عليْهِ اسْتِدامَةُ الصَّبرِ».

نشاط

1- اكتب في ذمِّ سؤالِ النَّاسِ أمْوالَهم تكثُّرًا، وضَعْ ضَوابِطَ لهذا البابِ.

2- لِـمَ كان الصَّبرُ أعْظَمَ وأوْسَعَ ما يُعْطاهُ العَبْدُ؟

3- كيف يَكونُ هذا الحدِيثُ أصْلًا في تَرْكِ العَادَاتِ السَّيئةِ؟

4- تكلَّمْ عن فَضِيلةِ العَفَافِ والقَنَاعَةِ.

الحديث التاسع

الحديث التاسع: «إن مما أدرك الناس من كلام النبوّة الأولى...»

عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ الأنصاري رضي الله عنه قَالَ: النَّبِيُّ ﷺ: «إِنَّ مِمَّا أَدْرَكَ النَّاسُ مِنْ كَلاَمِ النُّبُوَّةِ الأولى: إِذَا لَمْ تَسْتَحِ فَاصْنَعْ مَا شِئْتَ» أخرجه البخاري.

راوي الحديث

أبو مسعود عقبة بن عمرو الأنصاري البدري؛ سمي بدريًّا لأنه نزل ماءً ببدر أو سكنها، فاشتهر بذلك، شهد بيعة الثانية، استخلفه علي بن أبي طالب رضي الله عنه على الكوفة، توفي سنة ٤١هـ.

شرح المفردات

(أَدْرَكَ النَّاسُ) بَلغَهُمْ وَعَلِمُوه.

(كَلاَمِ النُّبُوَّةِ الأولى) من شَرَائعِ الأنبيَاءِ التي لم تُنْسَخْ لاتفاقِ العُقُولِ عليْهِ؛ ولذلك كان مما اتَّفَقَ عَليْهِ الأنبِيَاءُ جَمِيعُهُم ودَعَوْا إليه.

(إِذَا لَمْ تَسْتَحِ) الحيَاءُ في اللغَةِ: الحِشْمَةُ.

وفي الاصْطِلاحِ: خُلُقٌ يحْمِلُ على إتيَانِ الحَمِيدِ وترْكِ القبيحِ.

وللجملة مَعْنَيَانِ:

الأولُ: إذا لم يكن عِنْدَك حياءٌ يمنعُكَ من فَعْلِ القَبِيحِ «فَاصْنَعْ مَا شِئْتَ» فيكون الأَمْرُ للتَّهْدِيدِ، أيْ: افْعَلْ ما بَدَا لك فإنَّك سُتعَاقَبُ عليه، كما في قوله تعالى: ﴿ٱعۡمَلُواْ مَا شِئۡتُمۡ إِنَّهُۥ بِمَا تَعۡمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ (فصلت: 40) أو أنَّ مثلَ ذلك لا يحْصُلُ إلَّا مِمَّنْ ذَهَبَ حَياؤُهُ أو قَلَّ.

الثَّاني: إذا كانَ ما تفعلُهُ ليس مما يُسْتحيَا منه «فَاصْنَعْ مَا شِئْتَ» فيكون الأَمْرُ للإِباحَةِ، أي: لك أن تفْعَلَ ما لا يُعَابُ ولا يُذَمُّ.

الشرح الإجمالي للحديث

الحديثُ يدلُّ على أنَّ الحيَاءَ ممدوحٌ، وكما هو في هَذِه الشَّرِيعَةِ فَهُو في الشَّرائعِ السَّابقَةِ، وهو من الأخْلاقِ الكرِيمَةِ التي توارَثتْها النُّبُوَّاتُ حتى انتهتْ إلى هَذِهِ الأمَّةِ.

والحياءُ نوْعَانِ:

1- الأولُ: ما كان خُلُقًا وجِبلَّةً غيرَ مُكتَسَبٍ، وهو مِن أَجَلِّ الأخْلاقِ التي يَمنحُها الله العبدَ ويجبلُهُ عليها؛ ولهذا قال ﷺ: «الحيَاءُ لا يأتِي إلَّا بخَيْرٍ» أخرجه البخاري ومسلم؛ لأنَّهُ يَكُفُّ عن ارْتِكَابِ القَبَائِحِ وَدَناءَةِ الأخْلاقِ، ويَحثُّ على استعمالِ مَكَارِمِ الأخْلاقِ ومَعَاليها.

2- الثاني: ما كان مكتسَبًا مِن مَعْرفةِ الله ومَعْرفةِ عَظَمتِهِ وقُرْبهِ من عِبادِهِ، واطِّلاعِهِ عليهم، وعلمِهِ بخَائنةِ الأعيُنِ وما تخفِي الصُّدُورُ، فهذا مِن أعلى خِصَالِ الإيمانِ، بل هُو مِن أعْلى دَرَجَاتِ الإِحْسَانِ.

وقد جَعَلَ النبيُّ ﷺ الحيَاءَ من الإِيمَانِ، كما في الصَّحِيحين عن ابنِ عُمَرَ رضي الله عنهما أن النَّبيَّ ﷺ مرَّ على رَجُلٍ وهو يُعاتِبُ أخَاه في الحيَاءِ، يقول: إنك لتسْتَحِيي، فقال رسولُ الله ﷺ: «دَعْهُ؛ فإنَّ الحَيَاءَ من الإيمانِ».

قال الجراح الحَكَمِي: «تركْتُ الذُّنوبَ حَيَاءً أرْبعِين سَنَةً، ثمَّ أدْرَكَني الوَرَعُ».

وقال بعضُهُم: «رأيتُ المعاصِيَ نذالةً، فتركتُها مُرُوءَةً، فاسْتَحَالتْ دِيَانَةً».

فوائد الحديث

1- أنَّ الآثارَ عن الأُمَمِ السَّابقةِ قد تبْقَى إلى هَذِهِ الأُمَّةِ، فتُنقَلُ إمَّا عن طَريقِ الوَحْيِ في القرآنِ، أو عن طريقِ السُّنةِ، أو يكونُ مما تناقَلَهُ النَّاسُ.

فأَمَّا القرآنُ، ففي قولهِ عزوجل: ﴿إِنَّ هَٰذَا لَفِي ٱلصُّحُفِ ٱلۡأُولَىٰ 18 صُحُفِ إِبۡرَٰهِيمَ وَمُوسَىٰ 19﴾ (الأعلى: ١٨-19)، وأمَّا السُّنةُ، فكثيرًا ما يَذْكُرُ النبيُّ ﷺ عن بني إِسرائيلَ.

2- فضلُ الحياءِ، وقد ثبَتَ عن النبيِّ ﷺ أنه قَالَ: «الحَيَاءُ شُعبَةٌ مِنَ الإِيمَانِ» أخرجه مسلم.

وما يؤثَرُ عن النُّبُوَّةِ الأولى (ويُسمَّى بشَرْعِ مَنْ قبْلنا) ينقسمُ إلى ثلاثةِ أَقْسَامٍ:

الأوَّلُ: ما شَهِدَ شَرْعُنا بِصِحَّتهِ، فهو صَحِيحٌ مَقْبولٌ.

الثَّاني: ما شَهِدَ شرعُنَا ببُطْلانهِ، فهو باطِلٌ مرْدُودٌ.

الثالثُ: ما لم يَرِدْ شَرْعُنا بتأْييدِه ولا تفْنِيدِه، فهذا يُتوقَّفُ فيهِ، وهذا هُوَ العدْلُ.

3- الحَياءُ منه ما يتعَلقُ بحقِّ الله عزوجل، ومنه ما يتعلَّقُ بحَقِّ المخْلوقِ.

أما الحَياءُ فيما يتعلقُ بحقِّ الله عزوجل، فيَجِبُ أن تسْتَحِييَ من الله عزوجل أنْ يَرَاكَ حَيْثُ نَهَاك، وأن يفقِدَكَ حَيْثُ أمَرَكَ.

وأما الحَيَاءُ من المخْلُوقِ، فأنْ تكُفَّ عن كلِّ ما يُخالِفُ المرُوءَةَ والأَخْلاقَ.

الحياءَ خُلُقٌ محمودٌ كله، وأما ما منع من فعل الواجب، أو أوْقعَ فيما يَحْرُمُ، فإنه ليس من الحياء، وإنما يُسمى خَجَلًا.

فتركُ الأمرِ بالمعروفِ والنهيِ عن المنكَرِ، وتركُ السُّؤالِ عن مسائلِ العِلْمِ، والسُّكوتُ عن بيانِ الحقِّ، فهذا ضعفٌ وخَوَرٌ، وليس من الحياءِ، وإن ادَّعَاه الناسُ؛ ولذلك قالت عائشةُ رضي الله عنها: «نعْمَ النساءُ نساءُ الأنصارِ، لم يمنعْهُن الحياءُ أن يتفقَّهْنَ في الدِّينِ» أخرجه البخاري ومسلم.

الحيَاءُ من صِفَاتِ الله تعالى، فهو سبحانه وتعالى حَيِيٌّ، يُحِبُّ الحَيَاءَ، قال النبيُّ ﷺ: «إن الله حَيِيٌّ سِتِّيرٌ، يحبُّ الحياءَ والسِّترَ» أخرجه أبو داود والنسائي، وصحَّحه الألباني.

4- على المسلمِ أن يجْعَلَ الحيَاءَ خُلُقًا لازِمًا له على الدَّوام، حتى يفوزَ بِرِضا ربهِ سبحانه وتعالى، وقد قِيل:

إذا لـم تَخْــشَ عاقبـةَ اللَّـيـَالي***ولـم تَسْتَحِ فَـاصْنَـعْ مـا تـَشَــاءُ

فـلا والله مَـا فـِي الْعَيْشِ خَيـــرٌ***ولا الدُّنيا إذا ذَهَـــبَ الحَيــَــاءُ

نشاط

1- اكتبْ بحثًا عن حاجةِ المسلمِ للحياءِ، مع ذكرِ أمْثلةٍ للحَياءِ.

2- كيف تحقِّقُ الحياءَ من الله تعالى، ومن الخَلْقِ؟

3- كيف توجِّهُ الأمْرَ في قوله ﷺ: «فَاصْنَعْ مَا شِئْتَ»؟

4- اذكُرْ أقْسَامَ (شَرْع مَنْ قبْلَنا) مع التَّمْثيلِ؟ استعنْ بمصَادِرَ خَارِجيَّةٍ.

الحديث العاشر

الحديث العاشر: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر...»

عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه عَنْ رَسُولِ الله ﷺ قَالَ: «مَنْ كانَ يُؤْمِنُ بِالله وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلْيَقُلْ خَيْرًا أَوْ لِيصْمُتْ، وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِالله وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلْيُكْرِمْ جَارَهُ، وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِالله وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلْيُكْرِمْ ضَيْفَه» متفق عليه.

شرح المفردات

(مَنْ كَانَ يُؤمِنُ) هذه جملةٌ شرْطِيَّةٌ، جوابُها: (فَليَقُلْ خَيْرًا أَو لِيَصْمُتْ).

والمقصودُ بهذه الصِّيغَةِ الحَثُّ والإِغْراءُ على قَوْلِ الخَيْرِ أو السُّكُوتِ.

والخيرُ نوعانِ: خيرٌ في المقالِ نفسِهِ، وخيرٌ في المرادِ بهِ.

أما الخَيْرُ في المقَالِ: فأنْ يَذْكُرَ الله عزوجل ويسبِّحَ ويحْمَدَ ويَقْرأَ القُرْآنَ ويعلِّمَ العِلْمَ، وَيأمُرَ بالمعْرُوفِ وينْهَى عن المنكرِ.

وأما الخيرُ لغيرِهِ: كأنْ يقولَ قولًا مباحًا ليس خيرًا في نفسِهِ، ولكن من أجْلِ إِدْخالِ السرور على جُلَسائِهِ، فإن هذا خيرٌ لما يترتَّبُ عليه من الأُنسِ وإزَالةِ الوَحْشةِ وحُصُولِ الأُلفَةِ.

والصَّمتُ كله خَيرٌ، وقد قيل: (إذا تمَّ العَقْلُ نقَصَ الكلامُ).

وقيلَ في الصَّمتِ: «هو زينةٌ بدونِ حِليةٍ، وهَيْبةٌ بدونِ سُلطانٍ، وحِصنٌ بدُونِ حَائطٍ».

قال الشاعر:

رأيتُ الكلامَ يزينُ الفتى *** والصَّمتُ خيرٌ لمن قد صَمَتْ

فَكَمْ مِن حُرُوفٍ تجرُّ الحتُوفَ *** ومِن ناطقٍ ودَّ أنْ لوْ سَكَتْ

(وَمَنْ كَانَ يُؤمِنُ بالله وَاليَومِ الآخِرِ فَلْيُكْرِمْ جَارَهُ) أي: جَارَه في البَيْتِ، والظَّاهرُ أنه يشْمَلُ حتَّى جارَهُ في العَمَلِ، لكنْ هُو في جارِ البيْتِ أظهرُ، وكلما قَرُبَ الجارُ مِنْك كَانَ حَقُّهُ أعْظَمَ.

الشرح الإجمالي للحديث

يرشدُنا هذا الحَدِيثُ إلى مَكَارِمِ الأخْلاقِ والآدابِ السَّاميَةِ؛ حيثُ إنه ينبغِي لكلِّ مُؤْمنٍ إذا أَرَادَ أنْ يتكلَّمَ أن يُفكِّر فيما يريدُ أن يتكلَّم به، فإن كان فيه خيرٌ له تكلَّمَ به، وإلا أَمْسَكَ عن الكَلامِ؛ لأنَّ كلَّ كلامِ ابنِ آدمَ عليه لا له، إلا ذِكْرَ الله، وأَمْرًا بمعْرُوفٍ أو نَهْيًا عن مُنْكَرٍ أو غَيْرَ ذلك مما فِيهِ صَلاحُ دِينِ العَبْدِ.

كما يَأْمُرُنا الحَدِيثُ بإكْرامِ الجَارِ لما فيهِ من أَدَاءِ حَقِّ الجارِ، وَمَكَارِمِ الأخْلاقِ التي تدعُو إلى كلِّ خيرٍ، وتدفعُ كلَّ شرٍّ، وإكرامِ الضَّيْفِ؛ لأنَّ إكرامَهُ من آدَابِ الإسْلامِ وخُلُقِ النبيِّين والصَّالحين.

فاشْتمَلَ الحديثُ على ثَلاثِ وَصَايا نافِعَةٍ: الصَّمتُ إلا عن الخيْرِ، وإكرامُ الجارِ، وإكرامُ الضَّيْفِ.

فوائد الحديث

1- جمع رسولُ الله ﷺ بين ذِكْرِ الإيمانِ بالله والإيمانِ باليومِ الآخِرِ في هذهِ الأُمُورِ الثَّلاثةِ؛ لأنَّ الإيمانَ بالله هو أساسُ الإيمانِ بكلِّ شيءٍ، فكلُّ ما يجِبُ الإيمانُ به تابعٌ للإيمانِ بالله تعالى.

2- قوله: «مَنْ كانَ يُؤْمِنُ بِالله وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلْيَقُلْ خَيْرًا أَوْ لِيصْمُتْ» هذه كلِمَةٌ جامِعَةٌ من جَوَامِعِ كَلِمهِ ﷺ، مُقتضاها حفظُ اللسانِ من الكلامِ، إلَّا في خَيْرٍ.

3- أنَّ السُّكُوتَ دائمًا ليس بِوَاجِبٍ، فالمقالُ ثلاثةُ أقْسَامٍ: خيرٌ، وشرٌّ، ولغوٌ.

فالخيرُ: هو المطْلوبُ. والشَّرُّ: محرَّمٌ. واللغوُ: ما ليس فيه خيرٌ ولا شرٌّ، فلا يحرُمُ أن يقولَ الإنسانُ اللغْوَ، ولكن الأفضلُ أن يسْكُتَ عنه.

فإذا دارَ الأمرُ بينَ أن أسْكُتَ أو أَتكلَّمَ، فالمختارُ السُّكُوتُ؛ لأنَّ ذلك أسْلَمُ.

كان أبو بكر الصِّديق رضي الله عنه يأخُذُ بلسانِهِ ويقولُ: هذا أوْرَدَني الموارِدَ!

وقال ابنُ مسعودٍ رضي الله عنه : «والله الذي لا إلهَ إلا هو، ما على الأرضِ أحقُّ بِطُولِ سَجْنٍ من اللسانِ».

4- أن حقَّ الجارِ من الحقوقِ المؤكَّدةِ على جارِهِ، وإكرامُهُ يكونُ بأن يصلَ إليه بِرُّه، وأنْ تحصلَ له السَّلامةُ من شرِّهِ.

الجيرانُ ثلاثةٌ:

جارٌ مسْلمٌ ذو قربى، له ثلاثةُ حقوقٍ: حقُّ الجوارِ، وحقُّ القرابةِ، وحقُّ الإسْلامِ.

جارٌ مسْلمٌ ليس بِذِي قُرْبى، له حقُّ الإسلامِ والجوارِ.

جارٌ غيرُ مسْلمٍ ولا بذِي قُربى، له حقُّ الجوارِ فقط.

وأوْلى الجيرانِ بالإحْسانِ مَن يكونُ أقربَهم بابًا؛ لمشاهدتهِ ما يدخلُ في بيْتِ جَارِهِ، فيَتَطلَّعُ إلى إحْسَانهِ إليْهِ.

وإِكرامُ الجارِ مطلقٌ يُرجَعُ فيه إلى العُرْفِ، فتارةً بأنْ تذهبَ إليه وتُسلمَ عليه وتجلسَ عندَهُ، وتارةً بأنْ تدْعُوَه إلى البيْتِ وتكْرِمَهُ، وتارةً بأنْ تُهْدِيَ إليه الهَدَايا.

5- أنَّ دينَ الإسلامِ دِينُ الألفةِ والتقارُبِ والتواصل والتعارُفِ

6- إكرامُ الضَّيْفِ من الحُقُوقِ التي للمسلِمِين على المسلِمِين، وهو من مَكَارِمِ الأخْلاقِ، قال ابنُ القيمِ رحمه الله: «إن للضَّيِفِ حقًّا على مَن نزَلَ به، وهو ثلاثُ مَرَاتِبَ: حَقٌّ واجِبٌ، وَتمامٌ مُسْتحَبٌّ، وَصَدَقةٌ من الصَّدَقاتِ» اهـ. وهذا في حديثِ أبي شُريحٍ الخُزَاعِي رضي الله عنه ، وفيه «مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَلْيُكْرِمْ ضَيْفَهُ جَائِزَتَهُ»: قِيل: وَمَا جَائِزَتُهُ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: «يَوْمٌ وَلَيْلَةٌ، وَالضِّيَافَةُ ثَلاَثَةُ أَيَّامٍ، فَمَا كَانَ وَرَاءَ ذَلِكَ فَهْوَ صَدَقَةٌ عَلَيْهِ». رواه البخاري ومسلم.

7- وُجُوبُ إكْرامِ الضَّيفِ بما يُعدُّ إِكْرامًا، وذلك بأنْ تتلقَّاهُ ببِشْرٍ وسُرُورٍ وَطَلاقَةِ وَجْهٍ، وَتَقُول له من العِبَاراتِ ما يُبيِّن ذلك.

والضَّيْفُ الذي يجِبُ إكرامُهُ، وله حَقٌّ على المُضِيفِ، هو: الضَّيْفُ المسافِرُ، القادِمُ من بلدٍ آخَرَ.

قال الشيخُ العثيمينُ رحمه الله: «وَتَجِبُ ضِيَافَةُ المُسْلِمِ الْمُجْتَازِ بِهِ فِي الْقُرَى يَوْمًا وَلَيْلَةً».

أما الزَّائرُ من البَلَدِ نفْسِهِ فلا شَكَّ أن إطْعَامَهُ وإكْرامَهُ يدْخُلُ في عُمُومِ الأَمْرِ بإطْعامِ الطَّعامِ والإحْسَانِ إلى النَّاسِ، ولكنَّه ليس هو الضَّيْفَ الذي أوْجَبَ النبيُّ ﷺ إكْرامَهُ، وجَعَلَ له حقًّا في مالِ المضيفِ.

نشاط

1- على ضَوْءِ دِراسَتِكَ لهذا الحَدِيثِ بيِّنْ كيفَ أُوتِيَ النَّبيُّ ﷺ جَوَامِعَ الكَلِمِ؟

2- تكلَّمْ عن فضيلةِ الصَّمْتِ، مبيِّنًا أقْسَامَ الكلامِ؟

3- أعدَّ بحْثًا في حقِّ الجارِ ووُجُوبِ إكرامِهِ.

4- ما المرادُ بالضَّيفِ الواجِبِ إكرامُهُ؟ ولـِمَ؟

الحديث الحادي عشر

الحديث الحادي عشر: «لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر...»

عَنْ عَبْدِ الله بْنِ مَسْعُودٍ رضي الله عنه عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ مِنْ كِبْرٍ» قَالَ رَجُلٌ: إِنَّ الرَّجُلَ يُحِبُّ أَنْ يَكُونَ ثَوْبُهُ حَسَنًا وَنَعْلُهُ حَسَنَةً، قَالَ: «إِنَّ الله جَمِيلٌ يُحِبُّ الْجَمَالَ، الْكِبْرُ بَطَرُ الْحَقِّ، وَغَمْطُ النَّاسِ» رواه مسلم.

راوي الحديث

عبد الله بن مسعود الهذلي؛ من أكابر الصحابة فضلا وعقلا، هاجر إلى أرض الحبشة الهجرتين، شهد بدرًا وأحدًا والخندق والمشاهد كلها مع رسول الله ﷺ، وكان أقرب الناس إليه هديًا وسمتًا، أخذ من فِيهِ سبعين سورة لا ينازعه فيها أحد، بعثه عمر إلى أهل الكوفة ليعلمهم أمور دينهم، توفي عام 32هـ.

شرح المفردات

(مِثْقَالُ ذَرَّةٍ) أي: زِنةُ ذَرَّةٍ، والذَّرَّةُ في المشْهُور: صِغَارُ النَّمْلِ، وقال ابنُ عباسٍ رضي الله عنهما: «إذا وَضعْتَ يَدَكَ في التُّرَابِ ثمَّ رفعْتَها، فكلُّ واحدَةٍ مما لزِقَ من التُّرابِ ذرَّةٌ».

(مِنْ كِبْرٍ) الكِبْرُ في اللغَةِ: العَظَمَةُ والتَّجَبُّرُ، وأمَّا في الشَّرْعِ فَقَدْ عرَّفَهُ النَّبيُّ ﷺ بقولهِ: «الْكِبْرُ بَطَرُ الْحَقِّ، وَغَمْطُ النَّاسِ».

(يُحِبُّ الْجَمَالَ) أي: يحبُّ التجمُّلَ، فيُحِبُّ أن يتجمَّلَ الإنْسانُ في ثيابِهِ، وفي نعْلِهِ، وفي بَدَنهِ، وفي جَمِيعِ شُؤونهِ.

(بَطَرُ الْحَقِّ) أي: ردُّهُ وعَدَمُ قَبُولهِ، والنَّظرُ إليْهِ بعَيْنِ الاسْتِصْغارِ.

(غَمْطُ النَّاسِ) أي: ازدِرَاؤُهُم واحْتقارُهُم.

ومن الخطأِ الفاحِشِ تفْسِيرُ الذَّرَّةِ التي جاءتْ في القُرآنِ أو السُّنةِ بالذَّرَّةِ في اصطلاح الكيميائيين، فهذا اصطلاحٌ معاصِرٌ ليس مَعْرُوفًا في كلامِ العَرَبِ الذي نزَلَ بهِ القُرآنُ، وَجَاءَت به السُّنَّةُ.

الشرح الإجمالي للحديث

هذا الحديثُ من أَحادِيثِ الوَعِيدِ، التي يطلِقُها الرَّسولُ ﷺ تنفيرًا عن الشَّيءِ، فالذي في قلبه كِبرٌ، إما أن يكونَ كِبرًا عن دين الحقِّ وكراهةً له، فهذا كافِرٌ مخلَّدٌ في النَّارِ ولا يدخلُ الجنَّةَ؛ لقولِ الله تعالى: ﴿ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمۡ كَرِهُواْ مَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ فَأَحۡبَطَ أَعۡمَٰلَهُمۡ﴾ (محمد: 9)، ولا يحْبَطُ العَمَلُ إلا بالكُفْرِ، كما قال تعالى: ﴿وَمَن يَرۡتَدِدۡ مِنكُمۡ عَن دِينِهِۦ فَيَمُتۡ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُوْلَٰٓئِكَ حَبِطَتۡ أَعۡمَٰلُهُمۡ فِي ٱلدُّنۡيَا وَٱلۡأٓخِرَةِۖ وَأُوْلَٰٓئِكَ أَصۡحَٰبُ ٱلنَّارِۖ هُمۡ فِيهَا خَٰلِدُونَ 217﴾ (البقرة: 217).

وأما إذا كان كبرًا على الخَلْقِ وتعَاظُمًا عليهِم، لكنه لم يسْتكبِرْ عن عِبَادَةِ الله، فهذا لا يَدْخُلُ الجنَّةَ دُخُولًا كامِلًا مُطْلقًا، لم يسبَقْ بعَذابٍ؛ بل إنه يكون مستحقا للعَذَاب على كِبْرِه وعلوِّهِ على الخَلقِ، ثم إذا طَهُر دَخَلَ الجنَّةَ.

ثم قال النبيُّ ﷺ: «إنَّ الله جميلٌ»، فكلُّ ما يصدُرُ عن الله عزوجل فإنه جميلٌ وليْسَ بقَبيحٍ؛ بل حَسَنٌ، تستحْسِنُهُ العُقُولُ السَّليمةُ، وتسْتسِيغُهُ النُّفوسُ المسْتقيمةُ.

أما الجمالُ الخَلْقِي الذي من الله عزوجل، فهذا إلى الله سبحانه وتعالى، ليْسَ للإِنسَانِ فيه حِيلةٌ، وليْسَ له فيهِ كَسْبٌ، وإنما ذَكَرَ النبيُّ ﷺ ما للإنسانِ فيه كسْبٌ، وهو التجمُّلُ.

فوائد الحديث

1- أنَّ الله تعالى جَميلٌ، جَميلٌ بذاتهِ جل وعلا، وبأفْعالهِ وبصِفَاتهِ، وكذلك يُحِبُّ التجَمُّلَ.

وكلَّما كانَ الإنسانُ مُتجَمِّلًا، كان ذلك أحَبَّ إلى الله تعالى، إذا كان هذا التجَمُّلُ مما يسَعُهُ، فلا ينْبَغِي لمن كان فَقِيرًا أن يذْهَبَ فيتكلَّفَ الثيابَ الجميلةَ أو النَّعْلَ الجمِيلةَ، لكِنْ إنْ كانْ قَدْ أنعَمَ الله عليْهِ وتجمَّلَ، فإنَّ الله تعالى يُحِبُّ أن يَرَى أثَرَ نعْمتِهِ على عَبْدِهِ؛ فإنَّه تعالى يحبُّ الجَمَالَ الظَّاهِريَّ والجَمَالَ الباطِنيَّ.

فالجَمَالُ الظَّاهِرُ: كالنَّظافَةِ في الجَسَدِ والملبَسِ والمسْكَنِ وَتَوابعِ ذلك.

والجَمَالُ الباطِنُ: التجمُّلُ بمعالي الأَخْلاقِ ومحاسِنِها.

2- تحْرِيمُ الكِبْرِ وذَمُّهُ، وهُو أنواعٌ ثَلاثَةٌ:

الأوَّلُ: الكِبْرُ على الله عزوجل، وهو أفْحَشُ وأعْظَمُ أنواعِ الكِبْرِ، وقد قصَّ الله تبارك وتعالى في كتابِهِ العزيزِ قَصَصَ المتكبِّرِين وما صارُوا إليه؛ حين لم يكن يمنعُهُم من الإيمانِ بالله سوى الكبرِ والعُجْبِ والفَخْرِ، فكان جزاؤُهم أن غضِبَ الله تعالى عليهم، وَسَامَهُم أشَدَّ العَذَابِ.

الثاني: الكِبْرُ على رسُولِ الله ﷺ، بأنْ يمتنِعَ من الانقِيَادِ له؛ تكـبُّرًا وَجَهْلًا وعِنَادًا، كما حَكَى الله ذلك عن كُفَّارِ مَكَّةَ وَغَيرِهِم من الأُمَمِ.

الثَّالثُ: الكِبْرُ على الخَلْقِ، وهو احْتقَارُهُم واسْتعْظامُ النَّفْسِ عليهِم، وهذا النَّوعُ -وإنْ كان دُونَ الأوَّلَيْنِ مَرْتبةً- إلا أنَّ إثمَهُ عَظيمٌ، وعقابَهُ أليمٌ. وصُوَرُ هذا النَّوعِ كثيرةٌ منها: التكبُّر بالمالِ، والجاهِ، والجَمَالِ، والقوَّةِ، وكثْرةِ الأَتْباعِ والأنْصارِ.

3- أنَّ الكِبرَ ليسَ للإنسَانِ ولا ينبغِي له؛ لأنّ الكِبرَ صِفةٌ من صِفَاتِ الرُّبوبيَّةِ، فعن أبي هريرةَ رضي الله عنه قال: قال ﷺ: «قال الله عزوجل: الكبْرِياءُ رِدَائي، والعَظَمَةُ إِزَارِي، فمَنْ نازَعَني وَاحِدًا مِنهُما قَذفْتُهُ في النَّارِ» أخرجه أحمدُ وأبو داود، وصححه الألباني.

فَضْلُ التَّوَاضُعِ:

التواضُعُ خَفْضُ الجَناحِ وَلينُ الجانبِ.

عن أبي هريرةَ رضي الله عنه عن رسولِ الله ﷺ قال: «ما نقَصَتْ صَدَقةٌ من مَالٍ، وما زَادَ الله عَبْدًا بعَفْوٍ إلا عِزًّا، وما تواضَعَ أَحَدٌ لله إلا رَفَعَهُ الله». أخرجه مسلم.

وقال ﷺ: «هوِّنْ عَليْك، فإنما أنا ابْنُ امرأةٍ من قُرَيشٍ، كانت تأكُلُ القَدِيدَ» أخرجه الحاكم وصححه.

والقديد: اللحْمُ الممَلَّحُ المجفَّفُ في الشَّمْسِ.

نشاط

1- اشْرَحْ مُسْتَوْفِيًا هذه العِبَارَةَ: (إِنَّ الله جَمِيلٌ يُحِبُّ الْجَمَالَ) اسْتعِنْ بمَصَادِرَ خَارِجيَّةٍ.

2- تَرِدُ هذه العِبارَةُ: (لا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ) في نُصُوصِ الشَّرعِ، بيِّنْ المرادَ بها.

3- من خِلالِ هذا الحَدِيثِ بيِّنْ خَطَرَ الكِبْرِ.

*الحديث الثاني عشر

الحديث الثاني عشر: «أتدرون ما الغيبة؟...»

عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ، قَالَ: «أَتَدْرُونَ مَا الْغِيبَةُ؟» قَالُوا: الله وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: «ذِكْرُكَ أَخَاكَ بِمَا يَكْرَهُ» قِيلَ: أَفَرَأَيْتَ إِنْ كَانَ فِي أَخِي مَا أَقُولُ؟ قَالَ: «إِنْ كَانَ فِيهِ مَا تَقُولُ، فَقَدِ اغْتَبْتَهُ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ فَقَدْ بَهَتَّهُ» رواه مسلم.

شرح المفردات

(بَهَتَّهُ) أي: قلتَ فيه البُهتانَ، وهو الباطلُ، وأصْلُ البُهْتانِ أنْ يقالَ له الباطِلُ في وجْهِهِ، كما قال تعالى: ﴿وَٱلَّذِينَ يُؤۡذُونَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ وَٱلۡمُؤۡمِنَٰتِ بِغَيۡرِ مَا ٱكۡتَسَبُواْ فَقَدِ ٱحۡتَمَلُواْ بُهۡتَٰنًا وَإِثۡمًا مُّبِينًا﴾ (الأحزاب: 58).

والغِيبَة: في اللغةِ من الغَيْبِ، وهو كلُّ ما غابَ عنك؛ وسُمِّيَت بذلك لغِيَابِ المذْكورِ حين ذَكَرَهُ الآخَرُون.

وفي الاصْطِلاحِ: ذِكْرُ الإنسانِ في غَيبتهِ بما يَكْرَهُ.

قال ابنُ كثيرٍ: «والغِيبةُ محرَّمَةٌ بالإجْماعِ، ولا يُستثنى من ذلك إلا ما رَجَحَتْ مَصْلحتُهُ، كما في الجَرْحِ والتَّعْدِيلِ والنَّصِيحَةِ».

الشرح الإجمالي للحديث

بيَّن الحديثُ حَقيقَةَ الغِيبةِ، وهي ذِكْرُ الإنسانِ في غيبتهِ بِسُوءٍ، وإنْ كان فيه.

قال النوويُّ: «ذِكرُ المرْءِ بما يَكْرَهُ، سَوَاءٌ كان في بَدَنِ الشَّخْصِ أو دِينهِ أو دُنياه أو نفْسِهِ أو خُلُقِهِ أو مَالهِ أو وَالدِهِ أو وَلَدِهِ أو زَوْجِهِ أو خادمِهِ أو حَرَكتِهِ أو طلاقتِهِ أو عُبُوسَتِهِ، أو غيرِ ذلك مما يتعَلقُ به ذِكرُ سُوءٍ، سَوَاءٌ ذِكرٌ باللفظِ أو بالرَّمْزِ أو بالإشارةِ».

وقال رحمه الله: «ومن ذلك: التعْريضُ في كلامِ المصنِّفين، كقولهِم: قال من يدَّعي العِلمَ، أو بعْضُ من يُنسَبُ إلى الصَّلاحِ، أو نحو ذلك مما يَفهَم السَّامعُ المرادَ به، ومنه قولُهم عندَ ذِكْرِهِ: الله يُعافينا! الله يتوبُ علينا! نَسْأَلُ الله السَّلامةَ ونحو ذلك، فكُلُّ ذلك من الغِيبةِ».

قال ابنُ تيميةَ: «ومنهم من يُخرِجُ الغِيبةَ في قالبِ التعَجُّبِ، فيقولُ: تعجَّبتُ من فُلانٍ، كيف لا يعْمَلُ كَيْتَ وكَيْتَ؟!».

فوائد الحديث

1- تحريمُ عِرْضِ المسْلِمِ، أي: غِيبتِهِ، وهي من كبائرِ الذُّنُوبِ، وقد ذمَّها الله تعالى في كِتابِهِ العَزِيزِ، وَضَرَبَ لها أَسْوأَ المَثَلِ؛ تقْبِيحًا لها، فقال تعالى: ﴿وَلَا يَغۡتَب بَّعۡضُكُم بَعۡضًاۚ أَيُحِبُّ أَحَدُكُمۡ أَن يَأۡكُلَ لَحۡمَ أَخِيهِ مَيۡتًا فَكَرِهۡتُمُوهُۚ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَۚ﴾ (الحجرات: 12).

وعن أنسٍ رضي الله عنه قال: قال رسولُ الله ﷺ: «لما عُرِجَ بي مَرَرْتُ بقَوْمٍ لهم أظفارٌ من نُحَاسٍ يخمِشُون وُجُوهَهُم وَصُدُورَهُم، فقلتُ: من هَؤُلاءِ يا جِبْريلُ؟ قال: هؤلاء الذين يأكُلون لحُومَ الناسِ، ويَقَعُون في أَعْراضِهِم» رواه أحمد وأبو داود وصححه الألباني.

وعن عائشةَ رضي الله عنها قالت: قلتُ للنبيِّ ﷺ: حَسْبُكَ من صَفِيَّةَ أنَّها كذا وكذا -تعني قَصِيرةً- فقال: «لقَدْ قلْتِ كلمةً لو مُزِجَتْ -أي: خُلِطَت- بماءِ البحرِ لمزجَتْه -أي: غيَّرَتْهُ وأفسَدَتْهُ-» رواه أبو داود وصححه الألباني.

2- الغِيبةُ فسَّرَها النبَّيُّ ﷺ بأنها: «ذِكْرُك أخاك بما يَكْرَهُ في غِيبتهِ»، فإن كان في حُضُورِهِ فهو سَبٌّ وليس بغِيبةٍ؛ لأنه حاضرٌ، يستطيعُ أن يدافِعَ عن نفسِهِ.

3- الغِيبةُ أن تذكر أخاك بما يكرَهُ في دِينهِ أو خُلُقهِ أو خِلْقَتِهِ، فتشْمَلُ الغِيبةُ ما يكرَهُهُ من عَيْبٍ خَلْقِي وعيبٍ خُلُقي وعيبٍ دِينيٍّ.

فمن العَيْبِ الخَلْقي: لو قُلتَ: إنه أعرجُ، أعورُ، أو طويلٌ، أو قصيرٌ، أو ما أشبهَ ذلك، وهو يكرَهُ ذلك، أو قلتها على وجْهِ الانتقاصِ، فهذه غِيبة.

ومن العَيْبِ الخُلُقِي: لو ذكرتَهُ بأنه ليس بعَفيفٍ، يتتبَّعُ النِّسَاءَ، ينظرُ إليهِنَّ، وما أشبَهَ ذلك.

ومن العَيْبِ الدِّيني: أن تقُولَ إنه مُبْتدِعٌ، أو إنه لا يُصَلي مع الجَمَاعةِ، أو إنه لا يواظِبُ على الفَجْرِ، وما أشْبَهَ ذلك.

4- أن الغِيبةَ تختلفُ مراتبُها باخْتلافِ ما ينتِجُ عنها، فغِيبةُ العُلماءِ أشدُّ من غيرِهِم؛ لأنَّ غِيبةَ العُلمَاءِ تتضمنُ الاعتداءَ على أشخاصِهِم، وتتضمنُ الاعتداءَ على ما يحملونه من الشَّريعةِ؛ لأنَّ الناسَ إذا خَفَّ ميزانُ العالمِ عندَهُم لم يقبلوا منه شيئًا.

5- أنك إذا سُلِّطت على عَيْبِ أخِيك ونشرتَهُ وتتبَّعْتَ عَوْرتَهُ، فإنَّ الله تعالى يقيِّض لك من يفْضَحُك ويتتبعُ عوْرَتَك حيًّا كنتَ أو مَيِّتًا؛ لأنَّ النبيَّ ﷺ قال: «يَا مَعْشَرَ مَنْ أَسْلَمَ بِلِسَانِهِ وَلَمْ يُفْضِ الإِيمَانُ إِلَى قَلْبِهِ، لَا تُؤْذُوا المُسْلِمِينَ وَلَا تُعَيِّرُوهُمْ وَلَا تَتَّبِعُوا عَوْرَاتِهِمْ، فَإِنَّهُ مَنْ تَتَبَّعَ عَوْرَةَ أَخِيهِ المُسْلِمِ تَتَبَّعَ الله عَوْرَتَهُ، وَمَنْ تَتَبَّعَ الله عَوْرَتَهُ يَفْضَحْهُ وَلَوْ فِي جَوْفِ رَحْلِهِ» رواه أبو داود، وصححه الألباني.

6- أنَّ غيرَ المسلم تجُوزُ غيبتُهُ قال ابنُ المنذرِ: «في الحديثِ دليلٌ على أنَّ من ليس بأخٍ كاليَهُوديِّ والنَّصَرانيِّ وسائرِ أهلِ المِلَلِ، ومن قد أخرجته بدعتُهُ عن الإسْلام لا غِيبةَ له».

7- في التَّعْبيرِ عنه بالأَخِ حَثٌّ للمُغْتابِ أن يمتنعَ عنْ غِيبتِهِ؛ لأنه إذا كان أخًا له فالأوْلى الحُنُوُّ عليهِ وطَيُّ مَسَاوِيهِ والتأوُّلُ لمعايبِهِ، لا نَشْرُها وذِكْرُها.

8- في قولهِ ﷺ: «بما يَكْرَهُ» ما يُشعِر بأنه إذا كان لا يكرَهُ ما يُعابُ به كأهلِ الخَلاعَةِ، فإنه لا يكون غِيبةً.

قال النوويُّ: بابُ بيانِ ما يباحُ من الغِيبةِ:

اعلم أن الغِيبةَ تباحُ لغرضٍ صحيحٍ شرعيٍّ، لا يمكنُ الوُصُولُ إليه إلا بِها، وهو سِتةُ أسْبابٍ:

الأولُ: التظلُّمُ، فيجوزُ للمظلومِ أن يتظلمَ إلى السُّلطانِ والقَاضي .. فيقُولُ: ظَلَمَني فلانٌ بكذا.

الثاني: الاسْتعانةُ على تغْييرِ المنْكَرِ وَرَدِّ العاصِي إلى الصَّوابِ، فيقولُ لمنْ يقْوَى على تغْييرِه: فلانٌ يعمَلُ كذا فازْجُرْه عنه.

الثالثُ: الاسْتِفتاءُ، فيقولُ للمُفْتي: ظَلَمَني أبي أو أخِي أو زَوْجِي أو فُلانٌ بكذا.

الرابعُ: تحذيرُ المسْلِمِين من الشَّرِّ ونَصِيحَتُهُم، وذلك من وُجُوهٍ؛ منها: جَرحُ المجرُوحِين من الرُّواةِ والشُّهودِ، وذلك جائزٌ بإجماعِ المسلمين، بل واجبٌ للحاجَةِ.

الخامسُ: أن يكون مُجَاهِرًا بفِسْقِهِ أو بِدْعَتِهِ كالمجاهِرِ بشُرْبِ الخمْرِ، ومُصَادَرَةِ الناسِ وأخْذِ المَكْسِ وجِبَايةِ الأموالِ ظلمًا، فيجُوزُ ذكرُهُ بما يجَاهِرُ به.

السَّادسُ: التعْريفُ، فإذا كان الإنسانُ معْرُوفًا بلَقَبٍ، كالأعْمشِ والأعْرَجِ والأَصَمِّ والأعْمَى والأحْوَلِ جَازَ.

فهذه ستةُ أسبابٍ ذكَرَها العلماءُ وأكثرُها مجمعٌ عليه، ودلائلُها من الأحاديثِ الصحيحةِ المشهورةِ؛ فمن ذلك: ‏

عن عائشة رضي الله عنها أن رَجُلًا اسْتأذَنَ على النبيِّ ﷺ فقال: «ائذنوا له، بِئْسَ أخو العشيرةِ» متفق عليه.

وعنها رضي الله عنها قالت: قال رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «ما أظُنُّ فُلانًا وفُلانًا -شَخْصَينِ كانا من المنافِقِين- يعْرِفَانِ من دينِنا شَيْئًا» رواه البخاري.

وعن فاطِمةَ بِنْتِ قَيْسٍ رضي الله عنها قالتْ: أَتيْتُ النبيَّ ﷺ فقُلْتُ: إنَّ أَبا الجَهْمِ وَمَعَاوِيةَ خَطَبَاني، فقال رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «أمَّا مُعَاوِيَةُ فَصُعْلُوكٌ -أي: فقِيرٌ- لا مَالَ له، وأمَّا أبو الجَهْمِ فَلا يَضَعُ العَصَا عن عَاتقِهِ» متفق عليه.

وعن عائشةَ رضي الله عنها قالت: قالت هِنْدُ امْرَأَةُ أَبي سُفْيانَ رضي الله عنهما للنَّبيِّ ﷺ: إنَّ أبا سُفيانَ رَجُلٌ شَحِيحٌ، وليْس يُعْطِيني ما يَكْفِيني وَوَلدِي، إلا ما أخَذْتُ مِنهُ وهو لا يَعْلَمُ، قال: «خُذِي ما يَكفِيكِ وَوَلدَكِ بالمعْرُوفِ» مُتَّفَقٌ عليه.

وقد جَمَعَ ذلك بعضُ العُلَماءِ في بيتينِ من الشِّعْرِ:

القَدْحُ ليـس بغِيبةٍ في سِتَّةٍ *** مُتــظلِّمٍ وَمُعَرِّفٍ ومُحَذِّرِ

ومُجاهرٍ فِسْقًا ومُسْتَفْتٍ ومَنْ *** طَلَبَ الإِعَانةَ في إِزَالةِ مُنْكَرِ

نشاط

1- ما هو ضَابِطُ الغِيبةِ المحرَّمَةِ؟ مبيِّنا خَطَرَ غِيبةِ العُلَماءِ.

2- استثنى العُلَمَاءُ مِن الغِيبةِ بعْضَ المواضِعِ، فما وَجْهُ استثْنائها؟ اسْتعِنْ بمصدرٍ خارِجِيٍّ.

3- اكتبْ في خَطَرِ تتبُّعِ عَوْرَاتِ المسلمين، وَمَا الواجِبُ عَلَى المُسْلِمِ تِجَاهَ ذلك؟

4- بيِّنْ كَوْنَ هذا الحَدِيثِ من جَوَامِعِ كَلِمِ النبيِّ ﷺ.

الحديث الثالث عشر

الحديث الثالث عشر: «لا حسد إلا في اثنتين...»

عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بنِ مَسْعُودٍ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «لاَ حَسَدَ إِلَّا فِي اثْنَتَيْنِ: رَجُلٌ آتَاهُ الله مَالًا فَسُلِّطَ عَلَى هَلَكَتِهِ فِي الحَقِّ، وَرَجُلٌ آتَاهُ الله الحِكْمَةَ فَهُوَ يَقْضِي بِهَا وَيُعَلِّمُهَا» متفق عليه.

شرح المفردات

(لاَ حَسَدَ) الحَسَدُ في اللغةِ: تمنِّي الحاسِدِ زَوَالَ نعْمَةِ المحسُودِ، وهو في الشَّرعِ أعمُّ منهُ في اللغَةِ.

والمرادُ بهِ هُنا حَسَدُ الغِبْطةِ، وهو أنْ يَرَى النِّعْمةَ في غيرِهِ فيتمنَّاهَا لنفْسِهِ، من غَيرِ أن يتمنَّى أن تزُولَ عن صَاحِبِها، وهو جَائزٌ ومحْمُودٌ.

(فَسُلِّطَ عَلَى هَلَكَتِهِ فِي الحَقِّ) أي: تغلَّبَ على شُحِّ نفسِهِ، وأنفقَهُ في وُجُوهِ الخيرِ.

(هَلَكَته) أي: إِهْلاكِهِ، وعبَّر بذلك ليَدُلَّ على أنَّه لا يُبْقِي مِنْه شَيْئًا .

وكمَّله بِقَولهِ: (في الحقِّ) أي: في الطَّاعَاتِ؛ ليرْفَعَ عنه أنْ يكُونَ المرادُ الإسْرافَ المذْمُومَ.

(الحِكْمَةَ) أي: العِلْمَ الذي يمْنَعُ من الجَهْلِ، ويزْجُرُ عَن القَبِيحِ.

مراتبُ الحَسَدِ أرْبَعَةٌ:

1- الأولى: تمنِّي زَوَالِ النِّعْمةِ عن المنْعَمِ عليه، ولو لم تنْتقِلْ للحَاسِدِ.

2- الثانية: تمنِّي زوالِ النَّعْمةِ عن المنعَمِ عليه، وحُصُولِ الحاسِدِ عليها.

3- الثالثة: تمنِّي حُصُولِ الحاسِدِ على مِثْلِ النِّعْمةِ التي عند المنعَمِ عليه، حتى لا يحْصُلَ التفاوُتُ بينَهُما، فإذا لم يَسْتطِعْ الحُصُول عليها تمنَّى زوالَها عن المنْعَمِ عليه.

4- الرابعةُ: حَسَد الغِبْطَةِ، ويُسمَّى حَسَدًا مجازًا، وهو تمنِّي حصولهِ على مثلِ النعمةِ التي عند المنعَم عليه، من غيرِ أن تزولَ عنه، وهو المعنيُّ بهذا الحديثِ.

الشرح الإجمالي للحديث

هذا الحديثُ يُشِيرُ إلى أنَّ الحَسَد نوعانِ:

الأوَّل: نوعٌ محرَّمٌ مَذُمومٌ على كلِّ حالٍ، وهو أن يكره نعمةَ الله على العَبْدِ -دينيَّةً أو دنيويَّةً- ويتمنَّى زوالَها، وهذا النُّوع هو الذي يأكُلُ الحَسَناتِ كما تأكلُ النارُ الحطَبَ، وهو مذمومٌ بكلِّ حالٍ، فالحَسُودُ يعْترِضُ على قَضَاءِ الله وقَدَرِهِ، ويعْترِضُ على حِكْمتِهِ، ويُسِيءُ الأدَبَ في كونهِ لا يرى هذا الشَّخْصَ مُناسِبًا لهذا العَطاءِ، وأن شخصا آخر أولى بهذا العَطَاءِ!!

ألا قـل لمن باتَ لي حاسدًا أتدري على من أسأتَ الأدب

أسـأتَ على الله في فِعْـلــه إذا أنت لم ترضَ لي ما وهب

الثاني: ألَّا يتمنَّى زوالَ نِعْمَةِ الله عن الغَيْرِ، ولكن يتمنَّى حُصُولَ مثلِها له، أو فَوْقَها أو دُونَها، فهذا من بابِ تمنِّي الخيرِ، فإن سَعَى وعَمِل لتحصيلهِ، فهو خيرٌ عظيمٌ يسْعَى إليهِ.

وأعظمُ مَن يُغبطُ:

1- مَن كان عِنْدَه مَالٌ، جَمَعَه من حَلالٍ، ثم سُلِّط ووُفِّق في إنفاقِهِ في الخَيرِ، وفي الحُقُوقِ الواجِبَةِ والمسْتَحبَّةِ.

2- مَن كان عِندَهُ عِلمٌ وحِكْمةٌ، علَّمَه الله إياها، فوُفِّق لبذلها في التَّعْليمِ، والحُكْمِ بينَ الناسِ.

فوائد الحديث

1- أن الحَسَدَ المحرَّمَ الذي هو من كبائِرِ الذُّنوبِ: أنْ يكرَهَ الإنسانُ ما أَنعَمَ الله به على غَيْرِه، من عْلمٍ أو مَالٍ أو وَلَدٍ ونحوه، وأن يتمنَّى زوالها عنه، فهذا من خِصَالِ أهْلِ الكِتَابِ، كما قال الله تعالى: ﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِّنۡ أَهۡلِ ٱلۡكِتَٰبِ لَوۡ يَرُدُّونَكُم مِّنۢ بَعۡدِ إِيمَٰنِكُمۡ كُفَّارًا حَسَدًا مِّنۡ عِندِ أَنفُسِهِم﴾ (البقرة: 109).

2- الحسَدُ منفيٌّ شَرْعًا، واستُعْمِلَ لفظ الحسد في الحديثِ تجوُّزًا.

قال ابنُ عبدِ البرِّ: «فكأنه ﷺ قال: لا حَسَدَ، ولكن الحَسَدُ ينبغي أن يكونَ في قيامِ الليلِ والنَّهارِ بالقُرآنِ، وفي نَفَقَةِ المالِ في حَقِّهِ، وتعْليمِ العِلْمِ أَهْلَهُ».

3- فَضْلُ العِلْمِ والعَمَلِ به، والحَثُّ على اكتِسَابِ المالِ من وُجُوهِهِ المشْرُوعَةِ، وإنفاقِهِ في جِهَاتِ البرِّ والإِحْسَانِ.

الناسُ في الحِكْمةِ ينقَسِمُون إلى أرْبَعَةِ أقْسامٍ:

قِسمٌ آتاهُ الله الحِكْمَةَ، فبَخِلَ بها حتى على نَفْسِهِ، فلم ينتفعْ بها في نفسِهِ، ولم يعْمَلْ بِطَاعَةِ الله، ولم ينْتَهِ عن مَعْصِيَةِ الله، فهذا خاسِرٌ -والعِياذُ بالله- بل هذا يُشْبِهُ اليهودَ الذين علِمُوا الحقَّ واسْتكبرُوا عنْهُ.

قسمٌ أعطاه الله الحِكْمةَ فعمِلَ بها في نفسِهِ، لكن لم ينفَعْ بها عبادَ الله، وهذا خيرٌ من الذي قَبْلَه، لكنه ناقصٌ.

قسمٌ أعطاه الله الحِكْمَةَ، فَقَضَى بِهَا وعمِلَ بها في نفْسِهِ وعَلَّمَها النَّاسَ، فهذا خيرُ الأقْسَامِ.

قسمٌ لم يؤتَ الحِكمةَ إطْلاقًا فهو جَاهِلٌ، وهذا حُرِم خَيْرًا كثيرًا، لكنَّه أحْسَنُ حالًا ممن أُوتِيَ الحِكْمَةَ ولم يعمَلْ بها؛ لأنَّ هَذا يُرجَى إذا عَلِمَ أن يتعلَّم ويعمَلَ، بخِلافِ الذي أعْطاهُ الله العِلمَ، وكان عَمَلُهُ وبالًا عليه، والعِياذُ بالله.

نشاط

1- عَرِّفِ الغِبطةَ والحَسَدَ، مُبَـيِّـنًا الفَرْقَ بينَهُمَا، ومُسْتَدِلًّا لما تَقُولُ.

2- أيُّ مَرَاتِبِ الحَسَدِ أسْوأُ؟ مع ذِكْرِ ما يُفِيدُ ذمَّ هذهِ المرْتَبةِ من أَدِلَّةِ الشَّرعِ.

3- دَرَسْتَ أنَّ الغِبْطةَ الحقيقيَّةَ في مَوْضِعَينِ فقطْ، فما وَجْهُ مَدْحِها فِيهِما؟

الحديث الرابع عشر

الحديث الرابع عشر: «انظروا إلى من أسفل منكم...»

عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ: «انْظُرُوا إِلَى مَنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ، وَلَا تَنْظُرُوا إِلَى مَنْ هُوَ فَوْقَكُمْ، فَهُوَ أَجْدَرُ أَنْ لَا تَزْدَرُوا نِعْمَةَ الله عَلَيْكُمْ» متفق عليه، واللفظ لمسلم.

شرح المفردات

(أَجْدَرُ) أَحَقُّ.

(تَزْدَرُوا) أيْ: تحْتقِرُوا.

الشرح الإجمال للحديث

هَذَا الْحَدِيثُ جَامِعٌ لِمَعَانِي الْخَيْرِ؛ لِأَنَّ الْمَرْءَ لَا يَكُون عَلَى حَالِ نقْصٍ في الدُّنْيَا، إِلَّا وَجَدَ مِنْ أَهْلِهَا مَنْ هُوَ أنْقَصُ حَالًا مِنْهُ، فَإِذَا تَفَكَّرَ فِي ذَلِكَ عَلِمَ أَنَّ نِعْمَةَ اللَّهِ وَصَلَتْ إِلَيْهِ، دُونَ كَثِيرٍ مِمَّنْ فُضِّلَ عَلَيْهِ بِذَلِكَ، فَيُلْزِمُ نَفْسَهُ شُكْرَ الله على مَا هُوَ فِيهِ مِنْ عَافيَةٍ.

وَقَدْ اعْترَفَ أَعْظَمُ الشَّاكِرِين ﷺ بالعَجْزِ عن شُكْرِ نِعَمِ الله تعالى، فقال ﷺ: «لا أُحْصِي ثناءً عليك، أنتَ كما أَثْنَيْتَ على نفْسِكَ» أخرجه مسلم.

فوائد الحديث

1- أنَّ العَبْدَ إِذَا نَظَرَ إِلَى مَنْ فُضِّلَ عَلَيْهِ فِي الدُّنْيَا اسْتَصْغَرَ مَا عِنْدَهُ مِنْ نِعَمِ اللَّهِ؛ فَكَانَ سَبَبًا لِمَقْتِهِ، وَإِذَا نَظَرَ لِلدُّونِ شَكَرَ النِّعْمَةَ وَتَوَاضَعَ وَحَمِدَ، فَيَنْبَغِي لِلْعَبْدِ ألا يَنْظُرَ إِلَى من فُضِّلَ عَليْهِ من أَهْلِ الدُّنيا؛ فَإِنَّهُ يُحَرِّكُ دَاعِيَةَ الرَّغْبَةِ فِيهَا؛ وَمِصْدَاقُهُ قوله تعالى: ﴿وَلَا تَمُدَّنَّ عَيۡنَيۡكَ إِلَىٰ مَا مَتَّعۡنَا بِهِۦٓ أَزۡوَٰجًا مِّنۡهُمۡ زَهۡرَةَ ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَا لِنَفۡتِنَهُمۡ فِيهِۚ وَرِزۡقُ رَبِّكَ خَيۡرٌ وَأَبۡقَىٰ﴾ (طه: 131).

قال عَوْنُ بنُ عَبْدِ الله رحمه الله: «كنتُ أُجَالسُ الأغْنيَاءَ فلم أزَلْ مَغْمُومًا، كنْتُ أَرَى ثوبًا أحْسَنَ من ثوْبِي، ودابَّةً أفْرَهَ من دَابَّتي، فَجَالسْتُ الفُقَرَاءَ فاسْتَرَحْتُ».

2- إرْشادُ العَبْدِ إلى ما يَشْكُرُ به النِّعْمَةَ، فيَنْظُرُ النَّاظِرُ في الدُّنيا إلى المبْتَلى بالأَسْقامِ، وينظُرُ فِيما هُو فِيهِ من العَافِيَةِ، التي هي أصلُ كلِّ إِنعامٍ، فيَشْكُرُ الله تعالى.

وينظُرُ إلى مَنْ في خِلْقتِهِ نقْصٌ من عَمًى أو صَمَمٍ أو بَكَمٍ، وينظُرُ ما هُو فيه من السَّلامَةِ عن تلك العَاهَاتِ، فيشكُرُ الله تعالى.

3- أنَّ من وُفِّق للاهْتداءِ بِهَذا الهَدْي الذي أَرْشَدَ إليه النبيُّ ﷺ لم يَزَلْ شُكْرُهُ في زِيَادةٍ، ومن عَكَسَ الأَمْرَ، ونظرَ إلى مَنْ فَوْقَه في الصِّحَّةِ والمالِ والرِّزْقِ وغَيْرِ ذلك، فإنه لا بُدَّ أن يزْدَرِيَ نعْمَةَ الله عَليْهِ، ويفْقِدَ شُكْرَه، ومتى فَقَدَ الشُّكْرَ زالتْ عنه النِّعَمُ، وَتَسَابَقَت إِليْهِ النِّقَمُ، نسْألُ الله العَافِيَةَ.

وينظر إلى من ابْتُلِيَ بالفَقْر المدقِعِ أو بالدَّيْنِ المفْظِعِ، ويعلمُ ما صَارَ إليه من السَّلامَةِ من الأَمْرَينِ، فيشْكُرُ الله تعالى.

4- لما كانَ مَدَارُ الخيْرِ وعنوَانُهُ على الشُّكْرِ قال ﷺ لمعَاذِ بنِ جَبَلٍ رضي الله عنه : «إني أحبُّك، فلا تَدَعَنَّ أن تقولَ دُبُرَ كلِّ صَلاةٍ مَكتُوبةٍ: اللهم أَعِنِّي على ذِكْرِكَ وشُكْرِكَ وحُسنِ عِبَادَتِكَ». أخرجه أحمدُ وأبو داود، وصحَّحَه الألباني.

5- هذا الحديثُ دواءٌ من الحَسَدِ ونحوه، والحَسَدُ حَرامٌ، فعن أنس بنِ مالكٍ رضي الله عنه أن رسولَ الله ﷺ قال: «لا تبَاغَضُوا ولا تحَاسَدُوا.. الحديثَ» رواه مسلم.

نشاط

1- اُكْتُبْ عن أثَرِ هذا الحَدِيثِ في الاستقرارِ النَّفْسِيِّ والاجْتماعِيِّ.

2- تَنَاوَلَ هذا الحَديثُ أَمْرَينِ عَظِيمَينِ، ما هُمَا؟ وَبِمَ كان التوْجِيهُ فيهِمَا؟

3- هذا الحَدِيثُ أَصْلٌ في شُكْرِ النِّعْمَةِ، بيِّنْ ذلك.

الحديث الخامس عشر

الحديث الخامس عشر: «هل تُنصَرون وتُرزَقون إلا بضعفائكم؟!»

عَنْ مُصْعَبِ بْنِ سَعْدٍ رضي الله عنه قَالَ: رَأَى سَعْدٌ رضي الله عنه أَنَّ لَهُ فَضْلًا عَلَى مَنْ دُونَهُ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «هَلْ تُنْصَرُونَ وَتُرْزَقُونَ إِلَّا بِضُعَفَائِكُم؟!» أخرجه البخاري.

راوي الحديث

سعد بن أبي وقاص القرشي الزهري؛ أحد العشرة المبشرين بالجنة، ومن السابقين إلى الإسلام، وهو أول من رمى بسهم في سبيل الله، وأحد الستة أصحاب الشورى، توفي سنة ٥٥هـ.

شرح المفردات

(رَأَى سَعْدٌ رضي الله عنه أَنَّ لَهُ -أي: لنفسه- فَضْلًا عَلَى مَنْ دُونَهُ) أي: شَجَاعَةً وكَرَمًا وسَخَاوةً، ليس كِبرًا ولا غُرُورًا ولا عُجْبًا، وحاشاه رضي الله عنه ، فإنَّه مِن العَشَرةِ المبَشَّرِين بالجنَّةِ، وهو سَادِسُ مَن أسْلَمَ من المسلِمِين، وأوَّلُ من رَمَى بسَهْمٍ في سَبيلِ الله، وقد فَدَاه النبيُّ ﷺ جامِعًا له أَبَاه وأمَّهُ، فقال في غَزْوَةِ أُحُدٍ: «يَا سَعْدُ، ارْمِ، فِدَاكَ أَبِي وَأُمِّي» متفق عليه.

(بِضُعَفَائِكُمْ) أي: بدُعَائهِم وصلاتهم وإخلاصهم، كما في رواية النسائي.

الشرح الإجمالي للحديث

هذا الحديثُ فيه التوجيه إلى أنه لا ينبغي للمسلم أن يحتقر الضعفاء؛ فهم سَبَبٌ للنَّصْرِ وَسَبَبٌ للرِّزْقِ؛ وذلك لصَفَاءِ ضَمائرِهِم وقلةِ تعلُّقِهم بزُخرُفِ الدُّنيا، فَيَغلِبُ عَليهِمُ الإخْلاصُ في العِبَادةِ، ويُسْتَجَابُ دُعَاؤُهُم.

فوائد الحديث

1- أنه لا ينبغِي للأَقْوِياءِ القادِرِين أن يَسْتَهِينُوا بالضُّعَفَاءِ العاجِزين، لا في أُمُورِ الجِهادِ والقتال، ولا في أُمُورِ الرِّزْقِ وَعَجْزِهم عن الكَسْبِ.

2- أنّ الأسْبابَ التي تحصُلُ بها المقاصِدُ نَوْعَانِ:

الأول: نوعٌ يُشاهَدُ بالحسِّ، وهو القوةُ والشَّجاعَةُ القَوْليَّةُ والفِعْليَّةُ، والغِنَى والقُدْرةُ على الكَسْبِ، وهذا النَّوْعُ هو الذي يغلِبُ على قلوبِ أكثرِ الخَلْقِ، ويعلِّقون به حُصُولَ النَّصْرِ والرِّزقِ.

الثاني: أسْبابٌ مَعْنويةٌ، وهي قوَّةُ التوكُّلِ على الله في حُصُولِ المطالبِ الدينيَّةِ والدنيويةِ، وكمالُ الثَّقَةِ به، وقوةُ التوجُّهِ إليه والطلبِ منه، وهذه الأمورُ أقوى عند الضُّعَفاء العاجِزِين، الذين ألجأتْهُمُ الضَّرُورَةُ إلى أنْ يعْلَمُوا يَقِينًا أنَّ كفايتَهُم ورِزْقَهُم وَنصْرَهُم من عندِ الله، وأنَّهم في غَايةِ العَجْزِ والضَّعْفِ، فانكَسَرَتْ قلوبُهُم، وتوجَّهَت إلى الله تعالى.

3- أن عبادةَ الضُّعَفاءِ ودعاءَهُم أشدُّ إخلاصًا وأكثَرُ خُشُوعًا؛ لخلاءِ قلوبِهِم من التَّعَلُّقِ بزُخْرُفِ الدُّنيا وَزِينَتِهَا، وَصَفاءِ ضَمَائِرِهِم مما يقْطَعُهُم عن الله تعالى، فجَعَلوا همَّهُم وَاحِدًا؛ فَزَكَتْ أعْمالُهُم، وأُجِيبَ دُعاؤُهُم.

4- أنَّ الاسْتِفْهامَ في قوله ﷺ: «هَلْ تُنْصَرُونَ وَتُرْزَقُونَ إِلَّا بِضُعَفَائِكُمْ؟!» للتَّقْريرِ، أي: ليس النَّصْرُ وإدْرَارُ الرِّزقِ إلا ببَرَكة دعائِهِم، فأبْرَزَه في صُورَةِ الاستفهامِ ليَدُلَّ على مَزيدٍ من التَّقْريرِ والتَّوْبيخِ؛ وقد اسْتَدَلَّ به بعض الفقهاء على استِحْبابِ إِخْراجِ الشُّيُوخِ والصِّبْيَانِ في صلاةِ الاسْتِسْقاءِ.

نشاط

1- اِشْرَحْ هذه العِبَارَةَ: «رَأَى سَعْدٌ رضي الله عنه أَنَّ لَهُ فَضْلًا عَلَى مَنْ دُونَهُ» مُبيِّنًا لمَ أجَابَه النَّبيُّ ﷺ بما وَرَدَ في الحَدِيثِ؟

2- في الحديثِ نوعٌ من عدمِ الاعْتمَادِ على القُوَّةِ الحِسِّيةِ فقط، بيِّنْ ذلك.

3- بيِّنْ أنْواعَ الأسْبابِ التي تحصُلُ بها المقَاصِدُ، وأيهُمَا أَقْوَى؟

الحديث السادس عشر

الحديث السادس عشر: «المؤمن للمؤمن كالبنيان...»

عَنْ أَبِي مُوسَى رضي الله عنه، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «المُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِ كَالْبُنْيَانِ، يَشُدُّ بَعْضُهُ بَعْضًا» وَشَبَّكَ بَيْنَ أَصَابِعِهِ. متفقٌ عليْه.

راوي الحديث

أبو موسى الأشعريُّ رضي الله عنه، عبد الله بن قيس، قدِمَ مكَّةَ قبلَ الهِجْرةِ، فأسلَمَ ثم هاجَرَ إلى أرضِ الحَبَشَةِ، ثم قدِمَ المدينةَ مع أصحابِ السَّفِينتَيْنِ بعدَ فتحِ خيبرَ، ولاّه النبيُّ ﷺ على زبيد وعدن، وولاه عمرُ بنُ الخطاب رضي الله عنه على البصرةِ، وولاه عثمانُ رضي الله عنه على الكوفةِ، توفي 44 هـ.

شرح المفردات

(المُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِ كَالْبُنْيَانِ) أي: حَالُ المؤْمِنِ في تعاوُنهِ مع المؤْمِنِ، كالبُنْيَانِ في التَّمَاسُكِ والتَّلاحُمِ.

الشرح الإجمالي للحديث

هذا حَدِيثٌ عَظِيمٌ، فيه الخَبَرُ من النَّبيِّ ﷺ عن المؤْمِنين أنَّهُم على هذا الوَصْفِ، ويتضمَّنُ الحثَّ منه على مُرَاعَاةِ هذا الأصْلِ، وأنْ يكونوا إخْوانًا مُتَراحِمِين مُتحَابِّين مُتَعاطِفِين، يحبُّ كلٌّ منهُم للآخَرِ ما يُحِبُّ لنفْسِهِ، ويَسْعَى في ذلك.

فوائد الحديث

1- الإِشَارةُ إلى تَعْظِيمِ حُقُوقِ المسلِمِين بَعْضِهِم على بَعْضٍ، وحَثُّهُم على التَّرَاحُمِ والملاطَفَةِ والتعَاضُدِ في غَيْرِ إثْمٍ ولا مَكْرُوهٍ، ووُجُوبُ التناصُرِ والتعاوُنِ بين المؤمِنين.

2- أن المؤمنين في تآزُرِهِم، وتماسُكِ كلِّ فرْدٍ منهم بالآخَرِ، وَحَاجتِهِم إلى هذا التَّمَاسُكِ، كالبُنْيانِ المرْصُوصِ الذي لا يَقْوَى على البَقَاءِ إلَّا إذا تماسَكَتْ أَجْزاؤُه لبِنةً لبِنةً، فإذا تفكَّكَتْ سقَطَ وانْهَارَ، كذلك المجتمعُ الإسلاميُّ يستمِدُّ قوَّتَه من ترابُطِ أجزائِهِ بعْضِها ببعْضٍ.

3- أن قوَّةَ الأمَّةِ الإسلاميةِ تتوقَّفُ على وَحْدَتِها وتَضَامُنِها وتَعَاوُنِها، فهي كالبِنَاء، لا يقْوَى على البَقَاءِ إلاّ بتَمَاسُكِ الأجْزاءِ، فإذا تفكَّكَتْ انهارَ، قال تعالى: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلَّذِينَ يُقَٰتِلُونَ فِي سَبِيلِهِۦ صَفًّا كَأَنَّهُم بُنۡيَٰنٌ مَّرۡصُوصٌ﴾ (الصف: 4) فالآيةُ وهذا الحديثُ ينصَّانِ على أنَّ من شأن هذا الدِّينِ أن ينشِيءَ مُجْتَمَعًا مُتَمَاسِكًا مُتناسِقًا.

القَوْمِيةُ العَرَبيَّةُ:

في الحديثِ أنَّ الأُخوَّةَ مَدَارُها الإيمانُ، وعلى هذا أُصُول الشَّرعِ الكريمِ، وليس في نُصُوصِ الشَّرعِ البتَّةَ ما يَدْعُو إلى الالتِفَافِ حولَ شِعَارِ القوميَّةِ العربيَّةِ، بل هِيَ فِكْرةٌ جَاهِليةٌ، تحْمِلُ أهْلَها على الفَخْرِ بالعُرُوبةِ، والتعَصُّبِ لها، وقد أخْرَج أحمدُ بسَندٍ حسنٍ عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسولُ الله ﷺ: «إِنَّ الله قَدْ أَذْهَبَ عَنْكُمْ عُبِّيَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ -أَيْ: الكِبْرَ واَلفخْرَ والنَّخْوةَ- وَفَخْرَهَا بِالْآبَاءِ، إِنَّمَا هُوَ مُؤْمِنٌ تَقِيٌّ وَفَاجِرٌ شَقِيٌّ، النَّاسُ كُلُّهُمْ بَنُو آدَمَ، وَآدَمُ خُلِقَ مِنْ تُرَابٍ»، وهو يُوافِقُ قولَ الله تعالى: ﴿ يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِنَّا خَلَقۡنَٰكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ وَجَعَلۡنَٰكُمۡ شُعُوبًا وَقَبَآئِلَ لِتَعَارَفُوٓاْۚ إِنَّ أَكۡرَمَكُمۡ عِندَ ٱللَّهِ أَتۡقَىٰكُمۡۚ﴾ (الحجرات: 13).

فالتعصُّبُ للعروبة ليس من الدِّينِ في شيءٍ، ولم يُعْهَد إلا في هذه الحِقْبةِ المتأخِّرةِ من الزَّمَانِ.

لَعَمْرُكَ ما الإنسانُ إلا بدِينهِ *** فلا تَتْرُك التَّقْوى اتِّكالًا عَلَى النَّسَبْ

فقد رفع الإسْلامُ سَلمانَ فَارِسٍ *** وَقَدْ وَضَعَ الشِّرْكُ الشَّرِيْفَ أَبَا لَهَبْ

4- أهميةُ التَّشْبيهِ وضَرْبِ الأمْثالِ لتقْريبِ المعَاني إلى الأفْهَامِ، فقوله: «وَشَبَّك بيْنَ أَصَابعِهِ» زِيَادَةٌ في الإِيضَاحِ والبَيَانِ، وتشْبِيهٌ للمَعْقُولِ وللمَعْنَوِياتِ بالمحْسُوسِ، فَتَحْصُلُ المُطَابَقَةُ بيْنَ قوْلهِ: «وَشَبَّك بيْنَ أَصَابعِهِ» وبيْنَ مَا يُرِيدُهُ النَّبيُّ ﷺ لهذِهِ الأُمَّةِ، من التَّشَابُكِ والاتِّحَادِ.

نشاط

1- اكتبْ عَن أَسْبابِ ضَعْفِ الأَمَّةِ الإسْلامِيَّةِ.

2- في هذا الحَدِيثِ جَوازُ اسْتعمالِ الوَسَائلِ في الشَّرحِ، فما حُكْمُ اسْتعْمَالِ التقْنِيَّاتِ الحَدِيثةِ في بَيَانِ وتوْضِيحِ الأحْكامِ؟

3- من أعْظمِ أسْبابِ قُوَّةِ المسلِمِين التَّمَاسُكُ ووَحْدَةُ الصَّفِّ، بيِّنْ ذلك من كِتابِ الله تعالى ومن سُنَّةِ نبيِّهِ محمدٍ ﷺ.

4- يردِّدُ بعضُهُم عِبَارَةَ (القَوْميَّة العَرَبيَّة) أَجِبْ عليْهِ مِنْ نُصُوصِ الكِتَابِ والسُّنةِ؟

الحديث السابع عشر

الحديث السابع عشر: «لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه»

عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رضي الله عنه عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «لاَ يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى يُحِبَّ لِأَخِيهِ مَا يُحِبُّ لِنَفْسِهِ» متفق عليه.

راوي الحديث

أنس بن مالك بن النضر الأنصاري، خادم رسول الله ﷺ، خدمه إلى أن قُبِض، ثم رحل إلى دمشق، ومنها إلى البصرة، فمات بها، وهو آخرُ مَن مات من الصحابة رضي الله عنهم بالبصرة، عام 93هـ .

شرح المفردات

(لاَ يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ) أي: الإِيمانَ الكامِلَ وإلا فأَصْلُ الإيمانِ يحصُلُ لمَنْ لم يكُنْ بهذِهِ الصِّفَةِ.

(مَا يُحِبُّ لِنَفْسِهِ) أي: من فِعَالِ الخيْرِ، قَوْلًا وَعَمَلًا واعْتِقَادًا.

قال القُرطُبيُّ: «معناه أنه لا يتمُّ إيمانُ أَحَدٍ الإيمانَ التامَّ الكَامِلَ، حتى يَضُمَّ إلى إسْلامِهِ سَلامَةَ النَّاسِ مِنْهُ، وإِرَادَةَ الخَيْرِ لهم، والنُّصْحَ لجَمِيعِهِم» اهـ .

الشرح الإجمالي للحديث

هذا الحديثُ الشَّريفُ من الأَحَادِيثِ العَظِيمَةِ التي عليها مَدَارُ الدِّينِ، ولو عَمِلَ الناسُ به لقَضَى على كثيرٍ من المنْكَراتِ والخُصُوماتِ بينَ الناسِ، ولعمَّ المجتمعَ الأمْنُ والخيْرُ والسَّلامُ، وهذا يحصُلُ عندَ كمالِ سلامةِ الصَّدْرِ من الغلِّ والغِشِّ والحَسَدِ، فإن الحَسَدَ يقْتَضِي أن يكرَهَ الحاسِدُ أن يفوقَهُ أَحَدٌ في خَيرٍ أو يُسَاوِيه فيهِ؛ لأنه يُحِبُّ أنْ يمْتازَ على النَّاسِ بفَضَائلِهِ ويتفرَّدَ بها عَنْهُم، والإيمانُ يقْتَضِي خلافَ ذلك، وهو أنْ يشْارِكَهُ المؤمِنُون كلُّهُم فيما أَعْطَاهُ الله من الخَيْرِ، من غيرِ أن ينقُصَ عليهِ من ذلك شَيءٌ.

فهذا الحَدِيثُ فيه خصلة من خِصَالِ الإيمَانِ العَظِيمَةِ، فمن تحلَّى بِهَا كانَ مُسْتَحِقًّا لدُخُولِ الجنَّةِ، فقد روى الإِمَـامُ أحمدُ بسندٍ حسنٍ من حَدِيثِ يزيدَ بنِ أسدٍ القَسْرِي رضي الله عنه قال: قال لي رَسُولُ الله ﷺ: «أَتُحِبُّ الْجَنّةَ؟» قلتُ: نَعَمْ، قال: «فَأَحِبَّ لِأَخِيكَ مَا تُحِبُّ لِنَفْسِكَ».

وروى مسلمٌ من حديثِ عبدِ الله بنِ عَمْرِو بنِ العاصِ رضي الله عنهما عن النَّبيِّ ﷺ قال: «فَمَنْ أَحَبَّ أَنْ يُزَحْزَحَ عَنِ النَّارِ وَيُدْخَلَ الْجَنَّةَ، فَلْتَأْتِهِ مَنيَّتُهُ وَهُوَ يُؤْمِنُ بِالله وَالْيَوْمِ الآخِرِ، وَلْيَأتِ إِلى النَّاسِ الَّذِي يُحِبُّ أَنْ يُؤْتَى إِليَهِ».

وعن أبي ذر رضي الله عنه قال: قال لي رسولُ الله ﷺ: «يا أبا ذَرٍّ، إنِّي أَرَاكَ ضَعِيفًا، وإنِّي أُحِبُّ لَكَ ما أُحِبُّ لنَفْسِي؛ لا تأمَّرَنَّ على اثْنَينِ، ولا تولَّينَّ مَالَ يَتيمٍ» أخرجه مسلم.

فوائد الحديث

1- وُجوبُ محبَّةِ المرْءِ لأَخِيهِ ما يحبُّ لنفْسِهِ؛ لأنَّ نفْيَ الإيمانِ عمَّن لا يُحِبُّ لأَخِيهِ ما يُحِبُّ لنفْسِهِ يَدُلُّ على وُجُوبِ ذلك؛ إذ لا يُنفَى الإيمانُ إلا لفَوَاتِ واجِبٍ فِيهِ، أو وُجُودِ ما يُنافِيهِ.

قال شيخُ الإِسْلامِ: «فإذا نُفِيَ الإيمانُ بفِعْلٍ دلَّ على وُجُوبهِ» اهـ.

2- أنَّ على المُسْلِمِ أن يُحِبَّ للنَّاسِ من الخَيْرِ مِثْلَ ما عِنْدَهُ، قال ابنُ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما: «إنِّي لأَمُرُّ على الآيَةِ من كتَابِ الله، فَأَوَدُّ أنَّ النَّاسَ كلَّهُم يَعْلمُون مِنْها ما أَعْلَمُ».

3- قوله ﷺ: «حَتَّى يُحِبَّ لِأَخِيهِ مَا يُحِبُّ لِنَفْسِهِ» يَشْمَلُ جَمِيعَ الأَعْمَالِ الصَّالحةِ من الأقْوَالِ والاعْتقادَاتِ والأفْعَالِ.

4- لا يقْدِرُ على هَذِهِ الخَصْلةِ ولا يقْوَى عليها إلا مَنْ رُزِقَ سَلامَةَ الصَّدْرِ، وكان قلبُهُ خَاليًا من الغِلِّ والغِشِّ والحَسَدِ، ففيه الدَّعْوَةُ إلى سَلامَةِ الصَّدرِ وتَصْفِيَتِهِ من تلك الخِصَالِ الذَّمِيمَةِ.

5- التَّحْذِيرُ من الحَسَدِ؛ لأنَّ الحاسِدَ لا يُحِبُّ لأخِيه ما يُحِبُّ لنفْسِهِ، بل يتمنَّى زَوَالَ نعْمةِ الله عن أخِيهِ المسْلِمِ.

لو طُبِّقَ هذا الحديثُ في تعامُلاتِ المسْلمِ لقَضَى على كثيرٍ من المشَاكِلِ:

فمَنْ يَعْملُ لغيرِهِ، كأنه يعملُ لنفسهِ، فيبني البنَّاءُ كأنه يبني لنفسِهِ، ويُعالجُ الطَّبيبُ مريضه، كما لو كان يعالجُ ولدَه، ويشتَغِلُ العامِلُ كما لو يشتغِلُ لنفسِهِ، ويخيطُ الخيَّاطُ، كما لو كان يخِيطُ لنفسِهِ، ويُصْلِحُ الفنيُّ السَّيارةَ، كما لو كان يصلِحُها لنفسِهِ، ولو باع الجزَّار اللحْمَ، فكما لو كان يبيعُ لنفسِهِ، وكذا المعلِّمُ والموظَّفُ والباحِثُ والنَّجَّارُ والسَّبَّاكُ والحدَّادُ.. إلخ .

فلو طُبِّق هذا الحَدِيثُ عَمَليًّا، لتخلَّصْنَا من الغشِّ والعَمَلِ الفاسِدِ.

وكذا في ترك المحرمات، فإن كان لا يُحِبُّ السَّرِقةَ، فيُحِبُّ ألا يَسْرِقَ أخوه المؤمنُ، وإن كان لا يُحِبُّ الرَّشوةَ، فيُحِبُّ ألا يرْتَشِيَ أخوه، وإن كان لا يحبُّ الكذبَ، فيُحِبُّ ألا يَكْذِبَ أخُوه، وإنْ كَرِهَ البِدْعَةَ، فيُحِبُّ ألا يقَعَ فيها أَخُوه، وإنْ كَرِهَ تركَ الصَّلاةِ فيُحبُّ ألا يتركَهَا أَخُوه.. إلخ.

نشاط

1- اكتبْ دِرَاسَةً وَافِيةً عن النَّفْيِ الوارِدِ في النُّصوصِ، مثل: (لاَ يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ)، اسْتعنْ بمَصَادِرَ خَارِجيَّةٍ.

2- كيف نسْتثمِرُ هَذَا التَّوجِيهَ النَّبَويَّ العَظِيمَ في تصْحِيحِ أوْضَاعٍ كَثيرةٍ في المجتَمَعَاتِ المسْلمَةِ؟

3- تأتي نُصُوصُ الشَّرعِ بشيءٍ من التَّشْديدِ، كـ (نَفْيِ الإيمانِ)، و(ليس مِنَّا)، ونحوه، كيف وجَّهَ العُلَماءُ مثلَ هذه النصوصِ؟.

الحديث الثامن عشر: تلك عاجل بشرى المؤمن

عَنْ أَبِي ذَرٍّ رضي الله عنه قَالَ: قِيلَ لِرَسُولِ الله ﷺ: أَرَأَيْتَ الرَّجُلَ يَعْمَلُ الْعَمَلَ مِنَ الْخَيْرِ، وَيَحْمَدُهُ النَّاسُ عَلَيْهِ؟ قَالَ: «تِلْكَ عَاجِلُ بُشْرَى الْمُؤْمِنِ» رواه مسلم.

شرح المفردات

(تِلْكَ عَاجِلُ بُشْرَى الْمُؤْمِنِ) أي: عَاجِلُ بُشْرَى المؤْمِنِ أنْ يعْمَلَ العَمَلَ الصَّالحَ، مخلِصًا لله تعالى فيه، لا يَرْجُو به غَيْرَ وَجْهِ الله، فيطَّلعُ النَّاسُ عليْهِ، فيُثْنُون عليه، فيَسُرُّهُ ذلك، وَيَسْتبشِرُ به خَيْرًا.

الشرح الإجمالي للحديث

أخْبَرَ ﷺ في هذا الحدِيثِ أنَّ آثارَ الأعمالِ المحمودةِ المعجَّلةِ من ثَنَاءِ النَّاسِ على العَبْدِ، دُونَ قَصْدٍ مِنْه أو رَغْبةٍ لذلك أنَّها من البُشْرَى؛ فإنَّ الله وَعَدَ أوْلياءَه -وهم المؤمِنُون المتَّقون- بالبُشْرَى في هذه الحَيَاةِ وفي الآخِرَةِ بِرِضى الله وثوابهِ، والنَّجاةِ من غَضَبِهِ وَعِقابِهِ، عِنْدَ الموْتِ، وفي القَبْرِ، وعِنْدَ القيَامِ إلى البَعْثِ.

فوائد الحديث

1- أَنَّ الله تَعَالَى إِذا تقبَّلَ العَمَلَ أوْقَعَ فِي الْقُلُوبِ قَبُولَ الْعَامِلِ وَمَدْحَهُ، فَيَكُونُ مَا أوْقَعَ فِي الْقُلُوبِ مبشِّرًا بِالْقبُولِ، كَمَا أَنه إِذا أحبَّ عبدًا حبَّبَهُ إِلَى خَلقِهِ.

2- أنّ مَنْ أَخْلَصَ العَمَلَ لله تعالى فلا يقدح في إخلاصه أن يُطْلِقَ الله الألْسِنَةَ بالثَّناءِ عَليْهِ.

3- أنَّ المؤمِنَ يُبشَّرُ في الدُّنيا بعَمَلِهِ الصَّالحِ من عِدَّةِ وُجُوهٍ:

أن يشْرَحَ الله صَدْرَه للعَمَلِ الصَّالِحِ، فيَطْمَئنَّ إليه وَيَسْعَدَ بهِ، فيَكُونَ دَليلًا على أنَّ الله تعالى كَتَبَهُ من السُّعَدَاءِ؛ قال تبارك وتعالى: ﴿فَأَمَّا مَنۡ أَعۡطَىٰ وَٱتَّقَىٰ 5 وَصَدَّقَ بِٱلۡحُسۡنَىٰ 6 فَسَنُيَسِّرُهُۥ لِلۡيُسۡرَىٰ 7﴾ (الليل: 5-7).

أنْ يُثنِيَ الصالحون عليه خَيرًا، فهَذِهِ شَهَادةٌ مِنهُم أنه مِن أهْلِ الخيْرِ، قال الله تعالى: ﴿ لِيَكُونَ ٱلرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيۡكُمۡ وَتَكُونُواْ شُهَدَآءَ عَلَى ٱلنَّاسِۚ﴾ (الحج: 78)، ولمَّا مرَّتْ جَنَازةٌ أثْنَوْا عليها خَيْرًا، قال النبيُّ ﷺ: «وَجَبَتْ»، أي: الجنَّةُ، وقال للصَّحَابةِ رضي الله عنهم: «أنتم شُهَدَاءُ الله في الأرْضِ» متفق عليه.

أنْ تُرَى للعَبْدِ الصَّالحِ المَرَائِي الحَسَنةُ في المنَامِ، يَأْتيِهِ هذا وَيقُولُ: رأيتُ كذا وكذا، أو يَرَى هو بنَفْسِهِ لنفْسِهِ خَيرًا، فإنَّ هذِهِ من عَاجِلِ بُشْرَى المؤْمِنِ.

4- أنَّ المؤمِنَ يُبَشَّرُ في الآخِرَةِ، وهي البِشَارَةُ العظمى، وأوَّلُ مَرَاتِبِ البُشْرى عند الموْتِ، قال الله تعالى: ﴿يَٰٓأَيَّتُهَا ٱلنَّفۡسُ ٱلۡمُطۡمَئِنَّةُ 27 ٱرۡجِعِيٓ إِلَىٰ رَبِّكِ رَاضِيَةً مَّرۡضِيَّةً 28 فَٱدۡخُلِي فِي عِبَٰدِي 29 وَٱدۡخُلِي جَنَّتِي 30﴾ (الفجر: 27-30).

وتَتَنزَّلُ مَلائكةُ الرَّحمنِ على المؤمنين بالرحْمَةِ والبُشْرى، قال تعالى: ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ قَالُواْ رَبُّنَا ٱللَّهُ ثُمَّ ٱسۡتَقَٰمُواْ تَتَنَزَّلُ عَلَيۡهِمُ ٱلۡمَلَٰٓئِكَةُ أَلَّا تَخَافُواْ وَلَا تَحۡزَنُواْ وَأَبۡشِرُواْ بِٱلۡجَنَّةِ ٱلَّتِي كُنتُمۡ تُوعَدُونَ﴾ (فصلت: 30).

ولهم البُشْرى يوْمَ القيَامةِ، قال تعالى: ﴿بُشۡرَىٰكُمُ ٱلۡيَوۡمَ جَنَّٰتٌ تَجۡرِي مِن تَحۡتِهَا ٱلۡأَنۡهَٰرُ﴾ (الحديد: 12).

5- الفَرْقُ بينَ المؤْمِنِ الذي يُبشَّرُ بذلك وبينَ المرائِي: أنَّ المُرَائِيَ لا يَعْمَلُ العَمَلَ إلا ليَرَاه النَّاسُ، فيَكُونُ في نيَّتهِ شِرْكٌ ابتداءً، وأمَّا هذا فنيَّتُهُ خالصَةٌ لله عزوجل، ولم يَطْرَأْ على بالهِ أن يمْدَحَهُ النَّاسُ أو يذُمُّوه، لكن النَّاسَ يطَّلِعُون على عَمَلهِ على غَيرِ قَصْدٍ منه، ثم يمتَدِحُونه لذلك.

نشاط

1- تكلَّم عن الرِّياءِ وأثرِهِ، وما الفَرْقُ بينَهُ وبينَ ما وَرَدَ في الحديثِ؟

2- قال تعالى: {لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْا وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا فَلَا تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفَازَةٍ مِنَ الْعَذَابِ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} (آل عمران: ٨٨)، ما عَلاقَةُ هذه الآيةِ بحَدِيثِ البَابِ؟

3- كيف تكُونُ بشَارَةُ العَبْدِ بأعْمَالهِ الصَّالحةِ في الدُّنيا؟

الحديث التاسع عشر: سددوا وقاربوا

الحديث التاسع عشر: «سدّدوا وقاربوا وأبشروا...»

عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها قالت: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ: «سَدِّدُوا وَقَارِبُوا وَأَبْشِرُوا، فَإِنَّهُ لَنْ يُدْخِلَ الْجَنَّةَ أَحَدًا عَمَلُهُ» قَالُوا: وَلَا أَنْتَ يَا رَسُولَ الله؟! قَالَ: «وَلَا أَنَا، إِلَّا أَنْ يَتَغَمَّدَنِيَ الله مِنْهُ بِرَحْمَةٍ» متفق عليه.

شرح المفردات

(سَدِّدُوا) السَّدَادُ هو الصَّوَابُ، أيْ: اقْصُدُوا الصَّوَابَ، بفِعْلِ القُرُباتِ دُونَ غُلوٍّ ولا تقْصِيرٍ، وَأَصْلُهُ من تسْدِيدِ السَّهْمِ، إذا أَصَابَ الغَرَضَ والهدف، ولم يُخْطِئْهُ.

(وَقَارِبُوا) أي: لا تُفْرِّطُوا فتُجْهِدُوا أنفُسَكُم في العِبَادَةِ؛ لِئَلا يُفْضِيَ بِكُم ذلك إلى المِلالِ، فَتترُكُوا العَمَلَ فتفرِّطُوا.

(وَأَبْشِرُوا) أي: إذا قُمتُم بما أُمِرْتُم بِهِ مِنْ سُلُوكِ سَبِيلِ السَّدَادِ، فَأَبشِرُوا بالثَّوَابِ الجَزِيلِ.

(يَتَغَمَّدَنِيَ الله مِنْهُ بِرَحْمَةٍ) أي: يُلبسَنِيها ويُغْمِدَنِي بها، ومنه قولُهُم: أَغْمَدْتَ السَّيْفَ، إذا جَعَلْتَهُ في غِمْدِه وسَتَرْتَهُ بِهِ.

(عَمَلُهُ) أي: إنَّ دُخُولَ الجنَّةِ والتَّمَتُّعَ بنَعِيمِها لا يحْصُلُ للعَبْدِ بمُجَرَّدِ العَمَلِ، بل بفَضْلِ الله وإحْسَانِهِ، فهُوَ الذي وفَّقَ العَبْدَ للعَمَلِ الصَّالحِ وأَعَانَهُ على فِعْلهِ، وامْتنَّ عليهِ بقَبُولهِ، وتفضَّلَ بالمثُوبَةِ عليه، فله الفَضْلُ والمنَّةُ قَبْلَ العَمَلِ وبعْدَهُ.

الشرح الإجمالي للحديث

هذا الحَدِيثُ يدلُّ على أنَّ الاسْتقَامَةَ على حَسَبِ الاسْتِطَاعَةِ، وَفِيهِ الأَمْرُ بالحِرْصِ على أنْ تكُونَ الأعمالُ مُوافِقَةً للحقِّ بقَدْرِ المسْتَطاعِ؛ وذلك لأنَّ الإنسان مَهْما بلغَ من التَّقْوى، فإنه لابدَّ أن يُخطِئ، كما جَاء في الحَدِيثِ عن النبيِّ ﷺ أنه قال: «كُلُّ ابْنِ آدَمَ خَطَّاءٌ، وَخَيْرُ الخَطَّائِينَ التَّوَّابُونَ» رواه أحمد والترمذي، وَحَسَّنَه الألبَانِيُّ، وقال ﷺ: «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْ لَمْ تُذْنِبُوا لَذَهَبَ الله بِكُمْ، وَلَجَاءَ بِقَوْمٍ يُذْنِبُونَ، فَيَسْتَغْفِرُونَ الله فَيَغْفِرُ لَهُمْ» رواه مسلم.

وأنه لنْ ينجُوَ من النَّارِ أَحَدٌ بمجرَّدِ عَمَلِهِ؛ وذلك لأنَّ العَمَلَ لا يبْلُغُ ما يجِبُ لله عزوجل من الشُّكْرِ، وما يجِبُ له على عِبَادِهِ من الحُقُوقِ، ولكن يتغمَّدُ الله سبحانه وتعالى العَبْدَ برحمتِهِ فَيَغْفِرُ له، حتَّى النبيُّ ﷺ لنْ ينْجُوَ بعَمَلِهِ، حتى يتغَمَّدَهُ الله تعالى برحمَتِهِ.

فدلَّ على أنَّ الإِنسَانَ مَهْمَا بَلَغَ من المرْتَبَةِ والوِلايةِ، فأنَّه لنْ ينْجُوَ بعَمَلِهِ، وَلوْلا أنَّ الله مَنَّ عَليْهِ مَا أنْجَاهُ هذا العَمَلُ، فَفَضْلُ الله ورحمتُهُ هما السَّبَبُ في دُخُولِ الجنَّةِ، وهما اللذانِ يوُصِلانِ الإنسَانَ إلى الجنَّةِ، وينجِيَانِهِ من النَّارِ.

فوائد الحديث

1- أنَّ على المسْلِمِ التَّسْدِيدَ في الأُمُورِ، وهو القَصْدُ والعَدْلُ ما بيْنَ الإفْرَاطِ والتفْرِيطِ؛ لأنَّ التقْصِيرَ في المطْلُوبِ أو المغَالاةَ فِيهِ تُخرِجُهُ عن الصَّوابِ، والقَصْدُ في الأُمُورِ ما كان عَليْهِ محمدٌ ﷺ، في تَطَهُّرِهِ، وَصَلاتِهِ، وَصِيَامِهِ، وَأَخْلاقِهِ ... إلخ.

2- أنَّ على المسْلمِ المقَارَبَةَ وعَدَمَ الإِفْراطِ في العِبَادَةِ؛ لأنَّ إجْهَادَ النَّفْسِ فيها يُفْضِي إلى المِلالِ فيؤدِّي إلى تَرْكِها.

3- أنَّ الإنسانَ لا يُعْجَبُ بعَمَلِهِ، فمَهْما عَمِلَ من الأَعْمَالِ الصَّالحةِ، فالعَمَلُ قليلٌ بالنِّسبةِ لحقِّ الله على العَبْدِ.

4- هذا الحديثُ ونحوُه فيه دَلالةٌ أنه لا يستحقُّ أحدٌ الثَّوَابَ والجنَّةَ بِطَاعَتِهِ.

وأمَّا قولُه تعالى: ﴿ٱدۡخُلُواْ ٱلۡجَنَّةَ بِمَا كُنتُمۡ تَعۡمَلُونَ﴾ (النحل: 32) فإنه لا يُعَارِضُ هَذِه الأَحَادِيثَ، بل مَعْنَى الآيَاتِ أنَّ دُخُولَ الجنَّةِ بِسَبَبِ الأعْمَالِ، ثم التَّوْفِيقُ للأَعْمَالِ والهِدَايةُ للإخْلاصِ فيها وقَبُولُهَا برحْمَةِ الله تعالى وفَضْلِهِ، فيَصِحُّ أنه لم يدْخلْ بمجرَّدِ العَمَلِ وهو مُرادُ الأَحَادِيثِ، كما يصحُّ أنه دَخَلَ بالأعْمَالِ، أي: بسَبَبِها، فَتَكُونُ الباءُ في الحَدِيثِ للعِوَضِ، والباءُ في الآيةِ للسَّبَبِيَّةِ.

نشاط

1- (لا يَسْتَحِقُّ أحَدٌ الثَّوابَ والجنَّةَ بطَاعَتِهِ) اشْرَحْ هذه العِبَارَةَ من خِلالِ دراسَتِك.

2- باخْتِصَارٍ شَديدٍ اجمَعْ بين العَمَلِ المنفيِّ في الحَدِيثِ، والعَمَلِ الثَّابِتِ في الآيَاتِ باعْتبَارِهِ سَبَبًا لدُخُولِ الجنَّةِ.

3- بيِّنْ كيْفَ كان هذا الحديثُ تَوْجِيهًا نَبَوِيًّا جَامِعًا مَانِعًا.

الحديث العشرون:

الحديث العشرون: «لا يُلدغ المؤمن من جُحر واحد مرتين»

عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، قَالَ: «لَا يُلْدَغُ الْمُؤْمِنُ مِنْ جُحْرٍ وَاحِدٍ مَرَّتَيْنِ» متفق عليه.

شرح المفردات

(لَا يُلْدَغُ الْمُؤْمِنُ مِنْ جُحْرٍ وَاحِدٍ مَرَّتَيْنِ) المُرادُ: المؤْمِنُ الممْدُوحُ الكامِلُ، الذي أوْقَفَتْهُ مَعْرِفَتُهُ وتجْربتُهُ على غَوَامِضِ الأمورِ، حتَّى صَارَ يَحْذَرُ مما سَيَقَعُ، وأمَّا المؤْمِنُ المغَفَّلُ فقد يُلدَغُ مِرارًا.

وقال بعْضُهُم: «الحديثُ لفظُهُ خَبَرٌ ومَعْناه أمْرٌ، أي: لِيَكُن المؤْمِنُ حَازِمًا حَذِرًا، لا يُؤتى منْ ناحِيَةِ الغَفْلَةِ، فيُخْدَعُ مَرَّةً بعْدَ أخرى».

وسَبَب الْحَدِيثِ: أَنَّ النَّبِيّ ﷺ أَسَرَ أَبَا عَزَّة الشَّاعِرَ يَوْم بَدْرٍ، فَمَنَّ عَلَيْهِ، وَعَاهَدَهُ أَلَّا يُحَرِّضَ عَلَيْهِ وَلَا يَهْجُوَهُ، وَأَطْلَقَهُ فَلَحِقَ بِقَوْمِهِ، ثُمَّ رَجَعَ إِلَى التَّحْرِيض وَالْهِجَاء، ثُمَّ أَسَرَهُ يَوْم أُحُدٍ، فَسَأَلَهُ الْمَنَّ، فَقَالَ النَّبِيّ ﷺ: «الْمُؤْمِن لَا يُلْدَغ مِنْ جُحْر مَرَّتَيْنِ» وقال له: «والله لا تمسَحُ عَارِضَيْك بِمَكَّةَ، وَتَقُولُ: سَخِرْتُ بمُحَمَّدٍ مَرَّتَيْنِ». ثم أَمَرَ بِهِ فقُتِلَ.

الشرح الإجمالي للحديث

هذا الحدِيثُ يشِيرُ إلى أن المؤْمِنَ فطِنٌ ذكِيٌّ، وأنه ينبَغِي أن يكونَ حَازِمًا حَذِرًا، لا يُؤْتَى مِن ناحَيَةِ الغَفْلةِ، فيُخْدَعُ مرةً بعْدَ أُخْرَى، وَقَدْ يَكُونُ ذلك في أَمْرِ الدِّينِ، كما يَكُونُ في أمرِ الدُّنيَا، وأمر الدِّينِ أوْلاهُما بالحَذَرِ.

فوائد الحديث

1- هذا مَثَلٌ ضَرَبهُ النبيُّ ﷺ لبَيَانِ كَمَالِ احْتِرَازِ المؤْمِنِ ويَقَظَتِهِ.

2- الحَثُّ على الحَزْمِ والكَيْسِ في جَمِيعِ الأُمُورِ، ومن لَوَازِمِ ذلك: تعرُّفُ الأَسْبَابِ النَّافِعَةِ ليَقُومَ بها، والأَسْبَابِ الضَّارَّةِ ليتجَنَّبَها.

3- على المؤْمِنِ أن يكُونَ حَذِرًا في أُمُورِهِ، فلا يُمَكِّنَ أَحَدًا من أنْ يخْدَعَهُ مَرَّتيْنِ، ويدخُلُ في ذلك ما فِيهِ ضَرَرٌ دِينيٌّ أو دُنيَوِيٌّ.

4- حَذَّرَ الله المؤمنين من العَوْدِ إلى ما زيَّنَهُ الشَّيْطانُ من الوُقُوعِ في المعَاصِي، فقال: ﴿يَعِظُكُمُ ٱللَّهُ أَن تَعُودُواْ لِمِثۡلِهِۦٓ أَبَدًا إِن كُنتُم مُّؤۡمِنِينَ﴾ (النور: 17) ولهذا فإنَّ مَنْ ذاقَ الشَّرَّ من التَّائِبين تَكُونُ كراهَتُهُ لَهُ أَعْظَمَ، وتحْذيرُهُ وحَذَرُهُ عَنْه أَبْلَغَ؛ لأنَّه عَرَفَ بالتجْربَةِ آثارَهُ القَبيحَةَ.

5- أنَّ هَذا التيقُّظَ كما هُوَ مَطْلوبٌ في أَمْرِ الدُّنيَا، فَكَذا هُو مَطْلوبٌ في أُمُورِ الآخِرَةِ، فالمُؤْمِنُ إذا أذْنَبَ ينبغي أنْ يتألمَ قلبُهُ كاللدِيغِ ولا يعودَ، وهذا من جَوَامِعِ كَلِمِهِ ﷺ.

نشاط

1- هل يُعَدُّ هَذا الحَدِيثُ من جَوَامِعِ كَلِمِ النَّبيِّ ﷺ؟ وَضِّحْ ذلك.

2- هل الحَدِيثُ يَذُمُّ الغَفْلةَ وعَدَمَ التنبُّهِ، وأنَّ اليَقَظَةَ من تمامِ الإيمانِ؟ استعِنْ بمَصَادِرَ خَارِجيَّةٍ.

3- كيْفَ توظِّفُ هذا الحَدِيثَ في التَّوْبةِ وعَدَمِ العَوْدِ إلى المعَاصِي؟

المصادر

شرح صحيح البخاري لأبي الحسن علي بن خلف بن بطال القرطبي.

فتح الباري شرح صحيح البخاري للحافظ ابن حجر العسقلاني.

إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري لشهاب الدين أحمد بن محمد الخطيب القسطلاني.

شرح النووي على مسلم لمحيي الدين يحيى بن شرف النووي.

الإفصاح عن معاني الصحاح لمحمد بن هبيرة الذهلي الشيباني.

إكمال المعلم بفوائد مسلم للقاضي عياض بن موسى اليحصبي.

تحفة الأبرار شرح مصابيح السنة للقاضي ناصر الدين عبدالله بن عمر البيضاوي.

التوضيح لشرح الجامع الصحيح لعمر بن علي بن أحمد الأنصاري ابن الملقن.

شرح المشكاة للطيبي الكاشف عن حقائق السنن للحسين بن عبدالله الطيبي.

مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح للملا علي القاري.

فيض القدير لعبدالرؤوف بن تاج العارفين بن زين العابدين المناوي.

جامع العلوم والحِكَم لعبدالرحمن بن أحمد بن رجب الحنبلي.

التحفة الربانية في شرح الأربعين حديثًا النووية لإسماعيل بن محمد بن ماحي السعدي الأنصاري.

التنبيهات اللطيفة على ما احتوت عليه العقيدة الواسطية من المباحث المنيفة لعبدالرحمن ابن ناصر السعدي.

تيسير العزيز الحميد في شرح كتاب التوحيد الذي هو حق الله على العبيد لسليمان بن عبدالله بن محمد بن عبدالوهاب.

فتح المجيد شرح كتاب التوحيد لعبدالرحمن بن ناصر السعدي.

شرح الأربعين النووية لمحمد بن صالح العثيمين.

شرح رياض الصالحين لمحمد بن صالح العثيمين.

عشرون حديثًا من صحيح البخاري دراسة أسانيدها وشرح متونها لعبدالمحسن العباد.

صحيح البخاري، شرح وتعليق د. مصطفى ديب البغا.

واللهُ وليُّ التوفيقِ

فهرس المحاضرات

رقم الصفحة التي تبدأ منها المحاضرة

أسبوع إلقاء المحاضرة

رقم المحاضرة

بداية المحاضرة

الحديث الأول

الأسبوع الأول

الحديث الثاني

الأسبوع الأول

الحديث الثالث

الأسبوع الثاني

الحديث الرابع

الأسبوع الثاني

الحديث الخامس

الأسبوع الثالث

الحديث السادس

الأسبوع الثالث

الحديث السابع

الأسبوع الرابع

الحديث الثامن

الأسبوع الرابع

الحديث التاسع

الأسبوع الخامس

فوائد الحديث (١) أن الآثار عن الأمم السابقة...

الأسبوع الخامس

الحديث العاشر

الأسبوع السادس

الحديث الحادي عشر

الأسبوع السادس

الحديث الثاني عشر

الأسبوع السابع

٣: ... الغيبة أن تذكر أخاك بما يكره

الأسبوع السابع

الحديث الثالث عشر

الأسبوع الثامن

وأعظم من يغبط...

الأسبوع الثامن

الحديث الرابع عشر

الأسبوع التاسع

٢: إرشاد العبد إلى ما يشكره به النعمة

الأسبوع التاسع

الحديث الخامس عشر

الأسبوع العاشر

الحديث السادس عشر

الأسبوع العاشر

الحديث السابع عشر

الأسبوع الحادي عشر

الحديث الثامن عشر

الأسبوع الحادي عشر

الحديث التاسع عشر

الأسبوع الثاني عشر

الحديث العشرون

الأسبوع الثاني عشر

فهرس المحتويات

(إِنَّ الْحَلَالَ بَيِّنٌ، وَإِنَّ الْحَرَامَ بَيِّنٌ ...)

وجوبُ سدِّ الذرائعِ إلى المحرَّماتِ

وجودُ المشتبـهاتِ لا ينـافي وُضُوحَ الدِّينِ

المَدَارُ في الصَّلاحِ والفَسَادِ على القلبِ

الحَدِيث (١)

(مَا نَهَيْتُكُمْ عَنْهُ فَاجْتَنِبُوهُ ...)

نَهْيُ التحريم ونَهْيُ الكراهة

أمْرُ الإيجابِ وأمْرُ الاسْتِحبَابِ

السُّؤالُ عن أمور الدِّين (محمودٌ ومذمومٌ)

الحَدِيث (2)

(يَا غُلَامُ، إِنِّي أُعَلِّمُكَ كَلِمَاتٍ ...)

كلُّ شيءٍ مكتوبٌ مفروغٌ منه

الحَدِيث (3)

(اتَّقِ اللهَ حَيْثُمَا كُنْتَ ...)

المرادُ بالحَسَنةِ التي تمحو السَّيئةَ

هل تكفِّرُ الأعمالُ الصالحةُ الكبائرَ والصَّغائرَ؟

الحَدِيث (4)

(قُلْ آمنتُ باللهِ، ثمَّ اسْتقِمْ)

أعْظمُ الاسْتقامَةِ تَحْقيقُ التَّوحِيد

الحَدِيث (5)

(خُلُق نَبِيِّ الله ﷺ كَانَ الْقُرْآنَ)

حُسْنُ الخلُقِ مع اللَّهِ، ومع العبادِ

الحَدِيث (6)

(إِنَّ اللَّهَ كَتَبَ الحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ ...)

مُضَاعفةُ الحَسَناتِ

الهمُّ بسيئةٍ بمكَةَ أو خارِجَها

الحَدِيث (٧)

(مَنْ يَسْتَعْفِفْ يُعِفَّهُ اللَّهُ ...)

الصَّبرُ أعظمُ العَطايَا

الحَدِيث (٨)

(إِذَا لَمْ تَسْتَحِ فَاصْنَعْ مَا شِئْتَ)

نَوْعَا الحياءُ

شَرْعُ مَنْ قبْلنا ثلاثةُ أَقْسَامٍ

الحَدِيث (٩)

(مَنْ كانَ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلْيَقُلْ خَيْرًا أَوْ لِيصْمُتْ...)

الجيرانُ ثلاثةٌ

الضَّيْفُ الذي يجِبُ إكرامُهُ

الحَدِيث (10)

(لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ مِنْ كِبْرٍ)

تفْسِيرُ الذَّرَّةِ

الكِبْرُ أنواعٌ ثَلاثَةٌ

الحَدِيث (11)

(أَتَدْرُونَ مَا الْغِيبَةُ؟ ...)

ما يُباحُ منَ الغِيبةِ

الحَدِيث (12)

(لاَ حَسَدَ إِلَّا فِي اثْنَتَيْنِ ...)

مراتبُ الحَسَدِ أرْبَعَةٌ

الناسُ في الحِكْمةِ أرْبَعَةُ أقْسامٍ

الحَدِيث (13)

(انْظُرُوا إِلَى مَنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ ...)

الحَدِيث (14)

(هَلْ تُنْصَرُونَ وَتُرْزَقُونَ إِلَّا بِضُعَفَائِكُم؟!)

نَوْعَا الأسْبابُ التي تحصُلُ بها المقاصِدُ

الحَدِيث (15)

(المُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِ كَالْبُنْيَانِ)

القَوْمِيةُ العَرَبيَّةُ

الحَدِيث (16)

(لاَ يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى يُحِبَّ لِأَخِيهِ مَا يُحِبُّ لِنَفْسِهِ)

الحَدِيث (17)

(تِلْكَ عَاجِلُ بُشْرَى الْمُؤْمِنِ ...)

المؤمِنُ يُبشَّرُ في الدُّنيا بعَمَلِهِ

الحَدِيث (18)

(سَدِّدُوا وَقَارِبُوا وَأَبْشِرُوا ...)

لَا يسْتَحِقُّ أحدٌ الجنَّةَ بِطَاعَتِهِ

الحَدِيث (19)

(لَا يُلْدَغُ الْمُؤْمِنُ مِنْ جُحْرٍ وَاحِدٍ مَرَّتَيْنِ)

الحَدِيث (20)