مجموعة زاد الحديث(2)

مجموعة زاد الحديث(2)

هذا الكتاب تم إعداده من قبل قسم المحتوى التعليمي بقناة زاد العلمية لصالح برنامج أكاديمية زاد مع مؤسسة International Islamic Academy Online Inc و ذلك بهدف تقريب العلم الشرعي للراغبين فيه عن طريق الإنترنت و عن طريقِ قناةٍ تلفزيونية خاصة سعيا لتحقيق المقصد الأساس الذي هو نشر و ترسيخ العلم الشرعي الرصين، المبني على أسسٍ علميةٍ صحيحةٍ، وفقَ معتقدٍ سليمٍ، قائمٍ على كتاب الله و سنةِ رسوله - صلى الله عليه وسلم - بشكلٍ عصري ميسرٍ. ويحتوي هذا الكتاب على نخبة من أهم الأحاديث النبوية، التي تمثل أصول الشريعة، وأصول الأخلاق والآداب والمعاملات، مستقاة من أهم كتب شروح الحديث والعقيدة والآداب الشرعية، مع شروحها، وذكر أهم فوائدها ولطائفها في شتى المجالات.

Language: English
Prepared by:
Version: 1.0
Translations 1
Portuguese
Attachments 7
PDF
Audio
Video
+3

الحديث (2)

سلسلة زاد العلمية:

سلسلة متكاملة تهدف إلى تقريب العلم الشرعي للراغبين فيه، وتوعية المسلم بما لا يسعه جهله من دينه، ونشرُ العلم الشرعي الرصين، القائم على كتابِ اللهِ وسنّةِ رسوله ﷺ ، صافيًا نقيًّا، وبطرحٍ عصريٍّ مُيسّرٍ، وبإخراجٍ احترافيِّ.

كتاب الحديث (2)

يحتوي هذا الكتاب على نخبةٍ من أهم الأحاديث النبوية، التي تمثل أصول الشريعة، وأصول الأخلاق والآداب والمعاملات، مستقاةً من أهم كتب شروح الحديث والعقيدة والآداب الشرعية، مع شروحها، وذكر أهم فوائدها ولطائفها في شتى المجالات.

الحديث (2)

إعداد مجموعة زاد

الإصدار الأول

جميع الحقوق محفوظة. ولا يسمح بإعادة إصدار هذا الكتاب أو نقله في أي شكل أو واسطة، سواء أكانت إلكترونية أو ميكانيكيـــة، بما في ذلك التصوير بالنسخ (فوتوكوبي)، أو التسجيل، أو التخزين والاسترجاع، دون إذن خطي من الناشر.

كلمة الناشر

الحمد ﷲ رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد.

فإن العلم الشرعي من أهم الضرورات التي يحتاجها المسلمُ في حياته، وتحتاجُها الأمةُ كلُّها في مَسيرتِها الحضاريةِ؛ لذا جاءت النصوص الشرعية في الإعلاء من شأنه وشأنِ حامِليه، قال تعالى: ﴿شَهِدَ ٱللَّهُ أَنَّهُۥ لَآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ وَٱلۡمَلَٰٓئِكَةُ وَأُوْلُواْ ٱلۡعِلۡمِ قَآئِمَۢا بالقسط لَآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ ٱلۡعَزِيزُ ٱلۡحَكِيمُ﴾ (آل عمران: ١٨) قال الشوكاني رحمه الله: «المرادُ بأولي العلمِ هنا علماءُ الكتابِ والسُّنةِ» وقال تعالى: ﴿وَقُل رَّبِّ زِدۡنِي عِلۡمًا﴾ (طه: ١١٤)، وفي الحديث: «من سلك طريقًا يلتمس فيه علمًا سهل الله له به طريقًا إلى الجنة» رواه مسلم.

وتأتي هذه السلسلة العلمية خدمة للمجتمع، بهدف إيصال العلم الشرعي إلى الناسِ بشتّى الطُّرُقِ، وتيسير سبلهِ، وتقريبه للراغبين فيه، ونرجو أن تكون رافدة ومعينة للبرامج العلمية والقراءة الذاتية وعونًا لمن يبتغي التزود من العلم والثقافة الشرعية، سعيًا لتحقيق المقصد الأساسِ الذي هو نشرُ وترسيخُ العلمِ الشرعي الرصينِ، المبني على أسسٍ علميةٍ صحيحةٍ، وفقَ معتقدٍ سليمٍ، قائمٍ على كتابِ الله وسنةِ رسوله ﷺ ، ‬بشكلٍ عصريٍّ ميسَّرٍ، فنسأل الله تعالى للجميع العلم النافع والعمل الصالح والتوفيق والسداد والإخلاص.‬

المحتويات

حديث: من عادى لي وليًّا

حديث:جاء ثلاثة رهط

حديث: مثلي ومثلكم

حديث: يأتي على الناس زمان

حديث: والله لا أزيد على ذلك شيئا

حديث: الصلوات الخمس

حديث: يا معشر الشباب

حديث: إن الدنيا حلوة خضرة حديث: كن في الدنيا كأنك غريب

حديث: قد أفلح من أسلم

حديث: من يرد الله به خيرا

حديث: حفت الجنة بالمكاره

حديث: ما منكم أحد إلا سيكلمه الله

حديث: ذهب أهل الدثور بالأجور

حديث: الطهور شطر الإيمان

حديث: دع ما يريبك

حديث: من أحب أن يبسط له في رزقه

حديث: كل سُلامى من الناس عليه صدقة

حديث: من نفس عن مؤمن كربة حديث: ازهد في الدنيا

حديث: إذا مات الإنسان انقطع عمله

الحديث الأول

عَنْ أَبِي هُرَيْرَة رضي الله عنه، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «إِنَّ الله عزوجل قَالَ: مَنْ عَادَى لِي وَلِيًّا فَقَدْ آذَنْتُهُ بِالحَرْبِ، وَمَا تَقَرَّبَ إِلَيَّ عَبْدِي بِشَيْءٍ أَحَبَّ إِلَيَّ مِمَّا افْتَرَضْتُ عَلَيْهِ، وَمَا يَزَالُ عَبْدِي يَتَقَرَّبُ إِلَيَّ بِالنَّوَافِلِ حَتَّى أُحِبَّهُ، فَإِذَا أَحْبَبْتُهُ: كُنْتُ سَمْعَهُ الَّذِي يَسْمَعُ بِهِ، وَبَصَرَهُ الَّذِي يُبْصِرُ بِهِ، وَيَدَهُ الَّتِي يَبْطِشُ بِهَا، وَرِجْلَهُ الَّتِي يَمْشِي بِهَا، وَإِنْ سَأَلَنِي لَأُعْطِيَنَّهُ، وَلَئِنِ اسْتَعَاذَنِي لَأُعِيذَنَّهُ، وَمَا تَرَدَّدْتُ عَنْ شَيْءٍ أَنَا فَاعِلُهُ تَرَدُّدِي عن نفسِ المؤمنِ، يكرهُ الموتَ وأنا أكرهُ مَسَاءَتَه» .أخرجه البخاري.

راوي الحديث

أبو هريرة، عبد الرحمن بن صخر الدوسي، راوية الإسلام، لزم النبي ﷺ ، فروى عنه أكثر من خمسة آلاف حديث، ولاه أمير المؤمنين عمر رضي الله عنه البحرين، ثم عزله، وولي المدينة سنوات في خلافة بني أمية، توفي عام 59هـ.

شرح المفردات

(مَنْ عَادَى لِي وَليًّا) أي: اتخذه عدوًا له.

(فقد آذَنْتُهُ بِالحَرْبِ) أي: أعلمته بالهلاك والنكال.

(مِمَّا افْتَرَضْتُ عَلَيْهِ) من الفروض العينية، وفروض الكفاية، فجنس الفرائض أحب إلى الله من جنس النوافل.

(وَلاَ يَزَالُ عَبْدِيْ يَتَقَرَّبُ إِلَيَّ بِالنَّوَافِلِ حَتَّى أُحِبَّهُ) لا يزال: هذا من أفعال الاستمرار، أي: يستمر يتقرب إلى الله تعالى بالنوافل، حتى يحبه الله عزوجل.

(كُنْتُ سَمْعَهُ) معنى هذا الكلام يحتمل وجهين:

1 - الأول: أن الإنسان إذا كان وليًّا ﷲ عزوجل حفظ سمعه، فيكون سمعُه تابعًا لما يرضي اللهعزوجل ، وكذلك يقال في بصره، وفي يده، وفي رجله.

2 - الثاني: أن الله يسدده في سمعه وبصره ويده ورِجْله، وهذا أقرب.

(استعاذني) استجار بي مما يخاف.

(وما ترددت) قال الشيخ ابن عثيمين رحمه الله: «إثبات التردد ﷲ عزوجل على وجه الإطلاق لا يجوز، لأن الله سبحانه وتعالى ذكر التردد في هذه المسألة: ما ترددت في شيء أنا فاعله... الحديث. وليس هذا التردد من أجل الشك في المصلحة، ولا من أجل الشك في القدرة على فعل الشيء، بل هو من أجل رحمة هذا العبد المؤمن».

( مساءَته) أي: إساءته بفعل ما يكره.

الشرح الإجمالي للحديث

في هذا الحديث الوعيد الشديد لمن عادى وليًّا من أولياء الله تعالى، وأنَّ أحب العبادة إلى الله أداء فرائضه، وأنَّ من تقرَّب إلى الله بالنوافل أحبه، ونصره، وحفظه، وأجاب دعاءه، ورقَّاه من درجة الإِيمان إلى درجة الإِحسان، فلا ينطقُ بما يسخط الله، ولا تُحَرَّك جوارحه في معاصي الله.

فوائد الحديث

إثبات أولياء الله عزوجل، ولا يمكن إنكار هذا لأنه ثابت في القرآن والسنة، ولكن الشأن كل الشأن تحقيق المناط، بمعنى: من هو الولي؟

فالولاية بيَّنها الله عزوجل بقوله: ﴿أَلَآ إِنَّ أَوۡلِيَآءَ ٱللَّهِ لَا خَوۡفٌ عَلَيۡهِمۡ وَلَا هُمۡ يَحۡزَنُونَ 62 ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَكَانُواْ يَتَّقُونَ﴾ (يونس: 6- 2 63) قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: «من كان مؤمنًا تقيًا كان ﷲ وليًّا».

فالولي ليس من شرطه أن يمشي على الماء أو يطير في السماء، لكن يلتزم بشرع الله، فمن كان ﷲ طائعًا، وبسنة نبيه متمسكًا كان وليًّا ﷲ، وهؤلاء هم أولياء الله تعالى حقًّا.

ومن زُعمت له الولاية عُرض عمله على الكتاب والسنة، فإن وافقهما قُبل، وإلا كان مردودا.

1- ولاية الله عزوجل نوعان: عامة وخاصة.

فالعامة: ولايته على الخلق كلهم تدبيرًا وقيامًا بشؤونهم، وهذا عام لكل أحد، للمؤمن والكافر، والبر والفاجر، ومنه قوله تعالى: ﴿ حَتَّىٰٓ إِذَا جَآءَ أَحَدَكُمُ ٱلۡمَوۡتُ تَوَفَّتۡهُ رُسُلُنَا وَهُمۡ لَا يُفَرِّطُونَ 61 ثُمَّ رُدُّوٓاْ إِلَى ٱللَّهِ مَوۡلَىٰهُمُ ٱلۡحَقِّۚ﴾ (الأنعام: 6- 162).

والخاصة: هي ولاية الله عزوجل للمتقين، قال الله عزوجل: ﴿ ٱللَّهُ وَلِيُّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ يُخۡرِجُهُم مِّنَ ٱلظُّلُمَٰتِ إِلَى ٱلنُّورِۖ﴾ (البقرة: 257)، وقال الله عزوجل: ﴿أَلَآ إِنَّ أَوۡلِيَآءَ ٱللَّهِ لَا خَوۡفٌ عَلَيۡهِمۡ وَلَا هُمۡ يَحۡزَنُونَ 62 الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ (63﴾ (يونس: 62-63).

وهل في ثبوت ولاية الله تعالى لشخص أن يكون واسطة بينك وبين الله في الدعاء لك، وقضاء حوائجك؟

فالجواب:

لا، فالله تعالى ليس بينه وبين عباده واسطة، وأما الجاهلون المغرورون فيقولون: هؤلاء أولياء ﷲ، وهم واسطة بيننا وبين الله تعالى. فيتوسلون بهم إلى الله أولًا، ثم يدعونهم من دون ﷲ ثانيًا.

2 - عظيم منزلة الأولياء من ﷲ تعالى، وأن معاداة أولياء ﷲ من كبائر الذنوب؛ حيث كان الذي يعاديهم قد آذنه ﷲُ تعالى بالحرب؛ وهذه عقوبة خاصة على عمل خاص، فيكون هذا العمل من كبائر الذنوب.

3 - إثبات الحرب من الله عزوجل، لقوله: (آذَنْتُهُ بِالحَرْبِ) وقد ذكر الله تعالى ذلك في الربا أيضًا، فقال: ﴿ فَإِن لَّمۡ تَفۡعَلُواْ فَأۡذَنُواْ بِحَرۡبٖ مِّنَ ٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦۖ﴾ (البقرة: 279)

4- إثبات محبة الله تعالى، وأنها تتفاضل، لقوله: (وَمَا تَقَرَّبَ إِلَيَّ عَبْدِيْ بِشَيءٍ أَحَبَّ إِلَيَّ مِمَّا افْتَرَضْته عَلَيْهِ )

5- أن الأعمال الصالحة تُقرِّب إلى الله عزوجل، والإنسان يشعر بنفسه بهذا الأمر، فإذا قام بعبادة الله على الوجه الأكمل من الإخلاص والمتابعة وحضور القلب أحسَّ بأنه قَرُبَ من الله عزوجل.

وهذا لا يدركه إلا الموفقون، وإلا فما أكثر الذين يصلون ويتصدقون ويصومون، ولكنَّ كثيرًا منهم لا يشعر بقربه من الله، وشعور العبد بقربه من الله لا شك أنه سيؤثر في سيره ومنهجه.

6- تفاضل الأعمال من حيث الجنس، ومن حيث النوع:

فمن حيث الجنس: الفرائض أحب إلى الله من النوافل.

ومن حيث النوع: الصلاة أحب إلى الله مما دونها من الفرائض.

ولهذا سأل ابن مسعود رضي الله عنه رسول الله ﷺ : أي الأعمال أحب إلى الله؟ فقال:«الصَّلاةُ عَلَى وَقْتِهَا». رواه البخاري ومسلم.

فالأعمال تتفاضل في أجناسها، وتتفاضل في أنواعها.

بل وتتفاضل أنواعها في أفرادها، فكم من رجُلَين صلَّيا صلاة واحدة، واختلفت مرتبتهما ومنزلتهما عند الله كما بين المشرق والمغرب!

7- الحثّ على كثرة النوافل، لقوله تعالى في الحديث القدسي: (وَلاَ يَزَالُ عَبدِيْ يَتَقَرَّبُ إِلَيَّ بِالنَّوَافِلِ حَتَّى أُحِبَّهُ).

8 - أن كثرة النوافل سبب لمحبة الله عزوجل، لأن: «حتى» للغاية، فإذا أكثرت من النوافل فأبشر بمحبة الله لك.

9 - أن هذا الجزاء والمثوبة على الأعمال إنما هو على الأعمال التي جاءت على وفق الشرع، فما كلُّ صلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر، وما كل نافلة تقرّب إلى الله عزوجل، فينبغي إتقان وإكمال العبادة، حتى ينال العبد الثواب المرتب عليها في الدنيا والآخرة.

-10 أن الله تعالى إذا أحبَّ عبدًا سدَّده في سمعه وبصره ويده ورِجْله، أي: في كل حواسِّه، بحيث لا يسمع إلا ما يرضي الله عزوجل، وإذا سمع انتفع، وكذلك أيضًا لا يطلق بصرَه إلا فيما يرضي الله، وإذا أبصر انتفع، كذلك يدُه: لا يبطش بيده إلا فيما يرضي الله، وإذا بطش فيما يرضي الله انتفع، وكذلك يقال في الرِّجْل.

11 - أن الله تعالى إذا أحب عبدًا أجاب مسألته وأعطاه ما يسأل، وأعاذه مما يكره، فيحصل له المطلوب، ويزول عنه المرهوب.

يحصل له المطلوب في قوله: (وَلَئِنْ سَأَلَنِيْ لأُعْطِيَنَّهُ)، ويزول المرهوبُ في قوله: (وَلَئِنْ اسْتَعَاذَنَي لأُعِيذَنَّهُ).

إلا إذا دعا بإثم، أو قطيعةِ رحم، أو ظلمٍ لإنسان فإنه لا يستجاب له، حتى وإن كان يكثر من النوافل ؛ لأن الله عزوجل أعدل من أن يجيب مثل هذا، والنصوص يقيد بعضها بعضا.

نشاط

1- لماذا خصَّ الله عزوجل مَنْ عادى أولياء الله، وآكلي الربا بحربه عزوجل ؟

2- في ضوء قواعد الأسماء والصفات: اشرح قوله عزوجل: (كُنْتُ سَمْعَهُ الَّذِي يَسْمَعُ بِهِ، وَبَصَرَهُ الَّذِي يُبْصِرُ بِهِ، وَيَدَهُ الَّتِي يَبْطِشُ بِهَا، وَرِجْلَهُ الَّتِي يَمْشِي بِهَا)

3- مستدلا بالحديث أجب عن الآتي: رجل جعل يصلي طول الليل، ثم نام عن صلاة الفجر، ما حكم ذلك؟

4- ابحث هذه المسألة: تردُّدُ الله تعالى عن قبض عبده المحسن.

الحديث الثاني

عَنْ أَنَس بْنِ مَالِكٍ رضي الله عنه قال: جَاءَ ثَلاَثَةُ رَهْطٍ إِلَى بُيُوتِ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ ﷺ، يَسْأَلُونَ عَنْ عِبَادَةِ النَّبِيِّ ﷺ ، فَلَمَّا أُخْبِرُوا كَأَنَّهُمْ تَقَالُّوهَا، فَقَالُوا: وَأَيْنَ نَحْنُ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ ؟! قَدْ غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ وَمَا تَأَخَّرَ، قَالَ أَحَدُهُمْ: أَمَّا أَنَا، فَإِنِّي أُصَلِّي اللَّيْلَ أَبَدًا، وَقَالَ آخَرُ: أَنَا أَصُومُ الدَّهْرَ وَلاَ أُفْطِرُ، وَقَالَ آخَرُ: أَنَا أَعْتَزِلُ النِّسَاءَ فَلاَ أَتَزَوَّجُ أَبَدًا، فَجَاءَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَيْهِمْ، فَقَالَ: «أَنْتُمُ الَّذِينَ قُلْتُمْ كَذَا وَكَذَا، أَمَا وَالله إِنِّي لَأَخْشَاكُمْ ﷲِ وَأَتْقَاكُمْ لَهُ، لَكِنِّي أَصُومُ وَأُفْطِرُ، وَأُصَلِّي وَأَرْقُدُ، وَأَتَزَوَّجُ النِّسَاءَ، فَمَنْ رَغِبَ عَنْ سُنَّتِي فَلَيْسَ مِنِّي» متفق عليه.

راوي الحديث

أنس بن مالك بن النضر الأنصاري، خادم رسول الله ﷺ ، خدمه إلى أن قُبِض، ثم رحل إلى دمشق، ومنها إلى البصرة، فمات بها، وهو آخرُ مَن مات من الصحابة رضي الله عنهم بالبصرة، عام 93هـ .

شرح المفردات

(رهط) الرَّهْطُ: الجماعة من ثلاثة أو سبعة إلى عشرة.

(تَقَالُّوهَا) أي: اعتبروها قليلة.

(ذنبه) أي: ذنب النبي ﷺ ، والجمهور يثبتون وقوع الأنبياء عليهم السلام في الصغائر، ولكن الله لا يقرُّهم عليها، ولا يؤخِّرون التوبةَ منها، كما قرر ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله.

(أَبَدًا) أي: دائما دون انقطاع.

(الدَّهْرَ) أي: أواصل الصيام يوما بعد يوم.

(أرقد) أنام.

(رَغِبَ عَنْ سُنَّتِي) أي: مال عن طريقتي وأعرض عنها.

(فليس مني) أي: ليس بمسلم إن كان ميله عنها كرها لها أو عن عدم اعتقاد بها، وإن كان غير ذلك فإنه مخالف لطريقتي السهلة السمحة، التي لا تشدُّدَ فيها ولا عنتَ.

الشرح الإجمالي للحديث

في هذا الحديث بيَّن النبي ﷺ أنه ينبغي للمسلم أن يقتصد في الطاعة، بأن يكون وسطًا بين الغلو والتفريط؛ لأن هذا هو المطلوب منه في جميع أحواله؛ قال الله تعالى: ﴿وَٱلَّذِينَ إِذَآ أَنفَقُواْ لَمۡ يُسۡرِفُواْ وَلَمۡ يَقۡتُرُواْ وَكَانَ بَيۡنَ ذَٰلِكَ قَوَامًا﴾ (الفرقان: 67) وهكذا الطاعة ينبغي أن يُقتصد فيها، والاقتصاد في العبادة من سنن النبي ﷺ ، كما في الحديث: «أَحَبُّ الْعَمَلِ إِلَى الله أَدْوَمُهُ وَإِنْ قَلَّ» متفق عليه.

فأنكر النبي ﷺ على هؤلاء الرهط خروجهم على الشرع بهذه الأعمال التي ذكروها، وبيَّن لهم أن خير الهدي هديه ﷺ ، فهو أعلم الناس بمراد الله تعالى في العبادات، ومن رغب عن هديه وسنته فليس منه ﷺ .

فوائد الحديث

1 - أنه ينبغي للإنسان أن يقتصد في العبادة، بل في جميع أموره، لأنه إن قصَّر فاته خير كثير، وإن شدد فإنه سوف يكِلُّ ويعجز ويتراجع عن العمل.

2 - الرد على مَن مَنَعَ استعمال المباحات والحلال من الأطعمة الطيبة والملابس الليِّنة، وآثر عليها غليظ الطعام وخشن الثياب من الصوف وغيره، قال تعالى: ﴿قُلۡ مَنۡ حَرَّمَ زِينَةَ ٱللَّهِ ٱلَّتِيٓ أَخۡرَجَ لِعِبَادِهِۦ وَٱلطَّيِّبَٰتِ مِنَ ٱلرِّزۡقِۚ﴾ (الأعراف: 32).

والأولى التوسط، وعدم الإفراط في ملازمة الطيبات، فإنه يؤدي إلى الترفه والبطر، كما أن من منع تناول ذلك أحيانا قد يفضي به إلى التنطع، وهو التكلف المؤدي إلى الخروج عن السُّنة.

3 - أن النقص في أمور الدين والعبادة عن هدي النبي ﷺ مذموم، وكذلك الزيادة أيضا مذمومة.

فهؤلاء النفر لما أرادوا أن يزيدوا في أمور العبادة بما لم يفعله ﷺ نهاهم عن ذلك، وإذا نُهي من أراد الزيادة في عبادة لها أصل في الشرع والدين، فكيف الحال بأناس ابتدعوا في دين الله ما ليس له أصل في الكتاب ولا في السُّنة؟!!

كابتداع أورادٍ وصلواتٍ واحتفالاتٍ ليست من هدي النبوة في شيء، وقد قال النبي ﷺ : «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس فيه فهو ردّ» متفق عليه.

ويتفرع على ذلك فائدة أخرى، وهي: أن مدار الأمر ليس على كثرة العبادة والتشدُّد فيها، ولكن مدار الأمر على اتباع سنة النبي ﷺ دون تفريط أو مغالاة، أو زيادة أو نقصان، فالسنة النبوية الشريفة أصلها التوازن والتوسط والاعتدال، وأن عدم التقيد والالتزام بها يؤدي إلى الضلال والابتداع.

الغلو في الدين:

قال النبي ﷺ : «إياكم والغلو في الدين، فإنما هلك من كان قبلكم بالغلو في الدين» رواه أحمد، وصححه الألباني.

وعن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ : «هلك المتنطعون - قالها ثلاثا» رواه مسلم ، قال النووي: «وهم المتشددون في غير موضع التشديد».

التمسك بالسنة:

السنة النبوية هي سفينة النجاة وبرُّ الأمان، قال الزهري: «كان من مضى من علمائنا يقول: الاعتصام بالسنة نجاة».

وقال مالك: «السُّنَّة سفينة نوح من ركبها نجا، ومن تخلف عنها غرق»

نشاط

1 - الوسطية والاعتدال. هل تعني تمييع الدين والأخذ بشذوذ الآراء وضعيفها ؟ اكتب في ذلك.

2 - عبارة «فليس مني» تكلم عنها العلماء، اكتب فيهابحثا مختصرا.

3 - ما معنى التنطع في الدين؟ ومتى يوصف الشخص به؟

الحديث الثالث

عَنْ جَابِرٍ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : «مَثَلِي وَمَثَلُكُمْ كَمَثَلِ رَجُلٍ أَوْقَدَ نَارًا، فَجَعَلَ الْجَنَادِبُ وَالْفَرَاشُ يَقَعْنَ فِيهَا، وَهُوَ يذبهن عنها، وأنا آخذ بحُجَزِكم عن النَّارِ، وأنتم تفلَّتون من يدي» أخرجه مسلم.

راوي الحديث

جابر بن عبد الله بن عمرو بن حرام، غزا مع النبي ﷺ تسع عشرة غزوة، وهو أحد المكثرين من الرواية عن النبي ﷺ ، وكانت له في أواخر أيامه حلقة بالمسجد النبوي يؤخذ عنه فيها العلم، كُفَّ بصرُه قبل موته بالمدينة رضي الله عنه.

الحديث الثالث: «مثلي ومثلكم... »

شرح المفردات

(الجنادب) جمع جندب، وهو نوع من الجراد.

(آخذ) أي: أمسك بشدة.

(حُجَزِكم) جَمْعُ حُجْزَة، وَهِيَ مَعْقدُ الإزَار وَالسَّراويل، وهو كناية عن حرصه ﷺ على منع أمته عن الإتيان بالمعاصي، التي تؤدي بهم إلى الدخول في النار.

(تفلَّتون) يقال: أفلت وتفلَّت، إذا نازعك الغلبة وهرب.

الشرح الإجمالي للحديث

في هذا الحديث أراد النبي ﷺ أن يبين بهذا المَثَل حاله مع أمته، وأنه كرجل في برِّية أوْقدَ نارًا، فجعل الجنادب والفراش يقعن فيها؛ لأن هذه هي عادة الفراش والجنادب والحشرات الصغيرة، إذا أوقد إنسان نارًا في البر؛ فإنها تأوي إلى هذا الضوء، والرجل يمنعهن الوقوع، وهن يأبين إلا الوقوع فيها، وهكذا النبي ﷺ مع أمته، فهو حريص على منع أمته من اتباع الشهوات، والوقوع في المعاصي والمحرمات، ولكنهم يتفلتون من يده، ويقعون فيها.

فوائد الحديث

1 - ضرب النبي ﷺ المثل لأمته لينبههم به على استشعار الحذر، خوف التورّط في محارم الله والوقوع في معاصيه، ومثَّل لهم ذلك بما عاينوه وشاهدوه من أمور الدنيا؛ ليقرب ذلك من أفهامهم، ويكون أبلغ في موعظتهم، فمثَّل ﷺ اتباع الشهوات المؤدية إلى النار بوقوع الفراش في النار؛ لأن الفراش من شأنه اتباع ضوء النار حتى يقع فيها، فكذلك متبع شهوته يؤول به ذلك إلى العذاب، وشبَّه جهلَ راكبِ الشهوات بجهل الفراش؛ لأنها لا تظن أن النار تحرقها حتى تقتحم فيها.

2 - بيان حرص النبي ﷺ الشديد على أمته، وأنه كان لا يألو جهدًا في منعها وصدِّها عن كل ما يضرها في دينها ودنياها.

المقطع للاطلاع فقط

3 - في الحديث إشارة إلى أن الإنسان إلى النذير أحوج منه إلى البشير، ولذلك أفرده في قوله تعالى: ﴿تَبَارَكَ ٱلَّذِي نَزَّلَ ٱلۡفُرۡقَانَ عَلَىٰ عَبۡدِهِۦ لِيَكُونَ لِلۡعَٰلَمِينَ نَذِيرًا ﴾ (الفرقان: 1) وذلك أن جِبِلَّة الإنسان مائلة إلى الحظوظ العاجلة دون الآجلة، كما قال الله تعالى: ﴿ كـَلَّا بَلۡ تُحِبُّونَ ٱلۡعَاجِلَةَ 20 وَتَذَرُونَ ٱلۡأٓخِرَةَ ﴾ (القيامة: 20- 21) فأوجب قلعها أولًا ليتمكن من تحري ما يقربه إلى الله تعالى، ومن ثَمَّ قيل: التحلية بعد التخلية.

- 4 في الحديث إظهار لرأفته ﷺ ورحمته على الأمة، وحرصه على نجاتهم، كما قال الله تعالى: ﴿لَقَدۡ جَآءَكُمۡ رَسُولٌ مِّنۡ أَنفُسِكُمۡ عَزِيزٌ عَلَيۡهِ مَا عَنِتُّمۡ حَرِيصٌ عَلَيۡكُم بِٱلۡمُؤۡمِنِينَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ﴾ (التوبة: 128).

نشاط

1- اكتب بحثا موضِّحا فيه رأفة النبي ﷺ بأمته.

2- تكلم عن اتباع النبي ﷺ في سائر الأحكام التكليفية.

3- أرسل الله النبي ﷺ بشيرا ونذيرا، اكتب في ضوء هذا المعنى.

الحديث الرابع

عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «يَأْتِي عَلَى النَّاسِ زَمَانٌ الصَّابِرُ فِيهِمْ عَلَى دِينِهِ كَالقَابِضِ عَلَى الجَمْرِ» رواه الترمذي، وصححه الألباني.

وقَالَ ﷺ : «إِنَّ مِنْ وَرَائِكُمْ أَيَّامَ الصَّبْرِ، الْمُتَمَسِّكُ فِيهِنَّ يَوْمَئِذٍ بِمِثْلِ مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ لَهُ كَأَجْرِ خَمْسِينَ مِنْكُمْ»، قَالُوا: يَا نَبِيَّ الله، أَو مِنْهُمْ؟ قَالَ: «بَلْ مِنْكُمْ». أخرجه الطبراني، وصححه الألباني.

شرح المفردات

(يأتي على الناس زمان الصابر فيهم) أي: في أهل ذلك الزمان.

قال الجعبري: «أي: هذا الزمان زمان الصبر؛ لأنه قد أُنكر المعروف وعُرف المنكر، وفسدت النيات، وظهرت الخيانات، وأُوذي المحق، وأُكرم المبطل». اهـ.

(كالقابض) أي: كصبر القابض في الشدة، ونهاية المحنة.

(على الجمرِ) جمع جمرة، وهي الشعلة من نار.

(كَأَجْرِ خَمْسِينَ مِنْكُمْ) قال شيخ الإسلام رحمه الله: «وقد يكون لهم -أي: للمتأخرين- من الحسنات ما يكون للعامل منهم -أي: من الصحابة- أجر خمسين رجلًا يعملها في ذلك الزمان؛ لأنهم كانوا يجدون من يعينهم على ذلك، وهؤلاء المتأخرون لم يجدوا مَن يُعينهم على ذلك». اهـ.

قال الحافظ ابن حجر: «حديث «للعامل منهم أجر خمسين منكم» لا يدل على أفضلية غير الصحابة على الصحابة رضي الله عنهم؛ لأن مجرد زيادة الأجر لا يستلزم ثبوت الأفضلية... فالأجر إنما يقع تفاضله بالنسبة إلى ما يماثله في ذلك العمل، فأما ما فاز به مَن شاهد النبي ﷺ مِن زيادة فضيلة المشاهدة فلا يعدلُه فيها أحدٌ».اهـ بجمع وتصرف.

الشرح الإجمالي للحديث

في هذا الحديث أراد النبي ﷺ بيان عظم الفتن في آخر الزمان، وأنه كما لا يقدر القابض على الجمر ألا يصبر لاحتراق يده، كذلك الملتزم بدينه يومئذ لا يقدر على ثباته على الدِّين لغلبة العصاة والمعاصي، وانتشار الفتن وضعف الإيمان، فلا يتصور حفظ دينه إلا بصبر عظيم.

وقد أشار الشاطبي رحمه الله في زمانه إلى هذا المعنى بقوله:

وَهذَا زَمَانُ الصَّبْرِ مَنْ لَكَ بِالَّتِي *** كَقَبْضٍ عَلَى جَمْرٍ فَتَنْجُو مِنَ الْبلَا

قالَ ابنُ رجبٍ الحنبليُّ رحمه الله: «ولـهٰذَا جَاءَ في أحَاديثَ متعدِّدَةٍ مدْحُ الـمُتَمَسِّكِ بدينِهِ في آخرِ الزَّمانِ، وأنَّهُ كـَالقابضِ علىٰ الـجَمْرِ، وأنَّ للعاملِ منهُمْ أجْرَ خمسينَ مـمَّنْ قبلهُمْ؛ لأنَّـهُمْ لَا يجدُون أعوانًا في الخيرِ».

فوائد الحديث

1 - في الحديث الإرشاد إلى أن يوطن الناس أنفسهم علىٰ هذهِ الحالَةِ، وأنّهُ لا بدَّ منهَا، وأنَّ منِ اقتحمَ هٰذِهِ العقباتِ، وصبرَ علىٰ دينِهِ وإيمانِهِ، فإنَّ لهُ عندَ الله أعلىٰ الدَّرجاتِ، وسيعينُهُ مولاهُ علىٰ ما يحبُّهُ ويرضاهُ؛ فإنَّ المعونةَ علىٰ قدْرِ المؤنةِ.

2- في الحديث تشبيه الأمر المعقول بالشيء المحسوس، جاء في فيض القدير: «شبَّهَ المعقولَ بالمحسُوسِ؛ أيِ: الصَّابِر عَلَىٰ أحكَامِ الكتَابِ والسُّنَّةِ يُقَاسي بما ينالُهُ منَ الشِّدَّةِ والمشقَّةِ من أهلِ البدعِ والضَّلالِ مثْلَ ما يقاسِيهِ مَنْ يأخُذُ النَّارَ بيدِهِ، ويقبِضُ عليهَا، بلْ ربَّـمَا كانَ أشّدّ، وهذا من معجزاتِهِ؛ فإنَّهُ إخبارٌ عن غَيْبٍ وقدْ وقعَ».

قالَ ابنُ القيّمِ رحمه الله في صفاتِ الَّذينَ غبطَهُمُ النَّبيُّ ﷺ في آخر الزمان:

التَّمسّكُ بالسُّنّةِ؛ إذا رغبَ عنهَا النّاسُ.

تركُ ما أحدَثُوهُ؛ وإنْ كانَ هو المعروفَ عندَهُمْ.

تجريدُ التَّوحيدِ؛ وإنْ أنكرَ ذلكَ أكثرُ النّاسِ.

تركُ الاِنْتِسابِ إلىٰ أحدٍ غيرِ الله ورسولِهِ ﷺ ، لَا شَيْخ، وَلَا طَرِيقَة، وَلَا مَذْهَب، وَلَا طَائِفَة.

فهٰؤلاءِ منتَسِبونَ إلىٰ الله بالعبوديَّةِ لهُ وحْدَهُ. وإلىٰ رسولِهِ ﷺ بالاِتِّباَعِ لـمَا جاءَ بِهِ وحْدَهُ.

وهٰؤلاءِ هُمُ القَابضونَ علىٰ الـجَمْرِ حَقًّا، وَأَكْثَرُ النَّاسِ، بَلْ كُلُّهُمْ لَائِمٌ لَهُمْ، فَلِغُرْبَتِهِمْ بَيْنَ هَذَا الْخَلْقِ، يَعُدُّونَهُمْ أَهْلَ شُذُوذٍ وَبِدْعَةٍ، وَمُفَارَقَةٍ لِلسَّوَادِ الْأَعْظَمِ. اهـ بتصرف يسير.

نشاط

1- ماذا تفهم من قول النبي ﷺ : «بَلْ مِنْكُمْ»؟

2- تكلَّم عن دور الداعية وقت الفتن.

3- اذكر باختصار صفات مَن يُغبَطون مِن هذه الأمة آخر الزمان.

الحديث الخامس

عَنْ جَابِرٍ رضي الله عنه أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ رَسُولَ الله ﷺ ، فَقَالَ: أَرَأَيْتَ إِذَا صَلَّيْتُ الصَّلَوَاتِ الْمَكْتُوبَاتِ، وَصُمْتُ رَمَضَانَ، وَأَحْلَلْتُ الْحَلَالَ، وَحَرَّمْتُ الْحَرَامَ، وَلَمْ أَزِدْ عَلَى ذَلِكَ شَيْئًا، أَأَدْخُلُ الْجَنَّةَ؟ قَالَ: «نَعَمْ»، قَالَ: وَالله لَا أَزِيدُ عَلَى ذَلِكَ شَيْئًا. رواه مسلم.

شرح المفردات

(أَرَأَيتَ) أي: أخبرني، وكلما دخلت همزة الاستفهام على «رأيت» غلب أن تكون بمعنى: أخبرني.

(إِذا صَليتُ المَكتوبَات) وهن خمس صلوات في اليوم والليلة، كما قال عزوجل: ﴿ إِنَّ ٱلصَّلَوٰةَ كَانَتۡ عَلَى ٱلۡمُؤۡمِنِينَ كِتَٰبًا مَّوۡقُوتًا ﴾ (النساء: 103).

(وأحللتُ الحلالَ وحرَّمت الحرامَ) المراد بالتحليل والتحريم: فعل الحلال واجتناب الحرام، وسيأتي مزيد بسط.

الشرح الإجمالي للحديث

في هذا الحديث أراد النبي ﷺ بيان أنه يجوز الاقتصار على الواجبات، وترك التطوعات في الجملة، لكن لا شك أن من تركها ولم يفعل شيئًا منها فقد فوَّت على نفسه ربحًا عظيمًا وخيرًا كثيرًا.

قال القرطبي: «لو أن أهل بلدة تواطؤوا على ترك سنة لقوتلوا عليها حتى يرجعوا»

ولقد كان الصحابة رضي الله عنهم ومن بعدهم يثابرون على فعل السنن والفضائل مثابرتهم على الفرائض، ولم يكونوا يفرِّقون بينهما في اغتنام ثوابها، وإنما ترك النبي ﷺ تنبيه هذا السائل إلى السنن والفضائل؛ تسهيلًا وتيسيرًا لقُرْب عهده بالإسلام؛ لئلا يكون الإكثار من ذلك تنفيرًا له.

المقطع للاطلاع فقط

فوائد الحديث

1- حرص الصحابة رضي الله عنهم على السؤال، وكمال غايتهم دخول الجنة، لا كثرة الأموال، ولا كثرة البنين، ولا الترفُّه في الدنيا.

2- أن الإنسان إذا اقتصر على الصلاة المكتوبة فلا لوم عليه، ولا يُحْرم من دخول الجنة، لقوله: «أَرَأَيتَ إِذا صَليتُ المَكتوبَات».

3- أن الصلوات وكذلك الصوم من أسباب دخول الجنة، وقد ثبت عن النبي ﷺ : أن مَنْ صَامَ رَمَضَانَ، إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا، غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ. متفق عليه.

4- ألا يمتنع الإنسان من الحلال، لقوله: «وَأَحلَلتُ الحَلال» فكون الإنسان يمتنع من الحلال لغير سبب شرعيٍّ مذموم، وليس بمحمود.

-5 قال النووي رحمه الله: «ومعنى حَرَّمْت الحَرَامَ اجتنبته، ومعنى أَحْلَلْت الحَلالَ فعلته معتقدًا حِلَّهُ». اهـ.

وقد فُسِّر بمعنى آخر، وهو: أن تعتقد أن الحرام حرام وأن الحلال حلال؛ لأنك إذا لم تعتقد ذلك فإنك لم تؤمن بالحكم الشرعي، فإن تركت الحرام لكونه حراما، وخشية من الله تعالى صار التركُ عبادة، مع أن مجرد ترك الحرام خير، لكن أفضل منه أن تعتقد تحريمه، وأنك تركته لذلك، وخوفا من الله تعالى.

مثال ذلك: رجل اجتنب شرب الخمر أو الدخان أو أكل الخنزير، لا على أنه حرام، لكن لأن نفسه لا تطيب به، ولا يرغبه، فهذا لا إثم عليه.

لكن إذا تركه معتقدًا تحريمه، وأنه تركه ﷲ تعالى، كان مثابًا على هذا.

نشاط

1- وجّه عدم ذكر النبي ﷺ للزكاة والحج في حديث الباب.

2- ما الفرق بين ترك الفرد للسنن، واجتماع بلدة على ترك السنن؟

3- في هذا الحديث بيَّن النبي ﷺ أصلا مهما في الإسلام، اذكره، ووجهه.

الحديث السادس

عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ كَانَ يَقُولُ: «الصَّلَوَاتُ الْخَمْسُ، وَالْجُمْعَةُ إِلَى الْجُمْعَةِ، وَرَمَضَانُ إِلَى رَمَضَانَ مُكَفِّرَاتٌ مَا بَيْنَهُنَّ إِذَا اجْتَنَبَ الْكَبَائِرَ». رواه مسلم.

شرح المفردات

الْجُمْعَةُ إِلَى الْجُمْعَةِ، وَرَمَضَانُ إِلَى رَمَضَانَ) على تقدير مضاف محذوف، أي: صلاة الجمعة إلى صلاة الجمعة، وصوم رمضان إلى صوم رمضان.

مُكَفِّرَاتٌ مَا بَيْنَهُنَّ) أي: من الذنوب، والتكفير: التغطية، والمراد هنا المحو.

الكبائر) أي: كبائر الذنوب، قال المُناوي: هي كل ما كبر من المعاصي، وعظم من الذنوب، واختُلف فيها على أقوال، والأقرب أنها كل ذنب رتَّب الشارعُ عليه حدًّا، وصرَّح بالوعيد عليه.

كذلك كل ذنب لعن النبي ﷺ فاعله.

كذلك كل شيء فيه حدٌّ في الدنيا كالزنى، أو وعيدٌ في الآخرة كأكل الربا، أو فيه نفي إيمان، مثل قوله ﷺ : «لاَ يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ، حَتَّى يُحِبَّ لِأَخِيهِ مَا يُحِبُّ لِنَفْسِهِ». متفق عليه.

أو فيه براءة منه، مثل قوله ﷺ : «وَمَنْ غَشَّنَا فَلَيْسَ مِنَّا» رواه مسلم.

أو ما أشبه ذلك فهو من كبائر الذنوب.

ومذهب أهل السنة أن الكبائر لا تسلب اسمَ الإيمان عن أصحابها، وأن أصحاب الكبائر ليسوا بكفار ما لم يستحلوها، ومن مات منهم -ولو مات مصِرًّا على الكبائر- لا يخلد في النار.

الشرح الإجمالي للحديث

في هذا الحديث بيَّن النبي ﷺ أن الصلوات الخمس تكفر الخطايا ما بين صلاة الفجر إلى الظهر، ومن الظهر إلى العصر، ومن العصر إلى المغرب، ومن المغرب إلى العشاء، ومن العشاء إلى الفجر، فإذا عمل الإنسان سيئة، وأقام تلك الصلوات الخمس على وجهها الأكمل، فإنها تمحو الخطايا، إذا اجتُنبت كبائر الذنوب.

قال النووي في شرح مسلم عند شرح حديث: «ما من امريء مسلم تحضُرُه صلاة مكتوبة، فيحسن وضوءها وخشوعها وركوعها، إلا كانت كفارة لما قبلها من الذنوب ما لم يؤت كبيرة، وذلك الدهر كله». قال: «معناه أن الذنوب كلها تُغفر إلا الكبائر فإنها لا تُغفر».اهـ.

قال القاضي عياض: «هذا المذكور في الحديث من غَفْرِ الذنوب ما لم يؤت كبيرة هو مذهب أهل السنة، وأن الكبائر إنما يكفرها التوبة أو رحمة الله تعالى وفضله».اهـ.

قال أهل العلم: «لا بد في حقوق الناس من القصاص ولو صغيرة، وفي الكبائر من التوبة»

فوائد الحديث

1- أن الحسنات يذهبن السيئات، قال تعالى: ﴿وَأَقِمِ ٱلصَّلَوٰةَ طَرَفَيِ ٱلنَّهَارِ وَزُلَفًا مِّنَ ٱلَّليۡلِۚ إِنَّ ٱلۡحَسَنَٰتِ يُذۡهِبۡنَ ٱلسَّيِّـَٔاتِۚ﴾ (هود: 114)، وأن الكفارة تكون بالأعمال الصالحة، من صلاةٍ وصدقةٍ وصومٍ وبرٍّ وصلةٍ وعيادة مريضٍ واتباعِ جنائزَ وذكرٍ دائمٍ واستغفارٍ وتهليلٍ وتحميدٍ وتكبيرٍ وتلاوة قرآن وغيره.

2- أن الصغائر تُكفَّر بالأعمال الصالحة، وأن الكبائر لابد لها من توبة خاصة.

مسألة:

إذا كفَّرت الصلاةُ الذنوبَ، فماذا تكفِّر الجمعاتُ ورمضانُ؟

وإذا كفَّر الوضوءُ فماذا تكفِّر الصلاةُ؟

وكذا صيام عرفة يكفِّر سنتين، ويوم عاشوراء كفارة سنة؟

وإذا وافق تأمينُ المصلِّي تأمينَ الملائكة غُفر له ما تقدَّم من ذنبه؟

فالجواب: أن كل واحد من هذه المذكورات صالحٌ للتكفير، فإن وُجد ما يكفِّره من الصغائر كفَّره، وإن لم يصادف صغيرةً كتبت له حسنات ورُفعت له درجات.

3- حثُّ النبيِّ ﷺ المسلمَ على الحرص الدائم على إقامة الصلوات الخمس، والمحافظة على الجمعات، وصوم رمضان، لما يحصل بها من تكفير للسيئات والصغائر، وما أكثرها!

4- يحسن بالمسلم أن يتفقه في أحكام الصلاة والجمعة والصوم حتى يقيمهن على الوجه الشرعي الصحيح، فيحصل بها تكفير الصغائر.

5 - على المسلم أن يحافظ على الصلوات الخمس، وقتها وأركانها وشروطها ومستحباتها، فالصلاة من أعظم ما يكفر الله به الذنوب والمعاصي، وكلما أحسن العبد في صلاته كلما كان أرجى في تكفير السيئات، قال سلمان الفارسي رضي الله عنه: «حافظوا على الصلوات الخمس، فإنهن كفارات لهذه الجوارح ما لم تصب المقتلة» يعني الكبيرة.

من الكبائر:

السحر والشرك وقتل النفس وأكل الربا وأكل مال اليتيم:

قال النبي ﷺ : «اجتنبوا السبع الموبقات، قالوا: وما هن يا رسول الله؟ قال: الشرك بالله، والسحر، وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم، والتولي يوم الزحف، وقذف المحصنات الغافلات المؤمنات» أخرجه البخاري ومسلم.

التبرج:

قال رسول الله ﷺ : «صنفان من أهل النار لم أرهما، ومنهما: ونساء كاسيات عاريات مميلات مائلات، رؤوسهن كأسنمة البُخْت المائلة، لايدخلن الجنة ولا يجدن ريحها، وإن ريحها ليوجد من مسيرة كذا وكذا». أخرجه مسلم.

النمص و الوشم وتغيير الخلقة

قال ﷺ : «لعن الله الواشمات والمستوشمات والنامصات والمتنمصات والمتفلجات للحسن المغيرات خلق الله». أخرجه البخاري ومسلم.

نشاط

1- قال النبي ﷺ في حديث الباب: «إِذَا اجْتَنَبَ الْكَبَائِرَ» بيِّن المراد بهذه العبارة، مبيِّنًا موقف أهل السنة والجماعة من فاعل الكبيرة.

2- في ظل قول الله تعالى: ﴿إِنَّ ٱلۡحَسَنَٰتِ يُذۡهِبۡنَ ٱلسَّيِّـَٔاتِۚ﴾ (هود: 114) اكتب بحثا عن كثرة طرق الخير وأسباب المغفرة.

3- اختلف أهل العلم اختلافا كبيرا في تعريف الكبيرة، اكتب بحثا مختصرا في ذلك.

الحديث السابع

عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ رضي الله عنه، قَالَ: قَالَ لَنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ : «يَا مَعْشَرَ الشَّبَابِ، مَنِ اسْتَطَاعَ مِنْكُمُ الْبَاءَةَ فَلْيَتَزَوَّجْ، فَإِنَّهُ أَغَضُّ لِلْبَصَرِ، وَأَحْصَنُ لِلْفَرْجِ، وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَعَلَيْهِ بِالصَّوْمِ، فَإِنَّهُ لَهُ وِجَاءٌ». مُتَّفقٌ عَليهِ.

رواي الحديث

عبد الله بن مسعود الهذلي؛ من أكابر الصحابة فضلا وعقلا، هاجر إلى أرض الحبشة الهجرتين، شهد بدرًا وأحدًا والخندق والمشاهد كلها مع رسول الله ﷺ ، وكان أقرب الناس إليه هديًا وسمتًا، أخذ من فِيهِ سبعين سورة لا ينازعه فيها أحد، بعثه عمر إلى أهل الكوفة ليعلمهم أمور دينهم، توفي عام 32هـ.

شرح المفردات

«المَعْشرُ»: همُ الطَّائفةُ الَّذينَ يَشملُهمْ وَصفٌ وَاحدٌ، فالشَّبابُ مَعشرٌ، والشُّيوخُ مَعشرٌ، والأَنْبياءُ مَعشرٌ.

«الشَّبابُ»: جَمعُ شَابٍّ، والشابُّ مَن بَلغَ، ولم يجاوز الثلاثين، وقيل: من سن التاسعة عشرة إلى الرابعة والثلاثين، وقيل: بين الثلاثين والأربعين.

«البَاءةُ»: أَصْلُها في اللُّغةِ: الجِماعُ، مُشتَقَّةٌ مِن المُباءَةِ، وهيَ المَنْزلُ، ثمَّ قيلَ لعَقدِ النِّكاحِ: بَاءةٌ؛ لأنَّ مَن تَزوَّجَ امْرأةً بَوَّأَها مَنْزلًا، أيْ: أَنْزلَها مَنْزلًا وأَسْكنَها فيهِ.

وتشمل الباءة في الحديث: القدرة على مؤن الزواج، كالمهر والنفقة والمسكن، وتشمل كذلك الشهوة والرغبة في الزواج.

«أَغَضُّ» أَيْ: أَشَدُّ غَضًّا، والغَضُّ هوَ النَّقصُ، يَعني: أنَّه يَحجزُ البَصرَ عنِ النَّظرِ إِلى النِّساءِ.

«أَحْصَنُ» أَيْ: أَشَدُّ إِحْصانًا، والإِحْصانُ: المَنعُ، ومِنهُ سُمِّيَ الحِصنُ حِصنًا؛ لأنَّه يَمنعُ مَن فيهِ ويَحمِيهِ، والمُرادُ: أنَّ الزَّواجَ يَمنعُ الفَرجَ مِنَ الْوُقُوعِ فِي الْفَاحِشَةِ.

«الصَّومُ» المُرادُ بهِ الصَّومُ الشَّرعيُّ.

فائدة إثرائية

مِن القَواعدِ المُقرَّرةِ: أنْ يُحملَ كَلامُ كلِّ مُتكلِّمٍ عَلى عُرفِه، فإذَا جَاءَ الكَلامُ مِن النَّبيِّ ﷺ حُمل عَلى العُرفِ الشَّرعيِّ؛ لأن هذا هو المعنيُّ به أصالةً ﷺ .

«فَإِنَّهُ» أَيِ: الصَّوْم.

«لَه» أيْ: للفَرْجِ.

«الْوِجَاءُ» رضُّ خصيتي الفحل بحجر ونحوه، حتى تبطل الشهوة عنده.

والمراد به في الحديث: التشبيه بهذا الفعل، فيكون يوم الصوم لصاحبه كهذا الوجاء، الذي يضعف شهوته، أو يبطلها.

الشرح الإجمالي للحديث

وَجَّهَ النَّبيُّ ﷺ -وهوَ المُعلِّمُ والمُرشدُ والحَريصُ عَلى أُمَّتِه- الخِطابَ إِلى الشَّبابِ آمرًا المُستَطيعَ مِنهمْ بالزَّواجِ، وتِلكَ الاسْتِطاعةُ شَاملةٌ للاسْتِطاعةِ البَدنيَّةِ والاسْتِطاعةِ المَاليَّةِ، فالشَّابُّ إذَا لمْ يَكنْ عِندَه اسْتِطاعةٌ بَدنيَّةٌ، فلَا حَاجةَ بهِ إِلى الزَّواجِ، وإذَا كَانَ عِندَه اسْتِطاعةٌ بَدَنيَّةٌ لكنْ لَيسَ عِندَه مَالٌ، فلَيسَ عِندَه قُدرةٌ عَلى الزَّواجِ.

ثمَّ بَيَّنَ ﷺ الثَّمرةَ والمَنْفعةَ الَّتي يَتحصَّلُ عَليهَا الشَّابُّ مِن الزَّواجِ، تَرْغيبًا فيهِ وحَضًّا عَليهِ؛ «فَإِنَّهُ أَغَضُّ لِلْبَصَرِ، وَأَحْصَنُ لِلْفَرْجِ»، فالزَّواجُ مِن أهمِّ أَسْبابِ غَضِّ البَصرِ عنِ الحَرامِ، ومَنعِ الفَرجِ مِن الوُقوعِ في الزِّنا، وقَدْ أَمرَ اللهُ تَعالَى الرِّجالَ والنِّساءَ بغَضِّ البَصرِ وحِفْظِ الفَرجِ، فَقالَ تَعالَى: {قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ (30) وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ } (النور: 30، 31.

ثمَّ قَدَّمَ النَّبيُّ ﷺ حَلًّا عَمليًّا لمَنْ قَصَّرتْ بهِ القُدرةُ المَاليَّةُ عنِ التَّمكُّنِ مِن الزَّواجِ، فَقاَل ﷺ : «وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَعَلَيْهِ بِالصَّوْمِ» وعلَّل سَببَ اخْتِيارِ الصَّومِ حَلًّا وعِلاجًا؛ بأنَّه وِقايةٌ ومَانعٌ يَمنعُ مِن تَمكُّنِ الشَّهوةِ وثَوَرانِها، فمَعَ كَونِ الصَّومِ عِبادةً شَرعيَّةً يُؤجرُ فَاعلُها، فهوَ أيضًا إِضْعافٌ للشَّهوةِ بتَركِ الطَّعامِ والشَّرابِ، وبهِ تَضيقُ مَجاري الدَّمِ الَّتي يَنفُذُ مِنها الشَّيطانُ.

فائدة إثرائية

إِنْجابُ الوَلدِ مِن أَهمِّ غَاياتِ الزَّواجِ، فلِمَ لمْ يَذكُرْهُ النَّبيُّ ﷺ في الحَديثِ؟

قَالَ الشَّيخُ ابنُ عُثيْمِينَ رَحمَه اللهُ: «لمْ يَقُلْ ﷺ : «وأَكْثرُ للوَلدِ»، معَ أنَّ الزَّواجَ أَكْثرُ للوَلدِ؛ لأنَّ غَالبَ الشَّبابِ أَكْبرُ همِّهمْ مَا يَكونُ بهِ غَضُّ البَصرِ وتَحْصينُ الفَرجِ، ولهَذا تَجدُ الَّذِينَ يُهنِّئونَه بالزَّواجِ لا يَتَبادرُ إِلى أَذْهانِهم أنَّهمْ يُهنِّئونَه بأنَّه وَجَدَ حَرْثًا يَبذرُ فيهِ، ويَكونُ لهُ أَوْلادٌ، بلْ رُبَّما يَقولُونَ: لَه تَريَّثْ في الإِنْجابِ، إنَّما يُهنِّئونَه لأَجْلِ مَا يَكونُ بهِ غَضُّ البَصرِ وتَحصينُ الفَرجِ؛ ولهَذا لمْ يَذكُرِ النَّبيُّ ﷺ الفَائدةَ العَظيمةَ وهيَ كَثرةُ الوَلَدِ؛ لأنَّه يُخاطِبُ الشَّبابَ، وأَهمُّ شَيءٍ لَديهِمْ هَذانِ الأَمْرانِ.

فوائد الحديث

1- شَرَعَ الإِسْلامُ الزَّواجَ لمَا فيهِ مِن حِكَمٍ وفَوائدَ كَثيرةٍ ومُتنوِّعةٍ، مِنها:

- حِفظُ النَّوعِ الإِنْسانيِّ مِن الزَّوالِ بالإنْجابِ والتَّوالُدِ.

- إِعْفافُ الزَّوجينِ عنِ الحَرَامِ.

- حُصولُ السَّكنِ والأُنسِ بَينَ الزَّوجينِ، قَالَ تَعالَى: {وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً} (الروم: 21.

- تَكثيرُ عَددِ المُسلِمينَ.

- حِفظُ الأَنْسابِ، وتَرابطُ القَرابةِ والأَرْحامِ.

- صِيانةُ النِّساءِ، والقِيامُ عَليهنَّ بالإِنْفاقِ، وقَضاءُ حَوَائجِهنَّ.

- إشْباعُ غَريزةِ الأُبوَّةِ والأُمومةِ الَّتي تَنمُو بوُجُودِ الأَطْفالِ.

- الحِفاظُ عَلى الأَخْلاقِ مِن الهُبوطِ والتردِّي في هَاويةِ الزِّنا والعَلاقاتِ المَشْبوهةِ.

2- استحباب النكاح لما فيه من إعفاف النفس وصيانتها عن الحرام.

3- حُسنُ خِطابِ النَّبيِّ ﷺ ، حَيثُ وَجَّهَ الخِطابَ إِلى الشباب بما يناسبهم.

4- حُسنُ تَعليمِ الرَّسولِ ﷺ وبَيانِه لأُمَّتِه، ويَتَجلَّى ذَلكَ في إِيرادِه الحُكمَ مَصحُوبًا بعِلَّتِه.

في ذِكْرِ عِلة الحكم، فوائد منها:

*بَيانُ سُموِّ الشَّريعةِ وعُلوِّها، وأنَّ أَحكامَها كلَّها مَبنيَّةٌ عَلى رِعايةِ المَصالِحِ.

*زِيادةُ طُمَأْنينةٍ للمُخاطبِ؛ لأنَّ المُخاطَبَ إذَا عَرفَ الحِكْمةَ اطْمأنَّ إِلى الحُكمِ أَكْثرَ، وصَارَ في ذَلكَ زِيادةُ حَثٍّ لَه.

-5تَجنُّبُ كلِّ مَا يُوجبُ إِطْلاقَ البَصرِ أو وُقوعَ الفَرجِ في الفَواحشِ، وذَلكَ أنَّه إذَا أَمرَ بالنِّكاحِ مِن أَجلِ مَنفعةِ غَضِّ البَصرِ وتَحْصينِ الفَرجِ، فإنَّ مَا يُوجبُ خِلافَ ذَلكَ يَكونُ مَنْهيًّا عَنه.

نشاط

1- قَالَ البَابرتيُّ رَحمَه اللهُ: «مَا اتَّفقَ في حُكمٍ مِن أَحْكامِ الشَّرعِ مِثلُ مَا اتَّفقَ في النِّكاحِ، مِن اجْتِماعِ دَواعِي الشَّرعِ، والعَقلِ، والطَّبعِ». اشْرَحْ ذَلكَ مُسْتعينًا بمَصادِرَ خَارجيَّةٍ.

2- اذْكُرْ الأَدلَّةَ الشَّرعيَّةَ عَلى حُرمةِ الاسْتِمْناءِ، مُسْتعينًا بمَصادِرَ خَارجيَّةٍ.

3- رِوايةُ عَبدِ اللهِ بنِ مَسعُودٍ رضي الله عنه لهذَا الحِديثِ لهَا قِصَّةٌ، اذْكُرْها، واسْتَخْرجْ مِنها أَهمَّ الفَوائدِ.

الحديث الثامن

عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ رضي الله عنه عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، قَالَ: «إِنَّ الدُّنْيَا حُلْوَةٌ خَضِرَةٌ، وَإِنَّ الله مُسْتَخْلِفُكُمْ فِيهَا، فَيَنْظُرُ كَيْفَ تَعْمَلُونَ، فَاتَّقُوا الدُّنْيَا وَاتَّقُوا النِّسَاءَ، فَإِنَّ أَوَّلَ فِتْنَةِ بَنِي إِسْرَائِيلَ كَانَتْ فِي النِّسَاءِ» رواه مسلم.

راوي الحديث

هو سعد بن مالك بن سنان الأنصاري، من صغار الصحابة وخيارهم، كان من المكثرين للرواية عن النبي ﷺ ، فقيهًا مجتهدًا مفتيًا، شهد مع النبي ﷺ الخندق وما بعدها.

شرح المفردات

(إن الدنيا حُلوة خضِرة) هذان وصفان للدنيا، فالدنيا حلوة في مذاقها، خَضِرة في مرآها.

(وإن الله مستخلفُكم فيها) أي: جاعلكم خلفاء من القرون الذين قبلكم، فينظر: هل تعملون بطاعته، أم بمعصيته وشهواتكم؟

الشرح الإجمالي للحديث

هذا الحديث أمر فيه النبي ﷺ بالتقوى، بعد أن ذكر حال الدنيا، ثم بيَّن ﷺ أن الله تعالى مستخلفنا فيها، فينظر: هل نقوم بطاعته، وننهى النفس عن الهوى، ونقوم بما أوجب الله علينا، ولا نغتر بالدنيا، أو أن الأمر بالعكس؟ ولهذا قال: «فاتقوا الدنيا» أي: قوموا بما أمركم به، واتركوا ما نهاكم عنه، ولا تغرنَّكم حلاوة الدنيا ونضرتها، كما قال تعالى: ﴿فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ ٱلۡحَيَوٰةُ ٱلدُّنۡيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُم بِٱللَّهِ ٱلۡغَرُورُ﴾ (لقمان: 33.)

ثم حذَّر من النساء، وهذا يشمل الحذر من المرأة في كيدها مع زوجها، ويشمل الحذر من النساء وفتنتهن؛ ولهذا قال: «فان أوَّلَ فتنةِ بني إسرائيل كانت في النساء» فافتتنوا في النساء، فضلوا وأضلوا.

ولذلك نجد أعداءنا وأعداء ديننا يركِّزون اليوم على المرأة وتبرُّجِها واختلاطِها بالرِّجال، حتى يصبح النساء وكأنهن دُمًى، لا يهتم الناس إلا بأشكالهنَّ وأجسادهنَّ.

وقد صرحوا بذلك، فقال أحد قادة الماسونية: «كأسٌ وغانية يفعلان بأمة محمد ﷺ ما لا يفعله ألف مدفع».

وقال آخر: «سنشغل الأمِّيين بشهوتي: البطن والفرج؛ حتى يصبحوا قطيعًا من الغنم، نسوقهم حيثما شئنا».

فهل يدرك من يشجع الغناء والرقص وشرب الخمور وانتشار الغنا والتبرج في بلاد المسلمين أنهم ينفذون خطط الصهيونية لطمس معالم الإسلام، وأنهم يحققون لهم ما عجزوا هم عن تحقيقه؟!

فوائد الحديث

1- أن هذه الدنيا ليست بشيء بالنسبة للآخرة، وأنها ممرٌّ ومزرعةٌ للآخرة.

المقطع للاطلاع فقط

2- التحذيرُ من الاغترار بالدنيا، والميل إلى النساء، فإنهما فتنة لكل مفتون، وقد جاء التحذير من الدنيا، كما في قوله ﷺ : «إن مما أخاف عليكم من بعدي ما يُفتَح عليكم من زهرة الدنيا وزينتها». متفق عليه.

وجاء التحذير كثيرًا من النساء، كما في قوله ﷺ : «ما تركت بعدي فتنةً أضرَّ على الرجال من النساء» متفق عليه.

3- حِرصُ النبي ﷺ على أمته، وتحذيرُها مما قد يكون سببًا لهلاكها.

4- أن أبلغ وأشدَّ الفتنِ هي فتنة النساء؛ فإن فتنتهن عظيمة، والوقوع فيها خطير، فإنهن مصائد الشيطان وحبائله، كم صاد بهن من مُعافى فأصبح أسيرَ شهوته، رهينَ ذنبه، قد عَزَّ عليه الخلاصُ، ولو تحرَّز منها، ولم يدخل مداخلَ التُّهَم، ولا تعرَّض للبلاء، واستعان بالله تعالى، لنجا من هذه الفتنة، وخلص من هذه المحنة؛ ولهذا حذَّر النبي ﷺ في هذا الحديث منها على وجه الخصوص.

نشاط

1 - بيِّن كيف اهتمت الشريعة الإسلامية بالتحذير من فتن الدنيا.

2 - اكتب بحثا عن تغريب المرأة المسلمة، وسبل الوقاية والعلاج.

3 - مستندًا لهذا الحديث وغيره بيِّن حرصَ النبي ﷺ على أمته.

الحديث التاسع

عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما، قَالَ: أَخَذَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِمَنْكِبِي، فَقَالَ: «كُنْ فِي الدُّنْيَا كَأَنَّكَ غَرِيبٌ أَوْ عَابِرُ سَبِيلٍ» وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ رضي الله عنهما يَقُولُ: «إِذَا أَمْسَيْتَ فَلاَ تَنْتَظِرِ الصَّبَاحَ، وَإِذَا أَصْبَحْتَ فَلاَ تَنْتَظِرِ المَسَاءَ، وَخُذْ مِنْ صِحَّتِكَ لِمَرَضِكَ، وَمِنْ حَيَاتِكَ لِمَوْتِكَ». رواه البخاري.

راوي الحديث

عبد الله بن عمر بن الخطاب رضي الله عنه، صاحب رسول الله ﷺ ، شهد الخندق وما بعدها، ولم يشهد بدرًا ولا أُحُدًا لصغره، أفتى الناس ستين سنة، كُفَّ بصرُه في آخر حياته، كان آخر من توفي بمكة من الصحابة رضي الله عنهم عام 73هـ .

شرح المفردات

(أَخَذَ بِمَنْكِبِي) أي: أمسك بكتفي، وهو مُجْتَمَعُ رأْسِ العَضُد والكتف.

(كأنك غريبٌ) بعيد عن موطنه، لا يتخذ الدار التي هو فيها موطنًا، ولا يحدِّث نفسَه بالبقاء.

قال أهل العلم في قوله ﷺ (غريب): «هذه كلمةٌ جامعةٌ لأنواعِ النصائحِ؛ إذ الغريبُ لقلةِ معرفته بالناسِ قليلُ الحسَدِ والعَدَاوة والحِقدِ والنفاقِ والنزاعِ، وسائرُ الرذائلِ منشؤُها الاختلاطُ بالخلائقِ؛ ولقلة إقامته قليلُ الدَّارِ والبُسْتانِ والمزرعةِ والأهْلِ والعِيالِ وسائرِ العلائقِ، التي هي منشأُ الاشتغالِ عن الخالقِ».اهـ.

(عابرُ سبيلٍ) أي: مارٌّ بطريقٍ، وهو أشدُّ حالا من الغريبِ، فتعلقاتُه أقلُّ من تعلُّقاتِ الغريبِ.

(إِذَا أَمْسَيْتَ فَلا تَنْتَظِرِ الصَّبَاحَ) له معنيان:

الأول: اعمل عمَلَ المَسَاءِ قبلَ أن تصبحَ ولا تقلْ: غدًا أفعله، فلا تؤخرْ عَمَلَ اليومِ لغدٍ.

«وَإِذَا أَصْبَحْتَ فَلا تَنْتَظِرِ المَسَاءَ» أي: اعمل عملَ الصباحِ في الصباحِ، وأنهِهِ.

الثاني: إِذَا أَمْسَيْتَ فَلا تَنْتَظِر الصَّبَاحَ؛ لأنك قد تموتُ قبل أن تصبحَ.

وَإِذَا أصبحتَ فَلا تَنْتَظِر المَسَاءَ؛ لأنك قد تموتُ قبل أن تمسِيَ.

(ومن حياتك لموتك) أي: اغتنم أيام حياتك بالأعمال التي تنفعك عند الله تعالى بعد موتك.

الشرح الإجمالي للحديث

هذا الحديث أمر فيه النبيُّ ﷺ بالزُّهْد في الدُّنيا، وعدم الركون إليها؛ لأنه مهما طال بك العمرُ فإن مآلك إلى مفارقتها، ثم هي ليست بدار صفاء وسرور دائمًا، بل صَفْوُها محفوفٌ بأكدارٍ كثيرة، وسرورُها محفوفٌ بأحزانٍ كثيرة.

كن فيها كأنك غريبٌ، لا تعرف أحدًا ولا يعرفك أحدٌ، أو عابرُ سبيلٍ لا تنوي الإقامةَ والاستقرارَ.

فالغريبُ: لم يتخذها سكنًا وقرارًا، وعابرُ السبيلِ: لم يستقر فيها أبدًا، بل هو ماشٍ طريقه.

وعابر السبيل: أكمل زهدًا من الغريب؛ لأن عابر السبيل ليس بجالس، والغريب يجلس ولو قليلا، ثم يرحل.

ولذلك كان ابنُ عمرَ رضي الله عنه يقول: «إذا أصبحتَ فلا تنتظر المَسَاءَ» فإنك قد تموت قبل أن تمسي.

«وإذا أمْسيتَ فلا تنتظرْ الصَّباحَ» فإنك قد تموتُ قبلَ أنْ تُصبحَ، ولكن انتهز الفرصةَ، ولا تؤخر العملَ، ولا تركنْ إلى الدنيا، فإنك قد تمرضُ فتعجز، وقد تفتقرُ فتعجز، وقد تموتُ فينقطعُ عملُك.

فوائد الحديث

1- التزهيد في الدنيا، وألا يتخذها الإنسانُ دارَ إقامةٍ، لقوله: «كُنْ فِي الدُّنْيَا كَأَنَّكَ غَرِيْبٌ، أَوْ عَابِرُ سَبِيْلٍ».

2 - حسنُ تعليم النبيِّ ﷺ بضربِ الأمثالِ المقنعةِ؛ لأنه لو قال: ازهدْ في الدنيا، ولا تركنْ إليها وما أشبه ذلك، لم يفد هذا مثل ما أفاد قوله: «كُنْ فِي الدُّنْيَا كَأَنَّكَ غَرِيْبٌ، أَوْ عَابِرُ سَبِيْلٍ».

3- لا تؤمل أنك إذا أصبحتَ أمسيتَ، وإذا أمسيتَ أصبحتَ، فكم من إنسانٍ أصبح ولم يمسِ، وكم من إنسانٍ أمسى ولم يصبح! وكم من إنسانٍ لبس ثوبه ولم يخلعه إلا الغاسلُ! وكم من إنسانٍ خرج من أهله قد هيأوا له غداءَه أو عشاءَه ولم يأكله! وكم من إنسانٍ نام ولم يقُم من فراشهِ!

فلا ينبغي للإنسانِ أن يُطيل الأملَ؛ بل يكون حذرًا حازمًا.

4- أن يأخذ الإنسان من صحته لمرضه؛ لأن الإنسان إذا كان في صحة تسهل عليه الطاعات واجتناب المحرمات، بخلاف ما إذا كان مريضًا، وكذلك أيضًا أن يأخذ الإنسان من حياته لموته، فالإنسانُ الصحيحُ منشرحُ الصدرِ، منبسطُ النفسِ، واسعُ الفكرِ، عنده سعةٌ في الوقتِ والصِّحةِ، لكن ما أكثر الذين يضيِّعون هذا.

نشاط

1- كيف اتَّعظ ابنُ عمرَ رضي الله عنهما من هذا الحديثِ من الناحيةِ التطبيقيةِ؟

2 - ما الأصلُ الذي يؤسِّسُه هذا الحديثُ ونظائرُهُ في الشَّرعِ؟

3- كيف يأخذُ الإنسانُ من شبابهِ لهرمهِ، ومن غناه لفقرهِ، ومن صحَّته لمرضهِ؟

الحديث العاشر

عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ِ ﷺ : «حُفَّتِ الْجَنَّةُ بِالْمَكَارِهِ، وَحُفَّتِ النَّارُ بِالشَّهَوَاتِ» متفق عليه.

شرح المفردات

(حُفَّتِ الْجَنَّةُ) من الحِفافِ، وهو ما يحيطُ بالشَّيءِ، حتى لا يُتوصَّلَ إليه إلّا بتخطِّيه.

(بِالْمَكَارِهِ) جمعُ مَكْرهةٍ، وهي ما يكرهُهُ المرْءُ ويشقُّ عليه، من القِيامِ بحُقُوقِ العِبادةِ على وجْهِها، كإسْباغِ الوُضُوءِ في الشِّتاءِ، وتجرُّعِ الصَّبرِ على المصائِبِ، ونحوه.

(وَحُفَّتِ النَّارُ بِالشَّهَوَاتِ) أي: الملذَّاتِ، التي منع الشَّرعُ من تعاطِيها، أو التي قد تؤدِّي إلى تركِ الواجباتِ، أو الوُقُوعِ في المحرَّماتِ.

الشرح الإجمالي للحديث

هذا الحديثُ من جَوَامِعِ كلِمِه ﷺ ، كما قال ابنُ حجرٍ رحمه الله: «وهذا من جَوامعِ كلِمِ النبيّ ﷺ ، وبديع بلاغته في ذمِّ الشهواتِ وإنْ مالت إليها النفوسُ، والحثِّ على الطاعاتِ وإن كرهتها وشقَّت عليها». اهـ.

فيدخل في المكارِه الاجتهادُ في العباداتِ والمواظبةُ عليها، والصبرُ على مشاقِّها وكظمُ الغيْظِ والعَفْوُ والحلِمُ والصَّدقةُ، والإحسانُ إلى المُسِيء، والصَّبرُ عن الشَّهَواتِ ونحو ذلك، وأما الشَّهواتُ فالمراُد المحرَّمةُ، كالخمْرِ والزِّنا والنَّظرِ إلى الأجنبيةِ والغِيبةِ واستعمالِ الملاهي ونحو ذلك.

أما الشَّهواتُ المباحةُ، فلا تدخلُ في الحديثِ، لكن يكرهُ الإكثارُ منها؛ مخافةَ أن تَشغِلَ عن الطَّاعاتِ، أو تجرَّ إلى المحرَّماتِ.

فوائد الحديث

1- أنَّ الجنة لا تُنال إلا بالصبر على المكارِه، وأنَّ النَّار لا يُنْجِّي العبدَ منها إلا فِطامُ النَّفسِ عن الشَّهَواتِ المحرَّمةِ.

2- أن طريقَ الجنةِ وعْرٌ، ويكفي أن النبيَّ ﷺ وصفه بقوله: «حُفَّت الجنةُ بالمكارِهِ»، ويخفِّفُ هذه المكارهَ والمشاقَّ أن وراءَها الجنةَ.

3- هَذَا الحَدِيثُ يحثُّ على مُرَاعَاةِ العواقِبِ، فَإِن التَّعَبَ إِذا أعقَبَ الرَّاحَةَ هان، فالعاقِلُ مَنْ نظر فِي الْمَآلِ لَا فِي عَاجِلِ الْحَالِ، وَقد قَالَ الْحُكَمَاُء: «لَا تُنَالُ الرَّاحَةُ بالرَّاحَةِ».

4- أن الدَّاعي إلى الحقِّ عُرضةٌ للأذى، وأن طريقَ الحقِّ ليس مفرُوشا بالوُرُودِ، بل الأمْرُ كما قال النبيُّ ﷺ : «حُفَّتِ الْجَنَّةُ بِالْمَكَارِهِ، وَحُفَّتِ النَّارُ بِالشَّهَوَاتِ».

- 5أن الجنة والنار مخلوقتان موجودتان الآن، لا تفنيان ولا تبيدان أبدا، وهو مذهبُ أهل السنة والجماعة، خلافا للمعتزلة والقدرية.

وقد قام على ذلك أدلة الكتاب والسنة، قال تعالى: ﴿وَجَنَّةٍ عَرۡضُهَا ٱلسَّمَٰوَٰتُ وَٱلۡأَرۡضُ أُعِدَّتۡ لِلۡمُتَّقِينَ﴾ (آل عمران: 133)، وقال تعالى ﴿ فَٱتَّقُواْ ٱلنَّارَ ٱلَّتِي وَقُودُهَا ٱلنَّاسُ وَٱلۡحِجَارَةُۖ أُعِدَّتۡ لِلۡكَٰفِرِينَ﴾ (البقرة: 24).

وأخرج البخاري ومسلم من حديث أنس رضي الله عنه في قصة الإسراء، وفي آخره: «ثم انطلق بي جبريلُ، حتى أتى سدرةَ المنتهى، فغشيها ألوانٌ، لا أدري ما هي؟! قال: «ثم دخلت الجنة، فإذا هي جنابذ (أي: قباب اللؤلؤ، وإذا ترابُها المسكُ».

وفي الصحيحين من حديثِ عبد الله بنِ عمر رضي الله عنهما أن رسولَ الله ﷺ قال: «إن أحدكم إذا مات عُرِضَ عليه مقعدُه بالغداةِ والعَشِي، إن كان من أهل الجنةِ فمن أهل الجنةِ، وإن كان من أهل النار فمن أهل النار، يقال: هذا مقعدُك، حتى يبعثَك الله يومَ القيامةِ».

وفي الصحيحين عن عبدِ الله بن عباسٍ رضي الله عنهما قال: «انخسفت الشمسُ على عهدِ رسولِ الله -فذكر الحديث- وفيه فقال: «إني رأيتُ الجنةَ وتناولت عُنقودًا، ولو أصبته لأكلتم منه ما بقِيَت الدُّنيا، ورأيت النارَ فلم أرَ منظرا كاليومِ قطُّ أفظع...» الحديث.

نشاط

1- بيِّن ما في الحديثِ من بديعِ بلاغته ﷺ .

2- اكتب بحثًا عن أثرِ الشَّهواتِ على الشبابِ المسلمِ.

3- اذكر جملة من الأحاديث النبوية التي تدلل على أن النبي ﷺ أوتي جوامع الكلم.

الحديث الحادي عشر

عَنْ عَبْدِ الله بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ رضي الله عنهما أَنَّ رَسُولَ الله ِ ﷺ ، قَالَ: «قَدْ أَفْلَحَ مَنْ أَسْلَمَ، وَرُزِقَ كَفَافًا، وَقَنَّعَهُ الله بِمَا آتَاهُ». رواه مسلم.

راوي الحديث

عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما، أسلم قبل أبيه، كان مجتهدًا في العبادةِ، غزيرَ العلمِ، وكان من أكثر الصَّحابة رضي الله عنهم حديثًا، استأذن النبيَّ ﷺ في كتابةِ ما كان يسمعُهُ منه فأذن له، فكتب، وكان يُسمي صحيفتَه تلك (الصَّادقةَ).

شرح المفردات

(أفلحَ) من الفلاح، وهو الفوزُ والظَّفر بما يريد العبدُ في الدَّارَينِ، والحديثُ قد جمع بينهما، وفي الكتاب العزيز: ﴿قَدۡ أَفۡلَحَ ٱلۡمُؤۡمِنُونَ﴾ (المؤمنون: 1، وقال تعالى: ﴿ قَدۡ أَفۡلَحَ مَن تَزَكَّىٰ﴾ (الأعلى: 14)، وفي أمر الدنيا قال: ﴿وَقَدۡ أَفۡلَحَ ٱلۡيَوۡمَ مَنِ ٱسۡتَعۡلَىٰ﴾ (طه: 64).

(كفافا) الكَفَافُ، هو الذي لا يفضلُ عن الشَّيءِ، ويكون بقدْرِ الحاجةِ إليه، فلا هو فقرٌ، ولا هو غِنى.

قال النووي: «الكفافُ: الكفايةُ بلا زيادةٍ ولا نقْصٍ».

وقال القرطبي: «هو ما تُكَفُّ به الحاجاتُ، ويدفعُ الضَّروراتِ والفاقاتِ».

(وَقَنَّعَهُ الله) أي: جعله قانعًا بما أعْطاه الله تعالى إياه، ولم يطلب الزيادة؛ لمعرفته أن رزقَهُ مقسومٌ، لن يعدُوَ ما قُدِّر له.

الشرح الإجمالي للحديث

هذا الحديثُ جمع ثلاثَ خصالٍ، وبيَّن أن من حصلت له هذه الخصالُ: بأنْ أسلم، ورُزِق ما يكفيه، وقُنِّع به، فقد حصل على مطلوبه وظفر بمرغوبه في الدنيا والآخرة؛ وذلك أنّ هذه الثلاث جمعت خيرَ الدِّين والدُّنيا، فإنَّ العبدَ إذا هُدِيَ للإسلامِ الذي هو دينُ الله، الذي لا يقبل دينًا سواه، وهو مدارُ الفوزِ بالثوابِ والنجاةِ من العقابِ، وحصل له الرزقُ الذي يكفيه ويكفُّ وجهَهُ عن سؤالِ الخلقِ، ثمّ تمّم الله عليه النعمةَ، بأن قنَّعه بما آتاه، أي: حصل له الرضا بما أُوتي من الرزقِ والكفافِ، ولم تطمح نفسُه لما وراء ذلك، فقد حَصَّل حسنة الدنيا والآخرة.

فوائد الحديث

1- في هذا الحديث فضيلة الكفاف، وشرفُ هذه الحال على الفقرِ المُنسِي، والغنى المُطغِي.

2- أن كثرةَ المالِ تلهي، وقِلَّتَه تُنسي، فما قلَّ منه وكفى خيرٌ مما كثُرَ وألهَى.

المقطع للاطلاع فقط

3- أن صاحبَ هذه الحالِ – وهو الكفافُ – أقربُ إلى الفقراءِ؛ لأنه لا يترفَّهُ في طيِّباتِ الدُّنيا كالأغْنياءِ، فلم يفُتْه من حالِ الفُقَراءِ إلا السَّلامَةُ من قهرِ الرِّجالِ وذُلِّ المسْألةِ.

4- أن الفضلَ من الله ِسبحانه وتعالى، وأن هذا الإنسانَ أفلَحَ بفضلِ الله ِسبحانه وتعالى؛ لأنه هو الذي هداه للإسلامِ، وهو الذي رزقه، وجعل رزقه على قدرِ حاجتهِ، لا زيادةَ فيه ولا نقصانَ؛ ثم هوسبحانه وتعالى الذي امتنَّ عليه بأنْ رزقَهُ القَناعَةَ.

5 - ليس معنى الحديثِ أنْ يقعدَ الإنسانُ في بيتهِ ولا يطلبَ الرِّزْقَ، بل يبحثُ عن رزقهِ، ويسعى إليه، مع القناعةِ والرِّضا بما أعطاه الله سبحانه وتعالى.

نشاط

1- بيِّن مسيسَ الحاجةِ إلى القناعَةِ في هذا العَصْرِ.

2 - لِمَ كانت تلك الأمورُ الثلاثةُ جامعةً للفلاحِ في الدُّنيا والآخرةِ؟

3- هل يتعارضُ هذا الحديثُ مع السَّعْيِ على الرِّزقِ وطلبِ الغنى؟ استدل لما تقولُ.

الحديث الثاني عشر

عن مُعَاوِيَةَ رضي الله عنه قال: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: «مَنْ يُرِدِ الله بِهِ خَيْرًا يُفَقِّهْهُ فِي الدِّينِ، وَإِنَّمَا أَنَا قَاسِمٌ وَالله يُعْطِي، وَلَنْ تَزَالَ هَذِهِ الأُمَّةُ قَائِمَةً عَلَى أَمْرِ الله، لاَ يَضُرُّهُمْ مَنْ خَالَفَهُمْ، حَتَّى يَأْتِيَ أَمْرُ الله». متفق عليه.

راوي الحديث

معاوية بن أبي سفيان الأموي القرشي رضي الله عنه، أحدُ كُتَّابِ الوَحْيِ، مؤسِّسُ الدولةِ الأمَويةِ في الشَّامِ وأوّلُ خلفائها، أسلم قبلَ فتحِ مكةَ، ولما استُخلِفَ أبو بكر الصدّيق رضي الله عنه ولاه قيادةَ جيشٍ تحتَ إِمرةِ أخيه يزيدَ بنِ أبي سفيان، توفّي في دمشق عن 78 سنة.

شرح المفردات

(يُفَقِّهْهُ) الفِقْه هو: الفهمُ، أي: يرزقه الله تبارك وتعالى فهمًا وذكاءً وقوةَ إدراكٍ، فيكون بذلك فقيهًا عالمًا بالأحْكامِ الشَّرعيةِ، عاملًا بها، وهذا أعظمُ ما يُؤتاه العبدُ.

يقال: فَقُهَ إذا صار الفقهُ له سجيةً، وفَقَهَ إذا سبق غيرَه إلى الفهم، وفَقِهَ إذا فهم.

(أَنَا قَاسِمٌ) فكان إذا قَسَم بينهم شيئًا يقسِمُهُ بالسَّوِيَّةِ، ويعدِلُ بينهم.

(وَاللَّهُ يُعْطِي) فالمعْطِي حَقيقَةً هو الله تبارك وتعالى، فالأُمُورُ كلها بمشيئةِ الله تعالى وتقديرهِ، فهو يعطي كلَّ واحدٍ من العِبادِ، على قَدْرِ ما تعلَّقتْ به إرادتُهُ سبحانه.

(قَائِمَةً عَلَى أَمْرِ اللَّهِ) حافظةً لدِينِ الله، عاملةً بشرعِهِ، ثابتةً عليه.

(حَتَّى يَأْتِيَ أَمْرُ اللَّهِ) أي: يومُ القيامةِ.

التكنِّي بأبي القاسِمِ:

عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبيَّ ﷺ قال: «تَسَمَّوْا بِاسْمِي، وَلاَ تَكْتَنُوا بِكُنْيَتِي» متفق عليه والمقصودُ به النَّهْيُ عن التكني بكُنيتِهِ حالَ حياتهِ؛ خشْيةَ أن يُنادَى غيرُه بهذه الكُنْيةِ، فيَظنُّ ﷺ أنه هو المرادُ.

أما بعد موته ﷺ ، فالصَّحيحُ جَوازُه، فقد أخرج أحمد وأبو داود والحاكم وصححه من حديثِ عليٍّ رضي الله عنه أنه قال: قلت يا رسولَ الله، إنْ وُلِدَ لي مِنْ بعدِكَ ولدٌ أأسمِّيه باسْمِك، وأُكنِّيه بكُنيتك؟ قال: نعم.

الشرح الإجمالي للحديث

أفاد هذا الحديثُ أنَّ من يُرد الله به خيرًا عظيمًا، ونفعًا كثيرًا يمنحه العلمَ الشَّرعيَّ، الذي لا يدانيه خيرٌ في هذا الوجودِ في فضلهِ وشرفهِ، وعلو درجته؛ لأنه ميراثُ الأنبياءِ، الذي لم يُورِّثُوا غيرَه، وأن الرسولَ ﷺ مجرَّدُ قاسمٍ، ومبلِّغٌ للعلومِ الشرعيةِ، يبلغها عن ربِّ العزَّةِ، والله عزوجل وحده هو الذي يعطي الحفظَ والفهْمَ من يشاءُ، ولا تزالُ طائفةٌ من المسلمين معتصمةً بشرْعِهِ، ثابتةً على دينه، مستمسكةً به إلى قيام السَّاعةِ، لا يضرُّها مَنْ خالفها أو خذلها.

فوائد الحديث

1- فضيلة العلم، والاشتغال به، وتعلُّمه وتعليمه ﷲ عزوجل، والحثُّ عليه والإرشاد إلى طُرُقِه، والتصنيف فيه، وأنه يقود إلى تقوى الله عزوجل.

2- أنَّ العلمَ الذي وردت النُّصُوصُ في فضلهِ هو عِلمُ الشَّريعةِ، وليس علمَ ما يتعلقُ بالدُّنيا، وأنَّ من لم يتفقّهْ في الدِّين، ويتعلمْ قواعِدَ الإسْلامِ وما يتَّصِلُ بها، فقد حُرِمَ الخيرَ.

الحديث الثاني عشر: «من يرد الله به خيرا...»

المقطع للاطلاع فقط

العلمُ الشرعيُّ قسمان:

فرض عين: يجب على كل إنسان أن يتعلمه، مثل ما يحتاج إليه في أمور دينه، التوحيد ونواقض الإسلام والبدع، وكالطهارة والصلاة والصوم... إلخ.

فرض كفاية: إذا قام به من يكفي سقط عن بقية الناس، كتعلّم الأذانِ والأمرِ بالمعروفِ والنهيِ عن المنكرِ، ونحوه مما تحفظ به الشريعة.

3- أن الفقه في الدِّين ليس هو العلم فقط، بل العلم والعمل، أما من علم ولم يعمل فليس بفقيهٍ، بل يسمى قارئًا؛ ولهذا حذَّر السَّلفُ من كثْرة القُرَّاء وقلةِ الفقهاءِ، فقال عبدُ الله بنُ مسعودٍ رضي الله عنه: «كيف بكم إذا كثُرَ قُرَّاؤكُم، وَقَلَّ فقهاؤُكُم».

4- أن الاشتغالَ بالعلمِ أفضلُ من الاشتغال بنَوَافلِ العِباداتِ كالصَّلاةِ والصومِ والتسبيحِ؛ لأنَّ نفعَ العلمِ يعمُّ صاحبَه والمسلمين، بعكس النوافل المذكورة فنفعُها قاصرٌ على صاحبها، ولأنَّ العلماءَ ورثةُ الأنبياءِ، والعابدُ ليس كذلك، ولأن العابدَ تابعٌ للعالم مقتدٍ به، مقلدٌ له في عبادته، ولأنَّ العِلمَ تبقى فائدتُهُ وأثرُهُ بعدَ صاحبِهِ، والنَّوافِلُ تنقطعُ بموْتِ صاحبِها.

5 - أن هذه الأمة تبقى على الخير والحق، لا يضرُّها من خالفها، ويتمثل ذلك في الطائفةِ المنصورةِ، الذين يبقون على هديِ النبيِّ ﷺ ، لا يخرجون عليه ببدْعةٍ في المعتقَدِ، أو بدْعةٍ في العَمَلِ.

ووجهُ خيريةِ الفِقْهِ في الدِّينِ إذا لازمَهُ العَمَلُ: أنَّ كثيرًا من حركاتِ وسكناتِ المتفقِّهِ في الدِّين تكون على السُّنةِ، وهذا خيرٌ كبيرٌ، لا يحْصِيهِ إلا الله، ولا يعلمُهُ إلا مَن امتنَّ الله عليه بالفِقْهِ في الدِّينِ والعَمَلِ به.

6 - أنَّ العلم بالشَّرعِ والعمل به ونشرَه جهادٌ في سبيلِ ﷲِ، ولا فرقَ بين المجاهد الذي يجاهدُ بسلاحه، وبين طالبِ العلمِ الذي يجاهدُ بعلمه، فكلٌّ منهما يعمل في سبيلِ الله، وبيانِ شريعة الله لعبادِ الله، غير أنَّ الجهاد وسيلةٌ لصد العدوان ونشرِ وإيصالِ دينِ الله، وليس غايةً، بخلافِ العلمِ فهو غايةٌ في ذاته، فيبقى مطلوبًا بكلِّ حالٍ.

نشاط

1- لماذا كان الاشتغالُ بالعلم أفضلَ من الاشتغالِ بالنوافلِ؟

2 - أيهما أفضلُ عندَ الله تعالى العالِمُ أم المجاهِدُ في سبيلِ الله؟ ولماذا؟

3- لم كان الفقهُ في الدِّين خيرَ ما يُؤتاه العبْدُ في الدُّنيا؟

الحديث الثالث عشر

عَنْ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ِ ﷺ : «مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا سَيُكَلِّمُهُ الله، لَيْسَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ تُرْجُمَانٌ، فَيَنْظُرُ أَيْمَنَ مِنْهُ فَلَا يَرَى إِلَّا مَا قَدَّمَ، وَيَنْظُرُ أَشْأَمَ مِنْهُ فَلَا يَرَى إِلَّا مَا قَدَّمَ، وَيَنْظُرُ بَيْنَ يَدَيْهِ فَلَا يَرَى إِلَّا النَّارَ تِلْقَاءَ وَجْهِهِ، فَاتَّقُوا النَّارَ وَلَوْ بِشِقِّ تَمْرَةٍ». وفي زيادة: «وَلَوْ بِكَلِمَةٍ طَيِّبَةٍ». متفقٌ عليه.

راوي الحديث

عَدِيُّ بنُ حاتم الطائي، من صحابةِ النبيِّ ﷺ ، وهو ابنُ حاتمٍ الطائي الذي كان يُضربُ به المثلُ في الجُودِ والكَرَمِ، كان نصرانيًّا ثم أسلم، شهد وقعة الجَمَل وفيها ذهبت إحدى عينيه، وشهد وقعةَ صِفِّين فذهبت فيها الأُخرى، توفي عام 66هـ .

شرح المفردات

(ما منكم من أحدٍ) أي: ما أحدٌ منكم.

(ترجمانُ) بفتح التاء وضِمِّها، وهو المعبِّر عن لسانٍ بلسانٍ آخرَ.

(أيمن منه) عن يمينه.

(أشأَمَ منه) عن شماله.

(تلقاءَ وجهِهِ) أمامَه.

(فاتقوا النَّار ولو بشقِّ تمرة) أي: نصفِها، مبالغةً في القلة، قال تعالى: ﴿فَمَن يَعۡمَلۡ مِثۡقَالَ ذَرَّةٍ خَيۡرًا يَرَهُۥ ﴾ (الزلزلة: 7).

أي: اجعلوا بينَكم وبينَ النارِ وقايةً، بالصَّدقةِ وعَمَلِ البرِّ، ولوْ بشَيءٍ يَسيرٍ، وقد جاء في ألفاظِ الحديثِ في الصحيحين أن النبيَّ ﷺ ذكر النارَ فأشاح بوجهه فتعوَّذ منها، ثم ذكر النار فأشاح بوجهه فتعوَّذ منها، ثم قال: «اتقوا النار ولو بشق تمرة، فمن لم يجد فبكلمة طيبة».

الشرح الإجمالي للحديث

في هذا الحديث بيَّن النبيُّ ﷺ أن الله سبحانه وتعالى سيكلِّم كلَّ عبدٍ على حدة يوم القيامة بدون مترجم، فيقرره بذنوبه، يقول له: عملت كذا وكذا في يوم كذا وكذا، فإذا أقرَّ بها وظنَّ أنه قد هلك، قال: «سَتَرْتُهَا عَلَيْكَ فِي الدُّنْيَا، وَأَنَا أَغْفِرُهَا لَكَ اليَوْمَ». متفق عليه.

فكم من ذنوبٍ فعلناها، لا يعلمُها إلا الله سبحانه، سترها الله عزوجل، فإذا كان يوم القيامة أتمَّ علينا النِّعْمةَ بمغفرتها وعدم العقوبة عليها، ثم أرشد النبيُّ ﷺ إلى الصَّدقةِ، ولو بنصفِ تمرةٍ، فإن لم يجد فبكلمة طيبة.

فوائد الحديث

الحديثُ صريحٌ في إثباتِ الكلامِ ﷲ عزوجل، وأنه تعالى يكلِّمُ الناسَ يومَ القيامةِ، بكلامٍ مسموعٍ، على وجهٍ يليقُ بالله تعالى، ففيه الرَّدُّ على أهلِ البدعِ الذين أنكروا كلامَ الله، من الجهميَّةِ والمعتزلةِ وغيرهم.

فمذهبُ أهلِ السُّنةِ والجماعةِ إثباتُ صفةِ الكلامِ ﷲِ تعالى، وأن الله يتكلم إذا شاءَ متى شاءَ وبما يشاءُ، وأنه كلَّم موسى، ويكلم عبادَهُ يومَ القيامَةِ، وأن القرآنَ كلامُ الله غيرُ مخلوقٍ، وهذا شاملٌ لحروفِهِ ومعانيهِ، وأن الله يتكلمُ بمشيئتهِ وإرادتهِ.

أن جميعَ الخلقِ سيلقون الله تعالى، ويكلمُهُم مباشرةً من دونِ ترجمانٍ ولا واسطةٍ، على اختلاف لغاتِهِم، ويسألهم عن جميعِ أعمالهم، قال الله تعالى: ﴿ يَٰٓأَيُّهَا ٱلۡإِنسَٰنُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَىٰ رَبِّكَ كَدۡحًا فَمُلَٰقِيهِ﴾ (الانشقاق: 6)، فكلُّ عبدٍ سوف يلاقي ربَّه ويحاسبُهُ، ولكن بشرى للمؤمِنِ.

2- أن الإنسان يرى عمله يوم القيامة، فلا يرى عن يمينه إلا ما قدَّمَ، وعن يساره إلا ما قدَّم، ثم يرى النارَ أمامَه، فعلى العبدِ أن يتَّقِيَ النارَ ولو بشقِّ تمرة، يخرجُها ﷲِ تعالى.

3- قال ابن حجر: «وفي الحديث الحثُّ على الصَّدقةِ بما قلَّ وبما جلَّ، وألا يحتقِرَ ما يتصدَّقُ به، وأن اليسيرَ من الصَّدقةِ يستر المتصدِّقَ من النار».

4- أن الكلمةَ الطيبةَ سببٌ للنَّجاةِ من النارِ، وتشملُ قراءةَ القرآنِ، والتسبيحَ والتهليلَ والأمرَ بالمعروفِ والنهيَ عن المنكرِ، وتعلُّمَ العلمِ وتعلِيمَه، وعكسُها الكلمةُ السيئةُ، فإنها تنفِّرُ القُلوبَ، كما قال تعالى: ﴿فَبِمَا رَحۡمَة مِّنَ ٱللَّهِ لِنتَ لَهُمۡ وَلَوۡ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ ٱلۡقَلۡبِ لَٱنفَضُّواْ مِنۡ حَوۡلِكَۖ﴾ (آل عمران: 159).

نشاط

تكلم عن صفةِ الكلام ﷲِ تعالى في ضوءِ دراستك الحديث. استعن بمصادرَ خارجيةٍ.

2- في الحديث بيانُ فضلِ الصَّدقةِ ولو قلَّتْ، اكتبْ في ذلك.

3- هل للكلمةِ شأنٌ في تغييرِ الأحوالِ والأُمُورِ؟ بيِّنْ ذلك.

الحديث الرابع عشر

عَنْ أَبِي ذَرٍّ ا أَنَّ نَاسًا مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ قَالُوا لِلنَّبِيِّ ﷺ : يَا رَسُولَ الله، ذَهَبَ أَهْلُ الدُّثُورِ بِالْأُجُورِ، يُصَلُّونَ كَمَا نُصَلِّي، وَيَصُومُونَ كَمَا نَصُومُ، وَيَتَصَدَّقُونَ بِفُضُولِ أَمْوَالِهِمْ، قَالَ: «أَوَلَيْسَ قَدْ جَعَلَ الله لَكُمْ مَا تَصَّدَّقُونَ؟ إِنَّ بِكُلِّ تَسْبِيحَةٍ صَدَقَةً، وَكُلِّ تَكْبِيرَةٍ صَدَقَةً، وَكُلِّ تَحْمِيدَةٍ صَدَقَةً، وَكُلِّ تَهْلِيلَةٍ صَدَقَةً، وَأَمْرٌ بِالْمَعْرُوفِ صَدَقَةٌ، وَنَهْيٌ عَنْ مُنْكَرٍ صَدَقَةٌ، وَفِي بُضْعِ أَحَدِكُمْ صَدَقَةٌ»، قَالُوا: يَا رَسُولَ الله، أَيَأتِي أَحَدُنَا شَهْوَتَهُ وَيَكُونُ لَهُ فِيهَا أَجْرٌ؟ قَالَ: «أَرَأَيْتُمْ لَوْ وَضَعَهَا فِي حَرَامٍ أَكَانَ عَلَيْهِ فِيهَا وِزْرٌ؟ فَكَذَلِكَ إِذَا وَضَعَهَا فِي الْحَلَالِ كَانَ لَهُ أَجْرٌ» رواه مسلم.

راوي الحديث

أبو ذر جُنْدُب بن جُنَادة الغفاري، رابعُ من دخل في الإسلامِ وقيل: الخامسُ، قَدِم أبو ذر على رسولِ الله ﷺ وهو بمكَّةَ، فأسلم ثم رجع إلى قومِهِ فكانَ يَسْخَرُ بآلهتهِم، توفي أبو ذرٍّ في الربذة سنة 32 هـ، وصلى عليه عبدُ الله بن مسعودٍ ا في النَّفَرِ الذين شهدوا موتَهُ.

شرح المفردات

(الدُّثور) جمع دَثْرٍ، وهو المَالُ الكَثِيرُ، وقيل: الكثيرُ من كلِّ شيءٍ.

(وفي بُضْع أحدِكم) البُضعُ يطلقُ على الجِمَاعِ، ويُطلقُ على الفرْجِ نفسهِ.

الشرح الإجمالي للحديث

اشتكى أناسٌ لرسولِ الله ِ ﷺ ، قالوا: يا رسولَ الله، ذهب أهلُ الأموالِ بالأُجور، واستأثروا بها، فنحن وهم سواءٌ في الصلاة وفي الصيام، ولكنهم يفضلوننا بالتصدُّقِ بفضولِ أموالهم، أي: ونحن لا نتصدَّقُ، وهذه شكوى غبطةٍ، لا شكوى حسدٍ، ولا اعتراضٍ على الله عزوجل، ولكن يطلبون فضلًا يتميزون به عمن أغناهم الله بالمال؛ فتصدَّقوا بفضول أموالهم.

فقال النبي ﷺ: «أوَليس قد جعل الله لكم ما تَصَّدَّقُون؟!» يعني إذا فاتتكم الصدقةُ بالمالِ، فهناك الصدقةُ بالأعمال الصالحة: «إن بكل تسبيحة صدقةً، وكل تكبيرة صدقةً، وكل تحميدة صدقةً، وكل تهليلة صدقةً، وأمرٌ بالمعروف صدقة، ونهي عن المنكر صدقة».

ثم قال النبي ﷺ : «وفي بِضع أحدِكم صدقة» يعني أن الرجل إذا أتى امرأته، فإن ذلك صدقةٌ، قالوا يا رسولَ الله، أيأتي أحدُنا شهوته ويكون له فيها أجرٌ؟ قال: «أرأيتم لو وضعها في الحرام، أكان عليه وزرٌ؟» يعني لو زنى ووضع الشهوة في الحرام، هل يكون عليه وزر؟ قالوا: نعم. قال: «فكذلك إذا وضعها في الحلالِ كان له أجرٌ»، ومعنى ذلك: أنَّ الرجلَ إذا استغنى بالحلالِ عن الحرامِ، كان له بهذا الاستغناءِ أجْرٌ.

فوائد الحديث

1- الهِممُ العاليةُ من الصَّحابةِ رضي الله عنهم ومسارعتُهم وتسابقُهم إلى العملِ الصالحِ؛ فهم يغبطون إخوانَهم بما أنعم الله عليهم من الأموال التي يطيعون الله تعالى فيها.

2- أن النبيَّ ﷺ فتح للفقراءِ أبوابًا من الخيرِ، وهي أبوابٌ ميسورةٌ، لا تكلفُ فاعلَها شيئًا.

3- التَّنَافُس في أمورِ الآخرةِ، هو التنافُسُ المحمودُ، بِخلافِ التنافسِ على الدنيا، فإنه سببُ الهلاكِ، وفي الحديث: «أخشى عليكم أنْ تُبْسَطَ عليكم الدنيا كما بُسِطَتْ على مَنْ كان قبلَكم، فَتَنَافَسُوها كما تَنَافَسُوها، وتهلكَكم كما أهلكتهم». رواه البخاري ومسلم.

فَضْلُ الذِّكْر: جاء عن أبي الدرداءِ رضي الله عنه عن رسولِ الله ﷺ قال: «أَلا أُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرِ أَعْمَالِكُمْ، وَأَزْكَاهَا عِنْدَ مَلِيكِكُمْ، وَأَرْفَعِهَا فِي دَرَجَاتِكُمْ، وَخَيْرٌ لَكُمْ مِنْ إِنْفَاقِ الذَّهَبِ وَالْوَرِقِ، وَخَيْرٌ لَكُمْ مِنْ أَنْ تَلْقَوْا عَدُوَّكُمْ فَتَضْرِبُوا أَعْنَاقَهُمْ وَيَضْرِبُوا أَعْنَاقَكُمْ؟ قَالُوا: بَلَى. قَالَ: ذِكْرُ اللَّهِ تَعَالَى». رواه الإمامُ أحمدُ والترمذيُّ وابنُ ماجه، وصححه الألباني.

4- أن القياسَ حُجَّةٌ، بأن تقيس شيئًا على شيءٍ، في حكم من الأحكام «أَرَأَيْتُمْ لَوْ وَضَعَهَا فِي حَرَامٍ أَكَانَ عَلَيْهِ فِيهَا وِزْرٌ؟ فَكَذَلِكَ إِذَا وَضَعَهَا فِي الْحَلَالِ كَانَ لَهُ أَجْرٌ»، وهذا قياسٌ لوضْعِ الشَّهْوةِ في الحلالِ، وترتُّبِ الأجْرِ عليه على وَضْعِها في الحرام، وترتُّب الإثم عليه.

الصَّدقاتُ التي أرْشدَ النَّبيُّ ﷺ الفُقَراءَ إلى الإتيانِ بها قسمان:

الأولُ: ما هو من بابِ العباداتِ، وليس من أُمور الدُّنيا، وهو التَّسبيحُ والتكبيرُ والتحميدُ والتهليلُ.

الثاني: ما هو من المباحاتِ التي فيها حظٌّ للنفْسِ، وتكونُ قربةً بالنيَّةِ الصالحةِ، مثل قضاءِ الإنسانِ شهوتَه، إذا قصد بذلك إِعْفافَ نفسِهِ، وإعفافَ أهلهِ وتحصيلَ الأولادِ.

أن الاكتفاء بالحلال عن الحرام يجعل الحلال قربةً وصدقةً لقوله ﷺ : «وَفِي بُضْعِ أَحَدِكُمْ صَدَقَةٌ».

نشاط

1- تكلم عن كيفيةِ مضاعفةِ ثوابِ الأعمالِ الصالحةِ.

2- ما التنافسُ المحمودُ، والتنافسُ المذمومُ؟ اذكر نصوصًا من كتابِ الله تعالى تدعم ما تقول.

3- في الحديث صورةٌ من صور القياسِ، اذكر بعضَ النظائرِ لها من نصوصِ الشرعِ. استعن بمصادرَ خارجيةٍ.

الحديث الخامس عشر

عَنْ أَبِي مَالِكٍ الْأَشْعَرِيِّ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ِ ﷺ : «الطُّهُورُ شَطْرُ الْإِيمَانِ، وَالْحَمْدُ ﷲِ تَمْلَأُ الْمِيزَانَ، وَسُبْحَانَ الله وَالْحَمْدُ ﷲِ تَمْلَآَنِ -أَوْ تَمْلَأُ- مَا بَيْنَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ، وَالصَّلَاةُ نُورٌ، وَالصَّدَقَةُ بُرْهَانٌ، وَالصَّبْرُ ضِيَاءٌ، وَالْقُرْآنُ حُجَّةٌ لَكَ أَوْ عَلَيْكَ، كُلُّ النَّاسِ يَغْدُو فَبَايِعٌ نَفْسَهُ، فَمُعْتِقُهَا أَوْ مُوبِقُهَا». رواه مسلم.

راوي الحديث

كعبُ بن عاصمٍ أبو مالك الأشعري، قدم في السفينةِ مع الأشعريِّين على النبيِّ ﷺ ، وأسلم، وصَحِبَه وغزا معه وروى عنه، توفي في خلافةِ عمرَ بنِ الخطابِ رضي الله عنه سنة 18 هـ.

شرح المفردات

(الطُّهُورُ) يقال: الطُّهور والوُضوء بضم الواو، إذا أريد به الفعل، الذي هو المصدر، ويقال: الطَّهورُ والوَضُوءُ بفتح أولهما، إذا أريد به الماءُ الذي يتطهر به، وكذا السُّحورُ والسَّحور، والفُطورُ والفَطور.

الطهارةُ قِسْمان:

طهارةٌ بدنيةٌ: وهي طهارةُ البدنِ من الحدَثَين الأصغرِ والأكبرِ، ومن النجاسات.

طهارةٌ معنويةٌ: وهي طَهارةُ القَلْبِ بالإخْلاصِ ﷲِ تعالى، وبالتخلُّصِ من الحقْدِ والحَسَدِ وغيرِها من الضَّغائنِ.

(شَطْرُ) أي: نصف.

(وَسُبْحَانَ الله وَالْحَمْدُ ﷲِ تَمْلَآَنِ -أَوْ تَمْلَأُ- مَا بَيْنَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ) لأنَّ هاتينِ الكلمتينِ مشتملتانِ على تنزيهِ الله عن كل نقْصٍ في قوله: «سُبْحانَ الله»، وعلى وصْفِ الله تعالى بكلِّ كمالٍ في قوله: «والحمدُ ﷲِ».

(وَالصَّلَاةُ نُورٌ) أي: أنها تمنعُ من المعاصي وتنهى عن الفحشاء والمنكر، وتهدي إلى الصَّوابِ، كما أنَّ النُّورَ يُسْتضَاءُ به.

(وَالصَّدَقَةُ بُرْهَانٌ) البرهانُ: هو الشُّعاعُ الذي يلي وَجْهَ الشَّمسِ، ومنه سمِّيَت الحُجَّةُ القاطِعةُ برْهانًا؛ لوُضُوحِ دلالاتها على ما دلَّت عليه، فكذلك الصَّدقةُ برْهانٌ على صحَّةِ الإيمانِ.

(وَالصَّبْرُ ضِيَاءٌ) أي: الصَّبرُ المحبُوبُ في الشَّرعِ، وهو الصَّبرُ على طاعةِ الله، والصَّبرُ عن معصيتهِ، والصَّبرُ على النَّائباتِ، وأنواعِ المكارِهِ والمراد أنَّ الصَّبرَ محمودٌ، ولا يزال صاحبُهُ مستضِيئًا مهتديًا مستمِرًّا على الصَّوابِ.

(وَالْقُرْآنُ حُجَّةٌ لَكَ أَوْ عَلَيْكَ) أي: تنتفعُ به إنْ تلوتَهُ وعملتَ به، وإلا فهو حجَّةٌ عليك.

(كُلُّ النَّاسِ يَغْدُو فَبَايِعٌ نَفْسَهُ فَمُعْتِقُهَا أَوْ مُوبِقُهَا) أي: كلُّ إنسانٍ يسعَى بنفسِهِ، فمنهم مَنْ يبيعُها ﷲِ تعالى بطاعتهِ، فيعتقُها مَنْ العذابِ، ومنهم من يبيعُها للشيطانِ والهوى باتباعهما، فيهلكُها بفعلِ المعَاصِي والعقوبةِ عليها.

والمواظبةُ على الصَّلاةِ يجعلها الله له نورًا في حياتهِ، وفي قبرِهِ، وعلى الصِّراطِ يومَ القيامةِ.

الشرح الإجمالي للحديث

هذا حديثٌ عظيمٌ، وأصلٌ من أصولِ الإسلامِ، اشتمل على مُهمَّاتٍ من قواعدِ الإسلامِ، أرشد إلى أنَّ من طهَّر قلبَهُ من الشُّكوكِ والاعتقاداتِ الفاسدةِ، وطهَّر بدنه من الأحداثِ والنجاسات، فقد أخذ بنصفِ الإيمانِ، ومن حمد الله تعالى فثوابُ حمدِهِ يملأُ الميزانَ، وتسبيحُهُ وتحميدُهُ يملآنِ ما بين السماءِ والأرضِ من الأجْرِ؛ لأنَّ الحامدَ ﷲِ يثني على ربه سبحانه بجميعِ المحامدِ، ومن ذلك صفاتُ الكمالِ ونعوتُ الجلالِ للهِ تعالى، والمسبِّحُ ينزِّه الله عن النقائصِ والعُيوبِ والآفاتِ، وأن الصلاةَ نورٌ يهتدي به الإنسانُ عاجلًا وآجلًا، كما أن الصَّدقةَ دليلٌ وبرهانٌ على قوةِ إيمان صاحبها، وصبرُ العبد على طاعةِ الله وما يصيبُهُ من الفتنِ والمكاره يكون سببًا لزيادة نورِ بصيرته، وكلُّ الناسِ يسعى لنفسه، فمنهم من يبيعُها ﷲ بطاعته فيعتقُها من النار يوم القيامة، ومنهم من يبيعُها للشيطانِ وهوى النفسِ فيهلكُها يومَ القيامةِ، وربما تعجَّل له العقوبةُ في الدنيا.

فوائد الحديث

1- الحثُّ على الطُّهُورِ الحسِّيِّ والمعنويِّ، وجهُ ذلك أنه قال: «الطُّهُورُ شَطْرُ الإِيْمَانِ».

2- أن الإيمان يتبعَّضُ، فبعضُهُ فعْلٌ، وبعضُه قولٌ، وبعضُهُ ترْكٌ.

3- فضيلةُ حمدِ الله عزوجل حيث قال: إنها تملأُ الميزانَ.

4- إثباتُ المِيزانِ، وهل هذا الميزانُ حسِّيٌّ أو معنويٌّ؟

قالت المعتزلةُ: إنه معنويٌّ، وهو كنايةٌ عن إقامةِ العَدْلِ، وليس بصحيحٍ.

وذهب أهلُ السنة والجماعة إلى أنه حِسِّيٌّ، له كفَّتانِ وله لسانٌ، توزنُ به الأعْمالُ الصالحةُ والسَّيئةُ؛ لأن هذا ما دلَّت عليه النصوصُ، وهو الصَّحيحُ.

- 5فضيلةُ الجمعِ بين: سبحان الله والحمدِ ﷲ؛ ووجهُ ذلك أن الجمعَ بينهما جمعٌ بين نفي العيوبِ والنقائصِ وإثباتِ الكمالاتِ، ففي «سُبحَانَ الله» نفي العيوب والنقائص، وفي «الحَمدُ ﷲِ» إثبات الكمالات.

- 6الحثُّ على كثرةِ الصَّلاة والصَّدقة وذكرِ الله بالحمدِ والتسبيحِ، وتلاوةِ القرآن والعمل به، حتى يكون حجةً للعبد.

- 7أن بذل المحبوب يدل على صدقِ الباذلِ، والمحبوبُ الذي يُبذَل في الصَّدقةِ هو المالُ.

- 8 الحثُّ على الصَّبرِ وأنه ضِياءٌ، والضِّياءُ فيه شيءٌ من الحَرَارةِ، فالفرْقُ بين النُّورِ في الصَّلاةِ والضِّياءِ في الصبرِ: أن الضِّياءَ في الصَّبرِ مصْحُوبٌ بحرارةٍ؛ لما فيه من التَّعَبِ القلبيِّ والبَدَنيِّ.

نشاط

1- ما أبرزُ مسائلِ العقيدةِ في هذا الحديثِ؟

2- ما وجهُ الجمعِ بين سبحان الله والحمدِ ﷲِ؟

3- كيف تجعلُ القرآنَ حجةً لك يومَ القِيَامَةِ؟ اذكر طُرُقًا عمليَّةً لذلك.

الحديث السادس عشر

عَنْ أَبِي هُرَيْرَة رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : «كُلُّ سُلامَى مِنَ النَّاسِ عَلَيْهِ صَدَقَةٌ، كُلَّ يَوْمٍ تَطْلُعُ فِيهِ الشَّمْسُ، تَعْدِلُ بَيْنَ الِاثْنَيْنِ صَدَقَةٌ، وَتُعِينُ الرَّجُلَ فِي دَابَّتِهِ فَتَحْمِلُهُ عَلَيْهَا، أَوْ تَرْفَعُ لَهُ عَلَيْهَا مَتَاعَهُ صَدَقَةٌ» قَالَ: «وَالْكَلِمَةُ الطَّيِّبَةُ صَدَقَةٌ، وَكُلُّ خُطْوَةٍ تَمْشِيهَا إِلَى الصَّلَاةِ صَدَقَةٌ، وَتُمِيطُ الْأَذَى عَنِ الطَّرِيقِ صَدَقَةٌ». متفق عليه، ولمسلم: «ويُجزئ من ذلك ركعتانِ، يركعُهُما من الضُّحَى».

شرح المفردات

(سُلامى) السُّلامى هي المفاصِلُ، وهي ستون وثلاثمائة، كما عند مسلمٍ أن رسولَ اللهِ ﷺ قال: «خُلِق الإنسانُ على ستين وثلاثمائةِ مِفصَلٍ، على كلِّ مِفصلٍ صَدَقةٌ».

(عليه صَدَقةٌ) أي: صدقة ندبٍ وترغيبٍ، لا إيجاب وإلزام.

(تَعْدِلُ بَيْنَ الِاثْنَيْنِ) أي: تُصلحُ بينَهُما بالعَدْلِ.

(وَالكَلِمَةُ الطَّيِّبَةُ صَدَقَةٌ) سواءٌ طيبة في حقِّ الله كالتَّسبيحِ والتَّكبيرِ والتَّهْليلِ، أو في حقِّ الناسِ كحسنِ الخُلُق.

(وَبِكُلِّ خُطوَةٍ تَخْطُوهَا إِلَى الصَّلاةِ صَدَقَة) سواء بعُدت المسافةُ أم قصُرت.

وإذا كان العبدُ قد تطهر في بيته وخرجَ إلى الصَّلاةِ، لا يخرجُهُ إلا الصَّلاةُ، لم يخطُ خطوةً إلا رفع الله له بها درجةً، وحطَّ عنه بها خطيئةً؛ فيكتسب شيئين: رفعُ الدرجةِ، وحطُّ الخطيئةِ.

(وَتُمِيطُ الْأَذَى) تزيل ما يتأذى به الناسُ من حَجَرٍ أو قُمَامةٍ وغير ذلك.

(ويُجزئ من ذلك ركعتان، يركعُهُما من الضُّحَى) وذلك أنَّ صلاةَ هاتينِ الركعتينِ يحصلُ بهما تحرُّكُ المفاصلِ في هذه العبادةِ وهي الصلاةُ، فتكونُ مجزِئةً عن الصَّدَقاتِ في هذا اليوْمِ.

للإبهام سلاميان فقط

عظام الرسغ

عظام مشط اليد

عظام السلاميات

أثبت الطبُّ الحديثُ أن عددَ المفاصلِ في جسم الإنسانِ هو ثلاثمائة وستون مفصلًا، كما حدَّده النبيُّ ﷺ ، منها: 147 مفصلًا بالعمود الفقري، 24 مفصلا بالصدر، 86 مفصلا بالنصف العلوي من الجسم، 88 مفصلا بنصفه السفلي، 15 مفصلا بالحوض.

فمَن غيرُ الله سبحانه وتعالى يمكن أن يكونَ قد علَّم خاتمَ الأنبياءِ ﷺ تلك الحقيقيةَ العلميةَ؟!

وما الذي يضطرُّه ﷺ للخوضِ في قضيةٍ غيبيةٍ كهذه؟! فمثلُ هذا الإعجازِ من دلائلِ النبوةِ.

الشرح الإجمالي للحديث

أخبر النبيُّ الكريم ﷺ في هذا الحديث أنَّ على كلِّ مفصل من مفاصل الإنسان صدقةً كلَّ يومٍ، يشكرُ الله ويحمدُه حيث ركَّب فيه هذه الأعضاءَ، وسوَّى خلقها ظاهرا وباطنا، ولو شاءَ لسلبها القُدْرةَ، فلا يستطيع الإنسانُ الحركةَ، فلا يقومُ بأعماله الدينيةِ ولا الدنيويةِ، فإبقاؤُها ودوامُها ودوام قوَّتِها يوجبُ الشُّكرَ من العَبْدِ بالتَّصَدُّقِ، بسببِ دَوامِ هذه النِّعمةِ، وأنَّ كلَّ عَمَلٍ من أعْمالِ الخيرِ كالصُّلحِ بين الناسِ، والحكمِ بينهم بالعدلِ، وإفشاءِ السَّلام وطِيبِ الكلامِ ومُساعَدةِ المحتاجِ، والنُّصْحِ للمسلمين بالأقوالِ والأفعالِ، كلُّ واحدٍ من هذه الأُمُور فيه صَدَقةٌ.

فوائد الحديث

1- تستحبُّ الصَّدقةُ على كلِّ إنسانٍ، كل يومٍ تطلعُ فيه الشَّمسُ عن كلِّ مفصلٍ من مفاصله، وبيَّن النبيُّ ﷺ أنه يجزئ من ذلك ركعتان يركعُهُما من الضحى.

2- الحثُّ على معونةِ الرَّجُلِ أخاه، وإزالةِ الأذى عن الطريق.

3- إذا كانت إماطةُ الأذى عن الطَّريقِ الحِسِّي صدقةً فإماطةُ الأذى عن الطَّريقِ المعْنَويِّ أبلغُ، وذلك ببيانِ البِدَعِ والمنْكَرَاتِ والمحرَّمَاتِ وغيرها.

4- أنَّ كل ما يقرِّبُ إلى الله عزوجل من عبادةٍ وإحْسانٍ إلى خلقِهِ فإنه صَدَقةٌ، وما ذكرَهُ النبيُّ ﷺ فهو مجرَّدُ أمثلةٍ على ذلك.

المدَاوَمةُ على صلاةِ ركعتي الضُّحَى: ينبغي للمسلم أن يداومَ على ركعتي الضحى.

ووقتُها: من ارتفاع الشمسِ قيدَ رمحٍ، أي:بعدَ الشروقِ بحوالي خمس عشرة دقيقة، إلى قبيلِ الزوالِ بنحوِ ربعِ ساعةٍ. وصلاتُها حين ترمض الفصال أفضلُ، وهو وقتُ ارتفاعِ الضُّحَى، عند اشتدادِ الحرِّ. وأقلُّها: ركعتان، ولا حدَّ لأكثرِها.

نشاط

1- في هذا الحديثِ إعجازٌ نبويٌّ عظيمٌ، استظهر نظائر لهذا الإعجاز في نصوص أخرى.

2- تكلم عن أحكامِ صلاةِ الضُّحَى وأهميتِها. استعن بمصادرَ خارجيةٍ.

3- كيف تميطُ الأذى المعْنويَّ عن الطَّريقِ؟ اذكر طُرُقًا عمليةً.

الحديث السابع عشر

عَنْ أَبِي الحَوْرَاءِ السَّعْدِيِّ قَالَ: قُلْتُ لِلْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ رضي الله عنهما: مَا حَفِظْتَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ؟ قَالَ: حَفِظْتُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ :«دَعْ مَا يَرِيبُكَ إِلَى مَا لَا يَرِيبُكَ» رواه الترمذي، وقال: حديثٌ حسنٌ صحيحٌ.

راوي الحديث

الحسنُ بنُ علي بن أبي طالبرضي الله عنه ، سبطُ رسولِ الله ﷺ وريحانتُه من الدنيا، وأحدُ سيدي شبابِ أهل الجنةِ، كان حليمًا وَرِعًا فاضلا، ولي الخلافة بعد أبيه عدةَ أشهر، ثم تنازل لمعاويةَ رضي الله عنه، وصان الله تعالى بذلك جماعةَ المسلمين، توفي عام 50 هـ .

شرح المفردات

(دَعْ) أي: اتركْ.

(مَا يرِيْبُكَ) أي: ما يلحقُك به ريبٌ وشكٌّ وقلقٌ.

(مَا لاَ يَرِيْبُكَ) أي: إلى شيءٍ لا يلحقُكَ به ريْبٌ ولا قَلَقٌ.

الشرح الإجمالي للحديث

هذا الحديثُ من جوامعِ الكَلِم، وأصلٌ في بابِ الورعِ، والحثِّ على ترك المشتبهاتِ، والأخذِ باليقين وترك المشكوك فيه، وما أجودَه وأنفعَه للعبدِ إذا سار عليه! فالعبدُ تردُ عليه شكوكٌ في أشياء كثيرةٍ، فنقول: دع الشكَّ إلى ما لا شكَّ فيه؛ حتى تستريحَ وتسلمَ، فكلُّ شيءٍ يلحقُك به شكٌّ وقلقٌ وريبٌ اتركْه إلى أمْرٍ لا يلحقُك به ريْبٌ.

قال الحافظ ابن رجب رحمه الله: «وَمَعْنَى هَذَا الْحَدِيثِ يَرْجِعُ إِلَى الْوُقُوفِ عِنْدَ الشُّبُهَاتِ وَاتِّقَائِهَا، فَإِنَّ الْحَلَالَ الْمَحْضَ لَا يَحْصُلُ لِمُؤْمِنٍ فِي قَلْبِهِ مِنْهُ رَيْبٌ، بَلْ تَسْكُنُ إِلَيْهِ النَّفْسُ، وَيَطْمَئِنُّ بِهِ الْقَلْبُ، وَأَمَّا الْمُشْتَبِهَاتُ فَيَحْصُلُ بِهَا لِلْقُلُوبِ الْقَلَقُ وَالِاضْطِرَابُ الْمُوجِبُ لِلشَّكِّ».

قال الخطابيُّ: «كلُّ ما شككتَ فيه، فالوَرَعُ اجتنابُه».

عن عائشةَ رضي الله عنها قالت: «كان لأبي بكر الصديق رضي الله عنه غلامٌ يُخرِجُ له الخَرَاجَ، وكان أبو بكر يأكل من خراجِهِ، فجاء يومًا بشيءٍ، فأكل منه أبو بكر، فقال له الغلامُ: تدري ما هذا؟ فقال أبو بكر: وما هو؟ قال: كنتُ تكهَّنتُ لإنسانٍ في الجاهليةِ، وما أُحسِنُ الكهانةَ إلا أني خدعتُهُ، فلقيني فأعطاني بذلك هذا الذي أكلتَ منه، فأدخل أبو بكر يدَهُ، فَقَاءَ كلَّ شيءٍ في بطنِهِ». أخرجه البخاري.

فوائد الحديث

1- في الحديثِ تربيةٌ نفسيَّةٌ، فالدِّينُ الإسْلاميُّ لا يريدُ من أبنائهِ أن يكونوا في شكٍّ ولا قلقٍ، فإذا أردتَ الطمأنينةَ والاستراحةَ فاترك المشكوكَ فيه واطرحْه جانبًا، لا سيَّما بعدَ الفراغِ من العبادةِ؛ حتى لا يلحَقَكَ القلقُ.

2 - الإشارةُ إلى الرُّجُوعِ إلى القلوبِ الطَّاهرةِ والنُّفوسِ الصَّافيةِ عند الاشتباهِ، فإن نفسَ المؤمِنِ جُبلت على الطُّمأنينةِ إلى الصِّدقِ، والنفرِ من الكذبِ، وهذا بالنسبةِ إلى أربابِ البواطنِ الصَّافيةِ والقلوبِ الزاكيةِ، لا غيرِهم ممّن قلوبُهُم مُظلمةٌ بالمعاصي، فإنهم ربما يحسبون الإثم بِرًّا، والبرَّ إثمًا.

3- الحديثُ دليلٌ على إحدى القواعدِ الكليةِ الخمسِ، وهي: «أنَّ اليقينَ لا يزولُ بالشَّكِّ» ومعناها: إذا تعارَضَ الشَّكُّ مع اليَقينِ أُخِذ باليقينِ وطُرِح الشَّكُّ.

فإذا تيقَّن العبدُ الطهارةَ ثم شكَّ في الحَدَثِ بنى على اليقينِ وهو الطهارةُ.

وإذا تيقَّن الحدث ثم شكَّ في الطهارةِ بنى على اليقين وهو الحدثُ.

وإذا شك في نجاسَةِ عَيْنٍ بنى على اليقينِ وهو الطهارةُ.

وإذا تيقن نجاستَها ثم شكَّ بنى على اليقينِ وهو النَّجاسةُ، وهكذا.

- 4 أن النبيَّ ﷺ أُعطي جوامِعَ الكلم، واختُصر له الكلامُ اختصارًا.

نشاط

1- في هذا الحديثِ جانبٌ من جوانبِ بلاغةِ النبيِّ ﷺ ، اذكر بعضًا من نظائره في السُّنةِ.

2- يؤصِّلُ هذا الحديثُ لقاعدةٍ من قواعدِ الإسلامِ، اذكرها مع ذِكْر بعضِ أدلتها، واضرب أمثلةً عليها.

3- اذكر أمثلةً من ورعِ السَّلفِ، بدءًا بالصَّحابةِ رضي الله عنهم.

الحديث الثامن عشر

عَنْ أَنَس بْن مَالِكٍ رضي الله عنه أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «مَنْ أَحَبَّ أَنْ يُبْسَطَ لَهُ فِي رِزْقِهِ، وَيُنْسَأَ لَهُ فِي أَثَرِهِ، فَلْيَصِلْ رَحِمَهُ». متفق عليه.

شرح المفردات

(يبسطَ له في رزقه) أي: يوسَّعَ ويكثَّرَ.

(رزقه) أي: في دنياه أو آخرته.

(وَيُنْسَأَ) أي: يؤخَّرَ.

(أَثَرِهِ) أي: أجلِهِ.

الرَّحِمُ: رَحِـمُ المرأةِ، ومنه استعير الرَّحِمُ للقـرابةِ؛ لكونهم خارِجِين من رحمٍ واحدةٍ.

والمرادُ بالرَّحِم: الأقرباءُ من طَرَفي الرَّجُلِ والمرأةِ، من ناحيةِ الأبِ والأمِّ.

والمرادُ بصِلةِ الرَّحِم: الإحسانُ إلى الأقاربِ في القوْلِ والفعلِ، ويدخل في ذلك زيارتُهم، وتفقُّدُ أحوالهم، والسؤالُ عنهم، ومساعدةُ المحتاجِ منهم، والسَّعْيُ في مصالحِهِم.

قاطعُ الرَّحِمِ ملعونٌ في كتابِ اللهِ تعالى، وتعجَّلُ له العقوبةُ في الدُّنيا:

قال الله تعالى: ﴿فَهَلۡ عَسَيۡتُمۡ إِن تَوَلَّيۡتُمۡ أَن تُفۡسِدُواْ فِي ٱلۡأَرۡضِ وَتُقَطِّعُوٓاْ أَرۡحَامَكُمۡ 22 أُوْلَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ لَعَنَهُمُ ٱللَّهُ فَأَصَمَّهُمۡ وَأَعۡمَىٰٓ أَبۡصَٰرَهُمۡ﴾23 (محمد: 21 - 22).

قال عليُّ بن الحسين لولده: «يا بني، لا تصحبنَّ قاطعَ رحِم؛ فإني وجدتُهُ ملعونًا في كتابِ الله تعالى».

وعن أبي بكر رضي الله عنه أن رسولَ الله ﷺ قال: «ما من ذنبٍ أجدرُ أن يعجِّلَ الله لصاحبهِ العقوبةَ في الدُّنيا، مع ما يُدَّخَر له في الآخرةِ، من البَغْيِ وقطيعةِ الرَّحِمِ». أخرجه أبو داود، بإسنادٍ صحيحٍ.

الشرح الإجمالي للحديث

هذا الحديثُ فيه الحثُّ على صلةِ الرحمِ، وأنَّها كما توجِبُ رضى الله تعالى وثوابَه في الآخرة، فإنها موجِبةٌ للثوابِ العاجلِ، فهي سببٌ لبسطِ الرِّزقِ وتوسيعِه، وسببٌ لطولِ العمر.

وهذا حقٌّ على حقيقتهِ، فقد جَعَلَ الله تعالى لكلِّ مطلوبٍ سَبَبًا وطريقًا يُنالُ به، وأنه من حكمتهِ جَعَلَ الجزاءَ من جنسِ العملِ، فكما وَصَلَ العبدُ رحِمَه بالبرِّ والإحسانِ، وأدخلَ على قلوبِهِم السُّرورَ وَصَلَ الله عمرَهُ ورَزَقه، وفتحَ له من أبوابِ الرزقِ وبركاته.

فوائد الحديث

1- أن صلةَ الرَّحِمِ من أسبابِ طُولِ العُمُرِ، وخيرُ الناسِ من طَالَ عُمُرُه وحَسُنَ عملُهُ.

2- أن مجرَّد طولِ العُمُرِ ليس خيرًا للإنسانِ إلا إذا أحسن عملَهُ؛ لأنه أحيانًا يكونُ طولُ العمرِ شرًّا للإنسانِ وضررًا عليه، كما قال الله تبارك وتعالى: ﴿ وَلَا يَحۡسَبَنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُوٓاْ أَنَّمَا نُمۡلِي لَهُمۡ خَيۡرٌ لِّأَنفُسِهِمۡۚ إِنَّمَا نُمۡلِي لَهُمۡ لِيَزۡدَادُوٓاْ إِثۡمًاۖ وَلَهُمۡ عَذَاب مُّهِين﴾ (آل عمران: 178) فهؤلاء الكفارُ يُملي الله تعالى لهم، ويمدُّهم بالرِّزْقِ والعافيةِ وطولِ العمر والبنين والزوجاتِ، ولا يكون خيرًا لهم، ولكنه شرٌّ لهم ؛ لأنهم سوف يزدادون بذلك إثمًا.

3- أن ما يترتب على عمل العامِلِ من ثوابِ الدُّنيا لا يضرُّهُ، إذا كان القصدَ وجهُ الله والدارُ الآخرةُ.

وهنا سؤال مشهور: إذا كانت الآجالُ والأرزاقُ مقدَّرةً، لا تزيدُ ولا تنقصُ، كما قال تعالى: ﴿وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَل ٌۖ فَإِذَا جَآءَ أَجَلُهُمۡ لَا يَسۡتَأۡخِرُونَ سَاعَة ً وَلَا يَسۡتَقۡدِمُونَ﴾ (الأعراف: 34) فكيف يؤخَّرُ في عُمُرِ الشخصِ إذا وصل رحِمَه؟

أجاب العلماءُ بأجوبة، منها:

الأول: أن ذلك بالنسبةِ لما يظهرُ للملائكةِ، وفي اللوحِ المحفوظِ، فيظهر لهم في اللوحِ أنَّ عُمُرَه ستون سنةً، إلا أنْ يصِلَ رَحِمَهُ، فإنْ وصلها زِيد له قدرٌ معيَّنٌ، وقد علم الله سبحانه وتعالى ما سيَقَعُ له من ذلك، وهو من معنى قولهِ تعالى: ﴿يَمۡحُواْ ٱللَّهُ مَا يَشَآءُ وَيُثۡبِتُۖ﴾ (الرعد: 39)، وهذا أقْربُ المعاني.

الثاني: أن هذه الزيادةَ بالبركةِ في عُمُرِهِ، والتوفيقِ للطَّاعاتِ، وعمارةِ أوقاته بما ينفعُه في الآخرةِ، وصيانتها عن الضَّياعِ في غير ذلك.

الصِّلةُ الحقيقيةُ:

الواصلُ حقًّا هو الذي يصِلُ من يقطعُهُ، ويزورُ من يجفُوه، ويحسِنُ إلى مَنْ أساءَ إليه من أقاربهِ.

فعن عبدِ الله بن عمرو رضي الله عنهما أن رسولَ الله ِ ﷺ قال: «ليس الواصِلُ بالمكافِئ، ولكن الواصل الذي إذا قُطِعت رَحِمُهُ وَصَلَها» رواه البخاري.

وعن أبي هريرةَ رضي الله عنه أن رَجُلًا قال: يا رسولَ الله، إن لي قرابةً أصلُهُم ويقطعونني، وأحسِنُ إليهم ويسيئون إليَّ، وأحلمُ عليهم ويجهلون عليّ، فقال ﷺ : «إنْ كنتَ كما قلتَ فكأنما تُسِفُّهُم المَلَّ، ولا يزالُ معك من الله ظهيرٌ عليهم، ما دُمْتَ على ذلك» رواه مسلم.

والمَلُّ: الرَّمادُ الحارُّ، قال النوويُّ: «يعني كأنما تطعِمُهُم الرَّمادَ الحارَّ، وهو تشبيهٌ لما يلحقُهُم من الإثمِ بما يلحقُ آكلَ الرَّمادِ الحارِّ من الألمِ».

نشاط

1- كيف تفسرُ الحديثَ مع اليقينِ بأن الآجالَ قد سبق تقديرُها؟

2- اكتب في أثرِ صلةِ الرحمِ على المجتمعِ المسلمِ.

3- اكتب مختصرا في ذمِّ قطعِ الأرحامِ، وبيان خطره. استعنْ بمصادِرَ خارجيةٍ.

الحديث التاسع عشر

عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ِ ﷺ : «مَنْ نَفَّسَ عَنْ مُؤْمِنٍ كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ الدُّنْيَا، نَفَّسَ الله عَنْهُ كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَمَنْ يَسَّرَ عَلَى مُعْسِرٍ، يَسَّرَ الله عَلَيْهِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، وَمَنْ سَتَرَ مُسْلِمًا سَتَرَهُ الله فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، وَالله فِي عَوْنِ الْعَبْدِ مَا كَانَ الْعَبْدُ فِي عَوْنِ أَخِيهِ، وَمَنْ سَلَكَ طَرِيقًا يَلْتَمِسُ فِيهِ عِلْمًا، سَهَّلَ الله لَهُ بِهِ طَرِيقًا إِلَى الْجَنَّةِ، وَمَا اجْتَمَعَ قَوْمٌ فِي بَيْتٍ مِنْ بُيُوتِ الله، يَتْلُونَ كِتَابَ الله، وَيَتَدَارَسُونَهُ بَيْنَهُمْ، إِلَّا نَزَلَتْ عَلَيْهِمِ السَّكِينَةُ، وَغَشِيَتْهُمُ الرَّحْمَةُ، وَحَفَّتْهُمُ الْمَلَائِكَةُ، وَذَكَرَهُمُ الله فِيمَنْ عِنْدَهُ، وَمَنْ بَطَّأَ بِهِ عَمَلُهُ لَمْ يُسْرِعْ بِهِ نَسَبُهُ». رواه مسلم.

شرح المفردات

(مَنْ نَفَّسَ) أي: وسَّع.

(كُربَةً) الكربة: هي الشِّدَّةُ العظيمةُ التي توقِعُ صاحِبَها في الكرْبِ، وهو الحُزْنُ والغَمُّ، وتنفيسُها أن يخفِّفَ عنه، مأخوذٌ من تنفيسِ الخِناقِ، كأنه يرخي له الخناقَ حتى يأخذَ نَفَسًا.

قال تعالى: ﴿قُلِ ٱللَّهُ يُنَجِّيكُم مِّنۡهَا وَمِن كُلِّ كَرۡبٖ ﴾ (الأنعام: 64) وقال تعالى: ﴿وَنُوحًا إِذۡ نَادَىٰ مِن قَبۡلُ فَٱسۡتَجَبۡنَا لَهُۥ فَنَجَّيۡنَٰهُ وَأَهۡلَهُۥ مِنَ ٱلۡكَرۡبِ ٱلۡعَظِيمِ﴾ (الأنبياء: 76).

(عَلَى مُعسِر) أي: ذي إعسارٍ، وهو الضِّيق والشِّدة والصُّعوبة، كما قال الله تعالى: ﴿وَإِن كَانَ ذُو عُسۡرَةٖ فَنَظِرَةٌ إِلَىٰ مَيۡسَرَةٖۚ﴾ (البقرة: 280).

(وَمَنْ سَتَرَ مُسلِمًا) أي: أخفى وغطَّى مسلمًا ارتكب ما يُعابُ: إما في المرُوءَةِ والخُلُقِ، وإما في الدِّينِ والعَمَلِ.

(وَمَنْ سَلَكَ طَريقًا) أي: دخله ومَشَى فيه.

(يَلتَمِسُ فيهِ عِلمًا) أي: يطلبُ عِلْمًا، والمرادُ بالعلْمِ هُنا علمُ الشريعةِ، وما يساندُهُ من عُلومِ العربيَّةِ والتاريخِ وما أشبه ذلك.

(سَهَّلَ الله لَهُ بِهِ طَريقًا إِلَى الجَنَّةِ) يعني: سهَّل الله له بهداية التوفيق الطَّريق إلى الجنَّةِ.

(إِلا نَزَلَت عَلَيهم السَّكينَةُ) أي: طُمأنينةُ القلبِ، وانْشِراحُ الصَّدرِ.

(وَغَشيَتهم الرَّحمَةُ) أي: غطَّتهُم، والمرادُ رحمةُ الله عزوجل.

(وَحَفَّتهُم المَلائِكةُ) أي: أحاطَتْ بهم إِكْرامًا لهم.

(وَذكَرَهُم الله فيمَن عِنده) أي: إنَّ هؤلاءِ القومَ الذين اجتمعوا في المسجدِ، يتدارسون كلامَ الله ِعزوجل يذكرُهُم الله فيمن عنده، وهذا كقوله تعالى في الحديثِ القدسي: «مَنْ ذكرني في ملأٍ ذكرتُهُ في ملأٍ خيرٍ منهم». متفق عليه.

(ومن بطَّأ به عملُهُ لم يسرِعْ به نسبُهُ) أي: من كان عملُهُ ناقِصًا لم يلحِقْهُ بمرتبَةِ أصْحابِ الأعْمالِ، فينبغي ألا يتَّكِلَ على شرفِ النَّسبِ وفضيلةِ الآباءِ، ويقصِّرَ في العَمَلِ، فمن أخَّرَه العَمَلُ لم ينفعْهُ النَّسَبُ.

الشرح الإجمالي للحديث

أفاد هذا الحديثُ الشريفُ أنَّ من فرَّج كربةً عن مسلمٍ، أو سهَّلَ أمرًا متعسِّرًا عليه، أو سَتَر عليه هفوةً أو زلةً، فإن الله يجازيه من جنْسِ أعمالهِ التي نفعَهُ بها، وأنَّ الله تعالى يعين العبْدَ بتوفيقهِ في دنياه وآخرتهِ حينما يُساعِدُ أخاه المسلمَ على أمورِهِ الشاقَّةِ.

وأنَّ من سلك طريقًا حسِّيًّا، كالمشيِ إلى مجالسِ الذكرِ أو مجالسِ العلماءِ الثِّقاتِ يريد التعلُّمَ، وسلك الطريقَ المعنويَّ المؤديَّ إلى حصولِ هذا العلمِ، كمذاكرتهِ ومطالعتهِ وتفكُّرِه وتفهُّمِهِ لما يُلقى عليه من العُلومِ النَّافعةِ وغيرِ ذلك، فمن سلك هذا الطريقَ بنيَّةٍ صالحةٍ صادقةٍ وفَّقَهُ الله للعِلْمِ النَّافعِ المؤدِّي إلى الجنةِ.

وأن المجتمعين في بيتٍ من بيوتِ الله لتلاوةِ القرآنِ العزيزِ ومدارستهِ يُعطيهِم الله من الطُّمأنينةِ وشمولِ الرَّحمةِ وحُضُورِ الملائكةِ والثناءِ عليهم من الله في الملأِ الأعلى، وأن الشَّرَفَّ كلَّ الشَّرفِ بالأعْمالِ الصَّالحةِ، لا بالأنسابِ والأحْسابِ.

فوائد الحديث

1- الجزاءُ من جنسِ العملِ، وهذا من كمالِ عَدْلِ الله عزوجل، غير أن الثوابَ -لسِعَةِ فضلِ الله تعالى- أعظمُ من العَمَلِ، فالحَسَنةُ بعشرِ أمثالها إلى سبعمائةِ ضعفٍ، فإذا نفَّسَ العبدُ عن أخيه كربةً من كُرَبِ الدُّنيا، كان ثوابُهُ أعْظمَ من عملِهِ، فينفِّسُ الله تعالى عن الإنسانِ كُرْبةً من كُرَبِ الآخِرَةِ.

2- الحثُّ على التيسيرِ على المعسِرِ، وأنه ييسر الله عليه في الدُّنيا والآخرةِ، والمعسِرُ تارةً يكون معسِرًا بحقٍّ خاصٍّ لك، وتارةً يكونُ معسِرًا بحقٍّ لغيرك، والحديثُ يشملُ الأمرينِ.

3- الحثُّ على السِّترِ على المسْلمِ، ولكن دلَّتْ أصولُ الشَّرعِ على أن هذا مقيَّدٌ بما إذا كان السِّترُ خيرًا.

4- الحثُّ على عَوْنِ إخوانه من المسلمين في كلِّ ما يحتاجون إلى العَوْنِ فيه، ولكن هذا مقيَّدٌ بما إذا كان على برٍّ وتقوى، لقول الله تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُواْ عَلَى ٱلۡبِرِّ وَٱلتَّقۡوَىٰۖ﴾ (المائدة: 2).

أما على غيرِ البرِّ والتقوى، فيُنظرُ: إن كان على إثمٍ فالعَوْنُ حرامٌ، لقوله تعالى: ﴿وَلَا تَعَاوَنُواْ عَلَى ٱلۡإِثۡمِ وَٱلۡعُدۡوَٰنِۚ﴾ (المائدة: 2).

وإن كان على شيءٍ مباحٍ، فإن كان فيه مصلحةٌ للمُعانِ فهذا من الإحسانِ، وهو داخلٌ في عمومِ قولِ الله تعالى: ﴿ وَّأَحۡسَنُواْۚ وَٱللَّهُ يُحِبُّ ٱلۡمُحۡسِنِينَ﴾ (المائدة: 93) وإن لم يكن فيه مصلحةٌ للمُعان فإن معونتَهُ إيَّاه أن ينصحَهُ، وأن يقُولَ: تجنَّبَ هذا، ولا خيرَ لك فيه.

-5 الحثُّ على سُلوكِ الطُّرُقِ الموصلةِ للعلْمِ، وذلك بالترْغيبِ فيما ذُكِرَ من ثوابهِ.

-6أنه ينبغي للإنسانِ ألا يغترَّ بنَسَبهِ، وأن يهتمَّ بعَمَلهِ الصَّالحِ حتى ينالَ به الدَّرَجاتِ العُلى، فالنَّسبُ لا ينفعُ صاحبَهُ إذا أخَّره عن صَالحِ الأعْمالِ؛ لقوله تعالى: إِنَّ أَكۡرَمَكُمۡ عِندَ ٱللَّهِ أَتۡقَىٰكُمۡۚ﴾ (الحجرات: 13).

فهذا أبو لهب عمُّ رسولِ الله ﷺ ، صاحبُ النسبِ الشريفِ، لم ينفعه نسبُهُ مع كفره، فكان في النارِ، خالدا فيها.

وهذان بلالٌ الحبشيُّ وصهيبٌ الرُّومي رضي الله عنهما نالا المنازِلَ العُلى، ولا نسبَ لهما.

قال ﷺ : «يَا أَيُّهَا النَّاسُ، أَلَا إِنَّ رَبَّكُمْ وَاحِدٌ، وَإِنَّ أَبَاكُمْ وَاحِدٌ، أَلَا لَا فَضْلَ لِعَرَبِىٍّ عَلَى أَعْجَمِىٍّ، وَلَا لِعَجَمِىٍّ عَلَى عَرَبِىٍّ، وَلَا لأَحْمَرَ عَلَى أَسْوَدَ، وَلَا أَسْوَدَ عَلَى أَحْمَرَ، إِلَّا بِالتَّقْوَى». أخرجه أحمد، وصححه الأرناؤوط.

نشاط

1- بيِّنْ مسيسَ حاجةِ المجتمعِ المسلمِ لما يفيدُه هذا الحديثُ.

2- اكتب في فضلِ تلاوةِ كتابِ الله وتدارُسِهِ في بيوتِ الله تعالى.

3- في ذمِّ العنصريةِ والقبليةِ المقِيتةِ، اكتب بحثًا مُدعَّمًا بالنُّصُوصِ من الكتابِ والسنةِ.

الحديث العشرون

عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ السَّاعِدِيِّ رضي الله عنه قَالَ: أَتَى النَّبِيَّ ﷺ رَجُلٌ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، دُلَّنِي عَلَى عَمَلٍ، إِذَا أَنَا عَمِلْتُهُ أَحَبَّنِي اللَّهُ وَأَحَبَّنِي النَّاسُ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ :«ازْهَدْ فِي الدُّنْيَا يُحِبَّكَ اللَّهُ، وَازْهَدْ فِيمَا فِي أَيْدِي النَّاسِ يُحِبَّكَ النَّاسُ». أخرجه أحمد وابن ماجه، وصحَّحه الألباني.

راوي الحديث

سهلُ بنُ سعدٍ بن مالكٍ الأنصاريُّ الساعديُّ‏، عاش سهْلٌ وطال عُمُرُه، حتى أدركَ الحجَّاجَ بنَ يوسفَ، وامتُحِنَ معه، قال رضي الله عنه: شهِدْتُ المُتلاعِنَـيْنِ عند رسولِ الله ِ ﷺ ، وأنا ابنُ خمسَ عشرةَ سنةً، روى عدةَ أحاديثَ، توفي عام 88هـ .

شرح المفردات

(دلَّني على عملٍ) أي: جامعٍ نافعٍ في بابِ المحبَّةِ.

(ازهدْ في الدُّنيا) الزُّهدُ لغةً: ضد الرَّغْبةِ، والشيءُ الزهيدُ هو القليلُ، قال عزوجل: ﴿وَشَرَوۡهُ بِثَمَنِۭ بَخۡسٖ دَرَٰهِمَ مَعۡدُودَةٖ وَكَانُواْ فِيهِ مِنَ ٱلزَّٰهِدِينَ﴾ (يوسف: 20).

وأما الزُّهدُ شرعًا: فقد كثُرَت تعاريفُهُ، فقيل: «هو أنْ يخلوَ قلبُكَ مما خَلَتْ منه يدُكَ».

وقيل «تركُ ما لا ينفَعُ في الآخِرَةِ»، وهذا هو تعريفُ شيخِ الإسلامِ، وهو أفْضلُها.

فقوله: «ازهدْ في الدُّنيا» أي: بتركِ حُبِّها، والإعْراضِ عن زوائدِها، والإقبالِ على الآخرةِ وعوائدِها.

(يحبَّك الله) أي: لزُهدِك فيها، وعدمِ الانشغالِ بها.

(وازهدْ فيما عندَ الناسِ) أي: من المالِ والجاهِ.

(يحبَّك الناسُ) لتركِكَ محبُوبَهُم، وعدمِ المزاحمةِ على مطلوبِهِم.

الحديث العشرون: «ازهد في الدنيا...»

الشرح الإجمالي للحديث

هذا الحديثُ يرشِدُ إلى الزُّهْدِ في الدُّنيا وتركِ المكاثرةِ فيها، والرَّغْبةِ في الآخرةِ والمتاجرةِ فيها، وألا يأخذَ الإنسانُ من الدُّنيا إلا ما ينفعُهُ في الآخرةِ، وألا يتطلعَ لما في أيْدِي النَّاسِ، ويرغبُ عنه، فيحبُّوه.

دوافعُ الزُّهدِ في الدُّنيا:

الأولُ: قوةُ الإيمانِ والمراقبةُ.

الثاني: معرفةُ دناءةِ الدُّنيا وخِسَّةِ شُرَكائِها.

الثالثُ: معرفةُ ما في الإقبالِ عليها من النَّصَبِ والتَّعَبِ والمشَاقِّ.

الرَّابعُ: معرفةُ أنَّ نعيمَها غرورٌ باطلٌ ولعِبٌ ولهْوٌ.

فوائد الحديث

1- أن الزُّهدَ أعْلى المقاماتِ وأفضلُها؛ لأنَّ النبيَّ ﷺ جعله سببًا لمحبَّةِ الله تعالى، وأنَّ محِبَّ الدُّنيا متعرِّضٌ لبُغْضِ الله ِسبحانه وتعالى.

علاماتُ الزُّهْدِ الحقيقيِّ:

الأولُ: أن يكون العبدُ بما في يدِ الله أوثقَ منه بما في يدِ نفسِه. قال الحسنُ رحمه الله: «إنَّ من ضَعْفِ يقِينك أن تكونَ بما في يَدِك أوثقَ منك بما في يدِ الله عزوجل».

الثاني: أن يكون العبدُ إذا أصيبَ بمصيبةٍ في دنياه من ذهابِ مالٍ أو ولدٍ، أو غيرِ ذلك، أرغبَ في ثوابِ ذلك عِنْدَ الله تعالى مما ذهَبَ.

الثالثُ: أن يستوِيَ عندَ العبْدِ حامِدُهُ وذامُّهُ في الحقِّ؛ لأنَّ من عَظُمت الدُّنيا عنده أحبَّ المدحَ وكرِهَ الذمَّ، فربما حَمَله ذلك على ترْكِ كثيرٍ من الحقِّ خشْيةَ الذَّمَّ، وعلى فِعْلِ كثيرٍ من الباطلِ رجاءَ المدْحِ.

2- إثباتُ محبَّةِ الله ِعزوجل، وأن الله تعالى يحبُّ عبادَه محبةً حقيقيةً.

3- أن الإنسانَ لا حرجَ عليه أن يطلبَ محبَّةَ النَّاسِ، وأن يسعى إلى ذلك بشتَّى السُّبُل، ومن ذلك الزُّهدُ عمَّا في أيدِيهم، والإحسانُ إليهم ونفعُهُم، وهو مع ذلك مخلصٌ ﷲِ تعالى.

ليس من الزهدِ أن يكون الرَّجُلُ أشعثَ أغبرَ، لا يهتمُّ بما يلبسُ، ففي الحديثِ قال ﷺ : «لا يدخلُ الجنَّة من كان في قلبهِ مِثقالُ ذرَّةٍ من كِبْرٍ». قال رجلٌ: يا رسولَ الله، إني أحبُّ أن يكونَ ثوبي نظيفًا ونعلي نظيفةً، أذاك من الكِبْرِ! قال: «لا، الكِبْرُ بَطَرُ الحقِّ وغَمْطُ الناسِ». أخرجه مسلم.

زهدُ النَّفْسِ:

وذلك بعدم عُجْبِ المرءِ بنفسه، فيظنُّ أنه سيخرِقُ الأرضَ، أو يبلغُ الجبالَ طولًا، فيتكبَّرُ بمنصبِهِ، أو بما أعطاهُ الله من صُورةٍ كريمةٍ، وإنما يتواضعُ ويخفِضُ جناحَهُ للمؤمنين، كما أمر الله نبيَّهُ ﷺ : ﴿وَٱخۡفِضۡ جَنَاحَكَ لِلۡمُؤۡمِنِينَ﴾ (الحجر: 88).

نشاط

1- وضح حقيقةَ الزُّهدِ، وما الفرقُ بينه وبين الورعِ، وأيهما أعظمُ؟ معلِّلًا.

2- اكتب بحثًا في ثبوتِ صفةِ المحبةِ ﷲِ تعالى.

3- وجِّهْ لتطبيقٍ عمليٍّ للزهدِ في النفسِ، وهل من الزهدِ تركُ حُسنِ الثيابِ؟

الحديث الحادي والعشرون

عَنْ أَبِي هُرَيْرَة رضي الله عنه أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ قَالَ: «إِذَا مَاتَ الْإِنْسَانُ انْقَطَعَ عَنْهُ عَمَلُهُ إِلَّا مِنْ ثَلَاثَةٍ: إِلَّا مِنْ صَدَقَةٍ جَارِيَةٍ، أَوْ عِلْمٍ يُنْتَفَعُ بِهِ، أَوْ وَلَدٍ صَالِحٍ يَدْعُو لَهُ». رواه مُسْلمٌ.

شرح المفردات

(إِذَا مَاتَ الْإِنْسَانُ انْقَطَعَ عَنْهُ عَمَلُهُ) قال العلماءُ: معنى الحديثِ أن عَمَلَ الميِّتِ ينقطعُ بموتهِ، وينقطِعُ تجدُّدُ الثوابِ له، إلا في هذه الأشياءِ الثلاثةِ لكونه كان سببَهَا، فإنَّ الولدَ من كسْبهِ، وكذلك العِلمُ الذي خلَّفَهُ من تعْليمٍ أو تصْنيفٍ، وكذلك الصَّدَقةُ الجاريةُ.

(صَدَقَةٍ جَارِيَةٍ) أي: المستمرِّ نفعُها، ولها صورٌ كثيرةٌ.

الشرح الإجمالي للحديث

هذا الحديثُ يرشدُ إلى أن دارَ الدنيا جعلها الله دارَ عملٍ، يتزوَّد منها العبادُ من الخيرِ، أو الشَّرِّ، للدَّارِ الأخرى، وهي دارُ الجَزَاءِ، وسيندمُ المفرِّطون إذا انتقلوا من هذه الدَّارِ، ولم يتزوَّدُوا منها لآخرتهِم ما يسعدُهُم، وحينئذٍ لا يمكنُ الاستدراكُ، ولا يتمكَّن العبدُ أن يزيدَ في حسناته مثقالَ ذرةٍ، ولا يمحو من سيئاتهِ كذلك، وينقطعُ عملُ العبدِ إلا من هذه الأعمالِ الثلاثةِ:

الأولُ: الصدقةُ الجارية: أي: المستمرُّ نفعُها.

وذلك كوقْفِ العَقَاراتِ والكُتُبِ والمصاحِفِ والمساجِدِ والمدارِسِ وغيره، فكلُّ ذلك أجرُه يجري على العبدِ ما دامَ يُنتفعُ بشيءٍ منها.

وهذا من فَضَائلِ الوقفِ، خُصُوصًا الذي فيه الإِعانةُ على الأُمُورِ الدِّينيَّةِ، كالعِلْمِ والجِهَادِ والعِبَادةِ ونحو ذلك.

المقطع للاطلاع فقط

الثاني: العلمُ الذي ينتفع به من بعده.

كالعلمِ الذي علَّمه الطلبةَ المستعدِّين للعلم، والعلمِ الذي نشره بين الناسِ، والكتبِ التي صنَّفها في العلوم النافعة، وهكذا كل ما تسلسل الانتفاعُ بتعليمه، فإن أجره جارٍ عليه.

فكم من علماء هداةٍ ماتوا من مِئَاتِ السِّنين، وكُتُبهم يُنتفعُ بها، وتلاميذُهُم قد تسلسَلَ خيرُهُم لسنواتٍ طويلةٍ؟! وذلك فضلُ الله يؤتيه من يشاءُ.

الثَّالثُ: الوَلَدُ الصَّالحُ.

ولدُ صُلبٍ، أو ولدُ ابنٍ، أو بنْتٍ، ذَكَرٌ أو أنثى، ينتفِعُ والدُه بصَلاحِهِ ودُعَائهِ، فهو في كلِّ وقتٍ يَدْعُو لوالدَيهِ بالمغْفِرَةِ والرَّحمةِ، ورفعِ الدَّرَجاتِ، وحُصُولِ المثُوباتِ.

فوائد الحديث

1 - أنَّ أجرَ كلِّ عملٍ ينقطعُ بعد الموْتِ، إلا هذه الثلاثَ، فإنه يجري ثوابُها بعدَ الموْتِ لدَوَامِ نفعِهَا:

الأول: الصَّدقة الجارية، كالوقفِ ونحوه.

الثاني: العلمُ النافعُ، كالتعليم والتصنيف.

الثالث: دعاءُ الولدِ الصالحِ.

2 - أن هذه الثلاثَ المذكورةَ في هذا الحديثِ هي مضمونُ قولهِ تعالى: ﴿إِنَّا نَحۡنُ نُحۡيِ ٱلۡمَوۡتَىٰ وَنَكۡتُبُ مَا قَدَّمُواْ وَءَاثَٰرَهُمۡۚ ﴾ (يس: 12) فما قدَّمُوا: هو ما باشرُوه من الأعْمالِ الحَسَنةِ أو السَّيئةِ، وآثارُهُم ما ترتَّبَ على أعْمالهم، مما عمله غيرُهُم، بسببِ دعْوتهِم أو نُصْحِهِم أو عِلْمِهِم المنتشرِ بين المسلمين، كالعلماءِ الذين ماتوا، وتركوا علمًا ينتفعُ به.

وقد يجتمعُ للعبدِ في شيءٍ واحدٍ عدَّةُ منافعَ، كالولدِ الصالحِ العالمِ الذي سعى أبوه في تعليمهِ، والمديم على الدعاء لوالده.

في الحديثِ: أن أفضلَ ما يقدَّم للمَيِّتِ هو الدُّعاءُ، وليس الصَّلاةُ عنه أو الصَّومُ، أو قراءةُ القرآنِ وإهداءُ ثوابِها له، ونحوُه من الأعمالِ الصَّالحةِ؛ لأنَّ النبيَّ ﷺ بيَّن في سِيَاقِ الحديثِ عن العَمَلِ أنَّ أفضلَ ما ينتفع به الميِّتُ هو الدُّعاءُ له.

3 - أن أفضلَ هذه الثلاث العلمُ الذي ينتفعُ به، فأبو هريرةَ رضي الله عنه، كان فقِيرًا، وكان يسقُطُ على الأرضِ من شدَّةِ الجُوعِ، ومع ذلك فإنه من أكثرِ الصَّحَابةِ رضي الله عنهم نفعًا لهذه الأُمَّةِ، فهو الذي نقلَ لنا هذه الأحاديثَ، وهي صدقةٌ جاريةٌ إذا ما قُورنِت بأيِّ صَدَقاتٍ أخرى في عهده، وما زلنا نتعلَّمُ من شيخِ الإسلامِ وغيرِه وَهُم في قُبُورِهِم؛ لأن كتُبَهم بين أيدينا، بخلافِ أكبرِ خليفةٍ أو تاجرٍ ممن سبق، فلم يصلْ خيرُهم إلينا اليومَ، فالصَّدَقةُ الجارِيةُ قد تتعثَّرُ، والوَلدُ الصَّالحُ قد يمُوتُ، لكنَّ العلمَ النافعَ الذي ينتفع به المسلمون باقٍ إلى ما شاء الله، فالعلمُ لا يَعدِلُه شيءٌ كما قال الإمامُ أحمدُ رحمه الله لمن صحَّت نيتُهُ.

4- أنَّ عَمَلَ ابنِ آدَمَ ينقطِعُ بعْدَ الموْتِ، لقوله تعالى: ﴿وَأَن لَّيۡسَ لِلۡإِنسَٰنِ إِلَّا مَا سَعَىٰ﴾ (النجم: 39) باستثناء هذه الثلاث المذكورةِ في الحديثِ.

-5 يُستدلُّ بهذا الحديثِ على التَّرغيبِ في التزوُّجِ الذي من ثمراتهِ حُصُولُ الأولادِ الصالحين، وغيرُها من المصالحِ، كصَلاحِ الزَّوْجةِ وتعليمِها ما تنتفعُ به، وتنفعُ غَيْرَها.

نشاط

1- وضِّحْ أفضلَ الأعمالِ الثلاثةِ الواردةِ في الحديثِ، معلِّلًا ذلك.

2- مات رجلٌ، وأراد أولادُه أن يصلُّوا ويصوموا عنه، فبِمَ تنصحُهُم؟ استند للحديثِ.

3- كيف نستدلُّ بالحديثِ على أهميةِ البحثِ عن زوجةٍ صالحةٍ؟

المصادر

شرح صحيح البخاري لأبي الحسن علي بن خلف بن بطال القرطبي.

فتح الباري شرح صحيح البخاري للحافظ ابن حجر العسقلاني.

إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري لشهاب الدين أحمد بن محمد الخطيب القسطلاني.

شرح النووي على مسلم لمحيي الدين يحيى بن شرف النووي.

الإفصاح عن معاني الصحاح لمحمد بن هبيرة الذهلي الشيباني.

إكمال المعلم بفوائد مسلم للقاضي عياض بن موسى اليحصبي.

تحفة الأبرار شرح مصابيح السنة للقاضي ناصر الدين عبدالله بن عمر البيضاوي.

التوضيح لشرح الجامع الصحيح لعمر بن علي بن أحمد الأنصاري ابن الملقن.

شرح المشكاة للطيبي الكاشف عن حقائق السنن للحسين بن عبدالله الطيبي.

مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح للملا علي القاري.

فيض القدير لعبدالرؤوف بن تاج العارفين بن زين العابدين المناوي.

جامع العلوم والحِكَم لعبدالرحمن بن أحمد بن رجب الحنبلي.

التحفة الربانية في شرح الأربعين حديثًا النووية لإسماعيل بن محمد بن ماحي السعدي الأنصاري.

التنبيهات اللطيفة على ما احتوت عليه العقيدة الواسطية من المباحث المنيفة لعبدالرحمن ابن ناصر السعدي.

تيسير العزيز الحميد في شرح كتاب التوحيد الذي هو حق الله على العبيد لسليمان بن عبدالله بن محمد بن عبدالوهاب.

فتح المجيد شرح كتاب التوحيد لعبدالرحمن بن ناصر السعدي.

شرح الأربعين النووية لمحمد بن صالح العثيمين.

شرح رياض الصالحين لمحمد بن صالح العثيمين.

عشرون حديثًا من صحيح البخاري دراسة أسانيدها وشرح متونها لعبدالمحسن العباد.

صحيح البخاري، شرح وتعليق د. مصطفى ديب البغا.

والله وليُّ التوفيق

المصادر

فهرس المحاضرات

رقم المحاضرة

بداية المحاضرة

رقم الصفحة التي تبدأ منها المحاضرة

أسبوع إلقاء المحاضرة

الحديث الأول

الأسبوع الأول

الحديث الثاني

الأسبوع الأول

الحديث الثالث

الأسبوع الثاني

الحديث الرابع

الأسبوع الثاني

الحديث الخامس

الأسبوع الثالث

الحديث السادس

الأسبوع الثالث

الحديث السابع

الأسبوع الرابع

الحديث الثامن

الأسبوع الرابع

الحديث التاسع

الأسبوع الخامس

الحديث العاشر

الأسبوع الخامس

الحديث الحادي عشر

الأسبوع السادس

الحديث الثاني عشر

الأسبوع السادس

الحديث الثالث عشر

الأسبوع السابع

الحديث الرابع عشر

الأسبوع السابع

الحديث الخامس عشر

الأسبوع الثامن

الشرح الإجمالي للحديث

الأسبوع الثامن

الحديث السادس عشر

الأسبوع التاسع

الحديث السابع عشر

الأسبوع التاسع

الحديث الثامن عشر

الأسبوع العاشر

الحديث التاسع عشر

الأسبوع العاشر

الشرح الإجمالي للحديث

الأسبوع الحادي عشر

الحديث العشرون

الأسبوع الحادي عشر

الحديث الحادي والعشرون

الأسبوع الثاني عشر

(مراجعة)

الأسبوع الثاني عشر

فهرس المحاضرات

فهرس المحتويات

الحَدِيث (1): (مَنْ عَادَى لِي وَلِيًّا فَقَدْ آذَنْتُهُ بِالحَرْبِ...)

ولايَةُ اللهِ عزوجل نَوْعانِ: عامَّةٌ وخاصَّة

الحَدِيث (2): (أَمَا وَاللَّهِ إِنِّي لَأَخْشَاكُمْ لِلَّهِ وَأَتْقَاكُمْ لَهُ...)

الرَّدُّ عَلى منْعِ اسْتِعْمالِ المُباحاتِ وَالحَلالِ

الْغُلوُّ في الدِّينِ

الحَدِيث (3): (مَثَلِي وَمَثَلُكُمْ كَمَثَلِ رَجُلٍ أَوْقَدَ نَارًا...)

الإِنْسانُ إِلَى النَّذِيرِ أحْوجُ منْهُ إِلى البَشِير

الحَدِيث (4): ( يَأْتِي عَلَى النَّاسِ زَمَانٌ...)

صِفاتُ الَّذينَ غَبطَهُمُ النَّبيُّ ﷺ في آخِرِ الزَّمانِ

الحَدِيث (5): (أَرَأَيْتَ إِذَا صَلَّيْتُ الصَّلَوَاتِ الْمَكْتُوبَاتِ...)

الحَدِيث (6): (الصَّلَوَاتُ الْخَمْسُ، وَالْجُمْعَةُ إِلَى الْجُمْعَةِ...)

معْنَى الْكَبِيرَةِ، ومَذْهَبُ أهْلِ السُّنَّةِ في مُرْتَكِبِها

الحَدِيث (7): (يَا مَعْشَرَ الشَّبَابِ...)

فَضْلُ النَّاكِحِ الَّذي يَنْكِحُ لِيُعفَّ نَفْسَهُ

الحَدِيث (8): (إِنَّ الدُّنْيَا حُلْوَةٌ خَضِرَةٌ...)

التَّحْذيرُ مِن الاغْترارِ بالدُّنْيا، والمَيْلِ إلى النِّساءِ

الحَدِيث (9): (كُنْ فِي الدُّنْيَا كَأَنَّكَ غَرِيبٌ...)

الحَدِيث (10): (حُفَّتِ الْجَنَّةُ بِالْمَكَارِهِ...)

الجَنَّةُ والنَّارُ مَخْلُوقَتانِ مَوْجُودَتانِ الآنَ

الحَدِيث (11): (قَدْ أَفْلَحَ مَنْ أَسْلَمَ...)

فَضِيلَةُ الْكَفافِ

الحَدِيث (12): (مَنْ يُرِدِ اللَّهُ بِهِ خَيْرًا يُفَقِّهْهُ فِي الدِّينِ...)

التَّكَنِّي بِأبِي الْقاسِمِ

الْعِلْمُ الشَّرْعِيُّ قِسْمانِ: (فَرْضُ عَيْنٍ- فَرْضُ كِفَايَةٍ)

وَجْهُ خَيْرِيَّةِ الفِقْهِ في الدِّينِ إِذا لازَمَهُ الْعَمَلُ

الحَدِيث (13): (مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا سَيُكَلِّمُهُ اللهُ...)

الإِنْسانُ يَرى عَمَلَهُ يوْمَ الْقِيامَةِ

الْكَلِمَةُ الطَّيِّبةُ سَبَبٌ لِلنَّجاةِ مِنَ النَّارِ

الحَدِيث (14): (إِنَّ بِكُلِّ تَسْبِيحَةٍ صَدَقَةً...)

الصَّدقاتُ الَّتي أرْشَدَ النَّبيُّ ﷺ الفُقَراءَ إِلَى الإِتْيانِ بِها قِسْمانِ

الْقِياسُ حُجَّةٌ

الحَدِيث (15): (الطُّهُورُ شَطْرُ الْإِيمَانِ...)

الإِيمانُ يَتَبعَّضُ، فبَعْضُهُ فِعْلٌ، وَبَعْضُهُ تَرْكٌ

إِثْباتُ الْمِيزَانِ، وَهَلْ هوَ حِسِّيٌّ أوْ مَعْنَوِيّ؟

الحَدِيث (16): (كُلُّ سُلامَى مِنَ النَّاسِ عَلَيْهِ صَدَقَةٌ...)

المُداوَمَةُ عَلى صَلاةِ رَكْعَتَي الضُّحَى

الحَدِيث (17): (دَعْ مَا يَرِيبُكَ إِلَى مَا لَا يَرِيبُكَ...)

الحَدِيث (18): (مَنْ أَحَبَّ أَنْ يُبْسَطَ لَهُ فِي رِزْقِهِ...)

قاطِعُ الرَّحِمِ مَلْعونٌ فِي كِتابِ اللهِ تَعالى

كَيْفَ يُؤخَّرُ في عُمرِ الشَّخْصِ إذا وَصَلَ رحِمَه؟

الحَدِيث (19): (مَنْ نَفَّسَ عَنْ مُؤْمِنٍ كُرْبَةً...)

الجَزاءُ مِنْ جِنْسِ العَمَل

يَنْبَغِي لِلإنْسانِ ألَّا يَغْتَرَّ بِنَسَبِهِ

الحَدِيث (20): (ازْهَدْ فِي الدُّنْيَا يُحِبَّكَ الله...)

دَوافِعُ الزُّهْدِ في الدُّنْيا

الحَدِيث (21): (إِذَا مَاتَ الْإِنْسَانُ انْقَطَعَ عَنْهُ عَمَلُهُ إِلَّا مِنْ ثَلَاثَةٍ...)

أفْضَلُ مَا يُقَدَّمُ لِلمَيِّتِ