مجموعة زاد السیرة النبوية (4)
هذا الكتاب تم إعداده من قبل قسم المحتوى التعليمي بقناة زاد العلمية لصالح برنامج أكاديمية زاد مع مؤسسة International Islamic Academy Online Inc و ذلك بهدف تقريب العلم الشرعي للراغبين فيه عن طريق الإنترنت و عن طريقِ قناةٍ تلفزيونية خاصة سعيا لتحقيق المقصد الأساس الذي هو نشر و ترسيخ العلم الشرعي الرصين، المبني على أسسٍ علميةٍ صحيحةٍ، وفقَ معتقدٍ سليمٍ، قائمٍ على كتاب الله و سنةِ رسوله - صلى الله عليه وسلم - بشكلٍ عصري ميسرٍ. ويحتوي هذا الكتاب على بيان جملةٍ وافيةٍ من مواقفه وأحواله ﷺ، وبيان هديه وسنته ﷺ في كثيرٍ من أمور الحياة، فيعرض لكلامه ﷺ، وما يحبه وما يبغضه، وحُزنه وضَحكه، وغضبه وفرحه، وتفكره وهمومه ﷺ، مع عرض المحتوى بشكلٍ لطيفٍ مختصر، وذكر لطائف وفوائد من كلام العلماء في كل بابٍ بحسبه.
السيرة النبوية (4)
سلسلة زاد العلمية:
سلسلة متكاملة تهدف إلى تقريب العلم الشرعي للراغبين فيه، وتوعية المسلم بما لا يسعه جهله من دينه، ونشرُ العلم الشرعي الرصين، القائم على كتابِ اللهِ وسنّةِ رسوله ﷺ، صافيًا نقيًّا، وبطرحٍ عصريٍّ مُيسّرٍ، وبإخراجٍ احترافيِّ.
كتاب السيرة النبوية (4) مواقف النبوي ﷺ وأحواله:
يحتوي هذا الكتاب على بيان جملةٍ وافيةٍ من مواقفه وأحواله ﷺ، وبيان هديه وسنته ﷺ في كثيرٍ من أمور الحياة، فيعرض لكلامه ﷺ، وما يحبه وما يبغضه، وحُزنه وضَحكه، وغضبه وفرحه، وتفكره وهمومه ﷺ، مع عرض المحتوى بشكلٍ لطيفٍ مختصر، وذكر لطائف وفوائد من كلام العلماء في كل بابٍ بحسبه.
السيرة النبوية (4) مواقف النبي ﷺ وأحواله
إعداد مجموعة زاد
الإصدار الأول
جميع الحقوق محفوظة. ولا يسمح بإعادة إصدار هذا الكتاب أو نقله في أي شكل أو واسطة، سواء أكانت إلكترونية أو ميكانيكيـــة، بما في ذلك التصوير بالنسخ (فوتوكوبي)، أو التسجيل، أو التخزين والاسترجاع، دون إذن خطي من الناشر.
كلمة الناشر
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد.
فإن العلم الشرعي من أهم الضرورات التي يحتاجها المسلمُ في حياته، وتحتاجُها الأمةُ كلُّها في مَسيرتِها الحضاريةِ؛ لذا جاءت النصوص الشرعية في الإعلاء من شأنه وشأنِ حامِليه، قال تعالى: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالقِسطِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ﴾ (آل عمران: ١٨) قال الشوكاني رحمه الله: «المرادُ بأولي العلمِ هنا علماءُ الكتابِ والسُّنةِ»، وقال تعالى: ﴿وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا ﴾ (طه: ١١٤)، وفي الحديث: «من سلك طريقًا يلتمس فيه علمًا سهل ﷲ له به طريقًا إلى الجنة» رواه مسلم.
وتأتي هذه السلسلة العلمية خدمة للمجتمع، بهدف إيصال العلم الشرعي إلى الناسِ بشتّى الطُّرُقِ، وتيسير سبلهِ، وتقريبه للراغبين فيه، ونرجو أن تكون رافدة ومعينة للبرامج العلمية والقراءة الذاتية وعونًا لمن يبتغي التزود من العلم والثقافة الشرعية، سعيًا لتحقيق المقصد الأساسِ الذي هو نشرُ وترسيخُ العلمِ الشرعي الرصينِ، المبني على أسسٍ علميةٍ صحيحةٍ، وفقَ معتقدٍ سليمٍ، قائمٍ على كتابِ اﷲِ وسنةِ رسوله صلى الله عليه وسلم، بشكلٍ عصريٍّ ميسَّرٍ، فنسأل ﷲ تعالى للجميع العلم النافع والعمل الصالح والتوفيق والسداد والإخلاص.
الـمحتويات
مَواقِفُ وَأَحْوالُ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم
1- كلامه صلى الله عليه وسلم
2- ما يحبه صلى الله عليه وسلم
3- ما يبغضه صلى الله عليه وسلم
4- بكاؤه صلى الله عليه وسلم
5- ضحكه صلى الله عليه وسلم
6- غضبه صلى الله عليه وسلم
7- فرحه صلى الله عليه وسلم
8- تفكُّره صلى الله عليه وسلم
9- حزنه صلى الله عليه وسلم
10- همومه صلى الله عليه وسلم
11- تحفيزه صلى الله عليه وسلم
12- تعزيره صلى الله عليه وسلم
13- عتابه صلى الله عليه وسلم
بسم الله الرحمن الرحيم
الحَمْدُ لله رَبِّ العالَمِينَ، والصَّلاةُ والسَّلامُ على إِمامِ المُتَّقِينَ، وَصَفْوةِ المُرْسَلِينَ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ والتَّابِعِينَ، وَبَعْدُ؛
فَإِنَّ نَبيَّنا مُحَمَّدًا صلى الله عليه وسلم أَكْمَلُ الخَلْقِ وَأَفْضَلُهُمْ، وَهُوَ سَيِّدُ وَلَدِ آدَمَ وَلا فَخْرَ.
أَوْجَبَ ﷲ سبحانه وتعالى على المُؤْمنِينَ طاعَتَهُ، والِاقْتِداءَ بِهَدْيِهِ، واتِّباعَ سُنَّتِهِ، وَتَوْقِيرَهَ، وَمَحَبَّتَهُ فَوْقَ مَحَبَّةِ الآباءِ والأَبْناءِ والأَزْواجِ والعَشِيرَةِ، والتِّجارَةِ والأَمْوالِ.
وَفي هَذا المستوى سَنَقِفُ على شَيْءٍ منْ أَخْبارِ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم، فيما يُحِبُّ، وَفيما يُبْغِضُ، والمَواقِفِ التي فَرِحَ فيها، أَوْ حَزِنَ فيها، أَوْ ضَحِكَ فيها، أَوْ بَكَى فيَها، أَوْ غَضِبَ فيها، أَوْ سَكَتَ فيها، وَمُعاتَباتِهِ وَتَعْزِيراتِهِ... وَغَيْرِ ذَلِكَ منَ المَواقِفِ والأَحْوالِ النَّبَوِيَّةِ.
وَهَذا لِأَمْرَيْنِ:
الأَوَّلُ: لِأَنَّ اﷲَ تعالى أَمَرَنا أَنْ نَجْعَلَ منْ نَبيِّنا ﷺ أُسْوَةً لَنا، وَذَلِكَ لا يُمْكِنُ أَنْ يَتَحَقَّقَ إِلَّا بِالإِلْمامِ بِمِثْلِ هَذِهِ الجَوانِبِ.
الثَّانِي: هَذِهِ الحْمْلَةُ الشَّرِسَةُ التي أَضْرَمَ الغَرْبُ نارَها، في الإِساءَةِ لِلنَّبيِّ صلى الله عليه وسلم، فَقَدْ أَصْبَحْنا بينَ الفَيْنَةِ والأُخْرَى نَسْمَعُ بِمَنْ يُسِيءُ إلى نَبيِّنا ﷺ، وَلا يَضُرُّهُ ذَلِكَ، فَقَدْ قال ﷲ تعالى: ﴿إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ ﴾ (الحجر: 95).
قالَ السَّعْدِيُّ رحمه الله: «بِكَ وَبِما جِئْتَ بِهِ، وَهَذا وَعْدٌ منَ ﷲ لِرسولِهِ ﷺ، أَلَّا يَضُرَّهُ المُسْتَهْزِئُونَ، وَأَنْ يَكْفيَهُ ﷲ إِيَّاهُمْ بِما شاءَ منْ أَنْواعِ العُقُوبَةِ، وَقَدْ فَعَلَ تعالى؛ فَإِنَّهُ ما تَظاهَرَ أَحَدٌ بِالِاسْتِهْزاءِ بِرسولِ ﷲ ﷺ وَبِما جاءَ بِهِ إِلَّا أَهْلَكَهُ ﷲ وَقَتَلَهُ شَرَّ قِتْلَةٍ».
كَلامُهُ صلى الله عليه وسلم
كانَ كَلامُهُ صلى الله عليه وسلم أَطْيَبَ الكَلامِ، يَدْخُلُ قَلْبَ السَّامِعِ فَيُؤَثِّرُ فيهِ، وَكَمْ منْ مُغَرَّرٍ بِهِ حَمَلَتْهُ افْتِراءاتُ المُشْرِكِينَ على كُرْهِهِ ﷺبِغَيْرِ لِقاءٍ؛ فَما هُوَ إِلَّا أَنْ يُقابِلَ النَّبيَّ ﷺ وَيَسْمَعَ كَلامَهُ حَتَّى يُسْلِمَ منْ فَوْرِهِ؛ تَأَثُّرًا بِطِيبِ قولِهِ ﷺ، كَما حَدَثَ مَعَ الطُّفَيْلِ بْنِ عَمْرٍو الدَّوْسِيِّ رضي الله عنه.
قالَ ابْنُ إسْحاقَ: «وَكانَ الطُّفَيْلُ بْنُ عَمْرٍو الدَّوْسِيُّ يُحَدِّثُ أَنَّهُ قَدِمَ مَكَّةَ، وَرسولُ ﷲ صلى الله عليه وسلم بِها، فَمَشَى إِلَيْهِ رِجالٌ منْ قُرَيْشٍ، وَكانَ الطُّفَيْلُ رَجُلًا شَرِيفًا شاعِرًا لَبيبًا، فَقالُوا لَهُ: يا طُفَيْلُ إِنَّكَ قَدِمْتَ بِلادَنا، وَهَذا الرَّجُلُ الذي بينَ أَظْهُرِنا قَدْ أَعْضَلَ بِنا (أَيْ: غَلَبَنا وَأَعْجَزَنا أَمْرُهُ).وَقَدْ فَرَّقَ جَماعَتَنا، وَشَتَّتْ أَمْرَنا، وَإِنَّما قولُهُ كالسِّحْرِ يُفَرِّقُ بينَ الرَّجُلِ وَبينَ أَبيهِ، وَبينَ الرَّجُلِ وَبينَ أَخِيهِ، وَبينَ الرَّجُلِ وَبينَ زَوْجَتِهِ، وَإِنَّا نَخْشَى عَلَيْكَ وَعَلَى قَوْمِكَ ما قَدْ دَخَلَ عَلَيْنا، فَلا تُكَلِّمَنَّهُ، وَلا تَسْمَعَنَّ منْهُ شَيْئًا.قالَ: فَوﷲ ما زالُوا بي حَتَّى أَجْمَعْتُ أَلَّا أَسْمَعَ منْهُ شَيْئًا، وَلا أُكَلِّمَهُ حَتَّى حَشَوْتُ في أُذُنِي حِينَ غَدَوْتُ إلى المَسْجِدِ كُرْسُفًا (أَيْ: قُطْنًا)؛ فَرَقًا منْ أَنْ يَبْلُغَنِي شَيْءٌ منْ قولِهِ، وَأَنا لا أُرِيدُ أَنْ أَسْمَعَهُ.قالَ: فَغَدَوْتُ إلى المَسْجِدِ، فَإِذا رسولُ ﷲ صلى الله عليه وسلم قائِمٌ يُصَلِّي عِنْدَ الكَعْبَةِ، فَقُمْتُ منْهُ قَرِيبًا.فَأَبَى اﷲُ إِلَّا أَنْ يُسْمِعَنِي بَعْضَ قولِهِ.فَسَمِعْتُ كَلامًا حَسَنًا، فَقُلْتُ في نَفْسِي: واثُكْلَ أُمِّي! وﷲ إِنِّي لَرَجُلٌ لَبيبٌ شاعِرٌ، ما يَخْفَى عَلَيَّ الحَسَنُ منَ القَبيحِ، فَما يَمْنَعُنِي أَنْ أَسْمَعَ منْ هَذا الرَّجُلِ ما يَقُولُ، فَإِنْ كانَ الذي يَأْتِي بِهِ حَسَنًا قَبِلْتُهُ، وَإِنْ كانَ قَبيحًا تَرَكْتُهُ.فَمَكَثْتُ حَتَّى انْصَرَفَ رسولُ ﷲ صلى الله عليه وسلم إلى بَيْتِهِ فاتَّبَعْتُهُ، حَتَّى إِذا دَخَلَ بَيْتَهُ دَخَلْتُ عَلَيْهِ.فَقُلْتُ: يا مُحَمَّدُ! إِنَّ قَوْمَكَ قالُوا لِي كَذا وَكَذا، فَوﷲ ما بَرِحُوا يُخَوِّفُونَنِي أَمْرَكَ حَتَّى سَدَدْتُ أُذُنِي بِكُرْسُفٍ؛ لِئَلَّا أَسْمَعَ قولَكَ، ثُمَّ أَبَى ﷲ إِلَّا أَنْ يُسْمِعَنِي قولَكَ، فَسَمِعْتُهُ قولًا حَسَنًا، فاعْرِضْ عَلَيَّ أَمْرَكَ.فَعَرَضَ عَلَيَّ رسولُ ﷲ صلى الله عليه وسلم الإِسْلامَ، وَتَلا عَلَيَّ القُرآنَ، فَلا وﷲ ما سَمِعْتُ قولًا قَطُّ أَحْسَنَ منْهُ، وَلا أَمْرًا أَعَدْلَ منْهُ.فَأَسْلَمْتُ، وَشَهِدْتُ شَهادَةَ الحَقِّ».
أخْرَجَهُ ابْنُ إِسْحاقَ في السِّيرَةِ.
وَفي القِصَّةِ فائِدَةٌ جَلِيلَةٌ، وَهِيَ: غَلَبَةُ القَدَرِ الإِلَهِيِّ؛ فَقَدْ جَهِدَ المُشْرِكُونَ جَهْدَهُمْ، وَصَدَّقَهُمُ الطُّفَيْلُ، وَحَشا أُذُنَه قُطْنًا، وَمَعَ كُلِّ هَذا أَبَى ﷲ إِلَّا أَنْ يَسْمَعَ الطُّفَيْلُ وَيُسْلِمَ، فَوَقَعَ الذي خافَ منْهُ المُشْرِكُونَ!
وَصَدَقَ ﷲ إِذْ يَقُولُ: ﴿وَمَكَرُوا وَمَكَرَ الله وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ ﴾ (آل عمران: 54).
تَمَهُّلُهُ صلى الله عليه وسلم في الكَلامِ
كانَ صلى الله عليه وسلم يَتَرَسَّلُ وَيَتَمَهَّلُ في كَلامِهِ، وَلَمْ يَكُنْ يُواصِلُ الكَلامَ اعْتِباطًا حَتَّى انْقِطاعِ النَّفَسِ؛ بَلْ يَتَخَيَّرُ السَّكَتاتِ المُناسِبَةَ.
كَما جاءَ عَنْ عائِشَةَ رضي الله عنها: «أَنَّ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم كانَ يُحَدِّثُ حَدِيثًا، لَوْ عَدَّهُ العادُّ لَأَحْصاهُ، وَلَمْ يَكُنْ يَسْرُدُ الحَدِيثَ كَسَرْدِكُمْ». أَخْرَجَهُ البُخارِيُّ وَمُسْلِمٌ.
وَلِلتِّرْمِذِيِّ وَحَسَّنَهُ: «كانَ يَتَكَلَّمُ بِكَلامٍ بَيِّنٍ فَصْلٍ، يَحْفَظُهُ مَنْ جَلَسَ إِلَيْهِ».
فَلَمْ يَكُنْ حَدِيثُ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم مُتَتابِعًا بِحَيْثُ يَأْتِي بَعْضُهُ إِثْرَ بَعْضٍ فَيَلْتَبِس على المُسْتَمِعِ؛ بَلْ كانَ يُفَصِّلُ كَلامَهُ فَلَوْ أَرادَ المُسْتَمِعُ عَدَّهُ أَمْكَنَهُ، فَيَتَكَلَّمُ بِكَلامٍ واضِحٍ مَفْهُومٍ، في غايَةِ الوُضُوحِ.
بَلاغَتُهُ صلى الله عليه وسلم وَإِيجازُهُ في الكَلامِ
عَنْ أَبي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه أَنَّ رسولَ ﷲ صلى الله عليه وسلم قال: «بُعِثْتُ بِجَوامِعِ الكَلِمِ». أَخْرَجَهُ البُخارِيُّ وَمُسْلِمٌ.
قالَ ابْنُ شِهابٍ: «وَبَلَغَنِي أَنَّ جَوامِعَ الكَلِمِ أَنَّ ﷲ يَجْمَعُ الأُمُورَ الكَثِيرَةَ التي كانَتْ تُكْتَبُ في الكُتُبِ قَبْلَهُ في الأَمْرِ الواحِدِ، والأَمْرَيْنِ، أَوْ نَحْو ذَلِكَ».
اخْتِيارُهُ صلى الله عليه وسلم المَدْخَلَ المُناسِبَ للمَوْضُوعِ
كانَ صلى الله عليه وسلم يَخْتارُ مَدْخَلًا مُناسِبًا يَخْدُمُ المَوْضُوعَ الذي يَتَكَلَّمُ فيهِ، فَيُقَدِّمُ بِهِ الحَدِيثَ، وَيُوَطِّئُ بِهِ الكَلامَ، كَما في حَدِيثِ بَدْءِ الدَّعْوَةِ في الصَّحِيحَيْنِ، لمَّا جَمَعَ قَوْمَهُ على الصَّفا، وَهَتَفَ بِهِمْ:
يا صَباحاه! فاجْتَمَعُوا إِلَيْهِ. فَقالَ: أَرَأَيْتَكُمْ لَوْ أَخْبَرْتُكُمْ أَنَّ خَيْلًا تَخْرُجُ بِسَفْحِ هَذا الجَبَلِ تُرِيدُ أَنْ تُغِيرَ عَلَيْكُمْ، أَكُنْتُمْ مُصَدِّقِيَّ؟ قالُوا: نَعَمْ. ما جَرَّبْنا عَلَيْكَ كَذِبًا. قالَ: فَإِنِّي نَذِيرٌ لَكُمْ بينَ يَدَيْ عَذابٍ شَدِيدٍ.
اخْتِيارُهُ صلى الله عليه وسلم ما يَلْفِتُ الِانْتِباهَ
عَنْ عَبْدِ ﷲ بْنِ مَسْعُودٍ رضي الله عنه قال: قال رسولُ ﷲ ﷺ: «ما تَعُدُّونَ الرَّقُوبَ فيكُمْ؟» قُلْنا: الذي لا يُولَدُ لَهُ. قالَ: «لَيْسَ ذاكَ بِالرَّقُوبِ، وَلَكِنَّهُ الرَّجُلُ الذي لَمْ يُقَدِّمْ منْ وَلَدِهِ شَيْئًا». قالَ: «فَما تَعُدُّونَ الصُّرَعَةَ فيكُمْ؟» قُلْنا: الذي لا يَصْرَعُهُ الرِّجالُ. قالَ: «لَيْسَ بِذَلِكَ، وَلَكِنَّهُ الذي يَمْلِكُ نَفْسَهُ عِنْدَ الغَضَبِ».
رَواهُ مُسْلِمٌ.
فَقَدْ جَذَبَ النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم بِهَذا الأُسْلُوبِ انْتِباهَ السَّامِعِينَ إِلَيْهِ، لِيُوَصِّلَ لَهُمُ المَعْلُومَةَ المُرادَ تَبْلِيغُها بيُسْرٍ وَسُهُولَةٍ، وَهُوَ أَقْوَى في جَذْبِ الِانْتِباهِ منَ الدُّخُولِ في المَوْضُوعِ مُباشَرَةً.
إِعادَتُهُ صلى الله عليه وسلم الكَلامَ ثَلاثًا
رَوَى التِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ عَنْ أَنَسٍ رضي الله عنه قال: «كانَ رسولُ ﷲ ﷺ يُعِيدُ الكَلِمَةَ ثَلاثًا لِتُعْقَلَ عَنْهُ».
وَعَنْهُ رضي الله عنه قال: أَخْرَجَهُ البُخارِيُّ. «كانَ رسولُ ﷲ ﷺ إِذا سَلَّمَ سَلَّمَ ثَلاثًا، وَإِذا تَكَلَّمَ بِكَلِمَةٍ أَعادَها ثَلاثًا».
قال الملا علي القاري: «والمراد أنه كان يكرر الكلام ثلاثًا إذا اقتضى المقام ذلك، لصعوبة المعنى، أو غرابته، أو كثرة السامعين، لا دائمًا.
فإن تكريرَ الكلامِ من غَيرِ حاجةٍ لتكريرهِ ليس من البلاغةِ، فيُحملُ الحديثُ على المواضعِ المحتاجَةِ إلى الإعادةِ، لا على أنه عادةُ النبيِّ ﷺ، وإلا لما كان لذِكْرِ عَدَدِ الثَّلاثِ في بعْضِ المواضِعِ كثيرُ فائدةٍ».
التَّكْنِيَةُ عَمَّا يُسْتَقْبَحُ ذِكْرُهُ منَ الكَلامِ
مُقْتَضَى الضَّرُورَةِ قَدْ تَحْمِلُ الإِنْسانَ على الكَلامِ عَنْ بَعْضِ الأُمُورِ الحَرِجَةِ، وَحِينَئِذٍ تَبْرُزُ أَخْلاقِيَّاتُ النَّاسِ في التَّعْبيرِ عَنْ هَذِهِ الأُمُورِ؛ إِذِ التَّعْبيرُ عَنْها يَعْكِسُ أَخْلاقِيَّاتِ المَرْءِ، وَما تَرَبَّى عَلَيْهِ منْ فَضائِلَ.
وَلِلنَّبيِّ ﷺ النَّصِيبُ الأَعْظَمُ منَ التَّعْبيرِ الرَّاقِي عَنْ مِثْلِ تِلْكَ الأُمُورِ، إِذْ يُعَبِّرُ عَنْها بِغَيْرِ أَنْ يَتَفَوَّهَ بِما يُحَرِّكُ السَّاكِنَ، أَوْ يُخْرِجُ الكامنَ.
منْ ذَلِكَ كِنايَتُهُ صلى الله عليه وسلم عَنِ الجِماعِ بِأَلْفاظٍ كَثِيرَةٍ، منْها:
العُسَيْلَةُ: عَنْ عائِشَةَ رضي الله عنها: أَنَّ امْرَأَةَ رِفاعَةَ القُرَظِيِّ جاءَتْ إلى رسولِ ﷲ ﷺ، فَقالَتْ: يا رسولَ ﷲ، إِنَّ رِفاعَةَ طَلَّقَنِي فَبَتَّ طَلاقِي، وَإِنِّي نَكَحْتُ بَعْدَهُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ الزَّبيرِ القُرَظِيَّ، وَإِنَّما مَعَهُ مِثْلُ الهُدْبَةِ، قال رسولُ ﷲ ﷺ: «لَعَلَّكِ تُرِيدِينَ أَنْ تَرْجِعِي إلى رِفاعَةَ؟ لا، حَتَّى يَذُوقَ عُسَيْلَتَكِ وَتَذُوقِي عُسَيْلَتَهُ». أَخْرَجَهُ البُخارِيُّ وَمُسْلِمٌ.
فاسْتَخْدَمَ النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم تَعْبيرَ العُسَيْلَةِ لِيُشِيرَ بِهِ إلى مُعاشَرَةِ الرَّجُلِ لِأَهْلِهِ.
المُقارَفَةُ: عَنْ أَنَسِ بْنِ مالِكٍ رضي الله عنه قال: «شَهِدْنا بِنْتَ رسولِ ﷲ ﷺ، وَرسولُ ﷲ ﷺ جالِسٌ على القَبْرِ، فَرَأَيْتُ عَيْنَيْهِ تَدْمَعانِ، فَقالَ: «هَلْ فيكُمْ منْ أَحَدٍ لَمْ يُقارِفِ اللَّيْلَةَ؟» فَقالَ أَبُو طَلْحَةَ: أَنا، قال: «فانْزِلْ في قَبْرِها»، فَنَزَلَ في قَبْرِها فَقَبَرَها». رَواهُ البُخارِيُّ.
الإِفْضاءُ: قال ﷺ: «إِنَّ منْ أَشَرِّ النَّاسِ عِنْدَ ﷲ مَنْزِلَةً يَوْمَ القِيامَةِ، الرَّجُلَ يُفْضِي إلى امْرَأَتِهِ، وَتُفْضِي إِلَيْهِ، ثُمَّ يَنْشُرُ سِرَّها». رَواهُ مُسْلِمٌ.
فَعَبَّرَ عَنِ الجِماعِ بِالإِفْضاءِ.
الفِراشُ: قال ﷺ: «إِذا دَعا الرَّجُلُ امْرَأَتَهُ إلى فِراشِهِ فَأَبَتْ، فَباتَ غَضْبانَ عَلَيْها، لَعَنَتْها المَلائِكَةُ حَتَّى تُصْبِحَ». رَواهُ البُخارِيُّ وَمُسْلِمٌ.
فالفِراشُ كِنايَةٌ عَنِ الجِماعِ.
الإِعْراسُ: كَما في قولِهِ ﷺ لِأَبي طَلْحَةَ رضي الله عنه: «أَعْرَسْتُمُ اللَّيْلَةَ؟». رَواهُ البُخارِيُّ وَمُسْلِمٌ.
عِفَّتُهُ ﷺ في الكَلامِ
كانَ النَّبيُّ ﷺ عَفيفًا في كَلامِهِ، يَبْتَعِدُ عَنِ الكَلامِ الفاحِشِ، وَهُوَ القائِلُ: «إِنَّ ﷲ لا يُحِبُّ الفُحْشَ والتَّفَحُّشَ». أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ.
والفُحْشُ: هُوَ القَبيحُ منَ القولِ والفِعْلِ.
فالمُؤْمنُ يَسْتَعْمِلُ الأَلْفاظَ التي لا تَحْتَمِلُ إِلَّا الحُسْنَ، وَيَتْرُكُ الأَلْفاظَ القَبيحَةَ، أَوِ التي فيها نَوْعُ تَشْوِيشٍ أَوِ احْتِمال لِأَمْرٍ غَيْرِ لائِقٍ.
عَنْ أَبي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه أَنَّ رسولَ ﷲﷺ قال: «إِذا اسْتَيْقَظَ أَحَدُكُمْ منْ نَوْمِهِ، فَلا يَغْمِسْ يَدَهُ في الإِناءِ حَتَّى يَغْسِلَها ثَلاثًا، فَإِنَّهُ لا يَدْرِي أَيْنَ باتَتْ يَدُهُ». رَواهُ البُخارِيُّ وَمُسْلِمٌ.
قالَ العِراقِيُّ: «فيهِ اسْتِحْبابُ الكِنايَةِ عَمَّا يُسْتَحْيا منْهُ إذا حَصَلَ الإِفْهامُ بِالكِنايَةِ، فَإِنَّهُ لَمْ يَقُلْ: فَإِنَّهُ لا يَدْرِي لَعَلَّ يَدَهُ تَمُرُّ على فَرْجِهِ أَوْ دُبُرِهِ أَوْ نَحْو ذَلِكَ، بَلْ كَنَّى عَنْ ذَلِكَ بِما يَحْصُلُ بِهِ الإِفْهامُ».
اسْتِعْمالُهُ ﷺ القَسَمَ أَحْيانًا
كانَ ﷺ رُبَّما يَسْتَخْدِمُ القَسَمَ في كَلامِهِ لِلتَّوْكِيدِ والتَّعْظِيمِ:
وَكانَ أَكْثَرَ ما يَحْلِفُ بِهِ قولُه: «والذي نَفسِي بيَدِهِ»، وَهُوَ ﷲ جل وعلا، فالنُّفُوسُ كُلُّها بيَدِ ﷲ ِجل وعلا.
قالَ الحافِظُ: «هُوَ قَسَمٌ كانَ النَّبيُّ ﷺ كَثِيرًا ما يُقْسِمُ بِهِ، والمَعْنَى: أَنَّ أَمْرَ نُفُوسِ العِبادِ بيَدِ ﷲ، أَيْ: بِتَقْدِيرِهِ وَتَدْبيرهِ».
وَمنْهُ: «والذي نَفْسِي بيَدِهِ، لَأَنْ يَأْخُذَ أَحَدُكُمْ حَبْلَهُ فَيَحْتَطِبَ على ظَهْرِهِ، خَيْرٌ لَهُ منْ أَنْ يَأْتِيَ رَجُلًا فَيَسْأَلَهُ، أَعْطاهُ أَوْ مَنَعَهُ». رَواهُ البُخارِيُّ وَمُسْلِمٌ.
وَمنْهُ: «والذي نَفْسِي بيَدِهِ، لا يُكْلَمُ (أَيْ: يُجْرَحُ) أَحَدٌ في سَبيلِ ﷲ -وﷲ أَعْلَمُ بِمَنْ يُكْلَمُ في سَبيلِهِ- إِلَّا جاءَ يَوْمَ القِيامَةِ، واللَّوْنُ لَوْنُ الدَّمِ، والرِّيحُ رِيحُ المِسْكِ». رَواهُ البُخارِيُّ وَمُسْلِمٌ.
وَمنْهُ: «والذي نَفْسِي بيَدِهِ، لا يُؤْمنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى أَكُونَ أَحَبَّ إِلَيْهِ منْ والِدِهِ وَوَلَدِهِ». رَواهُ البُخارِيُّ وَمُسْلِمٌ.
وَمنْهُ: «والذي نَفْسِي بيَدِهِ، لَخُلُوفُ فَمِ الصَّائِمِ أَطْيَبُ عِنْدَ ﷲ تعالى منْ رِيحِ المِسْكِ». رَواهُ البُخارِيُّ وَمُسْلِمٌ.
وَرُبَّما حَلَفَ بِقولِهِ «وايْمُ اﷲِ»، كَقولِهِ: «وايْمُ ﷲ، لَوْ أَنَّ فاطِمَةَ بِنْتَ مُحَمَّدٍ سَرَقَتْ، لَقَطَعْتُ يَدَها». رَواهُ البُخارِيُّ وَمُسْلِمٌ.
اسْتِعْمالُهُ صلى الله عليه وسلم ضَمِيرَ الغائِبِ فيما يَقْبُحُ نِسْبَتُهُ إلى المُتَكَلِّمِ
كَما جاءَ عَنْ أَبي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ رضي الله عنه أَنَّ رسولَ ﷲﷺ قال: «إِذا وُضِعَتِ الجِنازَةُ واحْتَمَلَها الرِّجالُ على أَعْناقِهِمْ، فَإِنْ كانَتْ صالِحَةً قالَتْ: قَدِّمُونِي، وَإِنْ كانَتْ غَيْرَ صالِحَةٍ قالَتْ: يا وَيْلَها! أَيْنَ يَذْهَبُونَ بِها؟». رَواهُ البُخارِيُّ.
قالَ ابْنُ عَلَّانَ: «وَفيهِ إِيماءٌ إلى أَنَّ الإِنْسانَ إِذا حَكَى ما تُسْتَقْبَحُ إِضافَتُهُ لِلنَّفْسِ، يَنْبَغِي أَنْ يُسْنِدَهُ لِضَمِيرِ الغَيْبَةِ».
وَمِثْلُهُ ما رَواهُ مُسْلِمٌ عَنْ أَبي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قال: قال رسولُ ﷲ ﷺ: «إِذا قَرَأَ ابْنُ آدَمَ السَّجْدَةَ فَسَجَدَ اعْتَزَلَ الشَّيْطانُ يَبْكِي، يَقُولُ: يا وَيْلَهُ، أُمِرَ ابْنُ آدَمَ بِالسُّجُودِ فَسَجَدَ، فَلَهُ الجَنَّةُ، وَأُمِرْتُ بِالسُّجُودِ فَأَبَيْتُ فَلِي النَّارُ».
وَفي الصَّحِيحَيْنِ في حَدِيثِ عَرْضِ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم الإِسْلامَ على أَبي طالِبٍ، حَتَّى قال أَبُو طالِبٍ آخِرَ ما قال: هُوَ على مِلَّةِ عَبْدِ المُطَّلِبِ، وَأَبَى أَنْ يَقُولَ: لا إِلَهَ إِلَّا ﷲ.
خَفْضُ صَوْتِهِ صلى الله عليه وسلم
كَما كانَ النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم يَرْفَعُ صَوْتَهُ مَتَى اقْتَضَى الحالُ ذَلِكَ، وَكانَ كَذَلِكَ يَخْفِضُ صَوْتَهُ عِنْدَما يَقْتَضِي الحالُ خَفْضَ الصَّوْتِ.
فَفي حَدِيثِ المِقْدادِ رضي الله عنه لمَّا نَزَلَ ضَيْفًا هُوَ وَصاحِبُهُ على النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم، فَجاءَ النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم وَهُمْ نِيامٌ، قال المِقْدادُ: «فَسَلَّمَ تَسْلِيمَةً يُسْمِعُ اليَقْظانَ، وَلا يُوقِظُ النَّائِمَ». رَواهُ مُسْلِمٌ.
قالَ ابْنُ الجَوْزِيِّ: «هَذا منْ أَحْسَنِ الأَدَبِ؛ لِأَنَّهُ يُسْمِعُ المُنْتَبِهَ، وَلا يُزْعِجُ النَّائِمَ».
وَخِتامًا، فَقَدْ كانَ صلى الله عليه وسلم أَبْلَغَ النَّاطِقِينَ، وَكانَ في كَلامِهِ أَفْصَحَ خَلْقِ ﷲ، وَأَعْذَبَهُمْ كَلامًا، وَأَسْرَعَهُمْ أَداءً، وَأَحْلاهُمْ مَنْطِقًا، حَتَّى إِنَّ كَلامَهُ لَيَأْخُذُ بِمَجامِعِ القُلُوبِ، وَيَسْبي الأَرْواحَ، وَكانَ إِذا تَكَلَّمَ تَكَلَّمَ بِكَلامٍ مُفَصَّلٍ، مُبَيَّنٍ، يَعُدُّهُ العادُّ، لَيْسَ بِهَذٍّ مُسْرِعٍ لا يُحْفَظُ، وَلا بمُتَقَطِّعٍ تَتَخَلَّلُهُ السَّكَتاتُ بينَ أَفْرادِ الكَلامِ، بَلْ هَدْيُهُ فيهِ أَكْمَلُ الهَدْيِ، وَكانَ لا يَتَكَلَّمُ فيما لا يَعْنِيهِ، وَلا يَتَكَلَّمُ إِلَّا فيما يَرْجُو ثَوابَهُ.
فَهُوَ كَما قالَتْ أُمُّ مَعْبَدٍ رضي الله عنها: «إِنْ صَمَتَ فَعَلَيْهِ الوَقارُ، وَإِنْ تَكَلَّمَ سَما وَعَلاهُ البَهاءُ، أَجْمَلُ النَّاسِ منْ بَعِيدٍ، وَأَحْلاهُ وَأَحْسَنُهُ منْ قَرِيبٍ، حُلْوُ المَنْطِقِ، فَصْلٌ، لا نَزْرٌ وَلا هَذْرٌ، كَأَنَّ مَنْطِقَهُ خَرَزاتُ نَظْمٍ يَنْحَدِرْنَ». أَخْرَجَهُ الحاكِمُ في المُسْتَدْرَكِ.
نشاط
1- اذْكُرْ في خَمْسَةِ أَسْطُرٍ جُمْلَةً منَ الآدابِ التي كانَ النَّبيُّ ﷺيَتَحَلَّى بِها في كَلامِهِ.
2- اكْتُبْ ثَلاثَةَ أَمْثِلَةٍ عَبَّرَ فيها النَّبيُّ ﷺ عَنِ الجِماعِ بِغَيْرِ اسْمِهِ.
3- هَلْ يَجُوزُ القَسَمُ؟ وَما أَكْثَرُ صِيغَةٍ كانَ النَّبيُّ ﷺ يَسْتَعْمِلُها في أَيْمانِهِ؟
4- ما المُرادُ بِقولِهِ ﷺ: «فَإِنَّهُ لا يَدْرِي أَيْنَ باتَتْ يَدُهُ»؟
ما يُحِبُّهُ ﷺ
منَ النَّاسِ
أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ رضي الله عنه
كانَ أَحَبَّ الخَلْقِ إِلَيْهِ ﷺ رَفيقُهُ في الهِجْرَةِ، وَأَنِيسُهُ في الغارِ، وَأَفْضَلُ الصَّحابَةِ رضي الله عنهم وَأَكْرَمُهُمْ عَلَيْهِ ﷺ.
فَعَنْ عَمْرِو بْنِ العاصِ رضي الله عنه أَنَّ النَّبيَّ ﷺ بَعَثَهُ على جَيْشِ ذاتِ السَّلاسِلِ، فَأَتَيْتُهُ، فَقُلْتُ: أَيُّ النَّاسِ أَحَبُّ إِلَيْكَ؟ قال: عائِشَةُ.فَقُلْتُ: منْ الرِّجالِ؟ فَقالَ: أَبُوها.قُلْتُ: ثُمَّ مَنْ؟ قال: ثُمَّ عُمَرُ بْنُ الخَطَّابِ، فَعَدَّ رِجالًا.
رَواهُ البُخارِيُّ.
وَإِنَّما بَدَأَ بِذِكْرِ مَحَبَّتِهِ عائِشَةَ رضي الله عنها؛ لِأَنَّها مَحَبَّةٌ جِبِلِّيَّةٌ وَدِينِيَّةٌ، وَغَيْرُها دِينِيَّةٌ لا جِبِلِّيَّة.
ثُمَّ منَ الرِّجالِ أَبُو بَكْرٍ رضي الله عنه لِسابِقَتِهِ في الإِسْلامِ، وَنُصْحِهِ ﷲِ تعالى وَرسولِهِ وَللإِسْلامِ، وَبَذْلِ مالِهِ وَنَفْسِهِ في رَضاهُما.
وَفي هَذا تَصْرِيحٌ بِعَظِيمِ فَضائِلِ أَبي بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعائِشَةَ رضي الله عنهم، وَفيهِ دَلالَةٌ بَيِّنَةٌ لِأَهْلِ السُّنَّةِ في تَفْضِيلِ أَبي بَكْرٍ ثُمَّ عُمَرَ على جَمِيعِ الصَّحابَةِ رضي الله عنهم.
وَمنْ شَواهِدِ مَحَبَّتِهِ لِأَبي بَكْرٍ رضي الله عنه
ما رَواهُ البُخارِيُّ وَمُسْلِمٌ عَنْ أَبي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ رضي الله عنه قال: خَطَبَ النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم في مَرَضِهِ الذي ماتَ فيهِ، فَقالَ: إِنَّ ﷲ خَيَّرَ عَبْدًا بينَ أَنْ يُؤْتِيَهُ زَهْرَةَ الدُّنْيا وَبينَ ما عِنْدَهُ، فاخْتارَ ما عِنْدَ ﷲ.فَبَكَى أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ رضي الله عنه. فَقالَ: فَدَيْناكَ بِآبائِنا وَأُمَّهاتِنا.فَقُلْتُ في نَفْسِي: ما يُبْكِي هَذا الشَّيْخَ، إِنْ يَكُنِ ﷲ خَيَّرَ عَبْدًا بينَ الدُّنْيا وَبينَ ما عِنْدَهُ، فاخْتارَ ما عِنْدَ ﷲ!فَكانَ رسولُ اﷲِ ﷺ هُوَ العَبْدَ، وَكانَ أَبُو بَكْرٍ أَعْلَمَنا.قالَ: يا أَبا بَكْرٍ لا تَبْكِ، إِنَّ أَمَنَّ النَّاسِ عَلَيَّ في صُحْبَتِهِ وَمالِهِ أَبُو بَكْرٍ، وَلَوْ كُنْتُ مُتَّخِذًا منْ النَّاسِ خَلِيلًا لاتَّخَذْتُ أَبا بَكْرٍ خَلِيلًا، وَلَكِنْ أُخُوَّةُ الإِسْلامِ وَمَوَدَّتُهُ، لا يَبْقَيَنَّ في المَسْجِدِ بابٌ إِلَّا سُدَّ، إِلَّا بابُ أَبي بَكْرٍ.
والخُلَّةُ: نِهايَةُ المَحَبَّةِ وَكَمالُها وَخالِصُها، وَهِيَ أَعْظَمُ منْ مُجَرَّدِ المَحَبَّةِ.
وَيَتْلُو أَبا بَكْرٍ في هَذِهِ المَحَبَّةِ:
عُمَرُ بْنُ الخَطَّابِ رضي الله عنه
فَعَنْ عَبْدِ اﷲِ بْنِ حَنْطَبٍ رضي الله عنه أَنَّ رسولَ ﷲ ﷺ رَأَى أَبا بَكْرٍ وَعُمَرَ فَقالَ: «هَذانِ: السَّمْعُ والبَصَرُ». رَواهُ التِّرْمِذِيُّ، وَصَحَّحَهُ الأَلْبانِيُّ.
وعَنْ عَبْدِ ﷲ بْنِ شَقِيقٍ رحمه الله قال: قُلْتُ لِعائِشَةَ: أَيُّ أَصْحابِ النَّبيِّ ﷺ كانَ أَحَبَّ إِلَيْهِ؟ قالَتْ: أَبُو بَكْرٍ. قُلْتُ: ثُمَّ مَنْ؟ قالَتْ: ثُمَّ عُمَرُ. قُلْتُ: ثُمَّ مَنْ؟ قالَتْ: ثُمَّ أَبُو عُبَيْدَةَ بْنُ الجَرَّاحِ. قُلْتُ: ثُمَّ مَنْ؟ فَسَكَتَتْ. أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ وابْنُ ماجَه، وَصَحَّحَهُ الأَلْبانِيُّ.
وعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما قال: وُضِعَ عُمَرُ على سَرِيرِهِ، فَتَكَنَّفَهُ النَّاسُ يَدْعُونَ وَيُصَلُّونَ قَبْلَ أَنْ يُرْفَعَ، وَأَنا فيهِمْ، فَقالَ رَجُلٌ: «وايْمُ اﷲِ إِنْ كُنْتُ لَأَظُنُّ أَنْ يَجْعَلَكَ اﷲُ مَعَ صاحِبَيْكَ؛ لِأَنِّي كَثِيرًا ما كُنْتُ أَسْمَعُ رسولَ اﷲِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: كُنْتُ وَأَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ، وَفَعَلْتُ وَأَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ، وانْطَلَقْتُ وَأَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ، فَإِنْ كُنْتُ لَأَرْجُو أَنْ يَجْعَلَكَ اﷲُ مَعَهُما، فالتَفَتُّ فَإِذا هُوَ عَلِيُّ بْنُ أَبي طالِبٍ. رَواهُ البُخارِيُّ وَمُسْلِمٌ.
وَعَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ قال: «ما أَظُنُّ رَجُلًا يَنْتَقِصُ أَبا بَكْرٍ وَعُمَرَ رضي الله عنهما يُحِبُّ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم».
وَذَلِكَ لِأَنَّ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم يُحِبُّ أَبا بَكْرٍ وَعُمَرَ، وَمَنْ لا يُحِبُّ مَنْ يُحِبُّهُ النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم، فَهُوَ لا يُحِبُّ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم.
ثُمَّ عُثْمانُ بْنُ عَفَّانَ رضي الله عنه
وَقَدْ قال عُمَرُ رضي الله عنه قَبْلَ وَفاتِهِ: «إِنِّي لا أَعْلَمُ أَحَدًا أَحَقَّ بِهَذا الأَمْرِ منْ هَؤُلاءِ النَّفَرِ الذينَ تُوُفِّيَ رسولُ ﷲﷺ وَهُوَ عَنْهُمْ راضٍ، فَمَنِ اسْتَخْلَفُوا بَعْدِي فَهُوَ الخَلِيفَةُ، فاسْمَعُوا لَهُ وَأَطِيعُوا، فَسَمَّى عُثْمانَ وَعَلِيًّا وَطَلْحَةَ والزُّبَيْرَ وَعَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ وَسَعْدَ بْنَ أَبي وَقَّاصٍ». رَواهُ البُخارِيُّ.
وَقَدْ زَوَّجَهُ النَّبيُّ ﷺ ابْنَتَيْهِ: رُقَيَّةَ وَأُمَّ كُلْثُومٍ رضي الله عنهما.
وَفي الأَثَرِ عَنْ عَبَّادِ بْنِ عَبَّادٍ قال: «أَتَيْتُ يُونُسَ بْنَ خَبَّابٍ -وَكانَ رافِضِيًّا- بِمنًى وَهُوَ يَقُصُّ، فَسَأَلْتُهُ عَنْ حَدِيثِ القَبْرِ؟ فَحَدَّثَنِي بِهِ، ثُمَّ قال: إِنَّ فيهِ شَيْئًا قَدْ كَتَمَتْهُ المُرْجِئَةُ الفَسَقَةُ، قُلْتُ: ما هُوَ؟ قال: يُسْأَلُ مَنْ وَلِيُّكَ؟ فَيَقُولُ: وَلِيِّي عَلِيٌّ!! فَقُلْتُ: ما سَمِعْتُ بِهَذا قَطُّ، قالَ: أَنْتُمْ تُحِبُّونَ عُثْمانَ الذي قَتَلَ بِنْتَيْ رسولِ ﷲ ﷺ! قُلْتُ: قَتَلَ واحِدَةً، فَلِمَ زَوَّجَهُ الأُخْرَى؟ فَبُهِتَ الرَّافِضِيُّ وَلَمْ يَجِدْ جَوابًا، وَقالَ: أَنْتَ عُثْمانيٌّ خَبيثٌ».
وَمنْ أَحْبابِهِ ﷺ
عَلِيُّ بْنُ أَبي طالِبٍ رضي الله عنه
عَنْ سَلَمَةَ بْنِ الأَكْوَعِ رضي الله عنه في فَتْحِ خَيْبَرَ قال: قال رسولُ ﷲ ﷺ: لَأُعْطِيَنَّ الرَّايَةَ غَدًا رَجُلًا يُحِبُّهُ ﷲ وَرسولُهُ. فَباتَ النَّاسُ يَدُوكُونَ (أَيْ: يَخُوضُونَ) لَيْلَتَهُمْ، أَيُّهُمْ يُعْطاها. فَلَمَّا أَصْبَحَ النَّاسُ غَدَوْا على رسولِ ﷲﷺ كُلُّهُمْ يَرْجُو أَنْ يُعْطاها. فَقالَ: أَيْنَ عَلِيُّ بْنُ أَبي طالِبٍ؟ فَقالُوا: يَشْتَكِي عَيْنَيْهِ يا رسولَ ﷲ. فأَرْسَلَنِي إلى عَلِيٍّ، فَأَتَيْتُ عَلِيًّا، فَجِئْتُ بِهِ أَقُودُهُ وَهُوَ أَرْمَدُ، حَتَّى أَتَيْتُ بِهِ رسولَ اﷲ ﷺ، فَبَسَقَ في عَيْنَيْهِ فَبَرَأَ، وَأَعْطاهُ الرَّايَةَ.
والقِصَّةُ في البُخارِيِّ وَمُسْلِمٍ.
نشاط
1- منْ واقِعِ ما دَرَسْتَ رَتِّبِ الخُلَفاءَ الرَّاشِدِينَ، مُبَيِّنًا مَرْتَبَةَ كُلٍّ منْهُمْ منْ رسولِ ﷲِ صلى الله عليه وسلم.
2- ماذا تَسْتَفيدُ منْ قولِ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم في أَبي بَكْرٍ وَعُمَرَ رضي الله عنهما: «هَذانِ: السَّمْعُ والبَصَرُ»؟
3- زَوَّجَ النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم عُثْمانَ رضي الله عنه ابْنَتَيْهِ، كَيْفَ تَرُدُّ على الطاعنين فيه منْ خِلالِ هَذا الأَمْرِ؟
4- منْ خِلالِ ما دَرَسْتَ. بَيِّنْ مَنْزِلَةَ عَلِيِّ بْنِ أَبي طالِبٍ رضي الله عنه منْ رسولِ ﷲ ﷺ.
الحسن والحسين رضي الله عنهما
حُبُّهُ ﷺ للحَسَنِ والحُسَيْنِ
عَنْ أُسامَةَ بْنِ زَيْدٍ رضي الله عنهما قال: طَرَقْتُ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم ذاتَ لَيْلَةٍ في بَعْضِ الحاجَةِ، فَخَرَجَ النَّبيُّ ﷺ وَهُوَ مُشْتَمِلٌ على شَيْءٍ لا أَدْرِي ما هُوَ؟فَلَمَّا فَرَغْتُ منْ حاجَتِي، قُلْتُ: ما هَذا الذي أَنْتَ مُشْتَمِلٌ عَلَيْهِ؟فَكَشَفَهُ فَإِذا حَسَنٌ وَحُسَيْنٌ على وَرِكَيْهِ.فَقالَ: «هَذانِ ابْنايَ وابْنا ابْنَتِيَ، اللَّهُمَّ إِنِّي أُحِبُّهُما فَأَحِبَّهُما، وَأَحِبَّ مَنْ يُحِبُّهُما».
أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ.
وَعَنْ أَبي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قال: خَرَجْتُ مَعَ رسولِ ﷲ ﷺ في طائِفَةٍ منَ النَّهارِ، لا يُكَلِّمُنِي وَلا أُكَلِّمُهُ، حَتَّى جاءَ سُوقَ بَنِي قَيْنُقاعَ، ثُمَّ انْصَرَفَ حَتَّى أَتَى خِباءَ فاطِمَةَ، فَقالَ: أَثَمَّ لُكَعُ؟ أَثَمَّ لُكَعُ؟ يُرِيدُ بِذَلِكَ الحَسَنَ رضي الله عنه. فَلَمْ يَلْبَثْ أَنْ جاءَ يَسْعَى حَتَّى اعْتَنَقَ كُلُّ واحِدٍ منْهُما صاحِبَهُ. فَقالَ رسولُ ﷲ ﷺ: «اللَّهُمَّ إِنِّي أُحِبُّهُ فَأَحِبَّهُ، وَأَحْبِبْ مَنْ يُحِبُّهُ». قالَ أَبُو هُرَيْرَةَ رضي الله عنه: «فَما كانَ أَحَدٌ أَحَبَّ إِلَيَّ منَ الحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ بَعْدَ ما قال رسولُ ﷲ صلى الله عليه وسلم ما قالَ».
رَواهُ البُخارِيُّ وَمُسْلِمٌ.
اللُّكَعُ: يُطْلَقُ على مَعْنَيَيْنِ: أَحَدُهُما الصَّغِيرُ، والآخَرُ اللَّئِيمُ.
والمُرادُ هُنا الأَوَّل.
وَمنْ مَحْبُوباتِ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم منْ زَوْجاتِهِ:
خَدِيجَةُ وَعائِشَةُ رضي الله عنهما
خديجة رضي الله عنها
قالَتْ عائِشَةُ رضي الله عنها: ما غِرْتُ على نِساءِ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم إِلَّا على خَدِيجَةَ، وَإِنِّي لَمْ أُدْرِكْها. كانَ رسولُ ﷲ صلى الله عليه وسلم إِذا ذَبَحَ الشَّاةَ يَقُولُ: أَرْسِلُوا بِها إلى أَصْدِقاءِ خَدِيجَةَ. فَأَغْضَبْتُهُ يَوْمًا، فَقُلْتُ: خَدِيجَةَ! ورُبَّما قُلْتُ لَهُ: كَأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ في الدُّنْيا امْرَأَةٌ إِلَّا خَدِيجَةُ. فَقالَ رسولُ ﷲ صلى الله عليه وسلم: «إِنِّي قَدْ رُزِقْتُ حُبَّها». رَواهُ البُخارِيُّ وَمُسْلِمٌ.
وَما هَذا الحُبُّ إِلَّا لِسَبْقِ خَدِيجَةَرضي الله عنها للإِسْلامِ، وَنُصْرَةِ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم في بِدايَةِ دَعْوَتِهِ لِدِينِ ﷲ.
عائشة رضي الله عنها
مَنْزِلَةُ عائِشَةَ رضي الله عنها
وَكانَ لعائِشَةَ رضي الله عنها مَنْزِلَةٌ خاصَّةٌ في قَلْبِ رسولِ ﷲ صلى الله عليه وسلم، وَكانَ يُظْهِرُ ذَلِكَ الحُبَّ، وَلا يُخْفيهِ.
حَتَّى إِنَّ عَمْرَو بْنَ العاصِ رضي الله عنه سَأَلَ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم: أَيُّ النَّاسِ أَحَبُّ إِلَيْكَ؟ قال: عائِشَةُ. وَقَدْ تَقَدَّمَ.
قالَ ابْنُ القَيِّمِ: «منْ خَصائِصِ عائِشَةَ رضي الله عنها أَنَّها كانَتْ أَحَبَّ أَزْواجِ رسولِ اﷲِ صلى الله عليه وسلم إِلَيْهِ».
وَقالَ الزُّهْرِيُّ: «أَوَّلُ حُبٍّ كانَ في الإِسْلامِ حُبُّ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم لِعائِشَةَ رضي الله عنها، وَكانَ مَسْرُوقٌ يُسَمِّيَها حَبيبَةَ رسولِ رَبِّ العالَمِينَ».
وَمَنِ حُبِّهِ صلى الله عليه وسلم لَها أَنَّهُ كانَ يُرِيدُ أَنْ يُمَرَّضَ في بَيْتِها رضي الله عنها
فَعَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ رضي الله عنهما أَنَّ رسولَ ﷲ صلى الله عليه وسلم لَمَّا كانَ في مَرَضِهِ جَعَلَ يَدُورُ في نِسائِهِ وَيَقُولُ:أَيْنَ أَنا غَدًا؟ أَيْنَ أَنا غَدًا؟حِرْصًا على بَيْتِ عائِشَةَ رضي الله عنها.قالَتْ عائِشَةُ رضي الله عنها: فَلَمَّا كانَ يَوْمِي سَكَنَ. (أَيْ: سَكَتَ عَنْ ذَلِكَ القولِ).
أَخْرَجَهُ البُخارِيُّ.
وَقَدْ ماتَ صلى الله عليه وسلم على نَحْرِها، وَآخِرُ ما ذاقَ منَ الدُّنْيا رِيقُها رضي الله عنها.
عَنْ عائِشَةَ رضي الله عنها قالَتْ: «تُوُفِّيَ النَّبيُّﷺ في بَيْتِي وَفي يَوْمِي، وَبينَ سَحْرِي وَنَحْرِي. (والمُرادُ: أَنَّهُ ماتَ وَرَأْسُهُ بينَ حَنَكِها وَصَدْرِها).
وَمَرَّ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبي بَكْرٍ وَفي يَدِهِ جَرِيدَةٌ رَطْبَةٌ، فَنَظَرَ إِلَيْهِ النَّبيُّ ﷺ، فَظَنَنْتُ أَنَّ لَهُ بِها حاجَةً، فَأَخَذْتُها، فَمَضَغْتُ رَأْسَها، وَنَفَضْتُها، فَدَفَعْتُها إِلَيْهِ، فاسْتَنَّ بِها كَأَحْسَنِ ما كانَ مُسْتَنًّا، ثُمَّ ناوَلَنِيها، فَسَقَطَتْ يَدُهُ، أَوْ: سَقَطَتْ منْ يَدِهِ، فَجَمَعَ اﷲُ بينَ رِيقِي وَرِيقِهِ في آخِرِ يَوْمٍ منَ الدُّنْيا، وَأَوَّلِ يَوْمٍ منَ الآخِرَةِ». أَخْرَجَهُ البُخارِيُّ.
نشاط
1- أَساءَت بعضُ الطوائفِ المنحرفةِ كَثِيرًا لِأُمِّ المُؤْمنِينَ عائِشَةَ رضي الله عنها، رُدَّ عَلَيْهِمْ، مُدَعِّمًا رَدَّكَ بِالنُّصُوصِ.
2- كَيْفَ تَسْتَدِلُّ على شِدَّةِ حُبِّ النَّبيِّ ﷺ لِعائِشَةَ رضي الله عنها؟
3- منْ خِلالِ ما مَرَّ عَلَيْكَ ضَعْ قاعِدَةً تَحْمِي بِها الصَّحابَةَ رضي الله عنهم منْ أَلْسِنَةِ المنتقصين لهم والطاعنين فيهم.
4- كَيْفَ تَعامَلَ الصَّحابَةُ رضي الله عنهم مَعَ حُبِّ النَّبيِّ ﷺ للحَسَنِ والحُسَيْنِ رضي الله عنهما؟
حُبُّهُ صلى الله عليه وسلم للأَنْصارِ
وَمِمَّنْ أَحَبَّهُمُ النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم حُبًّا كَثَيِرًا: الأَنْصارُ، لِما لَهُمْ منَ الفَضْلِ في نُصْرَةِ هَذا الدِّينِ، والذَّوْدِ عَنْهُ.
فَعَنْ أَنَسٍ رضي الله عنه قال: رَأَى النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم النِّساءَ والصِّبْيانَ مُقْبِلِينَ منْ عُرُسٍ، فَقامَ النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم مُمْثِلًا (أي: انْتَصَبَ قائِمًا) فَقالَ: «اللَّهُمَّ أَنْتُمْ منْ أَحَبِّ النَّاسِ إِلَيَّ، اللَّهُمَّ أَنْتُمْ منْ أَحَبِّ النَّاسِ إِلَيَّ، اللَّهُمَّ أَنْتُمْ منْ أَحَبِّ النَّاسِ إِلَيَّ، يَعْنِي الأَنْصارَ». رَواهُ البُخارِيُّ وُمُسْلِمٌ.
وَهَذا يَدُلُّ على مَكانَةِ الأَنْصارِ في قَلْبِ النَّبيِّ ﷺ وَحُبِّهِ لَهُمْ.
وَجَعَلَ النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم حُبَّ الأَنْصارِ عَلامَةً على الإِيمانِ، فَعَنْ أَنَسٍ رضي الله عنه عَنِ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم قال: «آيَةُ الإِيمانِ حُبُّ الأَنْصارِ، وَآيَةُ النِّفاقِ بُغْضُ الأَنْصارِ». أَخْرَجَهُ البُخارِيُّ وُمُسْلِمٌ.
حُبُّهُ صلى الله عليه وسلم للمَساكِينِ
كانَ النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم يُحِبُّ المَساكِينَ وَيَسْأَلُ ﷲ ذَلِكَ، فَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما قال: قال رسولُ ﷲ صلى الله عليه وسلم: «اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ فِعْلَ الخَيْراتِ، وَتَرْكَ المُنْكَراتِ، وَحُبَّ المَساكِينِ». رَواهُ التِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ.
قالَ ابْنُ رَجَبٍ: «وَهَذا دُعاءٌ عَظِيمٌ منْ أَجْمَعِ الأَدْعِيَةِ وَأَكْمَلِها، فَقولُهُ: «أَسْأَلُكَ فِعْلَ الخَيْراتِ وَتَرْكَ المُنْكَراتِ» يَتَضَمَّنُ طَلَبَ كُلِّ خَيْرٍ وَتَرْكَ كُلِّ شَرٍّ، فَإِنَّ الخَيْراتِ تَجْمَعُ كُلَّ ما يُحِبُّهُ اﷲُ تعالى وَيُقَرِّبُ منْهُ منَ الأَعْمالِ والأَقْوالِ منَ الواجِباتِ والمُسْتَحَبَّاتِ، والمُنْكَراتِ تَشْمَلُ كُلَّ ما يَكْرَهُهُ اﷲُ تعالى وَيُباعِدُ منْهُ منَ الأَقْوالِ والأَعْمالِ، فَمَنْ حَصَلَ لَهُ هَذا المَطْلُوبُ حَصَلَ لَهُ خَيْرُ الدُّنْيا والآخِرَةِ».
وَلَمْ يَزَلِ السَّلَفُ الصَّالِحُ يُوصُونَ بِحُبِّ المَساكِينِ، فَكَتَبَ سُفْيانُ الثَّوْرِيُّ إلى بَعْضِ إِخْوانِهِ: «عَلَيْكَ بِالفُقَراءِ والمَساكِينِ والدُّنُوِّ منْهُمْ، فَإِنَّ رسولَ ﷲ صلى الله عليه وسلم كانَ يَسْأَلُ رَبَّهُ حُبَّ المَساكِينِ».
الصَّحابَةُ رضي الله عنهم والمَساكِين
كانَ جَعْفَرُ بْنُ أَبي طالِبٍ رضي الله عنه يُحِبُّ المَساكِينَ وَيَجْلِسُ إِلَيْهِمْ، وَيُحَدِّثُهُمْ وَيُحَدِّثُونَهُ، وَكانَ يُكَنَّى: أَبا المَساكِينِ.
وَكانَتْ زَيْنَبُ بِنْتُ خُزَيْمَةَ أُمُّ المُؤْمنِينَ رضي الله عنها تُسَمَّى: أُمَّ المَساكِينِ؛ لِكَثْرَةِ إِحْسانِها إِلَيْهِمْ.
وَكانَ ابْنُ عُمَرَ رضي الله عنهما لا يَأْكُلُ غالِبًا إِلَّا مَعَ المَساكِينِ، وَيَقُولُ: لَعَلَّ بَعْضَ هَؤُلاءِ أَنْ يَكُونَ مَلِكًا يَوْمَ القِيامَةِ.
حُبُّ صاحِبِ الخُلُقِ الحَسَنِ
قالَ عَبْدُ اﷲ بْنُ عَمْرٍو رضي الله عنهما: إِنَّ رسولَ ﷲ ﷺ لَمْ يَكُنْ فاحِشًا وَلا مُتَفَحِّشًا، وَقالَ: «إِنَّ منْ أَحَبِّكُمْ إِلَيَّ أَحْسَنَكُمْ أَخْلاقًا». رَواهُ البُخارِيُّ.
نشاط
1- منْ واقِعِ فَهْمِكَ لِلنُّصُوصِ، لِمَ كانَ النَّبيُّ ﷺ يُحِبُّ المَساكِينَ؟ وَكَيْفَ كانَ سُلُوكُ الصَّحابَةِ رضي الله عنهم مَعَ المَساكِينِ؟
2- أَعِدَّ بَحْثًا في أَدْعِيَةِ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم الجَوامِعِ.
3- كانَ النَّبيُّ ﷺ يُحِبُّ صاحِبَ الخُلُقِ الحَسَنِ، فَماذا عَلَيْكَ أَنْ تَفْعَلَ؟
ما يُحِبُّهُ ﷺ منَ المَأْكَلِ والمَشْرَبِ
كانَ ﷺ يُحِبُّ بَعْضَ المَأْكُولاتِ، وَأَنْواعًا منَ المَشْرُوباتِ، التي تَرْتاحُ نَفْسُهُ إِلَيْها، وَيَطْمَئِنُّ إلى تَناوُلِها، على وَفْقِ هَذِهِ الطَّبيعَةِ التي جُبِلَ عَلَيْها الخَلْقُ وَأَلِفُوها واعْتادُوها.
وَقَدْ كانَ هَدْيُهُ ﷺ فيما تَأْباهُ نَفْسُهُ منَ الطَّعامِ، أَكْمَلَ هَدْيٍ، وَأَجْمَلَ أَدَبٍ، وَأَرْقَى سُلُوكٍ.
فَعَنْ أَبي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قال: «ما عابَ النَّبيُّ ﷺ طَعامًا قَطُّ، إِنِ اشْتَهاهُ أَكَلَهُ، وَإِنْ كَرِهَهُ تَرَكَهُ». أَخْرَجَهُ البُخارِيُّ.
قالَ ابْنُ بَطَّالٍ: «هَذا منْ حُسْنِ الأَدَبِ؛ لِأَنَّ المَرْءَ قَدْ لا يَشْتَهِي الشَّيْءَ وَيَشْتَهِيهِ غَيْرُهُ».
وَمنَ الأَطْعِمَةِ التي كانَ يُحِبُّها ﷺ
ذِراعُ الشَّاةِ
عَنْ أَبي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قال: «وُضِعَتْ بينَ يَدَيْ رسولِ ﷲ ﷺ قَصْعَةٌ منْ ثَرِيدٍ وَلَحْمٍ، فَتَناوَلَ الذِّراعَ، وَكانَتْ أَحَبَّ الشَّاةِ إِلَيْهِ». رَواهُ مُسْلِمٌ.
وَقَدْ وَضَعَتِ اليَهُودِيَّةُ التي دَعَتِ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم السُّمَّ في ذِراعِ الشَّاةِ؛ والسَّبَبُ في وَضْعِ السُّمِّ في الذِّراعِ دُونَ بَقِيَّةِ الأَعْضاءِ؛ هُوَ أَنَّ هَذِهِ اليَهُودِيَّةَ سَأَلَتْ: أَيُّ أَعْضاءِ الشَّاةِ أَحَبُّ إِلَيْهِ؟ فَقِيلَ لَها: الذِّراعُ.
قالَ أَهْلُ العِلْمِ: «مَحَبَّتُهُ ﷺ لِلذِّراعِ لِنُضْجِها وَسُرْعَةِ اِسْتِمْرائِها، مَعَ زِيادَةِ لَذَّتِها وَحَلاوَةِ مَذاقِها، وَبُعْدِها عَنْ مَواضِعِ الأَذَى».
ما يحبه ﷺ
قالَ ابْنُ القَيِّمِ: «وَلا رَيْبَ أَنَّ أَخَفَّ لَحْمِ الشَّاةِ لَحْمُ الرَّقَبَةِ، وَلَحْمُ الذِّراعِ والعَضُدِ، وَهُوَ أَخَفُّ على المَعِدَةِ، وَأَسْرَعُ انْهِضامًا، وَفي هَذا مُراعاةُ الأَغْذِيَةِ التي تَجْمَعُ ثَلاثَةَ أَوْصافٍ:
أَحَدُها: كَثْرَةُ نَفْعِها، وَتَأْثِيرُها في القُوَى.
الثَّانِي: خِفَّتُها على المَعِدَةِ، وَعَدَمُ ثِقَلِها عَلَيْها.
الثَّالِثُ: سُرْعَةُ هَضْمِها.
وَهَذا أَفْضَلُ ما يَكُونُ منَ الغِذاءِ، والتَّغَذِّي بِاليَسِيرِ منْ هَذا أَنْفَعُ منَ الكَثِيرِ منْ غَيْرِهِ».
الدُّبَّاءُ: وَهُوَ اليَقْطِينُ والقَرْعُ
عَنْ أَنَسٍ رضي الله عنه قال: إِنَّ خَيَّاطًا دَعا رسولَ ﷲ ﷺ لِطَعامٍ صَنَعَهُ، فَذَهَبْتُ مَعَ رسولِ ﷲ ﷺ، فَقَدَّمَ إِلَيْهِ قَصْعَةً فيها ثَرِيدٌ وَعَلَيْهِ دُبَّاءٌ، وَأَقْبَلَ على عَمَلِهِ. فَجَعَلَ النَّبيُّ ﷺ يَتَتَبَّعُ الدُّبَّاءَ منْ حَوالَيِ القَصْعَةِ، فَلَمَّا رَأَيْتُ ذَلِكَ جَعَلْتُ أَتَتَبَّعُهُ فَأَضَعُهُ بينَ يَدَيْهِ. قالَ: فَلَمْ أَزَلْ أُحِبُّ الدُّبَّاءَ منْ يَوْمِئِذٍ. قالَ ثابِتٌ: فَسَمِعْتُ أَنَسًا يَقُولُ: فَما صُنِعَ لِي طَعامٌ بَعْدُ أَقْدِرُ على أَنْ يُصْنَعَ فيهِ دُبَّاءٌ إِلَّا صُنِعَ.
أَخْرَجَهُ البُخارِيُّ وَمُسْلِمٌ.
وَفي الحَدِيثِ: فَضِيلَةٌ ظاهِرَةٌ لِأَنَسٍ رضي الله عنه لِاقْتِفائِهِ أَثَرَ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم حَتَّى في الأَشْياء الجِبِلِّيَّةِ.
الزُّبْدُ والتَّمْرُ
عَنِ ابْنَيْ بُسْرٍ السُّلَمِيَّيْنِ رضي الله عنهما قالا: «كانَ النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم يُحِبُّ الزُّبْدَ والتَّمْرَ». رَواهُ أَبُو داوُدَ وابْنُ ماجَه، وَصَحَّحَهُ الأَلْبانِيُّ.
أَيْ: يُحِبُّ الجَمْعَ بينَهُما في الأَكْلِ؛ لِأَنَّ الزُّبْدَ حارٌّ رَطْبٌ، والتَّمْرَ بارِدٌ يابِسٌ، فَفي الجَمْعِ إِصْلاحُ كُلٍّ بِالآخَرِ.
والتَّمْرُ منَ الأَطْعِمَةِ المُفيدَةِ التي كانَ يَحْرِصُ عَلَيْها النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم، حَتَّى قال: «يا عائِشَةُ، بَيْتٌ لا تَمْرَ فيهِ جِياعٌ أَهْلُهُ، يا عائِشَةُ بَيْتٌ لا تَمْرَ فيهِ جِياعٌ أَهْلُهُ» قالَها مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلاثًا. رَواهُ مُسْلِمٌ.
قالَ ابْنُ القَيِّمِ في التَّمْرِ: «هُوَ منْ أَكْثَرِ الثِّمارِ تَغْذِيَةً للبَدَنِ ... وَهُوَ فاكِهَةٌ، وَغِذاءٌ، وَدَواءٌ، وَشَرابٌ، وَحَلْوَى».
الحُلْوُ البارِدُ
عَنْ عائِشَةَ رضي الله عنها قالَتْ: «كانَ أَحَبُّ الشَّرابِ إلى رسولِ ﷲ صلى الله عليه وسلم الحُلْوَ البارِدَ». أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ والنَّسائيُّ، وَصَحَّحَهُ الأَلْبانِيُّ.
وَفي المُرادِ بِالشَّرابِ الحُلْوِ البارِدِ احْتِمالاتٌ ثَلاثَةٌ:
الأَوَّلُ: الماءُ العَذْبُ، كَمِياهِ العُيُونِ والآبارِ الحُلْوَةِ، فَإِنَّهُ صلى الله عليه وسلم كانَ يُسْتَعْذَبُ لَهُ الماءُ.
الثَّانِي: الماءُ المَمْزُوجُ بِالعَسَلِ.
ما يحبه صلى الله عليه وسلم
قالَ ابْنُ القَيِّمِ: «فَإِنَّهُ كانَ صلى الله عليه وسلم يَشْرَبُ العَسَلَ المَمْزُوجَ بِالماءِ البارِدِ، وَفي هَذا منْ حِفْظِ الصِّحَّةِ ما لا يَهْتَدِي إلَى مَعْرِفَتِهِ إلَّا أَفاضِلُ الأَطِبَّاءِ، فَإِنَّ شُرْبَهُ وَلَعْقَهُ على الرِّيقِ يُذِيبُ البَلْغَمَ، وَيَغْسِلُ خَمْلَ المَعِدَةِ، وَيَجْلُو لُزُوجَتَها، وَيَدْفَعُ عَنْها الفَضَلاتِ، وَشُرْبُهُ أَنْفَعُ منْ كَثِيرٍ منْ الأَشْرِبَةِ المُتَّخَذَةِ منْ السُّكَّرِ أَوْ أَكْثَرِها، وَلا سِيَّما لِمَنْ لَمْ يَعْتَدْ هَذِهِ الأَشْرِبَةَ وَلا أَلِفَها طَبْعُهُ، فَإِنَّهُ إذا شَرِبَها لا تُلائِمُهُ مُلاءَمَةَ العَسَلِ وَلا قَرِيبًا منْهُ».
الثَّالِثُ: الماءُ الذي نُقِعَ فيهِ التَّمْرُ أَوِ الزَّبيبُ، وَهُوَ النَّبيذُ، وَهُوَ ماءٌ يُطْرَحُ فيهِ تَمْرٌ يُحَلِّيهِ، وَلَهُ نَفْعٌ عَظِيمٌ في زِيادَةِ القُوَّةِ.
فَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما قال: «كانَ رسولُ ﷲ صلى الله عليه وسلم يُنْتَبَذُ لَهُ أَوَّلَ اللَّيْلِ، فَيَشْرَبُهُ إِذا أَصْبَحَ يَوْمَهُ ذَلِكَ، واللَّيْلَةَ التي تَجِيءُ، والغَدَ واللَّيْلَةَ الأُخْرَى، والغَدَ إلى العَصْرِ، فَإِنْ بَقِيَ شَيْءٌ سَقاهُ الخادِمَ، أَوْ أَمَرَ بِهِ فَصُبَّ». رَواهُ مُسْلِمٌ.
فَلَمْ يَكُنْ يَشْرَبُهُ بَعْدَ ثَلاثٍ خَوْفًا منْ تَغَيُّرِهِ إلى الإِسْكارِ.
قالَ ابْنُ القَيِّمِ: «وَأَمَّا الشَّرابُ إذا جَمَعَ وَصْفَيِ الحَلاوَةِ والبُرُودَةِ، فَمنْ أَنْفَعِ شَيْءٍ للبَدَنِ، وَمنْ أَكْبَرِ أَسْبابِ حِفْظِ الصِّحَّةِ، وَللأَرْواحِ والقُوَى والكَبِدِ والقَلْبِ عِشْقٌ شَدِيدٌ لَهُ، واسْتِمْدادٌ منْهُ، وَإِذا كانَ فيهِ الوَصْفانِ حَصَلَتْ بِهِ التَّغْذِيَةُ، وَتَنْفيذُ الطَّعامِ إلَى الأَعْضاءِ وَإِيصالُهُ إلَيْها أَتَمَّ تَنْفيذٍ».
قالَ ابْنُ بَطَّالٍ: «وَفيهِ دَلالَةٌ على أَنَّ اسْتِطابَةَ الأَطْعِمَةِ جائِزَةٌ، وَأَنَّ ذَلِكَ منْ فِعْلِ أَهْلِ الخَيْرِ، وَقَدْ ثَبَتَ أَنَّ قولَهُ تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ ﴾ (المائدة: 87) نَزَلَ في الذينَ أَرادُوا الِامْتِناعَ منْ لَذائِذِ المَطاعِمِ».
نشاط
1- أَعِدَّ بَحْثًا مُخْتَصَرًا فيما يُحِبُّهُ النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم منَ الأَطْعِمَةِ والأَشْرِبَةِ.
2- منْ واقِعِ دِراسَتِكَ لِهَذا المَقْطَعِ اسْتَدِلَّ على بَشَرِيَّةِ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم.
3- جَمَعَ النَّبيُّ ﷺ في طَعامِهِ وَشَرابِهِ بينَ أَشْياءَ، اذْكُرْ طَرَفًا منْ ذَلِكَ، مُبَيِّنًا وَجْهَ هَذا الجَمْعِ.
حُبُّهُ ﷺ للأَمْكِنَةِ
مكَّةُ
فعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما أَنَّ رسولَ ﷲ صلى الله عليه وسلم، قال لِمَكَّةَ: «ما أَطْيَبَكِ منْ بَلَدٍ، وَأَحَبَّكِ إِلَيَّ، وَلَوْلا أَنَّ قَوْمِي أَخْرَجُونِي منْكِ ما سَكَنْتُ غَيْرَكِ». أَخْرَجَهُ التَّرْمِذِيُّ، وَحَسَّنَهُ.
وَعَنْ عَبْدِ ﷲ بْنِ عَدِيِّ بْنِ الحَمْراءِ رضي الله عنه قال: رَأَيْتُ رسولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم واقِفًا على الحَزْوَرَةِ فَقالَ: «وﷲ إِنَّكِ لَخَيْرُ أَرْضِ ﷲ، وَأَحَبُّ أَرْضِ ﷲ إلى ﷲ، وَلَوْلا أَنِّي أُخْرِجْتُ منْكِ ما خَرَجْتُ». أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ والتِّرْمِذِيُّ وابْنُ ماجَه، وَصَحَّحَهُ الأَلْبانِيُّ.
تَنْبيهٌ: رُوِيَ عَنِ النَّبيِّ ﷺ أَنَّهُ قال في حِينِ خُرُوجِهِ منْ مَكَّةَ إلى المَدِينَةِ: «اللَّهُمَّ إِنَّكَ تَعْلَمُ أَنَّهُمْ أَخْرَجُونِي منْ أَحَبِّ البِلادِ إِلَيَّ، فَأَسْكِنِّي أَحَبَّ البِلادِ إِلَيْكَ». فَهَذا حَدِيثٌ مَوْضُوعٌ مُنْكَرٌ مَكْذُوبٌ، لا يَخْتَلِفُ أَهْلُ العِلْمِ في نَكارَتِهِ وَضَعْفِهِ وَأَنَّهُ مَوْضُوعٌ.
وَفي هَذا بَيانُ عَظِيمِ مَحَبَّةِ النَّبيِّﷺ لمَكَّةَ، التي هِيَ: أُمُّ القُرَى، والبَلَدُ الحَرامُ، والبَلَدُ الأَمِينُ، وَبَكَّةُ.
وَفيهِ دَلِيلٌ على أَنَّ مَكَّةَ خَيْرُ أَرْضِ ﷲ على الإِطْلاقِ، وَأَحَبُّها إلى رسولِ ﷲ ﷺ، وَبِذَلِكَ اسْتَدَلَّ الجُمْهُورُ على أَنَّها أَفْضَلُ منَ المَدِينَةِ، خِلافًا للإِمامِ مالِكٍ رحمه الله.
المَدِينَةُ «طَيْبَةُ»
عَنْ عائِشَةَ رضي الله عنها قالَتْ: قَدِمْنا المَدِينَةَ وَهِيَ وَبيئَةٌ (تَعْنِي: ذاتَ وَباءٍ)، فاشْتَكَى أَبُو بَكْرٍ وبِلالٌ وَعامِرُ بْنُ فُهَيْرَةَ رضي الله عنهم.
فَلَمَّا رَأَى رسولُ ﷲ ﷺ شَكْوَى أَصْحابِهِ قال: «اللَّهمَّ حَبِّبْ إِلَيْنا المَدِينَةَ كَما حَبَّبْتَ مَكَّةَ أَوْ أَشَدَّ، وَصَحِّحْها، وَبارِكْ لَنا في صاعِها وَمُدِّها، وَحَوِّلْ حُمَّاها إلى الجُحْفَةِ». رَواهُ البُخارِيُّ.
فَقَدْ دَعا النَّبيُّ ﷺ رَبَّهُ سبحانه وتعالى أَنْ يُحَبِّبَ إِلَيْهِمُ المَدِينَةَ، فاسْتَجابَ ﷲ دُعاءَهُ.
وَمنْ حُبِّ النَّبيِّ ﷺ للمَدِينَةِ أَنَّهُ كانَ يُحَرِّكُ دابَّتَهُ عِنْدَ رُؤْيَتِها
فَفي البُخارِيِّ عَنْ أَنَسٍ رضي الله عنه «أَنَّ النَّبيَّ ﷺكانَ إِذا قَدِمَ منْ سَفَرٍ، فَنَظَرَ إلى جُدُراتِ (أَيْ: جُدْرانِ) المَدِينَةِ أَوْضَعَ راحِلَتَهُ (أَيْ: أَسْرَعَ السَّيْرَ)، وَإِنْ كانَ على دابَّةٍ حَرَّكَها منْ حُبِّها».
قالَ ابْنُ حَجَرٍ: «وَفي الحَدِيث دَلالَةٌ على فَضْلِ المَدِينَةِ، وَعَلَى مَشْرُوعِيَّةِ حُبِّ الوَطَنِ والحَنِينِ إِلَيْهِ».
جَبَلُ أُحُدٍ
عَنْ أَبي حُمَيْدٍ رضي الله عنه قال: خَرَجْنا مَعَ رسولِ ﷲ صلى الله عليه وسلم غَزْوَةَ تَبُوكَ، وَساقَ الحَدِيثَ وَفيهِ: فَخَرَجْنا حَتَّى أَشْرَفْنا على المَدِينَةِ فَقالَ: «هَذِهِ طابَةُ»، فَلَمَّا رَأَى أُحُدًا قال: «هَذا جُبَيْلٌ يُحِبُّنا وَنُحِبُّهُ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
قالَ النَّوَوِيُّ: «الصَّحِيحُ المُخْتارُ أَنَّ مَعْناهُ: أَنَّ أُحُدًا يُحِبُّنا حَقِيقَةً، جَعَلَ ﷲ تعالى فيهِ تَمْيِيزًا يُحِبُّ بِهِ، كَما قال سبحانه وتعالى: ﴿وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ ﴾ (البقرة: 74)، وَكَما حَنَّ الجِذْعُ اليابِسُ، وَكَما سَبَّحَ الحَصَى، وَكَما فَرَّ الحَجَرُ بِثَوْبِ مُوسَى صلى الله عليه وسلم، وَكَما قال نَبيُّنا صلى الله عليه وسلم: «إِنِّي لَأَعْرِف حَجَرًا بِمَكَّة كانَ يُسَلِّم عَلَيَّ» ... وَكَما كَلَّمَهُ ذِراعُ الشَّاةِ، وَكَما قال سبحانه وتعالى: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ ﴾ (الإسراء: 44)، والصَّحِيحُ في مَعْنَى هَذِهِ الآيَةِ: أَنَّ كُلَّ شَيْءٍ يُسَبِّحُ حَقِيقَةً بِحَسَبِ حالِهِ، وَلَكِنْ لا نَفْقَهُهُ، وَهَذا وَما أَشْبَهَهُ شَواهِدُ لِما اخْتَرْناهُ، واخْتارَهُ المُحَقِّقُونَ في مَعْنَى الحَدِيثِ، وَأَنَّ أُحُدًا يُحِبُّنا حَقِيقَةً».
حُبُّهُ صلى الله عليه وسلم لِبَعْضِ الأزْمانِ
الخُرُوجُ للغَزْوِ يَوْمَ الخَمِيسِ
فَعَنْ كَعْبِ بْنِ مالِكٍ رضي الله عنه قال: «خَرَجَ صلى الله عليه وسلم يَوْمَ الخَمِيسِ في غَزْوَةِ تَبُوكَ، وَكانَ يُحِبُّ أَنْ يَخْرُجَ يَوْمَ الخَمِيسِ». أَخْرَجَهُ البُخارِيُّ.
واخْتِيارُهُ يَوْمَ الخَمِيسِ للخُرُوجِ يَحْتَمِلُ أُمُورًا:
الأَوَّلُ: أَنَّهُ يَوْمٌ مُبارَكٌ تُرْفَعُ فيهِ أَعْمالُ العِبادِ إلى ﷲ تعالى، وَقَدْ كانَتْ سَفَراتُهُ ﷲ، وَفي ﷲ، وَإِلَى ﷲ، فَأَحَبَّ أَنْ يُرْفَعَ لَهُ فيهِ عَمَلٌ صالِحٌ.
الثَّانِي: أَنَّهُ أَتَمُّ أَيَّامِ الأُسْبُوعِ عَدَدًا.
الثَّالِثُ: أَنَّهُ كانَ يَتَفاءَلُ بِالخَمِيسِ في خُرُوجِهِ، وَكانَ منْ سُنَّتِهِ أَنْ يَتَفاءَلَ بِالِاسْمِ الحَسَنِ، والخَمِيسُ الجَيْشُ؛ لِأَنَّهُ خَمْسُ فِرَقٍ، فَيَرَى في ذَلِكَ منَ الفَأْلِ الحَسَنِ حِفْظَ اﷲِ لَهُ وَإِحاطَةَ جُنُودِهِ بِهِ حِفْظًا وَحِمايَةً.
وكان يُحِبُّ منَ الشُّهُورِ: شَعْبانَ
عَنْ عائِشَةَ رضي الله عنها قالَتْ: «كانَ أَحَبَّ الشُّهُورِ إلى رسولِ ﷲ ﷺ أَنْ يَصُومَهُ شَعْبانُ، بَلْ كانَ يَصِلُهُ بِرَمَضانَ». رَواهُ النَّسائِيُّ، وَصَحَّحَهُ الأَلْبانِيُّ.
نشاط
1- هَلْ كانَ حُبُّ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم لِمَكَّةَ حُبًّا فِطْرِيًّا أَمْ شَرْعِيًّا؟
2- هَلْ يُمْكِنُ أَنْ يَقَعَ الحُبُّ والبُغْضُ منَ الجَماداتِ؟ اسْتَدِلَّ لِما تَقُولُ.
3- بَيِّنْ شَواهِدَ حُبِّ النَّبيِّ ﷺ للمَدِينَةِ.
4- وَرَدَ في هَذا المَقْطَعِ حَدِيثٌ مُنْكَرٌ مَوْضُوعٌ، فَما المُرادُ بِذَلِكَ، وَما مَدَى قَبُولِهِ والعَمَلِ بِهِ في الشَّرْعِ؟
وَكانَ أحبَّ الثِّيابِ إِلَيْهِ: القَمِيصُ
فَعَنْ أُمِّ سَلَمَةَ رضي الله عنها قالَتْ: «كانَ أَحَبَّ الثِّيابِ إلى النَّبيِّ ﷺ القَمِيصُ». رَواهُ أَبُو داوُدَ والتِّرْمِذِيُّ، وَصَحَّحَهُ الأَلْبانِيُّ.
قالَ بَعْضُ العُلَماءِ: والقَمِيصُ اسْمٌ لِما يُلْبَسُ منْ المَخِيطِ الذي لَهُ كُمَّانِ وَجَيْبٌ، وَيُعْرَفُ اليَوْمَ بَأَسْماءٍ مُخْتَلِفَةٍ بِاخْتِلافِ البُلْدانِ.
فَكانَ صلى الله عليه وسلم تَمِيلُ نَفْسُهُ إلى لُبْسِهِ أَكْثَرَ منْ غَيْرِهِ منْ نَحْوِ الرِّداءِ، أَوِ الإِزارِ؛ لِأَنَّهُ أَسْتَرُ منْهُما، وَأَيْسَرُ؛ لِاحْتِياجِهِما إلى حَلٍّ وَعَقْدٍ بِخِلافِهِ، فَهُوَ أَحَبُّها إِلَيْهِ لبْسًا.
الأَبْيَضُ منَ الثِّيابِ
عَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ رضي الله عنه قال: قال رسولُ ﷲ ﷺ: «البَسُوا البَياضَ؛ فَإِنَّها أَطْهَرُ وَأَطْيَبُ، وَكَفِّنُوا فيها مَوْتاكُمْ». أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ والتِّرْمِذِيُّ والنَّسائِيُّ، وَصَحَّحَهُ الأَلْبانِيُّ.
وَمنَ الأَشْياءِ التي كانَ يُحِبُّها منَ الدُّنْيا: الطِّيبُ
فعَنْ أَنَسٍ رضي الله عنه قال: قال رسولُ ﷲ ﷺ: «حُبِّبَ إِلَيَّ منَ الدُّنْيا: النِّساءُ والطِّيبُ، وَجُعِلَ قُرَّةُ عَيْنِي في الصَّلاةِ». أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ والنَّسائِيُّ، وَصَحَّحَهُ الأَلْبانِيُّ.
وَفي الحَدِيثِ بَيانُ حُبِّ الرَّسُولِ ﷺ للعِطْرِ والطِّيبِ، وَقَدْ كانَ لَهُ صلى الله عليه وسلم سُكَّةٌ يَتَطَيَّبُ منْها. رَواهُ أَبُو داوُدَ، وَصَحَّحَهُ الأَلْبانِيُّ. والسُّكَّة: وِعاءٌ فيهِ طِيبٌ.
وَكانَتِ الرِّيحُ الطَّيِّبَةُ صِفَتَهُ ﷺ وَإِنْ لَمْ يَمَسَّ طِيبًا، وَمَعَ هَذا كانَ يَسْتَعْمِلُ الطِّيبَ في أَكْثَرِ أَوْقاتِهِ؛ مُبالَغَةً في طِيبِ رائِحَتِهِ لِمُلاقاةِ المَلائِكَةِ، وَمُجالَسَةِ المُسْلِمِينَ.
وَكانَ يُعْرَفُ بِطِيبِ رائِحَتِهِ إِذا أَقْبَلَ أَوْ أَدْبَرَ، قال ابْنُ حَجَرٍ: «وَرَوَى أَبُو يَعْلَى والبَزَّارُ بِإِسْنادٍ صَحِيحٍ عَنْ أَنَسٍ رضي الله عنه: كانَ رسولُ ﷲ ﷺ إِذا مَرَّ في طَرِيقٍ منْ طُرُقِ المَدِينَةِ وُجِدَ منْهُ رائِحَةُ المِسْكِ، فَيُقالُ: مَرَّ رسولُ ﷲ ﷺ.
الفَأْلُ الحَسَنُ
عَنْ أَبي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قال: «كانَ النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم يُعْجِبُهُ الفَأْلُ الحَسَنُ، وَيَكْرَهُ الطِّيَرَةَ». أَخْرَجَهُ ابْنُ ماجَه، وَصَحَّحَهُ الأَلْبانِيُّ.
وَأَصْلُ التَّفاؤُلِ الكَلِمَةُ الحَسَنَةُ يَسْمَعُهُا المَرِيضُ فَيَتَفاءَلُ بِسَلامَتِهِ منْ مَرَضِهِ، وَيَسْمَعُها مَنْ ضاعَ منْهُ شَيْءٌ فَيَتَفاءَلُ بِوُجُودِهِ، فَلَوْ سَمِعَ رَجُلًا يَقُولُ: يا واجِدُ. يَتَفاءَلُ بِذَلِكَ، ولو سَمِعَ المريض من يَقُول: يا سَليم. يَتَفاءَلُ بِذَلِك.
وَعَنْ أَنَسِ بْنِ مالِكٍ رضي الله عنه أَنَّ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم «كانَ يُعْجِبُهُ إِذا خَرَجَ لِحاجَةٍ أَنْ يَسْمَعَ: يا راشِدُ، يا نَجِيحُ». أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ الأَلْبانِيُّ.
«يا راشِدُ» الرَّاشِدُ: واجِدُ الطَّرِيقِ المُسْتَقِيمِ «يا نَجِيحُ» النَّجِيحُ: مَنْ قُضِيَتْ حاجَتُهُ.
قالَ الحافِظُ ابْنُ حَجَرٍ: «وَإِنَّما كانَ صلى الله عليه وسلم يُعْجِبُهُ الفَأْلُ؛ لِأَنَّ التَّشاؤُمَ سُوءُ ظَنٍّ بِالله تعالى بِغَيْرِ سَبَبٍ مُحَقَّقٍ، والتَّفاؤُلُ حُسْنُ ظَنٍّ بِهِ، والمُؤْمنُ مَأْمُورٌ بِحُسْنِ الظَّنِّ بِالله على كُلِّ حالٍ».
التَّيامُنُ في كُلِّ شَيْءٍ
فَيَأْكُلُ بيَمِينِهِ وَيَشْرَبُ بِها، وَيَأْخُذُ بِها وَيُعْطِي بِها، وَيُقَدِّمُها في الأَشْياءِ الفاضِلَةِ؛ فَيُقَدِّمُها في دُخُولِ المَسْجِدِ، وَفي لُبْسِ النَّعْلِ، وَفي التَّطَهُّرِ وَفي التَّرَجُّلِ، وَيَنامُ على الشِّقِّ الأَيْمَنِ.
فَعَنْ عائِشَةَ رضي الله عنها قالَتْ: «كانَ رسولُ ﷲ صلى الله عليه وسلم يُحِبُّ التَّيَمُّنَ في طُهُورِهِ إِذا تَطَهَّرَ، وَفي تَرَجُّلِهِ إِذا تَرَجَّلَ، وَفي انْتِعالِهِ إِذا انْتَعَلَ». أَخْرَجَهُ البُخارِيُّ وَمُسْلِمٌ.
وَعِنْدَ البُخارِيِّ: «كانَ النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم يُحِبُّ التَّيَمُّنَ ما اسْتَطاعَ في شَأْنِهِ كُلِّهِ».
فقولها رضي الله عنها: «ما اسْتَطاعَ» دَلِيلٌ على المُحافَظَةِ على ذَلِكَ حَيْثُ لَمْ يَمْنَعْ منْها مانِعٌ.
وَقولُها: «في شَأْنِهِ كُلِّهِ» في كُلِّ عَمَلٍ منَ الأَعْمالِ الطَّيِّبَةِ المُسْتَحْسَنِةِ كالأَكْلِ والشُّرْبِ واللُّبْسِ وَنَحْوِهِ، لا في الأَعْمالِ الخَبيثَةِ المُسْتَقْذَرَةِ؛ فَإِنَّهُ يَسْتَعْمِلُ لَها اليَسارَ كالِاسْتِنْجاءِ، وَدُخُولِ الخَلاءِ، وَإِزالَةِ المُخاطِ والقاذُوراتِ.
«وهَذِهِ قاعِدَةٌ مُسْتَمِرَّةٌ في الشَّرْعِ: أَنَّ ما كانَ منْ بابِ التَّكْرِيمِ والتَّشْرِيفِ كدُخولِ المَسْجِدِ وارتداءِ الثِّيابِ، يُسْتَحَبُّ التَّيامُنُ فيهِ، وَأَمَّا ما كانَ بِضِدِّهِ كَدُخُولِ الخَلاءِ، والخُرُوجِ منَ المَسْجِدِ، وخَلعِ الثِّيابِ، فَيُسْتَحَبُّ التَّياسُرُ فيهِ».
وكان يُحِبُّ المُداوَمَةَ على العَمَلِ الصَّالِحِ
فَعَنْ مَسْرُوقٍ قال: سَأَلْتُ عائِشَةَ رضي الله عنها: أَيُّ العَمَلِ كانَ أَحَبَّ إلى النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم؟ قالَتِ: «الدَّائِمُ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَعَنْ عَلْقَمَةَ قال: سَأَلْتُ عائِشَةَ رضي الله عنها: كَيْفَ كانَ عَمَلُ رسولِ ﷲ صلى الله عليه وسلم؟ هَلْ كانَ يَخُصُّ شَيْئًا منَ الأَيَّامِ؟قالَتْ: «لا؛ كانَ كُلُّ عَمَلِهِ دِيمَةً».
أَخْرَجَهُ أَبُو داوُدَ، وَصَحَّحَهُ الأَلْبانِيُّ.
قالَ ابْنُ الجَوْزِيِّ: «إِنَّما أَحَبَّ الدَّائِمَ لِمَعْنَـيَـيْنِ: أَحَدُهُما: أَنَّ التَّارِكَ للعَمَلِ بَعْدَ الدُّخُولِ فيهِ كالمُعْرِضِ بَعْدَ الوَصْلِ، فَهُوَ مُتَعَرِّضٌ لِلذَّمِّ. ثانِيهُما: أَنَّ مُداوِمَ الخَيْرِ مُلازِمٌ للخِدْمَةِ، وَلَيْسَ مَنْ لازَمَ البابَ في كُلِّ يَوْمٍ وَقْتًا ما، كَمَنْ لازَمَ يَوْمًا كامِلًا ثُمَّ انْقَطَعَ».
وكان صلى الله عليه وسلم يُحِبُّ الصَّلاةَ
فَعَنْ أَنَسٍ رضي الله عنه أَنَّ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم قال: «إِنَّما حُبِّبَ إِلَيَّ منْ دُنْياكُمُ النِّساءُ والطِّيبُ، وَجُعِلَتْ قُرَّةُ عَيْنِي في الصَّلاةِ». أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ والنَّسائِيُّ، وَصَحَّحَهُ الأَلْبانِيُّ.
وَكانَ النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ لِبِلالٍ رضي الله عنه: «يا بِلالُ، أَقِمِ الصَّلاةَ، أَرِحْنا بِها». رَواهُ أَبُو داوُدَ، وَصَحَّحَهُ الأَلْبانِيُّ.
«وكانَ صلى الله عليه وسلم إِذا حَزَبَهُ أَمْرٌ صَلَّى». أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ وَأَبُو داوُدَ، وَحَسَّنَهُ الأَلْبانِيُّ.
قالَ ابْنُ القَيِّمِ: «وَأَمَّا الصَّلاةُ فَشَأْنُها في تَفْرِيحِ القَلْبِ، وَتَقْوِيَتِهِ، وَشَرْحِهِ، وابْتِهاجِهِ، وَلَذَّتِهِ أَكْبَرُ شَأْنٍ».
نشاط
1- ما قاعِدَةُ الشَّرْعِ في التَّيامُنِ والتَّياسُرِ؟
2- في بَحْثٍ مُخْتَصَرٍ بَيِّنْ حُكْمَ التَّشاؤُمِ، والفَرْقَ بينَهُ وَبينَ التَّفاؤُلِ.
3- لِمَ كانَ النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم يُحِبُّ المُداوَمَةَ على العَمَلِ؟
4- لِمَ كانَتِ الصَّلاةُ أَعْظَمَ الأَعْمالِ على الإِطْلاقِ بَعْدَ الشَّهادَتَيْنِ؟
ما يُبْغِضُهُ صلى الله عليه وسلم
كانَ النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم يُبْغِضُ وَيَكْرَهُ كَغَيْرِهِ منَ البَشَرِ، إِلَّا أَنَّ بُغْضَهُ لا يَكُونُ إِلَّا ﷲِ وَفي ﷲ، وَلَيْسَ كَعامَّةِ النَّاسِ؛ قَدْ يُبْغِضُ انْتِصارًا لِنَفْسِهِ، أَوْ تَشَهِّيًا، أَوْ نَحْوَهُ.
كانَ صلى الله عليه وسلم يُبْغِضُ الكَذِبَ
قالَتْ عائِشَةُ رضي الله عنها: «ما كانَ خُلُقٌ أَبْغَضَ إلى رسولِ ﷲ صلى الله عليه وسلم منَ الكَذِبِ، وَلَقَدْ كانَ الرَّجُلُ يُحَدِّثُ عِنْدَ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم بِالكِذْبَةِ، فَما يَزالُ في نَفْسِهِ عَلَيْهِ حَتَّى يَعْلَمَ أَنَّهُ قَدْ أَحْدَثَ منْها تَوْبَةً». أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ، وَصَحَّحَهُ الأَلْبانِيُّ.
وفي فِعْلِهِ صلى الله عليه وسلم هَذا إِظْهارٌ لِكَراهَتِهِ الكَذِبَ، وَتَأْدِيبٌ لَفاعِلِهِ، وَزَجْرٌ عَنِ العَوْدِ لِمِثْلِها.
فالكَذِبُ: منْ أَبْغَضِ الأَخْلاقِ؛ لِكَثْرَةِ ضَرَرِهِ، وَما يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ منَ المَفاسِدِ والفِتَنِ.
بُغْضُهُ صلى الله عليه وسلم سَيِّئَ الأَخْلاقِ
عَنْ أَبي ثَعْلَبَةَ الخُشَنِيِّ رضي الله عنه قال: قال رسولُ ﷲ صلى الله عليه وسلم: «إِنَّ أَحَبَّكُمْ إِلَيَّ وَأَقْرَبَكُمْ منِّي في الآخِرَةِ مَحاسِنُكُمْ أَخْلاقًا، وَإِنَّ أَبْغَضَكُمْ إِلَيَّ وَأَبْعَدَكُمْ منِّي في الآخِرَةِ مَساوِئُكُمْ أَخْلاقًا». رَواهُ أَحْمَدُ، وَصَحَّحَهُ الأَلْبانِيُّ.
فَصاحِبُ الخُلُقِ السَّيِّئِ مَبْغُوضٌ منَ ﷲ، وَمنَ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم، بَلْ هُوَ أَبْعَدُ النَّاسِ عَنْهُ في الآخِرَةِ.
كَراهَتُهُ صلى الله عليه وسلم الطِّيَرَةَ
عَنْ مُعاوِيَةَ بْنِ الحَكَمِ السُّلَمِيِّ رضي الله عنه أَنَّهُ قال لِلنَّبيِّ صلى الله عليه وسلم: يا رسولَ ﷲ، إِنِّي حَدِيثُ عَهْدٍ بِجاهِلِيَّةٍ، وَقَدْ جاءَ ﷲ بِالإِسْلامِ، وَإِنَّ منَّا رِجالًا يَتَطَيَّرُونَ؟قالَ: «ذاكَ شَيْءٌ يَجِدُونَهُ في صُدُورِهِمْ، فَلا يَصُدَّنَّهُمْ».
وَفي رِوايَةٍ: «فَلا يَصُدَّنَّكُمْ». أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ.
وَقَدْ أَخْبَرَ أَبُو هُرَيْرَةَ رضي الله عنه «أَنَّ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم كانَ يَكْرَهُ الطِّيَرَةَ». أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ وابْنُ ماجَه، وَصَحَّحَهُ الأَلْبانِيُّ.
والتَّطَيُّرُ: هُوَ التَّشاؤُمُ بِمَرْئِيٍّ أَوْ بِمَسْمُوعٍ أَوْ بِزَمَنٍ أَوْ بِعَدَدٍ وَنَحْوِهِ، والنَّبيُّ صلى الله عليه وسلم كانَ يَكْرَهُهُ؛ لِأَنَّ التَّشاؤُمَ سُوءُ ظَنٍّ بِاﷲِ تعالى.
وَمنْ صُوَرِ التَّطَيُّرِ: التَّشاؤُمُ بِفُلانٍ منَ النَّاسِ، أَوْ بِلِبْسٍ مُعَيَّنٍ، أَوْ بِشارِعٍ مُعَيَّنٍ، أَوْ بيَوْمٍ مُعَيَّنٍ.
كَراهَتُهُ صلى الله عليه وسلم الثُّومَ منْ أَجْلِ رِيحِهِ
عَنْ جابِرِ بْنِ سَمُرَةَ رضي الله عنه قال: نَزَلَ رسولُ ﷲ صلى الله عليه وسلم على أَبي أَيُّوبَ، وَكانَ إِذا أَكَلَ طَعامًا بَعَثَ إِلَيْهِ بِفَضْلِهِ، فَبَعَثَ إِلَيْهِ يَوْمًا بِطَعامٍ، وَلَمْ يَأْكُلْ منْهُ النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم. فَلَمَّا أَتَى أَبُو أَيُّوبَ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم فَذَكَرَ ذَلِكَ لَهُ، فَقالَ النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم: «فيهِ ثُومٌ». فَقالَ يا رسولَ ﷲ: أَحَرامٌ هُوَ؟ قالَ: «لا، وَلَكِنِّي أَكْرَهُهُ منْ أَجْلِ رِيحِهِ».
أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ، وَصَحَّحَهُ الأَلْبانِيُّ.
قالَ النَّوَوِيُّ: «هَذا تَصْرِيحٌ بِإِباحَةِ الثُّومِ، وَهُوَ مُجْمَعٌ عَلَيْهِ، لَكِنْ يُكْرَهُ لِمَنْ أَرادَ حُضُورَ المَسْجِدِ، أَوْ حُضُورَ جَمْعٍ في غَيْرِ المَسْجِدِ، أَوْ مُخاطَبَةَ الكِبارِ، وَيَلْحَقُ بِالثُّومِ كُلُّ ما لَهُ رائِحَةٌ كَرِيهَةٌ» اهـ.
وَمنْ ذَلِكَ: حُضُورُ المَسْجِدِ وَبِهِ رائِحَةُ الدُّخانِ، أَوْ رائِحَةُ بَعْضِ الأَعْمالِ التي تُسَبِّبُ رائِحَةً كَرِيهَةً، أَوْ رائِحَةُ بَعْضِ الأَطْعِمَةِ كَرِيهَةِ الرَّائِحَةِ.
كَراهَتُهُ صلى الله عليه وسلم المَشْرُوباتِ الحارَّةِ
عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عامِرٍ رضي الله عنه قال: «كانَ رسولُ ﷲ صلى الله عليه وسلم يَكْرَهُ شُرْبَ الحَمِيمِ». رَواهُ أَحْمَدُ، وَصَحَّحَهُ الأَرْناؤُوطُ.
قالَ السِّنْدِيُّ: «أَيْ: شُرْبَ الماءِ الحارِّ».
وَإِنَّما كانَ يُحِبُّ النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم الحُلْوَ البارِدَ، كَما سَبَقَ.
والقِيامُ يَنْقَسِمُ إلى ثَلاثِ مَراتِبَ:
قِيامٌ على رَأْسِ الرَّجُلِ وهو جالس، وَهُوَ فِعْلُ الجَبابِرَةِ، وقد ثبتَ النهيُ عنه، إلا إذا كان فيه إغاظة للكفار.
قِيامٌ إِلَيْهِ عِنْدَ قُدُومِهِ من سفر ونحوه، وَلا بَأْسَ بِهِ.
قِيامٌ لَهُ عِنْدَ رُؤْيَتِهِ، وَوَقَعَ فيهِ خلافٌ، والأرجح قَصْرُ التحريم والوَعيدِ على مَنْ سَرَّهُ القِيامُ لَهُ؛ لِما في ذَلِكَ منْ مَحَبَّةِ التَّعاظُمِ، ويجوزُ فيما سوى ذلك.
كُرْهُهُ صلى الله عليه وسلم أَنْ يُقامَ لَهُ
فَعَنْ أَنَسٍ رضي الله عنه قال: لَمْ يَكُنْ شَخْصٌ أَحَبَّ إِلَيْهِمْ منْ رسولِ ﷲ صلى الله عليه وسلم، قال: «وَكانُوا إِذا رَأَوْهُ لَمْ يَقُومُوا؛ لِما يَعْلَمُونَ منْ كَراهِيَتِهِ لِذَلِكَ». أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ والتِّرْمِذِيُّ، وَصَحَّحَهُ الأَلْبانِيُّ.
وَكانَ صلى الله عليه وسلم يَكْرَهُ القِيامَ لَهُ؛ تَواضُعًا لِرَبِّهِ، وَمُخالَفَةً لِعادَةِ المُتَكَبِّرِينَ والمُتَجَبِّرِينَ.
وَكانَ صلى الله عليه وسلم يَكْرَهُ أَنْ يَمْشِيَ أَحَدٌ خَلْفَهُ
وَيَدُلُّ عَلَيْهِ حَدِيثُ عَبْدِ ﷲ بْنِ عَمْرٍو رضي الله عنهما قال: «كانَ رسولُ ﷲ صلى الله عليه وسلم يَكْرَهُ أَنْ يَطَأَ أَحَدٌ عَقِبَهُ، وَلَكِنْ يَمِينٌ وَشِمالٌ». أَخْرَجَهُ الحاكِمُ، وَصَحَّحَهُ الأَلْبانِيُّ.
أَيْ: أَنْ يَمْشِيَ أَحَدٌ خَلْفَهُ، وَلَكِنْ عَنْ يَمِينِهِ وَشِمالِهِ، وَكانَ يَكْرَهُ أَنْ يَمْشِيَ أَمامَ القَوْمِ، بَلْ في وَسَطِ الجَمْعِ أَوْ في آخِرِهِمْ؛ تَواضُعًا ﷲِ واسْتِكانَةً لَهُ، وَلِيَطَّلِعَ على حَرَكاتِ أَصْحابِهِ وَسَكَناتِهِمْ، فَيعَلِّمَهُمْ آدابَ الشَّرِيعَةِ.
وعَنْ جابِرِ بْنِ عَبْدِ ﷲ رضي الله عنهما قال: «كانَ النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم إِذا مَشَى مَشَى أَصْحابُهُ أَمامَهُ، وَتَرَكُوا ظَهْرَهُ للمَلائِكَةِ». أَخْرَجَهُ ابْنُ ماجَه، وَصَحَّحَهُ الأَلْبانِيُّ.
كَراهِيَتُهُ صلى الله عليه وسلم أَنْ يُؤْخَذَ منْ رَأْسِ الطَّعامِ
عَنْ عُبَيْدِ ﷲ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أَبي رافِعٍ عَنْ جَدَّتِهِ قالَتْ: «كانَ رسولُ ﷲ صلى الله عليه وسلم يَكْرَهُ أَنْ يُؤْخَذَ منْ رَأْسِ الطَّعامِ». أَخْرَجَهُ الطَّبَرانِيُّ في )الكَبيرِ)، وَحَسَّنَهُ الأَلْبانِيُّ.
وَفي الحَدِيثِ: «البَرَكَةُ تَنْزِلُ وَسَطَ الطَّعامِ، فَكُلُوا منْ حافَتَيْهِ، وَلا تَأْكُلُوا منْ وَسَطِهِ». أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ، وَصَحَّحَهُ الأَلْبانِيُّ.
قالَ الشَّوْكانِيُّ: «فيهِ مَشْرُوعِيَّةُ الأَكْلِ منْ جَوانِبِ الطَّعامِ قَبْلَ وَسَطِهِ».
نشاط
1- سَيِّئُ الأَخْلاقِ مَذْمُومٌ في الشَّرْعِ، فَبِمَ تَنْصَحُ المُسْلِمَ في هَذا البابِ؟
2- تَقَدَّمَ الكَلامُ على التَّفاؤُلِ، اكْتُبْ مَقالَةً قَصِيرَةً في حُكْمِ التَّشاؤُمِ، وَصُورِهِ المُعاصِرَةِ.
3- ما حُكْمُ أَكْلِ الثُّومِ، وَما المَذْمُومُ منْ ذَلِكَ، وَهَلْ يُلْحَقُ بِهِ غَيْرُهُ منَ الرَّوائِحِ الكَرِيهَةِ؟
4- اذْكُرْ أَقْسامَ القِيامِ لِلنَّاسِ، وَما وَجْهُ بُغْضِ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم للقِيامِ لَهُ؟
5- اذْكُرْ جُمْلَةً منَ الآدابِ في الأَكْلِ.
بُكاؤُهُ صلى الله عليه وسلم
بُكاءُ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم لَمْ يَكُنْ سَبَبَهُ الحُزْنُ والأَلَمُ فَحَسْبُ، وَلَكِنْ لَهُ دَوافِعُ أُخْرَى.
قالَ ابْنُ القَيِّمِ رحمه الله: «وَكانَ بُكاؤُهُ صلى الله عليه وسلم تارَةً رَحْمَةً للمَيِّتِ، وَتارَةً خَوْفًا على أُمّتِهِ وَشَفَقَةً عَلَيْها، وَتارَةً منْ خَشْيَةِ اللهِ، وَتارَةً عِنْدَ سَماعِ القُرآنِ، وَهُوَ بُكاءُ اشْتِياقٍ وَمَحَبَّةٍ وَإِجْلالٍ، مُصاحِبٌ للخَوْفِ والخَشْيَةِ».
وَقَدْ قال صلى الله عليه وسلم في مَوْتِ ابْنِهِ إِبْراهِيمَ : «إِنَّ العَيْنَ تَدْمَعُ، والقَلْبَ يَحْزَنُ، وَلا نَقُولُ إِلَّا ما يَرْضَى رَبُّنا، وَإِنَّا بِفِراقِكَ يا إِبْراهِيمُ لَمَحْزُونُونَ». أَخْرَجَهُ البُخارِيُّ وَمُسْلِمٌ.
وَهَذا المَزْجُ بينَ البَشَرِيَّةِ والرِّسالَةِ في شَخْصِهِ صلى الله عليه وسلم جَعَلَ صِفاتِهِ البَشَرِيَّةَ أَسْمَى مِثالٍ للقُدْوَةِ.
بُكاؤُهُ صلى الله عليه وسلم في الصَّلاةِ
عَنْ مُطَرِّفٍ عَنْ أَبيهِ قال: «أَتَيْتُ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم وَهُوَ يُصَلِّي، وَلِجَوْفِهِ أَزِيزٌ كَأَزِيزِ المِرْجَلِ (أَيْ: كَصَوْتِ غَلَيانِ الماءِ)؛ يَعْنِي: يَبْكِي». رَواهُ أَحْمَدُ وَأَبُو داوُدَ، وَصَحَّحَهُ الأَلْبانِيُّ.
وَهَذا لِكَمالِ خَوْفِهِ صلى الله عليه وسلم وَخُضُوعِهِ لِرَبِّهِ.
وَهَذا يَدُلُّ على أَنَّ القُرآنَ أَعْظَمُ عِلاجٍ لِقَسْوَةِ القُلُوبِ، إِذا قَرَأَهُ المُسْلِمُ بِتَدَبُّرٍ وَتَفَكُّرٍ في آياتِهِ.
كَما يَدُلُّ على أَنَّ البُكاءَ لا يُبْطِلُ الصَّلاةَ، سَواءٌ ظَهَرَ منْهُ حَرْفانِ أَمْ لا، قال شَيْخُ الإِسْلامِ: «فَإِنَّ هَذا لا يُسَمَّى كَلامًا في اللُّغَةِ التي خاطَبَنا بِها النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم، فَلا يَتَناوَلُهُ عُمُومُ النَّهْيِ عَنِ الكَلامِ في الصَّلاةِ».
بُكاؤُهُ صلى الله عليه وسلم عِنْدَ سَماعِ القُرآنِ، وَلَوْ في غَيْرِ صَلاةٍ
فعَنْ عَبْدِ ﷲ بْنِ مَسْعُودٍ رضي الله عنه قال: قال لِيَ النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم: «اقْرَأْ عَلَيَّ». قُلْتُ: يا رسولَ ﷲ، أقْرَأُ عَلَيْكَ وَعَلَيْكَ أُنْزِلَ؟ قال: «نَعَمْ». فَقَرَأْتُ سُورَةَ النِّساءِ حَتَّى أَتَيْتُ إلى هَذِهِ الآيَةِ: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا ﴾ (النساء: 41). قالَ: «حَسْبُكَ الآنَ». فالتَفَتُّ إِلَيْهِ فَإِذا عَيْناهُ تَذْرِفانِ.
أَخْرَجَهُ البُخارِيُّ وَمُسْلِمٌ.
قالَ الحافِظُ: «والذي يَظْهَرُ أَنَّهُ بَكَى رَحْمَةً لِأُمَّتِهِ؛ لِأَنَّهُ عَلِمَ أَنَّهُ لا بُدَّ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْهِمْ بِعَمَلِهِمْ، وَعَمَلُهُمْ قَدْ لا يَكُونُ مُسْتَقِيمًا فَقَدْ يُفْضِي إلى تَعْذِيبِهِمْ».
بُكاؤُهُ صلى الله عليه وسلم على القَبْرِ
عَنِ البَراءِ بن عازِبٍ رضي الله عنه قال: كُنَّا مَعَ رسولِ ﷲ صلى الله عليه وسلم في جِنازَةٍ، فَجَلَسَ على شَفيرِ القَبْرِ (أَيْ: طَرَفِهِ) فَبَكَى حَتَّى بَلَّ الثَّرَى (أَيِ: التُّرابَ). ثُمَّ قال: «يا إِخْوانِي، لِمِثْلِ هَذا فَأَعِدُّوا».
أَخْرَجَهُ ابْنُ ماجَه، وَحَسَّنَهُ الأَلْبانِيُّ.
أَيْ: لِمِثْلِ يَوْمِ نُزُولِ أَحَدِكُمْ قَبْرَه، فَلْيُعِدَّ الزَّادَ.
بُكاؤُهُ صلى الله عليه وسلم رَحْمَةً بِأُمَّتِهِ وَخَوْفًا عَلَيْهِمْ
فَعَنْ عَبْدِ ﷲ بْنِ عَمْرِو بْنِ العاصِ رضي الله عنهما أَنَّ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم تَلا قولَ ﷲ عزوجل في إِبْراهِيمَ: ﴿رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾ (إبراهيم: 36)، وَقالَ عِيسَى علیه السلام: ﴿إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ﴾ (المائدة: 118)، فَرَفَعَ يَدَيْهِ، وَقالَ: اللَّهُمَّ أُمَّتِي أُمَّتِي، وَبَكَى. فَقالَ اﷲُ عزوجل: يا جِبْرِيلُ اذْهَبْ إلى مُحَمَّدٍ -وَرَبُّكَ أَعْلَمُ- فَسَلْهُ ما يُبْكِيكَ؟ فَأَتاهُ جِبْرِيلُ عليه السلام فَسَأَلَهُ ؟ فَأَخْبَرَهُ رسولُ ﷲ صلى الله عليه وسلم بِما قال وَهُوَ أَعْلَمُ. فَقالَ ﷲ: يا جِبْرِيلُ، اذْهَبْ إلى مُحَمَّدٍ، فَقُلْ: إِنَّا سَنُرْضِيكَ في أُمَّتِكَ وَلا نَسُوءُكَ.
أَخْرَجَهُ مُسْلِمُ.
قالَ النَّوَوِيُّ: «هَذا الحَدِيثُ مُشْتَمِلٌ على أَنْواعٍ منْ الفَوائِدِ منْها: بَيانُ كَمالِ شَفَقَةِ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم على أُمَّتِهِ واعْتِنائِهِ بِمَصالِحِهِمْ، واهْتِمامِهِ بِأَمْرِهِمْ ... وَمنْها: البِشارَةُ العَظِيمَةُ لِهَذِهِ الأُمَّةِ -زادَها اللَّه تعالى شَرَفًا- بِما وَعَدَها اللَّه تعالى بِقولِهِ: «سَنُرْضِيكَ في أُمَّتِكَ وَلا نَسُوؤُكَ»، وَهَذا منْ أَرْجَى الأَحادِيثِ لِهَذِهِ الأُمَّةِ أَوْ أَرْجاها».
بُكاؤُهُ صلى الله عليه وسلم عِنْدَ زِيارَةِ قَبْرِ أُمِّهِ
عَنْ أَبي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قال: زارَ النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم قَبْرَ أُمِّهِ، فَبَكَى وَأَبْكَى مَنْ حَوْلَهُ. فَقالَ: «اسْتَأْذَنْتُ رَبِّي في أَنْ أَسْتَغْفِرَ لَها فَلَمْ يُؤْذَنْ لِي، واسْتَأْذَنْتُهُ في أَنْ أَزُورَ قَبْرَها فَأُذِنَ لِي، فَزُورُوا القُبُورَ؛ فَإِنَّها تُذَكِّرُ المَوْتَ».
أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ.
وَكانَتْ هَذِهِ الزِّيارَةُ عِنْدَما مَرَّ رسولُ ﷲ صلى الله عليه وسلم في عُمْرَةِ الحُدَيْبيَةِ بِالأَبْواءِ، وَهِيَ بينَ مَكَّةَ والمَدِينَةِ وَأَقْرَبُ إلى المَدِينَةِ.
قالَ القاضِي عِياضٌ: «وبُكاؤُهُ صلى الله عليه وسلم على ما فاتَها -أي: أمَّهُ- منْ إِدْراكِ أَيَّامِهِ، والإِيمانِ بِهِ».
نشاط
1- البُكاءُ غَرِيزَةٌ في الإِنْسانِ. فَما حُكْمُهُ، مَعَ ذِكْرِ الدَّلِيلِ؟
2- منْ خِلالِ هَذا المَقْطَعِ، بَيِّنْ كَيْفَ راعَى الإِسْلامُ الفِطْرَةَ الإِنْسانِيَّةَ؟
3- بَيِّنْ مَدَى شَفَقَةِ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم على أُمَّتِهِ.
4- ما مَوْقِفُ المُسْلِمِ منَ الأَبَوَيْنِ الكافِرَيْنِ؟
ضَحِكُهُ صلى الله عليه وسلم
كانَ رسولُنا صلى الله عليه وسلم تَعْلُو مُحَيَّاهُ البَسْمَةُ المُشْرِقَةُ، فَإِذا قابَلَ بِها النَّاسَ أَسَرَ قُلُوبَهُمْ أَسْرًا، فَمالَتْ نُفُوسُهُمْ بِالكُلِّيَّةِ إِلَيْهِ، وَتَهافَتَتْ أَرْواحُهُمْ عَلَيْهِ.
وَكانَ الضَّحِكُ والتَّبَسُّمُ منْهُ صلى الله عليه وسلم: إِمَّا مُلاطَفَةً وَمُؤانَسَةً لِأَزْواجِهِ أَوْ لِأَصْحابِهِ، أَوْ مُشارَكَةً لَهُمْ في فَرْحَتِهِمْ، أَوْ تَصْدِيقًا لِخَبَرٍ ما؛ ضَحِكَ إِقْرارٍ بِصِحَّتِهِ، أَوْ فَرَحًا وَسُرُورًا بِبَعْضِ المَواقِفِ، أَوْ تَعَجُّبًا، أَوْ لِسَماعِ ما يُضْحِكُ، وَرُؤْيَةِ ما يَسُرُّ، أَوْ لِغَيْرِ ذَلِكَ منَ الأَسْبابِ.
كَيْفيَّةُ ضَحِكِهِ صلى الله عليه وسلم
عَنْ عَبْدِ ﷲ بْنِ الحارِثِ رضي الله عنه قال: «ما كانَ ضَحِكُ رسولِ ﷲ صلى الله عليه وسلم إِلَّا تَبَسُّمًا». رَواهُ التِّرْمِذِيُّ، وَصَحَّحَهُ الأَلْبانِيُّ.
وَعَنْ عائِشَةَ رضي الله عنها قالَتْ: «ما رَأَيْتُ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم مُسْتَجْمِعًا قَطُّ ضاحِكًا حَتَّى أَرَى منْهُ لَهَواتِهِ (وَهِيَ اللَّحْمَةُ التي بِأَعْلَى الحَنْجَرَةِ) إِنَّما كانَ يَتَبَسَّمُ». أَخْرَجَهُ البُخارِيُّ وَمُسْلِمٌ.
هَذِهِ الأَحادِيثُ تَدُلُّ على أَنَّ ضَحِكَ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم كانَ تَبَسُّمًا، وَلا يَزِيدُ على التَّبَسُّمِ.
وَهَذا كانَ في غالِبِ أَحْوالِهِ؛ لِأَنَّهُ صلى الله عليه وسلم ضَحِكَ في بَعْضِ الأَحْيانِ حَتَّى بَدَتْ نَواجِذُهُ، وَهِيَ الأَضْراسُ، وَلا تَكادُ تَظْهَرُ إِلَّا عِنْدَ المُبالَغَةِ في الضَّحِكِ.
قالَ الحافِظُ ابْنُ حَجَرٍ: «والذي يَظْهَرُ منْ مَجْمُوعِ الأَحادِيثِ أَنَّهُ صلى الله عليه وسلم كانَ في مُعْظَمِ أَحْوالِهِ لا يَزِيدُ على التَّبَسُّمِ، وَرُبَّما زادَ على ذَلِكَ فَضَحِكَ، والمَكْرُوهُ منْ ذَلِكَ إِنَّما هُوَ الإِكْثارُ منْهُ أَوْ الإِفْراطُ فيهِ؛ لِأَنَّهُ يُذْهِبُ الوَقارَ».
ضَحِكُهُ صلى الله عليه وسلم في بيته مع أهله
عَنْ عائِشَةَ رضي الله عنها قالَتْ: قَدِمَ رسولُ ﷲ صلى الله عليه وسلم منْ غَزْوَةِ تَبُوكَ، أَوْ خَيْبَرَ وَفي سَهْوَتِها (وَهُوَ شَيْءٌ شَبيهٌ بِالرَّفِّ) سِتْرٌ، فَهَبَّتْ رِيحٌ فَكَشَفَتْ ناحِيَةَ السِّتْرِ عَنْ بَناتٍ لِعائِشَةَ لُعَبٍ، فَقالَ: «ما هَذا يا عائِشَةُ؟» قالَتْ: بَناتِي، وَرَأَى بينَهُنَّ فَرَسًا لَهُ جَناحانِ منْ رِقاعٍ، فَقالَ: «ما هَذا الذي أَرَى وَسْطَهُنَّ؟» قالَتْ: فَرَسٌ، قال: «وَما هَذا الذي عَلَيْهِ؟» قالَتْ: جَناحانِ، قال: «فَرَسٌ لَهُ جَناحانِ؟!» قالَتْ: أَما سَمِعْتَ أَنَّ لِسُلَيْمانَ خَيْلًا لَها أَجْنِحَةٌ؟ قالَتْ: فَضَحِكَ حَتَّى رَأَيْتُ نَواجِذَهُ. أَخْرَجَهُ أَبُو داوُدَ، وَصَحَّحَهُ الأَلْبانِيُّ.
فَكَمْ أَدْخَلَتْ تِلْكَ الضِّحْكَةُ منْهُ صلى الله عليه وسلم منَ السُّرُورِ على قَلْبِ زَوْجَتِهِ؟! وَكَمْ كانَ لِتِلْكَ المُداعَبَةِ منَ الأَثَرِ الحَسَنِ على مَشاعِرِها؟!
وَكانَ عُمَرُ بْنُ الخَطَّابِ رضي الله عنه مَعَ شِدَّتِهِ وَصَلابَتِهِ يَقُولُ: «يَنْبَغِي لِلرَّجُلِ أَنْ يَكُونَ في أَهْلِهِ مِثْلَ الصَّبيِّ، فَإِذا التُمِسَ ما عِنْدَهُ وُجِدَ رَجُلًا».
وَكانَ زَيْدُ بْنُ ثابِتٍ رضي الله عنه منْ أَفْكَهِ النَّاسِ في بَيْتِهِ، فَإِذا خَرَجَ كانَ رَجُلًا منَ الرِّجالِ.
وَوَصَفَتْ أَعْرابيَّةٌ زَوْجَها وَقَدْ ماتَ، فَقالَتْ: وﷲ لَقَدْ كانَ ضَحُوكًا إِذا وَلَجَ، سِكِّيتًا إِذا خَرَجَ، آكِلًا ما وَجَدَ، غَيْرَ سائِلٍ عَمَّا فَقَدَ.
حَثُّهُ صلى الله عليه وسلم الأَزْواجَ على الضَّحِكِ مَعَ الزَّوْجاتِ
فَقَدْ قال النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم لِجابِرِ بْنِ عَبْدِ ﷲ رضي الله عنهما لمَّا تَزَوَّجَ: «هَلَّا جارِيَةً تُلاعِبُها وَتُلاعِبُكَ، أَوْ تُضاحِكُها وَتُضاحِكُكَ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
فالمُلاعَبَةُ والمُضاحَكَةُ بينَ الزَّوْجَيْنِ تَمْلَأُ القُلُوبَ مَسَرَّةً، والبَيْتَ أُنْسًا وَمَحَبَّةً، فَتَقْوَى الرَّابِطَةُ الزَّوْجِيَّةُ، وَتَتَعَمَّقُ الأُلْفَةُ والمَوَدَّةُ.
تَبَسُّمُهُ صلى الله عليه وسلم مُشارَكَةً لِأَصْحابِهِ
عَنْ سِماكِ بْنِ حَرْبٍ قال: قُلْتُ لِجابِرِ بْنِ سَمُرَةَ رضي الله عنه: أَكُنْتَ تُجالِسُ رسولَ ﷲ صلى الله عليه وسلم؟ قالَ: نَعَمْ كَثِيرًا، جالَسْتُ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم أَكْثَرَ منْ مِائَةِ مَرَّةٍ، كانَ لا يَقُومُ منْ مُصَلَّاهُ الذي يُصَلِّي فيهِ الصُّبْحَ أَوِ الغَداةَ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ، فَإِذا طَلَعَتِ الشَّمْسُ قامَ. وَكانُوا يَتَحَدَّثُونَ فَيَأْخُذُونَ في أَمْرِ الجاهِلِيَّةِ، فَيَضْحَكُونَ وَيَتَبَسَّمُ.
أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ.
ضَحِكُهُ صلى الله عليه وسلم منْ هَيْبَةِ النِّساءِ لِعُمَرَ بْنِ الخَطَّابِ رضي الله عنه
عَنْ سَعْدِ بْنِ أَبي وَقَّاصٍ رضي الله عنه قال: اسْتَأْذَنَ عُمَرُ بْنُ الخَطَّابِ رضي الله عنه على رسولِ ﷲ صلى الله عليه وسلم وَعِنْدَهُ نِسْوَةٌ منْ قُرَيْشٍ يَسْأَلْنَهُ، وَيَسْتَكْثِرْنَهُ، عالِيَةً أَصْواتُهُنَّ على صَوْتِهِ. فَلَمَّا اسْتَأْذَنَ عُمَرُ تَبادَرْنَ الحِجابَ. فَأَذِنَ لَهُ النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم فَدَخَلَ، والنَّبيُّ صلى الله عليه وسلم يَضْحَكُ. فَقالَ: أَضْحَكَ ﷲ سِنَّكَ يا رسولَ اﷲِ بِأَبي أَنْتَ وَأُمِّي. فَقالَ: عَجِبْتُ منْ هَؤُلاءِ اللَّاتِي كُنَّ عِنْدِي لَمَّا سَمِعْنَ صَوْتَكَ تَبادَرْنَ الحِجابَ. فَقالَ: أَنْتَ أَحَقُّ أَنْ يَهَبْنَ يا رسولَ ﷲ. ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَيْهِنَّ فَقالَ: يا عَدُوَّاتِ أَنْفُسِهِنَّ أَتَهَبْنَنِي، وَلَمْ تَهَبْنَ رسولَ ﷲ صلى الله عليه وسلم؟! فَقُلْنَ: إِنَّكَ أَفَظُّ وَأَغْلَظُ منْ رسولِ ﷲ صلى الله عليه وسلم. قالَ رسولُ ﷲ صلى الله عليه وسلم: «يا ابْنَ الخَطَّابِ، والذي نَفْسِي بيَدِهِ، ما لَقِيَكَ الشَّيْطانُ سالِكًا فَجًّا إِلَّا سَلَكَ فَجًّا غَيْرَ فَجِّكَ». رَواهُ البُخارِيُّ وَمُسْلِمٌ.
ضَحِكُهُ صلى الله عليه وسلم منَ المُظاهِرِ الذي جامَعَ أَهْلَهُ قَبْلَ أَنْ يُكَفِّرَ
عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما أَنَّ رَجُلًا ظاهَرَ منِ امْرَأَتِهِ؛ (أَيْ: قال لَها: أَنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي)، فَغَشِيَها قَبْلَ أَنْ يُكَفِّرَ؛ (أَيْ: جامَعَها قَبْلَ أَنْ يُكَفِّرَ كَفَّارَةَ الظِّهارِ).فَأَتَى النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم، فَذَكَرَ ذَلِكَ لَهُ.فَقالَ: «ما حَمَلَكَ على ذَلِكَ؟».قالَ: يا رسولَ ﷲ، رَأَيْتُ بَياضَ ساقِها في ضَوْءِ القَمَرِ، فَلَمْ أَمْلِكْ نَفْسِي أَنْ وَقَعْتُ عَلَيْها.فَضَحِكَ رسولُ ﷲ صلى الله عليه وسلم، وَأَمَرَهُ أَلَّا يَقْرَبَها حَتَّى يُكَفِّرَ.
أَخْرَجَهُ أَبُو داوُدَ والتِّرْمِذِيُّ وابن ماجه، وَحَسَّنَهُ الأَلْبانِيُّ.
والحَدِيثُ دَلِيلٌ على أَنَّهُ يَحْرُمُ وَطْءُ الزَّوْجَةِ التي ظاهَرَ منْها قَبْلَ التَّكْفيرِ، وَهُوَ مُجْمَعٌ عَلَيْهِ؛ لِقولِهِ تعالى في تَقْرِيرِ وُجُوبِ الكَفَّارَةِ: ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا ﴾ (المجادلة: 3)، فَلَوْ وَطِئَ لَمْ يَسْقُطِ التَّكْفيرُ وَلا يَتَضاعَفُ.
مُزاحُهُ ﷺ
المُزاحُ والمُداعَبَةُ شَيْءٌ مُحَبَّبٌ إلى النُّفُوسِ، فَهُوَ يَبْعَثُ على النَّشاطِ والإِقْبالِ على الأَعْمالِ بِجِدٍّ وَطاقَةٍ، وَلا حَرَجَ فيهِ ما دامَ مُنْضَبِطًا بِضَوابِطِ الشَّرْعِ، وَلا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ ضَرَرٌ، بَلْ هُوَ مَطْلُوبٌ وَمَرْغُوبٌ، وَقَدْ كانَ النَّبيُّ ﷺ يُمازِحُ، وَلا يَقُولُ إِلَّا حَقًّا.
فَمنْ مُزاحِهِ صلى الله عليه وسلم
أَنَّ رَجُلًا أَتَى النَّبِىَّ ﷺ فاسْتَحْمَلَهُ، فَقالَ رسولُ ﷲ ﷺ: «إِنَّا حامِلُوكَ على وَلَدِ ناقَةٍ». قال يا رسولَ ﷲ، ما أَصْنَعُ بِوَلَدِ ناقَةٍ؟! فَقالَ رسولُ ﷲ ﷺ: «وَهَلْ تَلِدُ الإِبِلَ إِلَّا النُّوقُ». رَواهُ أَحْمَدُ وَأَبُو داوُدَ، وَصَحَّحَهُ الأَلْبانِيُّ.
وَعَنْ أَنَسٍ رضي الله عنه قال: كانَ النَّبيُّ ﷺ أَحْسَنَ النَّاسِ خُلُقًا، وَكانَ لِي أَخٌ يُقالُ لَهُ أَبُو عُمَيْرٍ -قالَ: أَحْسِبُهُ- فَطِيمًا، وَكانَ إِذا جاءَ قال: «يا أَبا عُمَيْرٍ، ما فَعَلَ النُّغَيْرُ» نُغَرٌ كانَ يَلْعَبُ بِهِ. أَخْرَجَهُ البُخارِيُّ وَمُسْلِمٌ.
وَقَدِمَ صُهَيْبٌ رضي الله عنه على النَّبيِّ ﷺ وَبينَ يَدَيْهِ تَمْرٌ وَخُبْزٌ، فَقالَ: «ادْنُ فَكُلْ». قال فَأَخَذَ يَأْكُلُ منَ التَّمْرِ، فَقالَ لَهُ النَّبِىُّ صلى الله عليه وسلم: «إِنَّ بِعَيْنِكَ رَمَدًا». فَقالَ يا رسولَ ﷲ إِنَّما آكُلُ منَ النَّاحِيَةِ الأُخْرَى. قال فَتَبَسَّمَ النَّبِىُّ ﷺ. رَواهُ أَحْمَدُ وابْنُ ماجَه، وَحَسَّنَهُ الأَلْبانِيُّ.
وَقالَ عَوْفُ بْنُ مالِكٍ الأَشْجَعِيُّ رضي الله عنه: أَتَيْتُ رسولَ ﷲ ﷺ في غَزْوَةِ تَبُوكَ وَهُوَ في قُبَّةٍ منْ أَدَمٍ، فَسَلَّمْتُ فَرَدَّ وَقالَ: «ادْخُلْ»، فَقُلْتُ: أَكُلِّي يا رسولَ اللَّهِ؟ قال: «كُلُّكَ» فَدَخَلْتُ. أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ وَأَبُو داوُدَ، وَصَحَّحَهُ الأَلْبانِيُّ.
نشاط
1- ما المَسْنُونُ للمُسْلِمِ في بابِ الضَّحِكِ؟ وَما تَوْجِيهُكَ لِمَنْ يُكْثِرُونَ منْهُ؟
2- الضَّحِكُ مِمَّا فَطَرَ ﷲ عَلَيْهِ العِبادَ، بَيِّنْ طَرَفًا منْ ذَلِكَ منْ خِلالِ هَدْيِ النَّبيِّ ﷺ.
3- منْ غَيْرِ ما دَرَسْتَ، اذْكُرْ طَرَفًا منْ مُزاحِ النَّبيِّ ﷺ.
غَضَبُهُ ﷺ
الغَضَبُ منَ الصِّفاتِ التي فُطِرَ عَلَيْها الإِنْسانُ، وَهِيَ صِفَةٌ تُحْمَدُ في مَوْطِنِها المَطْلُوبِ، وَوَقْتِها المُناسِبِ، وَتُذَمُّ في غَيْرِ ذَلِكَ.
والنَّبيُّ ﷺ كانَ يَغْضَبُ حَتَّى يَحْمَرَّ وَجْهُهُ، وَلَكِنْ هَذا الغَضَبُ لِمْ يَكُنْ منْ أَجْلِ دُنْيا فانِيَةٍ، وَلا لِأَمْرٍ يَخُصُّ نَفْسَهُ، وِإِنَّما يَكُونُ غَضَبُهُ ﷲِ تعالى.
قالَتْ عائِشَةُ رضي الله عنها: «وَما انْتَقَمَ رسولُ ﷲ ﷺ لِنَفْسِهِ، إِلَّا أَنْ تُنْتَهَكَ حُرْمَةُ اﷲِ فَيَنْتَقِمَ ﷲِ بِها». أَخْرَجَهُ البُخارِيُّ ومُسْلِمٌ.
غَضَبُهُ ﷺ منَ التَّنازُعِ في القُرآنِ
عَنْ عَبْدِ ﷲ بْنِ عَمْرٍو رضي الله عنهما قال: هَجَّرْتُ (أَيْ: أَتَيْتُ وَقْتَ الهاجِرَةِ، وَهُوَ نِصْفُ النَّهارِ) إلى رسولِ ﷲ صلى الله عليه وسلم يَوْمًا، قال: فَسَمِعَ أَصْواتَ رَجُلَيْنِ اخْتَلَفا في آيَةٍ، فَخَرَجَ عَلَيْنا رسولُ ﷲ صلى الله عليه وسلم يُعْرَفُ في وَجْهِهِ الغَضَبُ، فَقالَ: «إِنَّما هَلَكَ مَنْ كانَ قَبْلَكُمْ بِاخْتِلافِهِمْ في الكِتابِ» أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ.
فالواجبُ على المُسْلِمِ أَنْ يَعْلَمَ أَنَّ القُرآنَ يُصَدِّقُ بَعْضُهُ بَعْضًا، فَإِنْ أُشْكِلَ عَلَيْهِ شَيْءٌ، وَلَمْ يَتَيَسَّرْ لَهُ فهمُهُ، فَلْيَعْتَقِدْ أَنَّهُ منْ سُوءِ فَهْمِهِ، وَلْيَكِلْهُ إلى ﷲ وَرسولِهِ ﷺ، فإن لم يكُنْ من أَهْلِ النَّظرِ والاستدلالِ سَأَلَ أَهْلَ العِلمِ الموثُوقِين.
غَضَبُهُ صلى الله عليه وسلم منَ التَّنازُعِ في القَدَرِ
عَنْ أَبي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قال: خَرَجَ عَلَيْنا رسولُ ﷲ ﷺ وَنَحْنُ نَتَنازَعُ في القَدَرِ، فَغَضِبَ حَتَّى احْمَرَّ وَجْهُهُ، فَقالَ : «أَبِهَذا أُمِرْتُمْ؟! أَمْ بِهَذا أُرْسِلْتُ إِلَيْكُمْ؟! لِهَذا خُلِقْتُمْ؟! تَضْرِبُونَ القُرآنَ بَعْضَهُ بِبَعْضٍ؟! إِنَّما هَلَكَ مَنْ كانَ قَبْلَكُمْ حِينَ تَنازَعُوا في هَذا الأَمْرِ، عَزَمْتُ عَلَيْكُمْ أَلَّا تَتَنازَعُوا فيهِ» أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ وابْنُ ماجَه، وَحَسَّنَهُ الأَلْبانِيُّ.
وَإنما غَضِبَ ﷺ؛ لِأَنَّ القَدَرَ سِرٌّ منْ أَسْرارِ ﷲ ِتعالى، وَطَلَبُ سِرِّ ﷲ مَنْهِيٌّ عَنْهُ؛ وَلِأَنَّ مَنْ يَبْحَثُ فيهِ لا يَأْمَنُ منْ أَنْ يَصِيرَ قَدَرِيًّا، أَوْ جَبْرِيًّا.
وَقَضِيَّةُ القَدَرِ منْ أَخْطَرِ القَضايا وَأَغْمَضِها، كَما قال عَلِيٌّ رضي الله عنه: «القَدَرُ سِرُّ ﷲ في خَلْقِهِ فَلا تَكَلَّفُوهُ».
وَلِهَذا قال ﷺ: «إِذا ذُكِرَ القَدَرُ فَأَمْسِكُوا». رَواهُ الطَّبَرانِيُّ، وَحَسَّنَهُ الأَلْبانِيُّ.
فَرَحُهُ ﷺ
لَقَدْ خَلَقَ ﷲ تعالى البَشَرَ، وَخَلَقَ فيهِمْ منَ الصِّفاتِ الفِطْرِيَّةِ، والأُمُورِ الجِبِلِّيَّةِ ما جَعَلَهُمْ يَعْرِفُونَ بِها قَدْرَ نِعْمَةِ ﷲ تعالى عَلَيْهِمْ.
وَمنْ تِلْكَ الصِّفاتِ: صِفَةُ الفَرَح، قال تعالى: ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ ﴾ (يونس: 58) أَيْ: بهَذا الذي جاءَهُمْ منَ ﷲ، منَ الهُدَى، وَدِينِ الحَقِّ؛ فَلْيَفْرَحُوا، فَإِنَّهُ أَوْلَى ما يَفْرَحُونَ بِهِ، وَقَدْ كانَ صلى الله عليه وسلم يُصِيبُهُ الفَرَحُ والسُّرُورُ، شَأْنُهُ شَأْنُ البَشَرِ، وَفَرَحُهُ بِالشَّرْعِ أَعْظَمُ الفَرَحِ.
فَرَحُهُ ﷺ بِظُهُورِ بَراءَةِ عائِشَةَ رضي الله عنها
قالَتْ عائِشَةُ رضي الله عنها في سِياقِ قِصَّةِ الإِفْكِ: وَأُنْزِلَ على رسولِ ﷲ ﷺ منْ ساعَتِهِ، فَسَكَتْنا فَرُفِعَ عَنْهُ، فَسُرِّيَ عَنْ رسولِ ﷲ ﷺ وَهُوَ يَضْحَكُ، فَكانَتْ أَوَّلَ كَلِمَةٍ تَكَلَّمَ بِها أَنْ قال: «يا عائِشَةُ، أَمَّا ﷲ فَقَدْ بَرَّأَكِ». (أَيْ: بِما أَنْزَلَ منَ القُرآنِ). أَخْرَجَهُ البُخارِيُّ وَمُسْلِمٌ.
فَرَحُهُ ﷺ عِنْدَما اخْتارَتْهُ عائِشَةُ رضي الله عنها عِنْدَما نَزَلَتْ آيَةُ التَّخْيِيرِ
فَعَنْ عائِشَةَ رضي الله عنها قالَتْ: لَمَّا أُمِرَ رسولُ ﷲ ﷺ بِتَخْيِيرِ أَزْواجِهِ بَدَأَ بي، فَقالَ: «يا عائِشَةُ، إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أَذْكُرَ لَكِ أَمْرًا، فَلا تَقْضِينَ فيهِ شَيْئًا دُونَ أَبَوَيْكِ». (أَيْ: لا تَعْجَلِي فيهِ حَتَّى تَسْتَشِيرِي أَبَوَيْكِ) فَقُلْتُ: وَما هُوَ؟ فَقَرَأَ عَلَيَّ هَذِهِ الآيَةَ: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا (28) وَإِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الْآخِرَةَ فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنْكُنَّ أَجْرًا عَظِيمًا ﴾ (الأحزاب: ٢٨-٢٩) فَقُلْتُ: أَفيكَ يا رسولَ اﷲِ، أَسْتَشِيرُ أَبَوَيَّ؟! بَلْ أَخْتارُ اﷲَ وَرسولَهُ والدَّارَ الآخِرَةَ. قالَتْ: فَفَرِحَ بِذَلِكَ رسولُ ﷲ ﷺ. أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ، وَلَفْظُ (الفَرَحِ) عِنْدَ أَحْمَدَ في المسند.
فَرَحُهُ ﷺ بِدُخُولِ بَعْضِ مَنْ لَهُمْ مَكانَةٌ في الإِسْلامِ
فَفَرِحَ بِإِسْلامِ عَدِيِّ بْنِ حاتِمٍ رضي الله عنه لمَّا جاءَ إلى النَّبيِّ ﷺ، وَقالَ لَهُ: فَإِنِّي جِئْتُ مُسْلِمًا.قالَ:فَرَأَيْتُ وَجْهَهُ تَبَسَّطَ فَرَحًا.
رَواهُ التِّرْمِذِيُّ، وَحَسَّنَهُ الأَلْبانِيُّ.
فَرَحُهُ ﷺ بِظُهُورِ الحَقِّ
فَقَدْ فَرِحَ منْ تَبَيُّنِ الحَقِّ وَتَأَكُّدِهِ في صِحَّةِ نَسَبِ أُسامَةَ بْنِ زَيْدٍ إلى أَبيهِ رضي الله عنهما.
فَعَنْ عائِشَةَ رضي الله عنها قالَتْ: دَخَلَ عَلَيَّ رسولُ ﷲ ﷺ ذاتَ يَوْمٍ وَهُوَ مَسْرُورٌ تَبْرُقُ (تُنِيرُ) أَسارِيرُ وَجْهِهِ.فَقالَ:«يا عائِشَةُ، أَلَمْ تَرَيْ أَنَّ مُجَزِّزًا المُدْلِجِيَّ -وكان قائفًا يعرف الأنساب بالشَّبَه- دَخَلَ عَلَيَّ فَرَأَى أُسامَةَ بْنَ زَيْدٍ وَزَيْدًا وَعَلَيْهِما قَطِيفَةٌ قَدْ غَطَّيا رُءُوسَهُما، وَبَدَتْ أَقْدامُهُما، فَقالَ: إِنَّ هَذِهِ الأَقْدامَ بَعْضُها منْ بَعْضٍ».
أَخْرَجَهُ البُخارِيُّ وَمُسْلِمٌ.
وَكانُوا في الجاهِلِيَّةِ يَقْدَحُونَ في نَسَبِ أُسامَةَ منْ زَيْدٍ رضي الله عنهما؛ وَذَلِكَ لِمَنْزِلَتِهِما منْ رسولِ ﷲﷺ، لِيُدْخِلُوا بِذَلِكَ الضِّيقَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ أُسامَةَ كانَ أَسْوَدَ شَدِيدَ السَّوادِ، وَكانَ أَبُوهُ زَيْدٌ أَبْيَضَ منَ القُطْنِ، فَلَمَّا قال القائِفُ ما قالَ، مَعَ اخْتِلافِ اللَّوْنِ سُرَّ النَّبيُّ ﷺ بِذَلِكَ؛ لِكَوْنِهِ كافًّا لَهُمْ عَنِ الطَّعْنِ فيهِ لِاعْتِقادِهِمْ ذَلِكَ.
سُجُودُ الشُّكْرِ
وَكانَ منْ سُنَّتِهِ ﷺ أَنَّهُ إِذا جاءَهُ ما يُفْرِحُهُ سَجَدَ ﷲِ شُكْرًا، فَعَنْ أَبي بَكْرَةَ رضي الله عنه أَنَّ النَّبيَّ ﷺ كانَ إِذا جاءَهُ أَمْرُ سُرُورٍ، أَوْ بُشِّرَ بِهِ، خَرَّ ساجِدًا شاكِرًا لِلهِ. رَواهُ أَبُو داوُدَ والتِّرْمِذِيُّ وابْنُ ماجَه، وَصَحَّحَهُ الأَلْبانِيُّ.
والمُرادُ: الأَمْرُ العَظِيمُ الجَلِيلُ القَدْرِ رَفيعُ المَنْزِلَةِ، مِمَّا يَنْدُرُ وُقُوعُهُ لا ما يَسْتَمِرُّ وُقُوعُهُ، إِذْ لا يُقالُ في المُسْتَمِرِّ «إِذا جاءَهُ».
نشاط
1- بينَ غَضَبِ النَّبيِّ ﷺ وَفَرَحِهِ قَدْرٌ مُشْتَرَكٌ، بَيِّنْهُ.
2- لِمَ غَضِبَ النَّبيُّ ﷺ منْ تَنازُعِ الصَّحابَةِ رضي الله عنهم في القُرآنِ؟ وَما مَوْقِفُ المُسْلِمِ منْ ذَلِكَ؟
3- كَيْفَ كانَ المُشْرِكُونَ يُدْخِلُونَ الغَضَبَ على رسولِ ﷲﷺ؟ اذْكُرْ مِثالًا واضِحًا منَ السُّنَّةِ.
4- اكْتُبْ بَحْثًا مُخْتَصَرًا في سُجُودِ الشُّكْرِ.
تَفَكُّرُهُ ﷺ
التَّفَكُّرُ والتَّدَبُّرُ واشْتِغالُ القَلْبِ والعَقْلِ بِما فيهِ صَلاحُ الدِّينِ والدُّنْيا منَ العِباداتِ العَظِيمَةِ التي أَمَرَتْ بِها الشَّرِيعَةُ الإِسْلامِيَّةُ وَحَثَّتْ عَلَيْها؛ وَذَلِكَ لِأَنَّها بِمَثابَةِ الجَذْوَةِ التي تُوقِدُ الإِيمانَ في القَلْبِ.
وَقَدْ وَرَدَ ذِكْرُ التَّفَكُّرِ وَمَدْحُهُ والأَمْرُ بِهِ في القُرآنِ كَثِيرًا، فَمنْ ذَلِكَ:
قولُهُ تعالى: ﴿لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ الله وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ ﴾ (الحشر: 21).
وَقولُهُ تعالى: ﴿كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ ﴾ (البقرة: 219).
وَقولُهُ تعالى: ﴿فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ ﴾ (الأعراف: 176).
وَكانَ رسولُ ﷲ ﷺ يَقُومُ منَ اللَّيْلِ يَنْظُرُ في السَّماءِ مُتفَكِّرًا، فَعَنْ عبدِ ﷲ بْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما أَنَّهُ باتَ عِنْدَ النَّبيِّ ﷺ ذاتَ لَيْلَةٍ، فَقامَ نَبيُّ ﷲ ﷺ منْ آخِرِ اللَّيْلِ، فَخَرَجَ، فَنَظَرَ في السَّماءِ، ثُمَّ تَلا هَذِهِ الآيَةَ في آلِ عِمْرانَ: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ ﴾ حَتَّى بَلَغَ: ﴿فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ ﴾. ثُمَّ رَجَعَ إلى البَيْتِ، فَتَسَوَّكَ وَتَوَضَّأَ، ثُمَّ قامَ فَصَلَّى، ثُمَّ اضْطَجَعَ، ثُمَّ قامَ، فَخَرَجَ، فَنَظَرَ إلى السَّماءِ، فَتَلا هَذِهِ الآيَةَ، ثُمَّ رَجَعَ، فَتَسَوَّكَ فَتَوَضَّأَ، ثُمَّ قامَ، فَصَلَّى. رَواهُ البُخارِيُّ وَمُسْلِمٌ.
قالَ النَّوَوِيُّ رحمه الله: «فيهِ: أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ قِراءَتُها عِنْدَ الِاسْتِيقاظِ في اللَّيْلِ مَعَ النَّظَرِ إلى السَّماءِ؛ لِما في ذَلِكَ منْ عَظِيمِ التَّدَبُّرِ، وَإِذا تَكَرَّرَ نَوْمُه واسْتِيقاظُهُ وَخُرُوجُهُ اسْتُحِبَّ تَكْرِيرُهُ قِراءَةَ هَذِهِ الآياتِ كَما ذُكِرَ في الحَدِيثِ».
وَرُبَّما قامَ اللَّيْلَ مُتَفَكِّرًا في آيَةٍ منْ آياتِ اللهِ
عَنْ أَبي ذَرٍّ رضي الله عنه قال: «صَلَّى رسولُ اﷲِ ﷺ لَيْلَةً، فَقَرَأَ بِآيَةٍ حَتَّى أَصْبَحَ، يَرْكَعُ بِها وَيَسْجُدُ بِها: ﴿إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ﴾ (المائدة: 118)». رَواهُ أَحْمَدُ والنَّسائِيُّ وابْنُ ماجَه، وَصَحَّحَهُ الأَلْبانِيُّ.
قالَ ابْنُ القَيِّمِ: «وَهَذِهِ كانَتْ عادَةُ السَّلَفِ يُرَدِّدُ أَحَدُهُمُ الآيَةَ إلى الصَّباحِ».
وَقالَ النَّوَوِيُّ: «وَقَدْ باتَ جَماعَةٌ منَ السَّلَفِ يَتْلُونَ آيَةً واحِدَةً يُرَدِّدُونَها إلى الصَّباحِ».
وَرُبَّما بَكَى عِنْدَ تَفَكُّرِهِ في مَعانِي بَعْضِ الآياتِ
فعَنْ عَبْدِ ﷲ بْنِ مَسْعُودٍ رضي الله عنه قال: قال لِيَ النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم: «اقْرَأْ عَلَيَّ». قُلْتُ: يا رسولَ ﷲ، آقْرَأُ عَلَيْكَ وَعَلَيْكَ أُنْزِلَ؟ قال: «نَعَمْ». فَقَرَأْتُ سُورَةَ النِّساءِ حَتَّى أَتَيْتُ إلى هَذِهِ الآيَةِ: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا ﴾ (النساء: 41). قالَ: «حَسْبُكَ الآنَ». فالتَفَتُّ إِلَيْهِ فَإِذا عَيْناهُ تَذْرِفانِ.
أَخْرَجَهُ البُخارِيُّ وَمُسْلِمٌ.
بَلْ قَدْ شابَتْ لِحْيَتُهُ ﷺ منْ شِدَّةِ تَفَكُّرِهِ في آياتِ اللهِ
فَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما قال: قال أَبُو بَكْرٍ: يا رسولَ ﷲ قَدْ شِبْتَ! قال: «شَيَّبَتْنِي هُودٌ، والواقِعَةُ، والمُرْسَلاتُ، وَعَمَّ يَتَساءَلُونَ، وَإِذا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ». أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ، وَصَحَّحَهُ الأَلْبانِيُّ.
قالَ الطِّيبيُّ: «وَذَلِكَ لِما في هَذِهِ السُّوَرِ منْ أَهْوالِ يَوْمِ القِيامَةِ».
نشاط
1- كَثُرَتْ نُصُوصُ القُرآنِ في الدَّعْوَةِ إلى التَّفَكُّرِ والتَّدَبُّرِ، اذْكُرْ منْ حِفْظِكَ ثَلاثَةَ نُصُوصٍ في ذَلِكَ.
2- اذْكُرْ جُمْلَةً منْ مَواضِعِ تَفَكُّرِ النَّبيِّ ﷺ.
3- ما هِيَ عادَةُ السَّلَفِ في تَدَبُّرِ آياتِ الكِتابِ العَزِيزِ؟
حُزْنُهُ ﷺ
فَإِنَّ الإِنْسانَ السَّوِيَّ لا بُدَّ أَنْ يَعْتَرِيَهُ الشُّعُورُ بِالحُزْنِ، إِذا وُجِدَتْ أَسْبابُهُ؛ لِأَنَّ الحُزْنَ مِمَّا فُطِرَ عَلَيْهِ الإِنْسانُ كالفَرَحِ والأَلَمِ، والغَضَبِ والرِّضا وَنَحْوِ ذَلِكَ، فَهِيَ عَوارِضُ طَبيعِيَّةٌ للبَشَرِ في الدُّنْيا.
وَقَدْ كانَ النَّبيُّ ﷺ يَحْزَنُ كَغَيْرِهِ منَ البَشَرِ، كَما قال تعالى: ﴿قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ ﴾ (الأنعام: 33)، وَلَهُ في ذَلِكَ أَحْوالٌ ﷺ:
حُزْنُهُ ﷺ لِفُتُورِ الوَحْيِ
فَعَنْ عائِشَةَ رضي الله عنها قالَتْ: كانَ أَوَّلَ ما بُدِئَ بِهِ رسولُ ﷲ صلى الله عليه وسلم الرُّؤْيا الصَّادِقَةُ في النَّوْمِ، فَكانَ لا يَرَى رُؤْيا إِلَّا جاءَتْ مِثْلَ فَلَقِ الصُّبْحِ، ثُمَّ حُبِّبَ إِلَيْهِ الخَلاءُ، فَكانَ يَلْحَقُ بِغارِ حِراءٍ فَيَتَحَنَّثُ فيهِ قَبْلَ أَنْ يَرْجِعَ إلى أَهْلِهِ، وَيَتَزَوَّدُ لِذَلِكَ، ثُمَّ يَرْجِعُ إلى خَدِيجَةَ فَيَتَزَوَّدُ بِمِثْلِها حَتَّى فَجِئَهُ الحَقُّ، وَهُوَ في غارِ حِراءٍ فَجاءَهُ المَلَكُ. فَقالَ: اقْرَأْ. فَقالَ رسولُ ﷲ صلى الله عليه وسلم: ما أَنا بِقارِيءٍ. ... وَفَتَرَ الوَحْيُ فَتْرَةً حَتَّى حَزِنَ رسولُ ﷲ صلى الله عليه وسلم.
أَخْرَجَهُ البُخارِيُّ وَمُسْلِمٌ.
قالَ ابْنُ حَجَرٍ: «ثُمَّ كانَ منْ مُقَدِّماتِ تَأْسِيسِ النُّبُوَّةِ فَتْرَةُ الوَحْيِ لِيَتَدَرَّجَ فيهِ وَيُمَرَّنَ عَلَيْهِ، فَشَقَّ عَلَيْهِ فُتُورُهُ؛ إِذْ لَمْ يَكُنْ خُوطِبَ عَنِ اللَّهِ بَعْدُ أَنَّكَ رسولٌ منَ اللَّهِ وَمَبْعُوثٌ إلى عِبادِهِ، فَأَشْفَقَ أَنْ يَكُونَ ذَلِك أَمْرٌ بُدِئَ بِهِ ثُمَّ لَمْ يرد اسْتِفْهامه فَحَزِنَ لِذَلِكَ حَتَّى تَدَرَّجَ على احْتِمالِ أَعْباءِ النُّبُوَّةِ والصَّبْرِ على ثِقَلِ ما يَرِدُ عَلَيْهِ فَتَحَ ﷲ لَهُ منْ أَمْرِهِ بِما فَتَحَ».
حُزْنُهُ ﷺ على مَقْتَلِ زَيْدِ بْنِ حارِثَةَ وَجَعْفَرٍ وابْنِ رَواحَةَ رضي الله عنهم في مَعْرَكَةِ مُؤْتَةَ
عَنْ عائِشَةَ رضي الله عنها قالَتْ: «لَمَّا جاءَ النَّبيَّ ﷺ قَتْلُ ابْنِ حارِثَةَ وَجَعْفَرٍ وابْنِ رَواحَةَ جَلَسَ يُعْرَفُ فيهِ الحُزْنُ، وَأَنا أَنْظُرُ منْ صائِرِ البابِ، أي: شِقِّ البابِ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَقولُها: «يُعْرَف فيهِ الحُزْنُ» قال الطِّيبيُّ: «كَأَنَّهُ كَظَمَ الحُزْنَ كَظْمًا، فَظَهَرَ منْهُ ما لا بُدّ للجِبِلَّةِ البَشَرِيَّةِ منْهُ».
وَفي الحَدِيثِ: «أَنَّ ظُهُورَ الحُزْنِ على الإِنْسانِ إِذا أُصِيبَ بِمُصِيبَةٍ لا يُخْرِجُهُ عَنْ كَوْنِهِ صابِرًا راضِيًا، إِذا كانَ قَلْبُهُ مُطْمَئِنًا».
هُمُومُهُ ﷺ
إِنَّ أَكْبَرَ هَمٍّ كانَ يَحْمِلُهُ النَّبيُّ ﷺ هُوَ هَمُّ إِدْخالِ النَّاسِ في دِينِ الإِسْلامِ، حَتَّى قال ﷲ لَهُ: ﴿فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا ﴾ (الكهف: 6)، وَقالَ تعالى: ﴿لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ ﴾ (الشعراء: 3).
قالَ السَّعْدِيُّ: «لمَّا كانَ النَّبيُّ ﷺ حَرِيصًا على هِدايَةِ الخَلْقِ، ساعِيًا في ذَلِكَ أَعْظَمَ السَّعْيِ، فَكانَ صلى الله عليه وسلم يَفْرَحُ ويُسَرُّ بِهِدايَةِ المُهْتَدِينَ، وَيَحْزَنُ وَيَأْسَفُ على المُكَذِّبينَ الضَّالِّينَ؛ شَفَقَةً منْهُ ﷺ عَلَيْهِمْ، وَرَحْمَةً بِهِمْ، أَرْشَدَهُ اﷲُ أَلَّا يَشْغَلَ نَفْسَهُ بِالأَسَفِ على هَؤُلاءِ الذينَ لا يُؤْمنُونَ بِهَذا القُرآنِ».
فَكانَ ﷺ يَحْمِلُ هَمَّ أُمَّتِهِ وَمَصِيرِها في الآخِرَةِ
فَعَنْ عَبْدِ ﷲ بْنِ عَمْرِو بْنِ العاصِ رضي الله عنهما أَنَّ النَّبيَّ ﷺ تَلا قولَ اﷲِ عزوجل في إِبْراهِيمَ: ﴿رَبِّ كَثِيرًا مِنَ فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾ (إبراهيم: 36)، وَقالَ عِيسَى عليه السلام: ﴿إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ﴾ (المائدة: 118)، فَرَفَعَ يَدَيْهِ، وَقالَ: اللهمَّ أُمَّتِي أُمَّتِي، وَبَكَى. فَقالَ ﷲ عزوجل: يا جِبْرِيلُ اذْهَبْ إلى مُحَمَّدٍ -وَرَبُّكَ أَعْلَمُ- فَسَلْهُ ما يُبْكِيكَ؟ فَأَتاهُ جِبْرِيلُ عليه السلام فَسَأَلَهُ؟ فَأَخْبَرَهُ رسولُ ﷲ ﷺ بِما قال وَهُوَ أَعْلَمُ. فَقالَ ﷲ: يا جِبْرِيلُ، اذْهَبْ إلى مُحَمَّدٍ، فَقُلْ: إِنَّا سَنُرْضِيكَ في أُمَّتِكَ وَلا نَسُوؤُكَ.
أَخْرَجَهُ مُسْلِمُ.
اهْتِمامُهُ ﷺ بِالصَّلاةِ حَتَّى وَهُوَ في مَرَضِ مَوْتِهِ
فالصَّلاةُ آخِرُ ما وَصَّى بِهِ: فِعَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبي طالِبٍ رضي الله عنه قال: كانَ آخِرُ كَلامِ رسولِ ﷲ ﷺ: «الصَّلاةَ الصَّلاةَ، اتَّقُوا ﷲ فيما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ». رَواهُ أَحْمَدُ وَأَبُو داوُدَ، وَصَحَّحَهُ الأَلْبانِيُّ.
اهْتِمامُهُ ﷺ بِالتَّوْحِيدِ، وَما يُناقِضُهُ، وَهُوَ في سَكَراتِ المَوْتِ
عَنْ عائِشَةَ وَعَبْدِ ﷲ بْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهم قالا: لَمَّا نَزَلَ (أَيِ: المَوْتُ) بِرسولِ ﷲ ﷺ طَفِقَ يَطْرَحُ خَمِيصَةً لَهُ (وَهِيَ ثَوْبٌ مُخَطَّطٌ) على وَجْهِهِ، فَإِذا اغْتَمَّ بِها كَشَفَها عَنْ وَجْهِهِ، فَقالَ وَهُوَ كَذَلِكَ: «لَعْنَةُ ﷲ على اليَهُودِ والنَّصارَى، اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبيائِهِمْ مَساجِدَ» يُحَذِّرُ ما صَنَعُوا. رَواهُ البُخارِيُّ وَمُسْلِمٌ.
وَفي رِوايَةٍ في الصَّحِيحَيْنِ قالَتْ عائِشَةُ رضي الله عنها: «وَلَوْلا ذَلِكَ لَأُبْرِزَ قَبْرُهُ، غَيْرَ أَنَّهُ خَشِيَ أَنْ يُتَّخَذَ مَسْجِدًا».
نشاط
1- منْ غَيْرِ ما دَرَسْتَ، اذْكُرْ مَوْقِفَيْنِ حَزِنَ فيهِما النَّبيُّ ﷺ.
2- ما وَجْهُ حُزْنِ النَّبيِّ ﷺ عِنْدَما فَتَرَ عَنْهُ الوَحْيُ؟
3- بَيِّنْ مَنْزِلَةَ الصَّلاةِ منْ خِلالِ ما دَرَسْتَ في هَذا البابِ.
4- ما حُكْمُ بِناءِ المَساجِدِ على القُبُورِ؟ ابْسُطِ القولَ في ذَلِكَ.
تَحْفيزُهُ ﷺ
مَنْ تَتَبَّعَ القُرآنَ الكَرِيمَ وَجَدَهُ يَزْخَرُ بِأُسْلُوبِ التَّحْفيزِ لِلنَّاسِ على الطَّاعَةِ، بِمُكافَأَتِهِمْ عَلَيْها في الدُّنْيا والآخِرَةِ، كَما في قولِهِ تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ ﴾ (الأعراف: 96).
وَقَدِ اتَّبَعَ النَّبيُّ ﷺ المَنْهَجَ الرَّبَّانِيَّ في التَّحْفيزِ بِالدُّنْيا والآخِرَةِ.
تَحْفيزُهُ ﷺ بِالأَشْياءِ الأُخْرَوِيَّةِ
عَنْ أَبي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه: أَنَّ أَعْرابيًّا أَتَى النَّبيَّ ﷺ؛ فَقالَ: دُلَّنِي على عَمَلٍ إِذا عَمِلْتُهُ دَخَلْتُ الجَنَّةَ؟
قالَ: «تَعْبُدُ ﷲ لا تُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا، وَتُقِيمُ الصَّلاةَ المَكْتُوبَةَ، وَتُؤَدِّي الزَّكاةَ المَفْرُوضَةَ، وَتَصُومُ رَمَضانَ». رَواهُ البُخارِيُّ وَمُسْلِمٌ.
فَحَفَّزَ النَّاسَ على التَّمَسُّكِ بِأَرْكانِ الإِسْلامِ منْ خِلالِ ذِكْرِ عاقِبَةِ ذَلِكَ، وَهِيَ أَنَّها تَجْعَلُ صاحِبَها منْ أَهْلِ الجَنَّةِ.
وَمنْ ذَلِكَ: قولُهُ ﷺ: «قُولُوا: لا إِلَهَ إِلَّا ﷲ تُفْلِحُوا». رَواهُ أَحْمَدُ، وَصَحَّحَهُ الأَلْبانِيُّ.
والفَلاحُ هُنا مُطْلَقٌ، فَيَحْتَمِلُ الأَمْرَيْنِ مَعًا في الدُّنْيا والآخِرَةِ، فَمَنْ قال: لا إِلَهَ إِلَّا ﷲ، أَفْلَحَ في الدُّنْيا والآخِرَةِ.
تَحْفيزُهُ ﷺ بِالجَنَّةِ على الجِهادِ
فَفي غَزْوَةِ بَدْرٍ قال لَهُمُ النَّبيُّ ﷺ:
«قُومُوا إلى جَنَّةٍ عَرْضُها السَّمَواتُ والأَرْضُ».فقالَ عُمَيْرُ بْنُ الحُمامِ الأَنْصارِيُّ رضي الله عنه: يا رسولَ ﷲ، جَنَّةٌ عَرْضُها السَّمَواتُ والأَرْضُ؟! قالَ: «نَعَمْ». قالَ: بَخٍ بَخٍ. فَقالَ رسولُ ﷲ صلى الله عليه وسلم: «ما يَحْمِلُكَ على قولِكَ بَخٍ بَخٍ؟». قالَ: لا وﷲ؛ يا رسولَ ﷲ! إِلَّا رَجاءَةَ أَنْ أَكُونَ منْ أَهْلِها. قالَ: «فَإِنَّكَ منْ أَهْلِها». فَأَخْرَجَ تَمَراتٍ منْ قَرَنِهِ (جَعْبَتِهِ)، فَجَعَلَ يَأْكُلُ منْهُنَّ، ثُمَّ قال: لَئِنْ أَنا حَيِيتُ حَتَّى آكُلَ تَمَراتِي هَذِهِ إِنَّها لَحَياةٌ طَوِيلَةٌ. فَرَمَى بِما كانَ مَعَهُ منَ التَّمْرِ، ثُمَّ قاتَلَهُمْ حَتَّى قُتِلَ.
رَواهُ مُسْلِمٌ.
فَفيهِ: بَيانُ عَظِيمِ أَثَرِ التَّحْفيزِ، حَتَّى جَعَلَتْ عُمَيْرًا يَسْتَعْجِلُ القَتْلَ شَوْقًا لِدُخُولِ الجَنَّةِ، وَهِيَ المُكافَأَةُ التي حَفَّزَهُمْ بِها النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم.
وَمنَ التَّحْفيزِ بِالجَنَّةِ أَيْضًا
تَحْفيزُهُ لِأَبي ذَرٍّ رضي الله عنه على مَكْرُمَةِ التَّعَفُّفِ عَنْ سُؤالِ النَّاسِ.
فَعَنْ أَبي ذَرٍّ رضي الله عنه؛ قال: بايَعَنِي رسولُ ﷲ ﷺ، فَقالَ «هَلْ لَكَ إلى بيعَةٍ وَلَكَ الجَنَّةُ». قُلْتُ: نَعَمْ وَبَسَطْتُ يَدِي. فَقالَ رسولُ ﷲ ﷺ وَهُوَ يَشْتَرِطُ عَلَيَّ: «أَلَّا تَسْأَلَ النَّاسَ شَيْئًا». قُلْتُ: نَعَمْ. قال: «وَلا سَوْطَكَ إِنْ سَقَطَ منْكَ حَتَّى تَنْزِلَ إِلَيْهِ فَتَأْخُذَهُ». رَواهُ أَحْمَدُ، وَصَحَّحَهُ الأَلْبانِيُّ.
فَحَفَّزَهُ النَّبيُّ ﷺتَحْفيزًا أُخْرَوِيًّا بِالجَنَّةِ على التَّعَفُّفِ عَنْ سُؤالِ النَّاسِ.
تَحْفيزُهُ ﷺ بِالأَشْياءِ الدُّنْيَوِيَّةِ
كالتَّحْفيزِ بِطُولِ العُمْرِ وَسَعَةِ الرِّزْقِ، فَقَدْ قالﷺ: «مَنْ سَرَّهُ أَنْ يُبْسَطَ لَهُ في رِزْقِهِ، أَوْ يُنْسَأَ لَهُ في أَثَرِهِ فَلْيَصِلْ رَحِمَهُ». رَواهُ البُخارِيُّ وَمُسْلِمٌ.
وَفي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ أَبي قَتادَةَ رضي الله عنه أَنَّ النَّبيَّ ﷺ قال في غَزْوَةِ حُنَيْنٍ: «مَنْ قَتَلَ قَتِيلًا لَهُ عَلَيْهِ بَيِّنَةٌ فَلَهُ سَلَبُهُ».
والسَّلَبُ: هُوَ ما على القَتِيلِ وَمَعَهُ، منْ ثِيابٍ وَسِلاحٍ وَمَرْكَبٍ وَغَيْرِهِ.
التَّحْفيزُ بِالأَشْياءِ المَعْنَوِيَّةِ
فَقَدْ يَكُونُ التَّحْفيزُ المَعْنَوِيُّ بِذِكْرِ مَنْقَبَةٍ عَظِيمَةٍ لِمَنْ يَقُومُ بِهَذا العَمَلِ، كَما في قولِهِ ﷺ يَوْمَ خَيْبَرَ: «لَأُعْطِيَنَّ الرَّايَةَ غَدًا رَجُلًا يُفْتَحُ على يَدَيْهِ، يُحِبُّ ﷲ وَرسولَهُ، وَيُحِبُّهُ ﷲ وَرسولُهُ».
فَباتَ النَّاسُ لَيْلَتَهُمْ: أَيُّهُمْ يُعْطَى؟
فَغَدَوْا وَكُلُّهُمْ يَرْجُو أَنْ يُعْطَى. رَواهُ البُخارِيُّ وَمُسْلِمٌ.
فَقَدْ حَفَّزَهُمُ النَّبيُّ ﷺ تَحْفيزًا مَعْنَوِيًّا دَفَعَهُمْ إلى أَنْ يَتَمَنَّى كُلٌّ منْهُمْ أَنْ يَكُونَ صاحِبَ الرَّايَةِ؛ لِيَفُوزَ بِمَحَبَّةِ اﷲِ عزوجل وَرسولِهِ ﷺ، فَفازَ بِها عَليُّ بنُ أَبي طالِبٍ رضي الله عنه.
نشاط
1- تَنَوَّعَتْ أَسالِيبُ التَّحْفيزِ في الشَّرِيعَةِ الإِسْلامِيَّةِ، اذْكُرْ طَرَفًا منْ ذَلِكَ.
2- مِمَّا يُرَدِّدُهُ الصُّوفيَّةُ أَنَّ العَبْدَ الصَّادِقَ لا يَعْبُدُ اﷲَ طَمَعًا في الجَنَّةِ، وَلا خَشْيَةً منَ النَّارِ، أَجِبْ عَنْ ذَلِكَ.
3- هَلِ العَمَلُ منْ أَجْلِ الثَّوابِ يَتَعارَضُ مَعَ الإِخْلاصِ؟
تَعْزِيرُهُ ﷺ
تَتَنَوَّعُ العُقُوبَةُ بِالتَّعْزِيرِ على قَدْرِ المَصْلَحَةِ؛ إِذِ المَقْصُودُ بِالتَّعْزِيرِ التَّأْدِيبُ والرَّدْعُ، فَمنْهُ ما يَكُونُ بِالتَّوْبيخِ والزَّجْرِ بِالكَلامِ، وَمنْهُ ما يَكُونُ بِالحَبْسِ، وَمنْهُ ما يَكُونُ بِالنَّفْيِ، وَمنْهُ ما يَكُونُ بِالضَّرْبِ ...
وَتَعْزِيراتُ النَّبيِّ ﷺ كانَتْ مُتَنَوِّعَةً وَمُخْتَلِفَةً بِحَسَبِ جُرْمِ كُلِّ شَخْصٍ والخَطَأِ الذي ارْتَكَبَهُ.
فَمنْ تَعْزِيرِهِ ﷺ: إِزالَةُ المُنْكَرِ بِاليَدِ
كَما جاءَ عَنْ عَبْدِ ﷲ بْنِ عَبَّاس رضي الله عنهما أَنَّ رسولَ ﷲ ﷺ رَأَى خاتَمًا منْ ذَهَبٍ في يَدِ رَجُلٍ، فَنَزَعَهُ فَطَرَحَهُ، وَقالَ:«يَعْمِدُ أَحَدُكُمْ إلى جَمْرَةٍ منْ نارٍ فَيَجْعَلُها في يَدِهِ».فَقِيلَ لِلرَّجُلِ بَعْدَما ذَهَبَ رسولُ ﷲ ﷺ: خُذْ خاتَمَكَ؛ انْتَفِعْ بِهِ.قالَ: لا وﷲ لا آخُذُهُ أَبَدًا، وَقَدْ طَرَحَهُ رسولُ ﷲ ﷺ.
رَواهُ مُسْلِمٌ.
وَمنْ هَذا النَّوْعِ منَ التَّعْزِيرِ:
ما جاءَ عَنْ عَبْدِ ﷲ بْنِ عَمْرٍو رضي الله عنهما قال: رَأَى النَّبيُّ ﷺ عَلَيَّ ثَوْبينِ مُعَصْفَرَيْنِ (أَيْ: أَحْمَرَيْنِ مَصْبُوغَيْنِ بِالعُصْفُرِ) فَقالَ: «أَأُمُّكَ أَمَرَتْكَ بِهَذا؟!» قُلْتُ: أَغْسِلُهُما؟ قال: «بَلْ أَحْرِقْهُما».
وَفي رِوايَةٍ: «إِنَّ هَذِهِ منْ ثِيابِ الكُفَّارِ فَلا تَلْبَسْها». رَواهُ مُسْلِمٌ.
وفي هَذا الحَديثِ دليلٌ على أنَّ التَّشبُّهَ بالكُفَّارِ مُحَرَّمٌ مطلقًا، ولَو لَمْ يَقْصِدْهُ الشخصُ؛ لأنَّ عبدَ ﷲ رضي الله عنه لم يكُنْ يقصدُ التَّشبُّهَ بالكُفَّارِ، ومَعَ ذلِكَ زَجرَهُ النَّبيُّ ﷺ هذا الزَّجرَ، وعزَّره هذا التَّعْزِير.
فالأَمْرُ بِإِحْراقِهِما عُقُوبَةٌ وَتَغْلِيظٌ لِزَجْرِهِ وَزَجْرِ غَيْرِهِ عَنْ مِثْلِ هَذا الفِعْلِ.
تَعْزِيرُهُ ﷺ بِالهَجْرِ
فَعَنْ أُمِّ سَلَمَةَ رضي الله عنها «أَنَّ النَّبيَّ ﷺ حَلَفَ لا يَدْخُلُ على بَعْضِ أَهْلِهِ شَهْرًا». رَواهُ البُخارِيُّ وَمُسْلِمٌ.
فيهِ: جَوازُ التَّعْزِيرِ للمَرْأَةِ بِالهَجْرِ إِذا وَقَعَ منْها مُخالَفَةٌ تَقْتَضِي ذَلِكَ.
وَقَدْ قال تعالى: ﴿وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ ﴾ (النساء: 34).
التَّعْزِيرُ بِعَدَمِ رَدِّ السَّلامِ
فَعَنْ عَمَّارِ بْنِ ياسِرٍ رضي الله عنهما قال: قَدِمْتُ على أَهْلِي وَقَدْ تَشَقَّقَتْ يَدايَ، فَخَلَّقُونِي بِزَعْفَرانٍ، فَغَدَوْتُ على النَّبيِّ ﷺ، فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ، فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيَّ، وَقالَ:«اذْهَبْ، فاغْسِلْ هَذا عَنْكَ». رَواهُ أَبُو داوُدَ، وَحَسَّنَهُ الأَلْبانِيُّ.
وَفي الحَدِيثِ التَّعْزِيرُ بِعَدَمِ رَدِّ السَّلامِ لِمَنِ ارْتَكَبَ مُخالَفَةً شَرْعِيَّةً، تَنْبيهًا لَهُ على خَطَئِهِ.
فَقَدْ وَرَدَ النَّهْيُ عَنِ الزَّعْفَرانِ لِلرِّجالِ، فعَنْ أَنَسٍ رضي الله عنه قال: نَهَى النَّبيُّ ﷺ أَنْ يَتَزَعْفَرَ الرَّجُلُ. رَواهُ البُخارِيُّ وَمُسْلِمٌ.
التَّعْزِيرُ بِالدُّعاءِ على أَصْحابِ بَعْضِ المُخالَفاتِ
وَمنْ ذَلِكَ ما جاءَ عَنْ سَلَمَةَ بْنِ الأَكْوَعِ رضي الله عنه أَنَّ رَجُلًا أَكَلَ عِنْدَ رسولِ ﷲ صلى الله عليه وسلم بِشَمالِهِ فَقالَ: «كُلْ بيَمِينِكَ» قال: لا أَسْتَطِيعُ. قال «لا اسْتَطَعْتَ». ما مَنَعَهُ إِلَّا الكِبْرُ. قال: فَما رَفعها إلى فيهِ. رَواهُ مُسْلِمٌ.
فَفي الحَدِيثِ: جَوازُ الدُّعاءِ على مَنْ خالَفَ الحُكْمَ الشَّرْعِيَّ بِلا عُذْرٍ
نشاط
1- تَنَوَّعَتِ الطُّرُقُ التي كانَ النَّبيُّ ﷺ يُعَزِّرُ بِها، اذْكُرْ أَرْبَعَةً منْها إِجْمالًا.
2- ماذا فَهِمْتَ منْ هَذِهِ العِبارَةِ النَّبَوِيَّةِ: «إِنَّ هَذِهِ منْ ثِيابِ الكُفَّارِ؛ فَلا تَلْبَسْها»؟
3- هَلْ يُشْرَعُ التَّعْزِيرُ بِاليَدِ؟ وَمَنْ أَوْلَى النَّاسِ بِهِ؟
عِتابُهُ ﷺ
كانَ خُلُقُ رسولِ ﷲ ﷺ القُرآنَ؛ كَما سُئِلَتْ أُمُّ المُؤْمنِينَ عائِشَةُ رضي الله عنها، قال هِشامُ بْنُ عامِرٍ: يا أُمَّ المُؤْمنِينَ؛ أَنْبِئِينِي عَنْ خُلُقِ رسولِ ﷲ ﷺ؟ قالَتْ: «أَلَسْتَ تَقْرَأُ القُرآنَ؟»، فَقالَ هِشامٌ: بَلَى. قالَتْ:«فَإِنَّ خُلُقَ نَبيِّ ﷲ صلى الله عليه وسلم كانَ القُرآنَ». رَواهُ مُسْلِمٌ.
قالَ أَنَسُ بْنُ مالِكٍ رضي الله عنه: «خَدَمْتُ رسولَ ﷲ ﷺ عَشْرَ سِنِينَ، وﷲ ما قال لِي: أُفًّا قَطُّ، وَلا قال لِي لِشَيْءٍ: لِمَ فَعَلْتَ كَذا؟ وَهَلَّا فَعَلْتَ كَذا؟» رَواهُ البُخارِيُّ وَمُسْلِمٌ.
عَشْرُ سَنَواتٍ كامِلَةٌ لَيْسَتْ أَيَّامًا وَلا شُهُورًا، إِنَّهُ عُمُرٌ طَوِيلٌ فيهِ تَقَلُّباتُ النَّفْسِ واضْطِرابُها، وَمَعَ هَذا لَمْ يَنْهَرْهُ وَلَمْ يَزْجُرْهُ ﷺ.
فَفيهِ: تَرْكُ العِتابِ على ما فاتَ؛ لِأَنَّ هُناكَ مَنْدُوحَةً عَنْهُ بِاسْتِئْنافِ الأَمْرِ بِهِ إِذا احْتِيجَ إِلَيْهِ.
فَلَمْ يَكُنْ يَخْرُجُ منْهُ صلى الله عليه وسلم كَلِمَةٌ نابيَةٌ وَلا بَذِيئَةٌ وَلا فاحِشَةٌ، وَحاشاهُ ﷺ؛ فَقَدْ كانَ أَطْهَرَ النَّاسِ وَأَحْسَنَهُمْ وَأَكْمَلَهُمْ أَخْلاقًا.
وَكانَ ﷺ رُبَّما عاقَبَ، وَرُبَّما عاتَبَ، وَرُبَّما رُؤِيَتِ الكَراهَةُ في وَجْهِهِ، وَرُبَّما أَعْرَضَ، وَرُبَّما احْمَرَّ وَجْهُهُ؛ كُلُّ ذَلِكَ كَراهَةً منْهُ ﷺ لِخِلافِ ما شَرَعَ اﷲُ تعالى، وَنُفُورًا عَنْهُ وَإِعْراضًا، وَذَمًّا لَهُ واسْتِقْباحًا، وَتَرْبيَةً لِأَصْحابِهِ وَللأُمَّةِ منْ بَعْدِهِمْ.
وَمنْ كَرِيمِ خُلُقِهِ ﷺ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ يُكْثِرُ العِتابَ
قالَ تعالى: ﴿وَإِذْ أَسَرَّ النَّبِيُّ إِلَى بَعْضِ أَزْوَاجِهِ حَدِيثًا فَلَمَّا نَبَّأَتْ بِهِ وَأَظْهَرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ عَرَّفَ بَعْضَهُ وَأَعْرَضَ عَنْ بَعْضٍ ﴾ (التحريم: 3).
فَإِعْراضُ الرَّسُولِ ﷺ عَنْ تَعْرِيفِ زَوْجِهِ بِبَعْضِ الحَدِيثِ الذي أَفْشَتْهُ؛ منْ كَرَمِ خُلُقِهِ ﷺفي مُعاتَبَةِ المُفْشِيَةِ وَتَأْدِيبِها.
قالَ سُفْيانُ بْنُ عُيَيْنَةَ رحمه الله: «ما اسْتَقْصَى كَرِيمٌ قَطُّ. أَلَمْ تَسْمَعْ إلَى قول ﷲ تعالى: ﴿عَرَّفَ بَعْضَهُ وَأَعْرَضَ عَنْ بَعْضٍ ﴾».
وَفي حَدِيثِ أُمِّ زَرْعٍ: قالَتْ بَعْضُ النِّسْوةِ في وَصْفِ زَوْجِها: «إِنْ دَخَلَ فَهِدَ، وَإِنْ خَرَجَ أَسِدَ، وَلا يَسْأَلُ عَمَّا عَهِدَ».
فَقَدْ شَبَّهَتْهُ في لِينِهِ وَغَفْلَتِهِ بِالفَهْدِ، وَفي خُرُوجِهِ بِالأَسَدِ في الجُرْأَةِ والإِقْدامِ والمَهابَةِ.
«وَلا يَسْأَلُ عَمَّا عَهِدَ» أَيْ: شَدِيدُ الكَرَمِ، كَثِيرُ التَّغاضِي، لا يَتَفَقَّدُ ما ذَهَبَ منْ مالِهِ، وَإِذا جاءَ بِشَيْءٍ لِبَيْتِهِ؛ لا يَسْأَلُ عَنْهُ بَعْدَ ذَلِكَ، أَوْ لا يَلْتَفِتُ إلى ما يَرَى في البَيْتِ منَ المَعايِبِ؛ بَلْ يُسامِحُ وَيُغْضِي.
مُعاتَبَتُهُ ﷺ زَوْجاتِهِ رضي الله عنهن
كانَ النَّبيُّ ﷺ يُعاتِبُ نِساءَهُ في بَعْضِ المَواقِفِ التي تَحْتاجُ إلى عِتابٍ، فَمنْ ذَلِكَ:
ما رَواهُ أَنَسُ بْنُ مالِكٍ رضي الله عنه قال: قال عُمَرُ: «وافَقْتُ ﷲ في ثَلاثٍ، أَوْ وافَقَنِي رَبِّي في ثَلاثٍ، قُلْتُ: يا رسولَ ﷲ لَوِ اتَّخَذْتَ مَقامَ إِبْراهِيمَ مُصَلًّى، وَقُلْتُ: يا رسولَ ﷲ، يَدْخُلُ عَلَيْكَ البَرُّ والفاجِرُ، فَلَوْ أَمَرْتَ أُمَّهاتِ المُؤْمنِينَ بِالحِجابِ، فَأَنْزَلَ ﷲ آيَةَ الحِجابِ، قال: وَبَلَغَنِي مُعاتَبَةُ النَّبيِّ ﷺ بَعْضَ نِسائِهِ، فَدَخَلْتُ عَلَيْهِنَّ، قُلْتُ: إِنِ انْتَهَيْتُنَّ أَوْ لَيُبَدِّلَنَّ ﷲ رسولَهُﷺ خَيْرًا منْكُنَّ، حَتَّى أَتَيْتُ إِحْدَى نِسائِهِ، قالَتْ: يا عُمَرُ، أَما في رسولِ ﷲﷺ ما يَعِظُ نِساءَهُ، حَتَّى تَعِظَهُنَّ أَنْتَ؟ فَأَنْزَلَ ﷲ: ﴿عَسَى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْوَاجًا خَيْرًا مِنْكُنَّ مُسْلِمَاتٍ مُؤْمِنَاتٍ قَانِتَاتٍ تَائِبَاتٍ عَابِدَاتٍ سَائِحَاتٍ ثَيِّبَاتٍ وَأَبْكَارًا ﴾ (التحريم: 5)». رَواهُ البُخارِيُّ.
وعَنْ عائِشَةَ رضي الله عنها أَنَّ اليَهُودَ أَتَوُا النَّبيَّ ما يَعِظُ نِساءَهُ، حَتَّى تَعِظَهُنَّ أَنْتَ؟ فَأَنْزَلَ ﷲ: ﴿عَسَى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْوَاجًا خَيْرًا مِنْكُنَّ مُسْلِمَاتٍ مُؤْمِنَاتٍ قَانِتَاتٍ تَائِبَاتٍ عَابِدَاتٍ سَائِحَاتٍ ثَيِّبَاتٍ وَأَبْكَارًا ﴾ (التحريم: 5)».، فَقالُوا: السَّامُ (أَيِ: المَوْتُ) عَلَيْكَ. قال: «وَعَلَيْكُمْ». فَقالَتْ عائِشَةُ: السَّامُ عَلَيْكُمْ، وَلَعَنَكُمُ ﷲ وَغَضِبَ عَلَيْكُمْ! فَقالَ رسولُ ﷲ ما يَعِظُ نِساءَهُ، حَتَّى تَعِظَهُنَّ أَنْتَ؟ فَأَنْزَلَ ﷲ: ﴿عَسَى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْوَاجًا خَيْرًا مِنْكُنَّ مُسْلِمَاتٍ مُؤْمِنَاتٍ قَانِتَاتٍ تَائِبَاتٍ عَابِدَاتٍ سَائِحَاتٍ ثَيِّبَاتٍ وَأَبْكَارًا ﴾ (التحريم: 5)».: «مَهْلًا يا عائِشَةُ! عَلَيْكِ بِالرِّفْقِ، وَإِيَّاكِ والعُنْفَ أَوِ الفُحْشَ» قالَتْ: أَوَلَمْ تَسْمَعْ ما قالُوا؟! قال: «أَوَلَمْ تَسْمَعِي ما قُلْتُ؟ رَدَدْتُ عَلَيْهِمْ، فَيُسْتَجابُ لِي فيهِمْ، وَلاَ يُسْتَجابُ لَهُمْ فيَّ». رَواهُ البُخارِيُّ وَمُسْلِمٌ.
مُعاتَبَتُهُ ﷺ أُسامَةَ رضي الله عنه
قالَ أُسامَةُ بنُ زَيْدٍ رضي الله عنهما: بَعَثَنا رسولُ ﷲ ﷺ إلى الحُرَقَةِ منْ جُهَيْنَةَ، قال: فَصَبَّحْنا القَوْمَ فَهَزَمْناهُمْ، قال: وَلَحِقْتُ أَنا وَرَجُلٌ منَ الأَنْصارِ رَجُلًا منْهُمْ، قال: فَلَمَّا غَشِيناهُ قال: لا إِلَهَ إِلَّا ﷲ، قال: فَكَفَّ عَنْهُ الأَنْصارِيُّ، فَطَعَنْتُهُ بِرُمْحِي حَتَّى قَتَلْتُهُ، قال: فَلَمَّا قَدِمْنا بَلَغَ ذَلِكَ النَّبيَّ ﷺ، قال: فَقالَ لِي: «يا أُسامَةُ، أَقَتَلْتَهُ بَعْدَما قال لا إِلَهَ إِلَّا ﷲ؟!» قال: قُلْتُ: يا رسولَ ﷲ، إِنَّما كانَ مُتَعَوِّذًا، قال: «أَقَتَلْتَهُ بَعْدَما قال لا إِلَهَ إِلَّا ﷲ؟!»قال: فَما زالَ يُكَرِّرُها عَلَيَّ، حَتَّى تَمَنَّيْتُ أَنِّي لَمْ أَكُنْ أَسْلَمْتُ قَبْلَ ذَلِكَ اليَوْمِ. رَواهُ البُخارِيُّ وَمُسْلِمٌ.
وَهَذا اللَّوْمُ منْهُ ﷺ تَعْلِيمٌ وَإِبْلاغٌ في المَوْعِظَةِ؛ حَتَّى لا يُقدِمَ أَحَدٌ على قَتْلِ مَنْ تَلَفَّظَ بِالتَّوْحِيدِ.
وَقَدِ انْتَفَعَ أُسامَةُ رضي الله عنه بِذَلِكَ، فَآلَى أَلَّا يُقاتِلَ مُسْلِمًا؛ وَلِذَلِكَ تَرَكَ القِتالَ في الفِتْنَةِ التي هاجَتْ بينَ الصَّحابَةِ رضي الله عنهم أَجْمَعِينَ.
نشاط
1- اذْكُرْ منَ القُرآنِ ما يَدُلُّ على أَنَّ تَرْكَ العِتابِ والتَّقَصِّي -أَحْيانًا- منْ حُسْنِ الخُلُقِ.
2- هَلْ كانَ تَرْكُ العِتابِ مِمَّا يُعْرَفُ عَنِ العَرَبِ قَبْلَ الإِسْلامِ؟
3- ما أَشَدُّ المَواقِفِ التي عاتَبَ فيها النَّبيُّ ﷺ أَحَدًا من أصحابهِرضي الله عنهم؟
المصادر
السيرة النبوية، لمحمد بن إسحق بن يسار.
السيرة النبوية، لأبي محمد عبد الملك بن هشام.
الشمائل المحمدية، للإمام محمد بن عيسى الترمذي.
الشفا بتعريف حقوق المصطفى، للقاضي عياض بن موسى اليحصبي.
زاد المعاد في هدي خير العباد، لشمس الدين ابن قيم الجوزية.
سبل الهدى والرشاد في سيرة خير العباد، لمحمد بن يوسف الصالحي الشامي.
الرحيق المختوم، لصفي الرحمن المباركفوري.
وإنك لعلى خلق عظيم، لصفي الرحمن المباركفوري.
رحمة للعالمين، لمحمد سليمان المنصورفوري.
هذا الحبيب يا مُحِب، للشيخ أبي بكر جابر الجزائري.
نضرة النعيم في مكارم أخلاق الرسول الكريم، لعدد من المتخصصين بإشراف الشيخ صالح بن عبدالله بن حميد.
رحمة للعالمين، للدكتور سعيد بن علي بن وهف القحطاني.
والله ولي التوفيق
فهرس المحاضرات
رقم المحاضرة
بداية المحاضرة
رقم الصفحة التي تبدأ منها المحاضرة
أسبوع إلقاء المحاضرة
كلامه صلى الله عليه وسلم
الأسبوع الأول
عفته صلى الله عليه وسلم في الكلام
الأسبوع الأول
ما يحبه صلى الله عليه وسلم
الأسبوع الثاني
ومن أحبابه صلى الله عليه وسلم علي بن أبي طالب رضي الله عنه
الأسبوع الثاني
حبه صلى الله عليه وسلم للأنصار
الأسبوع الثالث
ما يحبه صلى الله عليه وسلم من المأكل والمشرب
حبه صلى الله عليه وسلم للأمكنة
الأسبوع الثالث
الأسبوع الرابع
وكان أحب الثياب إليه: القميص
الأسبوع الرابع
وكان يحب المداومة على العمل الصالح
الأسبوع الخامس
ما يبغضه صلى الله عليه وسلم
الأسبوع الخامس
كرهه صلى الله عليه وسلم أن يقام له
الأسبوع السادس
بكاؤه صلى الله عليه وسلم
الأسبوع السادس
ضحكه صلى الله عليه وسلم
الأسبوع السابع
ضحكه صلى الله عليه وسلم من هيبة النساء لعمر بن الخطاب رضي الله عنه
الأسبوع السابع
مزاحه صلى الله عليه وسلم
الأسبوع الثامن
غضبه صلى الله عليه وسلم
الأسبوع الثامن
فرحه صلى الله عليه وسلم
الأسبوع التاسع
تفكره صلى الله عليه وسلم
الأسبوع التاسع
حزنه صلى الله عليه وسلم
الأسبوع العاشر
همومه صلى الله عليه وسلم
الأسبوع العاشر
تحفيزه صلى الله عليه وسلم
الأسبوع الحادي عشر
تحفيزه بالأشياء الدُّنيوية
الأسبوع الحادي عشر
تعزيره صلى الله عليه وسلم
الأسبوع الثاني عشر
عتابه صلى الله عليه وسلم
الأسبوع الثاني عشر