مجموعة زاد العقيده (4)

مجموعة زاد العقيده (4)

هذا الكتاب تم إعداده من قبل قسم المحتوى التعليمي بقناة زاد العلمية لصالح برنامج أكاديمية زاد مع مؤسسة International Islamic Academy Online Inc و ذلك بهدف تقريب العلم الشرعي للراغبين فيه عن طريق الإنترنت و عن طريقِ قناةٍ تلفزيونية خاصة سعيا لتحقيق المقصد الأساس الذي هو نشر و ترسيخ العلم الشرعي الرصين، المبني على أسسٍ علميةٍ صحيحةٍ، وفقَ معتقدٍ سليمٍ، قائمٍ على كتاب الله و سنةِ رسوله - صلى الله عليه وسلم - بشكلٍ عصري ميسرٍ. ويحتوي هذا الكتابُ على بيانِ البِدعة وخطرها، والتكفير وخطرِه، وأشْراط الساعة، والصحابة وآل البيت رضي الله عنهم وما يجبُ لهم من حُقوق، والأولياء وكَرَاماتهم، والشفاعة وأَنْواعها، مع عرض المحتوى بطريقةٍ عصريَّةٍ مبسَّطة وأسلوبٍ سهلٍ شيِّق خالٍ من الحشو والمخالفات.

Language: English
Prepared by:
Version: 1.0
Translations 0
Attachments 7
PDF
Audio
Video
+3

العقيدة المستوى الرابع

إعداد: قسم المحتوى التعليمي بقناة زاد العملية لصالح برنامج أكاديمية زاد مع مؤسسة: International Islamic Academy Online inc بإشراف الشيخ: محمد صالح المنجد

سلسلة متكاملة تهدف إلى تقريب العلم الشرعي للراغبين فيه، وتوعية المسلم بما لا يسعه جهله من دينه، ونشرُ العلم الشرعي الرصين، القائم على كتابِ اللهِ وسنّةِ رسوله صلى الله عليه وسلم، صافيًا نقيًّا، وبطرحٍ عصريٍّ مُيسّرٍ، وبإخراجٍ احترافيِّ.

يحتوي هذا الكتابُ على بيانِ البِدعة وخطرها، والتكفير وخطرِه، وأشْراط الساعة، والصحابة وآل البيت رضي الله عنهم وما يجبُ لهم من حُقوق، والأولياء وكَرَاماتهم، والشفاعة وأَنْواعها، مع عرض المحتوى بطريقةٍ عصريَّةٍ مبسَّطة وأسلوبٍ سهلٍ شيِّق خالٍ من الحشو والمخالفات.

ولا يسمح بإعادة إصدار هذا الكتاب أو نقله في أي شكل أو واسطة، سواء أكانت إلكترونية أو ميكانيكيـــة، بما في ذلك التصوير بالنسخ (فوتوكوبي)، أو التسجيل، أو التخزين والاسترجاع، دون إذن خطي من الناشر.

كلمة الناشر

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد.

فإن العلم الشرعي من أهم الضرورات التي يحتاجها المسلمُ في حياته، وتحتاجُها الأمةُ كلُّها في مَسيرتِها الحضاريةِ؛ لذا جاءت النصوص الشرعية في الإعلاء من شأنه وشأنِ حامِليه، قال تعالى: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بالقِسطٍ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ﴾ (آل عمران: ١٨) قال الشوكاني رحمه الله: «المرادُ بأولي العلمِ هنا علماءُ الكتابِ والسُّنةِ»، وقال تعالى: ﴿وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا ﴾ (طه: ١١٤)، وفي الحديث: «من سلك طريقًا يلتمس فيه علمًا سهل الله له به طريقًا إلى الجنة» رواه مسلم.

وتأتي هذه السلسلة العلمية خدمة للمجتمع، بهدف إيصال العلم الشرعي إلى الناسِ بشتّى الطُّرُقِ، وتيسير سبلهِ، وتقريبه للراغبين فيه، ونرجو أن تكون رافدة ومعينة للبرامج العلمية والقراءة الذاتية وعونًا لمن يبتغي التزود من العلم والثقافة الشرعية، سعيًا لتحقيق المقصد الأساسِ الذي هو نشرُ وترسيخُ العلمِ الشرعي الرصينِ، المبني على أسسٍ علميةٍ صحيحةٍ، وفقَ معتقدٍ سليمٍ، قائمٍ على كتابِ الله وسنةِ رسوله صلى الله عليه وسلم، ‬بشكلٍ عصريٍّ ميسَّرٍ، فنسأل الله تعالى للجميع العلم النافع والعمل الصالح والتوفيق والسداد والإخلاص.

المحتويات

البِدْعَةُ وضَوابطُها

التَّكْفِيرُ وضَوابِطُهُ

أشْراطُ السَّاعةِ

الصَّحابَةُ وآلُ البَيْتِ رضي الله عنهم

الأَوْلِياءُ وكَراماتُهُم

الشَّفاعَةُ

١- البِدعةُ وضوابطها

البِدعَةُ وضَوابِطُها

الحَديثُ عنِ البِدْعَةِ في غايةِ الأَهميَّة، وهوَ منْ أخطرِ المَواضيعِ؛ لأنَّ في الحَدِيثِ عنِ البِدْعَة ِحمايةً للكِتابِ والسُّنَّة، ولا سيَّما وقدْ أحدثَ كثيرٌ من المسلمينَ في دينِهمْ منَ البِدعِ والخُرافاتِ ما لا يَرضاهُ مُسلمٌ عاقلٌ يؤمنُ بالله واليومِ الآخِرِ، حتَّى إنَّك لترَى في كثيرٍ منَ الأحْيانِ أنَّ البدعَ تُروَّجُ كأنَّها سُنَّةٌ، بلْ بسببِ البدعةِ أُنكرتِ السُّنَّةُ، وغالبًا ما يكُونُ قصدُ مُروِّجي البِدَع حسنًا، ولا يعْلَمُونَ أنَّهمْ يضُرُّونَ أنفسَهمْ ويضُرُّونَ غيرَهم؛ قال تعالَى: ﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا (103) الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا ﴾ (الكهف: 103، 104).

تعريفُ البِدْعَة:

البِدْعةُ في اللُّغةِ: يُقالُ: بَدَعَ الشَّيءَ يَبْدَعُه بَدْعًا، وابْتَدَعَه: أَنشأَهُ وبدأَهُ.

والبَدِيعُ والبِدْعُ: الشَّيْءُ الَّذي يكونُ أوَّلًا، ومنه قولُه تعالى: ﴿بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ﴾ (البقرة: 117) أي: مخترعُها على غيرِ مثالٍ سابق.

ويُقالُ: أَبَدَعَ فلانٌ بِدْعَةً، يعني: ابتدأَ طَريقةً لمْ يُسبقْ إليْها.

وفي الشَّرعِ: طريقةٌ مُختَرعةٌ في التَّعبُّدِ، بغيرِ دليلٍ من كتابِ الله أوْ سُنَّةِ رسولِه صلى الله عليه وسلم.

حُكْمُ البِدْعةِ:

البِدعُ في الدِّينِ كلُّها مُحرَّمةٌ، وقدْ وَرَدَ ذمُّها علَى لِسانِ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم.

ومنَ الأدِلَّةِ على تَحريمِ الابْتِداعِ في الدِّينِ:

قولُه تَعالى: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ ﴾ (الشورى: 21).

وقولُه تَعالى: ﴿فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ فَأَنْزَلْنَا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا رِجْزًا مِنَ السَّمَاءِ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ ﴾ (البقرة: 59).

وقال النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم: «إِنَّهُ مَنْ يَعِشْ منْكُمْ بَعْدِي فَسَيَرَى اخْتِلافًا كَثِيرًا؛ فَعَلَيْكُمْ بِسُنَّتِي وَسُنَّةِ الخُلَفاءِ المَهْدِيِّينَ الرَّاشِدِينَ، تَمَسَّكُوا بِها وَعَضُّوا عَلَيْها بِالنَّواجِذِ، وَإِيَّاكُمْ وَمُحْدَثاتِ الأُمُورِ؛ فَإِنَّ كُلَّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ، وَكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلالَةٌ». رَواهُ أَحْمدُ وأبو داودَ والتِّرمذيُّ وابنُ ماجه، وصحَّحهُ الألبانيُّ.

وقال صلى الله عليه وسلم: «مَنْ أَحْدَثَ في أَمْرِنا هَذا ما لَيْسَ منْهُ فَهُوَ رَدٌّ». متَّفقٌ عليه.

وفي رِوايةٍ: «مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنا فَهُوَ رَدٌّ». متَّفقٌ عليه.

قال الحافظُ ابنُ حَجَرٍ رحمه الله: «وهذا الحديثُ معدودٌ منْ أُصولِ الإسْلامِ، وقاعِدَةٌ منْ قواعدِه؛ فإنَّ معناهُ: مَنِ اختَرعَ في الدِّينِ ما لا يشهدُ لَهُ أَصْلٌ منْ أُصُولِهِ فَلا يُلتفتُ إليهِ».

وقال عَبْدُ الله بنُ مَسعودٍ رضي الله عنه: «اتَّبِعُوا وَلا تَبْتَدِعُوا فَقَدْ كُفِيتُمْ، وَكُلُّ بِدْعَةٍ ضَلالَةٌ».

ويُرْوَى عنْهُ أيضًا رضي الله عنه : «أيُّها النَّاسُ إِنَّكُمْ سَتُحْدِثُونَ وَيُحْدَثُ لَكُمْ، فَإِذا رَأَيْتُمْ مُحْدَثَةً، فَعَلَيْكُمْ بِالأَمْرِ الأَوَّلِ».

وعنْ عُثمانَ بنِ حاضرٍ الأَزْدِيِّ قال: دَخلتُ علَى ابنِ عبَّاسٍ رضي الله عنهما، فقُلْتُ: أَوْصني، فقال: «عَلَيْكَ بِتَقْوَى الله والاسْتِقامَةِ، اتَّبِعْ وَلا تَبْتَدِعْ».

خطرُ البِدْعَة:

البِدْعةُ طَعْنٌ في الدِّين:

قال الإمامُ مالكٌ رحمه الله: «مَنِ ابْتَدعَ في الإسلامِ بِدْعةً يراها حسنهً فقدْ زعمَ أنَّ محمَّدًا صلى الله عليه وسلم خانَ الرِّسالةَ؛ لأنَّ الله يقول:

﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ ﴾ (المائدة: 3) فما لَمْ يكنْ يومئذٍ دينًا، فلا يكونُ اليومَ دينًا».

فكلُّ مَنِ ابتَدعَ في الدِّينِ شيئًا إنَّما هوَ لظنِّهِ نَقصَ الشَّريعةِ وعدمَ كمالِها، وأنَّه بَقِيَ منْها ما يَجبُ تكميلُهُ واستِدراكُهُ.

البِدْعَةُ تُشوِّهُ الدِّينَ؛ حتَّى تصُدَّ النَّاس عنْه:

فإذا رأَى الغربُ مثلًا ما يُفْعَلُ في عاشُوراءَ، منْ ضَربِ الأنفُسِ والأطفال بالسّيوفِ أوِ السَّلاسِل، فهلْ يُمكنُ أنْ يُصدِّقوا أنَّ هذا دِينٌ صحيحٌ؟!

وكذا، لَوْ رأَوْا ما يفعلُهُ أهل البدع في الموالِدِ والحَضْرات، وما يُسمَّى بـ (الزَّار) ونَحْوِه! فهل يمكن أن يدخلوا في هذا الدِّين؟!

البِدْعَةُ تُخفي السُّنَّةَ على كثيرٍ من النَّاس:

قال ابنُ عبَّاسٍ رضي الله عنهما: «لا يأْتِي علَى النَّاسِ عامٌ إلَّا أحْدثُوا فيهِ بِدْعَةً، وأماتُوا فيه سُنَّةً، حتَّى تَحْيا البِدَعُ، وتَموتَ السُّنَنُ».

البِدْعَةُ سَببٌ لعِذابِ اللهِ:

قال تعالى: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ﴾ (النُّور: 63).

وقال تعالَى: ﴿فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ فَأَنْزَلْنَا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا رِجْزًا مِنَ السَّمَاءِ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ ﴾ (البقرة: 59).

رَأَى سعِيدُ بنُ المسيّبِ رحمه الله رجلًا يُصلِّي بعدَ طُلوعِ الفجرِ فنَهاهُ؛ لأنَّه وقتُ نهيٍ عنِ الصَّلاة، فقال الرَّجلُ: «يا أبا مُحمَّدٍ أيُعذِّبُني الله على الصَّلاة؟!» قال سعِيدٌ: «لا، ولكِنْ يُعذِّبُكَ علَى خِلافِ السُّنَّة»؛ أي: علَى مُخالفَتِها والخُرُوجِ عليْها.

وقال رجلٌ لمالكِ بنِ أنسٍ: منْ أينَ أُحْرِم؟ قال: «منْ حيثُ أَحْرَمَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم».فقال الرَّجلُ: فإنْ أَحْرَمتُ منْ أَبْعدَ منه؟ قال: «فلا تَفعلْ، فإنِّي أخافُ عليكَ الفتنةَ»، قال: وأيُّ فِتنةٍ في زيادةِ الخير؟! قال مالكٌ: «فإنَّ الله تعالى يقولُ: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ﴾ (النُّور: 63)، وأيُّ فتنةٍ أعظمُ منْ أَنْ تَرَى أنَّك خُصِصْتَ بفضلٍ لَمْ يُخَصَّ بهِ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم؟!».

من طوامِّ أهلِ البدعِ ابتداعُهم بعضَ الأذكارِ الَّتي لمْ تَرِدْ، مثل «الله حَيْ»، «هُو، هُو»، فيزعمون أنَّهم اختصَرُوا «لا إلهَ إلَّا الله» إلى «الله»، ثمَّ اختصرُوا لفظَ الجلالةِ إلى الضَّمير «هو»، فصارَ هذا هوَ ذكرَهم المفضَّلَ!

قيلَ لأحمدَ بنِ حَنْبَلٍ رحمه الله: الرَّجلُ يصومُ ويُصلِّي ويَعتكفُ أحبُّ إليكَ أوْ يتكلَّمُ في أهلِ البِدعِ؟فقالَ:

«إذا قامَ وصلَّى واعتكَفَ، فإنَّما هوَ لنفسِهِ، وإذا تكلَّم في أهلِ البِدعِ فإنَّما هوَ للمسلمين، هذا أفضل».

البِدْعَةُ تُوجِبُ الحِرمانَ منْ حَوْضِ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم:

عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ رضي الله عنه قال: قال النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم: «إِنِّي فَرَطُكُمْ على الحَوْضِ، مَنْ مَرَّ عَلَيَّ شَرِبَ، وَمَنْ شَرِبَ لَمْ يَظْمَأْ أَبَدًا، لَيَرِدَنَّ عَلَيَّ أَقْوامٌ أَعْرِفُهُمْ وَيَعْرِفُونِي، ثُمَّ يُحالُ بينِي وَبينَهُمْ، فَأَقُولُ: إِنَّهُمْ منِّي، فَيُقالُ: إِنَّكَ لا تَدْرِي ما أَحْدَثُوا بَعْدَكَ، فَأَقُولُ: سُحْقًا سُحْقًا لِمَنْ غَيَّرَ بَعْدِي». مُتَّفقٌ عليه.

الفرق بين العادات والعبادات:

قدْ يقولُ قائلٌ: هلِ السَّيَّارةُ بِدعةٌ؟ والمُكَيِّفُ بِدعةٌ؟ والحاسوبُ بِدعةٌ؟

الجَوابُ: لا، فهُناكَ فَرْقٌ بينَ العاداتِ والعِباداتِ.

فالعاداتُ والأمورُ الدُّنيويَّةُ الأصلُ فيها الإباحةُ؛ لقولِهِ تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ﴾ (البقرة: 29).

بينَما الأصْلُ في العِباداتِ الحَظرُ والمنعُ حتَّى يقومَ دليلٌ على المشْرُوعيَّة؛ لقولِهِ تعالَى: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ ﴾ (الشورى: 21).

قال شيخُ الإسلامِ: «الأصلُ في العِباداتِ: ألَّا يُشرَعَ منها إلَّا ما شرَعَهُ الله، والأصلُ في العاداتِ: ألَّا يُحظَرَ منها إلَّا ما حظَرَهُ الله».

وقال ابنُ القَيِّمِ رحمه الله: «والفَرْقُ بينَهُما أَنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ لا يُعْبَدُ إلَّا بِما شَرَعَهُ على أَلْسِنَةِ رُسُلِهِ، فَإِنَّ العِبادَةَ حَقُّهُ على عِبادِهِ، وَحَقُّهُ الذي أَحَقَّهُ هُوَ وَرَضِيَ بِهِ وَشَرَعَهُ، وَأَمَّا العُقُودُ والشُّرُوطُ والمُعامَلاتُ فَهِيَ عَفْوٌ حَتَّى يُحَرِّمَها، وَلِهَذا نَعَى الله سُبْحانَهُ على المُشْرِكِينَ مُخالَفَةَ هَذَيْنِ الأَصْلَيْنِ: وَهُوَ تَحْرِيمُ ما لَمْ يُحَرِّمْهُ، والتَّقَرُّبُ إلَيْهِ بِما لَمْ يُشَرِّعْهُ».

تَحذيرُ السَّلفِ منَ البِدَعِ:

عنْ عبدِ الله بنِ مسعودٍ رضي الله عنه قال: «الاقتصادُ في السُّنَّةِ خيرٌ منَ الاجتهادِ في البِدعةِ».

وقال الأَوْزاعِيُّ رحمه الله: «اصبِرْ نفسَكَ على السُّنَّة، وقِفْ حيثُ وقفَ القومُ، وقُلْ بما قالوا، وكُفَّ عمَّا كفُّوا عنه، واسلُكْ سبيلَ سلفِكَ الصَّالح؛ فإنَّه يسعُكَ ما يسعُهُمْ».

وعن أيُّوبَ السَّخْتِيانِيِّ رحمه الله: «ما ازدادَ صاحبُ بدعةٍ اجتهادًا إلَّا ازدادَ منَ الله بُعْدًا».

وعن سُفيانَ بنِ عُيَيْنَةَ رحمه الله: «ليسَ في الأرضِ صاحبُ بدعةٍ إلَّا وهو يجدُ ذِلَّةً تَغْشاه، وهو في كِتابِ الله»، قالوا: وأينَ هوَ في كتابِ الله؟ قال: «أَما سمِعتُمْ قولَهُ تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ سَيَنَالُهُمْ غَضَبٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَذِلَّةٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ﴾ (الأعراف: 152)؟!»، قالوا: يا أبا محمَّدٍ! هذهِ لأصحابِ العِجْلِ خاصَّةً! قال: «كلَّا، اتلوا ما بعدَها ﴿وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُفْتَرِينَ ﴾ (الأعراف: 152) أي: الكذَّابينَ المُبتدِعين، فهي لكلِّ مُفْتَرٍ ومُبْتَدِعٍ إلى يومِ القيامة».

وقال سُفيانُ الثَّوْرِيُّ رحمه الله: «البِدْعَةُ أحبُّ إلى إبليسَ منَ المعصيةِ؛ لأنَّ المعصيةَ يُتابُ منها، وإنَّ البِدعةَ لا يُتابُ منها».

هلْ هُناكَ بدْعَةٌ حَسَنَةٌ؟

يُقسِّمُ بعضُ النَّاسِ البِدْعَةَ إلى بدعةٍ حسنةٍ وبدعةٍ سيِّئةٍ، وأبرزُ أدلَّتِهمْ أَثَرانِ:

الأوَّلُ: قولُ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم: «مَنْ سَنَّ في الإِسْلامِ سُنَّةً حَسَنَةً، فَلَهُ أَجْرُها، وَأَجْرُ مَنْ عَمِلَ بِها بَعْدَهُ، منْ غَيْرِ أَنْ يَنْقُصَ منْ أُجُورِهِمْ شَيْءٌ». أَخرَجه مُسلمٌ.

والجَوابُ: أنَّ المَقصودَ منَ الحديثِ مَنْ أَحْيا سُنَّةً ثابتةً بأَصلِ الشَّرع فَلَهُ أجْرُها، فهوَ لَمْ يَبْتدعْ شيئًا منْ عندِ نفسِه.

ويدلُّ على ذلكَ مُناسبةُ الحديثِ، فإنَّ الرَّسولَ صلى الله عليه وسلم لَمْ يُطلِقْ هذهِ الكلمةَ «سُنَّةً حسنةً» إلَّا على أمرٍ لهُ أصلٌ في الشَّرع، وهو الصَّدقة؛ وذلك أنَّ سببَ هذا الحديثِ أنَّ وفدًا من العَرَبِ كانوا علَى قَدْرٍ كبيرٍ من الحاجَةِ والفَقْر، فحَثَّ النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم أصْحابَهُ على التَّصدُّقِ عليْهِمْ، فجاءَ رَجُلٌ من الأنْصارِ بصَدَقةٍ كبيرَةٍ، ثُمَّ تتابَعَ النَّاسُ منْ بعدِهِ على التَّصدُّقِ حتَّى تجمَّعَ قَدْرٌ كبيرٌ منَ الصَّدَقاتِ، فأَعْجَبَ فِعْلُ الأنصاريِّ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم فقال هَذا القولَ.

كما أنَّه لا يُمكنُ أنْ يُفَهَمَ منْ هذا الحديثِ أنَّ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم فتحَ لأفرادِ الأُمَّةِ بابًا للتَّشريعِ وإحداثِ سُننٍ ليسَ لها أصلٌ منْ كِتابٍ ولا سُنَّةٍ، فهذا يفتحُ بابًا للفسادِ؛ إذِ العُقُولُ تتفاوتُ تفاوُتًا كبيًرا، فهذا يَرَى هذا الفِعْلَ سُنَّةً حسنةً، وآخرُ يرَى فعْلًا آخرَ سُنَّةً حسَنةً، وهكَذا، حتَّى تتَغيَّرَ الشَّريعَةُ!

الأثرُ الثَّاني: قولُ عُمَرَ رضي الله عنه لَمَّا رَأَى اجتِماعَ النَّاسِ لصَلاةِ التَّراويحِ في المسْجِدِ: «نِعْمَ البِدْعَةُ هذه». أخرَجَهُ البُخاريُّ.

والجَوابُ: أنَّه لا حُجَّةَ فيهِ؛ فقِيامُ رَمَضانَ سُنَّةٌ من هدي النبي صلى الله عليه وسلم، وقدْ تَرَكَها صلى الله عليه وسلم لمانِعٍ، وَهُوَ خَوْفُ أنْ تُفْرَضَ، وقَدْ زالَ هذا المانعُ بوفاتِه صلى الله عليه وسلم، فتسمية عمر رضي الله عنه لها بالبدعة أراد به المعنى اللغويَّ لا الشرعيَّ.

ومنْ هنا يُعلمُ أنَّ تقسيمَ البِدْعَةِ المُحدَثةِ إِلى حَسَنَةٍ وسيِّئةٍ غيرُ صَحِيحٍ.

قال شيخُ الإسْلامِ ابنُ تَيْمِيَّةَ رحمه الله: «ولا يَحِلُّ لأحدٍ أنْ يُقابلَ هذهِ الكَلِمةَ الجامِعةَ منْ رسُولِ الله صلى الله عليه وسلم، وهيَ قولُهُ:«وَكُلُّ بِدْعَةٍ ضَلالَةٌ»بسَلْبِ عُمومِها، وهُوَ أَنْ يُقالَ: ليسَتْ كلُّ بِدعةٍ ضَلالَة، فإنَّ هذا إلى مُشاقَّةِ الرَّسولِ صلى الله عليه وسلم أقرَبُ منهُ إلى التَّأوِيلِ».

أمثلةٌ على البِدَع:

تخصيصُ عِبادَةٍ بزَمانٍ أو مَكانٍ أوْ عَدَدٍ أوْ هَيئةٍ:

قال الشَّاطبيُّ رحمه الله: «ومنها أي: البِدعُ: التِزامُ الكيفيَّاتِ والهيئاتِ المُعيَّنةِ، كالذِّكرِ بهيئةِ الاجتماعِ علَى صَوْتٍ واحدٍ، واتخاذِ يومِ وِلادةِ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم عيدًا، وما أشبَهَ ذلك. ومنْها: التزامُ العباداتِ المُعيَّنةِ في أوقاتٍ مُعيَّنةٍ لم يُوجدْ لها ذلكَ التَّعْيينُ في الشَّريعةِ، كالتزامِ صيامِ يومِ النِّصفِ منْ شَعبانَ وقيامِ ليلَتِهِ».

التَّخصيصُ بالزَّمانِ: مِثلُ اسْتِحبابِ البَعْضِ الاعتِمارَ ليلةَ النِّصفِ من رجَبٍ، أو تخْصِيصِ يومِ الجُمُعةِ الأَخيرةِ منْ رَمضانَ بذِكْرٍ وعِباداتٍ خاصَّة، ونَحْوه.

بِدعةُ الاحتِفالِ بالمولدِ النَّبويِّ:

لا يجوزُ الاحتِفالُ بمَوْلدِ الرَّسولِ صلى الله عليه وسلم؛ لأنَّ ذلكَ منَ البدعِ المُحدَثةِ في الدِّين؛ لأنَّ الرَّسولَ صلى الله عليه وسلم لم يفعَلْهُ، ولم يفعلْهُ خلفاؤُهُ الرَّاشِدُون، ولا غيرُهم منَ الصَّحابةِ رضوانُ الله عليْهِم، ولا التَّابعُونَ لهُمْ بإحْسانٍ في القُرُونِ المُفضَّلةِ، وهُمْ أعلَمُ النَّاس بالسُّنَّةِ، وأكملُ حُبًّا لرسولِ الله صلى الله عليه وسلم ومُتابَعَةً لشرعِهِ ممَّنْ بعدَهُمْ.

التَّخصيصُ بالمَكانِ: كحِرْصِ البَعْضِ علَى الصَّلاةِ في غارِ حراءٍ وغارِ ثَوْرٍ، ومنَ المَشهورِ عِندَ العوامِّ صَلاةُ أربعِ ركَعاتٍ في مَسْجِدِ القِبْلَتَيْنِ: ركْعَتَينِ إلَى القِبْلَةِ الأُولَى، وركْعَتَيْنِ إلى القِبْلَةِ الثَّانية!

وقدْ أنكرَ ابنُ عبَّاسٍ على مُعاويةَ رضي الله عنهمشيئًا منْ هذا القَبيلِ، فقدْ أخرجَ أحمدُ والتِّرمذيُّ بإسنادٍ صحيحٍ أنَّ مُعاويةَ بنَ أبي سُفيانَ رضي الله عنه كانَ يستلمُ الأركانَ كلَّها، فقال لهُ ابنُ عبَّاسٍ رضي الله عنهما: «لِمَ تَسْتَلِمُ هَذَيْنِ الرُّكْنَيْنِ، وَلَمْ يَكُنْ صلى الله عليه وسلميَسْتَلِمُهُما؟! فَقال مُعاوِيَةُ: لَيْسَ شَيْءٌ منَ البَيْتِ مَهْجُورًا، فَقال ابْنُ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ ﴾ (الأحزاب: 21) فَقال مُعاوِيَةُ: صَدَقْتَ». وأصْلُهُ في الصَّحِيحَيْنِ.

وأشدُّ صُوَرِ هذا التَّخصيصِ: تعمُّدُ بعضِهِم الصَّلاةَ عندَ قبورِ الأولياءِ، وهو منَ البِدَعِ الشِّركيَّة.

التَّخصيصُ بالعَدَدِ: مِثْلُ التزامِ قراءةِ سُورةِ يس أرْبَعِينَ مرَّةً؛ لأجلِ تفْرِيجِ كَرْبٍ أو قَضاءِ حاجةٍ أو غيرِ ذلكَ.

ووَضْعِ بعضِهمْ برامجَ علاجيَّة في الرُّقيةِ تُقرأُ فيها الفاتحةُ مائةَ مرَّةٍ، وآيةُ الكُرْسِيِّ خمسينَ مرَّةً، والصَّافَّاتُ ثلاثينَ مرَّةً، وتبارك كذا مرَّةً.....إلخ.

وَتْخصِيصِ بَعْضِهم آيَة أوْ آيات لِعِلاجِ أمْراضٍ مُعَيَّنةٍ بغيْرِ دلِيلٍ منْ كِتابٍ ولا سُنَّةٍ، ولوْ أنَّهمْ أرْشَدُوا المرِيضَ للعِلاجِ بالقُرآنِ مُطْلقًا، لأصابُوا الخَيْرَ، ولَجانبُوا البِدْعةَ.

التَّخصيصُ بالهَيْئَةِ: كالِاجْتماعِ علَى شَيْخٍ بطريقةٍ مُعيَّنةٍ، وقدْ يكُونُ في ظَلامٍ دامِسٍ، ثمَّ تلاوةِ أَوْرادٍ وأذكارٍ ما أنزلَ الله بها من سُلطانٍ.

أقسام البدعة

باعتبار حصول الكفر بها وعدمه

بدعة مكفرة

بدعة غير مكفرة

باعتبار أن لها أصلًا وعدمه

بدعة حقيقية

بدعة إضافية

أقسامُ البِدْعَة:

معَ أنَّ البدعَ كلَّها تشتَرِكُ في أصْلِ الحُرمةِ والضَّلالةِ؛ إلَّا أَنَّ بعضَها أشدُّ حرمةً منْ بعضٍ، وأشدُّ ضَلالًا منْ بعضٍ؛ ولذلِكَ قَسَّمَ العلماءُ البِدْعَةَ بعدَّةِ اعتباراتٍ، نأخذُ منْها اعتبارَيْنِ:

الأوَّل: البِدْعَةُ باعتبارِ الكُفْرِ بِها وعدمِهِ، وهي قِسمانِ:

الأَوَّل: بِدْعَةٌ مُكَفِّرَةٌ:

وهيَ الَّتي تَدْخُلُ في دائرةِ الشِّركِ الأكبرِ، كالطّوافِ بقُبورِ الصَّالحينَ مَعَ التَّوجُّهِ بالدُّعاءِ والطَّلبِ إليْهِمْ، أو الذَّبحِ لهُمْ.

الثَّانِي: بِدْعَةٌ غيرُ مُكَفِّرَةٍ:

وهيَ ما كانَتْ دُونَ الشِّركِ الأكبرِ، كبِدعةِ الاحتفالِ بالمولدِ النَّبويِّ، أو الذِّكرِ والدُّعاءِ الجماعيِّ.

الثَّاني: البِدْعَةُ باعتبارِ أنَّ لها أصلًا وعَدَمِهِ، وهِيَ قِسمانِ:

الأوَّل: البِدْعَةُ الحقيقيَّة:

وهيَ ما كانَ الابتداعُ فيها منْ جميعِ وُجوهِها، فليسَ لهُ أصلٌ أبدًا منْ دِليلٍ شرعيٍّ، منْ كِتابٍ أو سُنَّةٍ أو إجماعٍ، ولذلِكَ سُمِّيتْ بِدعةً حقيقيَّةً؛ لأنَّها مُخترَعةٌ على غيرِ مِثالٍ سابقٍ.

ومنْ أمثلَتِها:

بدعةُ التَّقرُّبِ إلى الله سبحانه وتعالى بالرَّهْبانِيَّة، فالله عزوجل يقولُ: ﴿وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلَّا ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ ﴾ (الحديد: 27)، والمعْنَى: لكنْ كتَبْنا عليْهِمْ ابْتِغاءَ رضوانِ الله.

تَرْكُ التزوُّج ِتَعبُّدًا، معَ وجودِ الدَّاعي إليه، وعدمِ المانع.

تعذيبُ النَّفسِ بألوانٍ منَ العذابِ ِتَعبُّدًا، كما يفعلُهُ الشِّيعةُ يومَ عاشوراءَ منْ تعذيبِ أنفسِهم، وإدخالِ أسياخِ الحديدِ في أجسادِهم، ولطْمِ الخدُودِ، والنِّياحَةِ لقتلِ الحُسينِ رضي الله عنه، فيُقيمونَ هذهِ المآتمَ زاعمينَ أنَّ ذلِكَ يُقرِّبُهم إلى اللِه سبحانه وتعالى!

الطَّوافُ حَوْلَ الأضْرِحَةِ، وإقامةُ القِبابِ علَى القُبورِ.

الوُقُوفُ في الحج علَى غيرِ عَرَفَةَ.

الثَّاني: البِدْعَةُ الإضافيَّة:

والمقصُودُ بها ما كانَ لها تعلُّقٌ بالدَّليلِ الشَّرعيِّ بوجهٍ منَ الوُجُوه، بمعْنَى أنَّها تحتَ أصلٍ من أصُولِ الشَّرعِ؛ ولذلِكَ تُسمَّى بدْعَةً إضافِيَّةً، فهيَ مُستنِدةٌ إلى دليلٍ في الجُملةِ.

من أمثِلَتِها:

صلاةُ الرَّغائِب. صَلاةُ ليلة النِّصفِ منْ شَعْبان.

صلاةُ ليلةِ عاشُوراء.

فهذا كلُّه لم يَثبُتْ في السُّنَّةِ بوجهٍ من الوُجُوهِ.

فلماذا نقُولُ: إنَّ هذهِ بِدعٌ إضافيَّة؟ لأنَّ التَّقرُّبَ إلى الله سبحانه وتعالى بالنَّوافلِ ثابتٌ في الشَّرع؛ فقدْ قال صلى الله عليه وسلم: «الصَّلاةُ خيرُ موضوعٍ، فمَنِ اسْتَطاعَ أنْ يسْتَكثِرَ فَلْيَستكثِر». أَخرَجه الطَّبرانيُّ، وحسَّنه الألبانيُّ.

فمن هذهِ النَّاحيةِ هم يقولونَ: نحنُ نُصلِّي ولا نَعْبَث، لكنْ منْ جهةٍ أُخْرَى يُقالُ لهم: لم تثبُتْ في السُّنَّةِ هذهِ الأفعال، فَهِيَ بِدعٌ بهذا الاعْتِبار.

القِراءةُ الصَّمَدِيَّة، يقْرَؤُونَ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ ﴾مائةَ ألفِ مرَّةٍ، ويسمُّونَها: العتاقةَ الكُبْرَى، فهذهِ بِدعةٌ إضافيَّة؛ لأنَّ قِراءةَ سُورةِ الإِخْلاصِ ذِكرٌ مَشروعٌ، ولهُ أدِلَّةٌ على استِحبابِهِ؛ كقولِهِ صلى الله عليه وسلم: «مَنْ قرأَ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ ﴾ حتَّى يختمَها عَشْرَ مرَّاتٍ، بَنى الله لهُ قصرًا في الجنَّةِ». أخْرَجَهُ أحمَدُ، وصحَّحَهُ الألبانِيُّ.

لكنْ منْ حيثُ تَسْمِيتُها عتاقَة، والتزامُ هَذا العَددِ، وتَرْتيبُ فضلٍ آخرَ عليْها تُعتبرُ بدْعَةً؛ لعدَمِ وجُودِ ما يدلُّ علَى ذلكَ.

وأكثرُ البِدعِ والمُحدَثاتِ عندَ أصْحابِ الطُّرُقِ وغيرِهِمْ هيَ منْ هَذا النَّوع.

أصولٌ تَقِيكَ الوقوعَ في البِدْعَةِ:

اعْرِضِ العَمَلَ على كتابِ الله وسُنَّةِ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم، فما وافَقَهما فخُذْ بهِ، وما خالَفَهُما فاتْرُكْه، ولو بَدا لكَ أنَّه حسنٌ، فهذا منَ الشَّيطان.

اعلَمْ أنَّ السُّنَّةَ: فعلُ ما فعلَهُ الرَّسولُ صلى الله عليه وسلم، وتركُ ما ترَكَهُ الرَّسولُ صلى الله عليه وسلم، فالسُّنَّة تكونُ في الفِعْلِ وفي التَّرْكِ.

اعلَمْ أنَّ خيرَ الهدي هديُ محمَّدٍ صلى الله عليه وسلم، وهديُ أصحابِهِ رضي الله عنهم منْ بعدِهِ.

اعلَمْ أنَّ الأصلَ في العباداتِ المنعُ، فلا تتقرَّبْ إلى الله إلَّا بما شرَعَهُ في كتابِهِ أو سُنَّةِ نبيِّهِ صلى الله عليه وسلم.

اسْتَشْعِرْ خطرَ البدعةِ والإحداثِ في الدِّين، وما في البدعةِ من استدراكٍ على الشرعِ، وتزكيةٍ للنَّفسِ فوقَ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم، فلسانُ حالِ المُبتدِعِ أنَّه عَلِمَ منَ الشَّرعِ ما لم يعلَمْهُ النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم، وأنَّه أعلمُ بالخيرِ وأحرصُ عليهِ منهُ صلى الله عليه وسلم، وهذا خطرٌ عظيمٌ يقعُ المسلمُ فيهِ بالابتداع في الدِّين.

أعظمُ التَّحصيناتِ من البدعِ والخُرافاتِ هو التَّعلُّمُ والتَّفقُّهُ في دينِ الله تعالى، فمنْ يُردِ الله بهِ خيرًا يُفقِّهْهُ في الدِّين.

البِدْعَةُ الكُلِّيَّة:

هيَ البِدْعَةُ الَّتي يكونُ الخللُ النَّاشِئُ عنها كُلِّيًّا في الشَّريعَةِ.

من أمثِلَتِها:

بدْعَةُ إنكارِ الأَخْبارِ النَّبويَّةِ مُطلقًا، والإقرارِ بالقُرآنِ الكَريمِ فقَطْ، وهُمْ مَنْ يُقالُ لهم: القُرآنِيُّون.

بدعةُ عَدَمِ الأخذِ بأخْبارِ الآحادِ منْ أحادِيثِ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم.

نشاط

1- بيِّن خطرَ البِدْعَة، مُستعينًا بأبحاثٍ خارجيَّةٍ، معَ التَّمثيلِ لبِدَعٍ من الواقع.

2- اشرحْ باختصارٍ الطَّريقةَ الَّتي يُمكنُ بها معرفةُ البِدْعَة، مخاطِبًا صاحبَ بدعةٍ بذلك.

3- ما وجْهُ كونِ البِدْعَةِ خطرًا كبيرًا على الدِّين؟

4- ما الأصلُ في العبادةِ، المنعُ أمِ الإباحة؟ مُعلِّلًا ومُوضِّحًا ما تقول.

5- ما الفرقُ بينَ البِدْعَةِ الحقيقيَّةِ والإضافيَّةِ، وأيُّهما أشدُّ خطرًا على الدِّين، وما المرادُ بالبِدْعَةِ الكُلِّيَّة؟ اذكر أمثلة غير التي ذكرت هنا.

٢ التكفيرُ وضوابطه

الوحدة الثانية: التكفيرُ وضوابطه

التَّكفِـيرُ وَضَوابِطُهُ

منْ أعظمِ الأمورِ خَطَرًا على أهلِ الإسْلامِ، وأشدِّها ضَرَرًا، وأبعدِها منْ تَقْوى الله ومَخافتِهِ ومُراقبتِهِ، وأقْرَبِها إلى عظِيمِ سَخَطِه وألِيمِ عِقابِهِ؛ بِدْعَةُ التَّكْفِيرِ، والَّتي ابتدَعَها وتولَّى كِبَرها الخوارجُ، الَّذينَ خرَجُوا على عليِّ بنِ أبي طالِبٍ رضي الله عنه بعدَ حادِثةِ التَّحْكِيمِ.

والتَّكْفِيرُ هُوَ: الحُكْمُ بالكُفْرِ على مَنْ ثَبَتَ إسلامُهُ بيَقينٍ.

حادثةُ التَّحْكيم:

بعْدَ أنْ وصلَتْ معركةُ صِفِّينَ عامَ 37هـ بالمسلمينَ إلى كارثةٍ عظيمةٍ، فقدْ سُفِكَتْ دماءُ قرابةِ خمسينَ ألفًا منْ جُنْدِ العراقِ والشَّامِ، ولم تَنْتصرْ إحْدَى الطَّائفتَيْنِ علَى الأُخْرَى؛ اتَّفقَ الجانبانِ على إرْسالِ حَكَمَيْنِ منْ كلِّ طائفةٍ للنَّظرِ في إنهاءِ هذهِ الفتنةِ، فأرسلَ عليُّ بنُ أبي طالِبٍ أبا مُوسَى الأَشْعَرِيَّ، وأرسلَ معاويةُ عَمْرَو بنَ العاصِ رضي الله عنهم أجمعينَ، وانتهى الأمرُ إلى بقاءِ الحالِ على ما هُوَ عليهِ، على أنْ يجتمعوا في العامِ المقبلِ بعدَ استشارةِ أعيانِ الصَّحابة رضي الله عنهم.

فعليٌّ رضي الله عنه أميرٌ للمُؤمنينَ يحكُمُ علَى الحِجازِ والعِراق واليَمَنِ ومِصْر.

ومعاويةُ رضي الله عنه يحكُمُ ما تحتَ يدَيْهِ منَ الشَّام.

وكانَ قدِ اعتزَلَ العَديدُ من كبارِ الصَّحابةِ رضي الله عنهم هذهِ الفِتْنةَ.

أمَّا ما يُرْوَى في كتبِ التَّاريخِ منَ الرِّواياتِ المكذوبةِ، والَّتي أظهرتِ الصَّحابةَ رضي الله عنهم كأنَّهم طُلَّابُ دُنيا ووزاراتٍ، ووَصَفَتْ أحَدَ الحكَمَيْنِ بأنَّه مُغفَّلٌ، والآخرَ بأنَّه غادرٌ، فكلُّها رِواياتٌ باطلةٌ لا أصلَ لها، وقدْ صنَّفَ أبو بكرِ بنُ العربيِّ في رَدِّ هذهِ الأكاذيبِ كتابَهُ العظيمَ (العَواصِمُ من القَواصِمِ).

خَطَرُهُ:إنَّ تَكْفيرَ المُسلمِ ليسَ أمرًا يسيرًا، بلْ إنَّه جَريمةٌ عظيمةٌ، وطريقٌ مُظلِمٌ لِمَن سَلَكَه، وقَدْ قامَ منْ أدلَّةِ الشَّريعةِ ما يَدُلُّ علَى خطرِهِ، منها الآتي

قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: «أَيُّما رَجُلٍ قال لِأَخِيهِ: يا كافِرُ؛ فَقَدْ باءَ بِها أَحَدُهُما». مُتَّفقٌ عليه.

وقال صلى الله عليه وسلم: «لا يَرْمِي رَجُلٌ رَجُلًا بِالفُسُوقِ، وَلا يَرْمِيهِ بِالكُفْر، إِلَّا ارْتَدَّتْ عَلَيْهِ، إِنْ لَمْ يَكُنْ صاحِبُهُ كَذَلِكَ». أَخرجَهُ البُخاريُّ.

وقال صلى الله عليه وسلم: «مَنْ لَعَنَ مُؤْمنًا فَهُوَ كَقَتْلِهِ، وَمَنْ قَذَفَ مُؤْمنًا بِكُفْرٍ فَهُوَ كَقَتْلِهِ». مُتَّفقٌ عليه.

قال ابنُ عبدِ البَرِّ رحمه الله: «فالقُرآنُ والسُّنَّةُ يَنْهَيانِ عنْ تَفسيقِ المُسلمِ وتَكفيرِهِ، ببيانٍ لا إشكالَ فيه».

وقال الشَّوْكانِيُّ رحمه الله: «اعلَمْ أنَّ الحُكْمَ على الرَّجلِ المُسْلِمِ بخرُوجِهِ منْ دينِ الإسْلامِ ودخولِهِ في الكُفْرِ؛ لا ينْبَغي لمسْلِمٍ يُؤْمنُ بالله واليومِ الآخِرِ أَنْ يُقدِمَ عليهِ إلَّا ببُرهانٍ أوضحَ منْ شَمْسِ النَّهارِ».

قال ابنُ أبي العِزِّ الحَنَفِيُّ رحمه الله: «فَإِنَّهُ منْ أَعْظَمِ البَغْيِ أَنْ يُشْهَدَ على مُعَيَّنٍ أَنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ لَهُ وَلا يَرْحَمُهُ بَلْ يُخَلِّدُهُ في النَّارِ؛ فَإِنَّ هَذا حُكْمُ الكافِرِ بَعْدَ المَوْتِ».

ضَوابِطُ التَّكْفِيرِ:

الأوَّل: التَّكفيرُ حُكْمٌ شَرْعيٌّ، وحقٌّ خالصٌ ﷲِ سبحانه وتعالى:

قال شيخُ الإسلامِ ابن تَيْمِيَّةَ رحمه الله: «فَإِنَّ الكُفْرَ والفِسْقَ أَحْكامٌ شَرْعِيَّةٌ، لَيْسَ ذَلِكَ منَ الأَحْكامِ التي يَسْتَقِلُّ بِها العَقْلُ، فالكافِرُمَنْ جَعَلَهُ الله وَرسولُهُ كافِرًا، والفاسِقُ مَنْ جَعَلَهُ الله وَرسولُهُ فاسِقًا، كَما أَنَّ المُؤْمنَ والمُسْلِمَ مَنْ جَعَلَهُ الله وَرسولُهُ مُؤْمنًا وَمُسْلِمًا».

الثَّاني: الأصلُ فيمَنْ يقولُ: «لا إلهَ إلَّا الله» الإسلامُ حتَّى يَثْبُتَ خِلافُهُ:فكلُّ مَنْ ثَبَتَ إسلامُهُ بيقينٍ، فلا يرْتَفِعُ إلَّا بيقِينٍ.

الثَّالث: أنَّ لنا الظَّاهِرَ، والسَّرائرُ مَوْكُولَةٌ إلى الله تعالَى:ففِي الحَدِيثِ المُتَّفَقِ عليهِ قال أُسامَةُ بنُ زَيْدٍ رضي الله عنهما:

بَعَثَنا رسولُ الله صلى الله عليه وسلم إلى الحُرَقَةِ، فَصَبَّحْنا القَوْمَ فَهَزَمْناهُمْ، وَلَحِقْتُ أَنا وَرَجُلٌ منَ الأَنْصارِ رَجُلًا منْهُمْ، فَلَمَّا غَشِيناهُ، قال: لا إِلَهَ إِلَّا الله، فَكَفَّ الأَنْصارِيُّ، فَطَعَنْتُهُ بِرُمْحِي حَتَّى قَتَلْتُهُ، فَلَمَّا قَدِمْنا بَلَغَ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم، فَقالَ: «يا أُسامَةُ، أَقَتَلْتَهُ بَعْدَما قال: لا إِلَهَ إِلَّا الله!» قُلْتُ: كانَ مُتَعَوِّذًا، فَما زالَ يُكَرِّرُها، حَتَّى تَمَنَّيْتُ أَنِّي لَمْ أَكُنْ أَسْلَمْتُ قَبْلَ ذَلِكَ اليَوْمِ.

الرَّابع: الواجِبُ التَّثبُّتُ قَبْلَ إصْدارِ الحُكْمِ علَى أحدٍ بالكُفْرِ:

قال تعالَى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ ﴾ (الحجرات: 6).

الخامس: الشَّريعةُ تَنْهَى عنْ تكْفِيرِ المسْلِمِ، وقدْ ورَدَ في ذلكَ نصوصٌ كثيرةٌ:

قال الشَّوْكانِيُّ رحمه الله: «والأدلَّةُ الدَّالةُ على وُجُوبِ صِيانةِ عِرْضِ المسْلِمِ واحتِرامِهِ تدلُّ بفَحْوَى الخطابِ على تجنُّبِ القَدْحِ في دِينِهِ بأيِّ قادحٍ، فكيفَ إخْراجهُ عنِ المِلَّةِ الإسْلاميَّةِ إلى المِلَّةِ الكُفْرِيَّة؟! فإنَّ هذِهِ جنايةٌ لا تَعْدِلُها جِنايةٌ، وجُرْأَةٌ لا تُماثِلُها جُرْأَةٌ».

السَّادس: لا ينبغي أنْ يصدُرَ الحُكْمُ بالكُفْرِ إلَّا منْ عالمٍ بشروطِ التَّكْفِيرِ، وانْتِفاءِ موانِعِهِ.

التَّفرِيقُ بيْنَ إِطلاقِ الكُفْرِ على الفِعْلِ وإطْلاقِهِ علَى المُعَيَّن:

اعلَمْ أنَّ الفعلَ نفسَهُ قدْ يكونُ كُفْرًا، كالشِّركِ بالله، أوْ تركِ الصَّلاةِ بالكُلِّيَّةِ، أو التَّوَجُّهِ لصاحِبِ قَبرٍ بطَلبِ النَّفعِ أوْ دَفْعِ الضُّرِّ، ونحوِهِ، فيُقالُ على وجْهِ الإطْلاقِ: الشِّرْكُ بالله كُفْرٌ، أوْ تَرْكُ الصَّلاةِ بالكُلِّيَّةِ كُفْرٌ، أوْ مَنْ قال كذا أو فَعَلَ كذا فهُوَ كافرٌ، أوْ مَنِ اسْتَحَلَّ كذا ممَّا هوَ معْلُومٌ منَ الدِّينِ بالضَّرُورةِ كَفَرَ، ونَحْـوه.

لكِنِ انطباقُ حُكْمِ الكُفْرِ على شَخْصٍ مُعيَّنٍ أمرٌ آخرُ، فقَدْ يفعَلُ الشَّخصُ ما هوَ كُفْرٌ، لكِنْ لا يُحْكَمُ عليهِ بالكُفْرِ، لوجُودِ مانعٍ بِهِ، منْ جَهْلٍ أوْ خَطَأٍ أَوْ تَأْوِيلٍ أَوْ إِكْراهٍ.

فلا يُحْكَمُ على مُعَيَّنٍ بالكُفْرِ حتَّى تَتَوافَرَ الشُّروطُ وتَنْتَفِي المَوانِعُ، وهذِهِ قاعدةُ الشَّريعةِ في هذا البابِ.

مَخاطرُ تَكْفِيرِ المُعيَّنِ:

يترتَّبُ على تكفيرِ المُعيَّن أمورٌ عظيمةٌ، منْها:

حِلُّ دَمِ هذا الشَّخصِ بعد عِصْمتِهِ، قال صلى الله عليه وسلم: «أُمِرْتُ أن أُقاتِلَ النَّاسَ حتَّى يقولوا: لا إلهَ إلا الله، فمَنْ قال: لا إلهَ إلا الله عَصَمَ منِّي دمَه ومالَه إلا بحقِّه، وحسابُه على الله». مُتَّفقٌ علَيْهِ.

انْتِفاءُ ولايِتِه علَى أوْلادِهِ وأهلِهِ.

تحريمُ زوجتِهِ عليْهِ.

امْتِناعُ التَّوارُثِ بينَه وبيْنَ مورِّثيه.

عدمُ حلِّ ذبيحَتِهِ.

حِرمانُهُ من الصَّلاةِ عليْهِ إذا ماتَ، وعَدَمُ دفنِه في مقابرِ المسْلِمينَ، وعَدمُ الدُّعاءِ بالمغْفِرَةِ والرَّحمةِ لَهُ.

قال ابنُ تَيْمِيَّةَ رحمه الله: «القولُ قَدْ يَكُونُ كُفْرًا فَيُطْلَقُ القولُ بِتَكْفِيرِ صاحِبِهِ، وَيُقالُ: مَنْ قال كَذا فَهُوَ كافِرٌ، لَكِنَّ الشَّخْصَ المُعَيَّنَ الذي قالَهُ لا يُحْكَمُ بِكُفْرِهِ حَتَّى تَقُومَ عَلَيْهِ الحُجَّةُ».

شُرُوطُ التَّكفيرِ:

حتَّى يُحكَمَ بالكُفْرِ على شَخْصٍ لا بُدَّ من تَوافُرِ شروطٍ لذلِكَ، وهي:

1- الأوَّل: ثُبوتُ أنَّ هذا القولَ أوِ الفِعْلَ أوِ التَّرْكَ كُفرٌ بِمُقْتَضَى دلالةِ الكِتابِ أو السُّنَّة.

2- الثَّاني: ثُبُوتُ قيامِهِ بالمُكَلَّفِ.

ودليلُ هذَيْنِ الشَّرْطَينِ: قولُه تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ ﴾ (الأعراف: 33).

وفي الصَّحيحَيْنِ منْ حديثِ عبدِ الله بنِ عُمَرَ رضي الله عنهما أنَّ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم قال: «أَيُّما امْرِئٍ قال لِأَخِيهِ: يا كافِرُ، فَقَدْ باءَ بِها أَحَدُهُما، إِنْ كانَ كَما قالَ، وَإِلَّا رَجَعَتْ عَلَيْهِ».

3- الثَّالث: بُلُوغُ الحُجَّةِ.

فإِذا لمْ تبْلُغْهُ الحُجَّةُ فإنَّه لا يُحْكَمُ بكُفْرِهِ؛ لقولِهِ تعالَى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا ﴾ (الإسراء: 15).

وفِي صَحِيحِ مُسْلمٍ عنْ أبي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه أنَّ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم قال: «والَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ، لا يَسْمَعُ بِي أَحَدٌ منْ هذه الأُمَّةِ يَهُودِيٌّ، وَلا نَصْرانِيٌّ، ثُمَّ يَمُوتُ وَلَمْ يُؤْمنْ بِالَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ، إِلَّا كانَ منْ أَصْحابِ النَّارِ».

4- الرَّابع: انْتِفاءُ مَوانِعِ التَّكفِيرِ في حَقِّهِ، وهي: الجَهْلُ، والخَطَأُ، والإِكْراهُ، والتَّأويلُ.

فإنْ تحقَّقتِ الشُّرُوطُ وانتَفَتِ المَوانِعُ جازَ تكفيرُ الشَّخصِ المُعَيَّن.

مَوانِعُ التَّكْفِيرِ:

هناكَ أمورٌ تمنعُ منْ تَكْفيرِ مَنْ قال قولًا، أوْ فعَلَ فِعْلًا، ظاهِرُهُ الكُفْرُ، وَهِيَ:

أوَّلًا: الجَهْل:

فلا بُدَّ أنْ يَعلَمَ الشَّخْصُ أنَّ هذا القولَ أوِ الفِعلَ مُكَفِّرٌ؛ قال تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا ﴾ (الإسراء: 15).

فأكثرُ الَّذينَ يَرْتادُونَ القُبُورَ والأَضْرِحَةَ ويعظِّمونَها إنَّما هوَ بسببِ الجَهْلِ، فتَكْفِيرُهُمْ لا يكُونُ إلَّا بعْدَ تَعْلِيمِهِمْ، وإِقامَةِ الحُجَّةِ عَلَيْهِم.

ثانيًا: الخَطَأ:

وهُوَ إرادَةُ أوْ قَصْدُ شَيْءٍ فيَقَعُ غَيْرُالمقْصُود.

قال تعالَى: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا ﴾ (البقرة: 286).

وقال صلى الله عليه وسلم: «إِنَّ اللَّهَ وَضَعَ عَنْ أُمَّتِي الخَطَأَ والنِّسْيانَ وَما اسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ». رواه ابنُ ماجَه، وصحَّحَهُ الألبانيُّ.

وفي الصَّحيحَيْنِ في حديثِ الرَّجلِ الَّذي فَقَدَ ناقتَهُ وعليها طعامُهُ وشرابُهُ، فإِذا هوَ بها قائِمَةٌ عندَهُ، فأخذَ بِخِطامِها، ثُمَّ قال: اللَّهُمَّ أَنْتَ عَبْدِي وَأَنا رَبُّكَ! قال النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم: «أَخْطَأَ منْ شِدَّةِ الفَرَحِ». ولم يُكفِّرْهُ النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم، مع أنَّه قال مَقالةَ كُفْرٍ.

ثالثًا: التَّأوِيلُ:

وهُوَ وضْعُ الدَّلِيلِ الشَّرْعيِّ في غيْرِ موضِعِهِ؛ لعَدَمِ فهْمِهِ، أوْ فهِمِهِ فَهْمًا خاطِئًا، والتَّأويلُ نوْعٌ منَ الخَطَأِ في الجُمْلَةِ، وقَدْ قال تعالَى: ﴿وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ ﴾ (الأحزاب: 5).

رابعًا: الإِكْراهُ:

وهُوَ حَمْلُ الشَّخْصِ علَى أنْ يفعَلَ ما لا يَرْضاهُ، ولا يخْتارُ مُباشرَتَهُ.

قال تعالَى: ﴿مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ ﴾ (النحل: 106).

وقصَّةُ عمَّارِ بنِ ياسِرٍ رضي الله عنه مشهورةٌ؛ حينَ أَخَذَهُ المُشْرِكُونَ فَلَمْ يَتْرُكُوهُ حَتَّى سَبَّ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم، فَلَمَّا أَتَى رسولَ الله صلى الله عليه وسلم قال: «كَيْفَ تَجِدُ قَلْبَكَ؟» قال: مُطْمَئِنًّا بِالإِيمانِ. قال صلى الله عليه وسلم: «إِنْ عادُوا فَعُدْ» أخرجَهُ الحاكمُ وصحَّحَهُ.

قال أبو بكرٍ الجَصَّاصُ رحمه الله: «هَذا أَصْلٌ في جَوازِ إظْهارِ كَلِمَةِ الكُفْرِ في حالِ الإِكْراهِ».

الخَوارِجُ والتَّكْفِير:

أكثرُ مَنْ يُقْدِمُ على التَّكْفِيرِ هُمُ الخَوارجُ، وأَهَمُّ ما عُرِفُوا واشْتُهِرُوا بِهِ الآتي:

تكفيرُ المسلمينَ بكبائرِ الذُّنوبِ والمَعاصِي الَّتي هيَ دونَ الكُفْرِ والشِّرْكِ، والحُكْمُ علَى أصْحابِها بالخُلودِ في النَّارِ، كخُلودِ الكافِرينَ المشْرِكينَ.

قال شيخُ الإسلامِ رحمه الله: «والخَوارِجُ هُمْ أَوَّلُ مَنْ كَفَّرَ المُسْلِمِينَ، يُكَفِّرُونَ بِالذُّنُوبِ، وَيُكَفِّرُونَ مَنْ خالَفَهُمْ في بِدْعَتِهِمْ، وَيَسْتَحِلُّونَ دَمَهُ وَمالَهُ».

التَّكفيرُ بما ليسَ بذنبٍ أصلًا، كالجُلُوسِ معَ الكُفَّارِ مَثَلًا، معَ أنَّ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم جالسَ الكُفَّارَ وحاورَهُمْ، وسَمِعَ منهم وتفاوَضَ معَهُمْ، كما في صُلْحِ الحُدَيْبِيَةِ وغيرِه.

وقدْ نَقمَ الخوارجُ الأوائلُ علَى عليِّ بنِ أبي طالبٍ رضي الله عنه أنَّه كاتَبَ مُعاوِيةَ رضي الله عنه وهُمْ يُكفِّرونَ مُعاويةَ رضي الله عنه، فعَدُّوا مُجرَّدَ الكتابةِ لهُ جُرْمًا.

قال عليٌّ رضي الله عنه: «وَنَقَمُوا عَلَيَّ أَنْ كاتَبْتُ مُعاوِيَةَ، وَقَدْ جاءَنا سُهَيْلُ بْنُ عَمْرٍو يعْنِي: وهُوَ كافرٌ وَنَحْنُ مَعَ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم بِالحُدَيْبِيَةِ، حِينَ صالَحَ قَوْمَهُ قُرَيْشًا.الحديث». رواهُ أحمدُ، والحاكِمُ وصحَّحَهُ.

تَكفيرُ المسلمين دون التَّحقُّق من توفُّر الشُّروطِ وانتِفاءِ الموانعِ، فلا يَعذُرونَ بالجَهْلِ، ولا بالخَطَأِ، ولا بالتَّأويلِ، ولا بعَجْزٍ لا يُمْكنُ دفعُهُ، فيكُونُ في حُكْمِ الإكْراهِ.

تَكْفيرُهُمْ مَنْ لم يُكفِّرِ الَّذي يُكفِّرُونَه، فإذا حكَمُوا بكُفْرِ شخْصٍ منَ النَّاس، حكَمُوا بكُفْرِ جميعِ مَنْ عارَضَ أوتَوقَّفَ في تَكْفِيرِهِ.

وبَنَوْا هذا علَى قاعِدةِ: «مَنْ لم يُكفِّرِ الكافِرَ فهُوَ كافِرٌ». وهيَ قاعدةٌ صحيحةٌ، لكنَّها في مَنِ اتَّفَقَتِ الأُمَّةُ على كُفْرِهِمْ بالله تعالَى، كاليَهُودِ والنَّصارَى والمُشْركِينَ والوَثَنِيينَ منْ بُوذِيِّينَ وهِنْدُوسٍ ونحوِهم.

ونتيجةً لتَكْفِيرِ الخَوارِجِ لمَنْ خالَفَهُم، فإنَّهم يَسْتَبِيحُونَ دماءَهُمْ، وهذهِ هيَ الصِّفةُ الفارقَةُ لهم عن غيرِهِم: التَّكفيرُ بغيرِ حقٍّ، ثُمَّ اسْتِباحَةُ دماءِ المُخالِفينَ بغيِر حَقٍّ، قال صلى الله عليه وسلم عَنْهُمْ: «يَقْتُلُونَ أَهْلَ الإِسْلامِ، وَيَدَعُونَ أَهْلَ الأَوْثانِ». مُتَّفقٌ عليْهِ.

نشاط

1- منْ أعظمِ ما ابتُلِيتْ بهِ الأُمَّةُ التَّكفيرُ، اكتُبْ مُختَصرًا في بيانِ خطَرِه، وأسبابِهِ. اسْتَعِنْ بمصادرَ خارجيَّةٍ.

2- «مَنْ ثَبَتَ إسلامُهُ بِيَقِينٍ فلا يرتفعُ إلَّا بيَقِينٍ» اشْرَحْ هذهِ العبارة، وبيِّنْ كيفَ يُمكنُ الاستفادةُ منْ هذا الأصلِ العظيمِ؟

3- اكتُبْ باختصارٍ في موانعِ التَّكْفِير، معَ التَّمثيلِ بصورةٍ لكُلِّ مانعٍ.

4- اذكُرِ القاعدةَ في تكفيرِ المُعَيَّن، وما الَّذي يترتَّبُ عليه؟

5- اكتُبْ بحثًا في العَلاقةِ بينَ الخوارجِ والتَّكْفيرِ.

3 أشراطُ الساعة

الوحدة الثالثة: أشراطُ الساعة

أَشْراطُ السَّاعةِ

أشراط صغرى

أشراط وقعت

أشراط وقعت مبادئها

أشراط لم تقع

أشراط كبرى

التَّعريفُ:

الأَشْراطُ لُغَةً: جَمعُ شَرَطٍ، والشَّرَطُ: العَلامةُ.

والسَّاعةُ تُطلَقُ علَى أيِّ جُزءٍ منْ أَجْزاءِ اللَّيلِ أَوِ النَّهارِ، وتُطلَقُ على القيامةِ؛ أي: الوَقْت الَّذي يُصعَقُ فيه جَميعُ الخَلْقِ.

فأَشْراطُ السَّاعةِ: هِيَ عَلاماتُ القيامةِ التي تَسبِقُها وتَدلُّ على قُربِها.

وهذِهِ الأَشْراطُ الَّتي بيَّنها النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم وأَخْبَر بها، يَجِبُ الإِيمانُ بها وتَصديقُها؛ لأنَّها صادرةٌ عن الصَّادقِ المَصدوقِ الَّذي لا يَنطِقُ عَنِ الهَوى صلى الله عليه وسلم، والإيمانُ بها داخلٌ في الإيمانِ باليَومِ الآخِرِ.

تنبيه:

بَعضُ النَّاسِ يَفْهمُ منْ كَونِ الشَّيءِ منْ أَشْراطِ السَّاعةِ أَنَّهُ مَحْظورٌ ومَمْنوعٌ، والأمْرُ ليس كَذَلكَ.

قال النَّوويُّ رحمه الله: «فَإِنَّهُ لَيْسَ كُلُّ ما أَخْبَرَ صلى الله عليه وسلم بِكَوْنِهِ منْ عَلاماتِ السَّاعَةِ يَكُونُ مُحَرَّمًا أَوْ مَذْمُومًا، فَإِنَّ تَطاوُلَ الرِّعاءِ في البُنْيانِ، وَفُشُوَّ المالِ، وَكَوْنَ خَمْسِينَ امْرَأَةً لَهُنَّ قَيِّمٌ واحِدٌ لَيْسَ بِحَرامٍ بِلا شَكٍّ، وَإِنَّما هذه عَلاماتٌ، والعَلامَةُ لا يُشْتَرَطُ فيها شَيْءٌ منْ ذَلِكَ: بَلْ تَكُونُ بِالخَيْرِ والشَّرِّ والمُباحِ والمُحَرَّمِ والواجِبِ وَغَيْرِهِ، والله أَعْلَمُ».

أَقْسامُ أَشْراطِ السَّاعةِ:

الأَشراط الصُّغرى:

هي التي تَتَقدمُ الساعةَ بأزمانٍ مُتطاولةٍ، وتكونُ من النوع المُعتادِ غالبًا: كقبضِ العلمِ وظُهورِ الجهلِ والتَّطاولِ في البنيانِ ونَحوها، وقد يَظهرُ بعضُها، مُصاحِبًا للأشراطِ الكبرى أو بَعْدها.

وأمَّا الأشراطُ الكبرى:

فهي الأمورُ العِظامُ التي تَظهرُ قُربَ قيامِ السَّاعةِ، وتكونُ غيرَ مُعتادةِ الوقوعِ، كظُهورِ الدَّجَّالِ، ونُزولِ عيسى عليه السلام ، وخُروجِ يأجوج مَأجوجَ، وطُلوعِ الشَّمس من مَغرِبها.

تَنْقسِمُ أَشْراطُ السَّاعةِ إِلى أَشْراطٍ صُغرى وأَشْراطٍ كُبْرى:

القِسمُ الأَوَّلُ: أَشْراطُ السَّاعةِ الصُغْرى، وَهِي أنواعٌ ثلاثةٌ:

الأول: الأَشْراطُ التي وَقَعَتْ، ومنْها:

بَعْثةُ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم:

عن سَهْلِ بنِ سَعْدٍ رضي الله عنه قال: قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: «بُعِثْتُ أَنا والسَّاعَةَ كَهذه منْ هذه ، أَوْ: كَهاتَيْنِ، وَقَرَنَ بينَ السَّبَّابَةِ والوُسْطَى». مُتَّفَقُ عَلَيْهِ.

انْشِقاقُ القَمرِ:

قال تعالى: ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ (1) وَإِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ ﴾ (القمر: 1-2).

مَوتُ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم:

عَنْ عَوْفِ بن مالِكٍ رضي الله عنه قال: قال النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم: «اعْدُدْ سِتًّا بينَ يَدَيِ السَّاعَةِ: مَوْتِي، ثُمَّ فَتْحُ بَيْتِ المَقْدِسِ...». رَواهُ البُخاريُّ.

فَتْحُ بَيتِ المَقدِسِ:

وقَدْ كانَ سَنَةَ سِتَّ عَشْرةَ منَ الهِجرةِ في عَهدِ عُمرَ بنِ الخطَّاب ِرضي الله عنه.

ظُهورُ الفِتنِ، وكَثْرةُ القَتلِ:

عَنْ أَبي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قال: قال النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم: «لا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يُقْبَضَ العِلْمُ، وَتَكْثُرَ الزَّلازِلُ، وَيَتَقارَبَ الزَّمانُ، وَتَظْهَرَ الفِتَنُ، وَيَكْثُرَ الهَرْجُ - وَهُوَ القَتْلُ القَتْلُ - حَتَّى يَكْثُرَ فيكُمُ المالُ فَيَفِيضَ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.

وقد ظَهرتِ الفِتنُ مُنذُ أَواخرِ عَصْرِ الصَّحابةِ رِضوانُ الله عَلَيهِمْ.

اتِّباعُ سُننِ الأُمَمِ الماضيةِ، وتَقْليدُهُمْ، والتَّشبُّهُ بِهِمْ:

عَنْ أَبي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه عَنِ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم قال: «لا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى تَأْخُذَ أُمَّتِي بِأَخْذِ القُرُونِ قَبْلَها، شِبْرًا بِشِبْرٍ، وَذِراعًا بِذِراعٍ»، فَقِيلَ: يا رسولَ الله، كَفارِسَ والرُّومِ؟ فَقالَ: «وَمَنِ النَّاسُ إِلَّا أُولَئِكَ». رَواهُ البُخاريُّ.

انْتِشارُ الرِّبا:

قال النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم: «بينَ يَدَيِ السَّاعَةِ يَظْهَرُ الرِّبا». رَواهُ الطَّبرانيُّ، وصحَّحهُ الأَلْبانيُّ.

أَنْ تَكونَ التَّحيَّةُ للمَعْرفةِ:

عَنْ عَبْدِ الله بنِ مَسْعودٍ رضي الله عنه قال: قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: «بينَ يَدَيِ السَّاعَةِ تَسْلِيمُ الخاصَّةِ.» الحديث رَواهُ أَحْمدُ، وصحَّحه الأَلْبانيُّ.

ظُهورُ الكاسياتِ العارياتِ:

عَنْ عَبدِ الله بنِ عُمرَ رضي الله عنهما قال: قال النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم: «سَيَكُونُ في آخِرِ أُمَّتِي نِساءٌ كاسِياتٌ عارِياتٌ، على رُؤُوسِهِنَّ كَأَسْنِمَةِ البُخْتِ، العَنُوهُنَّ فَإِنَّهُنَّ مَلْعُوناتٌ». رَواهُ الطَّبرانيُّ، وقال الأَلْبانيُّ: سَنَدُهُ حَسَنٌ.

قال النَّوَويُّ: «هذا الحَديثُ من مُعجِزاتِ النُّبوَّةِ؛ فَقَدْ وَقَعَ ما أَخبَر به النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم».

الثاني: الأَشْراطُ التي وَقَعتْ مَبادِئها ولم تَسْتَحْكِمْ، ومنْها:

تَمنِّي الموتِ منْ شِدَّةِ البَلاءِ:

عَنْ أَبي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه عَنِ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم قال: «لا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يَمُرَّ الرَّجُلُ بِقَبْرِ الرَّجُلِ فَيَقُولُ: يا لَيْتَنِي مَكانَهُ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.

ظُهورُ الدَّجَّالينَ مُدَّعِيِّ النُّبوَّةِ:

عَنْ أَبي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قال: قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: «لا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يُبْعَثَ دَجَّالُونَ كَذَّابُونَ، قَرِيبًا منْ ثَلاثِينَ، كُلُّهُمْ يَزْعُمُ أَنَّهُ رسولُ الله». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.

قال الحافظُ ابنُ حَجَرٍ رحمه الله: «وَلَيْسَ المُرادُ بِالحَدِيثِ مَنِ ادَّعَى النُّبُوَّةَ مُطْلَقًا فَإِنَّهُمْ لا يُحْصَوْنَ كَثْرَةً. وَإِنَّما المُرادُ مَنْ قامَتْ لَهُ شَوْكَةٌ وَبَدَتْ لَهُ شُبْهَةٌ».

ضَياعُ الأَمانةِ:

عَنْ أَبي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قال: قال النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم: «إِذا ضُيِّعَتِ الأَمانَةُ فانْتَظِرِ السَّاعَةَ، قال: كَيْفَ إِضاعَتُها؟ قال: إِذا وُسِّدَ الأَمْرُ إلى غَيْرِ أَهْلِهِ فانْتَظِرِ السَّاعَةَ». رَواهُ البُخاريُّ.

قَبضُ العِلْمِ، وظُهورُ الجَهلِ:

عَنْ أَنَسِ بْنِ مالِكٍ رضي الله عنه قال: قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: «إِنَّ منْ أَشْراطِ السَّاعَةِ أَنْ يُرْفَعَ العِلْمُ، وَيَثْبُتَ الجَهْلُ.». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.

عَوْدُ أَرضِ العَربِ مُروجًا وأَنْهارًا:

عَنْ أَبي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه أَنَّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم قال: «لا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى تَعُودَ أَرْضُ العَرَبِ مُرُوجًا وَأَنْهارًا». رَواهُ مُسلِمٌ.

الثالث: الأَشْراطُ التي لم تَقَعْ، ومنْها:

كَثرةُ الزَّلازِلِ:

عَنْ أَبي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قال: قال النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم: «لا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى تَكْثُرَ الزَّلازِلُ». رَواهُ البُخاريُّ.

قال الحافظُ ابنُ حَجَرٍ رحمه الله: «الَّذي يَظهرُ أَنَّ المُرادَ بكَثْرتِها شُمُولُها ودَوامُها».

ذَهابُ الصَّالِحينَ وبَقاءُ شِرارِ النَّاسِ:

عَنْ عَبْدِ الله بنِ عَمْرٍو رضي الله عنهما قال: قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: «لا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يَأْخُذَ الله شَرِيطَتَهُ منْ أَهْلِ الأَرْضِ -وهُمْ أَهْلُ الدِّينِ والخَيرِ-فَيَبْقَى فيها عَجاجَةٌ- وهُمُ الأَراذلُ ومَنْ لا خَيْرَ فيهِ- لا يَعْرِفُونَ مَعْرُوفًا وَلا يُنْكِرُونَ مُنْكَرًا». رَواهُ أَحْمدُ، بإسْنادٍ صحيحٍ.

صِدقُ رُؤيا المُؤمنِ:

عَنْ أَبي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه، عَنِ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم قال: «إِذا اقْتَرَبَ الزَّمانُ لَمْ تَكَدْ رُؤْيا المُسْلِمِ تَكْذِبُ، وَأَصْدَقُكُمْ رُؤْيا أَصْدَقُكُمْ حَدِيثًا». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.

انْحِسارُ الفُراتِ عَنْ جَبلٍ منْ ذَهبٍ:

عَنْ أَبي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قال: قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: «يُوشِكُ الفُراتُ أَنْ يَحْسِرَ عَنْ كَنْزٍ منْ ذَهَبٍ - وفي رِوايةٍ: عَنْ جَبَلٍ منْ ذَهَبٍ - فَمَنْ حَضَرَهُ فَلا يَأْخُذْ منْهُ شَيْئًا». رَواهُ البُخاريُّ.

ولمُسلمٍ: «فَيُقْتَلُ عَلَيْهِ النَّاسُ، فَيُقْتَلُ منْ كُلِّ مِائَةٍ تِسْعَةٌ وَتِسْعُونَ، وَيَقُولُ كُلُّ رَجُلٍ منْهُمْ: لَعَلِّي أَكُون أَنا الذي أَنْجُو».

القِسمُ الثَّاني: أَشْراطُ السَّاعةِ الكُبْرى:

خروج المَهديّ:

عَنْ عَبدِ الله بنِ مَسْعودٍ رضي الله عنه قال: قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: «لا تَذْهَبُ، أَوْ لا تَنْقَضِي الدُّنْيا حَتَّى يَمْلِكَ العَرَبَ رَجُلٌ منْ أَهْلِ بَيْتِي، يُواطِئُ اسْمُهُ اسْمِي». رَواهُ أَبو داودَ، وصحَّحه الأَرْناؤوطُ لِغيرِهِ.

قال ابنُ حَجَرٍ الهَيْتميُّ: «الذي يَتعيَّنُ اعْتِقادُهُ ما دلَّتْ عليه الأحاديثُ الصَّحيحةُ من وُجودِ المَهدِي المُنْتظَرِ، الذي يَخرُجُ الدَّجَّالُ وعيسى في زمانِهِ، ويُصلِّي عيسى صلى الله عليه وسلم خَلْفَهُ».

صفات المهدي:

جاء في الأَحاديثِ الصَّحيحةِ بَيانُ بَعضِ صفات المهدي وأَحوالِهِ، منها:

أنَّه من أهلِ بَيتِ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم؛ من وَلَدِ فاطِمةَ رضي الله عنها، وأنَّ اسمَهُ اسمُ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم «مُحمَّدُ بنُ عبدِ الله»، وأَنَّهُ أَجْلى الجَبْهةِ أَقْنى الأَنفِ، وأنَّه يُصلِحُه الله في لَيلةٍ، وأنَّه يَملأُ الأَرضَ عَدلًا كما مُلئتْ ظُلمًا، وأنَّه يُصلِّي إِمامًا بعيسى بنِ مَريمَ عليهما السلام ، وأنَّه يَحْثي المالَ حَثْيًا ولا يَعُدُّهُ عدًّا.

الدُّخانُ:

قال تَعالى: ﴿فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ(10) يَغْشَى النَاسَ هَذَا عَذَابٌ أَلِيمٌ (11) رَبَّنَا اكْشِفْ عَنَّا الْعَذَابَ إِنَّا مُؤْمِنُونَ ﴾ (الدخان: 10-12).

قال النَّوويُّ: «هذا الحَديثُ -يَعْني: حَديثَ حُذيفةَ رضي الله عنه السَّابقَ- يُؤيِّدُ قَولَ مَنْ قال: إِنَّ الدُّخانَ دُخانٌ يَأخذُ بأَنْفاسِ الكُفَّارِ، ويأخُذُ المُؤمن منْهُ كَهَيْئةِ الزُّكامِ، وأنَّهُ لم يأتِ بَعدُ، وإنَّما يَكونُ قريبًا من قِيامِ السَّاعةِ».

المَسيحُ الدَّجَّالُ:

عن عِمرانَ بنِ حُصَينٍ رضي الله عنه قال: سَمِعتُ رَسولَ الله صلى الله عليه وسلم يَقولُ: «ما بينَ خَلْقِ آدَمَ إلى قِيامِ السَّاعَةِ أَمْرٌ أَكْبَرُ منْ الدَّجَّالِ». رَواهُ مُسلِمٌ.

ويَخرجُ الدَّجَّالُ في حالِ ضَعْفٍ منَ الدّينِ وقِلَّةِ أَهْلِهِ، من جِهةِ المَشرقِ من خُراسانَ، يَتْبعُه سَبْعونَ ألْفًا من يَهودِ أَصْبهانَ، ثُمَّ يَسيرُ في الأَرضِ فلا يَتركُ بَلدًا إِلَّا دَخَله إِلَّا مَكَّةَ والمَدينةَ، فلا يَستطيعُ دُخولَهما؛ لأنَّ الملائكةَ تَحْرسُهما، فيَمْكُثُ في الأرضِ أَرْبعينَ يَومًا؛ يَومٌ كسَنةٍ ويَومٌ كَشَهْرٍ ويَومٌ كَجُمُعَةٍ، وسائرُ أيَّامِه كأيَّامِ النَّاسِ.

وقد أَخْبَر صلى الله عليه وسلم عَنِ الدَّجَّالِ بأُمورٍ عَجائبَ تَدلُّ على عِظَمِ فِتْنتِهِ؛ من ذلك: أنَّ الله تَعالى يُعطيهِ أَنواعًا من الخَوارقِ العَظيمةِ؛ فَقَد وَرَد أَنَّ مَعَه جَنَّةً ونارًا، وجنَّتُهُ نارٌ، ونارُهُ جنَّةٌ، ووَرَد أنَّه يأمرُ السَّماءَ أَنْ تُمطِرَ فتَمُطِرَ، والأرضَ أن تُنبِتَ فتُنبِتَ، وتَتَبْعُه كُنوزُ الأرضِ، ويَقْطعُ الأرضَ بسُرعةٍ عَظيمةٍ، كسُرعةِ الغَيْثِ استَدبرتْهُ الرِّيحُ، حتى إِنَّ النَّاسَ ليَفِرُّونَ من الدَّجَّالِ إلى الجِبالِ.

ثم تَصرِفُ المَلائكةُ وَجْهَ الدَّجَّالِ قِبَلَ الشامِ، ثُمَّ يأتي جَبلَ إِيْليا، فيُحاصِرُ عِصابةً من المُسلِمينَ، فيَنزلُ المسيحُ عيسى بنُ مَريمَ عليهما الصَّلاة والسَّلام فيَقْتُلُ الدَّجَّالَ.

الدَّجالُ رَجلٌ من بَني آدمَ، له صِفاتٌ كَثيرةٌ جاءتْ بها الأحاديثُ لتَعريفِ النَّاسِ بِهِ، وتَحذيرِهم من شرِّه، من هذه الصِّفاتِ:

أنَّه شابٌّ أَحْمرُ قَصيرٌ، إذا مَشى باعَدَ بين رِجْلَيْهِ، أَجْلى الجَبْهة - وهُوَ الذي انْحَسَر شَعْرُه عن مُقدَّمِ رَأسِه - عَريضُ النَّحرِ، مَمسوحُ العَينِ اليُمْنى، وهذه العَينُ لَيْستْ بارزةً ولا غائرةً، كأنَّها عِنبةٌ طافئةٌ، وعَيْنُه اليُسْرى عليها ظَفَرَةٌ غَليظةٌ - وهي لَحْمةٌ تَنْبُتُ عِندَ المآقي - ومَكتوبٌ بينَ عَيْنيهِ كافرٌ، يَقرؤُها كلُّ مُؤمنٍ، كاتبٍ وغيرِ كاتبٍ، ومن صِفاتِهِ أيضًا أنَّهُ عَقيمٌ لا يُولَدُ له.

نُزولُ المَسيحِ عَيسى عليه السلام :

قال الله تَعالى: ﴿وَلَمَّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلًا إِذَا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ(57) وَقَالُوا أَآلِهَتُنَا خَيْرٌ أَمْ مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلَّا جدلا بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ (58) إِنْ هُوَ إِلَّا عَبْدٌ أَنْعَمْنَا عَلَيْهِ وَجَعَلْنَاهُ مَثَلًا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ (59) وَلَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَا مِنْكُمْ مَلَائِكَةً فِي الْأَرْضِ يَخْلُفُونَ (60) وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ فَلَا تَمْتَرُنَّ بِهَا وَاتَّبِعُونِ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ (61)﴾ (الزخرف: 57-61).

قال ابنُ كَثيرٍ: «المُرادُ بِذَلِكَ نُزُولُهُ قَبْلَ يَوْمِ القِيامَة، وَيُؤَيِّدُ هَذا المَعْنَى القِراءَةُ الأُخْرَى: «وَإِنَّهُ لَعَلَم لِلسَّاعَةِ»؛ أَيْ: أَمارَةٌ وَدَلِيلٌ على وُقُوعِ السَّاعَةِ».

وعن أبي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قال: قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: «والذي نَفْسِي بِيَدِهِ لَيُوشِكَنَّ أَنْ يَنْزِلَ فيكُمُ ابْنُ مَرْيَمَ حَكَمًا مُقْسِطًا، فَيَكْسِرَ الصَّلِيبَ، وَيَقْتُلَ الخِنْزِيرَ، وَيَضَعَ الجِزْيَةَ.» الحديث. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.

قال السَّفَّارينيُّ: «نُزولُ المَسيحِ عَيسى بنِ مَرْيمَ عَلَيْهِما الصَّلاة والسَّلامُ ثابتٌ بالكتابِ والسُّنَّةِ وإجماعِ الأُمَّةِ، ولم يُخالفْ فيه أحدٌ من أهلِ الشَّريعةِ، وإِنَّما أَنكَر ذلك الفَلاسفةُ والمَلاحدةُ ممَّن لا يُعتدُّ بخلافِهِ، وقدِ انعَقَدَ الإِجْماعُ على أنَّه يَنْزلُ ويَحْكمُ بهِذِه الشَّريعةِ المُحمديَّةِ».

خُروجُ يَأجوجَ ومَأْجوجَ:

قال تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ ﴾ (الأنبياء: 96)، وعَنْ أُمِّ حَبِيبَةَ بِنْتِ أَبي سُفْيانَ عَنْ زَيْنَبَ بِنْتِ جَحْشٍ رضي الله عنهما؛ أَنَّ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم دَخَلَ عَلَيْها فَزِعًا يَقُولُ: «لا إِلَهَ إِلَّا الله، وَيْلٌ للعَرَبِ منْ شَرٍّ قَدِ اقْتَرَبَ، فُتِحَ اليَوْمَ منْ رَدْمِ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مِثْلُ هذه، وَحَلَّقَ بِإِصْبَعِهِ الإِبْهامِ والتي تَلِيها». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.

يَخرجُ يَأْجوجُ ومَأْجوجُ فيُفسدونَ في الأَرضِ، فيُوحي الله إلى عِيسَى أنْ يَنحازَ بالمؤمنين إلى الطُّورِ، ويَشتدُّ الأَمرُ على المؤمنين حتَّى يكونَ هلاكُهم بدُعاءِ عِيسى ومَن معه من المُؤمنينَ، فيُرسلُ الله عَلَيْهِمُ النَّغَفَ وَهُوَ دُودٌ يَكُونُ في أُنُوفِ الإِبِلِ والغَنَمِ، فيَأخُذُ بأَعناقِهم فيَموتونَ.

وُقوعُ ثَلاثةِ خُسوفٍ:

عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ رضي الله عنها قالتْ: قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: «سَيَكُونُ بَعْدِي خَسْفٌ بالمَشْرِقِ، وَخَسْفٌ بالمَغْرِبِ، وخَسْفٌ في جَزِيرَةِ العَرَبِ» قيل: يُخْسَفُ بِالأَرْضِ وَفِيهِمُ الصَّالِحُونَ؟ قال: «نَعَمْ، إِذا أَكَثْرَ أَهْلُها الخَبَثَ». رَواهُ الطَّبَرانيُّ.

قال الحافظُ ابنُ حَجَرٍ: «وقد وُجِدَ الخَسْفُ في مَواضِعَ، ولَكِنْ يُحْتَملُ أنْ يكونَ المُرادُ بالخُسوفِ الثَّلاثةِ قَدْرًا زائدًا على ما وُجِدَ؛ كأنْ يَكونَ أَعْظمَ منْه مَكانًا وقَدْرًا».

خُروجُ الدَّابَّةِ:

قال تعالى: ﴿وَإِذَا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ أَخْرَجْنَا لَهُمْ دَابَّةً مِنَ الْأَرْضِ تُكَلِّمُهُمْ أَنَّ النَّاسَ كَانُوا بِآيَاتِنَا لَا يُوقِنُونَ ﴾ (النمل: 82).

فالذي يجبُ الإيمانُ بِهِ هُوَ أنَّ الله تَعالى سيُخرِجُ للنَّاسِ في آخِرِ الزَّمانِ دابَّةً من الأَرضِ تُكلِّمُهُمْ، فيَكونُ تَكليمُها لَهُمْ آيةً دالَّةً على أنَّهم مُستحِقُّونَ للوَعيدِ بتَكذيبِهم آياتِ الله، فإِذا خَرجتِ الدَّابَّةُ، فَهِمَ النَّاسُ، وعَلِموا أَنَّها الخارقةُ المُنبِئةُ باقْتِرابِ السَّاعةِ.

طُلوعُ الشَّمسِ من مَغْربِها:

عَنْ أَبي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه أَنَّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم قال: «لا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ منْ مَغْرِبِها، فَإِذا طَلَعَتْ فَرَآها النَّاسُ آمَنُوا أَجْمَعُونَ فَذَلِكَ حِينَ: ﴿لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا ﴾ (الأنعام: 158)». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.

خُروجُ النَّارِ التي تَحشُرُ النَّاسَ:

وخُروجُ هذه النَّارِ هِيَ آخِرُ عَلامةٍ من عَلاماتِ السَّاعةِ الكُبْرى، فلا يَبْقى بَعدَها إِلَّا النَّفخُ في الصُّورِ وقيامُ السَّاعةِ.

ثَمراتُ الإِيمانِ بأَشْراطِ السَّاعةِ

1- تَحقيقُ رُكْنٍ من أركانِ الإِيمانِ، وهُوَ الإِيمانُ باليومِ الآخِرِ، باعْتِبارِ أَنَّ أَشْراطَ السَّاعةِ من مُقدِّماتِه، كما أَنَّها من الإِيمانِ بالغَيبِ.

2- وُقوعُ تِلْكَ المُغيَّباتِ على النَّحو الذي جاءتْ به الأَحاديثُ يُثبِّتُ الإِيمانَ ويُقوِّيه ويَزيدُهُ.

3- إِشْباعُ الرَّغبةِ الفِطْريِّةِ في الإِنْسانِ التي تَتطلَّعُ لاسْتِكشافِ ما غاب عَنْهُ، واسْتِطلاعِ ما يَحدثُ في المُستقبلِ منْ وقائعَ.

4- أنَّ الإِخْبارَ عَنِ الأمورِ المُستقْبَلةِ، ثُمَّ وُقوعها مُطابِقةً للخَبَرِ عَنْها من أهمِّ دَلائلِ النُّبوَّةِ.

5- تَعلُّمُ الكَيفيَّةِ الصَّحيحةِ التي دَلَّنا عليها رَسولُ الله صلى الله عليه وسلم كي نَتعاملَ بها مع بَعضِ الأَحْداثِ المُقبِلةِ التي قد يَلْتبِسُ علينا وَجْهُ الحَقِّ فيها.

6- فَتْحُ بابِ الأملِ والاسْتِبشارِ بحُسنِ العاقبةِ لأَهْلِ الإِيمانِ.

7- الحثُّ على طاعةِ الله تَعالى واجْتِنابِ نَهيهِ، والاسْتِعدادِ ليَومِ الحِسابِ.

نشاط

1- اخْتَلفتْ أَقوالُ المَفسِّرينَ في تِفسيرِ قَولِهِ تَعالى: ﴿فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ ﴾ (الدخان: 10)، اكْتُب مُختصَرًا في بيانِ ذَلِكَ، مُبيِّنًا القولَ الرَّاجحَ.

2- ظَهرتْ كِتاباتٌ مُعاصِرةٌ تَعسَّفتْ في إسقاطِ أَشْراطِ السَّاعةِ على بَعضِ الأَحْداثِ والوَقائعِ، بَيِّنْ بَعضَ هذه الكِتاباتِ، مُبيِّنًا بعض الضوابط التي يَجبُ التزامُها في التَّعامُلِ مَعَ الفِتَنِ وأَشْراطِ السَّاعةِ.

3- اكْتُب مُختصَرًا في بَيانِ المَلاحمِ التي تَسبِقُ السَّاعةَ، مُؤيِّدًا ما تَكتُبُ بالأدِلَّةِ الصَّحيحةِ، مُستعينًا بمصادِرَ خارجيَّةٍ.

4- بَيِّنْ ثَمراتِ وفوائدَ الإيمانِ بأشراطِ السَّاعةِ، مُركِّزًا على قيمةِ العملِ عِنْدَ ظُهورِ الفِتَنِ وأَشْراطِ السَّاعةِ.

٤ _ الصحابةُ وآلُ البيتِ رضي الله عنهم

الوحدة الرابعة: الصحابةُ وآلُ البيتِ رضي الله عنهم

الصَّحابَةُ وآلُ البَيْتِ رضي الله عنهم

التَّعْريفُ:

الصَّحابِيُّ لُغَةً: مُشْتَقٌّ منَ الصُّحْبَةِ، والصَّاحِبُ: المُعاشِرُ، والجَمْعُ: أَصْحابٌ، والصَّحابَة: الأَصْحابُ.

واصطِلاحًا: قال ابنُ حَجَرٍ: «وَأَصَحُّ ما وَقَفْتُ عَلَيْهِ منْ ذَلكَ أَنَّ الصَّحابيَّ: مَنْ لَقِيَ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم مُؤمنًا به، وماتَ على الإِسْلامِ».

فيَدْخُلُ فيمَنْ لَقِيَهُ صلى الله عليه وسلم مَن طالَتْ مُجالَسَتُه لَهُ أَوْ قَصُرَتْ، ومَنْ رَوَى عَنْهُ أَوْ لَمْ يَروِ، ومَن غَزا مَعْهُ أَوْ لَمْ يَغْزُ.

وآلُ البَيْتِ لُغَةً: الآَلُ: قِيلَ: إِنَّ أَصْلَهُ منْ آَلَ يَؤُولُ؛ أَيْ: رَجَعَ، وقِيلَ: إِنَّ أَصْلَها أَهْلٌ، وآَلُ الرَّجُلِ هُمْ أَهْلُ بيتِه وقَرابَتُهِ.

واصطلاحًا: هُمُ الَّذينَ حُرِّمَتْ عَلَيْهِمُ الصَّدَقَةُ منْ آَلِ بَيْتِ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم؛ كآلِ عليٍّ، وَآلِ عَقِيلٍ، وَآلِ جَعْفَرٍ، وَآلِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهم.

فَضْلُ الصَّحابَة رضي الله عنهم وعَدالَتُهِمْ:

صَحابَةُ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم هُمْ أَفْضَلُ القُرونِ، وأَفْضَلُ البَشَرِ بعدَ الأَنبياءِ والمُرسلِينَ، نَزَلَ القُرآنُ بتَزْكِيَتِهِمْ وتَعديلِهِمْ، وتَواتَرَتِ الأَحاديثُ النَّبويَّةُ بفَضائِلِهِمْ وَمَناقِبِهِمْ، ومما وَرَدَ في فَضْلِهِمْ وعَدالَتِهِمْ رضي الله عنهم الآتي:

قال تعالَى: مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا﴾ (الفتح: 29).

وقال تعالى: لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ (الحديد: 10).

والآيات في ذلك كثيرة.

وعَنْ أَبي بُرْدَةَ، عَنْ أَبيهِ رضي الله عنه قال صلى الله عليه وسلم: «النُّجُومُ أَمَنَةٌ لِلسَّماءِ، فَإِذا ذَهَبَتِ النُّجُومُ أَتَى السَّماءَ ما تُوعَدُ، وَأَنا أَمَنَةٌ لِأَصْحابِي، فَإِذا ذَهَبْتُ أَتَى أَصْحابِي ما يُوعَدُونَ، وَأَصْحابِي أَمَنَةٌ لِأُمَّتِي، فَإِذا ذَهَبَ أَصْحابِي أَتَى أُمَّتِي ما يُوعَدُونَ». رواهُ مُسلِمٌ.

وعَنْ أَبي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه، قال: قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: «خَيْرُ أُمَّتِي القَرْنُ الذينَ بُعِثْتُ فيهِمْ، ثُمَّ الذينَ يَلُونَهُمْ». رواهُ مُسْلِمٌ.

وعَنْ أَبي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ رضي الله عنه، قال: قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: «لا تَسُبُّوا أَصْحابِي، فَلَوْ أَنَّ أَحَدَكُمْ أَنْفَقَ مِثْلَ أُحُدٍ ذَهَبًا ما بَلَغَ مُدَّ أَحَدِهِمْ، وَلا نَصِيفَهُ». رواه البُخارِيُّ، ومِثْلُهُ لمسلِمٍ عَنْ أبي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه.

وعَنْ جابِرٍ رضي الله عنه، عَنْ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ قال: «لا يَدْخُلُ النَّارَ أَحَدٌ مِمَّنْ بايَعَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ». رَواهُ أبو داوُدَ، والتِّرْمِذِيُّ، وصَحَّحَه الأَلْبانِيُّ.

وعَنْ عَبْدِ الله بْنِ مَسْعُودٍ رضي الله عنه، قال: «إِنَّ الله نَظَرَ في قُلُوبِ العِبادِ، فَوَجَدَ قَلْبَ مُحَمَّدٍ صلى الله عليه وسلم خَيْرَ قُلُوبِ العِبادِ، فاصْطَفاهُ لِنَفْسِهِ، فابْتَعَثَهُ بِرِسالَتِهِ، ثُمَّ نَظَرَ في قُلُوبِ العِبادِ بَعْدَ قَلْبِ مُحَمَّدٍ، فَوَجَدَ قُلُوبَ أَصْحابِهِ خَيْرَ قُلُوبِ العِبادِ، فَجَعَلَهُمْ وُزَراءَ نَبِيِّهِ، يُقاتِلُونَ على دِينِهِ، فَما رَأَى المُسْلِمُونَ حَسَنًا، فَهُوَ عِنْدَ الله حَسَنٌ، وَما رَأَوْا سَيِّئًا فَهُوَ عِنْدَ الله سَيِّئٌ».

فالصَّحابَة رضي الله عنهم اكتَسَبُوا هذا التَّعْديلَ بتَعْدِيلِ الله تعالى لَهُمْ وثَنائِهِ عَلَيْهِمْ، وثَناءِ رسولِهِ صلى الله عليه وسلم، والحالُ التي كانوا عَلَيْها شاهِدَةٌ على فَضْلْهِم وعَدالَتِهِ مْرضي الله عنهم.

الصَّحابَةُ رضي الله عنهم مُتَفاضِلُونَ في المَرْتَبَةِ والمَنْزِلَةِ، وأَفْضَلُ الصَّحابَةِ أَبُو بَكْرٍ، ثُمَّ عُمَرُ، ثُمَّ عُثْمانُ، ثُمَّ عَلِيٌّ، ثُمَّ السِّتَّةُ الباقُونَ بَعْدَهُمْ إلى تَمامِ العَشَرَةِ المُبشَّرِينَ بالجَنَّةِ، ثُمَّ أَصْحابُ بَدْرٍ، ثُمَّ أَصْحابُ أُحُدٍ، ثُمَّ أَهْلُ بَيْعَةِ الرِّضْوانِ بالحُدَيْبِيَةِ.

قال الإِمامُ أَحْمَدُ: «أَفْضُلُ الصَّحابَةِ أَهْلُ بَيْعَةِ الرِّضْوانِ، وخَيْرُهُمْ وأَفْضَلُهُمْ أَهْلُ بَدْرٍ، والسَّابِقونَ الأَوَّلُونَ منَ المُهاجِرِينَ والأَنْصارِ وَأَعْيانُهم الأَرْبَعُونَ أَهْلُ الدَّارِ، وخَيْرُهُمْ عَشَرَةٌ شَهِدَ لَهُمْ النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم بالجَنَّةِ وَهَوَ عَنْهُمْ راضٍ، وأَعْيانُهُمْ أَهْلُ الشُّورَى الذينَ اختارَهُمْ عُمَرُ بْنُ الخَطَّابِ رضي الله عنه لِلمُسْلِمِينَ، وأَفْضَلُهُمُ الخُلَفاءُ الأَرْبَعَةُ».

قال النَّوَوِيُّ رحمه الله: «وفَضيلةُ الصُّحْبَةِ -ولَوْ لَحْظةً- لا يُوازِيها عَمَلٌ، ولا تُنالُ دَرجتُها بشَيْءٍ، والفَضائِلُ لا تُؤخَذُ بالقِياسِ، ذلكَ فَضْلُ الله يُؤتِيهِ مَنْ يَشاءُ».

وقال ابنُ الصَّلاحِ رحمه الله: «الأُمَّةُ مُجْمِعةٌ على تَعديلِ جميعِ الصَّحابَة، ولا يُعْتَدُّ بِخلافِ مَنْ خالَفَهُمْ».

وقال الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ رحمه الله: «الَّذي عَلَيْهِ سَلَفُ الأُمَّةِ وجُمهورُ الخَلَفِ أَنَّ الصَّحابَة رضي الله عنهم أجمعِينَ عُدولٌ بتَعْدِيلِ الله تعالى لَهُمْ».

مَوْقِفُ المُسْلِمِ مِمَّا شَجَرَ بينَ الصَّحابَة رضي الله عنهم:

الصَّحابَةُ رضي الله عنهم على عُلُوِّ مَنزلَتِهِمْ ورِفْعَةِ أَقدارِهِمْ بَشَرٌ، ولَيْسُوا بِمعصومِينَ، وقَدْ وَقَعَ بينَهُمْ بعدَ مَقْتَلِ عُمرَ بنِ الخَطَّابِ رضي الله عنه نِزاعاتٌ، واشتَدَّ الأمرُ بعدَ مَقْتَلِ عُثْمانَ رضي الله عنه؛ فوَقَعَ بينَهُمْ ما وَقَعَ منْ فِتَنٍ واقتِتالٍ في صِفَّينَ والجَمَلِ، وقَدْ أَكَّدَ أَهْلُ العِلْمِ على أَنَّ مَوْقِفَ الُمسْلِمِ مِمَّا شَجَرَ بينَهُمْ رضي الله عنهم في تِلكَ الحِقْبةِ يَنبَغِي أَنْ يَكُونَ مَضْبُوطًا بِهَذِه الضَّوابِطِ:

1- السُّكُوتُ عَمَّا شَجَرَ بينَهُمْ رضي الله عنهم:

وعَدَمُ الخَوْضِ فيما وَقَعَ بينَهُم منَ الحُرُوبِ والخِلافاتِ على سَبِيلِ التَّوَسُّعِ وتَتَبُّعِ التَّفْصِيلاتِ، ونَشْرِها وإِذاعَتِها، فقد قال صلى الله عليه وسلم: «إذا ذُكِرَ أصْحابِي فأمْسِكُوا، وإذا ذُكِرَتِ النُّجُومُ فأمْسِكُوا، وإذا ذُكِرَ القَّدَرُ فأمْسِكُوا». أخْرَجَهُ الطَّبَرانِيُّ، وصَحَّحَه الألْبانِيُّ.

وسُئِلَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ العَزِيْزِ رحمه الله عَنِ القِتالِ الَّذي حَصَلَ بينَ الصَّحابَة رضي الله عنهم، فقال: «تِلْكَ دِماءٌ طَهَّرَ الله يَدِي منْها؛ أفَلا أُطَهِّرُ منْها لِسانِي؟ مَثَلُ أصْحابِ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم مَثَلُ العُيُونِ، ودَواءُ العُيُونِ تَرْكُ مَسِّها».

2- إِحسانُ الظَنِّ بِهِمْ:

وصِيانَةُ القَلَمِ واللِّسانِ عَنْ ذِكْرِ ما لا يَلِيقُ بِهِم، فهم أحَقُّ النَّاسِ أنْ يُلْتَمَسَ لَهُم أحْسَنُ المَخارِجِ، ويُظَنَّ بِهِم أحْسَنُ المَذاهِبِ.

قِيلَ للإمامِ أحمدَ: ما تَقُولُ فيْما كانَ بينَ عَلِيٍّ ومُعاوِيَةَ رضي الله عنهما؟ فقالَ: «ما أقُولُ فيهِم إلَّا الحُسْنَى».

وقال القُرْطُبِيُّ رحمه الله: «لا يَجُوزُ أنْ يُنْسَبَ إلى أحَدٍ منَ الصَّحابَةِ رضي الله عنهم خَطأٌ مَقْطُوعٌ بِهِ؛ إذْ كانُوا كُلُّهُم اجْتَهَدُوا فيْما فَعَلُوْهُ، وأرادُوا الله عزوجل، وهُم كُلُّهُم لَنا أئِمَّةٌ، وقَدْ تُعُبِّدْنا بالكَفِّ عَمَّا شَجَرَ بينَهُم، وألَّا نَذْكُرَهُم إلَّا بأحْسَنِ الذِّكْرِ لِحُرْمَةِ الصُّحْبَةِ، ولِنَهْيِ النَّبيِّ عَنْ سَبِّهِم، وأنَّ الله غَفَرَ لَهُم، وأخْبَرَ بالرِّضا عَنْهُم».

3- الاعْتِذارُ عَنْهُمْ، والتِماسُ أحْسَنِ المَخارِجِ لِما ثَبَتَ صُدُوْرُهُ منْ بَعْضِهِم:

قال يَحْيَى بنُ أبي بَكْرٍ العامِرِيُّ رحمه الله: «ويَنْبَغِي لِكُلِّ صَيِّنٍ مُتَدَيِّنٍ مُسامَحَةُ الصَّحابَةِ فيما شَجَرَ بينَهُم منَ التَّشاجُرِ، والاعْتِذارُ عَنْ مُخْطِئِهِم، وطَلَبُ المَخارِجِ الحَسَنةِ لَهُم. وطَرِيْقَةُ العارِفِينَ الاعْتِذارُ عَنِ المَعائِبِ، وطَرِيْقَةُ المُنافِقِينَ تَتَبُّعُ المَثالِبِ، وإذا كانَ الألزمُ منْ طَرِيْقَةِ الدِّينِ سِتْرَ عَوْراتِ عامَّةِ المُسْلِمِينَ، فَكَيْفَ الظَنُّ بِصَحابَةِ خاتَمِ النَّبيِّيِنَ صلى الله عليه وسلم؟!».

4- الدُّعاءُ والاستِغْفارُ لَهُمْ:

قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ ﴾ (الحشر: 10).

قال أبُو عَبْدِ الله بنُ بَطَّةَ رحمه الله: «نَكُفُّ عَمَّا شَجَرَ بينَ أصْحابِ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم وقَدْ شَهِدُوا المَشاهِدَ مَعَهُ، وسَبَقُوا النَّاسَ بالفَضْلِ فَقَدْ غَفَرَ الله لَهُم، وأمَرَكَ بالاسْتِغْفارِ لَهُم، والتَّقَرُّبِ إلَيْهِ بِمَحبَّتِهِم، وفَرَضَ ذَلِكَ على لِسانِ نَبِيِّهِ، وهُوَ يَعْلَمُ ما سَيَكُونُ منْهُم أنَّهُم سَيَقْتَتِلُوْن، وإنِّما فُضِّلُوا على سائِرِ الخَلْقِ، لأنَّ الخَطَأ العَمْدَ قَدْ وُضِعَ عَنْهُم، وكُلُّ ما شَجَرَ بينَهُم مَغْفُوْرٌ لَهُم».

5- أَنَّ ما كانَ منْهُمْ وَقَعَ عَنِ اجْتِهادٍ شَرْعِيٍّ لا لِطَلَبِ دُنيا وَلا رِئاسَةٍ:

قال النَّوَوِيُّ رحمه الله: «وَمَذْهَبُ أَهْلِ السُّنَّةِ والحَقِّ إِحْسانُ الظَّنِّ بِهِمْ، والإِمْساكُ عَمَّا شَجَرَ بينَهُمْ، وتَأْوِيلُ قِتالِهِمْ، وأَنَّهُمْ مُجْتَهِدُونَ مُتَأَوِّلُونَ لَمْ يَقْصِدُوا مَعْصِيَةً، ولاَ مَحْضَ الدُّنْيا، بَلِ اعتَقَدَ كلُّ فَرِيقٍ أَنَّهُ المُحِقُّ، ومُخالِفُهُ يَأْثَمُ، فوَجَبَ عَلَيْهِ قِتالُهُ؛ لِيَرْجِعَ إِلى الله، وكانَ بَعْضُهُمْ مُصيبًا، وبَعْضُهُمْ مُخْطِئًا مَعْذُورًا في الخَطَأِ؛ لأَنَّه اجْتِهادٌ، والمُجْتَهِدُ إِذا أَخْطَأَ لا إِثْمَ عَلَيْهِ».

6- تَحَرِّي الأَخْبارِ الصَّحِيحَةِ عَنْهُمْ، واجْتِنابُ مَرْوِياتِ الكَذَبِ والافْتِراءِ:

قال ابْنُ تَيْمِيَّةَ رحمه الله في بَيانِ مُعْتَقَدِ أَهْلِ السُّنَّةِ: «ويُمْسِكُونَ عَمَّا شَجَرَ بينَ الصَّحابَةِ، ويَقُولُونَ: إنَّ هذه الآثارَ المَرْوِيَّةَ في مَساوِيهِم منْها ما هُوَ كَذِبٌ، ومنْها ما قَدْ زِيدَ فيهِ ونُقِصَ وغُيِّرَ عَن وَجْهِهِ، والصَّحِيحُ منْهُ هُمْ فيهِ مَعْذُورُونَ، إمَّا مُجْتَهِدُونَ مُصِيبُونَ، وإمَّا مُجْتَهِدُونَ مُخْطِئُونَ».

7- الإِقْرارُ بِعَظيمِ مَناقِبِهِمْ وَأَنَّ ما وَقَعَ منْهُمْ مَغْفُورٌ في جانِبِها:

فالقَوْمُ لَهُم سَوابِقُ عَظِيمَةٌ، وَأَعْمالٌ مُكَفِّرَةٌ لِما وَقَعَ منْهُم، وجِهادٌ مَحَّاءٌ، وعِبادَةٌ مُمَحِّصَةٌ.

قال ابنُ تَيْمِيَّةَ رحمه الله: «ما عُلِمَ بالكِتابِ والسُّنَّةِ والنَّقْلِ المُتَواتِرِ منْ مَحاسِنِ الصَّحابَةِ وفَضائِلِهِم لا يَجُوزُ أنْ يُدْفَعَ بِنُقُولٍ بَعْضُها مُنْقَطِعٌ، وبَعْضُها مُحَرَّفٌ، وبَعْضُها لا يَقْدَحُ فيما عُلِمَ، فإنَّ اليَقِينَ لا يَزُولُ بالشَّكِّ، ونَحْنُ قَدْ تَيَقَنَّا ما دَلَّ عَلَيْهِ الكِتابُ والسُّنَّةُ وإجْماعُ السَّلَفِ قَبْلَنا، وما يُصَدِّقُ ذَلِكَ منَ المنْقُولاتِ المُتَواتِرَةِ منْ أدِلَّةِ العَقْلِ؛ منْ أنَّ الصَّحابَةَ رضي الله عنهم أفْضَلُ الخَلْقِ بَعْدَ الأنْبِياءِ، فَلا يَقْدَحُ في هَذا أُمُورٌ مَشْكُوكٌ فيها، فَكَيْفَ إذا عُلِمَ بُطْلانُها؟!».

8- مُوالاتُهُمْ جميعًا، والتَّرَضِّي عَنْهُم أجْمَعِينَ:

قال أبُو عُثَمانَ الصَّابُونِيُّ في بَيانِ عَقِيدَةِ السَّلَفِ: «ويَرَوْنَ الكَفَّ عمَّا شَجَرَ بينَ أصْحابِ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم، وتَطْهِيرَ الألْسِنَةِ عَنْ ذِكْرِ ما يَتَضَمَّنُ عَيْبًا لَهُم ونَقْصًا فيهِم، ويَرَوْنَ التَّرَحُّمَ على جَمِيعِهِم، والمُوالاةَ لِكافَّتِهِم».

حُرْمَةُ سَبِّ الصَّحابَةِ رضي الله عنهم :

اتَّفَقَ العُلماءُ على حُرْمَةِ سَبِّ الصَّحابَةِ أَوِ الطَّعْنِ فيهِمْ، ومَردُّ ذَلكَ إلى النُّصوصِ المُتَضافِرَةِ منَ الكِتابِ والسُّنَّةِ النَّاطِقَةِ بتَزْكِيَتِهِمْ، وَمَدْحِهِمْ والثَّناءِ عَلَيْهِمْ، وتَحرِيمِ النَّيْلِ منْهُمْ، وَمنْ ذَلِكَ:

قولُهُ تَعالى: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ﴾ (التوبة: 100).

قال ابْنُ كَثيرٍ رحمه الله: «فَقَدْ أَخْبَرَ الله العَظِيمُ أَنَّهُ قَدْ رَضِيَ عَنِ السَّابِقِينَ الأَوَّلِينَ منَ المُهاجِرِينَ والأَنْصارِ والذينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسانٍ؛ فَيا وَيْلَ مَنْ أَبْغَضَهُمْ، أَوْ سَبَّهم، أَوْ أَبْغَضَ أَوْ سبَّ بَعْضَهُمْ!».

من أقْوالِ السَّلَفِ رحمهم الله تعالى في عِظَمِ سَبِّ الصَّحابةِ رضي الله عنهم:

قولُه تعالى: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ الله وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بينهم تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ ورضوانا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السجود ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التوراة وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الكفار وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا ﴾ (الفتح: 29).

قال الإِمامُ مالِكٌ رحمه الله: «مَنْ أَصبَحَ منَ النَّاسِ في قَلْبِهِ غَيْظٌ على أَحَدٍ منْ أَصْحابِ رَسولِ الله صلى الله عليه وسلم فقَدْ أَصابَتْهُ هذه الآيَةُ».

قال صلى الله عليه وسلم: «لاَ تَسُبُّوا أَصْحابِي؛ فَلَوْ أَنَّ أَحَدَكُمْ أَنْفَقَ مِثْلَ أُحُدٍ ذَهَبًا ما بَلَغَ مُدَّ أَحَدِهِمْ، وَلا نَصِيفَهُ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.

عَنِ البَراءِ رضي الله عنه قال: سَمِعْتُ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم يقولُ: «الأَنْصارُ لا يُحِبُّهُمْ إِلَّا مُؤْمنٌ، وَلا يُبْغِضُهُمْ إِلَّا مُنافِقٌ، فَمَنْ أَحَبَّهُمْ أَحَبَّهُ الله، وَمَنْ أَبْغَضَهُمْ أَبْغَضَهُ الله». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.

وَلا شَكَّ أَنَّ سَبَّهُمْ وانْتِقاصَهُمْ والتَّطاوَلَ عَليهم مُنافٍ لِما أمَرَ بِهِ النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم منَ الإِحْسانِ إِلَيْهِمِ.

قال أُبُو زُرْعَةَ الرَّازِيُّ رحمه الله: «إِذا رَأَيْتَ الرَّجُلَ يَنْتَقِصُ أَحَدًا منْ أَصْحابِ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم فاعْلَمْ أَنَّهُ زِنْدِيقٌ».

وَقال الإِمامُ مالِكٌ رحمه الله: «الَّذي يَشْتُمُ أَصْحابَ رَسولِ الله صلى الله عليه وسلم لَيْسَ لَهُ سَهْمٌ أَوْ قال: نَصِيبٌ في الإِسْلامِ».

وَقال الإِمامُ أَحْمَدُ رحمه الله: «إِذا رَأَيْتَ الرَّجُلَ يَذْكُرُ أَحَدًا منْ أَصْحابِ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم بِسُوءٍ فاتَّهِمْهُ على الإِسْلامِ».

لَوازِمُ سَبِّ الصَّحابَةِ رضي الله عنهم:

قال الشَّيْخُ ابْنُ عَثَيْمِينَ رحمه الله: «إِنَّ سَبَّ الصَّحابَةِ رضي الله عنهم لَيْسَ جَرْحًا في الصَّحابَةِ رضي الله عنهم فَقَطْ، بَلْ هُوَ قَدْحٌ في الصَّحابَةِ وفي النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم، وفي شَرِيعةِ الله، وفي ذاتِ الله عزوجل:

أمَّا كَوْنُهُ قَدْحًا في الصَّحابَةِرضي الله عنهم: فَواضِحٌ.

وَأَمَّا كَوْنُهُ قَدْحًا في رسولِ الله صلى الله عليه وسلم: فحَيْثُ كان أصحابُه، وأُمَناؤُه، وخُلَفاؤُه على أُمَّتِهِ من شِرارِ الخَلْقِ.

وفِيهِ قَدْحٌ في رَسولِ الله صلى الله عليه وسلم منْ وَجْهٍ آخَرَ؛ وهو تَكْذِيبُهُ فيما أخبَرَ بِهِ منْ فَضائِلِهِمْ وَمَناقِبِهِمْ.

وَأَمَّا كَوْنُهُ قَدْحًا في شَرِيعةِ الله: فَلأَنَّ الواسِطَةَ بينَنا وبينَ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم في نَقْلِ الشَّريعَةِ هُمُ الصَّحابَةُ رضي الله عنهم، فإذا سَقَطَتْ عَدالَتُهُمْ لَمْ يَبْقَ ثِقَةٌ فيما نَقَلُوهُ منَ الشَّرِيعَةِ.

وأَمَّا كَوْنُهُ قَدْحًا في الله سُبْحانَهُ: فَحَيْثُ بُعِثَ نَبِيُّهُ صلى الله عليه وسلم في شِرارِ الخَلْقِ، واختارَهُمْ لِصُحْبَتِهِ، وحَمْلِ شَرِيعَتِهِ ونَقْلِها لأُمَّتِهِ.

فانْظُرْ ماذا يترتَّبُ منَ الطَّوامِّ الكُبرَى علَى سَبِّ الصَّحابَةِ رضي الله عنهم!».

الواجِبُ على المُسْلِمِ تِجاهَ الصَّحابَةِرضي الله عنهم:

الاعْتِقادُ أَنَّهم خَيْرُ البَشَرِ بَعْدَ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم.

الإِقْرارُ بِما ثَبَتَ لَهُمْ منَ الفَضائِلِ إجْمالًا وتَفْصِيلًا.

السُّكوتُ عَمَّا شَجَرَ بينَهُمْ من اخْتِلافٍ وَفِتَنٍ، فَلا يَذْكُرُهُمْ إلا بِخيرٍ.

الشَّهادَةُ لِمَنْ شَهِدَ لَهُ الرَّسُولُ صلى الله عليه وسلم بالجَنَّةِ منْهُمْ.

الإِقْرارُ أَنَّهُمْ كُلَّهُمْ على خَيْرِ وفَضْلٍ، وأَنَّهُمْ يَتَفاضَلُونَ فيما بينَهُمْ، وَأَنَّ أَفْضَلَهُمْ على الإِطْلاقِ أَبُو بَكْرٍ، ثُمَّ عُمَرُ، ثُمَّ عُثْمانُ، ثُمَّ عَلِيٌّ رضي الله عنهم جَميعًا.

ألَّا يَرْفَعَ أَحَدًا منْهُمْ فَوْقَ مَنْزِلَتِهِ، وَلا يَدَّعِيَ لَهُ فَضائِلَ لَمْ تَثْبُتْ، فَهُمْ في غِنًى عَنِ المَدْحِ بِما لَمْ يَثْبُتْ.

مَحبَّةُ أَهْلِ البَيْتِ وتَقْدِيِمُهم وفْقَ وَصِيَّة النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم بِهِمْ دُونَ إِفْراطٍ وَلا تَفْرِيطٍ.

ألَّا يَدَّعِيَ عِصْمَتَهُمْ، مَعَ الاعْتِقادِ أَنَّ مَنْ جاءَ بَعْدَهُمْ لا يَصِلُ إلى جَزِيلِ ما أَعَدَّ الله لَهُمْ منَ الثَّوابِ؛ لِأَنَّ مُدَّ أَحَدِهِمْ خَيْرٌ منْ إِنْفاقِ مِثَلِ جَبَلِ أُحُدٍ ذَهَبًا منْ غَيْرِهِمْ.

أَنْ يَتولَّى الصَّحابَةَ رضي الله عنهم كُلَّهُمْ، وَيَتَرَضَّى عَنْهُمْ، وَيَدْعُوَ وَيَسْتَغْفِرَ لَهُمْ جَميعًا.

أَنْ يَتَبَرَّأَ مِمَّن سَبَّهُمْ أَوِ انْتَقَصَهُمْ.

وَسَطِيَّةُ أَهْلِ السُّنَّةِ في آل البيت رضي الله عنهم :

أهل السنة وسط بين الطوائف، فالخَوارِجُ كَفَّرُوا عَلِيَّ بنَ أَبي طالِبٍ رضي الله عنه، وكَفَّرُوا مَنْ شارَكَ في قَضِيَّةِ التَّحْكِيمِ، وَتَبَرَّؤُوا منْهُمْ وَأَوْجَبُوا لَهُمُ النَّارَ، وَتَبِعَهُمْ على هَذا بَعْضُ كِبارِ المُعْتَزِلَةِ.

وَأَمَّا الرَّافِضَةُ (الشِّيعَةُ) فَغَلَوْا غُلُوًّا فاحِشًا في حَقِّ عَليٍّ رضي الله عنه وأَهْلِ البَيْتِ، وادَّعَوْا لعَلِيٍّ رضي الله عنه وَلِأَهْلِ بَيْتِهِ منَ الأَئِمَّةِ العِصْمَةَ وَعِلْمَ الغَيْبِ، وَقابَلُوا هذا الغُلُوَّ بِغُلُوٍّ آخَرَ؛ فانْتَقَصُوا الخُلَفاءَ الثَّلاثَةَ، وأَمَّ المُؤْمنِينَ عائِشَةَ، وحَفْصَةَ، وسائِرَ الصَّحابَةِ رضي الله عنهم، وافْتَرَوْا عَلَيْهِمُ الأَكاذِيبَ، حَتَّى زعموا أَنَّهُم ارتَدُّوا عَنِ الإِسْلامِ بَعْدَ وَفاتِهِ صلى الله عليه وسلم.

أَمَّا أَهْلُ السُّنَّةِ فهُمْ وَسَطٌ بينَ الغُلُوِّ والجَفاءِ، يَعْرِفُونَ لَأَهْلِ بَيْتِ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم وصَحابَتِه قَدْرَهُمْ، ويُحبُّونَهُمْ جميعًا، وَيَنْزِلُونَهُمْ مَنازِلَهُمْ الواجَبَةَ لَهُمْ منَ الفَضْلِ والتَّقْدِيمِ، ويَسْكُتُونَ عَمَّا شَجَرَ بينَهُمْ، ولا يَدَّعُونَ لَهُمْ عِصْمَةً.

قولُ قائلهِم: عَليٌّ «كرَّم اللهُ وَجْهَه»، أو «عليه السلامُ»:

قالُ ابنُ كثيرٍ: وَقد غَلبَ هذا في عبارةِ كثيرٍ من النُّسَّاخ للكُتُبِ أنْ يُفرَدَ عليٌّ رضي الله عنه بأنْ يقالَ: عليه السلام من دونِ سائرِ الصَّحابةِ، أو كرَّمَ الله وَجْهَه، وَهَذا وإنْ كان مَعناه صَحيحًا لكن ينبغِي أنْ يسوَّى بين الصَّحابةِرضي الله عنهمفي ذلك، فإن هذا من بابِ التَّعظيمِ والتَّكريمِ، فالشَّيخانِ وَأَميرُ المؤْمنين عُثمانُ أوْلى بذلك منه رضي الله عنهم أجمعين.ا. هـ.

نشاط

1- اكتُبْ مُخْتَصَرًا في بَيانِ اخْتِلافِ العُلَماءِ في تَعْرِيفِ الصَّحابِيِّ، مُسْتَعِينًا بِمَصادِرَ خارِجِيَّةٍ.

2- اكْتُبْ مُخْتَصَرًا في الرَّدِّ على أهلِ البِدَع ِ المنتقصين لِلصَّحابَةِ رضي الله عنهم، داعِمًا رَدَّكَ بِالأَدَلَّةِ النَّقْلِيَّةِ والعَقْلِيَّةِ.

3- أَفْرَدَ العُلَماءُ مُصَنَّفاتٍ في بَيانِ فَضائِلِ الصَّحابَةِ وَمَناقِبِهِمْ وَتَراجِمِهِمْ وَطَبَقاتِهِمْ، اكتُبْ بِطاقاتٍ تَعْرِيفِيَّةً بِأَهَمِّ هذه المُصنَّفاتِ، مُسْتَعِينًا بِمَصادِرَ خارِجِيَّةٍ.

4- من واقِعِ دِراسَتِكِ: ما الذي يجبُ على المُسْلِمَ اعْتِقادُهُ في الصَّحابَةِ وَآلِ البَيْتِ رضي الله عنهم؟

5 الأَوْلياءُ وكراماتُهُم

الوحدة الخامسة: الأَولياءُ وكراماتُهم

الأَوْلِياءُ وَكَراماتُهُمْ

الوِلايةُ لها جانبانِ:

جانبٌ يَتعلَّقُ بالعبدِ: وهو القِيامُ بالأَوامِرِ، واجتنابُ النَّواهي، ثُمَّ التَّدرُّجُ في مراقي العبوديَّةِ بالنَّوافلِ.

وجانبٌ يتعلَّقُ بالرَّبِّ تعالى: وهو محبَّةُ هذا العبدِ، ونُصرتُه، وتَثبيتُه على الاستقامةِ.

أمَّا الكَراماتُ فهي أمرٌ إضافيٌّ، وليسَتْ شرطًا في الوِلايةِ، فقد تحصل الولاية، ولم توجد كرامات.

التَّعْرِيفُ:

الأولياء لغة: جمع ولي، وهو المُحِبُّ النَّاصرُ.

وفي الاصطلاح: الولي: كلُّ مؤمنٍ تقيٍّ.

قال تعالى: ﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (62) الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ(63) ﴾ (يونس: ٦٢-63).

قال شيخ الإسلام ابْنُ تَيْمِيَّةَ رحمه الله: «الوِلايَةُ هِيَ الإِيمانُ والتَّقْوَى المُتَضَمِّنَةُ لِلتَّقرُّبِ بِالفَرائِضِ والنَّوافِلِ».

فَوِلايَةُ الله مُوافَقَتُهُ؛ بَأَنْ تُحِبَّ ما يُحِبُّ، وتَبْغَضُ ما يَبْغَضُ، وتَكْرَهُ ما يَكْرَهُ، وتَسْخَطُ ما يَسْخَطُ، وتُوالِي مَنْ يُوالِي، وتُعادِي مَنْ يُعادِي.

وَقاَل أَيْضًا رحمه الله: «فَوَلِيُّ الله مَنْ والاهُ بالمُوافَقَةِ لَهُ في مَحْبُوباتِهِ ومَرْضاتِهِ، وَتَقرَّبَ إِليهِ بِما أَمَرَ بِهِ منْ طاعَتِهِ».

ويَكْفِي في شَرَفِ مَنْزِلَةِ الوَلِيِّ قولُهُ صلى الله عليه وسلم: «إِنَّ اللَّهَ قال: مَنْ عادَى لِي وَلِيًّا فَقَدْ آذَنْتُهُ بِالحَرْبِ». رَواهُ البُخارِيُّ.

والكَراماتُ: جَمْعُ كَرامَةٍ، وَهِيَ: أَمْرٌ خارِقٌ لِلعادَةِ، يُجرِيِهِ الله تعالَى على يَدِ وَلِيٍّ، تَأْييدًا لَهُ، أَوْ إِعانَةً، أَوْ تَثْبِيتًا، أَوْ نَصْرًا لِلدِّينِ.

الفَرْقُ بينَ المُعْجِزَةِ والكَرامَةُ:

أَنَّ المُعْجِزَةَ تَكُونُ مَقْرُونَةً بِدَعْوَى النُّبُوَّةِ، بِخلافِ الكَرامَةِ فَإنَّ صاحَبَها لا يَدَّعِي النُّبوَّةَ، وَإِنَّما حَصَلَتْ لَهُ الكَرامَةُ باتِّباعِ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم، والاسْتِقامَةِ على شَرْعِهِ.

فالمُعْجِزَةُ لِلنَّبِيِّ، والكَرامَةُ لِلوليِّ، وَجِماعُهُما الأَمْرُ الخارِقُ للعادَةِ.

فإن حصل أمر خارق بغير اتباع الشرع كان من الشيطان، وليس من الكرامات كما يتوهمه العامَّة.

منْ أحْسَنِ ما صُنِّفَ في هَذا البابِ: كتابُ «الفُرْقانُ بينَ أَولياءِ الرَّحمنِ وأَوْلياءِ الشَّيْطانِ» لشَيخِ الإسْلامِ ابنِ تيميَّةَ رحمه الله.

الفَرْقُ بينَ أَوْلِياءِ الرَّحْمَنِ وَأَوْلِياءِ الشَّيْطانِ:

قال تعالى: ﴿وَإِذْ نَجَّيْنَاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ يُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ وَفِي ذَلِكُمْ بَلَاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ (49) وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ الْبَحْرَ فَأَنْجَيْنَاكُمْ وَأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَوْنَ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ (50) ﴾ (البقرة: 257).

وقال تعالى: ﴿ فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ (98) إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (99)

إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ (100)﴾ (النحل: 98 - 100).

فإِذا كانَ أَوْلِياءُ الله هُمْ أَهْلُ الإِيمانِ بِهِ والطَّاعَةِ لَهُ، المُجْتَنِبُونَ للمَعْصِيةِ، فإِنَّ أَوْلِياءَ الشيطانِ هُمْ أَتْباعُهُ العاصُونَ لِلهِ عزوجل، المُخالِفُونَ لِكِتابِهِ وَلِسُنَّةِ نبيِّهِ صلى الله عليه وسلم، المَغْرُورُونَ بِتَزْيِينِ الشَّيْطانِ وَوَعْدِهِ لَهُمْ.

قال ابْنُ تَيْمِيَّةَ رحمه الله: «وَإِذا عُرِفَ أَنَّ النَّاسَ فيهِمْ أَوْلِياءُ الرَّحْمَنِ وَأَوْلِياءُ الشَّيْطانِ، فيَجِبُ أَنْ يُفرَّقَ بينَ هَؤلاءِ وهَؤلاءِ، كَما فرَّقَ الله ورسولُهُ بينَهُما».

فكَثِيرونَ يَدَّعُونَ الوِلايَةَ ﷲِ تعالى وَهُمْ في الحَقِيقَةِ أَوْلِياءُ لِلشَّيْطانِ مُتَّبِعونَ لَهُ، فدَعْواهُمْ بِالِّلسانِ مُخالِفةٌ لِحقيقةِ حالِهِمْ.

وَأَهَمُّ مَعالِمِ التَّمْييزِ بينَ الفَرِيقَيْنِ هِيَ:

الإِيمانُ

فالإِيمانُ شَرْطٌ في وِلايَةِ الله تعالى بِنَصِّ القُرآنِ، وَيَدْخُلُ فيهِ الإِيمانُ بأَرْكانِهِ السِّتَّةِ: الإِيمانُ بِالله، وَمَلائِكَتِهِ، وَكُتُبِهِ، ورُسُلِهِ، واليَوْمِ الآخِرِ، والقَدَرِ خَيْرِهِ وَشَرِّهِ، فَغَيْرُ المُؤْمنِ لا يَكونُ وَلِيًّا ﷲِ تعالى، وإِنِ ادَّعى تِلْكَ الوِلايَةَ.

فقَدْ كانَ مُشْرِكُو العَرَبِ يَدَّعُونَ أَنَّهُمْ أَهْلُ الله لِسُكْناهُمْ مَكَّةَ، وَمُجاوَرَتِهِمُ البَيْتَ، فبَيَّنَ سُبْحانَهُ أَنَّ المُشْرِكِينَ لَيْسُوا أَوْلِياءَهُ، وَلا أَوْلِياءَ بَيْتِهِ، إِنَّما أَوْلِياؤُهُ المُتَّقُونَ ﴿وَمَا لَهُمْ أَلَّا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَمَا كَانُوا إِنْ أَوْلِيَاؤُهُ إِلَّا الْمُتَّقُونَ ﴾ (الأنفال: 34).

وَلَوْ بَلَغَ الرَّجُلُ في الزُّهْدِ والعِبادَةِ والعِلْمِ ما بَلَغَ، وَلَمْ يُؤْمنْ بِجميعِ ما جاءَ بِهِ مُحمَّدٌ صلى الله عليه وسلم فَلَيْسَ بِمُؤْمنٍ، وَلا وَليٍّ ﷲِ تَعالى؛ كالأَحْبارِ والرُّهْبانِ منْ عُلماءِ اليَهُودِ والنَّصارَى وعُبَّادِهم، وكَذلِكَ المُنْتَسِبُونَ إلى العِلْمِ والعِبادَةِ منْ حُكماءِ الهِنْدِ والتُّرْكِ، وإِنْ ظَنَّت طوائف أَنَّهُم أولياء الله تعالى.

قال ابْنُ تَيْمِيَّةَ رحمه الله: «فلا بُدَّ في الإِيمانِ منْ أَنْ تُؤْمنَ أَنَّ مُحمَّدًا صلى الله عليه وسلم خاتَمُ النَّبيِّينَ، لا نَبِيَّ بَعْدَه، وَأَنَّ الله أَرْسَلَهُ إلى جَميعِ الثَّقَلَيْنِ: الجِنِّ والإِنْسِ، فكُلُّ مَنْ لَمْ يُؤْمنْ بما جاءَ بِهِ فليسَ بمُؤمنٍ؛ فَضلًا عَنْ أَنْ يَكونَ منْ أولياءِ الله المتَّقين؛ ومَنْ آمَنَ بِبَعْضِ ما جاءَ بِهِ وكَفرَ ببَعْضٍ فهوَ كافرٌ ليسَ بمُؤْمنٍ».

فكُلُّ مَنْ أخلَّ بركنٍ منْ أركانِ الإِيمانِ لا يكونُ منْ أولياءِ الله، بَلْ هو منْ أوْلياءِ الشَّيطانِ بِلا شكٍّ.

التَّقوى

وهي شَرطٌ في وِلايةِ الله تعالى بنصِّ القرآنِ، قال تعالى: ﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (62) الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ (63)﴾ (يونس: ٦٢-63).

ومعنى التَّقوى: الاحترازُ بِطاعةِ الله عَنْ عُقوبتِهِ، وصيانةُ النَّفسِ عمَّا تستحقُّ به العُقوبةَ منْ فعل أو تَرْكٍ.

ومن معانيها: المحافظةُ على آداب الشَّريعةِ، ومُجانبةُ كلِّ ما يُبعدُ المَرءَ عَنِ الله تعالى.

والمُؤمنُ التقيُّ ليسَ مَعصومًا لكنَّه أوَّابٌ، لا يُصِرُّ على المعصيةِ، فأَصحابُ الفِسْقِ والفُجُورِ والعُكوفِ على المعصيةِ والمُخالَفاتِ الشرعيَّة من بِدعٍ ونحوِهِ لا يكونون أولياءَ ﷲِ تعالى، بَلْ هم في حقيقتِهم أَولياءُ لِلشيطانِ، قال تعالى: ﴿تَاللَّهِ لَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ فَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَهُوَ وَلِيُّهُمُ الْيَوْمَ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ﴾ (النحل: 63).

الاتِّباعُ

أَيْ: الاقتِداءُ بالنَّبيِّ صلى الله عليه وسلم واقتفاءُ سُنَّتِه، فمن ادَّعى محبَّةَ الله وولايتَه وهو لم يَتَّبعه صلى الله عليه وسلم، فليس من أولياءِ الله، بَلْ مَن خالَفَه كان منْ أعداءِ الله وأَولياءِ الشَّيطانِ، قال تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ ﴾ (آل عمران: 31).

قال شيخُ الإسلامِ رحمه الله: «ومنَ الإيمانِ بِهِ صلى الله عليه وسلم الإيمانُ بأنَّه الواسطةُ بينَ الله وبينَ خَلْقِهِ في تَبليغِ أَمرهِ ونَهيِهِ، ووَعْدهِ ووَعيدِهِ، وحَلالَهِ وحَرامِهِ، فالحَلالُ ما أَحلَّه الله ورسولُه، والحرامُ ما حَرَّمَه الله ورَسولُه، والدِّينُ ما شَرعَه الله ورَسولُه صلى الله عليه وسلم، فمَنِ اعتقَدَ أَنَّ لأحدٍ من الأولياءِ طريقًا إلى الله من غيرِ مُتابعةِ محمَّد صلى الله عليه وسلم، فهو كافِرٌ منْ أولياءِ الشَّيْطانِ».

فالمبتَدِعةُ المُجافونَ لسُنَّتِه صلى الله عليه وسلم، المُبدِّلونَ لها عَنْ قَصْدٍ لا يكونونَ أولياءَ ﷲِ تعالى، وَولايتُهم في حَقيقتِها للشَّيْطانِ.

قال الليثُ بنُ سعدٍ والشَّافِعِيُّ رحمهما الله: «إذا رَأَيْتم الرَّجُلَ يَمشي على الماءِ ويطيرُ في الهَواءِ، فلا تغترُّوا به، حتى تَعرِضُوا أمْرَهُ على الكتابِ والسُّنَّةِ».

محبَّةُ أولياءِ اللهِ تَعالى

قال أهلُ العِلمِ: «فَإِذا كانَ وَلِيُّ الله هُوَ المُوافِقَ المُتابِعَ لَهُ فيما يُحِبُّهُ وَيَرْضاهُ، وَيَبْغِضُهُ وَيَسْخِطُه، وَيَأْمُرُ بِهِ وَيَنْهَى عَنْهُ؛ كانَ المُعادِي لِوَلِيِّهِ مُعادِيًا لَهُ، كَما قال تعالى: ﴿لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ ﴾ (الممتحنة: 1) فَمَنْ عادَى أَوْلِياءَ الله فَقَدْ عاداهُ، وَمَنْ عاداهُ فَقَدْ حارَبَهُ؛ فَلِهَذا قال: «وَمَنْ عادَى لِي وَلِيًّا فَقَدْ بارَزَنِي بِالمُحارَبَةِ» رواه البخاريُّ».

وإذا كانَ أَنبياءُ الله هم أَفْضلَ أَوليائِه، فإِنَّ صَحابةَ النبيِّ صلى الله عليه وسلم هم أفضلُ الأَولياءِ بعدَهم، قال تعالى في نبيِّه صلى الله عليه وسلم: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلَاهُ وَجِبْرِيلُ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ ﴾ (التحريم: 4).

فلا شكَّ أنَّ مَن أبغَضَ أصحابَ النبيِّ صلى الله عليه وسلم لا يكون وليًّا ﷲِ ولا لرسولِه صلى الله عليه وسلم، بل ولايتُه لِلشَّيطانِ ظاهرةٌ، وأيضًا فإنَّ مَن عادَى وحارَبَ أهلَ الصَّلاحِ والطَّاعات والأَمْرِ بالمعروف والنَّهْيِ عن المنكرِ منَ المؤمنين لا يكونُ منْ أولياءِ الله، وإِنِ ادَّعى ذلك.

قال شيخُ الإسلامِ ابنُ تيميَّةَ رحمه الله:

«ولهذا اتَّفقَ أولياءُ الله على أَنَّ الرَّجُلَ لو طارَ في الهَواءِ أو مَشَى على الماء، لم يُعتَبر حتَّى يُنظَر متابعتُه لأمرِ الله ونهيِه؛ فإِنَّ هؤلاء يَستلزِمُ أقوالهم أن يجعلوا كثيرًا من المُشركِينَ وأَهْلِ الكِتابِ -اليهودِ والنَّصارى- منْ أولياءِ الله المُتَّقينَ! فإن لهؤلاء خوارقَ كثيرةً، فمَنْ أنكر وُجُودَها كان كمَنْ أنكرَ خَوارِقَ الأولياء وأنكرَ السحرَ والكهانةَ، ومن أقرَّ بوجودِها وجعلَها دليلًا على أنّ صاحبَها وليٌّ ﷲِ، فهو جَعَلَ خوارقَ السحرةِ والكهَّانِ دليلًا على أنَّهم أنبياءُ وأولياءُ الرَّحمنِ!».

وقال الحافظُ ابنُ حَجَرٍ رحمه الله: «خَرْقُ العادةِ قَدْ يَقَعُ للزِّنديقِ بطريقِ الإملاءِ والإِغْواءِ، كما يَقَعُ للصِّدِّيقِ بطريقِ الكَرامَةِ والإِكْرامِ، وإنَّما تَحصُلُ التَّفْرقَةُ بينَهما باتِّباعِ الكِتابِ والسُّنَّةِ».

المَوْقِفُ منَ الكَراماتِ:

إِثباتُ الكَراماتِ:

اتَّفَقَ أهلُ السُّنَّةِ على إِثباتِ الكَراماتِ، وأنَّ الله يخصُّ بها مَن شاءَ من أوليائِه، وقد تواتَرَتْ نُصوصُ الكتاب والسُّنَّة والوقائعُ قديمًا وحديثًا على وقوعِ كَراماتِ الله لأَوْليائِهِ المُتَّبعين لأنبيائِه، منها:

قولُه تعالى عَنْ مريمَ عليها السلام: ﴿فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنْبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقًا قَالَ يَا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ (آل عمران: 37).

وقولُه تعالى: ﴿وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّا ﴾ (مريم: 25).

وقولُه تعالى في قصَّة سُليمانَ عليه السلام : ﴿قَالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتَابِ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ ﴾ (النمل: 40).

ومنَ الكَراماتِ المَذكورَةِ في السُّنَّةِ الصحيحةِ: نَجاةُ أصحابِ الغارِ من الصَّخرةِ التي انطبَقَتْ عليهم، وتكلُّمُ الغُلامِ في المَهْدِ، وعَجْزُ المَلِك عن قَتْلِ الغُلامِ حتَّى قال: بسمِ الله رَبِّ الغُلامِ.

وقَدْ ورَدَ في السُّنَّةِ كَراماتٌ كثيرةٌ لأَولياءِ الله الصَّالحِينَ أَصحابِ رَسولِ الله صلى الله عليه وسلم؛ كأُسَيْدِ بْنِ حُضَيْرٍ، وعَبَّادِ بنِ بشير، وعاصمِ بنِ ثابتٍ، وغيرِهم، وعلى رأسِهم الخُلفاءُ الرَّاشدونَ وبَقيَّةُ العَشَرة المُبشَّرينَ.

وكذلك ثبَتَتْ كراماتٌ كثيرةٌ للصَّالِحِينَ منَ التَّابعِينَ رضي الله عنهم.

قال ابْنُ تَيْمِيَّةَ رحمه الله:

«وَمنْ أُصولِ أَهْلِ السُّنَّةِ والجَماعَةِ: التَّصْدِيقُ بكَراماتِ الأَوْلياءِ وما يُجري الله على أيدِيهم منْ خَوارقِ العاداتِ في أَنواعِ العُلوم والمُكاشَفاتِ، وأنواعِ القُدرةِ والتَّأْثيراتِ؛ كالمَأثورِ عَنْ سالفِ الأُمَمِ في سُورةِ الكَهْفِ وغَيرِها، وعَنْ صَدْرِ هَذهِ الأُمَّةِ منَ الصَّحابَةِ والتَّابعِينَ وسائرِ قُرونِ الأمَّةِ، وهي موجودةٌ فيها إلى يومِ القِيامةِ».

شُروطُ الكَرامَةِ:

1- وُجودُ أَمرٍ خارقٍ للعادةِ.

2- وظُهورُه على يَدِ مُؤمنٍ تقِيٍّ مُتَّبعٍ للكِتابِ والسُّنةِ، وإلَّا لم تَكُنْ كَرامةً، فإن كانَ من أَصْحابِ المعاصِي والبِدَعِ، كانت اسْتِدْراجًا.

3- كَونُ هَذا الخارِقِ مِمَّا يَصلُحُ أَنْ يَكُونَ كرامَةً، فلا يَشتمِلُ على مَعْصِيَةٍ أَوْ باطِلٍ.

الفَرْقُ بينَ الكَراماتِ والأَحْوالِ الشَّيْطانِيَّةِ:

فليسَ كلُّ خارقٍ للعادَةِ يَظهرُ على يدِ أحدِ النَّاسِ يكون كرامةً منَ الله ِعزوجل، بَلْ قد تكونُ غِوايةً منَ الشَّيطانِ، أو تلبيسًا منْ بعضِ الجانِّ، وأهمُّ الفُروقِ بينَ الكَراماتِ والأَحوالِ الشَّيطانيَّةِ ما يلي:

1- أَنَّ الكَراماتِ سَببُها الوِلايةُ الحَقَّةُ ﷲِ تعالى؛ وهي الإيمانُ والتَّقوَى، فلا عِبرةَ بالخَوارِقِ بدونِ ذلك، إِنَّما هِيَ منَ الشَّيطانِ.

وقد تقدَّم قولُ الشَّافعيِّ رحمه الله: «إذارأيتم الرجلَ يمشي على الماءِ، أَو يطيرُ في الهواءِ، فلا تَغْترُّوا به حتَّى تَعرضُوا أمرَه على الكتابِ والسُّنَّةِ».

قال الشَّوكانيُّ رحمه الله: «ولا يَجوزُ للوليِّ أَنْ يَعتَقِدَ في كل ما يَقَعُ له منَ الواقِعاتِ والمُكاشَفاتِ أَنَّ ذلك كَرامةٌ منَ الله سبحانَه، فقد يكونُ منْ تَلْبيسِ الشَّيطانِ ومَكْرِه، بَلِ الواجبُ عَلَيْهِ أَنْ يَعرِضَ أقوالَه وأَفْعالَهُ على الكتابِ والسُّنَّةِ، فإِنْ كانَتْ مُوافِقةً لَها، فهي حقٌّ وصِدقٌ، وكَرامةٌ منَ الله سُبحانَه، وإِنْ كانَتْ مُخالِفةً لِشيءٍ منْ ذلكَ فلْيَعلَمْ أَنَّه مَخدوعٌ مَمْكورٌ بِهِ، قد طَمِعَ منْهُ الشَّيْطانُ؛ فلَبَّسَ عليه».

2- أَنَّ الكراماتِ قائمةٌ على الصِّدقِ، بخلافِ تلك الأَحوالِ الشَّيطانيَّةِ فإنَّها قائمةٌ على الكذبِ، قال تعالى: ﴿هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلَى مَنْ تَنَزَّلُ الشَّيَاطِينُ (221) تَنَزَّلُ عَلَى كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ (222)﴾ (الشعراء: 221، 222).

3- أَنَّ الكَراماتِ هِبةٌ منَ الله، أَمَّا الخوارقُ والأحوالُ الشيطانيَّةُ فتحصلُ بالتَّعلُّمِ واستِدْعاءِ الجنِّ والشياطين، والتَّقرُّبِ إليهم.

4- أَنَّ أَولياءَ الله يُحاولون إخفاءَ الكرامةِ، ولا يَلتفتُونَ إليها، ويَعلمون أنَّها نِعْمةٌ يجبُ شُكْرُها، ويَخْشونَ أَنْ تكونَ ابتلاءً لا يَثبُتُون فيه، وأَصْحابُ الأحوالِ الشَّيْطانيَّةِ على خلاف هذا تمامًا؛ فلا يُظهرُونها -غالبًا- إلا في حَضْرةِ النَّاسِ، ويَتحدَّى بعضُهم بعضًا فيها.

5- الأَحوالُ الشَّيْطانيَّةُ يَبطلُ أَوْ يَضعُفُ أثرُها بالذِّكر والقُرآنِ، بخلافِ الكرامةِ.

تَمييزُ الوَلِيِّ الصَّادقِ الذي قَدْ تَجري على يَدَيْهِ الكَراماتُ منَ الدَّعِيِّ الكاذبِ الذي يُمَوِّهُ على النَّاسِ ويَخدَعُهُمْ، فإِنَّما يكونُ ذلك بحسبِ صَلاحِهِ وتَقواهُ، منْ قيامِهِ بالفرائضِ والنَّوافِلِ، واتِّقائِه الكبائرَ والصَّغائِرَ، واتِّصافِه بالصِّفاتِ الكَريمةِ، واستِدامتِه عليها.

فإِنْ اتَّصفَ شخصٌ بكلِّ هذه الصِّفاتِ الطَّيِّبةِ، وعُرِفَتْ عنه، ثُمَّ حدَثَ على يَدَيْهِ شيءٌ منَ الخَوارِقِ فيما لا يُخالِفُ الشَّرعَ؛ فيجوزُ أَنْ يُطلَقَ على ذلك الخارِقِ اسمُ (كَرامَة).

أَمَّا إِنْ كان الرَّجلُ على خلافِ ذلك، مُشتْهِرًا بالفِسْقِ والفَسادِ والضَّلالِ، وغيرِ ذلكَ؛ فإنَّ كلَّ ما يَجري على يدَيْه من خوارق إنما هو من الشيطان.

قال ابنُ الجوزيِّ رحمه الله في كتابه النفيس: (تَلْبيس إبليس):

«وَقَدْ رَأَيْنا في زمانِنا مَنْ يُشيرُ إلى الملائكَةِ ويَقولُ: هؤلاءِ ضَيْفٌ مُكْرَمونَ، يُوهِمُ أَنَّ الملائكةَ قَدْ حضَرَتْ، ويقولُ لهم: تَقدَّمُوا إليَّ».

وأخَذَ رجلٌ في زمانِنا إبريقًا جديدًا فتَرَكَ فيه عَسَلًا، فتشرَّبَ في الخَزَف طعمُ العسلِ، واستصْحَبَ الإبريقَ في سَفَرِهِ؛ فكان إذا غَرَفَ بِهِ الماءَ منَ النَّهْرِ، وسقى أصحابَه، وجدوا طَعْمَ العَسَلِ! وما في هؤلاءِ مَنْ يَعرِفُ الله، ولا يَخافُ في الله لومةَ لائمٍ، نعوذُ بالله منَ الخذْلانِ».

التَّحْذيرُ منَ الغُلوِّ في الأولياءِ والصَّالحينَ:

الغُلوُّ في الصَّالحينَ هُو الزِّيادةُ في مَدْحِهم، والإفراطُ في تَعْظيمِهم بالقولِ أَوِ الفِعْلِ أَوِ الاعتِقادِ، ورَفْعُ المَخْلوقِ عَنْ مَنْزِلَتِه التي أَنزَلَهُ الله تعالى.

قال تعالى: ﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلَا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الحق إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ ﴾ (النساء: 171)، أَيْ: لا ترفعُوا المخْلوقَ عَنْ مَنْزلَتِهِ التي أَنزلَه الله، فتُنزِّلُونه المنزلةَ التي لا تَنبغي إلا ﷲِ تَعالى، والخِطابُ وإِنْ كانَ لِأهلِ الكتابِ فإِنَّه عامٌّ يَتناوَلُ جميعَ الأُمَّةِ؛ تَحْذيرًا لَهُمْ أَنْ يَفعَلوا فِعلَ اليَهودِ والنَّصارَى.

ولقَدْ حذَّرَ النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم منَ الغُلُوِّ على وَجْهِ العُمومِ، فقال صلى الله عليه وسلم: «إِيَّاكُمْ والغُلُوَّ في الدِّينِ؛ فَإِنَّما أَهْلَكَ مَنْ كانَ قَبْلَكُمُ الغُلُوُّ في الدِّينِ». رواه النَّسائيُّ، وابنُ ماجَه، وصحَّحه الألبانيُّ.

وحذَّرَ منَ الغُلوِّ فيه صلى الله عليه وسلم، فعَنْ عُمَرَ رضي الله عنه قال: قال صلى الله عليه وسلم: «لا تُطْرُونِي كَما أَطْرَتِ النَّصارَى ابْنَ مَرْيَمَ، فَإِنَّما أَنا عَبْدُهُ، فَقُولُوا عَبْدُ الله، وَرسولُهُ». رواه البُخاريُّ.

وثبَتَ أنَّ الغُلوَّ في الصَّالحين كانَ هُو أوَّلَ وأَعظمَ سَبَبٍ أَوْقَعَ بني آدمَ في الشِّركِ الأَكبرِ؛ فقَدْ روَى البُخاريُّ في صحيحِه عن ابنِ عبَّاس رضي الله عنهما : أَنَّه أخبَرَ عَنْ أصنامِ قومِ نوحٍ أنَّها صارَتْ في العربِ، ثُمَّ قال: «أَسْماءُ رِجالٍ صالِحِينَ منْ قَوْمِ نُوحٍ، فَلَمَّا هَلَكُوا أَوْحَى الشَّيْطانُ إلى قَوْمِهِمْ، أَنِ انْصِبُوا إلى مَجالِسِهِمُ التي كانُوا يَجْلِسُونَ أَنْصابًا، وَسَمُّوها بِأَسْمائِهِمْ، فَفَعَلُوا، فَلَمْ تُعْبَدْ، حَتَّى إِذا هَلَكَ أُولَئِكَ وَتَنَسَّخَ العِلْمُ عُبِدَتْ».

قال الشيخُ السِّعديُّ رحمه الله: «والنَّاسُ في مُعاملةِ الصَّالِحينَ ثَلاثةُ أَقسامٍ:

أَهْلُ الجَفاءِ الَّذين يَهضِمونَهم حقوقَهُمْ، ولا يَقومونَ بحَقِّهِمْ منَ الحبِّ والمُوالاةِ لَهُمْ والتَّوْقيرِ والتَّبْجيلِ.

وأَهْلُ الغُلوِّ الَّذينَ يَرفَعونَهم فوقَ مَنْزلَتِهم التي أَنْزلَهم الله بها.

وأَهْلُ الحَقِّ الَّذينَ يُحبُّونَهم ويُوالُونَهم، ويَقومون بحُقوقِهم الحقيقيَّةِ، ولكنَّهم يَبْرَؤُونَ منَ الغُلوِّ فيهم، وادِّعاءِ عِصْمتِهِم».

والغُلوُّ في الأوْلياءِ نوعانِ:

الأوَّل: مُخرِجٌ منَ المِلَّةِ: وهو ما بلَغَ بصاحبِهِ إلى تَسْويةِ غيرِ الله بالله فيما هو منْ خصائصِه سبحانه؛ كمَنْ يَنسبُ إلى بعضِ الخَلْقِ أنَّه يعلمُ الغَيْبَ، أَوْ أنَّه على كلِّ شيءٍ قديرٌ، أو أنَّه يتصرَّفُ في الكونِ بحياةٍ أَوْ موتٍ، أو نَفْعٍ أو ضرٍّ، بقدرتِه هُوَ ومَشيئتِهِ، وهذا يوجدُ عندَ كثيرٍ منَ الغُلاةِ منَ الصُّوفيَّةِ وغيرهم.

ومنْ صُوَرِهِ أيضًا: صَرْفُ العِبادَةِ لغيرِ الله ِعزوجل؛ كدُعاءِ الأولياءِ، والاستغاثةِ بِهم، والذبحِ لهم، والنَّذرِلهم؛ لأنَّها عِباداتٌ، والعِبادةُ لا يَجوزُ صَرفُها لغيرِ الله تعالى.

الثَّاني: ما كانَ ذَرِيعَةً إلى الشَّرْكِ: مِثْلُ: رَفْعِ قُبورِ الأَولياءِ، وبِناءِ القِبابِ والمساجدِ عَلَيْها، أَوْ دَفْنِ الأَولياءِ في المساجدِ، وشَدِّ الرِّحالِ إليهم، والتَّوسُّلِ إلى الله عزوجلبجاهِهِم، والحَلِفِ بِهم، مع الاعتقادِ أنَّ الحَلِفَ بهم دونَ الحَلِفِ بالله، أمَّا إِنْ قامَ بقَلْبِ الحالِفِ أنَّ الحَلِفَ بغيرِالله كالحلفِ بالله أَوْ أعظمَ - فهذا شركٌ أكبرُ.

ومن صُورِ الغُلوِّ في الصَّالحين: الغُلوُّ في قُبورِهِم:

منْ أَقْبحِ ما يُزيِّنُه الشَّيْطانُ منْ صُورِ الغُلوِّ في الصَّالحينَ والأَوْلياءِ ما يكونُ بعدَ مَوْتِهم، منْ دعوةِ النَّاسِ إلى إبرازِ قُبورِهم، والبِناءِ عَليها، وتَزينِها، وزَخرفَتِها، ثُمَّ يُلقي في قلوبِهم أنَّ العُكوفَ عليها وشَدَّ الرِّحالِ إليها من محبَّةِ أهلِها، وأنَّ الدُّعاءَ مُستجابٌ لديها، ثم يَنقُلُهم إلى الدُّعاءِ بِها، والإِقسامِ على الله تعالى بأصحابِها، فإذا تقرَّر ذلك عندَهم نقَلَهم إلى دُعاءِ أَصْحابِ القُبورِ والاسْتِشْفاعِ والاستغاثةِ بِهم؛ فيَتَّخِذونَ القُبورَ أوثانًا يُطافُ بها، وتُستلَمُ وتُقبَّلُ، ويُذبَحُ عِنْدَها، وتُقامُ عِندَها ولها الاحتفالاتُ والمَوالدُ والأَعيادُ السَّنويَّةُ.

فينتهي بهم المَطافُ إلى وثنيَّةٍ بَغيضَةٍ، كان أوَّلَ الخُطواتِ إليها الغُلوُّ ومُجاوزَةُ الشَّرْعِ الحَنيفِ.

كما أطلَقَ الشارعُ النَّهْيَ عن الغُلوِّ بكل صُورهِ؛ فلم يأتِ دليلٌ على تمييزِ قُبورِ الصَّالحِينَ عَنْ غيرِهم، بل كلُّ ما ورد فيه وجوبُ تَساوِي القبورِ منْ حيثُ الصِّفةُ، فلا يُفرَّقُ بينَ قَبرِ صالحٍ أو طالحٍ، ولا قَبرِ وَليٍّ ولا غيرِ وَليٍّ، بل نهى النبيُّ صلى الله عليه وسلم عن كلِّ صورةٍ تُوصِلُ إلى الغُلوِّ في قُبورِ الصَّالحين، وسَدَّ كلَّ ذريعةٍ تُفضِي إلى جَعْلِها وسيلةً منْ وسائلِ الشِّركِ.

الغايةُ الشَّرعِيَّةُ منْ زيارَةِ القُبُورِ:

بيَّنَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم الغايةَ من زيارةِ القُبورِ والحِكمةَ التي منْ أَجلِها شُرِعَتْ، فقال صلى الله عليه وسلم كما عندَ مُسْلمٍ: «زُورُوالقُبُورَ؛ فَإِنَّها تُذَكِّرُ المَوْتَ»، وكذلك منَ حِكمةِ زيارةِ القبورِ الدُّعاءُ للِميِّت، والاستغفارُ لَهُ، والتَّرحُّمُ عليه.

كما بيَّنَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم كيفيَّةَ الزِّيارةِ الشرعيَّةِ للقبورِ بقولِه وعَمَلِهِ، وعلَّمَها أصحابَهُ رضي الله عنهم، فعَنْ أمِّ المؤمنين عائشةَ رضي الله عنها: أنَّ جبريلَ عليه السلام أتى رسولَ الله صلى الله عليه وسلم فَقالَ: إِنَّ رَبَّكَ يَأْمُرُكَ أَنْ تَأْتِيَ أَهْلَ البَقِيعِ فَتَسْتَغْفِرَ لَهُمْ، قالَتْ: قُلْتُ: كَيْفَ أَقُولُ لَهُمْ يا رسولَ الله؟ قال قُولِي: «السَّلامُ على أَهْلِ الدِّيارِ منَ المُؤْمنِينَ والمُسْلِمِينَ، وَيَرْحَمُ الله المُسْتَقْدِمِينَ منَّا والمُسْتَأْخِرِينَ، وَإِنَّا إِنْ شاءَ الله بِكُمْ لَلاحِقُونَ». رواهُ مُسلمٌ.

فزِيارةُ القُبورِ نَوعانِ:

النَّوعُ الأَوَّلُ: زيارةٌ شرعيَّةٌ، يُقصَدُ بها السَّلامُ على الموتى والدُّعاءُ لهم، وتَذكُّرُ الموتِ، واتِّباعُ هَدْيِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم، بشرطِ عدم شدِّ الرِّحالِ إليها.

النَّوعُ الثَّاني: زيارةٌ شركيَّةٌ وبدعيَّةٌ، وهذه لها ثلاثُ صُورٍ:

1- مَنْ يَسألُ المَيِّتَ حاجتَهُ، وَهَؤلاءِ من جِنْسِ عُبَّادِ الأَصْنامِ.

2- مَنْ يَسألُ الله تعالى بالميِّتِ، كمَن يقولُ: أَتوسَّلُ إليك بنبيِّكَ، أو بحقِّ الشَّيْخِ فلانٍ.

3- زِيارَةُ مَنْ يَظنُّ أَنَّ الدُّعاءَ عنْدَ القُبُورِ مُستجابٌ، أو أنَّه أفْضَلُ منَ الدُّعاءِ في المسْجِدِ، وَهَذا من البِدَعِ، وإِنْ لم يصِلْ لحدِّ الشِّرْكِ.

منْ مظاهرِ وصُورِ الغُلوِّ في القُبورِ التي نَهَى النبيُّ صلى الله عليه وسلمعَنها:

الصَّلاةُ إلى القبور:

فعَنْ أَبي مَرْثَدٍ الغَنَوِيِّ رضي الله عنه، قال: قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: «لا تَجْلِسُوا على القُبُورِ، وَلا تُصَلُّوا إِلَيْها». رواه مسلمٌ.

وعَنِ ابنِ عبَّاسٍ رضي الله عنهما قال: قال صلى الله عليه وسلم: «لا تُصَلُّوا إلى قَبْرٍ، وَلا تُصَلُّوا على قَبْرٍ». أخرجه الطَّبرانيُّ، وصحَّحه الألبانيُّ.

قال المُناويُّ رحمه الله: «إِنْ قَصَدَ إنسانٌ التبرُّكَ بالصلاةِ في تلك البُقْعةِ فقَدْ ابتَدَعَ في الدِّينِ ما لم يَأذنْ بِهِ الله، ويُؤخَذُ من الحديثِ النَّهْيُ عَنِ الصَّلاةِ في المَقبرَةِ، فهي مَكْروهةٌ كراهةَ تحْريمٍ».

إسراجُ القُبورِ:

فعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما، قال: «لَعَنَ رسولُ اللهصلى الله عليه وسلمزائِراتِ القُبُورِ، والمُتَّخِذِينَ عَلَيْها المَساجِدَ والسُّرُجَ». رواهُ أحمدُ، وأبو داودَ، وصَحَّحه الألبانيُّ.

قال ابنُ تَيميَّةَ رحمه الله: «يَحرُمُ الإسراجُ على القُبورِ، واتِّخاذُ المساجدِ عليها، وبينَها، ويَتعيَّنُ إِزالتُها، ولا أعلمُ فيه خلافًا».

اتِّخاذُ القبورِ عيدًا:

عَنْ أَبي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قال: قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: «لا تَجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قُبُورًا، وَلا تَجْعَلُوا قَبْرِي عِيدًا، وَصَلُّوا عَلَيَّ؛ فَإِنَّ صَلاتَكُمْ تَبْلُغُنِي حَيْثُ كُنْتُمْ». رواهُ أبو داودَ، وصحَّحه الألبانيُّ.

فإذا كان قبرُ النبيِّ صلى الله عليه وسلمأفضَلَ قَبرٍ على وَجْهِ الأرْضِ، وقَدْ نَهَى عن اتِّخاذِه عيدًا؛ فغيرُه أَوْلَى بالنَّهْيِ كائنًا مَنْ كانَ.

رَفْعُ القُبورِ وتَعْليتُها:

عَنْ أَبي الهَيَّاجِ الأَسَدِيِّ قال: قال لِي عَلِيُّ بْنُ أَبي طالِبٍ رضي الله عنه: أَلا أَبْعَثُكَ على ما بَعَثَنِي عَلَيْهِ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم؟ «أَنْ لا تَدَعَ تِمْثالًا إِلَّا طَمَسْتَهُ، وَلا قَبْرًا مُشْرِفًا إِلَّا سَوَّيْتَهُ». رواهُ مسلمٌ.

قال الشَّوْكانِيُّ رحمه الله: «والظَّاهِرُ أَنَّ رَفْعَ القُبُورِ زِيادَةً على القَدْرِ المَأْذُونِ فيهِ مُحَرَّمٌ، وَقَدْ صَرَّحَ بِذَلِكَ أَصْحابُ أَحْمَدَ وَجَماعَةٌ منْ أَصْحابِ الشَّافِعِيِّ وَمالِكٍ، وَمنْ رَفْعِ القُبُورِ الدَّاخِلِ تَحْتَ الحَدِيثِ دُخُولًا أَوَّلِيًّا القُبَبُ والمَشاهِدُ المَعْمُورَةُ على القُبُورِ، وَأَيْضًا هُوَ من اتِّخاذِ القُبُورِ مَساجِدَ، وَقَدْ لَعَنَ النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم فاعِلَ ذَلِكَ.

وَكَمْ قَدْ سَرَى عَنْ تَشْيِيدِ أَبْنِيَةِ القُبُورِ وَتَحْسِينِها منْ مَفاسِدَ يَبْكِي لَها الإِسْلامُ، منْها اعْتِقادُ الجَهَلَةِ لَها؛ كاعْتِقادِ الكُفَّارِ للأَصْنامِ! وَعَظُمَ ذَلِكَ فَظَنُّوا أَنَّها قادِرَةٌ على جَلْبِ النَّفْعِ وَدَفْعِ الضَّرَرِ، فَجَعَلُوها مَقْصِدًا لِطَلَبِ قَضاءِ الحَوائِجِ، وَمَلْجَأً لِنَجاحِ المَطالِبِ، وَسَأَلُوا منْها ما يَسْأَلُهُ العِبادُ منْ رَبِّهِمْ، وَشَدُّوا إلَيْها الرِّحالَ، وَتَمَسَّحُوا بِها، واسْتَغاثُوا، وَبِالجُمْلَةِ إنَّهُمْ لَمْ يَدَعُوا شَيْئًا مِمَّا كانَتْ الجاهِلِيَّةُ تَفْعَلُهُ بِالأَصْنامِ إلَّا فَعَلُوهُ، فَإِنَّا لِلهِ وَإِنَّا إلَيْهِ راجِعُونَ» اهـ.

البِناءُ على القُبورِ، وتَجصِيصُها، والكتابةُ عليها:

فعَنْ جابِرٍ رضي الله عنه قال: «نَهَى رسولُ الله صلى الله عليه وسلمِ أَنْ يُجَصَّصَ القَبْرُ، وَأَنْ يُقْعَدَ عَلَيْهِ، وَأَنْ يُبْنَى عَلَيْهِ» رواه مسلمٌ.

وفي رواية التِّرْمذيِّ: «أَنْ تُجَصَّصَ القُبُورُ، وَأَنْ يُكْتَبَ عَلَيْها، وَأَنْ يُبْنَى عَلَيْها، وَأَنْ تُوطَأَ».

بناءُ المساجدِ على القُبورِ، وتَصويرُ الصُّورِ فيها:

فعَنْ عائِشَةَ أَنَّ أُمَّ حَبِيبَةَ، وَأُمَّ سَلَمَةَ رضي الله عنهما ذَكَرَتا كَنِيسَةً رَأَيْنَها بِالحَبَشَةِ فيها تَصاوِيرُ لِرسولِ الله صلى الله عليه وسلم، فَقال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: «إِنَّ أُولَئِكَ إِذا كانَ فيهِمُ الرَّجُلُ الصَّالِحُ فَماتَ بَنَوْا على قَبْرِهِ مَسْجِدًا، وَصَوَّرُوا فيهِ تِلْكِ الصُّوَرَ، أُولَئِكِ شِرارُ الخَلْقِ عِنْدَ الله يَوْمَ القِيامَةِ». مُتَّفَقٌ عليه.

قال ابنُ رجَبٍ رحمه الله: «هذا الحديثُ يَدلُّ على تحريمِ بِناءِ المساجدِ على قبورِ الصَّالحينَ، وتصويرِ صورِهم فيها كما يَفعلُه النَّصارى، ولا ريبَ أَنَّ كلَّ واحدٍ منهما محرَّمٌ على انفرادٍ، فتصويرُ صورِ الآدميِّينَ مُحرَّمٌ، وبِناءُ القُبورِ على المساجدِ بانفرادِه مُحرَّمٌ كما دلَّتْ عَلَيْهِ نصوصٌ أُخَرُ».

وعن عائِشَةَ، وَعَبْدِ الله بْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهم، قالا: لَمَّا نَزَلَ بِرسولِ الله صلى الله عليه وسلمِ -يعني: الموتَ- طَفِقَ يَطْرَحُ خَمِيصَةً لَهُ على وَجْهِهِ، فَإِذا اغْتَمَّ بِها كَشَفَها عَنْ وَجْهِهِ، فَقال وَهُوَ كَذَلِكَ: «لَعْنَةُ الله على اليَهُودِ والنَّصارَى، اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيائِهِمْ مَساجِدَ» يُحَذِّرُ ما صَنَعُوا. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.

قال الحافظُ ابنُ حَجَرٍ: «وكأنَّهصلى الله عليه وسلمعَلِمَ أنَّه مُرتَحلٌ منْ ذلك المرضِ، فخافَ أَنْ يُعظَّمَ قبرُه كما فعَلَ مَن مَضَى، فلَعَنَ اليهودَ والنَّصارى؛ إشارةً إلى ذَمِّ مَنْ يفعلُ فِعْلَهم».

وعن جُنْدَبٍ رضي الله عنه، قال: سَمِعْتُ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم قَبْلَ أَنْ يَمُوتَ بِخَمْسٍ، وَهُوَ يَقُولُ: «أَلا وَإِنَّ مَنْ كانَ قَبْلَكُمْ كانُوا يَتَّخِذُونَ قُبُورَ أَنْبِيائِهِمْ وَصالِحِيهِمْ مَساجِدَ، أَلا فَلا تَتَّخِذُوا القُبُورَ مَساجِدَ، إِنِّي أَنْهاكُمْ عَنْ ذَلِكَ». رواه مسلمٌ.

مَعْنى اتِّخاذِ القبورِ مَساجدَ:

قال الشَّيْخُ الألبانيُّ رحمه الله: «الذي يُمكِنُ أَنْ يُفهَمَ منَ الاتِّخاذِ إنَّما هو ثلاثة مَعانٍ:

الأوَّل: الصَّلاةُ على القُبورِ بمعنى السُّجودِ عليها.

الثَّاني: السُّجودُ إليها، واستقبالُها بالصَّلاةِ والدُّعاءِ.

الثَّالثُ: بِناءُ المساجدِ عَلَيْها، وقَصْدُ الصَّلاةِ فيها.

وبكلِّ واحدٍ من هذه المعاني قال طائفةٌ منِ العلماءِ، وجاءَتْ بها نصوصٌ صريحةٌ عَنْ سيِّدِ الأنبياءِ صلى الله عليه وسلم».

فالقُبورُ لها حقٌّ علينا من وجهَيْنِ:

1- أَلَّا نُفرِّطَ فيما يجبُ لها من الحُرْمةِ؛ فلا تجوزُ إهانتُها ولا الجلوسُ عَلَيها، وما أشبَهَ ذلك.

2- أَلَّا نغلوَ فيها فنَتجاوَزَ الحدَّ.

شدُّ الرِّحالِ إلى غير المساجدِ الثَّلاثةِ:

فعنْ أَبي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه، عَنِ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم قال: «لا تُشَدُّ الرِّحالُ إِلَّا إلى ثَلاَثَةِ مَساجِدَ: المَسْجِدِ الحَرامِ، وَمَسْجِدِ الرَّسُولِ صلى الله عليه وسلم، وَمَسْجِدِ الأَقْصَى». مُتَّفقٌ عَلَيْهِ.

فدخلَ في هذا النهي شدُّ الرِّحالِ لزيارة القُبورِ والمَشاهِدِ والأَضرحةِ، وهو الذي فَهِمَه الصُّحابةُ رضي الله عنهم منْ قَولِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم؛ ولهذا عندما ذَهبَ أبو هُرَيرةَ رضي الله عنه إلى الطُّورِ، فلقيه بَصْرَةُ بْنُ أَبي بَصْرَةَ الغِفارِيُّ، فقال: منْ أينَ جِئتَ؟ قال: منَ الطُّورِ، قال: لَوْ لَقِيتُكَ منْ قَبْلِ أَنْ تَأْتِيَهُ لَمْ تَأْتِهِ، فقال لَهُ أبو هريرة رضي الله عنه: وَلِمَ؟ قال: إِنِّي سَمِعْتُ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: «لا تُعْمَلُ المَطِيُّ إِلَّا إلى ثَلاثَةِ مَساجِدَ: المَسْجِدِ الحَرامِ، وَمَسْجِدِي، وَمَسْجِدِ بَيْتِ المَقْدِسِ». رَواهُ أحمدُ والنَّسائيُّ، وصَحَّحه الألبانيُّ.

ولهذا قال شيخُ الإسلامِ: «وقد اتَّفقَ الأئمةُ على أنه لو نَذَرَ أَنْ يُسافِرَ إلى قبرِه صلى الله عليه وسلم أو غيرِه من الأنبياء والصالحين لم يَكُنْ عليه أَنْ يُوفِّيَ بنَذْرِه، بل يُنهَى عن ذلك».

المُرادُ بشَدِّ الرِّحالِ المنهيِّ عنه: أَنَّه لا يجوزُ السَّفرُ إلى مكانٍ بقَصْدِ عبادةِ الله فيه بالصَّلاةِ أو الدُّعاءِ أَوْ قراءةِ القرآنِ، إلا هذه البقاعَ الثَّلاثَ؛ وهي: المسجدُ الحرامُ، والمسجدُ النبويُّ، والمسجدُ الأقصى.

نشاط

1- بابُ الوِلايَةِ والكَرامَةِ منْ أَوسعِ الأَبوابِ التي تَسرَّب إليها الغُلوُّ، بيِّنْ أسبابَ هذا الغلوِّ ومظاهِرَهُ، وَما الوسائلُ الشَّرعيَّةُ لمواجهَتِهِ؟

2- «أعْظمُ الكرامَةِ مُلازَمةُ الاستقامَةِ»، فما مفهومُ الاستقامةِ والكرامةِ؟ وكيف تكونُ ملازمةُ الاستقامَةِ كرامةً؟ استعن بمصادر خارجية.

3- الوِلايةُ مُرْتَبةٌ عُظْمَى، وكثيرون يَدَّعونها، فما ضابطُ الولايةِ؟ وما شُرُوطها؛ حتى يصحَّ وصفُ الشَّخصِ بها؟

4- سَدُّ الذَّرائعِ منَ الأصولِ الشَّرعيَّةِ، اكتُبْ مختصرًا في بيانِ معناه، مُمثِّلًا له مما دَرَسْتَ في هذا المبحثِ.

5- اكتُبْ مختصرًا في بيانِ حُكْمِ الصَّلاة في المسجدِ المَبنيِّ على قبرٍ، مُستعينًا بمَصادرَ خارِجيَّةٍ.

٦ الشفاعةُ

الوحدة السادسة: الشفاعةُ

الشَّفاعَةُ

تعريفُ الشَّفاعَةِ:

الشَّفاعةُ لغةً: مأخُوذةٌ من الشَّفعِ، وهو ضِدُّ الوترِ، وهو جَعلُ الوترِ شَفْعًا، فتجعل الواحدَ اثنين، والثلاثةَ أربعةً.

والشفاعة اصطلاحا: التوسُّطُ للغيرِ بجلبِ منفعَةٍ أو دفعِ مضرَّةٍ.

والشَّفاعَةُ الأُخْرَوِيَّة: وهِيَ التوسُّطُ عِندَ الله تعالى في التَّجاوُزِ عنِ ذُنوبِ العِبادِ في الآخِرَةِ، ولا تكُونُ إلا لأهْلِ التَّوْحيدِ الخالصِ.

أقْسامُ الشَّفاعَةِ:

تنقَسِمُ الشَّفاعَةُ إلى قِسْمَينِ:

وهي التي تكونُ للرسولِصلى الله عليه وسلمخاصَّةً، لا يشاركُه فيها غيرُه من الخلقِ، وهي أنواعٌ:

أوَّلًا: الشَّفاعَةُ العُظْمَى:

وهذِهِ الشَّفاعَةُ منْ أعْظمِ الشَّفاعاتِ، وهيَ شَفاعَتُهُصلى الله عليه وسلملأهْلِ المَوْقفِ أنْ يُحاسَبُوا، فإِنَّ النَّاسَ يوْمَ القيامَةِ يمكُثُونَ زمانًا طَويلًا في يوْمٍ كانَ مقْدارُهُ خمْسِينَ ألفَ سَنَةٍ، ينتَظِرُونَ الفَرَجَ، وهُمْ في شِدَّةِ كرْبٍ وشدَّةِ حرٍّ وخوْفٍ وهَلَعٍ، فيأْتُونَ إلَى الأنْبِياءِ فيَعْتَذِرونَ عنْ ذلِكَ حتَّى يَأْتُوا مُحمَّدًا صلى الله عليه وسلم فيقُول: أنا لَها أنا لَها.

قال تعالى: ﴿عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا ﴾ (الإسراء: 79).

وعَنْ جابِرٍ رضي الله عنه أَنَّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم قال: «مَنْ قال حِينَ يَسْمَعُ النِّداءَ: اللَّهُمَّ رَبَّ هذه الدَّعْوَةِ التَّامَّةِ، والصَّلاَةِ القائِمَةِ آتِ مُحَمَّدًا الوَسِيلَةَ والفَضِيلَةَ، وابْعَثْهُ مَقامًا مَحْمُودًا الذي وَعَدْتَهُ، حَلَّتْ لَهُ شَفاعَتِي يَوْمَ القِيامَةِ». رَواهُ البُخارِيُّ.

فالمَقامُ المَحْمُودُ: هوَ المقامُ الَّذي تَحْمَدُهُ عليْهِ جمِيعُ الخلائِقِ، ويُثْنِي بهِ عَلَيْهِ صلى الله عليه وسلم جميعُ الخَلائقِ الَّذينَ وَقَفُوا في الحِسابِ، وهُوَ مَقامُ الشَّفاعَةِ العُظْمى.

ثانيًا: شَفاعتُهُ صلى الله عليه وسلم لأهْلِ الجنَّةِ أنْ يدخُلُوا الجنَّة:

فعَنْ أَنَسِ بْنِ مالِكٍ رضي الله عنه قال: قال النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم: «أَنا أَوَّلُ شَفِيعٍ في الجَنَّةِ». رَواهُ مُسْلِمٌ.

وعَنْ أَنَسِ بْنِ مالِكٍ رضي الله عنه قال: قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: «آتِي بابَ الجَنَّةِ يَوْمَ القِيامَةِ فَأَسْتفْتِحُ، فَيَقُولُ الخازِنُ: مَنْ أَنْتَ؟ فَأَقُولُ: مُحَمَّدٌ، فَيَقُولُ: بِكَ أُمِرْتُ لا أَفْتَحُ لِأَحَدٍ قَبْلَكَ». رَواهُ مُسْلِمٌ.

ثالثًا: شَفاعتُهُ صلى الله عليه وسلم لعَمِّهِ أبي طالِبٍ في أنْ يُخفِّفَ اللهُ عنْهُ العذابَ:

فعَنْ أَبي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ رضي الله عنه، أَنَّهُ سَمِعَ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم، وَذُكِرَ عِنْدَهُ عَمُّهُ، فَقالَ: «لَعَلَّهُ تَنْفَعُهُ شَفاعَتِي يَوْمَ القِيامَةِ، فَيُجْعَلُ في ضَحْضاحٍ منَ النَّارِ يَبْلُغُ كَعْبَيْهِ، يَغْلِي منْهُ دِماغُهُ». مُتَّفقٌ عليْهِ.

قال القُرْطُبِيُّ: «فَإِنْ قِيلَ: فَقَدْ قال تعالى: ﴿فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ ﴾ (المُدَّثِّر: 48). قِيلَ لَهُ: لا تَنْفَعُهُ في الخُرُوجِ منَ النَّارِ كَما تَنْفَعُ عُصاةَ المُوَحِّدِينَ، الذينَ يَخْرُجُونَ منْها وَيَدْخُلُونَ الجَنَّةَ».

الشفاعَةُ العامَّةُ:

2- القِسْمُ الثاني منْ أقْسامِ الشَّفاعَةِ: والمرادُ أنَّ الله سبحانه وتعالى يأذنُ لمنْ شاءَ منْ عِبادِه الصَّالحين أنْ يشْفَعوا لمن أذِنَ الله لهم بالشَّفاعَةِ فيهم، وهذه الشَّفاعَةُ ثابتةٌ لغَيرِ النبيِّصلى الله عليه وسلممن النَّبيِّين والصِّدِّيقين والشُّهَداء والمؤْمنين بعْضِهِم لبَعْضٍ، وهي الشَّفاعَةُ لعُصاةِ المؤمنين أنْ يخرُجُوا من النَّارِ، وَقَدْ وَرَدَتِ النُّصُوصُ الشَّرعيَّةُ بإثْباتِها، على النَّحْوِ الآتي:

شَفاعَةُ الأنْبِياءِ:

ففِي الصَّحِيحَيْنِ أنَّ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم قال: «فَيَقُولُ الله عزوجل: شَفَعَتِ المَلائِكَةُ، وَشَفَعَ النَّبيُّونَ، وَشَفَعَ المُؤْمنُونَ، وَلَمْ يَبْقَ إِلَّا أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ، فَيَقْبِضُ قَبْضَةً منَ النَّارِ، فَيُخْرِجُ منْها قَوْمًا لَمْ يَعْمَلُوا خَيْرًا قَطُّ قَدْ عادُوا حُمَمًا...».

وعَنْ أبِي بَكْرَةَ رضي الله عنه، عَنِ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم قال: «يُحْمَلُ النَّاسُ على الصِّراطِ يَوْمَ القِيامَة، فَتَقادَعُ -أَيْ: تتساقَطُ- بِهِمْ جَنَبَتا الصِّراطِ تَقادُعَ الفَراشِ في النَّارِ، قال: فَيُنْجِي الله بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشاءُ، قال: ثُمَّ يُؤْذَنُ للمَلاَئِكَةِ والنَّبيِّينَ والشُّهَداءِ أَنْ يَشْفَعُوا، فَيَشْفَعُونَ وَيُخْرِجُونَ، وَيَشْفَعُونَ وَيُخْرِجُونَ، وَيَشْفَعُونَ وَيُخْرِجُونَ مَنْ كانَ في قَلْبِهِ ما يَزِنُ ذَرَّةً منْ إِيمانٍ». رَواهُ أحمَدُ، وحسَّنَ إسنادَهُ الأَرْناؤُوطُ.

شَفاعَةُ الملائِكَةِ:

قال تعالَى: ﴿وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لَا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى ﴾ (النَّجم: 26).

وقال تعالَى: ﴿وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ ﴾ (الأنبياء: 28).

وفيها الأحاديثُ السَّابقَةُ في شفاعَةِ الأنْبِياءِ.

شُرُوطُ الشَّفاعَةِ:

ليْسَ كلُّ شافعٍ يُشفَّعُ، وليسَتْ كلُّ شفاعَةٍ تُقبَلُ، بلْ لا تنفَعُ الشَّفاعَةُ لا منَ الأنبياءِ ولا منَ الملائكةِ ولا منْ غيرِهِمْ إلَّا بوُجودِ شرْطَيْنِ فيها:

1- الشَّرْطُ الأوَّلُ: إذْنُ الله ِعزوجل: قال تعالَى: ﴿مَا مِنْ شَفِيعٍ إِلَّا مِنْ بَعْدِ إِذْنِهِ ﴾ (يونس: 3)، وقال تعالَى: ﴿وَلَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ ﴾ (سبأ: 23).

2- الشَّرطُ الثَّاني: رضا الله عنِ الشَّافعِ وعنِ المشْفُوعِ لهُ، قال تعالَى: ﴿يَوْمَئِذٍ لَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلًا ﴾ (طه: 109)، وقال تعالَى: ﴿وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى ﴾ (الأنبياء: 28)، وقال تعالَى: ﴿وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لَا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى ﴾ (النَّجم: 26).

شَفاعةُ الشُّهداءِ:

فَعَنْ أَبي الدَّرْداءِ رضي الله عنه قال: قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: «يُشَفَّعُ الشَّهِيدُ في سَبْعِينَ منْ أَهْلِ بَيْتِهِ». رَواهُ أبُو داوُدَ، وصَحَّحهُ الألْبانِيُّ.

وعَنِ المِقْدامِ بْنِ مَعْدِي كَرِبَ رضي الله عنه قال: قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: «لِلشَّهِيدِ عِنْدَ الله سِتُّ خِصالٍ، وَمنْها:... وَيُشَفَّعُ في سَبْعِينَ منْ أَقارِبِهِ». رَواهُ أحمَدُ، والتِّرمذِيُّ، وابنُ ماجَه، وصَحَّحهُ الألْبانِيُّ.

شَفاعَةُ المُؤمنِينَ بعْضِهِمْ لبَعْضٍ:

وفيها الحدِيثُ السَّابقُ: «فَيَقُولُ الله عزوجل: شَفَعَتِ المَلائِكَةُ، وَشَفَعَ النَّبيُّونَ، وَشَفَعَ المُؤْمنُونَ، وَلَمْ يَبْقَ إِلَّا أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ، فَيَقْبِضُ قَبْضَةً منَ النَّارِ، فَيُخْرِجُ منْها قَوْمًا لَمْ يَعْمَلُوا خَيْرًا قَطُّ قَدْ عادُوا حُمَمًا...».

وعَنْ عَبْدِ الله بْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما قال: سَمِعْتُ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم، يَقُولُ: «ما منْ رَجُلٍ مُسْلِمٌ يَمُوتُ، فَيَقُومُ على جَنازَتِهِ أَرْبَعُونَ رَجُلًا، لا يُشْرِكُونَ بِالله شَيْئًا، إِلَّا شَفَّعَهُمُ الله فيهِ». رَواهُ مُسْلِمٌ.

الشَّفاعةُ الباطلةُ:

وهي الشَّفاعةُ التي لا تنفعُ أصحابَها؛ وهي ما يدَّعيه المُشركون منْ شفاعةِ آلِهَتِهم لهم عندَ الله عزوجل، فإِنَّ هذه الشفاعةَ لا تَنفَعُهم كما قال الله تعالى: ﴿فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ ﴾ (المدثر: 48) وذلك لأنَّ الله تعالى لا يرضى لهؤلاءِ المُشركِينَ شِرْكَهم، ولا يُمكِنُ أَنْ يَأْذَنَ بالشَّفاعَةِ لهم.

نشاط

1- ظَهَرَتْ كتاباتٌ مُعاصِرَةٌ تُنْكِرُ شفاعَةَ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم، مَثِّلْ لهذِهِ الكتاباتِ، واكتُبْ أهمَّ العناصِرِ التي يُمْكِنُ الرَّدُّ بها عليْهِمْ، مُستَعينًا بمَصادِرَ خارِجيَّةٍ.

2- أحادِيثُ الشَّفاعَةِ مُتواتِرَةٌ، اكتُبْ مُختصَرًا في دَلالَةِ التَّواتُرِ، مُستعينًا بمصادِرَ خارجيَّةٍ.

3- إنكارُ المُبتدِعَةِ للشَّفاعَةِ دفَعَ أهْلَ السُّنَّةِ في القديمِ والحَدِيثِ لإفْرادِ مُؤلَّفاتٍ في الشَّفاعَة، اكتُبْ بطاقاتٍ تعرِيفيَّةً بأهمِّ هذهِ المؤلَّفاتِ.

4- ما الأسْبابُ الَّتي يُمكِنُ للمُسْلِمِ منْ خلالِها تحْصِيلُ الشَّفاعَةِ الأُخرَويَّةِ؟

5- للشَّفاعةِ في الآخِرَةِ شُروطٌ، اذْكُرْها مُبيِّنًا ما يتعَلَّقُ منْها بالشَّافِعِ والمشْفُوعِ لَهُ.

والله ولي التوفيق

المصادر

البدع، لمحمد بن وضاح القرطبي.

العواصم من القواصم، لأبي بكر بن العربي المالكي.

تلبيس إبليس، لابن الجوزي.

التذكرة في أحوال الموتى وأمور الآخرة، للإمام للقرطبي.

اقتضاء الصراط المستقيم لمخالفة أصحاب الجحيم، لشيخ الإسلام ابن تيمية.

الفرقان بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان، لشيخ الإسلام ابن تيمية.

مجموع الفتاوى، لشيخ الإسلام ابن تيمية.

منهاج السنة النبوية في نقض كلام الشيعة القدرية، لشيخ الإسلام ابن تيمية.

النهاية في الفتن والملاحم، للحافظ ابن كثير.

الاعتصام، للإمام الشاطبي.

الإبداع في مضار الابتداع، للشيخ على محفوظ.

شرح العقيدة الواسطية، للشيخ محمد بن صالح العثيمين.

شرح كتاب التوحيد، للشيخ محمد بن صالح العثيمين.

شرح العقيدة الطحاوية، للشيخ عبد الرحمن بن ناصر البراك.

القيامة الصغرى، للشيخ عمر سليمان الأشقر.

فهرس المحاضرات

الأسبوع الأول

خطر البدعة

الأسبوع الأول

الفرق بين العادات والعبادات

الأسبوع الثاني

أمثلة على البدع

الأسبوع الثاني

أقسام البدعة

الأسبوع الثالث

التكفير وضوابطه

الأسبوع الثالث

ضوابط التكفير

الأسبوع الرابع

موانع التكفير

الأسبوع الرابع

الخوارج والتكفير

الأسبوع الخامس

أشراط الساعة

الأسبوع الخامس

انتشار الربا

الأسبوع السادس

الثالث: الأشراط التي لم تقع

الأسبوع السادس

القسم الثاني: أشراط الساعة الكبرى

الأسبوع السابع

خروج يأجوج ومأجوج

الأسبوع السابع

ثمرات الإيمان بأشراط الساعة

الأسبوع الثامن

الصحابة وآل البيت رضي الله عنهم

الأسبوع الثامن

موقف المسلم مما شجر بين الصحابة رضي الله عنهم

الأسبوع التاسع

حرمة سب الصحابة رضي الله عنهم

الأسبوع التاسع

الأولياء وكراماتهم

الأسبوع العاشر

محبة أولياء الله تعالى

الأسبوع العاشر

شروط الكرامة

الأسبوع الحادي عشر

التحذير من الغلو في الأولياء والصالحين

الأسبوع الحادي عشر

الغاية الشرعية من زيارة القبور

الأسبوع الثاني عشر

الشفاعة

الأسبوع الثاني عشر